الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تسديد الأصول - الشيخ محمد المؤمن القمي ج 2

تسديد الأصول

الشيخ محمد المؤمن القمي ج 2


[ 1 ]

تسديد الاصول تأليف سماحة الاستاذ المحقق آية الله الحاج الشيخ محمد المؤمن القمي الجزء الثاني مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1419 ه‍.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم المقصد السادس في بيان الامارات المعتبرة شرعا أو عقلا مقدمة: قال الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد: فاعلم أن المكلف إذا التفت الى حكم شرعي: فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن، فإن حصل له الشك فالمرجع فيه هو القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمى بالاصول العملية... الى أن قال بعد ذكر مجاري الاصول: فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الاول في القطع، والثاني في الظن، والثالث في الاصول العملية المذكورة التي هي المرجع عند الشك. انتهى. والظاهر أن مراده (قدس سره): بيان السر الطبيعي لتقسيم مباحث كتابه، فإن القطع بنفسه طريق وحجة، ويستتبع أحكاما خاصة، والظن بنفسه ليس حجة وطريقا، إلا أنه قابل لأن يعتبر طريقا، فتارة يعتبر ويكون طريقا كالقطع، واخرى لا يعتبر ويكون بمنزلة الشك، والشك بنفسه ليس طريقا، ولا قابلا لأن يعتبر طريقا، فهذا التقسيم مطابق للاعتبار، وداع إلى جعل مباحث الكتاب ثلاثة أقسام - كما فعله الشيخ (قدس سره) وتبعه غيره حتى صاحب الكفاية - وإن كان ربما يجر البحث الى جعل بعض أقسام الظن بحكم الشك، كما أشرنا.

[ 4 ]

نعم، لو قيل في مقام التقسيم: إن المكلف إما أن يقوم عنده طريق معتبر عقلا أو شرعا، أو لا، فيبحث عن القطع وسائر الأمارات حتى الظن الانسدادي على الكشف في القسم الأول، وعن الاصول العملية والظن الانسدادي على الحكومة في القسم الثاني لكان له وجه، إلا أن ما فعله الشيخ الأعظم (قدس سره) أولى وأنسب، كما لا يخفى، والأمر سهل. ثم إنه لما كان الغرض الأصلي هنا مجرد ذكر تقسيم يكون فهرسا طبيعيا لمباحث الكتاب - كما عرفت - فلا عناية بخصوصية القيود المأخوذة وعمومها فليس هاهنا محل البحث عن أن أخذ قيد الالتفات هل يصح أم لا ؟ وأن عموم المكلف للمجتهد وغيره صحيح أم لا ؟ الى غير ذلك بل محل البحث الأول بحث الأمارات والاصول، ومحل الثاني مباحث الاجتهاد والتقليد. نعم، ظاهر كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) أنه بصدد بيان مجاري الاصول العملية، وحينئذ فتوضيحا وتحقيقا للمقام وتمهيدا لبيان ما هو الصحيح في مجاري الاصول الأربعة ينبغي بيان امور: الأول: أن مجرى الاستصحاب لا يختص بالأحكام الإلزامية، بل يجري في الوضعيات والموضوعات الخارجية والأحكام التكليفية غير الإلزامية، بخلاف أصلي البراءة، والاحتياط، بل والتخيير أيضا، فإنها مختصة بالأحكام الإلزامية، فإنها التي يقبح العقاب عليها، وترفع عن المكلف فيما لم يعلم بها، ويلزم على المكلف الاحتياط فيها، أو التخيير بينها. وعليه فتخصيص مجرى الاستصحاب بالتكاليف الإلزامية - كما هو ظاهر كلام الشيخ - لا وجه له. الثاني: أن التكليف المجهول بعينه كما يتنجز بالعلم الإجمالي بأصل الإلزام كذلك يتنجز بالدليل الخاص على الاحتياط، كما في مورد الدماء والفروج بل الأموال، فجعل مجرى البراءة مطلق ما إذا لم يعلم بالتكليف مما لا وجه له. الثالث: انه إذا لم يعلم بأصل التكليف والإلزام ولم يقم دليل خاص على الاحتياط فهو مجرى قاعدة البراءة الشرعية والنقلية، وإن لم يمكن فيه الاحتياط

[ 5 ]

التام، كما إذا احتمل الوجوب والحرمة وغيرها من الأحكام، فجعل مطلق موارد عدم إمكان الاحتياط مجرى التخيير - كما في بعض نسخ أول الفرائد، وفي أول مبحث البراءة منه - مما لا وجه له. الرابع: أنه ينبغي التنبه لنكتة، هي: أن القول بأصالة التخيير مبني على أن مجرد العلم الإجمالي بوجود التكليف الإلزامي مانع عن إجراء الاصول النافية في أطراف العلم، وإلا فلو كان المانع منحصرا في استلزامه لتجويز المخالفة العقلية للتكليف المنجز. لما كان لهذا الأصل مجرى أصلا وببالي أن الشيخ الأعظم (قدس سره) صرح بذلك في مبحث أصالة التخيير. إذا عرفت هذه الامور تعرف أن الأولى في ضبط مجاري الاصول الأربعة أن يقال: إن من لم يقم عنده طريق معتبر على خصوص حكم المورد: فإما أن يلاحظ في الحكم الشرعي الحالة السابقة أم لا، فالأول مجرى الاستصحاب، والثاني: إما ان يكون المشكوك فيه الحكم الإلزامي، أو غيره، فالثاني ليس مجرى الاصول الثلاثة الباقية، والأول: إما أن يقوم دليل معتبر على أصل التكليف الإلزامي سواء أكان قطعا أم أمارة أم استصحابا - مثلا - أو دليل خاص على الاحتياط أم لا، فالثاني مجرى البراءة، والأول إن أمكن فيه الاحتياط فهو مجرى أصالة الاشتغال، وإلا فمجرى أصالة التخيير. وهذا البيان - كما عرفت - مبني على القول بأصالة التخيير، وإلا كان التقسيم غير ذلك، كما لا يخفى. ومما ذكرنا تعرف أن حصر مجاري الاصول الأربعة في ما ذكروه غير صحيح، فضلا عن أن تكون عقليا، لما عرفت من أن الاستصحاب يجري في الموضوعات والأحكام الغير الإلزامية، وسائر الاصول لا يجري فيها. نعم، لو جعلنا موضوع البحث خصوص التكاليف الإلزامية لكان لما ذكروه وجه، إلا أنه لا وجه صحيح للتخصيص. * * *

[ 6 ]

مباحث القطع وكيف كان فلابد أولا من ذكر ما يتعلق بالقطع من الأحكام، وبيان أحكامه وأقسامه - كما في الكفاية - يستدعي رسم امور: الأمر الأول في حجية القطع لا شك في أنه إذا حصل القطع فالقاطع يرى الواقع منكشفا لديه، فلا يحتمل الخلاف أصلا، والقطع منتهى ما أمكن من انكشاف الأشياء للإنسان، إلا أنه مع ذلك كله قد لا يصيب الواقع فيكون جهلا مركبا، فهذه الكاشفية المذكورة بها قوام القطع ومن ذاتياته، وسلبها عنه سلب لحقيقته، ولذلك لا يتصور فيه جعل تأليفي، وهو واضح. ثم إن للقطع بالحكم أو الموضوع خاصتين: إحداهما: صحة نسبة ذاك الحكم المقطوع به الى المولى الحاكم، فيقول مثلا: إن الله تعالى أوجب صلاة الجمعة، أو: إن رسوله (صلى الله عليه وآله)، شرع وجوبها، مع أنه لا يجوز لغير العالم أن ينسب حكما إليه لا عقلا ولا شرعا. والثانية: أن القطع حجة منجزة للتكليف على العبد، فيعاقب على مخالفته إذا أصاب، ومعذرة له يعتذر به عند المولى مع إطاعته إذا أخطأ. ولا نعقل من وجوب الحركة على وفقه معنى قابلا للتصديق أزيد من تلك المنجزية، وإلا فلا يحكم

[ 7 ]

العقل العملي ولا العقلاء بوجوب موافقة القطع أزيد من هذه المنجزية. نعم، لا تضايق من التعبير بالوجوب الإرشادي، لئلا يقع في عقاب مخالفة التكليف المنجز. وكيف كان فقد تعد هذه المعذرية والمنجزية من لوازم القطع وذاتياته، ولو بذاتي باب البرهان، فيقال بامتناع جعلها له جعلا تأليفيا، كما في الكفاية وغيرها. إلا أن التحقيق خلافه، فإن ذاتي باب البرهان: إما أن يكون نفس ذاتي باب الكليات الخمس، وإما أن يكون من الأعراض اللازمة وما بحكمها. ومن المعلوم أن المنجزية ليست جنسا للقطع ولا فصلا ولا نوعا، كما أنها ليست من الأعراض الخارجية له، كالحرارة والبرودة للماء والبياض للجص، بل إن مجرد وضع القطع لا يكفي لانتزاع هذه الصفة عنه، كما ينتزع الإمكان من الماهيات أو الوجودات الإمكانية. فبالجملة: ليست صفة المنجزية للقطع من أي أقسام الذاتي المتصورة، بل لو ثبتت له فإنما هي من الأحكام التي يحكم بها له العقل العملي الذي وظيفته الحكم في ما يتعلق بتنظيم امور الأشخاص والجوامع، إذ يحكم بها العقلاء بما أنهم عقلاء لهم هذا العقل العملي. والإنصاف أن العقلاء وذاك العقل يحكم بها للقطع، ويرونه حجة بين الموالي والعبيد في باب الإطاعة والعصيان، والشارع الأقدس قد أمضى هذا الحكم العقلي والطريقة العقلائية، بدليل أن الأنبياء (عليهم السلام) إنما بينوا أحكام الله تعالى النازلة عليهم للناس، ولم يشرعوا طريقا خاصا لمقام الإطاعة، فيفهم كل أحد أن الطريق للطاعة والمعصية بعينه هو الطريقة المألوفة في ذلك عند العقلاء أنفسهم. وحينئذ يقع الكلام في أنه هل للشارع أن يتصرف في هذا الحكم العقلي ويمنع عن حجية بعض أقسام القطع، كالقطع الحاصل من القياس، أو من الرمل والاسطرلاب مثلا ؟ قد شاع في كلماتهم القول بامتناع ذلك، واستدل له تارة بأن الطريقية

[ 8 ]

والمنجزية ذاتي للقطع، والذاتي لا يختلف ولا يتخلف، واخرى بأنه يلزم منه اجتماع الضدين أو النقيضين اعتقادا مطلقا وحقيقة في صورة الإصابة. أقول: والوجهان كما ترى: أما الأول فلما عرفت من أن المنجزية للقطع حكم عقلي عقلائي له، وليست من ذاتياته ولوازمه. وأما الثاني: فلأن لزوم التضاد أو التناقض مبني على استلزام المنع عن التنجيز لجعل حكم آخر مضاد أو مناقض للمقطوع، وهو ممنوع، فإن المنع عن المنجزية إنما هو تصرف في مرحلة لزوم إطاعة الحكم لا غير، فلا ينافي أن لا يكون في البين إلا حكم واحد هو الحكم الواقعي، فكما أن العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان والشرع يحكم برفع ما لا يعلمون، وبعد قيام الدليل على اشتراك الحكم بين الجاهل والعالم، يكون هذا الحكم العقلي والشرعي راجعا الى عدم تنجز الحكم الواقعي بالجهل. وكما أن العقل يجوز الترخيص للعاجز عن الامتثال في ترك الامتثال، مع بقاء شمول التكليف له، فهكذا لا مانع من أن يجعل المولى - العالم بالمصالح - الاستناد في تحصيل القطع الى القياس موجبا لعدم تنجز التكليف ولو مع إصابة القطع للواقع. وبالجملة: فالحكم الواقعي هنا واحد فعلي، وهو ما شرعه الله تعالى في الواقع، أصاب القطع إليه أم أخطأ، والمانع الذي يجعل مانعا يمنع عن تنجزه كما منع الجهل عنه في مورده. نعم ما لم يدل دليل على هذا المنع كان المتبع هو ذلك الحكم العقلائي كما عرفت... ومنه تعرف أن القول بالعلية التامة للقطع بالنسبة إلى تنجز الحكم المقطوع به، وأن الترخيص في خلافه ترخيص في المعصية ليس على ما ينبغي، بل هو مقتض للتنجز، والترخيص ترخيص في مخالفته، كما في موارد الجهل فلا يصل مرتبة التنجز، لكي تكون مخالفته معصيته، ويكون ترخيصا في المعصية، كما لا يخفى. والحاصل: أن الحكم بعد هذا المنع يتوقف في مرحلة الفعلية كما في موارد الجهل والظنون الغير المعتبرة، ولا يترتب على مخالفته العقاب، كما في سائر

[ 9 ]

موارد الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، إلا أنه ربما كان في تلك الموارد حكم شرعي تكليفي ظاهري مخالف للحكم الواقعي، كما في أصالة الحل والطهارة عند الشك، لكنه ليس في محل الكلام سوى المنع عن التنجيز، وترتب العقاب على مخالفته، كما في قبح العقاب بلا بيان. ومنه تعرف أن قياس ما نحن فيه بالمنع عن العمل بالظن الحاصل من القياس صحيح واقع في محله. وما قيل: من أن الحكم حيث كان قد وصل بالقطع كان حكما حقيقيا، فإنه البعث بداعي جعل الداعي، ولا يمكن كونه داعيا إلا بالوصول، وأما الظن فلم يصل فيه الحكم فلا يكون حكما حقيقيا فافترقا فيرد عليه: أن توقف الحكم الحقيقي على الوصول ممنوع، بل لا يتصور للحكم عند العقلاء إلا مرتبتان: مرتبة الإنشاء، ومرتبة الفعلية، فإذا جعل الأحكام ولم يجعل بمورد الإجراء والعمل، كما إذا جعلت أحكام لأن يعمل بها بعد سنة - مثلا - فهذه أحكام إنشائية، وإذا جعل الحكم بمرحلة الإجراء كان الحكم حينئذ فعليا، سواء أعلم به المكلف أم لا، فحقيقة الحكم وإن كانت هو البعث بداعي جعل الداعي إلا أن فعلية داعويته موقوفة على العلم به، أو قيام حجة اخرى عليه بشرط أن يكون العبد في مقام الامتثال، وقوامه ليس بفعلية الداعوية، بل مجرد إمكانها كاف، نعم، إن اللازم أن يوضع بيد الإجراء والعمل، ولا يعتبر فيه وفي فعليته أزيد من ذلك، والله العالم والعاصم. الأمر الثاني في التجري والانقياد توضيح الحق في المقام بالتكلم في امور: الأول: في أن المطيع والعاصي هل يستحقان الثواب والعقاب ؟. فنقول: لا ينبغي الريب في أن الأفعال والمواد المتعلقة للأوامر والنواهي

[ 10 ]

تكون في الغالب مشتملة على مصالح ومفاسد هي الداعية على الأمر بها أو النهي عنها، فهي تترتب عليها وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي، بل ربما كانت تتشكل بأشكال وصور برزخية مناسبة لها، متفرقة عن النفس، أو حالة وملكة لها، يتنعم العبد بها أو يعذب، وفي الأخبار بل الآيات ما يدل على كلا الأمرين، إلا أنه ليس شئ منهما مرادا في هذا المقام. بل المقصود هنا: أن المولى إذا أمر العبد بشئ أو نهاه عنه مولويا فأطاع العبد أمره أو نهيه أو عصاه ولم يعتن به فهل هو يستحق جزاء حسنا وثوابا بإطاعته، أو يستحق عليه المولى أن يعاقبه بمعصيته ؟ والإطاعة أو العصيان يتصور على نحوين: فتارة يراد بهما مجرد الإتيان بالمأمور به وترك المنهي عنه، أو ترك المأمور به وإتيان المنهي عنه، واخرى يراد منهما قصد العبد إلى عنوان الإطاعة أو المعصية، المتحقق في المعنى الأول بأن ترك شرب الخمر، لأنه إطاعة نهى المولى، أو أتى به - نعوذ بالله - لأنه معصية الله تعالى. وكيف كان فقد نفى الريب في الكفاية عن استحقاق العقوبة على المخالفة، والمثوبة على الاطاعة. والحق أن يقال: إن الله موالى الموالي الذي قد أعطى عبيده كمال الوجود وكمالات الوجود، وكان أصل وجود العبد وما يتنعم به وكمالات وجوده منه تبارك وتعالى، وهو ملك له تعالى بحقيقة معنى الملك والسلطنة، فالعقل يحكم قطعا بان لهذا المولى حق أن يأمر العبد أو ينهاه مولويا، وأنه إذا عصى العبد هذا المولى فالمولى يستحق عليه أن يعاقبه، وكان استحقاقه للعذاب في ما إذا قصد الى عنوان المعصية أشد وأقوى مما إذا عصاه بمجرد اللامبالاة بأمره ونهيه، وغلبته شقوته، فهو قد استحق في مورد العمد الى عنوان المعصية استحقاقين، لأنه هتك حرمة المولى هتكين هتكا بعدم المبالاة بطلبه، وهتكا آخر قد صار في مقام الطغيان عليه نعوذ بالله، وهذا مما لا ينبغي الريب فيه.

[ 11 ]

وأما إذا أطاع العبد هذا المولى: فإن كان بمجرد إتيان المأمور به وترك المنهي عنه: فقد أدى الى مولاه حقه الذي كان له من الطاعة، ولا يرى العقل له حقا على مولاه المالك المعطي لوجوده وجميع ما يتعلق به ويتنعم منه، بل وكذلك إذا قصد عنوان الإطاعة فهو وإن فعل فعلا حسنا إلا أنه بعد ما كان هو نفسه وجميع نعمه وكمالاته وتوفيقاته من مولاه فلا يرى العقل له حقا ثابتا على هذا المولى. نعم، لا ريب في أنه قد فعل فعلا حسنا في كلتا الصورتين، بل كأنه فعل حسنتين في الصورة الثانية، وحينئذ فقد افترق هذا العبد عمن لا يبالي بأوامر هذا المولى العظيم افتراقا بينا، فلو أعطاه المولى الكريم - الذي يحب لعبيده الكمال في نفوسهم الشخصية، وجوامعهم - جزاء حسنا كان هذه المجازاة واقعة في محلها، وكان العبد المطيع حريا بها ولائقا لها. بل إذا جاز الله عبيده الفاعلين لنفس الأعمال الصالحة المفيدة، أو التاركين لنفس الأعمال القبيحة الضارة بجزاء حسن لكانت هذه المجازاة حرية لائقة واقعة في محلها، وكانت مما ينبغي ويتوقع من مولى الموالي الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى، ولا يرضى لعباده الكفر رحمة منه تعالى بهم. ومن ذلك ما ورد في الأخبار من مجازاة الكفار على الأعمال الحسنة بالذات كالسخاء، وعليه فالعبد المطيع وإن لم يستحق على الله شيئا إلا أنه لائق وحري للإحسان من وجهين: بما أنه مطيع لأمر الله تعالى، وبما أنه فاعل للفعل الحسن والمادة المفيدة. وأما العبد العاصي فقد استحق الله عليه العقوبة حسب مرتبة عصيانه، ولو حرمه الله تعالى بعض ما يعطيه غيره من المراحم والعنايات كان لائقا بذلك واقعا في محله. ولتفصيل الكلام محل آخر، والله الهادي الى الصواب. الأمر الثاني: في أن الاستحقاق المذكور هل هو على العمل أو على العزم ؟ والحق أن العمل الخارجي بما أنه معنون بعنوان إطاعة أمر المولى متصف بالحسن، وبما أنه إبراز لمخالفة المولى ولا مبالاة بأمره ونهيه ومعنون بمعصيته

[ 12 ]

المولى متصف بالقبح، والعقل والعقلاء يرون أن للمولى حق أن يعاقب عبده على عمله هذا السئ بما أنها معصيته. ومن الواضح أن عنوان المعصية والطاعة متأخر عن التكليف ومترتب عليه، فالأمر أو النهي متعلق بذات العمل، وعنوان الإطاعة والعصيان يعرض على العمل بما أنه مخالفة للأمر أو النهي أو موافقته، والعقاب يستحق على المعصية، فموضوع التكليف ومركبه ذات العمل ومفاد المادة، ومنشأ العقاب هو مخالفة التكليف ومفاد الهيأة. وعلى أي حال فالعمل الخارجي مصداق المعصية، وهو الذي يستحق عليه العقاب، وهكذا في جانب الإطاعة مصداقها العمل الخارجي، وهو الموجب للياقة الثواب وابتغائه. كما أن الانبغاء الذي قلنا به في الاتيان بالأفعال الصالحة المفيدة أو غير الصالحة المضرة موضوعه العمل الخارجي، فالمكلف بما أنه فعل وأتى بفعل ذي مصلحة فلو أحسن إليه كان الإحسان واقعا في محله، وبما أنه أتى بفعل ذي مفسدة كان حرمانه من بعض الألطاف والمراحم واقعا في محله. نعم، لو جازى الله تعالى على عزم الطاعة، أو حرم المكلف لأجل مجرد العزم على المعصية بعض المواهب، لكانت المجازاة أو الحرمان أيضا واقعا في محله، إلا أنه لا ريب في أن استحقاق العقاب إنما يكون بحكم العقل العملي والعقلاء على العصيان والمخالفة العملية، لا على العزم بالمعصية، سواء أتجرد عن العمل أم قارنه. هذا كله بالنسبة إلى الإطاعة والمعصية الحقيقيتين. الأمر الثالث: هل التجري موجب لاستحقاق العقاب ؟ والحق: أن الوجدان السليم يقضي بأنه يوجب استحقاق العقاب كما في الكفاية، إلا أن موضوعه ومنشأ العقاب هنا أيضا هو العمل الخارجي، حذو ما مر في العصيان الحقيقي. بيانه: أن القاطع بالقطع الطريقي إذا قطع - مثلا - بأن شرب التتن حرام، أو بأن

[ 13 ]

صلاة العيد واجبة، أو بأن هذا المايع خمر محرمة فهو يرى أن المولى كأنه قد حضر عنده يطلب منه ترك ما قطع بحرمته وفعل ما قطع بوجوبه، فالمكلف القاطع الواقع في هذا المجال إذا فعل الأول وترك الثاني كان فعله وتركه هتكا لحرمة المولى وإساءة إليه عملا، كما كان ذلك في المعصية الحقيقية، وانكشاف الخلاف والخطأ في قطعه لا يؤثر في ارتفاع عنوان الهتك والإساءة وأمثالهما عن العمل الخارجي. وبعبارة اخرى: أن حقيقة المعصية ليست تأثيرا للتكليف المجعول المولوي في العمل الخارجي تأثيرا تكوينيا طبيعيا، كيف والتكليف أمر اعتباري مجعول لا يترقب منه أثر خارجي ؟ ! بل إن هذا الأمر المجعول حيث إنه قد جعله المولى إعمالا لمولويته فيجب على المكلف بحكم العقل إذا قام عنده الحجة عليه بالعلم به - مثلا - أن يمتثله، بمعنى: أنه لو لم يعتن به فبما أنه مظهر لمولوية المولى فقد أهان المولى واستحق عقابه، فالإهانة أيضا أمر عقلائي ينتزع من عمله الخارجي، لتعلقه بما هو مرتبط بالمولى، فهذه الإهانة واللامبالاة بطلب المولى المعلوم لديه هي المعصية الحقيقية. وعليه، فإذا حصل عند المكلف من مقدمات القطع بالتكليف جميعها ومع ذلك لم يعتن بالتكليف المعلوم عنده فبمجرد عدم الاعتناء يكون عمله إهانة وإساءة بالمولى يستحق بها العقاب وإن تبين خطؤه في قطعه، لما عرفت من أن المعصية ليست تأثيرا وتأثرا خارجيين من ناحية طلب المولى، بل هي منتزعة من العمل إذا لم يبال بحضور المولى وطلبه، وقوام هذا الانتزاع بقطعه بطلب المولى، يعني: أن القطع حيثية تعليلية تامة لانتزاعها عن العمل بما أنه مخالفة لذات، ما يقطع بأنه طلب المولى، فنحن أيضا لو جلسنا مجلس القاطع وكنا موضعه وفعلنا فعله لما كان فعلنا إلا لا مبالاة بحرمة المولى وهتكا لها، وكان قطعنا موجبا لصدق عنوان الهتك والتجري على عملنا، فالعمل الذي بنفسه معصية المولى عند القاطع ويفعله بالمبادئ الإرادية الموجودة في نفسه يكون عملا إراديا وهتكا للمولى،

[ 14 ]

غاية الأمر أنه يعبر عن هذا الهتك بالعصيان إذا أصاب قطعه الواقع، وبالتجري إذا أخطأ. وبما أن ميزان الصدق هو انتساب ذات المقطوع به الى المولى وأنه قطع بطلب المولى فلا يضر بصدق الهتك انكشاف خطئه في قطعه. ومنه تبين أن عنوان التجري - كعنوان المعصية - عنوان متأخر عن مرتبة ذات العمل الموضوع للمصلحة والمفسدة، وللأمر والنهي، وكالمتفرع على طلب المولى وتكاليفه، فمرتبته مرتبة العصيان والامتثال، ومن قبيل المتفرعات على مفاد الهيئات لا المواد. فلا نتوقع من ترتب استحقاق العقاب على التجري أن يكون ذات العمل بعنوانه الذاتي قبيحا حتى يقال - كما في الكفاية وغيرها - بعدم حدوث ما يغير حسنه، بداهة بقاء قتل الابن على ما كان عليه من المفسدة وإن قطع بوجوبه خطأ، بل نقول: إن القبيح هو العمل الخارجي بما أنه هتك لحرمة المولى، كما كان كذلك في استقباح العصيان الحقيقي، فقبح العصيان من لوازم مفاد الهيئات، وعن آثار التكليف، لا من لوازم المادة ومن آثار الملاك، وهكذا الأمر في التجري. وليس القصد الى مقطوع الحرمة أو الوجوب بما أنه مقطوع ملاك صدق التجري، بل القطع كما عرفت حيثية تعليلية، وعلة لكون الفعل أو الترك الخارجي مصداق العصيان أو التجري، وعليه فلا يضر كون عنوان المقطوع غير ملتفت إليه ولا مقصودا. كما أن تمام الملاك لكون الفعل لا مبالاة هتكا بالمولى عدم القيام مقام الإطاعة لما يراه واجبا أو حراما، وهو لا يتوقف على أزيد من الإتيان بفعل يقطع بكونه معصية للمولى، ولا يحتاج الى قصد هتك جناب المولى بعنوانه، بل إذا دعاه شقوته الى العمل لكان عمله هتكا لحرمة المولى، ومصداقا للمعصية مع الإصابة، وللتجري مع الخطأ، فلا يرد عليه ما في الدرر (1).


(1) درر الفوائد: ج 2 ص 336. (*)

[ 15 ]

وأما ما في رسائل الشيخ الأعظم (قدس سره): من أن حكم العقل وبناء العقلاء إنما هو لكشف التجري عن سوء سريرة الفاعل فاستحقاق الذم على المنكشف لا الكاشف فهو ممنوع، لما عرفت من أن ملاك الاستحقاق الموجود في المعصية موجود في التجري، فكما أن مصداق العصيان وموجب الاستحقاق هو الفعل الخارجي فكذلك في التجري. ومن التأمل في ما ذكرنا تقدر على دفع جميع الشبهات المذكورة في كلمات القوم أو المتوهمة، فلا نطيل الكلام بالتعرض لهما ولبيان اندفاعها، والله العاصم وهو الهادي الى الصواب. الأمر الرابع: في أن استحقاق العقاب على التجري لا يستلزم حرمته. وقد ظهر الوجه فيه مما ذكرنا، وحاصله: أن استحقاق العقاب عليه كاستحقاقه على المعصية الحقيقية من فروع وتبعات التكليف ومتأخر عنه، فكما أن استحقاقه على المعصية إنما هو مجرد مجازاة على التكليف المولوي من دون أن يوجب حرمة مولوية للمعصية عند العقل العملي والعقلاء فهكذا الأمر في التجري حرفا بحرف. وما يقال: من أنه لا ريب في حكم العقل بقبح التجري، ولا في أن كل ما يحكم العقل بقبحه فهو حرام شرعا، فلازمه، حرمة التجري. فيه: أنا لا نسلم كلية الكبرى، بل القبح أو الحسن: تارة يكون منشؤه ذات العمل الذي يكون مادة التكاليف، مع قطع النظر عن تعلق طلب المولى به، كقبح الظلم وحسن العدل، واخرى يكون منشؤه تعلق تكليف المولى به ومفاد الهيأة، وما يمكن أن يقال باستلزامه لأمر المولى ونهيه هو القسم الأول لا الثاني، وسند التفصيل مراجعة وجدان العقلاء والعقل العملي. وأما ما قيل (1): من أن مجرد الحسن أو القبح لا يوجب حكما مولويا، وإنما


(1) كما عن المحقق الخراساني في التعليقة، وتبعه غيره. (*)

[ 16 ]

يوجبه إذا لم يكن بنفسه موجبا للثواب أو العقاب، وأما إذا أوجبه بنفسه كما هنا فلا يبقى مجال لإعمال المولوية ففيه: أن هذا الحسن أو القبح الموجب للمجازاة أيضا إذا كان ناشئا عن ذات العمل ومادة الأفعال كالخضوع له تعالى وسبه - والعياذ بالله - فلا نسلم أن لا يبقى معها مجال لإعمال المولوية، فإن إعمالها يوجب ثوابا أو عقابا أزيد، ناشئا عن الامتثال أو المعصية المتفرع على مفاد الهيأة، وربما يوجب هذا العقاب الزائد حركة العبد. فقد تحصل من جميع ما مر: أن التكليف الذي هو مفاد الهيأة يلزمه استحقاق المولى على عبده أن يعاقبه إذا أحرز هذا التكليف، سواء أكان إحرازه موافقا للواقع أم لا، ولم يوافقه، وأن مسألة استحقاق العقاب من فروع التكاليف وتبعاتها، ولا يلزمه حكم مولوي آخر، بل هو من تبعات كل حكم إلزامي مولوي كما بيناه. وينبغي التنبيه على امور: الأول: الظاهر أن كل تكليف إلزامي إنما يوجب المؤاخذة واستحقاق العقاب إذا خالفه المكلف وعصاه بترك الواجب وفعل الحرام، وأما المراحل السابقة من الاشتياق والعزم والإرادة لهذه المخالفة فليست موجبة لاستحقاقه، سواء تعقبها العصيان أو تجردت عنه، والسند هو حكم العقل والعقلاء الذين هم المرجع في هذا الباب وإذا كانت المعصية الحقيقية كذلك يعلم منه حكم التجري الذي لا يزيد على المعصية في إيجاب الاستحقاق قطعا. وهذا ليس بمعنى عدم إمكان توجيه التكليف نحو العزم والقصد، كما لا يخفى، بل إنما معناه: أن التكليف إذا توجه نحو عمل فلا يترتب العقاب إلا على المخالفة العملية له لا على العزم أو الإرادة المجردة أو المقارنة. الثاني: أن التجري علة تامة للاستحقاق المذكور، وحيث إنه من فروع التكليف الذي هو مفاد الهيأة ولا ربط له بالمادة وملاكها فملاك المادة لا يزاحمه لكي يحدث موضوع رعاية الأهم، بل لو فرضت له مزاحمة فإنما هي بأن يتحد مع

[ 17 ]

طاعة تكليف آخر، ربما كان ما يلزمها من الانقياد والامتثال أقوى مما يترتب على هذا التجري، فما عن الفصول هنا من التفصيل مما لا وجه له. الثالث: قد ظهر مما مر حكم الانقياد، وأنه يوجب ابتغاء الثواب ولياقته على نفس العمل الخارجي بلا لزوم محذور أصلا. نعم، إن مرحلة ومرتبة من هذه اللياقة والابتغاء متحققة في القصد والعزم على الإطاعة أو الانقياد وإن أنفك عن العمل، فإن إعطاء الثواب والجزاء الحسن للقاصد والعازم أيضا مما يدعو الى تكامل العباد، فيستحسن من الله خالقهم الذي لا يرضى لعباده إلا الحسن. بل لا يبعد أن يقال: بأنه لو حرم القاصد للمعصية أو التجري بعض الإحسانات والمراحم الابتدائية لكان واقعا في محله أيضا، فالعازم وإن لم يستحق العقاب إلا أنه يستحق - بمعنى الابتغاء - حرمان بعض المراحم والإحسانات الابتدائية. الرابع: قد ظهر مما ذكرناه: أن ما ذكرناه في التجري لا يختص بما إذا حصل للمكلف قطع بالتكليف غير مطابق للواقع، بل يجري في كل أمارة غير واثقة ولا مطابقة للواقع، بل وفي كل حجة غير مطابقة للواقع، ووجهه ظاهر. نعم، إذا كان مجرد قيام الأمارة أو الحجة الاخرى تمام موضوع لحكم إلزامي واقعي فهو يخرج عن موضوع التجري، ويكون من مصاديق العصيان الحقيقي، فلا تغفل. الأمر الثالث أقسام القطع وأحكامها القطع: إما طريقي محض، وهو ما كان الأثر مترتبا على متعلقه. وإما موضوعي يكون دخيلا في موضوع الحكم والأثر. والموضوعي: إما تمام الموضوع، وإما جزءه أو قيده. وكل منهما: إما يؤخذ في الموضوع بما أنه أحد الطرق المعتبرة، وإما يؤخذ فيه بما أنه كاشف تام بنفسه عن متعلقه، وإما يؤخذ بما أنه صفة نفسانية للقاطع قبال السخاء والشجاعة

[ 18 ]

مثلا. فأقسامها ستة تضاف على الطريقي المحض فتكون سبعة. والمراد من القطع الموضوعي هنا: ما اخذ في موضوع حكم آخر متعلق بموضوع آخر، كما لو وجب التصدق على من قطع بوجوب غسل الجمعة أو بخمرية هذا الشئ. أو في موضوع حكم مخالف للحكم المتعلق بما تعلق به القطع، كما لو كان حكم النجاسة مترتبا على ما قطع بحرمته أو بخمريته. وأما أخذه في موضوع نفس الحكم المقطوع به، أو في موضوع حكم مماثل، أو مضاد فسيأتي البحث عنه - إن شاء الله تعالى - في الفصل التالي. وكيف كان فلا ينبغي الريب في إمكان الأقسام المذكورة. وقد يستشكل إمكان القطع الموضوعي الذي اخذ تمام الموضوع على وجه الطريقية، من جهة أن مقتضى كونه طريقيا أن يكون للواقع ذي الطريق دخل في تحقق الموضوع، كما هو الشأن في كل طريق، مع أن مقتضى كونه تمام الموضوع عدم ذلك الدخل، وهما متنافيان. إلا أن فيه: أن المراد بالطريقية هنا أن العناية فيه هو انكشاف المتعلق به بالحد الممكن في القطع، سواء أكان في الواقع انكشافا أم لا، كما مر بيانه في باب التجري، حيث قلنا: إن منشأ استحقاق العقاب أن ما هو حكم المولى منكشف للقاطع، بحيث لو كان كل أحد مكان المتجري ليرى حكم المولى وتكليفه الإلزامي، وهذا هو المراد من تعبيرنا ب‍ " الحد الممكن في القطع "، قبال ما إذا كان العناية الى حصول هذه الصفة في نفس القاطع، وإن كان لا محالة لا تنفك عن إنكشاف المتعلق، إلا أنه ربما يكون تمام العناية بانكشاف المتعلق بالحد الممكن للقاطع فيؤخذ القطع طريقيا، وربما يكون بحصول هذه الصفة في نفسه فيؤخذ على وجه الصفتية. ثم إن الظاهر أن مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) من اعتباره في الموضوع على وجه الطريقية، هو ما اخذ فيه بما أنه أحد الطرق المعتبرة، ومن اعتباره فيه من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص هو أن يؤخذ فيه بما أنه طريق حال كاشف

[ 19 ]

بنفسه عن متعلقه، وفي الحقيقة كلاهما من أقسام القطع الطريقي المأخوذ في موضوع الأحكام، إلا أن أحدهما بما أنه مصداق للطريق المعتبر، والثاني بما أنه طريق خاص كاشف بنفسه عن متعلقه، والشاهد عليه أنه جعل من الثاني اعتبار القطع بالمشهود به في جواز الشهادة به على قول، وعدم جواز أدائها استنادا الى البينة واليد، مع أن من الواضح أنه لو اعتبر القطع بالمشهود به فإنما هو لأن يتضح المشهود به لدى الشاهد كما يرى كفه، لا لمجرد حصول صفة القطع له، كما لا يخفى. وعليه فالحق في تفسير كلام الشيخ (قدس سره) مع الدرر (1)، لا مع نهاية الدراية (2)، فراجع. إذا عرفت أقسام القطع فيقع الكلام في أنه هل تقوم الطرق المعتبرة والاصول العملية مقام القطع بنفس أدلة اعتبارها أم لا ؟ فالكلام يقع في مقامين: الأول: في قيام الطرق المعتبرة مقامها، فنقول: لابد من ذكر مقدمة لاتضاح ما هو التحقيق عندنا، وهي: أنه لا ينبغي الريب في أن أساس حجية الأمارات الغير العلمية عند العقلاء ليس إلا أنهم يرون قيام تلك الطرق إحرازا ووصولا لما قامت عليه، ولذلك لما احرز وكان متحققا، فلا محالة تترتب عليه آثاره وأحكامه، وأما أن هذا الوصول والإحراز منزل منزلة القطع بحيث يكون هذا الظن وجودا تنزليا وادعائيا للقطع، أو أن ما احرز وقام الطريق عليه فهو نازل منزلة الواقع، بحيث يكون ما قام الطريق عليه وجودا ادعائيا للواقع، أو أن ما قام الطريق عليه فهو محكوم فعلا بحكم الواقع، بحيث يكون حكم فعلي مترتبا عليه، سواء وافق الواقع أو خالفه فلا، بل ليس من التنزيل في نفس الأمارات، ولا في مؤداها، ولا من ثبوت حكم مماثل على مؤداها عين ولا أثر عند العرف والعقلاء، بل القطع عند العقلاء فرد ومصداق جلي من الإحراز والوصول، والامارة أيضا مصداق آخر منه في عرضه، لا أن أحد الإحرازين أو مؤدى أحدهما نازل منزلة الآخر وفي


(1) الدرر: ج 2 ص 330 - 332 طبع جماعة المدرسين. (2) نهاية الدراية: ج 3 ص 47 - 50. (*)

[ 20 ]

طوله بحيث يكون لأحدهما الأصالة وللآخر التنزيل والتبعية. وكما أن القطع في ما أخطأ لا يوجب إنشاء حكم شرعي مماثل لما يتخيله القاطع فهكذا الأمر في الطريق المخطئ حرفا بحرف. وهذه الدعوى من الوضوح بمكان لا تحتاج إلى البيان، ويكفي في التصديق والإذعان البين بها مراجعة الوجدان في ما أخبر الثقة المعتبر - مثلا - بأن هذه دار زيد فإنه لا ريب في أنه بخبره يحرز دار زيد ولا محالة يطرق بابها من يريد الدخول فيها، إلا أنه لا ينزل هذه الدار منزلة دار زيد، ولا يحكم عليها عندهم بحكم داره ولا يجعل إحرازها بمنزلة الإحراز القطعي بحيث يعد قطعا تنزيليا ادعائيا، بل هو " احراز كما أن القطع إحراز، ويعامل معه كما يعامل مع نفس القطع كما لا يخفى. هذا كيفية الأمر في الاعتبار العقلائي للأمارات المعتبرة ومن المعلوم أنه ليس للشارع في باب الطرق اصطلاح جديد واختراع حديث، بل الغالب منه إمضاء الطرق العقلائية، ونهاية الأمر أن يزيد عليها مصداقا آخر اعتباره كاعتبارها. وبعد هذه المقدمة نقول: إنه إذا قام طريق معتبر على ما كان القطع فيه طريقا محضا فحيث إن هذا الطريق إحراز للواقع فلا محالة تترتب عليه آثار الواقع، إلا أنه ليس هذا من بركة التنزيل أو محكومية ما قام عليه الطريق بحكم مماثل، بل لما احرز الواقع بالطريق فلا محالة تترتب آثار الواقع من غير حالة منتظرة. فكما أن القطع كان إحرازا للواقع وموجبا لترتب آثاره فهكذا الطرق المعتبرة حرفا بحرف. نعم، حيث إن القطع والطريق المعتبر مشتركان في ما يتعقبهما ويترتب عليهما من الآثار يصح أن يعبر بأنه يعامل مع الطريق المعتبر معاملة القطع في مقام العمل، كما عبر به الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد، إلا أنه كما ترى غير مسألة التنزيل مقامه أو مقام المؤدى أو جعل الحكم المماثل، كما لا يخفى. وحينئذ فسر

[ 21 ]

هذا التعبير ومصححه هو مجرد شدة وضوح المطلب في باب القطع، وإلا فليس من الفرعية والتنزيل وأمثالهما عين ولا أثر. هذا في القطع الطريقي المحض. وأما القطع الموضوعي بأقسامه الستة فيعرف حكمه مما ذكرناه، فإنه في المأخوذ منه على نحو الصفتية أو الطريقية المختصة به بمعنى الكاشفية التامة لا تدل أدلة اعتبار الطرق والأمارات على تنزيلها منزلة القطع أصلا، فلا دليل من هذه الجهة على قيامها مقامه وترتب آثاره عليها. وأما المأخوذ منه على نحو الطريقية بمعناها المشترك بين القطع وسائر الطرق المعتبرة فأدلة اعتبار الطرق وإن لم تدل على التنزيل - كما عرفت - إلا أنها لا ريب في دلالتها على اعتبار الأمارات طريقا، فتدل على أن خبر الثقة أو الظواهر - مثلا - طريق معتبر الى مؤداه، فيصير خبر الثقة أو ظاهر الخطاب مصداقا وفردا من أفراد الطريق المعتبر، فلا محالة يترتب عليه أيضا ما كان مترتبا على القطع بما أنه طريق معتبر، كما لا يخفى، وهذا هو مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) في قوله بقيام الأمارات والاصول مقام القطع المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقية. هذا إلا أنه قد يستشكل فيما لم يكن لنفس ما قامت عليه الأمارة أثر شرعي، ولا سيما إذا كان القطع الطريقي تمام موضوع الحكم، وذلك أنه إذا لم يكن أثر مترتبا عليه لم يمكن شمول عموم أدلة اعتبار الأمارات له، إذ لا معنى لاعتبار شئ أمارة على أمر إلا وجوب ترتيب آثار واقع ذلك الأمر على مؤدى الأمارة، فإذا لم يكن له أثر أصلا لما كان لا عتبار الأمارة القائمة عليه معنى. والحق عدم وقع لهذا الإشكال، لما عرفت من أن حقيقة اعتبار الطرق إنما هي كونها إحرازا لما قام الطريق عليه، غاية الأمر أنه يشترط عدم لزوم اللغوية من اعتبارها في الموارد، ويكفي فيه أن يكون نفس قيام الطريق عليه موضوعا للحكم الشرعي، فبعموم أدلة حجية الأمارات يصير المورد مما قام عليه الأمارة، ويتحقق مصداق موضوع الحكم المذكور ويترتب عليه، كما لا يخفى. وقد ظهر مما حققناه أنه لا تدل أدلة اعتبار الأمارات على تنزيل الظن منزلة

[ 22 ]

القطع أصلا، فلا تصل نوبة البحث عن إمكان انعقاد الإطلاق لها وشموله لتنزيل الظن الطريقي المحض منزلة القطع الطريقي المحض، وتنزيل الظن الموضوعي منزلة القطع الموضوعي، والإيراد عليه بأنه جمع بين لحاظين متنافيين في لحاظ واحد، كما في الكفاية وتعليقة الفرائد، وإلا أمكن الذب عنه بأنه إن جعل الموضوع في دليل التنزيل عنوان الظن كان عنوانا واحدا ملحوظا استقلاليا وشاملا للظن الطريقي والموضوعي، فينزل منزلة القطع المطلق الشامل لكلا القسمين، وكون الظن في ما إذا اخذ طريقا ملحوظا آليا لا يمنع عن توجه اللحاظ الاستقلالي إليه، كما لا يخفى. كما لا تصل نوبة البحث عن إمكان الاستدلال باطلاق دليل تنزيل مؤدى الأمارات منزلة الواقع، وإلا فقد أمكن توجيه هذا الاستدلال بوجهين: أحدهما: أن يقال: إن دليل التنزيل بإطلاقه يدل على وجوب فرض مؤدى الأمارات بمنزلة الواقع من دون أي فرق بينهما، وحينئذ فيترتب بمقتضى هذا الإطلاق الآثار المترتبة على الواقع على نفس مؤدى الأمارات، ويترتب أيضا الآثار المترتبة على القطع بالواقع على القطع بمؤداها. وثانيتهما: أن يقال - كما في التعليقة والكفاية - بأن العرف يرى ملازمة بين تنزيل المؤدى منزلة الواقع وبين تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع، فإذا دلت أدلة اعتبار الأمارات بالمطابقة على تنزيل مؤداها منزلة الواقع يفهم منها بالملازمة العرفية أن القطع بالمؤدى أيضا نزل منزلة القطع بالواقع، فيترتب عليها الآثار المترتبة على القطع بالواقع. وعمدة الإشكال على الوجهين: أنه لا تدل أدلة اعتبار الأمارات على التنزيل أصلا كما عرفت، مضافا الى ما يرد على ثاني الوجهين من إنكار تلك الملازمة المذكورة. وأما ما في الكفاية من الإيراد على الوجه الثاني باستلزامه الدور لأن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة، ولا دلالة له

[ 23 ]

كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدى. انتهى. ففيه أولا: أنه مختص بما لم يترتب على الواقع بنفسه أثر شرعي، وإلا فدلالته على تنزيل المؤدى لا تتوقف على التنزيل الآخر. وثانيا: أن دلالته على تنزيل المؤدى لا تتوقف إلا على عموم أو إطلاق دليل الاعتبار، وهو حاصل على الفرض، والمانع من الأخذ بهذا الظهور إنما هو لزوم اللغوية، وهي لا تلزم إلا فيما لا ينتهي الى ترتب أثر أصلا. وأما في ما نحن فيه مما يترتب على القطع به أثر شرعي فليس تنزيل المؤدى منزلة الواقع لغوا محضا، وعليه فدلالته على تنزيل القطع بالمؤدى منزلة القطع بالواقع وإن كانت موقوفة على دلالته على تنزيل المؤدى منزلة الواقع قضاء لحق التلازم إلا أن دلالته على تنزيل المؤدى لا تتوقف إلا على الظهور في الشمول، فلا دور. والى ما ذكرنا يرجع الجواب عنه: بأنه مبني على القول باحتياج تنزيل الجزء الى وجود الأثر الفعلي، وإلا فبناء على كفاية الأثر التعليقي للجزء بأنه لو انضم إليه جزؤه الآخر لوجب فعلا، فلا يرد محذور الدور، نظرا الى صحة تنزيل المؤدى حينئذ بلحاظ أثره التعليقي، بلا توقفه على شئ إنتهى. هذا كله في قيام الطرق بأدلة اعتبارها مقام القطع، وهو المقام الأول. المقام الثاني: في أنه هل تقوم الاصول العملية بأدلة اعتبارها مقام القطع ؟ والتحقيق هنا أيضا: أن أدلة الاصول غير الاستصحاب حجة على اعتبار تلك الاصول وحجيتها في موارد جريانها، من دون دلالة على تنزيل أصلا، فلا مجال لتوهم قيامها مقام القطع بجميع أقسامه، إلا أن يراد: أنها أيضا حجة في مجاريها كما كان القطع والطرق المعتبرة حجة، وأما أن تكون الاصول قطعا في عالم العناية والتنزيل فليس عليه في أدلتها عين ولا أثر أصلا، هذا في غير الاستصحاب. وأما هو: فقد يتوهم دلالة دليل اعتباره الوارد بلسان " لا تنقض اليقين بالشك " على بقاء اليقين السابق في عالم التعبد ومحيط القانون في زمان الشك، والحكم ببقاء اليقين دال بإطلاقه على ترتب جميع الآثار المترتبة على القطع في

[ 24 ]

زمان الشك، سواء كان قطعا طريقيا محضا، أو موضوعيا بأحد الوجوه الماضية، فالوجهان المشار اليهما في أدلة اعتبار الأمارات وإن كانا فرضيين هناك إلا أنهما لهما واقعية هاهنا. هذا. لكنه كما ترى، فإن الظاهر من دليله أن اليقين المذكور فيه قد اريد منه ما هو طريق الى المتيقن، والمراد منه التعبد ببقاء المتيقن في زمان الشك، كما يشهد له - مضافا الى ظهوره بنفسه - الاستدلال بهذه القاعدة في أخبار الباب على الحكم ببقاء الطهارة الحدثية والخبثية، فراجع، فلا إطلاق له يستدل به على إثبات ترتيب آثار القطع، والله العالم. الأمر الرابع أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه، أو مثله، أو ضده أما الأول فلا ينبغي الشك في استحالته، إلا أنه لا لمكان لزوم الدور، فإنه غير لازم، إذ وجود الحكم وفعليته حينئذ وإن كان متوقفا على وجود القطع توقف الحكم على موضوعه إلا أن وجود القطع غير متوقف على وجود الحكم، فإن تحقق القطع ممكن ولو مع عدم حكم في الخارج، فهو يكشف عن أن وجود الحكم خارجا ليس واقعا في سلسلة علل وجود القطع به، غاية الأمر أن القطع إذا طابق الواقع كان ملازما لوجود المقطوع، لكن التلازم أعم من التوقف، كما لا يخفى. بل سر الاستحالة: أن حقيقة صفة القطع - كالظن والشك والوهم، بل والحب والبغض والعشق وكثير آخر من الصفات النفسانية -: إنما تكون صفات تعلقية ويكون متعلقها أمرا متقوما بنفسه وبحيال ذاته - أعني به ما اصطلح عليه بالمقطوع بالعرض والمظنون بالعرض، أي إن المفروض في كل من هذه الصفات أن المصداق الخارجي الذي يعبر عنه ولو مجازا بأنه متعلق هذه الصفات يكون في تحققه الخارجي منوطا بعلله، ثم يتعلق به هذه الصفات بحيث لا تكون هذه

[ 25 ]

الصفات واقعة في سلسلة علله، بل خارجة عنها متعلقة به - فمتعلق هذه الصفات بطبعه أمر يتحقق بحيال ذاته، وحينئذ فجعله متوقفا على هذه الصفات - كما يقتضيه أخذ هذه الصفات في موضوع شخص هذا الأمر - خلف بين. نعم، إن هذا الإشكال أيضا إنما يلزم مع وحدة الرتبة، لا مع اختلافها كما أفاده في الكفاية أيضا. ثم إن لازم ما ذكرنا أن الحكم ومبادئه مترتب ومتفرع على ذات موضوعه، من دون دخل للقطع أو الجهل بحكمه فيه، وذات الموضوع بجميع قيوده لما كانت منحفظة في موارد القطع والظن والشك والوهم فلا محالة يكون الحكم أيضا ثابتا في جميع هذه الحالات على نفس الموضوع، من غير دخل أي من هذه القيود، وهو بعينه معنى الإطلاق وحقيقته، فإنه قد مر أن حقيقة الإطلاق في غالب الموارد هي كون ذات الموضوع تمام ما هو موضوع حكم الحاكم، بلا دخل للقيود فيه، وهو قد يثبت ببركة مقدمات الإطلاق المعروفة، وهو الغالب، وقد يثبت ببركة هذا البرهان العقلي، كما في أمثال ما نحن فيه، ولا تتوقف حقيقة الإطلاق على ملاحظة المقيدات وتسرية الحكم إليها، فإن الإطلاق ليس جمعا بين القيود، ولا على إمكان هذه الملاحظة، لعدم الدليل عليها. نعم، ربما يتوقف الأخذ بالإطلاق من ناحية المقدمات المعهودة على هذا الإمكان، إلا أنه ليس بمعنى انحصار انعقاد الإطلاق وإثباته على قيام تلك المقدمات، بل ربما يجلس برهان قطعي عقلي مكانها وينتج نتيجتها. ومما ذكرنا تعرف أن تخصيص الحكم بخصوص مورد ثبوت هذه القيود غير ممكن، لترتبه على ذات الموضوع المحفوظة في كلتا حالتي وجود هذه الصفات وعدمها، فما في كلمات بعض الأعلام (1)، من إمكانه بنحو نتيجة التقييد مما لا يمكننا تصديقه، بل المسلم هو ثبوت الإطلاق، إلا أنه بالبرهان لا بالمقدمات.


(1) وهو الميرزا النائيني (قدس سره). (*)

[ 26 ]

كما أن ما في كلمات بعض المحققين (1) من تصحيح نتيجة التقييد بطريقة الحصة التوأمة بجعل الحكم للذات التوأمة. مع خصوص العلم بحكمها لا مقيدا به ولا مطلقا ممنوع جدا، لما ذكرناه معه غير مرة: من أنه إن كان لهذه التوأمية دخل في الموضوع رجع الى التقييد المفروض استحالته، وإلا فالذات ثابتة في حالة التوأمية وغيرها، ويتبعها حكمها. اللهم إلا أن يجعل الحكم على الذات إذا حصل العلم ومشروطا بحصوله، وهو أيضا هنا غير صحيح، لأن جعل حصول العلم بالحكم شرطا لفعلية الحكم مستلزم للخلف على التحقيق، ولتقدم الشئ على نفسه أو الدور عندهم. هذا كله في أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه. وأما أخذه في موضوع ضده أو مثله فقد افيد في امتناعه باستلزامه اجتماع الضدين أو المثلين. لكنك خبير بأن الأحكام ليست من الأعراض الخارجية التي يكون الضدان أو المثلان الاصطلاحيان من جملتها، بل إنما هي امور اعتبارية تتبع في إمكان اجتماع كل منها مع الآخر صحة اعتباره عند العقلاء وعدمها. وعليه فلا ينبغي الريب في عدم صحة اعتبار حكم مضاد للآخر على موضوع واحد وإن اختلفا بأن يكون أحدهما على الذات والآخر على الذات المقطوع حكمها، كأن يقال: " صلاة الجمعة واجبة، وصلاة الجمعة المعلوم وجوبها محرمة أو مكروهة ". وأما المثلان كأن يقال في الفرض: " صلاة الجمعة واجبة، وصلاة الجمعة المعلوم وجوبها واجبة " فلا دليل على امتناعه، بل ولا على امتناع أن يقال أيضا: " وصلاة الجمعة المعلوم وجوبها مستحبة ". وهكذا إذا قيل: " الخمر حرام، والخمر المعلوم حرمتها مكروهة " على تأمل فيهما، إلا أنه لا ريب هنا في صحة اجتماع


(1) هو المحقق العراقي (قدس سره). (*)

[ 27 ]

المثلين من الأحكام باصطلاحهم، والله العالم. هذا كله في القطع. وأما الظن فهو مثل القطع إذا اخذ في موضوع شخص الحكم، أو فرض كونه طريقيا معتبرا الى الواقع المظنون، وأما أخذ الظن غير المعتبر في موضوع حكم مضاد لما ظنه أو مماثل له فلا بأس به، كما لا يخفى لمن تدبر. الأمر الخامس في الموافقة الالتزامية قد يستشكل فيقال: إن حقيقة القطع والعلم هو الإذعان بالنسبة، فلا يتصور للقاطع أن لا يوافق مقطوعه التزاما، بل الموافقة الالتزامية ضرورية الثبوت للقاطع ومن لوازم قطعه، فلا مجال لتوهم عدمها، ولا لاتصاف مثلها بالوجوب من باب وجوب امتثال التكاليف، فإن المعتبر في الواجب أن يكون أمره بيد المكلف. والجواب: أن المراد بها هو الخضوع القلبي لما قطع به وثبت لديه في قبال الاستكبار النفساني، فمن علم بنبوة النبي: فتارة يبني في قلبه على أن يراه في مقام الإظهار والإثبات نبيا فيذعن له قولا، وربما يعمل بأحكامه عملا، فهو ملتزم بالنبوة مؤمن بها. واخرى يكون ذا قلب متكبر يبني على جحوده وإنكاره، فينادي بالإنكار، ولا يطيع ما ينبئ به من الأحكام، فيكون من الكفار، والظاهر أنه المراد في مثل قوله تعالى الوارد في وصف الكفار: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) *، وعليه فالإيمان والكفر أمر وراء مجرد العلم واليقين، ومع ذلك فهما من الامور والصفات القلبية التي أمرها بيد المكلف كالأعمال الجوارحية. وحينئذ فالحق أنه لا دليل على وجوب الموافقة الالتزامية، فإنها ليست من مراتب الامتثال الواجب في حكم العقل، كما أوضحه الأعلام شكر الله سعيهم، ولا مما يلزمه وجوب الاعتقاد بالنبوة، فإن معنى الاعتقاد بها أن يبنى على أن ما يخبر به فهو مما حكم به وقاله الله تعالى، وهو كما ترى غير البناء القلبي على موافقته،

[ 28 ]

فإن غاية ما يقتضيه الإيمان بالنبوة أن يكون ما أنبأ به، كما إذا سمعه من الله بلا واسطة، فكما يتصور حكم المسموع من المولى أن يوافقه التزاما أو لا يوافقه فكذلك في ما ثبت له بواسطة النبي الذي يعتقد بنبوته ويبني على تصديقه. وأما استنباط القول بوجوبها من قول الأصحاب بمنع الرجوع الى حكم علم عدم كونه حكم الإمام (عليه السلام)، وتفريعهم عليه عدم جواز الفصل في ما علم كون الفصل طرحا لقوله (عليه السلام)، - كما في رسالة الشيخ الأعظم (قدس سره) - فغير متين، فإن الذهاب الى التفصيل في المسألة المذكورة من مصاديق الإفتاء بغير ما أنزل الله، والإفتاء من أفعال المكلف المحكومة بالحرمة إذا كان على خلاف ما أنزل الله، وهو غير مجرد عدم الالتزام قلبا بالحكم الذي ثبت له أنه قد حكم به الله، كما لا يخفى. الأمر السادس في قطع القطاع قد عرفت منا أن الحجية للقطع الطريقي المحض ليست من لوازمه الذاتية، وأن للشارع إذا رأى مصلحة أن يمنع عن العمل به، كما مر ذلك كله تفصيلا، وعليه فلا غرو في منعه عن عمل القطاع بقطعه، أو عن العمل بالقطع الحاصل من أسباب خاصة، لكنه قد عرفت أيضا أن بناء العقلاء على حجية مطلق القطع، وهو حجة شرعا أيضا مع عدم ثبوت ردع الشارع عنه، ولم يثبت ردع عنه في مورد قطع القطاع، وإن لا يبعد دعوى الردع عنه في خصوص القطع الحاصل من مثل القياس الموجب لمحق الدين، فإن إطلاق أدلة المنع عن اتباعه شامل لما إذا أوجب القطع بالحكم أيضا، كما لعله ظاهر لمن راجعها. الأمر السابع في العلم الإجمالي هل العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجيز التكليف به وفي سقوطه

[ 29 ]

بالامتثال الإجمالي ؟ فهنا مقامان: الأول: في تنجز التكليف به، ولا يخفى أن البحث هنا لما كان عن القطع وآثاره ومقتضياته فكل ما هو من مقتضيات العلم الإجمالي بما أنه علم وقطع فهاهنا محل البحث عنه. كما أن كل ما هو من آثار الجهل والشك بالخصوصية الموجود مع العلم الإجمالي فمحل البحث عنه مباحث الشك، فالمناسب هنا أن يبحث عن أن العلم الإجمالي هل يؤثر في التنجيز أم لا ؟ وعلى الأول فهل هو بنحو العلية التامة أم الاقتضاء ؟ فلو قيل بأنه كالشك كان كالشبهات البدوية، ينبغي أن يبحث عن حكمها الشرعي في مباحث البراءة، كما أنه لو قيل بعليته التامة في التنجيز لما بقي معه مجال بحث عن الترخيص الشرعي على خلافه ولو كان لأجل الشك الموجود معه. نعم، إذا قيل بكونه مقتضيا بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية كان للبحث عن الترخيص الشرعي بخلافه كمال مجال، وهو مناسب لمباحث البراءة والاشتغال. وكيف كان فالحق أن العلم الإجمالي يتميز عن التفصيلي بأن متعلقه في النفس. وبعبارة اخرى: قوامه فيها بصورة نفسية ووجود نفساني مفهومه التردد بين الخصوصيتين، بخلاف العلم التفصيلي، فكلا العلمين قوامهما بوجود متعين نفساني هو مفهوم حاك عن الواقع وفان فيه، والعلم إجماليا كان أم تفصيليا إذعان بمفاد هذه الصورة المتعينة، إلا أن مفاد إحدى الصورتين الحكاية عن أمر غير مشوب بأي ترديد، ومفاد الاخرى الحكاية عن تحقق إحدى الخصوصيتين أو الخصوصيات، ونعبر عن مثل هذه الحكاية بأن المحكي الخاص موجود على نحو الترديد، فهذا الفرق البين موجود بين العلمين، لكن لا يلزمه القول بإمكان الفرد المردد، وذلك أن الصورة النفسانية التي بها قوام العلم تكوينا التي يعبر عنها في

[ 30 ]

كلماتهم ب‍ " المعلوم بالذات " أمر متعين غير مردد، وشخصي ذو وحدة عينية في الذهن إلا أن علمية العلم إنما هي بتعلق الإذعان النفساني بمفاد هذه الصورة ومحكيها، والمحكي في أحدهما أمر لا مجال للترديد فيه، وهو العلم التفصيلي، وفي الآخر مشوب بالترديد في الخصوصيتين أو الخصوصيات، وهو العلم الإجمالي. ولو كان حقيقة العلم الإجمالي هو العلم التفصيلي وكان الفرق بينهما بضم الجهل الى العلم - كما في نهاية الدراية (1) - لما كان لنا طريق الى التصديق بتحقق إحدى الخصوصيات، فإن القول بتصوير جامع ينطبق على كل من الخصوصيتين لا غير - كما عن بعض أهل الدقة (2) - تناقض، إذ الخصوصية هي ما به امتياز الشئ عن غيره فكيف يقال بوجود جامع بينها وبين خصوصية اخرى مثلها ؟ ! بل الجامع هو ما به الاشتراك، والخصوصيات ما بها الامتياز، وهما متقابلان، وحل الإعضال إنما هو بما ذكرناه من المقال، ومن الله العصمة وبه الاتكال. إذا عرفت هذا فالحق أن العلم الإجمالي عند العقلاء موجب لتنجز التكليف وعدم جواز مخالفته القطعية، بل ووجوب موافقته القطعية، إلا أنه معلق بعدم ورود ترخيص من المولى الحاكم في ترك الموافقة القطعية، ولا في جواز مخالفته القطعية، وهذا التعليق هو المعبر عنه في كلام الكفاية وغيرها: بأن تأثيره في حرمة المخالفة ووجوب الموافقة على نحو الاقتضاء، وليس المراد به الاقتضاء المذكور في الفلسفة والأسباب التكوينية، فلا مجال للإيراد عليه بمثل ما في نهاية الدراية (3)، كما لا يخفى. وكيف كان فالدليل على هذا التعليق - مضافا الى ما عرفت من أن الأمر كذلك حتى في العلم التفصيلي - أنه مما يحكم به العقلاء هاهنا، فهم يرون أن للمولى أن


(1) نهاية الدراية: ج 3 ص 89 - 90. (2) هو المحقق العراقي على ما في تقرير بحثه، راجع نهاية الأفكار: ج 3 ص 299. (3) نهاية الدراية: ج 3 ص 92 - 93. (*)

[ 31 ]

يجعل الجهل بالخصوصية موجبا لسهولة الأمر على المكلف، فيمن عليه ويجعله سببا لترخيصه في ترك الموافقة القطعية، وفي فعل المخالفة القطعية، فإن قام المولى بصدد هذا الترخيص وجعل المكلف في إحدى الفسحتين فمآل هذا الترخيص الى تجويزه لمخالفة التكليف الفعلي مخالفة قطعية أو احتمالية، كما أنه إليه يؤول تجويزه للاقتحام في الشبهات البدوية، وذلك أن التحقيق المسلم أن الأحكام الفعلية التي اودعت بيد الإجراء هي الأحكام المشتركة بين العالم والجاهل بها، فالجاهل بالحكم الذي ورد في حقه مثل: " رفع ما لا يعلمون " و " الناس في سعة ما لا يعلمون " إذا كان الحكم الذي مورد شكه ثابتا في الواقع، فهذا الحكم فعلي بالمعنى المذكور، ولا معنى لرفعه وكون الجاهل في سعة منه، إلا أن المولى لمصالح مرعية في نظره قد رخص للجاهل في مخالفة هذا الحكم الفعلي، فكما أن الحكم هناك فعلي جاز الترخيص في مخالفته لتلك المصالح فهكذا في مورد العلم الإجمالي إذا قام المولى بصدد الترخيص. وكما أن مآل ترخيصه هناك لم يكن ولا يكون الى التناقض فكذلك هاهنا حرفا بحرف. نعم، لو قلنا بكون العلم الإجمالي علة تامة لتنجز التكليف المعلوم إجمالا بالنسبة الى خصوص حرمة مخالفته القطعية أو وجوب موافقته القطعية لما كان حينئذ مجال ترخيصه، فإن معنى هذا التنجز القطعي: أنه لم يمكن ورود الترخيص على خلافه، فيناقضه ورود الترخيص منه، إلا أن الشأن كله في تلك العلية التامة. وأما ما في الكفاية من التعبير بانحفاظ رتبة الحكم الظاهري مع العلم الإجمالي: فإن اريد به هذا الذي ذكرناه فهو، وإلا فمجرد انحفاظ رتبته بمعنى تصور الشك في الحكم الذي هو في رتبة متأخرة عن الحكم لا يجدي لحل مشكلة التناقض، لما تقرر في مسألة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري: أن مجرد ذلك غير نافع ما لم نقل بجواز الترخيص في مخالفة الحكم المجهول، ومعه

[ 32 ]

فهو نفسه تمام الملاك في صحة هذا الترخيص وفي جعل الأحكام الظاهرية، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل المقال في ذلك المبحث. هذا كله في منجزية العلم الإجمالي. المقام الثاني: في أنه هل يجوز الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي أم لا ؟ والحق جوازه حتى في العبادات، وحتى في ما كان مستلزما للتكرار، وذلك لعدم اعتبار قصد الوجه ولا التميز، بل تمام اللازم في العبادات أن تقع لله تعالى، وهذا القيد حاصل مع التكرار أيضا. وشبهة اللعب بأمر المولى - مضافا الى عدم مجال لها إذا كان للمكلف غرض عقلائي في التكرار، وإن كان هو مجرد الاستراحة عن الرجوع الى المدارك، أو الى العالم بالحكم أو الموضوع حسب اختلاف الموارد - مدفوعة: بأن الامتثال إنما يقع بمصداق واحد لا غير، وإتيانه خال عن اللعب، كما لا يخفى، والظاهر أنه المراد مما يقال: إن اللعب في طريق الامتثال لا في نفس الامتثال. كما أن دعوى الإجماع الذي قد يستظهر من كلام السيد الرضي، المؤيد بتقرير أخيه الأجل المرتضى أيضا مندفعة: أولا: بأنه من المحتمل استناد المجمعين إلى بعض هذه الوجوه غير التامة. وثانيا: بأن مورد دعوى السيد الرضي ظاهر في خصوص ما إذا صار الجهل بحكم العبادة موجبا لوقوعها فاقدة لبعض الشرائط أو الأجزاء، كما في الجهل بأعداد الركعات، ولا يعم مثل ما نحن فيه الذي يكون المفروض إتيان المصداق الكامل منها. وحيث إن الداعي الأصلي للمحتاط بالتكرار هو أن يوافق ويطيع أمر المولى، وهذا الداعي يدعوه الى الإتيان بكل المحتملات، لمكان احتمال اتحاد المأمور به معها، فالعبارة الواقعية قد أتى بها لأمر الله تعالى بها. فأمره تعالى هو داعيه

[ 33 ]

الأصيل، فلا مجال لأن يقال (1): إن داعيه إلى العمل هو مجرد احتمال الأمر والمعتبر في صحة العبادة أن يأتي بها بدعوة نفس الأمر. هذا. مضافا الى ما عرفت من أن اللازم والمعتبر في صحة العبادة أن يكون إتيانها لله تعالى، ومن المعلوم أنه إذا كان الداعي إليها احتمال تعلق أمر الله بها فهي قد أتى بها لله تعالى، وتكون بذلك واجدة لهذا الشرط، كما هو واضح، والله ولي العصمة. ومما ذكرنا تعرف الجواب عن سائر الشبهات المتوهمة هنا، فإن ما ذكرناه أو أشرنا إليه هو عمدها. * * *


(1) كما عن الميرزا النائيني (قدس سره) فانظر فوائد الاصول: ج 3 ص 73 وما بعدها. (*)

[ 34 ]

مباحث الأمارات الظنية وقبل الخوض فيها ينبغي تقديم أمرين: الأمر الأول في إمكان التعبد بالظن وامتناعه لا ريب في ان الظن بنفسه ليس يقتضى الطريقية، وإنما الكلام في أنه يقبل التعبد بطريقيته أم لا ؟ فقد حكي عن ابن قبة امتناعه، لاستلزامه تحليل الحرام، وبالعكس، وقد بينه أساتذة الفن بأنه بعد ما كان التصويب باطلا فلنا حكم واقعي كما أنزله الله وأنشأه، وحكم ظاهري على ما يدل عليه الظن المتعبد به، فإن طابق الواقع لزم اجتماع المثلين في الملاك وفي مرحلة الحكم، وإن خالفه لزم التضاد أو التناقض في مرحلة الملاك وفي مرحلة جعل الأحكام، وربما أدى الى طلب الضدين، كما يؤدي الى تفويت المصلحة اللازمة الاستيفاء إذا اقتضى الظن عدم وجوب الواجب الواقعي، أو الى الإيقاع في المفسدة إذا اقتضى عدم حرمة الحرام الواقعي. وحق الجواب أن يقال: إن الأمارات إذا اعتبرت فهي طرق الى الواقع لا غير، فإن العقلاء يرون خبر الواحد - مثلا - طريقا محضا الى الواقع، يصلون به الى الواقع، بحيث كان تمام الموضوع عندهم للآثار هو متن الواقع، ولو أخطأ فقد

[ 35 ]

فاتهم الواقع، وما كان في مورده ملاك ومصلحة أصلا، والسببية عندهم قطعي البطلان، وهذه الطريقية ليست عندهم بمعنى مجرد حصول الظن بالواقع الذي به قوام الأمارة وجوهرها لكي يقال: إنه حقيقته التكوينية، بل معناها: أن العقلاء يرون من قام عنده الخبر مصيبا للواقع واصلا إليه، وبما أنه واصل الى الواقع فعليه ترتيب آثار الواقع، كما هو كذلك في القاطع، فهذا المعنى - أي: إصابة الواقع والوصول إليه - هي الطريقية، وهي المجعولة لخبر الواحد وسائر الطرق العقلائية عند العقلاء، والشارع إذا أمضى سيرة العقلاء فقد أمضى هذه الطريقية المجعولة، وهو معنى " مجعولية الطريقية للأمارات " في الشرع، بل إذا أسس الشارع طريقية طريق آخر - لو كان - فقد زاد على مصاديق الطرق بدعا. وهذا الذي ذكرناه بين جدا، ولا أظن إنكاره من أحد إلا بلسانه، وإلا فقلبه مطمئن بالإيمان به. وعليه فإذا قامت أمارة معتبرة على حكم أو موضوع: فإن أصابت الواقع فليس هنا إلا متن الواقع ونفس الحكم الواقعي المرتب على موضوعه الواقعي، وإن خالفه فليس من ناحية قيام الأمارة حكم حتى يستلزم ملاكا، وحصل مضادة أو مناقضة بين الحكمين أو الملاكين، أو لزم اجتماع طلب ضدين. نعم، لا ريب في أن هذه الطريقية تجويز للعمل على طبق الطريق، فربما كان فيه تفويت المصلحة أو الإيقاع في المفسدة، إلا أنه لا بأس به إذا كان في عدم جعلها مفسدة أعظم، ولو كانت هي مفسدة تنفر طباع الناس وانزجارهم عن أصل الدين والشريعة فإنه لا ريب في أن كون الشريعة سهلة غير ضيقة يدعو الناس ويرغبهم في الدخول إليها. فقد ارتفعت الإشكالات بحذافيرها. إلا أنه بقي مع ذلك أن يقال: إن الطريقية - كما اعترفت به - تستلزم تجويز الحركة العملية طبق الطريق، وحينئذ فإذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب - مثلا - واقتضى الطريق غيره فتجويز تركه مناقض للوجوب الواقعي، كما أنه إذا كان

[ 36 ]

الواقع هي الحرمة وقام الطريق على خلافه فتجويز فعله مناقض للحرمة الواقعية. والجواب الحق هنا أيضا: أن الأحكام الشرعية وغيرها أحكام قانونية وقوانين مجعولة، ولها - بما أنها قوانين وأحكام - مرتبتان: مرتبة الإنشاء الذي ينشأ ويجعل فيها القانون ولا يودع بيد الإجراء، بلحاظ أن الزمان المنظور لإجرائه سنتان بعد ذلك، مثلا. ومرتبة الفعلية التي يجعل فيها القانون بيد الإجراء، بحيث يجب العمل به والحركة على طبقه على من اجتمع شرائط التكليف وحدود موضوعه. فهاتان المرتبتان قد اختلف فيهما جوهر الحكم، حيث لا يطلب منه في المرتبة الاولى أن يعمل به مع أنه حكم وقانون حقيقة، بخلاف الثانية المطلوب فيها ذلك، ولذلك فالعلم بالحكم الإنشائي لا يؤثر في حق العالم أن يؤاخذ على مخالفته، إذ المفروض أنه لم يحن بعد حين العمل به، بخلاف الحكم الفعلي فإن العالم به يؤاخذ على مخالفته. وأما مرتبة الاقتضاء المذكور في كلامهم فليس فيها من الحكم أثر، كما أن مرتبة التنجز. لا يكون للحكم فيها حالة جديدة، بل ترتب العقاب على الخلاف من آثار نفس فعلية الحكم إذا قامت حجة إليه على المكلف. وكيف كان فالأحكام التي بينها النبي والأئمة (عليهم السلام) للامة الإسلامية إنما هي أحكام فعلية انشئت وبينت للامة حتى يعملوا بها، فإذا تخلفت الأمارة عن الواقع فالحكم الواقعي حكم فعلي والأمارة قد أخطأت ولم تصل ولم توصل إليه، ولازمها تجويز مخالفة الحكم الفعلي، وهو مصب الإشكال. وحله: أن حقيقة الأحكام الشرعية قوانين مجعولة كالقوانين المجعولة في مجالس وضع القوانين العقلائية، ومن الواضح فيها أنها وإن كانت مبتنية على مصالح وملاكات إلا أن حقيقتها ليست إلا مجعولات اعتبارية عقلائية ليس قوامها بإرادة من المقننين متعلقة بالأفعال الموضوعة لها، بل إنها بنفسها قوانين، وإنما إرادة المقنن تتعلق بجعلها ووضعها، لا بالأفعال أو التروك المتعلقة لها، ونفس هذه

[ 37 ]

القوانين عند العقلاء موضوع لزوم الحركة على طبقها إذا كانت في مرتبة الفعلية وقامت على المكلف حجة عليها، فهكذا الأمر في الأحكام الشرعية، فإن الظاهر أنها أيضا قوانين وضعها الله تعالى ورسوله لإيصال ملاكاتها الى الأفراد أو المجتمع، أو لأغراض اخر أيضا، ولا وجه للالتزام بتعلق إرادة واشتياق فعلي الى متعلقاتها وموضوعاتها لكي يقال - بعد امتناع وجود هذه الإرادة أو الانزجار في الله تعالى المنزه عن عروض الحوادث - بعروضها في النفس النبوية أو الولوية، بل الظاهر المنسبق من أدلة الأحكام أن ما تضمنتها فإنما هي قوانين كالقوانين الجارية بين الملل والأقوام، غاية الأمر أن واضعها ومقننها هو الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من ناحية أبدا. وحينئذ فهذا الحكم والقانون الفعلي الذي هو أمر اعتباري مجعول، من آثاره وأحكامه العقلائية أنه إذا قامت حجة عند المكلف عليه يعاقب على مخالفته إذا خالفه، وإذا لم تقم حجة عليه وكان مجهولا فالتكليف والقانون وإن كان قانونا فعليا إلا أن العقلاء يأذنون بمخالفته ويحكمون بأن الجهل عذر للجاهل به إذا لم يكن جاهلا مقصرا، فهذا القانون يتحمل الإذن في مخالفته وعدم امتثاله، فكما أن الأمر فيه هكذا عند العقلاء في مرحلة الجهل به لا عن تقصير فكذلك إذا جعل المقنن أمارة إليه وأخطأ عنه، فخطؤه عن الواقع لا يغير القانون الواقعي عما هو عليه، إلا أن مقتضى جعل الطريقية لهذه الأمارة تجويز الحركة على طبقها، ولازمه الإذن في مخالفة القانون، وقد عرفت أن القانون يتحمل هذا الإذن في خلافه. هذا. وهذا الحل كما يجري في الأمارات فهكذا يجري في الاصول الشرعية أيضا حرفا بحرف. ومما ذكرنا في بيان حقيقة القانون تعرف أنه أمر مجعول وحكم حقيقي وإن كان يتحمل الإذن في خلافه أيضا، فما عن سيدنا الاستاذ " أدام الله ظله العالي ": من عد مضمون العمومات أو الإطلاقات التي ليس الجد على طبقها، بل ورد تخصيص أو تقييد فيها، فعدها في موارد التخصيص والتقييد من الأحكام القانونية

[ 38 ]

خلاف التحقيق جدا، فإنه بعد العثور على المخصص والمقيد ينكشف أنه لم يكن في موردهما إرادة وجد أصلا، ولا جعل وتقنين أبدا، وإنما كان فيهما تخيل وجود القانون اتكالا على أصالة العموم أو الإطلاق التي قد انكشف بطلانهما. فكما أنه إذا صدر عن المولى والمقنن أمر ظاهر في الوجوب ثم قام قرينة على إرادة الاستحباب لا يصح أن يقال: إن الحكم القانوني هو الوجوب، فهكذا الأمر في العام أو المطلق الذي اريد منه خلافه، كما لا يخفى. وبالجملة: فأساس حل الإشكال هنا هو قانونية الأحكام، كما عرفت، وإلا فإشكال تناقض تجويز الحركة على طبق الأمارة المعتبرة مع فعلية الإرادة المقومة لها لا مدفع عنه بشئ من الوجوه المذكورة في كلمات الأعلام والمشايخ قدس الله أسرارهم. وأما القول بأن المجعول - في باب الأمارات المعتبرة - هو الحجية كما في الكفاية فهو غير متين، إذ مجرد الحجية وإن سوغت ترتب العقاب إلا أنها لا تجوز نسبة مفاد الأمارة الى المولى، كما في أطراف العلم الإجمالي، والشبهة قبل الفحص عن الحكم، ومن المعلوم جواز إسناد مفاد الأمارات القائمة على الحكم إليه تعالى، فلابد وأن يكون المجعول هي الطريقية. ولو سلمنا إنشاء حكم مماثل في مورد الأمارات فكما أن الجمع بينه وبين الحكم الواقعي بأن الواقعي حينئذ واقف في مرتبة الإنشاء غير صحيح، لما عرفت من أن الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل هو حكم لو علم به لما كان معذورا في مخالفته، وهذا شأن الحكم الفعلي لا الإنشائي، فهكذا الجمع بأن الحكم الظاهري طريقي دعا الى جعله مصلحة في نفسه، ولذلك لا يضاد الحكم الواقعي المبتبى على الملاك في المتعلق والإرادة والكراهة ولو في النفس الولوية، كما في الكفاية. وذلك أنه إذا سلم أن للحكم الطريقي أيضا بعثا فعليا حقيقيا مولويا. فهو لا يجتمع مع نهي واقعي فعلي مولوي مثلا نحو شئ واحد، ومنشأ المضادة فعلية البعث والزجر المولويين، طريقيا كان أم نفسيا.

[ 39 ]

بل الحق في الجواب: هو ما عرفت من تحمل الحكم القانوني الفعلي للإذن في مخالفته. وهذا الجواب كما يجري في الأمارات جار بعينه في الاصول الشرعية التي جعل فيها حكما ظاهريا، كما في أصالة الحلية، فإن الحلية الظاهرية مصداق للترخيص في الحرام الواقعي في فرض المخالفة للواقع، وهو يحتمل هذا الترخيص كما مر. وأما الجواب عنه - هنا وفي الأمارات - بأن الشك في الحكم الواقعي بما أنه حالة طارئة على الواقع وإن لم يمكن أخذه موضوعا للحكم الظاهري لانحفاظ الحكم الواقعي معه، ومضادته له، إلا أنه بما أنه حالة للمكلف موجبة للحيرة في الواقع يمكن أخذه موضوعا لحكم ظاهري هو متمم جعل الحكم الواقعي، ومنجز له موصل إليه، كما يمكن أخذه موضوعا لما يكون مؤمنا عن الواقع، حسب اختلاف مراتب ملاكات الحكم الواقعي... كما عن الاستاذ العلامة النائيني (قدس سره) في تقريراته (1). ففيه: أن كون الشك حالة من حالات المكلف وإن لم يستدع فرض وجود الحكم الواقعي إلا أنه لا ريب في أنه لا ينفيه أيضا، وحينئذ فإذا كان الحكم الواقعي حكما إلزاميا، وانجرت الأمارة الى نفيه، أو اقتضت أصالة البراءة أو الإباحة الشرعية جواز تركه فمجرد أن الشك اخذ موضوعا لدليل الأمارة أو الأصل بما أنه حالة للمكلف لا يوجب جواز الاجتماع وارتفاع التضاد، كما لا يخفى. كما أن الجواب عنه بأن الأحكام مجعولة على العناوين، ومركز الحكم الواقعي هو ذات الشئ في مرتبة متقدمة على الذات بما أنها موجودة في موارد الشك والجهل - كما عن المحقق العراقي (2) (قدس سره) - فيه: أنه إذا كان المفروض عدم


(1) فوائد الاصول ج 3 ص 100 - 101. (2) نهاية الأفكار: ج 3 ص 298. (*)

[ 40 ]

اعتبار الرتبة لا سابقة ولا لاحقة قيدا للموضوع فلا محالة يسري الحكم الى عنوان نفس الذات المتحققة في المصداق المتحقق في رتبة لاحقة، فيجتمع الضدان، وكما أن الرتب العقلية لا تمنع التضاد في الوجودات الخارجية فهكذا في الوجودات العنوانية الذهنية. الأمر الثاني في تأسيس الأصل عند الشك في التعبد بالظن إن التعبد بالظن في قالبه الموافق للواقع وما يراه المحققون في الظنون والأمارات المعتبرة: عبارة عن اعتباره طريقا إلى الواقع، ولا محالة له خاصتان: إحداهما: جواز إسناد مؤداه - فيما كان حكاية أمر عن المولى - الى المولى، والى الشرع والشارع. وثانيتهما: كونه حجة بمعنى كونه منجزا للتكليف الواقعي عند المطابقة، وعذرا للعبد مع المخالفة، وكون موافقته حينئذ انقيادا ومخالفته تجريا، فتحليل اعتباره الى مجرد حجيته التي هي الخاصة الثانية - كما في الكفاية - غير سديد. ولا يبعد دعوى أن قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (1) ينفي الطريقية عن الظن، فإن طريقيته عبارة اخرى عن إغنائه من الحق، وكونه موصلا إليه بحيث يتبعه جواز الإسناد والحجية، فالحكم عليه بأنه لا يغني من الحق شيئا حكم بنفي الطريقية، ونفي ترتيب أثر جواز الإسناد والحجية. كما أن قوله تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) يحكم صريحا بحرمة أن يسند الى الله ما لم يعلم أنه تعالى قاله، وقد عد القول على الله بما لا يعلم مما يأمر به الشيطان في قوله تعالى: * (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (3). كما قد وبخ الله تعالى


(1) يونس: 36، والنجم: 28. (2) الاعراف: 33. (3) البقرة: 169. (*)

[ 41 ]

عليه في آيات عديدة كثير، فراجع سورة البقرة الآية (80)، وسورة الأعراف الآية (28)، وسورة يونس الآية (68)، وسورة النور الآية (15)، وسورة الأنعام الآية (119) و (144). وكما أن قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا) * (1) نهى عن اتباع ما لا علم به، والمصداق الواضح له هو الاتكال على ما لا يعلم في مقام عمله بحيث يكتفي به في إثبات التكاليف وإسقاطها، ولا يبعد أن يعد منه إسناده الى الله تعالى، فتدل الآية على أن الأصل في غير العلم عدم الاعتبار إسنادا وعملا، نظير الآية الاولى، فتدبر جيدا. وأما ما استدل به الشيخ الأعظم (قدس سره) من قوله تعالى: * (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ء آلله أذن لكم أم على الله تفترون) * (2) بتقريب أنه بمقتضى المقابلة دل على أن ما ليس بإذن من الله من إسناد الحكم الى الشارع فهو افتراء فيعم موارد عدم العلم بالاعتبار أيضا ففيه: أنه ليس من البعيد أن يكون في مورد الآية أمر جعلهم دائرا بين الافتراء وغيره، ونفي ذاك الغير بالاستفهام الإنكاري إثبات لكونه افتراء، ويؤيده التعبير فيها عن متعلق حكمهم بأنه رزق، والرزق لا يكون إلا حلالا، ولا محالة فهم قد حرموا ما أحل الله افتراء عليه تعالى. وكيف كان فحيث إن الحجية في قالب الطريقية لها لا زمان: جواز الإسناد، ومجرد الحجية صح الاستدلال، لان الأصل في أحد لازمية الحرمة بجميع ما دل من الكتاب والسنة على حرمة القول على الله بغير علم، وإن كان في عد خبر تقسيم القضاة الى أربعة منها نظر، بل منع، لاحتمال دخل خصوصية القضاء في حكم الحرمة، وعدم كون مجرد إسناد غير المعلوم إليه تعالى علة كافية له. نعم، لا ينبغي الريب في حكم العقلاء بها أيضا، وبأن المولى يستحق أن


(1) الإسراء: 36. (2) يونس: 59. (*)

[ 42 ]

يعاقب عبدا أسند إليه ما لم يثبت له أنه قد قاله، كما يحكمون بأن ما لم يثبت حجيته فليس بحجة، لا إثباتا، ولا إسقاطا. هذا. ثم إن الحرام - كما عرفت - هو نفس إسناد ما لم يعلم الى الله تعالى، ونفس القول بغير علم، وهو غير العمل الخارجي والتعبد العملي بالظن. اللهم إلا إذا كان العمل واقعا في مورد يفهم منه عرفا هذا الاسناد. وبالجملة: الحرام هو الاسناد لا العمل، وهذه الحرمة كما ترى غير مسألة حرمة البدعة التي هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، فإنها بملاك آخر وعنوان آخر. كما أنها ليست حرمة إرشادية ومن توابع حرمة المعصية، ولا من بابها، وذلك أن أمر المولى أو نهيه إذا كان إلزاميا يستتبع ترتب العقاب على معصيته، بما أنها عصيان له ومخالفة، ولذلك لا يكون النهي عنها بملاك جديد لكي يبحث عن أنه مولوي. وأما مسألة إسناد ما لم يعلم به إليه تعالى فليس من توابع التكاليف الاخر حتى يتوهم فيها الإرشادية، وحكم العقلاء بترتب العقاب عليه مثل حكمهم بترتبه على الظلم لا بأس فيه أن يجتمع مع الحرمة المولوية التي هي ظواهر الأدلة الشرعية، فما في تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره) هنا (1) غير سديد. وقد يقرر الأصل هنا: بأن مقتضى الاستصحاب هو عدم طريقية ما شك في طريقيته، وعدم حجية ما يشك في حجيته، ولازمه عدم تنجز ما قام عليه من التكليف وعدم سقوطه به، وأن جواز الإسناد الذي من خاصة الطرق لا يثبت من قبل هذا المشكوك الطريقية. وقد يستشكل بأن مجرد الشك في الطريقية والحجية كاف في حكم العقل بعدم الحجية، وبعدم جواز الاسناد استنادا إليه، ولا حاجة معه إلى إحراز عدمهما، فإن هذا الحكم العقلي مترتب على معنى أعم من عدم الطريقية والحجية ومن الشك فيهما.


(1) التعليقة، حاشية فرائد الاصول للمحقق الآخوند الخراساني ص 42 وما بعدها. (

[ 43 ]

والجواب عنه حينئذ ما أفاده المحقق الخراساني في التعليقة: من أن عموم دليل الاستصحاب يرفع الشك تعبدا، ويجعلنا موقنين بعدم الحجية والطريقية، فيترتب الحكم بما أنه ليس بطريق ولا حجة، لا بما أنه مشكوك الطريقية والحجية. والصحيح في الإيراد على هذا الاستصحاب: أنه لا مجال له مع وجود عموم مثل قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (1) فإنه دليل اجتهادي يحكم على كل ظن بأنه لا يغني من الحق شيئا، لا في ثبوت طريق الى الحق حتى يجوز إسناد مفاده إليه تعالى، ولا في تنجز التكليف أو إسقاطه به، ومن المعلوم أنه مع الدليل الاجتهادي لا يصل النوبة الى الاصول العملية. وأورد الشيخ الأعظم على تقرير الاستصحاب: بأن حرمة العمل بالظن يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبد، من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبد به ليحتاج في ذلك الى الأصل ثم إثبات الحرمة. " انتهى ". وفيه: أن حرمة الإسناد موضوعها عدم العلم بأن الحكم الكذائي كحرمة شرب التتن مما شرعه الله تعالى، وليست مترتبة، لا على عدم ورود التعبد بالظن المشكوك الطريقية، ولا على عدم العلم بورود التعبد به، بل لو ورد التعبد بطريقية ظن جاز إسناد مؤداه الى الله تعالى، ولو لم يرد أو لم يعلم وروده لكان جواز الاسناد الذي يترتب على طريقية هذا الظن منتفيا، وهو - كما ترى - أعم من حرمة الاسناد، وموضوع الحرمة أيضا - كما عرفت - هو عدم العلم بتشريع ذاك الحكم مثلا، من غير أن يترتب على عدم ورود التعبد بذاك الظن ولا على عدم العلم به، فلا يمكن إثبات هذه الحرمة من العلم بعدم ورود التعبد بهذا الظن فضلا عن عدم العلم به (2).


(1) النجم: 28. (2) ويمكن أن يقال: إن عدم طريقية الظن بنفسه نفي حكم وضعي يترتب عليه عدم جواز إسناد مؤداه - بما أنه مؤداه - الى الشارع، وكفى به في صحة الاستصحاب، وإن كان حرمة إسناد الحكم الشرعي مطلقا الى الشارع لا يترتب على هذا الاستصحاب، بل يترتب على كونه مشكوكا فيه. (منه عفي عنه). (*)

[ 44 ]

نعم، لما كان ذلك الحكم الواقعي بعد غير معلوم يحرم إسناده إليه تعالى، كما أنه لما كان غير معلوم جرى فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وعدم جواز الاكتفاء به في إسقاط التكليف القطعي، كما لا يخفى. ومما ذكرنا تعرف الخلط الواقع في كلمات المشايخ العظام تبعا للشيخ الأعظم (قدس سره). نعم، لو سلمنا ترتب حرمة الإسناد على معنى أعم من عدم ورود التعبد بالظن والشك فيه لكان الحق ما أفاده المحقق الخراساني (قدس سره)، لأن عموم دليل الاستصحاب شامل لما نحن فيه قهرا، ويرفع موضوع الشك تعبدا وحكومة. وبعد هذين الأمرين يقع الكلام في مباحث الأمارات في فصول:

[ 45 ]

الفصل الأول في حجية الظواهر لا ريب في أن ما يفهم من كلام المتكلم ويدل عليه كلامه بمقتضى وضع الألفاظ أو احتفافه بالقرينة حجة في تشخيص مراده، ويحكم عليه أنه مراده، ويكون كلامه طريقا كاشفا عنه، لسيرة العقلاء القطعية عليها واستمرارها في زمن الشارع، والمعلوم عدم طريقة مخترعة للشارع مغايرة لها. وحيث نحتمل إرادة خلاف الظاهر ولو مع عدم نصب قرينة كما إذا قال: اغتسل للجمعة - بناء على ظهور الهيأة وضعا في الوجوب - من دون قرينة أصلا فإنا نحتمل أن يريد الاستحباب ولم يذكر القرينة لمصلحة. أو قال: " أوفوا بالعقود "، أو في مقام البيان: " أحل الله البيع " فإنا نحتمل أن لا يريد ثبوت الحكم في بعض الأفراد، ولم ينصب قرينة لمصلحة يراها، فبعد ذلك لا وجه لإرجاع أصل حجية الظواهر الى أصالة عدم القرينة. كما لا وجه لإرجاعها الى اصول مختلفة مثل أصالة الحقيقة أو العموم والإطلاق، فإن ذلك لا يلائم ما عليه ارتكازنا العقلائي الذي لا نرتاب فيه، من أن مرجع الأمر في جميع الموارد الى أصل واحد، هو: " أن ما هو ظاهر كلام المتكلم فهو مراد له، وكلامه دليل عليه ". نعم، إن العمدة هو إحراز ما هو ظاهر كلامه بإحراز الألفاظ الصادرة عنه والقرائن المقالية والمقامية المحفوف بها كلامه، وهو في ما يتلقى الكلام عنه بلا

[ 46 ]

واسطة سهل، وفي ما ينقل عنه بواسطة الثقات يحرز بنقلهم، واحتمال الغفلة محكوم بالعدم بحكم العقلاء، كما أن كون الناقل ثقة ينفي احتمال تعمده في ترك نقل ما هو دخيل في ظهور الكلام. وأما احتمال القرائن المنفصلة فهو غير مضر بظهور الكلام، وإنما يوجب الفحص عنها في كلمات من كان كلامه معرضا لها، وبعد الفحص فأصالة الظهور في كلامه أيضا حجة بلا كلام. نعم، قد يتوهم المنع عن هذه السيرة شرعا بالأدلة الناهية عن اتباع غير العلم والدالة على أن الظن لا يغني من الحق شيئا، وأن القول بغير علم حرام. وسيأتي الجواب عنه عند البحث عن حجية خبر الواحد إن شاء الله تعالى. وبالجملة: فأصل حجية الظواهر مما لا ريب فيه، ولا ريب في عدم الفرق فيها بين حصول الظن الشخصي بالوفاق أو الشك الشخصي أو الظن بالخلاف، ولا بين من قصد إفهامه وغيره، لعموم السيرة في جميع لهذه الموارد. كما لا فرق في ذلك بين كلام الله والرسل والائمة (عليهم السلام) وغيرهم لذلك. إلا أنه قد يقال بعدم حجية ظواهر الكتاب المجيد. والوجوه المذكورة لهذا القول قسمان: قسم ينظر إلى أن مقتضى القواعد عدم حجيتها، وقسم آخر ناظر الى قيام دليل تعبدي نقلي عليه. أما الأول: فتارة يستند الى عدم إمكان فهمه، لاشتماله على مضامين عالية، مع أن اشتماله عليها لا ينافي حجيته في ما هو ظاهر فيه، وهو كثير، مضافا الى أن علو المضمون أيضا يرجع الى عدم وضوح المصداق، لا إلى إجمال المفهوم. واخرى إلى أن الظاهر من مصاديق المتشابه المنهي عن اتباعه، مع أن المتشابه ما كان فيه احتمالان أو أكثر شبيهان: إما بحسب المفهوم، أو بحسب المصداق مع وضوح المفهوم، والظواهر ليست عرفا مما فيها احتمالان، بل الاحتمال المفهومي العرفي فيه واحد، وأصالة الظهور تجري وتكشف عن المراد الجدي، وفي موارد تشابه المصداق، فلا مانع من انفهام المفهوم الكلي، وحجية

[ 47 ]

الظاهر فيه واسناده إلى قائله العزيز المجيد. هذا، مضافا إلى أن الاستدلال بالنهي عن المتشابه جدل محض. وثالثة الى العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظاهر من ظواهره، وهو مانع عن العمل به ما احتمل كون ظاهر من أطراف هذا العلم. وفيه: أن الإنصاف أن هذا العلم قد نشأ عن العثور على مخصصات متفرقة في السنة فهي بحيث يعلم بها تفصيلا بالفحص عنها في مظانها، ومثله ليس يمنع عند العقلاء إلا عن العمل بالظواهر قبل الفحص واليأس عن القرائن على خلافها. ورابعة الى اشتماله على التحريف والتصحيف، فلا يؤمن على ظواهره أن لا تكون كتاب الله تعالى كما أنزله على نبيه العظيم فكيف تكون حجة ؟ وفيه: أن المسلم من التصحيف الواقع فيه ليس أزيد من الذي يقتضيه اختلاف القراءات، فإن القرآن نزل على حرف واحد من عند واحد كما ورد في روايات متعددة: منها: صحيح الفضيل بن يسار " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد " (1). وبناء عليها فإذا اختلفت القراءات فلا محالة ليس القرآن الواقعي إلا واحدة من هذه القراءات ليس إلا، فسائر القراءات تحريف للقرآن عما انزل عليه، وهذا هو المذكور في معتبرة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة " (2) وهذا التحريف لا يقتضي أزيد من الأخذ بالمتيقن مما تقتضيه القراءات المختلفة إذا اختلف مقتضاها، وأما موارد عدم اختلاف القراءة أو عدم اختلاف مقتضاها فلا إشكال فيها أصلا. وأما التحريف بحذف الكلمة أو الآية والآيات فقد ادعي الإجماع على


(1 و 2) الكافي: ج 2 ص 630، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، الحديث 12 و 13. (*)

[ 48 ]

خلافه، واستدل بأدلة لفظية أيضا على عدم وقوعه. والذي يسهل الخطب ورود طوائف مختلفة من الأخبار على جواز التمسك بالقرآن الشريف - وستأتي الإشارة إليها - في عرض الأخبار عليه ورد الشرط المخالف له، الى غير ذلك، وهذا يكشف عن أن ما بأيدينا لم يقع فيه تحريف مضر بظواهره، سواء في ذلك آيات الأحكام وغيرها، فإن الخبر المخالف - مثلا - يرد، سواء كان مضمونه حكما تكليفيا أو قصة قرآنية، فانتظر. وأما القسم الثاني: فهو الأخبار الدالة على أنه ليس لغير المعصوم تفسير القرآن، وهي بالسنة مختلفة: فطائفة منها تنهى عن تفسير القرآن بالرأي، ففي صحيح الريان بن الصلت، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي... الحديث " (1). وفي خبر عمار بن موسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: " من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر " (2). وفي خبر عبد الرحمن بن سمرة: " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال " في حديث ": من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب " (3). وفي حديث قتادة مع الباقر (عليه السلام) الآتي: " يا قتادة، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت.. الحديث " (4). إلى غير ذلك. وطائفة اخرى تدل على أن أبعد الأشياء من عقول الناس تفسير القرآن، يعني: أنهم لا يتمكنون من تفسيره. ففي خبر المعلى بن خنيس قال " قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رسالة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس شئ أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن... الحديث " (5). وفي رواية جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر (عليه السلام) (في حديث): " وليس شئ


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 6 من أبواب صفات القاضي الحديث 22 و 45. (3 و 4 و 5) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 37 و 25 و 38. (*)

[ 49 ]

أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن " (1). ومثله رواية زرارة المروية عن تفسير العياشي، عنه (عليه السلام) (2). ولعل إليها يؤول ما عنه عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ليس شئ أبعد من عقول الرجال عن القرآن " (3). وطائفة ثالثة تدل على اختصاص العلم بتفسير القرآن بهم (عليهم السلام): ففي خبر سلمة بن محرز قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن من علم ما اوتينا تفسير القرآن وأحكامه... الحديث " (4). وفي الحديث المروي عن الاحتجاج، عن النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير: " علي تفسير كتاب الله.... الى أن قال: فوالله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم عن تفسيره إلا الذي أنا آخذ بيده " (5). وفي المروي عنه، عن أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنه قال: " نحن حزب الله الغالبون، وعترة نبيه الأقربون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثاني كتاب الله، فيه تفصيل لكل شئ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا نتظنى تأويله، بل نتبع حقائقه... الحديث " (6). وفي رواية سعد بن طريف المروية عن تفسير فرات بن إبراهيم، عن أبي جعفر (عليه السلام) (في حديث): " فإنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما انزل، فإذا احتاجوا الى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا " (7). واليها يرجع ما في حديث الباقر (عليه السلام) مع قتادة: " ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به " (8) فإن ما قبله قرينة واضحة على أن المراد بعرفان القرآن عرفان تفسيره، الى غير ذلك. فهذه الأخبار بكثرتها بما فيها من أخبار معتبرة في نفسها تدل على أنه ليس لأحد تفسير القرآن سوى المعصومين (عليهم السلام)، والأخذ بظاهر القرآن والعمل به من


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 41 و 73 و 69. (4) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 13. (5 - 8) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 43 و 45 و 64 و 25. (*)

[ 50 ]

مصاديق تفسيره، فلا يجوز لنا إلا بعد وروده عنهم (عليهم السلام). هذا. وفيه أولا: منع صدق التفسير على مجرد إسناد معاني الظواهر إليه تعالى والأخذ بها. ففي مجمع البيان في الفن الثالث من مقدمته: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل... الى أن قال: وقيل: الفسر كشف المغطى، والتأويل انتهاء الشئ ومصيره، وما يؤول إليه أمره. انتهى. فإذا لم يكن اللفظ مشكلا ذا أكثر من احتمال واحد أو مجملا ولم يكن على معناه غطاء فلا يصدق التفسير على حمله على معناه الظاهر منه. والمستفاد من بعض الكلمات وإن كان مرادفة التفسير للمعنى، ففي مجمع البيان: وقال أبو العباس المبرد: " التفسير والتأويل والمعنى واحد " إلا أنه خلاف ما يدل عليه أخبار متعددة، فإن المستفاد منها: أن التفسير هو بيان المصداق الذي اريد من معنى اللفظ ومفهومه، فالمفهوم الذي يدل عليه اللفظ أمر واضح كلي، إلا أن مصداقه الذي اريد منه هو تفسيره. كما ربما يستفاد منها: أن المراد بالتأويل أيضا هذا المصداق الذي اريد منه. أو أن التفسير بيان معنى هو كالبطن للقرآن الذي لا ينافي أن يكون له ظاهر وظهر. ففي صحيحة أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: * (الم غلبت الروم في ادنى الارض...) * قال: فقال: يا أبا عبيدة، إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من آل محمد (صلى الله عليه وآله)... الى أن قال: وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحيته أرجا منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون واغتموا به، فأنزل الله عز وجل بذلك كتابا قرآنا " أ لم غلبت الروم في أدنى الأرض " يعني: غلبتها فارس في أدنى الأرض، وهي الشامات وما حولها، " وهم " يعني وفارس " من بعد غلبهم " الروم " سيغلبون " يعني يغلبهم المسلمون " في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من

[ 51 ]

يشاء " عز وجل. فلما غزا المسلمون فارس وفتحوها فرح المسلمون بنصر الله عز وجل، قال: قلت: أليس الله عز وجل يقول: " في بضع سنين " وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي أمارة أبي بكر، وإنما غلب المؤمنون فارس في أمارة عمر ؟ ! فقال: ألم أقل لكم إن لهذا تأويلا وتفسيرا، والقرآن يا أبا عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع لقول الله عز وجل: " لله الأمر من قبل ومن بعد " يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول الى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عز وجل: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " أي يوم يحتم القضاء بالنصر (1). فتراه (عليه السلام) قد بين المصداق الذي اريد من الغلبة في قوله تعالى: " وهم من بعد غلبهم سيغلبون " بأن المراد منها: هي الغلبة المتحققة في أمارة عمر، وأن قوله تعالى " لله الأمر من قبل ومن بعد " اريد منه ما نعبر عنه بالبداء، وقد حصل هذا البداء في ما دل عليه قوله " بضع سنين "، فإن البضع أقل من عشر، وقد وقعت هذه الغلبة بعد أكثر من عشر سنوات، فقد بدا لله تعالى في البضع، وغلب المؤمنون فارس في أمارة عمر. وكيف كان فقد سمى هو (عليه السلام) هذا البيان للمصداق تفسيرا وتأويلا وهو (عليه السلام) قد ذكر في أول الكلام: " أن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم " وأشار إليه وأكده ثانيا في آخر مقاله بقوله: " ألم أقل لك إن لهذا تأويلا وتفسيرا "، ففي كلامه (عليه السلام) دلالة واضحة على وحدة المراد بالتفسير والتأويل، وهي مما يحتمله لفظهما، إذ التأويل ما يؤول إليه أمر الشئ، وهو المصداق الذي يراد من المفهوم، والتفسير هو كشف المغطى، والمصداق يكشف الغطاء عن الإبهام الذي في المفهوم من هذه الجهة. ثم إن الظاهر أن هذا التفسير منه (عليه السلام) مبني على أن القراءة " سيغلبون " مبنيا للمجهول، وإلا فلو كان مبنيا للفاعل كما هي القراءة المعروفة فلا محالة يرجع


(1) الكافي كتاب الروضة: ص 269 - 270، الحديث 397. (*)

[ 52 ]

الضمير المنفصل أول الجملة وضمير نائب الفاعل كلاهما الى الروم، كما أفاده المفسرون، فراجع. وفي رواية زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة ؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (عليه السلام): بلغني أنك تفسر القرآن، فقال له قتادة: نعم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): بعلم تفسره أم بجهل ؟ قال: لا بعلم، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت، وأنا أسألك، قال قتادة: سل، قال: أخبرني عن قول الله عز وجل في سبأ " وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين " - وفيها ما حاصله: أن قتادة فسر " آمنين " بمن يخرج الى بيت الله بزاد وكري حلال، وأبطله الإمام (عليه السلام) ثم فسره (عليه السلام) بمن يخرج من الشيعة الى البيت وأنه آمن يوم القيامة، ثم فيها -: قال قتادة: لا جرم والله لا فسرتها إلا هكذا، فقال أبو جعفر (عليه السلام)، ويحك يا قتادة ! إنما يعرف القرآن من خوطب به (1). فتراه (عليه السلام) قد سأل عن تفسير الجملة الظاهرة في قوم سبأ، وفسره بمن يخرج من الشيعة الى بيت الله الحرام، ولا يكون هذا إلا من قبيل بيان البطن، ومنه تعرف أنه لا داعي الى دعوى سقوط جملات من الحديث كما في الوافي، فراجع روضة الوافي باب تفسير الآيات. وفي خبر جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شئ من التفسير فأجابني، ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا ؟ فقال: " يا جابر، إن للقرآن بطنا، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر، وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية يكون أولها في شئ وآخرها في شئ وهو كلام متصل يتصرف على وجوه " (2).


(1) روضة الكافي: 311 - 312، الحديث 485، وأخرجه عنه الوسائل مختصرا في 25 / 13 صفات القاضي. (2) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 41 و 74 و 50. (*)

[ 53 ]

وعن تفسير العياشي، عن جابر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " يا جابر، إن للقرآن بطنا وللبطن ظهرا، وليس شئ أبعد من عقول الرجال منه الحديث " (1). فترى هذه الرواية قد جعل بطن القرآن من تفسير القرآن، إلا أن سندها ضعيف. وفي خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " تفسير القرآن على سبعة أوجه: منه ما كان ومنه ما لم يكن بعد، تعرفه الأئمة " (2). فتوصيفه (عليه السلام) للتفسير بما كان ظاهر في أن المراد به هو المصداق الذي بتحققه يكشف الغطاء عن وجه كلية المفهوم وإبهامه ويفسره. وبالجملة م: فهذه الروايات ونظائرها تدل على أن التفسير ليس مجرد الأخذ بظواهر الكلام، فلا تدل الأخبار المانعة عن التفسير، فضلا عن الأخبار المانعة عن التفسير بالرأي التي فيها دلالة على إعمال الرأي في التفسير، وهو إنما يكون في مثل بيان المصداق، فلا تدل هذه الروايات على المنع عن الأخذ بظواهر الكلام. وثانيا: أن هنا أخبارا كثيرة تدل على حجية ظواهر الكتاب المجيد بنفسها، وهي على طوائف: منها: ما وردت في وجوب الأخذ بما وافق الكتاب وترك ما خالفه، فإنه لا يكون إلا إذا كان ما يفهم من الكتاب حجة تقاس به معاني الأخبار، وهي أخبار كثيرة: ففي صحيحة هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خطب النبي (صلى الله عليه وآله) بمنى، فقال: " أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله " (3). وفي موثق جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في حديث: " إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 13 من أبواب صفات القاضي الحديث 74 و 50. (3) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 15. (*)

[ 54 ]

كتاب الله فدعوه " (1). ومثله موثقة السكوني عنه (عليه السلام) (2)، إلا أنه نقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي موثقة أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف " (3)، الى غير ذلك (4). ومنها: ما ورد في أن موافقة الكتاب من المرجحات لدى تعارض الأخبار، وبيان دلالته كما في سابقه. ففي صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: قال الصادق (عليه السلام): " إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه... الحديث " (5). الى غير ذلك (6). ومنها: ما ورد في أن كل شرط خالف كتاب الله فلا يجوز. ففي صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز " (7) الى غير ذلك (8). وتقريب الدلالة فيها كسابقها. ومنها: ما ورد في باب الحدود: من أن مجرد قراءة آية حرمة الكبيرة كاف لثبوت الحد. ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لو أن رجلا دخل في الإسلام وأقر به ثم شرب الخمر وزنى وأكل الربا ولم يتبين له شئ من الحلال والحرام لم اقم عليه الحد إذا كان جاهلا، إلا أن تقوم عليه البينة أنه قرأ السورة التي فيها


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 35 و 10 و 12. (4) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 14 و 18 و 37 و 47. (5 و 6) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 29 و 11 و 19 و 21 و 40 و 48. (7) الوسائل: الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 2. (8) الوسائل: الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 1 و 3 و 4، والباب 38 من أبواب المهور، الحديث 2 الى غير ذلك. (*)

[ 55 ]

الزنا والخمر وأكل الربا، وإذا جهل ذلك أعلمته وأخبرته، فإن ركب بعد ذلك جلدته وأقمت عليه الحد " (1). وفيه دلالة واضحة: أن ظهور الآيات الدالة على حرمة تلك الأعمال حجة على من يعرف اللسان العربي، وقد اطلق عليه العلم وجعله موجبا للخروج عن عنوان الجاهل بمجرد قراءة السورة التي هي فيها، ومن الواضح أن القراءة لا موضوعية لها، بل هي طريق للالتفات الى معناها الظاهر فيها. وفي موثقة ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: شرب رجل الخمر على عهد أبي بكر، فرفع الى أبي بكر، فقال له: أشربت خمرا ؟ قال: نعم. قال: ولم وهي محرمة ؟ قال: فقال له الرجل: إني أسلمت وحسن إسلامي ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلون، ولو علمت أنها حرام اجتنبتها. فالتفت أبو بكر الى عمر فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل ؟ فقال عمر: معضلة وليس لها إلا أبو الحسن، فقال أبو بكر: ادع لنا عليا، فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته، فقام والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى أتوا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخبراه بقصة الرجل، وقص الرجل قصته، فقال: ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، ففعلوا ذلك به فلم يشهد عليه أحد بأنه قرأ عليه آية التحريم، فخلى سبيله، فقال له: إن شربت بعدها أقمنا عليك الحد (2). ومنها: ما ورد من استدلالهم (عليهم السلام) لاثبات الحكم الذي يقولونه بظواهر الكتاب، فإنه ظاهر في أن الاستدلال بها إنما وقع بما أن للآية بنفسها ظهورا ومفهوما قابلا للاستدلال به، لا بما أن تفسيرهم (عليهم السلام) لها دليل على معناه. فهذه الأخبار تدل على أن ظواهر الكتاب حجة قابلة للاستناد إليها، بل في بعض هذه الأخبار إرجاع للرواة الى أن يستندوا الى تلك الظواهر، مثل ما في


(1) الوسائل: الباب 14 من أبواب مقدمات الحدد، الحديث 1. (2) الوسائل: الباب 14 من أبواب حد المسكر، الحديث 1. (*)

[ 56 ]

رواية عبد الأعلى مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء ؟ قال: " يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) *، امسح عليه " (1). وهذه الأخبار كثيرة جدا متفرقة في الأبواب، مثل قول أبي عبد الله (عليه السلام) حيث سأله إسحاق بن عمار عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها عبد ثم طلقها، هل يهدم الطلاق ؟ قال (عليه السلام): " نعم، لقول الله عز وجل في كتابه: * (حتى تنكح زوجا غيره) *، وقال: هو أحد الأزواج " (2). فتراه استدل: بإطلاق لفظة " زوجا " في الآية المباركة. ومثل رواية الحسن الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها رجل متعة أتحل للأول ؟ قال: " لا، لأن الله يقول: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها...) *، والمتعة ليس فيها طلاق " (3). فتراه أنه (عليه السلام) استدل بظهور الآية في لزوم الطلاق في النكاح المحلل على عدم كفاية نكاح المتعة في التحليل، وهو استدلال بظاهر الكتاب دقيق، وفيه إرشاد الى الدقة في الاستفادة من ظواهر الكتاب المجيد. وبالجملة: فهذه الأخبار كثيرة متفرقة - كما أشرنا إليها - مذكورة في بعض احتجاجات الأئمة (عليهم السلام) وغيرها، وملاحظتها تنفي أي شك في حجية ظواهر الكتاب، مضافا إلى ما عرفت من سائر طوائف الأخبار التي أشرنا إليها، فبحمد الله لا يبقى شبهة في حجية ظواهر الكتاب الكريم، مثل ظواهر السنة المباركة، وفقنا الله تعالى للاستضاءة بأنوارهما.


(1) الوسائل: الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5. (2) الوسائل: الباب 12 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1. (3) الوسائل: الباب 9 من أقسام الطلاق، الحديث 4. (*)

[ 57 ]

نعم، لا شبهة في أنها قابلة للتخصيص، والحمل على خلاف الظاهر بالسنة الثابتة عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، ولذلك فهي مثل سائر الظواهر لا يجوز الرجوع إليها قبل الفحص عما يوجب حملها على خلاف ظاهرها في سائر الآيات والأخبار المعتبرة، فبدون الرجوع الى الأخبار لا يجوز العمل بها، فضلا عن عدم الاعتناء بالسنة المعتبرة التي فيها قرينة على إرادة خلاف الظاهر، كما كان كذلك يفعله أمثال أبي حنيفة من العامة العمياء، وإليه ينظر ما عن الصدوق في العلل في ما رواه بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث فقال: أين أبو حنيفة ؟ فقيل: هو ذا أصلحك الله، فقال: أنت فقيه أهل العراق ؟ قال: نعم، قال: فبما تفتيهم ؟ قال: بكتاب الله وسنة نبيه. قال: يا أبا حنيفة، تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة، لقد ادعيت علما - ويلك - ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين انزل عليهم ! - ويلك، ولا هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا (صلى الله عليه وآله) ما ورثك الله من كتابه حرفا... الحديث. فمثل هذا الحديث لم يرد في عدم حجية ظواهر الكتاب، بل في عدم جواز الاستقلال في الاستفادة منها من دون رجوع إليهم (عليهم السلام)، كما كان يفعله أبو حنيفة القائل في صدر هذا الحديث: " ما يعلم جعفر بن محمد ؟ ! أنا أعلم منه، أنا لقيت الرجال وسمعت من أفواههم، وجعفر بن محمد صحفي أخذ العلم من الكتب " (1). تنبيه: قد علم مما مر حال اختلاف القراءات، فإن القرآن - كما عرفت - واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل اختلاف الرواة، وعليه فالقراءات المختلفة ليس القرآن إلا إحداها، فإذا اتحدت مضامينها فلا كلام، وإلا كان من باب اشتباه الحجة باللاحجة، يؤخذ بالمتيقن منها لو كان، وإلا فليس شئ منها حجة على خصوص معناها، ولا يجري فيه العلاج المذكور في الأخبار العلاجية، فإنه أمر تعبدي يقتصر فيه على مورده من الأخبار المتعارضة، والله العالم.


(1) علل الشرائع: الباب 81، الحديث 5 ص 89. (*)

[ 58 ]

الفصل الثاني حول قول اللغوي لا ريب في حجية التبادر لتشخيص المعنى الظاهر للألفاظ، سواء كان مستندا الى حاق اللفظ أو إلى القرينة، فإنه سبب يوجب العلم بالظهور، وقد عرفت أن الظاهر حجة، سواء أكان معنى حقيقيا أم لا. وأما قول اللغويين فالظاهر عدم حجية مجرد قولهم، فإن غاية الأمر أنهم أهل خبرة بموارد الإطلاق، ولا نسلم كونهم أهل خبرة بالمفاهيم المستعملة فيها الألفاظ، فضلا عن كونهم أهل خبرة بحقائق الألفاظ ومجازاتها، فأنت تراهم يفسرون التبحر في العلم - مثلا - بالتعمق والتوسع فيه، مع أنه لا يبعد دعوى أن معناه المستعمل فيه هنا هو صيروة الشخص بحرا، كما يفسرون " برز الرجل " بقولهم: " كان عفيفا موثوقا بعقله ورأيه " مع أنه لا يبعد أن يكون أصل معناه المستعمل فيه صيرورته بارزا ظاهرا تراه الأعين في أول نظرة، وهكذا... إلا أنه مع ذلك كله فلا ريب في أن كلمات اللغويين تعين على فهم معاني الألفاظ وحصول العلم بظواهرها، كما لا يخفى على المتفطن. وقد يقرر الاستدلال بأن اللغوى عالم باللغة، وبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم. أقول: والحق أن هذا البناء من العقلاء وإن امضى شرعا، بمثل قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وبادلة اخرى، إلا أن اللغوي - كما عرفت - ليس عالما بأصل المعنى.

[ 59 ]

الفصل الثالث الإجماع المنقول وهل هو حجة لعموم أدلة حجية الخبر الواحد ؟ والحق أن سر حجية الإجماع المحصل هو كشفه عن قول المعصوم (عليه السلام)، أو عن دليل معتبر سندا ودلالة لم ينقل الينا، وطريق هذا الكشف هو اتفاق العلماء المحصلين الذين لا يفتون بشئ إلا عن حجة معتبرة، فمتى حصل لأحد من اتفاقهم - مع ملاحظة خصوصيات المورد - علم قطعي برأي المعصوم أو بدليل معتبر كان حجة، وفي الحقيقة الحجة هو علمه بالحكم الواقعي أو بالدليل، وقد عرفت حجية القطع في بابه. وأما الإجماع المنقول فلا ريب في دلالته على حصول العلم بالحكم الواقعي أو الظاهري لحاكيه، وظاهره أن مستنده هو فتوى الفقهاء، فمع ملاحظة خصوصيات المسألة وخصوصية الناقل فكل ما يدل عليه ظاهر كلامه من العثور على فتوى العلماء عن حس يمكن أن يكون كلامه حجة فيه بمقتضى أدلة حجية الخبر الواحد، فإن كان هذا المقدار كافيا عند المنقول إليه للكشف عن رأي المعصوم أو الدليل المعتبر فهو، وإلا فلو انضم الى أمارات اخر يكون مجموعها ملازما عنده لرأي المعصوم أو دليل معتبر يأخذ به ويكشف عن رأيه أو عن الدليل، وذلك أن خبر الواحد وسائر الأمارات - في ما كانت حجة - طرق تهدي الى الواقع، وكما أنها طرق الى نفس مؤداها، فهكذا تكون طرقا الى لوازمه

[ 60 ]

وملزوماته وملازماته، ويكفي في اعتبارها الشرعي أن تصل الى حكم أو موضوع شرعي ولو بوسائط وضمائم وانضمام امور وجدانية قطعية، وطرق معتبرة شرعية ربما تنتج حصول طريق الى أمر شرعي، وهو كاف في طريقيتها الشرعية، والطريق - كما عرفت وربما يأتي - قوامه بمجرد الطريقية، ولا حاجة له الى تنزيل له منزلة العلم، أو تنزيل مؤداه منزلة الواقع، فمهما أوصل الى حكم أو دليل شرعي - ولو بانضمام ضمائم اخر - كان طريقا ومعتبرا، وإلا فلا، والعمدة نظر المنقول إليه هنا، فتدبر جيدا. ومنه يعلم الكلام في نقل التواتر، فإنه حجة إذا كان المنقول بمقدار يكفي لحصول التواتر عند المنقول إليه، واحتمل استناد الناقل فيه الى مباد محسوسة، كما لا يخفى.

[ 61 ]

الفصل الرابع الشهرة في الفتوى يستدل لحجيتها: تارة بقياس الأولوية المسمى خطأ بمفهوم الموافقة. واخرى بمرفوعة زرارة: إما لعموم الموصول في قوله: " خذ بما اشتهر بين أصحابك "، وإما لدلالة الصلة على أن تمام ملاك الحجية هو الاشتهار بين الأصحاب. وثالثة بقوله (عليه السلام) في المقبولة: " فإن المجمع عليه لا ريب فيه "، لأنه تعليل عام لما نحن فيه بعد ما كان المراد منه المشهور. ورابعة بالتعليل ذيل آية النبأ، حيث يدل على أن ملاك الرد هو أن العمل بالشئ كان سفاهة، وحيث إن سماع المشهور لا سفاهة فيه، فلابد وأن يكون حجة شرعية وطريقا معتبرا. وأنت تعلم أن الأولوية ممنوعة، ولو سلمت فهي ظنية كما أفادوه. ولا عموم في الموصول كما يعرف بالمقايسة الى نظائرها من العبارات، ولا يدل على أن تمام الملاك هو مجرد الاشتهار، بل لعله تعبد في مورد تعارض الأخبار. ومثله الكلام في المقبولة، فإن ظاهر الإجماع على شئ هو اتفاق الكل عليه، وهو مما يتصور في الخبرين المتعارضين وإن لم يتصور في الفتاوى المتعارضة، مضافا الى عدم وضوح إرادة العموم، بل المتيقن منه هو المجمع على نقله من

[ 62 ]

الأخبار، ولا يشمل الفتوى المجمع عليها، فإن تواتر النقل يوجب القطع بتحقق المنقول، ولا كذلك في الفتوى المبتنية على إعمال الاجتهاد. نعم، لو سلم إرادة الشهرة من الإجماع وعمومها أيضا لسائر الموارد فتفسير قوله: " لا ريب فيه " بما لا ريب فيه بالإضافة الى غيره - كما في تقرير العلامة النائيني (قدس سره) - خلاف للظاهر، فإن نفي الجنس ظاهر في عموم السلب، غاية الأمر أن يكون ادعائيا، فحمله على أن كل ما لم يكن فيه ريب خاص بالنسبة الى عدله فهو حجة، خلاف الظاهر جدا. وأما ذيل آية النبأ فقد يجاب (1): بأن غاية ما يقتضيه عدم جواز الأخذ بما فيه سفاهة، لا وجوب الأخذ بكل ما ليس فيه سفاهة ولا جهالة. وبعبارة اخرى: إن التعليل يقتضي تعميم حكمه الى جميع موارد العلة، لا نفي حكمه عما لم تكن فيه هذه العلة، فلعله كان فيه علة غير هذه العلة، فإن الدلالة على أصل العلية غير الدلالة على انحصارها، هذا. أقول: إن آية النبأ - كما تأتي - قد وردت في مقام بيان العمل بالخبر بما أنه طريق الى مؤداه، فإذا سلم أن العمل بشئ - بما أنه طريق - ليس مصداقا للسفاهة والجهالة، فهو مساوق لتسلم طريقيته وحجيته، ففي ما يراد العمل به بما أنه طريق فأمره دائر بين أن يكون العمل به واتباعه سفاهة وجهالة ولا يكون طريقا، وأن لا يكون اتباعه والمشي عليه سفاهة، فلا محالة يكون طريقا عقلائيا يجب اتباعه. فالحق في الجواب: أنه لما كان طريقية الشهرة الفتوائية غير محرزة فكون اتباعها خارجا عن السفاهة أول الكلام، كما لا يخفى. وهاهنا وجه خاص لحجية الشهرة، وهو: حصول الحدس القطعي منها برأي المعصوم (عليه السلام)، وهو إنما يتصور في ما كانت الشهرة على خلاف مقتضى القواعد


(1) كما عن المحقق العراقي (قدس سره). (*)

[ 63 ]

والعمومات مثلا، أو كان موردها أمرا لا طريق إليه إلا التعبد الشرعي، فذهاب جم غفير من الفقهاء المحققين من أصحابنا الأخيار إليه - ولا سيما إذا كانوا قريبي العصر من المعصومين (عليهم السلام) - ربما كان موجبا للقطع برأي المعصوم (عليه السلام)، أو بوصول مضمون خبر معتبر إليهم لم ينقل إلينا، وكيف كان فهو حدس لا يمكن إنكاره بالمرة، إلا أنه مختص بمن يحصل له، والله الهادي الى الصواب. هذا كله في الشهرة في الفتوى من حيث طريقيتها بنفسها. وأما استناد المشهور واستدلالهم في الفتوى بحديث فهل هو جابر لضعف سنده ؟ فهو أيضا مبني على الحدس به عن إحرازهم لا عتبار سنده، بعد العلم بأنهم لا يرون كل خبر حجة، بل قد شرطوا لحجية الأخبار شرائط كثيرة لا ريب معها في حجيتها. كما أن إعراضهم عن العمل بحديث معتبر السند كان بين أيديهم فيه دلالة واضحة على عثورهم على علة فيه منعتهم عن العمل به، والعقلاء لا يرون مثله حجة وطريقا، وكلما ازداد صحة ازداد وهنا، والله العالم.

[ 64 ]

الفصل الخامس خبر الواحد والمراد منه: ما لا علم بصدوره وصدقه وإن كان المخبر أكثر من واحد، والمقصود هنا: أنه إذا أخبر من لا يعلم بصدقه بشئ فهل يكون خبره حجة وطريقا الى هذا الشئ ؟ وهذا البحث هو الذي يقوم به أساس الاستنباطات الفقهية، لأن أكثرها - لولا جميعها - متقومة بالأخبار الغير العلمية المروية عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين، فلا ريب في كونه من أعظم المسائل الاصولية. وكيف كان فقد نسب إلى جمع من الأصحاب - كالسيد المرتضى وابن إدريس وصاحب مجمع البيان - القول بعدم حجية خبر الواحد، كما أنه قد نسب الى المشهور منهم حجيته. والنافون يقولون بعدم حجية شئ من الأخبار الناقلة للأحكام إلا ما أوجب منها العلم، والمثبتون يرون حجية قسم منها على خلاف بينهم في شرائطه. ويمكن الاستدلال للنافين بالأدلة الأربعة: فمن الكتاب: الآيات الواردة في النهي عن اتباع غير العلم، وهي على - ما مرت الاشارة إليه في اوائل مباحث الظن - على ثلاث طوائف: الاولى: ما دلت على المنع عن القول بغير علم: إما بالتصريح به كما في قوله

[ 65 ]

تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن... وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (1). وإما بمثل التوبيخ على من قال على الله بغير العلم، كما في آيات متعددة، منها قوله تعالى: * (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون) * (2). وأما بعده مما يأمر به الشيطان وخطواته التى نهى عن اتباعها كما في قوله تعالى: * (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (3). وجه الاستدلال بهذه الطائفة: أن من لوازم طريقية الظنون التي منها خبر الواحد إسناد مفادها الى الله تعالى إذا كانت مشتملة على الحكاية عن أحكامه تعالى، وقد نهت هذه الآيات عن القول على الله والإسناد إليه بغير علم، فتدل على عدم طريقية خبر الواحد. الطائفة الثانية: ما دلت على المنع عن اتباع غير العلم: إما بنحو العموم كما في قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (4)، وإما بالتطبيق على بعض المصاديق كما في قوله تعالى: * (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم) * (5)، فقد جعل عبادة غير الله تعالى التي من أعظم المعاصي عبادة ما لا علم بجوازه، وهي عبارة اخرى عن الاتباع العملي لغير العلم. وبالجملة: فهذه الطائفة تدل على المنع عن اتباع غير العلم، وهو عنوان عام للعمل بغير العلم وترتيب الأثر العملي عليه، وللقول بما لا علم به، فإن إسناد ما ليس به علم إلى الله تعالى - مثلا - نحو اتباع له. ويظهر هذا العموم من بعض الآيات المباركة: فقد قال تعالى في عداد خطيئات اليهود: * (وقولهم إنا قتلنا


(1) الأعراف: 33. (2) يونس: 68. (3) البقرة: 168، 169. (4) الإسراء: 26. (5) الحج: 71. (*)

[ 66 ]

المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا) * (1). فقد جعل قولهم بقتل المسيح اتباعا للظن ولما ليس لهم به علم. الطائفة الثالثة: وردت على عنوان الظن: إما بأنه لا يغني من الحق شيئا، وإما بالنهي والزجر عن اتباعه، فقد ورد في أهل الشرك قوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (2) وقوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) * (3) وقال تعالى في بعض إختلاقاتهم: * (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى * ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (4). الى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة جدا، وقد دلت الآية الأخيرة على أن اتباع الظن شامل لبعض الأقوال الباطلة والاختلاقات الكاذبة، كما في آية النساء وغيرها أيضا. وبيان الاستدلال بجميع الطوائف واضح، فإن كل أمارة ظنية - خبرا كانت أو غيره - مصداق للظن وغير العلم، فالقول به واتباعه غير جائز ولا يجوز الاستطراق به، فإنه لا يغني من الحق شيئا. والحق أن في نفس هذه الآيات المباركات قرائن واضحة تشهد بأن المراد بما ليس به علم وبغير العلم وبالظن معنى مقابل الطرق المعتبرة العقلائية، فلا دلالة فيها على المنع عن العمل بالطرق العقلائية أصلا. ويمكن تقسيم هذه القرائن الى أقسام ثلاثة، وقبل بيانها لا بأس بذكر نكتة، هي: أن أكثر هذه الآيات واردة في مسألة الإشتراك بالله تعالى، كما مرت الإشارة الى ذيل بعضها، ومن هنا نتمكن أن نستفيد من سائر الآيات الواردة في هذا المضمار فنقول:


(1) النساء: 157. (2) يونس: 36. (3) النجم: 23. (4) النجم: 27 - 28. (*)

[ 67 ]

القرينة الاولى: أنه قد جعل اتباع الظن أو غير العلم عديلا للخرص والتخمين، وأنه هو، فقال تعالى: * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) * (1). وقال تعالى: * (وما يتبع الذين يدعون من دونه شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) * (2) وقال تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون * وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) * (3). إلى غير ذلك من الآيات. فقد حكم تعالى واحتج عليهم بأن أعمالهم وأقوالهم مبتنية على مجرد الخرص والمظنة، ليس لهم على ذلك علم وحجة، فلذلك لا اعتبار بقولهم ولا فعلهم، فهي شاهدة على أن المراد بعنوان الظن وعدم العلم هو ما كان عديلا للخرص، ولا يعم الحجج العقلائية أصلا. القرينة الثانية: أنه تعالى في نفس هذه الآيات وغيرها في مقام الاحتجاج عليهم وإبطال اختلاقاتهم قد حكم واحتج عليهم بأنه لا سلطان لهم على ما يقولون، والسلطان هو ما يوجب السلطة والغلبة على الخصم إذا استعمل في مقام المحاجة، ومن الواضح أن نفي السلطان عنهم يستفاد منه أنه ليس بأيديهم ما يعدونه أنفسهم سلطانا، وليس لهم ما يرونه أنفسهم سلطانا، فلإنه الذي يوجب تمام الاحتجاج، ولا يراد به أنه لا يقبل سلطانهم ولو كان عندهم سلطان، بل لا سلطان لهم. وبالجملة: فتدل الآيات على أنه لو كان بيدهم سلطان لما قامت عليهم حجة. فهذه الطريقة قرينة على أن المراد بغير العلم وبالظن هو ما لا يكون عند


(1) الأنعام: 148 - 149. (2) يونس: 66. (3) الزخرف: 20 - 21. (*)

[ 68 ]

العقلاء سلطانا، فلا محالة لا تعم الآيات النهي عن اتباع الطرق العقلائية التي هي من مصاديق السلطان والحجج العقلائية. فمن هذه الآيات: ما مر من قوله تعالى في سورة يونس: " إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون "، أفتراه تعالى بعد ما قرر عليهم أنه ليس عندهم سلطان على ما يقولون حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، فلو كان عندهم سلطان وحجة عقلائية لكان قولهم قولا بالعلم. ومنها: مر من قوله تعالى في سورة النجم: " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى "، فقد حكم عليهم بأن إشراكهم بالله بأصنامهم مجرد تسمية منهم ومن آبائهم من دون أن يقوم عليها سلطان، وبعد ذلك لم يرهم لائقين للخطاب، فإنهم يتبعون أهواء أنفسهم ومجرد ظنونهم وخيالاتهم، مع أنه قد جاءهم من ربهم الهدى، وإسناد السلطان بأنه ينزل من الله ليس أزيد من أن الأدلة والحجج هدايات من الله تعالى وإرشادات من ناحيته، لا أنه تقييد في إطلاق السلطان، ولهذا فليس بين هذا التوصيف وبين إطلاق آية يونس تناف ولا تهافت ولا تغاير. ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن احتجاج هود (عليه السلام) على قومه: * (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان) * (1)، وقوله تعالى حكاية عن احتجاج يوسف على صاحبيه في السجن: * (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * (2). القرينة الثالثة: أنه تعالى طلب من المشركين وغيرهم في آيات متعددة أن يأتوا ببرهانهم على قولهم، ومن الواضح أن المطلوب منهم هو أن يأتوا بما يعد عندهم برهانا، وأنه لو كان عندهم برهان على ما يقولون لما قامت عليهم حجة،


(1) الأعراف: 71. (2) يوسف: 40. (*)

[ 69 ]

فحديث تبعية الظن وغير العلم لا يراد منه إلا ما كانت تبعية للظنون والخيالات والأهواء، مما لا يكون مصداقا للبراهين العقلائية، دون ما كان من قبيل الأخذ بالظواهر وإخبار الثقات والبينات مما هو من أوثق البراهين. فمن هذه الآيات: قوله تعالى: * (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم) * (1)، وفي سورة النمل: * (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * (2)، وفي سورة القصص: * (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل امة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم) * (3). وقوله تعالى في سورة البقرة: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * (4). ونظير هذه الآيات قوله تعالى في سورة المؤمنون: * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له فإنما حسابه عند ربه) * (5). فهذه الآيات دالة بالوضوح على أن ما كان عليه برهان فهو مقبول عند الله وسفرائه، وجرت سنة الله على قبوله، والبرهان هو الدليل الواضح كما يستفاد من اللغة، ومعلوم أنه ليس المراد به مصطلح أهل المنطق والمعقول، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين ليهتدي به الناس كافة، فيكون بلسانهم لا بلسان طائفة من علمائهم. وهنا قرينة رابعة: هي ما مر من قوله تعالى في سورة الأنعام: * (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة) * (6)، فإن اختصاص الله تعالى بأن له الحجة البالغة دليل واضح على أن الظن أو الخرص إنما لا يعتنى به لأنه ليس فيهما أي حجة، فلو كان في البين حجة - وهي لا محالة - تبلغ إثبات المرام لما كان ريب في صحة الاستناد إليها. وبالجملة: فالرجوع الى الآيات الكريمة تهدينا الى أنه لو كان للإنسان دليل


(1) الأنبياء: 24. (2) النمل: 64. (3) القصص: 74 - 75. (4) البقرة: 111. (5) المؤمنون: 117. (6) الأنعام: 148 - 149. (*)

[ 70 ]

عقلائي وحجة وبرهان على شئ فهو مقبول منه، وحجة له، والمراد بالظن وما ليس به علم وأمثال ذلك إنما هو مالا حجة عقلائية عليه، والطرق العقلائية حجج وبراهين عندهم، فهي ليست من الظنون ولا مما ليس به علم، بل كما أن العقلاء أنفسهم يعبرون عن هذه الطرق بأسباب العلم فكذلك هي في القرآن الشريف أيضا ليست من مصاديق الظنون، فلا تدل الآيات على الردع عن الطرق العقلائية أصلا، بل تدل على حجيتها كحجية العلم بما هي من الأسباب المورثة له، كما لا يخفى. وبعد ما عرفت فلا حاجة ولا يصح الجواب عنها بأنها عمومات مخصصة بأدلة حجية الأخبار - كما في رسائل الشيخ الأعظم (قدس سره) - إذ لا عموم لها كما عرفت، ولو كان لها عموم فكيف يخصص مثل قوله تعالى: " إن الظن لا يغني من الحق شيئا ". أو بأن المتيقن منها غير صورة انسداد باب العلم بالأحكام - كما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره) - فإن المدعى الحجية الأخبار يقول بها حتى في زمان انفتاح باب العلم وزمن أئمة الدين (عليهم السلام) أيضا. أو بأن أدلة اعتبار الخبر حاكمة عليها، إما لدلالتها على أن مؤدى الخبر بمنزلة الواقع - كما في الدرر - أو لدلالتها على أن الظن الحاصل منه علم في عالم التشريع - كما في تقريرات العلامة النائيني - فإن الحكومة قوامها بلسان الدليل الحاكم، وليس فيها أثر من شئ من نحوي الحكومة، ومثل قوله (عليه السلام): " ما أدى عني فعني يؤدي " (1) ليس أزيد من التأكيد على صدقه، كما يراه العقلاء أنفسهم أيضا في أخبار الثقات، وسيأتي توضيحه إنشاء الله تعالى. أو بان المتيقن منها الاصول الاعتقادية - كما في الكفاية - فإنه مبني على أن من مقدمات الإطلاق أن لا يكون قدر متيقن في مقام التخاطب، وهو ممنوع، مضافا الى أنه كيف ينكر عموم مثل قوله تعالى: " إن الظن لا يغني من الحق


(1) الوسائل: ج 18 ص 99 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، باختلاف يسير. (*)

[ 71 ]

شيئا "، فإن مفهومه أن طبع الظن أنه لا يغني من الحق شيئا، وواضح أنه لا اختصاص في الامور الاعتقادية به أصلا، بل هي والأحكام العملية في ذلك سواء، كما هو واضح. الى غير ذلك من ما هو مذكور في كلماتهم. نعم، يصح الجواب عنها بأن المراد بغير العلم أو الظن ما لا قطع به ولا طريق عقلائي عليه، فإن العقلاء يعبرون عن موارد الطرق العقلائية أيضا بالعلم، فلا يعم الآيات موارد الطرق المعتبرة العقلائية، وتكون هذه الطرق خارجة عنها بالتخصص أو الورود. فهذا الجواب صحيح إلا أن ما فصلناه هو الأساس لهذا الجواب أيضا. والحمد لله تعالى رب العالمين. هذا. ولو قطع النظر عن هذا الجواب لكان إطلاق الآيات الذي يكون حجة بأصالة الظهور حاكما على جميع موارد الظنون بعدم جواز اتباعها، وكان رادعا عنها بلا إشكال، إذ الردع بها لا يتوقف إلا على سؤال ظهورها الإطلاقي الذي يكون حجة بأصالة الظهور، كما لا يخفى. هذا كله حول الاستدلال بآيات الكتاب. وأما السنة: فقد استدل بأخبار كثيرة زعم دلالتها على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور، إلا إذا احتف بقرينة معتبرة من كتاب أو سنة معلومة. وتحقيق حال هذه الأخبار أنها بألسنة مختلفة. فطائفة منها تدل على أن اعتبار الخبر منوط بأن يكون معه أمارة الصدق كموافقة الكتاب. ففي صحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: " أن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه " (1). ومثله موثقة السكوني، عنه (2) (عليه السلام)، إلا أنه نقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).


(1 و 2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 35 و 10 و 18. (*)

[ 72 ]

وفي مرسلة ابن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: " إذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به، وإلا فقفوا عنده، ثم ردوه الينا حتى يستبين لكم... الحديث " (1). والإنصاف أن الصحيحة والموثقة دلتا على أن كل حق فعليه أمارة دالة على أنه حق، ودلتا على أن من مصاديق هذه الأمارة كون الشئ موافقا لكتاب الله، إلا أنهما لم تدلا على انحصار الأمارة في موافقة الكتاب، وحينئذ فلا بأس بأن يكون من مصاديقها كون الناقل والراوي له ثقة معتمدا عليه، الذي قال المعصوم في بعض أفراده: " ما أدى عني فعني يؤدي ". وأما المرسلة فهي باطلاقها تشرط الأخذ بالحديث بموافقة الكتاب، إلا أنها غير معتبرة السند، وقابلة للتقييد بما إذا لم يكن راويه بشرائط القبول. وطائفة ثانية من هذه الأخبار يقرب مضمونها لمضمون الطائفة الاولى، إلا أنها واردة في الأخبار المتعارضة، مثل ما رواه ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به ؟ قال: " إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلا فالذي جاءكم أولى به " (2). ومثله خبر الحسن بن الجهم المروي عن الاحتجاج (3). والظاهر أنه لا إطلاق لمثلهما يشمل صورة عدم التعارض. ويوجد في الباب أخبار اخر قريبة المضمون منهما، واختصاصهما بالأخبار المتعارضة أوضح، وتحقيق البحث عنها موكول الى مبحث التعادل والترجيح. وطائفة ثالثة تدل على أن ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف. ففي صحيحة أيوب بن الحر: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: " كل شئ


(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 35 و 10 و 18. (2 و 3) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 11 و 40. (*)

[ 73 ]

مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " (1). وفي خبر ايوب بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف " (2). وتقريب دلالتها: أنها حكمت بأن كل حديث لا يوافق القرآن فهو باطل، وعدم الموافقة أعم من أن يكون القرآن مشتملا على حكم موضوع الحديث ومخالفا له، وأن لم يتعرض القرآن لحكم موضوع الحديث أصلا، فالحديث إذا وافق القرآن فهو، وكان القرآن شاهد صدقه، وإلا لم يكن بحجة، فيتحد مضمون هذه الطائفة لمضمون مرسلة ابن بكير الماضية. والإنصاف: أن ظاهر عنوان عدم موافقة الحديث للقرآن مخالفته له، فإنه حينئذ لا يتوافقان، وعليه فيتحد مضمونها مع ما ورد في روايات عديدة منها: صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خطب النبي (صلى الله عليه وآله) بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله " (3). وبحكم هذه الطائفة خبر عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: " انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه... الحديث " (4). فإن المتفاهم عرفا من عدم وجدانه موافقا للقرآن هو أنه مخالف له. وطائفة رابعة تدل على أنه لا يقبل من الأحاديث إلا ما كان موافقا للقرآن. ففي خبر سدير قال: قال أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام): " لا تصدق علينا إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) " (5). وفي صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا تقبلوا علينا


(1 و 2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14 و 12. (3 و 4) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 15 و 37. (5) الوسائل: ج 18 ص 89 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47. (*)

[ 74 ]

حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد " لعنه الله " دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا، ما خالف قول ربنا وسنة نبينا (صلى الله عليه وآله)، فإنا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز وجل، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)... " الحديث. فقد نهى الحديثان أن يقبل ما يروى عنهم (عليهم السلام) إلا خصوص ما كان عليه شاهد من القرآن أو السنة المعلومة. والحق: أن هذين الحديثين أيضا لا يزيدان على الصحيحة الاخرى لهشام الماضية، والحصر فيهما إضافي بالنسبة الى ما كان مخالفا للقرآن أو السنة، ويشهد لذلك قوله (عليه السلام) بعد ذكر دس المغيرة الذي هو كالتعليل، بل تعليل لما ذكره: " فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا (صلى الله عليه وآله) " فإنه شاهد على أن تمام عنايته (عليه السلام) إنما هو رد الأخبار المخالفة للكتاب والسنة. ثم إنه قد يجعل ما تضمنه هذه الصحيحة لهشام - مع غض العين عن كونها خبرا واحدا - مبدأ وجه آخر لعدم حجية الأخبار الآحاد، وهو: أنه قد صرحت الصحيحة بدس المغيرة، بل في ذيلها بدس أصحاب أبي الخطاب في كتب أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، وحيث إن هذه الأخبار المجعولة غير معلومة ومتفرقة بين الأخبار الاخر فالعلم الإجمالي بوجودها بين الأخبار يقتضي سقوط جميعها عن الحجية. والجواب عنه يتضح - بحمد الله تعالى - بالدقة في هذه الصحيحة وفي بعض الأخبار الاخر، فالأولى نقلها بتمامها. فنقول: قد روى الكشي - ضمن الأخبار الواردة في المغيرة بن سعيد - بسنده الصحيح، عن يونس بن عبد الرحمن أن بعض أصحابنا سأله (ومحمد بن عيسى بن عبيد راوي الحديث حاضر) فقال له: يا أبا محمد، ما أشدك في الحديث وأشد إنكارك لما يرويه أصحابنا ! فما الذي يحملك على رد الأحاديث ؟ ! فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " لا تقبلوا علينا... الى آخر ما

[ 75 ]

نقلناه آنفا، ثم قال: قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون الأحاديث الى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة، إنا عن الله وعن رسوله نحدث، ولا نقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا، إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا مصادق (مصداق، خ ل) لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإن مع كل قول منا حقيقة، وعليه نورا، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان (1). فالصحيحة وإن صرحت بدس أحاديث في كتب أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) إلا أن التفريع المذكور فيها على هذين الدسين يبين مضمون هذه الأحاديث المدسوسة، وأنها كانت على خلاف القرآن والسنة القطعية، فكان هدفهم من هذه المجعولات تشويه كلمات الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وإسقاطها عن درجة الاعتبار بين المسلمين، وأنهم يتفوهون بخلاف القرآن الكريم وسنة النبي العظيم، فهو (عليه السلام) بعد ذكر دس المغيرة فرع عليه وقال: " فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا (صلى الله عليه وآله) ". كما أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) بعد ذكر دس أصحاب أبي الخطاب فرع عليه وقال: " فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن "، وعليه فلا تزيد مثل هذه الصحيحة على سائر الأخبار الناطقة بأن ما خالف كتاب الله فهو زخرف، ولا توجب علما إجماليا يسقط الأحاديث عن الاعتبار. ولا بأس بذكر خبرين آخرين يوضحان ما ذكرناه، ويبينان مفاد هذه


(1) رجال الكشي: ص 224 - 225، الحديث 401. (*)

[ 76 ]

المجعولات زائدا على ما قلناه: أحدهما: صحيحة اخرى لهشام بن الحكم - ولعلها تفصيل للصحيحة المذكورة ضمن صحيح يونس... أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها الى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها الى أبي، ثم يدفعها الى أصحابه فيأمرهم أن يثبتوها (يبثوها - خ ل) في الشيعة، فكل ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم " (1). وثانيهما: خبر عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) يوما لأصحابه: " لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن يهودية كان يختلف إليها، يتعلم منها السحر والشعبذة والمخاريق، إن المغيرة كذب على أبي فسلبه الله الإيمان، وإن قوما كذبوا علي مالهم ؟ أذاقهم الله حر الحديد، فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا... الى أن قال: ابرأ الى الله مما قال في الأجدع البراء (الأجذع الراد - خ ل) عبد بني أسد أبو الخطاب لعنه الله، والله لو ابتلوا بنا وأمرناهم بذلك لكان الواجب أن لا يقبلوه، فكيف وهم يروني خائفا وجلا... الحديث " (2). فالخبران يبينان مضمون الأحاديث المدسوسة المجعولة، وأنه كفر واضح يجب أن لا يقبله الناس. هذا. نعم، يظهر من بعض الروايات أن كذبهما على الإمامين (عليهما السلام) لم يكن منحصرا في تلك الأحاديث المدسوسة. فقد روى الكشي في الصحيح عن زرارة: أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: " إن أهل الكوفة قد نزل فيهم كذاب، أما المغيرة فإنه يكذب على أبي (يعني أبا جعفر (عليه السلام)) قال: حدثه أن نساء آل محمد إذا حضن قضين الصلاة، فكذب والله " عليه لعنة الله "، ما كان من ذلك من شئ ولا حدثه، واما أبو الخطاب


(1 و 2) رجال الكشي: الحديث 402 و 403، ص 225 - 226. (*)

[ 77 ]

فكذب علي، وقال: إنى أمرته أن لا يصلي هو وأصحابه المغرب حتى يروا كوكب كذا يقال له " القنداني "، والله إن ذلك لكوكب ما أعرفه " (1). فالصحيحة - كما ترى - تدل على أن هذين الكاذبين قد يكذبان بصورة الرواية عنهم (عليهم السلام) امورا مجعولة ليس من الكفر والزندقة والغلو، إلا أنها لا تنافي أن تكون أحاديثهما المدسوسة من قبيل الزندقة. كما دل عليه الأخبار الماضية. وهنا رواية اخرى ربما تعد طائفة رابعة يتوهم دلالتها على عدم حجية الأخبار إلا ما كان معلوم الصدور، وهي: ما رواه الصفار في بصائر الدرجات، عن محمد بن عيسى قال: أقرأني داود بن فرقد الفارسي كتابه الى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) وجوابه بخطه، فقال: نسألك عن العلم المنقول الينا عن آبائك وأجدادك قد اختلفوا علينا فيه، كيف العمل به على اختلافه ؟ إذا نرد اليك فقد اختلف فيه ؟ فكتب وقرأته: " ما علمتم أنه قولنا فألزموه، وما لم تعلموا فردوه الينا " (2). وأخرجه عنه المستدرك (3). وروى مثله في الوسائل عن مستطرفات السرائر (4). إلا أنها - كما ترى - واردة في الأخبار المتعارضة، وليس لهاإطلاق يشمل غير مورد التعارض لكي يدل على عدم حجية الخبر الواحد، فهي كأحد أخبار العلاج يبحث عنها في مبحث التعادل والترجيح. هذه عمدة الأخبار المتوهم دلالتها على عدم حجية الخبر الواحد، وقد اتضح - بحمد الله تعالى - عدم دلالتها عليه من دون ارتكاب تعسف أو تأويل. ويوجد هنا أخبار اخر قريبة المضمون مما ذكرنا، يقدر المتأمل على رفع توهم دلالتها، مضافا الى ضعف إسنادها، ومضافا الى أن الاستناد في عدم حجية


(1) رجال الكشي: الحديث 407، ص 228. (2) بصائر الدرجات: الباب 19 من الجزء العاشر، الحديث 26، ص 524. (3) المستدرك: الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 10. (4) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 36. (*)

[ 78 ]

الأخبار الى نفس هذه الأخبار غير صحيح إلا بدعوى تواترها ولو إجمالا. هذا كله في الاستناد الى السنة لعدم حجية الخبر الواحد. وأما الإجماع فقد حكي عن السيد المرتضى وابن إدريس في كلماتهما، وهو مما قد علم خلافه، ولا يبعد أن يكون المنشأ لدعواه كون مثل السيد والحلي قريب العصر بالمعصومين (1)، فما يعمل به الأصحاب من الآحاد كان موجبا لعلمهما بصدوره، ولذلك يعدانه خارجا عن الآحاد، وإلا فهما أيضا يستندان الى نفس ما استند به غيرهما من الآحاد، والله العالم. وأما حكم العقل فهو حكمه بعدم حجية غير العلم الذي لا يمكن أن يقاوم أدلة الحجية، لورودها عليه كما لا يخفى. هذا كله في أدلة النافين لحجية الخبر الواحد، وقد عرفت عدم نهوضها للدلالة على عدم الحجية، إلا بمقدار ان الأصل الأولي عدم الحجية كما هو كذلك في كل ظن. أدلة المثبتين: والمثبتون لحجيته أيضا استدلوا بالأدلة الأربعة: فمن الكتاب بآيات: (2) منها: آية النبأ، قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (3). وبيان دلالتها: أنه لا ينبغي الريب في أن العقلاء يرون الخبر الواحد حجة


(1) ولقد صرح به السيد في جواب المسائل التبانيات، راجع الفرائد: ص 152 عند نقل الإجماع. (2) قد جعل صاحب الكفاية الاستدلال بكل من الآيات والأخبار والإجماع والدليل العقلي فصلا على حدة، ونحن قد فارقناه فيها بما ترى رعاية لمناسبة الحال. (3) الحجرات: 6. (*)

[ 79 ]

وطريقا في الجملة، وليست طريقيته على القول بها من المخترعات الشرعية، وحينئذ فإذا القيت عليهم مثل الآية المباركة يفهمون منها - بملاحظة التعليق على الشرط المذكور فيها - أن النبأ إن جاء به الفاسق يجب مقدمة للعمل التبين عنه، وإلا فلا، فموضوعها النبأ الكلي الذي قد يجوز أن يأتي به الفاسق وغيره، وأفادت الآية أنه إن كان الجائي به فاسقا وأتى هو به فلا يجوز العمل به إلا بعد التبين، ومفهومه الواضح جواز العمل به إن لم يكن الجائي به فاسقا، وعليه فليس الشرط شرطا محققا للموضوع، إذ المراد به ما كان مساوقا ومساويا في الوجود لموضوع الحكم، كما في قولك: " إن ركب الأمير فخذ ركابه "، و " إن رزقت ولدا ذكرا فاختنه "، والموضوع هنا هو النبأ الكلي، وهو ليس مساوقا لموضوع وجوب التبين عن نبأ الفاسق، لإمكان تحققه بإتيان غير الفاسق به، فمجئ الفاسق بالنبأ وإن كان محققا لبعض مصاديقه إلا أنه لا يوجب أن يكون من الشرط المحقق للموضوع الذي لا مفهوم له عرفا إلا مع المساوقة والمرادفة المذكورة، وهي غير متحققة فلا بأس بانعقاد المفهوم له. فالإيراد الأول الذي جعله الشيخ غير قابل للاندفاع مندفع بالمرة. وأما إيراده الثاني فملخصه: أن تعليل لزوم التبين وعدم الحجية بإصابة القوم بجهالة والندامة عليها جار في خبر غير العادل أيضا، إذ هو أيضا لا يوجب العلم، والمتبع هو عموم التعليل، فيمنع عن انعقاد المفهوم. وحاصل الجواب عنه: أن خبر غير الفاسق الذي تدل الآية على حجيته. حجة وطريق عند العقلاء أيضا، والعقلاء يعبرون عن جميع الطرق المعتبرة عندهم بالعلم، سواء في ذلك الظواهر وخبر الثقات وغيرهما، ويرون مفهوم العلم عاما للقطع الذي لا يحتمل الخلاف، ولموارد قيام الطرق المعتبرة، وإذا اعتبروا شيئا طريقا يرون قيام هذا الطريق على شئ وصولا الى الواقع، لا بمعنى تنزيل شئ منزلة آخر، بل بمعنى واقع الوصول، كما في القطع حرفا بحرف، وحينئذ فالآية المباركة إذا القيت إليهم فهموا منها - بمقتضى الشرطية المذيلة بالتعليل المذكور -

[ 80 ]

أن النبأ إذا لم يأت به الفاسق بل غير الفاسق فهو طريق موصل الى الواقع، يعمل به من دون حاجة الى التبين، فلا يتصور فيه إصابة القوم بجهالة للوصول الى الواقع والعلم به واتضاحه، فليس فيه إصابة بجهالة حتى يتصور ويجئ فيه الندم، فهو خارج عن مورد التعليل، ويكون المفهوم بلا معارض. ومعه فلا حاجة الى دعوى أن الجهالة مقابلة للمعنى الأعم من الظن الاطمئناني والعلم القطعي كما أبدأها الشيخ الأعظم (قدس سره)، وإلا فلا يبعد دعوى أنها خلاف الظاهر عرفا، فإن القدر المسلم إنما هو إطلاق العلم عند العقلاء على موارد قيام الطرق المعتبرة، لا على مجرد الظن الاطمئناني وإن حصل من غيرها كالرؤيا. وقد اجيب عن هذا الإيراد الثاني بأجوبة اخرى غير تامة: منها: أن المراد بالجهالة هو السفاهة، ولا سفاهة عند العقلاء في العمل بخبر غير الفاسق، فلا يقتضي العلة عدم حجيته، حكاه الشيخ الأعظم في فرائده، واستصوبه بعض الأعاظم على ما في تقريراته، ويمكن توجيهه - كما يستفاد من الفرائد - بأن الجهالة وإن كانت بنفسها ظاهرة في ما هو مقابل العلم إلا أنها يراد منها هنا السفاهة بقرينتين: إحداهما: أنه قد رتب في الآية المباركة على العمل بها الندامة، ولو اريد بها مقابل العلم لما اقتضى العمل بها ندامة إذا كانت حجة عقلائية، فإنه بعد قيام الحجة لابد من العمل بها، ولا يتعقبه ندامة وإن خالفت الواقع، وكيف يندم الإنسان على عمله إذا كان المفروض أنه اتبع الحجة التي لابد من العمل بها ؟ فترتب الندامة على العمل بها شاهد على إرادة السفاهة منها الموجبة للندم مع انكشاف الخلاف. ثانيتهما: أنه لا ريب في جواز العمل ببعض الأمارات الظنية كالبينة والفتوى، ولو اريد منها ما يقابل العلم لزم ورود التخصيص على التعليل، وهو آب عنه، فيراد منها السفاهة، ويكون العمل بهما خارجا عنها موضوعا، مثل خبر العادل. وفيه: أنه مبني على صدق الجهل على موارد الأمارات المعتبرة العقلائية، وإلا فلا يكون فيها جهالة ولا ندامة، وتكون خارجة عن التعليل موضوعا كما

[ 81 ]

عرفت سواء في ذلك خبر الواحد العادل والبينة والفتوى، وحيث إن لفظة " الجهالة " ظاهرة في ما هو مقابل العلم فلا داعي الى رفع اليد عن ظاهرها. ومنها: ما في تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره)، وهو: أنا نمنع شمول الجهالة لغير محل الوصف، أعني خبر الفاسق، فإنه لا منشأ لتوهمه إلا إطلاق لفظ الجهالة مع إمكان منع كونه في مقام البيان أولا، ومع تسليمه منع حمله على العموم ثانيا، لمكان القدر المتيقن في البين، وهو المعرضية لإصابة القوم بجهالة في خبر الفاسق بما ليس مثله في خبر العادل، ووجود القدر المتيقن يمنع عن الحمل على الإطلاق، لعدم تمامية مقدمات الحكمة معه. وفيه: أن قيام المتكلم مقام التعليل بنفسه قرينة عقلائية على أن ما يذكره علة فهو تمام الملاك لحكمه، ولا يقبل معه أنه ليس في مقام البيان، وبعد أن كان في مقام البيان فقد بينا في باب المطلق والمقيد أن وجود القدر المتيقن في البين لا يمنع عن الحمل على الإطلاق ما لم يوجب انصراف المطلق إليه. ومنها: - كما عن بعض الأعاظم في تقرير بحثه (1) -: أن المفهوم حاكم على التعليل، فإنه يحكم في خبر العادل بأنه محرز وكاشف عن الواقع وعلم في عالم التشريع، فيخرج عن عموم التعليل تعبدا، ولا يمكن أن يعارضه أصلا، لكي يوجب عدم انعقاده. وفيه: أن قوام الحكومة بلسان الدليل، وإلا فهي تخصيص حقيقة، وليس لسان المفهوم هنا إلا نفي وجوب التبين، بلا دلالة لفظية فيه على أنه علم تشريعا حتى تكون حكومة، والاستناد الى ارتكاز العقلاء واطلاق العلم عندهم على معنى أعم من القطع رجوع الى وجه آخر، وهو ما اخترناه، وهو ليس مصداقا للحكومة، بل من قبيل التخصص والخروج الحقيقي عن مورد التعليل، كما عرفت. ومنها: ما في الدرر وتقريرات بعض أهل التحقيق (2)، وهو: أن التعليل إنما


(1) فوائد الاصول: ج 3 ص 172، ونهاية الأفكار: ج 3 ص 113 طبع جماعة المدرسين. (2) الدرر: ج 2 ص 385 وما بعدها. (*)

[ 82 ]

يدل على المنع عن الإقدام بالعمل في ما إذا كان في معرض حصول الندم، وحيث إن هم العقلاء في باب التكاليف الشرعية وغيرها هو الخلاص من العقوبة، فالمراد بالندم: خصوص ما كان ملازما للعقوبة، وعليه فلو كان العمل عملا بالحجة لما ترتب عليه هذه الندامة الخاصة، وإذا دلت الآية بمفهومها على حجية خبر العادل خرج العمل به عن ترتب هذه الندامة وعن شمول التعليل، فلا معارضة لكي يمنع التعليل عن انعقاد المفهوم للآية. هذا ملخص هذا التوجيه بتوضيح منا. وفيه أولا: أن ظاهر الآية ترتب الندم على إصابة القوم بجهالة بحسب الارتكاز والأغراض العقلائية، لا بملاحظة أنهم في مقام إطاعة الأوامر الشرعية، بل بمجرد إصابة القوم بجهالة أمر مرغوب عنه عند العقلاء، وموجب لحصول الندم على الإقدام بعمل ينتهى إليه. وثانيا: أن ظاهر الآية وتعليلها: أن هذا الندم سواء أكان ملازما للعقوبة أم لا مترتب على مجرد إصابة القوم بجهالة، وإذا كان المفروض صدق الجهالة حتى في موارد الطرق الظنية فلا محالة يدل التعليل على ترتب المحذور والندم على العمل بها، فهي لا يمكن أن تكون حجة، سواء في ذلك خبر الفاسق وغيره، فالتعليل يمنع عن انعقاد المفهوم. ثم إنه قد ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) إشكالات اخر وجعلها قابلة للذب، وبعضها مختص بآية النبأ، وبعضها الآخر عام لجميع أدلة حجية خبر الواحد، ونحن نتعرض للأهم منها: فمما يختص بدلالة الآية: أنها لو دلت على حجية الخبر لزم خروج المورد عنها، فإن موردها الإخبار بارتداد طائفة، وهو من الموضوعات التي ليس خبر العادل الواحد أيضا حجة فيها. والجواب: أن المورد الذي نزلت الآية المباركة تنبيها على حكمه: هو إخبار الوليد بارتداد طائفة، وقد حكمت الآية بلزوم التبين عن هذا الإخبار، وليس المورد خارجا عنها قطعا، غاية الأمر أنه لما اجتمع في المورد علتان للزوم

[ 83 ]

التبين: فسق المخبر، وكونه رجلا واحدا تعرضت الآية للجهة الاولى، لكونها جهة عقلائية أقرب الى قبول طباع المخاطبين، ولزمه انعقاد مفهوم مطلق ربما يرد عليه بعض التقييدات. هذا، مضافا الى أن عدم حجية خبر العدل الواحد مطلقا في الموضوعات محل كلام. ومن الإشكالات العامة: معارضة المفهوم بالآيات الناهية عن العمل بالظن أو بغير العلم. وقد عرفت عند التعرض لأدلة النافين عدم دلالة هذه الآيات بنفسها على نفي الحجية عن الطرق العقلائية. ومن الإشكالات العامة: أن أدلة الحجية تشمل خبر مثل السيد المرتضى فيلزم عدم حجية الأخبار. وفيه: أن خبر السيد نقل للإجماع، وقد عرفت عدم حجية الإجماع المنقول، لا سيما وقد علم هنا خلافه. هذا. مضافا إلى أنه لما كان مفاد خبر السيد مناقضا ونافيا لما يدل عليه أدلة حجية الخبر الواحد فهو معارض لها، لا أنه مشمول لها مقتض لعدم حجية الخبر الواحد، اللهم إلا بطريق اللغز المذكور في الفرائد. وحل هذا اللغز بما في حاشية المحقق الخراساني (قدس سره) من حجية الأخبار الآحاد الى زمان خبر السيد فيه: أن مفاد خبر السيد عدم حجية خبر الواحد شرعا من أول الشريعة، فحجية خبره فقط بأدلة الحجية لازمها اللغز المذكور بلا إشكال. ومنها: إشكال الأخبار مع الواسطة، وأنها لا تشملها أدلة الحجية، مع أن كل الأخبار الحاكية للسنة لنا من هذا القبيل. ووجه عدم الشمول تارة دعوى انصراف أدلة الحجية: إما عن مطلق الخبر ذي الواسطة، وإما عن ذي الوسائط العديدة. ففيه منعه، فإن العقلاء إذا أحرزوا ثقة جميع الوسائط مهما كانت فلا ريب في حجية مثل هذا الخبر لديهم، فلا تنصرف الأدلة التي هي بمنزلة الإمضاء لطريقتهم عن مثله، فلا وجه لدعوى الإنصراف أصلا.

[ 84 ]

واخرى أن يقال: إن معنى حجية الخبر هو وجوب ترتيب الأثر الشرعي عليه، فالحكم بحجية خبر يتوقف على إحراز وجوده أولا، وكون ما يخبر به ذا أثر شرعي إذا كان المخبر به من الموضوعات. وعليه فإذا أخبرنا الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد عن الصدوق عن ابن الوليد عن الصفار عن الإمام (عليه السلام) فشمول أدلة الحجية لكل من هذه الأخبار محل إشكال. أما بالنسبة لخبر الشيخ الطوسي الى ما قبل الراوي عن شخص الإمام (عليه السلام) - أعني الى خبر ابن الوليد - فلأن كلا من هذه الأخبار لا يترتب على المخبر به لها أثر شرعي، سوى نفس وجوب ترتيب الأثر والحجية، فشمول العموم لكل منها موقوف على انطباقه على الخبر الذي يكون مخبرا به لها. وأما بالنسبة لخبر الراوي بلا واسطة عن المعصوم - أعني خبر الصفار - الى ما قبل من أخبرنا بلا واسطة - أعني غير خبر الشيخ الطوسي - فلأن هذه الأخبار لم تحرز لنا بالوجدان، وإحراز كل منها لكي يحكم جزما بشمول عموم الحجية ووجوب ترتيب الأثر لها موقوف على انطباقه على الخبر الذي يخبر عنه، فما لم يشمل خبر الشيخ الطوسي لا يحرز لنا خبر الشيخ المفيد، وهكذا... وقد اجيب عنه بما حاصله: أنه لو اريد من الإشكال أنه يلزم تقدم ما هو المتأخر وبالعكس - وهو محال - ففيه: أنه إنما يلزم لو كان هنا حكم شخصي واحد وليس كذلك لتعدد مصداق الأحكام بتعدد موضوعاتها خارجا، مضافا إلى أن الإشكال بالبيان الثاني راجع الى توقف إحراز وجود الفرد على شمول الحكم لفرد آخر، لا الى توقف أصل وجوده عليه. وإن اريد به عدم شمول لفظ عام أو مطلق واحد له لانصرافه عن مثله ففيه منع الانصراف أولا، وكفاية وحدة الملاك القطعي لإثبات المطلوب ثانيا. أقول: إن الجواب بهذه الكيفية وإن كان متينا حاسما لمادة الإشكال إلا أن التحقيق: أن أصل تصوير الإشكال - ولا سيما بالبيان الأول - مبني على أن يكون المراد بحجية خبر الواحد هو وجوب ترتيب الأثر الشرعي عليه، كما شحنت به

[ 85 ]

كلماتهم، وينادون به بأعلى أصواتهم، لكنك قد عرفت أن الحق خلافه، وأنه ليس في باب الطرق عند العقلاء سوى الطريقية التي قد مر تفسيرها، بمعنى: أن العقلاء كما يرون الشخص إذا قطع وعلم بالواقع واصلا الى الواقع فهكذا إذا قام عنده طريق معتبر يرونه واصلا إليه، وطريقية الطريق ورسالته تنتهي وتختتم بمحض هذا الإيصال، ومسألة ترتيب الأثر ليست من مقومات معنى الطريقية، بل لما كان الشخص بعد أداء الطريق رسالته مثل ما إذا حصل له علم قطعي بالواقع واصلا للواقع، فلا محالة إذا كان للواقع أثر شرعي يرتبه عليه، وإذا كان ذو الطريق أيضا طريقا، فبعد الوصول إليه يتطرق به أيضا الى ما يخبر به ويصل الى ما أخبر به، وهكذا... الى أن يصل الى الواقع الذي هو حكم الله أو موضوعه. فهذا هو حقيقة الطريقية عند العقلاء أنفسهم، ولا ريب أن الشارع لم يأت فيها بأمر جديد، بل أمضى نفس هذا المعنى في ما يراه طريقا، فليس معنى الطريقية إلا نفس تلك الطريقية، وترتب الأثر خارج عن قوامها. نعم، حيث إن إمضاء الشرع وجعله محدود بدائرة الأحكام الشرعية وموضوعاتها، فقهرا يخرج عن حيطة جعله وإمضائه ما لا يصل بالمرة الى موضوع أو حكم شرعي أصلا، وأما ما يصل وينتهي إليه فطريقيته ممضاة شرعا بنفس هذا المعنى الذي بيناه، من دون أن يدخل وجوب ترتيب الأثر في قوامه، أو كان إليه مآله. نعم، لا نضايق في التعبير عن هذا المعنى بأية عبارة كانت، كالتعبير بلزوم التبين وعدمه، أو بوجوب التصديق وعدمه، الى غير ذلك من العبارات المذكورة أو المستنبطة من أدلة الحجية، إلا أنها لا تعدو الحقيقة التي ذكرناها في طريقية الطرق المعتبرة. وظني أنه مراد بعض أعاظم عصر المحقق الخراساني، أو أنه محمول عليه، فلا يرد عليه ما أورده في تعليقته المباركة على الفرائد. فراجع. والله العالم. كما أن إليه يؤول أو عليه يحمل ما عن شيخ مشايخنا في الدرر (1) فراجع.


(1) الدرر: ج 2 ص 387 وما بعدها. (*)

[ 86 ]

فمراده من قوله: " بمعنى أن الشارع... إلى قوله: " القطعية " هو جعل الطريقية لخبر العادل على ما شرحناه، فلا يرد عليه أن الأدلة لا تتكفل به كما عن سيدنا الاستاذ " مد ظله ". وعن سيدنا الاستاذ - أدام الله تعالى أيامه - في مقام الإيراد على ما أجاب به القوم ما يقضى منه العجب، قال " دام ظله " ما حاصله: " إن ما أفادوه إنما يصح إذا قلنا بأن المجعول في الأمارات الطريقية، أو تنزيل الأمارات منزلة العلم شرعا، أو قلنا بأن لسان الأدلة تحقق المخبر به في الخارج، إذ مع كل منها يحرز المخبر به، ويترتب عليه آثاره، وأما إذا قلنا بأن لسانها وجوب العمل بالأمارة فلا يحرز بها غير ما هو محرز بالوجدان كخبر الشيخ في المثال، فلا يحرز خبر المفيد وغيره حتى يترتب عليه الأثر. على أن وجوب التصديق يتوقف على ثبوت أثر عملي للمخبر به، ولا أثر عملي لما أخبر به الشيخ - أعني خبر المفيد مثلا - فلا يكون خبر الشيخ، بل غير خبر الصفار مشمولا لعموم صدق العادل. قال دام ظله: والعجب أن الأساتيذ بينوا الجواب بأن المخبر به لخبر الصفار قول الإمام (عليه السلام) والحكم الإلهي، فوجب تصديقه لأجل هذا الأثر المغاير، ومن هذا الطريق قالوا: بأن خبر الصدوق عن قول الصفار خبر عن موضوع ذي أثر، وغفلوا عن أن المهم هو تصحيح الحجية من جانب خبر الشيخ لكي ننتهي منه الى أخبار الصفار وقول الإمام (عليه السلام) " (1). انتهى ملخصا. وفيه أولا: أنه لو قلنا بأن لسان الأدلة مجرد وجوب العمل بالأمارة لتم أيضا جواب القوم، وذلك أنه لا نعقل من العمل بالأمارة إلا ترتيب آثار ما أخبر به، فإذا أخبر بأن هذا خمر فوجوب العمل بهذا الخبر معناه: لزوم أن يحكم على ذلك الموضوع بالحرمة، وإذا أخبر بأن المفيد أخبر عن الصدوق - مثلا - فوجوب العمل به معناه: أن يحكم على ما نقله عن المفيد بوجوب العمل به، والمفروض أن معناه:


(1) تهذيب الاصول: ج 2 ص 126. (*)

[ 87 ]

هو أن يحكم على ما ينقله عن الصدوق بوجوب العمل به، الى أن ننتهي الى ما ينقله الصفار عن الإمام، لكي يكون معنى وجوب العمل به أن يحكم على صلاة الجمعة مثلا بالوجوب. وبالجملة: فلا فرق بين جميع المشارب في تحليل حجية الأمارات. وثانيا: أنه لا دليل على لزوم أن يكون الأثر المترتب على المخبر به عملا خارجيا حتى يشمله دليل صدق العادل، بل نفس الاستطراق به الى ما يخبر عنه والوصول به إليه أيضا أثر عملي متناسب لهذا المخبر به الخاص، أعني خبر المفيد مثلا، فالانتقال منه الى خبر الصدوق أثر عملي مناسب له، ويكفي في شمول الدليل له هذا الأثر أيضا بعد ما عرفت من بناء العقلاء عليه. ومنه تعرف أن الأساتيذ والمشايخ (قدس سرهم) وصلوا الى خبر الصفار من ناحية خبر الشيخ، وشمول عموم دليل الحجية له، ولو ذكروا أولا في بيان الاستدلال خبر الصفار عن الإمام (عليه السلام) فإنما هو لأن ملاك الحجية هو هذا الحكم العملي المستقل الغير الطريقي، فالحكم على الوسائط وإن كان أثرا عمليا إلا أن خروج كل منها عن اللغوية موقوف على ما أخبر به مبدأ السلسلة من قول الإمام (عليه السلام)، أو موضوع حكم من أحكامه الغير الطريقية هذا. ثم إنه قد اجيب عن أصل الإشكال بجوابين آخرين: أحدهما ما في الدرر: من أن المراد بوجوب تصديق العادل إيجاب العمل الخارجي، والأثر العملي - في مورد الإخبار ذي الواسطة - منحصر فيما ينتهي إليه هذه الأخبار، أعني قول الإمام (عليه السلام)، فمعنى إيجاب العمل بخبر كل من هؤلاء الوسائط هو إيجاب العمل بما انتهى إليه قولهم، أعني: بما قاله الإمام (1) (عليه السلام) انتهى. وفيه: أنه إذا سلم أن معنى وجوب تصديق العادل إيجاب العمل الخارجي كان مآله الى اختصاص الحجية بكل خبر عادل كان العمل الخارجي بما أخبر به


(1) الدرر: ج 2 ص 389. (*)

[ 88 ]

متصورا، فتخرج الأخبار التي مع الواسطة عن نطاق شموله، لا أنه يشمله ويؤول بما أفاده (قدس سره) بل الحق في الجواب: أن لا دليل على وجوب العمل الخارجي بهذا المعنى، وإنما هو بمعنى أعم يشمل مجرد الاستطراق، فتذكر. ثانيهما: ما عن سيدنا الاستاذ دامت بركاته من التمسك بذيل بناء العقلاء الذي هو الدليل الوحيد في حجية الأخبار وتحليله بأنهم يعدون الخبر المسلسل المعنعن خبرا واحدا لا أخبارا متعددة، ولذلك لو قال: من سمع خبرا معنعنا إني سمعت أخبارا متعددة لضحكوا منه ونسبوه الى الخروج عن الطريقة العقلائية، فإذا كان هنا خبر واحد أخبر به الثقات شمله الأدلة ووجب العمل به بلا إشكال. وفيه: أن الأمر عند العقلاء وإن كان ما أفاد من الحجية إلا أن وحدة الخبر إن اريد بها وحدة المطلب الأصلي فهو صحيح، إلا أن الخبر لا يرادفه. وإن اريد بها وحدة الحكاية فهو مما لا يمكن تصديقه إلا بنحو من المسامحة، بل إن هنا بالدقة العرفية حكايات مترتبة بعدد الوسائط، وكلها حجة يثبت منها المطلوب الأصلي، وهو قول الإمام (عليه السلام). والحمد لله وحده. تنبيه: ما ذكرناه من البيانين في إشكال الأخبار التي مع الواسطة هو البيان الأصيل، وربما يفصل الى وجوه عديدة ذكرها في محاضرات بعض الأعاظم وسيدنا الاستاذ وغيرهما، وهي أشبه بتغيير الألفاظ وكيف كان فالجواب عنها على مبنى القوم وعلى مبنى التحقيق هو ما عرفت، فاستقم. هذه هي عمدة الإيرادات العامة على أدلة حجية خبر الواحد، وقد ذكرت إيرادات اخر غير مهمة لا نطول بالتعرض لها ولدفعها، والله الهادي الى الصواب. ومن الآيات التي استدل بها لحجية الخبر الواحد: آية النفر: قال الله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (1).


(1) التوبة: 122. (*)

[ 89 ]

أقول: إن ركن الاستدلال بها: أن يراد من التفقه في الدين ما يعم تعلم أحكام الله تعالى، كما هو الظاهر منه، إذ التفقه هو التعلم وصيرورة الإنسان عالما في الدين، وهو معنى يشمل تعلم أحكام الله تعالى قطعا، وإلا فإن اريد منه خصوص التبصر في أصل الدين وحصول اطمئنان وبصيرة زائدة بالنسبة لحقانيته فلا يمكن الاستدلال بها لحجية خبر الواحد، إلا أنه خلاف ظاهر مادة التفقه، ولا داعي إليه، ولا قرينة عليه. وحينئذ نقول: إن الاستدلال به يمكن تقريره بوجهين: أحدهما: أن يقال: إن العقلاء - ومنهم المؤمنون - لما كان بناؤهم وارتكازهم على حجية خبر الواحد الثقة إذا القيت إليهم هذه الآية المباركة لفهموا منها أنها إرشاد في موضوعها إلى طريقة عقلائية، وهو الحث على بعث وفد بالمقدار اللازم من كل جمع ليتعلموا أحكام الدين ويبينوها للمتخلفين إذا رجعوا إليهم، وهو عبارة اخرى عن حجية حكايتهم وطريقية أقوالهم الى أحكام الله تعالى، وحيث إن المعلوم من سيرة العقلاء في أمثال المورد أن كلا من المتفقهين يبين الأحكام لجمع خاص وأفراد مخصوصة، لا أنهم يجتمعون كلهم في مكان واحد ليبينوا جميعا أحكام الله، فالآية إرشاد الى هذه الطريقة العقلائية وإمضاء لفظي لها ولحجية الخبر الواحد وطريقيته. وهذا الوجه هو الحق الحقيق بالتصديق في كيفية الاستدلال بالآية لحجية الخبر الواحد، ولا يرد عليه شئ من الإشكالات الآتية، سوى توهم اختصاص الآية بالإفتاء، أو منافاته للاستناد إليها في أمر الفحص عن الإمام، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - اندفاعه. الوجه الثاني: ما هو المذكور في كلمات المشايخ من الاستدلال بها من طريقة وجوب الحذر على المنذرين (بالفتح)، فإن إيجاب الحذر عليهم عقيب إنذارهم لا يكون إلا لحجية أقوالهم على ما أنذروا عنه من الواجبات والمحرمات. ثم إن إثبات وجوب الحذر تارة من طريق مطلوبيته التي لا أقل من دلالة لعل

[ 90 ]

عليها، واخرى من طريق وقوع الحذر غاية للإنذار الواجب، وثالثة من ناحية لزوم لغوية الإنذار لولا وجوب الحذر عقيبه. أقول: أما الاستدلال عليه من ناحية المطلوبية المدلول عليها بلفظة " لعل " فيمكن الخدشة فيه بالمنع من ظهور هذه اللفظة بنفسها في أزيد من إبداء الاحتمال، لكنه مع ذلك أيضا يصح الاستدلال، فإن قوام الحذر إنما هو باحتمال ترتب العقوبة، وهذا الاحتمال لا يكون إلا مع تمامية الحجة على العقاب، فإنه لولاها لكان مقتضى قاعدة " قبح العقاب بلا بيان " نفي العقاب قطعا، فاحتمال الحذر وإمكان تحققه مساوق لوجوبه. وأما الإيراد عليه - كما في الكفاية - بأن الحذر لعله من المفاسد وفوت المصالح ففيه: أنه خلاف الظاهر، فإن الإنذار منصرف، ولا أقل من أنه شامل لما كان عن عقاب الله تعالى، وهو فرده الواضح الذي بناء إنذارات الأنبياء عليه، وبعد كونه من أفراده المرادة تدل الآية بالبيان الذي ذكرناه على وجوب الحذر عنه. وأما الاستدلال من ناحية الغائية، وأن الإنذار لما كان واجبا والحذر غاية له كان الحذر أيضا واجبا، لأن غاية الواجب إذا كان فعلا اختياريا واجب، ففيه: أنه كذلك إذا كانت الغاية من أفعال نفس المكلف بذي الغاية، وأما إذا كانت فعل الغير فهي وإن كانت مطلوبة إلا أنه لعل هنا مانعا من إيجابها عليه، فلا دليل على وجوبها. كما أن الاستدلال من ناحية اللغوية يمكن الخدشة فيه بمثل البيان المذكور، فلعل هنا مانعا يمنع عن إيجاب الحذر على المنذرين - بالفتح - فأوجب الله الإنذار على المتفقهين، لمجرد أن يحصل بإنذارهم إمكان أن يحذر من شاء بنفسه من المنذرين - بالفتح - فلا حجة على وجوب الحذر عليهم. هذا كله بالنسبة الى أصل الوجوب. ثم إنه بعد تسليم أصل الوجوب فدلالة وجوب الحذر على حجية قول الناقلين تتوقف على إطلاق الوجوب بالنسبة الى ما إذا لم يحصل من قولهم العلم أيضا.

[ 91 ]

ويمكن منعه بأنه تعالى إنما هو بصدد بيان وجوب الحذر عليهم إذا حصل موضوعه، وأما أن موضوعه ما ذا ؟ فلم يبينه وليس بصدد بيانه، فلعله مشروط بحصول العلم، فلا حجة في الآية على وجوبه مطلقا. والجواب عنه بأن العرف يرى قول المنذرين طريقا لاستظهارهم أن المراد إيجاب الحذر عما أنذروا عنه رجوع الى التقريب الأول. وبعد تسليم إطلاق الوجوب فدلالته على حجية قول الناقلين المنذرين ممنوعة، وذلك أنه بعد عدم العلم بكذبهم، بل حصول الظن غالبا بصدقهم فما أخبروا بوجوبه أو حرمته لا أقل من أنه محتمل الوجوب والحرمة، والعقل حاكم معه بتنجز التكليف الواقعي قبل الفحص، فعليهم الحذر عن عقوبة التكليف المحتمل. وقد يستشكل دلالتها - بعد تسليم إطلاق الوجوب - بأنها غير شاملة لنقل الروايات لأحد وجهين: أحدهما: أن ظاهرها أن الإنذار متفرع على التفقه، والفقه هو العلم بالأحكام التي هي مضمون الروايات. وثانيهما: أن نفس الإنذار مقتضية لأن يكون نظر المنذر - بالكسر - الى مفاد الروايات، أعني: أحكام الدين. وعليهما فمورد الآية وجوب الحذر عقيب إنذار من لفهمه دخل في إنذاره، وهو المجتهد المفتي، ولا ربط لها بحجية قول الراوي الذي قوام روايته بنقل الألفاظ لا غير، فالآية ينبغي أن تعد من أدلة حجية فتوى المجتهد لمقلديه، لا خبر الراوي لغيره، وربما يزاد في موردها ما إذا كان أصل التكليف الديني معلوما للمخاطبين، وكان الإنذار على مجرد العمل به وامتثاله، كما يفعله الوعاظ. هذا. إلا أن الحق هو ما أفاده المشايخ العظام من شمول الآية لما كان متعارفا في ذلك الزمان من تعلم أحكام الدين بالسؤال الساذج عن المعصوم (عليه السلام)، بلا توسط أي اجتهاد في فهم الجواب، كما في العارفين بفتاوى المجتهد ومسائله، فكما أن نقلهم لفتاواه نقل وحكاية، ويمكنهم الإنذار بها، والإخبار أو الإنذار متعلق بالمفاد

[ 92 ]

والأحكام، والناقل ليس بمجتهد فكذلك في مورد الآية حرفا بحرف. كما أنه قد يستشكل دلالتها بورود أخبار متعددة معتبرة استدل بها في نفر وفد للفحص عن الإمام الحي التالي بعد موت الإمام السابق، وذلك أن مسألة الإمامة من الامور الاعتقادية التي لا يكتفي فيها بأقل من العلم القطعي، فاستناد الأئمة (عليهم السلام) بالآية الشريفة شاهد على عدم إرادة حجية الحكاية الغير العلمية، كما في الخبر الواحد الظني. والجواب عنه أولا: بإمكان القول بكفاية الظن المعتبر في الاعتقاد بالإمامة أيضا. وثانيا: بأن الآية بظاهرها مختصة بتعلم أحكام الدين والإنذار بها، واستفادة حكم غيرها إنما هو بإلغاء الخصوصية، لأنها إرشاد الى طريقة عقلائية: هي نفر جمع بالمقدار اللازم في كل مورد والأخذ بمقتضى قولهم، فلا ينافي أن يعتبر في غير موردها حصول العلم. وثالثا: بأن الآية وإن عمت النفر للفحص عن الإمام أيضا، إلا أن مسألة الإمام لعلوها وسموها وكونها أساس المذهب فإذا بعث كل فرقة طائفة ليتفحصوا عن الإمام فجميع من بقي من فرقة المؤمنين ينتظرون رجوع هؤلاء النافرين، فإذا رجعوا فباجتماع كلمتهم يحصل العلم القطعي بالإمام التالي، وإن تفرقت كلمتهم لما أفادت الظن أيضا، لتعارضها، والتعارض ليس شيئا يخفى في مثل هذه المسألة، فإنها مسألة واحدة أساسية هي ركن المذهب، ينتظر نتيجة الفحص عنها كل أحد، ويرقبها كل شخص، وهذا بخلاف الأحكام الفرعية فإنها ليست بنفسها في تلك المرتبة من الأهمية، وإن كثرتها توجب أن تحكى في مجالس متعددة ومتدرجة شيئا فشيئا، فكل جمع أو فرد من المتخلفين يأخذ أحكام الدين من بعض النافرين تدريجا وشيئا فشيئا فلا محالة ليس فيها إلا خبر الواحد، فصح الاستناد بالآية في كلا الأمرين، والمقتضى العرفي في أحدهما القطع المطلوب، وفي الآخر الطريقية العقلائية. والحمد لله رب العالمين.

[ 93 ]

ومن هذه الآيات: قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * (1)، ببيان: أن الآية المباركة تضمنت بقرينة ترتب اللعن الشديد حرمة كتمان الهدى والبينات، ومن مصاديق الهدى هي أحكام الله تعالى، فإذا حرم كتمانها وجب إظهارها ولو للخروج عن ارتكاب الحرام، ولازمه وجوب القبول، وإلا لكان لغوا. والإنصاف عدم تمامية الاستدلال بها، لما فيه: أولا: من أن مفهوم الكتمان هو الإخفاء، والمناسب استعماله في مورد يظهر المكتوم بنفسه للناس لولا كتمانه، فهم لو كانوا يبينون للناس فلعل هذه البينات والهدى كانت بحيث تظهر للناس ظهورا قطعيا، ولعل هذه البينات كانت مكتوبة في الكتب السماوية وهم يكتمونها بإخفاء الكتب، وعدم إظهارها بمرئى الناس، فإذا رفعوا اليد عن إخفائها تظهر للناس ظهورا قطعيا. وثانيا: لما عرفت ذيل آية النبأ من احتمال وجود مانع عن إيجاب القبول تعبدا فيوجب البيان ويحرم الكتمان لكي يحصل للناس العلم القطعي فيتبعون علمهم، مضافا الى عدم كونها في مقام بيان أزيد من حرمة الكتمان ووجوب التبيان عليهم. وأما ترتيب الأثر من ناحية الناس فليست في مقام بيانه، وهو لا محالة تابع لحصول موضوعه، ولعله منوط بحصول العلم القطعي. ومنها: قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر...) * (2). وقريب منها في سورة الأنبياء [ الآية: 7 ] بلا ذكر لقوله: * (بالبينات والزبر) *. وتقريب الاستدلال بها أيضا بوجهين: أحدهما ما هو الحق: من أن الآية المباركة إرجاع وإرشاد الى طريقة معروفة عقلائية: هي رجوع الجاهل بالشئ الى العالم به، والسؤال عنه، والعمل بما يقوله،


(1) البقرة: 159. (2) النحل: 43 - 44. (*)

[ 94 ]

بما أن قوله طريق معتبر الى ما يعلمه ويخبر عنه، فهي متضمنة لحجية خبره وطريقيته، ومن الواضح أنه لا يعتبر ولا يشترط في هذه الطريقة العقلائية سوى أن يكون المسؤول عالما بما يسأل عنه، من دون فرق بين أن يكون الشئ الذي يعلمه أمرا محسوسا أو غير محسوس ولا أن يكون عالما بهذا الشئ فقط أو به وبغيره، بل هذه الطريقة جارية في كل شئ لا يعلمه الإنسان وكان من الناس من يعلمه، فإذا كان له حاجة فعليه أن يسأل العالم، ويتبع قوله بما أن قوله طريق إليه، وحينئذ فهذه الآية الشريفة أيضا مثل آية النبأ دليل لفظي على إمضاء الطريقة العقلائية، وبناء العقلاء على طريقية الخبر الواحد. وعليه فلا يرد على الاستدلال بها شئ، سوى ما في بعض الكلمات من أن مورد الآية علائم النبوة التي يعتبر فيها العلم القطعي ولا يكتفي بالظن أصلا. وهو مندفع بان موردها الإرجاع الى السؤال عن العلماء، لكي ينحسم مادة التوهم الذي لا أصل له، من استبعاد أن يكون النبي رجلا وإنسانا، وهو توهم باطل بأدنى تأمل، ومبناه الأهواء النفسانية التي كانت للملأ المتكبرين، فجعلوا هذه المقالة آلة يتشبثون بها في إنكارهم الحق الجلي، ويوجهون بها استكبارهم الواضح، وربما يضلون بها الأفكار الساذجة، وهذا التوهم العنكبوتي كما يزول بأدنى تأمل فهكذا ينحسم أصله بالرجوع الى العالم بكيفية الأديان الإلهية، وهم المتدينون بالشرائع السماوية عاليهم ودانيهم، فليس الرجوع إليهم لثبوت علائم النبوة، بل إن نبوة النبي تثبت بالأدلة الباهرة الموجبة للقطع، حتى للمتقولين بهذه المقالات فإنهم أيضا استيقنوا بها ولكنهم جحدوها ظلما وعلوا. الوجه الثاني: ما هو المعروف في كتب القوم: من أن إيجاب السؤال يلزمه وجوب قبول الجواب، وهو عبارة اخرى عن حجية قول المجيب الذي هو خبر واحد. واورد عليه: بأن المقصود بأهل الذكر: إما أهل الكتاب بقرينة ظاهر المورد، وإما الأئمة المعصومون (عليهم السلام) كما تقتضيه الأخبار التي بعضها معتبرة، وعلى أي حال فلا يعم الرواة.

[ 95 ]

وفيه: أن مقتضى المناسبة أن المقصود هو إرجاع الجاهل الى أهل الذكر بما هم أهل الذكر، ومصداقه مختلف باختلاف الموارد، ففي مورد الآية أهل الكتاب، وفي السؤال عن المعارف والأحكام الإسلامية ابتداء هم المعصومون (عليهم السلام)، وفي السؤال عنها مع الواسطة مصداقه رواة أحاديثهم (عليهم السلام). كما قد اورد عليه: بأن ظاهر إسناد السؤال الى أهل الذكر أن لكونهم أهل ذكر وعلم دخلا في الإقدام على الجواب، وهو إنما يكون في مثل المجتهد والمفتي، ولا يعم السؤال عن ألفاظ الإمام كما في الرواة. وفيه: ما مر في ذيل آية النبأ فإن العالم بفتاوى المجتهد يصدق عليه أهل الذكر بالنسبة إليها، وليس هو مجتهدا، ولا الرجوع إليه رجوع المستفتي الى المفتي، وهكذا كان رجوع الناس الى العالمين بالأحكام الإسلامية في ذلك الزمان، ثم إثبات رواية جميع الرواة محتاج الى عدم الفصل (1). فهذان الإيرادان قابلان الدفع. نعم، يرد عليه مع قطع النظر عن الوجه الأول للاستدلال: أن الأمر بالسؤال إذا لم يعلم لعله كان لغاية الوصول الى العلم من طريق الجواب ولو بالتكرار، ولا إطلاق للآية يدل على الاكتفاء بمجرد السؤال الأول، وإن لم يحصل منه علم فيسأل حتى يعلم، فلو لم نصدق بما في الفرائد والكفاية من ظهورها في الأمر بالسؤال لكي يعلم فلا أقل من عدم إطلاق فيه، والله العالم. ومنها: آية الاذن، ووضوح عدم دلالتها يغني عن البحث عنها. فالمتحصل من الآيات: أن دلالة آية النفر والسؤال عن أهل الذكر على حجية خبر الواحد تامة، وأن كلا منهما إمضاء وتقرير لفظي لسيرة العقلاء، فحدود دلالتهما في شرائط الراوي هي نفس الشرائط المعتبرة عند العقلاء، وهي كونه ثقة ضابطا بالحد المتعارف تحملا وحفظا. كما أن دلالة آية النبأ أيضا تامة على حجية


(1) ويمكن ان يقال: إن المفهوم من الآية الارجاع الى العالم بشئ لأخذ الجواب عنه، وان كان ما يعلمه لفظا أو رواية، فلا يحتاج حجية رواية جميع الرواة الى عدم الفصل، بل يدل عليه نفس الآية. (*)

[ 96 ]

خبر غير الفاسق. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك. هذا كله في الاستدلال لحجية الخبر الواحد بالكتاب الشريف. الاستدلال بالسنة لحجيته: وأما الأخبار: فقد وردت عن المعصومين (عليهم السلام) أخبار كثيرة، قد جمع كثيرا منها صاحب الوسائل في الباب الثامن والحادي عشر من أبواب صفات القاضي من الوسائل، وهي على طوائف مختلفة: فطائفة منها تدل على الحث على نقل الروايات وبثها في الناس، وطائفة على الحث على كتابتها وحفظ هذه الكتب، وطائفة على تجليل الرواة، وطائفة تشتمل على السؤال عن كيفية نقل الحديث وعلى جواز النقل بالمعنى، وطائفة على وجود كتب الحديث لأصحاب الأئمة (عليهم السلام) قد عرضت على المعصوم (عليه السلام) وصححها، ودعا لمؤلفيها وأجاز العمل بها، وطائفة على إرجاع السائلين وغيرهم الى بعض الثقات من أصحابهم، ولا سيما ما اشتمل منها على بيان سر هذا الإرجاع، من كون هذا البعض ثقة أو مأمونا على الدين، فإن كلا من هذه الروايات إذا القيت الى العقلاء الذين سيرتهم على حجية خبر الثقة - سواء كان في صورة الكتابة، أو النقل اللفظي - فلا شبهة في أنهم يفهمون منها أول مرة أن ما عليه سيرتهم فهو ممضي في الشريعة، ويقرره شارع الإسلام. وهذه الأخبار وإن كان كل منها خبر الواحد إلا أنها معلومة الصدور إجمالا، وتتفق كلها في الدلالة على حجية خبر من كان واجدا لشرط الثقة، فإن الظاهر أن خروج روايات الإرجاع الى الأشخاص لا يضر بمعلومية صدور غيرها إجمالا. مضافا إلى أنه لا ينبغي الريب في أن المستفاد من جميعها أن حجية خبر العدل الإمامي مسلمة، ثم إنه يوجد بينها خبر عدل إمامي يدل على حجية خبر كل ثقة. ففي صحيحة عبد العزيز بن المهتدي والحسن بن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قلت: لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟

[ 97 ]

فقال: نعم (1). فترى أن الراوي يجعل تمام الموضوع لجواز الرجوع الى يونس لأخذ معالم الدين عنه كونه ثقة، والإمام (عليه السلام) بقوله: " نعم " يقرره عليه، ويفيد أن ما بنى عليه العقلاء وارتكز طبقا له ذهن السائل ممضي عند الشارع أيضا. ثم إن من المعلوم أن أخذ معالم الدين كما يصدق بالرجوع إليه وأخذ فتاواه كذلك يصدق بالرجوع إليه وأخذ الروايات المتضمنة لبيان معارف الدين وأحكامه، فلا وجه لتوهم اختصاص الصحيحة بخصوص الأول، كما هو واضح لا يخفى. وفي صحيحة عبد الله بن جعفر الحميري: أن أحمد بن إسحاق العدل الثقة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) وقلت: من اعامل ؟ وعمن آخذ ؟ وقول من أقبل ؟ فقال: " العمري ثقتي، فما أدى اليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون ". وقال أيضا: إنه سأل أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال (عليه السلام) له: " العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان... الحديث " (2). فقد دلت الصحيحة دلالة واضحة على أن كون العمري وابنه ثقة هو الموجب لطريقية قولهما وحجيته، وتفريع وجوب إطاعتهما على ذلك لو سلم دلالته على وجوب إتباع أقوالهما في غير ما يؤدى عن الإمام (عليه السلام) أيضا - مع أنه مشكل - فهو لا ينافي دلالتها على حجية قول الثقة وروايته، إذ تفرع وجوب الطاعة على وكالته ونيابته عن المعصوم (عليه السلام) معلوم من الخارج، فلا ينافي أن لا يكون الأمر في اعتبار روايته وطريقية قوله كذلك، فإن المعلوم فيه أن تمام الملاك في الحجية هو مجرد كون الراوي صادقا مأمونا ثقة، كما يدل عليه الصحيحة أيضا. وفي صحيحة علي بن المسيب الهمداني: " قلت للرضا (عليه السلام): شقتي بعيدة


(1) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33. (2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4 و 27. (*)

[ 98 ]

ولست أصل اليك في كل وقت، فممن آخذ معالم ديني ؟ قال: من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا... الحديث " (1). وهي أيضا تدل على أن ملاك الإرجاع هو كون زكريا رضوان الله عليه مأمونا على الدين ونقل المعارف الإلهية، فإن عطف الدنيا على الدين مما يعلم عدم دخله في حجية قوله. وقد عرفت أن أخذ المعالم أعم من أن يكون بأخذ الرواية المتضمنة لها أو بأخذ مفادها. فالحاصل من الأخبار: حجية خبر الثقة، وقد عرفت أنه المتفاهم من الآيات الدالة على حجية خبر الواحد، ما عدا آية النبأ، وستأتي، وقد مرت الإشارة إلى أنها مما بنى عليه العقلاء وجرت عليه سيرتهم. وأما ما في كلمات المحقق الخراساني وصاحب الدرر (2): من أن ثقة الراوي طريق الى كون الخبر موثوق الصدور، وأن ملاك الحجية وموضوعها ثقة الصدور فمما لا يمكننا تصديقه، فإن المسلم هو حجية خبر الثقة، وإلا فمجرد الثقة بصدوره إذا كان الراوي غير ثقة فهو غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، أترى أنه إذا حصل الثقة بصدق الخبر من طريق الرؤيا - مثلا - فهذا الخبر حجة عند العقلاء ؟ كلا ! ومن الواضح أن موضوع الأخبار هو كون راوي الخبر ثقة، وجعله طريقا الى الثقة بالصدور - لو كان - فإنما هو بإلغاء الخصوصية العقلائي، ولا يوافق عليها العقلاء هنا، بل هم يرون خبر الثقة حجة، وهو المنصرف من الآيات المذكورة، وعليه سيرتهم، وبه دلت الأخبار، كما عرفت. وأما آية النبأ فقد صرحت بمنطوقها على عدم حجية خبر الفاسق، ووجوب التبين عن نبئه، وحينئذ فقد يقال بكونها دليل تقييد الأخبار الماضية والآيات الاخر والسيرة العقلائية، فإن الفاسق الذي ليس له ملكة العدالة قد يكون في كمال الثقة في أخباره.


(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4 و 27. (2) الدرر: ج 2 ص 392. (*)

[ 99 ]

والحق: أن اصطلاح القرآن في لفظة " الفسق " سواء كان في صيغة المشتق أو الفعل ليس هو الاصطلاح المعروف الفقهي الذي أشرنا إليه، وينطبق على فاعل الكبيرة، بل هو مرادف للكفر والطغيان على الله تعالى، فقد قال تعالى: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون.... الى أن قال: وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) * (1). وقال تعالى: * (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) * (2). وقال تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون * ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل... فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) * (3). وقال تعالى: * (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) * (4). فالفسق في أصل اللغة هو الخروج، وفي الاستعمالات القرآنية هو الخروج عن طاعة الله بالمرة بحيث " حقت كلمة الله على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون "، وكان الفاسق مقابلا للمؤمن، ولا يهتدي بهداية الكتب الإلهية، كما عرفت في الآيات التي هي نموذج من الآيات الكثيرة القرآنية. وحينئذ فالفاسق في أعلى مرتبة من العصيان والطغيان، والاطلاع على الفسق بهذا المعنى من أحد يوجب زوال الثقة بأخباره بالمرة، لا سيما إذا كان محتوى خبره مربوطا بالأحكام الإلهية أو موضوعاتها، فآية النبأ حيث علقت وجوب التبين على نبأ الفاسق وهو نبأ الوليد - على ما في التفاسير وبعض الأخبار - فهي مجرد تنبيه على فسقه، وإلا فكون خبره جهالة موجبة لإصابة القوم بجهالة، ومستتبعة للندم، مما يقتضيه طبعه عند العقلاء، لا أنه تعبد بها، كما مر في ذيل البحث عن الآية. وعليه فليست آية النبأ تخصيصا في سائر الأدلة، بل هي منطبقة عليها،


(1) السجدة: 18 - 20. (2) يونس: 33. (3) الحديد: 26 - 27. (4) التوبة: 96. (*)

[ 100 ]

وفرض كون الكافر الفاسق والعاصي لأمر الله تعالى ثقة في مجرد أخباره فرض محض أو نادر تنصرف الآية عنه قطعا. نعم، ربما يوجد في بعض الأخبار (1) اعتبار أن يكون من يؤخذ عنه معالم الدين من الشيعة، بل من خصوص من كان منهم كثير القدم في حب الأئمة وأمرهم، مسنا فيهما، إلا أن سند هذه الأخبار ضعيف، فهي بنفسها غير حجة، مضافا الى احتمالها لأن يراد منها من يعتمد عليه في أخذ جميع المعالم عنه، فمن لم يكن من شيعتهم فهو في الغالب لولا الدائم لا يعلم من يرجع إليه إلا ما اعتقده نفسه، من الاعتقادات الباطلة والأهواء القياسية أو الاستحسانية، بل هو من الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، لبعد عدم وضوح الحق لعلمائهم، عصمنا الله تعالى وهدانا الى الصراط المستقيم. وبالجملة: فالذي يثبت من مجموع الأخبار والآيات هو حجية خبر الثقة، ولا ينافيها شئ لا من الآيات ولا من الأخبار المعتبرة أصلا. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالسنة. الاستدلال بالإجماع والسيرة وأما الإجماع فقد يقرر إجماعا قوليا: إما في قبال السيد المرتضى استنادا الى أقوال العلماء في كتبهم تفصيلا، أو إلى الإجماعات المنقولة. وإما بحيث يدخل السيد أيضا فيهم، بلحاظ أنه كان في زمان الانفتاح، كما يشهد له ما نقل عنه في الوسائل، وقد يقرر عمليا: إما بمعنى تطابق الأصحاب والعلماء كلا على جواز الرجوع الى الأخبار الصحيحة الموجودة في الكتب المعتمدة، وإما بمعنى اتفاق أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على العمل بالخبر الواحد. هذا. والتحقيق: أن اتفاق كلمتهم لو سلم فلا يكشف عن أنهم أخذوا ذلك عن


(1) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42 و 45. (*)

[ 101 ]

المعصوم أو عن رواية معتبرة سندا ودلالة، لاحتمال استنادهم الى الآيات أو الأخبار الماضية، أو الى سيرة العقلاء الآتية، فلا يمكن أن يكون دليلا على الحجية في عرض تلك الأدلة، مضافا إلى أنه بعد العثور على خلاف مثل السيد والحلي (قدس سرهما) كيف يمكن دعوى اتفاق العلماء جميعهم، لا سيما وأصل مسألة حجية خبر الواحد غير مذكورة في كتب أكثرهم ؟ !. وأما دعوى الإجماع حتى من مثل السيد فيرد عليها: أن جوابه (قدس سره) عن سؤال مدرك الأحكام بأن الأخبار القطعية الصدور وافية بمعظم الفقه بعد الضروريات لا يدل على أنه عند الانسداد قائل بحجية الأخبار، فلعله قال معه بحجية مطلق الظن. كما أن اتفاق كلمتهم على الرجوع إلى الكتب المعتمدة لا يكشف عن قولهم بحجية الخبر الواحد، مع أن بينهم من يعتقد كون جميعها أو قسم منها مقطوع الصدور. وأما أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فلعل شدة وثوق كل منهم بالآخر كانت موجبة لعلمهم بصدور الرواية، فالاستدلال بالإجماع مشكل، بل غير تام صغرى وكبرى. وأما السيرة فقد يراد بها: سيرة المسلمين، وقد يراد: سيرة العقلاء، ولا يعقل من سيرة المسلمين إذا جعلت قبال سيرة العقلاء، إلا أنهم بما أنهم مسلمون بانون على شئ فيكشف عن أنهم أخذوه عن إمامهم وتكون حجة، إلا أنها بهذا المعنى لا طريق هنا إليها، لاحتمال أن المسلمين أيضا إنما عملوا بأخبار الآحاد، لارتكازهم على جوازه بما أنهم عقلاء، فعملهم بخبر الواحد بالارتكاز العقلائي في مرئى الشارع يكشف عن رضا الشرع به. فالعمدة: هي سيرة العقلاء على العمل به بمرآه، وحيث لم يردع عنها يعلم رضاه بها. ثم إنه يمكن أن يقال: إن على الشارع الإعلام بعدم الرضا بسيرة العقلاء قبل

[ 102 ]

عملهم بها في الامور الشرعية إذا كان لا يرضاه، وذلك أن ارتكازهم عليها ربما يوجب لهم المشي عليها في الشرعيات، بلا التفات الى لزوم الإمضاء. فلئلا يلزم هذا المحذور فعليه إبداء المنع وعدم القبول إذا كان لا يرضاها. وكيف كان فعمل العقلاء بسيرتهم في محضره كاشف عن رضاه بها. وأما دعوى الردع عنها هنا بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم وبالظن فقد عرفت بطلانها عند التعرض للاستدلال بها على عدم حجية الأخبار الآحاد، فتذكر. ومما ذكرنا تعرف أن ما في كلمات بعض الأعاظم (قدس سره) من إمكان الاستدلال في مورد واحد بسيرة العقلاء والمسلمين، وأنه من قبيل تعدد الدليل على أمر واحد ممنوع، إذ مع استقرار سيرة العقلاء على أمر فلا طريق ولا مجال للقول بأن للمسلمين أيضا بما أنهم مسلمون هذه السيرة، فلعل استقرارها لهم بما أنهم عقلاء، كما لا يخفى. كما أن الفرق بين المعاملات وغيرها في أنه يمكن كشف الرضا في غير المعاملات من مجرد عدم الردع، بخلاف المعاملات فإنه لا بد من إمضائها، لأنها متقومة بالاعتبار، فلابد أن يتعرض لإمضائها ليدل على اعتبار آثارها في الشرع أيضا ممنوع جدا، فإنه إذا كان الشارع أيضا يعتبر في محيط تشريعه عين هذه الآثار - كالملكية وحصول النقل والانتقال في بيع المعاطاة - فإذا لم يردع عنه كشف عدم ردعه عن إمضائه ورضاه بترتب الآثار المطلوبة في الشرع أيضا. فقد تلخص صحة الاستدلال بسيرة العقلاء أيضا على حجية خبر الواحد الثقة، كما صح الاستدلال بالسنة والكتاب على ما عرفت، بل قد مر أن آيات الكتاب إمضاء لفظي لهذه السيرة العقلائية، وأنه ببركة هذه السيرة والارتكاز العقلائي تمت دلالة الآيات والروايات، وعرفت حدود مداليلها. فأطبقت الأدلة الثلاثة جميعها - أعني الكتاب والسنة وسيرة العقلاء - على حجية خبر الآحاد الثقات.

[ 103 ]

الاستدلال لحجية الأخبار بحكم العقل وأما العقل فقد ذكر هنا وجوه ثلاثة: الأول: ما كان الشيخ اعتمد عليه أولا، وحاصله: أنه من شدة مواظبة الرواة واحتياطهم في نقل الأخبار، وشدة عنايتهم بتهذيب كتب الحديث يعلم بأن أكثر الأخبار المذكورة في الكتب المعتمدة صادرة عن الأئمة (عليهم السلام)، ومقتضى هذا العلم الإجمالي وجوب العمل بجميعها، إلا في المتعارضين بالوجوب والحرمة، فيتخير بينهما أو يؤخذ بالمظنون. نعم، لو استلزم هذا الاحتياط الاختلال أو العسر والحرج فلا يجوز أو لا يجب، وينتقل الى العمل بخصوص مظنون الصدور. هذا. وعمدة الإيراد عليه: أنه لا تثبت حجية الخبر بمعنى طريقيته المستلزمة لتخصيص عمومات الأدلة القطعية الصدور وغيرها به، أو تقييدها به وأمثاله، ولجواز الفتوى بها وإسناد مؤداها الى الشارع، مع أنه المراد من حجيته هنا، وهي التي استفيدت من الأدلة الثلاثة الاخر. وأما الإيراد عليه بما في الرسائل: من أنه لما كان ملاك وجوب العمل بالأخبار الصادرة هو اشتمالها على أحكام الله، والعلم الإجمالي بالأحكام له دائرة أوسع فيجب الاحتياط في جميع موارد الشبهة، أو حجية مطلق الظن - كما يأتي في دليل الانسداد - فممنوع: بأن هذا العلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي بصدور كثير من هذه الأخبار، فإنها وافية بمعظم الفقه، لا يلزم من الرجوع في غير موردها الى أصل البراءة محذور أصلا. والإشكال على الانحلال بالعزل والضم المذكورين في كلام الشيخ الأعظم مندفع بما أفاده محققوا المشايخ العظام (قدس سرهم): من أن احتمال انطباق موارد سائر الأمارات المنضمة على مفاد بعض الأخبار المعزولة، بل العلم بذلك الانطباق يمنع عن حصول علم إجمالي آخر أوسع. الوجه الثاني: ما عن صاحب الوافية بعبارته المذكورة في الفرائد والكفاية. ويرد عليه مضافا الى ما ورد على الوجه الأول - أولا: أن لا وجه لإختصاص

[ 104 ]

مورد الحاجة - بالأخبار المتعرضة لذكر الأجزاء والشرائط، بل نحن نعلم اجمالا بتكاليف، فاللازم تقرير الدليل بمثل دليل الانسداد، وإن كان يمكن الجواب عنه بالانحلال المذكور في الوجه الأول، مضافا الى ما اورد على أصل دليل الانسداد. وثانيا: أن هذا الوجه لا يفي بحجية الأخبار الدالة على الواجبات أو المحرمات النفسية، ولا بحجية ما يدل فيها على نفي الوجوب أو الحرمة، فضلا عما يدل على الأحكام الثلاثة الاخر أو موضوعاتها، مع أن المدعى حجية جميع الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة، مع عدم إعراض الأصحاب عنها، الى غير ذلك، والله العالم. الثالث: ما عن المحقق صاحب هداية المسترشدين، وحاصله: أن العمل بالكتاب والسنة واجب بضرورة الدين، وهذا الوجوب باق في أزمنتنا أيضا، فإن أمكن الرجوع الى السنة بنحو يوجب العلم بالحكم فهو، وإلا نتنزل الى الظن. واستظهر الشيخ الأعظم - ولو بقرينة استدلاله للوجوب بالضرورة - أن مراده من السنة واقعها الذي يكون الأخبار بصدد الحكاية عنها، وأورد عليه بأنه لما كان جميع الأحكام الفعلية - الغير المذكورة في الكتاب - بينة في السنة، فكلما حصل ظن بحكم غير مذكور في الكتاب فقد ظن بحكم مذكور في السنة، فلازم هذا الدليل حجية الظن المطلق. أقول: ويمكن الايراد عليه أيضا، بأن وجوب العمل بالكتاب والسنة مقدمي، وسره ومبدؤه هو التكاليف المجعولة من الواجبات والمحرمات الدينية، فالعمل بهذه التكاليف واجب، وحيث لا يمكن بالعلم التفصيلي ولا الإجمالي، للزوم الاختلال أو العسر والحرج أو لعدم الامكان، على ما يأتي في دليل الانسداد، نتنزل الى الظن، فلازم الوجوب الاصيل هو حجية الظن المطلق، لا خصوص الظن الحاصل من الخبر. هذا. لكن المحقق الخراساني في تعليقته وكفايته نقل صراحة كلام المحقق المذكور في أن مراده بالسنة نفس هذه الروايات الحاكية عن السنة الواقعية، فأورد عليه:

[ 105 ]

بأن وجوب العمل بها واعتبارها في الجملة - لو ثبت - لزم الأخذ بالمتيقن كخبر الثقة مثلا، فإن وفي بمعظم الفقه وإلا تنتقل الى الأخذ بجميعها احتياطا، مضافا الى أنه لا دليل - بالفرض - على هذه الاعتبار. أقول: ويورد عليه أيضا بما يستفاد من ذيل كلام الشيخ الأعظم (قدس سره)، من أن مبدأ هذا الوجوب إن كان هو وجوب العمل بالتكاليف الإلهية، فاللازم تقريره في قالب دليل الانسداد الآتي، وإن كان وجوب العمل بالأخبار لاشتمالها على الأحكام الواقعية رجع الى الوجه الأول من هذه الوجوه، ويأتي فيه ما مضى تفصيلا. وكيف كان فالأمر سهل بعد عدم تمامية هذا الوجه مطلقا، وبعد قيام الدليل المعتبر من الكتاب والسنة وسيرة العقلاء على اعتبار خبر الثقة، كما مر. والحمد لله رب العالمين. هذا كله في البحث عن أدلة حجية الخبر الواحد.

[ 106 ]

الفصل السادس في الظن المطلق وقد استدل لحجية الظن المطلق - من غير تخصيص له بالحاصل من خبر الواحد - بوجوه، بعضها عام لزمن انفتاح باب العلم بالأحكام الواقعية وانسداده، وبعضها خاص بزمان الانسداد: الأول: أن الظن بالتكليف الإلزامي - أعني الوجوب أو الحرمة - موجب للظن بترتب الضرر الاخروي، أعني العقاب. وترتب الضرر الدنيوي - أعني المفاسد التي هي ملاكات الأحكام - على مخالفته، والضرر المظنون واجب الدفع بحكم العقل، فبالنتيجة: لزم رعاية التكليف المظنون حذرا من الضرر المظنون واحتياطا. أقول: أما بالنسبة الى الضرر بمعنى العقاب فالدليل مخدوش صغرى وكبرى: أما الصغرى: فإما لما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن العقل يحكم قطعا بأن التكليف ما لم يقم عليه قطع أو أمارة معتبرة فلا عقاب على مخالفته، سواء أظن به أم لا. وإما لأن المستفاد مما مر في مقام تأسيس الأصل أن الأصل والقاعدة الأولية الشرعية في الظن أنه لا يعتنى به، وأنه لا يغني من الحق شيئا، وعليه فلا يجوز الركون إليه في تنجيز التكليف الواقعي - لو كان - لكي يلزم من الظن به ظن بترتب العقاب على مخالفته، بل إن الظن لا يصح أن يستطرق به الى الواقع أصلا، ولا يوجب تنجيز التكليف أبدا. وبعبارة اخرى: أن العقاب ليس من لوازم الوجود الواقعي للتكليف، بل إنما

[ 107 ]

استحقاقه من آثار تنجز التكليف، والظن لا يقوى على تنجيزه أبدا، لا في مرتبة الظن به ولا في مرتبة احتماله، فإنه خلاف نفي المؤثرية له المدلول عليه بالأدلة السابقة، فإن مقتضاها أن الأصل في كل ظن بما أنه ظن أن يكون مثل الظن الحاصل بالقياس، فلا يؤثر الظن شيئا، والعقل القطعي حاكم بنفي العقاب وقبحه مع عدم البيان. نعم، لو جاء احتمال العقاب ولو لاحتمال أن العقلاء والعقل يرون الظن بمنزلة الشبهة البدوية قبل الفحص فالعقاب وإن لم يكن مظنونا بل محتملا - ولا محالة لا تتم صغرى هذا الدليل، لانتفاء الظن بالفرض - إلا أن مجرد احتماله كاف لوجوب دفعه، كما في الكفاية، مضافا الى ما يأتي - تاليا - من عدم الحاجة الى الحكم بوجوب الدفع. وأما الإشكال على هذا الاحتمال - بأن الشك في الحجية والمنجزية مساوق للقطع بعدمهما، فلا معنى لاحتمال العقاب - فمدفوع بأنه إذا كان منشأ الاحتمال عدم الوقوف بحكم العقلاء، واحتمال أن العقلاء بعقلهم العملي يحكمون بحجية الظن، ولو بمثل حجية الشبهة البدوية فليس الشك في الحجية هنا مساوقا للقطع بعدمها. وأما كبرى وجوب دفع الضرر المظنون فالحق أنها مستدركة غير محتاج إليها إذا كان الضرر المظنون عقابا، وذلك أن المهم للاصولي أو الفقيه هو الحكم بابتلاء المكلف بالتكليف الفلاني وتنجزه عليه، أو عدمه، فالفقيه مثلا في مقام إثبات أن شرب التتن حرام على المكلف أم لا، وأما أنه إذا كان حراما يجب الاجتناب عنه أم لا ؟ فهو أمر آخر خارج عن وظيفة الفقيه والاصولي، وموكول إلى حكم العقل في مقام الامتثال، فالفقه أو الاصول التي هي مقدمة الفقه ناظر إلى ما قبل الحكم بالامتثال، فإذا ثبت حرمة الشئ شرعا أو تنجزه وترتب العقاب على إتيانه قطعا، أو ظنا، أو احتمالا فقد انتهت رسالة الفقه والاصول، سواء أحكم بعده بوجوب الامتثال أم لا، فكبري وجوب دفع الضرر غير محتاج إليها

[ 108 ]

ومستدركة هنا. هذا كله إذا اريد بالضرر العقاب الاخروي. وأما بالنسبة الى الضرر الدنيوي فالدليل هنا أيضا مخدوش صغرى وكبرى: أما الصغرى فلما أفاده المشايخ: من أن الملاكات لا يجب أن تكون من قبيل الضرر، ولا سيما في الواجبات، فإن مخالفتها توجب عدم جلب المصلحة، وفي قوة عدم النفع لا الضرر. وبالجملة: فمجرد الظن بالتكليف لا يوجب ظنا بالضرر. ولا نسلم حكم العقل بوجوب دفع المفسدة المظنونة أو المحتملة، ولا سيما إذا اريد مطلقها. وأما الكبرى فلأن الضرر بمعنى ملاك الحكم لا يستتبع وجوب دفع شرعيا زائدا على التكليف الإلزامي المنبعث عنه، بداهة أن الخمر - مثلا - لها حرمة شرعية واحدة منبعثة عن الملاك الموجب لها، لا أن عليها حرمتين - مثلا - احداهما: ما تضمنها مثل قوله تعالى: " حرمت عليكم الخمر " والثانية: الحرمة المعلقة على عنوان المضر، وعليه فوجوب دفع الضرر هنا حكم إرشادي محض لا يستتبع حكما شرعيا، بل هو حكم فطري جبلي لئلا يقع الإنسان في الضرر المظنون، وإذا لم يعتن ووقع فيه فليس عليه إلا مجرد وقوعه فيه. إن قلت: ما المانع من أن نأخذ بهذا الوجوب العقلي ونجعله موجبا لتنجز الوجوب الشرعي الثابت على العنوان الواقعي ؟ قلت: كلا ! فإن ذلك الوجوب الشرعي المظنون بعد حكم الشارع بأن الظن لا يغني من الحق شيئا لا يمكن تنجزه بمجرد تعلق الظن به، والعقل يحكم بعدم العقاب عليه مع عدم البيان، ومن الواضح أن مجرد وجوب دفع الضرر ليس بيانا لذلك التكليف المحتمل، فتدبر جيدا. وأما ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره): من أن عموم مثل " رفع ما لا يعلمون " يقتضي تدارك الضرر المظنون وجبرانه، والضرر المظنون المتدارك غير واجب الدفع، فعموم الكبرى ممنوع.

[ 109 ]

ففيه: منع دلالة رفعه على تدارك الضرر، لما عرفت في البحث عن إمكان التعبد بالظن: أنه لا بأس بأن يكون ملاك جعل الحجية مصلحة عامة أو دفع مفسدة عامة راجعة الى أصل الشريعة، لا إلى أشخاص المكلفين، فهنا أيضا ربما كان مصلحة رفع التكليف الغير المعلوم هي أن لا تكون الشريعة صعبة مضيقة حرجية، لكي لا ينزجر أبناء النوع الإنساني عنها ويدخلوا فيها أفواجا، وهي مصلحة رفيعة لازمة الرعاية، ورعايتها لا تنافي وقوع المكلف في الضرر الدنيوي الذي هو من قبيل الملاكات، كما لا يخفى. الوجه الثاني: أنه لو لم يؤخذ بالمظنون لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهو قبيح. وبيانه: أنه إذا ظن بالتكليف فقد ظن بأن وجوب هذا الشئ أو حرمة ذلك مراد المولى، ففي مقام الامتثال إن لم يراع هذا الظن فقد تمسك في مقام العمل بالوهم المرجوح، وترجيح المرجوح والموهوم على المظنون والراجح قبيح وغير مقبول عند العقل العملي والعقلاء، فليس الآخذ بالموهوم بمعذور في ترك إتيان المظنون إذا صادف ظنه الواقع، وهو المراد بحجية الظن في هذا المقام. وفيه أولا: أنه لم يبين فيه وجوب أن يقوم المكلف بصدد الامتثال، فلم لا يجوز له الرجوع الى البراءة العقلية والشرعية ؟. وثانيا: أنه لم لا يجب عليه، أو لا يجوز له الاحتياط بإتيان المظنون والموهوم ؟ فهذا الوجه بنفسه مختل النظام، ولا ينتظم أساسه إلا بما يأتي في الوجه الرابع المعروف ب‍ " دليل الانسداد ". الوجه الثالث: ما عن السيد المجاهد (قدس سره): من أنا نعلم بوجود واجبات ومحرمات بين المشتبهات، وامتثالها العلمي بالاحتياط غير واجب بقاعدة نفي العسر والحرج، فنتنزل الى الامتثال الظني. وفيه: ما افيد من أنه بعض مقدمات دليل الانسداد التي لا يتم الاستدلال إلا بتمامها.

[ 110 ]

الوجه الرابع: الدليل المعروف بدليل الانسداد، وهو مركب من مقدمات خمس: الاولى: حصول العلم إجمالا بوجوب تكاليف شرعية علينا. الثانية: عدم وفاء الطرق العلمية أو الظنية المعتبرة بما يبلغ مقدار المعلوم بحيث لم يعلم بعدها بتكليف زائد عليها. الثالثة: عدم جواز إهمال امتثالها وترك التعرض لها بالمرة. الرابعة: عدم وجوب أو جواز الرجوع في امتثالها إلى الطرق المقررة للجاهل، وهي التقليد أو الاحتياط التام، أو الرجوع إلى الاصول الجارية في كل مسألة مسألة بحيالها. الخامسة: أن العقل يحكم بأن الامتثال الظني مقدم على غيره إذا دار الأمر بينه وبين الغير. ونتيجة هذه المقدمات: لزوم الأخذ بالظن في مقام الامتثال. وحيث إن قوام المقدمة الثانية والثالثة بل والرابعة الى المقدمة الاولى - بداهة أنه لو لم يكن العلم بأصل التكاليف مفروضا لما كان لشئ منها مجال أصلا - فلا محالة يكون تركها في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) مبنيا على الاختصار، وإلا فلا ريب في الاحتياج إليها قطعا. ومنه تعرف النظر في ما عن بعض الأعاظم (قدس سرهم): من أن المراد به: إن كان العلم بأصل الشريعة فهو من البديهيات، وإن كان المراد العلم بثبوت التكاليف إجمالا في المشتبهات فهو مما يبتنى عليه الاحتياط في المقدمة الثانية، (يعني: الثالثة في كلامنا). فإن ابتناء وجوب الاحتياط في تلك المقدمة عليه شاهد على الحاجة إليه، مضافا إلى أن جميع الطرق الثلاثة المقررة للجاهل في امتثاله مبني ومتوقف على فرض العلم الإجمالي بالأحكام، بل وهكذا المقدمة الثانية والرابعة، والحاصل: أنه لا ريب في الحاجة إليها، ولابد من ذكرها على ما عرفت. ثم إن المقدمة الاولى - أعني أصل العلم بالتكاليف - مسلمة، وإن كان ربما ينحل هذا العلم الإجمالي الكبير بعلم إجمالي صغير في دائرة الأخبار المروية في الكتب المعتبرة، كما مر بيانه في الجواب عن الوجه الأول من الوجوه العقلية

[ 111 ]

لحجية الخبر الواحد، وهذا الانحلال يوجب إمكان الرجوع في مقام الامتثال إلى الاحتياط بين هذه الأخبار، وأن لا يكون دليل حينئذ على عدم إمكانه أو عدم وجوبه، على ما يأتي في المقدمة الرابعة. وسيأتي - إن شاء تعالى - وجه آخر للانحلال عند التعرض للمقدمة الرابعة. وأما المقدمة الثانية فهو بالنسبة إلى حصول العلم القطعي مسلم، إلا أنه لا ريب في وفاء مجموع ظواهر الآيات والأخبار القطعية الصدور، والآحاد المروية عن الثقات التي قد مر اعتبارها بمعظم الأحكام الفقهية، بحيث لا يبقى معها علم بتكليف إلزامي واحد زائد عما تضمنتها من التكاليف، كما هو واضح، فيختل بذلك أساس دليل الانسداد وينهدم ركنه، ويكون البحث عن مقدماته الاخر - كالتنبيهات المتفرعة عليه فرضيا - لا يترتب عليه ثمرة عملية إلا في موارد مشابهة له إن كانت. وأما المقدمة الثالثة وهي عدم جواز ترك التعرض لامتثالها - فقد استدل لها بوجوه ثلاثة: أحدها: الإجماع من جميع العلماء. إلا أن فيه أولا: أن كثيرا منهم لم يتعرض لأصل حال الانسداد فرضا عن حكم عدم جواز الرجوع الى البراءة فيها، فدعوى اتفاقهم مبني على الحدس والفرض. وثانيا: أنه إن قالوا بعدم الجواز فلا يمكن أن يكشف به عن أمر غير أحد والوجهين الآتيين، لقوة احتمال أن كانوا يستندون اليهما. الوجه الثاني: أن عدم التعرض للامتثال والأخذ بالبراءة موجب للخروج عن الدين، بدعوى: أن الآخذ بالبراءة في غير مورد العلم أو الظن التفصيلي المعتبر لقلتهما جدا يعد تاركا للشريعة، وتركها في مقام العمل غير جائز قطعا، وإن فرضنا جواز مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال أيضا. وفيه: أن الإنصاف أنه لم يعلم أنه أمر غير ترك العمل بالتكليف المعلوم

[ 112 ]

بالإجمال، غاية الأمر أن التكاليف المعلومة بالإجمال متعددة، ربما أوجب تعددها الاستيحاش من تجويز ترك امتثالها والإقدام على خلافها. فالحاصل: أن ترك الشريعة وترك العمل بها ليس أزيد من ارتكاب مخالفة تكاليفها التي يحكم العقل بعدم جوازها، بمعنى كونها موجبة لاستحقاق العقاب عليها. الوجه الثالث: أن العقل يحكم بتنجز التكليف المعلوم بالإجمال مطلقا، أو بالنسبة الى خصوص عدم جواز مخالفته القطعية، وهو حكم واضح قد مر البحث عنه إجمالا في بعض فروع مبحث القطع، وسيأتي الكلام فيها تفصيلا - إن شاء الله تعالى - في فروع بحث الشك والعلم الإجمالي. وأما المقدمة الرابعة - وهي عدم جواز الرجوع في الامتثال الى التقليد، ولا إلى الاحتياط التام، ولا إلى الاصول الجارية في كل مسألة مسألة - فبالنسبة الى عدم جواز التقليد وجهه واضح، فإن الانسدادي يرى المجتهد الانفتاحي جاهلا، فكيف يجوز رجوع العالم وتقليده للجاهل ؟ وأما الاحتياط التام الذي يحكم العقل به لو خلي وطبعه فقد استدل لعدم وجوبه باستلزامه العسر والحرج المنفيين، بل ربما أوجب اختلال النظام، فإن أوجب اختلال نظام العباد لم يكن ريب في عدم وجوبه. وأما في ما يوجب الحرج فقد يستشكل الاستدلال به بوجهين: أحدهما: انصراف دليله الى ما لم يكن منشأ هذا الحرج عمل الناس، وأما معه - كما نحن فيه، حيث إن اختفاء الروايات الواردة وعدم وصولها بطريق قطعي إنما هو بسبب العوامل الخارجية ولو كانت مسامحة الناس - فلا يعمه تلك الأدلة. والجواب عنه: منع هذا الانصراف، لا سيما إذا كان هذا السبب الإنساني غير من يستند إلى عمومها، بل لو سلم انصراف فإنما هو في موارد إلزام المكلف لأفعال حرجية على نفسه، كما في الفرائد. وثانيهما ما عن المحقق الخراساني (قدس سره) من أن مورد تلك الأدلة ما إذا كان

[ 113 ]

نفس المجعول على المكلف، والمراد منه حرجيا أو عسريا، على ما هو الظاهر من دليل نفيهما وهنا ليس التكاليف المجعولة الواقعية جعلا للحرج أو العسر فإن الإسلام شريعة سهلة سمحة، وإنما العسر أو الحرج يلزم من حكم العقل بتحصيل العلم بامتثالها، والأدلة لا تشمل الأحكام العقلية. ولو اجيب عنه فإنما هو بأحد وجهين: إما بأن يكون وجوب الاحتياط وجوبا شرعيا، وإما بأن يقال: إن المحكوم بالعدم بحكم أدلة نفي العسر والحرج أعم مما كان بنفسه إيجابا للعسر والحرج، وما كان منشأ لهما ولو بضميمة حكم العقل في كيفية امتثاله. فبعض الأعاظم (قدس سره) على ما في تقرير بحثه اعتقد بالوجوب الشرعي له، ببيان: أن المفروض انسداد باب العلم والعلمي بالأحكام تفصيلا، فلو استندنا في تنجزها إلى الإجماع على عدم جواز إهمال امتثالها أو الى محذور الخروج عن الدين لكان اللازم إيجاب الاحتياط شرعا، وذلك أنه لو استندنا في تنجزها إلى العلم الإجمالي بها لكان راجعا إلى الوجه الآخر، فلابد: إما من قطع النظر عن أصل وجود العلم الإجمالي وفرض أن جميع الوقائع شبهة بدوية، وإما من فرض أن العلم الإجمالي لا يوجب التنجز، وحينئذ فلا يبقى الإشكال في أن الشارع ينصب طريقا لتنجيز هذه التكاليف، وهو إيجاب الاحتياط أو طريقية الظن، فوجوب الاحتياط شرعي يشمله أدلة العسر والحرج، وتحكم بانتفائه، فيبقى طريقية الظن. هذا. والتحقيق: عدم صحة الاستناد إليه، وإن استصحه (1) بعض أهل التحقيق أيضا، وذلك أنا وإن قطعنا النظر عن وجود العلم الإجمالي ومنجزيته إلا أن مقتضى الإجماع أو الخروج عن الدين أن هنا تكاليف منجزة في ما بين الأحكام لا يرضى الشارع بتركها وعدم التعرض لامتثالها، فهذان الوجهان يقومان مقام


(1) وهو المحقق العراقي (قدس سره). (*)

[ 114 ]

حكم العقل بتنجز التكاليف الواقعية بمقتضى العلم الإجمالي بها، فلا يقتضي هذان الوجهان أزيد من هذا التنجيز، ومعه فلا ريب في حكم العقل بوجوب الإحتياط، كيلا يقع في عقاب التكاليف المنجزة التي دلنا على تنجزها هذان الوجهان، وعليه فلا حاجة أصلا الى دخالة شرعية بإيجاب الاحتياط، أو نصب طريق شرعي إلى تلك الأحكام. وحينئذ فلا محيص في الجواب إلا القول بإرادة المعنى الأعم الشامل لما كان التكليف منشأ للعسر أو الحرج ولو بضميمة حكم العقل، ولعله الأظهر، إذ من تناسب الحكم والموضوع يفهم من أدلتهما عرفا أن الشارع لا يريد شيئا ولا يجعل على المكلف أمرا يوجب عليه العسر والحرج، فإن الشريعة سهلة سمحاء، فلا يفرق بين ما كان بنفسه حرجا، وما كان كذلك بملاحظة حكم العقل في كيفية امتثاله. فبعد ذلك، ربما يورد عليه: بأن مقتضى أدلة نفي العسر والحرج أن الله تعالى لا يريد ما كان منشأ لهما، فيرفع أصل التكليف الواقعي، لا خصوص الاحتياط في بعض أطراف احتماله، وإذا رفع أصل التكليف فلا يكون وجه لرعاية التكليف في شئ من أطراف احتماله، فمآل الاستدلال بأدلة نفي العسر والحرج إهمال التكاليف الواقعية، وعدم وجوب التعرض لامتثالها، وهو خلاف المقدمة الثالثة. والحق في الجواب أن يقال: إن التكليف والحكم الواقعي هنا ليس حكما واحدا يجب بحكم العقل الأولي الاحتياط في أطراف احتماله، بل لا ريب أن هنا أحكاما متعددة. ثم إن من المعلوم أنه لو كان في البين تكاليف متعددة يوجب امتثال جميعها عسرا وحرجا، فإنما يحكم بارتفاع عدة منها بمقدار يرتفع به العسر والحرج، غاية الأمر أنه لو كان بينها ما يتعين رفعه عند دوران الأمر بينه وبين غيره، يحكم برفع هذا بخصوصه، وإلا تخير المكلف بين المعاملة مع كل منها شاء برفعه، ففي ما نحن فيه لما كان لا يجوز العقل في مقام الامتثال رفع اليد عن التكاليف المظنونة

[ 115 ]

والأخذ بغيرها - كما هو مقتضى المقدمة الخامسة - فلا محالة يحكم برفع التكاليف الموجودة في الموارد المشكوكة والموهومة، ويبقى الموارد المظنونة على ما هي عليها من القوة والتنجر. فيجب الاحتياط فيها. فإن قلت: إن الحكم بنفي التكليف عن بعض أطراف العلم، مع أن موجبه موجود مقارنا مع العلم بأصل التكليف، يوجب عدم تنجز التكليف من رأس، كما قرر في مبحث العلم الإجمالي، وحدوث الاضطرار - مثلا - الى طرف معين مقارنا لحصول العلم بالتكليف فمآل أدلة نفي العسر والحرج إهمال التكاليف وعدم التعرض لامتثالها من رأس، وهو باطل. قلت: إن الاتكال في نفي التكليف في موارد الشك والوهم إلى أدلة نفي العسر والحرج لا يتوقف على العلم بوجود تكليف في مواردهما فإنه يصح ويكفي أن يقال إنه لو لم يكن بينها تكليف فلا ريب في أن المكلف لا يؤخذ بشئ، ولو كان فلمكان إيجابه العسر والحرج كان منفيا. وأما موارد الظن بالتكليف فلا يبعد دعوى العلم الإجمالي بوجود تكاليف عديدة بينها، فيجب القيام مقام امتثالها. فما في كلمات بعض أهل التحقيق من انهدام أساس منجزية العلم الإجمالي بعد جريان أدلة نفي العسر والحرج ممنوع، والله الهادي الى الصواب، فتدبر جيدا. والصواب أن يقال: بعدما كانت موضوعات التكاليف في موارد الظن والشك والوهم بها مختلفة ففي موارد الظن الشاملة للشهرات والإجماعات المنقولة وأخبار الثقات ونحوها يحصل علم إجمالي بانطباق كثير من هذه الظنون على الواقع، ووجود تكاليف إلزامية فيها، والعقل يحكم بالاحتياط فيها، وهذا بخلاف موارد الشك والوهم في التكليف، فلا علم إجمالا ولو بتكليف واحد فيها، فالعلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي في خصوص دائرة المظنونات، والشك البدوي في غيرهما، وحينئذ العقل يحكم بالاحتياط في المظنونات وبالبراءة في غيرها، ولا يلزم حينئذ عسر ولا حرج، ولازمه وإن كان الاحتياط في ظن التكليف لكنه لا من ناحية تمامية دليل الانسداد، بل ببركة انحلال العلم الإجمالي

[ 116 ]

الكبير، وحكم العقل بالاحتياط في المظنونات. والله العالم. وأما الرجوع الى الاصول الخاصة بكل مورد فالاصول النافية لكثرتها تؤول الى إهمال التكاليف المعلومة، وهو باطل على ما عرفت. نعم، الاحتياط والاستصحاب المثبت لو سلم حجية الاستصحاب لا بأس بهما، ولقلة موردهما لا يلزم منهما محذور العسر، كما لا يرتفع معهما حكم العقل بالاحتياط الموجب للعسر والحرج. المقدمة الخامسة: أنه إذا دار الأمر في مقام امتثال التكاليف بين رفع اليد عن مورد ظن التكليف أو شكه أو وهمه يرفع اليد عن الموهوم ثم المشكوك، ويؤخذ بالمظنون. والوجه فيه: أن العقلاء لا يرون التارك لامتثال التكليف المظنون اعتذارا باشتغاله بامتثال المشكوك أو الموهوم معذورا، بخلاف العكس، ومن الواضح أنه لا طريق للشارع في كيفية الامتثال إلا تلك الطرق العقلائية والكيفيات الدارجة بينهم. وبعد تمام هذه المقدمات لا ريب في حكم العقل بالأخذ بمقتضى الاصول المثبتة للتكاليف، لو كانت، ومع عدمها بالأخذ بالتكاليف المظنونة، دون المشكوكة أو الموهومة إذا فرض لزوم العسر والحرج من الأخذ بها، وإلا فإنما يرفع اليد عن الموهومات وعن المشكوكات أيضا في خصوص مقدار يلزم من الأخذ بها الوقوع في العسر والحرج، ومع الدوران بين عدة منها لا يحتمل مزية واحد منها بالخصوص على البقية، فالمكلف مخير بعينها، كما عرفت. هذه جملة القول في دليل الانسداد. وقد عرفت أنه لا موضوع له بعد قيام الروايات وسائر الأدلة المعتبرة بمعظم الفقه. والحمد لله رب العالمين. * * *

[ 117 ]

المقصد السابع في الاصول العملية وقبل الورود في أصل البحث تقدم امور: الأول: قد عرفت أن القطع أو الظن المعتبر طريق الى ما تعلق به وقام عليه، ولذلك يكون الحكم الشرعي أو موضوع الحكم هو ما تعلق به القطع أو الظن المعتبر، من دون أن يكون أحدهما مأخوذا في موضوع الحكم، اللهم إلا في الموضوعي منهما... وأما الشك فهو موضوع للحكم الشرعي، فالحكم الشرعي هناك تعلق بنفس الواقع، والظن أو القطع طريق إليه، وهاهنا قد تعلق حكم شرعي بالشك في الحكم الواقعي فمشكوك الحلية والحرمة حلال مثلا، والحرمة أو الوجوب المجهول موضوع عن الامة لا يؤاخذ عليه. فيحتمل في مورد الحكم بالحلية والوضع عن الامة في الحرمة المجهولة - مثلا - أن تكون الحرمة ثابتة واقعا، كما هو مقتضى اشتراك الأحكام بين العالمين والجاهلين بها، فإن كانت الحرمة ثابتة واقعا فقد اجتمع حكمان: الحرمة الواقعية، ورفعها أو الحلية بما أنها مشكوكة، وقد فرغنا عن جواز اجتماعهما في أوائل مبحث الظن. الثاني: لما كان موضوع الأحكام الثابتة على الشك والجهل المعبر عنها بالأحكام الظاهرية نفس الشك في الواقع والجهل وعدم العلم حكما كان أو موضوعا - وقد حققنا أن المراد بالعلم في الكتاب والسنة أعم من القطع

[ 118 ]

والطريق المعتبر - فلا محالة إذا قام طريق معتبر ارتفع موضوع الأحكام الظاهرية حقيقة، لحصول العلم - بالمعنى الأعم - بقيامه، فتقدم الطرق المعتبرة بورودها على الاصول لكونها علما بعد لحاظ أدلة اعتبارها. وأما ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) من أنه بالحكومة ففيه: أن قوام الحكومة بخصوصية في لسان الدليل الحاكم يكون بها شارحا عرفا للدليل المحكوم، وقد عرفت أن عمدة دليل اعتبار الطرق هي بناء العقلاء، وأن الأدلة اللفظية إمضاء له، فليس في أدلة اعتباره ما يكون شارحا للعلم، أو الجهل والشك الواقع موضوعا للأحكام الظاهرية. وما عن سيدنا الاستاذ الإمام الخميني (قدس سره) من قبول الحكومة في مفهوم آية النبأ وبعض آخر من الأدلة اللفظية مثل قوله (عليه السلام): " ما أديا عني فعني يؤديان " فتسلم الحكومة في بعض أدلة اعتبار خبر الواحد دون غيره فمما لا نقدر على تصديقه: أما الحديث فلأنه لا ينبغي الريب في أن المعصوم (عليه السلام) بكلامه هذا في مقام التأكيد على أن العمري وابنه لا يكذبان أبدا، مثل قولنا في من نثق به جدا: " إنه لا يكذب، وما يقول فهو عين الواقع "، فإن البداهة قاضية بأنا لسنا في مثل قولنا هذا بصدد تنزيل أصلا، وإنما نكون بصدد التأكيد على أنه صدوق لا يكذب، مضافا إلى أنه لو سلم تنزيل في كلامه فقد نزل ما أدياه منزلة الواقع، أعني قوله (عليه السلام)، لا أنه نزل الظن الحاصل من قولهما بمنزلة العلم، والحق أنه لا تنزيل أصلا. وأما الآية فليس في مفهومها أزيد من عدم وجوب التبين في خبر العادل. وأما أن الظن الحاصل منه بمنزلة العلم فلا، والتعليل الواقع في ذيلها جار على ما ارتكز عليه العرف من: أن ما أخبر به العادل فهو معلوم غير مجهول، كما مر ذلك كله في مباحث الظن، فتذكر. وكيف كان فهذه الحكومة أو ذلك الورود قد نشأت من كون الحكم الثابت في مجاري الاصول على عنوان الشك في الواقع، إذ دليل حجية الامارات يوجب

[ 119 ]

ارتفاع الشك تعبدا أو حقيقة، ولا دخل لكون الشك متأخرا عن الواقع أصلا، فلو فرض أن عنوان الشك في الشئ مقدم عليه رتبة كان مسألة الورود أو الحكومة على حاله، فما قد يشعر به عبارة الفرائد من إثبات دخل ما لهذا التأخر في حكومة أو ورود أدلة اعتبار الأمارات على الاصول مما لا يمكن تصديقه أصلا. ثم إنه ليس في عبارة الشيخ الأعظم (قدس سره) ذكر من أن وجه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي والجمع بين دليلهما واحد، كما ليس فيها ذكر من أن منشأ توهم المنافاة بين الحكمين وبين الدليلين واحد، فلا وجه لنسبة هذا الإتحاد في كلا الأمرين إليه، كما عن بعض الأعلام (قدس سره) في تقريرات بحثه فوائد الاصول (1)، بل التأمل في كلام الفرائد يعطي أن ملاك هذه الحكومة أو الورود هو مجرد ارتفاع الشك بقيام الأمارة تعبدا أو حقيقة، لا مسألة تأخر موضوع الحكم الظاهري عن الواقعي، وإن أشعر به صدر عبارته، فما سلمه بعض المحققين في تعليقاته على الفوائد من: أن هذا التأخر هو مبنى جمعه خلاف ظاهر عباراته، فراجع. الثالث: أن الشيخ الأعظم قد تعرض هاهنا لبيان مجاري الاصول الأربعة، ولأن حصر المجاري عقلي وإن كان حصر الاصول في الأربعة استقرائيا. وقد تقدم في أوائل بحث القطع الإيراد على بيان مجاريها، وبيان ما هو الصحيح في بيانها، فراجع، كما تقدم الإشكال في حصر هذه المجاري فضلا عن كونه عقليا، فراجع. الرابع: أن المناسب لفن الاصول - الذي هو مقدمة للفقه الباحث عن القوانين الكلية الشرعية - أن تكون الاصول المبحوث عنها فيه هو ما يختص بالشبهات الحكمية أو يعمها والموضوعية، فلو جرى ذكر ما يختص بالشبهات الموضوعية كأصالة الصحة وقاعدة التجاوز والفراغ لكان استطراديا. الخامس: أن قاعدة الطهارة وإن قلنا بجريانها في شبهة الطهارة الحكمية أيضا


(1) فوائد الاصول: ج 3 ص 326. (*)

[ 120 ]

إلا أنها قاعدة مسلمة مختصة بباب الطهارة والنجاسة، بخلاف القواعد والاصول الأربعة الاخر، فإنها محل الخلاف بين الأصحاب، وتجري في جميع الأبواب، فلعله لذلك اختص البحث في الاصول بها ولم يبحث عن قاعدة الطهارة والأمر سهل. إذا عرفت هذه الامور نقول: قال الشيخ الأعظم (قدس سره): إن تمام الكلام في الاصول الأربعة يحصل بإشباعه في مقامين: أحدهما: حكم الشك في الحكم الواقعي، من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع الى الاصول الثلاثة. الثاني حكمه بملاحظة الحالة السابقة وهو الاستصحاب. وأما المقام الأول فيقع الكلام فيه في موضعين، لأن الشك: إما في نفس التكليف، وهو النوع الخاص من الإلزام، وإن علم جنسه، كالتكليف المردد بين الوجوب والتحريم. وإما في متعلق التكليف مع العلم بنفسه، كما إذا علم وجوب شئ وشك بين تعلقه بالظهر والجمعة، أو علم وجوب فائتة وتردد بين الظهر والمغرب، والموضع الأول يقع الكلام فيه في مطالب، لأن التكليف المشكوك فيه: إما تحريم مشتبه بغير الوجوب، وإما وجوب مشتبه بغير التحريم، وإما تحريم مشتبه بالوجوب، وصور الاشتباه كثيرة، وهذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام، أو اختصاص الخلاف في البراءة والاحتياط به، فلو فرض شموله للمستحب والمكروه يظهر حالهما من الواجب والحرام، فلا حاجة الى تعميم العنوان. انتهى (1). أقول: أصل ما ذكره من: أن تمام الكلام بإشباعه في مقامين - كما ذكره -


(1) فرائد الاصول ج 1 ص 311. (*)

[ 121 ]

متين، إلا أن هنا نكات يجب التنبيه عليها: منها: أن الاستصحاب لا يختص بالأحكام الإلزامية، بل يجري في سائر الأحكام، اقتضائية كانت أم وضعية، بخلاف أصل البراءة فإنه مختص بالإلزاميات، ولا تجري أدلتها نفيا أو إثباتا في احتمال الاستحباب أو الكراهة، فضلا عن الإباحة، في قبال الفراغ عن الحكم. وما أفاده (قدس سره) من: أنه يظهر حال المستحب والمكروه بالقياس الى الواجب والحرام ممنوع، إذ لا يجري فيهما قاعدة قبح العقاب، ولا مثل حديث الرفع، والحجب، والسعة، لاختصاص القاعدة بمورد احتمال العقاب، واختصاص الأحاديث بما فيه كلفة وضيق محتاجة الى رفع وسعة، والمستحب أو المكروه قد أذن الشارع في ترك امتثاله، فلا عقاب يحتمل في مورد احتماله، ولا كلفة فيه ولا ضيق، كما ليس فيهما شبهة الوقوع في الهلاك، فلا مجرى لأدلة القائلين بالاحتياط. وأما أصل الاشتغال والتخيير فهما أيضا لا يجريان بحدودهما، لتقومهما بالإلزام. نعم، يمكن إجراء مشابههما، والأمر سهل. ومنها: أنه إذا علم بجنس الإلزام وأمكن الاحتياط - مثل ما إذا علم بوجوب هذا أو حرمة ذاك فالظاهر أنه من مصاديق حكم العقل بوجوب الاحتياط، وأن العلم الإجمالي هنا كاف في التنجيز، مع أن مقتضى كلامه أنه خارج عن مورد قاعدة الاشتغال. فالصحيح في بيان مجاري الاصول الأربعة أن يقال: إن موارد الشك: إما أن يلحظ فيها اليقين السابق على هذا الشك، وإما أنه لا يلحظ، لعدم وجوده، أو لعدم لحاظه فالأول: مورد الاستصحاب، وهو المقام الثاني. والثاني: إما أن لا يحتمل فيه تكليف إلزامي، وإما أن يحتمل. فالأول خارج عن مجاري الاصول الباقية. والثاني: إما أن يكون أصل التكليف الإلزامي ولو بجنسه معلوما والشك وقع في نوعه أوفي متعلقه. وإما أن لا يعلم أصل التكليف، والثاني موردأصل البراءة، والأول إن أمكن فيه الاحتياط فهو مجرى قاعدة الاشتغال، وإن لم يمكن فيه الاحتياط فهو

[ 122 ]

مجرى قاعدة التخيير. وهذا بناء على القول بأصل التخيير، وإلا فهو داخل في أصل البراءة. فالموضع الأول من المقام الأول أن لا يكون أصل التكليف الإلزامي ولو بجنسه معلوما. ثم إن الشيخ الأعظم (قدس سره) فصل شبهة الوجوب عن شبهة التحريم، وفي كل منهما، ومن دوران الأمر بين الوجوب والحرمة فصل مورد فقدان النص، واجماله، وتعارضه، فبحث عن كل في مسألة، ولعل السر فيه: اختصاص بعض أدلة البراءة بخصوص بعضها، أو اختصاص خلاف الأخباريين ببعضها، لكنه غير موجب لهذا الفصل بعد اشتراك الجميع في ملاك القول بالبراءة، وإن كان في بعضها دليل خاص أيضا. وفي الكفاية قد أخرج مسألة تعارض النصين عن موضوع مباحث الشك، لأن الحكم فيها: إما الأخذ بخصوص الراجح، وإما التخيير في أخذ كل من المتعادلين، والمعارض المأخوذ حجة مقدمة على الأصل، وهو مبني على جريان حكم المتعارضين من الأخذ بالراجح، والتخيير في جميع أقسام الطرق المتعارضة، وإلا فلو اختص بالروايات المتعارضة - مثلا - بقي ظهور آيتين متعارضتين داخلا في عموم أدلة الاصول، وهكذا.

[ 123 ]

1 - فصل في أصالة البراءة وكيف كان فالموضع الأول من المقام الأول: أن يكون الشك في أصل التكليف الإلزامي، من الحرمة أو الوجوب، لأجل فقد النص أو غيره. والحق فيه: هو البراءة من التكليف المحتمل، وفاقا لمحققي أصحابنا الاصوليين. واستدل لها بالأدلة الأربعة: فمن الكتاب: بآيات، أظهرها قوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (1). وبيان دلالته: أنه تعالى نفى العذاب ما لم يبعث رسولا، وبعث الرسول المذكور هنا، وإن لم يكن من قبيل الكنايات، فإن المقصود الجدي في الكنايات هو المعنى المكنى عنه بلا تعلق جد الى الكناية، كما في قولك: " فلان كثير الرماد "، ولا سيما في أمثال زماننا، ومن المعلوم أن بعث الرسول مراد جدي في الآية المباركة، إلا أنه مع ذلك فبتناسب الحكم والموضوع يفهم العرف والعقلاء، الذين من قواعدهم المسلمة قبح العقاب بلا بيان يفهمون من الآية الشريفة أن ثبوت العذاب إذا بعث الرسول إنما هو لكون الرسول مبينا ومبلغا لأوامر الله ونواهيه وأن


(1) الإسراء: 15. (*)

[ 124 ]

هذا التبليغ والبيان هو تمام الموضوع لجواز التعذيب، فإنه لا ريب في أن مجرد بعث الرسول إذا لم يبين أحكامه تعالى وطلباته فليس مجوزا للعذاب. وبالجملة: فالآية الشريفة تأكيد لهذه القاعدة العقلائية، ودلالتها تامة. وما في كلمات الشيخ الأعظم (قدس سره) من اختصاصها بالعذاب الدنيوي الواقع في الامم السابقة، فيه: أنه خلاف ظاهر هذا التركيب الظاهر في الحكاية عن سنة إلهية في باب تعذيب العاصين. كما أن ما في كلماته وكلمات الكفاية من: أن غاية مفاده نفي فعلية التعذيب، والمفيد والمطلوب نفي الاستحقاق، فيه: أن مدلوله الحكاية عن سنته تعالى في باب معاقبة العاصين، وأنه تعالى لا يعاقب إلا بعد البيان، ومعه فالمقدم على خلاف التكليف المحتمل يأمن من العقاب، ومعلوم أن هذا الأمن ليس بموجود في باب المعاصي، فالعقاب هنا معلوم العدم، لأنه على خلاف سنة الله في باب الطاعة والمعصية، وهو كاف في إثبات المطلوب، كما لا يخفى. وأما ما عن بعض الأعلام في تقرير بحثه من: أن الآية ناظرة إلى نفي العذاب قبل بعث الرسول، ولا ينفيه عما إذا جاء الرسول وبين الأحكام، ثم اختفى لعروض بعض العوارض. فالجواب عنه ما أشرنا إليه من: أن ملاك نفي التعذيب هو بيان الرسول، وكما أنه إن بين لقوم ولم يبين لآخرين لا يتم الحجة إلا على القوم الأوائل فهكذا في مورد الكلام، فإن الاختفاء أوجب أن لا يبين لهؤلاء الغائبين المتأخرين. والحاصل: أن دلالة الآية تامة، إلا أنها مساوقة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويكون أدلة إيجاب الاحتياط - لو تمت - مقدمة وواردة عليها، وبيانا مجوزا للتعذيب المنفي فيها. ومن الآيات: قوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) * (1). وتقريب


(1) الطلاق: 7. (*)

[ 125 ]

الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن الموصول مفعول به ثان لقوله: " لا يكلف "، إلا أن المراد به معنى عام شامل للأفعال والأحكام، غاية الامر أن تعليقه بالحكم من قبيل المجاز في الإسناد، وهو صحيح قطعا، بداهة صحة قولك: " كلفني الله وجوب صلاة الجمعة "، كما يصح أن تقول: " كلفني الله صلاة الجمعة " ومن الواضح صحة جمع المفعول به الحقيقي والمجازي العقلي، وإيتاء كل شئ بحسبه، ويكون إيتاء الأحكام بإعلامها، فلا تكليف، إلا بالحكم المعلوم. ثانيهما: أن الموصول في ما يراد به الأحكام يكون مفعولا مطلقا نوعيا. ويرد على التقريب الأول: أن الظاهر أن المفعول به مفعول به حقيقي، والمجاز في الإسناد، سواء كان في المسند إليه، أو في متعلقات الفعل، كالمجاز في الكلمة، خلاف الظاهر، بل الحق أنه ليس لنا مجاز في الكلمة أصلا وأن ما عدوه من المجاز في الكلمة، حقيقته ادعاء في تطبيق المعنى الحقيقي على مصداق ادعائي، فهو اشبه بالمجاز العقلي والمجاز في الإسناد، فأصالة الظهور إذا لم يعلم المراد حاكمة بارادة المعنى والمفعول به الحقيقي، فلا يعم الأحكام. وأما الإيراد عليه بأن لازمه اختصاص الأحكام بالعالمين بها فمدفوع: بأنه مقتضى ظاهره، كما في حديث الرفع والحجب، وبعد الإجماع وقيام سائر الأدلة على الاشتراك يراد منها الأحكام المنجزة، فإنها التي يتحقق فيها حقيقة معنى التكليف والإيقاع في المشقة. وبعبارة اخرى: نفي التكليف بالنسبة للأحكام التي لم يعلمها لمكان عدم وقوع المكلف من ناحيتها في كلفة ومشقة فصح ادعاء أنها لم يكلف الله بها، كما صح لذلك دعوى رفعها ووضعها. كما يرد على التقريب الثاني: أن خصوصية معنى كون شئ مفعولا به، وكون الشئ مفعولا مطلقا وبعبارة اخرى: خصوصية كون الشئ وقع عليه الفعل، وخصوصية تفسير المادة خصوصيتان ممتازتان لا جامع بينهما، ولو كان جامع

[ 126 ]

فمدلول الهيأة إحدى الخصوصيتين، وإرادتهما مستلزمة لاستعمال هيأة واحدة، أو لفظ " الموصول " في معنيين، وهو محال، ولا أقل من كونه بعيدا عن الأذهان. والجواب عن محذور الاستعمال في أكثر من معنى بإرادة الجامع فيه: أن الجامع بين خصوصية الوقوع عليه وخصوصية تفسير المصدر به، مع أنه غير متصور في الاذهان العرفية التي هي الملاك في الاستظهارات لو كان متصورا فهو بعيد عن فهم العرف جدا، لا يمكن حمل التنزيل عليه. كما أن الجواب عنه بأن التكليف إذا فسر بالإيقاع في المشقة كان الموصول مفعولا به أو مفعولا منه فإن حاصل المعنى: أن الله تعالى لا يجعل إنسانا في المشقة إلا من ناحية ما آتاها، وحينئذ يمكن إرادة المعنى العام من الموصول، فإن الفعل والحكم الإلزامي كليهما مما يقع الإنسان من ناحيتهما في المشقة، فلا يكون محذور فيه: أن هيأة المفعول به دالة على وقوع الفعل المتعدي عليه، فلا بد وأن يكون معنى الفعل بحيث يطلب المفعول به، فتفسير مادة التكليف بالإيقاع في المشقة لا ينطبق على معناه الحقيقي، لأنه لا يصح تعديته إلى الفعل المكلف به بلا واسطة، بل بواسطة " من "، ولأجله عبر عنه بالمفعول منه، مع أن مادة التكليف لا ريب في تعديتها الى ذاك الفعل بلا واسطة، فلا محالة يكون التكليف مرادفا لمعنى التحميل بمشقة، فإنه يصح أن يقال: إن الفعل مما حمل بمشقة على المكلف، وحينئذ فلا يصح إرادة المفعول به حقيقة من الموصول إلا في خصوص الأفعال، ولا يعم الأحكام والتكاليف، اللهم إلا بالاسناد المجازي الذي مر ذكره. وكيف كان فظاهر الآية المباركة أن يراد من الموصول معنى يشمل المال أو إنفاقه، بقرينة سياق صدرها، أعني قوله تعالى: * (... ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) * (1)، وشموله له يوجب ظهوره في أن تعلقه بمعنى الموصول تعلق الفعل بالمفعول به، وارادة المعنى العام منه الشامل للحكم والتكليف لا أقل من


(1) الطلاق: 7. (*)

[ 127 ]

أنها خلاف الظاهر، كما مر بيانه. إلا أنه لو سلم شمول الموصول للأحكام لكان مفاد الآية: أنه تعالى لا يكلف إلا بتكليف أعلمه المكلفين، وحينئذ فيعارض أدلة إيجاب الاحتياط، لو كانت، فإنه حيث إن معنى إيجاب الاحتياط هو أن يعاقب المكلف على التكليف الواقعي فكان لازمه تكليف المكلف بالتكليف الواقعي الذي لم يعلمه الله به، فعد هذه الآية من قبيل قاعدة قبح العقاب بلا بيان ناش عن الغفلة. نعم، هو صحيح في آية نفي التعذيب السابقة، كما عرفت. ومن هذه الآيات: قوله تعالى: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) * (1) بناء على إرادة الأعم من المحرمات والواجبات من الموصول، لا خصوص المحرمات، كما ورد في خبر حمزة بن الطيار وعبد الأعلى. لكن فيه: أن الضلالة ليست من مصاديق العذاب بمصطلح القرآن، فإن المراد منه: إما مثل الإهلاك والتدمير والغرق وأمثالها من المجازاة الدنيوية، وإما العقاب الاخروي، والضلالة ليست منها أصلا، إلا أنها وقوع في سبيل الانحراف بالمرة عن طريق الهدى، وسبب للعذاب الدائم، إلا أن يرحمه الله فيهديه، وحينئذ فاشتراطها بالبيان لا يدل على أن العقاب على مخالفة أي تكليف مجهول أيضا مشروط به. ومنها: قوله تعالى: * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) * (2). ولعل الاستدلال به مبني على كون المراد بالبينة: وضوح المطلب وتبينه، فيدل على أن سنته تعالى جرت بأن يكون كل من الحياة والهلاك المعنويتين بعد وضوح الأمر. لكن فيه أولا: أن البينة لعلها مساوقة للحجة، فتعم حكم العقل - مثلا -


(1) التوبة: 115. (2) الأنفال: 42. (*)

[ 128 ]

بالاحتياط، كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص، فلا دليل فيه على البراءة. وثانيا: أن الحياة أو الهلاك المعنويتين إذا توقفت على البيان فلا يلزمه توقف العقاب على مخالفة تكليف ما أيضا عليه. ومنها: غير ذلك مما هو مذكور في كلمات الأصحاب، وعدم دلالته واضح، كما ذكره الأعلام، فراجع. هذا كله في الاستدلال للبراءة بالكتاب. وأما السنة: فاستدل لها بروايات: منها: حديث الرفع المروي في الخصال والتوحيد، بإسناد صحيح، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي تسعة: الخطأ والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة " (1). بيان الاستدلال: أنه (صلى الله عليه وآله) قد حكم برفع هذه التسعة عن امته، ورفعها عنهم عبارة اخرى عن نفيها عنهم وعدم تحميلها عليهم، ومن هذه التسعة ما لا يعلمون، وهو يعم الحكم الإلزامي المجهول، حرمة كان أو وجوبا، فهذا الحكم المجهول مرفوع عنهم، وبعد رفعه عنهم فلا محالة لا عقاب عليه، وهو مطلوب القول بالبراءة. وقد اورد على الاستدلال به بوجوه: الأول: ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) ممن: أنه لا ريب في أن المراد بالموصول في الفقرات الثلاث الاخر هو الفعل، ووحدة السياق تقتضي إرادة الفعل من


(1) الخصال: أبواب التسعة، ص 417، التوحيد: باب الاستطاعة، الحديث 24 ص 353، وفيهما ذكر: " ما لا يطيقون " قبل " مالا يعلمون ". (*)

[ 129 ]

الموصول في فقرة " ما لا يعلمون " أيضا، فتختص: بالشبهة الموضوعية. وفيه: أن المراد بالموصول في الفقرات الاخر أيضا هو الشئ مبهما، كما في سائر الموارد، والصلات المذكورة ترفع إبهامه في كل منها، وهنا يتم المراد الاستعمالي، ولا يقتضي الصلة أن يستعمل الموصول في معنى الفعل أصلا، كما هو واضح. نعم، كل صلة من باب تعدد الدال والمدلول توجب تضيق مفهوم الموصول وخروجه عن سعته، ولا محالة لا ينطبق إلا على الشئ والمصداق الذي يوجد فيه مفاد الصلة، ومسألة اختصاص المصداق بالفعل وعدمه متفرع على خصوصية الصلة، فصلة الإكراه عليه والاضطرار إليه تقتضي أن لا يوجد مفهوم صلتهما إلا في الفعل، بخلاف صلة " لا يعلمون " فإنها حيث توجد في الفعل المجهول والحكم المجهول فلا محالة يوجد مفهوم الموصول تبعا لصلته فيهما جميعا، ولا يضر بوحدة السياق. وبعبارة اخرى: حديث وحدة السياق يصح الاستناد إليه في أمثال المشترك اللفظي، إذا اريد في جملة واحدة من لفظ واحد معنى خاص، فربما تقتضي هذه الوحدة ارادته من هذه اللفظة في جميع مواردها، ولا يصح الاستناد إليه في توحيد المصاديق، كما لا يخفى. الثاني: ما عنه (قدس سره) أيضا من أن دلالة الاقتضاء تحكم بلزوم التقدير، والمقدر في الفهم العرفي أمر واحد هو المؤاخذة، وظاهر المؤاخذة المضافة الى هذه العناوين في غير ما لا يعلمون هو المؤاخذة على نفس هذه التسعة، فبقرينتها يراد من المؤاخذة المقدرة في ما لا يعلمون أيضا المؤاخذة على نفس ما لا يعلمون، فلابد وأن يكون المراد به الفعل الذي لا يعلم حتى يتصور ترتب المؤاخذة عليه، فيختص بالشبهة الموضوعية. أقول: وهذا الوجه أيضا مرجعه الى التمسك بوحدة السياق من ناحية اخرى. والجواب عنه: أنه لا حاجة الى تقدير أصلا، وذلك أن تعبير الحديث هو رفع التسعة عن الامة، ورفع شئ عن الأشخاص ظاهر عرفا في نفي الإلزام به عنهم،

[ 130 ]

وهو معناه العرفي بلا أي تأويل وخلاف ظاهر، فلا يقدر مؤاخذة حتى يترتب عليه ما أفاد. وحينئذ فقد رفع عن الامة ما لا يعلمون، وإطلاق الموصول يشمل الحكم المجهول في الشبهة الحكمية والفعل المجهول في الشبهة الموضوعية. إن قلت: إن ما ذكرت من عدم الحاجة الى التقدير صحيح، إلا أن التعبير برفع شئ عن شخص ظاهر عرفا في رفعه عن عهدته في مقابل وضعه على عهدته وذمته، وحينئذ فيكون المراد بهذا الشئ هو الفعل، فإنه الذي يصح أن يقال: وضع على العهدة أو رفع عنها، ولا يعم الأحكام من الوجوب والحرمة، فيختص بالشبهة الموضوعية. قلت: كلا، فإنا إذا راجعنا ارتكازنا العرفي نرى صحة التعبير بمثل قول: " رفع عنك وجوب هذا الفعل " بلا مسامحة ولا ادعاء ولا تجوز، ومعه فإذا قيل: " رفع عنكم ما لا تعلمون " فلا دليل على تخصيص إطلاقه بما لا يعم الأحكام الإلزامية. وقد ظهر مما ذكرناه: أنه لا مجال للجواب عن الإشكال بأن نسبة الرفع الى التسعة مبنية على الادعاء، ومن قبيل المجاز العقلي، ولا حاجة الى التقدير، وذلك أن الظاهر عرفا من قولنا: " رفع عنك كذا " هو نفي الإلزام به عنك، ونفي تحميله عنك، وهو لا يحتاج الى تقدير، وإنما يصح هذا الجواب في مثل تعبير " رفع في الإسلام تسعة ". وبالجملة: فرق بين الرفع أو النفي المطلق، وبين الرفع عن الأشخاص. كما أن الجواب عنه: بأن المراد بالرفع هنا هو التشريعي إنشاء - كما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) بعد توجيهه بإرادة رفع نفس التسعة ادعاء الراجع الى رفع آثارها حقيقة، يرد عليه - مضافا الى ما مر آنفا - أن ذاك الادعاء حينئذ هو المصحح، ولا دخل لكون الرفع تشريعيا أو إنشائيا، بل حل المشكل إنما كان بالرفع التكويني الادعائي، تأمل تعرف. الثالث: ما أفاده المحقق الخراساني (قدس سره) في تعليقة الفرائد، وهو: أن إسناد الرفع الى الحكم حقيقي ومن باب الإسناد إلى من هوله، لأنه قابل للرفع والوضع

[ 131 ]

حقيقة شرعا، بخلاف إسناده إلى الفعل فإنه مجاز عقلي، فإن الفعل متحقق خارجا ورفعه ادعائي، فإرادة الأعم من الموصول في " ما لا يعلمون " توجب الجمع بين نوعين من الإسناد ولا جامع بينهما (1). انتهى ملخصا. ولعل مراده (قدس سره): أن لازمه إجمال المراد بهذا الموصول، فلا حجة في الحديث على البراءة في الحكم الإلزامي المجهول. وفيه أولا: أن الممتنع - على القول به - هو استعمال اللفظ وما بحكمه في معنيين، وفي المجاز العقلي والإسناد إلى غير من هو له يستعمل لفظ المسند والمسند إليه وهيئة الجملة في نفس ما وضع كل منها له، وقوامه إنما هو بادعاء عقلي تصور معه، مثلا: أن الميزاب - في قولنا: جرى الميزاب - جار، وهذا الادعاء تصرف عقلي، وعليه فالجمع بين نوعين من الإسناد لا يلزم منه استعمال الألفاظ إلا في معنى واحد، ووقوع ادعاء عقلي في الإسناد الى بعض المصاديق دون بعض مسألة لا توجب تفاوتا في نحو الاستعمال، ولا في المستعمل فيه، فإنها عمل وفعل عقلي لا بأس بتحققه بالنسبة الى بعض المصاديق دون بعض آخر. وثانيا: أن الحكم وإن كان أمرا قابلا للرفع حقيقة إلا أن رفع الحكم المجهول ليس إلا رفعا ادعائيا. كيف ؟ ولو كان حقيقيا لزم التصويب المجمع على خلافه، مع أنه خلاف ظاهر نفس أدلة الاصول في الشبهات الحكمية والموضوعية، وعليه فإسناد الرفع الى الحكم - في الشبهة الحكمية - والفعل - في الموضوعية - مجاز عقلي، وإسناد إلى غير ما هو له، بل الأمر كذلك لو اريد الحكم الجزئي المجهول في الشبهة الموضوعية، لما عرفت من أن ظاهر الأدلة - مثل قولهم (عليهم السلام): " كل شئ حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " أن الحرمة الواقعية ثابتة عند الجهل بها أيضا، فلا محالة رفع الحرمة الجزئية المجهولة ليس رفعا لها بالحقيقة، بل هو من قبيل الإسناد الى غير من هو له ومجاز عقلي.


(1) تعليقة المحقق الخراساني: ص 114 في حواشي أصالة البراءة. (*)

[ 132 ]

وثالثا: أن الإسناد الصريح في الحديث وقع الى التسعة بقوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي تسعة "، فلو سلم أن الإسناد الرفع الى الحكم حقيقة فلا ريب أن إسناده الى الموصولات الاخر - بمبناهم - مجاز عقلي، فلو لم يكن جامع بين الإسنادين لزم المحذور المذكور، والذي يسهل الخطب أن الجمع بينهما لا محذور فيه وإن كان الأمر في الحقيقة والمجاز على عكس مبناهم، كما سيظهر إن شاء الله تعالى. وقد يتوهم اختصاص الرفع في " ما لا يعلمون " بالشبهة الموضوعية من جهة اخرى، بيانها: أن مقتضى التعبير برفع شئ عن شخص أو أشخاص أن هذا الشئ المرفوع فيه ثقل عليهم، وفي موارد التكاليف الإلزامية يتصور الثقل في أمرين ومن جهتين، فإن نفس التكليف الإلزامي وجوبا كان أم تحريما ثقيل على المكلفين، والمكلف به أيضا من الفعل أو الترك ثقيل عليهم، لإلزامهم بامتثاله والعمل بمقتضاه. كما أنه إذا خالف المكلف هذا التكليف الإلزامي فالمخالفة المتحققة أيضا ثقيل عليه، لاستلزامها المؤاخذة الاخروية، بل الدنيوية أيضا أحيانا، في مثل الحدود والتعزيرات، واستلزامها أيضا بطلان الأعمال وأمثال ذلك، وعليه فيصح التعبير بالرفع لرفع التكليف أو المكلف به عنهم، كما يصح التعبير به لرفع المخالفة الموجودة عن عهدته وعاتقه. إذا عرفت هذا نقول: إن التأمل في الحديث يعطي أن الرفع في الحديث اريد به رفع المخالفة عن عاتق المكلفين، وذلك أن مصداق ما يكرهون عليه، أو يضطرون إليه هو شرب الخمر، أو أكل الميتة مثلا، وهو مصداق مخالفة التكليف التحريمي. كما أن الخطأ والنسيان أيضا لو اريد بهما ما يقع عن خطأ أو نسيان - كما هو الأظهر - مصداقان لمخالفة الوظيفة، ولو اريد بهما نفس الخطأ والنسيان كانا موجبين لتلك المخالفة، وسببا لها، فثقلهما من قبيل ثقل المخالفة والعصيان، وهكذا الحسد والطيرة والوسوسة المذكورة من قبيل المخالفة المذكورة. وعليه فالرفع المذكور في الحديث رفع الأثقال التي من قبيل الذنوب والمعاصي، لا من قبيل الوظائف والتكاليف وحينئذ فوحدة السياق تقتضي أن

[ 133 ]

يراد بالموصول في " ما لا يعلمون " أيضا مصداق المخالفة، والمخالفة المجهولة بذاتها هي الأفعال الغير المعلومة العناوين، كما في الشبهات الموضوعية. وأما شرب التتن فهو أمر معلوم بنفسه، وإنما المجهول هو حكمه، وحكمه ليس مصداقا للمخالفة، ولا ثقله من هذه الجهة، فلا محالة يختص الحديث بالشبهة الموضوعية. هذا. لكن التوهم مندفع بمثل ما مر في الإيراد الأول، فإن كون المرفوع في فقرات متعددة مصداقا للخلاف، وتقوم صدق الرفع فيها بالثقل الموجود في مثل مخالفة التكليف والعصيان لا يوجب استعمال الرفع في معنى خاص إلا في ما هو معناه المقابل للوضع، كما لا يوجب استعمال ألفاظ الموصولات وغيرها إلا في ما وضعت له، وانطباق ما يكره عليه ويضطر إليه مع حفظ صحة إسناد الرفع إليه في ما هو من مصاديق المخالفة للتكليف، حتى يكون رفعها عن الامة من قبيل رفع المعاصي والذنوب المتحققة عن عاتقهم لا يوجب استعمال شئ من الألفاظ في غير ما وضعت له، وحينئذ فلابد وأن يستعمل موصول " ما لا يعلمون " أيضا في معناه الموضوع له الشامل للحكم المجهول والموضوع، واتصال الصلة به لا يوجب ضيقا في عمومه كما عرفت، ولا كون رفعه كمصداق رفع المعاصي والذنوب. وبالجملة: المفهوم في جميع الموارد واحد، واختلاف المصاديق لا يضر بوحدة المفهوم، ومعها فلا مجال لما توهم. هذا. مضافا الى أن الثقل الموجود في " ما لا يطيقون " من قبيل ثقل التكليف والمكلف به، فإن مصداق " ما لا يطيقون " هو الفعل المطلوب الذي كان يوجب على المكلف لو كان يطيقه، فثقله عليه إنما هو لمكان إلزامه به، فرفعه رفع لما هو ثقيل - لو لم يرفع - لمكان ثقل التكليف والإلزام، لا ثقل المخالفة والعصيان، فهذه الفقرة تكسر سورة وحدة السياق المتوهمة لو أغمضنا النظر عما ذكرناه أيضا، والله العالم. ثم إن الحديث - كما عرفت - يدل بمدلوله المطابقي على أن الحكم المجهول

[ 134 ]

قد رفع عن الامة، وفي الأخذ بمفاده لا نحتاج إلى ترتب أثر شرعي على هذا الرفع، فإن إثبات حكم أو نفيه بيان لوظيفة المكلفين، ونفسه من قبيل الحكم الشرعي، ومعه فلا حاجة إلى حكم شرعي آخر، وفي هذا لا فرق بين أن يكون هذا الإثبات أو النفي حقيقيين أو ادعائيين، غاية الأمر أن موارد الادعاء تكون نظير الأحكام الظاهرية، مثل ما يثبت باستصحاب وجود الأحكام الشرعية أو نفيها، وبقوله: " كل شئ حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (1) فإنها وظائف عملية بيانها وإنشاؤها وظيفة الشارع وشأنه، ولا يتوقف صحة إنشائها على ثبوت أثر شرعي آخر وراء أنفسها، وحينئذ فإذا حكم الحديث بنفي الحكم المجهول ورفعه عن الامة فقد بين وظيفة المكلفين، ومعه فالعقل يحكم قطعا بأن لا عقاب في مخالفة الحكم المجهول. فمنه تعرف عدم الحاجة إلى نفي أثر إيجاب الاحتياط لكي نصل من نفي وجوب الاحتياط إلى عدم ترتب العقاب، بل كما أن نفي وجوب الاحتياط بيان وظيفة شرعية - وهو تمام موضوع حكم العقل بعدم ترتب العقاب - فهكذا نفي نفس الحكم الواقعي ولو ادعاء تمام موضوع لهذا الحكم العقلي. فلا حاجة إلى ما في الكفاية - تبعا للفرائد - من توسيط إيجاب الاحتياط لإثبات نفي المؤاخذة. بل قد يقال: إن وجوب الاحتياط وإن كان أمرا شرعيا إلا أن جعله في موارد الشبهة لا يقتضي أن يكون الحكم المجهول بالنسبة إليه من قبيل الموضوع للحكم الشرعي لكي يثبت بنفيه نفيه، بل لعلهما من قبيل حكمين متلازمين، فتدبر جيدا، والأمر سهل. هل المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار ؟ ثم إنه لا بأس للتعرض هنا - تبعا للأصحاب - لأن المرفوع بحديث الرفع


(1) الوسائل: ج 12 ب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4، الكافي: ج 5 ص 313 ح 49 و 50 كتاب المعيشة، البحار: ج 2 ص 274 كتاب العلم، باختلاف في اللفظ. (*)

[ 135 ]

هل هو جميع الآثار، أو خصوص المؤاخذة، أو الأثر المناسب في كل مورد ؟ ولتوضيح ما هو الحق نقدم امورا: الأول: أن محل البحث هو العناوين الطارئة الستة، أعني: الخطأ والنسيان وعدم العلم والإكراه والاضطرار وعدم الطاقة، ولا يهم البحث عن الثلاثة الاخر: الحسد والطيرة والوسوسة. الثاني: يشترط في المرفوع بحديث الرفع في جميع الموارد امور: أ: أن يكون أمرا شرعيا واقعا في حيطة التقنين والتشريع من الأحكام المجعولة، أو التبعات المترتبة عليها، فإنه لا ريب في أن الحديث متضمن لمثل هذه التشريعات، ولا يرتبط بالتصرفات التكوينية ونفي الآثار الخارجية، وإن كان الشارع المقدس هو الله الذي فاطر كل شئ وخالقه وربه، وبيده ملكوت كل شئ. ب: أن يكون أمرا في ثبوته ثقل وكلفة على المكلف، سواء أ كان ثقل التكليف والإلزام، أم ثقل مخالفة التكليف والمؤاخذة عليها، وذلك لما عرفت من أن الحديث يصرح برفع هذه العناوين عن الامة، ورفع شئ عن الشخص إنما يصح أن يقال في ما كان لهذا الشئ ثقل على الشخص، فيرفع هذا الثقيل عن عاتقه، فلا محالة لا يرفع به إلا ما كان ثقيلا، ولا يعم الرفع أثرا شرعيا ليس في ثبوته ثقل على المكلفين، سواء أكان فيه سعة ومنة أم لا. ومنه تعرف أن نفس تعبير الحديث يقتضي أن يرفع به كل ثقيل ولا يعم غيره، ولا محالة يكون في رفعه منة، وفي إثباته ثقل وخلاف المنة، ولا نحتاج في الاستدلال على اعتبار ذلك فيه إلى أن نقول (1): إنه في مقام الامتنان، إلا أن القدر المتيقن منه خصوص الامتنان الموجود في رفع ما في إثباته خلاف المنة، بل إن نفس الرفع عن الإشخاص إنما يقال في مورد كان في إثباته ثقل، ولا محالة


(1) كما عن المحقق العراقي (قدس سره). (*)

[ 136 ]

أن الثقل خلاف المنة. ج: أن لا يكون أمرا مترتبا على خصوص هذه العناوين الستة، وذلك أن ظاهر الحديث: أن منشأ الرفع هو طرو هذه العناوين، فلا محالة يكون الأثر المقصود رفعه مترتبا على المورد بطبع المورد، وطرو هذه العناوين أوجب رفعه، فالآثار المترتبة على خصوص هذه العناوين كوجوب سجدتي السهو ودية الخطأ ليست مشمولة للحديث أصلا. الثالث: قد عرفت أن كل الملاك في شمول الحديث للمورد أن يكون هنا أمر شرعي في ثبوته ثقل على المكلف، فهذا الثقل قد يكون ثقل التكليف الإبتدائي، كما في الاضطرار إلى فعل الحرام أو ترك الواجب، وكما في عدم الطاقة على العمل بالوظيفة، وقد يكون ثقل الإعادة والإتيان ثانيا لما أتى به، كما لو نسي السورة أو نزع اللباس المنسوج من أجزاء ما لا يؤكل لحمه فتذكر في الأثناء أو بعد الفراغ عن الصلاة ولو قبل خروج الوقت، فهذه الإعادة لما أتى به فيه ثقل على المكلف ولو كان السبب فيه الترك المستند الى غير هذه العناوين الستة لوجب تحمله والإتيان ثانيا بما أتى به مرة، فإذا استند الى أحد هذه العناوين يرفع عنه هذا الأمر الثقيل. كما أنه قد يكون ثقل المؤاخذة الدنيوية أو الاخروية، كالحدود والتعزيرات وعذاب النار ولهيب الجحيم، فإن استحقاق كل من قسمي المؤاخذة أمر ثقيل على المكلف، ويوجب ثقل موجبه عليه، وهو من تبعات التشريع، وقابل للرفع عن المكلف. الرابع: قد عرفت أن مدلول الحديث المطابقي، هو رفع هذه الامور عن الامة، ونفس الرفع عن الشخص معناه الظاهر أن هذا الشئ أمر يكون في ثبوته ثقل على الشخص فرفع عن عاتقه كي لا يقع في ثقله، غاية الأمر أنه حيث كان في مقام التشريع فلا محالة يختص بالتشريعيات وتبعاتها، وليس مدلول الحديث رفع ذات هذه الامور لكي نحتاج إلى القول بأن رفعها تشريعي، حتى يقال بأن الرفع التشريعي لا محصل له إلا الرفع الادعائي، فنحن ننكر إرادة الرفع الادعائي،

[ 137 ]

لمكان أن مدلوله رفعها عن الامة، لا رفع ذواتها بقول مطلق، وإلا فلو كان مدلوله المطابقي رفع هذه الذوات لما كان محيص عن المصير إلى النفي الادعائي، كما هو الطريق المنحصر على التحقيق في كل الموارد التي لا يمكن إرادة المعنى الحقيقي، سواء في ذلك موارد المجاز في الكلمة أو غيرها، كما لا يخفى. إذا عرفت هذه الامور نقول: إن هذه العناوين الستة قد تتعلق بالأحكام الوضعية، وقد تتعلق بالأحكام التكليفية الإلزامية، والتكليفية تارة مستقلة، واخرى من قبيل الأجزاء والشرائط. أما التكليفية المستقلة: فكما لو اكره أو اضطر إلى شرب الخمر، فشرب الخمر مصداق لما اكره عليه أو اضطر إليه، وهو ثقيل على المكلف، لأنه مخالفة لتكليف " حرمت عليكم الخمر " فيوجب الحد الشرعي واستحقاق العقاب الاخروي، فهو بثقله - وهو ثقل المخالفة والمؤاخذة - يرفع عن عاتق المكلف، ولا بأس عليه في ارتكابه، وهكذا الأمر إذا تعلق به النسيان أو الخطأ أو لم يعلمه. وإذا لم يطق الصوم - مثلا - فنفس الصوم مصداق ما لا يطيقون، وهو ثقيل على المكلف، لأنه لا يطيق إتيانه، وقد أوجبه الله عليه، فثقله ثقل نفس التكليف والإلزام، فيرفع الصوم بثقله عنه. وهكذا الأمر فيما إذا اكره على ترك الصلاة في جميع الوقت، فإن تركها مصداق لما " اكرهوا عليه "، وهو ثقيل على المكلف، فإنه مخالفة للواجب موجبة للتعزير الدنيوي والعقاب الاخروي، وللقضاء خارج الوقت، وكل ذلك ثقل على المكلف أوجبه عليه إكراه المكره على الترك، فيرفع هذا الأمر الثقيل بجميع ثقله عن عاتقه، بحيث لا يكون على عاتقه من الثقل أثر أصلا، فإطلاقه ومقتضى رفعه بالمرة أن لا يستحق تعزير الدنيا، ولا عذاب الآخرة، ولا القضاء خارج الوقت. نعم، لو أكرهه على ترك الصلاة في وقت الفضيلة - مثلا - فلا يترتب من تركها أمر عليه ثقيل، فإن وجوب الإتيان بها في بقية الوقت مما يقتضيه نفس التكليف بالواجب الموسع، لا أنه أمر جديد أتى من ناحية الإكراه، وفوت الفضل ليس إلا فوات نفع، لا تحميل ثقل وضرر.

[ 138 ]

وأما توهم عدم شمول الحديث لترك الواجبات لكونه أمرا عدميا، والرفع حيث إنه مساوق للنفي فلا محالة يقتضي أن يتعلق بأمر وجودي لكي ينزله منزلة المعدوم، ولا يعم الأعدام حتى ينزلها منزلة الوجودات فالحديث حديث رفع، لا حديث وضع. فممنوع: أولا: بما عرفت من أن الرفع في الحديث لا يرادف النفي، بل هو بمعنى الرفع عن عاتق المكلفين. وثانيا: أنه قد تعلق بما يصدق عليه عرفا مفهوم الموصولات، ومن الواضح أن ترك الواجب من أكبر الأشياء في العرف، كيف وهو مصداق للعصيان والخلاف ؟ ولا ريب في صدق الشئ بمفهومه العرفي عليه. وثالثا: أنه لو تم فإنما يصح في غير الخطأ والنسيان، إذ هما بنفسهما قد تعلق بهما الرفع، وهما يعمان ما إذا كان أثرهما إتيان حرام أو ترك واجب. كما أنه لو اريد بهما ما يقع عنهما لشمل كلا الفعل الحرام وترك الواجب اللذين يقع عنهما وبسببهما، كما لا يخفى. هذا. وأما التكليفيات غير المستقلة: كما إذا نسي السورة أو نسي فتكلم بكلام آدمي فالتكلم بالكلام الآدمي مصداق لما وقع عن نسيان، وهو ثقيل على المكلف، أو أن نسيانه ثقيل عليه، لأنه يوجب عليه إعادة ما أتى به من صلاته، وهكذا ترك السورة حرفا بحرف، فهذا الأمر الثقيل يرفع - بثقله - عن عاتق المكلف، ورفع ثقله لا يكون إلا بعدم أي ثقل على عاتقه من ناحية نسيانه، ولا محالة لا يجب عليه إعادة المأتي به، ولا يؤاخذ بمخالفته للتكليف الأولي. وملاك شمول الحديث هنا لمورد النسيان - مثلا - أن يكون تدارك المنسي موجبا لإلزامه بإعادة شئ ما مما فعله وإتيانه ثانيا، فإن تحميل إتيانه عليه ثانيا ثقيل عليه، وحيث إنه يأتي ويتوجه عليه بسبب النسيان فيرفع بالحديث هذا الترك الثقيل بثقله عنه، فمقتضى حديث الرفع أنه لو نسي التشهد - مثلا - وقام وتذكر قبل ركوع الركعة التالية فبما أن تدارك التشهد يوجب إعادة ما أتى به من تسبيحاته الأربع في هذه الركعة فهو ثقل قد لزمه من نسيانه، فمقتضى الحديث رفع

[ 139 ]

هذا الثقيل بثقله عنه. فما في كلمات بعض الأعاظم - على ما في الفوائد تقرير بحثه - وتبعه بعض أعلام تلامذته (1) - دام عمره - من " أنه إذا لم يكن النسيان مستوعبا لجميع الوقت فأمر عدم شمول الحديث مسلم ". بمراحل عن الواقع، لما عرفت من أن الملاك لجريان الحديث هو تحميل أمر عليه بسبب النسيان، وهو موجود في ما إذا تذكر أثناء الصلاة أيضا فضلا عما بعدها. وليس ملاك جريان الحديث نسيان المركب الواجب النفسي لكي يقال: إن نسيانه إنما يتحقق باستيعاب النسيان لجميع وقت الواجب كما في كلماتهما. وأما الأحكام الوضعية: مثل أن البيع بشرائطه سبب شرعي لحصول الملكية: فتارة يتعلق الإكراه - مثلا - بنفس البيع، واخرى بما هو من مقوماته ومنوعاته العرفية، كأن اكره بالبيع من زيد وهو بصدد البيع من عمرو، أو اكره ببيع فرشه وهو يريد بيع داره، وثالثة بما هو من قبيل الشرائط الشرعية. فالأولان يعمهما حديث الرفع، ويرفع عنه ثقل لزوم المعاملة، والثالثة يعمها أيضا الحديث، ويرفع عنه ثقل إعادة الإنشاء، إذ المفروض أنه بنفسه عازم وراض بإيقاع العقد أو الإيقاع، وإنما الشارع هو الذي يكلفه برعاية شرط شرعي، فإذا أكرهه مكره على عدم رعايته فأصل العقد أو الإيقاع إذا حكم بصحتهما ولزومهما لا يوجب عليه ثقلا، فلا يعمهما حديث الرفع، بل إن ترك الشرط يلزمه بإعادة الإنشاء، وهو ثقيل عليه يرفعه حديث الرفع، فإذا عزم على طلاق امرأته فأكرهه مكره على عدم رعاية شرط إشهاد العدلين، أو عزم على بيع صبرة معينة مجهولة المقدار، فأكرهه مكره على عدم تعيين مقدارها حين البيع كان مقتضى إطلاق الحديث رفع ترك الشرط - بثقله - عن المكلف، فلا يجب عليه إعادة إنشائه.


(1) فوائد الاصول: ج 3 ص 355، أجود التقريرات: ج 2 ص 174 طبع مكتبة الفقيه بقم. (*)

[ 140 ]

هذا كله في الأحكام الوضعية. وأما ما كان من الموضوعات الشرعية من قبيل الامور الخارجية فقد عرفت أنها غير قابل لأن يحكم عليه بالرفع بمثل هذا الحديث المتكفل لرفع الامور التشريعة، ولعل من هذا القبيل الطهارة والنجاسة، فإن النجاسة لا يبعد أن تكون قذارة خارجية تكوينية أو سياسية، فالابتلاء بها وإن كان بسبب الخطأ والنسيان، أو الجهل، أو الاضطرار ونحوها لا يوجب أن يحكم عليها برفع نفسها بحديث الرفع. وأما رفع آثارها الجعلية فإن كان الابتلاء بعدم ترتيب الآثار الشرعية مشمولا لأحد العناوين الستة - كأن صلى في النجس خطأ أو نسيانا وأمثاله - فلا ينبغي الريب في شمول الحديث له. وأما إذا كان صدق العنوان في الابتلاء بملاقاة نفس النجاسة لا في ترك ترتيب آثارها الجعلية الشرعية - كأن لاقى يده أو لباسه النجس خطأ أو نسيانا، فتذكر والتفت وأراد الصلاة في لباسه النجس أو يده النجسة ذاكرا لنجاستهما - فلا وجه لإجراء حديث الرفع والحكم بصحة صلاته. وينبغي التنبيه هنا على أمر، وهو: أن المرفوع بالحديث في موارد جريانه هل هو نفس الحكم الشرعي حتى يكون الحديث حاكما على أدله إثباته مخرجا للمورد عن تحت عمومها أو إطلاقها، أو أن المرفوع به تنجز الحكم حتى يكون الحديث دليلا مرخصا لمخالفة الأحكام وموجبا للعذر للمكلف فيها ؟ مقتضى كلمات الأعلام الأول، فإنهم يقررون دلالته بأن مفاده نفي ما يكره عليه أو يضطر إليه مثلا، ونفيه نفي ادعائي يلزمه نفي جميع آثاره الشرعية نفيا حقيقيا، اللهم إلا في مورد الجهل بالحكم أو الموضوع، فإن الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل بالأحكام أو الموضوعات. إلا أن الحق هو الثاني، وذلك لما عرفت من أن مفاد الحديث ليس نفي الامور المذكورة ورفعها، بل رفعها عن أفراد الامة، ومعنى رفعها عنهم. رفع ثقلها عن عاتقهم، وكونها ثقيلا متقوم بأن يكون الأحكام الثابتة في موردها منجزة لا يعذر المكلف فيها، فلو كان المكلف لطرو هذه العناوين معذورا في مخالفتها بحيث

[ 141 ]

لا يترتب عليه عقوبة دنيوية أو اخروية - ولا مثل تبعة بطلان المركب بترك الجزء أو الشرط - فمجرد التكليف الفعلي لا ثقل فيه على المكلف به، فغاية مدلول الحديث والمتيقن منه مجرد الترخيص في المخالفة، ولا دليل ولا حجة فيه على رفع أصل التكليف، بل مقتضى إطلاق أدلة إثبات التكليف ثبوته، ولا حجة على خلافه، فمقتضى القواعد ثبوت التكليف وثبوت الترخيص في خلافه، والله العالم. لكن ليعلم أن هذا الذي ذكرناه إنما هو بالنسبة الى مقتضى مجرد الجمع بين حديث الرفع وأدلة إثبات التكليف، وإلا فربما كان هنا دليل آخر مقتضاه نفي أصل التكليف مع طرو بعض هذه العناوين. ومن الأخبار التي استدل بها حديث الحجب: فقد روى ثقة الإسلام الكليني (قدس سره): عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم " (1). ورواه الشيخ الصدوق في توحيده: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، إلا أنه قال: ما حجب الله علمه عن العباد (2). وتقريب الاستدلال به: أنه لما لم يمكن وقوع أي فعل كان إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته فيصح إسناد حجب الأشياء أو العلم بها عن العباد إلى الله تعالى، وإن كان ناشئا عن معصية من عصى الله في إيجاد أسباب الاختفاء، ولا سيما إذا فحص المكلف عنه في مظانه ولم يعثر عليه. وعليه فالحرمة والوجوب المجهولان مما حجبه الله وحجب العلم به عن العباد، فهما موضوعان عن العباد، ووضع التكليف عن العبد كرفعه عنه لا أقل من أن يكون برفع ثقله عنه، ولو بقرينة أن الأحكام الشرعية مشتركة بين العالم والجاهل بها. هذا.


(1) اصول الكافي: ج 1 باب حجج الله على خلقه ص 164 ح 3. (2) التوحيد: باب التعريف والبيان ص 413 ح 9. (*)

[ 142 ]

إلا أنه يرد على الاستدلال به أولا: أن أبا الحسن زكريا بن يحيى المذكور في السند مشترك بين التميمي والواسطي الثقتين، وبين الحضرمي والكلالي والنهدي والنصراني الأب المجهولين، وإن ذكر صاحب جامع الرواة هذه الرواية ذيل ترجمة الواسطي الثقة إلا أنه لا حجة فيه، فالرواية ليس فيها حجة. وثانيا: أن الحجب وإن صح إسناده إلى الله تعالى بالتقريب والتوجيه المذكور إلا أنه قد يكون مبنى الإسناد هو تعلق عناية خاصة منه تعالى بالحجب، ألا ترى إلى قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * (1) ففي هذه الآية المباركة قد اسند إلى الله تعالى البيان المقابل للكتمان، وإلى الذين ذكروا فيه كتمان ما أنزله الله، مع أن الكتمان هنا بالتوجيه المذكور هناك يصح إسناده إلى الله، ومع ذلك فقد اسند الكتمان المساوق للحجب إلى المذكورين والتبيين المقابل له الى الله تعالى، وحينئذ فمن المحتمل أن يكون مبنى إسناد الحجب إلى الله تعالى في الحديث هو بعينه مبنى الإسناد في الآية المباركة، ومعه فلا يسند الى الله الحجب، وإنما يسند الى غيره الحجب، وإليه تعالى البيان والإعلام، ومع هذا الاحتمال فلا حجة في هذا الحديث. ومنها: " حديث السعة ". ففي مستدرك الوسائل، عن عوالي اللآلي: أن النبي (صلى الله عليه وآله): قال: " الناس في سعة ما لم يعلموا " (2)، ودلالته على المطلوب واضحة، فإن الحكم بكون الناس في سعة عند جهلهم لا يكون إلا إذا لم يعاقبوا على ما لا يعلمون. إلا أن سنده ضعيف بالإرسال، ولا سيما في كتاب خلط الغث بالسمين. وحيث يحتمل في قراءته إضافة لفظ " سعة " الى لفظه " ما " وأن تكون بالتنوين، ويختلف لا محالة حدود دلالته، وذلك أنه على الإضافة يكون لفظ " ما " موصولا


(1) البقرة: 159. (2) المستدرك: الباب 12 من مقدمات الحدود، الحديث 4. (*)

[ 143 ]

اسميا، ويصير مفاده الحكم بسعة الناس من ناحية ما لم يعلموه، وحيث لا ريب في أن إيجاب الاحتياط، إنما هو طريقي للوصول إلى التكليف الواقعي فإيجابه ضيق ناش من ناحية التكليف الواقعي المجهول، فالحكم بالسعة من ناحيته يقتضي عدم إيجاب الاحتياط، وهذا احتمال متين. وأما إذا قرئت بالتنوين فلا محالة يكون " ما " موصولا حرفيا، ويصير مفاد الحديث الحكم بالسعة ما دام لم يعلموا، وحيث لم يذكر متعلق العلم فيحتمل فيه أن يكون هو الضيق المجعول من جانب الشرع، يعني: أن الناس في سعة ما دام لم يعلموا بالضيق، فإذا علم بضيق ما ولو بعنوان وجوب الاحتياط فلا محالة تحصل الغاية وترتفع السعة، وهذا الاحتمال أيضا متين وإن قلنا باشتراط أن يكون الفعل ماضيا لفظا أو معنى في موصولية " ما " الحرفية، لمفروضية وجودها، ومع هذا الاحتمال يكون مفاد الحديث مفاد قبح العقاب بلا بيان، يكون أدلة وجوب الاحتياط لو فرضت تماميتها حاكمة عليه. وبالجملة: فحيث يحتمل في قراءة الحديث احتمالان فلو فرض أيضا اعتبار سنده لما كان فيه حجة تقاوم أدلة الاحتياط. ومنها: " حديث الإطلاق " وهو ما رواه الصدوق - في باب وصف الصلاة من فاتحتها الى خاتمتها، من كتاب من لا يحضره الفقيه - مرسلا عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي ". واستدل به لجواز القنوت بالفارسية بعد الاستدلال له بخبر آخر، فقال: ولو لم يرد هذا الخبر أيضا لكنت اجيزه بالخبر الذي روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي "، والنهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود (1). انتهى. وروى هذه العبارة في عوالي اللآلي أيضا مرسلا عنه (عليه السلام) (2). وروى في المستدرك عن الشيخ في أماليه بسند غير معتبر عن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الأشياء


(1) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 208 ح 937. (2) عوالي اللآلي ج 3 ص 166 ح 60 وص 462 ح 1. (*)

[ 144 ]

مطلقة ما لم يرد عليك أمر ونهي... الخبر " (1). فالحديث - كما ترى - غير معتبر أو مرسل، اللهم إلا أن يكتفى في اعتباره بنقل الصدوق له في فقيهه الذي قال فيه: (ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت الى إيراد ما افتي فيه وأحكم بصحته وأعتقد أنه حجة في ما بيني وبين ربي، تقدس ذكره وتعالت قدرته) (2)، لا سيما وقد صرح بالإفتاء به والاعتماد عليه في جواز القنوت بالفارسية. وأما دلالته فهي مبنية على إرادة ورود النهي فيه على المكلف، ليساوق وصول النهي فيه، فيدل على أن كل شئ لم يظفر فيه بنهي وحرمة فهو مطلق لا ضيق على المكلف من ناحيته، وهي غير مسلمة لو لم تكن ممنوعة، فإن من المحتمل قويا بل الظاهر أن ورود النهي يصدق على مجرد صدوره عن المعصوم (عليه السلام) في مقام بيان حكم الله تعالى، وإن لم يصل إلى غير من بحضرته من المكلفين فهو أمر واقعي لا يساوق الوصول، وعليه يكون مفاد الحديث: أنه ما لم يصدر من الشارع والمعصومين نهي في شئ فهو مطلق لا حرج في ارتكابه، فالحديث بمفاده منطبق في بعض الموارد على ما مر عن علي (عليه السلام) " وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم ". وفي بعضها على جواز ارتكاب الأشياء قبل أن ينهى الشارع عنها، وأن المنع عن الارتكاب إنما هو بعد نهيه، فينطبق على أصالة الإباحة في الأشياء قبال القول بأصالة الحظر فيها. وكيف كان: فالإمام (عليه السلام) قد جرى في كلامه هذا على ما هو شأن الإمامة، من بيان وظيفة المكلفين في مقام العمل، ونجاهم عن الحيرة، بأنه لا بأس قبل نهي الشارع في ارتكاب الأشياء أصلا، وهو وإن لم يكن أحد الأحكام الخمسة إلا أنه - على أي حال - تبيين لوظيفة الناس، موجب لخروجهم عن الحيرة، وقصر شأن الإمام على بيان الأحكام الخمسة أو موضوعاتها لا وجه له ولا دليل عليه.


(1) المستدرك: ج 17 ص 323 ح 21477 طبع آل البيت (عليهم السلام). (2) الفقيه: ج 1 ص 3 أول مقدمة الكتاب. (*)

[ 145 ]

ومنه تعرف بطلان تخيل أن إرادة هذا المعنى مساوق لحمل الكلام على اللغو، فكيف يتخيل وهو رافع للحيرة، وقد وقع ونقل نظيره عن أبي الأئمة (عليهم السلام) ؟ والإمام (عليه السلام) بصدد قانون كلي وضابطة عامة، هي: " أنه لا بأس بإتيان الأشياء قبل أن ينهى الشارع عنها، ولا يختص هذا المعنى بما بعد زمان صدور هذا الحديث لكي يقال: إن الشريعة قد كملت في زمان الصادق (عليه السلام)، فلا فائدة في بيانه حينئذ، فلا بد وأن يحمل الورود على الوصول. وبالجملة: فمفاد الحديث بيان قاعدة كلية عملية ينتفع بها المكلفون، وليست مجرد بيان حكم عقلي هو أن الأصل في الأشياء قبل النهي عنها الإباحة، وإن استفيد منه، بل المراد به ومفاده رفع حيرة المكلفين وبيان وظيفتهم، كما هو شأن الإمام في بعد تبيين الأحكام. وعليه فما في نهاية الدراية (1) وتهذيب دراسات سيدنا الاستاذ (2) - قدس سرهما الشريف - من الاستناد إلى مثل هذه الامور لحمل " الورود " المذكور فيه على ما يساوق الوصول مما لا يمكننا المساعدة عليه. فمما ذكرنا من كون الورود المذكور غاية للإطلاق أمرا واقعيا يجتمع مع الشك في الحكم تعرف: أولا: أنه غير قاعدة حل الأشياء ما لم يعلم حرمته. وثانيا: أنه مع احتمال ورود النهي واقعا لا يصح الاستناد لإطلاق المورد وإباحته إلى الحديث، فإنه من قبيل التمسك بالعام في شبهته المصداقية. نعم لا بأس باستصحاب عدم ورود النهي، وإثبات ما هو موضوع للقاعدة المذكورة في الحديث المبارك، فتنطبق القاعدة عليه، ويدل الحديث على إطلاقه، كما في جميع موارد استصحاب موضوعات الأحكام، غاية الأمر أن الدليل المنطبق في سائر الموارد مدلوله حكم شرعي مجعول من أحد الأحكام الخمسة التكليفية مثلا، وهنا مدلوله قاعدة كلية مشتركة مع الأحكام في تعيين وظيفة


(1) نهاية الدراية: ج 4 ص 72. (2) تهذيب الاصول: ج 2 ص 180، طبع جماعة المدرسين. (*)

[ 146 ]

المكلفين ورفع حيرتهم. والحاصل: أن مسؤولية الاستصحاب ومفاده في جميع موارد جريانه ليست أزيد من الحكم ببقاء المستصحب، وهذه المسؤولية يؤديها ويفي بها هنا أيضا كسائر الموارد ثم إن الأدلة الاجتهادية هي التي تنطبق ببركة الاستصحاب على الموضوعات المستصحبة، وتحكم مفادها عليها، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون مفاد الدليل الإجتهادي حكما مجعولا من الأحكام الشرعية، أو قاعدة كلية رافعة لتحير الناس، ومبينة لوظيفتهم نظيرها، كما لا يخفى، فلا نعتمد في إثبات الإطلاق على مجرد حديث السببية والمسببية لكي يرمى بالبطلان والمثبتية، بل عمدة المقال ما مر من: أن شأن النبي والإمام القائم مقامه غير مقصور على بيان الأحكام الخمسة المجعولة وما إليها، والله العالم. ومنها: " خبر مسعدة بن صدقة " وقد رواه في الكافي والتهذيب بإسنادهما عنه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون (عليك - يب ئل) قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع، أو قهر، (أو خدع فبيع قهرا - ئل)، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " (1). والاستدلال به في مطلق الشبهة الحكمية بأن يقال: إنه قد حكم على كل شئ لم يعلم حرمته بالحلية، والشئ كما أنه شامل ويقال على الامور الجزئية كذلك يقال على الأنواع الكلية، كما يقال مثلا: إن الحنطة شئ غير الشعير، فلو لم يعلم حرمة شئ (كالتتن) فبحكم الحديث هو حلال حتى يعلم أنه حرام. وأما الشبهة الوجوبية: فإما أن يعمها حكم الحديث بعدم الفصل، وإما بأن ترك كل واجب حرام، فيحكم على ترك محتمل الوجوب بالحل.


(1) الوسائل: ج 12 ص 60 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (*)

[ 147 ]

وقد استشكل دلالة الحديث على البراءة من وجهين: أحدهما: من حيث إنه لا يعم الشبهات الحكمية، فإن الأمثلة المذكورة فيه، وجعل غاية الحلية قيام البينة على الحرمة - كما في ذيله - قرينتان على اختصاصه بالشبهة الموضوعية، وقد يذكر قرينة ثالثة: هي لفظة " بعينه " التي بمعنى " بشخصه "، وهو أيضا مناسب للامور الجزئية الشخصية في الشبهات الموضوعية. ثانيهما: أن الحلية المذكورة في الحديث ليست أصالة الحل المساوقة أو الداخلة تحت قاعدة البراءة، وذلك أن الأمثلة المذكورة فيه ليس الحل فيها مستندا إلى تلك القاعدة، بل في مثال " الثوب " و " العبد " إلى قاعدة اليد، وفي مثال الامرأة إلى استصحاب عدم تحقق الرضاع المحرم أو استصحاب عدم تحقق النسب عدما أزليا، وقاعدة اليد أمارة حاكمة على كل أصل أو واردة، والاستصحاب أيضا حاكم على أصالة الحل وقاعدة البراءة، ولو اغمض عن اليد والاستصحاب كان مقتضى الاستصحاب عدم حصول الملكية والزوجية، والاستصحاب حاكم على الاصول. أقول: أما الوجه الأول: فالجواب عنه: أن أصالة الحل المذكورة في الحديث إذا كانت عامة لجميع موارد الشك في الحرمة فجميع الأشياء التي لم يعلم حرمتها مشمولة له محكوم عليها بالحل، فأصالة الحل كبرى كلية، والأمثلة المذكورة مصاديق لها وجزئيات، ولا يجب في ذكر المثال أن يذكر جميع الأنواع المتصورة إذا لم يكن المتكلم بصدد بيان الأنواع المختلفة. كما أن قيام البينة وإن اختص بالشبهة الموضوعية إلا أنه يمكن أن يقال: إن الاستبانة المذكورة في الذيل تعم الاستبانة العلمية القطعية، وغيرها الحاصل بمثل خبر الواحد والظواهر، وعليه فذكر قيام البينة بعد الاستبانة من قبيل ذكر الخاص بعد العام لا شاهد فيه على الاختصاص. وأما لفظة " البينة " فلا دلالة فيها على أزيد من أن يكون العلم بحرمة الشئ في قالب التعيين، لا الإبهام وعدم التعيين في قبال ما إذا علم بحرمة " شئ ما " علما إجماليا يخرج أطرافه عن الحصر، أو عن الابتلاء به في خصوص الشبهات

[ 148 ]

الموضوعية، ولا اختصاص لها بالامور الجزئية أصلا هذا. ومع ذلك كله فالاستدلال بالحديث موقوف على قيام ظهور مسلم له في الإطلاق والعموم. وأما الوجه الثاني فقد يجاب عنه: تارة بما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) من: أن قوله (عليه السلام): " هو لك " صفة ل‍ " شئ "، ويدل على حلية كل ما كان للشخص وتحت استيلائه ما لم يعلم حرمته، فمفاده حجية قاعدة اليد بمعناها الوسيع الذي يحكم به العقلاء أيضا، فإنهم يحكمون بأن كل من تسلط على أمر بعنوان خاص ولم يعلم صحة تسلطه فنفس تسلطه حجة وأمارة على صحة تسلطه عليه، وهذا هو معنى اليد الوسيع، فيده حجة وأمارة لنفسه ولغيره ما لم يعلم بخلافها (1). وقد يجاب عنه اخرى: بما عن المحقق الخراساني (قدس سره) في تعليقته المباركة على الفرائد (2) من: أن ذكر الموارد المذكورة من باب التنظير لتقريب أصالة الإباحة إلى الأذهان، وأنها ليست بعادمة النظير في الشريعة، وأنها حكمت بالحل في الموارد المذكورة مع عدم القطع بالحلية. أقول: والتحقيق: أن كلا الجوابين خلاف ظاهر الحديث جدا: أما ما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) فلأنه - مضافا الى بعده بنفسه - لو كان الأمر كما أفاد لكان اللازم ذكر هذا القيد ثانيا في ذيل الحديث الذي بمنزلة الفذلكة لما قبله، مع أنه (عليه السلام) قال: " والأشياء كلها على هذا " وهو عام لجميع الأشياء، سواء ما تسلط عليه أم لا، إذ لم يقل: " والأشياء التي لك على هذا... "، فذكرها مجردا عن الوصف وتأكيد عمومها بلفظة " كلها " شاهد على أن جملة " هولك... " خبر المبتدأ، لا صفة مقيدة له. وأما ما عن المحقق الخراساني فلأن قوله (عليه السلام): " وذلك مثل الثوب " ظاهر جدا في أنه ذكر مثال لقوله: " كل شئ "، ولو أراد ما أفاده هذا المحقق، لقال:


(1) تهذيب الاصول: ج 2 ص 175. (2) تعليقة المحقق الخراساني على الفرائد: ص 121 وما بعدها. (*)

[ 149 ]

وذلك مثل حلية الثوب... الى آخره. وبالجملة: فذكر المثال وبيان الجزئي للكلية المذكورة أول الحديث لا يكون عرفا إلا بمثل تعبير الحديث. هذا. ويشهد لما استظهرناه قوله (عليه السلام) في الفذلكة: " والأشياء كلها على هذا " فإنه (عليه السلام) قد صرح بتعميم حكمه بالحلية لجميع الأشياء، وهو لا يكون إلا بإرادة العموم، فتدبر. والحق في الجواب عن هذه الشبهة أن يقال: إن مفاد الحديث المبارك، هو الحكم بحلية كل شئ ما لم يقطع بالحرمة، ولم يقم عليها طريق معتبر كالبينة، وأن العلم المذكور فيه لا يعم العلم التعبدي الموجود في مورد الاستصحاب واليد، وذلك أن الحديث قد حكم بحلية كل شئ إذا لم يعلم حرمته، ومثل له بالأمثلة المذكورة، ثم أكد هذا العموم ثانيا بقوله: " والأشياء كلها على هذا "، وظاهره الذي لا يمكن إنكاره أن جميع الموارد المذكورة من مصاديق وصغريات الكبرى المذكورة فيه صدرا وذيلا فلا محالة يكون تطبيق الإمام (عليه السلام) لكبري المذكورة على هذه الصغريات تصريحا بأن الحلية الثابتة في جميع هذه الموارد من مصاديق حل ما لم يعلم حرمته، فهو قرينة على إرادة معنى من العلم المذكور فيه لا يعم ما في مورد قاعدة اليد والاستصحاب، ولا بأس بالقول بإرادة هذا المعنى منه بعد قيام الدلالة عليه. ثم إن الحديث المبارك يدل على أن الامرأة المذكورة فيه محكوم عليها بالحلية، وأنها حلال، والظاهر أن عنوان " الحلال " هنا في مقابل المحرمات المذكورة في تحريم المحرمات، كما في قوله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم) * (1)، فالحديث يدل على أن كل امرأة مشكوكة الحل والحرمة فهي محكومة بأنها حلال، وهذه الحلية على رغم ذكرها في القرآن والحديث حلية شأنية تصير فعلية بعد إجراء العقد عليها فهي كإطلاق الحلال على الحيوان المأكول


(1) النساء: 23. (*)

[ 150 ]

اللحم فإنه يصير حلالا فعليا بإجراء التذكية عليه. والحاصل: أن الحديث يدل على أن كل مشكوك الحل والحرمة حلال، والحلال المذكور فيه هو بعينه الحلال المذكور في سائر الأدلة من الكتاب أو الحديث، فقد يكون حلالا فعليا كما لو شك في خمرية شئ ومائيته، وقد يكون غير فعلي كما لو شك في مأكولية حيوان وعدم مأكوليته، أو في حرمة امرأة عليه أبدا وحليتها ففي جميع الصور يحكم الحديث بأن المشكوك حلال، ويكون لازمه في مشكوك المأكولية أو الحرمة الأبدية أن يثبت بالحديث مصداق للأدلة الدالة على أن تذكية حلال اللحم تؤثر في جواز أكله فعلا، أو على أن إيقاع عقد الزواج على ما أحل من النساء يؤثر في جواز الاستمتاع بها فعلا، فكما أن " كل شئ طاهر " يثبت مصداقا لما دل على أن كل ماء طاهر يطهر ما يغسل به، ولذا يكون عموم هذا الدليل ببركة أصالة الطهارة حاكما على استصحاب نجاسة المغسول به فهكذا عموم الدليل الدال على حصول الجواز الفعلي في الموردين بالتذكية والعقد يكون ببركة أصالة الحل حاكما على حرمة الاستمتاع أو أكل غير المذكى. وكيف كان فالحديث مختص بالشبهة التحريمية، وليس في الواجبات إلا تكليف واحد هو البعث نحو الفعل، وعدم القول بالفصل إذا كان مستندا الى عموم مثل حديث الرفع فلا حجة فيه نافعة في المقام، كما لا يخفى. ومنها: " صحيحة عبد الله بن سنان " وقد رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم الأربعة، بإسنادهم عنه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل شئ يكون فيه (منه - خ يب) حلال وحرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (1). ونحوها ما في ذيل خبر عبد الله بن سليمان - المروي في الكافي وعن المحاسن - عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: " سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه


(1) نقلنا لفظ الحديث عن الكافي، وفي نقل التهذيب والفقيه اختلافات، بتقديم أو تأخير لا يضر بالمعنى، فراجع، الوسائل ج 12 ص 59 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1، التهذيب: ج 7 ص 226، وج 9 ص 79. (*)

[ 151 ]

حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " (1). ونحوها مرسل معاوية بن عمار - المروي عن المحاسن - عن رجل من اصحابنا قال: كنت عند ابي جعفر (عليه السلام) فسأله رجل عن الجبن، فقال ابو جعفر (عليه السلام): " إنه لطعام يعجبني، سأخبرك عن الجبن وغيره، كل شئ فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه " (2). والاستدلال بها بتفسير الموضوع بكل ما فيه احتمال الحل والحرمة ممنوع - كما في الفرائد - بظهوره الواضح لولا صراحته في فعلية كل من القسمين فيه، وأن وجود القسمين فيه أوجب الشك في مشكوكه فيختص بالشبهة الموضوعية. ودعوى تصوير ذلك في الشبهة الحكمية أيضا كما في كلي اللحم، فإن فيه قسمين معلومين: حلال وهو لحم الغنم، وحرام وهو لحم الأرنب، وقسما ثالثا مشتبها، وهو لحم الحمير لا يدرى بأنه محكوم بالحلية أو الحرمة، ومنشأ الاشتباه فيه هو وجود القسمين المعلومين فإنه لو كان اللحم كله حلالا أو حراما لما عرض هذا الاشتباه في لحم الحمير، فيقال بمقتضى عموم الحديث بحليته، وبعد شموله لمثل هذا المشتبه الذي في كليه قسمان يتعدى الى غيره بعدم القول بالفصل. ممنوعة أولا: بأن حصول الشك في حكم لحم الحمير لا ينشأ عن العلم بحكم حيوان آخر، بل لا منشأ له إلا عدم قيام دليل معتبر لا على حله ولا على حرمته، فلا محالة يحتمل فيه الأمران، فلو علم بحرمة جميع أقسام اللحم غيره أو حليتها لكان حكم لحم الحمير مشكوكا، ومنشئية وجود القسمين للشك في مورد مشتبه لا تتصور إلا إذا احتمل انطباق كل من القسمين عليه، وهو لا يكون إلا في الشبهة الموضوعية التي يكون الشك فيها في الانطباق. وثانيا: أن الحديث مضافا إلى أنه ظاهر في منشئية وجود القسمين لحصول الشك في مورد الاشتباه كذلك يكون ظاهرا في أن الحلية المذكورة فيه مستمرة


(1) الكافي: باب الجبن ج 4 ص 239 ح 1، الوسائل: ج 16 الباب 61 من ابواب الاطعمة المباحة الحديث 1. (2) الوسائل: ج 16 باب 61 منها الحديث 7. (*)

[ 152 ]

الى أن يعرف ذاك القسم الحرام، فإن وقوع لفظه " منه " في قوله (عليه السلام): " حتى أن تعرف الحرام منه " يوجب ظهوره، بل صراحته في ذلك، فلا محالة يكون مفاد الحديث أن كل شئ نوعي أو صنفي - مثلا - كان فيه القسمان فهو حلال حتى تعرف قسمه الحرام، ومثل هذا التعبير ظاهر عرفا ظهورا يقرب من الصراحة في أن مورد كلامه وموضوع الحكم المذكور فيه هو خصوص موارد الشك في انطباق كل من القسمين على المشتبه، التي هي مختصة بموارد الشبهة الموضوعية. وثالثا: أن عدم القول: بالفصل لا قيمة له أصلا في ما كان هنا ادلة من السنة وغيرها يكون أو يحتمل استناد الاصحاب في أقوالهم إليها، فانه حينئذ لا يكشف عن أن حكم الله الواقعي لا فصل فيه أزيد مما تقتضيه الأدلة التي بأيدينا. ومنها: " صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج " وقد رواها الكافي والاستبصار عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، وفي التهذيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له أبدا ؟ فقال: لا، أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك، فقلت: بأي الجهالتين يعذر: بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه، أم بجهالته أنها في عدة ؟ فقال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: فهو في الاخرى معذور ؟ قال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها... الحديث (1). فالحديث متضمن لحكم الجهل بحكم حرمة التزويج في العدة، والجهل بموضوع أن المرأة في العدة، وقد حكم بمعذورية الجاهل في كلا الموردين وأن الجهل بالحكم أهون وأشد استيجابا للمعذورية من الجهل بالموضوع، ففيه دلالة على المطلوب. إلا أن فيه أولا: أن الحديث - سؤالا وجوابا، صدرا وذيلا - متعرض لمعذورية


(1) الكافي: ج 5 ص 427 ح 1، التهذيب: ج 7: ص 306، الاستبصار: ج 3 ص 186، الوسائل: ج 14 ب 17 من أبواب مما يحرم بالمصاهرة الحديث 4، باختلاف في اللفظ. (*)

[ 153 ]

الجاهل بالحكم أو الموضوع في خصوص تزويج من تزوجها عن جهل في عدتها، وأنه هل هو حرام وضعا أم لا ؟ وأن التزويج في العدة إذا كان عن جهل فهل هو يؤثر في حرمتها الأبدية ؟ وليس فيه تعرض لحكم تزوج المرأة في عدتها تكليفا وأنه - مثلا - إذا كان عن جهل فهل يوجب العقاب أم لا ؟ فلا ربط للحديث بما نحن فيه. وثانيا: أن قوله (عليه السلام) في مقام بيان أهونية الجهل بالحكم عن الجهل بالموضوع: " وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها " يدل على أن المراد بالجهالة بالحكم المذكورة فيه هي الغفلة، أو المقارنة معها، فإنه لو لم تكن غفلة فالملتفت إلى جهله - سواء كان جهلا بالحكم الشرعي أو بموضوعه - قادر على الاحتياط، بخلاف الغافل عن الحرمة فهو لغفلته لا يقدر على الاحتياط، فمورد الحديث لا يرتبط من هذه الناحية أيضا بما نحن فيه. وثالثا: أن الحديث لو دل فإنما يدل على نفي العقاب عمن تزوج في العدة عن جهل بالحكم أو الموضوع، ولا إطلاق فيه ولا عموم بالنسبة إلى سائر المحرمات والواجبات المجهولة، وعدم القول بالفصل قد عرفت ما فيه، فلا نعيد، والله العالم. ويمكن ان يستدل للبراءة بقول الصادق (عليه السلام) في ذيل خبر الزبيدي: " لا عذر لكم بعد البيان في الجهل " (1). فإن تقييد ارتفاع العذر في الجهل بما بعد البيان فيه دلالة واضحة مفهوما على أنه معذور في جهله قبل البيان، وهو عبارة اخرى عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وكون القاعدة مما ارتكز عليه ذهن العقلاء يوجب قوة ظهوره في المفهوم، كما في نظائره. فدلالته تامة وإن كان في السند ضعف. هذا تمام الكلام في السنة. في الاستدلال للبراءة بالإجماع: وأما الإجماع فقد ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) له تقارير في فرائده.


(1) الوسائل: ج 11 ص 23 الباب 9 من أبواب جهاد العدو الحديث 1، الكافي: ج 5 ص 19، وفيه " ابن عمرو الزبيري ". (*)

[ 154 ]

ولكنك تعرف أنه لا يكشف في ما نحن فيه عن أزيد مما بأيدينا من الآيات، والأخبار، والحكم العقلي الآتي فلا قيمة له أصلا، مضافا الى الإشكال في تحقق صغراه أيضا في غير التقرير الأول. نعم، لو ثبت أنه كانت سيرة المسلمين ولو بما أنهم عقلاء على إجراء البراءة في مورد الجاهل بالحكم بمرأى عن النبي أو الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وأنهم (عليهم السلام) لا يردعون عنه لكان فيها حجة اخرى، إلا أن ثبوت تلك السيرة بمرآهم لا طريق إلى إثباته جدا، والله العالم. في الاستدلال للبراءة بحكم العقل: وأما حكم العقل فبيانه: أنه كما أن الشارع إذا صرح بأن كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام، أو أنه رفع عن الامة ما لا يعلمون يحكم العقلاء أنه ليس له أن يعذب المكلف ويؤاخذه على ارتكاب الحرام المجهول، كذلك أن العقلاء يحكمون في باب الإطاعة والمعصية أنه ليس للمولى أن يؤاخذ عبده على ارتكاب الحرمة المجهولة بعد أن فحص عن مظانه ولم يعثر عليه، والشارع لم يتخط عن هذه الطريقة العقلائية، بل قررها، كما يشهد له احتجاجه بأمثال هذه القواعد العقلائية في إيراد أنواع العذاب الدنيوية والاخروية في القرآن الكريم، فإنه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، ولا يظلم الناس شيئا، ولا يعذبهم حتى يبعث رسولا، وهذا هو المعبر عنه بقبح العقاب بلا بيان. ولا ريب في أنه إذا صرح بإيجاب الإحتياط في موارد الشبهة خصوصا أو عموما فالعقلاء يرون أن له المؤاخذة حينئذ على التكاليف الثابتة في مورده، وأنه بيان يرتفع به قبح العقاب، فلو تم دلالة أدلة القائلين بوجوب الاحتياط لكانت مقدمة وواردة على هذه القاعدة العقلية، كما لا يخفى. وتوهم أن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بيان، وواردة أيضا على هذا الحكم العقلي مدفوع بأنه لو اريد به العقاب المحتمل فلا مجال لها إلا في مورد احتمال العقاب، ومع حكم العقل بقبحه بلا بيان لا مجال لاحتماله، فلا مسرح لجريانها،

[ 155 ]

فقاعدة قبح العقاب واردة على قاعدة وجوب دفع العقاب المحتمل، لا العكس. ولو اريد به الضرر غير العقاب فلا يسلم حكم العقل بوجوب دفع جميع أنواع الضرر، فضلا عن المفاسد التي هي ملاكات الأحكام، ولو سلم فحكمه هذا إرشاد محض لكي لا يصيب الضرر ذيل المكلف، وإلا فالتكليف المجهول يقبح العقاب عليه بلا بيان، فإذا لم يراع المكلف هذا الحكم الإرشادي فلا يصيبه أزيد من الوقوع في المفسدة التي لا تنفك عن المحرمات، وهو مفروض لا محيص عنها، ولا بأس به. وهذا تمام الكلام في أدلة القول بالبراءة. وقد عرفت تمامية دلالة حديث الرفع على البراءة في جميع موارد احتمال التكليف، وجوبا كان أو حرمة، وهو ينفي إيجاب الاحتياط في موارده، كما أنه قد استقل العقل ودل بعض الآيات بل الأخبار أيضا بأنه لا عقاب قبل العلم بالتضييق، ولو بعنوان إيجاب الاحتياط، وهذه لا تقاوم ما يدل على إيجابه لو كان، فلتنظر. أدلة القائلين بالاحتياط: استدل لهم بالأدلة الثلاثة: فمن الكتاب بطوائف ثلاث من الآيات: الاولى: ما دل على حرمة القول بغير علم، مثل قوله تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (1)، بتقريب: أن الإقدام على إتيان محتمل الحرمة مسبوق لا محالة بالفتوى بالجواز، وهي قول بغير علم، بخلاف الترك فإنه يمكن أن يستند الى الاحتياط العملي لمجرد احتمال الحرمة. وفيه بعد النقض بقولهم بالبراءة في الشبهة التحريمية: أن الارتكاب لا يحتاج إلى أزيد من القطع بعدم العقاب عليه، وهو حاصل بعد حكم العقل به، بل لا يمكن القائل بالبراءة أن يفتي بالجواز، لأن حديث الرفع أيضا لا يدل على أزيد من


(1) الأعراف: 33. (*)

[ 156 ]

وضع ثقل الحكم المجهول عن عاتق المكلفين، وهو يحصل بنفي العقاب عنهم، اللهم إلا في الشبهات الموضوعية، استنادا الى مثل صحيحة عبد الله بن سنان، وهي حجة على الحلية الظاهرية، كسائر الطرق المعتبرة بالنسبة إلى ما تضمنته من الأحكام الشرعية الاخر. الطائفة الثانية: ما دل على الأمر بالتقوى ما استطاع، أو حقه، أو بالجهاد حقه في مثل قوله تعالى: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * (1)، * (اتقوا الله حق تقاته) * (2)، * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * (3)، بتقريب: أن تعليقه بالاستطاعة والبعث إليه حقه لا يكون إلا بوجوبه في موارد التكليف المحتمل أيضا. وفيه: أن اتقاء الله في اللغة: هو الاحتراز والاجتناب عنه، وهو الاحتراز عن عقابه وعذابه، ولا محالة يختص بما فيه عقاب، ولا شك في أنه يجب مهما استطاع، فإذا لم يستطع فلا عقاب عليه، لأن عجزه عذر، وحق التقوى والجهاد أيضا أن لا يترك هذا التقوى في شئ من الموارد، فلا محالة يختص بما ثبت فيه العقاب، ويخرج عنه شبهة التكليف المحكومة بقبح العقاب بلا بيان وأمثاله. الثالثة: قوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) * (4). وصدقه فرع احتمال الهلاكة - لا أقل منه - وهي غير محتملة بعد قاعدة القبح وسائر أدلة البراءة. ومن السنة بطوائف من الأخبار: الاولى: ما تدل على المنع عن القول بغير علم، وتقرير دلالتها والجواب عنها قد علم مما مر في الطائفة الاولى من الآيات. الثانية: الأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة، بتقرير مذكور في الفرائد من: أن التوقف هو السكون وعدم الإقدام على الارتكاب، فتدل هذه الأخبار على المنع


(1) التغابن: 16. (2) آل عمران: 102. (3) الحج: 78. (4) البقرة: 195. (*)

[ 157 ]

عن ارتكاب الشبهة التحريمية وتختص بها، وهذه الأخبار قسمان: الأول: ما تضمن لقولهم (عليهم السلام) " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ". ففي ذيل مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الخبرين المتعارضين: قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: " إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكات " (1). وفي الرواية المروية عن رسالة الراوندي بسند صحيح عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه " (2). وفي رواية أبي سعيد الزهري، عن الباقر (عليه السلام) قال: " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه " (3). ونحوها خبر السكوني، وعبد الأعلى (4). وفي موثقة مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا تجامعوا في النكاح على الشبهة، وقفوا عند الشبهة، يقول: إذا بلغك أنك قد رضعت من لبنها، وأنها لك محرم، وما أشبه ذلك، فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة " (5). ومثلهما بلا صدر مرتبط ولا ذيل خبر أبي شيبة الزهري المروي عن كتاب الزهد للحسين بن سعيد، عن أحدهما (عليهما السلام): " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة " (6). والحق في الجواب: أن الاستدلال بها إن كان مع قطع النظر عن القرائن المتصلة والمنفصلة - ففيه مع الغض عن عدم وجه لقطع النظر عنها -: أن عموم الشبهة


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 و 35. (3 و 4 و 6) الوسائل: ج 18 الباب 12 من صفات القاضي، الحديث 2 و 50 و 13. (5) الوسائل: ج 14 الباب 157 من مقدمات النكاح، الحديث 2. (*)

[ 158 ]

أو إطلاقها شامل للشبهات الموضوعية، مع ورود أخبار كثيرة معتبرة كما مرت بحليتها، وحيث إن هذه الأخبار آبية عن التخصيص أو التقييد بالمنفصل فلا محالة يعلم بعدم ظهور لها في الإطلاق من أول الأمر، فلعله اريد بالشبهة المذكورة فيها الشبهة المحتملة لأن يكون فيها الهلاك والعقاب الاخروي، وهي لا تكون إلا في أطراف العلم الإجمالي، أو الشبهة الحكمية قبل الفحص، ولا تعم الشبهة الحكمية بعد الفحص وعدم الظفر بالدليل. وأما إذا اريد الاستدلال بها مع لحاظ القرائن فلا يبعد دعوى عدم شمول إطلاق أو عمومها لغير الشبهة الحكمية قبل الفحص، التي يتمكن المكلف من رفع شبهته فيها بالرجوع الى مثل الإمام (عليه السلام) والسؤال عنها، فإن أوضح هذه الأخبار سندا ودلالة هي المقبولة، وهي قد وردت في الشبهة الحكمية الناشئة عن تعارض الخبرين، وفيها قبل هذا الذيل في مقام توضيح حكمه (عليه السلام) بوجوب الأخذ بالمشهور وترك الشاذ النادر: " وإنما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم " (1). فإن التثليث في كلامه والاستناد له بتثليث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ظاهر في أن الشبهات المذكورة في كلامه (صلى الله عليه وآله) هو نفس الأمر المشكل الذي يرد علمه إلى الله ورسوله، أعني الشبهات الحكمية قبل الفحص عنها، مع إمكان إزالتها بالرجوع الى مصادر التشريع، فذكر لفظة " الشبهات " في ذيله المسبوق بهذا الصدر، ولا سيما في مقام التعليل لارجاء الواقعة حتى السؤال عن الإمام (عليه السلام) لا ظهور له في أكثر من الشبهة الحكمية قبل الفحص، القابلة لإزالتها بالسؤال عن الإمام (عليه السلام)، وهكذا تعقيب هذه الكبرى الكلية، أعني " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في


(1) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 9. (*)

[ 159 ]

الهلكة " بمسألة ترك نقل الرواية التي لم تحص في خبر الزهري والسكوني وعبد الأعلى، وبمسألة الأخذ بخصوص حديث عليه شاهد من كتاب الله في خبر جميل، وجعل هذه الكبرى مقدمة ودليلا على المسألتين يوجب عدم انعقاد ظهور لها في أزيد من الشبهة الحكمية المذكورة. هذا. مضافا إلى ما يأتي في ذيل القسم الثاني من أن ملاحظة تلك الأخبار توجب الاطمئنان بأن مصبها ومورد نظرها إنما هي الشبهات الحكمية التي كانت العامة يقولون فيها عن عمى بآرائهم قياسا واستحسانا، خلافا لقوله تعالى: * (ردوه الى الله والرسول) *، فالأخبار في مقام رد هذه الروية الباطلة، وأن اللازم هو التوقف عن القول فيها والرجوع الى أهل الذكر (عليهم السلام)، فكأن عنوان الشبهة والشبهات منصرف إليها لا ظهور لها في غيرها. هذا كله بناء على قصر النظر الى نفس هذه الكبرى الظاهرة في ترتب الهلاك الظاهر في العقاب على ارتكاب الشبهة. إلا أنه قد استعمل هذه الكبرى في موثقة مسعدة بن زياد في مقام التعليل للنهي عن التزويج في موارد الشبهة الموضوعية المذكورة فيها، مع أن النكاح فيها جائز بالإجماع المنقول، وبالأخبار المتعددة التي منها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليهم السلام) قال: سألته عن امرأة تزعم أنها أرضعت المرأة والغلام، ثم تنكر بعد ذلك، فقال: تصدق إذا انكرت ذلك ؟ قلت: فإنها قالت وادعت بعد بأني قد أرضعتها، قال: " لا تصدق ولا تنعم " (1). فإن مورد سؤال هذا الحديث هو بعينه ما ذكره في الموثقة في مقام تفسير كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وعده مصداقا للشبهة، فلا محالة يحمل قوله (صلى الله عليه وآله): " لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة " على الطلب غير الإلزامي، كما هو المعمول في الموارد المشابهة له، وبقرينته يعلم أن المراد بالهلكة الواقعة في هذه


(1) الوسائل: ج 14 الباب 12 من أبواب مما يحرم بالرضاع الحديث 1، وفي الباب احاديث أخر فراجعها. (*)

[ 160 ]

الكبرى ليس خصوص العقاب، إلا أنه لا تدل على أزيد من إطلاقها على مثل العار والشين الذي لا يتحمله العرف الموجود في النكاح بالمحارم، فلا تدل هذه القرينة على صحة إطلاق الهلاكة على مطلق المفاسد التي هي ملاك المحرمات، وعليه فملاحظة الموثقة أيضا لا توجب ارتفاع ظهور لفظة الهلكة في العقاب في غير موارد لزوم الشين والعار. فما قررناه في مقام الجواب مما لابد منه في كل حال. ثم إنه يظهر من المشايخ العظام (قدس سرهم) هنا: أن الموجب لتنجز التكليف المجهول منحصر في أمر إيجابي مولوي بالاحتياط والاجتناب، وحيث إنه لا ينبغي الريب في أن الأمر بالتوقف عند الشبهة إنما هو لئلا يقع المكلف في العقاب والهلكة، ليس إلا، فهو أمر إرشادي محض، ولا يصلح أن يكون سببا لتنجز التكليف الواقعي المجهول، بل لابد وأن يتنجز التكليف بمنجز آخر ليترتب على مخالفته العقاب والهلكة، فينفتح باب انطباق قولهم (عليهم السلام): " الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " (1). أقول: والحق عدم إمكان تصديق شئ من الدعويين: أما الاولى فلأنه لا ينبغي الريب أن المولى إذا أعلن بأني لا أرفع اليد عن التكليف المجهول - لو كان موجودا - ولا أرى الجهل بالحكم عذرا فلا ينبغي الشك في أن العقلاء يرون بعد هذا الإعلان أن له حق مؤاخذة من خالف التكاليف المجهولة، مع أن كلامه هذا ليس إلا إعلانا بما بني عليه في مقام رعاية تكاليفه الصادرة عنه، ولا يستلزم أمرا مولويا بالاحتياط، بل نفس الإعلان بهذا البناء منجز وكاف في البيان المتقوم قبح العقاب بعدمه، وهو من الوضوح بمكان. وأما الثانية فلأن الأمر الإرشادي إنما قوامه بأن لا يكون المولى في مقام إعمال حق مولويته، وهو لا ينافي أن يدل بالدلالة الالتزامية أيضا على أمر آخر


(1) تقدمت الإشارة إليه في ص 157 فراجع. (*)

[ 161 ]

هو بناء المولى على عدم رفع اليد عن التكاليف المجهولة، فإذا كان المفروض أن لفظ " الشبهة " أو " الشبهات " الواقع في الكبرى المذكورة له إطلاق أو عموم يعم كل شبهة حكمية، وحمل عليها أن ارتكابها يوجب الوقوع في العقاب والهلاكة يعلم منه ولو بالدلالة الالتزامية أنه لم يغض العين عن التكاليف المجهولة، وإلا لما كان مجال لاستلزام ارتكاب مطلق الشبهة الوقوع في العقاب والهلكة، فمجرد الإرشادية لا ينفع شيئا إذا كان الفرض إطلاق أو عموم لفظ الشبهة. وأما ما يقال: من أن إرادة الإطلاق والعموم منها مستلزمة للدور ففيه: أن إرادتهما لا تتوقف على أزيد من ظهورهما في اللغة والعرف في الإطلاق والعموم، وإذا كان المتكلم بصدد البيان ولم يكن قرينة على الخصوصية ينعقد لهما ظهور فيهما، وحجية الظهور وأصالة الظهور تكون دليلا على إرادتهما جدا، ولا بأس بها بعد ما عرفت من عدم توقف تنجيز التكليف المجهول على خصوص إنشاء أمر مولوي. وبالجملة: فنحن نعترف بإرشادية الأمر بالتوقف، إلا أن مجردها غير كاف في دفع الإطلاق والعموم. هذا كله حول القسم الأول من أخبار التوقف. القسم الثاني: ما دل على الأمر بالتوقف في الشبهة أو بالرد إلى أهل الذكر (عليهم السلام) بلا تضمن للكبرى المذكورة، وهي كثيرة يجمعها - إلا ما شذ - صنفان: صنف حكم بلزوم التوقف والرد إلى الله والرسول، كما في ما قبل ذيل مقبولة عمر بن حنظلة الذي قد مر عن قريب. ومثلها خبر أحمد بن الحسن الميثمي، عن الرضا (1) (عليه السلام). ومرسل عبد الله بن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر (2) (عليه السلام). وخبر جابر، عنه (عليه السلام) أيضا (3) ومعتبر حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله (4) (عليه السلام). بل ومعتبر زرارة، عن أبي عبد الله (5) (عليه السلام) وخبر عبد الله بن جندب (6).


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21 و 18 و 37. (4 و 5 و 6) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 و 11 و 49. (*)

[ 162 ]

وصنف آخر قد دل على التوقف عن القول بغير علم، مثل صحيح هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، ما حق الله على خلقه ؟ قال: " أن يقولوا ما يعلمون، ويكفوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا الى الله حقه " (1). ومثله خبر زرارة المروي عن توحيد الصدوق وأماليه، عن أبي جعفر (2) (عليه السلام). وخبره المروي عن المحاسن، عن أبي عبد الله (3) (عليه السلام). والصنف الثاني يرجع إلى الأول، إذ لا ريب أن المراد به التوقف عن الفتوى، ثم الرجوع إلى أهل الذكر لرفع الجهل والشبهة، وجميعها ردع عما عليه العامة العمياء من القول بغير علم، تعويلا على القياس والظنونات الواهية والآراء الكاسدة، الذي كان عليه بناؤهم في ذلك الزمان، كما يشهد له ما عن نهج البلاغة: أنه (عليه السلام) قال في خطبة له: " فيا عجبا، ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ؟ ! لا يقتفون أثر نبي، ولا يقتدون بعمل وصي، يعملون في الشبهات، ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات الى أنفسهم، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات " (4) والله الموفق للصواب والعاصم من الزلات. فالحاصل: أن هذه الأخبار الكثيرة واردة في الشبهة الحكمية قبل الفحص، مع إمكان الرجوع إلى الإمام (عليه السلام) وإزالة الشبهة، وتنهى عن الفتوى في موردها قبل الرجوع إليهم، ولا ترتبط بما نحن فيه من الشبهة بعد الفحص التي لا يفتى فيها أيضا بالحكم الواقعي، فإنه مصداق القول بغير علم المحرم، وإنما يقال فيها بعدم العقاب على الارتكاب، تعويلا على أدلة البراءة العقلية والنقلية. وهذه الأخبار الكثيرة بضميمة ما سبقها في القسم الأول من هذه الطائفة ترسم الأرضية الموجودة في زمن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وتكون قرينة لغيرها


(1 - 4) الوسائل: ج 18 الباب 12 منها، الحديث 4 و 27 و 44 و 19. والأرقام مأخوذة عن طبعة المكتبة الاسلامية وفيها أخطاء. (*)

[ 163 ]

مما كان فيه إطلاق بنفسه لو كان، فراجع، والله العالم. الطائفة الثالثة: أخبار التثليث، وأوضحها دلالة ما مر من ما قبل ذيل مقبولة عمر بن حنظلة، والاستدلال به على وجوب التوقف من وجهين بينهما أحسن بيان الشيخ الأعظم (قدس سره) في فرائده. وأجاب عنه المشايخ (قدس سرهم) بأن ظاهرها الإرشاد، فتتبع المرشد إليه، ويحتاج ترتب العقاب الموجب لكون الأمر الإرشادي إيجابيا إلى ثبوت المنجز، كالعلم الإجمالي والاحتمال قبل الفحص، بخلاف الشبهة البدوية بعد الفحص المحكومة عقلا ونقلا بعدم العقاب عليه. وقد عرفت الإيراد عليه مفصلا فلا نعيد. والحق في الجواب ما مر: من أن الشبهات المذكورة في كلام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو نفس الأمر المشكل المذكور في تثليث الإمام (عليه السلام) الذي يرد إليهم (عليهم السلام) علمه، ويجب الرجوع فيها إليهم لرفع الشبهة، فلا محالة تختص بالشبهة قبل الفحص، ولا تعم ما نحن فيه، فتذكر. ومن أخبار التثليث: ما أرسله الشيخ الصدوق في باب نوادر الحدود من فقيهه، من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها " (1). وبعد الغض عن سنده فهو - كما ترى - إنما حكم بأن ترك الشبهة يؤثر في شدة استعداد النفس لترك المعصية المعلومة، ودلالة فيه على وجوب إيجاد هذه الحالة. مضافا إلى أن الموضوع في كلامه هذا هو الإثم المشتبه، وكون الشئ المشتبه إثما لا يتصور إلا إذا تحقق له منجز، فلا يعم الشبهة الحكمية بعد الفحص المحكومة بعدم العقاب عليه. وأما سائر اخبار التثليث - كخبر جميل (2) وخبر النعمان بن بشير (3) وخبر


(1) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 22 و 61. (2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 23 و 40. (*)

[ 164 ]

سلام بن المستنير (1) - فعدم دلالتها على وجوب التوقف واضح، بل فيها أمارات عدم الوجوب، ولا نحتاج إلى بيانها، فراجع. الطائفة الرابعة: أخبار تضمنت البعث إلى عنوان الاحتياط، وهي روايات: منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن (عليه السلام) الواردة في رجلين أصابا صيدا وهما محرمان، فلم يدريا أن الجزاء بينهما أو أن على كل منهما جزاء مستقلا، حيث قال (عليه السلام): " إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا " (2). والاستدلال بها مبني على كون الإشارة بهذا إلى كل ما لا يعلم حكمه الشرعي، ليكون مفاد كلامه (عليه السلام) وجوب الاحتياط فيه. لكن فيه - كما قال الأعاظم (قدس سرهم) - أولا: احتمال أن تكون الإشارة به إلى السؤال عن حكم، فيكون مفاده التحذير عن المبادرة إلى الجواب حتى يعلم. وثانيا: أن موردها الشبهة قبل الفحص التي يتمكن من رفعها بالرجوع إلى مصادر التشريع، فلا تنفع الصحيحة لما نحن فيه. ومنها: معتبر عبد الله بن وضاح، عن العبد الصالح (عليه السلام)، ففيه: أنه (عليه السلام) كتب إليه في الجواب: أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك " (3). وأنت تعلم أن نفس التعبير لا حجة فيه على أزيد من استحباب الاحتياط، مضافا إلى أنه لا إطلاق له يعم ما نحن فيه، بل الذي يقوى في النفس أن خصوصية تعبيره (عليه السلام) شاهدة على أنه كان في تقية شديدة، فأرشد السائل إلى وظيفته الواقعية في قالب حسن الاحتياط، ولا دليل فيه على وجوب الاحتياط أصلا، فضلا عن عمومه لغير مورده. وتفصيل المقال مذكور في المطولات.


(1) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 23 و 40 و 47. (2) الوسائل: ج 18 الباب 12 منها، الحديث 1. (3) الوسائل: ج 3 الباب 16 من أبواب مواقيت الصلاة، الحديث 14. (*)

[ 165 ]

ومنها: ما عن أمالي المفيد الثاني بسند لا يبعد إعتباره، عن الرضا (عليه السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد: " أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت " (1). وفيه: أن تذييله بقوله (عليه السلام): " بما شئت " يوجب ظهوره في أن الدين بمنزلة الأخ كلما احتاط الإنسان له، فهو واقع في محله، وعليه فهو أمر بأعلى مراتب الاحتياط الذي تدخل فيه الاحتياطات المستحبة، مثل الاحتياط في موارد قيام الأمارات أيضا، ولا محالة لا يكون أمرا وجوبيا، كما لا يخفى، بل هو مجرد ترغيب إلى أعلى مراتب الاحتياط يدخل فيه الاحتياط الوجوبي وغيره، ولا حجة فيه على وجوب مرتبة خاصة أصلا. ومنها: ما عن الشهيد، عن عنوان البصري: أن الصادق (عليه السلام) قال في حديث: " خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا " (2). وهو نظير سابقه، بل أضعف دلالة، لإختصاص سابقه بالاحتياط في الامور الدينية، وهذا عام لجميع امور الإنسان، ولا محالة فهو وظيفة أخلاقية محضة لا دليل فيه على الوجوب، مضافا إلى ضعف سنده. ومنها: ما أرسله الشهيد في الذكرى من: أن الصادق (عليه السلام) قال: " لك أن تنظر بالحزم وتأخذ بالحائطة لدينك " (3). وتعبيره لا يدل على أزيد من جواز الاحتياط، وأنه حق للمكلف. وهنا أخبار متفرقة اخرى يظهر عدم دلالتها على وجوب الاحتياط مما مر منا في ذيل الطوائف الأربع، فلا نطيل بالتعرض لها بالخصوص. فقد تبين من جميع ما ذكرنا: عدم نهوض دليل لفظي، لا من الكتاب ولا من السنة على وجوب الاحتياط، لا في الشبهات البدوية التحريمية ولا الوجوبية،


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 41 و 54. (3) الوسائل: ج 18 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 58. (*)

[ 166 ]

فليس في البين دليل وارد على قبح العقاب بلا بيان، ولا دليل معارض لمثل قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع ما لا يعلمون ". هذا تمام الكلام في السنة. الاستدلال للقول بالاحتياط بحكم العقل: وأما العقل فتقرير الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن العلم الإجمالي بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة يقتضي - بحكم العقل - الاحتياط في موارد احتماله، لوجوب الموافقة القطعية في أطرافه عقلا. والجواب عنه أولا: أن أطراف هذا العلم الإجمالي على قسمين: قسم يقوم عليها حجة، بل طريق معتبر على ثبوت التكليف الإلزامي فيه بعد الفحص عن الأدلة، وقسم لا يظفر بحجة خاصة على ثبوته فيه. فمن أول زمان انعقاد هذا العلم الإجمالي ليس شئ من الأطراف مصبا وموضوعا لأصالة البراءة، لفرض عدم الفحص، واشتراط إجرائها بالفحص، كما أنه من أول الأمر يعلم بأن الفحص عن الدليل يوصل إلى التكاليف الإلزامية بمقدار المعلوم بالإجمال، بل أزيد، فهذا القسم الذي يظفر فيه بالدليل على التكليف لا يصير موضوعا ومجرى لأصالة البراءة، لا قبل الفحص ولا بعده. والقسم الآخر وإن لم يجر فيه أصالة البراءة قبل الفحص إلا أنه بعد الفحص وتحقق هذا الشرط فيه يكون جريان أدلة أصالة البراءة فيه بلا مزاحم ولا معارض. فالحاصل: أن نفس العلم الإجمالي لا يخرج الأطراف عن موضوع أدلة الاصول، بل المانع هو الابتلاء بمعارضة جريانها في جميع الأطراف، فإذا لم تجر في بعضها أصلا كان جريانها في سائر الأطراف بلا إشكال. وثانيا: أنه كما أن العلم الإجمالي ينحل حقيقة إذا زال إجماله بالمرة - مثل مااذا علم إجمالا بحلية أحد الطرفين وحرمة الآخر، ثم علم تفصيلا وعرف ذاك

[ 167 ]

الحرام، أو علم إجمالا بحرمة خصوص إناء زيد من الإناءين ولم يعرف إناءه واشتبه بإناء آخر ثم عرفه تفصيلا، وينحل حكما إذا عرف وعلم بكون بعض الأطراف من أول الأمر محرما، كما إذا علم إجمالا بحرمة أحد الإناءين مع الشك في حرمة الآخر، ثم علم أن أحدهما معينا كان حراما من أول الأمر، أو علم بحرمة إناء زيد مع الشك في حرمة الآخر، ثم علم بحرمة أحدهما المعين من دون أن يعرف أنه إناء زيد - كذلك إذا قام الطريق المعتبر على حرمة بعض الأطراف فمقتضى كونه طريقا معتبرا موصلا إلى الواقع أن يجرى عليه جميع آثار العلم القطعي، وما نحن فيه من قبيل الانحلال الحكمي. بل ربما يقال بأن العلم الإجمالي يحصل بمطابقة مقدار من الطرق المعتبرة والاصول المثبتة للتكليف الواقعي فينحل حكما العلم الإجمالي الكبير في دائرته الوسيعة بهذا العلم الإجمالي في دائرة الطرق المعتبرة والاصول المثبتة، إذ لا ريب في عدم العلم بأزيد من هذه التكاليف الموجودة في مورد هذه الطرق والاصول. وبالجملة: فالعلم الإجمالي ينحل حكما إما بذاك العلم الإجمالي الموجود في موارد الطرق والاصول المثبتة، وإما بنفس هذه الطرق المعتبرة المترتبة عليها آثار القطع، لكونها طريقا محرزا للواقع مثل القطع. والظاهر أن كلام الكفاية منطبق على الجواب الأخير، غاية الأمر أنه بني على مبناه في الطرق من أن المجعول فيها ليس إلا المنجزية، وقد عرفت أنه خلاف التحقيق، وأن الطرق المعتبرة فيها جواز الإسناد إلى المولى، وهو أمر فوق مجرد المنجزية، وتمام الكلام موكول الى محله. كما أن البحث عن هذا الانحلال الحكمي سيأتي إن شاء الله في مسائل الاشتغال. وثانيهما: أن الأصل في الأفعال الحظر: إما لكونه مشكوك المفسدة والعقل حاكم بلزوم دفع المفسدة المحتملة، وإما لأن كل مكلف فهو عبد مملوك لله تعالى بشراشر وجوده بحقيقة معنى الملك، ولا يجوز له أن يتحرك إلا عن إذن مولاه، فإنه لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذن منه.

[ 168 ]

والجواب عن البيان الأول قد علم مما ذكرناه عند البحث عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلا نطيل بالتكرار. وعن البيان الثاني: أنه إذا لوحظت الملكية فالمكلف وأفعاله وجميع ما يتعلق به فعل له تعالى، لا استقلال له ولا لأفعاله قبال الحق تعالى، حتى يتصور تصرف أحد في مال غيره، بل هو تعالى الفاعل لا غير. وإذا لوحظت الكثرة فقد جعل الله تعالى نفسه كأحد من الموالي، وعد المكلف نفسا مستقلة، كما في الموالي والعبيد الذين هم ملك اعتباري لمواليهم، وحينئذ فتجري مسألة قبح العقاب بلا بيان الجاري بين الموالي العرفية وعبيدهم. فقد تحصل: أن أدلة الاحتياط لا تنهض في نفسها بإثبات وجوبه، فتبقى أدلة البراءة العقلية والنقلية خالية عن المعارض، فالمسألة - بحمد الله تعالى - خالية عن الإشكال. * * * ثم إنه لا فرق بين أقسام الشبهة التحريمية من الموضوعية والحكمية، مما لا نص فيه، أو اجمل فيه النص كما هو واضح. وأما ما تعارض فيه النصان فقد يتوهم أن مرفوعة زرارة (1) جعلت موافقة الاحتياط من المرجحات، كما أن ذيل مقبولة عمر بن حنظلة وخبر المسمعي عن الميثمي (2) يدلان على وجوب التوقف والكف في المتعارضين، فتتم مقالة القائلين بالاحتياط في هذه الموارد. أقول: أما مقبولة ابن حنظلة وخبر الميثمي فهما ظاهران كالصريح في أن موردهما ما يمكن فيه التأخير الى أن يلقى المعصوم فيسأل عنه، أو يأتي البيان من عنده، فلا عموم لهما بالنسبة إلى ما بعد الفحص وبالنسبة إلى أمثال زماننا مما


(1) المستدرك: ج 27 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2. (2) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 و 21. (*)

[ 169 ]

لا يمكن لقاء المعصوم والسؤال عنه. ومثلهما في الجملة خبر سماعة المروي عن الاحتجاج (1). وأما مرفوعة زرارة فلو قيل بمفادها لخرج المورد عن كونه مجرى شئ من الأصلين، فإن مجراهما ما إذا كان المكلف شاكا لا طريق له إلى الواقع، وإذا جعلت موافقة الاحتياط من المرجحات كان الخبر الموافق له حجة وطريقا إلى الواقع، ولا مجال معه لشئ من أصالة البراءة أو الاحتياط أصلا. إلا أن المرفوعة ضعيفة السند غير معمول بها، ولا سيما في هذه الفقرة، والمرفوعة لم تذكر إلا في مجموعة ضم مؤلفها بين الغث والسمين كما اعترف به مثل صاحب الحدائق. وتمام الكلام في مباحث التعادل والترجيح. فالصحيح: أنه لا فرق بين أقسام الشبهة التحريمية، كما أنه لا فرق بينها وبين الشبهة الوجوبية بأقسامها، وأن الحق في جميع موارد الشك في التكليف بعد عدم قيام الحجة على التكليف وبعد الفحص عن الدليل في الشبهات الحكمية هو أصالة البراءة. والحمد لله وحده. وينبغي التنبيه على امور: الأول: أن أصالة البراءة إنما تجري إذا لم يكن هنا أصل موضوعي أو حكمي، ضرورة أنه إذا كان هنا أصل محرز للموضوع، كأن شك في حلية مائع وخمريته وعلم حالته السابقة فالاستصحاب يحكم بأنه خل إذا كانت حالته السابقة الخلية، وبأنه خمر إذا كانت هي الخمرية، وببركته يدخل في عموم ما دل على حلية الخل في الاولى، وفي عموم ما دل على حرمة الخمر في الثانية، فعموم دليل حلية الخل أو حرمة الخمر يدل على حليته أو حرمته، والعموم دليل اجتهادي لا تصل النوبة معه الى أصل.


(1) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42. (*)

[ 170 ]

كما أنه إذا كان هنا أصل محرز حكمي، مثل ما إذا علم بوجوب إكرام زيد، وكان عادلا ثم فسق واحتمل دخالة العدالة في وجوب إكرامه فاستصحاب الوجوب يقضي بالوجوب، وحيث إن لسان دليل الاستصحاب عدم جواز نقض اليقين السابق بالشك فالمكلف في عالم التعبد محكوم بأنه ذو يقين، فلا محالة يخرج ببركة هذا اللسان وهذا التعبد عن جميع العمومات والأدلة التي موضوعها الشك، فلا يعمه عموم " كل شئ حلال "، ولا عموم " رفع ما لا يعلمون ". هذا كله بالنسبة إلى البراءة الشرعية. وأما البراءة العقلية فمن الواضح أن قيام الحجة المثبتة للتكليف يرفع موضوعها حقيقة، فإن البيان المأخوذ عدمه في جريان البراءة العقلية هو كل حجة تثبت تكليفا إلزاميا، كما لا يخفى. فقد تبين مما ذكرنا أولا: أن الاقتصار على الأصل الموضوعي هنا بلا وجه، بل الاستصحاب الحكمي أيضا مثله حاكم ووارد على البراءة الشرعية والعقلية. وثانيا: أن الحكومة في الأصل الموضوعي إنما هي للدليل الاجتهادي الدال على ثبوت أحكام على الموضوعات، لا لنفس الأصل الموضوعي. إلا أنه بالنسبة إلى أصالة الحل - أعني مثل قوله (عليه السلام): " كل شئ هو لك حلال " - واضح. وأما بالنسبة لحديث الرفع فهو مبني على أن يراد من الموصول في " ما لا يعلمون " خصوص الحكم المجهول، وإلا فإن اريد منه أعم من الحكم أو الموضوع المجهول - كما مر بيانه بالنسبة الى الفقرات الاخر - لكان استصحاب الموضوع مقتضيا لكون الموضوع المستصحب معلوما ومتعينا تعبدا، فيخرج هذا الموضوع حكومة عن تحت عموم الموصول في " ما لا يعلمون "، ويكون الاستصحاب الموضوعي حاكما على البراءة الجارية في الموضوع، والأمر سهل. ثم إنه عد من مصاديق الأصل الموضوعي الحاكم أصالة عدم التذكية التي هي نفس استصحاب عدم التذكية، وحيث إنه استصحاب الحالة المتصف بها الحيوان زمن حياته، فسواء اجري في موارد الشبهة الموضوعية أو الحكمية فهو ليس من

[ 171 ]

الأصل الأزلي، فإنه إبقاء الوصف الموجود في الحيوان زمان حياته. إلا أن إجراءها في الشبهات الحكمية موقوف أولا: على أن لا يكون عموم قاض بقابلية جميع الحيوانات للتذكية، إلا ما قام الدليل على عدم قابليته لها. وثانيا: على أن يكون غير المذكى أيضا محكوما بحكم الحرمة أو النجاسة. وثالثا: على أن يكون غير المذكى موضوعا مركبا من الحيوان الزاهق روحه وغير الوارد عليه التذكية، لا حيوانا زهق روحه بلا رعاية التذكية الشرعية. وكل هذه الامور ليس هنا محل البحث عنها، بل البحث عنها موكول الى الفقه. كما أن اجراءها فيها موقوف أيضا على أن لا تجري أصالة عدم قابلية الحيوان للتذكية بالعدم الأزلي، لإنكار مطلق أصالة الأعدام الأزلية، أو لكون المراد بما لا يقبل التذكية هو الحيوان الذي بما أنه حيوان لا يقبل التذكية فلا يكون له حالة سابقة يقينية وتبيين هذا الأخير أيضا موكول الى الفقه. كما أن إجراءها في الشبهات الموضوعية موقوف على الأمرين الأخيرين في الأمر الأول، وهو واضح. هذا. وهاهنا نكتة دقيقة قدمناها سابقا، وينبغي التذكر لها، وهي: أنك قد عرفت عند الكلام على خبر مسعدة بن صدقة أن الظاهر منه أن كل ما اطلق في الكتاب والسنة عليه أنه حلال ثم شك في مصداق أنه حلال بذاك المعنى فالحديث يحكم عليه بأنه حلال. فهنا نقول: إذا شك في حيوان أنه حلال اللحم أم لا، لاشتباهه بين الشاة والثعلب - مثلا - فعموم خبر مسعدة يحكم عليه بأنه حلال، وهو أصل موضوعي حاكم على استصحاب عدم التذكية، فإن الحكم عليه بأنه حلال يقتضي أن يقبل التذكية، ويدخل في عموم الدليل الدال على حلية كل ما يقبل التذكية، بل الأمر كذلك في ما إذا كان الشبهة في الحلية والحرمة حكمية، كما في الحيوان المتولد من حيوانين لا يقال عليه اسم شئ من الحيوانات، فإنه محكوم بالحلية فيقبل التذكية ويحل أكل لحمه، لكنه مبتن على عموم خبر مسعدة للشبهات الحكمية أيضا،

[ 172 ]

وقد مر ما يتعلق بذلك، فراجع. الثاني: لا ينبغي الريب في حسن الاحتياط عقلا وشرعا، وذلك أن الأحكام في الشبهات مشتركة بين العالم والجاهل أما في الحكمية فلقيام الإجماع على الاشتراك، ودلالة مثل قوله: " هلا تعلمت " (1)، بل وقوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي... ما لا يعلمون " (2) على ثبوت الأحكام الواقعية حين الجهل، فهنا شئ لا تعلمه الامة فحكم برفعه عن عاتقهم، وبعدم إلزامهم برعايته، وهو الذي يكلفون بتعلمه ويؤاخذون على ترك تعلمه. وأما في الشبهة الموضوعية فمثل قولهم (عليهم السلام): " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " (3) كالصريح في أن ما كان حراما في الواقع فهو حرام عند الجهل وعدم عرفانه أيضا، وهكذا غيره من أدلة الاصول. وبالجملة: فالأحكام الشرعية ثابتة كما هي عند الجهل بها أو بموضوعها، وقد عرفت أنها أحكام جعلت بمقام الإجراء، ويطلب من المكلفين العمل بها، غاية الأمر أن الجاهل معذور في مخالفتها، وعليه فالاحتياط عبارة عن رعاية القانون والتكليف الفعلي المحتمل، والعبد المحتاط هو من يراعي مطلوبات فعلية للمولى قد أذن لبعض المصالح في مخالفتها، فمن الضروري حينئذ حسنه، وأن للعبد معه ثواب الانقياد أو الطاعة. والأدلة الشرعية التي أقاموها على وجوب الاحتياط قد عرفت دلالة كثير منها على حسنه، فتذكر. وهذا - أي حسن الاحتياط - مما لا ريب فيه، إلا أنه قد يرتاب في جريانه في العبادات، باعتقاد أن صحة العبادة مشروطة بقصد التقرب، وهو لا يتأتى إلا إذا احرز تعلق الأمر بالعمل، ومع الشك فيه لا يمكن قصد القربة.


(1) أمالي الطوسي: ج 1 ص 8 - 9. (2) الوسائل: ج 11 ص 295 باب 56 من أبواب جهاد النفس ح 1. (3) الوسائل: ج 12 ص 59 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 1. (*)

[ 173 ]

وفيه: أن اللازم في العبادة إنما هو أن يؤتى بها لله تعالى، فإذا كان الداعي إلى إتيان محتمل العبادية أن لا يبقى طلبه وإيجابه تعالى لها بلا جواب فلا ريب في صدق أنه قد أتى به لله تعالى وحصل شرط قصد القربة. ثم إن الإشكال لو كان فإنما هو فيما لم يعلم إجمالا بأنه إما واجب أو مندوب، ضرورة أنه معه فقد علم بتوجه الأمر إليه، فيتمكن من إتيانه بقصد أمره وإن لم يعلم حد الطلب المدلول عليه. ثم إنه قد يراد إثبات تعلق الأمر بمحتمل الوجوب ليتمكن به من قصد التقرب، حتى بناء على توقفه على إحراز تعلق الأمر، وذلك بأحد وجوه: الأول: استكشافه لما من ذاك الحكم العقلي بحسن الاحتياط، أو إنا من حكمه بترتب الثواب عليه. وفيه: أنه لا ريب في أن حكمه بحسن الاحتياط من قبيل حكمه بحسن الإطاعة لا يستتبع أمرا مولويا، كما أن حكمه بترتب الثواب أيضا من قبيل ترتب الثواب على الإطاعة لا يستلزم أمرا مولويا، فكما أن الإطاعة الحقيقية ليست واجبة مولويا، ويترتب عليها الثواب ويأمر بها العقل فهكذا الانقياد في باب الاحتياط. الوجه الثاني: أن المراد بالاحتياط والاتقاء المأمور بهما في الأدلة الشرعية في خصوص العبادات المحتملة هو إتيان نفس أجزاء العمل وشرائطه ولو بلا قصد القربة، فذات العمل مأمور بها، وقصد أمره موجب لتحقق شرط القربة. وفيه: أن حقيقة الاحتياط أو الاتقاء إنما تتحقق بأن يؤتى بما ندب الله إليه كما طلبه بلا أي نقيصة وقصور، والعبادة إذا كانت مشروطة بالقربة ولا يمكن إتيانها فلا محالة لا يمكن الاتقاء والاحتياط في مقام الجهل بالأمر بها، فلا يعمها عمومات تلك الأدلة، وإن سلمنا أنها أوامر مولوية. مع أنه أيضا ممنوع. نعم، لو سلمنا تعلق أمر مولوي حينئذ بها فهي وإن كانت تصير مطلوبة مستحبة كسائر المستحبات إلا أنه لا ينافي أن يترتب على استحبابها الذاتي بركة اخرى،

[ 174 ]

وهي تمكن المكلف معه من إتيان العبادة المحتملة بجميع شرائطها، فلا وجه لما في الكفاية من أن صيرورته مستحبا نفسيا لا يحل بها عقدة الإشكال. الوجه الثالث: أن أخبار " من بلغ " تقتضي تعلق أمر استحبابي بذات تلك الأعمال، فإتيانه بقصد ذاك الأمر توصل إلى رعاية قصد القربة المعتبرة. نعم، هذا الوجه مختص بخصوص مورد قيام الخبر الضعيف على الوجوب أو الاستحباب لاختصاص صدق عنوان البلوغ به وإن لم يختص بخصوص مورد قيامه على الوجوب، كما هو واضح. وفيه: أن موضوع هذه الأخبار: أن الداعي إلى إتيان ذاك العمل هو بلوغ قول المعصوم (عليه السلام)، وحيث إنه يعم مورد عدم تمام الحجة فلا محالة لا يزيد على إتيانه بداعي الأمر المحتمل، فلو قيل بتوقف قصد القربة على إحراز الأمر المولوي الشرعي لما كان ينفع ذلك الأخبار أيضا، لكنه لا يبقى للناظر فيها أن موضوعها هو ما ذكرناه، فهي شاهد - بإطلاقها - على صحة ما قلناه من تحقق قصد القربة بالإتيان بداعي اتباع الأمر المحتمل أيضا وعلى أي حال فلا تدل على تأتي الاحتياط وإمكانه في العبادات، بناء على تسليم توقف حصول قصد القربة على إحراز الأمر المولوي، كما لا يخفى. ثم إن الإشكال - كما عرفت - مبني على أن حصول التقرب موقوف على إحراز الأمر من غير دخل لأن يمكن أخذه في متعلق أمر العبادات، أو يستحيل، بداهة أنه لو قلنا بتوقف حصوله على إحراز الأمر لما أمكن تحصيله حتى على القول بأنه من كيفيات الطاعة، وخارج عن حدود العبادة كما أنه لو قلنا بعدم توقفه على الإحراز لأمكن رعايته حتى بناء على أن التقرب من حدود العبادة ومأخوذ في متعلق أمرها، كما عرفت، فلا وجه لما في الكفاية والتعليقة من: " أن منشأ الإشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها يتعلق بها الأمر المتعلق بها ".

[ 175 ]

الثالث (1): أن العمل الذي يتعلق به التكليف ويجعل موضوعا له: تارة يؤخذ موضوعا بنحو صرف الوجود، والمراد به هنا: نفس طبيعته المتحققة بأول فرد منها: وتارة يؤخذ بوجودها الساري، ويلحق بها ما إذا جعل موضوع التكليف أفرادها بنحو العموم الاستغراقي، مثل " أكرم العلماء " فإن الحكم وإن تعلق بأفراد العام إلا أنه إنما يتعلق بأفراده الذاتية، أي بما أنه مصداق العالم مثلا، ولا يكون خصوصيات الفرد غير الدخيلة في كونه عالما متعلقة للتكليف، فقوله: " أكرم العالم، أو عالما " وقوله: " أكرم العلماء، أو كل عالم " سواء في أن خصوصيات الفرد غير داخلة في موضوع التكليف ولا مطلوبة، فلا مجال لقصد القربة بشئ من الخصوصيات. وعلى جميع التقادير: تارة يكون المتعلق من أعمال المكلف فقط غير موقوف بأمر خارجي، وتارة يكون له تعلق به، مثل " إكرام العالم وشرب الخمر " فإنهما موقوفان على وجود العالم والخمر، بخلاف مثل الصلاة والكذب، والتكليف في القسم الثاني تارة يكون مشروطا بوجود هذا الأمر الخارجي، وتارة يكون مطلقا بحيث يجب إيجاده لو أمكن أولا، ثم إتيان الفعل المتعلق به. ثم إن التكليف في هذه الصور: إما أن يكون أمرا وإيجابا، وإما أن يكون نهيا وتحريما. فإذا كان التكليف إيجابا: فإن تعلق بصرف الوجود، فإن لم يكن له تعلق بأمر آخر وكان قادرا على الإمتثال فقد اشتغل ذمته بالواجب، فإن شك في مصداقية فرد لم يجز الاكتفاء به، فإن العقل يحكم بوجوب تفريغ الذمة يقينا عن ما اشتغلت به الذمة يقينا، وإن لم يقدر إلا على ذلك الفرد المشكوك المصداقية فحيث إنه عالم بقدرته على ذلك الفرد وبعجزه عما سواه فشكه لا يرجع ابتداء إلى الشك في القدرة على الامتثال، لعلمه بحدود عجزه وقدرته، بل إنما يشك في أن هذا الفرد


(1) أي: الأمر الثالث مما ينبغي التنبيه عليه. (*)

[ 176 ]

مصداق الطبيعة الصرفة ليتعلق به الإيجاب، أو ليس مصداقا لكي لا يتوجه إليه التكليف، ولا يبعد دعوى جريان البراءة عن أصل التكليف هنا، وإن قلنا بأن المرجع عند الشك في القدرة هو الاشتغال، وذلك أن الشك هنا إنما تعلق ابتداء وبالأصل في أن هذا الفرد ما هو ؟ لا إلى أن المكلف قادر أم لا. ومنه يعرف حكم ما إذا كان للطبيعة تعلق بأمر خارجي، فإن ذلك الأمر الخارجي إذا كان موجودا وتصل إليه يده فلا يجوز له الاكتفاء في الامتثال بالمشكوك، فإذا قال: " أكرم عالما " والمعلوم عالميته موجود فلا يجوز الاكتفاء بإكرام المشكوك، وإذا انحصر الفرد في ذلك المشكوك فالأقرب - كما عرفت - إجراء البراءة عن أصل التكليف. نعم، إذا كان قادرا على إيجاد فرد آخر يختلف حال اشتراط التكليف بوجود الموضوع وعدم اشتراطه. فعلى الثاني يجب إيجاده ولا يجوز الاكتفاء بالمشكوك، بخلاف الأول فإنه حينئذ أيضا مجرى لأصالة البراءة على الأظهر، كما عرفت. وأما إن تعلق الوجوب بالعام الاستغراقي أو الطبيعة السارية فكل فرد مصداق مستقل للمكلف به، ويتعلق به تكليف مستقل، ويجري في موارد الشك أصالة البراءة مستقلا، إلا عند الشك حقيقة في القدرة. هذا كله في ما كان التكليف إيجابا. وإذا كان التكليف حرمة فإن كان متعلقا بصرف الوجود وانحصر المصداق في فرد مشكوك المصداقية، كما إذا شك في مصداقية مقال للتكلم العمدي في الصلاة، ومصداقية شئ للتتن إذا فرض حرمة شربه بنحو صرف الوجود فالحق هنا أيضا هو البراءة، وذلك أن الحق أن الحرمة كالوجوب متعلق بنفس الطبيعة، فمع الشك في المصداق يشك في تعلق الحرمة به، ويجري فيه عموم كل شئ حلال، والمتعلق وإن كان صرف الوجود إلا أنه لما كان امتثال الحرمة إنما هو بأن لا يتحقق متعلقها، وعدم تحقق صرف الوجود إنما يكون بعدم تحقق جميع الأفراد، فكل من الأفراد بما أنه لو تحقق أولا يكون صرف الوجود يتعلق به الحرمة، فإذا

[ 177 ]

شك في مصداقية شئ فلا محالة يستتبع الشك في حرمته مستقلا، ويجري فيه أصالة الحل. وأما ما في الكفاية ففيه أولا: أنه مبني على كون النهي طلبا للترك، وهو خلاف التحقيق. وثانيا: أنه لو تعلق الطلب بالترك أيضا فحيث إن وجود كل فرد مصداق لصرف الوجود فيتعلق الطلب بكل من التروك مستقلا في مقام تعلق الطلب، كما في تعلقه بالعام والوجود الساري، وإنما يختلف عنهما في أن الإتيان بأي منها يوجب سقوط التكليف عن سائر الأفراد هنا بخلافهما، وعليه فإذا شك في مصداقية فرد فلا محالة يشك في تعلق التكليف بتركه، ويكون مجرى لأصالة الحل والبراءة. هذا إذا لم يكن للطبيعة المنهي عنها تعلق بأمر خارجي. وأما إن كانت متعلقة به فإن كان التكليف مشروطا بوجوده فلو شك في أصل وجوده يجري فيه البراءة، حتى بناء على مبنى صاحب الكفاية، فإن هذا الشك شك في أصل اشتغال الذمة بطلب الترك، ولكن إذا علم بوجود فرد ما لهذا الأمر الخارجي، وشك في مصداقية فرد آخر فيجري هنا كلام الكفاية، فإنه يعلم باشتغال ذمته بترك الطبيعة، ويشك في الفراغ إن ارتكب المشكوك، وقد عرفت أن الحق هنا أيضا هو البراءة. وأما إن لم يكن التكليف مشروطا بوجوده فلو شك في أصل وجوده فان لم يعلم بوجوده بعد ذلك لكان مجرى البراءة، إذ من المعلوم أنه غير مكلف بإيجاد الموضوع الذي تعلق النهي بشربه مثلا، وأن التكليف الفعلي بما لا يوجد غير معهود، بل لعله قبيح، فإنهم عدوا التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء قبيحا فضلا عما كان معدوما. وأما إن علم بوجوده في ما بعد، أو كان بعض مصاديقه موجودا فحكم الشك في المشكوك المصداقية هو البراءة، خلافا لصاحب الكفاية. هذا كله فيما تعلق النهي بصرف الوجود. وأما إذا تعلق بالوجود الساري للطبيعة أو بها بنحو العموم الأفرادي فكل

[ 178 ]

مورد فيه تكليف مستقل ومشكوك المصداقية مشكوك التكليف، ويجري فيه البراءة على جميع المباني، والله العالم. ومن التأمل فيما ذكرنا تعرف مواقع النظر في ما أفاده صاحب الدرر، وذكره بعض الأعلام في كتابه نهاية الأفكار، تقريرا لمباحث استاذه (قدس سرهم). الرابع: قد عرفت أن ملاك حسن الاحتياط، هو فعلية التكاليف الواقعية في موارد الشك، فرعاية احتمالها انقيادا وإطاعة يستقل العقلاء بحسنها، وحيث ان هذا الملاك موجود في موارد الطرق المعتبرة لأن شأنها ليس إلا محض الطريقية فإذا خالفت الواقع كان الواقع كما هي عليه، فالاحتياط بنفسه في موارد الطرق أيضا مستحسن ما لم يزاحم بمزاحم أقوى. والله العالم.

[ 179 ]

2 - فصل في التخيير (1) الموضع الثاني من المقام الأول: أن يعلم جنس الإلزام ولم يمكن الاحتياط أصلا، وهو المعبر عنه بدوران الأمر بين المحذورين، بأن علم أن هذا الشئ إما حرام وإما واجب، لشبهة موضوعية أو حكمية، لأجل فقد النص أو غيره. فتارة يكون مورده منحصرا في مصداق واحد، كأن علم أن هذا المائع الخاص إما خمر يحرم شربه، وإما ماء قد حلف شربه فيجب شربه، لأنه مصداق الوفاء بالقسم. وتارة يتكرر بتكرر الموارد، كأن علم أن إكرام العالم الفاسق إما حرام وإما واجب. كما أنه تارة يكون كلا الحكمين المعلوم ثبوت أحدهما على حد سواء من الأهمية أو احتمال الأهمية، وتارة يكون أحداهما بالخصوص على فرض أن يكون هو المجعول، أهم من الآخر أو محتمل الأهمية دون الآخر. وهكذا الأمر في احتمال أصل الجعل، فتارة يتساويان في احتماله، واخرى يكون احتمال جعل أحدهما أقوى من الآخر. كما أنه تارة يكون كلاهما توصليين أو محتمل التعبدية، واخرى يكون كلاهما أو أحدهما بالخصوص تعبديا. فلنفرض الكلام أولا في المصداق المتيقن، وهو ما إذا انحصر المورد في


(1) جعل فصل هنا إنما وقع تبعا للكفاية، كما وعدناه أول الكتاب. (*)

[ 180 ]

مصداق واحد وكان كلاهما توصليا متساويا في الأهمية وفي احتمال الثبوت مع الآخر، فهل الحكم فيه هو البراءة أو التخيير ؟ والحق أنه مجرى البراءة الشرعية، دون العقلية، ودون التخيير. أما عدم جريان البراءة العقلية - أعني قبح العقاب بلا بيان - فلأن المكلف قد علم بجنس الإلزام هنا وإن لم يعلم نوعه، والعلم بالجنس كاف في تحقق البيان الذي هو غاية البراءة العقلية ولذلك إذا علم المكلف بأنه إما هذا المائع الخاص خمر يحرم شربه، وإما ذاك المائع الآخر ماء يجب شربه لأنه قد حلف شربه، فلا ينبغي الشبهة في وجوب الاحتياط عليه بترك شرب هذا وفعل شرب ذاك، وليس هذا إلا لأن العلم بجنس الإلزام كاف في ارتفاع موضوع البراءة العقلية. وأما جريان البراءة الشرعية فلأن قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي... ما لا يعلمون " يعم كلا من الحكمين، فإنك قد عرفت أن المرفوع بهذا الحديث هو ما كان وجوده ثقلا على الامة، والحرمة أو الوجوب لا شك في ثقلهما على الامة. كما أن كل واحد منهما مصداق لما لا يعلمون، إذ المفروض أن الحرمة نفسها غير معلومة، والوجوب نفسه غير معلوم، والمجعول في الشرع والموجود فيه هو خصوص الوجوب أو الحرمة أو الاستحباب مثلا، لا الجامع بين اثنين منهما أو أزيد، والعلم إجمالا بمجعولية أحدهما ليس علما بمجعولية هذا، ولا علما بمجعولية ذاك، كما لا يخفى، فإطلاق الموصول يعم كلا من المحتملين ويحكم برفع كليهما، إلا أن من المعلوم أن رفع الحكم الغير المعلوم بعد اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل رفع ادعائي حقيقته رفع المؤاخذة عليه ورفع سائر الآثار الاخر، مع بقائه على ما هو عليه من الفعلية، كما مر التنبيه عليه والتوضيح له، فتذكر. وهكذا الكلام في دلالة حديث الحجب والسعة وغيرهما من أدلة البراءة في الشبهات الحكمية. وأما أصالة الإباحة أو الحل المستندة الى مثل قوله (عليه السلام): " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال... الى آخره ". وقوله (عليه السلام) في خبر مسعدة بن صدقه: " كل

[ 181 ]

شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه " فالقول بها هنا مشكل، لما مر من احتمال اختصاص أدلتها بالشبهات الموضوعية، فلا تجري فيما كان هذا الواحد المتيقن مشكوكا حكمه الكلي، مضافا إلى أن دعوى ظهور أدلتها في ما كان طرف احتمال الحرمة هو احتمال الحل والإباحة لا الوجوب غير بعيدة. وبالجملة: فعموم أدلة البراءة الشرعية الجارية في الشبهات الحكمية شامل لما نحن فيه. إلا أنه قد يستشكل جريانها بأحد وجوه: الأول: أن الحكم برفع كليهما يناقض العلم بثبوت أحدهما واقعا. والجواب: أن رفع الحكم المجهول ليس إلا في قوة رفع المؤاخذة عليه، ولا منافاة بين وجود الحكم الواقعي في مرتبة الفعلية وبين رفع المؤاخذة عليه شرعا، كما حققناه تبعا للمشايخ في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، فرفع كلا الوجوب والحرمة - إذا كان كلاهما مشمول حديث الرفع مثلا - لا يقتضي ارتفاع وجود شئ منهما في نفس الأمر، حتى يتوهم أنه يناقض العلم بثبوت أحدهما. ثانيها: أن رتبة أصالة الحل غير منحفظة في الدوران بين المحذورين، فإن معنى حلية الفعل هو الترخيص في الفعل والترك كليهما، وبالعكس، فمفاد أصالة الحل بمدلولها المطابقي يناقض نفس القدر المشترك المعلوم بالإجمال، وهو جنس الإلزام، فراجع فوائد الاصول (1). وفيه أولا: أنه مختص بأصالة الإباحة والحل، ولا يجري في أصالة البراءة الشرعية الثابتة بمثل حديث الرفع. وثانيا: أن هذه الحلية حلية ظاهرية وحكم ظاهري، والحكم الظاهري يجتمع مع الحكم الواقعي ولا ينافيه، فقوله (عليه السلام): " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه " يدل بالوضوح على أن هذا الشئ ربما كان حراما وأنت لا تعلمه، فهو مع أنه حرام واقعا إلا أنه ما لم تعلم بالحرمة فهو لك حلال، فالحلية المدلول


(1) فوائد الاصول: ج 3 ص 445 - 447. (*)

[ 182 ]

عليها بالحديث لا تنافي الحرمة الواقعية، فلا محالة لا تناقض القدر المشترك المعلوم بالإجمال، ولا أحدهما المعلوم تحققه إجمالا، فإنها ترخيص ظاهري، والحكم الظاهري - كرفع المؤاخذة - لا يناقض الحكم الواقعي أصلا، بل كل الملاك لجريان أصالة الحل أو حديث الرفع هو إحراز موضوعه، وقد عرفت وجوده وإحرازه في ما نحن فيه. ثالثها: أن العلم الإجمالي هنا لا يمكن أن يكون منجزا، فالعقاب مقطوع العدم، والتكليف غير محتمل التنجيز، ومعه فلا موضوع لأصالة البراءة، فإن موردها ما إذا احتمل تنجز التكليف لولا جريانها، وهذا الوجه منقول عن المحقق العراقي والميرزا النائيني (قدس سرهما) فراجع نهاية الأفكار وفوائد الاصول (1). وفيه أولا: ان موضوع حديث الرفع - مثلا - هو " ما لا يعلم " من الأحكام الإلزامية، فكلما احتمل وجود تكليف فعلي واقعي ولم يعلم به فموضوعه محقق وحكمه جار، غاية الأمر أن يجتمع في مورد واحد جهات متعددة كل منها كاف في المعذرية ورفع العقاب، فالجهل بالتكليف كالعجز عن امتثاله - مثلا - كل منهما سبب تام لحصول العذر للمكلف. وثانيا: أن غاية بيانهما أن العلم الإجمالي لا يكون هنا سببا لتنجيز المعلوم بالإجمال، وأما أن مجرد احتمال التكليف - ولا سيما احتمال الحرمة أيضا غير منجز - فهو على عهدة مثل حديث الرفع. وبعبارة اخرى: غاية ما أفاداه بيان أن العلم الإجمالي هنا لا يمنع عن جريان حديث الرفع، فكلامهم مؤيد لجريانه لا مانع عنه. وثالثا: أن في ما أفاده كل منهما لعدم تنجيز العلم الإجمالي هنا ولإثبات التخيير العقلي وجوها من النظر، لا نتعرض لها روما للاختصار، فراجع وتأمل كلامهما (قدس سرهما).


(1) نهاية الأفكار: ج 3 ص 294 - 296، فوائد الاصول: ج 3 ص 448. (*)

[ 183 ]

إلا أنه يرد عليهما: أن مورد حكم العقل بالتخيير إنما هو خصوص ما إذا كان التكليف - مع قطع النظر عن الحكم العقلي بالتخيير - منجزا، وفي ما نحن فيه تجري أصالة البراءة عن التكليفين كما عرفت، فكما أنه لا مجال للتخيير العقلي في ما إذا شك أن إكرام العالم الفاسق هل هو واجب أو حرام أو مستحب ؟ بل هو مجرى أصل البراءة لا غير فهكذا في ما نحن فيه. رابعها: أن إجراء البراءة عن كلا الحكمين مستلزم لطرح كليهما، فيلزم المخالفة الالتزامية. وفيه أيضا: ما قد عرفت من أن إجراء البراءة لا يستلزم أزيد من نفي المؤاخذة عن مخالفة الحكم الواقعي، فيجتمع مع وجود الحكم الواقعي، وإنما كان يستلزم طرحه لو كان في معنى نفي الحكم عن الواقع ونفس الأمر، كما في موارد التخصيص، ومن البديهي أنه ليس كذلك، وعليه فبعد جريانها فالحكم الواقعي على ما هو عليه. وأما مسألة الموافقة أو المخالفة الالتزامية فقد مضى البحث عنها في مباحث القطع، فتذكر. خامسها: أن يقال: إن المستفاد من أخبار العلاج: حكمها بالتخيير فيما كان الخبران معارضين في الحرمة والوجوب أن ملاك هذا التخيير ومناطه مجرد أن كلا من الخبرين منشأ لإحداث احتمال حكم إلزامي، وهذا الملاك موجود هنا فيجب القول بالتخيير، وأن يأخذ إما باحتمال الحرمة ويراه حراما، وإما باحتمال الوجوب ويراه واجبا، ومعه فلا مجال لأصل البراءة الشرعية كما هنا. وفيه: أن مقتضى القاعدة هو تساقط الخبرين اللذين حجيتهما بمعنى طريقيتهما الى الواقع، فمفاد أخبار العلاج حكم على خلاف القاعدة الأولية، ويحتمل فيه قويا أن يكون الملاك فيه التسليم للرواية الناقلة لقول المعصوم (عليه السلام). بما هي كذلك، ومعه فلا يصح إلغاء الخصوصية عنها وإجراء حكم التخيير في ما نحن فيه.

[ 184 ]

وهنا وجه سادس أبداه بعض أفاضل حضار البحث، وهو: أن إطلاق الأدلة منصرف عما إذا علم جنس الإلزام. والجواب: منع الانصراف، فإن تمام الموضوع للحكم بالرفع عنوان " ما لا يعلمون " وهو موجود هاهنا، فالجهل بالحكم الواقعي منشأ الرفع، وهو متحقق في كلا الطرفين، فيجري فيهما أثره، أعني رفعه وقد تحقق أن الإطلاق رفض القيود، وأنه لا نظر في المطلقات إلا إلى نفس معنى المطلق، فلا وجه للإنصراف أصلا. فقد تحصل أن لا مانع عن جريان أدلة البراءة الشرعية وإن كان لا يجري حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، ومعه فلا مجال لأصالة التخيير. والله العالم. هذا تمام الكلام في ما إذا كان مورد التكليف قضية واحدة وواقعة شخصية. وأما فيما له تكرر - كأن علم أن إكرام العالم الفاسق إما حرام وإما واجب - فمقتضى التحقيق هنا أيضا إجراء البراءة الشرعية، لعين ما عرفت من الكلام حرفا بحرف. لكنه قد يقال: إن العلم الإجمالي هنا وإن لم يؤثر في وجوب الموافقة القطعية لعدم إمكانها إلا أنه لا بأس بتأثيره في حرمة المخالفة القطعية فيصير الإلزام الواقعي منجزا بهذه المرتبة، فيجب رعايتها بأن يلتزم في المورد الثاني والى الأبد بنفس ما اختاره من الفعل أو الترك في الوقعة الاولى، وإلا لزم العلم بالمخالفة في إحدى الوقعتين، وقد عرفت أن المخالفة القطعية محرمة، وعليه فلا يمكن إجراء البراءة عن كليهما، لاستلزامه تخيير المكلف بين الفعل والترك في جميع الوقائع، وهو خلاف حكم العقل المذكور. وفيه: أنه إنما يسلم حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية في ما إذا كان هنا تكليف واحد لا يترتب على مخالفة الطرف المحتمل التكليف سوى القطع بالمخالفة للتكليف الذي في البين، وهذا بخلاف ما نحن فيه مما يكون التكليف متعددا بتعدد الوقائع، فكما يترتب على اختيار خلاف ما اختاره في الوقعة الاولى القطع بالمخالفة فهكذا يترتب عليه القطع بالامتثال والموافقة أيضا، فلا يحكم

[ 185 ]

العقل بحرمة مثل هذه المخالفة القطعية، ويكون الرجوع إلى أصالة البراءة فيها بلا مانع. هذا كله في ما إذا تساوى الوجوب والحرمة في الأهمية، أو احتمل أهمية كل منهما. وأما إذا علم أو احتمل أن أحدهما بالخصوص - لو كان هو المجعول - أهم من الآخر، فهاهنا قد يقال بأن العقل يحكم بتنجز خصوص الحكم الأهم أو محتمل الأهمية، كما يظهر من ملاحظة أمثاله، مثل ما إذا دار الأمر بين إنقاذ ولد المولى والأجنبي عنه، أو بين محتمل الولدية له والأجنبي فإن الاشتغال بإنقاذ الأجنبي لا يعد عذرا مقبولا لترك إنقاذ ابنه، وعليه فلا يصح إجراء البراءة عن معلوم الأهمية أو محتملها. وفيه أيضا: أن هذا الحكم العقلي إنما هو في ما علم أصل التكليف، لا في مثل ما نحن فيه مما لم يعلم أصل التكليف الأهم أو محتمل الأهمية، فإن مثل حديث الرفع يمنع عن أصل تنجزه مهما كان أو أهم. ومنه تعرف الكلام في ما إذا كان احتمال جعل أحد التكليفين أقوى من الآخر إشكالا وجوابا. هذا كله في ما لم يكن كلاهما ولا أحدهما بالخصوص تعبديا. وأما إذا علم بأن كلاهما تعبديان أو أحدهما المعين تعبدي والآخر توصلي فهنا أيضا وإن لم يمكن الموافقة القطعية إلا أنه متمكن من المخالفة القطعية بأن يأتي بما هو عبادي - على فرض تعلق التكليف به - لا بقصد القربة، وعليه فإن قلنا بتنجز التكليف بهذه المرتبة فلا يجري أصل البراءة، لكونه ترخيصا في ترك هذه المرتبة أيضا، فلا محالة يكون مجرى أصالة التخيير. وأما إذا لم نقل بهذه المرتبة من التنجز هنا بناء على أن الامتثال القطعي إذا لم يجب لعدم إمكانه فلا محالة لا تنجز للتكليف لو كان في طرف لا يمتثله، ووجوده في ما يأتي به مشكوك تجري فيه البراءة، فيكون الأصل المتبع في جميع صور دوران الأمر بين وجوب

[ 186 ]

الشئ وحرمته أصالة البراءة، كما عرفت. ثم إنه إذا علم بأن أحدهما اللا معين تعبدي فإنه وإن لم يمكن مخالفته القطعية إلا أنه لو اختار جانبا من الفعل أو الترك: فإن كان مختاره مع قصد القربة كان فيه احتمال المخالفة من جهة واحدة، هي احتمال أن يكون التكليف في الجانب المتروك. وإن كان لا مع قصد القربة كان فيه ذاك الاحتمال من وجهين: من الوجه المذكور، ومن جهة عدم رعاية قصد القربة إن كان التكليف في الجانب المأخوذ، وكان مشروطا بقصد القربة، فهاهنا بناء على عدم تجويز المخالفة القطعية في الفرض السابق هل يجب عليه تقليل احتمال المخالفة، أم يجري فيه أصالة البراءة ؟ الظاهر إجراء البراءة، لعدم إحراز حكم العقل بلزوم رعاية جانب الاحتياط بهذا المقدار. ثم إنه لو كان أحد الجانبين محتمل الأهمية أو معلومها فهل يجب رعايتها كما يجب في الواجبين المتزاحمين، أم لا يجب ؟ فالظاهر أنه لا ينبغي الريب في جريان البراءة بناء على أنها المرجع هنا، وأما لو قلنا بتنجز التكليف هنا بمرتبة منه ففيه وجهان، لا شك في أن الأخذ بالأحوط موافق للاحتياط. والله العالم.

[ 187 ]

3 - فصل في أصالة الاحتياط والاشتغال (1) الموضع الثالث من المقام الأول: أن يعلم جنس الإلزام أو نوعه وأمكن فيه الاحتياط وكان الشك في النوع أو في متعلقه. وهذا هو المعبر عنه بالعلم الإجمالي بالتكليف والشك في متعلقه. فنقول: إن متعلق هذا التكليف المعلوم بالإجمال إما أن يكون مرددا بين أمرين أو امور متباينة الوجود، وإما أن يكون مرددا بين الأقل والأكثر، مثال الأول: أن يعلم بوجوب أحد الشيئين أو بحرمة أحدهما، أو يعلم بأنه إما هذا واجب وإما هذا الآخر حرام. ومثال الثاني: أن يعلم بوجوب مركب دار أمره بين عشرة أجزاء وتسعة. وقبل الورود في البحث لا بأس بالتنبيه على نكتة: هي أن الموصوف المعلومية حقيقة عند العرف وإن كان الامور الخارجية كعلمنا بأن زيدا مجتهد، وأن إمام العصر - عجل الله تعالى فرجه الشريف - حي، إلى غير ذلك، إلا أنه لا ريب في أن ملاك هذا العلم وقوامه هو تطور نفساني، سواء كان بارتسام كيفيات نفسانية في النفس، أو تحولها في جوهرها الى خصوصية مناسبة بناء على اتحاد العقل والعاقل، أو غير ذلك، فإن قوام العلم تكوينا بحالة نفسانية، وهذه


(1) جعل الفصل هنا إنما وقع تبعا للكفاية على ما وعدناه أول الكتاب. (*)

[ 188 ]

الحالة لا محالة موجود شخصي في افق النفس، فإذا علمنا بأن زيدا مجتهد فالنفس متطورة بطور خاص لا بأس بأن نعبر عنه بأن صورة هذه القضية موجودة بوجود ذهني، وتعلق جزم النفس واعترافها بما لها من المعنى، وإذا علمنا بأنه " إما زيد مجتهد وإما عمرو " فصورة هذه القضية المنفصلة موجودة بجميع أجزائها، أي حتى بما يحكى عنها ويطابقها لفظة " إما " بوجود ذهني نفساني، وتعلق إذعان النفس وجزمها بما لها من المعنى، ففي مرتبة الوجود النفساني الذي به قوام العلم وتجوهره التكويني ليس إلا وجود أو وجودات شخصية غير مرددة، إلا أن المحكي بها قد يكون خاليا عن أي ترديد، وقد يكون مشوبا به، وحيث إن المعلوم حقيقة عند العرف هو المحكي فلذلك يصح أن نعبر عنه بأن في المعلوم ترديدا، ولا يلزم منه وجود المردد بما أنه مردد ولا أي محذور آخر. وعلى ما ذكرنا فالعلم متعلق بإحدى الخصوصيتين، فإنا نعلم - مثلا - أن هذا الشئ " بما أنه خمر " حرام وإما أن ذاك الشخص " بما أنه زيد أو عالم " يجب إكرامه، فحكم الشرع إما خصوص الحرمة أو خصوص الوجوب، كما أن متعلقه إما الخمر بخصوصها وإما ذاك الشخص بخصوص أنه عالم أو زيد، والقول بتعلق العلم الإجمالي بالجامع بين الأطراف يلزمه عدم وقوف العالم على أزيد من الكلي الجامع، وهو خلاف الوجدان، ولا ملزم للقول به والمصير إليه، كما عرفت. وكيف كان فالبحث في هذا الموضع يقع في مرحلتين: المرحلة الاولى: أن يكون متعلق التكليف المعلوم - ولو تبعا لنفس التكليف - مرددا بين المتباينين، والمرحلة الثانية أن يكون مرددا بين الأقل والأكثر الارتباطيين. المرحلة الاولى العلم الإجمالي بالمتباينين فالمرحلة الاولى هي المعبر عنها بالعلم الإجمالي بالتكليف، وهو قد يكون

[ 189 ]

في الشبهة التحريمية، وقد يكون في الشبهة الوجوبية كما أن كلا منها يتصور له البحث عن مسائل أربع، كما في فرائد الشيخ الأعظم (قدس سره). لكنا - كما عرفت عند البحث عن أصل البراءة - نبحث عن الجميع في مسألة واحدة. فنقول: إذا علم بتعلق التكليف الإلزامي بأحد الشيئين أو الأشياء المحصورة وكان متمكنا من امتثاله فعلمه الإجمالي هل هو حجة عليه في تنجز التكليف المعلوم في البين بالنسبة للمخالفة القطعية، بل وللموافقة القطعية، أو بينهما تفصيل، أو لا حجة فيه أصلا ؟ ولا بأس أولا بتوضيح محل الكلام، فلا ريب أن محله هو التكليف الذي إذا علم به تفصيلا يتنجز ويستحق على مخالفته العقاب، وإذا كان مشكوكا بالشبهة البدوية جرى فيه أصالة البراءة، فيبحث هنا عن أن تعلق العلم الإجمالي به كتعلق العلم التفصيلي أو كالشك البدوي ؟ أو أن بين المخالفة القطعية والموافقة القطعية تفصيلا. وأما إذا علم بأن هنا تكليفا خاصا لا يرضى الشارع أو المولى بتركه فهو خارج عن محل البحث والخلاف، إذ لا ينبغي الشك في أن مثله يستحق العقاب عليه ولو في شبهته البدوية، وعليه فما في الكفاية تفصيل بين ما هو محل البحث وخارجه، وفي الحقيقة هو (قدس سره) قائل بأن لا حجة في العلم الإجمالي في ما هو محل الكلام. وحيث قد عرفت أن أحكام الله الواقعية الفعلية - أي التي انشئت واودعت بيد الإجراء - موجودة في موارد الشك والعلم سواء فإن أحكام الله مشتركة بين العالم والجاهل بالحكم أو الموضوع، فموضوع الكلام هو تعلق العلم الإجمالي بهذا الحكم الفعلي المودع بيد الإجراء، الذي لا يمس كرامته عدم تنجزه، ولا الترخيص في مخالفته، ولا جعل الحكم الظاهري في قباله، فما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) من أن محل البحث هو العلم بقيام الحجة كالعموم والإطلاق على

[ 190 ]

التكليف لعله مما كبا فيه الجواد، فإنه (قدس سره) ممن قد أوضح فعلية التكاليف في موارد الجهل بها، وأن الجهل ونحوه من قبيل العذر المقبول عن المكلف في مخالفته. وكيف كان فلا ينبغي الريب في أن العلم الإجمالي بيان تام عند العقلاء، لا يجوز معه إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا بالنسبة إلى المخالفة القطعية ولا الاحتمالية، ولو كان كلام فإنما هو في إمكان الترخيص في الخلاف عقلا وثبوتا، وعلى تقدير الإمكان فهل دل دليل على هذا الترخيص إثباتا ؟ فنقول: أما مقام الثبوت فقد شاع في كلمات الأعاظم، الشيخ الأعظم ومن بعده (قدس سرهم): أن ترخيص الاقتحام في جميع أطراف العلم إذن في المعصية، وهو قبيح لا يمكن الإقدام عليه من الشارع الأقدس تبارك وتعالى. لكنك خبير بأن منشأ هذا الاستقباح ليس مجرد وجود الحكم الفعلي الواقعي، فإنه ربما كان الحكم الواقعي موجودا في مورد الشك وقد رخص الشارع في خلافه، كما يدل عليه مثل قولهم (عليهم السلام): " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه "، بل منشأه كما صرحوا به أن العلم الإجمالي به موجب لحسن العقاب عليه فيصير به منجزا ويكون مخالفته معصية فعلية، والاذن في المعصية قبيح. والحق أن مجرد العلم بالتكليف - ولو التفصيلي منه - ليس علة تامة لتنجزه، بل لا بأس بالترخيص في مخالفته لجهات خاصة تقتضيه ويعلمها الشارع، فإنه لا بأس بجعل الإكراه والنسيان - مثلا - عذرا مجوزا لمخالفة التكليف الموجود المعلوم وكذلك لا بأس بجعل الجهل بالتكليف بمعناه العام الشامل للموجود منه في أطراف العلم الإجمالي عذرا موجبا للترخيص في الخلاف، كما هو كذلك في الموجود منه في الشبهات البدوية قطعا، بعد ما عرفت من اشتراك التكليف بين العالم والجاهل. ومن الواضح أنه بعد الترخيص من ناحية المولى فلا يكون مخالفة التكليف معصية، ولو وقع هذا الترخيص العام لكان سره أن الشريعة سمحة سهلة.

[ 191 ]

ومما ذكرناه نعرف الكلام في وجوه اخر استند إليها في إثبات استحالة الترخيص، مثل ما في نهاية الدراية من: أن تجويزه ترخيص في الظلم والتجاوز بما هو حق المولى، فإنه إذا كان الترخيص من ناحية المولى نفسه فالمكلف يقدم على الخلاف اعتمادا على إذن المولى ورعاية لمقتضى ترخيصه، ومعه فكيف يكون تجاوزا بحقه وهتكا لحرمته ؟ ! ومثل ما فيها أيضا " من أن الغرض من التكليف الحقيقي هو جعل الداعي إلى الفعل أو الترك، فالترخيص في الخلاف نقض للغرض من التكليف، لما بين جعل الداعي حقيقة والترخيص من المنافاة ". فإنا نسأله (قدس سره) عن أمر الترخيص الموجود قطعا في الشبهة البدوية، وأن التكليف الموجود فيها قد رخص في مخالفته، مع أنه لا ريب في أنه تكليف حقيقي يكون الغرض منه جعل الداعي بحيث لو علم به المكلف صار عليه منجزا، كما يدل عليه قولهم (عليهم السلام) "... حتى تعرف الحرام منه... " فإنه ظاهر جدا، بل صريح في أن نفس ما هو مشكوك حكم في مورده بالحلية الظاهرية إذا صار معلوما ترتفع به الحلية، وتصير الحرمة الواقعية الغير المعلومة منجزا، فكما لم يناف الترخيص في الخلاف في الشبهات البدوية وجود التكليف الحقيقي فكذلك في موارد الجهل التفصيلي. ومنه تعرف وتقدر على الجواب عن كل وجه يقام على الاستحالة، فإن الجواب عن جميعها قريب، والله الموفق وهو العاصم. فالحاصل: أن ترخيص الاقتحام في كلا الطرفين أو جميع الأطراف لا بأس به عقلا فضلا عن بعضها. هذا كله بالنسبة الى مقام الثبوت. وأما مقام الإثبات فأقوى وجه يقال للترخيص: هو ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) من أدلة البراءة والحل، فإنها كما تعم كلا من الأطراف وتحكم عليه بالبراءة والحلية فهكذا مفهوم الغاية في قولهم (عليهم السلام) "... حتى تعرف الحرام منه... " يعم الحرام الواقعي الموجود في البين المعلوم ولو إجمالا، يعني: فمقتضى المفهوم

[ 192 ]

والذيل ارتفاع الحلية الظاهرية وقيام الحرمة الظاهرية والواقعية محلها، مع أن مقتضى عموم الصدر مثل سائر الأدلة أن جميع الأطراف حلال في الظاهر، فيتناقضان ويتعارضان، فلا يكون فيها حجة لا على الحل، ولا على الحرمة، ويبقى حكم العقلاء بتمامية البيان حجة على لزوم الموافقة. هذا. لكن مضافا إلى أن الشيخ نفسه قد اعترف بأن المراد من العرفان هاهنا هو عرفان شخص الحرام بالتفصيل، فيرتفع التعارض، ويبقى عموم الصدر حجة سليما عن المعارض. يرد عليه: أن مصداق ما لا يعلمون - في حديث الرفع - هو الحكم الإلزامي المجهول، إذ هو الأمر الواقعي الذي يكون فيه ثقل على الامة، فهذا الحكم كليه مجهول في الشبهة الحكمية، وشخصه القائم والمتحقق بشخص الموضوع مجهول تبعا لمجهولية خصوصية الموضوع في الشبهة الحكمية، كما أن مصداق " شئ " في قولهم (عليهم السلام): " كل شئ... حلال " هو الوجودات الجزئية التي لا يعلم حرمتها، وليس لنا شئ آخر سوى هذه الأشخاص المحكوم عليها بالحلية سواء كان بجعل الحكم عليها نفسها، أو على نوعها بلحاظ أفرادها المجهولة الحكم، وأما المصداق الواقعي للعنوان المحرم - كالخمر الواقعية - فليس مصداقا آخرخارجا عن الأشياء الخاصة المجهولة الحكم، فهو كالتكليف الواقعي الكلي في الشبهات الحكمية أمر انتزاعي عقلي ليس هو مصب الحكم بالحلية أو الرفع، ولا موضوعا لهما. ومنه تعرف أن مقتضى الأدلة العامة هو جريان البراءة عن التكليف، والحكم بالبراءة والحلية في أطراف العلم الإجمالي أيضا. اللهم إلا أن يدعى انصرافهما عن أطراف العلم الإجمالي ولو بملاحظة أن شمولها لها يعد عرفا إذنا في المعصية، لحكم العرف - كما عرفت - بتنجز المعلوم بالإجمال. وأما ما عن السيد الإمام الاستاذ (قدس سره) من عدم شمول مثل حديث الرفع، لأن المراد بالعلم فيه كغيره هو الحجة، وحكم العقل حجة على لزوم الاجتناب عن الأطراف، بل الدليل الدال على التكليف حجة على تنجز التكليف في كل من

[ 193 ]

الأطراف. ففيه: أن العلم وإن لم يختص بالقطعي إلا أنه مرادف في الفارسية ل‍ " دانستن " وهو لا يطلق إلا في موارد الطرق المعتبرة، ويلحق بها كل ما تعبد بأنه علم، كالاستصحاب، وإلا فمجرد الاحتمال المنجز لا يصدق عليه العلم قطعا. إلا أن هنا أخبارا خاصة ربما يستفاد منها وجوب الاحتياط التام في أطراف العلم الإجمالي. منها: موثقة عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو ؟ وحضرت الصلاة وليس يقدر على ماء غيرهما ؟ قال: " يهريقهما جميعا ويتيمم " (1). ومثلها موثقة سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) بل لعل سماعة هو السائل المذكور في موثقة عمار. وكيف كان فبيان دلالتهما: أن من الواضح اتحاد لسان أخبار أصالة الحل وأصالة الطهارة، وأنه لو جرت أدلة أصالة الحل في أطراف العلم الإجمالي لجرت أدلة أصالة الطهارة، ومقتضاها حينئذ هو الحكم بطهارة ماء كلا الإناءين، وبجواز بل وجوب الوضوء بأحدهما، وقد حكم الإمام (عليه السلام) بعدم الاعتناء بهما وإراقتهما والانتقال إلى التيمم، وفي الأمر بإراقتهما دلالة على أنه لا ينتفع بشئ منهما ولو في الشرب ونحوه أيضا، وحيث إن العقلاء يحكمون - كما عرفت - بتمامية البيان ولزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف فمن مثل هاتين الموثقتين يفهمون بسهولة ووضوح أن الشارع قد أمضى هذه القاعدة المركوزة لديهم، وأنه أيضا يرى وجوب الاحتياط التام في أطراف العلم الإجمالي.


(1 و 2) الوسائل: ج 1 الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 14 و 2. (*)

[ 194 ]

ومنها: ما رواه الصدوق في الصحيح، عن صفوان بن يحيى أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان، فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو ؟ وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال: " يصلي فيهما جميعا ". قال الصدوق: يعني على الانفراد (1). ورواه الشيخ أيضا بإسناده عن صفوان (2). وكيفية دلالتها مثل الموثقتين، فإنه لو لم يكن الحكم الشرعي في أطراف العلم الإجمالي هو الاحتياط لجرت أصالة الطهارة أو استصحابها في الثوبين، وكانت الصلاة في كل منهما صحيحة، ولم يحتج إلى التكرار. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) - في حديث - في المني يصيب الثوب: " فإن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي عليك فاغسله كله " (3). ومثلها أخبار معتبرة كثيرة اخر مذكورة في هذا الباب. وبيان دلالتها: أنه لولا أن الشارع يوجب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي لكان مقتضى استصحاب الطهارة - ومع الغض عنه كان مقتضى قاعدة الطهارة - الحكم بطهارة كل موضع من اللباس يشك في إصابة النجس - المني، أو البول أو الدم، أو الخمر، أو النبيذ، أو غيرها من النجاسات - له، فإنه لا ريب في أن كل موضع منه مصداق خاص للاستصحاب أو القاعدة، ولذلك لو علم بنجاسة موضع خاص منه وشك في موضع آخر لجرى الأصل في الموضع المشكوك فيه، فالحكم بوجوب غسل جميع الثوب أو جميع الناحية التي أصابت النجاسة موضعا غير معين منها دليل على أن الحكم الشرعي هو وجوب الاحتياط التام في أطراف العلم الإجمالي. وهذه الروايات وإن اختص موردها باستصحاب الطهارة وأصالتها إلا أن


(1 و 2) الوسائل: ج 2 الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث 1. (3) الوسائل: ج 2 الباب 7 من أبواب النجاسات، الحديث 1 الى آخر الباب - والباب 38 منها الحديث 2، فراجع. (*)

[ 195 ]

الارتكاز المذكور كاف في إلغاء الخصوصية عن موردها، وانفهام أن الروايات بصدد إمضاء تلك القاعدة العقلائية، بل الرواة أنفسهم بمقتضى ارتكازهم يقفون في أطراف العلم، ولذا قاموا بصدد السؤال عن حكمه، بل كان هذه القاعدة العقلائية مركوزة في أذهانهم، كما يشير إليه مكاتبة صفوان بن يحيى الماضية "... وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء... " فارتكازه على وجوب غسل الثوب المشكوك الذي من أطراف العلم الإجمالي بالنجاسة، وإنما سأل عن حكم عدم الظفر بالماء عند ضيق الوقت، والمعصوم (عليه السلام) قرره على هذا الارتكاز وأرشده الى الأخذ بطريقة الاحتياط. ومنها: ما رواه الشيخ بسندين معتبرين، عن علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا " (1). ونحوه ما رواه البرقي بإسناد معتبر عن الحسين بن سعيد يرفع الحديث قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الصلوات لا يدري أيتها هي ؟ قال: " يصلي ثلاثة وأربعة وركعتين، فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا، وإن كانت المغرب أو الغداة فقد صلى " (2). ووجه دلالتهما: أن إطلاقهما يشمل ما إذا حصل التذكر لنسيانه وتردده في كل من الصلوات الخمس اليومية في زمان واحد وبعد انقضاء وقت جميعها، وحينئذ فلو كان الأصل النافي جاريا في أطراف العلم الإجمالي لكان مقتضى استصحاب عدم وجوب قضاء كل منها حاكما بعدم اشتغال الذمة بشئ منها، ومع الإغماض عنه كان مقتضى قاعدة الشك بعد مضي الوقت في كل منها ذلك، فعدم اعتناء الشرع بالاستصحاب ولا بالقاعدة وحكمه بوجوب الإتيان بثلاث صلوات دليل قاطع على أن حكم العقلاء بالاحتياط التام ممضي في الشريعة أيضا.


(1) الوسائل: ج 5 الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات الحديث 1. (2) الوسائل: ج 5 الباب 11 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 2. (*)

[ 196 ]

ولعل المتتبع يظفر بأخبار اخر في موارد اخرى، فتتبع. فقد تحصل: أن مقتضى العمومات وإن كان إجراء البراءة إلا أن الأدلة الخاصة تقتضي وجوب الاحتياط التام. إلا أنه قد يقال: إن هنا أخبارا خاصة تدل على جواز ارتكاب بعض أطراف العلم أو جميعها، فتكون معارضة لهذه الأخبار، ولا أقل من أن تكون مانعة عن استفادة قاعدة كلية لجميع الموارد منها: فمنها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن شراء الخيانة والسرقة، قال: " لا، إلا أن يكون قد اختلط معه غيره، فأما السرقة بعينها فلا... الحديث " (1). بيان دلالتها: أن مورد السؤال شراء الخيانة والسرقة، فالجواب عنه بجواز شرائهما مع الاختلاط بغيره ظاهر في جواز الاقتحام في جميع أطراف الشبهة للعلم الإجمالي. وفيه منع لهذا الظهور، بل لا يبعد استظهار أن المراد بقوله: " إلا أن يكون قد اختلط معه غيره " إبداء احتمال أن لا يكون ما يشتريه سرقة وخيانة، وإلا فلو أراد جواز شراء كلا الطرفين لكان اللازم أن يكون قد اشترى السرقة بعينها وإن كان لا يعرف شخصها. وبالجملة: فالصحيحة لا تدل على أزيد من جواز شراء محتمل السرقة فيما إذا اختلط مع غيره في يد البائع، فقد جوز ارتكاب أحد طرفي العلم لا كليهما. ومن هنا أيضا قد يتوهم دلالتها على خلاف ما دلت عليه الطائفة الماضية من الأخبار. إلا أن التحقيق كما نبه عليه سيدنا الاستاذ (قدس سره) في المكاسب المحرمة: عدم دلالتها على الخلاف:


(1) الوسائل: ج 12 الباب 1 من أبواب عقد البيع الحديث 4. (*)

[ 197 ]

أما أولا: فلأن مقتضى يد البائع ملكيته لما يشتريه منه، وقد حكم الشارع بحجيتها في هذا المقدار. وأما ثانيا: فلأن ما في يد البائع قبل أن يشتريه منه معلوم الحرمة، لكونه ملكا للبائع أو للمسروق منه، وإذا اشترى منه - وهو لا يريد شراء غيره - فلا بأس بشمول " كل شئ حلال " لما اشتراه، لا سيما بالبيان الذي تقدم ذكره منا ذيل خبر مسعدة بن صدقة. وبالجملة: فمورد الصحيحة الحكم بجواز ترتيب آثار الملك على ما يؤخذ ممن يكون في أمواله حرام، ولا عموم فيها لجميع موارد العلم الإجمالي، ولا بأس بالأخذ بها. ومنها: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل أبي فقال: إنى ورثت مالا، وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربو، وقد أعرف أن فيه ربا وأستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز، فقالوا: لا يحل أكله، فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إن كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك، ورد ما سوى ذلك، وإن كان مختلطا فكله هنيئا مريئا فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه. الحديث " (1). ونحوها صحيحة اخرى للحلبي (2)، ورواية أبي الربيع الشامي (3)، ودلالتها على أن اختلاط الربا الحرام بالمال الحلال يوجب صيرورة الكل حلالا، وهو ترخيص الإقدام على جميع أطراف العلم الإجمالي. وفيه: أن ظاهر هذه الأخبار ارتفاع الحرمة إذا اختلط الربا بمال حلال في يد الرابي، ثم انتقل منه بالإرث الى وارثه، فجميع المال المشتمل على الربا حلال للوارث وماله، ويأكله هنيئا مريئا، ولا بأس بأن يكون حكم الحرمة الواقعية


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 12 الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 3 و 2 و 4. (*)

[ 198 ]

مشروطة بشرط، فلا محالة ترتفع بفقدان شرطها، فلا ربط لهذه الأخبار بما نحن فيه، وهي أجنبية عنه، ولا مجال للتعدي عن موردها الى غيره، كما لا يخفى. ومنها: موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب مالا من عمل بني امية وهو يتصدق منه، ويصل منه قرابته، ويحج ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول: إن الحسنات يذهبن السيئات ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة، ولكن الحسنة تحط الخطيئة ثم قال: إن كان خلط الحلال بالحرام فاختلطا جميعا فلا يعرف الحلال من الحرام فلا بأس " (1) والموثقة منقولة بهذه الألفاظ في الكافي والتهذيب، ونحوها مذكور في مستطرفات السرائر مروي عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب (2). والموثقة - كما ترى - تضمنت أن اختلاط الحرام والحلال بحيث لم يعرف كل من الآخر موجب لترخيص التصرف فيما يكون المفروض حرمته، والتأويلات المذكورة في الفرائد خلاف ظاهرها جدا كما أن إرادة وقوع هذا الاختلاط قبل وصوله إلى يد المتصرف - كما احتمله المحقق الخراساني (قدس سره) في تعليقته - إنما تصح وتثمر على أن يكون النسخة " أصاب مالا من عمال بني امية " كما نقله الشيخ، وإلا فالمال مقابل لعمله لهم، ويكون حراما إذا وقع في يد الرجل العامل، والخلط المفروض فيها خلط هذا الحرام المأخوذ بمال آخر حلال، ولا محالة يكون في يد المتصرف نفسه. إلا أن هذه الرواية في موردها لم يعمل بها أحد، فهي معرض عنها لا حجة فيها أصلا، والله العالم. فالمتحصل من جميع ما عرفت: عدم جواز المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال. وأما وجوب الموافقة القطعية فقد عرفت أن مقتضى حكم العقلاء بمنجزية


(1) الوسائل: ج 12 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) الكافي: ج 5 ص 126 باب المكاسب، الحديث 9، التهذيب: ج 6 ص 369 باب المكاسب الحرام، الحديث 189 وفيه " الحرام حلالا "، المستطرفات ص 77 الحديث 1 من المشيخة. (*)

[ 199 ]

العلم الإجمالي إذا لم يرد دليل خاص على الخلاف وجوبها، كما أن مقتضى الأخبار الخاصة أيضا وجوبها، فبناء على ما حققناه كما لا تجوز المخالفة القطعية كذلك يجب الموافقة القطعية. وأما بناء على مبنى المشايخ العظام: فتارة يقع الكلام في إمكان الترخيص في أحد الطرفين أو الأطراف، ثم في وقوعه من دون جعل البدلية أو قيام الأمارة. واخرى في الترخيص بجعل الإتيان ببعض الأطراف بدلا عن الامتثال الواقعي، أو بتبعية قيام الأمارة على انتفاء التكليف عن بعض الأطراف. فأما مجرد الترخيص في بعض الأطراف فبناء على القول بامتناع ترخيص جميع الأطراف لكونه إذنا في المعصية أو في الظلم، أو نقضا للغرض من التكليف الحقيقي فلا بد من التزام عدم إمكانه، فإن الإذن في بعض الأطراف معناه جواز ارتكابه ولو كان مصادقا للتكليف الواقعي، يعني: ولو كان معصية أو ظلما أو موردا للتكليف الحقيقي، وقد كان المفروض امتناع ترخيص المعصية والظلم، كامتناع نقض غرض التكليف. ومع الإغماض عن امتناعه فلا دليل عليه إثباتا، وذلك أن عموم وإطلاق أدلة البراءة والحل وإن كان يعم أطراف العلم إلا أنه لاستلزامه جواز ارتكاب كلا الطرفين أو الأطراف - وهو مخالفة قطعية - فلا يمكن الأخذ به، فشمول العمومات والإطلاقات لكل من الطرفين معارض بشموله للآخر، والتعارض يوجب التساقط، وعدم الحجة على جواز الارتكاب في شئ من الطرفين، ولا محالة بكون المرجع حكم العقلاء بوجوب الاحتياط التام. هذا. وقد يقرر مجئ الترخيص في أحد الطرفين لا بعينه بوجهين: أحدهما: ما عن المحقق الخراساني (قدس سره) في التعليقة من: أن حجية الاصول إنما هي من باب التعبد والسببية، وسيجئ في باب الاستصحاب وغيره: أن الأصل في ما كان حجة من باب التعبد التخيير عند التعارض، لا التساقط. وفيه منع إطلاق الكبرى، فإن المسلم من حكم العقل بالتخيير إنما هو في ما

[ 200 ]

كان سر التعارض عدم إمكان الجمع في مقام العمل بين الحجتين، كما في الخبرين المتعارضين، فإن المصلحة قائمة بالسلوك طبق الخبر، وهو لا يمكن إلا طبق أحدهما. وأما إذا كان سره عدم إمكان جعل كلا الحكمين فلا محالة لا يمكن إلا جعل أحدهما، ولا معين لواحد منهما، فلا حجة حينئذ على شئ منهما، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن المفروض أن جعل الترخيص في كلا الطرفين ممتنع بنفسه، لكونه إذنا في المعصية أو الظلم، فلا محالة لا يمكن جعل أحدهما، وحيث لا مرجح في البين فلا حجة على شئ منهما، فما نحن فيه يشبه ما إذا علم أن أحد الخبرين غير واجد لشرائط الحجية واشتبه وتردد بينهما، فكما لا مجال هناك للتمسك بالسببية لإثبات المصلحة في كليهما فكذلك هنا حرفا بحرف، فتأمل جيدا. الثاني: ما في الدرر، وهو: أن التعارض إنما هو بين إطلاق الترخيص في كل منهما بالنسبة لحال ترك العمل باحتمال التكليف في الآخر، لا بين أصل الترخيص فيهما، فيؤخذ بعموم أدلة الحل والبراءة فيهما، ويقيد إطلاقه الأحوالي بما إذا راعى احتمال التكليف في الطرف الآخر، فإن راعاه في هذا الطرف فطرفه مرخص فيه، وإلا فلا انتهى (1). وتبعه بعض أهل الدقة في حواشيه على تقريرات بعض الأعاظم (قدس سرهم). أقول: إن هذا الإذن والترخيص المشروط وإن لا ينجر إلى الإذن في المعصية حتى في صورة ترك طرفي احتمال الحرمة - لأنه بارتكاب أحد الطرفين لا يكون الآخر مرخصا فيه - إلا أنه مع ذلك يرد عليه: أنه لا ريب في أن مقتضى أدلة الحل والبراءة إنما هو ثبوت الترخيص في كلا الطرفين بنحو الإطلاق، وحيث إن إرادة هذا الترخيص المطلق في كلا الطرفين غير ممكنة نعلم بعدم إرادة كليهما، وأما أن عدم إرادة كليهما متحقق بالتقييد المذكور في كل منهما، أو بعدم جعل أصل الترخيص في خصوص واحد منهما فلا دليل عليه، وكل منهما محتمل،


(1) الدرر: ج 2 ص 457 وما بعدها. (*)

[ 201 ]

ولا طريق لنا إلى إثبات طريق التقييد، فإنه لا سبيل لنا إلا أن يقتضيه الجمع العرفي، وهو ممنوع، لا سيما وقد عرفت أن حقيقة الإطلاق إنما هي بمعنى كون المطلق تمام الموضوع وتمام مراد المولى، ولا نظر للمطلق إلى القيود نفيا ولا إثباتا، وهذا معنى ما يقال: إن الإطلاق رفض القيود لا جمعها، ففيما نحن فيه لا يجعل الشارع إلا حلية المشكوك ورفعه، وهما تمام مراده، فلا محالة يجريان في جميع الحالات، إلا أنه مع التعارض ليس الجمع العرفي بإيراد قيد على أحد الإطلاقين. نعم، إذا كان قرينة لفظية على هذا التقييد فلا بأس بالمصير إليه، وأين هو مما نحن فيه ؟ ! هذان الوجهان عمدة ما يقال في توجيه الترخيص في بعض الأطراف، ومما ذكرنا نقدر على دفع سائر الوجوه أيضا. ثم إن هذا كله بالنسبة للترخيص المحض في بعض الأطراف بلا جعل البدلية، ولا أي شئ آخر. إلا أنه يتصور الترخيص فيه بجهات اخر، لا بأس بالبحث عن عمدتها: فمنها: أن يكون الترخيص بأن يكتفى في امتثال التكليف المعلوم بالاجمال، برعايته في أحدهما تعيينا أو تخييرا، وهذا ما يقال فيه: إن الشارع يجعل أحدهما بدلا عن الواقع. فهذه البدلية إن كانت واقعية بأن يشتمل الطرف الذي به الامتثال على جميع ما يشتمل عليه نفس المكلف به الواقعي فقد حصل غرض المولى من التكليف الذي في البين، ولا إشكال، إلا أن مثله يوجب انقلاب أمر العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بتعلق التكليف حقيقة بهذا الطرف، ويخرج الطرف الآخر عن طرفية العلم الإجمالي لو لم يصر عدم التكليف فيه معلوما. وأما إن كانت في مرحلة الظاهر فقط فقد يستشكل هذا النحو من الترخيص بناء على مبنى الأعاظم، بما عرفت من أن العلم الإجمالي إذا أوجب أن يكون الترخيص في طرفيه إذنا في المعصية أو الظلم، ومناقضا لكون البعث حقيقيا

[ 202 ]

بداعي جعل الداعي فهذا لا يكون إلا بأن يصير التكليف الواقعي في مرتبة التنجز، فمعه لا يعقل بدلية أحد الطرفين في الظاهر، فإنه لو كان التكليف في الطرف الآخر، فترخيص ترك امتثاله إذن في المعصية والظلم، ومناقض لداعي البعث أو الزجر الحقيقي، نعم، يمكن أن يقال: إن العقلاء لا يرون الترخيص الكذائي إذنا في المعصية، لكونه في طريق امتثال التكليف المعلوم إجمالا بوجه، لكنه عدول عن ذاك الوجه العقلي الى وجه آخر. وقد عرفت ما هو التحقيق لدينا. ومنها: أن تقوم بينة أو طريق معتبر على الطرفين بتعلق التكليف بهذا دون ذاك، أو تقوم بينة أو طريق في أحدهما بحيث كان لازمه اتضاح حال الطرف الآخر، لمكان العلم بأن أحدهما فقط موضوع التكليف دون الآخر، أو بحيث صار الآخر مشكوكا محضا، كأن قامت بينة بخمرية أحد الإناءين فصار الآخر مشكوكا فيه، يجري فيه أصالة البراءة والحل، ففي هذه الصور فالعلم الإجمالي إذا كان في مصداق القطع وإن لم ينحل حقيقة إلا أنه لا ريب في حجية الطريق المفروض فيؤخذ به وبلازمه، ويخرج ما قام عليه الطريق عن أدلة الاصول، ويختص ذاك الطرف المشكوك بجريان البراءة أو الحل فيه بلا معارض. والإشكال المذكور في الصورة السابقة يجري هنا أيضا مع جوابه، فتأمل جيدا. ومنها: أن يختلف طرفا العلم من حيث الاصول الجارية فيهما، فيجري في أحدهما أصل ناف للتكليف، وكان الطرف الآخر مجرى لأصل مثبت ومحرز للتكليف، كأن علم إجمالا بعد دخول وقت المغرب ومضي مقدار منه بأنه إما لم يصل صلاة المغرب، وإما لم يصل صلاة العصر التي انقضى وقتها، فإن صلاة المغرب يجري فيها قاعدة الاشتغال أو استصحابه، ويحكم عليها بلزوم الإتيان. كما أن صلاة العصر مجرى لقاعدة الشك بعد الوقت، ولا يجب قضاؤها، وكلا القاعدتين لا معارض لهما، وإشكال لزوم المحاذير المذكورة - بناء على مبني القوم - جار هنا أيضا. وإن كان لا شك في أن الحكم هو الرجوع الى القاعدتين. والله الموفق وهو الهادي والعاصم.

[ 203 ]

ثم إنه ينبغي التنبيه على امور: الأول: إذا كان متعلق التكليف المعلوم بالإجمال أحد أمرين أو امور يكون تحققهما في زمانين، وهو المعبر عنه هنا بتعلق العلم الإجمالي بامور تدريجية، سواء كان هذا التدرج اتفاقيا، كما لو علم التاجر بأن بعض معاملاته الواقعة في طول اليوم ربويا، أو كان من قبيل الواجب المعلق الذي يكون شرائط صيرورة العمل ذا مصلحة لازمة في حق المكلف متحققة، كما لو نذر أو حلف على ترك وطئ امرأته أو فعله - مثلا - ثم تردد الزمان الذي تعلق به النذر أو الحلف بين ليلتين، أو كان من قبيل الواجب المشروط الذي يتوقف صيرورة العمل ذا مصلحة على أمر مردد بين شيئين في زمانين، كأن علم الزوج بكون زوجته غير ذات عادة وقتية بأنها تحيض: إما في أول الشهر إلى الخامس وإما من الحادي عشر إلى الخامس عشر فإن المحيض هو موضوع الحكم بوجوب الاعتزال، وما لم يتحقق الموضوع لا يكون الحكم فعليا، والموضوع بمنزلة الشرط لفعلية الحكم، فالحق وجوب الاحتياط فيه في جميع الصور الثلاث بحكم العقل. وبالجملة: فالتكليف في مثل الصورة الثالثة وإن كانت فعليته مشروطة بحضور الزمان وفعلية الموضوع، ولا محالة لا يعلم بفعليته وفعلية التكليف في شئ من الزمانين إلا أن الظاهر أن تنجز التكليف المعلوم بالإجمال واستحقاق العقاب على مخالفته، لا يشترط عند العقل ولا العقلاء بالعلم بفعليته في زمان تفصيلا، بل يكفي فيه أن يكون في زمان وجوده فعليا، وأن يتم البيان عليه، وهذا المعنى متحقق في مثل هذه الصورة أيضا، كما هو واضح، فلا فرق مطلقا بين الامور التدريجية وغيرها في تنجز التكليف المعلوم بالإجمال المتعلق بها. الثاني: إذا اضطر الى ارتكاب بعض أطراف العلم الإجمالي فهل يجب الاحتياط في باقي الأطراف، أو تجري البراءة فيه، أو يفصل بين الصور ؟ وقبل الورود في البحث نقول: إنه وإن لم يكن بأس بثبوت التكليف الفعلي في مورد الاضطرار، وكون التصرف الشرعي فيه بالترخيص في مخالفته، وقد عرفت

[ 204 ]

أنه المتيقن من مفاد حديث الرفع في الموارد الستة، إلا أنه قد وردت أخبار خاصة تدل على ارتفاع أصل التكليف عما اضطر إليه. ففي موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض، هل تمسك المرأة شيئا فيسجد عليه ؟ فقال: لا، " إلا أن يكون مضطرا ليس عنده غيرها، وليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه " (1). فإن ظاهره - كما ترى - ثبوت الحلية الواقعية مكان الحرمة الواقعية إذا اضطر المكلف، ولا وجه ولا داعي إلى حمله على مجرد الترخيص مع بقاء أصل الحرمة، فانه خلاف الظهور جدا، فتدل الموثقة على وروده التخصيص أو التقييد في الادلة المثبتة للاحكام الالزامية، واستثناء موارد الاضطرار عنها. ومثلها بعينه ذيل موثقة سماعة التي لا يضرها الإضمار (2) فراجع. إذا عرفت هذا فحدوث الإضطرار: إما أن يكون قبل تعلق التكليف، وإما أن يكون مقارنا لتعلقه، وإما أن يكون بعده. وعلى الثالث: فإما أن يعلم بالتكليف قبل الاضطرار، وإما أن يعلم به مقارنا له، أو بعده. وفي جميع الصور: إما أن يكون الاضطرار إلى طرف معين، وإما ان يكون إلى غير معين. فأما إذا كان الاضطرار قبل التكليف أو معه، فإن كان الاضطرار الى طرف معين فلا تكليف فيه قطعا، إما لأن المعلوم بالإجمال لم يتحقق فيه بل في الطرف الآخر، وإما لأن كونه مضطرا إليه أوجب ارتفاع حرمته والحكم عليه بالحلية الواقعية، وأما الطرف الآخر فهو مشكوك الحرمة أو الوجوب، شكا بدويا تجري البراءة عنه. ومثله الأمر إذا كان الاضطرار إلى غير المعين، بل إلى أحدهما أيا كان، وذلك أنه إذا اضطر إلى ارتكاب أحدهما الغير المعين فاختار أحدهما وارتكبه لرفع اضطراره فلا شك أن ارتكابه له جائز، وأنه مصداق لما اضطر إليه، كما يشهد له


(1 و 2) الوسائل: ج 3 الباب 1 من أبواب القيام الحديث 7 و 6، التهذيب: ج 3 ص 177 و 306. (*)

[ 205 ]

انه إذا كان عنده شيئان أحدهما حرام بعنوان أنه خمر - مثلا - والآخر حرام بعنوان أنه مغصوب - مثلا - واضطر الى إرتكاب أحدهما فلا ينبغي الريب في أن العرف يفهم من مثل حديث " رفع عن امتي ما اضطروا إليه " ومن مثل موثقة أبي بصير الماضية: أنه يجوز له اختيار أحدهما وارتكابه لرفع إضطراره فهكذا في ما نحن فيه، أي من الطرفين اختاره ورفع به اضطراره - بعد فرض جهله بخصوص الحرام الواقعي - فلو كان مختاره حراما واقعيا - مع قطع النظر عن إضطراره - لكان حدوث الاضطرار موجبا لحليته وارتفاع الحرمة عنه. وعليه فأحدهما يجوز ويحل ارتكابه، لمكان الاضطرار، وحيث إن هذا الجواز والحلية هو مستند ارتكابه فلا محالة يكون ثابتا قبل الارتكاب، فبمجرد طرو الاضطرار إلى أحد طرفي العلم يكون أحدهما الذي يختاره حلالا واقعا، وحيث إنه يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه يكون الطرف الباقي أيا منهما كان مشكوك الحل والحرمة شكا بدويا فتجري البراءة عنه بلا شبهة. وأما ما في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره)، وتبعه آخرون من: أنه في صورة الاضطرار إلى غير المعين لا يضطر إلى ارتكاب الحرام بشهادة أنه لو كان عالما تفصيلا بالحرام لما كان يجوز له مد اليد إليه، بل وجب عليه رفع ضرورته بالفرد الآخر الحلال، فلا اضطرار له إلى الحرام، فلا وجه لرفع الحرمة هنا بالاضطرار فمدفوع: بأن ضم الجهل بتفصيل الأمر إلى أصل الاضطرار يوجب صدق المضطر إليه على ما يختاره لرفع ضرورته إذا صادف كونه الحرام الواقعي فترتفع حرمته، فمع إحتمال الإنطباق يكون لازمه إجراء البراءة عن الطرف الآخر، كما مر. كما أن ما في كلام بعض الأعاظم (قدس سرهم) من أن الاضطرار إلى الجامع، والجامع ليس بحرام، لضرورة انطباقه على الحلال أيضا، فليس مضطرا إلى الحرام، فلا ترتفع حرمته، غاية الأمر أنه يحتمل انطباق الحرام على ما يختاره لرفع اضطراره لفرض جهله به، وهو لا يوجب إلا الترخيص الظاهري، فالحكم الواقعي ثابت على كل تقدير، ومعه فلا يمكن الرجوع إلى البراءة في الطرف الآخر، فإنه يوجب

[ 206 ]

جواز المخالفة القطعية للتكليف الواصل. ففيه: أنه بعد فرض أنه مضطر إلى ارتكاب أحدهما فنفس جهله لا يمكن أن يكون منشأ لجواز ارتكاب أحدهما، فإنه جهل في أطراف العلم الإجمالي، وهو ليس عذرا مسوغا للارتكاب، فلو كان مسوغ لكان هو صدق المضطر إليه على المصداق الذي به يرفع الاضطرار، ولازمه أن هذا المصداق لو كان منطبقا عليه المعلوم الإجمالي لكان حلالا بأدلة الاضطرار، وحيث إن هذا الانطباق محتمل فلا علم بالتكليف في الطرف الآخر، وتجري البراءة عنه فيه. وأما احتمال أن لا يجوز له ارتكاب شئ من الطرفين حينئذ للمضطر الى أحدهما غير معين كما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) ففيه: أن لازمه أن تكون أطراف العلم الإجمالي أسوأ حالا من الحرامين القطعيين إذا اضطر الى أحدهما اللامعين، وهو مما لا يحتمله ولا يقبله العقلاء، بل لا ريب في أنهم يفهمون جواز ارتكاب أحدهما أيا ما شاء هنا، ويكون لازمه ما ذكرناه من إجراء البراءة عن الطرف الآخر. وكما أن ما عن بعض أهل الدقة (قدس سرهم) من: أن احتمال انطباق المضطر إليه على مورد التكليف وإن كان مسلما وموجبا لصلاحية مثل هذا الاضطرار لرفع اليد عن التكليف الواقعي، إلا أنه لا يرفع اليد عنه بنحو الإطلاق، وإنما يرفع اليد عنه في خصوص فرض رعاية احتمال التكليف في الطرف الآخر، ونتيجته: عدم بقاء الواقع على فعليته المطلقة، بل يبقى للواقع تكليف توسطي بين ثبوته في الواقع بقول مطلق وبين نفي التكليف رأسا، فبإجراء دليل الاضطرار يرد نقص على التكليف المعلوم إجمالا، فيرفع في فرض رعاية التكليف في الجانب الآخر، ولازمه جواز ترك المخالفة القطعية، وإن قلنا بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، فضلا عن حرمة المخالفة القطعية، وذلك لما عرفت من أن لازم الاضطرار ورود نقص هنا في المعلوم، وحينئذ فليست المسألة من صغريات ذاك البحث، كما لا يخفى.

[ 207 ]

فيه ما لا يخفى، فإنه بعد تسليم أن عنوان الاضطرار إلى الحرام منطبق على ما يختاره لرفع الاضطرار - كما هو المفروض في كلامه - يكون مقتضى أدلة الاضطرار ارتفاع الحرمة وتبدلها بالحلية الواقعية حينئذ، فإن مفاد حديث الرفع وموثقة أبي بصير هو رفع ما اضطر إليه وحليته، وبعد ذلك فإذا إحتملنا انطباق الحرمة على ما يختاره كان معناه تبدلها بالحلية الواقعية، وبعد هذا الاحتمال يكون الطرف الباقي مشكوك الحرمة شكا بدويا تجري البراءة عنه، فمآل الأمر الى البراءة، لا الى التوسط في التكليف الذي ذكره. هذا كله حكم سبق الاضطرار على التكليف أو مقارنته له. وأما إذا كان تعلق التكليف قبل حدوث الاضطرار، فإن كان علمه بالتكليف بعد طرو الاضطرار أو معه فحكمه حكم سبق الاضطرار، فإنه قبل العلم بتعلق التكليف فليس التكليف الواقعي في حقه فعليا، وذلك أنه إن كان قبل حصول العلم شاكا في كلا الطرفين يجري فيهما أصالة البراءة والحل، وإن كان غافلا عنه أو قامت عنده حجة من قطع أو غيره على عدم التكليف فنفس هذه الغفلة أو هذه الحجة عذر له مرخص له الارتكاب، بل ربما يقال بجريان أدلة البراءة حينئذ في حقه في الطرفين بناء على عدم اشتراط جريان أدلة الاصول بالشك الفعلي - كما هو الأقوى، فكيف كان فلا ريب في عدم فعلية التكليف عليه قبل حصول العلم، وإذا حصل له العلم به فالمفروض أنه مضطر إلى أحد الطرفين، معينا أو غير معين، فالتكليف مرفوع عن هذا الطرف، والطرف الباقي يجري فيه أدلة البراءة، كما عرفت تفصيله. وإن كان قد علم بوجود التكليف في أحد الطرفين إجمالا فتنجز في حقه التكليف ثم طرأ له الاضطرار الى بعض الأطراف فالاضطرار لما كان حدا شرعيا للتكليف - كما عرفت - كما أن انتفاء الموضوع أيضا حد عقلي له لا يتصور شمول إطلاق لا تشرب الخمر - المنطبق على مصداق منها - كما إذا انعدم الخمر الموجودة فلا يصح الفرق بينهما، كما في الكفاية، فلا محالة يعلم بتعلق تكليف

[ 208 ]

ممتد إلى ما بعد رفع الاضطرار إن كان متعلقا بغير الفرد الذي رفع به اضطراره، أو تعلق تكليف محدود إلى حدوث الاضطرار إن كان متعلقا بما يرفع اضطراره به، وهذا العلم الإجمالي حجة على تنجز ذاك التكليف أيا ما كان، ولازمه وجوب الاحتياط عليه ولو بعد رفع الإضطرار، من دون فرق بين أن يكون الاضطرار إلى أحدهما المعين أو غير المعين، لوجود ذاك العلم الإجمالي في كلتا الصورتين، واقتضائه للتكليف الواقعي أيا ما كان فيهما جميعا. وأما ما في نهاية الدراية من أن الاضطرار المشفوع بالجهل يقتضي رفع العقاب عن كليهما جميعا إذا كان المفروض اضطراره إلى غير المعين، لأن مجرد عروض الاضطرار يوجب جواز ارتكاب أي واحد كان وارتفاع العقاب عنه، ولا يدور هذا الجواز مدار الارتكاب، بل هو مستند المكلف في الارتكاب، فكل منهما يجوز له ارتكابه، سواء أرتكبه أم لا، ولازمه رفع العقاب عن التكليف الواقعي، وهو في معنى رفع الفعلية عنه (1). ففيه: أن سر جواز ارتكاب كل منهما: أن المكلف يعلم بأن كلا منهما اختاره، فهو مصداق لما اضطر إليه، فلا محالة يكون له حلالا، ومن الواضح أن هذا الصدق ليس في أحدهما الذي يختاره فقط، لا وفي الآخر، فذلك الآخر لمكان العلم الإجمالي المذكور - في حاشية الكفاية - الذي عرفته يكون التكليف الواقعي لو كان متحققا فيه لكان منجزا يجب الاجتناب عنه، ونتيجته التوسط في التكليف. وبالجملة: فدليل وجوب الاحتياط هو ذلك العلم الإجمالي، لا ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سرهم) بقوله: " لأن الإذن في ترك بعض المقدمات العلمية - بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي - يرجع إلى اكتفاء الشارع في امتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض المشتبهات " (2). وذلك أن ما ذكره إنما يصح لو كان دليل الإذن واردا وناظرا إلى خصوص


(1) نهاية الدراية: ج 4 ص 257. (2) فرائد الشيخ الأعظم: ج 2 ص 31. (*)

[ 209 ]

ترك بعض أطراف العلم، إذ حينئذ كان مفهومه العرفي وجوب رعاية الاحتياط في الطرف الآخر، وهو معنى اكتفائه في الامتثال به. وأما إذا كان دليل الإذن واردا على عنوان كلي - أعني ما يضطر إليه، ومن المعلوم أن الأدلة المتكفلة لجميع الأحكام ترخيصا كانت أو غيره، لا نظر لها إلا إلى مجرد العنوان المأخوذ موضوعا فيها، فلا نظر للدليل، ولم ير الشارع الحاكم إلا مجرد الاضطرار فحسب، ولم ير ولم ينظر إلى الخصوصيات المحتفة بالموارد الخاصة، فإن الإطلاق رفض جميع القيود وعدم النظر إلى شئ منها، لا جمعها وملاحظة جميعها ثم الحكم بعدم دخل شئ منها. وعليه فدليل رفع الاضطرار وحلية ما اضطر إليه لا يدل هنا على أزيد من أن الاضطرار يوجب رفع الحرمة عما اضطر إليه لو كان حراما، ولا نظر له إلى خصوصية المورد لكي يكون إذنا في ترك بعض المقدمات العلمية بما أنه من المقدمات العلمية، حتى ينتج اكتفاء الشارع في الامتثال بالاجتناب عن بعض الأطراف. هذا كله بناء على ما هو الحق من انتفاء التكليف عن مورد الاضطرار. ولو قلنا بمقالة سيدنا الاستاذ (قدس سره) من أن الاضطرار لا يقتضي أزيد من الإذن في مخالفة التكليف الموجود فالظاهر أن نتيجتها عين ما اخترناه. وذلك أنه وإن كان قد يتوهم على مختاره (قدس سره) أن لا يجري أصالة البراءة والحل عن الطرف الآخر في الصور التي قلنا بجريانهما فيهما، لتوهم أنه بناء على مبناه (قدس سرهم) يعلم إجمالا بتعلق التكليف إما بما يرفع به اضطراره، وإما بهذا الطرف الآخر، وحيث إن كلا منهما مجهول الحرمة فلا محالة يجري دليل البراءة والحل فيهما، فيقع بينهما التعارض، ويسقط عن الحجية في الطرف الآخر. لا يقال: إن جريان دليل رفع ما اضطروا إليه فيما يرفع به اضطراره ينفي فعلية التكليف، ومعه لا مجال لجريان حديث " رفع ما لا يعلمون ". فإنه يقال: لا مانع من جريان كلا الحديثين وشمول مورد واحد لكلتا

[ 210 ]

الفقرتين، بداهة أن المفهوم عرفا في أمثال المورد أن كلا من الاضطرار والإكراه والجهل علة تامة للترخيص الشرعي، واجتماع الجهات المتعددة يوجب أن يرخص فيه من جهات عديدة. هذا. إلا أن هذا التوهم مدفوع بما عرفت من أن كلا من طرفي العلم الإجمالي موضوع لأدلة البراءة والحل، وان المانع عن جريانها فيهما: إما استلزامه الإذن في المعصية وما إليه يؤول - بناء على مبنى المشايخ (قدس سرهم) - وإما قيام أدلة خاصة على وجوب الاحتياط كما اخترناه وشئ من الوجهين لا أثر له في ما نحن فيه، فإن المفروض أن الشارع قد رخص بمثل حديث رفع ما اضطروا إليه في ارتكاب ما يرفع به الاضطرار، ومعه فلا يحكم العقل بتنجز هذا التكليف الواقعي الموجود بينهما، لكي يكون جريان حديث الرفع والحل فيهما إذنا في المعصية. كما أن حكم الشارع بوجوب الاحتياط على من يعلم بنجاسة واحد من ثوبيه وهو قادر غير مضطر لا دليل فيه على وجوب الاحتياط للمضطر إلى ارتكاب أحد الطرفين، فجريان أدلة البراءة والحل هنا مما لا مانع عنه. ومنه تعرف أن طرو أي عنوان مجوز على أحد الطرفين - سواء كان عنوانا رافعا للتكليف أو مرخصا في مخالفته - يكون حكمه حكم الاضطرار. والله العالم، وله الحمد أولا وآخرا. الثالث (1): إذا كان بعض أطراف العلم خارجا عن محل الابتلاء فهل يجب الاحتياط في الطرف المبتلى به أم لا ؟ ومورد الكلام فعلا هو التكاليف التحريمية، والمراد بخروجه عن محل الابتلاء - كما يهدي إليه العنوان - أن يكون الأمر المتعلق للتكليف أجنبيا عن المكلف، لا يصادفه بحسب العادة ومعيشته العادية، سواء أكان بعيدا عنه مكانا - كالخمر الموجودة في البلاد النائية جدا كبلاد الهند بالنسبة لنا - أم قريبا كالخمر الموجودة في بيت بعض الأشراف والملأ بالنسبة


(1) أي: ثالث الامور التي ينبغي التنبيه عليها. (*)

[ 211 ]

لأداني الناس الأجنبيين عنه بالمرة. ووجه عدم وجوب الاحتياط على ما أفاده المشايخ (قدس سرهم): أن من شرط حكم العقل بفعلية التكليف وتنجزه - في أطراف العلم الإجمالي - أن يكون التكليف المعلوم بالإجمال بحيث لو تحقق في أي الاطراف كان فعليا، فلو كان لو وجد في بعضها غير فعلي لجرى فيه أدلة البراءة في سائر الأطراف، ومن شرائط فعلية الحرمة: أن يكون متعلقها موردا للابتلاء، لحكم العقل بداهة باستهجان توجيه الخطاب الفعلي بالنسبة الى خصوص ما كان خارجا عن محل ابتلاء المكلف. أقول: إن الاستهجان المذكور مسلم إذا كان التكليف متعرضا لخصوص المورد الخارج عن محل الابتلاء، سواء جعلنا الأحكام الشرعية بمنزلة خطابات شخصية - كما هو ظاهر القوم - أو جعلناها قوانين مجعولة، كما هو التحقيق، بداهة أن تعرض المقنن لجعل قانون الحرمة بالنسبة الى خصوص الخمر الموجودة في البلاد النائية عن المكلف جدا مستهجن قطعا. وأما جعل القانون على عنوان مطلق أو عام شامل لأي خمر كانت - مثلا - فلا استهجان فيه أصلا، وذلك أن المطلق أو العام لا تعرض له إلا لما يحكي عنه عنوان المطلق والعام، ولا يتعرض للخصوصيات المكتنفة بالأفراد أصلا، فإذا قال: " حرمت عليكم الخمر أو كل خمر " فإنما جعل هذا الحكم القانوني على طبيعة الخمر، أو أفرادها بما أنها خمر أو مصداق للخمر، بلا نظر إلى أية خصوصية لا تخلو - لا محالة - الأفراد عنها، فلا يرى الحاكم ولا المقنن خصوصيات الفرد أصلا، بل حكمه وقانونه يجري ويتعلق بالخمر بما أنها خمر. وحينئذ فالخمر القريبة من المكلف الموجودة في بيته خمر فلا محالة أنها حرام بما أنها خمر، وكذلك الخمر البعيدة عنه كل البعد أيضا خمر، فهى أيضا حرام، لشمول قوله: " حرمت عليكم الخمر " لها أيضا، وإذا راجعنا وجداننا لا نرى أي استهجان في شمول العموم، ولا حاجة إلى إيراد تخصيص في الخطابات الفعلية القانونية أصلا. هذا.

[ 212 ]

ومنه تعرف عدم سداد الوجه المذكور للبراءة المبتنى على عدم فعلية التكليف في الخارج عن محل الابتلاء. إلا أنه يمكن توجيه الرجوع إلى أدلة البراءة بوجوه ثلاثة: أحدها: أن يقال: إن أدلة الحل والبراءة الجارية في الشبهات الموضوعية التي تكون مسألة الخروج عن محل الابتلاء متصورة فيها لا تعم الأطراف الخارجة عن محل الابتلاء، فإن قوله (عليه السلام) فيها: " هو لك حلال " لاشتماله على لفظة " لك " يوجب ظهوره في المشتبه الذي تحت يد المكلف وبين يديه، فلا يجري إلا فيه فلا يلزم من جريانه التعارض المسقط لها عن الحجية، بل المعروف عن المشايخ (قدس سرهم) أن جعل الأحكام الظاهرية مطلقا لا معنى ولا مورد له إلا في خصوص ما كان موردا لعمل المكلف بحيث يسند عمله إليها، وإن كان لنا في هذا الإطلاق معهم كلام ربما نتعرض له إذا أذن الله تعالى. ثانيها: أن يقال: إنه لا ريب في عموم أدلة البراءة لجميع أطراف العلم الإجمالي أيضا، كما مر بك تفصيله، وإنما منع عنها أنه إذن في المعصية وما إليه يؤول، كما أفاده القوم، أو الأخبار الخاصة الدالة على وجوب الاحتياط، كما اخترناه، ولم يعلم حكم العقلاء بتنجز التكليف هنا، ولا شمول الأخبار المذكورة لموارد الخروج عن محل الابتلاء، فلم يقم حجة على تخصيص أدلة البراءة أو تقييدها، فإطلاقها أو عمومها حجة معتبرة هنا. ثالثها: أن يقال: لو سلم أن مقتضى القاعدة هو الاحتياط إلا أن هنا أخبارا خاصة تدل على عدم وجوبه في خصوص الطرف الذي يبتلى به المكلف، ففي صحيحة أبي عبيدة - المروية عن الكافي والتهذيب - عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم ؟ قال: فقال: " ما الإبل إلا

[ 213 ]

مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه... الحديث " (1). بيان الدلالة: أن مورد شبهته وسر سؤاله ليس أن السلطان لا يحق له التصرف في الصدقات لكونه جائرا غاصبا للولاية، بل كان الجواز من هذه الناحية مفروغا عنه، وإنما وقع في شبهة الحرمة واحتمالها، لعلمه بأنهم يأخذون من الناس أزيد مما وجب عليهم، ويحتمل أن يكون منطبقا على ما يشتري هو منهم، فهو يعلم بوجود الحرام في ما بأيديهم إجمالا، إلا أنه ليس مورد ابتلائه إلا خصوص بعض أطراف هذا العلم، وهو ما يريد شراءه منهم، وحينئذ فتجويز شرائه، ولا سيما بقوله (عليه السلام): " لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه "، وهو عبارة معروفة معهودة في أخبار أصالة الحل دليل واضح على جريان أصالة الحلية في الطرف الذي يكون محل الابتلاء، كما هو واضح. ونحو هذه الصحيحة صحيحة معاوية بن وهب (2)، وموثق إسحاق بن عمار (3)، وخبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (4)، بل وصحيحة أبي بصير (5) أيضا، فراجع. وهذه الأخبار كما تدل على أصالة الحل في أطراف العلم إذا كان بعضها خارجا عن محل الابتلاء كذلك تدل على ميزان ما للخروج عن محله، وأنه يصدق بمثل أن لا يكون بعض الأطراف مما يكون المكلف بحسب طبعه بصدد التصرف فيه وكان واقعا تحت يد غيره، فإن بقية أطراف العلم مما لا يريد شراءه يكون في معرض شرائه، إلا أنه ليس بصدد التصرف فيه وشرائه، كما لا يخفى. وأما صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه (عليهما السلام) - المروية عن الكافي والتهذيبين - قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك (6) الدم قطعا صغارا، فأصاب إناءه


(1) الوسائل: ج 12 الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5. (2) الوسائل: ج 12 الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. (3 و 4) الوسائل: ج 12 الباب 53 منها، الحديث 2 و 3. (5) الوسائل: ج 12 الباب 1 من أبواب عقد البيع، الحديث 4. (6) في الكافي: " بعض ذلك ". (*)

[ 214 ]

هل يصلح (1) الوضوء منه ؟ قال: إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس، وإن كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه " (2) فلا ظهور لها في التعرض لحكم الخروج عن محل الابتلاء، فإن مفروضها أن بعض تلك القطع الصغار أصاب الإناء، وهو غير مستلزم لإصابة الماء، وحينئذ فالتفصيل المذكور في الجواب إما في معنى التفصيل بين العلم بإصابته الماء أيضا، وعدمه، بمعنى أنك كما علمت بنجاسة الإناء لرؤيتك وجود ذرات صغار في بعض جوانبه، فإن علمت أيضا بنجاسة الماء لوجود شئ بين فيه فلا يتوضأ منه، وإن لم تر في الماء شيئا جرى فيه أصالة الطهارة ويتوضأ منه، وهذا محمل منطبق لظاهر الصحيحة، لا سيما بناء على رفع " شئ " في الشرطية الاولى المذكورة في الجواب كما في نسخة الكافي والتهذيبين نعم بناء على نصبه، كما في بعض نسخ الوسائل، فهو خبر كان، والضمير الراجع الى الدم اسمه، فيكون محصله التفصيل بين أن يكون الدم الملاقي في غاية الصغر وعدمه. قال الشيخ في ذيل الحديث في الاستبصار: " فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنه إذا كان ذلك الدم مثل رأس الإبرة التي لا تحس ولا تدرك فإن مثل ذلك معفو عنه " (3)، والله العالم. هذا كله في المحرمات الخارجة عن محل الابتلاء. فأما الخارج عن محل الابتلاء في الواجبات، فسواء فسر بما كان بحسب طبع المكلف متروكا أم فسر بما كان بحسب طبعه يفعله لأغراضه النفسانية فالأمر والبعث الفعلي إلى مثله لا بأس فيه، بل قد وقع في الشريعة، فإن الحج ولاسيما في الأيام الحارة مما يتركه نوع المكلفين لو خلوا وطبعهم، وقد امروا به. وتحصيل النفقة للأهل والأولاد مما يذهب الإنسان بطبعه ولأغراضه العقلائية نحوه، مع أنه


(1) في الكافي: " يصلح له ". (2) الوسائل: ج 1 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1، الكافي: ج 3 ص 74، التهذيب: ج 1 ص 413 ح 1299، الاستبصار: ج 1 ص 23 ح 57. (3) الاستبصار: ج 1 ص 23 ذ ح 57. (*)

[ 215 ]

لا ريب في الأمر الوجوبي به، فلا محالة مسألة خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء وما تفرعت عليها مختصة بالتكاليف التحريمية هذا. بقي هنا حكم الشك في الخروج عن محل الابتلاء، وعدمه. فنقول: إذا شك فيه فهل اللازم الرجوع إلى الاصول العملية أو الرجوع إلى الإطلاقات ؟ وعلى الأول فهل الأصل الجاري هنا أصالة البراءة أو الاشتغال ؟ والحق: أنه لا مجال للرجوع الى الإطلاقات لرفع الشك. أما بناء على ما اخترناه من بقاء التكاليف على فعليتها حتى في موارد الخروج عن الابتلاء فواضح، فإن وجود التكليف الفعلي لا يغني شيئا، ولا يمنع عن الرجوع الى أصالة البراءة، فلا فائدة من هذه الجهة في الرجوع الى الإطلاقات. وأما بناء على مبنى القوم من ارتفاع الفعلية أو التنجز عن التكاليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء فكذلك أيضا. وذلك أن القوم معترفون ببقاء التكليف عند الجهل به شبهة موضوعية أو حكمية، فإن الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل بالإجماع، وأدلة الاصول - ولا سيما في الشبهات الموضوعية - دالة على هذا الاشتراك دلالة واضحة. ومن المعلوم أن الحكم الذي تضمنته أدلة الأحكام هو الثابت في موارد الجهل، فإن من البين أن الحرمة التي تدل عليها آية تحريم الخمر في قوله تعالى: " حرمت عليكم الخمر " - مثلا - إنما هي معنى قابل لتعلق العلم بها بالعثور على الآية المباركة وانفهام معناها، كما أنه قابل لأن يكون مجهولا بعدم العثور على مثلها. وبالجملة: فالأحكام التي تدل عليها أدلة الأحكام معان ثابتة في مرحلة الجهل أيضا يتعلق بها العلم تارة دون اخرى. ثم إن من المعلوم أن حالة الجهل مثل حالة الخروج عن محل الابتلاء لا يمكن توجيه خطاب فعلي إلى خصوص الجاهل مع حفظ جهله، فإن حفظ جهله مانع عن الانبعاث بالبعث والانزجار بالزجر، فلا يمكن داعوية التكليف له، فالجهل والخروج عن محل الابتلاء مشتركان في عدم إمكان توجيه البعث أو الزجر الفعلي نحو المكلف مع حفظ

[ 216 ]

الحالة الموجودة. كما أنهما مشتركان في إمكان توجيهه نحوه مع فرض ارتفاع هذه الحالة. فيستنتج من هذه الامور: أن مفاد الأدلة ليس حكما فعليا لكي لا يبقى مفادها بحاله في موارد الخروج عن محل الابتلاء كما بقي بحاله في مورد الجهل أيضا، فالأحكام التي تضمنتها الأدلة اريد منها مرتبة تبقى في حالتي الجهل والخروج عن محل الابتلاء، فلا يغني الرجوع الى إطلاق الأدلة شيئا، ولا يمنع عن الرجوع الى الاصول العملية كما كان كذلك على ما اخترناه. وبعد ذلك فقد يقال (1): بأن الأصل المرجع هو أصل الاشتغال، لأن الخروج عن محل الابتلاء عجز عرفي، فالشك فيه شك في القدرة، ومع الشك فيها يجب الاحتياط حتى يتبين له أنه عاجز غير قادر، وبالجملة: يبني على فعلية التكليف الى أن يتبين خلافها، ففي أطراف العلم الإجمالي إذا بنينا على فعليته لو كان متعلقا بما يشك في خروجه عن محل الابتلاء كان اللازم منه الحكم بتنجز المعلوم بالإجمال، كما لا يخفى. وفيه: أن الشك في القدرة إنما يجب فيه الاحتياط في ما كان عجزه موجبا للترخيص في مخالفة التكليف، كما في إنقاذ المؤمن الغريق الذي يعجز عنه، فيحتاط في موارد الشك حتى يتبين له عجزه عن الامتثال، وأين هو من الخروج عن محل الابتلاء الذي يوجب كون مقصود التكليف - أعني ترك الحرام - حاصلا بنفسه ؟ ففيه يكون في المورد القطعي منه امتثال التكليف حاصلا ولا محالة هذا المعنى مفروض في مورد الشك أيضا، فكيف يقاس بالعجز الذي يوجب ترك الامتثال عن عذر ؟ وأين أحدهما من الآخر ؟ فالحق أنه لا مجال لقاعدة الاشتغال، وأن إطلاق أدلة البراءة وأصالة الحل هنا أيضا محكمة، والله العالم.


(1) كما في فوائد الاصول: ج 3 ص 425. (*)

[ 217 ]

الأمر الرابع: أن العلم الإجمالي إنما يوجب تنجز التكليف الواقعي الموجود في أحد الطرفين أو الأطراف وأما إذا ترتب تكليف آخر على مخالفة هذا التكليف الواقعي وعصيانه - كالكفارة المترتبة على حنث النذر وأخواته - فهل يوجب مخالفة الاحتياط في بعض الأطراف تنجز هذا التكليف المحتمل الآخر، أم لا ؟ لا ينبغي الريب في أن مجرد عدم رعاية الاحتياط في بعض الأطراف - كما لو علم إجمالا بتعلق نذر بصوم يوم الخميس أو الجمعة، ثم صام الخميس وأفطر الجمعة - لا يوجب العلم بتحقق موضوع وجوب الكفارة مثلا، والأصل الموضوعي أو الحكمي يقتضي عدم وجوبها. إن قلت: كما أنا نعلم إجمالا بتعلق التكليف وتحققه في أحد الطرفين كذلك نعلم بترتب ذاك التكليف الآخر - كوجوب الكفارة - على ارتكاب أحدهما أعني مخالفة التكليف الواقعي، فهذا العلم الإجمالي يقتضي تنجز ذاك التكليف الآخر، غاية الفرق بين العلمين: أن هذا العلم الثاني من قبيل العلم الإجمالي بالامور التدريجية. قلت: إن ذاك العلم الثاني ليس علما بتحقق التكليف الفعلي في موطنه، فإنه لا يقتضي تحقق حنث في أحد اليومين مثلا، وإنما يكون علما بالتكليف الفعلي لو كان المفروض أنه لا يصوم شيئا من اليومين مثلا وإلا فلا علم بالتكليف ولو في موطنه. وبالجملة: شرط تحقق التكليف تحقق موضوعه، والموضوع هنا هو عصيان التكليف، وهو غير معلوم، ويترتب عليه أن أصل ذاك التكليف الآخر مجهول يجري في نفيه الأصل الموضوعي أو الحكمي. فأصل هذا المطلب مما لا إشكال ولا كلام فيه. إلا أنه قد وقع الكلام في خصوص بعض الموارد، وأنه من هذا القبيل أم لا ؟ وهو ملاقي بعض الأطراف المعلوم إجمالا نجاستها.

[ 218 ]

فلو قلنا: بأن وجوب الاجتناب عن النجس لا يمتثل إلا بالاجتناب عن ملاقيه، ببيان: أن الاجتناب عن النجس يراد به الاجتناب عن نجاسته، وحيث لا ريب في أن نجاسة الملاقي ليست نجاسة اخرى مستقلة، بل الملاقاة أوجبت تأثر الملاقي وانتقال النجاسة من ملاقاة إليه، فالاجتناب عن الملاقى - بالفتح - وعن نجاسته لا يتحقق إلا إذا اجتنب عن الملاقي وملاقيه معا، فعليه كان اللازم الاجتناب عن ملاقي الطرف كنفسه احتياطا، فإن المفروض العلم الإجمالي بوجود التكليف بالاجتناب عن النجس في البين، فهذا التكليف يتنجز في أي الطرفين أو الأطراف كان، ولا معنى لتنجزه إلا وجوب الاجتناب عن نفس كل من الأطراف وملاقيها، كما لا يخفى هذا. لكن هذه المقالة خلاف المشهور، وخلاف ظاهر الأدلة، فإن ظاهر الأمر بالاجتناب عن الشئ النجس إيجاب الاجتناب عن نفسه، ثم إن المتنجس المتأثر منه أيضا موضوع على حدة يجب الاجتناب عنه أيضا، حتى أن رواية جابر الجعفي الواردة في الفأرة الميتة الواقعة في السمن لا تدل على خلاف مقال المشهور، فإن الظاهر أنه (عليه السلام) في قوله: " إن الله حرم الميتة من كل شئ " ليس بصدد أزيد من بيان أن ميتة الفأرة أيضا نجسة، وأما الاجتناب عن ملاقيها فإنما هو لمكان العلم المرتكز بأن ملاقي النجس نجس، وتمام الكلام في الفقه. وأما إذا قلنا بأن كل نجس أو متنجس موضوع خاص مستقل لوجوب الإجتناب، والاجتناب عنه إنما هو بالإجتناب عن نفسه فهاهنا صور ثلاث، كما في الكفاية: الاولى: أن يعلم إجمالا أولا بنجاسة أحد الطرفين، ثم يعلم بملاقاة شئ لأحدهما، سواء أكانت الملاقاة متقدمة عن العلم الإجمالي، أم متأخرة، أم مقارنة، ففي هذه الصورة يجب الاحتياط بالإجتناب عن الطرفين، للعلم الإجمالي بتحقق التكليف في أحدهما، فيكون منجزا لا محالة، ولا مجال معه لجريان قاعدة الطهارة فيهما، وأما ملاقي بعض الأطراف فلم يعلم نجاسته، ولا بأس بجريان

[ 219 ]

أصالة الطهارة فيه، إذ المفروض عدم جريانها من حين العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين في شئ منهما، فهي لا تجري فيهما، وأما الملاقي فهو موضوع جديد يصير مصداقا لعموم " كل شئ طاهر " بعد العلم بالملاقاة، ولا مانع من إجرائه فيه، ومجرد العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر لا يمنع عن جريان الأصل، بعد أن كان المفروض أنه مصداق لموضوع الأصل، ولا مانع ولا معارض لجريانه. الصورة الثانية: أن يكون العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين أو نجاسة الملاقى - بالفتح - وملاقيه في زمان واحد، فهاهنا يكون الملاقى وملاقيه بمنزلة طرف واحد تعلق العلم الإجمالي بوجود التكليف فيهما معا، أو في الطرف الآخر، ويكون أثره تنجز التكليف الواقعي أينما كان، فيجب الاحتياط بالاجتناب عنهما وعن الملاقي - بالكسر - جميعا. لكن قد يقال - كما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) وكثير من الأعاظم (قدس سرهم) -: إنه لما كانت نجاسة ملاقي النجس ناشئة عنه فالشك في نجاسة الملاقي هاهنا ناش ومسبب عن الشك في نجاسة الملاقى - بالفتح - والأصل الجاري في الشك السببي مقدم على الجاري في المسببي، ولا تصل النوبة الى المسببي إلا بعد سقوط السببي، فهاهنا إنما تكون أصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح - في عرض أصالة الطهارة في الطرف الآخر، وفي هذه المرتبة لا يجري الأصل المسببي في الملاقي - بالكسر - ثم إذا سقط الأصلان في الطرفين بالعلم الإجمالي تقوم أصالة الطهارة في الملاقي وتجري بلا معارض. وفيه أن التحقيق: أن سر تقدم الأصل السببي ليس مجرد تأخر رتبة الشك المسببي، فإن الأحكام الشرعية قد تعلقت وترتبت على الموضوعات بوجودها الخارجي، ولا دخل لرتبتها في الموضوعية أصلا، فالسبب والمسبب إذا كانا معين في الوجود يعمهما دليل الحكم في عرض واحد. نعم، لو كان بعض المصاديق متقدما على بعض آخر بالزمان فحيث إن فعلية الموضوع وتحققه شرط لتحقق

[ 220 ]

الحكم فلا محالة يشمل الدليل الأمر المتقدم قبل المتأخر، كما عرفت في الصورة الاولى، وأما المجتمعان في الوجود المختلفان في الرتبة فهما مشمولان لدليل الحكم في عرض واحد. بل الوجه الوجيه لتقدم الأصل السببي في الغالب: أن الأصل السببي ينقح موضوع الأمارة، ومدلول الأمارة والدليل بعمومه أو إطلاقه ينطبق على ذاك الموضوع المنقح، فيرفع الشك عن حكمه، ولذلك تكون تلك الأمارة حاكمة على الأصل الحكمي الجاري في المسبب، مثلا: إذا غسل المتنجس بماء مشكوك الطهارة فقاعدة الطهارة تجري في الماء، ويحكم عليه بأنه طاهر، ثم إن عموم أو إطلاق الدليل الدال على أن الماء الطاهر يطهر ما يغسل به ينطبق عليه، ويرفع الشك عن نجاسة المتنجس المغسول به، وهذا - في الحقيقة - من تقدم الأمارة على الأصل، غاية الأمر ببركة الأصل السببي (1). وهذا الملاك لا يجري ولا يفيد لما نحن فيه: أما أولا: فلأنه مختص بما إذا كان الأصل السببي جاريا، وهاهنا يوجب العلم الإجمالي بالتكليف تنجز التكليف المعلوم إجمالا الموجود في أحد الطرفين، ويمنع عن جريان أصالة الطهارة، فأصالة الطهارة لو فرض أنها حاكمة إلا أنها لا تجري أصلا، والعلم الإجمالي المذكور كما يمنع عن جريانها - فلا تجري في نفس الطرفين - كذلك يمنع جريانها في الملاقي - بالكسر - أيضا بعد أن كان هو أيضا من أطراف العلم الإجمالي كما عرفت. وأما ثانيا: فلأنه لو كان هنا حكومة وتنقيح موضوع فإنما هو للأصل الذي يثبت النجاسة، إذ فيه أمكن أن يقال: إن الشارع قد حكم على كل نجس بأنه


(1) بل التحقيق: أن الأصل الجاري في الشك السببي لكونه تعبدا ببقاء اليقين السابق إذا انضم الى الأمارة المذكورة وإلى العلم بغسل المتنجس به كان نتيجته اليقين التعبدي بحصول طهارة المغسول ومعه لا يجري الاستصحاب في المسبب، وتمام الكلام في الاستصحاب. (

[ 221 ]

ينجس ما يلاقيه، وأما الشئ الملاقي للطاهر فطهارته ليست من أحكام ملاقاة الشرعية، بل ليس طهارة الملاقى أثرا وحكم طهارة الملاقى، كالعكس. نعم، إنا نعلم بأن الشئ الطاهر الذي يلاقي شيئا آخر طاهرا لا يصير نجسا وتبقى طهارته، لكنه لعدم طرو ما يزيل طهارته فلا محالة يكون طهارته باقية، لا لأن ملاقاة الطاهر أثرت شرعا فيه الطهارة. وبالجملة: فلا وجه لحكومة أصالة الطهارة في الشك السببي على أصالة الطهارة في الشك المسببي. وأما ثالثا: فلأنه لا بعد في أن يقال: إن تنجس المتنجس بالملاقاة للنجس يكون أمرا تكوينيا، بناء على أن النجاسة عبارة عن القذارة التي هي أمر تكويني، وتأثر ملاقيها منها أيضا تكويني خارجي، لا من المجعولات الشرعية، بل كما أن ملاقاة الماء وسائر الأشياء الرطبة توجب رطوبة الملاقى - وليست أمرا جعليا قانونيا - فهكذا نجاسة ملاقي النجس حرفا بحرف. وعليه فنجاسة الملاقى - بالفتح - وطهارته ليست موضوعا لحكم شرعي لكي يترتب بالأصل الجاري فيه عليه بل إنما ينقح به موضوع أدلة سائر الأحكام، من مثل جواز الصلاة فيه أو عدمه، وإلا فأصل الطهارة أو النجاسة في الشك السببي لا حكومة له على الأصل الجاري في الشك المسببي بوجه أصلا، فتأمل جيدا. ومنه تعرف الكلام في: الصورة الثالثة: وهي أن يعلم أولا بنجاسة الطرف، أو ما هو ملاق للطرف الآخر من دون أن يعلم بأن نجاسته - لو كان نجسا - من ناحية الملاقاة، وبعد مضي زمان يعلم بأن سبب نجاسته - لو كان نجسا - إنما هو ملاقاته له، فإنه بعد ما عرفت في الوجه الثاني والثالث عدم حكومة للأصل الجاري في الشك السببي على ما يجري في المسببي هنا تعرف أن جريان أصل الطهارة في الشك السببي هنا لا إشكال فيه، ولا يقتضي محكومية الملاقي - بالكسر - بالطهارة أصلا، وحيث إن الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - سقط بالعلم الإجمالي الموجب لتنجز

[ 222 ]

التكليف المعلوم اجمالا فتصير النتيجة: لزوم الاحتياط في الطرف والملاقي - بالكسر - وجريان أصالة الطهارة في الملاقى - بالفتح -، وبقية المطالب استبعادات لا يعتنى بها، والله العالم. الأمر الخامس: في الشبهة الغير المحصورة: قد عرفت أول هذه المباحث أن موضوع البحث في منجزية العلم الإجمالي ومتعلق العلم هو نفس الحكم الذي اودع بيد الإجراء، ويكون الجهل به في الشبهة البدوية عذرا مانعا عن تنجزه، والعلم التفصيلي به علة تامة لتنجزه، فيبحث عن شأن العلم الإجمالي به، فما في الكفاية هناك وهاهنا من تقييد المعلوم بالفعلي من جميع الجهات كالانحراف عن موضوع بحث الأعلام (قدس سرهم). وهنا نقول - تبعا لسيدنا الاستاذ وشيخه (قدس سرهما) -: طبع البحث يقتضي أن يكون محل الكلام أنه هل كون الشبهة غير محصورة يقتضي ترخيصا في بعض أطراف العلم أو جميعه، أم لا ؟ فالاستدلال بمثل خروج بعض أطرافها عن محل الابتلاء، أو لزوم العسر والحرج في أغلب مصاديقها خروج عن مصب الكلام، وحينئذ نقول: ربما يستدل لعدم منجزية العلم الإجمالي فيها بالإجماعات المنقولة، إلا أنك خبير بعدم إمكان الاعتماد عليها في مثل ما نحن فيه مما للأدلة إليه سبيل. كما أنه قد يستدل بأنه لما كان الاجتناب عن جميع الأطراف في غالب مواردها لغالب الأفراد موجبا للعسر أو الحرج فيرفع وجوبه عن جميع الأفراد، وبالنسبة لجميع الموارد بناء على أن ملاك الرفع هو مجرد هذه الأغلبية، بدليل أن مناطات الأحكام هي تلك الأغلبية. إلا أن فيه أولا: أن الحكم الإلهي هنا لا عسر ولا حرج في امتثاله والاجتناب عن مورده، لأن المفروض تعلقه بمثل مصداق أو مصداقين، وإنما الموجب له هو العلم بالامتثال، وهو ليس بواجب شرعي. وثانيا: أن ظاهر أدلة رفع العسر والحرج خصوص الشخصي منهما، وابتناء

[ 223 ]

الأحكام وملاكاتها على الغلبة لا يمكن أن يكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر هنا منها، كما لا يخفى، فإنه لا استحالة في كون الموضوع وصفا شخصيا، وقد فرض أن الدليل قام عليه، فيجب الأخذ به. وقد يستدل بأن كثرة الأطراف وضعف احتمال الانطباق في الشبهة المحصورة توجب عدم اعتناء العقلاء باحتمال التكليف، فيعاملون معه معاملة الشبهة البدوية. وهذا الوجه - إن أذعنا به - وجه قوي، ولازمه جواز ارتكاب جميع الأطراف، ويكفي في الأخذ به مجرد احتماله، لما عرفت من أن مقتضى أدلة البراءة أن نقول بها حتى في أطراف العلم الإجمالي، وإنما لم نقل بها لقيام دليل خاص من العقل أو النقل، فبعد احتمال عدم اعتناء العقلاء يشك في شمول المخصص المنفصل له، ومن المعلوم أن في مثله العام هو المرجع. ثم إن تعريف الشبهة غير المحصورة يؤخذ من دليل عدم وجوب الاحتياط فيها، فالأوجه أن تعرف بأن تكون كثرة الأطراف بحد لا يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الموجود، كما لا يخفى. المرحلة الثانية الأقل والأكثر الارتباطيان إذا علم تعلق التكليف بشئ دار أمره بين الأقل والأكثر: فإن لم يتوقف امتثال الأمر في الأقل على الإتيان بالزائد المقوم للأكثر، كما إذا علم باشتغال ذمته بالدين المردد بين العشرة والخمسة عشر، فهما استقلاليان، وإلا فهما ارتباطيان. وإنحلال العلم الإجمالي في الاستقلاليين إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقل والشبهة البدوية في وجوب الزائد واضح. وإنما الكلام في الارتباطيين، كأن علم بوجوب الصلاة عليه وشك في جزئية السورة لها. ولا ريب أن محل الكلام ما إذا كان احتمال مانعية الجزء أو الشرط المشكوك

[ 224 ]

فيه مفروض العدم، وإلا كانا من قبيل المتباينين، كما في موارد الشك بين القصر والتمام. وموارد الشك في الارتباطيين وصوره وإن كانت كثيرة فإن المشكوك فيه: قد يكون من قبيل الأجزاء، وقد يكون من قبيل الشرائط، وقد يكون من قبيل الموانع. كما أن الأقل والأكثر تارة يعبر عنهما بعنوان واحد، واخرى بعنوانين، كالعام والخاص. وكما أنه قد يكون التكليف المعلوم ايجابا، وقد يكون تحريما، إلى غير ذلك، إلا أنا نفرض الكلام فعلا في ما إذا علم بوجوب مركب كالصلاة وشك في جزئية شئ له كالسورة، ونقول: فهل مقتضى القاعدة فيه إجراء البراءة العقلية والنقلية، أو القول بوجوب الاحتياط فيه بإتيان الأكثر، أو يفصل بين البراءة العقلية والنقلية، فيقال بجريان الثانية دون الاولى، كما عن المحقق الخراساني في تعليقة الفرائد والكفاية وتبعه بعض آخر ؟ وجوه، فاللازم إفراد البحث عن جريان كل من البراءة العقلية والنقلية. فأما البراءة العقلية فقررها الشيخ الأعظم (قدس سره) " بأن العقلاء يستقلون بقبح مؤاخذة من كلف بمركب لم يعلم من أجزائه إلا عدة أجزاء، وشك في أنه هو هذا، أوله جزء آخر هو الشئ الفلاني ؟ ثم بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الأمر فلم يعثر عليه، فأتى بما علم وترك المشكوك. فنحن إن اعترفنا بهذا الحكم العقلي من العقلاء لم يرد على القول بالبراءة شئ، سواء أقلنا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أم لم نقل وسواء أقلنا بوجوب الاحتياط في المتباينين، أو في موارد أوامر الطبيب، أم لم نقل، فإنه إذا كان المفروض حكم العقلاء بالبراءة عند الشك في جزئية أمر للمركب كان هذا الحكم منهم حجة على البراءة، وإن كان حكمهم في سائر الموارد بخلاف ذلك، فإن حكمهم في كل مورد هو الحجة التامة في باب الإطاعة والعصيان. إلا أنه قد أورد على إجراء البراءة تارة من ناحية الشك في حصول غرض المولى لو اقتصر على الأقل، ويجب حينئذ أن يحتاط إلى أن يعلم بحصوله، كما في

[ 225 ]

موارد الشك في حصول الغرض من المعجون، لاحتمال دخل جزء تركه فيه. وأجاب عنه الشيخ الأعظم (قدس سره) بما لا يخلو عن اشكالات مذكورة في الكفاية وتعليقة المحقق الخراساني (قدس سره). والجواب الحاسم لأصل الإشكال أن يقال: إنه لا يجب على العبد في مقام إطاعة مولاه وأداء وظيفة العبدية إلا أداء ما قامت عليه حجة من المولى على تكليفه به من الواجبات والأعمال، والأحكام وإن كانت مبتنية على المصالح والمفاسد والأغراض والملاكات إلا أنها ليست مكلفا بها، ولا مناطا في باب الإطاعة والعصيان، فلا يؤخذ العبد إلا بما كلفه المولى من الأعمال، ولا يسأل إلا عنها. ومع التنزل عنه نقول: إن الغرض الواجب تحصيله إنما هو خصوص ما قامت حجة على إرادته، ولا محالة يكون على وزان الحجة القائمة على التكليف، وإذا كان المفروض حكم العقلاء بالبراءة فلم تقم حجة عليه إلا بالنسبة إلى الغرض القائم بالأقل لو كان هذا. وأورد عليه اخرى من ناحية أن العلم الإجمالي بالتكليف يقتضي اليقين بالبراءة كما في المتباينين. وأجاب عنه الشيخ الأعظم (قدس سره) بالانحلال المبتني على العلم بتعلق تكليف ولو كان غيريا متقدميا بالأجزاء المعلومة. فأورد عليه بما هو مذكور أيضا في التعليقة والكفاية، مضافا إلى عدم صحة القول بوجوب المقدمة شرعا، ولا سيما إذا كانت داخلية. والجواب الصحيح هنا أيضا: أن شخص التكليف النفسي الاستقلالي المتعلق بمركب ينسبط على أجزائه قضاء لحق عينية المركب لأجزائه، فتجب الأجزاء بما أنها نفس المركب، وحينئذ فوجوب الأجزاء المعلومة الجزئية بهذا الانبساط معلوم، ووجوب المشكوك الجزئية مجهول لم يقم عليه بيان فتجرى البراءة عنه ويكون العقاب عليه قبيحا. فإن قلت: إن هذا كله خلاف القاعدة المسلمة العقلية المعروفة: أن الاشتغال

[ 226 ]

اليقيني يستدعي براءة يقينية، فإن تعلق التكليف بالمركب يقيني، والبراءة عنه مشكوكة، لاحتمال أن يكون الأمر المشكوك المتروك أيضا جزء للمركب الارتباطي ! قلت: إن ما هو المسلم من القاعدة أن اليقين باشتغال الذمة بشئ يقتضي اليقين بفراغها عنه، وفي ما نحن فيه لم يتيقن إلا بتعلق التكليف بالأجزاء المعلومة، وقد تيقن بإتيان جميع ما تيقن تعلق التكليف به، وإن كان شك فإنما هو من ناحية غيرها، والمفروض أن أصل الاشتغال به مشكوك. هذا كله في البحث عن البراءة العقلية. وأما البراءة النقلية فقد تبين مما مر التقريب الصحيح لجريانها، فإن تعلق الوجوب الشخصي المستقل بمجهول الجزئية غير معلوم، فوجوبه مما لا يعلمون، فهو مرفوع عن المكلف. وأما تقريبها بأن وجوب الأقل معلوم إما نفسيا أو غيريا، ووجوب الأكثر نفسيا، أو وجوب الزائد غيريا غير معلوم، فهو مرفوع - كما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) - ففيه ما عرفت من أن الوجوب المقدمي شرعا ولا سيما في أجزاء المركب مما لا أساس له، فلا يمكن الاعتماد عليه في الانحلال، ولا إجراء حديث الرفع ونحوه فيه. كما أن تقريبها بما في الكفاية والتعليقة من أن جزئية الزائد غير معلومة فهي مرفوعة عن المكلف فيه: أن الجزئية والكلية كالشرطية والمشروطية، والسببية والمعلولية من الامور الانتزاعية الحقيقية، بداهة أن الجزئية ليست إلا كون الشئ مما يلتئم منه ومن غيره المركب الذي يعبر عنه بالكل، ولا فرق في انتزاعها بين أن يكون المركب حقيقيا - كما في الإنسان وأعضائه - أو اعتباريا - كما في البيت وأجزائه، والصلاة وأجزائها - فإن الجزئية في جميع الموارد لها مفهوم واحد من الامور الانتزاعية النسبية، ولا دخل لتعلق التكليف بالمركب في انتزاعها أصلا، وإنما الذي يوجب تعلق التكليف اتصاف المركب بالمطلوبية، ولا محالة يصير

[ 227 ]

الجزء جزء ما هو مطلوب، ولا يدخل تحت الجعل التشريعي القانوني إلا نفس الطلب والوجوب مثلا، لا هذه الامور الانتزاعية. ومن الواضح أن الرفع عن الامة والوضع عنهم المذكورين في أخبار البراءة الشرعية إنما يتعلق بما صح كونه موضوعا عليهم، أما وضع التكليف والعهدة، وأما وضع الخلاف والمعصية، فلا محالة لا يكون المرفوع والموضوع عنهم إلا مثل التكليف المجهول أو المكلف به الذي لا يطيقونه، أو مخالفة التكليف الحاصل عن إكراه أو إضطرار مثلا. وبالجملة لا يكون المرفوع إلا الأمر القانوني الذي في وضعه ثقل عليهم، ولا يمكن شموله لمثل هذه الامور الانتزاعية التي ليست مجعولة عليهم في القانون، ولا واقعة على عهدتهم بقلم التكليف، ولا على رقبتهم بقلم المؤاخذة والعصيان. وقد يورد على تقريب البراءة: بأن رفع الوجوب عن المشكوك الجزئية أو رفع جزئيته لا ينفع في إثبات تعلق الأمر بالأقل إلا بناء على القول بالأصل المثبت، وما لم يثبت تعلق الأمر بالأقل لا يمكن قصد التقرب به. وفيه أولا: أنا لا نحتاج إلى إثبات أن متعلق الأمر النفسي هو الأقل، بل إن مجرد العلم بتعلق الوجوب النفسي المستقل به - ولو بطريق الانبساط - كاف في أن يتعمد المكلف إلى إتيانه، لمكان أن الأمر متعلق به ويدعو نحوه قطعا، وإن لم يعلم أن تمام الموضوع والمتعلق لهذا الأمر هو الأقل بنفسه أو بما أنه داخل في ضمن الأكثر. وثانيا: أنه إنما يلزم القول بالأصل المثبت إن أردنا إثبات تعلق الأمر النفسي بالأقل من طريق إجراء البراءة عن وجوب المشكوك أو جزئيته، لا إذا أردنا إثباته من طريق الجمع العرفي بين أدلة الجزئية وحديث الرفع، فإن الجمع العرفي بين أدلة متعددة مآله إلى انكشاف مراد المتكلم بها، وانفهام المفاد الجدي لطرق متعددة بعد انضمام بعضها إلى بعض، ونحن إنما نصير إلى إثبات أن الأقل هو متعلق الأمر من ناحية الجمع العرفي بين الأدلة.

[ 228 ]

توضيحه: أن المفروض أن المولى قد بين جميع أجزاء المركب حتى الجزء المشكوك أيضا لو كان جزءا، وحينئذ فإن كان في نفس الأمر لا جزئية للمشكوك لما كان شك في أن الأقل هو المأمور به، وإن كان قد بين جزئيته في دليل لم نقف عليه بعد الفحص اللازم، فحيث إن هذا الدليل بإطلاقه شامل للعالم والجاهل، فحديث الرفع يحكم بنفي وجوبه أو جزئيته بالنسبة إلى الجاهل، ويكون هذا الحديث مقدما على ذلك الدليل الواقعي، موجبا لاختصاص مفاده بخصوص العالم به، ولا محالة يكون الحديث بمنزلة استثناء وتقييد بالنسبة الى دليل الجزئية، ويكون مقتضى الجمع بين أدلة سائر الأجزاء أن الصلاة - مثلا - للجاهل بجزئية السورة هي خصوص الفاقد، أعني اللابشرط عن السورة، غاية الأمر أن هذا الرفع والنفي تنزيلي ادعائي ظاهري، تحفظا على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل، وهو لا يضر بما نحن بصدده، إذ مآله أنه يعامل المكلف معاملة من تعلق وظيفته وأمره واقعا باللابشرط عن المشكوك، وهو كاف لما نحن بصدده. فالحاصل: أنا نعلم تفصيلا بتعلق الأمر بالأقل، إلا أن هذا العلم التفصيلي نتيجة علم إجمالي فإنا نعلم أنه لو لم يكن المشكوك جزءا في نفس الأمر فالأمر الواقعي تعلق بالأقل، وإن كان جزءا بحسب الواقع فبعد تقييد إطلاق دليل جزئيته فلا محالة كأنه ليس جزءا للجاهل، ويتعلق الأمر بما عداه. وأما ما أجاب به بعض الأعاظم (قدس سرهم) على ما في تقرير بحثه الفوائد، مما حاصله: أنه لو تعلق الأمر بالأقل لكان متعلقه الطبيعة المطلقة الغير المقيدة بالزائد، ولو تعلق بالأكثر لكان متعلق الأمر الطبيعة المقيدة بالزائد وحيث إن التقابل بين المطلق والمقيد تقابل العدم والملكة فحديث الرفع بمدلوله المطابقي يدل على عدم قيدية الزائد الذي هو عبارة اخرى عن إطلاق متعلق الأمر (1). ففيه أولا: أنه مبني على إجراء الحديث في مثل الجزئية الذي قد عرفت انهدام بنيانه.


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 163. (*)

[ 229 ]

وثانيا: أنه لو تعلق الأمر بالأكثر لكان مشكوك الجزئية في عرض سائر الأجزاء من مقومات المركب، ويتعلق الأمر بمجموع الأجزاء الذي هو عبارة اخرى عن المركب، لا أن الأمر يتعلق بالأقل ويكون المشكوك الجزئية قيدا له حتى يكون من باب المطلق والمقيد. وثالثا: أن الإطلاق لما كان وصفا للطبيعة قبال تقيدها بالجزء المشكوك فلو جرى الأصل في تقيدها به لكان لما أفاد وجه، لكنه - كما عرفت - يجري في جزئية الجزء أو وجوبه، وحينئذ فإثبات عدم تقيد الطبيعة المركبة به من باب الأصل المثبت، كما لا يخفى. وأورد بعض أهل التحقيق على تقريب البراءة الشرعية: بأن مفاد أدلة البراءة لما كان هو الرفع الظاهري الثابت في المرتبة المتأخرة عن الشك في الواقع فمثله لا يصلح لتحديد الأمر الواقعي بالأقل بأنه متعلق بخصوص الفاقد، لاختلاف رتبتهما، والمفروض أن ما هو معلوم تعلقه بالأقل ليس إلا الأمر الواقعي، وحيث إن حديث الرفع ناظر إلى مرتبة متأخرة عن الواقع - أعني مرتبة الشك فيه - فلا محالة لا يصلح الحديث لتحديد ذاك الأمر الواقعي بنحو يكون لا بشرط من حيث الانضمام بالجزء المشكوك. انتهى بتلخيص وتوضيح، فراجع تعليقته على الفوائد (1). وفيه: أن الوجوب الواقعي المتعلق بالأقل قطعا ثابت في جميع المراحل المتصورة للجزء المشكوك، فهو متعلق بالأقل حتى بالنسبة لمن يشك في جزئية السورة، فإذا جرت رواية رفع ما لا يعلمون في وجوب السورة أو جزئيتها كان مقتضاها إنتفاء وجوبها عن المكلف في مرتبة شكه فيه، وكان لازم إنضمامها إلى أدلة الأجزاء أن يجمع عرفا بينها بأن جزئية السورة ووجوبها منتفية عن الجاهل، وأن الأمر والوجوب متعلق بما عداها بالنسبة إليه، غاية الأمر أن يكون هذا التقييد


(1) تعليقة المحقق العراقي على المصدر السابق ص 162. (*)

[ 230 ]

ظاهريا، وهو لا يضر بما نحن بصدده كما مر. ثم إن للمحقق الخراساني (قدس سره) هنا تعليقة في كفايته، ينبه فيها على أن إجراء البراءة شرعا في ما نحن فيه مبني على أن يكون موضوع الكلام ومتعلق العلم الإجمالي هو الخطاب: بالإيجاب مثلا، وإلا فلو علم بتكليف فعلي من جميع الجهات لما كان إلى إجراء البراءة سبيل. وكلامه هذا متفرع على ما أفاده أول مباحث العلم الإجمالي، من أنه لو تعلق العلم الإجمالي بتكليف فعلي من جميع الجهات لما جرى أدلة البراءة، عقلية وشرعية، وقد عرفت هناك نقدنا عليه فلا نعيده. ومن الغريب ما في تقريرات بعض الأعاظم من حمل كلامه على أنه لما كان العقل يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل كان حكمه مقدما على أدلة البراءة الشرعية، فلا يبقى مجال لجريانها (1). وهو تبعد عن السبيل، وانحراف عن المسير، كما يظهر لمن تأمل كلامهما (قدس سرهما)، فراجع. وينبغي التنبيه على امور: الأول: لو شك في شرطية شئ للمأمور به فلا يبعد دعوى أنه مثل الشك في الجزئية، فإن الفرق بين المطلق والمشروط في مرحلة تعلق التكليف ليس إلا أن المشروط يزيد عليه بتقيد المطلق بكونه مع الشرط، فالشك في الإشتراط شك في وجوب هذا التقيد بنفس الوجوب الشخصي النفسي الاستقلالي من باب انبساطه على المشروط بما هو مشروط، فيجري فيه حكم العقل بقبح العقاب عليه بلا بيان، وحكم الشرع برفع ما لا يعلمون. وأما التفصيل بين ما كان الاشتراط وعدمه من قبيل المطلق والمشروط مثل


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 165. (*)

[ 231 ]

الرقبة والرقبة المؤمنة، والصلاة والصلاة مع الطهارة، وما كان من قبيل العام وخاصة كالحيوان والإنسان كما في الكفاية، أو بين ما كان من قبيل الشرط والمشروط، وما كان من قبيل المركب التحليلي كالجنس والنوع - كما في تقريرات بعض الأعاظم - بإنكار جريان حديث الرفع في الشك بين العام والخاص والجنس والنوع، لأن الخصوصية ليست أمرا زائدا على عنوان الخاص، بل هي أمر تحليلي عقلي، وإلا فعند العرف هما أمران متباينان ينتزع الخصوصية عن نفس الخاص فلا محالة لا يجري بيان الانحلال فيهما بنظر العقلاء الذين هم المدار في أمثال المقام. فيدفعه: ما أفاده سيدنا الاستاذ (قدس سره) بأن هذا التباين إنما هو لمكان أن العرف يرى الإنسان مقابلا لعنوان الحيوان، فيكون هذان العنوانان عنده متباينين، وإلا فلو دار الأمر بين الحيوان والشاة، أو اخذ الحيوان بماله من المفهوم اللغوي فلا يرى العرف بينهما هذه المباينة، بل هما وأمثالهما حينئذ مثل سائر الموارد التي من باب المطلق والمشروط العرفيين فتأمل جيدا. ومما ينبغي التنبه له: أن الجنس في اصطلاح المنطق والفلسفة ماهية ناقصة مبهمة كمالها وتحصلها الماهوي بالنوع، بحيث يكون الفصل مبينا ماهويا له، ولذا كان الحمل بينهما حملا أوليا، ومن المعلوم أن المعنى المطلق المتعلق للتكليف هو معنى تام غير مبهم، بل هو بمفهومه تمام الموضوع - مثلا - لحكم المولى، فلا محالة لا ينطبق على الجنس المبهم غير التام، وإنما ينطبق على النوع المتوسط الذي هي ماهية متحصلة بحيث تكون الفصول اللاحقة الواردة عليه خارجة عن مقوماته الماهوية، كما هو واضح للعارف بأمثاله، وحينئذ فجعل هذه الموارد من قبيل التردد بين الجنس والنوع - كما في تقريرات بعض الأعاظم وتعليقات بعض أهل التحقيق عليها (1) - مبني على الغفلة عن الاصطلاح.


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 206. (*)

[ 232 ]

بل الحق: أن ما يعبر عنه بالجنس هو النوع المتوسط الذي يكون ماهية تامة متحصلة، وحينئذ فإن كان التكليف متعلقا بهذا المعنى النوعي فهو مطلق، بمعنى أنه تمام ما هو مورد عناية المولى ونظره، لا أن التقيد بالإطلاق قيد له، بل الإطلاق لا معنى له، إلا أنه تمام الموضوع لمراد المولى قبال تقييده بقيد يضاف إليه، وحينئذ فإذا قيس المطلق والمقيد فلا محالة يكون حقيقة المطلق - أي نفس المعنى الكلي - موجودة في المقيد، ولذلك يأتي ذاك الانحلال الذي هو تمام المناط لجريان البراءة عقلا ونقلا. فلا يصغى حينئذ إلى ما في تعليقة بعض أهل التحقيق، من أن النوع ليس نسبته مع الجنس المطلق القابل للانطباق على فرد آخر نسبة الأقل والأكثر، فإن من البديهي أن ما هو في ضمن النوع ليس الحيوان على الإطلاق، بل ليس في ضمنه إلا حصة منه مبائنة مع حصة اخرى في ضمن فرد آخر. انتهى ما أردنا نقله، فراجع (1) وتدبر جيدا، والله العالم وهو العاصم. الأمر الثاني: إذا كان الشك في الجزئية أو الشرطية من جهة الشبهة في موضوع خارجي، كما إذا وجب صوم شهر هلالي فشك في أنه ثلاثون أو ناقص، أو وجبت الصلاة مع الطهارة فشك في أنه متطهر أم لا، ولا أصل يثبت الطهارة أو الحدث، فقال الشيخ الأعظم (قدس سره): إن اللازم الاحتياط، لأن المفروض تنجز التكليف بمفهوم مبين معلوم تفصيلا، وإنما الشك في تحققه بالأقل، والبيان الذي لابد منه قد وصل من الشارع، فلا تقبح المؤاخذة على ترك ما بينه تفصيلا، بل العقل يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه، فلا تجرى البراءة العقلية ولا الشرعية. انتهى. وتبعه عليه غيره من المشايخ العظام (قدس سرهم). أقول: إن الأمر كما أفادوه فيما إذا كان المكلف به أمرا كليا مبين المفهوم يشك في تحقق مصداقه لأجل الشك في تحقق ما هو جزء له أو شرط، كمثال الشك في


(1) تعليقة المحقق العراقي على المصدر السابق. (*)

[ 233 ]

حصول الطهارة، وكما لو أمر بصيام شهرين متتابعين في بعض الكفارات فشك في تمام شهر أو نقصه. وأما إذا كان متعلق التكليف أمرا شخصيا خارجيا مبين المفهوم وقد شك في جزئية أمر له لأجل عدم العلم بخصوصية خارجية، كما إذا نذر صوم شهر رجب بعينه ثم شك في نقصه وتمامه فإن من المعلوم أن الشبهة في الموضوع الخارجي، وإلا فمفهوم شهر رجب حتى هذا الشهر المعين معلوم تفصيلا وبالجملة: فالشبهة موضوعية، إلا أنه لمكان أن الوجوب متعلق بخصوص هذا الفرد لا بأمر كلي هو أحد مصاديقه فالمكلف بمقتضى انبساط التكليف المتعلق بالمركب على أجزائه يعلم بوجوب صوم الأيام المعلومة ويشك في أصل وجوب صوم يوم الشك، ومقتضى ما مر في الشبهة الحكمية في الجزئية أو الشرطية جريان البراءة عن وجوبه عقلا ونقلا، كما لا يخفى. والبيان الذي لا بد منه في تنجز التكليف هو وصول التكليف الشرعي، واتضاح موضوعه الخارجي عند المكلف، ولذلك لو شك في خمرية مائع خاص جرى فيه البراءة العقلية والنقلية، مع أن بيان خمرية الموضوعات الخاصة ليس وظيفة الشارع أصلا. الأمر الثالث: ما ذكرناه من البراءة في الشبهة الحكمية أو الموضوعية في الجزئية أو الشرطية إنما هو في ما كان المأمور به عين الأجزاء الخارجية، وأما إذا تعلق التكليف بأمر مسبب ومحصل عنها، كما إذا كان المأمور به تحصيل الطهارة وشك في جزئية أمر أو شرطيته لمحصله فالبيان الذي تقدم لتقريب البراءة الذي كان مبنيا على انبساط التكليف والشك في تعلقه بالمشكوك فيه لا يجري هنا، بل حيث إن المكلف يعلم بوجوب واجب عليه ويشك في تحققه فالواجب عليه معلوم لا يجري فيه حديث الرفع، والعقل يحكم بلزوم القطع بالفراغ عما علم اشتغال الذمة به. وهذا هو مراد المشايخ (قدس سرهم) من وجوب الاحتياط عند الشك في المحصل، إلا أنه إنما يكون في ما كان الأمر المسبب والمحصل هو المأمور به، وأما إذا كان

[ 234 ]

المأمور به محصله - بالكسر - وسببه وعلم أن المقصود منه ذاك المسبب وشك في جزئية شئ للمأمور به فقد عرفت أنا لا نسلم وجوب الاحتياط هنا، بل هو مجرى البراءة، كما مر. لكن الشيخ الأعظم (قدس سره) قال: " قد يأمر المولى بمركب يعلم أن المقصود منه تحصيل عنوان يشك في حصوله إذا أتى بذلك المركب بدون ذلك الجزء المشكوك، كما إذا أمر بمعجون وعلم أن المقصود منه إسبال الصفراء بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة، أو علم أنه الغرض من المأمور به فإن تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم. انتهى فتراه (قدس سرهم) قد سوى بين ما كان إسبال الصفراء أو أي عنوان مسبب كان هو المأمور به وما كان غرضا من المأمور به، وحكم في الموردين بالاحتياط، وقد عرفت أن مقتضى التحقيق الفرق بينهما بجريان البراءة عقلا ونقلا في ما كان المأمور به نفس المركب الخارجي، دون ما كان المأمور به ذاك الأمر المسبب منه، كما عرفت. وكيف كان فلا ريب في أن مراده (قدس سره) من لفظة " عنوان " الواقعة صدر عبارته، ولفظة " الغرض " الواقعة ذيلها معنى واحد، لا مجال لتوهم الفرق في المراد بهما، فلا مجال لما أتعب به بعض الأعاظم نفسه الشريفة - على ما في تقريراته - للفرق بينهما، والله العاصم وهو الموفق. الأمر الرابع: إذا علم جزئية شئ أو شرطيته للمأمور به إجمالا وشك في أنه جزء أو شرط له حتى بالنسبة لحال نسيانه أم لا - وهو المعبر عنه بالشك في الركنية - فمقتضى القاعدة ما هو ؟ وقبل الخوض في البحث نقدم امورا: منها: أن محل الكلام يعم كلا من التعبديات والتوصليات، كما أنه بالنسبة للشك في الشرطية لا يختص بالمركبات، بل يعم كل المشروطات، فما يومئ أو يدل عليه عبارة الشيخ الأعظم (قدس سرهم) من الاختصاص ممنوع، أو مؤول. ومنها: حيث إن التحقيق أن التكاليف الشرعية وظائف وقوانين، لا إرادات

[ 235 ]

شخصية - كما نبهنا عليه مرارا - فشمول إيجاب المركبات التامة والمشروطات حتى لمن نسي الجزء والشرط لا يلزم منه محذور، غاية الأمر حينئذ أن يكون الناسي معذورا في مخالفته وتركه للجزء أو الشرط نسيانا. وحديث تقوم البعث الفعلي بإمكان فعلية الداعوية - وهي متوقفة على الالتفات - قد عرفت الجواب عنه بأنا لا نعقل من فعلية البعث أزيد من إيداع القانون والأمر بيد الإجراء، وإعلامه للمكلفين بهذه الغاية، وهو حاصل في مورد البحث، ويكفي أن يكون داعيا إلى الامتثال بشرط العلم والالتفات، من دون توقف على فعليتهما، فتذكر. ومنها: أنه كما أن عموم أدلة اعتبار الجزئية والشرطية للناسي لا محذور فيه كذلك يمكن أخذ الالتفات إلى الجزء والشرط وتذكرهما في موضوع وجوبهما، فلا يجبان إلا على خصوص الذاكر لهما، ويلزمه أن لا يتوجه التكليف بهما إلى من نسيهما، فقد اخذ الالتفات في توجه التكليف، ولا بأس به، ولم يؤخذ النسيان في عنوان المكلف حتى يقال بامتناع فعلية مثل هذا التكليف، ومع ذلك أيضا فلازمه أن لا يعم هذا التكليف لناسي هذا الجزء والشرط، بل هذا الناسي بما أنه متذكر لما يتذكره يتوجه إليه التكليف بما ذكره، فكل أحد يعلم أن تكليفه خصوص ما يتذكره من الأجزاء والشروط، وغفلته عن غفلته مما غفل لا تضر بتذكره لما تذكر، وتوجه التكليف به إليه. كما لا يخفى فبهذا التوجيه الوجيه لا بأس بإختصاص الناسي بالخطاب. إذا عرفت هذه الامور نقول: إن كان لدليل الواجب إطلاق دون دليل الجزئية والشرطية فمقتضى القاعدة إيجاب الواجب على كل أحد حتى على من نسي الجزء والشرط، ونفي وجوب الشرط والجزء بذلك الإطلاق عنه، ولا تصل النوبة إلى حديث رفع النسيان أو ما لا يعلمون كما أنه إذا كان دليل الجزئية والشرطية مطلقا كان مقتضى إطلاقه اعتبار ذاك الشرط أو الجزء، ولا مورد معه لحديث " رفع ما لا يعلمون "، فإن الإطلاق طريق معتبر إلى اعتباره، ومعه لا موضوع للأصل، ولازمه أن يكون العمل الفاقد للشرط أو الجزء باطلا يجب إعادته في

[ 236 ]

الوقت وقضاؤه لو كان مما يقضي خارج الوقت. إلا أنه لا يبعد أن يقال: إن حديث الرفع باشتماله على رفع النسيان عن الامة يعم المورد، ويرفع عن كاهل الامة النسيان بما له من الثقل، والثقل الذي يلزم منه هو أنه يجب به الإعادة أو القضاء، فرفعه عن الامة بما أنه أمر ثقيل يستلزم رفع وجوب الإعادة والقضاء، غاية الأمر أن هذا الرفع لا يتعين في أن يكون برفع الجزئية والشرطية عن الناسي واقعا، بل يحتمل أن يكون من باب قبول الناقص منزلة الكامل، كما مرت الإشارة الى مثله في ذيل البحث عن حديث الرفع. وكيف كان فحديث الرفع في غير فقرة " ما لا يعلمون " دليل اجتهادي يؤخذ فيه بما كان من لوازم الرفع الواقعي الذي هو مفاده، إلا أن رفع الجزئية والشرطية هنا - بحسب الواقع - ليس من لوازمه، كما عرفت. وأما إذا لم يكن في البين إطلاق لا لدليل وجوب الواجب لكي يحكم بانتفاء اعتبار الشرط والجزء عن الناسي، ولا لدليل الشرطية والجزئية لكي يقتضي اعتبارهما حتى بالنسبة إليه فلا محالة تكون جزئية ذاك الأمر وشرطيته مما لا يعلمون، ويجري فيهما البراءة العقلية والنقلية، كما عند الشك في أصل الجزئية والشرطية. الأمر الخامس: قد ظهر مما مر حكم: الشك في مانعية الزيادة إما مطلقا وإما في خصوص غير العمدية منها، بعد مفروضية أن العمدية مانعة موجبة للبطلان، فإنه مع الشك فيها وعدم قيام دليل اجتهادي يرفع الشك كان البراءة العقلية والنقلية مرجعا، كما لا يخفى. الأمر السادس: إذا علم جزئية شئ أو شرطيته في حال القدرة عليه، ودار الأمر بين أن يكون جزءا أو شرطا مطلقا ولو في حال العجز عنه، وبين أن يكون جزءا أو شرطا في خصوص حال التمكن منه، ولم يكن في البين دليل اجتهادي رافع للشك جرت البراءة العقلية والشرعية، فإنه يشك في أصل وجوب المركب أو المشروط، وأصل البراءة قاض بعدم العقاب عليه، كما في سائر موارد شبهة

[ 237 ]

الوجوب بدوية. ولا يجوز الرجوع إلى حديث الرفع بعنوان أن وجوب الجزء المشكوك مما لا يعلمون، كما لا يجوز نفي وجوبه بالحديث بعنوان أنه مما لا يطيقون في ما إذا اقتضى الدليل جزئيته أو شرطيته المطلقة، فإن مفاد الحديث رفع ما هو ثقيل على عاتق الامة عنهم، وهنا لا يوجب الشرطية أو الجزئية المطلقة ثقلا، بل حيث إنه عاجز عن المشروط به أو المركب عنه فيسقط الوجوب عنه، فلا محالة رفع الشرطية والجزئية يستلزم ثقلا، فلا يجري حديث الرفع، كما لا يخفى. وحينئذ تصل نوبة الرجوع إلى الاستصحاب، وهو محتاج إلى يقين سابق، فلا محالة لا يجري إلا في ما طرأ العجز أثناء الوقت، فإذا طرأ أمكن أن يقال: إن وجوب هذا الجزء أو تقيد الواجب بهذا الشرط كان يقينيا، ولو كان من باب انبساط الوجوب النفسي عليه، والآن يشك في بقائه فيحكم به. وهذا التقريب ليس عليه غبار إلا أن نمنع الاستصحاب في الشبهات الحكمية، أو نقول بأن وجوب المركب منه والمشروط به يقيني العدم في حال العجز عن هذا الشئ، لا لأن التكاليف مشروطة عقلا بالقدرة على امتثالها، فإن العقل لا يحكم باشتراط التكاليف القانونية بالقدرة، بل لما دل من الأدلة السمعية على هذا الاشتراط، منها قوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (1) وما يعجز عنه ليس في وسعها، فالركن الثاني من الاستصحاب - أعني احتمال البقاء - غير متحقق، لقيام الدليل على ارتفاعه، فلا يجري الاستصحاب، فتدبر جيدا واغتنم. ثم إنه قد يقال بوجوب الباقي المقدور عليه استنادا الى النبوي: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " (2) والعلويين: " الميسور لا يسقط بالمعسور " (3) و " ما لا يدرك كله لا يترك كله " (4). وهذه الروايات مراسيل لا يصح الاعتماد عليها، ومع الغض عنه فلا يبعد


(1) البقرة: 286. (2 و 3 و 4) عوالي اللآلي: ج 4 ص 58 ح 205 و 206 و 207. (*)

[ 238 ]

دعوى انصرافها عن محل الكلام، وذلك أن محل الكلام إنما هو أمر لو عمد المكلف إلى تركه في حالة القدرة عليه لما كان الإتيان بما بقي نافعا أصلا، فإن المفروض أن الواجب مركب ارتباطي. ومن ناحية اخرى: إن مفاد الأحاديث الثلاثة أعني أنه لا ينبغي للإنسان الاعتذار عن ترك كل الشئ بعجزه عن إتيان جزء منه، بل عليه أن يأتي بما أمكنه منه قاعدة عقلائية في الأقل والأكثر الاستقلاليين، وحينئذ فإذا القيت هذه الأحاديث إلى العقلاء لما فهموا منها أنها بصدد الفرق في المركب والمشروط بين حالتي القدرة على إتيان الجزء والشرط والعجز عنه وأن الاكتفاء بالمقدار المقدور عليه مجز في حال العجز وإن لم يجز في حالة القدرة، بل إنهم يرون الأحاديث منصرفة إلى تلك القاعدة العقلائية الدارجة في الاستقلاليات، وأن فيها " مالا يدرك كله لا يترك كله ". مضافا إلى أن للنبوي صدرا يكون قرينة على إرادة غير هذا المعنى المراد، كما أفاده صاحب الكفاية، فراجعها وراجع سنن البيهقي باب وجوب الحج مرة واحدة (1)، وغيرها، والله العالم. الأمر السابع: إذا دار الأمر بين كون شئ شرطا أو جزءا، وكونه مانعا أو قاطعا فالعلم الإجمالي بتقيد الواجب بأمر حاصل، إلا أنه دائر بين وجود ذاك الشئ وعدمه، وحيث إنه لا جامع أصلا بينهما، والاحتياط ولو بالتكرار ممكن، فالعقلاء يحكمون بوجوب الموافقة القطعية، وقد عرفت - أوائل البحث عن الشك في المكلف به - أن المستفاد من الأدلة السمعية أن هذا الحكم العقلائي مما قد أمضاه الشارع أنه مع هذا الإمضاء فلا مجال لشمول أدلة البراءة الشرعية لشئ من الطرفين، وحينئذ فالتحقيق أن إجراء أصالة البراءة الشرعية هنا وإن كان لا محذور فيه، من حيث انحفاظ رتبة الحكم الظاهري ووجود موضوعه، كما


(1) سنن البيهقي: ج 4 ص 326 ح 1 و 2 و 3. (*)

[ 239 ]

لا محذور فيه أيضا من حيث ترخيص المخالفة العملية القطعية إذا كان المفروض توصلية المركب أو الجزء والشرط، إلا أن مجرد ترخيص ترك الموافقة القطعية اللازم من إجرائها قطعا محذور يلزم الاجتناب عنه، لما عرفت هناك وأشرنا إليه هاهنا: أن الموافقة العملية القطعية في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف واجبة شرعا وعقلا، فلا محالة لا مجال لجريان أصل كان لازمه ترخيص تركها. نعم، في ما كان لازم إجراء الاصول مجرد مخالفة قطعية علمية لا عملية، كما لو علم بتطهير أحد الثوبين المتنجسين، فإن استصحاب النجاسة قاض بنجاستهما، مع أنا نعلم بأن أحدهما طاهر، أو كان العلم الإجمالي غير موجب للعلم بتكليف غير ما كان معلوما قبله، كما لو علم سابقا بنجاسة ثوب بالبول - مثلا - وشك في تطهره، وعلم بطهارة ثوب آخر، ثم وقع قطرة بول يعلم إجمالا إصابتها لأحد الثوبين فإن استصحاب طهارة الثاني ونجاسة الأول جاريان، ولا يلزم منه تجويز ترك موافقة قطعية لازمة، إذ لم يلزم من العلم بإصابة هذه القطرة لأحد الثوبين إجمالا علم إجمالي بحدوث تكليف غير ما كان معلوما سابقا، فإجراء كل من الأصلين في موضوعه مما لا مانع عنه. ومما ذكرنا يظهر موضع النظر في ما أفاده الأعلام، ولا سيما ما جعله الشيخ الأعظم (قدس سره) تحقيقا في المقام، والله العاصم. الأمر الثامن: أن هذا الذي مر كله - كما هو واضح - إنما هو في ما كان التكليف وجوبا وإيجابا وأما إذا كان التكليف المفروض تحريم شئ فشك في جزئية شئ أو شرطيته للحرام أو مانعيته عنه فهل هو في إجراء البراءة أو الاحتياط مثل التكاليف الإيجابية، أم لا ؟ والحق أن يقال: إن القدر المعلوم في التكليف بالحرام الذي شك في جزئية شئ أو شرطيته له أو مانعيته عنه أن الواجد للمشكوك الشرطية أو الجزئية والفاقد لمشكوك المانعية أو القاطعية حرام قطعا، وأما الخالي عن الجزء أو الشرط المشكوك أو المشتمل على مشكوك المانعية أو القاطعية فحرمته غير معلومة

[ 240 ]

تجري عنها البراءة العقلية والشرعية، وحيث إن هذه الحرمة المجهولة تحريم نفسي مستقل فالبراءة عنها جارية حتى لو قلنا بعدم جريانها في الأقل والأكثر الارتباطيين، كما هو واضح لا يخفى. وليست هذه المحاسبة وحصول الشك في الحرمة بالنسبة إلى مرحلة الإمتثال فقط، بل قبل الأخذ بالامتثال إذا نظرنا إلى الخالي عن الجزء والمشتمل على المانع فنحن شاكون في حرمته، ولا محالة تجري البراءة عنه، ولا مجال للانحلال المبتنى على انبساط التكليف على الأجزاء الذي كان عليه مبنى جريان البراءة عن المشكوك في الأقل والأكثر الارتباطيين في التكاليف الإيجابية، كما عرفت فإن حرمة كل من الأجزاء إنما هي في ما كان جزء للأكثر وإلا فهى مقطوعة العدم، أو مشكوكة تجري عنها البراءة كحرمة الأقل، كما لا يخفى. خاتمة في شرائط الاصول أما الاحتياط فقد مر وجوبه في أطراف العلم الإجمالي وقبل الفحص عن الدليل مع احتمال التكليف. كما أنه لا ريب في حسنه عقلا في ما احتمل التكليف وقام الطريق الظني المعتبر على انتفائه، أو الأصل النافي للتكليف، كاستصحاب نفي التكليف أو الحكم غير الإلزامي، وكالبراءة عن التكليف، فإن رعاية جانب احتمال التكليف الواقعي كاشفة عن اهتمام العبد بمطلوبات المولى، وهي مستحسنة قطعا. ثم لا ريب في أن حسنه بأي مرتبة منه لا يعتبر فيه أكثر من تحقق موضوعه كما أفادوه، وإنما استشكل من استشكل تحققه في بعض الموارد. وموضع الإشكال موردان: أحدهما: ما في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) وهو الاحتياط في ما يحتمل تعلق التكليف التعبدي به قبل الفحص عن حكمه بالرجوع إلى مدارك الاستنباط في

[ 241 ]

المجتهد، أو إلى فتوى المجتهد في العامي: إما من أجل احتمال اعتبار قصد الوجه في كل العمل أو أجزائه مهما أمكن. وإما من أجل لزوم اللعب بأمر المولى في خصوص ما استلزم التكرار. وإما من أجل الإجماع المدعى في كلمات المتكلمين، أو السيدين الرضي والمرتضى (قدس سرهما). وحل هذا الإشكال: أن قصد الوجه غير معتبر قطعا، والتكرار وتعدد الأعمال لا ينافي حصول الطاعة، ولا يلزم منه اللعب بالأمر المنافي للامتثال، ضرورة أن المكلف لا يقصد إلا أن يكون حصول الطاعة بخصوص العمل الذي تعلق به أمر المولى، فما يقع مصداقا للطاعة هو عمل واحد، ولم يقصد المكلف وقوع الامتثال إلا به، وغيره من الأعمال إنما هو طريق لحصول علم المكلف به، فلا يلزم لعب بأمر المولى، غاية الأمر أنه لو لم يكن له في اختيار هذا التكرار غرض عقلائي كان اختياره لهذا الطريق إلى حصول العلم غير عقلائي، إلا أنه مع هذا فلا يكون الامتثال إلا بفرد واحد منها، ولا لعب ولا مضادة لحصول الامتثال به، كما لا يخفى. وأما الإجماع فلا قيمة لدعواه، مع أن احتمال استناد المجمعين إلى مثل ما مر قوي جدا، وكلام السيدين لا يبعد دعوى أنه ناظر إلى ما وقع لجهل المكلف بأحكام العبادة نقص في العبادة، فلا يعم ما نحن فيه. وأما ما في تقريرات بعض الأعاظم من أن الامتثال التفصيلي لما كان مقدما على الامتثال الإجمالي - كتقدمهما على الامتثال الظني وكتقدم الكل على الامتثال الإحتمالي - فلا يجوز العمل بالاحتياط قبل الفحص. ففيه: أنه مجرد دعوى، ولم نقف لها على دليل سوى ما في كلمات الشيخ الأعظم (قدس سره)، وقد عرفت حاله. مضافا الى أن دعوى تقدم الامتثال العلمي بشقيه على الظني إذا كان الظن معتبرا ممنوعة، كما لا يخفى. المورد الثاني: ما في تقريرات بعض الأعاظم من: أنه إذا قام أمارة أو أصل محرز على وجوب شئ إلا أنا احتملنا وجوب شئ آخر مكانه، كما لو ثبت

[ 242 ]

وجوب صلاة الجمعة بخبر معتبر واحتملنا وجوب صلاة الظهر فالاحتياط بإتيان صلاة الظهر إنما يصح إذا أتى بها بعد الجمعة لا قبلها، وذلك أن الإتيان بها قبل الجمعة مناف لإلغاء احتمال الخلاف المأمور به في الأمارات، مضافا إلى أن الامتثال التفصيلي الحاصل باتباع الأمارة أو الأصل المعتبر مقدم على الامتثال الاحتمالي المنبعث عن رعاية احتمال مخالفة الأمارة أو الأصل للواقع. وفي الوجهين ما لا يخفى من الضعف. أما الأول فلأن الإتيان بصلاة الظهر قبل الجمعة لو كان منافيا لوجوب إلغاء احتمال الخلاف لما كان فرق فيه بين تقديمها على الجمعة وتأخيرها عنها، بل إن أصل الإتيان بها لمكان أنه اعتناء باحتمال الخلاف يكون منافيا لوجوب الإلغاء. وحل أصل الإشكال أن إلغاء احتمال الخلاف ليس واجبا تكليفيا، بل إنما يراد به مجرد اعتبار ذاك الأصل أو تلك الأمارة، بمعنى جواز الاستناد إليها وطريقيته أو حجيته للمكلف، وهو لا ينافي الاعتناء به احتياطا، بل يكون مستحسنا عقلا، كما لا يخفى. وأما الوجه الثاني: فلما عرفت من أن الامتثال الاحتمالي الذي هو متأخر عن التفصيلي إنما هو فيما إذا أراد المكلف الاكتفاء بأحد أطراف الاحتمال، وهو أجنبي عما نحن فيه، فإن المكلف بان على الإتيان بكلا الطرفين، غاية الأمر أنه قد يقدم هذا الطرف وقد يقدم ذاك، فامتثاله علمي يقيني، إلا أنه إجمالي ولا دليل على تأخر الامتثال الإجمالي عن العلمي التفصيلي، كما عرفت. على أن ما نحن فيه ليس من ذاك الباب، فإن العمل بالأمارة أو الأصل ليس إلا امتثالا تفصيليا ظاهريا متفرعا على الأمارة أو الأصل، فهو امتثال ظني، أو أدنى منه، ولا دليل على تقدمه على الامتثال العلمي الإجمالي، والله العاصم. وأما أصل البراءة: فالعمدة منه عند الاصوليين هي الجارية منها في الشبهة الحكمية، ولا ريب في اشتراط جريانها بالفحص عن الدليل على التكليف وعدم الظفر به والوجه فيه:

[ 243 ]

أما في البراءة العقلية فلأن مستندها حكم العقلاء بقبح العقاب، ولا شك أن البيان الذي هو غاية له إنما هو المتعارف منه، الصادق بوجود الدليل عليه في الكتب التي بأيدينا، فلا يحرز موضوعه قبل الفحص، ويكون الاستناد إليه قبله من قبيل الرجوع إلى العام في شبهته المصداقية. وأما في البراءة الشرعية فما كان منها بمضمون حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، نظير قوله تعالى: * (ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * جرى فيها ما عرفت في حكم العقل حرفا بحرف، وإنما الكلام في ما كان دالا على البراءة، وعدم العقاب على ما لم يعلم من التكليف، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي.... ما لا يعلمون " فإنه لا ينبغي الريب في صدق عنوان " ما لا يعلمون " على التكاليف المجهولة قبل الفحص، فإنها لو كانت مجعولة في الواقع فلا شبهة في أنها بعد للمكلف مجهولة غير معلومة. وما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) من أن المراد بما لا يعلمون: ما لا حجة عليه، ولذا كانت أدلة الأمارات والاستصحاب واردة على حديث الرفع، وأن إرادة الحجة من مادة العلم أمر شائع في الكتاب والسنة، وعليه فحيث إن وجود الدليل على التكليف في ما بأيدينا من القرآن والمجاميع الروائية حجة علينا ولو قبل الفحص، فالتكليف المشكوك قبل الفحص حيث نحتمل وجود دليل عليه فنحتمل خروجه عن عنوان ما لا يعلمون، ويكون التمسك لرفعه بالحديث رجوعا إلى العام في شبهته المصداقية. فهو مما لا يمكننا تصديقه، وذلك أن العلم المذكور في الكتاب والسنة وإن كان لا يراد به خصوص القطع إلا أنه لا يراد به أيضا مطلق الحجة، فإن عنوان الحجة يصدق على بعض الاحتمالات، كما في أطراف العلم الإجمالي، أو الاحتمال الذي نص المولى على لزوم الاحتياط فيه، لكنه لا ينبغي الشك في عدم صدق العلم عليه، فإن كلا من طرفي العلم الإجمالي في الشبهة الحكمية مما لم يعلم حرمته أو وجوبه، ومورد الاحتياط المفروض أيضا لم يعلم فيه حكم الله

[ 244 ]

الواقعي، فالحكم الواقعي مجهول غير معلوم إلا أنه بحيث لو كان فالحجة عليه قائمة، نعم، كل ما قام عليه طريق معتبر يطلق عليه أنه معلوم. وبعبارة اخرى: العلم ما يرادفه في الفارسية. " دانستن " وهو وإن لم يطلق على خصوص القطع المائة في المائة، بل يطلق على كل ما قام عليه طريق معتبر إلا أنه لا يطلق أيضا على كل ما هو حجة معتبرة وإن لم تكن طريقا. ومنه تعرف أن أدلة الأمارات المعتبرة توجب خروج ما قامت عليه أمارة عن عنوان " ما لم يعلم " حقيقة، وهذا بخلاف الاستصحاب الذي هو أيضا من الاصول، فجريانه لا يوجب خروج مجراه عن ذاك العنوان حقيقة، إلا أن قوله: " لا تنقض اليقين... " تعبد ببقاء اليقين الذي هو العلم، فلازم جريانه تحقق علم تعبدي، ونتيجته: حكومته على حديث الرفع، وكل ما كان على عنوان العلم واليقين. فلا ينبغي الشك في صدق " مالا يعلمون " على التكاليف المجهولة قبل الفحص، فإطلاق حديث الرفع يقتضي جريان البراءة الشرعية ولو قبل الفحص أيضا إلا أنه لابد من الخروج عنه لوجوه: منها: قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * بيان الدلالة: أنه تعالى أوجب على المخاطبين - بعد فرض أنهم لا يعلمون بأن النبي يمكن أن يكون بشرا - أن يسألوا أهل الذكر، ومقتضاه أنه ليس لهم أن يقعدوا مقاعدهم، ولا يلتفتوا إلى من يدعي النبوة والإتيان بأحكام من الله تعالى اعتذارا بأنا لا نعلم صدقه، ولا أن ما يدعيه أنه حكم الله كان حكما منه تعالى، فنحن غير عالمين بذلك، فنستريح من تعب السؤال والفحص، بل أوجب عليهم أن يفحصوا ويسألوا أهل الذكر حتى يتبين لهم الأمر، وهذا الذي تضمنته الآية مصداق لقاعدة كلية عقلائية، وإرشاد إليها وإمضاء لها، وهي: أنه كلما احتمل حكم ووظيفة من ناحية المولى الواجب الطاعة فعلى العبد أن يفحص من مظان استبانته، وليس له أن ينام ويستريح من تعب الفحص والسؤال إلى مثل قولهم (عليهم السلام): " رفع ما لا يعلمون ".

[ 245 ]

ومنها: قوله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم... إلى آخره) * فالآية المباركة وإن نفت وجوب النفر عن مجموع المؤمنين، إلا أنها لم تجوز لهم أيضا النوم والقعود عن التفقه وتعلم أحكام الدين، ولا الاعتذار بعدم العلم بها، بل أوجبت لهم السفر والنفر لتعلمها، فلا يجري حديث الرفع، ولا يكون عذرا قبل النفر أو الفحص عن أحكام الله تعالى. ومنها: موثقة مسعدة بن زياد - المروية عن أمالي الشيخ الطوسي (قدس سره) قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وقد سئل عن قوله تعالى: * (فلله الحجة البالغة) * فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما ؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ فيخصمه، فتلك الحجة البالغة (1) ودلالتها واضحة على أن الجاهل بالحكم القادر على التعلم غير معذور في مخالفته، وهو عبارة اخرى عن عدم جريان حديث الرفع قبل الفحص مع إمكانه. ومنها: صحيحة أبي جعفر الأحول مؤمن الطاق، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا إمامهم، ويسعهم أن يأخذوا بما يقول وإن كان تقية " (2). فقد دلت بالصراحة على أن الناس ليسوا في سعة لجهلهم بأحكام الله، بل عليهم أن يسألوا عنها ويتفقهوا فيها، وتعقيب قوله: " ويتفقهوا " بقوله (عليه السلام): " ويعرفوا إمامهم " لا يوجب صرف ظهور قوله (عليه السلام): " ويتفقهوا " عن ظاهره الذي قدر متيقنه التفقه في أحكام الله إلى خصوص معرفة الإمام (عليه السلام)، بل لو اريدت منه فهي داخلة في عمومه. وبالجملة: فدلالة الصحيحة على المطلوب لا ريب فيها. وقريب منها: ما أرسله يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه قال: سئل


(1) تفسير البرهان: ج 1 ذيل الآية 149 من سورة الأنعام ص 560. (2) اصول الكافي: ج 1 باب سؤال العلم وتذاكره ص 40 ح 4. (*)

[ 246 ]

أبو الحسن (عليه السلام): هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه ؟ فقال: لا (1). فإن العمل بالتكاليف الشرعية مما لا ريب في كونه داخلا في عموم ما يحتاجون إليه، فوجب السؤال عنها، وليسوا في سعة ليتركوا المسألة عنها. ومنها: الأخبار الكثيرة الواردة بألسنة مختلفة، الموجبة لتحصيل العلم والتفقه في الدين، فقد استفاض عنهم (عليهم السلام) أن " طلب العلم فريضة " (2): ولا ريب أن إرادة علم الدين والشريعة متيقنة منه. وفي مرسل أبي اسحاق السبيعي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال... الى أن قال: والعلم مخزون عند أهله وقد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه " (3). وفي صحيح أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لوددت أن أصحابي ضربت رؤرسهم بالسياط حتى يتفقهوا " (4). وفي رواية المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا " (5)، إلى غير ذلك. وتقريب دلالتها: أن إيجاب تعلم أحكام الدين والتفقه فيه يدل دلالة واضحة على أن المكلف مأخوذ بالوظائف المجعولة الواقعية، ولذلك وجب تعلمها مقدمة لصحة أعماله وتطبيقها عليها، لا أن التفقه واجب نفسي، أو أنه إنما وجب لكي تبقى الشريعة بانتقال العلم من كل عالم إلى من يتعلم منه، فإنه أيضا وإن كانت غاية صحيحة، إلا أنه لا ريب في أن ما ذكرناه من الوجوب المقدمي التهيؤي أمر مفهوم منها، لا يصح صرفها الى خصوص غيره. ومنها: ما دل على وجوب السؤال عن امر الدين، ففي مرسلة يونس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اف لرجل لا يفرغ نفسه في كل


(1 - 4) اصول الكافي: ج 1 الباب 1 من أبواب كتاب فضل العلم ص 30 - 31. (5) اصول الكافي ج 1، الباب 1 من أبواب كتاب فضل العلم، ص 31، ح 7. (*)

[ 247 ]

جمعة لأمر دينه فيتعاهده ويسأل عن دينه " (1). وبيان دلالتهما يعلم مما ذكرنا في سابقتها. وفي صحيحة الفضلاء: زرارة ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، قالوا: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لحمران بن أعين في شئ سأله: " إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون " (2)، دلت على أن الواقع المجهول إذا كان موجبا للهلاك فمن تمكن من السؤال ولم يسأل فلا محالة يقع في ذلك الهلاك، وهو لا يكون إلا إذا كان التكليف منجزا على مثله، وهو خلاف رفع ما لا يعلمون. وفي مرسلة ابن أبي عمير الذي عمل الأصحاب بمراسيله، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسلوه فمات، قال: " قتلوه، ألا سألوا ؟ فإن دواء العي السؤال " (3). فقد وبخهم على ترك السؤال عن الوظيفة الذي هو دواء الشاك العي، وفيه دلالة على وجوبه حتى يخرج عن العي، ويزول بالجواب حيرته. وفي صحيحة ابن أبي عمير، عن محمد بن مسكين وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قيل له: إن فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات، فقال: " قتلوه، ألا سألوا ؟ ألا يمموه ؟ إن شفاء العي السؤال " (4). إلى غير ذلك من الأخبار فإن دلالتها على وجوب التعلم وتحصيل العلم بالأحكام واضحة، لا سيما إذا انضم إليها ما يدل على أن العلم مقدمة للعمل ويهتف به، فراجع (5). وبالجملة: فملاحظة كل واحد من هذه الآيات والأخبار فضلا عن جميعها توجب القطع بعدم جواز الرجوع إلى إطلاق مثل حديث الرفع قبل الفحص، بل


(1) اصول الكافي ج 1 باب سؤال العلم وتذاكره ص 40. (2 و 3) اصول الكافي: ج 1 باب سؤال العلم وتذاكره، الحديث 2 و 1 (4) الوسائل: ج 1 الباب 5 من أبواب التيمم، الحديث 3 و 1. (5) اصول الكافي: ج 1 باب استعمال العلم ص 44. (*)

[ 248 ]

إنما الوظيفة هو الفحص والسؤال وتعلم التكاليف، وإذا قصر عنها يؤاخذ ويقال له يوم القيامة: " أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ ". وهذه الأدلة اللفظية من الآيات والروايات هي عمدة الوجه لتقييد إطلاق أدلة البراءة الشرعية. وقد يستدل لوجوب الفحص وعدم جواز الرجوع الى الإطلاق بالعلم الإجمالي وتقريره: أن كل مجتهد قبل الأخذ في استعلام الأحكام الشرعية فهو يعلم إجمالا بأن هنا عددا من الواجبات والمحرمات قام عليها أدلة معتبرة سندا ودلالة، بحيث لو فحص عنها في مظانها لظفر بها. وقد تقرر أن العلم الإجمالي يوجب الموافقة القطعية في جميع أطرافه، وأن التكليف الواقعي الموجود في كل من أطرافه يتنجز به، وحينئذ فإذا شك في وجوب شئ أو حرمته فقبل الفحص عنه يحتمل كونه من أطراف ذاك العلم الإجمالي، ولو كان لكان منجزا خارجا عن إطلاق مثل حديث الرفع حكما، فلا يجوز الاستناد في رفعه إلى مثله، فإنه من قبيل الرجوع الى العام في الشبهة المصداقية لمخصصه، فإذا تفحص مظانه ولم يجد عليه دليلا معتبرا فلا محالة يقطع بأنه لم يكن من أطراف ذاك العلم الإجمالي، إلا أنه مع ذلك لما كان شاكا في وجوبه أو حرمته يجري فيه أدلة البراءة الشرعية. هذا. وقد اورد عليه بوجوه ثلاثة: أحدها: أنه كالخروج عن موضوع الكلام، إذ محل الكلام هو الرجوع إلى البراءة في الشبهة البدوية، وهذا الوجه مؤداه عدم جوازه في الشبهة التي من أطراف العلم الإجمالي. وفيه: أن عمدة محل الكلام هو إجراء البراءة في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الأدلة، ومؤدى هذا الوجه عدم جواز إجرائها، غاية الأمر أن ملاك العدم بناء عليه هو العلم الإجمالي. وبالجملة: فمصب جميع الكلمات مورد واحد، هو: أنه هل يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص أم لا ؟ والاستدلال عليه بالعلم

[ 249 ]

الإجمالي أو بغيره من الوجوه لا يوجب خروجا عن محل الكلام، " وكل الى ذاك الجمال يشير ". وما هو خارج عن محل الكلام هو ما إذا كان في المسألة علم إجمالي خاص بها، مثل العلم بوجوب الظهر أو الجمعة، لا مثل ذاك العلم الإجمالي الوسيع الموجود في كل شبهة تعد بدوية أيضا، كما لا يخفى. ثانيها: أن أطراف العلم الإجمالي لا تنحصر في محتملات الأحكام التي تظفر بالدليل المعتبر عليها إذا فحص عنها، بل كل أحد يعلم إجمالا: بأن لشرع الإسلام واجبات ومحرمات، وكل ما يحتمل وجوبه أو حرمته يكون من أطراف هذا العلم، والفحص إذا كان لا يزيل احتمال التكليف، فلا يوجب خروجه عن كونه طرفا للعلم المذكور، ومعه فلا تجري فيه البراءة. وفيه: أن ذاك العلم الإجمالي الكبير الواسع الأطراف ينحل بهذا العلم الإجمالي الصغير، فإن الأحكام الموجودة في الكتاب والسنة التي يظفر عليها، بل المعلوم إجمالا بينها أكثر مما يعلم وجوده بذاك العلم الإجمالي الكبير ويحتمل إنطباقها عليه، فلا علم إجمالي بوجود حكم آخر خارج عن الكتاب والأخبار الواصلة، فإذا فحص بينها ولم يعثر عليه خرج عن كونه طرفا لهذا العلم الإجمالي ويجري فيه أصالة البراءة شرعا وعقلا. ثالثها: أن هذا العلم الإجمالي إنما يمنع عن الرجوع إلى البراءة بادئ الأمر وأواسطه، وأما إذا استنبط المجتهد معظم مسائل أبواب الفقه بحيث لا يعلم بعده بوجود تكليف إلزامي آخر في ما بقى من الموضوعات، فبنفس ذاك الإنحلال المذكور آنفا حيث يحتمل إنطباق المعلوم بهذا العلم الإجمالي على ما استنبطه من الواجبات والمحرمات تفصيلا ينحل علمه الاجمالي، فلا علم إجمالي له بعده حتى يمنع عن الرجوع إلى أصالة البراءة. والجواب عنه بما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) من أن المعلوم إذا كان له عنوان فهو موجب للإحتياط حتى في موارد شبهته البدوية، مخدوش، بمنع أصل المدعى أولا ولا سيما إذا كان العنوان جعليا من عندنا لا موضوعا في لسان

[ 250 ]

الشريعة. فالإنصاف أن دليل العلم الإجمالي قاصر عن إثبات وجوب الفحص في جميع الموارد. لكنه لا يضر بأصل المطلب، إذ قد عرفت قيام الدليل على وجوبه من ناحية آيات الكتاب والسنة المعتبرة. هذا كله في أصل وجوب الفحص. وأما مقداره: فالظاهر أن حده أن ييأس عن قيام دليل معتبر ويطمئن بعدم وجوده فيما بين الأدلة، على ما هو المعمول بين الأصحاب، فبعد وصوله إلى هذا الحد يجري في حقه البراءة العقلية والشرعية، أما العقلية فواضحة، وأما الشرعية فلأن أدلة وجوب السؤال والتعلم إنما تمنع عن الرجوع إلى مثل حديث الرفع إبتداء، وأما إذا قام مقام السؤال والتعلم، وفحص مظان الدليل على التكليف إلى حد اليأس فليس فيها دلالة على وجوب الفحص أزيد منه، ولا فيها مانعية عن الرجوع إلى إطلاق أدلة البراءة، فنفس أدلة ايجاب الفحص قاصرة عن الدلالة على المنع، وعليه فلا حاجة إلى أدلة نفي العسر والحرج لنفى أزيد منه، بل مجرد قصور أدلة وجوب الفحص كاف في جواز الرجوع إلى إطلاق أدلة البراءة. والله العالم وهو الموفق. تفريع: إذا ترك الفحص وعمل بما يطابق البراءة: فتارة يبحث عن استحقاقه للعقاب، واخرى عن صحة العمل الذي أتى به وبطلانه. أما الأول فالتحقيق: أن الحكم الواقعي للعمل إذا كان غير إلزامي فلا تكليف هنا واقعا، ولا معصية، فلا محالة لا يستحق عقاب العصيان، وإن كان مستحقا لعقاب التجري إن قلنا به. وأما إذا كان الحكم الواقعي حكما إلزاميا: فإن كان عليه دليل معتبر كان يصل إليه لو فحص فهذا الحكم يتنجز عليه بمجرد الاحتمال قبل الفحص لما مر من حصول البيان عليه عند العقلاء، ومن دلالة أدلة وجوب التعلم، مثل قوله (عليه السلام): هلا

[ 251 ]

تعلمت حتى تعمل ؟ " عليه. وأما لو لم يكن عليه دلالة أو كان الدليل نافيا له فالظاهر أن التكليف الواقعي لا يتنجز حينئذ وذلك أن ما يتصور أن يكون منجزا له: إما حكم العقلاء، وإما الأدلة الشرعية، وشئ منهما لا يصح منجزيته. أما العقلاء فلأن الحكم إنما يتنجز عندهم بعد تمامية البيان، وهاهنا لم يتم البيان من ناحية المولى، فإنه إنما يتم البيان بقيام دليل معتبر ممكن الوصول عليه، وإلا فالعقاب عليه عقاب على ما لا بيان عليه، وهو قبيح. وأما الأدلة الشرعية فإن لسانها الأولي الحث على التعلم، وإن الجهل ليس عذرا مع إمكان التعلم، ولازمه أن يفحص المكلف لكي يحصل له العلم، فلا يجوز أن يستند إلى أدلة البراءة قبل أن يفحص، إلا أن من المعلوم أن وجوب هذا التعلم - بما له من اللوازم - إنما هو في ما أمكن تعلم الحكم الواقعي، وأما إذا كان لا طريق الى معرفته بل ربما كان مقتضى الطريق عدمه فليس هنا شئ يجب تعلمه، غاية الأمر أنه حيث يحتمل وجود هذا الحكم فعليه أن يفحص لكي يظهر له عدمه، ويعلم أن هنا ليس شيئا واجب التعلم، فإذا فحص وعلم بعدم حكم بهذه الأوصاف علم أن التكليف بوجوب التعلم بالنسبة الى هذا الحكم منتف، لعدم طريق الى تعلمه. وبالجملة: إذا كان لا دليل على هذا الحكم الواقعي فلا يجب تعلمه، لعدم إمكانه، ومعه فلا دليل على تنجز ذاك الحكم الواقعي الذي لا دليل عليه. وبعبارة اخرى: دليل التنجيز هنا وجوب تعلمه، فإذا لم يجب لعدم إمكانه فلا وجه لتنجزه. فتحصل: أن هذا المورد مجرى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومصداق لما لا يعلمون، فيشمله حديث الرفع. نعم، لا يكون شئ منهما حجة قبل الفحص، لاحتمال وجود دليل معتبر عليه، فإذا فحص ولم يكن دليل علم أنه من صغريات القاعدة والحديث. فالمكلف في مثله محكوم بأن عقابه قبيح، لعدم تماميه البيان، وهو مشمول لإطلاق حديث الرفع، وإن كان لا يعلمه هو نفسه.

[ 252 ]

إن قلت - كما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) -: إن العلم الإجمالي بالأحكام الثابتة في الشريعة يوجب تنجز تلك الأحكام على ما هي عليها، إلا أن ينحل العلم الإجمالي بالفحص، والعلم بمقدار من الأحكام يمكن انطباق المعلوم بالإجمال عليه، ومع عدم الفحص يلزمه الاحتياط بفعل كل ما يحتمل وجوبه وترك كل ما يحتمل حرمته، فلا قبح في عقاب التارك للاحتياط والفحص معا. قلت: ذاك العلم الإجمالي الكبير ينحل - كما عرفت - بعلم إجمالي صغير بوجود أحكام واقعية في دائرة موارد الأدلة التي يعثر عليها بالفحص، وإلا كان اللازم أن يحتاط حتى بعد الفحص وعدم العثور على الدليل، فإذا كان المفروض عدم قيام الدليل على ثبوت تكليف إلزامي في مورد - كما هو المفروض - فلا محالة يكون خارجا عن أطراف ذاك العلم الإجمالي الصغير، داخلا في عموم " ما لا يعلمون " ومصداقا لقاعدة قبح العقاب، إلا أن المكلف لا يعلم بهذا الدخول والمصداقية حين العمل، مع أنه مصداق لهما واقعا، ومجرى لقبح العقاب على التكليف الواقعي، وربما ينكشف أنه كان كذلك بعد أن فحص ولم يعثر على دليل، فحينئذ يعلم بأنه كان داخلا في قاعدة القبح ومجرى لحديث الرفع من أول الأمر، كما لا يخفى. إن قلت: إن الأحكام والوظائف المجعولة في مجاري الاصول إنما جعلت لأن تكون عذرا للجاهل عند المخالفة ومنجزا للواقع عند الإصابة - كما في الاصول المحرزة - والمعذرية كالمنجزية متقومة بالإلتفات والعلم بهذه الوظيفة فبطبع الحال لا مجال لها مع الجهل والشك في كون المورد مصداقا للأصل أم لا ؟ فلا محالة لا تجري قاعدة القبح، ولا حديث الرفع إلا بعد الفحص وعدم الظفر، لا حتى بالنسبة لما قبله، فراجع ما أفاده المحقق الخراساني في تعليقته على الفرائد عند البحث عن اعتبار الشك الفعلي في جريان الاستصحاب (1).


(1) انظر حاشية فرائد الاصول: ص 165 - 166. (*)

[ 253 ]

قلت: إن الوظائف المجعولة في مجاري الاصول وإن كانت كما افيد إلا أن تقوم المعذرية بالالتفات إليها والعلم بها حين العمل ممنوع، لعدم الدليل عليه بعد ما كان مقتضى الإطلاقات تعلق الحكم بعنوان صادق حتى حين الجهل به أيضا، ففيما نحن فيه كل ما لا يعلم به ولم يقم دليل معتبر يظفر به بعد الفحص عليه كان داخلا في إطلاق الحديث ومصداقا لقاعدة قبح العقاب، وهو عنوان يصدق حتى قبل الفحص أيضا إذا كان بحيث لا يظفر على الحكم الإلزامي بعد الفحص أيضا، فيصدق عليه حكم الرفع وقبح العقاب إلا أن المكلف غير عالم بهذا الرفع والقبح حين العمل، فإذا علم به بعد الفحص نفعه هذا الرفع أو القبح الواقعي، بل لو لم يعلم به أصلا كان نافعا يوم لا ينفع مال ولا بنون، كما لا يخفى. ثم إنه قد يستشكل ترتب العقاب على الواقع المجهول: بأن نفس الجهل وعدم وصوله مانع عن ترتب العقاب عليه وتنجزه، فلا محالة يترتب العقاب على مخالفة وجوب التعلم بما أنه طريق إلى إحراز الواقع. أقول: عد مجرد الجهل مطلقا مانعا عن التنجز غريب، بل العقل يحكم بتنجز التكليف المجهول قبل الفحص إذا كان بحيث يعثر على حجة مقتضية له، فلا دليل على مانعية مجرد الجهل، كما في أطراف العلم الإجمالي أيضا. ثم إن ظاهر كلمات كثير من الأعاظم هنا - كالكفاية والفرائد - أن تارك الفحص العامل بما يطابق البراءة غافل عن الحكم الواقعي، والخطاب مرفوع عنه، لعدم إمكان انبعاثه عنه. وفيه أولا: أن ملازمة ترك الفحص للغفلة عن الحكم بالمرة حين العمل ممنوعة، بداهة إمكان أن يكون شاكا ملتفتا، ومع ذلك عمل بما يطابق البراءة. وثانيا: أن حقيقة التكاليف - كما مر غير مرة - إنما هي قوانين اعتبارية موضوعة، لا إرادات شخصية، ومن الواضح أن عمومها للغافل ولا سيما إذا كان تقصيره عن التعلم هو الموجب لغفلته مما لا إشكال فيه، وتنجزها بالنسبة إلى مثله مما لا ينبغي أن يعتريه شبهة، فلا حاجة الى ما في الكفاية من تفكيك الخطاب عن

[ 254 ]

العقاب، بل الخطاب هنا قانون موضوع لا بأس بشموله للغافل أيضا. وتفصيل المقال موكول إلى مجال آخر. فالحاصل: أن العامل بما يطابق البراءة قبل الفحص إنما يعاقب عقاب المعصية إن خالف التكليف الإلزامي الواقعي المجهول الذي يكون بحيث لو فحص عنه لظفر بدليل عليه، وفي غير هذه الصورة كان عمله تجريا للمولى، ويكون من صغريات تلك المسألة. ثم إن صاحب المدارك في ذيل البحث عن قول المحقق (قدس سره) في أحكام النجاسات: " وإذا أخل المصلي بإزالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه أعاد في الوقت وخارجه ". قال: صرح العلامة وغيره بأن جاهل الحكم عامد، لأن العلم ليس شرطا للتكليف، وهو مشكل لقبح تكليف الغافل، والحق أنهم إن أرادوا بكون الجاهل كالعامد... أنه كالعامد في استحقاق العقاب فمشكل، لأن تكليف الجاهل بما هو جاهل به تكليف بما لا يطاق نعم هو مكلف بالبحث والنظر إذا علم وجوبهما بالعقل أو الشرع، فيأثم بتركهما لا بترك ذلك المجهول، كما هو واضح (1). انتهى. أقول: أما مسألة تكليف الجاهل أو الغافل في ما نحن فيه فقد عرفت الكلام عنها. وأما مسألة ترتب العقاب على مجرد ترك الفحص فهي مبتنية على كون وجوب التعلم نفسيا، وهو غير واضح، بل ممنوع، وذلك أنه لا ريب أن العقلاء والعقل يحكمون على الجاهل المحتمل لصدور تكليف من ناحية الشرع بأنه لو كان هنا تكليف وكان قد بينه الشارع بحيث يصل المكلف إليه إذا فحص عنه فهذا التكليف يكون منجزا على المكلف يستحق العقاب على مخالفته، ولو لم يفحص عنه ولم يصل إليه، فحذرا عن ذاك العقاب المحتمل يلزمه إما بالاحتياط أو الفحص والعمل بما يودي إليه، فالفحص أحد الطريقين إلى الحذر عن ذاك


(1) المدارك: ج 2 ص 344 طبع مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). (*)

[ 255 ]

العقاب المحتمل، وإلزام العقل به إلزام إرشادي إلى التحذر عن العقاب الواقعي المحتمل لا غير، كإرشاده الى التحذر عن عقاب عصيان التكاليف المعلومة، لا أن فيه مصلحة نفسية خاصة، وعليه فإذا ورد من الشرع بعث الى التعلم والفحص عن الأحكام فبما أن المخاطبين به قد ارتكزت أذهانهم على ثبوت هذا الوجوب الإرشادي فلا محالة لا يفهمون من بعث الشارع أيضا، إلا أن الشارع أيضا قد قال بما يقول به العقل والعقلاء، وهو مؤكد لقولهم وبصدد الإمضاء فنظرهم، لا سيما وقد نطق بعض هذه الأدلة الباعثة على التعلم الآمرة بالفحص بهذا السر الذي ينظر العقل أيضا إليه كما في موثق مسعدة بن زياد: " وإن قال - يعني العبد -: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ " فإنه ظاهر في أن البعث نحو التعلم ليس إلا لأ نه مقدمة للعمل. وبالجملة: فلا تدل روايات الحث على الفحص والتعلم على أزيد من وجوب إرشادي ليس الغرض منه إلا ما يترتب ويقع لولاه أيضا. ثم إن هذا كله في التكاليف المطلقة واضح. وأما المشروطات فقد يستشكل فيها - كما في رسائل الشيخ الأعظم (قدس سره) بأنها لا تنجز قبل فعلية شرطها، فإنه مقتضى الاشتراط، فإذا فرض غفلة المكلف عنها بعد حصول شرطها لزم أن لا يترتب عليها عقاب أصلا، فمثلا إذا فرض غفلة المكلف عند الاستطاعة عن تكليف الحج، والمفروض أن لا تكليف قبلها فلا سبب هنا لاستحقاق العقاب رأسا، أما حين الالتفات إلى امتثال تكليف الحج فلعدم التكليف به، لفقد الاستطاعة، وأما بعد الاستطاعة فلفقد الالتفات وحصول الغفلة. والحق في الجواب: أن مقتضى حكم العقل والعقلاء بلزوم الفحص كحكم الشرع بوجوب تعلم الأحكام أن أحكام الشرع كلها للجاهل الملتفت الذي يقدر بالفحص على رفع الجهل منجزة، بمعنى أنه بمنزلة العالم بها، ولا يعد جهله بها عذرا له في شئ من الموارد، بل بمجرد الاحتمال يتم البيان، ولا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وتقوم عليه الحجة البالغة المدلول عليها بقوله: " أفلا تعلمت

[ 256 ]

حتى تعمل ؟ "، وهذا لا فرق فيه بين أنواع التكاليف التي يكون المكلف في معرض الابتلاء بها، مطلقة كانت أم مشروطة، فمن يرى نفسه في معرض الاستطاعة ويحتمل وجوب الحج على المستطيع فيكون تكليف " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " عليه متنجزا إذا استطاع، وليس جهله به عذرا مقبولا، فهو كالعالم بهذا التكليف المشروط لا يقبل منه عذر إلا ما يقبل من العالم، وقد عرفت أن الغفلة الناشئة من اللامبالاة ليست عذرا مقبولا، ولا مانعا عن تنجز التكليف بعد حصول شرط فعليته. نعم، إذا حصلت له غفلة أكثر أو نسيان أو إكراه وأمثال ذلك مما لو عرض للعالم أيضا لكان معذورا، فلا ينبغي الريب في أنه أيضا معذور، لكن الكلام ليس فيها. ثم إن صاحب الكفاية الذي أجاب عن إشكال الغفلة في المطلقات بأنها لا تمنع استحقاق العقاب وإن منعت توجه الخطاب له أن يجيب بهذا الجواب هنا أيضا حرفا بحرف، بعد أن كان الكلام - كما عرفت - في الغفلة الناشئة عن اللامبالاة لا فيما يزيد عليها، ولا يحتاج إلى بناء الجواب على مبنى إرجاع المشروطات الى المعلقات كما هو مبنى الشيخ الأعظم (قدس سره). ومنه تعرف أن من لا يصدق ذاك المبنى فليس ملزما بإرجاع العقاب الى أنه على ترك التعلم. هذا على مبناه، وإلا فنحن في سعة بحمد الله، والإشكال واضح الاندفاع، كما عرفت ومر بيانه آنفا. هذا كله بالنسبة إلى استحقاق الجاهل العامل بما يطابق البراءة قبل الفحص العقاب. وأما حكم عمله هذا من حيث الصحة والبطلان فمقتضى القاعدة أن ما عمل فيه بما يطابق البراءة لو كان شرطا أو جزءا أو مانعا بحسب الواقع فعمله باطل واقعا، فإن دليل الجزئية أو الشرطية أو المانعية شامل للعالم والجاهل كليهما، وليس في الجاهل الموضوع للبحث دليل ولا أصل عملي مجوز لإقدامه بما يطابق

[ 257 ]

البراءة، حتى يبحث عن اقتضائه للصحة، فعموم أدلة الاعتبار يقتضي البطلان، فإن مقتضى شرطية شئ أو جزئيته أو مانعيته للمكلف به بطلانه بالإخلال به، وهو واضح. كما أن مقتضى القاعدة: أنه إذا كان عمله مطابقا للواقع فيكون محكوما بالصحة، من غير فرق بين المعاملات والواجبات التوصلية والتعبديات، وهو في الأولين واضح. وأما العبادات المشروطة بقصد القربة إذا كان العامل الجاهل بانيا على الاقتصار بما يأتي بها فقد يقال بأنه ليس بصدد الامتثال، وإلا لم يبن على الاقتصار، مع أنه يحتمل تعلق الأمر بغير ما يأتي به. والحق أنه لا يعتبر في تحقق الامتثال أزيد من أن يكون الداعي الى ما يأتي به هو الله تعالى لو كان هو المأمور به، وذلك أن الحق أنه لا يعتبر في قصد القربة المنوط به صحة العبادات سوى أن يكون العمل لله تعالى، وهو حاصل حتى مع البناء على الاقتصار أيضا، فكما أن الناس مختلفون في امتثال التكاليف المعلومة باختلاف الأحوال العارضة على أنفسهم، وباختلاف سهولة الأعمال وصعوبتها، فرب إنسان لا يصوم شهر رمضان لاستصعابه وهو لا يترك الصلاة أبدا، ورب إنسان يصلي الظهرين والعشاءين دون صلاة الصبح في أيام الصيف، لاشتغاله بالنوم وحبه له، ورب إنسان يصلي في الهواء المعتدل أو الحار دون البارد الموجب للانجماد، لضعف إرادته وهمته في تحمل برودة الماء الذي يتوضأ به، إلى غير ذلك ولا يوجب هذا الفتور أن يكون ما يأتي به قد أتى به خاليا عن قصد الامتثال فكذلك الأمر في ما نحن فيه، فقد يكون المكلف ضعيف النية لا يقوم بصدد الامتثال إلا إذا لم يكن ذلك الشئ جزءا، أو لا يقوم بصدد امتثال الأكثر إلا إذا كان عالما بوجوبه تفصيلا، فإذا أتى بالأقل وكان هو الواجب فلا يدعوه الى إتيانه سوى أنه مطلوب له تعالى، فقصر همته وإرادته لا يوجب بطلان ما تعبد به وأتى، وأراه واضحا لا يخفى. تكملة: قد وردت روايات معتبرة معمول بها على استثناء الجهر والإخفات

[ 258 ]

والقصر والإتمام عن هذه القاعدة، وأنه لو جهر مكان الإخفات جهلا وبالعكس، أو أتم مكان القصر كان صلاته ماضية غير محتاجة إلى الإعادة، ولو انكشف له الأمر قبل انقضاء الوقت أيضا، والقول به متعين بعد ورود أدلة معتبرة به وعدم إعراض الأصحاب عنها. إلا أنه قد يستشكل هذا الحكم تارة من حيث إن ظاهر كلام الأصحاب بل الأخبار: أن المكلف مستحق للعقاب على ترك الواقع، فلا محالة يكون التكليف به منجزا، وحينئذ إن تعلق تكليف آخر بما أتى به أيضا لزم وجوب صلاتين على المكلف، وهو باطل بالضرورة، وإن لم يتعلق به أمر وطلب لزم أن يكون غير الواجب مسقطا له في مثل المقام الذي يكون ترتب الأثر على المأتي به منوطا بالقربة المتوقفة على الطلب، وهو غير متصور. واخرى: بأنه كيف يعاقب إذا انكشف الواقع والوقت باق، فإن المكلف حينئذ متهيئ للامتثال، ولا يمنعه عنه إلا قول الشارع عليه بعدم الإيجاب، فكيف لا يوجب الشئ ثم يعاقب على تركه ؟ وثالثة: بأن ظاهر الأخبار أن الصلاة المأتي بها بتلك الكيفية تامة الأجزاء والشرائط، وهو ينافي بقاء شرطية الواقع أو جزئيته بالنسبة للجاهل. هذا. والجواب الصحيح عن الأولين: ما أفاده وشيد أركانه وسد ثغوره صاحب الكفاية (قدس سره)، وعدم النيل لمغزى مراده أوجب أن يستشكله بعض الأعاظم (قدس سره) في تقريرات بحثه، وأرى جواب الكفاية واضحا، كعدم استقامة ما أفاده هذا العظيم، ولا أراه محتاجا الى البيان، فراجع. وأما عن الثالث فالجواب عنه: أنه ليس في أخبار الإتمام مكان القصر أو العكس أزيد من قوله (عليه السلام): " فلا إعادة عليه " (1)، أو قوله (عليه السلام): " فليس عليه إعادة " (2). ونفي وجوب الإعادة أعم من كون المأتي به تاما أو ناقصا سقط الواجب به، كما لا يخفى.


(1 و 2) الوسائل: ج 5 الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 و 3. (*)

[ 259 ]

وأما خبر الجهر والإخفات فهو وإن تضمن قوله (عليه السلام): " وقد تمت صلاته " إلا أن المراد به بقرينة صدره مجرد عدم انتقاض الصلاة وعدم احتياجها الى الإعادة، وإليك لفظ تمام الحديث الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل جهر في ما لا ينبغي الإجهار فيه، وأخفى في ما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: " أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته " (1) فإن نفس التعبير في قوله: " لا يدري " ظاهر في أن هنا حكما واقعا، أعني وجوب الجهر أو الإخفات، والمكلف لا يدري، وعنه التعبير في الصدر بما لا ينبغي الإجهار فيه، وما لا ينبغي الإخفاء فيه، فإذا كان المفروض ثبوت هذا الحكم في الواقع فلا محالة لايراد من قوله: " تمت صلاته " إلا ما يقابل قوله: " نقض صلاته "، يعني أن صلاته ليست منقوضة محتاجة إلى الإعادة. ثم إن أساس الوجهين الأولين من الإيرادات الثلاثة مبني على أن يكون الحكم الواقعي هنا منجزا يستحق العقاب على مخالفته، وليس في شئ من أخبار الباب إشارة إليه، كما هو واضح للناظر فيها. نعم، بعدما عرفت من أن الحق عدم المنافاة بين تنجز التكليف بالواقع، وبين إسقاط الواجب بالمأتي به، فاللازم في استحقاق عقاب الجاهل التارك للفحص في مسألتنا هو المشي على طبق القواعد، وقد مر أن مقتضى القاعدة: أن الجاهل للحكم التارك للفحص العامل بما يطابق البراءة يستحق العقاب على مخالفة تكليف واقعي يظفر بالفحص عليه، كما في مسألة القصر والتمام والإجهار والإخفات. والله العالم. تنبيه: إن الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة على وجوب التعلم ولزوم الفحص كما


(1) الوسائل: ج 4 الباب 26 من أبواب القراءة والصلاة الحديث 1. (*)

[ 260 ]

تقتضي عدم جواز الرجوع الى البراءة إلا بعد الفحص واليأس، هكذا تقتضي عدم جواز الاستناد الى قاعدة التخيير، ولا إلى قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية، ولا الى الاستصحاب فيها إلا بعد الفحص، ضرورة أن مفادها أن الأحكام الواقعية يجب تعلمها والفحص عنها، وأنه يقال للعبد: هلا تعلمت حتى تعمل ؟ فكما لا يجوز له الاستناد في نفي التكليف الى حديث الرفع، بل يقال له: هلا تعلمت ؟ كذلك الاستناد الى سائر الاصول الجارية في الشبهات الحكمية المقتضية لعدم الاعتناء بالحكم الواقعي، وهو واضح. تتمة: إن الأدلة الموجبة للفحص إنما تقتضيه في الشبهات الحكمية، وأما الشبهة الموضوعية فجريان البراءة العقلية فيها من دون الفحص عن الواقع وإن لم يكن واضحا إلا أنه لا ينبغي الريب في عموم أدلة الاصول وشمولها للشبهات الموضوعية قبل الفحص أيضا، ويؤيد هذا العموم قرائن خاصة موجودة في بعض الأخبار المتضمنة لهذه الاصول. ففي خبر عبد الله بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقال لي: لقد سألتني عن طعام يعجبني، ثم أعطى الغلام درهما فقال: يا غلام، إبتع لنا جبنا ثم دعا بالغداء فتغدينا معه، فأتى بالجبن فأكل وأكلنا، فلما فرغنا من الغداء قلت: ما تقول في الجبن ؟ قال: أو لم ترني آكله ؟ قلت: بلى، ولكني احب أن أسمعه منك، فقال: سأخبرك عن الجبن وغيره، كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (1). فإن جوابه (عليه السلام) العملي عن السؤال بإعطاء الغلام درهما يبتاع به جبنا وأكله مما ابتاعه يدل دلالة واضحة على جواز ابتياعه من أي أحد كان ومحكوميته


(1) الوسائل: ج 16 الباب 61 من الأطعمة المباحة، الحديث 1. (*)

[ 261 ]

بالحل بلا حاجة الى أي فحص ولا سؤال، إلا أنه يحتمل فيه أن يكون لأجل الاعتماد على سوق المسلمين، إلا أن بيان الكلية المذكورة في الذيل قد رفعت هذا الإبهام وبينت أن تمام الملاك للحكم بالحلية هو أن كل شئ حلال حتى تعرف الحرام منه فتدعه، ففي الحديث قرينة واضحة على قوة إطلاق هذا العموم. وفي صحيحة زرارة الواردة في الاستصحاب المروية مضمرا عن التهذيب، ومسندا عن الباقر (عليه السلام) في العلل - بعد ذكر فقرات -: قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم طلبت فرأيته فيه بعد الصلاة ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قال: قلت: ولم ذاك ؟ قال: لأنك كنت على يقين من نظافته ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا... الى أن قال: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه فأقلبه ؟ قال: لا ولكنك إنما تريد بذلك أن تذهب بالشك الذي وقع في نفسك (1). فان الصحيحة صريحة في جريان الاستصحاب في الشبهة الموضوعية بلا حاجة إلى الفحص، ومورد السؤال وإن كان الشك في الطهارة إلا أن ملاك الحكم هو أنه لا ينقض اليقين بالشك، وهو عنوان عام في الشبهات مطلقا، وجوبية أو تحريمية، طهارة أو غيرها فتدل على عدم اعتبار الفحص في جريانه. ثم إنه قد فصل بعض الأعاظم (قدس سره) وخص جريان الأصل بما احتاج حصول العلم بالموضوع إلى تحصيل مقدمات غير موجودة، أما إذا لم يحتج إلى أي مقدمة وإنما احتاج إلى مثل النظر في الافق، كمن شك في بقاء الليل وهو على سقف مرتفع والهواء صاف غير مغيم بحيث إذا نظر إلى مطلع الفجر يتبين له الأمر فمثله لا يجري في حقه استصحاب بقاء الليل. أقول: إن كان ذلك لأجل عدم صدق الشك الذي هو موضوع جريانه، فهو ممنوع بديهة، وإن كان لاجل انصراف، فهو ايضا ممنوع، وهل النظر إلى طرفي


(1) علل الشرائع: الباب 80، ص 361، الوسائل: ج 2 الباب 41 من أبواب النجاسات، ذيل الحديث 1. (*)

[ 262 ]

الثوب لتبين أنه هل أصابه الدم أم لا في بعض الموارد إلا مثل النظر إلى الافق، وقد صرح الامام (عليه السلام) بأنه ليس عليه ذلك، وأنه يجري فيه قاعدة الاستصحاب إلا أن يريد هو نفسه إذهاب الشك الذي وقع في نفسه. وكيف كان فمقتضى القاعدة في الشبهات الموضوعية أن جريان الاصول فيها لا يحتاج إلى الفحص أصلا، تحريمية كانت أم وجوبية، سهلا كان تحصيل العلم بالموضوع أم صعبا، نعم، في كل مورد قام الدليل على لزوم الفحص نقول به ونقيد إطلاق الأدلة به. والله العالم. وقد ذكر الفاضل التوني لجريان البراءة شروطا ثلاثة اخر الأول: أن لا يكون إعمال الأصل موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة اخرى، مثل أن يقال في أحد الإناءين المشتبهين: الأصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فإنه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر... الى آخره. أقول: إن كان مراده من هذا الحكم الشرعي الآخر مطلق الحكم الشرعي إلزاميا كان أم لا فلا وجه له ولا توجيه بعد أن كان إطلاق أدلة البراءة شاملا لكلا الموردين، وإن كان مراده خصوص الحكم الشرعي الإلزامي فيمكن توجيهه: بأن أصالة البراءة مبنية على الامتنان، ولا منة فيها إذا كانت مستلزمة لتكليف إلزامي آخر من جهة اخرى. إلا أنه يمكن أن يقال: إن مفاد حديث الرفع - كما عرفت عند البحث عنه - هو رفع ما فيه ثقل وكلفة على الامة المكلفين عن عاتقهم، وإن كان فيه منة فإنما هي بلحاظ رفع هذا الثقيل عن كاهلهم، ولا نسلم لزوم أن يكون فيه منة أزيد من هذا، وحيث إن المرفوع فيه مطلق " ما لا يعلمون " سواء كان مستلزما لتكليف آخر أم لا - كما هو الغالب - فالمنة اللازم وجودها ليست أزيد من المنة اللازمة في رفع هذا الثقيل، وأما أن يكون في رفعه منة ولو بلحاظ جميع لوازمه وملازماته فلا.

[ 263 ]

ثم إن هذا بعد تسليم أن إجراء البراءة مستلزم لثبوت الحكم الآخر، وأما أنه هل يستلزمه ؟ ومتى وكيف يستلزمه ؟ فهو أمر آخر، ومحل البحث عنه مبحث الأصل المثبت من مباحث الاستصحاب. الثاني: أن لا يتضرر بإعمالها مسلم، كما لو فتح إنسان قفص طائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلا فهربت دابته فإن إعمال البراءة فيها يوجب تضرر المالك، فيحتمل اندراجه في قاعدة الإتلاف وعموم قوله: " لا ضرر ولا ضرار "، فإن المراد نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع، وإلا فالضرر غير منفي، فلا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة، فلا يتحقق شرط التمسك بالأصل من فقدان النص، بل يحصل العلم القطعي بتعلق حكم شرعي بالضار، ولكن لا يعلم أنه مجرد التعزير أو الضمان أو هما معا، فينبغي له تحصيل العلم بالبراءة ولو بالصلح. أقول: إن عمدة الوجه لاشتراط هذا الشرط عند قائله: هو أن شرط التمسك بالأصل هو إحراز أن مورده فقدان النص، وبعد احتمال انطباق قاعدة الإتلاف واللاضرر هاهنا فالشرط غير حاصل، فإنه لا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة، فهذا هو الظاهر القريب بالصراحة من كلامه، فاحتمال أن مبنى كلامه أن من شرط البراءة أن يكون في جريانه امتنان على عموم الامة، لا خصوص من تجري في حقه - كما احتمله بعض أعاظم العصر دام ظله - لعله في غير محله. وحينئذ فيرد عليه أولا: أن المانع عن جريان أصل البراءة وغيره من الاصول هو إحراز قيام دليل اجتهادي وطريق معتبر في مورده موافقا كان أو مخالفا لحكومته أو وروده عليه، ومجرد الاحتمال المقوم للشك غير مانع، كما لا يخفى. وثانيا: أنه لا خصوصية حينئذ لإيجاب تضرر المسلم، بل لازم الوجه المذكور أنه كلما احتمل دلالة دليل اجتهادي على حكم المورد فهو خارج عن مجرى البراءة، لصدق قوله: " فلا علم ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصة، فلا يتحقق شرط التمسك بالأصل من فقدان النص " فيه. وهو كما ترى.

[ 264 ]

الثالث: أن لا يكون ذلك الأمر جزء عبارة مركبة، بل كل نص بين فيه أجزاء ذلك المركب كان دالا على عدم جزئيته ما لم يذكر فيه، فيكون نفي الجزء المختلف في جزئيته حينئذ منصوصا لا معلوما بالأصل، كما لا يخفى. وفيه أولا: أنه ليس كل جزء عبادة مركبة كذلك، فإن من المحتمل أن لا يكون في مورد بعض العبادات نص في مقام البيان شارح لأجزائها لكي يتمسك بمفهومه على انتفاء جزئية ما عدا ما ذكر فيه. وثانيا: أن مآل هذا الشرط إلى الشرط الثاني، أعني إحراز عدم النص في الواقعة، وقد مر الكلام عليه. قاعدة لا ضرر: وحيث انجر بنا الكلام إلى اشتراط عدم الضرر في جريان البراءة وكان المستند له حديث لا ضرر، فلا بأس بالبحث عن قاعدة لا ضرر استطرادا، تبعا للمشايخ العظام قدس الله اسرارهم. فنقول: إن الأخبار الواردة فيها مستفيضة كثيرة من طرق الخاصة والعامة، بحيث لا يبعد لو ادعى أحد تواترها، كما عن فخر المحققين. 1 - فقد روى المشايخ الثلاثة الأقدمون في الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه، في الموثق عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن، فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلما تأبى جاء الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه وخبره الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخبره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إن أردت الدخول فاستأذن، فأبى فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمد لك (1) في الجنة، فابى أن يقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) في نسخة من التهذيب " مذلل ". (*)

[ 265 ]

للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار " (1). وما ذكرناه عبارة الكافي ومثلها بلا اختلاف تقريبا عبارة التهذيب (2)، ونحوهما مع اختلاف في الألفاظ ما رواه الصدوق أيضا، إلا أن في آخره: فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأنصاري أن يقلع النخلة فيلقيها إليه، وقال: لا ضرر ولا إضرار (ضرار، خ ل) (3). 2 - وروى الكافي بإسناد فيه إرسال، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) هذه القصة باختلاف لا يضر بالمطلوب، وفي آخره: " فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، قال: ثم أمر بها رسول الله فقلعت، ثم رمى بها إليه، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انطلق فاغرسها حيث شئت (4). 3 - وفي الكافي بسند غير موثوق به، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: وقضى (يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله)) بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء، وقال: لا ضرر ولا ضرار (5). 4 - وفيه وفي التهذيب بهذا الإسناد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار... الحديث (6). وفي الفقيه مثله: باسناده عن عقبة بن خالد (7)، إلا أنه لم يذكر طريقه إلى عقبة، كما في روضة المتقين، قال فيها: والظاهر أخذه من الكافي (8). 5 - وقد روي في المستدرك، عن دعائم الإسلام، عن أبي عبد الله: أن


(1) الكافي: باب الضرار، ح 2 ج 5 ص 292 - 293. (2) التهذيب: الباب 10 من كتاب التجارات ح 36، ج 7 ص 146 - 147. (3) الفقيه: باب المضاربة، ح 18. (4) الكافي: باب الضرار، ج 5 ص 294 الحديث 8. (5) الكافي: ج 6 باب الضرار ص 294. الوسائل: ج 13 الباب 7 من إحياء الموات، الحديث 2. (6) الكافي: ج 5 باب الشفعة ص 280 ح 4، التهذيب: ج 7 باب الشفعة ح 4 ص 164. (7) الفقيه: ج 3 باب الشفعة ح 2. (8) روضة المتقين: ج 6 ص 196 - 197. (*)

[ 266 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لا ضرر ولا ضرار " رواه عنه مرتين في أولاهما نقل نسخة " لا إضرار " فراجع (1). 6 - وفي الوسائل قال الصدوق: وقال (يعني النبي) (عليه السلام) " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (2). هذا كله بالنسبة الى ما وقفنا عليه من نقل الحديث في مجاميعنا الحديثية، مما تضمن نقل جملته المعروفة (صلى الله عليه وآله). وأما كتب أهل السنة الروائية فقد وردت فيها أيضا هذه الجملة المعروفة عنه (صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة من الصحابة، أو أربعة منهم: 1 - فقد روى أحمد بن حنبل في مسنده - في ضمن أخبار عبادة بن الصامت - بإسناده عن عبادة أنه قال: إن من قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن المعدة جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار - والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم... الى أن قال: وقضى أن " لا ضرر ولا ضرار... الحديث " (3). ورواه ابن ماجة القزويني في سننه، بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله قضى أن " لا ضرر ولا ضرار " (4). ورواه أيضا البيهقي بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن من قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قضى أن " لا ضرر ولا ضرار " (5). 2 - وفي سنن ابن ماجة، بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا ضرر ولا ضرار " (6). 3 - وفي سنن البيهقي، بإسناده عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي


(1) المستدرك: ج 17 الباب 9 من إحياء الموات ص 118 من الطبعة الحديثة، وليس فيها نقل تلك النسخة. (2) الوسائل: ج 17 الباب 1 من موانع الإرث ح 10. (3) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 327. (4) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 784، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. (5) سنن البيهقي: ج 6 ص 157 باب من قضى فيما بين الناس بما فيه صلاحهم. (6) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 784. (*)

[ 267 ]

سعيد الخدري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه " (1). 4 - وفي الموطأ لمالك بن أنس، بإسناده عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " لا ضرر ولا ضرار " (2). ورواه البيهقي في باب لا ضرر ولا ضرار بإسناده عن مالك وعده مرسلا (3) ورواه أيضا في باب من قضى في ما بين الناس بما فيه صلاحهم ولم يشر إلى إرساله (4). كما أنه في الباب الأخير المشار إليه روى حديث سمرة، وقول النبي (صلى الله عليه وآله): " أنت مضار " عن أبي جعفر (عليه السلام) (5). هذه هي عمدة الأخبار الواردة من طرق الخاصة والعامة المتضمنة للعبارة المعروفة عن رسول الله: " لا ضرر ولا ضرار " وحيث إن فيها ما هي معتبرة السند فلا يضر ضعف إسناد أكثرها، ولا حاجة الى ثبوت تواترها. فقه الحديث: إن المصرح به في كلام أهل اللغة: أن الضر - بفتح الضاد - مصدر، والضرر اسم مصدر، وهو ما يعبر عنه بالفارسية ب‍ " زيان " وهو النقص الوارد على المال في الغالب، ويستعمل في النقص الوارد على البدن والعرض أيضا. قال في المصباح المنير: الضر: الفقر والفاقة، بضم الضاد اسم، وبفتحها مصدر، وضره يضره - من باب قتل - إذا فعل به مكروها... والضر خلاف النفع، والاسم الضرر هو خلاف النفع، قال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر


(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 69 باب لا ضرر ولا ضرار. (2) الموطأ: ج 2 ص 745 الباب 6 من الأقضية. (3) سنن البيهقي: ج 6 ص 69 باب لا ضرر ولا ضرار. (4) سنن البيهقي ج 6 ص 157. (5) سنن البيهقي ج 6 ص 157. (*)

[ 268 ]

وشدة في بدن فهو ضر بالضم، وما كان ضد النفع فهو بفتحها، وفي التنزيل: إني مسني الضر أي: المرض، والاسم الضرر، وقد يطلق على نقص يدخل الاعيان، ورجل ضرير: به ضرر من ذهاب عين، والجمع أضراء وضارة مضارة وضرارا: بمعنى ضره. انتهى. وفي القاموس: الضر ويضم ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم، ضره وبه وأضره وضاره مضارة وضرارا... والضرر: الضيق والضيق وشفا الكهف. وفي أقرب الموارد: الضرر: سوء الحال والضيق والضيق وشفا الكهف والنقصان يدخل في الشئ، جمع: أضرار، ضره و - به، ن ضرا وضرا: ضد نفعه فهو ضار. وقيل: الضر - بالفتح - مصدر وبالضم: اسم. ضاره مضارة وضرارا: بمعنى ضره و - فلانا: خالفه وضامه. انتهى. ولقد وقفنا في القرآن الكريم على ستة عشر موردا قد استعمل فيها الضر مقابل النفع، تسعة منها بصيغة المصدر، وسبعة بصيغة الفعل المضارع، مثل قوله تعالى في سورة الحج: * (يدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) * (1). كما أنه قد استعمل الضرر فيه في مورد واحد، هو قوله تعالى: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) * (2). ومن الواضح أن المراد به هنا معنى اسم المصدر. كما أنه قد استعمل الضرار في قالب المصدر، أو اسم الفاعل، أو الفعل المضارع في موارد ستة، منها: قوله تعالى: * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) * (3). وحيث جعل التضييق فيه غاية المضارة فلا محالة يراد من المضارة معنى الإضرار الذي فسرها به في المصباح وغيره.


(1) الحج: 12 - 13. (2) النساء: 95. (3) الطلاق: 6. (*)

[ 269 ]

وبالجملة فالظاهر من الضرر ما هو ضد النفع بمعناهما اسم المصدر، ووقوع الضرار في الحديث تلو الضرر يوجب ظهوره أيضا في إرادة هذا المعنى في قالب معنى المصدر، مضافا إلى ما قد عرفت من أن بعض نسخ الفقيه الذي قيل: إنه نسخة مصححة نقله "... ولا إضرار ". هذا بالنسبة إلى لفظتي " ضرر " و " ضرار " الواقعتين في الحديث المبارك، وأما لفظة " لا " فمعلوم أنها التي لنفي الجنس، وإن كانت لا المشبهة بليس أيضا متحدة معها في المعنى. إذا عرفت هذا نقول: إن معنى الجملة التركيبية هو الإخبار بانتفاء جنس الضرر والضرار، فقد أخبر (صلى الله عليه وآله) بأنه لا ضرر أصلا ولا ضرار. ومن الواضح المعلوم أنه (صلى الله عليه وآله) ليس بصدد الإخبار عما هو وضع الحالة الموجودة في العالم، فإنه لا يرتبط به بما أنه نبي ورسول، مع أنه خلاف الواقع، فإن إضرار الناس بعضهم ببعض وابتلاء بني آدم بالضرر أمر شائع لا يخفى على أحد. ولذلك فقد قام المشايخ العظام (قدس سرهم) بصدد تفسير الحديث بما يناسب مقام النبوة والرسالة ويطابق الواقع المشهود أيضا. والمتحصل من كلماتهم بعد الدقة فيها أن الحديث محتمل لإرادة أحد المعاني الثلاثة: الأول: ما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) في " الفرائد " ورسالة " اللاضرر " من أن المراد نفي كل حكم يلزم منه ضرر على أحد، سواء أكان حكما وضعيا - كلزوم البيع الغبني - أم تكليفيا إلزاميا كوجوب الوضوء لمن يضره الماء، أم تكليفيا إباحيا يتوقف ترتب الضرر على إرادة المباح له، كإباحة دخول سمرة في البستان بلا استيذان، فالحديث يدل على نفي تشريع أي من الأحكام يلزم منه الضرر بجميع أقسامها. وفي كيفية إرادة هذا المعنى من قوله: " لا ضرر ولا ضرار " احتمالات:

[ 270 ]

أحدها: أن يكون من باب المجاز في الكلمة، بأن استعمل لفظة " الضرر " في معنى الحكم الشرعي الذي يوجبه، فيكون معنى لا ضرر لا حكم يوجب الضرر، باستعمال الضرر فيه. وفيه: أن التحقيق أنه لا أصل للمجاز في الكلمة في شئ من الموارد أصلا، فإن الارتكاز القطعي شاهد على أن الموارد التي عدوها منه قد استعمل اللفظ في معناه الحقيقي، وادعي انطباقه على المصداق المفروض، فإذا قيل: " رأيت أسدا يرمي " فأسد استعمل في معنى الحيوان الكذائي، وادعي أن زيدا مصداق له، والقرينة قرينة على هذا الادعاء. ثانيها: أن يكون من باب المجاز في التقدير أو الحذف، بأن كان اللفظ الأول " لا حكم يوجب الضرر " - مثلا - ثم حذف جميع ما بعد " لا " حتى بقي منها لفظة " ضرر "، وهذه المحذوفات مفروضة الوجود مقدرة. وفيه: أنه أيضا مثل المجاز في الكلمة حرفا بحرف. ثالثها: أن يكون لفظة " ضرر " مستعملة في معناها، وادعي أن الحكم الموجب له مصداق لهذا المعنى، كما نقوله في: رأيت أسدا يرمي، إلا أن قرينة هذا الادعاء نفس أن إرادة المصداق الحقيقي هنا متعذرة، لوجود حقيقة الضرر في الخارج بداهة، وعد الحكم ضررا ادعاء بعد أن كان هو الموجب والمنشأ له غير بعيد ولا مستنكر. وفيه: أنه وإن كان صحيحا بنفسه إلا أنه إنما يصار إليه لو لم يكن هنا ما هو أظهر منه، بل هو ظاهر العبارة التركيبية، كما يأتي إن شاء الله تعالى. رابعها: ما في الكفاية " من أن المراد نفي حقيقة الضرر ادعاء كناية عن نفي الآثار، كما هو الظاهر من مثل " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد "، و " يا أشباه الرجال ولا رجال "، فإن قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاء لا نفي الحكم أو الصفة، كما لا يخفى ". وفيه: أنه لو اريد نفي حقيقة الضرر كناية عن نفي آثاره لآل الأمر إلى نفي كل

[ 271 ]

حكم شرعي ترتب على عنوان الضرر، كما في قوله: " ولا رجال " حيث إن المراد الجدي نفي الآثار المختصة بالرجال عن المخاطبين، وكما في قوله: " لا صلاة لجار المسجد "، فإن المراد الجدي نفي الآثار الكمالية المترتبة على الصلاة عما لا يقع من جار المسجد في المسجد، ومن الواضح أنه ليس المراد هنا نفي آثار عنوان الضرر حتى ينتفي حرمته وإيجابه للضمان وأمثالهما، وإن كان مراده نفي موضوعات الأحكام إذا كانت موجبة للضرر فيراد مثلا لا وضوء ضرري كناية عن نفي أثره من الوجوب الشرطي، ففيه: انه خلاف ظاهر الحديث، فإن النفي متعلق بعنوان الضرر، لا بالموضوعات الاخر. خامسها: ما أفاده شيخ الشريعة في رسالة اللاضرر من أن وزانه وزان رفع الأحكام المجعولة للعناوين العامة عند حصول الضرر، كما في حديث الرفع حيث يرفع به الأحكام المجعولة على عناوين الأشياء وعند حصول الخطأ والنسيان وأخواتهما، فهنا أيضا ينفي الوجوب المجعول على عنوان الوضوء - مثلا - عند حصول الضرر، وقد عد (قدس سره) هذا الوجه وجها رابعا قبال مختار الشيخ وصاحب الوافية ومعنى التحريم. وفيه: أن التعبير المذكور في حديث الرفع غير تعبير حديثنا، فإنه في حديث الرفع عبر بأن الخطأ أو ما استكرهوا عليه مرفوع عن الامة، وقد عرفت أن الرفع عن الشخص لا يتصور إلا في ما يوضع عن كاهله أمر ثقيل، ونفس التكليف أو المكلف به أو مخالفته لما كان ثقيلا فهو يرفع عن عاتقه، فما يستكره عليه هو مخالفة التكليف، و " ما لا يعلمون " نفس التكليف، فيوضع عن عاتق الامة، وهكذا، وهو بخلاف تعبير الحديث هنا فإن مفاده نفي الضرر، والإخبار بعدم تحققه في عالم الوجود، لا الإخبار بانتفائه عن عاتق المكلف، فلا يقاس أحدهما بالآخر. وأما ما يظهر منه من أنه معنى رابع قبال الاحتمالات الثلاثة الاخر فمن الواضح أنه توجيه وتقريب لما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) كسائر التقريبات الاخر، كما لا يخفى.

[ 272 ]

سادسها: وهو الحق أن يقال: لا ريب في أن جملة " لا ضرر " جملة خبرية، فمفهومها الإخبار بأن جنس الضرر منتف، إلا أن انتفاءه عن عالم الطبيعة والكون مع أنه خلاف الواقع لوجوده بعلله الطبيعية التي منها علله الإنسانية - لا يناسب الإخبار به لمقام النبوة والإمامة، فلا محالة أن هذا الإخبار مرتبط بما هو من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله)، وحيث إنه عام لجميع الأضرار يدل على أنه لا أثر من الضرر أصلا، فلابد وأن يكون ناظرا إلى محيط القانون والتشريع، بمعنى: أن الحوزة التي هي حوزة حكومة الأحكام والقوانين لا أثر من الضرر فيها وهو لا يكون إلا بأن يسد باب الضرر الآتي من ناحية اختيار المكلفين بتحريم إضرار بعضهم ببعض، وباب الضرر الآتي من ناحية أحكام الشريعة بأن لا يوجب عملا ينشأ منه الضرر، فيدل على أن الأحكام التي ينشأ منه الضرر منتفية، سواء كانت سببا له بدعوتها الى إيجاد ما فيه الضرر، أو كانت ترخيصا للمكلف ربما تدعوه إرادته الناشئة عن أهوائه النفسية إليه. والظاهر أنه ليس في هذا الذي ذكرناه ادعاء ومجاز، وإنما لوحظ وعاء العمل بالقانون وحكم بأنه لا ضرر فيه أصلا ولحاظ هذا الوعاء لازم، بقرينة أن الإخبار عن عالم الوجود والكون لا يناسب النبي، وفي هذا الوعاء لا أثر من الضرر حقيقة وبلا ادعاء. وقريب منه: ما عن شيخ المشايخ المحقق الحائري (قدس سره) وإن اختلف النقل عنه، فنقل سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسالة اللاضرر أنه معنى حقيقي غير ادعائي، ونقل بعض أعاظم العصر دام ظله في حاشية الدرر أنه مبني على الادعاء. وكيف كان فما نقلا عنه (قدس سرهم) من دلالة الحديث على أن الضرر الموجود أيضا متدارك منظور فيه، وذلك أن مفاد الحديث أن الضرر غير موجود من رأس، ويكفي له سد باب وجوده بتحريم إضرار الناس بعضهم ببعض، وبانتفاء تشريع ما يلزم من العمل به ضرر، وحينئذ ففرض عصيان أحكامه فرض وأرضية لا يناسب مبنى هذا الإخبار، كما لا يخفى، والله العالم وهو العاصم.

[ 273 ]

هذا كله حول الاحتمال الأول في معنى الحديث. الثاني: ما اختاره الفاضل التوني في عبارته الماضية من أن المراد نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع، وإلا فالضرر غير منفي. انتهى. ويحتمل في كيفية إرادته أن يكون المراد بلفظة " ضرر " هو خصوص الضرر غير المحكوم بالجبران من باب المجاز في الحذف، فكان الأصل لا ضرر غير محكوم بالتدارك، فحذف الوصف مع أنه مراد. كما يحتمل أن يكون المراد نفي نفس الطبيعة إدعاء وكان حكم الشارع بالتدارك مصححا لهذه الدعوى، كما هو ظاهر كلمات الشيخ الأعظم (قدس سره). وفيه: أن إرادة المقيد لبا مع أن اللفظ مطلق خلاف الظاهر، لا يصح المصير إليه إلا بالقرينة وهي هنا مفقودة، كما أن ادعاء انتفاء طبيعة الضرر بمجرد حكم الشرع بتداركها وإن كان ممكنا وصحيحا إلا أنه لما كان لفظة " ضرر " الواقعة تلو " لا " التي لنفي الجنس لما كانت بإطلاقها يعم كل ضرر فيكون مفاد الجملة: أن هذه الطبيعة منتفية خارجا، والأخذ بظاهرها يقتضي سد باب تحقق كل فرد منها - كما عرفت - فإرادة خصوص الضرر المتحقق ودعوى أنه بحكم المعدوم خلاف ظاهر هذا الإطلاق جدا. الثالث: أن يراد من النفي المذكور في الحديث: النهي، فيكون مفاده حرمة الضرر مطلقا، وقد رجحه شيخ الشريعة في رسالته استنادا إلى أنه الشائع الذائع في أمثال هذا الاستعمال، كما في قوله تعالى: * (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) *. وفيه: أن شيوع إرادة الحرمة من أمثال العبارة وان كان مسلما إلا أن الظاهر أن تحليل كيفية إرادتها من التركيب: هو أن ظاهر هذا التركيب الإخبار عن أن مدخول " لا " التي لنفي الجنس غير محقق، وحيث إن تحققه تكوينا مفروض فلا محالة يراد به انتفاؤه في حوزة العمل بالحكم القانوني الشرعي، وإذا كان معنى المدخول من أفعال المكلف التي يكون وجودها وعدمها باختياره فالاخبار عنها

[ 274 ]

بأنها منتفية في محيط حكومة القانون الشرعي لا يكون إلا إذا سد الشارع باب اختيارها على المكلف بتحريمها عليه، كما أنه يختلف هذه الحرمة من حيث كونها تكليفية أو وضعية حسب اختلاف الموارد، من كونها مقصودة بالأصالة والذات أو كونها مقصودة لاجل تحقق أمر يترتب عليها، كما في مادة الحرمة وهيئة لا تفعل أيضا، فحرمة شرب الخمر بأي قالب افيدت تكون حرمة تكليفية نفسية، والنهي عن إجراء الصيغة بالفارسية بأي لفظ القي يدل على حرمة مانعية وضعية، كما هو واضح. وفي ما نحن فيه حيث إن مدخول " لا " هو طبيعة الضرر بمعناه الاسم المصدري لا بمعناه المصدري الذي هو فعل للمكلف فنفيه لا يختص بخصوص فعل المكلف ليكون لازم نفيه حرمته، بل يعمه والضرر الحاصل من امتثال أحكامه تعالى، ويكون معنى نفيه: أن الشارع لم يوجب على المكلفين ما يوجب عليهم ضررا، فيؤول إلى نفي كل حكم ينشأ منه الضرر بالتقريب الذي ذكرناه، وهو واضح. مفاد الحديث حكم شرعي، أم سلطاني ؟ إن سيدنا الاستاذ (قدس سره) قد استظهر من الحديث: أن مفاده حكم حكومي سلطاني قد حكم به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بما أنه إمام الامة وولي المسلمين وسلطان الإسلام، وليس حكما شرعيا كسائر أحكام الشريعة، وقد بين هذا الاستظهار بتوضيح: أن للنبي والأئمة (عليهم السلام) مقامات ثلاثة: مقام بيان أحكام الله، ومقام ولاية أمر المسلمين، ومقام القضاء بينهم وفصل خصوماتهم. وبحسب المقام الأول وإن لم يكونوا إلا وسائط بين الله وعباده، ليس لهم بأنفسهم أمر ولا نهي، إلا أن لهم بحسب المقامين الآخرين أمر ولي الأمر أو القاضي، وقد ورد في الروايات ما يتضمن صدور الأمر منهم بما أنهم أولياء الأمر أو قضاة، والألفاظ في الحكاية والدلالة على صدور الأوامر السلطانية أو القضائية أو بيان حكم الله عنهم (عليهم السلام) مختلفة.

[ 275 ]

ففي حديث " لا ضرر ولا ضرار " إن لاحظنا النقل المروي بطرق العامة فقد روي بطرقهم عن عبادة بن الصامت أنه (صلى الله عليه وآله) " قضى أن لا ضرر ولا ضرار "، والقضاء له ظهور في أن هذا الحكم قد صدر عنه لا بما أنه نبي مخبر عن الله تعالى، فيدور بين جهة السلطنة والقضاء، وحيث إن المقام لم يكن مقام القضاء فلا محالة قد صدر عنه (صلى الله عليه وآله) بما أنه سلطان المسلمين وولي أمرهم. كما أنه إذا لاحظنا نقله بطرقه المروية في مجاميعنا الحديثية فالمروي عنه (صلى الله عليه وآله) وإن لم يشتمل صريحا على لفظ " القضاء " إلا أنه لا ريب في أنه قد صدر عنه في مقام رفع ظلم سمرة الفاسق والدفاع عن المظلوم، وهو شأن ولي أمر المسلمين وسلطانهم فليس مقام الدفاع عن المظلوم مقام بيان الأحكام الواقعية وحدودها، بل مقام القيام بصدد رفع الظلم عن المظلوم، فإذا قال: " لا ضرر ولا ضرار " فلا محالة يكون مفاده صدور حكم عنه (صلى الله عليه وآله) بما أنه سلطان، وأنه ليس لأحد في حوزة حكومتي وسلطاني أن يضر غيره، فمفاد الحديث تحريم سلطاني لا حكم إلهي، والاستدلال للأمر بالقلع - وهو أمر حكومي - بكبرى لا ضرر ولا ضرار من باب الاستدلال بكبرى سلطانية للتطبيق على صغراها. هذا ملخص ما أفاده قدس الله سره الشريف. أقول: إن فصل الخصومة بين الرعية والدفاع عن المظلومين منهم وإن كان بإعمال الولاية منهم (عليهم السلام) إلا أنه لا ريب في أن مبناه هو الحقوق المجعولة للناس في الشريعة الإلهية في قالب أحكام الإسلام الإلهية، فمجرد كونه في مقام الدفاع عن المظلوم أو فصل الخصومة ليس قرينة على أن كل ما يقوله ويستند إليه في هذا المقام فهو حكم وأمر حكومي سلطاني، بل لابد وأن يستفاد ذلك من قرينة اخرى. ونحن إذا راجعنا الجملة المروية عنه (صلى الله عليه وآله) " لا ضرر ولا ضرار " نراها أنها تنفي وجود الضرر بإطلاقه، وأنه لا أثر ولا خبر عن الضرر أصلا، وبعد ما لم يكن هذا النفي راجعا الى الإخبار عن انتفائه في عالم الطبيعة والتكوين - كما عرفت -

[ 276 ]

فلا محالة يكون راجعا إلى الإخبار عن انتفائه في عالم القانون والأحكام، وحيث إن للضرر المنفي إطلاقا واسعا ينفي بالحديث أي ضرر كان فلا محالة يعم سعة النفي الضرر مطلقا، سواء فيه ما كان من الرعية بعضهم ببعض، أو من التكاليف الإلهية، ومعه فقهرا يكون الحديث حكما واسعا يشمل سعته جميع الموارد، وهو لا يكون إلا حكما إلهيا، لا حكما سلطانيا، ويكون مآل كلامه (صلى الله عليه وآله) الاستناد إلى حكم كلي إلهي استند إليه في مقام رفع ظلم الظالم والدفاع عن المظلوم. هذا إذا كان اللحظ معطوفا الى ما روى من طرقنا. وأما إذا لاحظنا النقل المروي عن عبادة بن الصامت فنقول: إن منشأ الاختلاف والخصومة بين الناس قد يكون الجهل والغفلة عن حكم الله الكلي، وبيان مثل هذا الحكم الكلي من القاضي يكون رافعا للخصومة بينهم وفاصلا لها، ولذلك يصح إسناد القضاء بحكم إلهي كلي إلى الإمام أو الولي المعصوم (عليه السلام) بل القاضي غير المعصوم في مقام القضاء، وحينئذ فمجرد تعلق القضاء به لا يكون دليلا على إعمال جهة الولاية في نفس ما قضى به، بل إذا راجعنا الحكم الذي حكم به في مقام القضاء، ووجدناه كليا شاملا لجميع الموارد نعلم أنه حكم كلي إلهي، كما هو شأن الأحكام الالهية فليس قضاءا ولا حكما سلطانيا، ذلك الحكم الذي ليس له تلك السعة وذلك الشمول فالظاهر ما فهمه القوم من الأخذ بعموم الحديث، وأنه حكم كلي إلهي، والله العالم وهو العاصم. فقد تلخص أن مفاد قوله: " لا ضرر " الإخبار عن عدم تحقق الضرر في محيط حكومة القانون الإسلامي، وهو إنما يكون بتحريم إضرار الناس بعضهم ببعض، وبأن لا يكون هنا إلزام شرعي بما يوجب الضرر. كما أن قوله: " لا ضرار " ظاهر في الإخبار بنفي الإضرار الظاهر في إضرار أحد بآخر، والإخبار عنه إنما يكون بتحريم إضرار كل بالآخر، وهو إما تأكيد لبعض مفاد الفقرة الاولى، وإما قرينة على إرادة نفي خصوص الضرر الناشئ عن أحكام الله الإلزامية، والأمر سهل.

[ 277 ]

إزاحة ابهام: قال الشيخ الأعظم (قدس سره) في رسالته المعمولة للقاعدة - بعد ذكر الروايات المتضمنة لقضية سمرة - ما لفظه: وفي هذه القصة إشكال من حيث حكم النبي (صلى الله عليه وآله) بقلع العذق، مع أن القواعد لا تقتضيه، ونفي الضرر لا يوجب ذلك، ولكن لا يخل بالاستدلال. انتهى. وقد يتأكد الإشكال بالنظر إلى ذيل موثقة زرارة بنقل الكافي والتهذيب، فإن فيه: أنه (صلى الله عليه وآله) قال للأنصاري: " اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار " فإن ظاهره أن المستند للحكم بقلع النخلة وإسقاط حرمة ماله هو قاعدة لا ضرر ولا ضرار، مع أن نفي الضرر - على الفرض - لا يوجبه. قال سيدنا الاستاذ (قدس سره): إن هذا الإشكال لا يرد على ما ذكرناه، ضرورة أن المورد مندرج تحت الحكم السلطاني الكلي، فيكون الأمر بالقلع لقطع مادة الفساد المتوقع في هذا المقام، وأما على غيره فالإشكال وارد، لأن عدم تشريع الحكم الضرري ونهي الله عن الإضرار بالغير لا يقتضيان الإضرار بالغير بقلع شجرته. انتهى. أقول: إن كان هنا إيراد فلا فرق في وروده بين مبنى القوم ومبنى سيدنا الاستاذ (قدس سره)، فإن مدلول كلامه (صلى الله عليه وآله) هو النهي عن الإضرار وحرمته، وهو لا يقتضي إلا المنع عن إيراد الضرر بالغير، ولا يفترق فيه بين أن يكون هذا النهي إلهيا أو سلطانيا، وحديث ثبوت مقام السلطنة لهم (عليهم السلام) وإن كان حقا لا ريب فيه إلا أن العلة المذكورة ليست إلا دليل حرمة الإضرار شرعا أو سلطانا، ولا ربط لها بإعمال الولاية لقطع مادة الفساد في قلع عذق سمرة المضار. والحق في الجواب أن يقال: إن ذكر هذه الكبرى الكلية هنا إنما يكون توطئة وتمهيدا لحكمه بالقلع، وحاصله: أن سمرة وإن كان له حق إبقاء عذقه في بستان الأنصاري وحق المرور إليه - بمقتضى عموم لا ضرر - إلا أنه ليس له إيقاع الضرر على أهل الأنصاري ومضارته لهم بمقتضى عموم " لا ضرر ولا ضرار "، فهذه الكبرى تدل على حدود حقه وماله وعليه، فتدل على أن سمرة إذا كان مطيعا

[ 278 ]

للإسلام فله حق إبقاء العذق والمرور إليه، وليس له أن يضار الأنصاري، وحيث إن سمرة رجل عاص متمرد كما يظهر من صدر الحديث والنبي (صلى الله عليه وآله) ولي المسلمين وقيمهم، ومن وظائف ولي الأمر والقيم رفع المظالم ودفعها فلا محالة عليه أن يسد باب هذه المضارة بما يراه طريقا أصلح، ولا يتصور هنا إلا طريقان: إما نصب محافظ وعامل حكومي طول الأيام والليالي للمراقبة عن حائط الأنصاري كي لا يدخله سمرة بلا إذن منه وفجأة عليه، وإما بقلع مادة هذا الفساد، وحيث إن الطريق الثاني هو الأصلح الأسهل فقد اختاره ولي الامة، وقال: " اقلعها وارم بها إليه فإنه لا ضرر ولا ضرار " يعني فإنه رجل لا يرضى بحقه ويتجاوز ويتعدى على حقوق غيره، ولا محيص لمثله إلا العزم بطريق آخر على دفع فساده. هذا. ولعله إليه يرجع الوجه الأول من الوجهين اللذين نقل عن الميرزا (قدس سره) في تقرير بحثه عن القاعدة، فراجع. وأما الوجه الثاني منهما فحاصلة - بعد حذف ما لا يرتبط بما نحن فيه، وبعد الغض عن اضطراب عباراته -: أنه لما كانت ملازمة بين ثبوت حق إبقاء العذق في حائط الأنصاري، وبين حق دخول سمرة عليه فجأة وبلا استئذان، وكان جواز دخول سمرة بلا استئذان ضرريا يرفعه الحديث فاللازم منه ارتفاع حق إبقاء النخلة في الحائط أيضا، كما إذا كان المشي إلى الحمام للغسل ضرريا فإن رفعه بالحديث يستلزم رفع وجوب الغسل، لعدم الانفكاك بينهما. وفيه: أن هنا طوائف ثلاث من الأدلة: طائفة منها تقتضي ثبوت حق إبقاء نخلة سمرة، كما يظهر من الأخبار المعتبرة الحاكية لقصته. وطائفة اخرى تقتضي أن له حق المرور إلى نخلته للمراقبة عن ملكه والحفاظ عنه والانتفاع به. وطائفة ثالثة تقتضي أن للأنصاري وأهله حق أن يعيشوا بحرية في منزلهم، وحديث لا ضرر بعمومه يدل على أنه تعالى لم يسوغ لأحد إضرار غيره، فلا محالة يقيد إطلاق كيفية استيفاء سمرة لحق مروره بالمصداق الذي لا يوجب ضررا على الأنصاري، ويكون فيه رعاية حقه. ومن المعلوم أن رعاية حق الأنصاري ممكنة لسمرة، وهو

[ 279 ]

قادر عليها، ولا ملازمة بين بقاء حق إبقاء النخلة وبين دخوله بلا استئذان. وبالجملة: فدعوى عدم الإنفكاك كما في الواجب ومقدمته ممنوعة، ووجهه واضح لا يخفى. وعن سيدنا المحقق الداماد (قدس سره) - على ما في تقرير بعض الفضلاء عن بحثه دعوى أن الحديث نفسه يدل على سقوط حق إبقاء النخلة - قال في تقريره ما لفظه: وأما الإيراد بأن القاعدة لا تقتضي قلع النخل فغير صحيح، لأنه لو تأملت تجد دفع الضرر منحصرا فيه، حيث إن سمرة لم يرض بالاستئذان ولم يبع نخلته بما بلغ من الثمن أو بعذق في الجنة، فلم يكن طريق لدفع الضرر عن الأنصاري إلا بقلع النخلة وإسقاط حق سمرة المضار في إبقاء نخلته (1). انتهى. ولعل حاصله أن إبقاء النخلة هنا موجب لوقوع الضرر على الأنصاري، فالقاعدة تحكم بنفيه. هذا. وفيه: ما عرفت أن الحديث إنما يدل على أن الضرر منفي في محيط العمل بالأحكام الإلهية، فهو ناظر الى مستوى حكومة هذه الأحكام، ويدل بالمطابقة على انتفاء أي ضرر فيه، ولازمه - كما عرفت - أن لا يوجب الشارع حكما يلزم من إمتثاله ضرر على المكلف، وأن لا يرخص في إعمال إرادة أحد إذا استلزم ضررا على غيره، وهو هاهنا إنما يكون بمنع سمرة عن الدخول إلى عذقه بلا استئذان من الأنصاري من دون أن يسقط حق بقاء نخلته ولا أي شئ آخر. وأما إذا عصى المكلف ولم يراع الأحكام الإلهية التي لا توجب ضررا على أحد فهو مستوى آخر ومرحلة جديدة ليس الحديث ناظرا إليه، ولذلك لم نرتض ما أفاده شيخ مشايخنا المحقق الحائري (قدس سره) من اقتضاء الحديث للحكم بتدارك الضرر الحاصل من عصيان المكلفين. نعم، إذا عصى سمرة وظلم الانصاري فهنا تبدو وظيفة لولي المسلمين القيم على عباد الله أن يوجد سدا يمنع الظالم عن ظلمه،


(1) رسالة اللاضرر، للعلامة السيد المير محمدي: ص 40. (*)

[ 280 ]

ويحيي حق المظلوم، وأصلح الطرق وأحسنها في هذه القضية الشخصية هو قلع مادة الفساد، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): " اذهب فاقلعها وارم بها إليه ". تنبيهات: الأول: لا ينبغي الشبهة في تقدم هذه القاعدة على الأدلة المثبتة لأحكام إلزامية على عناوين الأفعال، كالوضوء والغسل والصوم إذا استلزم ضررا على المكلف، وقد ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) في وجهه: أنها حاكمة عليها، وفسر الحكومة بأن يكون الدليل الحاكم ناظرا ومتعرضا للدليل المحكوم وبمنزلة الشرح والتفسير له، إذ من الواضح أن المتكلم نفسه إذا قام بصدد تبيين مراده من كلامه وذكر كلاما يكون بدلالته اللفظية ناظرا إلى كلامه الآخر ومفسرا له فلاريب أن العقلاء يأخذون بمفاد هذا الكلام الشارح المفسر، وبه يفسر ذاك الكلام الآخر، وهذا واضح. إلا أن هذا الشرح والتفسير والتعرض والنظر يكون على أقسام ثلاثة: فتارة يكون الدليل الحاكم صريحا في هذا الشرح والتفسير، مثل أن قال مثلا: أكرم العلماء ثم قال بكلام منفصل مثلا: " إن مرادي من العلماء في ذلك الكلام السابق خصوص العدول منهم " أو قال: " إنما عنيت بالإكرام خصوص الضيافة بالليل " مثلا، وأمثال ذلك، نعم، إن هذا القسم من الحكومة لعله لا يوجد في ما بأيدينا من الاخبار، ولا سيما في ما لا يتعلق ببيان جهة الصدور، إلا ما شذ، وهو غير مهم. وأخرى: تظهر هذه النظارة والشارحية بعد التأمل في الدليل الحاكم وإن لم يشتمل على لفظ صريح، وذلك كما لو قال: " لا شك للإمام مع حفظ المأموم " فإنا إذا تأملنا فيه - بعد وضوح أنه ليس بصدد الإخبار عن عدم تحقق شك للإمام خارجا مع حفظ المأموم لوقوعه أحيانا قطعا - علمنا أن في الشرع حكما مقررا على الشك، وهذه العبارة بصدد إدعاء أن المأموم إذا كان حافظا للصلاة فليس شك الإمام شكا، أي لا يعد شكا حتى يترتب عليه حكم الشك، فهذه الناظرية

[ 281 ]

والمفسرية تظهر بالتأمل، ويترتب عليه تقدم هذا الشارح على ذاك الدليل، ويكون حاكما عليه. فكما أن في القسم الأول لو لم يكن الدليل المحكوم لما كان مجال للتعبير بتلك التعبيرات، فهكذا في هذا القسم الثاني أيضا لو لم يكن حكم في الشريعة على موضوع الشك لما كان مجال للتعبير بأنه لا شك للإمام، كما لا يخفى، فجعل الحكم على الشك مثل أن قيل: " إذا شككت فابن على الأكثر " هو المصحح للتعبير بقوله: " لا شك للإمام مع حفظ المأموم ". هذا. وثالثة: لا تظهر هذه النظارة حتى بعد التأمل في مجرد مفاد الدليل الحاكم، لاشتماله على مفاد ومعنى يجتمع مع أن لا يكون هنا دليل محكوم أصلا، وهذا كما في قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " وقوله (صلى الله عليه وآله) هنا: " لا ضرر ولا ضرار " فإن الحديث - كما مر بيانه - إنما يدل بالمطابقة على أن الضرر منفي ومعدوم في محيط العمل بالأحكام الشرعية، وبالالتزام على أنه تعالى لم يرخص لأحد في إضرار غيره، ولم يكلف أحدا بما يوجب عليه الضرر، وهذا المعنى أمر تام بنفسه لا يتوقف على جعل حكم عام أو مطلق - مثلا - لكي يكون هذا الحديث في مقام شرحه وتفسيره، ومثله الكلام في الآية المباركة، لكنا إذا راجعنا الأدلة الشرعية المتكفلة لجعل التكليف على عناوين الافعال وجدنا جميعها شاملة للموارد الضررية وغيرها، وحينئذ إذا لاحظنا قوله: " لا ضرر ولا ضرار " استظهرنا منه أنه لم يكن مجرد دلالة على انتفاء الأحكام الضررية فحسب، بل أنه كان بصدد التوضيح والشرح لتلك الإطلاقات أيضا، فشارحيته ومفسريته إنما تظهر بعد جعل الحديث جنب تلك الإطلاقات. وكيف كان فهنا أيضا مرتبة من الشارحية والمفسرية وهي وإن لم تكن مثل ذينك القسمين في الوضوح إلا أن جميعها مشترك في كونها حكومة وشرحا. وهذا هو تقرير كلام الشيخ بحيث لا يرد عليه شئ مما في كلمات العلامة الميرزا النائيني (قدس سره) أو غيره، وهو دعوى غير بعيدة. هذا.

[ 282 ]

ومعه فلا حاجة بها إلى ما في الكفاية من أن سر التقديم هو أن العرف يقدم الأدلة المتعرضة للأحكام الثانوية على أدلة الأحكام الأولية، وزاد عليه أنه يحمل الأدلة الأولية على أن مفادها حينئذ أحكام ذات اقتضاء قد منع عن فعليتها طرو العناوين الثانوية - وإن كان أصل تقديم الأدلة المتعرضة لجعل الحكم على العناوين الثانوية حقا. إلا أن مسألة حمل الأحكام الأولية على أنها اقتضائية حينئذ قد منع عن فعليتها طرو العنوان الثانوي ليست بذلك الوضوح عهدتها على مدعيها. وقد قيل لوجه التقديم امور اخر لا حاجة الى ذكرها بعد وضوح الحق. الثاني: ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد: أن القاعدة وإن لم يكن قصور في مدركها سندا ولا دلالة إلا أن الذي يوهن فيها كثرة التخصيصات الواردة عليها، بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي، بل لو بنى على العمل بها لزم فقه جديد. وأجاب عنه: بأن تخصيص الأكثر إذا كان بعنوان واحد لا يكون مستهجنا. انتهى. وأورد على جوابه المحقق الخراساني في تعليقته: بأنه إنما يتمشى في ما كان أفراد العام هي العناوين ثم اخرج منها عنوان واحد يكون أفراده ومعنوناته أكثر من جميع العناوين الباقية، كما إذا قيل: " أكرم جميع طوائف العلماء "، ثم ورد دليل منفصل بأنه " لا يجب إكرام الفقهاء "، وكان المفروض أكثرية الفقهاء من جميع أفراد الطوائف الاخر. وأما إذا كان العام متعرضا للافراد ابتداء دون العناوين - كما إذا قيل في المثال: " أكرم كل عالم " ثم ورد التخصيص المذكور - فهو مستهجن جدا. وهو كلام في غاية المتانة، ولا فرق فيه بين القضايا الحقيقية والخارجية أصلا، بعد أن كان الحق عينية الطبيعي لأفراده، وكان لا محالة أفراد الطبيعي والعام هي موضوع الحكم في القضايا الحقيقية أيضا. وقد يجاب عنه: بأن القاعدة لا تدل بنفسها على انتفاء الأحكام التي بنيت أساسها على الضرر بالمكلفين، وذلك أن ظاهرها أن الضرر علة لانتفاء الحكم،

[ 283 ]

وفي الأحكام المبنية على الضرر نفس الموضوع المساوق للضرر علة ودخيل في حكمه والإلزام به، فإذا كان الضرر علة لثبوت الحكم فلا يعقل أن يكون علة لانتفائه، فبذلك البرهان القطعي تكون القاعدة مختصة بما إذا كان علة ثبوت الحكم عنوان الأفعال الذي ليس في طبيعته ضرر أصلا، فإذا عرض عليه عنوان الضرر انتفى عنه حكمه، ولا إشكال. وهذا الوجه يستفاد من الكفاية. وتبعها العلامة الميرزا (قدس سره) على ما في تقرير بحثه. أقول: إن هذا الجواب إنما كان تاما لو كانت عبارة القاعدة مثل " رفعت عن امتي التكاليف إذا كانت ضررية " فإن في مثلها دعوى ظهورها في ما ذكر ولو بمعونة البيان المذكور بمكان من الإمكان، إلا أن المفروض أن عبارة القاعدة هي " لا ضرر... "، وقد عرفت أن مفادها المطابقي نفي جنس الضرر وطبيعته عن حوزة حكومة أحكام الإسلام، وانتفاء طبيعة الضرر عن هذه الحوزة لا يكون إلا بسد باب وجوده وحدوثه في محيط الأحكام، بأن ينهى كل أحد عن الإضرار بغيره، ولا يلزم على أي مكلف عملا يتضرر به، سواء في ذلك ما كان طبيعته ضررية ولم يعرض على طبيعته ما يصيره ضرريا، فإن جميع هذه الأحكام يستفاد انتفاؤها في الشريعة من عبارة القاعدة ولو بدلالة التزامية. والتحقيق في الجواب: أنه لا يلزم من ثبوت الأحكام التي ذكروها محذور تخصيص الاكثر أصلا، وذلك أن الأحكام المذكورة إما هي أحكام من قبيل المؤاخذات المترتبة على مخالفة أحكام شرعية اخرى كباب الضمانات والكفارات والحدود والقصاص والديات، وإما غير ذلك كوجوب الخمس والجهاد والحج. أما القسم الأول فهي وإن كانت ضررية على المكلف بها - على تأمل أو منع في الحدود - إلا أن القاعدة لا تقتضي انتفاءها، وذلك لما عرفت أن المستفاد منها أن الأحكام الإلهية شرعت بحيث لا يلزم منها ضرر إذا عمل بها، ويكفي في صدقه أن الشارع الأقدس قد منع ونهى بتاتا عن الإقدام على فعل موجبات هذه الامور

[ 284 ]

لا سيما وأن نهيه هذا شامل لمثل مورد الجهل والخطأ والنسيان، فلو عمل بنهي الشارع وحكمه لما تحقق تلف ولا حنث نذر أو عهد وما إليه، ولا عمل يوجب الحد أو القصاص أو الدية، ففرض هذه الأعمال خارج عن مفروض القاعدة، أعني حوزة حكومة الأحكام. وأما القسم الآخر فالحق أن عنوان الضرر لا يصدق في جل موارده، وذلك أن الضرر وإن كان هو النقص في المال أو النفس أو العرض إلا أنه ليس كل نقص في أحدها ضررا، بل الضرر هو النقص الذي لا يكون لأجل الوصول الى غاية عقلائية فما كان تحمله لغاية عقلائية يتوقف على تحمل هذا النقص، فهو لا يعد عرفا ضررا أصلا، فمثل إنفاق المال في تفقه واجبي النفقات لا يكون ضررا، فإن ترك الانفاق عليهم منقصة عقلائية يلام الإنسان المتمكن عليه، ومن شؤون وجاهة كل أحد أن ينفق على هؤلاء إذا احتاجوا وكان هو متمكنا، فالانفاق وإن أوجب نقصا في ماله إلا أنه يوصل إلى حفظ شأنه ووجاهته فلا يكون ضررا. ومثل الزكاة أو الخمس وإن أوجب نقصا في المال إلا أنهما من الأموال التي تقام بها أمر الحكومة الإسلامية التي هي عز الإسلام والمسلمين وإعلاء لكلمة الله، وهي من أعلى الغايات، وهكذا الأمر في الجهاد، ومثله الأمر في الحج الذي فرضه الله تشييدا للدين والشريعة، والصوم الذي هو تثبيت للإخلاص وجنة من النار. وجملة القول: إن الإنسان المسلم له غايات مادية ومعنوية، فردية أو اجتماعية أرشده الله تعالى إليها بنبيه العظيم، وهذه الواجبات المستلزمة لصرف المال أو النفس في أدائها تنتهى إلى هذه الغايات المطلوبة جدا، وقد فرضها الإسلام على المسلمين كما يقتضيه العدل الإلهي، فبعد ذلك لا ريب في أن بذل المال أو النفس لأدائها. وإن كان نقصا فيهما إلا أنه ليس مصداقا للضرر أصلا. كما أن مسألة الاجتناب عن مال تنجس إذا لم يقبل التطهير مسألة الاجتناب عن القذر، وهي أمر عقلائي لا تعبدي محض، وليس ضررا.

[ 285 ]

فبعد ذلك لو بقي مورد كلفه الله تعالى وكان مصداقا للضرر فهو في غاية الندرة، كما لا يخفى. إن قلت: بناء على توقف صدق الضرر على أن لا يكون تحمل النقص في طريق الوصول إلى غاية عالية أو عقلائية فلازمه أن لا يبقى لحكومة قاعدة لا ضرر على إطلاقات أدلة الأحكام مورد، إذ لا ريب في أن كل حكم له ملاك ومصلحة هي الموجبة للبعث إلى متعلقه، والإتيان بمتعلقه طريق إلى نيل ذاك الملاك، وهو الغاية المطلوبة، وشمول إطلاق دليله لمورد يستلزم نقصا على المكلف لازمه أن يكون هذا النقص واقعا في طريق الوصول إلى تلك الغاية، فلا يكون ضررا لكي يعمه القاعدة ويقتضي انتفاء حكمه. قلت: أولا يبقى مع ذلك موارد اخر لحكومة القاعدة، مثل ما إذا كان الطريق الذي اختاره المكلف لإعمال حقه موجبا لإيراد النقص على غيره، مع عدم انحصار الطريق به، كما في قصة سمرة، فهو نقص ليس يتوقف عليه غاية مطلوبة، ويكون ضررا ينفى حكمه بالقاعدة. وثانيا: أنه فرق واضح بين حكم وجوب الخمس والجهاد - مثلا - وحكم وجوب الوضوء إذا استلزم شقاق اليد، فإن إدارة أمر الحكومة الإلهية وتأمين المال اللازم لها موقوف على أداء الخمس، وأداؤه عبارة اخرى عن تحمل نقيصة في مال المكلف، كما أن بسط الإسلام العزيز أو الدفاع عنه موقوف على الجهاد، وهو عبارة اخرى عن عرض النفس في معرض الحوادث والابتلاء وتحمل النقص اللازم له، وهذا بخلاف وجوب الوضوء فإن الغاية المطلوبة هنا من الغسل والمسح هو حصول الطهارة، وهو لا يتوقف إلا على نفس الغسل والمسح الذي ليس في طبعه، إلا أنه تنظيف وتطهير، وإن استلزم في مورد شقاق اليد فهو أمر نادر أجنبي أوجبه خصوصية في المكلف أو غيره فليس في طبع الواجب تحمل النقص، ولا يتوقف الوصول إلى ذاك الهدف والغاية إلى تحمله، وإنما يتوقف على نفس الغسلات والمسحات، وهي إذا استلزمت شقاقا في اليد فهو قرين سوء أجنبي.

[ 286 ]

وبالجملة أن عنوان الضرر لا يصدق في خصوص ما كان الوصول إلى الهدف المطلوب متوقفا على أمر طبيعته تحمل النقص في المال أو البدن أو العرض - وإن لم تلازمه دائما، كما في أداء الحج الواجب ببذل باذل - وهو يصدق على الوقوع في نقيصة لا تقتضيها طبع العمل الواجب، وإنما تقتضيها لو اقتضتها خصوصية بعض الموارد، فإن الوضوء - مثلا - في نوع المكلفين لا يوجب الضرر، وهو على مثلي إذا أوجب شقاقا في يدي يوجب الضرر، فيرفع وجوبه بحكومة قاعدة لا ضرر على إطلاق دليله. وهذا الذي ذكرناه في مثل الخمس والجهاد ليس يرجع إلى أن الأجر والثواب المترتب على الطاعة يوجب عدم صدق الضرر، ولا إلى أن تدارك النقيصة وجبرانها يمنع صدقه، فإن الأجر تقدير وشكر لمن تحمل الضرر، والجبران والتدارك تأكيد لتحقق الضرر حتى قام مقام إعطاء عوض عنه، بل إن حقيقة ما ذكرناه - كما صرحنا به - هي أن الغاية المطلوبة متوقفة على تحمل نقص مالي أو بدني أو غيرهما، وإن تحمله واقع في طريق النيل إليها، فامتاز عما أفاده صاحب العوائد، ولم يرد عليه ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) هنا في رسالة قاعدة " لا ضرر " وفي الفرائد، والله سبحانه هو العاصم، وهو الهادي الى سواء السبيل. والحمد لله وحده. وعن سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدس سره) أنه أجاب عن الإشكال: بأن الأحكام التي تدل القاعدة على انتفائها ليست منحصرة في خصوص تلك الأحكام الضررية المستثناة عن العموم، وتلك التي تقتضي إطلاقات الأدلة ثبوتها حتى في مورد الضرر وتنتفي بمقتضى هذه القاعدة، بل إنها تعم كل ما يتصور من حكم يمكن جعله ويقبل أن تناله يد الجعل الاعتباري، وهي أفراد كثيرة غير محصورة، وحينئذ فاستثناء ما مر من أحكام الضمانات والكفارات والخمس والزكاة ونحوها ليس تخصيصا أكثر. انتهى. والأمر في حديث عدم لزوم تخصيص الأكثر كما أفاده (قدس سره)، إلا أنه لا يبعد

[ 287 ]

أن يقال: إن لسان هذا العموم آب عن ورود هذه التخصيصات الكثيرة، فرفع الصوت بأنه ليس في قوانين الإسلام أحكام ضررية مع ما نرى من كثرتها متنافيان، وإن لم تبلغ في الكثرة حد تخصيص الأكثر. ثم لو قلنا بلزوم التخصيص المستهجن لأدى إلى إجمال الحديث، فإن إلقاءه بصورة العموم مستهجن ممتنع، فنكشف أنه كان مع قرينة حالية أو مقالية متصلة توجب انعقاد ظهوره في غير العموم، ولم تنقل لنا هذه القرينة حتى يتبين لنا ظهور الحديث مع هذه القرينة، فيصير مجملا غير قابل الاستناد. وليست هذه القرينة متصلة حتى يقال: " إن دلالة تلك القرينة على هذه الأفراد والأحكام الضررية من قبيل الضمانات والكفارات متيقنة، وعلى أزيد منها مشكوكة، فالأصل عدمها " كما عن السيد الاستاذ (قدس سره)، بل هي لا محالة متصلة يقتضي الجهل بمقتضاها جهلا بالظهور المنعقد للعام وإجمالا فيه، ولم ينقل لنا لفظها لكي نقول: إن هذا المقدار الفلاني متيقن لا يزداد الخروج عنه ليصير الباقي متيقن الدخول تحت العام. ثم إنك قد عرفت أن التحقيق عدم لزوم تخصيص كثير في عموم القاعدة، فتكون حجة قائمة في مورد الشك. كما أنه بناء على ما أفاده المحقق الخراساني (قدس سره) ومن تبعه من اختصاص مفادها بنفي الأحكام المجعولة على عناوين الأفعال في ما اقتضى ضررا صح التمسك بها، وحينئذ فلو قلنا ببطلان كلا هذين الوجهين وغيرهما ورأينا أن الصحيح إجمال الحديث لما أفاد عمل الأصحاب لنا لا اطمئنانا ولا ظنا بأن مورد عملهم كان مشمولا للحديث مع تلك القرينة، وذلك لاحتمال استناد الأصحاب أيضا إلى مثل ما اخترناه أو ما أفاده المحقق الخراساني (قدس سره) أو غيرهما، فكيف يحصل لنا الاطمئنان حتى نقول بحجية عملهم، كما عن سيدنا الاستاذ الداماد (قدس سره). والله الموفق للصواب. الثالث: لا ينبغي الريب في أن ظاهر قوله (صلى الله عليه وآله): " لا ضرر... " انتفاء الحكم الشرعي مدار لزوم الضرر الشخصي لولاه، فإن الضرر عنوان ومفهوم لا يصدق إلا في ما كان مقومات حقيقته موجودة، كما في جميع المعاني والحقائق، فلا محالة لا

[ 288 ]

يخبر إلا عن انتفاء تلك الحقيقة، ويلزمه أن الشارع لم يشرع جواز إيرادها على الغير، ولا الالزام بعمل يوجبها، كما عرفت تفصيل بيانه. وما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد " من أن ظاهر كلمات الأصحاب في بحث البيع المغبون فيه والشفعة يعطي أن الاعتبار بالضرر في نوع الموارد، وإن فرض عدم تضرره في خصوص مقام، كما إذا لم يوجد راغب في المبيع وكان بقاؤه ضررا على البائع لكونه في معرض الإباق أو التلف أو الغصب، وكما إذا لم يترتب على ترك الشفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع ". انتهى. ففيه: أن دليل ثبوت الشفعة لا أقل من أنه ليس منحصرا في خصوص قاعدة لا ضرر، لو لم نقل بأنها لا تدل عليه، وأما خيار الغبن ففي الموارد المذكورة في كلامه لا يخلو الأمر من حالين: إما أن كون المبيع في معرض الإباق ونحوه أمر عارض على المبيع مطلقا وبالنسبة لكل أحد، وإما يعرضه لو كان في يد خصوص هذا البائع. فعلى الأول فلا ريب في أن عروض مثل هذه العوارض دخيل في نقصان قيمة المبيع السوقية قطعا، فلا يصدق في بيعه حينئذ غبن حتى يكون مجال لخيار الغبن. وعلى الثاني فقيمة المبيع في السوق باقية على ما كانت، ولا محالة بيعه بأقل منها يكون فيه ضرر شخصي على البائع من هذه الجهة، فعموم الحديث إن شمله كان فرعا على تحقق الضرر الشخصي، غاية الأمر أن الأخذ بمقتضى الخيار وفسخ العقد به ربما يوجب ضررا أعظم لا يقدم العاقل المتنبه عليه، وعلى أي حال فلا يلزم مجال لتوهم أن الملاك هو الضرر النوعي، كما لا يخفى. الرابع: إذا دار الأمر بين ضرر المالك وضرر غيره - كما إذا أراد المالك حفر بالوعة لدفع فضولات المياه في داره واستلزمت ضررا على جاره - فهل يقدم أحدهما على الآخر، أو يكون الملاك رعاية أقواهما ضررا، ومع عدم الأقوائية يتخير، أو غير ذلك ؟ احتمالات.

[ 289 ]

والأظهر أن يقال بتقديم جانب المالك، وذلك أن مقتضى سلطنة المالك على الانتفاع بماله جواز حفر البالوعة، إلا أنه لما كان حفرها يوجب الضرر بالجار فمقتضى عموم " لا ضرر ولا ضرار " حرمته والمنع عنه، لما عرفت من أن مفاد الحديث مطابقة، الإخبار بأن الضرر مطلقا منفي في حوزة حكومة أحكام الإسلام، ولازمه أن يمنع كل أحد عن الإضرار بغيره، وإلا لتحقق الضرر حتى مع رعاية أحكامه، فمقتضى العموم حرمة الحفر بما أنه إضرار بالغير، إلا أن نفس هذا الحكم بالحرمة فيه إلزام بتحمل الضرر على المالك، كما أن إطلاق الأمر بالوضوء إلزام بتحمل الضرر على من يضره الوضوء، فعموم لا ضرر يدل على انتفاء هذا الحكم التحريمي، كما دل على انتفاء ذاك الحكم الإيجابي، وهو معنى تقديم جانب المالك. إن قلت: إن الضررين كليهما مصداق لعموم حديث " لا ضرر " يحكم عليهما بالانتفاء، وحيث إن الحكم بانتفاء كليهما غير ممكن، لاستلزام نفي كل إثبات الآخر، فيقع بينهما التعارض ويرجع الى الاصول أو الأدلة المحكومة، وهي هنا أدلة سلطنة الناس على الانتفاع بأموالهم. قلت: إن مع قطع النظر عن الحديث مقتضى أدلة السلطنة جواز الحفر، فليس لنا إلا مقتضى هذه الأدلة حينئذ لا غير، فالحديث لا يعمه، ويحكم بانتفاء الجواز وجعل الحرمة، وبعد ملاحظة شمول الحديث له يقتضي الحديث ثبوت الحرمة التي هي موجبة للضرر، فشمول الحديث للضرر الآتي من ناحية حرمة الحفر متأخر في اللحاظ عن شموله لما يأتي من ناحية جواز الحفر، ولا يعمهما في عرض واحد. هذا. مضافا إلى أن الارتكاز العرفي هو أن الضرر تمام الملاك للحكم بالانتفاء شرعا، وحيث إنه موجود في كل من الضررين فعدم إمكان فعلية مفادهما من باب التزاحم الذي يكون الملاكان معه محفوظين، لا من باب التعارض الذي لا دليل إلا على ملاك أحد المتعارضين.

[ 290 ]

إن قلت: إذا سلمتم شمول الحديث للضرر الآتي من ناحية جواز الحفر أولا فقد جرى حكم الحديث في هذا الجواز، وحكم في مورده بانتفائه وقيام الحرمة مقامه، فبعد ما شمله الحديث وحكم عليه بالحرمة فلا يعم الحديث الضرر الآخر، لامتناع شمولهما معا في عرض واحد، وفرض أنه قد شمل الضرر الأول، فاللازم تقديم جانب الجار. قلت: ليس مقتضى شمول الحديث الضرر الأول أن الحكم الإلهي في مورده بحسب الواقع والجد هو الحرمة وانتفاء الجواز، وإنما مقتضاه أن فيه اقتضاء إثباتيا لثبوت هذا الحكم، وإلا فثبوته الجدي مبني على تعلق الجد به في هذا المصداق، وهو بعد محل كلام، ومعلق على أن لا يكون هنا حاكم ودليل أقوى بخلافه، فكما أن شمول إطلاق قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) * (1) الآية. للوضوء الضرري ليس معناه تعلق الجد بوجوب هذا الوضوء، وإنما فيه اقتضاء إثباتي لثبوته، ويصل الى الفعلية لو لم يمنع دليل أقوى، وحديث لا ضرر دليل أقوى يمنع عن تعلق الجد بذاك الإطلاق، فهكذا عموم حديث لا ضرر بالنسبة لشموله لضرر جواز حفر البالوعة، حرفا بحرف. إن قلت: إن قاعدة لا ضرر قاعدة امتنانية لا تجري إلا في نفي ضرر يكون في نفيه منة على الامة، ولا منة على الامة في نفي ضرر يكون نفيه مستلزما لورود ضرر على بعض أفراد الامة في عين أنه منة على من سد باب الضرر عنه، وكلا الضررين هنا من هذا القبيل، فإن المفروض أن سد باب كل منهما يفتح منه باب الآخر، فحديث " لا ضرر " لا يشمل شيئا منهما، ويجب العمل هنا على القواعد الأولية، ولازمها جواز الحفر بعموم أدلة جوازه. قلت: بعد تسليم أن الحديث وارد في مقام الامتنان وإن لم يصرح به في


(1) المائدة: 6. (*)

[ 291 ]

ألفاظه إن وروده في ذاك المقام لا يمنع شموله لشئ من الضررين، وبيانه موقوف على مقدمتين: إحداهما: أنه لا ريب في أن نفي الضرر عن كل فرد من آحاد الامة ليس فيه امتنان إلا على شخص هذا الفرد ومن يهمه شأنه، ولا منة فيه على غيره ممن لا يرتبط به، وهكذا رفع الخطأ والنسيان وغيرهما، وعليه فالتعبير بأن فيه امتنانا على الامة ليس إلا من باب الجمع في التعبير، وأن كل واحد من الامة فقد نفي عنه الضرر وشمله هذه المنة، فنفي الضرر - مثلا - امتنان على الامة. وثانيهما: أنه قد مر في مباحث العام والخاص والمطلق والمقيد أن العمومات وكذا المطلقات لا نظر فيها إلا إلى حيثية الموضوع بنفس العنوان المأخوذ في لسان العموم والإطلاق، ولا تعرض فيها للخصوصيات الاخر التي تلحق الأفراد لا محالة، فقوله: " أكرم العلماء "، أو " أكرم العالم " وإن عم وشمل كل فرد إلا أن كلا منهما لا يحكي إلا عن حيثية العالم بما أنه عالم، ولا تعرض له لسائر الخصوصيات من كونه فقيها أو أديبا، عادلا أو فاسقا، أهل هذا البلد أو ذاك، فضلا عن كونه ابن فلان أو فلان، ذا طول كذا أو كذا، إلى غير ذلك، بل لا يحكى إلا عن حيثية العالم بما أنه عالم. نعم، الفرق الوحيد بين العموم والإطلاق: أن العام متعرض للأفراد بنفسه، والإطلاق يجعل الحكم على نفس الطبيعة، ويسري منها إلى الفرد، لأن الفرد عين الطبيعة إلا ان تعرض العام إنما هو لفرد العام بما أنه فرد له وبحيثية أنه عالم وبما أنه عالم، ولا تعرض له لسائر الجهات والحيثيات كالإطلاق في ذلك بعينه، وعليه فالحاكم سواء تكلم بلفظ مطلق أو عام لا يرى في مقام الحكم سوى الحيثية التي يحكي عنها عنوان العام أو المطلق، ولا يرى أثرا من الخصوصيات الاخر في هذا المقام أصلا. إذا عرفت المقدمتين نقول: إن قوله: " لا ضرر " يكون النظر فيه مقصورا على حيثية الضرر فقط من كل فرد من أفراده، فلا يرى فيه إلا أن هذه الطبيعة منفية،

[ 292 ]

ومعلوم أنه في هذا النظر لا يرى إلا انتفاء الضرر في جميع الموارد، وأنه لا منة فيه إلا على من ينتفي عنه، وإن المنة اللازمة عنه إذا نسبت الى الامة تكون من قبيل الجمع في التعبير، لا أن خصوص إضرار المالك على جاره الذي يستلزم نفيه ورود الضرر على نفس المالك أو خصوص ضرر المالك الذي يستلزم نفيه ورود الضرر على جاره يكون ملحوظا في الحديث حتى يقال: إن في نفيه لامنة على الامة. فقد تحصل من جميع ما ذكرنا: أن الحديث كما له الحكومة على سائر أدلة الأحكام وينفي كل حكم يوجب الضرر كذلك له الحكومة على حكم يكون دليل ثبوته نفس الحديث، وإن شكك في شمول لفظ الحديث له وادعي انصرافه عن مثله، كما في مثل " كل خبري صادق " فلا مجال للتشكيك في أنه يعمه بالملاك، إذ ملاك النفي ليس إلا مجرد أنه ضرر لا غير، وأنه حكم ضرري ليس إلا. هذا. وبعد ذلك كله فلقائل أن يقول: إن أساس هذا المشي والكلام أن يكون شمول الحديث لضرر المالك متأخرا عن شموله لضرر الجار حتى يكون الحديث غاية الأمر بلا معارض، وهذا الأساس لا نصدق به ولا نخضع له، بل إن الحديث يعم كلا الضررين في عرض واحد، وذلك لما عرفت أن المفاد الأصلي للحديث هو الإخبار عن أن أي ضرر فهو منفي في حوزة حكومة أحكام الإسلام، فهذا هو مفاد الحديث، وهو كما ترى يشمل أي ضرر يتصور وروده على المالك، أو على الجار، أو على شخص آخر أيا من كان، فالحديث في دلالته على انتفاء الضرر عن جميع أفراد الامة في ظل أحكام الإسلام لا يقدم مصداقا على آخر، ويعم جميع المصاديق المتصورة من الضرر، ويقتضي انتفاءه في عرض واحد وأرضية واحدة، ولازمه في كل مورد أن يسد باب إضرار الغير بالمكلف وباب تحميل الضرر عليه من ناحية الشارع. فتوجه ذهننا في المقام إلى ضرر الجار أولا، وبعد الالتفات إلى أن حديث " لا ضرر " مقتض لانتفائه يتوجه ذهننا إلى ضرر المالك ثانيا ليس فيه دلالة على خروجهما في شمول الحديث لهما عن حد الاستواء، لكي يتقدم ما نلتفت إليه

[ 293 ]

متأخرا ويكون الحكم الفعلي له، بل هما مشمولان للحديث في عرض واحد، وحيث لا يمكن اجتماعهما فيه يجئ حديث التعارض أو التزاحم، وحيث إن التحقيق أنه من باب التزاحم فيتبع أقوى الملاكين إن عرفناه، وإلا فالتخيير، ومع الشك كان الأصل هو المتبع. والله العالم. الخامس: إذا كان تصرف المالك يوجب ضرر الجار وكان في تركه حرج وضيق على المالك، فالظاهر تقديم جانب المالك، وذلك أن قوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * يكون حاكما على إطلاق أو عموم كل دليل يقتضي ثبوت حكم حرجي، سواء كان هذا الدليل إطلاق دليل وجوب الوضوء، أو عموم دليل لا ضرر، أو غيرهما، ففيما نحن فيه عموم أدلة السلطنة تقتضي جواز تصرف المالك في ماله كيفما شاء، وبالنسبة إليها لا تجري أدلة نفي الحرج، فإنهما متلائمان، لكنه إذا فرضنا أن تصرفه في ما له يوجب ضرر الجار فحينئذ يكون حديث " لا ضرر " مقتضيا لحرمة تصرفه، ولما كان هذا الحكم يوجب حرج المالك - كما هو المفروض - فأدلة نفي الحرج تقتضي انتفاء هذه الحرمة. هذا. ولقائل أن يقول هنا أيضا: إن حديث " لا ضرر " يدل على انتفاء كل ضرر في ظل الأحكام الإسلامية، ومدلوله الالتزامي انتفاء كل حكم فيه تحميل الضرر على المكلف، وتحريم كل فعل فيه إيراد الضرر عليه، ولا يفرق فيه أن يكون هذا الحكم ثبت من هذا الدليل أو ذاك، وعليه فله أيضا لسان الحكومة على كل دليل يكون مقتضاه ثبوت حكم يقرر ضررا على المكلف، وإن كان هذا الدليل عموم قوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * فاللازم أن يكون هذا المورد أيضا من صغريات باب التزاحم، ومع فقد الترجيح يكون المتبع هو مقتضى الاصول. والله العالم بحقائق أحكامه. وهنا فروع كثيرة اخرى لا يساعدنا الحال للتعرض لها. نرجو الله تبارك وتعالى التوفيق لخالص الأعمال إنه ولي التوفيق، قريب سميع مجيب.

[ 294 ]

4 - فصل في الاستصحاب قد مر في مقدمة مبحث القطع والبراءة: أن مجرى الاستصحاب ما إذا شك في بقاء أمر بعد فرض تحققه، إلا أنه إجمال موضوعي، والبحث التفصيلي عنه قد حان حينه، ونستعين الله تعالى توفيق الاهتداء إلى الحق فيه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقبل البحث عن الاستدلال عليه تقدم امور: الأول: أن القائلين باعتبار الاستصحاب وإن فرض أنهم مختلفون - من حيث إن اعتباره على نحو الأمارية أو في قالب أصل عملي، ومن حيث إن دليل اعتباره هل هو السنة أو الإجماع أو سيرة العقلاء عملا أو حكمهم باعتباره... إلى غير ذلك - إلا أنهم مشتركون في أن القول باعتباره يؤدي إلى الاعتراف والتصديق بقضية كلية هي: " أن كل شئ وجد ثم لم يعلم بقاؤه وارتفاعه فهو باق " غاية الأمر أن هذه القضية على الأمارية نتيجة قيام طريق معتبر عليها، وعلى كون الاستصحاب أصلا عمليا مفاد أصل عملي، وهذا الاختلاف لا يمنع عن وحدة مفهوم القضية، بل هو كما إذا قيل: " هذا الماء طاهر " فإن له مفهوما واحدا يصدق بقيام أمارة على طهارته أو دلالة كل شئ طاهر عليها. وبعد ذلك نقول: لا يبعد دعوى أن حقيقة الاستصحاب ليست إلا هذه القضية الكلية بغض العين عن الخصوصيات والقيود التي ربما تقتضي الأدلة اعتبارها

[ 295 ]

فيها، مثل قيد أن يكون الشك في بقائه مستندا الى خصوص الشك في الرافع، وأن لا يكون الشئ المشكوك فيه حكما كليا، الى غير ذلك مما ربما يقال به، فمع غض العين عنها فالاستصحاب ليس إلا هذه القضية، من غير فرق بين الوجوه المختلفة في اعتباره ودليل اعتباره. إلا أنه ينبغي التنبه لنكتة، وهي: أن البقاء الذي جعل محمولا في قاعدة الاستصحاب يراد به البقاء عند الشرع وفي محيط القوانين الإسلامية، فهذه القضية بسعتها الشاملة للأحكام والموضوعات، بل ولأنواع الشبهات متضمنة لحكم الشارع بالبقاء، غاية الأمر أن حكم العقلاء كاشف عن حكم الشرع، أو أن سيرة العقلاء بضميمة عدم الردع دليل على إمضائه. وهذا أمر واضح في غير الامور الواقعية العقلية التي يدركها العقل البرهاني، كما في المسائل الفلسفية والملازمات المبحوث عنها في علم الاصول، فإن الامور الاعتبارية لا قيمة لها ما لم تنصبغ صبغة الشريعة، سواء كانت من قبيل الحجية أو البراءة أو الثبوت أو البقاء، كما لا يخفى. الثاني: بعدما كان الاستصحاب على جميع المباني عبارة عن تلك القضية الكلية، فلا محالة مفاده أمر كلي ينطبق على موارد جزئية، كانطباق كل قاعدة كلية على جزئيات موضوعها، ويحكم على كل مورد مورد بالبقاء، فإذا شك في بقاء نجاسة الماء المتغير في أحد أوصافه بعد زوال تغيره من قبل نفسه فنفس القضية تحكم ببقاء نجاسته، والنجاسة حكم وضعي موضوع لأحكام مختلفة، وإذا شك في عدالة زيد تحكم ببقائها، وإذا شك في بقاء وجوب إكرامه نحكم ببقاء الوجوب، وهكذا كل حكم أو موضوع كلي أو جزئي يكون موردا لقاعدة الاستصحاب، وحينئذ فإذا جرى في مورد الشك في حكم كلي وحكم ببقائه فليس حكمه ببقائه إلا مثل حكم أصالة الطهارة بطهارة المشكوك طهارته بشبهة حكمية، كالمتولد من حيوانين لا يشبه أحدهما ولا غيرهما، وإلا مثل حكم قاعدة " كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " في مورد معاملة فاسدة لا يضمن

[ 296 ]

بصحيحها ولم يعلم حكمها، وكما أن مجرد انطباق هذين الكليين وتعيين حكم هذين الموردين بهما لا يوجب أن تصير قاعدة الطهارة ولا قاعدة " ما لا يضمن " مسألة اصولية، بل هما مع ذلك قاعدتان فقهيتان، وإن كان تعيين مجراهما في بعض المصاديق من خصوص شأن المجتهد فلا يوجب ذلك كونهما مسألة اصولية حتى في موارد إفادة حكم كلي فقهي فهكذا الأمر في قاعدة الاستصحاب. وعليه فما أفاده الشيخ الأعظم من أن اختصاص إجرائها في بعض الموارد بالمجتهد يوجب أصوليته هناك لا يمكننا تصديقه، كما أن ما أفاده أيضا من أنه لو أخذنا الاستصحاب من حكم العقل كان مسألة اصولية، نظير حجية القياس والاستقراء فيه ما لا يخفى، فإنا إذا قلنا بأن الإستصحاب هو تلك الكبرى الكلية فلا فرق فيه بين المباني المختلفة. نعم، لو قلنا - كما قاله المحقق صاحب القوانين - بأن الاستصحاب عبارة عن كون الشئ يقيني الحدوث مشكوك البقاء لأمكن أن نجعله كالقياس وخبر الواحد موضوع مسألة، ونجعل محمولها الحجية، ونبحث عن أنه حجة وطريق أم لا، كما نبحث عن أن خبر الواحد حجة وطريق، وأما إذا قلنا بأن هذا محل الإستصحاب ومجراه، وأن الاستصحاب هو قضية " كل ما علم وجوده ولم يعلم بقاؤه فهو باق " فلا محالة هو قاعدة كلية تنطبق على جزئيات موضوعها وتحكم عليها بالبقاء، كما في جميع القضايا الكلية فقهية كانت أو غيرها، ولا يعقل جعل هذه القضية - بعد الاعتراف بها وفرضها - موضوع الحجية، كما لا يخفى. وأما ما عن بعض الأعاظم (قدس سره) وتبعه بعض أعاظم تلاميذه - دام ظله - على ما في تقرير بحثهما (1) من أن ملاك اصولية المسألة وقوعها في كبرى قياس استنباط الحكم الفرعي الكلي كما يقال: " وجوب صلاة الظهر مما أخبر به الثقة، وكل ما أخبر به الثقة حجة أو يجب اتباعه، فينتج وجوب صلاة الظهر " وكالحكم المستنبط


(1) راجع فوائد الاصول: ج 4 ص 308، ومباني الاستنباط للسيد الخوئي ج 4 ص 7. (*

[ 297 ]

من ضم صغرى إخبار العادل عن وجوب السورة الى كبرى حجية خبر العادل الثابتة في علم الاصول، فإن الحكم - المستنبط من ضم إحداهما الى الاخرى - هو الوجوب الكلي للسورة، ولازمه أن تكون نافعة ووظيفة للمجتهد ولا حظ للمقلد فيها، وهذا الملاك بعينه موجود في الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية، فلا محالة يكون الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية قاعدة ومسألة اصولية، وإن كان ما يجري في الشبهة الموضوعية قاعدة فقهية، مثل قاعدة الفراغ والتجاوز. ففيه أولا: ما عرفت من أن انطباق قاعدة الاستصحاب في الشبهات الحكمية مثل انطباق قاعدة الطهارة فيها، وكلاهما مختص بالمجتهد، ولا يوجب صيرورة القاعدة مسألة اصولية. وثانيا: أن ما يثبت بخبر العادل ليس أزيد من صدور الرواية عن المعصوم (عليه السلام)، وأما مفادها فلا يثبت إلا ببركة مسألة اصولية اخرى هي حجية ظواهر كلام المتكلم. وثالثا: أن نتيجة القياس المذكور في كلامهما هي: أن وجوب صلاة الظهر أو السورة حجة أو يجب إتباعه، ومن المعلوم أنه ليس هو الحكم الذي يكون الفقيه بصدد استنباطه، فإن الفقيه إنما يستنبط أن " صلاة الظهر واجبة، والسورة واجبة " إلى غير ذلك. بل الحق: أن خبر الثقة والظواهر وسائر الأمارات المعتبرة إنما هي طرق يحرز بها - بعد اعتبارها - ما قامت عليها، فيكون كما لو أحرزناها من طريق العلم الوجداني، بل قد مر منا أن العلم عرفا أعم من القطع ومؤدى الأمارات المعتبرة، فنحن نعلم بأن المعصوم قد قال هذا القول، وبأنه قد أفاد أن صلاة الجمعة واجبة، فالأمارات مرايا وطرقا توصلنا إلى الواقع، كما أن القطع يوصلنا إليه، والحكم الشرعي الإلهي مترتب على نفس الواقع ليس للأمارات إلا شأن الطريقية المحضة، لا أنها نفسها ولا مؤداها بما أنها مؤداها تمام موضوع ولا جزء

[ 298 ]

موضوع للحكم الإلهي الكلي أو الجزئي، فكيف يقال بوقوعها كبرى في قياس الاستنباط ؟ وهل هذا إلا عدول عن طريقيتها المحضة، أو غفلة عن اصول مبينة موضوعة ؟ ! بل إن تمهيد القواعد الاصولية لاستنباط الأحكام عن أدلتها في باب الأمارات ليس إلا تمهيد الطريق والعلم لإثبات ذي الطريق والمعلوم. وهذا التمهيد - كما عرفت - غير متحقق في قاعدة الاستصحاب. بل لو أردنا دخولها في مسائل علم الاصول لما كان لنا بد من زيادة ما زاده المحقق الخراساني (قدس سره) بقوله: " أو التي ينتهي إليها في مقام العمل " فقاعدة الاستصحاب مثل البراءة والتخيير والاحتياط داخلة في محتوى هذه الزيادة المباركة. إلا أنها تعم أصالة الطهارة في الشبهة الحكمية، مع أنها قاعدة فقهية، ولا محيص في إخراجها من زيادة قيد اخرى على ما قال، مثل أن نزيد قولنا: " ولم تكن مختصة بباب خاص " فتخرج عنها قاعدة الطهارة المختصة ببابها. عصمنا الله من الزلل في القول والعمل. الثالث: قوام الاستصحاب كما يظهر من تعريفه بتحقق أمر والشك في بقائه، أي وجوده المتصل بزمان قبل زمان الشك، فإحراز جريانه بمثل اليقين بوجوده في الزمن الأول والشك في بقائه، وهذا اليقين وذاك الشك يختلف متعلقهما بمجرد الطرف الزماني الذي يقع فيه، وأما نفس اليقين والشك فمجتمعان في زمان واحد وأمكن حصولهما معا، كما أمكن حصول كل قبل الآخر، وهو واضح. ومعنى اعتبار الاستصحاب هو الحكم ببقائه زمن الشك. وأما قاعدة اليقين فهي أن يتعلق اليقين بشئ في زمان ثم تبدل اليقين فيه بالشك فيه نفسه، لا يفترق فيها متعلق اليقين والشك أصلا، بل كلاهما متعلق بوجود الشئ - مثلا - في زمان خاص، ومعنى اعتبارها أن يحكم مع الشك أيضا بوجوده في ذلك الزمان. كما أن قاعدة المقتضي والمانع موردها أن يعلم بوجود أمر فيه اقتضاء أن يؤثر أثرا خاصا ويشك في مصادمته مانع له، ولذلك يشك في تحقق ذاك الأثر،

[ 299 ]

كأن علم بوجود نار مماسة لخشبة وشك في أنها رطبة لكي تمنع الرطوبة احتراقها، ومعنى اعتبارها هو الحكم بترتب ذاك الأثر، والحكم في المثال بالاحتراق. والفرق بين قاعدة المقتضي والمانع واعتبار الاستصحاب في خصوص الشك في الرافع الذي ربما يكون هو المانع واضح، فإن الاستصحاب يحكم ببقاء ما فيه اقتضاء البقاء إذا شك في حدوث مانع له، ولا ربط له بوجود الأثر الذي لم يكن موجودا قبلا، بخلاف قاعدة المقتضي والمانع فإنها تحكم بحدوث الأثر مع إحراز المقتضي والشك في المانع. الرابع: أن للاستصحاب تقسيمات مختلفة بلحاظ نفس المستصحب، والدليل المثبت له، ومنشأ الشك فيه، قد ذكرت في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) بغاية تعيين موارد الاختلاف، واستقصاء مختلف الأقوال، والحكم القطعي بجريان الاستصحاب في جميعها أو اختصاصه ببعضها موقوف على ملاحظة الدليل التام الدلالة على اعتباره، فهو موكول الى التنبيهات. ومجرد عدم الخلاف، بل دعوى الإجماع أيضا لا قيمة له في مثل المسألة مما لاحتمال الاستناد الى الأدلة المختلفة من حكم العقل والعقلاء وسيرتهم المستمرة - فضلا عن الأخبار - إليها سبيل. إذا عرفت هذه الامور فنقول: إنه قد استدل لاعتبار الاستصحاب بوجوه: الأول: أن عليه بناء العقلاء في امور معاشهم ومعادهم، ولذا يراسلون من كان في البلاد الاخر ويرسلون إليه الأمتعة والنقود حتى مع الشك في بقائه، بل إن عليه فطرة كل ذي حياة وشعور، ولذلك يرجع الطيور والأنعام الى وكرهم ومسكنهم ليلا ونهارا بعد ما خرجوا عنها، وهذا البناء العملي والسيرة القعلائية كانت مستمرة بحضرة المعصومين (عليهم السلام) ولم يردعوا عنها، فكانت حجة معتبرة على اعتبار الاستصحاب شرعا.

[ 300 ]

وفيه أولا: منع هذه السيرة لهم في جميع الموارد حتى في جميع موارد الشك في الرافع، نعم، ربما كانت سيرتهم على معاملة البقاء فيمن يكون طرفا لهم، فيرسلون إليه النقود والمتاع، إلا أنها مبنية على اعتبار أصالة السلامة، وهي أصل معتبر عندهم، لكنها معتبرة أيضا عندهم في الحالات العادية، وإلا فلو جاءت زلزلة أهلكت ثلثا من أهالي بلدة واحتمل كون المرسل إليه من الهالكين لما أرسلوا إليه الأمتعة والنقود حتى يستوثقوا من بقائه، مع أنه من قبيل الشك في الرافع. نعم، لو حصل لهم اطمئنان ببقاء ما كان يعملون بمقتضى الاطمئنان، كما أنه ربما يقدمون على بعض الأعمال احتياطا أو استخبارا. وأما البناء على بقاء ما كان ولو في قسم خاص بقول مطلق فلا. وثانيا: أن الآيات والأخبار الناهية عن اتباع غير العلم أو الحاكمة بالبراءة في موارد عدم العلم تكفي للردع عنها بعد انعقاد الإطلاق والعموم لها، وكون المفروض أن مجرى الاستصحاب مصداق وفرد لموضوعها، وإنما لم نقل برادعيتها عن السيرة العقلائية على العمل بخبر الواحد والظواهر، لأنها طرق عقلائية يعبر عندهم عن موارد قيامها بالعلم بما قامت عليها، فتخرج عن الأدلة الناهية وأدلة البراءة تخصصا، بخلاف مورد الاستصحاب المفروض أنه حكم بالبقاء مع الشك فيه، فتذكر. نعم، لو قلنا بانصرافها إلى خصوص العمل بغير العلم في اصول الدين، أو بخصوص ما لا يراه العقلاء معتبرا، أو قلنا بأن رادعيتها مستلزمة للدور - على ما في بحث خبر الواحد من الكفاية - لكان لازمه أن لا نقول برادعيتها هنا أيضا. إلا أنه إيراد على مثل صاحب الكفاية، حيث منع رادعيتها هناك استنادا الى الوجوه الثلاثة المذكورة، واعتقد برادعيتها هاهنا، مع اشتراك الموردين في جريان هذه الوجوه فيهما، كما يظهر للمتدبر، وأما نحن ففي فسحة عنه. والحمد لله رب العالمين. الثاني: أن مجرد وجود شئ في زمان وعروض الجهل ببقائه، ولا سيما إذا

[ 301 ]

كان احتمال الارتفاع مستندا الى احتمال حدوث الرافع موجب للظن بالبقاء فيجب العمل به. وفيه أولا: أنه ربما لا يحصل الظن بالبقاء، لخصوصيات حافة بالمورد مانعة عنه. وثانيا: أن الأصل الأولي أن الظن لا يغني من الحق شيئا. الثالث: دعوى قيام الإجماع على اعتبار الاستصحاب. وفيه بعد تسليمه: أن الإجماع إنما يمكن حجيته في ما لم يحتمل استناد المجمعين إلى الأدلة التي بأيدينا، وهو هنا محتمل جدا، فإن من الممكن أن يكونوا قد استندوا إلى السيرة العقلائية المدعاة، أو إلى حصول الظن منه، أو إلى الأخبار الآتية، فلا يمكن كشف مثله عن رأي المعصوم (عليه السلام) وحكم الله الواقعي. الرابع: وهو العمدة أنه قد وردت على اعتباره أخبار معتبرة مستفيضة: منها: صحيحة زرارة المروية في التهذيب التي لا يضر باعتبارها الإضمار، قال: " قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال: يا زرارة، قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء. قلت: فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر " (1). وموضع الاستدلال بها قوله (عليه السلام) في جواب السؤال الأخير: " وإلا فإنه الخ ". وبيانه: أن الإمام (عليه السلام) قد أفاد في الجواب عن السؤال الأول: أن النوم الذي ينقض الوضوء ويوجبه إنما هو خصوص " ما غلب على العين والاذن والقلب " ليس أقل من ذلك، وحينئذ فقوله في مقام السؤال: " فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ " يراد به ذكر أمارة يظن معها، ولا أقل أنه يشك معها ويحتمل حدوث ذاك النوم


(1) التهذيب: ج 1 ص 8 باب الاحداث الموجبة للطهارة، الحديث 11، الوسائل: ج 1 الباب 1 من نواقض الوضوء الحديث 1. (*)

[ 302 ]

الناقض، فالسؤال عن الشبهة الموضوعية واحتمال حدوث الناقض، فمورد سؤاله أنه كان على يقين بوضوئه، وشك في انتقاضه واستمراره، فإذا أجاب (عليه السلام) بقوله: " لا " يعني لا يجب الوضوء، فقد دل على بقاء حكم الوضوء عند الشك في بقائه، وهو مصداق للاستصحاب، وتعقيبه بقوله (عليه السلام): " حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين " تبيين لحد بقاء هذا الحكم، وأنه باق حتى يحصل اليقين بوجود الناقض أو ما يقوم مقام اليقين، وقوله (عليه السلام): " وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر " تأكيد لهذا الجواب وبيان لسره، وأنه إذا لم يستيقن النوم ولا قام عليه أمر بين فهو على يقين من وضوئه، يعني اليقين الذي يكون له بالوضوء قبل حدوث هذه الحالة الموجبة للشك فهو على يقين من ناحية الوضوء " ولا ينقض اليقين بالشك " فإن الشك ليس في قدرته أن ينقض اليقين، ولكنه ينقضه بيقين آخر مثله. فهذا هو ظاهر الحديث بلا أي تكلف، وعليه فقوله (عليه السلام): " فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشك " في عين أنه بمنزلة صغرى وكبرى، فهو جواب الشرط في قوله " وإلا "، وقد حققنا في باب مفهوم الشرط أن أدلة الشرط لا تدل على أزيد من فرض تحقق جملة الشرط، وأن ما يسمى بالجزاء متحقق عند تحقق الشرط وفي فرض وجوده، وأما أن مفهوم جملة الجزاء مترتب ومتفرع على مفهوم جملة الشرط فلا دلالة لها عليه، بل هو أمر يفهم من خصوصيات المقام والقرائن الخاصة، فعدم تفرع اليقين بالوضوء على عدم الاستيقان بالنوم لا يضر بكونه جزاء ذاك الشرط، وبعد ذلك فيستقيم المعنى كما عرفت. فيكون قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " صغرى، كبراها قوله: " ولا ينقض اليقين أبدا بالشك "، وظاهر لفظ " اليقين " المذكور في الكبرى جنس اليقين، لعدم ثبوت لام العهد أولا، وأنه لو كان مراده خصوص اليقين بالوضوء لقيده به ثانيا، وأن تعقيب هذه الكبرى بقوله: " ولكن ينقضه بيقين آخر " يدل على أن سر عدم النقض هو أن اليقين لا يهدمه إلا يقين مثله، لأنه أمر مبرم لا ينتقض به الشك

[ 303 ]

الضعيف غير المبرم ثالثا، هذا. مضافا إلى أن وقوع هذه الكبرى في باب الطهارة الخبثية وغيرها في الأخبار الاخر - ولا سيما وقوع التعبير فيها بمثل " لا ينبغي لك أن تنقض... الى آخره " - كل هذه قرينة قطعية على أن المراد باليقين في الكبرى هو جنس اليقين، فيدل الحديث على قاعدة كلية هي: أنه لا ينقض اليقين مطلقا بالشك المتعلق ببقاء المتيقن أبدا، وإنما ينقض بيقين آخر مثله، وهي قاعدة الاستصحاب. ثم إن الهدف الأصلي والغاية الأصيلة في جملتي الجزاء إنما هو جملة الكبرى وجملة الصغرى، مع أنها أيضا من أجزاء الجزاء، قد ذكرت تمهيدا لذكر الكبرى، وإلا فالكبرى هي المقصودة، فإنها هي التي تبين وظيفة الشاك الذي ورد السؤال عن وظيفته، بل ووظيفة كل من كان مثله، ولعله لذلك قال الشيخ الأعظم (قدس سره) (يكون الجزاء مستفادا من قوله: " ولا ينقض " وقوله: " فإنه على يقين " توطئة له) فتدبر. وكيف كان فهذا الذي ذكرناه لا ريب في أنه الظاهر من الحديث، وأما احتمال أن الجزاء محذوف اقيمت العلة مقامه، أو أن الجزاء نفس جملة " فإنه على يقين من وضوئه " بإرادة إيجاب أن يعمل عمل المتيقن حتى يراد من الجملة الاسمية الخبرية معنى الأمر والإنشاء، أو أن يراد من جملة الشرط وإن لم يكن الوضوء غير واجب يعني إن وجب الوضوء في فرض عدم اليقين بالنوم، وذلك بأن يكون مدخول لا في قوله " وإلا " هو الجملة المنفية المدلول عليها بقوله (عليه السلام) بقوله: " لا " في جواب السؤال، فيصير حاصل المعنى: إن كان الوضوء واجبا على غير المستيقن بالنوم فحيث إنه على يقين منه ووظيفة مثله أن لا ينقض اليقين بالشك لزم من إيجاب الوضوء عليه خلاف هذه القاعدة المسلمة، أي قاعدة عدم نقض اليقين بالشك، فجميع هذه الاحتمالات خلاف الظاهر قطعا. والعجب من العلامة النائيني (قدس سره) حيث أفاد في أول كلامه: أن قوله (عليه السلام): " فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك " بمنزلة الصغرى والكبرى،

[ 304 ]

وأن المهم في استفادة الكلية منهما هو أن يكون قيد " من وضوئه " إنما جئ به لمجرد خصوصية المورد، حيث إن اليقين أمر تعلقي، ومتعلقه في المورد كان هو الوضوء، وإلا فوجوده كعدمه، وكأنه قيل: " هو على يقين، ولا ينقض اليقين بالشك ". ثم أفاد في ذيل كلامه: أن الحق أن الجزاء هو مجرد قوله (عليه السلام): " فإنه على يقين من وضوئه " بتأويل الجملة الخبرية إلى جملة إنشائية، فمعنى قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " هو أنه يجب البناء والعمل على طبق اليقين بالوضوء (1). فإنه يرد عليه أولا: مناقضة صدر كلامه لذيله، فإن جعل قوله: " فإنه على يقين " بمنزلة الصغرى، معناه أن الكبرى هي التي تبين وظيفة العمل على طبق ما كان، وأن انطباقها على موضوع الصغرى يبين لزوم العمل على طبق اليقين بالوضوء، وهو مفاد صدر الكلام، في عين أن تأويل قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " بوجوب البناء والعمل على طبق اليقين بالوضوء، معناه أن نفس هذه العبارة هي قاعدة الاستصحاب، وهي التي تبين وظيفة العمل على طبق ما كان في خصوص المورد، والجملة الثانية مؤكدة لها وعامة، وهما كما ترى متناقضان. وثانيا: أن عدم دخل قيد " من وضوئه " في تعيين الوظيفة وإن كان أمرا مسلما - ضرورة أن ثبوت قاعدة الاستصحاب في جميع الموارد لا يجتمع مع دخالة هذا القيد - إلا أن استفادة الكلية ليست منوطة بدفع احتمال قيديته أولا بحيث كان استفادة الجنس من لفظ اليقين تابعا له، بل الأمر بالعكس كاملا، وذلك أن قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " - كما قال وعرفت - بمنزلة الصغرى، ودخالة القيود المذكورة فيها في الحكم وعدمها إنما تعرف من الكبرى التي تذكر بعدها وتطبق عليها، فلو قيل بعدها: " ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشك " لعلم دخل قيد " بالوضوء " في تعيين الوظيفة، وإذا قيل: " ولا ينقض اليقين بالشك "


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 335. (*)

[ 305 ]

يعلم أنه لا دخل له، وأن ذكره كان لأجل أن المورد كذلك، فالعمدة والأصيل هو إثبات أن المراد باليقين جنسه، فيعلم منه عدم دخل قيد بالوضوء، لا العكس. وأما الإيراد على ذيل كلامه بأنه لم يعهد إرادة معنى الإنشاء والإيجاب من جملة خبرية اسمية لا في العربية ولا غيرها - كما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله، وعن بعض أعاظم العصر دام ظله في تقريراته - فمندفع بأنه لا بأس به إذا قامت عليه قرينة، كما يقال مثلا: " أنت قائم هنا إلى أن أجئ "، وفي الفارسية " تو اينجا ايستاده أي تا من بيايم ". ويراد منه إيجاب القيام على المخاطب إلى مجيئه، إلى غير ذلك. ومنها: صحيحة اخرى لزرارة أيضا رواها مضمرة في التهذيب والاستبصار، ومسندة عن الباقر (عليه السلام) في علل الشرائع، ولا اختلاف في المضمون بين النسخ الثلاث وإن اختلفت ألفاظها في الجملة. فقد روى الصدوق في علل الشرائع فقال: أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه [ يب صا: الحسين بن سعيد ] - ش - عن حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت [ لأبي جعفر (عليه السلام) إنه - ع ] أصاب ثوبي دم من ارعاف [ دم رعاف يب ] أو غيره أو شئ [ دم رعاف أو شئ صا ] من مني فعلمت أثره إلى أن اصيب له ماء [ الماء. صا. من الماء. يب ]، فأصبت [ الماء - ع ] وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا، فصليت [ وصليت. يب صا ]، ثم إني ذكرت بعد [ ذلك. يب صا ]، قال: تعيد الصلاة وتغسله، [ قال: ع ]. قلت: فإن [ فإني. يب ] لم أكن رأيت موضعه و [ قد. ع ] علمت أنه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلما صليت وجدته، قال: تغسله وتعيد [ الصلاة. صا ] [ قال: ع ] قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم طلبت [ صليت يب صا ] فرأيته فيه بعد الصلاة [ فرأيت فيه. يب صا ]، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، [ قال: ع ] قلت: ولم ذاك ؟ [ ذلك. يب ] قال: لأنك كنت على يقين من نظافته [ من طهارتك. يب صا ]، ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله ؟ قال: تغسل من ثوبك

[ 306 ]

الناحية التي ترى أنه [ قد يب صا ] أصابها، حتى تكون على يقين من طهارته [ طهارتك يب ]. [ قال: ع ] قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه [ فأقلبه. ع ] قال [ فقال. صا ]: لا، ولكنك إنما تريد [ بذلك. ع ] أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك. [ قال. ع ] قلت: فإني [ فإن. صا. إن. يب ] رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه [ فيه. صا ] ثم رأيته [ فيه. ع ]، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت [ الصلاة يب ] وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، فإنك [ لأنك يب صا ] لا تدري لعله شئ وقع [ اوقع يب صا ] عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك [ بالشك اليقين. ع ] (1). وموضع الاستدلال بها قوله (عليه السلام): " ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك " الذي قد ذكر فيها مرتين، وقد استدل به في الموضعين: أما الأول فبيانه: أن مورد سؤال الراوي " أنه ظن إصابة النجاسة لثوبه قبل الصلاة، فنظر ولم ير شيئا، فصلى فيه، ثم رآها بعد الصلاة "، وصريح نسخة العلل أنه قد رأى بعد الصلاة نفس تلك النجاسة التي ظن قبل الصلاة إصابتها، فإن الإتيان بالضمير في قوله: " فرأيته فيه " يوجب هذه الصراحة، وهو الظاهر من الحديث على نسخة التهذيبين أيضا، فلا اختلاف بين النسخ في المعنى، واختلاف الألفاظ من قبيل النقل بالمعنى، ولا يضر بالاعتبار أصلا، فالصحيحة حجة بينة على أن مورد سؤاله ظن الإصابة والفحص عنه قبل الصلاة، ورؤية شخص ما ظن إصابته بعد الصلاة، فاحتمال أنها لعلها نجاسة جديدة احتمال على خلاف مفاد الحجة. وعليه، فإن حصل له بالفحص قبل الصلاة يقين بعدم الإصابة كان مورد


(1) علل الشرائع: الباب 80 ص 361، الوسائل: ج 2 ص 1061 الباب 41 وغيره من النجاسات ح 1 وغيره. راجعه وذيله، التهذيب: ج 1 ص 421 - 422 باب تطهير البدن والثياب من النجاسات، ح 8، الاستبصار: ج 1 ص 183 باب الرجل يصلي في ثوب فيه نجاسة قبل ان يعلم، ح 13. ولفظة " ع " في المتن رمز للعلل، و " يب " للتهذيب، و " صا " للاستبصار. (*)

[ 307 ]

السؤال من قبيل انكشاف الخطأ في القطع، وإلا فهو كان غير متيقن بالطهارة، بل شاكا فيها حين الصلاة، كما يدل عليه أيضا قوله على نسخة العلل: " ثم طلبت "، فإن فيه دلالة على بقاء حالة الشك فيه قد أوجبت عليه طلبها بعد الصلاة حتى عثر عليها، فبناء عليه قد كان له يقين بالطهارة - قبل ظن الإصابة - وتبدل بالشك وعدم العلم، واستدام هذا الشك إلى ما بعد الصلاة، فلا محالة يكون مورد الاستصحاب. وكيف كان فقوله (عليه السلام) في مقام تعليل عدم وجوب الإعادة: " لأنك كنت على يقين من نظافته (طهارتك) ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " دليل واضح على بقاء حالة الشك له حين الصلاة، حتى كانت الإعادة منافية لقاعدة عدم نقض اليقين بالشك، ويدل بوضوح على اعتبار قاعدة الاستصحاب، ونفس العبارة ظاهرة في أن المراد باليقين فيه جنسه، وأن تطبيقه على المورد من باب تطبيق الكلي على الفرد، ويؤكد هذا الظهور التعبير بعدم الانبغاء الذي هو إشارة إلى أنها ارتكازية، وهكذا التأكيد بقوله: " أبدا " الذي لا يناسب الاختصاص بمورد خاص، فدلالة هذه الفقرة على اعتبار قاعدة الاستصحاب مما لا ريب فيه، ولا شبهة تعتريه. إلا أنه مع ذلك فقد استشكل دلالتها بوجهين: أحدهما: أن ظاهر الصحيحة هنا في مقام التعليل أن الإعادة نقض لليقين بالشك، مع أنه لا ريب أنها نقض لليقين بالطهارة بيقين آخر بالنجاسة قد حصل له بالفحص بعد الصلاة، وهذا هو الموجب لاستبعاد زرارة وسؤاله بقوله " ولم ذاك ؟ "، فكأنه يقول: كما أن إحراز وقوع الصلاة في الثوب النجس أوجب الإعادة في الفرعين الأولين ينبغي أن يوجبها في هذا الفرع أيضا، فلم حكمتم فيه بعدم وجوب الإعادة ؟ فالحاصل: أن التعليل لا يناسب المورد. ثانيهما: أنه لو كان جريان الاستصحاب هنا موجبا لعدم الإعادة لكان موجبا له في ما إذا انكشف الخلاف أثناء الصلاة أيضا، فإن كلا الموردين شريكان في أنهما مورد استصحاب قد انكشف فيه أنه مخالف للواقع، وإن افترقا في أن

[ 308 ]

الأول قد مضى صلاته وفرغ عنها، والثاني يكون في أثنائها ومشتغلا بها، لكنه غير فارق، فإنه يقطع صلاته ويغسل ثوبه ويبني عليها، وهذا المقدار غير مضر بصلاته، كما صرح به في الذيل في خصوص ما إذا رآه رطبا. وبالجملة: فاللازم أن يتحدا في عدم الإعادة، مع أن ذيل الحديث دال على وجوب الإعادة إذا كان شاكا في إصابة النجاسة لثوبه، ثم تبين له أثناء الصلاة أنها أصابته. هذا. والتحقيق في الجواب عن الأول أن يقال: إن المستفاد من الأدلة الواردة في اعتبار الطهارة الخبثية في ثوب المصلي أو مانعية نجاسته أن ما هو الشرط في صحة الصلاة معنى أعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية والطهارة التخيلية (وبعبارة اخرى عن الأخير: إحراز الطهارة)، فهذا هو الحكم الشرعي في باب اشتراط الطهارة المستفاد من الأدلة، وعليه فإذا صلى في ثوبه الذي هو شاك في طهارته بعد أن كان متيقنا بها ثم تبين أنه كان نجسا فإذا أراد إعادته: فإن كان المنشأ لها أنها لم تقع مع الطهارة الواقعية فالطهارة الواقعية ليست شرطا منحصرا، بل كما أنها أحد أفراد الشرط فهكذا الطهارة المحرزة والظاهرية، فبعد التنبه الى أعمية الشرط فإن قام بصدد الإعادة فنفس هذه الإعادة كانت عدم مبالاة بقاعدة عدم نقض اليقين بالشك، فهو باعادته هذه يعلن أنه لا مجال لتلك القاعدة، وإلا فلو كان لها مجال لكان الشرط حاصلا، فلذلك علل الإمام (عليه السلام) عدم وجوب الإعادة بقوله (عليه السلام): " وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا ". ومنه تبين أن الاكتفاء بالطهارة الاستصحابية لم نستفده من الصحيحة، بل كان هو مقتضى ما استفدناه من الأدلة الاخرى من أن الشرط أعم منها، غاية الأمر أن زرارة كان غافلا عن أعمية الشرط ونبهه المعصوم (عليه السلام) عليها، أو جاهلا علمه الإمام (عليه السلام) بها. كما تبين أن الطهارة الواقعية أيضا موضوع لحكم الشرطية، غاية الأمر أنها ليست شرطا منحصرا، فاستصحابها من قبيل استصحاب الوضوء من مصاديق استصحاب موضوعات الأحكام الشرعية لا بأس به، وليس الشرط مجرد إحراز

[ 309 ]

الطهارة، فإنه مضافا إلى اقتضائه أن لا يحكم بصحة صلاة أتى بها في ثوب علم إجمالا نجاسته، أو نجاسة ثوب آخر ثم تبين أنه كان طاهرا بعد أن صلى فيه ولم يصل بعد في الطرف الآخر، مع أنه لا ينبغي الريب في صحتها يلزمه عدم جريان استصحاب الطهارة، بعدم كونها حكما عمليا ولا موضوعا له، ودخلها في تحقق الإحراز وإن كان مسلما إلا أن استصحابها لا يجري حتى يثبت به الإحراز، فإن جريانه فرع ترتب حكم شرعي عليه، والمفروض عدمه. فما في الكفاية محل نظر، بل منع. نعم، يمكن أن يقال: إن الصحيحة دالة على جريان استصحاب الطهارة الخبثية، فلو كان المستفاد من الأدلة أن شرط الصلاة إنما هو إحرازها لأنفسها فحيث إن لازمه خروجها عن كونها موضوع حكم شرعي لكان مقتضى الصحيحة حجية الأصل المثبت بمقدار ما يدل عليه الصحيحة، فإن عدم القول بالأصل المثبت ليس إلا لأجل أنه لا دليل عليه، والصحيحة تكون حينئذ دليلا عليه في دائرة مدلولها. هذا. لكنك خبير بأنه بناء على فرض، وأن المستفاد من الأدلة أنها أيضا شرط، فإحرازها إحراز للشرط، كما في إحراز سائر الشروط نعم، إنها ليست شرطا منحصرا، بل كما أنها محقق للشرط ومصداقه فهكذا إحرازها، وهكذا الطهارة الظاهرية، فلا دلالة في الصحيحة على حجية الأصل المثبت. وقد يجاب عن هذا الإشكال: بأن الجواب مبني على قاعدة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء. قال الشيخ الأعظم (قدس سره): " وربما يتخيل حسن التعليل لعدم الإعادة بملاحظة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة، وكاشفة عنها ". أقول: كلام هذا المتخيل فيه احتمالان: أحدهما: أن يريد به أن التعليل وقع بنفس هذا الأمر الظاهري بأن يكون معنى قوله (عليه السلام) " لأنك... الى آخره " أنه كان لك استصحاب الطهارة الذي هو في معنى

[ 310 ]

الأمر بالصلاة في هذا الثوب، فلا وجه لأن تعيد صلاتك، وحينئذ فيرد عليه ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) بقوله: " وفيه: أن ظاهر قوله: " فليس ينبغي " يعني ليس ينبغي لك الإعادة لكونه نقضا " انتهى. يعني: أن التعليل إنما هو بأن الإعادة نقض لليقين بالشك، لا أن الامر الاستصحابي كان موجودا حين الصلاة. والاحتمال الثاني: أن يريد به أن قاعدة اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء لما كانت مسلمة مفروغا عنها ففي مفروض الكلام إذا قام بصدد إعادة الصلاة كانت إعادتها عدم المبالاة بقاعدة الاستصحاب، وإلا لما أعادها بعد مسلمية أن الأمر الظاهري موجب للإجزاء فتعليل الصحيحة مبني على تلك القاعدة كاشف عن اعتبارها. وفيه: أنه إنما يتم لولا ما استفدناه من الأدلة من أن الشرط الواقعي للصلاة أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية والتخيلية، وأما معه فصلاته بعد مفروضية قاعدة الاستصحاب كانت واجدة لشرطها واقعا ومأمورا بها بأمر واقعي، فليس عدم إيجاب الإعادة دليلا وكاشفا عن تلك القاعدة. وفي تقريرات بعض الأعاظم دام ظله: أن القول باقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء راجع إلى القول بتوسعة الشرط للطهارة الواقعية وغيرها، فإنه لولا التوسعة لكانت الصلاة باطلة لفقدان الشرط. وفيه: أن لازم توسعة الشرط واقعا قيام المصلحة التامة بالأعم، وإجزاء الأمر الظاهري مناف له، بل مآله إلى الاكتفاء بالناقص مكان التام ولو لأجل التحرز عن مفسدة في إيجاب الإعادة. هذا كله حول الإشكال الأول. وأما الإشكال الثاني فهو مبني على تخيل أن استفادة أن الشرط أعم من الطهارة الواقعية مستندة الى هذه الصحيحة، وقد عرفت أنها مستندة إلى الأدلة الاخرى، فمجرد شرطية الأعم لمن فرغ عن صلاته ثم علم بنجاسة ثوبه ليس دليلا على شرطية ذاك الأعم لمن علم بها أثناء الصلاة أيضا، فالاستلزام غير

[ 311 ]

ثابت، فالإشكال غير وارد. وقد وردت أخبار معتبرة بالفرق في اشتراط الطهارة بين الموضعين: ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال: ذكر المني فشدده فجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثم صليت فيه، ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول (1). فقد حكم بصحة الصلاة إذا رأى المني أو البول بعد الصلاد، وببطلانها إذا رآه أثناء الصلاة، والحكم شامل للمتيقن بالطهارة والشاك فيها، كما لا يخفى. وفي صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال: " عليه أن يبتدئ الصلاة ". قال: وسألته عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم ؟ قال: " مضت صلاته ولا شئ عليه " (2). وهي في الدلالة مثل السابقة. ومنهما يظهر أن سر البطلان المذكور في ذيل صحيحة زرارة: أن وقوع بعض الصلاة في النجس وانكشاف الأمر في أثناء الصلاة موجب البطلان، فبطلان الصلاة مستند إليه، ولا دخل لاستصحاب الطهارة في الحكم بالصحة والبطلان أصلا حتى يستشكل الفرق، فصحيحة زرارة أيضا متوافقة المضمون لهاتين الصحيحتين، مبتنية على ما تضمنتا من الفرق وبطلان الصلاة إذا انكشف وقوعها في النجس أثناء الصلاة، فلو عمل بهما يعمل بها أيضا، ولو أعرض عنهما كانت الصحيحة أيضا في هذه الجهة معرضا عنها، ولا إشكال، وتمام الكلام موكول الى الفقه. والحمد لله.


(1) الوسائل: ج 2 ص 1062 الباب 41 من أبواب النجاسات الحديث 2. (2) الوسائل: ج 2 ص 1059 الباب 40 من أبواب النجاسات الحديث 2. (*)

[ 312 ]

ومما ذكرنا يظهر عدم الحاجة الى ما أتعب به سيدنا الاستاذ (قدس سره) لتصحيح الفرق على مقتضى القواعد، وإبداء الفرق بلحاظ الاصول الجارية بين انكشاف الأمر بعد الصلاة وأثنائها. فإنه بحث فرضي لا نشتغل به. هذا كله حول الاستدلال بالفقرة الاولى من الصحيحة، وقد عرفت تماميته. وأما الموضع الثاني فهو الفقرة الواقعة في آخر الصحيحة: فقد سأل زرارة أخيرا بقوله: " قلت: فإني [ فإن - صا ] رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته فيه، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت [ الصلاة - صا ] وغسلته ثم بنيت على الصلاة، فإنك لا تدري لعله شئ وقع [ أوقع - يب صا ] عليك، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ". وبيان دلالتها: أن زرارة قد سأل عن رؤية النجاسة في ثوبه أثناء الصلاة، ففصل الإمام (عليه السلام) في جوابه بما حاصله: " أنه لو كانت بحيث يتيقن معها بوقوع الصلاة في اللباس المتنجس فالصلاة باطلة يجب إعادتها، وإن احتمل وقوع الصلاة في الطاهر لاحتمال وقوع النجاسة عليه حين الرؤية فلا تجب إعادتها، وإنما يرفع اليد عن إدامتها ويغسل الثوب ثم يدام عليها " فالمستفاد من الجواب أن ملاك الصحة هو احتمال أن تكون النجاسة حادثة حين الرؤية، ولذا قيده بأن يكون رطبا، لإبداء ذاك الاحتمال، وحينئذ فلا أقل من أن إطلاقه يعم ما إذا كان من أول الصلاة شاكا في طهارة ثوبه بعد أن كان متيقنا بطهارته، ويدل على أن اليقين لا ينقض بالشك. لا يقال: إنه يعم أيضا ما إذا كان ميتقنا بطهارة ثوبه إلى حين الرؤية أيضا، وبعد أن رأى النجاسة شك في أنها حدثت حينها أم قبلها ؟ وهو من موارد قاعدة اليقين. فإنه يقال: شموله لغير هذه الصورة - أعني ما إذا كان شاكا من أول الصلاة أو غافلا - كاف في تمامية الاستدلال بها، لاعتبار قاعدة الاستصحاب، فتأمل. وفي الفقرة الاولى غنى وكفاية.

[ 313 ]

ثم إنه بناء على دلالتها على اعتبار الاستصحاب فلا مجال لأن يقال: إن تفريع قوله: " فليس ينبغي لك... الى آخره " على إبداء احتمال حدوث النجاسة حين الرؤية يمنع عن حمل اللام في اليقين والشك على الجنس، بل الأنسب فيها العهد. وذلك أن وقوع هذه الفقرة في موارد اخرى وفي الروايات المتعددة، مضافا الى التعبير بعدم الانبغاء، شاهد على أنها قاعدة إرتكازية يمضيها الشارع، فالمراد به جنس اليقين والشك، وإبداء الاحتمال إنما هو لتبيين أنه مصداق لهذه القاعدة الكلية، فتنطبق عليه، والله العالم. ومنها: صحيحة ثالثة عن زرارة، قد رواها ثقة الإسلام في الكافي، والشيخ في التهذيبين، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت له: من لم يدر في أربع هو أم (أو - يب صا) في ثنتين وقد أحرز الثنتين ؟ قال: " يركع (ركع - يب) ركعتين وأربع سجدات - وهو قائم - بفاتحة الكتاب، ويتشهد ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها (ركعة - صا) اخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه (ولكن - صا) ينقض الشك باليقين، ويتم على اليقين، فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات " (1). وموضع الاستدلال بها قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك "، وتقريب دلالته يعلم مما مر في السابقتين. والشيخ الأعظم (قدس سره) اعترف بأن ظاهر هذه الفقرة بنفسها هو قاعدة الاستصحاب، إلا أنها لما كان مقتضاها البناء على الأقل الذي عليه العامة فلأجل أن لا تحمل على التقية لمخالفتها لظاهر صدرها وفهم العلماء منها يحمل اليقين


(1) الكافي: ج 3 ص 351 - 352 باب السهو في الثلاث والأربع ح 3، التهذيب: ج 2 ص 186 باب أحكام السهو في الصلاة ح 41، الإستبصار: ج 1 ص 373 باب من شك في إثنتين وأربعة ح 3، الوسائل: ج 5 ص 321 و 323 الباب 11 و 10 من أبواب الخلل في الصلاة ح 3. (*)

[ 314 ]

المذكور فيها على اليقين بالبراءة الذي يحكم به العقل في كل ما كان الاشتغال يقينيا، وطريق تحصيله هنا هو البناء على الأكثر، والإتيان بصلاة احتياطية بحيث ينجبر بها النقص المحتمل. إلا أن المحقق الخراساني (قدس سره) في التعليقة والكفاية لم يرتضه، وأورد عليه: بأن البناء على الأقل وإتيان الركعة المشكوكة متصلة إنما يقتضيه إطلاق استصحاب عدم الإتيان بها، ولا مانع من تقييد هذا الإطلاق بما في صدر نفس الصحيحة، وبقرينة أخبار متعددة اخر معمول بها بأن يكون إتيانها بالانفصال، فأصل الإتيان بها يؤخذ فيه بالاستصحاب، وانفصالها من قرينة الصدر وسائر الأخبار، وهذا التقييد أولى من حمل هذه العبارة المعروفة على غير الاستصحاب. وعن عدة من الأعاظم والمحققين: إنكار أن إطلاق الاستصحاب يقتضي الإتيان بالركعة المشكوكة متصلة، بل إنه يقتضي هنا إتيانها منفصلة، وذلك أن الاستصحاب إنما يثبت عنوان عدم الإتيان بالركعة المشكوكة، وهو موضوع يؤخذ حكمه من الأدلة الاخرى فيترتب عليه، والأدلة الأولية وإن دلت على وجوب إتيان الركعتين الأخيرتين أيضا بالاتصال ولو لأجل أن لا يلزم زيادة التشهد والسلام وتكبيرة الإحرام إلا أن أدلة إيجاب الصلاة الاحتياطية للشكوك الصحيحة قد دلت دلالة واضحة على أن الواجب على الشاك في الركعات أن يأتي بهما منفصلة، وبالنتيجة: قد وقع تنويع وتفصيل في الحكم الواقعي لمن لم يأت بهما أو إحداهما، فمن كان شاكا يجب عليه بحسب الواقع الإتيان منفصلا، ومن لم يكن له شك يجب عليه الإتيان بهما بالاتصال. ومن الواضح أن مورد الاستصحاب وإن حكم عليه بعدم الإتيان إلا أن المكلف معه شاك، فلا محالة يقع تحت الأدلة الحاكمة بوجوب إتيانهما بالانفصال. وربما يبين التقريب بأن حكم وجوب الإتيان منفصلة قد رتب على أمر مركب من الشك وعدم الإتيان، وأحد الجزءين - وهو الشك - محرزة بالوجدان، والآخر يحرز بالاستصحاب، ويترتب عليه حكم وجوب الإتيان بالمشكوكة

[ 315 ]

منفصلة. فالحاصل: أنه بعد الجمع بين الأدلة فالاستصحاب لا يقتضي من أول الأمر إلا الانفصال، لا أن إطلاقه يقتضي الاتصال، ما يقيد بالقرائن المذكورة، كما عن المحقق الخراساني (قدس سره). هذا. وفيه أولا: أن لازم هذا التنويع أنه إن أتى المكلف بالركعة المشكوكة متصلة مع قصد الرجاء وحصول القربة - ثم تبين أن صلاته كانت ناقصة كانت باطلة، لفرض تعين وظيفة الشاك في الانفصال وهو مما لا يمكن الالتزام به، ضرورة أنه قد أتى بصلاته تامة، وأدلة صلاة الاحتياط في الشكوك لا تدل على أزيد من أنه إن كان المصلي صلى ركعتين - مثلا - كانت هاتان تمام الأربع، ومقتضاها ليس أزيد من اغتفار الزيادات المأتي بها بالنسبة للشاك، لا أن إتيان الصلاة أربع ركعات متصلة غير مقبولة منه، بل لا ريب في أن إطلاق مطلوبية أربع ركعات بضميمة بداهة أن المتصلة منها مصداق لها قطعا يقتضي صحة صلاته إذا أتى بالمشكوكة متصلة بغيرها ثم تبين أن صلاته كانت ناقصة وقد تمت بإتيان الركعة المشكوكة نعم، إن لم يتبين النقص لم يكن له الاكتفاء بها، لاحتمال أن تكون تامة، فيكون ما أتى بها مشتملة على زيادة غير معفوة، فإنه صلى خمس ركعات لا أربعا. وثانيا: أن لازم التنويع أن يكون الشاك محكوما بوجوب الانفصال عليه في كلتا الأخيرتين، أو إحداهما، وغير الشاك - وهو المتيقن بعدد ركعات صلاته - محكوما بوجوب الاتصال، وحينئذ فحيث إن لسان " لا ينقض اليقين بالشك " أن اليقين باق غير منقوض، فالشارع بمقتضى الاستصحاب قد تعبد بأن اليقين باق، وأن المكلف متيقن، ولازمه أن يكون محكوما بحكم المتيقن، ومن المعلوم أن الصحيحة صريحة في شمول القاعدة للشاك في الركعات، فإذا كان محكوما تعبدا بأنه متيقن بركعات صلاته، كان لازمه أن يأتي بالركعة المشكوكة متصلة، فكان بعد تسليم ذاك التنويع أيضا مقتضى الاستصحاب أن يأتي بالمشكوكة متصلة، وهو مقتضى صريح الاستصحاب هنا ونصه، لا أنه مقتضى إطلاقه، فقد انهدم

[ 316 ]

أساس مقالة المحقق الخراساني وهؤلاء الأعاظم قدست أسرار أمواتهم ومد ظل الحي منهم. وسيأتي - إن شاء الله تعالى حق المقال في مآل هذه الفقرة المباركة. وثالثا: أن ما افيد في تبيين ذاك التقريب من تركب موضوع وجوب الانفصال مما لا يمكن تصديقه، فإن موضوع هذا الحكم في الأخبار الواردة ليس إلا الشك وعدم الدراية مع اعتدال الوهم، ولم يشر فيها إلى إحراز عدم الإتيان، ولا وجه لتقييده به. والتحقيق في فقه الصحيحة أن يقال: إن ظاهر جواب الإمام (عليه السلام) في كلتا صورتي الشك المفروضتين فيها إيجاب الإتيان بالمشكوكة بالاتصال، فإن موضوع سؤال السائل " من لم يدر في أربع هو أم في ثنتين وقد أحرز الثنتين " هو من كان أثناء صلاته وقد طرأت له هذه الحالة، فإذا قال الإمام (عليه السلام) في مقام تعيين وظيفته: " يركع ركعتين وأربع سجدات - وهو قائم - بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه " لما كان المفهوم منه إلا أن هذا الرجل الشاك أثناء صلاته لا يفعل إلا ما ذكره الإمام (عليه السلام) ولا شئ عليه، فلو كان اللازم عليه أن يسلم ثم يأتي بهاتين الركعتين لوجب التنبيه عليه، وإلا فلا محالة يبادر المصلي الشاك إلى ما عينه، ويأتي بها أثناء صلاته ومتصلة بالركعات المتيقنة ويتم صلاته بالمعهود من التسليم في آخرها. ومجرد قوله: " بفاتحة الكتاب " لا يقتضي دلالة على لزوم الإنفصال، ولا إشارة إليه، كيف ؟ وهو ليس إلا تعيينا لأحد فردي التخيير، ولا بأس بإيجابه للشاك تعبدا لو لم يحمل على بيان أحد الفردين. ومنه تعرف ظهور الفقرة الثانية في الاتصال، فإن قوله (عليه السلام): " وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه " له ظهور واضح في الإتصال، لما ذكرناه في الفقرة السابقة ويزيد عليها التعبير بقوله: " اضاف إليها " فإنه كالصريح في الاتصال. وبالجملة: فظهور الجواب في إيجاب الاتصال مما لا ينبغي الشك فيه. وبعدئذ فقوله (عليه السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " أيضا تأكيد لما أفاده في

[ 317 ]

الصورتين بذكر قاعدة كلية، وقوله: " لا يدخل الشك في اليقين " يراد به عدم مساواتهما في الأثر، فلا يقوى الشك على نقض اليقين، كما يقوى اليقين الآخر على نقض اليقين، فهو تأكيد قوله: " لا ينقض... الى آخره ". وهكذا قوله: " ولا يخلط أحدهما بالآخر ". وبعد ذلك كله فحيث إن الأصحاب لم يعملوا بهذا المعنى المدلول للصحيحة - وهي موافقة لقول العامة - فلا محالة تكون الصحيحة في عداد روايات متعددة كثيرة اخرى قد وردت بمضمون إيجاب الاتصال (1) لا محمل لها إلا التقية، والتقية كما يمكن أن تكون في مجرد تطبيق الاستصحاب على المورد أمكن أن تكون في أصل ذكر القاعدة الكلية، فنعلم إجمالا بعدم جريان أصالة الجهة في أحدهما، وحيث لا معين تسقط الصحيحة عن قابلية الاستدلال بها بنفسها لاعتبار قاعدة الاستصحاب. نعم، بقرينة الصحيحتين السابقتين الاولى والثانية نعلم أن ذكر أصل القاعدة لم يصدر تقية، وإنما كانت التقية في التطبيق، كما في قول أبي عبد الله (عليه السلام) لأبي العباس اللعين حينما قال: " يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم ؟ " فقال (عليه السلام): " ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا " (2). فالحاصل: أن ظاهر الصحيحة بمقتضى أصالة الجهة كون ذكر القاعدة وتطبيقها على المورد لبيان حكم الله الواقعي، لكن القرينة القائمة المنفصلة أوجبت رفع اليد عنها: إما في أصل الكبرى، وإما في خصوص التطبيق، وحيث لا ترجيح تسقط عن قابلية الاستدلال. إن قلت - كما في تقريرات بعض المحققين -: إن تحقق المعارضة بينهما فرع ترتب أثر عملي على أصالة الجهة في طرف التطبيق، حتى في فرض صدور الكبرى تقية، وإلا فبدونه لا يجري فيه الأصل المزبور، وحيث إنه لا أثر عملي


(1) الوسائل: ج 5 الباب 9 و 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة. (2) الوسائل: ج 7 ص 95 الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5. (

[ 318 ]

يترتب عليها في الفرض المزبور تبقى أصالة الجهة في أصل الكبرى، بلا معارض، فيصح الاستدلال بالصحيحة بالنسبة إلى أصل الكبرى، ولا يضر به العلم الإجمالي بإعمال تقية في البين، كما هو ظاهر. قلت أولا: إن إجراء أصالة الجهة في التطبيق حيث كانت فرعا على إرادة الحكم الواقعي من الكبرى، ضرورة أن الكبرى إذا صدرت تقية فلا محالة تكون في مورد التطبيق أيضا تقية. فبالنتيجة: الأمر دائر بين رفع اليد عن أصالة الجهة في الكبرى الذي لا يبقى معه مجال وموضوع لأصالة الجهة في التطبيق، وبين رفع اليد عن أصالة الجهة في خصوص التطبيق. وبعبارة اخرى: أن ما يعلم إجمالا صدوره من الإمام (عليه السلام) إحدى التقيتين، ولا ترجيح لواحدة منهما على الاخرى، فتسقط أصالة الجهة في الكبرى عن صحة الاستدلال بها، لكونها طرف هذا العلم الإجمالي. وسيأتي تتمة الكلام - إن شاء الله تعالى - في البحث عن دوران الأمر بين الرجوع إلى العام واستصحاب حكم المخصص. وثانيا: أن ما ذكره شرطا لتحقق المعارضة بين الأصلين موجب لانحلال العلم الإجمالي، وارتفاع المعارضة من البين، وذلك أنه لا ريب في أن تطبيق الإستصحاب على خصوص المورد حيث إن معناه البناء على الأقل، والإتيان بالمشكوكة متصلة، فلا ريب في أنه مبني على التقية، فلو كانت أصالة الجهة في مورد التطبيق ذات أثر - على أي حال - فلا محالة تكون مستقلة غير متفرعة، ونعلم تفصيلا بعدم جريانها، وأن التطبيق مبني على التقية، ونشك في أن أصل الكبرى هل فيها تقية أم لا ؟ فتجري أصالة الجهة فيها بلا معارض، فالأمر على جهة التعاكس مما أفاد، والعجب أن عبارة مقالاته (قدس سره) أيضا موافقة لما في التقرير ! ولعله من سبق القلم، والله الموفق وهو العاصم. وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه الدقة في فقه الحديث، وأما حمله على

[ 319 ]

إيجاب تحصيل اليقين بالبراءة أو على الاحتمالات الأخر المذكورة في كلمات الأعاظم فبعيد عن الظاهر، لا يصار إليه عرفا. هذا. ثم إنه لو سلم تمامية دلالة الصحيحة على اعتبار الاستصحاب فلا يرد عليها أنها من الأخبار الدالة عليه في خصوص المورد، لا العامة لغير مورد، ضرورة ظهور الفقرات في كونها مبنية للفاعل، ومرجع الضمير فيها هو المصلي الشاك، وذلك لما في الكفاية من أن ظاهر مقابلة اليقين والشك في هذه الفقرات هو أن مناط حرمة النقض إنما يكون ما في اليقين والشك من الإبرام والهوان، وأن الشك لا يقوى على نقض اليقين وهدمه، لا أن في المورد خصوصية. والعجب من المنقول عن بعض أعاظم العصر دام ظله، حيث أجاب عن الإيراد بنفس ما ذكر، وأسند الى الكفاية جوابا يرجع الى بعض ما ذكره الكفاية واستشكله، ولعل الاشتباه من المقرر (1). ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه (في باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث 44) فقال: وروي عن إسحاق بن عمار أنه قال: قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام): " إذا شككت فابن على اليقين، قال: قلت: هذا أصل ؟ قال: نعم " (2). وبعد تسليم اعتبار سنده فدلالته موقوفة على إرادة الشك في البقاء من قوله (عليه السلام): " شككت " وهي غير واضحة جدا، ضرورة احتمال أن يكون المراد بالحديث: أنه إذا شككت في إتيان عمل فاجعل بناءك على الإتيان به يقينا، فهو تأكيد على ما يحكم العقل به من لزوم تحصيل الفراغ اليقيني إذا كان الاشتغال يقينيا. ومنها: ما رواه في الخصال في حديث الأربعمائة، بإسناده، عن محمد بن مسلم، وأبي بصير، عن أبي عبد الله، عن ابائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين " (3).


(1) راجع مباني الاستنباط: ج 4 ص 30. (2) الوسائل: ج 5 ص 318 الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2. (3) الخصال: ص 610 و 619 طبع مكتبة الصدوق. (*)

[ 320 ]

وفي إرشاد الشيخ المفيد (قدس سره): أن من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): " من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه، فإن اليقين لا يدفع، بالشك " (1). وسند الحديث ضعيف بوقوع القاسم بن يحيى وجده الحسن بن راشد مولى المنصور في سند الخصال، وقد ضعفهما ابن الغضائري، ولو لم يعتبر تضعيفه فلم يرد فيهما توثيق، فيكونان مجهولين. ونقل الإرشاد مرسل فليس فيه حجة من حيث السند. وأما دلالته: فقد قال الشيخ الأعظم (قدس سره) ما حاصله: أن ظاهر قوله (عليه السلام): " من كان على يقين فشك " أن شكه حدث بعد يقينه، وحيث إن ظاهره وحدة متعلق اليقين والشك شخصا فلا محالة يختص الموضوع بقاعدة اليقين، فيكون قوله: " فليمض على يقينه " دليلا على اعتبار تلك القاعدة، لا قاعدة الاستصحاب. وقد أورد المشايخ (قدس سرهم) عليه بوجود استنهضوا بها دلالة الحديث على اعتبار الاستصحاب: منها: ما عن بعض المحققين من أن مدلول الفاء ليس خصوص الترتب الزماني، بل تستعمل في الترتب الذاتي والرتبي أيضا، كما يقال: " تحركت اليد فتحرك المفتاح "، أو يقال: " من كان عاصيا فاضرب عنقه "، بلا عناية ولا تجوز والسبق فيما نحن فيه رتبي بالقياس إلى حكم وجوب المضي، لا سبقا زمانيا. أقول: وهو عن مثله غريب ! فإن مورد الاستظهار هو جملة " فشك " بالنسبة الى جملة " كان على يقين "، وليس بينهما نسبة الموضوع والحكم، ولا العلة والمعلول، ولا ريب في أنه سبق زماني، وبانضمامه إلى استظهار وحدة متعلقهما وحدة شخصية يصح استظهار قاعدة اليقين منه، اللهم إلا أن يمنع الاستظهار الثاني، وحمل السبق المذكور على ما في الأفراد الغالبة من الاستصحاب، وسند المنع ما يأتي. ومنها: ما عن جمع منهم (قدس سرهم) من أن ظاهر قوله (عليه السلام): " فليمض على يقينه "


(1) الإرشاد: ص 59 طبع النجف الأشرف. (*)

[ 321 ]

فعلية يقين الشخص المأمور بالمضي، وهو لا يكون إلا في قاعدة الاستصحاب، ضرورة أن لا فعلية في قاعدة اليقين إلا للشك. وفيه: أن هذا الظهور إنما يسلم لو كانت مثل هذه الجملة ابتدائية غير مسبوقة بمثل قوله (عليه السلام): " من كان على يقين فشك "، وأما مع سبق تلك الجملة المبينة لموضوع الحكم الظاهرة - على الفرض - في زوال اليقين بشئ شخصي وتبدله بالشك فلا نسلم ظهورها في الفعلية، بل لا يبعد دعوى ظهورها في إرادة ذاك اليقين الذي وقع عنه حديث في الجملة السابقة، ويكفي في إضافته إلى شخص تلبسه به ولو سابقا أيضا. ومنها: أن تعليل الحكم بالمضي بقوله: " فإن الشك لا ينقض اليقين " وهي جملة ظاهرة في إرادة الشك واليقين الموجودين في باب الاستصحاب قرينة على إرادة هذه القاعدة من صدر الحديث أيضا، فإنها جملة يعبر بها عن الاستصحاب، كما كان كذلك في الصحاح الثلاث الماضية. وفيه: أن إرادة قاعدة الاستصحاب من هذه الجملة وإن كانت مسلمة إلا أن اختصاصها بها غير واضحة، وسيأتي البحث عن إمكان إرادة معنى أعم منها، فارتقب. نعم، بناء على إرادة الأعم صح الاستدلال بعموم التعليل على اعتبار قاعدة الاستصحاب أيضا. إلا أن الأسف على عدم اعتبار سند الحديث، وعدم نهوضه للاستدلال والاحتجاج به، والله العالم. ومنها: ما رواه الشيخ في التهذيبين، بإسناده عن الصفار، عن علي بن محمد القاساني [ القاشاني - صا ] قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة [ أسأله - صا. ئل ] عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان [ من رمضان - ئل ] هل يصام أم لا ؟ فكتب (عليه السلام): " اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية، وأفطر للرؤية " (1).


(1) التهذيب: ج 4 ص 159 باب علامة أول شهر رمضان، ح 17، الاستبصار: ج 2 ص 64 باب علامة أول يوم من شهر رمضان، ح 12، الوسائل: ج 7 ص 184 الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 13. (*)

[ 322 ]

وسند الشيخ إلى الصفار وإن كان صحيحا ولا سيما في الفهرست إلا أن علي ابن محمد القاشاني لم يوثق، بل عن الشيخ تضعيفه بقوله: (ضعيف إصبهاني). وأما دلالته فالشيخ الأعظم (قدس سره) بعد نقل الجملة الاولى منه في صورة " اليقين لا يدخله الشك " بين المراد منه: بأن الشك لا يزاحم اليقين، فيعمل على مقتضى اليقين حتى مع الشك، وبقرينة تفريع الصيام والإفطار والسؤال يعلم أن المراد بالشك هو الشك في البقاء، لا في أصل مطابقة اليقين، فمدلوله اعتبار قاعدة الاستصحاب. أقول: إن هذا التقريب إنما كان له مجال بناء على نقله (قدس سره). وأما بناء على نسخة كتب الحديث فالظاهر أنها مساوقة لما كان في صحيحة زرارة الثالثة، من قوله (عليه السلام): " ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر ". وظاهرها أن الشك ليس في عداد اليقين، ولا داخلا في قبيله ومخلوطا به، حتى يكون له من الحكم والأثر ما يكون لليقين، فاليقين طريق قطعي معتبر إلى المتيقن، وليس الشك حجة مثله ولا معتبرا، فمفاد الحديث ليس إلا عدم طريقية الشك وعدم حجيته واعتباره، لا بقاء اعتبار اليقين في زمان الشك في بقاء المتيقن، فكأنه قال: " الشك لا حجة فيه، فصم للرؤية وأفطر للرؤية ". وأما حمل اليقين فيه (1) على خصوص اليقين بدخول شهر رمضان وشهر شوال لورود روايات مستفيضة معتبرة يشرف الفقيه على القطع بأن مناط وجوب الصيام والإفطار هو اليقين بدخول شهر رمضان وشوال فمنه يعلم أن المراد من الحديث بيان أن الاعتبار في هذا الباب باليقين الحادث بدخول الشهرين، لا باليقين ببقاء شعبان ورمضان، أو بعدم دخول شهر رمضان أو شوال لكي يرتبط بمبحث الاستصحاب. ففيه: أن مجرد ورود هذه الروايات الكثيرة بذلك بعد ما لم تكن على عنوان


(1) على ما في الكفاية بعد لحاظ الدقة المذكورة في نهاية الدراية. (*)

[ 323 ]

اليقين بدخول الشهر لا يصير قرينة على إرادة ذاك المعنى من اليقين فيه، بل التعبير بقوله (عليه السلام): " اليقين لا يزاحمه الشك " وتفريع الصيام والإفطار عليه، ظاهر في إرادة بقاء حكم اليقين السابق، وهي قاعدة الاستصحاب. وأضعف منه إرادة إثبات الحمل على ذاك المعنى (1) من طريق أنه لولاه لكان استصحاب بقاء شعبان أو رمضان مثبتا، فإن حكم الاستحباب أو وجوب الصيام مترتب على يوم كان من شعبان أو من رمضان، وهو لا يثبت بإستصحاب الشهرين إلا على القول بالمثبت. إذ فيه: أنه لو سلم ما افيد فبعد ما كان الحديث ظاهرا في حجية قاعدة الاستصحاب كان اللازم القول بحجية المثبتات له أيضا، لا أن يجعل عدم حجيتها دليلا على بطلان إرادة هذا المعنى. هذا، مضافا إلى أن استصحاب عدم دخول شهر رمضان وشوال كاف في نفي وجوب الصيام والإفطار، ولو نوقش فيه لكان استصحاب عدم وجوب الصيام والإفطار كافيا، كما هو واضح. فالحق في إنكار الدلالة هو ما عرفت، مضافا إلى أن الحديث غير معتبر السند أيضا. هذا كله في الروايات العامة المستدل بها على اعتبار قاعدة الاستصحاب مطلقا، وقد ظهر مما مر أن دلالة جميعها وإن لم تكن تامة إلا أن فيها - كصحيح زرارة الأول والثاني - ما هو تام الدلالة، وفيه غنى وكفاية. وقد ذكروا أخبارا اخر واردة في موارد خاصة قالوا بدلالتها على اعتبار الاستصحاب في تلك الموارد، فاريد إثبات تعميم اعتباره بعدم القول بالفصل. وأنت تعلم أن مجرد عدم القول بالفصل بل القول بعدم الفصل هنا مما لا قيمة له بعد ما كان من المحتمل جدا استناد القول باعتبار الاستصحاب إلى ما تقدمت من الأدلة، فنحن سلمنا تمامية دلالة جميعها لما كان في القول بعدم الفصل حجة.


(1) كما في تقريرات بعض المحققين (قدس سرهم). (*)

[ 324 ]

وكيف كان فمن هذه الأخبار: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله وأنا حاضر: أني اعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيرد (ه. صا) علي فأغسله قبل أن اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (1). ووجه الدلالة: أن تعليل جواز الصلاة فيه وعدم الاحتياج إلى الغسل بطهارة الثوب قبلا وعدم اليقين بطروء النجاسة عليه، فيه دلالة واضحة على أن للطهارة السابقة دخلا فيه، وهو عبارة اخرى عن استصحاب الطهارة. ويمكن الخدشة بأنه ليس في الجواب ما يكون مدلوله المطابقي اعتبار الاستصحاب، ومن المحتمل أن يكون ذكر الطهارة السابقة لتثبيت الشك في طهارته، فإنه لو كان نجسا لكان نجاسته حين الرد معلومة، لكنه كان طاهرا ولم يعلم أنه صار نجسا فكان مشكوك الطهارة تجري فيها قاعدة الطهارة، فتدبر جيدا. ومنها: موثقة بكير بن أعين المروية في الكافي والتهذيب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت " (2). وهذه الموثقة أظهر من الصحيحة، لصراحتها في اعتبار العمل على طبق المتيقن السابق ما لم يستيقن انتفاؤه، وهو عبارة اخرى عن اعتبار قاعدة الاستصحاب.


(1) التهذيب: ج 2 ص 361 ح 27، الاستبصار: ج 1 ص 292، الوسائل: ج 2 الباب 74 من النجاسات ح 1. (2) الكافي: ج 3 ص 33 باب الشك في الوضوء ح 1، التهذيب: ج 1 ص 102 باب صفة الوضوء ح 117، وفيه " قد توضأت " بدل مما في الكافي " قد أحدثت فتوضأ "، الوسائل: ج 3 الباب 44 من أبواب الوضوء الحديث 1. (*)

[ 325 ]

لكن لقائل أن يقول: إن الرواية وإن كانت كالصريحة في جواز الاعتماد والعمل على الوضوء المتيقن ما لم يستيقن الحدث إلا أنها ليس فيها ما يدل على أن سر هذا الاعتماد هو الحكم بالبقاء، فلعل نفس الشك مجوزة هنا للدخول في الأعمال التي لا يجوز الدخول فيها بلا طهارة، وإن كان احتمالا بعيدا لكنه لا دافع له بحسب الظاهر، فلا حجة فيها أيضا على اعتبار الاستصحاب ولو في خصوص موردها. ومنها: موثقة عمار الساباطي المروية في التهذيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في حديث طويل ": " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (1). فقد استدل بها لاعتبار جريان الاستصحاب في الطهارة الخبثية. وقال الشيخ الأعظم (قدس سره) ما حاصله: إن دلالتها على الاستصحاب مبنية على أن يكون المراد: كل شئ طاهر طاهر إلى أن يعلم قذارته، حتى يكون المفروض اتصاف الموضوع بالطهارة الواقعية، فيحكم ببقائها الى أن يعلم خلافها، لكنه خلاف الظاهر، فإن ظاهرها إثبات الطهارة على ذات الموضوع إلى أن يعلم خلافها، وهو مفاد قاعدة الطهارة. كما أن الجمع بينهما في استعمال واحد من مثل العبارة ممتنع، لاقتضائه الجمع بين تقييد الموضوع وعدم تقييده، وهو جمع بين النقيضين، اللهم الإ باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، وهو غير جائز قطعا. وقال المحقق الخراساني (قدس سره) - في تعليقته على رسائل الشيخ - بإمكان الجمع بينهما بلا لزوم محذور، بل يجمع بينهما وبين الدلالة على طهارة الأشياء واقعا، وذلك أن عموم صدر الموثقة والمغيى - أعني قوله: " كل شئ نظيف " - يدل على أن ذوات الأشياء كالماء والتراب والأشجار وغيرها طاهر ونظيف واقعا، وهي طهارة واقعية، كما أنه بإطلاقه الأحوالي الشامل لمشكوك الطهارة يدل على أن


(1) التهذيب: ج 1 ص 285 باب تطهير الثياب من النجاسات الحديث 119، الوسائل: ج 2 الباب 37 من النجاسات الحديث 4. (*)

[ 326 ]

كل شئ مشكوك طهارته بشبهة حكمية أو موضوعية - ولو في المشتبهات الدائمة الشبهة - طاهر، ولا محالة هي طهارة ظاهرية مدلولة لقاعدة الطهارة، فالصدر أو المغيى قد دل بالعموم والإطلاق على الطهارة الواقعية للإشياء والطهارة الظاهرية المستفادة من قاعدتها. ثم إذا لاحظنا الغاية والذيل - أعني قوله (عليه السلام): " حتى تعلم أنه قذر " فهي تدل على استمرار تلك الطهارة الواقعية في زمن الجهل والشك في بقائها، وتحكم ببقائها، إلا أنه لما كانت الطهارة والنجاسة الواقعيتان غير منوطتين بالعلم والجهل فلا محالة يكون هذا الاستمرار المدلول عليه حكما بالبقاء عنوانا وادعاء، كما يأتي توضيحه في البحث عن مفاد النقض أيضا، وهو عبارة عن الاستصحاب استصحاب الطهارة. هذا. أقول: إن بيانه (قدس سره) وإن أزال إشكال الجمع بين النقيضين أو استعمال اللفظ في معنيين إلا أنه مع ذلك يرد عليه امور: أحدها أنه إذا كان موضوع الحكم في الحديث هو ذات الأشياء - كما هو المفروض وظاهر الصدر - فإطلاقه لا يقتضي إلا أن ذات الشئ هو تمام الموضوع لهذا الحكم، يدور الحكم معها حيثما دارت، من دون أن يتجافى الحكم عن نفس الذات، ولا أن يصير موضوعه عناوين الحالات المختلفة العارضة، فلا يكون موضوعه مشكوك الطهارة بما أنه مشكوكها لكي يستفاد قاعدة الطهارة، بل إنما يدل على أن هذا الموضوع محكوم بهذا الحكم من دون دخل للعلم به وعدمه، كسائر أحواله، وليس مقتضاه إلا سريان الطهارة الواقعية بالنسبة إلى جميع أحوال الموضوع، وسره: أن الإطلاق هو رفض القيود وعدم دخل شئ منها في ترتب الحكم، لا الجمع بينها ودخل كل منها فيه. ثانيها: أن التمسك بها في المشتبه الطهارة بالشبهة الموضوعية تمسك بالعام في شبهة المخصص المصداقية، وهو غير جائز، وذلك بداهة أن فرض الشبهة الموضوعية لمشكوك الطهارة فرض ورود التخصيص على عموم مفاد الصدر، كما لو ورد الدليل على أن " ملاقي البول نجس " وشك في شئ أنه هل لاقاه البول

[ 327 ]

أم لا ؟ فهنا نقول: كما أن مقتضى إطلاق الموثقة سريان حكم الطهارة لأفراد العام بالنسبة الى حالة الشك في طهارتها فهكذا مفاد المخصص المفروض أن كل ما لاقى البول فهو نجس، فهو بعمومه يقتضي حصول النجاسة لأي ملاق كان، وبإطلاقه يقتضي سريان حكم النجاسة للملاقي بالنسبة إلى جميع أحواله حتى إذا كان مشكوك الطهارة، فكل ما كان ملاقيا للبول في جميع حالاته المعتورة عليه التي منها حال كونه مشكوك الطهارة يخرج واقعا عن عموم قوله (عليه السلام): " كل شئ نظيف " ويبقى تحت هذا العام كل ما لم يلاق البول، ولا سائر النجاسات في جميع حالاته أيضا، وحينئذ فإذا شك في الشئ أنه نجس لملاقاته للبول - مثلا - أم طاهر لعدم ملاقاته له ففي الحقيقة يشك في أنه داخل تحت مفاد المخصص أو باق بعد تحت عموم العام فالحكم بطهارته بإستناد العموم من قبيل الاستناد والرجوع الى العام في الشبهة المصداقية للمخصص. وثالثها: أن غمض العين عن الغاية أعني قوله: " حتى تعلم أنه قذر " إذا كان له دخل في فعلية عقد الظهور للصدر أمر غير متين، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - أنها قرينة واضحة على أن المراد بالصدر قاعدة الطهارة. ولعله لهذه الوجوه أو بعضها رفع اليد عما أفاده في التعليقة. وقال في الكفاية بما حاصله: إن ظاهر المغيى إثبات الطهارة الواقعية على ذات الشئ، والغاية تدل على استمرار هذه الطهارة وبقائها إلى العلم بالخلاف، ولما كانت الطهارة والنجاسة الواقعيتان ثابتتين زمن الجهل بلا دخل له ولا للعلم في ثبوتهما فلا محالة يكون استمرار الطهارة الواقعية في زمن الشك في بقائها استمرارا عنوانيا وادعائيا، وهو عبارة اخرى عن استصحابها. قال: وحمل الحديث على قاعدة الطهارة يستلزم جعل الغاية قيدا للموضوع وتقييده بها، وهو خلاف الظاهر، فإن ظاهره أن الموضوع هو نفس الشئ، والغاية جئ بها للدلالة على الاستمرار. هذا. أقول: لا ينبغي الشك في أن الشارع اعتبر طهارة ظاهرية كما اعتبر طهارة

[ 328 ]

واقعية، وعبر عن كل منهما بالطهارة، غاية الأمر أن يكون لفظ الطهارة منصرفا إلى خصوص الواقعية، فلو اريد من الطهارة في الحديث الطهارة الظاهرية الثابتة بقاعدة الطهارة لكانت أمرا مستمرا بحقيقة الاستمرار إلى أن يحصل العلم بالقذارة، فإرادة الطهارة الظاهرية يبقى معها ظهور " حتى " في الاستمرار الحقيقي على حاله، بخلاف إرادة الواقعية فإن الاستمرار حينئذ يكون استمرارا ادعائيا. ومن ناحية اخرى: أن ما أفاده (قدس سره) وتسلمه جمع آخر من أن إرادة القاعدة مستلزمة لكون الغاية قيدا للموضوع كما في قوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) * (1) فإن الغاية فيه بيان لحد اليد المأمور بغسلها ممنوع. بل التحقيق الموافق لظاهر عبارة الحديث: أن موضوع الطهارة حينئذ أيضا هو نفس الشئ بلا تقييد صريح، إلا أن حكم الطهارة عليه مجعولة في ظرف عدم العلم بقذارته، وإلى أن يحدث العلم بها، فالشئ ما لم يعلم بطهارته ولا نجاسته طاهر حتى يعلم أنه قذر، فظاهر مفاد الحديث: أن الطهارة تثبت وتجعل على ذات الشئ في ظرف الجهل، ولازمه ورود ضيق ذاتي على الشئ لا يتحقق مع حكم الطهارة هذه إلا معنونا بعنوان مشكوك الطهارة، إلا أن ورود هذا الضيق الذاتي غير تعنونه بعنوان مشكوك الطهارة، وإلا فلكل موضوع ضيق ذاتي لا يشمل ما إذا لم يكن مصاحبا لمحموله، لكنه غير تقييد عنوانه بوصف المحمول، ولذلك لا تكون القضايا من قبيل الضرورية بشرط المحمول. فبعد ذلك كله نقول: إن ظهور " حتى " في حقيقة الاستمرار التي لا تكون إلا في الطهارة الظاهرية قرينة على أن المراد به قاعدة الطهارة، وإلا فاستصحابها يقتضي أن يكون الاستمرار المدلول بلفظ " حتى " إدعائيا مجازيا. وأنت تعلم أن لإرادة قاعدة الطهارة من الحديث كمال الملائمة مع الفقرة التالية: " فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " كما لا يخفى.


(1) المائدة: 6. (*)

[ 329 ]

وقد يورد على الكفاية: بأن إرادة الطهارة الواقعية من الصدر تستلزم تقدير الاستمرار، والتقدير خلاف الظاهر. وفيه: أن نفس لفظة " حتى " دالة على استمرار ما قبله إذا كان معنى قابلا للاستمرار، مثل أن يقال: " مشيت من البصرة حتى جسر بغداد " فإنه لا ريب في دلالته على استمرار المشي حتى الجسر، وهاهنا أيضا الطهارة قابلة لأن يستمر زمن الجهل حتى يعلم بالقذارة، فتدل حتى على استمرارها بلا حاجة الى تقدير. نعم، إذا كانت الطهارة واقعية فاستمرارها استمرار إدعائي، لا حقيقي، كما أشرنا إليه غير مرة. ومما ذكرناه يعلم الكلام في الأخبار الواردة في حل الأشياء، كما في خبر مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك " (1). فإن الكلام فيه هو الكلام في موثقة عمار الساباطي حرفا بحرف. ومن هذه الأخبار الخاصة: خبر حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: قال (عليه السلام): " الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (2). قال الشيخ الأعظم (قدس سره): وهو وإن كان متحدا مع موثقة عمار من حيث الحكم والغاية إلا أن الأولى حمله على إرادة الاستصحاب، لأن الاشتباه في الماء من غير جهة عروض النجاسة له غير متحقق غالبا، فالشك إنما هو في بقاء طهارته، فمعنى الحديث أن الماء المعلوم طهارته طاهر حتى تعلم... أي مستمر طهارته المفروضة إلى حصول العلم بالقذارة. انتهى. وأنت تعلم أن الشاك في بقاء الطهارة أيضا شاك في الطهارة، وظاهر عبارة


(1) الكافي: ج 5 ص 313، التهذيب: ج 7 ص 226، الوسائل: ج 12 الباب 4 مما يكتسب به الحديث 4. (2) الكافي: ج 3 ص 1 باب طهور الماء، التهذيب: ج 1 ص 216 باب المياه وأحكامها، الوسائل: ج 1 الباب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 5. (*)

[ 330 ]

الرواية كما مر بيانها في موثقة عمار أنها بصدد جعل الطهارة للماء في زمن الجهل بقذارته، من غير دلالة لها على اعتبار حالته السابقة، فالرواية لا تدل على أزيد من قاعدة الطهارة وإن كانت عامة لمورد استصحابها، فلو لم يكن دليل على اعتبار الاستصحاب لما كانت فيها دلالة. والله العالم. وقد مر أن في دلالة الروايات العامة على اعتبار قاعدة الاستصحاب غنى وكفاية. تنبيهات: فبعد أن ظهر اعتبار الاستصحاب ينبغي البحث عنه في ضمن امور عن حدود اعتباره وبعض أحكامه، فقد: قيل بالتفصيل في حجيته في بعض الموارد، وكيف كان فنبحث عن هذه الجهات في امور: الأول في أن الاستصحاب معتبر مطلقا أو في خصوص الشك في الرافع ؟ فعن المشهور اعتباره مطلقا، واستظهر الشيخ الأعظم (قدس سره) اختصاصه بما كان الشك في الرافع، ترجيحا لما أبدا احتماله المحقق الخونساري، وتبعه المحقق الهمداني، والعلامة الميرزا النائيني (قدس سرهما). والحق ما عليه المشهور لإطلاق أدلة الاعتبار، فإن ما ذكروه غير قابل لتقييده، وهو وجوه: الأول ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد، وحاصله: أنه لا ريب في أن المراد باليقين المذكور في قولهم: " لا ينقض اليقين بالشك " الذي هو العمدة من أدلة اعتبار الاستصحاب ليس نفس الصفة النفسانية، إذ هي قد انتقضت بالشك فعلا وباقية كما كانت بالنسبة الى ما قبل زمان الشك، فليس نقضه أمرا اختياريا بيد المكلف، بل المراد به: إما نفس المتيقن أو الآثار التي يرتب عليه فعلا بتعلق اليقين

[ 331 ]

به. كما أن حقيقة النقض رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل، وحيث إن متعلقه هنا ليس أمرا متحققا متصلا يكون في معرض الانتقاض، فالأقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الأمر الثابت، لا رفع مطلق الأمر، ولو لم يكن له اقتضاء الدوام والثبوت فلا محالة يراد منه رفع ما من شأنه الاستمرار، فيختص بالموارد التي فيها اقتضاء البقاء ما لم يمنعه مانع. وبه يقيد إطلاق اليقين بما تعلق بأمر فيه اقتضاء البقاء، فإن الفعل ربما يصير قرينة على تقييد المتعلق، وبالنتيجه لا تدل هذه الأخبار إلا على اعتبار الاستصحاب في خصوص الشك في الرافع. وفيه أولا: أنه لا وجه لرفع اليد عن ظهور اليقين في إرادة نفس الصفة النفسانية، وذلك لما أفاده المحققون من المشايخ (قدس سرهم) من: أن النقض ضد الإبرام، وهو إنما يتعلق بمثل اليقين مما كان فيه استحكام وانسجام، فإن اليقين فيه من شدة الانكشاف واستحكام ارتباط المتيقن، وحضوره وتعلقه بنفس الموقن ما لا يوجد في الظن والشك والاحتمال، ولا يصح عند العرف تعليق النقض بأي مستصحب كان، ولا بأي الآثار المترتبة عليه. مضافا إلى ما حققناه في محله من: أن المجاز بمعنى استعمال لفظ في غير معناه الموضوع له أمر مردود غير صحيح، بل الكلمات كلها تستعمل في معانيها الموضوعة لها، وتختص المجازات بأن في مواردها أفرادا ومصاديق ادعائية لهذه المعاني، فالتلاعب في باب المجاز بين المعاني، فيدعى أن الرجل الشجاع أسد، ويحمل الأسد بماله من معناه، أعني الحيوان المفترس عليه، فمجرد أنه لا يمكن بلا ادعاء ولا استعارة أن يرد النقض على نفس اليقين لا يوجب أن يراد باليقين المتيقن أو آثاره، بل لابد وأن يراد به نفس الصفة الخاصة، وإن كان ما ادعي أنه نقض لها هو رفع اليد عن الأعمال التي كان يرتبها قبل عروض الشك. وكيف كان فلا ينبغي الريب في أن اليقين إنما هو بمعنى الصفة الخاصة التي

[ 332 ]

هي طريق إلى متيقنها، وهذه الصفة لا فرق فيها بين موارد تعلقها وأقسام متيقنها في أن بقاءها في جميع الموارد محتاج إلى تحقق أسباب وجوده بقاء كما احتاجت إليها في حدوثها، فما لم يحصل للنفس مباد توجب لها الانكشاف التام لا تكون على يقين بالشئ، سواء كان ذلك الشئ مما يبقى إن لم يرفعه رافع، أم لا. وثانيا: لو سلمنا أن المراد باليقين ليس نفس الصفة المذكورة نقول: إن الأمر الذي يكون نقضه وعدم نقضه تحت اختيار المكلف ويصح تعلق النهي به إنما هو ترتيبه لآثار المتيقن في مقام العمل، فبيده أن يصلي خلف من شك في بقاء عدالته ويطلق عنده وأن لا يفعل، وأما عدالته أو جواز الصلاة والطلاق خلفه وعنده فليس أمره بيده، ولا أنه مراد في الروايات، ومن الواضح أن الإقدام على ترتيب الأثر وعدمه منوط بإرادة المكلف، لا يفترق فيه موارد كون المتيقن فيه اقتضاء البقاء وعدمه، بل لو خلي ونفسه فربما يقدم على معاملة الباقي فيما يشك في اقتضائه للبقاء، وعلى معاملة المنتفي مع ما فيه اقتضاء البقاء. وبالجملة: فلا يكون في لفظ " النقض " قرينة تقتضي رفع اليد عن إطلاق المتعلق. والمحكم هو إطلاقه. الوجه الثاني: ما في تقريرات العلامة الميرزا النائيني (قدس سره)، وهو أن اليقين وإن اريد به نفس هذه الصفة إلا أن اضافة النقض إليه إنما تكون باعتبار ما يستتبعه اليقين من الجري على ما يقتضيه المتيقن والعمل على وفقه، فالجري العملي على وفق المتيقن الذي يستتبعه اليقين هو العناية المصححة لورود النقض ونسبته إلى اليقين، فيكون مفاد قوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " هو أن الجري العملي الذي كان يقتضيه الإحراز واليقين لا ينقض بالشك في بقاء المتيقن، وتعلق النقض بالجري إنما يصح في ما كان للمتيقن اقتضاء البقاء، وإلا فالجري العملي بنفسه ينتقض، ولا يصح ورود النقض على اليقين باعتباره، فإذا شك في اقتضائه للبقاء كان لازمه الشك في صدق النقض عليه، فلا يندرج في عموم قوله: " لا تنقض

[ 333 ]

اليقين بالشك "، يعني لكونه من باب التمسك بالعام في ما يشك أنه مصداق له، وبعد اقتضاء النقض له فلا أقل من أن إطلاق اليقين الذي ورد في الحديث النقض عليه يخرج عن كونه قابلا للاستناد إليه، فلا تكون أدلة الباب حجة في غير موارد الشك في الرافع. هذا (1). أقول: وهذا الوجه - كما ترى - مشترك في الأساس مع الوجه الأول، إلا في المستعمل فيه للفظ اليقين فإنه في هذا الوجه هو نفس المعنى القائم بالنفس، بخلاف الوجه الأول. وكيف كان فالجواب عنه: أن فيه مغالطة نشأت من خلط المفهوم بالمصداق، فإن الجري العملي المذكور في كلامه هو مصداق لنقض اليقين ومصحح لنسبة النقض إليه، وإلا فالنقض لم ينسب إلى نفس الجري، وإنما نسب إلى اليقين نفسه، وقد عرفت أن اليقين لا فرق فيه بين موارده وأنه في البقاء محتاج إلى بقاء مباديه، أعني الإشراف والإحاطة بالمتيقن بما يستتبع في النفس اليقين، وهو أمر محتاج إليه مطلقا بلا فرق بين ما فيه اقتضاء البقاء وغيره. الوجه الثالث: ما في تعليقة المحققين الخراساني والهمداني (قدس سرهما) على فرائد الشيخ الأعظم (قدس سره)، ولعله إليه يرجع التقريب الآخر المذكور في فوائد الاصول (2)، وحاصله: أن اليقين وإن اريد به نفس الصفة النفسانية إلا أن النقض يقتضي أن يكون ما يرد عليه النقض أمرا ملتئما متحققا لكي ينتقض بورود النقض عليه، وحيث إن اليقين ليس باقيا في زمان الشك فلا بد أن يكون بحيث كأنه باق مفروض التحقق لكي يتصور فيه النقض وعدمه، والبقاء الكذائي إنما يكون إليه سبيل في خصوص ما كان في المتيقن اقتضاء البقاء، فتختص الأدلة به. وفيه: أن الرجوع إلى روايات الباب يوجب اليقين بأن اليقين الذي تعلق به النقض إنما هو اليقين الذي قد زال بعروض الشك، أعني لذلك اليقين الحقيقي


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 373 - 377. (2) فوائد الاصول: ج 4 ص 376، وهذا الذي ذكرناه من رجوعه إليه حمل على الصحة، وإلا فظاهره غريب جدا ! (منه عفي عنه). (*)

[ 334 ]

الذي كان حاصلا للمكلف، أترى أن قول الباقر (عليه السلام) في الصحيحة الثانية لزرارة: " لأنك كنت على يقين من طهارتك [ من نظافة ] ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " لا يراد منه اليقين الواقعي الذي تعقبه الشك ؟ أو ترى أنه (عليه السلام) في مقام إلقاء أن المخاطب في زمن واحد اجتمع فيه وصف اليقين والشك حتى يكون بيده وتحت اختياره أن ينقض اليقين بالشك، أو لا ينقضه ؟ كلا، بل لا يشك في أن مقابل الشك المذكور هو اليقين الذي تعقبه الشك، وهذا الذي أفاده العلمان كما قال المحقق الخراساني (قدس سره) - في غاية الدقة والبعد عن أذهان أهل العرف، فلا يكون هو الوجه في إسناد النقض الى اليقين في المحاورات المتعارفة، بل إن وجهه هو تجريد المتيقن ومتعلق اليقين عن التقيد بالزمان، فهو كما قال الإمام (عليه السلام): " كان على يقين بنظافة ثوبه " وبالشك لا ينقض يقينه بها، ويجري عملا على أن ثوبه طاهر نظيف. الأمر الثاني في أن الاستصحاب معتبر في خصوص الموضوعات الجزئية، أو فيها وفي الأحكام الجزئية في الشبهات الموضوعية، أو فيها وفى الأحكام الكلية أيضا ؟ وجوه: إن المشهور بين المشايخ والمحققين اعتباره مطلقا، ولعل ظاهر الفاضل النراقي التفصيل بين الشبهة الموضوعية والحكمية، وهو المنقول عن بعض أعاظم العصر دام ظله بحسب تقرير بعض أصحاب بحثه، وصريح المنقول عنه في تقرير صاحب مباني الاستنباط التفصيل بين استصحاب الموضوعات الجزئية واستصحاب الأحكام، فيجري في الأول دون الأخير، من دون فرق بين الشك في الحكم الكلي الإلهي والحكم الجزئي في الشبهة الموضوعية. والمشهور هو المنصور، وذلك لعدم تمامية ما ذكروه وجها للتفصيل من

[ 335 ]

تعارض استصحاب وجود الحكم وعدمه. توضيحه: أن غاية ما يمكن أن يقال في وجه التعارض: هو أن محل الكلام ما إذا كان الزمان مأخوذا في دليل الحكم ظرفا لثبوت الحكم على متعلقه، لا قيدا ووصفا للحكم أو متعلقه، فإن القيود - ومنها الزمان - بكثرتها وإختلافها: تارة تكون دخيلة في تعلق المصلحة أو المفسدة بنفس الطبيعة، بحيث لا مصلحة ولا مفسدة مع عدم القيد، وتتصف نفس الطبيعة بإحداهما مع وجوده. واخرى تكون الطبيعة المصاحبة مع القيد مؤثرة فيها، فمثلا كون الإنسان مريضا دخيل في تعلق المصلحة بشرب الدواء، فلا يجب شربه مع عدم المرض، وإذا صار مريضا فالواجب هو شرب الدواء بلا قيد. نعم، لا محالة يكون لعنوان الشرب تضيق بوقوعه في زمن المرض، إلا أنه غير تقييد الواجب بقيده. كما أنه تارة شرب الدواء الحار مؤثر في رفع المرض فالواجب لا محالة هو شرب دواء كان متصفا بوصف الحرارة. فمحل الكلام هو ما إذا كان القيد شرطا لحدوث المصلحة، وكان الحكم على فرض ثبوته وفي زمن يتيقن به متعلقا بنفس الطبيعة، وإلا فلو كان محتمل القيدية قيدا للطبيعة فلا يجري استصحاب الحكم بعد انقضاء زمن اليقين، لعدم إحراز بقاء الموضوع. ومثال محل الكلام: هو أن يعلم بوجوب الجلوس - بلا قيد مثلا - فيما قبل زوال الجمعة واحتمل بقاء وجوبه الى ما بعد الزوال أيضا، فإذا زالت الشمس يحتمل بقاء وجوب نفس الجلوس وقد كان وجوبه قبله يقينيا فلا ينبغي أن ينقض اليقين بوجوبه بالشك فيه. هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى: إن من المسلم أن الأحكام الإسلامية أحكام حادثة شرعها الله تعالى لنبي امة الإسلام (صلى الله عليه وآله)، فنحن نعلم - في المثال - أن الجلوس لم يكن واجبا بعد زوال الجمعة قبل تشريع الأحكام له، وبعد ما شرعت له أحكام يشك في حدوث هذا الوجوب فنقول: " لم يكن الجلوس واجبا بعد الزوال " في

[ 336 ]

ذلك الزمان قطعا، ونشك بانتقاض هذه القضية الكلية ونحكم بمقتضى قاعدة الاستصحاب ببقائها على ما كانت، وأن الجلوس ليس بواجب بعد زوال الجمعة، فهذا الاستصحاب يقتضي عدم وجوب الجلوس بعد الزوال، وقد كان ذاك الاستصحاب يقتضي وجوبه، فيتعارضان بالنفي والإثبات، ويتساقطان، ويجب الرجوع الى الاصول الاخر. وبعد التأمل في البيان المذكور تقدر على دفع جميع الاشكالات الموردة عليه. فمنها: ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) من أنه بعد ما كان المفروض تعلق الوجوب بطبيعة الجلوس - مثل - وكان مقتضى الاستصحاب بقاءه بعد مضي زمن اليقين فدليل وجوبه منضما إلى الاستصحاب يعطي وجوبه بعد الزوال، ومعه لا يبقى محل لاستصحاب عدم الوجوب. فإنه يرد عليه: أن الذي أفاده إنما هو تقرير الاستصحاب الوجودي، ولم يذكر أي وجه لعدم جريان ذاك الاستصحاب العدمي، فبالبيان الذي بيناه يجري الاستصحاب العدمي أيضا، ويقع بينهما التعارض المقتضي لتساقط كليهما. ومنها: مالعل إليه نظر الكفاية من أن استصحاب الوجوب مبني على أخذ الموضوع في الاستصحاب من العرف، واستصحاب العدم مبني على أخذه من لسان الدليل أو العقل، وحيث إن المعيار هو نظر العرف فلا مجال إلا للاستصحاب الوجودي. وفيه: أن الاستصحاب العدمي أيضا يجري بناء على اتباع نظر العرف، لما عرفت من أن العرف أيضا يرى أن الموضوع الذي نفي عنه الوجوب هو نفس طبيعة الجلوس بلا أي قيد، وزمان ما بعد الزوال قد اخذ بصورة الظرف للحكم وموضوعه، لا في قالب وصف لأحدهما، فالعرف والعقل والدليل متطابقة على أن الحكم - لو كان مجعولا وثابتا في الواقع - يكون متعلقا بنفس الطبيعة، لكنه مسبوق بالعدم قبل تشريع الشريعة، ويشك في بقائه، فلا ينقض اليقين بانتفائه

[ 337 ]

بالشك، ويحكم بأنه ليس يجب الجلوس بعد الزوال من يوم الجمعة. ومنها: ما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) من أن المستصحب في الاستصحاب العدمي ليس هو العدم المطلق المعبر عنه بالعدم الأزلي، بل لا محالة هو العدم الخاص المقيد بما بعد الزوال، وذلك أنه لو قطعنا النظر عن قيد كون العدم بعد الزوال، ولاحظنا العدم المطلق، لكان مقطوع الانتقاض، لفرض وجوب الجلوس قبل الزوال المناقض لبقاء العدم المطلق. ومن المعلوم أن العدم المقيد بما بعد الزوال كالوجود المقيد به قوامه وتحققه إنما يكون بما بعد الزوال، ولا يكون له تحقق قبل الزوال، وعليه فلا يمكن استصحاب العدم بعد الزوال إلا إذا آن وقت الزوال ولم يثبت وجوب، ففي الآن الثاني يستصحب العدم، والمفروض أن ثبوت العدم بعد الزوال في الآن الأول مشكوك، فكيف يراد الحكم ببقائه بالاستصحاب ؟ ! فركن اليقين السابق فيه مختل. وفيه: أنه إنما يتصور لما أفاده وجه إذا كان المقصود استصحاب عدم فعلي جزئي، وأما إذا كان المراد استصحاب قضية كلية هي أنه " لم يكن الجلوس بعد الزوال واجبا " قبل تشريع الشريعة وبعده نشك في وجوبها في صورة كلية أيضا فقاعدة الاستصحاب تقتضي وتحكم ببقاء تلك القضية الكلية السالبة على ما كانت عليها، وتثبت أن الجلوس بعد زوال الجمعة ليس واجبا بعد أيضا، وتتعارض مع ذاك الاستصحاب الوجودي، وكلاهما يسقطان. وأما استصحاب عدم جعل تلك القضية الكلية - أعني استصحاب عدم جعل قضية " الجلوس واجب بعد الزوال " - فهو غير محتاج إليه حتى يرد عليه: أنه لا يثبت عدم الوجوب، بل يرد الاستصحاب من أول الأمر على نفي الوجوب، ويكون نفس المستصحب عدم الوجوب في قالب قضية كلية شبيهة للقضايا الحقيقية - كما مر بيانه - ويحكم بأن الجلوس ليس واجبا بعد الزوال من يوم الجمعة، كما كان كذلك قبل الشريعة. ومنها: ما عن شيخ مشايخنا صاحب الدرر (قدس سره) من أن الاستصحابين غير

[ 338 ]

متعارضين، وذلك أن استصحاب الوجوب إنما يثبت الوجوب المطلق المتعلق بنفس طبيعة الجلوس، واستصحاب العدم إنما يثبت عدم وجوب الجلوس المقيد بما بعد الزوال، ولا منافاة بين عدم وجوب المقيد بما بعد الزوال وثبوت وجوب المطلق، فإن أحدهما غير الآخر فلا يتعارضان. قال (قدس سره) هنا ما لفظه: فاستصحاب الوجوب ليس له معارض، فإن مقتضى استصحاب عدم وجوب الجلوس المقيد بالزمان الخاص أن هذا المقيد ليس موردا للوجوب على نحو لوحظ الزمان قيدا، ولا ينافي وجوب الجلوس في ذلك الزمان الخاص على نحو لوحظ الزمان ظرفا للوجوب (1). انتهى. وفيه: ما عرفت من: أن الزمان في الاستصحاب العدمي أيضا مأخوذ بنحو الظرفية، فكلا الاستصحابين يردان على الوجوب المتعلق بالجلوس الذي يكون الزمان الخاص ظرفا له: أحدهما يثبته، والآخر ينفيه، ويقع بينهما التعارض الموجب للتساقط. ومنه تعرف النظر في الجواب الذي اختاره سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله وعده تكميلا لما في درر استاذه (قدس سرهما). وفي الحقيقة مختاره تلفيق من جواب الشيخ الأعظم وشيخه الاستاذ (قدس سرهم)، وأنت بعد الإحاطة بما في جوابيهما تظفر بالضعف الذي في مختاره من الجواب، فراجع. وتحقيق المقال في الجواب يقتضي طورا آخر من الكلام، وبيانه بنحو يرتفع غشاوة الإبهامات بذكر امور: أحدها: أن الأحكام الشرعية تكون في صورة القضايا الحقيقية التي تكون فعلية المحمول فيها متوقفة على الوجود الفعلي للموضوع، فقوله تعالى: * (لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (2) قد أنشأ وأوجب الحج على كل مستطيع، كما أن قول القائل: " كل نار حارة " إخبار باتصاف كل نار بالحرارة،


(1) الدرر: ج 2 ص 543 - 544 ذيل الأمر الرابع في الاستصحاب. (2) آل عمران: 97. (*)

[ 339 ]

وكما أن فعلية الحرارة موقوفة على وجود النار فعليا فهكذا فعلية الوجوب مرهونة فعلية عنوان المستطيع، فما لم يكن المكلف مستطيعا لم يكن الحج واجبا عليه، إلا أنه مع ذلك فلا ينبغي الريب في أن من جملة الأحكام الإسلامية أن الحج واجب على كل مستطيع في صورة قضية حقيقية لا يتوقف صدقها على فعلية الاستطاعة حتى لواحد من المكلفين، ومن هذه الجهة نقول: إن وجود القانون الإلهي مثل وجوب الحج على المستطيع لا يتوقف على فعلية موضوعه، فالأحكام والقوانين الكلية موجودة ولو قبل فعلية موضوعاتها. نعم، إن فعلية الأحكام كفعلية وجوب الحج متوقفة على فعلية موضوعاتها، فمن لم يكن مستطيعا لا يجب الحج عليه، وإذا صار هو مستطيعا وجب عليه الحج وجوبا فعليا. ثانيها: أن تعدد الأحكام الكلية وتميز كل منها وتشخصها عن غيره كما يكون باختلاف متعلقها، فوجوب الحج غير وجوب الصلاة، وهما غير حرمة شرب الخمر، فهكذا قد يكون بمجرد اختلاف الظروف والحالات التي لا شأن لها إلا أنها ظرف لتحقق الحكم والموضوع، فيصح أن ينشأ ويقال: إذا كنت مريضا يجب عليك شرب الدواء، وإذا كنت صحيحا لا يجب، فزمان المرض والصحة وحالتهما لا شأن له، إلا أن طبيعة شرب الدواء صارت واجبة في أحدهما دون الآخر، فما تعلق به الوجوب وعدم الوجوب نفس هذه الطبيعة من دون أي قيد، والزمان لا شأن له إلا أنه ظرف لإنشاء الحكمين المختلفين. نعم، لا نضايق من أن تكون كل من الحالتين هي الدخيلة في صيرورة طبيعة الشرب ذات مصلحة أو بلا مصلحة، بل ربما يقال غير ذلك، إلا أن الذي نقول: هو أن الواجب على المكلف في زمان المرض هو " شرب الدواء " بلا قيد، فهكذا يعتبرونه العقلاء والعرف الذين هم المرجع والمخاطب في الخطابات الشرعية، وإن كان الأمر بحسب نظر العقل أن الحيثيات التعليلية عناوين لموضوعات أحكامه، لكنه لا ريب في أن المعمول عليه عند العرف والعقلاء أن متعلق الأحكام نفس الطبيعة، وشأن الأزمنة

[ 340 ]

والحالات في المثال ونحوه إنما هو الظرفية لا غير. ونستنتج منه: أن الازمنة والحالات والظروف يصح أن تكون موجبة لتعدد الأحكام، من دون أن يقيد موضوعها، بل كان الموضوع نفس طبيعة واحدة، يحكم عليها في حالة وزمان بحكم، ولا يحكم عليها به، بل يحكم بخلاف هذا الحكم عليها في زمان آخر وحالة اخرى، بلا لزوم محذور أصلا. ثالثها: أنه كما أن الأحكام المجعولة الكلية يتصور لها وجود قبل فعلية موضوعها أو ما هو كالموضوع لها فيصح القول بأن من القوانين الإلهية " وجوب صلاة الجمعة في كل جمعة " وان كان فعلية الوجوب موقوفة على حضور الوقت لكل صلاة، فهكذا عدم هذه الأحكام، فصح أن يقال: إنه ليس تجب الصلاة في زمان الغيبة، فهي أيضا قضية كالقضايا الحقيقية الإيجابية لا تتوقف صحتها على فعلية الظرف الخاص وإن كان فعلية عدم الوجوب قبالا للوجوب متوقفة على فعليته. وواقع الأمر أن الزمان الخاص ظرف للحكم المجعول الإيجابي، والنفي يرد على هذه الجملة، فإذا شرع الشارع أن الجلوس واجب بعد زوال الجمعة فالظرف ظرف لتعلق الوجوب بطبيعة الجلوس فإن لم يشرع الشارع نقول: ليس الجلوس بواجب بعد زوال الجمعة فالنفي يرد على هذه الجملة التي يكون الظرف فيها ظرفا للوجوب، لا أن الظرف لوحظ ظرفا للعدم، ولا ندعي أنه لا يصح جعل ظرف ظرفا للنفي، وإنما ندعي صحة أن يكون الظرف ظرفا للمنفي ويرد النفي عليه. وفي محل الكلام حيث إن المستصحب هو نفي الأحكام الثابت قبل تشريع الشريعة، فزمان ما بعد الزوال يتصور ظرفا للوجوب المتعلق بالجلوس، ويقال: إن الجلوس بعد زوال الجمعة لم يكن واجبا، فيرد النفي على القضية الإيجابية بما لها من الخصوصيات، ومنها: أن ما بعد الزوال ظرف تعلق الحكم بالطبيعة التي هي موضوع الإيجاب، وكما أن الإيجابية قانون كلي يصح التصديق بوجوده قبل ذلك الظرف فهكذا نفيها ثابت قبله ولو كان تبعا لها. وكما أن فعلية وجوب طبيعة

[ 341 ]

الجلوس على المكلف - لو كان وجوب - موقوفة على حضور الوقت وفعلية الزمان فهكذا فعليه عدم الوجوب، فإذا آن ما بعد الزوال لا يجب على المكلف جلوس بمقتضى هذه القضية السلبية. رابعها: أنه كما أن نفي وجوب طبيعة مقيدة حيث إنه في قالب قضية حقيقية لا يقتضي إلا انتفاء هذا. الوجوب الخاص، ولا ينافي تعلق الوجوب بنفس الطبيعة المجتمعة مع المقيدة أيضا فهكذا نفي تعلق الوجوب بنفس الطبيعة في زمان خاص إذا كان في قالب قضية حقيقية لا يقتضي إلا أن مفاد هذه القضية التي ورد النفي عليها ليست حكما شرعيا، فمعنى قولنا بصورة كلية: " إن طبيعة الجلوس بعد زوال الجمعة ليست واجبة " أن هذا المفاد - أعني وجوب الجلوس بعد زوال الجمعة كليا - ليس حكما إلهيا، وهو لا ينافي أن يكون " وجوب الجلوس يوم الجمعة " حكما إلهيا، فإنه مفاد قضية حقيقية اخرى غير القضية المدخولة للنفي. وبالجملة: أن صدق هذا النفي إنما يكون بأن لا يكون من الأحكام الشرعية قضية " الجلوس بعد زوال الجمعة واجب " فلا يقتضي إلا انتفاء وجوب الجلوس فعليا من هذه الناحية. خامسها: أنه إذا حضرت الجمعة - مثلا - ووجب الجلوس قبل الزوال فحيث كان ما قبل الزوال كما بعده اخذ ظرفا للحكم، فالحكم والوجوب وإن كان يصير فعليا إلا أن الواجب هو نفس الجلوس بلا قيد، فإذا زالت الشمس واحتملنا بقاء وجوب الجلوس فمقتضى الاستصحاب هو أن الجلوس واجب بوجوب فعلي كما كان، فبالاستصحاب نجر الوجوب الفعلي لطبيعة الجلوس، وخاصة الاستصحاب هو الجر في الأزمان، إلا أن الزمان ليس قيدا في المستصحب، بل الاستصحاب يحكم ببقاء نفس المستصحب، فالمستصحب والمحكوم بالبقاء هو الوجوب لا غير، لا أنه الوجوب بعد الزوال. ويزيد عليه أنه فرد فعلي ومصداق حقيقي للوجوب الذي تضمنته تلك القضية الحقيقية الكلية. إذا عرفت هذه الامور نقول: إن المستصحب في الاستصحاب العدمي هو

[ 342 ]

قضية كلية، هي أنه " ليس الجلوس واجبا بعد الزوال من يوم الجمعة " في صورة قضية حقيقية مغايرة لأية قضية حقيقية غيرها، وليس مقتضاه إلا أن قضية " الجلوس واجب بعد زوال الجمعة " لا أصل لها، وحينئذ فلا يقتضي هذا النفي، إلا أن نفي الوجوب عن الجلوس بعد زوال الجمعة من ناحية هذا الحكم المخصوص والإيجاب الخاص، أعني من ناحية حكم يكون مشخصه ذاك الظرف الخاص، فلا ينافي أن يكون لنا حكم آخر ربما يعم ما بعد الزوال أيضا. والاستصحاب الوجودي يحكم ببقاء الوجوب الثابت لطبيعة الجلوس قبل الزوال ويجره الى ما بعده، ولا محالة هو وجوب آخر وحكم آخر غير الحكم المتشخص في قضيته الكلية بما بعد الزوال، فلا يكون بين ذينك الاستصحابين تعارض. بل يمكن أن يقال: إن الاستصحاب العدمي المذكور غير جار بنفسه لابتلائه بالمعارض، فإن هنا استصحابين آخرين عدميين: أحدهما استصحاب أنه " لا يجب الجلوس يوم الجمعة ". وثانيهما استصحاب أنه " لا يجب الجلوس قبل الزوال منه " فإن كلا من وجوبه يوم الجمعة مطلقا، ووجوبه قبل زواله قضية حقيقية مسبوقة بالعدم قبل الشريعة يقتضي الاستصحاب بقائها، مع أنا نعلم بانتقاض إحدى هذه الثلاثة، لفرض العلم بالوجوب قبل الزوال إجمالا، فلا حجة في شئ منها. لا يقال: إن الاستصحاب الوجودي المذكور أيضا طرف رابع لهذه المعارضة فيسقط هو أيضا. لأنه يقال: كلا، فإنه محكوم لكل من هذه الاستصحابات الثلاثة، فإنها استصحابات تجري - لو جرت - في أحكام كلية، وتحكم بأن المكلف على يقين بعدم الوجوب في أي من الصور الثلاث المحتملة، فلا محالة: إما هو متيقن بعدم الوجوب في ما قبل الزوال، أو بعدمه بعده، فيختل أحد ركني الاستصحاب أو كليهما، وهذا بخلاف الاستصحاب الوجودي فإنه استصحاب مصداق جزئي من الوجوب بعد انطباق القضية الحقيقية على المورد، واتضاح حكم جلوسه في هذه

[ 343 ]

الجمعة، فيجر هذا الحكم الشخصي في كل جمعة الى ما بعد الزوال. فالحاصل: أنه لا مجال للاستصحاب الوجودي مع كل من هذه الثلاثة فإذا اسقطت بالمعارضة وصلت النوبة إلى الاستصحاب الوجودي، وكان جاريا بلا إشكال. هذا. ثم لو سلمنا عدم اجتماع مفاد الاستصحاب الوجودي واستصحاب عدم وجوب الجلوس بعد الزوال في مقام العمل لكان اللازم جريان الاستصحاب العدمي فقط، وذلك أنه - كما عرفت كقضية حقيقية يكون استصحابها، بمعنى أن الشارع تعبدنا بأنا على يقين من مفادها، إذ لا معنى لعدم نقض اليقين بها بالشك إلا بقاء اليقين تعبدا، واليقين بالقضية الحقيقية عين اليقين بحكم أفراد موضوعها، لا أن أحدهما لازم للآخر، وعليه فالشارع بمقتضى هذا الاستصحاب العدمي حكم بأنا على يقين بأن الجلوس بعد الزوال من كل جمعة ليس بواجب، فقد انتقض أحد ركني استصحاب الوجوب، فإنا لسنا على شك من بقائه تعبدا بمقتضى هذا الاستصحاب العدمي، وهذا بخلاف الاستصحاب الوجودي فإنه - كما عرفت - مصبه ومجراه فرد من الوجوب وشخصه، فهو إنما يقتضي التعبد بأنه على يقين من هذا الفرد، وليس اليقين بالفرد يقينا بالكلي. نعم، انضمام جميع الاستصحابات الوجودية الجارية في كل يوم جمعة لازمه اليقين بالكلي، لكنه من الأخذ بمثبتات الاصول، فاستصحاب العدم في قالب القضية الكلية حاكم على الاستصحاب الجاري في الفرد، وجوديا كان أو عدميا، ولا عكس، فاللازم هنا هو جريان الأصل العدمي دون الوجودي. هذا. ثم إنه لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب الوجودي لابتلائه بمعارضة ذاك الاستصحاب العدمي فهو إنما يكون في الشبهات الكلية الحكمية، وأما الشبهة الموضوعية كما لو شك في بقاء النهار في يوم شهر رمضان لشكه في استتار القرص أو زوال الحمرة وعدمه فاستصحاب بقاء وجوب الصوم جار بلا معارض، فإنه لا يشك هنا في حكم كلي حتى يجري استصحاب عدمه الثابت قبل الشريعة،

[ 344 ]

إذ لا شك في أن وجوب الصوم قد شرع وجعل الى زوال الحمرة دون ما بعده، وإنما الشك في أنه هل زالت الحمرة أم لا ؟ ويتبعه قد شك في بقاء وجوب الصيام، وعدم الوجوب الشخصي ليس مسبوقا باليقين السابق فإن اليقين قد تعلق بشخص الوجوب، كما لا يخفى. نعم، وجوب الصوم في هذه القطعة المشكوكة من الزمان كان مسبوقا بالعدم من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فإن الزمان لم يكن متحققا فلم يكن وجوب الصيام فيه وعدم وجوبه أيضا متحققين، والسبق بهذا الوجه لا يكفي في الاستصحاب، وإلا لما جرى استصحاب أصلا، فإن الطهارة في زمان الشك يعلم بعدم وجودها قبل زمان الشك، لعدم تحقق هذا الزمان ويتبعه عدم تحقق الطهارة المتحققة فيه، فلو كان سلب المحمول المستند الى سلب الموضوع كافيا في ثبوت سلب المحمول بالاستصحاب لما جرى استصحاب بلا معارض أصلا. فالحق أن ما يجري ليس الا إستصحاب الوجوب، ولا يجري إستصحاب عدمه أصلا. نعم مسألة محكومية استصحاب الحكم بالاستصحاب الجاري في موضوعه أيضا أمر صحيح، وهو مطلب آخر يجب الالتزام به كلما كان جريان استصحاب الموضوع خاليا من الإشكال، والله هو الهادي إلى سواء السبيل. الأمر الثالث في أن الاستصحاب يختص بالوضعيات أم هو جار مطلقا ؟ قد نسب الى صاحب الوافية اختصاص اعتباره بالوضعيات، إلا أن المستفاد من كلامه أنه يجري في ما هو مصداق الشرط والمانع وما إليهما، فراجع المنقول عنه في فرائد الشيخ الأعظم (قدس سره). وكيف كان فعدم اختصاصه بها لعله أمر واضح بعد إطلاق الأخبار الدالة عليه، وسنعود إليه إن شاء الله تعالى، إلا أنه قبل البحث عنه لا بأس بالبحث عن الأحكام الوضعية، وأنها مجعولات كالأحكام التكليفية أم لا ؟ فنقول: إن تنقيح

[ 345 ]

البحث عنه إجمالا بذكر امور: الأول: أن مرادنا بالأحكام الوضعية هو ما كان غير التكليف مما قرره الشارع وقننه، فيبحث عن أنه مجعول حقيقة استقلالا أو تبعا، أم هي امور منتزعة من التكاليف، وإنما المجعول هو الأحكام التكليفية الخمسة ؟ ولا وجه لانحصاره في عدد خاص، بل يعم كل ما يناله يد الجعل الشرعي - على القول بالمجعولية - وكان غير الأحكام الخمسة. الثاني: أن الامور الخارجة عن الذهن أقسام ثلاثة: فإنها: إما موجود خارجي يكون الخارج ظرف وجوده وكان لها واقعية وما بحذاء فيه، وهي جميع الموجودات الخارجية الشاملة لأنواع الجواهر والأعراض، بناء على تسلم وجود العرض خارجا، كما هو المشهور بين الفلاسفة. وإما أمر انتزاعي ليس الموجود في الخارج إلا منشأ انتزاعه، ولا يزيد على وجود المنشأ في الخارج حيثية خارجية أصلا، إلا أنه مع ذلك فالمنشأ بحيث ينتزع العقل عنه ذاك الأمر الانتزاعي - كعلية العلة ومعلولية المعلول - فإنه لا ريب في أن المتحقق في الخارج ليس إلا العلة بحدها الوجودي، والمعلول أيضا بحده الوجودي، ولا يزيد على وجودهما بجهة العلية والمعلولية شئ أصلا، إلا أنه مع ذلك فالعقل يدرك ويرى أن أحدهما علة ومنشأ، والآخر معلول وناش عنه، وينتزع عن أحدهما معنى العلية، وعن الآخر المعلولية، وهذان المفهومان في عين أنه لا حاجة في انتزاعهما إلى ضم حيثية خارجية إلى منشأ الانتزاع، إلا أنهما ليسا من قبيل أنياب الأغوال أمرا خياليا، ومثلهما مفهوم الشرطية والجزئية والمانعية... الى غير ذلك. وإما أمر اعتباري قوام تحققه باعتبار من إليه الاعتبار، كما في العهود المنعقدة بين العقلاء فإنها تعد امورا متحققة يترتب عليها عندهم آثار عقلائية، لكنها ليست امورا موجودة في عالم الخارج، بل - كما قيل - في عالم الاعتبار، فعهد البيع أو الإجارة أمر متحقق بين المتعاقدين، إلا أن تحققه في عالم الاعتبار،

[ 346 ]

لا في عالم العين والخارج، فقوام مثله إنما هو باعتبار من بيده الاعتبار من العقلاء أو الشارع، وأرى أنه أمر واضح يدركه كل أحد إذا راجع وجدانه العقلائي. ولو قيست الأقسام الثلاثة كان الموجود الحقيقي - أعني القسم الأول - في الرتبة الاولى، ثم يليه القسم الثاني الذي يعبر عنه ويدركه العقل بلا حاجة إلى اعتبار معتبر، ثم يليهما الامور الاعتبارية، فإنها مشتركة مع القسم الثاني في أنه لا وجود لهما في عالم الحقيقة والخارج، ويضعف عنه في أن القسم الثاني لا يحتاج في تحققه الذي ليس إلا تحقق منشأ انتزاعه إلى اعتبار أحد، بخلاف القسم الثالث الذي تمام قوامه باعتبار من إليه الاعتبار. ثم إن من لاحظ المجالس المقننة الموجودة في اكناف العالم يصدق ضروريا بوجود الإعتبارية إجمالا، إذ لا يشك في أن القوانين الموضوعة في تلك المجالس تعد امورا موجودة عند العقلاء، يترتب عليها وجوب الطاعة، بعد ما صارت فعلية واودعت بيد الاجراء. إذا عرفت هذه الامور نقول: بعدما كان ملاك المجعولية هو أن يكون الشئ من المقررات الاعتبارية القانونية فمثل السببية والشرطية والجزئية والقاطعية والمانعية ليست من الامور والأحكام المجعولة، وذلك أنا نرى تحقق هذه المفاهيم في موارد ليس فيها من التقنين والجعل الاعتباري عين ولا أثر، كما نرى تحققها في الموارد المرتبطة بالقوانين أيضا بنفس ذاك المفهوم الذي يوجد في الموارد الأجنبية عنها، فهذا يكشف كشفا قطعيا عن أن أمثالها من قبيل الامور الانتزاعية لا الاعتبارية المجعولة. مثلا: إذا لاحظنا الإنسان نحكم بأن يده جزء منه، كما أنه إذا لاحظنا كتابا نحكم بأن كل ورقة وسطر جزء منه، والإنسان واحد حقيقي، والكتاب واحد عرفي، وليس في شئ منهما أثر من الجعل القانوني، وملاك هذه الجزئية أنه يلتئم منه ومن مثله - من سائر الأجزاء - الكل، فهكذا إذا لاحظنا واجبا مركبا - كالصلاة - نحكم بأن السورة أو الحمد جزء منه بنفس ذاك الملاك الموجود في يد

[ 347 ]

الإنسان، وورقة الكتاب وسطره، وكما أن الجزئية في الإنسان والكتاب مفهوم انتزاعي فهكذا في السورة والحمد وغيرهما. وهذا الذي ذكرناه في الجزئية جار بعينه في الشرطية والسببية والمانعية والقاطعية. نعم، إن إطلاق بعض هذه العناوين في بعض مصاديقها ربما كان مبنيا على نحو توسعة ومسامحة، إلا أنه مع ذلك فلا شبهة في أن هذا المعيار المتوسع فيه المبني على المسامحة معيار الانتزاع، بدليل وجدانه في ما لا يوجد فيه أثر من خطي التقنين والاعتبار القانوني، فالطهارة تعد شرطا للصلاة بعين الملاك الذي به يعد الوضع الخاص شرطا للنار في الإحراق، والنجاسة - مثلا - ربما تعد مانعا للصلاة، كما تكون الرطوبة مانعا للنار في فعل الإحراق بعين ملاك أنهما بوجودهما تمنعان ترتب الأثر المطلوب من الصلاة والنار عليهما... وهكذا. وأما ما أفاده سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله من أن الجزئية ونحوها امور مجعولة مستقلة بالجعل، مستشهدا بصحة أن يجعل الشارع وجوب الصلاة أولا، ثم يقول: جعلت السورة جزءا والاستقبال شرطا فهذا أمر صحيح عند العقلاء، ولا يلزم من جعل الجزئية للسورة استقلالا أن ينسخ حكم وجوب الصلاة ثم إنشاء وجوب آخر بالصلاة الواجدة للسورة أو المصاحبة للاستقبال. انتهى بتلخيص. أقول: نسأله (قدس سره) ونقول: هل الشارع في إيجابه الصلاة أولا أراد جدا وجوب مطلق الصلاة ولو كانت خالية عن السورة غير مصاحبة للاستقبال، أم كان كلامه مطلقا، وإلا فإرادته الجدية قد تعلقت بالمشتملة على السورة والاستقبال ؟ فعلى الثاني - الذي عليه بناء الأصحاب - كان الإيجاب الواقعي من أول الأمر متعلقا، بالواجد، وكان قوله: " جعلت السورة جزءا والاستقبال شرطا " كاشفا عن حدود الواجب الأولي، ولم يكن جعلا مستقلا. وعلى الأول فلا ريب في أن الواجب الأول قد تغير وصار الواجب أمرا

[ 348 ]

آخر، وهذا هو الفسخ، وإن أبيت إلا عن أن التحليل العقلائي في مثله أن الوجوب بل الواجب باق كما كان، وإنما يزيد على الواجب أو نقص عنه شئ، وهذا هو المراد بالاستقلال في الجعل نقول: لا ريب في أن شأن هذا الأمر المزيد أو الساقط أنه بعد هذا قد تعلق أمر واحد بسائر الأجزاء معه، أعني: أن الواجب مركب من عشرة أجزاء - مثلا - بعد ما كان مركبا من تسعة فإنه لا معنى للجزئية إلا ذلك. فهذا التغيير الوارد على الواجب هو الموجب لإنتزاع الجزئية عن السورة، وهو المصحح لإطلاق الجزء عليها، وإلا فلو اقتصر على جزئية السورة بلا ورود مثل هذا التغيير لما كانت تصير جزءا أصلا، وهكذا الأمر في الشرط، وفي إسقاط الجزء أو الشرط، كما لا يخفى. وبالجملة: أنا لا نفهم من الجزء إلا ما يتركب منه ومن غيره الكل، ولا من الشرط إلا ما كان ترتب أثر المشروط موقوفا على وجوده مع خروجه عن الأجزاء المقومة للمركب وعن المؤثر، ولا من السبب إلا ما كان منشأ لترتب الأثر الناشئ عنه، وهذه المفاهيم موجودة في الامور التكوينية التي ليس فيها من أمر التقنين عين ولا أثر، فلا محالة تكون هناك امورا انتزاعية، فإذا كانت بنفس هذه المفاهيم تطلق على أجزاء الواجب وشرائطه، وعلى أسباب مسببات مجعولة كانت فيه دلالة واضحة وكشف قطعي عن أنها في جميع الموارد امور انتزاعية ليست من المجعولات القانونية بشئ أصلا. نعم، نحن لا نضايق أن يكون كل منها في مقام التعبير عنها مستقلة بدلالة مطابقية حقيقية، كما قد يعبر عنها بتعبير كنائي أو مجازي أو استلزامي، وهكذا الأمر في التكاليف التي هي امور مجعولة، فمحل الكلام ليس في مقام التعبير والإثبات، وإنما محل الكلام مقام ثبوت هذه الامور، وأنها امور انتزاعية عبر عنها بتعبير مطابقي حقيقي أو مجازي أو كنائي، أم لم يعبر عنها أصلا ؟ فحقيقة الوجوب أمر اعتباري، وواقع الجزئية مفهوم انتزاعي في أي قالب وأي تعبير كانا. فمنه تعرف أن هذه الامور انتزاعية، إلا أنه ليس كل ما عد من الوضعيات

[ 349 ]

كذلك، فإن العقود والإيقاعات وآثارهما المترتبة عليهما التي هي موضوع الأحكام التكليفية المختلفة امور جعلية قانونية اعتبارية، فالبيع والملكية والنكاح والزوجية كالعتق والحرية - مثلا - كلها امور اعتبارية من الوضعيات لا ينبغي الشك فيها ولا ارتياب. والشاهد على وجود هذه الاعتباريات إنما هو الوجدان، فإنه أحسن شاهد في هذا الميدان. وقد ظهر أن مثل الملكية ليس أمرا موجودا خارجيا حقيقيا، فلا يصح عده من المقولات المنحصرة عند القوم في العشرة، مقولة الجواهر والتسع العرضية، بل هي أمر اعتباري قوام تحققه باعتبار من بيده الاعتبار من الشارع والعقلاء، وأما إنشاء الاشخاص فلا شأن له إلا إيجاد موضوع محكوم عليه عند العقلاء والشرع بأحكام وضعية، فبعد استعمال الألفاظ - مثلا - في إنشاء البيع - مثلا - يحكم العقلاء بتحقق معاهدة بيعية، وهي أمر اعتباري، وبتحققها يحكم العقلاء والشارع بملكية كل من العوضين لمن كان يملك الآخر عوضا عنه، والملكية أيضا أمر اعتباري وموضوع للأحكام التكليفية الخاصة المترتبة عليه، فما يظهر من بعض الكلمات من أن المتعاقدين يحققان الملكية ويعتبرانها كلام لم يقع في محله. وكيف كان فدليل اعتبار قاعدة الاستصحاب موضوعه اليقين والشك، وأنه لا ينقض اليقين بالشك، وهو مطلق جار في كل يقين وشك، سواء تعلق بالامور الخارجية أو الانتزاعية أو الجعلية الاعتبارية، فكل متيقن شك فيه يحكم ببقائه بشرط أن يكون الحكم ببقائه مما يحل مشكلة مقام العمل للمكلف، فإذا كان المتيقن حكما تكليفيا فمن المعلوم أن الحكم ببقائه لا معنى له إلا الحكم في الزمان الثاني، وهو زمان الشك، بأن هذا الحكم التكليفي ثابت عينا، ففيه حل مشكلة وظيفة المكلف. وإذا كان موضوعا للحكم التكليفي فالحكم ببقائه يستلزم الحكم بترتب ذاك الحكم التكليفي عليه ففيه أيضا حل مشكلة العمل، وكيفية هذا الاستلزام وبيانه بعهدة ما سيأتي.

[ 350 ]

وأما إذا كان لا من القسم الأول ولا من الثاني فالحكم ببقائه لا يحل مشكلا عمليا، فإن الانتقال منه إلى الحكم العملي حينئذ غير صحيح، لأنه أصل مثبت، والاستصحاب ليس حجة على مثل هذه المثبتات، من غير فرق في ذلك بين أن يكون نفس المستصحب أمرا اعتباريا مجعولا، أو موضوعا تكوينيا خارجيا، فإن كل الملاك أن يبين الأصل وظيفة عملية للمكلف، وإلا كان التعبد بالبقاء من قبيل اللغو المحض. فما في الكفاية - وتبعه آخرون - من أنه يكفي في جريان الاستصحاب مجرد أن يكون المستصحب أمرا مجعولا اعتباريا، ولذلك كان استصحاب الجزئية والملكية غير محتاج الى ترتب أثر عملي، محل منع جدا، بل الامور المجعولة في هذا المسباق كغيرها، وما لم يثبت بالاستصحاب وظيفة عملية كان لغوا وغير جار. نعم، إن العناوين المأخوذة من الامور الوضعية كعنوان الملك والحر والزوج والزوجة امور تكون موضوعات الأحكام التكليفية، وببركة استصحابها يثبت تلك الأحكام، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. كما أن استصحاب نفس عناوين المعاملات يثبت هذه العناوين، وهذه العناوين موضوع لترتب آثار تكليفية أو وضعية، فببركة استصحاب هذه العناوين يثبت هذه الآثار والآثار المترتبة شرعا على هذه الآثار، فباستصحاب بقاء البيع يثبت ملكية كل من العوضين للمتعاقدين، ويثبت جواز تصرف كل منهما في ملكه، وحرمة التصرف في ملكه إلا بإذنه، وتمام الكلام بعهدة ما سيأتي بيانه - إن شاء الله - في الامور الآتية، عند البحث عن عدم اعتبار الأصل المثبت، فارتقب حتى حين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله. الأمر الرابع في اعتبار فعلية الشك إن مفهوم الشك هو التردد الحاصل بعد الالتفات إلى أمر، وقد أخذ عنوان

[ 351 ]

الشك في الأخبار الدالة على اعتبار قاعدة الاستصحاب التي قد عرفت أنها العمدة من أدلتها، ومن الواضح أن الظاهر من كل عنوان خصوص الفعلي منه، فالنار ليست إلا ما كانت نارا بالفعل، والإنسان ليس إلا خصوص المصداق الفعلي، فهكذا الشك ليس إلا ما كان شكا بالفعل الذي قوامه بالتردد الحاصل عقيب الالتفات، وعليه فلا تنطبق أدلة الاستصحاب إلا على ما إذا كان المكلف شاكا بعد التفاته. نعم، بعد ما إذا التفت وشك فلا يعتبر فيه التوجه الى أنه شك، بل وجود حالته الترديدية في خزانة نفسه كاف في صدق الشاك عليه، كما في العالم والموقن والظان وأمثالها. وقد يستدل لا عتبار فعلية الشك أيضا بأن الأحكام الظاهرية - سواء كانت في الأمارات أو الاصول - إنما جعلت لرفع تحير المكلف في مقام العمل وتنجيز الواقع عليه عند الموافقة والإعذار لدى المخالفة، وهو متوقف على التفات المكلف بالموضوع، بل وعلمه بالحكم، فمجرد قيام طريق معتبر على تخصيص العموم ليس حجة للعبد ما لم يعلم به وباعتباره، فإذا كان عموم " أكرم العلماء " مقتضيا لإكرام النحويين - مثلا - وكان هنا مخصص يقتضي عدم إكرامهم، ولم يعلم المكلف به، أو لم يعلم أن المولى قد اعتبره، فلو كان الحكم الواقعي مفاد العموم وكان المخصص مخالفا للواقع فلا حجة للعبد في ترك أكرامهم وكان معاقبا على الواقع، وهذا كله لأن الغاية من جعل هذه الأحكام هو التنجيز. ورفع الحيرة، وهما لا يكونان إلا بعد العلم موضوعا وحكما. أقول: إن ما افيد من كون الغاية منحصرة في رفع الحيرة مما لم يقم عليه دليل، واللازم هو اتباع أدلة اعتبار الاصول والأمارات، فإذا قال الشارع: " كل شئ حلال أو طاهر حتى تعلم أنه حرام أو قذر " فحكمه هذا قد جعل في مورد عدم العلم بالحرمة والنجاسة، وهو عنوان صادق مع عدم الالتفات أيضا، فإذا صلى في ثوب لا يعلم طهارته ولا نجاسته غافلا عنهما فلم لا يعمه دليل أصالة الطهارة ؟ وبعد فراغه عن الصلاة والتفاته تعلم بأن صلاته كانت واجدة لهذا الشرط، وإذا

[ 352 ]

ترك إكرام النحويين في المثال المذكور قبل الفحص عن المخصص، وكان بحيث لو تفحص لظفر بهذا المخصص بلا ريبة فلا نسلم جواز عقابه على مخالفة الواقع، مع أن المفروض أنه لا طريق له إلى إحراز ذاك الواقع. نعم، هو متبحر في ترك الفحص وعدم الأخذ بالاحتياط، ويجري عليه أحكام المتجري. فبالجملة: لو كان عنوان الشك صادقا في مورد الغفلة أيضا لما كان مانع من الأخذ بإطلاقه والقول بجريان الاستصحاب حتى معها أيضا، لكنه غير صادق، والاستصحاب غير جار كما عرفته. ثم إن ظاهر الشيخ الأعظم وصريح بعض آخر أنه مما يترتب على اعتبار فعلية الشك في جريان الاستصحاب هو الحكم بصحة صلاة من أحدث ثم غفل وصلى، وبعد الصلاة التفت وشك في أنه توضأ قبل الصلاة أم لا ؟ فإنه لو كان الاستصحاب جاريا مع الغفلة كان مقتضاه بطلان صلاته، لمحكوميته حينها بأنه محدث، لكنه لا يجري بعد اعتبار الفعلية في الشك الذي هو موضوعه، ويحكم بصحة صلاته بمقتضى قاعدة الفراغ. نعم، لو التفت قبل الصلاة وشك جرى في حقه استصحاب الحدث، فلو غفل وصلى ثم التفت بعد الصلاة كانت صلاته محكومة بالبطلان بمقتضى استصحابه، ولا تعمه قاعدة الفراغ لأنها مشروطة بحدوث الشك بعد الفراغ. أقول: إن تفريع الصحة على اعتبار فعلية الشك في جريان الاستصحاب في الفرع الأول غير صحيح، فإنه لو فرض جريان الاستصحاب مع عدم فعلية الشك أيضا لكان هنا غير جار، لأن قاعدة الفراغ حاكمة بالصحة، ومعها لا مجال للاستصحاب، لتقدمها عليه ورودا أو حكومة أو تخصيصا، كما كانت متقدمة على استصحاب الحدث الجاري بعد الصلاة والالتفات. وتوهم الفرق بينهما بأن الاستصحاب لو كان جاريا حال الصلاة فلا يعقل رفع اليد عنه بقاعدة الفراغ التي لا تجري إلا بعد الصلاة، فإن الصلاة المحكومة بالبطلان لا يعقل أن تنقلب صحيحة، بخلاف الاستصحاب بعد الصلاة فإن قاعدة

[ 353 ]

الفراغ مانعة عن أصل جريانه. مدفوع: بأن شمول قاعدة الفراغ لمثله يمنع عن جريان الاستصحاب من الأول، وإن كان الجاهل يتخيل جريانه، وذلك أن تقدم دليل قاعدة الفراغ على دليل الاستصحاب يقتضي عدم شمول دليله لموارد يعمها دليل القاعدة، فالمورد من أول الأمر خارج عن دليل الاستصحاب. وربما يقال - كما في تقرير بحث بعض الأعاظم مد ظله - بأن الاستصحاب حال الصلاة لا يجري في الفرع الثاني أيضا، إذ موضوع الاستصحاب هو الشك الفعلي على الفرض، والحكم منوط بفعلية موضوعه حدوثا وبقاء، وعروض الغفلة للمكلف يخرج الشك عن الفعلية، فلا تعمه أدلة الاستصحاب، فالفرعان من واد واحد. لكنا أشرنا إلى أن فعلية الشك غير الالتفات الى نفس الشك، وربما كان الشك مخزونا في النفس وهو لا يلتفت إليه، فالشاك في النبوة لا يلزمه الالتفات دائما إلى شكه كما في مورد الموقن والمنكر، وعليه فإذا التفت وحصل له حالة التردد فهو شاك وإن غفل عن الالتفات إلى حالته هذه، فما لم يقم عنده دليل أزال شكه فشكه بالفعل موجود مخزون في نفسه، وإنما الذي ينافي فعليته أن لا يحصل له التفات إلى متعلق الشك أصلا، فإنه ليس له حالة الشك أصلا، لا أنه شاك وشكه مخزون في خزانة نفسه، ولذلك فإذا التفت إلى الحدث بعد الصلاة فشكه حادث بدوا، وكان موردا لقاعدة الفراغ، كما لا يخفى. ومنه تعرف ما في رسائل سيدنا الاستاذ (قدس سره) حيث منع جريان قاعدة الفراغ، لكون الشك في الحدث مخزونا في خزانة النفس، فراجع. ثم إن بعض أعاظم المحققين (قدس سرهم) في تعليقة الكفاية بنى جريان قاعدة الفراغ في مفروض الكلام على القول بكونها أصلا موضوعها الشك، كما في مثل قوله (عليه السلام): " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " وإلا فلو جعلناها من الأمارات الموجبة للظن، أو قلنا بأن موردها احتمال أن يلتفت ويتذكر حين العمل أكثر مما

[ 354 ]

بعده فقاعدة الفراغ لا تجري، لأن المفروض أنه لو التفت إلى حاله حين الصلاة لشك. وتبعه فيه بعض تلاميذه دام ظله. أقول: ما فرضه (قدس سره) من الغفلة المحضة ممنوعة، وذلك أن المفروض أنه يشك في أنه تطهر بعد الحدث أم لا ؟ والتطهر لا يكون إلا بالالتفات بعد الحدث إلى حالة حدثه، والاقدام الى رفعه ليكون على طهارة للأعمال المشروطة بها، وحيث إن الطهارة مما يحصل قبل الصلاة فلو كان من المحتمل لديه أن يكون قد توضأ قبيل صلاته فلا محالة ليس خارجا عن عموم قاعدة الفراغ، حتى على القول بالأمارية أيضا. والله العالم. ثم إن ذكر اليقين في قول المحقق الخراساني في الكفاية: (يعتبر في الاستصحاب فعلية الشك واليقين) مبني على سهو القلم، وإلا فهو يصرح في التنبيه الثاني منها بعدم إعتبار فعليته، فراجع وتدبر. الأمر الخامس حول اعتبار فعلية اليقين، وتحقيق كيفية جريان الاستصحاب في موارد الأمارات والحجج قد يستشكل جريان الاستصحاب في موارد الأمارات لتبادر اعتبار اليقين الفعلي في موضوعه من أخباره، ومن المعلوم أن لا يقين بما قامت الأمارة عليه في موردها. والحق في الجواب: ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)، وحاصله: أن مفاد أخبار الاستصحاب أنه إذا تحقق شئ ثم شك في بقائه فهو محكوم بالبقاء، واليقين المذكور في قولهم (عليهم السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " فإن اريد منه تلك الصفة النورية التي لها منتهى درجة الكاشفية - إلا أن أخذه في هذه الأخبار إنما هو لبيان مفروضية وجود الشئ وإعطاء الاطمئنان للمخاطب من ناحية أصل ثبوته، لكي يتمحض الشك والتعبد المدلول عليه في ناحية البقاء - فلا محالة يكون

[ 355 ]

محصل العبارة: أن الشك لا يقوى على رفع ما ثبت، ولا يحكم معه بارتفاعه، بل إنما يحكم بارتفاعه بيقين آخر، فتدل بهذا التقريب والتقرير على الملازمة بين الثبوت والبقاء. فليس مراده (قدس سره) أن اليقين لا يراد منه سوى المرآتية حتى يورد عليه أنه خلاف الظاهر، بل اريد منه نفس تلك الصفة التامة الكاشفية، ويكون التعبير بالنقض أيضا لأجل إرادتها، إلا أنه مع ذلك فالظاهر أن الإتيان به ليس لأجل موضوعيته واعتباره في الحكم بالبقاء، بل إنما جئ به لتثبيت متعلقه ليتمحض التعبد المدلول عليه بمورد خصوص الشك في البقاء، وحينئذ فيلغى خصوصية اليقين، ويفهم عرفا أن الشئ الثابت محكوم بالبقاء عند الشك فيه، فلو قامت حجة موجبة لتنجزه - إن كان حكما - أو تنجز حكمه - إن كان موضوع حكم - سواء أكانت أمارة أو احتمالا في طرف العلم الإجمالي، أو احتمالا محضا - كما في الشبهة قبل الفحص - فوجوده الواقعي لما كان منجزا على المكلف والمكلف مأخوذ به فبحكم الاستصحاب القاضي ببقائه عند الشك فيه يكون مأخوذا ببقائه أيضا. كما أن من الواضح أن ليس مراده جعل نفس الملازمة لكي يورد عليه - كما في فوائد الاصول - بأنها أمر انتزاعي محض لا يقع تحت الجعل القانوني، فإن عباراته (قدس سره) صريحة في أن التعبد الشرعي إنما هو في بقاء المستصحب، إلا أن لازم التعبد ببقاء أمر ثابت عند الشك في بقائه تحقق تلك الملازمة الانتزاعية بين ثبوته وبقائه عند الشك. وكما أن من الواضح أن هذه الملازمة إنما هي في الظاهر بين ثبوت الشئ في الواقع وبقائه في ظرف الشك. وما قيل على ما في تقريرات بعض الأعاظم مد ظله - من أن لازمه عدم جريان البراءة بالإضافة إلى المشكوك البدوي في موارد إنحلال العلم الإجمالي، لأنه إذا علم إجمالا بوجود محرمات يثبت وجوب الاجتناب عن جميع

[ 356 ]

محتملاته، ولا يجدي انحلال العلم الإجمالي بقيام الدليل على تعيين مقدار المعلوم بالإجمال، وذلك أن الاستصحاب - على الفرض - يدل على الملازمة بين ثبوت وجوب الاجتناب وبقائه. فمدفوع: بأنه إن اريد استصحاب التكليف الواقعي ففيه أولا: أنه لا شك في بقائه، فإنه باق قطعا، وإنما وقع الشك في ثبوته في تلك الأطراف. وثانيا: أنه بعد انحلال العلم فثبوته في تلك الأطراف لا أثر له ولا تنجز ولا عقاب عليه بعد حكم العقل بالبراءة عنه، فالاستصحاب لا يفيد شيئا ويكون لغوا غير جار. وإن اريد استصحاب وجوب الاجتناب الظاهري فهو حكم عقلي محض، من باب وجوب إطاعة أوامر المولى، ولا يجري في مثله الاستصحاب الذي هو حكم شرعي بالبقاء، مضافا إلى أن العقل بعد الانحلال يحكم بعدم ذلك الوجوب الظاهري، فهو مقطوع الارتفاع بحكم نفس الحاكم به. ثم إنه لو تنزلنا عن الاستظهار المذكور فأحسن الوجوه أن يقال: إن المراد من العلم واليقين هو ما يعبر عنه في الفارسية ب‍ " دانستن "، وهو معنى يعم موارد القطع وموارد الأمارات المعتبرة، وعليه تكون أدلة الأمارات واردة على الاستصحاب، كما كان كذلك بالنسبة لأدلة البراءة الشرعية وأصالة الحل. إلا أن هذا الوجه - كما ترى لا يجري في استصحاب التكليف المحتمل في بعض أطراف العلم الإجمالي بعد العلم بارتفاعه - لو كان عن سائر الأطراف، ولا في المحتمل في الشبهة البدوية قبل الفحص. وأما ما عن بعض أهل التحقيق من أن المراد باليقين هو نفس تلك الصفة التامة الكشف، إلا أن أدلة اعتبار الطرق يجعلها بمنزلة اليقين ومصداقا تعبديا له، فتكون الأمارات مصاديق تعبدية لليقين يجري الاستصحاب في مؤداها أيضا إذا شك في بقائها، لحكومة أدلة اعتبارها وحكمها بأنها يقين تعبدا ففيه: أن قوام الحكومة بخصوصية لسان الدليل الحاكم، وليس في أدلة اعتبار الأمارات ما لسانه تنزيل

[ 357 ]

الامارة منزلة القطع أو العلم، وتمام الكلام يأتي إن شاء الله في بحث تقدم الأمارات على الاستصحاب. ثم إنك تعرف مما ذكرنا أن مجرى الاستصحاب هو الأمر الواقعي الذي قامت عليه حجة، حكما كان أو موضوعا، وأما الأحكام الظاهرية المدلول عليها بأدلة الاصول، مثل أصالة الحل والطهارة، وما ثبت بالإستصحاب فحيث إن موضوعها مجرد الشك من أي سبب كان فإذا جرت أصالة الحل أو الطهارة أو استصحابهما، ثم شك في بقائهما للشك في طرو مزيل فعموم أدلتها شامل له حاكم بهما، ولا معنى للالتجاء إلى الاستصحاب أو استصحاب آخر، فإن نفس دليل الثبوت يدل على البقاء، فبقاء ما ثبت كأنه يقيني ولا مجرى معه للاستصحاب. وعليه فلا وجه لما أفاده بعض الأعاظم (قدس سره) على ما في فوائد الاصول من أن الملجأ في أمثال تلك الموارد هو الاستصحاب، وأن دليل إعتباره يعم جميع هذه الموارد، فراجع وتدبر. نعم، إذا كان مفاد أصل مجرد الحكم بالثبوت وحجة عليه ولم يكن موضوعه أمرا مطلقا مستمرا وشك في بقائه فالاستصحاب جار حاكم بالبقاء، وهذا مثل قاعدة الفراغ في مثل الطهارات الثلاث، بناء على كونها أصلا لا أمارة، فإنها إنما تدل على تحقق الطهارة وهي حجة عليه، فإذا شك في بقاء الطهارة فالقاعدة لا تقتضي شيئا، والاستصحاب يجري ويحكم ببقائها. وبالجملة: فاللازم هو التفصيل في الاصول بين ما كان موضوعه مطلق الشك، أو عدم العلم الصادق في جميع المصاديق ومن جميع النواحي والمناشئ، مثل أصالة الحل والطهارة والاستصحاب، فعموم وإطلاق أدلتها يدل على ثبوت الحل والطهارة وبقاء المستصحب ما دام الشك، وإن عرض شك حادث يحتمل معه زوال المستصحب أو الحلية أو الطهارة، وبين ما كان منها محرزا لمجرد ثبوت الشئ بلا تعرض لبقائه مع الشك الحادث، كقاعدة الفراغ في الطهارات، فبقائها يحتاج إلى الاستصحاب، كما عرفت.

[ 358 ]

ثم إن التحقيق في الأمارات أنها حجة على نحو الطريقية، كما هو المعروف، وأنها طريق في عرض القطع الى مؤدياتها، فهي طرق اعتبارية يعبر عرفا بالعلم بمؤداها إذا قامت، كما في موارد القطع، فتزيد على الحجية المحضة بأنها علوم يجوز مع قيامها أن ينسب مؤداها إلى المولى والشارع، إلا أن هنا وجهين آخرين، بل قولين على مسلك الطريقية: أحدهما: مختار الكفاية من أن المجعول فيها ليس إلا الحجية التي مآلها المعذرية والمنجزية عند الموافقة للواقع والمخالفة لها. والثاني: ما نسبه صاحب الكفاية في الهامش هنا إلى المشهور، من أن الشارع جعل في موردها حكما ظاهريا عبر عنه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بأنه حكم طريقي عن مصلحة في نفسه موجبة لإنشائه الموجب للتنجز، أو لصحة الاعتذار. وقد أشار إلى هذين الوجهين وأكد على مختاره في فصل التخطئة والتصويب من مباحث الاجتهاد والتقليد من الكفاية، فقال: " نعم، بناء على اعتبارها - يعني الأخبار - من باب الطريقية كما هو كذلك، فمؤديات الطرق والأمارات المعتبرة ليست بأحكام حقيقية نفسية، ولو قيل بكونها أحكاما طريقية، وقد مر غير مرة إمكان منع كونها أحكاما كذلك أيضا، وأن قضية حجيتها ليس إلا تنجز مؤدياتها عند إصابتها والعذر عند خطئها، فلا يكون حكم أصلا إلا الحكم الواقعي... الخ "، فكلامه (قدس سره) - كما ترى - صريح في ابتناء كلا الوجهين على مسلك الطريقية. وحينئذ فما في تقريرات بعض الأعاظم " من أن الالتزام بإنشاء الحكم الظاهري يرجع الى السببية في الطرق والأمارات، وأن ما أفاده في هذا الموضع من الكفاية مناقض لما سلمه في مبحث الاجتهاد والتقليد من أنه من فروع القول بالسببية " ناش عن عدم الدقة في تحصيل مراده. والله العاصم، وهو الهادي الى سواء السبيل.

[ 359 ]

الأمر السادس أقسام استصحاب الكلي إن المستصحب لابد وأن يكون حكما مجعولا أو موضوعا له، وإذا اريد استصحاب الكلي فهو أيضا ليس مستثنى عن هذه القاعدة، فمجرد إمكان تصوير معنى جامع بين شيئين أو أشياء لا يجوز استصحابه ما لم يكن حكما عمليا مجعولا أو موضوعا له، ومنه تعرف الخدشة في إطلاق عنوان الكفاية. وبعدئذ نقول: إن الشك في بقاء الكلي تارة لأجل الشك في بقاء الفرد الذي وجد في ضمنه ومتحدا معه، واخرى لدوران ذلك الفرد بين ما كان باقيا قطعا أو احتمالا وما كان مرتفعا قطعا، وثالثة لاحتمال وجود فرد آخر غير ما تيقن بقاؤه حتى يكون الكلي باقيا به. أما القسم الأول فلا ينبغي الشك في صحة استصحاب كل من الفرد والكلي إذا كان مستجمعا للشرائط الاخر، كما لا يكفي استصحاب الكلي لإثبات حكم الفرد أو نفسه، ولا العكس، لما سيأتي من أن الاستصحاب لا يثبت إلا نفس المستصحب، فلو كان هنا دليل شرعي رتب حكما على عنوان المستصحب فلا محالة يعمه ويترتب عليه، وأما لوازمه وملزوماته وملازماته فلا يمكن إثباتها به. كما أن الدليل الاجتهادي لا يعمه ما لم يثبت عنوانه، وإلا فمجرد اتحاد العناوين في الوجود لا يوجب شمول الدليل له وانطباقه على غير معنونه، وهو أمر واضح. وأما القسم الثاني فمثل أن يعلم بوجود زيد أو عمرو في الدار قبل الزوال، وبعد الزوال علم بخروج زيد عنها لو كان فيها، وكان الأثر مترتبا على وجود الإنسان فيها، فمن الواضح أنه بعد الزوال يشك في بقاء الإنسان فيها وهو عالم بوجوده فيها قبل الزوال فلا محالة يحكم ببقائه فيها بعد الزوال بمقتضى قاعدة الاستصحاب، وأنه لا يجوز نقض اليقين بالشك. والإيراد عليه بأن الكلي عين الفرد، فإذا كان الفرد مرددا بين مصداقين: أحدهما معلوم الارتفاع والآخر مشكوك الحدوث محكوم بعدمه فلا مجال

[ 360 ]

لاستصحاب الكلي مدفوع: بأن هذا التردد لا يمنع استصحاب الكلي إذا كان مشكوك البقاء - كما هو المفروض - وكان المورد مصداقا لموضوع " لا تنقض اليقين بالشك ". كما أن بيان هذا الإيراد بأنه لما كان لا ريب في أن الكلي الطبيعي مع الأفراد كالآباء مع الأبناء، وأن لكل فرد وجودا من الطبيعي يخصه ويتحد معه فلا محالة يكون الكلي المتحد مع زيد غير المتحد مع عمرو، فبعد مضي زمان اليقين وحضور زمان الشك إذا فتشنا انفسنا نجد أن ذاك الوجود المتحد مع زيد - لو كان - فهو مقطوع الارتفاع، وذلك الوجود المتحد مع عمرو - لو كان - فهو أيضا مقطوع البقاء، فليس لنا شك في بقاء الحادث أصلا، وإنما الشك في حدوث ما هو باق قطعا. كما أن لنا شكا في حدوث ما هو مرتفع جزما. فليس مجرى للاستصحاب، لاشتراطه بالشك في البقاء، وهو مفقود هنا. وبالجملة: ففيه شبهة استصحاب الفرد المردد. مندفع بأن الكلي الطبيعي وإن كان متحدا مع كل من الأفراد - ونسبته إليها نسبة الآباء والأولاد - إلا أن معنى كليته إنما هو عدم لحاظ شئ من الخصوصيات حتى الهذية الوجودية فيه، فكما لا يتقوم معناه بالمشخصات والامتيازات الفردية فهكذا لا يتقوم بهذية هذا الوجود المتشخص الذي تحقق به، بحيث لو أمكن تحققه عاريا عن كافة الخصوصيات لكان ذلك المجرد عنها هو الكلي، إلا أنه لا محالة لا يخلو عنها ومتحد بها، ولذلك أيضا يكون موجودا في الخارج ويتكثر بتكثرها ويمتاز وجوده في هذا الفرد عن وجوده في غيره، إلا أنه مع ذلك فلا بأس بلحاظه عاريا عن جميع الخصوصيات، وتعلق الطلب مثلا به - كما قررناه وأوضحناه في مسألة تعلق الطلب بالطبيعة - وكان لازمه خروج جميع الخصوصيات عن دائرة المطلوبية، بل كان المطلوب نفس الطبيعي لا غير. فهكذا في ما نحن فيه، حيث إن موضوع التكليف مثلا إنما هو أن يوجد الإنسان في الدار، وكان قوام الاستصحاب باليقين به والشك في بقائه، واليقين

[ 361 ]

والشك من الصفات النفسانية يمكن تعلقهما بنفس عنوان الكلي مجردا عن كل قيد، كما أنه كذلك موضوع الحكم حسب الفرض، فإذا لاحظنا المورد نرى من وجداننا أنا متيقن بوجود الإنسان بمعنى الكلي الطبيعي في الدار قبل الزوال، وشاكون في بقائه فيها بعده، فيكون مجرى الاستصحاب بلا شك ولا ريبة. ومنه تعرف عدم الحاجة إلى التمسك بذيل العرف، وأنه يرى القضية المتيقنة متحدة مع المشكوكة، وهو المرجع في أمثال الباب، فإنه وإن كان حقا إلا أن الفهم العرفي هنا متطابق مع ما تقتضيه الدقة العقلية كما عرفت، والحمد لله. وهنا إيراد ثالث، هو: أن الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الباقي، ويستصحب عدم حدوثه، والأصل الجاري في الشك السببي مقدم على المسببي بالحكومة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهو واضح الفساد، إذ فيه أولا: أن هذا التقدم إنما يكون في ما كان المشكوك في الشك المسببي من الآثار المترتبة شرعا على سببه، لكي يثبت بالاستصحاب الجاري في الشك السببي وجوده أو عدمه، فيكون حاكما عليه، بل سيأتي - إن شاء الله تعالى - أن الحاكم بل الوارد على الأصل المسببي إنما هو الدليل الاجتهادي الدال على حكم المسبب، ففي مثال غسل اليد المتنجسة بالماء المستصحب الطهارة الاستصحاب إنما يثبت أن هذا الماء طاهر، والدليل الاجتهادي الدال على أن الماء الطاهر طهور ينطبق عليه ويحكم بطهارة ما يغسل به، ومعه لا يبقى مورد للأصل المسببي. وأما إذا لم يكن المسبب أثرا شرعيا بل كانت السببية عقلية فالأصل في السبب لا يمكن أن يثبت ويتضح به حال المسبب، إلا على القول بالأصل المثبت، من غير فرق بين أن يكون نفس السبب والمسبب شرعيين أم لا، فهاهنا أن تفرع الكلي على الفرد أمر عقلي، وإن كان نفس الكلي والفرد شرعيين، فلا يمكن إثبات الكلي أو نفيه بالأصل الجاري في الفرد. وثانيا: أن وجود كل من الفردين بخصوصه مشكوك فيه ومسبوق بالعدم،

[ 362 ]

فأصالة عدم الحدوث يجري في كليهما، ومجرد العلم بحدوث الكلي لا يوجب خروج شئ من الفردين عن عموم دليل الإستصحاب بعد أن كان المفروض فيهما اليقين بعدم وجوبهما قبلا والشك في حدوث كل منهما، فالأصلان - في ناحية السبب - متعارضان ويسقطان بالتعارض، فتصل النوبة لا محالة إلى الأصل المحكوم، أعني استصحاب بقاء الكلي. لا يقال: ربما لم يكن لأحد الفردين أثر أصلا فلا يصح القول بانعقاد التعارض بين أصلين في جميع الموارد. لأنه يقال: يكفي في ترتب الأثر إثبات بقاء الكلي أو ارتفاعه الذي كان المفروض إثباته بالأصل الجاري في الأصل السببي. وعليه إيرادات أخر لا حاجة إلى ذكرها بعد وضوح فساده. وأنت بالتأمل في ما ذكرنا لعلك تقدر على القصورات الواقعة في كلمات المشايخ هنا، فراجع. شبهة عبائية ودفعها: قد نسب هنا الى العلامة السيد إسماعيل الصدر (قدس سره) شبهة اشتهرت بالشبهة العبائية هي أنه إذا علمنا إجمالا بنجاسة الطرف الأعلى من عباء أو الأسفل ثم طهرنا طرفه الأسفل - مثلا - فحيث نحتمل كون النجس طرفه الأعلى فهو من مصاديق الكلي قسمه الثاني، فإنا نشك في بقاء نجاسة العباء، فلو قلنا باستصحابها لكان اللازم أن نحكم بنجاسة ملاقي الطرفين، فإنه لاقى مستصحب النجاسة الذي بحكم النجس لا محالة، وهو بديهي البطلان، فإن الطرف الأسفل طاهر قطعا وملاقي الطرف الأعلى ملاق لبعض أطراف العلم الإجمالي، وملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة، وكيف يقال بطهارته قبل تطهير الطرف الأسفل، وبنجاسته بعد تطهيره ؟ ! والحق في الجواب: أن الشارع قد حكم بأن ملاقي المتنجس - مثلا - ينجس،

[ 363 ]

فالمتنجس موضوع حكمه تنجس ملاقيه، فلو احرز هذا الموضوع ولو بالاستصحاب لترتب عليه حكمه، إلا أن إحرازه هنا غير ممكن، وذلك أن العباء وان اطلق عليه أنه متنجس إلا أنه إطلاق مجازي عرفي ليس بذاك الإطلاق موضوعا لذلك الحكم، بداهة أن ملاقاة القسمة الطاهرة منه مع أنها ملاقاة للعباء إلا أنها لا توجب نجاسة الملاقي، بل الموضوع له هو خصوص المحل المتنجس المفروض في الشبهة أنه إما الطرف الأعلى، وإما الطرف الأسفل، فإذا طهرنا الطرف الأسفل فالطرف الأسفل طاهر قطعا، والطرف الأعلى لم يتيقن نجاسته حتى يقال باستصحابها، فأحد ركني الاستصحاب فيه - أعني اليقين السابق - مختل، بل التحقيق: أنه لو كان نجسا واقعا لما كان شبهة في بقائه على النجاسة، إذ المفروض عدم تطهيره، فركن الشك في البقاء فيه مختل، فلا يجري استصحابه حتى على ما اخترناه تبعا للمحقق الخراساني (قدس سره) من عدم الحاجة إلى احراز الحالة السابقة بطريق معتبر أيضا، فإنه ليس هنا شك في بقاء نجاسة الطرف الأعلى، وإنما الشك في حدوثها، وهو بعينه سد عدم جريان استصحاب الفرد المردد. وأما استصحاب بقاء النجاسة في العباء فلا نتعقل منه معنى معقولا، إذ ليست النجاسة موضوعا للحكم يكون العباء ظرفا لها، بل وقوع النجاسة ووجودها في العباء عبارة اخرى عن تنجس العباء الذي قد عرفت حال إستصحابه. نعم، استصحاب كلي المتنجس - في العباء - لم يكن به بأس لو كان له بما أنه كلي أثر، إلا أنه حيث لا يثبت تنجس الطرف الأعلى، ولا يثبت أيضا أن ملاقاة الطرف الأعلى أو الطرفين ملاقاة له، فلا يتصور له أثر، فلا مجال لاستصحابه. فإحراز المتنجس الذي يكون موضوعا لحكم تنجس الملاقي غير ممكن، لكنه مع ذلك فلا تجزي الصلاة في العباء، إذ طرفه الأعلى طرف للعلم الإجمالي بالنجاسة، فهو مثل ما إذا علم بطهارة أحد الثوبين إجمالا ثم طهر أحدهما فإنه لا شبهة في عدم إجزاء الصلاة في الثوب الآخر بمقتضى علمه الإجمالي، كما لا يخفى.

[ 364 ]

ثم إنك تعرف مما ذكرنا أنه كما لا يجوز إحراز موضوع حكم تنجس الملاقي بالاستصحاب فهكذا لا يمكن إحراز حكم عدم جواز الصلاة، فإنهما حكمان موضوع كليهما المتنجس فإنه لا تصح الصلاة في المتنجس، كما أن ملاقي المتنجس نجس، فالفرق بينهما - كما في عبارة بعض المحققين (قدس سره) غير مبتن على الدقة اللازمة. وأما الجواب عن الشبهة بما في تقريرات بحث بعض الأعاظم (قدس سره) من أن استصحاب القسم الثاني من الكلي يختص بما كان الترديد في هوية المتيقن لا في محله وموضوعه، فلو علم بوجود حيوان في الدار وتردد أن يكون في هذا البيت منها أو ذاك، فانهدم أحد البيتين فشك في بقاء حياة الحيوان لما كان استصحاب حياته جاريا، وكان كاستصحاب الفرد المردد، ومنه النجاسة المعلومة بالإجمال في مفروض الشبهة العبائية، فهو غير متين جدا. أما أولا: فلأنه لا وجه لعدم جريان استصحاب الفرد في ما إذا كان الترديد في محله، كما في المثال المذكور، فإن وجود ذاك الفرد المشخص معلوم، والتردد في محل استقراره أوجب الشك في بقائه، فيجري فيه الاستصحاب، وهكذا في الكلي الموجود به، ويكون من القسم الأول من أقسام استصحاب الكلي. وأما ثانيا فإن مورد الشبهة العبائية - كما عرفت - ليس من قبيل الترديد في محل المتيقن، فإن موضوع الحكم هو المتنجس، وهو مردد بين مصداقين قد ارتفع أحدهما، ولا يمكن إجراء الاستصحاب في الآخر، لأنه من باب استصحاب الفرد المردد. ومن التأمل في ما ذكرناه تعرف ضعف ما في تقريرات بعض أعاظم العصر دام ظله، حيث صحح الشبهة والتزم بنجاسة ملاقي الطرف الأعلى، قائلا: إن استصحاب بقاء النجاسة في العباء أصل حاكم على أصالة طهارة الملاقي، - بالكسر -، وقد عرفت أنه لا معنى لاستصحاب بقاء النجاسة في العباء، ولابقاء نجاسة العباء، إلا استصحاب بقاء المتنجس، ولا شك في بقاء نجاسة المتنجس ان

[ 365 ]

تنجس، بل الشك في أصل حدوث النجاسة، فلا يجري استصحاب أصلا. وأما القسم الثالث - أعني ما إذا كان الشك في البقاء مستندا إلى احتمال وجود فرد آخر كان الكلي باقيا به - فهو على قسمين، فإنه: تارة يحتمل أن يكون فرد آخر مع الفرد المتيقن فزال المتيقن وبقي ذاك الآخر، واخرى يحتمل حدوث فرد آخر مقارنا لزوال المتيقن. ثم هذا الثاني أيضا على قسمين، فإنه: تارة يكون مجرد احتمال حدوث هذا الآخر واخرى يكون ذاك الاحتمال لاحتمال تبدل المتيقن إليه، كتبدل الوجوب إلى الاستحباب لصيرورة ملاكه أضعف مما كان. ففي هذا القسم الأخير إذا كان الفرد المحتمل المتبدل إليه بقاء ذاك المتيقن عرفا، وإنما كان التعدد بحكم العقل الدقيق، كما في تبدل العرض الشديد إلى أضعف منه، فإنه بناء على امتناع انتقال العرض من محله يكون الضعيف فردا جديدا، إلا أنه لا ريب في أنه عند العرف بقاء ما كان، ولما كان لا ريب في أن ملاك البقاء ووحدة القضيتين المتيقنة والمشكوكة هو نظر العرف فبقاؤه بقاء شخص الفرد المتيقن، ويكون من قبيل القسم الأول من أقسام استصحاب الكلي يجري استصحاب الفرد والكلي كليهما، ويكون خارجا عن محل الكلام. ومحل البحث هو الأقسام الاخر. وعمدة الوجه لمنع جريان الاستصحاب فيه: أن الكلي الطبيعي وإن كان موجودا في الخارج إلا أنه يتعدد بتعدد الأفراد، ويكون نسبة إلى الأفراد كنسبة الآباء إلى الأبناء، وعليه فالمتيقن من الكلي وجود خاص منه هو المتحد والموجود بالفرد المتيقن والحصة الخاصة المتحدة به، ولا ريب في أنه قد زال، وأنه لو كان موجودا فلا محالة كان وجودا خاصا آخر منه متحدا مع فرد آخر فالقضية المشكوكة غير المتيقنة، ولا مجال لجريان الاستصحاب في شئ من الأقسام. وفيه: أن استصحاب الكلي مطلقا إنما يكون له مجال إذا كان موضوع الحكم نفس الكلي، ومعنى موضوعية الكلي أنه ليس المعتبر والملاك إلا نفس الحيثية الموجودة في جميع الأفراد، برفض جميع القيود والخصوصيات التي تكون مع

[ 366 ]

الأفراد والأصناف، بل الأنواع، بحيث لو تبدل فرد إلى فرد آخر لما حصل تغير في الموضوع أصلا، فإنه لو تغير في الموضوع تغير لما كان إلا لأجل دخالة الخصوصية المتبدلة في موضوعيته، وهو خلف واضح مجال فالكلي وإن كان بالنسبة الى الأفراد كالآباء، والحصة الموجودة في كل شخص وإن كانت غير الحصة الموجودة في سائر الأفراد إلا أنه لا ريب في أن موضوع الحكم هو المعنى المجرد عن جميع الخصوصيات، والتبدل إنما يحصل في الخصوصيات لا يمس ذيل الموضوع إلا في ما يتحقق به. وأما اليقين والشك فهما متعلقان ومتقومان بأمر نفساني هو وجود نفسي من الكلي قد جرد فيه عن كل تلك الخصوصيات، بحيث لو علم بوجود الكلي في ضمن فرد ثم علم تبدل ذاك الفرد إلى فرد آخر لما أضر بعلمه ببقاء الكلي أصلا، وإلا لكان خلفا، كما عرفت وإنما المتبدل الخصوصيات التي ليست مقومة لمعنى الكلي، فإن الكلي لا يتقوم حتى بهذية كل من أفراده. وقد يقال - كما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) -: إن مقتضى الدقة العقلية وإن كان ذلك إلا أن العرف ربما يحكم بوحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، فيجري الاستصحاب، وربما يحكم بتعددهما فلا يجري، ولعل من موارد التعدد احتمال تبدل الوجوب إلى الاستحباب. لكن الإنصاف أن العرف أيضا إذا تنبه لأن الموضوع هو المعنى الكلي الجامع - كمعنى الطلب الذي لا يوجب خصوصية الوجوب والندب اختلافا فيه أصلا - فلا يشك هو أيضا في وحدة القضيتين، وأن الطلب الكلي باق وإن تبدلت خصوصية الوجوب إلى الاستحباب. ثم إن المحكي عن بعض أعاظم العصر دام ظله على ما في تقريرات بحثه تصوير قسم رابع من الكلي عده قبال الأقسام الثلاثة المشهورة، وهو: أن يعلم بوجود فرد من الكلي، ويعلم بوجود فرد منه أيضا معنون بعنوان يحتمل انطباقه على ذاك الفرد المعلوم، ثم علم بارتفاع الفرد المعلوم، وعلم أو احتمل بقاء ذاك

[ 367 ]

المعنون إن لم يكن منطبقا على ذاك المعلوم، كما لو علم بأن الإنسان موجود في الدار في ضمن زيد، وعلم أيضا بوجود قرشي في الدار يحتمل انطباقه على زيد، فخرج زيد من الدار فإنه يحتمل بقاء الإنسان في الدار، لإحتمال انطباق القرشي على غير زيد، ثم اختار هو - مد ظله - جريان استصحاب الكلي فيه. وفيه: أن ما ذكره إنما هو من القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، فإن ما يحتمل بقاؤه هو الكلي الموجود بوجود ذاك الفرد المعنون، ومن المعلوم أن هذا الكلي مردد بين أن يكون متحدا مع فرد معلوم الارتفاع، أو مع آخر معلوم أو محتمل البقاء، فالإنسان المعلوم وجوده بعنوان القرشي مردد بين أن يكون في ضمن زيد الذي قد علم بخروجه من الدار، أو في ضمن عمرو الذي علم أو احتمل بقاءه فيها، فهو كمثال البق والفيل، غاية الأمر أنه قد زيد عليه بالعلم بوجود البق، وأنت تعلم أن قوام القسم الثاني إنما هو باحتمال أن يكون الكلي في ضمن فرد قصير العمر أو فرد طويل العمر، سواء كان وجود فرد قصير مفروضا... كما فرضه - دام ظله - أم لا. وما حكي عنه - دام ظله - (من أن امتياز هذا القسم الذي عده رابعا عن القسم الثاني: أنه في القسم الثاني يكون الفرد مرددا بين متيقن الارتفاع ومتيقن البقاء أو محتمله، بخلاف القسم الرابع فإنه ليس فيه الفرد مرددا بين فردين، بل الفرد معين، غاية الأمر أنه يحتمل انطباق عنوان آخر عليه) فيه: أن ذاك الفرد المعنون بالعنوان المعلوم هنا أيضا مردد بين الفرد المعين المعلوم الارتفاع وفرد آخر متيقن البقاء، أو محتمله. الأمر السابع الاستصحاب في التدريجيات المراد بالامور التدريجية واضح، وهي ما لا يكون جميع أجزائه مجتمعة في الوجود، بل كان نحو وجوده سيالا يوجد جزء وينعدم فيوجد جزء آخر منه،

[ 368 ]

وهكذا، والمقصود باستصحابها أن يكون وجودها متيقنا مفروضا في حين، يشك في انقطاعه بالمرة بعده، وقد قسموها ثلاثة أقسام، فإن ما يشك فيه تارة نفس الزمان، واخرى غيره، كالحركة ونحوها، وثالثة الأفعال المقيدة بأحد الأولين. وفيها إشكال مشترك وإشكال مختص بما إذا كان زمانا. أما المشترك فهو: أن قوام الاستصحاب وركنه هو الشك في البقاء والاستمرار، وفي الامور التدريجية لا مجال له، فإن الجزء السابق المتيقن قد انعدم وانقضى، والجزء اللاحق حادث مشكوك مسبوق بالعدم. وفيه: أن التحقيق أن وجود الامور التدريجية أيضا وجود شخصي متصل قوامه بسيلانه، فالحركة وجود شخصي اتصلت أجزاؤه، والسيلان داخل في تقوم هذا الوجود لا أن هنا أجزاء لا يتجزى متلاحقة، بل وجود واحد شخصي طبيعة السيلان والجريان، فهو وجود واحد مستمر يكون الشك فيه شكا في البقاء والدوام ومجرى للاستصحاب، وإن ارتاب فيه أحد عقلا - ولاريب فيه - فلا ينبغي الشك في أن كلا من الزمان والحركة - مثلا - أمر يتحقق عرفا بوجود أول جزء منه ويبقى ما دام جزء منه مستمرا. وبعبارة اخرى: كما أن العرف يرى زيدا موجودا باقيا ما دام موجودا فهكذا يرى اليوم وحركة اليد - مثلا - باقيين ما لم يجئ الليل ولم تسكن اليد، لا بمعنى أن العرف يرى اليوم - مثلا - مجموع ما بين طلوع الشمس وغروبها ثم يرى هذه المجموعة موجودة بوجود أول أجزائها بل هو يرى اليوم - مثلا - زمان كون الشمس فوق الافق، فيوجد عند طلوعها ويبقى إلى غروبها، وهكذا الأمر في الحركة والامور التدريجية الاخرى، وحيث إن الملاك في جريان الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بنظر العرف، إذ هو المخاطب بخطاب " لا تنقض " فلا ينبغي الريب في جريانه فيهما. وبالجملة: فوحدة القضيتين مسلمة عند العرف بلا أي رائحة مسامحة، بل وعند العقل أيضا - كما عرفت - فلا مجال للإشكال أصلا.

[ 369 ]

وأما الإشكال المختص بالزمان فهو: أن قوام الاستصحاب وركنه هو أن يكون الشك في البقاء فلا مجال له إلا في ما يتصور له بقاء، والبقاء هو وجود الشئ في الزمان الثاني بعد ما كان موجودا في الزمان الأول، فلا محالة لا يتأتى في الزمان، فإنه ليس للزمان زمان حتى يوجد في الزمان الثاني بعد ما وجد في الزمان الأول. وفيه أولا: أنه لم يؤخذ في شئ من الأخبار - التي هي العمدة من أدلة الاستصحاب - عنوان البقاء حتى يكون جريانه مشروطا بصدقه، فإن عمدة دليله هو مثل قولهم (عليهم السلام): " لا ينقض اليقين بالشك "، وصدقه إنما يتوقف على أن يكون الشك في نفس ما تعلق اليقين به، وهو المعبر عنه باتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة، ولا ريب في أن من كان متيقنا بوجود اليوم ثم شك في غروب الشمس - مثلا - فهو شاك في وجود ما كان متيقنا به، فيتحقق موضوع الأدلة ويجري فيه الاستصحاب. وثانيا: أنا لا نعقل من البقاء إلا مجرد الدوام والاستمرار، ومن المعلوم عدم توقف صدقه على أن يكون الشئ الباقي واقعا في الزمان، بل يقال: إن الليل أو النهار - مثلا - بعد باق مع فرض استمراره بعد، بل يطلق على الله تعالى أنه الباقي مع علوه عن الزمان. وعليه فجريان الاستصحاب في الزمان مما لا إشكال فيه، ويترتب عليه ما كان مترتبا على أصل وجود الزمان المستصحب من الحكم الشرعي، وأما إذا كان الأثر الشرعي مترتبا على كون هذا الوقت نهارا - مثلا - فربما يستشكل في إثبات مثله باستصحاب النهار، بأنه: إن اريد استصحابه إثبات أن الوقت الحاضر نهار فهو أصل مثبت ومن قبيل إثبات كرية ماء الحوض باستصحاب وجود الكر فيه. وإن اريد به إثبات أن العمل المأمور به كالصيام - مثلا - واقع فيه فهو أيضا مثبت. ولا يبعد حل الإشكال بأن لنا أن نقول: لما لم يكن ريب في اتصال الزمان وعينيته ما كان موجودا لما مضى منه فنقول: إن هذا الزمان كان نهارا قبلا ونشك

[ 370 ]

في زوال هذا العنوان عنه فيحكم الاستصحاب ببقائه على ما كان وأن هذا الزمان نهار فينطبق عليه حكم يجب الصيام في النهار، كما انطبق حكم المزيلية للحدث والخبث على الماء المستصحب الطهارة. وأما ما أجاب به بعض أعاظم العصر - دام ظله - من إنكار أن يكون الصيام الواجب - مثلا - مقيدا بوقوعه في النهار " بل الواجب إنما هو اجتماع الإمساك والنهار في الوجود، إذ النهار موجود مستقل من الموجودات الخارجية، والإمساك عرض قائم بالمكلف، فلا معنى لاتصاف أحدهما بالآخر، فإذا شك في بقاء النهار يكفي جريان الاستصحاب فيه بنحو مفاد كان التامة، ولا يكون من الأصل المثبت في شئ " (1). ففيه: أنه خلاف ظاهر أدلة التوقيت، بل ظاهرها تقييد الصيام الواجب بأن يكون واقعا في النهار، أعني ما بين تبين الفجر والليل، وكون النهار موجودا مستقلا لا ينافي أن يكون ظرفا للأعمال، فإن الزمان والمكان من الموجودات الخارجية، ومقولة " متى " و " الأين " من المقولات العرضية التي تتصف بها الموجودات الاخر. ثم إن في المقدمة المذكورة في كلامه مواقع للنظر تظهر لمن راجعه وتدبر. ثم إنك قد عرفت أن الحافظ للوحدة في التدريجيات هو اتصال الأجزاء وكون نحو وجودها وجودا سيالا، إلا أنه ينبغي التنبه فيها لنكتة، هي: أن هذا الاتصال قد يكون حقيقيا كما في الزمان وحركة الأرض والقمر، وقد يكون عرفيا كما في مشي الإنسان وحركة العقربة العادة للثانية فإنها حركة واحدة متصلة عند العرف، مع أنها يتخللها السكونات، لكنه لا يضر بصدق البقاء والاستمرار عند العرف الذي هو المرجع والمخاطب في هذا الباب فيجري الاستصحاب في أمثالهما، والظاهر أنه مراد صاحب الكفاية، فلا يرد عليه أن المتحرك إذا سكن لا يصدق عليه المتحرك عند العرف أيضا - كما عن بعض أعاظم العصر (2) - فإنه إنما يكون


(1 و 2) مصباح الاصول: ج 3 ص 126 و 129. (*)

[ 371 ]

في السكون الذي ليس متحللا في ماهية المعنى المتقوم بالحركة، كما لا يخفى. ثم إن تصوير الشك في بقاء الامور التدريجية واضح، وأما الزمان والمقيد به: فتارة يكون الشك فيهما من ناحية شبهة موضوعية، واخرى من جهة شبهة مفهومية. أما الأول فكما لو شك في وصول الشمس إلى وسط النهار وكان ما قبله موضوعا لحكم أو قيدا لواجب، كما إذا وجب الجلوس الواقع فيما قبله، وجريان الاستصحاب فيهما واضح، فإنه لا شبهة فيه سوى استشكال جريانه في الزمان، وقد عرفت ارتفاعه، فالزمان الذي هو قبل الزوال يحكم ببقائه، والجلوس الموصوف بكونه قبله كذلك. وأما الثاني: فكما لو شك في معنى النهار وأنه هل هو زمن كون الشمس في الافق أو يستمر إلى أن تزول الحمرة المشرقية ؟ فلو كان النهار موضوعا لحكم فهل يحكم ببقائه بالاستصحاب فيما بين سقوطه عن الافق إلى زوال الحمرة ؟ كما أنه لو كان الجلوس الواقع فيه واجبا وكان المكلف جالسا فهل يحكم بكونه جلوسا نهاريا في زمان الشك أيضا، أم لا مجال هنا للاستصحاب ؟ والحق: أن الاستصحاب هنا لا يجرى، وذلك أن تمام موضوع الحكم أو قيده هو المعنى الواقعي للنهار مثلا، بمعنى أنه إن كان النهار بمعنى كون الشمس في الافق فهذا المعنى هو الموضوع أو قيده. كما أنه إن كان بمعنى زمان لم يزل بعد الحمرة المشرقية فذاك المعنى هو الموضوع أو قيده، وعليه فالنهار بماله من المعنى لا نشك في بقائه، بل إن كان هو المعنى الأول فهو زائل قطعا، وإن كان هو المعنى الثاني فهو باق قطعا، فمعنى النهار لا شك في بقائه وارتفاعه، ومعه لا يجرى الاستصحاب فيه، لتقومه بالشك في البقاء. نعم، ما هو قابل لأن يشك في بقائه صدق لفظ النهار على الزمان، فإن هذا اللفظ كان صادقا على الزمان، والآن نشك في صدقه عليه، فلو كان صدقه عليه موضوع حكم شرعي لما كان بأس باستصحابه، لكنه غير استصحاب نفس النهار، كما لا يخفى.

[ 372 ]

هذا هو التصوير المناسب للشك في الامور التدريجية. وأما مسألة اليقين بوجوب الجلوس - مثلا - في ما قبل الزوال والشك في تعلق الوجوب بالجلوس ما بعد الزوال فهي أمر غير مرتبط بالتدريجيات، فإن مورد الاستصحاب فيه - لو كان جاريا - هو وجوب الجلوس، والوجوب أمر ثابت غير تدريجي. وقد تقدم منا الكلام عنه عند البحث في استصحاب الأحكام الكلية في الأمر الثاني من هذه الامور، فتذكر. الأمر الثامن استصحاب التعليقي والمراد به: أن يكون فعلية حكم الموضوع منوطا على حدوث حالة له زائدا على وجوده، ثم قبل عروض هذه الحالة وقع فيه تغير أوجب الشك في بقائه على ما كان من تعلق هذا الحكم المعلق به، كما إذا فرض أن العنب قد حكم عليه بأنه حرام إذا عرض عليه الغليان، ثم قبل عروض الغليان صار زبيبا فشك في تعلق هذه الحرمة المنوطة على الغليان به فهذه الحرمة أمر تعليقي شك في بقائه: يقع الكلام تارة في شمول أدلة الاستصحاب له، واخرى في أنه هل يعارضه استصحاب الحكم الفعلي المضاد له الثابت له قبل عروض الحرمة - أعني الحلية - لكي يسقطا بالمعارضة، فيرجع إلى الأصل الآخر الجاري فيه كأصالة الحل أو البراءة في مثل المثال ؟ قال الشيخ الأعظم (قدس سره): " إذا قلنا: العنب يحرم ماؤه إذا غلا أو بسبب الغليان فهنا لازم وملزوم وملازمة: أما الملازمة - وبعبارة اخرى: سببية الغليان لتحريم ماء العصير - فهي متحققة بالفعل من دون تعليق. وأما اللازم - وهي الحرمة - فله وجود مقيد بكونه على تقدير الملزوم، وهذا الوجود التقديري أمر متحقق في نفسه في مقابل عدمه. انتهى.

[ 373 ]

وهو (قدس سره) قد أجاب بهذين الوجهين عن الإشكال الذي نقله للسيد المجاهد عن والده العلامة صاحب الرياض (قدس سرهما) في درسه، وحاصله: أن ركن التحقق السابق هنا منتف، ولا يكفي مجرد قابلية الثبوت في جريان الاستصحاب. أقول: أما السببية فهي أمر انتزاعي ينتزعه العقل من جعل الشارع الحرمة بعد الغليان وبشرطه، وقد مر في البحث عن الأحكام الوضعية: أن مثلها غير مجعولة. وكيف كان فاستصحابها لإثبات فعلية الحرمة بعد تحقق سببها من قبيل الاستناد إلى الأصل المثبت. وأما الحرمة: إن اريد استصحاب نفسها فلا ريب في أنها غير متحققة، كيف ؟ وتحققها معلق ومشروط بحدوث الغليان - مثلا - وهو لم يحدث بعد، فإن المشروط بمعنى المعلق على وجود شئ لا ريب في أنه ليس بموجود قبل وجود هذا الشئ الذي هو شرط وجوده، وإلا لكان مناقضا لفرض شرطيته. نعم، مفاد قولنا: " إذا غلى يحرم " معنى له حظ من الوجود في مقابل عدمه، أي في مقابل أن لا يتصف بالحرمة ولو بعد الغليان، لكنه ليس بمعنى أن الحرمة موجودة. ومنه تعرف أن ما في الكفاية من قوله (قدس سره): (فإن المعلق قبله إنما لا يكون موجودا فعلا، لا أنه لا يكون موجودا أصلا ولو بنحو التعليق) غير متين، فإن الوجود مساوق للفعلية، فما لا فعلية له لا وجود له، والمعلق قبل تحقق المعلق عليه غير موجود. وعن بعض الأعاظم (قدس سره) - على ما في تقرير بحثه في مقام الإيراد على جواب الشيخ والكفاية - ما حاصله: أن الشك في بقاء الحكم الكلي على ثلاثة أوجه: فتارة للشك في نسخه، واخرى لفرض موضوعه خارجا وتبدل بعض حالاته، كما في الشك في بقاء النجاسة للماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه. وثالثة لكون فعلية الحكم على الموضوع مشروطا بشرط، ثم قبل حصول الشرط يفرض تغير في بعض حالات الموضوع، فيشك في فعلية ذاك الحكم إذا حصل ذاك الشرط، كما في مثال العنب الذي صار زبيبا ثم غلى، فاختار (قدس سره) جريان استصحاب

[ 374 ]

الحكم الكلي في الصورة الاولى والثانية، لأن فرض وجود الموضوع فرض لوجود الحكم فعلا، فيحكم ببقائه بالاستصحاب إذا شك فيه، بخلاف الصورة الثانية، إذ المفروض فيها إنما هو جزء موضوع الحكم أعني العنب مثلا، وأما جزؤه الآخر - أعني الغليان - فهو بعد غير مفروض، فلا يمكن فرض وجود الحكم حتى يحكم ببقائه بالاستصحاب عند عروض الشك فيه لعروض حالة الزبيبية في الموضوع، قال: نعم ما يثبت لجزء الموضوع هو أنه بحيث لو انضم إليه جزؤه الآخر لترتب عليه الحكم، وهو غير مشكوك البقاء، فإنا نقطع بأنه لو انضم الغليان إلى العنب لترتب عليه الحرمة. انتهى ملخصا (1). أقول: لا ينبغي الريب في أن الأحكام المجعولة على الطبائع الكلية - كقوله تعالى: * (حرمت عليكم الخمر...) *، أو المتعلقة بالأفعال المتعلقة بها، كقوله: " أكرم العالم " - إنما تكون متعلقة بما كان مصداقا حقيقيا لهذه الطبائع، فمصداق الخمر حرام، ومصداق العالم يجب إكرامه، وهكذا الأمر في جميع الكليات الواردة موضوعا للأحكام، فإذا قيل: " المستطيع يجب عليه الحج " فمن كان فردا ومصداقا لكلي المستطيع هو الذي يجب عليه الحج، ففعلية الوجوب والحرمة موقوفة على فعلية تلك العناوين ووجود المصداق لهذه الكليات، فإن الخمر هي المحرمة، وليست الخمر عند العرف إلا ذلك المصداق المأخوذ من العنب مثلا، والعالم هو الواجب إكرامه، وليس إلا ذلك الإنسان الخارجي المتزين بالعلم مثلا، والحج لا يجب إلا على المستطيع، وليس المستطيع إلا الإنسان الموجود الخارجي الذي له زاد وراحلة مثلا، فلو لم يكن هنا خمر ولا عالم ولا مستطيع لما كان حرمة فعلية للخمر، ولا وجوب فعلي للحج ولا للاكرام. نعم، مع ذلك كله فحرمة الخمر ووجوب إكرام العالم ووجوب الحج على المستطيع كل واحد منها قانون من القوانين الإسلامية، وله وجود قانوني اعتباري،


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 461 - 466. (*)

[ 375 ]

وإن لم يكن الحرمة ولا الوجوب فعليا، وهو أمر ظاهر لا سترة عليه، ولا يحتاج إلى البيان. وحينئذ فإذا شك في النسخ فقد شك في بقاء ذاك القانون الموجود سابقا، وكان لا محالة مجرى للاستصحاب، وأما إذا شك في بقاء نجاسة الماء المتغير في أحد أوصافه الثلاثة إذا زال تغيره من قبل نفسه فلا شك لنا في بقاء القانون الكلي، بل نكون على قطع بأنه باق كما جعله الشارع الأقدس، وإنما نشك في حدود النجاسة المجعولة، وأنها تكون بحيث تبقى بعد زوال تغيره من قبل نفسه، أو بحيث تزول به، فما لم يتحقق في الخارج ماء تغير في أحد أوصافه الثلاثة لا يكون هنا نجاسة فعلية وإن فرض وجود ذلك الماء ألف مرة، فإن فرض وجود الماء المتغير لا يلزمه إلا فرض للنجاسة، وكما أن الفرض لا يستلزم وجود الماء، بل هو يجتمع مع عدمه فهكذا فرض النجاسة لا يلزمه واقع حكم النجاسة، بل يجتمع مع عدمها، فإذا فرض بعده زوال التغير من قبل نفسه فلازمه أن يفرض الشك في بقاء النجاسة الفرضية، وإلا فليس هنا أثر من النجاسة ولا من زوال تغيره ولا من تغيره، ولا من الشك في بقائها أصلا، فما دام الكلي كليا لا مصداق له في الخارج لا أثر من تحقق الحكم المشكوك في بقائه، ولا من تحقق الشك في البقاء الموضوع للاستصحاب. نعم، إذا تحقق ماء وصار متغيرا في أحد الأوصاف، ثم زال تغيره من عند نفسه فقد تحققت حكم النجاسة، وشك في بقائها، فيكون مجرى الاستصحاب، فلا محالة يكون المستصحب حكما جزئيا، إلا أنه لا يختص ذلك الشك بموضوع خاص ولا مورد مخصوص، بل يكون جميع الأحكام الجزئية الخارجية حينئذ مشكوكا فيها يجري فيها الاستصحاب. فاستصحاب الحكم الكلي والوجود القانوني إنما يختص بالشك في نسخه، وأما الشك في غيره فلا يتحقق إلا بعد فعلية الحكم المتوقفة على وجود موضوعه خارجا، ولا محالة يكون المستصحب حكما جزئيا، سواء في ذلك كان الشك في

[ 376 ]

بقاء نجاسة المتغير الزائل تغيره من قبل نفسه، أم في بقاء الملكية التعليقية المنشأة في مثل السبق والرماية، أم في بقاء الملكية التنجيزية المنشأة في مثل البيع، أم في غيرها، فإن النجاسة أو الملكية كسائر الأحكام الوضعية والتكليفية المترتبة على الطبائع الكلية لا يكون لها فعلية إلا بعد وجود موضوعاتها وفعليتها، ولا محالة يكون المتيقن الذي يشك في بقائه حكما جزئيا وإن كان الإستصحاب جاريا في جميع الجزئيات غير مختص بواحد دون آخر. هذا بالنسبة الى ما أفاده في الصورتين الاوليين. وأما ما أفاده في الصورة الثالثة من تركب الموضوع من جزءين ففيه: أن شرائط الحكم وإن اشتركت مع موضوعه في توقف فعليته على تحققها إلا أنه لا يقتضي أن يكون موضوعه مركبا من الشرط وغيره، بل إذا قال المولى: " إذا مرضت فاشرب المسهل " فالمفهوم عرفا منه أن حصول المرض شرط إذا تحقق يتعلق الوجوب بشرب المسهل وإن كان لا محالة يكون شرب المسهل واقعا في زمن المرض إلا أنه ضيق ذاتي، وليس موضوع الوجوب شرب المسهل الواقع في زمنه، فضلا عن أن يكون مركبا من الشرط وذات شرب المسهل. كما أن ما أفاده من: أن حكم الجزء أنه لو انضم إليه الجزء الآخر لترتب عليه الحكم وهو مما يقطع ببقائه - ضرورة أن العنب لو انضم إليه الغليان لصار حراما - فيه: أن العنب إذا صار زبيبا فبقاء هذا الوصف له مشكوك، فلو أمكن إثباته له بالاستصحاب لكفى في إثبات الحرمة إذا غلى الزبيب، لكنه أصل مثبت لا حجة فيه. وكيف كان فاستصحاب الحكم المعلق كاستصحاب الملازمة والسببية غير جاريين. إلا أنه يمكن أن يقال: إذا كان الحكم المنشأ في القانون الكلي على موضوع كلي مشروطا بعروض حالة عليه ففعلية هذا الحكم وإن كانت موقوفة على فعلية الموضوع وشرط الحكم كليهما، فإذا قال مثلا: " العنب إذا غلى يحرم " ففعلية

[ 377 ]

الحرمة موقوفة على وجود العنب في الخارج وعروض الغليان عليه، إلا أنك قد عرفت أن هذه القضية الكلية مفادها قانون من قوانين الشريعة، له وجود اعتباري يناسب وجود سائر القوانين، وإن لم يكن في العالم عنب أصلا، فضلا أن يكون قد غلى فنقول: إذا وجد في الخارج عنب فلا محالة يعمه معنى العنب الواقع في هذه القضية الكلية، ولا محالة نحكم عليه بأنه إذا غلى يحرم، فمفاد هذه القضية الشرطية التي يكون أمرا مجعولا يصدق في مورد العنب الخارجي الموجود، وكما أن للقضية الكلية وجودا اعتباريا فهكذا إذا انطبقت على العنب الخارجي يصدق عليه ذاك المفهوم، ويكون أمرا اعتباريا موجودا بوجود مناسب للقوانين، فإذا صار العنب زبيبا نشك في بقاء محكوميته بمفاد هذه القضية الجزئية الاعتبارية، وقولهم (عليهم السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " يدل على بقاء هذا المفاد فيه، وحيث إن نفس المعنى المستصحب أن هذا الزبيب يحرم إذا غلى، فالتعبد به بنفسه تعبد بالحرمة الفعلية إذا غلى، لا أنه يحكم بحكم ظاهري يحكم العقل بامتثاله - مثلا - كما يحكم بامتثال الحكم الواقعي - لكونه أثرا للأعم منهما، بل كما أن المستصحب إذا كان حكما شرعيا كان نفس مفاده إثبات هذا الحكم الشرعي ولو في مرحلة الظاهر، وهو كاف في صحة جريان الاستصحاب، بل هو المتوقع من جريانه فهكذا إذا كان المستصحب حرمة أو وجوبا معلقا فليس معنى المستصحب إلا فعلية الوجوب عند حصول المعلق عليه، لا أنها أثر للمستصحب أعم من وجوده الواقعي أو الاستصحابي. فبالجملة: فالقضية الجزئية الشرطية أمر له وجود قانوني يجري فيه الاستصحاب، ويحكم معه بثبوت الحرمة مع الغليان - مثلا - بلا لزوم إشكال، ولله الحمد وحده. هذا كله بالنسبة إلى أصل جريان الاستصحاب في الأمر التعليقي. وأما مسألة معارضته لاستصحاب حكم تنجيزي يضاده كاستصحاب حلية

[ 378 ]

الزبيب المنجزة - فقد يجاب عنها بأن الشك في الحلية مسبب عن الشك في الحرمة التعليقية، لكنه كما ترى، فإن الحرمة المعلقة حكم كلي قانوني كالحلية المطلقة، وهما متضادتان، ولا محالة إحداهما مجعولة، فاحتمال بقاء الحل لاحتمال جعل كبرى الحلية، كما أن إحتمال بقاء الحرمة التعليقية لاحتمال سعة كبراها وشمولها للزبيب أيضا. ولذلك فقد أجاب عنها في الكفاية: بأن الحلية المستصحبة أيضا حلية مغياة بعدم الغليان، بداهة أن العنب كما أن له حرمة تعليقية فلا محالة تكون حليته مغياة بعدم المعلق عليه، لعدم اجتماع الحرمة المعلقة على الغليان مع الحلية المطلقة، فكلتاهما تستصحبان، ومقتضاه انتفاء الحلية بعروض الغليان مثلا. وأوضحه وأكده بعض أعاظم العصر - دام ظله - بأن ثبوت الحلية المطلقة في الزبيب علاوة عن الحلية المغياة مشكوك يحكم بعدمها بحكم استصحاب عدمها الثابت قبل الشريعة، وجعله نظيرا لما علم المكلف بأنه محدث بالحدث الأصغر، ثم خرج منه رطوبة مرددة بين البول والمني، قال: فإنه يستصحب فيه الحدث الأصغر، فبعد ما توضأ وإن كان شاكا في بقاء الحدث إلا أنه لا يجري فيه استصحاب الحدث الكلي، لأنه محكوم بعدم الجنابة فهو محكوم بالحدث الأصغر وبعدم الجنابة، ولا محالة يكفي لمثله الوضوء، فهكذا في ما نحن فيه حرفا بحرف. أقول: إن ثبوت نفس الحلية في الزبيب قبل الغليان معلومة بالأدلة المسلمة الاجتهادية لا مجال لجريان الاستصحاب فيها، كما أن بقاء هذه الحلية واستمرارها إلى آخر زمن عدم الغليان قطعية، وما هو مشكوك استمرارها إلى زمن الغليان، ولا محالة يجري استصحاب وجودها، كما أنه نشك من أول أزمنة الزبيبية في بقاء تلك القضية التعليقية، أعني مفاد قولنا: " إذا غلى يحرم " وهو محكوم بالبقاء بحكم الاستصحاب، ومعناه فعلية الحرمة عند الغليان، فيتعارضان. وبعبارة اخرى: أنا وإن كنا شاكين في كون حلية الزبيب مغياة بعدم الغليان كما كانت كذلك في العنب، إلا أنه ليس شكا في بقاء نفس الحلية، ولا في

[ 379 ]

استمرارها إلى آخر أزمنة عدم الغليان، فإنها مسلمة قطعية، وإنما الشك في كونها مغياة بالنسبة إلى انتفائها بالغليان، وهو عبارة اخرى عن أنه إذا غلى يحرم فهو استصحاب في جانب الحكم المعلق أو بحكمه، ولنا هنا استصحاب الحلية الفعلية، فإنا بالضرورة نحتمل بقاءها كما كانت قبل الغليان، فهذا الاستصحاب يجري ويعارض ذاك الاستصحاب أو هذين الاستصحابين. فالتحقيق في الجواب ان يقال: إن قولهم: " لا تنقض اليقين بالشك " تعبد ببقاء اليقين في زمن الشك بالنسبة إلى المتيقن السابق، فالشاك في البقاء محكوم تعبدا بأنه على يقين بالمتيقن السابق، وعليه فإذا شككنا في بقاء تلك القضية التعليقية - أعني قولنا: " هذا الزبيب كان إذا غلى يحرم " - يحكم الاستصحاب بأنا في عالم التعبد على يقين بعد بنفس تلك القضية، ومقتضاه - كما عرفت - التعبد بأنا على يقين بالحرمة الفعلية إذا غلى الزبيب، فمقتضى هذا الاستصحاب ارتفاع الشك في الحلية الفعلية وتبدله بيقين تعبدي بالحرمة، فإن موضوع استصحاب الحل إنما هو الشك في الحلية والحرمة، واليقين التعبدي بالحرمة عبارة اخرى عن ارتفاع ذلك الشك، وهذا معنى حكومة الاستصحاب التعليقي على التنجيزي. وأما الاستصحاب التنجيزي فليس مقتضاه أزيد من التعبد باليقين بالحلية الفعلية من دون أن يقتضي التعبد باليقين بتلك القضية التعليقية، اللهم إلا على القول بمثبتات الاصول، ولا نقول ولا يقولون بها. ومنه تعرف أن أحد الاستصحابين رافع تعبدا لموضوع الآخر وحاكم عليه، ولا عكس، فلا محالة يعم أدلة الاستصحاب الاستصحاب الحاكم، ويرتفع تعبدا موضوع الآخر ولا يبقى مجال له، فما نحن فيه يفترق عن مسألة استصحابي بقاء طهارة الماء ونجاسة ما غسل به، فإن الاستصحابين هناك ليس بينهما حكومة، بل إن استصحاب طهارة الماء إنما يثبت موضوع الدليل الاجتهادي القائل: " إن الماء الطاهر يطهر ما غسل به "، فالدليل الاجتهادي ينطبق على الماء، ويحكم بطهارة ما غسل به، ومفاد هذا الدليل الاجتهادي إما علم، وإما بمنزلة العلم، فيكون حاكما أو

[ 380 ]

واردا على استصحاب نجاسة ما غسل بذلك الماء، يرفع موضوعه تعبدا أو حقيقة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وهو بخلاف الأمر هاهنا فإن استصحاب القضية التعليقية حاكم على استصحاب الحكم التنجيزي، ورافع لموضوعه تعبدا كما عرفت، فما نحن فيه نظير ما عرفت في الأمر الثاني من أن الاستصحاب الجاري في الأحكام الجزئية محكوم لما يجري في الأحكام الكلية، فتذكر، والله الهادي. ومنه يظهر ما في كلام سيدنا الاستاذ (قدس سره) من وحدة المقامين، فراجع. الأمر التاسع استصحاب أحكام الشرائع السابقة قال أكثر الأعاظم (قدس سرهم) بجريانه، لأن المقتضى الإثباتي له - وهو عموم أدلة حجية الاستصحاب أو إطلاقها - موجود، والموانع المذكورة لا تصلح للمانعية، وذلك أن ما يمكن أن يعد مانعا امور: الأول: أن ما تعلق اليقين به هو ثبوت الحكم لمن كان من أهل الشريعة السابقة، وما يشك فيه إنما هو ثبوته لغيرهم، أعني: المسلمين الذين جاؤا بعدهم، فلم تتحد القضية المتيقنة والمشكوكة، وليس ركن اليقين السابق بما يشك فيه موجودا. وعمدة الجواب المذكور في كلامهم عنه: أن الأحكام إنما تجعل في قالب القضايا الحقيقية التي موضوعها جميع الأفراد، محققة كانت أو مقدرة، فقد قدر وجود جميع أفراد الموضوع وحكم عليها، ونشك في ارتفاع الحكم عن من وجد منهم بعد نسخ أصل الشريعة فيحكم الاستصحاب ببقائه. أقول أولا: إن ما يوجد في كلمات جمع من المشايخ (قدس سرهم) من أن الأفراد غير الموجودة حين إنشاء الحكم يقدر وجودها ويحكم عليها، سواء كان بمعنى فرض أن جميعها موجودة حينه أو بمعنى أن المتكلم يضمر في نفسه قضية شرطية في مضمون أنه " إذا وجد أحد وكان مستطيعا فيجب عليه الحج مثلا " أمر غير متين،

[ 381 ]

وذلك لما عرفت غير مرة أن المفهوم العرفي والعقلائي من كل عنوان وطبيعة إنما هو واقع تلك الطبيعة، الذي لا محل له إلا الخارج، ولا واقع له إلا الموجود الذي يترتب عليه جميع لوازم تلك الطبيعة، فإذا قيل: " كل نار حارة " فالمفهوم من النار كالمفهوم من الحار ليس إلا ذلك المصداق الملتهب المحرق، وذلك الذي فيه حرارة بالفعل، وقد حكم المتكلم بتلك القضية أن جميع ما يكون نارا في الخارج والعين فهو ذو حرارة فعلية، فغاية الأمر أن الله تعالى قد جعل النفس قادرة على التوجه والالتفات إلى جميع المصاديق التي يشملها قولنا: " كل نار "، والحكم على كل منها بأنها ذات حرارة بالفعل، سواء فيه الموجود حين إنشاء الحكم والمعدوم حينه، فالمحكوم عليه هو النار الخارجية العينية، والمحكوم به أيضا هو ذو الحرارة الخارجية العينية، وما دام ليس من النار والموضوع أثر فلا أثر من الحرارة والمحمول. وفي قولنا: " حرمت عليكم الخمر " فما دام ليس لنا خمر فليس هنا حرمة فعلية، فإذا صار العصير خمرا فقد وجد مصداق لتلك الطبيعة، ولا محالة تنطبق عليه الحرمة، وفرض أن جميع مصاديقها موجودة حين الحكم، والحكم على تلك الأفراد المفروضة تجشم غير واقعي يكذبه الوجدان، فإن المحكوم عليه ليس إلا واقع الخمر والمصداق الحقيقي لا المصاديق الفرضية، فإن الفرض خيال، والخيال يتبعه الخيال، وللواقع مجال آخر، كما أن إضمار قضية شرطية أيضا إلتزام غير لازم وخلاف الواقع. ومع ذلك كله فقد مر منا: أن حرمة الخمر بمفهومها الوسيع الكلي أحد القوانين الإسلامية، ولها وجود اعتباري يناسب وجود القوانين وإن لم يكن في الخارج مصداق من الخمر أصلا، فهذا القانون الكلي قابل للاستصحاب إذا شك في بقائه وارتفاعه. فالحرمة الفعلية وإن توقفت على المصداق الفعلي إلا أن ذلك لا ينافي أن يكون لنفس حرمة الخمر في قالب مفاد القضية الحقيقية أيضا وجود قانوني قابل للبقاء أو الارتفاع، ومحكوم بالبقاء إذا شك في نسخه بحكم الاستصحاب.

[ 382 ]

وثانيا: أنا إذا احتملنا أن يكون موضوع الحكم المنشأ في الشريعة السابقة عنوان تابعي تلك الشرعية كاليهود والنصارى أو عنوان من كان مكلفا عند بقاء تلك الشريعة فلا محالة هذا الموضوع الكلي لا يعم المسلمين، فلا يجدي استصحاب بقاء تلك القضية الكلية الحقيقية لإثبات محمولها على المسلمين، إلا إذا علم بأن موضوعها ليس شيئا من العنوانين، بل هو معنى عام كعنوان " الناس " بلا أي قيد، وإلا فمع احتمال أحد القيدين فلا حجة على ثبوت حكمه لمن ليس تابعا لتلك الشريعة، ولا واجدا لشرائط التكليف قبل نسخها. وأما ما أجاب به الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن الاستصحاب يجري في مدرك الشريعتين، فهو أمر متين في نفسه، فإن المكلف إذا كان مدركا لتلك الشريعة فقد صار حكمها عليه فعليا، فإذا شك في ارتفاعه يحكم الاستصحاب ببقائه، فإن كان مراد الشيخ (قدس سره) إثبات إيجاب جزئي من استصحاب أحكام الشريعة السابقة في قبال السلب الكلي لم يرد عليه شئ، وأما إن أراد بذلك الاستصحاب إثبات هذا الحكم المستصحب لغير هذا المدرك الشاك أيضا فهو مما لا يمكننا تصديقه، لأن الاستصحاب موضوعه خصوص الشاك، ولا دليل على اشتراك الحكم الثابت على عنوان الشاك المتيقن سابقا بالحكم لغيره، كما لا يخفى. الثاني من الموانع: أن الشريعة السابقة قد نسخت وعلم بارتفاع أحكامها فاختل ركن الاستصحاب، أعني الشك اللاحق، واجيب عنه بأن المنسوخ إنما هو أصل الشريعة، لا جميع أحكامها، فما احتمل بقاؤه منها يحكم عليه بالبقاء بحكم الاستصحاب. أقول: ولا يبعد أن يقال: إن حقيقة الأحكام الإلهية في كل شريعة وإن كانت أنها قوانين مجعولة إلا أن لكل شريعة مستقلة قوانين يخصها، ولها وجود اعتباري مخصوص بها، فإذا كانت شريعة الإسلام شريعة مستقلة فأحكامها أحكام مجعولة لها، غاية الأمر أن يكون بعضها مماثلا لأحكام غيره من الشرائع الماضية، فنسخ شرع عيسى - على نبينا وآله وعليه السلام - عبارة اخرى عن

[ 383 ]

انقضاء اعتبار جميع أحكامه وابتداء شرع جديد بأحكام مضادة أو مماثلة أو مخالفة لأحكامه، وإلا كان النبي اللاحق بمنزلة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مكلفا بتبعية الشرع السابق، وهو مناف لأصالة الشرع الجديد ونسخ الشريعة السابقة، وعليه فلا مجال للاستصحاب. الثالث: أن مورد الشك في البقاء طرف للعلم الإجمالي بنسخ بعض أحكام الشريعة السابقة، فإنه لا ريب في نسخ بعضها، ولا في احتمال انطباق المنسوخ على مورد الاستصحاب. والجواب الصحيح: أن الموارد التي قام دليل معتبر من علم أو علمي على حكمها في الإسلام لم يجر فيه الاستصحاب، فإن موضوع دليل الاستصحاب هو الشك، ولا شك بعد قيام الدليل المعتبر، فلا يعم دليل الاستصحاب إلا خصوص ما كان من أحكام الشريعة السابقة محتمل البقاء، لعدم وضوح حكم موضوعه في الإسلام، وفي مثله ليس لنا علم إجمالي بنسخ البعض، كيف ؟ والقطع بتعيين مورد لهذا الاستصحاب مشكل، فضلا عن العلم الإجمالي بنسخ بعض موارد الاستصحاب. ومنه تعرف أن تعبير الشيخ الأعظم (قدس سره) هنا " بأنه لما كانت الأحكام المعلومة في شرعنا واجبة العمل فأصالة عدم النسخ في موردها غير محتاج إليها " لا يخلو عن مسامحة، فإن أصالة عدم النسخ فيه غير جارية، لعدم تحقق موضوعها، أعني الشك، لاأنها جارية غير محتاج إليها. الرابع: ما عن المحقق القمي (قدس سره) من أن جريان الاستصحاب مبني على القول بكون حسن الأشياء وقبحها ذاتيين، والحق أنه بالوجوه والاعتبار. وضعف هذا الوجه واضح، بل إن ابتناء الاستصحاب على القول بالذاتية فيه خفاء، وتوجيه مراده والجواب عنه مذكور في الدرر، فمن شاء فليراجع. والحمد لله تعالى.

[ 384 ]

الأمر العاشر عدم حجية مثبتات الاستصحاب قالوا: إنه لا يثبت بالاستصحاب إلا نفس الحكم الشرعي فيما إذا كان هو المستصحب، وإلا الأحكام الشرعية المترتبة على موضوعها في ما كان المستصحب موضوعها، فباستصحاب وجوب إكرام زيد يثبت نفس هذا الوجوب، وباستصحاب خمرية المائع المشكوك بقاء خمريته يثبت حرمة ذاك المائع، وأما اللوازم والآثار الغير الشرعية وملازمات المستصحب وملزوماته فضلا عن أحكامها فلا يثبت به. وعمدة الوجه له: أن المعتبر من أدلة الاستصحاب هو الأخبار، وهي لا تدل على أزيد منه. وقرره الشيخ الأعظم (قدس سره) بما حاصله: (أن الشارع قد نهى عن نقض اليقين بالشك، وحيث إن الشك قد نقض بوجوده حقيقة اليقين فلا محالة يراد منه النهي عن نقضه في مقام العمل، فاللازم على المكلف أن لا ينقض يقينه السابق ويلتزم به في مقام العمل، ولما كان اليقين طريقيا فاللازم هو الالتزام العملي بالمتيقن السابق، فإن كان ذلك المتيقن حكما شرعيا يلتزم عملا به ويثبت بالاستصحاب نفس ذاك الحكم عنوانا، وبه تتشخص الوظيفة، ولا حالة انتظارية بعده. وإن كان موضوعا فعدم نقض اليقين به إنما هو بترتيب آثار يرتب عليه بيقينه به، ولا محالة هذه الآثار آثاره الشرعية، فإن الصادر من مصادر الشرع والقانون لا محالة يكون أمرا في دائرة الشرع ومحدودته، فلا تدل الأخبار لا على ترتيب الآثار أو الملازمات، ولا الملزومات الغير الشرعية، وهو واضح، ولا على ترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليه، وذلك أن هذه الآثار الشرعية من فروع اليقين بموضوعاتها، والمفروض أن دليل حجية الاستصحاب إنما تعبد ببقاء نفس اليقين السابق وبوجوده في زمان الشك، ولا دليل على التعبد بوجود اليقين بآثار المتيقن أو ملازماته أو ملزوماته).

[ 385 ]

فالحاصل: أن قوام تقريره بأن المحكوم بالبقاء وعدم النقض هو مجرد اليقين السابق المتعلق بالمتيقن السابق، لا هو واليقين بلوازمه وملازماته وملزوماته، والتعبد باليقين يراد به ترتيب آثار اليقين، أي الآثار الشرعية المترتبة بواسطة اليقين على موضوعه، فلا محالة ليس يقوى الاستصحاب على إثبات غير تلك الآثار الشرعية. وقرره المحقق الخراساني بعد تسليم أن المراد هو النقض العملي، بأن حرمة نقض اليقين كناية عن لزوم الالتزام بالمتيقن عملا، ومقتضى إيجاب الالتزام به التعبد بنفس المتيقن إذا كان من الأحكام، والتعبد بآثاره الشرعية إذا كان من الموضوعات، ومرجعه وإن كان إلى تنزيل المشكوك البقاء منزلة المتيقن إلا أن هذا التنزيل لا يعم غير الآثار الشرعية المترتبة على الموضوع، فإن نفس المتيقن قد حكم ببقائه، وبقاؤه في محيط الشرع لا ينفك عن ترتب آثاره الشرعية، ولم يدل دليل على أن غير لوازمه الشرعية أيضا محكوم بالوجود والبقاء لكي يرجع الى ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على هذه الأغيار، فإن التعبد بالشئ تعبد بأثره، والأثر الشرعي المترتب على لازم الشئ فضلا عن ملزومه وملازمه ليس أثرا شرعيا له نفسه، ولو سلمناه لما كان لدليل التعبد إطلاق بالنسبة إلى جميع الآثار، والمتيقن منه في مقام الخطاب آثار نفسها. وأنا أقول: الظاهر أن النهي الوارد في خطاب " لا ينقض اليقين بالشك " ليس نهيا تكليفيا ليؤول إلى حرمة النقض تكليفا، بل المراد به الدلالة على بقاء اليقين السابق وعدم انتقاضه بالشك، ويشهد له - مضافا الى وضوحه بنفسه - أنه لا ريب في جريان الاستصحاب في موارد الإباحة والكراهة والاستصحاب، ولا معنى لتحريم النقض العملي لليقين السابق فيها. وبالجملة: فظاهر قولهم (عليهم السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك " في الصحيحة الاولى وقولهم: " وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " كما في الصحيحة الثانية أنه إرشاد إلى بقاء اليقين تعبدا، وعدم انخرامه بالشك، ومعه فلا مجال

[ 386 ]

لصرفه عن ظاهره الى أن المراد به النقض العملي، بل نأخذ بظاهره ونحكم بأن مفاده التعبد ببقاء نفس اليقين، وحيث إن الظاهر من اليقين أنه طريق الى المتعلق فيكون مآل التعبد ببقائه أن متعلقه - أعني المتيقن به - موجود باق في زمان الشك، فتمام التعبد الشرعي إنما هو أن المتيقن السابق باق عند الشك. والتعبد ببقاء المتيقن أمر صحيح معقول من الشارع المقنن. أما في ما كان المتيقن حكما وقانونا فواضح، فإنه لا يتوقع من الشارع إلا جعل الحكم وبيان الوظيفة، وبالاستصحاب يتعبد ببقاء القانون والوظيفة. وأما في ما كان موضوعا فالتعبد به صحيح، مثل التعبد بأن الطواف بالبيت صلاة، فإن من الامور الشائعة من المقننين أن يفسروا موضوعا في محيط قانونهم، ونتيجته أن القوانين المجعولة على عنوان هذا الموضوع تعمه في دائرة هذا التفسير. وبالجملة فتفسير الموضوع أمر معقول إذا كان من المقنن وبلحاظ محيط القانون، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى ترتيب الأحكام المجعولة على ذاك العنوان، بل إن ثمرة التفسير أن يعمه أدلة الأحكام المتعلقة على هذا العنوان، فتدل تلك الأدلة على ثبوت هذه الأحكام له بسعة تفسيره له. فالمقصود أن الاستصحاب لا يقتضي إلا أن في محيط القانون ومحدودة الشرع المتيقن السابق باق وموجود في زمان الشك تعبدا، وبنفس التعبد بوجوده يختتم وينتهي رسالة قاعدة الاستصحاب. ثم إنه إذا كان المتيقن حكما يكون التعبد به تعيينا لوظيفة المكلف، وإذا كان موضوعا فلا محالة يعمه الدليل الدال على ترتب الحكم عليه، ويثبت بذلك الدليل تعلق ذلك الحكم به. وحيث إن تمام مفاد أدلة الاستصحاب وكله ليس إلا التعبد بأن المتيقن باق وموجود في زمان الشك فلا مجال لتوهم ترتب الآثار الشرعية المترتبة على لوازم المستصحب أو ملازماته أو ملزوماتها به، فإن ثبوتها فرع إحراز موضوعها، وهو غير محرز لا وجدانا ولا تعبدا، فإن التعبد إنما هو بنفس المتيقن لا غير،

[ 387 ]

وثبوت آثاره الشرعية أيضا إنما هو بدلالة أدلة تلك الآثار، لا بنفس الاستصحاب. نعم ببركة الاستصحاب يحرز تطبيق الأدلة عليه، وهذا الإحراز مفقود في غير مورد التعبد وهو موضوع هذه الآثار الشرعية، كما لا يخفى. فنحن وإن اشتركنا مع المشايخ العظام (قدس سرهم) في عدم حجية مثبتات الاستصحاب إلا أنا نفترق عنهم في أنا لا نرى ترتب الآثار الشرعية أيضا من مفاد الاستصحاب، ونقول: إن الاستصحاب لا يثبت إلا نفس الموضوع، وبه تنتهي رسالته. ثم الأدلة الاجتهادية تنطبق عليه وتثبت آثاره الشرعية، وهم (قدس سرهم) يقولون: إن دليل الإستصحاب بنفسه يثبت تلك الآثار الشرعية، ويحكم بترتبها على الموضوع المستصحب. كما أنا نشترك معهم في أن التعبد ببقاء الحكم المشكوك بقاؤه إنما هو بمقتضى أدلة الاستصحاب. والله العالم وهو الموفق للصواب، والحمد لله وحده. ومما ذكرنا تعرف أن ما في الكفاية ويظهر من غيرها أيضا من قوله: (لا شبهة في أن قضية أخبار الباب هو إنشاء حكم مماثل للمستصحب في استصحاب الأحكام، ولأحكامه في استصحاب الموضوعات) محل منع وسند المنع وحق المقال فيه هو ما عرفت. بل لا يبعد أن يقال: لما كان لسان قاعدة الاستصحاب هو التعبد ببقاء اليقين، واليقين ظاهر في كونه طريقا محضا إلى الواقع، فمفادها إنما هو التعبد بأن الواقع متحقق، وليس جعلا ابتدائيا لحكم ظاهري مماثل حتى في موارد استصحاب الأحكام، بل مفادها أنه لما كان اليقين الطريقي باقيا فالحكم الواقعي ثابت متحقق، وليس مثل " كل شئ طاهر أو حلال " حتى يدل على جعل الطهارة أو الحلية عند الشك بلا نظر الى الواقع وإحرازه، ولعله يوجب القول بعدم الإجزاء عند انكشاف الخلاف في قاعدة الاستصحاب أيضا، كما نقول به في باب الطرق والأمارات، وتمام الكلام موكول الى محله. وكيف كان فمما ذكرنا تعرف أنه لا مجال لمقايسة الباب بأبواب الطرق

[ 388 ]

والأمارات التي قد عرفت أنها في عرض القطع طريق معتبر للكشف الواقع، ولا محالة ينكشف بها جميع اللوازم والملزومات والملازمات التي تكون لما قامت عليه، وهذا الكشف يكون حجة وطريقا عقلائيا أمضاه الشارع أيضا، فأين هذا مما لا خبر ولا أثر فيه من الطريقية العقلائية ؟ وإنما فيه تعبد محض ببقاء أمر كان على يقين منه، وليس لازمه إلا بقاء نفسه لاختصاص التعبد به، وثمرته شمول الأدلة الاجتهادية التي علق فيها الأحكام الشرعية على عنوان المتيقن له، كما عرفت تفصيله، والله العاصم والهادي الى سواء السبيل. بقي الكلام في موارد استثنوها عن عدم حجية الأصل المثبت. الأول: خفاء الواسطة، والمراد به على مبنى القوم من اقتضاء نفس الاستصحاب: التعبد بأحكام المستصحب أنه إذا كان الواسطة بحد من الخفاء يرى العرف الحكم المترتب عليها بالدقة مرتبا على ذيها، فاستصحاب ذيها كاف في التعبد بهذا الحكم، والوجه فيه: أن مثله مشمول للقدر المتيقن المراد من الآثار المتعبد بها، وحينئذ فصح تقريره بما عن المحقق الخراساني (قدس سره) من أن مفاد الأخبار عرفا يعمه حقيقة. لكنك عرفت أن الاستصحاب لا يقتضي سوى التعبد ببقاء المستصحب حكما كان أو موضوعا، وانطباق الأدلة على الموضوع يبين حكمه، وعليه فلا يجري التقرير المذكور، ويكون تمام المعيار إنطباق موضوع الدليل الاجتهادي وشموله لما استصحب، فلو فهم من موضوعه معنى يعم ذا الواسطة أيضا لثبت حكم الواسطة عليه وإلا فلا، وبالجملة: فتمام الملاك شمول موضوع ذاك الدليل بماله من المفهوم العرفي. الثاني: ما إذا كانت الواسطة جلية، إلا أن الواسطة وذا الواسطة كانتا متلازمتين بحيث لا تفكيك بينهما، لا بحسب الواقع ولا في الأحكام الظاهرية، فإذا جرى الاستصحاب في أحدهما وتعبد الشرع بحكمه علمنا بموجب تلك الملازمة بأنه تعبدنا بحكم الآخر أيضا.

[ 389 ]

وأنت تعلم أنه بعد فرض ذلك كان لازمه ثبوت التعبد بحكم الآخر في الظاهر أيضا، إلا أنه إنما يصح إذا كان جريان الاستصحاب في أحدهما واجدا لشرائطه، كما لعله مفروض كلامهم أيضا. الثالث: ما إذا كانت الواسطة جلية، إلا أنهما كانا بمثابة يعد الأثر المجعول أثرا لكليهما. وأنت تعلم أن فرض هذه الملازمة يؤدي إلى فرض أن العرف قد فهم من دليل الحكم أن الحكم المذكور حكم لكليهما، وبعد هذا الفرض فثبوت أو استصحاب كل منهما كاف لثبوت هذا الحكم وإن كان غير العنوان المذكور في دليل الحكم، إلا أن الظاهر أن هذا الفرض كسابقه مجرد فرض لا مصداق له. والله العالم. ثم إن هاهنا نكات لا بأس بالتنبيه عليها، توضيحا لبعض أبعاد عدم حجية الأصل المثبت. الاولى: قد عرفت أن إثبات الحكم على موضوعه في استصحاب الموضوعات إنما كان بإنطباق الكبريات القانونية المذكورة في الأدلة الاجتهادية عليها، فإن الاستصحاب يثبت أن ما شك في بقاء خمريته فهو خمر، فيعمه قوله تعالى: " حرمت عليكم الخمر " ويثبت حرمته، وعليه فتمام الملاك كون المستصحب مصداقا لعنوان الموضوع المأخوذ في كبرى الحكم، سواء كان فردا ذاتيا أو غير ذاتي، وسواء كان مبدؤه من قبيل المحمول بالضميمة أو الخارج المحمول، فإن صدق الإنسان كصدق الممكن والعالم أو الضارب على مصاديقه صدق حقيقي، ولا محالة تعم الكبرى المتضمنة للحكم على أمثال هذه العناوين لجميع مصاديقها التي منها ما ثبت بالاستصحاب، فلا شأن للاستصحاب إلا إثبات الموضوع، وبه ينتهي شأنه ورسالته، ثم الدليل الاجتهادي الذي جعل الحكم على ذلك العنوان الكلي يعمه، من دون فرق بين أقسام المصاديق أصلا. هذا بناء على ما حققناه.

[ 390 ]

وهكذا الأمر على مبنى القوم، فإن الأحكام الشرعية لما كانت مترتبة على العناوين الكلية فلا محالة يكون أثر المتيقن الذي يدل الاستصحاب على التعبد به بقاء يراد به الآثار التي يترتب عليه بما أنه مصداق لهذه العناوين الكلية، وهاهنا أيضا لا فرق بين العناوين التي بالنسبة لمصاديقها من قبيل الذات والذاتيات وما كان محمولا بالضميمة أو الخارج المحمول. وأما ما في الكفاية من استثناء ما كان من الأعراض من قبيل المحمول بالضميمة - كالسواد والبياض - فيرد على ظاهره: أن مبدأ الاشتقاق فيه وإن كان مغايرا للموصوف إلا أنه كذلك في الخارج المحمول أيضا، فإن الإمكان مغاير في المفهوم للموصوف به، لكنه لا ينافي أن يكون العنوان المحمول عليه كالأسود والأبيض والممكن متحدا معه، كما لا يخفى. الثانية: قد عرفت أن كل الملاك في جريان الاستصحاب في غير الأحكام أن يكون مصداقا لكلي واقع في كبرى شرعية، كما أوضحناه في استصحاب خمرية مشكوك الخمرية ونزيد في توضيحه هنا بأنه لا يشترط فيه أن يكون الكلي المنطبق عليه موضوعا في هذه الكبرى، بل مجرد وقوع هذا الكلي في هذه الكبرى ولو بأن يكون قيدا ما لبعض ما وقع فيها كاف لجريان الاستصحاب فيه، وذلك أن الاستصحاب إذا حكم على شئ بأنه مصداق لذاك الكلي، فلا محالة يعمه الكبرى المشتملة على ذكر الكلي المذكور ويجري حكمه عليه، ويثبت الأثر المطلوب من ذاك الكلي فيه. فلو كان لنا دليل على أنه " يجب صلاة ركعتين بكيفية خاصة عند قبر العالم " ثم شك في بقاء عنوان العالمية لزيد، وحكم بالاستصحاب بأنه عالم فلا محالة يعمه الدليل المذكور، ويقتضي جواز امتثال ذاك التكليف بالصلاة عند قبر زيد أيضا، وهكذا. ومن هذا القبيل استصحاب وجود الشرط أو المانع ونحوهما، فإن أدلة شرطيته أو مانعيته بعد إثبات وجوده بالاستصحاب تعمه ويجري عليه حكم

[ 391 ]

الشرط أو المانع، ومن الواضح أن شرطية الوضوء ومانعية النجس أو غير المأكول للصلاة - مثلا - من القوانين المجعولة. بل لو أنكرنا جعل الأحكام الوضعية وجعلناها امورا انتزاعية محضة لكان أدلة الأحكام التكليفية التي جعل فيها المعبر عنه بالشرط أو المانع قيدا لمتعلق التكليف كانت هذه الأدلة منطبقة عليه عامة له، حاكمة عليه بجريان حكم الشرط والمانع عليه، حتى يجوز - مثلا - الصلاة في مستصحب الطهارة دون مستصحب النجاسة، وهو واضح. الثالثة: كما يجري الاستصحاب في الامور الوجودية فهكذا يجري في نفي الحكم الشرعي، فيحكم بأن الشئ الفلاني ليس بواجب، وذلك أن عدم الوجوب يتصور على نحوين، فتارة يكون أمرا أنشأه الشارع، كما إذا أنشأ وقال: " شرب التتن ليس بحرام "، وتارة يراد منه أن الشارع مع الالتفات إليه لم ينشئ له حكم الوجوب، وأنه من قبيل ما سكت الله عنه فإذا كان الحالة السابقة لشئ عدم الوجوب بأي من الوجهين، ثم شك في بقائه فالاستصحاب يحكم ببقائه على ما كان. والوجه لجريانه: أن العنوان المذكور في أخبار الاستصحاب شامل له، وحيث إن نفيه يخرج المكلف عن الحيرة ويشخص وظيفته القانونية فمفاد الاستصحاب فيه ليس خارجا عن شأن التشريع والتقنين، ولا دليل على أزيد منه، وكما قال في الكفاية: (عدم إطلاق الحكم على عدمه غير ضائر). وأما جريان الاستصحاب في نفي موضوعات الأحكام فبناء على مبنى القوم من دلالة نفس الاستصحاب واقتضائه لترتب الأحكام لا بأس بجريانه، فإنه كما أن استصحاب أنه خمر يكون بمعنى أنه حرام فهكذا استصحاب أنه ليس بخمر يكون في معنى انتفاء الحرمة ومن جهة احتمال الخمرية، وهو تبيين لوظيفة الحيران في الجملة في مقام العمل. وأما بناء على ما حققناه من أن رسالة الاستصحاب ليست إلا إبقاء ما كان،

[ 392 ]

والأدلة الاجتهادية هي التي إنطباقها تبين وظيفة المكلف فيشكل جريانه في بقاء عدم الموضوعات، فإن نهاية مقتضى الاستصحاب أن المشكوك فيه غير خمر مثلا، وإذا كان المفروض أن الكبرى الشرعية إنما جعلت الحكم على الخمر، وليس لنا كبرى اخرى تجعل حكم عدم الحرمة الحيثي على غير الخمر فلا طريق لنا لإثبات هذا الأثر العدمي من ناحية تطبيق الكبريات القانونية، والمفروض أن اللوازم والأحكام العقلية لا تثبت بالاستصحاب. الرابعة: قد عرفت أنه بناء على مبنى القوم نفس الاستصحاب يقتضي ثبوت الأثر الشرعي عند الشك، سواء في استصحاب الأحكام أو الموضوعات، وأنه بناء على ما حققناه كان ثبوته في استصحاب الموضوعات نتيجة لانطباق الكبريات المذكورة في الأدلة الاجتهادية عليها، وكيفما كان فإذا ثبت حكم شرعي بالاستصحاب أو بإنطباق الأدلة على المستصحب فلو كان هذا الحكم موضوعا تاما لحكم آخر عقلي أو شرعي لترتب عليه بلا إشكال، فإن المفروض أن تمام موضوع هذا الحكم الآخر محقق فيستحيل عدم ترتبه عليه. ثم إن ذاك الحكم الآخر أيضا إذا كان موضوعا لحكم ثالث ترتب عليه لا محالة، وهكذا... ومما ينبغي التنبه له هنا: أن ترتب هذه الأحكام ليس بحكم الاستصحاب ومدلولا له، بل إن رسالة الاستصحاب واقتضاءه ينتهي بمجرد إثبات نفس المستصحب على مبنانا أو بمجرد إثبات الحكم الأول على مبنى القوم. ثم إن ترتب الأحكام الاخر إنما يكون من باب فعلية الأحكام بفعلية موضوعاتها. ومنه تعرف أنه إنما يترتب عليه أحكام يكون موضوعها عاما للحكم الثابت بالاستصحاب، أو ببركة الاستصحاب، وهو واضح لا يخفى. وظاهر بعض كلماتهم هنا وإن كان أن منها مسألة استحقاق العقاب على مخالفة الأحكام الإلزامية إلا أنهم لا يريدون قطعا ترتب الاستحقاق حتى في مورد انكشاف الخلاف، ضرورة أنهم لا يرون ترتبه في موارد القطع أو الأمارة إذا انكشف فيهما الخلاف، فكيف يكون الاستصحاب أقوى منهما ؟ ! فتأمل.

[ 393 ]

الخامسة: لا ريب في أن تمام الملاك لجريان الاستصحاب أن يؤدي إلى تبيين وظيفة قانونية للشاك، فبعد صدق عنوان نقض اليقين بالشك لا يشترط في جريانه سوى أن يكون مؤديا إلى بيان الوظيفة في زمان الشك وإن لم يكن المتيقن في زمان اليقين واجدا لهذه الخاصة، وهو واضح. وهذا في استصحاب الموضوعات بين، وأما في استصحاب الحكم فبينه في الكفاية بقوله: (كما في استصحاب عدم التكليف، فإنه وإن لم يكن بحكم مجعول في الأزل ولا ذا حكم إلا أنه حكم مجعول في ما لا يزال، لما عرفت من أن نفيه كثبوته في الحال مجعول شرعا). أقول: إن المتيقن في السابق إذا كان مجرد نفي الحكم وعدمه فالاستصحاب لا يقتضي إلا بقاء هذا العدم والنفي، وقد عرفت أنه كاف لجريان الاستصحاب، وأما إثبات أمر مجعول - أعني عدم الوجوب أو الحرمة مثلا به - فلا ينبغي الشك في أنه من الأصل المثبت، مضافا إلى إمكان منع الاستلزام رأسا، لاحتمال كون المورد من قبيل ما سكت الله عنه، ولم يجعل في مورده حكما أصلا. وحينئذ ففرض الاستصحاب هكذا في باب الأحكام إنما يكون بأن يكون هنا حكم لم يبلغ مرتبة الفعلية، لمجرد عدم الموضوع له في الخارج ثم وجد له موضوع وشك في نسخه، فإن الاستصحاب يحكم ببقائه ويبلغ إلى مرتبة الفعلية في زمن الشك بعدما لم يبلغ هذه المرتبة في زمان اليقين به، لفرض عدم فعلية موضوعه. الأمر الحادي عشر إن أدلة الاستصحاب كما تقتضي بقاء ما كان في ما لم يعلم انتفاؤه بعد فهكذا تقتضي بقائه إلى زمن العلم بالانتفاء في ما إذا علم أصل انتفائه ولم يعلم مبدأ هذا الانتفاء، وذلك لصدق نقض اليقين بالشك في كلا الموردين إن لم يحكم بالبقاء، وهذا في ما كان هنا حادث واحد واضح، فإذا عرض الفسق على " زيد العادل "

[ 394 ]

ولم يعلم مبدأ هذا العروض وأول زمانه يحكم ببقاء عدالته وعدم فسقه، ويرتب عليه أحكامه الشرعية إلى زمان يعلم بأنه فيه فاسق، إلا أن مقتضى هذا الاستصحاب مجرد أنه عادل أو غير فاسق في زمان الشك، من دون أن يثبت به زمان انتفاء عدالته وحدوث الفسق له. وأما إذا كان هنا حادثان لوحظ أحدهما إلى الآخر: فإما أن يكون كلاهما مجهول التأريخ، وإما أن يكون أحدهما معلوم التأريخ. وقبل الورود في البحث عن الصورتين ينبغي التنبه لنكتة، هي: أن الغالب في موضوعات الأحكام أن الموضوع لها عنوان خاص رتب عليه الحكم بنفسه، أو عنوان مضاف إلى عنوان آخر، كما إذا قال مثلا: " ملاقاة النجس للماء القليل توجب نجاسته "، ولا شأن للزمان، إلا أنه ظرف لتحقق الأحكام وموضوعاتها، حتى أنه فيما يجعل الزمان قيدا فإنما يكون قيدا بما أنه ظرف، كقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (1) فالبحث الجاري مجراه الطبيعي إنما هو ما اعطي فيه الزمان شأنه المعمول، أعني الظرفية. وهكذا الأمر بالنسبة إلى العناوين المنتزعة من المقارنة والتأخر والتقدم، فإنها ليست في الغالب موضوع الأحكام، بل الموضوع ملاقاة النجس القليل مثلا، وهي لا تكون إلا بأن يقارن الملاقاة، لعنوان القلة في الماء، إلا أن الموضوع ملاقاة القليل، لا مقارنتها للقلة. إذا عرفت هذا تعرف أن كيفية البحث في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) جار مجراه الطبيعي دون ما في الكفاية. فموافقا لما في كلام الشيخ (قدس سره) نقول: إن كان الحادثان مجهولي التأريخ، كما إذا لاقى نجس ماء كان قليلا فصار كرا، ولم يعلم زمان حدوث الملاقاة ولا الكرية، فلو ثبت أن الماء كان قليلا في زمان الملاقاة لعمه الدليل الاجتهادي الدال


(1) الإسراء: 78. (*)

[ 395 ]

على أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجس، كما أنه لو ثبت أنه لم يقع ملاقاة النجس للماء عند كونه قليلا كان لازمه - على مبنى القوم من جريان الاستصحاب في إثبات نفي الموضوعات - أنه لم ينجس من ناحية الملاقاة، فقال الشيخ الأعظم (قدس سره): بأن استصحاب القلة وعدم الكرية إلى زمان الملاقاة معارض لاستصحاب عدم تحقق الملاقاة إلى زمان حدوث الكرية، فيتساقطان بالمعارضة، إلا في مقام كان أحدهما فقط موضوع الأثر الشرعي دون الآخر، فيجري خصوص ما كان له الأثر بلا معارض ويترتب عليه أثره. أقول: لا ريب في أن هنا زمانا يعلم فيه بوجود كلا الحادثين، ولما كان المفروض الجهل بتأريخ حدوثهما بالمرة فلا محالة يحتمل حدوث كليهما في نفس ذلك الزمان الذي علم بوجودهما فيه وإن احتمل تقدم كل عليه أيضا، وعليه فإذا كنا نشير إلى زمان حدوث كل منهما فلسنا في شك من حدوث الآخر بالنسبة إليه مطلقا، وإنما تكون شاكا لو كان حدوثه قبل هذا الزمان الذي كان جود كليهما فيه متيقنا، فلا يمكن دعوى جريان الاستصحاب في نفي حدوث الآخر أو بقاء ضده إلى زمان حدوث ذاك الحادث، لعدم الشك في أن هذا الآخر كان موجودا لو كان حدوث ذاك الحادث في نفس زمان العلم بوجودهما، فلا يثبت الاستصحاب في شئ منهما بقاء عدمه أو بقاء ضده إلى زمان حدوث الآخر مطلقا، سواء كان كلا المتيقنين ذا حكم شرعي، أو أحدهما دون الآخر، وذلك أن هذا الزمان زمان اليقين بالخلاف، وليس فيه شك حتى يكون رفع اليد فية عن الحالة السابقة نقضا لليقين بالشك فلا يكون جائزا، فشئ من الاستصحابين لا يجري، لا أنهما يجريان ويسقطان بالمعارضة. نعم، إذا كان واحد من الحادثين المجهولي التأريخ له قدر متيقن في زمان وجوده قبل الزمان القدر المتيقن للآخر، كأن علم بأن الملاقاة كانت حاصلة رأس الساعة الثامنة، واحتمل في الكرية إن كان حدوثها في الساعة التاسعة - مثلا - وإن احتمل في كليهما أن يكون حدوثهما قبل الساعتين أيضا ففيه يجري استصحاب

[ 396 ]

عدم الكرية وبقاء القلة إلى زمان الملاقاة، ويكون الماء مصداقا لدليل " الماء القليل ينجس بالملاقاة "، ولا يجري استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث الكرية لاحتمال أن يكون متأخرا عن الساعة الثامنة أو في رأسها، وفيهما نتيقن بالملاقاة، وليس رفع اليد عن عدمه حينئذ نقضا لليقين بالشك، بل بيقين آخر. فلا بد من التفصيل في مجهول التأريخ بما ذكرنا، إلا أن يعد المورد الأخير قسما من معلوم التأريخ، بأن يقسم معلوم التأريخ إلى ما علم تأريخه إجمالا وما علم تفصيلا. فإن قلت: إن وجود كل من الحادثين أو أحدهما في الزمان المزبور وإن كان يقينيا إلا أنه لعدم تعينه بالخصوص لأن يكون حدوثه فيه، بل يحتمل تقدم حدوثه فلا محالة يكون حدوث الحادث الآخر في زمان حدوث هذا الحادث مشكوكا يحكم عليه ببقائه على العدم السابق في زمان حدوث هذا الحادث. قلت: كلا وحاشا ! ! فإن دليل الاستصحاب إنما يدل على جر المستصحب والحكم ببقائه في نفس الزمان وفي وقت الشك، وليس مدلوله الحكم ببقاء شئ مقيسا الى الآخر، فالبقاء المدلول به عليه بقاء نفسي لا قياسي، ولذلك لا يجري الاستصحاب في معلوم التأريخ منهما، وإلا أمكن فيه أيضا أن نقول: إنه إذا قيس إلى زمان حدوث مجهول التأريخ فنفس تحققه في ذاك الزمان مشكوك كما نحن فيه بعينه، فأمكن لنا أن نحكم بأنه معدوم إلى زمان حدوث مجهول التأريخ بحيث كان زمان حدوثه ظرفا لا قيدا حتى يقال بأنه لا حالة سابقة يقينية له. هذا كله في مجهول التأريخ. وأما إذا كان تأريخ حدوث أحدهما معلوما دون الآخر، كأن علم حدوث الملاقاة في الساعة الثامنة ولم يعلم تأريخ حدوث الكرية واحتمل تأخره عنها فلا ريب في إجراء استصحاب القلة إلى زمان الملاقاة، ودخول الماء في الدليل الاجتهادي الحاكم بنجاسة كل قليل بملاقاة النجاسة. وأما معلوم التأريخ فلا وجه لإجراء الاستصحاب فيه، فإن زمان حدوثه

[ 397 ]

معلوم تفصيلا، وإذا قيس إلى الآخر فحدوثه ووجوده في زمان حدوث الآخر وإن كان مشكوكا إلا أنك قد عرفت أن الاستصحاب إنما يتكفل لإثبات بقاء الشئ وجره في الزمان الذي هو ظرف للأشياء، لا لإثبات بقائه بالقياس إلى زمان حدوث سائر الأشياء بما أنه زمان له. هذا كله إذا كان البحث جاريا في مجراه الطبيعي من كون الزمان ظرفا محضا للموضوعات وأحكامها، ولم تتقيد الموضوعات، لا به ولا بالانتزاعيات الحاصلة من قياس بعض الامور والحوادث بالنسبة لبعض آخر. وأما المحقق صاحب الكفاية فقد سلك مسلكا آخر، فقال ما حاصله: إنهما إن كانا مجهولي التأريخ: فتارة يكون الأثر الشرعي للوجود المحمولي لأحدهما بنحو خاص من التقدم أو التأخر أو التقارن، لا للآخر، ولا لوجوده المحمولي بنحو آخر، فاستصحاب عدمه بلا معارض، بخلاف ما إذا كان الأثر لكل من أنحاء وجوده الخاص المحمولي أو لوجود الآخر المحمولي أيضا، فإنه لا مجال حينئذ للاستصحاب، لإبتلائه بالمعارض. واخرى يكون الأثر الشرعي لاتصاف أحدهما أو كليهما بوصف خاص، كالتقدم وضديه الذي كان مفاد كان الناقصة، وحيث لاحالة سابقة متيقنة لهذا الكون الناقص فلا مجال لجريان الاستصحاب. هذا في ما إذا كان القيد أمرا وجوديا. وأما إذا كان عدميا: فتارة يكون الموضوع وجودا محموليا للمقيد لقيد عدمي، كأن يكون الموضوع الحادث الذي لم يكن في زمان حدوث الآخر، فلا يقين بثبوت هذا القيد للحادث فلا يجري فيه الاستصحاب، بل المقيد بما أنه مقيد مسبوق بالعدم - كالمقيد بما أنه مقيد في الشق الأول - فيجري استصحاب عدمه لإثبات انتفاء حكمه. واخرى يكون موضوع الحكم نفس عدم ذاك الحادث في زمان الآخر، فهو وإن كان يقينيا قبل مجئ زمان احتمال حدوث أحدهما إلا أنه لا يجري فيه الاستصحاب، فإن زمان الشك في بقائه ليس ذات الزمان بما أنه زمان، بل هو زمان حدوث الآخر بما أنه زمانه ومضاف إليه، فهو زمان خاص

[ 398 ]

يحتمل فيه اتصاله بزمان اليقين بعدمه لو كان زمان حدوث الحادث الآخر نفس الزمان المتصل بزمان اليقين، كما يحتمل انفصاله عنه لو كان زمان حدوثه متأخرا عن هذا الزمان المتصل، فلم يحرز فيه اتصال زمان اليقين بالشك، ومن المعلوم اعتبار اتصال زمان اليقين بالشك في موضوع دليل الاستصحاب، فبعد الشك فيه يكون الرجوع إلى دليله من قبيل التمسك بالعام في شبهته المصداقية. هذا في مجهولي التأريخ. وأما لو علم تأريخ أحدهما: فإن كان موضوع الحكم الوجود المقيد بقيد وجودي بما أنه مقيد، أو كان الموضوع نفس تقيده بذاك القيد كان الأمر فيه ما مر في مجهولي التأريخ، ضرورة أن العلم بمجرد تأريخ حدوث أحدهما لا ينافي الشك في تحقق القيد أو المقيد بما أنه مقيد، وإن كان موضوع الحكم عدمه الذي هو مفاد ليس التامة في زمان الآخر فاستصحاب العدم في مجهول التأريخ منهما كان جاريا، لاتصال زمان شكه بزمان يقينه دون معلومه لانتفاء الشك فيه في زمان وإنما الشك فيه بإضافة زمانه الى الآخر. إنتهى بتلخيص وتوضيح منا. فهو (قدس سره) - كما ترى - قد أخرج محل الكلام عن المصب العادي، فجعل موضوع الحكم: تارة نفس القيد الانتزاعي الوجودي، واخرى المقيد به بما أنه مقيد، وثالثة الموجود المقيد بقيد عدمي، ورابعة نفس عدم الحادث في زمان حدوث الآخر، فإن غير الأخير منها على تأمل فروض مدرسية غير عادية، وإن لم يكن ريب في إمكان كل منها. وكيف كان ومع ذلك أيضا يرد عليه وجوه: أحدها: أن استصحاب العدم في الموضوعات قد عرفت ما فيه. ثانيهما: أن مجرد تقييد الآخر أيضا بأحد القيود لا يوجب التعارض في استصحاب عدميهما، كيف ولو قيد موضوع الحكمين بالمقارنة للآخر في كليهما فاستصحاب عدم هذا المقارن يجري في كليهما، ولا يكون تعارض، لاحتمال أن لا يكون مقارنة بينهما بحسب الواقع، بل تقدم وتأخر، وهكذا الأمر لو قيد كلاهما

[ 399 ]

بالتقدم على الآخر أو التأخر عنه. ثالثها: أن استصحاب اتصاف الحادث بالتقدم أو أحد ضديه بمفاد " كان " الناقصة وهكذا بمفاد " ليس " الناقصة الملحوظة في فرض وجود الموضوع وإن لم يكن له مورد لعدم اليقين السابق به إلا أن هنا أيضا لنا أن نشير إلى هذا الاتصاف الذي هو تمام الموضوع للحكم على الفرض، ونقول: إنه لم يكن موجودا قبل تحقق الحادث ونشك في تحققه بتحقق الحادث فيحكم بالاستصحاب بعدم تحققه، ويلزمه عدم حدوث حكمه على مبناهم. رابعها: أن جعل الموضوع هو الحادث المتصف بالعدم في زمان حدوث الآخر وإن كان يلزمه استصحاب عدم حدوثه كذلك إلا أن هذا الاستصحاب أيضا مثل استصحاب عدم حدوث الحادث المتصف بالتقارن أو أحد ضديه كما أفاده في الشق الأول، فيجب ذكر قيد عدم الابتلاء بالمعارض هنا كما هناك. خامسها: أن جعل زمان اليقين بعدم تحقق الحادث في زمان حدوث الآخر - في الصورة الرابعة - آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما غير صحيح، فإنه لو احتمل حدوث كليهما ولم يتيقنه فهو بعد في آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما مع أنه ليس له يقين بعدم الحدوث المزبور، فالصحيح أن يقال: إنه آن اليقين بعدم حدوثه أصلا. سادسها: أن ما بني عليه اشكال احتمال انفصال زمان الشك عن اليقين من جعل زمان الشك هو زمان حدوث الحادث الآخر مما لا يمكننا تصديقه، لما عرفت من أن مفاد أدلة الاستصحاب تعلق الشك بنفس ما كان على يقين منه، ولم يلحظ فيه الزمان استقلالا، بل إنما لوحظ تبعا وظرفا، ولا محالة يراد من زمان اليقين والشك نفس الظرف الذي يكون كل زماني واقعا فيه، وعليه فالزمان الثاني المذكور في كلامه أيضا زمان الشك، ولا يحتمل انفصاله عن زمان اليقين وزمان تحقق الحادث الآخر ملحوظا بهذه الخصوصية، وان احتمل فيه انفصاله عن الزمان الأول إلا أن إبقاء المتيقن في خصوص ذاك الزمان القياسي ليس من الاستصحاب أصلا.

[ 400 ]

سابعها: أن الموضوع إذا كان عدم أحد الحادثين - بمفاد ليس التامة - في زمان حدوث الآخر فلا يتفاوت في كون استصحابه جاريا لاستجماعه جميع شرائطه، أو غير جار لشبهة الانفصال المذكور، بين مجهول التأريخ والمعلوم تأريخ أحدهما، فإن الموجب لتلك الشبهة هو ملاحظة أحد الحادثين بالقياس إلى زمان الحادث الآخر، ومن الواضح أن احتمال انفصال ذاك الزمان عن زمان اليقين بعدم حدوث الآخر كما يأتي في ما كان الحادث الآخر مجهول التأريخ يأتي في ما كان معلوم التأريخ أيضا، فتدبر جيدا. ثامنها: أنه كان عليه التعرض للصورة الثالثة المذكورة في مجهولي التأريخ في معلوم التأريخ أيضا. ثم إن المنقول عن بعض الأعاظم عدم جريان الأصل في بعض الصور، حتى فيما كان أحد الحادثين معلوم التأريخ والآخر مجهول، قال: كما إذا علم بكرية الماء وملاقاته للنجاسة وشك في المتقدم والمتأخر منهما فإنه لا تجري أصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية ولو مع العلم بتأريخ الكرية والجهل بتأريخ الملاقاة، لأن الظاهر من قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " هو أنه يعتبر في العاصمية سبق الكرية ولو آنا ما فإن الكرية موضوع للحكم بعدم تنجيس الملاقاة، وكل موضوع لابد أن يتقدم على حكمه، فيعتبر في الحكم بعدم تنجيس الملاقاة سبق الكرية. وعليه فلا محيص من القول بنجاسة الماء مطلقا، سواء جهل تأريخهما أو علم تأريخ إحداهما، وسواء كانت الملاقاة معلومة التأريخ أو الكرية. أما في صورة الجهل بتأريخهما فلأن أصالة عدم كل منهما في زمان الآخر لا تقتضي سبق الكرية. وكذا إذا علم تأريخ الملاقاة، فإن أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة تقتضي عدم تحقق موضوع الطهارة. وأما إذا علم تأريخ الكرية فأصالة عدم الملاقاة إلى زمان الكرية لا تثبت تأخر الملاقاة عن الكرية، ومع عدم إثباته لم يحرز موضوع الطهارة مع أنه

[ 401 ]

لابد منه، فإن تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه في ترتب الحكم عليه، ومع الشك فيه يبني على عدم الحكم، فلابد من الحكم بالنجاسة مطلقا. نعم، لولا التعليق على الأمر الوجودي لكان ينبغي الرجوع إلى قاعدة الطهارة عند العلم بتأريخ الكرية (1). انتهى كلامه (قدس سره). أقول: إن هذا المنقول لا يخلو عن تهافت، ويرد عليه وجوه من الإيراد: أما التهافت فلأن صريح صدره أنه لا يجري - الاستصحاب في جميع صور هذا الفرض - وهو الذي يقتضيه عنوان بحثه وفرضه، مع أنه صرح بعد أسطر في مقام بيان حكم صورة العلم بتأريخ الملاقاة بقوله: (فإن أصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة تقتضي عدم تحقق موضوع الطهارة) - فإن ظاهره أن هذا الأصل يجري ويحكم بعدم تحقق موضوع الطهارة الذي يلزمه عدم تحقق حكمها. وأما الإيرادات فيرد عليه: أولا: أن ظاهر قوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " وحدة زمان بلوغ الكرية وعدم تنجسه، فإن لفظة " إذا " تدل على الزمان، وهي ظرف عدم التنجيس المذكور وقد اضيفت إلى جملة الشرط، ومقتضاها تخصصها بأنه زمان بلوغه قدر الكر، فلا محالة يكون نفس زمان بلوغه قدر الكر طرفا لما يعبر عنه بالجزاء، فكان زمان كلتا الجملتين واحدا. وما أفاده من لزوم تقدم الموضوع على الحكم فهو تقدم رتبي عقلي لا ينافيه اجتماعهما في آن وزمان واحد، كما هو واضح عند أهله. وثانيا: بعد تسليم لزوم هذا السبق الزماني أنه لا يعتبر في جريان الاستصحاب أزيد من كون المستصحب بنفسه وظيفة شرعية، أو كونه موضوعا لها، ومجرد أن لا يثبت باستصحاب أثر خاص لا يمنع عن جريانه إذا كان المفروض ترتب أثر شرعي آخر عليه، وهو واضح، ففيما نحن فيه إذا علم تأريخ الملاقاة فاستصحاب بقاء القلة وعدم الكرية إلى زمان الملاقاة يوجب إدراج الماء


(1) فوائد الاصول: ذيل التنبيه التاسع ج 4 ص 528 - 530. (*)

[ 402 ]

في عموم ما دل على نجاسة ما لم يبلغ الكر، فيثبت نجاسته، ولا إشكال فيه، وفيما علم تأريخ الكرية فاستصحاب عدم تحقق الملاقاة إلى الآن الثاني من تأريخها ينفي موضوع التنجيس، وهو كاف عندهم لنفي الحكم، ولا ينبغي توقع إثبات سبق الكرية على الملاقاة لكي يقال بأنه مثبت، ولا حاجة إليه بعد أن قلنا بجريان الاستصحاب في نفي الموضوعات، ويترتب عليه انتفاء أحكامهما الشرعية فيترتب عليه انتفاء الحكم بحدوث النجاسة عليه من ناحية الملاقاة. وثالثا: أن تعليق الحكم على أمر وجودي وإن اقتضى لزوم إحرازه في الحكم بفعلية هذا الحكم وترتبه إلا أنه إذا لم نحرزه فكما أننا في شك من تحقق الموضوع فهكذا نكون في شك من ناحية الحكم، فما أفاده بقوله: " ومع الشك فيه يبنى على عدم الحكم " مما لا يمكننا تصديقه، بل الحق أنا في شك من الطهارة والنجاسة الواقعيتين، وهو موضوع لقاعدة الطهارة، فلابد وأن يحكم عليه بالطهارة لو سلمنا عدم إثبات الموضوع بالاستصحاب. ورابعا: أن الأمر الوجودي والعدمي سيان في لزوم إحرازهما لترتيب حكمهما، وفي كفاية إحرازهما بأصل محرز كما يكفي إحرازهما بالأمارة والقطع فما قد يظهر منه من الفرق بينهما ممنوع جدا. فتدبر جيدا. تكميل: إذا كان الحادثان متضادين يرتفع بأحدهما الآخر فلم يعلم المقدم والمؤخر منهما فشك في بقاء كل منهما، كالطهارة والحدث، وكالطهارة والنجاسة فهل يجري استصحاب بقاء كل منهما ويسقط بالتعارض، أو لا يجري في شئ منهما، أو يجري في خصوص معلوم التأريخ، أو يجري الاستصحاب في خصوص ضد الحالة السابقة عليهما، أو يفصل بغير ذاك ؟ وجوه. ونخبة الكلام: أنه لا ريب في اعتبار اتصال زمان اليقين بالشك بحيث إذا لاحظ المكلف يرى نفسه على يقين بالشئ، وبعد انتهاء زمان اليقين وبلا أي

[ 403 ]

فصل كان ابتداء زمان شكه، بداهة أنه لو كان على يقين من شئ ثم حصل له يقين آخر بضده ثم عرض له شك في وجود هذا الشئ وعدمه فلا مجال لإجراء الاستصحاب في ذلك الشئ، فإن اليقين به قد انتقض بيقين آخر فاصل بين اليقين به والشك فيه، بل إنما يجري هنا استصحاب عدمه الذي تيقن به في زمان حصول اليقين بضده، وهذا اليقين بالعدم متصل بزمان الشك فيه، فاعتبار اتصال زمان الشك بزمان اليقين بالمعنى الذي شرحناه معتبر في موضوع دليل الاستصحاب وشرط لجريانه. ومن ناحية اخرى أن المكلف إذا كان على علم بأنه كان حين حدوث كل من الحالتين المتعاقبتين المتضادتين على التفات وتوجه إلى حال نفسه فهو إذا غسل ثوبه بالماء الطاهر كان ملتفتا إلى طهارة ثوبه، وإذا أصابه نجس التفت إلى نجاسته. كما أنه إذا توضأ كان متيقنا لالتفاته بطهارته، وإذا جاء من الغائط أو قام عن النوم كان متيقنا بحدثه فلا محالة كان على يقين محض بحال نفسه في ذلك الزمان، بحيث لو لم يعرض له بعده غفلة ونسيان لكان عالما بحالته الفعلية، وعليه فلو كان حدوث الحدث قبل الطهارة لكان قد انتقض اليقين به باليقين بالطهارة، كما أنه لو كان التوضؤ قبل الحدث فقد انتقض باليقين بخلافه. وحينئذ فإذا عرض له نسيان بتفصيل الحال واحتمل التقدم والتأخر في كل منهما فهو وإن كان الآن متيقنا بحدوث ووجود كل من الحادثين إلا أنه يحتمل في كل منهما أن يكون قد تعقبه اليقين بالخلاف، أي يكون قد انتقض اليقين به بيقين آخر بخلافه، ومع هذا الاحتمال فكون شكه موضوعا لقوله (عليه السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " غير معلوم فهو شبهة مصداقية للعام، ومن الواضح عدم جواز الاستدلال به فيها، بل كما أنه إذا تيقن بأنه كان على التفات بتفصيل حاله ثم عرضه النسيان لا يكون أدلة الاستصحاب حجة كذلك إذا احتمل التفاته حين ذاك فلا محالة يحتمل انتقاض يقينه بكل من الحادثين باليقين بالخلاف، فانطباق موضوع دليل الاستصحاب مشكوك، وليس العام في شبهته المصداقية بحجة.

[ 404 ]

نعم، إذا كان عالما بغفلته حين حدوث الحادثين، وإنما عرض له العلم أو ما هو بمنزلته بحدوثهما بعده، وكان شاكا من أول الأمر في المتقدم والمتأخر منهما، كأن قامت البينة أو شهادة جمع توجب العلم على أن ثوبه قد أصابه دم وأنه قد غسل بماء يطهر المتنجس ولم يتبين له المتقدم منهما والمتأخر فالظاهر أن احتمال انفصال زمان شكه عن زمان يقينه غير متأت فيعم أدلة الاستصحاب كلا المتيقنين، لتمامية أركانه فيهما، إلا أن الأصلين يتساقطان بالتعارض في جميع صوره. والوجه فيه: أنا إذا التفتنا إلى كل من الغسل وملاقاة الدم نعلم بأن الثوب كان بعد الأول طاهرا وبعد الثاني نجسا، واحتمال التقدم والتأخر في كل منهما يوجب الشك في بقائه، فيعمه أدلة الاستصحاب ويتساقطان بالتعارض، من دون فرق بين معلوم التأريخ وغيره، فإن غاية الأمر أن العلم بالتأريخ يوجب معلومية زمان المعلوم إجمالا، من دون أن يوجب خروج مجهول التأريخ عن أنه أيضا متيقن التحقق في واقع زمان حدوثه، فهو أيضا متيقن الوجود مشكوك البقاء، يعمه أيضا أدلة الاستصحاب، فيقع بينهما التعارض. وعن سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله التفصيل بلزوم الأخذ بضد الحالة السابقة على الحادثين في مجهولي التأريخ وفي معلوم التأريخ الذي كان المعلوم ضد الحالة السابقة، وفي غيرهما يتساقط الأصلان بالتعارض. وعمدة الوجه الذي دعاه إلى هذا التفصيل أنه لما كانت الطهارة الحدثية والخبثية والنجاسة والحدث من الامور التي لا يؤثر في حدوثها إلا السبب الأول لها المزيل للحالة المضادة قبلها، فالوضوء على الوضوء كالغسل على الغسل لا يؤثر في حدوث الطهارة حدثا ولا خبثا، كما أن الحدث على الحدث وإصابة النجس بعد الإصابة الاولى لا يؤثر حدثا ولا نجاسة جديدة، ولذلك فالحالة التي كانت معلومة بالتفصيل قبل عروض الحادثين قد علم زواله بحدوث الحادث المقتضي لضدها، وحدوث فرد آخر منها مشكوك، فلا يقين لنا بها حتى يحكم ببقائها بالاستصحاب، بخلاف الحالة المضادة لها، فإنها قد حدثت قطعا، سواء

[ 405 ]

كانت معلوم التأريخ أو مجهوله، فيحكم عليها بالبقاء باستصحاب لا يعارضه شئ. وأما إذا لم يعلم حالته السابقة فالحالتان على السواء في العلم واليقين بتحققهما والشك في زوالهما، فيقع التعارض بين استصحابيهما، وهكذا إذا كان معلوم التأريخ مثل الحالة السابقة، فمعلوم التأريخ قد علم تفصيلا بتحققه، ومجهوله معلوم بالإجمال، فيشك في بقائهما، ويقع التعارض بين استصحابيهما (1). وفيه أولا: ما عرفت من عدم المجال لأدلة الاستصحاب فيما علم أو احتمل التفاته إلى تحقق الحالتين عند حدوث الحادثين، لأنه يحتمل معه أن يكون قد انتقض يقينه باليقين، ومعه لا يصح التمسك بعمومها، لأنه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية له. وثانيا: أنه لما كان المفروض أن المكلف قد علم بحدوث ذات السببين فلا محالة يعلم بأن كلا من الحالتين قد كانت موجودة بعد الحادث المقتضي لها، وحيث يحتمل تقدم الحادث الآخر عليه فيحتمل بقاؤها، فيعمه دليل الاستصحاب، ويقع بينهما التعارض، وعلمه التفصيلي بالحالة السابقة قبلهما وإن زال قطعا إلا أنه أيضا يعلم بأن كلا من الحالتين كانت متحققة بعد الحادث المناسب لها، وإن كان في هذا العلم إجمال إلا أنه لا يضر بصدق اليقين معه، ولا بشمول أدلة الاستصحاب له، فلا محالة تعم كلتيهما ويقع التعارض بينهما. فالتحقيق: أنه لا يجوز الاستناد إلى دليل الاستصحاب في شئ من الصور: إما لكون المورد شبهة مصداقية لموضوعه، وإما لأجل وقوع التعارض بين استصحاب كل من الحالتين. والله العالم. الأمر الثاني عشر الاستصحاب في الامور الاعتقادية إذا تعلق الشك في باب الاعتقاديات في بقاء حكم تحصيل الاعتقاد بشئ


(1) الرسائل: ج 1 ص 199 - 204، ذيل التنبيه السابع. (*)

[ 406 ]

فلا ريب في جريان الاستصحاب فيه والحكم ببقاء هذا الحكم كما كان، ولزوم الإطاعة له والمشي على وفقه. وأما إذا شك في بقاء نفس ما يتعلق الاعتقاد به فلو كان اللازم في باب الاعتقاد به معنى يحصل مع عقد القلب بالموجود الاستصحابي كان الاستصحاب جاريا ومحققا لموضوع دليل وجوب الاعتقاد، بخلاف ما إذا كان اللازم خصوص القطع واليقين أو الأعم منه ومن الظن الحاصل بالأمارات المعتبرة، فإن الاستصحاب يقصر حينئذ عن إثبات المرام، ولا مجال معه لجريانه، وهو واضح. ومما ينبغي التنبه له: أن الإيمان وإن كان أمرا قلبيا كما يهدي إليه قوله تعالى: * (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) * (1) إلا أنه لا يلازم ان يكون متقوما باليقين مرادفا له، بل هو إعتراف وتسليم وخضوع قلبي، كما يرشد إليه قوله تعالى في الكافرين من فرعون وقومه: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) * (2) ففرعون الذي من أئمة الكفر المنادى بقوله: * (أنا ربكم الأعلى) * (3) قد وصف بأنه استيقن آيات الله، فمجرد اليقين ليس إيمانا قلبيا فلا محالة هو خضوع وقبول لما يؤمن به، وهو كمال نفساني يجتمع مع الاطمئنان وقيام الحجة أيضا. وكيف كان فاستصحاب نبوة موسى (عليه السلام) - مثلا - لا مجال له أصلا، أما للمسلمين فلعلمهم بانتقاضها فلا يعمها عموم أدلة الاستصحاب. وأما للكتابي فلأن على كل أحد أن يفحص عن صدق مدعى النبوة، وإذا تفحص عن صدق نبي الإسلام يحصل له القطع بصدقه، فلا يجوز الاستناد إلى الاستصحاب وغيره من الاصول قبل الفحص اللازم، وبالفحص يصير كأحد من المسلمين، ينقض يقينه السابق باليقين، فلا مجال للاستصحاب، لا قبل الفحص ولا بعده.


(1) الحجرات: 14. (2) النمل: 14. (3) النازعات: 24. (*)

[ 407 ]

الأمر الثالث عشر الرجوع إلى العام، أو استصحاب حكم الخاص لا ريب في أنه لا مجال للاستصحاب في ما كان هنا دليل اجتهادي يرفع الشك - كما سيأتي تفصيل البحث عنه إن شاء الله - وافق الاستصحاب أم خالفه، وإنما الكلام في أنه إذا كان لنا عموم أو إطلاق يقتضي ثبوت حكمه على مصاديقه في أزمنة متمادية فخرج بعض المصاديق عن هذا الحكم في بعض هذه الأزمنة، ولم يكن دلالة خاصة على حكمه بعده، فشك فيه فهل يكون المرجع هو العموم أو الإطلاق، أو لا مجال لهما، وإنما يرجع إلى استصحاب حكم زمن الخروج إذا تم سائر شرائطه ؟ ففصل الشيخ الأعظم (قدس سره) بين ما أخذ قطع الزمان مفردا للموضوع أو الحكم وما أخذ ظرفا محضا لهما، وقال بمرجعية الدليل الإجتهادي في الأول وأن الاستصحاب بنفسه أيضا لا يجري فيه، وبجريان الإستصحاب في الثاني وأن الدليل الإجتهادي بنفسه لا مجال له فيه. وحاصل وجهه: أن الزمان إذا كان مفردا فخروج قطعة خاصة عن الحكم خروج فرد مخصوص فلا دخل له بالأفراد الاخر. كما أن خروج " زيد العالم " عن عموم " أكرم العلماء أو العالم " لا دخل له بعمرو وغيره من الأفراد، بل العموم أو الإطلاق حجة بالغة في غير زيد، ولا موضع للاستصحاب فيه، فإنه من باب إسراء حكم من موضوع إلى آخر، لا من قبيل إبقاء ما كان. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن للزمان إلا شأن الظرفية المحضة، فكل فرد إنما يشمله عنوان الدليل مرة واحدة، وإن كان يحكم عليه بإستمرار حكمه إذا شمله لكنه إذا خرج عن العموم أو الإطلاق فلا يعمه مرة اخرى لكي يحكم عليه حكمه، فلا محالة لا مساغ إلا لاستصحاب حكم المخصص. والمحقق الخراساني (قدس سره) قرره في ما كان الزمان مفردا، لكنه فصل - في الكفاية - في ما كان الزمان ظرفا محضا في العام والخاص كليهما، فصدق الشيخ

[ 408 ]

الأعظم (قدس سره) في ما كان خروج الفرد في الأثناء، واختار في ما كان خروجه من الأول أن المرجع هو الدليل الاجتهادي، لأن تلك الدفعة الواحدة التي يعم الدليل كل فرد يبتدئ في هذا الفرد الخارج من الأول يبتدئ فيه مما بعد الزمان المتيقن خروجه عنه. وظاهر كلامه اختصاص هذا التفصيل بمورد ظرفية الزمان لكلا العام والخاص، وعدم جريانه فيما كان ظرفا في العام ومفردا في الخاص. فراجع. أقول: يرد على ما في الكفاية أولا: أن سر جواز الرجوع إلى العام في ما كان الزمان ظرفا على مبناه إنما هو أن العام وإن كان لا يعم كل فرد إلا مرة واحدة إلا أنه إذا كان خروجه عن الحكم من الأول فلا محالة شمول العام له يبتدئ من بعد زمان الخروج، وهذا الملاك كما هو موجود في ما كان الزمان ظرفا في الخاص فهكذا يجري في ما كان مفردا في خصوصه دون العام أيضا. وثانيا: أن ما استشكله هو (قدس سره) تبعا للشيخ الأعظم (قدس سره) في الرجوع إلى العام من أن العام أو المطلق لا يشمل كل فرد إلا مرة واحدة فإذا خرج فرد عنه فلا مجال بعده للرجوع إليه مبني على أن يكون خروج الفرد عن الحكم بورود التخصيص على عمومه أو إطلاقه الأفرادي، مع أنه ليس بمسلم، فإن من المحتمل، بل المتعين أن يكون خروجه ورود تخصيص أو تقييد على عمومه أو إطلاقه الأزماني، فالمتيقن الذي خرج الفرد فيه عن الحكم يؤخذ به، وبعده يرجع إلى الإطلاق أو العموم الأزماني، كما هو الشأن في جميع الموارد. وبالجملة: فشموله الأفرادي باق على حاله، وشموله الازماني يرفع اليد عنه في ما قام الدليل عليه، ويؤخذ به في ما عداه، وسيجئ توضيحه إن شاء الله تعالى. واختار سيدنا الاستاذ (قدس سره) وجوب الرجوع إلى العام حتى في ما كان الزمان ظرفا محضا، وملخص ما أفاد في وجهه أنه إذا ورد عن المولى " أكرم العالم أو العلماء " فله إطلاق أو عموم أفرادي يجري ببركته الحكم على جميع مصاديق العالم، إلا أن مقتضى هذا العموم أو الإطلاق الأفرادي ليس أزيد من محكومية

[ 409 ]

جميع الأفراد بوجوب الإكرام ولو في أقل زمان متصور، وله أيضا إطلاق أزماني مترتب ومتفرع على ثبوت الحكم على الأفراد مقتضاه عدم اختصاص حكمها بزمان دون زمان، وأن وجوب الإكرام على كل فرد ثابت ما دام الفرد، في جميع الأزمنة. ثم إن تخصيص العموم الأفرادي أو تقييد إطلاقه بغير زيد العالم - مثلا - يوجب عدم جريان حكم وجوب الإكرام عليه أصلا، وأن لا يتحقق بالنسبة لهذا الفرد موضوع الإطلاق الزماني رأسا، فتخصيص العموم أو الإطلاق الأفرادي يوجب عدم جريان الإطلاق الأزماني من باب السالبة بانتفاء الموضوع، من دون أن يستتبع تقييدا فيه، كما أن تقييد الإطلاق الزماني لا يوجب تخصيصا في العموم الأفرادي، فالتصرف في كل منهما لا يوجب تصرفا في الآخر، وهذا الذي ذكرنا في الإطلاق الأزماني يجرى بعينه أيضا إذا قام دليل مستقل يدل على استمرار حكم العام أو المطلق الأفرادي في جميع الأزمنة، كما هو ظاهر للمتأمل، وحينئذ فإذا خرج زيد العالم عن حكم العام، وحكم عليه بعدم وجوب الإكرام في يوم الجمعة - مثلا - من دون دلالة خاصة على حكمه بعد هذا اليوم فهذا الإخراج إنما يكون تقييدا لذلك الإطلاق الزماني، وإلا فالعموم أو الإطلاق الأفرادي باق على ما كان، فإنما وقع التصرف في الإطلاق الزماني حسب، وهذا الإطلاق مثل سائر الإطلاقات، إنما يرفع اليد عنه في خصوص ما دل الدليل على خروجه عنه، ويرجع في موارد الشك إلى الإطلاق، فيحكم بمحكومية الفرد بحكم العام في غير زمان اليقين، فيجب إكرامه في غير يوم الجمعة. هذا. ولقائل أن يقول: إن الذي أفاده (قدس سره) لا يخلو عن إشكال، فإن الدليل على إخراج الفرد المذكور عن حكم العام: تارة يكون متصلا بالعام، واخرى يكون منفصلا عنه، فإن اتصل به ووقع الإجمال في المراد منه، واحتمل فيه أن يراد به إخراج الفرد عن العموم الأفرادي وأن يراد به إخراجه عن الإطلاق الأزماني فهذا الإجمال يسري إلى نفس العام، ويخرج عن صلاحية الرجوع إليه لتبيين حكم

[ 410 ]

الفرد. وأما إن كان منفصلا عنه بعد أن انعقد للعموم ظهوره فلهذا العام ظهوران: ظهور في إرادة جميع الأفراد، وظهور آخر في أن الحكم المتعلق بالأفراد سار في جميع الأزمان. وإذا احتملنا في هذا الدليل المنفصل أن يكون موضوعه قد خرج عن العموم الأفرادي وأن يكون قد خرج عن الإطلاق الأزماني فقد علمنا علما إجماليا بورود التصرف على أحد الظهورين، وليس أحدهما أولى من الآخر، بل إن أصالة الظهور في كل منهما تعارض الاخرى وتتساقطان بالتعارض. نعم، لو كان الإخراج من الأثناء، أو كان محكومية الفرد بحكم العام في ما بقي من الأزمنة معلوما في الجملة، وإن لم يعلم مبدأ جريان حكمه عليه - كما لو شك في منتهى خيار الحيوان أو في خيار الغبن أنه على الفور أو التراخي - فإنه لا ريب في أنه بعد مضي زمان حاو لجميع الاحتمالات، كأن أسقط ذو الخيار خياره بعد الاطلاع عليه، فلا ريب في أن البيع بعده محكوم بوجوب الوفاء به. فبالجملة: ففيما ثبت محكومية الفرد بحكم العام في الجملة فقد ثبت أن العموم الأفرادي لم ينتقض، وإنما انتقض العموم أو الإطلاق الأزماني، ومن الواضح أنه يعامل معهما معاملة سائر العمومات والإطلاقات، وأنه يرفع اليد عنهما فيما قامت الحجة عليه، ويرجع إليهما فيما لا حجة فيه، فيرفع اليد عنهما بالنسبة ليوم الجمعة أو الزمان الذي تيقن ثبوت الخيار فيه، ويرجع إليهما في غير الجمعة، وبعد مضي الزمان المتيقن، فيكون اللازم في الدليل المنفصل على الإخراج التفصيل بين أن يكون الإخراج من الأول وغيره بعدم جواز الرجوع إلى العام في الأول والرجوع إليه في غيره، عكس ما في الكفاية. فهذا الذي أوردناه عليه حين تقريره (قدس سره) لمرجعية العام عند بحثه عن مكاسب الشيخ الأعظم في السادس من تنبيهات المعاطاة، كما أوردنا به على سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدس سره) عند بحثه عن تنبيهات الاستصحاب. والحق في الجواب أن يقال: لما كان محل الكلام هو التصرف في العام بدليل منفصل فلا محالة كان مفروضه في المثال أنه قد صدر عن المولى في مقام تعيين

[ 411 ]

وظيفة العبيد قوله: " أكرم العالم أو العلماء " وتم كلامه وفرغ عنه، وحينئذ فقد جرت بالنسبة إليه أصالة الإطلاق أو العموم الأفرادي، وأصالة الإطلاق الأزماني، وكان جريان الأصلين كليهما في مسير الكشف عن مراد المولى المتكلم، فبعد ذلك إذا قال: " لا تكرم زيدا العالم " وفرضناه مخصصا أو مقيدا لعمومه أو إطلاقه الأفرادي فكما أنه يوجب تصرفا في أصالة الإطلاق أو العموم الأفرادي فهكذا يوجب التصرف في الإطلاق الأزماني، إذ المفروض - كما عرفت - جريان الأصل فيه، ومعلوم أنه لا يمكن التحفظ عليه مع فرض هذا المخصص. فالمقدمة القائلة بأن التصرف في كل من الأصلين الأفرادي والأزماني لا يوجب التصرف في الآخر ممنوعة، فإن تقييد الإطلاق الأزماني وإن لا يستلزم تصرفا في العموم أو الإطلاق الأفرادي إلا أن العكس يستلزمه، والسند ما ذكرناه، وحينئذ فإذا دار أمر الدليل المخرج بين أن يكون واردا على الإطلاق أو العموم الأفرادي أو الأزماني، فالقدر المتيقن والمعلوم بالتفصيل وقوع هذا التصرف في الإطلاق أو العموم الأزماني، وأما وقوعه في الأفرادي فمشكوك من الرأس، كوقوعه في الأزماني بالنسبة إلى غير الزمان المتيقن فانحل ذاك العلم الإجمالي ولم تقم حجة على الخلاف فيهما، ومقتضاهما جريان حكم العام في غير ذاك اليوم من الأيام. والحمد لله وحده. ثم مع الغض عنه وتسليم أن التصرف في الأصل الأفرادي لا يستلزم تصرفا في الأصل الأزماني فيمكن الجواب عنه بما أفاده سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله، وذكرناه نحن أيضا في ما علقناه على تقرير بحث مكاسبه (قدس سره): تارة بأن الأصل الأزماني بالنسبة إلى الزمان الذي خروج الفرد فيه عن حكم العام يقيني لا يجري، وذلك أن مراد المولى فيه معلوم، والاصول اللفظية العقلائية إنما تجري في مقام كشف مراد المولى، فبالنسبة لهذا الزمان لا تجري، لأصالة الإطلاق أو العموم الأزماني، فيخرج أصالة العموم أو الإطلاق الأفرادي عن كونها طرفا للعلم الإجمالي بإرادة خلاف الظاهر، بل أصل التصرف فيها مشكوك

[ 412 ]

شبهة بدوية، فتجري بلا معارض، كما تجري أصالة الإطلاق الأزماني بالنسبة لغير هذا الزمان المتيقن خروج الفرد فيه بلا معارض. واخرى بأن جريان أصالة الإطلاق الأزماني في ما نحن فيه مستحيل، فإن إجراءها متوقف على جريان الأصل الأفرادي في هذا الفرد الخاص، وإلا لما كان للأصل الزماني موضوع - وجريانه في هذا الفرد مستلزم لعدم جريان الإطلاق الأزماني فيه، فلا مجال لجريان الأصل الزماني، ويبقى الأصل الأفرادي بلا معارض. ثم إن بعض الأعاظم قد اختار تفصيلا في ما إذا كان الزمان قيدا لا ظرفا، وحاصله: أن الزمان إذا كان قيدا لمتعلق الحكم - كالإكرام والوفاء - فبعد خروج فرد عن حكم العام في بعض الأزمنة يرجع إلى العام، لأن تقييد المتعلق بالزمان يوجب أن يكون الإكرام - مثلا - المقيد بهذا اليوم فردا مستقلا، والمقيد بسائر الأيام فردا آخر، وخروج بعض الأفراد لا يمنع عن حجية العام والإطلاق بالنسبة إلى سائر الأفراد. وأما إذا كان قيدا لنفس الحكم - كأن صرح في دليل مستقل بأن وجوب الإكرام المذكور ثابت ومستمر في جميع الأيام - ففي مفروض المقام لا يجوز الرجوع إليه، لأن احتمال ورود التخصيص على أصل العام يوجب الشك في وجود الحكم، ودليل الاستمرار إنما يجري بعد إحراز أصل الحكم، وإلا فهو لا يثبت موضوع نفسه. وقد ذكر هذا المطلب بعد ذكر مقدمات عديدة طويلة، قال: إنه مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) من التفصيل الذي ذكره في رسائله ومكاسبه (1)، والمقدمات المذكورة حاوية لمطالب غير خالية عن الإشكال، كما أن تفصيل الشيخ (قدس سره) أجنبي عن هذا المقال، ونحن نقتصر على نقد ما ذكره من الإستدلال. فنقول: يرد عليه أولا: أن ما أفاده إنما هو من آثار تفرع الأصل الأزماني على


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 531 - 545. (*)

[ 413 ]

الأصل الأفرادي، بمعنى: أن موضوع الأصل الزماني هو الحكم الذي يثبته العام في أفراده، فإن مفاده أن هذا الحكم مستمر في جميع الأزمان، وعليه فهذا الذي اختاره من عدم جواز الرجوع إلى العام لا يختص بما إذا اخذ الزمان قيدا للحكم، بل يجري - على تسليمه - في ما كان ظرفا محضا أيضا. وثانيا: أن التفرع المذكور وإن كان صحيحا إلا أنك قد عرفت أن لنا أصلين: أصل الإطلاق أو العموم الأفرادي وأصل العموم أو الإطلاق الأزماني، فبالأول يثبت أصل الحكم ويحرز موضوع الأصل الثاني، وليس هنا أصل واحد لكي ينجر الأمر إلى إثبات موضوع الدليل بحكمه، وقد عرفت تفصيل المقال، ولا حاجة الى التكرار. والحمد لله الكبير الموفق المتعال. الرابع عشر المراد بالشك في الاستصحاب لا ينبغي الريب في أن المراد بالشك في أخبار الاستصحاب هو المعنى الأعم من التردد المساوي طرفاه والظن الغير المعتبر بالوفاق أو الخلاف، وذلك أن الشك - في اللغة - هو نقيض اليقين، كما عن الخليل في العين، أو خلاف اليقين، كما عن الصحاح، فما ليس بيقين فهو شك في لغة العرب. قال في المصباح المنير ما نصه: (الشك الارتياب، يقال: شك الأمر يشك شكا إذا التبس، وشككت فيه. قال أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، فقولهم: " خلاف اليقين " هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر، قال الله تعالى: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " قال المفسرون: أي غير مستيقن، وهو يعم الحالتين. قال الأزهري في موضع من التهذيب: الظن هو الشك، وقد يجعل بمعنى اليقين، وقال في موضع: الشك نقيض اليقين، ففسر كل واحد بالآخر. وكذلك قال جماعة. وقال ابن فارس: الظن يكون شكا ويقينا... الى آخره انتهى. وقريب منه ما في مجمع البحرين.

[ 414 ]

فالشك بتصريح هؤلاء يطلق على المعنى الأعم، وإن كان قد يطلق على اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وقد اطلق عليه في غير واحد من الأخبار: منها: ما في صحيح زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص فليسجد سجدتين وهو جالس، وسماهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين " (1). فإن الظاهر منه أنه (عليه السلام) قد فسر الشك بعدم الدراية المذكور في كلامه، ومعلوم أنه شامل لمورد الظن بأحد الطرفين أيضا. والأخبار بمثل هذا التعبير أو غيره مما فيه دلالة على إرادة المعنى الأعم من مادة الشك كثيرة في أبواب خلل الصلاة من الوسائل، فراجع. والظاهر أن من قبيل هذه الأخبار أخبار الاستصحاب كما يدل عليه مقابلته باليقين، وظهورها في أن الذي يقوى على نقض اليقين هو يقين آخر مثله لا غير، وقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الاولى بعد السؤال بقوله: فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ قال: " لا، حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر ". فقد أجاب (عليه السلام) أولا: أنه ما لم يتيقن الحدث لا يجب عليه الوضوء، وأكده بلزوم أن يجئ ويقوم عليه أمر بين مبين لأنه أحدث، وهو عام شامل لمورد حصول الظن الغير المعتبر بالحدث أيضا. ثم قال (عليه السلام): " وإن لم يستيقن فلا ينقض اليقين بالشك "، وفيه دلالة واضحة على إرادة المعنى الأعم، وكأنه (عليه السلام) قد فسر الشك هنا أيضا بان لم يستيقن - كما في صحاح أبواب الخلل - وأكد هذا كله بأنه إنما ينقضه بيقين آخر، وهو ظاهر في أن المراد به أن الذي يقوى على نقض اليقين


(1) الوسائل: ج 5 الباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2. (*)

[ 415 ]

إنما هو ما كان من قبيله في الإبرام والاستحكام. ونظيره صحيحته الثانية، كما ذكره الأعلام (قدس سرهم)، ولا حاجة إلى التكرار. فبعد ذلك كله، لو كان هنا إجماع من الأصحاب - ولا سيما من المستدلين له بالأخبار - لما كان فيه حجة أزيد من نفس الأخبار، فإن معناها الظاهر هو هذا المعنى الأعم، فالأصحاب أيضا بظهورها استدلوا وكما نحن استظهرنا استظهروا، فلا حجة فيه أزيد من نفس ظهور الأخبار، كما لا يخفى. تتمة وتكملة: قيل: بأنه يشترط في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع، وأن يكون الشك في البقاء، وأن يكون هناك أمارة معتبرة ولو على الوفاق، فالبحث يقع عن جهات ثلاث: الاولى: أن الظاهر من أخبار الباب التي هي العمدة في اعتبار الاستصحاب أن تكون القضية المشكوكة بعينها القضية المتيقنة، ضرورة ظهورها في وحدة متعلق الشك واليقين، وبعدما لم يكن ريب في أن طبع الشك واليقين أن يتعلقا بمفاد الجملة والقضية، فلا محالة يكون مفاد الأخبار وحدة القضيتين فلا محالة يجب وحدتهما موضوعا ومحمولا، وإنما كان الاختلاف في الزمان الذي لابد من أخذه ظرفا لهما لكي يتصور اتحادهما. إذا عرفت حق الدليل في المقام تعرف المراد ببقاء الموضوع أيضا، وأنه ليس المراد به إحراز وجوده الخارجي في الزمان الثاني، كيف ؟ وربما كان الموضوع أمرا صالحا لمحمول الوجود والعدم، كما في " زيد موجوده " فهذه القضية صالحة لأن تقع مجرى الاستصحاب، مع أن وجود الموضوع مشكوك يثبت بالاستصحاب، كما لا يخفى. ثم إن الميزان في بقاء الموضوع ووحدة القضيتين إنما هو العرف، بداهة أنه المخاطب بقوله (عليه السلام): " لا ينقض اليقين أبدا بالشك " فكل قضية مشكوكة يراها

[ 416 ]

العرف هي المتيقنة صدق على رفع اليد عنها عنده نقض اليقين بالشك بلا أية مسامحة، فيعمه النهي عن النقض، كما لا يخفى. نعم، لو كان الملاك هو حكم العقل لوقع في موارد الاستصحاب تضيق، ولكان إنما يجري في الشك في الموضوعات إذا شك في بقاء وجودها أو عدمها، وفي ما كان الشك في بقاء الحكم الكلي لا من جهة زوال أمر يحتمل عقلا دخله في الموضوع واقعا، بل من جهة أن هناك تغير حالة أو زمان يحتمل دخله، لا في فاعلية موضوع الحكم بالنسبة للملاك المترتب عليه، بل في قابلية المحل والمكلف - مثلا - بالنسبة له، كما بيناه تفصيلا في بحث الواجب المشروط، من مباحث مقدمة الواجب عند التعرض لنقد كلام الشيخ الأعظم (قدس سره)، القائل برجوع القيود إلى المادة دون الهيأة، وعليه فإطلاق كلام صاحب الكفاية (قدس سره) هنا ممنوع. ثم إن الفرق بين كون الميزان هو فهم العرف أو حكم العقل أو لسان الدليل مذكور في كلام القوم، ولا حاجة إلى بيانه. الجهة الثانية: لا ريب في أن ركن الاستصحاب إنما هو الشك في البقاء، كما مر في صدر البحث الكلام عنه، فلو كان الشك متعلقا بنفس زمان اليقين لم يكن من الاستصحاب في شي، وكان من باب الشك الساري وقاعدة اليقين. وحينئذ يقع الكلام ولو استطرادا في أنه هل قاعدة اليقين أيضا معتبرة كالاستصحاب، أم لا ؟ والكلام: تارة في دلالة مثل قولهم (عليهم السلام): " لا ينقض اليقين بالشك "، واخرى في قيام دليل آخر عليه. كما أنه بعد مسلمية إرادة الاستصحاب من الجملة المعروفة قد يبحث عن إمكان إرادة القاعدة أيضا منها، وقد يبحث عن ظهورها في إرادة المعنى الأعم منها. أما إمكان إرادة كلتيهما فالظاهر إمكانها، فإن جل تقريبات امتناع الجمع بينهما مبني على أن يكون إرادة كل منهما بإفادة الخصوصية المختصة بكل منهما، فيقال بأن إرادة ذات المتيقن معراة عن زمانه، وإرادته مقيدا بالزمان الأول

[ 417 ]

استعمال للكلام في معنيين، أو بأن إرادة ترتيب آثاره في زمان اليقين، وإرادة ترتيب آثاره في الزمان الثاني الذي هو زمان الشك كذلك، أو بأن التعبد بعدم النقض في قاعدة اليقين باعتبار نفسه، وفي الاستصحاب باعتبار الجري العملي، ولازمه استعمال الكلام في معنيين. والحق أنه ليس في العبارة ذكر من المتيقن، ولا من زمانه حتى يتكلم عن استعمالهما في معنيين، وإنما ذكر الشك واليقين، والمفهوم من السياق وحدة متعلقهما بحيث يعد الشك متعلقا بنفس ما تعلق به اليقين، كما هو المفروض في كلتا القاعدتين، وقد حكم في الحديث بعدم جواز نقض اليقين بالشك، وهو أيضا مفهوم واحد لا يحكي ولا يتعرض لخصوصيات المصاديق، والخصوصيات هي الموجبة لأن يكون عدم النقض في إحداهما بحفظ اليقين في الزمان للثاني، وفي الاخرى في الزمان الأول، وترتيب الآثار في إحداهما في الزمن الأول وفي الاخرى في الزمن الثاني، فيسقط الوجهان الأولان. وأما ما في الدرر من أن عدم تقييد المتعلق بشئ من الزمانين عبارة اخرى عن إرادة المهملة منه، وهي توجب اختصاص الحديث بقاعدة اليقين، لأن المراد من قوله: " شككت فيه " على هذا هو الشك في تحقق ذات الشئ مهملة عن الزمان، ولا يصدق هذا الشك إلا على الشك في وجوده من رأس، إذ على تقدير اليقين بوجوده في زمان لا يصدق أنه مشكوك تحققه مجردا عن الزمان فإن الشئ إذا كان له أنحاء من الوجود لا يصدق أنه مشكوك الوجود إلا إذا شك في أنحاء وجوده. ففيه أولا: أنه لم يذكر متعلق اليقين والشك في الكلام أصلا حتى يأتي فيه ما ذكر. وثانيا: أنه بعد قبول صدق الشك في ما كان متيقنا به على كل من موردي الاستصحاب والقاعدة فكل منهما مصداق لوحدة القضيتين. كما أن هنا مصداقا آخر لها، وهو: أن يتعلق الشك بأصل وجود المتيقن وبقائه، فلنا مصاديق ثلاثة

[ 418 ]

مثلا، ولا محالة لكل منها خصوصية بها يمتاز عن الآخرين، والجامع بينها أن الشك في جميعها متعلق بنفس ما كان متيقنا به، وإن كانت خصوصية أحدهما تعلقه به - أي بوجوده في الزمن الأول، وخصوصية الثاني تعلقه بوجوده في الزمن الثاني، وخصوصية الثالث تعلقه بوجوده في كلا الزمانين، فنحن نقول: إنه قد اريد هذا المعنى الجامع القابل للانطباق على كل من الأنحاء الثلاثة، فتخصيصه بالقسم الثالث غير صحيح. وأما ما مر من وجوه الإيراد من أن التعبد بعدم النقض في القاعدة باعتبار نفس معنى عدم النقض، وفي الاستصحاب باعتبار الجري العملي ففيه: أن حقيقة النقض إنما هو هدم الشئ الذي له إبرام، وقد تعلق في عبارة الحديث باليقين، ونهى عن هدم اليقين نفسه، ومن المعلوم أن نفس اليقين قد انهدم وانفصم وزال بطروء الشك، فلا يمكن عدم نقضه بالمعنى الحقيقي لعدم النقض، لا في القاعدة ولا في الاستصحاب، ولا محالة يراد منه مصداقه الادعائي الذي يوجد في كل من مورد الاستصحاب والقاعدة، كما لا يخفى. ومنه تعرف ضعف ما عن بعض المحققين في تعليقة تقريرات بعض الأعاظم بقوله: " عمدة الإشكال في الجمع في إطلاق النقض، إذ هو في القاعدة حقيقي، وفي الاستصحاب مسامحي، ولا مجال للجمع بينهما إلا لمن كان أحول العينين. وجه الضعف: ما عرفت من أن إطلاقه في كليهما ادعائي - كما في سائر المجازات على التحقيق - مضافا إلى أن إطلاق معنى واحد على فرد حقيقي وآخر ادعائي لا يستلزم استعمال اللفظ في معنيين، كما هو ظاهر لمن أمعن النظر. وأما ما عن بعض الأعاظم من أن الجمع بينهما يوجب استعمال لفظ " اليقين " في اليقين الطريقي بملاحظة إرادة الاستصحاب - وفي اليقين الموضوعي بملاحظة إرادة القاعدة ففيه: أولا: أن اليقين في كلتا القاعدتين طريقي اخذ موضوعا للحكم بعدم جواز نقضه.

[ 419 ]

وثانيا: أن المستعمل فيه في كليهما نفس اليقين، وتعلق اللحاظ بأحدهما طريقا وبالآخر موضوعا خارج عن المستعمل فيه، فلا محذور. هذه هي عمدة الوجوه المذكورة لإثبات امتناع الجمع بينهما في الإرادة، وقد عرفت ضعفها. ومنه تقدر على فهم ضعف سائر الوجوه، فراجع كلماتهم. بل ومنه عرفت أن الجمع بين إرادتهما وإرادة حكم الشك في الحدوث والاستمرار معا أيضا ممكن. وقال الشيخ الأعظم (قدس سره): لو سلمنا إمكان جمعهما فلا يصح الاستدلال بحديث " لا تنقض " للقاعدة، وذلك لابتلائه بالاستصحاب المعارض، فكما يقتضي القاعدة ثبوت عدالة زيد يوم الجمعة إذا شك فيها بعد اليقين بها كذلك يقتضي استصحاب عدمها المقطوع به يوم الخميس استمرار عدمها إلى الجمعة، ونتيجة التعارض أن لا تقوم حجة على اعتبار القاعدة. وأورد عليه المحقق الخراساني في تعليقة الفرائد، بأن بين النقضين السببية والمسببية، فلا يعم العام إلا السبب منهما، فإن كون نقض اليقين بالعدم نقضا لليقين بالشك متوقف على عدم شمول النهي لنقض اليقين بالعدالة المقيدة، وهذا بخلاف العكس، فيعم العام اليقين بالمقيدة، لفرض العموم، وعدم مانع عنه، وبه يرتفع موضوع الاستصحاب. أقول: لا ريب في عدم وجود سببية ومسببيته هنا بين موضوع القاعدتين، فإن لنا يقينين وشكا واحدا إذا قيس الى اليقين السابق كان شكا في البقاء ويتم موضوع الاستصحاب، وإذا قيس إلى اليقين اللاحق كان شكا ساريا متما لموضوع القاعدة، والحكم المستفاد من العام في كل منهما هو عدم انتقاض اليقين، وهو تعبد ببقاء اليقين، وانتفاء الشك وهو مقتض لحكومة كل منهما على الآخر. لكون كل منهما يقتضي نفي موضوع الآخر، اعني الشك تعمدا، وحيث لا يمكن الجمع بينهما ولا مرجح لأحدهما يقع التعارض الموجب للتساقط.

[ 420 ]

وأما مقام الاستظهار، فلا يبعد دعوى ظهور الحديث في خصوص الاستصحاب لظهوره في فعلية اليقين حين الحكم بعدم جواز نقضه، وأنه ينهى عن نقض اليقين الموجود بالشك، وهو لا يكون إلا في الاستصحاب. ودعوى معارضته بظهور النقض في الحقيقي منه الذي لا يكون إلا في قاعدة اليقين. ممنوعة أولا: بما عرفت من أن إطلاق النقض في مورد القاعدة أيضا مجازي. وثانيا: أنه لاريب في إرادة معنى من النقض يعم مورد الاستصحاب، لأن مورد الحديث هو الاستصحاب فبقرينته لا يبقى للنقض ظهور في إرادة خصوص الحقيقي لكي يعارض ظهور اليقين في خصوص الفعلي منه. هذا كله حول الأحاديث المتضمنة للنهي عن نقض اليقين بالشك. وأما سائر الأحاديث والوجوه فعدم دلالتها واضح لا حاجة إلى ذكره، فراجع الفرائد وغيره. الجهة الثالثة: لا ريب في أن قوام الاستصحاب وموضوعه هو الشك في البقاء، فلو تيقن به أو بالارتفاع فلا مورد له، بل يعمل على طبق اليقين. ولو كانت هناك أمارة معتبرة على بقاء المتيقن أو ارتفاعه لما كان كلام في وجوب العمل بها، وعدم جريان الاستصحاب في قبالها، وإنما الكلام في أنه للورود أو للحكومة أو للتخصيص ؟ فاختار الشيخ الأعظم (قدس سره) أنه للحكومة، وبينه هنا: بأنه إذا قال الشارع اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك، والمفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب، فإن الشارع جعل الاحتمال المخالف للبينة كالعدم، فكأنه قال: لا تحكم على هذا الشك بحكمه المقرر في قاعدة الاستصحاب وافرضه كالمعدوم. انتهى. وفيه: أن امتياز الحكومة إنما هو بلسان الدليل بأن يكون بلسان ظاهر في

[ 421 ]

شرح دليل المحكوم، ومجرد إيجاب العمل بالطريق لا يستلزم كون دليله شارحا لأدلة الاستصحاب، وعمدة الدليل على اعتبار الأمارات المعروفة - كخبر الواحد أو الظواهر - هو سيرة العقلاء، وهم إنما يعملون بها بما أنه طريق إلى الواقع في عرض العلم به، من دون أن يكون في ارتكازهم أنها علم أدعائي، حتى يقال: إن إمضاءها بمثل آية النبأ يؤل إلى أن الشارع قد جعلها علما ادعائيا، فيكون دليل اعتبارها حاكما على مثل دليل اعتبار الاستصحاب، وبالجملة فلا وجه للحكومة. وقال المحقق الخراساني (قدس سره): بأن وجه هذا التقدم إنما هو الورود، وبينه في تعليقة الفرائد: بأن المنهي إنما هو نقض اليقين بالشك، ولا يعم نقضيه بالدليل المعتبر، فنحن إذ يكون لنا عموم دليل الاعتبار نأخذ به، ويثبت به اعتبار ذاك الطريق فنعمل بالطريق المعتبر، فيكون نقض اليقين به ولا محذور. لكنه يرد عليه: أن تذييل الحديث في غير واحد من الأخبار بمثل قولهم (عليهم السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر " يدل على أنه لا ينقض اليقين إلا باليقين، ومن المعلوم أن الطريق المعتبر لا يوجب اليقين. وهو (قدس سره) قد تنبه لهذا الإيراد، وأجاب عنه: بأن قيام الطريق يوجب إنشاء أحكام مماثلة لما أدى إليه، فالحكم الواقعي الأولي وإن كان مشكوكا إلا أن الحكم الظاهري المتعلق به بما أنه قام عليه الطريق معلوم متيقن وكما أن العلم بالحكم المتعلق بالعنوان الأولي يوجب خروج المورد عن عموم النهي عن النقض حقيقة، فهكذا العلم بالحكم المتعلق بالعنوان الثانوي. أقول: هذا الذي أفاده - مضافا إلى أنه خلاف مختار نفسه في باب الطرق، فإنه اختار أن المجعول فيها مجرد الحجية وأنه لا حكم في موردها إلا الحكم الواقعي - لو كان - وإنما يتنجز بها، كما أنها عذر إذا خالفت الواقع - خلاف التحقيق أيضا، وذلك أن الحق أن لا حكم ظاهري في مورد الطرق، وإنما شأن الطريق مجرد أنه طريق إلى الواقع يحرز به الواقع ويصاب، ولذلك يجوز إسناد مؤداه إلى الشارع بأنه مما حكم به الشرع، لكنه لو خالف الواقع لم يكن في البين

[ 422 ]

من الحكم المجعول عين ولا أثر أصلا، والشاهد عليه أنه استقرت عليه سيرة العقلاء وارتكازهم، ولم يأت الشارع في باب الطرق المعتبرة وكيفية اعتبارها بشئ جديد. وكيف كان فليس حكم إلا الحكم الواقعي، وهو غير متيقن حتى بعد قيام الطريق المعتبر، كما لا يخفى. والتحقيق أن يقال: إن المراد من اليقين والعلم الواقع في أدلة الاصول هو المعنى الأعم من القطع والطريق المعتبر، فمع قيام الطريق هو عالم ومتيقن بالأمر فلا موضوع للاستصحاب، والدليل عليه: أولا: أنه المفهوم من مثل هذه العناوين عند العقلاء، إذ لا ريب في أنهم يعبرون بأنهم عالمون بالشئ بمجرد قيام الطريق المعتبر عليه، وهو تعبير إرتكازي غير مبتن على ادعاء مجاز. وثانيا: أنه لو ثبت في مورد صحاح الباب الوضوء وطهارة الثوب بمثل قول البينة أو ذي اليد، فلا يتوقف العقلاء في أنه إذا شك في بقائهما وارتفاعهما فهو من مصاديق الاستصحاب، مع أنه ليس هنا يقين بمعنى القطع والجزم. وثالثا: أنه يوجد في نفس أدلة الاصول قرائن واضحة على إرادة هذا المعنى الأعم، فقد قال في صحيحة زرارة الاولى: قلت: فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ قال: " لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر " (1). فتراه أنه جعل غاية الوضوء أن يجئ عند المكلف أمر بين يشهد ببطلانه، وعروض الحدث المبطل له، ولا ريب في أن الطريق المعتبر أمر بين، فالتعبير بهذا العنوان العام فيه دلالة واضحة على أن الملاك كله إنما هو قيام أمر بين، قطعا كان


(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح 1. (*)

[ 423 ]

أم لا، وحينئذ فالتعبير باليقين لا يكون إلا بإرادة المعنى الأعم منه. وقد وردت رواية مسعدة بن صدقة بأنه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه... والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " (1). فهو (عليه السلام) مع أنه جعل غاية الحل هو العلم بالحرمة، فقد كرر هذا الجعل وأكد ببيان آخر هو تفصيل وتوضيح للصدر، وصرح فيه بأن قيام البينة حصول للغاية، فلا محالة اريد من العلم بالحرمة معنى أعم يشمل قيام الطريق أيضا. وشيخ مشايخنا (قدس سرهم) في درره نقل هذا الوجه عن سيده الاستاذ (قدس سره)، واستدل له بعد ذكر الوجه الأول بما حاصله: أن كلا من مفاد الاصول والأمارات مجعول في مورد الشك، إلا أن أخذ الشك موضوعا في الاصول في لسان الدليل بخلاف الأمارات فيه دلالة على إرادة الشك في قبال قيام الطريق المعتبر في باب الاصول، وكون الشك بمعنى مطلق التردد في باب الأمارات. وأنت تعلم بأن مجرد التصريح ليس فيه دلالة على إرادة المعنى الأعم من الشك واليقين والعلم في أدلة الاصول، فإن من المحتمل إرادة معنى مطلق الشك، حتى الموجود مع قيام الأمارة في كل من الأمارة والأصل. وسيدنا الاستاذ (قدس سره) أيضا قد اختار الورود، إلا أنه جعل العلم أو اليقين الوارد في أدلة الاصول بمعنى الحجة المعتبرة، والطرق بأدلة اعتبارها حجة معتبرة يتحقق بها غاية الاستصحاب حقيقة. لكنك خبير بأن العلم أو اليقين لا يطلق إلا على ما كان طريقا إلى الواقع، وأن سر إطلاقه إنما هو كونه طريقا يحرز به الواقع، ولا يجوز إطلاقه على مثل احتمال التكليف الكلي قبل الفحص عن الدليل، ولا على الاحتمال الموجود في أطراف العلم الإجمالي، مع أن كلا منهما حجة على التكليف الواقعي. والله تعالى هو الهادي والعاصم.


(1) الوسائل: ج 12 ص 60 باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4. (*)

[ 424 ]

خاتمة في تبين حال الاستصحاب مع الاصول والكلام - كما في الكفاية - في مقامين: المقام الأول: في تبين حاله مع كل من أصل البراءة والاحتياط والتخيير. أما أصل البراءة فلا ريب في وروده على العقلي منه فإن استصحاب موضوع التكليف أو نفسه حجة على التكليف، وكل حجة ينتفي بها موضوع قبح العقاب بلا بيان حقيقة فهو وارد على البراءة العقلية، سواء كانت مجرد حكم العقل أو مدلول الأدلة الشرعية أيضا. وأما البراءة الشرعية المدلول عليها بمثل قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي... ما لا يعلمون " وقوله (عليه السلام): " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " فالحق أن الاستصحاب حاكم عليها، وذلك أنه - وإن كان أصلا معتبرا - ليس طريقا إلى الواقع حتى يصدق عليه العلم، ولو بمعناه الأعم المراد في أدلة الاصول، فلا محالة ليس الاستصحاب واردا عليها، إلا أن لسان دليل اعتباره إنما هو النهي عن نقض اليقين عند الشك به، وحيث إن اليقين قد انتقض حقيقة بعروض الشك، وليس عدم انتقاضه بيد المكلف فالمراد من النهي عن نقضه ليس الأمر بإبقائه بحسب الحقيقة، فلابد وأن يكون إبقاؤه إبقاء تعبديا عنوانيا، ويرجع النهي عن نقضه إلى أنه باق في محيط الشرع وعالم أحكامه، فلا محالة يترتب عليه أحكامه التي منها: أنه يتحقق به غاية الاصول الشرعية، فاستصحاب الحرمة من مصاديق عرفان الحرمة شرعا الذي ليس معه للحلية الظاهرية مجال، وهو أيضا علم بالحرمة تعبدا، الذي يخرج المورد معه من عنوان ما لا يعلمون، ولا يجري فيه الرفع أصلا، فكما أن قوله: " الفاسق ليس بعالم " أو " ولد العالم عالم " يوجب دخول غير الموضوع في موضوع الدليل بلسان التعبد فهكذا فيما نحن فيه.

[ 425 ]

وقال في الكفاية: (إن النسبة بينه وبين الاصول العملية هي بعينها النسبة بين الأمارة وبينه، فيقدم عليها، ولا مورد معه لها، للزوم محذور التخصيص إلا بوجه دائر في العكس، وعدم محذور فيه أصلا هذا في النقلية منها). أقول أولا: إن الاستدلال للورود بقوله: " للزوم محذور... الخ ". من قبيل الاستدلال باللازم الأعم لإثبات الملزوم الأخص، فإن تقدم الاستصحاب لو كان من باب الحكومة - كما هو كذلك على ما عرفت - لجرى فيه هذا الاستدلال أيضا، فإنه بعد ما كان دليله بلسان الحكومة فالأخذ به وتقديمه لا محذور فيه أصلا، والأخذ بدليل أصالة الحل حينئذ لا يجوز إلا إذا لم يكن عموم دليل الاستصحاب محفوظا، بل كان مخصصا - بالفتح - وتخصيصه لا وجه له أصلا إلا دليل أصالة الحل، فالأخذ بعموم دليل أصالة الحل موقوف على تخصيص دليل الاستصحاب، وهو على الفرض موقوف على عموم دليلها، وهو دور واضح، فيلزم محذور التخصيص بلا وجه، أو على وجه محال. وعليه فلا محيص إلا التمسك في بيان الورود بما في تعليقته على الفرائد من أن موضوع أصالة الحل - مثلا - هو ما لم يعلم حرمته بوجه أصلا، وعموم دليل الاستصحاب يوجب العلم بالحرمة الظاهرية، أعني حرمة نقض اليقين بالشك، وبه يرتفع موضوع أصالة الحل حقيقة، كما لا يخفى. ثانيا نقول: يرد على ما في التعليقة وجوه عمدتها: أولا: أن العلم بالحرمة لو كفى من أي وجه وعلى أي عنوان كان فهكذا اليقين بالخلاف أيضا يكفي بأي عنوان كان، وقد صرح به هو (قدس سره) أيضا في مبحث تقدم الأمارات على الاستصحاب، وحينئذ نقول: كما أن الشك فيما كان على يقين منه تمام موضوع الحكم ببقائه فيحصل يقين ببقائه الظاهري، ويحصل غاية أصالة الحل وحديث الرفع، فهكذا عدم العلم بالحرمة تمام الموضوع للحكم بالحلية الظاهرية ورفع الحرمة، فيحصل اليقين بالحلية الظاهرية، ويحصل غاية الاستصحاب ويكون نقض اليقين بالحرمة به من باب نقض اليقين بيقين آخر مثله،

[ 426 ]

فلا ترجيح لأحد الأصلين على الآخر. والفرق بينه وبين الأمارات: أن أدلة الأمارات لم يؤخذ في موضوعها الجهل والشك، بخلاف دليل الاستصحاب، وهو من هذه الجهة مثل أدلة الاصول الشرعية، كما لا يخفى. وثانيا: أن النهي عن نقض اليقين بالشك ليس نهيا تكليفيا لكي تكون حرمته حرمة تكليفية، وهو واضح جدا، يشهد له: أن أدلة الاستصحاب جارية في باب المستحبات والمباحات، ولا يتوهم أحد وجوب الأخذ عملا أو اعتقادا باليقين السابق فيها، بل النهي عنه إرشاد إلى أن اليقين السابق محكوم بالبقاء في عالم الشرع ومحيط التعبد والقانون، ومجرى عليه تمام الأحكام المترتبة في الشرع على العلم واليقين، كما عرفت. هذا كله في أصالة البراءة والحل. وأما أصل الاشتغال فهو عقلي لا غير، ومن الواضح أن العقل لا يحكم بالاحتياط مع قيام أصل معتبر على البراءة من التكليف، فلو علم إجمالا بعروض النجاسة على أحد التفاحين اللذين كان الحالة السابقة في أحدهما اليقين بالطهارة وفي الآخر بالنجاسة، ويشك في بقائهما على ما كانا عليه، فاستصحاب الطهارة والنجاسة في كل منهما جار محكم، ومعه لا يحكم العقل بالاحتياط أصلا. ومثله الكلام في أصالة التخيير. وينبغي التنبه لنكتة هي: أن محل الكلام ما إذا لم يقم دليل خاص على وجوب الاحتياط، كما قد يقال به في أمر الأموال والدماء، وإلا فهذا الدليل يمنع عن جريان الاستصحاب، كما يمنع عن أصل البراءة، وفي الحقيقة هذا الدليل الخاص يكون مخصصا لأدلتهما، كما لا يخفى. المقام الثاني: في تعارض الاستصحابين. فتارة يكون الشك في البقاء في أحدهما ناشئا عن الشك في مستصحب الآخر. واخرى لا يكون بينهما هذه السببية.

[ 427 ]

أما الأول فمثاله المعروف: أن يشك في بقاء طهارة ماء طاهر، وغسل به ثوبه النجس، فاستصحاب الطهارة في الماء يحكم بأنه طاهر. كما أن احتمال نجاسة الماء توجب الشك في طهارة الثوب الذي غسل به، واستصحاب نجاسته يحكم ببقاء نجاسته، وطهارة الماء ونجاسة الثوب لا تجتمعان واقعا، فيعلم بانتقاض الحالة السابقة في إحداهما، ومن ذلك فالاستصحابان متعارضان، في عين أن الشك في طهارة الثوب ونجاسته ناش عن الشك فيهما في الماء. فالمشهور بل ادعي الإجماع على جريان الاستصحاب في السبب وعدم جريانه في الشك المسببي، وذكر له وجوه: أحدها: الإجماع، وأنت تعلم بأنه على تسليمه لا قيمة له في مسألة يذكر لها وجوه اخر قوية يحتمل قويا استناد المجمعين إليها. ثانيها: أن شمول عموم أدلة الاستصحاب للشك السببي يوجب ارتفاع الشك المسببي بخلاف العكس، وكلما كان هنا فردان ومصداقان لعام واحد أو عامين يكون مصداقية أحدهما للعام مطلقا غير مشروط ومصداقية الآخر مشروطة بعدم شمول العام للمصداق المطلق المصداقية، فلا ريب في إجراء العموم على المطلق، وخروج المشروط بسقوطه عن المصداقية. أقول: إن الكبرى المذكورة واضحة، فإن العام بمقتضى أصالة العموم يقتضي سريان حكمه إلى جميع مصاديقه، فلا محالة يجري حكمه على ذلك الفرد المطلق، وأثره سقوط ذلك الفرد الآخر عن مصداقيته للعام، ولا بأس به ولا يلزم خلاف ظاهر، كما لا يخفى ولو اريد العكس لزم رفع اليد عن الظهور والعموم بلا دليل، وهو غير معقول، فان استند إلى شمول العام للفرد الآخر قلنا إن شمول العام له متوقف لا محالة على تخصيص العام أولا - بالنسبة للفرد المطلق الفردية - ضرورة أنه لو لم يخصص لما كان الآخر فرد أصلا، فشمول العام لذاك الفرد متوقف على تخصيص العام، وتخصيصه متوقف - بالفرض - على شموله له وهو دور محال، فالكبرى المذكورة صحيحة.

[ 428 ]

وإنما الكلام في صغراها، وأن ما نحن فيه من هذا القبيل، وما قيل أو يمكن أن يقال في بيانه وجوه: منها: ما اختاره المحقق الخراساني (قدس سره) في التعليقة والكفاية، ويظهر أيضا من بعض عبارات الشيخ الأعظم (قدس سره) وهو أن معنى عدم نقض اليقين بالشك في موضوع الاحكام هو التعبد بترتيب آثاره الشرعية، ففيما نحن فيه معنى استصحاب طهارة الماء هو التعبد بطهارة ما يغسل به، وأتمه المحقق الخراساني (قدس سره) بأن موضوع الإستصحاب هو الشك في بقاء المتيقن السابق من جميع الجهات، وهاهنا إذا حكم الشارع - ولو بمقتضى جريان الاستصحاب في طهارة الماء - بطهارة الثوب طهارة طاهرية فقد حصل اليقين بطهارته، وكان نقض اليقين بنجاسته حينئذ نقضا لليقين بيقين آخر، وخرج عن عموم لا تنقض حقيقة. وفيه أولا: أن إرجاع النهي عن النقض بالتعبد بآثار المستصحب غير صحيح، وذلك أن النقض هو الهدم ورفع اليد، وقد تعلق باليقين، فصار المكلف موظفا بابقاء نفس اليقين، وحيث إنه قد إنتقض اليقين حقيقة وليس إبقاؤه بيده، ولا يستفاد من الحديث نهي تكليفي تحريمي، فلا محالة يرجع مفاده إلى أن اليقين السابق باق تعبدا وفي محيط القانون الشرعي، وبما أن اليقين المأخوذ موضوعا هنا طريقي محض يؤول التعبد ببقائه إلى التعبد بأن المتيقن السابق باق، فإن كان حكما شرعيا يتعبد ببقاء الحكم الشرعي، وإن كان موضوعا له يتعبد ببقاء الموضوع، وهنا تنتهي رسالة الاستصحاب ووظيفته، وبعد ذلك ينطبق الكبرى والدليل الدال على محكومية أفراد الموضوع بحكمه عليه، ويصير بانطباق الدليل محكوما بحكمه، فالقول بأن نفس معنى عدم نقض اليقين بالشك في الموضوعات هو ترتب آثارها خلاف التحقيق. ولو سلمناه فيرد عليه ثانيا: أن ظاهر دليل الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة من جميع الجهات، فإذا كان اليقين متعلقا بأن الثوب طاهر بالطهارة الواقعية، فما دام يكون شاكا في طهارته الواقعية كان موضوعا ومورد

[ 429 ]

للاستصحاب، واليقين الآخر الذي يصلح أن يكون ناقضا لذلك اليقين إنما هو اليقين بخلاف الطهارة الواقعية، أعني اليقين بنجاسته الواقعية، وغيره لا يصلح للناقضية بل يجري معه الاستصحاب. مثلا: إذا علم بإباحة عصير عنبي غير مغلى يكون ملك نفسه، ثم شك في بقاء إباحته لاحتمال غليانه، فلا ريب في جريان الإستصحاب فيه، ثم إذا انتقل هذا العصير الى آخر ولم يرض مالكه الجديد بشربه، فهو وإن كان عالما بحرمة شربه بما أنه تصرف في مال الغير لكنه بعد يكون شاكا في بقاء إباحته الذاتية، ويصدق في حقه أنه كان على يقين باباحته الذاتية فشك فيها، ولا ينافيه يقينه بحرمته بما أنه تصرف في مال الغير. وتظهر الثمرة في ما إذا اضطر إلى شرب عصيرين كلاهما ملك غيره ولا يأذن بالتصرف فيهما إلا أن أحدهما قد غلى ولم يذهب ثلثاه، والآخر مشكوك الغليان، فإن الأول محرم من وجهين، والثاني من جهة واحدة، وليس له إرتكاب ذي الجهتين مع إمكان ذي جهة واحدة، فمشكوك الغليان مثل المعلوم عدم غليانه يقدم إرتكابه على المغلى، كما لا يخفى. وبالجملة: مقتضى وحدة القضيتين أن تكون هذه الوحدة من جميع الجهات حتى من جهة الواقعية والظاهرية، ومع الاختلاف فموضوع الإستصحاب أعني الشك في ما تيقن به متحقق والاستصحاب جار. ومنها: ما يظهر من بعض آخر من عبارات الشيخ الأعظم (قدس سره) مثل قوله: " إن نقض يقين النجاسة بالدليل الدال على أن كل نجس غسل بماء طاهر فقد طهر، وفائدة استصحاب الطهارة إثبات كون الماء طاهرا به ". فقد صرح بأن شأن إستصحاب طهارة الماء - مثلا - ليس إلا إثبات الموضوع، وهو الذي قد مر أنه مقتضى التحقيق، ثم إن الدليل الاجتهادي الدال على أن الماء الطاهر يطهر ما يغسل به ينطبق عليه، ويحكم بطهارة الثوب النجس الذي غسل به، فالحاكم بطهارة الثوب إنما هو هذا الدليل الاجتهادي، ويكون نقض اليقين

[ 430 ]

المتعلق بنجاسة الثوب بالدليل المذكور لا بمجرد الشك في بقائها وارتفاعها. هذا. ثم إن كلامه هذا أعني قوله: " إن نقض يقين النجاسة بالدليل " يحتمل وجوها: أحدها: ما مر عن المحقق الخراساني (قدس سره) سابقا من أن المنهي في أدلة الإستصحاب إنما هو نقض اليقين بنفس الشك ولا تعم نقض اليقين بالدليل، بل إن نقض اليقين بالدليل مثل نقضه باليقين خارج عن عمومها. وفيه ما عرفت: من أن مقابلة اليقين بالشك وتذييل النهي في بعض أخبار الباب بقولهم (عليهم السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر " قرينتان واضحتان على أن مرادهم (عليهم السلام): أن اليقين لكونه أمرا مبرما فلا يقوى على نقضه إلا يقين آخر يماثله، وإلا فغير اليقين لا يقدر على نقضه، فلا ينتقض اليقين إلا بيقين آخر لا بالشك ولا بالدليل ولا بأي شئ آخر. ثانيها: أن يكون مراده (قدس سره) أنه لما كان الدليل على طهارة الثوب وارتفاع نجاسته دليلا اجتهاديا وطريقا معتبرا، فلا محالة يكون حاكما على استصحاب نجاسته، كما كان الأمر كذلك في جميع الأمارات الواردة في مورد الإستصحاب. فيرد عليه حينئذ عين ما أوردناه على بيان حكومة الأمارات المعتبرة على الاستصحاب، فتذكر. مضافا إلى ما سيأتي الآن من الإيراد على بيان سيدنا الاستاذ وشيخه (قدس سرهما). ومنها: ما في الدرر من أن الاستصحاب في السبب - كما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) - إنما هو لإثبات أن الماء طاهر، ثم إن الدليل الإجتهادي ينطبق عليه ويحكم بطهارته الثوب المغسول به، والدليل الإجتهادي وارد على استصحاب النجاسة، وذلك لما عرفت من أن المراد بالعلم واليقين في أدلة الاصول معنى أعم من الجزم القطعي والطريق الظني المعتبر، فبعد إنطباق الدليل فالمكلف وإن لم يكن جازما بالطهارة إلا أنه قد قام لديه طريق ظني معتبر عليها، فقد حصلت غاية الاصول ولا مجرى لها معه، فالدليل الإجتهادي وارد على الأصل المسببي ببركة الأصل السببي.

[ 431 ]

أقول: إن تفسير العلم واليقين بمطلق الطريق المعتبر قطعا كان أو ظنا وإن كان هو الصحيح، كما مر بيانه، إلا أن قيام الطريق المعتبر على طهارة الثوب محل كلام بل منع، وذلك أن قيام الطريق المعتبر على إرتفاع نجاسة الثوب يحتاج إلى ثبوت امور كثيرة كلها بطريق معتبر، فيحتاج إلى ثبوت أن ذاك المايع ماء، وإلى ثبوت أنه طاهر، وإلى ثبوت أنه مطهر، وإلى ثبوت أن هذا الثوب النجس قد غسل به بوجه شرعي يوجب ارتفاع النجاسة، فكما أن انتفاء كل منها يوجب عدم حصول الطهارة، فهكذا عدم قيام الطريق بالنسبة إلى كل واحد منها يوجب أن لا يقوم طريق معتبر على حصولها، وحيث إن المفروض أنه لا طريق لنا إلى طهارة الماء، فلا محالة لا يقوم الطريق المعتبر على ارتفاع نجاسة الثوب، فإن النتيجة تابعة لأخس المقدمات. ومنها: ما في رسالة الاستصحاب لسيدنا الاستاذ (قدس سره) مما يقرب من بيان شيخه الاستاذ (قدس سره) حرفا بحرف إلا في تفسير اليقين والعلم بمطلق الحجة، فراجع. وقد عرفت منع إطلاق العلم بالشئ على مطلق الحجة عليه وإن كانت احتمالا منجزا، فتذكر. ومنها: ما هو المختار من أن الاستصحاب وإن لم يكن من الطرق المعتبرة فوقوعه في مقدمات إثبات طهارة الثوب يمنع حصول العلم - ولو بمعناه الأعم - بالنسبة إلى طهارته، إلا أن لسان دليل إعتباره - كما عرفت - هو التعبد ببقاء اليقين السابق، وإن كان اليقين طريقا إلى متعلقه، وعليه فإذا وقع هذا اليقين التعبدي في سلسلة مقدمات إحراز طهارة الثوب، كان اللازم منه بعد انضمامه إلى طرق معتبرة أن يكون إحراز الطهارة في حد يقين تعبدي، وكانت النتيجة حكومة الاستصحاب في الشك السببي على الاستصحاب في الشك المسببي. إن قلت: إن غاية مفاد استصحاب طهارة الماء إنما هو التعبد ببقاء اليقين بطهارته، فاستفادة حصول اليقين بحصول الطهارة للثوب وبارتفاع نجاسته بعد انطباق الدليل الاجتهادي تكون من قبيل الأصل المثبت.

[ 432 ]

قلت: إن جريان الاستصحاب في طهارة الماء وإن لم يتعبدنا بحصول اليقين بطهارة الثوب، إلا أنه يكفي عند العقلاء في عدم جريان إستصحاب نجاسة الثوب المغسول به، فإنهم إذا التفتوا إلى قيام طرق معتبرة هي علوم عرفية منضمة إلى أصل يكون لسان دليله أن المكلف على يقين وعلم بمورده لما يشكون في أن النتيجة ما فوق الشك عند الشارع، فلا ينطبق فيها دليل موضوعه الشك محضا والله العالم. ثم إن هذا كله في وجه تقدم الاستصحاب الجاري في طهارة الماء على استصحاب نجاسة الثوب. ولا يبعد أن يقال بتقدم قاعدة " كل شئ طاهر " على استصحاب نجاسته - مثلا - أيضا، لا لما مر من بيانات الورود أو الحكومة التي اخترناها، إذ قد مر خلل الورود، والحكومة متقومة بلسان حصول العلم المفقود في قاعدة الطهارة، بل لأن ظاهر تعرض الشارع للحكم بطهارة الأشياء ما لم يعلم قذارته يوجب انعقاد ظهور قوي له في ترتب الآثار الشرعية على موارد جريانها، ولو كان من ناحية تطبيق كبريات هذه الآثار عليها، وهذا الظهور أقوى من إطلاق دليل اعتبار الاستصحاب في الدلالة على شموله لنفي هذه الآثار في مواردها وموضوعاتها. والله العالم. هذا كله حول الوجه الثاني لتقدم الاستصحاب السببي أعنى كونه موجبا لارتفاع موضوع الاستصحاب في الشك المسببي، وقد عرفت أن الصحيح هو وجه الحكومة بالبيان المتقدم منا آنفا. ثالثها: ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) ذيل الوجه الثاني، وحاصله: أن للشك السببي لازمين في الوجوه: أحدهما حكمه الشرعي بعدم نقض اليقين به، وثانيهما الشك المسبب عنه في حدوث الأثر المسبب عن متعلقه، وهذان اللازمان في رتبة واحدة، فلو اريد الحكم على الشك المسببي أيضا بعدم نقض اليقين به لصار أحد المعين موضوعا ومقدما والآخر حكما له ومتأخرا، وهو خلاف فرض المعية لهما.

[ 433 ]

وفيه وجوه من الإشكال نذكر واحدا منها، وهو: أنه مبني على وحدة حكم النهي عن نقض اليقين وحدة شخصية، مع أن من البديهي انحلاله وتعدده بعدد أشخاص اليقين والشك في بقاء متعلقه، ومعه لا يلزم خلف. رابعها: ما في الدرر من أن الشك السببي لكونه متقدما في الرتبة على الشك المسببي يصير في رتبته المختصة به محكوما بعدم جواز نقض اليقين به، فإذا جاءت رتبة الشك المسببي، فحيث لا يجتمعان - بمقتضى التعارض - تحت عموم النهي عن النقض فلا محالة لا يحكم على المسببي بالحكم المذكور، لسبق الشك السببي واتصافه بالحكم المذكور، وعدم إمكان إتصاف المسببي أيضا به. وفيه أولا: أن موضوع أدلة الأحكام إنما هو الأشياء بوجوداتها الخارجية، وليس المنظور إليها رتبها العقلية، فإذا اجتمع في الوجود أمران لهما المعية الوجودية كانا في شمول العام لهما سواء، وإن كان بينهما تقدم وتأخر رتبي عقلي، والدليل على ما ذكرنا هو ظهور الأدلة في ذلك بلا شبهة ولا ريب. وثانيا: أن السبق الزماني أيضا لا يوجب مزية وترجيحا للسابق لكي يختص العموم أو الإطلاق به، ولا يعم المتأخر الزماني، فإن جميع الأفراد مشمولة للعام، كل في زمن وجوده، وإذا علم بخروج أحد الفردين لم ير العرف مزية لواحد منهما، بل إن أصالة الظهور في كل منهما معارضة بها في الآخر، وتسقط في كليهما عن الحجية. خامسها: ما في فرائد الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن سقوط الأصل السببي بالتعارض مع الأصل المسببي يوجب قلة فائدة الإستصحاب، فحرصا على تكثير الفائدة يجب القول بتقدمه، فإن إكثار الفائدة هو المناسب لهذه القاعدة المهمة. وفيه: أنه وجه استحساني لا قيمة له، فلو اقتضى القواعد سقوطهما بالتعارض لما كان عنه محيص، وبعده نقتصر على ما لا تعارض بينه، كما هو مقتضى القاعدة في كل عام ومطلق. سادسها: ما في الفرائد أيضا من أن مورد بعض أخبار الباب التصريح بجريان

[ 434 ]

الأصل في الشك السببي بلسان كالصريح في عدم انطباق عموم لا تنقض على الأصل المسببي الموجود في مورده، فإنه في الصحيحة الاولى قد صرح بإنطباقه على استصحاب الوضوء الذي معناه الإكتفاء بصلاة يصلى معه، مع أن الشك فيه يوجب الشك في صحة الصلاة المشروطة بالطهارة، فيجري استصحاب بقاء وجوبها كما أن الصحيحة الثانية لزرارة قد صرحت بجريان استصحاب الطهارة في الثوب، مع أنه يوجب الشك في صحة الصلاة المشروطة بطهارة اللباس فيجري إستصحاب بقاء وجوبها، فلسان الصحيحتين صريح في إختصاص الشك في بقاء الطهارة حدثا أو خبثا بجريان الإستصحاب، وهو لا يكون إلا إذا اختص العموم بالشك السببي، كما عرفت. إن قلت: إن لنا في مورد الصحيحتين أصلين سببيين بالنسبة لاستصحاب الوضوء وطهارة اللباس، وهما استصحاب عدم حدوث ناقض النوم وعدم ملاقاة الثوب للنجس، فإن حدوث النوم أو الملاقاة سبب للحدث والنجاسة، واستصحاب عدمهما لابد وأن يجري ويتقدم على استصحاب بقاء الوضوء وطهارة اللباس. فالصحيحتان تصيران دليلا على عكس المراد. قلت: قد مر منا: أن استصحاب العدم في الموضوعات لا قيمة له أصلا، لعدم إنتهائه إلى تعيين وظيفة عملية، لما عرفت من أن الاستصحاب إنما يتعبد ببقاء المتيقن ليس إلا، ولا ينتهي إلى تعيين وظيفة عملية إلا إذا كان هنا كبرى شرعية، وليست لنا كبرى إلا في إثبات الأحكام لا في نفيها، فهاتان الصحيحتان أيضا شاهدا صدق ما اخترناه هذا كله حول الاستصحاب في الشك السببي والمسببي، وهو أول القسمين. وأما الثاني: - وهو: أن لا يكون بين الشكين في الاستصحابين المتعارضين هذه السببية والمسببية - فالمراد بتعارضهما أن يعلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع، وإلا فربما يجري كلاهما، وكيف كان فقد ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره) أقساما أربعة، لأنه إما أن يكون إجراؤهما ترخيصا في المخالفة القطعية لتكليف معلوم

[ 435 ]

بالإجمال، وإما أن لا يكون. والثاني: إما أن يكون إجراؤهما موجبا للتفكيك بين متلازمين لا يكون بينهما تفكيك حتى في الحكم الظاهري، وإما أن لا يكون كذلك. والثاني: إما أن يترتب على كلا المستصحبين أثر شرعي، وإما أن لا يكون الأثر إلا لأحدهما. ثم إنه اختار عدم جريان شئ من الأصلين في القسم الأول والثاني، وجريانهما في القسم الثالث، وجريان خصوص ماله أثر في القسم الرابع. واستدل لعدم جريان شئ منهما في الأولين: بأن موضوع الأدلة - أعني الشك واليقين - وإن كان موجودا في موارد التعارض أيضا - ومقتضاه محكومية كلا اليقينين بعدم نقضهما بالشك - إلا أن ذيلها يتضمن كبرى اخرى، وهي وجوب نقض اليقين بيقين آخر، وهاهنا قد حصل لنا يقين آخر - ولو كان إجماليا - بارتفاع الحالة السابقة لأحد المتيقنين، فيشمله هذه الكبرى، وتحكم بوجوب نقض اليقين السابق به، وحينئذ فيقع التعارض بين الكبريين، فإنه لا يمكن الجمع بينهما في مقام الإرادة الجدية بالنسبة إلى الطرفين، إذ الحكم ببقاء اليقينين كما يقتضيه كبرى النهي عن النقض لا يجتمع مع الحكم بوجوب نقض اليقين السابق بذاك اليقين الإجمالي. فيتعارض الكبريان وتتساقطان. هذا محصل ما أفاده (قدس سره) والظاهر أن مراده ليس أن الأمر ينجر إلى إجمال الدليل لكي يجاب بأنه مختص ببعض الأدلة فيبقى سائرها على الإطلاق، بل الظهور قد انعقد لكبري الصدر والذيل في الإطلاق، وهذا التعارض إنما يحدث لحدوث الخصوصيات المصداقية التي ليست ملحوظة في العموم والإطلاق أصلا. إلا أنه مع ذلك يرد عليه: أولا: أن ظاهر كبرى الذيل وحدة متعلق اليقين المذكور فيها مع متعلق اليقين المذكور في كبرى الصدر، كوحدة متعلق اليقين والشك، فإذا علم بأن هذا الثوب طاهر فكما أن الشك فيه إنما يكون بأن يشك في طهارة هذا الثوب بعينه فكذلك

[ 436 ]

اليقين الآخر إنما هو اليقين المضاد لنفس ذاك اليقين، وهو اليقين بأن نفس هذا الثوب ليس بطاهر بل هو نجس، ولا محالة ينحصر اليقين الناقض لليقين السابق في اليقين التفصيلي بالخلاف ولا يعم الإجمالي منه أصلا. ففي موارد العلم الإجمالي بإرتفاع الحالة السابقة يكون كل من الطرفين أو الأطراف مشمولا لكبري لا تنقض ليس إلا. وثانيا: لو تم هذا الوجه لجرى في الصورة الثالثة أيضا مع أنه (قدس سره) صرح بجريان الإستصحاب في كلا الطرفين فيها. هذا. والمشهور بين المشايخ هنا: أن المانع هنا أحد الأمرين: إما لزوم تجويز المخالفة العملية لتكليف الزامي معلوم بالإجمال، فإن العلم الإجمالي علة تامة لتنجزه، ومعه لا يمكن ترخيص مخالفته، فإنه مناقض لتنجزه، وإما قيام الدليل على تلازم أمرين حتى في الحكم الظاهري فيما كان مقتضى الاستصحابين التفكيك بينهما، كما في القليل النجس المتمم كرا بالطاهر. أقول: إن مانعية الثاني واضحة، وأما الأول فقد مر في مباحث الإشتغال أن للشارع أن يجعل الجهل التفصيلي بالتكليف عذرا مجوزا للمخالفة كما جعل الجهل الابتدائي في الشبهة البدوية، والاكراه أو النسيان عذرا، لكنه لو سلمنا علية العلم الإجمالي لتنجز التكليف فاللازم منه إمتناع ترخيص طرف واحد أيضا، فإن في ترخيصه احتمال المناقضة، والتناقض مستحيل غير محتمل التحقق أصلا. نعم، قد عرفت أن لنا أدلة خاصة دلت على عدم جريان الاصول المرخصة في أطراف العلم الاجمالي، فقد روى سماعة في الموثق قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره ؟ قال: " يهريقهما ويتيمم " (1). ومثله بعينه موثقة عمار الساباطي (2)، فراجع.


(1 و 2) التهذيب: ج 1 ص 248 - 249 باب تطهير المياه من النجاسات، الحديث 44 و 43، الوسائل: ج 1 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14 و 2. (*)

[ 437 ]

وجه الدلالة: أن الماءين كانا محكومين بالطهارة قطعا مع غض النظر عن وقوع القذر فهذه الطهارة إن كانت مستندة إلى قاعدة الطهارة كان الطرفان بعد وقوعه أيضا مشمولين لها، وإن كانت مستندة إلى اليقين بها كانا مشمولين لإستصحاب الطهارة، ولا شبهة في شمول الموثقة لكلتا الصورتين، وقد حكم (عليه السلام) بإهراقهما والتنزل إلى التيمم، وهو لا يكون إلا لأجل عدم محكوميتهما بالطهارة كما لا يخفى، وإلا فلو كان الماء محكوما بالطهارة لوجب الطهارة المائية. منها: ما رواه الصدوق بإسناده الصحيح عن صفوان بن يحيى، أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها، وليس عنده ماء كيف يصنع ؟ قال: " يصلي فيهما جميعا " (1). وبيان الدلالة فيه أيضا كما في الموثقتين، فلو كان الاستصحاب حينئذ جاريا لكان الثوبان محكومين بالطهارة حتى مع العلم الإجمالي بأن أحدهما مبتلى بالنجاسة المانعة عن صحة الصلاة، ولكان إتيان الصلاة في أحدهما كافيا كما في الشبهة البدوية، فإيجاب الصلاة فيهما الذي هو بمعنى الصلاة في كل منهما منفردا، كما فسر به الصدوق أيضا دليل عدم جريانه مع مثل هذا العلم الإجمالي. ومنها: أخبار كثيرة تدل على وجوب غسل الثوب كله أو جميع أطراف إحتمال ملاقاة النجاسة إذا علم بإصابة النجس له ولم يعلم مكانه، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) " في حديث " قال: في المني يصيب الثوب قال: " إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي عليك فاغسله كله " (2). ومن هذه الطائفة صحيحة زرارة الثانية الواردة في الاستصحاب فان فيها بعد قوله (عليه السلام): " لأنك كنت على يقين من نظافته (طهارتك خ ل) ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه


(1) الوسائل: الباب 64 من أبواب النجاسات، التهذيب: ج 2 ص 125. (2) الوسائل: ج 2 الباب 16 من أبواب النجاسات، الحديث 1. (*)

[ 438 ]

ولم أدر أين هو فأغسله ؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه أصابها حتى تكون على يقين من طهارته (طهارتك خ ل) " (1). الى غير ذلك من أخبار كثيرة. وبيان دلالتها واضح، فإنه لو كان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي بالنجاسة جاريا لجرى في كل جزء من اللباس يحتمل نجاسته، فإن مفروضها طهارة الثوب مع قطع النظر عن إصابة النجس له، فإذا كانت الطهارة متيقنة فلا بأس حينئذ باستصحابها، فيجوز الصلاة فيه، مع أن العلم الإجمالي قد تعلق بنجاسة بعض مواضعه، والنجاسة مانعة عن صحة الصلاة فيه. وحيث إن كل موضع منه موضوع خاص يصلح لجريان الاستصحاب فيه، ولذلك لو علم بنجاسة بعض المواضع منه وشك في بعضها الآخر جرى في المشكوك استصحاب الطهارة، فليس مجرد العلم بنجاسة الثوب موجبا لحصول العلم التفصيلي بنجاسته، بل هي معلومة بالإجمال فيجري في أطرافه استصحاب الطهارة بحسب اقتضاء العموم، لكن هذه الأخبار ألغت الاستصحاب وحكم بوجوب الاحتياط، فتدل على عدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف. بل إن في صحيحة زرارة هذه دلالة على انصراف عموم أدلة الاستصحاب عن أطراف العلم الإجمالي بالتكليف، فإنه (عليه السلام) مع تصريحه قبل فقرة إيجاب الاحتياط بقاعدة الاستصحاب، صرح بلا فصل بوجوب الاحتياط، ولسان تعبيره به بكيفية يعلم منه أن الاحتياط هو أمر طبيعي " ليكون على يقين من طهارته حينئذ " فظاهر لسانه أن طبيعة القضية هو وجوب تحصيل اليقين بالطهارة، لا كما يتوهم أن طبعها الرجوع إلى قاعدة الاستصحاب والحكم بطهارة جميع الأطراف. وبالجملة: فلو كان لعموم أدلة الاستصحاب ظهور في الشمول لأطراف العلم الإجمالي بالتكليف ولم يكن منصرفا إلى غيرها لكان ظهورا ضعيفا، فإذا وردت


(1) الوسائل: ج 2 الباب 7 من أبواب النجاسات وغيره، الحديث 2، التهذيب: ج 1 ص 421، الاستبصار: ج 1 ص 183. (*)

[ 439 ]

الشريعة بإيجاب الاحتياط الذي يحكم به العقلاء في أطراف العلم الإجمالي فهم منه أن حكم الشرع فيها هو الاحتياط، وأن هذا الظهور مختص بغير أطراف العلم الإجمالي بالتكليف. فحق المقال هو خروج أطراف العلم الإجمالي بالتكليف عن عموم أدلة الإستصحاب، وذلك ببركة مثل هذه الأخبار، لو لم نقل بإنصراف الأخبار بنفسها عن مورده. والله العالم. وقد ذكر العلامة النائيني (قدس سره) هنا معيارا آخر لعدم جريان أدلة الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي. وهو: أنه لما كان الاستصحاب من الاصول المحرزة التي كان التعبد فيها بلسان أنه الواقع فلا يجري في أطراف العلم الإجمالي بارتفاع الحالة السابقة، فإن التعبد ببقاء الواقع في كل واحد من الأطراف ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما، والجمع في التعبد ببقاء مؤدى الإستصحابين ينافي ويناقض العلم الوجداني بالخلاف. ثم أورد على نفسه ما حاصله: أن لازمه عدم جواز التفكيك بالإستصحاب بين كل متلازمين كما في المتوضى بمايع مردد بين الماء والبول، وأجاب بأن الإستصحاب يجري ما لم يلزم منه مخالفة معلوم بالتفصيل، فإستصحاب طهارة الطاهرين إذا علم بنجاسة أحدهما لا يجري، بخلاف إستصحاب بقاء الحدث وطهارة بدن المتوضى المذكور " انتهى ملخصا ". أقول: فيه أولا: أنه ليس معنى كون الاستصحاب أصلا محرزا أنه طريق إلى الواقع حتى يقال: إنه مع العلم بالمخالفة للواقع في أحد الاستصحابين لا يعقل طريقيتهما معا، بل معناه أنه تعبد بالبناء على أن المتيقن السابق باق، ومآله أن المتيقن السابق باق في محيط الشرع، ويعامل معه ويترتب عليه أحكام البقاء، وفي قباله الاصول الغير المحرزة التي تمام حقيقتها تعيين وظيفة عملية للمكلف من دون نظر إلى الواقع، ولا افتتاح حساب له، ويشهد لما ذكرنا من معنى

[ 440 ]

المحرزية أن دليل الإستصحاب أعني قولهم (عليهم السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " قد نهى عن نقض اليقين بالشك، ولا محالة لا يراد به النهي عن نقضه حقيقة، وذلك أنه بمجرد الشك قد انتقض اليقين حقيقة، وفرض الشك فرض لنقضه، فمع فرضه في لسان دليله كيف يمكن إرادة معنى النقض حقيقة، بل لابد وأن يراد به النقض في مقام العمل، فنهي الشارع عن النقض العملي ورفع اليد عن مقتضى اليقين السابق يؤول إلى أن المتيقن السابق باق ومحكوم بالبقاء في محيط القانون، وهو التعبد ببقائه، ومدى هذا التعبد وسعة دائرته تابع لمفاد الدليل وتحقق موضوعه، وحيث إن موضوعه أعني الشك في ما تيقن به صادق في كلا الطرفين فالتعبد بالبقاء أيضا ثابت ولا إشكال. وثانيا: أن ما ذكره في الجواب عن الإيراد بعدم جواز التفكيك من لزوم مخالفة العلم التفصيلي في استصحاب طهارة الطاهرين دون استصحاب بقاء الحدث وطهارة البدن في المتوضئ المذكور يرد عليه: أن ملاك عدم جريان الاستصحابين كان هو العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما، ولا فرق فيه بين الموردين أصلا. مضافا إلى أنه ليس لنا علم تفصيلي في إستصحاب طهارة الطاهرين، فإنا نعلم هنا أيضا بأنه إما هذا نجس وإما هذا الآخر نجس، فالموضوع غير معلوم تفصيلا، كما في الموارد الاخر، وإن كان المحمول واحدا عنوانا. وذكر شيخ مشايخنا (قدس سره) في درره وجها اعتمد عليه في الذهاب إلى جريان الاستصحاب في كلا الطرفين حتى في فرض العلم الإجمالي بوجود تكليف إلزامي في أحد الطرفين كما في إستصحاب طهارة الطاهرين. قال (قدس سره) ما لفظه: اللهم إلا أن يقال بالترخيص في أحدهما... من جهة الأخذ بإطلاق دليل الترخيص في كل من الطرفين وتقييد كل منهما بمقدار الضرورة، بيان ذلك أن مقتضى عموم الدليل الترخيص في كل من الإناءين المشتبهين مطلقا، أعني مع ارتكاب الآخر وعدمه، والمانع العقلي إنما يمنع هذا الإطلاق، ولا ينافي

[ 441 ]

بقاء الترخيص في كل واحد منهما بشرط عدم ارتكاب الآخر. انتهى. وفيه: أن مقتضى ظاهر دليل الإستصحاب - كما اعترف به - الحكم بالطهارة في كل من الطرفين، وهو حكم مطلق، وحيث إن الجمع بين إرادة هذا المعنى وفعلية التكليف المعلوم بالإجمال غير ممكن، نعلم بأن هذا الظاهر غير مراد جدا، وأما أن المراد الجدي هنا ما هو ؟ فلا طريق إليه إلا بجمع عرفي أو بقرينة خاصة، وما ذكره (قدس سره) جمع تبرعي لا شاهد عليه، وإلا لامكن تصوير مثله في كثير من موارد التعارض، وبالجملة فيقع بين الإستصحابين تعارض، ولا يكون ظهور الدليل حجة على شئ منهما، وهو معنى تساقطهما. فقد تحصل: أن الحق عدم جريان الاستصحاب في شئ من الطرفين في صورة العلم الإجمالي بوجود تكليف إلزامي بينهما يقتضي الإستصحاب عدم رعايته، وفي صورة قيام دليل خاص على عدم جريانهما، والدليل عليه في الاولى هو الأخبار الخاصة، وفي الثانية تعارضهما وتساقطهما الناشئ عن هذا الدليل الخاص. وأما الصورة الثالثة كاستصحاب نجاسة المتنجسين فالظاهر جريان الأصل في كليهما، لعدم مانع منه كما يظهر ذلك مما قدمنا. إلا أنه قال في الدرر عن هذه الصورة: فالاخذ بالإستصحاب فيه وإن لم يكن مخالفا لتكليف واقعي معلوم، كما هو المفروض، لكن لما كان الإستصحاب حكما ظاهريا وليس له فائدة إلا تنجيز الواقع على تقدير الوجود فيما إذا كان مثبتا للتكليف، وإسقاطه كذلك فيما إذا كان نافيا له، لا يمكن جعل الإستصحابين في المثال، للقطع بعدم ثبوت الواقعين فيكون أحدهما لغوا، نعم لو فرض لهما أثر آخر غير تنجيز الواقع يمكن الأخذ بكل منهما لترتب ذلك الأثر، كما في إستصحاب نجاسة كل من الطرفين لإثبات نجاسة كل من المشتبهين، إذ لولا ذلك لكان الملاقي محكوما بالطهارة. انتهى. وفيه: أن الاستصحاب قاعدة شرعية مفادها الحكم ببقاء اليقين السابق،

[ 442 ]

وحيث إن اليقين طريقي فمفادها الحكم ببقاء المتيقن، ولما كانت قاعدة شرعية فلابد وأن ترتبط بالاحكام الشرعية، فيكون نفس المستصحب وظيفة وحكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي ليعمه الدليل الاجتهادي الحاكم بثبوت الحكم عليه، وبالنهاية يثبت ببركة الإستصحاب حكم شرعي للمكلف وتتعين وظيفته، وتعيين وظيفة المكلف شأن الشارع، ولا يتوقع من القاعدة الشرعية أزيد من هذا، وهذا المعنى متحقق في ما نحن فيه، إذ يصير المكلف بعد جريان الأصلين موظفا بترتيب حكم النجس على كل من الطرفين، فحصر فائدة الإستصحاب في تنجيز الواقع أو إسقاطه بالنحو المذكور في كلامه (قدس سره) لا وجه له. نعم لا ريب في أن المحكومية بالنجاسة حكم ظاهري لا يوجب إنقلاب الواقع عما هو عليه، فلو صلى في كل من الثوبين المستصحب نجاستهما مع العلم بتطهير أحدهما بالتكرار لعلم بصحة صلاته، لعلمه بالصلاة في ثوب طاهر واقعي. هذا. وأما صورة ترتب الأثر الشرعي على خصوص أحد الطرفين فلا ينبغي الإشكال في جريان استصحاب خصوص هذا الطرف، إذ من الواضح توقف جريان الاستصحاب على أن ينتهي إلى حكم وأثر شرعي، فلا يجري في الطرف الآخر، فلا تلزم معارضة، كما لا يخفى. تتمة: لا ريب في تقدم قاعدة الفراغ والتجاوز وأصالة الصحة في فعل الغير وقاعدة اليد على الاستصحاب الجاري في موردها، وذلك أن صريح بعض أدلة قاعدة التجاوز والفراغ مثل صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) الواردة في الشك في أجزاء الصلاة بعد التجاوز عن محلها التي في ذيلها: " يا زرارة، إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (1) وصحيحته الاخرى عن أبي


(1) وسائل الشيعة: ج 5 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1. (*)

[ 443 ]

جعفر (عليه السلام) الواردة في الشك بعد الفراغ عن الوضوء (1) أنها جارية في موارد الشك في إتيان الأجزاء التي مقتضى الاستصحاب عدم إتيانها، ولا أقل من استصحاب بقاء وجوبها على المكلف. بل وبعض أخبار قاعدة اليد أيضا كالصريح في شمولها لمورد يكون مقتضى الاستصحاب عدم الملك، كما في خبر حفص بن غياث عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2)، فلا محالة لا مجال للاستصحاب مع كل منها، وحيث إنها ليست من الأمارات فلا محالة يخصص بأدلة اعتبارها عموم أدلة اعتبار الاستصحاب. كما أنه لا شك في أن أصالة الصحة الجارية في فعل الغير معتبرة عند الشك في إتيانه للجزء الذي يكون حالته السابقة عدم الاتيان، فيجري استصحاب عدمه أو بقاء وجوب الواجب، أو عدم ترتب الآثار المترتبة على العمل الصحيح، فاعتبارها هنا أيضا دليل تقييد عموم دليل إعتبارها في مورد جريان أصالة الصحة في فعل الغير. وأما قاعدة القرعة فسواء قلنا بأن مجراها كل مشكل ملتبس، أو بأنه خصوص المجهول الذي له واقع غير معلوم، فإذا جرى في موردها الاستصحاب يوجب صيرورته متيقنا تعبدا، فيكون دليل اعتبار الاستصحاب حاكما على دليلها، إذ يخرج المورد به عن عنوان المجهول ويصير معلوما تعبدا. كما أنه به يتضح أمره ويخرج عن الإشكال والالتباس حقيقة، فيكون الاستصحاب بناء على أن موضوعها كل مشكل واردا على دليلها، كما لا يخفى. وليكن هذا آخر كلامنا في مبحث الاستصحاب. والله العالم والموفق والهادي إلى الصواب.


(1) الوسائل: ج 1 ص 330 باب 42 من أبواب الوضوء ح 1. (2) الوسائل: ج 18 ص 215 باب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 2. (

[ 445 ]

المقصد الثامن في تعارض الأدلة والأمارات 1 - فصل في تعريف موضوع البحث إن موضوع البحث عن حكم التعادل والترجيح طبقا لما ورد في أكثر الروايات الواردة في علاج الأخبار المتعارضة هو الاختلاف والمخالفة. ففي مقبولة عمر بن حنظلة "... وكلاهما اختلفا في حديثكم.... " (1) وفي موثقة سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): سألته عن رجل إختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ (2). وقد ورد عنوان التعارض في خصوص مرفوعة زرارة (3) والاختلاف هو عدم الوفاق بأن يكون كل منهما بمفاده مقابلا للآخر ينفي ما يثبته الآخر، وهذا الاختلاف: تارة بدوي يزول بأدنى تأمل إذا كان بينهما جمع عرفي بالتخصيص أو الحكومة ونحوهما، فإنهما حينئذ متوافقان، وكان أحدهما أو كل منهما قرينة على المراد بالآخر، واخرى مستقر لا يزول بعد كمال الدقة والتأمل أيضا.


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1 و 5. (3) مستدرك الوسائل: ج 18 ب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 2. (*)

[ 446 ]

ثم لا ريب في أن الاختلاف المستقر داخل في موضوع الكلام وأجلى مصاديقه. وأما الغير المستقر: فان كانت النسبة بين الدليلين الورود فالظاهر خروجهما عن محل الكلام، فإن موضوع الدليل الوارد وإن كان داخلا تحت الدليل الآخر ومشمولا لحكمه قبل قيام الوارد، إلا أنه بقيامه يخرج عن شمول عنوان موضوع ذاك المورود حقيقة، فمثلا إذا كان شئ مشكوك الحل والحرمة، ومحكوما في الظاهر بالحلية، داخلا فيه عموم قوله (عليه السلام): " والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " (1) ثم قامت البينة على أنه خمر وحرام فلا شبهة في أنه يخرج بقيام البينة عن هذا العموم حقيقة، ولا يدخل في آن واحد تحت الدليلين لكي يقع بينهما اختلاف في حكمه، بل الحلية الظاهرية ثابتة فيه قبل قيام البينة، والحرمة الواقعية مترتبة عليه بعدها، ولا منافاة، فموارد ورود أحد الدليلين على الآخر خارج عن موضوع الكلام ومورد أخبار العلاج. وأما إن كانت النسبة بين الدليلين الحكومة أو التخصيص فهل هما أيضا خارجان عنه لكمال التلائم بينهما بعد حكم العقلاء بقرينية أحدهما للمراد بالآخر، أو داخلان فيه لكونه موجبا - مثلا - لارتفاع حكم العام أو المحكوم عن بعض ما هو مصداق لموضوعه حقيقة وإن كان هذا الارتفاع حكما عقلائيا لرفع الاختلاف البدوي الموجود بينهما ؟ وجهان يأتي البحث عنهما بعد تمام البحث عن مفاد أخبار العلاج إن شاء الله تعالى. ويلحق بموارد التخصيص أو الحكومة ما إذا كان بين الدليلين جمع آخر عرفي، ولو بأن يكون كل منهما قرينة على إلتزام تصرف ما في المراد بالآخر، كما لا يخفى. نعم، إذا كان التخصيص أو الحكومة أو هذا التصرف الآخر بقرينة متصلة موجبة لعدم انعقاد ظهور الكلام من أول الأمر إلا في ما بقي - كما إذا قال:


(1) الوسائل: ج 12 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4. (*)

[ 447 ]

" أكرم العلماء إلا الفساق منهم "، أو في الاستحباب مثلا كما إذا قال: " اغتسل للجمعة ولا عقاب على تركه " إلى غير ذلك - فلا شبهة في عدم مجال توهم صدق عنوان الإختلاف أو التعارض أصلا. ثم إن مصب التخصيص أو التقييد أو الحكومة ونحوها إنما هو مفاد الجمل الواردة في بيان الأحكام، فمثل قولنا: لا تكرم الفساق من العلماء، بمدلوله التصديقي الحاكي عن تحقق إرادة المتكلم جدا بمفاده إذا قيس إلى مثل " أكرم العلماء " الدال بنفسه على وجوب إكرام جميع العلماء يقدم عليه، ويوجب خروج الفساق منهم عن هذا الحكم، وهو لا يكون إلا بتقديم الاصول الكاشفة عن إرادة المولى في دائرة الخاص على الاصول الجارية في دائرة العموم، ويعبر عن هذا التقديم بالتخصيص، فعنوان التخصيص إنما ينتزع عن تقديم مفاد الدليل المخصص في الكشف عن إرادة المتكلم (المولى) على مفاد العام، فرفع اليد عن أصالة الظهور الجارية في العام مأخوذ ومفروض في التخصيص، وهكذا الأمر في تقديم مفاد الدليل الحاكم على المحكوم، وحينئذ فإجراء الورود أو الحكومة في نفس الاصول اللفظية - كما في رسالة الشيخ الأعظم (قدس سره) لا يخلو عن إبهام. اللهم إلا أن يقال: إن تقديم الاصول اللفظية بعضها على بعض وإن اشرب في معنى الحكومة والتخصيص إلا أنه إذا نظرنا إلى نفس تلك الاصول مستقلة أيضا لنرى أن بعضها يقدم على بعض، وهذا التقديم أيضا يحتمل فيه أن يشبه التخصيص أو الحكومة أو الورود. وحينئذ فالحق أنه لا مجرى حقيقة لأصالة العموم مع الخاص، فتقديم أصالة الظهور الجارية في الخاص على أصالة الظهور الجارية في العموم إنما هو بنحو الورود لا غير، فإنه لا يرى العقلاء للأصل الجاري في العام حينئذ مجالا كما لا نتصور معنى معقولا للحكومة، مع أن قوامها بلسان الدليل، ولا دليل لفظي في باب إعتبار الاصول اللفظية ولا في تقديم أحدها على الآخر، هذا في العام والخاص. ومثله بعينه باب المطلق والمقيد. ونظيرهما أيضا موارد الحكومة.

[ 448 ]

2 - فصل في ثمرة هذا الاختلاف لما كان عموم أدلة اعتبار السند أو الظهور يقتضي صدور كل خبر معتبر السند وتعلق الإرادة الجدية بمفاده، وإذا انضمت إليها أصالة الجهة كان مقتضاها أن مفاده مراد واقعي من دون تقية. فإذا وقع بين مفادي الدليلين اختلاف، فإن كان إختلافا بدويا غير مستقر يجمع بينهما جمع عقلائي يرتضيه العرف، فلا اشكال، إذ معه يكون بعضها قرينة للمراد بالآخر، وعونا في انفهام مراد المتكلم من مجموع كلماته، فيكون مقتضى القواعد الحكم بصدور الكل، وإرادة مضامينه بما تقتضيه الاصول اللفظية بعد انضمام بعضها إلى بعض. وأما إذا كان الإختلاف مستقرا دائميا، والمفروض أنه لا جمع بينها عرفيا فيتحير العرف حينئذ، ويحكم بورود خلل في بعض هذه الأدلة والاصول: إما في ناحية الصدور، وإما في ناحية الإرادة، وإما في ناحية جهة الإرادة، والظاهر أنه لا مزية لإحدى الجهات على الاخرى. وبعبارة اخرى: إن العثور على مراد أحد إذا كان من ناحية كلامه المنقول موقوف على صدور كلام منه، وعلى تحمل صحيح من سامعه، وعلى بقائه كما صدر في حفظه، وعلى أدائه كما هو في الرواية، وعلى تحملنا له كما هو، وعلى تعلق إرادته بمدلول كلامه، وعلى أن تكون إرادته له لأجل بيان الحكم الواقعي. فإن لم يكن للكلام المروي ما يخالفه، أو كان هنا جمع عقلائي عرفي فجميع هذه المراحل أو أزيد منها ثابتة كما هو المتوقع، ويتحقق الظفر بمراد المتكلم، وأما إذا اختلف الدليلان ولم يكن هنا جمع عرفي فيحصل العلم الاجمالي بوقوع الخلل في بعض هذه المراحل، وعدم مطابقة بعض هذه الأدلة والاصول للواقع، فإن كان بينها ما كان قطعيا خرج هو عن أطراف العلم الإجمالي، وبقي الباقي طرفا له، وحينئذ فيقع التعارض بين أدلة اعتبارها بلا رجحان لأحدها على الآخر.

[ 449 ]

والحاصل: أن هنا اصولا عقلائية وبناءات كذلك معتبرة، كأصالة عدم الخطأ في التحمل والاداء والحفظ، وأصالة الظهور، وأصالة الجهة وغيرها، ومنها إعتبار قول الثقة ونعبر عنه بأصالة صدقه، فإذا وقع بين دليلين اختلاف غير قابل للجمع العرفي يحصل علم إجمالي بوقوع الخلل في مقتضى بعض هذه الاصول، فإذا لم يكن شئ منها قطعيا كان جميعها طرفا لهذا العلم الاجمالي، فيقع التعارض بينها جميعا، وليس شئ منها أولى من الآخر أصلا. فما في الكفاية من قوله: " إنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها قطعيا دلالة وجهة، أو ظنيا فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض أو الكل، فانه حينئذ لا معنى للتعبد بالسند في الكل، إما للعلم بكذب أحدهما، أو لأجل أنه لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها، فيقع التعارض بين أدلة السند، كما لا يخفى... " مخدوش فيه في القطعيين والظنيين جميعا: وذلك أن دليل اعتبار السند كدليل إعتبار الظهور وكأصالة الجهة وسائر الاصول الجارية في الألفاظ قواعد كلية، وبناءات عملية عقلائية قد أمضاها الشارع باتحاد مشيه ومسيره مع جميع العقلاء في محاوراته، وإن ورد عنه لفظ - كما في إعتبار السند - فإنما هو أيضا إمضاء لفظي وإلا فليس للشرع تعبد خاص في شئ منها، وعليه فليس ثبوت حكم شرعي بالرواية المعتبرة إلا نتيجة لإنطباق قواعد متعددة عقلائية - لم يعدل عنها الشارع - على مورد هذه الرواية، لا أن الشارع قد تعبد بالخصوص في موردها تعبدا أو تعبدات متعددة خاصة. وحينئذ فإذا لم يمكن الأخذ في الروايتين المختلفتين مثلا بمقتضى جميع هذه القواعد - كما عرفت - علم إجمالا بورود الخلل في بعضها، وليس شئ منها أولى بتوجيه الخلل إليه من الآخر، وحيث إن كلا منها قاعدة كلية غير ناظرة إلى خصوص المورد، فليس عدم ترتب الأثر العملي عليها في مورد دليلا على عدم جريانها، لكي يرد النقص والخلل عليها دون ما تترتب عليها، فلا يمكن تصديق قوله (قدس سره): " لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها " لما عرفت، ولأن لازمه أن

[ 450 ]

لا يصح التعبد بصدور ما كان مجملا بنفسه، وهو مما لا يقبله العرف. بل ولا قوله: " لا معنى للتعبد بالسند في الكل، للعلم بكذب أحدهما " وذلك أن قطعية الدلالة والجهة لا تلازم قطعية التحمل والحفظ والأداء، حتى يلزم منها العلم بعدم صدور أحدهما، فلعل كليهما صدر ووقع خبط في تحمله أو حفظه أو أدائه، اللهم إلا أن يقال: إن التعبد بالسند ينطوي فيه كل من التعبد بالصدور والتحمل الصحيح والحفظ والأداء الصحيحين، فتأمل. فتحصل: أن نتيجة هذا الاختلاف وثمرته - في الغالب - وقوع التعارض بين أدلة وقواعد متعددة تقتضي مجموعها ثبوت قضية أو حكم، للعلم الإجمالي بورود الخلل في بعضها. 3 - فصل مقتضى الأصل الأولي في المتعارضين لما كان لا ريب في أن اعتبار خبر الثقة كاعتبار الظواهر إنما هو بما أنه طريق إلى الواقع فمع تعارض الدليلين فقد تعارض طريقان، فلا محالة يعلم إجمالا بوقوع الخلل في بعض هذه الطرق، لعدم إمكان طريقية جميعها طريقية معتبرة لأدائها إلى التناقض المستحيل، فلا محالة بعضها كذب لا حجة فيه، وبالجملة: فمفاد كلا المتعارضين أو جميع المتعارضات ليس حجة، وحيث إن بعضها ليس أولى من الآخر فليس شئ من الخبرين أو الأخبار المتعارضة حجة في خصوص مفاده، وهو واضح. وهل المتعارضان حجة على نفي الثالث ؟ اختار المحقق الخراساني ذلك، وصرح به أيضا الشيخ الأعظم (قدس سره) في أواخر بحثه عن المتعادلين، حيث قال: " والمفروض عدم جواز الرجوع إلى الثالث لأنه طرح للأمارتين " (1).


(1) فرائد الاصول: ج 2 ص 765. (*)

[ 451 ]

وكيف كان فقد استدل له: تارة بما في تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره): من أن العلم بالكذب الموجب للسقوط عن الحجية إنما هو بالنسبة إلى المدلول المطابقي لكل منهما، وأما بالنسبة إلى مدلولهما الالتزامي - وهو نفي الثالث المخالف لكل واحد منهما - فلما لم يكن بينهما تناف ولم يعلم كذب أحدهما ولو إجمالا فلا مانع من جمعهما مع وجود المقتضي، على ما هو المفروض من اشتمال كل على جميع ما يعتبر في الحجية... فيكون نفي الثالث مستندا الى كل واحد (1). انتهى. لكنه يرد عليه أولا: أن ما نحن فيه ليس من باب الدلالة الإلتزامية فإنها إنما تصح في ما كان اللازم من البين بالمعنى الأخص، أي مما كان نفس تصور المعنى الملزوم موجبا لإنتقال الذهن إلى اللازم، كما في حاتم والجود، والعمى والبصر، ومن الواضح أنه ليس بين إثبات الشئ ونفى كل من ما يخالفه هذه الملازمة. وثانيا - كما أفاده في تعليقته - أنه لا وجه لبقائه على الحجية بالإضافة إلى مدلوله الإلتزامي، إذ ليس للفظ دلالة عليه بالإستقلال، بل بتبع دلالته على مدلوله المطابقي، فكيف يبقى حجة بالنسبة إليه بعد ما لم يكن حجة على ما كان دلالته عليه بتبعه " انتهى " وبعبارة اخرى: إن لازم كون الشئ واجبا - مثلا - أنه ليس بمستحب، فإذا لم يثبت وجوبه لابتلائه بالمعارض وانهدم الأصل فكيف يبقى الفرع ؟ فإنه فرع لواقع الوجوب الذي لم يبق سليما. ويستدل له اخرى - كما في التعليقة والكفاية -: بأنه لما كان المفروض اشتمال كل من المتعارضين على جميع شرائط الحجية فالمقتضى للحجية في كل منهما موجود ولا مانع عنه إلا العلم بكذب أحدهما، وما علم كذبه ليس إلا أحدهما بلا عنوان، وأما الآخر بلا عنوان - أيضا - وإن احتمل كذبه واقعا، لكنه لا دليل عليه، وأدلة الحجية تقتضي اعتباره، فمقتضى القاعدة سقوط أحدهما بلا عنوان عن الحجية وكون الآخر كذلك حجة، فحيث إنه لا تعيين لما هو الحجة


(1) تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره): ص 266، منشورات مكتبة بصيرتي (*

[ 452 ]

واقعا، فلا حجة على خصوص مؤدى كل منهما، في عين أنه ينتفي الثالث بما هو الحجة منهما، والفرق بين هذا الوجه وسابقه أن نفي الثالث كان بهما على الوجه الأول بخلاف هذا الوجه، فإنه عليه بخصوص احدهما بلا عنوان الذي هو حجة واقعا. أقول: إن ما هو المسلم هو أنا نعلم إجمالا بعدم مطابقة أحد الطريقين للواقع، وهو مانع عن حجية كليهما معا، في ما كان إعتباره على أساس الطريقية فلا محالة لا يثبت مدلول كليهما، وحيث لا مرجح لأحدهما على الآخر في ما هو ملاك الحجية والطريقية فليس شئ منهما حجة في خصوص مفاده، وأما أن أحدهما بلا عنوان حجة لكي ينتفي به الثالث المخالف لهما فهو أمر ممكن، كما يحتمل أن لا يعبأ بشئ منهما أصلا بعد هذا الاختلاف، ولا طريق لإثبات كل من الوجهين إلا ثبوت أن أحدهما بالخصوص هو حكم العرف والعقلاء في موارد تعارض الطرق، وليس شئ منهما واضحا عندي، وعهدة دعوى كل منهما بالخصوص على مدعيها. وكيف كان فالمتحصل مما تقدم: أن مقتضى القاعدة الأولية هو سقوط كل من المتعارضين عن الطريقية وعن الحجية في خصوص مفادها، بلا فرق بين المتعادلين وبين غيرهما مما كان لأحدهما مزية على الآخر، إلا أنه لابد وأن يكون كلا الطرفين واجدا لشرائط الحجية فلو خرج أحدهما عن ضابطة الحجية لما قاوم الآخر، وكان الآخر الجامع للشرائط حجة بلا معارض. 4 - فصل في مقتضى أخبار العلاج إن الأخبار الواردة في علاج المتعارضين على ثلاث طوائف: اولاها ما تدل على التخيير في العمل بكل منهما مطلقا، الثانية ما تدل على عدم حجية كل منهما ووجوب التوقف عن الفتوى بكل منهما، والثالثة ما تدل على وجوب الأخذ

[ 453 ]

والعمل بخصوص ذي المزية. أما الطائفة الاولى فقد ادعى الشيخ الأعظم (قدس سره) استفاضتها، بل تواترها، ونسب إلى المشهور بل جمهور المجتهدين القول بمفادها في المتعادلين من المتعارضين. وهي عدة من الأخبار: منها: ما رواه ثقة الاسلام في اصول الكافي في الموثق، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ فقال: " يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه " (1). بيان الدلالة أن موضوع السؤال هو الإختلاف الناشئ عن إختلاف خبرين متعارضين أحدهما يأمر بشئ والآخر ينهى عنه، وقد حكم (عليه السلام) بأنه في سعة منهما، والسعة عبارة اخرى عن تخييره في العمل بكل من الخبرين. وفيه: أن الفقرة الاولى من الجواب قد أمرت بإرجاء الأمر إلى أن يلقى من يخبره، وهو من يكون خبره حجة معتبرة قطعية، وهو الإمام (عليه السلام) فقد دلت على أن ليس له أن تأخذ بخصوص أحد الخبرين ويجعل مفاده حكم الله تعالى، بل عليه أن يتوقف عن الأخذ بكل منهما والفتوى به، وحينئذ فالفقرة الثانية الحاكمة بأنه في سعة في هذه الفترة، يراد بها أنه ليس في ضيق لكي يجب عليه الإحتياط بإلتزام واحد منهما، بل هو بالنسبة لمقام العمل في سعة في الفعل والترك، وهذه السعة إما مفاد حديث الرفع وقبح العقاب بلا بيان، أو مفاد التخيير العقلي في الدوران بين الوجوب والحرمة، وأيا ما كان فهو غير التخيير في مقام الأخذ بالخبر والفتوى به، فالموثقة من أدلة التوقف لا التخيير. نعم، لا يبعد أن يقال إن مورد السؤال إختلاف المفتيين في الفتوى، بقرينة نسبة الأمر والنهي إليهما لا إلى دلالة روايتهما، فالمستفتي في عين أنه لم يصل


(1) الكافي: ج 1 ص 66 باب اختلاف الحديث ح 7 الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 5 و 6. (*)

[ 454 ]

إلى حكم الله بعد هذا الإختلاف فهو في سعة حتى يلقى إمامه ويخبره. وكيف كان فالحديث لا يدل على التخيير في الأخذ بكل من المتعارضين. ومنها: مرسل الكليني المذكور ذيل هذه الموثقة بقوله: " وفي رواية اخرى: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك " (1) فقد حكمت بسعة المكلف في الأخذ بأي الروايتين شاء وتخييره فيه، فهو كالصريح في جواز الفتوى بأي منهما إختار. وفيه: أن ما استفيد صحيح إن كان قوله " بأيهما أخذت... " تمام الجواب وكله، بأن يكون هذا القول مكان كلتا الفقرتين المذكورتين، لكنه غير متعين، فإنه يحتمل بل ربما يستظهر أنه قائم مقام الفقرة الثانية منهما الدالة على أن المكلف في سعة، أعني مكان قوله " فهو في سعة حتى يلقاه "، فلو كان مكان خصوص الفقرة الثانية لما كان بد من أن يراد به مجرد الأخذ العملي بمفاد كل من الخبرين من دون أن يفتى به ويعد مفاده حكما إلهيا، وذلك بقرينة الفقرة الاولى، حيث أمر فيها بوجوب إرجاء الأمر إلى ان يلقى الامام، ولا معنى لوجوب إرجائه إلا لزوم التوقف عن الفتوى وعدم عد شئ منهما حجة على حكم الله. هذا. مضافا إلى أن هذه الرواية مرسلة لا حجة فيها. ومضافا إلى احتمال أنها مأخوذة من ذيل معتبر الميثمي أو مكاتبة الحميري التي سيجئ الكلام فيها. ومنها: صحيحة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام)، اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروي بعضهم: " صلها في المحمل " وروى بعضهم: " لا تصلها إلا على الأرض " ؟ فوقع (عليه السلام): " موسع عليك بأية عملت " (2) فقد صرح (عليه السلام) بسعة الأمر للمكلف في العمل بأية من الروايتين شاءت، والصحيحة وإن وردت في مورد خاص إلا أنه من الممكن إلغاء الخصوصية عنه إلى جميع الأخبار المتعارضة.


(1) الكافي: ج 1 ص 66 باب اختلاف الحديث ح 7، الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 5 و 6. (2) الوسائل: ج 18 ص 88 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 44. (*)

[ 455 ]

وفيه: أن مورد الصحيحة ليس من التعارض المستقر، ولا من قبيل موارد العام والخاص، بل موردها ورود خبرين أحدهما ظاهر في الشرطية والآخر في عدمها، ومن الواضح أن بينهما جمعا عرفيا يحمل الظاهر في الشرطية على الأفضلية، كما يحمل الأمر الظاهر في الوجوب على الندب بالقرينة، وفي مثله يكون المكلف في سعة في العمل بدليل الأمر والفضل أو بدليل الترخيص في الترك، فمفاد كل من الخبرين باق غاية الأمر أنه يحمل على الفضيلة في الظاهر في الإلزامي فيعمل بكل من الخبرين، والمكلف مخير في العمل بأي منهما، وهذا بخلاف موارد العام والخاص، فانه يخصص فيها العام، فيعمل فيها بالخاص فقط دون العام، اللهم إلا في غير مورد الخاص وموضوعه. وبعد ذلك فلا ربط للصحيحة بالخبرين المتعارضين اللذين يبقى العرف متحيرا بينهما، ويحصل له علم إجمالي بكذب أحدهما. ومنها: ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده الصحيح، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي، وبسنده عن أحمد بن محمد بن نوح أبي العباس السيرافي، عن محمد بن أحمد بن داود، في التوقيع الوارد بإملاء الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح في جواب مسائل محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب هذا نصه: فرأيك - أدام الله عزك - في تأمل رقعتي، والتفضل بما يسهل لاضيفه إلى سائر أياديك علي، واحتجت - أدام الله عزك - أن تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلي إذا قام من التشهد الأول للركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر ؟ فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول بحول الله وقوته أقوم وأقعد. (الجواب) قال: " إن فيه حديثين: أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه تكبير، وأما الآخر فإنه روي: أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه للقيام بعد القعود وتكبير، وكذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى، وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا " (1).


(1) كتاب الغيبة: ص 232 طبعة النجف. (*)

[ 456 ]

ومثله المروي عن احتجاج الطبرسي (1). وتقريب الاستدلال به: أنه (عليه السلام) في الخبرين المختلفين المذكورين في كلامه جعل المكلف في سعة في الأخذ بأيهما أراد من جهة التسليم فكذلك كل خبرين متعارضين. أقول: فقه الحديث: أن السائل طلب من الشيخ أبي القاسم أن يسأل له جواب مسألته عن الإمام المهدي المنتظر - عجل الله تعالى فرجه الشريف - وعبر عنه (عليه السلام) بقوله " بعض الفقهاء ". والظاهر أن ضمير " قال " في جواب الكتاب راجع إليه (عليه السلام) والظاهر أن المراد من وجوب التكبير المذكور في السؤال هو تعينه في أداء الاستحباب في قبال إجزاء قول " بحول الله " مكانه، فإنه الظاهر من هذه المقابلة، مضافا إلى بعد أن يعتقد وجوب التكبير للقيام وجوبا تكليفيا. وكيف كان فالحديثان المشار اليهما في الجواب قد وردا في المستحبات المعروف فيها حمل المطلق والمقيد على الفضيلة، وعليه فالجمع بين ما دل على أن عليه التكبير في جميع موارد الانتقال من حالة إلى اخرى، وما دل على أنه ليس عليه تكبير في القيام بعد الجلوس المتعقب للتكبير: هو أن فضيلة التكبير هنا ليست على حد سائر الحالات. وإن أبيت إلا عن أن مقتضى القواعد هنا أيضا تقييد إطلاق دليل الإستحباب حتى ينتج عدم دليل على استحبابه في القيام المذكور عن الجلوس، فلا ينبغي الريب في أن جوابه (عليه السلام) ينفي هذا الجمع ويصرح بأن العموم والاطلاق مراد منه هنا جدا، ومعه فلا محالة يكون الجمع بينهما بالأفضلية في سائر الموارد وأصل الفضيلة في القيام بعد الجلوس المذكور بل لعله (عليه السلام) لم يقصد بالإشارة إلى الروايتين أن مورد السؤال من موارد اختلاف الأخبار، وإنما قصد بيان أن كلا الوجهين مما قام عليه الحجة فيستحب فعل التكبير وقول بحول الله في مورد الحديثين، ومورد السؤال أيضا ملحق بمورد


(1) الوسائل: ج 4 ص 967 الباب 13 من أبواب السجود الحديث 8، وج 8 ص 87 الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 39. (*)

[ 457 ]

الحديث الخاص، كما صرح به بقوله: " والتشهد الأول... الخ ". وكيف كان ففى مثل هذا المورد حكم بأنه " وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا " فأي ارتباط له بمورد تعارض فيه الخبران، ولم يكن بين المتعارضين جمع عرفي أصلا، بحيث يبقى العقلاء متحيرين وهم عالمون بكذب أحدهما إجمالا. فلا حجة في هذا الحديث أيضا على التخيير في المتعارضين. ومنها: خبر الحارث بن المغيرة - المنقول عن الاحتجاج مرسلا - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم (عليه السلام) فترد إليه (1). بتقريب أنه (عليه السلام) ناظر إلى خصوص الأخبار المختلفة، وقد حكم بأن الأمر موسع على المكلف المنقول إليه، ومقتضاه تخييره في الأخذ بأي منها شاء، وإطلاق التوسعة يمنع عن إختصاصها بتخييره في مجرد مقام العمل، فهو في سعة حتى في الأخذ بكل منها والفتوى به كما لو لم يكن إختلاف، ولا تعارض. إلا أن لقائل أن يقول: إن تذييل التوسعة المذكورة بالرد إلى القائم (عليه السلام)، الذي هو في معنى استعلام الأمر عنه، ربما يدل على أن ليس له الإفتاء بمضمون شئ من المتعارضين، بل عليه التوقف عن الفتوى حتى يرى القائم (عليه السلام) ويستخبره، فهذا الذيل يمنع عن انعقاد الإطلاق للتوسعة ويوجب اختصاصها بسعة الأمر عليه في مجرد مقام العمل. هذا. مضافا إلى أن سند الحديث ضعيف بالإرسال. ومنها: خبر الحسن بن الجهم - المروي مرسلا عن الاحتجاج - عن الرضا (عليه السلام) قال: " قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: ما جاءك عنا فقس على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منا، وإن لم يكن يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق ؟ قال: فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت " (2).


(1) الوسائل: ج 18 ص 87 - 88 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 41. (2) الوسائل: ج 18 ص 87 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 40. (*)

[ 458 ]

والإنصاف أن دلالتها على جواز الأخذ بكل من المتعارضين واضحة، وهو مطلق من حيث وجود مزية في أحد الخبرين وعدمه، كما أنه مطلق يعم جميع الأخبار المتعارضة، لا يختص بقسم خاص منها. إلا أن الكلام في سنده، فإنه مرسل لم يثبت إستناد الأصحاب إليه. ومنها: ما ذكره ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) في ديباجة الكافي في ذيل قوله: " فاعلم يا أخي ارشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شئ مما إختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه، إلا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): " اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه " وقوله (عليه السلام): " دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم " وقوله (عليه السلام): " خذوا بالمجمع عليه فإن المجمع عليه لا ريب فيه ". ونحن لا نعرف من ذلك إلا أقله، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم ذلك كله إلى العالم (عليه السلام) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام): " بايهما أخذتم من باب التسليم وسعكم " (1). وبيان دلالته على التخيير في الأخذ بكل من المتعارضين واضح بعدما مر من الكلام. وأنت بالتأمل فيه ترى أنه لا إطلاق فيه، فإنه (قدس سره) بعد ذكر الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة وإيجاب الأخذ بالمجمع عليه حكم بالتخيير، فلو كان ما ذكره خبر آخر لما أمكن له أن يقاوم ويقابل أخبار الترجيح، بل يوافقها ويؤكدها، لكن الكلام كله في أنه هل هو خبر آخر أو هو مضمون إستفاده من الأخبار الاخر التي مر الكلام في بعضها ويأتي الكلام عن بعض آخر، فعده خبرا مستقلا مرسلا في قبال غيرها غير صحيح ولا مستقيم. ومنها: ما رواه المستدرك عن فقه الرضا (عليه السلام)، قال: " والنفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيام حيضها وهي عشرة ايام - إلى أن قال: - وقد روى ثمانية عشر يوما،


(1) الوسائل: ج 18 ص 80 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 19، الكافي: ج 1 ص 8 و 9. (*)

[ 459 ]

وروى ثلاثة وعشرون يوما، وبأي هذه الأحاديث اخذ من جهة التسليم جاز " (1). فقد ذكر طوائف ثلاث من الاخبار متعارضة، وحكم بالتخيير في الأخذ بأيها شاء، وواضح أنه لا خصوصية لموردها. وفيه: أن هذا الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) لم يعلم أنه إنشاء منه (عليه السلام)، بل يقوى في النظر أنه سمى باسمه (عليه السلام) تيمنا وتبركا، فهو إنشاء بعض العلماء، واستند أو إقتبس في عبارته عما جاء في الأحاديث الاخر التي سمعت الكلام عنها. فقد تحصل مما تقدم: أنه لم تقم حجة على ذلك التخيير الذي إدعى الشيخ الأعظم (قدس سره) تواتر الاخبار به. وسيأتي عند الكلام عن الطوائف الاخر أن عبارة التخيير المشهورة أعني قولهم: " بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك ". لو سلمت وقلنا بإعتبارها فقد خصت بقرينة بعض الأخبار بمورد غير التعارض المستقر، فانتظر. والحمد لله تعالى. هذا كله بالنسبة إلى أخبار التخيير، وهي الطائفة الاولى من الأخبار. الطائفة الثانية: ما ربما يقال بدلالتها على وجوب التوقف عن الفتوى بكل من المتعارضين، وأنه ليس شئ منهما حجة في خصوص مفاده، كما عرفت أنه مقتضى القاعدة فيهما، وهي عدة من الروايات: منها: موثقة سماعة المتقدمة في الطائفة الاولى، حيث قال (عليه السلام): " يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه ". وقد عرفت منا عند البحث عنها أن ظاهر الفقرة الاولى هو إيجاب التوقف عن الأخذ بكل من المتعارضين، وهو مطلق من حيث إشتمال أحدهما على مزية وعدمه، وقد مر أن مفاد الفقرة الثانية هو الترخيص في مقام العمل، وعدم وجوب شئ من الفعل أو الترك بخصوصه. هذا.


(1) مستدرك الوسائل: ج 17 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 12 فقه الرضا: الباب 27 ص 191. (*)

[ 460 ]

لكن لقائل أن يقول باختصاص الموثقة بمورد اختلاف المفتيين، ولا تعم اختلاف الروايتين عند المجتهد المفتي، وذلك أن قوله في السؤال: اختلف عليه رجلان من أهل دينه كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه حيث أوضح الاختلاف المستند إلى الرواية بأن أحدهما يأمره والآخر ينهاه يدل على أن مرتبة السائل لدى المسؤل عنه مرتبة من يأتمر بأمره أو ينتهي عن نهيه، وهذه مناسبة لمرتبة المستفتى من المفتي، لا الراوي من راو آخر الذي ربما كان هو أفقه من الناقل. ومنها: ما رواه في مستطرفات السرائر من مسائل محمد بن علي بن عيسى، عن مولانا أبي الحسن الهادي (عليه السلام)، قال: وسألته عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك صلوات الله عليهم، قد اختلف علينا فيه، كيف العمل به على اختلافه، أو الرد إليك فيما اختلف فيه ؟ فكتب (عليه السلام): ما علمتم أنه قولنا فإلزموه [ فإلتزموه خ ل ] وما لم تعلموا فردوه الينا " (1). فمورد السؤال هو اختلاف الروايات الناقلة لعلومهم (عليهم السلام)، وقد جوز بل أوجب العمل بما علم أنه منهم، وما لم يعلم أنه منهم فقد أوجب رده إليهم (عليهم السلام)، والرد إليهم في الأخبار المتخالفة ولا سيما في قبال الإلتزام به عبارة اخرى عن التوقف عن الأخذ والفتوى به. فقد أمر بالتوقف، وهو مطلق يعم ما كان منا مرجح لأحدهما على الآخر وما لم يكن. ومن المعلوم أن التوقف عن الفتوى بمفاد الحديثين لا ينافي التوسعة في مقام العمل. ومنها: ما رواه الصدوق في العيون عن كتاب الرحمة لسعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله المسمعي، عن أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضا (عليه السلام) وذكر بعد تمام الحديث: " كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه) سيئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث، وإنما أخرجت هذا الخبر في


(1) السرائر: ج 3 ص 584، الوسائل: ج 18 ص 86 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 36. (*)

[ 461 ]

هذا الكتاب لأنه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي. فلا يبعد اعتبار سند الحديث، والحديث طويل وارد في الحديثين المختلفين، وقد صرح فيه الإمام (عليه السلام) بأن ما أحله الله تعالى أو حرمه في كتابه أو فرضه في كتابه مما كانت رسمها بين قائم، بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك الذي يجب الأخذ به وليس لاحد تغييره، فلا يؤخذ بحديث جار على خلافه، كما أن ما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلالا أو حراما أو فريضة فهو كذلك، لا يصدر عن الائمة المعصومين (عليهم السلام) خلافه. ثم قال: وإن الله نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل نهي إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس بأمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان في الدين، ثم رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول، فما كان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهي اعافة أو أمر فضل فذلك الذي يسع إستعمال الرخصة فيه إذا ورد عليكم عنا الخبر بإتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما، يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا أو بايهما شئت وأحببت، موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والرد إليه وإلينا، وكان تارك ذلك من باب العناد والإنكار وترك التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مشركا بالله العظيم، فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فأعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فأعرضوه على سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام ومأمورا به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر إلزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الأخير خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا وبأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم

[ 462 ]

طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا " (1). بيان دلالة هذا الحديث الشريف أنه (عليه السلام) ذكر أولا معيارا به يعرف الحديث الذي لا يمكن صدوره عنهم (عليهم السلام) بالمرة، سواء كان في قباله ما يخالفه أم لا، وهو ماكان مخالفا لفرائض القرآن أو حلاله أو حرامه، أو كان مخالفا لما سنه رسوله (صلى الله عليه وآله) كذلك، ثم ذكر أنه قد يرد عن الله أو رسوله ما واقعه ليس بإلزام وحتم - وإن كان بظاهر الإلزام - ثم يرد عنهم (عليهم السلام) ترخيص فيه، فهذان ليسا بمختلفين، بل الخبر الأخير بيان للترخيص الذي كان مرادا لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وآله)، وعلامة ذلك أن يكون خبر الترخيص معروفا عند الرواة غير منكرين له، فهاهنا يؤخذ بكلا الخبرين، وأحدهما قرينة على المراد من الآخر، وبلسان اصطلاحنا لا معارضة بين الخبرين بل يجمع بينهما ويجعل خبر الترخيص قرينة على إرادة الندب أو الكراهة من الأمر والنهي المذكورين. فقد أمر الإمام (عليه السلام) بالعمل في الأخبار المختلفة أيضا على هذا المنوال ثم قال (عليه السلام): " وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه...، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف... حتى يأتيكم البيان من عندنا ". ومن الواضح أن الخبرين المتعارضين إذا كانا واجدين لشرائط الاعتبار داخلان في هذا الذيل الذي حكم عليه (عليه السلام) بوجوب التوقف والتثبت إلى أن يتضح الأمر ببركة بيانهم (عليهم السلام). هذا هو فقه هذا الحديث المبارك، ويدل بوضوح على لزوم التوقف عن العمل بالأخبار المتعارضة مطلقا، وما قد يتوهم من أنه من أخبار الترجيح بموافقة الكتاب ناش عن قلة التأمل، فإن المخالفة المذكورة فيه هي المخالفة الموجبة لسقوط الخبر عن الإعتبار رأسا، كما لا يخفى. ثم إنه (عليه السلام) حكم بالتخيير بين العمل بخبر الأمر أو النهي والعمل بخبر الترخيص، وقال ما معناه: إن الذي ورد عن المعصومين من قولهم (عليهم السلام): بأيهما


(1) الوسائل: ج 18 ص 81 - 82 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 21. (*

[ 463 ]

أخذت من باب التسليم وسعك إنما هو في هذا المورد، فالمكلف فيه مخير بين الأخذ بخبر الأمر - مثلا - بعد حمله على الإستحباب - فيأتي به لله تعالى وبين الأخذ بخبر الرخصة فيتركه لأنه مستحب ليس بفرض، وهكذا خبر النهي والترخيص في الفعل، فظاهر كلامه (عليه السلام) أن التخيير والتوسعة المنقولة عنهم (عليهم السلام) يختص بهذا المورد الذي ليس من التعارض المستقر. وهذا الذي وعدناه من دلالة الأخبار على عدم تشريع التخيير في المتعارضين. فتذكر. ومنها: ما رواه الصفار في بصائر الدرجات - في باب في التسليم لآل محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: أقرأني داود بن فرقد الفارسي كتابه إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) وجوابه بخطه، فقال: نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك قد اختلفوا علينا فيه، كيف العمل به على إختلافه إذا نرد اليك، فقد اختلف فيه، فكتب وقرأته: " ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه إلينا " (1). وبيان دلالته على التوقف وإطلاقها يظهر مما ذكرناه ذيل ما نقلناه عن السرائر، فلا حاجة إلى الإعادة. كما أن سند الحديث معتبر. ومنها: ما عن الإحتجاج مرسلا عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به والآخر ينهانا عنه، قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله. قلت: لابد أن نعمل بواحد منهما، قال: خذ بما فيه خلاف العامة " (2). وهو كما ترى قد نهى عن العمل بواحد منهما إلى أن يتبين الأمر بالسؤال عن ولي الأمر، ومورده وإن كان الخبرين المختلفين بالأمر بالشئ والنهي عنه، إلا أنه لا يبعد دعوى إلغاء الخصوصية عنه إلى كل خبرين متعارضين.


(1) بصائر الدرجات: الجزء 10 ص 524 الباب 20 الحديث 26 عنه المستدرك: ج 18 الباب 9 من صفات القاضي الحديث 10. (2) الوسائل: ج 18 ص 88 الباب 9 من صفات القاضي الحديث 42. (*)

[ 464 ]

لكنه كما ترى مختص بما إذا أمكن تأخير الواقعة، وإلا فظاهره حجية خصوص ما فيه خلاف العامة، هذا. مع أن سنده ضعيف بالإرسال. فهذه الطائفة قد وجدت فيها روايات معتبرة السند تامة الدلالة على عدم جواز العمل بشئ من الخبرين المختلفين، وإطلاقها شامل لما إذا كانت لأحدهما مزية على الآخر ولما إذا كانا متعادلين. وقد يقال باختصاصها بزمن حضورهم (عليهم السلام)، لما في جميعها من جعل غاية التوقف أن يسأل الإمام (عليه السلام) أو يأتي البيان من عندهم، فشمولها لأمثال زماننا مما لا يرجى أن يأتي من عندهم البيان غير واضح. إلا أن لقائل أن يقول: إن مفاده عدم حجية المتعارضين لأجل التعارض والإختلاف، وذكر السؤال وإتيان البيان ليس إلا تعليق الحكم باتضاح الواقع وتميز الحق من الباطل، فإنه بالسؤال عنهم وإتيان البيان من عندهم يتبين الحق ويعلم الواقع، ويتبين الحق من الحديثين، ويرتفع الغشاء من البين، فمفاده عام لجميع الأزمنة فتدبر جيدا. وكيف كان فإذا وضعت هذه الطائفة جنب بعض أخبار الطائفة الثالثة، مثل مقبولة ابن حنظلة الصريحة في حجية مخالف العامة في زمان الحضور ومع إمكان إرجاء الواقعة - كما يظهر من ذيلها -، فلا محالة يكون أخبار الطائفة الثالثة قرينة إما على حمل مفاد الهيأة الآمرة بالتوقف على الندب والفضل، وإما على تقييد إطلاقها بما إذا لم يكن هنا بعض المزايا المذكورة، والأظهر هو الجمع الأول لبعد أن تكون ناظرة إلى خصوص المتعادلين، وعلى أي حال فالأمر سهل. الطائفة الثالثة: أخبار الترجيح الظاهرة في وجوب الأخذ بذي المزية، وهي أخبار متعددة ذات مضامين مختلفة، بحيث ربما يقال بتعارضها بنفسها وعدم إمكان الاستفادة منها في علاج غيرها، إلا أن التحقيق أنه وإن كان ربما يتراءى إبتداء بينها التعارض إلا أنه يرتفع بالتأمل فيها. وبيان ذلك: أن هذه الأخبار على ألسنة مختلفة:

[ 465 ]

القسم الأول: ما ربما يستظهر منه وجوب الأخذ بالخبر الذي تاريخ صدوره بعد ما يعارضه: ففي خبر المعلى بن خنيس قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم وحديث عن آخركم بايهما نأخذ ؟ فقال (عليه السلام): " خذوا به حتى يبلغكم عن الحي، فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله " قال: ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم ". وقال الكليني (قدس سره) في ذيله: " وفي حديث آخر: خذوا بالأحدث " (1). ونحوه خبر أبي عمرو الكناني (2) ومرسل الحسين بن المختار (3). فربما يقال: إنها تدل على أن الواجب في المتعارضين هو الأخذ بالأحدث، وهو مناف لما يدل على الأخذ بموافق الكتاب أو بمخالف العامة أو بالمشهور، مع أنه لم يقل به الأصحاب. والحق: أن هذه الأخبار ليس لها لسان عام، ولا متضمنة لقاعدة كلية في علاج تعارض الروايات حتى يتوهم تعارضها لسائر الأخبار، بل إنما هي بصدد تعليم الشيعة وتنبيههم لإتباع كل ما يصدر عن أئمتهم (عليهم السلام) لرعاية حالهم وحفظ حياتهم عن هجوم أعداء الله تعالى وأعدائهم، فهي ناظرة إلى التصرفات التي تقع منهم (عليهم السلام) في مقام تدبير أمر الشيعة وفي مقام إعمال الولاية والإمامة الالهية، حفظا لهم عن الخطرات المتوجهة إليهم، وعن كيد القدرة الطاغوتية المتسلطة على المسلمين، الغاصبة لحقوق أئمتهم (عليهم السلام). كما ينادي به قوله (عليه السلام) في هذه الرواية بعد بيان الوظيفة: " إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم " فلو كان الحديث في مقام بيان محض حكم التعارض فهل تراه (عليه السلام) محتاجا إلى ذكر هذه الزيادة مع التأكيد بالقسم. وأظهر منه في هذه الجهة قوله (عليه السلام) في ذيل خبر أبي عمرو: " يا أبا عمرو،


(1 و 2 و 3) الوسائل: ج 18 ص 77 - 79 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 8 و 9 و 17 و 7. (*)

[ 466 ]

أبى الله أن يعبد إلا سرا، أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، أبى الله عز وجل لنا في دينه إلا التقية ". ويشهد لذلك أيضا: أن مفروض الكلام في خبر أبي عمرو والحسين بن المختار هو سماع الراوي الخبرين المختلفين من الإمام (عليه السلام) بلا أي واسطة، فأمره (عليه السلام) بالأخذ بالاخيرة أو استصوابه له لا معنى له إلا ما ذكرنا، واراه واضحا لا يخفى. ويشهد له أيضا تعليق حكمه على عنوان " الحي " يعني أنه لحياته وإعمال ولايته وإمامته يرشدكم إلى ما ينبغي لكم المشي عليه بلحاظ خصوص زمانكم، فلو كان حكما كليا إلهيا لما اختلف فيه حياة الإمام (عليه السلام) القائل وموته. القسم الثاني: ما يدل على أن الحديث أيضا ينسخ كما ينسخ القرآن، فربما يظن أن مفاده أيضا وجوب الأخذ بالخبر الأخير الأحدث، كما في القسم الأول، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: " ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتهمون بالكذب فيجئ منكم خلافه ؟ قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن " (1). ومورده وإن كان الحديث الصادر عنهم (عليهم السلام) مخالفا لما ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن الجواب عام لكل حديث متأخر، ويدل على أن الحديث حيث إنه يقبل النسخ فلا محالة يكون الحديث المتأخر ناسخا للمتقدم، والنسخ إن سلم إختصاصه بزمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فكلا الناسخ والمنسوخ قد أوحى إليه (صلى الله عليه وآله) وأو كل إظهاره إلى الإمام الوصي بعده، حتى أن من الممكن صدور الحديث الدال على الحكم الأول عن بعض الأئمة (عليهم السلام) أيضا ثم صدور الناسخ عن الإمام بعده أو عنه بعد الزمان الأول. وبالجملة: فمفاد الصحيحة: أن الحديث المتأخر لكونه ناسخا لما تقدمه ورد مخالفا له. هذا.


(1) الوسائل: ج 18 ص 77 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 4. (*)

[ 467 ]

والحق: أن هذه الصحيحة أيضا وإن أبدت احتمال النسخ في الخبر المتأخر إلا أنه ليس لها لسان عام، ولا متضمنة لضرب قاعدة كلية في علاج تعارض الأخبار لكي يكون المخاطب مأمورا بالحمل على ناسخية المتأخر، فلا ينافي ما يدل بصورة كلية وقانون عام على أنه يؤخذ من المتعارضين بما خالف العامة أو وافق القرآن كما في المقبولة وغيرها. القسم الثالث: ما تضمن الأخذ بذي مزايا اخر: وهي الشهرة، وموافقة الكتاب، ومخالفة العامة، وربما يزاد عليها صفات الراوي: أما الترجيح بالصفات فقد ذكر في مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة: ففي المقبولة بعد إيجابه (عليه السلام) على المتنازعين أن يرجعوا إلى رجل من الشيعة عارف بحديثهم وأحكامهم قال عمر بن حنظلة: " قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر [ ليس يتفاضل كل واحد منهما على صاحبه خ يب ] قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الامور ثلاثة، أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات إرتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما [ عنكم. خ يب ] مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.

[ 468 ]

قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة [ أرأيت إن المفتيين غبى عليهما معرفة حكمه من كتاب وسنة خ يب ] ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما خالف [ بما خالف. خ يب ] العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك: فإن وافقهما الخبران جميعا ؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه اميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات (1) والعبارة موافقة لمتن الكافي، ورواه التهذيب مثله إلا في بعض الموارد وقد أشرنا إلى أهمه. وفي مرفوعة زرارة المروية عن عوالي اللآلي عن العلامة أنه روي مرفوعا إلى زرارة بن أعين، قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبايهما آخذ فقال (عليهما السلام): يا زرارة خذ بما إشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت: يا سيدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال (عليه السلام): خذ بقول اعدلهما عندك واوثقهما في نفسك فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال (عليه السلام): انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم، قلت: ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع ؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الإحتياط. فقلت: إنهما معا موافقان للإحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع ؟ فقال (عليه السلام): إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الأخير. وفي رواية: أنه (عليه السلام) قال: " إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله " (2). ولقد نقلنا الحديثين بطولهما لئلا يفوت أو لا يتوهم قرينية بعض فقراتهما على


(1) الكافي: ج 1 ص 67 - 68 باب اختلاف الحديث الحديث 10، التهذيب: ج 6 ص 302 باب زيادات القضاء ح 52. (2) المستدرك: ج 7 ص 303 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 2. (*)

[ 469 ]

الاخرى، وللاحتياج إلى فقراتهما الاخر في المزايا الاخر. وكيف كان فقد ذكر الترجيح بالصفات في كلا الخبرين إلا أنه في المقبولة مقدم على جميع المزايا، وفي المرفوعة متأخر عن الأخذ بالمشهور. قال الشيخ الأعظم (قدس سره) ذيل المقبولة: " ظاهر الرواية تقديم الترجيح من حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة والشذوذ، مع أن عمل العلماء قديما وحديثا على العكس، على ما يدل عليه المرفوعة الآتية، فإن العلماء لا ينظرون عند تعارض المشهور والشاذ إلى صفات الراوي. أقول: إن المذكور في المقبولة من الترجيح بالصفات إنما ورد في ترجيح الحكمين، فلا يلتفت إلى حكم المفضول في قبال الأعلم الأعدل الأصدق، وهذا أمر لم يعرض المشهور عنه، بل ظاهر كلمات الأصحاب في باب القضاء دعوى الإجماع على تقديم الأفضل عن بعض، ونسبته إلى الأشهر عن بعض فراجع. وبالجملة فالمقبولة حكمت بتقديم حكم الحاكم الأعدل الاعلم، ولا دليل فيها على تعدي الترجيح بالصفات إلى المتعارضين من الأخبار، بل ولا شاهد على الترجيح بها فيها إلا مرفوعة زرارة، وهي ضعيفة السند جدا، حيث إنها مرفوعة لم تنقل عن كتب العلامة (رحمه الله)، ولم يعلم عمل الأصحاب بها، ولا فتوى الأصحاب بأن صفات الراوي من المرجحات، فهذا ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) لم يذكر في ديباجة الكافي الترجيح بالصفات أصلا، كما أنه لم يذكر فيما روى عن الشيخ المفيد (قدس سره) عن رسالة العدد، وانما ذكر هذان العلمان موافقة الكتاب ومخالفة العامة والأخذ بالمجمع عليه فراجع (1). فالحق أنه لا دليل على أن صفات الراوي من المزايا المنصوصة. هذا كله في الترجيح بالصفات. وأما الشهرة فالمذكور في مقبولة عمر بن حنظلة " المجمع عليه " وهو المذكور


(1) المستدرك: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 11. (*)

[ 470 ]

في كلام العلمين، ومن الواضح أنه إذا كان أحد المتعارضين مما أجمع الأصحاب على نقله وعملوا به، وكان في مقابله خبر شاذ لم ينقله إلا شاذ قليل أو نقلوه وأنكروه، فهذا الخبر الشاذ ليس واجدا لشرط الحجية بنفسه فلا يصلح أن يعارض هذا الخبر المجمع عليه، كما لو كان خبر ضعيف السند في قبال رواية معتبرة السند معمول بها، وظاهر الاجماع على خبر أن ينقله الكل، فلا يشذ عن نقله أحد، وبالجملة فشذوذ الخبر وإعراض الأصحاب موجب لعدم حجية الخبر، لا سيما إذا كان في مقابل ما أجمع الكل على نقله، فالأمر بأخذ المجمع عليه من باب أنه الحجة الوحيدة، والشاذ ليس بحجة، وهذه الفقرة من المقبولة من قبيل تميز الحجة عن اللاحجة. نعم، لو قلنا بأن المراد بالمجمع عليه مجرد المشهور، وأن الحديث من باب الإلزام بأخذ ذي المزية فالإيراد عليه حينئذ بإختصاصه بباب الحكم، وعدم عمومه لمجرد تعارض الخبرين غير وارد، وذلك لا لأجل إستظهار أن الإمام (عليه السلام) بعد فرض تساوي الحاكمين جاء إلى جهات مزية الرواية وأرجحيتها، وأن لزوم الحكم بذي المزية إنما هو لأجل أنه الحجة الفعلية حينئذ لا غيرها حتى ربما يمنع هذا الاستظهار، بل لأجل أن قوله في تعليل لزوم الأخذ بالمجمع عليه: " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " ينفي الريب عن المجمع عليه، وإذا لم يكن فيه ريب فلا محالة يجب الأخذ به سواء كان في مقام القضاء والحكومة أو غيره. كما أن ذكر التثليث تأسيسا ونقلا عن الرسول (صلى الله عليه وآله) لا ريب في أنه بغاية أن يدخل المجمع عليه في البين الرشد وكالحلال البين، وهو أيضا قرينة واضحة على عدم اختصاص حجيته بمورد الحكم، فإن البين يتبع ويجب الأخذ به مطلقا وفي جميع الموارد. هذا بالنسبة للمقبولة. وأما مرفوعة زرارة فقد ذكر الشهرة أول المرجحات، وقال: " خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر " ودلالتها على أن مجرد الشهرة - وإن لم تبلغ حد

[ 471 ]

كونه مجمعا عليه - كاف في وجوب الأخذ بالمشهور، وعمومها لجميع الموارد وعدم إختصاصها بباب الحكومة والقضاء واضح، إلا أن سندها ضعيف، والأصحاب لم يثبت أنهم إستندوا إليها لكي ينجبر ضعفها، فإنه لم يعلم قولهم بأزيد من تقدم ما كان مجمعا عليه، وهو تعبير مأخوذ عن المقبولة، فلعلها كانت مستندة لهم دون هذه المرفوعة، فلا حجة على كون الشهرة من المرجحات. وأما موافقة الكتاب فقد ذكر وجوب الأخذ بالموافق له وتقديمه على المخالفة للعامة في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله المروية عن رسالة سعيد ابن هبة الله الراوندي التي لا ينبغي الوسوسة في اعتبارها بعد كونها من مصادر وسائل الشيعة، وقد صرح صاحب الوسائل بأنه ينقل جميع مصادره بسند أو أسناد معتبرة مذكورة، ومجرد عدم ذكر بعض تلاميذه لهذه الرسالة عند عده مصنفات استاذه لا يدل على أنها ليست له، فلعله لم يعثر عليها أو لم يذكرها لإختصارها أو الغفلة عنها - قال قال الصادق (عليه السلام) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فإعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه (1). فظاهر الصحيحة وجوب الأخذ بموافق الكتاب، وأنه مقدم على الترجيح بمخالفة العامة. ويوافقها مقبولة عمر بن حنظلة، فإنه ذكر موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة في صورة مزية واحدة يجب الأخذ بذيها، ولم تتعرض لإفتراق مخالفة العامة عن موافقة الكتاب حتى في قالب الإطلاق - وإنما حكمت بتقدم الواجد للمزايا الثلاث أولا، ثم الواجد لمزية مخالفة العامة أو أكثر حكامهم، وهو في كمال الموافقة للصحيحة، وإن لم يكن فيها تعرض لا لاستقلال موافقة الكتاب


(1) الوسائل: ج 8 ص 84 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 29. (*)

[ 472 ]

للمرجحية، ولا لتأخر مخالفة العامة عن موافقته، كما لا يخفى. نعم، إن ما تضمنته المقبولة من تقدم واجد المزايا الثلاث وتقدم مخالف العامة وأكثرهم على مقابله لا يختص بباب الحكم، وذلك أن قوله (عليه السلام): " ما خالف العامة ففيه الرشاد " أو " خذ بما خالف العامة فإن فيه الرشاد - على ما في التهذيب " فيه دلالة واضحة على أن الهداية والوصول إلى الواقع والحق في ما هو مخالف لهم من الخبرين، يعني ولذلك يجب الأخذ به، ومن المعلوم أنه لا فرق في هذه الجهة بين باب الحكم والقضاء وغيره، كما أن قوله (عليه السلام) في المتعادلين: " فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات " يدل دلالة واضحة على أن كل ما أمر بالأخذ به فهو لا محالة خارج عن الشبهات، فهو من قبيل بين الرشد الواجب الأخذ به، فذو المزايا الثلاث أو مخالف العامة أو أكثرهم مما ليس فيه شبهة، فيجب الأخذ به مطلقا وفي جميع الأبواب. وربما يعد من الأخبار الدالة على أن موافقة الكتاب من المرجحات للأخبار المتعارضة خبر ابن يعفور الذي هو معتبر السند بسند المحاسن، بناء على أن علي بن الحكم بن الزبير الذي يروي عنه البرقي هو الانباري الذي وثقه الكشي بقوله: " وهو مثل ابن فضال وإبن بكير "، ودليل الإتحاد أن النجاشي وصف ابن الزبير الأنباري في ترجمة أبي شعيب المحاملي، هذا لو لم نقل باتحاده مع ابن الحكم الكوفي، وإلا فالأمر أوضح - قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إختلاف الحديث يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به، قال: " إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلا فالذي جاءكم أولى به " (1) وذلك أن موضوع السؤال هو اختلاف الحديث وتعارضه، فلا محالة يكون شهادة الكتاب أو السنة مرجحة لما له شاهد على مقابله. لكن الظاهر من الجواب أنه في مقام بيان ضابطة كلية لما يقبل من


(1) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 11. (*)

[ 473 ]

الأحاديث، وأن ما كان منها له شاهد من الكتاب أو قول النبي (صلى الله عليه وآله) يؤخذ، ويتوقف عما ليس له شاهد، ولا محالة يختص هذا التوقف بما لم يكن الراوي ثقة، ولو بقرينة أدلة حجية خبر الثقة. بل ذكر خبر غير الثقة أيضا في السؤال شاهد على أن الجواب مع قطع النظر عن اعتبار السند، وهذا قرينة على عدم إرتباط الجواب بمورد بحث التعارض أيضا. وقريب منها خبر الحسن بن الجهم، عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: " ما جاءك عنا فقس على كتاب الله وأحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا، وان لم يكن يشبههما فليس منا " قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق ؟ قال: " فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت " (1). وموضع الاستشهاد إنما هو صدر الحديث، وتقريب الدلالة والجواب عنه قد اتضح بما ذكرنا ذيل معتبرة إبن أبي يعفور. ونزيد هنا: أن ذيله الوارد في المتعارضين اللذين راويهما ثقة شاهد اختصاص الصدر بما إذا لم يفرض كون الراوي ثقة، ولا محالة يخرج عن موضوع البحث، فإن محل الكلام في باب التعارض هو ما كانت الرواية جامعة لجميع شرائط الاعتبار. هذا. مضافا إلى أن هذا الخبر ضعيف السند بالإرسال. نعم، ربما يدل على مرجحية موافقة الكتاب خبر آخر للحسن بن الجهم عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: " إذا جاءك الحديثان المختلفان فقسهما على كتاب الله وأحاديثنا، فإن أشبهها فهو حق، وإن لم يشبهها فهو باطل " (2) لكنه من المراسيل المروية عن تفسير العياشي، فلا حجة فيه. والأمر سهل. واستشكل المحقق الخراساني (قدس سره) كون موافقة الكتاب من المرجحات بأن


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 40 و 48. (*)

[ 474 ]

ظاهر أخبار كثيرة معتبرة أن من شرائط حجية الخبر أن لا يكون مخالفا للكتاب، فالمخالف للكتاب مثل الضعيف السند ليس بنفسه حجة، فمخالفة الكتاب توجب عدم إعتبار الخبر المخالف وعدم صلاحيته للمعارضة لغيره، ومحل البحث في باب التعارض أن يشتمل كلا المتعارضين على جميع شرائط الاعتبار لولا التعارض، فأخبار العرض على الكتاب تفيد في تميز الحجة عن اللاحجة، لا في مرجحية موافقة الكتاب. أقول: إن أخبار العرض على الكتاب على طائفتين. الاولى: ما تتضمن أن من شرائط الحجية عدم مخالفة الخبر للكتاب، ففي صحيح أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كل شئ مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " (1). ومثله خبر أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف " (2). وفي معتبرة هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " خطب النبي (صلى الله عليه وآله) بمنى فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جائكم يخالف كتاب الله فلم أقله " (3). وفي موثقة السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه " (4). وفي معتبر أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل: "... إن الله حرم حراما وأحل حلالا، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك ما لا يسع الأخذ به، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن ليحرم


(1 - 4) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 14 و 12 و 15 و 10 و 21. (*)

[ 475 ]

ما أحل الله، ولا ليحلل ما حرم الله، ولا ليغير فرائض الله وأحكامه، كان في ذلك كله متبعا مسلما مؤديا عن الله... " (1). إلى غير ذلك من الأخبار الدالة بوضوح على أن مايخالف كتاب الله لا يمكن صدوره عن النبي ولا عن الأئمة (عليهم السلام)، والتعبير بعدم الموافقة يرجع إلى المخالفة، فإن عدم الموافقة إنما يكون إذا لم يلتئم مضمون الخبر مع ما في الكتاب، وهو لا يكون إلا نفس المخالفة ليس إلا، فهذه الأخبار الكثيرة المستفيضة جدا تؤكد على أن الخبر المخالف لا يصدر عنهم (عليهم السلام)، فشرط اعتبار الخبر وحجيته مطلقا أن لا يخالف الكتاب، كان في مقابله خبر آخر أم لا. هذه هي الطائفة الاولى. الطائفة الثانية: ما تدل على أن موافقة الكتاب توجب الأخذ بالموافق من المتعارضين، وهي صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله، وخبر الحسن بن الجهم عن العبد الصالح الماضيان، ومقبولة ابن حنظلة الماضية على وجه أيضا. وحيث إن لسان الطائفة الاولى يأبى عن التخصيص، ولا ريب في صدور الخبر المخالف لظاهر الكتاب الذي بينه وبين الكتاب جمع عقلائي عن النبي والأئمة (عليهم السلام)، مثلا إن من ظواهر الكتاب قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: "... وأحل لكم ما وراء ذلكم... " (2)، وقد روت العامة والخاصة مستفيضا أو متواترا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (3)، مع أنه لم يذكر في كتاب الله تعالى من المحرمات الرضاعية إلا ما في قوله تعالى: "... وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة... " (4) فتحريم العمة والخالة والبنت الرضاعيات، مثلا، مستفاد من ذاك الحديث،


(1) الوسائل: ج 18 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 21. (2 و 4) النساء: 23 و 24. (3) الوسائل: ج 14 الحديث 1 من الباب 17 و 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع... وسنن البيهقي عن صحيح البخاري ومسلم: ج 7 ص 452. (*)

[ 476 ]

ويخصص به عموم التحليل المذكور. فلا محيص من أن يراد بالمخالفة للكتاب في الطائفة الاولى المخالفة لحكم ثبت إرادته من لفظ الكتاب، سواء كانت بصورة التباين الكلي أو غيره، كما يشهد لذلك أيضا التعبير المذكور في معتبر الميثمي، فتذكر، بل لا يبعد أن يقال: إن ما كان بينه وبين الكتاب جمع عقلائي فهو قرينة على المراد بالكتاب وشارح له، فهو ملائم وموافق مع الكتاب، أللهم إلا إذا علم إرادة شمول فرد خاص من عموم الكتاب أو إطلاقه، فحينئذ يكون الكتاب كالنص فيه لا يمكن إخراجه عن ظهوره. ولذلك فقد قال في خبر الميثمي في التعريف لهذا الخبر الذي يصير قرينة: " فما كان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى إعافة أو أمر فضل فذلك الذي يسع إستعمال الرخصة فيه إذا ورد عليكم عنا الخبر فيه، بإتفاق يرويه من يرويه في النهي ولا ينكره، وكان الخبران صحيحين معروفين باتفاق الناقلة فيهما... " (1) فمقبولية الخبر عند الأصحاب وعدم إنكارهم له إنما تكون فيما لم يكن إرادة الفرد الخاص من عموم الكتاب وإرادة الإلزام من الظاهر فيه مسلمة. وبالجملة: فالمراد بمخالفة الكتاب المانعة عن أصل الحجية، هو المخالفة لما هو نص الكتاب أو كنصه، إلا أن هذا المقدار لا يدفع إيراد المحقق المذكور (قدس سره) فإن له أن يقول: إن وحدة العنوان والسياق تقضي بأن المراد بمخالفة الكتاب في جميع الروايات معنى واحد، هي المخالفة لما هو بمنزلة النص، فيؤول أمر الطائفة الثانية إلى أنها في مقام تميز الحجة عن اللاحجة، لا في مقام ذكر المرجح للمتعارضين الجامعين لشرائط الحجية. وأجاب عنه سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله بما حاصله: أن عنوان المخالفة يعم المخالفة القابلة للجمع العقلائي وغيرها، ويرفع اليد عنه في الطائفة الاولى لبعض ما ذكرناه، ويبقى على عمومه في الطائفة الثانية.


(1) مر نقل الحديث عند ذكر أخبار التوقف تحت الرقم 3. (*)

[ 477 ]

ثم أورد على نفسه بأنه لا ريب في أن الإختلاف الوارد في أخبار العلاج هو ما يوجب تحير العرف وهو ما لا جمع عقلائي فيه بين المتعارضين، وعليه فلفظ " مختلفان " المذكور في صدر صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله الماضية اريد منه الإختلاف غير القابل للجمع، وبوحدة اللفظ والسياق يراد من لفظ " ما خالف " المذكور فيه هذا المعنى فيعود الاشكال. وأجاب بأن إرادة خصوص ما لا يقبل الجمع بقرنية كونه منشأ للتحير عند ذكر الموضوع لا توجب إرادته في ما ليس معه هذه القرينة (1). انتهى. أقول: والإنصاف أن التفكيك في المراد من مادة واحدة ذكرت تارة في موضوع الحكم واخرى في بعض أصناف هذا الموضوع لا سيما في المقدم والتالي جملة واحدة شرطية خلاف الظاهر جدا، اللهم إلا بقرينة موجبة له. فالأولى في الجواب أن يقال: إن قول عمر بن حنظلة في مقبولته: " فإن كان الخبران مشهورين قد رواهما الثقات عنكم " حيث وصف الخبرين بكونهما مشهورين، وأكده بأن الثقات رووهما عنهم (عليهم السلام)، ظاهر في أن غرضه من هذا التوصيف والتأكيد بيان مسلمية صدور الحديث عنهم، وحينئذ فقد سلم صدور كلا الخبرين، وبملاحظة التشقيق في الجواب يستفاد منه تسلم أنه قد يصدر عنهم (عليهم السلام) حديث يخالف الكتاب والسنة، وحيث لا ريب - كما عرفت - في عدم صدور المخالف لما هو بمنزلة نص الكتاب والسنة، فلا محالة يراد من المخالفة المخالفة لظاهر الكتاب التي لا بأس بصدور مثله عنهم، ويراد من قوله (عليه السلام): " ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة " ما وافق أو خالف ظاهر الكتاب والسنة، ومن المعلوم أن هذين العنوانين بعينهما وقعا في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله في هذا المقام، فيراد منهما هناك أيضا هذا المعنى. ويندفع الإشكال.


(1) رسالة التعادل والترجيح، ص 79. (*)

[ 478 ]

وأما الجواب عنه - كما في نهاية الدراية (1) بإستكشاف إرادة المخالفة لظاهر الكتاب بأن عمر بن حنظلة قد فرض في السؤال الواقع بعد سؤاله الذي ذكرناه، فقد فرض موافقتهما معا للكتاب في مورد الترجيح بمخالفة العامة، ولا يكون إلا الموافقة لظاهر الكتاب، وإلا لكان اللازم وجود نصين متباينين في نفس الكتاب - فهو غير خال عن الإيراد. أما أولا: فلأنه لم يفرض إلا أن الفقيهين عرفا حكمه من الكتاب والسنة، وإنما هو في معنى أن كلا منهما يدعي دلالة الكتاب على ما يقول، وأما أن الكتاب مشتمل واقعا على ظاهرين يدل كل منهما على ما يقولان به فليس بمفروض. وثانيا: أن ما افيد فإنما هو على نسخة الكافي، وإلا فنسخة التهذيب هنا هكذا: " أرأيت إن المفتيين غبي عليهما معرفة حكمه من الكتاب والسنة " فلم يفرض إلا أنه خفي عليهما معرفة حكمه، ولم يعرفاه لا من الكتاب ولا من السنة، والخفاء وعدم العرفان لا يلازم وجود الظاهرين. كما أن الجواب عنه باستكشافها من مجرد تقديم الأمر بالمشهور قبل الإرجاع إلى موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة، بتقريب أن إطلاقه يقتضي وجوب الأخذ بالمشهور وإن كان مخالفا للكتاب، وهو لا يكون إلا إذا اريد من المخالفة المخالفة لظاهره. فيه: أن المأمور به قبله إنما هو الأخذ بالمجمع عليه، وهو الذي قيل فيه: إنه لا ريب فيه، فيمكن أن يكون سر تقديمه أن ما اجمع عليه فليس مخالفا للكتاب قطعا ولا للسنة، بل لعل الأمر كذلك في الخبر المشهور أيضا، وإن لم يبلغ حد الإجماع عليه. فقد تحصل: أن الموافقة لظاهر الكتاب إحدى المرجحات والمزايا المنصوصة في أخبار العلاج.


(1) نهاية الدراية: ج 6 ص 320. (*)

[ 479 ]

وبعد ذلك يبقى الكلام في أنه مقدم على الترجيح بمخالفة العامة أم لا ؟ فقد عرفت أن صحيحة عبد الرحمن المذكورة ظاهرة جدا في تقدمه عليه، إلا أنه ربما يستشكل ذلك بإطلاق بعض الأخبار الواردة في الترجيح بمخالفة العامة، حيث أرجع إبتداء إلى الأخذ بما خالف العامة، وإطلاقه شامل لما كان الموافق للعامة موافقا للكتاب أيضا: ولكن الجواب عنه واضح، فإن هذا الاطلاق أيضا كسائر الإطلاقات قابل للتقييد بدليل آخر، فيقيد به بلا إشكال. وسيأتي ذكر هذه الاطلاقات عن قريب إن شاء الله تعالى. فآخر المرجحات المنصوصة هي مخالفة العامة، فإنها قد ذكرت في مقبولة عمر بن حنظلة - كما عرفت - بعد فرض عدم ترجيح من حيث الموافقة والمخالفة للكتاب والسنة، كما ذكرت في صحيحة عبد الرحمن الماضية أيضا بشرط أن لا يوجد حكم المتعارضين في كتاب الله. وذكرت أيضا في أخبار اخر: ففى موثقة الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (عليه السلام): " هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم ؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا. فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شئ، ويروى عنه خلافه، فبأيهما نأخذ ؟ فقال: خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه " (1). ودلالتها واضحة لا تحتاج إلى بيان. وفي خبر الحسين بن السري، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم " (2). وهو في الدلالة كسابقه إلا أن سنده ضعيف، بإشتماله على الإرسال. وبجهالة الحسين بن السري. وفي خبر محمد بن عبد الله، قال: قلت للرضا (عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين ؟ فقال: " إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما


(1 و 2) الوسائل: ج 18 ص 85 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 31، 30. (*)

[ 480 ]

العامة فخذوه، وانظروا الى ما يوافق أخبارهم فدعوه " (1). ودلالتها أيضا واضحة، إلا أن سندها غير معتبر، لتردد محمد راوي الخبر بين الثقة وغيره. فموثقة ابن الجهم المؤيدة بالخبرين تدل بنحو الإطلاق على أن المخالفة للعامة مزية توجب الأخذ بذيها، واطلاقها يقتضى ذلك وإن كان الخبر الآخر موافقا للكتاب، لكنك عرفت دلالة صحيحة عبد الرحمن على تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة، وبه يقيد هذا الإطلاق. فالحاصل: أن مخالفة العامة من المرجحات، إلا أنها متأخرة عن الترجيح بموافقة الكتاب. ثم إن من مصاديق الترجيح بمخالفة العامة ما إذا كان كلا الخبرين موافقين للعامة، لكونهم قائلين بمفاد كليهما، فبعضهم قال بمفاد أحدهما، وآخر بالآخر، فإن مقبولة عمر بن حنظلة تصرح حينئذ بأن اللازم هو ترك ما كان قضاتهم وحكامهم إليه أميل وأخذ الآخر. وكيف كان فاستشكل المحقق الخراساني (قدس سره) هنا أيضا الترجيح بموافقة العامة، بأن أصالة عدم صدور الخبر تقية، أو أصالة كونه لبيان الحكم الواقعي غير جارية في الخبر الموافق لهم، بملاحظة تعارضه مع الخبر المخالف لهم الذي ثبت صدوره بطريق موثق - كما هو المفروض - فليس الخبر الموافق بنفسه حجة على مراد الشارع الواقعي، ويكون كما لو كان معه قرينة حالية أو مقالية متصلة على صدوره تقية، فكما لا يعارض حينئذ خبر آخر يتضمن خلاف مضمونه، فهكذا في ما نحن فيه، وعليه فالأخبار الواردة في الأخذ بالمخالف من قبيل الإلزام بأخذ الحجة وفي مقام تميز الحجة عن اللاحجة، لا في مقام ترجيح إحدى الحجتين على الاخرى.


(1) الوسائل: ج 18 ص 85 - 86 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 31، 30، 34. (*)

[ 481 ]

أقول: وهذا الذي ذكره لا يترتب عليه ثمرة عملية هنا، فإنه بعد ورود الأخبار المعتبرة بوجوب الأخذ بالمخالف يجب الأخذ به على كلا الإحتمالين، سواء كان في مقام تميز الحجة عن اللاحجة، أو في مقام ترجيح حجة على اخرى...، وعهدة الدعوى المذكورة في كلامه على مدعيها، وإن لا يبعد أن يقال: بأنه من باب ترجيح حجة على اخرى، ويؤيده السؤال عن حكمه، فان السؤال يكشف عن وجود التحير للسائل، وهو إنما يكون إذا كان كلاهما حجة غير فعلية عند التعارض، وإلا فلو كانت أصالة الجهة في أحدهما المعين غير جارية عند العرف لما كان هنا تحير ليسأل طريق رفعه، والله العالم. نعم، بالنسبة إلى الأخذ بموافق الكتاب إن سلمنا إيراد المحقق المذكور (قدس سره) يترتب ثمرة عملية، فإنه بناء على مقالته ليس ظاهر الكتاب من المرجحات أصلا، ومتى لم يكن الخبران مخالفين لنص الكتاب يرجع الى الترجيح بمخالفة العامة، والموافقة لنص الكتاب دليل على الصحة ومخالفته شاهد البطلان، وذلك أنه عليه لابد من إرادة المخالفة للنص من الأخبار الدالة على طرح المخالف، لما عرفت من عدم قابليتها للتقييد وورود أخبار مخصصة أو مقيدة للكتاب ونحوها عنهم (عليهم السلام)، بخلافه على قول المشهور فإن الموافقة لظاهر الكتاب من المرجحات، فيؤخذ بموافق ظاهر الكتاب، ولا تصل معه النوبة إلى الرجوع إلى الترجيح بمخالفة العامة. وحيث قد عرفت أن الترجيح بموافقة الكتاب إنما هو في ما كان أحد المتعارضين موافقا لظاهره والآخر مخالفا له، وأن هذه الموافقة والمخالفة ليست مورد أخبار العرض الابتدائي، اعني الطائفة الأولى التي ذكرنا، فتقديم الاخذ بالصفات والشهرة عليها - إن استلزم تقييدا - فإنما هو في أخبار الطائفة الثانية دون الاولى التي هي آبية عن التقييد، فلا يرد اشكال الكفاية. فراجع. إلا أنك عرفت أن صفة الراوي ليست من المرجحات، والشهرة إذا بلغت حد الإجماع على الخبر ليست من باب المرجحات، بل مما تتميز بها الحجة، ومن

[ 482 ]

الواضح أنه لا يوجد في الروايات التي أجمع الأصحاب على نقلها والعمل بها خبر يخالف نص الكتاب، فلا إشكال. والحمد لله رب العالمين. ثم إنه بناء على ما حققناه تعرف أن الأخذ بذي المزية لازم، ولا حجة في مقابله، وذلك أولا لظهور أخبار الترجيح في وجوب الأخذ به وفي عدم حجية مقابله بحيث امر بتركه، وثانيا لأنه بناء على عدم قيام دليل معتبر على التخيير، وكون مقتضى القاعدة عدم حجية شئ من المتعارضين، فما قام الدليل على حجيته خصوص ذي المزية، ويبقى غيره على مقتضى الأصل من عدم الحجية. وأما الإستدلال له بالإجماع كما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) حيث قال: " ويدل على المشهور (يعني وجوب الترجيح) مضافا إلى الإجماع المحقق والسيرة القطعية والمحكية عن الخلف والسلف... ". فمخذوش أولا بأن المسألة غير معنونة في كتب كثير من الأصحاب، فلا محالة يكون طريق تحصيل فتواهم فيها هو مشيهم في مقام الإستنباط، وعملهم في الخبرين المتعارضين، والعمل إنما يكشف عن حجية ذي المزية قطعا وأما عدم جواز الإستناد إلى غيره فلا، فإن من المحتمل أن يروه أيضا حجة مرجوحة، ويكون عملهم بذي المزية من باب الأخذ بالطريق الأفضل. وثانيا: بأن من المحتمل قويا أن يكون مستندهم هو الأخبار الظاهرة في وجوب الترجيح التي إدعى الشيخ الأعظم (قدس سره) تواترها، أو أصالة عدم حجية غير ذي المزية على ما قررناه، فلا يكشف إجماعهم عن أزيد مما بأيدينا. كما أن الاستدلال له بأن الاخذ بغيره ترجيح للمرجوح وهو قبيح. ممنوع بأنه إذا كان المرجوح أيضا مشتملا على الملاك اللازم في الحجية فلا محالة يكون حجة، ويكون ما تضمنه من الملاك زائدا عليه، كالحجر جنب الانسان بالنسبة لأصل الحجية، وإن كان الأخذ بذي المزية أفضل.

[ 483 ]

5 - فصل هل يقتصر على المرجحات المنصوصة أو يتعدى إلى غيرها ؟ إن الشيخ الأعظم (قدس سره) قوى جانب عدم الاقتصار، واستدل عليه بوجهين: أحدهما: أن التأمل في أخبار التخيير يعطي إختصاصها بما لم يكن مع أحد الخبرين مزية توجب الظن بمطابقته للواقع أو قربه من الواقع، فمع هذه المزية - وإن لم تكن منصوصة - فالمتيقن حجية ذي المزية، والأصل عدم إعتبار غيره. أقول أولا: قد عرفت عدم نهوض دليل معتبر على التخيير، فمع عدم مزية منصوصة ليس الأخذ بذي المزية أيضا متيقنا، والأصل عدم اعتبار شئ من المتعارضين. وثانيا: لو سلمنا دلالة الأخبار على التخيير، واعتبار سند الدال منها لكان الإنصاف أنها مطلقة من حيث وجود مزية في أحدهما وعدمه، فهل الموضوع للتخيير المذكور في قول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) - على ما في خبر ابن الجهم -: " فموسع عليك بأيهما أخذت " إلا " أن يجئ الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا يعلم أيهما الحق " وهو صادق مع وجود المزية مع أحدهما وعدمه، وهكذا غيره من الأخبار المدعى دلالتها على التخيير، فراجع. الوجه الثاني: أن الأخبار المتضمنة للمرجحات المنصوصة مشتملة على قرائن تقتضي التعدي عنها إلى كل مزية، فإن الأصدقية أو الأوثقية - في المقبولة والمرفوعة - إنما اعتبرت عرفا لكونها موجبة لاحتمال صدق خبر الأصدق والأوثق أكثر من خبر الآخر، فليسري الى الأضبطية بل والى النقل باللفظ في قبال النقل بالمعنى، وهكذا، كما أن الشهرة المتأخرة عن الأصدقية والمفروضة في كلا الخبرين إنما توجب قلة الريب في المشهور قبال الشاذ، فيرجع التعليل إلى أن وجوب الأخذ بالمشهور إنما هو لأجل أنه ليس فيه ريب يكون هذا الريب في الشاذ، فإن الشذوذ يوجب فيه ريبا لا يجئ قهرا في المشهور، وهكذا الموافقة للعامة توجب ريب التقية في الموافق لهم، وهذا الريب منفي عن المخالف. ويرجع

[ 484 ]

لتفصيل مقاله الى فرائده. أقول: إن الأصدقية والصفات الثلاث الاخر المذكورة في المقبولة قد عرفت أنها من مرجحات الحاكم، ولا دليل على سريانها الى الرواية، والأوثقية إنما ذكرت في المرفوعة التي لا اعتبار بسندها. مضافا إلى أنه قد ذكرت معها صفات اخر لا تأثير لها في قرب متن الرواية - بما أنها رواية - من الواقع صدورا أو جهة. والاستدلال لأن الملاك في الترجيح بالمزية مطلقا بأن الراوي قد فهم هذا المعنى منه، بدليل عدم تعرضه في السؤال لصورة تزاحم الصفات الأربع يدفعه: أنه لا دليل فيه: أما أولا: فلأن من المحتمل غفلته عن سائر الصور وانصراف ذهنه إلى صورة التساوي من حيث الصفات المذكورة الذي هو المراد له بسؤاله. وثانيا: أنه لو كان الأمر كما أفيد لما احتاج الراوي إلى السؤال عن سائر الصور بالمرة، إذ المفروض أنه قد فهم أن الملاك للترجيح مطلق المزية. سواء كانت صفة الراوي أو الرواية، كالشهرة وموافقة الكتاب ومخالفة العامة أو أكثرهم. وأما الشهرة فقد عرفت أن المرجح في المقبولة هو الإجماع على الحديث، والإجماع على نقل رواية وشذوذ معارضها والإعراض عنه طريق عرفي لصحتها وعدم الريب مطلقا فيها، ولذلك فقد أكده الامام (عليه السلام) بتثليث من نفسه، أكده بالتثليث الذي نقله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحمل قوله (عليه السلام) " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " على الريب النسبي خلاف الظاهر جدا ولا داعي عليه. وأما موافقة العامة فهي بنفسها وإن يسلم أنها أمارة التقية، لصدور أخبار كثيرة موافقة لهم يفتى بها إذا لم يكن لها معارض، وأما إذا كان لنا خبران متعارضان رواهما الثقات، وكان أحدهما موافقا لهم والآخر مخالفا، فحمل الموافق على التقية والمخالف على بيان الحكم الواقعي ليس بذلك البعيد، بل ادعى المحقق الخراساني (قدس سره) أنه حمل عرفي، ولا يجري حينئذ أصالة الجهة في الخبر الموافق، ونحن وإن لم نعترف به إذا خلينا وطبعنا إلا أنه بعد ورود الحديث

[ 485 ]

المعتبر به لما صح إلغاء الخصوصية عنه إلى كل مورد كان في أحد التعارضين ريب لا يوجد في الآخر، كالنقل باللفظ والنقل بالمعنى، مثلا، وغيره. وأما حديث " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " فمع قطع النظر عن عدم السند له فلم لا يبقى على ظاهره من الدعوة إلى الأخذ باليقين في إتيان الأعمال وترك المشتهيات، وإن تعدى الى نفي أي ريب كان ولو كان نسبيا فهو هنا يقتضي أن لا يعمل بشئ من الخبرين، إذ هو أسلم قطعا، كيف ؟ والعمل بما لا دليل على إعتباره بل هو محكوم بعدم الحجية فيه كمال الريب. وبالجملة: فلا دليل على جواز التعدي عن المنصوصة من المزايا. والله العالم. 6 - فصل في حكم المتعادلين بعدما عرفت من لزوم الإقتصار على المرجحات المنصوصة، فإذا لم يكن شئ من الخبرين واجدا لشئ من المزايا المنصوصة، فمقتضى القواعد الأولية هو سقوط كليهما عن الحجية بالتعارض، وقد عرفت عدم قيام دليل على التخيير في الأخذ بأي منهما شاء. وحينئذ فلا يبعد أن يقال بوجوب التوقف عن الأخذ بكل منهما، كما كان مقتضى القواعد أيضا، وذلك بوجهين: أحدهما: قوله (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة في جواب السؤال عن صورة انتفاء المرجحات المنصوصة بقوله: قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: " إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ". فقد أمر (عليه السلام) بارجاء الواقعة - في قبال أمره قبل هذه الصورة بالأخذ بخصوص أحد الخبرين - وعلله بأن الوقوف عند الشبهة خير من الوقوع في الهلاكة، فدل على أن المورد من أفراد الشبهة التي لا نور فيها والمسير معها قد يوجب الهلاك.

[ 486 ]

وهذا التعليل له عموم لجميع الأزمنة، وينفي (1) إحتمال اختصاصه بفصل الخصومة الذي لا يناسبه التخيير، أو بزمان امكان لقاء المعصوم الذي يناسبه الارجاء، وذلك أن الشبهة هي الجهالة المحضة، والجهالة لا تبقي مجالا للإفتاء، فالأخذ بكل منهما جهالة ومظنة للوقوع في الهلاكة، ولا يخرجها عن كونها كذلك غيبة الإمام (عليه السلام) ولا عدم كونه المقام مقام فصل الخصومة، كما لا يخفى. الوجه الثاني: ما عرفت من إطلاقات دالة على وجوب التوقف في المتعارضين، فإنها سواء قيدناها بأدلة المرجحات بغير صورة وجود المزايا، أو حملناها على استحباب التوقف حجة تامة على وجوب التوقف في صورة فقدان المزايا، أما بناء على التقييد فإن المطلق كالعام حجة في ما يبقى فيه بعد التقييد، وأما بناء على حملها على الإستحباب فلأن ظاهرها حجة على الوجوب المساوق لعدم حجية شئ منهما، ورفع اليد عن هذا الظهور في موارد قامت الحجة على جواز الأخذ بأحدهما لا يوجب سقوطه عن الحجية على هذا الوجوب في ما لم تقم فيه هذه الحجة، وهو واضح. وأما ما في ذيل مرفوعة زرارة - بعد السؤال عن تعادل المتعارضين بقوله: فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع ؟ - فقال (عليه السلام): إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الأخير " فدلالته على التخيير واضحة، إلا أنه قد مر ضعف سند المرفوعة مرارا، مضافا إلى أنه معارض لما في رواية اخرى بدلا عنه: " إذن فأرجه حتى تلقى إمامك فتسأله ". نعم لو كانت المرفوعة معتبرة السند لكانت قرينة على حمل الأمر بالتوقف في المتعادلين أيضا في مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها على الإستحباب، لكنها ضعيفة السند جدا. فرعان افتراضيان: الأول: بناء على القول بالتخيير بين المتعارضين إما مطلقا وأما في خصوص


(1) إشارة الى ضعف ما عن العلامة السيد الخوئي مد ظله. (*)

[ 487 ]

المتعادلين فلا ريب في أن التخيير إنما هو المجتهد بالنسبة إلى عمل نفسه إذا كان مدلول المتعارضين متعلقا بما هو عمل له أيضا، كما أن له التخيير في الأخذ بأي من المتعارضين شاء إذا كان في مقام القضاء، فإن القضاء والحكم وظيفة له واجب عليه بعد تمام شرائطه، ويجب أن يكون مطابقا للشرع، وحكمه موضوع ترتيب الأثر شرعا وواجب الاتباع للمتخاصمين وغيرهما، فإذا كان الحكم الشرعي يؤخذ من المتعارضين، فلا محالة هو مخير في الأخذ بأي منهما شاء، وهو واضح كسابقه بلا إشكال. وإنما الكلام في المجتهد المفتي، فهل عليه أن يفتي بمضمون المتعارضين وبتخيير المقلد في الأخذ بأيهما شاء ؟ أو عليه أن يختار أحد المتعارضين، فيفتي بمضمونه تعيينا - في مرحلة الظاهر - أو هو مخير بينهما ؟ وجوه، أقواها الأول، وذلك لما سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى - في مبحث الاجتهاد والتقليد من أن حقيقة التقليد هي الرجوع إلى أهل الخبرة، فالمجتهد المفتي بما أنه ثقة خبير يكون قوله طريقا إلى الأحكام الشرعية، أي إلى مفاد الأدلة المتضمنة لها، فأخبار الثقات وظواهر الكلمات والجمع العرفي بين الظواهر كلها معتبرة بما أنها طرق إلى الواقع الذي هو مفادها، وأخبار العلاج أيضا طرق معتبرة إلى ما جعله الشارع وظيفة كل مكلف في تعارض الأخبار. فإذا اجتهد المفتي واستنبط حكم الله من هذه الطرق فهو إنما يخبر عن مؤداها، وقوله بما أنه خبير ثقة طريق معتبر لمن يقلده، فلا محالة إذا كان الطريق بلا معارض دالا على حكم من أحكام الشريعة فلا محالة يفتي به، أي يخبر عن أن هذا الحكم الكذائي هو مفاد الطرق، وقوله هذا طريق وحجة، وإذا تعارض الطريقان وقد حكم الشارع بتخيير المكلفين في الأخذ بمفادهما، فلا محالة يخبر عن واقع ما جعله الله وظيفة عليهم، وليست عنده إلا أنهم مخيرون في مرحلة الظاهر بالعمل بأي المفادين شاؤا، وإخباره هذا طريق معتبر لمن يقلده، وليس له أن يخبر إلا عما أدركه، فليس له أن يخبر إلا بهذا التخيير الذي جعله الله وظيفة

[ 488 ]

للمكلفين. نعم له أيضا أن يخبر بنفس الخبرين وأن المكلف مخير في الأخذ بأيهما شاء، فالمقلد الفاضل يعمل بما فهم من أي الخبرين إختاره، وهو أيضا راجع إلى الإخبار بالتخيير. وحيث إن الإفتاء ليس إلا هذا الإخبار فلا مجال لأن يقال: إن الافتاء عمل المجتهد كما أن القضاء عمل منه بالخبر الذي يختاره، فكما كان هو المتخير في القضاء فهكذا في الافتاء، وذلك أنه لا دليل في باب الإفتاء على أزيد من أن قول المجتهد ورأيه إنما هو طريق إلى مفاد الأخبار والامارات، فليس له أن يخبر إلا بما هو مفادها لا أزيد ولا انقص ونتيجته ما ذكرناه. فكما أن الفاضل غير المجتهد يخبر عن فتوى المفتي التي يراها في رسالته العملية، وهذا الخبر مستند إلى ظواهر الرسالة التي هي حجة من باب حجية الظواهر، وليس له أن يخبر إلا موافقا لما ذكر فيها، فهكذا المفتي بالنسبة إلى المفاد المستفاد من الأخبار والآيات منضمة إلى سائر الطرق والأمارات المتوقف عليها الإستنباط. ومما ذكرناه تعرف ضعف ما في الكفاية وسائر الكلمات، ولوضوحه لا نرى حاجة إلى إعادة ذكرها. إلا أنه مع ذلك نذكر جملة منها اختصارا فنقول: يستدل لتعيين الإفتاء بمفاد خصوص الخبر الذي يختاره المفتي: تارة بأن المستفاد من الأخبار إنما هو التخيير في المسألة الاصولية، فقد جعل الشارع ما يختاره المكلف حجة، والإختيار والأخذ بالخبر إنما هو فعل المجتهد المفتي، ولا يتصور الأخذ من المقلد العامي، فما أخذه المجتهد من الخبرين يكون حجة على مضمونه الذي هو حكم معين، فلا محالة يفتي به (1). واخرى بأن موضوع أخبار العلاج هو من بلغه وجاءه وأتاه المتعارضان وهو


(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 766 - 767. (*)

[ 489 ]

لا ينطبق إلا على المجتهد فهو المأمور بالأخذ بخبر معين ذي مزية أو بأحد المتعارضين، فإذا أخذه فلا محالة يكون حجة على حكم معين يفتي به، ولا ينطبق الموضوع على المقلد حتى يحكم له أيضا بالتخيير (1). أقول: ويرد على الأول: أن التخيير وإن كان في المسألة الاصولية، إلا أن مآله إلى اعتبار أي من الخبرين إختاره وأخذه المكلف، والأخذ بالخبر عبارة اخرى عن الأخذ بمفاده ومضمونه، فيرجع إلى تخيير المكلف في الأخذ بمفاد أي من الخبرين أراد، والأمر بالاخذ والتخير الواقع في أخبار العلاج أمر طريقي ناش عن تخيير المكلف في الأخذ بمفادهما، كما لو أمر بالأخذ بمفاد خبر الثقة مطلقا. ومنه تعرف عدم تمامية الوجه الثاني، فإن حجية الطرق المعتبرة غير متقومة ولا منوطة بالوصول إلى الشخص اللهم إلا بمعنى وجودها في معرض تناول المكلفين، والتعبير بمجئ واتيان الخبرين المتعارضين إشارة إلى تحقق موضوع التعارض، فكما أن مفهوم آية النبأ ليس وصول خبر العادل إلى الشخص ولا إعتبار وصوله في طريقيته فهكذا هنا. وبالجملة: فلا يستفاد من هذه الأدلة وغيرها تعبد زائد في موضوع ما هو الحجة، فكما أن حجية خبر الثقة عند العقلاء غير مختص بالمجتهد المفتي، ولا مشروط بالأخذ، بل هو طريق وحجة حتى على المقلد، فكذلك هاهنا، غاية الأمر أن أخبار العلاج قد دلت على اعتبار خبر لم يكن معتبرا لولاها، وأما كيفية اعتباره فهو بعين ما يكون مع عدم التعارض ومع التعين، فتدبر جيدا. ثم لو سلمنا اعتبار الأخذ في الحجية أو أخذ البلوغ في موضوعها فكما افاده بعض أعاظم العصر (2) ويظهر نظيره من الكفاية، يمكن للمفتي أن يحدث الموضوع للمقلد، بعرض الخبرين المتعارضين ولو بطريق النقل بالمعنى له، ثم إفتائه بالتخيير في المسألة الاصولية فالمقلد حينئذ يختار منهما ما أراد، فتعين


(1) تعليقة السيد الآية الگلپايگاني (قدس سره) على الدرر: ج 2 ص 370. (2) هو الآية العلامة الحاج الشيخ محمد علي الأراكي (قدس سره) في تعليقة الدرر: ج 2 ص 659. (*)

[ 490 ]

الإفتاء بمضمون أحد الخبرين ممنوع. وقد يستدل لجواز الإفتاء بمضمون ما يختاره المفتي بأنه لا ريب في شمول أخبار التخيير للمجتهد، فإذا أخذ وإختار أحد المتعارضين فعليه العمل به، وكما أن عمله الشخصي بمفاده كسائر الناس - إذا عمه الخبر عمل به - كذلك الإفتاء بمضمونه أيضا عمل به، فله الإفتاء بمضمونه (1). أقول: وقد ظهر لك أن حقيقة الإفتاء هي الإخبار بحاصل ما يستفاد من الأدلة، وأن ملاك حجية قول المفتي أنه ثقة خبير لا أن الإفتاء واظهار الرأي بما أنه رأي له له أثر، كما في القضاء، فتذكر. الثاني: هل التخيير في الأخذ بأحد الخبرين استمراري أو بدوي ؟ قد استشكل إستمراره تارة من جهة عدم بقاء موضوع حكم التخيير، واخرى من جهة عدم شمول حكمه لمن أخذ بواحد من الخبرين. أما عدم بقاء الموضوع: فإما لما في تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره) على الفرائد من أن موضوعه المتحير وهو الذي ليس له للوصول إلى مقصده طريق بالفعل بسبب تعارض ما عنده من الخبرين، ولا ريب أنه بعد أخذ أحدهما يخرج عن هذا العنوان. وإما لما عن بعض أعاظم العصر على ما في تقرير بحثه - مصباح الاصول - من أن موضوعه من تعارض عنده الخبران ولم يأخذ بأحدهما فلا يشمل من أخذ بأحدهما. وأما عدم شمول حكمه فلإنكار إطلاق أدلته بالنسبة لما بعد الإلتزام، قال الشيخ الأعظم (قدس سره): فالظاهر أنها - يعني أخبار التخيير - مسوقة لبيان وظيفة المتحير في ابتداء الأمر، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال بعد الالتزام بأحدهما، وأوضحه بعض أعاظم العصر (قدس سره) في تعليقة الدرر بأن ظاهر الأمر بالأخذ بأحد الخبرين هو إيجاب إحداث الأخذ، ولا يتصور إلا قبل الأخذ لا بعده، فإن ما بعده


(1) كما في التعليقة المذكورة آنفا، وفي رسائل سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره): ج 2 ص 59. (*)

[ 491 ]

إبقاء لا إحداث (1). ويمكن تقرير عدم شمول حكمه بأنه إذا أخذ بأحد الخبرين فلا محالة يصير مفاده حكما فعليا له، وحيث إن مفاده حكم كلي يعم جميع المصاديق والأزمنة فلا يبقى للخبر الآخر وحكمه مجال أصلا، ولعله يستفاد من بعض عبارات تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) (2). أقول: لابد في تعيين موضوع حكم التخيير ومعرفة حدود هذا الحكم من التأمل في الأخبار التي استندوا إليها في إثبات هذا الحكم، والتأمل فيها يهدي إلى عدم قصور فيها لشمول الموضوع ولا حكمه بالنسبة لمن أخذ بأحد الخبرين، ولا محالة يكون التخيير إستمراريا. والدليل عليه أولا: أن قول الإمام الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار الواردة في ركعتي الفجر في المحمل أو على الأرض: " موسع عليك بأية عملت " (3) يراد منه - ولو بقرينة المورد - سعة الأمر على المكلف في العمل بأي الخبرين شاء، بداهة أنه اريد منها تجويز كلا النحوين له دائما كما لا يخفى، وهكذا قول القائم (عليه السلام) في مكاتبة الحميري: " بأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا " (4) يراد منه تخييره بين التكبير وقول " بحول الله وقوته... " دائما. وهكذا قول الرضا (عليه السلام) في معتبر الميثمي: " يجب الأخذ بأحدهما أو بهما، أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم... " (5) لا شبهة في أنه يراد منه تجويز الأخذ بخبر نهي الكراهة، أو بخبر الترخيص دائما. فإذا اريد من هذه الروايات الثلاث التخيير الدائمي علم أنه المراد في سائر الروايات أيضا بقرينة وحدة العبارة والمراد.


(1) درر الاصول: ج 2 ص 659، وهذا العظيم هو الآية العلامة الأراكي (قدس سره). (2) فوائد الاصول: ج 4 ص 768. (3) الوسائل: ج 3 ص 240 باب 15 من أبواب القبلة ح 8. (4) الوسائل: ج 4 ص 967 باب 13 من أبواب السجود ح 8. (5) الوسائل: ج 18 ص 81 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 21. (*)

[ 492 ]

وثانيا: أن التوسعة المذكورة في قول أبي عبد الله (عليه السلام) في موثقة سماعة: " يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه " (1). وفي قوله (عليه السلام) في خبر الحارث بن المغيرة: " إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد إليه " (2) مطلقة مستمرة إلى لقاء القائم بالأمر الذي يخبره بالواقع بعد الرد إليه، وإطلاقها لا يكون إلا إذا كان مخيرا في العمل بكل واحد من الخبرين شاء في كل فرد وواقعة تعرض له، وليس هنا من التعبير بالأخذ عين ولا أثر، فيدلان بوضوح على استمرار التخيير، ويكونان قرينة على إرادة هذا المعنى من الأخبار الاخر بعد وحدة الموضوع والمراد. وثالثا: أنه قد ذكر سر هذا التخيير في المرسل المروي مرتين في الكافي وفي مكاتبة الحميري وفي معتبر الميثمي وفي خبر فقه الرضا وأنه التسليم لهم (عليهم السلام)، وهو لا يختص بالأخذ البدوي، بل يعمه والأخذ في كل من الوقايع بأي من الخبرين أراد، وذلك أن ظاهر قولهم (عليهم السلام) فيها: " بأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا " أن ملاك كون الأخذ بكل منهما صوابا أن الأخذ به تسليم لهم (عليهم السلام)، ومن الواضح أن هذا المعنى كما يقتضي التخيير في الأخذ بأي منهما شاء في ابتداء الأمر كذلك يقتضيه استمرارا، فهذه الروايات علاوة على ظهورها بنفسها في التخيير الإستمراري تكون قرينة على إرادته من سائر الأخبار أيضا. ثم إن الأخبار المشتملة على إحدى هذه القرائن الثلاث أخبار ثمانية من العشرة التي قد يستدل بها على التخيير، ويبقى منها خبران آخران: أحدهما: ما أرسله في الاحتجاج عن الحسن بن الجهم، عن الرضا (عليه السلام) ففيه: " قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا نعلم أيهما الحق، قال: فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت " (3).


(1 و 2) الوسائل: ج 18 ص 77 و 87 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 5 و 41. (3) الوسائل: ج 18 ص 87 ب 9 من أبواب صفات القاضي ح 40، عن الاحتجاج: ص 195 ط النجف الأشرف. (*)

[ 493 ]

ففيه كما ترى: وإن أفاد التخيير في مادة التوسعة إلا أنها علقها بالأخذ بأيهما شاء، فمن هذه الجهة ربما يتوهم أنه بعد الأخذ بأحدهما يصير حجة عليه، ولا يكون له بعده تخيير. لكنه لا مجال له بعد تلك الدلالات الواضحة، فبقرينتها يعلم أن المراد بالأخذ هو تطبيق العمل عليه. وبعبارة اخرى: الأخذ العملي كما قال في صحيح ابن مهزيار: " موسع عليك بأية عملت " (1) وكما وقع التعبير بالأخذ في أخبار التسليم أيضا، وإطلاق التوسعة عليه في الأخذ والعمل بأي الخبرين شاء يعم كل مرة وفي كل واقعة، بل لا يبعد دعوى انعقاد هذا الإطلاق للحديث مع قطع النظر عن القرائن المذكورة أيضا. ثانيهما: مرفوعة زرارة، ففي آخرها: " فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع ؟ فقال (عليه السلام): إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الأخير ". ففيه: يمكن أن يقال: إن ظاهر إطلاق الجملة الأخيرة " وتدع الأخير " أنه يترك الرواية الاخرى بالمرة، كما كان كذلك في موارد ترك المرجوح المذكور في الفقرات السابقة أيضا، ولذلك فهي ظاهرة في التخيير البدوي. إلا أنها لا بد وأن تحمل على ما استفدناه من سائر الأخبار بعد قوة دلالتها، بل صراحة بعضها في الاستمراري منه. هذا، مع أن المرفوعة ضعيفة السند جدا - كما عرفت - بحيث لم يعتمد عليها من ليس له تلك الدقة في سند الأخبار. فتحصل: أن للأخبار الواردة في التخيير - لو سلمنا دلالتها على أصل التخيير - دلالة قوية غير قابلة الإنكار على أنه تخيير استمراري، لا بدوي. وبعد ذلك تعرف ضعف الوجوه المذكورة في المنع أو التشكيك في استفادة التخيير الاستمراري. فإن المخاطب الموضوع لهذا التخيير هو من جاءه الحديثان


(1) الوسائل: ج 18 ص 88 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 44، وتقدم في ص 491 من هذا الكتاب أيضا. (*)

[ 494 ]

المتعارضان أو ما يساوقه - نعم، التعارض أو الاختلاف لا يتحقق إلا إذا لم يكن جمع عقلائي، ولا محالة يوجب التحير في الحكم الواقعي - وهو شامل لكل من وصل إليه الخبران ومن بحكمه، وتقييده بالمتحير في وظيفته الفعلية مضافا إلى أنه مخالف لظاهر الأخبار يوجب أن لا يشمل من لم يأخذ بعد بواحد من الخبرين أيضا، ضرورة أن نفس جعل التخيير ترفع هذه الحيرة، فالموضوع هو " من جاءه المتعارضان " وهو وإن سلم تقييده بمن لم يأخذ بواحد منهما، إلا أن الحكم الشرعي المستفاد من الأخبار المجعولة له، هو التخيير الإستمراري والسند ما عرفت، وهذا الحكم هو أنه مخير في كل واقعة في الأخذ بأي من الخبرين شاء، لا في إحداث الأخذ به في إبتداء الأمر، كما عرفت مفصلا. والحمد لله وحده. وبالجملة: فالتخيير وإن لم يكن في مسألة فرعية - كما في التخيير بين القصر والإتمام - إلا أنه يعم كل واقعة ومصداق، فهو مخير في كل مصداق ومورد للخبرين أن يأخذ فيه ويعمل فيه بأي من الخبرين شاء، فهذا التخيير في عين أنه إستمراري ليس تخييرا في المسألة الفرعية أيضا، وهو واضح. ثم إنه بعد وضوح دلالة هذه الأخبار الكثيرة على إستمرارية التخيير لا نرى حاجة للبحث عن إستصحابه، فإنه فرض على فرض. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. تنبيه: حيث إن الأصل في الطرق المتعارضة التساقط وعدم حجية شئ منها في خصوص مفاده واعتبار واحد منها ترجيحا أو تخييرا تعبد قد دل عليه الأخبار، فلا محالة يقتصر على مفادها، وليس فيها ما يدل على عموم الحكم لغير الروايات، فلو تعارضت البينات أو قول أهل الخبرة وأمثال ذلك فلا تدل هذه الأخبار على جريان الترجيح والتخيير فيها، وقد مر عند البحث عن لزوم الإقتصار في الترجيح بالمزايا على خصوص المذكور في الروايات ما ينبه على المطلوب، فتذكر.

[ 495 ]

7 - فصل في عدم جريان أخبار العلاج في موارد الجمع العرفي إن اختصاص التخيير أو الترجيح المذكور في أخبار العلاج بمورد لم يكن بين المتعارضين جمع عرفي هو المعروف بين الأصحاب فلم يعهد من أحد معه الرجوع إلى أخبار العلاج، اللهم إلا من باب التأييد، كما إذا كان المشهور أفتوا بمفاد المخصص في قبال العام، أو كان مفاد الخاص مخالفا للعامة أو موافقا لظاهر الكتاب. لكنه قد يناقش بأن العناوين المأخوذة في أخبار العلاج شاملة لموارد الجمع العرفي أيضا، ووقوع السؤال عن حكم الخبرين اللذين بينهما توفيق عرفي ممكن، إما للغفلة عن وجود هذا التوفيق وعدم الإلتفات الذهني إليه، وإما لحصول الإطمينان على تأييد الشارع له، وإما لغير ذلك، بل قد يستدل للشمول بمكاتبة الحميري وصحيحة إبن مهزيار حيث إنهما من أدلة التخيير مع أن موردهما مما يكون فيه جمع عرفي، فراجع الدرر. وأجاب عن أصل الإشكال سيدنا الاستاذ (قدس سره) في رسائله بإنكار صدق عنوان الإختلاف أو التعارض المأخوذ موضوعا في أخبار العلاج، على ما بين الخبرين اللذين بينهما جمع عرفي، فإن بينهما كمال الملائمة والائتلاف، حيث إن أحدهما قرينة على المراد من الآخر (1). أقول: قد عرفت أن مورد صحيحة علي بن مهزيار وما تعرض لحكمه صريحا في معتبر الميثمي بين الخبرين كمال الملائمة، وأن أحدهما قرينة حمل الآخر على إرادة الاستحباب أو الكراهة، ومع ذلك فقد عبر عما بينهما بالاختلاف في لسان المعصوم (عليه السلام) في الثاني وفي لسان السائل في الأول، فإنكار صدق العنوان على التعارض البدوي الغير المستقر غير ممكن.


(1) رسالة التعادل والترجيح: ص. (*)

[ 496 ]

إلا أنه مع ذلك لا يبعد أن يقال: إن ظاهر موارد السؤال عن حكم التعارض أنه قد عرض للسائل تحير في ما هو وظيفته، وفي إنكشاف الواقع بالأخبار في موارد السؤال، وهو إنما يكون إذا لم يكن بينهما جمع عرفي، وإلا فمع التوفيق الوثيق لا يبقى حيرة، ومثل مسألة حمل البعث أو الزجر على غير الإلزامي بقرينة الترخيص في الترك أو الفعل، أو تخصيص العام بالخاص والمطلق بالمقيد، مما قد اشتهرت بين أداني المحصلين لا تليق أن يسأل عن حكمها. بل في بعض أخبار العلاج قرائن واضحة على هذا التحير الوثيق، مثلا إن قوله في مقبولة عمر بن حنظلة: " اختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم " (1) لا ينبغي الشك في أن هذا الاختلاف كان اختلافا عريقا، وإلا فلو كان الخبران من قبيل الخاص والعام أو البعث نحو الفعل والترخيص في الترك لما بقى بين الحكمين إختلاف ولإتحدا في ما يحكمان. كما أن قوله في موثقة سماعة: " في رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه " (2) ظاهر في أن الرجلين بعد استنادهما إلى ما يرويه كان أحدهما يراه منهيا عنه والآخر جائزا وواجبا وليس بينهما جمع، وإلا فلو كان من قبيل النهي والزجر عن أمر والترخيص فيه لما بقيا على هذا الخلاف. وكما أن قوله في موثقة الحسن بن الجهم قلت للعبد الصالح هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم ؟ فقال: " والله لا يسعكم إلا التسليم لنا " ثم تعقيبه بقوله: " فقلت: فيروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) شئ ويروى عنه خلافه فبأيهما نأخذ ؟ " (3) لا يعني به إلا أنه يقول: إن هذا التسليم الذي هو وظيفة علينا لا يمكن


(1) الوسائل: ج 18 ص 75 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1. (2) الوسائل: ج 18 ص 77 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 5. (3) الوسائل: ج 18 ص 85 باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 31. (*)

[ 497 ]

النيل إليه مع هذا الاختلاف الواقع بين الروايتين فكيف تقولون: " لا يسعنا إلا التسليم " فالتسليم هنا غير ممكن فبأيهما نأخذ ؟ ! وبالجملة: فمورد سؤاله لا يكون إلا ما إذا لم يمكن جمع عرفي بين المتعارضين، وهو واضح. فالحاصل: أن الإطلاقات منصرفة إلى غير مورد الجمع العرفي، كما قاله الأساتيذ قدس الله اسرارهم. وأما صحيحة علي بن مهزيار فقد تقدم أن التوسعة المذكورة فيها هي التوسعة الواقعية الموجودة في كل بعث أو زجر غير إلزامي، فإن فرض الاستحباب أو الكراهة فرض البعث أو الزجر بالنسبة للفعل والترخيص في فعله أو تركه، فإذا كان البعث أو الزجر مدلول أحد الخبرين والترخيص مدلول الآخر فلا محالة يكون الإفتاء بالاستحباب أو الكراهة أخذا بهما، وموافقة البعث أو الزجر عملا بإحدى الروايتين والأخذ بالرخصة عملا بالآخر، بل الإتيان به بعنوان الاستحباب أو مع الالتزام بالكراهة كتركه هكذا عمل وأخذ بكلتا الروايتين. وبالجملة: فهذه سعة واقعية تلزم جميع موارد الاستحباب والكراهة. ولذا قال في خبر الميثمي تعبيرا عنه: " يجب الأخذ بأحدهما، أو بهما جميعا، أو بأيهما شئت وأحببت موسع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) " (1). وليس هذه السعة هو التخيير الظاهري في العمل والأخذ بأحد الخبرين اللذين تعارضا وليس بينهما جمع عرفي. فهذه الصحيحة مثل خبر الميثمي تأكيد على الأخذ بالجمع العرفي في مثل الظاهر في الإلزام والنص في الترخيص. وأما مكاتبة الحميري فقد عرفت أنها أيضا في مقام بيان التوسعة الواقعية الموجودة في موارد الاستحباب، وأنها أيضا مثل صحيحة ابن مهزيار والميثمي، فتذكر، والله العالم.


(1) الوسائل، ج 18، ص 81، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21. (*)

[ 498 ]

8 - فصل هل أخبار العلاج تعم المتعارضين بالعموم من وجه ؟ وعلى فرض العموم فهل يفصل بين المرجحات السندية وغيرها ؟ قد يستظهر اختصاص أخبار العلاج من حيث الموضوع بما كان من الأخبار بجميع مفاده مخالفا ومعارضا للآخر، ومن حيث الحكم بما يؤخذ به ويترك مخالفه بالمرة، فلا محالة لا تعم العامين من وجه، فانه لا وجه لطرح مورد الإفتراق فيهما، ولو كان فيهما طرح لاختص بمورد الإجتماع الذي تعارض فيه الخبران، وقد قواه سيدنا الاستاذ وبعض أهل التحقيق (قدس سرهما). إلا أنه لا يبعد أن يدعى شمول عنوان الخبرين المختلفين لما اختلفا وتعارضا تعارضا مستقرا في بعض مضمونهما ايضا، وأن يدعى بتناسب الحكم والموضوع أن الأخذ والطرح المأمور بهما ترجيحا أو تخييرا مختص بمورد اختلافهما، إن كلا فكلا وإن بعضا فبعضا، وهو مختار الشيخ الاعظم وبعض الاعاظم (قدس سرهما) واختاره بعض أعيان المحققين (قدس سره) في حاشيته المباركة على الكفاية. وبعد عموم هذه الأخبار لهما فقد يقال بعدم جريان المرجحات السندية كالترجيح بالاصدقية والاعدلية فيهما، لأن التعبد بصدور الخبر لا يمكن أن يتبعض بالنسبة لمورد الإفتراق والإجتماع، بل إما أن يكون الخبر العام صادرا، وإما أن لا يكون صادرا بالمرة، فإنه لم يتضمن إلا لفظا واحدا عاما. وفيه: أن الترجيح بها لا يتعين فيه أن يؤول إلى أصل الصدور، بل يمكن أن يكون ناظرا إلى كيفية الصادر. وبعبارة واضحة: إن ما نص عليه أخبار العلاج ليس إلا الأخذ بأحد الخبرين وترك الآخر بلا تعرض لسر هذا الحكم، ودعوى أن سره متعين في أنه يحكم بصدور المأخوذ وعدم صدور المتروك، ممنوعة، فإن الترجيح بمرجحات السند إنما يناسب أن ترك المرجوح إنما هو لأجل مجئ إحتمال للكذب فيه ليس في الآخر، لكون راويه أصدق، وهذا الكذب المحتمل كما يحتمل أن يتعلق بأصل

[ 499 ]

الصدور يحتمل تعلقه بكيفية النقل، بأن يحذف القرينة الموجبة لإختصاص العام بغير مورد الإجتماع، فالتفصيل لا وجه له هذا، مضافا إلى ما عرفت من إنكار الترجيح بصفات الراوي رأسا، فتذكر. وأما ما عن الشيخ الأعظم وتبعه غيره من أن التبعيض في الصدور إنما يستحيل واقعا لا في مرحلة التعبد، فهو وإن كان متينا إلا أنه بعيد جدا وغير مقبول عرفا. والله العالم. 9 - فصل في ذكر قرائن كلية للجمع العرفي وحكمها قد مر أنه إذا كان بين الخبرين جمع عرفي كان العمل عليه ولا يعمه أخبار العلاج، وربما يذكر قرائن كلية على بعض موارد الجمع لا بأس بالبحث عنها: منها: أنه إذا تعارض العموم والإطلاق كان العام أقوى وبه يقيد الإطلاق، لأن إنعقاد الاطلاق معلق على عدم قرينة على التقييد، وعموم العام المبتني على الوضع قرينة عليه فيمنع عن إنعقاده. واجيب عنه بأن إنعقاده موقوف على عدم ذكر قرينة في مجلس التخاطب، كما هو المفروض، فالعام المنفصل لا يصلح أن يكون قرينة مانعة عن انعقاده. وقرره سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره): بأن المطلق كالعام إنما وضع لنفس الطبيعة المتحققة في كل فرد منها، فلا دلالة لها وضعية على أنها تمام الموضوع للحكم المرتب عليه، وإنما يستفاد ذلك من كون الجاعل في مقام بيان تمام موضوع حكمه، وعدم ذكر قيد لها في هذا المقام، إلا أن كل المستفاد منه أن فعله هذا حجة على أن نفس الطبيعة تمام موضوع حكمه، فهو من قبيل حجية الفعل، وحجيته وإن كانت تنجيزية، إلا أنها مستمرة ما لم يقم قرينة مقتضية للخلاف، فإذا صدر من نفس هذا الجاعل كلام يدل بدلالته الوضعية على خلاف تلك الحجة فلا محالة ينتهي أمد حجيته، ويخرج عن جواز التمسك به، فيقدم ظهور العام

[ 500 ]

ويكون واردا على حجية الإطلاق، ويخرج عن قابلية الاحتجاج (1). أقول: إن إنعقاد الإطلاق وإن لم يكن بالدلالة الوضعية إلا أنه إذا كان المتكلم في مقام لابد فيه من بيان تمام موضوع حكمه، كما لو سئل هل يجب إكرام العالم مطلقا أو أن فيه قيدا ؟ فأجاب بأنه: " يجب إكرام العالم "، فلا ينبغي الريب في أنه يحكم العقلاء بأنه إذا انقضى مجلس الخطاب ولم يذكر لموضوع حكمه قيدا فتمام موضوع حكمه هو نفس ما ألقاه إلى المخاطب، فإذا لم يذكر له قيدا فمدلول اللفظ الموضوع للطبيعة هو تمام موضوع حكمه، ولا تتوقف استفادة هذا المعنى على أزيد مما ذكرنا، وهو معنى انعقاد الإطلاق، ومن المعلوم أنه لا يرتفع بمجرد قيام عموم في قباله وعلى خلافه. ومنه تعرف أن باب الأخذ بالإطلاق ليس باب حجية الفعل ولا باب الأخذ بالحجة، بل إن كونه في مقام البيان وعدم ذكر قرينة على التقييد يكون دليلا على ظهور كلامه في أن المذكور فيه هو تمام موضوع حكمه، فيصير كما لو نطق بأنه تمام موضوع حكمه، ويكون بمنزلة ما لو وضع لفظ المطلق للمشروط بالإطلاق، ولو بمعنى تمام الموضوع، نظير المطلق بتفسير المشهور. وبالجملة: فمجرد وضعية دلالة العام لا توجب تقدمه على المطلق بل يحتاج إلى قرينة اخرى. ومنها: أنه إذا دار الأمر بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى، كما نفى الاشكال عنه في الفرائد. أقول: ولتوضيح المقال هنا نذكر مقدمة نبحث فيها عن أمرين: أحدهما: أن من المسلم في كلمات الأعاظم أنه يشترط في النسخ أن يكون بعد حضور وقت العمل بالمنسوخ، فلو كان ورود الدليل المتأخر قبل حضوره لما أمكن أن يكون ناسخا، والظاهر أن الوجه فيه أن النسخ هو رفع الحكم الموجود، والحكم لا يكون حكما إلا بفعلية موضوعه، فما لم يتحقق مكلف أو لم يحضر


(1) رسالة التعادل والترجيح: ص 24. (*)

[ 501 ]

زوال الجمعة لم يكن هنا وجوب لصلاتها مثلا، وبعد فعليته يكون لنا حكم فعلي يمتثل أو يعصى. لكن التحقيق: عدم تقوم النسخ بفعلية الموضوع للحكم المنسوخ، وذلك أنك قد عرفت منا مرارا أنا لا نعقل من كون الحكم إنشائيا محضا إلا أن يجعله من بيده الجعل، ولا يودعه بيد الإجراء، كما إذا جعل مجلس التقنين قانونا للعمل به بعد سنة أو أشهر مثلا، فهذا الحكم انشائي، وفي قباله الحكم الفعلي وهو الحكم الذي بلغ أوان العمل به واودع بيد الاجراء، فالحكم الذي يكون هو ملاك العمل لو تحقق له موضوع حكم فعلي وإن لم يتحقق له موضوع، إلا أنه حكم كلي قانوني، فإذا تحقق موضوعه يكون فعليا بمعنى لزوم العمل به على من يتعلق الموضوع به، ففعلية الحكم والقانون الكلي لا يتوقف على فعلية مصداق له وإنما يتوقف الحكم الجزئي عليها مثلا، إن من المعروف أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعل الارث على أساس عقد المؤاخاة، فكان حكم الارث هكذا حكما إسلاميا فعليا إلى زمن بحيث لو كان أحد آخى غيره يموت لكان يقسم تركته على من آخوه، فهذا هو حكم الإسلام وقانونه، وبعد مضي مدة قد نسخ بقوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم...) * الآيات، فنسخه لا يتوقف على أن كان قد مات أحد قبله واعطيت تركته إخوته بالمعاقدة، بل مجرد كون الإرث بالمؤاخاة ملاكا للعمل بين المسلمين - لو تحقق موضوعه - كاف في صحة النسخ، وهو أمر واضح يكفي للتصديق به تصوره. وقد صرح بما ذكرناه وإختاره بعض المحققين في تعليقته على فوائد الاصول. ثانيهما: أن المشهور أيضا أنه يشترط التخصيص بأن يكون الخاص واردا قبل حضور وقت العمل بالعام في مورد الخاص، وعللوه بأنه لولاه لتأخر بيان المراد الواقعي عن وقت الحاجة إلى العمل به، وتأخير البيان عن وقت العمل قبيح لا يصدر عمن لا يفعل القبيح. لكنه أيضا ممنوع - كما بينه الشيخ الأعظم (قدس سره) في الفرائد -، وذلك أنه كما

[ 502 ]

لا إشكال في إمكان وجود مصلحة في إخفاء الحكم الواقعي وعدم بيانه للمكلفين - كما في بعض موارد قبح العقاب بلا بيان -، فهكذا قد يكون مصلحة في إلقاء كلام ظاهره أن هنا حكما مجعولا على حسب مفاد هذا الكلام وليس له واقعية أصلا. فقد تحصل: أنه لا يكون قوام النسخ بحضور وقت العمل بالمنسوخ، ولا التخصيص بعدم حضوره، بل أمكن فيهما أن يكونا بعده وقبله، نعم، يشترط في النسخ أن يحضر زمان فعلية القانون المنسوخ. وبعد هذه المقدمة التوضيحية نقول: إذا كان لنا عام وخاص في زمانين، ودار الأمر بين أن يكون الخاص مخصصا للعام، وأن يكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم فالحق أن التخصيص مقدم على النسخ، وذلك لا لمجرد أكثرية التخصيص حتى يورد عليه بأنها لا أثر لها ما لم يرتكز عليها ذهن العرف بحيث كان كقرينة متصلة، بل يقال - كما في الكفاية - بأن النسخ تقييد للإطلاق الزماني في دليل الحكم المنسوخ، وهو على مبناهم مقدم على التخصيص. بل لأحد وجهين: أحدهما: أن أدلة الأحكام في كل شريعة وإن كانت تدل بإطلاقها على أنها حكم هذه الشريعة ما دامت الشريعة قائمة، والشاهد عليه هو الفهم العرفي القطعي لمن راجع إرتكازه فلا يصغى إلى إنكاره عن بعض الأعاظم - على ما في الفوائد المقررة لبحثه (قدس سره) - إلا أن المستفاد الأولي من كل دليل إنما هو نفس ما ينطق ويصرح به ويكون المتكلم به في صدد إلقائه، وهو أصل الحكم المذكور فيه، وأما الاطلاق المستفاد منه فهو أمر ينتقل إليه بعد ملاحظة أن ما ذكره المتكلم هو تمام الملاك عنده بعد أن كان في مقام البيان، ولذلك لا يختص بحال دون حال ولا بزمان دون زمان، وإلا فالذهن متوجه أولا إلى نفس المفاد، ولا يتوجه إلى الإطلاق، وما هو المعيار في مقام الجمع العرفي بين الدليلين أو الأدلة عند العقلاء إنما هو ذاك المفهوم الأولي، فإذا ورد: " أن الله خلق الماء طهورا "، وورد أيضا في كلام منفصل: " أن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة " يرى أنهما في مضمونهما

[ 503 ]

الأصلي عام وخاص، والخاص قرينة على تخصيص العموم، ولا ينتقل الذهن أبدا في هذا المقام إلى أنهما مطلقان من حيث الزمان، ليتفكر في أنه هل يمكن الجمع بإيراد قيد على زمان أحدهما. والوجه الثاني: أن ظاهر كلا الدليلين المتعارضين ظهورا قويا أن مفاد كل منهما حكم للإسلام من أول الأمر، لا أن كلا منهما حكم له من حين صدوره، فهما متفقان في هذا الظهور على أن لا مجال للنسخ، فلو فرض إلتفات الذهن العرفي إلى الاستمرار الزماني في كل من الحكمين أيضا لكان ظهورهما المذكور في عدم النسخ موجبا للجمع بينهما بغير النسخ، وبأن يجعل الأخص منهما بما له من الزمان المستمر قرينة على تخصيص الآخر بغير مورد الأخص. وكيف يرضى ذهن أحد من أهل العرف بالتصرف في زمان كلا الدليلين حتى يختص زمان المتقدم بأول ظهور الشريعة إلى زمان صدور المتأخر، ويختص زمان المتأخر - في مورد التعارض - بحال صدوره وما بعده، ويعم في غير مورده جميع أزمنة الشريعة، فإن هذه التقاطيع لازم الجمع بالنسخ، وهي مما لا يقبلها ذهن عرفي، والله العالم. ومما ذكرناه تعرف أن الجمع العرفي المذكور لا يختص بما كان الدليلان عاما وخاصا، بل يجري في المطلق والمقيد وغيرهما أيضا، لعموم الوجهين المذكورين لجميع هذه الموارد، فتفهم واغتنم، والحمد لله. ثم إن بعض الأعاظم (قدس سره) بعد عدم تنبهه لما ذكرناه من الوجهين قد استدل لتقدم التخصيص على النسخ بما ورد من أن حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فإنه دل على أن جميع أحكام الشرع دائمة، فلا مجال لحمل مفاد الدليل المتقدم على النسخ. أقول: إن التأمل في الأخبار المذكورة يعطى أنها بصدد بيان أن الشريعة الإسلامية خالدة إلى يوم القيامة، وأنها خاتم الشرائع الإلهية، وأما أن كلا من أحكامها دائمة لا يقع فيها نسخ وتغيير من ناحية نفس صاحب الشريعة فلا.

[ 504 ]

فانظر إلى ما رواه ثقة الإسلام في اصول الكافي بإسناده الصحيح عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحلال والحرام ؟ فقال: " حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره " وقال: " قال علي (عليه السلام): ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة " (1). فإن تأكيد الكلام بقوله (عليه السلام): " لا يكون غيره ولا يجئ غيره " يكون قرينة جلية على أن المراد بالأبدية المذكورة أنه لا يخلف حكم غير الإسلام مقام حكم الإسلام، لا في الحال ولا في ما يأتي إلى يوم القيامة، وأما أن كل حكم فهو لا يتغير ولا يتبدل بتبديل من نفس شارع الإسلام فهو معنى لا يرتبط بمفاده. هذا. ومثله بل أوضح منه موثقة سماعة بن مهران المروية في باب الشرائع من اصول الكافي (2)، وقريب منهما خبر سلام بن المستنير (3)، فراجع. وبعد ما مر تعرف أن الأخبار المشتملة على الخصوصيات في كلام الأئمة (عليهم السلام) حتى المتأخرين منهم لابد وأن يحمل على أنها تخصيصات للعمومات المعارضة لها، وإن كانت تلك العمومات صادرة عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فإنه الجمع العرفي بين مفادها مع غمض العين عن كل ما سواها. هذا. وقد وردت أخبار مستفيضة بألسنة مختلفة تدل على أن جميع الأحكام قد شرعت وأخبر بها في زمن النبي الأعظم، وأن الأئمة (عليهم السلام) مبينون لنفس ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غاية الأمر أنها كانت مودعة عندهم وربما لا يعلمها غيرهم صلوات الله عليهم. فمن هذه الأخبار ما في ذيل صحيح زرارة المذكور آنفا من أنه " قال علي (عليه السلام): ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة " فإنها دلت بالصراحة على أن الأخذ بالبدعة مساوق لترك السنة، وهو لا يكون إلا إذا كان في جميع الموارد سنة


(1) الكافي: ج 1 ص 58 باب البدع والرأي والمقاييس ح 19. (2) الكافي: ج 2 ص 17. (3) الوسائل: ج 8 ص 124 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث 407. (*)

[ 505 ]

واجبة الاتباع، والسنة ليست إلا ما سنه الرسول (صلى الله عليه وآله)، فلا محالة يكون للرسول الأعظم في كل موضوع حكم وسنة. ومنها: موثقة سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) أو تقولون فيه ؟ قال: " بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه " (1) فإنها كالصريحة في أن جميع الأحكام مما نزل به الكتاب أو جاء به السنة، وأنهم لا يجوزون عنهما ولا يقولون في شئ بآرائهم، وإنما يبينون ما جاء به الكتاب أو السنة. ومنها: صحيحة حماد عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: " ما من شئ إلا وفيه كتاب أو سنة " (2). ودلالتها على أن بيان جميع الأحكام في الكتاب أو السنة واضحة، كوضوح دلالتها أيضا على أنهم (عليهم السلام) لا يعدونهما. ومنها: موثقة سماعة بن مهران عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال:.... فقلت: أصلحك الله، أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس بما يكتفون به في عهده ؟ قال: نعم وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة، فقلت فضاع من ذلك شئ ؟ فقال: لا هو عند أهله (3). ومنها: صحيحة أبي بصير قال: " دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)... إلى أن قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال: قلت جعلت فداك: وما الجامعة ؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إلي، فقال: تأذن لي يا أبا محمد، قال: قلت: جعلت فداك، إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب... الحديث " (4).


(1 و 2) اصول الكافي: ج 1 ص 62 باب الرد إلى الكتاب والسنة... الحديث 10 والحديث 4 ص 59. (3) اصول الكافي: ج 1 ص 57 باب البدع والرأي والمقاييس ح 13. (4) اصول الكافي: ج 1 ص 239 باب فيه ذكر الصحيفة... الحديث 1. (*)

[ 506 ]

ومنها: ما في موثقة حمران بن أعين المروية في البصائر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " أشار إلى بيت كبير وقال: يا حمران، إن في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا بخط علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولو ولينا الناس لحكمنا بينهم بما أنزل الله، لم نعد ما في هذه الصحيفة " (1). فهذه الأخبار المعتبرة وأمثالها - وهي كثيرة - تدل على أن جميع أحكام الإسلام مبينة مضبوطة من زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، مودعة عند الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، فما يقولونه فهو نفس تلك الأحكام عينا، وبذلك يؤيد قوة ظهور الخصوصيات في أنها أحكام الله تعالى من الزمن الأول، ويضعف احتمال النسخ جدا. وفي بعض هذه الأخبار مثل روايات ذكرت فيها الجامعة دلالة على كمال إحتياط النبي الأعظم في أمر بيان الأحكام، فلم يكتف ببيانها بمشهد الناس، حتى قام بإملائها على أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما أن فيه إشارة إلى أن الناس لم يحفظوا خصوصيات الأحكام ودقائقها، وإن فرض أنه (صلى الله عليه وآله) بينها لهم، وهو أمر طبيعي، فإن جميع مدة الرسالة نيف وعشرون عاما، قد مضى أكثرها بالجهاد مع أعداء الله، وقد فتحت مكة في أواخر عمره المبارك، فلم يكن للإسلام في زمنه (صلى الله عليه وآله) دورة هدء يفرغ فيها المسلمون لتعلم معارفه، ولم يكن عامتهم إلا الأوحدي منهم عارفين ولا متنبهين بأهمية تلك الأحكام والمعارف حتى يقوموا بصدد ضبطها وكتابتها، ثم بعده (صلى الله عليه وآله) قام المتبعون للأهواء بصدد غصب مقام الولاية الإلهية، وسدوا باب معرفة قوانين الإسلام، بل نهوا عن كتابة الأخبار الحاكية لها، والناس قريبوا عهد بالإسلام فليس من البعيد جهلهم بمعظم أحكامه، بل إن مع النظر إلى الحوادث المؤلمة التي ابتلي الإسلام بها من الطبيعي أن لا يعرف المسلمون أحكامهم الإسلامية، إلا الأئمة المعصومون وأصحابهم الذين اتصلوا بمبدأ الوحي،


(1) بصائر الدرجات: ص 143 باب في أن الأئمة (عليهم السلام) عندهم الصحيفة الجامعة... الحديث 5، وفي الباب أخبار اخر كثيرة. فيها معتبرات راجعها. (*)

[ 507 ]

وعرفوا قدرها، وقاموا بصدد كتابتها وضبطها، وأمروا أصحابهم أيضا بذلك، ولذلك كانت العامة عمياء عن المعارف الإسلامية. والحمد لله على نعمائه. وكيف كان فمقتضى الجمع العرفي بين الخصوصات والعمومات تخصيص العام بالخاص، أو تقييد المطلق بها، ومسألة النسخ إحتمال بعيد لا يعتنى به العقلاء، وهو خلاف ظاهر الروايات، كما عرفت، كما أن إحتمال أن يكون مع كل من تلك العمومات والإطلاقات قرينة حالية أو مقالية متصلة، نكشف عنها بمعونة هذه الخصوصات إحتمال بعيد ينفيه ثقة الراوي للعمومات، وأن حمل العام على الخاص وتخصيص العام به أمر عرفي، مضافا إلى أن الإحتمال المذكور في نفسه بعيد، لغاية بعد أن يذكر مع العمومات جميع موارد الإستثناء منها، والله العالم. هذا كله في دوران الأمر بين النسخ والتخصيص. ومنها: ما إذا تعارض مفهوم الغاية ومفهوم الشرط، فانه قيل بتقديم مفهوم الغاية على الشرط، لأنه من باب تقديم الدلالة الوضعية على دلالة الاطلاق. وقد قلنا بضعف هذا البيان، فربما كانت دلالة الإطلاق أقوى من بعض ما بالوضع، فالمتبع هو القرائن الخاصة. ومنها: ما إذا تعارض مفهوم الشرط والوصف، فربما يقال بتقدم مفهوم الشرط، لكونه أقوى بالنسبة إلى مفهوم الوصف. والحق أنه حيث إنه ليس شئ منهما بالوضع، فاللازم هو إتباع خصوصيات كل مقام. 10 - فصل في تعيين الأظهر بين المتعارضات المتعددة، والبحث عن قيمة انقلاب النسبة قالوا: إن تعيين الأظهر من المتعارضين سهل، بخلاف ما إذا كان أطراف التعارض كثيرا فوق الإثنين، فإن تعيينه والجمع العرفي قد يكون صعبا أو مشكلا،

[ 508 ]

وتنقيح المقال فيه بالبحث عن جهات: الجهة الاولى: لا ينبغي الريب في أنه إذا كان للعام أو المطلق مخصصات أو مقيدات متعددة، فمقتضى القاعدة أن تعرض جميعا على ذلك العام أو المطلق، والوجه فيه أن المفروض إنعقاد الظهور للعموم أو الاطلاق، وأن العرف يحكم بمقتضى أصالة الظهور الجارية فيهما بأن مفاد العموم أو الاطلاق مراد للمتكلم، وإذا قام دليل على خلافه فأصالة الظهور المذكورة وإن كان يرفع اليد عنها بحسب الإرادة الجدية، إلا أن ميزان التقديم عليها والجمع العرفي بينهما إنما هو الظهور المنعقد له في نفسه، وهذا المعيار مساوي النسبة إلى كل ما كان من الأدلة على خلاف أصالة الظهور المذكورة. ولذلك فإذا كان لنا عموم مثل " أكرم العلماء " وخصوصان مثل " لا تكرم الكوفيين من العلماء " و " لا تكرم النحويين منهم " فلا يرتاب أحد في تقديم الخاصين على العام المذكور، بلحاظ أن النسبة بينهما وبين العام تكون عموما وخصوصا مطلقا، ولا يعتني أصلا إلى أن تقديم أحدهما يوجب إنقلاب النسبة بين الآخر والعام بعد التخصيص، من غير فرق فيه بين المخصص القطعي وغيره. وفي قبال هذا الذي ذكرناه إحتمالان بل قولان آخران: أحدهما: ما عن بعض أعاظم العصر - دام ظله - على ما في تقرير بحثه فقد إختار أن الحق هو إنقلاب النسبة مطلقا وأوضحه بمقدمتين: حاصل أولاهما أن موضوع الحجية إنما هو دلالة الكلام على أن مفاده وظاهره مراد بإرادة جدية، إلا أنها إنما تكون حجة ما لم يقم قرينة متصلة أو منفصلة على أن الظاهر ليس بمراد، والمقدمة الثانية أن التعارض بين الدليلين لا يتحقق إلا باعتبار كون كل منهما حجة في نفسه لولا المعارضة، بداهة أنه لا معنى لوقوع التعارض بين ما هو حجة وما ليس بحجة. وبضم هذه المقدمة إلى المقدمة الاولى يستنتج صحة القول بانقلاب النسبة، فإنه إذا قام دليل عام، ثم ورد مخصص لذلك العام، وقام دليل آخر معارض للعام،

[ 509 ]

فلابد من ملاحظة النسبة بين العام ومعارضه بعد إخراج ما يشمله المخصص، لأن العام لا يكون حجة بالنسبة إلى ما خرج منه بالمخصص، فالتصديق بانقلاب النسبة لا يحتاج إلى أزيد من تصوره " انتهى " (1). وفيه: بعد الغض عما يرد، على ما تركنا ذكره في التلخيص -: أن نتيجة إنضمام المقدمتين ليست إلا أن معيار التعارض إنما هو حجية كل منهما لولا المعارضة، وهو يعطي أن الإعتبار في مقام المعارضة إنما هو بقطع النظر عن المعارض المنفصل، وهو موافق لعدم إعتبار إنقلاب النسبة، فقوله في النتيجة: " فلابد من ملاحظة النسبة بين العام ومعارضه بعد إخراج ما يشمله المخصص، لأن العام لا يكون حجة بالنسبة إلى ما خرج منه بالمخصص " يرد عليه أنه إستدلال باعتبار الحجية بعد المعارضة، والحال أن المذكور في المقدمة إنما هو الحجية قبلها ومع قطع النظر عنها. مضافا إلى أن العام المبتلى بالمعارض ليس له حجية فعلية في مورد التعارض، كما لا حجية فعلية له في أفراد المخصص، فلو إعتبرت الحجية الفعلية - في قوام التعارض - لما كان العام حجة فعلية، ولو كفى الحجية الشأنية - كما صرح به في المقدمة الثانية - لكان واجدا لها وباقيا على عمومه حتى مع ملاحظة المخصص أيضا، فإن المخصص إنما يمنع فعلية الحجية لا شأنيتها، كما لا يخفى. ثم العجب أنه - دام ظله - قال: في ما لو ورد عنهم (عليهم السلام) " أكرم العلماء "، ثم ورد " لا تكرم العالم الفاسق " ثم ورد بعده " لا تكرم العالم الشاعر " بإيراد كلا التخصيصين على العام، ولا يصغى إلى توهم انقلاب النسبة بتوهم تقديم الخاص السابق الصدور، لأنه لابد من فرض جميع كلمات الأئمة (عليهم السلام) صادرة في زمان واحد، وإن تقدم وصول بعضها على آخر ! ! (2). وجه التعجب: أن مقتضى ما تقدم منه هو المصير إلى انقلاب النسبة، إذ لا ريب


(1 و 2) مصباح الاصول: ج 3 ص 386 - 388، وص 392 - 393. (*)

[ 510 ]

في أنه بعد ورود المخصص الأول يكون العام حجة في جميع الأفراد الباقية ما لم يرد المخصص الثاني، في عين أنه ليس حجة في أفراد المخصص الأول فالقول بانقلاب النسبة هنا أولى مما كان الخاص ومعارض العام صادرين في زمان واحد. الثاني: ما نسبه الشيخ الأعظم (قدس سره) إلى بعض من عاصره من أنه يلاحظ العام المخصص بالإجماع أو العقل بعد تخصيصه بهما مع الخاص الآخر، قال: " ولا أظن يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصان لفظيين ". ولعل وجه التفصيل أنه إذا كان المخصص مثلهما، فتخصيص العام وخروج موردهما عنه حينئذ قطعي، ولا محالة يكون العام قد إستعمل في ما عدا الأفراد المخرجة واريد به غيرها، والتعارض إنما يلاحظ بين ما إستعمل فيه واريد من العام، لا بين ما وضع لفظه له وبين الدليل الآخر. هذا. والجواب عنه: أنه إنما يصح فيما إذا كان الدليل على التخصيص حكما بديهيا عقليا يرتكز عليه ذهن العرف، بحيث يوجب إنصراف لفظ العام إلى غير موضوعه، وإلا فلو إنعقد للعموم والإطلاق ظهور فيهما - كما هو مورد الكلام - وكان التخصيص بهما من قبيل التخصيص بدليل منفصل، فالوجه المذكور غير تام، وذلك أنه حينئذ يكون ما استعمل العام فيه وإنعقد ظهوره فيه هو معنى العموم، والتخصيص بالمنفصل لا يوجب إرتفاع ظهوره في العموم، وإنما يوجب إرتفاع حجيته فيه بمقدار قام الدليل والحجة الأقوى على خلافه. بل قد حققنا في بحث العام والخاص أن التخصيص بالمتصل أيضا لا يوجب تغييرا في المستعمل فيه: أما في مثل التخصيص بالوصف ونحوه، فلأنه من باب تعدد الدال والمدلول، فلو قيل: " أكرم كل عالم عادل "، فالمستعمل فيه للفظ " عالم " بعينه هو المستعمل فيه فيما قيل: " أكرم كل عالم "، بلا فرق فيه فيهما أصلا، وإنما الفرق أن ذكر وصف " عادل " والهيأة الوصفية أوجب ورود قيد على المعنى المستعمل فيه

[ 511 ]

للفظ " عالم "، من دون تغيير في المستعمل فيه. وأما في مثل " أكرم كل عالم إلا الفساق " فلفظ " عالم " هنا أيضا قد استعمل في معناه الذي هو نفس فرد من طبيعة ذات موصوفة بالعلم، والتكثير المستفاد من لفظة " كل " المضافة إليه قد ورد على ذاك المعنى، فدل على كل فرد من أفراد العالم، عادلا كان أو غيره، لكن الإتيان بلفظة " إلا " قد خص المراد الجدي ومن أوجب إكرامهم جدا بخصوص غير الفساق، فالمراد الاستعمالي هنا أيضا جميع الأفراد، والمراد الجدي ما سوى الفساق منهم. فبالجملة: أن المستعمل فيه كالمعنى الظاهر من العام لا يتغير بورود التخصيص المنفصل عليه، فانهدم بنيان التفصيل المذكور أيضا. هذا كله حول البحث عن إنقلاب النسبة، وهو الجهة الاولى. الجهة الثانية: إذا كان لعام واحد معارضات متعددة، فإما أن يختلف نسبتها مع العام وإما أن تتحد، ولو اتحدت فإما أن تكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق وإما أن تكون عموما وخصوصا من وجه. فإن اتحدت نسبتها وكانت عموما وخصوصا مطلقا فاللازم - على ما عرفت - تقديم جميع الخصوصات وتخصيص العام بها، من غير فرق بين أن تكون الخصوصات متباينة أو أعم وأخص من وجه أو مطلقا أو مختلطة من الأقسام كلها أو بعضها، اللهم إلا أن يستلزم محذور بقاء العام بلا مورد، أو انتهاء التخصيص إلى تخصيص الأكثر المستهجن، وحينئذ فيقع بينها التعارض المستقر ويرجع إلى أخبار العلاج، ويأتي البحث عنه في الجهة الثالثة إن شاء الله تعالى. وإن اختلفت نسبتها فكانت في بعضها العموم المطلق وفي البعض الآخر العموم من وجه يعامل مع كل منها معاملة تعامل معها لو إنفرد، فالخاص المطلق يقدم على العام، والعام من وجه لا ترجيح له على العام، اللهم إلا أن يحدث بعد تخصيص العام بالخاص المطلق خصوصية جديدة تقتضي حكما جديدا، كما إذا كان العام " أكرم العلماء " وورد أيضا " لا تكرم فساق العلماء " وورد " يستحب

[ 512 ]

إكرام العدول "، فإن الفساق إذا خرجوا عن دليل وجوب الإكرام، فالمعارضة بين دليل وجوب إكرام العلماء وإستحباب إكرام مطلق العدول وإن كانت بالعموم من وجه إلا أنه لابد وأن يقدم عموم وجوب الإكرام، فإن في العكس محذورا لا يمكن إلتزامه، وهو الغاء العام بالمرة أو الغاء الخاص المطلق. وإلى هذا يشير الشيخ الأعظم (قدس سره)، حيث يقول: " والسر في ذلك واضح، إذ لولا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النص أو طرح الظاهر المنافي له رأسا، وهو باطل " فهو كما ترى قد إستند في هذا الجمع إلى أنه لولاه لزم أحد الباطلين، ولم يستند إلى إنقلاب النسبة بعد التخصيص، حتى يورد عليه - كما في تعليقة المحقق الخراساني (قدس سره) - بأنه خلاف مبناه (قدس سرهما). وأما ما عن بعض أعاظم المحققين من أنه لا يشترط في تقديم أحد المتنافيين على الآخر جعله قرينة على إرادة خلاف ظاهره، بل ربما يقتضي طرحه كلية، ففيه أن طرح أحد المتعارضين بالمرة ليس جمعا دلاليا عرفيا بين الدليلين، بل لا شبهة في أنه إذا لزم الطرح عدا من المختلفين ودخلا تحت أخبار العلاج. وإن اتحدت نسبتها بالعموم من وجه فلا مجال لترجيح بعضها على بعض، وكان اللازم الرجوع إلى أخبار العلاج، - بناء على شمولها للمتعارضين بالعموم من وجه أيضا كما هو الحق، اللهم إلا أن يكون هنا قرينة خاصة على تقديم بعضها على الآخر، كما إذا كان بعضها أقل فردا من الآخر، بحيث يراه العرف مقدما على ما يعارضه، وحجة أقوى منه على خلافه فيقدم عليه، وحينئذ فربما يحدث بعد هذا التقديم ترجيح في سائر المتعارضات بما يوجب تقدمه على غيره، وإلى هذا أشار الشيخ الأعظم (قدس سره) في ذيل كلامه حيث قال: " وقد لا تنقلب النسبة فيحدث الترجيح في المتعارضات بنسبة واحدة... الخ ". فراجع. الجهة الثالثة: إذا استلزم تقديم الخصوصات المتعددة على العام بقائه بلا مورد أو انتهاء تخصيصه إلى تخصيص الأكثر المستهجن، كما إذا ورد " يجب إكرام

[ 513 ]

العلماء " وورد " يحرم إكرام الفساق من العلماء " وورد أيضا " يستحب إكرام العلماء العدول " فان كلا من دليل الحرمة والإستحباب وإن كان أخص مطلقا من دليل الإيجاب، إلا أن تقديمهما عليه وتخصيصه بهما يوجب بقائه بلا مورد بناء على عدم الواسطة بين العادل والفاسق، وإنتهاء التخصيص إلى المستهجن، بناء على أن من لم يرتكب كبيرة ولم يحصل له ملكة ليس بعادل ولا فاسق، وحينئذ فلا إشكال في أنه ليس بينها جمع عرفي، ولا في أنه يجب الرجوع إلى أخبار العلاج، إلا أن الكلام في أن مقتضاها حينئذ ما هو ؟ فنقول: لا إشكال في ما إذا كان العام مرجوحا بالنسبة إلى كلا الخاصين، فإنه يؤخذ حينئذ بالخاصين، ويطرح معهما العام بالمرة، وهكذا الأمر إذا تعادلت الثلاثة واختير بينها الخاصان. وأما إذا كان العام راجحا فاخذ به أو قدم عليهما تخييرا، ففي الكفاية: أنه لا يطرح من الخصوصات إلا خصوص ما لا يلزم مع طرحه المحذور من التخصيص بغيره، فإن التباين إنما كان بين العام ومجموع الخصوصات، وحينئذ فربما يقع التعارض بين الخصوصات، فيخصص ببعضها ترجيحا أو تخييرا (1). انتهى. وقرره عليه وتبعه كثير من المشايخ، كصاحب الدرر، والمحقق العراقي، والمحقق صاحب نهاية الدراية في تعليقته المباركة وبعض أعاظم العصر على ما في محاضراته مصباح الاصول. وبينه في مصباح الاصول - على المثال المذكور - بأن التعارض إنما هو بين أحد هذه الثلاثة وبين الآخرين، لأن المعلوم إنما هو كذب أحدها لا غير، فبعد الأخذ بالعام لرجحانه على كلا الخاصين لا وجه لطرحهما معا، لإنحصار العلم بكذب أحدهما، فيقع التعارض العرضي بينهما. انتهى " (2). لكن أورد عليه سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره): بأن " مجموع الخاصين ليس


(1) كفاية الاصول: 516. (2) مصباح الاصول: ج 3 ص 390. (*)

[ 514 ]

من الأدلة بل لا وجود له في الخارج، وإنما هو إعتبار عقلي، فالموجود في الخارج والصادر من الأئمة (عليهم السلام) هو كل واحد من الخاصين بخصوصه، والعام لا يباين ولا يعارض مع كل منهما، ولا يعارض مع المجموع الذي لا وجود له وهو أمر اعتباري، فالتعارض إنما هو بين الخاصين لكن بالعرض ". إنتهى (1). فقد أنكر (قدس سره) وقوع التعارض بين العام والخاصين ورآه مستقرا بين الخاصين، ومآله إلى مختار غيره من المشايخ وإن إنفصل عن طريق إستدلالهم. أقول: لا ينبغي الشك بل لا شك في وقوع التعارض حقيقة بين الأدلة الثلاثة المفروضة، وانكار وقوع التعارض بالذات بينهما وحصره في التعارض بالعرض بين الخاصين غير متين، فإنه مع كونه كانكار البديهي يوجب القول بالتعارض العرضي، مع أنه لا تعارض بالذات أصلا، وكل ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات والحقيقة، بل الحق أن يقال: إن كلا من الخاصين وإن كان لو إنفرد وحده لكان مخصصا للعام غير معارض له، إلا أنه بعد فرض وجود الخاص الآخر وعدم إمكان الجمع بينهما فكل منهما معارض له، والأدلة الثلاثة معارضة مختلفة، وإن كان مورد أخبار العلاج الخبرين المختلفين إلا أن من البين عدم إختصاص حكم العلاج بخصوصهما وجريانه في الأزيد أيضا، وحينئذ فلو كان العام راجحا عليهما برجحان منصوص فيها كأن يكون العامة بين قولين، قول بحرمة إكرام الفساق، وآخر باستحباب إكرام العدول، فلا ينبغي الشك في أن الخاصين موافقان للعامة، والعام مخالف لهم، فيجب الأخذ بالعام وطرح كلا الخاصين. وليس موضوع أخبار العلاج العلم بكذب الخبر حتى يدور الطرح مداره، بل موضوعه إختلاف الأخبار وطرح الموافق للعامة والأخذ بمخالفهم، ونتيجته في الفرض ما بيناه. نعم لو كان أحد الخاصين فقط موافقا لهم والخاص الآخر والعام كلاهما


(1) لم نقف عليه في رسالة التعادل والترجيح. (*)

[ 515 ]

مخالفان لهم، لكان اللازم طرح خصوص الموافق والأخذ بالعام والخاص المخالف، وحينئذ يخصص العام به. ومنه يتبين الأمر إن قلنا بأن صفات الراوي أو الشهرة أيضا من المرجحات، فليتدبر. 11 - فصل في أنه هل يرجع جميع المزايا إلى ترجيح الصدور، أم لا ؟ قال في الكفاية ما حاصله: إن جميع المزايا ترجع إلى ترجيح السند، سواء قلنا بالإقتصار على المرجحات المنصوصة أم قلنا بالتعدي عنها إلى كل ما يوجب الظن بموافقة الخبر للواقع أو أقربيته منه، أما في غير مخالفة العامة فواضح، وأما فيها فلأن إحتمال أن يكون المقصود بأخبار العلاج حمل الموافق على التقية حتى يحكم بصدوره تقية فاسد، ضرورة أنه لا معنى للتعبد بسند ما يتعين حمله على التقية، فإن التعبد بالصدور إنما هو مقدمة لأن يعمل بالصادر، فإذا تعين حمله على التقية فلا يتصور فيه عمل، فلا معنى للتعبد بسنده. انتهى. أقول: قد عرفت منا أن إعتبار الطرق يترتب عليه أمران: جواز إسناد ما قام عليه الطريق - في مثل الروايات - إلى المعصوم أو إليه تعالى، والإكتفاء به في مقام العمل أعني كونه حجة بين العبد والمولى، والأمر الثاني وإن كان مفقودا في ما يتعين فيه التقية، إلا أن الأول موجود، وحيث إن إعتبار قول الثقة أمر عقلائي أمضاه الشرع، فلا وجه لقصر الإمضاء على خصوص ما يترتب عليه الأمران، وهكذا الأمر في عموم أخبار العلاج، بل كما أنه لو ورد إلينا خبر ثقة بأمارات واضحة تدل على أن مضمونه صدر تقية لعمه عموم حجية الأخبار، وصح لنا نسبة مضمونه إلى الامام (عليه السلام)، فهكذا الأمر في الخبر المعارض الموافق للعامة. هذا كله بناء على تسليم أن يستظهر من أخبار العلاج الحمل على التقية في مورد موافقة العامة، والحمل على عدم صدور المرجوح في سائر المزايا.

[ 516 ]

لكنك قد عرفت أنه ليس في أخبار العلاج إلا الأمر بأخذ ذي المزية وترك المرجوح من غير تصريح بأن المرجوح لم يصدر أصلا أو فيه إشكال وإبهام، والإنصاف أن المرجوح من مصاديق الأمر المشكل الذي يرد إلى الله والرسول، والأمر سهل. ثم إنك قد عرفت أنه لم يقم دليل معتبر إلا على الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وأنه لا وجه صحيح للتعدي عن المزايا المنصوصة، وأن المقبولة لا دليل فيها على الترتيب بين هاتين المزيتين، والمرفوعة الضعيفة السند لم يذكر فيها الترجيح بموافقة الكتاب، وأن صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله حجة معتبرة على أن الترجيح بمخالفة العامة متأخر عن الترجيح بموافقة الكتاب، وبها يقيد إطلاق موثقة الحسن بن الجهم كسائر المطلقات التي قام دليل على تقييدها، وإستبعاد التقييد حينئذ لا وجه له. ثم لو سلمنا التعدي عن المزايا المنصوصة وقلنا بأن الملاك في المزية أن يوجب الظن بالمطابقة للواقع أو الأقربية من الواقع، وسلمنا أيضا أن التعبد بالصدور فيما يتعين حمله على التقية لا معنى له حتى يؤول الترجيح بمخالفة العامة أيضا إلى ترجيح الصدور، لقلنا إن إيراد صاحب الكفاية على الشيخ الأعظم (قدس سرهما) - في قوله بتقدم الترجيح بالصدور على الترجيح بجهة الصدور فيما تزاحما - غير وارد، وذلك لا لأجل إنكار رجوع جميع المرجحات إلى ترجيح السند، ولا لإنكار أن كل الملاك إنما هو الظن بالمطابقة أو الأقربية من الواقع. بل لأن الشيخ الأعظم (قدس سره) فرض مقالته هذه على غير ذاك المبنى، وصرح بأنه على ذلك المبنى الذي لا يرتضيه بقوله أولا " بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية في الموافق " وآخرا: " هذا كله على تقدير توجيه الترجيح بمخالفة العامة باحتمال التقية، أما لو قلنا بأن الوجه في ذلك كون المخالف أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل، كما يدل عليه جملة من الأخبار فهي من المرجحات المضمونية وسيجئ حالها مع غيرها ".

[ 517 ]

وقال (قدس سره) في الأمر الثاني الذي عقده ذيل القسم الأول من المرجحات الخارجية ما نصه: " وأما الترجيح من حيث السند فظاهر مقبولة ابن حنظلة تقديمه على المرجح الخارجي، لكن الظاهر أن الأمر بالعكس، لأن رجحان السند إنما اعتبر لتحصيل الأقرب إلى الواقع، فإن الأعدل أقرب إلى الصدق من غيره، بمعنى أنه لو فرض العلم بكذب أحد الخبرين كان المظنون صدق الأعدل وكذب العادل، فإذا فرض كون خبر العادل مظنون المطابقة للواقع، وخبر العادل مظنون المخالفة، فلا وجه لترجيحه بالأعدلية. وكذلك الكلام في الترجيح بمخالفة العامة، بناء على أن الوجه فيه هو نفي احتمال التقية، انتهى "، وهو كما ترى كالصريح في ما ذكره الكفاية من الإيرادين عليه (قدس سرهما). والله العاصم. إلا أنه مع ذلك كله يمكن أن يقال: إن الحمل على التقية بمعنى صدور الحديث تقية لنفس الإمام (عليه السلام) أو الشيعة عن ظلم الظلمة، وإن كان متفرعا على تسلم الصدور إلا أن لازمه أن يحمل الموافق من المتكافئين على أنه صدر عنهم (عليهم السلام) للتقية، فقد تعبدنا بمقتضى أخبار العلاج بصدور الحديث مع وجوب حمله على التقية، وهو المحذور الذي في كلامه من أنه إلغاء له في الحقيقة. وعليه فما عن المحقق الرشتي (قدس سره) من النقض صحيح. نعم، لو جعلنا الحمل على التقية معنى تعليقيا، بمعنى أنه إن كان الحديث الموافق قد صدر عنهم فقد صدر لأجل التقية، لما ورد عليه النقض بالمتكافئين، لعدم إحتياج الترجيح به حينئذ إلى التعبد بصدوره، لكنه يرد عليه حينئذ أن حديث الفرعية المذكور لا أساس له، فإن هذا المفهوم التعليقي ليس متفرعا على الصدور حتى يقال بتقدم مرجحات الصدور عليه. اللهم إلا أن يقال: إنه أيضا متفرع على احتمال الصدور، ورجحان السند إذا أوجب الحكم بعدم صدوره فلا يبقى له موضوع، وعليه يحمل كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) ويندفع عنه اشكال تلميذه المعظم (قدس سرهما). وكيف كان فهذا كله مبني على تسلم دلالة أخبار العلاج على أن الخبر

[ 518 ]

المرجوح يتعين أمره في الحمل على عدم الصدور تارة، وعلى التقية اخرى، وأما إذا قلنا بأن منتهى مفادها إنما هو وجوب العمل بالراجح وترك الراجح فلا مجال لشئ من هذه الكلمات كما عرفت. والله العالم. وبهذا نختم الكلام على بحث التعادل والتراجيح، حامدين لله تعالى شاكرين لنعمائه، مستدعين لأن يصلي على خاتم رسله وأشرف أنبيائه سيدنا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين. * * * وكان ذلك في يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر رجب الأصب اليوم المبارك بذكرى مبعث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من السنة 1412 الهجرية القمرية.

[ 519 ]

الخاتمة فيما يتعلق بالإجتهاد والتقليد إن المباحث والفروع المتعلقة بالإجتهاد والتقليد وإن كانت كثيرة، إلا أنا نذكر المهم منها إن شاء الله تعالى في ضمن مقدمة ومقصدين: أما المقدمة ففي تعريف الاجتهاد بحسب الاصطلاح: فقد حكي تعريفه عن بعض القدماء: بأنه استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، وعن بعض من تأخر عنه بأنه ملكة يقتدر بها على إستنباط الحكم الشرعي من دليله. فالتعريف الأول جعله نفس عملية الإستنباط، كما أن الثاني جعله الملكة عليها. والحق أن العلماء في هذا التعريف كغيره وإن لم يكونوا بصدد بيان الحد أو الرسم المصطلح للمعرفات، إلا أن مراجعة كلماتهم تعطى بوضوح أنهم بصدد بيان تعريف جامع لجميع أفراد المعرف مانع عن دخول الأغيار، ولذلك قاموا بصدد إيراد النقض والطرد على ما وصلهم، ثم التعريف بما يرونه جامعا مانعا. فما في الكفاية: من أنهم في مقام مجرد الإشارة إلى ما هو معلوم لكل أحد من المعنى خلاف الوجدان. كما أن ما أفاده هنا وفي غير موضع - بل ولعله اشتهر - من أن اللغويين يفسرون الألفاظ بمفهوم أخص أو أعم، ليس على ما ينبغي، بل إن اللغوي يذكر كثيرا ما في

[ 520 ]

تفسير اللفظ مفهوما أعم، ويشير الى الخصوصية المختصة به بذكره منونا، فهذا التنوين إشارة إلى تلك الخصوصية التي لم يبينها، فلا يقول لغوي مثلا: " السعدانة هو النبت " لكي يكون تفسيرا بالأعم، وإنما يقول: " السعدانة نبت "، يعني: أنها نبات خاص، ويشير إلى خصوصيته المختصة به دون غيره. كما أن ما أشار إليه هنا وفي غير موضع وصرح به في مبحث العام والخاص من مساوقة التعريف اللفظي اللغوي لما تقع في جواب السؤال بما الشارحة خلاف ما صرح به أرباب الفن، فإن الشيخ الرئيس في منطق الإشارات وشارحه (قدس سره) قد صرحا بأن المطلوب بما الشارحة أيضا هو ماهية الشئ، فيقع في الجواب عنها ماهية الاسم قبل أن يثبت لها وجود، فإذا ثبت وجودها صار ذلك الجواب بعينه حدا لذاته أو رسما وواقعا في جواب ما الحقيقية، وقد وقع نظير هذا الخلط للمحقق الحكيم السبزواري في منطق المنظومة وفلسفته عند البحث عن المعرفات وبداهة الوجود، فراجع. وكيف كان فاعتبار الظن بالحكم في التعريف غير متين، فإنه لا شبهة في صدق الإجتهاد في ما كان مؤديا إلى القطع بالحكم أيضا في غير البديهيات، كما أنه لا يكفي مجرد مطلق الظن، بل خصوص ما كان ناشيا عن طريق معتبر. كما أنه لو اريد من الحكم الشرعي خصوص المجعول الشرعي الاعتباري من التكليفيات والوضعيات لكان تعريفا بالاخص، فإن أداء الإستنباط إلى البراءة العقلية أو الشرعية التي في معنى قبح العقاب بلا بيان ونفي المؤاخذة على المخالفة أيضا إجتهاد، مع انه ليس من إستنباط الحكم الشرعي أصلا. كما أن مجرد قيام الحجة إذا كان في قالب إحتمال التكليف قبل الفحص عنه ليس من الاجتهاد في شئ، وإنما الإجتهاد هو عملية إستخراج الحكم أو القدرة عليه بالاستناد إلى طريق معتبر أو أصل معتبر، فتبديل الظن بالحكم بالحجة عليه كما في الكفاية لا يمكن الوفاق عليه. ومع ملاحظة ما ذكرناه فالأولى تعريف عملية الاجتهاد بأنه استنباط الوظيفة

[ 521 ]

العملية من الأدلة المعتبرة سواء كانت حكما مجعولا شرعيا أو مثل البراءة أو نفي المؤاخذة المستتبع للرخصة العقلية في الإقدام على العمل أو مثل الطهارة والنجاسة والملكية من الأحكام الوضعية. وبعد هذا التوضيح فلا ينكر الإجتهاد ومشروعيته أخباري قطعا. وسيأتي الكلام - إن شاء الله - في أن موضوع الأحكام هو عملية الاستنباط، أو القدرة عليه في المباحث الآتية. المقصد الأول في ما يتوقف عليه الاجتهاد، وذكر أقسامه، وما يؤول إليه. ويقع البحث عنه في فصول: 1 - فصل في ما يتوقف عليه الاجتهاد بما أن عمدة المدرك للأحكام الشرعية هي الكتاب والسنة فلابد للمجتهد أن يعلم اللغة العربية وقواعدها بمقدار يقدر معه على فهم ظواهر الكتاب والسنة، وأن يعرف علم الاصول الذي يحتاج إلى قواعده في الإستنباط مجتهدا فيها، فإن أدى نظره إلى حجية خبر الثقة فلا محالة لابد له من معرفة الثقات من الرجال ولو بالرجوع إلى شهادة أهل الخبرة بثقتهم، كما أنه لو اعتقد عدم حجية رواية أعرض المشهور عنها أو حجية خبر عمل المشهور به أو حجية الإجماع بل الشهرة في ما إنعقد على خلاف مقتضى القواعد، فلابد له من تتبع فتوى العلماء لكي يعرف المشهور عن غيره وما أعرض عنه المشهور إلى غير ذلك. وتوقف الاجتهاد على هذه الأسس والعلوم مما لا ينبغي الشك فيه، ولابد أن يعترف به كل ذي مسكة، اصوليا كان أو أخباريا، ولا يظن بمن له أدنى تأمل ودراية أن ينكره، وحديث تدوين القواعد الذي حكي عن بعض الأخباريين أنه

[ 522 ]

بدعة لا ينافي لزوم معرفتها، مضافا إلى أنه ليس تدوين علم الاصول إلا كغيره من العلوم الحديثة، والبدعة ليست إلا إدخال ما ليس من الدين فيه، وهي أجنبية عن تدوين العلوم بالبداهة. والله العاصم. 2 - فصل في الاجتهاد المطلق والتجزئ إن الاجتهاد المطلق ما يقتدر به المجتهد على إستنباط الوظيفة الفعلية من أمارة معتبرة أو أصل معتبر في جميع الموارد والموضوعات، والتجزئ ما يقتدر به على الإستنباط المذكور في بعضها. ولا إشكال في حصول الإجتهاد المطلق للأعلام، ولو حصل لهم تردد في الحكم الواقعي لكان مستند إلى عدم تمامية الدليل بالنسبة إليه، وهو لا يضر بإجتهادهم، ضرورة أنه موضوع إستنباط الوظيفة العملية من الأصل الجاري فيها، كما أنه لا ينافيه الإحتياطات المطلقة التي مرجعها إلى جهل المجتهد بالوظيفة الفعلية، ولذلك يجوز الرجوع فيها لمقلده إلى غير هذا المجتهد ممن له الفتوى في موردها، وذلك أن مبنى هذه الاحتياطات: أن المجتهد لم يفحص في موردها حق الفحص عن نفس الأدلة أو سندها، أو لم يتأمل في مدلولها أو في الجمع بين المختلف منها حق التأمل، وإلا فلا ينبغي الريب في أن المجتهد إذا كان قد فحص عن الأدلة ومظانها كما هو حقه، واتضح له سندها بالاعتبار أو الضعف، وتأمل في مدلولها ومدلول معارضاتها - لو كانت - وفي ما يقتضيه أخبار العلاج - لو آل أمرها إليها - فلا محالة هو يصل إما إلى ما يقتضيه نفس هذه الأدلة وإما إلى الأصل الذي يكون هو المرجع إذا لم تتم دلالة الأدلة، كما لا يخفي. كما أنه لا ينبغي الإشكال في إمكان التجزئ في الاجتهاد، ضرورة أن الاستنباط موقوف على قدرة علمية نفسانية، وهي مما تقبل الشدة والضعف، والقوة الضعيفة لا تقدر على إستنباط ما يحتاج إلى دقة وتفكر قوي في مقتضى

[ 523 ]

القواعد أو الجمع بين المتعارضات، في حين أنها تقدر على إستنباط الوظيفة التي دليلها واضح سندا ودلالة، كما لا يخفى، ومراجعة الوجدان في حل المسائل الرياضية تكفي شاهدا واضحا على بطلان التشكيك المذكور، فإن الإنسان في أول الأمر في عين أنه يقدر على حل المسائل الساذجة لا يقدر على المشكل منها إلا بعد شدة قوته بمقدار يناسبها وهكذا، والأمر واضح جدا. 3 - فصل في التخطئة والتصويب المنسوب إلى مخالفينا العامة هو القول بالتصويب في آراء المجتهدين في الأحكام الشرعية، وأن لله تعالى - بحسب الواقع ونفس الأمر - أحكاما واقعية بحسب آرائهم. وهو قول ضعيف جدا، مخالف للاعتبار العقلائي في تقنين القوانين، بداهة أن المقنن يشرع القوانين حسب ما يراه الأصلح، ومطابقا للمصالح والمفاسد، ويضعها بيد الإجراء، ثم إن المكلفين بها الفاحصين عنها يصلون إليها ويعرفونها عقيب فحصهم، وربما يخطئون عنها ويكونون في خطئهم معذورين، من دون أن ينقلب القانون في حق المخطئ أصلا، بل القانون واحد على الكل وإن كان المخطئ معذورا، هذا. مضافا إلى أنه مخالف لإطلاق أدلة الأحكام التي لا ريب في شمولها لكل من ينطبق عليه موضوعها، من دون تقييد بالعلم بها، أو عدم العلم بالخلاف، بل إن تمام الموضوع لها هو مجرد الموضوع المأخوذ فيها، وقد حققنا في محله صحة الرجوع إلى الإطلاق من هذه الجهة أيضا. ومضافا إلى أن مقتضى الأدلة الكثيرة الواردة في بيان علل الشرائع أيضا عمومها لجميع المكلفين، فإن العلل المذكورة فيها من قبيل الآثار التكوينية التي لا فرق في ترتبها على الأعمال بين العالم بحكمها والجاهل، فإن مفسدة شرب

[ 524 ]

الخمر وأكل الميتة والخنزير كما تترتب لمن عرف حرمتها تترتب على الجاهل بها المعتقد خطأ لحليتها أيضا، فالحرمة المستندة إليها لا محالة تتبعها في العموم لمعتقدي حلها أيضا. ومضافا إلى أن الأخبار الواردة في أن جميع الأحكام قد شرعت في زمن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وأن الأئمة (عليهم السلام) لا يقولون بآرائهم، بل كل شئ في كتاب أو سنة (1)، وأن عندهم (عليهم السلام) كتابا باملاء النبي وخط علي عليهما صلوات الله فيه جميع الأحكام حتى أرش الخدش (2) وأن النبي (صلى الله عليه وآله) جاء بما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة من دون أن يضيع منه شئ (3) إلى غير ذلك من طوائف الأخبار الكثيرة التي قد مرت الإشارة إلى بعضها في مبحث التعادل والترجيح (4)، تدل بوضوح على أن أحكام الله تعالى لا تتبع الآراء المختلفة، بل هي قد شرعت على ما اقتضته المصالح، واودعت في صحف مطهرة عند الأئمة المعصومين وبلغها النبي الأعظم والأئمة المعصومون عليهم صلوات المصلين. ولذلك فما قاله الأصحاب من تواتر الأخبار ببطلان القول بالتصويب ليس دعوى بعيدة، نعم إنه ليس من قبيل تواتر لفظ أو مضمون واحد، بل هو تواتر أخبار كثيرة على ما هو من قبيل المدلول الالتزامي الواحد. ومنه تعرف أن إجماع الأصحاب هنا مستند إلى هذه الأخبار، وعده دليلا مستقلا ليس على ما ينبغي. فالقول بالتصويب - سواء كان بمعنى أن لكل مجتهد حكما واقعيا يكشف عنه إجتهاده، أو بمعنى أن حكمه الواقعي ينشأ بعد اجتهاده ومتأخرا عنه - مخالف لهذه الأدلة المتعددة المعتبرة. مضافا إلى أن تأخر إنشائه عن الاجتهاد يؤدي إلى عدم إمكان إستظهاره من الآيات والأخبار، التي لا ريب


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 59 باب الرد إلى الكتاب والسنة. (2) أصول الكافي: ج 1 ص 238 باب فيه ذكر الصحيفة. (3) المصدر السابق: ص 57 باب البدع والرأي والمقاييس. (4) راجع ذيل فصل البحث عن تقدم الجمع العرفي على أخبار العلاج. (*)

[ 525 ]

في أن مدلولها إنشاء الأحكام وروايتها من دون دخل لهذا الاستتباع. كما أن إليه يرجع ما قد يقال: إنه لما كان الإلقاء في مفسدة الحرام وتفويت مصلحة الواجب قبيحا على الشارع تعالى، ففيما إذا قامت أمارة على أمر وكانت مخالفة للواقع موجبة للإلقاء أو التفويت المذكور، فلا محالة يشتمل مؤداها على مصلحة يتدارك بها المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة. وذلك أنه لو قلنا بإشتمال مؤداها كذلك لما كان معه لتعين الحرمة أو الوجوب الواقعيين مجال قطعا، بل الحرام المشتمل على تلك المفسدة يشتمل على مصلحة جابرة لها، فلا معنى لبقائه على الحرمة حينئذ واقعا، والواجب الواقعي وإن إشتمل على مصلحته إلا أن غيره أيضا مما قامت الأمارة على وجوبه مشتمل على هذه المصلحة بعينها، فالوجوب لا يختص بالواقعي، بل يتخير بينه وبين ما قامت الأمارة على وجوبه، فينقلب أحكام الله وتتبع في واقعها آراء المجتهدين. نعم، لو قلنا بأن القبح المذكور لا يستدعي اشتمال مؤدى الأمارة بمجرد قيامها على المصلحة المذكورة، وإنما يستدعي تدارك المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة، بالمقدار الذي صار سلوكها سببا لها - كما أوضحه الشيخ الأعظم (قدس سره) في البحث عن إمكان التعبد بالظن - لما كان هنا إلا الوجوب أو الحرمة الواقعية، والتخلف عنهما يوجب على الحكيم تدارك ملاكهما، فلا يؤول إلى التصويب. وعلى هذا يحمل كلام صاحب الكفاية. لكن التحقيق الذي بيناه في محله وأشرنا إليه غير مرة: أن حجية الأمارات المعتبرة لا تتوقف على التدارك المذكور أصلا، بل مجرد اشتمال نفس جعل الحجية لها على مصلحة مهمة أقوى بمراتب في النظام الإسلامي من ضائعة فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة كاف في جعل الحجية لها، ومجرد إحتمال تلك المصلحة كاف في عدم إمكان كشف التدارك المذكور، كما لا يخفى. ومعلوم أنه من المحتمل جدا أن يكون مصلحة جعل حجية الأمارات أنه لولاها لكان

[ 526 ]

تحصيل الوظائف الشرعية ومعرفة الأحكام الإلهية صعبة، ولما كانت شريعة الاسلام شريعة سهلة سمحة، ولكان نفوس كثيرين آبية عن الإلتزام بها، لما فيه من التكليف بمعرفة أحكامه من طريق خصوص القطع بها، والعدول عما عليه طريقة العقلاء من الإعتماد عليه وعلى كل طريق معتبر عقلائي أيضا، فمع هذا الإحتمال لا دليل على التدارك المذكور. بل التحقيق: أن الدليل على خلافه، وذلك أنه لا ريب في أن إعتبار الطرق العقلائية كخبر الثقة وظواهر الكلمات عند العقلاء أنفسهم ليس إلا من باب الطريقية المحضة، وعمدة الدليل على اعتبارها شرعا أيضا هي السيرة العقلائية التي لم يردع الشارع عنها، والأدلة اللفظية الواردة على اعتبارها أيضا ظاهرة في إمضائها، فلا محالة يكون إعتبارها شرعا أيضا على حد اعتبارها العقلائي في قالب الطريقية المحضة لا يعدوها أصلا. ومنه تعرف أنه لا وجه للإلتزام بإنشاء أحكام ظاهرية مولوية في موارد الأمارات، كما لا حكم فيها عند العقلاء أصلا، ولو تفوه بما ظاهره الأمر باتباعها لكان أمر ارشاديا ينشأ من ثبوت الواقع بها ولزوم إطاعة تكليف المولى المتعلق به. والحق في هذا المجال مع صاحب الكفاية، المنكر لوجود أمر ولو كان طريقيا في موردها. نعم، ما أفاده من أن المجعول فيها مجرد الحجية ليس على ما ينبغي، فإن العقلاء يرونها طرقا موصلة إلى الواقع - والشارع أيضا أمضاها - والطريقية أمر أكثر من مجرد الحجية، فإن إسناد مؤدى الطريق المعتبر إلى الشارع صحيح جائز بلا ريبة، وليس كذلك الحجة، فإن احتمال التكليف قبل الفحص حجة منجزة للتكليف الواقعي - لو كان - مع أنه لا يجوز إسناد أن في مورده تكليفا قطعا، وكان الإسناد المذكور من مصاديق أن يقال على الله ما لا يعلمون الذي هو حرام بنص الكتاب، قال الله تعالى: * (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر

[ 527 ]

منها وما بطن... وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (1). والله الموفق، وهو الهادي إلى الحق وإلى سواء السبيل. هذا كله بالنسبة لموارد الامارات. وأما الاصول العملية فلا ريب في اختصاصها بمن كان جاهلا بالحكم موردا لها، فالحلية أو الطهارة الظاهرية المدلول عليها بمثل: " كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه " وقوله: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " مختصة بالجاهل بالحل والحرمة والنظافة والقذارة، فلا تجري في من علم بإحداها ولا بأس به. وحكم قبح العقاب وعدم المؤاخذة على التكليف المجهول أيضا مختص بمن لم يعلم ذاك التكليف، ولا يعم من علم به وقامت عنده الأمارة عليه، كما لا يخفى. المقصد الثاني في أحكام الاجتهاد وفيه فصول: 1 - فصل في حجية اجتهاد المجتهد في عمل نفسه وهي من البديهيات فإن الإستنباط هو إستخراج حكم عملي يقتضيه الأدلة المعتبرة بعد ضم بعضها إلى بعض وحيث إن المفروض إعتبار هذه الأدلة فلا مجال للتوقف في حجية ما استخرج منها. ولا فرق في ذلك بين المجتهد المطلق والمتجزئ، فإن المتجزئ أيضا قد تتبع أدلة المسألة ولم يقصر فيه، وهو - على الفرض - قادر على تشخيص معتبر السند منها عن غيره، وعلى فهم المراد منها، فلا وجه لعدم اعتبار اجتهاده.


(1) الأعراف: 33. (*)

[ 528 ]

2 - فصل في حكم تبدل الاجتهاد إذا تبدل رأي المجتهد في الحكم الشرعي المتعلق بموضوع كلى أو في تفسير نفس الموضوع فلا محالة قد انهدم أساس الإجتهاد السابق، ولا يمكن أن يكون مقتضاه حجة في أعماله الآتية، فانه يراه فاقدا لملاك الحجية، إما لإبتنائه على ظهور إنكشف له دليل على عدم إرادته، أو لعثوره على وقوع خطأ منه في بعض المقدمات كأن إعتقد وثاقة من ليس بثقة من الرواة أو إشتبه عليه أمر الاستظهار، أو لتوقفه في الإستظهار البدوي، أو في مقتضى الجمع بين الأدلة الذي كان يجزم به سابقا، أو لغير ذلك. ومن المعلوم أنه ليس له حينئذ على صحة الإجتهاد السابق دليل، وكانت وظيفته الأخذ بما يقتضيه الأدلة عنده، ومن العجيب أن يقال: إن مستند الاجتهاد الثاني أيضا قد يكون دليلا ظنيا كالإجتهاد الأول، وليس أحد الظنين أولى بوجوب الإتباع من الآخر. وكيف كان فعمدة الكلام في تبين حال أعماله السابقة المنطبقة على الإجتهاد السابق، ولا كلام فيها فيما إذا اقتضى الإجتهاد الثاني سعة أكثر من الأول، كأن إعتقد وجوب التسبيحات ثلاث مرات ثم تبدل رأيه واستقر على التخيير بين المرة والأزيد، فإن أعماله السابقة صحيح على كلا الإجتهادين، بل لو فرض الإقتصار على المرة الواحدة قبل تبدل الرأي، وكان بحيث تمشى منه قصد القربة لحكم بصحة هذا العمل أيضا، لفرض قيام الحجة على أن الواجب في الشرع هو الأمر المنطبق على الدفعة والدفعات، ولا يفرق فيه بين سائر الأوقات. وإنما الكلام فيما إذا كان عمله السابق المنطبق على الإجتهاد السابق فاقدا لشرط أو جزء بمقتضى الإجتهاد الجديد، كما إذا كان معتقدا بعدم جزئية السورة أو شرطية الطمأنينة، ثم أدى إجتهاده إلى الجزئية والشرطية، أو كان تاركا لما هو الواجب - بمقتضى الإجتهاد الجديد - كما إذا كان رأيه الإكتفاء بصلاة الجمعة عن

[ 529 ]

الظهر ثم تبدل رأيه إلى أن الواجب خصوص صلاة أربع ركعات في عصر الغيبة ظهر الجمعة. فهاهنا قد فصل الكفاية بين ما كان مبنى الإجتهاد السابق طريقا مثل القطع والأمارات المعتبرة وما كان أصلا عمليا، فاختار عدم الإكتفاء بما مضى في الطرق، واختار الاكتفاء به في الاصول. وحاصل وجهه: أن الاحكام الشرعية أحكام كلية عامة لجميع الأحيان، فإذا قامت عنده حجة على جزئية شئ أو شرطيته أو وجوب أمر تعيينا - كما مثلنا -، فقد قامت عنده حجة على هذه الأحكام وأنها أحكام الشرع في كلا الزمانين، زمان الإجتهاد الأول والثاني، بل واما قبلهما وما بعدهما، وحيث إن المفروض أنه لم يأت بما قامت الحجة على وجوبه كان اللازم إعادته أو قضائه. وحيث إن التحقيق في باب الأمارات أنها حجة من باب الطريقية المحضة، فليس فيها إلا مجرد تنجز الواقع إذا اصابت، والعذر عن مخالفته إذا أخطأت، وأما أنه يتدارك المصلحة الفائتة فلا، وهذا بخلاف الاصول، فإن المفروض فيها أن الشارع قد جعل للمكلف الجاهل وظيفة شرعية، وهو قد عمل بما هو وظيفته على تلك الحال. أقول: والتحقيق: أن عموم حديث الرفع جار في مورد الاجتهاد السابق المعني على طريق إذا قامت أمارة معتبرة في زمان الاجتهاد الثاني على خلاف ذاك الطريق الأول، وذلك أن موضوع هذا الحديث هو ما لا يعلمون، والعلم ليس مرادفا للقطع الذي ربما يكون مخالفا للواقع، حتى يكون فرض القطع بالتكليف فرض صدق العلم مطلقا، بل العلم ينطبق على خصوص القطع أو الطريق المعتبر الذي كان مطابقا للواقع، ولو إنكشف خطأ القطع أو الأمارة إنكشف أن المكلف كان جاهلا غير عالم بالواقع، وإن كان بتخيل نفسه - حين القطع أو قيام الامارة - عالما به، وعليه فإذا قامت أمارة معتبرة على التكليف على خلاف الطريق الذي إستند إليه علم أن هذا التكليف الذي انكشف له بهذه الأمارة كان مما لا يعلمون

[ 530 ]

حين بقاء الإجتهاد الأول، فكان مشمولا للرفع المدلول عليه بحديث الرفع. ولا فرق في هذا الذي ذكرناه بين ما كان حالته السابقة على الإجتهاد الأول يقينا بذاك التكليف وبين غيره، وسبقها باليقين لا يوجب جريان إستصحاب التكليف في زمان الجهل الواقعي المذكور حتى يمنع جريان حديث الرفع، وذلك أن قوام جريان الاستصحاب بالشك الذي يتوقف على الإلتفات إلى الشئ والتردد فيه، ولا يكفي فيه مجرد عدم العلم، كما حقق في باب الاستصحاب، وهذا بخلاف حديث الرفع، فإن موضوعه " ما لا يعلمون " الصادق مع الجهل المركب أيضا. وأما ما قد يقال (1) من أن جميع الأحكام الظاهرية متقومة بالإلتفات إلى موضوعها، ضرورة كونها وظائف عملية للمتحير ليرتفع بها تحيره في مقام العمل، فممنوع، بأنه لا دليل عليه، بل هي كسائر الأحكام تابعة في السعة والضيق لصدق موضوعها وعدمه، فإذا صدق موضوعها في زمان الغفلة أيضا وكان في جعلها ثمرة تخرج بها عن اللغوية، كما في ما نحن فيه، كان الواجب العمل بإطلاق الدليل والقول بعمومها لزمن الغفلة المذكور أيضا. ومن التأمل في ما ذكرنا تعرف عدم الفرق في شمول حديث الرفع بين ما كان مقدمات الإجتهاد السابق صحيحة كأن إستند إلى ظهور بعد الفحص الكافي عن قرينة خلافه، ثم عثر عليها إتفاقا مثلا، وبين ما ظهر خطاء بعض مقدماته، كان أخطأ في الإستظهار، أو في تخيل موثقية راو ليس بثقة، وغير ذلك، وذلك أن جميع هذه الموارد تشترك في صدق أن التكليف المذكور كان من ما لا يعلمون، فعموم الحديث يعم جميعها، نعم يشترط في صدقه أن لا يكون مقصرا، وان يكون معذورا في الخطاء المفروض. وبالجملة: فالحق أن موارد الأمارات كالقطع تكون مصداقا لما لا يعلمون


(1) كما في تعليقة المحقق الخراساني، وتبعه المحقق صاحب النهاية. (*)

[ 531 ]

ومجرى لحديث الرفع، فكانت مثل ما كان مستند الإجتهاد السابق من أول الأمر نفس حديث الرفع، نعم ما لم يتغير اجتهاده فالمجتهد يتخيل الموارد خارجة عن موضوع الحديث، ويكون القطع أو الأمارة المستند إليها واردا أو حاكما على الحديث، إلا أن هذه الحكومة ظاهرية تخيلية، ويرتفع أثرها بعد قيام الدليل على بطلان ذاك الإجتهاد. وعليه فإن قلنا بأن حديث الرفع يقتضي الإجزاء بعد إتضاح الواقع كان اللازم في جميع موارده القول به. وقد مر في مبحث الإجزاء أن حديث الرفع مثل أصالة الحل والطهارة مقتض للإجزاء، وإن كانت قاعدة الإستصحاب لا تقتضيه، وتمام الكلام في ذلك المبحث. ثم إنه لا فرق في ما ذكرنا من اقتضاء أصل البراءة الشرعية للإجزاء بين الواجبات والمعاملات، وذلك أن المجتهد كما أنه قبل تبدل رأيه جاهل بوجوب السورة وكونها جزءا للصلاة فهكذا هو جاهل باشتراط العربية - مثلا - في العقد، ولا ريب في أن إعتبارهما في الصلاة أو العقد أمر جعلي تابع للتقنين، فهو قد كان جاهلا بهذا الأمر المجعول، ولا شك في أن في جعله كلفة زائدة على المكلفين فلا محالة يكون مشمولا لعموم قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي... ما لا يعلمون... "، ومقتضى الجمع بينه وبين الدليل الذي عثر عليه في الإجتهاد الثاني الدال على جزئية السورة أو شرطية العربية أن تختص هذه الجزئية والشرطية بخصوص العالم بهما، غاية الأمر أن هذا الاختصاص إنما هو في مرحلة ترتيب الآثار والعمل بالقوانين فقط، لئلا يلزم إختصاص الاحكام الواقعية بخصوص العالم بها، وينحفظ اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل. لكنه - على أي حال - تكون نتيجة الجمع العرفي بين الأدلة: أن الصلاة الواجبة للجاهل بجزئية السورة - ولو في مرحلة ترتيب الآثار - إنما هي معنى يعم الفاقدة للسورة، وأن العقد المنشأ للاثر الفعلي للجاهل باشتراط العربية هو الأعم الشامل للعربي وغيره.

[ 532 ]

وعليه فلا مجال لأن يقال: إن أسباب المعاملات ليست متعلقة لتكليف إلزامي ليجري فيها البراءة الشرعية، والمسببات تجري الاصول في الحكم بعدم حدوثها أو بقاء أضدادها، فكان اللازم فيها عدم الاجزاء. وذلك لما عرفت من أن حديث الرفع يعم كل أمر جعلي كان في جعله كلفة على الامة، ولا يختص بخصوص الوجوب والحرمة التكليفيين، فمع الشك في كل ما فيه كلفة يجري حديث الرفع، وكان لازمه الإجزاء، كما عرفت. ثم إن الوجه الذي إخترناه يجري ويثبت الإجزاء، ويقدم على جميع الطرق الذي استدل به لعدم الإجزاء في الأمارات. وذلك أنه قد يستدل له بإطلاق الدليل القائم على التكليف الذي إليه إستند الرأي الجديد، فإنه طريق معتبر كاشف عن تحقق التكليف المذكور في جميع الأزمنة التي منها زمان اجتهاده الأول فإذا لم يعمل به فعليه الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه لصدق الفوت على تركه في وقته. كما قد يستدل له - مع الغمض عن الوجه الأول - بأن الاستصحاب يقتضي بقاء التكليف السابق لاحتمال عدم إجزاء ذلك الناقص، كما أنه قد يستدل له مع الغض عنهما بأنه بعد حصول العلم وما بحكمه بوجود التكليف من أول الأمر فالعقل يحكم بالإشتغال حتى يعلم الفراغ، فمقتضى الأمارات والإستصحاب وقاعدة الاشتغال هو عدم الإجزاء. هذا. وأنت خبير بأنه لما كان المفروض جهل المجتهد قبل تبدل رأيه بالتكليف الواقعي فهو حينئذ مشمول لحديث الرفع، ومقتضاه ارتفاع التكليف المستقل أو غير المستقل عنه في زمان جهله، فتختص أمارة الوجوب بخصوص زمان العلم وارتفاع الجهل ولو في مرحلة ترتيب الآثار. وهذا لا ينافي حكومة الأمارات أو ورودها على الاصول، فإنه إنما هو بعد قيامها عند المكلف، لا في زمان الجهل وقبل العثور عليها، كما لا يخفى. فحديث الرفع يجري ما دام جاهلا، ويوجب ترتب حكم عدم التكليف

[ 533 ]

بالنسبة للجاهل به، ومعه فلا وجوب - مثلا - على الجاهل، ولو في مرتبة ترتيب الآثار، فلا يبقى موضوع يقين بالتكليف لكي يجري فيه استصحاب البقاء أو قاعدة الاشتغال، فتدبر جيدا فإنه واضح جدا. هذا كله في ما كان مبنى الاجتهاد السابق طريقا معتبرا. ومنه يتبين حكم ما إذا كان مبناه البراءة عن التكليف، فإنها كما عرفت تقتضي الإجزاء. وأما إذا كان مستنده استصحاب نفي التكليف ثم قام دليل على أن الحالة السابقة قد ارتفعت وان الحكم الشرعي كان هو التكليف فبناء على ما اخترناه من عدم اقتضاء الاستصحاب للإجزاء كان مقتضى القاعدة عدم الإجزاء، ولا يجري هنا ما قلناه في الأمارة التي انكشف خلافها من جريان حديث الرفع واقتضائه للإجزاء، وذلك أن المفروض في مورد الاستصحاب أنه كان شاكا بالفعل ذا يقين بالنسبة لزمانه السابق، فكان يجري فيه الإستصحاب ومعه لا مورد لقاعدة البراءة أصلا. هذا كله في حكم المجتهد بالنسبة لأعمال نفسه. حكم المقلد إذا تبدل رأي المجتهد: وأما مقلدوه فهل هم أيضا محكومون بالإجزاء في الموارد الذي يحكم لمجتهدهم بالإجزاء ؟ قد اختار سيدنا الاستاذ الإمام الراحل قدس سره الشريف في اصوله وفقهه عدم الإجزاء للمقلدين، حتى في موارد استناد مفتيهم إلى مثل أصل البراءة أيضا، واستدل له بأن أدلة الاصول، بل الأمارات إنما تكون دليلا ومرجعا للمجتهد المفتي نفسه، وأما المقلدون فالدليل والحجة لهم في جميع موارد التقليد دليل واحد، وهو أن رأي المجتهد حجة شرعية وطريق معتبر لهم، وحيث إن الأمارات لا تقتضي الإجزاء بعد كشف الخلاف، فاللازم هو القول بعدم الإجزاء للمقلدين مطلقا.

[ 534 ]

قال: وسر إختصاص أدلة الامارات والاصول بالمجتهد هو أن المقلد لا يقدر على الفحص عن المعارض المحتمل وتنقيح مجرى العمل بالأمارات والاصول فلا يمكن أن يعمه أدلة اعتبارها. أقول: وأنت بعد التأمل في ما مر منا تعلم أنه لا يمكن لنا تصديق ما أفاده: أما أولا فلأنه لو سلمنا ما أفاده من الإختصاص لكان اللازم أن نقول في المقلد أيضا بالإجزاء مطلقا، فإنه بعد إنكشاف الخلاف في أمارية رأي المجتهد يتبين أن المقلد كان جاهلا بالتكليف الذي كان في البين، وقد فحص عنه ولم يقصر في وظيفته فيجري فيه حديث الرفع، الذي قد عرفت أن مقتضاه الإجزاء بل نقول: إن سلمنا ما أفاده كان اللازم هو القول بالإجزاء بالنسبة للمقلد حتى في موارد استند فيها مفتيه إلى الاستصحاب وقلنا بعدم الإجزاء فيها للمجتهد نفسه، كما لا يخفى. وأما ثانيا: فلما بينا في بعض المباحث السابقة، ولعله يأتي له زيادة توضيح في المباحث الآتية أيضا، من أن سر حجية قول المجتهد أنه من أهل الخبرة والإطلاع بما تقتضيه وتدل عليه الأمارات والاصول، فهو يتحمل مشقة الفحص والتحقيق، ويطلع على الأدلة الواردة في كل مسألة ويستخرج مفادها ومقتضاها بعد ملاحظة القرائن الموجودة ولو كانت منفصلة، وبعد رعاية مقتضى أخبار العلاج - لو كانت هناك قرينة أو معارضة - ويخبر بهذا الذي استخرجه، ثم إنه لما كان ثقة وأهل خبرة واطلاع كان خبره هذا حجة معتبرة لمن يقلده. فليس باب التقليد باب حجية الرأي، بل إنما هو باب حجية قول الثقة الخبير، فكما أن باب حجية نقل العارف بفتاوى المجتهد باب حجية خبر الواحد فهكذا باب حجية فتوى المجتهد للمقلدين. وحينئذ فلا محالة إنما يكون فتواه حجة وطريقا إلى مفاد الأمارات القائمة على الأحكام والاصول الدالة على وظائف من لا علم له بها، وأدلة اعتبار الطرق والأمارات كأدلة، اعتبار الاصول الشرعية عامة لكل أحد، فخبر الواحد الثقة

[ 535 ]

وظواهر الآيات والأخبار حجة على كل أحد، ورفع عن جميع الامة ما لا يعلمون، وكل من كان على يقين فشك فلا ينبغي له أن ينقض اليقين بالشك، وهو أمر واضح لا ينبغي لأحد إنكاره. وإنما الذي أفاده سيدنا الاستاذ (قدس سره) هو أن العامي لا يكون موردا لأدلة الاصول لأن موضوعها الشك بعد الفحص واليأس عن الأدلة الاجتهادية، والعامي لا يكون كذلك فلا يجري في حقه الاصول، ولا يكون الاصول مستندا له في مقام العمل، بل مستنده رأي المجتهد وهو من قبيل الأمارات. لكن الذي نقول عليه: أن العامي وإن لم يتمكن بنفسه من الفحص عن الأدلة وتحصيل مفادها إلا أنه لا يوجب خروجه عن الأدلة وعدم حجيتها له مع عدم أخذ عنوان في موضوعها لا يشمله وعليه إذا أمكن له العثور عليها وعلى مفادها ولو بالواسطة كان مضمونها منجزا، وهذه الواسطة هو المجتهد الثقة الخبير، فإنه إذا راجع مظان الأدلة: فإن عثر على دليل على التكليف الذي يعم العامي الذي يستفتيه فإخباره بأن هناك دليلا وأن مفاده كذا طريق معتبر للعامي وحجة على وجوده، وبه يتم ويتنجز دلالته على العامي، إلا أن المجتهد يجعل خبره هذا في قالب ما يعبر عنه بالرأي والفتوى، وحقيقة الأمر أن مفاد الأخبار والآيات حجة منجزة على العامي. وهذا بالنسبة الى الأمارات المعتبرة واضح. وهكذا الأمر بالنسبة الى أصالة البراءة الشرعية فإن موضوع قوله (صلى الله عليه وآله): " رفع عن امتي... ما لا يعلمون " هو كون التكليف غير معلوم، فالتكليف الذي لم يعلم قد رفع عن الامة، ومن الواضح أن العامي أيضا فرد من الامة لا يعلم بالتكليف المفروض كجزئية السورة مثلا، فإطلاق الحديث شامل له. غاية الأمر أن جريانه مشروط بالفحص الكافي عن الدليل على التكليف وعدم الظفر به، والعامي وإن كان عاجزا عنه وليس أهلا له، إلا أنه إذا أخبره الثقة الخبير أعني المجتهد الذي قلده بنتيجة فحصه، وأنه ليس يوجد دليل على التكليف، فلا محالة يكون العامي

[ 536 ]

مشمولا للحديث، ومحكوما برفع آثار التكليف عنه كالمجتهد نفسه، وبعد تبدل رأي المجتهد يخرج هو كمجتهده عن ما لا يعلمون، لكن الحديث على الفرض يقتضي الإجزاء بالنسبة للأعمال السابقة فيهما. وأما الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية فحيث إن موضوعه " الشك "، وهو إنما يتقوم بالإلتفات والتردد الفعلي، فذلك قد يمكن ان يقال بعدم انطباق موضوعه على غير المجتهد، فلا يعم غيره. لكنه يمكن ان يقال اولا: إنه لا ريب في ان المجتهد إذا فحص عن مظان الأدلة فلم يظفر بدليل إلا على ثبوت التكليف في الزمن السابق وشك في بقائه، فلو اخبر العامي بواقع الامر لما كان شك في دخوله في موضوع دليل الاستصحاب كمجتهده فيعمه أيضا حكمه مثله، وحينئذ فتبقى شبهة أنه إذا راجع المستفتي مجتهده في تلك المسألة، واستفتاه وظيفته الشرعية فما لم يخبره المجتهد بخصوصية المورد لا يعمه دليل الإستصحاب، ولا بعد في دعوى إلغاء الخصوصية عما بعد إخباره بالخصوصية بمعنى أن مجرد قيامه بصدد الإستفتاء كاف في شمول دليل الإستصحاب له، سواء أخبره المجتهد بأن لا دليل على البقاء أم لا. وثانيا: أن مجرد رجوع العامي إلى المجتهد لأن يفتيه ويبين له الأحكام إلتفات منه إلى حكم المسألة التي يستفتيه فيها وجهل منه بها وشك له فيها، وهذا الشك إذا كان مشفوعا بقيام الطريق المعتبر على ثبوت التكليف في الزمن السابق كان شكا في بقاء ما قامت الأمارة على وجوده سابقا، وهو كاف في شمول دليل الاستصحاب له. وبالجملة: فالظاهر شمول أدلة الأحكام مطلقا للمقلد وقول المجتهد طريق إلى مفادها، وحينئذ فبناء على ما حققناه فالمقلد أيضا محكوم بالإجزاء كالمجتهد في جميع موارد تبدل الرأي. والله العالم. ولو أغمضنا عما ذكرنا لما أمكن للمجتهد أن يفتي للمقلد بحديث البراءة

[ 537 ]

والاستصحاب للعامي الذي يستفتيه، إذ المفروض أن دليلهما لا يعم المقلد العامي. وأما ما أجاب به سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) من أن المجتهد إذا شك في بقاء الحكم الكلي المشترك بين العباد فله الإفتاء به، كما له العمل به، فكما أن الأمارة إذا قامت على حكم مشترك كلي يفتي بمقتضاها فكذلك الإستصحاب أو البراءة، فإذا أفتى وجب على المقلدين العمل به بمقتضى أدلة التقليد. ففيه أنه إذا كان المفروض أن موضوع الحكم بالبقاء هو الشك في البقاء فلا محالة يختص الحكم المحكوم ببقائه بمن كان شاكا فيه، وحيث إن الفرض أن الشك المأخوذ في دليله لا يعم شك المقلد فكيف يعمه ذلك الحكم، فكما أن إستصحاب بقاء نجاسة الماء لا يعم من لم يشك في بقائها فهكذا هنا حرفا بحرف. والحكم المشترك الكلي فيما نحن فيه كالحكم الواقعي الجزئي هناك، فان الحكم الواقعي جزئيا أم كليا حكم واحد مشترك بين العباد، وإنما اختلفوا في الوظائف الظاهرية لاختلافهم في قيام الأدلة الظاهرية وشمول موضوعها لهم. والله العالم وله الحمد. المقصد الثالث في التقليد إن جواز التقليد عن المجتهد إنما هو من آثار إجتهاده، فلذلك يكون مبحث التقليد داخلا في مباحث الإجتهاد، وفصلا من فصوله. وكيف كان فالتقليد بحسب اللغة جعل الشئ ذا قلادة، قال في المصباح المنير: (القلادة معروفة والجمع قلائد، وقلدت المرأة تقليدا: جعلت القلادة في عنقها، ومنه تقليد الهدي، وهو أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنه هدي). ولا ريب في أن إطلاقه في ما نحن فيه مبني على نحو من الادعاء، وإلا فلا يجعل العامي شيئا في عنق مجتهده. وحينئذ فالمناسب للادعاء هنا أن التقليد هو عمل العامي مستندا إلى فتوى

[ 538 ]

المجتهد، فإنه إذا استند في عمله إلى فتوى المجتهد فقد جعل مسؤليته على عنقه، والمراحل التي قبله من أخذ الرسالة وتعلم الفتوى والبناء على العمل بها إنما هي مقدمات للتقليد ولجعل مسؤلية عمله على عنق المجتهد وإلا فلم يتحقق التقليد بشئ منها أصلا وسيأتي وقد مر أيضا: أن فتوى المجتهد طريق للعامي إلى وظيفته الفعلية وحجة له وعليه، كما في خبر الثقة والظواهر، ومن المعلوم أن الاستناد إلى الطرق كاف في الحكم بصحة العمل، ولا ينتظر معه شئ آخر أصلا، فلا يتوقف صحة العمل على تحقق التقليد قبله لكي يستند إلى تقليد محقق، بل يكفي في صحته الإستناد إلى الحجة، ثم بالعمل المستند إلى الحجة يتحقق التقليد، ولا نسلم اتفاق الأصحاب على أزيد منه، ولا إشكال. فما في الكفاية: من (أنه لا وجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه عليه، وإلا كان بلا تقليد) ضعيف جدا، كما عرفت. إذا عرفت هذا فالكلام عن ما يتعلق بالتقليد يقع في مباحث: المبحث الأول في جواز التقليد لا ينبغي الريب في جواز تقليد العامي عن المجتهد في الجملة، والدليل عليه تارة يلاحظ بالنسبة للعامي نفسه وتارة لغيره من الاعلام. فمستند العامي - كما في الكفاية - هو ما ارتكزت عليه فطرته من قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، فإنها قاعدة مرتكزة عقلائية بديهية عندهم، كقاعدة حجية خبر الثقة والظواهر، فإن من لم يعلم شيئا وكان هنا من يعلمه فهو يرجع إلى العالم، ويكون قول العالم طريقا متبعا معتبرا وإن لم يحصل منه العلم القطعي، بل هو طريق كسائر الطرق المعتبرة، وارتكاز كل أحد عليها هو الموجب للتعبير عنها بالبديهية، والفطرية لا أن المراد بهما ما هو المصطلح عليه في مواد الاقيسة، وارتكاز الفطرة على رفع الجهل بعلم العالم أمر فطري آخر غير قاعدة رجوع

[ 539 ]

الجاهل إلى العالم وليس منافيا لها. وبالجملة فهذه القاعدة مستند للعامي يأخذ بالمتيقن عنده من مقتضاها، فيرجع إلى المجتهد ثم قد يوسع له المجتهد العالم في من يجوز له الرجوع إليه على ما لعله سيأتي الاشارة إليه إن شاء الله تعالى. وأما الدليل على جواز التقليد عند الاعلام فقد إستدل له بالأدلة الأربعة: فأما الإجماع وإن ادعي - كما في رسالة الشيخ الأعظم (قدس سره) - إلا أنه لا يصح الاستناد إليه في كشف حكم الله تعالى ورأى المعصوم في مثل المورد مما كان لسائر الأدلة إليه سبيل، فلعل المجمعين استندوا إلى الأدلة الاخر فإجماعهم لا يكشف عن أزيد من هذه الأدلة التي بايدينا. هذا. مضافا الى إن نفس دعوى الإجماع أيضا مستنده إلى الحدس، بعدم التعرض لمسألة التقليد في كتب علمائنا الأقدمين أصلا، والأمر سهل. وأما العقل فالمراد منه نفس تلك القاعدة العقلائية التي مر بيانها، فهي سيرة عقلائية إرتكزت عليها العقول العملية واستمر عليها عمل العقلاء حتى في زمن الشارع ولم يردع عنها الشارع، بل ورد عنه في الكتاب والسنة ما يدل على أنها ممضاة عنده ومعتبرة لديه كما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما الكتاب، فيدل عليه آيات: منها: قوله تعالى: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (1). فموضع الاستدلال هو الجملة الأخيرة، ودلالتها واضحة، فإنها إذا القيت إلى العقلاء الذين قد استقر ارتكازهم على قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم وطريقية قول العالم للجاهل فهموا منها بالبداهة أنها تأكيد لهذه القاعدة العقلائية وإمضاء لها.


(1) النحل: 43، ومثلها الآية (7) من سورة الأنبياء، إلا أن فيها: " قبلك " بلا حرف الجر. (*)

[ 540 ]

ومن الواضح أن أهل الذكر والعالم في كل مورد شخص خاص ربما كان غير العالم في غير هذا المورد، فالعالم بأحكام الاسلام ومعارفه هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) أولا ثم أصحابهم الآخذون عنهم، والعالم بأن الأنبياء كانوا رجالا ومن جنس البشر - كما في مورد الآية - هو أهل الكتاب أو خصوص علمائهم، والرواة عالمون بألفاظ الأحاديث، والمجتهدون عالمون بمقتضى الأدلة الشرعية، فللجاهل أن يرجع إلى العالم في كل مورد، ويكون قوله حجة وطريقا متبعا له. نعم، إن علماء اليهود والنصارى ليسوا أهل الذكر بأحكام الإسلام، والرجوع إليهم لهذه الغاية باطل ربما استتبع الخروج عن طريق الإسلام، فما ورد في الأخبار المعتبرة من اختصاص أهل الذكر بهم (عليهم السلام) محمول على مثل هذا المعنى، وإلا فدلالة الآية الشريفة على إمضاء تلك القاعدة العقلائية واضحة جدا. إن قلت: إن ما ذكرت صحيح إذا كان الذكر اريد به معناه المصدري، وأما إن اريد به القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله) فلا محالة ينحصر مفاد الآية بالمسلمين، بل بالأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، ولا عموم لها، بل يمكن أن يقال: إن المراد بالذكر هو الكتاب المنزل من السماء، كما ربما يشهد له قوله تعالى: * (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) * (1). وبهذا المعنى اطلق في قوله تعالى بعد الآية التي نستدل بها: * (... وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم...) * (2) فالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور وكل كتاب سماوي هو الذكر، وأهل الذكر هم أهل هذه الكتب، فلا عموم للآية يشمل كل عالم ليصح الاستدلال بها في تقرير تلك القاعدة العقلائية. قلت أولا: إن إطلاق الذكر على القرآن أو كل كتاب سماوي لا دليل فيه على إرادة هذا المعنى منه في الآية المباركة، بل إن تذييل قوله: * (فاسألوا أهل الذكر) *


(1) الأنبياء: 105. (2) النحل: 44. (*)

[ 541 ]

بقوله: * (إن كنتم لا تعلمون) * يكون قرينة على إرادة معناه اللغوي الذي لا ريب في عدم هجره، كما يشهد له مثل قوله تعالى: * (فاستمسك بالذي اوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك) * (1). فهذا الذيل قرينة على إرادة معنى يقارب العلم من لفظة الذكر، وأنه كأنه قال: " فاسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون ". وثانيا: لو سلم أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب السماوي إلا أن التذييل المذكور يوجب أن يكون في الآية دلالة وإشارة إلى تلك القاعدة الإرتكازية، ونفس هذه الإشارة كافية في إنفهام تثبيت تلك القاعدة العقلائية، على ما ذكرناه غير مرة: من أنه إذا كان للعقلاء قاعدة عملية ثم ورد في لسان الشرع كتابا أو سنة تعرض لها، فالعقلاء يفهمون منه إمضاء تلك القاعدة، وأن الشارع أيضا قائل بعين ما يقوله العقلاء، وحينئذ فلو كان مراد الشرع غير هذا المعنى لكان عليه البيان، وإلا فالظاهر المستفاد من كلامه عند العقلاء تقرير تلك القاعدة وإمضاؤها، كما هو واضح. والإنصاف: أن دلالة الآية المباركة على ثبوت هذه القاعدة عند الشرع أيضا تامة يصح الإستدلال بها هنا، كما صح الاستدلال بها في حجية خبر الواحد أيضا، فإن الراوي أهل علم بألفاظ الروايات صح الرجوع إليه في أخذها منه، نعم يشترط في موردها كون العالم ثقة في قوله، والدليل عليه إشتراطه فيها عند العقلاء، كما لا يخفى. ومنها: قوله تعالى في سورة البقرة: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) * (2). بيان الدلالة: أنه تعالى ذمهم على إتباع الآباء بالدلالة الالتزامية التي يدل عليها ذيل الآية المباركة المسوقة في صورة السؤال ودعوة وجدانهم وفطرتهم إلى


(1) الزخرف: 43 - 44. (2) البقرة: 170. (*)

[ 542 ]

جواب بديهي عنه، فقال: " هل يجوز عندكم وفي وجدانكم هذه التبعية عمن هو جاهل لا يعقل ولا يهتدي شيئا ؟ " فاستشهد عقولهم واستعانها للإعتراف بعدم جوازها حينئذ، وإذا كان سوق الآية هكذا فلا محالة فيها دلالة على أن التبعية عن الغير صحيحة إذا كانت تبعية الجاهل عن العالم، فتدل على أن القاعدة الارتكازية وهي رجوع الجاهل إلى العالم وحجية قوله له وطريقيته لديه ممضاة عند الشرع أيضا، لما مر من أن مجرد الإشارة كافية في الدلالة على تقرير مثل هذه القاعدة وإمضائها. ومنها: آية النفر قال الله تعالى: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (1). بيان دلالتها: أن الآية المباركة إشارة إلى قاعدة عقلائية وأمر مفطور هو بيان ما عليه العقاب وفيه الثواب بواسطة من تفقه في الدين، وإنذارهم به لقومهم، والتفقه ناظر إلى المعنى المستفاد من الألفاظ، والإنذار أيضا إنما يكون به، وحيث إن الآية ناظرة إلى طريقة مألوفة عقلائية، فتدل على أن المداليل والأحكام المستفادة لهم من الآيات والسنة التي وقع التفقه فيها إذا ذكرت لقومهم وانذروا بها فقولهم وإنذارهم حجة وطريق معتبر لقومهم، ويقع لهم الحذر منها، فلا محالة يكون إفتائهم وإستنباطهم معتبرا لقومهم. نعم، إن الاستنباط كان في ذلك الزمان بسيطا في الغالب والعادة، لكنه لا يخرج عن الآية ما إذا كان محتاجا إلى إعمال روية ودقة، فتدل - بعد تنزيل مفادها على المتعارف - على حجية قول المجتهد مطلقا لمن يرجع إليه ويقلده. فالحاصل: أن الآية المباركة حيث إنها ناظرة إلى طريقة مألوفة عند العقلاء في مثل موردها - فإن أهل قرية مثلا إذا بعثوا عدة للتفقه فتفقهوا ورجعوا إليهم


(1) التوبة: 122. (*)

[ 543 ]

فكيفية بيان الأحكام لهم ليست بأن يجتمع جميع تلك العدة في مكان واحد ثم يبينوها جميعا، بل كل منهم على حدة يبين لجمع يرجع إليه، ويقبلون قوله إذا كان ثقة - فلذلك تدل الآية على اعتبار قول كل من المتفقهين لقومهم، وحيث إن الإنذار كما يمكن أن يقع بنقل نفس السنة التي وقع التفقه بها يمكن أن يقع ببيان الحكم المستنبط منها، وكلاهما متعارف داخل في إطلاق الآية، فلذلك تدل الآية على حجية خبر الثقة وفتوى المجتهد كليهما، والاشكالات المذكورة في كتب الأصحاب خروج عن المغزى والمقصود من أمثال الآية والله الهادي. فالآية المباركة تدل على طريقية قول المجتهد لمن يرجع إليه، وإن لم تكن فيه دلالة واضحة على إمضاء تلك القاعدة العقلائية، أعني قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، وإنما دلت على إعتبار بعض مواردها أعني حجية فتوى المجتهد لمن يأخذ عنه معارف الدين، من غير دلالة أيضا على حصر الإعتبار بها، كما لا يخفى. وأما السنة، فيمكن الاستدلال له بطوائف من الأخبار: الاولى: ما يكون ظاهره إمضاء قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، وهي صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة فقال: إلق عبد الملك بن جريح فسله عنها فان عنده منها علما (1) " الحديث ". وجه الدلالة أنه (عليه السلام) علل إرجاعه إلى عبد الملك بقوله: " فان عنده منها علما " وهو بيان صغرى لكبري إرتكازية، وهي أنه يجوز الرجوع إلى العالم، فإلقاء هذه الصغرى والإكتفاء بها في ذكر العلة فيه دلالة واضحة على تعويله (عليه السلام) على تلك الكبرى وإمضائه لها. وسيأتي إمكان استظهار هذا المعنى من صحيح ابن أبي يعفور من روايات الطائفة الثالثة. الثانية: ما تدل على جواز الإفتاء، والفتوى - كما في مجمع البيان - هي تبيين المشكل من الأحكام أو - كما في مفردات الراغب - الجواب عما يشكل من


(1) الوسائل: ج 18 ص 100 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 5. (*)

[ 544 ]

الأحكام، وتجويز الإفتاء ملازم عرفا لحجية الفتوى وجواز الأخذ بها. وكيف كان ففي صحيحة أبي عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه " (1) دلت بالمنطوق على حرمة الإفتاء إذا كان بغير علم، ومفهومها الواضح جواز الإفتاء عن علم، ولازمه كما عرفت حجية قول المفتى حينئذ وطريقيته، ولو بمعونة الإرتكاز القطعي في مورده. وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم " (2) دلت بمفهومها على جواز الإفتاء إذا كان لا عن رأيه، بل عن الأدلة المعتبرة التي هي من مصاديق العلم عند العرف، ولازمة طريقية الفتوى. وفي موثقة السكوني، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض " (3). ودلالتها كسابقيتها. وفي الباب أخبار كثيرة تدل على جواز الإفتاء بالأدلة المعتبرة، فراجعها (4). ولأن أبان بن تغلب الذي كان ممن لا يفتي بغير علم قال له أبو جعفر (عليه السلام): " اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني احب أن يرى في شيعتي مثلك " (5). ولذلك أيضا قرر الصادق (عليه السلام) فعل معاذ بن مسلم النحوي حيث قال (عليه السلام) له: " بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس " ؟ قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إني أقعد في المسجد فيجئ الرجل فيسألني عن الشئ فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجئ الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجئ الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول: جاء عن


(1 - 4) الوسائل: ج 18 الباب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث 1 و 3 و 32 وغيرها. راجع أيضا الباب 11 من أبواب صفات القاضي من المستدرك، وكتاب العلم من اصول الكافي وغيرهما. (5) رجال النجاشي: ترجمة أبان ص 10 عنه المستدرك الباب 11 الحديث 14. (*)

[ 545 ]

فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: " اصنع كذا فإني كذا أصنع " (1). فقد قرره (عليه السلام) على إفتائه المستند إلى ما جاء عنهم (عليه السلام)، وصرح بجواز مثل هذا الإفتاء بقوله: " إصنع كذا " فتدل دلالة واضحة على جواز الإفتاء إذا استند إلى ما جاء عنهم، وبساطة الافتاء وغموضه لا يوجب الفرق بينهما في الجواز، إذا اشتركا في الإستناد إلى ما جاء عنهم (عليهم السلام). الثالثة: ما تدل على جواز الرجوع إلى الثقات من العلماء وأخذ معالم الدين عنهم، فإنها بإطلاقها تدل على أن ما يقوله العلماء من معالم الدين فهو معتبر، ومن معالم الدين أحكامه التي يستنبط من أدلتها فتدل هذه الطائفة دلالة واضحة على حجية ما يستنبطه العلماء من الآيات والروايات. ففي معتبر علي بن يقطين، عن الرضا (عليه السلام) قال: " قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال: " نعم " (2). فالرواية دلت على جواز أخذ معالم الدين من يونس، لأنه ثقة، فكل عالم ثقة يجوز أخذ معالم الدين عنه، ومن الواضح أن أخذ المعالم كما يصدق على أخذ الروايات المشتملة على بيان معالم الدين، كذلك يصدق على أخذ المعالم المستنبطة من هذه الروايات، بل لعل الثاني أولى، وإن كان الحق عمومه لهما. وفي صحيح عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجئ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه، فقال: " ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيها " (3). فإن إرجاعه (عليه السلام) إلى محمد بن مسلم يدل على اعتبار قول محمد بن مسلم،


(1) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 36. (2 و 3) المصدر السابق: ح 33 و 23. (*)

[ 546 ]

سواء كان في قالب نقل الرواية أو في قالب الفتوى المستفادة منها، وتعليل هذا الإرجاع بقوله (عليه السلام): " فإنه سمع من أبي وكان عنده وجيها " يدل على عدم خصوصية لابن مسلم، بل كل من سمع منهم (عليهم السلام) وكان وجيها يجوز الأخذ عنه رواية وفتوى، والمقصود والملاك في كون الرجل وجيها عندهم أن يكون ثقة أمينا، كما يشهد به المعتبرة الماضية والروايات الآتية، بل إذا استظهر من قوله (عليه السلام): " فإنه سمع من أبي " أنه عالم بمعالم الدين لكان فيه دلالة على إمضاء القاعدة العقلائية الماضية، أعني جواز رجوع الجاهل إلى العالم، وطريقية قوله له، كما عرفت في صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي فتذكر. وفي صحيح علي بن المسيب الهمداني، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني ؟ قال: " من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين والدنيا ". قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عما احتجت إليه (1). فارجاعه (عليه السلام) إلى الثقة الجليل زكريا بن آدم القمي وتوصيفه بكونه مأمونا على الدين والدنيا فيه دلالة واضحة على جواز الرجوع في أخذ معالم الدين إلى كل من كان ثقة مأمونا على الدين، وقد عرفت أن أخذ المعالم يعم أخذ الروايات المتضمنة لها وأخذ نفس المعالم المستنبطة من أدلتها. وفي خبر أحمد بن حاتم بن ماهويه، قال: كتبت إليه - يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) - أسأله عمن آخذ معالم ديني ؟ وكتب أخوه أيضا بذلك، فكتب إليهما: " فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى " (2). وفي خبر علي بن سويد السابي، قال: كتب إلي أبو الحسن (عليه السلام) وهو في السجن: " وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك ؟ لا تأخذن معالم دينك


(1 و 2) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 27 و 45. (*)

[ 547 ]

عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم... الحديث " (1). وظاهر الحديث جواز أخذ معالم الدين عن كل عالم ثقة، وهو شارح لما سبقه، ومتحد المضمون لسائر الأخبار من هذه الطائفة. والظاهر أن من هذه الطائفة صحيحة أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت: " من اعامل ؟ وعمن آخذ ؟ وقول من أقبل ؟ فقال: " العمري ثقتي، فما أدى إليك عنى فعني يؤدي، وما قال لك عنى فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون... " (2) الحديث. فإن تعليل الذيل دليل على جواز الأخذ عن كل ثقة مأمون، ولا يختص جواز الأخذ بمن كان ثقة عند الإمام المعصوم (عليه السلام) بل إن إضافته إليهم ليست إلا لثبوت الوثاقة لهم قطعا، فيجوز الأخذ عن كل من كان ثقة، فيسمع ويطاع قوله، وهو عبارة اخرى عن إعتباره وطريقيته. ومن أخبار هذه الطائفة أيضا ما ورد عن مولانا بقية الله الأعظم - عجل الله تعالى فرجه الشريف - في التوقيع المروي في جواب مسائل أشكلت على إسحاق بن يعقوب بقوله صلوات الله عليه: " وأما الحوادث الواقعة فإرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله (عليهم - خ كا) " (3). فإن ظاهر عموم الحوادث الواقعة كل ما يحدث من الوقائع الذي ليس حكمه بينا، فيجب الرجوع فيها إلى رواة أحاديثهم لأن يبينوا حكمها، إما بنقل نفس الحديث المروي عنهم فيها، وإما بذكر حكمها الذي إستنبطوه من أحاديثهم، فإنه يعم كلا الوجهين، فإن كلا منهما محتمل وصحيح في مقام الجواب، فيدل على إعتبار فتوى الرواة العلماء في ما يسأل حكمه عنهم.


(1) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 42. (2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 4 و 9. (*)

[ 548 ]

والظاهر أن من أخبار هذه الطائفة ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الإرجاع إلى أشخاص أصحابهم خاليا عن ذكر علة يستدل بها على عموم حكمهم، كما في صحيح شعيب العقرقوفي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ربما احتجنا أن نسأل عن الشئ فمن نسأل ؟ قال: " عليك بالأسدي (يعني أبا بصير) " (1). فإن الأمر بالسؤال عنه ظاهر عرفا في حجية الجواب، والجواب كما يصح أن يكون بنقل الحديث صح أن يكون بذكر الفتوى المستنبطة عن الأدلة. ومثله صحيحة يونس بن يعقوب (2) وغيرها (3). الطائفة الرابعة: ما تدل على جواز تقليد العلماء العدول ففي الخبر المروي عن احتجاج الطبرسي، عن أبي محمد العسكري (عليه السلام)، عن الصادق (عليه السلام) " في حديث ": " وكذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على الدنيا وحرامها، فمن قلد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم، فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه... (4) الحديث. فإنه صريح في جواز تقليد العوام عن العلماء الموصوفين بالصفات المذكورة التي لا تزيد - ظاهرا - على الإتصاف بالعدالة وعدم ركوب الفسق والتكالب على حرام الدنيا. فالمتحصل من جميع ما مر: تطابق الأدلة الثلاثة على حجية قول العلماء وفتاواهم، وقد عرفت أن مفادها أن فتوى العالم طريق معتبر إلى الواقع المحكي في قالب الفتوى، فيجوز التقليد عن المجتهد العادل الأمين. وبعد ذلك يقع الكلام في فروع جواز التقليد في ضمن مباحث اخرى:


(1) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 15. (2 و 3) الوسائل: ج 18 الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 24 و 34 و 35 و... (4) المصدر السابق: ص 94 الباب 10 ح 20. (*)

[ 549 ]

المبحث الثاني في جواز التقليد لمن له ملكة الاجتهاد لا شك في أن المتيقن في من يجوز له التقليد هو من ليس له ملكة الإستنباط، كما لا ريب في عدم جواز التقليد لمن استفرغ وسعه واستنبط الحكم من دليله، فإنه حينئذ عالم بالحكم والوظيفة، ولا يعمه أدلة التقليد المختصة بمن لا يعلم معالم دينه، وإنما الكلام فيمن حصل له ملكة الاجتهاد ولم يستنبط الحكم من الأدلة. ففي رسالة شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه لم ينقل الجواز عن أحد منا، وإنما حكى عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق والتفصيلات المختلفة، نعم، اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله. انتهى. إلا أن المنقول من عبارته عن كتاب قضاء المناهل إختصاص الجواز بالضرورة كضيق الوقت ونحوه. وكيف كان فليس ببعيد أن يقال: إن مقتضى الأدلة جوازه له أيضا، وذلك أن عمدة أدلة الجواز هو القاعدة العقلائية، أعني جواز رجوع الجاهل في كل شئ إلى العالم به، والمجتهد الذي له ملكة الإستنباط ما لم يستنبط الحكم من دليله فهو جاهل بالحكم بالفعل، فيجوز له الرجوع إلى قول من إستنبط الذي هو طريق لرفع جهله، كما يجوز له الرجوع إلى أدلة الأحكام لذلك، والعقلاء يجوزون للجاهل من أهل الخبرة أن يترك عملية الإختبار والإجتهاد ويستريح إلى نظر من هو عديله، ولا يوجبون عليه إيقاع نفسه في كلفة الإجتهاد كما يشاهد في جواز رجوع طبيب مرض إلى من هو مثله، وهكذا، فإذا جاز ذلك بعموم هذه القاعدة العقلائية صح دعوى إنعقاد الإطلاق للأدلة اللفظية وتجويز التقليد لمثله. وأما الاستدلال لعدم الجواز بأنه لما كان لا مانع من شمول أدلة الأحكام للمجتهد فلا محالة تتنجز الأحكام الواقعية المذكورة فيها في حقه، ومعه فلا عذر له في ترك إمتثالها بالإستناد إلى فتوى غيره، فإن موردها من لا حجة له على الحكم.

[ 550 ]

ففيه: أنه بعد كون موضوع جواز التقليد هو من له جهل فعلي بالحكم فادلة جوازه تعم المجتهد الذي لم يستفرغ وسعه ولم يستنبط الأحكام، وحيث إن قول المجتهد طريق له فالإستناد إليه إستناد إلى طريق معتبر حجة يكون منجزا مع الإصابة وعذرا إذا أخطأ، ومع شمول أدلته له لا يتنجز الأحكام المذكورة في أدلتها في حقه إذا استند إلى فتوى الغير التي هي أيضا طريق معتبر، بل المجتهد المذكور حينئذ كمقلد عامي يعلم إجمالا بوجوب إحدى صلاتي الظهر والجمعة، ثم قلد المجتهد الذي أفتى بوجوب الجمعة فعلمه الإجمالي وإن كان حجة على تنجيز الواقع، إلا أن فتوى المجتهد الذي يقلده تكون طريقا معتبرا وحجة له موجبة لسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز. المبحث الثالث في التقليد عن المجتهد الانسدادي قد يقال بعدم جواز التقليد عنه مع وجود من يقول بانفتاح باب العلم والعلمي بالأحكام، بتقريب أن الرجوع إليه ليس من رجوع الجاهل إلى العالم بل إلى الجاهل، فلا يعمه أدلة جواز التقليد، كما أن مقدمات الإنسداد مختصة بنفسه لفرض عدم إنحصار المجتهد بمثله، ووجود من يرى انفتاح باب العلم بالأحكام ويكون قوله طريقا لمن يقلده فيها. والحق جواز التقليد عنه إذا كان المفروض وجود جميع الشرائط الاخر فيه، كأن لا يكون أحد أعلم منه في زمانه، وذلك أنه وإن لم يكن عالما بالأحكام، إلا أنه يدعى العلم بأنه لا دليل ولا طريق معتبر شرعا إلى أحكام الله تعالى، وأن الوظيفة حينئذ هو إتباع الظن في مقام الإمتثال، وهو يخطئ غيره ممن يدعى قيام الدليل العلمي عليها، فهو وإن لم يكن عالما بالأحكام إلا أنه عالم بالوظيفة الفعلية وإن كانت حكومة عقلية، فإذا كان المفروض أنه أعلم علماء عصره فقاعدة رجوع الجاهل إلى العالم يجوز أخذ الوظيفة الفعلية منه، ولا تختص القاعدة بخصوص

[ 551 ]

من كان عالما بالواقعيات والأدلة الشرعية الممضية لها، يمضيها بمالها من العرض الوسيع عند العقلاء، فالصحيح حينئذ جواز التقليد عمن إعتقد الإنسداد، وإن كان الحق بطلان هذا الاعتقاد. المبحث الرابع في التقليد عن المجتهد المتجزئ وقد يستشكل جوازه لدعوى عدم الإطلاق في أدلة جواز التقليد، وعدم إحراز أن بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة على الرجوع إلى مثله أيضا. والظاهر أنه لا وجه للإشكال فيه، فإنه لا فرق عند العقلاء بين المتجزئ والمطلق إذا كان المتجزئ أيضا قد استفرغ الوسع اللازم في المسألة كالمطلق، ويشهد له تقسيم العلوم إلى شعب، وحصول التخصص لأحد في بعض شعبه كالطب في زماننا، فالمجتهد المتجزئ كالمتخصص في شعبة خاصة من الطب، فهو عالم بما استنبطه، ويجوز الرجوع إليه عملا بقاعدة جواز رجوع الجاهل إلى العالم، وحينئذ فيعمه الأدلة اللفظية للتقليد أيضا، إذ لا وجه حينئذ لدعوى انصرافها عنه، كما لا يخفى. المبحث الخامس في لزوم تقليد الأعلم قد عرفت أن العمدة في أدلة التقليد مسألة جواز رجوع الجاهل إلى العالم، فهي قاعدة عقلائية قد أمضاها الشارع كتابا وسنة، وأن الإطلاقات اللفظية منزلة عليها، فالمهم في كل مورد وخصوصية تبيين مشي العقلاء وإجرائهم لهذه القاعدة في ذاك المورد ومع تلك الخصوصية وعدمه. وعليه فالظاهر عدم إلتزامهم من أول الأمر بالفحص عن الأعلم بل هم يرجعون إلى من كان عالما وأهل خبرة، يسألونه عما يحتاجون إليه في عملهم،

[ 552 ]

وإن كان هنا من هو أعلم منه، لكنه إنما هو في ما إذا لم يعلموا بإختلاف نظرهم ورأيهم في مورد الحاجة، وأما مع العلم بالإختلاف فمقتضى أن حجية قول أهل الخبرة من باب الطريقية وأن تعارض الطريقين يوجب تساقطهما وعدم حجية شئ منهما بالخصوص في مؤداه، أن يتساقط قول كلا العالمين الأفضل والفاضل عن الحجية، إلا أن التأمل في سيرتهم في باب تعارض قول أهل الخبرة يعطي أن الساقط حينئذ هو خصوص قول الفاضل، وإلا فاتباع قول الأفضل مما لا بأس به عندهم بل هو المتبع لديهم. وحينئذ فعمومات أدلة التقليد المقتضية لحجية قول كل من العلماء والمجتهدين تقتضي عند التعارض وبحكم التعارض طريقية قول خصوص الأعلم. فما ذكرناه هو الظاهر من سيرة العقلاء التي تنزل عليها الأدلة اللفظية، ولا أقل من أنه المتيقن من سيرتهم، وإن حجية قول المفضول مشكوكة مع التعارض والأصل عدم حجيته. وأما الإجماع المدعى على تعين الأعلم فلا قيمة له مع إحتمال إستناد قول المجمعين إلى مثل هذه السيرة، مضافا إلى أن الإجماع المنقول ليس بحجة. كما أن أخبار العلاج مختصة بالأخبار المتعارضة، أو باختلاف الحكمين، ولعل لباب القضاء المبني على فصل الخصومة خصوصية. المبحث السادس تقليد الميت إن تقليد الميت ابتداء قد اشتهر المنع عنه في كلام الأصحاب، بل نقل الإجماع على عدم جوازه في كلام جمع كثير من المتأخرين، لكنه قد علله كثير منهم بأنه لا قول للميت، فصار الإجماع وأقوال المجمعين معللا، فلو استشكلنا العلة أو منعنا عنها لما كان للإجماع المدعى قيمة.

[ 553 ]

وقد عرفت أن العمدة من أدلته إنما هي مسألة رجوع الجاهل إلى العالم التي هي قاعدة أصيلة عقلائية، وإذا راجعنا العقلاء في حدود رجوعهم إلى العلماء في غير باب الأحكام الشرعية نراهم لا يفرقون بين الحي والميت قطعا، فهل ترى أنهم إذا أرادوا الوقوف على خواص بعض النباتات مثلا، قد ذكرها الشيخ الرئيس أو بعض آخر من علماء هذا الباب في كتبهم، فهل ترى فرقا في حجية ما ذكره في كتابه بين زمان حياته وما بعد وفاته، أم لا تشك في أنه إذا اريد الأخذ بنظره ورأيه فآرائه المسطورة في كتابه حجة وطريق معتبر يؤخذ بها في كلتا الحالتين ؟ وهذا واضح جدا لا ينبغي الريب فيه أصلا. وحينئذ فمقتضى السيرة العقلائية حجية قول الميت من أهل الخبرة كما إذا كان حيا، وقد عرفت أن مبنى جواز التقليد هو هذه السيرة وأن الأدلة اللفظية أيضا منزلة عليه، وحينئذ فمقتضى الدليل الإجتهادي من السيرة والإطلاقات جواز تقليد الميت أيضا كما في الحي. ولو شك فيه فاستصحاب طريقية رأيه يقتضي الجواز، وليس المراد برأيه وقوله هي الحالة النفسانية التي ربما يدعى إنعدامها عقلا أو عرفا بموته، فلا يبقى لها موضوع، فيختل ركن الاستصحاب، بل المراد به معنى يبقى ولو بعد الموت، فكل ما هو موجود في كتاب خواص النباتات - مثلا - عن عالم بها فهو آراء له، ولا شك في عدم تقومها بحياته، فهذا المعنى هو المراد بالرأي، وهو الموضوع للحكم بالحجية والطريقية عند العقلاء. فإن شئت قلت: إن موضوع الحجية هو ما كان قولا لمن هو من أهل الخبرة ولم يرجع عنه، من غير اشتراط التفاته إليه دائما، ولا بقاء حياته أو بقاء سلامته، فهذا القول قد كان طريقا عند ما كان حيا سليما، فإذا مات أو مرض وشك في بقاء الحجية والطريقية كان مقتضى الاستصحاب بقاءه على ما كان. فمقتضى الاصول العملية والأدلة الاجتهادية جواز تقليد الميت كالحي. * * *

[ 554 ]

ولنختم الكلام بذلك في مباحث التقليد، حامدين لله شاكرين، مصلين على سيد الأنبياء والمرسلين وآله الأمجاد الأئمة الأطيبين، ولا سيما على بقية الله في الأرضين " عجل الله تعالى فرجه الشريف "، وفرج عن المسلمين والمستضعفين بدولته الكريمة، آمين رب العالمين. وقد وقع الفراغ عن تسويد هذه الأوراق صبيحة الخميس الثالث من شهر ذي في عدم تقومها بحياته، فهذا المعنى هو المراد بالرأي، وهو الموضوع للحكم بالحجية والطريقية عند العقلاء. فإن شئت قلت: إن موضوع الحجية هو ما كان قولا لمن هو من أهل الخبرة ولم يرجع عنه، من غير اشتراط التفاته إليه دائما، ولا بقاء حياته أو بقاء سلامته، فهذا القول قد كان طريقا عند ما كان حيا سليما، فإذا مات أو مرض وشك في بقاء الحجية والطريقية كان مقتضى الاستصحاب بقاءه على ما كان. فمقتضى الاصول العملية والأدلة الاجتهادية جواز تقليد الميت كالحي. * * *

[ 554 ]

ولنختم الكلام بذلك في مباحث التقليد، حامدين لله شاكرين، مصلين على سيد الأنبياء والمرسلين وآله الأمجاد الأئمة الأطيبين، ولا سيما على بقية الله في الأرضين " عجل الله تعالى فرجه الشريف "، وفرج عن المسلمين والمستضعفين بدولته الكريمة، آمين رب العالمين. وقد وقع الفراغ عن تسويد هذه الأوراق صبيحة الخميس الثالث من شهر ذي القعدة الحرام من السنة الثاني عشرة بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية المطابق 17 / ارديبهشت / 1371. كما وقع الختام عن تثبيت خطوطها ثانيا عصر اليوم السبت، الثامن من شهر الربيع الثاني، السابع عشرة بعد الألف وأربعمائة من الهجرة النبوية، المطابق 3 شهريور 1375 الهجرية الشمسية، وهو يوم ذكرى ميلاد أبي الحجة القائم أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) جعلنا من شيعة ولده، ورزقنا شفاعتهم أجمعين. وأنا عبده الفقير إلى رحمة مولاه الكريم محمد مؤمن القمي. والحمد لله رب العالمين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية