الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تسديد الأصول - الشيخ محمد المؤمن القمي ج 1

تسديد الأصول

الشيخ محمد المؤمن القمي ج 1


[ 1 ]

تسديد الاصول تأليف سماحة الاستاذ المحقق آية الله الحاج الشيخ محمد المؤمن القمي الجزء الاول مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الطبع الاولى 1419 ه‍.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده وأعز أركانه على من غالبه، فجعله أمنا لمن علقه وسلما لمن دخله، والصلاة والسلام على أمين وحيه وخاتم رسله محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين. وبعد، فإن مكانة فن الاصول وشرفه مما لا يخفى على ذوي التمييز والعقول، لأن كثيرا من الأحكام الشرعية ووظائف العبودية مستمدة منه ومستندة إليه. ولهذا اشتدت عناية علمائنا (قدس سرهم) بالهداية إلى معالمه وإحكام قوانينه وترتيب فصوله وبيان بدائعه ونقد فرائده، ولم يصل الكلام فيه إلى الكفاية ولم يبلغ البحث فيه إلى النهاية، بل صنفوا أسفارا ضخمة وكتبا قيمة مشتملة على ما لم يشتمل عليه زبر السابقين ومحتوية على جواهر لم تنلها أيدي الفائقين، فجاءوا بآراء مبدعة ومطالب مبتكرة، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. ومما صنف في هذا المضمار: الكتاب الماثل بين يديكم، لمؤلفه المحقق المدقق سماحة الاستاذ آية الله الحاج الشيخ محمد المؤمن - دامت بركاته -. ونحن بعد أن رأيناه مشحونا بالتحقيق والتدقيق ومجمعا لعمدة أفكار المتقدمين وزبدة أنظار المتأخرين - خصوصا المعاصرين ومن قارب عصرنا -

[ 4 ]

قمنا بطبعه ونشره بعد تصحيحه وتدقيقه مجددا والإيعاز إلى مصادر الآيات والأحاديث والأقوال المنقولة مما فات من المؤلف - دام ظله - تخريجه، سائلين الله له ولكل من ساهم في إخراج هذا السفر القيم مزيد التوفيق والتسديد، إنه حكيم مجيد. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ومولانا، محمد المصطفى، وآله الطاهرين، لاسيما ناموس الدهر،، وإمام العصر، الحجة ابن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف، وجعلنا من أنصاره وأعوانه، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين، ثم إلى أبد الآبدين. وبعد: فهذه وجيزة مما وفقني الله تعالى لإلقائه على جمع من طلاب العلوم الدينية من مباحث اصول الفقه، جعلتها في قيد الكتابة، لعلها تكون تذكرة لنفسي، ومفيدة لمن يرجع إليها إن شاء الله تعالى، والمرجو منه - عزوجل - التوفيق لإخلاص عملي هذا وسائر الأعمال لوجهه الكريم، إنه سميع الدعاء، قريب مجيب. ومما ينبغي التنبه له: هو أن نظام بحثنا على ترتيب كفاية الاصول، فهي كفهرس لهذه الوجيزة، والبناء على أن لا أتعرض بالتفصيل إلا لما هداني الله تعالى إليه من آراء جديدة لم اوفق للعثور عليها في كلمات الأصحاب، وأسأله تعالى أن يهديني سواء السبيل، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فوجيزتنا أيضا مشتملة على مقدمة ومقاصد وخاتمة.

[ 7 ]

أما المقدمة ففي بيان امور: الأمر الأول في بيان موضوع علم الاصول وتعريفه 1 - هل العلوم محتاجة إلى موضوع واحد ؟ لا شك أن كل علم متحصل عن عدة من قضايا متشتتة، ومسائل مختلفة، مشتركة في أنه يترتب عليها غرض واحد، كغرض الاقتدار على صون اللسان عن الخطأ في إعراب الكلمات - مثلا - في علم النحو، وهذه المسائل متقومة بموضوعات متعددة، ومحمولات كذلك، هي من الحالات الطارئة على تلك الموضوعات، كالرفع أو النصب المحمول على الفاعل والمفعول، ومن الواضح أنه لا يعتبر في العلوم أزيد من كون المحمول حالة لموضوعه، سواء كان من أعراضه، أو الامور المنتزعة عنه، أو الامور الاعتبارية الاخرى، فليست محمولات مسائل العلوم منحصرة في ما كان من قبيل مقولة الأعراض، ولا فيما كان مجرد وجود الموضوع وفرضه كافيا في اتصافه، ولا فيما كان من الموجودات ولو بوجود منشأ انتزاعه، بل تعم مثل الطريقية الاعتبارية للأمارات التي لا وجود لها ولو انتزاعا، إلا بعد بناء الشارع على أن الأمارة الفلانية أيضا توصلنا الى ما قامت عليه، مثل اليقين.

[ 8 ]

ولهذا فما يقال من أن محمولات العلم - التي هي محمولات المسائل عينا - لابد وأن تكون عرضا ذاتيا لموضوعه (1) مما لا يمكن تصديقه إذا اريد بالعرض الذاتي مصطلحه الفلسفي، أعني العرض الخارج عن الذات الذي يكفي الذات، أو ما يساوي الذات لانتزاعه، فإن الامور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر لا يتصف بها الموضوع ولا تحمل عليه، إلا بعد جعلها من ناحية من بيده جعلها. ولعله لهذه الجهة فسر العرض الذاتي في الكفاية بما يعرض حقيقة على الشئ نفسه ويحمل عليه، بلا تجوز في الإسناد (2) وإن كان لاتصاف الموضوع به علة خارجية ولم يكن الذات ولا ما يساويها كافية لانتزاعه. إذا عرفت هذا نقول: ظاهر عبارة الكفاية - حيث حكم بأن موضوع العلم هو نفس موضوعات المسائل متحد معها اتحاد الكلي الطبيعي ومصداقه، - (3) أنه لابد لكل علم من موضوع واحد، إلا أنه لم يشر الى دليل على هذه الدعوى. وقد يذكر في بعض الكلمات (4) أنه مستند الى قاعدة " أن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد ". وتقريبه: أن كل علم له غرض واحد، والغرض بالنسبة للعلم هو أثره عينا، فهذا الأثر الواحد أثر للمحمولات المتعددة التي هي محمولات المسائل، ولما كان الواحد لا يصدر إلا عن الواحد فللمحمولات كلها جهة واحدة هي المؤثرة في أثر العلم، والغرض منه. ثم إن المحمولات كلها وبمالها من الجامع الواحد أعراض للموضوعات وآثارلها، فلابدوأن يكون للموضوعات أيضاجهة جامعة واحدة يصدر عنها المحمول الواحد الذي يكون دخيلا ومصدرا للغرض الواحد المذكور. هذا. وفيه أولا: أن القاعدة المذكورة أصلا وعكسا - أعني " الواحد لا يصدر الا عن الواحد والواحد لا يصدر عنه الا الواحد " - مختصة بالواحد الشخصي البسيط


(1) الكفاية: ص 21 طبع جماعة المدرسين. (2) الكفاية: ص 21. (3) المصدر السابق نفسه. (4) كما في نهاية الدراية: ج 1 ص 21 - 22 طبع آل البيت (عليهم السلام). (*

[ 9 ]

من جميع الجهات الممكنة، والواحد فيما نحن فيه واحد نوعي وما بحكمه، أو واحد غير بسيط من جميع الجهات، وذلك لو جعل الغاية الاقتدار الموجود للعالم في كل مورد مورد فهو واحد نوعي أو بحكمه، وإن جعلت الاقتدار المتعلق بجميع الموارد فمن الواضح أنه من حالات النفس المتعلقة بالبدن ليس بسيطا من جميع الجهات. وثانيا: أن مورد القاعدة هو ما كان من باب العلية والإيجاد فإنها معنى الصدور عنه المأخوذ في القاعدة، والاقتدار المذكور لا يصدر عن نفس المحمولات، ولا عن نفس الموضوعات، بل هو حاصل العلم المتعلق بالمسائل، وهو بديهي وثالثا: أن نسبة الموضوعات الى المحمولات ربما لا تكون نسبة العلة لمعلولها كما في الهيئات الخاصة المحمولة في علم النحو، فإن حالة الرفع وحركته - مثلا - وإن كانت أمرا واقعيا إلا أنها توجد ببناء أرباب اللسان وإرادة المتكلم المراعي له، لا بتأثير الكلمة الخاصة. كما أن الطريقية والوجوب امور اعتبارية قوامها باعتبار المعتبر ومن أفعاله، لا أنها من نفس الأمارات والأفعال. هذه بعض من عمد الإشكالات الواردة على الاستدلال بالقاعدة. ثم لو سلمنا لزوم الموضوع الواحد لكل علم فما أفاده من أن النسبة بينه وبين موضوعات المسائل دائما نسبة الكلي والمصداق غير سديد، فإن من العلوم علم العرفان الذي موضوعه الله تعالى وحده، وهذا الموضوع جزئي وعين لموضوع مسائله. كما أن علم الجغرافيا أيضا من العلوم وموضوعه جزئي هو شخص كرة الأرض، والظاهر أن النسبة بينه وبين موضوعات مسائله نسبة الكل الى الأجزاء وكيف كان فالأمر سهل. فالحاصل: أنه لا دليل على لزوم وحدة موضوع كل علم، لاعلم الاصول ولاغيره، فيسقط ما يتفرع عليه. وعن سيدنا الاستاذ العلامة الطباطبائي - قدس سره الشريف - لزوم وحدة

[ 10 ]

الموضوع في العلوم البرهانية، وأوضحه في تعليقته المباركة على الأسفار بما حاصله: أن البرهان لكونه قياسا منتجا لليقين يجب أن يتألف من مقدمات يقينية... واليقين هو العلم بأن كذا كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا، والمقدمة اليقينية لابد أن تكون ذاتية المحمول للموضوع، أي بحيث يوضع المحمول بوضع الموضوع ويرفع برفعه، مع قطع النظر عما عداه، إذ لو رفع مع وضع الموضوع أو وضع مع رفعه لم يحصل يقين، وهذا خلف، فحيث كان المحمول الذاتي - بما هو محمول - موجودا لموضوعه بالضرورة فالموضوع من علل وجوده، فيجب أن يؤخذ الموضوع في حده التام، وهو أيضا باطل في تمييز العرض الذاتي، فإذا فرض للمحمول محمول ولمحموله محمول يؤخذ الموضوع في حد جميعها، وكان الجميع عرضا ذاتيا للموضوع الأول، كما أن كلا منها ذاتي لموضوع قضيته، وكذا لو كان للموضوع موضوع... وهكذا يؤخذ الموضوع الأول في حد جميعها. ويتبين من ذلك أن العلم هو مجموع قضايا يبحث فيها عن أحوال موضوع واحد هو المأخوذ في حدود موضوعات مسائله ومحمولاتها. كما يتبين أن العلم لابد فيه من موضوع هو الموضوع في جميع مسائله ويبحث فيه عن عوارضه الذاتية. كما يتبين أيضا أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات. نعم، هذا كله في العلوم الحقيقية البرهانية. وأما العلوم الاعتبارية التي موضوعاتها امور اعتبارية غير حقيقية فلا دليل على جريان شئ من هذه الأحكام فيها أصلا. انتهى ملخصا (1). وللكلام عليه هنا مجال: فإنه لو سلمنا ما أفاده من لزوم ذاتية المحمولات في العلوم البرهانية لموضوعات مسائلها فما الذي أوجب وجود موضوع واحد سار في جميع الموضوعات متحد معها ؟ وما المانع من أن يكون هنا موضوعان - مثلا - يسري كل منها في عدة من مسائل العلم كما أفاد، ويكونان معا موضوعين لعلم واحد ومنه يتبين الكلام على ما أفاد من أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، فتدبر.


(1) ذيل الاسفار الأربعة: ج 1 ص 30 - 32. (*)

[ 11 ]

ثم في كلامه قدس سره الشريف بعد ذلك نقاش وبحوث موكول الى محله، والله الهادي. 2 - تمايز العلوم بماذا ؟ تارة يراد من التمايز ما به الافتراق بين علمين مثلا، ويستفاد منه في مقام تعليم المتعلم، واخرى يراد منه الأمر الموجب لتكثير العلوم وتعدده وجعل هذه العدة من المسائل علما واحدا، وتلك العدة علما آخر. فإذا اريد المعنى الأول فلا ريب في أنه يصح تبيين الافتراق وتعليم خاصة كل من العلمين بكل ما بينهما من الفروق والخصوصيات، إذ المفروض أن الغاية مجرد تميز ما بينهما، وهو حاصل بكل منها. ومن البديهي أنه لا يفترق في هذا الواحد الاعتباري وغيره، فإن كل موجود واحد - اعتبارية كانت وحدته أم حقيقية - يصح تميزه عن غيره في مقام التعليم بكل خصوصية تخصه، سواء كانت ذاتية أم خارجة عن ذاته، ومن أي الأعراض كان. وأما إذا اريد ثاني المعنيين - وهو مراد الكفاية بقرينة قوله في ذيل الاستدلال على بطلان التمايز بالموضوع (... فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد...) (1) - فالحق ما في الكفاية من أن التمايز حينئذ بالأغراض، إلا أنه لابد وأن يعلم أن كل غرض أيضا لا يوجب تدوين علم خاص لأجله، بل يشترط فيه أن يكون بمقدار من السعة يصح معها عند العقلاء تدوين علم لأجله. وأما ما عن سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) من: أن منشأ وحدة العلم تسانخ القضايا المتشتتة، فإن تناسب مرفوعية الفاعل ومنصوبية المفعول أمر وجداني لا يوجد بين كل منها مع المسائل الفلسفية أو الرياضية، وأن الأغراض لما كانت متأخرة عن نفس المسائل فالمسائل قد تميزت في رتبة متقدمة ولا يمكن التمايز


(1) الكفاية: ص 22. (*)

[ 12 ]

بالمتأخر (1). فمرجعه الى ما عن سيدنا الاستاذ المتقدم: من أن التمايز بالمحمولات، إلا أنه لم نقدر على تصديقه، فإن السنخية المذكورة توجد ايضا - ولو بمرتبة نازلة في الجملة - بين مسائل النحو ومسائل الصرف. كما أن سنخية آكد واشد توجد بين مسائل باب المرفوعات لا توجد بهذه المرتبة بينها وبين مسائل باب المنصوبات... وهكذا، فالمعين للمقدار الكافي من السنخية لتدوين علم واحد إنما هو وحدة الغرض العقلائي من العلم. وأما ما أفاده من استلزام التميز بالأغراض لتقدم ما هو المتأخر ففيه: أولا: أن المتقدم على الغرض هو نفس المسائل المتشتتة وإن لم تنصبغ بصبغ العلم الواحد، والمتأخر هو صبغة العلم الواحد، فلا محذور. وثانيا: أن الوجود الذهني للغرض كاف في توحيد تلك المسائل تحت لواء علم واحد، والمتأخر عن المسائل إنما هو الغرض بوجوده الخارجي، فاختلف المتقدم والمتأخر واندفع المحذور. فبالجملة: فمع غمض العين عن وحدة الغرض لا يكفي نفس السنخية في تدوين علم واحد من مسائل متشتتة متسانخة، من دون فرق في ذلك (2) بين العلوم التي يكون الغرض منها أمرا مترتبا على عرفان قواعدها، والعلوم التي يكون الغرض منها مجرد عرفانها، فإن نفس العرفان أيضا إذا كان غرضا عقلائيا فبملاحظته وفى حدود موارده يدون علم واحد تمتاز مسائله عن غيره. هذا، مضافا الى الإشكال في التصديق بوجود علم يكون الغرض منه مجرد عرفان مسائله، فإن الفلسفة الاولى يترتب على العلم بها عدم الوقوع في خطأ وأخذ ما ليس بموجود مكان الموجود كما أن علم الجغرافيا يوجب اقتدار العالم على أن يعامل أهل كل إقليم بما هو المناسب لهم.


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 4 طبع دار الفكر. (2) إشارة الى ما في المحاضرات عن السيد الاستاذ العلامة الخوئي (قدس سره): ج 1 ص 26 - 27 ط قم. (*)

[ 13 ]

3 - هل لعلم الاصول موضوع واحد أو خاص ؟ إنه بعد ما مر من عدم الدليل على لزوم أن يكون لكل علم موضوع مخصوص فلا يصح القول بأن موضوع علم الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله، وإن كنا لا نعرفه بعنوان خاص ولا اسم مخصوص، إلا أنه لا بأس بالبحث عن أن له مع ذلك موضوعا خاصا، واحدا أو متعددا. فقد قيل بأن موضوعه الأدلة الأربعة - بوصف الدليلية - كما في القوانين (1) أو بذواتها كما في الفصول (2). لكنه يرد عليه ما في الكفاية: من لزوم خروج مباحث الألفاظ وجملة من غيرها عن مسائل العلم، (3) لأن موضوعها ليس خصوص الكتاب ولا السنة ولاغيرهما من هذه الأربعة وإن كان المهم معرفة أحوال خصوصها. ثم إن هنا بحثا فرعيا فرضيا هو: أن مسألة حجية خبر الواحد هل هي من مسائل علم الاصول بناء على أن يكون موضوعه الأدلة الأربعة ؟ فقد صرح المحقق القمي في تعليقة له على متنه حين بين: أن موضوع علم الاصول أدلة الفقه بخروجها عن مسائل العلم، فقال: (وما قد يذكر لمثال ذلك [ يعني البحث عن عوارض موضوع علم الاصول ] بقولهم: الكتاب حجة والخبر حجة لا يرجع الى محصل، إذ ذلك معنى كونه دليلا، والمفروض أنا نتكلم بعد فرض كونها أدلة، وهو خارج عن الفن، وبيانه ليس من علم الاصول كما لا يخفى، بل هو من توابع علم الكلام) (4). كما صرح في الفصول بدخولها قائلا: " وأما بحثهم عن حجية الكتاب وخبر الواحد فهو بحث عن الأدلة، لأن المراد بها ذات الأدلة، لا هي مع وصف كونها أدلة " (5).


(1) القوانين: ج 1 ص 4 - 5 وص 10. (2) الفصول الغروية: ج 1 ص 4. (3) الكفاية: ص 23. (4) قوانين الاصول: ج 1 ص 9. (5) الفصول الغروية: ص 10. (*)

[ 14 ]

واستنصر الشيخ الأعظم كلا من العلمين من ناحية ورده من ناحية اخرى، فقال في أول مبحث حجية خبر الواحد: (فمرجع هذه المسألة الى أن السنة - أعني قول الحجة أو فعله أو تقريره - هل تثبت بخبر الواحد، أم لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر والقرينة ؟ ومن هنا يتضح دخولها في مسائل اصول الفقه الباحثة عن أحوال الأدلة، ولا حاجة الى تجشم دعوى أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل) (1) فقد جعلها من مسائل العلم مع التزام أن موضوعه الأدلة بعد فرض كونها أدلة. وكلامه - كما ترى - صريح في أن مراده (قدس سره) بالسنة نفس قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره، كما هو المصطلح فيها الذي لا ينافيه ذكر الروايات الواردة لإثبات حكم شرعي تحت عنوان الاستدلال بالسنة، وذلك أن عدها سنة وإطلاق السنة عليها إنما هو لمكان أنها طريق محض الى السنة الواقعية، والاستدلال بالحقيقة يكون بنفس قول المعصوم (عليه السلام) مثلا، لا بالحاكي عنه. فأورد عليه في الكفاية: بأن البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد بحث عن ثبوت الموضوع ووجوده، وهو من المبادئ التصديقية، وكون الثبوت المذكور تعبديا غير مفيد، لأن التعبد بالثبوت بمعنى وجوب العمل على طبقه وصف للخبر الحاكي، لا للسنة المحكية، فالثبوت الواقعي ليس من عوارض الموضوع، والتعبدي ليس من عوارض السنة، بل الخبر الحاكي (2). أقول: لا ريب أن مراد الشيخ (قدس سره) هو الثبوت التعبدي، إلا أن التعبد بالثبوت في باب الطرق، سواء أكان بمعنى كونه طريقا الى الواقع عقلائيا - كما هو التحقيق - أم بمعنى كونه موجبا لتنجز الواقع - كما هو مختار الكفاية في أكثر من موضع منها - أم بمعنى وجوب العمل على طبق الطريق ولو وجوبا طريقيا - كما لعله ظاهر كلمات الشيخ الاعظم (قدس سره) - كما أن له نسبة الى الطريق فهكذا له نسبة الى ما قام


(1) الفرائد: ص 67 المقدمة الاولى من مقدمات بحث حجية الخبر الواحد، طبع رحمة الله. (2) الكفاية: ص 3 - 22. (*)

[ 15 ]

عليه الطريق، فإنه الذي قام عليه طريق معتبر، وتنجز مفاده بقيام الأمارة، ووجب العمل على طبق ما هو طريق إليه، وجوبا طريقيا الى امتثال مفاده، فالبحث عن الخبر الواحد يمكن إرجاعه الى البحث عن ثبوت إحدى هذه الصفات للسنة، وهي كلها عوارض لها، فإيراد الكفاية عليه غير وارد. إلا أنه مع ذلك يرد عليه: أن ما ذكره هو (قدس سره) أيضا تجشم وتعسف، فإن موضوع تلك المسألة في كلمات الاصحاب انما هو الخبر الحاكي، ولذلك يكون محمولها الحجية، ولذلك أيضا عنون هو نفسه (قدس سره) بانه من جملة الظنون الخارجة عن اصالة حرمة العمل بالظن. وحيث إن الإيراد غير منحصر بها - كما عرفت - فالأولى هو الرجوع الى ما يقتضيه التحقيق من عدم الإلزام بالتزام موضوع خاص، والله العالم. 4 - تعريف علم الاصول: إن المشهور في ألسنة المتأخرين في تعريفه: أنه " العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية "، فقواعده قد مهدت مقدمة لعلم الفقه، ولأن يقتدر بها على استخراج الأحكام الشرعية عن أدلتها، فلا محالة إن مسائله ليست بنفسها أحكاما فرعية عملية لا تكليفية ولا وضعية، إلا أنها يحتاج إليها استنباط الأحكام الفرعية ويستند إليها، ومهدت هذه المسائل أيضا لذلك، فلو لا حجية خبر الثقة أو ظواهر الكلام - مثلا - لما استقام استنباط الأحكام من ظواهر الكتاب أو السنة، ولا من الأخبار المأثورة غير مقطوعة الصدور. وقد اورد على التعريف إيرادات من ناحية جامعيته أو مانعيته، عمدتها ما يلي: فمن ناحية الطرد: بأنها تشمل كثيرا من قواعد العلوم الأدبية مما يبحث عن مفاد خصوصيات الجمل أو المفردات، كالبحث عن مفاد " لم " و " لما " و " لن "

[ 16 ]

وسائر المفردات، والبحث عن مفاد الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار، أو المشتملة على ما يفيد الحصر مثلا. كما أنها تشمل القواعد الفقهية التي يستفاد منها حكم موضوعات كلية مثل قاعدة " ما يضمن " أو " ما لا يضمن " الدالة - مثلا - على الضمان بفاسد البيع وعدم الضمان بفاسد الهبة. ومن ناحية العكس والجمع: بأنها لا تشمل مباحث الاصول العملية، ومسألة حجية الظن على الحكومة، فإن كلا منها وظائف عملية للمكلف ينتهي إليها المجتهد إذا قصرت يده عن العثور بالدليل على الحكم الشرعي. ولقد أجاب الأساتذة عن الإشكالات الثلاثة بطرق متنوعة: أما شمولها للقواعد الأدبية فأجاب عنها العلامة النائيني (قدس سره) بأن قوام المسألة الاصولية إنما هو بوقوعها في كبرى قياس الاستنباط، والمباحث الأدبية إنما تكون بنفسها صغرى للقياس المذكور، فإن تعيين ظهور لفظ " الصعيد " إنما يستفاد منه في خصوص بحث التيمم (1). وقد اورد عليه: أن المسألة الاصولية لا يمكن أن تكون كبرى ذلك القياس، فإن الكبرى فيه لا بد وأن يكون محمولها حكما شرعيا لكي ينتج تطبيقها على الصغرى حكما فرعيا على الأصغر، ومن الواضح أنه لا شئ من مسائل علم الاصول كذلك، وإلا لانقلبت قاعدة فقهية (2). والحق أن مراده (قدس سره) من وقوعها كبرى ذلك القياس: أن يكون نسبة موضوعها الى كل مسألة فقهية تستند إليها نسبة الكلي الى الفرد، فإن إطلاق " البيع " وحجية ظهور " أحل الله البيع " مصداق من كلي انعقاد الظهور الإطلاقي، ومن كلي حجية الظواهر، ولا تختص هاتان المسألتان الاصوليتان بخصوص هذا الحكم، ولا بخصوص هذه الآية، بخلاف البحث عن ظهور الصعيد المختص - مثلا - ببحث التيمم وآيته.


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 3. (2) نهاية الأفكار: ج 1 ص 2 - 21 ما بمعناه. (*)

[ 17 ]

لكنه مع ذلك يرد عليه: أن كثيرا من المباحث الأدبية لا يختص بموضوع خاص، كالبحث عن مفاد " لن " و " لما " وسائر المفردات، أو عن مفاد بعض الجمل وخصوصياتها، فإنه بعينه كالبحث عن مفاد " إلا "، وظهور هيأة الأمر والنهي أو مادتهما. وتبين مما ذكرنا: أن تقييد مسائل الاصول بكونها مشتركة بين مسائل الفقه غير مختصة بمسألة خاصة. وتعريف علم الاصول بأنه العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي - كما عن الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه - (1) لا يكفى لاندفاع الإشكال. وأجاب عنه سيدنا الاستاذ العلامة الخوئي (قدس سره): بأن ملاك المسألة الاصولية أن تقع في طريق الاستنباط بلا حاجة الى انضمام مسألة اصولية اخرى، فالواجب تعريف علم الاصول: " بأنه العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون حاجة إلى ضميمة صغرى أو كبرى اصولية اخرى إليها "، فيخرج عنها مثل البحث عن ظهور الصعيد فإن استفادة الحكم الشرعي منه محتاج الى مسألة حجية الظواهر (2). وفيه - بعد تفسير عدم الاحتياج المذكور بإمكان استقلالها في استفادة الحكم الشرعي منها لكي لا يرد أن جل المسائل الاصولية يمكن فرض حاجتها في استنباط الحكم منها الى مسألة اصولية اخرى -: أن جميع مباحث تعيين الظهورات في مبحث الأمر والنهي والمفاهيم والعام والمطلق متوقفة في استنباط الحكم منها على مسألة حجية الظواهر التي هي من أهم مسائل علم الاصول، فما أفاده أيضا لا يكفي لاندفاع الإشكال. والظاهر في الجواب ما أجاب به جمع آخر: من أن ملاك اصولية المسألة أن يكون الغرض من البحث عنها: أن يستفاد منها في الاستنباط، فالفارق بين مسائل


(1) الحلقة الأولى: ص 44 - 45، طبع جماعة المدرسين. (2) مصباح الاصول: ج 1 ص. (*)

[ 18 ]

اصول الفقه وغيرها إنما هو الغرض من عقدها، ولا يجب أن يكون فارقا ماهويا، فعلم الاصول: عدة من مسائل متشتتة يستفاد منها في استنباط الأحكام جمعها أنه قد بحث عنها بهدف أن يكون المجتهد بعد العلم بها على قدرة من استنباطها. ولو اصطلح العلماء على ضم مسائل اخرى إليه لما أضر بشئ أصلا. والى هذا يرجع ازدياد قيد " الآلية " كما عن سيدنا الاستاذ الإمام الراحل قدس الله نفسه الزكية. هذا كله بالنسبة للمسائل الادبية. وأما القواعد الفقهية فهي - كما قالوا - خارجة عن التعريف من أول الأمر، لظهوره في اعتبار أن تكون تلك القواعد الاصولية مقدمة لاستنباط الأحكام الشرعية، لا أن تكون نفسها حكما كليا فقهيا، فمسألة " الضمان في فاسد كل عقد يضمن بصحيحه " كمسألة " الضمان في فاسد البيع " التي من صغريات تلك المسألة الكبرى كلتاهما حكم شرعي عملي فقهي وإن اختلفتا بالعموم والخصوص، بخلاف حجية خبر الثقة، وظهور الأمر في الوجوب فإنهما ليستا حكما فقهيا، وإنما شأنهما أنه يستند اليهما استنباط الحكم الشرعي من دليله كما لا يخفى. وأما مباحث الاصول العملية فلا ينبغي الريب في أن مفادها بيان الوظيفة الكلية الشرعية للمكلف عند الشك بأنه لا بأس عليه في الفعل أو الترك، أو بلزوم الاحتياط، أو بوجوب البناء على بقاء ما كان وحكم الشارع ببقائه عند الشك فيه. كما لاوجه للالتزام بخروجها عن مسائل علم الاصول مع عظمها وعظم الفوائد المترتبة عليها، ولذلك فالأولى ازدياد قيد " أو القواعد التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص وعدم الظفر بدليل على الحكم " كما في الكفاية وغيره. وبعد ذلك كله فالأمر سهل. وأما ما أجاب به العلامة الخوئي (1) وقرره الشهيد الصدر (قدس سرهما) من أن هذه الاصول أيضا مما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، بدعوى: أن الاستنباط أعم من أن يكون كشفا له، وأن يكون تنجيزا بلا كشف، أو تعذيرا ففيه: أن


(1) المحاضرات: ج 1 ص 9. (*)

[ 19 ]

الاستنباط - كما نص عليه في اللغة ويقتضيه مادة النبط - هو استخراج ما كان مخفيا عليه خبأ، وواضح أنه لم يستخرج الحكم في موارد الاصول العملية، بل إنما جعلت وظيفة عملية لمن شك فيه ولم يوفق لاستنباطه. الأمر الثاني الوضع 1 - حقيقة الوضع: لا ينبغي الريب - بعد التأمل القليل في كيفية حكاية الألفاظ المستعملة عن معانيها - في أن الألفاظ مرايا محضة لمعانيها، وتكون المعاني كأنها الملقاة الى المخاطب، والألفاظ مغفول عنها بالمرة إلا من حيث كونها أدوات تفهيم المعاني المقصود إلقاؤها، فدلالة الألفاظ على المعاني بهذه الكيفية. فهذا الربط الشديد بين اللفظ والمعنى نعبر عنه بأن اللفظ اسم للمعنى. ولا ينبغي الشك أيضا في أن هذا الربط إنما حصل عقيب وضع اللفظ للمعنى، بداهة أن احتمال دلالة الألفاظ بنفسها على معانيها مما لا يصلح الإلتفات إليها، بل إنما هي بالوضع. فحقيقة الوضع إنما هو جعل اللفظ اسما للمعنى - بالمعنى الذى بيناه - ممن كان يحق له ذلك، كالوالد يسمي ولده، ومولد القماش أو صانع صنعة يسمي مصنوعه، ونتيجته: أن من علم بوضعه هذا يتبعه ويستعمل اللفظ اسما على المعنى. هذا هو حقيقة الوضع، وهو واضح لمن تأمل عمل نفسه عند تسميته ولده أو من فوض إليه تسميته. وهنا قولان آخران: أحدهما: يرجع الى تفسير الدلالة بخلاف ما فسرناه، ففسرها بأنها من قبيل حكاية العلامات المنصوبة رأس الفراسخ - مثلا - على أن ذاك المكان رأس

[ 20 ]

الفرسخ، أو الألوية المنصوبة للدلالة على أن هناك مجلس عزاء أو دعاء. وهذا القول وإن لم يرد عليه ما قيل: من أنه ليس في وضع الألفاظ مكان مفروض حتى يتصور أن اللفظ وضع على ذاك المكان - كما في العلامات المنصوبة - فإن هناك امورا ثلاثة: المكان المنصوب فيه العلامة، ونفس العلامة، والمعنى المدلول عليه بها، وهنا أمران فقط: اللفظ والمعنى. وجه عدم الورود: أن القائل به لا يريد إلا التشبيه من حيث إن اللفظ أينما ومهما تحقق فهو كعلامة ينتقل منه الى المعنى، وليس التشبيه من الجهات الاخر. لكنه يرد عليه: أن الربط الموجود بين اللفظ والمعنى أشد من ربط العلائم المنصوبة بالمعنى الذي هي علائم عليه، فإن الألفاظ - كما عرفت - مجرد أدوات لا يلتفت إليها استقلالا بحيث يكون المتكلم كأنه يلقي المعاني ابتداء والمخاطب يتلقاها كذلك، فهذا الارتباط الأكيد أمر شديد لا مجال للتغافل عنه، بل حينئذ هو حقيقة دلالة الألفاظ على المعاني، وهو حصيل عمل الواضع وتسمية المعنى باللفظ. القول الثاني: يرجع الى تفسير الوضع بأنه تعهد من الواضع، بل ومن المستعملين بأنه وأنهم متى أرادوا تفهيم المعنى الكذائي تلفظوا بلفظ مخصوص، بل في ما نقل عن قائله: إن كلا من المستعملين واضعون (1). ويكفي في رد هذا القول مراجعة الوجدان، فإن كل أحد يرى من نفسه أنه يجعل لفظ كذا اسما للمعنى الذي يسميه، من دون التفات بدوي الى الالتزام والتعهد المذكور، بل ربما كان الواضع ممن يعلم بأنه لا يستعمل - ولو مرة - هذا اللفظ في هذا الموضوع له، كما في تسمية ولد بعض الأباعد بلسان بعض العلماء العظام والعرفاء الكرام، فلا يصدر منه سوى التسمية، ثم من علم بها يستعمله في


(1) القائل هو السيد العلامة الخوئي (قدس سره) على ما في المحاضرات: ج 1 ص 45 - 46 و... ولعل أصله يستظهر عما نقل عن قائله الأول وهو صاحب تشريح الاصول على ما نقله صاحب نهاية الدراية: ج 1 ص 47 فراجعها. (*)

[ 21 ]

معناه كاستعماله سائر الألفاظ في معانيها، من غير أن يتكرر الوضع والتسمية من غير الواضع، بل غيره هم المستعملون لا غير، كما لا يخفى، والشاهد على جميع ما ذكرناه هو مراجعة عمل العقلاء في هذه الموارد، هذا هو حقيقة الوضع. 2 - من هو الواضع ؟ وأما أن الواضع الأول من هو ؟ فلا دليل إليه قطعيا، إلا أن من الممكن أن يضع الناس بالتدريج - حسب ما يحدث من حوائجهم - الألفاظ للمعاني المحتاج إليها، فبامتداد الأزمان تكثرت الألفاظ الموضوعة حتى يعبر عنها أنها غير متناهية، ولعله ليس كذلك. كما أن بتكثر الأقوام تكثر اللغات والمرادفات، ومن المحتمل أن يكون الواضع أو الواضعون الأنبياء أو العلماء، الى غير ذلك والأمر غير مهم. ثم إن حقيقة الوضع - على ما فسرناه - لا يوجب تغييرا خارجيا في الألفاظ الموضوعة، لا في حقيقتها ولا في أوصافها الحقيقية، وإنما يوجب اختصاصا اعتباريا للفظ بالمعنى يترتب عليه عند العرف مرآتية اللفظ للمعنى، وانتقال الذهن - بعد العلم بالوضع - من تصور اللفظ الى المعنى ذلك الانتقال الذي كأن المعنى هو الملقى. وهذا الاختصاص كما يحصل بالوضع فربما يحصل من ناحية كثرة إطلاق اللفظ بما له من المعنى على بعض الافراد إطلاق الكلي على مصداقه الحقيقي أو الادعائي، فإذا حصل هذا الحد من الاختصاص كان اللفظ مرآة لذلك الفرد وصار اسما له بلا تعيين ولا تسمية من أحد، وبهذا المعنى صح تقسيم الوضع الى التعييني والتعيني، فبالحقيقة يكون إطلاق الوضع على التعيني إطلاقا مسامحيا، منشأه وجود نتيجة الوضع في موارده أيضا، وإلا فلا وضع ولا تسمية فيها، فالوضع بمعناه الحقيقي ليس له قسمان، وبالمعنى الأعم لا بأس بتقسيمه، والأمر سهل.

[ 22 ]

3 - أقسام الوضع: لا شك أن الوضع يتوقف على أن يتصور الواضع المعنى واللفظ فيجعل أحدهما اسما للآخر، وحينئذ فالمعنى الملحوظ: إما عام، وإما جزئي خاص. والعام: إما أن يوضع اللفظ له، وإما أن يوضع لمصاديقه وجزئياته. كما أن الخاص: إما أن يوضع اللفظ له، وإما للكلي الذي فوقه، فهنا أقسام أربعة: الوضع العام والموضوع له العام، أو الخاص، والوضع الخاص والموضوع له الخاص، أو العام. ثم لاريب في إمكان قسمين: هما الوضع العام والموضوع له العام، والوضع الخاص والموضوع له الخاص. وأما القسمان الآخران فإمكانهما محل كلام بين الأعلام. وقد اشتهر إمكان الوضع العام والموضوع له الخاص، ببيان: أن الكلي متحد مع كل من جزئياته الحقيقية والإضافية، يحمل عليها بالهوهوية، فهو من وجوهها وعناوينها، ولذلك فلحاظ الكلي لحاظ لجزئياته بوجهها، ومعرفة وجه الشئ معرفته بوجه، وهي كافية في الوضع له. ويورد عليه: بأن مجرد اتحاد الكلي مع الفرد في الوجود الخارجي لا يوجب حضور الفرد بما هو فرد في الذهن من تصور الكلي، بل إن كل متصور فإنما يوجب التفات النفس الى نفسه، ولا يحكي الصور الذهنية إلا عن مجرد معناه، لا وعن كل ما يتحد في الخارج معه، وتصور وجه الشئ - في الحقيقة - تصور وجه الشئ لا غير، وإن نسب الى نفس الشئ فهو تجوز في الإسناد، فتصور الإنسان تصور له فقط لا لزيد - مثلا - إيضا، إلا بمعنى تصور أمر هو متحد في الخارج مع زيد، وإلا فلم يلتفت النفس بمجرد تصور الإنسان الى معنى آخر أصلا. ففرد الإنسان ومصاديقه كأفراد الكليات الاخر لم يتصور ولم يلتفت إليها أصلا، ومع عدم الالتفات إليها لا يمكن الوضع لها. نعم، لا بأس بالانتقال من تصور الكلي الى تصور لأفراده، وحينئذ فهذا التصور الجديد هو المصحح للوضع

[ 23 ]

للجزئيات، ولا اختصاص له بالمعنى الذي يكون الأفراد أفرادا له، بل قد ينتقل من فرد الى فرد آخر ولو كان من نوع آخر فضلا عن الانتقال من الفرد أيضا الى نوعه. ولا فرق في هذا الذي قلناه بين أقسام الكليات والمعاني العامة، حتى ما كان منها من الكليات المنتزعة عن الأشخاص والمصاديق الخارجية بما أنها مصداق للكلي، كعنوان الشخص والمصداق والفرد، وذلك أن هذه العناوين أيضا لا تحكي ولا توجب إلا تصور الحيثية الجامعة بين المصاديق والأفراد، أعني عنوان الشخص والمصداق، ولا يتصور معها الخصوصية التي هي الموجبة لصدق الشخص والمصداق، ولذلك فلا ريب في أن وضع ألفاظ نفس هذه العناوين من قبيل الوضع العام والموضوع له العام. كما أن أخذ عنوان العام في صورة قضية محصورة كلية وإن أوجب تصور أفراده إلا أنه أيضا نحو انتقال من العام والكلي الى مصاديقه أولا، ولا يوجب أزيد من تصور كل فرد بما أنه معنون هذا العام ثانيا، فلا ينتقل النفس به - مثلا - إلا إلى مصاديق العالم بما أنه عالم، فقد تصورت العلماء بما أنهم علماء، فتصورت المصاديق الذاتية للكلي من دون التفات الى الخصوصيات المحتفة بها. فمما ذكرنا تعرف ضعف تصحيح هذا القسم بأنه من الكليات المنتزعة عن الخصوصيات " كما في المحاضرات " (1) أو بأنه من قبيل المحصورات كما في " نهاية الدراية " (2)، فراجع. والتحقيق أن يقال: تارة يلحظ الكلي من دون لحاظ حيثية الأفراد أصلا، كأن يقال: العالم واجب الإكرام، وعليه مدار الأخذ بالإطلاق. وتارة تلاحظ الأفراد الذاتية لمجرد تسرية الحكم - مثلا - الى جميع أفراد الكلي، ولبيان أن الحكم لا يختص بفرد دون فرد، كأن يقال: كل نار حارة، وكل


(1) المحاضرات: ج 1 ص 50 - 51. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 29، طبع المطبعة العلمية. (*)

[ 24 ]

ماء سيال، الى غير ذلك، وعليه مبنى غالب العمومات. وثالثة تلاحظ الأفراد بعنوان العام ويشار به الى خصوصياتها الفردية، كما يقال: كل فاكهة أو كل نبات فله خاصة طبية فإنه لاريب في أن المراد حمل الخاصة الطبية على الخصوصيات المقومة للنباتات المختلفة، ولا يراد جزما أن كل نبات بما أنه نبات فله هذه الخاصة على عكس المراد في قولنا: " كل نار حارة " حيث لم يكن المراد هناك سوى تعميم حكم الحرارة الى جميع أفراد النار. وبالجملة: فقد يشار بالعنوان المشترك الى خصوصيات الأفراد، ولا محالة ينتقل النفس الى واقع الخصوصيات المميزة ولو إجمالا، وإن لم تحصها، أو لم تقدر على إحصائها تفصيلا، وعليه فملاحظة المعنى العام والإشارة معها الى الخصوصيات المكتنفة به خارجا بمكان من الإمكان إلا أنه لا ينبغي الريب في أنها أيضا نحو من الانتقال الى أزيد مما يحكيه عنوان العام. فلو اريد من الوضع العام والموضوع له الخاص هذا المعنى لما كان في إمكانه كلام، إلا أنه أشبه بمجرد الاصطلاح، وإلا فالوضع فيه خاص أيضا كالموضوع له، غاية الأمر أن المعنى الخاص الملحوظ إنما لوحظ إجمالا لا بالتفصيل. وبعد ذلك نقول: إن القسم الرابع - أعني الوضع الخاص والموضوع له العام - أيضا يرد مورد سابقه ويصدر مصدره، فإن اريد معناه بدقة فهو غير ممكن، وإن اريد منه معنى لا يخلو من الانتقال فهو أيضا بمكان من الإمكان، كما إذا شاهد شبحا جزئيا من بعيد ولم يظهر له أنه من أي الأنواع، فأشار إليه ووضع اللفظ للنوع الذي هذا الشبح فرده. هذا كله في بيان أن أي الأقسام المتصورة للوضع ممكن. وأما الأقسام المتحققة منها: فلاريب في وقوع الوضع والموضوع له العامين، كما في أسماء الأجناس والكليات ولا في وقوع الوضع والموضوع له الخاصين، كما في أسماء الأعلام

[ 25 ]

الشخصية، فإنه لاريب في أن من يسمي ولده فإنما يجعل الاسم لهذا الشخص الجزئي الخارجي الخاص. والإيراد عليه - كما عن سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) بأنه لو كان الأمر كذلك " لزم أن يكون قولنا: " زيد موجود " قضية ضرورية من قبيل حمل الشئ على نفسه، ولزم مجازية قولنا: زيد معدوم، أو زيد إما موجود وإما معدوم، لاحتياجها الى عناية التجريد، مع أنا لا نجد الفرق بينها وبين قولنا: زيد قاعد أو قائم "، ولذلك فاختار أنها موضوعة لماهية لا تنطبق إلا على فرد واحد، لا للماهية المنطبقة على الكثيرين، ولا للفرد المشخص. (1) " انتهى " مندفع: بأن الوجدان العرفي القطعي يشهد بأن من يسمي ولده فإنما يجعل الاسم للمولود الشخصي الخاص، كما أن الأمر كذلك قطعا في الطبائع الكلية، فالمسمى بالحنطة أو الشعير - مثلا - عند العرف ليس إلا ذاك الجسم الخارجي الذي يترتب عليه الآثار المنتظرة. وبعبارة اخرى: ما كان بالحمل الشائع حنطة أو شعيرا، سواء كان كلية الطبيعي متحد الماهية مع المصاديق في التدقيقات الفلسفية أم لا فإن الحنطة ليست إلا ما يسد الجوع، وله خواصها الاخر، وهو ليس إلا المصاديق الخارجية، وما هو حنطة بالحمل الشائع، إلا أن تصوره لا يلازم التصديق بوجوده، لكي يكون حمل الوجود عليه من البديهيات ومن قبيل حمل الشئ على نفسه، وحمل العدم عليه من قبيل الاعتراف باجتماع النقيضين، ومن باب الجمع بين المتناقضين حتى يحتاج صحته الى عناية التجريد. وذلك أن قوام التصور إنما هو بوجود ذهني للمتصور، إلا أن هذا الوجود الذهني ليس هو نفس الشئ، وانما هو آلة لتوجه النفس الى ذلك الشئ، فتتوجه النفس به الى ذلك الشئ، وتجعله موضوعا لما تريد من أحكامه. ومعنى كونه موضوعا للأحكام أن ما يبرزه الحاكم من الأحكام فجميعها متوجهة إليه، فيحكم


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 12. (*)

[ 26 ]

بأن ذلك الشئ الذي ليس إلا متن ما في الخارح - إذا تحقق - موجود في ظرف النسبة، أو معدوم، أو ممتنع التحقق والوجود، فمعنى قولنا: " زيد معدوم " أن ذاك الشخص الخارجي الذي ملأ وجوده فراغه معدوم فعلا فلا أثر له في هذا الظرف. وأما وقوع الوضع العام والموضوع له الخاص فقد قيل بأنه وضع الحروف وما يتضمن معنى حرفيا، ولذلك فلابد من تحقيق حقيقة المعاني الحرفية أولا حتى يتبين به نوع وضعها. المعاني الحرفية: إن الأقوال الرئيسية في معاني الحروف ثلاثة: الأول: إنه لا معنى لها تحت لفظها، وإنما هي علامات على إرادة معنى خاص من متعلقاتها كما في الرفع الذي هو علامة الفاعل. وهذا القول واضح البطلان، كما ينادي به الوجدان، فإنه لا يشك أحد في أن الحروف أيضا تلقي معانيها وتكون فانية فيها ومغفولا عنها حين استعمالها كما في الأسماء حرفا بحرف. القول الثاني: إن معنى الحروف هو بعينه معنى الأسماء، فلفظة " من " و " الابتداء " وضعتا لمعنى واحد، غاية الأمر أن الواضع لم يجعل علقة الوضع بين الحرف ومعناه إلا إذا كان ذلك المعنى قد لوحظ لتعرف حال ما يتعلق به، كما لم يجعلها في الأسامي إلا إذا كان ذاك المعنى ملحوظا لتعرف حال نفسه، ولذلك كان استعمال كل منهما موضع الآخر استعمالا خارجا عن محدودة الوضع، وهذا القول ظاهر كلام صاحب الكفاية (1). ويدفعه أيضا مراجعة الوجدان، فإن المفهوم لكل أحد من الحروف والمتبادر منها معان ناقصة ذوات تعلق بغيرها، بخلافه في الأسماء فإن المتبادر منها معنى كامل في مقام المفهوم والتصور لا يحتاج الى أمر آخر يتم نقصه ويبين متعلقه.


(1) الكفاية ص 25. (*)

[ 27 ]

القول الثالث: إن معنى الحرف يباين بالذات معنى الاسم، فالاسم معناه الأفرادي كامل، بخلاف الحرف فإنه متعلق الذات بغيره، وهو الحق الحقيق بالتصديق، يشهد له التبادر الأصيل في أذهان أهل كل لغة. إلا أن بين أصحاب هذا القول أيضا في حقيقة هذا المعنى المتعلق الذات بالغير خلافا من وجهين: من حيث الحكائية والإيجادية، ومن حيث العموم والخصوص. 1 - فسيدنا الاستاذ الإمام الراحل (1) والمحقق الأصفهاني (2) " قدس سرهما " وبعض آخر قالوا: بأن مفاد أكثر الحروف هي النسب الخارجية تحكي الحروف عنها، وحقيقة النسبة وجود رابط مندك في الطرفين لا استقلال له بالمفهوم، فلا ماهية له، فإن ثبوت الماهية ملازم للاستقلال الوجودي، فمعنى الحروف في الغالب جزئي حكائي، وفي بعض الموارد - كحرف النداء - جزئي إيجادي. أقول: إن حكائية غالب الحروف مما لا ينبغى الشك فيها، فإنه لاريب في أنه إذا قيل: " سار زيد من البصرة الى الكوفة " فكما أن السير وزيدا والبصرة والكوفة تحكي عن الفعل والأشخاص الخارجية فهكذا " من " و " الى " أيضا تحكيان عن الربط الخاص الواقع بين سير زيد وبين البلدين، والشخص والبلد أمران خارجيان، وهكذا خصوصياتهما، والحرفان يحكيان عن خصوصياتهما. وهو من الوضوح بمكان لا يحتمل أحد من أهل اللسان ممن لم يشب ذهنه بالشبهات المدرسية خلافه، وسيأتي - إن شاء الله - اندفاع هذه الشبهات. وأما أن هذه النسب الخارجية وجودات رابطة متحققة في الخارج مندكة في أطرافها فهو مما لا يمكننا تصديقه، وذلك أنه لاريب في أن لأطراف النسبة حدا وجوديا، ووجودا هو وجودها، فالنسبة إن كانت واقعية داخلة في هذا الحد الوجودي فالمفروض أنه وجود لأطرافها لا لها وإن كانت النسبة واقعية زائدة عن


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 13 - 14. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 51 - 57، التعليقة 18 - 19. (*)

[ 28 ]

وجود الأطراف شديدة التعلق والاندكاك فيه لزم كل نسبة نسبتان اخريان، ولزم هاتين النسبتين أربع نسب اخرى... وهكذا يتسلسل وتتصاعد وجودات النسب الى ما لا نهاية له. ووجهه: أن هذا الوجود الزائد على وجود الأطراف لا محالة وجود متعلق ومرتبط بالطرفين، فله ربطان: واحد بهذا الطرف، وآخر بالطرف الآخر، وكل واحد من ربطيها أيضا كذلك...، وهكذا وهو التسلسل المدعى. لا يقال: إن وجود النسبة وجود رابط هو عين الربط، وذاته الربط، فلا يحتاج الى رابط زائد. فإنه يقال: إذا كان المفروض أن وجودها زائد على وجود الأطراف خارج عنها فلا محالة يلزمه ما ذكرنا والتعبير بالرابط وعين الربط لا يوجب تغييرا في لازمه. فالحق أن النسب والروابط امور انتزاعية لا وجود لها إلا وجود منشأ انتزاعها، وهي كسائر الامور الانتزاعية ليست من قبيل أنياب الأغوال، وإن اشتركت معها في أنها لا يحاذيها في الخارج وجود يخصها، والمفاهيم الانتزاعية كثيرة جدا، كالحدوث، والصدور، والعلية والمعلولية، والخالقية والرازقية، الى غير ذلك. وحينئذ نقول: إن لفظة " من " - مثلا - تحكي عن مصداق الربط الذي بين السير والبصرة، وما يحضر منه عند الذهن مفهوم وصورة ذهنية فانية في ذاك الربط الحرفي المنتزع نسبتها الى المصداق الانتزاعي المذكور، نسبة المفهوم من لفظ " السير " و " البصرة " الى واقعهما، فالمحكوم عليه وبه والربط بينهما التي يكون المتكلم بصدد إلقائها الى المخاطب والحكاية عنها إنما هي نفس الموجودات الخارجية، وهي الموضوع لها الألفاظ والمستعمل فيها الألفاظ، إلا أن كل ذلك لا يمكن، ولا طريق إليها إلا بآلية ووساطة المفاهيم الذهنية التي نسبتها الى الموضوع له والمستعمل فيه الواقعي نسبة المفهوم والحمل الأولي الى المصداق والحمل الشايع.

[ 29 ]

والغرض من هذه الإطالة: أن للحروف أيضا مفاهيم في الذهن فانية في الرابط الخارجي الذي هو عين الربط، وهو مما يقضي به الضرورة، فإن لفظة " من " و " الى " وغيرهما أيضا - كألفاظ الأسماء - يحصل عقيب استعمالها صورة في الذهن حاكية عن الخارج، وهذه الصورة الذهنية زائدة عن الصورة المقابلة والتابعة لاستعمال الأسماء كما هو واضح. وحينئذ فإذا لوحظت هذه الصورة الفانية في الخارج وهذا المفهوم مع قطع النظر عما يتعلق بها وجدناها مفهوما كليا لا يحكي إلا عن الابتداء الرابط الكلي، وذكر طرفيه يعين الطرف له ويوجب ورود قيد فيه، من باب تعدد الدال والمدلول، فكما أن لفظ " العالم " في قولنا: " أكرم العالم العادل الهاشمي " يدل على كلي معنى " العالم " وزيادة العادل والهاشمي إليه يوجب ورود قيد على معناه الكلي من باب تعدد الدال والمدلول، ولا يوجب ذكر القيدين استعمال لفظ " العالم " في غير معناه الكلي الموضوع له، ويكون المستعمل فيه - في ذاك المثال - عينه فيما لم يجئ بعده قيد أصلا وقيل: " أكرم العالم " فهكذا إذا قلنا: " من البصرة سار زيد " فبمجرد سماع لفظة " من " ينتقل المخاطب من استعمالها الى معناها الذي هو الابتداء الربطي الناقص، وهو معنى كلي من جهة جميع الأعمال والامكنة وغيرها، فسواء قال: " من البصرة "، أو " من الكوفة "، أو " من المسجد "، أو " من المدرسة "، أو " من أول سورة " خاصة أي سورة كانت، أو " من الفصل الفلاني " من أي كتاب كان... وهكذا، سواء قال: سرت، أو نظرت، أو مسحت، أو قرأت، أو كتبت، أو طالعت، أو غير ذلك، فلا نرتاب أنه لا يحدث تغير في مفاد " من " والمفهوم الذي انتقل إليه الذهن، وإنما يوجب ذكر الطرفين تتميم نقصه، وذكر خصوصية الطرفين التي يقوم وجوده في الخارج بها، فذكرهما يوجب ورود قيد على ذلك المعنى الكلي، كما كان الأمر كذلك في قولنا: " أكرم العالم العادل الهاشمي " إن قلت: إن مفهوم الحروف مفاهيم ربطية متعلق الذات والقوام بطرفيها، فلا يعقل تصورها مع قطع النظر عن طرفيها، فإنه في قوة انتفاء ذاتها.

[ 30 ]

قلت: إن اريد بالتعلق المذكور تعلق وجودها الخارجي، أو تعلق ذاتها في وجودها الخارجي فنحن نسلمه، إلا أنه لا ينافي تصور مفهومها الكلي مستقلا عن طرفيها، كيف ؟ والصورة فعلية المادة، والفصل محصل الجنس في مقام الماهية فضلا عن الوجود الخارجي، ومع ذلك لا يوجب عدم إمكان تصور الجنس مفهوما مستقلا عن الفصل كليا. وإن اريد به تعلقه في الذهن فلا نسلمه قطعا، كيف ؟ والوجدان العرفي البديهي شاهد يقيني على الخلاف، كما أشرنا الى توضيحه، والتبادر العرفي أقوى الأدلة في أمثال هذا الباب. فقد تحصل: أن الموضوع له في هذا القسم من الحروف هي النسب الخارجية الانتزاعية بمالها من مفاهيم كلية ذهنية، كالأسماء حرفا بحرف. نعم، إن مفاهيمها مفاهيم ناقصة يكتمل بذكر طرفيها من باب تعدد الدال والمدلول. وينتج هذا التحقيق: أن الوضع كالموضوع له، والمستعمل فيه في هذا القسم من الحروف أيضا عام، كأسماء الأجناس وسيأتي البحث عن الحروف الإيجادية، ذيل البحث عن الضمائر وأسماء الإشارة. هذا كله حول القول الأول، أعني حكائية المعاني الحرفية. 2 - والعلامة الميرزا النائيني (قدس سره) (1) اختار أن معاني الحروف كلها إيجادية، واستدل له بأنه إذا قلنا مثلا: " سرت من البصرة الى الكوفة " فمفهوم السير والبصرة والكوفة بنفسها مفاهيم غير مرتبطة، مع أنه لاريب في أن مفهوم الجملة المذكورة مفهوم مرتبط الأجزاء، فيعلم أن هذا الربط قد حصل بالحروف واستعمالها. ومن الواضح أن مصداق الربط هو السبب لحصول الربط، فلا محالة يكون مفاهيم الحروف ربطا مصداقيا، وبهذا المعنى يكون مفاهيم الحروف إيجادية، وعليه فلا موطن لمعاني الحروف إلا موطن الاستعمال. هذا خلاصة كلامه على ما فيه من الطول.


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 12 - 20. (*)

[ 31 ]

ويرد عليه: أنك قد عرفت أنه لاريب في أن المفهوم في الجملة المذكورة وقوع السير خارجا من البصرة الخارجية الى الكوفة التي هي أيضا بلدة خارجية، فالربط الذي يدل عليه لفظة " من " و " الى " إنما هو الربط المصداقي الذي ارتبط به السير الخارجي الى البلدتين المذكورتين، ولا يتوهم أحد أن مدلول الحرفين هو الربط الذهني الاستعمالي، وحينئذ فألفاظ الأسماء وإن لم تتضمن ربطا بين مفاهيمها إلا أن الحروف بما أنها تحكي عن الربط الواقع في الخارج بعينها أوجب ارتباط تلك المفاهيم بالتبع. وإن شئت قلت: إنه لو لوحظ مفاهيم الأسماء والحروف بما أنها مفاهيم فلا ارتباط بينها، وإن لو حظت بما أنها فانية في الخارج الذي حكت عنها فبين معانيها الخارجية ارتباط، وبه صح توصيف المفاهيم بالارتباط، وفي الحقيقة يكون من باب الوصف بحال المتعلق، ومن باب سراية أوصاف المعنى الى الألفاظ، فالارتباط متحقق في الخارج بين المعاني، والحروف تحكي عنها، ومنه تعرف أن ما ذكره من أنه لا موطن لمعنى الحروف إلا الاستعمال ممنوع جدا. 3 - وسيدنا الاستاذ العلامة الخوئي (قدس سره) - بعد الإيراد على القول بكون الموضوع له في هذا القسم نفس النسب الخارجية: باستلزامه لعدم إمكان حضور معناه في الذهن، إذ الموجود الخارجي لا يقبل الوجود الذهني، وباستلزامه أن لا يجوز استعمالها في ما لانسبة فيها، كما في مثل قضية " لله تعالى العلم والاوصاف الكمالية " وفي قضية " شريك الباري لا وجود له "، لعينية الذات والصفات في الاولى، وانتفاء الموضوع رأسا في الثانية، وبعد الإيراد على سائر الأقوال - اختار أن معاني الحروف تضييقات واردة على المعاني الاسمية، فإنها معان كلية واسعة ربما يراد حصصها، فتضيق تلك المعاني بالحروف. قال (قدس سره): والداعي إلى اختيار هذا القول امور أربعة: الأول: بطلان سائر الأقوال. الثاني: أن هذا المعنى الذي اخترناه جار حتى في ما لا نسبة فيه. الثالث: أنه لازم القول بأن حقيقة الوضع هو التعهد بذكر اللفظ المخصوص عند إرادة

[ 32 ]

المعنى الخاص، فإن العمل به إذا تعلق الإرادة بتفهيم حصة خاصة من معنى كلي لا يمكن إلا بكون معاني الحروف تلك التضييقات. الرابع: أنه الموافق للوجدان المطابق لما ارتكز في الأذهان (1) انتهى ملخصا. أقول: أما ما أورده من الوجهين على القول بكون الموضوع له لهذا القسم من الحروف نفس النسب الخارجية فالجواب عن أولهما ما مر ذيل البحث عن الأعلام الشخصية: من أنه لاوجه للالتزام بحضور نفس الموضوع له في الذهن، بل الحاضر فيه منه ما هو كالمفهوم بالنسبة لمصداقه. وعن ثانيهما: أن المراد من النسبة هنا أعم منها ومن المفاهيم النسبية. ومن الواضح أنه إذا قلنا: " لله الأمر من قبل ومن بعد " يفهم من اللام معنى الاختصاص وهو مفهوم نسبي، وقد يكون نسبة مصطلحة كما في قولنا: " للماء حرارة " وقد يكون مفهوما نسبيا محضا كما في ما ذكرنا وما ذكره (قدس سره) ولا أظن بالقائلين بوضعها للنسبة غير هذا، والأمر سهل. وأما ما اختاره من أن الحروف هنا موضوعة للتضييقات: فإن أراد به وضعها لمفهوم التضييق فهو خلاف الوجدان بحكم التبادر القطعي. وإن أراد به وضعها لمصداقه: فإن أراد أنه لا يفهم من الحروف غير التضييق بحيث لا يفهم من لفظة " من " في قولنا: " سار زيد من البصرة " سوى تضييق مفهوم السير من دون أن يفهم منها معنى الابتداء أصلا فهو أيضا كالأول. وإن أراد أن الحروف بمالها من المعنى يوجب ضيقا في معاني الأسماء المتعلقة بها فهو أمر صحيح، إلا أن مآله الى أن لفظة " من " - مثلا - بما له من معنى الابتداء الحرفي يتعلق بالسير مثلا، ويوجب تضيقه واختصاصه بالحصة المبتدأة من البصرة، وهذا هو الذي اخترناه، ونقيض لما اختاره (قدس سره) كما هو واضح. 4 - وقال الشهيد السعيد السيد الصدر (قدس سره): بأن الحروف في هذا القسم قد وضعت لمعانيها الربطية الذهنية، واستدل عليه بما حاصله: أنه إذا قلنا: " سار زيد


(1) المحاضرات: ج 1 ص 75 - 80. (*)

[ 33 ]

من البصرة الى الكوفة " فلا ريب في أن مفاهيم الأسماء في هذه الجملة في الذهن مترابطة. كما لا ريب في أن نفس الأسماء لم يؤخذ في معاني أنفسها الموضوع لها ألفاظها ربط أصلا، فلا محالة قد جاء هذا الربط من ناحية معنى الحروف، ومن الواضح أن مفهوم الربط لا يوجب حصول هذا الترابط، بل الموجب له هو مصداق الربط، فالحاضر من الأسماء عند الذهن وإن كان مفهوم المعاني الموضوع لها التي هي بالحمل الأولي تلك المعاني إلا أن الحاضر من الحروف عند الذهن لابد وأن يكون مصداق الربط الخاص حتى يحصل به الربط بين مفاهيم الأسماء في الذهن، لما عرفت من أن مفهوم الربط لا يكفي في حصول هذا الترابط، فالحروف موضوعة للمعاني الذهنية الموجبة لارتباط مفاهيم الأسماء في الذهن، فهي رابطات ومصاديق للربط في الأذهان. (1) " انتهى ملخصا " أقول: لا يرتاب أحد إذا راجع وجدانه أن المفهوم المتبادر من الحروف في المثال المذكور - أعني قولنا: " سار زيد من البصرة الى الكوفة " - ارتباط السير في وجوده الخارجي بالبصرة والكوفة الخارجيتين، فكما أن المتبادر من السير والبصرة والكوفة معانيها بمالها من الوجود الخارجي المختص بكل منها، وكان هذا دليلا على أن الموضوع له في ألفاظها تلك الموجودات الخارجية فهذا التبادر بعينه موجود في الربط الخاص المدلول عليه بالحروف، فلا محالة يكون الموضوع له فيها أيضا مصداق الربط الخارجي وإن كان أمرا انتزاعيا، ولا محالة يكون الموجود من هذا المصداق الخارجي في الذهن أيضا مفهوما له، كما كان كذلك في معاني الأسماء، وحينئذ فالترابط الحقيقي متحقق بين المصاديق الخارجية التي هي معاني الألفاظ حقيقة، واتصاف صورها الذهنية به إنما هو بتبعها، ومن باب سراية أوصاف المعاني الى مفاهيمها، ومن قبيل وصف الشئ بحال متعلقه، وإلا فالصور الحاضرة من كل من المعاني الحرفية والاسمية عند الذهن مستقلة كل عن الاخرى، ولا دليل على الربط الحقيقي بينها في الذهن اللهم إلا بالعرض والمجاز


(1) دروس في علم الاصول: (الحلقة الثالثة) ج 2 ص 66 - 68. (*)

[ 34 ]

كما أوضحناه. هذا كله حول التحقيق عن حقيقة المعاني الحرفية. هل الموضوع له في الحروف عام أو خاص ؟ قد عرفت أن المفهوم من نفس الحروف أيضا في الاستعمالات معنى كلي يرد عليه القيد من باب تعدد الدال والمدلول، كما في أسماء الأجناس والمفاهيم الكلية الاخر، وعليه فالموضوع له - كالمستعمل فيه - فيها أيضا عام مثل أسماء الأجناس حرفا بحرف، فتذكر. فنحن وإن كنا قائلين بأن الموضوع له فيها نفس الربط الخارجي، إلا أنه مع ذلك نقول بأن الموضوع له فيها عام، وكونه عين الربط في الخارج لا ينافي تصور مفهوم ذهني كلي له يوضع ببركته ألفاظ الحروف لمعناها الكلي، كما في أسماء الطبائع والأجناس. إلا أنه قد يستدل على أن الموضوع له فيها خاص: بأن معانيها لما كانت عين الربط والربط قوامه بالطرفين اللذين ربط كلا منهما بالآخر، فلو اريد أخذ الجامع من المصاديق المتعددة لما كان بد من حذف الأطراف كلها، وحيث إن قوام المعنى الربطي بالطرفين فحذف الأطراف في معنى بطلان حقيقة المعنى الربطي بالمرة، فلا يمكن أخذ الجامع بين مصاديقها حتى يكون هو الموضوع له فيها (1). لكنك عرفت أن المسلم من تعلق معانيها إنما هو تعلقها في الوجود الخارجي، وهو لا ينافي عدم تعلقها في أخذ المفهوم الذهني، كيف ؟ وليس تعلقها بالأطراف أشد من تعلق معنى الجنس بحقيقة الفصول التي هي الموجبة لتحصل ذاتها وخروجها عن الإبهام، فكما أمكن أخذ المفهوم الجنسي فهكذا الأمر هنا بطريق اولى، وقد بينا أن المفهوم من نفس الحروف معنى كلي عام بما لم يبق أي شبهة فيه، والحمد لله وحده.


(1) راجع نهاية الدراية: ج 1 ص 57، التعليقة 19. (*)

[ 35 ]

الإنشاء والإخبار قال في الكفاية - بعد حكمه بوحدة المعنى في الحرف والاسم - ما لفظه: (ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضا كذلك، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه، والإنشاء ليستعمل في قصد تحققه وثبوته وإن اتفقا في ما استعملا فيه) (1). أقول: إن تنظيره الاختلاف بين الإنشاء والخبر بالاختلاف الواقع بين الاسم والحرف، وتصريحه في ذيل الكلام بأن الخبر والإنشاء متفقان في المستعمل فيه قرينتان على أن حكاية الثبوت وقصد التحقق المذكورين ليسا من المستعمل فيه، فيكون مراده: استعمال الجملة في معناها الواحد، سواء كان في مقام الحكاية أو قصد التحقق. وهذا الذي ذكره لا يختص بما كان لفظ الخبر والإنشاء واحدا كما في " بعت " الذي يستعمل في الإخبار والإنشاء كليهما، بل مقتضى إطلاق كلامه ومقتضى مختاره أن الأمر كذلك حتى في ما كان لكل منهما صيغة تخصه، كما في قولنا: " لاتعد " و " أعد "، وذلك أنه لما كان المفروض خروج خصوصية الإيجاد والحكاية عن المستعمل فيه في كليهما، فإذا اخذ من مفادهما كلتا الخصوصيتين كان الباقي بعدهما في كلتيهما أمرا واحدا، هو نسبة الإعادة الى المخاطب، ويتحد عليه أيضا معنى " بعت " و " بع " و " تبيع " - مثلا - كما لا يخفى. هذا. والإنصاف أن الحكاية والإنشاء مستفادان من نفس الجملتين، وأن التبادر القطعي يقضي باختلاف معنى الجملتين، فما اختاره مما لا يمكن التصديق به قطعا. وتحقيق المقام: أن اصول الجمل الإخبارية ثلاثة: إما أن يكون مفادها الحكاية عن الهوهوية اثباتا أو نفيا، كقولنا: " زيد عالم " أو " ليس زيد عالما ". وإما أن يكون مفادها الحكاية عن ثبوت نسبة أو حالة للموضوع أو نفيه،


(1) الكفاية: ص 27. (*)

[ 36 ]

كقولنا: " لزيد علم " أو " ليس لزيد علم ". وإما أن يكون مفادها الحكاية عن صدور مبدأ اشتقاق وحدوثه أو عدم صدوره، كقولنا: " علم زيد " أو " لم يعلم زيد ". أما ما كان مفادها الهوهوية مثل " زيد عالم " فالمفهوم من مفرداتها الشخص الخاص ومعنى كلي، أعني " المتصف بصفة العلم " ويفهم من هيأتها أمران: أحدهما اتحاد المعنيين وهو هويتهما تصورا، والآخر، حكاية تصديقية راجعة الى جميع ما تقدم، إما حكاية عن ثبوت الاتحاد بينهما في متن الواقع أو حكاية عن نفي هذا الاتحاد فيه. فمفهوم " زيد " و " عالم " مفهوم اسمي دل عليه الاسمان، والهوهوية التصورية معنى حرفي يدل عليه هيأة الجملة. كما أن الحكاية عن ثبوت هذه الهوهوية أو انتفائها معنى حرفي آخر يدل عليه الهيأة في الموجبة، ولفظة " ليس " في السالبة. وهذا تمام مدلول هذه الجملة. فالهوهوية التصورية عبارة اخرى عن اتحاد العنوانين، فهما في الخارج والمعنى واحد، ولا محالة ليس في هذا القسم من الجمل نسبة، إذالنسبة إنما هي الارتباط الواقع بين شيئين، وهي تقابل الهوهوية، فقوام الهوهوية بالوحدة الخارجية، وقوام النسبة بالاثنينية، فليس في مثل هذه الجملة نسبة، اللهم إلا أن يراد بالنسبة أعم من النسبة الخارجية، وهذه الهوهوية بلحاظ أنها وحدة تثبت في مصداق مفهومين. وكيف كان فالأمر في الاصطلاح سهل بعد وضوح واقع الأمر. وكيف كان فما بحذاء " زيد " أمر واقعي، هو الشخص الخاص، وما بحذاء " عالم " أيضا أمر واقعي هو " المتصف بوصف العلم " وهو أيضا نفس " زيد " بعنوان آخر، وبما أنه مصداق لذاك المعنى الكلي وما بحذاء الهوهوية ليس أمرا مستقلا في الخارج، لما عرفت في النسبة فإن الهوهوية أيضا أمر انتزاعي ينتزع من صدق عنوانين على أمر واحد، فهي موجودة كسائر الامور الإنتزاعية بوجود منشأ

[ 37 ]

انتزاعها. وأما الحكاية التصديقية فليس لنفس الحكاية - رغم كونها مفادا أصيلا للجمل - ما بحذاء في الخارج، فإنه ليس سوى نقل وحديث عما هو في الخارج، سواء كانت حكاية الثبوت أو حكاية العدم والانتفاء، إلا أنها لمكان أنها تنجز أحد طرفي الوجود والعدم، فلذلك كان لمحكيه من الثبوت والانتفاء واقعية وخارجية تحكيها، فالهوهوية التصورية مفهوم قابل لمتعلق الوجود به والعدم، وهذه الحكاية التصديقية تحكي عن أحد الطرفين جزما، فالحكاية التصديقية تنحل الى أمرين: نفس الحكاية التي لا مطابق لها في الخارج، والمحكي بها من الوجود والعدم، وله ما بحذاء. ومطابقة محكيها للواقع وعدمها ملاك الصدق والكذب. وأما ما كان مفادها الحمل أو النسبة كقولنا: " لزيد علم " وقولنا: " زيد في الدار " وقولنا: " زيد على السطح " فالحرف يدل على النسبة الواقعة بين مدخوله وموضوع القضية، والهيأة تحكي حكاية تصديقية عن تحقق هذه النسبة بينهما، وإذا دخل حرف النفي حكت حكاية تصديقية عن عدم تحققها، والمحكي فيها أيضا، هو متن الواقع نفيا أو إثباتا، والكلام فيها أيضا هو بعينه الكلام في القسم الأول حرفا بحرف. وأما ما كان مفادها الحدوث فهي الجمل التي اشتملت على فعل، سواء كانت فعلية أو اسمية خبرها فعلية، كقولنا: " كتب زيد " أو: " زيد كتب " فالأمر فيها أيضا يظهر مما تقدم، ويزيد عليه: أن هيأة الفعل تحكي عن حدوث المادة، والحدوث كالاتحاد، والنسبة أمر انتزاعي ينتزع عن كون وجود المبدأ مسبوقا بالعدم، فهذه الجمل تحكي حكاية تصديقية إما عن حدوث المبدأ وصدوره، وإما عن عدمه. فقوام اصول الجمل الخبرية بحكاية تصديقية عن ارتباط هوهوي أو نسبي أو صدوري بين الموضوع والمحمول نفيا أو إثباتا، والحكاية تتعلق بواقع هذا الارتباط، سواء أطابقت الواقع أم خالفته، وحيث إن الحكاية ليست أزيد من الإبراز، والإبراز في وجوده لا يتوقف على أزيد من وجود ذهني للواقع الذي

[ 38 ]

يبرزه فلا إشكال في صحة إمكان الحكاية حتى في ما كان المحكي غير مطابق للواقع، كما لا يخفى. هذا كله في الجمل الخبرية. وأما الجمل الإنشائية فالوجدان قاض بأن كيفية استعمال الألفاظ فيها عين استعمالها في الخبرية وفي سائر الاستعمالات، وحقيقة الاستعمال - كما مرت إليه الإشارة وتأتي إن شاء الله تعالى - إنما هي إلقاء المعاني المقصودة به بحيث لا يرى المتكلم إلا المعاني، وتكون الألفاظ آلة غير ملتفت إليها استقلالا، بل آليا، وعليه فإذا قال المتكلم في مقام إنشاء البيع: " هذا لك في مقابل هذا الثمن " فقد ألقى الى مخاطبه معنى هذه الجملة، ومن الواضح أن معناه أمر إيجادي، بمعنى أن معناه مصداق الإيجاد. نعم، إنه إيجاد اعتباري. ومثله لو قال: " بعتك هذا بهذا " أو " عبدي معتق " أو " زوجتي طالق " مريدا بها إنشاء البيع والعتق والطلاق، أو قال: " تصدق بدرهمين ". فإن معنى كل منهما إيجاد لتلك المعاني المختلفة، كما لا يخفى. فإيجاد هذه المعاني بالألفاظ ليس إلا إلقاء معنى الألفاظ بالاستعمال كما في سائر الموارد، إلا أن معاني هذه الألفاظ بنفسها معان غير حكائية، بل توجد بنفس إلقائها، ولذلك يقال لها: إنها إيجادية. هذا. والعجب من السيد العلامة الخوئي (قدس سره)، حيث أفاد: أن مفاد الجملة الخبرية قصد الحكاية عن الثبوت أو النفي، وجعل القول به من فروع القول بأن الوضع هو التعهد والالتزام النفساني، مستدلا على بطلان أن يكون مفادها ثبوت النسبة أو عدمها خارجا بأنها لو كان الأمر كذلك كان اللازم حصول الظن بمفادها مع قطع النظر عن حال المخبر وسائر القرائن (1) ! فإن فيه أولا: أن ما اختاره خلاف التبادر القطعي، فإنه لا يرتاب أحد من أهل العرف أن مفاد الجمل الخبرية إنما هو الإخبار عن ثبوت النسب المختلفة في


(1) أجود التقريرات: ذيل ص 24 - 25. المحاضرات: ج 1 ص 85 - 86. (*)

[ 39 ]

الخارج وعدمها، حتى أنه (قدس سره) أيضا كان إذا أخبر بأنه زار قبر المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقصد هو إلا أنه زار قبره، لا أن مقصوده كان الإخبار بأنه قصد الحكاية عن زيارته، فقصد الحكاية وإن كان من مقدمات الحكاية إلا أنه ليس هو المحكي والمدلول عليه بالألفاظ، بل لا ريب في أن مدلولها الحكاية عما في الواقع بشرح ما مر. وثانيا: أنه ليس من فروع القول بالتعهد، إذ التعهد لا يقتضي إلا التكلم باللفظ الموضوع عند إرادة تفهيم معناه، وأما أن يستعمل اللفظ في هذه الإرادة والقصد فلا، بل الحق أنه يتعهد باستعمال اللفظ وإفنائه في نفس المعنى بحيث كان المعنى كأنه الملقى كما مر. وثالثا: أن ما ذكره من لزوم حصول الظن بمفاد الجملة من مجرد سماع لفظها، ففيه: أن الأمر كذلك في الدلالات غير الوضعية، كالطبعية، والعقلية. وأما الدلالة الوضعية فحصول الظن بتحقق مفادها منوط بالاعتماد على من يكون ثقة ويتكلم بها جدا، كما لا يخفى. ثم إنه قد اختار في الجمل الإنشائية: أن مفادها هو الاعتبار النفساني الذي اعتبره عند نفسه من يقوم بصدد الإنشاء بها، كالملكية الاعتبارية، والزوجية الاعتبارية، والوجوب الاعتباري الذي بمعنى اعتبار كون المادة على عهدة المكلف في البيع، والتزويج، والإيجاب. قائلا: إن الإيجاد التكويني غير مراد وباطل هنا جزما، والإيجاد الاعتباري عند نفسه يكفيه نفس اعتباره، فالتوصل إليه بالإنشاء لغو قطعا، وإيجاد الاعتبار الشرعي والعقلائي منوط باستعمال الجملة الإنشائية في معناها، والكلام الآن في تعيين ذاك المعنى (1). وهو أيضا نظير ما اختاره في الجمل الخبرية مما لا يمكننا تصديقه، لما عرفت من أن التبادر القطعي قاض بأن مفاد الجمل الإنشائية هو المعاني التي حقيقتها


(1) أجود التقريرات: ذيل ص 25 - 26، والمحاضرات: ج 1 ص 86 على وجه. (*)

[ 40 ]

امور إيجادية ومصاديق للايجادات، على اختلاف في حقيقتها، كما مر شرحه، والاعتبارات الشرعية أو العقلائية - في ما كان منها - إنما تترتب على هذه الإيجادات الاعتبارية، لا على الاعتبار القائم بنفس المعتبر المنشئ، فإن البيع - مثلا - هو التمليك، والتمليك نفس الأمر الإنشائي، كما اوضح في محله. وللشهيد السعيد الصدر (قدس سره) هنا كلام يحتمل فيه انطباقه على ما اخترناه، فتركنا ذكره لذلك، والله العالم وهو الهادي الى الصواب. الضمائر وأسماء الإشارة قال في الكفاية: (إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر عام، وإن تشخصه إنما نشأ من قبل طور استعمالها، حيث إن أسماء الإشارة وضعت ليشار بها الى معانيها، وكذا بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب به المعنى، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخص، كما لا يخفى، فدعوى: أن " المستعمل فيه في مثل هذا، أو هو، أو إياك إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه، فإن الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلا الى الشخص أو معه " غير مجازفة) (1) أقول: إن الكلام فيهما أيضا تارة في أصل معناهما، وتارة في كيفية وضعهما: أما الأول فظاهر الكفاية أن الإشارة والخطاب مدلول لألفاظ أسماء الإشارة والضمائر، لتصريحه - كما ترى - مرتين بأنه بهذه الألفاظ يخاطب المعنى أو يشار إليه. ومن البديهي أن الخطاب أو الإشارة باللفظ ليس بأن يؤخذ اللفظ آلة خارجية كقطعة خشب - مثلا - فيشار به، بل إنما هو بدلالته وإيجاد الخطاب أو الإشارة به، بما أنه مدلوله - كما في حروف النداء - فلا محالة تكون ألفاظهما موضوعة للمعاني الاسمية التي يشار إليها أو تخاطب بالإشارة أو الخطاب الحرفي الذي اشرب في مدلولهما، وحينئذ فكون معناهما مع ذلك كليا يكون شبيه


(1) الكفاية: ص 27. (*)

[ 41 ]

كلية معنى المعرف باللام الذي يذكر بعد أسماء الإشارة، مثل: " هذا العالم "، و " ذاك الرجل ". فإن الظاهر أن المستعمل فيه لفظ " العالم، والرجل " هنا مثله في سائر الموارد عام، وإن فرض أن وقوع الإشارة أو الخطاب عليه يوجب كونه مصداقا جزئيا شخصيا. وأصل هذا الذي اختاره في معنى اسم الإشارة والضمير موافق للتبادر والارتكاز، إذ لاريب في أن مدلول أسماء الإشارة والضمائر ومصداق معانيها هو نفس الشئ المشار إليه أو المخاطب، ولذلك عدتا من الأسماء. كما لا ريب في أن الاشارة أو الخطاب مفهوم من نفس الالفاظ. نعم، إن إشارتها ليست إشارة خارجية، بل إشارة اعتبارية، فعدهما حروفا لمجرد الإشارة والخطاب - كما عن سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) (1) ناقلا له عن سيدنا الاستاذ الآية البروجردي (قدس سره) - كالقول بخروج معنى الإشارة والخطاب عن مدلولهما، وإنما الإشارة والخطاب بمثل اليد أو الرأس والعين أو بإشارة ذهنية أو خطاب كذلك، مقارنا لاستعمالهما (2) خلاف الوجدان، والتبادر القطعي شاهد على الخلاف. وأما ما أفاده " (قدس سره) " من كلية المعنى الاسمي المشار إليه أو المخاطب فهو مما لا يمكن موافقته، إذ لاريب في أن المفهوم الأولي من لفظ " هذا " أو " أنت " خصوص ما اشير إليه بهذه الإشارة، أو ما وقع التخاطب معه بهذا الخطاب، بحيث لو اشير الى شئ آخر أو وقع الخطاب مع شئ آخر لكان المفاد الأولي لاسم الاشارة أو ضمير الخطاب ذلك الشئ الآخر، وهو واضح جدا لمن راجع ارتكازه العرفي، فهذا التبادر القطعي دليل متقن على أن المستعمل فيه لها أمر خاص، هو نفس ما وقعت الإشارة أو الخطاب عليه، وإن كان في نفسه أمرا كليا. وليس المستعمل فيه معنى المفرد المذكر، وليس مثل المحلى باللام الواقع بعد


(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 27. (2) كما في نهاية الدراية: ج 1 ص 64، والمحاضرات: ج 1 ص 90 - 91. (*)

[ 42 ]

أسماء الإشارة، مثل " هذا العالم " فإن التبادر شاهد على وحدة المراد الاستعمالي منه هنا، وفي مثل " أكرم العالم "، وإرادة خصوص العالم المشار إليه إنما تكون من باب التطبيق، وهذا بخلافه في أصل إرادة خصوص المشار إليه أو المخاطب في كل إشارة وخطاب، فإن التبادر حاكم بأنه المراد والمستعمل فيه في كل إشارة وخطاب، وعليه فلا محالة يكون الموضوع له أيضا خاصا والوضع تابع له، كما عرفت، فتذكر. فالحاصل: أن معاني الضمائر وأسماء الإشارة إيجادية، من حيث الدلالة على الإشارة والخطاب، وحكائية من حيث الدلالة على المشار إليه والمخاطب، والمستعمل فيه لها كالموضوع له، والوضع خاص. وهذا بخلاف الحروف التي معانيها حكاية، فإنه قد عرفت أن الموضوع له فيها كالمستعمل فيه، والوضع عام، على ما أوضحناه، فتذكر. وأما مثل أداة النداء والتنبيه والتحضيض والاستفهام ونحوها مما لا يحكى عن أمر ثابت في محله فلا ينبغي الريب في أن مفادها الملقى باستعمالها في معناها امور ايجادية، وإن كانت امورا اعتبارية. وبالجملة فمعانيها ايجادية - بشرح مر ذيل الجمل الإنشائية - إلا أنها مع ذلك معان كلية، بمعنى أن الموجد بها ليس في نفسه ومعناه خصوصية التعلق بالمنادى المخصوص، بل المنشأ بها مصداق النداء القابل لأن يتعلق بكل من مصاديق المنادى، فإذا استعلمت لفظة " يا " - مثلا - فالمفهوم منها والموجد بها مصداق النداء، لكنه لم يؤخذ فيه خصوصية منادى خاص، بل يصلح لأن يذكر بعده أي مصداق ومنادى يراد. وهكذا في حروف التنبيه والاستفهام وغيرهما من المعاني الإيجادية فالمستعمل فيه في الحروف الإيجادية عام، فضلا عن الوضع والموضوع له، فالوضع والموضوع له في الحروف كلها عامان. وأما الموصولات فقد ظهر الكلام فيها مما مر، فإنه إن لم يؤخذ في معناها الإشارة بحيث كان لفظة " الذي " - مثلا - مرادفة بالفارسية للفظة " كسي كه " فلا محالة كان مفادها معنى اسميا كليا متضمنا لمعنى حرفي يوجب نقصه وإبهامه، إلا

[ 43 ]

أنه لا يخرجه عن الكلية، كما مر في نظائره، فمعناها كلي صالح لأن يذكر بعده أي الصلات كانت، ولا يختلف معنى نفس الموصول باختلاف الصلات، ودليله التبادر القطعي. نعم، إن اخذ في معناها الإشارة حتى يكون معناها ومرادفها " آن كسي كه " فهي من هذه الجهة جزئية بمعناها الإضافي الذي ربما كان كليا في نفسه، كما عرفت في أسماء الإشارة. هذا. ثم قد يذكر لجزئية المعاني الحرفية وكليتها ثمرة مذكورة في بحث الواجب المشروط منقولة عن الشيخ الأعظم (قدس سره)، فإنه (قدس سره) تفريعا على جزئية معنى الهيأة الذي هو معنى حرفي التزم بأن الشرط فيه يرجع الى المادة، فإن التقييد والاشتراط إنما يعقل في المفاهيم الكلية، دون المعاني الجزئية، فإن المتصور فيها حالات مختلفة يكون أصل المعنى الجزئي محفوظا في جميعها، فإرجاع الشرط الى الهيأة لا يعقل أن يوجب تقييد مفادها بخصوص مورد وجود الشرط، بل كان معه أيضا معنى الهيأة موجودا، كما كان معنى " زيد " إذا وصف بالقيام - مثلا - موجودا بعينه حتى فيما إذا جلس. هذا. والحق على ما أوضحناه هناك: أن الاشتراط المدلول عليه بأداة الشرط ليس بمعنى التقييد الوارد على المفاهيم حتى يقال فيه ما افيد، بل إن مفاد الشرط، هو التعليق وتخصيص وجود مفاد الهيأة - كليا كان أم جزئيا - بفرض وجود معنى الشرط، فإذا قيل: " إذا جاء زيد فأكرمه " كان مفاده تعليق الوجوب وتخصيصه بخصوص فرض تحقق الجملة الشرطية، أعني مجئ زيد، بلا فرق فيه بين أن يقال بكلية مفهوم الهيأة أو جزئيتها. ومن الواضح أن تعليق وجود الأمر الجزئي بفرض خاص لامانع فيه، في حين أن لازمه اختصاص وجوده بخصوص هذا الفرض، بلا لزوم محذور أصلا. وتمام الكلام في محله. الأمر الثالث الوضع في المجاز إن المنسوب الى مشهور أهل الأدب أن المجاز - في الكلمة - هو الكلمة

[ 44 ]

المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح. وأشاروا بالقيد الأخير الى أنه لا بد من علاقة خاصة بين الموضوع له والمستعمل فيه هي المصححة للاستعمال المجازي، ثم قالوا: إن هذه العلاقة إن كانت غير المشابهة فالمجاز مرسل، وإلا فهو استعارة. وفي قبال المشهور ما نسب الى السكاكي في خصوص قسم الاستعارة، من أنها مجاز عقلي، بمعنى أن التصرف في أمر عقلي، لأنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، فكان استعمالها في ما وضعت له. قال: ولهذا صح التعجب في قوله: قامت تظللني من الشمس * نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب * شمس تظللني من الشمس كما صح النهي عن التعجب في قوله: لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زر أزراره على القمر (1) هذا، وظاهر كلمات الأصحاب تصديق المشهور في حقيقة المجاز، وإنما تكلموا في أن المجاز هل يحتاج الى وضع آخر يجوز به الواضع استعمال اللفظ فيما يناسب معناه الحقيقي، أو لا يحتاج إليه، بل المصحح له هو استحسان الطبع له ؟ فعندهم فيه قولان، اختار ثانيهما صاحب الكفاية وجمع آخر. والحق ما نسب الى السكاكي في باب الاستعارة، إلا أنه لا يختص بخصوص الاستعارة، بل يجري في جميع موارد المجازات. ففي موارد الاستعارة يدعى أن المشبه به من مصاديق المعنى الموضوع له، أو هو نفس ذلك المعنى، ثم يستعمل اللفظ في معناه الكلي الموضوع له، ويطلق ذاك الكلي على المصداق الا دعائي المقصود، كما يطلق على المصاديق الحقيقية، وليس في ما حكي عن السكاكي في متن شرح التفتازاني أنه يستعمل في الفرد الادعائي، بل فيه عنه: أنه يطلق عليه، فلا يلزم خلاف ظاهر من هذه الناحية. هذا


(1) راجع الشرح المطول: ص 289 طبع أحمد. (*)

[ 45 ]

في ماكان الموضوع له كليا. وإذا كان جزئيا فيدعى أن المورد المخصوص نفس ذاك الجزئي الذي هو الموضوع له، فيطلق عليه بعد ادعاء أنه، هو بعينه. وفي غير مورد الاستعارة أيضا يكون هناك أيضا ادعاء آخر، هو العمدة والمقصود في تلك الاستعمالات، فبملاحظة أن مطر السماء في الوقت المناسب يستتبع إنبات النباتات يقال: " أمطرت السماء نباتا " فقد ادعي أن السماء قد أمطرت النبات من دون أن يكون مآله الى أن كلا من قطرات المطر نبات. وبعد ادعاء وضوح الأمر للجمادات أيضا يقال: " فاسأل القرية التي كنا فيها "، ويقول: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم والشاهد عليه: هو الارتكاز الصحيح العرفي، وأنه لولاه لما صح التعجب أو النهي عنه في الأبيات المتقدمة، ولما كان من الدقائق المعجبة أثر ورائحة أصلا، وهو خلاف البداهة قطعا، فإن المجازات مبنية على تلك الادعاءات، وهي من باب التلاعب بالمعاني، كما لا يخفى. وعليه فلا يحتاج الاستعمال المجازي الى وضع آخر، لأن الألفاظ معه أيضا تستعمل في نفس ما وضعت له، غاية الأمر أنه مقرون بالادعاء المذكور، وبه قوام مجازية الاستعمال. الأمر الرابع إطلاق اللفظ وإرادة اللفظ لاريب في أنه قد تستعمل ألفاظ لا يراد بها معانيها الموضوعة لها، لا حقيقة، ولا ادعاء ومجازا، بل إما يراد نفس شخص اللفظ، كما إذا قيل: " زيد لفظ " مرادا به نفس شخص ما تلفظ به. وإما يراد مثله، كما إذا تكلم مخاطبك بجملة " جاء زيد " فتقول له: " زيد في ما تكلمت به فاعل " وإما يراد صنفه، كما إذا قلت: " مهما قيل جاء زيد فزيد فاعل "، وإما يراد نوعه، كما إذا قيل: " زيد اسم "، فهذه

[ 46 ]

الاستعمالات استعمالات صحيحة عند العرف، والإشكال في صحتها من قبيل الشبهة في مقابل البداهة، وإنما الكلام في تبيين حقيقتها. فنقول: أما إذا اريد شخص اللفظ فالظاهر أنه من باب إراءة نفس ما هو موضوع للمحمول بلا وساطة دلالة لفظ، فيحكم في المثال باتحاد معنى خبر القضية - أعني كلي اللفظ بواقعه - مع نفس شخص لفظ " زيد ". وبعد ما مر منا في كلماتنا السابقة أن تمام مقصود المتكلم في القضايا المتعارفة إنما هو واقع معاني الألفاظ، ولا شأن للألفاظ إلا كونها آلات لإلقائها، وأن ما تحكي عنه تلك القضايا إنما هو هو هوية معاني المبتدأ والخبر في نفس الأمر، أو ثبوت معنى المسند لمعنى المسند إليه، وإلا فلا هو هوية ولا نسبة بين الالفاظ، ولا بين الصور الذهنية أصلا، اللهم إلا بالعرض والمجاز، ومن باب وصف الشئ بحال متعلقه، فبعد ذلك لا مجال للإيراد عليه بخلو القضية اللفظية عن الموضوع حينئذ ولزوم تركبها من المحمول والنسبة، وهو في قوة تحقق النسبة بلا وجود لأحد طرفيها، وهو محال، وذلك أن النسبة أو الهوهوية إنما تتصور بين معاني الموضوع والمحمول في القضايا المتعارفة، لا بين ألفاظها، إلا بالعرض والمجاز، وهاهنا أيضا يكون طرف النسبة أو الهوهوية هو نفس موضوع القضية، أعني شخص لفظ " زيد "، والطرف الآخر هو المعنى المراد بالمحمول، ولا مجال للإشكال أصلا. ثم لو سلم أنه من باب دلالة لفظ " زيد " على نفسه بأن يريد من إلقائه أن ينتقل السامع الى نفس اللفظ فلو كان كذلك لما كان به بأس أصلا، فإن اتحاد عنواني الدال والمدلول والحاكي والمحكي - وهما من قبيل المفاهيم الاعتبارية المنتزعة - مما لا محذور به، فهو من حيث إنه أراد المتكلم أن ينتقل السامع من سماعة الى شئ دال، ومن حيث إن ذاك الشئ الذي اريد الانتقال إليه نفس ذاك اللفظ مدلول، ومع اجتماع الحيثيتين الاعتباريتين يكون اللفظ دالا ومدلولا معا. فالحاصل: أن كونه من باب الدلالة اللفظية وإن لم يكن فيه محذور في مقام الثبوت إلا أن الظاهر أنه ليس منه في مقام الإثبات بحكم التبادر والاستظهار

[ 47 ]

العرفي. هذا. وأما إذا اريد مثله كما مثلنا بما إذا تكلم مخاطبك بجملة " جاء زيد " - مثلا - فقمت مقام تعريب كلامه هذا وقلت: زيد في كلامك فاعل، فإنه لاريب في أنه اريد من لفظة " زيد " في كلامك الحكاية عما تكلم به مخاطبك، وحيث إنه مثل لما تكلمت به فقد اريد منه مثله، وليس يمكن أن يكون هنا من باب إراءة نفس الموضوع، وذلك أن لفظة " زيد " الذي تكلمت أنت به مبتدأ لا فاعل، والفاعل هو خصوص اللفظة الواقعة في كلام مخاطبك، فلا إشكال في أنه من باب الحكاية. لكن الظاهر أن حكايته عن مثله ليست دلالة وضعية، بل إنما هي دلالة ناشئة عن التشابه التكويني بينهما، كما في حكاية التصاوير عن ذيها، وصور الأفلام عن ذيها، والصورة المنتقشة في الماء عن ذيها، ولذلك فعدها استعمالا - إن اريد به الاستعمالات المتفرعة عن الوضع - ليس يصح، بل هو من قبيل الحكاية المتفرعة على التشابه المذكور. نعم، إذا عمم في المراد بالاستعمال لما كان به بأس. وأما إذا اريد صنفه كما إذا قيل: " مهما قيل جاء زيد فزيد فاعل "، فإن المراد به كلي هذه اللفظة الواقعة بعد الفعل المذكور من أي متكلم، وفي أي زمان كان، فقد قيدت بالوقوع بعده فاريد منها صنف خاص متصف بوصف الوقوع بعده، ففي مثل المثال الذي لا يمكن أن يراد من الكلي المذكور نفس لفظة " زيد " الثانية فإنها مبتدأ لا فاعل، فلا محالة يكون من قبيل الحكاية التي شرحناها في قسم إرادة مثله، ولو كان مثال يعم كلي الصنف للفظة المذكورة في القضية أيضا جرى فيها ما نذكر في القسم الرابع. والقسم الرابع ما إذا اريد منه نوعه الشامل لجميع موارد ذكره، كما إذا قيل: " زيد اسم " فإنه يعم اللفظة في جميع موارد التلفظ بها حتى نفس شخص اللفظة المذكورة في القضية، كما لا يخفى، وحينئذ فيمكن أن يكون من باب إراءة نفس الكلي ولو بإراءة فرده، بأن يغمض النظر عن جميع خصوصياته، وتتوجه العناية الى مجرد أنه لفظة " زيد "، فإن الفرد عين حقيقة الكلي، والكلي الطبيعي متعدد

[ 48 ]

بتعدد الأفراد، فإراءة الفرد إذا اريد بها إراءة الحيثية المقومة لمعنى كليه إراءة للكلي، وعليه فيكون شبيه القسم الأول. ويمكن أن يكون من باب حكاية هذه اللفظة عن كلي لفظ " زيد " للمشابهة اللفظية المذكورة التي ليست من قبيل الاستعمالات المتعارفة، كما عرفت، والأمر سهل. وبعدما عرفت من عدم اتحاد اللفظة المذكورة مع ما اريد منها في القسم الثاني وفي كثير من موارد القسم الثالث، تعرف أن، ما استند إليه السيد العلامة الخوئي في حكمه بأن جميع الموارد من باب إراءة نفس الموضوع، من أن الألفاظ تفارق سائر المعاني، إذ غيرها من المعاني قد لا يمكن إراءته لعدم حضوره عند المتكلم، والألفاظ يمكن إيجادها دائما، وبهذا حكم بلغوية وضع اللفظ للفظ (1) فهو مما لا يمكننا تصديقه. فإن القسم الثاني الذي يراد به مثله والمثل في حيطة سلطنة المخاطب، والقسم الثالث الذي لا يمكن إرادة اللفظ فيما يقال: " جاء زيد "، ولا محالة يكون " زيد " للحاكي عن لفظه غير الواقع في المثال، يكون الأمر فيها كما في سائر المعاني حرفا بحرف. مضافا إلى أنه لو سلم لغوية الوضع لما كان فيها دلالة على أنه من باب إراءة نفس الموضوع، لما عرفت من أن الأمر في هذين القسمين من باب الحكاية المتفرعة على التشابه الوجودي لا الوضع الاعتباري، فليس الأمر منحصرا ودائرا بين الوضع والإراءة المذكورة حتى يكون بطلان أحدهما دليلا على ثبوت الآخر. ومضافا الى أنه لا دليل على انحصار حكمة الوضع في ما أفاد، فلم لا يجوز للواضع أن يضع اللفظ لشئ لمجرد أن يقع المتكلم في سعة ؟ فإن أراد إراءة نفس الموضوع أراه، وإن أراد الدلالة عليه بلفظه الموضوع دل عليه به. وفي كلامه المنقول وجوه اخر من الخلل، وقد خرجنا عن طور الأدب، عصمنا الله عن الزلة في القول والعمل.


(1) المحاضرات: ج 1 ص 94 - 104 " الأمر السادس ". (*)

[ 49 ]

الأمر الخامس في قيدية الإرادة لمعنى الألفاظ وعدمها قد عرفت أن الوضع عبارة اخرى عن التسمية، وأن الواضع يسمي المعنى الموضوع له بلفظ مخصوص، فنفس المعنى هو تمام الموضوع له بلا أي قيد أصلا، كما يشهد به الضرورة والوجدان. ثم إن لازم هذه التسمية بعد العلم بها هو الانتقال الى المعنى الموضوع له بمجرد تصور اسمه ولفظه، إلا أن مجرد هذا الانتقال لا ينبغي أن يعد دلالة فإن الدلالة هي الهداية الى المرادات الواقعية، ولو سميته أيضا دلالة لما كان مشاحة في اصطلاح، لا سيما وفيه شائبة اهتداء من اللفظ الى معناه، وربما يشمله إطلاق مفهوم لفظ " الدلالة ". وكيف كان فالغرض من الوضع إنما هو أن يجعل اللفظ قالبا للمعنى ويلقى به المعنى، فإلقاء المعنى به هو الذي ينبغي أن يسمى بالدلالة، سواء أكان ناشئا عن جد ومرادا بالإرادة الجدية المبحوث عنها في باب حجية الظواهر، أم كان ناشئا عن هزل أو غير ذلك، والظاهر أن هذا هو مراد العلمين الشيخ الرئيس والمحقق الطوسي (قدس سرهما) كما هو ظاهر عبارتهما في منطق الإشارات وشرحه، وإليك نص عبارتيهما: فقال الشيخ الرئيس: اعلم أن اللفظ يكون مفردا، وقد يكون مركبا، واللفظ المفرد، هو الذي لا يراد بالجزء منه دلالة أصلا حين هو جزؤه، مثل تسميتك إنسانا بعبد الله، فإنك حين تدل بهذا على ذاته - لا على صفته من كونه " عبدا لله - فلست تريد بقولك عبدا شيئا أصلا، فكيف إذا سميته بعيسى ؟ بلى في موضع آخر قد تقول: عبد الله وتعني بعبد شيئا، وحينئذ عبد الله نعت له، لا اسما، وهو مركب لا مفرد، والمركب هو يخالف المفرد (1) انتهى. ثم قال المحقق الطوسي في شرحه: " أقول: قيل في التعليم الأول: إن المفرد


(1) شرح الإشارات: ج 1، ص 31. (*)

[ 50 ]

هو الذي ليس لجزئه دلالة أصلا. واعترض عليه بعض المتأخرين بعبد الله وأمثاله، إذا جعل علما لشخص، فإنه مفرد، مع أن لأجزائه دلالة ما.... الى أن قال الشارح: والسبب في ذلك سوء الفهم، وقلة الاعتبار لما ينبغي أن يفهم ويعتبر، وذلك لأن دلالة اللفظ لما كانت وضعية كانت متعلقة بإرادة المتلفظ الجارية على قانون الوضع، فما يتلفظ ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى يقال له: إنه دال على ذاك المعنى، وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به إرادة المتلفظ - وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى أو بإرادة اخرى يصلح لأن يدل به عليه - فلا يقال له: إنه دال عليه " (1). فكلامهما - كما ترى - ناظر الى مقام استعمال الألفاظ، ومرحلة اجتناء ثمرة الوضع، فسميا هذه المرحلة بالدلالة، وقد عرفت أنها التي ينبغي التعبير عنها بالدلالة، فالدلالة التابعة للوضع إنما هي إفناء اللفظ في معناه الموضوع له، وإلقاء المعاني بألفاظها الموضوعة. فهذا هو مراد العلمين وواقع الأمر، لا ما يظهر من الكفاية من أن مرادهما دلالة الألفاظ على أن معانيها مرادة للافظها تابعة لإرادتها منها (2)، فإن الأمر وإن كان كذلك إلا أنه خلاف ظاهرهما جدا كما مر. فالحاصل: أن الموضوع له هو نفس المعني: بلا أي قيد، إلا أنه لا ينافي أن تكون فعلية الدلالة - التي هي غرض الواضع - تابعة ومنوطة بالإرادة، وبإفناء الألفاظ في المعاني، وإلقاء المعاني بهما. الأمر السادس وضع المركبات لاريب في أنه إذا تكلم المتكلم بجملة مثل أن يقول: " هذا كتاب زيد " فكل من مفرداتها موضوعة لمعانيها، فهذا لما يشار إليه، وزيد للشخص المعين، وكتاب


(1) شرح الإشارات: ج 1، ص 2 - 31. (2) الكفاية: ص 32. (*)

[ 51 ]

للمجموع بين الدفتين مثلا، كما أن هيأة الإضافة في " كتاب زيد " أيضا موضوعة لنسبة معنى المضاف الى معنى ما يضاف إليه. وكما أن هيأة الجملة الاسمية موضوعة للدلالة على الهوهوية بين المبتدأ والخبر والحكاية التصديقية عنها، فهذا كله مما لا كلام فيه، وقد مر البحث عن خصوصياته ذيل مبحث الوضع. ونظيره جار في سائر الجمل المركبة على كثرتها. وبعد ذلك إن قيل بوضع آخر لمجموع الألفاظ والهيآت المقومة للجملة المركبة بما هو مجموع فهو أمر لغو لا يصدر عن عاقل متين، مضافا الى أن لازمه تكرر الدلالة وهو منتف قطعا. ولعل المراد من العبارات الموهمة لذلك - كما في الكفاية (1) - هو وضع الهيآت في الجمل والإضافات وغيرها على حدة غير وضع المراد، وبه يحصل التصالح ويرتفع النزاع من البين. الأمر السابع علائم الحقيقة والمجاز إن الجاهل المستعلم لمعنى اللفظ الموضوع له إذا راجع أهل اللسان ونصوا له عليه فلا كلام، وإلا فله طرق، وللمعنى الحقيقي والمجازي علائم: فمنها: التبادر - أعني انسباق المعنى من حاق اللفظ - فإنه معلول للتسمية والوضع لا محالة، ثم إن راجع المستعلم أهل اللسان وعلم المعنى من تبادره من حاق لفظه الى ذهن أهل اللسان فلا كلام، وإن كان هو نفسه من أهل اللسان - مثلا - ورجع ارتكازه واستعلمه فلا مجال لإشكال الدور أيضا، فإن علمه بتفصيل المعنى وحده موقوف على علمه الجملي الارتكازي، كما أفاده المشائخ العظام قدس الله أسرارهم الشريفة. ومنها: صحة الحمل وعدم صحته، والمراد بصحة الحمل: أن يلاحظ معنى


(1) الكفاية: ص 3 - 32. (*)

[ 52 ]

بالتفصيل ثم يلاحظ اللفظ بما له من المعنى المرتكز المدلول عليه بحاق اللفظ، فيقاس بين المعنيين الملحوظ تفصيلا مرة وإجمالا اخرى، فإذا رآهما متحدا أحدهما عين الآخر لافرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل، فقد ظهر حد المعنى وتفصيله، ومنشأ هذا الظهور إنما هو الحكم باتحاد المعنيين، ورؤيتهما عند العقل والذهن أمرا واحدا. فالمراد بالحمل الذي صحته علامة الحقيقة هذا الحمل الهوهوي الذهني، كما أن المراد بصحته اعتراف الذهن بأن ذاك المجمل وهذا المفصل أمر واحد، وليس المراد بالحمل خصوص الموجود منه في القضية اللفظية حتى يورد عليه بأن الحاكم لابد له من تصور اللفظ الموضوع بما له من المعنى - أولا - حتى يجده متحدا مع المعنى المشكوك فيه، ثم يحمل أحدهما على الآخر، فإذا وجده متحدا معه في عالم التصور قبل حمله فقد علم معنى اللفظ، بلا حاجة الى الحمل لكي يكون صحته علامة الحقيقة، بل العلامة والدال على المعنى الحقيقي هنا أيضا التبادر (1). فإنا نقول: إن المراد بالحمل هو نفس ذاك الحمل الذهني الذي عبر عنه في عبارته بقوله: " فإذا وجده متحدا معه في عالم التصور " فكونه متحدا معه عبارة اخرى عن الحمل، ووجدان هذا الاتحاد عبارة اخرى عن صحته. وبالجملة: فالفرق بين التبادر وصحة الحمل: أنه في التبادر إنما ينتقل من حاق اللفظ الى المعنى المفصل الموضوع له، وفي صحة الحمل يؤخذ من حاق اللفظ معنى ارتكازي جملي، ويقاس مع معنى تفصيلي، فإذا وجد وحدتهما فقد انكشف المعنى الحقيقي. ومنه تعرف أن ما في تقريرات بعض الأعاظم: من أن الحمل إنما يقع بين المعنيين، وأما أن كيفية دلالة اللفظ على المعنى بنحو الحقيقة أو المجاز فهو أجنبي عن الحمل، وبينهما بون بعيد (2) فهو أمر غريب، فإن المفروض أن الانتقال الى


(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 58. (2) المحاضرات: ج 1، ص 117. (*)

[ 53 ]

معنى اللفظ كان من حاق اللفظ الذي لا يتصور إلا أنه مستند الى الوضع. ثم إن هذا الاتحاد إذا كان وحدة مفهومية وبالحمل الأولي فصحته كاشفة عن المعنى الموضوع له، وعدم صحته يكشف عن أن المعنى المشكوك في وضع اللفظ له ليس معناه الحقيقي، وإذا كان اتحادا وجوديا في المصداق وبالحمل الشائع الصناعي فصحته تكشف عن أن المصداق المذكور فرد حقيقي للمعنى الموضوع له، وأن إطلاق اللفظ بما له من المعنى الحقيقي إطلاق على نحو الحقيقة، من دون فرق فيه بين ما يعبر عنه بالمصداق الذاتي وغيره. توضيحه: أن إطلاق معنى كلي على فرد واتحاده معه في الوجود تارة بلحاظ المقومات الذاتية التي لهذا الفرد، كأن يقال: البياض أبيض، فإن وجدان البياض لنفس ذاته هو الموجب لصدق هذا المشتق عليه. واخرى بلحاظ عروض أمر خارج عن الذات عليه، كما يقال: الجص أبيض والماء بارد، فإن عروض كيف البياض والبرودة هو الموجب لصدق عنوان الأبيض والبارد. ومن المعلوم أن مفهوم المشتق عند العرف لا يختص بخصوص الفرد الذاتي، بداهة أن صدق المشتقات على الذوات المتصفة بالاعراض الزائدة على الذات كما في قولنا: " زيد قائم، أو جالس، أو نائم، أو متكلم، أو ماش... الى غير ذلك " لا يحتاج الى ادعاء ولا تأويل بل المعنى المفهوم من حاق ألفاظها يصدق عليه بلا أي تأويل، وهو شاهد على عدم اختصاص معناها الحقيقي بخصوص ما اصطلح عليه بالأفراد الذاتية. ومنه تعرف أن عن سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) " من أن الحمل الشائع لا يكون علامة إلا إذا كان شائعا ذاتيا كاشفا عن المصداق الحقيقي، لاعرضيا " مما لا يمكن تصديقه، فيسقط حينئذ مااستنتج منه من عدم إمكان استكشاف المعنى الحقيقي إلا بعد علمه بأن الحمل حمل شائع ذاتي، ومع العلم به فقد علم المعنى الحقيقي بلا حاجة الى الحمل، فراجع (1).


(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 58. (*)

[ 54 ]

واما ما في تقرير بحث العلامة الخوئي (قدس سره) " من أنه إذا كان الوجود الواحد الذي هو ملاك الاتحاد في الحمل الشائع وجودا لخصوص واحد من الموضوع والمحمول أو لشئ ثالث غيرهما، فهذا الاتحاد والهوهوية عرضي وبالمجاز، وحيث إن كل ما بالعرض ينتهي الى ما بالذات فلا محالة ينتهي حمل أمثال تلك المحمولات على موضوعاتها الى حمل ثان يكون من قبيل حمل الطبيعي على أفراده، فقولنا: " زيد ضاحك " - مثلا - بما أن الضاحك عنوان عرضي انتزاعي فلا محالة ينتهي الأمر الى حمل الضحك على الصفة القائمة بزيد " (1). فهو أمر بعيد لا تقبله الأذهان العرفية، هب أن قولنا: " زيد ضاحك " يرجع الى أن صفة زيد، هو الضحك، إلا أن قولنا: " الكاتب متحرك الأصابع " الى ما يرجع ؟ فإن رجع الى قولنا: " صفة زيد حركة الأصابع " فأين يذهب الاتحاد الوجودي المقصود من مثل هذه القضية ؟ إلا أن يقول: إن نفس الموضوع - أعني الكاتب أيضا - يؤول إلى قضية مثلها وهو " صفة زيد الكتابة "، والارتباط يفهم من هاتين القضيتين. وكيف كان فالحق الاحق بالاتباع: ما عرفت من أن المعنى العرفي والمفهوم الحقيقي للمشتقات أعم من ذلك ينطبق بلا تأويل على الذوات المتصفة بالأعراض، وحينئذ فإن صح حمله حملا شائعا بلا تأويل فهو علاقة أن الموضوع من الأفراد الحقيقية للمحمول، وأنه مصداقه الحقيقي، وإن لم يصح كشف عن أن تطبيقه مبني على إدعاء وتأويل، وأنه مصداقه المجازي. ومنها: الاطراد وعدمه، والمراد من الاطراد على ما يظهر من كلماتهم: أن يكون المعنى الذي صح باعتباره إطلاق اللفظ على فرد بحيث كلما تحقق في ضمن الأفراد صح إطلاق اللفظ عليها فهو كاشف عن أن هذا المعنى معناه الحقيقي، فإنه لازم وضع اللفظ للمعنى. كما أن عدم الاطراد يكشف عن أنه ليس معنى وضع اللفظ له. إلا أنه يرد عليه كما في الكفاية والقوانين وغيرهما: أن العلاقة المصححة


(1) المحاضرات: ج 1، ص 118. (*)

[ 55 ]

للمجاز إذا اخذت بالدقة فهي أيضا كذلك، فلو فرضنا أن الشباهة في الشجاعة هي المصححة لحمل الأسد على زيد فلا ريب في أنها تصحح إطلاقه على سائر الأفراد. نعم، لو سومح وجعل العلاقة مطلق الشباهة لربما لم يكن مطردا. هذا. وزيادة قيد " عن غير تأويل " مع قطع النظر عن استلزامها الدور غير مفيدة، فإن العلم بأن الإطلاق صحيح بلا تأويل بنفسه يوجب العلم بالمعنى الحقيقي بلا حاجة الى التمسك بالاطراد. والإشكال الذي يرد على علامية الاطراد لا فرق في وروده بين أفراده، فإذا أريد منه استعلام الأمر للجاهل من طريق اطراد الاستعمال في كلام أهل اللسان، ورد عليه أيضا إشكال أن هذا الاطراد بعينه موجود في الاستعمالات المجازية التي اعتبرت فيها العلاقة المصححة بالدقة، فإن جاء غير أهل لغة العرب الى بلد عربي فلا ريب في أنه إذا التفت إلى أنهم يطلقون الأسد على زيد - إذا كان شجاعا - فإذا تفحص يرى أنهم يطلقونه على كل من كان شجاعا، فالاطراد موجود ولا علامية له. ومنه تعرف أن ما في محاضرات السيد العلامة الخوئي (قدس سره) أيضا محل إشكال، فراجع (1). الأمر الثامن تعارض أحوال اللفظ لاريب في أن المتبع في باب ظواهر الكلام، والاستناد إليه إنما هو بناء العقلاء، وقد استقر بناؤهم على حجية ظاهره، كما استقر على حمل الألفاظ على معانيها الحقيقية في مقام الكشف عن مراد المتكلم بها، ضرورة ظهورها فيها ببركة الوضع، فينسب إلى المتكلم أنه أراد المعنى الحقيقي بما أنه معناها الظاهر. وأما بعد الفراغ من ظهور اللفظ أو مع قطع النظر عنه: فلو شك في كيفية


(1) المحاضرات: ج 1، ص 124. (*)

[ 56 ]

الدلالة، وأنه بنحو المجاز أو الحقيقة، أو أنه بنحو الاشتراك أو النقل، إلى غير ذلك فالعلماء وإن ذكروا لترجيح بعض هذه الحالات على بعضها الآخر وجوها، إلا أنها كلها أمور اعتبارية لا دليل على صحة الاعتماد عليها بعد أن لم يكن أو لم يعلم بناء العقلاء عليها. الأمر التاسع الحقيقة الشرعية المراد بالحقيقة الشرعية: أن يكون للفظ معنى حقيقي بوضع تعييني أو تعيني من قبل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وفي زمانه. وما في الكفاية: من أن الوضع التعييني قد يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له سابقا، كما إذا وضع له (1) أمر صحيح لا غبار عليه، ويشهد له: أنا قد نسمي المولود الجديد كذلك فنقول عند ارادة تسميته: ناولني ولدي أحمد، مريدا به تسميته، وعليه فالشبهة في إمكانه بأنه مستلزم للجمع بين لحاظ استقلالي للفظ يتوقف عليه التسمية، ولحاظ آلي يحتاج إليه الاستعمال (2) من قبيل الشبهة في مقابل البداهة. وحلها أولا: أنا لا نسلم الغفلة عن الألفاظ بالمرة، ولذلك نراعي السجع في كلماتنا إذا أردناه، والإعراب، وغير ذلك. وثانيا: لو فرض الغفلة عنها كذلك فإنما هو في الاستعمالات العادية، وأما أن لا يجوز الالتفات إليها أصلا إذا أردناه فلا نسلمه، ولا دليل عليه أصلا. وكيف كان فلا بعد في دعوى ظهور ألفاظ العبادات وغيرها من الامور الشرعية في المعاني التي يراد منها حتى في زمن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) فإن ظهور الإسلام في قالب دين جديد ملازم في العادة لحدوث شعور وإحساس شديد عميق في متبعيه، وشدة علاقتهم به توجب حصول الربط اللازم في الوضع بين


(1) الكفاية: ص 36. (2) نهاية الدراية: ص 86 التعليقة 41. (*)

[ 57 ]

الألفاظ والمعاني الاسلامية الجديدة، إلا أنه مع ذلك لا دليل معتبر على أن المعاني المذكورة معان جديدة. وذلك لاحتمال أن تكون هذه الألفاظ بهذه المعاني معروفة في لسان العرب، بعد أن كان أصل المعاني معروفة عندهم، لتشريعها في الشرائع الإلهية السابقة، كما يشهد به قوله تعالى في كلامه الكريم، قال تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * (1)، وقال تعالى حكاية عن عيسى على نبينا وآله وعليه السلام: * (وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا) * (2)، وقال تعالى مخاطبا لإبراهيم (عليه السلام): * (وأذن في الناس بالحج) * (3)، ومخاطبا له ولابنه (عليهما السلام) * (طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (4)، الى غير ذلك من الآيات المباركات. فبعد ذلك يحتمل في ألفاظ هذه المعاني أن تكون حقائق لغوية، واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا لا يوجب اختلاف مفاهيمها، فلعله من قبيل الاختلاف بين مصاديقها في شريعة واحدة بحسب الحالات المختلفة. ومع هذا الاحتمال ليس لخصوص القول بالحقيقة الشرعية ثمرة عملية، فإن الألفاظ تحمل على معانيها المعهودة بما أنها معانيها اللغوية، ولعل هذا هو السر في ظهور هذه الألفاظ في المعاني الشرعية حتى في آيات السور المكية، وحتى في النازلة منها اوائل البعثة، بل أولها، فضلا عن النبويات المروية في لسان المعصومين (عليهم السلام)، وإن كان نفس هذا الظهور أيضا كافيا في إنكار الثمرة. وكيف كان فلو سلمنا عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ولا الحقيقة اللغوية التي تفيد فائدتها لكان مع ذلك أيضا الى إنكار الثمرة سبيل، وذلك أن ثبوت الحقيقة المتشرعية بعده (صلى الله عليه وآله). وفي زمن المعصومين (عليهم السلام) لا ينبغي الشك فيه، وحيث إن السنة النبوية أيضا لم تصل الينا إلا عن لسان الائمة المهديين (عليهم السلام) فهذه الألفاظ في كلامهم يراد بها معانيها الشرعية حتى في ما تضمن منها رواية عن النبي العظيم


(1) البقرة: 183. (2) مريم: 31. (3) الحج: 27. (4) البقرة: 125. (*)

[ 58 ]

صلى الله عليه وعليهم أجمعين، سواء أقلنا بالحقيقة الشرعية أم أنكرناها. والله العالم. الأمر العاشر الصحيح والأعم اختلفوا في وضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحيحة منها، أو للاعم منها ومن الفاسدة على أقوال، ثالثها التفصيل بين الصحيحة بلحاظ الأجزاء، وبينها بحسب الشرائط - على تشعب في الشرائط أيضا - وقبل الورود في أدلة الأقوال تقدم امور: الاول: أن عنوان البحث بأن ألفاظ العبادات أسام أو موضوعة للصحيحة منها أو للأعم وإن لم يعم القول بأن استعمالها فيها مجازي أو من باب إطلاق المفهوم الكلي على بعض مصاديقه إلا أنه لا وجه صحيح للاختصاص به بعد إمكان جريان النزاع على جميع الأقوال، فيقال مثلا: هل القرينة على إرادة المجاز قرينة واحدة على إرادة خصوص الصحيحة لا يعدل عنها إلا بشاهد خاص أم لا ؟ وهكذا الأمر إذا قلنا: بأن المراد بها معانيها اللغوية، وهي معان أعم من العبارات، وأن إطلاقها عليها من باب إطلاق الكلي على بعض مصاديقه كما نسب الى أبي بكر الباقلاني. وحينئذ فلعل سر الإتيان بعنوان خاص هو أن أول من عنون البحث كان قائلا بالحقيقة الشرعية مثلا فجاء بالتعبير حسب رأيه والامر سهل. الثاني: أن الصحة المقابلة للفساد وإن كانت في العرف إنما تقال على ما كان له مزاج طبيعي مخصوص، فاعتداله صحته، كما أن انحرافه عنه فساده، إلا أن المراد بها هنا هو التمامية من حيث الأجزاء والشرائط وعدمها، فالمركب الاعتباري الذي جعل له طبقا للغرض المقصود منه أجزاء وشرائط إذا كان واجدا لها جميعا، فهو صحيح، وإذا ورد عليه اختلال فهو فاسد، وهذا هو مراد الكفاية،

[ 59 ]

وإن تفسيرها بإسقاط الإعادة والقضاء أو بموافقة الشريعة تفسير لها بلازمها، لا أن فيه اختلافا. وأما ما في نهاية الدراية: من أن التمامية أمر إضافي من حيث الآثار حيث لا واقع للتمامية إلا التمامية من حيث إسقاط القضاء، أو من حيث موافقة الأمر، أو من حيث ترتب الأثر، واللازم ليس من مقومات الملزوم - يعني فلابد وأن تكون الحيثية المذكورة مقومة لمعنى الصحة (1) -. ففيه أن الصحة إنما هي واجدية الاجزاء والشرائط، وليست أمرا قياسيا يقاس الى لوازمها حتى يلزم المحذور المذكور. والشاهد عليه التبادر العرفي، فإنه إذا قيل: إن الصلاة الصحيحة تسقط القضاء ويترتب عليها الآثار المطلوبة كانت عبارة مأنوسة لاتوهما لتكرار مفهوم الصحة تارة في موضوع القضية وأخرى في محمولها، والأمر سهل. ثم إنه لا ينبغي الشبهة في أن مراد القائلين بالصحيح ليس إلا أن الموضوع له هو المفهوم الكلي الذي لا ينطبق إلا على المصاديق التامة الأجزاء والشرائط، لا أن مفهوم الصحة مأخوذة وقيد في الموضوع له، وهذا المعنى هو مراد من قال: إن الموضوع له ما هو صحيح بالحمل الشائع، فمراده أنه على مبنى الصحيحي يصح أن يقال بلا تأويل: إن مفهوم الصلاة ومعناها خصوص الصحيحة، ولاريب أن الحمل في هذه القضية حمل شائع، كما يقال: " النار حارة " و " الماء بارد في طبعه " فهذه القضايا قضايا صحيحة بلا إشكال، والحمل فيها ليس إلا حملا شائعا. فالإيراد عليه: بأن الحمل الشائع موقوف على الاتحاد في الوجود، فيؤول اعتبار الصحة بالحمل الشائع في الموضوع له الى أن يكون الموضوع له لألفاظ العبارات خاصا، مما لا يمكن تصديقه، والسند ما عرفت من منع توقفه على الاتحاد الوجودي بهذا المعنى، بل يكفيه أن يكون المعنى بحيث لو وجد له مصداق في الخارج لكان مصداقا للمحمول أيضا بعد الفراغ عن عدم دخوله في


(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 95، التعليقة 52. (*)

[ 60 ]

مقومات المعنى، وهو - كما أشرنا إليه - حاصل في ما نحن فيه. فما في تهذيب الاصول بدء البحث (1) محمول على أن عنوانه إنما كان لتشحيذ الأذهان. الثالث: لاريب في أن الفساد الناشئ عن فقدان الجزء محل الخلاف بين القولين، وأما الناشئ عن فقدان الشرط فقد يناقش في كونه محل النزاع: إما مطلقا، وإما خصوص ما كانت شرطيته لأجل التزاحم، أو لأجل تعلق النهي بما ينطبق على العمل، أو لأجل الدليل على اعتبار قصد القربة والطاعة. ويستدل لخروج مطلق الشرائط: بأن رتبة الشرط متأخرة عن رتبة الأجزاء التي بها قوام المقتضي. ويجاب: بأن التأخر المذكور لا يمنع عن وضع اللفظ للمتقدم المقيد بكونه مع المتأخر. كما يستدل لخروج الأقسام المذكورة من الشرائط: بأن دخولها في حقيقة العبادة موجب: إما للخلف، حيث إن التزاحم أو الفساد الناشئ عن النهي إنما يكون بعد فرض صدق العبادة، وإما لتقدم ما هو المتأخر، كما في شرط قصذ القربة فإن أخذه في قوام العمل مع عدم إمكان أخذه في المأمور به يلزم منه ذلك. ويجاب عنه: بأن الموجب للمحذور هو أخذه في المأمور به ومتعلق الأمر. وأما إن تعلق الأمر بما لم يؤخذ فيه هذه الشرائط ومع ذلك كان المسمى لألفاظها مشروطا بهذا القسم من الشرائط أيضا فلا محذور كما لا يخفى. والتحقيق: أن تعيين محل النزاع بإقامة البرهان على أن جريانه في ذلك المورد موجب للقول بما قام البرهان على امتناعه غير صحيح، فإن لمن لم يلتفت الى البرهان المذكور أو لا يرى صحته أن ينازع فيه أيضا وهو أمر واضح، بل لا طريق لتعيين محل النزاع والخلاف إلا الرجوع الى كلمات المتنازعين، لكي يفهم منها مورد نزاعهم إطلاقا وتقييدا.


(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 48. (*)

[ 61 ]

وحينئذ فنقول: إن الرجوع الى الكلمات يعطي أعمية محل النزاع، فإن من استدلالات الصحيحي، هو مثل قوله (عليه السلام): " الصلاة معراج المؤمن " (1)، و " الصوم جنة من النار " (2). ومن البديهي أن الصوم الباطل والصلاة الفاسدة ليسا معراجا ولا جنة، وإن كان الفساد ناشئا عن التزاحم أو تعلق النهي أو الرياء مثلا. كما أن من استدلالات الأعمي - على ما حكي - أن القول بالصحة يستلزم تكرار الدلالة على الطلب فيما إذا قال: " صل " أو " صم " - مثلا - تارة بالهيأة واخرى بالمادة، وهو مبني على أخذ قصد القربة أيضا في مفهوم الصلاة والصوم على قول الصحيحي، فقد استدل به الأعمي ولم ينكر عليه الصحيحي بأنه خارج عن محل النزاع، الى غير ذلك من الشواهد التي لعله يقف عليه المتتبع، والأمر سهل. الرابع: أن المتسالم عليه عند كلا الفريقين: أن أسامي العبادات موضوعة لمعنى واحد - كما يشير إليه جعل ثمرة البحث جواز الرجوع الى الإطلاقات لنفي اعتبار مشكوك الشرطية أو الجزئية على أحد القولين دون الآخر - فلابد على كلا القولين من تصوير جامع كان هو المراد بلفظ العبادة. وفي الكفاية ما حاصله: أن تصويره على القول بالصحيح سهل، فإن المستفاد من الادلة أن جميع مصاديق الصحيح مشترك في ترتب أثر واحد عليه، مثل كونها " معراج المؤمن "، و " جنة من النار " ونحوهما، ووحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر، بقاعدة " أن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد "، فجميع المصاديق فرد لكلي واحد هو المؤثر باتحاده مع الأفراد لذلك الأثر الواحد، وهو المراد بلفظ " الصلاة " و " الصوم " ونحوهما، وإن كنا لا نعرفه بجميع مقوماته، وبعد فرض اتحاد هذا المعنى الكلي مع المصاديق فالشك في جزئية شئ أو شرطيته للعبادة مجرى للبراءة كما لا يخفى (3). انتهى.


(1) الاعتقادات للمجلسي: ص 39. (2) محاسن البرقي: ص 287، ح 430. (3) الكفاية: 39 - 40. (*)

[ 62 ]

أقول: أولا: إن من الواضح عند أهله أن القاعدة المذكورة تختص بالواحد الحقيقي الشخصي البسيط من جميع الجهات، ولا تجري في الواحد الاعتباري النوعي المختلف المصاديق كما هنا. وثانيا: أن القاعدة مختصة بما إذا كان هنا علية وصدور يحكي عن ثبوت المعلول في مرتبة ذات العلة وجودا جميعا، ولا ربط لها بغير موارد الإيجاد، ومن المعلوم أن العبادات ليست عللا فاعلية لما يعبر عنها بآثارها، ولا أقل من احتمال أن لا تكون كذلك، بل من قبيل المعدات والشرائط لإفاضة الآثار من مبدأ فاعلي أعلى، فلا تكشف وحدة الأثر عن وحدة مصاديق العبادات بالنوع. فالحاصل: أنه ليس هنا وحدة شخصية، ولاصدور حقيقي، وكلاهما مما لابد منه في جريان القاعدة. ثم إنه لا بأس بتصوير الجامع بأنه مقدار من الأجزاء يتوقف عليه صدق العنوان لا بشرط عما يزاد عليها، وهو معنى مبهم من جميع الجهات إلا عن جهة أنه قد يكون وظيفة المكلفين في أوقات خاصة مثلا كالصلاة فإن صدقها في ناحية القلة على وجود عدة من الأجزاء، مع فرض أنها لا بشرط عن زيادة أجزاء اخر إليها بحيث إذا زيدت كان المجموع مصداقا واحدا لها، كما يتصور مثل هذه اللابشرطية في المركبات الاعتبارية، كالدار والسيارة وغيرهما، فإن قوام صدق الدار بحيطان فيها بيت واحد غير كامل مثلا، وهو لا بشرط عن ازدياد بيوت مختلفة اخر وعن تكميل كل منه ومنها، الى غير ذلك، وهذا المقدار من المعلومية واللابشرطية كاف في اتخاذ المفهوم الواحد. واليه يرجع ما في تهذيب الاصول تقرير بحث سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) وإن كان هو (قدس سره) قد أنكره عند نقل مقالة المحقق الإصفهاني (قدس سره) التي هي عين أو مثل ما اختاره قدس الله تعالى سرهما الشريف (1). فراجع. بل إليه أيضا يرجع ما في المحاضرات لولا التصريح فيها: بأنه " لا بأس بأن


(1) تهذيب الاصول ج 1: 5 - 7 وص 54. (*)

[ 63 ]

يكون مقوم المركب الاعتباري أحد امور على سبيل البدل " (1) فإنه مما لا يمكننا حينئذ تصديقه، إذ البدلية تنافي الوحدة إلا إذا اخذ بين الأبدال جامع مفهومي واحد، وهو خلاف الفرض، ومفهوم أحدهما أو أحدها ليس مراده (قدس سره) كما لا يخفى، فعلى قبول البدلية تكون أسامي العبادات من متعدد المعنى ومشتركا لفظيا، وهو خلاف المفروض. وهذا الذي قلناه يرجع الى ما ذكره في الكفاية تحت عنوان " ثانيها " ومسألة اللابشرطية تدفع ما أورده عليه. وأما سائر التوجيهات المذكورة فيها فهي غير خالية عن الإشكال أو الاشكالات الواضحة، كما ذكره الكفاية وغيرها، فراجع. الخامس: أن المتسالم عليه عند القوم، المطابق للمفهوم من ألفاظ العبادات عند العرف: أن مفهومها معنى كلي واحد يكون أفراد العبادات مصداقا له، وحنيئذ فالموضوع له فيها عام، ولا يضرنا كون الوضع أيضا عاما - كما هو الظاهر - أو خاصا، بأن يكون الملحوظ أولا مصداقا خاصا، وكان الموضوع له معنى كليا يعمه وسائر المصاديق بنحو الانتقال من الفرد الى الكلي، كما أوضحناه في باب أقسام الوضع، فتذكر. السادس: أن ثمرة النزاع جواز الرجوع إلى الإطلاق لنفي الشرطية أو الجزئية في محتملهما على الأعمي دون القول بالصحيح، فإن القول بالأعم إحراز لأن الموضوع له هو الأعم، فيرجع الى الإطلاق، ويثبت به المأمور به. وأما القائل بالصحيح كالمتوقف في المسألة فلم يحرز عنده المعنى، بل كل ما يحتمل دخله شرطا أو جزءا يحتمل عنده اعتباره في المعنى، فلا محالة يكون المأمور به مجملا عنده، ولا يمكنه الرجوع إليه، فالمتكلم وإن كان في مقام البيان وتمت مقدمات الإطلاق إلا أن إجمال الموضوع المأمور به - على الصحيحي والتوقف - مانع عن الاستناد إليه في رفع الشك في الشرطية والجزئية، بخلافه على القول بالأعم، كما لا يخفى.


(1) المحاضرات: ج 1، ص 161. (*)

[ 64 ]

ثم إنه أورد على ترتب هذه الثمرة بوجوه: منها: أن أدلة العبادات ليست في مقام البيان، بل في مقام أصل التشريع، أو في مقام الإشارة الى خصوص الصحيح، فلا يترتب على القولين ثمرة عملية (1). وفيه أولا: منع أن لا يكون في أدلتها إطلاق واحد يرجع إليه، بل إن هنا إطلاقات عديدة تظهر للمراجع الى أدلتها، وإن كانت هذه الإطلاقات واردة في أبعاض العبادات، كالتشهد، والسجدة، أو في عناوين اخر غير الصلاة والصوم، كسجدة التلاوة - مثلا - فإن إطلاق دليل مثلها ينفي اعتبار الطهارة والقبلة وغيرهما. نعم، كثير من أدلة الصلاة والصوم وغيرهما لا إطلاق لها، ولا يضر بالثمرة كما عرفت. وثانيا: أنه لو سلم أن التحقيق كان مطابقا لما ذكر إلا إنها في العلماء من لا يعتقده، ويقول بوجود إطلاقات للعبادات، وهو كاف، في وجود الثمرة لبحث علمي. ومنها أن الرجوع الى الإطلاقات الواردة على عناوين العبادات وإن لم يكن إليه سبيل على الصحيحي إلا أنه لا بأس عليه أيضا بالرجوع الى الأدلة الواردة في مقام تبيين العبادة، كصحيحة حماد الواردة في تعليم الصلاة الكاملة، الدالة على أن كل ما لم يذكر فيها ليست من واجبات الصلاة، سواء فيه القول بالصحيح والأعم، فتنتفي الثمرة عملا. وفيه أولا: أنه ليس في جميع العبادات مثل هذا الدليل، لاسيما إذا نظر الى مثل سجدة التلاوة أيضا. وثانيا أن جواز الرجوع إليه لا ينفي جواز الرجوع الى الإطلاقات الاخر على الأعمي أيضا، وكفى به ثمرة. ومنها: أن يقال: إن الأعمي أيضا لا يمكنه الرجوع الى الإطلاقات، وذلك أن المسمى حينئذ وإن كان أعم من الصحيح والفاسد إلا أن المأمور به عليه أيضا هو


(1) الكفاية: ص 43. (*)

[ 65 ]

خصوص الصحيح، والإطلاقات واردة في المأمور به لا في المسمى، فلا يصح الرجوع الى الإطلاقات على شئ في القولين. وفيه: أن الصحة والفساد ليستا قيدا في المأمور به، بل الأمر في كلام المولى إذا كان في مقام البيان يتعلق بما كان تمام المطلوب له والوافي بغرضه، فينتزع مما كان مطابقا لما تعلق به عنوان الصحيح، ومن الفاقد لبعض الأجزاء أو شرائطه عنوان الفاسد، وحينئذ فالإطلاق يعين ما هو تمام الموضوع لحكم المولى، ويعين ما هو الصحيح الواجد لجميع الأجزاء والشرائط، وأن ماكان مطابقا لما أخذ في الدليل صحيح وإن لم يشتمل على سائر ما يحتمل جزئيته أو شرطيته، كما في سائر موارد الرجوع الى الإطلاقات. ثم إنه قد يعد ظهور ثمرة القولين فيما إذا نذر إعطاء درهم لمن صلى، في بر نذره بإعطائه لمن صلى صلاة فاسدة على الاعم دون الصحيح ثمرة للنزاع في المسألة. إلا أنك خبير بأن مثل هذه الثمرة لا يتوهم أن يكون هو الباعث لعقد هذه المسألة الطويلة الذيل، كيف ؟ وإلا أمكن البحث عن كل أمر جزئي فيه خلاف، حتى عن كم مفروش خاص، وعقده مسألة يبحث عنها في الاصول أو مقدماته. أدلة القولين: إن لكل من القولين أدلة مذكورة في كتب الاصول، إلا أن، ما يصلح الاستناد إليها منها خصوص التبادر وصحة السلب وما يرجع اليهما، كصحة تقسيم العبادات بمعناها المستفاد من حاق ألفاظها الى صحيحة وفاسدة. والحق عندنا: هو القول بالأعم للتبادر وصحة السلب وصحة التقسيم المذكور. وأما الاستدلال بالأخبار - في الطرفين - فلا مجال له، لأنها لا تزيد على أكثر من إرادة خصوص الصحيح أو الأعم فيها، أو الاستعمال في خصوص أحدهما،

[ 66 ]

وأنت تعلم أن الاستعمال أعم من الحقيقة، وأن أصالة الحقيقة لا يستند إليها في ما إذا كان المراد معلوما، ولم يعلم كيفية الإرادة، وأنها بنحو المجاز أو الحقيقة. كما أن الاستدلال للصحيح بأن الوضع له طريقة المخترعين - والظاهر أن الشارع لم يتخط طريقتهم - ممنوع، بمنع ثبوت هذه الطريقة لهم، بشهادة صحة إطلاق لفظ مخترعهم على ماكان فاقدا لبعض الأجزاء أو الشرائط الدخيلة في فعلية الأثر المطلوب من اختراعهم. ومثله الاستدلال للأعم: بأنه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهه بترك العبادة المكروهة، كما لا شبهة في حصول الحنث لو فعلها، مع أنها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيح لما حصل الحنث، لأنها تفسد مع تعلق النذر بتركها. وذلك لوجوه. أما أولا: فلأنه تابع لقصد الناذر، ولا ربط له بالوضع، فلو قلنا بالأعم ونذر ترك عبادة صحيحة لكان الامر كما ذكر، وأما فتوى الأصحاب فهي ناظرة أيضا الى ما يصدر عن الناذرين، فإنهم ينذرون ترك ما كانت عبادة صحيحة مكروهة لولا النذر، وتركه راجح شرعا ويصح نذره، وإن كان النذر يوجب فساده كما افيد. وثانيا: أنا نمنع بطلان العبادة حتى مع نذر تركها أو الحلف أو العهد به، وذلك أنها بعنوان نفسها مأمور بها كما هو المفروض، وبعد تعلق النذر يصير الوفاء بالنذر واجبا، ويكون فعل العبادة عصيانا لهذا الأمر المتعلق بعنوان الوفاء، فقد تعنون الصلاة بعنوان مخالفة النذر، وعنوان الصلاة التي عنوانها الذاتي، فبناء على القول بصحة العبادة في المجمع في مبحث اجتماع الأمر والنهي - كما هو التحقيق - تكون العبادة هنا بعد النذر أيضا صحيحة. الى غير ذلك مما لا حاجة الى ذكره، فراجع. وينبغي التنبيه على امور: الأول: هل نزاع الصحيحي والأعمي يجري في أسماء المعاملات ؟ قال في الكفاية: إن أسامي المعاملات إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال

[ 67 ]

للنزاع في كونها موضوعة للصحيح أو للأعم، لعدم اتصافها بهما كما لا يخفى، بل بالوجود تارة وبالعدم اخرى. وأما إن كانت موضوعة للأسباب فللنزاع فيه مجال (1). انتهى. أقول: إن في باب المعاملات - العقود والإيقاعات - امورا ثلاثة: الألفاظ - مثلا - التي ينشأ بها معانيها، والمعاني المنشأة بها، كالتمليك بعوض - في البيع - وبلا عوض - في الهبة - مثلا، والآثار المترتبة على هذه المعاني، أعني: ملكية العوضين للمتبايعين، وملكية العين الموهوبة للمتهب في البيع والهبة - مثلا -. وكل من المعاني المنشأة والآثار المترتبة يصح التعبير عنها بالمسببات، لترتبها على الألفاظ أو المنشآت، إلا أنه لا ينبغي الريب في أن نفس الملكية - التي هي موضوع جواز تصرف المالك وحرمة تصرف غيره إلا بطيب نفسه - ليست معنى البيع ولا الهبة، ولا ينبغي توهم القول به من العلماء، وإنما الأمر دائر بين أن يكون حقيقة المعاملة هي الألفاظ التي بها الإنشاء بما لها من المعاني، وأن تكون هي نفس المعاني المنشأة بها التي هي من قبيل المسبب لها. قال المصنف في تعليقته المباركة على البيع: إن الصحة والفساد لما كانا من الامور المتضايفة، ولا يتصف الشئ بواحد منهما إلا إذا صح تواردهما عليه كان البيع بمعنى التمليك مطلقا - حقيقيا كان أو إنشائيا - لا يتصف بواحد منهما، بل يكون مع علته ولا يكون بدونها، وإنما يتصف بهما البيع بمعنى الإيجاب والقبول، فيكون صحيحا لو كان واجدا لما اعتبر في تأثيره، وفاسدا فيما إذا كان فاقدا لكله أو بعضه (2). انتهى بتلخيص ما. فقد صرح (قدس سره) بأن البيع - بمعنى التمليك - لا يتصف إلا بالوجود أو العدم، لا بالصحة والفساد، والوجه المذكور في كلامه لعدم الاتصاف - أعني تضايف الوصفين - وإن كان غير تام، لأن التضايف لا يقتضي صحة التوارد على مورد


(1) الكفاية: ص 49. (2) حاشية الآخوند الخراساني على المكاسب: ص 8. (*)

[ 68 ]

واحد ولذلك صح عقلا اتصاف الواجب تبارك وتعالى بالعلية والخالقية مع امتناع وصفه بالمعلولية والمخلوقية، مضافا الى منع كون الصحة والفساد من قبيل المتضايفين لعدم تكرر النسبة في مفهومهما - كما انه ليس الوجه لعدم الاتصاف المذكور ان الوصفين من قبيل العدم والملكة، فلا يتصف بالفساد الا ما من شأنه الصحة، وذلك أن هذه الشأنية إنما يحتاج إليها في ناحيه الاتصاف بالعدم، لا في الاتصاف بنفس الملكة، ولذلك اتصف الواجب تعالى بالسميع والبصير، مع امتناع اتصافه بالصمم والعمى، فتأمل. وإنما الوجه فيه: هو أن وجود التمليك ملازم لحصول الملكية فلا يمكن أن يتصف بالفساد، وإنما كان أمكن اتصافه به لو صح وجوده منفكا عن أثره الذي هي الملكية، فلا يتصف بكلا الطرفين، وما لم يتصف بالفساد والصحة كليهما لا يجري نزاع الصحيحي والأعمي فيه، بل الأعمي أيضا يكون صحيحيا قائلا بالوضع لما لا ينفك عن أثره المطلوب منه. إلا أنه مع ذلك كله فعبارة تعليقته تدل صراحة على أن المراد بالمسببات التي لا تتصف بالفساد والصحة بل بالوجود والعدم، هو المعاني المنشأة كالتمليك في البيع. والتحقيق: أن الموضوع له الحقيقي في أسماء المعاملات هو المعاني المنشأة بألفاظ الإيجاب والقبول، وهي امور اعتبارية يعتبرها العقلاء لترتيب الآثار المقصودة، والمتعاقدان في إنشائهما يكونان بصدد النيل الى هذه المعاني الإيجادية، وإنشائهما طريق عقلائي للنيل لها، لا أن كلا من المتعاقدين يتعهد ويعتبر البيع - مثلا - عند نفسه حتى يكون هو المعتبر لهذه المعاني، بل إن معاني المعاملات امور موجودة في عالم الاعتبار، والمعتبر لها إنما هم العقلاء، وليس للشرع الأقدس في باب حقيقة المعاملات اصطلاح خاص، وإن كان ربما لا يرى ما رأه العقلاء موجبا لترتب الأثر موجبا له. وكيف كان فهذه الامور الاعتبارية العقلائية لا نسلم أنها عندهم لا تنفك عن الأثر، فمن اكره على بيع داره أو طلاق زوجته فباعها أو طلقها فرارا عما وعد به

[ 69 ]

يقال في عرف العقلاء: إنه باع داره وطلق زوجته، لكنهم لا يرون البيع أو الطلاق الصادر لا عن رضا صحيحا، وهكذا إذا باع الراهن العين المرهونة بلا إذن ولا اجازة من المرتهن يصدق عليه أنه باعها، إلا أنه بيع فاسد، فإن قوام الرهن الصحيح لدى العقلاء أيضا إنما هو بكون العين المرهونة وثيقة الدين مقطوعا عنها يد الراهن، فالبائع المكره أو الراهن قد أنشأ معنى البيع عن جد الى معناه، كما في سائر الموارد، والعقلاء يعبرون عن عمله بالبيع، لكنه مع ذلك بيع غير صحيح، وهكذا الأمر في بيع الفضول، ومثله الكلام في سائر العقود والإيقاعات. فبعض الامور المعتبرة عند العقلاء في المعاملات وإن كان به تقوم حقيقة عنوان المعاملة. (- كالتميز والعقل والجد الى معنى الإيجاب والقبول - إلا أنه يوجد هنا أيضا امور معتبرة في صحتها دون أن يكون دخيلا في قوامها). إن قلت: إن التمليك والملكية كالإيجاد والوجود متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فمع أن حقيقة البيع هي التمليك كيف يتصور تحقق البيع مع عدم حصول الملك ؟ قلت: إن التمليك الذي هو حقيقة البيع تمليك إنشائي يجتمع مع عدم حصول الملكية خارجا أيضا، وليست حقيقته تمليكا خارجيا بمعنى إيجاد الملك في الخارج فلا إشكال. وعليه فلو قلنا: بأن أسماء المعاملات وضعت للمسببات - كما هو الصحيح - فلجريان النزاع معه أيضا مجال. والمختار هنا أيضا أن الموضوع له في المعاملات أيضا هو الأعم بدليل التبادر وعدم صحة السلب المذكورين. ثم أنه بناء على وضع ألفاظ المعاملات للمسببات فالظاهر أن الشرع والعرف لا يختلفان في مفهوم المعاملات فالبيع عند العرف والشرع - مثلا - معناه تمليك فعلي لمال بعوض على الصحيح، أو مطلق تمليك مال بعوض، سواء أحصل به ملكية فعلية أم لا بناء على الاعم وإنما كان الخلاف بينهما أن الشارع ربما يعتبر

[ 70 ]

أمرا شرطا للصحة مما ليس شرطا لها في العرف، ويرجع اعتباره - بناء على قول الصحيحي - الى الاختلاف بين العرف والشرع في المصاديق لا المفاهيم، فيرى العرف البيع الربوي مصداقا للبيع، لرأيه بترتب أثر الملك عليه، ولا يراه الشارع بيعا، لعدم ترتب الأثر عليه، إلا أن هذا الاختلاف لا يرجع الى تخطئة الشارع لتشخيص العرف وتخيله أن هذا مصداق للمعاملة كما في الكفاية (1) فإن التخطئة في المصداق إنما تتصور فيما كان للشئ وجود واقعي وكان نظر العرف طريقا إليه، وأما إذا كان قوام المصداق بالاعتبار، والعرف كان هو المعتبر، وكان المفروض أنه يعتبر المصداق حتى في ماكان هناك ربا فلا يتصور معنى لصدق التخطئة، اللهم إلا أن يراد تخطئتهم في ملاحظة الملاكات والمصالح الداعية الى الاعتبار، لكنه خلاف ظاهر العبارة، وكيف كان فالأمر سهل. هذا بناء على وضع ألفاظها للمسببات. وأما بناء على وضعها للأسباب وأداة الإنشاء فعلى القول بالأعم لا يختلف مفهومها ولا مصداقها في العرف والشرع، وأما على القول بالصحيح فالظاهر اختلاف العرف والشرع في مفهومها، فالبيع - مثلا - في العرف هو ما كان مدلوله تمليك مال بعوض عن جد إليه. وفي الشرع يزاد عليه الشرائط المعتبرة في صحته في الشريعة، ولا يمكن تصوير مفهوم واحد إلا بأن يقيد بمفهوم الصحة أو بترتب الأثر. ومن الواضح أن القائل بالوضع لخصوص الصحيح - سواء في العبادات والمعاملات - إنما يقول بوضع ألفاظها لما هو مطابق للصحيح، لا أن الصحة وما يرادفها مأخوذة بمفهومها في معنى العبادة أو المعاملة، فالبيع في الشرع - مثلا على هذا القول - عبارة عن الإيجاب والقبول العربيين الصادرين عن البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه ولا المكره الواقعين على عوضين معلومين مملوكين لهما أو لمن فوض اليهما أمرهما، في عين أنه في العرف ما كان مدلوله تمليك مال بعوض صادرا عن كامل العقل مرخى العنان، وإن لم يكن العوضان معلومين بتلك


(1) الكفاية: ص 49. (*)

[ 71 ]

الدقة، أو كان المتعاقدان لم يبلغا الحلم. وبالجملة: فالاختلاف بينهما على ذلك مفهومي لا مصداقي، فلا مجال للبحث الفرعي عن أنه بعد الوحدة المفهومية فهل يرجع الخلاف الى الاختلاف المحض في المصاديق أو التخطئة في المصاديق، وإن كان الحق لو وصل الأمر إليه أنه ليس من التخطئة المصداقية، بل من الاختلاف في المصداق، كما عرفت. نعم، كلام صاحب الكفاية مفروض على هذا المبنى، أعني على مبنى وضع ألفاظ المعاملات للأسباب دون المسببات، كما لا يخفى، لكن المبنيين سواء في أن الاختلاف بينهما - إذا فرض الوحدة المفهومية - مصداقي كما مر بيانه، فتذكر. الثاني: لاريب في جواز الرجوع الى إطلاق أدلة تنفيذ المعاملات أو عمومها، بناء على القول بوضع ألفاظها للأعم، سواء كانت موضوعة للأسباب أو المسببات، فيما إذا احرز صدق عناوينها، وشك في اعتبار أمر في صحتها شرعا، بداهة أنها مثل سائر المطلقات يترتب حكمها على المصداق إذا فرض أنه مصداق لموضوع الحكم، والحكم بالنفوذ والصحة على الفرد الفاقد لما شك في شرطيته عبارة اخرى عن عدم شرطيته شرعا، وإن اورد عليه شبهة ستأتي مع جوابها. بل يمكن ان يقال: بأن مقتضى الإطلاقات هو الحكم بصحة البيوع الفاسدة عند العرف أيضا إذا لم يكن دليل خاص على فسادها في الشريعة، فإنه مقتضى شمول إطلاقات التنفيذ لها اللهم إلا يقال: بانصراف الإطلاقات عنها، كما ليس ببعيد. هذا كله على القول بالأعم. وأما بناء على وضعها للصحيح فقد نسب الى القائلين به أيضا التمسك في رفع شرطية ما يشك في شرطيته شرعا بالإطلاقات والوجه فيه: أن المعاملات امور معروفة عند العقلاء يعتبرونها أنفسهم، وإذا تكلم معهم الشارع بلسانهم وحكم على هذه العناوين المعروفة عندهم فلا ينبغي الريب أنهم يفهمون منها تلك المعاني والمصاديق التي هي عندهم وفي اعتبارهم بيع وإجارة ونكاح وطلاق، الى غير ذلك، فغاية الأمر أن مفهومها يختص بما لا ينطبق إلا على المصاديق الصحيحة

[ 72 ]

عندهم، وعليه فإذا كانت المعاملة واجدة لشرائط الصحة عند العقلاء وشك في اعتبار أمر زائد في صحتها عند الشرع فهي تدخل في موضوع دليل التنفيذ، ويحكم عليها بالصحة وإن فقدت ذلك الأمر الزائد. وهذا - كما ترى - لا يرجع الى حجية نظر العرف وطريقيته لتشخيص المصداق، بل حقيقته أن موضوع دليل التنفيذ هو الصحيح في اعتبار العقلاء، وهو أمر متقوم باعتبارهم، وهم - في اعتبارهم مستقلون - لا يرفعون اليد عنه حتى إذا حكم الشارع بالبطلان أيضا، ولذلك كان الحكم بالبطلان بعد قيام الدليل تخصيصا أو تقييدا في دليل الاعتبار كما لا يخفى، وهذا هو مراد الكفاية ولا غبار عليه أصلا. وأما الاستدلال لكون الموضوع في أدلة التنفيذ خصوص الصحيح العقلائي، " بأن الصحة الشرعية لا يعقل أخذها في المسمى ولا في موضوع أدلة الإمضاء، فإنه يؤول الى أن يكون معنى قوله تعالى: * (أحل الله البيع) * أن الله أحل وأمضى البيع الذي أحله وأمضاه (1)، يعني: أنه يؤول إلى أخذ محمول القضية قيدا لموضوعها، وهو: إما خلاف الظاهر، وإما موجب لتقدم الشئ على نفسه. فهو مخدوش جدا، فإنه إنما يلزم المحذور المذكور لو كان مفهوم الصحة مأخوذا في الموضوع له، وقد عرفت أن مفهومها غير مأخوذ في المسمى حتى على القول بالصحيح، بل إن الموضوع له هو الواجد لجميع الأجزاء والشرائط الدخيلة في الصحة. وبعبارة اخرى أوضحناها: أن الموضوع له هو مصداق الصحيح، وعليه فلا مجال للإيراد المذكور، كما لا يخفى. ثم إن هذا الذي ذكرناه مبناه أن ظاهر عنوان المعاملات المأخوذ في الأدلة، إنما هو المعنى المعتبر عند العرف فلا فرق فيه بين أن نقول بوضع ألفاظها للأسباب، أو للمسببات، إلا أن المنقول عن بعض الأعاظم (قدس سره) على ما في تقرير بحثه: أنه لو قلنا بأنها موضوعة للمسببات - كما هو كذلك - فيشكل الأمر، لأن


(1) المحاضرات: ج 1، ص 194. (*)

[ 73 ]

إمضاء المسبب - الذي يقتضيه على ذلك أدلة الإمضاء - لا يلازم إمضاء السبب، وما يقال: من أن إمضاء المسبب يلازم عرفا إمضاء السبب، إذ لولا إمضاء السبب كان إمضاء المسبب لغوا فليس بشئ، فإن اللغوية إنما تكون إذا لم يجعل الشارع سببا ولم يمض سببا أصلا، إذ لالغوية لو جعل أو أمضى سببا في الجملة، غايته أنه يلزم الأخذ حينئذ بالمتيقن. قال (قدس سره): فالتحقيق في حل الإشكال: أن باب المعاملات ليس من باب الأسباب والمسببات، بل إنما هي من باب الايجاد بالآلة، والفرق بينهما أن المسبب بنفسه ليس فعلا اختياريا متعلقا لإرادة الفاعل، وأن ما تتعلق به ارادته هو السبب بخلاف باب الايجاد بالآلة، فإن ما يوجد بالآلة - كالكتابة - بنفسه فعل اختياري للفاعل، ومتعلق لإرادته وصادر عنه، وعليه فالبيع - مثلا - بنفسه فعل اختياري للفاعل متعلق لإرادته أولا وبالذات، ومعنى حلية البيع حلية إيجاده، فكل ماكان إيجادا للبيع بنظر العرف مندرج تحت إطلاق قوله تعالى: * (أحل الله البيع) *، والمفروض أن العقد بالفارسية - مثلا - مصداق لإيجاد البيع بنظر العرف فيشمله الإطلاق، وهكذا الكلام في سائر الأدلة وسائر أبواب العقود والإيقاعات (1). انتهى. أقول: لو سلمنا ما أفاده من الفرق بين البابين فلا دخل لما أفاده من الملاك في دلالة الأدلة على إمضاء الأسباب لا إثباتا ولا نفيا، بل تمام الملاك إنما هو أن يكون الشارع في هذه الأدلة بصدد بيان ما هو تمام الموضوع لحكمه، فإذا ثبت ذلك دلت الأدلة على إمضاء الأسباب، كما أنه لو لم يثبت لما دلت عليه، سواء أكان باب المعاملات من قبيل الأسباب والمسببات أم كان من قبيل الإيجاد بالآلة. وذلك أنه لو لم يكن في مقام البيان فإنما تدل على أن البيع أو غيره من المعاملات ممضي في الجملة، ولا إطلاق لها يرفع الشك عن موارده، وكان اللازم الأخذ بالمتيقن والرجوع الى أصالة الفساد في غيره، وهو واضح.


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 39 طبع النجف الأشرف. (*)

[ 74 ]

وأما إذا كان في مقام البيان فتدل الأدلة حينئذ على أن طبيعة البيع تمام الموضوع في الشرع للحكم بالصحة، فأينما تحققت وبأي سبب تحققت فقد تحقق تمام موضوع الحكم، ولا محالة يحكم عليها بترتب الأثر عليها، وحيث إن الطبيعة بالنسبة الى الأفراد كالآباء والأبناء، ولكل فرد طبيعة متحدة معه وسبب خاص به، فإذا اقتضى الدليل صحته فلا محالة يترتب الأثر المطلوب على جميع الأفراد، فالبيع بالفارسية أيضا موجب للنقل والانتقال شرعا، وهو عبارة اخرى عن صحة الإيجاب والقبول بغير العربية. ومن المعلوم أنه لا فرق في هذا الاقتضاء بين أن يكون البيع من باب الإيجاد بالآلة أو من باب الأسباب والمسببات، كما لا يخفى. الثالث: أن دخل شئ في المأمور به تارة بكونه مع سائر الأشياء مقوما جوهريا لحقيقته وعنوانه، كما في أجزاء المركب المأمور به، واخرى بكون التقيد به لازما مع خروجه بنفسه عن مقوماته، كالشرائط. وثالثة بكونه بحيث لو وجد لانطبق عنوان المأمور به عليه أو على المقيد به، ولو فقد لما أضر بصدق عنوان المأمور به على ما يتحقق مع فقدانه، كالقنوت، وإتيان الصلاة بالجماعة أو في المسجد، فإن الفرد المشتمل على القنوت بما أن من أجزائه القنوت مصداق للصلاة التي تعلق الأمر بها، وبما أنه مأتي به جماعة في المسجد مصداق لها ومع ذلك لو صلى في داره فرادى بلا قنوت لكانت صلاة صحيحة. وتصويره: أن الطبيعة تكون لا بشرط عن الاتحاد بأجزائها التي تعد من كمالاتها، أو بالمقيد بالأوصاف الكمالية لها، كما في الدار الصادقة على الفرد المشتمل على أقل ما يصدق به عنوان الدار من الأجزاء والأوصاف، في عين أنها تصدق أيضا على الفرد الكامل المشتمل على بيوت متعددة ومرافق كذلك على أحسن ما يكون لها من الأوصاف، فهذا الفرد الكامل بشراشر وجوده أجزاء وأوصافا مصداق للدار، بحيث لو أمر المولى ببناء الدار، وأتى بهذا المصداق الكامل لكان بجميع خصوصياته مصداقا للمأمور به، في عين جواز الاقتصار على الأقل أيضا، ولازمه - كما ترى - جواز الإتيان بالفرد الكامل أو المشتمل على

[ 75 ]

أزيد من مقدار الواجب بعنوان الوجوب بعد ماكان عنوان الواجب منطبقا عليه بشراشر وجوده لسعة عنوان الواجب وشموله لجميع الأفراد بمقوماتها وأوصافها الكمالية. وهذا ما ذكرناه من اللابشرطية عن الاتحاد. ويتصور في قبالها اللابشرطية عن الانضمام، بأن لا يكون بأس بالإتيان بشئ أثناء المأمور به، لكن كان بحيث لو اتي به لما عد جزءا للفرد أصلا، كالتثؤب وحركة اليد - مثلا - أثناء الصلاة، فالواجب لا بشرط بالنسبة إليه، ومع ذلك لو اتي به لما عد جزءا لمصداقه أصلا. ويكون من أقسام هذا التصوير الرابع أن يكون شئ واجبا أو مندوبا في أثناء واجب آخر بحيث يكون المأمور به مجرد ظرف لإتيانه. وكيف كان فقد عرفت مما مر أن محل النزاع بين الصحيحي والأعمي، هو مطلق الأجزاء والشرائط، وأن ما يكون العمل صحيحا مع فقده - كما في الصورة الثالثة والرابعة - لا يقول الصحيحي أيضا بدخوله في المسمى كما لا يخفى. كما قد عرفت أن الحق هو قول الأعمي على ما تبين من كلماتنا، فتذكر. الأمر الحادي عشر المشترك اللفظي الحق وقوع الاشتراك اللفظي، كما نجده بالوجدان في الأعلام الشخصية وغيرها من أسماء الأجناس، فإن لفظة " شير " في اللغة الفارسية يطلق بلا ادعاء ولا تأويل على ما يحلب من الحيوانات ذوات الألبان، وعلى الأسد، وعلى ما يطلب بفتحه مثل الماء، ولاريب في عدم صحة سلب اللفظ بماله من المعنى المستفاد من حاق اللفظ عن شئ منها. ودعوى: امتناعه لأدائه الى نقض الغرض من الوضع المقصود منه التفهيم ممنوعة، فإنه معه أيضا يحصل غرض التفهيم بذكر القرينة.

[ 76 ]

كما أن دعوى امتناع استعمال المشترك اللفظي في الكتاب الكريم للزوم التطويل بلا طائل من ذكر القرينة والاجمال من عدم ذكرها أيضا واضحة المنع، وذلك أن كل قرينة ليست توجب التطويل، فإذا قلت بالفارسية: " من شير آشاميدم " يعلم أن المراد منه المائع المحلوب، مع أن القرينة المستعملة ليست إلا ذكر الفعل الذي لابد منه ولو كانت اللفظة غير مشتركة. هذا، مضافا الى أن الغرض ربما يتعلق بالتطويل كما في مثل قوله تعالى: * (هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب اخرى) * (1) وقريب منها في البطلان دعوى وجوب وقوع الاشتراك، لتناهي الألفاظ وعدم تناهي المعاني المقصود إفادتها. وجه البطلان: أن اللازم إنما هو الوضع بالنسبة للمعاني التي تمس الحاجة الى إفادتها، ولا نسلم عدم تناهيها، لا سيما والغالب أن توضع الألفاظ للمفاهيم الكلية، وإيفاد الافراد بالقرينة الدالة على تطبيق الكلي على الفرد. ثم إن وقوع الاشتراك من واضع واحد وإن لم يكن ببعيد إلا أن من الممكن بل القريب أن كثيرا من الاشتراكات اللفظية إنما وقعت من ناحية أن الأقوام المختلفة وضع كل منها لفظا للمعاني المحتاج الى إفادتها، وكانت الأقوام متباعدة، فإذا حدث التمدن - ولا سيما التمدن الجديد - واختلطت الأقوام علم أنه ربما وضع للفظ واحد معان متعددة وإن كان لا ينحصر سببه في ذلك بل إن محدودية الأسماء المرغوب فيها - كما في أسماء الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) - ربما توجب وقوع الاشتراك اللفظي. ومنه تعرف أن ما أفاده السيد العلامة الخوئي من أنه بناء على أن نقول بأن حقيقة الوضع هي تعهد الواضع بأنه متى أراد تفهيم معنى كذا ذكر لفظا كذا - فلا يمكن وقوع الاشتراك إلا برفع اليد عن التعهد الأول الى تعهد جديد بأنه متى أراد تفهيم هذا المعنى الأول أو الثاني يذكر ذلك اللفظ (2) ممنوع جدا.


(1) طه: 18. (2) المحاضرات: ج 1 ص 202. (*)

[ 77 ]

فإنه يرد عليه أولا: أنه لا حاجة إليه مع تعدد الواضع أصلا، فإن كلا من الواضعين حين وضعه إنما يتعهد بذكر اللفظ الذي يضعه عند إرادة تفهيم الموضوع له، ثم بعد الاختلاط يستعمل اللفظ لإرادة كلا المعنيين، فلا حاجة الى رفع اليد المذكور. وثانيا: أنه على القول بالتعهد، فإنما يتعهد الواضع أنه مهما أراد هذا المعنى الخاص يذكر هذا اللفظ، وهو لا يقتضي إلا الالتزام بذكر هذا اللفظ عند إرادة المعنى المذكور، ولا يقتضي أن لا يذكر هذا اللفظ عند إرادة معنى آخر. وبالجملة: فما ذكره إنما ينفي الترادف، لا الاشتراك اللفظي. الأمر الثاني عشر استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى والمراد به: أن يراد كل واحد مستقلا، كما إذا لم يستعمل إلا فيه، فكان هذا مرادا من اللفظ مستقلا وبنفسه، وذاك كذلك أيضا، لا أن يراد منه معنى واحدا قد اشتمل على جزءين، كالدار تنحل الى بيوت وجدران وغيرها. والأقوال فيه منعا وجوازا مختلفة، والحق المنع عنه مطلقا عقلا كما هو مختار الكفاية، لا لأن اللفظ بتمامه وجود لفظي لكل معنى يراد منه مستقلا، فإذا اريد به معنى فليس لنا بعده شئ ليكون وجودا لفظيا لمعنى آخر (1)، فإن كون اللفظ وجودا اعتباريا للمعنى أمر شعري لا يقبله العرف، ولا ينظر إليه استعمالاته. ولا لأن الاستعمال حيث كان محتاجا الى لحاظ المعنى المستعمل فيه فإرادة معنيين مستقلا تستلزم لحاظهما معا وهو غير ممكن عقلا (2)، فإن الجمع بين امور متعددة للنفس في آن واحد أمر ممكن واقع كثيرا، كما في الحكم على موضوع القضية بمحمولها لاسيما إذا كان له متعلقات كثيرة، فإنه يتوقف على التفات النفس الى الموضوع والمحمول بما لهما من الملابسات في آن الحكم كما هو واضح.


(1) كما في نهاية الدراية: ج 1 ص 88 - 89. ط المطبعة العلمية. (2) لاحظ أجود التقريرات: ج 1 ص 51. (*)

[ 78 ]

بل لما أفاده في الكفاية، وحاصله: أن الاستعمال عند العرف إلقاء المعاني بالألفاظ بحيث لا يرى الألفاظ إلا فانية في معناها، فإذا ألقى بجميع لفظ معنى فليس هنا شئ يلقى به معنى آخر. ولم يرد أن الجمع بين لحاظين غير ممكن حتى يورد عليه بوجوه دقيقة بعد توجيهه بتوجيهات عديدة غير مرادة كما عن سيدنا الإمام الراحل (قدس سره) في التهذيب (1). ثم إن القول بالامتناع لا يبتنى على مبنى خاص في الوضع كي يتوهم أنه لا مجال له بناء على مبنى أن الوضع هو التعهد (2)، وذلك أن منشأ الامتناع إنما هو أن الاستعمال بما أنه إلقاء المعنى باللفظ يقتضي امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فلو رأينا أن الوضع هو تعهد تفهيم المعنى باللفظ فحيث إن التفهيم إنما يكون بالاستعمال لكان لازمه أيضا عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد. ثم لو تنزلنا وقلنا بالجواز فهو على نحو الحقيقة، لكونه استعمالا للفظ في معناه الموضوع له، إلا أن صاحب المعالم رآه حقيقة في التثنية والجمع مجازا في المفرد، قال: إن التثنية والجمع في قوة تكرير المفرد بالعطف، والظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ، دون المعنى في المفردات، ألا ترى أنه يقال: زيدان وزيدون وما اشبه هذا مع كون المعنى في الآحاد مختلفا ؟ وتأويل بعضهم له بالمسمى تعسف بعيد. وأما المفرد فيتبادر الوحدة منه عند إطلاق لفظه، ويفتقر إرادة الجميع منه الى إلغاء اعتبار الوحدة، فيصير اللفظ مستعملا في خلاف موضوعه، لكن وجود العلاقة المصححة للتجوز - أعني علاقة الكل والجزء - يجوزه فيكون مجازا (3). انتهى ملخصا. وفيه منع في كلا الموضعين: أما في التثنية والجمع:


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 94 - 95. (2) المحاضرات: ج 1 ص 104. (3) معالم الدين: ص 34 ط المطبعة الإسلامية. (*)

[ 79 ]

فأولا: إن مراجعة الارتكاز العرفي تشهد على أن الكثرة المدلول عليها بهيأة الجمع والتثنية ترد على المعنى المراد من اللفظ على الأصل المسلم في الاستعمالات من كون الألفاظ آلات ومرائي محضة، ولا ترد على لفظ مفردهما، لا بما أنه لفظ ولا بما أنه لفظ له معنى، وعليه فورودها على المعنى يوجب الاتفاق في المعنى في المفردات علاوة على الاتفاق في اللفظ، وأن يكون التثنية أو الجمع في الأعلام على خلاف المتعارف مؤولا بالمسمى. وثانيا: أن ما أفاده من إرادة فردين مما يطلق عليه لفظ واحد ولو بمعنيين مختلفين في التثنية وإرادة أفراد كذلك في الجمع ليس من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل قد استعمل كل منهما في معنى واحد، هو فردان لا أزيد في التثنية وأفراد في الجمع مرة واحدة. نعم، هو (قدس سره) لا يعتبر في هذين الفردين وأولئك الأفراد أكثر من الاتفاق في اللفظ، وأنت ترى أنه أجنبي عن مسألة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، بل إن استعمال اللفظ في أكثر من معنى في التثنية - مثلا - أن يراد فردان من العين الباكية، وفردان أيضا من الجارية، وحينئذ فيجري فيها أيضا مثل إلغاء اعتبار قيد الوحدة التي كانت في المفرد، فإن من يدعي اعتبار أخذ الوحدة في المفرد فلا محالة يدعي أن مفاد العينين اثنتان من العين وحدهما، لااثنتان واثنتان اخريان، فإرادة الاثنتين منها مرتين أو مرات إلغاء لذلك القيد. وهكذا المقال في صيغ الجمع. هذا كله في ما أفاده في التثنية والجمع. وأما في المفرد، فيرد عليه منع اعتبار قيد الوحدة في الموضوع له، بل إن الموضوع له بحكم التبادر إنما هو نفس المعنى وطبيعته، بلا أي قيد فيه أصلا، فإذا استعمل اللفظ في معنيين فقد استعمل في نفس ما هو الموضوع له فيكون حقيقة. نعم، لو سلمنا اعتبار قيد الوحدة كان إلغاؤها الذي لابد منه موجبا للمجازية، ولا يرد عليه ما في الكفاية (1) من عدم جواز هذا الاستعمال بدعوى أن الأكثر يباين الموضوع له مباينة الشئ بشرط شئ، والشئ بشرط لا.


(1) الكفاية: ص 54. (*)

[ 80 ]

وجه عدم الورود: أن المفروض والمراد من استعمال اللفظ في أكثر من معنى إرادة كل من المعنيين أو المعاني مستقلا لا مجتمعا، فلا محالة كان اللفظ مستعملا في كل من المعاني بنفسه ومستقلا كما لو لم يستعمل إلا فيه، وحينئذ فقد اخذ من كل من المعاني قيد الوحدة، وكان الأمر كما أفاده المعالم. هذا. ثم إنه قد يتوهم دلالة الأخبار الواردة على أن للقرآن ظهرا وبطنا، أو أن له بطونا (1) على أن ألفاظه قد استعملت في هذا الظهر وهذه البطون، فكان استعمالا في أكثر من معنى. لكن من المعلوم عدم دلالة شئ من هذه الأخبار على أن كيفية الأمر في هذه البطون من باب الاستعمال في أكثر من معنى، بل إن بعض هذه الأخبار دل على أن ظهره هو مورد نزول الآيات، وبطنه - ما سيأتي - مما هو أيضا مصداق لها كموردها، أو أن بطنها وبطونها ما يتجدد لها من المصاديق في الأزمنة الآتية بعد نزولها، وهي التأويلات التي لها، ومن الواضح في مثلها أن المستعمل فيه معنى واحد كلي، مضافا إلى ما في الكفاية (2): من أنه لعله كان بإرادتها في أنفسها حال استعمال اللفظ في معناه، الى غير ذلك، فانظر الى ما ورد في قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) * (3) الأمر الثالث عشر المشتق هل المشتق حقيقة في خصوص معنى لا ينطبق إلا على ما تلبس بالمبدأ في الحال، أم هو حقيقة في معنى يعمه وما انقضى المبدأ عنه ؟ فيه خلاف بعد الاتفاق على أن إطلاقه على ما لم يتلبس به بعد مجاز. ولتوضيح عنوان البحث تقدم امور:


(1) بحار الأنوار: ج 92 ص 91 - 95. (2) الكفاية: ص 55. (3) الملك: 30. (*)

[ 81 ]

الأول: أن المشتق بحسب الاصطلاح - وإن لم يعم إلا ماكان مشتركا مع صيغ اخرى في مادة لها معنى يوجد أصله في جميع هذه الصيغ، ولا يشمل بعض الجوامد الذي فيه معنى المشتقات، مثل الزوج، أو الزوجة، والحر، أو الحره، إلا أنه استظهر صاحب الكفاية من عبارة فخر المحققين في إيضاح الفوائد، والشهيد الثاني في المسالك شمول النزاع له أيضا، وإن لم يعمه عنوان البحث. ففي الإيضاح، في باب الرضاع، في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته الصغيرة، ماهذا لفظه: " تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين بالإجماع، وأما المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف، واختار والدي المصنف، (رحمه الله) وابن إدريس تحريمها، لأن هذه يصدق عليها أنها ام زوجته، لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المعنى المشتق منه، فكذا هنا " (1). وفي المسالك في نفس المسألة ما لفظه: " لا إشكال في تحريم المرضعة الاولى مطلقا، لأنها صارت ام زوجته، وتحريمها غير مشروط بشئ... بقي الكلام في تحريم الثانية من الكبيرتين، فقد قيل: إنها لا تحرم، وإليه مال المصنف، حيث جعل التحريم أولى، وهو مذهب الشيخ في النهاية وابن الجنيد، لخروج الصغيرة عن الزوجية الى البنتية، وأم البنت غير محرمة على أبيها، خصوصا على القول باشتراط بقاء المعنى المشتق منه في صدق الاشتقاق، كما هو رأي جمع من الاصوليين، ولرواية علي بن مهزيار...، وذهب ابن إدريس، والمصنف في النافع، وأكثر المتأخرين الى تحريمها أيضا، وهو الظاهر من كلام الشيخ في المبسوط على التباس يسير فيه، لأن هذه يصدق عليها أنها ام زوجته وإن كان عقدها قد انفسخ لأن الأصح أنه لا يشترط في صدق المشتق بقاء المعنى فيدخل تحت قوله: * (وامهات نسائكم) *... وهذا هو الأقوى " (2). أقول: صريح كلامهما جريان نزاع المشتق في مورد المسألة المذكورة، مع أن


(1) إيضاح الفوائد: ج 3 ص 52. (2) المسالك: ج 1 ص 475، ط - الحجرية. (*)

[ 82 ]

موضوع الحرمة فيه - كما صرح به المسالك - هو * (امهات نسائكم) *، وهو ليس مشتقا اصطلاحيا، ولاجامدا فيه معنى المشتق، بل إنما هو معنى نسبي مستفاد من هيأة الإضافة، أعني إضافة " نساء " الى الضمير، فأجروا في مثلها نزاع المشتق، مع أنة ليس منه في شئ فمنه يعلم جريانه في مثل الزوج والرق والحر من الجوامد المتضمنة معنى اشتقاقيا. الثاني: أن المراد بالمشتق هو خصوص ما يجري منه على الذوات، كما يهدي إليه عنوان البحث بأنه هل هو حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ، أو يعمه وما انقضى عنه المبدأ، فإنه مختص بماله مفهوم ينطبق على الذات التي تارة تتلبس بالمبدأ، وتارة ينقضي عنها المبدأ، وهكذا، لكنه مطلق يعم جميع الأسماء المشتقة، كاسم الفاعل، والمفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، وغيرها، فيعم اسم الزمان أيضا. إلا أنه ربما يشكل عمومه له، بأن موضوع البحث إنما هو ما كان ذات المتلبس باقية بعد انقضاء الوصف والمبدأ عنه، ومتحققة، قبل التلبس به، لكي يتصور الكلام عن كون إطلاق المشتق عليه حقيقة أو مجازا، والذات في اسم الزمان - وهي الزمان - بنفسها تنقضي وتتقدم، فلا ذات كي يجري النزاع في أن إجراء المشتق عليها حقيقة أو مجاز. لا يقال: لنا أن نأخذ الزمان فيه قطعة أوسع مما يحتاج إليه وقوع الفعل، كاليوم - مثلا - لفعل القتل، الذي لا يحتاج إلا الى جزء منه صغير، فبعد مضي هذا الجزء فالذات - وهو اليوم - باقية، قد انقضى عنها المبدأ، كما أنه قبل وقوع القتل متحقق، ولم يتلبس بعد بالمبدأ، فيتصور النزاع فيه. لأنا نقول: لا ينبغي الريب في أن تلبس الزمان بكونه ظرف زمان للفعل يكفي فيه وقوع الفعل في جزء منه، ولا يشترط فيه أن يغشى الفعل جميع أجزائه، ففي المثال يكون اليوم متصلا حقيقة بمجرد وقوع القتل في جزء منه، ولا يضر به أن القتل أمر آني الحصول لايغشي جميع أجزائه، فمضي القتل لا يوجب انقضاء

[ 83 ]

المبدأ عن اليوم حتى يكون صدق المقتل على اليوم من قبيل صدق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ، بل هو من باب صدقه على المتلبس بالمبدأ، كما عرفت. نعم، الزمان أمر واحد مستمر قابل للتجزئة والتقسيم بأقسام حسب ملاحظة الملاحظ، كالساعة واليوم والليل والاسبوع والشهر والسنة وغيرها، فكل جزء اخذ موضوعا وظرفا كان الأمر ما ذكرناه، ولا يتصور فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ عنها حسب ما عرفت. ويمكن حل الإشكال بوجهين: إما بأن الموضوع له لهيأة أسماء الزمان، هو وعاء وقوع المبدأ، وهو معنى مشترك بين الزمان والمكان، ويكفي في تصور النزاع فيه تصور بقاء الذات بعد انقضاء المبدأ عنه في بعض مصاديقه الذي هو المكان، فمرجع هذا الحل الى إنكار أن يكون لنا اسم الزمان أو اسم المكان، وإنما لنا اسم وعاء الفعل الذي يعم كلا الوعاءين: الزمان والمكان، وهو معنى يجري فيه النزاع قطعا. وصدق هذه الدعوى على عهدة مدعيها. وإما بما في الكفاية: من أن انحصار الكلي في خصوص فرد، لا يمنع عن وضع اللفظ بإزاء الكلي، وإلا لما وقع الخلاف في لفظ الجلالة (1)، فعلى القول بعدم اعتبار التلبس لم يؤخذ التلبس بالمبدأ في مفهوم هيأة اسم الزمان، وإن لا يوجد له مصداق إلا خصوص المتلبس. الثالث: من الواضح خروج الأفعال والمصادر - مجردها والمزيد فيه منها - وأسماء المصادر من محل النزاع، ضرورة عدم جريان شئ منها على الذوات وإن قلنا بأن جميعها من المشتقات بناء على جعل مبدأ الاشتقاق هو نفس المادة، بلا شرط عن أي هيأة كانت التي هي متحققة في جميع ما عددناه، وإن كان بينها اختلاف في أن هيأة الأفعال والمصادر المزيد فيها موضوعة بوضع نوعي لمعانيها، بخلاف هيأة المصدر واسمه - إذا لم يكن بهيأة اسم المفعول - فإنها كالهيأة في


(1) الكفاية: ص 58. (*)

[ 84 ]

الجوامد لم توضع لخصوص معنى، وإنما كانت قيدا للمادة المتهيأة به، فالمادة بهذه الهيأة وضعت لمعنى المصدر أو اسمه كما في الرجل وغيره من الجوامد. ثم إن ما ادعى في الكفاية كونه ضروريا من " أن المصادر المزيد فيها كالمجردة في الدلالة على ما يتصف به الذوات ويقوم بها " (1) خلاف التحقيق كما هو واضح عند أهله، فإن المصادر تدل على الاتصاف بهذه الصفات لاعلى نفس الصفات، فالقتل هو إيجاد ذلك المعنى الخاص، والانكسار هو قبول الصفة الخاصة، وما يدل على نفس هذه الصفات من دون دلالة على نسبتها الى شئ ولا اتصاف شئ بها إنما هو أسماء المصادر، فمفادها نفس هذه الصفات منتفيا عنها جميع أنحاء النسب، ومنه تعرف أن معنى اسم المصدر ليس يوجد في جميع المشتقات، لتقومه بإنتفاء أنحاء النسب عنه دونها، كما لا يخفى. إزاحة شبهة: لاريب في عدم دلالة الأفعال - لا بهيأتها ولا بمادتها - على الزمان، بحيث يكون جزءا من معناها، خلاف ما اشتهر على ألسنة النحاة، بل هيأة الأمر إنما تدل على البعث، وهيأة النهي تدل على الزجر عن إتيان المادة، ولا دلالة في لفظهما على الزمان أصلا، وإن كان نفس مدلوليهما - أعني البعث والزجر الاعتباريين - واقعة في الزمان، كسائر أفعال الفاعلين المحاطين بالزمان، بل الحق عراء غيرهما من الأفعال عن الدلالة على الزمان تضمنا ولا التزاما، بدليل صحة اسنادها الى الفاعل الخارج هو وفعله عن افق الزمان، بلا حاجة الى تجريدها عن معناها الحقيقي أصلا. نعم، لا ينبغي الشك في دلالة الفعل الماضي على الفراغ عن حدوث مبدئه، ولازمه أنه قد وقع في ماضي الزمان في الزمانيات، وفي المضارع يدل هيأته على أنه لم يفرغ عن حدوثه، ولا محالة يقع في زمان الحال أو الاستقبال في الزمانيات. ولعله هو مراد الكفاية (2)، والأمر سهل. الرابع: أن لنا مشتقات لاريب في صدقها حقيقة على الذات، مع أنها لا تتلبس


(1) الكفاية: ص 58. (2) المصدر السابق: ص 59. (*)

[ 85 ]

بما قد يرى أنه المبدأ لها، كما في المجتهد الصادق حقيقة على صاحب الملكة وإن لم يستنبط بعد، والنجار الصادق على صاحب الحرفة الخاصة وإن لم يشتغل بنجر الأخشاب وصنع الأبواب مثلا. وكما في المفتاح الذي يصدق على الآلة الخاصة وإن لم يكن صاحبه مشغولا بالفتح به، بل ولم يفتح به بعد، فهذا قد يجئ في الذهن بأن أمثال هذه المشتقات خارجة عن حريم النزاع. لكن بعض المشايخ - ومنهم صاحب الكفاية (1) - قد جعلوا عموم هذا الصدق رهين خصوصية معنى مبدئها، فالمبدأ في مثل المجتهد هو ملكة الاجتهاد، وفي النجار هو اتخاذ هذه الحرفة والصنعة شغلا، فالتلبس بهما لا يقتضي أزيد من وجود الملكة الخاصة والحرفة المعينة، من دون استلزام لفعلية مثل الاستنباط والنجارة أصلا. والإنصاف: أن هذا الاختلاف المذكور بين مبادئ المشتقات أمر واقع جزما، ولازمه أيضا ما ذكرناه، إلا أن التصديق بأن جميع موارد النقض من أحد القبيلين غير ممكن، فإن مبدأ " المفتاح " هو الفتح الذي من قبيل الفعل، مع أن صدقه - كما عرفت - لا يحتاج الى وقوع الفتح به أصلا، بل لا يبعد أن يكون الأمر في كل أسماء الآلة أو جلها من هذا القبيل، فالمضراب صادق على ما اعد للضرب به وإن لم يضرب به بعد، وهكذا الأمر في المكنس والمنشار وغيرهما، مع أن من الواضح كون المبدأ فيها، هو الضرب أو الكنس أو النشر الذي من قبيل الإفعال. ولذلك فقد يقال: إن مفاد هيأة اسم الآلة أن ما يجري عليه معد لأن يوجد به المبدأ، فما دام هذا الإعداد متحقق فهو متلبس بالمبدأ، وإذا زال إعداده فقد انقضى المبدأ عنه، فالإعداد داخل في مفاد الهيأة، وإن كان المبدأ فيه هو المبدأ في سائر المشتقات، وأرى أنه لا بأس به. وكيف كان فالأمر سهل. الخامس: إذا كان عنوان البحث - كما في الكفاية (2) - أن المشتق هل هو حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال أو فيما يعمه وما انقضى عنه ؟ وإليه يرجع


(1) الكفاية: ص 62. (2) المصدر نفسه. (*)

[ 86 ]

ما عنوناه فلا ينبغي الريب في أن المراد بالحال فيه، هو حال الهوهوية بين الذات ومعنى المشتق، فعلى القول بخصوص المتلبس لابد وأن يكون الذات واجدا للمبدأ في الحال التي نحكم باتحاده مع عنوان المشتق، سواء كان في زمان التكلم أو قبله أو بعده. ولا يناسب تفسيره بحال التلبس، فهل تجد معنى صحيحا لأن يقال: " إن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس حال التلبس بالمبدأ " ؟ وعليه فما في الكفاية ناش من سهو القلم. نعم، إذا كان عنوان البحث كما في الفصول من قوله: " إطلاق المشتق على الذات المتصفة بمبدئه في الحال " أمكن تفسيره بحال التلبس، بناء على جعل قيد " في الحال " راجعا الى الإطلاق، أو جعل الاتصاف بمعنى وجدان المبدأ فيه إجمالا، سواء أبقي فيه أم لا، وإلا فلو جعل الاتصاف مرادفا للتلبس وارجع القيد إليه لما كان الى تفسيره بحال التلبس في عبارة الفصول أيضا سبيل. ولعل تفسير الكفاية مبني على انصراف ذهنه الشريف إلى عنوان الفصول وعدم التفاته الى تغييره للعنوان، وعلى أي فهو من سهو القلم. ثم إنه لا ينافي ما ذكرناه انفهام زمان الحال من مثل قولنا: " زيد قائم ". وذلك أما أولا: فلأن ما ذكرناه إنما هو تفسير لما وضع له المشتق وانفهام زمان الحال من الجملة إنما كان بقرينة الانصراف. وأما ثانيا: فلأنه بعد هذا الانصراف أيضا يبقى مجال النزاع، فإنه يصح بعده أيضا النزاع في أن معنى كونه قائما هل هو تلبسه بالمبدأ في زمان الحال الذي هو حال الحكم بالهوهوية، أم يكفي في صدقه أن يحصل له القيام قبله ولو انقضى عنه حال الحكم بالهوهوية ؟ السادس: لاأصل في المسألة يعول عليها عند الشك ويعين به المعنى الموضوع له المشتق، وأصالة عدم ملاحظة خصوصية التلبس بالمبدأ مع كونها من الاصول المثبتة إنما كان لها مجال لو كان لحاظ المعنى في قالب " ذات وجد لها المبدأ وبقي لها "، وانحصار اللحاظ فيه ممنوع، بل بناء على بساطة مفهوم المشتق

[ 87 ]

إما يلاحظ واجد المبدأ، وإما يلاحظ ما وجد له المبدأ، وأصالة العدم جارية في كل منهما فيتعارض الأصلان. كما أن ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز لأجل الغلبة ممنوع، لمنع الغلبة أولا، ومنع نهوض حجة على الترجيح بها ثانيا. نعم، لا بأس بالرجوع الى الأصل الحكمي، وهو يختلف باختلاف الموارد، فإنه لو قال المولى: " أكرم كل عالم " فأصالة البراءة تقتضي عدم وجوب إكرام من انقضى عنه المبدأ قبل الإيجاب. كما أن استصحاب. بقاء وجوب إكرام من تلبس بالمبدأ بعد الإيجاب أوحينه ثم انقضى عنه يقتضي وجوب إكرامه بعد الانقضاء أيضا. وليس المراد بهذا الوجوب المستصحب الوجوب الكلي المجعول على عنوان العالم - حتى يستشكل جريان الاستصحاب فيه (1): إما لمنع جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية الكلية مطلقا، وإما لمنع جريانه فيها إذا كان منشأ الشك في بقاء الحكم الكلي الشك في مفهوم الموضوع المجعول عليه الحكم - كما في ما نحن فيه، فإن الشك في بقاء الوجوب إنما هو الشك في مفهوم " العالم " مثلا، وأنه هل يعم ما انقضى عنه المبدأ - ليكون الوجوب باقيا حتى بعد انقضاء التلبس بالمبدأ، أو يختص بخصوص المتلبس به حتى ينقضي الوجوب بانقضاء التلبس ؟ وبالجملة: فالمستصحب هو الحكم الجزئي الذي هو نتيجة انحلال حكم العام أو المطلق إلى أحكام متعددة بعدد الافراد، ف‍ " زيد " المتلبس بالعلم يجب إكرامه، وإذا زال علمه يحتمل بقاء وجوب إكرامه، والاستصحاب يقتضي بقاءه ومن الواضح أن زوال العلم عنه لا يوجب إنتفاء الموضوع، فإن العلم - كسائر صفاته من قبيل الأحوال عرفا لا يضر ارتفاعه ببقاء الموضوع، وقد حقق في باب الاستصحاب أن المرجع في بقاء الموضوع ووحدة القضية المتيقنة والمشكوكة هو العرف، وعليه فلا مجال للإيراد المذكور. هذا.


(1) كما في المحاضرات: ج 1 ص 243 - 245. (*)

[ 88 ]

مضافا الى أن التحقيق: أن استصحاب الأحكام الكلية لا إشكال فيه إذا لم يكن منشأ الشك الشك في صدق الموضوع، والبحث عنه موكول الى ذاك الباب. والله الهادي الى الصواب. هذا تمام الكلام في المقدمات. وبعد ذلك: فالأقوال في أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ أو في الأعم كثيرة، فقد قيل فيه تفصيلات متعددة نسبها في الكفاية (1) الى المتأخرين - قال: بعدما كانت المسألة ذات قولين بين المتقدمين -. وكيف كان فقد استدل لكل من القولين بوجوه: أدلة القول بوضعه لخصوص المتلبس: حيث قد مرت الإشارة الى أن البحث هنا إنما هو عن تعيين الموضوع له للمشتقات فصح الاستناد فيه الى علائم الحقيقة، فاستدل له بتبادر خصوص المتلبس من حاق لفظ المشتق مطلقا إذا عرض على الذهن، وبأن سلب المشتق بماله من المفهوم الارتكازي عما انقضى عنه المبدأ صحيح، فلا يكون لمفهومه سعة تشمله، وبأنه لو كان موضوعا للأعم من المتلبس لكان صدق مشتقين من مبدأين بينهما تضاد على مصداق واحد في زمان واحد صحيحا، مع أنه لاريب في تضاد مفهوم الأسود والأبيض كتضاد السواد والبياض. والوجوه الثلاثة - أذا اذعن بها - فكل منها دليل مستقل تام يثبت بها الوضع لخصوص المتلبس. وقد يورد على الأخيرين: بأن مرجعهما الى التبادر، فإنه لولا تبادر المعنى في الذهن وتعينه بحدوده لما أمكن الحكم بأن سلبه عن ماانقضى عنه المبدأ صحيح، ولا الحكم بأن الأسود والأبيض متضادان في الصدق. والجواب: أنه كما يكفي العلم الارتكازي للتبادر نفسه فهكذا يكفي لكل من


(1) الكفاية: ص 64. (*)

[ 89 ]

صحة السلب والحكم بالتضاد، وذلك أن المستعلم لحدود معنى المشتق إذا لم يكن له بعد التفات تفصيلي الى ذاك الحد من مفهومه فراجع علمه الارتكازي ووجد صحة السلب عن المنقضي عنه المبدأ، أو أن ذهنه لا يقبل صدق الأسود والأبيض على مورد واحد في زمان واحد لم يبق له شك في أن حد هذا المعلوم الارتكازي إنما هو خصوص المتلبس بالمبدأ، وظهر له تفصيلا ماكان معلوما عنده إجمالا وارتكازا، ولا حاجة له في هذا الانكشاف المستند الى العلم الارتكازي الى سبق التبادر الى خصوص المتلبس تفصيلا كما لا يخفى. كما قد يورد على كل منها بأنها لعلها مستندة الى الانصراف، انصراف المطلق الى بعض المصاديق، مع أنه موضوع لما يعم جميعها. والجواب الصحيح: هو دعوى وضوح أن كلا منها مستند الى العلم الارتكازي المتعلق بما يفهم من حاق اللفظ، بلا أي قرينة متصورة، ولا انصراف أصلا. وأما الجواب عنه - كما في الكفاية - بأن احتمال الاستناد الى الانصراف إنما يجئ لو كان إطلاق المشتق في موارد الانقضاء قليلا شاذا، فإنه الموجب لابتعاد الذهن عنه وانصرافه الى غيره، مع أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء كثير لو لم يكن أكثر من موارد استعماله في خصوص المتلبس (1). فهو وإن لم يكن به بأس بنفسه إلا أنه ينقضه ما أفاده في ذيل الكلام من أن استعماله في موارد الانقضاء لعله بلحاظ حال التلبس ومن باب حكاية ما مضى بل ارتفع، وقال: " لا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازا وبالعناية وملاحظة العلاقة " (2). ووجه هذا النقض: أنه إذا سلمتم احتمال أن يكون استعماله في تلك الموارد الكثيرة استعمالا في خصوص المتلبس بالمبدأ فقد سلمتم احتمال عدم إطلاق المشتق أصلا على ماانقضى عنه المبدأ، وهو يؤكد احتمال الانصراف المذكور في


(1 و 2) الكفاية: ص 66. (*)

[ 90 ]

الإشكال، وهدم بناء الجواب المبني على كثرة إطلاقه على موارد الانقضاء. وأما ما أفاده بقوله: " لا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازا وبالعناية " فيرد عليه: أن كلا من الإطلاق الحقيقي المستند الى حكاية حال الماضي، والإطلاق العنائي المستند الى ادعاء أنه متلبس بالمبدأ في الحال - كما على التحقيق في المجاز - أو الى إلقاء التشبيه له بالمتلبس بالمبدأ في الحال فكل منهما غرض مخصوص ربما يتعلق به غرض المتكلم، فكل منهما تعلق به غرضه عليه أن يستعمل ما هو آلة لإبرازه، ففي مقام الحكاية يستعمل الحقيقة، وفي مقام الادعاء والتشبيه يستعمل المجاز، فلا وجه لما أفاده بقوله: " لا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازا وبالعناية ". وبالجملة: فلا يرد على الاستدلالات المذكورة شئ من هذه الشبهات وأمثالها، إلا أن ينكر إطلاق دعوى التبادر وصحة السلب، فإنه لا يبعد دعوى انفهام الأعم في المشتقات التي مبادئها آنية الوقوع كالقاتل والفاصل، وفي مثل أسماء الآلة والمكان، بل وفي اسم المفعول كالمضروب وإن كان التبادر وصحة السلب وانفهام التضاد تجري في العالم والقائم، والأسود والأبيض، والمتحرك والساكن، الى غير ذلك. أدلة القائلين بالوضع للأعم: وقبل الخوض فيها ينبغي التنبيه على نكتة: وهي أنه لما كان المتلبس واجدا لمبدأ الاشتقاق، والمنقضي عنه المبدأ فاقدا له فلذلك قد يرد دعوى الأعمي: بأن الجامع بين الوجدان والفقدان غير متصور، ووجوده مما لابد منه بعد بداهة أنه على الأعم، فالمشتق مشترك معنوي بين المتلبس والمنقضي، لا مشترك لفظي. إلا أن هذه الشبهة مما لا يمكننا الإصغاء إليها، وذلك أنه بعد تسلم أن مفهوم المشتق عنوان انتزاعي غير ذاتي فالمفهوم منه على مبنى الأعم معنى بسيط في بادئ الانفهام، يفسره الذهن، ويعبر عنه اللسان بما حدث له المبدأ، غير مقيد

[ 91 ]

ببقاء التلبس به، وهو مفهوم واحد يعم المتلبس والمنقضي عنه بحيثية حدوث التلبس بالمبدأ، غير مشترط فيه بقاؤه، فلا ينحصر تصوير الجامع بتصور جامع بين حيثية الوجدان والفقدان حتى نضطر الى انكاره. وبالجملة: فمفهوم المشتق أمر واحد على كلا المبنيين، وحديث البساطة والتركيب أيضا أمر يجري على كليهما، فما اعتبرناه تحليلا للمفهوم البسيط يراه القائل بالتركيب مفهوما أوليا له. وكيف كان فلا يرد إشكال أصلا. هذا. وبعد ذلك نقول: قد استدل لهذا القول أيضا بالتبادر، وعدم صحة سلب المشتق بما له من المعنى الارتكازي عما انقضى عنه المبدأ، وهما كافيان لإثبات المدعى إذا صدقناهما أو أحدهما، إلا أن الكلام كله في هذا التصديق، وقد عرفت البحث عنه، فلا نعيد. ويستدل له أيضا باستدلال الإمام (عليه السلام) تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) - كما في غير واحد من الاخبار (1) - بقوله تعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) * على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا زمنا لمنصب الإمامة تعريضا بمن تصدى لها وقد عبد الصنم قبلا مدة مديدة. ففي خبر هشام بن سالم قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات... الى أن قال في عد الطبقة الرابعة:... والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل اولي العزم، وقد كان إبراهيم (عليه السلام) نبيا وليس بإمام، حتى قال الله: * (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي) * فقال الله: * (لا ينال عهدي الظالمين) * من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما " (2). وعن كتاب ابن المغازلي الشافعي بإسناد يرفعه الى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنا دعوة أبي إبراهيم، قلت: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم ؟ قال: أوحى الله عز وجل الى إبراهيم * (إني جاعلك للناس


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 174 - 175 ح 1، 2. (2) اصول الكافي: ج 1 ص 174، باب طبقات الأنبياء. (*)

[ 92 ]

إماما) *، فاستخف إبراهيم الفرح، فقال: يا رب ومن ذريتي أئمة مثلي ؟ فأوحي الله عز وجل إليه: أن يا إبراهيم، إني لاأفي به لك عهدا، قال: يا رب ماالعهد الذي لا تفي لي به ؟ قال: لا اعطيك عهدا الظالم من ذريتك، قال: يا رب ومن الظالم من ولدي الذي لا ينال عهدك ؟ قال: من سجد لصنم من دوني لاأجعله إماما أبدا، ولا يصلح أن يكون إماما، قال إبراهيم: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس " قال النبي (صلى الله عليه وآله): فانتهت الدعوة الي والى علي، لم يسجد أحدنا لصنم قط، فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا " (1). الى غير ذلك من الأخبار. فقد استدل الإمام (عليه السلام) تأسيا بالنبي (صلى الله عليه وآله) بالآية على أن من عبد صنما أو وثنا ولو في الأزمنة السالفة لا يكون إماما أبدا، ومن الواضح توقفه على أن يراد بالمشتق الواقع فيها أعم ممن انقضى عنه مبدأ الظلم حين تصدي الإمامة، ضرورة انقضاء تلبسهم بذاك الظلم حين ماتصدوها. والجواب عنه: أن الاستدلال بالآية يتوقف على أمر آخر غير إرادة الأعم من المشتق، وتوضيحه: أن ظهور المشتق أو وضعه لخصوص المتلبس أمر، وظهور الكلام المشتمل على المشتق في وحدة زمان المسند المذكور فيه مع زمان صدق المشتق الذي من ملابساته أمر آخر، والأول هو محل الكلام، والثاني هو الذي يتوقف عليه الاستدلال. وبيانه: أن لفظه " الظالمين " جعلت بما لها من المعنى مفعولا لفعل " لا ينال "، فتعلق الفعل بالمشتق بعنوان أنه مفعوله، فظهور الكلام في وحدة زمان الفعل مع زمان صدق عنوان الظالم هو المبنى لاستدلال القائل بالأعم بالآية، وإلا فلو أنكرنا هذه الوحدة لما أمكن الاستدلال بها. نعم، لو قلنا بالأعم لدلت الآية على ما أفاده الإمام (عليه السلام) حتى مع تصديق الوحدة المذكورة، وحينئذ فلنا إنكار هذه الوحدة ولو بقرينة عظم منصب الإمامة، فيؤول معنى الآية المباركة الى ما أفاده المحقق الخراساني: من أن من كان ظالما آنا ما فلا يناله الإمامة العظمى أبدا،


(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 151 ذيل الآية الحديث 14. (*)

[ 93 ]

فيراد بالمشتق خصوص المتلبس، ولا يعتبر وحدة الزمانين. وأما ما عن العلامة الخوئي (قدس سره): " من أن استعمال المشتق فيما انقضى عنه المبدأ بلحاظ حال الانقضاء غير محتمل في القضايا الحقيقية، ضرورة أن الموضوع فيها أمر كلي مقدر الوجود، فما لم يتلبس بالمبدأ لم يصدق عنوان المشتق، وبعد تلبسه به كان من قبيل الاستعمال فيما تلبس به، ثم يحكم عليه بالحكم وإن كان زمان إجراء الحكم متأخرا عنه، فقوله تعالى: * (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (1) لا يعم أحدا ما لم يتلبس بالسرقة، فإذا سرق عمته الآية وهو متلبس به، إلا أن حكم القطع متأخر عن زمن التلبس به، ولا بأس به، فيظهر أن ما أفاده صاحب الكفاية: من أن الاستعمال في أمثالها بلحاظ حال التلبس دون الانقضاء لا وجه له، وذلك لأن حالة الإنقضاء في أمثال المقام لا تتصور ليكون الاستعمال بلحاظ حال التلبس به دونها (2). ففيه أولا: أن غاية ما يستفاد مما أفاد: أن مصاديق المشتقات في القضايا الحقيقية لا محالة تتلبس بالمبدأ، بحيث لا يتصور لها مصداق كان مصداقيته من باب انقضاء التلبس لاغير، إلا أنه لا يصحح دعوى أن حالة الانقضاء لا تتصور في تلك القضايا، وذلك أن تعليق الحكم على عنوان المشتق في القضايا الكلية على نحوين: فتارة يكون ظاهرها علية المبدأ لتعلق الحكم حدوثا وبقاء، كما إذا قيل: " يجوز إهانة الفاسق "، وتارة يستظهر منها أو يحتمل فيها أن يكون الحكم دائرا مدار صدق العنوان، كما إذا قيل: " أكرم العالم " واستظهرنا أو احتملنا فيه ذلك فحينئذ لاريب في أنه على القول بالأعم يصدق العنوان المذكور ولو بعد الانقضاء أيضا، ولازمه جريان حكم وجوب الإكرام بعدما انقضى تلبس الفرد بالمبدأ أيضا، وهذا بخلاف القول بخصوص المتلبس، فإنه تبعا لاختصاص صدق العنوان به لا يعم الحكم زمن الانقضاء.


(1) المائدة: 38. (2) محاضرات في الاصول: ج 1 ص 256 - 257. (*)

[ 94 ]

وثانيا: أن الذي أفاده إنما لا يتصور في المصاديق المتجددة، وإلا فلو كان لنا في زمان صدور القضية المشتملة على الحكم مصداق كان تلبسه بالمبدأ قبل صدورها بحيث قد انقضى عند المبدأ قبله، فهذا الفرد مشمول للعام على الأعم، وقد شمله العام بلحاظ خصوص حال الانقضاء. نعم، بالنسبة للمصاديق المتجددة لا محالة يكون انقضاء تلبسه مسبوقا بفرديته لموضوع القضية وشمول حكمها له قبل ذلك، فلو تم كلامه لتم في خصوص هذه المصاديق لاغير، وقد عرفت عدم تماميته بنحو الإطلاق هناك أيضا. وكيف كان فمما ذكرنا في آية الإمامة يعلم الجواب عن الاستدلال للقول بالأعم بآية حد السارق والزاني، فلا نطيل بالإعادة. وينبغي التنبيه على امور: الأول: قد نسب الى السيد العلامة الخوئي (قدس سره) إنكار ترتب الثمرة على نزاع المشتق. ببيان: أن الظاهر من العناوين الاشتقاقية المأخوذة في موضوعات الأحكام أو متعلقاتها بنحو القضايا الحقيقية - التي هي محل الابتلاء في الفقه - هو: أن فعلية الأحكام تدور مدار فعليتها حدوثا وبقاء، فلا محالة تزول الأحكام بزوالها وإن قلنا بأن المشتق موضوع للأعم. نعم، ربما يثبت في بعض الموارد بقرينة داخلية أو خارجية أن حدوث العنوان علة محدثة ومبقية معا، وفيه أيضا لافرق بين القولين. وكيفما كان لا أثر لخصوص أحد القولين (1). انتهى. أقول: يرد عليه أولا: أن البيان المذكور هو بعينه بيان ترتب الثمرة، وذلك أنه إذا سلمنا أنه إذا لم يكن لنا قرينة خاصة فظاهر الكلام أن فعلية الأحكام تدور مدار فعلية العناوين الاشتقاقية حدوثا وبقاء، كان هذا بعينه تصديقا بالثمرة، فإذا قال المولى: " أكرم العلماء " فحدوث عنوان العالم وإن لم يكن فيه فرق بين القولين


(1) المحاضرات: ج 1 ص 262. (*)

[ 95 ]

إلا أن بقاء هذا العنوان الاشتقاقي يختلف فيه القولان: فعلى خصوص المتلبس يختص صدقه بزمان بقاء المبدأ، وأما على القول بالأعم فيبقى فعلية صدقه حتى بعد انقضاء المبدأ عنه أيضا، فلا محالة تظهر ثمرة القولين. وثانيا: أنه لو صححنا عبارته وقلنا بأن مراده (قدس سره) أن فعلية الأحكام تدور مدار فعلية مبدأ الاشتقاق حدوثا وبقاء لقلنا: إن ما أفاده من أن أدلة الأحكام دائما من هذا القبيل ممنوع، بل يكفي لترتب الثمرة أن يكون مدلول قضية ولو ببركة قرينة خاصة أن الحكم دائر مدار صدق العنوان الاشتقاقي، فتظهر فيه ثمرة القولين كما عرفت. الثاني: في بساطة مفهوم المشتق وتركبه: إن المراد بتركب مفهوم المشتق كما يظهر من كلماتهم: أن يكون مدلوله الأولي ذاتا ثبت لها المبدأ حتى يكون مفهوم العالم ابتداء وتحت لفظه " ذاتا ثبت له العلم "، فيقابله حينئذ أن يقال: إن المفهوم الأولي منه بسيط كما نعقله من مرادفه، أعني لفظة " دانا، دانشمند "، وإن كان ينحل بداهة عند السؤال عن شرحه الى ما مر، أعني ذاتا ثبت لها العلم. فليس المراد بالبساطة مثل بساطة النوع الحقيقي المنحل الى جنس وفصل لكي يقال: إنه عنوان انتزاعي ليس من قبيل المقولات ولا الكليات الخمسة، فلا يراد بها بساطة الأنواع المركبة من الجنس والفصل، والمادة والصورة، فضلا عن البسائط الخارجية كالأعراض، وعن الجواهر المجردات، وعن البسيط الحقيقي الذي لا تركب فيه بوجه كالواجب تعالى شأنه. وحينئذ فالدليل على بساطة مفهوم المشتق هو الرجوع الى ما يتبادر منه في الأذهان، فإنه الطريق الأصيل لفهم معنى الألفاظ مادة وهيأة، ومنها المشتقات.

[ 96 ]

نعم، ما ذكره صاحب الكفاية في آخر المقال بقوله: " يمكن أن يستدل على البساطة بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل " زيد الكاتب " ولزومه من التركب " (1) أيضا صحيح، فإن عدم التكرار المذكور من لوازم بساطة الموضوع له، ودليله من باب الاستدلال بالمعلول على العلة، ومن برهان اللم. ثم إنه قد نقل عن السيد الشريف في حاشيته على شرح المطالع في الاستدلال على بساطة مفهوم المشتق ما خلاصته: أن المراد بالذات والشئ - الذي يقول القائل بتركب مفهومه منه - إن كان مفهومهما لزم دخول العرض العام في مفهوم الفصل في تعريف الأنواع بالجنس والفصل. وإن اريد ما صدق عليه الذات والشئ يلزم أن ينقلب مادة الإمكان الخاص ضرورة في قولنا: " كل إنسان كاتب أو ضاحك "، لأن ذاتا أو شيئا له الكتابة أو الضحك هو الإنسان لاغير، وثبوت الشئ لنفسه ضروري. قال في الفصول إيرادا عليه: ويمكن أن يختار الوجه الأول، ويدفع الإشكال بأن كون الناطق - مثلا - فصلا مبني على عرف المنطقيين، حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات، وذلك لا يوجب أن يكون وضعه لغة كذلك (2) انتهى. يعني أن المنطقيين أرادوا منه معنى بسيطا، مع أنه في اللغة وضع لمفهوم مركب من الذات ونسبة المبدأ إليها، فهم استعملوه في غير معناه اللغوي. والكفاية استظهر أن المنطقيين أيضا أرادوا منه معناه اللغوي، فلا مجال للجواب عنه بما في الفصول فأجاب عن الشريف: بأن ما ذكروه فصلا فهو فصل مشهوري منطقي، لا فصل حقيقي، وإلا فالفصل الحقيقي لا يعلمه إلا الله، أو الأوحدي من الناس. أقول: ومع ذلك كله فهو استدلال بفهم المنطقيين واستظهارهم، ولا حجة فيه إذا قام أدلة تعيين الموضوع له من التبادر وغيره على خلافه.


(1) الكفاية: ص 74. (2) الفصول: ج 1 ص 50 السطر 9، طبعة الخونساري. (*)

[ 97 ]

ثم قال في الفصول: " ويمكن أن يختار الوجه الثاني أيضا، ويجاب: بأن المحمول ليس مصداق الشئ والذات مطلقا، بل مقيدا بالوصف، وليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضروريا " (1). وأورد على هذا الجواب في الكفاية (2) بما حاصله: أن عدم كون ثبوت القيد ضروريا لا يضر بدعوى الانقلاب، فإن المحمول في قضية " كل إنسان إنسان له الكتابة " التي تكون معنى " كل إنسان كاتب " إن كان ذات المقيد وكان القيد خارجا والتقيد داخلا لكي يكون المحمول نفس الحصة والكلي المقيد من الإنسان فالقضية لا محالة ضرورية، ضرورة ثبوت كل من حصص الكلي واتحاده مع ذلك الكلي، فالإنسان الخاص - أعني الإنسان الذي له الكتابة بحيث لا يكون النظر إلى إثبات القيد - ضروري الثبوت للإنسان وإن كان المحمول، هو المقيد بما هو مقيد حتى يراد حمل الكتابة أو الضحك، وإثباته وحمله أيضا على الإنسان، فحينئذ قضية " الإنسان ضاحك " تنحل الى قضييتن: قضية " الإنسان إنسان " وقضية " الإنسان له الضحك "، وذلك أن المفروض أن مفهوم قضية " الإنسان ضاحك "، هو قولنا: " الإنسان إنسان له الضحك "، وحيث إن المفروض أيضا أن القيد بنفسه أيضا قد أريد حمله على الموضوع فلا محالة ينحل المحمول المقيد الى محمولين: هما " إنسان " و " له الضحك " وهذا بعينه انحلال القضية الى هاتين القضيتين، وبعده فإحدى القضيتين - وهي قولنا: " الإنسان إنسان " - ضرورية، وكفى بها في صدق الانقلاب الذي ادعاه، وإن كان القضية الاخرى - أعني " الإنسان له الضحك " - موجهة بمادة الإمكان. هذا محصل كلام الكفاية بعد تهذيبه عن الزيادة المضرة بالمقصود، وتبديلها بما هو تكملة في بيانه، وذلك أن مسألة انحلال عقد الوضع وعقد الحمل كل منهما، الى قضية مما لا ربط لها بمحل الكلام، إذ لم يركن الشريف ولا صاحب الفصول إليه، ولا كان مرجع كلامهما إليه، ولا حاجة إليه، ولا تتم به دعوى الكفاية، كما


(1) المصدر السابق: س 10. (2) الكفاية: ص 72. (*)

[ 98 ]

لا يخفى على من تأمل. فإن مقصود الشريف من قضية " كل إنسان إنسان " الضرورية إنما هي القضية المتحصلة من موضوع القضية الأصلية، ومصداق الشئ أو الذات الذي جعل مفهوم المشتق مركبا منه، فلا محالة يكون البيان ما بيناه. أقول: وبعد ذلك كله فيمكن أن يقال - بعد اختيار أن المحمول في قضية " كل إنسان كاتب " هو المقيد بما أنه مقيد -: إن هذه القضية وإن انحلت الى هاتين القضيتين إلا أنه لا ريب في أن الغرض الأصلي إنما هي القضية الثانية أعني قضية " كل إنسان له الكتابة "، وحينئذ فعد قضية " كل إنسان كاتب " مما مادتها الإمكان إنما هو بلحاظ ما هو المقصود الأصلي منها. وإن شئت قلت: إن الانحلال المذكور أمر عقلي لا يقبله الذهن بحسب المقصود الأصلي. فالمقصود الأصيل الذي لا يتوجه ذهن المتكلم إلا إليه ليس إلا بيان أن له الكتابة، ولو تكلم بالإنسان فإنما هو لضيق اللفظ عن إفادة مرامه، ففي مقصوده الأصيل لا ينفك المقيد عن قيده، ولا ينحل ذلك الانحلال، وهذا هو مراد صاحب الفصول من الجواب، وحاصله: أن الانحلال المذكور لا نسلمه في المقصود الأصيل، فإذا قلتم: إن معنى الكاتب إنسان له الكتابة فالمتكلم بقضية " الإنسان كاتب " لا يريد إلا إثبات المقيد بما أنه مقيد، ولا يريد الانحلال المذكور، ولا يرضى به أصلا، وهو ليس ببعيد. ثم إن صاحب الفصول (قدس سره) تنظر فيما أفاده ثانيا، فقال: وفيه نظر، لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف - قوة أو فعلا - إن كانت مقيدة به واقعا صدق الإيجاب بالضرورة، وإلا صدق السلب بالضرورة، مثلا: لا يصدق " زيد كاتب " بالضرورة، لكن يصدق " زيد زيد الكاتب " بالفعل أو بالقوة بالضرورة (1). انتهى. ومراده (قدس سره) بقوله: " لا يصدق زيد كاتب بالضرورة " أنه لا يصدق إذا اريد من " كاتب " معناه البسيط المرتكز. كما أن هذا المعنى البسيط، هو مراده من " الكاتب " المذكور قيدا


(1) الفصول: ج 1 ص 50 س 12. (*)

[ 99 ]

للذات، فحاصل مقصوده: أنه إذا جعل المحمول، هو الذات المقيدة بوصف الكتابة بأن يقال: " زيد زيد الذي له الكتابة بالفعل أو بالقوة " كانت قضية ضرورية، إما في جانب الإيجاب كما في المثال، وإما في جانب السلب فيما إذا لم تكن الذات مقيدة بالمحمول واقعا، فعلى أي حال إنقلبت مادة الإمكان ضرورة: إما وجوبا وإما امتناعا. هذا. وهذا الذي ذكرناه في توجيه كلامه هو الذي يقتضيه تركب مفهوم المشتق الذي هو المحمول من ذات وقيد منتسب إليها، وهو الموافق للنسخ المصححة من الفصول. وعليه فلا يرد عليه ما في الكفاية " من أنه خروج عن محل الكلام، وفرض للبحث فيما كان موضوع القضية مشروطا بالمحمول، فكانت ضرورة بشرط المحمول " (1). وذلك أنه على ما ذكرنا فلم يقيد الموضوع، ولم يشرط بشئ أصلا، بل الموضوع، هو نفس الذات بلا قيد أصلا، وإنما القيد جئ في جانب المحمول، وكان هذا التقييد في المحمول، هو مقتضي تركب مفهوم المشتق من " ذات " و " مبدأ " منتسب إليها كما عرفت. لكنه يرد عليه: أن ما ذكره " من أن الذات المقيدة إن كان مقيدة واقعا صدق الإيجاب بالضرورة، وإلا صدق السلب بالضرورة، ممنوع، وذلك أن القيد إذا لم يكن من لوازم الذات كما هو المفروض، فتقيد الذات به واقعا تابع لوجود علة القيد، كما أن تقيدها بعدمه تابع لعدمها، فضرورة وجود التقيد أو عدمه ناشئة عن وجود العلة وعدمها، فهي ضرورة بشرط العلة، وليست ضرورة ذاتية حتى توجب انقلاب المادة عن الإمكان الى الضرورة. ثم قال الفصول: ولا يذهب أنه يمكن التمسك بالبيان المذكور على إبطال الوجه الأول أيضا، لأن لحوق مفهوم الذات أو الشئ لمصاديقهما أيضا ضروري، ولا وجه لتخصيصه بالوجه الثاني. إنتهى (2).


(1) الكفاية: ص 73. (2) الفصول: ج 1 ص 50 س 12. (*)

[ 100 ]

ومراده من البيان المذكور: بيان انقلاب مادة الإمكان الى الضرورة الذي تمسك به الشريف لإبطال أخذ مصداق الشئ في معنى المشتق، يعني أن هذا البيان بعينه يجري لإبطال الاحتمال الأول، أعني أخذ مفهوم الشئ في معنى المشتق أيضا، وذلك بان يقال: لاريب في أن المادة في قضية " كل إنسان كاتب أو ضاحك " هي الإمكان، ولو أخذ مفهوم الشئ في معنى المشتق انقلبت ضرورة، لأنه كما أن ثبوت الشئ لنفسه ضروري فهكذا لحوق مفهوم الشئ أو الذات لمصاديقه ضروري، فكما أن ضرورية قضية " الإنسان إنسان " أوجبت انقلاب مادة الإمكان في قضية " الإنسان إنسان له الكتابة " فهكذا ضرورية قضية " الإنسان شئ أو ذات " توجب انقلابها في قضية " الإنسان ذات أو شئ له الكتابة ". وهذا بيان متين ومجادلة بالتي هي أحسن. وعليه فالإيراد عليه - كما في الكفاية - " بأن لحوق مفهوم الذات والشئ لمصاديقهما إنما يكون ضروريا مع إطلاقهما لامع التقيد " (1) رجوع الى نفس الجواب الذي أجاب به الفصول عن البيان المذكور، وليس غرض الفصول متانة البيان المذكور، بل إنما غرضه جريان ذاك البيان لإبطال الوجه الأول أيضا، وإلا فهو نفسه (قدس سره) قد رد ذاك البيان، وإن تنظر فيه بما قد مر الكلام فيه. وكيف كان فقد عرفت اختلال بنيان استدلال الشريف، فإن غايته أنه استدلال بفهم أصحاب المنطق من هيأة المشتقات، وليس فيه حجة لو فرض قيام أدلة تعيين المعاني الحقيقية على خلافه. الأمر الثالث: في الفرق بين المشتق ومبدئه: قد يقال: إن الفرق بين المشتق ومبدئه إنما هو في مجرد أن اللفظ الموضوع للمبدأ اخذ معناه بشرط لا عن الحمل، والمشتق معناه لا بشرط عنه، وإلا فحقيقة المعنى في كلا اللفظين هو مجرد الحدث.


(1) الكفاية: ص 73. (*)

[ 101 ]

فهذا هو الذي صرح به العلامة الدواني في بعض حواشيه، كما حكاه عنه بالتفصيل بعص أعيان المحققين في تعليقته الشريفة " نهاية الدراية " بعبارة واضحة الدلالة لا تقبل التأويل (1). ولمكان وضوح بطلان هذه الدعوى على المبنى المشهور وعلى المرتكز العقلائي فإن كلا من المقولات التسع العرضية عارضة على الجواهر، وموجودات غيرها، وإن اتصفت الجواهر بها، فألفاظ المبادئ حاكية عن هذه الأعراض المباينة في الوجود مع وجود الجواهر، ولا يمكن اتحاد هذه الأعراض مع الجواهر وجودا، ولو اخذت لا بشرط ألف مرة، وما لم يكن اتحاد في الوجود لم يصح الحمل، وهذا بخلاف المشتقات فإن مفهومها عناوين منتزعة عن الذوات بلحاظ اتصافها بتلك الأعراض، ولذا كانت صادقة عليها. وهكذا الأمر في مرتكز العرف، فالحرارة والجلوس عندهم صفة زائدة على ذات الحار والجالس غير نفس الجالس والحار، ومفهوم المشتق كالحار والجالس منتزع عن الذوات متحد بها محمول عليها. بل وهكذا الأمر في المفاهيم الانتزاعية التي من قبيل لوازم الذات كالإمكان، أو من قبيل الأعراض المفارقة كالشرطية والمشروطية فإن المفهوم من الإمكان أو الاشتراط معنى لا يمكن اتحاده بالممكن والشرط أو المشروط. وبالجملة: فالألفاظ الموضوعة للمبادئ: معناها نفس المبادئ والمعاني الحديثة ومااليها، وهي مباينة للذوات بخلاف المشتقات، ولوضوح بطلان دعوى الخلاف حمل الكفاية كلام المخالفين بما ينطبق على ما هو الحق الصراح. وكيف كان فما أفاده الكفاية وغيره من المشايخ العظام أمر واضح لا شبهة فيه، إلا أنه ينبغي التنبه لأمرين: أحدهما: أن الذات الواجبة لما كانت متحدة مع مبادئ الصفات الذاتية، وكانت هذه الصفات عين الذات لا زائدة عليها، فلذا صح فيها حمل هذه المبادئ


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 231. (*)

[ 102 ]

على الذات، وإن لم يصح في سائر الموارد، لوجود الاتحاد الذي هو ملاك الحمل هنا دون سائر الموارد، فالله تعالى علم وحياة وقدرة وسمع وبصر، كما أنه تعالى عالم حي قادر سميع بصير. ثانيهما: إذا قلنا بأن الأعراض مرتبة من حقيقة الجواهر وجلوة من جلواتها، وأنكرنا لهما وجودا زائدا على وجود الجواهر فلا محالة تتحد الأعراض في الوجود معها، وصح حملها عليها، فكما أن الإنسان علم - بناء على اتحاد العقل والعاقل والمعقول - فهكذا على هذه المقالة " الماء حرارة والإنسان جلوس " الى غير ذلك. نعم، تبقى المبادئ التي حقيقتها ليست إلا مفاهيم انتزاعية، كالإمكان والعلية، وكل ماكان من قبيل الخارج المحمول، فالمبادئ فيها معان خارجة عن الذات زائدة عليها غير متحدة بها، فلا يصح الحمل فيها، لعدم وجود ملاكه الذي هو الاتحاد في الوجود. الأمر الرابع: إن مفاد القضايا الحملية المصطلحة إنما هو اتحاد الموضوع والمحمول فلا يحتاج صدقها الى أزيد من هذا الاتحاد، ولا تحتاج الى المغايرة أصلا. نعم، كونها مفيدة لفائدة ربما يحتاج الى تغاير ما: إما تغايرا في وجود مبدأ المحمول مع الموضوع كما في حمل المشتقات التي مبادئها الأعراض، وإما تغايرا في مفهومه في عين العينية الوجودية كما في صفات الذات، فإن التغاير المفهومي يوجب عدم التفات الذهن الى معنى الصفات، فكان الحمل مفيدا لفائدة، وربما كانت هذه الفائدة فيما اريد التزاما من الحمل، كما في قضية " الإنسان إنسان " مرادا بها أن ليس سوى الإنسانية في مرتبة ذات الإنسان. فما اشتهر: من أن حمل هو هو يحتاج الى الاتحاد من وجه، والمغايرة من وجه، فليست الحاجة اليهما على حد سواء، فإن قوام الحمل بالاتحاد ليس إلا، وأما المغايرة فربما يحتاج إليها في الإفادة، وإلا فالحمل صحيح بلا أي شرط.

[ 103 ]

وإذا وجدت الهوهوية والاتحاد صح الحمل، كما أنها إذا لم توجد لم يصح الحمل حقيقة، ولا يصححه اعتبار التركيب، بل يكون لحاظه مخلا كما في الكفاية، لاستلزامه المغايرة بالجزئيه والكلية. نعم، ادعاء الوحدة في المتغايرات يوجب صحة الحمل بينها ادعاء وتنزيلا، ومن هذا الباب جميع المجازات، كما عرفته في محله. الأمر الخامس: صرح في الفصول (1) بإطباق القوم على لزوم أن يكون مبدأ المشتقات مغايرا مع الذات في الوجود، ولذلك التزم بالنقل أو التجوز في صدق الصفات الذاتية على الذات تبارك وتعالى. لكنه أمر في غير محله، وذلك أن المعتبر عند العرف في صدق مفهوم المشتقات ليس سوى حصول المبدأ للذات، من غير اعتبار أي امر عندهم سواه، فالعالم من كان لديه انكشاف المعلوم، وأما أن هذا الانكشاف بماذا وبأي وجه وكيفية ؟ فلا يعتبر فيه عندهم كيفية خاصة، فسواء كان بعينية العلم مع ذات العالم، أو بصفة زائدة عليها، أو بحصول إضافة خارجية بينها وبين المعلوم، أو بغير ذلك فكل ذلك غير معتبر ولا ملحوظ عنده، فصدق صفات الذات عليه تعالى كصدق سائر الصفات عليه وعلى غيره حقيقة بلا نقل ولا تجوز أصلا. الأمر السادس: هل يعتبر قيام المبدأ بالذات ؟ إذا كان المبدأ من قبيل الصفات الزائدة على الذات فهل يعتبر في صدق المشتق قيام المبدأ بما يجري عليه المشتق ؟ اختار الفصول اعتباره (2). ونقل عن بعض عدمه (3)، مستدلا بمثل الضارب والمؤلم - بالكسر - مع قيام الضرب والألم بالمضروب والمؤلم.


(1) الفصول: ج 1 ص 50. (2 و 3) الفصول الغروية: ص 62 س 18. (*)

[ 104 ]

والحق ما أفاده صاحب الكفاية: من أن المعتبر هو تلبس الذات التي يجري عليها المشتق بالمبدأ، وهذا التلبس يختلف حسب اختلاف المبادئ والهيئات الاشتقاقية، ففيما كان المبدأ ملكة أو حرفة ونحوها، لا يتوقع في التلبس به الفعلية بخلاف ماكان مبدؤه من قبيل الأفعال والحالات كما أن التلبس المدلول عليه والمحتاج إليه في هيأة اسم الفعل هو قيام المبدأ بالذات: إما عروضا، وإما صدورا، وفي هيأة اسم المفعول يكون تلبس الذات بالمبدأ بوقوعه عليهما، وفي اسم الآلة بوقوعه بها، وفي اسم الزمان والمكان بوقوعه فيها. فدعوى: اعتبار قيام تلك الصفات بالذات التي يحمل عليها المشتق في جميع الموارد خالية عن الوجه ومخالفة للواقع. الأمر السابع: هل المعتبر في القيام أن يكون بلا واسطة في العروض ؟ ظاهر الفصول هنا أيضا اعتباره، وأنه إذا كان المبدأ من قبيل الصفات العارضة فلابد في صدق المشتق على المورد حقيقة أن تقوم الصفة به بلا واسطة في العروض، وهو الموافق للتحقيق. والدليل عليه: هو التبادر القطعي، فالضارب هو الذي يضرب بنفسه، ولا يعم السبب المحرك للغير إليه، كما أن الجاري ما يكون الجريان وصفا لنفسه. وأما ما في الكفاية: من أن التجوز في الإسناد غير التجوز في الكلمة فإنما هو على مبنى القوم، وإلا فقد عرفت في بحث المجاز أن التجوز في الكلمة أمر غير واقع بالمرة، وأن باب المجاز يتقوم بالادعاء الذي منه الإسناد الى غير ما هو له، والأمر سهل. والحمد لله رب العالمين.

[ 105 ]

المقصد الأول في الأوامر وفيه فصول: الفصل الأول في ما يتعلق بمادة الأمر من الجهات الجهة الاولى: في مدلول المادة: لاريب في أن للأمر في اللغة معنى يشتق عليه الأفعال والأسماء، فيقال: امر يأمر آمر مأمور، الى غير ذلك، وهو بهذا المعنى يجمع على أوامر. كما أنه بهذا المعنى متضمن لمعنى الطلب، ومقصود بالبحث في هذا المقصد، فإن الأمر بالصيغة أيضا مشتمل على هذا المعنى، وموضوع كمادة الأمر لجل من مباحث هذا المقصد. كما أن مادة النهي بمعنى الزجر كصيغته موضوع لمباحث مقصد النواهي. ولا ينبغي الشك أيضا في إطلاق مادة الأمر على معنى آخر هو الفعل، أو الشئ أو الشأن، ولا يشتق منها بهذا المعنى أصلا، ويجمع بذلك المعنى على امور، وافتراق المعنيين في الجمع مما يؤيد كونه مشتركا لفظيا بين معنيين. قال في الفصول بعد تأييد الاشتراك اللفظي باختلاف المعنيين في الجمع: وهو في غير صورة الاشتراك بعيد (1) انتهى.


(1) الفصول: ج 1 ص 51. (*)

[ 106 ]

وقد ذكر لها معان متعددة اخر، هي - كما في الكفاية (1) - من قبيل اشتباه المصداق بالمفهوم، والأمر سهل. وكيف كان فظاهر جمع أن الأمر بالمعنى الأول مفهومه الطلب، وإن كان طلبا خاصا - كما يستفاد من الجهات الآتية - إلا أن الحق أن مفهومه في العرف لا يرادف الطلب، بل هو مرادف عندهم للفظة " فرمان " و " دستور "، أو " فرمان دادن، دستور دادن " بالفارسية، وفيه معنى المصدر تارة، واسمه اخرى. وكيف كان فلا يعتبر في صدق معناه أن ينشأ بالقول فضلا عن القول المخصوص، أعني هيأة الأمر، بل الإنشاء بالإشارة أو الكتابة أيضا يوجب صدق الأمر، ويشهد لذلك كله ملاحظة مرادفه بالفارسية. الجهة الثانية: قد عرفت آنفا أن الأمر يرادفه بالفارسية " فرمان " والظاهر أن مجرد العلو لا يكفي في صدق عنوانه، بل لابد وأن يكون صدوره إعمالا لجهة علوه فأمير الجند إذا بعث الجندي إلى عمل إعمالا لأمارته فهو أمر، ولعله المراد بالاستعلاء. وأما إذا طلب منه شيئا بما أنه أخوه في الدين أو النسب فلا يصدق عليه الأمر. بل ليس ببعيد أن يقال: إن الرجل الداني إذا استعظم نفسه واستخف من هو فوقه أو يساويه فطلب منه شيئا يصدق على طلبه هذا عنوان الأمر، وإطلاق الأمر على طلبه عند تقبيحه إطلاق حقيقي غير مبتن على تجوز ولا ادعاء، والشاهد عليه مراجعة الارتكاز العرفي، وتبادر المعنى العام من لفظ " الأمر ". نعم، إن العلو الذي يدعى اعتباره يكفي فيه العلو الدنياوي، وملاكه أن يعد عند العرف بماله من المرتبة ممن له أن يأمر، وكيف كان فالأمر سهل، لعدم ترتب ثمرة اصولية على هذا البحث، لأن الأوامر المذكورة في أدلة الأحكام واجدة لشرط العلو والاستعلاء كليهما، كما هو واضح، فالبحث لغوي محض.


(1) الكفاية: ص 82. (*)

[ 107 ]

الجهة الثالثة: الظاهر أن مادة الأمر ظاهرة في الوجوب بمالها من المعنى الموضوع له، والدليل عليه ملاحظة مرادفه، أعني لفظة " فرمان "، فإنها لاتصدق إلا في موارد الحتم والإيجاب، لا في مورد الندب والاستحباب، وعليه فإطلاقها على خصوص المندوب، أو على معنى يعمه والواجب - كما في تقسيم الأمر اليهما - إطلاق مسامحي، ويؤيده مثل قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * (1) وإن كان الاستدلال بمثله غير تام، فإن الاستعمال أعم من الحقيقة. الجهة الرابعة: قال في الكفاية: " الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعي، بل الطلب الإنشائي الذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا، بل طلبا إنشائيا... ولو أبيت إلا عن كونه موضوعا للطلب فلا أقل من كونه منصرفا الى الإنشائي منه عند إطلاقه، كما هو الحال في لفظ " الطلب " أيضا، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائي. كما أن الأمر في لفظ " الإرادة " على عكس لفظ " الطلب "، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقية " (2) انتهى. وحاصله: أن لفظ الطلب والإرادة معناهما واحد، وحقيقتهما هو ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك عضلات المريد نفسه أو لأمر عبيده به، ومصداقهما الإنشائي هو الأمر بالشئ وإنما يختلفان في المنصرف إليه للفظ " الطلب " وهو الطلب الإنشائي، وللفظ " الارادة " وهو المصداق الحقيقي، وأما لفظة " الأمر " فمعناه خصوص الطلب الإنشائي. هذا. أقول: وهذا الذي أفاده محل بحث وكلام يعرف بعضه مما سبق. وتوضيح المقام: أن المعاني التي ربما يقال بتحققها على نحوين:


(1) النور: 63. (2) الكفاية: ص 84 - 85. (*)

[ 108 ]

فتارة يكون قوام تحققها غير موقوف على اعتبار معتبر أصلا، بل هي نفسها متحققة يدركها العقل ويظفربها، وهي أقسام تعم ما في الوجود كلها: من الواجب الوجود والجواهر والأعراض بأنواعهما، بل وتعم - فيما أردنا منه هنا - الامور الانتزاعية وما يعبر عنه ب‍ " الخارج المحمول " كالإمكان، والعلية، والمعلولية، فإن ملاحظة الشئ كافية في إدراك تعلقه بالعلة الذي هو الإمكان، في بعض معانيه، مع أن الإمكان ليس أمرا عينيا في عين أنه ليس من قبيل أنياب الأغوال. وتارة يكون المعنى بحيث لا يتحقق في الخارج، حتى في أدنى مراتب التحقق الذي كان لمثل مفهوم الإمكان إذا لوحظ نفسه، إلا إذا اعتبره من بيده الاعتبار، وذلك مثل القوانين التشريعية التي يضعها ويصوبها مجالس التقنين، فإن هذه القوانين امور متحققة عند العقلاء وإن مات واضعوها، إلا أنها ليس لها حظ من الوجود الخارجي أصلا، حتى الضعيف الذي كان للامور الانتزاعية، بل هو معدوم عن عالم الأعيان، وإنما يكون موجودا في عالم الاعتبار، ويكون موضوعا لآثار عديدة عقلائية، ومن هذا القبيل حقيقة المعاملات، فالبيع - مثلا - قرار عقلائي يبقى بعد إنشائه بشرائطه، ويقبل الفسخ والإمضاء، وهو موجود في عالم الاعتبار وببركة اعتبار العقلاء، من دون أن يكون له أثر في الوجود الخارجي العيني أصلا. نعم، إن هذه الامور الاعتبارية، إذا تحققت في عالم الاعتبار، فوجودها الاعتباري ربما كان كافيا لانتزاع بعض المفاهيم عنها، مما لا يعتبر في منشأ انتزاعه خصوص الوجود الخارجي، فإذا أناط المقنن وجوب أمر بحصول شرط في الخارج، كما لو قال: " من بلغ ثماني عشرة سنة من عمره فعليه خدمة النظام العسكري " فالمجعول في عالم الاعتبار وإن كان وجوب خدمة النظام إلا أن الإناطة المذكورة توجب انتزاع الشرطية عن بلوغ ذاك المقدار من العمر، لمجرد إناطة الوجوب به، كما ينتزع الشرطية عن المحاذاة الخاصة اللازمة في احتراق الخشب - مثلا - بالنار. فالشرطية معنى واحد انتزاعي، إلا أن منشأ انتزاعها أعم من أن يكون أمرا

[ 109 ]

عينيا حقيقيا، أو أمرا قانونيا اعتباريا، وهو أمر واضح. وسيأتي في مستقبل الكلام توضيح أزيد لهذه الامور الانتزاعية، ودفع توهم من توهم في بعض مصاديقها أنها امور جعلية اعتبارية، إن شاء الله تعالى. إذا عرفت هذه المقدمة تعرف أن الموضوع له للفظة " الأمر " في مشتقاته كما يظهر بالدقة في مرادفها إنما هو من الامور الاعتبارية غير العينية، وهو عبارة عن الوظيفة والدستور الإلزامي الذي هو موضوع الإطاعة والعصيان، ومبدأ الثواب والعقاب، وجعله قد يكون بلفظه، وقد يكون في قالب الهيآت المختلفة المستعملة في مقام الإيجاب، وقد يكون بمادة الطلب والوجوب والإرادة وأمثالها، فبكل منها يتحقق مصداق لهذا الأمر الاعتباري مع اختلافه لكل منها وكل مع الآخر في المفهوم. وأما الطلب فمعناه الحقيقي - على ما في كتب اللغة أيضا - محاولة وجدان الشئ وأخذه، فهو عبارة عن المشي والذهاب الخارجي والحركة الخارجية نحو وجدانه، كما في طلب الماء والفحص عنه لمن لا يجده للوضوء، وإطلاقه على الأمر بشئ إنما هو لأن الأمر به مرتبة ضعيفة من الحركة لتحصيله، فالآمر بأمره قد تحرك نحو تحصيل المأمور به، فكان أمره مصداقا للطلب، إما حقيقيا لو كان المأخوذ من الحركة في مفهومه عاما يشمل مثله، وإما مجازيا ادعائيا إذا كان المأخوذ فيه الحركة الخارجية، كما لعله الأظهر. وكيف كان فليس حقيقته أمرا من الامور الاعتبارية، بل من مراتب القسم الأول من القسمين، أعني الموجودات الخارجية، غاية الأمر أنه مصداق ادعائي منها. وكيف كان فهو من المفاهيم التي يتحقق لها مصداق باستعمال لفظها في مقام الإنشاء، كما هو واضح. فقول المولى: " أطلب منك كذا " في مقام الإنشاء يتحقق به فرد من الطلب، كما لا يخفى. وأما الإرادة فحقيقتها هي المشيئة، وهي العزم المؤكد على إتيان العمل الذي يتعقبه الأمر النفساني بحركة عضلات المريد نفسه إن كان وقت العمل قد حضر، وبالنسبة للأعمال الآتية أيضا إذا حضر وقتها، هذا في الإرادة التكوينية. والظاهر استعمالها في ما إذا أراد إتيان العمل من غيره أيضا، إذا بلغ طلبه منه حدا يأمره

[ 110 ]

بالعمل. وكيف كان فحقيقتها ذاك العزم المؤكد، خلافا لما اشتهر من أنها الجزء الأخير من العلة التامة للفعل، بل الجزء الأخير هو الأمر النفساني، وهو إنما يتحقق إن أمكن، بأن حضر وقت الإتيان، وإلا فهو مريد وعازم على إتيانه لوقته، فإذا بقي على إرادته الى حضور وقته فيأمر عضلاته بالحركة نحوه حينه، فمفهوم لفظ " الإرادة " هو ذاك العزم، وهو قد يتعلق بفعل نفسه، وقد يتعلق بفعل الغير، والظاهر أن استعمال مادة الإرادة في تفهيم الأمر إنما يكون في قالب الإخبار لا الإنشاء إلا بادعاء وتجوز، والأمر سهل. وأما البعث فمعناه الحقيقي، هو ارسال شخص نحو عمل أو الى مكان، ولاريب في إطلاقه على إرساله إليه بأمره به أيضا، فهو كالطلب يكون الأمر مصداقا له، ويصح ايجاد مصداق من البعث بمجرد استعماله في مفهومه في مقام الإنشاء بقول المولى: " أبعثك نحو الصلاة " مثلا، كما لا يخفى. وأما الوجوب: فهو إما بمعنى اللزوم وعدم الانفكاك، فيقال لكل ما لا ينفك عن الشئ: إنه واجب له، وبهذا المعنى يقال على الأعمال المكلف بها كأنها لازمة للمكلف لا تنفك عنه. فهو معنى ادعائي مجازي. وإما بمعنى الثبوت يقال على تلك الأعمال، لثبوتها على عهدته، وعلى أي الوجهين فهو أيضا مفهوم يتحقق مصداقه باستعماله في مفهومه في مقام الإنشاء. فقد تلخص افتراق هذه المفاهيم الشائعة الاستعمال، وأن لفظ " الأمر " منها موضوع لمعنى اعتباري متقوم بجعل من بيده الجعل، وموجود في عالم الاعتبار، وهذا بخلاف سائر الألفاظ، فمعناها الحقيقي من قبيل الامور الخارجية بالمعنى العام الشامل للانتزاعيات، ولكل منها فرد ادعائي مجازي. كما تبين اختلاف مفهوم الطلب والإرادة، فالطلب عمل خارجي، والإرادة عزم نفساني، والأول قابل لإيجاد مصداق له باستعماله في مقام الإنشاء، بخلاف الثاني. ومع ذلك كله فالخطب سهل بعد عدم ترتب أثر عملي عليه، والله المستعان وهو ولي التوفيق.

[ 111 ]

الفصل الثاني في ما يتعلق بهيأة الأمر وفيه مباحث: المبحث الأول في معنى الهيأة قد ذكر لهيأة الأمر معان متعددة، ربما أنهاها بعضهم الى أكثر من عشرين: منها: الإباحة، كما في قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (1). ومنها: التعجيز، كقوله تعالى: * (فأتوا بسورة من مثله) * (2). ومنها: التهديد، كقوله تعالى: * (اعملوا ما شئتم...) * (3). ومنها: التحقير، كقوله تعالى * (ألقوا ما أنتم ملقون...) * (4). ومنها غير ذلك. وذكر المحقق الخراساني (قدس سره) أنها موضوعة لمعنى واحد، وأن ما ذكر لها من المعاني من قبيل الداعي لهذا المعنى والغاية منه، فقال: " إن الصيغة لم تستعمل إلا في إنشاء الطلب، إلا أن الداعي الى ذلك كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو


(1) المائدة: 2. (2) البقرة: 23. (3) فصلت: 40. (4) الشعراء: 43. (*)

[ 112 ]

المطلوب الواقعي يكون اخرى أحد هذه الامور "، ثم قال: " قصارى ما يمكن أن يدعى: أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداع آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثا حقيقة وإنشاؤه بها تهديدا مجازا، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره (1). انتهى. أقول: والمقطوع أن مراده بكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب، أنها وضعت للطلب الإنشائي، لا أن الموضوع له فيها هو إنشاء الطلب، بل الموضوع له هو نفس الطلب الذي ينشأبها، وهو طلب إنشائي. ودليله على مدعاه: دعوى البداهة التي ترجع الى التبادر القطعي. وأنا أقول: إن ما ذكره من أن المستعمل فيه في جميع الموارد معنى ومفهوم واحد مما لا ريب فيه كما أفاده إلا أن هذا المفهوم ليس هو الطلب، وذلك أن المتبادر من الصيغة إنما هو تحريك اعتباري للمخاطب نحو إتيان المادة، فالتحريك الحقيقي هو أن يؤخذ يده ويحرك بعنف - مثلا - الى العمل المطلوب، والتنزيلي منه هو ما يكون تحريكا ادعاء، فالهيأة موضوعة لما هو مصداق لهذا التحريك الادعائي التنزيلي، وهو الذي نعبر عنه بالبعث، فالمولى إذا أمر عبده باستعمال الهيأة فكأنه حركه نحو المادة المأمور بإتيانها، فهذا التحريك المصداقي الاعتباري هو المعنى الحقيقي الموضوع له الهيأة، وكما تستعمل الهيأة فيه بغاية الأمر والطلب فهكذا تستعمل فيه إذا كانت الغاية سائر الدواعي المذكورة الاخرى كما أفاده. نعم، على ما ذكرنا يكون دعوى كونها حقيقة في خصوص ما إذا كان الداعي طلب الفعل أسهل، فإن البعث والتحريك الادعائيين التنزيليين هنا واضح، إلا أنه مع ذلك فلاريب في أن المستعمل فيه في سائر الموارد أيضا، هو تحريك ادعائي لإحدى الغايات والدواعي المذكورة، والأمر سهل. ثم إن الأمر في سائر الأدوات المستعملة في إنشاء الاستفهام والتمني


(1) الكفاية: ص 91. (*)

[ 113 ]

والترجي ونحوها أيضا كما أفاده (قدس سره)، من أن المعنى الموضوع له فيها كالمستعمل فيه واحد، وإن كانت الدواعي والغايات مختلفة. المبحث الثاني هل الهيأة حقيقة في الوجوب ؟ بناء على ما عرفت من أن المعنى المفهوم من الهيأة إنما هو البعث الى إتيان المادة فلا ينبغي الريب في أن هذا المعنى كما هو مفهوم فيما إذا كان البعث نحو الواجبات، فهكذا هو المفهوم فيما كان المبعوث إليه من المستحبات، بلا فرق بينهما في البعث أصلا، والشاهد عليه مراجعة الوجدان فإنه يتبادر عنده في البعث اليهما بالصيغة معنى واحد، بلا تفاوت أصلا، فإذا قال: " صل المغرب ثم صل بعدها أربع ركعات نافلة لها " لم يكن المستعمل فيه والمفهوم من هيأة الأمر في الموردين إلا معنى واحدا، هو البعث الى إتيان صلاة المغرب والى إتيان الركعات الأربع، بلا أي فرق بين مفهوم الهيأة فيهما. وعليه فالحق أن هيأة الأمر موضوعة لنفس البعث، وهو أمر مشترك متحقق في الواجبات والمندوبات. وبعد ذلك يقع الكلام في أنها هل لا تكون ظاهرة في الوجوب أيضا أو تكون ؟ والحق هو الجواب عليه بالإثبات، إلا أنه لا بدليل الانصراف المذكور في الكفاية الى خصوص الوجوب لغلبة الاستعمال فيه، أو لغلبة الوجود، أو لأكمليته، فإن الكل كما ترى، لمنع صغرى الغلبة في الأولين، ولمنع الصغرى والكبرى في الأخير، فإن مفاد الهيأة - كما عرفت - هو البعث، ووجوده في الوجوب والندب على السواء، فإن البعث الذي هو مفاد الهيأة بعث مصداقي ومعنى حرفي، ليس من قبيل الكليات ذوات التشكيك ليكون بعض مصاديقه أكمل من آخر، بل ليس معناها إلا تحريكا تنزيليا، ووجوده على السواء في كلا الموردين. ثم لو سلم التشكيك وأكملية البعث الإيجابي فمجرد الأكملية لا توجب

[ 114 ]

الانصراف، فإن منشأ الانصراف إنما هو انس الذهن بإرادة خصوص معنى من لفظ، وهو ناش عن كثرة إطلاق اللفظ بماله من المعنى على بعض الأفراد، سواء أكان فردا كاملا أم لا، ولذلك لا ينصرف الموجود ولا الوجود الى واجب الوجود تبارك وتعالى، فليس الاستناد في استفاده الوجوب من الهيأة الى الانصراف. كما لا يصح الاستناد إلى أنه مقتضى مقدمات الحكمة في ماكان المتكلم في مقام البيان كما في الكفاية، ببيان أن الموضوع له الهيأة وإن كان هو الطلب إلا أن الندب طلب خاص فإن الطلب فيه مقيد بعدم المنع من الترك، وهذا بخلاف الوجوب فإنه محض الطلب بلا تقييد ولا تحديد، ولذلك فإذا كان في مقام البيان يحمل على ما لا يحتاج الى التقييد، وهو خصوص الوجوب. فإن فيه أولا: أن الموضوع له للهيأة هو البعث - على التحقيق - أو الطلب الانشائي - على مختار الكفاية -، والواجب والمندوب في وجود البعث أو الطلب فيهما على السواء، فالتحريك التنزيلي أو الطلب الإنشائي الذي هو أمر إنشائي متحقق فيهما، وليس في المندوب يتقيد البعث أو الطلب بقيد حتى يكون مجال للبيان المذكور، فلو سلم جريانه في الإرادة التي يدعى أنها روح البعث والطلب فلمكان تباينها في الوجود عن البعث أو الطلب الإنشائي لما أوجب الحمل على خصوص الوجوب. وثانيا: أنه لو سلم جريانه في البعث أو كونه تابعا للإرادة التي هي روحه وعلته فمن الواضح أن قوام التكليف ليس بالإراده التشريعية والشوق المؤكد الى فعل العبد، فإن من أوضح مصاديق التكليف هو القوانين الموضوعة في مجالس التشريع العرفية، فإنه ليس المتبع فيها إلا نفس القانون، ولا قيمة لإرادة المقننين لكي يقال: إنها روح القوانين، بل لا اشتياق منهم الى فعل المكلفين، وإنما يريدون تشريع القوانين طبقا لمصالح يزعمونها، وهكذا الأمر في التكاليف الشرعية التي شرعها الله الحكيم، فإنه تعالى لا يكون معرضا للإرادة التي من الكليات المشككة لتكون في الواجب شديدة غير محدودة، وفي المندوب محدودة بحد عدمي، بل

[ 115 ]

إنما المجعول هو نفس التكليف والقانون وهو تمام الموضوع للآثار المعروفة. وثالثا: أن الإطلاق هو رفض القيود، وبعد تسليم وجود حقيقة البعث والطلب في المندوبات عند العرف والعقلاء، فالإطلاق يرفع أي خصوصية كانت، ويكون لازمه إرادة معنى يكون متحققا في المندوب والواجب كليهما، ولا يصح إرادة خصوص فرد من باب مقدمات الإطلاق. ورابعا: أن هذا التقريب دقيق غير قابل للاتكال عليه - عند العرف - لبيان المقصود، فهو نظير إطلاق الوجود وإرادة خصوص الواجب، نظرا الى أنه صرف الوجود الذي لا يشوبه العدم، فكما لا يمكن الاتكال عليه في المحاورات العرفية فكذلك فيما نحن فيه. وأما الإيراد عليه: بأن الإرادة لما كانت من الامور الممكنة المحدودة فلا محالة لها ماهية وحد، فسواء تحققت في الوجوب أو الندب فهي محدودة، فلا تصح دعوى أنها غير محدودة في الواجب لكي يتم بيان اقتضاء مقدمات الإطلاق (1). فمدفوع: بأن المراد من الحد المذكور في الاستدلال ليس الحد الذي به قوام نفس المعنى، بل المراد أنه بعد حفظ المعنى بمقوماته فالواجب لا تحديد ولا تقييد فيه زائدا على أصل المفهوم، بخلاف الندب، فإنه محدود مضافا الى حدود المفهوم بقيد عدم المنع من الترك، والاطلاق يدفع القيود الزائدة، فلازمه أن يحمل على خصوص الوجوب. بل التحقيق أن يقال: إن العقلاء يحكمون بأنه إذا صدر من المولى والمقنن بعث وطلب بأي أداته كان فهو حجة عندهم على العبد، لا يقبل منه دعوى احتمال إرادة الندب إذا ترك امتثاله، مع اعترافه بأن المولى لم ينصب قرينة على جواز الترك، فهذا البناء العقلائي في باب الإطاعة والامتثال حجة عقلائية عليها مدار الإطاعة والعصيان، وبها الثواب والعقاب، كما لا يخفى.


(1) راجع المحاضرات: ج 2 ص 129. (*)

[ 116 ]

والظاهر أنه المراد مما نقل عن العلامة النائيني (قدس سره) من " أن الوجوب حكم عقلي، بمعنى أن العبد لابد وأن ينبعث عن بعث المولى، إلا أن يرد منه الترخيص، فإذا قال المولى مولويا: " افعل " تصل النوبة إلى حكم العقل من لزوم انبعاث العبد عن بعث المولى، قال: ولا نعني بالوجوب سوى ذلك " (1). فمراده (قدس سره) من كونه حكما عقليا: ما ذكرناه من أن بعث المولى وطلبه حجة عقلائية على العبد ما لم يرد دليل على الترخيص. لكنه أورد عليه الشهيد السعيد المحقق الصدر (قدس سره): أولا: بأن لازمه أنه لو لم يرد ترخيص من المولى في الترك لكن المكلف اطلع على أن ملاك طلبه غير لزومي، فلازمه أن لا يجوز ترك الامتثال مع أنه لاريب في جوازه. وثانيا: أنه إذا كان لنا عام دال على الإباحة وورد في بعض مصاديقه أمر بالصيغة، فلازم البيان المذكور أن لا يجب الامتثال، لأن العموم المذكور ترخيص في مورده، مع أن بناء الأصحاب على تخصيص العام به. وثالثا: أنه إذا كان الوجوب معلقا على عدم ورده الترخيص، فإن اريد به الترخيص المتصل لزم كون ورود الترخيص المنفصل منافيا لحكم العقل المزبور، وهو واضح البطلان. وإن اريد به عدم وروده واقعا فلازمه أن لا يحرز الوجوب مع احتمال وروده واقعا. وإن اريد به عدم إحراز الترخيص لزم اختصاص الحكم الواقعي بالعالم به، مع أنه مشترك بين العالم والجاهل (2). أقول: والشبهات كلها قابلة للدفع: أما الاولى: فلأنه لاريب أن غاية حكم العقلاء بحجية البعث أعم من الترخيص الإنشائي أو ما هو بحكمه ولاريب أن العلم بأن الملاك غير لزومي بحكم ورود الترخيص إذ لاريب معه في أنه لو سئل المولى لأجاب بالترخيص.


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 170. (2) دروس في علم الاصول: الحلقة الثالثة ص 77 - 79. (*)

[ 117 ]

وأما الثانية: فلأن العام المفروض إن كان على العنوان الأولي للأشياء لم يكف عند العقلاء في حصول الترخيص، فإن الترخيص اللازم الكافي هو الترخيص في ترك الامتثال، وإن كان ترخيص العام بعنوان ترك امتثال طلباته فنلتزم بالأخذ به وجعله قرينة على الندب في جميع أوامره، ولا نظن حينئذ أن الأصحاب يقولون بخلافه. وأما الثالثة: فبأن حجية هذا الحكم العقلائي نظير حجية الظواهر، ويكون مثل مااذا قلنا بظهور الصيغة وضعا في الوجوب، فكما أن الظهور طريق وحجة على الوجوب ومع ذلك فالحكم الواقعي مشترك بين العالم والجاهل فهكذا في حكم العقلاء، فالصيغة - بظهورها الوضعي أو بحكم العقلاء - حجة على الوجوب، ويكون العبد مأخوذا بمفادها، فلو كان الحكم الواقعي هو الوجوب، فهو المطلوب، ولو كان هو الندب فبانكشاف الواقع يظهر الحكم الواقعي، وأن هذا الظهور أو هذا الحكم العقلائي كان احتياطا محضا، وكان الحكم الواقعي هو الجواز، ولا إشكال. وبالجملة: فما يقال - من هذه الجهة - في الطرق المعتبرة يقال به عينا في هذا الحكم العقلائي. المبحث الثالث الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب لاريب في أنه كثيرا ما يراد الطلب بجمل خبرية كما في صحيحة صفوان بن يحيى: أنه كتب الى أبي الحسن (عليه السلام) " يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول، ولم يدر أيهما هو، وحضرت الصلاة، وخاف فوتها وليس عنده ماء، كيف يصنع ؟ قال: يصلي فيهما جميعا " (1)، وغيرها من موارد كثيرة، وحينئذ يقع الكلام فيها تارة في كيفية إرادة الطلب بها، واخرى في ظهورها في الوجوب. أما الاولى: فقد يقال: " إن هيأة الجملة الخبرية هنا قد استعملت في معنى


(1) وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب النجاسات ح 1 ج 2 ص 82. 1. (*)

[ 118 ]

إنشائي، وذلك لا يراد بالمستعمل فيه للفظ إلا ما يفهم منه في العرف، ولاريب أن المفهوم العرفي من هذه الجمل ليس إلا معنى إنشائيا، فإنه لا ينبغي الشك في أن المتفاهم العرفي من هذه الجمل غير المتفاهم العرفي منها، إذا استعملت في مقام الإخبار، بل المتفاهم منها هو الطلب، ولا نعني بالمستعمل فيه إلا هذا " (1). أقول: بل المستعمل فيه لكل لفظ إنما هو المعنى الملقى به أولا وتحت لفظه، لا ما اريد به جدا وفي النهاية وحينئذ: فإن اريد أن المراد الجدي والمقصود النهائي من هذه الجمل، هو البعث والطلب الإنشائي فهو متين، إلا أنه ليس دليلا على أنه المستعمل فيه، كما في باب الكنايات، بل والمجازات في الكلمة أيضا على المختار. وإن اريد أن معناها الذي تحت لفظها هو الوجوب والطلب فلا نسلمه قطعا، بل الجمل الخبرية معناها الذي تحت لفظها واحد، سواء استعملت في مقام الإنشاء أو في مقام الحكاية والإخبار، وإنما الفرق في المراد الجدي. إذا عرفت هذا فننقل عن المشايخ العظام توجيهين: فوجه صاحب الكفاية كيفية هذه الإفادة: بأن الفرق بين الموردين باختلاف الداعي، فالمستعمل فيه في كلا الموردين، هو الحكاية عن وقوع الفعل، إلا أن الداعي الى هذه الحكاية في مقام الإخبار هو الإعلام بالوقوع، وفي مقام الطلب هو البعث، فأخبر بوقوع مطلوبه إظهارا بأنه لا يرضى إلا بوقوعه (2). أقول: ولعل مراده أن البعث لما كان واقعا في سلسلة علل وجود الفعل فالإخبار بتحقق الفعل دلالة على وجود العلة من طريق برهان اللم، وكيف كان فقد أخبر بوقوع مطلوبه لينتقل السامع الى أنه طلبه، فقد فرض الوقوع أمرا جزميا مفروغا عنه. وأورد عليه سيدنا العلامة الاستاذ الخوئي (قدس سره) بأنه لو كان الأمر كذلك لأمكن استعمال الجمل الاسمية والفعلية التي فعلها ماض في مقام الطلب، لتصور النكتة


(1) المحاضرات: ج 2 ص 136. (2) الكفاية: ص 93. (*)

[ 119 ]

المذكورة فيهما أيضا، مع أنه من فاحش الأغلاط. مضافا الى أنه إذا لم يكن الداعي الى الإخبار هو الإعلام كان داعي البعث وسائر الدواعي - مثل السخرية والتهديد - على السواء، فيلزم حدوث الإجمال، كما عن الفاضل النراقي في المستند (1). أقول: ولك أن تقول: أولا: إن سر عدم استعمال الجمل الاسمية والتي فعلها ماض في مقام الطلب أن وقوع المطلوب في الخارج لا محالة متأخر عن البعث إليه، فإن وقوعه في مرتبة المعلول للبعث، ولذلك فالمناسب في الاستعمال هو الجملة الاستقبالية، اللهم إلا أن يكون المقام مقام إبراز المستقبل المحقق الوقوع منزلة الماضي والحال، فلا نسلم حينئذ أن يكون إبرازه بغير صورة المستقبل غلطا، بل يمكن تصوير استعمال الجملتين إذا كان المضي أو الحال لا بالقياس الى زمن الإنشاء، بل بالقياس الى زمن مستقبل آخر، كأن يقول المولى الذي في السفر للعبد الحاضر: " أنا أجئ غدا بعد مضي ساعة من الظهر، وقد اشتريت قبله الفواكه اللازمة وهي معدة موضوعة في البيت " فإن مثل هذا الاستعمال لا شبهة في صحته، وهو دليل على ما قلناه. وثانيا: أن مفروض الكلام هو انفهام الطلب من الجملة الخبرية، وإنما البحث في تصوير كيفية هذه الإفادة فإيراد الانجرار الى الإجمال خروج عن مفروض المقام. التوجيه الثاني: ما أفاده سيدنا الاستاذ الإمام (قدس سره) من: أنه إنما قام مقام إلقاء مطلوبه في قالب الاخبار لنكتة دعوى: أن المكلف قد بلغ من العقل والرشد مبلغا يقوم بإتيان العمل المطلوب، بلا حاجة الى الأمر به، بل فطرته السليمة ورشده في حيازة المصالح تبعثه إليه بلا دعوة داع، كما في قول الوالد لولده: " إنه يأتمر بأمر أبيه ويحفظ مقام والده " في مقام إنشاء الأمر (2).


(1) المحاضرات: ج 2 ص 7 - 136. (2) تهذيب الاصول: ج 1 ص 145 - 146. (*)

[ 120 ]

أقول: إن ما ذكره هذان العظيمان (قدس سرهما) وإن أمكن إنشاء البعث به، بل ربما كان واقعا في بعض الأحيان إلا أنه ليس شئ منهما أمرا شائعا ذائعا في الاستعمالات. بل الشائع الذائع توجيه ثالث، وهو أنه لما كان العبيد والمكلفون بمقتضى وجوب العمل بوظائفهم في مقام امتثال أوامر مولاهم، فإذا فرضوا على هذه الحالة صح الخبر عنهم بأنهم يعملون كذا وكذا، إيذانا بأن هذه الأعمال هي وظائفهم فلا محالة يعملونها، ويرشد إليه أن السائلين عن المعصوم (عليه السلام) أيضا كثيرا ما يأتون بالسؤال عن وظيفتهم في قالب الجملة الخبرية، كما في الصحيح المنقول أول المبحث من قوله: " كيف يصنع ؟ " يعني أن هذا المكلف المفروض يكون في مقام الامتثال فما هو وظيفته ليعمل به ويصنعه ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام): بأنه " يصلي في الثوبين جميعا ". والأمر سهل. هذا كله في توجيه كيفية الإفاده. وأما الجهة الثانية: ففي الكفاية: أن دلالة هذه الجمل على الوجوب آكد، فإن الجزم بالإخبار عن الوقوع إنما يناسب الطلب الإيجابي، إذ الندب لا يناسبه الجزم بالوقوع. قال: ولو أنكر أحد إيجاب هذه النكتة لظهورها فيه فلا أقل من كونها موجبة لتعين محتملاتها إذا كان المتكلم في مقام البيان، ولم ينصب قرينة على الخلاف، لشدة مناسبتها مع إرادة الوجوب (1). أقول: لاريب في أن الطلب الندبي أيضا مقتض لتحقق العمل المندوب إليه، كما لاريب في صحة الإعلام بالمقتضي - بالكسر - في قالب تحقق مقتضاه، وعليه فلا تنحصر النكتة في ارادة الوجوب. وما أفاده من كونها أنسب بالوجوب فتوجب تعين إرادته مبني على أن من مقدمات انعقاد الإطلاق أن لا يكون هنا قدر متيقن في مقام التخاطب، وقد حققنا في هذا المبحث أن القدر المتيقن الخطابي إذا لم يبلغ مرتبة الانصراف، فوجوده كعدمه غير مانع عن الإطلاق. فيتحصل: أن سر دلالتها على الوجوب هو عين ما مر في هيئة الأمر: من أن


(1) الكفاية: ص 93. (*)

[ 121 ]

بعث المولى وطلبه حجة عند العقلاء على وجوب المطلوب ما لم تقم قرينة على إرادة الاستحباب، والله العالم وهو الهادي الى سواء السبيل. المبحث الرابع في التعبدي والتوصلي فهل إطلاق الصيغة يقتضي التوصلية أم التعبدية، أم لا يقتضي شيئا منهما، ويكون المرجع مع الشك هو الاصول العملية ؟ وما هو الأصل العملي حينئذ ؟ قبل الورود في أصل المبحث تقدم امور: الأول: أن التعبدي منسوب الى التعبد، أعني الإتيان بشئ عبادة، والعبادة قد يراد بها ما قوامه الخضوع وإظهار العبودية لله تعالى مثلا، كالركوع والسجود له تعالى، وهي المرادفة لما يراد في الفارسية من لفظة " پرستش ". وقد يراد بها ما يؤتى به امتثالا لأمر الله تعالى - مثلا - به وإن لم يعتبر في صحته ذلك. كما قد يراد بها ما يعتبر صحته بأن يؤتي به بقصد القربة والامتثال، سواء أكان من قبيل الأول أم لا، كالوضوء والغسل. والمقصود بالكلام عنه في هذا المبحث هو المعنى الثالث. وحينئذ فالمراد بالتوصلي الذي يقابله هو ما لم يشترط صحته بقصد القربة والامتثال، سواء اشترط بقصد العنوان، كأداء الدين أم لا، وسواء اشترط فيه المباشرة أو الاختيار أم لا، بل وسواء اشترط فيه إتيان إنسان به أم لا، كتطهير الثياب من النجاسات، فجميع هذه الأقسام داخلة في قسم التوصلي هنا، وإن كان ربما اطلق على بعضها التوصلي باصطلاح آخر، كما في المقيد بالمباشرة والاختيار. الثاني: الظاهر أن الفرق بين التعبدي والتوصلي إنما هو في الملاك والغرض المراد من المأمور به، فلا يحصل غرض الآمر في التعبدي إلا بقصد القربة، بخلافه

[ 122 ]

في التوصلي، وأما الوجوب فيهما فهو على نحو واحد قد أنشأه المولى لإيجاد الداعي في المأمور، فالغرض الذي يكون بصدد الحصول عليه لا يحصل في التعبدي إلا إذا قصد الامتثال، ويحصل مع عدمه أيضا في التوصلي. وأما كيفية الوجوب فيهما فهي واحدة. فما في الكفاية من قوله: " الوجوب التوصلي هو ماكان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب بخلاف التعبدي فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك... " (1) ممنوع إلا أن يأول الى ما ذكرناه. ويتفرع عليه أن مصب البحث هنا هو المادة، وأن إطلاقها هل يقتضي التوصلية أم لا ؟ الثالث: مقتضى ذكرهم لهذا البحث في مباحث الصيغة وإن كان هو الاختصاص بما كان دليل الوجوب هو هيأة الأمر إلا أن الحق جريانه فيما إذا افيد الطلب بمادة الطلب أو الوجوب أو الأمر أو غيرها مما يفيده، فإنه إذا كان مصب الكلام المادة المأمور بها، وأنه هل إطلاقها يقتضي التوصلية أم لا ؟ فلا محالة يجري فيما افيد طلبها بغير هيأة الأمر أيضا. الرابع: لما كان قصد القربة قد يعتبر في المستحبات أيضا كالنوافل والصدقات المندوبة وغيرها، وقد لا يعتبر كالرد بالأحسن في وجوب السلام، فيمكن تصوير الشك في المستحبات أيضا، بأن يشك في بعض المندوبات المفروغ عن ندبها في أنه مشروط بقصد القربة أم لا ؟ وحينئذ يكون للبحث عن إثبات التوصلية وعدم اشتراط القربة ببركة إطلاق المادة مجال، فما لعله يظهر من عناوين البحث من الاختصاص بالواجبات لا وجه له، كما لا يخفى. الخامس: بعدما عرفت أن المراد بالتعبدي هنا ما يعتبر في صحته قصد القربة فهل يمكن أخذ قصد القربة في متعلق الأمر أم لا لكي يصح الرجوع الى إطلاق


(1) الكفاية: ص 94. (*)

[ 123 ]

المادة لنفي اعتباره على الأول بخلافه على الثاني ؟ ظاهر بل صريح جمع (1) من المشايخ العظام امتناعه لوجوه مذكورة في كلامهم. وهذه الوجوه بعضها مختصة: بأخذ القربة قيدا للمأمور به بأمر واحد، وبعض آخر بأخذها فيه ولو كان بأمرين، ونحن نتعرض لأهم هذه الوجوه في الأمر الواحد أولا، ثم في الأمرين. بعض وجوه امتناع الأخذ بإطلاق الهيأة: أما دعوى امتناع أخذها في متعلق أمر واحد فاستدل لها بوجوه: منها - ولعله أسدها - أن المراد بالقربة أن يكون الداعي إلى إتيان المأمور به امتثال أمره، وتقوم الداعي الى كل فعل وإن كان بوجود ذهني نفساني إلا أنه لاريب في أن مراد الشارع والمولى إذا يقول: " إغتسل أوصل امتثالا لأمره " ليس مجرد البعث الى الامتثال، وإن لم يكن هنا أمر بالصلاة والاغتسال، بل إن مراده أن هنا أمرا قد تعلق بهما، وبعث المكلف الى جعله داعيا له الى الإتيان، فلا مجال لقوله إلا بعد فرض تعلق أمره بذات العمل. ومن ناحية اخرى: لما كان المفروض أن لنا أمرا واحدا وهذا الأمر قد تعلق بالصلاة أو الاغتسال المقيد أو المركب من قصد الامتثال فذات العمل ليست مأمورا بها، وهذا خلف الفرض، وتناقض في المقال. أقول: ويمكن تفسير ما في الكفاية به، لا بلزوم الدور حتى ينكر قصد الامتثال على الوجود الخارجي للأمر. وعليه فلا مجال للإيراد عليه بأن المكلف يقدر على إتيان المأمور به حين العمل، ولا يعتبر من القدرة عقلا أزيد منه، وذلك أن مبنى الدليل لزوم الخلف والمحال، لا عجز العبد عن الامتثال.


(1) منهم المحقق الخراساني في الكفاية: ص 97، والمحقق النائيني في فوائد الاصول: ج 1 ص 152. (*)

[ 124 ]

نعم، يمكن أن يورد عليه بالنقد على المقدمة الاولى، فإن مفروض الشارع وإن كان تعلق الأمر بذات العمل إلا أنه لا يجب أن يكون هذا الأمر أمرا مستقلا، بل الأمر المتعلق بالمركب أو المقيد ينبسط على ذات العمل، ويقصد المكلف في عمله هذا الأمر، فلا مجال للزوم الخلف أصلا. إلا أن صاحب الكفاية أورد عليه (1): أولا: بأن تحليل المقيد الى ذات وتقيد عقلي ولا يمكن أن يبتنى باب الامتثال إلا على أساس عرفي عقلائي فالمقيد والذات في نظر العرف واحد لا يصح تفكيكهما ليقال بانبساط التكليف على الذات، فتصوير التقييد باطل. وثانيا: بأن تعلق أمر شرعي بالقصد محال، فإن القصد هو الإرادة، والإرادة يستحيل تعلق الأمر بها، إذ المأمور به لابد وأن يكون أمرا اختياريا، ولو كانت الإراده اختيارية لاحتاجت الى إرادة اخرى، وهذا مما يوجب التسلسل المحال. وثالثا: أن كل أمر فإنما يدعو الى نفس متعلقة، فالأمر بالمقيد أو المركب - أعني الصلاة بقصد القربة - إنما يدعو الى هذه المجموعة بما أنها مجموعة لا إلى أجزائها إلا في ضمنها، وعليه فلا يمكن الدعوة الى الذات إلا إذا كان المفروض تعلق أمر مستقل بها، وهذا هو الخلف المحال. أقول: والحق اندفاع إيراداته الثلاث بأجمعها: أما الأول: فلأن العقلاء إذا عرض عليهم الصلاة والصوم - مثلا - يرونهما أمرين متباينين كل عن الآخر، ولا كذلك إذا عرض عليهم الصلاة، والصلاة الى القبلة - مثلا - فإنه لاريب في أنهم لايرونهما متباينين، بل يحكمون بالبداهة بأن الثانية هي الاولى بعينها، إلا أنها تزداد عليها باشتراط أن تكون الى القبلة، بحيث لو امر أحد بالصلاة مطلقة، وآخر بالصلاة الى القبلة لكان المأمور به لهما أمرا واحدا، وإنما يزيد الثانية على الاولى بشرط فقط، وهذا دليل واضح على أن تحليل المشروط الى ذات وتقيد تحليل عرفي، ولا فرق عندهم من هذه الناحية


(1) الكفاية: ص 95. (*)

[ 125 ]

بين المركب من أجزاء، والمقيد بشرط. وأما الثاني: فلأن المحال الموجب للتسلسل إنما هو أن تحتاج الإرادة بذاتها وبما أنها إرادة في تحققها الى إرادة اخرى، والاختيار الى اختيار آخر، وأما أن تقع إرادة خاصة في سلسلة علل وجود إرادة اخرى أحيانا فلا محذور فيه، فربما يكون لو خلي الإنسان وطبعه لا يريد شيئا لكنه قد يقوم بصدد إيجاد العزم وتحقق الإرادة إلى أن يحصل لنفسه شوقا أكيدا وإرادة جازمة، مضافا الى أن ما نحن فيه من قبيل الأمر بإيجاد هدف إلهي، فهو من قبيل الأمر بجعل شئ علة غائية للفعل، لا علة فاعلية والإرادة علة فاعلية لا غائية. وأما الثالث: فلأن المركب من أجزاء إنما هو نفس تلك الأجزاء وعينها ومتحد بها، بل إنما الاختلاف في التعبير واللفظ، وإلا فالاجزاء هي المركب، لا أن المركب أمر متحصل من الأجزاء، وبعد هذا فالأمر المتعلق بالمركب بعينه قد تعلق بالأجزاء وانبسط عليها، فالصلاة - مثلا - بعينها هي التكبيرة والقراءة والركوع والسجود الى الآخر، لا أنها شئ وهذه الأشياء شئ آخر، فالأمر بالصلاة لا معنى له إلا الأمر بالتكبيرة والقراءة والركوع والسجود، فلا محالة يدعو هذا الأمر الواحد المنبسط على الأجزاء إليها، لأنه قد تعلق بها، وتعلقه بالصلاة عين تعلقه بها. فإذا تصور الآمر الأجزاء، وتعلق هذا الأمر المنبسط بها، وتصور قصد إتيانها بداعي هذا الأمر، وجعله قيدا لها أو جزءا في عدادها وعلق الأمر عليها، فلا محالة قد أوجب على المكلف أن يأتي بالصلاة - أعني تلك الأجزاء - بقصد امتثال ذلك الأمر الواحد المنبسط عليها، وليس ولا ملزم لأن يكون الداعي أمرا مستقلا متعلقا بالأجزاء حتى يلزم خلف أو محذور آخر، فأساس الإشكال مبني على لزوم أن يكون الأمر الداعي للعبد مستقلا، والجواب عنه عدم تسليم لزومه، والسند ما بيناه والحمد لله. هذا كله على فرض تسليم أن تكون القربة هي خصوص قصد الإتيان بالعمل

[ 126 ]

بداعي الأمر المتعلق به. والحق أنها لا تنحصر فيه، بل المحقق للقربة أمر أعم منه، وهو إتيان العمل لله تعالى، فإنه هو الذي نطقت أخبار كثيرة بأنه الملاك في قبول الأعمال. ففي المستفيضة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) ما معناه: " من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له " (1). وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: " كنا جلوسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ قال له رجل من الجلساء: جعلت فداك يابن رسول الله، أتخاف علي أن أكون منافقا، فقال له: إذا خلوت في بيتك نهارا أو ليلا أليس تصلي ؟ فقال: بلى، فقال: فلمن تصلي ؟ فقال: لله عز وجل، قال: فكيف تكون منافقا وأنت تصلي لله عز وجل لا لغيره ؟ ! " (2). والأخبار الواردة في أن صحة العبادة إنما تتوقف على كون العمل له تعالى كثيرة جدا. وحينئذ نقول: لاريب في أن تحقق هذه الغاية لا يستلزم تعلق أمر منه تعالى بالعمل، بل لو كان عمل محبوبا له تعالى لكان كافيا في تحققها، ولا يرد عليه ما في الكفاية " من أن كفاية الاقتصار فيها على قصد امتثال الأمر دليل على عدم اعتبار خصوص قصد إتيانها لله تعالى " (3)، وذلك أن الاكتفاء بقصد الامتثال إنما هو لكونه أيضا مصداقا لقصد إيتانه له تعالى، كما لا يخفى. نعم، ما ذكره وارد على القول بالاكتفاء بإتيانها بداعي حسن العمل، أو كونه ذا مصلحة. لكن الصحيح: أنه قول ضعيف جدا، إذ لا ينبغي الريب في أن التقرب إنما يحصل إذا كان المولى الآمر هو المقصود من العمل، وهو إنما يكون إذا قصد أمره


(1) الوسائل: ج 1 ص 53 الباب 12 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 7. (2) الوسائل ج 1 ص 44، الباب 8 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 6. (3) الكفاية: ص 97. (*)

[ 127 ]

أو حبه أو ما الى ذلك، وأما مجرد حسن العمل ومصلحته لا بما أن العمل الحسن أو ذا المصلحة محبوب له فلا وجه للاكتفاء بهما في حصول التقرب المعتبر، مع ما عرفت من ورود الأخبار الكثيرة باعتبار إتيان العمل لله تعالى. فبالجملة: إن أخذ قيد القربة في متعلق الأمر خال عن الإشكال والسند ما عرفت. هذا كله حول الوجه المذكور في الكفاية دليلا على امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر الذي قد قلنا: إنه أسد الوجوه. وهنا وجوه وتقريبات اخر لا بأس بالتعرض لها: منها: أن قصد امتثال الأمر متوقف على ثبوت الأمر بالشئ ومتأخر عنه، والأمر بالشئ متوقف على ثبوت ذلك الشئ ومتأخر عنه توقف العارض على معروضه وتأخره عنه، فإذا كان قصد الامتثال داخلا في المتعلق لزم تقدم ما هو متأخر، ولزم الدور المحال. وفيه أولا: أن معروض الأمر ومتعلقه إنما هو عنوان المأمور به بماله من القيود والأجزاء، فهو متأخر عن ذاك العنوان، وما يتوقف على الأمر ويتأخر عنه إنما هو الوجود الخارجي لهذا القصد، ومن المعلوم أن عنوان المتعلق لا يتوقف على القصد بوجوده الخارجي، بل بوجوده العنواني، وهو لا يتقوم إلا بتصور ذهني أو اعتبار عقلائي كاعتبار عارضه، فلا دور بعد اختلاف الطرفين. والتحقيق على ما سيأتي - إن شاء الله - تفصيله في مبحث اجتماع الأمر والنهي: أن العروض أو التعلق المذكور ليس من قبيل عروض العرض على محله، بل إطلاق العروض إطلاق مجازي عنائي، وإلا فلا عارض ولا معروض، والواقع أن البعث أو الوجوب أمر اعتباري تعلقي لا يتوقف إلا على وجود لمتعلقه مناسب لعالم الاعتبار، ولا تعلق له واقعي بواقع متعلقه ووجوده الحقيقي إلا بضرب من التشبيه، فلا يلزم محذور الدور. وثانيا: أن قصد الامتثال بوجوده الخارجي وإن كان ملازما - في الفرض -

[ 128 ]

للأمر بوجوده الخارجي، إلا أنه لا يتوقف عليه، كيف ؟ ولازمه أن لا يختلف العلم بالأمر عن الواقع، وهو خلاف الضرورة. فكلتا المقدمتين ممنوعة. ومنها: أن اللازم من جعل قصد الأمر داخلا في متعلقه تقدم الشئ على نفسه الذي هو محذور الدور وهذا الوجه هو الذي استند إليه العلامة الميرزا النائيني (قدس سره)، وحاصل تقريبه على ما يستفاد من كلامه: أن تعليق الأمر والوجوب على الفعل المقيد أو المركب من قصد أمره يلزمه فرض تحقق أمر قد تعلق بالفعل، فإن فعل المكلف إذا كان تعلق بما هو خارج عن قدرته - كالصلاة الى القبلة - فلابد من فرض وجوده قبل الأمر ليمكن تحقق الفعل من المكلف، فكما أن القبلة يفرض وجودها قبل الأمر فهكذا الأمر في الأمر، وحيث إن الأمر هنا واحد فيلزم محذور تقدم الشئ على نفسه " (1). والجواب عنه: أن التعلق المذكور للفعل لا يقتضي أزيد من تحقق ذاك الأمر الخارجي بعلله في ظرفه، وأما أن يتحقق قبل الأمر ومن غير ناحية الأمر فلا، وعليه فإذا كان المفروض إنشاء الأمر على عنوان العمل المقيد بقصد الأمر، وليس موضوعه إلا المكلف الواجد لشرائط التكليف، وهو مفروض الوجود، وكان الأمر منبسطا على ذات العمل، ومحققا لإمكان قصد الامتثال فلا يلزم أي محذور أصلا. وبالجملة: فالتكليف لا تتوقف فعليته إلا على فعلية موضوعه، وهو إنما يوجب تقدم الموضوع على الحكم، وأما متعلق التكليف - أعني فعل المكلف - فنفس كونه متعلقا للتكليف لا يقتضي تقدمه، وتعلقه بأمر خارجي مفروض الوجود لا يقتضي أزيد من تحققه بعلله في ظرف العمل، وهي على الفرض متحققة، فإن ما هو بمنزلة العلة له إنما هو المكلف بشرائطه، وهو مفروض الوجود، كما لا يخفى.


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 149. (*)

[ 129 ]

ومنها: أنه يلزم تحقق الأمر قبل تحققه، وهو محال (1)، وهذا اللزوم ليس من ناحية مجرد تعلق العمل بشئ خارج عن قدرة المكلف، بل لأن قصد امتثال الأمر إذا وقع تحت دائرة الأمر كان على حذو سائر أجزاء المأمور به، فلابد من إتيانه أيضا بقصد الأمر، فيلزم على المكلف أن يقصد امتثال الأمر، ويأتي به أيضا بداعي امتثال الأمر، وهو لا يكون إلا إذا كان الأمر موجودا قبل نفسه ليتحقق من المكلف قصد الى امتثاله بداعي أمره. وفيه أولا: أن التعبديات - كما عرفت - إنما هي ما يعتبر إتيان ذاتها بداعي الأمر المتعلق بها، ولا يعتبر قصد الامتثال في نفس قصد الامتثال ليلزم ما ذكر من المحذور، ومجرد كونه جزءا أو قيدا لواجب عبادي بالمعنى المذكور لا يستلزم تعبدية نفس القصد، ضرورة أن المفروض أنه لايراد بالتعبدي إلا ما ذكرناه، وهو لا يستلزم أي محذور أصلا. وثانيا: لو فرض أخذ قصد الامتثال حتى في إتيان الذات بداعي أمره لكان الإشكال مندفعا أيضا، بالانبساط المذكور، فإن هذا الأمر الواحد كما أنه ينبسط على ذات الفعل ينبسط على قصد الامتثال أيضا، فإذا اعتبر في هذا الأمر الانبساطي المتعلق بقصد الامتثال أن يؤتى أيضا بقصد أمره فلا محالة يكون متعلقه الذات المأتية بقصد أمرها، وقصد أمرها المأتي أيضا بقصد أمره، وحيث إن الكل متعلق الأمر فلا بأس بإتيانه بقصد الأمر. نعم، إتيان قصد امتثال الأمر بقصد أمره الذي هو أيضا جزء آخر من متعلق الأمر لم يؤت بقصد أمره، ولا غرو فيه على ما عرفت في الجواب الأول. ومنها: أن حقيقة الأمر لما كانت هي الإنشاء بداعي جعل الداعي فجعل الأمر داعيا الى جعل الأمر داعيا يوجب داعوية الشئ الى داعوية نفسه، ومحركيته الى محركية نفسه، وهو كعلية الشئ لنفسه، فهو محال (2). والجواب: بأن الأمر الواحد إذا انبسط على ذات الفعل وإتيانها بقصد أمرها


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 149. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 325 س 5. (*)

[ 130 ]

فيؤول الأمر الى داعوية الشئ بجزئه المنبسط على قصد الأمر الى داعويته بجزئه الآخر المنبسط على الذات، ولا بأس به أصلا، لا سيما وإن حقيقة الداعوية إنما هي لوجوده النفساني والذهني، وتحليله الى جزءين من شئ واحد في الذهن ليكون أحدهما داعيا الى امتثال الجزء الآخر لا بأس به، مضافا الى أنه لا علية فاعلية، وإنما هي غائية تتبع الوجودات والصور النفسانية التي تتعدد بمجرد تعدد اللحاظ، كما لا يخفى. فهذه الوجوه التي ذكرنا هي أقوى الوجوه التي اقيمت على امتناع أخذ قصد القربة في متعلق الأمر. وهنا وجوه اخر ضعيفة تقدر على الجواب عنها لسهولته بعد الوقوف على ما حققناه، فراجع. ثم إنك قد عرفت أن مبنانا في الجواب على انبساط الأمر الواحد المتعلق بالمركب أو المقيد، من دون التزام بأمر مقدمي ضمني بعدد الأجزاء والقيود، وذلك أن وجود الأمر أو الأوامر الضمنية المولوية مما لا دليل عليها، لما سيأتي - إن شاء الله تعالى - من عدم قيام دليل مقنع على الوجوب المقدمي في المقدمات الخارجية، فضلا عن المقدمات الداخلية، لاسيما قيود الواجبات. ومثله بل أضعف منه: ما في محاضرات السيد الاستاذ العلامة الخوئي، وفي الحلقة الثالثة من اصول الشهيد السعيد الصدر (قدس سرهما): من أن الأمر الاستقلالي المتعلق بالفعل المقيد بالقربة ينحل الى أوامر ضمنية حسب تعدد أجزائه كما في الأول (1)، أو الى أمرين ضمنيين، لكل منهما محركية نحو متعلقه، أحدهما الأمر بذات الفعل، والآخر الأمر بقصد امتثال الأمر الأول وجعله محركا كما في الثاني (2). لوضوح أنه إذا كان المأمور به أمرا واحدا ذا أجزاء وشرائط بينها ارتباط في تحصيل مطلوب واحد للمولى الآمر، فلاريب عند العرف والعقلاء أن الأمر بمثله أمر واحد، وأن التعبير بأن كلا منها مطلوب ومأمور به إنما هو للانبساط عليها، فإن


(1) المحاضرات: ج 2 ص 166. (2) دروس في علم الاصول: ج 2 ص 246. (*)

[ 131 ]

إسناد أن العقلاء يرون هنا بالانحلال بأوامر متعددة مولوية واضح البطلان، والله العاصم. هذا كله حول أخذ القربة في متعلق أمر واحد، وقد عرفت صحة أخذها فيه وإمكانه سواء كانت بمعنى قصد امتثال الأمر، أو بمعنى إتيان العمل لله تعالى. ثم على التنزل عما هو الحق وتسلم امتناع أخذها في متعلق أمر واحد لبعض المحاذير التي اشير إليها - كما عليه صاحب الكفاية - فهل ترتفع تلك المحاذير بإنشاء أمرين: أحدهما يتعلق بذات الفعل ومتنه، والثاني بإتيان هذا الفعل بداعي أمره المتعلق به أم لا ؟ قال في الكفاية: بعد دعوى القطع بأنه ليس في العبادات إلا أمر واحد لا أمران: إن الالتجاء الى الأمرين أيضا لا يحل المشكلة، وذلك أنه لو فرض موافقة الأمر الأول بلا قصد امتثاله فهل يسقط ذلك الأمر أم لا ؟ فإن اختير سقوطه فلا يصل الآمر بحيلة الأمرين أيضا الى غرضه. وإن اختير عدم سقوطه فلا يكون له وجه، إلا أن لقصد الامتثال دخلا في حصول غرضه، وأن ما لم يحصل الغرض لم يسقط الأمر، ومعه فالأمر الواحد كاف للدعوة الى قصد الامتثال، ويكون الثاني لغوا قبيحا لا حاجة إليه أصلا (1). أقول: لقائل أن يختار سقوط الأمر الأول ويجيب عن إشكال الكفاية: أولا: بأن مرادنا بالسقوط جواز الاكتفاء بالمأتي به بلا قصد القربة بالنسبة لإطاعة أمره، إلا أنه لم ينسد فيه باب تبديل الامتثال، بل للمكلف أن يأتي به ثانيا ليقع به الطاعة والامتثال، وتتحقق إطاعة الأمر الثاني أيضا، فإذا كان له سبيل إليه فوجوب إطاعة الأمر الثاني عقلا يلزمه إليه. وثانيا: لو سلمنا سقوطه بالمرة بحيث لم يكن له طريق الى تبديل امتثاله بتاتا فمع ذلك أيضا لا مجال لقوله (قدس سره): " فلا يتوسل الآمر الى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة "، وذلك أن المقصود بوصوله بها الى غرضه ليس الوصول الخارجي،


(1) الكفاية: ص 96 - 97. (*)

[ 132 ]

ضرورة أن الأمر المؤكد في التوصليات أيضا لا يقوى عليه، فإن المكلف ربما يعصي فلا يصل المولى الى غرضه بل المراد به: أنه إذا لم يكن من المكلف عصيان فلا محالة يصل الآمر الى غرضه، والأمر هاهنا كذلك فإنه إذا أطاع الأمرين اللذين يجب إطاعتهما بحكم العقل لكان موجبا لوصول الآمر الى غرضه، كما لا يخفى. والعلامة الميرزا النائيني (قدس سره) اختار عدم سقوط الأمر الأول، وقال ما حاصله إنه إذا كان غرض الآمر لا يحصل بمجرد الإتيان بالمأمور به، بل لابد فيه من ضم قصد التقرب فحينئذ يكون هنا ملاك واحد منشأ لإنشاء أمرين: أحدهما بذات الفعل، والآخر بقصد إتيانه بداعي أمره، وحيث ليس للأمر الثاني إلا نفس ملاك الأمر بالذات، وإنما جئ به لعدم إمكان استيفاء الغرض بأمر واحد فلا محالة يكون الأمر الثاني من قبيل متمم الجعل الأول. قال: " وتوهم إيكال الأمر بالنسبة لقصد الامتثال الى حكم العقل لا معنى له، فإن العقل ليس شأنه إلا الإدراك لما يكون، لا الجعل والتشريع، فلا محيص إلا عن أمرين ثانيهما من قبيل متمم جعل الأمر الأول " (1). أقول: والإنصاف أنه لو كان انتقال الأمر الى أمرين إنما هو لمجرد أن يتوسل الى حيلة يصل بها الى غرضه، بحيث لو كان وصوله إليه بأمر واحد ممكنا لما توسل إليه بأمرين، فحينئذ لما كان لأمريه توجيه إلا مسألة متمم الجعل، وكان المصير الى تبديل الامتثال أو سقوط الأمر الأول بالمرة، كما ذكرناه خروجا وابتعادا عن واقع الأمر، فإن كلا منهما إنما يصح لو كان للأمر بذات الفعل خالية عن القربة مصلحة مستقلة، فإنه حينئذ يتصور إمكان سقوط أمره وجواز الاكتفاء فيه به، وإلا فإذا كان المفروض وجود ملاك واحد لا يحصل إلا بإتيان العمل بقصد امتثال الأمر فلا محالة يكون الانتقال الى أمرين إنما هو لأجل عدم إمكان وصوله الى غرضه بالأمر الأول، فالثاني وسيلة لتحصيل غرض الأمر الأول، لا لتحصيل


(1) أجود التقريرات: ج 1 ص 116. (*)

[ 133 ]

غرض آخر أزيد، وبهذه الجهة يعبر عنه بمتمم الجعل. فقد تحصل: أن توجيه الأمر الى قصد القربة أمرا واحدا أو أمرين لا بأس به، ولا مانع عن الرجوع الى إطلاق المادة إذا لم يعلم تقييدها به كما مر بيانه. السادس: بعد ما عرفت من إمكان تقييد المأمور به بقيد قصد التعبد فيقع الكلام في بيان الرجوع الى إطلاق مادته إذا لم يعلم تقييدها. فنقول: هل يجوز التمسك لنفي اعتبار نية القربة بإطلاق دليل المأمور به أم لا ؟ تفصيل المقام: أن الإطلاق المزبور إما لفظي وإما مقامي. والمراد بالإطلاق المقامي: أن يكون المتكلم في مقام بيان جميع ما له دخل في تحصيل غرضه، سواء أمكن جعله جزءا أو قيدا للمأمور به أم لا، ولا يبين دخالة شئ فيه، فإن احرز هذا المقام من المولى فلا ينبغي الشبهة في حكم العقلاء بعدم دخالة هذا الشئ في غرضه. وذلك من غير فرق بين أن يكون هذا الشئ من الامور المغفول عنها لولا بيانه، وأن لا يكون، إذ كون المولى في هذا المقام بمنزلة أن يقول بلفظه: " الدخيل في حصول غرضي هو هذا المذكور لا غير "، ومع هذا لا يشك أحد في الحكم بعدم دخالة غيره فيه، بلا فرق من الجهة المزبورة. كما لا يفرق أيضا بين أن يكون الشئ المشكوك فيه مما يحكم العقل بالاحتياط فيه، وأن لا يكون، وذلك لا من جهة لزوم الدور من توقف الأخذ بالإطلاق المقامي على عدم حكم العقل بالاشتغال، مع أنه موقوف على الإطلاق المقامي، لكون موضوع الاشتغال عدم البيان، والإطلاق بيان، أو من توقف حكم العقل بالاشتغال على عدم الإطلاق المقامي - توقف الحكم على موضوعه -، مع أنه موقوف على حكمه بالاشتغال - توقف عدم المشروط بعدم شرطه، أو عدم الممنوع بوجود مانعه - إذ لو سلم اشتراطه بعدم حكمه بالاحتياط فيجعل المانع حكمه بالاشتغال لو خلي ذلك الشئ وطبعه، وفي فرض عدم البيان، وهذا - كما ترى - غير موقوف على أن لا يكون إطلاق لفظي أو مقامي.

[ 134 ]

بل الوجه في عدم الفرق من هذه الجهة أيضا هو ما ذكرنا من حكم أهل العرف بذلك في محاوراتهم بلا شبهة ولا إشكال. وهذا الذي ذكرنا لا يختص بالإطلاق المقامي، بل يجرونه في الأخذ بالإطلاق اللفظي أيضا، كما هو ظاهر للمتأمل وحينئذ فلا وجه لما عن بعض المحققين - في مقالاته وتقريراته - من اشتراط كليهما بعدم حكم العقل بالاشتغال، واشتراط المقامي بكون القيد مما يغفل عنه تارة، واشتراط كليهما بأحد الأمرين ثانية، والتفصيل بينهما ثالثة، فراجع (1). ثم إن هذا الإطلاق المقامي لو احرز من المولى فلا ريب في صحة الاعتماد إليه، والكشف عن عدم اعتبار قصد القربة في محصل غرضه، من غير فرق بين المباني أصلا، كما لا يخفى على من تدبر. كما أن المراد بالإطلاق اللفظي: أن يكون المولى في مقام بيان تمام الموضوع لحكمه، إلا أن العقلاء يوجبون على المتكلم أن يجعل محصل غرضه بجميع قيوده وخصوصياته موضوعا لحكمه إذا أمكن، فإذا كان المولى في هذا المقام ولم يأخذ شيئا في موضوعه حكم بأن تمام الموضوع لحكمه خصوص ما ذكره، وبأن تمام المحصل لغرضه أيضا ذلك إذا أمكن أخذ المشكوك أيضا في موضوع حكمه، وأما إذا لم يمكن فالموضوع لحكمه وإن كان خصوص المذكور إلا أنه لمكان امتناع أخذ هذا المشكوك فيه لا يحكم بعدم دخالته في الفرض، ولا يستكشف منه قيام غرضه أيضا بموضوع حكمه. وسيأتي - إن شاء الله - لهذا توضيح عن قريب. وهل يصح نفي اعتبار قصد القربة بإطلاق المادة المأمور بها ؟ التحقيق: أنه إن جوزنا أخذه في متعلق الأمر الأول فحكمه حكم سائر القيود كما لا يخفى، وإن أحلناه وجوزنا الأمر به بأمر ثان فإطلاق الأمر المتعلق بأصل المأمور به لا يمكن الأخذ به، إذ المفروض أن القربة المأمور بها ليست ولا يمكن أن تؤخذ في متعلق الأمر المتعلق بأصل الطبيعة، فحكم هذا الأمر حكم أمر المولى بالطبيعة مع امتناع


(1) المقالات: ج 1 ص 77 الطبع الأول، نهاية الأفكار: ج 1 ص 194 - 195. (*)

[ 135 ]

الأمر الثاني أيضا بقصد القربة، وهذا من غير فرق بين جميع الوجوه والمباني المتصورة للأمر الثاني، ويدخل فيها أيضا ما اختاره في المقالات وتقريراته (1)، وجعله قولا بإمكان أخذ قصد القربة في متعلق خطاب واحد. وذلك أن الخطاب عليه وإن كان واحدا إلا أن الوجوب والبعث متعدد، ولا يلزم على المولى المتكلم أن يأخذ الأمر بقصد القربة في نفس الخطاب الموجه الى الطبيعة، بل له أن يأمر به بخطاب يخصه، وحينئذ فإطلاق الخطاب المتوجه الى نفس الطبيعة لا دلالة فيه على أن لا بعث ولا وجوب آخر بإتيان متعلق هذا الوجوب بداعي وجوبه. هذا. وأما إن قلنا بمقالة المحقق صاحب الكفاية، وأن القربة كما لا يمكن أن تؤخذ في متعلق الأمر الأول لا يمكن الأمر بها بأمر ثان أيضا فلا ريب في عدم إمكان الحكم بعدم دخلها في غرض المولى بإطلاق متعلق أمره، إذ كشف أن متعلق الأمر هو القائم به الغرض إنما هو في القيود التي يمكن أخذها في المأمور به، ويحكم العقلاء بأن على المولى أن يأخذ جميع القيود الدخيلة في تحصيل غرضه ويجعلها قيدا لما يأمر به، وهذا إنما هو فيما أمكن تقييده بها، وأما فيما لا يمكن فلعله كان دخيلا ولم يأخذه فيه لعدم إمكانه، وهذا مما لا كلام فيه. إنما الكلام في أن متعلق الأمر لا إطلاق له بالنسبة الى مثل هذه القيود، أوله إطلاق لكنه لا حجة على نفي دخالتها في الغرض ؟ المحكي عن بعض الأعاظم في تقرير بحثه هو الأول، وأفاد في وجهه: تارة أن اللفظ المطلق لما وضع لنفس الطبيعة لا للطبيعة السارية فالإطلاق إنما يستفاد من مقدمات الحكمة، ومنها عدم بيان القيد مع أنه كان بصدد البيان. ومن المعلوم أن هذه المقدمة إنما تصح فيما أمكن بيانه حتى يستكشف من


(1) المقالات: ج 1 ص 77 - 78، نهاية الأفكار: ج 1 ص 198 - 199، وحاصله: أن يكون إتيان المأمور به بالأمر الثاني مغفولا عنه، ولا يقتضي إطلاق الأمر الثاني أزيد من رفع دخل القيود غير المغفول عنها. (*)

[ 136 ]

عدمه عدم اعتباره، لا في مثل ما نحن فيه مما كان عدم بيانه لامتناع بيانه. واخرى: أن معنى الإطلاق هو ورود الحكم على ما أمكن انقسامه الى قسمين مع قطع النظر عن تعلق الحكم، وأما فيما لا يمكن انقسامه إلا بعد تعلق الحكم به فلا يمكن إطلاقه من هذه الجهة، يعني: أن متعلق الحكم ينظر إليه بنفسه في رتبة الموضوع للحكم، وفي هذا النظرة لا يمكن أن يكون مقسما لهذين القسمين، حتى يكون عدم التعرض لخصوص أحد القسمين دليلا لتعلق الحكم بالمطلق، ويكون اللفظ مطلقا بالنسبة إليه. هذا. أقول: إن اجراء مقدمات الحكمة فيما تجري إنما يفيد أن تمام الموضوع للحكم وتمام المتعلق له إنما هو نفس الطبيعة، وليس مقتضاه سريان الحكم الى أي عنوان خاص يفرض للطبيعة، بل إنما مقتضاه كون الطبيعة تمام الموضوع، فأينما وجدت وجد الحكم لوجود تمام موضوعه، فحاصله: أن القيود الغير المأخوذة غير دخيلة في موضوع الحكم، لا وجودا ولا عدما، فهذا هو معنى الإطلاق، وهذا المعنى بعينه موجود في متعلق الأمر بالقطع والبرهان في مثل قصد القربة، إذ تقييد الطبيعة بوجوده ممتنع على الفرض وبعدمه أيضا على فرض إمكانه واضح العدم، فلا يبقى إلا أن يكون تمام الموضوع نفس الطبيعة، ليس إلا. فما أفاده في الوجه الأول: من أن الإطلاق مستفاد من مقدمات بعضها مفقود هاهنا، فجوابه: أن انتفاء هذه المقدمة من مقدماتها إنما يمنع عنه كشف الإطلاق بهذا الطريق، لكن الكاشف غير منحصر فيه، فقد استكشفناه هنا بطريق أقوم هو القطع والبرهان، نعم، هذا البرهان لما لم يكن جاريا بالنسبة الى عدم دخل القربة في الغرض، وكان مقدمات الحكمة هو الطريق المنحصر لكشف هذا المعنى في الإطلاق اللفظي فعدم جريانها يوجب عدم الكشف عنه. وأما الوجه الثاني - فمضافا الى ما عرفت - يرد عليه: أن مقوم الإطلاق إنما هو إمكان انقسام مفهوم اللفظ الى القسمين، لا جواز فعلية الأقسام بنفسها، وإلا فلا ريب في أن كلا من الأقسام إنما يحصل بانضمام قيد الى الطبيعة، فالصلاة - مثلا -

[ 137 ]

أيضا منقسمة بنفسها الى ما يؤتى بها بقصد أمرها وإلى غيره، ولا ينافي ذلك توقف فعلية الأقسام على تعلق الأمر بها، كما لا يخفى. وأضعف من هذين الوجهين ما في المقالات: من أن الإطلاق والتقييد متضايفان، فما لا يقبل التقييد لا يقبل الإطلاق (1)، إذ تضايفهما مثل ما جعله لازم التضايف كلاهما ممنوعان، هذا كله في حكم إطلاق المادة. وأما إطلاق الهيأة فقد يقال باقتضائه للتعبدية لأحد وجهين: الأول: أن مفاد الهيأة، هو الدعوة نحو المتعلق فحفظ مفادها إنما هو بجعلها داعيا الى متعلقها، لا إتيان متعلقها من غير دعوة أمره. وقد يقرب هذا الوجه (2): بأن الأمر المولوي علة تشريعية يجب أن تكون محكومة بحكم العلة التكوينية، وكما أن المعلول التكويني وإن لم يكن مقيدا بحيثية صدوره من علته، بل يستحيل تقييدها به إلا أنه مع ذلك له ضيق ذاتي من هذه الجهة فكذلك المأمور به إذا أتى به خارجا فحيث إنه معلول للأمر تشريعي، فلابد أن يكون له ضيق ذاتي بحيثية أن صدوره لهذا الأمر، وبعليته وداعويته. وقد يوجه بأن الغرض من البعث الجدي لما كان تحصيل المطلوب في الخارج فإذا كان العبد يوجده بدواعيه النفسانية فالبعث إليه لغو، فمقتضى الحكمة قصر البعث على مالا يكون له داع نفساني، وإنما يأتي به لخصوص بعث المولى. وهذه التقريبات - كما ترى - تقتضي القول بالتعبدية حتى على القول بإمكان الأمر بالقربة بالأمر الأول أو الثاني. والجواب عنها: أن مفاد الهيأة بحسب فهم العرف والارتكاز ليس إلا البعث الاعتباري نحو العمل، بحيث لا ينافيه إتيان العمل بالدواعي النفسانية، ولو أطلق على هذا البعث الاعتباري الدعوة أيضا فهو من قبيل الاشتراك اللفظي بينه وبين الدعوة في إتيان العمل لأمره، ولا يقتضي عدم انحفاظ معناه لو أتى به لا بقصد


(1) المقالات: ج 1 ص 75. (2) كما في حواشي الدرر: ج 1 ص 272. ط جماعة المدرسين. (*)

[ 138 ]

أمره، وبالحقيقة المغالطة نشأت من اشتراك اللفظ. ومنه يظهر أن قياسه على العلة التكوينية إنما يقتضي تضيق المأمور به ذاتا، بأنه بعث إليه، لا بأنه أتى به بدعوة أمره، مضافا إلى أنه لا شاهد على قياسه بذلك المعنى. كما يظهر منه أن حقيقة الأمر والبعث - القانونيين - إنما هو جعل ما يمكن أن يصير داعيا للمكلف نحو العمل، وما ذكر من داعويته حين ما لا داعي للعبد سواه من قبيل الغاية لجعله فكون المولى بصدد تحصيل غرضه من العبد يصير داعيا له إلى البعث نحو محصله الذي حقيقته جعل وظيفة له على الإطلاق، وإن أمكن له أن يصل إلى غرضه بتخصيص أمره بخصوص ما إذا لم يكن في نفس العبد داع الى الفعل لولاه، لكن الواقع من العقلاء البعث المطلق الذي حقيقته جعل الوظيفة، ولا ينافى عدم صيرورته داعيا، بل عدم إتيان العبد بالموظف والمبعوث إليه رأسا. هذا. مضافا الى أن هذا التوجيه الأخير لا يقتضي أزيد من داعوية أمره إجمالا، ولو بأن يكون غايته من العمل الرياء وغيره من الدواعي النفسانية التي لا تكون علة تامة أو علة أصلا لإتيان العمل بنفسها، وهو غير ما نحن بصدده من اعتبار قصد القربة المعتبرة في العبادات. الوجه الثاني - وهو مختص بالقول بامتناع الأمر بالقربة مطلقا، والقول بإمكان الأمر به بأمر ثان غيري أو للغير - وهو: أن إطلاق الهيأة وإن لم يدل بالدلالة ا للفظية على كيفية البعث - لأن حقيقة البعث الحقيقي الذي هو مفادها موجود في جميع أقسامها - إلا أنه حجة عرفا وعند العقلاء، على أن ما تعلق به مطلوب نفسي، لا أنه إنما أمر به مقدمة لما هو المطلوب النفسي، ولذلك ترى أن العبد لو ترك المأمور به باحتمال أن الأمر به لعله بلحاظ أنه مقدمة للغير الذي لا يجب عليه فعلا لما عد معذورا، بل استحق العقاب إذا كان الواجب لا كما زعمه، وليس ذلك إلا لكون البعث حجة على أن المطلوب نفسي، وهذه الحجية العقلائية

[ 139 ]

ثابتة على كل احتمال مقابل للوجوب النفسي، سواء كان وجوبا غيريا مقدميا، أو وجوبا للغير، فإذا احتمل أن الوجوب المتعلق بالطبيعة مقدمي أو للغير - كما على القولين - أو أنها ليس المراد النفسي وإنما أمر بها لمكان امتناع الأمر بأزيد منها فحيث إن أمره يصير كالمقدمي كان الإطلاق حجة على خلافها، وحينئذ فما يقال في جوابه من أن المقدار المسلم أن الأمر ظاهر في كونه لجعل الداعي لا كونه منبعثا عن غير داعي التمهيد لا يصغى إليه. هذا. ويمكن أن يجاب: بأن مقتضى ما ذكر من الحجية العقلائية أن ترك المأمور به باحتمال كونه أو أمره مقدمة لما لا يجب عليه فعلا غير جائز، وإطلاق الأمر حجة للمولى فيه على العبد، وأما أن هذا الإطلاق حجة العبد أيضا على المولى يصح أن يحتج بها عليه، بأن أمره نفسي فلا شاهد ولا دليل عليه، إذ بعد تسليم أن ظاهر الأمر ليس إلا البعث الصادق في جميع الموارد، فالشاهد العقلائي المزبور لا يقتضي أزيد من حجيته للمولى لا عليه، ولذلك فترى العقلاء لا يجوزون للعبد أن يسند الى المولى أن واجبه هذا نفسي بمجرد حجيته المزبورة، فتدبر جيدا. القول في الأصل العملي: ثم لو لم يكن إطلاق أو لم يمكن به رفع الشك عن اعتبار قصد القربة، وشك فيه فهل الاصول العملية منتجة نتيجة اعتبارها أو عدمه والكلام تارة في البراءة والاشتغال العقليين، واخرى في الشرعيين. وتفصيل المقام في الأصل العقلي: أنه إن قلنا بإمكان أخذ القربة في متعلق الأمر الأول كسائر الشرائط فحكمها حكم غيرها، وإن قلنا بعدمه وإمكان أخذه في متعلق أمر ثان: فإن قلنا بأن أمر نفس الطبيعة كالأمر الثاني أمر نفسي فلا ريب في جريان البراءة العقلية عن الأمر الثاني، سواء قلنا بأن الأمر الأول تعلق بصرف وجود الطبيعة، أو بمطلق وجودها ما لم يؤت بها بقصد أمرها. وأما إن قلنا بأن أمرها غيري مقدمي أو أمر للغير، أو نفسي وأمر قصد القربة

[ 140 ]

مقدمي - كما أختاره في نهاية الدراية - فالظاهر أيضا حكم العقل بالبراءة عن ذلك الأمر النفسي أو الغيري المنجز لذلك الأمر النفسي المعلوم من جهة قصد القربة أيضا، وفعلية الطلب المتعلق بنفس الطبيعة وإن كانت موقوفة - بمقتضى وحدة الغرض - على فعلية الأمر بقصد القربة - على فرض اعتباره - إلا أنه غير مانع عن حكم العقل بالبراءة، كما بين ذلك في باب الأقل والأكثر الارتباطيين. وبالجملة: فالقول بالبراءة هنا على هذه الوجوه الثلاثة مبني على القول بها في الأقل والأكثر، وعدم التوقف فيها لأجل تلك الشبهة، وسيأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء الله تعالى. وأما بناء على امتناع الأمر بقصد القربة مطلقا - كما هو مختار الكفاية - فقد قرب حكم العقل بالاحتياط. تارة من ناحية حكمه بلزوم تحصيل غرض المولى، وهو مذكور مع الجواب عنه ونقضه وإبرامه في نهاية الدراية (1)، إلا أن الذي ينبغي التنبيه عليه: هو أنه بناء على مختار الكفاية (2) فالغرض الداعي الى الأمر بنفس الطبيعة ليس سوى الغرض الذي يقوم بها بشرط إتيانها بداعي القربة، وفي الحقيقة الأمر المولوي بها لمكان أنها تمام ما أمكن للمولى الأمر به، وإلا فلو أمكنه لأمر بها مقيدة أو منضمة بقصد القربة أيضا، والحاصل: أن الغرض أخص من المأمور به على مختاره، لا أنه يرى الأمر بالطبيعة أمرا غيريا أو للغير، فما يظهر من النهاية في هامشها (3) لعله خلاف، مبناه. وتارة من ناحية حكمه بلزوم إسقاط التكليف المعلوم وإن لم يجب تحصيل الغرض، وهذا هو المذكور في الكفاية، وبيانه: أن الأمر بالطبيعة معلوم لا إبهام في متعلقه، فالبيان عليه تمام فيجب القطع بإسقاطه، وحيث إنه معلول الغرض، باق


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 207 - 211: ط المطبعة العلمية. (2) الكفاية: ص 97. (3) نهاية الدراية: ج 1 ص 209. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 141 ]

ببقائه، فإذا احتمل عدم حصوله احتمل بقاء الأمر، فيجب مقدمة للعلم بإسقاط الأمر المعلوم إتيانها بقصد القربة، فالحكم بوجوب قصد القربة لا لمكان وجوب تحصيل الغرض، بل لمكان احتمال عدم سقوط الأمر المعلوم باحتمال بقائه، وحينئذ فلا وجه لما أفاده المحقق صاحب النهاية من رجوعه الى الوجه الأول. وكيف كان فالجواب عنه: أن الأمر المتعلق بمتعلق معلوم ليس حجة بحكم العقل إلا على نفس متعلقه، فإن لم يسقط بترك متعلقه كان الأمر حجة على العبد. وأما إذا كان عدم سقوطه مستندا الى أمر خارج عن المأمور به ولم يبينه المولى فالأمر ليس حجة عليه، واحتمال بقائه المستند الى احتمال اعتبار ذلك الخارج ليس بمنجز، ولا لازم الرعاية بحكم العقل. هذا. ثم هل القول بالبراءة أو الاشتغال هنا - على غير القول بإمكان أخذه في متعلق الأمر الأول - ملازم للقول به في باب الارتباطيين، أو هو هنا أوضح ؟ تحقيق المقام أن يقال: إن القول بالاشتغال هناك إن كان مستندا الى احتمال عدم حصول الغرض بفعل الأقل، أو إلى ملازمة فعلية الوجوب المتعلق بالأقل من ناحية وجوب الأكثر - على فرض وجوده - لوجوب الأكثر، لارتباطيته في تحصيل الغرض، أيضا، فهو يلازم القول به هاهنا، إذ ذلك الاحتمال هاهنا موجود. كما أنه لو فرض عدم إتيان الفعل بقصد القربة وكان قصدها دخيلا في الغرض لما كان الفعل مطلوبا أصلا، اللهم إلا على كون الأمر بالقربة بأمر ثان مستقل، وكون الأمر بنفس الطبيعة أيضا مستقلا. وأما إن كان مستندا الى صرف عدم تسليم انحلال الأمر بالأكثر بنحو الانبساط فهو غير ملازم للاشتغال هنا، بل حيث إن المفروض هنا توجه أمر مستقل الى نفس الطبيعة فاللازم هو البراءة. كما أنه إن كان مستندا الى عدم إمكان التفكيك بين الوجوب العلي والمعلولي في التنجز فلازمه القول بالبراءة هاهنا، إلا على القول بأن الأمر الأول مقدمي غيري.

[ 142 ]

ومن هذا كله يصح دعوى أن القول بالبراءة هنا أوضح منه هناك. وأما القول بالبراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين فحيث إنه مبني على عدم مانعية شئ من الوجوه المزبورة عن حكم العقل بالبراءة فلذلك كان لازمه القول بالبراءة هنا أيضا، إذ لا يتصور وجه آخر للاشتغال إلا مثله جار هناك أيضا، فإن ما في الكفاية: من أن التكليف المعلوم يجب العلم بإسقاطه، فاحتمال بقائه لبقاء الغرض يوجب الحكم بالاحتياط جار هناك أيضا، ببيان أن التكليف المعلوم المتعلق بالأقل يجب العلم بإسقاطه، فاحتمال بقائه لاحتمال كونه انبساطيا لا يحصل غرضه إلا بالأكثر يوجب الحكم بالاحتياط، فما في الكفاية من أن حكم العقل هنا الاشتغال وإن قيل بالبراءة هناك محل منع. هذا. وأما ما في المقالات من مساواة المقام لباب الأقل والأكثر - على امتناع الأخذ مطلقا - نظرا الى تعلق التكليف هنا بالطبيعة التوأمة وهو مثل تعلقه بالطبيعة المقيدة في اقتضاء الاشتغال أو البراءة (1) فمحل نظر بل منع، إذ قد مر في مقدمات البحث: أن تعلق الأمر المطلق بالحصة من طبيعة بحيث لا يدخل التقيد في المأمور به ويتعلق الأمر بنفس الطبيعة غير ممكن التصور، وإنما يتصور على امتناع الأمر بالقربة مطلقا توجه الأمر الى نفس الطبيعة، كما هو مفروض الكفاية ومختارها، وحينئذ فالحق ما عرفت. هذا كله في البراءة العقلية. وقد يتوهم جريان استصحاب الوجوب، فإنه محتمل البقاء لاحتمال عدم حصول الغرض، فيحكم بمقتضى الاستصحاب ببقائه، وهو وإن كان متعلقا بنفس الطبيعة - على الفرض - إلا أنه يوجب تنجز التكليف الواقعي، ولا يحصل العلم بسقوطه إلا إذا أتى بالطبيعة بداعي القربة، فالعقل - تحصيلا للقطع بسقوطه - يحكم بإتيانها بقصد القربة، فليس الغرض من استصحابه كشف قيام الغرض بالقربة حتى


(1) المقالات: ج 1 ص 79، الطبع الأول. (*)

[ 143 ]

يقال (1): إنه لا يزيد على أصله المقطوع به، وإن كشف تعلق الغرض بقصد القربة من بقائه لا يصح إلا على الأصل المثبت، بل الغرض تنجيز الواقع به لو كان، وكفى فيه اقتضاؤه لبقاء الحكم الشرعي السابق، وحكم العقل بلزوم امتثاله، وانحصاره في إتيانها بقصد القربة. هذا. وهذا الوجه - كما ترى - يجري على جميع المباني في قصد القربة، اللهم إلا على القول بالأمرين، وكون الأمر الأول بغرض مستقل، بل هو إشكال على البراءة العقلية في الأقل والأكثر الارتباطيين أيضا. هذا. ويدفع: بأنه بعد مفروضية أن لسان الاستصحاب هوإبقاء ما كان لا جعل تكليف مستقل، وأنه ليس في قدرته إثبات تعبد الشارع بوجوب قصد القربة، ولا دخالته في الغرض، وأنه قد أتى العبد بجميع ما علم بتعلق التكليف به، فحينئذ فلو عاقبه الشارع لكان عقابه لا محالة على تركه لقصد القربة في مقام الامتثال، مع أنه لم يبينه، لا لزومه ولا دخالته في تحصيل الغرض. والعقل مستقل بقبح العقاب على ما لم يكن عليه بيان، فليس في مكنة الاستصحاب تنجيز الواقع لو كان، هذا. مضافا الى عدم جريانه - مع قطع النظر عن هذه الجهة أيضا - في باب الأقل والأكثر الذي منه ما نحن فيه بناء على إمكان أخذ القربة في متعلق الأمر الأول، وذلك أن الشارع بمقتضى دليل الاستصحاب إنما يتعبدنا ببقاء خصوص حكمه أو موضوع حكمه، وتعدد الحكم كما يكون باختلاف سنخه من الوجوب والاستحباب - مثلا - كذلك يكون باختلاف الموضوع، وعليه فحكم الشارع المتعلق - بالأكثر غير حكمه المتعلق بالأقل، فإذا أتى بالأقل فلا يجري استصحاب التكليف لعدم تمامية أركانه، إذ ما يتعبد به الشارع إنما هو خصوص هذا الوجوب أو ذلك، مع أن وجوب الأقل لو كان فهو مقطوع بعدمه وارتفاعه، ووجوب الأكثر مشكوك حدوثه، وعلى فرضه فهو مقطوع بقاؤه، وإنما يجري الاستصحاب في مثله إذا شك في بقائه على أي تقدير، كما لو شك في إتيان الطبيعة رأسا وعدمه، فإن العلم واليقين الإجمالي أيضا محقق لموضوع الاستصحاب.


(1) كما عن بعض أعاظم المحققين في نهاية الدراية: ج 1 ص 345 - 346. (*)

[ 144 ]

وبالجملة: ففي هذا الاستصحاب شبهة استصحاب الفرد المردد، والغروب والمغرب، بل هو منه، وكل من واد واحد، فتدبر جيدا. وأما البراءة الشرعية فالظاهر جريانها بناء على إمكان تعلق التكليف بالقربة، فيرفع وجوب الإتيان بالطبيعة بقصد القربة، سواء كان وجوبا نفسيا مستقلا أو ضمنيا، أو كان وجوبا غيريا. وأما على امتناع تعلق الأمر بها فبناء على استظهار قابلية المرفوع بحديث الرفع ونحوه للجعل والوضع قد يمنع جريانها، إذ ليس في البين إلا احتمال دخل القربة في حصول الغرض، وهو تكويني غير جعلي، اللهم إلا أن يقال: إن المطلوبية الفعلية المقدمة على جعل البعث والتكليف موجودة على هذا المبنى، وإن لم يكن بعث وتكليف، كما أنه يمكن للشارع بيانها وإبرازها بالإخبار عن دخلها في الغرض، وهو أمر قابل للجعل والرفع، فيرفع إذا لم يعلم بحديث الرفع، لكنه مشكل، بقوة احتمال أن يقال: إن الظاهر من حديث الرفع الوارد في محيط القانون والتشريع رفع ما يجعله ويضعه من القوانين، لا مثل هذه المطلوبية المقدمة لها، فتدبر. وفي تقريرات بعض المحققين (قدس سره) الاستشكال، بل المنع عن جريان البراءة الشرعية على القول بإمكان تعلق الأمر بالقربة إذا قلنا بأن مقتضى حكم العقل - فيما إذا احتمل دخالة قيد في حصول غرض المولى - هو الاشتغال وإن لم يأمر به أصلا، وذلك لدعواه اختصاص أدلتها بخصوص تكاليف لو لم يبينها يلزم نقض غرضه، وقصورها عن شمول قيود إن لم يأمر بها يحكم العقل أيضا بلزوم إتيانها، لاحتمال دخلها في تحصيل الغرض (1). وهو (قدس سره) وإن لم يفد وجها لهذه الدعوى إلا أنه يمكن أن يذكر لها وجوه ثلاثة: الأول: أن ظاهر حديث " الرفع " رفع خصوص ما يوضع على الامة عنهم، وهو مختص بتكاليف يكون في وضعها مشقة عليهم، وأما مثل هذا التكليف الذي وجوده كعدمه فليس مشمولا له.


(1) نهاية الأفكار: ج 1 ص 195. (*)

[ 145 ]

الثاني (1): أنه وإن سلمنا جريانه فيه أيضا إلا أن غاية مفاده رفع خصوص المجعول والتكليف، فليس المكلف مأخوذا بتبعته، وهو غير مناف لمأخوذيته باحتمال دخل القيد في الغرض، فلا يحصل من إجرائه ما هو المقصود من تجويز العمل للمكلف فعلا أو تركا. الثالث: أنه وإن سلم حكمه بجواز الترك أيضا إلا أنه فرع تطبيق الحديث على المورد، وهو بعد مشكوك فيه. بيانه: أن الظاهر من قوله: " رفع مالا يعلمون " تعلق الرفع بتكليف موجود في الواقع لا يعلم به المكلف، وإلا فإن لم يكن شئ في الواقع فلا شئ أصلا، لا أن هناك مالا يعلمه وقد رفع بالحديث، ووجه الاستفادة منه في موارد الشبهة البدوية مثلا: أن المكلف يعلم بأنه لو لم يكن تكليف أصلا فلا بأس عليه أصلا، وإن كان فهو مرفوع بالحديث. وعلى أي فلا تبعة عليه في الدخول في الشبهة. وأما هنا فحيث إن المفروض أنه لو لم يكن تكليف أيضا فهو مأخوذ بتبعة احتمال دخل القيد في الغرض، فلا يحصل له الأمن في تركه، إذ لو لم يبينه الشارع - وهو دخيل في الغرض - فحديث الرفع غير جار، والعقل حاكم بالاحتياط، فلا يجوز الاستناد إليه في ترك القيد المحتمل، فإنه من قبيل ا لرجوع الى العموم في شبهته المصداقية. ويمكن الجواب عن الأول: بأن جعل التكليف اللزومي مطلقا جعل لما فيه مشقة وكلفة، ومشقته وكلفته هي عين المشقة الموجودة في تعلق غرضه وطلبه النفساني به، فالعلم بكون شئ مما تعلق به غرض المولى وإرادته النفسانية لا يوجب خروج الإلزام به عن كونه جعلا لما فيه مشقة، وهكذا حكم العقل بإتيان القيد لمكان احتمال دخالته في الغرض غير موجب لأن لا يكون جعل الوظيفة الشرعية بالنسبة إليه جعلا لما فيه ثقل ومشقة، وعليه فهو مشمول حديث الرفع. وعن الثاني: أن الظاهر لولا الصريح من رفع مالا يعلم هو ترخيص مخالفته،


(1) أبدى هذا الوجه سيدنا العلامة السيد محمد الحسيني الكاشاني. (*)

[ 146 ]

إذ لا يحتمل عرفا - في معناه - أن يراد منه رفع ما يلزم من نفس التكليف والإلزام الشرعي، مع مأخوذية المكلفين من الامة بالغرض المتعلق به إرادة المولى الفعلية، بل بلا شبهة يعلم منه كل أحد أن الشارع - بهذا البيان - في صدد تجويز فعل الحرام المحتمل وترك الواجب المحتمل، وهو مساوق للترخيص في تفويت الغرض أيضا، كما لا يخفى. وعن الثالث: أولا: بمامر من أن نفس طلب المولى المتقدم على تكليفه الملازم وجوده لصرف التفاته الى الموضوع أيضا مشمول لحديث الرفع، فتدبر. وثانيا: بأنه قد وردت أخبار كثيرة بأنه " ما من شئ إلا وفيه كتاب أو سنة " (1). وعليه فمامن واقعة إلا ولها حكم شرعي وإن كنا لا نعلمه، ومع عدم العلم به يجري فيه عموم قوله: " رفع مالا يعلمون ". وفي تقريراته (قدس سره) أيضا: أنه مع الإغماض عن ذلك الوجه فجريان البراءة النقلية - على القول بالأمرين - إنما ينفي وجوب قصد القربة المستفاد من متمم الجعل، واما إثبات أن الباقي واف بالغرض بالأصل المذكور فهو من أظهر مصاديق الأصل المثبت، وهذا بخلاف مالو قلنا بإمكان أخذه في متعلق الأمر الأول، فإنه عليه يرجع الشك الى انبساط الأمر عليه - كما في سائر الموارد - فإذا جرت البراءة عنه استفدنا أن الباقي تمام المأمور به، وهو وإن لا يخلو عن واسطة إلا أن خفاء الواسطة بنظر العرف يخرجه عن الأصل المثبت. وفيه أولا: أنا لانحتاج الى احراز أن الباقي واف بالغرض، بل علمنا بتعلق التكليف اجمالا بالباقي يوجب علينا امتثاله، فإذا جرت البراءة عن وجوب هذا المشكوك ثبت أنا لا نعاقب لتركه، وحيث إن احتمال بقاء التكليف أو الغرض المستلزم للعقاب لا يستند إلا الى وجوبه، فلو فرض أن العقل - لو خلي وطبعه - يحكم بالاشتغال لكنا نستريح الى الحديث في تركه ونأمن العقاب.


(1) راجع الوافي: ص 60 باب أنه ليس شئ يحتاج إليه الناس إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة، و ص 121 باب البيان والتعريف ولزوم الحجة، وراجع مثلهما من البحار. (*)

[ 147 ]

وثانيا: أن وجه استفادة تعلق الأمر بالباقي في مطلق الأقل والأكثر الارتباطيين ليس هو الاعتماد على الأصل المثبت لخفاء الواسطة، بل وجهها هو الجمع بين الدليل المتعلق بعنوان المأمور به والدليل الدال على جزئية المشكوك وحديث الرفع، فدليل الجزئية وإن عم صورة الجهل أيضا، إلا أن حديث الرفع لسانه تخصيصها في صورة الجهل واختصاصها بصورة العلم بها، فلا محالة دليل وجوب العنوان المأمور به يكون باقيا على إطلاقه بالنسبة الى الجاهل، وهكذا لو أمر بالمركب في دليل واحد، فتدبر جيدا. تتميم: قالوا: إن التعبدي قد يطلق على ما يعتبر فيه مباشرة المكلف وصدوره عن إرادته، وكونه غير مجتمع مع المحرم، قبال التوصلي الذي لا يعتبر فيه ذلك، وحينئذ فلو شك في الواجب أنه تعبدي أو توصلي فمقتضى الإطلاق أو الأصل العملي ما هو ؟ وتنقيح المقام يتم بالبحث في ثلاثة مواضع: إطلاق الدليل هل يقتضي المباشرة ؟ الأول: هل إطلاق الهيأة يقتضي اعتبار مباشرة المأمور في المأمور به أم لا ؟ ولو لم يكن إطلاق فهل مقتضى الاصول العملية اعتبارها أم لا ؟ لابد قبل البحث عن مقتضى الهيأة أو الاصول من ملاحظة كيفية جعل التكليف فيما يعتبر فيه المباشرة ومالا يعتبر فيه، بحسب عالم الثبوت. فنقول: تارة يقوم غرض المولى بمجرد تحقق طبيعة العمل في الخارج من دون اعتبار أية خصوصية فيها، فلو صدر من غير المأمور أيضا لأغراضه النفسانية لحصل غرضه. وأخرى يقوم غرضه بما يتحقق من قبل المكلف، سواء عمله هو بنفسه، أو

[ 148 ]

عمله آخر عنه ولو تبرعا. وثالثة يكون محصل غرضه ما يتحقق بسبب المكلف: إما مباشرة، أو بإلزام آخر به وإتيانه به ولو لم يقصد كونه عنه. ورابعة يكون محصله ما اجتمع فيه الأمران كونه عنه وبتسبيبه فإما أن يأتي به بنفسه، أو يستنيب آخر يأتي به عنه. وخامسة يكون ما اتصف بأحدهما. وسادسة لا يحصل غرضه إلا بما يأتي به بمباشرة نفسه. ففي الصورة الاولى: الظاهر أن أمر المولى وبعثه يتوجه الى المكلف نفسه، من غير اشتراط بشرط عدم إتيان الغير به، فيوجه التكليف إليه ويجعل الإتيان بالطبيعة وظيفة له، وكما أن إتيانه بنفسه يوجب سقوط التكليف عنه بالامتثال، وليس سقوطه تقييدا في إطلاق ثبوت التكليف، بل سقوطا له بتحقق مقتضاه فكذلك إذا أتى بالمتعلق شخص أجنبي فحيث حصل غرض المولى يسقط أمره عن المكلف بلا تقييد في ثبوته، بل هو كسقوطه بامتثاله. وهذا الذي ذكرناه ظاهر لمن تأمل أدنى تأمل حال نفسه إذا أمر ولده بإتيان ماء ليشربه فإنه يطلبه منه ويأمره به، من دون أن يكون أمره به من أول الأمر مشروطا بعدم إتيان غيره الى آخر الوقت، بل إتيانه وظيفة له بنحو القطع والبت، ولا أن يقيد توجيه أمره إليه - بحسب الحدوث والبقاء - بعدم إتيان ذلك الغير، فما دام لم يأت به هذا الغير يكون مكلفا به، وإذا أتى به لم يكلف به بقاء باعتبار تقييده به، بل إنما يكون إتيان الغير كإتيانه به بنفسه مسقطا لتكليفه ووظيفته المتوجهة إليه بنحو البت، ويكون الغرض من توجيه أمره الى ولده هذا بالخصوص أن يكون له أحد يؤاخذه على ترك مطلوبه وعدم تحصيل غرضه، فنحن لاننكر إمكان اشتراط التكليف بعدم إتيان الغير حدوثا أو بقاء ولو بنحو القضية الحينية، بل إنما ندعي أن اشتراطه مطلقا خلاف الواقع في العرف الذي مشى الشارع أيضا مشيهم، وسندنا في هذه الدعوى هو الرجوع الى العرف والوجدان.

[ 149 ]

وحينئذ فما أفاده بعض المحققين في تقرير بحثه (1) كما ذكر في تقرير بعض الأعاظم (قدس سره) (2) وتبعه عليه بعض أجلة تلاميذه (3) سلمه الله تعالى مما لا يمكننا التصديق به. هذا كله بالنسبة الى إتيان أجنبي به. وأما سائر أنحاء إتيانه فالظاهر أن المكلف مكلف بتحقيق العمل بأية وسيلة ونحو أمكنت له، فهو مخير بحكم عقله بين أن يفعله بنفسه، أو يأمر آخر بإتيانه عنه، أولا، والشاهد عليه أنه لو أتى بالمكلف به من أي طريق من هذه الطرق لعد في العرف مطيعا لأمر مولاه مشتغلا بامتثاله، وما ذلك إلا لأن العرف يرى أن المأمور به له هو الجامع بين جميع هذه الأنحاء، وهو إصداره وإيجاده له، سواء كان بنفسه أو بغيره. فما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) (4) من أن الجامع ملاكي لاخطابي، فالتخيير شرعي لا عقلي عجيب ! وأعجب منه ما في تقرير بعض المحققين (قدس سره) (5) من عدم تصور التخيير الشرعي أيضا، إذ محصل غرضه نفس فعل الغير الذي ليس تحت اختيار المكلف لا تسبيبه إليه. وفيه: أن كون فعل الغير صادرا بإرادته واختياره وقيام غرض المولى بنفس فعله مسلم، لكنه لايمنع عن أن يأمر المولى آخر بتحصيل هذا المحصل لغرضه بأن يأمره بإتيانه أو يستأجره له، فهل ترى إذا تعلق غرض المولى بفعل عبد لولده أو بعض أصحابه ولم يرد أن يأمر بنفسه ذلك العبد، لترفعه عنه أو جهات اخر فهل ترى أمره للولد أو بعض الأصحاب بتحقيق مقصوده الذي هو ذلك الفعل الصادر من العبد ممتنعا ؟ حاشا وكلا ! بل هو من الامكان بمكان من الوضوح، بل يقع في اليوم كثير منه، وقطعا قد وقع منه (قدس سره) ايضا كثيرا.


(1) وهو المحقق العراقي (قدس سره) في نهاية الأفكار: ج 1 ص 205. (2) وهو المحقق النائيني في فوائد الاصول: ج 1 ص 75، وأجود التقريرات: ص 97. (3) انظر ذيل أجود التقريرات: ص 97. (4) أجود التقريرات: ص 75. (5) نهاية الأفكار: ص 206. (*)

[ 150 ]

وبعبارة اخرى أوضح: إن المكلف به في هذه الصورة الاولى هو إيجاده لطبيعة العمل، فقد لوحظ فيه حيثية انتسابه الى المأمور ولم يلاحظ فيه جهة صدوره من غيره، بل عد الغير من قبيل الوسيلة والآلة لإيجاده، ومثله في العرف كثير، ولا نبالي بعدم صدق الملاك الذي ذكره بعض الأعاظم (قدس سره) لباب التسبيب، بعد أن كان الأمر في سوق العقلاء وما بينهم بهذه الطريقة. نعم، هاهنا مطلب آخر، وهو: أنه وإن كان محصل غرض المولى نفس العمل إلا أنه لترفعه، أو لقصور في العبد، أو ملاحظة بعض الجهات، وبالجملة: لجهة مانعة قد لا يطلب من العبد أن يأتي بالعمل إلا حينما كان قادرا بنفسه على إتيانه، فلا يكلفه على التسبيب والاستنابة، ففي هذا الفرض حيث إن غرضه متعلق بنفس الطبيعة فلا محالة يبعثه نحو الطبيعة بلا قيد، إلا أنه يقيد بعثه هذا بحال قدرته، ولازمه أن يكون المكلف في سعة من جهة إتيانه بنفسه أو غيره، وإن كان في حال عجزه غير مكلف بشئ أصلا. هذا تمام الكلام في الصورة الاولى بحسب مقام الثبوت. ومنه يظهر حكم الصورة الثانية، فإنها مثل الصورة الاولى في جميع ما ذكرنا، غاية الأمر أن الفعل المكلف به مقيد فيها بقيد كونه له وفعله، الصادق على إتيان المكلف بنفسه وإتيان آخر مكانه وله وعنه. كما يظهر منه أمر الصورة الثالثة فإنها من جميع الجهات مثل الصورة الاولى، وإنما تفترقان في مالا دخالة له في المأمور به، وهو سقوط الأمر بفعل الغير الذي لم يؤمر به في الاولى دون الثالثة، وإلا فمتعلق التكليف فيهما واحد، كما لا يخفى. كما أن الصورة الرابعة في متعلق الأمر مثل الثانية، وإن كان في الثانية يسقط الأمر بتبرع الغير وإتيانه عن المكلف دون هذه الصورة. وكما أن الصورة الخامسة من حيث متعلق التكليف مثل الثالثة، ومن حيث مسقطه مثل الثانية، كما هو ظاهر للمتدبر. وأما الصورة السادسة فمتعلق التكليف كمسقطه خصوص الفعل الواجد لقيد

[ 151 ]

المباشرة. هذا هو حكم الصور بحسب مقام الثبوت، ومن تصورها يظهر أنه لا ملازمة بين جواز الاستنابة وجواز التبرع بحسب القواعد الأولية، إذ لو كان غرض المولى من قبيل ما فرضناه في الصورة الثالثة والرابعة لجرى فيه الاستنابة دون التبرع، ومنه تعرف النظر في ما أفاده بعض الأعاظم (قدس سره) (1) من الملازمة بينهما لو أراد ذلك بحسب القواعد. هذا. وأما في عالم الإثبات: فالظاهر أن إطلاق الهيأة يقتضي لزوم المباشرة، وذلك أن الهيأة كما تدل على وقوع المادة عن الفاعل في الماضي والمضارع، وهو ظاهر وحقيقة عرفا في وقوعها عنه بنفسه، فهكذا في فعل الأمر تدل على لزوم صيرورة فاعله بحيث يصح له بلا تأول أن يخبر عن نفسه بالفعل الماضي أو المضارع، فحقيقة البعث الذي مفاد الهيأة هذا النحو من البعث، ومعلوم أنه لا يتم إلا بمباشرة الفاعل المبعوث للمادة المبعوث إليها، فالمكلف به بحسب الواقع هو خصوص الفعل الصادر عنه بالمباشرة، وإن كان بحسب ظاهر الكلام نفس الطبيعة، فالخصوصية داخلة في مفاد الهيأة ومستلزمة لتقيد المادة لبا لا لفظا، ومعه فلا وجه لتوهم أن إطلاق المادة يقتضي قيام المصلحة والغرض بنفس الطبيعة مطلقا. هذا حكم الإطلاق اللفظي. ولو لم يكن إطلاق ووصلت النوبة الى الاصول العملية فأنواع الشك مختلفة: فإن شك في أن فعل الغير - الذي لم يتعلق به التكليف وإنما يفعله لأغراض نفسه - هل هو محصل لغرض المولى كما كان كذلك في الصورة الاولى من الصور الست الماضية أم لا ؟ فبناء على ما عرفت من أن حصول الغرض بفعل الغير هاهنا مثل حصوله بإطاعة المكلف نفسه مسقط للتكليف من دون أن يوجب في الأمر أي تقييد، فالمعلوم للمكلف أن نفس العمل قد جعل على عهدته، وأما أنه طلب منه إتيانه بنفسه فهو مشكوك، وهو مجرى البراءة، كما في جميع موارد الشك في


(1) المحقق النائيني في فوائد الاصول: ج 1 ص 139. (*)

[ 152 ]

الأقل والأكثر الارتباطيين. كما أنه بناء على مختار بعض المحققين (1) - من اشتراط تعلق التكليف بعدم إتيان الغير الى الآخر ولو بنحو القضية الحينية - فمع إتيان الغير يكون المكلف شاكا في توجه التكليف إليه من أول الأمر، ومقتضى القاعدة رجوعه الى البراءة العقلية والشرعية. وأما بناء على مختار بعض الأعاظم وتلميذه - من ان شرط تعلق التكليف هاهنا في أي جزء من أجزاء الزمان هو عدم إتيان الغير به في هذا الجزء - فقد أفادا أن مقتضى الاستصحاب - بناء على جريانه في الشبهات الحكمية - وقاعدة الاشتغال في مورد الشك هو عدم الاكتفاء بفعل الغير (2). أما الاستصحاب فإنه كان عالما بوجوب العمل عليه قبل إتيان الغير، فإذا شك في بقائه لأجل إتيانه فيجب عليه أن لا ينقض يقينه بالشك، بل ينقضه بيقين آخر إنما يحصل من مباشرته لإتيانه. وأما الاشتغال فإن الواجب وإن كان مشروطا إلا أن الشرط بحسب الفرض لما كان حاصلا فهو مشروط في بقائه، وحيث توجه الوجوب عليه قبل إتيان الغير فالعقل يحكم بلزوم اليقين بالفراغ عنه، الذي إنما يحصل من إتيانه للمأمور به بنفسه. هذا. أقول: والحق عليه أيضا هو البراءة شرعا وعقلا، وعدم جريان الاستصحاب، ولا قاعدة الاشتغال. أما قاعدة الاشتغال: فلأن التكليف لو كان مشروطا بحسب الواقع فالحصة الواقعة منه قبل إتيان الغير لا يجب امتثالها، إذ لا نعني بوجوب الامتثال عقلا إلا ترتب العقاب على تركه، ولا يوجبه عليه، كما لا يخفى، وإنما يحكم بأن العبد مأخوذ به ومعاقب على عدم حصول غرض المولى إن بقي الى الآخر، ولم يقيده


(1) انظر أجود التقريرات: ج 1 ص 100. (2) أجود التقريرات وذيله: ج 1 ص 100 - 102. (*)

[ 153 ]

المولى نفسه بحال عدم إتيان الغير. وحينئذ فلو احتمل أن يكون مشروطا، فالقدر المتيقن منه - وهو وجوده قبل إتيان الغير - ليس موجبا للامتثال، ووجوده بعد إتيانه مشكوك فيه ويحكم بالبراءة عنه عقلا وشرعا، وهذا بخلاف مالو قلنا بعدم تقييد في تعلق التكليف، وإنما سقوطه بحصول الغرض منه كما في امتثال المكلف نفسه، فإنه عليه يكون توجه التكليف الى المكلف تمام الموضوع لحكم العقل بمأخوذيته به، فكما لو شك في إتيانه بنفسه يجب عليه الاحتياط فهكذا هاهنا. وبالجملة: فلا يجري بيان المختار هنا. وتلميذه المحقق سلمه الله تعالى تمم المطلب بواضحية حكم العقل بالاشتغال، فيما لو سلم أحد عليه وأجابه آخر واحتمل سقوطه عنه بجوابه (1)، لكنه ذهول عن أن هذا الحكم العقلي إنما هو المكان أن الأمر على ما قلناه، فهو - مد ظله - بحسب ارتكازه قائل بما قلناه، غير معترف به في مقام التقرير. وأما الاستصحاب فالمراد به إستصحاب الحكم الجزئي المنطبق على المورد بعد حصول الشرط، والواجب المشروط وإن كان مشروطا الى الأبد إلا أن الشرط فيه لما كان شرطا لتحقق الوجوب ومن مقدماته فحقيقة الوجوب لاتغاير الوجوب المطلق أصلا حتى بحسب الإطلاق والتقييد، نظير الإطلاق والتقييد في المادة المأمور بها، وإنما كانا يتغايران به لو كان الشرط شرطا للمجعول وكان الجعل مطلقا، لا شرطا للجعل وكان المجعول غير مقيد، وعليه فبعد فرض حصول الشرط - وهو عدم إتيان الغير - فالوجوب الجزئي ثابت في المورد، فلا إشكال في الاستصحاب، من حيث إن الوجوب المشروط يغاير المطلق (2)، إذ هو يغايره في القضية الكلية المشروطة، مثل: إن جاءك زيد وجب اكرامه، لا في نفس الوجوب الفعلي المجعول عند تحقق شرطه، ولا من حيث إن المشروط عدم عند


(1) ذيل اجود التقريرات، ج 1، ص 102. (2) إشارة الى رد ما أفاده صاحب المنتهى - مد ظله - (منه عفي عنه). (*)

[ 154 ]

عدم شرطه، إذ نحتمل بقاءه لاحتمال أن لا يكون مشروطا. وهو مجرى الاستصحاب، وإنما الإشكال فيه نظير ما مر في استصحاب بقاء التكليف بعد إتيان الطبيعة بلا قربة، ببيان: أن العقل والشرع حكما بالبراءة عن الحكم الكلي المجهول المجعول - على احتمال - في زمان إتيان الغير، وهذا الحكم الكلي سابق رتبة على تطبيقه على المورد المستلزم لفعليته، وغير الحكم الفعلي ومرتبته الفعلية عرفا، ومعلوم أن الاستصحاب - مع مفروضية عدم حجية مثبته - لا يرفع الشك عن هذه الجهة الكلية، وإنما يحكم بجريان الحكم الجزئي الفعلي بعد التطبيق، وهذا الحكم لما كان يستلزم عقاب الشارع على مالا بيان عليه فجعله منه تعالى مستحيل، مضافا الى أن البراءة الشرعية حاكمة بل واردة على هذا الاستصحاب، كما يظهر للمتدبر. هذا كله حكم الشك في سقوط الواجب بعمل الغير الذي لا دخل للمكلف فيه. وإن شك في اعتبار المباشرة، أو سقوطه بالاستنابة أيضا، أو شك في اعتبارها وسقوطه بالتسبيب فحيث عرفت أن التكليف - على فرض صحة الاستنابة أو التسبيب - متعلق بالجامع فالمتيقن حينئذ هو التكليف بالجامع، وخصوصية اعتبار المباشرة مشكوكة، فالمقام من صغريات الأقل والأكثر الارتباطيين يجري فيه البراءة عن الخصوصية. والمناقشة هاهنا: بأنه إذا عجز المكلف عن المباشرة فهو شاك في توجه التكليف إليه، إذ لو اعتبر المباشرة فهو ساقط عنه، بخلاف ما إذا لم تعتبر، وإذا شك فمقتضى البراءة العقلية والشرعية الأمن من جهته، فجريان البراءة في هذه الصورة معارض بجريانها في الخصوصية، إذ على فرض إعتبار المباشرة فإجراؤها في الخصوصية غير صحيح، وعلى فرض عدمه فإجراؤها في هذه الصورة غير صحيح، ولا يخلو الواقع عن أحدهما. مدفوعة: بأنها مناقشة سارية في مطلق الأقل والأكثر، والجواب عنها موكول الى محله.

[ 155 ]

وإن علم بسقوط التكليف عنه بالاستنابة والتسبيب، ومع ذلك احتمل أن لا يكلف بالطبيعة الجامعة إلا عند قدرته على المباشرة فإذا عجز فلا محالة يشك في توجه التكليف، وحكمه الرجوع الى البراءة الشرعية والعقلية. إطلاق الدليل هل يقتضي اعتبار الاختيار الموضع الثاني: هل مقتضى إطلاق الهيأة أو الاصول العملية - عند فقده - هو اعتبار الاختيار في المكلف به أم لا ؟ وتنقيح المقال: أن الاختيار تارة يراد به ما يقابله الإكراه، وتارة يراد به المعنى المعتبر في صحة التكليف، فيقابله حينئذ ما إذا لم يصح التكليف لفقد الإرادة والاختيار، سواء لم يكن العمل بحيث يصح نسبة صدوره إليه، كحركة يد المرتعش، أو كان بحيث صحت النسبة لكن لم يكن اختيار، وله صور كثيرة: فتارة يقع من غير توجه أصلا كما يفعله النائم. واخرى يقع منه خطأ كما لو رمى طائرا فلغزت يده وأصاب إنسانا مثلا. وثالثة يقع مع الغفلة عنه رأسا، كما لو أراد المشي الى مكان فأصاب رجله إناء فكسره. ورابعة يترتب على فعله المراد مع جهله بترتبه، كما لو رمى طائرا فأصابه وأصاب الطائر عند وقوعه آنية فكسرها. وخامسة يفعله سهوا، كما لو أراد ضرب ولده فذهل عنه وضرب على آنية فكسرها. وسادسة يفعله للاشتباه في التطبيق، بأن أكرم رجلا بتخيل أنه زيد فبان عمرا. والجامع بين جميع الصور الست - بعد اشتراكها في صدور العمل بلا اختيار بحيث لا يصح توجيه التكليف الى خصوص هذه الحالات بحكم العقل - صحة انتساب الفعل فيها الى المكلف. ولعله يتصور لها سابعة وثامنة الى غيرهما.

[ 156 ]

فإن تعلق غرض المولى - بحسب الثبوت - بخصوص الفعل الصادر عن اختياره فلا محالة يكون هو المأمور به، ولا يسقط أمره بإتيان غيره. وأما إذا قام غرضه بنفس الطبيعة التي يصح انتسابها الى المكلف فهل يصح منه توجيه التكليف والبعث نحوها، أو لابد أن يبعث نحو الطبيعة الصادرة عن اختيار، أو هذه الحصة منها ؟ قد يقال بالثاني لأحد وجهين: الأول: أنه يعتبر في متعلق التكليف إمكان صدوره عن المكلف بالحسن الفاعلي، وذلك أن من شرائط التكليف عقلا الاختيار، فلا محالة فالبعث مختص بحال الاختيار، ومتعلق البعث المجعول في حال الاختيار يكون متقيدا قهرا بوقوعه عن اختيار، فالمكلف به هو الطبيعة المقيدة أو حصتها الصادرة عن إختيار، ولازمه حينئذ إمكان وقوعه حسنا بالحسن الفاعلي. والثاني: أن حقيقة البعث عرفا هو حث المكلف على الإرادة، ومعلوم أن متعلق الإرادة هو خصوص ما يقع عن اختيار، فالمبعوث إليه أيضا كذلك. هذا. أقول: وهذان الوجهان أفادهما بعض الأعاظم (قدس سرهم) على ما في تقرير بحثه (1) بعد تصحيح منا لأولهما، حتى لا يرد عليه أن لازمه اعتبار قصد القربة في متعلق كل أمر وبعث. لكنه يرد عليهما: أن تعلق الإرادة والاختيار بعمل وإن أوجب تخصصه بأنه صدر عن اختيار وإرادة إلا أنه لا يقتضي أن متعلق الإرادة لابد وأن يكون هذه الحصة بحيث يتحصص الكلي أولا ثم تتعلق الإرادة بحصته، بل إرادة المريد واختياره تتعلق بنفس الطبيعة، وبتعلقها يحصل للطبيعة خصوصية، فالمراد نفس الطبيعة بلا قيد، وتعلق الإرادة يوجب تقيدها بقيد صدورها عن الإرادة، فهذا القيد الآتي من قبل تعلق الإرادة لا يقتضي خروج نفس الطبيعة عن تحت قدرته واختياره، بل معنى القدرة على شئ إمكان أن يريده، وإن اقتضى تعلق الإرادة به


(1) أجود التقريرات: ج 1 ص 100 - 102. (*)

[ 157 ]

تضيقا له لا محالة. وهذا كما أن تأثير علة الوجود إنما هو في نفس الوجود وإن تضيق من ناحية تأثيرها، ومن المحال تأثير العلة في المتقيد بحيثية صدوره عن قبل هذا التأثير. فملاك القدرة على الطبيعة نفسها إمكان تعلق الإرادة بها، وإمكانه بمكان من الوضوح، فالمكلف قادر على إيجاد الطبيعة، ويتوجه إرادته إليها، فيمكن وقوعها عنه متصفة بالحسن الفاعلي. فإذا تعلق غرض المولى وقامت المصلحة بالطبيعة نفسها، وكانت تمام الموضوع القائم به الغرض والمصلحة فلا محالة يجعل أمره متعلقا بنفس الطبيعة، ويتوجه إرادة المكلف في مقام الإطاعة إليها نفسها، ولا معنى لتعلق أمر المولى أو إرادة العبد بالمقيد بالصدور عن إرادة، إذ أمره كإرادة العبد من علل وجود المطلوب ووسائل تحقيقه لا يتعلقان إلا بنفس ما يقوم به الغرض. فالأمر بايجاد الطبيعة في خصوص حال عدم الاختيار أو بإيجاد الطبيعة المقيدة بهذه الحال وإن كان محالا لعدم القدرة على الامتثال إلا أنه لا يوجب استحالة تعلقه بإيجاد نفس الطبيعة غير مقيدة في حال الاختيار. وكأن توهم لزوم التقييد ناش من حسبان أن متعلق الأمر في كل مورد هو الخصوصيات اللازمة للاختيار والغفلة عن أن ملازمة الأمر أو الاختيار لخصوصية لا تقتضي دخالتها ودخولها في متعلق الأمر والإرادة بعد فرض عدم دخالتها في حصول الغرض. بل التحقيق: أنه لو سلم (1) استحالة تعلق الأمر بالطبيعة في حال عدم الإرادة والاختيار فإنما تسلم إذا اختص تعلق الأمر بهذه الحالة، كما إذا لم يحصل له حالة اختيار في شئ من أزمنة تعلق التكليف. وأما إذا كان الواجب موسعا فحيث إن المطلوب صرف وجود الطبيعة والأمر والوجوب واحد كنفس المطلوب فتعلق هذا الأمر حيث لا يقتضي الإتيان به في خصوص زمان تعلقه فعدم حصول القدرة


(1) إشارة الى عدم تسليمها بناء على كون التكاليف قانونية كما هو الحق. (*)

[ 158 ]

له في بعض هذا الزمان لا يوجب استحالة تكليفه فيه بهذه الطبيعة بعد فرض قدرته على إتيانها في غير هذه القطعة. هذا. مضافا الى أنه يرد على الوجه الأول بعد ذلك التصحيح أيضا أن ما يعتبر في متعلق التكليف بحكم العقل إنما هو الاختيار، وأما إمكان وقوعه بالحسن الفاعلي فهو من متفرعاته ولوازمه، فلا يحسن التعبير بأنه هو المعتبر كما وقع في عبارة مقرره (قدس سرهما). هذا كله حكم متعلق أمر المولى وبعثه إذا كان غرضه قائما بالطبيعة المنتسبة الى المكلف الجامعة بين الموارد السبعة. أما إذا تعلق غرضه بالأعم منها ومما وقعت بأسباب سماوية - مثلا - أو عن اضطرار وغير منتسبة فحينئذ حيث إن المكلف به لابد وأن يكون من أفعال المكلف وتحت اختياره - كما مر - فلا محالة يتعلق البعث والتكليف بما تعلق به في الفرض السابق، غاية الأمر أن غرض المولى يحصل بحصوله ولو بنحو لا ينتسب إليه إصداره، بل اضطرارا - مثلا - فيسقط أمره بحصول غرضه، بخلاف الفرض السابق. هذا كله مقام الثبوت. وأما في مقام الإثبات فالظاهر أن توجيه التكليف نحو طبيعة - سواء كان بهيأة " إفعل " أو غيرها - إذا كان المولى في مقام البيان، يكون حجة عقلائية، على أن هذه الطبيعة تمام موضوع طلب المولى وبعثه، لا يعتبر فيها سوى كونها بحيث يصح انتسابها الى المكلف كما عرفت تقرير اعتباره في الأمر السابق، فإنه بعد فرض صحة الانتساب في الصور الست أيضا، وفرض أن ظاهر البعث ب‍ " افعل " أو غيره إيجاب تصيير المكلف نفسه ممن ينتسب صدور المادة إليه، يعلم أن المكلف به هو الجامع بين الصور السبع، فإذا كان الطبيعة المنتسبة هو تمام موضوع طلبه يستكشف أنها هو تمام المحصل لغرضه، فإذا أتى بها ولو غفلة ونسيانا - مثلا - يسقط أمر المولى وبعثه بحصول غرضه وإن لم يكن في هذه الحالة مكلفا بإتيانها، بل قد عرفت أنه إذا كان الواجب موسعا، وكان عدم حصول الاختيار له في بعض

[ 159 ]

قطع زمانه فقط، فهو في هذا الزمان أيضا يكون مكلفا بإتيان الطبيعة، فإتيانها حينئذ أيضا إتيان للمأمور به كما في حال توجهه واختياره. نعم، إذا احتملنا سقوط الأمر وحصول الغرض بالحاصل اضطرارا وغير منتسب أيضا فحيث إن ظاهر الكلام أن الطبيعة المنتسبة هي المأمور بها، فمقتضى القاعدة - كما مر في الأمر السابق - عدم الاكتفاء بغيرها. وفي تقرير بعض المحققين - بعد تسليم سراية تقييد الهيأة الى المادة - أنه يمكن كشف كون المادة مطلقة ذات مصلحة مطلقا من إطلاقها، فإنه إذا كان للكلام ظهورات متعددة فسقوط بعضها - وهو إطلاق الهيأة فيما نحن فيه - عن الحجية لا يوجب سقوط غيرها، يعني إطلاق المادة عن الحجية أيضا. ثم قال ما حاصله: إن قلت: إنه بعد تقييد الهيأة بالقدرة ولو بحكم العقل يكون مفادها لزوم الإتيان بالمادة في حال الاختيار - سواء أتى بها بلا اختيار أم لا - فيقع التهافت بين إطلاقي كلام واحد. قلنا: إن حكم العقل هذا يكون تقييدا بالمنفصل، والتقييد بالمنفصل لا يوجب إلا سقوط ظهور المطلق في الإطلاق عن الحجية، ولا يوجب انعقاد إطلاق للمقيد بالإضافة الى الإتيان بأفراد تكون فردا للمطلق لا للمقيد، حتى يكون مقتضى إطلاقه هنا لزوم الإتيان بالفرد الاختياري ولو بعد الاضطراري انتهى (1). وفيه أولا: أن كشف قيام المصلحة بشئ في موارد التكاليف إنما يكون من قبل تعلق إرادة المولى الجدية بإتيانه بملاحظة أنه لا يطلب ولا يريد جدا إلا ما فيه مصلحة، فبعد انكشاف أنه لم يكن له إرادة بالنسبة الى فرد أو أفراد، وكان ما تخيلناه إرادة صورة إرادة لا واقعها فمن أين يستكشف قيام المصلحة بها ؟ وبعبارة اخرى: إن التفكيك بين الظهورات في الحجية إنما يصح فيما لم يكن بعضها متفرعا على تعلق الجد بالبعض الآخر، وإلا ففيه لا ينبغي الريب في سقوط المتفرع عن الحجية بسقوط المتفرع عليه، وانكشاف عدم تعلق الإرادة به.


(1) أجود التقريرات: ص 101 - 102. (*)

[ 160 ]

وثانيا: أن ما أفاده من عدم انعقاد الإطلاق للمقيد في التقييد بالمنفصل ممنوع فهل ترى إذا قال المولى: " صل " وكان مطلقا، ثم قال: " لاأريد منك الصلاة بلا طهارة " فهل ترى جواز الاقتصار على ما أتى بلا طهارة، وعدم كون إطلاق المقيد حجة على العبد في لزوم الإتيان بالصلاة مع الطهارة، سواء أتى بلا طهارة أم لا ؟ لا أظنك شاكا ومحتملا لجواز الاقتصار على المأتي بها لا عن طهارة، وهكذا الأمر في سائر الإطلاقات. نعم، في خصوص ما نحن فيه سر ودقيقة بها يجاب عن الإشكال، وهو: أن بعث المولى وطلبه لما كان معلولا للمصلحة القائمة بفعل العبد فيسقط لا محالة بحصولها، وليس لإطلاق كلامه حجة على وجوب الإتيان حتى فيما حصل غرضه أيضا، وحينئذ فإطلاق المادة الكاشف على الفرض عن إطلاق المصلحة يكون حاكما، بل واردا على إطلاق الهيأة المقيدة، وهذا هو الفارق بين المقام وسائر الإطلاقات. هذا حكم الأصل اللفظي. وأما إذا لم يكن إطلاق ووصلت النوبة الى الاصول العملية: فإن شك في دخالة خصوص الاختيار فأصالة البراءة قاضية بعدم العقاب عليه، وإن شك في دخالة خصوصية انتساب العمل الى المكلف فالقاعدة هي البراءة، كما هو واضح من التأمل فيما ذكرناه هاهنا، وفي الموضع الأول، فتأمل جيدا. إطلاق الدليل هل يقتضي أن لا يكون المأمور به غير محرم ؟ الموضع الثالث: إذا شك في لزوم الإتيان بالمأمور به في ضمن غير الفرد المحرم أم لا فمقتضى الاصول اللفظية والعملية ما هو ؟ التحقيق: أنه إذا قيس دليل الحرام الى دليل الواجب: فتارة يكون المفهوم منه عرفا أن عنوان دليل المحرم كالحيثية التعليلية لعروض الحرمة على نفس ما تعلق به الوجوب، واخرى يرى العرف أن عنوانه كحيثية تقييدية، كما في " صل "

[ 161 ]

ولا " تغصب "، أو " لا تصل في الحمام " فإن كان من قبيل الأول فلا ريب في أن الدليلين متعارضان لابد من الأخذ بأحدهما في مادة الاجتماع، سواء كان النسبة بينهما العموم المطلق أو من وجه، وإن كان من قبيل الثاني فالمفهوم عرفا أن تمام محصل غرض المولى وتمام موضوع حكمه هو نفس ما بعث إليه، فيسقط أمره ولو بإتيانه في ضمن المحرم، بلا فرق بين كون النسبة عموما مطلقا أو من وجه، ولا بين القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، وامتناعه، غاية الأمر أنه بناء على القول بالامتناع لا يكون الفرد المحرم مع اشتماله على المصلحة مأمورا به. وبعبارة اخرى: مقتضى إطلاق المادة أن نفس العمل بلا قيد هو الواجب على العبد، إلا أن عقله يوجب عليه أن يأتي به في ضمن الفرد غير المحرم جمعا بين الوظيفتين، ومقتضى هذا الإطلاق أن الإتيان في ضمن المحرم أيضا يكفي في حصول مراد المولى وسقوط الأمر. هذا في الأصل اللفظي. ولو لم يكن إطلاق فالشك في اعتبار قيد زائد وأصالة البراءة محكمة كما لا يخفى. المبحث الخامس قال في الكفاية: قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا، لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضيق دائرته، فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه فالحكمة تقتضي كونه مطلقا، وجب هناك شئ آخر أو لا، أتى بشئ آخر أو لا، أتى به آخر أو لا، كما هو واضح لا يخفى (1). انتهى. وظاهره، بل صريحه - كما ترى - الاستناد في إثبات كل من الأقسام الى الإطلاق الأحوالي الثابت لمفاد الهيأة، وهو من قبيل إثبات الملزوم من طريق لازمه، فإن الوجوب النفسي وإن كان هو الوجوب الذي ليس ناشئا عن وجوب


(1) الكفاية: ص 99. (*)

[ 162 ]

آخر، وهذه الخاصة ليست مجرى الإطلاق، إلا أنه لما كان من لوازمه أنه متحقق وثابت - سواء أوجب هناك شئ آخر أم لا - فإثبات لازمه من طريق الإطلاق طريق الى إثباته، ولا بأس بالاخذ بلوازم الطرق المعتبرة التي منها ظواهر الكلام. والتحقيق أن الأخذ بهذا الإطلاق وإثبات الوجوب النفسي وإن كان لا بأس به، إلا أن إثبات الوجوب التعييني والعيني من هذا الطريق مشكل، وذلك أنه لاريب في أنه ليس لدليل التكليف إطلاق شامل لمرحلة الامتثال، فلا يمكن أن يقال: إنه واجب سواء إمتثله أم لا، بل الإطلاق مختص لا محالة بمرحلة ثبوت التكليف الذي له تقدم ما على مرتبة الامتثال. ومن ناحية اخرى: إن سقوط التكليف التخييري بإتيان بعض الأطراف، والكفائي بإتيان بعض المكلفين من قبيل السقوط بالامتثال فلا محالة إذا احتملنا كون تكليف تخييريا أو كفائيا رجع الى احتمال عدم انعقاد الإطلاق للدليل الدال عليه، فلا يمكن أن يحرز له إطلاق لكي يستدل به على ثبوته، حتى فيما أتى بشئ آخر أو أتى به آخر، فيثبت الوجوب التعييني والعيني. هذا. وقال (قدس سره) في آخر مبحث المطلق والمقيد في تبصرة لا تخلو من تذكرة: إن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف حسب اختلاف المقامات، فإنها تارة تكون حملها على العموم البدلي، واخرى على العموم الاستيعابي، وثالثة على نوع خاص مما ينطبق عليه....، فالحكمة في إطلاق صيغة الأمر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني العيني النفسي، فإن إرادة غيره تحتاج الى مزيد بيان، ولا معنى لإرادة الشياع فيه، فلا محيص عن الحمل عليه فيما إذا كان بصدد البيان. انتهى (1). وهذا الوجه - كما ترى - غير الاستدلال لإثبات الأقسام من طريق إطلاق الأحوال، بل حاصله: أن خصوص بعض الأقسام يحتاج بيانه الى قرينة زائدة على إلقاء نفس المطلق، بخلاف بعضها الآخر، فيثبت ما لا يحتاج الى قرينة زائدة


(1) الكفاية: ص 292 المقصد الخامس. (*)

[ 163 ]

بالإطلاق، وهو دعوى على عهدة مدعيها. واستند سيدنا الاستاذ الإمام الراحل (قدس سره) بمثل ما استند إليه في إثبات الوجوب بالصيغة، من أن العقلاء يرون طلب المولى حجة على العبد في إرادة الوجوب النفسي العيني التعييني (1). وما أفاده من حكم العقلاء به صحيح، إلا أن رجوعه الى بناء عقلائي محض، إنما يصح إذا سلم اتحاد مفهوم اللفظ في جميع الأقسام المذكورة ومقابلها، كما هو كذلك في مفاد الهيأة بالنسبة لإرادة الواجب والمندوب، فإن مفادها ليس إلا البعث نحو الإتيان في الواجب والمندوب كليهما. إلا أنه في محل الكلام غير مسلم. وذلك أن التحقيق: أن مقتضى وجوب شئ عند العقلاء لزوم أن يؤتى بذلك الشئ، كما أن مقتضى وجوبه على مكلف لزوم أن يأتي ذلك المكلف به، من دون فرق بين أقسام الواجبات، غاية الأمر أن الشئ الواجب في الوجوب التعييني أمر خاص، وفي الوجوب التخييري أحد الامور، فيلزم إتيان الأمر الخاص في التعييني، وأحد الامور في التخييري، وهكذا يكون المكلف شخصا خاصا في العيني، وجماعة في الكفائي، ويلزم إتيان الشخص الخاص بما وجب عليه في العيني، وإتيان الجماعة بما وجب عليهم كفاية في الكفائي. وحينئذ نقول: إذا كان المتكلم في مقام بيان متعلق التكليف ومكلفه، واقتصر على عمل خاص ومكلف معين، كان مقتضى الإطلاق هنا - كسائر الموارد - أن العمل الخاص المذكور هو كل الموضوع لتكليفه، وأن المكلف المعين هو كل من وجب عليه، فكان إتيان العمل المخصوص واجبا، والإتيان على الشخص المعين أيضا واجبا، فالإطلاق في كل الأقسام يعين نوع الوجوب ويكون بناء العقلاء ناشئا عنه مستندا إليه. والحمد لله وحده وهو الموفق.


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 128. (*)

[ 164 ]

المبحث السادس الأمر الواقع عقيب الحظر هل يوجب وقوعه عقيب الحظر أو توهمه خروجه عما يقتضيه لو خلي وطبعه ؟ فيه خلاف. ولا يبعد أن يقال: إن المادة المبعوث إليها إن كانت بطبعها مقتضية لحكم من الأحكام الأربعة غير المحرمة ثم نهي عنها في زمان ثم امر بها فلا يفهم من هذا الأمر عرفا سوى رفع المنع الطارئ، فترجع المادة الى حكمها الأصلي. وأما إن لم تكن لها طبيعة خاصة بل كانت قد يؤمر بها وقد ينهى عنها الى غير ذلك فالظاهر أن الأمر المتعلق بها حينئذ ظاهر فيما كان ظاهرا فيه لولا الحظر. وإن لم يعلم حال الطبيعة أهي من هذا القبيل أم ذاك ؟ فلابد من الرجوع الى القرائن الخاصة، بل لابد من رعايتها لو كانت على أي حال. المبحث السابع في المرة والتكرار هل إطلاق الصيغة يقتضي المرة أو التكرار، أو لا يقتضي شيئا منهما ؟ قبل الخوض في أصل المطلب لا بأس بالتنبيه على أمرين: الأول: هل هذا النزاع في مفاد الهيأة أو المادة ؟ قد يقال كما في الفصول: إن اتفاق العلماء - كما عن السكاكي - على دلالة المصدر المجرد عن اللام والتنوين على نفس الماهية (1)، يدل على أن النزاع بينها في مفاد الهيأة، إما لأن المصدر أصل سائر المشتقات التي منها الأمر كما في الفصول (2)، وإما لاشتراك جميع المشتقات في المادة، فإذا لم تدل على المرة والتكرار في صيغة لم تدل عليهما في غيرها، أيضا. كما في تقرير بعض المحققين (3).


(1 و 2) الفصول: ج 1 ص 58. (3) نهاية الأفكار: ج 1 ص 212. (*)

[ 165 ]

وفي قبال هذه الدعوى ما أفاده بعض أعيان المحققين (قدس سرهم) (1): من عدم معقولية النزاع في الهيأة، إذ ليس النزاع في وضع الصيغة للطلب المكرر أو الدفعي، بل في وضعها لطلب الشئ دفعة أو مكررا، فالدفعة والتكرار من قيود مفاد المادة لا الهيأة انتهى. أقول: وفي جميع ما افيد نظر وإشكال: أما ما في الفصول: فلما في الكفاية: من أن المصدر ليس أصلا للمشتقات لا بهيأته ولفظه، ولا بمعناه (2)، إذ هو مشتمل على نسبة ناقصة تقابل سائر النسب الموجهة في الصيغ الاخرى. نعم، اسم المصدر الموضوع لنفس الحدث بلا انتساب يكون بمعناه ساريا في جميع المشتقات، إذ المطلق موجود في ضمن جميع المقيدات، والمقيد هو المطلق مع قيد، فلو كان مفاد المصدر أيضا خاليا عن أي نسبة - كما نسب الى الجمهور من الادباء - صحت الأصالة، لكنه كالنسبة محل النظر، كما لا يخفى على المتتبع المتدبر. مضافا الى أن أصالة المصدر ليست محل الاتفاق، فكيف يكشف عن الاتفاق على معناه معنى غيرها من طريق الأصالة ؟ ! وأما حديث الاشتراك فهو طريق متين لكشف مفاد المادة في سائر المشتقات لو كان هاهنا اتفاق على الاشتراك وإلا فإحراز اشتراك الصيغ في المادة لا ينفع في الكشف المزبور، وذلك أن الكلام تارة في تبين محل النزاع بين القوم واخرى في تحقيق المطلب. فالكشف عن محل النزاع بمعونة مقدمات لا يمكن ولا يصح إلا إذا كانت جميع المقدمات مسلمة بينهم متفقا عليها، وإلا فكون مقدمة ثابتة ومسلمة في الواقع مع احتمال عدم اعتراف بعض المنازعين بها، مانع عن استكشاف محل النزاع كما لا يخفى. وفيما نحن فيه قد يقال: إن وحدة مادة المشتقات محل تشاجر وخلاف عند القدماء من أهل الأدب، ومعه فلا يصح الكشف المزبور. ومنه تعرف ما في دعوى امتناع كون هذا النزاع في مفاد الهيأة، إذ امتناعه


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 355 - 356. (2) الكفاية: ج 1 ص 100. (*)

[ 166 ]

فيها مبني على مسلمية أن مفاد الهيأة ليس إلا البعث والطلب حتى يوجب هذا النزاع في مفاده تكرر الطلب ودفعيته، لا تكرر مفاد المادة ووحدتها، وهو غير مسلم ولا واجب، فلعل القائل بالتكرار يقول: إن مفادها البعث نحو مرات من مفاد المادة. مضافا الى أن الحق أن مفاد الهيأة - كما يشهد به التبادر ويظهر من المقايسة الى سائر هيئات المشتقات - هو البعث نحو الإتيان، لا البعث فقط، والإتيان قابل للاتصاف بالمرة والتكرار. وبه يظهر الخلل في ما أفاده سيدنا الاستاذ - مد ظله العالي - على ما في تقرير بحثه، فراجع (1). الثاني: أن ظاهر المرة والتكرار وإن كان الدفعة والدفعات إلا أنه يمكن أن يكون بمعنى الفرد والأفراد محل النزاع، بلا محذور، لكن في الفصول ما توضيحه: أن المراد بهما خصوص الدفعة والدفعات، وذلك أنا نرى جميع العلماء يبحثون هذا البحث مستقلا بحثا غير فرضي ولا تقديري، وهو لا يمكن إلا على إرادة الدفعة والدفعات، إذ لو اريد الفرد والأفراد لكان هذا البحث من فروع القول بتعلق الأوامر بالأفراد، ولما كان مجال للبحث عنه على القول بتعلقها بالطبائع، فكان اللازم أن يجعل تتمة للمبحث الآتي. ويقال: بناء على تعلقها بالأفراد فهل المطلوب فرد واحد أو أكثر، وإن بحث عنه القائل بالطبيعة كان بحثا فرضيا وعلى تقدير، مع أنا نرى إفراده ببحث مستقل يبحث عنه العلماء جميعهم بحثا واقعيا، فهو يكشف عن إرادة الدفعة والدفعات ؟ هذا. وحينئذ فالجواب عنه بما في الكفاية صحيح، ولا يرد عليه أنه مبني على كون التشخص بالوجود، إذ بناء على أن التشخص بالأعراض المكتنفة فالمصداق الحقيقي للطبيعة، كالإنسان وفردها الذاتي، ليس إلا نفس الحيثية الإنسانية، غاية الأمر أن تشخص هذه الحيثية لا يمكن إلا بما اكتنفها من العوارض، وإلا فعرض


(1) تهذيب الاصول: ج 1، ص 173. (*)

[ 167 ]

الكم والكيف وغيرهما ليس مقوما لجهة إنسانية الفرد على جميع الأقوال، وعليه فللقائل بتعلق الأمر بالطبيعة أن ينازع ويقول بتعلقه بمصداق حقيقي واحد أو بمصاديق متعددة. كما لايرد عليه أيضا أن المحذور المذكور في كلام الفصول - وهو ترتب موضوع هذا البحث على المبحث الآتي - لا يندفع به، فلابد في الجواب من إنكار كونه محذورا. وذلك أن المحذور في كلامه ليس صرف الترتب المزبور، بل تفرعه على خصوص أحد القولين، فهو يندفع بالجواب المذكور في الكفاية، والجواب عنه بالإنكار غير صحيح، ومنه تعرف الإشكال في كلام صاحب نهاية الدراية، وبعض كلمات سيدنا الاستاذ - مد ظله - فراجع. ويمكن أن يعكس المطلب على الفصول بأنه لو اريد من المرة والتكرار الدفعة والدفعات لما صح النزاع على القول بتعلق الأوامر بالافراد، وكان من فروع القول بتعلقها بالطبائع، إذ التكرار بمعنى أزيد من دفعة واحدة موقوف على الإتيان بما أتى به أولا، وهو معقول على الطبيعة، إذ هي يؤتى بها ثانية بعدما اتي بها اولى، وأما الفرد ولو كان فردا ما فلا يمكن أن يؤتى به إلا مرة واحدة، وما يؤتى به ثانيا فهو فرد ما آخر، وهذا الإيراد واضح الورود عليه على مختاره (قدس سره) في معنى الفرد: من أنه جزئي حقيقي، فتدبر جيدا. وبعد وضوح محل النزاع نقول: الحق أنه لا دلالة للصيغة لا على المرة ولا على التكرار بكلا المعنيين، إذ مفاد الهيأة نفس البعث، ومفاد المادة نفس الطبيعة، ولا ثالث يدل على واحد منهما، والمتحصل من مفادهما هو مطلوبية نفس الطبيعة، غاية الأمر أنه لما كان الفرد الواحد وجودا حقيقيا للطبيعة، بل هو هي حصل الامتثال بإيجاد فرد واحد، لا لانفهام إرادة الفرد من الإطلاق بملاحظة أنه كأنه لا يزيد على الطبيعة - كما في نهاية الدراية - بل لأن المفهوم من الإطلاق أن تمام المطلوب هو نفس الطبيعة ليس الا، فالفرد بما أنه وجود للطبيعة لا بما أنه فرد

[ 168 ]

يكفي في مقام الامتثال، كما لا يخفى. نعم، هاهنا شئ، وهو: أن الطبيعة المأمور بها قد تكون عملا من أعمال المكلف صادرا عنه بأسبابه من غير أن يكون من قبيل الأعراض لموضوع خارجي، وقد تكون من قبيل خصوصية في موضوع مفروض الوجود. ففي القسم الأول يفهم من إطلاق الصيغة عرفا أن تمام مراد المولى ومطلوبه إنما هو طبيعة هذا العمل، كما إذا قال: " صل صلاة الظهر " فتمام مراده نفس طبيعة صلاة الظهر، فلا محالة يحصل امتثاله بالإتيان بفرد واحد منها. وأما القسم الثاني فالمفهوم عرفا أن طبيعة هذا الموضوع المفروض الوجود أينما تحققت فالمطلوب إيجاد طبيعة هذه الخصوصية فيها، فلا محالة يتعدد الطلب انحلالا بتعدد أفراده، كما إذا قال: " أكرم العالم عند لقائه " فإن المفهوم منه عرفا مطلوبية إيجاد طبيعة الإكرام كلما تحقق في الخارج لقاء العالم، والظاهر أن هذا هو الملاك والسر في انفهام البدلية والشمول في موارد الأوامر فتدبر جيدا. تنبيه على امور: * الأول: إذا أتى بالطبيعة المأمور بها - في القسم الأول - في ضمن فرد أو أفراد مرة فهل له أن يأتي بها بعده مرة ثانية بقصد امتثال الأمر ؟ وبالجملة فهل له امتثال الأمر في ضمن فردين أو أفراد طولية، أو لا يجوز ولا يقع الامتثال إلا في ضمن المأتي به في المرة الاولى ؟ قد يقال: إن إطلاق المادة مقتض لجواز امتثال أمرها في ضمن أكثر من فرد ولو طولا، إذ الطبيعة صادقة على الأكثر كالواحد. وفيه: أن مقتضى الإطلاق أن تمام مراد المولى وما طلب من عبده إنما هو نفس الطبيعة، فإذا أتى بها مرة واحدة، فقد انطبقت الطبيعة عليه قهرا، وحصل تمام (*) المقصود بالبحث في هذه الامور: أنه هل للصيغة إطلاق يشمل هذه الموارد ؟ فليس البحث عن الإجزاء، بل عن تعيين المأمور به. (المؤلف).

[ 169 ]

مراد المولى في الخارج، ومعه فلا معنى عقلا لبقاء طلبه وأمره على ما كان من دعوة المكلف نحو المأمور به، بل لا محالة يسقط عن هذا الشأن قهرا، فما يؤتى به ثانية وإن انطبقت الطبيعة عليه أيضا إلا أنه وجود آخر للطبيعة أتى به بعد حصول مراد المولى وسقوط أمره، وليس هو والفرد الأول مصداقا واحدا للطبيعة، ووجودا واحدا لما هو مراد المولى حتى يتحقق الامتثال بهما كليهما، وكان جواز الاكتفاء بالمرة الاولى وكونها امتثالا موقوفا على الاقتصار عليها، كما لا يخفى. الثاني: إذا أتى بأفراد من الطبيعة في مرة واحدة فهل الامتثال يقع بالمجموع أو بواحد لا بعينه ؟ وعلى الأول فهل المجموع إمتثال واحد أو كل منها إمتثال والمجموع إمتثالات ؟ وهاهنا احتمال أن لا يقع امتثال الأمر أصلا، ويشترط امتثاله بإتيان فرد واحد. والتحقيق: أن الاحتمال الأخير في كمال الضعف، فإن إطلاق الطبيعة المأمور بها يقتضي وفاءها بمراد المولى أينما تحققت، وعدم تعينها الواقعي لا يمنع عن تحقق الامتثال بها بعد ذلك الإطلاق. إنما الكلام في الوجوه الثلاثة الاخر، فقد يقال بأن كل فرد إمتثال خاص، والمجموع إمتثالات، لمكان انطباق الطبيعة المأمور بها على كل منها بحياله. ويقال في رده: إن ملاك تعدد الامتثال تعدد الأمر، فبعد ماكان الأمر واحدا فلا محالة يكون المجموع إمتثالا واحدا. وهو كلام متين، إلا أن الإشكال كله في تسلم وقوع الامتثال بمجموع الأفراد. وذلك أن الطبيعة المأمور بها بالنسبة الى أفرادها قد تكون طبيعة مشككة تصدق بصدق واحد على القليل والكثير، بحيث يكون القليل لو انفرد مصداقا واحدا للطبيعة، وإذا انضم إليه غيره يكون المجموع الكثير أيضا مصداقا واحدا، كما إذا قال المولى " جئني بمن آنس به " فإن طبيعة من يأنس به المولى تصدق على الواحد والاثنين والأزيد بحيث يكون الاثنان وما فوقه مصداقا واحدا لهذه الطبيعة، ففي مثلها إن حصل الطبيعة بفرد فقد امتثل به، وإن حصلها بفردين أو أزيد كانا مصداقا واحدا للطبيعة وامتثالا واحدا لأمرها.

[ 170 ]

وقد لا تكون الطبيعة مشككة كما في الغالب، بل يكون كل فرد وإن اجتمع مع غيره مصداقا واحدا للطبيعة بحياله، ففي مثلها حيث إن الإطلاق قضى بأن تمام مراد المولى ومطلوبه، هو نفس الطبيعة، فالطبيعة نفسها بتمامها موجودة في ضمن أي فرد من الأفراد، فإذا أتى بفردين فلا دليل على أن وجودين من الطبيعة قائم بهما غرض المولى ومحصلان لغرضه، بل إنما المحصل هو وجود الطبيعة الصادق على هذا الفرد، وعلى ذاك. وبالجملة: فالمفهوم عرفا من الإطلاق: أن غرض المولى قائم بوجود الطبيعة، وحيث إن الطبيعة موجودة بوجود فرد فيفهم أن غرضه قائم بفرد بما أنه الطبيعة، فالفردان أحدهما زائد على مراده، وعليه فالامتثال إنما هو بواحد لا بعينه، لا بالمجموع. الثالث: إذا امتثل الأمر بإتيان فرد واحد فقد عرفت سقوط أمر المولى به رأسا، وغرض المولى من الأمر يحصل بإتيان المأمور به حيث إنه علة تامة لحصوله، كما بينه في نهاية الدراية، فلا موقع لرفع اليد عن الامتثال به وإتيان فرد آخر يكون به الامتثال، إذ الامتثال فرع الأمر المفقود هنا بسقوطه. نعم، له أن يأتي بالمأمور به ثانيا برجاء أنه لعل المولى لم يستوف غرضه الأقصى من المأتي به أولا، فيستوفي مما يأتي به ثانيا، وإتيانه بهذا القصد كاف في عباديته فيما كان المأمور به مشروطا بقصد القربة، وحينئذ فإن كان هنا خصوصية مرغوب إليها قد ندب المولى إليها وفقدها المأتي به أولا فله إتيان المأمور به ثانيا لإدراك ما قد فاته من الخصوصية، ولو علم بعدم حصول غرض المولى الأقصى من الإتيان الأول لكان الإتيان الثاني مستحبا قطعا، وللكلام تتمة فانتظرها. المبحث الثامن في الفور والتراخي الحق أن إطلاق الصيغة لا يقتضي الفور ولا التراخي، بل المفهوم منه عرفا إنما هو البعث نحو المادة، وليس هذا البعث عند العقلاء حجة على أحدهما

[ 171 ]

بالخصوص، بل إطلاقها يقتضي جواز كليهما، فإن من فعل المأمور به فورا يكون ممتثلا، وهو واضح، وإن لم يأت به فورا فهو - مع أنه لا يعد عاصيا - موظف بإتيانه، وإطلاق هيأة الأمر حجة عليه. نعم، هاهنا نكتة لابد من التوجه إليها وهي: أن التقييد بالفور أو التراخي هل هو تقييد لمفاد الهيأة أو المادة ؟ الذي ينبغي أن يقال: إنه لاريب في أن التقييد بالزمان والمكان مطلقا ليس وزانه وزان القيود الواردة على المادة، فإن الارتكاز شاهد على أن مفاد قول المولى " صل يوم الجمعة، أو في المسجد " - مثلا - ليس كمفاد قوله: " اضرب شديدا "، و " صل مع الطهارة "، حيث إن المفهوم من الأخيرين هو البعث نحو إتيان الضرب الشديد، والصلاة التي مع الطهارة، بخلاف الأولين فإن المفهوم منهما إنما هو البعث نحو نفس الصلاة، إلا أنه يجب إتيانها في الزمان أو المكان المخصوص. وحل المطلب: أنه قد تقدم أن مفاد الهيأة في صيغ الأوامر نظير مفادها في الأفعال الاخر: الماضي أو المضارع، فكما أن مفادها في الأفعال الاخر الحكاية عن الإتيان - حكاية تصديقية - فهكذا مفادها في صيغ الأمر البعث نحو الإتيان، بحيث يصح له بعد العمل والإطاعة الإخبار عن نفسه بفعل ماض مادته مادة هذا الأمر، والمادة في جميعها إنما تدل على نفس الحدث، وعليه فليس مفاد الهيأة في الأمر هو البعث والإيجاب ليس إلا، بل هو البعث نحو الإتيان، والمادة إنما تدل على ما يأتي به، وقيد الزمان والمكان كأغلب القيود يرجع الى هذا الإتيان المدلول عليه بالهيأة، ويبين ظرفه الزماني أو المكاني، فالقيد قيد للهيأة ومع ذلك فهو قيد ظرفي للمطلوب لا للطلب، بخلافه في الواجب المشروط، فإن التحقيق - على ما سيأتي - أن الشرط قيد الهيأة وللطلب المدلول عليه بها، فافتهم واغتنم. ثم إنه قد استدل على وجوب الفور في الأوامر الشرعية بما دل من الآيات والآثار على البعث نحو المسارعة والمسابقة الى المغفرة والاستباق الى الخيرات

[ 172 ]

من قوله تعالى: * (وسارعوا الى مغفرة من ربكم) * (1)، وقوله تعالى: * (سابقوا الى مغفرة من ربكم) * (2)، وقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (3). بتقريب أن ظاهر الهيأة هو الوجوب، وفعل المأمور به لاريب أنه من الخيرات وموجب للوصول الى المغفرة، فالسرعة والفور إليه لازم. أقول: لو سلم دلالتها فظاهرها أن المأمور بالمسارعة والاستباق إليه بنفسه خير ومغفرة لا تتوقف خيريته على السرعة إليه، فلا تدل على تقييد المأمور به، بل إنما تدل على وجوب مطلوب آخر هو المسارعة الى إتيان المأمور به، بلا لزوم تقييد في إطلاق أوامر المولى أصلا. ومع الغض عنه نقول: الظاهر أن الاستدلال بها غير تام، وذلك أن العقل والعقلاء يعدون السرعة والاستباق نحو الخيرات من الأفعال الحسنة التي من قبيل المندوبات بحيث ارتكزت عليه أذهانهم، فإذا القي عليهم مع هذا الارتكاز ما يدل على صرف البعث نحو مايندبونه أيضا بأنفسهم لم يروا هذا البعث إلا تقريرا لهذا الندب المرتكز بينهم، ولا يفهمون منه ولا يرون حجة على أمر زائد على ما في ارتكازهم. ولعله إليه يؤول ماعن سيدنا الاستاذ - مد ظله -: من أن الآيات من آيات الوعظ والإرشاد. وما في الكفاية من الجواب الثالث (4)، غاية الأمر أنه (قدس سره) جعل هذا الحكم العقلي العقلائي حكما ارشاديا، لا مصلحة إلا في مادة المأمور به بأوامر المولى الأصلية، والظاهر أنه مولوي، وفي نفس السرعة والاستباق ملاك ومصلحة غير ملاك ما يسرع إليه. هذا. مضافا إلى أن المسارعة والمسابقة والاستباق بمعنى تقدم الناس بعضهم على بعض في إتيان المغفرة والخير، لا السرعة الى إتيانهما من مكلف واحد، فلعل


(1) آل عمران: 143. (2) الحديد: 21. (3) المائدة: 48. (4) تهذيب الاصول: ج 1 ص 147، الكفاية: ج 1 ص 103. (*)

[ 173 ]

الاستدلال بها بملاحظة أنها - بعد عدم اختصاصها، بالأعمال الخيرية والواجبات الكفائية التي ينتفي موضوعها بإتيان أول من يأتي بها، وشمولها لطبيعة نوعية من الخير يكون الكل مكلفين بها - تدل بالالتزام على مطلوبية السرعة الى المغفرة والخير، وأنهما مما يحب الشارع إتيانها بالسرعة مهما أمكن. مضافا الى ما في آية المغفرة: من أنه موقوف على وجود ذنب حتى يتصور المغفرة، وعلى انحصار الطريق بإتيان المأمور به، وإلا فالتوبة أيضا طريق الى تحصيل المغفرة، فلا تدل على وجوب إتيان المأمور به بالخصوص. وأورد عليه في الكفاية بوجهين لا يخلوان عن المناقشة: إذ يرد على أولهما - المبني على وحدة المطلوب -: أن النسبية ان يكون الترغيب الى عمل يرغب إليه بذكر ما يترتب عليه بلسان التحذير عما يترتب على تركه من العقاب، لا بلسان الترغيب الى ما يترتب على فعله من الثواب بملاحظة أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ليست بمثابة توجب صرف هيأة الأمر عن ظاهرها أو حكمها من الوجوب. ويرد على ثانيهما: أن المفهوم من الآيتين البعث نحو المغفرة والخير بما أنهما مغفرة وخير، وهذه الحيثية لما كانت موجودة في كل أمر مستحب أو واجب موسع فعدم وجوب الفور فيهما لا يوجب تخصيصا عرفا في إطلاق المغفرة وعموم الخيرات، بل إن كان ولابد من التصرف فإنما يتصرف في ظهور الأمر في الوجوب. ومن هنا يمكن الجواب عن الآيتين بوجه ثان: هو أنه لما لم يمكن تخصيص المغفرة والخير، وكان في الخيرات مالا يجب إتيانه فضلا عن فورية إتيانها، ففيها مالا يجب فوريتها، ووجود هذين القسمين في الخيرات بديهي واضح لكل من له أدنى تماس بأحكام الإسلام فضلا عن المسلمين أنفسهم، فإذا القي إليهم أن أسرعوا أو أستبقوا الى الخيرات لم يفهموا منه إلا بعثا ندبيا لا حجة فيه على الوجوب أصلا وهذا وجه متين لعله يؤول الى ما في كلام بعض أعيان المحققين

[ 174 ]

في نهاية الدراية (1). ثم إن بعض المحققين أورد على الاستدلال بآية الاستباق إيرادا مبنيا على إرادة التقييد ووحدة المطلوب من الاستدلال بها بما حاصله: أن وجوب الاستباق الى الخيرات يلزم منه عدمه فهو محال، وذلك أن مفادها البعث الى تقديم كل خير على ما عداه، فهو لا يتصور إلا مع تعدد الخيرات، وحيث إنه لا يمكن عقلا إلا تقديم خير واحد على ما عداه - والمفروض وحدة المطلوب - خرجت البقية لمكان هذه المزاحمة عن الخيرية، فلا يبقى إلا خير واحد لا يتصور فيه الاستباق، وهذا ما قلنا من أنه يلزم من وجود عدمه، فلابد من حملها على الندب (2). ويرد عليه: أن معنى الاستباق ليس ما ذكره (قدس سره) بل هو بمعنى تقدم بعض المكلفين على بعض كما هو الحق، أو بمعنى السرعة، وعلى أي حال فهو يصدق مع وحدة الخير ولا يلزم منه المحذور، وأما الإشكال عليه بأن التزاحم لا يوجب خروج الواجب المزاحم عن الخيرية، وبأن التزاحم لا يحصل مع كون التكاليف قانونية - كما عن سيدنا الاستاذ مد ظله - فهو مبني على إرادة التزاحم الواقع في مقام الامتثال لعجز المكلف، وقد عرفت أن المراد من المزاحمة هو المزاحمة في الوجود بنفسه وعدم الإمكان عقلا. تتمة: على القول بالفور إذا عصى المكلف ولم يأت بالعمل فورا فهل يسقط عن عهدته رأسا، أو يجب عليه بلا فور، أو يجب عليه فورا ففورا ؟ التحقيق: أنه إن قلنا بدلالة الآيات على وجوبها بنحو تعدد المطلوب فحيث إن المأمور به بنفسه خير ومغفرة مطلقا فيجب الفور إلى إتيانه مهما أمكن، فيجب فورا، وإن قلنا بدلالة الصيغة فدلالتها بأي نحو من الأنحاء الثلاثة ممكنة غير ممتنعة، تابعة لاستظهار القائل بالفور، والذي يسهل الخطب أنه لا دلالة لها على الفور أصلا كما عرفت.


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 261. (2) نهاية الأفكار: ج 1 ص 319. (*)

[ 175 ]

الفصل الثالث: * في الإجزاء قبل الورود في أصل البحث تقدم امور توضيحا لمحل البحث: الأول: قال في الكفاية: إن ذكر قيد " على وجهه " في عنوان البحث " الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء أم لا " إنما هو لدخول قصد القربة، بناء على مبنى عدم إمكان أخذه في متعلق الأمر (1). وفيه كما أفاده سيدنا الاستاذ - مد ظله -: أن بحث الإجزاء معنون في كلماتهم قبل حدوث أصل بحث إمكان أخذ القربة وامتناعه، فلا محالة ليس الغرض من ذكره ذلك، بل المراد: تأكيد أن الغرض إتيانه بجميع ما يعتبر فيه وفي امتثال أمره، ولو كان بحكم العقل، فيكون القيد تأكيديا وتوضيحيا، ولا بأس به. الثاني: قال فيها ما معناه: إن الاقتضاء وإن كان يراد به: تارة الاقتضاء في عالم الإثبات، وهو دلالة اللفظ - مثلا - على معنى. واخرى هو في عالم الثبوت، وهو تأثير شئ وعليته لأمر آخر، إلا أن المراد به في المقام هو المعنى الثاني، وحينئذ فلا ينافيه أن يكون التعبير بالتأثير كالاقتضاء هنا عرفيا مجازيا. ووجه إرادة المعنى الثاني هاهنا: أن الإجزاء بمعنى الكفاية ليس ولا يكون


(*) كان اللازم عنوان البحث بمثل " المبحث التاسع "، ولكنا عدلنا إلى ما ترى تبعية للكفاية، وهكذا الأمر إلى آخر مباحث الأوامر (منه، عفي عنه). (1) الكفاية: ص 105. (*)

[ 176 ]

مدلولا للفظ بنحو من أنحاء الدلالة، لأنه إنما هو من آثار الإتيان بالمأمور به، والأمر لا يكون متعرضا بحسب دلالته لما يترتب على إتيان متعلقه، بل إنما هو يدل على الإغراء والبعث نحوه، كما لا يخفى. وهذا الوجه هو الذي دعاهم الى رفع اليد عن إسناد الاقتضاء الى الأمر، فأسندوه الى الإتيان (1). ولي فيه كلام يأتي. ثم قال: ولا ينافيه البحث في إجزاء الأمر الاضطراري والظاهري، لأنه هناك أيضا عن الاقتضاء الثبوتي وإن كان موقوفا على بحث دلالي أيضا (2). وأورد عليه بعض أعاظم المحققين (قدس سره) في نهاية الدراية بما حاصله: أن البحث حينئذ يخرج عن كونه اصوليا، إذ البحث الاصولي بما أنه مقدمة لاستنباط حكم فرعي كلي لابد وأن يكون نتيجته كلية يستفاد منها في مقام الاستنباط، فلو توقف على البحث عن إطلاق كل واحد واحد من أدلة الأحكام الاضطرارية والظاهرية، ثم التعبير عنه بعنوان كلي ونتيجة كلية لخرج عن الشأن الذي للبحث الاصولي، إذ يصير الأمر حينئذ بالعكس على ما يراد منه، فإنه من الموارد الجزئية الفرعية استفيد حكم كلي، وقد كان شأنه أن يستفاد منه حكم الموارد الجزئية. هذا (3). ويمكن أن يقال: إن البحث إنما يخرج عن كونه اصوليا لو كان عقده بالبحث الجزئي عن كل واحد واحد من الأدلة كما أفاد، إلا أن الأمر كذلك، وذلك: أما في الطرق والأمارات فواضح، وأما في مثل حديث الرفع والاستصحاب فكما يكون أصل بحث البراءة والاستصحاب كليا فهكذا هذا الذي من فروعه وخصوصياته. واما أدلة الاضطرار فالمقصود بالبحث هنا: أنه لو كان أدلته مثل قوله تعالى: * (وان كنتم مرضى... فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (4)، وقوله (عليه السلام): " فإن التيمم أحد الطهورين " (5) فهل من إطلاقه يستفاد الإجزاء أم لا ؟ وهو بحث كلي اصولي، كما لا يخفى.


(1 و 2) الكفاية: ص 105. (3) نهاية الدراية: ص 267. (4) النساء: 43، المائدة: 6. (5) الوسائل: ج 2 ص 991 - 992 الباب 21 من أبواب التيمم الحديث 1. (*)

[ 177 ]

ثم إن لأحد أن يقول: كما أن إتيان المأمور به دخيل ثبوتا في الإجزاء فهكذا كيفية دلالة الأدلة، إذ لو استفيد من إطلاق الصيغة أن متعلقه تمام مراد المولى بالنسبة الى المقام الاول، وأنه بحيث يقوم مقام المأمور به الأولي أو الواقعي - بالنسبة الى المقام الثاني - فهذه الدلالة أيضا موجبة لدخول الإتيان بمتعلقها في كبرى عقلية كلية هي: أن الإتيان بتمام مراد المولى كاف وواف بالمطلوب ليس له بعد ذلك أمر وطلب، وحينئذ فلما كانت الكبرى العقلية واضحة لا ينبغي النزاع فيها، بخلاف كيفية دلالة الصيغة فإنها ليست بهذا الوضوح، ولا سيما في غير المقام الأول، وكان عنوان البحث بما هو مركز النقض والإبرام أولى، فلذلك يكون التعبير عنه: بأن الأمر بالشئ هل يقتضي الإجزاء إذا اتي به أم لا ؟ أولى فتدبر جيدا. ثم إن في تطبيق كلام الكفاية على بحث المقام الثاني وأنه بحث عن دخوله في كبرى المقام الأول خفاء، والخطب سهل، فتدبر. الثالث: الظاهر أن الإجزاء بمعنى الكفاية هاهنا أيضا، كما هو معناه في اللغة، والكفاية هو الوفاء بالمطلوب، ولا داعي ولا يصح هاهنا جعلها بمعنى كفاية شئ عن شئ كما أفاده في نهاية الدراية، فراجع (1). الرابع: لا وجه لتوهم اتحاد مسألتنا مع مسألتي المرة والتكرار، وتبعية القضاء للأداء وعدمها، كما بينه في الكفاية والنهاية وغيرهما (2)، والظاهر - كما في نهاية الدراية - أن محل التوهم الثاني هو إجزاء أمر عن أمر آخر، بتوهم أنه لما كان المفروض عدم الإتيان بمتعلق الأمر الآخر الواقعي أو الاختياري فالقول بالإجزاء قول بعدم دلالته على التبعية، والقول بعدم الإجزاء قول بالدلالة، وإلا ففي المقام الأول المفروض فيه الإتيان بمتعلق الأمر المضاد لمفروض موضوع القضاء لا مجال لهذا التوهم لذي مسكة. إذا عرفت هذه المقدمات فالبحث يقع في مقامين كما في الكفاية:


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 269 - 270. (2) الكفاية: ج 1 ص 269، نهاية الدراية: ج 1 ص 271 - 273. (*)

[ 178 ]

المقام الأول: (في إجزاء الإتيان بالمأمور به لكل أمر في الوفاء بتمام مقصود المولى من الأمر به): ولاريب فيه أصلا، إذ الأمر بإطلاقه يدل على أن متعلقه تمام مراد المولى وما يطلبه من عبده، فإذا أتى به كما أراد فلا معنى لبقاء أمره على ماكان من الدعوة، وهو معنى سقوطه، فلا وجه لإعادته، ولا لقضائه المتفرع على فوته، وهو في كمال الوضوح. إنما الكلام في إمكان تبديل الامتثال - الذي جوزه في الكفاية - فيما كان للمولى غرض أقصى لم يحصله بعد من المأتي به، فإن ظاهرها - هاهنا كما تقدم - بقاء أمر المولى وطلبه، وجواز الإتيان بمتعلقه ثانيا بداعية، مؤيدا له بل مستدلا عليه بأخبار الصلاة المعادة. وفيه: أن فرض مثل هذا الغرض في التكاليف الشرعية الراجعة الى نفع المكلف وإن كان ممكنا، بأن يحتاج ترتب الأثر الأصلي الى شرائط اخر، ولا أقل من مضي زمان لم يتحقق بعد إلا أن الأمر بحسب القواعد العقلائية إنما يتعلق بما كان كالعلة التامة لغرض الآمر والداعي إليه، وإن كان غرضا مقدميا بالنسبة الى غرض أقصى، فإذا أتى المكلف بالمأمور به كما أراد فقد حصل غرض المولى من أمره هذا، ومعه فلا معنى لبقائه بعد على دعوته. ويشهد لذلك: أنه - في الموالي العرفية - لو كان مثل ما يأتي به المكلف أولا حاصلا قبل أن يقوم المولى بصدد تحصيل الغرض الأقصى فبلا ريب ولا إشكال لا يأمر عبده بالإتيان أصلا، اللهم إلا بأمر آخر ندبي فيما كان الحاصل مشتملا على مصلحة اخرى مطلوبة له ندبا، وهو أمر آخر غير الأمر الأول لا بأس به، وعليه يحمل، بل هو ظاهر أخبار الصلاة المعادة، فراجع. ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين القول بوجوب المقدمة الموصلة - ولو بنحو القضية الحينية والحصة التوأمة مع الإيصال - والقول بوجوب مطلق المقدمة، فلا ينبغي توهم أنه على الأول يتعلق الأمر المنبعث عن الغرض المقدمي الى

[ 179 ]

خصوص ما يستعمله المولى في تحصيل غرضه الاقصى، فتبديل الامتثال وإن لم يكن له مجال - إذ المأمور به وما به الامتثال هو هذا الخاص - إلا أن الأمر بعد باق فيما لم يأت به بعد، وبخصوصه يسقط الأمر ويقع الامتثال. وذلك أما أولا: فلأن القول بالمقدمة الموصلة إنما هو في قبال مالا يتعقب ذو المقدمة وجود المقدمة، بلحاظ أن طلب المقدمة مع عدم ترتب ذيها عليها لغو غير واقع، لا في قبال خصوص مالا يترتب عليها، بل على غيرها ذو المقدمة، بحيث كان ذلك الغير مأمورا به بالأمر المقدمي لا غيره. ووجهه: أن القول بالموصلة أو المطلقة بعد فرض جريان أصل دليل الوجوب، - أعني أن من أراد شيئا أراد مقدماته -، ومعلوم أنه لا يجري فيما كان المقدمة حاصلة، ولا سيما إذا كان بناء الشخص الفاعل على استفادة المقدمية منها إذا لم يكن غيرها، بل الوجدان شاهد صدق على أن المولى العرفي لا يأمر بالمقدمة مع وجودها. وأما ثانيا: فلأنه لو سلمناه في الأوامر الغيرية، فلا نسلمه في الواجبات النفسية، والشاهد عليه: ما مر من اختبار حال الموالي العرفية، فتذكر وتدبر. المقام الثاني: في إجزاء الإتيان بالمأمور به بأمر عن آخر: وفيه موضعان: الأول: في أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري يكفي عن إتيان المأمور به الاختياري، إعادة، أو قضاء، أم لا ؟ والعمدة هو البحث عن مقام الإثبات، إلا أنه تبعا للكفاية نبحث أولا عن مقام الثبوت. فنقول: إن المأمور به الاضطراري تارة يفي بتمام مصلحة الاختياري، واخرى ببعضها، والباقي إما لازم التدارك أولا، وعلى أي فإما يمكن تداركه أم لا، فهذه صور خمس: فإن وفي بجميع مصلحة الاختياري فلا ريب في الإجزاء اعادة وقضاء، غاية

[ 180 ]

الأمر أن تجويز البدار المبني عليه بحث الاعادة مبني على أن يكون العمل بمجرد الاضطرار، أو بشرط اليأس عن طرو الاختيار وافيا بتمام المصلحة وإلا فلا يجوز تجويزه، والظاهر أن هذا المعنى مراد صاحب الكفاية أيضا، فلا يحتاج الى ما تكلفه في نهاية الدراية (1)، كما أن هذا الشرط شرط في جميع موارد تجويز البدار في الصور الاخر أيضا، فإنه إنما يصح تجويزه إذا كان العمل الاضطراري بمجرد الاضطرار - مثلا - وافيا بما يفي به من بعض الملاك، فلا وجه لما يظهر من الكفاية من اختصاصه بهذه الصورة (2). وإن وفي ببعضها وكان الباقي لازم الاستيفاء غير ممكنه سقط إعادته وقضاؤه قهرا، وشرط جواز بداره كوجه أصل تشريعه مذكور في الكفاية، وإسناد تفويت الغرض الى تجويز البدار أو إتيانه مع البدار في الكفاية ليس بالوجه الدقيق العقلي من إسناد عدم المعلول الى عدم العلة، بل إسناد عرفي صحيح، فلا حاجة الى ما تكلفه في نهاية الدراية (3)، فراجع. وإن وفي بالبعض وكان الباقي غير لازم ولا ممكن الاستيفاء فالإجزاء أوضح، لكنه لا يحتاج تجويز بداره ولا أصل تشريعه الى ماكان تحتاج إليه الصورة السابقة، لأن ما به تفاوت المصلحة المستوفاة والفائتة ليس بمقدار يقبح تفويته، ولا يجوز رفع اليد عنه، والمصلحة الفائتة وإن كانت لازمة الاستيفاء بحدها لكنها غير لازمة الاستيفاء بعد ملاحظة استيفاء مصلحة الاضطراري. فلا وجه لما يظهر من الكفاية من اشتراط هذه الصورة أيضا بشرائط سابقتها، ولا لما في نهاية الدراية من توجيهه (4) فراجع. وإن وفي بالبعض وكان الباقي ممكن الاستيفاء ولازم الاستيفاء فلا يجزئ، فيأمر بإعادته أو قضائه إلا أن يستلزم محذورا. وكيف كان فلا يتوقف فرض هذه الصورة ولا تاليتها على خصوص فرض


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 372. (2) الكفاية: ص 109. (3 و 4) نهاية الدراية: ص 232. (*)

[ 181 ]

قيام مصلحتين مستقلتين بالاختياري، بل لو قامت مصلحة شديدة به تترتب جميعها عليها فعلا إذا لم يسبقه الاضطراري، ويؤثر في شدة الموجود مع سبقه لصح الأمر به أمرا نفسيا فلا حاجة الى ما أفاده في نهاية الدراية (1)، بل ولا الى الجامع بينهما حتى يؤثر في جامع المصلحة الضعيفة والشديدة، لاختصاص قاعدة " الواحد لا يصدر إلا عن الواحد " بالواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات، كما هو مذكور في كلماته (قدس سره) أيضا.... وإن وفى بالبعض وكان الباقي غير لازم التدارك فيستحب إعادته أو قضاؤه مع عدم محذور، إلا أنه لا يتعين فيه البدار، بل في هذه الصورة أيضا مخير بين عمل اختياري في آخر الوقت، أو عمل اضطراري في أوله مع استحباب اعادته آخره، فما في الكفاية من تعين البدار (2) مما لا نفهمه، فراجع وتدبر. هذا كله في مقام الثبوت. وأما في مقام الإثبات فقبل البحث عن مقتضى الأدلة ينبغي البحث عن أنه هل يمكن في العمل الاختياري والاضطراري - مع ذلك العرض العريض المتصور، بل الواقع لهما ولا سيما في الاضطراري - أن يتعلق به أمر واحد متعلق بالجامع بين جميع المراتب، أو لابد من تعدد الأمر حسب تعدد المراتب ؟ صريح سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي - كظاهر الشيخ الأعظم (قدس سره) (3) إمكانه، وأن المأمور به في الصلاة - مثلا - أمر واحد هو الكلي الجامع بين المراتب وقد أمر به بأمر واحد، وأن الخصوصيات الواجبة في كل مورد من خصوصيات وأجزاء أو شرائط الأفراد، وقد حاول سيدنا الاستاذ - مد ظله - إثباته بمقتضى ظواهر الأدلة وبنى القول بالتعدد على مبنى عدم إمكان تعلق الجعل الاستقلالي بالأجزاء والشرائط، فهو قرينة الانصراف عن تلك الظواهر، وحيث إن الحق عنده - مد ظله - إمكان الجعل الاستقلالي لها فالمتعين هو الأخذ بظواهرها (4) هذا.


(1) نهاية الدراية: ج 1، ص 232 - 233. (2) الكفاية: ص 109. (3) راجع مطارح الأنظار: ص 20 س 22. (4) تهذيب الاصول: ج 1 ص 180 - 181. (

[ 182 ]

أقول: إنا وإن تعقلنا الجامع بين الأفراد المختلفة في الأجزاء والشرائط في مبحث الصحيح والأعم وقلنا: إن العرف في الماهيات المركبة بارتكازه قائل بالتشكيك، بحيث يكون الفاقد لشرط أو جزء مصداقا لماهية، والواجد بما أنه مشتمل على الجزء أيضا يكون مصداقا ذاتيا لها، وإن كان هذا راجعا بحسب الدقة العقلية الغير المتبعة الى الترديد في اجزاء الماهية إلا أنه إنما يصحح إمكان تعلق أمر واحد بهذا الجامع، بحيث لا يكون شئ من خصوصيات الأفراد بما أنها خصوصية مأمورا بها، بل يكون تمام الموضوع لأمره وتمام المطلوب له نفس الجامع، ويلزمه تخيير المكلف بين جميع المراتب، فله اختيار أي مصداق يشاء. وأما إذا كان المطلوب الواقعي من المكلف في حالة خصوص ما كان واجدا لاجزاء، وفي اخرى ماكان واجدا لأقل منه أو أكثر - كما في السفر والحضر والاختيار والمراتب المتصورة من الاضطرار - فإن المطلوب الجدي في كل من هذه الحالات هذا الكلي واجدا الأجزاء لا يصح بدونها، وإن صح بدونها، بل ولم يصح معها في حالة اخرى، فمع هذا الافتراق فكيف يصح القول بأن المطلوب الجدي أمر واحد ببعث واحد جدي ؟ وكيف يمكن تعلق إرادة واحدة بالفاقد والواجد - بما أنه واجد - لا بالكلي المشترك ؟ وحينئذ وإن قلنا بصحة استقلال الأجزاء في الجعل إلا أن تعلق بعث واحد بحسب الجد بجميع المراتب ممتنع. نعم، في عالم الإنشاء ومقام الألفاظ يمكن أن يعبر عنها بعنوان جامع، وقد يترتب عليه في مقام الاستنباط ثمرة مهمة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. إذا عرفت هذا فنقول: إنه من المتعارف في مابين العقلاء أن يعلقوا الأمر والطلب بجامع كلي بين أفراد مختلفة جزءا ووصفا، ثم يعتبروا لهذا الجامع شرطا أو جزءا لمكلف أو في حالة، وشرطا أو جزءا آخر لمكلف آخر وحالة اخرى... وهكذا، لكن بلسان أن على المكلف في هذه الحالة إيجاد ذلك الكلي بهذه الخصوصية، ولذلك نفهم أن المطلوب الأصيل إنما هو إيجاد ذلك المعنى الكلي بنحو صرف الوجود منه، فلا يجب إلا إيجاد فرد واحد منه وإن اختلفت أجزاؤه

[ 183 ]

وشرائطه بحسب المكلفين أو حالات مكلف واحد، ولا ينافي هذا أن يكون - بحسب عالم الثبوت - كل من هذه المراتب مأمورا بأمر انحلالي خاص وإرادة مخصوصة، كما لا يخفى. وحينئذ فنقول: إن كان المأمور به الاختياري والاضطراري بحسب ظواهر الأدلة من هذا القبيل فلا ينبغي الريب في الإجزاء قضاء وإعادة، إذ المفهوم منها حينئذ عرفا أن الواجب هو ذلك المعنى الكلي لاغير، وأن على المكلف إيجاده في حالة الاختيار في ضمن الفرد الاختياري، وفي حالة الاضطرار في ضمن الفرد الاضطراري، وأن أدلة الاختياري والاضطراري إنما تدل على اشتراط ذلك الكلي في هذه الحالة بهذا الشرط أو الجزء، وفي تلك الحالة بشرط أو جزء آخر. ولافرق بين أن يفهم طلب هذا الكلي الواحد بدلالة المطابقة من دليل فوق سائر الأدلة، كما في باب الصلاة والصوم والغسل والوضوء وغيرها، وأن يفهم بدلالة مفهومية التزامية كما في قوله تعالى: * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا... فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) * (1) فإن المفهوم منه عرفا أنه تعالى بصدد جعل الكفارة على المظاهر، وايجاب الجريمة عليه بالترتيب المذكور، فإذا أدى جريمته بحسب حاله ثم تمكن مما فوقها فهو قد عمل بوظيفته لا سبيل عليه أصلا، لا بالإعادة وهو واضح، ولا بالقضاء، وذلك: أما إذا رتب وجوبه على فوت الجامع فواضح، وأما إذا رتب على فوت المرتبة العالية فلأن ظاهر دليله حينئذ أيضا إيجابه على من لم يأت به مع أنه كان وظيفته الفعلية، لا من لم يأت به، لأن المولى اكتفى عنه ببدله. هذا. وإن كان العمل الاختياري والاضطراري غير داخل عرفا تحت جامع واحد، بل إنما أمر بالاختياري مع الإمكان وبالاضطراري مع العجز عنه فحينئذ فإن كان دليل الاضطراري بلسان التنزيل وأنه بمنزلة الاختياري لمن لم يتمكن منه


(1) المجادلة: 2. (*)

[ 184 ]

فإطلاق دليله يقتضي ترتب جميع آثاره عليه، وأن يكون هو هو في محيط الشارع، فلا محالة يسقط الإعادة والقضاء، وإلا فإن رتب وجوب الاضطراري على العجز عن الاختياري كما في قوله تعالى: * (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) * (1) وقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا... الى آخره) * (2) - مع قطع النظر عن أنه من قبيل الأول - فظاهر أمثال هذه التركيبات أن المتكلم الآمر اكتفى بهذا البدل عن المبدل، فيدل على عدم وجوب الإعادة والقضاء. أما الإعادة فبمقتضى البدلية المفهومة، وأما القضاء المرتب على فوت المطلوب الأول، ففيما جاز البدار وكان الموضوع مطلق العذر فلأن ظاهر دليل القضاء اختصاصه بغيره وانصرافه عما إذا أتى ببدله واكتفى المولى به فلم يوجب نفس العمل في الوقت مع تمكن المكلف من إتيانه، وفيما لم يجز البدار وكان الموضوع العذر المستوعب فلأن ظاهر دليله منصرف عما إذا أتى المكلف ببدله الذي جعله المولى وظيفته عند الاضطرار. ومنه تعرف ما في كلام سيدنا الاستاذ - مد ظله - من النظر، حيث جعل جميع الموارد من القبيل الأول، ولم يصحح وجها للإجزاء سواه ومثله المحقق صاحب نهاية الدراية، حيث لم يتصور الوجه الأخير، فراجع كلامهما (3) شكر الله تعالى سعيهما. نعم، إذا قلنا بقاعدة " الميسور " فغاية مفادها إيجاب الميسور من غير دلالة فيها على الاكتفاء به عن الإعادة والقضاء، ولا سيما إذا قلنا بعدم اعتبار صدق عنوان " الميسور " على الميسور في جريانها كما هو الحق، وذلك واضح للمتدبر. ثم إن المحقق صاحب المقالات ذكر في تقريب الإجزاء في القبيل الأول وجها أتى إليه من قبل المصلحة، فقال: إن مقتضى سوق أدلة الاضطرار حيث كانت في مقام تعيين مصداق الطبيعة المأمور بها أن يكون العمل الاضطراري


(1) المجادلة: 2. (2) النساء: 43 والمائدة: 6. (3) لاحظ تهذيب الاصول: ج 1 ص 181، نهاية الدراية: ج 1 ص 236. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 185 ]

مصداقا لتمام الطبيعة المأمور بها، لا لبعض مراتبها، ولازمه وفاؤه بتمام مصلحة العمل الاختياري فيسقط الإعادة والقضاء، ثم أورد عليه بوجهين: حاصل الأول: أن ظهور دليل الاضطرار في وفائه بتمام المصلحة في غاية المتانة، إلا أنه يعارضه ظهور أدلة الاختيار، فإن ظاهر تعليق الأمر بخصوصية العمل الاختياري تعلق الإرادة والأمر المولوي بها، وهو لا يكون إلا إذا كانت دخيلة في حصول المصلحة، إذ لو كان الاضطراري أيضا وافيا بهذه المصلحة لكان الجامع بين الاختياري والاضطراري هو القائم بالمصلحة، ولما كان لخصوصية الاختياري دخل فيها فلم يكن وجه لتعلق الأمر المولوي بها، وهو خلاف ظاهر دليل الاختياري. وبالجملة: فظاهر الأمر المولوي بالخصوصية أن العمل الاضطراري غير واف بالمصلحة، وهو معارض لظهور دليل الاضطراري في وفائه بها، وحيث إن ظهور الهيأة في تعلقها بالخصوصية بمفادها المولوي يكون بالوضع، وظهور دليل الاضطراري بالإطلاق يقدم ظهور الهيأة عليه. وحاصل الثاني: أنه لما كان ظاهر أدلة الاختيار وجوب الخصوصية بأمر مولوي فيدل على وجوب إتيانها مهما أمكن، ولازمه حفظ القدرة ورفع الاضطرار الحاصل، فلها نظر الى رفع موضوع دليل الاضطرار، وليس لدليله هذا النظر بعد ما كان وجوبه غير تعييني بمقتضى البدلية، فدليله محكوم أدلة الاختياري (1). هذا. وفيه أولا: أن الصحيح في تقريب الإجزاء في هذا القبيل ما عرفت من أنه مقتضى الجمع بين الأدلة، سواء أكان الاضطراري وافيا بالمصلحة أم لا، ولابد وأن يكون نظر الفقيه والاصولي دائما الى مقتضى الأدلة فإنها بابنا الى تشخيص أحكام الشريعة، ومالنا ومصالح الأحكام ؟ وثانيا: أن تسليم دلالة أدلة الاضطرار على وفائه بجميع المصلحة بلا وجه،


(1) المقالات: ج 1 ص 89 - 90. (*)

[ 186 ]

فإن الظاهر العرفي من تعليق الأمر به على العجز عن الاختياري أنه في مرتبة دانية من المصلحة لا تصل النوبة إليها مع إمكان الاختياري، وهذا هو سر المصير الى عدم وفائها بمصلحته ولزوم حفظ القدرة عليه ما أمكن. وثالثا: أنه لو سلم دلالتها على الوفاء المزبور لكان مقتضى الجمع العرفي رفع اليد عن مطلوبية الخصوصية على التعيين، كما في مسألة الحاضر والمسافر، وما يتصور من نظيرها، فإنه لو كان لدليل التمام إطلاق يشمل المسافر فظاهره على فرضه (قدس سره) وإن كان دخل خصوصيته في المطلوب والمصلحة، إلا أنه إذا قال الشارع: " إذا سافرت فاجعل صلاتك ركعتين " يفهم منه أن الركعتين من المسافر هي الصلاة المطلوبة منه، وهي وافية بجميع غرض المولى، كالأربع للحاضر، ومقتضاه حصر وظيفة المسافر في الركعتين، لا يجوز له الأربع رأسا، وإن كانت له بمكان من الإمكان، اللهم إلا أن يخرج عن موضوعه ويصير حاضرا في وقت هذه الصلاة. ورابعا: أن جعل المؤثر في المصلحة والمأموربه - على فرض وفاء الاضطراري أيضا بتمام المصلحة - هو الجامع، وإخراج الخصوصية عن حيز الإرادة المولوية مبني على إجراء قاعدة " الواحد لا يصدر إلا عن الواحد " - كما صرح به في تقريراته - في أمثال المقام، وقد مر أنها أجنبية. وخامسا: أن الحكومة هو نظر أحد الدليلين بمدلوله اللفظي الى الآخر، ومن أقسامها: إخراج فرد عن فردية موضوعه ادعاء وتنزيلا، وفي ما نحن فيه: أولا: لا نظر لدليل الاختياري الى الاضطراري بمدلوله، وإنما لازم العمل بمفاده وامتثاله بحكم العقل حفظ القدرة ورفع الاضطرار عن الخصوصية. وثانيا: أنه لو عمل على طبقه لزم انتفاء موضوع الاضطرار تكوينا، لا ادعاء وتنزيلا، فليس لدليله حكومة على دليل الاضطرار بوجه، ومنه تعرف أنه ليس واردا عليه أيضا، إذ الدليل الوارد بمحض قيامه يرتفع به موضوع المورود، لابامتثال مفاده، فليس هاهنا حكومة ولا ورود، بل قد عرفت أنه لولا ما ذكرنا من

[ 187 ]

انفهام الطولية في موارد الاضطرار، لكان دليل الاضطرار مقدما على دليل الاختيار فتنبه. وقد خرج المقام عن رسم الاكرام وحفظ الاحترام، إلا أنه لمجرد تحقيق المطالب العلمية رزقنا الله الاخلاص في جميع الاعمال. وكيف كان فما جعله (قدس سره) تحقيقا في استفادة الإجزاء من الأدلة مبني على عدم قيام خصوصيتين بمصلحة واحدة، وقد عرفت أنه لا دليل عليه. مضافا الى أن ما ذكره من الوجه إنما يأتي في الإجزاء بالنسبة الى الإعادة، والى القضاء فيما كان الموضوع مطلق العذر - بلحاظ أنه لا يجب فيما لا يجب الإعادة كما عرفت -، لكنه لا يتم في ما إذا كان موضوع الاضطراري العذر المستوعب، إذ العمل الاضطراري كالقضاء - بناء على عدم الإجزاء - تعلق بخصوصية كل منهما أمر مولوي بملاحظة قيام كل منهما بمصلحة خاصة لا يقوم بها الآخر، وهو مصلحة الوقوع في الوقت، ومصلحة العمل الاختياري. هذا كله في مقتضى الأدلة الاجتهادية في الإجزاء. مقتضى الاصول العملية في الإجزاء: ولو فرض عدم استكشاف الحال من الأدلة الاجتهادية فهل مقتضى الاصول هو الإجزاء أم لا ؟ وحيث إن مفروض البحث الإتيان بالمأمور به الاضطراري فلو شك في لزوم الإعادة في الوقت فلازمه أن موضوع أدلة الاضطرار أعم من العذر المستوعب وشمول أدلته لما أتى به في الوقت قبل ارتفاع عذره، ويبحث عن أن مقتضى الاصول العملية هو الإجزاء أم عدم الإجزاء ؟ وحينئذ فما جعله سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي - محلا للشك وموردا للبحث عن مقتضى الاصول فيه خارج عن مفروض البحث وكلمات القوم، فراجع. وبالجملة: فالشك في الإجزاء تارة بالنسبة الى الإعادة في الوقت، وأخرى

[ 188 ]

بالنسبة الى القضاء في خارجه. أما الأول: فإن كان بحسب الواقع إتيان الاضطراري مجزيا فحيث إن الاضطراري عنوانه البدلية عن الاختياري، والمكلف متمكن من المبدل نفسه، فلا محالة ليس التكليف بالاضطراري تعيينيا، بل هو مخير بين الإتيان بالاضطراري وقت عذره أو الاختياري بعد ارتفاعه، وإن كان غير مجز في نفس الأمر فأيضا التكليف بالاضطراري ليس تعيينيا كما ذكرنا، بل هو مخير بين أن يأتي بالاختياري فقط بعد رفع عذره، أو بالاضطراري عند العذر وبالاختياري بعده، فهما معا قائمان مقامه منفردا، لقيام المصلحة الملزمة بكليهما معا إن تقدم الاضطراري، وبالاختياري فقط إن لم يتقدمه، فهو مخير بينهما بنحو التخيير بين الأقل والأكثر، وهذا من غير فرق بين القول بوحدة المأمور به حقيقة أو عنوانا وعدمه كما لا يخفى. وعليه فمرجع الشك في الإجزاء بالنسبة الى الإعادة الى أنه هل توجه إليه هذا النحو الأخير من التكليف التخييري أو ذلك النحو الأول ؟ وحينئذ فقد يقال - كما في نهاية الدراية - بانحلال هذا العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بوجوب المبدل منفردا وجوبا تخييريا، وبوجوب البدل أيضا بوجوب تخييري وشبهة بدوية في وجوب المبدل منضما فتجري عنه البراءة شرعا وعقلا ولو قلنا بالاشتغال في الأقل والأكثر الارتباطيين، وفي دوران الأمر بين التعيين والتخيير. لكن فيه: أن الأمر وإن كان دائرا بين تخييرين، وصحة البدل غير موقوفة على إتيان المبدل مطلقا فلا يلزم القول بالاشتغال في الأقل والأكثر القول به هاهنا، إلا أن وجه القول بالاشتغال في التعيين والتخيير بعينه جار هنا أيضا، وذلك أن بيان الاشتغال هنا لك أن وجوب العمل المحتمل التعيين معلوم، ولا يعلم بالفراغ عنه بإتيان محتمل الوجوب، لاحتمال كونه تعيينيا فيجب الاحتياط بإتيانه تحصيلا للقطع بالفراغ عما علم اشتغال الذمة به. ومثل هذا البيان يجري هاهنا أيضا، فإن

[ 189 ]

وجوب الاختياري منفردا معلوم، ولا يعلم بالفراغ عنه وسقوطه بإتيان الاضطراري فقط، لاحتمال كون وجوبه التخييري تخييريا بالنحو الأخير، فيجب الاحتياط: إما بإتيانه منفردا، وإما بإتيان العملين معا تحصيلا للقطع بالفراغ عما علم اشتغال الذمة به. فالحاصل: أن حكم ما نحن فيه حكم الدوران بين التعيين والتخيير، حتى بالنسبة الى القول برجوع التخيير الشرعي الى العقلي، والكلام هناك يجري نظيرها هنا، كما هو واضح للمتدبر. وأما الثاني - أعني الشك في الإجزاء من حيث القضاء - فإما أن يكون مفروض الكلام فيما كان الموضوع العذر المستوعب، وإما يكون فيما كان مطلق العذر، وعلى أي: فإما أن نقول بأن القضاء بالأمر الجديد، أو بنفس الأمر الأول. فإن كان الموضوع خصوص العذر المستوعب وقلنا بأن القضاء بأمر جديد فلا ريب في أنه مكلف بالعمل الاضطراري بوجوب تعييني، وشاك في تعلق تكليف تعييني آخر بالقضاء به، وهو شك بدوي تجري البراءة عنه، وإن قلنا بأن القضاء بالأمر الأول فالأمر بالعمل الاختياري الموقت ينحل الى أمرين: أحدهما موسع وهو الأمر المتعلق بذات العمل، والآخر مضيق وهو الأمر بخصوصية كونه في الوقت، وعند الاضطرار وإن كان لاريب في وجوب العمل الاضطراري عليه في الوقت تعيينا إلا أن المتيقن أنه بدل عن متعلق الأمر الثاني المضيق. وأما الأمر الموسع فيحتمل بقاؤه على متعلقه الأول - ولمكان موسعيته يكون المكلف قادرا عليه - فهو مكلف به من الأول، ويتعين عليه عقلا إتيانه خارج الوقت، ويحتمل جعل البدل له أيضا عند الاضطرار، ومقتضى البدلية وتمكنه من المبدل أن يكون مخيرا - من جهة هذا التكليف - بين البدل والمبدل، فيدور الأمر في هذا التكليف الموسع بين التعيين والتخيير، وكل على مسلكه. ولو فرض أن الاضطراري يفي ببعض مصلحة هذا الموسع وأمكن وفاء بقيتها بالاختياري نفسه فلا محالة يتقوم عدم الإجزاء في الأمر الموسع بالتخيير بين

[ 190 ]

العمل الاختياري في خارج الوقت منفردا، أو الاضطراري في الوقت وانضمام الاختياري إليه، فيدور الأمر بين تخييرين، وقد عرفت أن حكمه حكم دوران الأمر بين التعيين والتخيير بلا فرق أصلا. وبالجملة: فعلى كون القضاء بنفس الأمر الأول فسقوط التكليف المضيق مسلم، وحكم التكليف الموسع حكم ذلك المضيق بالنسبة الى الإعادة في الوقت إذا فرض كون الموضوع مطلق العذر، وقد مر مفصلا، فتدبر جيدا. هذا كله حكم ما إذا كان الموضوع خصوص المستوعب. ومنه تعرف حكم ما إذا كان الموضوع مطلق العذر، إذ بناء على أن القضاء بأمر جديد فالتكليف التخييري - ولو مرددا بين تخييرين - في الوقت معلوم، ووجوب القضاء خارج الوقت مشكوك بدوا يجري فيه البراءة، وبناء على أنه بالأمر الأول يضاف الى هذا التخييري المردد تكليف آخر موسع مردد أمره بين التعيين والتخيير، أو بين تخييرين أيضا كما عرفت، وحكمه حكمه في العذر المستوعب كما لا يخفى. وهذا الذي ذكرناه لا فرق فيه بين أن يكون الإجزاء بمناط الوفاء بتمام المصلحة أو بمناط التفويت. وعن بعض المحققين التفصيل بين المناطين في الإعادة وفي القضاء أيضا: أما في مقام الشك في الإجزاء بالنسبة الى الإعادة فقال (قدس سره): إن علمنا بأن الإجزاء لو كان فهو بمناط التفويت، فنحن نعلم بوجود المصلحة الملزمة في العمل الاختياري وتعلق غرض المولى به فعلا، وأن المولى بصدد طلبه، ولو لم يحصل فلعجز المكلف عنه لمانعية العمل الاضطراري فهو شاك في قدرته على تحصيل الغرض الفعلي، والعقل حاكم بالاحتياط لدى الشك في القدرة. وإن احتملنا كونه بمناط الوفاء بالمصلحة فحيث لا يعلم بعد العمل الاضطراري بوجود غرض فعلي للمولى فمن ناحية العلم بالمصلحة وإن لم يحكم العقل بالاشتغال إلا أن الأمر فيه دائر بين

[ 191 ]

التخيير والتعيين، والحق فيه هو الاشتغال (1). هذا. أقول: لا يخفى أن مقالته فيما إذا لم يحتمل الإجزاء بمناط الوفاء مبنية على حكم العقل بلزوم الاحتياط فيما إذا احتمل طرو العجز عن تحصيل مطلوب المولى بسبب عمل أتى به مما أمر به المولى، كما يحكم به فيما إذا احتمل العجز لا بهذه الجهة وابتداء أيضا، كما هو كذلك. ولكن يرد عليه أولا: أن حكم العقل بوجوب الاحتياط عند الشك في القدرة موقوف على إحراز تعلق حب المولى بما يحتمل العجز عنه، بنحو يلزم اتباعه تعيينا، وفيما نحن فيه وإن كان الإجزاء - لو كان - بمناط التفويت لكن لما كان المفروض أمر الشارع نفسه بالعمل الاضطراري، ولا يصح منه الأمر به - لو كان مفوتا - إلا إذا اشتمل نفس تسويغ البدار على مصلحة مساوية عنده لما يفوت عنه بواسطة العمل الاضطراري أحرزها بنفس التسويغ، أو كان في المنع عنه مفسدة يساوي عنده الاحتراز عنها مع إحراز الفائتة وقد احترز عنها بالتسويغ فلا محالة لا يكون حبه لمصلحة العمل الاختياري - على فرض الإجزاء - بمثابة يلزم العقل بلزوم اتباعه على التعيين حتى يجب الاحتياط فيه لدى الشك في القدرة، فإذا شك فلابد من إحراز هذه المرتبة من الحب، أو قيام الحجة على تنجزه على فرض وجوده أولا حتى يحكم العقل بالاحتياط. وبالجملة: فغرض المولى الفعلي وحبه أيضا نظير تكليفه إنما يلزم العقل باتباعه فيما احرز وقامت الحجة عليه، وبعد ماكان الأمر بالمفوت على ما ذكرنا فأمر حبه بالمرتبة اللازمة الاتباع أيضا دائر بين التعيين والتخيير، فلابد من الرجوع الى قواعده كما في التكاليف. ولا دليل على أن المصلحة الموجودة في التسويغ والمفوت عين مصلحة العمل الاختياري حتى يجري فيه البيان الآتي. وثانيا: أن العقل كما يحكم بالاحتياط عند الشك في القدرة كذلك يحكم بالاحتياط عند الشك في تحصيل المقدور، كيف ؟ وهو القاعدة المعروفة من أن


(1) المقالات: ج 1 ص 89 س 2 - 7. (*)

[ 192 ]

الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، وعليه ففي فرض احتمال الإجزاء بمناط الوفاء أيضا يكون نفس العلم بتعلق غرض المولى بمصلحة العمل الاختياري كافيا في حكم العقل بالاحتياط، ولا تصل النوبة الى جريان حكمه في التكليف المتأخر عنها، إذ المكلف بعد الإتيان بالعمل الاضطراري شاك في تحصيل ما علم تعلق غرض المولى به من المصلحة، فإن علم بأن الإجزاء لو كان فهو بمناط الوفاء وجب الاحتياط تحصيلا للقطع بالفراغ، فإن احتمل أن يكون بمناط التفويت أيضا يجب الاحتياط أيضا. إما لذلك. وإما لوجوبه عند الشك في القدرة. لكنك عرفت منا في ضمن كلماتنا أن الاضطراري غير واجد لتمام مصلحة الاختياري، فلا يكون الإجزاء بمناط الوفاء، واحتمال كون الإجزاء بمناط التفويت يوجب عدم العلم بتعلق حب المولى بمصلحة العمل الاختياري بنحو يلزم اتباعه تعيينا، فضلا عن العلم بأن الإجزاء ليس بمناط الوفاء، وعليه فاللازم هو الرجوع الى الاصول الجارية في نفس الوجوب وقد عرفت مقتضاها. وثالثا: أنه قد صرح في كلماته الماضية: بأن الإجزاء بمناط الوفاء يستلزم تعلق التكليف بالجامع بين الاختياري والاضطراري، فقد ارجع التخيير الشرعي الى العقلي، ومعه فاللازم هو القول بالبراءة لانحلال العلم الإجمالي الى علم تفصيلي بوجوب الجامع وشبهة بدوية في الخصوصية الاختيارية، فتجري البراءة عنها، ولعله للتوجه الى هذه النكتة والى سابقتها قرر وجه الاحتياط في التعيين والتخيير هنا في تقريراته من طريق المصلحة فراجع. ورابعا: أن الشك دائر بين تخييرين كما عرفت، لا بين التخيير والتعيين، فتذكر. هذا كلامه في الشك في وجوب الإعادة. وأما في الشك في وجوب القضاء فقال (قدس سره) في مقالاته: أمكن المصير فيه الى البراءة حتى في الإجزاء بمناط التفويت، لإمكان اختصاص الغرض الفائت بخصوص الوقت، وأن بعد الوقت منوطا بفوت المصلحة السابقة يحدث تكليف

[ 193 ]

جديد ترتيبي لجبرانه (1). انتهى. وهذه العبارة - كما ترى - تحكي عن غفلته (قدس سره) عن المراد بالتفويت، فإن المراد به: كون العمل الاضطراري موجبا لامتناع تدارك المصلحة إعادة أو قضاء، ولذلك جعلوا مبنى الإجزاء عليه. وبالجملة: فالتفويت المذكور في هذا المقام هو ما يوجب الإجزاء، فبالنسبة الى القضاء يكون فرضه فرض عدم وجوب القضاء، ولعله (قدس سره) لذلك عدل عما أفاده هاهنا، وجعل مقتضى القول بأن القضاء بالأمر الأول مساويا لمقتضى الأمر بالأداء في مقام الشك في الإعادة، ففصل - في تقريراته (قدس سره) - في وجه الاحتياط بين احتمال التفويت والوفاء بما عرفت، وهو على ما ينبغي، وإن كان يرد عليه أيضا بعينه ما قد عرفت. ثم إن فرض الشك في وجوب القضاء - مع العلم بأن العمل الاضطراري المأمور به مشتمل على مقدار من المصلحة - فرض للشك في تحقق موضوع دليله الاجتهادي، فلا يتصور إحراز موضوعه حتى باستصحاب عدم إتيان مصلحة الواقع أصلا، لفرض الشك معه أيضا، هذا بناء على كون القضاء بأمر ودليل جديد. وأما على كونه بالأمر الأول فموضوعه أيضا مشكوك مردد بين أمرين ويتبعه مصلحته، فلا يمكن الجزم بأن خصوص مصلحة الاختياري محبوبة لهذا الأمر الموسع بحب وأمر تعييني، فلا يمكن إحراز موضوع وجوبه بالاستصحاب المزبور. هذا تمام الكلام في إجزاء الاضطراري عن الاختياري. الموضع الثاني: في إجزاء الأوامر الظاهرية: والمراد بالأمر الظاهري: هو الأمر الموجود في موارد الاصول والأمارات، سواء أكانت منقحة لموضوع الوجوب والتكليف، أم قائمة على التكليف، فإذا


(1) المقالات: ج 1 ص 89. (*)

[ 194 ]

حكم بأصل أو أمارة على واجدية العمل لجزئه أو شرطه، وأنه تام الأجزاء مأمور به، أو على وجود التكليف والأمر في مورد فاتى به ثم انكشف الخلاف بالقطع أو الأمارة في الوقت أو خارجه فهل مقتضى القاعدة هو الإجزاء أم لا ؟ وتحقيق المقام موقوف على النظر في أدلتها، وأنها هل تدل على ما يستلزم الإجزاء أم لا ؟ وحيث إن لسان أدلتها مختلفة فلابد من البحث عن كل منها بخصوصه. فنقول: إن البحث تارة عن الاصول، واخرى عن الأمارات: أما الاصول فهي كثيرة، منها: أصالة الطهارة، وأصالة الحلية، ومفادهما لما كان إثبات الطهارة والحلية، وهما بنفسهما ليسا حكما اقتضائيا وجوبا أو ندبا، فلا محالة فيما نحن فيه تختصان بتنقيح موضوع التكليف المشروط بالطهارة أو الحلية. وكيف كان فيحتمل بدوا في المراد من قوله (عليه السلام): " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " (1): أن كل شئ يحتمل نجاسته ونظافته واقعا يحكم عليه بأحد الاحتمالين الواقعين، وهو النظافة، حتى ينكشف الخلاف، فالشارع تعبدنا بالبناء العملي على النظافة الواقعية التي هي أحد الاحتمالين حتى نعلم أنه قذر. ويحتمل في مفاده أن يكون جعلا لطهارة ظاهرية قبال الواقعية، فهو محكوم عليه بمحمول خاص هي الطهارة الظاهرية، كما أن ماء المطر - مثلا - محكوم عليه بمحمول آخر هي الطهارة الواقعية. ويحتمل أن يراد به: أن كل شئ لم يعلم قذارته فهو طاهر واقعي ادعاء وتعبدا حتى يعلم خلافه، بمعنى أنه وإن احتمل فيه النظافة والقذارة واقعا إلا أنه طاهر ادعائي، ومحكوم بجميع أحكام الطاهر الواقعي ما لم ينكشف الخلاف، فالشارع المقدس بمقتضى ظهور قوله: " حتى تعلم... الى آخره "، الدال على إمكان النجاسة الواقعية فيه لم يرفع عنه القذارة الواقعية لو كانت، بل هو باق على


(1) وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب النجاسات ح 4 ج 2 ص 1054. (*)

[ 195 ]

ما هو عليه في الواقع من النظافة والقذارة، لكنه حكم عليه بأنه طاهر حكما، فيحكم عليه بجميع أحكام الطاهر الواقعي، ومن أحكام الطاهر الواقعي أنه شرط في الصلاة، فيحكم عليه به أيضا، وهذا الحكم ثابت له في زمان الشك، فإذا صلى فيه كانت صلاته واجدة لشرطها، فإذا علم أنه قذر يرتفع عنه هذا الحكم من زمان كشف الخلاف، لاما قبله، فصلاته السابقة الواقعة فيه صحيحة واجدة لشرطها، فما حكم به عليه - أعني الشرطية - لم ينكشف خلافه، وإنما انتهى أمده فارتفع عنه ببلوغ أجله. وهذا الأخير هو الظاهر من أمثال العبارة، كما لا يخفى، ومقتضاه الإجزاء في الوقت وخارجه كما عرفت. وأما الاحتمال الثاني فهو في كمال البعد، فإنا لانفهم من النظافة إلا مفهوما واحدا هي التي في مقابل القذارة، وقد اريد منها بمقتضى وضعها هذا المفهوم الواحد هنا أيضا، غاية الأمر لما لم يمكن كونها بلا تعبد وتأول لمكان احتمال القذارة فيه - المفروض بحسب ظاهر العبارة - فلا محالة يراد منها هذا المعنى بتأول وتعبد، وكون التعبد بأن أحد الاحتمالين موجود أيضا مما لا نفهمه من العبارة بارتكازنا العرفي، بل لانفهم منه إلا محكوميته بجميع أحكام الطاهر الواقعي، فيتعين الاحتمال الأخير ومقتضاه الإجزاء. نعم، لو كان المراد به الاحتمال الأول لما كان موجبا للإجزاء، إذ مفاده وما تعبد به الشارع أن الواقع هنا موجود، والتعبد ينتهي بهذا المقدار. ثم إن لازم وجوده والمتفرع على وجوده الواقعي المحكوم به تعبدا هنا، لما كان ترتب آثاره فلذا يحكم عليه بها، فالحكم بترتب الآثار عليه إنما هو لمكان أنه موجود وتفريع عليه، لا أن الشارع حكم عليه تعبدا بأحكام الواقع، بل إنما أوجب الشارع البناء على وجوده فقط، فيترتب عليه الآثار تبعا لوجوده وتفريعا عليه، فإذا انكشف الخلاف وأنه لم يكن موجودا انكشف أن البناء العملي لم ينطبق على الواقع، وأنه في الواقع لم يكن محكوما بتلك الأحكام، وإن أجريناها عليه تفريعا على وجوده

[ 196 ]

المحرز بصرف التعبد. كما أن الاحتمال الثاني أيضا كذلك، بل مقتضاه عدم إمكان ترتيب آثار الواقع عليه في زمان الشك، إذ المجعول على هذا الاحتمال أمر قبال الواقع فكيف يحكم عليه بحكمه ؟ اللهم إلا أن يكون الدليل المثبت لذلك الأثر مثبتا له على الأعم من الواقعي والظاهري من أول الأمر، وحينئذ يحكم عليه أيضا به ومقتضاه الإجزاء، لكنه تقدير على تقدير. ثم إنه قد اورد على ما ذكرناه من الحكومة بوجوه: منها وهو العمدة: أن لازم ترتب جميع الأحكام الثابتة للطاهر الواقعي على المشكوك طهارة المتنجس المغسول به في زمان الشك وطهارة ما لاقاه فيه، وصحة الوضوء والغسل به في زمان الشك ولو بعد العلم بأنه كان قذرا سابقا وفي زمان الشك، فإن هذه كلها أحكام للطاهر الواقعي مثل شرطيته للصلاة. أقول: والذي يخطر بالبال في الجواب عنه أنه لما كان الظاهر من مثل عبارة القاعدة أن قذارة المشكوك وطهارته الواقعيتين تكون على ما هي عليه في الواقع ونفس الأمر، وإنما حكم عليه كيفما كان بأحكام الطاهر الواقعي في زمان الشك، ثم لما ارتفع الشك وحصل العلم بهذه القذارة الواقعية ارتفع عنه حكم الطاهر، وأثر العلم من حين حصوله أثره من تنجيز أحكام الواقع، فيعلم منه أن سنخ هذا الحكم - أعني القذارة والطهارة - كذلك بمعنى أن لهذا السنخ وجودا واقعيا محفوظا حال الجهل أيضا يتنجز إذا انكشف وحصل العلم به، وأن الطهارة إذا استلزمت طهارة اخرى، أو النجاسة نجاسة اخرى فهذه الطهارة والنجاسة اللازمة كملزومها لها وجودها الواقعي عند الشك، ومحكومة بأحكام الطاهر الواقعي في زمان الشك، ثم إذا ارتفع الحجاب وانكشفت الحال ترتبت عليها الآثار، ولا يفهم منها أن هذا الوجود الواقعي المحفوظ مختص بطهارة وقذارة المشكوك فقط، بل هذا حكم الطهارة والنجاسة مطلقا. وإن شئت قلت: إن إطلاق دليل تنجس ملاقيه أو عدم طهارة المغسول به بعد

[ 197 ]

تعليقه على النجس الواقعي يقتضي نجاسة ملاقيه والمغسول به، غاية الأمر أنها أيضا نجاسة واقعية كنجاسة نفس المشكوك. فالمغسول به أو ملاقيه مثله طاهر في زمان الشك حتى يعلم أنه قذر، وهكذا الغسل والوضوء فإن ظواهر الأدلة أنهما أيضا تنظيف وتطهير، فحكمهما أيضا حكم المشكوك نفسه. نعم، إن قلنا بأنهما ليسا من هذا الوادي كان حكمهما حكم الشرطية، مقتضى القاعدة صحتهما واقعا، إلا أن يقوم الإجماع أو دليل آخر على الخلاف. وهذا الذي استظهرناه من عبارة القاعدة لا يختص بها، بل يجري في أمثالها مما حكم فيه على المشكوك بحكم أحد الاحتمالين حتى ينكشف الواقع، مثل قوله (عليه السلام): " كل شئ هو لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه " (1)، فحليب الحيوان المشكوك الحلية والحرمة وثمنه يحكم بحرمته إذا قام الدليل على حرمته، وهكذا الأمر في مثل قوله (عليه السلام): " الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية " (2)، الى غير ذلك. وقد يجاب عنه (3): بأن اعتبار الطهارة والنجاسة واقعا من الاعتبارات التي ينافي وجودها الواقعي اعتبار خلافها في ظرف الجهل بها، فإن فعليتها بنفس وجودها الواقعي، فالتعبد بالطهارة ولو كان مطلقا تعبد بأحكامها غير المنافية لاعتبار نجاسة ذلك الشئ واقعا. وفيه: أنه وإن سلمنا أن الطهارة من هذه الاعتبارات، إلا أنا لا ندعي جعل الطهارة لذلك الشئ المشكوك نفسه، بل هو - كما عرفت من ظاهر العبارة - على ماكان عليه من النجاسة، وإنما ندعي محكوميته في ظرف الشك بجميع أحكام الطاهر الواقعي التي منها طهارة المغسول به واقعا، ويكفي في صحة هذا الجعل


(1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 60. (2) وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب العتق ح 1 ج 16 ص 33. (3) كما عن بعض أعاظم المحققين: في كتابه " الاصول على النهج الحديث " ص 127 - 128. (*)

[ 198 ]

الواقعي أن يحكم عليه بأحكام النجاسة بعد رفع الحجاب، فهو نجس واقعامحكوم بأحكام الطاهر، والمغسول به طاهر ظاهرا وواقعا. نعم، هذا كله على فرض كون الطهارة والنجاسة من الاعتباريات. وأما إذا قلنا بأنهما من الامور التكوينية فلا معنى لانتفاء النجاسة واقعا بعد فرض وجود سببها، لكن وجودها الواقعي لا ينافي أن يحكم عليها بأحكام الطاهر ولو بعد كشف الخلاف في ملاقيه وما غسل هو به كما هو مقتضى إطلاق القاعدة، فصرف جعل النجاسة والطهارة من التكوينيات لا يوجب حل الإشكال، وكيف كان فسواء كانتا من الواقعيات أو تلك الاعتبارات فلا ينحل الإشكال إلا بما ذكرناه. ومنها: أن إطلاق المغيى وإن اقتضى ما ذكر إلا أن إطلاق الغاية يقتضي أن يحكم عليه بعد كشف القذارة بجميع أحكام النجس من أول الأمر، فيتعارض الصدر والذيل ويسقط عن الحجية. والجواب عنه: أن قوله: " حتى تعلم... الى آخره " - بحسب ظاهر العبارة - بيان لغاية الحكم المدلول عليه بقوله: " كل شئ طاهر "، فمفاده أن هذا الحكم المطلق بإطلاقه ثابت وباق الى هذا الزمان، ويرتفع من هذا الزمان، فلا حاجة الى ما ذكره في نهاية الدراية من جعل قوله: " حتى تعلم " من قيود الموضوع، وكون ما بعده محكوما بحكم عقلي لا شرعي، بل الظاهر أنه بيان غاية الحكم ونهاية زمان ثبوته، فلو كان مفهوم الغاية حكما شرعيا أيضا لما خالف مفاد الصدر كما عرفت. ومنها: أن الحكومة تحتاج في الرتبة السابقة الى موضوع ثابت ينزل منزلة موضوع آخر، والموضوع هاهنا - وهو الطهارة الظاهرية - يجعل بنفس الحكومة ومتأخرا عنه على الفرض، فهذه الحكومة مستحيلة. والجواب: أن الحكومة التنزيلية وإن احتاجت الى ما ذكر، إلا أن موضوع التنزيل هنا ليس الطهارة الظاهرية، بل المشكوك الطهارة هو موضوع التنزيل، وهو أمر ثابت نزل منزلة الطاهر الواقعي، وهذا التنزيل أفاد محكومية المشكوك بأحكام الطاهر الواقعي، وهو المعبر عنه بالطهارة الظاهرية.

[ 199 ]

ومنها: غير ذلك مما هو مذكور في تقرير المحقق النائيني (1)، وحكاه في مستدركات النهاية، والجواب عنه واضح، فراجع النهاية (2) وما كتبته من تقرير بحث سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي - وذيله. ومما ذكرنا في قاعدة الطهارة تعرف حكم أصالة الحل، فإن تقريب الحكومة ودفع اشكالاتها واحد واضح، فتدبر. ومن الاصول: الاستصحاب، وهو عام يجري في تنقيح موضوع التكليف وفي إثبات أصل الوجوب والتكليف. والتحقيق فيه أن يقال: إن الظاهر من قوله: " لا تنقض " ونحوه أن المكلف مأمور في عالم التعبد بأن لا ينقض يقينه، بل يبقيه على ماكان، فيقينه باق في عالم التعبد، وتعبد الشارع ينتهي بنفس الحكم ببقائه، ثم يتفرع على أنه متيقن ومحرز للواقع أنه يترتب على ما تيقن به جميع أحكام الواقع، لا لأن الشارع حكم عليه وتعبد فيه بجميع أحكام الواقع كما في قاعدة الطهارة، بل إنما حكم الشارع وعبد بوجوب البناء على بقاء اليقين، وعدم نقضه بالشك، فهو قد حكم وعبد بذلك لاغير، لكن لما كان بعد ذلك التعبد قد أحرز المكلف الواقع فقهرا يرتب عليه آثاره، فإذا انكشف أنه لم يكن من الواقع عين ولا أثر، وأن بناءه لم يطابق الواقع يعلم بأنه لم يكن المشكوك محكوما عليه بأحكام الواقع وإن جرى عليه أحكامه بمقتضى الإحراز التعبدي. ومنه: تعرف ما في كلام سيدنا الاستاذ - مد ظله العالي - وكلمات صاحب نهاية الدراية (قدس سره) وفيها مواضع اخر للنظر لعله تأتي الإشارة إليه في البحث عن الأمارات. هذا كله بالنظر الى مقتضى العبارة المعروفة عنهم (عليهم السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " أو " فإن اليقين لا يدفع بالشك " بنفسها. إلا أنه قد يقال: إن مقتضى هذه العبارة بنفسها وإن لم يكن هو الإجزاء إلا أنه


(1) راجع اجود التقريرات ج 1 ص 198 - 200. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 239 - 241 ط المطبعة العلمية. (*)

[ 200 ]

يستفاد منها الإجزاء بقرينة تعليل الإمام (عليه السلام) لعدم إعادة الصلاة به، وذلك في الصحيحة الثانية لزرارة، قال زرارة: " قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت فيه، فرأيت فيه ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك ؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا " (1). وجه الدلالة أن ظاهر السؤال أنه علم بعد الصلاة بوجود تلك النجاسة التي ظن بإصابتها، وحينئذ فهو عالم ومتيقن بوقوع الصلاة مع النجاسة، وظاهر قوله (عليه السلام): " فليس ينبغي... الى آخره " أن إعادة تلك الصلاة في زمان العلم بحقيقة الأمر بعدها أيضا بنفسها، ومع قطع النظر عن حكم الشارع بعدم انبغاء النقض هذه الإعادة نقض لليقين بالطهارة بالشك، ومع فرض أنه عالم حينئذ بوقوعها في النجاسة، وإنما كان شاكا فيه حال الصلاة، فتدل الرواية على أن المراد بنقض اليقين بالشك أعم من رفع اليد عن الأعمال الواقعة في حال الشك حتى بعد انكشاف الخلاف، وهو عبارة اخرى عن الإجزاء في الاستصحاب. ومما ذكرنا تعرف أن جميع الوجوه التي ذكروها لتطبيق العلة على المورد حتى ما أفاده سيدنا الاستاد - مد ظله العالي - في رسائله غير خال عن الإشكال، وخروج عن الظاهر، إذ ظاهر الرواية أن تمام العلة هو عدم جواز (2) نقض اليقين بالشك المنطبق بنفسه على إعادته، بلحاظ حاله التي عليه بعد كشف الخلاف، وتطبيقه عليها كذلك لا يمكن إلا بإرادة المعنى الأعم المساوق للإجزاء، وتفصيل الكلام موكول الى باب الاستصحاب. هذا.


(1) وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب النجاسات ح 1 ج 2 ص 1061 - 1062. مع تفاوت يسير. (2) قولنا: " عدم جواز... الى آخره " إشارة الى رد جواب صاحب الكفاية، وقولنا: " بلحاظ " إشارة الى رد ماعن الاستاذ، ومثله جعل الوجه اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء، فتدبر جيدا. (منه عفي عنه). (*)

[ 201 ]

وفيه: أن مقتضى هذا المعنى أنه لو علم بهذه النجاسة أثناء الصلاة لجرى في حقه بالنسبة الى ما مضى من صلاته قاعدة الاستصحاب، مع أنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيحة: حيث قال زرارة: " إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟ قال (عليه السلام): تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ اوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك " (1). وذلك أن الظاهر القريب من الصريح منه: أن مراده (عليه السلام) نقض اليقين بالطهارة بالشك فيها، وأن هذا المعنى من النقض ينطبق على نقض الصلاة وإعادتها في الفرض الثاني دون الأول، فلذا حكم بالاستصحاب فيه دونه، وحمل الفرض الأول على مااذا علم إجمالا بالإصابة وشك في موضعه مما لا يحتمله العبارة، وحينئذ فيدل الذيل على عدم الإجزاء في الاستصحاب، ويناقض ما استفيد من الصدر، ويكون قرينة على أن اريد من سؤال الصدر احتمال كون النجاسة حادثة في الأثناء لاموجودة من أول الصلاة، وعليه فانقلبت الصحيحة دليلا لعدم إفادة الاستصحاب للإجزاء بعد كشف الخلاف. ومن الاصول: قاعدة التجاوز والفراغ، وتقريب دلالتهما على الإجزاء: أن الأمر بالمضي المساوق لعدم الاعتناء الوارد في كثير من روايات القاعدة كقولهم: " فشكك ليس بشئ " (2) الذي هو أيضا بمعناه مطلق شامل لما إذا انكشف خلاف الواقع، وأنه لم يأت بالمشكوك، فالحكم بالمضي معه عبارة اخرى عن الاجتزاء بالناقص، وعدم وجوب الإعادة ولا القضاء. وفيه أولا: أن موضوع هذا الأمر لما كان هو الشك فإطلاقه مقصور على ما إذا بقي شكه ولم ينقلب الى اليقين بالعدم، وأما معه فإطلاقات الأدلة الأولية


(1) تهذيب الاحكام: ج 1 ص 421 ح 8، عنه وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب النجاسات ح 1 ج 2 ص 1061. (2) وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب الوضوء ح 2 ج 1 ص 330 - 331. (*)

[ 202 ]

محكمة مقتضية لوجوب الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه، فإن هذا اللسان - أعني لسان وجوب المضي وعدم الاعتناء - لا يقتضي ورود التخصيص على الإطلاقات الأولية، بل غايته تجويز المخالفة، فمع كشف الحال وعدم الإطلاق في أدلة القاعدة يعمل بمقتضى الإطلاقات، مضافا إلى أنه لو اقتضى التخصيص فالجمع بينه وبين الإطلاقات عدم وجوب الإتيان بالواقع إذا انكشف الأمر بعد مضي الوقت، لا في أثنائه، فيجب الإعادة على كل حال. وثانيا: أن الأمر بعنوان المضي نفسه محتمل لان يكون بملاك رفع يد الشارع عن الواقع، ولأن يكون بملاك التعبد بالإتيان به، وقوله في موثقة بكير: " هو حين يتوضأ أذكر " (1)، وفي صحيحة الفضيل: " بلى قد ركعت " (2) يكون قرينة على تعين الاحتمال الثاني، فغاية مفاد القاعدة هو التعبد بوجود المشكوك، ثم نرتب عليه آثار وجوده بملاحظة إحرازنا له بالتعبد بإحرازه، من غير أن يكون ترتب الآثار أيضا متعبدا به شرعا، فإذا علم أن الإحراز لم يطابق الواقع يعلم ببقاء الأمر الشرعي على ماكان، فيجب امتثاله بالإعادة أو القضاء. ومن الاصول: قاعدة البراءة: وهي جارية لتنقيح موضوع التكليف وللبراءة عن أصله، والسنة أدلتها مختلفة إلا أن ظاهر حديث الرفع - وهو عمدتها - أن المجهول مرفوع مادام الجهل، فيحكم على الجزئية أو الشرطية أو المانعية المشكوكة، أو المانع المشكوك وجوده بالعدم في زمان عدم العلم، لا بمعنى إحراز عدمه، فإنه خلاف ظاهر لسانه، بل بمعنى محكوميته بالعدم، ولازمه الإجزاء بعد كشف الخلاف، بمثل التقريب الذي مر في أصالة الطهارة، فتذكر. لكن لا يبعد أن يقال: إن مفاد الحديث ليس أزيد من أن الحكم المجهول بحكم العدم، ولازمه أن لا يؤخذ المكلف بما كان مجهولا ولأجل جهله، أما إذا تبين الواقع وعلم بالحكم فلا غرو في أن يؤخذ بعلمه وبحكم معلوم، فالظاهر عدم


(1) وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب الوضوء ح 7 ج 1 ص 331 - 332. (2) وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الركوع ح 3 ج 4 ص 936. (*)

[ 203 ]

الإجزاء هنا. هذا تمام الكلام في الاصول. وأما الأمارات: فإن قلنا فيها بالطريقية - كما هو الحق الواضح - فهي غير مقتضية للإجزاء، إذ لا شأن لها بحكم العرف والشرع إلا إحراز الواقع، ثم نرتب آثار الواقع على ما قامت عليه بمقتضى هذا الإحراز، لا بتعبد بترتبها، فلما انكشف الخلاف انكشف خطؤنا في ترتيبها، وكان إطلاق الدليل الواقعي الشامل لمن أتى بما اقتضته الأمارة أيضا مقتضيا لوجوب العمل عليه في الوقت وإن لم يعلم به، ويترتب عليه مع عدم إتيانه وجوب القضاء في خارجه. هذا. ولكن ليس ببعيد أن يقال: إن موارد قيام الأمارات المخالفة للواقع دائما من مجاري حديث الرفع، إذ ذلك الواقع المحفوظ مما لم يعلم، فيشمله حديث الرفع، ومقتضاه - كما مر - الإجزاء، فيما إذا جرى لتنقيح موضوع التكليف. بيانه: أن الحديث الشريف قد حكم برفع مالا يعلمون، ومعلوم بحسب الظاهر العرفي منه أنه لا يشمل ما علم عدمه، إلا أن العلم الذي يرادفه بالفارسية " دانستن " لا يصح إطلاقه إلا على ماطابق الواقع، دون ما خالفه، فإذا قطع بأمر يراه هو الواقع فهو قاطع به، لكنه ليس بعالم وإن كان يتخيل نفسه عالما ويعبر عن نفسه حين قطعه بأنه عالم، إلا أنه بعد كشف الخلاف يقول بارتكازه: إني لم أكن عالما بالأمر والواقع وإن كنت تخيلت أني عالم. وبالجملة: العلم هو الانكشاف المطابق للواقع، وهو الظاهر منه، ولا سيما إذا علق ونسب الى الواقع والأمر الواقعي، كما فيما نحن فيه، فإن ظاهر قوله: " مالا يعلمون " أن هنا شيئا ولا يعلمونه الامة، ففيما نحن فيه الجزئية - مثلا - محفوظة ولا يعلم بها، فهي مرفوعة، ورفعها متقض للإجزاء كما عرفت. إن قلت: لا ريب في تقدم الأمارات على أدلة البراءة حكومة أو ورودا، وأنه لا مجال لأدلتها مع وجود الأمارة، مع أن مقتضى ما ذكرت جريان حديث الرفع مع قيام الأمارة أيضا.

[ 204 ]

قلت: إن حديث الرفع جار بحسب الواقع ونفس الأمر مع عدم مطابقة الأمارة للواقع، لمكان انحفاظ موضوعه كما عرفت، لكن المكلف عند قيام الأمارة وعدم انكشاف الخلاف يرى نفسه عالما بالواقع حقيقة أو حكما، فيرى نفسه خارجا عن عموم الحديث غير مشمول له، فلا يجري الحديث في حق نفسه، وهذا معنى الحكومة، وبعد انكشاف الخلاف وارتفاع الحجاب يعلم بأن اعتقاده السابق كان خطأ، وكان هو داخلا في عمومه كالشاك، فالحكومة حكومة ظاهرية، ومقتضاها ما عرفت، ولا نعترف ولا نسلم أزيد منها. وما يقال: من أن الظاهر مما لا يعلم ما جهل حاله رأسا لاماقامت الحجة على عدمه، خلاف الإطلاق، فلا يصغى إليه، هذا. وأما إن قلنا بالسببية فالإجزاء وعدمه بحسب الثبوت مبني على وفاء المأتي به أو تفويته، وعدمهما، كما في الكفاية (1). وأما في مقام الإثبات فبعد الإغماض عن أن السببية بجميع احتمالاتها خلاف التحقيق - كما هو مبين في محله - نقول: إن قلنا بالسببية وحدوث المصلحة السلوكية بالتقريب الذي في رسائل الشيخ الأعظم (2) فهو لا يوجب الإجزاء، لا إعادة ولا قضاء. وإن قلنا بها بتقريب أن جعل الشارع لهذه الأمارات في مقام تحصيل مراداته مع علمه بأنها كثيرا ماتتخلف عن الواقع شاهد ودليل على وجود مثل مصلحة الواقع الفائتة في مؤداها ولو عند التخلف، فالإتيان بمؤداها إتيان بالواقع بحسب الملاك، ومقتضاه الإجزاء ولو انكشف الخلاف، إذ المصلحة لو قامت بالمؤدى في الأمارة المخالفة، فلا يفرق فيه بين انكشاف الواقع في هذا العالم، وعدمه، بعد تسليم التقريب المذكور. وأما إن قلنا بالسببية بتقريب أن ظاهر الأمر بتصديق العادل وجود المصلحة في متعلقه فهو لا يقتضي الإجزاء، إذ يحتمل عدم وفاء هذه المصلحة بمصلحة الواقع وعدم تفويتها لمحلها، ومقتضى إطلاق دليل الواقع وجوب الواقع على مثله،


(1) الكفاية: ص 111. (2) فرائد الاصول: ج 1 ص 43 - 44. ط جامعة المدرسين. (*)

[ 205 ]

ويترتب عليه لزوم قضائه. هذا كله فيما علم أن جعل الأمارات على نحو السببية أو الطريقية المحضة. وأما إذا شك في أن جعلها على أي النحوين وانكشف تخلف الأمارة عن الواقع فمقتضى القواعد ما هو ؟ وينبغي أن يعلم أن البحث عن الشك مبني على كون مقتضى السببية الإجزاء كما في التقريب الثاني، وإلا فلا أثر للشك في كيفية جعلها بعد أن مقتضى كلتيهما عدم الإجزاء، وحينئذ نقول: لاريب أنه لو كان الواقع هو الطريقية فتكليفه في زمان جهله متعلق بمتن الواقع وإن لم يكن فعليا أو منجزا بملاحظة جهله، وأما لو كان الواقع هو السببية فملاك المأمور به الواقعي - بحسب الفرض - قائم في زمن الجهل بمؤدى الأمارة أيضا، كما أن الواقع ايضا مطلقا في زمان الجهل به أو انكشافه يقوم به الملاك، وعليه فليس للمولى التابع أمره للملاكات الواقعية أن يعلق أمره الواقعي في زمان الجهل بخصوص الواقع تعيينا، لفرض وجود ملاكه في مؤدى الأمارة أيضا، بل لابد وأن يكون مطلوبه الواقعي، في هذا الزمان أعم من الواقع ومؤداه فبحسب الواقع يكون المكلف مخيرا بين الإتيان بالواقع أو الإتيان بالمؤدى، بحيث لو أتى بالواقع غفلة ولا عن قصد وعمد كفى بعد انكشاف الخلاف، إذ أتى بوظيفته الواقعية، فالمولى يخير عبده في الإتيان بأيهما شاء، إلا أن العبد يتخيل أنه موظف بخصوص المؤدى، كما أنه يكلفه بالواقع - على الطريقية - وإن كان يرى نفسه غير مكلف إلا بالمؤدى، وعليه إذا انكشف الواقع، وقد أتى بالمؤدى قبل الانكشاف فإذا يلاحظ العبد حال جهله - وهو شاك في كيفية جعل الأمارات - يرى تكليفه الشرعي في تلك الحالة مرددا بين التعيين والتخيير، فيكون شكه هذا من موارد مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وعلى القول فيها بالبراءة عن الخصوصية يجوز له الاكتفاء بما أتى به من مؤدى الامارة. ومنه تعرف النظر في ما أفاده في الكفاية (1) من استصحاب عدم الإتيان بما


(1) الكفاية: ص 111. (*)

[ 206 ]

يسقط معه التكليف واجراء قاعدة الاشتغال، فتدبر جيدا. ثم إن توضيح ما في الكفاية بأن يقال: لما لم يكن ريب في سقوط التكاليف عمن أتى بمقتضاها فلا محالة يكون موضوعها خصوص من لم يأت به، فبعد كشف الخلاف يستصحب عدم إتيانه بالمأمور به الواقعي، فيدخل في موضوع دليل التكليف، فيجب عليه بمقتضى عموم دليله الإتيان بالمأمور به، فهذه الأمارة الدالة على وظيفته الواقعية تنطبق عليه وترفع شكه عن البقاء في فعلية التكليف الواقعي في الزمان الثاني، فالأمارة كاشفة عن وجود الحكم الواقعي والعقل حاكم بفعلية هذا الواقع وتنجزه، وهذا بخلاف استصحاب عدم كون التكليف فعليا، فإنه إنما يثبت عدم فعليته من غير أن يبين أن ما أتى به مسقط حتى يرفع به أيضا الشك الموضوع للاستصحاب الأول فيتعارضا، بل هذه الحكومة شأن الإستصحاب الأول، لاغير فيؤخذ بمقتضاه ويحكم بلزوم الإعادة. نعم، إن كان الاستصحاب الأول هو استصحاب بقاء التكليف بالواقع لما كان لحكومته على الثاني وجه صحيح، فإن الشك في الفعلية وإن كان مسببا عن الشك في أصل البقاء إلا أن ترتب الفعلية على البقاء لما كان بحكم العقل فلا يمكن إثبات فعلية الواقع باستصحاب بقائه إلا بالأصل المثبت، بل غاية ما يترتب على الاستصحاب الأول: أن الواقع باق تعبدا، والعقل يحكم بأن هذا الباقي - وهو الواقع التعبدي - منجز، وأما إثبات أن الواقع نفسه منجز فلا يمكن إلا من باب الملازمة بين الواقع التعبدي العنواني والواقع نفسه. وبهذا التوضيح ظهر وجه عدوله (قدس سره) عن هذا الاستصحاب الى ما ذكره، ووجه الحاجة الى إثبات أن ما أتى به مسقط بالاستصحاب الثاني، فمنه تعرف النظر فيما أفاده في نهاية الدراية (1). والتحقيق: عدم جريان شئ من هذه الاستصحابات. أما استصحاب عدم الإتيان بالمسقط: فأولا: لما عرفت من أن المورد من


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 247 - 248، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 207 ]

موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وحينئذ فإن قلنا فيه بالبراءة فالمقدار المعلوم من التكليف قد علم الإتيان بمسقطه، والمشكوك مرفوع من أصله فلا حاجة الى إحراز مسقطه. وإن قلنا بالاشتغال فوجهه عدم انحلال التكليف الى معلوم تفصيلي ومشكوك فيحكم العقل بالاحتياط، وإلا فاستصحاب عدم الإتيان بالمسقط غير جار، وذلك أن موضوع كل تكليف على هذا الفرض من لم يأت بالمأمور به بعنوانه الذاتي. مثلا: موضوع وجوب صلاة الجمعة - إذا كان تعيينيا - من لم يأت بصلاة الجمعة، وموضوع وجوب إحدى الصلاتين الجمعة والظهر - إذا كان تخييريا - من لم يأت بشئ منهما، وليس موضوع كل تكليف عنوان من لم يأت بالمأمور به كما هو واضح، وحينئذ فإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فبعد الإتيان بالفرد المقوم لاحتمال التخييرية وإن كان شاكا في إتيان المسقط لكنه لا يمكن إحراز عدمه بالاستصحاب، فإن الموضوع: إما عدم الإتيان بالجمعة بالخصوص مثلا، وإما عدم الإتيان بشئ من الجمعة والظهر مثلا، أحدهما هو الموضوع الواقعي المرتب عليه الحكم، وهو ليس شاكا في بقاء شئ منهما، إذ هو قاطع ببقاء الأول وارتفاع الثاني، فما هو الموضوع لا يجري فيه الاستصحاب، لعدم تمامية أركانه، وإجراء الاستصحاب على عنوان عدم الإتيان بما هو الوظيفة، - وإن تمت أركانه - غير مفيد، إذ هو عنوان انتزاعي لم يترتب عليه الحكم شرعا، وإنما ترتب على عنوان آخر ملازم له، وشأن الاستصحاب الموضوعي على التحقيق ليس إلا إثبات الموضوع، وإلا فترتيب الحكم من باب تطبيق الكبرى الكلية الثابتة بالأدلة عليه، فإذا لم يكن العنوان المستصحب موضوع الحكم بل كان موضوعه عنوانا آخر يلازمه فالحكم لا يترتب على نفس المستصحب، وإثبات ملازمه لا يمكن بعد ما ثبت من عدم حجية الاستصحاب المثبت، وهذا الوجه هو بعينه ملاك عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردد، وفي شبهة الغروب والمغرب وتمام الكلام في محله. هذا. وثانيا: لأن التكاليف - كما هو ظاهر أدلتها - موضوعها ذات المكلف بلا قيد،

[ 208 ]

إلا أن مقتضى كل تكليف ليس أزيد من أن يبقى إلى حين امتثاله دون ما بعده، فشأن التكليف الثابت على كل موضوع هو سقوطه عن هذا الموضوع إذا أتى به لا أن الموضوع مقيد بعدم الإتيان، فتدبر جيدا فإنه لا يخلو عن دقة. وأما استصحاب بقاء التكليف بالواقع فلأنه بعد فرض أن المورد من دوران الأمر بين التعيين والتخيير لا يجوز استصحاب التكليف بالواقع على كلا المبنيين، لمثل ما ذكرناه أولا في وجه عدم جريان استصحاب عدم الإتيان بالمسقط، فتذكر وتفطن. اللهم إلا أن يقال: بناء على عدم الانحلال فالتكليف بالواقع نفسه معلوم ويشك في سقوطه بالمأمور به الظاهري، والأصل قاض ببقائه فيجب امتثاله. والجواب: أن هذا الوجوب مردد بين التعييني والتخييري، والحكم ببقائه بعد الإتيان بمحتمل العدلية لا يثبت التعيين، والحكم بالاحتياط عقلا لو كان لا يحتاج الى الاستصحاب، بل يحكم على المحرز منه بالوجدان. وأما استصحاب عدم فعلية التكليف بالواقع فلأن الحق - على ما سنبين إن شاء الله تعالى - أنه ليس للتكليف بل مطلق الأحكام أزيد من مرحلتين يختلف فيهما نفس التكليف والحكم: إحداهما: مرحلة جعله قبل أن يوضع بمقام العمل. وثانيهما: مرحلة جعله بمقام العمل. وبعد أن وضع بمقام الإجراء فلا تختلف حقيقته بعلم المكلف وجهله، وإنما الجاهل معذور في مخالفته بخلاف العالم، فالتنجر من أحكام التكليف البالغ الى المرحلة الثانية بحكم العقل، لا من مراتب التكليف، وحينئذ فما هو من حالات التكليف من الفعلية - أعني مرتبته الثانية - تم في زمان الجهل أيضا، ولا ينقلب من مرتبة الى مرتبة في زمان الجهل والعلم حتى يثبت عدم فعليته بالاستصحاب. مضافا الى أن الشك في زمان الجهل ليس في بقاء الفعلية وعدم بقائها، بل في بقاء نفس التكليف وعدم بقائه، وإلا فهو فعلي لو كان باقيا، فتدبر. وهذا التفصيل من الكلام جار بيانا وإشكالا في جميع موارد دوران الأمر بين

[ 209 ]

التعيين والتخيير، فليكن على ذكر. هذا. نعم، لو كان التكليف بالواقع في زمان الجهل تعيينيا حتى على احتمال السببية لسلم ما في الكفاية عن بعض الإشكالات، لكنه خلاف التحقيق كما عرفت. ثم إن ما أفاده في الكفاية (1) من الفرق - في جريان الاصول - بين الشك في السببية والطريقية، والشك في الإجزاء في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية، بناء على أن تكون الحجية على نحو السببية، ومع ذلك شك في وفاء مصلحة الظاهري بالواقعي، إذ قضية الأصل في الثاني عدم وجوب الإعادة، للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقينا. وأصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف غير صحيح. أما في الأوامر الاضطرارية: فلما مر في موضعه من أن الأمر فيها دائر بين تخييرين، وحكمه بعينه حكم دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فراجع. وأما في الآخر: فلأنه لو كان مبنى إستصحاب عدم الإتيان بالمسقط - فيما نحن فيه - على إحراز التكليف بالواقع تعيينا في زمان الجهل لكان مقتضاه إحرازه هاهنا أيضا، إذ إحرازه - فيما نحن فيه - موقوف على ثبوته حتى فيما كان الواقع هو السببية الموجبة للإجزاء، وإلا فلو لم يثبت عليه لم يكن وجه لإحرازه بعد احتمال هذا النحو من السببية، وعليه فإذا لم تضر هذه السببية بتعيينية الواقع فكيف تضر به السببية بنحو الوفاء ببعض المصالح ؟ وإن كان مبنى ذلك الاستصحاب احتمال التعيين والتخيير فهاهنا وإن لم يحتمل ذلك إلا أنه يحتمل تخيير ان حكمهما حكم التعيين والتخيير، كما يظهر بالمراجعة الى ما ذكرناه في الأوامر الاضطرارية، فراجع وتدبر. هذا كله حكم الشك في السببية والطريقية بالنسبة الى الإعادة. وأما بالنسبة الى القضاء فالأمر كما ذكره في الكفاية، ووجهه واضح لاسيما مع التوجه الى ما أفاده صاحب نهاية الدراية (قدس سره) في المقام، فراجع (2).


(1) الكفاية: ص 112. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 249. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 210 ]

وأما ما أفاده في الكفاية: من أن الأمارة لا تفيد الإجزاء على السببية أيضا فيما إذا قامت على وجوب أصل التكليف أو نفيه فهو صحيح فيما لم تدل - ولو بواسطة العلم الإجمالي بعدم وجوب أمرين في الواقع أو وجوب أحدهما - على نفي الوجوب عن أمر آخر أو إثباته له وأما إذا دلت عليه فمقتضى القول بالسببية قيام مصلحة الواقع الفائتة باتباع مدلولها بنفس ما دلت على وجوبه مطابقة أو التزاما. ومراده (قدس سره) من قوله: " إلا أن يقوم.... الى آخره " مااذا دل دليل على عدم وجوب أمرين على المكلف أعم مما إذا كان أحدهما ظاهريا، فلا يرجع الى ما أوردنا عليه. ومنه تعرف ما في كلام صاحب نهاية الدراية في الحاشية على الحاشية، فراجع (1). تنبيه: لافرق في الأمارة التي انكشف خلافها بين ما كانت قائمة على نفس الحكم الشرعي أو موضوعه، وما كانت قائمة على ما له دخل في إستنباط الحكم الشرعي، كأقوال أهل اللغة، ونقل أقوالهم، وأقوال أهل الرجال ونقلها، غاية الأمر أن في أمثالها بعد كشف الخلاف يعلم بعدم انطباق كبرى وجوب العمل بالظهور، أو وجوب العمل بقول الثقة، وأنه كان يتخيل إنطباقها. فعلى الطريقية مقتضى القاعدة هو الأخذ بالواقع وعدم الإجزاء بعد كشف الخلاف. وعلى السببية تقوم مصلحة الواقع بقيام الأمارة، وكان مقتضاه الإجزاء. كما أنه يمكن تصوير هذه الأقسام في القطع المنكشف خطؤه. ومن هذا القبيل ثبوت عدم وجود المخصص للعموم، أو عدم المعارض للخبر، ثم العثور عليه، فإنه تارة بالقطع وأخرى بالأمارة، وعلى كل منهما يترتب حكمه، كما لا يخفى. ولا فرق أيضا بين انكشاف خلاف الأمارة الاولى بالقطع أو أمارة معتبرة، إذ


(1) انظر نهاية الدراية ج 1 ص 250. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 211 ]

الأمارة المعتبرة أيضا حجة على أن الامارة السابقة في ظرفها كانت على خلاف الواقع، فيجب ترتيب آثار عدم مطابقتها للواقع من أول الأمر عليه. فمنه تعرف أنه لا فرق بين الموارد والأمارات أصلا، ولعل اشتباه أمر القطع بالأمارة أوجب أن استدل المحقق العراقي (قدس سره) على عدم الإجزاء في صورة تبدل الرأي بوجه آخر، وهو: أنه ينكشف بذلك عدم تحقق الطريق المجعول، فلم يكن في البين ما يوهم التدارك ليقال بالإجزاء (1). انتهى. وأنت خبير بأن رأيه الأول إن استند الى مقدمة قطعية كالقطع بالظهور التركيبي فانكشف خلافها كان من باب كشف الخلاف في القطع، وإن كان مستندا الى مقدمة ظنية انكشف خلافها فهو من باب انكشاف الخلاف في الطريق المجعول، فلم يفترق تبدل الرأي عن غيره، والله العاصم. تذنيبان: الأول: إذا قطع بحكم تكليفي أو خصوصية المأمور به من عدم جزئية شئ، أو عدم شرطيته، أو عدم مانعيته، فعمل بمقتضى قطعه ثم زال قطعه: فإن تبدل بقطع آخر على خلاف الأول أو قامت الأمارة على خلافه فمقتضى إطلاق دليل الأمر الواقعي المنكشف بالقطع أو الأمارة لزوم الإتيان بالواقع في الوقت وخارجه، ولو لم يكن له إطلاق وإنما كان القدر المتيقن منه لزوم الواقع حين القطع به أو قيام الأمارة عليه، فالمرجع في لزوم الإعادة والقضاء هو الاصول العملية، والظاهر أن مرجع الشك بالنسبة إلى الإعادة الى التعيين والتخيير، وبالنسبة الى القضاء الى الشك البدوي، وقد مر تفصيل الكلام عند تحرير الأصل في الشك في السببية والطريقية، فلا نعيد. وإن تبدل بالشك من غير قيام أمارة فقد يجب الاحتياط فيما علم بوجوب المقطوع أو عدله، وأما فيما لم يلزم علم إجمالي بل احتمل صحة تطبيق قطعه فلا شك في إجراء البراءة في زمان الشك، ونتيجته الإجزاء.


(1) نهاية الأفكار: ج 1 ص 256. (*)

[ 212 ]

وقد عرفت فيما تقدم صحة الرجوع الى عموم حديث الرفع، فيما قامت أمارة ظنية أو قطعية ثم انكشف خلافها، فلازمه جريان عمومه في الصورتين الأولتين أيضا، فببركة حديث الرفع كان الحكم في جميع الصور الإجزاء. الثاني: أن الإجزاء في موارد الاصول المحرزة لشرائط أو أجزاء المكلف به أو عدم موانعه، إنما يوجب التوسعة الواقعية فيما هو شرط أو جزء أو نفي المانعية عما لم يعلم عنوان ذات المانع، كغير مأكول اللحم - مثلا - على تأمل في الأخير، فلا مجال في مثلها لتوهم التصويب، فإن اللازم منه إثبات الشرطية - مثلا - لمشكوك الطهارة، لا نفي النجاسة وإثبات الطهارة الواقعية له. كما أن الإجزاء في موارد الاصول النافية لأصل الشرطية أو الجزئية أو المانعية عما شك في كونه كذلك لا يوجبه، إذ المقتضي للإجزاء فيها هو استصحاب العدم، أو حديث الرفع، وموضوعهما الشك في الواقع وعدم العلم به، ففيهما ولا سيما الثاني - كما أشار إليه في الكفاية (1) - قد فرض احتمال وجود الواقع أو وجوده، فعلى هذا يكون رفعه أو الحكم بعدم انتقاضه راجعا الى جعل العذر عن مخالفته، لا نفيه بالمرة، فهو ثابت في الواقع، والمكلف معذور في خلافه وضعا وتكليفا. وأما الإجزاء في موارد الأمارات فمرجعه كما عرفت الى إحداث مصلحة مساوية في مؤدى الأمارة المخالفة، ولذلك يكون المكلف الجاهل بالواقع مخيرا بحسب الواقع بين الإتيان بمؤدى الأمارة أو نفس الواقع، مع أن العالم يتعين عليه الإتيان بالواقع تعيينا، والظاهر أن الإجماع المدعى على بطلان التصويب يوجب الحكم ببطلانه أيضا، إذ مفاد الإجماع اشتراك العالم والجاهل في نفس الأحكام وكيفيتها من التعيين والتخيير، ومنه تعرف النظر فيما أفاده في الكفاية، وما في نهاية الدراية فراجع (2)، والله تعالى هو العالم بحقيقة الحال.


(1) الكفاية: ص 113. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 251 - 252. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 213 ]

الفصل الرابع * في مقدمة الواجب وقبل الخوض في المقصود تقدم امور: الأول: أن المسألة من المسائل الاصولية، يبحث فيها عن ثبوت الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته كما في الكفاية (1)، ويستنتج منها في الفقه وجوب الشئ المقدمة بعد ما علم وجوب ذيها. لكن النظر معطوف الى حصول هذه الملازمة بينهما، من غير أن يخصص الدليل عليها بحكم العقل، بل لو دلت نفس الصيغة الدالة على وجوب ذي المقدمة على وجوبها، بل لو دل دليل منفصل من إجماع أو كتاب أو سنة على هذه الملازمة لتم المقصود من هذه المسألة، ولما كان خروجا عما انعقدت لها، فهذه المسألة كسائر المسائل الباحثة عن الملازمة، عمدة النظر فيها الى أن هذه الملازمة ثابتة أم لا ؟ وأما أن الدليل عليها ما هو فهي مطلقة من هذه الحيثية، فهي أشبه بمسألة البراءة عما لا يعلم، فإنها مسألة يطلب فيها الحكم بعدم عقاب المكلف على التكليف المجهول، سواء كان من طريق حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، أو قوله: " رفع مالا يعلمون "، أو دلالة آية، أو قيام إجماع عليه.


(*) كان المناسب عنونة البحث بقولنا: " المبحث العاشر " لكنا عدلنا الى ما ترى اتباعا لمتن الكفاية. (المؤلف). (1) الكفاية: ص 114. (*)

[ 214 ]

فالقول: بأن المسألة عقلية ليس على ما ينبغي، اللهم إلا أن يوجه بأنه لما كان عدم دلالة الأدلة الثلاثة الاخر مسلما بين المتنازعين، وإنما كان النزاع من طريق حكم العقل، فلذا عبر بأن المسألة عقلية، لكنه خلاف ما يظهر من المعالم (1)، إذ الاستدلال على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث ربما يدل على توهم دلالة الصيغة عليها، فتأمل. ثم إنه لا ينبغي الريب في أن المسألة ليست لفظية، فإن المقصود بالبحث في المسألة اللفظية، إنما هو فهم مدلول اللفظ، وظهوره كالبحث عن أن الهيأة ظاهرة في الوجوب أم لا ؟ وبعبارة اخرى: المبحوث عنه في مباحث الألفاظ هو إثبات المداليل التصورية التي للألفاظ، لا إثبات مفادها تصديقا بحيث يحكم بعدها أن الشئ الفلاني - مثلا - واجب أو ليس بواجب، ومن المعلوم أن البحث هنا في وجود هذه الملازمة في الخارج تصديقا، لا في تشخيص أن اللفظ دال عليها تصورا، ولعله كان مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) (2)، والقصور في تقرير المقرر. وعلى أي حال فما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) على ما في التقريرات، وتبعه عليه في الكفاية غير مسلم، ولا سيما على تعبير الكفاية من أنه لا مجال لتحرير النزاع في الإثبات... الى آخره (3)، فإنه أي محذور في البحث عن تشخيص مفهوم لفظ تصورا، وإن سلم أن مدلوله غير ثابت في الخارج أصلا ؟ هذا. مضافا الى أن موضوع البحث هو مطلق الوجوب أعم مما كان ثابتا باللفظ أو غيره، ومعه فكيف يمكن القول بأن المسألة لفظية ؟ وكيف كان فإسناد القول بأن المسألة لفظية الى صاحب المعالم، بملاحظة استدلاله على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث لعله لم يقع في محله، إذ هو (قدس سره) لم يقتصر عليه، بل أتبعه بعدم دلالة العقل أيضا، وإليك نص عبارته، قال (قدس سره): " لنا:


(1) معالم الدين: ص 62. (2) كما في مطارح الانظار: ص 37 س 33. (3) الكفاية: ص 114. (*)

[ 215 ]

أنه ليس لصيغة الأمر دلالة على إيجابه بواحدة من الثلاث، وهو ظاهر، ولا يمتنع عند العقل تصريح الآمر بأنه غير واجب، والاعتبار الصحيح بذلك شاهد، ولو كان الأمر مقتضيا لوجوبه لامتنع التصريح بنفيه (1). انتهى. ومع هذا الاستدلال العقلي منه وذكره أدلة عقلية من خصمه كيف يصح إسناد القول بلفظية المسألة إليه بمجرد ذكرها في مباحث الألفاظ، فذكرها فيها لمناسبتها لمدلول الهيأة من الوجوب، والأمر سهل. الثاني: قالوا: إن المراد بوجوب المقدمة المبحوث عن ملازمته لوجوب ذي المقدمة هنا ليس الوجوب العقلي الذي هو بمعنى اللابدية، ولا الوجوب العرضي الثابت لذي المقدمة حقيقة، والمنسوب الى مقدمته مجازا، ولا الوجوب الثابت عن إرادة فعلية تابعة وناشئة عن الإرادة الفعلية المتعلقة بذي المقدمة، إذ ربما يكون المولى غافلا عن أن لما أوجبه مقدمة، ومعه يستحيل ثبوت إرادة فعلية بالمقدمة، بل المراد هو الوجوب الثابت بإرادة شأنية، بمعنى أن العقل يحكم بالملازمة بين ارادة ذي المقدمة فعلا وكون المولى بحيث لو التفت الى ان له مقدمة لارادها. وفيه: أن ما يمكن القول بملازمته الوجوب الشئ وإن كان هذا - وهو أمر موجود في قبال عدمه، فلا يرد أنه لا يعقل الملازمة بين موجودين، وهذا المعنى ليس بموجود - إلا أن الوجوب إنما يعتبر عن مقام البعث نحو الشئ، وبعبارتهم عن مقام الإرادة المظهرة له، ولا أقل من وجودها الواقعي، والمفروض غفلة المولى عن احتياج واجبه الى مقدمة أحيانا، ومعه فلا إرادة له متعلقة بالمقدمة رأسا، فضلا عن إظهارها والبعث نحو مقدمته. نعم، لو التفت إليها لأراد، بناء على القول بالملازمة، ولكن يسهل الخطب أن مولانا الجليل لا يتأتى منه غفلة وذهول. تكميل: ربما يقال - كما في الدرر (2) -: بأن الأولى تبديل عنوان مقدمة


(1) معالم الدين: ص 62. (2) درر الفوائد: ص 84. (*)

[ 216 ]

الواجب هكذا: هل الإرادة الحتمية المتعلقة بالفعل - كما في الواجب - أو بالترك - كما في الحرام - تلازم إرادة مقدمته ؟ وذلك أن الواجب يختص اصطلاحا بما تعلقت الإرادة الحتمية بفعله، فلا يشمل ترك الحرام المتعلق أيضا لإرادة حتمية، مع أنه أيضا متعلق لإرادة حتمية، وملاك القول بالملازمة فيهما واحد بعينه. وفيه: أن المشاهد بالوجدان عند ما أردنا فعلا أنه ليس في وجداننا إلا انتزاع نحو إتيان العمل والفعل، وليس في أنفسنا مضافا الى هذا الانتزاع انزجار عن تركه، بحيث كان في أنفسنا أمران: إرادة وكراهة، وحب وبغض. وهكذا عندما نكره فعلا فليس في وجداننا إلا الكراهة، والانزجار عن الفعل، لإارادة وانتزاع نحو تركه، ويتبعهما البعث والزجر التابعان لهذه المبادئ، ولذلك فليس في الواجبات إلا تكليف واحد هو البعث والوجوب، ومثلها المحرمات. وعليه فالإرادة أو الكراهة أمران مختلفان بالحقيقة لابد من النظر الى مقتضى كل منهما على حدة، وليس البحث عن أحدهما عين البحث عن الآخر، ولا مجزيا عنه، والله العالم. الثالث: أن لفظ " المقدمة " وإن لم يكن واردا في رواية أو آية أو معقد إجماع حتى نبحث عن مدلولها اللغوي، إلا أنه لا ريب في أن ملاك الوجوب الغيري لشئ هو توقف ذي المقدمة عليه في وجوده، فإنه مع عدم التوقف - كما في المتلازمين - لا وجه لوجوبه تبعا لوجوب غيره، ومع التوقف يجري دليل وجوبه، أعني: حكم العقل بأن من طلب شيئا طلب ما يتوقف عليه. لكنه لا يخفى أن التوقف الملاك للوجوب الغيري إنما يتم مع المغايرة بين الموقوف والموقوف عليه مغايرة ما، من دون استدعائه للاستقلال الوجودي، وعليه فملاك هذا الوجوب موجود في المقدم الطبعي مطلقا الذي منه أجزاء المركب، بل والحدوث المتوقف عليه البقاء، فإن البقاء: عبارة عن وجود الشئ في الزمن الثاني المغاير ولو بحسب الزمان لوجوده في الزمن الأول، فالحدوث مقدمة للبقاء وواجب مقدمي بوجوبه، وللكلام تتمة.

[ 217 ]

الرابع: في ذكر تقسيمات للمقدمة حتى يتضح أنها بجميع أقسامها محل النزاع أم لا ؟ فقد ذكر لها تقسيمات: منها: تقسيمها الى المقدمة الداخلية والخارجية: والمراد من الداخلية: هي الإجزاء في المأمور به المركب، ومن الخارجية: كل ما كانت خارجة عن ماهية المأمور به وتوقف عليها وجوده، ولا إشكال في دخول الخارجية بأقسامها في محل النزاع. وأما الداخلية: فقد يستشكل في دخولها في محل النزاع: إما لدعوى أنها ليست بمقدمة، وإما لأن وجوبها مستلزم للمحال. أما الاولى: فببيان أنها عين الكل الذي هو ذو المقدمة، فلا اثنينية في الوجود حتى يكون متوقف ومتوقف عليه، ومقدمة وذو مقدمة. وبعبارة اخرى: لا وجود لها غير وجوده في ضمن الكل، وهو بعينه وجود الكل، فلا مقدمية. واجيب عنه في الكفاية: بأن المقدمة هي الأجزاء بالأسر لا بشرط، وذو المقدمة هي الأجزاء بشرط الاجتماع فتغايرا. أقول: تنقيح الجواب: أنه بعد ماكان لكل واحد من الأجزاء وجود يخصه وكان كل منها موجودا مستقلا فلا حاجة ولا وجه لجعل الأجزاء بالأسر مقدمة واحدة، بل كل جزء مقدمة مستقلة بحياله، والمجموع مقدمات، ومعلوم أن الكل غير كل جزء بحسب وجوده الخارجي، فاندفع الإشكال. مضافا الى أنه لو كانت الأجزاء مقدمة واحدة فالمركب - وهو ذو المقدمة - هو الأجزاء الخاصة المجتمعة بكيفية مخصوصة، والمقدمة هي ذات الأجزاء، ومعلوم أن الأجزاء الخاصة هي الأجزاء بخصوصيتها، فهي متوقفة على حصول الأجزاء وحصول الخصوصية، والخصوصية وإن فرضت أمرا اعتباريا فهي معنى غير ذات الخاص ومزيد عليها، والمركب متقوم في حقيقته بهذه الخصوصية، فالمقدمة غير ذي المقدمة، وذو المقدمة متوقف عليها، وإن كان وجودها في ضمنه

[ 218 ]

إلا أنه غيره، وهو كاف في ملاك الوجوب الغيري. ومما يجب التنبه له: أن الجزئية والكلية وإن انتزعتا عن ذات كل من الاجزاء ذوات المجموع لا بما أنها منضمة ومجتمعة بل حين الاجتماع - وهما متضائفان متكافئان قوة وفعلا - إلا أن المأمور به بالأمر المقدمي لا يشترط ولم يشترط بصدق الجزء عليه بالفعل، بداهة أن المأمور به بهذا الأمر قد أخذ بحيث يحصل امتثال أمره عند وجوده، وإن كان مشروطا بتعقب الأجزاء الاخر، لكن امتثال أمره يحصل في ظرف وجوده، ولم يحصل باقي الأجزاء بعد، ومعلوم أنه في هذا الظرف - وهو ظرف عدم حصول جميع الأجزاء فعلا - لا ينتزع منه الجزئية بالفعل، إذ لم يحصل كل حتى يكون قد حصل جزء، فالمأموربه ليس المتصف بالجزئية فعلا، واعتبار وجودها ولو بنحو الشرط المتأخر وإن أوجب ضيقا في المأمور به إلا أنه لا يعقل أن يوجب اتصافه بالجزئية قبل حصول منشأ انتزاعها. بل لا يبعد أن يقال: إن المأمور به بالأمر النفسي أيضا وإن كان هو المركب، إلا أنه أيضا لم يقيد بالكلية، وإلا لا قتضى عدم حصول الامتثال أصلا إلا بعد حصول آخر جزء منه، والوجدان والارتكاز العرفي شاهد على خلافه، بل هو من أول وجوده امتثال، فجميعه من حين وجود أول جزء منه الى آخره امتثال واحد تدريجي وإن كان مشروطا بتتميمه وتكميله. ومنه يظهر أن ما يظهر من كثير من الكلمات من لزوم اعتبار الأجزاء مجتمعة لحصول المقدمة محل نظر، إذ ليس المقدمة هو الجزء بما أنه جزء حتى يحتاج الى هذا الاعتبار، بل ذات المقدمة هو ذات ما يصير جزءا، واعتبار ترتب ذي المقدمة عليها مبني على وجوب خصوص الموصل من المقدمات، فافهم واستقم. ثم إن ظاهر كلام التقريرات: أن الجزء إذا لوحظ لا بشرط يتحد مع الكل، بخلافه إذا لوحظ بشرط لا عن الاتحاد، فإنه عليه غير الكل، والشق الأول من كلامه بظاهره واضح الإشكال كما أفادوا، فإن ما يباين وجوده في الخارج وجود آخر لا يتحد معه وإن لوحظ لا بشرط عن الاتحاد ألف مرة.

[ 219 ]

إلا أنه وجهه بعض السادة الأفاضل من حضار البحث (1) - وفقه الله تعالى وأيده وأدام بركات وجوده - بأن مراده من الاعتبار اللابشرطي، هو ملاحظته بحيث يتم لحاظه بجميع هويته، وإن لوحظ الكل ولوحظ هو ضمنا، في قبال النظر إليه مستقلا غير مندك في الكل، ومعلوم أنه باللحاظ الأول بعض وجود الكل وليس إلا الكل، ولا يجب إلا بوجوبه، بخلافه في اللحاظ الثاني، فإنه رئي شيئا مستقلا وإن حصل منه الكل، فيمكن تعلق الوجوب الغيري به. وهو وجه دقيق في الفرق يؤول الى ما أفاده صاحب نهاية الدراية أخيرا، ولعله كان مراد الشيخ الأعظم وإن قصرت عنه عبارة تقريراته، شكر الله تعالى سعيه، ووفقني للاستفادة من محضره، ورزقنا جميعا الإخلاص في تحصيل العلم وسائر الأعمال. هذا كله حول البحث عن مقدمية الأجزاء وملاك الوجوب الغيري لها. وأما الدعوى الثانية - وهي لزوم المحال من وجوبها المقدمي - فبيانه بوجوه ثلاثة: أحدها ما هو صريح الكفاية (2)، ويستفاد من التقريرات (3) أيضا، وهو لزوم اجتماع المثلين بعدما عرفت من اتحاد ذي المقدمة ومقدمته في الوجود، فإنه لو قلنا بأن المقدمة واحدة هي الأجزاء بالأسر فاتحادهما واضح، وإن قلنا بأنها متعددة بتعدد الأجزاء فكل جزء واجب بوجوب مقدمي ووجوب المركب ينبسط على ذوات الأجزاء، فتجب بوجوبين وهو إجتماع المثلين. إن قلت: قد مر أن المركب عبارة عن الأجزاء المجتمعة اجتماعا خاصا، وبعبارة اخرى: الخاص بما أنه خاص هو المركب، وليس هو الاجزاء والخصوصية، وانبساط الوجوب إنما هو على أجزاء المركب، وأجزاؤه أيضا هي الامور المنضمة الخاصة، فإن كانت مقدمة واحدة أو مقدمات فما يتعلق به الوجوب النفسي ابتداء أو انبساطا هو الخاص بما هو خاص، وما يتعلق به


(1) أعني به: سيدنا العلامة الآية السيد حسن الطاهري زيد عزه. (المؤلف). (2) الكفاية: ص 115. (3) مطارح الأنظار: ص 40 س 12. (*)

[ 220 ]

الوجوب الغيري هو ذات الخاص، فاختلف المتعلقان فبناء على جواز اجتماع الأمر والنهي يتم المطلب. قلت: المركب وإن كان هو الخاص إلا أن قصر انحلال الوجوب وانبساطه على خصوص الأجزاء ممنوع، بل ينبسط وينحل عرفا على الأجزاء والخصوصية بشهادة الارتكاز فيما لو شك في وجوب الصلاة مطلقا أو مع الطهارة، فإن متعلق الوجوب على الاحتمالين لا يراه العرف متباينا، بل هو على الاحتمال الثاني أيضا هو على الاحتمال الأول، غاية الأمر أنه زيد عليه زيادة وبملاحظته نقول بالبراءة شرعا وعقلا. هذا. وفيه أولا: أن المثلين أمران موجودان حقيقيان داخلان تحت نوع واحد لا يجتمعان على موضوع واحد. وهاهنا إن اريد من المثلين فردان من الوجوب والبعث - كما هو ظاهر الكفاية (1) - فهما وإن كانا متعلقين بالخارج على التحقيق - وسيجئ إن شاء الله تعالى بيانه - إلا أنهما اعتباريان لا بأس باجتماع فردين منهما على موضوع واحد إذا وافقه الاعتبار العقلائي. وإن اريد منهما فردان من الإرادة، فالإرادة المتصورة في التكاليف هي إرادة جعل القانون والتكليف تتبعه في التعدد والوحدة، كما في جميع القوانين، فإذا صح تعدد البعث والمجعول صح تعدد إرادته. وإن اريد منهما فردان من الحب والشوق المتأكد الى فعل العبد الى غيرهما من مبادئ إرادة جعل القانون فهذه المبادئ من الامور النفسية الموجودة في صقعها، وهي وإن كانت تعلقية إلا أن متعلقها أيضا موجود نفسي، فلزوم المحال إن كان من حيث عدم قابلية النفس فهي لبساطتها قابلة، وإن كان لعدم قابلية الفعل المحبوب والمشوق لتعلق حبين وشوقين به، فالحب وإن كان تعلقيا إلا أنه موجود نفسي تشخصه بنفس الوجود، وتشخص ماهية الحب أو الفعل المحبوب به. وبالجملة: فتشخص كل هوية بنفس هذه الهوية الخاصة، سواء على القول


(1) الكفاية: ص 115. (*)

[ 221 ]

بأصالة الوجود أو الماهية، فبتعدد الحب يتعدد فردان من المحبوب في صقع النفس، كل منهما موجود بوجود الحب المتشخص بنفس ذاته، فلا يلزم اجتماع المثلين، مضافا الى إمكان جعل الوجوبين وحصول مبادئهما في زمانين مختلفين. وبالجملة: فمحذور اجتماع المثلين غير لازم، ومما ذكرنا يظهر النظر في مواضع من كلمات المحقق. صاحب نهاية الدراية، فراجع (1). هذا، مضافا الى أن ما أفاده مبني على وجوب ذات المقدمة، وإلا فلا يلزم المحذور بناء على اجتماع الأمر والنهي. الثاني: ما اختاره في نهاية الدراية: من أن الإرادة التشريعية الموجودة في التكاليف علة تامة لحصول المراد عند تمكين العبد من الامتثال، فإن تعلق بالجزء وجوبان لزم عند كون العبد ممتثلا اجتماع علتين تامتين على معلول واحد، وهو محال. وفيه: أن لزوم أن تكون الإرادة التشريعية - بعد الغض عن صحتها - علة تامة مستقلة - كما ذكره (قدس سره) - ممنوع ومبني على قياسها بالإرادة التكوينية، وهذا القياس لا دليل عليه، بل لابد لنا وأن نرجع في هذه الاعتبارات العقلائية الى العقلاء واعتبارهم، فإن اعتبروا وجوبين على شئ واحد فلا محال ولا محذور، بل كلاهما عند الاجتماع بوجودهما العلمي مع مباد اخر في نفس العبد من قبيل أجزاء علة واحدة توجب حصول إرادة العبد وحركة عضلاته نحو الامتثال، وإن كان كل إذا كان على حدة أيضا يترتب عليه هذا الأثر. وبالجملة: فلابد من مراجعة العقلاء، والمشاهد منهم بالوجدان تعلق الوجوبين بأمر واحد في موارد: منها: ما إذا كان شئ بصرف وجوده ولو اتى به في ضمن آخر مطلوبا نفسيا مستقلا، وكان المركب منه ومن غيره مطلوبا نفسيا آخر فإنه لاريب في أنه يجعل هنا وجوبان نفسيان وإن كان الثاني ينبسط على أجزائه التي منها ذلك


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 260 - 261. ط. المطبعة العلمية. (*)

[ 222 ]

الشئ، فيتصف بوجوبين مستقلا وانبساطا. ومنها: مااذا كان شئ مقدمة لأمرين فإن الظاهر أنه يتعلق به أمران غيريان. ومنها: مااذا كان شئ مقدمة لواجب نفسي وكان هو بنفسه أيضا مطلوبا نفسيا فهاهنا أيضا يتعلق به أمران. ومنها: ما نحن فيه، ولعل هنا موارد اخر تظهر بالتدبر. الثالث: أنه يلزم اللغوية من جعل الوجوبين، والنفسي لابد منه، فلا معنى لجعل الغيري. وفيه: أن اللغوية إن كانت بملاحظة أن العبد إن قام بصدد امتثال الأمر النفسي يأتي بجميع الأجزاء، وإلا فلا يأتي بشئ، فيرد عليه: أولا: أن هذه اللغوية إشكال على القول بوجوب المقدمة مطلقا، والكلام هنا بعد فرض وجوبها. وثانيا: أنه بناء على التحقيق من ترتب الثواب على الأمر الغيري فربما لا يكون أمر واحد وثوابه محركا للعبد، ويكون الأمران محركا له فلا لغوية. وربما يسند هذا الوجه الأخير الى تقريرات الشيخ (قدس سره)، والظاهر أن الإسناد في غير محله، والسند مراجعة التقريرات، فراجع (1). ومنها: تقسيمها الى العقلية والشرعية والعادية، وأرجع في الكفاية (2) الأخيرتين الى الاولى فجعلها قسما واحدا هي العقلية، وأرجع الثانية فقط الى الاولى في التقريرات، فأثبت التقسيم الى قسمين، وهو الأظهر، قلنا دعويان: الاولى: إرجاع الثانية الى الاولى، وذلك لما في الكفاية، وعدم صحة ما أفاده في نهاية الدراية، فإنه وجهه الوحيد، إذ البحث إنما هو في مقدمة الواجب بما هو واجب، وفي ما كان الدخيل في الغرض شيئا مقيدا، فمتعلق الطلب والوجوب بحكم الارتكاز وشهادة الوجدان هو المقيد بما أنه مقيد، وتوقف وجوده على القيد عقلي.


(1) مطارح الانظار: ص 40. (2) الكفاية: ص 116 - 117. (*)

[ 223 ]

نعم، لو قلنا بتعلق الأمر النفسي بذات المقيد بلا تقييد، وتعلق الأمر الغيري بشرائطه صح ما أفاده المحقق صاحب النهاية (قدس سره)، والظاهر أن كلامه مبني عليه (1) لكنه مما لم يمكن لنا التصديق به، كما مرت الإشارة إليه. الدعوى الثانية: عدم رجوع الثالثة الى الاولى، وقد أغنانا عن بيانه صاحب النهاية (قدس سره)، فراجعها (2). ثم إن ظاهر كلام التقريرات: أن القول بعدم قابلية الأحكام الوضعية للجعل يستلزم هنا في الشرائط الشرعية أن لا يكون متعلق الوجوب المقيد بما هو مقيد، كالصلاة مع الطهارة، بل يكون متعلقه نفس الصلاة، إلا أن لها وجها لا يحصل إلا بالطهارة، فهذا الوجه الواقعي أوجب تعلق الأمر الغيري بالطهارة، لكنه مع ذلك لا يستلزم عد الطهارة - مثلا - مقدمة شرعية قبال العقلية، إذ توقف هذا الوجه الواقعي الدخيل في الغرض على الطهارة واقعي تكويني يحكم به العقل، فلذا فقد أمر به الشرع أيضا، هذا. أقول: أولا: إن إنكار تعلق الجعل بالأحكام الوضعية لا يستلزم إنكار تعلق التكليف الشرعي بالمقيد، فإن غاية الأمر أن الشرطية - مثلا - غير مجعول، وأما إيجاب أمر خاص هو الصلاة مع الطهارة - مثلا - المعبر عنه بالمقيد بما أنه مقيد فلا مانع منه، ولا نفهم استلزام هذا الإنكار لإنكاره. وثانيا: أني لم اوفق الى الآن لتصور كون الواجب نفس الصلاة مع كونها متجهة بجهة لا تحصل إلا بالطهارة، فتكون هذه الجهة أيضا مطلوبة ولا يحصل تقيد في الصلاة، فإن هذه الجهة إذا كان تحصيلها بيد المكلف - والمفروض أن الواجب بهذه الجهة محصل لغرض المولى، ويمكنه أن يأمر بها - فلم لا يأمر المولى بالعمل المصاحب له، اللهم إلا أن يكون وجهه استلزام إنكار مجعولية الأحكام الوضعية لذلك، أو ما أفاده صاحب النهاية (قدس سره) مما مر آنفا. وبالجملة: فلا


(1) بل هو خلاف صريحه، إذ بناه على تعلق الأمر بالمقيد بما أنه مقيد، فراجع. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 271 - 272. ط. المطبعة العلمية. (*)

[ 224 ]

يمكننا تصديق أي الأمرين. ومنها: تقسيمها الى مقدمة الوجود، ومقدمة الصحة، ومقدمة الوجوب، ومقدمة العلم. وجعل - في الكفاية (1) - رجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود مما لا يخفى، مع أنه على مبناه (قدس سره) - من عدم إمكان تعلق الأمر الأول ولا الثاني بالقيود الآتية من قبل الأمر كقصد القربة ونحوه - لابد من الالتزام بها قبال مقدمة الوجود، إذ هي دخيلة في الصحة وليست بدخيلة في تحقق الواجب المأمور به بما أنه واجب ومأموربه، كما لا يخفى. وأما مقدمة الوجوب فهي وإن كانت غير سائر الأقسام إلا أنها خارجة عن محل النزاع، وذلك أنها بجميع أقسامها من المتقدمة والمقارنة والمتأخرة لا يكون الواجب متوقفا عليها بما أنها مقدمة الوجوب، فليس فيها ملاك المقدمية، أعني التوقف الوجودي للواجب، وقولنا بما أنها مقدمة الوجوب، احتراز عما إذا كان مقدمة وجوب الواجب تحقق بأمر يتحقق لا محالة ولو من قبل غير المكلف، ومع فرض تحققه يكون القائم بغرض المولى والواجب بما أنه واجب هو فعل المكلف المقارن أو المسبوق أوالملحوق بهذا الأمر، فالواجب متوقف عليه وجودا ووجوبا، وبما أنه متوقف عليه وجود الواجب يدخل في محل النزاع، كما لا يخفى. هذا. وقد علل القوم خروجها عن محل النزاع بأن الوجوب إنما يتحقق بعد وجودها، والأمر به أمر بتحصيل الحاصل، إلا أنه كما ترى لا يتم في المتأخر، ولذلك فقد بين في نهاية الدراية (2) وجه خروجه بلزوم الدور، وهو (قدس سره) وإن أجاب عن بيان الدور، إلا أن الجواب الأوضح هو ما ذكرناه آنفا: من أن المقدمة للوجوب على المكلف قد تكون مطلق وجود أمر يتحقق ولو من غيره، والمحصل لغرض المولى هو خصوص فعله الملحوق بهذا الأمر منه، فمقدمة لعدم فوت الواجب عليه


(1) الكفاية: ص 117. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 273. ط. المطبعة العلمية. (*)

[ 225 ]

يجب أن يحقق نفسه هذا الأمر المقدمة حتى يكون ما أتى به من العمل الواجب واجدا لما هو شرطه. وإما مقدمة العلم فهي أيضا غير سائر الأقسام، إلا أن خروجها عن محل النزاع واضح مذكور في كلمات الأعلام فراجعها. ومنها: تقسيمها الى المتقدمة والمقارنة والمتأخرة: وهنا إشكال مشهور في المتقدمة والمتأخرة، والكلام وإن كان في مقدمة الواجب، إلا أنه تبعا للأعلام وتعميما للفائدة نبحث عن مقدمات التكليف والوضع أيضا. فنقول: لا شك في حكم العقل بوجوب مقارنة المعلول لعلته التامة بجميع أجزائها زمانا - في الزمانيات - وتأخره عنها رتبة، فإن المعلول أثر لعلته وموجود بها، ويمتنع بداهة وجود الأثر والمؤثر غير موجود، كما يمتنع تأثير المعدوم الذي هو لا شئ محض وبطلان صرف في أمر وجودي، وعليه فإذا كان تمامية العلة مشروطة بشرط لا تتم عليتها إلا به، فلو لم يكن هذا الشرط موجودا عند وجود المعلول وحدوثه، لامتنع تحقق المعلول، لفرض عدم تمامية ذات العلة الموجودة، وامتناع تحقق معلولها مع عدم تماميتها، فإنه مساوق لأحد أمور: إما تأثير العلة الناقصة والمفروض أنها ليست تامة قابلة للتأثير، وإما تأثيرها بملاحظة الشرط المفقود، ومعلوم أن الأمر العدمي لاحظ له في حصول موجود أصلا، وإما تحققه بلا علة، وبطلانه بديهي، وحينئذ يشكل الأمر في بعض الشرائط الشرعية للأحكام أو متعلقها، مما يتأخر عن زمان نفس الحكم أو متعلقه، أو يتقدم عليه: أما في الأحكام التكليفية والوضعية - فإنه يلزم وجودها وشرطها غير موجود، كما في الإجازة بناء على الكشف، بل النقل أيضا، فإنه يلزم تأثير العقد في الملكية، وهو نفسه غير موجود، كما على النقل، أوشرطه غير موجود، كما على الكشف، ومثله مااذا قال المولى: " إن جاء زيد يوم الجمعة يجب عليك تهيئة تشريفاته يوم الخميس " - مع فرض أن المولى نفسه يباشر تشريفه وإكرامه - فإن الوجوب مشروط بالمجئ المتأخر، فوجوده قبل تحقق شرطه يلزمه المحذور والمزبور.

[ 226 ]

وأما في شرائط المأمور به، فكما في أغسال الليلة الآتية لصوم اليوم المتقدم، فإنه لاريب على مسلك العدلية أن التكاليف تابعة للمصالح والمفاسد، فالصوم - مثلا - إنما أمر به لكونه مؤثرا في مصلحة، فإذا كان مشروطا بالغسل المتأخر لزم تأثيره فيها، وشرطه غير موجود، أوهونفسه معدوم، وفيهمامن المحذور مالا يخفى. والتحقيق أن يقال: أما في شرائط الأحكام فإن لها مراحل أربعة: مرحلة تصور المولى ومبادئ إنشائها عنده، ومرحلة إنشائها وجعلها من المولى، ومرحلة وجودها بوجود شرطها، ومرحلة تأثير المصلحة وتأثير الشرط الغير المقارن لحدوث المصلحة في متعلقها وجعلها في زمانها مقدما أو مؤخرا: فأما مقام تصور المولى وإرادته لإنشاء هذه الأحكام فهو لا يتوقف إلا على وجود مبادئها في نفس المولى ليس إلا، والوجود الذهني للأمر المعدوم خارجا غير عزيز، كما لا يخفى. ومنه يعرف حال مقام إنشائها، إذ هو أيضا لا يتوقف إلا على إرادته الموقوفة على المبادئ النفسية الموجودة حينه. وأما مقام وجودها الخارجي فمن المعلوم أن الأحكام كلها تكليفيها ووضعيها ليست امورا موجودة عينية حتى تحتاج الى علة تكوينية، وإنما هي امور اعتبارية يعتبرها العقلاء أو الشرع في موضوع اعتبارها، والإنشاء المشروط من المولى أو الجعل المشروط منه، موضوع عنده وعند العقلاء، لاعتبار المنشأ في فرض حصول موضوع إنشائه، فإذا قال: " يجب عليك يوم الخميس تهيئة وسائل إكرام زيد إن جاءالبلد يوم الجمعة " فمع فرض مجيئه يوم الجمعة يعتبر هذا الوجوب في الخميس المقدم عليه، من غير تأثير لمجيئه في الوجوب المتقدم. وهكذا الأمر في الملكية المتقدم اعتبارها على الإجازة، أو المتأخر اعتبارها عن العقد. وأما حديث المصلحة: ففي التكاليف تصويره بأن المصلحة الحاصلة إنما تحصل من نفس العمل المتقدم ليس إلا، إلا أنها إنما تحتاج إليها بتقدير تحقق الشرط وفرض وجوده، فإذا وجد هذا الفرض تصل نوبة الاستفادة منها وتقع

[ 227 ]

موقعها، وإلا فهي غير محتاج إليها ولا لازمة، فحيث إن الاستفادة منها لزوما أو استحبابا إنما هي على فرض خاص يشترط وجوب تحصيل محصلها بهذا الفرض، تقدم أو تأخر أو تقارن، كما في مثال الأمر بتهيئة وسائل إكرام زيد، فإن الإحتياج إليها إنما هو إذا جاء زيد فلذلك يعلق وجوبها عليه، فليس في البين حديث من تأثير الأمر المتأخر أو المتقدم في حدوث المصلحة في متعلق الحكم، وإنما دخالته لترتب غاية على متعلقه، فلا محذور. وأما في الوضع - كالملكية - فالمصلحة قائمة بانحفاظ النظام، وهو ينحفظ بجعل الملكية - مثلا - على طبق رضى الناس بعقودهم، ولو كان متأخرا عن زمان وقوع عقدهم، فلذلك يجعلها عقيب العقد بشرط رضا من له العقد، بمعنى: أنه ينشئ الملكية للمتعاملين المالكين من زمان العقد أو الإجازة والرضا إذا تحقق منهما الرضا أو الإجازة، فلا محذور أيضا. فمحصل الأمر: أن نفس المتقدم أو المتأخر شرط، إلا أن الشرط هنا ليس بمعناه المراد منه في الفلسفة، بل كل ماكان له دخل ولو إعدادا فهو شرط، كما هو معناه عرفا وفي غير مصطلح العقول، والإشكال والأجوبة ناظرة الى معناه المعقولي، ولذلك لا تحل بها العقدة، بل وهي خروج عن ظاهر الأدلة من كون المتأخر - مثلا - شرطا لا وصف التعقب به. ومما ذكرنا تعرف أن ما في الكفاية والفوائد إنما يتصدى ويفيد لرفع الإشكال عن المقامين الأولين، دون الأخيرين، فلاحظ. هذا كله في شرائط الأحكام. وأما في شرائط المأمور به: فأساس الإشكال - كما عرفت - أنه كيف يؤثر المأمور به في المصلحة ا لمترتبة عليه مع أنه غير واجد لشرط التأثير لتقدمه وانصرامه، أو لتأخره وعدم وجدانه ؟ وحل الإعضال بعد تسليم أن الشرط بوجوده الخارجي شرط لتحقق المصلحة المرادة، وإلا لما قيده المولى الحكيم العالم بالواقعيات به: أنه لا محذور في أن يكون المأمور به بنفسه مؤثرا في أثر

[ 228 ]

باق الى وجود شرطه المتأخر، إلا أنه ما لم يوجد هذا الشرط لا يصل بالمرتبة المرادة، فإذا وجد شرطه يزول عن المحل مانع، أو يوجد فيه كمال وقابلية فيستكمل هذا الأثر الموجود، ويصل الى الحد المراد، وهي المصلحة الملزمة، فصوم المستحاضة - مثلا - يؤثر في النفس أثرا نوريا ليس هي مصلحته الملزمة، بل هو ناقص عنها لمكان حدثها وقذارتها، فإذا اغتسلت زالت هذه القذارة عن نفسها ووصل هذا الأثر النوري الى الحد الكامل المطلوب، وهكذا الأمر بالنسبة الى الشرائط المتقدمة، فإنها توجب حالة صفاء وقبول للنفس - مثلا - باقية الى امتثال المأمور به، فإذا أتى به يؤثر فيها الأثر المطلوب. هذا كيفية الأمر في مقام الثبوت. وفي عالم الإثبات وتوجيه التكليف يتوجه الأمر الى العمل المتعقب بهذا الشرط أو المسبوق به، من غير لزوم أن يكون وصف التعقب أمرا موجودا من الإضافات المقولية، وإنما هو طريق إثباتي لإفهام أن الغرض الأصيل لا يحصل إلا إذا وجد الشرط أيضا في ظرفه. والجواب عنه بما في نهاية الدراية - من أن العبادات امور جعلية، ورسوم وعادات لا واقعية تكوينية، فلا بأس بجعل أمر متعقب أو مسبوق بكذا عبادة، لعدم لزوم وصف وجودي في الأمر المأمور به (1) - وإن كان صحيحا بنفسه دافعا للإشكال من أصله: إلا أن الالتزام بأن جميع العبادات كذلك لعله خلاف ظواهر الأوامر المتعلقة بالأعمال، حيث إن ظاهرها أنها منبعثة عن المصالح الكامنة فيها. كما أنه خلاف كثير من الأخبار الواردة في سر التشريعات وعللها، فراجع. وأما ما في الكفاية (2) - سواء اريد به حصول عنوان إضافي للمأمور به ملازم لعنوان إضافي آخر في شرطه المتأخر أو المتقدم، أم اريد به حصول عنوان في خصوص المأمور به إذا اضيف وقيس الى شرطه - فيرد عليه: أن هذا العنوان حيث


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 286. ط المطبعة العلمية. (2) الكفاية: ص 120. (*)

[ 229 ]

إن به تمامية مؤثرية العمل المأمور به في المصلحة، فلابد أن يكون ولو بالحيثية التي هي منشأ لهذا العنوان أمرا موجودا واقعيا، وحيث إن المفروض أن حصولها إنما هو بملاحظة وجود شرط المأمور به في موطنه - إذ لو لم يتحقق فيه لم يحصل هذا العنوان - فتحققها إنما هو بدخالة تكوينية لهذا الأمر المتأخر أو المتقدم، وفيه من المحذور ما تقدم. مضافا الى ما هو المعروف من تكافؤ المتضائفين قوة وفعلا، فيستحيل فعلية احدهما والآخر غير موجود، فهذا أيضا وجه آخر يبطل به الاحتمال الأول من احتمالي كلامه. ثم إنه يظهر مما ذكرنا من الإشكال المشترك بل المختص: أن القول بأن تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض وتأخرها كذلك من الإضافة المقولية مما لا يمكن تصديقه، إذ مقتضى أنه لو لم يتحقق المتأخر لما اتصف المتقدم بالتقدم، أن لوجود المتأخر دخلا في تحقق حيثية التقدم، وحينئذ فكيف يؤثر ما ليس بموجود قبل وجوده في وجود شئ ؟ ومثله الكلام في اتصاف المتأخر بالتأخر، كما أن مقتضى تكافؤ المتضائفين أن يكون تقدم المتقدم وتأخر المتأخر معين في الوجود، مع أنه لا يجتمع جزءان من الزمان في الوجود أصلا. وما عن صدر المتألهين (قدس سره): من أن معية أجزاء الزمان في الوجود اتصالها في الوجود الوحداني التدريجي، وجمعية هذا الوجود الغير القار عين الافتراق (1) فيه: أن معيتها وإن كانت كذلك إلا أنها - كما أفاد - عين الافتراق، وما لم تكن المعية عين الاجتماع دون الافتراق لم يحصل شرط تكافؤ المتضائفين، ولا شرط تأثير أحد المعين في وجود وصف الآخر. فالحق: أن التقدم والتأخر بين أجزاء الزمان أيضا ليسا من مقولة الإضافة، ولا من الموجودات العينية الواقعية، بل إنما هما امور انتزاعية ينتزعها ويدركها العقل عن الأجزاء الكذائية المتدرجة في الوجود، وليس كأنياب الأغوال، إلا أنها ليست بإزائها حيثية وجودية واقعية أيضا، ومثله ليس بعزيز كما في الإمكان


(1) الحكمة المتعالية: ج 3 ص 121 - 124. (*)

[ 230 ]

والعدم، ونحوهما. ومنه تعرف ما في جواب سيدنا الاستاذ العلامة - مد الله تعالى ظله ودامت بركات وجوده الشريف، ووفقنا الله تعالى ثانيا للاستضاءة من غزير علمه وشريف أخلاقه، برجوعه الى حوزتنا عاجلا - فإنه - مد ظله - جعل حل الإشكال بأن التقدم والتأخر الإضافيين وإن لم يتحقق إلا بين المعين في الزمان، قضاء لحق التضايف إلا أن المتقدم متقدم بواقع التقدم، والمتأخر متأخر بواقع التأخر، وهما أمران غير إضافيين. فنقول: إن كان هذا التقدم والتأخر إدراكيين انتزاعيين ليس إلا ولم يكن لهما وجود أصلا كان الأمر كما ذكره، إلا أنه حيث لنا الاحتياج - على الفرض - الى أمر به يتم علية المأمور به في المصلحة فلا محالة هو أمر موجود، واشتراط وجود السابق بأمر لاحق محال، كما عرفت. وفي المقالات في مقام حل الإشكال ما حاصله: أن المقدمة تارة شأنها إعطاء وجود ذيها، واخرى شأنها تحديد دائرة الوجود وتضييق سعة المعطي لوجودها بحد، أو تضييق سعة وجود الأثر بنحو يكون بهذا الحد قابلا للتأثير، أو قابلا للانوجاد، والمراد بالحد: نهاية الوجود، فهو ليس من سنخ الوجود، ولا العدم وإن كان له واقعية بتبع الوجود، وهذا الحد: تارة ذاتي لوجود خاص، واخرى عرضي يحصل له من تقييده بضميمة، وربما يحصل له بمقارنته لشئ أو سبقه أو لحوقه. ففي القسم الأول مما كان شأنه التأثير وإعطاء الوجود لا يعقل تقدمه ولا تأخره عن أثره، بل لابد وأن يكون مقارنا معه. وأما في القسم الثاني فحيث إن من البديهي أن دخله التحديدي ليس دخلا تأثيريا فكما يحصل من المقارن فكذلك من المتقدم والمتأخر (1). انتهى. أقول: الظاهر اختلاط الأمر عليه واشتباه التضييق الحاصل للمفهوم بالحاصل لحقيقة العين ومتن الوجود، بيانه: أن سعة الوجود انما هي بمعنى وجدانه للفعليات


(1) مقالات الاصول: ج 1 ص 299 - 300. (*)

[ 231 ]

المتصورة للوجود في قبال ضيقه الذي بمعنى فقدانه لبعض الفعليات، وكل منهما إضافي كما لا يخفى. فالوجود الوسيع إنما يتضيق بأخذ مرتبة من فعلياته الوجودية، فما لم تؤخذ فعلية من فعلياته لا معنى للحكم بحدوث ضيق فيه، وهذا بخلاف سعة المفهوم، فإن المفهوم إنما يحكى عما بإزائه من الفعلية المحدودة، فإن لم يقيد بقيد وجودا ولا عدما يقال: إنه وسيع، وإذا تقيد بقيد وجودي أو عدمي يعبر عنه بأنه مضيق، مع أنه في كلا الحالين لا يحاذيه إلا فعلية واحدة، ومعنى سعته: إنما هو إمكان وجوده في ضمن الفاقد والواجد من دون أن يكون وجود القيد أو عدمه داخلا فيه. وحينئذ نقول: إن قياس الشئ بأمر وجد سابقا أو سيوجد لاحقا: إن أوجب تضيق مفهومه بكونه عقيب هذ الأمر، أو سابقا عليه فهذا ليس تضييقا في حقيقته، بل هو باق على ماكان من فعلية الحقيقة، فلا معنى لحصول تغير فيما كان له من الأثر، اللهم إلا أن يوجب هذه المقايسة وجود وصف فعلي فيه يعينه على تأثيره في أثر مخصوص لا يمكنه التأثير فيه بدونه، أو يمنعه عن تأثيره بحد يؤثر فيه لولاه، لكن إيجابها لهذا الوصف الوجودي مستلزم لتأثير المتقدم أو المتأخر، وهو من الاستحالة بمكان. وإن أوجب هذا القياس تضيق حقيقته أوسعتها بحسب الكون والخارج فهو تأثير وجودي تكويني لا يعقل وجوده إلا بعلة وجودية يعتبر فيها معيتها مع أثرها. فالحاصل: أن حد الوجود هي الماهية، وهي منتزعة عن مقدار فعلية الوجود وحدها، وما لم تتغير فعليته لم تنقلب ماهيته، وتغيير الفعلية لا يمكن إلا بعلة إلهية واقعية، والأمر المتقدم أو المتأخر ليس له هذا الشأن، كما لا يخفى. وأما ما في تقريرات بحث بعض الأعلام (قدس سرهم): من أن شرائط المكلف به خارجه عن محل النزاع، إذ حقيقة الاشتراط ترجع الى أن الإضافة الحاصلة بين المكلف به والأمر المتأخر أو المتقدم شرط في صحته، وحصولها مما لا محذور

[ 232 ]

فيه، وإنما محل الإشكال شرائط الوضع أو التكليف، والحق فيه هو الامتناع، إذ الأحكام الشرعية كلها من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون موضوع الحكم فيها هو العنوان الكلي مرآة لما يمكن تحققه من الأفراد، ولا دخل لعلم المتكلم وجهله بتحقق فرد وعدم تحققه في حكمه، بل الموضوع هو العنوان الكلي بنحو المرآتية يترتب حكمه على كل فرد يتحقق في الواقع، والشرائط حيث إنها من قيود الموضوع، والموضوع بالنسبة الى حكمه من قبيل السبب بالنسبة الى مسببه، لتوقف الحكم على موضوعه وترتبه عليه فتجويز الشرط المتأخر مرجعه الى تقدم الحكم على بعض أجزاء موضوعه، وهو في قوة تقدم المعلول على علته، انتهى ملخصا (1). ففيه أولا: أنه لا وجه لإخراج شرائط المكلف به عن محل النزاع بعد ما عرفت من تقريب الامتناع فيه أيضا، وتنظير الشرائط المتأخرة له بالأجزاء المتدرجة للمركب تعميم وتكثير لمورد الإشكال، والإضافة الحاصلة التي ذكرها قد عرفت أنها أمر إعتباري لا يدفع به الإشكال، فتذكر. وثانيا: أن إرجاع شرط الحكم الى قيود موضوعه مما لا وجه له، بل الشرط بمنزلة حيثية تعليلية لمجئ الحكم وثبوته على موضوعه. وثالثا: أنه لا برهان على أن الموضوع بالنسبة الى حكمه من قبيل السبب بالنسبة الى مسببه، وإنما ما تقتضيه القضية الحقيقية أن المتكلم الحاكم أثبت الحكم على موضوعه في فرض وجوده ووجود شرطه، والحكم - كما عرفت - أمر اعتباره بيده، ولا بأس بقصر اعتباره على فرض مخصوص كما هو ظاهر. ورابعا: أن المراد من كلام الكفاية: ليس دخل علم المولى وتصديقه بوجود الشرط خارجا في حكمه، بل مقصوده: أن وجوده التصوري واللحاظي شرط، وهو حاصل، فليس كلامه مبنيا على خلط القضايا الخارجية بالحقيقية كما أفاده، فراجع. والعجب من العلامة السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) حيث أفاد: أنه لا دليل


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 272 - 277. (*)

[ 233 ]

على امتناع الشرط المتقدم والمتأخر في التكوينيات فضلا عن الامور الاعتبارية (1). وأنت تعلم أن توقف أمر يوجد الآن في وجوده على ما لم يتحقق بعد من أوضح الممتنعات، حتى في المعدات، فضلا عن الشرائط التي يراد بها ما يكون بوجودها متمما لفاعلية الفاعل أو قابلية المحل، ولذلك أيضا يحكم العقل بلزوم تقارنها وعدم جواز تقدمها أيضا. ثم إنه (قدس سره) أجاب عن الإشكال بوجه ثان، وهو: أن الشرط المتأخر إذا كان شرطا للحكم، فهو في الحقيقة شرط لحكم العقل بالإمكان على موضوع عقلي، إذ العقل يحكم بأن تكليف المكلف ممكن إذا كان مميزا قادرا حين العمل، فالقدرة حين العمل - مثلا - شرط اتصاف التكليف بالإمكان في هذه القضية العقلية، لا شرط وجود التكليف في الخارج، فلا محذور فيه، وإذا كان شرطا للمكلف به فهو: إما يوجب حصول قيد في المكلف به من دون توقف لأصل عنوانه عليه، وإما يكون دخيلا في انتزاع عنوان بسيط عنه. ففي القسم الأول حيث إن وجود المكلف به لا يتوقف عليه وإنما المتوقف تقيده فلا محذور فيه، إذ هو كما يتقيد بالمقارن يتقيد من ناحية المتقدم والمتأخر أيضا، وهكذا القسم الثاني، إذ وجود ذات المكلف به لا يشترط بشرط، وإنما المشروط انتزاع عنوان عنه، ودخالة أمر متأخر فيه مما لا إشكال فيه، كما في انتزاع عنوان الاستقبال عن مشي الماشي لاستقبال المسافر فإن قدومه المتأخر دخيل فيه، ولا محذور (2). انتهى ملخصا. وفيه ما لا ينبغي أن يخفى: أما ما أفاده في شرائط الحكم ففيه: أنه إذا كان إمكان شئ ولو وقوعا مشروطا بامر متأخر فلا محالة يكون وجوده متوقفا على تحقق هذا المتأخر، وهو مايفر عنه. مضافا الى ما أفاده العلامة المقرر (3) لبحثه: من أن هذا إنما يتم في الشرائط العقلية دون الشرائط الشرعية المتأخرة.


(1) نهاية الاصول: ج 1 ص 163. الطبعة الثانية. (2) نهاية الاصول: ج 1 ص 164 - 166، الطبعة الثانية. (3) المصدر السابق: ذيل ص 165. (*)

[ 234 ]

وأما ما أفاده في شرائط المأمور به ففيه: أن الإضافات والعناوين إذا كانت اعتبارية فهي كما أفاد، يصح انتزاعها بلحاظ أمر متقدم أو متأخر كالمقارن، وأما الحيثيات الواقعية فكيف يعقل توقفها على أمر متأخر ؟ وقد عرفت ابتناء الإشكال في جميع الموارد على الحاجة الى حيثية وجودية توقفها على أمر متأخر محال. وأعجب من جميع ذلك ما أفاده استطرادا: من أن الأمر بالمقيد يتعلق - ولو بالانبساط - على نفس القيد، إذ التقيد الذي هو جزء تحليلي للمأمور به يكون بوجود القيد فينبسط الأمر النفسي عليه كانبساطه على الأجزاء، وأنت خبير بأن التقيد وإن كان بلحاظ وجود القيد إلا أنه غيره، فهو أمر انتزاعي ينتزع من كونه مع القيد أو مسبوقا أو ملحوقا به، لا نفس القيد، وعليه فالقيد من المقدمات إن امر به فهو واجب غيري، وإنما ينبسط الأمر والوجوب النفسي على التقيد وخصوصية كونه معه مثلا، كما لا يخفى، قد خرجنا عن رسم الأدب، ونتوب الى الله تعالى فهو المستعان. ثم إن الظاهر دخول المقدمات بجميع أقسامها من المتأخر والمتقدم والمقارن في محل النزاع بعد وجود ملاك الوجوب الغيري في جميعها على السواء. الأمر الخامس: في تقسيمات الواجب، لاتضاح أنه بجميع أقسامها محل النزاع أم لا ؟ 1 - فمنها: تقسيمه الى المطلق والمشروط: وقد عرفهما القوم بتعاريف وقعت بينهم محل النقض والإبرام من حيث الاطراد والانعكاس، والظاهر أنهم لا يختلفون هاهنا - كسائر الموارد - في معناهما بحيث ينتج اختلافهم في المصاديق حتى يرى بعضهم أن المورد الكذائي من المطلق - مثلا - وينكره الآخر، إلا أنه لا ينافيه أن يكون تصديهم للتعريف في مقام شرحهما بحيث لا يشذ عنه فرد، ولا يدخل فيه خارج، كما يشهد بذلك قيامهم من الصدر الأول مقام الإيراد على التعاريف طردا أو عكسا، فالقول بأن

[ 235 ]

تعاريفهم تعاريف لغوية لابيان وشرح للماهية خلاف ظاهر كلماتهم، فما في الكفاية مرارا محل إشكال بل منع، كما أن تعبيره - ولو بقرينة ما أفاده في أول بحث العام والخاص - خلاف الاصطلاح، كما بينه المحقق صاحب نهاية الدراية، فراجع (1). ثم إنه لاريب في أن الأحكام الشرعية متعلقها - أعني المكلفين - وموضوعاتها امور كلية تتوقف فعلية هذه الأحكام على وجود صغريات وأفراد لهذه الكليات وانطباقها عليها، لكن هذا التوقف لايمنع عن الجعل القانوني الكلي على هذه العناوين الكلية قبل وجود أفراد لها، فالشارع يجعل حكم وجوب الصلاة أو حرمة الخمر على من بلغ حد التكليف، من غير توقف لجعله هذا على بلوغ المكلف حده، ولا على وجود الخمر حين جعل القانون، إلا أنه قد يوقف وينيط جعله لهذا القانون الكلي الغير المتوقف من الجهتين: ينيطه بوجود شرط، وتحقق أمر في الخارج، والظاهر أن هذا القسم الثاني هو الواجب المشروط، وذلك الأول هو الواجب المطلق، وعليه فلا غرو في دعوى أن لنا واجبات مطلقة (2) من جميع الجهات وبنحو الحقيقة، وإن كان هذا لا يمنع عن كون الإطلاق أو الاشتراط إضافيا أيضا. فالحاصل: أن الإطلاق كالحصر يمكن أن يكون حقيقيا، ويمكن أن يكون إضافيا، وهما محققان في التكاليف، وإن كان الاشتراط الحقيقي الذي معناه الاشتراط بكل أمر غير موجود فيها، وعليه فما في الكفاية (3) من كون الإطلاق


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 286. ط. المطبعة العلمية. (2) هذا إنما يتم إن اريد بالمطلق ما لم يعلق على شرط في ظاهر دليله ولسانه، وإلا فلا ينبغي الريب في عدم تحقق الوجوب ما لم يتحقق عنوان المكلف كما يظهر للمتدبر وهكذا قد تؤخذ في متعلق موضوع الأحكام امور تتوقف فعليتها على وجودها، كما إذا قال: " أكرم الرجال العلماء " فلا وجوب فعلي لإكرام زيد - مثلا - قبل أن يصير عالما، فالواجب المشروط قسمان وإن كان يوهم ظاهر بعض كلماتهم انحصاره في خصوص ا لمعلق على شرط. (منه عفي عنه). (3) الكفاية: ص 121. (*)

[ 236 ]

أيضا إضافيا فقط محل تأمل وإشكال. ثم إنه لا شك أنه إذا ورد من المولى: " إن جاءك زيد يجب على كل أحد صلاة ركعتين، أو فليصل كل احد ركعتين " فظاهره أنه جعل جعله لهذا الحكم منوطا بتحقق هذا الشرط، فما لم يتحقق فلا وجوب. وبعبارة اخرى: مفاد " يجب صلاة ركعتين، أو فليصل ركعتين " - مثلا - بنفسه قانون كلي، وهو كما عرفت في مقام فعليته مشروط بانطباق عنوان المكلف - وعنوان الموضوع في بعض الموارد - على مصاديقه الخارجية، لكن هذا التوقف لا يمنع عن تحققه اللائق بالوجوب القانوني قبل تحقق هذه المصاديق. هذا هو مفاد هيأة " افعل " مثلا، أو المادة الدالة على الوجوب مثلا، ومفاده هذا - وهو البعث القانوني - بقانونيته قد انيط وعلق على تحقق الشرط في الواجب المشروط، فما لم يتحقق الشرط فلا وجوب قانوني أصلا، لا أن الوجوب القانوني موجود، وإنما لم يصل الى الفعلية حتى يكون الشرط شرطا لمقام فعليته فقط. وما حققناه ظاهر بل صريح المحقق صاحب نهاية الدراية (قدس سره) فراجع. وللكلام تتمة تأتي عن قريب - إن شاء الله - بعد ورقتين. نعم، قبل تحقق الشرط مفاد الجملة الشرطية موجود اعتبارا في قبال عدمه، بمعنى: أن الشارع أنشأ أن الوجوب متحقق في هذا الفرض وبهذا الشرط، وهذا المعنى التعليقي أمر متحقق في قبال عدمه، لا يبعد الحكم ببقائه بالاستصحاب إذا شك فيه، وأما الوجوب القانوني فلا أثر منه ما لم يتحقق ما جعله الحاكم شرطا لوجوده، وتحققه. فالحاصل: أن تحقق مفاد الهيأة - وهو الوجوب - بمقتضى هذه الإناطة والاشتراط موقوف على وجود الشرط خارجا فلا وجوب قبل تحققه، بل الأمر كذلك في التكاليف والقوانين المجعولة على العناوين الكلية، كما إذا قال: " لله على كل مستطيع حج البيت " فإن هذا القانون الكلي وإن كان ثابتا من غير توقف على شئ إلا أن مفاد " على " - وهو الوجوب القانوني - إنما يتحقق إذا تحقق

[ 237 ]

موضوعه، أعني المستطيع، إذ الوجوب إنما جعل على واقع المستطيع، ولا واقع له إلا من يتصف بالاستطاعة خارجا، ومنه تعرف أنه لا فرق بحسب الواقع بين مااذا قال: " إن استطعت فحج " وما إذا قال: " يجب الحج على المستطيع " فإن واقع الوجوب إنما يتحقق إذا تحقق واقع الاستطاعة، كما لا فرق بينهما بحسب الملاك وإنما تمام الاختلاف في التعبير. فهذا هو ظاهر القضية الشرطية. لكنه هل الأخذ به بلا إشكال أم لا ؟ قد اشكل عليه بطائفتين من الإشكال: الاولى: ما يكون راجعا الى رجوع الشرط الى مفاد الهيأة، من حيث إن رجوعه هذا مستلزم للمحال بملاحظة مفاد الهيأة. والثانية: ما تكون مربوطة الى مقام مبادئ الجعل، وأن تحقق الإرادة وتعلقها بالعمل طبقا لهذا الظاهر محال. أما الاولى فهي امور: منها: ما في التقريرات: من أن مفاد الهيأة معنى حرفي ايجادي والمعاني الإيجادية الحرفية امور شخصية، لا معنى لورود التقييد عليها، فإن التقييد شأن المفاهيم الكلية (1). وفيه أولا: أن الحق أن معاني الحروف أيضا امور كلية قابلة للتقييد كالأسماء وإن خالفتها في الحقيقة، وتمام الكلام في محله. وثانيا: أن مرجع الاشتراط الى التعليق لا التقييد، وتعليق وجود جزئي على شرط لا ينافي جزئيته كما لا يخفى. وأما ما في الكفاية من الجواب بعد التسليم ففيه ما ذكره في نهاية الدراية، فراجع (2). كما أن ما في المقالات - واختاره سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله -: من أن


(1) نقله في أجود التقريرات: ج 1 ص 131. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 294. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 238 ]

الشخص يصح تقييده بحسب الأحوال (1) فيه: أن لازمه وجود هذا الشخص في غير ذاك الحال أيضا، فيكون الوجوب ثابتا قبل الشرط أيضا، وقد عرفت أن الظاهر والمدعى عدم تحققه قبله. ومنها: أن المعاني الحرفية التي منها مفاد الهيأة - امور غير مستقلة باللحاظ، فتقييدها إن كان بتبع ا لمعاني الاسمية، بأن يورد التقييد عليها فيتضيق المعنى الحرفي بتبعها فلا بأس به، إلا أن تقييد أنفسها أولا وبالذات، أو تعليقها، مستلزم للحاظها استقلالا، وهو مناف لحقيقتها، بل موجب لاجتماع اللحاظين المتنافيين. وفيه أولا: أن التحقيق: قابلية المعاني الحرفية أيضا لأن ينظر إليها مستقلة وإن كان مفهومات الحروف غير الاسماء إلا أنهما مشتركة في قابلية توجه اللحاظ إليها بأنفسها. وثانيا: أن ما ذكر إنما يمنع عن لحاظها استقلالا حين اللحاظ الاستعمالي، وهو لايمنع عن لحاظها ثانيا لتوجيه التقييد والتعليق إليه، وإن كان هذا لحاظا له بعنوانه لا بنفسه، لكنه كاف كما كفى عند وضع الألفاظ له، وتفصيل هذا المجمل يطلب من النهاية، فراجع (2). وثالثا: أن الآمر بذكر أداة الشرط يركز نظره الى ظرف تحقق الشرط، وفي هذا الظرف يبعث نحو مطلوبه، فالبعث ملحوظ كملحوظيته في سائر الموارد، وإنما يلاحظ استقلالا هذا الظرف، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: إن التقييد هنا تعليق، فلا يلزمه لحاظ المعلق لحاظا استقلاليا. ومنها: أن الإنشاء هو إيجاد المنشأ، ولا شك في أن المولى أنشأ الوجوب، فلو لم يتحقق عقيبه لزم انفكاك الوجود عن الإيجاد، وهو محال.


(1) مقالات الاصول: ج 1 ص 321. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 294 - 295. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 239 ]

وفيه: أن حقيقة الإنشاء ليست إلا استعمال اللفظ في معناه، وإلقاء المعنى باللفظ كما في الأخبار، بل وكما في المعاني التصورية، وإنما يفترق عن الإخبار والتصورات بأن مفاده مصداق لإيجاد أمر اعتباري، وجعل اعتباري لهذا الأمر الاعتباري، فإذا علق واشترط جعله الاعتباري على شرط فلا محالة لا جعل له لهذا الأمر الاعتباري إلا في ذاك الموطن الخاص، فتبعا لجعله لا يتحقق مجعوله إلا في هذا الموطن، وإلا لزم تحقق المنشأ بلا إنشاء، فكما أنه إذا أخبر بقضية تعليقية مثل قوله: " إن سافرت اسافر معك " فإنما حكى عن أنه يتحقق منه هذا الأمر المعلق، أعني سفره - مثلا - في فرض خاص وموطن مخصوص، أعني في فرض سفر مخاطبه، فكذلك إذا قال: " إن سافر زيد يجب عليك السفر " إنما ينشئ وجوب السفر في فرض مسافرة زيد وموطنه، فكما لا تحقق لما أخبر به هناك في غير فرض شرطه، كذلك لا تحقق للوجوب هنا إلا إذا تحقق شرطه، وهذا هو مراد الكفاية بقوله: وإنشاء أمر على تقدير كالإخبار به بمكان من الإمكان، كما يشهد به الوجدان (1). انتهى. لا ما في نهاية الدراية فلا يرد عليه ما فيها، فراجع (2). هذا كله في الإشكال الإثباتي، ورجوع القيد الى الهيأة. وأما الثانية: فهي ما في التقريرات في مواضع متكررة، وحاصله ما في الكفاية، ومرجعه الى دعوى شهادة الوجدان بفعلية الإرادة والشوق المؤكد في جميع الصور، ولازمها فعلية البعث والوجوب، وكون الوجوب استقباليا. هذا. والجواب عنه: أنا إذا راجعنا أنفسنا نجد القيود على قسمين: فتارة يكون القيد بحيث لو لم يتحقق فلا حاجة لنا أو لمن نقوم بشأنه الى ذلك الفعل المقيد، كشرب الدواء، فإنا مادمنا سالمين فلا حاجة لنا ولاقصور في جسمنا تقتضي شرب الدواء، بل ربما كان شربه مضرا بحالنا وسلامتنا، فالمرض قيد، وجوده شرط حدوث احتياجنا الى شرب الدواء. وتارة يكون الاحتياج حاصلا، إلا أن القيد لو لم يتحقق لم يؤثر الفعل، ولم


(1) الكفاية: ص 123. (2) نهاية الدراية: ج 1، ص 298. (*)

[ 240 ]

يقم برفع احتياجنا، مثل كون الشرب عند الصبح على الريق مثلا، فإنا بعد مامرضنا فجسمنا محتاج الى شرب الدواء عند الصباح مثلا، فتحقق الصبح ليس شرط حدوث الاحتياج، بل إنما هو شرط تأثير شرب الدواء في حصول ما به الحاجة، فقبل الصبح أيضا تكون الحاجة محققة لكن المحتاج إليه أمر استقبالي. والوجدان شاهد على أنا في القسم الأول من القيود ليس لنا حب وشوق فعلي قبل تحقق القيد، فإنا لا نحب ولانشتاق شرب الدواء حبا واشتياقا فعليا مادمنا سالمين، بل ربما نكرهه كراهة شديدة. نعم، نعلم في حال السلامة بأنه إذا مرضنا نشتاق الى شربه، وهذا ليس شوقا فعليا، بل إنما هو علم بفعليته في ظرف حصول شرطه، فإذا مرضنا حصل لنا شوق فعلي الى شرب الدواء، رفعا لما ابتلينا به من المرض، فإذا كان لقيامه بحاجتنا شرط استقبالي فبالوجدان نشتاق إليه بقيده ولو قبل وجوده، وهكذا يكون حالنا وشوقنا بالنسبة الى شرب الدواء - مثلا - ممن نقوم بشأنه ونطلب رفاهه وصلاحه، كأولادنا وأعزتنا. فالمولى الذي بصدد صلاح أمر عبيده أو إصلاح أمر نفسه بواسطتهم لا يكون له إرادة وشوق إذا كان لفعلهم قيد من قبيل القسم الأول ولم يتحقق بعد، وإنما يشتاق ويريد فعلهم بعد ما تحقق هذا القيد، لكنه لمكان علمه بأنه إذا تحقق هذا القيد فالعمل فيه صلاح واليه حاجة، فلذلك يقوم مقام إيجاب هذا العمل عليهم في فرض تحقق هذا القيد وحصوله الذي هو فرض حدوث الصلاح فيه والحاجة إليه. والتحقيق: أن الأحكام الشرعية بل الواجبات العرفية أحكام قانونية، ووظائف جعلية لا تحتاج في ظرف تحققها الى فعلية الإرادة في الواجبات، ولا الى فعلية الكراهة في المحرمات، لكنها مع ذلك في مقام جعلها تكون تابعة للإرادة الشأنية، بمعنى: أنه إنما يتحقق الوجوب القانوني في مورد لو علم بخصوصية الأمر لحصل الاشتياق إليه فعلا، كما يشهد به مراجعة وجداننا، وديدن العقلاء في جعل الوظائف لعبيدهم وغيرها، ومعلوم أن الشارع الأقدس لم يتعد عن هذه

[ 241 ]

الطريقة العقلائية في جعل قوانينه. وبالجملة: فطبقا لكلماتهم حصول الشوق المؤكد الى فعل الغير - في الواجبات المشروطة - موقوف على حصول شرطها بحكم الوجدان، ولذلك فالوجوب المتوقف على الشوق والارادة يجب ان يكون تحققه مشروطا بهذا الشرط، ولهذا فالمولى الجاعل للوجوب يلاحظ فرض تحققه ويأمر به، ويجعل الوجوب في خصوص هذا الفرض، وشرط تحقق الوجوب هو تحقق هذا الفرض في الخارج، لا وجوده اللحاظي، فما في المقالات غير وجيه. هذا. ولو سلم أن الإرادة فعلية في جميع القيود - على ما ذكره الشيخ (قدس سره) فيمكن الجواب عنه: بأن هذا الشوق إنما يتأكد مع عدم المانع، فلعل في البين مانعا يمنع عن جعله مطلقا لا مشروطا، ولو على القول بتبعية الأحكام لمصالح ومفاسد في متعلقاتها، بداهة أن المصالح والمفاسد مقتضيات للأحكام، لا علل تامة، كما بينه في نهاية الدراية (1). وأما ما يظهر من الكفاية: من أن التبعية إنما هو للحكم الواقعي الإنشائي لا الفعلي ففيه: أن ظاهر الإناطة والاشتراط في القضية الشرطية أن الوجوب بأنحاء وجوده موقوف على تحقق الشرط، بحيث لا وجود له رأسا وأصلا قبل شرطه، اللهم إلا أن يكون مراده بالفعلية قبال القوة، كما أفاده الآية سيدنا العلامة الطاهري دامت بركاته، لا ما هو من مراتب الحكم عنده، لكنه مع كونه خلاف الظاهر بنفسه قد يأباه تنظير المقام بمورد قيام الاصول والأمارات وبالأحكام المودعة عند ولي الله عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنها أحكام بلغت حد الفعل وخرجت عن القوة وإن لم تبلغ مرتبة الفعلية. مضافا الى أنه قد سلم أن الأحكام تابعة للمصالح وقوة الحكم ليست حكما. فقد تلخص: أن الأخذ بظاهر القضية الشرطية بلا محذور، فلا وجوب قبل تحقق الشرط.


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 300. ط المطبعة العلمية. (*)

[ 242 ]

ثم إن بعض الأعاظم في تقرير بحثه أفاد: أنه لما كانت القضايا الشرعية قضايا حقيقية لا خارجية فلهذا لافعلية للوجوب إلا بعد تحقق جميع القيود المأخوذة فيها، كما أن المحمول في القضية الحقيقية الخبرية لا يتحقق خارجا إلا إذا وجد الموضوع بجميع قيوده (1). ولازمه - كما التزم به بعض أجلة تلاميذه في كتابه منتهى الاصول (2) -: أنه إذا تحقق عنوان المكلف بجميع قيوده ولكن كان الوجوب أو الحرمة متعلقا بأمر خارجي - كما في قوله: " حرمت عليكم الخمر " - ولم يتحقق بعد هذا الأمر فمع ذلك كله لا تتحقق الحرمة أصلا، لتوقفها على وجود الخمر الغير المتحققة بعد. لكن الحق أن نحقق الوجوب أو الحرمة أو غيرهما، إنما يتوقف على تحقق ما جعله شرطا للوجوب أو عنوانا للمكلف وبعد تحققهما فالحرمة أو الوجوب ثابتة، فإن الوجوب الفعلي - كما عرفت - مبدؤه حصول احتياج العبد ووجوده. والمولى بعد إحراز حاجة العبد لا محالة يشتاق الى فعله القائم بحاجته، وإن كان هذا الفعل متعلقا بأمر لم يتحقق بعد ومقتضى الظواهر اللفظية أيضا ليس أزيد من إناطة الوجوب والبعث بوجود موضوعه وشرائطه، وأما وجود المبعوث إليه فليس مما تقتضيه (3). وبعبارة اخرى: سواء كان التكليف بهيأة الأمر أو النهي، أو بمادتهما، أو بما يساوقهما فالظاهر عند العرف أن المكلف بوجوده الواقعي موضوع، ومفاد الهيأة أو المادة مع تمام متعلقاته بمنزلة المحمول له يثبت للموضوع إذا حصل وتحقق،


(1) فوائد الاصول: ج 1 الجهة الثانية مما تمتاز بها القضية الخارجية عن القضية الحقيقية ص 174 - 177 طبعة النجف. (2) منتهى الاصول للاستاذ العلامة البجنوردي: ج 1 ص 161 - 163. (3) هذه الكلية صحيحة، إلا أنه قد يكون حصول أمر آخر دخيلا في حدوث الحاجة للعبد، ولانسلم أن مقتضى الظواهر حصر الدخالة في خصوصيات المكلف، فإن قوله: " أكرم من كان من الطلاب مشتغلا بالبحث الخارج " ظاهر في أن فعلية البعث متوقفة على الاشتغال بالخارج، فمن لم يشتغل به فلا وجوب لإكرامه، وحدوث الوجوب موقوف على حصول الاشتغال به، فالحق مع هذا البعض كما مر (منه، عفي عنه). (*)

[ 243 ]

من دون أن يتوقف ثبوته على حصول قيود المادة أو الهيأة ومتعلقاتهما في الخارج، فإذا قال: " المستطيع، أو إن استطاع المسلم فعليه الحج في الموسم " فظاهره أنه إذا تحقق الشرط أو الموضوع يثبت على المكلف هذا التكليف، وإن كان متعلق الوجود بأمر خارجي، وهكذا في قوله: " حرمت عليكم الخمر " ونحوه، فإذا بلغ المكلف فالخمر عليه حرام بلا انتظار حالة متنظرة، فالآن حرام عليه شرب الخمر، وإن كان شرب الخمر يتوقف على خمر خارجية وشرب كذلك، فتدبر جيدا. ومنه تعرف أن فعلية البعث مساوقة لفاعليته بالنسبة الى قيود المكلف ونفس عنوانه، ومفارقة عنها أحيانا بالنسبة الى عنوان المكلف به وقيوده، فإطلاق القول بالمساوقة - كما في نهاية الدراية - كإطلاق القول بالمفارقة - كما في المقالات - غير وجيه. ثم إنه لا ريب في خروج مقدمات الوجوب وشرائطه عن محل النزاع، سواء في ذلك مبنى المشهور وغيرهم، أما على مبنى المشهور المنصور فقد مر وجهه مستوفى عند الكلام في تقسيم المقدمة الى مقدمة الوجوب والوجود وغيرهما، وأما على مبنى الشيخ الأعظم (قدس سره) من رجوع القيد الى المادة فلان هذا القيد على مختاره (قدس سره) معتبر فيه أن لا يكون وقوعه على وجه التكليف. قال في التقريرات في بيان الواجب المشروط: وقد يكون الفعل المقيد ذا مصلحة لكن على تقدير وقوع القيد لا على وجه التكليف (1). أنتهى. ولذلك لما جعل (قدس سره) عبادية التعبديات بأمرين قال (قدس سره) في التقريرات: فالواجب المشروط بالنسبة الى المقدمة الوجوبية والواجب التعبدي في طرفي الخلاف، فإن المصلحة في الأول على وجه لا تكون ا لمقدمة المقدورة موردا للتكليف، والمصلحة في الثاني على وجه يحتاج إحرازها للمكلف وإيصالها إليه الى التكليف لطفا (2). انتهى.


(1) مطارح الأنظار: ص 48 س 27. (2) مطارح الأنظار: ص 49 س 2. (*)

[ 244 ]

وكيف كان فبعد اعتبار هذا القيد في القيد فلا يعقل تعلق التكليف به. وأما ما في الكفاية ففيه ما لا يخفى. وأما على مبنى المقالات والدرر من أن حقيقة الوجوب المشروط: وجوب فعلي متعلق على تقدير الشرط بالفعل، فلأن القيد على هذا المبنى أيضا قيد للهيأة وتعلق الوجوب، فيشترك مع قول المشهور في وجه عدم تعلق الوجوب الغيري بمقدمته. وخروجها عن محل النزاع. نعم، لا ينبغي الإشكال في دخول مقدمات وجود الواجب المشروط في محل النزاع، قالوا: " وإن كان وجوبها تابعا في الاشتراط والإطلاق لوجوب ذيها " وفيه كلام يأتي - إن شاء الله تعالى - عند البحث عن المقدمات المفوتة. نعم، فيما إذا كانت المقدمة غير مفوتة فيمكن أن يقال: إن الأمر على مبنى المشهور وإن كان كما ذكر إلا أنه على مبنى الشيخ الأعظم (قدس سره) لابد له وأن يفصل بين ما إذا كان مصلحة الواجب قبل حصول شرطه تامة كما في المعلق على مبنى غيره، وما إذا توقف فيه بالمصلحة على حصول شرطه كما في المشروط المشهوري، ففي القسم الأول فعلية وجوب الواجب حيث إنها ملزومة لشوق فعلي تام الى العمل فهي تقتضي فعلية وفاعلية وجوب مقدمته ولو قبل تحقق الشرط، بخلاف القسم الثاني، إذ فعلية الوجوب لم تنشأ عن شوق فعلي، فهي وإن اقتضت وجوب مقدمته إلا أنه أيضا بالأخرة ناش عن هذا المنشأ بعينه، فيكون مثل وجوب ذيها في الفعلية والفاعلية. ومنه تعرف أن إطلاق كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) على ما في التقريرات: بأن وجوب المقدمة تابع لذيها في الاشتراط كإطلاق ظاهر كلام الكفاية: بأن لازم مبناه (قدس سره) فعلية وجوب المقدمة في الحال، كإطلاق كلام نهاية الدراية، بأنه (قدس سره) لابد وأن يلتزم بالفاعلية على فرض الفعلية كلها منظور فيه. وأما معرفة الوجوب فهي ليست من مقدمات وجود الواجب، بدليل إمكان تحققه ولا يعرف وجوبه، والعقل لا يحكم بوجوبها تعيينا، بل إنما يحكم بأن على

[ 245 ]

المكلف: إما أن يحتاط في مقام العمل، وإما أن يفحص عن وجوب العمل ولا وجوبه، وتمام الكلام في محله. تذنيب لاشك في أن مفاد الهيأة ليس الا البعث نحو إتيان المادة، وحينئذ فكما أنه لو استعمل في الوجوب المطلق لم يستعمل إلا في معناه فكذلك إذا استعملت في المشروط، فإن مفاد الشرط أنه في هذا الفرض مفاد الهيأة ثابت، فالهيأة لا تستعمل إلا في مفادها، وإن علق هذا المفاد بدال آخر على شرط وفرض، بل وكذلك لو استعملت وكان المتكلم بصدد الإهمال لابيان الإطلاق ولا الاشتراط، فإن كونه بصدد الاهمال لا يوجب تغييرا في المستعمل فيه الهيأة، أعني: البعث نحو الإتيان كما لا يخفى، فالهيأة في جميع أنحاء هذه الاستعمالات مستعملة في معناها الموضوع له، بلا تأول وادعاء، فكلها استعمالات حقيقية. ثم إنه لو شك في الوجوب أنه مطلق أو مشروط: فإن كان للكلام إطلاق فالظاهر أن إطلاق الهيأة يقتضي الوجوب المطلق بمعنى: أنه كما أنه إذا كان متعلق التكليف مثل عتق الرقبة مطلقا يحكم العرف بأنه تمام مراد المولى وتمام موضوع حكمه كذلك إذا كانت الهيأة مطلقة يحكم بأن مفادها ثابت على المكلف من غير انتظار حالة منتظرة، فدلالتها على الوجوب المطلق نظير دلالة متعلقها على كونه مطلقا، لا نظير استفادة الوجوب منها، فإنها بملاحظة حكم العرف بأن البعث حجة على الوجوب ما لم يثبت خلافه، وليس من باب استفادة الأمر من الإطلاق اللفظي، فتدبر جيدا. وإن شك ولم يكن إطلاق لفظي فظاهر كلماتهم أن الأصل العملي ينتج الاشتراط. وتحقيق الوجه فيه: أما على المشهور وما بحكمه فلأن توجه الوجوب على المكلف في فرض وجود الشرط مقطوع، وفي غيره مشكوك يحكم بعدمه بالبراءة شرعا وعقلا، وأما على مختار الشيخ الأعظم (قدس سره) من رجوع الشرط الى

[ 246 ]

المادة فلأن الشك وإن كان من قبيل الأقل والأكثر الارتباطي، وينحل الى علم تفصيلي بوجوب الأقل وشك بدوي في وجوب التقيد - لا القيد - إلا أن الإلزام بالتقيد يوجب سعة على المكلف لا ضيقا، فإنه لو كان الواجب مقيدا لما كان يجب الإتيان به أصلا في فرض عدم حصول الشرط والقيد، فوجوب التقيد يوجب سعة لا ضيقا، فلا يجري في رفعه أدلة البراءة. وحينئذ يقال: إن كان الواجب مشروطا كان مصاديق الواجب خصوص المقيد بالشرط، وإن كان مطلقا عمها وما كان فاقدا له، فتعلق الوجوب بالمقيد معلوم، ولو بما أنه مصداق للمطلق، وتعلقه بالخالي عن القيد مشكوك، وحيث إن تعلقه به ولو بما أنه مصداق لصرف الوجود يوجب ضيقا على المكلف تجري عنه البراءة شرعا وعقلا. هذا غاية تقريب البراءة على مختار الشيخ (قدس سره) وهو بعد غير واضح. وأما ما في التقريرات: من أن الوجوب قبل تحقق الشرط وفي فرض عدمه مشكوك فهو أشبه بالعدول عن المبنى. هذا. والتحقيق أن يقال: إن ما افيد إنما يتم إذا كان الفرض فرض عدم حصول الشرط الى آخر وقت الوجوب، وأما إذا كان المفروض حصول الشرط، فلا ريب في أن الاشتراط حينئذ يوجب ضيقا، والإطلاق يوجب سعة على المكلف يمكنه بمقتضاه أن يأتي بالواجب قبل حصول محتمل الشرطية وبعده، وعليه: فإجراء البراءة بالبيان المزبور غير صحيح، بل على مبنى الشيخ الأعظم (قدس سره) تجري البراءة عن وجوب التقيد، وعلى مبنى غيره لا يمكن إجراء أدلة البراءة في شئ من الطرفين، إذ الوجوب بعد الشرط مسلم، وقبله مشكوك لا يمكن إجراء البراءة فيه لكونه سعة. اللهم إلا أن يقال بأن الاشتراط لما أوجب الضيق يحكم العقل بالبراءة عنه فتأمل. أو يقال بأنه إذا أتى بالعمل قبل شرطه، ثم تحقق الشرط فتعلق التكليف به مشكوك تجري عنه البراءة شرعا وعقلا. وكيف كان، فإن علم قبل حصول الشرط بحصوله أولا حصوله بعدا فأمر

[ 247 ]

البراءة أو الاشتغال يظهر مما مر، وإلا فلمكان شكه لا يمكنه إجراء البراءة في خصوص أحد الطرفين، فإن كلا منهما شبهة مصداقية لأدلة البراءة لا يمكن التمسك بها فيه، فإن أتى بالعمل قبلا: فإن لم يحصل الشرط كان احتياطا، وإن حصل تجري البراءة عن وجوبه بعده ويعلم بأن الاشتراط كان مجرى البراءة، كما أنه إن لم يأت به: فإن حصل الشرط يجب عليه الإتيان، وإلا يعلم بأن الإطلاق كان مجراها، والله العالم بحقائق الامور. هذا تمام الكلام في الواجب ا لمطلق والمشروط. 2 - ومنها: تقسيمه الى المعلق والمنجز: وقد أبدى هذا التقسيم صاحب الفصول (قدس سره) وفرع عليه وجوب المقدمة قبل مجئ وقت العمل بذي المقدمة في الواجب المعلق والكلام تارة في مقام ثبوته وإمكانه، واخرى في أنه بعد الفراغ عن إمكانه هل التقسيم بحسبه واقع في محله ؟ أما الاولى: فالحق ما أفاده (قدس سره) وإمكان الواجب المعلق، بل ولزوم وقوعه، وذلك أنك قد عرفت في بيان ملاك الوجوب المشروط أنه كما قد يتوقف حدوث الحاجة الى شئ وتحقق المصلحة فيه الى حصول أمر غير حاصل - وهو ملاك اشتراط الوجوب - كذلك قد يكون للشخص - في أفعاله الارادية - كمال الاحتياج الى شرب شئ - مثلا - وهو له في كمال المصلحة، إلا أن لهذا الفعل قيدا دخيلا في ترتب مصلحته عليه، وهو مما لا يحصل إلا في المستقبل، كما إذا مرض واحتاج الى شرب المسهل عند الصباح، فقبل حضور هذا الوقت هو في كمال الحاجة إليه، إلا أنه موقوف على زمان يتحقق بعد، وهذا (1) هو ملاك الواجب المعلق، ولا ريب في أن الأمر إذا كان هكذا فالشخص قبل حضور زمان العمل في كمال الشوق والميل الى هذا الفعل، لا ينقص شوقه وميله وعزمه عن حين أخذه


(1) هذا هو بيان ملاك الواجب المعلق على مذاق القوم وإلا فسيجئ - إن شاء الله تعالى - أن مراد الفصول اعم منه فانتظر (منه عفي عنه). (*)

[ 248 ]

في العمل مثقال ذرة، لكنه لا يتمكن من العمل فعلا ويأسف عليه جدا. هذا بالنسبة الى أفعاله الشخصية، فإذا تحققت هذه المرحلة بالنسبة لمن يكون معتنيا بشأنه مثل ولده وعبده المشفق عليه، فلا محالة يحصل له شوق وميل فعلا الى إتيانه لهذا العمل في الزمان الآتي، بلا فرق بينه قبل ذلك الزمان وبعدما حضر أصلا، فلذلك يقوم مقام بيان ما يريده ويطلبه، ويدعوه شوقه الى أن يبعث عبده فعلا نحو العمل الآتي، فيجب عليه الآن أن يأتي بذلك العمل إذا حان حينه وحضر وقته. ونحن وإن كنا لا نعتقد بالإرادة في الأحكام الشرعية القانونية إلا أنه لاريب في أن كيفية جعلها على نسق مااذا كان في البين ارادة. وبالجملة: فهذا هو الذي نجده بالوجدان من غير أي محذور ولا إشكال. لكن قد يذكر هنا إشكالات من أعيان الأصحاب (قدس سرهم) لابد من بيانها وبيان الجواب عنها: الأول - وهو العمدة -: ما في الكفاية عن بعض أهل النظر: من أن الإيجاب بإزاء الإرادة التكوينية المحركة للعضلات، فكما لا تنفك عن وقوع المراد فلا تتعلق بأمر استقبالي، فليكن الإيجاب كذلك (1). انتهى. وقد شيد بنيانه المحقق صاحب نهاية الدراية (2) فيها بما لعله لا مزيد عليه، إلا أن المحقق صاحب الكفاية قد منع الدعوى في المقيس والمقيس عليه. والحق: أنا إذا راجعنا أنفسنا في أفعالنا الإرادية، نجد أنه يحصل لنا بعد التصديق بترتب فائدة - ولو كانت دفع الأفسد بالفاسد - على فعل ميل نفساني الى هذا الفعل - وهو المعبر عنه في كلماتهم بالشوق (3) - فإذا بلغ مرتبته التي يجب أن يبلغها يحكم النفس بأنه لابد وأن يفعل، لكن حكمها هذا منوط بأن لا ترى مانعا


(1) الكفاية: ص 128. (2) نهاية الدراية: ج 1 ص 303 - 304. ط المطبعة العلمية. (3) فيه إشارة الى رد ما أورده سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله - على القوم، فراجع تقرير بحثه. (منه عفى عنه). (*)

[ 249 ]

ومفسدة مزاحمة لتحققه، وحكمها هذا كما يمكن تعلقه بوقوع الفعل في نفس زمان الحكم كذلك يمكن أن يتعلق بوقوعه في المستقبل، وبعد هذا الحكم فإذا حان حين العمل يصدر من النفس بعث تكويني وحملة وأمر خارجي بأن تتحرك العضلات نحو إتيانه، وهذا البعث أيضا مشروط بأن تحرز تحرك العضلات ببعثها، فإن طابق إحرازها هذا للواقع فلا محالة تتحرك العضلات بعده، لكن مع هذا كله فالشوق البالغ مرتبته اللازمة - بوجداننا - لا يختلف بوقوع ذلك الحكم بعده أم لا، ولا بتعلق الحكم بوقوعه في زمانه أو في المستقبل، كما لا يختلف بوقوع البعث التكويني بعده وعدم وقوعه، ولذلك فإن كانت حقيقة ما يعبر عنه بلفظ الإرادة نفس هذا البعث الأخير أو ما هو مقيد به من المراتب السابقة فهي لا تنفك عن حركة العضلات إذا كان الإحراز المزبور طبقا للواقع، وإن كانت حقيقتها نفس الشوق المؤكد أو التصميم المذكور فلا يلزمها تحرك العضلات أصلا. ومنه تعرف النظر في كلمات نهاية الدراية. وأما ما في الكفاية: من أن تحرك العضلات اللازم للإرادة أعم من أن يكون نحو مقدمات المراد فيرد عليه ما في النهاية: من أن إرادة كل شئ إنما تحرك العضلات نحوه، والمقدمات لها إرادات مستقلة بمباد مستقلة وإن كانت ناشئة وتابعة للشوق والإرادة المتعلقة بذيها، وتفصيل هذا الإجمال مسطور في النهاية (1). ولا يبعد أن يقال: إن المراد بلفظ الإرادة هو التصميم المزبور، كما يشهد له قولك بلا تأول: " إني اريد أن اسافر غدا " فإنه يفهم ويراد منه العزم والتصميم (2)، وعليه فانفكاكها عن المراد لا محذور فيه. هذا كله في الإرادة التكوينية. وأما الإيجاب والبعث الاعتباري فغاية تقريب استحالة انفكاك الوجوب عن زمان الواجب أن يقال: إن البعث الذي هو مفاد الهيأة وجود اعتباري لتلك الحملة،


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 308 - 309. ط المطبعة العلمية. (2) ويدل عليه أيضا: أن كل حادث فإنما يوجد بإرادته الأزلية، فراجع ما كتبته تقريرا لبحث سيدنا الاستاذ دامت بركاته. (منه عفي عنه). (*)

[ 250 ]

وذلك البعث التكويني النفسي، فالمولى ببعثه الاعتباري كأ نه يرسل عبده ويبعثه نحو المأمور به، وهذه الحملة وإن كانت لا تنفك - لو كانت تكوينية - عن تحرك المبعوث - أعني العضلات - إلا أنها في البعث الاعتباري بما أن غرض المولى الباعث أن ينبعث العبد بتصور بعثه بمبادئه فلا محالة يتأخر تحركه وانبعاثه بهذا المقدار، كما أن المولى حيث لاحظ المأمور به أمرا واحدا - وإن كان تدريجيا - كما هو كذلك عرفا، وربما كان له مقدمات فلا محالة يكون الانبعاث إليه والتحرك نحوه بالأخذ والشروع فيه أو في مقدماته بحيث يصل بعدها بلا فصل إليه. فالحاصل: أنه حفظا لكون مفاد الهيأة وجودا اعتباريا لتلك الحملة النفسية لابد وأن يمكن الانبعاث نحوه ولو بمقدماته المتصلة به، وعليه فلا يصح تعلقه بأمر استقبالي لا يمكن الإتيان به إلا في زمان متأخر، هذا. وهذا التقريب - كما ترى - لايرد عليه شئ، حتى ما يرد على تقريب نهاية الدراية: من أنه إذا كان الواجب مثل الصوم أمرا مستمرا باستمرار الزمان ومنطبقا عليه فلا إشكال بحسب العرف أن صوم اليوم بجميعه واجب عند طلوع الفجر، وانحلال الوجوب وانبساطه على الأجزاء مسلم، إلا أن هذا الوجوب المنبسط ثابت عرفا عند الطلوع مع عدم إمكان الإتيان بجميع أجزاء الواجب إلا متأخرا. هذا. إلا أنه مع هذا كله مندفع: بأن البعث والوجوب - كما اعترف به في التقريب - اعتبار عرفي، واعتباره اعتبار إرسال الغير خارجا وتكوينا، لا اعتبار تلك الحملة النفسية، فكما أنه قد يأخذ بيد عبده ويرسله نحو العمل، فهيأة " افعل " وجود اعتباري بمنزلة هذا الإرسال. وكيف كان فلا يرى العرف تقوم اعتباره هذا بإمكان الانبعاث بلا فصل، والسند مراجعة العقلاء المعتبرين لامثال هذه الاعتبارات، فراجع. الثاني: ماعن بعض الأعاظم (قدس سره) على ما في تقرير درسه، وتبعه تلميذه في

[ 251 ]

منتهى الاصول (1)، وحاصله: أن القيد الغير المقدور إن لم يكن الوجوب مشروطا به بل تعلق بالفعل المقيد به، يلزم تعلق أمر غيري بتحصيله، مع أنه غير مقدور، مضافا الى أنه إذا كان لمتعلق التكليف تعلق بأمر خارجي - كتعلق الشرب بالخمر - فلا محالة يؤخذ هذا الأمر في القضايا الخارجية التي منها قضايا الأحكام مفروض الوجود، وفرض وجوده يقتضي أن لا يتحقق التكليف إلا بعد تحققه. هذا (2). وفيه: أن الأمر بالمقيد ليس بحيث لا يمكن انفكاكه عن الأمر الغيري بالقيد، كيف ؟ والأمر الغيري له مباد خاصة وإن كانت تابعة وبملاحظة ذلك الغير، إلا أنه أيضا تكليف ناش عن مباد مخصوصة به، ويعتبر فيه ما يعتبر في سائر التكاليف من الشرائط العامة، فلا يتعلق الوجوب نحو القيد إلا إذا كان تحت قدرة المأمور، وهذا لا ينافي في تعلق الأمر بالمقيد بعد إمكان تحصيله إذا تحقق القيد بنفسه (3). وأما القضايا المتكفلة لبيان الأحكام وإن كانت بمنزلة القضايا الخارجية، إلا أن مفادها بحسب الظهور العرفي الذي هو الملاك في أمثال المورد جعل الحكم على واقع ما تحكي عنه عناوين المكلفين، فإذا تحقق موضوع الحكم بصدق العنوان على مكلف، فلا محالة يحكم عليه بالحكم المتعلق بمتعلقه على أنحائه من الوجوب والحرمة وغيرهما. الثالث: قضية اعتبار التكليف بالقدرة، والجواب عنه واضح (4) كما في الكفاية (5)، وإيراد النهاية عليه متفرع على الإيراد الأول، فالجواب عنه يظهر


(1) منتهى الاصول ج 1 ص 167 - 168. (2) فوائد الاصول ج 1 ص 184 - 188. (3) ومنه يظهر: أنه لا حاجة الى جعل متعلق الوجوب ذات الحصة التوأمة مع الأمر الغير المقدور كما في المقالات، مضافا الى ما في أصل التصوير من الإشكال. " منه عفي عنه ". (4) لكن الحق: أن المحذور اللازم لو سلم ليس محذور تكليف غير القادر، بل محذور التكليف نحو ما يمتنع تحققه، وهو محال، كما أشار إليه في الفصول ونهاية الدراية، إلا أن الجواب عنه هو ما في الكفاية. (منه عفي عنه). (5) الكفاية: ص 130. (*)

[ 252 ]

بالجواب عنه، مضافا الى إمكان منع اشتراط التكليف القانوني بالقدرة. هذا. هذا كله بالنسبة الى تصوير الواجب المعلق ومقام ثبوته. وأما الجهة الثانية: فقد اورد عليه من هذه الجهة أيضا بإشكالات: منها: ما في تقريرات الشيخ الأعظم (قدس سره): من أنه ليس قسما آخر قبال الواجب المشروط، بل هو هو بنفسه. والجواب عنه ما في الكفاية: من أن الشيخ (قدس سره) في الحقيقة منكر للوجوب المشروط، وإلا فهو تصوير آخر قباله. والتحقيق: أن مراد صاحب الفصول (قدس سره) بالواجب المعلق ليس خصوص ما قدمناه بملاكه صدر البحث، بل يعمه والواجب المشروط بشرط متأخر، لوجوده دخل، في أصل اتصاف الفعل بالمصلحة في زمانه الآتي، وذلك أن مراده (قدس سره) من الواجب المشروط - كما يظهر من مواضع عديدة من كلامه - هو المشروط بالشرط المقارن، وإلا فهو يرى وجوب الواجب المشروط بشرط متأخر يحصل في زمانه حاليا غير مشروط بذلك المتأخر، بل بوصف انتزاعي بلحاظه حاصل قبله، فقد كرر (قدس سره) أن الواجب المشروط بمقدمة محرمة - باصطلاحنا - واجب مطلق، لكن على تقدير حصول تلك المقدمة، فالمشروط بشرط متأخر حاصل واجب مطلق عنده. كيف ؟ ولا ريب في أن الواجب المعلق المتقدم صدر البحث وإن لم يكن مشروطا في أصل اتصافه بالمصلحة بالأمر المتأخر الغير المقدور إلا أنه لاشك في أن من شرائط تعلق التكليف بشئ إمكان تحققه في قبال امتناعه، ومعلوم أنه لو لم يتحقق هذا الأمر الغير المقدور لما أمكن تحقق المقيد به، فالوجوب مشروط - من هذه الجهة - بأن يتحقق هذا الأمر في زمانه، فهو مشروط به ومتوقف عليه بنحو الشرط المتأخر، ولذا التزم هو (قدس سره) باشتراط الوجوب ببلوغ المكلف الى هذا الزمان المتأخر بنحو الشرط المتأخر، لكنه (قدس سره) عبر عنه بأن بلوغه إليه ليس بشرط، وإنما الشرط كونه ممن يبلغ.

[ 253 ]

فالمتحصل: أنا إن أردنا جعل تقسيم صاحب الفصول بعينه منطبقا على مباني المتأخرين فالواجب أن نقول: إن الواجب المشروط على قسمين: فتارة يشترط وجوبه الحالي بأمر متأخر - سواء أكان الاشتراط من باب توقف الملاك أم من باب توقف التكليف والخطاب - مع كون الفعل الواجب استقباليا، وهذا هو الواجب المعلق. واخرى ليس كذلك، سواء أكان وجوبه مشروطا فقط بأمر حالي أو ماض، أم بأمر متأخر إلا أنه كان الواجب أيضا حاليا، فخلافا للمعروف الواجب المعلق من أقسام الواجب المشروط بحسب قواعد المتأخرين لا المطلق. ومنها: ما في الكفاية: من أن ما دعاه الى هذا التقسيم - أعني اتصاف المقدمة بالوجوب قبل زمان ذيها - من آثار إطلاق الوجوب وحاليته، لاكونه معلقا. وفيه: ما في النهاية من: أن المطلوب منه كون وجوب المقدمة قبل زمان ذي المقدمة من فروع تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب، وهو لا يكون إلا في أحد القسمين، أعني: المعلق دون غيره. ثم إنك تعرف بعدما حققناه في تحصيل مراد الفصول: أن ما أفاده في الكفاية في ذيل البحث - من إمكان حل الإشكال في المقدمة المفوتة بالالتزام بالشرط المتأخر، ولا يتوقف على الالتزام بالواجب المعلق - مبني على اختصاص مراده من الواجب المعلق بما قدمناه صدر البحث، وإلا فمع التعميم، فما ذكره من الوجوب المشروط أيضا من أفراد الواجب المعلق كما مر. وكيف كان فلو اريد التقسيم فالصحيح أيضا ما أفاده الفصول من التعميم، إذ لابد وأن يكون التقسيم تابعا للغرض منه سعة وضيقا، وحيث إن الغرض منه توصيف المقدمة بالوجوب قبل زمان ذيها - وهذا الغرض مرتب على حالية الوجوب وتقدمه على زمان الواجب من غير دخل لكون الزمان المتأخر دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة وعدمه - فلهذا لابد أن يجعل التقسيم عاما كما أفاد. ثم إنه ينبغي تعميم الوجوب المعلق - كما في الفصول أيضا - الى ما يكون مقيدا بأمر مقدور اخذ مشروطا بعدم تعلق بعث من المولى إليه، فيكون مشروطا -

[ 254 ]

بنحو الشرط المتأخر - بحصوله بنفسه، أو بإتيان المكلف بطبعه واختياره، والوجوب الغيري وإن كان متأخرا بحسب المرتبة عن الوجوب النفسي إلا أن عدمه ليس بما أنه عدم متأخرا عنه، فلو سلم عدم إمكان تقييد قيد الواجب بوجوده، فلا ينبغي الإشكال في إمكان تقييده بعدمه، فلا يرد ما في نهاية الدراية، كما لا يخفى على المتدبر. تنبيه: قال في الكفاية: قد عرفت من مطاوي ما ذكرناه أن فعلية وجوب المقدمة الوجودية تابعة لفعلية وجوب ذيها، فإذا وجب ذوها وجبت هي أيضا، إلا فيما كانت مقدمة وجوبية أيضا، أو عنوانا للمكلف، أو مشروطة بأن لا يبعث نحوها أصلا، إذ في المقدمة الوجوبية لا وجوب قبلها، وبعد حصولها يكون وجوبه طلب الحاصل، وفيهما أيضا كذلك فلا يكون الفعل موردا للوجوب مع عدمهما، ومع حصولهما لا يصح تعلقه بهما، فافهم (1). أقول: وفي كلامه (قدس سره) مواقع للنظر: أما أولا: فلأن وجوب المقدمة وإن كان وجوبا غيريا إلا أن له مبادئ خاصة وإن كانت مقدمية، فإذا كان للمولى غرض فعلي في زمان متأخر بشرط حصول أمر متأخر، وكان عالما بحصول هذا الشرط في الزمان الآتي، وكان للفعل القائم بغرضه مقدمة لا يمكن تحصيلها في ذلك الزمان وبعد حصول الشرط، فالوجوب الفعلي وإن كان لا يحصل لهذا الفعل إلا بعد حصول شرطه - كما مر بيانه في الواجب المشروط - إلا أنه بمقتضى علمه بتعلق غرضه في الزمان الآتي به وتوقفه على مقدمة يعلم بعدم إمكان تحصيلها بعدا فلا محالة يوجب على عبده تحصيلها قبل ذلك الزمان، وقد عرفت أنا وإن كنا لا نعتقد باستلزام التكليف القانوني لإرادة المقنن للفعل الواجب، إلا أن كيفية جعل التكاليف سعة وضيقا تابعة


(1) الكفاية: ص 131. (*)

[ 255 ]

وعلى وزان ما إذا كانت إرادة شخصية، فلذلك ففي أمثال المورد المذكور يبعث الى المقدمة ويوجبها فعلا، ولا فعلية لوجوب ذيها. وأما ثانيا: فلما عرفت من أن مقدمة الوجوب إذا كانت مقدمة للوجود أيضا وكان مقدمة الوجوب أمرا عاما يعلم بتحققه لا محالة، إلا أن مقدمة الوجود أن يحقق المكلف نفسه تلك المقدمة، فبمقتضى ما قد عرفت في الإيراد الأول من التحقيق يجب عليه الإتيان بمقدمة الوجوب بما أنها مقدمة للوجود، وذلك كأن يوجب على عبده ضيافة زيد - مثلا - بشرط نزوله بالبلد، وكان زيد ينزلها لا محالة، إلا أنه إن جاءها لا بواسطة العبد وفي سيارته - مثلا - لما يقبل ضيافته، ففي هذه الصورة يجب عليه أن يهيئ وسائل نزوله ويأتي به مقدمة لأن لا يفوت الغرض الفعلي لمولاه. وأما ثالثا: فلأن ما ذكره وجها لعدم تحصيل العنوان وإن كان صحيحا، بل الحق أن مبادئ عناوين المكلف من شرائط الوجوب فهي محكومة بحكمها، إلا أنه لا يكون وجها لعدم اتصاف المقدمة المأخوذة بشرط عدم البعث بالوجوب، وذلك أنه إذا لم تكن هذه المقدمة شرطا للوجوب فالفعل مورد للتكليف مع عدمها أيضا إذا كانت تحصل بنفسها في محلها، بل الوجه فيه، هو: نفس اشتراطها بأن لا يبعث نحوها كما مر. تفريع: قد ظهر مما مر أنه لا بأس بتقدم وجوب المقدمة على زمان الواجب ذي المقدمة، سواء لم يتقدم على وجوب ذيها، كما في الواجب المعلق الذي منه المشروط بشرط متأخر أيضا كما عرفت، أم تقدم على وجوبه أيضا، كما في الواجب المشروط بشرط مقارن، وذلك لما عرفت من أن ما في كلماتهم: من أن الوجوب الغيري وجوب ترشحي من وجوب ذي المقدمة ومعلول له، مما لا أساس له، بل العقل الحاكم في الباب كما يحكم بلزوم إرادة المولى بمباد خاصة

[ 256 ]

تبعية لمقدمات المراد الأصيل عند فعلية إرادته الأصيلة كذلك يحكم بلزوم إرادته عن مباد خاصة غير أصيلة لمقدمات ما يعلم بفعلية إرادته له بعدا إذا كانت هذه المقدمات مما لا يمكن تحصيلها بعد حضور زمان الواجب الأصيل. فليس في البين تبعية وجوب عن وجوب وترشحه منه وعليته له بمعانيها الحقيقية المعروفة، وإنما المسلم من الترشح والعلية والتبعية أن توجه الإرادة نحو المقدمة، وجعل الوجوب لها إنما هو بملاحظة ذلك المطلوب الأصيل، وهو لا يقتضي التأخر الرتبي أو الزماني، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: التأخر الرتبي إنما هو للوجوب المقدمي والإرادة المقدمية عن الوجود اللحاظي الذي لوجوب ذيها بتفصيل عرفته من كلماتنا. بل نقول: إن العقل الحاكم بالملازمة ووجوب المقدمة لا يخصص تقدم وجوب المقدمة على وجوب ذيها بخصوص ما إذا لم يمكن تحصيلها بعد حضور زمان الواجب، بل يحكم بوجوبها قبلا ومقدما عليه فيما أمكن أيضا، وذلك لعدم فرق عنده بين ما يؤتى بهما في الوقت، وما قبله في ملاك الوجوب، أعني توقف ذي المقدمة عليها، فلا وجه لتعلق إرادة المولى الغيرية بخصوص ما يقع منها في الوقت، كما لم يكن وجه لتأخر إرادتها عن إرادة ذيها، فتدبر جيدا. هذا. فقد ظهر مما ذكرنا: أن مقتضى القاعدة وجوب تحصيل كل مقدمة يعلم بالعجز عن تحصيلها في وقت الواجب، بل حفظ قدرته، بل تحصيلها إذا كان عاجزا فإن الاعتذار بعدم حضور وقت الواجب ليس عذرا عند العقل الحاكم في هذا الباب. اللهم إلا أن ينجر الى العسر والحرج المنفيين في الشريعة، أو دل دليل خاص على عدم لزوم تحصيل مقدمة أو حفظها قبل وقت الواجب. فمنه يعلم أن المقدمة وإن كانت صرف وجودها بأي نحو وأي طريق إلا أن وجوبها المقدمي مقصور على مااذا اقتدر على تحصيلها في خصوص وقت الواجب كما ربما يدعى ذلك في الوضوء، وحينئذ فلا يرد أن لازم اعتبار قدرة خاصة فيه أنه لو حصل الماء قبل الوقت لا يجب عليه الوضوء في الوقت، وأنه إذا

[ 257 ]

توضأ لغاية اخرى قبل الوقت لا يصح الصلاة به، فيما لم يتمكن من تحصيل الماء والتوضؤ به في الوقت، وذلك أن القدرة على الوضوء في الوقت حاصلة في الفرض الأول، ونفس المقدمة موجودة في الثاني، وقد مر أن التقييد إنما هو في وجوب المقدمة، لا في نفس مقدميتها. نعم، لو أغمض عما ذكرنا وكان الواجب من قبيل المشروط بشرط مقارن ومع ذلك دل دليل على وجوب مقدمته قبل زمان الواجب فهذا وجوب نفسي تهيئي يترتب على امتثاله الثواب وعلى مخالفته العقاب، وإن كان وجوده مشروطا ومخصوصا بخصوص مااذا تعقبه وجوب الواجب الأصلي. وأما ما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) من الإلتزام بوجوب متقدم متمم لجعل وجوب الواجب الأصيل محكوم بحكم الواجب المقدمي في عدم ترتب الثواب والعقاب عليه، فهو مما لاوجه له، إذ صرف كون الغرض من واجب ترتب مقصود آخر عليه لا يوجب ذلك، كما إذا أمر المولى عبدا له بتحصيل غرض أصيل، وأمر عبدا له آخر بتحصيل مقدماته فإنه لاريب في كون الأمر الثاني أيضا نفسيا يترتب عليه الثواب والعقاب، وظني أن ارتكازه على ذلك الحكم العقلي المذكور في حل المطلب دعاه الى القول بهذا، وقد ذهل عن الأصل والتزم بالفرع، فتدبر. تتمة: إذا كان قيد ودار أمره بين أن يرجع الى الهيأة - فيكون الوجوب مشروطا به - وأن يرجع الى المادة - فيكون لازم التحصيل في بعض الأحيان - ولم يكن قرينة تعين رجوعه الى إحداهما خاصة: فإن كان قيدا متصلا فلا ينبغي الريب في حصول الإجمال، فإنه مع وجود محتمل القرينية في الكلام لا ينعقد لما يحتمل قرينيته له ظهور في الإطلاق، وأما إذا كان منفصلا وبعد انعقاد الظهور للهيئة والمادة في الإطلاق فالظاهر أنه أيضا يوجب الإجمال، لمكان العلم الإجمالي بتقييد أحد الإطلاقين، وعدم مرجح لأحدهما في البين.

[ 258 ]

لكن ربما يقرب تقديم إطلاق الهيأة ورجوع القيد الى خصوص المادة بوجوه ثلاثة: أحدها: أن تقييد الهيأة مستلزم لتقييد المادة دون العكس، فيعلم تفصيلا بتقييد المادة، ويشك في تقييد الهيأة شكا بدويا، فيكون إطلاقها محكما. وقد يجاب عنه - كما في التقريرات وتبعها بعض - بأن كون شئ واحد قيدا للهيئة والمادة معا متنافيان، فإن كونه قيدا للهيئة يستلزم دخله في أصل حدوث المصلحة في المادة، وكونه قيدا للمادة يستلزم عدم دخله في حدوث المصلحة، بل في خصوص ترتب المصلحة واستيفائها، وهما متنافيان، وأيضا كونه قيدا للهيئة يوجب عدم وجوب تحصيله، وكونه قيدا للمادة يستلزم وجوب تحصيله، وهما متنافيان. وأجاب عنه سيدنا الاستاذ العلامة " دامت بركاته العالية ": بأن القيد الذي يقيد به المادة تبعا لتقييد الهيأة غير واجب التحصيل، فلا تناقض، وذلك أن الهيأة إنما تدعو الى متعلقها، ويمتنع أن تتعلق بالمقيد بما هو مقيد، فإن المقيد متوقف على قيده، وقيده هذا متوقف على وجود الهيأة ومتأخر عنها، ومرتبة وجود الهيأة مرتبة وجود متعلقها، إذ هي ملازمة لمتعلقها غير منفكة عنه، فلو كان المقيد بما هو مقيد متعلقا للهيئة يلزم تقدم المتأخر برتبتين، فلا يكون متعلقها إلا نفس المادة، وهي لا تدعو إلا إليها، ولا يستلزم محذورا أبدا. هذا. وفيه أولا: أنه خروج عن مفروض البحث، فإن مفروضه تقيد متعلق الهيأة، وهو - مد ظله - بصدد دفع الإشكال المزبور عنه، مع أن مرجع جوابه الى عدم تقييده، فهو يصلح - على تقدير تماميته - أن يكون وجها لرد القول بتقيد المادة تبعا، لا لدفع الإشكال عنه. وثانيا: أنه ليس المفروض إلا تقييد المادة بمتن ما هو قيد للهيئة من غير فرض شئ آخر، وحينئذ فالمقيد وإن كان متوقفا على وجود القيد، إلا أن القيد لا يتوقف إلا على علله الوجودية لاغير، فإذا كان دخول المسجد قيدا لهما معا

[ 259 ]

فدخل المسجد وصلى فيه، مثلا فقد حصل قيد الهيأة والمادة في الخارج، من غير لزوم أي محذور. فالحق في دفع هذا الإشكال أن يقال: كما يتصور أن يكون قيد - وهو دخول المسجد - شرطا لحدوث المصلحة في المادة ولاتصافها بها، كذلك يتصور أن يكون هو نفسه شرطا في ترتب هذه المصلحة عليها، فلا تكون الصلاة ذات مصلحة إلا إذا دخل المسجد - مثلا - وإذا دخله أيضا لا يكون المتصف بالمصلحة إلا خصوص ما وقعت في المسجد، وأما حديث استلزام تقييد المادة لوجوب تحصيل القيد فقد مر أن الأمر بمقيد بنفسه بعث الى المقيد بما هو مقيد - وهو على الفرض ممكن في ما نحن فيه - وأما قيده فإن لم يكن في زمان البعث حاصلا فلا محالة يتعلق به أمر غيري مقدمة لحصول التقيد في المقيد المأمور به، وأما إن كان حاصلا فلا وجه ولا دليل على لزوم تعلق أمر غيري به، كما لا يخفى. فالتحقيق في الجواب أن يقال: إن تقييد الهيأة غير مستلزم لتقييد المادة، فإن الوجوب واتصاف المادة بالمصلحة الملزمة وإن كان متوقفا على حصول القيد كدخول المسجد - مثلا - إلا أنه لا ينافي أن يكون القائم بهذه المصلحة نفس طبيعة الصلاة - مثلا - بلا أي قيد، لا قيد وقوعها في المسجد ولا قيد وقوعها بعد أن دخل المسجد، بحيث لو كان أتى بها قبل أن يدخل المسجد كفى في تحصيل هذه المصلحة، ولذلك فقد استظهرنا أنه لو أتى الصبي الذي يبلغ أثناء الوقت بوظيفة الوفت قبل بلوغه، كفى عما يجب عليه بعد بلوغه ويكون الأمر المتوجه إليه ساقطا بفعله الذي أتى به قبلا، ومن قبيل سقوط الأمر بالامتثال، لامن باب تخصيص أدلة وجوب الصلاة على البالغ، مضافا الى ما أفاده سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله - في حل الإشكال فراجع ما كتبته تقريرا لبحثه الشريف. وهنا جواب آخر في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) تعرض له ولبعض ما فيه سيدنا الاستاذ - مد ظله -، فراجع. ثانيها: أن إطلاق المادة بدلي، وإطلاق الهيأة شمولي، ولدى التعارض

[ 260 ]

فالإطلاق الشمولي مقدم على البدلي، أما أن إطلاق المادة بدلي، فلأن المطلوب صرف الوجود المتحقق في ضمن كل فرد، فلا يجب إلا فرد واحد أي فرد كان، وأما أن إطلاق الهيأة شمولي، فلأن مفادها البعث والطلب، وهو متعلق بالمادة المخصوصة، وإطلاقها يقتضي تحقق مفادها على جميع التقادير في عرض واحد، ففي الحقيقة شمولية إطلاق الهيأة من باب شمول الفرد لجميع أحواله، لامن باب شمول الطبيعة لجميع أفرادها، فهنا وجوب خاص ثابت في جميع الأحوال والتقادير متعلق بصرف وجود المادة مثلا، فما أورده سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله - مبني على جعل الإطلاق من قبيل إطلاق الطبيعة لمصاديقها وليس كذلك. وأما وجه تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي فهو مذكور في تقريرات بحث بعض الأعاظم (قدس سرهم) ونقلوه عنه. والجواب الوحيد عن هذا الوجه: هو منع تقدم الإطلاق الشمولي على البدلي، كما في تقريراتي لبحث سيدنا الاستاذ - مد ظله - ونهاية الدراية وغيرها، مضافا الى اختصاص وجه التقديم بغير ما نحن فيه، كما هو أيضا مذكور في الكتب. ثالثها: أن تقييد الهيأة وإن لم يستلزم تقييد المادة، لامتناع تقيدها بقيد الهيأة - كما عرفت في الجواب عن الوجه الأول - إلا أنه لاريب في اندفاع إطلاقها بتقييد الهيأة، فإنه لا يبقى لها حينئذ محل بيان بالنسبة الى القيد المزبور بعد فرض امتناع تقيدها به، والعمل الذي يندفع به الاطلاق بحكم التقييد - عند العقلاء - في كون كل منهما خلاف القواعد، وحينئذ فتقيد المادة أو ما بحكمه معلوم، وتقييد الهيأة مشكوك بشك بدوي، فيرجع الى إطلاقها. هذا بيان مراد الشيخ الأعظم (قدس سره) مما في التقريرات. وعليه فلا يرد على مقدمته الاولى ما في نهاية الدراية من أن تقييد المادة - في فرض تقيد الهيأة - محال ثبوتا، فلا وجه لاستكشاف الإطلاق من عدم تقييدها في مقام الإثبات، حتى يقال: إن تقييد الهيأة لا يبقى مجالا لبيان القيد. وجه عدم الورود، أن المراد من عدم بقاء مجال لبيان القيد أنه لما كان تقييد

[ 261 ]

المادة ممتنعا فلا مجال لبيان قيدها، وإن كانت ملازمة لوجود القيد أيضا. وكيف كان فالحق أن يمنع كلتا مقدمتيه: أما الاولى: فلما عرفت منا في الجواب عن الوجه الأول، من عدم استلزام تقييد الهيأة لا تقيد المادة ولاماهو بحكمه، بل يمكن بقاؤها عليه ما كانت عليه من الإطلاق فتذكر. وأما الثانية: فلان شأن مقدمات الإطلاق اثبات أن مفاد المطلق تمام موضوع لما ورد عليه من الحكم، من غير أن تتكفل كيفية تطبيق مفاده على أفراده، من حيث السعة والضيق، وعليه فإذا كان المفروض - بحكم امتناع تقييد المادة - ورود الهيأة على نفس المادة بلا قيد، فلم يحصل فيما هو مقتضى المقدمات أي تصرف أصلا، وإن كان لازم تقييد الهيأة حصول تضيق فيها في مقام الانطباق على الأفراد بحيث لا تنطبق على ما يتحقق من أفرادها قبل حصول قيد الهيأة، إلا أن هذا التضيق القهري بعد ما لم يوجب تصرفا في مقتضى المقدمات، ولم يناف كون المادة مطلقة تمام موضوع للوجوب المقيد، لا يكون عند العقلاء خلاف القواعد، كيف ؟ ومثل هذا التضيق يحصل في جانب الهيأة من تقييد المادة أيضا ضرورة أن مفاد الهيأة قبل تقييد المادة يسع ويجري في فاقد القيد أيضا، وبتقييدها يضيق نطاق انطباق اطلاقها، ومع ذلك فليس هذا تصرفا في اطلاقها أصلا، ولو سلم فليس هذا من لوازم تقييد الهيأة (1) بل هو لازم لتقييد المادة أيضا، فلا يكون تقيد المادة وما بحكمه معلوما كما لا يخفى. ولو سلمنا كلتا المقدمتين، فلنا منع انحلال العلم الاجمالي بالتقييد (2) فإن


(1) لازم تقييد الهيأة أن لا تنطبق المادة على فاقد القيد من أفرادها، وأما في جانب الهيأة فاطلاقها يقتضي ثبوت الوجوب، سواء حصل القيد أم لا، وإذا قيدت المادة فهذا الاطلاق المذكور كما كان، وعدم سريان الوجوب في ما كان من افراد المادة فاقد القيد ليس تقييدا لاطلاق الهيأة المذكور، كما لا يخفى، فصح استلزام تقييد الهيأة لبطلان محل اطلاق المادة دون العكس. (منه عفي عنه). (2) والوجه الصحيح له: أن أحد طرفي العلم عروض التقييد على إطلاق المادة، وطرفه الآخر عروض التقييد على إطلاق الهيأة، وبطلان محل إطلاق المادة الذي هو أيضا خلاف القواعد على المفروض، فالعلم الإجمالي باق كما كان ولم يحصل علم تفصيلي بأحد الطرفين، ولو لكونه لازم الطرف الآخر أيضا. وأما اشتراط عدم ابتنائه على الطرف الآخر أصلا فمحل تأمل. نعم لو كان إجراء أصالة الإطلاق في الهيأة حجة على ورود التقييد على المادة كان للاشتراط وجه، فتأمل. (منه عفي عنه). (*)

[ 262 ]

الانحلال إنما يتصور فيما لم يكن أحد احتمالي المعلوم بالتفصيل موقوفا على فرض وجود ما يعد مشكوكا بدويا، وفي الحقيقة يكون من أول الأمر في موارد الانحلال: علم تفصيلي، وشبهة بدوية، وإنما يتخيل الانسان أنه عالم إجمالا، كما في موارد الأقل والأكثر، استقلالا أو ارتباطا، وأما إذا كان في الواقع علم اجمالي، فلا معنى بعد لانحلاله، وما نحن فيه من هذا القبيل (1) كما لا يخفى على المتدبر.


(1) حاصل الجواب: أنه إن كان محل الكلام القيد المتصل، فالتقييد الواحد والأكثر سيان في أنه ليس شئ منهما خلاف أصل معتبر عقلائي، إذ للمتكلم أن يلحق بمعاني ألفاظه المستعملة قيودا حتى تنطبق على مراده، فيقول: " اكرم العالم العادل الفقيه بالقضاء " - مثلا - وليس فيه خلاف أصل أصلا، فدوران الأمر بين تقييد وتقييدين لا يوجب للأول مزية، فضلا عما إذا كان بمنزلة التقييد وموجبا لبطلان محل الإطلاق، ونتيجة الأمر: أن يؤول الأمر الى الإجمال في القيد المتصل في ظهور الكلام. وإن كان الكلام في التقييد بالمنفصل، ففيه أولا، أن مقدمات انعقاد الإطلاق إنما هي عدم نصب القرينة والقيد مادام مشتغلا بالإفادة لا الى الأبد، وعليه، فالاطلاق قد انعقد للمادة والهيأة، ولا معنى لإبطال محل الإطلاق في المادة بعد فرض إيراد القيد على الهيأة، بل لو كان لكان تقييدا للمادة أيضا تبعا لتقييد الهيأة. وثانيا: أن مجرد تقييد الهيأة لا يستلزم تقييد المادة، وذلك أن تقييد المادة - كما مر في ملاك الواجب المشروط وعند الجواب عن الشيخ الأعظم (قدس سره) - لا يكون إلا إذا لم يكن نفس طبيعة المادة وافية بالمصلحة المرادة منها، بل كان التقيد بالقيد دخيلا في ترتب المصلحة عليها، ومن المعلوم أن صرف تقييد الهيأة لا يقتضي سوى أن كون الفعل ذا مصلحة للمكلف منوط بالقيد الفلاني، فإذا لم يكن قيد ليس تحصيل الفعل ذا مصلحة للمكلف أصلا، وإذا تحقق القيد صار الفعل في الجملة ذا مصلحة له، وأما أن القائم بالمصلحة حينئذ نفس الفعل بلا قيد، أو هو مع قيد يستلزمه تحقق قيد الهيأة فكلاهما محتمل جدا، دائر مدار دخل القيد في حصول المصلحة وعدم دخله فيه، فإذا احتمل الأمران فإيراد القيد على كل من الهيأة والمادة لا يقتضي أزيد من تقييد نفسها بخصوصها، وأما تقييد الاخرى فليس لازما له، وأصالة الإطلاق المنعقدة بقيام مقدماته تدفع ذاك التقييد المشكوك. والنتيجة هنا أيضا: أنه مع دوران الأمر بين تقييد الهيأة والمادة لا ترجيح لشئ منهما بخصوصه، ويؤول الأمر الى الإجمال في المراد الجدي. (منه عفي عنه). (*)

[ 263 ]

وإن شئت توضيح الأمر بأزيد من ذلك فراجع ما كتبته تقريرا لبحث سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله -. ومن الواضح للمتأمل أن هذا جواب يجاب به عن الوجه الأول من الوجوه الثلاثة أيضا، وقد ظهر مما حققناه مواضع الخلل في كلمات القوم فراجع. 3 - ومنها: تقسيمه الى النفسي والغيري: والحق في تفسير الغيري أن يقال: إنه ما وجب لأجل واجب آخر على ذلك المكلف، والنفسي ما وجب لأجل نفسه، فالمعتبر في الواجب الغيري - بما هو غيري - أ ن يكون بحيث لولا هذا الواجب الآخر لما وجب، فلا يكون فيه إلا مصلحة المقدمية واللأجلية لهذا الآخر، لكن لا يعتبر فيه أن يكون خصوص مقدمية الوجود، ولا فعلية وجوب هذا الآخر، وعليه فالمقدمة المبحوث عنها فيما نحن فيه، والمقدمة العلمية، والواجبات الطريقية، والمقدمات الوجودية المفوتة - على القول بوجوبها لا بالوجوب الترشحي - كلها داخلة في الواجب الغيري، ولا وجه لعد الأخيرة من النفسي بعد وحدة ملاكها وغيرها مما سبقها. كما لا وجه لتكثير الأقسام وعد الواجبات الاحتياطية قسما ثالثا بعد كونها إما نفس الواقع، والواجب النفسي، وإما غيريا وجب تحفظا على الواقع النفسي فتدبر جيدا. ثم إن المعتبر في الواجب النفسي النفسية، بمعنى: أن لا يكون مقدمة لواجب آخر على هذا المكلف، فلو كان مقدمة لغرض آخر للمولى أصيل أو مقدمي يحصله بنفسه، أو لواجب على مكلف آخر فلا يضر بنفسيته.

[ 264 ]

وبعبارة اخرى: إنما يعتبر كونه نفسيا في وجوبه عليه، لافي كونه قائما به غرض المولى ومحصلا لغرضه حتى يجب أن يكون غرضه القائم به نفسيا. ثم إنه قد يشكل التعريف المزبور، باستلزامه لخروج جل الواجبات النفسية عن التعريف، فإنه لا ريب في أن وجوبها لأجل ما يترتب عليها من الفوائد، فهذه الفوائد واجبة قطعا، فتكون هذه الواجبات إنما وجبت لأجل واجب آخر، وذلك هو الواجب الغيري. ولا يمكن دفع الاشكال بأنها غير مقدور عليها، فإن القدرة عليها بالواسطة كافية كما في الكفاية. ولا بأن الملاكات ليست من المسببات التوليدية للأفعال، بل إنما هي معدات لها كما عن بعض الأعاظم (قدس سره)، لا لما قد يقال: من أنه على تسليم كونها معدات فهذه المعدية هو ملاك ايجابها، وهي علة تامة لها، إذ على فرض أنها الملاك، فهي ليست أمرا خارجا عنها مترتبا عليها وإنما المعد المطلوب هو نفسها، وهو مراد هذا العظيم (قدس سره). بل لأن ظواهر الأدلة المثبتة لتلك الملاكات أنها مترتبة على نفس هذه الأفعال بلا حالة منتظرة، فهي أسباب لتحققها لامعدات، فالصحيح في دفعه أن يقال: إن هذه الفوائد امور قهرية يترتب على فعل المكلف لا بارادة منه، وبناء العقلاء في مثلها توجيه التكليف الى نفس الأفعال لا فوائدها، والشارع الأقدس لم يتعد الطريقة العقلائية، فليس الواجب إلا نفس الأفعال، وإن كان الغرض من وجوبها غاياتها إلا أنها غايات الواجب لا نفسه فلا اشكال. وأما ما في الكفاية: من التزام وجوب الغايات والتزام طرو عنوان حسن نفسي على الأفعال، فمما لا يمكن المساعدة عليه، إذ فيه: اولا: ما عرفت من أن الواجب عند العقلاء هو الفعل ذو الأثر لا نفس الأثر، والشارع لم يتجاوز طريقتهم. وثانيا: أنه لو سلم وجوب الآثار، فالعنوان المترتب على الأفعال ليس إلا

[ 265 ]

عنوانا مقدميا، هو عنوان كونها مقدمة لوجود هذه الواجبات، وبالضرورة ليس هذا عنوانا حسنا نفسيا، وبعبارة اخرى: على فرض وجوب الغايات فلا يرى العقل ولا العقلاء هنا واجبين نفسيين، بل إنما يكون أحدهما غيريا مقدميا كما لا يخفى. ثم إنه لا إشكال فيما علم بأحد القسمين، وأما إذا لم يعلم وكان هنا اطلاق فهل إطلاق الهيأة يقتضي أحدهما ؟ ففي الكفاية أن إطلاقها يقتضي النفسية وإلا وجب التنبيه عليه من الحكيم، ويمكن بيانه: بأن بناء العقلاء في افادة الوجوب الغيري على اقامة قرينة الغيرية، بخلاف النفسي فإنهم ربما يقتصرون على الاطلاق، وهذا لا لأن قيد النفسي عدمي بخلاف الغيري، حتى يستشكل فيه صغرى وكبرى بل لمكان بنائهم عليه هاهنا. ويمكن توجيهه بنحو منطبق على ظاهر ما مر منه سابقا، بأنه لما كانت ثمرة النفسية والغيرية إنما تظهر فيما لم يكن ذلك الغير واجبا، ففي مثل هذا المورد يكون لو كان الواجب غيريا فلا يجب عند عدم وجوب الغير فلا يجب الإتيان به ايضا مثل هذا الغير. وبالجملة: يكون الوجوب الغيري بحسب الواقع منوطا ومختصا بما إذا وجب الغير - وإن لم يصدق عليه الواجب المشروط اصطلاحا - فحقيقة الواجب الغيري وإن لم يكن الواجب المقيد وجوبه بزمان وجوب الغير، إلا أنه لاريب في تقيده واختصاص وجوده بما إذا وجب هذا الغير، وقد مر في الواجب المطلق أن اطلاق الهيأة عرفا دليل عدم اختصاص الوجوب بزمان تحقق قيد خاص. ولا يرد أن الاطلاق إنما يقتضي الجامع بين النفسي والغيري، فإنه إنما نشأ عن قياس اطلاق الهيأة باطلاق المادة، وهو غير صحيح بل اطلاق الهيأة عرفا دليل عموم الحكم وعدم اختصاصه بحالة خاصة، كما في الجمل الخبرية، فإنه لو كان مجئ زيد معلقا على شرط خاص واخبر به مطلقا بقوله يجئ زيد غدا، مثلا ثم لم يجئ لعدم حصول شرطه لعد كاذبا، وليس هذا إلا لفهم عموم الحكم لجميع الفروض والتقادير، مع أن الدال على الوقوع هناك وهاهنا واحد هو هيئة الجملة.

[ 266 ]

فالحاصل أن الوجوب الغيري وإن كان حقيقته ما عرفت والاطلاق لا يثبته بهذا المعنى، إلا أنه يفترق عن النفسي، باختصاص وجوبه بما إذا وجب الغير، بل بما إذا أتى بالغير - بناء على وجوب المقدمة الموصلة - وبوجوب إتيانه قبل الغير، أو معه، أو بعده، على اختلاف أنحاء اعتبار المقدمات، فالخصوصية الاولى: ترفع باطلاق الهيأة، والأخيرة: باطلاق المادة، وعليه فلا حاجة الى التشبث هنا بأن العرف يرى الهيأة حجة، ولو عند عدم وجوب الغير، وإن كان بنفسه وجها متينا، كما لا يخفى. ثم إنه قد يستشكل في الأخذ باطلاق الهيأة لأن مفادها معان آلية أو جزئية، بل يحكم بوجوب الرجوع الى اطلاق المادة لاثبات النفسية إن كان لها اطلاق - كما في التقريرات - لكنك عرفت حله، والاشكال على رجوع القيد الى المادة في الواجب المطلق والمشروط فلا نعيد. إلا أنه (قدس سره) في التقريرات استدل على بطلان القول بوضع الهيأة لمفهوم الطلب، واثبات وضعها لواقع الطلب بما هو مذكور في الكفاية بالفاظه. وأنا أقول: إنه لو قيل بوضعها لمفهومه فمعنى هذا القول كما في سائر الموارد أن الموضوع لها هو الطلب، بالحمل الأولي، مضافا الى اعتبار أنه ينشأ هذا المعنى بها، وهذا المعنى والمفهوم كسائر المعاني لا يصدق إلا على واقعه، وما هو بحمل الشايع طلب، وباستعمال الهيأة في مقام انشاء هذا المعنى يوجد مصداق من واقع الطلب، الذي هو التصدي لتحصيل المراد، فكما أنه إذا قال: اطلب، أو أنت حر، استعمل المادة في معنى الطلب والحرية والهيأة بصدد ايجادها بالوجود الخاص بهما، فكذلك الهيأة هاهنا بمنزلة أطلب الإنشائي يتحقق بها مصداق لواقع الطلب بانشائه ويتصف به المطلوب. نعم، لو قلنا: بأن واقع الطلب الحقيقي هو الارادة النفسية، فالموضوع له الهيأة هو الطلب الانشائي، أي واقعه لا مفهومه، وبانشائه يتحقق مصداق من مصاديقه - وعليه مبنى ما في الكفاية - وما أفاده (قدس سره) في رد القول بوضعها لواقع الارادة أمر

[ 267 ]

متين - وإن كان في ارادة الشيخ (قدس سره) لهذا المعنى نظر -. وما أورده عليه في النهاية: من أن حقيقة الاستعمال الذي منه الانشاء هو ايجاد وجود تنزيلي لفظي للمعنى، وهذا المعنى ممكن على القول بوضعها لواقع الارادة أيضا، فلذا فالصحيح رده بأن الاستعمال لما كان بغرض الانتقال الى المعنى، والانتقال وجود ذهني للمعنى، فالمعنى الموضوع له مطلقا لابد وأن يكون نفس الطبيعة حتى يمكن وجود ذهني له انتهى (1). ففيه أن الذي نجده من انفسنا أن الألفاظ موضوعة لوجود المعاني بوجوداتها العينية، التي يترتب عليها به آثارها المطلوبة منها، غاية الأمر أنها لوحظت في بعض الموارد - وهو ما إذا كان الموضوع له كليا - بنحو كلي، ومع ذلك فلا ينطبق وليس الموضوع له إلا ما هو الوجود الحقيقي العيني لهذا المعنى الكلي، وهذا من اقتدارات النفس التي أعطاها خالقها تبارك وتعالى، والاستعمال - بحسب الوجدان - هو القاء هذه المعاني بآلية الألفاظ، بحيث لا يرى المستعمل إلا المعاني الواقعية، ولا يفهم المخاطب إلا اياها، فما يراه المستعمل ويفهمه المخاطب هو الموضوع له والمستعمل فيه. والألفاظ والصور الذهنية أسباب وآلات، وإن كان في الواقع ونفس الأمر وبنظرة ثانوية ليس في البين الا هذه الألفاظ وتلك الصور الذهنية، إلا أنها في نظر المستعمل والمخاطب مرايا واداة يحكم بها على الواقع وينال بها الواقع، لا أن المستعمل ينزل اللفظ منزلة المعنى، ولا أن المعنى يكون الطبيعة التي يقال بحضورها ووجودها الذهني. كما أن حقيقة الإنشاء إيجاد المعنى المنشأ بالوجود الخاص به بواسطة اللفظ، فاللفظ الموضوع للانشاء يذكر ويراد به معناه الذي هو مصداق الإنشاء، واللفظ الموضوع للمعنى المنشأ يذكر ويراد به هذا المعنى، وبتعلق الإنشاء بهذا المعنى يحصل له وجود إذا تم شرائطه.


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 329 - 330، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 268 ]

ومنه تعرف أنه لا بأس ولا غرو في كون المفهوم المنشأ معنى اسميا، أو ليس العتق أو البيع أو الطلب المنشآت بهيأة المضارع - مثلا - في قولك: " أبيع " و " أطلب " و " اعتق " معاني اسمية ؟ فلا حاجة الى ما أجاب به في النهاية عن إيراد اسمية معنى الطلب، كل ذلك مما يحكم به الوجدان على ما نعرف. نعم، في أصل وضع الهيأة للطلب المفهومي أو المصداقي كلام، بل منع، وتفصيل المطلب يطلب من بحث تعيين الموضوع له الصيغة. ثم إن هذا كله فيما كان في البين إطلاق، وأما إذا لم يكن اطلاق ووصلت النوبة الى الاصول العملية، فللشك صور ثلاث: الاولى: أن يكون ذلك الغير المحتمل كون وجوب المشكوك في غيريته لأجله فعليا، كما إذا دخل الوقت وعلم بوجوب الصلاة نفسيا، وعلم بوجوب الوضوء أيضا، لكن لم يعلم أنه نفسي أو غيري ؟ فلا إشكال في وجوب الإتيان بالوضوء ولاشك في وجوبه، إنما الشك في تقيد الصلاة به، والاصل فيه البراءة - كما أفادوه - ومثله الشك في لزوم الاتيان بالوضوء قبل الصلاة - مثلا - بالنسبة الى التكليف به، يجري عنه البراءة أيضا. إلا أن سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي - استشكل جريان البراءة بأن المكلف يعلم إجمالا أنه إما أن يجب عليه الوضوء نفسيا، وإما أن يجب عليه الصلاة المقيدة به نفسيا أيضا، ومن ناحيته وجب الوضوء أيضا غيريا، فبعد كون تقيد الصلاة طرفا للعلم الاجمالي كيف يجري البراءة عنه ؟ إلا أن هذا الاشكال وإن كنا ضبطناه بلا استشكال لكنه مما لم نستطع فعلا لفهمه، فإن هذا العلم الإجمالي ينحل الى علم تفصيلي بوجوب الوضوء وشك بدوي في تقيد الصلاة به، فإن المفروض تعلق الوجوب الغيري بالوضوء - على فرض المقدمية - والكلام مفروض بعد تصوير الوجوب المقدمي، ومعلوم أن البعث النفسي والغيري سنخ واحد، وشرط تعلق البعث والوجوب ليس إلا تعلق الوجوب بالمقيد - على فرض الغيرية - وقد تعلق به، وليس شرطه الاتيان به

[ 269 ]

مقيدا، فبعد هذه المقدمات نحن نعلم بوجود ارادة شخصية وبعث شخصي متعلق - بالوضوء، وإن لم نعلم نفسيته وغيريته، والعقل حاكم معه بتنجزه، والارادة أو البعث المتعلق بالصلاة ارادة وبعث آخر يشك في حدوده فتجري البراءة عنه، ومنه تعرف كيفية بيان الاشكال والجواب عنه في الصورتين الآتيتين. الصورة الثانية: مااذا علم بوجوب ذلك الغير، إلا أنه كان مشروطا بشرط لم يحصل بعد، فلم يصر بعد فعليا، وحكموا فيه بالبراءة عن المشكوك الغيرية قبل حصول الشرط المزبور. والحق فيه كما يعرف مما مر في الشك في اطلاق الواجب واشتراطه، أن يقال: إنه لو كان هذا الشرط لا يحصل لهذا المكلف أصلا بحيث لا يكلف بذلك الغير - كما في الحائض جميع الوقت مثلا - فالأمر كما ذكر، وأما إذا كان الشرط مما يعلم بحصوله - ولو بالأمارات - فالرجوع الى البراءة قبل حصول الشرط غير صحيح، إذ بعدما كان أصل الوجوب مسلما، فشموله لما قبل حصول الشرط فيه سعة على المكلف، وليس عليه إلا عقاب واحد، فلا تجري فيه البراءة الشرعية ولا العقلية. نعم، يمكن الرجوع الى استصحاب عدم الوجوب إن لم يكن أصل البراءة عن اشتراطه بهذا الوقت المخصوص - أعني زمان حصول الشرط - لكن معه فالاستصحاب وإن كان جاريا، لكنه لا يثبت تقيده بما بعد الوقت، وأصل البراءة ينفي هذا التقيد، بل ولو سلم أن الاستصحاب يثبته فالبراءة بملاحظة جريانها في الحكم الكلي القانوني، وجريان الاستصحاب في الحكم الجزئي، حاكمة عليه. ثم إنه بعد حصول الشرط كما مر تجري البراءة عن تقيد ذلك الغير بهذا المشكوك، ولا إشكال فيه على ما ذكرنا، وأما على مبنى القوم فالعلم الإجمالي حاصل بمخالفة هذه البراءة للواقع، أو البراءة عن وجوب المشكوك الغيرية قبل الوقت، كما لا يخفى، إلا أنها مخالفة علمية لا عملية فلا بأس بها. الصورة الثالثة: ما إذا لم يعلم بوجوب ذلك الغير أصلا، وحكمه واضح مما مر مذكور في مسفورات القوم، فراجع.

[ 270 ]

تذنيبان: الأول: في أنه هل يترتب على امتثال الواجب الغيري ومخالفته ثواب وعقاب وقرب وبعد ؟ قد سلموا الأمر في الواجب النفسي، إلا أن التحقيق أن يقال: إن في حقيقة الثواب والعقاب احتمالات: الأول: أن يكونا من لوازم الأعمال سواء كانت بتجسمها بجسم نوري أو ناري، أم بتأثيرها في النفس ملكة نورية أو نارية أو خلاقة لما يؤنس به أو يتأذى منه، وعليه فلا اشكال في تصورهما في التكاليف النفسية، بأن كان نفس الواجب لحسنه الذاتي متصورا بهذه الصور - مثلا - إلا أنه لا دليل على اختصاصه بما إذا اتي بالواجب بقصد التعبد والطاعة، بل كل فعل حسن ذاتا أو قبيح كذلك يمكن أن يتصور بهذه الصور أو يؤثر هذا الأثر. نعم، الامتثال وإتيان الواجب في مقام التعبد أيضا أمر يمكن فيه ذلك، وهو أيضا من الأعمال الحسنة. وكيف كان فترتب الثواب والعقاب - بهذا المعنى - على الواجب الغيري إن اريد به نفس العمل المقدمي فممنوع، إذ نعلم علما قطعيا بأن المقدمة لا شأن لها إلا كونها مما يترتب عليه ذو المقدمة، وأما هي نفسها فلا حيثية حسن فيها بحيث لو لم يكن المولى ملزما ومقهورا لما امر به أصلا. وأما إن اريد به ترتبه على اطاعته ومخالفته فتصوره مبني على ما سيجئ من أنها بهذا العنوان حسن ذاتا أم لا ؟ بل لا حسن له ولا قبح، بما أنه امتثال الوجوب الغيري أو مخالفته فانتظر. الثاني: أن يكون باب الثواب والعقاب باب جعل المولى لهما على مخالفة أوامره، وموافقته، من غير استحقاق أصلا، وهو أمر ممكن - وإن لم يكن عليه برهان عقلي - وعليه أيضا فلا مانع من جعلهما على الواجب النفسي والغيري، فالمولى الذي له كمال العناية بأن يصل كل موجود الى كماله الذي بعهدة الواجبات، وترك المحرمات، ترغيبا للمكلفين وتحذيرا لهم عن المخالفة، يجعل الثواب والعقاب ولو على الوجوب الغيري.

[ 271 ]

الثالث: أن يكون من باب حكم العقل بالاستحقاق، ومن المعلوم أن المراد بالعقل هنا ليس العقل النظري المدرك للامور بإقامة البراهين العقلية عليها، كما أنه لا ينبغي أن يراد به القواعد العقلائية المجعولة من العقلاء لبنائهم على حفظ نظام الاجتماع، وكون الثواب والعقاب من احسن أسباب حفظه، بل المراد به فطرة الانسان وجبلته، فانها الذي تدرك أن لكل ذي حق حقه، وأن التعدي الى حق الغير قبيح، والإحسان الى من لابد له حسن، ونحو هذا، فإن الظاهر أن الحاكم بهذه الامور هو جبلة الإنسان وفطرته، لا العقلاء بعد بنائهم على حفظ النظام وتوقف حفظه عليها. وكيف كان فليس المراد بالاستحقاق أن يصير العبد مالكا لشئ على المولى - نعبر عنه بالثواب - أو يصير المولى مالكا لشئ على العبد، كيف ففي جانب الثواب لا يرى العقل والفطرة هذه الملكية لمن أتى بما يطلبه غيره، المساوي له في الشرف لانه طلبه منه، فكيف في العبد بالنسبة الى مولاه، ولا سيما في مولانا تبارك وتعالى الذي تمام حيثيات وجود عبيده منه، وليسوا مالكين لشئ أصلا، بل هو المالك بحقيقة معنى الملكية على الاطلاق، بل المراد به أن العبد بالامتثال يصير - بحكم العقل - بحيث لو جاد عليه مولاه على امتثاله هذا لكان واقعا في محله، ولكان العبد لائقا وحريا به، فليس هو ذا حق على مولاه، ولا المولى ملزما بالجزاء، بل لو جزاه بلطفه وسيادته كان واقعا في محله، فلا نقول بحصول كيف استعدادي في العبد، ولا اولوية مقربة للعلة الى معلولها، ولا أولوية مورثة لحق من ناحية العبد، بل نقول بهذا الوقوع في المحل واللياقة (1)، وهذا مما يحكم به صريح


(1) تفسير الاستحقاق به وإن وقع في كلام جمع من الأصحاب، ولا بأس بإرادته من لفظة الاستحقاق، إلا أن الظاهر أن مراد من عبر به من المتكلمين ومن تبعهم هو ثبوت حق للعبد على المولى وبالعكس، فقد استدل له المحقق الطوسي في تجريده بما لفظه: " وظاهر أن المشقة من غير عوض ظلم، وهو قبيح " * فراجع تجريده وشرحه، والله العالم. (منه عفي عنه). (*) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 322. (*)

[ 272 ]

الفطرة وبداهة الجبلة. فلا يرد عليه، ما أورده سيدنا الاستاذ الاعظم - مد ظله - من أن مرجعه الى حصول كيف استعدادي في العبد أو حق له عليه تعالى، والأول: مناف لتجرد عالم الآخرة، والثاني: مما يحذر عنه " هذا ". والظاهر أن الأمر في جانب العقاب أيضا كذلك، فلا يرى المولى مالكلا لحق على رقبة العبد، بل لو عاقبه على خلافه لكان عملا واقعا في محله، وعلى هذا فالأدلة الواقعة في الشريعة، الدالة على ثواب الأعمال وعقابها، تكون تعيينا لما يعطيه تبارك وتعالى بفضله هؤلاء المستحقين الحريين بإن يتفضل عليهم، لا صرف جعل منه تعالى. نعم، حصر مفادها في هذا المعنى مما لا وجه له بعد وجود أدلة كثيرة ظاهرة في تجسم الأعمال، وتفصيل المقال موكول الى محل آخر. فهاهنا نقول: بناء على مسلك الاستحقاق فالعقل الحاكم به كما يحكم بثبوت هذا الاستحقاق على امتثال الواجب النفسي والتعبد به كذلك يحكم بأنه لو أتى إنسان بعمل حسن لأنه حسن، فأحسن الى اليتيم لمجرد أنه حسن فهو ايضا حري بالإكرام، فلو أثابه مالك الملوك على هذا العمل لكان واقعا في محله، وهو حري به. نعم، لو أتى بعمل حسن لا لحسنه بل لمقاصد اخر ففعله وإن كان حسنا إلا أنه لا يستحق مدحا ولا ثوابا. وفي طرف العقاب، كما أنه إذا علم بحرمته ومع ذلك أتى به أو ترك الواجب فهو مستحق العقاب، فكذلك إذا أدرك قبحه ومع ذلك عمل القبيح، ولو لم يكن لقبحه. ومنه تعرف أن القرب أو البعد بمعنى جلب توجه المولى - مثلا - لا يتوقفان على قصد الطاعة والتعبد، بل لو أثاب فاعل الحسن لحسنه، أو عاقب فاعل القبيح بعد علمه بقبحه، لكان الثواب والعقاب واقعين على المحل المناسب، فالقرب أو البعد بمعنى أن للعبد مكانة أو دناءة في ساحة المولى يحصل بغير قصد القربة أيضا. نعم، إذا اعتبر في العمل أن يكون للمولى فلا محالة لا يحصل بمجرد إتيانه

[ 273 ]

لحسنة، على مالا يخفى. هذا في الواجبات النفسية. وأما الواجب الغيري، فقالوا: بعدم استحقاق الثواب ولا العقاب عليه، وأحسن البيانات فيه، هو أنه لما كان بعث المولى فيه بعثا معلوليا ومقدميا، فلذلك إن كان العبد بصدد امتثال الواجب النفسي ذي المقدمة، فلا محالة ينبعث من هذا القصد الى إتيان المقدمة، من غير تأثير للبعث المعلولي في داعيه، بل كما أن المولى أمر به تبعا فهو أيضا ينظر إليه تبعا، وإلا فالأصيل في نظره هو ذو المقدمة، فلا داعوية إلا له، وإن لم يكن بصدد الامتثال فلا محالة وقهرا لا يقوم بصدد اتيان المقدمة ايضا، فليس للأمر المقدمي الغيري الا التبعية، وامتثال العبد امتثال الواجب النفسي، فكيف يثاب على الواجب الغيري بما هو غيري، وهذا مارامه المحقق صاحب نهاية الدراية (قدس سره) وهو موافق لما ذكره سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله - بل أدق منه وحينئذ فمن العجب أنه - مد ظله - يستشكل عليه (قدس سره) ويعيب كلامه، وليس هذا إلا من سرعة المطالعة وجولان الفكر. لكن الذي أفهمه أنا خلاف ما أفادوه، وذلك أن مسألة الداعوية ليست أمرا صعبا، بل حقيقتها أن يكون للانسان غرض هو بصدد تحصيله بفعله، فإذا كان للعبد هذا الغرض - أعني أطاعة أمر المولى، أي أمر كان، وكان أمر المولى ضالته التي يطلبها حتى يطيعها، من غير خصوصية للنفسي والغيري، فإذا وجد أمرا غيريا فقد وجد ضالته، وما يقوم بغرضه، فلا محالة يستنبط منه مراده، ويأتي بمتعلقه لانه مأمور به ومطلوب لمولاه، ولا ينافي هذا أن يكون في طريق تحصيل ذي المقدمة، فان هذا أيضا غرض آخر يحصله بفعل واحد، فهو في فعله هذا وصل الى غرضين، وحصل مطلوبين، كل منهما حسن موجب لا ستحقاقه الثواب، من مولاه الكريم تبارك وتعالى. وكذلك الأمر في جانب العقاب، فان العبد لو كان خبيث النفس يترك المأمور به المقدمي، ويخالفه لأنه مخالفة، فلاينبغي الشك في استحقاقه بذلك العقاب. نعم، لا ننكر أنه لو تركه لا بهذا القصد فلا يستحق إلا عقابا واحدا على ترك

[ 274 ]

النفسي، فالواجب النفسي يستحق العقاب بتركه، ولولا بقصد مخالفة المولى والعناد، بخلاف الغيري، وكذلك في طرف الثواب يستحقه على إتيانه بما أنه حسن أيضا، بخلاف الغيري، فإنه ينحصر في إتيانه تعبدا وبقصد أمره، هذا. كما أن اتيانه بقصد أن يصل الى مراد المولى الأصيل أيضا عنوان حسن يوجب استحقاق الثواب، كما اشرنا إليه، وهذا هو مراد الكفاية من الشروع في إطاعة الواجب النفسي، يعني أنه يعد مرتبة من مراتب اطاعته، حيث اشتغل بإتيان مقدماته. وأما أنه لو ترك مقدمة لا يقدر بعد تركها على إتيان ذيها، فلا ريب في أن تفويت الواجب والعصيان لا يحصل إلا بعد مجئ وقت الواجب ومضيه، بل الأمر أيضا لا يسقط - بناء على القانونية - إلا بعده، لكن لا يبعد حكم العقل والفطرة بأنه لو عاقبه المولى ولو قبل مجئ الوقت لكان (1) واقعا في محله وعقاب مستحق له. وهذا هو مراد الكفاية. ثم، إنه قد اعتبر في الواجبات العبادية أن يكون إتيان العمل لله تبارك وتعالى، وهو عنوان اخص مما يوجب القرب واستحقاق الثواب كما عرفت - وإن كان بنفسه من العناوين الحسنة الموجبة للقرب والثواب - وهو في الواجب النفسي والغيري يحصل بإتيانهما بقصد أمرهما، وبإتيانهما بقصد أنه محبوب للمولى ولو غيريا، ويزيد الواجب الغيري بحصول هذا المعنى بإتيانه بما أنه مقدمة لمطلوب نفسي للمولى. هذا. إشكالات ودفعها: قد استشكل في الطهارات الثلاث التي من المقدمات: تارة بأنه لا شبهة في حصول القرب والثواب على امتثالها، مع أنهما من مختصات الواجب النفسي،


(1) وقد صرح بمثله في التقريرات عند رد برهان أبي الحسين البصري على الملازمة بين وجوب المقدمة وذيها. (منه. عفي عنه). (*)

[ 275 ]

وأخرى: بأنه لاشك في اعتبار قصد القربة فيها، مع أن أمرها غيري، وحيث إن الغرض من الأمر الغيري صرف حصول المقدمة فلا معنى لاعتبار قصد القربة في سقوطه. وثالثة: بأنه لاشك في أن مقدمة الصلاة ما كانت رافعة للحدث، ورفع الحدث موقوف على قصد الأمر، فمقدميتها موقوفة على تعلق الأمر بها، وتعلق الأمر بها فرع مقدميتها وهو دور. أقول: والظاهر أن عد الأخير إشكالا مستقلا غير صحيح، وذلك أنه لا ينبغي الشبهة في أن الإشكال هاهنا بعد حل المطلب في التعبديات والفراغ عن صحة الأمر فيها، وحينئذ فلو اغمض النظر عن أن الأمر الغيري لا يمكن أن يكون تعبديا - كما هو مفاد الإشكال الثاني - وفرض امكان عباديته فرفعها للحدث وإن توقف على الأمر إلا أن الأمر غير موقوف على كونها مع قطع النظر عن الأمر رافعا له، إلا بناء على ما افيد في الإشكال الثاني، ولذلك فالشيخ الأعظم (قدس سره) لم يذكر في " التقريرات " و " كتاب الطهارة " إلا أحدهما فقط. ولذلك أيضا عبر في مقام تقرير الإشكال في كتاب الطهارة بما لفظه: إيجاب الوضوء لأجل الصلاة يتوقف على كون الوضوء في نفسه مقدمة لها، وهو مناف لما التزمنا من أن رفع الحدث الذي باعتباره صار الوضوء مقدمة من أحكام الإتيان بالوضوء امتثالا للأمر. انتهى (1). فإنه لا وجه لأخذ مقدمية الوضوء وترتب الأثر المقصود منه عليه مفروغا عنها مع قطع النظر عن الأمر، إلا ما مر في الإشكال الثاني من أن الغرض منه ليس إلا التوصل، فلا معنى لاعتبار قصد القربة الذي كلما اعتبر فهو لترتب أثر عليه ولو كان هذا الأثر شرطيته لتأثير العمل أثره. وكيف كان فايراد الاشكال الأول مبني على مبنى المشهور، وإلا فعلى ما عرفت فلا اشكال في حصول القرب وترتب الثواب على الواجب الغيري أيضا. نعم، الاشكال الثاني جار حتى عليه أيضا، كما لا يخفى، فإنه بعد ماكان تعلق


(1) كتاب الطهارة: ص 87 س 32، ط الحجرية. (*)

[ 276 ]

الأمر الغيري بملاك التوقف فمتعلقه بنفسه متوقف عليه، فاعتبار قصد الأمر الغيري في متعلقه يؤول الى كونه بما أنه متعلق للأمر الغيري متعلقا له، وهو مناف لمقتضى ملاكه. والذي ينبغي أن يقال في دفع الاشكال - وإن أمكن دفعه بوجه آخر أيضا - هو ما يستفاد من الأخبار من أن الطهارات الثلاث مستحبات وعبادات نفسية جعلت مقدمة لأفعال اخر، وبه يندفع كلا الاشكالين، وذلك أنها حينئذ مأمور بها بأمر استحبابي نفسي، فهذا الأمر النفسي ومبدؤه - أعني الارادة التشريعية النفسية - متعلقان باتيانها بداعي أمرها النفسي وحيث إنها مقدمة واحدة وإن كانت مركبة من أجزاء - فالأمر الغيري مبدؤه - أعني الإرادة الغيرية - متعلقان بإتيانها بداعي ذلك الأمر النفسي. وبعبارة اخرى: متعلقان بإتيان هذه العبادة التي في نفسها عبادة، فمتعلق الأمرين والإرادتين مختلف، فهاهنا أمران وإرادتان لا وجه لانقلابهما أمرا واحدا وجوبيا، أو إرادة شديدة غيرية، بعد اختلاف متعلقيهما، بل لو سلم وحدة المتعلق أيضا فحيث إن ملاك النفسية والغيرية مختلف، فالحب والوجوب المعلول لهما أيضا مختلفان لا بأس باجتماعهما بوصف الاثنينية على موضوع واحد، كما عرفت في البحث عن المقدمات الداخلية. فتوهم أن ذات العمل أيضا مقدمة تعلقت بها أيضا إرادة غيرية، والمفروض أنها متعلق الارادة النفسية أيضا، فتتحدان، مما لا يغني، ولايسمن من جوع، مضافا الى بطلان التوهم في نفسه أيضا بما مر الاشارة إليه، من أنه إذا كان المقصود الغيري أمرا واحدا مرتبا على مركب ذي أجزاء فيتعلق بهذا المركب ارادة واحدة وأمر واحد غيري، - كما في المقاصد النفسية بعينها - غاية الأمر انبساط الوجوب ومبدؤه على أجزاء المركب أو ذاته وتقيده، ومعلوم أن الوجوب الواحد أو الارادة الواحدة البسيطة لا معنى لاشتداد بعض منها دون بعضها الآخر، ومضافا الى أن الذات ليست متعلقة لارادة مستقلة نفسية، بل هنا إرادة واحدة ووجوب واحد نفسي تعلق بإتيان الوضوء - مثلا - بداعي تعلق هذه الارادة أو

[ 277 ]

الوجوب - مثلا - بناء على ما مر من تصوير أخذ قصد القربة في متعلق نفس الأمر المتعلق بالذات. وبالجملة بعد فرض استحبابها النفسي فلا بأس بترتب الثواب عليها، ويكون اعتبار القربة فيها من هذه الجهة، لا من مقتضيات أمرها الغيري، وإلا لزم لنا حتى نلتزم بوجوب قصد الأمر الغيري، فنحتاج حينئذ الى جواب آخر، بل مقتضى الأدلة جواز الاكتفاء بأمرها النفسي. نعم، يبقى عليه أنه لم يكتفي بأمرها الغيري، فإن من المعلوم من الفقهاء - على ما قيل - أنه لو أتى بنفس هذه الافعال لأنها مأمور بها بأمر غيري لصحت وحصل الطهارة. والجواب عنه بما في الكفاية مردود بما في النهاية من: أن المفروض صحتها ولو لم يكن له داع إلا الأمر الغيري ولم يلتفت الى مطلوبيتها النفسية ولو اجمالا، فلو كان الأمر الغيري لا يوجب القرب والثواب فكيف يكتفي بقصده. وحينئذ فالحق في الجواب أن يقال: إن أمرها النفسي قد تعلق بإتيانها لله تعالى وعلى وجه القربة، وقصد أمرها النفسي أحد طرق تحصيل قيدها، والأمر الغيري المتعلق بها لما كان ينبسط على ذواتها - وقد عرفت أن قصد الأمر الغيري أيضا مقرب - فاتيانها بداعي هذا الأمر الغيري المنبسط عليها محصل لقيدها، ويتحقق معه ما هو المقدمة، فالأمر الغيري وإن اختلف مع النفسي من حيث المتعلق، إلا أنه يوجب التوسعة للمكلف في تحصيل قيد الطهارات. بل يمكن أن يقال: بعد أن كان المعتبر في كل عبادة صرف إتيانها لله تعالى، وقصد أمرها أحد طرق تحصيلها، فالأمر النفسي والغيري والارادة النفسية والغيرية كلاهما متعلقان بالوضوء لله تعالى، غاية الأمر أن اعتبار هذا القيد فيه في الارادة النفسية بمقتضى نفسها، وفي الغيرية بمقتضى تلك الإرادة وتوقف الصلاة على هذه العبادة، وإلا فمتعلقاهما واحد، فما مر من اختلاف متعلقيهما إنما يتم بناء على أخذ قصد خصوص أمرها فيها، والتحقيق أن المأخوذ فيها وفي كل عبادة

[ 278 ]

أعم من ذلك. نعم، يتم أيضا بناء على تعلق الأمر المقدمي بعنوان المقدمة بما هي مقدمة أو الموصل بما هو موصل، وسيأتي تحقيقه. وكيفما كان فقد عرفت مما ذكر صحة الطهارات وإن أتى بها بقصد توقف الصلاة عليها فإن هذا القصد أيضا يوجب أن يكون اتيانها له تعالى، وهو كاف في صحتها على ما عرفت. ثم إن الشيخ الأعظم (قدس سره) - في كتاب الطهارة والتقريرات - قد حل العقدة بوجهين آخرين: أحدهما: ما حاصله: أن مقدمة الصلاة عبارة - مثلا - عن الوضوء المندوب بنفسه، لكنه معنون بعنوان قصدي مجهول لنا، فنحن تحصيلا لذلك العنوان القصدي المجهول نأتي بالوضوء بقصد أمره الغيري، باعتبار أن أمر الشارع وارادته تعلق به بما له من العنوان، فاعتبار قصد الأمر الغيري بهذه الجهة لا بجهة كون الأمر الغيري تعبديا، وأما حصول القرب والثواب بفعلها، مع أن المفروض أنه لم يقصد إلا الوجوب الغيري فباعتبار رجحانه الذاتي، وإن لم يبق استحبابه، فإن الواجب الغيري يحصل التقرب به إذا كان في نفسه عبادة مطلوبة ندبا انتهى بتلخيص من كتاب الطهارة (1). وأنت إذا تأملتها ترى أنه جعل وجه القرب رجحانه وطلبه الندبي، لاكونه مضافا بنفسه الى المولى، فما في نهاية الدراية في مقام تقريره غير مطابق له، وترى أيضا أنه صرح بأن المفروض ايقاع الفعل لوجوبه الغيري وأن الاستحباب غير باق وحينئذ فهو لا ينطبق إلا على ما في التقريرات من أن لحوق المرتبة الشديدة أوجب ارتفاع المرتبة الضعيفة بحدها وتشخصها بحد المرتبة القوية. وكيف كان فلا يرد عليه أن هذا الجواب غير واف بدفع اشكال ترتب المثوبة - كما في الكفاية - إذ هو (قدس سره) صرح بان حصول القرب لمكان رجحانه الذاتي، وهو ظاهر التقريرات أيضا.


(1) التقريرات: ص 71 س 13، كتاب الطهارة: ص 87 - 88 س 1. (*)

[ 279 ]

نعم، الاشكال الآخر المذكور في الكفاية من عدم اقتضاء ذلك لقصد الأمر وجعله غاية بل يمكن تحصيل العنوان القصدي المزبور بجعله صفة أيضا. ويرد عليه أيضا أن معنى إتيان الوضوء أو الغسل أو التيمم للوجوب الغيري هو أن يكون المحرك والداعي الى هذه الأعمال وجوبها الغيري، بمعنى أنه يغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه - مثلا - لأن كل منها مأمور به وواجب غيري، فقصد أمرها لا يستلزم قصد هذا العنوان القصدي المجهول بنحو الاجمال. ويرد عليه أيضا أنه لو كان الأمر على ما ذكر لكان اللازم بطلان الوضوء إذا أتى به بقصد استحبابه النفسي، اللهم إلا أن يقال: إن الأمر الاستحبابي أيضا متعلق به بهذا العنوان، لكنه انقلب أمرا غيريا وجوبيا فتأمل (1) لكن يرد عليه أنه لا داعي ولا دليل على القول بهذا الأمر القصدي، بعد اقتضاء الأدلة لصحة الوضوء - مثلا - إذ أتى بأفعالها بقصد القربة. وأما ما في نهاية الدراية من الايراد عليه، بأن الأمر القصدي لابد وأن يكون معلوما بالتفصيل، إذ القصد وإن أمكن توجهه الى عنوان كلي جامع للامور القصدية، إلا أنه مما لا يفيد في حصول العنوان القصدي، فان المعتبر في حصوله أن يتوجه القصد الى ما هو بالحمل الشايع عنوان قصدي، وتبيعه يتوجه الى الكلي الجامع، فما لم يعلم تفصيلا لا معنى لحصوله (2). فمدفوع، بأن القصد الى طبيعة العنوان القصدي والجامع بين امور قصدية كما في تعلق الارادة به في باب المطلقات وإن لم يكن محصلا لها، إلا أن الظاهر تحققها إذا قصدها امرا قصديا بخصوصيته التي هو عليها في الواقع، وجعل العنوان الجامع مشيرا إليها، ألا ترى أنه إذا علم أنه عليه خمسة دراهم - مثلا - إما من الزكاة أو الخمس أو الصدقة المنذورة، أو الدين، فأعطى للدائن الجامع لشرائط أخذ الثلاث الاخر أيضا خمسة واحدة، بقصد أن تكون ما هو عليه في نفس الأمر،


(1) إشارة إلى أن ظاهر التقريرات اعتبار قصد الأمر الغيري لغير إقتضاء عباديته نفس المقدمة، فراجع. (منه عفي عنه). (2) نهاية الدراية: ج 2 ص 125 - 126. (*)

[ 280 ]

لما كان شك في براءة ذمته عما تشتغل به، وحصول ذلك العنوان القصدي الواقعي، ومعلوميته في المثال اجمالا، بخلاف ما نحن فيه، إذ المفروض مجهوليته رأسا لا تكون فارقة، بعد اشتراكهما في توجه القصد الى الواقع بخصوصيته التي عليها، الذي هو الملاك في تحققها، كما لا يخفى. وأما ما في كلماته - استطرادا - من رد كلام استاذ الأساتذة وجعل متعلق العلم الاجمالي هو العنوان الجامع فمحل منع سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في محل انسب: وخلاصته أن العلم والارادة وإن كانا شخصيين رفيقي الوحدة المباينة للتردد، إلا أن قوامهما بوجود متعلقهما في أفق النفس، فلا ضير بأن يتعلق كل منهما بصورة نفسية يكون حكايتها عن الواقع بنحو الترديد، والا فلا شك في أنا في العلم الاجمالي نعلم بوقوع هذه الخصوصية أو تلك لا أنا نعلم بالجامع فقط، ونجهل انطباقه، فهل الأمر فيما إذا علم بأنه إما هذا الكأس متنجس أو أن عليه قضاء الصبح - مثلا - كذلك ؟ وبسط الكلام موكول الى محله. ولا يذهب عليك أن ما جعله في التقريرات وجها ثانيا في جواب الإشكال غير هذا المنقول عن كتاب الطهارة، بل مبناه على وجوب قصد الأمر فيما لم يعلم فيه وجه توقف ذي المقدمة عليها، وحينئذ فيرد عليه أن صرف عدم العلم بوجه التوقف لا يقتضيه، كما هو مذكور في التقريرات فراجع (1). ثانيهما: أن وجه اعتبار قصد الطاعة إنما هو توقف حصول الغرض النفسي من ذيها على اتيانها على وجه العبادة وبقصد توقف ذيها عليها، غاية الأمر أنه - بناء على عدم إمكان أخذ القربة في متعلق الأمر وكونه من باب اللابدية - يتوجه الأمر الغيري الى ذوات هذه الأفعال، وينبه على عدم حصول الغرض منه إلا بقصد القربة. هذا. ويرد عليه أولا: بعد تسليم المبنى المشار إليه أن قصد الطاعة هنا في المتعلق مما لا محذور فيه، إذ لا بأس بتوقف ذي المقدمة على الوضوء المأتي به بقصد


(1) مطارح الانظار: ص 71 س 14 وما بعده. (*)

[ 281 ]

التوقف، وهو أمر يمكن تحققه مع قطع النظر عن الأمر، إذ الوضوء الكذائي وإن كان مقدمة واحدة لكنه لاشك في أن ذاته أيضا متوقف عليها يمكن إتيانه لداعي هذا التوقف، وقد عرفت كفايته في حصول الطاعة، ثم بعد الأمر به يتوسع طرق تحصيل هذا القيد كما مر. وثانيا: ما عرفت من أنه لا دليل ولا داعي على الالتزام باقتضاء نفس التوقف والمقدمية اعتبار قصد القربة فيها أزيد مما هو المسلم من الادلة من كونها عبادات نفسية. وأما ما في الكفاية: من أن هذا الجواب أيضا غير واف بدفع إشكال ترتب المثوبة، فهو لايرد عليه (قدس سره) إذ هو ليس بصدد دفع هذا الإشكال، بل خصوص الإشكال الثاني، فراجع (1). لكن لا ينبغي الشبهة في أن مراد الكفاية من اشكال ترتب الثواب هو الاشكال الأول، أعني ترتب الثواب وحصول القرب المنشأ له، فلا يرد عليه أنه لم فكك بين الأمرين كما في نهاية الدراية ؟ كما لا يرد عليها أيضا أنه لم اقتصر في قوله بأن ذات الأفعال ليست مقدمة فلا يتعلق بها الأمر الغيري بجعله اشكالا على الوجه الآتي - أعني الحل بتعدد الأمر - وذلك أنه (قدس سره) لا يرى به هاهنا بأسا بعد ابتناء هذا الوجه على ما ارتضاه في باب التعبدي والتوصلي، وهذا بخلاف الحل الآتي إذ هو بناء على ما فهمه (قدس سره) ليس مبنيا ومتفرعا على كيفية حل العقدة في باب التعبدي كما سيأتي توضيحه، فما في نهاية الدراية غير متين، فتدبر (2). وقد حل العقدة بوجهين آخرين: أحدهما: ما ذكره في الكفاية، وأورد عليه بوجهين: من الالتزام بتعدد الأمر، وتوضيح الأمر فيه أنه إما مبني على القول بالتعدد في باب التعبدي، وإما يراد به حل مختص بباب المقدمة: أما الأول فإن قيل بالتعدد هناك بأن يتعلق أمر للغير بذات العمل، وأمر نفسي


(1) الكفاية: ص 140. (2) إشارة الى أن عدم متانته مع قطع النظر عن التوجيه الآتي. (منه عفي عنه). (

[ 282 ]

باتيانه بقصد الطاعة، أمكن القول به هنا أيضا، غاية الأمر أن الأمر الثاني غيري مقدمي هاهنا ونفسي هنالك، وإن قيل: بالتعدد بأن يتعلق أمر نفسي بذات العمل، ثم أمر نفسي آخر بإتيانه بقصد أمره، فهو مما لا يمكن المصير إليه هاهنا، إذ المفروض أنه ليس في البين إلا الأمر الغيري، وليس الوضوء إلا مقدمة واحدة، فتدبر جيدا. وأما الثاني - أعني إرادة حل خاص بالباب - ففيه احتمالان: أحدهما: دعوى أن نفس الأفعال مقدمة مستقلة فيتعلق بها أمر غيري، واتيانها بداعي أمرها - مثلا - مقدمة اخرى يتعلق أمر آخر بها. ويرد عليه أنه إذا أتى بنفس الأفعال لا بقصد القربة، فاللازم سقوط الأمر الأول، للعلم بحصول متعلقه وغرضه، فينتفي موضوع الأمر الثاني أيضا، ولا يمكن امتثاله، مع أن الواقع في باب الطهارات ليس كذلك. ثانيهما: دعوى أن الوضوء المقيد بالقربة - مثلا - وإن كان مقدمة واحدة إلا أنه يتعلق أمر غيري مقدمي بالذات، وآخر بإتيانها على وجه العبادة، وهذا هو الذي فهمه الكفاية، ولذا أورد عليه بأن الطهارات بأنفسها ليست مقدمة، فكيف يتعلق بها أمر مقدمي ؟ وغرضه (قدس سره) أن الوجدان أصدق شاهد على أنه كما أنه إذا كان للمولى غرض بسيط واحد نفسي، يأمر بالفعل المحصل له أمرا نفسيا واحدا، وإن كان فعلا مركبا، فهكذا إذا كان له غرض مقدمي واحد - كتحصيل الطهارة مثلا - يأمر بمحصله أمرا غيريا واحدا، لا أنه يأمر بكل جزء من أجزائه إذا كان مركبا أمرا واحدا مستقلا، فليس للمقدمة مفر ينحل به الاشكال خال عن المحذور، فلا يرد عليه ما في نهاية الدراية. اللهم إلا أن يقال: إن من رأى حل إشكال التعبدي بأمرين على الوجه الثاني من وجهيه، حيث لا يمكن جريان حله هذا هاهنا، فيمكن له أن يقول: لما لم يكن للمولى بد فلا محالة يأمر أمرا مقدميا بجزء المقدمة، كما قلتم بتوجيه أمره الى ذات العمل لمكان اللابدية، وكيف كان فبعد فرض وحدة المقدمة وتعدد الأمر، فلا محالة إذا أتى بذات الأفعال لا بقصد القربة، فلا يسقط أمرها مع فرض عدم

[ 283 ]

حصول غرضها، فلا يرد عليه ما ورد على باب التعبدي بعد تسليم الاشكال الأول والغض عنه. نعم، يرد عليه أيضا أنه لا داعي الى تطويل المسافة، والالتزام بأمرين - بأي وجه من الوجوه الأربعة - بعد عدم الدليل على عبادية الطهارات من ناحية المقدمية، وأزيد من عباديتها النفسية المدلول عليها بالأخبار والإجماع، هذا كله بالنسبة الى الحل الأول. وأما الثاني: فهو ما اختاره بعض الأعاظم (قدس سره) على ما في تقرير بحثه: من أن عبادية الطهارات لعبادية غاياتها، ولو بمتمم الجعل، إذ الأمر بالغايات أمر بها أيضا ولو انبساطا، وهذا الأمر الآخر المسمى بالمتمم اقتضى تعبديته بالنسبه إليها أيضا، لعدم حصول الغرض إلا بذلك، بخلاف المقدمات الاخر. والجواب عنه واضح، إذ الأمر بالمقيد ليس أمرا بالقيد وإن كان أمرا بالتقيد، وتفصيل الكلام. بأزيد منه يطلب من هامش النهاية، فراجع (1). التذنيب الثاني: هل يعتبر في امتثال المقدمة ووقوعها على وجه العبادة قصد التوصل الى الغير ؟ لا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره إذا كان ملاك عباديتها مطلوبيتها النفسية، كما في الطهارات الثلاث، - بناء على ما عرفت - فيصح الوضوء ويقع عبادة ويكتفى به إذا أتى به بداعي مطلوبيته النفسية، ولا يعتبر في صحته قصد التوصل وأمره الغيري، لا بوحده، ولا بضميمة أمره النفسي، ولا في طول الأمر النفسي من قبيل الداعي، وإن كان الأظهر في مراد الكفاية خصوص الأخير. نعم، لو أتى بقصد خصوص أمره الغيري المنبسط عليه، أو مع ضميمة أمره النفسي أيضا لكان صحيحا، على ما عرفت وجهه مما تقدم فتذكر.


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 339، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 284 ]

وأما إذا كان ملاك التعبد هو قصد الأمر الغيري - بأن لم يكن مطلوبا بطلب غير مقدمي، أو كان ولم يقصد، وبنينا على امكان التقرب بالأمر الغيري أيضا، كما هو التحقيق - ففي الكفاية: أن الأمر الغيري لا يمكن أن يصير داعيا، إلا إذا قصد التوصل به الى ذي المقدمة، ومراده (قدس سره): أن المكلف بعد التفاته الى أن المقدمة مطلوبة لأجل الغير فقط بحيث لو لم يكن هذا الغير مطلوبا لم تكن هي مطلوبة أصلا، فلا محالة بعد هذا الالتفات لا يقوم بصدد موافقة الأمر الغيري إلا إذا اراد من اتيان المقدمة تمكنه من الاتيان بذيها، وحينئذ فقصده هذا كاف في عباديته بلا حاجة الى ما يتفرع عليه من قصد أمرها الغيري، هذا. وهذا البيان الذي هو ظاهر عبارته سالم عما أورد عليه في النهاية، فراجع. بل كيف يمكن لمن كان بصدد امتثال الأمر بذي المقدمة، ومنه التفت الى اتيان مقدمته أن لا يكون إتيانه بالمقدمة للتوصل بذيها، فيكون عن هذه الارادة وقصد التوصل غافلا، ويتوجه قصده الى امتثال الأمر المقدمي فقط تبعا، بحكم أنه معلول للأمر النفسي، وامتثال العلة يستتبع امتثال المعلول قهرا، بل هو مما لم يقتضه برهان، والوجدان على خلافه، وهذا الوجدان هو الذي دعى سيدنا الاستاذ - مد ظله العالي - الى انكار الداعوية للأمر الغيري رأسا وإن كان الحق خلافه، لامكان تعلق غرض المكلف بموافقة أمر المولى أي أمر كان، ولا يعني بالداعوية إلا هذا، غاية الأمر ان يجتمع للمكلف في الفرض المزبور داعيان مستقلان لو انفرد. وبالجملة: فلا ينفك قصد امتثال الأمر بذي المقدمة لمن كان ملتفتا عن قصد التوصل، وإن امكن انفكاكه عن قصد موافقة الأمر الغيري، فقصد الأمر الغيري متأخر عنه ولا حاجة إليه. إلا أنه مع هذا كله يرد عليه أنه على مبناه (قدس سره) من أن الواجب هو ذات المقدمة، وإن لم يكن بانيا على إتيان ذيها ولم يأت به أصلا، فقصد امتثال الأمر الغيري ليس دائما مترشحا ومنبعثا عن قصد إمتثال أمره النفسي، فربما يتعلق

[ 285 ]

غرض المكلف بامتثال واجب من واجبات المولى، ويختار من بينها هذا الواجب الغيري، فيأتي به لوجوبه، من غير قصد للاتيان بذيه أصلا مضافا الى أنه ربما يكون غافلا عن وجه وجوبه، فيأتي به ثم يلتفت الى أنه واجب مقدمي. هذا. وفي التقريرات - في وجه اعتبار قصد التوصل في امتثاله -: أن الواجب هاهنا بحكم العقل هو عنوان المقدمة، فالأمر المقدمي متعلق بهذا العنوان، وامتثال كل أمر لا معنى له - للمكلف الملتفت - إلا إتيان متعلقه بداعي أمره، فلا محالة معنى امتثال الأمر الغيري إنما هو إتيان المقدمة بما هي مقدمة لتعلق أمر المولى بها، وقصد تحقيق عنوان المقدمية عبارة اخرى عن قصد التوصل بها الى ذيها، كما لا يخفى (1). وأورد عليه في الكفاية بمنع الصغرى، وأن الواجب هو ذوات المقدمات. وتحقيق نقضه وإبرامه موكول الى ما سيأتي إن شاء الله تعالى، والحق أنه وإن سلم الصغرى وسلم كبرى أن إمتثال كل أمر إنما هو بالقصد الى اتيان متعلقه بداعية، لا لاقتضاء نفس المتعلق حتى يرد أنه ليس بقصدي، بل لاقتضاء الامتثال وتقومه به، لكن يرد عليه أن قصد عنوان المقدمة لا يلازم قصد التوصل، وذلك أنه ليس مراد المستدل من عنوان المقدمة، هو المقدمة الفعلية، بمعنى ما يتقدم على ذيها فعلا، حتى تحتاج الى وجود ذيها قضاء لحق التضايف بين المقدم والمؤخر، كيف وإرادة هذا المعنى مستلزمة لاختصاص الوجوب بخصوص ما يترتب عليها ذو المقدمة، وهو عبارة اخرى عن القول بالمقدمة الموصلة الذي يفر منه المستدل، بل المراد منه معنى يجتمع مع عدم تحقق ذي المقدمة أصلا، فهذا العنوان هو عنوان ما يتوقف عليه ويحتاج إليه ذو المقدمة، وعليه فأي محذور في أن يتعلق قصد المكلف الملتفت بايجاد نفس المتوقف عليه، مع بنائه على عدم ايجاد المتوقف - أعني ذا المقدمة -. نعم، إذا قلنا: بوجوب خصوص الموصلة من المقدمات سواء كان الواجب


(1) مطارح الانظار: ص 72 س 26. (*)

[ 286 ]

عنوان الموصل، أو الذات في ظرف الايصال، أو بشرطه، فإن كان المكلف ملتفتا الى خصوصيات الواجب المقدمي، ومع ذلك قام بصدد امتثاله، فالظاهر أنه لا ينفك قصد امتثاله عن قصد إتيانه بذيها، وحينئذ فلا محالة يأتي بها لأن يتوصل بها الى ذيها، اللهم ! إلا أن غفل عن وجه وجوبها، وعلم بوجوبها اجمالا، فأتى بالذات امتثالا لوجوبها فالظاهر صحتها حينئذ عبادة، إذ عنوان الموصل منطبق على الذات، والأظهر كفاية اتيان ما هو بحمل الشايع مصداق للعنوان للمأمور به بقصد أمره في امتثال الأمر، وإن لم يقصد الى نفس العنوان، غاية الأمر عدم انفكاك قصد العنوان عن قصد الامتثال للملتفت، وهذا غير اعتباره في حصوله. 4 - ومنها: تقسيمه الى الأصلي والتبعي: هذا التقسيم يصح أن يكون بحسب الثبوت، وأن يكون بحسب الإثبات، فإنه من قبيل الاصطلاح على التسمية، ولا مشاحة فيه، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي كونه في عالم الثبوت حتى ينقسم نفسه قسمين، كما في الكفاية. وكيف كان فعرفهما في الكفاية (1) تبعا للتقريرات (2): بأن الواجب الأصلي ما تعلق به ارادة مستقلة للالتفات إليه تفصيلا، والتبعي ما تعلق به ارادة تبعية إرتكازية من دون الالتفات إليه تفصيلا، ومقصودهما من الارادة المستقلة هي الارادة التفصيلية، ففي التبعي يكون الطلب قهريا إرتكازيا مع الغفلة وعدم الالتفات الى خصوصيات المطلوب، ومع ذلك يكون تابعا لارادة تفصيلية اخرى، والقسمان لا يجتمعان، وإن لم يكن بينهما التقابل الاصطلاحي، ولا غرو فيه. إنما الإشكال في أن لازم هذا التعريف أن يكون إنقاذ ولد المولى إذا كان المولى غافلا خارجا من القسمين، كما لا يخفى، وهم لا يلتزمون به، كما يظهر من إيراد الكفاية (3) على الفصول، بل في التقريرات (4) صرح بكونه واجبا أصليا


(1) الكفاية: ص 152. (2) مطارح الأنظار: ص 78 س 34. (3) الكفاية: ص 143. (4) مطارح الأنظار: ص 79 س 8. (*)

[ 287 ]

وبانحصار الواجب التبعي في الواجبات الغيرية. ودعوى عدم تصور الغفلة في الشارع الأقدس قد ردها في التقريرات: بأن محل الكلام أعم من واجباته، وإن كان الثمرة تظهر فيها كما في سائر مباحث الألفاظ بل المسائل الاصولية، وحينئذ فلو كان الاصطلاح على هذا المعنى - كما يظهر من التقريرات - لكان الواجب أن يزاد في تعريف الواجب الأصلي قولنا: أو إرادة ارتكازية نفسية. وكيف كان فلو لم يراع الاصطلاح - ولابد أن يراعى - فظاهر التبعي هو الوجوب التابع لوجوب آخر، والأصلي هو غير التابع، وحينئذ فينطبق على الواجب النفسي والغيري، غاية الأمر أن التقسيم الى النفسي والغيري من حيث إن الغرض من الواجب قد يكون التوصل الى واجب آخر، وقد يكون نفسه، والى الاصلي والتبعي من حيث إن وجوب الواجب قد يكون مشروطا بوجوب أمر آخر - ولو كان في ظرف متأخر أو متقدم - فيكون وجوبه وجودا وعدما تابعا لوجوب هذا الآخر، وقد لا يكون مشروطا به وتابعا له، ففي الواجب الغيري جهتان، باحداهما يسمى بالغيري، وبالاخرى بالتبعي، والمراد من التبعية - كما عرفت - هو التبعية في الوجود الثابتة للمشروط أيضا بالنسبة الى شرطه، فلا تنحصر في المعلولية، فلا حاجة الى ما في هامش النهاية، من أن التبعية - بناء على عدم القول بالعلية وترشح وجوب المقدمة - من جهة أن الغرض من الوجوب الغيري تمكن الآمر من ايجاب هذا الغير (1). فإنه خلاف ظاهر لفظ التبعية ومناسب للتسمية بالغيرية. وكيف كان فالخطب سهل، بعد عدم ترتب ثمرة عملية على القسمين فتدبر جيدا. وإن شك في أنه من أي القسمين وفرضت ثمرة فعلى تعريف الكفاية: أصل الإرادة الارتكازية الجامعة مسلمة، فإن اخذت خصوصية أحدهما أمرا عدميا بنحو ليس التامة مثل عدم الالتفات التفصيلي، فكان هذا القسم مركبا يحرز أحد


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 107. (*)

[ 288 ]

جزئيه بالوجدان والآخر بالاستصحاب، وإلا فلا يمكن إحرازه به ايضا، ويطلب بعض تفصيل هذا الاجمال من نهاية الدراية وهامشها (1). الأمر السادس: في تحقيق أن الواجب من المقدمات - على القول بالوجوب - هل هو خصوص الموصلة منها ؟ فنقول: لا ينبغي الإشكال في تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها في الاطلاق والاشتراط، لا بمعنى تبعيته له في زمان الفعلية حتى، لا يصير وجوب المقدمة فعليا إلا إذا حصل شرط وجوب ذيها، ويصل الى الفعلية، لكي ينتج عدم امكان تقدم الوجوب المقدمي على وجوب ذيها في الفعلية، الذي قد عرفت في المباحث السابقة أنه خلاف التحقيق، بل بمعنى أنه إذا كان لوجوب ذيها شرط ولم يحصل أبدا وأصلا فلا يحصل وجوب لمقدمته، وإذا حصل شرطه في ظرفه يجب مقدمته ولو مقدما عليه، كما أنه إذا كان الوجوب مطلقا فلا حالة منتظرة لوجوب مقدمته بعده. لكن عن ظاهر صاحب المعالم اشتراط وجوبها بارادة الاتيان بذيها، وربما وجه بأن وجوبها لما كان لمحض التوصل الى الغير، فلا معنى له بعد فرض الصارف عن اتيانه. وفيه: أن كون الغرض من وجوبه ذلك إنما يقتضي تبعية ارادتها والبعث إليها للبعث الى ذيها، لا لارادة المكلف الى اتيان ذيها، كما لا يخفى، فيجب عليه بحكم العقل الحاكم بالملازمة أن يأتي بالمقدمة مطلقا سواء كان قاصدا لإطاعة أمر ذيها أم لمخالفته، كما أن الأمر في وجوب ذيها كذلك، وإلا لكان نظير المباح، وإن لم ينقلب إليه، لفرض البعث نحوه إذا أراد اتيانه، ولا بعث نحو المباحاث أصلا، لكنه يصير مثله عملا، إذ هو ليس ملزما بالاتيان، ويكون أمره باختياره، كما في المباحات، فيخرج عن دائرة الواجبات، ويعد في عداد المباحات. بل يستحيل اشتراط وجود البعث نحو شئ بارادته عقلا، وذلك أن قوام


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 109. (*)

[ 289 ]

حقيقة البعث بأن يمكن أن يكون داعيا ومحركا للمكلفين إذا علموا به، وإن كان بوجوده العلمي داعيا لهم، فإذا فرض اشتراط وجوده بارادة المكلف فالمكلف الملتفت الى خصوصيات الامر، يعلم بأنه ليس من الأمر عين ولا أثر لولا ارادته، فمع علمه بعدم الأمر كيف ينشأ ارادته عن الأمر، ويدعوه ويحركه الأمر الى الاتيان حتى يكون ارادته لعلمه بالأمر، اللهم ! إلا أن يقال: إن هذا إنما هو على ظاهر اصولهم وقواعدهم، وأما على ما عرفت تحقيقه من أن حقيقة كون الأمر داعيا ليست إلا أن يكون غرض المكلف من عمله صرف موافقته لما أمر به مولاه لأنه أمر به، وعليه فإذا علم أنه إذا أراد العمل ارادة تكوينية يبعث ويأمر به مولاه ويتحقق موضوع غرضه، فلا محالة يريده ويأتي به بغرض وداعي أن يوافق بعمله أمر المولى باتيانه بما يأمر به، فتدبر جيدا. وكيف كان فلا ريب في بطلان هذه المقالة، وحينئذ فهل الواجب هو ذات المقدمة مطلقا، أو المقدمة بما هي مقدمة بالتفسير الذي مر آنفا، أو ذاتها مقيدة بقيد قصد التوصل، أو الذات بشرط الايصال، أو حين الايصال، أو الموصل بما هو موصل ؟ وجوه: ظاهر التقريرات (1) - كما يظهر بالتدبر فيها على تشوش عباراتها - أن الواجب هو المقدمة التي أتى بها للتوصل الى ذيها وإن لم يترتب عليها، وأحسن وجه لاعتبار قصد التوصل: هو أن اعتباره ليس لدخله في ملاك الوجوب الذي تراه أنه مجرد التوقف وأنها لولاها لما أمكن ذوها، حتى يرد عليه ما في الكفاية، بل لأن الواجب - كما عرفت من التقريرات - هو عنوان المقدمة بلحاظ أنه الملاك لحكم العقل، وملاكات حكمه موضوعات له، ولا شك أن المأمور به لابد وأن يكون من أفعال المكلف الاختيارية، وكل عنوان إنما يكون اختياريا إذا قصد المكلف وقوعه، فحفظا لاعتبار شرط الاختيار والقدرة في متعلق هذا التكليف لابد وأن يقيد عنوان المقدمة بصدوره عن قصد وإرادة حتى يصح التكليف بها،


(1) مطارح الأنظار: ص 76 س 1. (*)

[ 290 ]

وهذا ملخص ما في نهاية الدراية (1). وفيه: أولا: أن تعلق نفس الأحكام العقلية وإدراكات العقل بنفس الملاكات وإن كان أمرا وجدانيا لا يعتريه شبهة إلا أنه لا يلزم على المولى أن يجعل موضوع إرادته التشريعية وحكمه القانوني - فيما أمكن - خصوص هذا الملاك، بل له أن يأمر بأنواع من الأفعال يجمعها ملاك واحد، أفلا ترى أنه لاريب في أن وجه البعث نحو المقدمة ليس إلا جهة مقدميته أو موصليته أو نحو ذلك ؟ بمعنى أن العقل وكل عاقل إنما يطلب المقدمة لهذه الجهة ليس إلا، ومع ذلك فكما أن الإرادة التكوينية تتعلق بالمصاديق فهكذا فلا ضير في توجيه المولى أيضا أمره الى عناوين المصاديق المخصوصة، كنصب السلم والوضوء، مثلا. والحاصل: أنه لاريب في أن كل إرادة وحكم فهو لأجل ملاك يراه الآمر أو الناهي في متعلق حكمه، وفي الواقع يكون هذا الملاك تمام غرضه، فلو وجب توجيه البعث نحو ذاك الملاك لكان عليه أن يجعل الملاك موضوع أمره فيما أمكن، ولكان اللازم فيما علم ملاك الحكم أن يكون هو موضوع حكمه، ولما كان لتخصيص هذا المطلب بالأحكام المستكشفة من طريق العقل وجه أصلا، مع أن الوجدان حاكم بعدم لزومه كما في مثال المقدمة. وثانيا: أنك قد عرفت أن قصد عنوان المقدمة بالمعنى الذي هو مراد الشيخ (قدس سره) لا يستلزم قصد التوصل. وثالثا: أن اعتبار شرط القدرة لا يقتضي تقييد المتعلق بصدوره عن الاختيار، وذلك أن المكلف قادر على الفعل المطلق الغير المقيد ولو بقدرته على أن يريده ويختاره، فطبيعة نصب السلم الجامع بين ما يصدر باختياره وغير اختياره، بل بين ما يصدر عنه وعن غيره تكون مقدورة له، بملاحظة إمكان تعلق إرادته بهذه الطبيعة، وحينئذ فلا بأس بأن يوجب المولى عليه هذه الطبيعة الجامعة وهو قادر على المكلف به، فقدرته وإختياره بمنزلة حيثية تعليلية لتعلق التكليف عليه


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 375، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 291 ]

بالجامع، وقدرته مصححة لكون المكلف به هو الجامع، ولا يجب أخذ قدرته في متعلق التكليف وتقييده به. هذا بحسب حكم العقل. وأما الظواهر فمفاد المادة هو نفس الطبيعة، والهيأة إنما تدل على التحقيق على البعث نحو الإتيان، ونحو أن يصير المكلف ممن يصح أن ينسب إليه في العرف أنه فعل هذا الفعل. وقد عرفت - في البحث عن اعتبار صدور الفعل اختيار في المأمور به وعدمه - أن هذا المعنى صادق في موارد غير الاختيار التي منه عدم القصد الى العنوان أيضا، فتذكر. وعليه فبناء على كون ملاك الوجوب هو التوقف والمقدمية الموجودة في كل مقدمة وإن انفكت عن ذيها، فالواجب بالوجوب الغيري أيضا عام لكلتا الصورتين، وإذا انحصرت مقدمة الواجب في محرم فالأمر الغيري والوجوب الغيري بعد أن لا ملاك له إلا المقدمية لواجب نفسي وهذا ملاك غيري. فلا محالة إنما يصير وجوبها فعليا إذا كان ذلك الواجب أقوى من هذا الحرام. وبالجملة: يقع التزاحم بين هذا الحرام وذلك الواجب، وبعد فرض أهمية الوجوب فإطلاق الوجوب الغيري وانتفاء الحرمة، أو ثبوت الحرمة في صورة مخالفة الواجب النفسي، مبني على بطلان الترتب وصحته، كما يظهر للمتدبر. هذا كله في اعتبار قصد التوصل وعدمه. وقد أختار في الفصول أن الواجب هو المقدمة المقيدة بقيد الإيصال، وأن فعل الغير من قبيل شرط الوجود لها لاشرط الوجوب. وبيان هذه الدعوى أن العلة التامة إذا كانت مركبة من عدة أجزاء يشترط في تأثيرها شرائط، فكل جزء منها إذا تحقق منفردا فهو ليس بحيث ينتج ما يتوقع منه من الدخالة الفعلية (1) في ترتب المعلول، وكذا شرطها إذا لم يتم باقي الأجزاء ليس


(1) وليس المراد من الدخالة الفعلية حصول كمال خارجي على الأجزاء والشرائط زائدا على وجودها الخاص بها، بداهة أنه لا يزاد عليه شئ آخر، بل المراد مجرد وقوعها موقعها من العلة التامة، فهذا ملاك وجوبها، وهو المعبر عنه بكونها موصلة. (منه. عفي عنه). (*)

[ 292 ]

بحيث ينتج دخله الذي شأنه، بل إنما الجزء أو الشرط فيه قوة أن ينتج تلك النتيجة المتوقعة منه، وشرط انتاجه نتيجته تحقق جميع الأجزاء والشرط، ففي هذه المرحلة قد بلغ كل جزء وشرط مرتبته التي تنتظر منه وتتوقع، وهذه رتبة تمامية العلة، وهي رتبة متقدمة على رتبة المعلول، لكنها لا تنفك عن المعلول، فيترتب على علته في نفس ذلك الزمان إلا أنه في رتبة متأخرة، فبلوغ الشرط مرتبة فعلية الشرطية، وبلوغ الجزء مرتبة فعليته، لا ينفك عن ترتب المعلول، إلا أن المعلول مترتب ومعلول لعلته التامة، لا لنفس الجزء أو الشرط، كما أن هذه المرتبة مرتبة متقدمة على المعلول هي مرتبة العلة لا مرتبة نفس المعلول. وعليه فالدعوى أن ملاك وجوب المقدمة حصول هذه الدخالة، التي لها بحسب اختلاف المقدمات لكن بوجودها الفعلي، ومعلوم أنها مترتبة على المقدمة التي بلغت بحيث يترتب بعدها المعلول على علته التامة. وهذا هو الذي يحكم به الوجدان الصحيح ولا يرد عليه شئ أصلا، ولعله هو مراد الفصول وإن لم ينطبق عليه بعض عباراته، والظاهر - كما يشهد به مراجعة العقلاء - أن المقدمات المختلفة كل منها مأمور بها على حدة بملاكها الذي يخصه، أعني تلك الدخالة الفعلية، لا أن هنا أمرا واحدا تعلق بالعلة التامة، فانبسط على أجزائها، على ما أختاره في نهاية الدراية. وكيف كان فقد اورد على هذه الدعوى أمور: 1 - منها: أن الفائدة المترتبة على كل مقدمة التي هي الملاك لوجوبها أمر وجودي لولاه لامتنع المعلول امتناعا بالغير، فالمقدمة توجب بأثرها الوجودي، أن لا يمتنع بالغير، ويتمكن المكلف من إتيانه، إذ لولا المقدمة لكان العمل ممتنعا بالغير، فكيف يمكن ايجاده مع هذا الفرض، وهذا هو مراد الكفاية والتقريرات، لا أن ملاكها أمر عدمي أو تعليقي كما أحتمله النهاية، ولا أنه الامكان الذاتي أو الوقوعي ونحوهما كما فيها أيضا. وبالجملة: فهذا الأثر ملاك وجوبها، وهو مرتب على مطلق المقدمة، سواء

[ 293 ]

أكانت موصلة أم لا. والجواب: أن أثرها تلك الدخالة الفعلية المختصة بخصوص الموصلة كما عرفت. وبعبارة اخرى: إن فائدتها وإن كانت ذاك الأمر الوجودي إلا أن ملاك وجوبها هو التوصل بها وبأثرها الى ذيها. 2 - ومنها: أن لازم القول بوجوب خصوص الموصلة اختصاص الوجوب بالعلة التامة، فانها التي يترتب عليها ذو المقدمة ومآله الى التفصيل - كما في الكفاية والتقريرات -. وفيه أن المراد بالموصلة مالا ينفك عن ترتب المعلول، لا ما يؤثر في وجوده. 3 - ومنها: أن لازمه عدم سقوط أمر المقدمة إلا بعد إتيان ذيها، والوجدان شاهد على خلافه. وفيه أن الأمر متعلق بالمقيد، واتيان ذاته يوجب عدم دعوة أمره الى إتيان الذات، وبقاء دعوته بالنسبة الى القيد، ولا نسلم أزيد منه، ولا وجدان على خلافه، بل هو الموافق للوجدان. 4 - ومنها: أن لازمه الدور، لتوقف وجود ذي المقدمة على مقدمته، وتوقفها - بملاحظة قيد ترتب الغير - على وجود ذيها، ومعلوم أن بطلان الدور ضروري، ومقدمية الشئ لنفسه أيضا بديهي البطلان، لأنها في معنى تقدم الشئ على نفسه. والجواب: أن ذا المقدمة وإن توقف على مقدمته، إلا أن مقدمته هي الجزء أو الشرط الواصل مرتبة انتاجه نتيجته المتوقعة، وهذه المرتبة رتبة العلة، وليست المقدمة الجزء أو الشرط المقيد بفعل الغير حتى يرد المحذور، فالجزء البالغ هذه المرتبة مقدمة، فلذلك وجب. وأجاب عنه سيدنا الاستاذ - مد ظله - بأن المقدمة ذات الجزء مثلا، والواجب اخص منه. وفيه ما لا يخفى، وقد دعاه - مد ظله - الى هذه المقالة وجدانه الصحيح وعدم

[ 294 ]

تصوره ما ذكرناه، " سلمه الله تعالى وأيده وأزال فراقنا عنه عاجلا ". ولا يخفى أن الصحيح من تقريب الدور هو هذا الذي ذكرناه، وهو مراد صاحب الدرر، وحينئذ فمن العجب أن سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله - جعل تقريب الدرر تقريبا آخر على ما كتبت في تقريري لبحثه الشريف، فراجع التقرير والدرر. 5 - ومنها: محذور الخلف - كما في التقريرات - ببيان أن ايجاب المقيد بقيد ليس بمنزلة الفصل يقتضي ايجاب ذات المقيد وإيجاب قيده تحصيلا للمقيد بما هو مقيد. والجواب: أنك قد عرفت منا أنه إذا كان للمولى غرض واحد غيري مرتب على أمر مركب أو مقيد فهو كما لو كان له غرض واحد نفسي مرتب على مركب، فإنما يدعوه هذا الغرض الواحد الى أمر غيري أو نفسي واحد متعلق بهذا المركب، وهذا الأمر الواحد ينبسط على الأجزاء، ولا حاجة ولا يأمر أحد من العقلاء بأوامر أخر متعلقة بكل جزء جزء. وأما الجواب عنه بإنكار تقييد المقدمة بالإيصال، والتزام أن الواجب خصوص الحصة الملازمة لذي المقدمة كما في نهاية الدراية فمخدوش بأنه بناء على ما عرفت فلا داعي الى هذا الالتزام، مضافا الى عدم صحته في نفسه، إذ التلازم لذي المقدمة إن أخذ ظرفا لوجوب ذات المقدمة فهو معقول، إذ عليه في خصوص هذا الظرف يكون المطلوب نفس الذات، ولا طلب في خارج هذا الظرف، فلا محالة يختص الوجوب بالموصلة من غير لزوم تقييد، وبمثل هذا تصورنا كلام الكفاية في وضع المعاني الحرفية، واما إذا كان الطلب حاصلا في غير هذا الظرف أيضا، فلو لم يكن المطلوب مقيدا - ولو بمثل وقوعه في ظرف مخصوص - لكان اللازم وجوب الاعم من الموصلة وغيرها، مضافا الى أنه بعد ماكان الملاك قائما بالخاص فلا معنى لتعلق الأمر بالذات، إلا إذا لم يكن بدو من باب الاضطرار، ولا اضطرار، كما عرفت. 6 - ومنها: محذور التسلسل، ببيان أن المقدمة الموصلة متحصلة من الذات

[ 295 ]

وقيد الإيصال، بحيث يكون كل منهما مقدمة لحصول هذا المقيد، وعلى القول بالموصلة، فالواجب الموصلة من كل منهما، فيتحصل كل من ذات وإيصال، وهكذا. وفيه: أن المقدمة الموصلة لا تحتاج الى أزيد من الذات - كنصب السلم - وجعله بحيث ينتج منه نتيجته المقصودة، وهذا هو الإيصال، ولا يحتاج الى أزيد منهما بالضرورة، فالذات موصلة بهذا الإيصال، والإيصال نفسه إيصال ولا يحتاج بعد الى إيصال، وهو من الوضوح بمكان. 7 - ومنها: أن تحقق الإيصال، بالمعنى الذي ذكر، موقوف على إرادة ذي المقدمة فيلزم وجوب الإرادة وجوبا غيريا، ووجوبها محال، لعدم كونها بالاختيار، وإلا تسلسل على ما في الكفاية. وفيه أولا: أن المحال تقوم الإرادة - بما أنها إرادة - بالاختيار، وإلا فايجاد الإرادة والعزم في بعض الموارد بالاختيار مما لا محذور فيه، كمن لا يريد الإقامة بذاتها، ثم يرى توقف الاتمام على الإرادة، فيريدها حتى يترتب عليها أثرها. وثانيا: أنه ليس اشكالا على القول بالمقدمة الموصلة، بل هو اشكال يرد على القول بوجوب المقدمة مطلقا، وذلك أن الإرادة من مقدمات الفعل فلابد من ايجابها كسائر المقدمات. وثالثا: بالحل، وهو أن العقلاء لا يأمرون بالإرادة أمرا غيريا، وسر عدم أمرهم هو اكتفائهم بأمرهم النفسي بذي المقدمة، إذ هذا الأمر النفسي تحريك لإرادة المأمور، ومعه فلا حاجة الى إرادة اخرى ولا يأمرون بها بأمر آخر. وبالجملة: فالحل ليس بمجرد عدم الحاجة، إذ يمكن الإيراد عليه بوجود إرادة إرتكازية، ولو لم يكن إليها حاجة، كما في جميع المقدمات بل بضميمة بناء العقلاء على عدم توجيه الأمر إليها، مع كونها أيضا كسائر المقدمات، مقدمة ومحبوبة. وقد يجاب بأن الغرض حيث إنه مترتب على ذات الفعل لا الفعل الصادر عن

[ 296 ]

إرادة، فلا معنى للبعث الى مالا يقوم به الغرض. وفيه: أن هذا يمنع عن توجه الأمر النفسي، وأما الأمر الغيري المنشأ للغرض الغيري القائم بالإرادة أيضا فلا مانع من تعلقه بالإرادة. ومما ذكرنا تعرف مواقع النظر في كلمات صاحب النهاية " قدس الله نفسه الزكية وجزاه الله عن حملة العلم خير الجزاء ". هذه عمد الإيرادات، وقد عرفت سهولة دفعها، وهنا إيرادات اخر لا تليق بالتعرض لها ولجوابها. ثم إن صاحب الفصول استدل لإثبات مرامه بأن العقل لا يأبى من أن يقول الآمر الحكيم: أريد الحج وأريد المسير الذي يتوصل به الى فعل الواجب دون ما لم يتوصل به إليه، بل الضرورة قاضية بجواز تصريحه بمثله، كما أنها قاضية بقبح تصريحه بعدم مطلوبيته مطلقا أو على تقدير التوصل، وذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه ووجوب مقدماته الغير الموصلة. انتهى (1). ومراده (قدس سره) أنه بعد القول بوجوب المقدمة، فلو كان مطلق المقدمة واجبا لما كان له نفي وجوب غير الموصلة بعد كونها من مصاديق الواجب، كما لم يكن له نفي وجوب الموصلة أو مطلق المقدمة، وليس مراده أن يحرم غير الموصل حتى يورد عليه - كما في الكفاية وغيرها - أن عدم وجوبها لأجل المانع كما إذا كان للانقاذ الواجب طريقان أحدهما محرم، فلا يجب هو، بل خصوص المباح، فلا حاجة الى الاعتذار بأن غرض الفصول ابطال دعوى استحالة وجوب الموصلة، لا الاستدلال على وجوبها، - كما في نهاية الدراية - مع أن ظاهر العبارة أنها بصدد اثبات اختصاص الوجوب بخصوص الموصلة، واخراج غيرها عن حريم المقدمة الواجبة كما لا يخفى. ولو سلم أن مراده (قدس سره) الاستدلال من طريق المنع، وتحريم غير الموصلة، فما أورده عليه في الكفاية بقوله: " مع أن في صحة المنع عنه كذلك نظرا... الى آخره "


(1) الفصول الغروية: ص 86 س 19. (*)

[ 297 ]

في غاية الغرابة، إذ بناؤه كما ترى على كون الاتيان بذي المقدمة شرطا لوجوب المقدمة، مع أن كلام الفصول صريح في أنه شرط الوجود لا الوجوب. نعم، بناء على كونه شرط الوجوب فلا فرق في المحذورين المذكورين بينه وبين كون الشرط بلوغ المقدمة مرتبة الفعلية، إذ بلوغها هذه المرتبة مقارن لحصول ذي المقدمة، فيترتب عليه المحذوران. وتفصيل الحال في اشتراط وجوب المقدمة باتيان ذيها جله مذكور في نهاية الدراية فليطلب منها (1). ومما ذكرنا تعرف أنه لا يصح القول بوجوب ذات المقدمة حال الإيصال وحينه، فإنه لا داعي إليه بعدما عرفت من عدم ورود اشكال على أخذ الإيصال قيدا، مضافا الى عدم صحة هذه المقالة بنفسها كما عرفت. ومن العجائب هاهنا ما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) من أنه بناء على وضع المطلقات لنفس الطبيعة، فحيث إن الاطلاق والتقييد من قبيل العدم والملكة، فإذا امتنع التقييد بالايصال هنا - بالبراهين المذكورة - امتنع الاطلاق، فلا وجه لما في التقريرات من اثبات الاطلاق بامتناع التقييد به، بل امتناعه دليل على امتناعه، قال: ومثله يرد على الشيخ (قدس سره) في اثباته التوصلية بامتناع التقييد بالقربة، وفي اثباته لاطلاق التكاليف للعالم والجاهل بامتناع التقييد بخصوص أحد القسمين. نعم، يصح ثبوت التكليف بمطلق الفعل ومطلق المكلف بنحو نتيجة الاطلاق، إذا فرض عموم الملاك، كما يختص بقسم خاص بنحو نتيجة التقييد إذا كان المفروض اختصاص الملاك به، وفيما نحن فيه التقييد بالايصال بنحو نتيجة التقييد أيضا محال، إذ الايصال عبارة اخرى عن ترتب وجود ذي المقدمة، وقد بينا في مبحث الترتب أن تقييد متعلق التكليف بالموجود أو المعدوم محال، لكون التكليف حينئذ تكليفا بتحصل الحاصل أو الجمع بين النقيضين، كما أن اطلاقه أيضا محال، للزوم كلا المحذورين، وكما أن تقييد متعلق التكليف بوجود نفسه


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 350 - 352. (*)

[ 298 ]

محال، كذلك تقييده بوجود ما يترتب على وجوده، إذ هو مشترك معه في المحذور كما لا يخفى (1). " انتهى بمعناه ". أقول: إن كون التقابل بين الإطلاق والتقييد من قبيل العدم والملكة إنما يقتضي امتناع تحقق الإطلاق إذا امتنع التقييد، لا إمتناع إرادة الإطلاق إذا امتنع إرادة المقيد، ولذلك فلما كان تقييد الانسان باللاانسان ممتنعا فكذلك لا معنى لكونه مطلقا بالنسبة الى هذا القيد، وأما إذا كان لنا مفهوم ذو سعة كمفهوم الصلاة فتقييده بما يؤتى به بقصد أمره أو ما يؤتي به لا بقصد أمره ممكن، وإن كان كل من القسمين يشترط وجوده بتعلق أمر بالصلاة لكنه لا ينافي امكان أصل التقييد، فإذا كان التقييد ممكنا فالاطلاق أيضا ممكن، وإذا امتنع إرادة المقيد وتوجه الأمر نحو خصوص ما اتى به للقربة فهو لا يقتضي امتناع توجه الأمر بالمطلق، إذ لايراد بالمطلق الا نفس طبيعة الصلاة بحيث لا ينظر إلا إليها، لا الى خصوص ما اتى منها قربة، ولا الى خصوص الفرد المأتي بها رياء، فلا باس بأن يكون موضوع الأمر هذه الطبيعة المطلقة، وإن امتنع أن يكون موضوعه خصوص المقيد بقصد القربة. نعم، لو كان معنى المطلق وإرادة الاطلاق عبارة عن الجمع بين القيود وملاحظتها لكان لما ذكر وجه، لكنه مع فساده بنفسه لا يجتمع مع كون الاطلاق عدما بالنسبة الى التقييد، وقد مر معه (قدس سره) بعض الكلام عند البحث عن جواز الرجوع الى الاطلاق في بحث التعبدي والتوصلي فراجع. ثم إن ما أفاده من امتناع تقييد المتعلق بوجود نفسه أو وجود ما يترتب عليه - بعد تسليم الأمر في محله - لا ربط له بما نحن فيه، إذ كما أن نفس ذي المقدمة التي تعلق بها الوجوب في مقام تعلق الأمر - على مبناهم - عنوان فإن في الخارج، خال عن فرض الوجود، ومع ذلك لا ينطبق إلا على ما يوجد في الخارج، فكذلك عنوان نصب السلم - مثلا - وكونه بالغا مرتبة ينتج نتيجته، أو كونه بحيث يترتب عليه الكون على السطح، فكل من نصب السلم والبلوغ والانتاج


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 294. (*)

[ 299 ]

والترتب وغيرها عناوين مأخوذة كذلك، لا تنطبق إلا على ما يوجد منها بوجود خارجي، ولم يؤخذ في شئ من هذه العناوين وجوده مفروضا حتى يلزم المحذور المشار إليه، هذا. وأما تحقيق أصل هذا المبنى وحدوده فهو بعهدة مقام آخر والحمد لله تعالى. ثمرة القول بالمقدمة الموصلة: إن صاحب الفصول (قدس سره) - في البحث عن ثمرة إقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن ضده - جعل من ثمرات قوله بالمقدمة الموصلة صحة العبادة الموسعة المأتي بها في وقت واجب مضيق. وخلاصة بيانه أنه بناء على أن ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر فيكون تركه مطلوبا بوجوب مقدمي، فإن كان الواجب مطلق الترك فيمتنع حينئذ رجحان الفعل، مع أن قوام العبادة به، بل يكون منهيا عنه، بالنهي الغيري - لأنه ضد عام ونقيض للترك الواجب - فلو كان مأمورا به أيضا لزم اجتماع الأمر والنهي في شئ واحد، وهذا بخلاف ما إذا كان الواجب الترك الموصل، فإن الطلب مطلقا ايجابيا أو تحريميا وإن استلزم مبغوضية نقيض مورده، إلا أن مطلوبية الترك المطلق مطلقا أو مشروطا يقتضي مبغوضية الفعل على حسبه، اطلاقا واشتراطا، ومطلوبية تركه المقيد بالايصال - مثلا - مطلقا أو مشروطا إنما تقتضي مبغوضية ترك هذا الترك المقيد بحسبه، دون الفعل، لعدم كونه نقيضا له من حيث ارتفاعهما في الترك المجرد عن القيد. لا يقال: ترك الترك المقيد أعم من الفعل والترك المجرد، وحرمة العام تستلزم حرمة الخاص. لأنا نقول: العموم بحسب الوجود لا يستلزم ذلك وبحسب الصدق ممنوع، وقد مر بيانه في رد شبهة الكعبي. " انتهى " (1).


(1) الفصول الغروية: ص 97 - 98 س 10. (*)

[ 300 ]

وحاصل ما أفاده في بيانه هناك: دعوى القطع ببطلان اتحاد أمر وجودي كالإنسان مع معنى عدمي كلا شجر، فمراده (قدس سره) في الجواب: أن الفعل إنما يلازم ترك الترك، لا أنه متحد معه، والملازمة لا تكفي في سراية حرمة أحد الملازمين الى الآخر، بل اللازم الاتحاد المنفي هاهنا، فحاصل مقصوده: أن النهي اللازم من وجوب الترك الموصل لا يتعلق بالفعل. وقد أفاد أيضا: أن وجوب العبادة ورجحانها مشروط بتقدير عدم التوصل بتركه الذي هو من لوازم فعلها، فلا يلزم من وجوبها على هذا التقدير إلا مرجوحية تركها على هذا التقدير لا مطلقا، ومرجعه الى مرجوحية الترك الغير المتوصل به، وبالجملة: فالعبرة بتقييد الترك في النهي، وتقييد الأمر بتقدير عدمه، فحيث يتحقق الأمران يجوز الاجتماع، وحيث ينتفى أحدهما أو كلاهما يمتنع اجتماعهما، هذا. وأورد عليه في التقريرات بوجهين: أحدهما: أنه لا حاجة في تفريع الثمرة الى هذا البيان الطويل الذيل، إذ يكفي فيه أن يقال إن الواجب من الترك ليس الترك مطلقا، بل فيما إذا ترتب عليه الفعل، وحيث إنه مع وجود الضد لا يعقل وجود الفعل المأمور به، فلا يكون الترك مطلوبا حتى يكون الفعل منهيا عنه فيفسد " انتهى " (1). وتبعها صاحب الكفاية، فجعل هذا البيان وجها لترتب الثمرة، وتبعهما بعض المتأخرين من المعاصرين وغيرهم حتى جعل بعضهم هذا بيانا لكلام الفصول. والحق عدم صحة هذا البيان على مبنى الفصول، وانحصار بيان ترتب الثمرة على ما أفاده نفسه (قدس سره) وذلك أن قوله (قدس سره) حيث إنه مع وجود الضد لا يعقل وجود المأمور به فلا يكون الترك مطلوبا إنما يتمشى بناء على كون ترتب الفعل ذي المقدمة من شرائط وجوب مقدمته، وصاحب الفصول ينادي بأعلى صوته بأن الترتب والإيصال من شرائط وجودها لا وجوبها. وعليه فالعجب منهم (قدس سرهم) كيف لم يتفطنوا الى هذا المعنى ؟ ! ولم أر الى الآن من


(1) التقريرات: ص 78 س 15. (*)

[ 301 ]

تنبه لهذا المعنى. نعم، لعل صاحب النهاية (قدس سره) لما رأى وضوح فساد هذا المعنى - على مبنى المقدمة الموصلة - لم يرض بحمل كلام الكفاية عليه، بل جعله على أحد معنيين هما أيضا غير صحيحين، فراجع نهاية الدراية وحاشيته عليها (1). لكن الظاهر من كلامه ككلام التقريرات والمقالات وغيرهم إرادة هذا المعنى، وقد عرفت فساده. هذا كله في الإيراد الأول. ثانيهما: ما حاصله: أن نقيض كل شئ رفعه بنحو السلب المحصل، والسلب والعدم لا يصدق على الفعل والوجود، وعليه فنقيض الترك المطلق أيضا عدمه، وهو لا ينطبق على الفعل، وإنما يكون ملازما له، فإن كفى الملازمة هاهنا كفى في ترك الترك الموصل، وإن لم يكف لم يكف من غير فرق. انتهى ملخصا (2). أقول: وإن أمكن الجواب عن اشكاله (قدس سره) بأن الرفع أعم مما هو بالمعنى الفاعلي أو المفعولي، فنقيض الترك هو الفعل، بخلاف نقيض الترك الموصل، كما أفاده في النهاية، بل وبأن الفعل وإن لم يكن نقيضا إصطلاحيا إلا أنه يعانده بنفسه بملاحظة أنه نفي للفعل، فيكون هو أيضا محرما، كما يوهمه صدر عبارة الكفاية. إلا أن الحق ورود الإشكال على صاحب الفصول، إذ هو (قدس سره) مع تصريحه بعدم اتحاد المعنى العدمي والوجودي هاهنا وفي رد شبهة الكعبي قال في مقام الاستدلال على اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن تركه الذي هو ضده العام: إن معنى النهي طلب الترك، وطلب ترك الترك عين طلب الفعل في المعنى، وذلك ظاهر وإنما قلنا: إنه عينه في المعنى، إذ لاريب في تغايرهما بحسب المفهوم كالوجود وعدم العدم. الى أن قال: إن الكلام في عينية المفهومين بحسب الصدق... وعينية المفهومين في الصدق وإن كانت من الامور الواضحة، إلا أن التشاجر في نظائرها غير عزيز في كتب القوم. انتهى (3). وحينئذ فمرجع كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) على الفصول عدم الفرق بين ترك الترك وترك الترك الموصل بالنسبة الى الفعل الذي هو


(1) نهاية الدراية: ج 2، ص 160. (2) التقريرات: ص 78 س 22. (3) الفصول: ص 92 س 22. (*)

[ 302 ]

أمر وجودي في عدم اتحاده معهما، بل إنما هو ملازم لهما، فان كفى الملازمة فهو، وإلا وجب القول بالصحة على مبنى غيره ايضا. والحاصل أن عبارة الفصول هنا، وإن أمكن تطبيقها على ما هو المحقق عند أهله في بيان معنى النقيض، إلا أن ملاحظة هذا الكلام الذي نقلناه منه يوجب القطع بأنه يفرق بين ترك الترك وترك الترك الموصل، وحينئذ فيرد عليه ما في التقريرات فتدبر. واورد عليه أيضا في المقالات: أن الأمر من ناحية مقدمية ترك الضد وإن كان كما ذكر، إلا أنه لاريب أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن تركه، فيكون تركه حراما، وفي مقدمات الحرام سبب وجوده حرام بحرمة مقدمية، فإذا أتى بالضد الموسع، فإن لم يكن له داع الى اتيان ذلك الشئ المضيق ولو فرض ترك ضده، فترك ذلك الشئ مستند الى عدم الداعي لا وجود ضده، وأما ان كان الداعي والموجب لتركه فعل ضده فهو سبب تحقق الترك المحرم، وموصل إليه، فيكون حراما ولو على المقدمة الموصلة، فاطلاق كلام الفصول محل منع، وينحصر ترتب الثمرة بالصورة الاولى (1). وفيه: أنه في هذه الصورة الأخيرة أيضا لا يكون فعل الضد سببا لترك ضده، وذلك أن سبب وعلة وقوع الفعل المضيق المأمور به هو إرادته، ومن يفعل ضده فلا محالة لا يريد ذلك الفعل، فهو يترك بعدم علته، وعدم علته إنما يستند - لو سلم - الى إرادة ضده لا الى نفس فعل ضده، بداهة أن الشخص في مرحلة إرادته للضد لا يكون مريدا لنفس الواجب المضيق، ولا يتوقف عدم إرادته له الى تحقق الضد، فنفس الفعل لا يكون سببا لوقوع الحرام، حتى يحرم فيفسد. وأورد عليه أيضا هذا المحقق في تقريرات بحثه: بأن الترك الموصل لما كان مركبا من نفس الترك وقيد الايصال الذي يتلخص في إرادة الواجب ذي المقدمة، فالعبرة في نقيضه بنقيض جزءيه، أعني الترك وعدم الإرادة، وحيث إن الغرض من


(1) المقالات: ج 1 ص 332 - 333. (*)

[ 303 ]

جزءيه أمر واحد هو ترتب ذي المقدمة، وهو لا يترتب إذا لم يوجد أحد الجزءين، فكل من النقيضين سبق في الوجود وقع على صفة الحرمة وسقط به الأمر، ولم يكن المتأخر حراما، والنتيجة هو التفصيل المزبور، إذ لو لم يكن له داع الى الإتيان فأول الضدين في التحقق عدم الإرادة، فيقع الصلاة - مثلا - غير محرمة. وأما إذا كان المنشأ لترك الواجب المضيق كالازالة هو الصلاة، بحيث كان آتيا بها لو لم يصل، فالأول منهما هو الصلاة، فهي تقع محرمة، فتفسد (1). وفيه انظار: الأول: أن الموصلية وصف قائم بالترك وهو إن كان يحصل بإرادة ذي المقدمة إلا أنه لاريب في مغايرته لها. الثاني: ما في حاشية النهاية وما كتبته تقريرا لبحث سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله - من أن العبرة في باب تعلق الاحكام في وحدة المتعلق وتعدده بنظر الحاكم، فإذا كان الترك الموصل أمرا واحدا متعلقا لوجوب واحد، فترك هذا الواحد يكون مبغوضا له، وحراما بحرمة واحدة، بما أنه تركه وعدمه. الثالث: ما في كلام سيدنا الاستاذ - مد ظله - من أن الإرادة التي هي أحد جزءي هذا المركب، هي ما تحرك عضلات العبد نحو ذي المقدمة، ومع فعله لضد الواجب كيف يكون مريدا لنفس الواجب، حتى يكون أول النقيضين فعل الضد كالصلاة، بل لا محالة يكون أولهما عدم الإرادة، كما عرفت توضيحه في رد البيان المنقول عن مقالاته. الرابع: ما في كلامه - مد ظله - أيضا من أن صرف عدم إرادته لا يوجب سقوط الواجب عن وجوبه، ماكان له الى إتيانه سبيل، فإن الواجب إنما يسقط بالعصيان لا بإرادة الترك والعصيان، اللهم ! إلا أن يقال: المفروض هنا وقوع نقيض الإرادة التي هي الواجبة ولو جزئا، ونقيضها هو تركها، وهو ترك الواجب وعصيان له، فالواجب سقط بالعصيان لا بإرادة العصيان.


(1) نهاية الأفكار: ج 1 - 2 ص 344 - 345. (*)

[ 304 ]

الأمر السابع: ثمرة القول بالملازمة: قد مر في أوائل بحث المقدمة أن المبحوث عنه هو الملازمة بين وجوب المقدمة وذيها، فإذا صدقنا بهذه الملازمة تجعل كبرى صغرى، ويستنتج منها وجوب المقدمة بهذا النحو: " المقدمة وجوبها ملازم لوجوب ذيها، وكل ماكان كذلك فهو واجب عند وجوب ذيها، فالمقدمة واجبة عند وجوب ذيها ". وهذه النتيجة حكم فرعي عملي - كما لا يخفى -. وأما الإشكال عليها بأن هذا الوجوب الذي وجوده كعدمه فلا يمكن صيرورة مسألة بلحاظها ذات نتيجة، فمدفوع، أولا: بأنك قد عرفت امكان أن يكون داعيا ويحصل التقرب به، وثانيا: بأن الكلام مفروض بعد التصديق بوجود الملازمة بين وجوب ذي المقدمة ووجوب مقدمته وجوبا مولويا شرعيا، فلا محالة هذا الوجوب من الاحكام الإلهية الشرعية، وترتبه على مسألة يجعلها مسألة اصولية ذات ثمرة فقهية، وبالجملة: فالمسألة الاصولية هي قاعدة كلية ممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية، فهي نفسها وإن لم تكن حكما شرعيا إلا أنها واسطة في اثبات حكم شرعي، وهذا التعريف منطبق على مسألتنا هذه بلحاظ هذه الثمرة المذكورة. وأما الثمرات الاخر من حصول البر بإتيان المقدمة فيما إذا نذر الإتيان بواجب إلهي مطلقا، أو عدم جواز أخذ الاجرة عليها، أو حصول الفسق بترك واجب ذي مقدمات مع مقدماته، أو لزوم اجتماع الأمر والنهي في المقدمة المحرمة، أو توسعة مقام الامتثال، فهي كلها مترتبة على نتيجة المسألة، أعني الوجوب الشرعي لا على نفس الملازمة كما هو واضح. مضافا الى ما أفيد من أن الوجوب ليس موضوع عدم جواز أخذ الاجرة، بل هو دائر مدار استفادة مجانية العمل في الشرع من الادلة، وهي أعم من الوجوب. كما أن ظاهر دليل عد الاصرار على الذنب من الكبائر هو الاصرار على المعصية، وترك الواجب المقدمي ليس من المعصية في شئ، مع أن ظاهر الاصرار الذي بمعنى الإقامة على الذنب، هو أن يرتكب ذنبا بعد ذنب، وبناء على أن عصيان

[ 305 ]

التكليف إنما هو بمجئ زمان المكلف به وعدم إتيانه فيه - كما أوضحه في النهاية - وإن كان هو يرتكب ترك هذه الواجبات مترتبا حتى فيما يقع التروك في الوقت، بملاحظة أن اللازم للامتثال هو مقدار من الزمان يفي بالواجب ومقدماته ويسعهما فبترك أول المقدمات لا يحصل عصيان جميع الواجبات دفعة بل تدريجيا ومترتبا غاية الأمر عدم تعين المتروك في كل زمان - فلا وجه لما في ذيل النهاية - إلا أنه مع هذا كله فظاهر الاصرار أن يكون كل من هذه الذنوب باختياره لها بعدما سبقها من الذنب، وفي مفروض الكلام لا يكون اختياره باقيا بعد ترك أول المقدمات، اللهم ! إلا أن يقال بإلغاء الخصوصية من ظاهر الاصرار، وعدم اعتبار ترتب الذنوب وكفاية كثرتها ولو دفعة كما في نهاية الدراية. كما أن ثمرة اجتماع الوجوب والحرمة، إن أريد منها ثمرة عملية، فواضح أن القول بالوجوب وعدمه فيها سيان، سواء كانت المقدمة توصلية أو تعبدية، وإن اريد منها مجرد عد مورد لهذه المسألة بناء على القول بالملازمة فله وجه، حتى بناء على تعلق الوجوب المقدمي بما هو بالحمل الشايع مقدمة، إذ بناء عليه أيضا فلا ريب في أن المراد بالمقدمة بالحمل الشايع ليس خصوص الشخص الذي يؤتى به خارجا، بل العنوان الكلي الذي له أفراد، فإذا قال المولى: اشتر اللحم - مثلا - فمقدمته الذهاب الى السوق، وهو كلي قد ينطبق على الذهاب إليه من طريق غصبي أيضا، ففيه يجتمع عنوانا التصرف في مال الغير والذهاب الى السوق، فلا حاجة لفرض ترتب الثمرة الى كون المقدمة من المقدمات الشرعية، كالوضوء، بل يتم في غيرها أيضا، وتخصيص الوجوب المقدمي بالفرد المحلل جمعا بين غرضي المولى لا وجه له، بعد وجود الملاك في المحرم أيضا، إلا امتناع الجمع بين الأمر والنهي، وإلا فكل منهما متعلق بموضوع نفسه، لا يرى المولى مقام اجتماع الموضوعين، ولا يسري حكم كل موضوع الى الآخر أصلا، بل بناء على عدم اعتبار المندوحة في جواز الاجتماع، كما هو الأقوى، تترتب الثمرة في مورد انحصار المقدمة في الطريق الحرام أيضا.

[ 306 ]

الأمر الثامن: تأسيس الأصل في المسألة: لا ينبغي الريب في عدم جريان الأصل في أصل الملازمة نفيا ولا اثباتا، إذ قضية " وجوب المقدمة ملازم لوجوب ذيها " بنحو الكون الناقص كليا، مثل قضية " وجوب الذهاب الى السوق " - مثلا - ملازم لوجوب اشتراط اللحم، على نحو الكون الناقص الجزئي بعد ما ثبت " وجوب اشتراء اللحم " لاحالة سابقة يقينية لها لا اثباتا ولا نفيا، إلا على العدم الأزلي الغير الجاري فيه الاستصحاب، وهكذا وجود الملازمة بين الوجوبين أو عدمها على نحو الكون التام كليا لم يعلم له حالة سابقة. مضافا الى أن الشك في أصل الثبوت لا في البقاء، ضرورة ان كلا من المفاهيم المذكورة لو ثبت، فهو دائم باق وهكذا مقابلاتها. نعم، بناء على أن فعلية وجود هذه الملازمة إنما هي بفعلية الوجوب، وإن أمكن الحكم بعدم تحققها بعد تحقق وجوب ذي المقدمة في الشريعة، إذ هو مسبوق بالعدم حينما لم يتحقق وجوب ذيها، وإنما علم وجوب ذيها، فحكم ببقاء الملازمة على العدم المحمولي، لكنه لا يثبت أن وجوب المقدمة ليس ملازما لوجوب ذيها، مضافا الى أنه لو سلم جريان أصل العدم وعدم الاشكال من ناحية الحالة السابقة، إلا أن من المعلوم أن عدم ترتب وجوب المقدمة على وجوب ذيها بعد ثبوت عدم الملازمة ليس بشرعي، كما لا يخفى. نعم، نفس وجوب المقدمة كليا وجزئيا حكم شرعي مسبوق بالعدم، يحكم بالاستصحاب ببقائه على هذا العدم، ولا قصور في شمول خطاب لا تنقض لمثله، بعد أن كان حكما شرعيا، وكان مفاد لا تنقض مجرد الحكم ببقاء ماكان، لا اثبات تكليف تحريمي بعدم النقض، كي لا يكون له مجال هاهنا. وأما حديث كون وجوب المقدمة من قبيل عوارض الماهية فلا أصل له، كما أوضحه في نهاية الدراية، بل وجوب المقدمة - كوجوب ذيها - له وجود يخصه ومباد خاصة، نعم، حيث إن الغرض المترتب عليها غرض غيري فلا محالة إذا كان

[ 307 ]

للمولى غرض أصيل قائم بذي المقدمة وبلغ حدا أوجب بعثه نحو ذيها، استلزم ذلك بلوغ هذا الغرض الغيري أيضا حدا يوجب البعث الغيري نحو المقدمة، ولذا قد يطلق أن إرادتها مترشحة من إرادته، أو وجوبها مترشح من وجوبه، وإلا فوجوبها بمباديه مغاير لوجوب ذيها، فليس من قبيل عوارض الماهية ولا عوارض الوجود. نعم، بناء على كونه من قبيل عوارض الماهية، فلا يرد أن وجوده بوجود وجوب ذيها، ولا تعدد حتى يجري الأصل فيه، فوجوب ذيها قد وجد من أول الأمر إما مع هذا العارض وإما مع عدمه، كما أن الأربعة توجد إما زوجا وإما فردا، فاستصحاب عدم وجوبها مثل استصحاب عدم الزوجية من قبيل الاعدام الأزلية غير جار. وجه عدم الورود أن ما هو من هذا القبيل استصحاب عدم اتصاف الماهية بهذا الوصف، أعني استصحاب عدم كون الأربعة زوجا، وأما استصحاب العدم المحمولي لنفس الوصف فلا بأس به، غاية الأمر أنه لا يثبت أن الماهية الموجودة ليست بمتصفة بهذا، ولا حاجة إليه فيما نحن فيه، إذ الوصف هنا وجوب المقدمة، وبالاستصحاب يثبت عدم وجوبها، وهو يكفينا، وإن لم يثبت أن وجوب ذي المقدمة ليس موصوفا بوصف عدم وجوب مقدمته. كما أن الإشكال على الاستصحاب، بأنه يعتبر فيه احراز امكان تحقق المستصحب وعدم احتمال استحالته، وهاهنا يحتمل الاستحالة، بناء على كون الدعوى ملازمتهما في مقام الفعلية المتقوم بالوصول المساوق للتنجز - كما هو ظاهر الكفاية لو كانت النسخة: لما صح التمسك بالأصل - مدفوع بما أفادوا: من أن الظواهر حجة ما لم يحرز استحالة مفادها. نعم، بناء على أن تكون نسخة الكفاية " لصح التمسك بالأصل في إثبات بطلانها " (1) انتهى. فظاهرها أن هذا ليس اشكالا على جريان الاستصحاب في


(1) حكاه عن بعض نسخ الكفاية في نهاية الدراية: ج 1 ص 373، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 308 ]

الوجوب المقدمي، بل هو ناظر الى ما في صدر البحث عن الأصل، وأنه لو كانت الدعوى ومحل النزاع خصوص الملازمة في مقام الواقع وقبل مرحلة التنجز فلا يمكن اثبات بطلانها بإجراء أصل عدم الوجوب، إذ تلك الملازمة لا تنافي انفكاكهما في مقام الفعلية المتقومة بالوصول، حتى يثبت عدمها بعدمه، وهذا بخلاف ما إذا كانت الدعوى عامة لهذا المقام أيضا، فإن ملازمتهما فيه منافية لعدم فعلية وجوب المقدمة باستصحاب عدمه بعد فرض فعلية وجوب ذيها، وحينئذ يصح التمسك بالأصل في اثبات بطلان هذه الدعوى، وعليه فلا يرد على الكفاية شئ، ولقد أشار الى ما ذكرنا في ذيل نهاية الدراية، فهذا توضيح لما أفاد " قدس سره الشريف ". فإذا عرفت هذه الامور فهل الملازمة ثابتة ؟ قد استدلوا على ثبوتها بوجوه: أقواها دعوى الوجدان، ببيان أنه حاكم بأنه إذا أراد الانسان شيئا من الغير، بمعنى تعلق حبه الأكيد بصدوره منه، وكان له مقدمات، والتفت إليها والى مقدمتيها، فلا محالة يحبها ويريدها أيضا حبا وإرادة غيرية، وهذه الإرادة والحب موجود فيما إذا كان المولى بصدد جعل الوظيفة والقانون أيضا، بحكم الوجدان. هذا. أقول: إن المطلب كما افيد بالنسبة الى تعلق الحب الغيري بالمقدمات، لكنه لايتم في الوجوب المنتزع عن مقام اظهار هذا الحب بالبعث نحو المحبوب، فإن الحب صفة نفسية يحصل عند تمامية مباديه، وهي ما يوجب ادراك قيام الغرض المرغوب فيه بالشئ، فإن النفس بعد التصديق بوجوده في شئ تميل إليه وتحبه، وليس هذا فعلا من الافعال حتى يحتاج الى ترتب غاية، بل هو أمر قهري يحصل للنفس عند حصول مباديه، وأما البعث نحوه فهو بحكم هذا الوجدان ليس أمرا قهريا من النفس وآلاتها، بل لابد فيه من ترتب غرض عليه، وإذا فرض البعث النفسي نحو ذي المقدمة فلا وجه للبعث الى مقدمته بداعي ايجادها، إذ ذلك البعث

[ 309 ]

- بعد فرض توقف ذيها عليها - كاف في ايجادها لمن ينبعث بالبعث، ولهذا فكثيرا مامع توجه الانسان الى مقدمية شئ لمطلوبه لا يبعث نحوه، ويكتفي بالبعث الى ذيه. نعم، ربما يبعث نحوه أيضا إذا كان هنا أغراض أخر مرتبة على البعث نحوه، كما إذا رأى العبد ممن لا يحركه ثواب واحد، بل الثوابان المرتبان على الأمرين بالمقدمة وذيها - بناء على ترتبه على الواجب الغيري كما هو الحق - وتعلق قصده باستيفاد غرضه بهذه المرتبة أيضا، وكما أذا أراد التأكيد فإنه بعدما أمر بذي المقدمة ولم ينبعث المكلف بعد ربما يجعل حبه الغيري في قالب البعث تأكيدا لأمره النفسي، وهذا اظهار لحبه الغيري لا إرشاد الى الوجوب النفسي، حتى يكون بمنزلة تأكيد لفظي له، والشاهد الوجدان. وكيف كان فإن جعل هذا الحب الغيري في قالب اللفظ والبعث فلا محالة يكون حكما مولويا، فإن الحكم المولوي مبدؤه تعلق حب الحاكم وميله وشوقه النفساني بعمل بحيث يكون بعثه وتحريكه نحوه مصداقا لاظهار هذه الإرادة والحب، لا بمعنى أن مفاد الهيأة هو اظهار الشوق، إذ لا ينبغي الاشكال في أن مفادها مجرد البعث والتحريك، بل بمعنى أن هذا البعث بالحمل الشايع ابراز لهذا الحب والميل النفسي، في قبال ما إذا دعاه الى انشاء البعث اظهار المصلحة والارشاد نحوها، بحيث كان بعثه مصداقا بالحمل الشايع للارشاد، وإن كان في جملة مباديه ذلك الحب، لكنه لم يكن فعلا في مقام ابرازه ولو لشفقته على المكلف لئلا يقع في مخالفة أمره. وبالجملة فإذا تعلق حب المولى بشئ وقام مقام تحصيله من العبد بالبعث وكان هو ممن له هذا عند العقلاء فيكون بعثه هذا بعثا مولويا يترتب العقاب على تركه لو كان نفسيا، والثواب على فعله بداعي أمره مطلقا، فترتب الثواب أو العقاب من آثار الأمر المولوي وفي رتبة متأخرة عن وجوده وكونه مولويا، لا أنه من مقوماته كما يظهر من نهاية الدراية.

[ 310 ]

واستدل عليها أبو الحسن البصري - على ما نقل - بأنه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها، وحينئذ فإن بقى الواجب النفسي على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، وإلا خرج الواجب المطلق عن كونه كذلك. وقد بينه وأصلحه وأجاب عنه في التقريرات تفصيلا وفي الكفاية بتلخيصه وتبعهما غيرهما. والظاهر من الكفاية بل التقريرات أيضا كصريح المقالات أنه لو سلم جواز تركها فعلا شرعا بأن صرح الشارع بإباحتها للزم ما ذكره من أحد المحذورين. لكن الحق أن أباحتها شرعا لا تستلزم إلا عدم العقاب والمؤاخذة على تركها بما هو تركها، ومعلوم أن اللابدية العقلية لا توجب ترتبهما على تركها، بل على ترك الواجب النفسي بتركها، فالمقدمة وإن كانت حينئذ من المباحات الشرعية إلا أن العقل حاكم بلزوم اختيار فعل هذا المباح حتى لا يقع في مخالفة الواجب النفسي. فتحصل أن المسلم مما يحكم به الوجدان هو تعلق الحب والإرادة الغيريين بالمقدمات دون البعث والوجوب، إلا أن هذا الحب يترتب عليه كل ما ترتب على الوجوب الناشي منه، بل بحكم العقلاء والعقل جميع ما يترتب على الأحكام إنما هو بملاحظة كشفها عن هذه الإرادة النفسية والطلب النفسي، فهو روح الحكم وحقيقته، فلذلك فاثباته مغن عن إثبات الوجوب. وكيف كان فهذا كله في المقدمات الخارجية. وأما الداخلية فهي وإن لم يكن محذور في تعلق الإرادة أو الأمر الغيري بها ثبوتا - على ما مر الكلام فيها تفصيلا - إلا أن الظاهر بمراجعه الوجدان أنها لا يتعلق بها أزيد من الوجوب والإرادة النفسية المنبسطة عليها، بل هو حال كل مركب قائم بغرض واحد نفسي أو غيري - كما مرت إليه الاشارة عند البحث عن شكوك المقدمة الموصلة -. ثم إنه قد يتوهم التفصيل واختصاص الوجوب بخصوص السبب من

[ 311 ]

المقدمات، بزعم أن من شرائط التكليف القدرة على متعلقه، ولا قدرة في المسببات التوليدية إلا على الأسباب، فهي الواجبة دون مسبباتها. وفيه - مضافا الى أنه راجع الى القول بالنفي مطلقا -: أن القدره على الأسباب كافية في توجه الأمر الى المسببات، فإن المسببات حينئذ مقدورة بالواسطة، لا بمعنى تعلق القوة النفسانية أو العضلانية بها بالواسطة، بل بمعنى أن المقدورية يراد بها أن يكون زمام أمر الشئ وجودا وعدما بيد الشخص، وهي حاصلة هنا بالواسطة، وهذا هو مراد الكفاية وغيره ممن عبر بعبارته، فلا يرد عليهم أن القدرة بمعنى القوة لا يتعلق بالمسبب - كما في النهاية - بل مرادهم أيضا هو ما أفاده. وقد ذكر لهذا التفصيل وجهان آخران مع جوابهما في التقريرات ونهاية الدراية (1)، فراجع. وقد يفصل بين الشروط الشرعية وغيرها بالوجوب في الأول، ببيان أن الشرطية منتزعة عن مطلوبية شئ في شئ، فلابد من أن يكون الشرط الشرعي مأمورا به من الشارع، وإلا لم يعقل كونه شرطا لعدم ارتباط الواجب به لاعقلا ولاعادة. انتهى. وهذا الوجه هو ما ذكره في التقريرات (2) في توجيه استدلال هذا المفصل، والظاهر أن ما في الكفاية مأخوذ منه بعد اصلاح التناقض المترائي منه صدرا وذيلا، فإن تعليل عدم الشرطية بعدم الارتباط يعطي أن نفس ارتباط وجود الواجب به كاف في انتزاع الشرطية، مع أن بناء الاستدلال على انتزاع الشرطية من المطلوبية، فلذلك أسقط مفاد الصدر في الكفاية، فقال: لولا وجوبه شرعا لما كان شرطا، حيث إنه ليس مما لابد منه عقلا أو عادة. انتهى. اللهم إلا أن يقال: إن غرضه أن الشرطية تنتزع من الوجوب، سواء كان شرعيا


(1) التقريرات: ص 92 - 93، نهاية الدراية: ج 2 ص 172 - 175. (2) التقريرات: ص 93 - 94. (*)

[ 312 ]

أولا فلا تناقض، وكيف كان فظاهره أنه لولا وجوبه الغيري شرعا لما كان شرطا أصلا، وحينئذ فيرد عليه ما في الكفاية من أن الأمر الغيري في رتبة متأخرة عن الشرطية، فكيف تكون متأخرة ومنتزعة عنه، ولا يصح الجواب والاعتذار بأن الواجب الغيري متفرع على توقف غرض الواجب عليه، فلا دور - كما في نهاية الدراية (1) - وذلك لأن مفروض الإستدلال عدم ارتباط لولا الوجوب الشرعي، وإلا فلو فرض هذا الارتباط كفى في اشتراط الواجب به عقلا. كما يرد عليه ما فيها أيضا من رجوع الشرط الشرعي الى العقلي، وأن الشرطية منتزعة من التكليف النفسي بالمقيد، وإنكار رجوعه الى العقلي - كما في النهاية - غير مسموع، كما مر الكلام فيه، فإن الكلام في مقدمة الواجب بما هو واجب، وإذا كان تقيده بأمر دخيلا في الغرض فلا محالة يتعلق الأمر بالمقيد به، وتوقف المقيد على قيده عقلي. وليعلم أن انتزاع الشرطية لا يتوقف على خصوص الأمر النفسي بالمقيد، بل لو أمر المولى بأمر غيري بالشرط كأن قال إظهارا لحبه الغيري: " توضأ للصلاة " ينتزع من هذا الأمر الغيري أيضا شرطية متعلقة، وهكذا الأمر في الجزئية، فإنه كما يصح أن يقال: إنا لا نفهم من الشرطية معنى سوى وجوب المقيد به، كذلك يصح أن يقال: إنا لا نفهم منها معنى سوى وجوبه لتحصيل ذلك المقيد، ولعل أمره (قدس سره) بالفهم اشارة إليه، فلا وجه لما في نهاية الدراية، هذا كله حكم مقدمة الواجب. ومنه تعرف حكم مقدمة المستحب فإن الكلام فيها هو الكلام في مقدمة الواجب بعينه وحرفا بحرف. وخلاصة الكلام في مقدمة الحرام: أنه أن قلنا بأن الحرمة راجعة الى الوجوب، وأن فيها أيضا بعث المولى نحو الترك، ويكون له مطلوب هو الترك، فالكلام فيه بعينه هو الكلام في الوجوب، فجميع مقدمات ترك الحرام واجبة، ومن


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 176 - 177. (*)

[ 313 ]

الواضح أن الترك حيث إنه عدم الفعل فهو موقوف على عدم العلة التامة المتحقق بترك بعض ماله دخل في تماميتها، فترك إحدى مقدمات الوجود كاف في تحقق الترك الواجب، فبأول مقدمة تترك تحصل تلك المقدمة المحبوبة، إلا أن المكلف إن كان ملتفتا إلى الحرمة والى مقدمية شئ للحرام ومع ذلك ترك هذه المقدمة فلا محالة يكون تركه هذا مسبوقا بعدم عزمه وتصميمه على ارتكاب الحرام، ومعلوم أن العزم في الفرض المزبور من أعظم مقدمات الحرام، فأول مقدمة تترك هي العزم، والعزم وإن قلنا: بامكان البعث إليه أو الزجر عنه إلا أنه بعد عدم ترتب الغرض على الفعل المسبوق به أو الترك المسبوق بعدمه لا يوجه البعث والزجر نحوه عند العقلاء، بل يكتفى بالبعث أو الزجر عن الفعل، فإن إطاعتهما إنما هي بإرادته أو ترك إرادته والعزم على تركه، والشارع أيضا لم يتخط الطريقة العقلائية، وبالجملة فالعزم لا يتعلق به التكليف، لابعثا ولا زجرا فيما إذا كان نفسه أو تركه مقدمة، هذا إذا كان ملتفتا. وأما إذا غفل عن الحرام، أو عن كونه ذا مقدمة، أو عن مقدمية شئ فمع عزمه على ارتكاب الحرام أيضا يمكن أن يترك هذه المقدمة، فالترك الواجب يتحقق من طريق تركها حينئذ لامن طريق ترك الإرادة، لكن بعد فرض عدم التفاته فلا محالة يكون غافلا عن الأمر المقدمي، وعليه فالترك الواجب وإن كان متوقفا على الجامع بين ترك الإرادة وترك مقدمة اخرى، إلا أن هذا الجامع لما كان بحيث لا يؤمر بشئ من أفراده فلا محالة لا يكون أمر مقدمي هاهنا أصلا. نعم، ملاكه - أعني الشوق والحب الغيري - موجود بلا إشكال. هذا بناء على كون مفاد النواهي طلب الترك. لكنه خلاف التحقيق، بل مفاده هو الزجر عن الفعل، ومبدؤه مبغوضية الفعل وكراهته الناشئتان عن مفسدة فيه، فمتعلق الأمر والنهي هو الفعل، ومقدمات الفعل مقدمات للمطلوب هناك، وللمبغوض والمنهي عنه هاهنا، إلا أن الغرض الأصيل من النهي عنه لما كان عدم تحققه لكونه تحقق مبغوضه، فالمبغوض الغيري هو

[ 314 ]

علته التامة بنحو العموم المجموعي، إذ هذا المجموع سبب لتحقق مبغوضه الذي يفر عنه، فهنا بغض غيري واحد تعلق بالمجموع من حيث المجموع، فهو حرام بحرمة واحدة، ولازمه انحصار محققه في الجزء الأخير، ولذلك فإن تحققت علة الحرام بقول المولى: ياليته لم يتحقق إحدى المقدمات لا شئ منها فعلية. فإن كان من المسببات التوليدية فسببه حرام غيري من باب انحصار الجزء الأخير فيه، وإلا فجزؤه الأخير عزم المكلف وحملة نفسه، وقد عرفت آنفا وسابقا أن مثل هذه المقدمات لا يتعلق بها تكليف بعثي ولا زجري. إلا أن الشيخ الأعظم (قدس سره) - على ما في التقريرات (1) - اختار حرمة المقدمات بنحو العموم الاستغراقي، لكنه - بناء على ما مر منه مفصلا في مقدمة الواجب - لما اعتقد كون موضوع الحكم المقدمي عنوان المقدمة، ورأى احتياجها في وقوعها على وصف الوجوب أو الحرمة الى أن يقصد المكلف هذا العنوان، ورأى أن قصده إنما هو بقصد التوصل بها الى ذيها، فلذلك كله قال: بأن الواجب هناك ما قصد التوصل به الى ذي المقدمة، والحرام هاهنا ما قصد به التوصل الى ذيها. وهذا المعنى ظاهر كلامه هناك، وصريحه في ما نحن فيه، وحينئذ فمن العجب أن المحقق صاحب الدرر بنى هذه المقالة - أي حرمة خصوص ما قصد به التوصل مطلقا - على القول بحرمة التجري واخرجها عن الحرمة المقدمية (2) وتبعه فيه بعض المحققين في بحثه على ما في تقريراته (3) فراجع. نعم، مبنى مقالته هذه مقدمات كلها ممنوعة كما عرفت من بياناتنا سابقا وآنفا. وقد فصل في الدرر بين ما كانت مبغوضية الحرام مطلقا وإن صدر بلا إرادة، وما كانت متوقفة على صدوره بالإرادة، ففي الاولى يكون إحدى المقدمات


(1) التقريرات: ص 94 - 95. (2) الدرر: ج 1 ص 132 - 130 من طبعة جماعة المدرسين. (3) نهاية الأفكار: ج 1 ص 357. (*)

[ 315 ]

الاخر غير الإرادة حراما غيريا، إذ الوجدان حاكم بمبغوضية العلة التامة للحرام، إذ تحقق الحرام ووقوعه على صفة المبغوضية لا يتوقف على الإرادة، فلا دخل لها في العلة التامة، فالمقدمة الأخيرة التي تكون جزءا أخيرا للعلة التامة هي المحرمة عليه من باب انحصار افراد الواجب التخييري فيه، بخلاف الصورة الثانية، إذ العلة التامة للحرام مركبة من ساير المقدمات والإرادة، وعدم الحرام وإن كان بعدم إحدى المقدمات، إلا أن الصارف لما كان أسبق رتبة فعدمه مستند إليه دائما، فلا يتصف المقدمات الخارجية بالحرمة ولا عدمها بالمحبوبية. انتهى (1). ويرد على ما أفاده في الصورة الاولى أولا: أن تعلق المبغوضية بالمطلق لا يوجب وقوعه في الخارج من المكلف بلا دخالة إرادته وعزمه، بل لو صدر من المكلف الملتفت فلا محالة يسبقه إرادته وعزمه، وثانيا: ما أفاده في نهاية الدراية (2)، من أن متعلق المبغوضية التشريعية لا محالة يكون فعل المكلف المتقوم بإرادته. هذا. كما يرد على ما أفاده في الصورة الثانية: أن الظاهر أن ما أفاده مبنى على كون حقيقة الحرمة هي طلب الترك والبعث نحو العدم، وحينئذ يتم ما أفاده، لكنه لا يختص بهذه الصورة بل الصورة الاولى أيضا كذلك، كما عرفت، إلا أنك قد عرفت أنه خلاف التحقيق، والمحقق صاحب النهاية حمل كلامه على ما هو التحقيق في حقيقة الحرمة، ولذا أورد عليه بما هو وارد عليه، لكن الظاهر من كلامه (قدس سره) ما ذكرنا فراجع. ومما ذكرنا يظهر مواضع الخلل في كلمات بعض المحققين (قدس سره) على ما هو محرر في تقرير بحثه فراجع.


(1) الدرر: ج 1 ص 132 - 130. (2) نهاية الدراية: ج 2 ص 179. (*)

[ 316 ]

[ الفصل الخامس (1) ] هل الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده ؟ وتحقيق الحال برسم امور: الأول: الغرض الأصيل في هذه المسألة أيضا - كما مر في سابقتها - هو اثبات الملازمة بين وجوب الشئ وحرمة ضده، من غير خصوصية في الدليل الدال على وجوبه، ولا في الدليل الدال على هذه الملازمة، وعنوانها في مباحث الألفاظ لمكان أن الغالب في الواجبات افادتها بالألفاظ لا لاختصاص البحث بها، وعليه فالمسألة ليست لفظية يبحث فيها عن مداليل الألفاظ وتشخيص ظواهرها، بل ليست عقلية بالخصوص أيضا، إذ المنظور فيه ثبوت هذه الملازمة من أي طريق كان، ولو كان الدليل عليها رواية أو آية. وكيف كان فالمسألة اصولية إذ هذه الملازمة تقع في طريق استنباط حكم شرعي، هو حرمة الضد عند وجوب ضده. فالمراد بالاقتضاء أيضا ما يساوق هذه الملازمة بأي نحو كان، كما أن المراد بالضد ما يعم النقيض، والمراد بالأمر والنهي هو الوجوب والحرمة.


(1) كان اللازم عنونة المبحث بقولنا: " المبحث الحادي عشر "، لكنا عدلنا الى ما ترى اتباعا لمتن الكفاية. (منه عفي عنه). (*)

[ 317 ]

الثاني: في اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن ضده الخاص، أعني كل أمر وجودي يعاند ولا يجتمع مع المأمور به، وطبع البحث يقتضي تأخره عن البحث عن الضد العام، كما ستعرف، إلا أنه قدمناه تبعا للكفاية. فنقول: استدل على حرمته بوجهين: الأول: من طريق مقدمية عدم الضد لوجود الآخر، وهذا الوجه مبني على مقدمات: الاولى: أن عدم كل ضد مقدمة لوجود الآخر. الثانية: أن مقدمة الواجب واجبة. الثالثة: أن وجوب المقدمة يعم كل مقدمة، ولا أقل من أنه يعم مثل هذه المقدمة. الرابعة: أن الأمر بالشئ يقتضي حرمة ضده العام حتى يلزم من وجوب عدم الضد حرمة نفس الضد. أما المقدمة الاولى فما يمكن الاستدلال به على المقدمية أمران: الأول: أنه لاشك في أن من شرائط وجود الشئ ومقدماته قابلية المحل الذي يوجد فيه، ومن المعلوم أن المحل المشغول بالضد ليست له قابلية فعلية لحصول الضد الآخر فيه، بل لابد وأن ينعدم عنه ذلك الضد حتى يتم قابليته الفعلية. ودعوى: أنه لا يضر مشغولية المحل بقابليته، إذ قابليته لحصول ضد آخر مع هذا الضد منفية ومستحيلة التحقق أبدا، فلا يرجى حصولها بزواله، وقابليته لحصوله بدلا عنه حاصلة غير موقوفة على زواله - كما في نهاية الدراية -. مدفوعة: بأن المراد قابليته الآن لأصل وجود الضد، فإن المقبول نفس وجود الضد ليس إلا، وكونه مع الآخر أو بدلا عنه ليس من أوصافه الوجودية، بما هو حال فيه ومقبول له، بل منتزع من تحققه في زمان تحقق الآخر أو زمان عدمه، وإلا فالحال هو نفس الضد، ومعلوم أن حلوله في زمان الآخر مستحيل، والمحل في هذا الزمان ليس قابلا له، فإذا زال الضد الشاغل تتم قابليته، فعدم الضد في

[ 318 ]

المحل من متممات قابليته، ومقدمة لوجود الضد المقبول. هذا. لكن التحقيق أن العدم بطلان محض، وما هذا شأنه فلا معنى لتمامية المحل به، غاية الأمر أنه مع وجود الضد في المحل فعلته موجودة، وضده الآخر كعلته ليس بموجود، وقابلية المحل ليست له واقعية منضافة الى المحل ملازمة لانعدام الضد، فضلا عن أن تكون نفس الضد، وبالجملة، فالعلية والمعلولية والشرطية والمعدية ونحوها كلها من خواص الوجود، والعدم نفي وبطلان محض وخلو صفحة الوجود عن الواقعية بنحو السلب التحصيلي، إلا أن الوهم يغلط فيتوهمه ايجابا عدوليا، ثم يغلط اخرى فيرتب عليه أحكام الوجود الخاصة به، والدقة العقلية تهدم أساس هذه الأوهام، وتحكم بأن دار التحقق خاصة بالوجود، لاموطأ للعدم فيها أصلا، ولا معنى لدخالة العدم في تكون الأشياء بتا. وأما ما قد يقال: من أن المنشأ لعدم تمامية المحل حيث كان تضاد الضدين وعدم اجتماعهما في الوجود، فهذا التضاد لا يقتضي إلا أنهما لا يجتمعان في الوجود زمانا، وعليه فالمعتبر عدم وجود الضد الآخر في زمان وجود ضده، من غير مقتض لتقدمه عليه رتبة. فمدفوع: بأن العقل حاكم بأن الموضوع متقدم على الحال فيه رتبة، وهذا التقدم لا يختص عنده بذات الموضوع، بل يعم شرائطه التي بها يتم قابليته، فلو اغمض النظر عما ذكرنا كان اللازم تقدم عدم الضد كما في الامور الوجودية التي بها تتم قابليته. الأمر الثاني: مما يستدل به على المقدمية: أن الضدين متمانعان في الوجود، وعدم المانع من مقدمات وجود الممنوع، فعدم كل منهما مقدمة لوجود الآخر. والجواب الأصيل هنا أيضا: أن العدم لا شئ حتى يكون له سمة المقدمية، بل هكذا الأمر في جميع ما يعد مانعا، فإن المسلم والموجود والواقع في الخارج إما أن المقتضى موجود، والمانع موجود، فلا تأثير ولا تأثر، بالسلب التحصيلي، كما يشهد به الوجدان، لا أن هنا تأثيرا للمانع في شئ هو عدم المعلول، وما لم يكن

[ 319 ]

تأثير أو اشتراط في التأثير لم يكن تقدم وتأخر. وبالجملة ففي فرض وجود المقتضى والمانع كفرض وجود المانع فقط، الموجود ما فرض موجودا، وغيره ليس بموجود، وإما أن المقتضى موجود، والمانع ليس بموجود، فهنا يتحقق في دار الوجود وجود المعلول والمقتضى، من غير دخالة للعدم. والحاصل: أن أخذ الإيجاب العدولي مكان السلب التحصيلي، ثم ترتيب أحكام الوجود عليه، وغلبة المسامحات العرفية على المداقات العقلية اوجب التباس الأمر، حتى على من شأنه المداقة العقلية من الفلاسفة العظام " شكر الله سعيهم " وإلا فينبغي أن يكون من البديهيات أن احكام دار التحقق من مختصات المحقق بالذات، أعني الوجود والموجود. ومع الغض عن ما ذكرنا، والتسوية بين الوجود والعدم في الأحكام، وتسرية شؤون الوجود الى الأعدام فقد أورد على مقدمية عدم الضد بوجوه، أمتنها وجهان: الأول: أن مقدمية العدم إنما هي لمكان مانعية وجوده عن تحقق الضد الآخر، ومانعية الشئ عبارة عن منعه المقتضى الموجود بشرائطه عن التأثير، وهذا المنع إنما هو شأن مقتضى الضد وعلته، لا شأنه بنفسه، بداهة أنا إذا أردنا فعلا فإرادة ضده تمنع عنه، لا هو بنفسه، ولذلك فلو كان مقتضيهما متساويين ربما لا يتحقق شئ منهما أصلا، مع أن المفروض قوة الحب والشوق إليه بحيث كان يتحقق لولا مقتضى المضاد، وبالجملة فلا مانعية للضد حتى يثبت المقدمية لعدمه. وفيه أولا: أن حكم العقل بتقدم العدم لا يتوقف على فعلية المانعية، بل لو فرض كون الشئ بحيث يمنع عن تأثير المقتضى لو لم يمنع عنه قبله شئ آخر لكفى هذا المعنى لحكمه بتقدم عدمه ومقدميته للضد الآخر، ولو لم يتحقق هذا الفرض، بل ولو كان تحققه محالا. وثانيا: أن تخصيص فعلية المانعية بمقتضى الضد مطلقا ممنوع (1)، فإنه إذا


(1) وبعبارة أخرى: محل الكلام إنما هو الأفعال التي تتعلق بها التكاليف، وهي ليست قارة أصلا، وعليه فليس لعدم الضد الموجود مقدمية أيضا. (منه عفي عنه). (*)

[ 320 ]

فرض الضد من الامور القارة كالبياض - مثلا - فأوجده علته في المحل، ثم تحقق مقتضى السواد، فلم يسوده لاشتغاله بالضد، مع فرض اقوائيته من المقتضى الأول، إلا أنه لا شأن له إلا التسويد لا الإزالة، فالوجدان شاهد على أن عدم تأثير هذا المقتضى إنما هو لوجود المانع الشاغل للمحل، وهو وإن كان موجودا في المحل وشاغلا له بتأثير علته، إلا أن العلة لم تمنع مقتضى الآخر بالمباشرة، بل بواسطة مقتضاه أعني السواد الحال في الموضوع. الثاني: أن مقدميته مستلزم للدور المحال، فهو محال، وقربه في الكفاية بأن وجود الضد موقوف على عدم ضده على الفرض توقف ا لمشروط على شرطه، وهذا العدم - إذا فرض تحقق مقتضى الوجود - موقوف على وجود ضده توقف الممنوع على وجود مانعه. ثم نقل أنه اجيب عنه: بأن توقف العدم غير فعلي ولعله كان محالا، فلا دور، فأجاب عنه بأن توقف الشئ على ما يصلح أن يتوقف على هذا الشئ محال، لاستلزامه امكان الدور. والظاهر أن مراده من الصلوح الإمكان الوقوعي، ولذلك فقد منع عن هذا الصلوح بدعوى أن المانعية ومقدمية العدم إنما تتوقف على قضية شرطية هي: أنه لو اجتمع المقتضي والضد الآخر لعدم المقتضي بمانعية الضد الموجود، وصدق الشرطية يجتمع مع استحالة تحقق المقدم التي هي عبارة اخرى عن عدم إمكان الصلوح، وبالجملة فمراد المدعى استفاده المانعية والمقدمية من هذه القضية الشرطية، ولا محالة فقد فرض فيها وجود المقتضى والضد الآخر، وادعى ترتب عدم الضد الآخر عليه، واستنتج من هذا الترتب مانعية الضد ومقدمية عدمه، ودفع باستحالة تحقق المقدم الدور المدعى. والجواب عنه: بأنه راجع الى انكار المقدمية، إذ هي مستفادة من المانعية المستحيلة التحقق، قد عرفت ما فيه، وأن المقدمية يكفي فيها شأنية المانعية، اللهم إلا أن يمنع هذه الشأنية أيضا كما هو الحق. وبيانه وتحقيق المقام: أن الأولى بيان الدور بوجه آخر: وهو أنه لا اشكال

[ 321 ]

في أن وجه مقدمية عدم الضد إنما هو مانعية وجوده، وحيث إن التمانع ومقدمية العدم من الطرفين، فالمانعية بنفسها مساوقة للدور ومستحيلة، وذلك بعد مسلمية أنه ليس لشئ واحد إلا وجود واحد وعدم واحد، أن الضد المانع موقوف ومتأخر عن عدم ضده - بمقتضى مقدميته - وعدم ضده - بما أنه عدم الممنوع -. موقوف على الضد المانع، وهو دور صريح مستحيل بالذات، فاستناد العدم الى وجود الضد محال بالذات. وحينئذ فلو كان اجتماع المقتضى والضد الآخر محالا بنفسه، وفرض وقوع هذا المحال - كما هو مفاد مقدم الشرطية - لما ترتب عليه وقوع محال آخر هو أيضا بنفسه محال، أعني استناد عدم الضد الآخر على وجود الضد المفروض، وذلك لما تحقق في محله أن الشرطية اللزومية إنما تنعقد بين ما يكون بينهما علاقة العلية والمعلولية أو المعلولية لثالث، وإلا فإن لم يكن بين الشيئين علاقة وارتباط أصلا فكيف يقتضي فرض خصوص أحدهما تحقق الآخر، وفيما نحن فيه حيث إن التالي بنفسه محال، وليس المقدم من معاليله فسواء كان المقدم ممكنا أو محالا، لا يكاد يقتضي فرض تحقق المقدم أن يتحقق محال لا يرتبط استحالته ولا تحققه بتحقق المقدم، وإنما يتحقق التالي فرضا لو فرض تحققه بنفسه، إلا أن فرض تحققه لا يثمر للمدعي ما رامه، إذ فرضه فرض المانعية الشأنية، وهو لا يقتضي فعلية المقدمية، وإنما يقتضي المقدمية الفرضية، يعني لو فرض المقدمية فالمقدمية ثابتة، وهذا غير مجد للمدعى، وإلا لكان كل ما ليس بمقدمة مقدمة. وهذا الذي فصلناه هو مراد المحقق صاحب الكفاية، مما أفاده في الحاشية بقوله (قدس سره): " مع أن حديث... الى آخره " فلا يرد عليه ما في نهاية الدراية أصلا، كيف وهذا الذي فصله صاحب النهاية هو بعينه ما أجمله (قدس سره) بقوله: فليكن المقتضى لاستناد عدم الضد الى وجود ضده فعلا عند ثبوت مقتضى وجوده هو الخصوصية التي فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه، كما هو الحال في كل مانع. " انتهى ". لكنه (قدس سره) أفاد: أن مانعية الضد مستحيلة بقوله عقيبه: وليست في الضد تلك

[ 322 ]

الخصوصية، كيف ؟ وقد عرفت أنه لا يكاد يكون مانعا إلا على وجه دائر. " انتهى ". وأما ما أفاده في نهاية الدراية توجيها لصدق الشرطية وصحة الملازمة فهو مبني على فرض المانعية والمقدمية، وقد عرفت أنه ليس مراد المدعي، ولا يكاد يفيده شيئا. هذه خلاصة الكلام في مقدمية عدم الضد لوجود ضده، ولقد لخصته كمال التلخيص عند التحرير وأغمضت عن ذكر سائر الاشكالات وإن كنا وفقنا للبحث عنها وغيرها في المباحثة، إلا أنه لم اوفق للكتابة، ولم أر ذكرها لازما، ولعل الخير كان في ما وقع. وبالتدبر فيما ذكر يتضح مواضع الخلل في كلمات القوم، على أن كثيرا منها واضح الخلل، وقد تعرض لأكثرها صاحب النهاية وإن كانت كلماته أيضا بعضها غير تامة. وكيف كان فقد عرفت أن عدم الضد ليس مقدمة، بلا فرق في ذلك بين الضد الموجود والمعدوم، والقول: بأن المانعية الفعلية تقتضي مقدمية العدم، فالضد إذا كان موجودا مع مقتضى الآخر كان عدمه مقدمة، وإلا فلا - كما عن المحقق الخونساري (قدس سره) - ممنوع بأن مقدمية عدم الضد الموجود ان كانت بملاحظة أنه لو كان موجودا لكان مانعا فهذه الخاصة متحققة في الضد المعدوم أيضا، غاية الأمر أنه إذا كان معدوما فالمقدمة حاصلة، لا أنه ليس له المقدمية، وإن كان بملاك آخر فهو مما لا نعرفه. هذا. ويمكن ان يقال: إن المقدمية بمعنى التقدم الرتبي عقلا، وإن استحالت لعدم الضد، إلا أن موضوع حكم العقل بالوجوب في باب المقدمة، أعم من المقدمة بهذا المعنى، ومما لا يتحقق المأمور به مع فرض وجوده، فهل ترى توقف المولى العاقل الملتفت عن الأمر بإزالة السواد عن لوح أو سقف أمر بتبييضه - إذا لم يمكن تبييضه مع وجود السواد - فهل يتوقف عن الأمر بها بمجرد أنها ليست مقدمة، بمعنى ما يتقدم على المأمور به رتبة، كلا ! بل كل عاقل لا يجد فرقا بين نصب

[ 323 ]

السلم وإزالة السواد في الملاك الموجب لتوجيه الأمر الغيري. نعم، إذا لم يكن السواد شاغلا فمقدمته هذه حاصلة، بل الإزالة غير متصورة، فلا مقدمية لها، ولا معنى للأمر بها، ولعل هذا المعنى كان مراد المحقق الخونساري (قدس سره) وعليه فلا يرد عليه شئ أصلا، نعم، هو لا يجري في الأضداد الغير القارة، أعني ماكان من قبيل الحركات والأفعال كما لا يخفى. هذا كله حول البحث عن المقدمة الاولى، أعني مقدمية عدم الضد لوجود ضده. وأما المقدمة الثانية - أعني وجوب مقدمة الواجب - فقد عرفت الكلام فيها مفصلا، وأن الحق عدم وجوبها إلا أنها بحكم الواجب، لوجود ملاك الوجوب الذي به يترتب على الواجب آثاره فيها. فتذكر. وأما المقدمة الثالثة فقد عرفت عدم وجوب كل مقدمة، ولذلك فقد اخترنا عدم وجوب إرادة الواجب ولا المقدمات الداخلية، وأما هنا ففي نهاية الدراية: أن العدم الأزلي للضد حاصل بنفسه، ولا يوجد ضده إلا وشرطه هذا متحقق، فلا معنى ولا حاجة للبعث إليه، وأما العدم الطاري فإن كان المأمور به مما يتحقق بمجرد إرادته، ولا يتحقق بعد ضده بصرف عدم إرادته، كالأفعال والأعراض القائمة بالشخص، مثل الصلاة، والإزالة، فلا حاجة هنا أيضا الى البعث نحو العدم، ويكفي البعث نحو نفس الضد المأمور به، إذ الانبعاث منه وإرادته كافية في عدم تحقق ضده ولو كان مشتغلا به وفي أثنائه، وأما إذا كان المأمور به مما لا يتحقق بمجرد إرادته كما إذا أمر بتبييض محل مشغول بالسواد، حيث إنه يحتاج بعد الإرادة الى حكه أو غسله الملازم لعدم الضد، لانتقال الأجزاء الصغار المبيضة به، إلا أن حكه أو غسله لما لم يكن بنفسه مقدمة ولا سببا لحصول العدم لعدم معلولية العدم للوجود، فلا دليل على وجوبه ومعه فلا يجب تحصيل العدم. انتهى ملخصا. أقول: الأمر في العدم الأزلي والأول من قسمي الطاري كما أفاد، فإن الأمر بابقاء العدم الأزلي وتحصيل الطاري وإن كان ممكنا، إلا أنه ما لم ينقلب العدم

[ 324 ]

الازلي الى الوجود الغير الزائل بمجرد ترك إرادته فلا يحكم العقل بلزوم الأمر به، ومع ذلك كله فإن أمر المولى بهما بلحاظ لطف زائد على عبده، حيث فرض عبده ممن لا يحركه أمر واحد ويحركه أمران، فهو واقع في محله. وأما القسم الأخير فالظاهر وجوب تحصيل العدم ووجوب الحك أو الغسل مقدمة له، وصرف عدم سببية الوجود للعدم وملازمته له لا يوجب عدم الأمر بالحك فيكون عدم الضد غير واجب التحصيل. إذ فيه: أولا: أنه لاشك في أن العدم مقدور، وعدم وجوب ملازمه لا يخرجه عن المقدورية، كيف وأمره بيد المكلف إن شاء أبقاه على ماكان، وإن شاء خلى منه المحل. وثانيا: أنك قد عرفت أن المقدمة التي هي موضوع الحكم بالوجوب، أعم مما يتوقف عليه عقلا ويتقدم على ذيها رتبة. وأما المقدمة الرابعة فسيجئ البحث عنها في الأمر الآتي إن شاء الله تعالى. إلا أن الذي يجب التنبه له هو ما نبه عليه سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم " مد الله تعالى ظله وأرجعه الى حوزة بحثه "، وهو: أن استنتاج حرمة الضد من وجوب عدمه - كما هو المأمول من هذه المقدمة الرابعة - إنما يصح بناء على تعلق الوجوب المقدمي بذوات المقدمات، وأما إن كان الواجب عنوان الموصل أو الموقوف عليه ونحوهما فهذا العنوان منطبق على الترك والعدم فيجب مقدمة، إلا أن نقيضه الموقوف بالحرمة، وهو عنوان عدم الموصل - مثلا - لا ينطبق على نفس الضد، فإنه أمر وجودي لا يتحد مع أمر عدمي، وغاية الأمر أنه ملازم لهذا العدم المحكوم بالحرمة، فالحكم بحرمته حينئذ موقوف على مقدمة أخرى، وهي اتحاد المتلازمين في الوجود في الحكم أيضا، وسيجئ البحث عنها. هذا تمام الكلام في البحث عن إثبات الحرمة بطريق المقدمية. الطريق الثاني: لإثبات حرمة الضد الخاص طريقة الاستلزام، إما ببيان أن

[ 325 ]

الواجب المأمور به ملازم لترك جميع أضداده الخاصة، والمتلازمان في التحقق متلازمان في الحكم أيضا، فيجب ترك جميع الأضداد، وحيث إن الأمر يقتضي النهي عن الضد العام، فيحرم جميع أضداده الخاصة، وإما ببيان أن ترك الواجب المأمور به حرام، ووجود كل من الأضداد ملازم له، فيحرم كل من الأضداد أيضا. وهذه الطريقة كما ترى مبتنية على حرمة الضد العام - وسيجئ البحث عنها إن شاء الله تعالى - وعلى اتحاد المتلازمين وجودا في الحكم أيضا. وهذه المقدمة الثانية من مختصات هذه الطريقة - على ممشى القوم - وهي الموجبة لعدها طريقة اخرى قبال الطريقة الاولى، وهي كما أفاد الأساتذه " شكر الله سعيهم " محل منع، وذلك أن تعلق كل حكم بأي شئ محتاج الى قيام ملاك الحكم به، وإذا فرض قيام الملاك بأحد المتلازمين دون ملازمه، فلا وجه لتسرية الحكم الى الملازم الفاقد للملاك، ولا اضطرار يلجئنا إليه كما يشهد به مراجعة الوجدان. لكن في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره) (1): أنه يمكن القول في الضدين اللذين لا ثالث لهما بأن الأمر بأحدهما يلازم الأمر بعدم الآخر، نظرا الى أن عدمه وإن كان غير الآخر مفهوما وعقلا إلا أنه عينه عرفا، ولذا كان الأمر بأحدهما أمرا بعدم الآخر عرفا. وفيه: أن العرف أيضا لا يرى أحدهما عين عدم الآخر، غاية الأمر أنه لمكان تلازمهما، قد يعبر بعدم أحدهما عن وجود الآخر، وهو لا ينافي تباينهما عنده، وكما في غير المورد من المتلازمين. نعم حيث إن مدعاه اتحاد كل ضد مع عدم الآخر لا اتحاد الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر، فالجواب عنه بأن الأمر والنهي مختلفان بنظر العرف، كأنه أجنبي عن مرامه. فالوجدان والضرورة تشهدان بأنه لا يلازم حكم أحد الضدين أن يستوي


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 304. (*)

[ 326 ]

حكم الآخر، بل غاية الأمر أنه إذا كان حكم أحدهما الوجوب فلابد وأن لا يكون الآخر محكوما بالحرمة أو الكراهة فإذا كان حكم أحدهما الحرمة فلابد وأن لا يكون الآخر محكوما بغير الكراهة أو الاباحة، فإنهما في مقام الفعلية لا تجتمعان، بل التحقيق بناء على أن الأحكام قانونية أن المعتبر أن لا يكون الطرف الآخر محكوما بحكم قانوني لزومي خلاف هذا الحكم اللزومي، بل لا بأس به أيضا على ما سيجئ بيانه إن شاء الله تعالى. بل على مبنى القوم أيضا لا بأس باتصاف الآخر بالإباحة أو الاستحباب فإن مقتضاهما ترخيص المكلف في فعله وتركه بنفسه، بمعنى أنه لا يسأل ولا يعاقب من حيث فعل أو ترك هذا المباح أو المستحب، وهو لا ينافي مسؤوليته وعقابه بلحاظ ملازمه، كما لا يخفى. وكيف كان فإطلاق كلام الكفاية محل إشكال. هذا. وأورد عليه سيدنا الاستاذ الأعظم (1) - مد ظله - بأن الترك والعدم لا شئ محض فلا معنى لعده ملازما لشي حتى يصير محكوما بحكمه. وفيه: أن العدم وإن لم يكن شيئا بحسب الدقة العقلية، ولذلك فقد نفينا عنه أي دخل في عالم الوجود والتكوين، إلا أن العرف ربما يعتبره ويراه أمرا قبال الوجود والفعل، وبهذا اللحاظ العرفي لا بأس بعده من ملازمات شئ آخر، وجريان الأحكام عليه، كما لا يخفى. نعم، بناء على ما أفاده - مد ظله - ونبه عليه ذيل الطريقة الاولى: من أن الحيثيات التعليلية موضوعات في الأحكام العقلية، نقول هاهنا: إن لازم اتحاد المتلازمين وجودا في الحكم بحكم العقل ثبوت الحكم على عنوان الملازم، وعليه ففي البيان الثاني يكون ترك كل ضد حراما لانطباق ذاك العنوان عليه، وأما في البيان الأول فعنوان الملازم للواجب وإن انطبق على ترك الأضداد، إلا أنه إنما يفيد وجوبه إلا أن الحكم لما كان على عنوان الملازم فنقيضه المحكوم


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 298. (*)

[ 327 ]

بالحرمة عنوان عدم الملازم للواجب، وهو عنوان عدمي لا ينطبق على وجود الأضداد بل يلازمه، فيحتاج الى إجراء قاعدة الملازمة مرة اخرى، واستفادة حرمة عنوان الملازم للحرام، ثم الحكم بحرمة الأضداد لانطباق هذا العنوان عليه، فتبصر. ولقد تلخص مما ذكرنا: أن الحق هو الحكم بمقدمية عدم الضد الموجود لضده، لكنه إنما يوجب وجوب رفعه، وأما حرمة ايجاده فلم يمكن لنا استفادته من الأبحاث المفصلة. الأمر الثالث: في اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن الضد العام. والقائلون بالاقتضاء بين مدع لدلالة الوجوب على حرمة الترك تضمنا، ومدع لعينية الأمر بالشئ والنهي عن نقيضه مصداقا، ومدع لاقتضائه له ملازمة عقلية. أما الأول: فهو مبني على تركب الوجوب من أمر وزجر، وبطلانه بديهي، فإن الوجوب اعتبار عقلائي يعتبر بملاحظة ثبوت المأمور به على عهدة المكلف، ومنشأ اعتباره إذا كان هيأة " أفعل " فمفاده البعث والاغراء الاعتباري، ومباديه النفسانية لا تحتاج الى أزيد من شوق نفساني متعلق بالفعل الواجب، بحيث إذا قيس الى الشوق المتعلق بالمستحب كان اشد منه قطعا، وان كان كلاهما كافيا لانوجاد البعث الوجوبي أو الاستحبابي بعده، ومثله الأمر في المرادات التكوينية، فكلا المستحب والواجب لا يحتاج الى أزيد من ثبوت شوق نفساني بالفعل، ولا يتوقف على الالتفات الى الترك فضلا عن تعلق كراهة به. نعم، لو التفت إليه فلا محالة ينقدح في النفس كراهة تبعية بالترك على وزان الاشتياق المتعلق بالفعل، فهذه الكراهة ليست من قبيل اللوازم - بل هي موقوفة على الالتفات - وعلى فرضها فلا تقتضي زجرا عقيبها، ومعلوم أن الإرادة والكراهة النفسانيتين ما لم يتعقبهما أمر أو نهي، وبالجملة إبراز، فلا يعتبر عند العرف الوجوب أو الحرمة، فهما متقومان بإبرازهما، وهذا الإبراز ليس بلازم ولو عند الالتفات كما يشهد به الوجدان، وعلى فرض الابراز فهذا الزجر ليس تكليفا

[ 328 ]

مستقلا، بل زجر غيري تبعا لمبدئه من الكراهة التبعية الغيرية. فمنه تعرف أن دعوى اللزوم عقلا أيضا ليست في محلها، وإنما الملازمة بين وجوب الشئ وتعلق الكراهة بنقيضه لو التفت إليه، إلا أنك قد عرفت في بحث مقدمة الواجب أن هذا المعنى التعليقي أيضا بحكم الوجوب المصرح به، فإن ملاك ترتب الآثار ثبوت هذه المبادي في نفس المولى، ومع ذلك فوجودها التعليقي أيضا كاف في ترتبها، ولهذا فلو غفل المولى عن سقوط ابنه في الماء وعلم به عبده لزم عليه بحكم العقل انقاذه، وإن فرض المولى بحيث لا يأمر بانقاذه إذا علم به أيضا، بل يكتفي بمجرد علم العبد بكونه متعلقا لغرضه، والظاهر أنه من الواضحات، ولذا فالآثار المترتبة على الحرمة تترتب على هذه الكراهة، ولا نحتاج الى اثبات نفس الحرمة في ترتيبها. إلا أنه مع ذلك كله يمكن منعها ببيان: أن محل الكلام الحرمة المولوية أو مبدؤها من الكراهة، وهذه الكراهة الوجدانية بالنسبة الى ترك الواجب من مصاديق كراهية المعصية وهي كنفس النهي عن المعصية، والأمر بالإطاعة ليست مبدأ لحرمة مولوية بل للإرشادية منها. وأما دعوى العينية المصداقية: فتارة يراد به مصداقية الفعل لعنوان ترك الترك - كما في الفصول - فالأمر به كما أنه طلب الفعل طلب ترك الترك أيضا، وطلب الترك هو النهي، وإذا تعلق الترك بالترك كان لازمه النهي عن الترك. وفيه أولا: أن النهي هو الزجر وا لمنع لا طلب الترك. وثانيا: أن عنوان ترك الترك عدمي، ولا يتحد مع الوجودي، أعني الفعل، غاية الأمر أن يكون ملازما له. وثالثا: أنه لو سلم انطباقه على الفعل فلا شك أنه عنوان آخر، والعمل المعنون بالعنوانين بأحدهما تعلق به حكم لا يسري حكم أحدهما الى الآخر.

[ 329 ]

واخرى يراد به أن البعث الى الفعل كما أنه بعث وتحريك نحوه، فهو تحريك عن خلافه وزجر عنه مصداقا، كما أن التقريب الى مكان تبعيد عن الآخر مصداقا. لكنه أيضا غير كاف في اثبات الحرمة والنهي، فإن قوامهما بانشاء الزجر أو الحرمة، ولا يكفي فيهما هذه المصداقية الاعتبارية، كما لا يخفى. وثالثة يراد به أن الطلب النفساني حيث إنه منشأ لبعث العبد نحو الفعل، - والبعث قد عرفت أنه مصداق الزجر عن خلافه - فهذا الطلب إذا قيس الى الفعل يكون وجوبا، وإذا قيس الى الترك يكون حرمة ولو مجازا. وما في الكفاية يرجع الى هذا الأخير إن اريد به الطلب النفساني، والى ما قبله إن اريد الطلب الانشائي وعلى أي حال فجميع الدعاوى منظور فيها على ما عرفت. الأمر الرابع: في ثمرة البحث: قد مر في الأمر الأول: أن ثمرة المسألة بما أنها مسألة اصولية استفادة حرمة الضد شرعا إذا ثبت وجوب ضده، وأما بطلانه إذا كانت عبادة فهو ثمرة حرمتها، لا ثمرة المسألة الاصولية، كما مر توضيحها مفصلا في ثمرة البحث عن مقدمة الواجب. وكيف كان فقد قيل: بأنه على القول بالاقتضاء إذا كان الضد عبادة مزاحمة بأهم منها، أو موسعة مزاحمة بواجب مضيق أو فوري فاللازم بطلان العبادة - إن أتى بها وترك مزاحمها - فإنها حينئذ محرمة، والنهي عن العبادة يقتضي فسادها. والحق انتفاء هذه الثمرة، لا لأن النهي لما كان غيريا لا يوجب انتفاء ملاك العبادية وزواله عن التمامية، فإن البطلان الناشي عن النهي لا يدور مداره، فيمكن أن يكون الملاك باقيا على ماكان عليه، إلا أنه بمقتضى أقوائية ملاك الحرمة يتبعه الحكم من ناحية المولى، فيكون مبغوضا عنده ولا يصلح للمقربية، بل لأن النهي سواء كان بملاك مقدمية العدم أو من طريق الاستلزام لم ينشأ عن مبغوضية العبادة

[ 330 ]

ذاتا، بل مبغوضيتها عرضية أو غيرية، فالمولى إن نهى عنها فلمكان أنه يحب فعلا ضده، وإلا فهي بنفسها في كمال المحبوبية ليس يبغضها أصلا، ومثل هذه المبغوضية لا ينبغي أن تسمى مبغوضية، وعلى أي حال فلا تمنع عن التقرب بمتعلقها أصلا، فسواء قلنا: بأن الضد منهي عنه، أو قلنا: بأنه مبغوض لو التفت إليه، أو لاهذا ولا ذاك، فهو صحيح إذا كانت عبادة على الاحتمالات كلها. وأنكر شيخنا البهائي (قدس سره) ترتب هذه الثمرة من طريق آخر: وهو أن الضد العبادي باطل على جميع الاحتمالات، وذلك أن صحة كل عبادة مشروطة بكونها مأمورا بها، والأمر بالشئ وإن لم يقتض النهي عن ضده، إلا أنه لا أقل من أن يقتضي عدم الأمر به، ضرورة عدم امكان الأمر بالضدين في زمان واحد، ولازمه فقدان العبادة لشرطها أعني الأمر المحقق للامتثال، فتكون باطلة مطلقا وينتفي الثمرة. ورد انكاره بطرق أربعة: اثنان منها مبتنية على تسلم عدم الأمر بالضد، والآخران اثبات لكونه أيضا مع ذلك مأمورا به. أما الأولان فأحدهما: ما في الكفاية من عدم ابتناء صحة العبادة على تعلق الأمر بها، بل إنما يعتبر فيها أن يؤتى بها لله تبارك وتعالى، ويكفي في حصول هذا القصد أن تكون حاوية لملاك تعلق به حبه تعالى، كما لعله من الواضحات، ومعلوم أن الضد الذي لم يؤمر به لمكان ابتلائه بالأهم أو الفوري أو المضيق فقط لا ينقص عن ملاكه شئ، غاية الأمر أنه لا يؤمر به لعدم امكان التكليف والخطاب. بل يمكن كشف قيام الملاك به فيما إذا كان موسعا من طريق اطلاق مادة أمره، وذلك أن مقتضى إطلاقها أن تمام الموضوع لأمر المولى إنما هو نفس طبيعة العمل الضد، وليس مقيدا بكونها واقعة في غير زمان ضدها الفوري أو المضيق، وغاية ما يقتضيه فوريته أو تضيقه أن لا يكون خصوص ما يقع منها في زمان ضدها مأمورا بها، لكنه لا يقتضي ورود قيد على الطبيعة الموضوعة للأمر، بل هي باقية

[ 331 ]

على إطلاقها، وهي باطلاقها قد تعلق الأمر بها، فهي تمام موضوع أمره من غير دخالة قيد آخر، فهي تمام موضوع لملاك أمره، وهي تمام موضوع لحبه أيضا، وسيأتي لهذا مزيد توضيح إن شاء الله تعالى. والغرض أنه لا يتوقف كشف الملاك في هذا القسم على الأمر الشأني - كما في الدرر - بل يمكن كشفه من الأمر الفعلي أيضا. وقد مر نظيره في البحث عن ان مقتضى اطلاق الهيأة الاختيارية أم لا فراجع. الثاني: ما في تقريرات الشيخ الأعظم (قدس سره) وقيل باستفادته من كلام المحقق الكركي (قدس سره) وتوضيحه أن ما أفاده (قدس سره) إنما يتم في المضيقين اللذين أحدهما أهم من الآخر، ولو كان التضيق بالعرض، فإن المكلف لما لم يكن قادرا على امتثالهما فلا محالة لا يؤمر إلا بأحدهما وهو الاهم والآخر لا أمر به، فإذا كان عبادة، وقلنا: باحتياجها الى الأمر كانت باطلة لا محالة، وأما إذا كان أحدهما فوريا أو مضيقا، وكان الآخر العبادي موسعا واسع الوقت فلا مجال لكلامه، فلو قلنا: بعدم الاقتضاء كان هاهنا صحيحا وكفى به ثمرة للبحث. وبيانه موقوف على مقدمات: الاولى: أن متعلق التكليف في الواجبات الموسعة إما أن يكون صرف وجود الطبيعة - كما في الغالب - أو فردا واحدا منها، كما فيما إذا تعلق الأمر بالنكرة أو بالطبيعة الموصوفة بالوحدة كقوله: أعتق رقبة يوم الجمعة أو أعتق رقبة واحده فيها. فإن كان الأول كقوله: " اغتسل يوم الجمعة، أو صل مابين زوال الشمس الى غروبها " فالواجب هو نفس الطبيعة، أعني الاغتسال أو الصلاة في الظرف المذكور لم يقيد بشئ أصلا، غير أن يكون الإتيان به واقعا في خصوص هذا الظرف، وهذا مقتضى اطلاق المادة المأمور بها، فليس الأمر به بمعنى لحاظ كل فرد من الأفراد بخصوصياتها ثم الأمربها، بل ليس في البين إلا أمر واحدموسع بمأموربه واحدكلي. وان كان من قبيل الثاني فالمكلف به أيضا كلي أعني رقبة واحدة، فإنه أيضا عنوان كلي ينطبق على كل واحد من أفراد الرقبة، ولم يؤخذ فيه خصوصية من

[ 332 ]

خصوصيات الأفراد أصلا. المقدمة الثانية: أن متعلق الأوامر هو نفس هذا المعنى الكلي، ولا يسري منه لا الى وجوده في الخارج الذي هو ظرف السقوط لا الثبوت، ولا الى العنوان المنطبق على خصوص شخص خاص، واثبات هذه المقدمة بعهدة ما سيجئ، وسيأتي إن شاء الله ما عندنا من الكلام فيها. والتحقيق: عدم توقف هذا الوجه على هذه المقدمة، بل يتم ولو على تعلق التكاليف بمتن الخارج، لما سيأتي إن شاء الله تعالى أن المكلف به إنما هو الخارج بما أنه وجود للطبيعة، وليس هذية الطبيعة متعلقة للأمر أصلا، فتعلق الأمر بالشئ كذلك لا يكون مزاحما للنهي عن بعض أضداده، إذ لا يقتضي الأمر الكذائي تحصيل الطبيعة في خصوص هذا الفرد حتى يقع تزاحم، فتبصر. المقدمة الثالثة: أنه لما كان متعلق التكليف نفس الطبيعة، وكان الواجب موسعا فالمعتبر بحكم العقل في صحة التكليف بها إنما هو القدرة على الإتيان بها، والمستفاد من مقتضى نفس البعث والتحريك بعد تسليم أنه لإيجاد إرادة المأمور وتحركه الإختياري أيضا ليس إلا أن يمكن له الحركة نحو نفس المأمور به، ويمكن له إرادة نفس المأمور به، ومن المعلوم أن القدرة على الطبيعة أو امكان ارادتها حاصل بالقدرة على فرد واحد منها، وعليه فالمزاحمة وإن أوجبت عدم تعلق الأمر بالفرد المزاحم، إلا أنها لا توجب ارتفاع الأمر عن الطبيعة التي هي بما أنها طبيعة وقعت متعلق الأمر. إذ ارتفاعه إما لأن الطبيعة حيث إن أفرادها طولية فليس لها في زمان المضيق فرد غير مزاحم حتى يقال: لانظر إليه، بل الى صرف الطبيعة، فإنها حينئذ منحصرة في المزاحم، فيكون الأمر بها في هذا الزمان أمرا بالمزاحم حقيقة، كما في نهاية الدراية. وفيه: أنه ذهول عن أن الوجوب المتعلق بها موسع، فإن الوجوب الموسع ليس مقتضاه بعث المكلف في خصوص زمان المزاحمة بعثا فعليا مضيقا، بل هو

[ 333 ]

بعث نحو إتيان الطبيعة في الحد المذكور، فإنما يقتضي امكان الانبعاث في الحد في الجملة، ولا يقتضي امكانه في خصوص زمان التعلق حتى يكون الأمر بها أمرا بخصوص الفرد المزاحم في الحقيقة. وإما لدعوى أن حقيقة الخطاب لما كانت تحريك الإرادة نحو أحد طرفي المقدور فيدور سعة المتعلق وضيقها مدار سعة القدرة وضيقها، وحيث إن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، فالفرد المزاحم غير مشمول للطبيعة المأمور بها، إذ كونه غير مقدور يوجب ضيق قدرته عن الطبيعة الواسعة الشمول له الى مالاتشمله، فيكون المأمور به غير شامل لهذا الفرد. وفيه ما عرفت: من أن التكليف متوجه الى نفس طبيعة الصلاة أو رقبة واحدة بلا قيد أصلا، والقدرة عليها إنما هو بالقدرة على فرد واحد منها، كيف والكلي عين كل من أفراده. إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: إذا كان متعلق التكليف كلي الصلاة، وفرض كونها غير مزاحمة بشئ أصلا، فامتثال أمرها ليس بمعنى إتيان فرد منها، لأنه مأمور به بما أنه بوجوده الخارجي متعلق الأمر. أو بما أنه بعنوانه الشخصي تعلق به الأمر، كيف ؟ وقد عرفت في المقدمة الثانية أن الأمر لا يتجافى عن الكلي الى شئ من الأفراد، بل إنما يأتي بفردها، لأنه قد تعلق أمر المولى بكليه، لا به، وهذا المعنى حاصل في الفرد المزاحم، إذ لا يعني من إتيانه بداعي الأمر أنه بما أنه فرد قد امر به، كيف ؟ ومن المقطوع - مع قطع النظر عن التزاحم أيضا - أنه لم يؤمر به، وإنما يعني به إتيانه بداعي الأمر المتوجه الى كليه، وقد عرفت في المقدمة الثالثة: أن التزاحم لا يوجب طرو قيد على الطبيعة المأمور بها لكي لا تشمله، فالإتيان به أيضا بداعي الأمر المتعلق بالكلي صحيح، كالفرد غير المزاحم. نعم، لو قلنا بتعلق الأمر بالوجود الخارجي أو العنوان الشخصي ولو بما أنهما واجد للطبيعة لكان معنى الامتثال في الفرد غير المزاحم بمعنى إتيانه بداعي الأمر المتعلق بالفرد، فلا يكون مصير الى الامتثال حينئذ في الفرد المزاحم، إذ لا أمر به

[ 334 ]

حتى يؤتى به بداعية. كما أنه لو قلنا: بطرو ضيق على الطبيعة المأمور بها بحيث لا تشمله بما أنها مأمور بها لما امكن إتيانه بداعي أمر كليها، إذ لا أمر بالكلي الشامل له بخلاف الفرد غير المزاحم. نعم، يصح حينئذ إتيانه بداعي قيامه بملاك المأمور به، لكنه خروج عن هذا الجواب، وخلف فرض احتياج العبادات الى الأمر. ومنه تعرف النظر فيما أفاده في الكفاية، وإن شئت توضيح النظر بأزيد منه فراجع نهاية الدراية. هذا كله في الطريقين الأولين من الأجوبة. وأما الأخيران فمرجعهما إثبات الأمر بالعبادة، فتصح ولو سلمنا توقف صحتها على تعلق الأمر بها، والفرق بينهما أنفسهما أن أولهما راجع الى إثبات الأمر بالضدين كل في عرض الآخر وبلا قيد، وثانيهما يرجع الى تعلق الأمر بالمهم في طول الآخر ومشروطا بعصيانه. أما الأول: فهو الذي أبدعه سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم " مد الله تعالى ظلاله، وأدام بركات وجوده الشريف " وقد بينه - مد ظله - بتقديم مقدمات: الاولى: ماحاصلها أن متعلق التكاليف ليس العمل بوجوده الخارجي، بل هو بوجوده العنواني والمفهومي، وذلك أن الخارج لا يمكن تعلق الأمر بايجاده، لامتناع ايجاد الموجود، بل الخارج ظرف السقوط لا الثبوت. " انتهى ". أقول: والحق في نظري القاصر هو تعلق الأوامر والنواهي وساير الأحكام بالموجودات الخارجية، كما مرت إليه الاشارة، وبيانه موكول الى المبحث التالي. إلا أن تحقيق هذه المهمة هاهنا غير موقوف على عدمه، بل أساسها على التحقيق اثبات الفرق بين التكاليف الشخصية والقانونية، وسيتضح إن شاء الله تعالى. الثانية: أن المستفاد من ظواهر الادلة عموماتها واطلاقاتها أن خصوصيات افراد الطبيعة المأمور بها ليست متعلقة للتكاليف، بداهة أن مفاد الاطلاق أن الأمر تعلق بنفس الطبيعة، كطبيعة الصلاة - مثلا - أو بفرد منها بما أنه فرد واحد ومحقق للطبيعة الموصوفة بالوحدة، في مثل: أعتق رقبة، ومفاد العموم وإن كان تعلق

[ 335 ]

الحكم بالافراد إلا أنه متعلق بالفرد الذاتي والحيثية المحققة لفرديته للعموم، بلا توجه منه الى خصوصيات الفرد، فقوله: " أكرم العلماء " يدل على وجوب إكرام أي عالم، لكنه موضوع لهذا الوجوب بما أنه عالم فقط، ولا نظر في تعلق الحكم به الى خصوصياته وأعراضه اللازمة أو المفارقة، وبالجملة فلا دال على خصوصية الفرد حتى يكون الحكم في ظاهر الدليل متعلقا بها، وإنما الخصوصيات مما تصحب الأفراد في وجودها الخارجي، وهو غير كونها مدلولة للالفاظ ومتعلقة للأحكام. الثالثة: حيث إن ابتلاء المكلف به بالمزاحم من الخصوصيات الفردية التي لم تتعلق بها التكليف، لا من التزاحم الواقعي في ملاكات الاحكام، فليس على المولى الجاعل للحكم على نفس الطبيعة أو فردها الذاتي أن يكون في جعله ناظرا إليه، وليس في كلامه سواء كان من المطلقات أو العمومات ما يدل على نظره إليه، إذ ليس مفاد الاطلاق إلا تعلق التكليف بصرف وجود الطبيعة - مثلا - ولا مفاد العموم إلا تعلقه بالفرد الذاتي، فمفاد كلامه الدال على جعله هو أن جعله بحيث لا أثر من المزاحمة في مقامه وعالمه أصلا، والمزاحمات إنما هي في عالم الامتثال الذي لم ينظر المولى إليه أبدا. " انتهى ". أقول: نعم، لو ثبت امتناع التكليفين بالمتزاحمين، فهذا الامتناع العقلي كاشف عن تخصيص أحد الخطابين، وإنما لم يصرح الجاعل به - لو سلم - اتكالا على انكشافه بحكم العقل فارتقب. الرابعة: أن المعقول والمشهود من مراتب الحكم عند العقلاء مرتبتان فقط: مرتبة الإنشاء، وهي مرتبة جعل الحكم قبل أن يوضع بيد الإجراء، ومرتبة الفعلية، وهي مرحلة جعله بمقام الاجراء، فالحكم إما انشائي: وهو ما لم يصل نوبة اجرائه، كما في الأحكام المودوعة عند ولي الله الأعظم " عجل الله تعالى فرجه الشريف "، أو ما اقتصر على انشائه في ضمن عموم أو اطلاق، ثم خرج عنه، فلم يوضع بمرحلة الاجراء، وإما فعلي وهو ما جعل بمرحلة الاجراء.

[ 336 ]

هذا هو المشهود من أقسام الأحكام في الأحكام العقلائية، ومن الواضح أنه ليس للشارع طريقة حديثة، فأحكامه أيضا منحصرة في القسمين. وأما الحكم التنجيزي فليس قسما وصنفا آخر من الحكم به يقع انقسام حقيقي في حقيقة الحكم، وذلك أن المراد منه حكم فعلي لم يكن المكلف معذورا في مخالفته، ومعلوم أن عدم المعذورية في خلافه من أحكام الحكم الفعلي - في بعض الموارد - لا من مقسماته بما أنه حكم، لكي يتكامل الحكم ويحصل نوع يكون ما قبله بمنزلة الجنس له أو بمنزلة نوع آخر، كما لا يخفى. كما أن الحكم الاقتضائي مقام اقتضاء الحكم، لا وجود الحكم، فليس من الحكم في شئ. " انتهى ". أقول: إن ما أفاده من انحصار أقسام الحكم في قسمين وإن كان هو الحق الذي لامرية فيه، إلا أن عد شمول العام للفرد المخصص من قبيل الحكم الإنشائي لا يخلو من منع، وذلك أن مقابل مرحلة الاجراء هو الحكم الواقعي الذي لم يجعل بمرحلة الاجراء، وأما الفرد المخصص فلم يكن بحسب الواقع في مورده حكم أصلا، وكان الإنشاء بحسب الواقع مختصا من أول الأمر بغيره من الافراد، غاية الأمر من عدم ذكر المخصص متصلا تخيل شمول الإنشاء الواقعي له، وتصور أن الجعل الواقعي قد عمه، ثم بعد العثور على المخصص انكشف فساد هذا التخيل وبطلان هذا التصور، وأنه لم يكن من الحكم فيه عين ولا أثر، وإنما كان تخيل الحكم لا نفسه. وبالجملة فتسميته بالحكم والاصطلاح عليها مما لا مشاحة فيه، وإنما الغرض أن الحكم الذي هو أمراعتباري مجعول لا يوجد في مورده إلا تخيلا. ومما يوضح ما ذكرناه أن هذه التخصيصات إنما وقعت على العمومات التي لاشك في أن مفادها الأحكام الفعلية، أعني ما جعلت بمرحلة الاجراء، ومعلوم أنه بعد الظفر بالمخصص يعلم عدم إرادة مفادها في هذا الفرد، فمفادها بالنسبة إليه حكم فعلي خيالي، لا انشائي واقعي، وقد خرجنا عن طور الأدب والغرض توضيح المطلب وبه تعالى الاعتصام.

[ 337 ]

الخامسة: لاريب في أن قوام التكليف الشخصي الموجه الى شخص خاص بلحاظ أن الغرض منه انبعاثه، باحتمال انبعاثه، إذ الانبعاث غاية له، والغاية علة فاعلية الفاعل، فلابد من احتمال ترتبه في صدور ذيها، وعليه فلو علم المولى بعدم انبعاث العبد من بعثه لما أمكن صدور البعث الجدي منه. وأما التكليف القانوني الموجه الى أشخاص كثيرين داخلين تحت عنوان واحد فظاهر كلماتهم أنه أيضا مشروط بشرائط الخطاب الشخصي، وكان قوله (صلى الله عليه وآله): " يجب على كل مسلم صلاة الظهر " - مثلا - بمنزلة أن يخاطب كلا منهم بالخصوص بهذا الخطاب، فيعتبر في توجه هذا الخطاب العام الى كل منهم ما يعتبر فيه لو انفرد بالخطاب، ولذلك قالوا: بعدم فعلية الخطاب بالنسبة الى الخارج عن محل الابتلاء، واستتبع ذلك عدم منجزية العلم الاجمالي بما يكون بعض أطرافه خارجا عن الابتلاء. هذا ظاهر كلماتهم، إلا أن الحق اختلاف مبادي الخطابات القانونية والشخصية، فلا يعتبر في القانون إلا احتمال انبعاث طائفة من المكلفين، وإن علم بعدم انبعاث طائفة اخرى عصيانا أو عذرا، فالخطاب القانوني متوجه حتى الى العاصي والمعذور أيضا، والشاهد عليه ملاحظة سيرة العقلاء في ذلك، ومعلوم أن الشارع لم يكن له في جعل الأحكام سنة حديثه، مضافا الى أنهما لو اتحدا في الشرائط لزم منه عدم تكليف العصاة والكفار، إذ المولى عالم بعدم انبعاثهم - والانبعاث هو الغرض المقوم للخطاب الشخصي - ولزم منه أيضا عدم صحة جعل الأحكام الوضعية في الخارج عن محل الابتلاء، أما على القول بانتزاعها عن التكليفية فواضح، وأما على غيره فلأن الوضع جعله مقدمة لجعل التكليف، فجعله حيث لا تكليف لغو. فمنه يتبين أنه لا بأس بشمول التكليف القانوني للعاجز عن الاطاعة أيضا " إنتهى ". أقول: ما جعله مقوما للخطاب الشخصي من احتمال انبعاث المكلف، حتى استنتج منه عدم استوائه والقانوني في الشرائط، بعد ضرورية تكليف العصاة، محل

[ 338 ]

منع، فإن الوجدان شاهد على امكان توجيه الخطاب، بصيغة إفعل أو يجب ونحوهما، الى من يعلم بعصيانه، من دون تجوز في المراد منه هنا، بل يوجه نحو العاصي كما يوجه نحو المحتمل أو المعلوم إطاعته، غاية الأمر أنه إذا لم يطع يصح للمولى أن يعاقبه على عصيانه. وتوهم أن صحة العقاب لكشف الخطاب عن تعلق الحب والارادة به فعلا، وهو أعم من تعلق البعث. مدفوع: بأن إرتكازنا شاهد على عدم ارتكاب تجوز في مفاد الهيأة ونحوها هاهنا، بل نستعملها كما في ساير الموارد بلا فرق أصلا، فهذا الإرتكاز القطعي دليل على عدم موضوعية الهيأة للبعث والتحريك بالنحو الذي أفاده - مد ظله - فإن عبر عنه به، فلا محالة يراد منه معنى يجتمع مع العلم بالعصيان. نعم، لابد في الأمر بشئ من ترتب غرض عليه، وهو إما انبعاث المكلف أو تمامية الحجة عليه، فحصره في الأول مخالف للوجدان. ولكن مع ذلك كله، فلا يبعد أن يقال: إن توجيه الخطاب الى شخص خاص ومورد مخصوص وإن كان عند العقلاء مشروطا بشرط قدرة المكلف - مثلا - فلا يصح عندهم أمر العاجز بالخصوص، ولا أمر القادر في خصوص مورد يعجز عنه، إلا أن ضم غير القادر الى القادرين وضم مورد العجز الى موارد القدرة يصحح توجيه الخطاب الى الجميع، والى جميع الموارد من غير تخصيص في العاجز أو مورد عجزه، فقوله: " يجب على الناس صلاة الظهر اليوم " شامل للعاجز أيضا بلا تخصيص، كما أن المولى إذا أراد سفرا وقال لعبده: افعل كذا كل يوم - مع أنه عالم بعجزه بعض الأيام - شامل ليوم عجزه أيضا. فملخص الكلام: أن ضم العاجز الى القادر في المكلفين كضم مورد عجز مكلف شخصي الى موارد قدرته قد يوجب جواز الخطاب الى مورد لا يجوز توجيهه إليه لو انفرد. ومثل الكلام في العاجز والعجز بعينه الكلام في الناسي والغافل والنسيان والغفلة ونحوهما فتدبر جيدا.

[ 339 ]

فهذا هو مرجع كلامه - مد ظله - وإن خالفه في بعض الطريق. على ما تبين مفصلا، بل وفي بعض الموارد، إذ قد عرفت صحة الخطاب نحو شخص واحد إذا ضم موارد عجزه أو عذره الآخر الى ما لا عذر له فيه، كما عرفت صحة الخطاب نحو العاصي مطلقا. السادسة: بناء على المقدمة السابقة عموم الخطابات أو اطلاقها شامل للمعذورين، ولا مانع من هذا الشمول من حيث نفس العجز، أو عذر آخر. لكن لامانع أيضا من تخصيص الخطاب بغير المعذور في غير مورد الجهل، وحينئذ نبحث عن أن هذا العموم هل بقي على ماكان ؟ فنقول: إن خاصة التخصيص الوارد على عموم تكليف وجوبي - مثلا - أمران: أحدهما: جواز أن يخرج المكلف نفسه من عنوان الباقي ويدخله في العنوان المخصص، فإن الحكم لا يحفظ موضوعه، بل هو مجعول وثابت على فرض ثبوت موضوعه. والآخر: أنه لو شك في المورد أنه داخل في المخصص أو الباقي فاللازم إجراء البراءة عن التكليف المشكوك، وحينئذ ففيما نحن فيه، لو كان الادلة مخصصة في مورد العجز كان اللازم جواز تحصيل العجز اختيارا، وجريان البراءة وعدم وجوب الإحتياط فيما إذا شك في القدرة، مع أنهم بلا خلاف لم يجوزوا الأول، وأوجبوا الإحتياط في الثاني، وهو لايتم إلا بناء على بقاء العمومات على ما كانت، فإن عليه التكليف مسلم لا يجوز عدم امتثاله إلا عن عذر، ولايكون العذر إلا العجز الحاصل بنفسه، لا ما حصله اختيارا، كما لا يعد الشك في العجز عذرا، فلا يعذر فيما كان قادرا وإن كان شاكا فيه. فإن قلت: بل هو يتم أيضا بناء على بقاء حبه الفعلي بعد تخصيص خطابه، بل ملاك وجوب الامتثال والاحتياط ليس إلا هذه الإرادة وتعلق غرضه الفعلي وقيام الملاك المطلوب، وتعلق الملاك والحب والغرض يستكشف من إطلاق المادة، فإن عدم تقييدها في لسان المولى حجة على تعلق غرضه بها بنحو

[ 340 ]

الاطلاق، والتخصيص بحكم العقل، إنما ورد على إطلاق الهيأة، ولا يكون حجة على خلاف مقتضى إطلاق المادة. قلت: صرف إطلاق المادة لا يكون حجة على تعلق الغرض بها إلا بملاحظة تعلق البعث بها، حيث إن المولى لا يبعث إلا الى ما يقوم به غرضه، فإذا خصص خطابه وبعثه في مورد العجز، واحتمل عدم بقاء الغرض، فأي حجة على قيام المادة بالغرض " انتهى ". أقول: ويمكن أن يقال عنهم: أولا إنه لو عرض العجز بعد دخول الوقت واستمر الى آخره، فبناء على ما عرفت من كفاية القدرة على فرد في القدرة على الطبيعة، فمتعلق التكليف زمن القدرة نفس الطبيعة بلا قيد، ومن اطلاقها هناك نستكشف قيام الملاك بالطبيعة ولو في زمن عجزه، فلا يجوز تحصيل العجز ولا الرجوع الى البراءة حينئذ - ولو مع قطع النظر عن الاستصحاب - وإذا كان الأمر بهذا المنوال من قيام الملاك بالطبيعة، ولو مع العجز هاهنا، يلغي الخصوصية عنه عرفا، ويعلم بكونه كذلك في سائر الموارد. وثانيا: أن المسلم عند العقلاء أنفسهم أن موارد العجز إنما يجوز الخلاف مع بقاء الملاك، فيحكمون بأن الموارد الشرعية أيضا كذلك، وأنه لا فرق بينهما بلا إشكال ولا تأمل. وثالثا: أن قوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (1) يدل على نفي تكليفه تعالى بما فوق وسع المكلف، وهو يعم الحرج وغير المقدور، ومثله قوله تعالى * (ولانكلف نفسا إلا وسعها) * (2) وقوله تعالى: * (لا نكلف نفسا الا وسعها) * (3) ولاسيما إذا روجعت الأخبار الواردة في هذا المضمار كمعتبر حمزة بن الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) ففيه: " وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ لا يسعون له فهو موضوع عنهم " (4) الحديث.


(1) البقرة: 286. (2) المؤمنون: 62. (3) الأنعام: 152 والأعراف: 42. (4) الكافي: ج 1 ص 165، باب حجج الله على خلفه الحديث 4. (*)

[ 341 ]

كما أن قوله (عليه السلام): " رفع مالا يطيقون " ظاهر في أن مالا يطاق محكوم في الشرع بالعدم، وعدمه مستلزم لعدم كل حكم مترتب عليه، فحديث الرفع نفسه شاهد التخصيص على عموم الأدلة في مورد العجز، كموارد النسيان والخطاء والإضطرار والإكراه، ومثله أخبار متعددة اخرى فراجع. لكنه مع ذلك لا ينافي عدم جواز تحصيل هذه العناوين اختيارا ووجوب الإحتياط لدى الشك فيها بالبيان الذي أشير إليه، ودعوى: أن عنوان مالا يطيقون مختص بالممكن عقلا المتعسر على المكلف خلاف ظاهر إطلاقه، كما لعله لا يخفى. قال - مد ظله -: إذا عرفت هذه المقدمات فبناء على أن التكاليف القانونية مختلفة المبادي مع الخطابات الشخصية، وبقاء عمومها في مورد العجز، فالتكليف بالضدين كليهما لا بأس به، إذ هو لا يزيد على التكليف بخصوص مالا يقدر عليه، وأما بناء على اشتراكهما في المبادي فيمكن أيضا القول: بتعلق التكليف بهما في عرض واحد، وذلك لما عرفت من أن المولى في عالم جعل كل تكليف إنما يجعله على نفس الطبيعة الموضوعة لهذا التكليف، ولا ينظر الى خصوصية أفرادها، فقوله: " صل " إنما يكون تكليفا بالصلاة لم ير فيه ابتلائها بمزاحمة إزالة نجاسة المسجد، وهكذا العكس، فإذا لم يكن هو في كل تكليف ناظرا الى مزاحمه، وكان المعتبر في كل تكليف أن يكون قادرا على ايجاد المكلف به، وهو حاصل بالفرض، فاي مانع من التكليف الكذائي بكل من الضدين. نعم، لو جعل المولى متعلق تكليفه الجمع بين الصلاة والإزالة لكان منافيا لاعتبار القدرة في متعلق التكليف، لكنه لم يجعل ولا يرجع الى الأمر بالجمع بعد عدم نظره إلا الى متعلقه (1). " انتهى ". أقول: أما بناء على اختلاف مبادئهما فما أفاده مبني على عدم استفادة التخصيص من حديث الرفع وغيره، وقد عرفت خلافه، وأما بناء على مسلك القوم


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 311 - 312. (*)

[ 342 ]

فلا يبعد دعوى اعتبار هذا الشرط أيضا في التكاليف القانونية، بمعنى: أنه كما أنه إذا أراد المولى أمر عبده الخاص بخصوص مورد المزاحمة وكان ملتفتا الى المزاحمة لما أمكن منه الأمر بكليهما، ولو جعل متعلق كل أمر نفس الضد لاعنوان الجمع، فكذلك إذا خاطب خطابا قانونيا يعتبر في فعليته في مورد المزاحمة نفس ما كان يعتبر في الشخصيات. ثم إنه - مد ظله - التزم بترتب عقابين لو ترك كلا المتزاحمين، والمقطوع أنه حكم بخلاف ما عليه الآيات والروايات المذكورة، وخلاف ما عليه العقلاء الذين هم المرجع في أمثال المقام. هذا تمام الكلام في تعلق الأمر بضد المأمور به بنحو العرضية. وأما الثاني فهو الجواب المعروف بالترتب، قال في الكفاية: " تصدى جماعة من الأفاضل لتصحيح الأمر بالضد بنحو الترتب على العصيان وعدم إطاعة الأمر بالشئ بنحو الشرط المتأخر أو البناء على المعصية بنحو الشرط المتقدم أو المقارن... الى آخره " (1). أقول: لاريب في أن مقصود القائل بالترتب تصحيح توجه الأمر الى الضد العبادي في نفس الزمان الذي توجه فيه نحو ضده، وذلك أنه جواب عن المحقق البهائي (قدس سره) وهو لايتم إلا بما ذكرنا، وحينئذ فإن جعل هذا الأمر مترتبا على العصيان للأمر بالشئ فلابد وأن يكون شرطا متأخرا، وذلك أن البعث أو الوجوب وإن كان أمرا اعتباريا لا يعقل فيه العلية والمعلولية بالمعنى الحقيقي، إلا أنه لا ينبغي الشبهة في أن بقاء اعتبار البعث أو الوجوب الفعلي إنما هو ما لم يحصل له اطاعة أو عصيان، وإلا فإذا أطاعه سقط عن الفعلية ولا يجب على المكلف بعد، كما أنه إذا عصاه، بأن مضى زمان لا يقدر بعده على الامتثال، فلا بقاء له أيضا. فالأمر المتعلق بشئ يبقى في فرض عدم الامتثال - مادام المكلف قادرا


(1) الكفاية: ص 166. (*)

[ 343 ]

على الامتثال، ومعلوم أنه حينئذ لم يعص بعد، فإذا لم يفعله حتى عجز عن امتثاله حصل عصيان الأمر، بل لو قلنا: بتوقف العصيان على مضي جميع وقت العمل فلا ريب أنه بعد حصول العجز وعدم امكان امتثاله لا يمكن بقاء البعث والوجوب على الفعلية - بناء على اشتراط التكليف بالقدرة كما هو مبنى الترتب، بل على مبنى سيدنا الاستاذ - مد ظله - أيضا، إذ الحاصل هنا تعذر الامتثال وعدم إمكان الإتيان لقصور الزمان، لاعجز المكلف وقصوره، فتأمل. وبالجملة فلا أقل من حصول المعصية بأول أزمنة العجز عن الامتثال الذي لا تكليف معه، فلو جعلت شرطا مقارنا أو متقدما لكان حدوث الأمر الترتبي في زمان انتفى فيه أو قبله الأمر الآخر فلم يجتمع الأمران في زمان واحد، مع أنه مدعى القائل بالترتب، كما عرفت، وهذا بخلاف ما إذا كانت شرطا متأخرا فإن الأمر المشروط بها يحدث قبلها، فيجتمعان في زمان واحد، وقد عرفت في محله صحة اعتبار الشرط المتأخر، فتذكر. ومنه تعرف عدم ابتناء ما في الكفاية على ما اختاره في الواجب المعلق من لزوم تأخر زمان الانبعاث عن البعث، كما في نهاية الدراية (1)، بل يصح على هذا الوجه الصحيح أيضا. وأما البناء على المعصية فلا ريب في حصول مقصودهم - أعني اجتماع الأمرين في زمان واحد - بأخذه شرطا متأخرا مطلقا أو متقدما أو مقارنا إذا اريد منه وجوده الحدوثي، وأما إذا اريد وجوده مستمرا الى حصول المعصية، فالبناء والعزم موجود واحد يبقى ويستمر في الزمان، فإن اريد ترتب الأمر الآخر عليه إذا حصل استمراره الى زمان العصيان، فلا محالة لا يبقى الأمر المطلق الى آخر أزمنة وجوده، فلا يكفي لمدعاهم أخذه شرطا مقارنا فضلا عن كونه متقدما، بل لابد وأن يؤخذ شرطا متأخرا حتى يجتمع الأمر المشروط والمطلق في زمان واحد. نعم، إن اريد باستمراره استمراره الى آخر أزمنة قدرته قبل حصول العصيان،


(1) نهاية الدراية: ج 1 ص 310 - 311، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 344 ]

فأخذه شرطا مقارنا أيضا كاف لدعواهم، بخلاف أخذه شرطا متقدما، إذ لازمه حدوث الأمر في أول أزمنة العصيان الذي انتفى فيه الأمر المطلق، فإطلاق كلام الكفاية لابد وأن يحمل على الصور الصحيحة. وكيف كان فغرض القائلين بالترتب إمكان توجه الأمر المترتب بشرط العصيان أو البناء عليه، فبالحقيقة، إنهم يزيدون على شرائط تعلقه شرطا آخر، ويقيدون إطلاقه بهذا الشرط، مع بقائه على ماكان عليه من شرائطه في نفسه، وعليه فلا يلزم أن يكون وجوبه بنحو الواجب المعلق، اللهم إلا أن يكون بنفسه واجبا معلقا، فما في نهاية الدراية محل نظر ومنع، فراجع. هذا كله في بيان ما يتوقف عليه مدعاهم. ثم إنهم ادعوا ارتفاع المحذور بهذا الاشتراط، ومحصل ما افيد في بيانه وجوه: الأول: ما نقله في نهاية الدراية وجعله أول الوجوه (1) واغنانا بيانه (قدس سره) عن توضيحه، ويرد عليه ما أفاده بقوله (قدس سره): وأما ثانيا... الى آخره وأما ثالثا... الى آخره (2). وأما ما أفاده (قدس سره) بقوله: " أما أولا... الى آخره " فالظاهر عدم وروده عليه، إذ له أن يختار أن المراد بالمعصية والطاعة عنوانهما. قولكم: دعوى الإطلاق وا لتقييد لا تتوقف على الإطاعة والعصيان بهذا المعنى، أي بوجودهما الخارجي المتأخر، بل على إطلاق الأمر المتعلق بفعل شئ لحال فعله أو تركه بنحو فناء العنوان في المعنون في جميع أجزاء هذا المطلق أو تقييده بأحدهما بالنحو المزبور. فيه منع، فإنها وإن لم تتوقف على وجودهما الخارجي، إلا أنه لما كان كل من ذات المقيد وقيده ملحوظا على نحو المرآتية، وبنحو فناء العنوان في المعنون - كما اعترف هو (قدس سره) أيضا به - فالملاحظ لهما لا يراهما إلا على ماهما عليه في


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 218. (2) المصدر السابق: 218 و 219. (*)

[ 345 ]

وجودهما الخاص بهما، بل هو يغفل ويرى نفسه في ظرف وجودهما، فإذا كان أمر متأخرا في هذا الظرف عن ذات المقيد فهو يراه على ما هو عليه، ولا محالة لا يرى له أهلية كونه قيدا لما يتقدمه رتبة، إذ لازمه أن يتساواه أو يتقدمه في الرتبة، وهو خلف، فتدبر فانه لا يخلو عن دقة. الثاني: ما يحتمل في عبارة المحقق صاحب المقالات (قدس سره) (1) فإن ظاهر عبارته لو لم يكن صريحها أن بيان امكان الترتب نفس البيان المشهور الآتي إن شاء الله تعالى، وإنما مراده (قدس سره) أن ملاك حل الإشكال هو قصور طلب المهم، وهذا الملاك لا يتوقف على الواجب المشروط، بل يتم على المعلق أيضا، بأن يطلب بالفعل وجود المهم في ظرف عصيان المهم، أو عدم إتيانه ولو بعدا المتحقق بنفسه ومن باب الاتفاق، بحيث لا يدعو الى سد باب عدم المهم الملازم لوجود الأهم، فلا مطاردة بينهما. قلت: ملاك الحل وإن كان ما ذكر، لكن مما ينبغي التنبه له أن كل واجب معلق يشترط فعليته بمجئ ما علق عليه، فالصلاة الواجبة قبل تحقق وقتها، أو عند مجئ زيد، لو فرض عدم مجئ زيد أصلا، أو عدم بقاء المكلف الى ذلك الوقت، فلا ريب في عدم فعلية وجوبها، كيف ولا يمكن للمكلف امتثال مثله لعدم بقائه أو عدم حصول ما علق عليه، فحصول المعلق عليه شرط فعليته، غاية الأمر أنه من قبيل الشرائط المتأخرة. هذا كله حول ظاهر عبارته (قدس سره)، فراجع. لكن مع ذلك كله قد يحتمل بل يستظهر منها أنه تقرير آخر للترتب قرره بوجه أوضح في نهاية الدراية وجعله تقريرا ثانيا (2). فإن كان فيرد عليه: أن طلب المهم وإن كان لا يطرد الأهم حيث إنه لا يقتضي سد عدمه الملازم لوجود الأهم، إلا أن طلب الأهم لمكان إطلاقه موجود في زمان الإتيان بالمهم أيضا، ويقتضي وجوده الملازم لعدم المهم،


(1) المقالات: ج 1 ص 118 - 119. (2) نهاية الدراية: ج 2 ص 220 - 222. (*)

[ 346 ]

فبملاحظة هذه الملازمة لا يمكن للمكلف إتيان الأهم إلا بترك المهم، فكأنه في هذا الظرف مبعوث - من ناحية وجوب الأهم - نحو ترك المهم، وهو لا يجتمع مع البعث نحو فعله. وأما ما في نهاية الدراية (1) من الإيراد عليه: بأن إطلاق أمر الأهم يقتضي وجوب سد عدمه الملازم لوجود المهم، وعدمه الملازم لعدمه، فهاتان حصتان متقابلتان لا يمكن البعث نحوهما. ففيه أولا: أن المبعوث إليه هو سد باب نفس عدم الأهم، وليس بعثا نحو ما يقارنه أحيانا، فكل ما يلازم سد باب عدمه لا يمكن البعث الى نقيضه، وهو ما ذكرنا، وأما ما يلازم عدمه فليس الأمر بسده أمرا بسده أيضا، حتى يكون الأمر بسد عدمه الملازم لوجود المهم أمرا بسد وجود المهم وايجابا لتركه، وبسد عدمه الملازم لعدم المهم أمرا بسد عدم المهم وايجابا لفعله، فيتناقضان، والوجه في ذلك كله أن طلب أحد المتلازمين لا يلزمه طلب الآخر، وإنما يلزمه أن لا يطلب نقيض الآخر. وثانيا: أن ما ذكره (قدس سره) من تقابل الحصتين ليس من لوازم ترتب الأمر بالمهم، بل من لوازم اطلاق الأمر بالأهم، فلو سلم ما ذكره لكان اللازم عدم امكان الأمر نحو شئ أصلا، إذ اطلاقه شامل لما إذا وجد أمر آخر أم لم يوجد، وبعبارة اخرى هو باطلاقه أمر بسد عدمه الملازم لوجود شئ مفروض، والملازم لعدمه، فيحصل حصتان متقابلتان، وهو ما ذكره من المحذور. الثالث: ما في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره) وقد عدوه أحسن تقرير للترتب، وقد رتبه على مقدمات نذكرها مع ما عندنا ذيل كل مقدمة، فالاولى: أنه لاريب في أن المحذور في الأمر بالضدين كليهما إنما هو ايجاب الجمع بين الضدين، وهو طلب للمحال - ومراده (قدس سره) أنه يلزم اجتماع امتثالهما في زمان واحد، كما يستفاد من مطاوي كلماته، وصرح به في المقدمة


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 222. (*)

[ 347 ]

الخامسة - والبحث في الترتب في أنه هل هذا المحذور لازم إطلاق الأمرين بالنسبة الى حال فعل متعلق الآخر حتى يندفع بالترتب، أو لازم فعليتهما مطلقا حتى يبقى معه ؟ ثم فرع عليه أنه على الترتب إنما يقيد إطلاق أمر الأهم - مثلا - أو إطلاق كليهما، من غير حاجة الى دليل آخر على الترتب، ويلزمه تعدد العقاب إذا تركهما، لحصول شرط المشروط منهما، بخلافه على القول ببطلانه، فإنه لا يمكن بقاء الخطابين، فلا محالة يبقى خطاب الأهم، وفي المتساويين يسقط كلاهما، لعدم الترجيح لأحدهما، ولبقاء الملاك يستكشف خطاب آخر تخييري بينهما، ويلزمه وحدة العقاب إذا تركهما. ثم قال: والعجب من الشيخ الأعظم (قدس سره) حيث إنه مع قوله ببطلان الترتب اختار في الخبرين المتعارضين - بناء على السببية - أن الأصل يقتضي وجوب العمل بكل منهما حين ترك الآخر، وهو قول بالترتب من الجانبين، فهل ضم ترتب الى آخر يوجب صحته ؟ " انتهى ملخصا ". وفيه: أولا: أن حصر المحذور فيما ذكر ممنوع، بل - كما يظهر من تقريرات الشيخ الأعظم (قدس سره) وسيأتي - إن المحذور كله أن للمكلف قدرة واحدة، ولا يصح تكليفه بأزيد مما تقتضيه هذه القدرة. وثانيا: أن ما أسنده الى الشيخ (قدس سره) في غير محله، بل كلامه مبني على عدم الترتب فإنه صرح بأن الواجب إنما هو أحدهما لا بعينه، وهو الوجوب التخييري الذي يقول به القائل ببطلان الترتب، فإنه قال في آخر عبارته ما هذا لفظه: إذا أمر (الشارع) بشيئين، واتفق امتناع ايجادهما في الخارج، استقل (العقل) بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه لأنها ممكنة فيقبح تركها (1). انتهى. المقدمة الثانية: لما كان مرجع اشتراط كل وجوب بشرط الى تقييد موضوعه بعنوان الواجد لهذا الشرط، وكان أحكام الشرع قضايا حقيقية لا خارجية فلذلك


(1) التقريرات: ص 125. (*)

[ 348 ]

لا ينقلب الواجب المشروط مطلقا بحصول شرطه، إذ مقتضى موضوعية كل عنوان ترتب الحكم عليه عند حصوله، وهو المراد بعدم الانقلاب، وعليه فوجوب المهم حيث إنه مشروط بترك الأهم وعصيانه، فإذا ترك الأهم كان وجوب المهم مترتبا على تركه، متأخرا عنه، فما يظهر من الكفاية من أنه في عرض الأمر بالأهم - مع اعترافه بعدم الانقلاب - قد وقع في غير محله (1). انتهى. وفيه أولا: أن الحق عدم رجوع الشرط الى موضوع التكليف، بل لابد من الأخذ بظاهر الكلام من جعل الحكم على موضوعه في ظرف تحقق شرطه، وقد مر البحث عنه مفصلا في محله. وثانيا: أن بقاء الواجب المشروط على الاشتراط - بالمعنى المذكور في كلامه - لا يتوقف على ارجاع شرائط الوجوب الى قيود الموضوع، بل يتم على القول المختار أيضا، فإن مقتضى تعليق ثبوت الحكم على موضوعه على حصول الشرط ترتبه على الشرط، وتأخره عنه، شبه ترتب الحكم على موضوعه، فالحكم مرتب على موضوعه، وحكم الموضوع بما أنه حكم الموضوع مترتب على الشرط. وليس المراد من هذا الترتب علية الشرط للحكم، حتى يقال: بأن لازمه خروج زمام الحكم وجعله عن يد الشارع واختياره، أو يقال: إن إنشاءات الشارع يرجع الى الأخبار بتحقق الأحكام عند حصول الشرائط - كما نقل عنه (قدس سره) في أجود التقريرات وفصله في نهاية الدراية - بل الشارع ينشئ الآن وجوب شئ على تقدير كذا، فبما أنه استعمل هيأة الأمر - مثلا - في البعث يكون إنشاء لا إخبارا، وبما أنه علق مفادها على تقدير مخصوص يكون مشروطا، فكما أنه (قدس سره) يقول: إن الشارع جعل قانونا كليا ولا يلزمه فعلية حكمه كما في قضية " كل نار حارة " إلا بعد تحقق موضوعه بجميع شرائطه، فهذا القانون الكلي موجود، ومع ذلك ففعلية حكمه بفعلية موضوعه، فكذلك نحن نقول بأنه جعل قانونا كليا هو وجوب الواجب على تقدير خاص، فهو قانون كلي فعليته بفعلية شرطه


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 340. (*)

[ 349 ]

وموضوعه. وكما أن ترتب الحكم على موضوعه ليس بمعنى عليته له، ولا يخرجه عن الجعلية، فكذلك على ما اخترناه، حرفا بحرف. نعم، بعد ماكان الوجوب وغيره من الأحكام امورا اعتبارية، موجودة في عالم الاعتبار، ولو باعتبار معتبريها، وليست موجودات حقيقية، فالشرطية أو السببية بالمعنى الحقيقي المختص بالأفعال والمعاليل الحقيقية الموجودة في عالم الخارج والتكوين لا يمكن تصويرها هنا، فاتعاب صاحب نهاية الدراية لنفسه الشريفة لتصحيح الحقيقية، منهما هاهنا لعله واقع في غير محله فراجع. فالشرطية بمعناها الحقيقي أعني تتميم فاعلية الفاعل أو قابلية المحل وإن كانت متصورة في شرائط الواجب بالنسبة الى ترتب المصلحة، فإنه يصح كون الطهارة شرط تأثير الصلاة في مصلحته الواقعية، أو لتأثر النفس بها، إلا أن كونها - مثلا - شرطا للوجوب الحقيقي أو اتصاف الصلاة عنوانا أو خارجا بالمطلوبية والوجوب، بعد فرض أن الوجوب ليس أمرا خارجيا يتصف به العناوين أو الافعال الخارجية، غير صحيح. نعم، هذه الشرطية شبيهة بالشرطية الحقيقية فتدبر جيدا. وأما ما أورده على الكفاية ففيه: أن ظاهر عبارة الكفاية: " فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماعهما إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة، وعدم سقوطه بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص "، انتهى. أن مراده من المرتبة هو الفرض والزمان، وإلا فلا معنى لعدم كون المهم في مرتبة الأهم، وكونه في مرتبة المهم، فمراده (قدس سره) أن الأهم لما لم يشترط بشئ بخلاف المهم ففي فرض ثبوته لا يلزم وجود الأمر بالمهم، وأما المهم، فالأمر به وإن كان مشروطا بالمعصية بنحو الشرط المتأخر، فالأمر بالأهم باطلاقه آت هاهنا أيضا، فيجتمعان في زمان واحد فيتطاردان فتدبر جيدا. المقدمة الثالثة: أن الواجبات المضيقة المشروطة قد يكون الشئ شرطا لها بوجوده الانقضائي، بحيث يكون مضي آن بعد الشرط أيضا شرطا في الوجوب،

[ 350 ]

ففي مثلها يتأخر الوجوب عن هذا الشرط بآن، وقد يكون شرطا لها بلحاظ حال وجوده، فيثبت التكليف مقارنا لوجود الشرط، ويكون زمان الشرط والوجوب وامتثالهما واحدا. أما اتحاد زمان الشرط والوجوب فلرجوع الشرط الى قيود الموضوع، والموضوع علة تامة لثبوت حكمه، وانفكاك المعلول عن علته محال ولذلك فالشرط المتقدم والمتأخر محال، وأما وحدة زمان الوجوب والامتثال فلأن الوجوب بضميمة العلم بالتكليف وإرادة الامتثال علة تامة للامتثال، فإذا علم المكلف بأن الوجوب يحدث في زمان مفروض، وكان مريدا لامتثاله، فلا محالة يقع امتثاله من أول أزمنة التكليف، وبمثل هذا البيان أنكرنا الوجوب المعلق، ومنه يظهر أن اعتبار سبق الوجوب على زمان الامتثال بدعوى احتياج الانبعاث الى العلم بالتكليف فيتأخر الانبعاث عن التكليف بمقدار زمان حصول العلم والإرادة غير لازم، بل باطل، إذ يمكن تحصيل العلم به قبل حدوثه. وعليه فما قيل: من توقف الترتب على القول بالوجوب المعلق والشرط المتأخر نظرا الى أن الكلام في الواجبين المضيقين، ولما اشترط وجوب المهم بعصيان الأهم، وهو مقارن لزمان امتثال المهم، فلابد أن يتقدم وجوبه آنا ما ليتمكن من امتثاله في زمانه، فيتقدم الوجوب على زمن امتثاله، والعصيان المتأخر شرط للوجوب المتقدم وهو مارمناه. مدفوع: بعدم اعتبار تقدم الوجوب على زمان الامتثال بل عدم صحته، مضافا الى أنه على التسليم يلزم القول بهما في كل واجب مضيق بل وموسع. كما أن ما قبل من أنه لو جعل الشرط نفس العصيان للأهم لزم سقوط الأمر بالأهم في زمان وجوب المهم، وهو خلاف الترتب، وإن جعل كونه ممن يعصى لزم وجوب الجمع بين الضدين، أيضا. مدفوع بأنه أيضا مبني على اعتبار سبق زمان الوجوب على الامتثال، وأما على ما اخترناه فنفس العصيان شرط، وزمان عصيان الأهم وامتثال المهم ووجوبه

[ 351 ]

واحد، ولا يلزم منه ايجاب الجميع كما يأتي مفصلا في المقدمة الخامسة " انتهى ملخصا ". وفيه أولا: أن التحقيق عدم رجوع الشرط الى موضوع التكليف، بل يجعل الحكم على موضوعه بشرط أن يتحقق شرطه، ولذلك فالشرط المتقدم والمتأخر لا إشكال فيهما، وقد مر تحقيق الحق في محله فراجع. وثانيا: أن كون الوجوب بضميمة العلم والإرادة علة تامة مجرد دعوى تشبه المصادرة، بل العلم وإرادة الامتثال إنما يقتضيان الانبعاث نحو العمل في زمان جعل زمانا للعمل، كيف والمكلف المريد للامتثال إنما يريد التحرك على طبق دعوة الأمر، فإن كان الواجب المعلق ممكنا وصحيحا فلا محالة يريد امتثال الأمر بإتيان المأمور به إذ احضر زمانه، نعم، لما كان العلم بالتكليف والعزم على امتثاله قبل وصول زمانه ممكنا فلا يعتبر سبق التكليف على زمان الامتثال، كما أفاد، وقد مر. وثالثا: أن سبق التكليف على الامتثال وإن كان باطلا فلا يلزم القول بالمعلق والشرط المتأخر من جهته، إلا أنك قد عرفت أن جعل عصيان الأهم شرطا لوجوب المهم، مع التحفظ على اجتماع وجوب المهم والأهم في زمان واحد إنما يتم على الشرط المتأخر، وحيث قد مر ذلك مفصلا فلا نطيل بالإعادة. المقدمة الرابعة: أن انحفاظ الخطاب بالنسبة الى كل تقدير يفرض. تارة بالاطلاق والتقييد اللحاظيين، وذلك في كل تقدير غير موقوف تحققه على الخطاب أصلا، فإن لاحظ تقديرا خاصا وجعل الخطاب مشروطا به، ينحفظ بالتقييد، كوجوب الحج بالنسبة الى الاستطاعة، وإن لاحظ التقادير وساوى بينها في وجود الأمر فيها، ينحفظ بالاطلاق. وأخرى بنتيجة الاطلاق والتقييد، وذلك في التقادير الآتية من قبل تعلق الخطاب، فإن أخذها شرطا وموضوعا للخطاب غير ممكن، فلا يمكن الاطلاق ولا التقييد اللحاظي، إلا أنه لما كان الاهمال بحسب مقام الثبوت غير صحيح،

[ 352 ]

فان كان الملاك عاما يبقى بنتيجة الاطلاق، كانحفاظ التكاليف في العالم والجاهل، وإن اختص بمورد ينحفظ بمورده بنتيجة التقييد، كانحفاظه في مورد العلم في القصر والاتمام والجهر والاخفات. وثالثة: يبقى بنفس ذاته، وذلك في مورد إطاعته ومعصيته، إذ لا يمكن تقييده بخصوص مورد الاطاعة، وإلا يلزم طلب تحصيل الحاصل، ولا بخصوص مورد العصيان وإلا يلزم طلب اجتماع النقيضين، ولا اطلاقه لهما، وإلا يلزم كلا المحذورين، لكنه ينحفظ في كلا الموردين بنفسه، لأنه خطاب بالفعل والترك يقتضي ايجاد المتعلق وطرد تركه. وعليه فالفعل والترك في رتبة متأخرة عن نفس الخطاب، فإنه مقتض للفعل فكأنه معلوله، وكذلك يقتضي طرد تركه، فالترك أيضا متأخر عنه، كما أنه متكفل لبيان أن الفعل لابد وأن يوجد، والترك لابد وأن يترك. ويترتب على الامرين أولا: أن اشتراط الأمر بالمهم بعصيان الأهم يوجب تأخر رتبة الأمر به عن الأمر بالأهم، فإنه متأخر عن موضوعه أعني عصيان الأمر بالمهم، وهو متأخر عن نفس الأمر كما عرفت. وثانيا: أن الأمر بالأهم حيث يقتضي فعل الأهم فهو مقتض لهدم موضوعه في عالم التشريع، بخلاف المهم فإن أمره مترتب على موضوعه، ولا يقتضي حفظ موضوعه كما في سائر الموارد، قال: وهي أهم المقدمات إذ عليهما يبتنى ترتب الأمرين " انتهى ملخصا ". وفيه أولا: أن ظاهره أن الإطلاق إنما هو بملاحظة القيود والتسوية بينها، وهو ظاهر في أن الاطلاق جمع بين القيود، وقد مر غير مرة أن حقيقته جعل الخطاب من غير لحاظ أي تقدير، فالتقييد إنما يحتاج الى اللحاظ في عالم جعل الأحكام، فيجعلها على تقدير خاص، وأما الاطلاق فليس الجعل فيه على جميع التقادير، بل إنما يجعل لا على تقدير. وثانيا: أنه بعدما عرفت حقيقة الاطلاق تعرف أن هذه الحقيقة ممكنة التحقق

[ 353 ]

حتى في القيود الآتية من قبل الخطاب. نعم، حيث إن التقييد غير ممكن على الفرض فلا يمكن كشف الاطلاق من عدم ذكره، لكنه لا ينافي وجوده حقيقة، وما يقال: إن الاطلاق والتقييد من قبيل العدم والملكة، فيمتنع احدهما حيث لا مسرح للآخر، إنما يسلم بالنسبة الى مقام المفاهيم، بمعنى أن المفهوم إنما يعقل اطلاقه بالنسبة الى شئ يوجب ضمه إليه تضييقا في عالم مفهوميته، فلا يعقل الاطلاق في كل شئ بالنسبة الى نفسه أو عدمه لعدم تعقل تقييده وتضييقه، بنفسه أو عدمه، وأما اعتبار ذلك بالنسبة الى مقام امكان الإرادة فغير مسلم، بل ممنوع، والوجه في ذلك أن مفهومي الاطلاق والتقييد لا يقتضي أزيد من كون المعنى بلا قيد أو معه، وهو يحصل بما ذكرنا. ومنه تعرف النظر في كلام صاحب نهاية الدراية فراجع. وثالثا: أن تقييد الخطاب بخصوص حال وجود المأمور به أو عدمه ليس فيه ما ذكره من المحذور. أما التقييد بحال الوجود فلأن المفروض وجوده إطاعة له وبسببه لا بسبب آخر، فما يتوهم فيه ليس محذور تحصيل الحاصل الموقوف على وجوده بسبب آخر، بل محذور توقف الشئ على معلوله، فيتوقف الشئ على نفسه، مع أنه أيضا غير لازم، وذلك أن الفعل لا يتوقف على الأمر بوجوده العيني، وإنما يتوقف على العلم به، والعلم به غير موقوف أيضا على وجوده العيني، وعليه فالفعل متأخر عن العلم الغير الموقوف على الأمر، والأمر متأخر عن الفعل، وكلاهما بل الكل موجود في زمان واحد، فالمكلف لعلمه بأنه لو فعل العمل لأمره، فأمره موجود ويقع إمتثالا، يمكنه القصد الى العمل، فيقع الفعل اطاعة للأمر الموجود، بلا إشكال، بل المحذور كله أن حقيقة البعث عرفا إنما هو لايجاد الإرادة في العبد ولو بالعلم به، وإذا انيط باطاعته فلا محالة ما لم يطع لا وجود له، فلا يترتب عليه ما به قوام حقيقته. وأما التقييد بحال العصيان فلأنه لم يأمر بايجاد الفعل المقيد بالعدم، وإنما أمر

[ 354 ]

بايجاد الفعل، غاية الأمر أن أمره هذا في ظرف خاص، هو ظرف عصيانه، وذلك ان المفروض تقييد اطلاق الخطاب، لا تقييد المتعلق، فليس محذوره طلب الجمع بين المتناقضيين، ولا ما في نهاية الدراية، من أنه لما كان المفروض كون الأمر علة للفعل، فلو كانت العلة منوطة بعدم الفعل لزم اناطة تأثيرها بعدم تأثيرها. " انتهى ". إذ قد عرفت أن الأمر بوجوده الخاص به ليس علة، بل محذوره أيضا أنه إذا انيط بعصيانه فلا يمكن أن يكون العلم به موجبا لحدوث الإرادة في نفس المكلف، إذ هو عالم بأنه لو اتى به لارتفع بارتفاع شرطه، فلا يترتب حينئذ أيضا ما به قوامه. ورابعا: أن لزوم المحذورين في الاطلاق مبنى على كونه جمعا بين القيود، وقد عرفت أن الحق خلافه. وخامسا: أن الفعل لا يتأخر عن الأمر، لأنه معلوله، إذ قد عرفت أنه معلول ومتأخر عن العلم به، لانفسه، فكيف ظنك بالترك والعصيان. نعم، مفهوم العصيان والاطاعة مفهومان يتوقف تحققهما على وجود الأمر، وإلا لما كان لانتزاعهما مجال، فيتأخران عنه تأخر الأمر الانتزاعي عن شرط انتزاعه. وسادسا: أن طولية الأمرين لاأثر لها في صحة الترتب أصلا، والشاهد عليه، أنه لو اشترط الخطاب بالمهم باطاعة الأهم كان الأمران مترتبين مع أنه لا شبهة في امتناع اجتماعهما، بل حسم المحذور - لو كان له حاسم - إنما هو بتقييد الأمر بالمهم بترك الأهم، فإنه الدافع المحذور طلب الجمع - لو كان له دافع - سواء كانا طوليين، أم عرضيين، وسواء كان أحدهما امرا بهدم موضوع الآخر أم لا. ومنه: تعرف أن هذه المقدمة والمقدمة الثانية التي كالكبرى لهذه المقدمة لا يتوقف عليهما صحة الترتب، وبعد صحة الشرط المتأخر ولزوم القول به هنا كما عرفت لا وقع للمقدمة الثالثة، والمقدمة الاولى، لبيان المحذور المتنازع في لزومه، فالعمدة هي المقدمة الخامسة القائمة باثبات عدم لزوم ايجاب الجمع بين الضدين. هذا. والمقدمة الخامسة: أنه إذا قيد الأمر بشئ على شرط يرتفع بامتثال أمر آخر

[ 355 ]

فلا محالة لا يكون الأمر بهما طلبا للجمع بين الضدين، كما فيما نحن فيه، إذ قد اشترط الأمر بالمهم بعصيان الأهم، وهو يرتفع بامتثال الأمر بالأهم. ويشهد لذلك أولا أنه لو كان الشيئان ممكني الجمع فأتى المكلف بهما لم يكونا معا امتثالا، كيف وإتيان المطلق أوجب سقوط المشروط عن وجوبه، لانتفاء شرطه. وثانيا: أنه بعد اشتراط الأمر بالمهم بترك الأهم ففعل الأهم بمنزلة علة العدم للأمر بالمهم، فلو كان المهم مطلوبا مع فعل الأهم لزم اجتماع الشئ مع علة عدمه، وهو محال. وثالثا: أنه يصح هنا عقد قضية منفصلة مانعة الجمع، وهي أنه إما أن يفعل المكلف للأهم، وإما أن يكون المهم مطلوبا، فاجتماع فعل الأهم ومطلوبية المهم محال، ومعه فكيف يقال بأن لازم الأمر بالترتب هو ايجاب الجمع بين الضدين. " انتهى ". والإيراد عليه بأنه لا يلزم من إطلاق الأمرين أيضا طلب الجمع بين الضدين، قد عرفت اندفاعه بأن مراده استلزام الأمرين لاجتماع امتثالهما في زمان واحد. إلا أنه قد أورد عليه سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي - والمحقق صاحب نهاية الدراية (قدس سره) بأنه بعد تحقق الأمرين في فرض عصيان الأهم فكل منهما يقتضي امثتال نفسه، وحيث إنهما اجتمعا في زمان واحد فكل منهما يقتضي امتثاله في هذا الزمان، والمفروض أنه المراد بطلب الجمع بين الضدين، وأضاف عليه صاحب النهاية: أن امتثالهما معا غير ممكن ومحال، إذ بامتثال أحدهما ينتفي موضوع الآخر، فهما باجتماعهما في زمان واحد اقتضيا امتثالين اجتماعهما بما أنهما امتثالان محال، مضافا الى أنه غير مقدور عليه. وغاية ما يقال في الجواب: أن المكلف حيث إنه قادر على امتثال الأهم، وبه يرتفع موضوع المهم، فلا محذور في مثله. وفيه نظر واضح إذ الكلام مفروض في تقدير الترك وتحقق كلا الوجوبين،

[ 356 ]

فيقال: إنهما اقتضيا أمرين تحصيلهما غير مقدور، وامتثالين اجتماعهما غير ممكن، وحينئذ فلا جواب عنه إلا بمنع اشتراط الأمرين بامكان الامتثال لهما، أو القدرة عليهما إذا كان امتثال أحدهما رافعا لأصل وجود الآخر، ولعل إليه مآل الجواب الأول، وهو محل تأمل. وتحقيق المقام: أن يقال: إنه بعد ما لم يكن ريب في مطلوبية كل من المتزاحمين للمولى، ووجدانهما لملاكهما، فليس البحث هنا عن اختصاص أحدهما بالطلب النفسي والإرادة الواقعية، أو عمومه لكليهما بنحو الترتب، إذ لاريب في كونهما مطلوبين كما في جميع موارد العجز، كما أن تحقق البعث بما أنه أمر اعتباري فقط لا مؤنة له حتى يبحث عن اشتراطه بالقدرة عليهما أم لا. بل الكلام ممحض في أنه هل يمكن البعث المنجز المنبعث عن ارادة حتمية غير المأذون في ترك مرادها نحو كليهما بنحو الترتب ؟ أم لابد وأن يختص احدهما بذلك ؟ فهذا البعث وهذه الإرادة لا محالة موجب لاستحقاق العقاب على المخالفة. ثم إنه لا ينبغي الشك في أنه إذا كان الواجبان متساويين وتركهما فلا يستحق عند العقلاء، الذين هم المرجع في امثال الباب، إلا عقابا واحدا، فإن شرط الاستحقاق هو القدرة، وهو لا يقدر إلا على أحدهما وعاجز عن الإتيان بالآخر، فلو أراد المولى عقابه على تركهما لكان له أن يقول: إني لم أقدر على إتيانهما فلم تعاقبني عقابين ؟ وإنما عصيتك في أن لم أفعل ما هو تحت قدرتي، وهو أحدهما، ومنه يعلم أن البعث الموجب لاستحقاق العقاب على المخالفة ليس إلا الى أحدهما مخيرا ولا بعينه، ولا يمكن أن يتوجه بعثان نحوهما بملاحظة أن شرط كل منهما حاصل وهو ترك الآخر، وبالجملة فمن ذلك يعلم أن البعث الحقيقي يتبع مقدار القدرة. وعليه ففي ماكان أحدهما أهم فالمولى العالم بعجز عبده عن إتيان كليهما يعلم بفوات أحد مطلوبيه، بسبب عجزه المعذور فيه، والاهم والمهم عنده سواء في مقدار من المصلحة يوجد في كليهما، إذا نسبت كل الى الاخرى، فهما من هذه

[ 357 ]

الجهة مثل المتساويين يكون طلب المولى لهما في هذا المقدار تخييريا، وأما بالنسبة الى ما يوجب أهمية الأهم فيطلب الأهم طلبا تعيينيا، فالمولى إذا ساق العبد في المرتبة الاولى نحو الأهم فإنما هو لأن يحفظ الجهة المشتركة والمختصة، فهو أمر تعييني بالمآل، وإذا قال: وإن لم تفعل فافعل المهم، فهو بعث مولوي الى أحد فردي المخير، بعد فرض تقدير عدم حصول المرتبة العليا التعيينية. وبالجملة: فالمقدور للعبد تحصيل المرتبة العليا، فهو يعاقب عليه، وإنما يفوت على المولى من باب اللابدية وعجزه مقدار المهم، ولذاك فالمولى الذي جعل للأعمال قدرا فكان ثوابه وعقابه تقديرا وتقويما للأفعال، لايعاقبه عند ترك كليهما إلا على قدر أعلى ما يمكنه تحصيله وهو الأهم، ولا يعاقبه عند ترك الأهم فقط إلا قدر ما ينقص عن الأهم، إذا قيسا في ميزان الأعمال، لا أقول: إن مصلحة الأهم والمهم، لابد وأن تكون من سنخ واحد، فإنه قول جزاف، بل أقول: إنهما وإن اختلفا في سنخ المصالح لكنها باختلافهما توزن في ميزان الوفاء بأغراض المولى بمثقال واحد، ولذلك يترجح أحدهما على الآخر، مع كون مصلحتهما من سنخين، فيجعل أحدهما أهم والآخر مهما، فهكذا الأمر في تقويمهما وجعل الثواب والعقاب عليهما. وبهذا البيان تعرف أن القول بالترتب لاستلزامه العقاب على الامرين كليهما غير صحيح. والعجب من صاحب هذا التقرير الثالث (قدس سره) حيث قاس تعدد العقاب هنا بتعدده عند ترك الواجبات الكفائية ونحوها حيث يعاقب جميع المكلفين على تركها، مع أنها فعل بعضهم ولا يمكن اجتماعهم عليه، وذلك أن اعتبار الوجوب الكفائي اعتبار جعل المأمور به بعهدة الجميع، ولازمه العرفي عقاب الجميع، ومأخوذيتهم على فرض تركه، والفرض أن جميعهم قادرون على تحصيله، فاين هناك وما نحن فيه ؟ ! والمفروض أنه لا يقدر إلا على أحدهما، والعقاب على قدر الاستطاعة. هذا.

[ 358 ]

مضافا الى أن ظاهر قوله " رفع مالا يطيقون " في امثال المورد مما لا يطيق إلا أحدهما لا بعينه، ولا يطيق الثاني، رفع الوجوبين عن أحدهما، ولذلك نقول: بدلالته على جواز ارتكاب احدهما عند الاضطرار الى أحدهما، غاية الأمر أنه إذا كانا متساويين تخير بينهما، وإذا كان أحدهما أهم فلرعاية أهميته لا أصله، عليه أن يفعل أو يترك غيره، بعد معلومية بقاء الملاك، وان رفع الحكم هنا ترخيص في خلاف المطلوب من باب اللابدية، فيتقدر بقدرها. هذا. التقرير الرابع: ما اختاره المحقق صاحب نهاية الدراية (قدس سره)، وحاصله: أن كل أمر بمنزلة المقتضى لامتثاله، وامتثاله أثر له، والمقتضيان إذا كان مقتضاهما ضدين فإنما يتنافيان إذا اجتمعا في التأثير، وأما إذا قيد تأثير أحدهما بعدم تأثير الآخر فلا منافاة أصلا. انتهى. أقول: ونظيره ما اختاره سيدنا الاستاذ العلامة البروجردي (قدس سره) حيث أفاد: أن المولى إذا رأى خلو الزمان وعدم اشتغاله بالأهم فأي مانع من الأمر بالمهم في خصوص هذا الظرف ؟ وإنما يلزم المحذور إن أمر به ولو في زمان اشتغال الظرف بضده الأهم " انتهى ملخصا ". أقول: إن الأمر بالمهم، وإن كان مقيدا بخصوص صورة العصيان وعدم تأثير هذا المقتضى وخلو الظرف عن مقتضاه، إلا أن المفروض بقاء الأمر بالأهم أيضا، ففي لحاظ المولى وتمثل أوامره فالمقتضى موجود، والظرف مشغول، وصفحة التكوين قد لا تشتغل بشئ منهما، ومجرد ترتب أحدهما على الآخر لا يوجب فعلية أثر المترتب واشتغال الظرف به تكوينا وخارجا. وبعبارة اخرى: إذا فرض أن المكلف تارك للأهم فهو مأموربهما، ولازمه طلب الجمع بين الضدين، وهو غير مقدور، بل غير ممكن مع حفظ الفرض، كما مر تفصيله. كما أنه بناء على ما هو التحقيق من المختار في بيان بطلان الترتب، يلزم تنجز التكليف عليه اكثر مما يقدر عليه. نعم، بعد البناء على صحة الترتب فلا يرد عليه إشكال اختلاف المتلازمين في الحكم الفعلي، ولا إشكال صيرورة وجوب

[ 359 ]

المهم التعييني تخييريا كما حققه في نهاية الدراية، فراجع (1). تعقيب فروع: ثم إن المحقق النائيني (قدس سره) قد ذكر فروعا، وقال: إنه لا مناص للفقيه من الالتزام بها، وإنها مبتنية على صحة الترتب، ونحن نذكرها بتوضيح منا لتبيين الحق فيها: 1 - منها: أنه لو حرم على المكلف الإقامة الى الزوال في مكان، ولو بعنوان ثانوي، كان نهي أبوه عن الإقامة فيه، فإن اطاعة الأب بالخروج عن المكان واجبة، ومع ذلك فإن عصى وأقام فلا ريب في وجوب الصوم عليه تعيينا، مع أن فيه محذور الترتب بعينه، فإنه لا ريب في انه من أول الفجر مكلف بالخروج، أطاع أو عصى، كما أنه إذا لم يخرج فمن أول الفجر ايضا مكلف بالصوم، فقد توجه إليه أمران في هذا الفرض لا يقدر على اجتماعهما، حيث إن شرط صحة الصوم عدم السفر، بل ويستحيل اجتماعهما في الامتثال، لرفع امتثال احدهما موضوع الآخر، فمع بقاء التقدير الموجب لتوجه الأمرين يلزم محذور الترتب بعينه، وكما كان لزوم المحذور هناك مع التحفظ على تقدير الأمر بالمهم، فكذلك هاهنا لزومه مع التحفظ على تقدير الإقامة الملازم لعصيان أحد الأمرين. وبهذا البيان تعرف أن الفرق بين المقامين بأن الملاك والموضوع في المورد إنما يحدث بعد عصيان أمر الإقامة - مثلا - وهناك كان موجودا من أول الأمر، أو بأن الأمر الأول لم يتعلق بالإقامة بل باطاعة الوالد، بخلاف باب الترتب، غير فارق، بعد اشتراكهما في لزوم الأمر بشيئين في زمان لا يتمكن بل يستحيل اجتماع امتثالهما. 2 - ومنها: إذا حرم عليه السفر فسافر، فإنه إذا خرج عن حد الترخص يكلف بالقصر، وفيه محذور الترتب، ونحوه إذا حرم عليه الإقامة فأقام فإنه


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 41 - 45، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 360 ]

يكلف بالتمام فيلزم المحذور. 3 - ومنها: إذا وجب عليه أداء دين العام الماضي، فعصى حتى إذا حضر رأس عامه، فإنه يكلف بأداء خمس فاضل المؤنة، مع أنه لو لم يعص وأدى دينه لم يكلف به، وفيه أيضا المحذور المزبور بمثل البيان المذكور. هذا. أقول: والأمر في الفروع كما أفاد، بناء على جعل المحذور طلب جمع الضدين، وكونه غير مقدور عليه بل غير ممكن، ولذلك فقد سلم الأمر فيها سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي - وأجاب: بأنه لا يلتزم بها المنكر للترتب، كيف والظواهر اللفظية لا تقاوم البرهان. إلا أنه لو اعتمد في بطلان الترتب على ما اخترناه لما كانت هذه الفروع من النقض أصلا، وذلك أن العبد - في هذه الفروع - متمكن وقادر على حفظ غرض المولى الفعلي، بحيث لا يفوت منه شئ أصلا، إذ مصلحة الصوم والقصر والتمام وأداء الخمس، إنما تحدث على فرض العصيان، فتعلق غرضه بمتعلق الأمر المترتب إنما يتفرع على ترك متعلق الأمر الآخر، فالعبد يمكنه التحفظ على اغراض المولى بالإتيان بمتعلق الأمر المترتب عليه، فإنه إن عمل بوظيفته من السفر والإقامة وأداء الدين لم يفت من المولى غرض فعلي أصلا، ولذلك فهو مسؤول فوت مطلوب المولى والمؤاخذ به، ولو بخردل، فيصح أن يؤمر أمرين ويعاقب عقابين إذا لم يطع المولى وترك وظيفتيه، وهذا بخلاف بحث الترتب، فإن للمولى غرضين فعليين، ولا يقدر المكلف على حفظهما جميعا عن الفوت، فلا محالة يفوت أحد غرضيه لعجز المكلف، وإنما يصح أن يعاقب المكلف على فوت أعلى مقدار من مطلوبه يمكنه التحفظ على حصوله وهو الأهم أوما يساويه. وبالجملة: فالعبد في كلا الموردين إنما يعاقب على أكثر مقدار يمكن له تحصيله من اغراض المولى، ونتيجته في الضدين ما ذكرناه، وفي هذه الفروع ما ذكره، فتدبر واغتنم. مضافا إلى أن الفرع الأخير ليس فيه محذور أصلا، إذ قبل حلول العام فهو

[ 361 ]

مكلف بأداء الدين ليس إلا، وبعد ما عصى وحل العام فعصيانه للتكليف الذي كان له في العام الماضي، وسقط بالنسبة الى ما مضى بالعصيان، أوجب أن يتحقق موضوع تكليف الخمس، وفي هذا العام أيضا هو مكلف بأداء الدين والخمس، ويجب عليه ويمكنه أن يجمع بينهما، فالتكليف الذي بعصيانه وجد موضوع الخمس - وهو وجوب أداء الدين فورا ففورا بالنسبة للعام الثاني الماضي - لا يجتمع مع وجوب الخمس، وما يجتمع معه يمكنه أن يجمع بين امتثاليهما. تبصرة: بناء على القول بالترتب فحيث إن غرض المولى في الضدين فعلي، وإنما ينصرف عن الخطاب والبعث الفعلي لحكم العقل باشتراط القدرة في فعليته، فهو بما أنه عاقل من العقلاء إنما يرفع اليد عن خطابه فيما لا يمكنه ابقائه، فلا محالة يبعث نحو الأهم مطلقا ونحو المهم أيضا على تقدير الترك، إذ بقائه على هذا الفرض لا محذور فيه. ذكر موارد لابد فيها من الترتب: ثم إنه لابد من الترتب في المضيقين سواء اشتركا في تمام الوقت وهو واضح أو احتاج المهم الى وقت اكثر - وهو أيضا واضح - أو احتاج الأهم الى وقت أكثر، إذ فيه أيضا وإن كان فيما عصى الأهم من أول وقته يسقط أمره فلا حاجة الى الترتب، إلا أنه إذا أطاع فتوجيه الأمر بالمهم بقاء محتاج ومتوقف عليه، كما يظهر بالتدبر. كما أنه لابد منه في مضيق وموسع ضاق وقته ووقع التزاحم في امتثالهما لاشتراكهما - بعد تضيق الموسع - في جميع الوقت أو بعضه على ما بيناه. وهكذا موسعان ضاق وقتهما، أو وقت أحدهما، وكان امتثالهما متزاحمين، بحيث يشغل امتثال كل جميع وقت الآخر أو بعضه. وأما إذا كان أحدهما مضيقا أو موسعا ضاق وقته والآخر موسعا واسع الوقت، فقد مر في الجواب الثاني عن المحقق البهائي (قدس سره): أنه بناء على عدم تعلق الأمر في الموسع بالفرد أصلا فلا

[ 362 ]

حاجة الى الترتب، وأما بناء على أن الأمر المتعلق بالطبيعة يسري الى الفرد، لا بمعنى كون الفرد بما هو فرد وذو خصوصيات يتعلق به الأمر، فانه خلاف التحقيق، بل بمعنى أن الفرد بما أن الطبيعة عينه، فالأمر أمر بالطبيعة الموجودة به بما أنها طبيعة، بحيث يلغى في المأمور به الخصوصيات الزائدة، وخصوصية الهذية أيضا - كما لعله التحقيق وسيأتي ان شاء الله تعالى - فقد مر هناك أن عليه أيضا يقع التزاحم ولابد من الترتب، لكن لا يبعد أن يقال: إن الأمر حيث إنه بنحو الوجوب الموسع، ووقته باق أيضا، والأمر لا يطلب خصوصية هذه الطبيعة، فتعلقه بهذا الفرد - بالمعنى المذكور - لا يبعث المكلف نحو إتيان هذا الفرد بخصوصه، وليس طلبا له بخصوصه، فليس فيه مزاحمة لوجوب الآخر مضيقا أو ما بحكمه، نعم، لو تعلق الأمر بالخصوصية ولو بنحو التخيير فطلب خصوصية بأي نحو كان لا يجتمع مع طلب ضدها. ومنه تعرف أنه لو قلنا: بأن مآل تعلق الأمر بالطبيعة الى التخيير الشرعي بين الأفراد لم يكن بد من الترتب هنا، بل وهكذا لو كان التكليفان تخييريين على ما يظهر بعد التدبر. تتميم: إن بحث الترتب قد كان مفروضا من أول الأمر على القول بعدم اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن ضده، فقد فرض على القول بعدم مقدمية ترك أحد الضدين للآخر أو عدم وجوبه، فهو كافل برفع المنافاة بين الأمر بالضدين على نحو الترتب. فلو قلنا: بوجوب ترك المهم مقدمة، وحرمة فعله أيضا، لكونه نقيضا للترك الواجب وضدا عاما له، فلو اجتمع الأمر بالأهم والمهم ولو ترتبا لزم اتصاف موضوع واحد بالوجوب والحرمة، والترتب غير كافل بدفعه. نعم، بعد الغض عنه فالمكلف غير قادر بالجمع بين امتثال التكليفين فهل

[ 363 ]

بالترتب يدفع هذا المحذور ؟ الحق أن يقال: لا، وذلك أنه بناء على الترتب فالأمر بالمهم مفروض ومشروط بترك الأهم فقط، إلا أنه مطلق من ناحية ترك تركه وإتيانه، فوجوب المهم نفسا وحرمته عرضا ووجوب تركه وحرمة تركه كل منها بالنسبة الى الآخر مطلق، فيلزم من اطلاق وجوبه وحرمته - مثلا - طلب الجمع بين الضدين، على مالا يخفى. نعم، بناء على وجوب خصوص المقدمة الموصلة فالواجب مقدمة هو ترك المهم المجامع لفعل الأهم، ففي فرض هذا الواجب لا وجوب للمهم ولا حرمة لتركه، وإذا كان الأهم متروكا فترك المهم - في هذا الفرض - ترك ليس بمقدمة، فلا وجوب له، فبناء على المقدمة الموصلة فالترتب موجب لعدم لزوم محذور اجتماع الحكمين على موضوع واحد أيضا، كما يوجب عدم لزوم محذور طلب الضدين أيضا. كما أنه لو قلنا: بأن الواجب المقدمي عنوان المقدمة لم يلزم محذور اجتماع حكمين على موضوع واحد، وإن لزم محذور الترتب، كما يظهر بالتدبر. والحمد لله تعالى.

[ 364 ]

الفصل السادس (1) أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط قبل الورود في تحقيق المطلب لابد من تحرير محل النزاع في المبحث، فنقول: قال في المعالم: أصل قال اكثر مخالفينا: إن الأمر بالفعل المشروط جائز وإن علم الآمر انتفاء شرطه... الى أن قال: جعل الخصم عنوان الدعوى على الوجه الذي حكينا " انتهى " وظاهر العنوان كما ترى أن المراد بالشرط شرط الفعل المعبر عنه بشرط الوقوع، وقد صرح بذلك صاحب المعالم أثناء البحث، حيث قال في مقام رد استدلال المجوزين: بان لازم الإنكار عدم تكليف العصاة لانتفاء شرط من شرائط العمل، وأقلها إرادة الفاعل، قال (قدس سره): ليس نزاعنا في مطلق شرط الوقوع، وإنما هو في الشرط الذي يتوقف عليه تمكن المكلف شرعا، وقدرته على امتثال الأمر. " انتهى ". وقد نقل المحقق السيد علي في حاشيته على القوانين: أن شارح المختصر عنون النزاع بما هذه عبارته: أقول: الفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند دخول وقته إن جهل الآمر انتفائه صح التكليف به اتفاقا " انتهى ". فهم قد صرحوا بأن المراد بالشرط شرط الوقوع، غاية الأمر تقييده بما يوجب انتفاءه عجز المكلف وعدم قدرته على إيجاد المكلف به بإرادته، لكنهم مع


(1) هذا التعبير جمع بين ما وعدناه اول الكتاب وما جاء في متن الكفاية، (منه عفي عنه). (*)

[ 365 ]

ذلك استدلوا من غير نكير بقصة أمر الخليل (عليه السلام) بذبح ولده، قائلين - كما في المعالم -: " لانتفاء شرطه عند وقته وهو عدم النسخ ". ومن المعلوم أن النسخ لا يوجب انتفاء شرط الفعل، وإنما يوجب ان ينتفي شرط وقوعه على صفة الامتثال، فيعلم من استدلالهم بلا نكير مضافا الى عنوانهم، أن المراد أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرط وقوع الفعل بصفة الامتثال، وحينئذ فينطبق مرادهم على ما استحسنه صاحب المعالم وعدل به عن عنوانهم، ونقله عن السيد المرتضى (قدس سره) قال السيد: وفي الفقهاء والمتكلمين من يجوز أن يأمر الله تعالى بشرط أن لايمنع المكلف من الفعل أو بشرط أن يقدره، ويزعمون أنه يكون مأمورا بذلك مع المنع " انتهى ". وكيف كان فظاهرهم، لو لم يكن صريحهم، أنه بناء على الجواز فالمكلف مأمور بنفس الفعل واقعا، وأريد منه جدا، وأن الأمر في الأوامر الامتحانية أيضا من هذا القبيل، فلا وجه لنسبة الخلط إليهم - كما في القوانين - وأن المراد فيها ليس نفس الفعل، وذلك أن هذا هو مختاره ومبناه، وأما المجوزون فيقولون: إن المراد فيها نفس الفعل، فلا خلط، وإن كان خطاء. وحينئذ فلا يبعد ما أفاده بعض الأساتذه، من ابتناء هذا البحث على مبحث الطلب والإرادة، والقول بالكلام النفسي، إذ عليه يتوجه القول بصحة الأمر الجدي نحو شئ يعلم بعدم تمكن المكلف منه إذا حضر وقته، إما لعجزه من متن الفعل، وإما لعجزه من امتثاله، لعدم بقائه ونسخه. والحق في الأوامر الشرعية القانونية الصادرة من العالم بالعواقب أنه في باب النسخ قبل حضور وقت العمل ليس من النسخ بالحقيقة، إذ هو موقوف على وجود الحكم قبله حقيقة، والعالم بعدم إرادته عند العمل لا يمكن منه إرادة إتيانه في زمانه قبل أن يحضر زمانه، فالأمر الامتحاني وإن استعمل في مفاده الموضوع له، اعني البعث، إلا أنه لا تكليف واقعي بالفعل، وإنما هو تخييل التكليف الواقعي، وهو كاف في غرض الامتحان.

[ 366 ]

وبالجملة: فليس في مورد الامتحان إرادة جدية كما يظهر بالمراجعة الى الوجدان. والحاصل: أنه إذا لم يكن العمل واجبا عند حضور وقته لانتفاء شرط أصل الوجوب بأي وجه كان فبعد البناء على بطلان الكلام النفسي، - كما يشهد به الوجدان - فلا يمكن من العالم إرادة صدور العمل من المكلف قبل حضور وقته، بل إنما يتخيل المكلف كونه مكلفا لتطابق الامارات على حصول الشرائط، وبعد كشف الخلاف يعلم بخطائه. وأما فيما كان المكلف عاجزا فحيث إن التكاليف قانوني فهو غير مشروط بقدرة كل مكلف ولا بقدرة المكلف في جميع الموارد، كما مر شرحه تفصيلا فلا نعيد.

[ 367 ]

الفصل السابع (1) هل تتعلق التكاليف بالطبائع أو الأفراد ؟ قد فسر عن هذا العنوان في الكفاية، بأن المراد بتعلقها بالفرد دخول جميع لوازم التشخص في متعلق الطلب، بحيث كانت جميعها مطلوبة وإن لم تكن دخيلة في حصول الغرض، كما أن المراد بتعلقها بالطبيعة هو تعلقها بها بقيودها الدخيلة في حصوله، وحينئذ فاختار هو (قدس سره) القول بتعلقها بالطبيعة، تبعا لبداهة الوجدان، وظهور الألفاظ. والمحقق صاحب نهاية الدراية (قدس سره) حيث رأى أن جعل اللوازم الغير الدخيلة في الغرض مقومة للمطلوب بعيد جدا عن ساحة العلماء بل العقلاء، فلذلك فسر العنوان بأن المراد بتعلقها بالطبيعة كون المطلوب أمرا كليا، كما أن المراد بتعلقها بالفرد كونه أمرا جزئيا شخصيا، مع اشتراك القولين في خروج اللوازم الغير الدخيلة عن المطلوب، وجعل منشأ هذا النزاع - على تفسيره - أحد أمرين: من الاختلاف في وجود الكلي الطبيعي، وعدمه، والاختلاف في أصالة الوجود، أو الماهية. وتوضيح مرامه (قدس سره) - وإن أوضحه كمال الإيضاح - أن العقلاء إنما يأمرون بما هو قابل للتحقق الخارجي، وبما يتحقق بنفسه في الخارج، ومرادهم من العناوين التي يأخذونها متعلقة للتكاليف هو هذا المعنى القابل بنفسه للتحقق خارجا، من


(1) هذا التعبير جمع بين ما وعدناه اول الكتاب وبين متن الكفاية هنا. (منه عفى عنه). (*)

[ 368 ]

غير توجه منهم الى مفهوم الكلي والفرد، أو الوجود والماهية، إلا أن العلماء - بعد تسلم هذا المطلب من العرف - أتوا على تفسير مرادهم وبيان مرامهم، وأنه كلي أو فرده، أو أنه الوجود أو الماهية، فلا ينبغي توهم الإيراد عليه بأن العقلاء لا يفهمون شيئا من هذه المفاهيم أصلا، نعم، لو ثبت أن العلماء لم يبنوا بحثهم على شئ من المبنيين كان هذا إيرادا عليه، لكنه غير ثابت، بل ربما يؤيده في الجملة استدلال القائل بالفرد بعدم امكان وجود الكلي فراجع الفصول. وكيف كان فأمر هذا النزاع سهل، وإنما الإشكال ومعركة الآراء أن متعلق الأوامر والنواهي - سواء قلنا: بتعلقها بالطبيعة أو الفرد - أهو الأمر المتحقق في الخارج، من الوجود أو الماهية، أم هو العنوان الملحوظ فانيا فيه، والحق هو الأول تبعا للكفاية وظاهر الفصول، وذلك لتطابق مقامي الثبوت والإثبات عليه، وعدم لزوم محذور منه. أما مقام الثبوت: فلقضاء ضرورة الوجدان بأن من يريد شيئا فإنما هو لمكان آثاره المترتبة عليه الموافقة لغرضه، ومعلوم بالبداهة أن هذه الآثار تترتب على خصوص الموجود الخارجي، فنحن نريد الأكل لسد الجوع وبالأخرة لحفظ الحياة، وواضح أن الغاية سد جوعنا وحفظ حياتنا في الخارج، وهما لا يترتبان إلا على الأكل الخارجي، وهكذا الأمر في سائر مراداتنا، فما نحن بصدد تحصيله ونعبر عنه بأنه مرادنا إنما هو الموجود الخارجي من هذه الامور. نعم، كيفية ارادتنا لها أنه يحصل منها وجود في افق النفس يتقوم به إرادتنا وشوقنا، وهذا الوجود بما أنه فان في الخارج يبعثنا نحو الخارج، وليس حصول هذه الصورة النفسية موجبا لكونها مرادة، بل المراد هو الذي ينتزع النفس وتتحرك إليه، وليس إلا الموجود الخارجي، ومعلوم أن الإرادة والشوق إنما تبقى ما لم يحصل في الخارج مرادنا، فإذا حصل فلا معنى للشوق أو الإرادة أصلا. هذه كيفية إرادتنا وعنها نعبر بأن ارادتنا قد تعلقت بمراداتنا، فلا تعلق خارجي حقيقة حتى يقتضي وجود الطرف ويلزم إرادة المفروض الوجود، بل

[ 369 ]

عندنا صفة نفسية متقومة بصورة نفسية فانية في الخارج، وبلحاظ هذا الفناء يدرك لها نحو ارتباط بالخارج، ويوجب نفس هذا الارتباط أن نعبر ونقول: إن الخارج هو مرادنا لاغير، إلا أنه قد يحصل المراد وقد لا يحصل. وهذا الذي ذكرناه لا فرق فيه بين الإرادة التكوينية والتشريعية، بداهة أن المولى أيضا يكون بصدد تحصيل ما يترتب عليه غرضه، أعني الخارج، غاية الأمر أنه يحصل الغرض من طريق عبده، فلا محالة إنما يريد الأمر الخارجي الذي يترتب ويقوم به غرضه، على ما لا يخفى. وأما مقام الإثبات: فلأنه إذا قال المولى: صل - مثلا - فله مادة وهيأة، أما المادة فالمستفاد منها هي الصلاة بوجودها الخارجي، وذلك - رغما لما أقرعوا به أسماعنا - أنا لانفهم من كل لفظ إلا معنى ليس حقيقته إلا خصوص الموجود منه بالوجود الخارجي، فالمفهوم من لفظ الإنسان مثلا حقيقة لا توجد إلا في الأفراد الخارجي، فالبراهين الفلسفية وإن سلم قيامها على تحقق حقيقة الإنسان وماهيته في الذهن، إلا أن العرف لا يصدق ذلك، ولو قرئ عليه ألف عام، فلا يرى ولا يفهم من لفظ الإنسان إلا من يأكل ويمشي في الاسواق، ولا من لفظ النار إلا ما يحرق ويوجب حرارة ما جاوره، وهكذا في جميع الألفاظ، والدقة العقلية لا تعطي أزيد من أن هذا الفهم والانتقال إنما هو بوساطة صور نفسانية، فالعاقل الدقيق لا يصدق بعد الدقة بأن ما في ذهنه أيضا هو هذه الحقيقة. وما يقال: من أن الغرض من الوضع احضار المعنى، والاحضار ايجاد ذهني، وحيث إن المماثل لا يقبل المماثل، والمقابل لا يقبل المقابل، فلابد وأن يوضع كل لفظ لماهية المعنى المعراة عن الوجود والعدم، حتى تكون قابلة للوجود الذهني، فيه مالا يخفى، فإن الغرض وإن كان احضار المعنى، إلا أن الاحضار ليس إلا ايجاد صورة ذهنية ليست نفس المعنى الموضوع له، بل واسطة لانتقال النفس وتوجهها نحو المعنى الموضوع له. وعليه فالمستفاد من مادة صل هي الصلاة بالوجود الخارجي.

[ 370 ]

وأما الهيأة فيظهر معناها مع عطف النظر الى هيأة الماضي والمضارع، إذ لاريب أن المفهوم من هيأتهما هي الحكاية عن الإتيان بالمادة، والأمر بهيأته ليس خاليا عن معنى هذا الإتيان، بل مفاده هو البعث نحو الإتيان والتحريك، فالمفاد من هيأته " كن بحيث يصدق لك أن تقول أنا آت " وبالجملة فمفاد الهيأة ليس محض البعث وصرف التحريك، بل البعث والتحريك نحو إتيان المادة، وهذا الإتيان هو الذي قد نعبر عنه بالإيجاد، وكيف كان فالمراد منه أيضا هو الإتيان الخارجي، فيكون المتحصل من قول المولى: صل هو البعث نحو إتيان الصلاة، والإتيان والصلاة ليسا إلا خصوص الخارجي منهما، فلم يقيد بالوجود الخارجي، بل ليس حقيقتهما إلا خصوص الخارجي، هذا كله في الأوامر وهيآتها. وأما النواهي فمادتها تشترك مادة الأوامر، ومفاد هيئاتها هو الزجر عن إتيان المادة بالتفصيل المزبور. ونحوه الكلام في مادة الأمر والنهي، وألفاظ الوجوب والحرمة، ونحوهما، فإنه لا ينبغي الريب في أن الظاهر من متعلقاتها نفس الأمر الخارجي، فالواجب والمأمور به والحرام والمنهي عنه ليس إلا الخارج، والامور الخارجية متصفة بالوجوب والحرمة ونظائرهما. هذا هو مقتضى الفحص عن مقامي الإثبات والثبوت. وعمدة ما يمكن عده محذورا ويستشكل به عليه أمران: أحدهما: أنه لا ريب في أن الأمر والوجوب ونحوهما من الامور التعليقية التي قوامها بطرف تقوم به، فإذا كان المفروض تعلقها بالموجود الخارجي، فما لم يتحقق في الخارج فلا طرف له، فلا معنى لوجوده، واللازم في الاوامر منه عدم تكليف العصاة كما لا يخفى. وإذا تحقق المتعلق خارجا فقد سقط الأمر بالامتثال، إذ الاطاعة علة تامة لسقوط الأمر، والخارج ظرف السقوط لا الثبوت. وبالجملة فالتكليف الوجوبي أو التحريمي قبل وجود متعلقه لا طرف له حتى يتحقق ويتقوم به، وبعد وجوده بالاطاعة أو العصيان فهو ساقط باطاعته أو

[ 371 ]

عصيانه، فلا معنى لبقائه فأي زمان يكون زمان تحقق التكليف. والجواب عنه: أن الاوامر والنواهي والوجوب والحرمة ونظائرها وإن كانت من الامور التعلقية، إلا أن المراد بالتعلق هنا ليس تعلق عرض بمحله حتى لا يتصور إلا بعد وجود المحل، بل المراد بتعلق الأمر بشئ أن البعث والتحريك الإعتباريين بعث وتحريك نحوه، بمعنى أن المولى يلاحظه قبل أن يوجد ويبعث إليه لكي يوجد، ومعلوم أن الموصوف بهذه الصفة والمنعوت بهذا النعت هو الطبيعة بوجودها الخارجي، فإذا بعث إليها فوجدت فقد وجد نفس ما كان قد بعث إليه، لا أنه قد بعث نحو شئ ووجد شئ آخر، فسنخ البعث والتحريك وحقيقة الوجوب والتكليف سنخ معنى اعتباري، يتقوم بقاؤه بعدم وجود ما تتعلق به بذلك المعنى من التعلق. وبالجملة فكما كان ما يفعله الشخص بإرادته التكوينية هو نفس ماكان يطلبه ويريده من الأول، فهكذا ما يفعله المكلف هو نفس ما بعث نحوه المولى وأوجبه، وبهذا الاعتبار يقال: قد تعلق الإرادة والبعث بالشئ، لا باعتبار فرض وجوده وتعلق البعث به حتى يلزم طلب تحصيل الحاصل، وتمام الإشكال إنما نشأ من حسبان أن التعلق هنا مثله في سائر موارد تعلق الأعراض بالمحل، فلزم ما لزم، وإلا فلو حصل معنى التعلق كما هو عليه لم يلزم محذور أصلا. ثانيهما: أنه بناء على تعلق التكاليف بالعناوين فالمتعلق عنوان كلي ينطبق على مصاديق شتى، سواء كان هذا العنوان مفهوم الوجود أو غيره من العناوين والماهيات، وأما بناء على تعلقها بنفس الخارج، فالموجود الخارجي لما كان متشخصا بنفس وجوده وكونه، لا بمشخصات اخر هي في الحقيقة لوازم وجوده، فهو أمر شخصي جزئي، فكل مصداق وفرد من طبيعته يباين سائر أفراد هذه الطبيعة في الوجود الخارجي، ولا يتصور جامع وجودي خارجي حتى يتعلق به الأمر والتكليف، بداهة أن الخارجية مساوقة للتشخص، ومقابلة للكلية، وحينئذ فلابد وأن يكون المطلوب إما موجودا واحدا معينا من مصاديق الطبيعة، أو جميع

[ 372 ]

وجوداتها ومصاديقها، أو أحد أفرادها تخييرا شرعيا، والأول مقطوع العدم في طلب الطبائع مطلقا والثاني فيما كان المطلوب صرف الوجود، والثالث خلاف ظاهر الأدلة، إذ ظاهرها إرادة نفس الطبيعة لا أحد مصاديقها. والجواب: أن المتصور في كل فرد من طبيعة ما امور ثلاثة: أحدها - هذا الموجود بجميع لوازمه ومصاحباته التي كل منها فرد لمقولة على حدة. ثانيها - نفس الحيثية التي بها صار فردا للطبيعة المفروضة بالغاء لوازمه، لكن مع حفظ تشخص هذه الحيثية وهذيته، بحيث كان المطلوب منه - لو تعلق بها الطلب - خصوص هذا الشخص قبال سائر الأشخاص والأفراد. وثالثها - هذه الحيثية بما أنها وجود للطبيعة بإلغاء لوازمه الخارجة عن الفرد، وإلغاء هذيته المتقومة بها شخصيته، قبال سائر الأشخاص، بحيث كان المنظور إليه أنها وجود للطبيعة، فالأمر - مثلا - يتعلق بالخارج بلحاظه بهذا النحو الثالث، وحيث إن كل فرد واجد لنفس هذا المعنى بلا نقيصة، كيف وهو وجود الطبيعة كان اللازم منه تخيير المكلف في ايجاده في ضمن أي فرد شاء - في الأوامر المتعلقة بالطبيعة بنحو صرف الوجود - ولزوم الإتيان بجميع أفرادها، أو حرمة الإتيان بأي منها - في النواهي والأوامر المتعلقة بها بنحو مطلق الوجود - فكما أنك إذا كنت تشرب ماء - لا نظر لك الى خصوصية أصلا - فمرادك وما أنت بصدد شربه بحيث لا ترضى بتركه ليس هذا الفرد بهذيته، بل بما هو وجود لطبيعة الماء، فكذلك إذا أمرت باحضاره فإنما تأمر بمثله، ولازمه التخيير المزبور كما عرفت. فحاصل الكلام في المقام، توضيحا للمرام، أنه لاشك في أن قوام العلم والظن والحب والإرادة - بالنظر الدقي - إنما هو بوجود لما تعلقت به من سنخ نفس هذه الأوصاف، إلا أن المعلوم أو المحبوب - مثلا - عند العقلاء ليس نفس هذا الوجود والصورة، بل إنما هو وسيلة لنيل الخارج ومرآة له - كما في إخباراتهم - فالمراد والمشتاق إليه هو متن الخارج، وأما الوجود الذي به قوام هذه

[ 373 ]

الأوصاف فهو مرآتي مغفول عنه، وعلى هذه ارتكز ارتكازهم، فإذا بعثوا نحو شئ فالمبعوث إليه والمطلوب والواجب وهكذا هو متن الخارج، وإن لم يكن قوام البعث الاعتباري به، فليس المراد من تعلق البعث وغيره بالخارج تقومه به حتى يستشكل بلزوم عدم تحققه بعدم تحقق المبعوث إليه - مثلا - أو بأن الخارج ظرف السقوط لا الثبوت، أو بلزوم تقدم الشئ على نفسه، بعناية أن الخارج معلول البعث فيتأخر عنه، فلو كان مقوما له لزم تقدمه على نفسه، وبالجملة فالتدبر في ما أخترناه يوجب دفع جميع ما اورد أو يمكن إيراده، والله تعالى هو الموفق وبه الاعتصام. تتميم فرضي: على القول بتعلق الأمر بنفس الطبيعة والعنوان وعدم سرايته الى الخارج، فهل يسري منها الى فردها ؟ توضيح المقام على ما في المقالات (1) وتقرير بعض الأعلام من تلامذته: أنه ليس المراد بالفرد هو الموجود الخارجي المفروض عدم امكان تعلق التكليف به، بل عنوان الفرد وحينئذ نقول: لا ريب في أن الكلي يتكثر بتكثر أفراده، وأن نسبة الطبيعي الى الافراد نسبة الآباء الى الأولاد، لكنه إذا تحقق فرد في الخارج فقد انطبق عليه الطبيعي واتحد مع شراشر وجوده، فهذا الوجود بجميع خصوصياته هو فرد للطبيعة، إلا أنه كما عرفت - في بياننا - يتصور فيه أمران آخران أيضا. أحدهما: نفس حيثية الطبيعي مقيدة بالهذية فقط، والثاني: نفس هذه الحيثية بلا اعتبار هذيته - وإن كانت غير منفكة عنها - هذا وضع الخارج، فإذا تصور من الفرد صورة نفسه فلا محالة هذه الصورة أيضا حاوية لمتن ما في الخارج وصورة لجميع ما فيه، فالأمر وإن لم يسر الى الجهة الاولى - لاشتمالها على أزيد من


(1) المقالات: مبحث اجتماع الأمر والنهي: ص 125. نهاية الأفكار: ج 1 - 2 ص 384، وص 421. (*)

[ 374 ]

الطبيعة المأمور بها - ولا إلى الثانية - المعبر عنها في كلام مقرره بجهة الامتياز والحصة التي تمتاز عن الحصة الاخرى - لفرض لحاظ تقيدها بالهذية، مع أنها غير دخيلة في المطلوب، إلا أنه لا بأس بسرايته الى الجهة الاخيرة، إذ هو نفس الطبيعة حقيقة، وإن امتازت عنها بكونها كليا دون هذا. إلا أن المقرر جعل لازم هذه السراية كون التخيير بين الأفراد شرعيا لاعقليا، وأنت خبير بأن التخيير الشرعي محتاج الى لحاظ خاص من المولى لكل واحد من الأفراد، وهو مفقود فيما نحن فيه. وكيف كان فهذا توضيح مرامه، وبقيته تطلب من المقالات، فإنه وقع في نقل المقرر قصور لا يخفى على المتدبر. ومن بياننا بل بيانه تعرف أنه لم يرد اثبات قدر مشترك بين الأفراد بوصف الاشتراك في الخارج، حتى يلزم عليه مقالة الرجل الهمداني، ولا اثبات حصتين في كل فرد، حتى يقال: بعدم تعقل أزيد من واحدة، بل مراده أن هذه الحصة الواحدة منظور إليها بوجهين، بثانيهما يسري الأمر المتعلق بالطبيعة إليها كما عرفت، فلا يرد عليه ما أورد عليه العلامة السيد الاستاذ - مد ظله العالي -.

[ 375 ]

الفصل الثامن (1) إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز ؟ والكلام تارة في إمكان البقاء واخرى في الدليل عليه: أما الأول فهو مبني على تركب الوجوب من أمرين: الإذن في الشئ أو طلبه، والمنع من تركه - ومن المعلوم أنه أمر اعتباري بسيط - أو كونه حقيقة تشكيكية تقع فيها الحركة من القوي الى الضعيف، أو كونه مركبا خارجيا من مادة وصورة - على اشكال فيه وتسامح - فواضح أنه بسيط اعتباري غير مشكك والبقاء فيه بقاء الشخص لكنه غير ممكن (2). نعم، ربما كانت الإرادة التشريعية أعني الاشتياق الى فعل العبد المنشأ للبعث نحوه وايجابه أمرا ذا تشكيك، فإن حب فعل الغير إذا اشتد يوجب ايجابه، وإذا ضعف ولو بعد قوته يكون منشأ لانشاء استحبابه، وكيف كان فليس من مراتب منشأه أيضا المبدأ النفساني الموجب لانشاء الجواز بالمعنى الاخص، فما في تقريرات بعض الأعلام (قدس سره) من جعل الوجوب نفس هذه الإرادة في مقام اظهارها،


(1) زيادته عمل بما وعدناه أول الكتاب وإن كان خلاف متن الكفاية، كما مر (منه عفي عنه). (2) جعل البقاء مبنيا على أحد هذه الامور إنما يكون إذا اريد من البقاء بقاؤه في ضمن شخص واحد، كما هو حقيقته، وإلا فلو اريد منه ما يعم بقاء الكلي، ولو في ضمن فرد آخر، كما في القسم الثالث من الكلي، فامكان بقائه مما لاريب فيه، فالجواز بالمعنى الأعم موجود بالوجوب، وباق بالاباحة أو الإستحباب - مثلا - (منه عفي عنه). (*)

[ 376 ]

وكونها مشتملة على حقيقة الجواز الاخص أيضا، محل منع، فراجع. ومما ذكرنا من عدم امكان بقاء الجواز بالمعنى الأخص أو الأعم، تعرف أنه لا وجه للقول ببقائه إن اريد كون الباقي من بقايا نفس الوجوب فلا ضم الدليل الناسخ الى دليل الوجوب يوجب دلالة على بقائه، ولا يمكن استصحاب بقاء ماكان بعد العلم بارتفاعه بالمرة، وعدم كون الجواز أو الاستحباب - لو كان - بقاء له لا عرفا ولا عقلا. وأما توهم: أن كلا من الوجوب والاستحباب والإباحة بل والكراهة يلزمه الجواز بالمعنى الأعم، بداهة أن الشخص مع كل منها مرخص في العمل، فلو أخلف الوجوب واحد منها كان الجواز اللازم باقيا فمع الشك يستصحب. فمدفوع أولا: بأن هذا الجواز أمر انتزاعي غير مجعول، ينتزع من ترخيص المكلف وعدم منعه وأن له أن يفعل، والحق أن الامور الانتزاعية من قبيل ملازمات التكاليف والمجعولات الشرعية، وليست بنفسها مجعولا شرعيا، و الاستصحاب لا يجري إلا فيما يترتب عليه، ولو بواسطة غير مثبتة، وظيفة عملية، فينحصر مورده فيما كان بنفسه حكما شرعيا عمليا، أو كان موضوعا لحكم شرعي، وأما في مثل هذه الانتزاعيات فلا ينتهي الى وظيفة عملية، إذ جواز العمل شرعا إنما يكون باستحبابه أو اباحته أو كراهته، لابجوازه هذا، إذ من المعلوم أن ليس في مورد كل منها حكمان مجعولان: الجواز، وأحد هذه، بل المجعول والمعين لوظيفة المكلف، هو احد هذه فقط، يلازمه بحيث لا ينفك عنه عنوان انتزاعي ليس هو بنفسه وظيفة شرعية، بل لو أمكن انفكاكهما لاحتملنا الممنوعية والحرمة مع هذا الجواز الانتزاعي، فهو نفسه ليس وظيفة شرعية، وإثبات كل من الثلاثة باستصحابه أصل مثبت. وثانيا: بأن هذا الجواز عبارة اخرى عن كل من الثلاثة أو الوجوب، وليس أمرا بجنبهما، وحينئذ فاستصحابه إنما يصح على القول باجرائه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي مطلقا، فتدبر جيدا.

[ 377 ]

وأما استصحاب الاشتياق فجريانه مبنى على القول بكونه حقيقة الوجوب والاستحباب، وقد عرفت خلافه وأنه من مباديهما، ومعلوم أن نفس الاشتياق ليس وظيفة شرعية، ولا موضوعا لها، كي يترتب على استصحابه. ثم إنه لو قلنا: بأن حقيقة الوجوب والاستحباب نفس الاشتياق لدليل إنما يدل عليه بماله من المرتبة دلالة افرادية لا تركيبية، فليس له دلالتان: دلالة على نفس الاشتياق الجامع، ودلالة اخرى على مرتبته الشديدة حتى يكون مجال للقول بأن دليل النسخ غاية مدلوله، والمتيقن منه نفيه لمرتبته، وأما دلالته على نفس الاشتياق فلم يعلم خلافه ويؤخذ بظهور فيه، ومنه تعرف النظر فيما أفاده بعض الأعلام على ما في تقرير بحثه، كما تعرف مواقع النظر فيما أورده عليه سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي -.

[ 378 ]

الفصل التاسع (1) في الواجب التخييري إذا تعلق الأمر بأحد الشيئين أو الأشياء، ففي وجوب كل منهما سنخا آخر من الوجوب يعبر عنه بالوجوب التخييري أو وجوب الجامع بينهما، أو وجوب أحدهما المعين عند الله تعالى وكون الآخر مسقطا له، أو وجوب خصوص ما يختاره المكلف، أو وجوب كليهما تعيينا، ثم تجويز ترك امتثال أحدهما، أو وجوب كليهما مشروطا في ناحية البقاء بعدم إطاعة الآخر - والظاهر أنه يرجع إليه وجوبهما وإرادتهما بإرادة ناقصة وهو إرادة سد عدمه إلا في حال وجود عدله - أو وجوب أحدهما مفهوما أو مصداقا ؟ وجوه، بل وأقوال: قال في الكفاية ما حاصله: إن الأمر بأحدهما إن كان بملاك قيام غرض واحد بهما فحيث إن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، فالقائم به الغرض لا محالة يكون أمرا جامعا بينهما، ويكون هو الواجب تعيينا والتخيير تخيير عقلي، وإن كان بملاك قيام غرضين مختلفين بهما لا يمكن إلا حصول أحدهما، لعدم امكان اجتماعهما في الوجود، فيكون كل منهما واجبا بسنخ من الوجوب يكشف عنه تبعاته " انتهى ". أقول: أما إذا كان ملاك الوجوب أمرا واحدا، فقاعدة عدم صدور الواحد عن


(1) جعل العنوان مزيدا بعنوان 9 وقع تبعا للوعد خلافا لمتن الكفاية. (*)

[ 379 ]

الكثير بعد تسليمها، وإن اختصت بالواحد الشخصي البسيط، فلا مجال للتمسك بها فيما نحن فيه، كما أفاده في نهاية الدراية، إلا أنه يمكن تثبيت ما في الكفاية، بأنه لما كان من الواجب اشتمال العلة على حقيقة المعلول ووجوده في مرتبة ذات علته، فإذا كان المعلول واحدا نوعيا، فلا محالة يكون كل ما فرض علة له، واجدا لحقيقته بنحو اكمل وأوفى، فلا محالة يكون بين علله لو تعددت جهة واحدة جامعة (1) وحيث إن المفروض تعلق غرض المولى بنفس ذاك الملاك، بلا دخل لخصوصياته في غرضه أصلا، فلا محالة يأمر بالجهة الجامعة القائمة بغرضه، وبالجملة فالاشكال عليه، بامكان صدور الواحد النوعي من الكثير، واقع في غير محله. نعم، يرد عليه أولا: أنه ليس ترتب الأغراض على الأفعال من قبيل ترتب المعلول على علة الوجود، بل ربما كانت الأفعال من قبيل الشرائط والمعدات، فربما كانت طائفة من الامور سببا لتكميل نفس بشرط اتصافها بوصف حاصل من الصوم، وطائفة اخرى سببا له أيضا بشرط وصف آخر مترتب على الصلاة، فتكميل النفس هذا الكمال هو الغرض الأصيل الواحد، ولا يكون معلولا لفعل الصوم أو الصلاة، وربما كان الغرض الواحد من قبيل الأغراض القائمة بمحال مختلفة، كالصوم والصلاة، وإن كان هو الغرض الأصيل والأقصى، وهكذا. وثانيا: أنك قد عرفت فيما تقدم أنه لا دليل على وجوب تعليق المولى أمره بنفس العنوان القائم به غرضه، بل له أن يتنزل عنه ويوجه أمره الى مصاديقه، لتعارف الناس عليه، أو اختفاء الجامع عليهم، أو نحو ذلك، ولذلك قلنا: بعدم وجوب عنوان المقدمة أو الموصل على القول بوجوب المقدمة، فصرف وحدة الغرض لا يكون دليلا على تعلق أمره بالجامع، بعد كونه خلاف ظاهر الكلام، وعدم انحصار تصوير الوجوب التخييري فيه، كما هو مفروض المقام، بل لابد من


(1) وأما موارد النقض المذكورة في النهاية، فالظاهر انها من اشتباه الفاعل الإلهي بالطبيعي، فتدبرها (منه عفي عنه). (*)

[ 380 ]

الأخذ بظهوره، وتسوية هذا الشق مع ما يتلوه، هذا كله فيما كان الملاك غرضا واحدا. وأما إذا كان ملاكه غرضين متزاحمين في الوجود، فالمراد من كونهما كذلك أن الممكن إنما هو وجود أحدهما، وإن أتى بكلا الفعلين فإنما يترتب أحدهما، فينطبق على الواجبات التخييرية في الشريعة، وذلك مراد الكفاية لا الصور الاخرى المتصورة في نهاية الدراية، إلا أنه أورد على مثله - في النهاية - بأن كلا منهما متعلق لغرض المولى وإنما منع المولى من البعث اليهما تزاحمهما في الوجود، فيكون التخيير بينهما كالواجبات المتزاحمة عقليا لا شرعيا. وأنت خبير بما فيه، فإنه في الواجبات المتزاحمة، حيث إن التزاحم بلحاظ عجز العبد، وهو يتحقق أحيانا في التكاليف القانونية، فلذلك لا يمنع عن بعث المولى نحوهما، ونتيجته أنه لا يصل مرتبة الفعلية أو التنجز إلا أحدهما فقط، مخيرا بينهما بحكم العقل، حيث لا ترجيح، وأما فيما نحن فيه فلا يمكن تحقق غرضي المولى بنفسهما، فما يشتاق المولى نحوه ليس قابلا بنفسه للتحقق، وعدم امتناع التحقق عند العقلاء شرط أصل التكليف، ولذلك فلا يمكنه البعث نحو كلا الفعلين، ولابد للمولى من البعث اليهما تخييرا شرعيا. هذا. نعم، يمكن تصويره بوجه ثان، وهو أن يترتب على كل من الأفعال الأثر المتوقع منه، إلا أنه لا يكون متعلق الغرض إلا وجودا واحدا من هذه الآثار، كما يمكن تصويره في صورة الإرفاق المذكور في نهاية الدراية. وتحقيق المقام يتم بتبين أمر العلم الإجمالي، فنقول: قد عرفت مما مر في بيان متعلق الأوامر أن المعلوم حقيقة هو نفس الأمر الخارجي، إلا أن قوام العلم إنما هو بوجود صورة منه في الذهن وافق النفس، فإذا كان العلم تفصيليا فهذه الصورة صورة شخصية متعلقة لاذعان النفس، مثل الصورة الحاصلة من سماع " زيد قائم " - مثلا - وهذه الصورة الشخصية فانية في ما تحكي عنه، وأما إذا كان العلم إجماليا فقد وقع أيضا في النفس صورة شخصية، إلا أنه الصورة الحاصلة

[ 381 ]

من سماع: إما " زيد قائم " وإما " عمرو قاعد " - مثلا - فإذا وقعت هذه الصورة الشخصية الفانية في محكيها متعلقة للإذعان فقد علم الشخص علما إجماليا، فكما أن المحكي بالجملة المزبورة خصوصية قيام زيد أو قعود عمرو، غاية الأمر بنحو الترديد، كذلك المعلوم أيضا إحدى الخصوصيتين، لتعلق الاذعان بنفس ما تحكي عنه، فمتعلق العلم أمر مشوب بالترديد ومتقوم به، لا أن ضم الجهل الى العلم أوجب الترديد، والعلم متعلق باحدى الخصوصيتين، لا بحيث يكون المعلوم هو الجامع بينهما، كيف والجامع غير حاك عن شئ من الخصوصيتين، كما في جميع الجوامع، وهاهنا المعلوم إحدى الخصوصيتين بخصوصيتها، غاية الأمر أنه بنحو الإجمال لا التفصيل، ولو عبر عنه بإحداهما فهو إشارة الى نفس الخصوصية لا الجامع بينهما، وهذا كله لا يوجب قيام العلم بصورة مبهمة غير شخصية كما عرفت. ولمكان أن العلم لم يتعلق بالمفهوم الجامع نعبر ونقول: إن المعلوم أحدهما المصداقي لا المفهومي. إذا عرفت هذا في العلم الإجمالي، نقول فيما نحن فيه: إذا كان للمولى غرض واحد قائم بشيئين، أو غرضان بالتفصيل السابق، فهو يبعث عبده الى إتيان أحدهما، فبعثه هذا لا يفارق بعثه في سائر الموارد من الواجبات التعيينية، والإتيان المتعلق به البعث أيضا كذلك، إلا أن ما يتعلق به الإتيان هو الصوم أو الصلاة بنحو التخيير للعبد، فقوام هذا البعث الاعتباري بعنوان إتيان الصوم أو الصلاة - فانيين في الواقع كفناء مفهوم لفظة أو في التخيير، فالبعث متقوم حقيقة بهذا العنوان المتشخص، والموجود المبين، لكن بما أن العنوان فان في المعنون، وواسطة في تعلق الأمر به، بالمعنى الذي مر شرحه من التعلق، فالوجوب يتعلق بالصوم بما أنه صوم والصلاة بما أنه صلاة، غاية الأمر تخييرا لا تعيينا، لا بالعنوان الجامع بينهما، ولذا نعبر ونقول: إن الواجب هو أحدهما المصداقي لا المفهومي. وهذا الذي ذكرناه هو الظاهر العرفي من أدلة الواجبات التخييرية، وهو الذي

[ 382 ]

نراه من وجداننا عند إرادة أحد الشيئين بالإرادة التكوينية، وعند الأمر به وطلبه من الغير، وهو ظاهر لا سترة عليه ولا اشكال. وأما وجوب كليهما تعيينا بوجوب مشروط بقاء - الذي يؤول إليه إرادتهما بإرادة ناقصة - فعمدة الإيراد عليه أنه خلاف ظاهر الأدلة، وخلاف الوجدان، وإلا فلو كانت حقيقة الوجوب التخييري هكذا عند العرف، فلا يرد عليه أن لازمه تعدد العقاب إذا ترك كليهما، إذ يقال في جوابه: هذا الاشتراط والإرادة الناقصة إنما هما لمكان اللابدية، وإلا فالغرض واحد، والمطلوب حقيقة واحد، وإنما أمر وأراد المولى كليهما لمكان اللابدية. نعم، لما كان الواقع خلاف هذا الفرض يرد عليه، أن تعدد الوجوب والإرادة مستلزم لتعدد العقاب على المخالفة، والعقاب من لوازم الأمر، وتعدده ووحدته تابع لتعدده ووحدته، ولذلك أيضا يرد عليه أنه بعد ماكان غرض المولى يحصل بأحدهما، فلا وجه للأمر بهما ولو مشروطا في البقاء. وبالجملة: فبعد تسلم أن الأمر عند العقلاء على خلافه يرد عليه هذه المحاذير وغيرها، وإلا فلو كان الأمر عندهم على نحو الوجوب المشروط لما ورد عليه شئ، إلا أنه خلاف الظاهر. تكميل: هل يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين الأقل والأكثر ؟ ظاهر العنوان - كما ترى - أنه هل يمكن أن يوجب على المكلف بنحو التخيير الأقل والأكثر، شرعا أو عقلا ؟ والمراد بالتخيير بينهما - كما في جميع الموارد - أن يكون الأكثر عدلا للأقل، بأن يجب عليه إما الأقل وإما الأكثر تخييرا، وهو لا يكون إلا بأن يؤخذ الأقل في مقام تعلق الوجوب بشرط لامن انضمام الزائد، وإلا فلو اخذ لا بشرط لزم في الإتيان بالأكثر المتضمن للأقل كون الأقل واجبا مرتين: تارة استقلالا وبنفسه لفرض اللابشرطية، واخرى ضمنا لأنه من أبعاض الأكثر، ولا ريب أنه لم يرد من العبارة المذكورة هذا المعنى، بل المفهوم منه أن الواجب على المكلف أحد الأمرين من الأقل والأكثر.

[ 383 ]

إذا عرفت هذا فالحق صحة التخيير بينهما: إما بأن يكون مقام الثبوت كما ذكره في الكفاية، وإما بأن يكون الأقل مؤثرا في أمر قابل للشدة والضعف، فلو اقتصر على الأقل يستوفي المطلوب الأقصى من المرتبة الضعيفة، وإذا أتى بالزائد اشتد الأثر المزبور، ويستوفي الغرض الأصيل اللازم التحصيل من المرتبة الشديدة، فجواز الاقتصار عليه ليس لأجل استحباب الزائد، بل لأجل امكان استيفاء الغرض منه، وإلا فلو أتى بالأكثر كان مجموعه مطلوبا واحدا، تبعا للحب الواحد المتعلق بأثره، ويمكن تصويره بغير هذين الاحتمالين. وكيف كان فلا فرق بين التدريجيات وغيرها، خلافا لما أفاده سيدنا الاستاذ - مد ظله العالي - فإنه - مد ظله - حيث فسر الأقل المأخوذ في العنوان بما كان لا بشرط في مقام تعلق الوجوب، قال: إن التخيير في التدريجيات مطلقا والدفعيات التي لا يفي الأكثر بغرض أزيد غير معقول، إذ المولى في مقام تعليق الأمر يرى غرضه حاصلا بنفس الأقل، فضم الزائد كضم الحجر بجنب الإنسان، وأما الدفعيات التي يترتب على الأكثر فيها غرضان، أحدهما على الأقل في ضمنه، والآخر على الأكثر بما أنه أكثر، فيمكن ايجاب الأكثر تخييرا، ليكون له توسعة في مقام استيفاء غرضه بما يترتب على الأقل وما يترتب على الأكثر. وأنت خبير بأن المولى بعد التفاته بأن الأقل لا بشرط فلا محالة يرى أن الأقل الموجود في ضمن الأكثر هو نفس مطلوبه وما أمر به، فهو يرى أنه قد أمر بالأقل على أي حال، ففي أمره بالأكثر بما أنه أكثر يكون غرضه خصوص ما يترتب على الأكثر أعني الغرض الآخر، لكنه حيث يرى أن هذا الفرض فرض حصول الغرض المترتب على الأقل الواجب الموجود بالفرض، فكان فرض الأكثر بما أنه أكثر فرض حصول الأقل وحصول الغرض، ومعه كيف يوجب الأكثر ؟ فتدبر جيدا. ثم إنه لاريب في أن ظاهر الكفاية إرادة تصحيح التخيير فيما كان الغرض واحدا بنحو البشرط لائية، لكنه مع ملاحظة ما مر منه في أصل تصوير الوجوب

[ 384 ]

التخييري من كون التخيير حينئذ عقليا، فلا محالة لابد وأن يكون الواجب من الامور المشككة، ولا بأس بتصوره في العناوين الانتزاعية كما في عنوان مقدار من النقد (مبلغي پول)، ونحوه، والسر فيه أنه قد يتعلق الغرض بوجود طبيعة من غير دخالة كمية خاصة فيه، بل الطبيعة إذا تحققت في ضمن أي مقدار من الأفراد أثرت بوجودها كيف كان أثرا مطلوبا، ولذلك يؤخذ حينئذ هذه الطبيعة متعلقة للأمر لا بشرط من حيث العدد، فيؤثر ما يحصل منها في الغرض بما أنه وجود الطبيعة، لا بما أنه بهذا المقدار المخصوص، فلا يرد عليها ما في نهاية الدراية.

[ 385 ]

الفصل العاشر (1) في الواجب الكفائي لاريب في وجود الواجبات الكفائية عرفا وشرعا، وهي الامور التي يكون المطلوب تحققها من دون عناية الى صدورها من شخص خاص، بل الجميع، أو طائفة خاصة مسؤولون عنها، ويترتب عليها بلا اشكال سقوط الوجوب بفعل البعض، وعقاب الجميع بتركها رأسا، فقد يستشكل كيفيته من أجل أن عقاب الكل يكشف عن توظيف الجميع وتوجه الوجوب الى كل منهم، مع أن سقوطه بفعل بعض إنما يلائم عدم توجهه إلا الى البعض. وهذا اشكال في تصويره. وقد تصدوا لحل الاشكال بالفرق بينه وبين الوجوب العيني، تارة من ناحية المكلف، واخرى من ناحية التكليف، وثالثة من ناحية المكلف به. أقول: أما المكلف فلا شك أنه ليس واحدا معينا، وأما الواحد غير المعين مفهوما أو مصداقا، فلازمه أن لا يعاقب عند ترك الكل إلا احدهم فقط، إذ الواحد أو احدهم وإن صدق على جميعهم، إلا أن أخذه موضوعا للحكم يقتضي أن لا يتوجه الوجوب الى اثنين في عرض واحد، وعقاب الكل لا يصح إلا مع توجه الوجوب إليهم جميعهم. ونظيرهما في الاشكال ما إذا جعل صرف الوجود بمعنى القائم بالفعل أو


(1) قد مر توضيح لزيادة العدد في الفصول الماضية، فتذكر (منه عفي عنه). (*)

[ 386 ]

ناقض العدم غير منطبق على اثنين في عرض واحد. وأما المجموع من حيث المجموع فليس أمرا قابلا لتعلق بعث واحد إليه، إذ البعث الواحد يقتضي انبعاثا واحدا، وانبعاث الجميع انبعاثا واحدا غير معقول، مضافا الى أن لازمه سقوطه عن الجميع بترك واحد منهم. فلابد من أن يكون المكلف كل واحد منهم. لكن جعل المكلف به نفس العمل من غير اعتبار صدوره من مكلف خاص - حتى يكون الفارق هذا المعنى - إن اريد منه عدم ايجاب الانتساب أصلا، ففيه: ان لا يعقل أن يطلب من المكلف إلا فعله، مضافا الى ما يرد على الشق الآخر، وهو أن يراد به سقوطه بفعل الغير، لعدم دخل خصوص عمل في غرض الآمر، فانه يرد عليه أن لازمه لزوم مطلوبية العمل من كل منهم في عرض واحد، كالوجوب العيني، غاية الأمر أن يسقط بفعل البعض، ومن الواضح أن الآمر بالأمر الكفائي لم يرد غالبا فعل اثنين منهم في عرض واحد فضلا عن الكل، فلابد وأن يكون الفرق من جهة الوجوب. ولا شك أن عدم بقاء الوجوب بفعل البعض ليس من باب أن الآمر جوز ترك امتثاله، بل هو من باب حصول غرضه وامتثال أمره، وجعل الوجوب على كل مشروط بقاء بعدم إتيان أحد لازمه مطلوبية أزيد من عمل واحد في عرض واحد، مع أنه في الغالب غير ممكن أو غير واقع، وعليه فلا محيص من القول بأنه سنخ آخر من الطلب والوجوب، وهو أن الآمر يجعل الواجب بعهدة الكل، ويجعل كل أحد مسؤولا عنه مأخوذا به، وهو اعتبار صحيح عرفي يندفع به الاشكال، وينطبق على ما في الكفاية. ومنه يظهر أنه لو أتى به أكثر من واحد ولو دفعة فالحكم بامتثال الجميع غير صحيح، بعد العلم بأن المولى لم يطلب أزيد من واحد، فكيف يقال: إن الكل يقع امتثالا لأمره ؟ نعم، لو كان غرضه الأصيل أمرا يترتب على الكل إذا اجتمعت، كما لو أراد احتراق خشب فأمر باحضار نار كافية له كفاية، فأتى اثنان بنارين احترق

[ 387 ]

الخشب بهما فالظاهر امتثالهما لاشتراكهما في تحصيل غرض المولى، واليه ينظر ما في الكفاية، إلا أنك تعرف أن جميع الموارد ليس من هذا القبيل، فالحكم الكلي بالامتثال غير صحيح، مضافا الى أنه في مثله لابد وأن يأمر المولى باعم من احضار نار أو نارين أو أكثر. وبالجملة يأمر باحضار النار غير مشروط بعدد خاص، فيكون الأفراد واجبا تخييريا شرعيا أو عقليا، وحينئذ فربما لا يشترط الدفعية حسب عدم اشتراط دخلها في حصول الغرض. والظاهر أن صلاة الميت من قبيل مالا يشترط بالوحدة، وإن كان الثانية منها مستحبة، وتفصيل الكلام في الفقه. نعم، فيما لا يكون المطلوب إلا واحدا يصح لكل منهم مع اشتغال غيره أيضا أن يأتي بالعمل بداعي أن المولى لعله يستوفي غرضه منه. هذا كله في إتيان أكثر من عمل واحد دفعة أو تدريجا. ولو اشتركوا في إتيان عمل واحد فلا يبعد امتثال الجميع - فيما يقال بحصول غرض المولى وسقوط أمره - إذ في مثله يستفاد من اطلاق الدليل أن الواجب غير ارتباطي في ناحية القيام به، أي لا يعتبر في الواجب أن يأتي المكلف به أجمع، حتى يصير ممتثلا في الجملة، بل يمتثل بإتيان أي مقدار أتى به، وإن كان الواجب ارتباطيا في نفسه لا يصح الاقتصار على بعضه، فغسل الميت بالسدر - مثلا - وإن لا يصح الاقتصار على الناقص منه، إلا أنه لا يعتبر في القيام به إتيان الواحد بجميعه، بل هو لا بشرط من هذه الجهة، وحينئذ فالواجب على كل أحد أيضا كذلك. ثم إنه لاريب في أن اطلاق الكلام يقتضي كون الوجوب عينيا، بأي تفسير في الواجب الكفائي، فتدبر جيدا.

[ 388 ]

الفصل الحادي عشر (1) في الواجب الموسع والمضيق قال سيدنا الاستاذ - مد ظله العالي -: الواجب إما لا دخل للزمان في حصول الغرض منه، وإما له دخل، والثاني: إما أن يكون الدخيل طبيعة الزمان مطلقا، وإما أن يكون وقتا مخصوصا، لكن حيث إنا وأفعالنا مسجونون في سجن الزمان فلا محالة يكون تقييد الفعل بطبيعة الوقت لغوا مستدركا، وإنما يصح تقييده فيما كان الدخيل وقتا خاصا، وحينئذ فإن كان بقدر الواجب فمضيق وإن كان أوسع فهو الواجب الموسع. إنتهى. ولقائل أن يمنع اللغوية في فرض دخالة طبيعة الوقت، فإنه إذا قيد بالوقت كان للمكلف طريق الى قصد القربة بالخصوصية، وحصر غرض الأمر في تحصيل مصلحة المأمور به ممنوع، بل يصح الأمر لاظهار تعلق الإرادة، ولأن يوجد للمأمور سبيل التقرب إليه، ودعوى عدم امكان قصد القربة بما لابد من حصوله ممنوعة، فإنه إذا فرض العبد بحيث يشتاق الى تحصيل رضى المولى فهو بحيث إذا وجد مأمورا به فقد بلغ مناه ووجد مطلوبه، فلا محالة يفعله لأنه مطلوب مولاه، وقد مر نظير ذلك في مقدمة الواجب فتذكر متدبرا. ثم إنه لا مجال للاشكال على الواجب الموسع بعدما كان متعلق الأمر كلي


(1) قد مر توضيح لزيادة العدد في الفصول الماضية، فتذكر (المؤلف). (*)

[ 389 ]

الفعل الواقع في الوقت المحدود بحدين، فإن هذا الكلي كسائر الكليات، يكون المكلف مخيرا بين الأفراد المتصورة له، وليس ترك أول أفراده تركا له حتى يكشف جوازه عن عدم وجوب الطبيعة، وعدم جواز ترك آخر فرد منه ليس لوجوب ذلك الفرد بعينه، حتى يكون هو الواجب وغيره مما يتقدم عليه مسقطا للواجب لا واجبا، بل إنما هو لأن الطبيعة تترك لو ترك ذلك الفرد لانحصار الكلي فيه، ومنه تعرف أنه بعدما كان الغرض قائما بالطبيعة الجامعة فلا وجه لكون التخيير بين أفرادها شرعيا لا عقليا. كما أن الإيراد على المضيق بلزوم سبق الوجوب على زمان الامتثال بمقدار يتهيأ للامتثال، مدفوع بمنع الاحتياج إليه أولا، لامكان العلم به قبل مجئ وقته، وبأنه قول بوجوب كون المضيق تعليقيا، لا كونه غير صحيح ثانيا، هذا. ثم إنه بالتدبر في ما سلف - في أثناء ما قدمناه من المباحث - يعلم أن الوقت قيد لمفاد الهيأة لا المادة، إذ التحقيق أن مفاد الهيأة هو البعث نحو الإتيان، والمادة دالة على العمل المأمور به، ولعله واضح أن الوقت قيد لإتيان العمل، فالواجب هو إتيان الصلاة - مثلا - في الوقت. وبالجملة فظاهر التقييد أنه مطلوب واحد مقيد بوقت خاص كسائر القيود، فإذا مضى الوقت ولم يأت به فقد صدق أنه فاته هذا الأمر الواحد المقيد، فان وجب عليه القضاء فهو هو بحسب الحقيقة والذات، لا بحسب جميع القيود التي منها الوقت. وكيف كان فإذا لم يكن دليل خاص على وجوب القضاء فنفس دليل الأداء ووجوب العمل في الوقت لا يدل على قضائه، سواء كان مطلقا أو لا، وسواء كان التقييد بالوقت متصلا أم لا ؟ أما فيما كان متصلا فلأن غاية مفاد الدليل وجوب هذا الواحد المقيد في وقته، فإنه هو المفروض، وأما فيما كان منفصلا فلأن معنى تقييد الاطلاق به ليس الا أن ذلك المطلوب بهذا الدليل المطلق لابد وأن يؤتى به في هذا الوقت حتى يترتب

[ 390 ]

عليه غرض أمره، وحينئذ فإن كان هذا المقيد مطلقا استقيد منه أن مطلوبه ليس إلا هذا المقيد، فلا محالة يفوت بانقضاء وقته، وإن لم يكن مطلقا وإنما دل على مطلوبية القيد فيما امكن، فحينئذ للمكلف أن لا يأتي به في ذلك الوقت بل في خارجه، فيكون مخيرا، إذ لسان المقيد وشأنه ليس إلا بيان الشرط، لابيان الشروط وأمر آخر هو لزوم إتيانه في هذه الحالة، والمفروض أنه إنما اشترط فيه الوقت لا مطلقا، بل في حالة مخصوصة، ففي ما سواها يكون المرجع هو الاطلاق، والمكلف إنما يكلف تكليفا واحدا هو مفاد المطلق، ومفاده بعد لحاظ التقييد أنه إن أتى به في حالة امكان قيد الوقت يجب عليه رعاية قيد الوقت - ولا محالة يأتي به - وإن أتى به خارجه لا يجب عليه ذلك القيد، كما أن الأمر كذلك في جميع المقيدات. وبالجملة: فلازم هذا التقييد هو التخيير، لا الواجب الموقت، ولا لزوم إتيانه في الوقت، نعم، لو استفيد من الدليل المنفصل تكليف آخر بوجوب إتيانه في الوقت، وجب إتيانه فيه أيضا، كما يجب نفسه مطلقا، فإذا خرج الوقت ولم يأت به فقد عصى أحد التكليفين وبقى عليه الآخر، لكنه ليس من الواجب الموقت كما لا يخفى. والظاهر من الكفاية إرادة الواجب الموقت في مصب تفصيله وحينئذ فيرد عليه ما عرفت، وسيدنا الاستاذ - دام ظله - حمله على وجوب في واجب، وأورد عليه بخروجه عن محل الكلام، لكنه خلاف ظاهره فراجع. ثم إنه إذا انتفى الدليل الاجتهادي على وجوب القضاء فهل يمكن اثبات الوجوب بالاستصحاب ؟ غاية تقريبة ما في نهاية الدراية بعد انضمام ذيلها الى المتن (1)، وهو يرجع الى استصحاب شخصي وكلي، فراجع، ويرد عليه ما أورد عليه سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي -: من أن الموضوع في الاستصحاب وإن كان مأخوذا من العرف،


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 283 - 285. (*)

[ 391 ]

لكنه إذا كان أمرا كليا فالكلي المقيد غير المطلق بنظر العرف أيضا، نعم، لو انطبق الحكم الكلي على موضوع جزئي خارجي ثم انتفى قيده أمكن الحكم ببقاء الحكم، لكون القيد عندهم من حالات الجزئي لا مقوماته، وعليه فإثبات شخص الوجوب الثابت على الموقت على ذات عارية عن قيد الوقت اسراء للحكم من موضوع الى موضوع آخر، والوجوب الضمني الثابت على الذات في ضمن وجوب الموقت يغاير وجوب نفس الذات المطلقة، والاستصحاب لا يجري في القسم الثالث من أقسام الكلي، إلا فيما عد عرفا من مراتب الفرد الزائل، وبالحقيقة هو من القسم الأول عند العرف لا الثالث.

[ 392 ]

الفصل الثاني عشر (1) في الأمر بالأمر بالشئ والغرض من عقد البحث أنه هل يستفاد وجوب ذلك الشئ من صرف الأمر بالأمر به، وإن لم يأمر المأمور الأول بعد به، والظاهر عدم استفادته بعد اختلاف الموارد وعدم ظهور يعتد به في خصوص أنه لغرض التبليغ كما في الكفاية. والظاهر أن أمر الأولياء بأن يأمروا صبيانهم بالعبادات ليس مما يستفاد منه أمر الصبيان بها لا ابتداء ولا بعد أمر الأولياء، بل الظاهر أن المراد منه جعل وظيفة على الأولياء، وأن عليهم إقامة أطفالهم في مقام إتيان الأعمال المزبورة وتحميلها عليهم، وهو - كما لا يخفى - لا ينافي إستفادة أمر نفس الصبيان بها أيضا في بعض الصور، وتفصيل المقال في الفقه.


(1) قد مر توضيح لزيادة الرقم فيما مر، فتذكر. (منه عفي عنه). (*)

[ 393 ]

المقصد الثاني في النواهي وفيه فصول: 1 - فصل في معنى النهي لا ينبغي الشك في أن النهي بمادته وهيئته كالأمر متعلق بنفس الطبيعة المنهي عنها، ومفاده الزجر الاعتباري - في الهيأة - والمنع المرادف لقولنا بالفارسية - بازداشتن - في المادة، والشاهد عليه هو التبادر العرفي، فلا يسع مجال البحث عن تعلقه بالترك أو الكف. ولو سلم أن مفاده الطلب، فالظاهر ما في الكفاية من أن المطلوب به نفس الترك، وكون أمره بيد المكلف كاف عقلا في تعلق التكليف به، وهو مراد الكفاية من كونه مقدورا، فلا يضر عدم تعلق القوة المنبثة في العضلات أو الإرادة به، ولا يرد به على الكفاية. كما أنه لايرد عليه أن التكليف إنما هو لغرض الامتثال، ولا يعقل الامتثال إلا في ظرف ميل النفس الى الفعل، إذ حينئذ يكون الترك بداعي نهي المولى، فلا محالة يتعلق النهي بهذا الترك، وهو المراد بالكف. وجه عدم الورود، أولا: ما في نهاية الدراية من امكان أن يصير النهي سببا لعدم انقداح الميل في نفس المكلف، لغاية عظمة المولى عنده أو شدة حبه له - مثلا -.

[ 394 ]

وثانيا: أن الامتثال وصيرورة الأمر أو النهي داعيا للمكلف ليس هو الغرض من التكليف، بحيث يدور مداره، كيف ولازمه عدم وجوب الواجبات التوصلية، وعدم حرمة المحرمات على من يأتي بالواجبات ويترك المحرمات لا لداعي أمر المولى ونهيه، وهو واضح البطلان، بل الغرض من جعل التكاليف أن تكون هي الداعي فيما لا داعي سواه، وبعبارة اخرى امكان الدعوة لا فعليته، وعليه فلو سلم أن امتثال النواهي منحصرة فيما كان له ميل الى فعل المحرم، لما اقتضى اختصاصها بهذه الصورة. ثم إنه لا ينبغي الشك - على ما قيل - في اختصاص النهي بخاصتين، هما لزوم ترك جميع أفراد المنهي عنه الطولية والعرضية، ولزوم تركه بعد المخالفة في فرد، بخلاف الأمر، إذ لا يجب فيه إلا إتيان الطبيعة مرة واحدة. فقيل في وجه الخاصة الاولى: إنه لمكان أن عدم الطبيعة بعدم جميع الأفراد، ووجوده بوجود فرد ما، وتوضيحه أنه قد مر في البحث عن متعلق التكاليف أنها إنما تتعلق بنفس الطبيعة، بحيث لا ينظر الى مشخصات أفرادها ولا هذية مصداقها الذاتي، بل المنظور إليه هو الطبيعة ليس إلا، بحذف جميع ما سواها، ولاريب في أنه إذا وجد فرد من أفراد هذا المعنى فقد وجدت نفس هذا المعنى، فلا يصح أن يقال فيها إنها لم توجد، وحيث كان المطلوب في النهي ولو بالمآل أن لا توجد الطبيعة فلا محالة عدم وجودها بعدم وجود شئ من أفرادها، فلذلك كان تركها وامتثال النهي بترك جميع الأفراد العرضية، وحيث إن النهي مستمر فيجب ترك الأفراد الطولية أيضا. نعم، لو فرض أن المطلوب إعدام الطبيعة الموجودة لكفى في صدقه إعدام فرد ما منها، لعينيته مع الطبيعة المأخوذة باللحاظ المزبور، فإعدامه إعدام لها، ولعل اشتباه الأمر بين عدم وجود الطبيعة وإعدامها اوجب انكار هذا المطلب عقلا لبعض الأعلام من المحققين والأساتيذ، وإلا فأرى استلزام عدم الطبيعة لعدم جميع أفرادها أمرا بينا بديهيا.

[ 395 ]

وأما الخاصة الثانية: فالظاهر استفادتها من اطلاق النهي، توضيحه أن النهي كما عرفت يقتضي باطلاقه ثبوت الحرمة في جميع الأزمنة المتتالية، واقتضاء هذا الاطلاق لشمول النهي لزمن عصيانه المطلق وإن كان غير ممكن، إلا أنه لا بأس باقتضائه لثبوت الحرمة على الطبيعة في زمان، وإن عصى نهيه في زمن متقدم عليه أو متأخر عنه، فكما يمكن تقييده بعدم عصيانه أصلا يستكشف من عدم تقييده اطلاقه لصورة عصيانه كذلك. وبعد استفاده حرمة جميع الأفراد الطولية والعرضية، وعدم تقيد حرمتها بأن لا يعصى قبلا أو بعدا، لا يبعد دعوى انتقال العرف الى خاصة ثالثة، هي استقلال كل فرد في الحرمة، لكي يكون إتيان فردين من الطبيعة المنهية دفعة ضعفا في العصيان والمخالفة بالنسبة الى إتيان فرد واحد. وبالجملة: يستفاد منه أن الحرمة دائرة مع الطبيعة حيثما دارت، ومن قبيل اللازم لها، فتتعدد النواهي بتعدد الأفراد، وعليه يصح دعوى أن المنشأ بالهيأة أو المادة سنخ الزجر المنحل الى نواه متعددة، كما في نهاية الدراية. ومن هنا يستفاد قيام المفسدة بنفس الطبيعة، فهو مدلول التزامي لاستقلال الأفراد في النهي لا بالعكس، كما يستفاد من تقرير بحث المحقق النائيني (قدس سره) كيف وطريق كشف المفسدة وكيفيتها إنما هو فهم تعلق النهي كما لا يخفى. والمتدبر يعلم أن عمدة الفرق بين الأمر والنهي إنما هي من قبل منشأ الخاصة الاولى في الأفراد العرضية، أعني كون وجود الطبيعة بوجود فرد ما وعدمها بعدم جميع الأفراد، وإلا فيجري في الأوامر أيضا مقدمات الاطلاق التي استفيد منها الخاصة الثانية والخاصة الاولى في الأفراد الطولية، غاية الأمر أن مقتضاها حينئذ مطلوبية وجود الطبيعة المتحقق بفرد ما في جميع الأزمان، وكون هذه المطلوبية غير مشروطة بامتثال الأفراد السابقة أو اللاحقة، ولافتراقهما في نتيجة المقدمات لا يوجد في الأوامر الخاصة الثالثة، إذ منشأ استفادتها عموم الحكم لجميع الأفراد طولا وعرضا غير مشروط بعدم العصيان سابقا ولاحقا، وهو مفقود في الأوامر.

[ 396 ]

2 - فصل في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد وامتناعه وقبل الخوض في المطلب تقدم امور: الأول: إن القوم وإن عنونوا البحث - على ما نعلم - بمثل ما ذكرناه، إلا أن العنوان لابد وأن يصح التعبير به على جميع مذاهب الباحثين، حتى يكون معنى واحد مصبا لنزاعهم، وحيث إن مذهب بعض وقوف التكاليف وجوبا أو حرمة على نفس العنوان الجامع، بلا سراية الى الخارج، ولا الى عنوان آخر اخص منه، حتى لا يسري الأمر بمطلق الصلاة - مثلا - الى عنوان الصلاة الواقعة في دار غصبية، ولو الى مصداقها الذاتي الموجود في العنوان الأخص، فلذلك فلم يسلم على هذا المذهب واحد يجتمع الأمر والنهي عليه، فيبحث عن جوازه واجتماعه، فالعنوان الجامع لشتى المذاهب أن يقال: هل يجوز اطلاق الأمر والنهي المتعلقين بعنوانين متصادقين على مورد واحد بالنسبة الى هذا المورد ؟ هذا. مضافا الى مسامحة اخرى في العنوان المزبور هو عدم تقييد الواحد بذي عنوانين، كما نبه عليه في نهاية الدراية. ومما ذكرنا تعرف النظر في وجه العدول الذي ذكرناه عن السيد العلامة الاستاذ - مد ظله -. الثاني: لا ينبغي توهم اتحاد مسألتنا هذه، ومسألة اقتضاء النهي للفساد، بعد كون المحمول والمسؤول عنه هنا جواز الاجتماع، وهناك اقتضاء الفساد،

[ 397 ]

وباختلاف المحمول أو الموضوع يختلف المسائل، وأما اختلاف الجهة المذكورة في الكفاية فهو وإن كان وجها آخر لاختلافهما، إلا أنه لا يصل النوبة إليه بعد اختلافهما في جوهرهما. وأرى أن التوهم الذي توهم هنا هو أنه لا مجال لعنوان كلتا المسألتين، وأن عنوان بحث الاجتماع كاف عن الاخرى، فإن القول بجواز إجتماع الأمر والنهي يلزمه صحة المأمور به ولو كان في ضمن ما نهى عنه، والقول: بامتناعه يلزمه بطلانه بعد كونه منهيا عنه ومبغوضا لاغير، وحينئذ فأجاب عنه في الفصول: بالفرق بين متعلق الأمر والنهي هنا وهناك في العبادات، وأما المعاملات فدعوى الملازمة بين الحرمة والفساد فيها ممنوعة من الاصل. وبيان جوابه: أن موضوع بحث الإجتماع في كلام العلماء هو مالا يكون دليلا الحكمين من قبيل المتعارضين، وهو إنما يكون فيما كان مصب النهي حقيقة غير حقيقة الأمر - وإن كان بينهما عموم مطلق - وأما إذا كان موضوعهما أمرا واحدا، وإن اختلفا بالعموم والخصوص المطلق أو من وجه، فلا ريب لأحد في عدم إمكان إجتماعهما وأول أمرهما الى التعارض، وحينئذ فإن قدم دليل الحرمة كان موضوعا لمسألة الاقتضاء. هذا. وعليه فلا يرد عليه سوى أن البحث الآتي يعم كل ما توجه إليها النهي محضا، ولو من باب القول بالامتناع فيما يترجح جانب النهي، فتأمل. وأما حديث اختلاف جهة البحث وكونه ملاك اختلاف المسألتين - كما في الكفاية - ففيه: أن عدة من وجوه اختلاف المسألتين وإن كان صحيحا إلا أن جعل مدار تعدد المسألة ووحدتها عليه ممنوع، بل إذا اختلف واحد من الموضوع والمحمول أو متعلقهما تتعدد المسائل، وإن كان جهة البحث فيها أمرا واحدا. كما أنه مع وحدتهما لابد من وحدة المسألة، وإن كانت فيها جهات مختلفة - مثلا - مسألة اجتماع الأمر والنهي، لو كان جهة النزاع وملاكه فيها أمران: أحدهما ما في الكفاية، والثاني أنه يلزم منه انفكاك المعلول عن علته التامة - مثلا - أم لا ؟ لوجب

[ 398 ]

جعلها أيضا مسألة واحدة، ثم البحث تارة عن استلزامه لهذا المحذور، واخرى لذلك. وبالجملة فمدار تعدد العنوان للمسائل اختلاف الموضوعات أو المحمولات، وتميز كل عن الاخرى يحصل بشئ مما يختلفان فيه، وإن كانت جهة البحث أو غير ذلك، فالمعدد غير المميز. الثالث أن المسألة - سواء عنونت بعنوانها المعروف أو بما ذكرناه - مسألة اصولية، إذ يستفاد منها ولو بضميمة مقدمات اخرى حكم فرعي كلي، هو أن المجمع حرام وواجب - على الجواز - أو أنه حرام فقط أو واجب فقط على الإمتناع، ولا يشترط في المسألة الاصولية أن تكون كبرى قياس الاستنباط، وإلا خرجت أكثر المسائل الاصولية بل جميعها عن كونها اصولية، فمسألة الملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته، وهكذا مسألة اقتضاء النهي لفساد المتعلق، إنما تفيد وجوب المقدمة وفساد المتعلق بجعلهما صغرى القياس لاكبراه، فيقال: المقدمة وجوبها ملازم لوجوب ذيها، وكل ماكان كذلك فهو واجب عند وجوب ذيها، فالمقدمة واجبة عند وجوب ذيها. ويقال: متعلق النهي يقتضي النهي فساده، وكل ماكان كذلك فهو فاسد، فما تعلق به النهي فهو فاسد، ومثلهما مسألة حجية الظواهر، والخبر الواحد، والمتعارضين، فضلا عن مباحث تعيين الظهور. وحينئذ فمن العجيب تسليم اصولية مسألة مقدمة الواجب واقتضاء النهي، والإشكال في اصولية مسألتنا هذه - بعدم وقوعها كبرى قياس الاستنباط - ثم جعلها من المبادئ التصديقية لمسألة اخرى اصولية، هي مسألة التعارض، ببيان أنه على القول بالامتناع يقال: إن الأمر والنهي لا يجتمعان، وهو عبارة اخرى عن أنهما يتعارضان. إذ فيه - مضافا الى ما عرفت -: أن المبادئ التصديقية هي ما يوجب التصديق بوجود الموضوع في نفسه أو ثبوت محمول له، ومسألتنا هذه نفس التصديق بأنهما متعارضان، لامن مباديه، وإنما مباديه المقدمات المثبتة له، الموجبة للتصديق به. وأما ما عن استاذنا الأعظم - مد ظله العالي - من الإيراد عليه، بأن مسألتنا

[ 399 ]

هذه محققة لموضوع التعارض، لا كاشفة عنه ومبدأ للتصديق به، فهو مبني على كون التعارض حقيقته متقومة بوصول المتعارضين، ودرك التنافي بينهما، فإنه عليه يدرك المنافاة بين خبري الأمر والنهي على الإمتناع في مسألتنا هذه، وإلا فلو كان التعارض هو نفس منافاتهما الواقعية - كما في سائر الموضوعات - فمسألتنا كشف عنه وإدراك له، لا أنها محققة عنه، كما لا يخفى. ثم إن ظاهر الكفاية أن مسألة اجتماع الأمر والنهي، بنفس هذا العنوان، يكون فيها جهات متعددة، بإحداها صارت اصولية، وليس الأمر كذلك كما بينه في نهاية الدراية، والأمر سهل. الرابع: لا ينبغي الإشكال في عموم لفظ " الأمر والنهي " الواقعين في عنوان البحث لجميع أنواع الوجوب من النفسي والغيري، والعيني والكفائي، والتعييني والتخييري، وذلك لا ينافي ما ذهبوا إليه من استفاده الحرمة أو الوجوب النفسي العيني التعييني من إطلاق الهيأة أو المادة، إذ هذه الاستفادة - على التحقيق - ليست بلحاظ وضعها لذلك، بل هي بحكم العقلاء معلولة لإنشاء البعث والدستور أو الزجر، فإنها حجة بوجودها الانشائي عندهم على الوجوب والحرمة، وأما في غير مقام الإنشاء، فحيث لاريب في أن جميع أقسام الوجوب أو الحرمة يكون استعمال صيغة أو مادة الأمر أو النهي فيها على الحقيقة، فاطلاق اللفظين يوجب شموله لجميع الاقسام، لاختصاص حكم العقلاء بغيره، وبمقام الإنشاء. هذا. ومثله الكلام بعينه لو استفدنا النفسية ونظرائها من الاطلاق ومقدمات الحكمة، فتدبر. هذا كله بالنسبة الى عموم العنوان، وأما عموم الملاك فهو ظاهر فيما سوى الأخير، وأما فيه ففيما كان الحرمة تخييرية، وأتى بالواجب متحدا لطرف من أطرافها مع ارتكابها للطرف الآخر إشكال، من حيث إن الحرمة لا تتعلق بهما بنحو الاستيعاب، بل بنحو المجموع من حيث المجموع، وهو غير متحد مع الواجب. نعم، لو جعلنا الحرمة التخييرية نحوا خاصا من الحرمة لم يكن حينئذ بأس باتصاف كل من الاطراف بها، فيمكن أن يقال: بأن اتصافه حينئذ بالوجوب ممتنع،

[ 400 ]

لا ستلزامه إجتماع المتضادين، ولعل كلام الكفاية مبني عليه، لكن البناء والمبنى كليهما قابلان للدفع فتدبر جيدا. الخامس: قد عرفت أن ثمرة هذه المسألة هو نفس وجوب المجمع وحرمته معا أو كونه إما واجبا وإما حراما، فهذه هي ثمرة هذه المسألة بالذات، وأما ترتب الصحة أو الفساد فهو من قبيل ثمرة الثمرة، وعليه فكما أن إطلاق الجواز المعبر به في عنوان المسألة يقتضي ظهور أن البحث في الجواز الفعلي من حيث الإجتماع، فلا محالة لا وجه لكون جهة الامتناع من حيث التضاد هو المبحوث عنه ليس إلا، بل لابد من البحث عن جميع المحذورات التي يوجبه اجتماع الأمر والنهي على واحد، وحينئذ فإذا كان القائل بالجواز يرى أن اجتماعهما فيما لا مندوحة ممتنع، لاستلزامه التكليف بالمحال، فلا محالة هو موافق للقائل بالامتناع فيه، فلابد وأن يخص مركز نزاعه معه بما فيه مندوحة. نعم، من يرى أن التكاليف فعلية للعاجز أيضا، وإنما هو معذور في خلافها، فهو يرى الأمر والنهي الفعليين مجتمعين فيما لا مندوحة أيضا، ولاوجه لتقييده. وبالجملة: فمحل البحث هو مطلق الواحد ذي وجهين، وأما محل النزاع فربما كان أخص منه. والحق أن مصداق محل النزاع وإن كان ربما لا يتحقق إلا إذا كان مندوحة، إلا أنه لا يصح تقييد عنوان البحث به، فإن مورد الكلام هو الأمر والنهي الفعليان، وبناء على اشتراط الفعلية بالقدرة، لا يتحقق الموضوع الا مع المندوحة لا أنه متحقق ويجب تقييده بوجود المندوحة تحفظا على ظهور الجواز في خصوص الفعلي منه. ومما ذكرنا ظهر أن عدم اختصاص ترتب ثمرة الصحة أو الفساد بخصوص ما فيه مندوحة - بل المجوز يصحح مالا مندوحة فيه أيضا - لا يوجب أن يكون محل النزاع أعم، فإن المبحث هو جواز إجتماع الأمر والنهي في واحد. أو جواز اجتماعهما على عنوانين متصادقين على واحد اقتضاء، لاصحته وفساده، فما

[ 401 ]

أفاده في نهاية الدراية تصحيحا لعدم الحاجة الى التقييد ممنوع، وقد عرفت أن الصحة أو الفساد ليس ثمرة لهذه المسألة، بل ثمرتها غيره وقد مرت. السادس: هل يمكن ابتناء نزاعنا هذا - بعد التحفظ على موضوعه أعني تصادق العنوانين على وجود واحد - على مسألة تعلق الأمر بالطبيعة أو الفرد ؟ الحق أن يقال: إن كان المراد من ذلك النزاع تعلق التكليف بالطبيعة أو فردها بجميع خصوصياته الكائنة معه، أو تعلقه بالوجود الخارجي، أو عنوانه، فللابتناء وجه، إذ بعد تعلقه بجميع الخصوصيات التي منها كونه تصرفا في مال الغير - مثلا - أو كون التصرف صلاة - مثلا - يتحد موضوع الأمر والنهي، كما أنه إذا فرض أن ليس لنا في الخارج إلا وجود واحد، وهو المتعلق للتكليف فلا مجال لأن يتعلق به إلا تكليف واحد، فالقائل بالفرد على أحد المعنيين لا محالة يلتزم بالامتناع، بخلاف القائل بالطبيعة. وأما إن اريد به تعلقه بالطبيعة الكلية، أو مصداقها الذاتي بما أنه مصداق لها، أو مع تشخصه وملازمته لكلي المكان والزمان، أو مع ملازمته لشخصهما لا لمثل العنوان الطارئ الذي هو الغصب أو الصلاة مثلا، أو أريد تعلقه بالوجود السعي أو الشخصي بما أنه وجود للطبيعة، أو اريد تعلقه بالوجود أو الماهية، بناء على تعلقه بالأصيل منهما فلا فرق بين شئ من المسلكين في هذا النزاع، إذ القائل بالطبيعة إن قال بالجواز لعدم السراية الى الخارج، وكون العنوانين متباينين كان الأمر كذلك على القول بالفرد أيضا، وإن قال به مع السراية لتعدد العنوانين فقط لم يكن فرق بينهما أيضا، بعد أن المفروض وحدة معنون العنوانين في محل النزاع. هذا كله بالنسبة الى محذور تضاد الحكمين. وما في نهاية الدراية (1): من أن لازم القول: بأصالة الماهية عدم اتحاد متعلقي الأمر والنهي هو من مفاسد القول بأصالتها مخدوش، بأن لازمه عدم اتحاد ماهيتين، لاكل عنوانين، وفي الحقيقة وقع في كلامه (قدس سره) خلط بين الماهية


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 89، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 402 ]

والعنوان، فتدبر جيدا. وأما بالنسبة الى محذور التكليف بما لا قدرة للمكلف على امتثاله، فلو أراد القائل بالطبيعة تعلقه بأمر كلي مقيد لا ملازم لخصوصية ما، والقائل بالفرد تعلقه بشخص ولو لم يسر الى غير جهة الطبيعة، فعلى القول بالفرد بهذا المعنى لا يمكن المكلف امتثال كلا التكليفين، وعلى هذا وإن كان الأمر بالفرد تخييريا، إلا أن الظاهر اعتبار القدرة في جميع أطراف الواجب التخييري أيضا، اللهم إلا أن يقال: نفس متعلق التكليف في كل من الأمر والنهي مقدور، والجمع بين التكليفين إنما يمنع عنه إذا كان كلاهما تعيينيا، فتدبر. السابع: أن بحثنا هذا بأي عنوان عنون فلاريب أنه لا يتحقق له موضوع فعلي إلا إذا كان في المجمع - بناء على تبعية الأحكام للملاكات - ملاك الحكمين كليهما، وهذا هو ظاهر عبارة الكفاية حيث قال: لا يكاد يكون من باب الاجتماع، إلا إذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق والاجتماع " انتهى ". والوجه فيه واضح، فإنه إن لم يكن فيه ملاك أحدهما لما أمكن جعل حكمه فيه أصلا، فيخرج عن مورد اجتماع الأمر والنهي حتى على الجواز، وعليه فلا يصح الإيراد بأن البحث في المسألة ممكن، ولو مع عدم التوجه إليه، لاسيما إذا كان البحث بصورة أنه هل يوجب تعدد الجهة تعدد موضوع الحكمين ؟ إذ البحث وإن كان غير متوقف عليه، إلا أن موضوعه إنما يتحقق مع وجود الملاكين لامع أحدهما. كما لا يصح الإيراد بأن البحث غير موقوف على القول بالملاك، بل يصح على مسلك الأشاعرة أيضا، وذلك أنه لم يرد ايقاف البحث عليه كما عرفت. نعم، فيما إذا لم يكن في المجمع إلا ملاك أحدهما فإجراء أحكام المتعارضين من الرجوع الى أخبار العلاج على دليليهما متوقف على استظهار أن المراد بالمتعارضين في تلك الأخبار أعم مما كان التعارض بينهما بالذات أو لا، ولا يبعد

[ 403 ]

دعوى ظهور كلمة المتعارضين في خصوص ما إذا كان الخبران بنفسهما غير ممكني الاجتماع، لا بواسطة العلم بعدم ملاك حكم أحدهما، أو بكذبه وعدم إرادته، وتفصيل المقال موكول الى مبحث التعادل والترجيح، وببالي أن مختار صاحب الكفاية التعميم، فراجع (1). وعلى ما ذكرنا فإذا علم بملاك الحكمين في المجمع فلا تنافي بين دليليهما في المجمع على القول بالجواز، وأما على الامتناع فإن كان مفادها البعث والزجر الفعلى وقع بينهما تناف في المجمع، لعدم إمكان إرادتهما معا، وأما إن كان مفادهما حكما اقتضائيا فلا تنافي بينهما على الامتناع أيضا، لكن أدلة الأحكام ظاهرة في الحكم الفعلي لا الاقتضائي، إذ الصحيح في المراد به أنه البعث أو الزجر - مثلا - بداعي جعل الداعي الاقتضائي، وبعبارة اخرى: يراد من وجوب الشئ - مثلا - أنه بحيث لو لم يمنع مانع فهو واجب، وإذا عرض عنوان طار مانع يمنع عن البعث الفعلي مع بقاء الموضوع على اقتضائه، وبهذا فسر الحكم الاقتضائي - في نهاية الدراية - وقد نقل شيخنا الاستاذ " دامت بركاته " في بحثه الفقهي قبل يومين أنه مراد والده العلامة المحقق الحائري (قدس سره) من القول باطلاق المادة. أقول: ولعله المراد مما يقرع الآذان من الحكم الحيثي، وكيف كان فمعلوم أن هذا المعنى خلاف ظاهر أدلة الاحكام طرا جدا، بحيث لا يمكن المصير إليه لدى الجمع أيضا. الثامن: بعد ما عرفت أنه لا يكاد يكون من باب الإجتماع، إلا ماكان شاملا على ملاك الحكمين، فهل الحكم بكون مورد من مصاديق البحث موقوف على احراز ملاكهما فيه ؟ أم لا يتوقف عليه عرفا ؟ لا بمعنى عدم الحاجة إليه ثبوتا، بل بمعنى عدم التوجه إليه إثباتا. قد يقال: بان العرف إذا لم ير أحد العنوانين مرتبطا بالآخر فهو من باب الاجتماع، وإن لم يصدق باشتمال المجمع على الملاكين.


(1) كفاية الاصول: ص 186. (*)

[ 404 ]

أقول: والظاهر أن العرف إنما يحكم بكون المجمع من باب الإجتماع، إذا لم يكن شاكا، بل كان معترفا بأن الصلاة أو الغصب - مثلا - في المجمع لا ينقص عنه في غيره، وإنما يمنع عن حكمه لو منع اجتماعه مع محكوم بحكم يخالفه ويضاده، وهو عبارة اخرى عن الإحيتاج الى إحراز الملاكين. وعليه فإن كان وجودهما معلوما باجماع أو غيره فهو، وإلا بأن لم يكن في البين إلا اطلاق الحكمين اللذين موضوعهما من قبيل موضوع الاجتماع (1) لا من قبيل موضوع التعارض، فالظاهر أنه يكشف عنهما في المجمع بنفس الإطلاق أما على الجواز فواضح، وأما على الامتناع فليس الوجه فيه ما في نهاية الدراية والمقالات من أن دلالة دليل الحكم على ثبوت الملاك بالإلتزام، والدلالة الالتزامية تابعة للمطابقة وجودا لا حجية، لما فيه من أن الملاك من لوازم الوجود الواقعي للحكم، لا وجوده الخيالي، فإذا تبين عدم أحدهما على الامتناع، فلا ملزوم حتى يكشف عنه لازمه، وهذا البيان جار في جميع الدلالات الإلتزامية، إذا اللازم لازم للوجود الواقعي للملزوم لا لوجوده الخيالي. بل الوجه فيه أمران: أحدهما: ما في نهاية الدراية من التمسك بإطلاق المادة، وحاصله: أنه بناء على وجود الملاك في مورد الإجتماع أيضا فلا وجه لتقييد المادة، إذ الحكم على التحقيق متعلق بالطبيعة، كما مر، وإيجاب الطبيعة على المكلف غير مشروط إلا بالقدرة على فرد غير مزاحم. كما أنه بناء على اختصاص الملاك بغيره لابد وأن يقيد المادة، إذ هو المتعارف في المحاورات - كما سيجئ بيانه - إن شاء الله تعالى - في بحث المطلق والمقيد - مضافا الى لزوم نقض الغرض فيما كانت عبادة بالنسبة الى الناسي والجاهل - كما أوضحه في النهاية -. وحينئذ فإذا كان متعلق التكليف مطلقا، يستكشف من إطلاقه أنه بلا قيد تمام مراد المولى، فبه بوصف الاطلاق يقوم غرضه، وهو لا يكون إلا إذا كان


(1) قد مرت الإشارة إليه في الأمر الثاني، وسيجئ تفصيله في الأمر العاشر. (منه عفي عنه). (*)

[ 405 ]

المجمع واجدا للملاك أيضا، وظني أنه مراد المحقق الحائري (قدس سره) من اطلاق المادة، وببالي أن السيد العلامة الفريد " دامت بركاته وشفاه الله تعالى عاجلا " كان يفسر عن مرامه بما كان انطباقه على هذا البيان ألصق منه على بيان ولده العلامة، والله هو العالم. ثانيهما: أنه لا ريب عدم شمول الخطاب لمورد، وعدم جعل الحكم فيه، تارة يكون لعدم تعلق الإرادة به فيه أصلا، لعدم كونه واجدا لملاك الحكم، وأخرى يكون بعد فرض كونه واجدا لملاكه بعين وجدان غيره، لمكان اللابدية، إما لعجز المكلف - مثلا - بناء على القول بكونه مانعا - وإما لكونه محكوما بحكم مضاد - كما فيما نحن فيه على الامتناع - وإما لغير ذلك، ولا شك أن العرف غير غافل عن شئ من القسمين، وبتناسب الحكم والموضوع فيما نحن فيه وفي مورد العجز يعترف العرف بأن المورد من قبيل الشق الثاني، وأنه لامانع من الحكم عليه بالوجوب - مثلا - إلا كونه محكوما بالحرمة، وهكذا العكس، وإلا فلو أمكن اجتماعهما لحكم بهما بلا إشكال، وهذا الوجه قد أشرنا إليه، في ذيل الكلام على بعض مقدمات الترتب التي رتبها سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي - فتذكر. التاسع: لا ينبغي الإشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع، على الجواز، وإن كان عاصيا أيضا، مع وجود المندوحة، أو قوة ملاك النهي. وأما على الامتناع فإن كان الواجب توصليا فلا محالة يسقط بإتيان المجمع، بعد فرض اشتماله على ملاك الوجوب كما مر، فإن القول بالامتناع مبني على وحدة وجود متعلقي الأمر والنهي، ولا ينافيه اشتمال هذا الواحد على حيثيتين يقوم بكل منهما ملاك. وبالجملة لا ينافيه قيام الملاكين بهذا الموجود الواحد. وأما إن كان تعبديا ففصل في الكفاية وغيرها بين ماكان معذورا في مخالفة النهي، وما إذا كان غير معذور، ففي الثاني لا تصح العبادة لعدم امكان قصد التقرب لو التفت الى الحرمة، وعدم كون العمل صالحا للتقرب وإن قصده - لو غفل عنها -

[ 406 ]

إذ المبعد لا يكون مقربا. والظاهر صحتها فيه لأنه بعدما فرض اشتماله على ملاك الوجوب، ومعلوم أن المولى في تكليفه الايجابي إنما يريد من المكلف ويكون تمام غرضه الداعي الى الايجاب صرف هذا الملاك، فالمكلف يمكنه أن يأتي بالعمل بلحاظ اشتماله على ملاك موافق لغرض مولاه، فإن كان ملتفتا الى الحرمة يأتي به بهذا الداعي، وإن كان غافلا غير معذور يقصد بعمله امتثال أمره، إلا أن الأمر غير موجود، وملاك الصحة موجود. وبالجملة فمنتهى ما يعتبر في العبادات أن يؤتى بها لله تعالى، وهذا المعنى حاصل في حال الغفلة بقصد الأمر، وفي حال الالتفات بقصد الملاك، وحيث إن العمل مشتمل على الملاك فهو من هذه الحيثية قابل للتقرب به كما لعله لا يخفى. هذا في الصورة الثانية. وأما الصورة الاولى: أعني ما أذا كان معذورا، فإن قلنا على الامتناع بتبعية الأحكام في مقام انشائها أيضا لأقوى الملاكين فوجه صحة العمل هو ما ذكرنا في صورة الغفلة الغير المعذور فيها، أعني أن داعي الرجل هو الأمر الذي يتخيله، وملاك الصحة وكونها من قبيل الامتثال اشتماله على الملاك (1)، وحاصل وجه تبعية انشاء الأحكام لأقوى الملاكين أن العقل كما يحكم بمنافاة اجتماع الوجوب والحرمة الفعليين على واحد، كذلك يحكم بامتناع اجتماع مبادئ إنشائهما من الحب والبغض عليه، وفيه نظر يظهر بمراجعة ما سيأتي. نعم، إن قلنا: بكون تبعية فعلية الأحكام لأقوى الملاكين فحيث إن الحرمة غير فعلية فلا مزاحم لبلوغ الوجوب حد الفعلية، فيكون ملاك الصحة مضافا الى ملاك الوجوب الفعلي، ومثله لو قلنا: بملازمة الانشاء للفعلية، وتبعيته لها، كما في نهاية الدراية، فراجع، لكن سيأتي - إن شاء الله تعالى - أنه لاوجه لبلوغ الوجوب حد الفعلية حتى على هذا المبنى أيضا.


(1) والظاهر أنه مراد الكفاية فلا يرد عليه ما في نهاية الدراية. (منه عفي عنه). (*)

[ 407 ]

وقد يراد إثبات الأمر على المبنى الأول أيضا بدعوى عدم المانع من ثبوت الوجوب للمجمع بعنوان معذورية المكلف في مخالفة نهيه، بلحاظ عدم شمول دليل النهي له بهذا العنوان - كما أوضحه في النهاية -. والجواب عنه أن الحرمة وإن فرضت أنها لم تنشأ، إلا أن البغض المبدأ له ثابت بثبوت ملاكه، وهو مانع من تعلق الحب به حتى ينشأ بتبعه الوجوب، ولو فرض انتفاء البغض فلا حاجة الى ثبوت الوجوب على هذا العنوان الطارئ، بل يصح إنشاؤه على نفس العنوان الأولي أيضا، ومنه تعرف النظر فيما في نهاية الدراية. هذا. وأما اثبات الأمر بنحو الترتب، أو اثبات كونه امتثالا بنحو ما في الكفاية، فالجواب عنه مذكور في نهاية الدراية، فراجعها. العاشر: هل يعتبر في كون مورد من مواضيع البحث أن يكون بين متعلق الأمر والنهي عموم من وجه، أم يجري النزاع في العام والخاص المطلق ؟ الذي ينبغي أن يقال أنه لاريب في اعتبار اختلاف حقيقة عنواني الحرام والواجب - كما مر عن الفصول - وذلك أنه مع وحدتهما يعد الدليلان متعارضين، ولو كان عامين من وجه، كما يظهر بالنظر الى قوله: " أكرم العالم أو العلماء " وقوله " لا تكرم الفاسق أو الفساق " فبعد اعتبار هذا الاختلاف، فالظاهر أن الدليلين لا تعارض بينهما بل من باب الاجتماع، وإن كان بينهما العموم والخصوص المطلق، فإذا قال: صل، وقال أيضا يحرم الغصب بالصلاة، كانا من باب الاجتماع، ولم يكن فرق بينه وبين مااذا قال: لا تغصب، بعد قوله: صل. وأما اعتبار أزيد من ذلك وهو عدم اتحاد عنوانيهما في الوجود، حتى لا يكون قوله: " اشرب الماء " وقوله " لا تتصرف في مال الغير " فيما شرب ماء الغير، من قبيل الاجتماع، بل من باب التعارض - كما عن المحقق النائيني (قدس سره) - فهو أشبه بالخروج من موضوع البحث في كلامهم، فإن موضوعه كما ظهر مما سبق اجتماع العنوانين على واحد، فتذكر.

[ 408 ]

ثم إن في كلامه (قدس سره) مواضع اخر للنظر يظهر للمتدبر فيه، فراجع. إذا عرفت هذه الامور فالأقوى في النظر هو جواز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين منطبقين على أمر واحد. وتوضيح وجهه ببيان الوجوه المذكورة للامتناع وبيان ما فيها، وبيان الملاك والوجه الوجيه للجواز. فنقول: أو في بيان الامتناع هو ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) - وإن كان يستفاد من الفصول أيضا - وقد رتبه على مقدمات: المقدمة الاولى: أنه لاريب في أن الأحكام الخمسة متضادة في مقام الفعلية، فإن البعث الفعلي - مثلا - يضاد كلا من الأربع الاخر بالضرورة، وإن لم يكن بينهما مضادة ما لم يبلغ تلك المرتبة، لعدم المنافاة بين وجوداتها الإنشائية كما لا يخفى. انتهى. فتراه (قدس سره) أنه استند في كل من دعوى التضاد بين الأحكام الفعلية، ودعوى عدم المنافاة بين وجوداتها الإنشائية، الى البداهة وعدم الخفاء، والظاهر أن مراده من التضاد هو المعاندة والمنافاة، كما عبر بهما ثانيا، لا التضاد المصطلح عليه في الفلسفة، فلا مورد لما أورده عليه في نهاية الدراية. وكيف كان فمراده (قدس سره) من مقام الفعلية - كما يستفاد من كلامه (قدس سره) في الفوائد وحاشية الفرائد - أن يكون الحاكم في مقام البعث أو الزجر أو الترخيص الفعلي لا الشأني. وهذا المقام موقوف بحسب المبادئ النفسية في الموالي العرفية على حب أو بغض - مثلا - فعلي بالنسبة الى فعل العبد - على ما هو موجود في موارد العذر أيضا - ولذلك فما ادعاه من ضرورة منافاة الاجتماع يكون مما يصدقه الوجدان (1). وعنده (قدس سره) للحكم مرتبة اخرى فوق الفعلية هي مرتبة التنجز وبلوغه


(1) بل الحق ان نفس الأحكام الفعلية ايضا متعاندة، بملاحظة أنه لاريب عند العقلاء أن لازم الوجوب أنه ليس للمكلف حق ترك العمل المأمور به، مع ان لازم كل من الاحكام الاربعة الآخر ان له ترك ذاك العمل، وهما متناقضان، فلذلك كان اجتماع الوجوب مع كل منهما ممتنعا، وهكذا الأمر في مقايسة كل من الأحكام مع البقية (منه عفي عنه). (*)

[ 409 ]

بحيث لا عذر في مخالفته، وهذه المرتبة يكون نفس حب المولى أو بغضه حجة على العبد - كما لو علم العبد به وكان المولى نفسه غافلا عن محبوبه - فضلا عن بعثه وزجره الفعليين، وبين المبدأ ونفس الحكم مضادة في الأحكام، كما لا يخفى. فهذا مما لا إشكال فيه. وأما مرتبة انشائية الأحكام فمراده (قدس سره) منها نفس كونها منشأة من دون فعلية البعث أو الزجر أو الترخيص، ففي هذه المرتبة وإن انشأت الأحكام إلا أنه ليس في البين بعث ولازجر ولاترخيص حقيقة، وبتعبير نفسه (قدس سره): إن الحكم حينئذ فاقد لما به قوام الحكم وحقيقته وروحه، فلو علم به تفصيلا أو إجمالا لم يجب موافقته كي يكون مخالفته موجبة للعقوبة، ولايكون هذا إلا من باب عدم كون الخطاب بمجرده تحريما أو ايجابا حقيقة وإن كان به انشائهما، ولا يخفى أن هذا لا ينافي وجوب اتباع القطع مطلقا، " انتهى " (1). وبعد ما أشرنا إليه من كون ملاك منافاة الأحكام منافاة مباديها النفسية، وإلا فنفس الامور الاعتبارية لم يكن منافاة بينها أصلا، تعرف أن دعواه الثانية أيضا قابلة للتصديق، فإن صرف إنشاء الأحكام لا يلازم الحب أو البغض الفعلي، حتى يكون بينها منافاة وبعبارة اخرى: الحب أو البغض - مثلا - إنما يكون في مبادئ الأحكام الفعلية لا الإنشائية. نعم، ربما ينكر انفكاك مرتبة الإنشاء عن الفعلية، بدعوى أن البعث الفعلي - مثلا - إنما يتصور في الإنشاء بداعي جعل الداعي، فإذا علم المولى بعدم بلوغ بعثه مرتبة الفعلية، فلا محالة لا ينقدح في نفسه انشائه، لعلمه بعدم ترتب الغاية عليه، فإنشاؤه حينئذ في قوة المعلول بلا علة. وفيه: أنه إنما يستحيل إنشاؤه فيما لم يبلغ المنشأ مرتبة الفعلية أصلا، وأما إذا كان الحكم يبلغ تلك المرتبة، فلا ضير في إنشائه قبل بلوغ زمان فعليته، لكون الحكم عموميا ربما يوجد شرط الفعلية في بعض المكلفين دون بعض، أو لغرض


(1) في الفوائد في الشبهة المحصورة ص 314. (*)

[ 410 ]

آخر من الأغراض، وحيث إن الشرط إنما يكون شرط فعلية الحكم والخطاب مع ترتب الغرض على نفس الطبيعة، فلذلك لا يقيد المكلف به والمطلق بخصوص الواجد للشرط، وبالجملة: فانشاء الحكم على الطبيعة قبل بلوغ زمان الفعلية مما لا محذور فيه. إلا أنه يمكن الاشكال عليه، بان مرجع هذا الكلام الى تقدم انشاء الحكم عليه، ولا بأس به، إلا أنه لا يثبت للحكم وجودا انشائيا بل المنشأ نفس الحكم الفعلي، غاية الأمر أنه تقدم إنشاؤه على وجوده المحقق في الظرف اللائق به، ولذلك قلنا: بأن الوجوب في الواجب المشروط موقوف ومعلق بحصول الشرط، ويكون لب مراد المنشئ انشاء الحكم وايجاده في ذلك الظرف. نعم، اللفظ الحاكي له والموضوع لايجاده مقدم عليه، وموجود قبل حصوله. وبالجملة ففرق بين إنشاء الحكم، والحكم الإنشائي، وما أفاده (قدس سره) من قبيل الأول، لا الثاني، اللهم: إلا أن يكون مراده (قدس سره) ماكان يفيده العلامة سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله -: من أن للحكم مرتبتين: مرتبة الإنشاء، وهي مرتبة تصويبه وجعله قبل أن يوضع بيد الإجراء، فللمجعول عند العقلاء في هذه المرتبة وجود اعتباري، يعبر عنه حينئذ أيضا بالحكم، إلا أنه حكم لم يوضع بيد الإجراء والعمل - كما في الأحكام المودعة عند ولي العصر " أرواحنا له الفداء " - فهذه الأحكام لو علم بها لا يجب امتثالها لعدم بلوغ زمان إجرائها، فلو أراد المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أيضا هذا المعنى لكان لما أفاد وجه. فقد تلخص مما ذكرنا أن البعث الفعلي متقوم بالحب الفعلي، وهذا الحب موجود حتى فيما كان الشخص معذورا في المخالفة لجهله بالحال، وهكذا الأمر في البغض الذي هو منشأ للزجر الفعلي، وقد عرفت أن ملاك المنافاة بين الأحكام إنما هو منافاة هذه المبادئ، وحينئذ فمما ذكرناه تعرف أنا وإن قلنا: بتبعية فعلية الأحكام في المجمع لأقوى الملاكين، إلا أن نفس هذا الحب أو البغض لما كان موجودا مع عدم الوجوب والحرمة، فمع جهل المكلف بالغصب - مثلا - يمنع بغض

[ 411 ]

المولى فعلا عن جعل حكم الوجوب على خلافه، إذ الوجوب الفعلي موقوف على حب فعلي، وهو لا يجتمع مع البغض الفعلي بالنسبة الى ذلك الموضوع، فتدبر جيدا. وبعبارة واضحة: إن القول بالامتناع وإن لم يستلزم منافاة بين وجوديهما الإنشائيين، إلا أنه لاشك في استلزامه المنافاة بين اجتماع الحب الذي هو منشأ الوجوب مع البغض الذي هو ملاك الحرمة، فإذا سقط أقواهما ملاكا عن الفعلية لجهل المكلف، فإنما يرتفع فعلية الحرمة - مثلا - وأما ملاكها المتقومة به، أعني بغض المولى، فهو باق على حاله، ومانع عن بلوغ مزاحمه حد الفعلية، لتوقف فعليته على الحب المنتفي في المقام. فما سبق في الأمر التاسع من الامور المتقدمة - من أنه لو قيل: بتزاحم الجهات في مقام فعلية الأحكام، لا في مقام تأثيرها للأحكام الواقعية، لكان ما يأتي به الجاهل المعذور إمتثالا - قد ظهر أنه منظور فيه فلا تغفل. نعم، إن جعلنا ملاك الامتناع منحصرا في أنه يستحيل كون المولى بصدد الأمر بشئ والنهي عنه، إذ الأمر تحريك إليه، والنهي تحريك عنه، وهما متنافيان بالضرورة، ما يستحيل حدوث مبدئهما في نفس المولى، وقيام المولى مقام جعل كليهما، فإن انقداح العزم على تحريك المكلف الى الشئ وعنه نفسه متنافيان، فلو جعلنا ملاك الامتناع منحصرا فيه لكان لما مر مجال، إلا أن الحق خلافه بحكم الوجدان فيما كان متعلق الحب والبغض عنوانا واحدا، وإلا فإذا تعلق كل منهما بعنوان خاص صح اجتماعهما فعلا وكان الحكم الفعلي تابعا لأحدهما بشرائطه بناء على الامتناع. المقدمة الثانية: لاشبهة في أن متعلق الأحكام هو فعل المكلف، وما هو في الخارج يصدر عنه... الى آخره. وهذه المقدمة أيضا مما لاريب فيها عندنا، وقد بينا ما عندنا في بحث تعلق الأحكام بالطبيعة، فراجع، فإنه منه يظهر اندفاع كل ما قيل أو يقال عليه.

[ 412 ]

المقدمة الثالثة: لا يوجب تعدد الوجه والعنوان تعدد المعنون... الى آخره. وهذه المقدمة أيضا ظاهرة، كما بينه (قدس سره)، ولمزيد التوضيح نقول: قد مر مرارا أن موضوع الكلام هو مااذا صدق متعلقا الأمر والنهي على واحد، والصدق هو المصحح للحمل بينهما حمل هو هو، ولاريب في أن مفاد هذا الحمل هو العينية في الوجود الخارجي، فمفروض البحث هو اتحاد كل من متعلقي الأمر والنهي مع المجمع، المستلزم لاتحاد المتعلقين في الوجود الخارجي، سواء كان أحدهما أو كلاهما من قبيل المشتقات، أو كان كلاهما من الجوامد، كما إذا أمر بشرب الماء ونهى عن التصرف في مال الغير فشرب ماء الغير، فإن هذا الوجود الواحد الخارجي شرب الماء وتصرف في مال الغير، وفيما كان أحدهما أو كلاهما مشتقا، وإن فرض اختلاف مبدئه مع الآخر في الوجود، إلا أنه لما كان المكلف به هو المشتق فهو متحد مع الآخر في الوجود. هذا. والتحقيق أن متعلق الأحكام التكليفية دائما من قبيل الجوامد، إذ هو فعل المكلف وعمله وإتيانه، وهو معنى مصدري أو اسمه، وكيف كان فهو من الجوامد، واتحاد المتعلقين دائما من قبيل اتحاد المبادئ وعينيتهما في الوجود الخارجي. المقدمة الرابعة: لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلا ماهية واحدة.... ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية... الى آخره. وبيان وحدة ماهية الموجود بوجود واحد: أما على أصالة الوجود فلأن الماهية حد الوجود، والوجود الواحد إنما له حد واحد. وأما على أصالة الماهية فلأن الوجود عليها وإن كان أمرا انتزاعيا إلا أنه في الوحدة والتعدد تابع لمنشأ انتزاعه، ففرض وحدته كاشف عن وحدة منشأه الأصيل - أعني الماهية. وغرضه (قدس سره) في هذه المقدمة دفع أمرين: أحدهما: ما استظهره من الفصول من أن لازم القول بأصالة الماهية جواز اجتماع الأمر والنهي. ووجه دفعه أن في مفروض البحث، وهو وحدة الموجود المجمع، الماهية الأصيلة واحدة، وما عداها عنوان انتزاعي منتزع منها متحدة معها، فلا أقل من أن يكون متعلق واحد من

[ 413 ]

التكليفين أمرا انتزاعيا، لو لم يكن كلاهما كذلك فليس لازم القول بها جواز الإجتماع. نعم، لو قيل: بأنه على عدم أصالة الوجود فليس، هناك جهة وحدة بين المفاهيم والماهيات، إذ الوجود هو جامع المفاهيم والماهيات المختلفة والمفاهيم نفسها مثار التفرق والغيرية - كما في نهاية الدراية - لكان لما ذكر وجه، لكنه قد مر في الأمر السادس من الامور المتقدمة الاشارة الى عدم متانته اجمالا. وخلاصة وجه فساده أن الصحيح في تصوير أصالة الماهية أن للماهية حقيقة وواقعية هي نفسها متحققة في الخارج، ومتشخصة في العين، ويكون نسبة المفهوم الكلي إليها نسبة مفهوم الوجود الى حقيقته (1). وعليه فكما أنه على أصالة الوجود ينتزع من حقيقته مفهوم الوجود ومفاهيم اخرى كلها انتزاعية فهكذا على أصالة الماهية ينتزع من حقيقتها مفهوم كلي الماهية ومفهوم الوجود ومفاهيم اخرى انتزاعية، وبالجملة: فشأن الماهية على ذلك المبنى شأن الوجود على المبنى الآخر. هذا. لكن الحق أن صاحب الفصول (قدس سره) لم يرد ما استظهره منه بل هو (قدس سره) أولا قرر برهان الامتناع على القول بتعلق التكاليف بايجاد المتعلقات. ثم قال: إن هذا الدليل يبتنى على أصلين: أحدهما: أن لا تمايز بين الجنس والفصل ولواحقهما العرضية في الخارج كما هو المعروف، وأما لو قلنا بالتمايز لم يتحد المتعلق فلا يتم الدليل. الثاني: أن للوجود حقائق خارجية ينتزع منها هذا المفهوم الاعتباري، كما هو مذهب أكثر الحكماء وبعض محققي المتكلمين، وأما إذا قلنا: بأنه مجرد هذا المفهوم الاعتباري ينتزعه العقل من الماهيات الخارجية، ولا حقيقة له في الخارج أصلا، كما هو مذهب جماعة، فلا يتم الدليل أيضا. ثم قال: ولنا أن نقرر الدليل بوجه لا يبتنى على هذا الأصل، وصرح في تقريره بأن الماهيتين متحدتان


(1) يظهر هذا - مضافا الى ظهوره بنفسه - مما نقله في الأسفار عن المحقق الداماد (قدس سره) في مبحث الجعل [ ج 1 ص 406 ط جديد ] ويستفاد من كلماته (قدس سره) أيضا في ذلك المبحث فراجع. (منه عفي عنه). (*)

[ 414 ]

في هذا الاعتبار، فراجع (1). هذا أحد الأمرين اللذين أراد (قدس سره) دفعه. والأمر الثاني: هو ما استظهره أيضا من أول الأصلين المذكورين في الفصول، من ابتناء القول بالامتناع على وحدة وجود الجنس وفصله، والقول بالجواز على تعددهما في الوجود، فدفعه بأنه ليس متعلقا الأمر والنهي من قبيل الجنس والفصل. والظاهر أن مراد الفصول ابتناء القول بالامتناع على وحدة وجود اللواحق العرضية، أي الخارجه عن ماهية الشئ المحمولة عليها مع نفس الماهية، كيف ؟ ولو أراد ما استظهره منه لما كانت حاجة الى ذكر اللواحق. ومنه تعرف أنه لا وجه لاستبعاده كما في نهاية الدراية. وحينئذ فمغزى ما أفاده (قدس سره) الى ما ذكره صاحب الكفاية في المقدمة الثالثة، ويكون القول المقابل لهذا المعروف، ماعن المحقق الدواني، من أن المشتق المحمول هو نفس المبدأ، غاية الأمر أنه أخذ فيه لا بشرط، فصار قابلا للحمل. هذا. قال (قدس سره) في الكفاية: إذا عرفت ما مهدناه عرفت أن المجمع حيث كان واحدا وجودا وذاتا، كان تعلق الأمر والنهي به محالا، ولو كان تعلقهما به بعنوانين، لما عرفت من كون فعل المكلف بحقيقته وواقعيته الصادرة عنه متعلقا للأحكام، لا بعناوينه الطارئة عليه. " انتهى ". أقول: وقد عرفت أنا نوافقه ونشتركه في المقدمات، إلا أنا نفترق عنه في الغاية، ووجه هذا الافتراق أنه لاريب في أن موضوع الكلام إنما هو فيما إذا كان الوجوب مما يحصل امتثاله بفرد ما، وإلا فلو وجب جميع أفراد الماهية الواجبة لامتنع امتثال الوجوب العيني والحرمة المجتمعين في المجمع. نعم، لافرق فيه بين أن يتعلق بنفس الطبيعة الكلية أو بفرد ما منه - وهو أيضا كلي - وقد عرفت من بياننا لاولى مقدمات كلامه (قدس سره) أن المراد والمتحقق من التضاد بين الأحكام، هو معاندتهما في الوجود، لقضاء الوجدان بامتناع أن نحب شيئا ولانحبه، أو نبغضه،


(1) الفصول الغروية: ص 126 س 1 ومابعده. (*)

[ 415 ]

وإلا فلا تضاد بمصطلح الفلسفة بين الأحكام التي هي امور اعتبارية متعلقة - بمعنى أعم للتعلق - بفعل المكلف. وهكذا الأمر لو قلنا بمعاندتهما ذاتا ولولا بملاحظة مبادئهما كما قويناه، فإن النهي وإن كان مقتضيا لترك جميع أفراد المنهي عنه، إلا أن الأمر إنما يدعو الى صرف الوجود، وإذا كان متعلقه الطبيعة بها انها طبيعة ولا يتعلق بهذيتها، فهذا الأمر لا يقتضى لزوم اتيان هذا الفرد بحيث لا يكون للمكلف حق تركه، ومعه فلا معاندة بين النهي وبين الأمر المتعلق بالطبيعة بهذا النحو. وحينئذ نقول: إن وجداننا إنما يحكم بامتناع تعلق الحب والبغض بالشئ الواحد، إذا كان بعنوان واحد، لا ما إذا تعدد العنوانان، والسر فيه أن متعلق الحب هو نفس طبيعة الصلاة أو فرد ما منها، من غير أن يتعلق بخصوص فرد أصلا، فالحب وبتبعه الوجوب وإن تعلق بنفس ما يصدر عن المكلف - بالمعنى الذي عرفت من التعلق في بحث تعلق الأمر بالطبائع - إلا أنه إنما يتعلق به بما أنه وجود الطبيعة أو وجود فرد ما منه، من غير أن يتعلق بخصوصية من خصوصياته، حتى أنه لا يتعلق بهذيته وشخصيته، كما مر بيانه مفصلا في ذلك المبحث، ومعه فلا نرى في الوجدان أن نبغض شيئا بما أنه من طبيعة خاصة، ونحبه بما أنه من طبيعة اخرى، بعد ماكان الحب أو البغض يتعلق بوجود الطبيعة، بما أنه وجودها. وبالجملة فحقيقة مقوم صفة الحب والبغض وجود نفسي لمتعلقيهما، وتعلقهما ليس بمعنى عروضهما لمتعلقهما، كما عرفت، والوجدان إنما يمنع عن وحدة متعلقهما مع وحدة العنوان لامع التعدد، فالحق بعد تسليم جميع المقدمات أيضا هو جواز الاجتماع. هذا أحسن الوجوه التي عثرنا عليها فيما قيل للامتناع، وقد عرفت حاله، وهنا وجوه اخر مذكورة في بعض الكلمات، والمتأمل فيما بيناه يقدر على دفعها وتوضيح الغلط الواقع فيها، إلا أنه لمزيد الايضاح نذكر بعضا منها: فمنها: أن لازم الاجتماع تكليف المكلف بفعل شئ وتركه، وهو تكليف

[ 416 ]

بالمحال. والجواب الصحيح عنه: أنه إنما يلزم ذلك لو تعلق الوجوب بخصوصية الفرد المجمع، وأما إذا كان التكليف متعلقا بوجود الطبيعة من غير دخل حتى لهذية وجودها فلا، إذ امتثال مثل هذا التكليف إنما هو بايجاد الطبيعة وهو غير منحصر في فرد بخصوصه. هذا. وقد يجاب عنه بناء على أن التكاليف متعلقة بالعناوين لابمتن الخارج، بأن التكليف متعلق بنفس عنوان الطبيعة بلا قيد، ولا يسري منها الى الأفراد أصلا، والقدرة على امتثال هذا التكليف المصححة لتعلق التكليف بها إنما هي بالقدرة على الإتيان بفرد ما منها، وهي حاصلة على الفرض. وفيه: أن التكليف المتعلق بالطبيعة وإن لم يسر الى الأفراد الخارجية، إلا أن كل فرد خارجي يتصور له عنوان شخصي منطبق عليه فقط، فالمجمع يتصور له عنوان شخصي جامع لكلا عنواني الحرام والواجب، واثنينية العنوانين وإن كفت في دفع محذور التضاد، إلا أنها لا تكفي لدفع محذور التكليف بالمحال، وذلك أن هذين العنوانين الشخصيين المجتمعين على المجمع يسري الأمر والنهي اليهما، إذ هما عين العنوان الكلي المتعلق به الأمر والنهي، فيلزم التكليف بالمحال، وحينئذ فلا محيص عن الاشكال إلا بما ذكرناه، من عدم تعلق التكليف بالهذيات، فبه يجاب عن الاشكال حتى على هذا المبنى. ومنها: أنه يلزم في العبادات وقوع التقرب بالمبعد، وهو باطل بالضرورة. والجواب عنه: أن التقرب هنا ليس مكانيا بل معنويا ومن آثار امتثال أمر المولى واطاعته، فالآتي بما أوجبه يتقرب إليه به، ويكون بعده عنه بمنزلة أن يأتي بحرام آخر منفصل عنه في الوجود في نفس الزمان الذي أطاع المولى بإتيان الواجب، بل قد عرفت عدم لزوم هذا المحذور بناء على الامتناع أيضا، فراجع الأمر السابع (1).


(1) تقدم في ص 403. (*)

[ 417 ]

ومنها: ماعن المحقق النائيني (قدس سره) في موضوع البحث، وهو: أنه لما كانت التكاليف متوجهة الى العناوين الذهنية بما أنها مرآة للخارج فإذا فرض الاتحاد في المرئي وذي الوجه فلا محالة يلزم محذور اجتماع الأمر والنهي في واحد متحد الجهة، لأن تعدد الوجه والمرآة لا أثر له بعدما لم يكن هو الملحوظ استقلالا والمتعلق للحكم بنفسه " انتهى ملخصا ". وهو بظاهره ضعيف جدا إذ بعد البناء على عدم سراية الأحكام الى الخارج، كما هو مفروض كلامه (قدس سره) فكيف يقال: بلزوم محذور الاتحاد مع تعدد العنوان، ولو كان مرآة، اللهم ! إلا أن يوجه بأن العناوين حيث كانت مرائي، فالحاكم عليها في نظره التصوري لا يرى إلا الخارج، وهو غافل عن نفس العنوان، وحيث إن الخارج يتحد فيه الأمران فهو في نظره هذا يرى متعلق أمره ونهيه واحدا فلا يمكن له جعل حكمين ضدين عليه. هذا. ومع ذلك كله فيرد عليه أن التكاليف سواء كانت من قبيل المطلقات أو العمومات فكل عنوان لا يحكي إلا عن فرده الذاتي، والحاكم عليه لا يرى به إلا أفراده الذاتية، فإذا يقول: لا تغصب فلا يرى إلا حيثية الغصب، وإذا يقول: صل لا يرى إلا حيثية الصلاة، وعليه ففي مقام الحكم لا يرى الحاكم وحدة المتعلقين، حتى يكون حكمه من المحال. ثم إن المحقق صاحب المقالات (قدس سره) اختار في موضع البحث تفصيلا: حاصله أن متعلق الأمر والنهي لو كانا - بما أنهما عنوانان - مشتركين في حيثية خاصة، وافترق كل بخصوصية تخصه، لامتنع اجتماع الأمر والنهي، إذ سراية التكليف الى خصوص عنوان الفرد الذي هو مجمع العنوانين توجب اجتماعهما على حيثية واحدة، وهو محال بالضرورة، وأما إذا لم يشتركا في حيثية أصلا، بل كانت بينهما المباينة التامة من حيث العنوانية وان كان المفروض اتحادهما وجودا فيصح حينئذ اجتماع التكليفين في المجمع، لعدم وحدة متعلقيهما لا بحسب وجودهما الذهني العنواني، ولا بحسب تحققهما الخارجي بما أنهما حيثيتان خارجيتان،

[ 418 ]

فإنهما من هذه الحيثية اثنتان، وإنما وحدتهما في أنهما موجودتان بوجود واحد " انتهى ". أقول: إن أصل ما أفاده (قدس سره) وإن كان في كمال المتانة، إلا أن فيه: أولا: أن الظاهر أنه خروج عن موضوع البحث، إذ قد مر أن المتعلق للتكليفين لو اشتركا في العنوان، كما لو قال: اكرم عالما ولاتكرم الفاسق، فهما بنظر العرف متعارضان ليسا من باب اجتماع الأمر والنهي أصلا. وثانيا: أن المفهوم من كلامه بل صريحه أن للحيثيتين خارجية وراء الوجود الخارجي، وهو خلاف التحقيق، إذ لاواقعية إلا للوجود أو الماهية، على الخلاف في أصالتهما، والآخر منهما متحد مع الأصيل وعين له، اتحاد اللا متحصل مع المتحصل، ومثله الكلام في العناوين الانتزاعية المنتزعة عن الخارجيات، فالمصداق الخارجي لكل من هذه العناوين الغير الأصيلة ليس إلا نفس ذلك المتأصل، وقد مر أن حقيقة كل عنوان وطبيعة ليس إلا الموجود منه بالوجود الخارجي ومصداقه الواقع في عالم الأعيان، ولذلك قلنا: بتعلق التكاليف بمتن الخارج، فلو بنى عليه يلزم اتحاد حقيقة العنوانين ويلزم اجتماع التكليفين على أمر واحد، وحيث إن المبنى صحيح فلا محيص عنه، إلا بما مر منا عند الكلام على بيان الكفاية، فراجع. فالحاصل: أن الحق هو جواز الاجتماع لما تفردنا به من الوجه. وقد اختار المحقق النائيني (قدس سره) جواز الاجتماع ورتب لبيانه مقدمات طويلة، حاصل مقصوده منها: أن الأمر والنهي وسائر التكاليف إنما تتعلق بالعناوين الفانية في الخارج، وحيث إن المفروض تعدد العنوانين فلا محالة يتعدد ملاك صدقهما، ويكون العنوانان في الخارج من مقولتين مختلفتين، ولما كانت المقولات أمورا بسيطة خارجية فاختلافهما بتباين تمام ذات كل منهما خارجا مع الاخرى، وهي وإن أمكن فرضها لا بشرط بالنسبة الى موضوعها حتى يقبل حملها عليه الكاشف عن تركيبهما الاتحادي، إلا أنها لاريب في أخذ كل منها بشرط لا بالنسبة الى

[ 419 ]

الاخرى، والمكلف به ومتعلق التكليف وإن كان فعل المكلف وهو حركة منه، إلا أن الحركة في مقولة عين تلك المقولة، وليست هي بمنزلة الجنس للمقولات حتى يلزم التركيب فيها، ولا هي أيضا من الأعراض المستقلة حتى يلزم قيام عرض بعرض، وبعد هذه الامور الواضحة كيف يعقل اتحاد متعلق الأمر والنهي، وتعلق كل منهما بعين ما تعلق به الآخر (1) " انتهى في كمال التلخيص ". أقول: إن ظاهر عنوان القوم أعني عنوان اجتماع الأمر والنهي في واحد أن موضوع البحث هو تصادق العنوانين على شئ واحد خارجي، وحيث إن المقولتين لا يعقل تصادقهما على واحد خارجي، إذ الصدق عبارة اخرى عن العينية والاتحاد، والمقولات سواء كانت بسائط خارجية أو مركبات كذلك لا معنى لاتحاد فرد واحدة منها مع فرد الاخرى، بل ومع فرد آخر منها، وذلك أن المقولات ماهيات أصيلة، وسواء قلنا: بأصالة الوجود أو الماهية، فالموجود الواحد ليس له إلا ماهية واحدة، فما لا ماهية واحدة له ليس موجودا واحدا، والمفروض أن محل البحث اجتماع الأمر والنهي على أمر واحد، وعليه فلابد ولا أقل من أن يكون أحد العنوانين لولا كلاهما من الامور الانتزاعية التي تصدق وتتحد مع منشأ انتزاعها، اتحاد اللامتحصل مع المتحصل. فما ذكره (قدس سره) - مضافا الى ابتنائه على استلزام تعدد العنوانين تعدد مقولتيهما، وهو من الفساد بمكان من الوضوح - كانه خروج عن محل كلام القوم، فإن محل كلامهم اتحاد العنوانين في موجود واحد خارجي، كما في قوله: اشرب الماء، ولاتتصرف في مال الغير، فيما شرب ماء الغير، أو قوله: صل ولا تغصب، بناء على اجتماعهما في واحد، فإن في كليهما يحمل على عمل واحد أنه شرب الماء وتصرف في مال الغير، أو أنه صلاة وغصب، والحمل بهو هو دليل بين على الاتحاد كما لا يخفى. ثم إن في كلامه مواضع كثيرة للنظر والاشكال، مثل: اعتقاده استحالة قيام


(1) فوائد الاصول: ج 1، 2 ص 397 - 403. (*)

[ 420 ]

العرض بالعرض، وأن المبدأ إذا اخذ لا بشرط فهو قابل للحمل على الموضوع، وغير ذلك مما لم نذكره وهو كثير فراجع بالتدبر. الكلام في العبادات المكروهة: ومما استدل به القائل بالجواز العبادات المكروهة، وتقريبها مذكور في الكفاية (1) وغيرها. أقول: لاريب - كما في الكفاية - في امتناع اجتماع الحكمين على موضوع واحد من جهة واحدة، على كلا القولين في مسألتنا، وعليه فلابد من جعل الأمر والنهي التنزيهي متوجهين الى عنوانين، وبعدئذ فلا يتم استدلال المجوزين أصلا، على ما عرفت من صحة إتيان المجمع لله تعالى، ولو كانت جهة النهي أقوى فإن غاية ماهنا صحة العبادة لا وتعلق أمر فعلي بها أيضا، فلا بأس بكون الكراهة فعلية، دون الاستحباب أو الوجوب. ومع ذلك يكون العبادة صحيحة أيضا، هذا. لكن المعروف في الجواب تبعا لما وقع في الأدلة تقسيمها الى اقسام ثلاثة معروفة، فإنه إما أن لا يكون للعبادة المكروهة بدل أصلا، كما في صوم العاشوراء، وإما أن يكون لها بدل، لكن تعلق النهي التنزيهي بنفس عنوان العبادة، كالنهي عن الصلاة في الحمام، وإما أن يكون لها بدل، وقد تعلق النهي بعنوان آخر، سواء تعلق في ظاهر اللفظ بها، أم بنفس ذلك العنوان ابتداء. أما القسم الأول: ففي الكفاية جعل حل المطلب على كلا القولين، بأن قال: قد تعلق أمر استحبابي بعنوان منطبق على الترك أو ملازم له، فهذا العنوان فيه مصلحة راجحة على مصلحة الفعل، فلذلك صار استحبابه فعليا، واستحباب الفعل غير فعلي بل شأنيا، قال: والنهي التنزيهي المتعلق بمتن الفعل من ناحية كونه ضدا عاما للترك المستحب لا يوجب بطلانه، فإنه لم ينشأ عن حزازة فيه، والموجب للبطلان إما النهي التحريمي أو الناشئ عن حزازة في الفعل، " إنتهى ملخصا ".


(1) كفاية الاصول: ص 197 - 198. (*)

[ 421 ]

أقول: والظاهر أن وجه عدم احتماله (قدس سره) لكون نفس الترك بما أنه ترك مستحبا قائما به المصلحة، أن المولى إذا رأى أن في الفعل مصلحة وفي تركه أيضا مصلحة، فلا محالة يوازن بينهما، ويتعلق حبه بما هو الأقوى منهما، بداهة أن الانسان إذا أحب ترك شئ لا يحب فعله، وبالعكس، فهذا هو وجه عدوله، لامافي نهاية الدراية، حتى يستشكل عليه بما ذكره فيه فراجع. لكن مع ذلك ففي كلامه (قدس سره) نكتتا ابهام. اولاهما: تقييده النهي التنزيهي الموجب للبعد والبطلان بما كان ناشئا عن حزازة في الفعل، فقد استشكله في النهاية بأنه لا فرق بين النهي التنزيهي والتحريمي في ذلك، وقد بينه بيانا وافيا. لكن أصل اشكال اقتضاء النهي لبطلان العمل، مدفوع: أولا: بعدم تسليم اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن الضد العام، وسنده ما مر في ذلك المبحث. وثانيا: بما في نهاية الدراية من أن نقيض ذلك العنوان المنطبق على الترك ليس عين الفعل، بل ملازم له، والمتلازمان لا يجب استوائهما في الحكم. وثالثا: بأن أمثال هذا النهي الناشئ عن ضدية المنهي عنه للمأمور به بمجرده غير موجب للبطلان والبعد، لعدم كون المنهي عنه مبغوضا نفسيا للمولى، فهذا النهي سواء كان تحريميا أو تنزيهيا لا يستلزم البعد، لكي يلزم منه البطلان، ببرهان أن المقرب لا يكون مبعدا، بل النهي الموجب لهما هوما كان ناشئا عن تعلق بغض المولى بالمنهي عنه، وهو إنما يكون فيما كانت في الفعل حزازة. هذا. النكتة الثانية: أنه بناء على كون النهي هو طلب الترك كما هو مبني الكفاية، فلا معنى للقول: بتعلق النهي بالفعل، من باب أنه ضد عام لذلك الترك، كيف ومعنى النهي عنه هو طلب تركه، وهو نفس الأمر بتركه واستحباب تركه، نعم، له وجه بناء على ما هو الحق من أن حقيقة النهي هو الزجر قبال البعث الذي هو حقيقة الأمر، اللهم ! إلا أن يأول ما في حاشية الكفاية، بأن مراده انطباق ترك الترك

[ 422 ]

على الفعل، فيكون منهيا عنه بنهيه، فتدبر. وهنا نكتة ثالثة: هي أنه يمكن تصوير المطلب بتعلق النهي الكراهي بعنوان ملازم للفعل، تعلق به النهي والبغض التنزيهي، ويكون صحة العبادة لرجحانها الذاتي كما أفاده (قدس سره) ومن ذلك يحصل مبدأ تصوير آخر على القول بالجواز، وهو تعلق النهي بعنوان منطبق على العبادة، كموافقة بني امية في مثال صوم العاشوراء، بل قد عرفت صحة هذا التصوير على الامتناع أيضا، فتذكر. وأما القسم الثاني فأضاف في الكفاية الى ما مر حلا ثالثا، وهو أن يكون النهي عن العبادة بسبب حصول نقص في مصلحة العبادة، لتشخصها بخصوصية وقوعها في الحمام، وإن كان نفس الكون فيه راجحا، فيكون النهي ارشادا الى مالا منقصة فيه، قال: ومثله الكلام في الأمر الاستحبابي بالصلاة في المسجد " انتهى ملخصا ". وتوضيح مراده من هذا الوجه - وإن أوضحه هو (قدس سره) أيضا - أن نفس الطبيعة إذا كانت بلا ملائم ولا منافر ففيها مقدار من المصلحة، إلا أن جميع هذه المصلحة ليست بلازمة الاستيفاء، بل المقدار اللازم منها بعض خاص منها، فإذا تشخصت بمنافر يوجب هذا التشخص نقص مصلحة الطبيعة لا نقص المقدار اللازم منها، ومثله الكلام في طرف الزيادة لتشخصها بملائم، وهذا واضح ارادته من عبارته (قدس سره) فمن العجيب عدم انتقال صاحب نهاية الدراية (قدس سره) إليه حتى أورد عليه بما هو غير وارد فراجع. نعم، يمكن أن يقال: حفظا لظهور النواهي في كونها ناشئة عن حزازة في متعلقها: إن منشأ هذا النهي أيضا ابتلاء العبادة حينئذ بحزازة، كما أن منشأ الأمر اتصافها بكمال زائد، فمثال العبادة مثال شجر سالم بلا عيب، وما فيه عيب لا يضر باصل المقصود منه، وما فيه نضارة فوق العادة، بل لا يبعد أن يقال: كما أنه إذا قال المولى: لا تصل في وبرما لا يؤكل لحمه، لا يفهم منه إلا أن الصلاة فيه باطلة، لا أن الصلاة فيه مبغوضة ومحرمة تكليفا، فهكذا الكلام إذا قال: " لا تصل في الحمام "، أو " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " فإنه لا يفهم منه إلا نهي أو أمر وضعي،

[ 423 ]

غاية الأمر أنه يحمل على غير اللزومي، فهذا هو الوجه الوحيد في حل الإشكال في هذا القسم الثاني، ومعه فلا تصل النوبة الى سائر الوجوه المبنية على نوع من خلاف الظاهر. ثم إنه قد مر منا - على ما ببالي - أن ملاك التكليف الإرشادي أن لا يكون المولى في أمره أو نهيه بصدد اظهار حب أو بغض له، ولا بصدد تحميل مطلوب جديد عليه، ويترتب عليه أن لاثواب ولا عقاب عليه، وحينئذ فلا ينحصر الغرض منه في الارشاد الى ما في الفعل من المصلحة أو المفسدة، بل ربما كان غرضه في باب النهي أن يترك هذا المنهي، لكي يفعل مصداقا آخر، فيكون إرشادا الى مالا منقصة فيه، فلا يرد على ما في الكفاية، ماكرره في نهاية الدراية، من انحصار غرض الارشادي في الدلالة الى ما في المرشد إليه من المصلحة أو المفسدة. وفي الدرر ذكر هنا وجهين لا يبعد رجوع ثانيهما الى ما اخترناه، ومحصل أولهما ارجاع النهي التنزيهي الى الخصوصية الزائدة، أعني كونها في الحمام - مثلا - وحينئذ فيكون حكمه حكم القسم الثالث الآتي، واختار فيه أن العنوان المكروه حيث إنه غير لازم الرعاية، فإذا اجتمع مع الواجب فاللازم بحكم العقل انتفاء وصف الكراهة فعلا، ولكن لما كان الواجب المجتمع معه مشتملا على جهة حزازة فيكون امتثال الوجوب فيه اقل فضلا وثوابا، لمكان تلك الحزازة، وهذا بخلاف اجتماعه مع محرم، حيث إن العقل جمعا بين غرضي المولى يحكم بتقييد مورد الوجوب واختصاصه بغيره (1). " انتهى ". أقول: ويرد عليه أولا: ما عرفت من ظهور النهي في هذا القسم الثاني، في الارشاد الى اشتمال الطبيعة المشتملة على هذه الخصوصية على منقصة وعيب، فيكون نهيا ارشاديا الى المانع، إلا أنه تنزيهي لا أنه نهي مولوي كما مر. وثانيا: أن العقل يرى على المولى الذي بصدد تحصيل جميع أغراضه اللزومية وغيرها بعد عدم امكان اجتماع أمره ونهيه على واحد كما هو المفروض،


(1) درر الفوائد: ج 1 ص 166 - 167. (*)

[ 424 ]

أن ينهى عن المجمع نهيا فعليا تنزيهيا ويخص مورد أمره بغيره، فالمجمع منهي عنه ليس إلا، وإن كان مشتملا على ملاك وجوبي، إذ وضع الأمر عنه لم يكن لغلبة ملاك النهي، بل للجمع بين الأغراض في مقام الاستيفاء. نعم، من لم يلاحظ نهي المولى وأتى بالواجب في المجمع، فلمكان اشتماله على جميع مصلحة العبادة، ووفائه بجميع غرض المولى، وغلبة ملاكها على ملاك النهي، وزيادته عليه، يكون عمله صحيحا، ويتقرب به إلى المولى، فصحة العبادة حينئذ لاشتمالها على الملاك، لالكونها مأمورا بها. هذا. والعجب أن صاحب نهاية الدراية (قدس سره) فسر كلام الدرر بأنه التزام برجوع النهي الى الكون في الحمام، فأورد عليه بأنه بلا وجه، بل ربما يكون نفس الكون في الحمام راجحا، ثم أختار هو (قدس سره) في حل الاشكال ما يرجع الى مختار الدرر بعينه، فقال: ان طبيعة الصلاة على ماهي عليه من المصلحة بحدها، لكن لتشخصها بالمكان الخاص تحدث فيها حزازة لا تقاوم تلك المصلحة... إلى آخره (1). فإنه كما ترى يرجع ما اختاره وعبارته كالصريح فيه في الدرر، لا الى ما ذكرناه، إذ مبناه كما مر على حدوث منقصة في الصلاة بما هي صلاة فتدبر جيدا. وأما القسم الثالث: المفروض فيه انفهام أن المكروه والمنهي عنه بالحقيقة هو العنوان الآخر الملازم أو المنطبق على العبادة، فحل الاشكال فيه على الامتناع، أما في الملازم فبان النهي لم يتوجه الى العبادة فهي مأمور بها، والعنوان الملازم منهي عنه، إلا إذا قلنا بامتناع اختلاف المتلازمين بالبعث نحو أحدهما والزجر عن الآخر، فإنه عليه يكون هذا العنوان مكروها فعليا، وصحة العبادة لاشتمالها على الغرض التام، لالتعلق الأمر بها أيضا، وأما في العنوان المنطبق عليها فحفظ ظهور النهي التنزيهي في فعلية الزجر يقتضي القول: بأن المجمع مكروه فعلا، ويكون صحة العبادة بلحاظ اشتمالها على ملاك العبادة، كما مر آنفا تفصيلها ذيل البحث عن كلام الدرر.


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 112 - 113، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 425 ]

وأما ارجاع النهي الى الارشاد الى الفرد الكامل - كما في الكفاية - بملاحظة أن هذا العنوان المتحد مع العبادة يكون من مشخصات العبادة، الموجبة لنقص في مصلحتها بما أنها عبادة، فهو خلاف ظاهر الأدلة جدا، إذ المفروض أنه قد فهم منها أن النهي حقيقة متوجه الى العنوان المنطبق، كالكون في بيوت الظلمة - مثلا - فكما أن الكون فيها مكروه نفسي في غير الصلاة، فكذلك فيها، فكيف يمكن حملها على ما مر في القسم الثاني. هذا. ثم إن المحقق النائيني (قدس سره) - على ما في تقرير بحثه - مشى في حل الاشكال مشيا آخر لا يخلو عن نظر. أما في القسمين الأخيرين: فملخص كلامه: أن تعلق النهي التنزيهي بعنوان عام من وجه مع عنوان العبادة - كما في القسم الأخير - أو خاص مطلقا معه - كما في القسم الثاني - لا ينافي تعلق الأمر الوجوبي أو الندبي بطبيعة العبادة باطلاقها، على الامتناع أيضا، وذلك أن وجه الامتناع ليس لزوم اجتماع المتضادين على شئ واحد هو مجمع العنوانين، إذ النهي وإن تعلق بالطبيعة بنحو مطلق الوجود، فيسري الى جميع الأفراد، إلا أن الأمر متعلق بها بنحو صرف الوجود، فلا يسري الى أي فرد أصلا، وإلا لوجب الإتيان بهذا الفرد وعدم التعدي عنه الى غيره، والفرض خلافه، بل وجهه أن تعلق الأمر بصرف الوجود من الطبيعة يقتضي بحكم العقل أن يكون كل فرد منها مرخصا فيه في مقام الامتثال، وهذه الرخصة منافية للمنع المستفاد من شمول دليل الحرمة له، وهذا الوجه كما ترى لا يجري في النهي التنزيهي، إذ نفس النهي التنزيهي متضمن للترخيص في إتيان المنهي عنه، فلا بأس باجتماع الأمر مطلقا والنهي التنزيهي في الواحد أصلا، " انتهى ملخصا موضحا " (1). وفيه: أولا: أن ما أفاده من عدم ابتناء القول بالامتناع على السراية، خلاف صريح الكفاية والفصول، وبالجملة فما جعله وجها وحيدا للإمتناع مما لا ينطبق


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 435 - 438. (*)

[ 426 ]

عليه كلمات القائلين به. وثانيا: أن تمام حقيقة النهي التنزيهي كالتحريمي هو المنع والزجر عن المنهي عنه، لا أن النهي التنزيهي زجر عن الفعل وترخيص فيه، وإنما يفترقان في أن المولى يرخص في مخالفة النهي وعدم امتثاله في أحدهما دون الآخر، فالترخيص متعلق بمخالفة النهي لابنفس الفعل، والمتضمن للترخيص فيه صريحا هو الاباحة، وضمنا والتزاما هو الوجوب أو الندب، وحينئذ فمنع الشارع عن طبيعة بنحو السريان يقتضي المنع عن جميع أفرادها، وهو مناف للترخيص الساري الذي استفيد من جعل الوجوب على صرف الوجود من الطبيعة. وثالثا: أن ارجاع النهي في القسم الاخير الى النهي عن الخصوصية قد عرفت مفصلا أنه خلاف الظاهر من الأدلة، لا يصار إليه ما أمكن. هذا كلامه (قدس سره) في القسمين الأخيرين. وأما القسم الأول: فإنه (قدس سره) بعد رد ما في الكفاية من انطباق عنوان راجح على الترك بعدم معقولية كون كل من فعل شئ وتركه راجحا مبعوثا إليه شرعا، فإن المتيقن من موارد الكسر والانكسار في الملاك هو النقيضان، قال: والأولى: في التوجيه أن يقال: إن مركب الأمر هو ذات العمل كالصوم - مثلا - ومركب النهي هو التعبد به والتقرب به إليه تعالى. نعم، لو كان النهي تحريميا كان منافيا لاستحباب العمل، لأن حرمة التعبد لا تجامع صحة العمل، بخلاف كراهة التعبد المتضمنة للرخصة (1). " انتهى ملخصا ". وفيه أولا: أن ما أورده على الكفاية إنما يرد لو جعل موضوع النهي نفس ترك العبادة، وهو خلاف ظاهر عبارته بل خلاف صريحها، بل قد ذكرنا أن وجه عدوله (قدس سره) هو عدم امكان تعلق الفعلي بفعل الشئ وتركه معا فتذكر. وثانيا: أنه بعدما كان المفروض عبادية العمل، فلا أقل من أن يكون غرض المولى الذي قام بصدد تحصيله قائما بإتيان الصوم - مثلا - بداعي أمره والتقرب


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 439 - 441. (*)

[ 427 ]

به من الله تعالى، وحينئذ فجعل نفس التقرب به مكروها منهيا عنه نقض لما قام بصدده من الغرض، بل قد يقال: إن غرض المولى من كل أمر مولوي ولو كان توصليا أن يكون هو الداعي، إذ لا داعي للمكلف سواه، فالأمر بالشئ ابراز لهذا الغرض، ثم النهي عن التعبد بهذا الأمر مناف له فتدبر. وثالثا: أنه كيف يعقل أن يكون التقرب بعمل محبوب للمولى فعلا منه تعالى بما أنه تقرب مكروها له تعالى، نعم، يمكن ذلك ويتصور فيما كانت الكراهة متعلقة بعنوان آخر، كموافقة بني امية " لعنهم الله تعالى أبدا " وأما نفس التقرب منه تعالى فهو من العناوين التي لا يتصور فيها الكراهة. هذا. ثم إن ما ذكرناه إنما هو وجوه النظر في كلامه ماكان مربوطا بما نحن فيه، وإلا فما ذكره غير خال عن إشكالات اخر تعرض لبعضها سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي -. تنبيهات: الأول: في حكم خروج المتوسط في أرض الغير بغير إذنه بسوء الإختيار: ففيها أقوال واحتمالات معروفة، والذي ينبغي أن يقال: أن تكليف النهي والحرمة وإنما تعلق بالتصرف في مال الغير من غير رضاه، وهذا معنى عام للدخول والبقاء والخروج، بداهة أن كلا منها من أفراد التصرف في مال الغير، فالخروج أيضا تصرف في مال الغير، وبما أنه تصرف يقدر المكلف على تركه، ولو بترك مقدمته، أعني الدخول، يجوز النهي عنه، فإذا عصى المكلف، ودخل في دار الغير - مثلا - فهو لا محالة يمتنع عليه ترك التصرف فيها بمقدار الخروج، ولا يقدر على تركه، لكنه حيث إنه لسوء اختياره فبالضرورة يعاقب على هذا المقدار من التصرف أيضا. وأما سقوط الخطاب بهذا المقدار عنه فهو مبني على اشتراطه عقلا أو شرعا بقدرة المكلف، وإلا فلو قلنا: بعدم الاشتراط لكون الخطابات الشرعية قانونية غير

[ 428 ]

مشروطة بها، وأن أدلة رفع التكليف شرعا عن من لا يطيق منصرفة الى ما لم يكن العجز. بسوء اختياره، كما هو الظاهر، فلا بأس ببقاء الحرمة القانونية خطابا أيضا. وكيف كان فحيث إن المكلف يرى أنه مهما توقف في هذه الدار ابتلى بغصب زائد، فعقله يدرك أن أخف المحذورات عليه اختيار الخروج وإن كان هو أيضا موجبا للعقاب، بل ومخالفة للخطاب، لكنه لا محيص له من هذه المخالفة لكي لا يقع في مخالفة زائدة. وهل يجب خروجه هذا شرعا أيضا بعد فرض حرمته أو ترتب العقاب عليه ؟ قد يقال: بامتناعه، نظرا الى أن الوجوب المتصور مقدمي متعلق بنفس ما يتعلق به الحرمة، ولايجوز اجتماعهما على شئ واحد ذي جهة واحدة، واختلاف زمنيهما لا يجدي بعد توجه الحرمة الى العمل الواقع في زمان واحد. أقول: إن كان الوجوب - لو كان - متعلقا بنفس موضوع الحرمة، وهو فيما نحن فيه عنوان التصرف في دار الغير بل في مال الغير من دون رضاه، لكان ما افيد في غاية الوجاهة، لكن الأمر ليس كذلك، بل الوجوب يتعلق بعنوان الخروج عنه - كما استظهرناه في بحث المقدمة - أو بعنوان المقدمة، أو الموصل، أو بالخروج بلا عنوان أصلا، وكيف كان فالموضوع للحرمة يغاير بحسب الذات والعنوان لموضوع الوجوب، وإنما يتحدان في الوجود الخارجي، فإن قلنا: بجواز اجتماع الأمر والنهي فلابد من القول باجتماعهما - بناء على وجود الخطاب بعد الدخول - فإن خروجه وإن لم يكن متصفا بالوجوب قبل أن يدخل، لعدم مقدمية له بعد وكونه بمنزلة مقدمة حاصلة، فلا يتصف قيله إلا بالحرمة، إلا أنه بعدما دخل وعرضت له المقدمية الفعلية اتصف بالوجوب أيضا، وأما بناء على سقوطه بالدخول، فخروجه متصف بالوجوب لا غير سواء قلنا: بالجواز أو بالامتناع، وذلك أنه قبل الدخول لما كان لا مقدمية فعلية له وبمنزلة مقدمة حاصلة فلا أمر مقدمي حينئذ به، وبعدما دخل فالمفروض سقوط الخطاب، وإنما يبقى المبغوضية الفعلية، وهذه المبغوضية الفعلية بعينها موجودة في ماكان دخوله لا بسوء اختياره

[ 429 ]

أيضا، إذ مبغوضية العمل وفعلية المبغوضية كفعلية الحرمة لا دخل لها بقدرة المكلف وعجزه، ولا بعلمه وجهله، غاية الأمر أن العالم القادر ومن يحكمه غير معذور، وغيره معذور، وحينئذ فكما أن المبغوضية لا تمنع عن اتصاف العمل بحكم مخالف للمعذور فهكذا غيره أيضا. وبالجملة فالمانع عن خطاب آخر - بناء على الامتناع - إنما هو وجود خطاب مضاد له أعني تحريمه والزجر عنه، واما المبغوضية الفعلية فلا مانع من اجتماعها مع محبوبية فعلية في واحد ذي جهتين، ولا يمنع عن فعلية خطاب المحبوبية - أعني الوجوب - بعدما كان المفروض وجود ملاكه. إن قلت: قد سلمتم أنه يمتنع عليه ترك الغصب ومن شرائط التكليف وجوبا كان أو غيره كون متعلقه تحت اختياره. قلت: الممتنع إنما هو ترك الغصب، وأما خصوص فرد بقائه فيه أو خروجه عنه فهو باق على اختياره، فهو لم يؤمر بالغصب حتى يقال: إنه لا يقدر على تركه، بل بالخروج الذي يقدر على تركه. هذا. وبالجملة فحديث امتناع تعلق الوجوب المقدمي بالخروج مما لا أساس له. فالذي ينبغي البحث عنه هو أن خروجه هل هو مقدمة لواجب حتى يتصف بالوجوب بناء على وجوب مقدمة الواجب ؟ والتحقيق: أن الذي يمكن القول بوجوبه هنا هو ترك الغصب الزائد، بعناية أن الغصب الزائد لما كان حراما فتركه الذي هو نقيض له وضد عام يكون واجبا، فيجب الخروج مقدمة لتحصيل هذا الواجب. وهو - كما ترى - مبني على أن النهي عن شئ يقتضي الأمر بضده العام، وقد عرفت في مبحث الضد أنه لا أصل له، بداهة أن كل تكليف وجوبي أو تحريمي فهو عند العقل والعرف والارتكاز تكليف واحد، إما وجوب، وإما حرمة، لا أن كلا منهما تكليفان وجوب وحرمة. نعم، لو سلمناه فالحق أن انكار مقدمية الخروج له بلا وجه، بعدما عرفت في بحث الضد أيضا أن ملاك المقدمية الموضوعة للوجوب عند العقلاء الحاكمين في

[ 430 ]

هذا الباب ليس هو التوقف العقلي الدقي الفلسفي، بل ترتب ذي المقدمة عليها بنظرهم، وهو حاصل هنا بالضرورة، هذا مضافا الى ما عرفت من انكار حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته، في ذلك المبحث، فتذكر. ثم إنه قد يقال: بأن الخروج واجب نفسي عقلا وشرعا، من باب رد المغصوب الى صاحبه. لكن الحق خلافه، فإن العقل تبعا لما ثبت من الشرع، لا يحكم إلا بحرمة التصرف في مال الغير وحرمة رفع سلطنته عن ماله، وإذا تصرف فيه أو رفع سلطنته عنه فحيث إن هذا الحرام لا يخرج عن عصيانه، إلا بترك التصرف والخروج، وبرده الى مالكه، فلذلك يراه العقل لازما بهذا الملاك، لكي لا يقع في الحرام الزائد، وبعد هذا الحكم العقلي العقلائي لا ينفهم من الأمر برد المغصوب أزيد من ذلك كما لا يخفى. هذا خلاصة الكلام في هذه المسألة، وبالتأمل فيها يظهر ما في كلمات الأساتيذ والمشايخ من النقض والإبرام، فراجع. هذا كله حكم نفس الخروج عن الدار المغصوبة. واما الصلاة فيها، فعلى القول بجواز الاجتماع لا ينبغي الإشكال في صحتها، وأما على الامتناع فإن كان الاضطرار حتى في حال الصلاة لابسوء الاختيار فكذلك أيضا، وله أن يقصد بصلاته امتثال الأمر المتوجه إليها، إذ غصبه هذا وإن كان مبغوضا فعليا إلا أنه لا بأس باجتماع الحب والبغض الفعليين على شئ واحد ذي جهتين، وإنما الممنوع اجتماع البعث والزجر، فإذا سقط النهي بحكم الاضطرار فلا مانع من الأمر بالصلاة، ومعلوم أنه لا يقع مبعدا حتى يمتنع التقرب به. نعم، إذا امكنه الخروج فلم يخرج حتى صلى فيها فالمتجه بطلان صلاته، وإن لم يزد بقائه للصلاة على مقدار خروجه، وذلك أن رفع الحكم للاضطرار لما كان لمكان اللابدية فقط فلا محالة - ولو بتناسب الحكم والموضوع - يختص بخصوص

[ 431 ]

ما إليه الاضطرار، وهو في المفروض خصوص فرد الغصب الواقع ضمن الخروج، وأما الواقع في ضمن البقاء فهو غير محتاج إليه ولا مضطر، فهو باق على المبغوضية، بل الحرمة الفعلية، فيقع مبعدا، فلا يمكن التقرب بما يتحد معه. هذا. وإن كان الاضطرار بسوء اختياره، فإن قلنا: بصحة العبادة المتحدة مع الحرام - كما هو الأظهر - فلا اشكال ايضا، وإن قلنا: ببطلانها، فإما أن يصلي حال الخروج، وإما أن يصلي حال البقاء، وعلى أي فإما يصلي في سعة الوقت أو في ضيقه. أما صلاته في حال الخروج عند ضيق الوقت، فالاشكال في صحتها من وجهين: الأول: فقدانها لشرط الاستقرار المعتبر في الصلاة الواجبة، فالصلاة بفقدانه تبطل، إلا إذا كان موظفا بصلاة فاقدة له بحسب حاله، أو لم يثبت أهمية رعايته من رعاية حكم الغصب، إذ الأمر دائر - بعد فرض أن الصلاة لا تسقط بحال - بين ترك هذا الشرط، وترك امتثال حرمة الغصب الزائد، ولا يخفى أن هذا الإشكال وحله يجريان في الفرض السابق أيضا، إذا صلى في حال الخروج لتمكنه منه. الثاني: اتحادها مع الغصب الخروجي، وحينئذ فإن قلنا: بعدم جريان حكم المعصية عليه، أو بكونه مأمورا به، فلا اشكال، ويقصد بصلاته امتثال أمرها وإن قلنا: بجريان حكمها عليه، فيشكل الصحة من حيث كون الغصب الصادر عنه مبعدا واتحاده مع صلاته، فيوجب بطلانها، لكن المنقول عن المشهور صحتها في هذا الفرض، ولعل الوجه فيه أن صلاته هذه لاتتحد مع الغصب أصلا، ويظهر من الكفاية أن وجهه غلبة ملاكها على ملاك الغصب. أقول: غلبة ملاك الصلاة على الغصب تتصور على نحوين: أحدهما: وقوع الكسر والانكسار بينهما، لمكان عدم امكان اجتماعهما في الوجود، فيبقى الملاك الغالب ليس إلا. ثانيهما: بقاء كلا الملاكين وازدياد احدهما على الآخر.

[ 432 ]

فإن كانت الغلبة على النحو الأول، فالحق هو ما افاده إذ الصلاة حينئذ مشتملة على ملاكها من غير نقيصة أصلا ولاحزازة، إلا أن لازمها أن لا يكون فرق بين الضيق والسعة من هذه الناحية، كيف وهذا الفرد من الصلاة مشتمل على نفس ما يشتمل عليه فردها المأتي به خارج الدار. وكيف كان فهذا النحو من الغلبة خلاف ما هو المفروض في باب اجتماع الأمر والنهي من وجدان المجمع لكلا الملاكين بالفعل. وأما إن كانت بالنحو الثاني، فإنما يصح ما أفاده إذا اقتضت هذه الغلبة وقوع الغصب المنطبق على الصلاة محبوبا ليس إلا، وهو محل نظر بل منع، إذ المولى في مقام استيفاء غرضه بالبعث والزجر يمكنه استيفاء كلا غرضيه، بأن ينهى عن الغصب مطلقا ويأمر بالصلاة خارج الدار، فعدم موافقة العبد لوظيفته أوجب انحصار امتثال الصلاة في الغصب، وحيث إنه بسوء اختيار منه لعصيان المولى فيكون الغصب عصيانا منه، ومبعدا فلا يمكن أن يكون مقربا، فتبطل صلاته. نعم، لو سلم دوران الأمر للمولى بين استيفاء هذا الغرض أو ذاك، فالأمر كما أفاد، إذ يقع منه العمل حينئذ محبوبا لاغير، وهذا النحو من الغلبة - لو سلم اقتضائها لما أفاد - يصحح ما أفاده في حال السعة، من اختصاص الأمر بالفرد الواقع خارج الدار، وذلك أن المولى حيث يرى اشتمال المجمع على ما هو مبغوض له وبصدد اسيتفائه ومن اغراضه الملازمة، فلا محالة لأن يجمع بين العرضين يخص أمره (1) بالفرد العاري عن هذه المنقصة، وإن كان الفرد المجمع أيضا بالآخرة محبوبا، وحينئذ فمع اقتضاء الأمر بالشئ للنهي عن ضده وكون


(1) فيه منع، بل له أن يجعل متعلق تكليفه صرف الوجود من طبيعة المأمور به، كالصلاة من غير تقييد لها. ثم إن العقل يحكم بلزوم الإتيان بها في ذلك الفرد الخالي عن النقيصة، جمعا بين غرضي المولى، ولو حكم المولى به فهو من باب أنه من العقلاء، اللهم ! إلا أن يقال: إنه صحيح على جواز الاجتماع، وأما على امتناعه كما هو الفرض فلا يمكن شمول المأمور به بما أنه مأمور به للمجمع، فلا محالة يختص الأمر بالفرد العاري عن النقيصة. (منه عفي عنه). (*)

[ 433 ]

هذا النهي الغيري موجبا للفساد يبطل الصلاة المتحدة مع الغصب في السعة، ولا وجه لاشتراط اختصاصه بالأمر بكونه ناشيا عن زيادة ملاكه، بل الملاك نفس الاختصاص، وإن نشأ عن اقتران الضد بما ينافي غرضه الآخر. هذا. وكيف كان فلا فرق بين أن يكون الطريق في استفادة غلبة الملاك اجماع الاصحاب أو غيره، فلو فهمت الغلبة على الوجه الأول صحت الصلاة وإلا فلا من غير فرق أصلا. هذا كله إذا صلى في حال الخروج عند ضيق الوقت. ومنه تعرف حكم صلاته في السعة، فإنهما مشتركان في الاشكالين، وإن كان ربما لا يجري جواب الاشكال الأول هنا، لتمكنه من الصلاة مستقرا. وأما صلاته في الدار باقيا مع تمكنه من الخروج، فإن كانت في حال السعة فلا ينبغي الكلام في بطلانها، لاتحادها مع الغصب المنهي عنه فعلا، كما عرفت، اللهم ! إلا أن ينكر الاتحاد رأسا، وإن كانت في ضيق الوقت فصحتها مبنية على عدم ثبوت أهمية رعاية الغصب الزائد من رعاية الاستقرار، وإلا وجبت عليه الصلاة في حال الخروج. ثم إنه قد أفاد في الدرر: أنه بناء على سقوط النهي عن الخروج، للعجز عن امتثاله، فلا بأس بالأمر بالصلاة حينئذ والمكلف إذا قصد بعمله امتثال هذا الأمر فقد أتى به بقصد القربة المعتبر في صحته، ويترتب عليه حصول القرب أيضا، وإن كان بمعنى قلة بعده عن المولى. أقول: ما أفاده (قدس سره) في كمال المتانة، وحاصل كلامه أو توضيحه: أن العبد حينئذ بمنزلته إذا أتى في زمان واحد بواجب وحرام، فإنه لا يشترط في صحة الواجب إذا كان عبادة حصول قرب له بالفعل، وإنما يشترط فيها أن يحصل له مكانة لم تكن له لو ترك الواجب وأتى بالحرام فقط، وهو حاصل بالفرض فيما نحن فيه. وبالجملة، فوجه الصحة إنما هو قصد الأمر أو محبوبية الصلاة، لانفس قلة

[ 434 ]

بعده وتخفيف عقوبته، فما أورده في نهاية الدراية على ما ذكره فيها من الوجه غير وارد عليه، لكونه غيره، وإن كان المظنون أنه (قدس سره) زعمه أنه هو، وأن المذكور فيها مأخوذ ومراد به ما في الدرر فراجع. نعم، يرد على ما في الدرر: أن لازمه صحة الصلاة في دار الغير في حال الاختيار أيضا، لكون المجمع بما أنه صلاة محبوبا، وإن لم يتعلق به أمر لفرض كونه منهيا عنه، ووقوع المبغوض والمنهي باختيار واحد لا يوجب عدم امكان قصد القربة بجهته المحبوبة، كما أن تعلق النهي بجميع مشخصات المجمع ليس مفروضا على القول بالامتناع، كيف وهذا صاحب الكفاية يقول: بالامتناع، وهو قائل أيضا: بتعلق الأحكام بالطبائع، ولو سلم أن القول بالامتناع يستلزم تعلق النهي بالمشخصات لاستلزم تعلق البغض بها أيضا، فيستلزم بطلان الصلاة في حال سقوط النهي، بل في حال وقوع الغصب معذورا عليه أيضا. هذا. ومما بيناه تعرف ما يرد من الإشكال على كلمات القوم، فراجع. الأمر الثاني: لا بأس بالكلام إجمالا في أنه إذا صلى في أرض الغير - مثلا - من دون رضاه فهل يتحد الصلاة مع عنوان حرام حتى تكون باطلة على بعض المباني ؟ الحق أن جل الصلاة - أعني أقوالها لاتعد عرفا تصرفا في مال الغير، ومجرد خرق الهواء اللازم منها ليس من قبيل التصرف أصلا، وأما أفعالها من الركوع والسجود، وهكذا شرط قراءتها وتشهدها من القيام والجلوس فهي تصرف في مال الغير، بداهة صحة حمل التصرف على هذه الأفعال عرفا بحمل هو هو، بلا تجوز وتوسع، فهي سواء كانت من مقولة الوضع أو غيره تصرف في مال الغير، أو ليس التصرف في مثل الأرض إلا نحو القيام أو الجلوس فيها، أو المشي عليها أو الانكباب عليها، فلا ريب في كونها تصرفات، وقد تعلق النهي وعدم الجواز، في رواية الناحية المقدسة المروية عن كمال الدين بسند معتبر، بالتصرف في مال الغير بغير إذنه، فإنه " عجل الله تعالى فرجه الشريف " قال فيها، فلا يحل لأحد أن

[ 435 ]

يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا (1). وبالجملة فلا شك في أنها تصرف في مال الغير فتكون محرمة، فالركوع والسجود اللذان من أفعال الصلاة حيث يعتبر فيهما التقرب يقعان باطلين على ذلك المبنى، والقيام والجلوس شرطان لها، فإن اعتبرنا فيهما أيضا قصد القربة بطلا فتبطل الصلاة ببطلانها، وأما استقرار الرجل على الأرض فلا يستفاد من الأدلة كونه من أجزاء الصلاة أو شرائطها شرعا، وإن لم يمكن لنا في العادة أن نصلي إلا به. فالحق أن العنوان المحرم هو عنوان التصرف في مال الغير، وهو منطبق على بعض الصلاة كاف لفسادها، وأما عنوان استيفاء منافع أرض الغير فالظاهر أنه ليس عنوانا محرما بحسب الأدلة، إلا من حيث إنه تصرف في ماله، كما أن الغصب عبارة عن الاستيلاء على مال الغير وجعله تحت اليد، وهو عبارة عن اخراج ملك الغير عن سلطانه الى سلطان نفسه، فهو أمر مغاير للتصرف في ماله وغير متحد مع أفعال صلاته. كما أن المبعد المنافي لصحة العبادة هو أن تكون العبادة مصداقا لعصيان أمر أو نهي نفسي، وأما النهي المقدمي فليس عصيانه موجبا للبعد، فتسليم كون الغصب عبارة عن وصف الصلاة - أعني اشغال أرض الغير - والقول ببطلانها حينئذ أيضا، لكونها مما به الاشغال ومقدمة له، فتكون حراما مقدميا مما لم يقع في محله - راجع المقالات (2) -. وتوهم أن مبادي المشتقات مبتاينات في الوجود كل منها مقولة أو من مقولة غير مقولة الآخر، والمقولات متباينات الذوات، فيستحيل اتحاد الصلاة أو قيامها أو ركوعها أو سجودها مع الغصب أو التصرف في مال الغير - كما يظهر من تقريرات المحقق النائيني (قدس سره) - (3). مندفع بعدم تسليم الدعوى وبداهة بطلانها، أليس المشي تصرفا أو ليس العدو في الأرض تصرفا فيها، أم ليس الجلوس أو


(1) الوسائل: الباب 3 من الافعال، ج 6 ح 6 ص 376 - 377. (2) المقالات: ج 1 ص 363. (3) فوائد الاصول: ج 1 ص 426 - 427. (*)

[ 436 ]

الاستلقاء أو الاضطجاع على مال الغير تصرفا فيه ؟ ولا أدري كيف يقول هو (قدس سره) بهذه المقالة ؟ فهل وقع اشتباه في مقام الحكاية ؟ والمعلوم أن ليس المعصوم إلا من عصمه الله. ثم إن في المحكي عنه (قدس سره) مواضع اخر للتأمل والنظر، ذكر بعضها سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله -، ويظهر الباقي بالتأمل الوافي، فراجع. الثالث: قد مر في بعض مقدمات المسألة أنه على الامتناع أيضا يكون المجمع مشتملا على كلا الملاكين، وقد ذكرنا كيفية كشف اشتماله عليهما فلا نعيد، وأشرنا أيضا الى أن ملاك كل من الحكمين تام بلا انكسار، إلا أنه قد وقع في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره) ما حاصله: أنه على الامتناع لما كان موضوع الأمر والنهي في المجمع شيئا واحدا، فنفس جعل الحكمين فيه يكون من الجمع بين الضدين ومن الممتنعات. فيكون المجمع من قبيل الموضوعات المشتملة على مصلحة ومفسدة، لابد للمولى من اعتبارهما والمقايسة بينهما، وجعل حكم واحد عليه مطابقا لما هو الأقوى منهما، فلو غلبت مفسدة الغصب - مثلا - على مصلحة الصلاة، فالمجمع لا محالة يكون كالخمر التي فيها إثم كبير ومنافع للناس، لا يكون فيه ملاك الوجوب ولا محبوبية أصلا، إذ ملاكه قد انكسر بمزاحمة ملاك الحرمة والمبغوضية، وصار مرجوحا مغلوبا بلا تأثير أصلا، وعليه فلا يكون دليل الوجوب والحرمة هاهنا أيضا إلا معارضين، كسائر موارد التعارض، ولا يجب ولا يصح الصلاة عند نسيان الغصب أو الجهل المعذور فيه " انتهى " (1). أقول: إن دليل الوجوب إن كان مطلقا أو عاما شموليا يقتضي محكومية كل من أفراد طبيعة الواجب بوجوب مخصوص ومحبوبية وارادة خاصة، فمثل هذا الدليل يعد عرفا معارضا لدليل الحرمة، التي هي أيضا على نحو الشمول والاستيعاب، ولايكون عن باب اجتماع الأمر والنهي في شئ أصلا، وهذا مفروض في كلامه (قدس سره) وكلمات سائر الأعلام (قدس سرهم) فمفروض باب الاجتماع تعلق


(1) فوائد الاصول: ج 1 ص 429 - 431. (*)

[ 437 ]

الوجوب بطبيعة الواجب على نحو البدلية. وعليه فنقول طبقا على ما مر: إنه لاريب في أنه قد تعلق من المولى إرادة حتمية ووجوب قطعي بهذه الطبيعة الواجبة، وإجتماعها مع فرد محرم، وإتحادها معه لم يوجب تقييدا في متعلق الوجوب والإرادة، إذ الوجوب أو الحب أو الإرادة إنما يتعلق بما يقوم به الملاك الداعي إليه، وهذا الملاك إنما يقوم بنفس تلك الطبيعة من غير دخل لخصوصية اخرى أصلا، وإنما غاية ما اقتضاه امتناع اجتماع الوجوب والحرمة على المجمع، أنه رفع الوجوب عن هذه الطبيعة الموجودة في المجمع، وقصره على نفس هذه الطبيعة إذا وجدت في غير المجمع، فقد تعلق من المولى إرادة تامة بنفس الطبيعة - وإن كان هذا التعلق في غير المجمع - وهذا التعلق ليس المراد منه إلا تحصيل الملاك القائم به نفس الطبيعة، لا يريد المولى من تعليق الإرادة بها أزيد من ذلك وحينئذ فالمجمع إن كان الغرض من الملاك القائم بجهته الوجوبية، غرضا مستقلا كان لما أفاده وجه، وأما إذا لم يكن أراد منه إلا نفس الملاك القائم بغيره، وهو مراد بصرف وجوده، فكيف ينكسر الملاك فيه. وبعبارة اخرى، أمر تعليق المولى لأمره ونهيه بالمجمع حسابه هو ما حسبه (قدس سره) إلا أنه لما كان للمولى غرض آخر قام بصدد تحصيله، وأمر المكلف بإيجاده، وهو ملاك الوجوب، غاية الأمر لمكان إبتلائه في المجمع بالمزاحم وجه أمره الى غيره، فلا محالة إبتلائه في المجمع بالمزاحم لا يوجب أن يكون غرضه قائما بغير نفس الملاك، بأن يتعلق غرضه بالملاك المقيد بالتحقق في غير المجمع، فإذا تعلق الغرض بنفس الملاك ليس إلا، فلا محالة لا إنكسار ولا نقصان في المجمع من حيث تحصيل ذلك الغرض الذي أتى في صدد تحصيله، وهذا هو الفارق بين ما نحن فيه وبين مثل الخمر والميسر. وبهذا البيان تعرف استقامة ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) وأنه إذا سقط النهي الغالب عن الفعلية في المجمع بملاحظة تعلق جهل أو نسيان بالعنوان المحرم، فلا بأس بفعلية الوجوب فيه، إذ المانع إنما هو فعلية النهي، إذ لا يجتمع

[ 438 ]

البعث والزجر نحو شئ واحد، وأما الحب والبغض فلا بأس باجتماعهما على موضوع واحد إذا كان فيه ملاكهما، فيكون من حيثية محبوبا ومن حيثية اخرى مبغوضا، وأظنه بديهيا، وبالجملة فالمانع هو النهي الفعلي، وهو قد زال بالفرض، فلا بأس بتعلق الوجوب الفعلي. نعم، لو أنكرنا اقتضاء الجهل والنسيان ونحوهما لسقوط التكليف، وقلنا: بأن التكاليف قوانين لا بأس بفعليتها مع هذه الطواري، ولا دليل على ارتفاعها معها، فلا محالة طروها لا يوجب انتفاء الحرمة الفعلية، كي يقوم مقامها الوجوب الفعلي. لكنه أيضا لا يوجب بطلان العبادة المتحدة معه لمكان محبوبيتها ولو في المجمع، ولو أغمض عنها فصرف تعلق الحب والإرادة بنفس الملاك واشتمال المجمع على ذلك الملاك كاف لحسنه الفعلي، وامكان التقرب به، والحرام المتحد معه حيث لا يؤثر في وقوعه مبغوضا لايمنع عن حسنه الصدوري، فيكون الصلاة في المغصوب إذا كان معذورا في مخالفة الغصب صحيحة بلا إشكال. هذا. ثم إنه لما كان مفروض البحث كون الوجوب بدليا فمقتضى بقاء ملاك كلا الحكمين أن يجمع المولى بين غرضيه مهما أمكن، فلا محالة يوجه أمره الى سائر الأفراد غير المجمع، وإن كان ملاك الحرمة أضعف بمراتب، إذ لا دوران بين استيفاء غرضيه، فيستوفى كليهما بهذه الكيفية. نعم، إذا لم يمكن استيفاء غرض الوجوب إلا بارتكاب الحرام فهاهنا يقع التزاحم في مقام استيفائهما، ويكون العبد مخيرا في الإتيان بأيهما شاء، إلا أن يكون أحدهما أرجح من الآخر بمقدار لا يرضى المولى بفوت هذا المقدار، وفي مثله يقع البحث في مقام الإثبات، وأن طريق احراز هذا الرجحان ما هو ؟ فما في ظاهر كلماتهم من إجراء الكلام في غير صورة الدوران أيضا واضح الفساد، وعليه فلا سبيل الى عد شمولية الحرمة من المرجحات لها، اللهم ! إلا أن يراد خصوص صور توقف امتثال الوجوب على ارتكاب المحرم، لكن في هذه الصورة بالحقيقة تقع المزاحمة بين أصل طبيعة الواجب وصرف الوجود لها وبين الحرام، ومعلوم

[ 439 ]

أن دلالة دليل الوجوب على مطلوبية نفس الطبيعة دلالة وضعية لا تقصر عن دلالة دليل الحرمة على الشمول والسريان. ومماشاة مع الأصحاب وتبعا لهم نقول: إن أقوائية الدلالة الوضعية وتقدمها على ما بالمقدمات إنما هي في ما تعارضتا في كلام واحد، فإنه فيها قد يجعل الاولى قرينة مانعة عن تحقق الثانية، وأما إذا انفصلتا فلكل منهما ظهور تام، لاوجه للحكم بتقديم احداهما كلية على الاخرى. بل لابد من ملاحظة خصوصيات الموارد، كما في غيرهما من المتعارضات. وكيف كان فقد عرفت في أول بحث النواهي صحة ما أفاده صاحب الكفاية، من اقتضاء نفي الطبيعة لنفي جميع الأفراد بخلاف إثباتها، فإنه يكفي في صدقه فرد واحد. وخلاصة وجهه أن الطبيعة إذا نظر نفسها يرى معنى واحد من غير توجه الى الأفراد أصلا، فهذا المعنى الواحد أينما تحقق فهو هو، فلا محالة إذا وجد فرد فقد وجد هذا المعنى الواحد، ومع وجوده كيف يصح أن يقال: إن هذا المعنى - وقد نظر إليه بما أنه طبيعة وواحد - معدوم ومنتف ؟ نعم، اعدامها حيث إنه معنى حدوثي يتعلق بالموجود منها، فلا محالة يصدق باعدامها في ضمن فرد واحد. وبالجملة، فالطبيعة ملحوظة كواحد شخصي لا يتصور فيها الوجود والعدم كلاهما في زمان واحد، فإذا وجدت بفرد ما فلا محالة لا يصدق عليها أنها منعدمة، بل كونها منعدمة بأن لم يوجد فرد منها أصلا. هذا. ثم إنه لما كانت المادة أو الألفاظ الموضوعة للأجناس إنما وضعت لنفس هذا المعنى الواحد، وتستعمل فيه أيضا حتى فيما لم يكن المتكلم بصدد بيان تمام المراد، غاية الأمر أن لا يحكم حينئذ بالإطلاق، وأنه تمام المراد فيما يحتاج الحكم به الى مقدمات الإطلاق، فحيث إن المادة أو اسم الجنس يستعمل في هذا المعنى الواحد، فلذلك لا حاجة في الحكم بالسريان الى مقدمات الإطلاق، بعدما كان حكم العقل والعقلاء باستلزام نفيه لانتفاء جميع أفراده.

[ 440 ]

والحق بمقتضى ارتكاز العرف أن الالفاظ الموضوعة لإفادة التكثير والعموم أيضا مثله، فلا يحتاج في استفادة سريان الحكم الى جميع الأفراد الى مقدمات الإطلاق. هذا كله حول المرجح الاول للحرمة. ومما عد من المرجحات حكم العقل بتقديم دفع المفسدة على جلب المنفعة، ببيان أن المولى أيضا حيث إن مبنى حكمه بالحرمة أو الوجوب دفع المفاسد وجلب المنافع، فلا محالة في مقام التزاحم يقدم جانب المفسدة. أقول: ولابد وأن يكون مفروض هذا الكلام فيما تساوت وزنة المنفعة والمفسدة أو احتمل تساويهما، وإلا فمع أقوائية المنفعة فكيف يتصور من عاقل أن يحكم بتقديم جانب المفسدة المرجوحة ؟ وكيف كان فيورد عليه بمنع حكمه بذلك في مفروض الكلام، ولو حكم فهو حكم إنبغائي لكي لا يكون ما صدر عن العاقل لغوا، وقد مر آنفا أنه لاوجه للرجوع الى المرجحات فيما يمكن امتثال الوجوب في غير المصداق المحرم، إلا أن كلام الكفاية هنا مبني على الغفلة من هذه الجهة، ولذا أورد عليه أخيرا أنه إنما يحكم العقل بهذا التقديم فيما لم يكن في البين قاعدة ولا أصل شرعي به ينحل المعضلة. وبالجملة: حكمه هذا موضوعه مقام قصرت اليد عن جميع الاصول والقواعد الشرعية، وهاهنا تجري البراءة عن الحرمة في المجمع بخلاف الوجوب، لكونه في المجمع تخييريا لاتعيينيا (1) انتهى. فإن تخييرية الوجوب إنما تتصور فيما أمكن الامتثال في غير المجمع من الأفراد. هذا. والحق أن وجوب الطبيعة تعييني معلوم لا تجري البراءة عنه، إلا أن أمر الطبيعة دائر بين المطلقة والمقيدة بعدم الاتحاد مع الحرام، فإنه لابد من تقييدها به على الامتناع لو غلب جانب الحرمة، فهذا القيد غير معلوم تجري البراءة عنه كما في سائر شرائط الواجب الغير المعلومة، وهذه البراءة موافقة لأصالة البراءة


(1) الكفاية: ج 1 ص 214. (*)

[ 441 ]

عن الحرمة، كما لا يخفى. لكنه مع ذلك كله فتوضيح هذه القسمة على مرامه (قدس سره): أنه بعد ماحكم بالبراءة عن الحرمة، فإن قلنا: بأن التمانع إنما هو في مقام فعلية الأمر والنهي، فبعد رفع فعلية الحرمة لا بأس بصيرورة الوجوب فعليا، وإن قلنا: بتمانعهما في مقام الإنشاء أيضا أو بأن الأحكام لا تسقط عن الفعلية عند الجهل وجريان البراءة فلا محالة لا يعلم بفعلية الوجوب بعد احتمال أقوائية ملاك الحرمة، لكنه كيفما كان فحيث إن المجمع مشتمل على نفس الطبيعة المطلوبة بنفسها، ولو في غير المجمع، فهو قابل لأن يتقرب به، وبعد سقوط النهي عن اقتضاء العقاب فلا يصدر مبغوضا عليه حتى يمنع عن التقرب. هذا. ثم أورد على نفسه بما حاصله: أن العلم بأصل المفسدة كاف عقلا في ترتب جميع آثارها حتى المترتبة على غلبتها على المصلحة، فلا محالة مع احتمال غلبتها تحتمل فعلية المبغوضية والحرمة، والبيان تمام، فلا تجري البراءة واحتمالها مانع عن قصد التقرب (1). ومراده (قدس سره) بالمبغوضية الفعلية هي المبغوضية الموجبة لترتب العقاب على عاصيها، كما فيمن علم باشراف ولد المولى على الغرق، والمولى نفسه غافل، في قبال المبغوضية الذاتية وهي المبغوضية التي لم تصل هذا الحد، فلا يكون معها فاعل المبغوض مبغوضا مستوجبا للعقاب. ثم أجاب عن الإيراد بمنع كفاية احراز أصل المفسدة في ذلك فيما احرز ما يصلح للمزاحمة أيضا، وأن المورد حينئذ كموضوع لم يحرز لا مصلحته ولا مفسدته، فلا يكون مبغوضيته فعلية، وحينئذ فالمجمع على فرض غلبة المفسدة واقعا وإن لم يكن راجحا ذاتا إلا أنه لاشتماله على ملاك الوجوب إن اتى به


(1) أو أنه يحتمل حينئذ المبغوضية الفعلية وإن لم يحتمل الحرمة، وهذا بناء على كون النسخة غير مجدية، وهو بناء على هذه النسخة أيضا احتمال بعيد وفاسد، إذ جريان البراءة ينفي العقاب بلا إشكال فلا يجتمع جريانها مع فعلية المبغوضية. (منه عفي عنه). (*)

[ 442 ]

بقصد الملاك المحبوب فقد قصد ما يصلح للتقرب، والمبغوضية والمرجوحية حيث لم تصل حد الفعلية لا توجب صدوره مبغوضا عليه حتى يمنع العبادية. هذه خلاصة كلامه (قدس سره) بيناها لوقوع الاشتباه في فهمه لصاحب نهاية الدراية (قدس سره) فأورد عليه مالا يرد عليه فراجع (1). نعم، يرد عليه مضافا الى ما مر، أن الوجدان شاهد على أن جهل الفاعل وعلمه غير دخيل في مبغوضية الفعل، وأن الفعل نفسه إذا كان مبغوضا، فهو بالنسبة الى الجاهل والعالم على حد سواء من المبغوضية. نعم، يزيد العالم على الجاهل بأن صدور الفعل منه أيضا بما أنه عصيان يكون مبغوضا، لكن الكلام في مبغوضية أصل الفعل الناشية عن الملاكات الواقعة في رتبة علل الأحكام، لا في مبغوضية نظير العصيان المتأخر عن الأحكام، والله تعالى ولي العصمة. ومما عد منها هو الاستقراء: واستشهد له بحكم الشارع بترك الصلاة أيام الاستظهار، وبترك الوضوء بالمشتبهين، وأجاب عنه في الكفاية: بعدم إفادته القطع بل ولا الظن أيضا، وأن الحكم بترك الصلاة - لو سلم حرمتها ذاتا - لقاعدة الإمكان أو الإستصحاب، كما أن الأمر بترك الوضوء ليس من أمثلة ما نحن فيه، لعدم حرمته ذاتا، وحينئذ فهو حكم تعبدي، أو بملاحظة عدم ابتلائه بالنجاسة غالبا بحكم الإستصحاب، إذ فرض كون أحدهما كثيرا مثلا - لكي يدخل الفرض معه في العلم بالحادثين (2)، أعني ملاقاة اليد للمطهر والمنجس والشك في المتأخر منهما، فيتعارض الأصلان ويرجع الى قاعدة الطهارة - قليل جدا. هذا. أقول: والظاهر أن الوجه في عدم احتماله (قدس سره) لحرمة الوضوء ذاتا دون


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 134 - 135، ط المطبعة العلمية. (2) لم يصرح بدخوله في هذا المبحث لافي الكفاية ولا في الفوائد، وإنما استفدناه من تعليقته على فرائد الشيخ الأعظم (قدس سره) على بحث دوران الأمر بين المحذورين فراجع. (منه عفي عنه). (*)

[ 443 ]

الصلاة: أن الوضوء بحسب الغالب فيه يكون الغرض منه مقدميا لاجل الصلاة، لاسيما وإنه قد فرض في السؤال في رواية عمار: أنه " حضرت الصلاة وليس يقدر على ماء غيرهما " (1) وفي رواية سماعة: " وليس يقدر على ماء غيره " (2) فإن السؤال ظاهر في أنه لابد له من الوضوء للصلاة، وحينئذ فإذا نهى عنه وأمر بالتيمم بقوله (عليه السلام): " يهريقهما جميعا ويتيمم " فلا يستفاد منه إلا النهي الشرطي المقدمي، لا الذاتي الأصلي، وهذا بخلاف الصلاة المطلوبة ذاتا، فإن النهي عنها كالأمر بها ظاهر في النفسي. وأما ما في نهاية الدراية من كون الوجه فيه تعلق أمر الوضوء بالطهارة المتحصلة من الأفعال الخاصة، بخلاف الصلاة (3) فهو مبني على تسليم كون المأمور به فيه هو الطهارة لا نفس الأفعال الوضوئية، ولا يبعد أن يكون خلاف ظواهر الأدلة، وتمام الكلام في محله. ثم إن ما أفاده في الكفاية من الرجوع الى قاعدة الطهارة لا يخلو عن اشكال، إذ ليس المقام من قبيل العلم بحدوث حادثين والشك في المتأخر منهما، إذ المكلف وإن كان عالما بملاقاة بدنه للمنجس شاكا في بقاء نجاسته إلا أنه لا يعلم بملاقاته للمطهر بما أنه مطهر، إذ لو كان الماء الأول طاهرا فبدنه طاهر وليس الماء طاهرا، فاستصحاب الطهارة إنما يجري الى حين ملاقاة الثاني للعلم بانتقاض الطهارة حينئذ، وأما استصحاب النجاسة فهو جار بلا معارض أصلا، والعلم بزمان حدوث النجاسة غير معتبر كما في جميع الاستصحابات. هذا. وعن سيدنا الاستاذ العلامة المحقق اليزدي - قدس سره الشريف - الإشكال عليه بوجه آخر: هو أنه حيث لا يستولي الماء الثاني على جميع أعضائه دفعة واحدة، فهو يعلم إجمالا بنجاسة ما لاقاه أولا، أو ما بقي منها، وقاعدة الطهارة معارضة لاستصحاب طهارة الباقي، فلا يمكن الحكم إلا بطهارة الجزء الأخير من


(1 و 2) الوسائل، ج 1 ص 113، 116 الباب 8 من ابواب الماء المطلق، الحديث 2 و 14. (3) نهاية الدراية: ج 2 ص 138، ط، المطبعة العلمية. (*)

[ 444 ]

أعضائه " انتهى ". وهو أيضا حق، إلا أن الأحق ما قدمناه. الأمر الرابع: قد ألحق في الكفاية تعدد الاضافات بتعدد العناوين، وأن القائل بجواز الاجتماع لابد له من القول بجوازه فيه أيضا. والظاهر أن الوجه في عده في عرض تعدد العناوين لامن مصاديقه، هو ملاحظة ما تعلق به الأمر والنهي في لسان الدليل بحسب الفهم العقلائي، فإنه قد مر في البحث عما هو الواجب من مقدمات الواجب أن العقلاء لا يلتزمون بتعليق الحكم بنفس العنوان القائم به الملاك، وقد جرت سيرة الشرع على طريقتهم وحينئذ صح عد تعدد الإضافات في قبال تعدد العنوانات، مضافا الى امكان اقتضاء طبيعة لمصلحة ومفسدة غير متباينتين وجودا، ويصل هذا الاقتضاء حد الفعلية إذا انضم إليه إضافته الى أمر في المصلحة والى آخر في المفسدة، فإذا اجتمع الأمران اجتمعت المفسدة والمصلحة في المجمع، وكان من صغريات محل النزاع، وبهذا التقرير لايرد عليه ما في نهاية الدراية (1)، فراجع. وأما الإيراد عليه - كما فيها - أيضا بان هذه المصالح والمفاسد العقلائية ربما لم تكن هي الملاكات الباعثة للبعث والزجر عند الشارع، فمندفع: بأن غرض الكفاية إمكان اختلاف الملاكات باختلاف الإضافات، وحينئذ فربما لا يفترق من هذه الناحية الملاكات الشرعية والعقلائية، هذا. نعم، يرد عليه: أنه فيما إذا تعددت الإضافات مع وحدة العنوان المضاف، فظاهر الدليل عرفا بحيث لا تنبغي الشبهة فيه أن موضوع كلا الحكمين: الوجوب والحرمة، نفس ذلك العنوان الواحد، وأن تعدد الإضافة من قبيل تعدد الحيثية التعليلية، وعليه فالمجمع يرد عليه حكمان متنافيان على موضوع وعنوان واحد، ولذلك يعد دليلاهما متعارضين على كلا مسلكي الجواز والامتناع، وهذا هو سر ما اشتهر بين القوم من المعاملة مع مثل أكرم عالما ولا تكرم الفساق معاملة المتعارضين.


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 139، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 445 ]

هذا إن أتينا المطلب من ناحية نفس ظهوره المطابقي. وأما إن أتيناه من ناحية الملاكات، فنقول: بعد ظهور الإضافة المزبورة في الحيثية التعليلية، فاطلاق دليل الوجوب يكشف إنا عن اشتمال متعلقه على مصلحة ملزمة غير مزاحمة، كما أن اطلاق دليل الحرمة يكشف عن مفسدة ملزمة كذلك، وحيث إن القائم بالملاكين عنوان واحد فلا محالة يتعارض الاطلاقان في المجمع من هذه الناحية أيضا، فيجري فيهما قواعد التعارض، لااجتماع الأمر والنهي، ومنه تعرف النظر فيما أفاده في المقالات (1)، فراجع. هذا تمام الكلام في بحث اجتماع الأمر والنهي، ولله تعالى الحمد والشكر المتواتر وصلواته وسلامه على أوليائه أجمعين ولعنته على أعدائهم الى يوم الدين.


(1) المقالات: ج 1 ص 363 - 364. (*)

[ 446 ]

3 - فصل في أن النهي عن الشئ يقتضي فساده أم لا ؟ ولتقدم امور: الأول: قد مر في مقدمات مبحث الإجتماع أنه لاشك في اختلاف المسألتين بحسب جوهرهما - أعني الموضوع والمحمول - فلا وجه لتوهم الاتحاد بينهما، وقد عرفت توجيه ماعن الفصول، فراجع. وهاهنا نقول: إن القائل بجواز الاجتماع لابد وأن يقول بعدم اقتضاء النهي المتعلق بعنوان طار على العبادة لفسادها، حتى يتأتى له القول بجوازه، إذ مع فرض فساد العبادة بطرو ذلك العنوان، فلا معنى لتعلق الأمر بها حتى يجتمع هو والنهي، فمسألتنا هذه في خصوص مثل هذا النهي من مبادي القول بالجواز في العبادات هناك. نعم، في التوصليات هناك، وفي غير هذا القسم من النهي هنا ليس احدى المسألتين من مقدمات الاخرى، كما لا مقدمية مطلقا على القول بالامتناع، غاية الأمر أن يستلزم هذا القول فيما يقدم جانب الحرمة فساد العبادة المجمع للعنوانين، وهو ليس من المقدمية في شئ، على أنك قد عرفت وسيأتي إن شاء الله تعالى بطلان هذا الاستلزام. الثاني: قال في الكفاية ما حاصله: أنه لما كان في أقوال المسألة قول بدلالة

[ 447 ]

النهي على الفساد في المعاملات، مع انكار قائله الملازمة بين الحرمة والفساد فيها، ولم يكن له حينئد وجه إلا دعوى دلالة النهي عليه دلالة التزامية، فلذلك يصح عدها من مباحث الألفاظ. أقول: والظاهر أن هذا القائل هو صاحب الفصول (قدس سره) (1) فإنه اختار دلالته على الفساد في العبادات عقلا وعرفا ولغة، وفي المعاملات بالدلالة الالتزامية عرفا فقط، وصرح بما لفظه: لو ثبت التحريم بدليل غير لفظي كالإجماع والعقل لم يحكم بالفساد (2) " انتهى " وبين (قدس سره) كيفية هذه الدلالة بنحو لا مجال للإيراد عليه، بأن حقيقة الدلالة الإلتزامية هو الانتقال من معنى الى ما يلزمه لزوما بينا، فلابد فيها مضافا الى الملازمة كونها بينة، وبعد انكار الملازمة فلا مساغ لدعوى الدلالة الإلتزامية، فراجع. ثم إنه ينبغي أن يكون النزاع في أصل الاقتضاء وعدمه، من غير نظر الى خصوص دليل لفظي أو غيره - كما مر نظيره في بحث مقدمة الواجب -، والمراجعة الى استدلالات الطرفين يشهد على أنه وقع كذلك، فربما يستدلون بدلالة اللفظ، واخرى بحكم العقل، وثالثة بملازمات عقلية، وحينئذ فيكون المسألة أعم من هذه الجهات، ويبحث فيها عن ثبوت الملازمة بين الحرمة والفساد، لكي يستنتج منها فساد الشئ إذا كان متعلقا للحرمة. ومنه تعرف كونها أصولية فتدبر جيدا. الثالث: ظاهر لفظ النهي الواقع في عنوان النزاع يعم كل نهي، سواء كان تنزيهيا أو تحريميا، نفسيا أو غيريا، ولا ينافي ذلك انفهام خصوص التحريمي النفسي من إطلاق الزجر بهيأة لا تفعل أو مادة النهي، وذلك أن لفظ النهي كسائر المطلقات إنما وضع لطبيعة المنع الصادق في جميع هذه الاقسام، وانفهام


(1) وقد حكي أن سيدنا الاستاذ المحقق اليزدي - طاب ثراه - لما فهم من الكفاية أن هذا القائل يقول بالبطلان في خصوص المعاملات أورد عليه: بأنا لم نعثر على قائله بعد التتبع التام (منه عفي عنه). (2) الفصول الغروية: ص 141 س 27. (*)

[ 448 ]

خصوص النفسي التحريمي إنما هو بملاحظة أن زجر المولى عن شئ إذا قام بصدد الزجر عنه يكون اطلاقه حجة على العبد، لا يجوز له التخلف عنه مطلقا أو إذا لم يحرم أمر آخر، وهكذا الأمر في مادة الأمر وهيأته، وهذا لا ينافي الأخذ باطلاق المادة كسائر المطلقات، والحكم بشمولها لكل الأقسام إذا لم يستعمل في مقام انشاء الزجر. وبالجملة، انفهام فرد خاص إنما هو من ناحية كونه حجة عقلائية عليه، وهو إنما يكون فيما استعمل في مقام الإنشاء، وقد مر منا نظير ذلك في بعض مقدمات مبحث الإجتماع فراجع. وعليه فدخول النهي التنزيهي في محل النزاع يكون لشمول اللفظ. نعم، النهي التبعي بناء على تفسير المصنف صاحب الكفاية (قدس سره) حيث يكون كراهته إرتكازية تبعية فلا محالة لم يقع في قالب الإنشاء أصلا، لعدم الالتفات إليه تفصيلا، والنهي لا يطلق على ما لم يلتفت إليه، فقهرا دخوله يكون تبعيا ملاكيا. ثم إنه لا يذهب عليك أن دخول قسم في محل النزاع لا يستلزم التصديق بجريان وجه الصحة أو الفساد فيه، وإنما يبتنى على قول قائل بجريانه فيه، فلا حاجة ولا وجه لإتعاب النفس في إجراء وجههما - كما ربما يتراءى من نهاية الدراية (1) فراجع - وتحقيق الأمر سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما النهي الإرشادي بعد فرض أنه ارشاد الى الفساد، فلا محالة يكون خارجا عن محل النزاع، وإن كان صريح المقالات دخوله. الرابع: إطلاق لفظ الشئ الواقع في العنوان يشمل كل ما يتعلق به النهي، عبادة كانت أو معاملة، والعبادات - بالمعنى الأخص - يعتبر في صحتها إتيانها بداعي القربة من قصد أمرها ونحوه، سواء كانت ذاتية أو غيرها، والمراد بالعبادة الذاتية وغيرها مذكور في الكفاية، والمعاملات مقابل العبادات بالمعنى المزبور، فهي مالا يعتبر في صحتها قصد القربة، سواء كانت من المعاملات المعهودة عقودها


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 141 - 142، ط، المطبعة العلمية. (*)

[ 449 ]

وإيقاعاتها، أم من قبيل التطهير من الحدث أو الخبث - مثلا - فإن جميعها داخل في محل النزاع، أما المعهودة منها فواضح، وأما غيرها فيشهد لدخولها استدلال الشيخ (قدس سره) في المبسوط لعدم حصول الطهارة بالاستنجاء بالمطعوم بقوله: كل ما قلنا لا يجوز استعماله لحرمته أو لكونه نجسا، إن استعمل في ذلك ونقى به الموضع لا يجزي، لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. وقد يقال: كما في نهاية الدراية (1) بعدم عموم ملاك النزاع له بخلاف المعهودة، وذلك أن الملكية - مثلا - مترتبة شرعا على أن يتسبب المكلف بأنشائه الى ايجاده، بأن يقصد بانشائه تحصيل موضوع اعتبار الشارع، وهذا التسبب إنما يتحقق في الخارج ويصير مصداقا للتسبب إذا اعتبر الشارع الملكية عقيبه، وحينئذ فإذا نهى الشارع عن البيع فقد حرم هذا التسبب، وفيه يمكن أن يقال: إنه ملازم عرفا لفساده وعدم اعتبار الشارع للملكية، وهذا بخلاف مثل الطهارة، فإنها مرتبة على وجود موضوعها في الخارج، وهو غير متقوم بالقصد الى ترتبها، بل يعتبرها الشارع ولو حصل قهرا، فكيف يقال بمنافاة حرمة سببها لاعتبارها ؟ أقول: فيه أولا: أنا وإن سلمنا تمام ما افيد إلا أنه موجب لعدم الاذعان منا - مثلا - بشمول ملاك النزاع لمثلها، ولا يوجب عدم وقوع النزاع فيها بعدما عرفت من تصريح مثل الشيخ (قدس سره). وثانيا: أن الفرق المزبور ممنوع، إذ لا نسلم أن يعتبر في إنشاء البيع أزيد من إنشاء الملكية وأما قصد ايجاد موضوع اعتبار الشارع أو العقلاء فغير معتبر فيه، بل البائع ينشئ الملكية، والشرع أو العقلاء قد يمضون إنشائه وقد لايمضونه، كيف ولو اعتبر في الإنشاء قصد ايجاد موضوع اعتبارهم لما أمكن من الملتفت الى فساد المعاملة الجد إليها، وهو بمكان من الفساد، فإنشائه موضوع لاعتبار الشارع لا تسبب الى ايجاد موضوعه قصدا، ولو فرض أنه تسبب فهو بالحمل الشايع لا الأولى.


(1) كما في نهاية الدراية: ج 2 ص 143، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 450 ]

الخامس: أن إطلاق لفظ " الشئ " وإن عم كل شئ إلا أن البحث لما كان عن اقتضاء النهي لفساده فلا محالة يختص بما كان قابلا للاتصاف بالصحة والفساد، والظاهر أن الاتصاف بهما إنما يكون فيما كان للشئ بطبيعته أثر شرعي مطلوب للمولى أو العبد، بحيث يكون المولى بأمره أو العبد بفعله في مقام تحصيله، كالمعاملات بالمعنى الأخص والواجبات أو المستحبات الشرعية، فما ليس له أثر شرعي كذلك فهو خارج عن محل النزاع، فمثل أسباب الضمان مطلقا لايدخل في محل النزاع، وإن كان مما يترتب عليه أثر الضمان بعض الأوقات دون بعض، فإن اليد على مال الغير موجبة للضمان إذا كانت بغير إذنه، وغير موجبة له إذا كانت بإذنه، كما أن الغسل موجب للطهارة إذا كان واجدا للشرائط، وغير موجب لها إذا لم يكن واجدا لها، والوجه في خروجه أنها لا تتصف بالصحة والفساد لعدم ترتب أثر مطلوب عليها، كما لا يخفى. ومنه تعرف خروج العبادة بالمعنى الأعم، أعني التوصلي المأتي بقصد أمره، عن محل النزاع، إذ الغرض المطلوب من طبع التوصلي غير موقوف على قصد القربة، فلا يتصف بالصحة والفساد إلا من ناحيته، لامن ناحية الثواب الغير المطلوب فيه. نعم، لعل ملاك البحث في العبادات بالمعنى الأخص يشمله ويعرف حكمه منها، ومما ذكرنا تعرف النظر فيما يظهر من الكفاية وغيرها من أن ملاك الاتصاف بهما صرف ترتب الأثر وعدمه، فراجع. السادس: حيث إن ملاك الفساد ومنشأه هو منافاة المبغوضية الفعلية للمحبوبية أو ترتب الأثر، وهي غير النهي الذي هو الزجر الإنشائي، والمفروض أنه قد اسند الاقتضاء في العنوان الى نفس النهي، فلا محالة لابد وأن يراد من الاقتضاء الاستلزام والكشف، لا السببية والمنشئية، وعليه فلا وجه لدعوى ظهور العنوان في أن المبحوث عنه هو الفساد الناشئ عن قصور في المصلحة، لا هو والناشئ عن قصور في التقرب، كما في المجمع لعنوانين مأمور به ومنهي عنه.

[ 451 ]

إذ منشأ الاستظهار دعوى أن الاقتضاء استند الى نفس النهي، وهو يتم في الفساد الناشئ عن قصور المصلحة، لا التقرب، فإن التقرب إنما يمنع عنه العلم بالنهي لانفس النهي، وهذه الدعوى غير تامة، بعدما عرفت من أنه لابد وأن يراد من الاقتضاء الاستلزام، وهو جار في الفساد التقربي أيضا، غاية الأمر اختصاص هذا الاستلزام والكشف فيه بمورد خاص، أعني ظرف العلم. وأما دعوى أنه لا يعقل دخول الفساد التقربي في موضوع البحث، إلا على القول بامتناع الاجتماع، إذ عليه يتعلق النهي بالشئ الموصوف بالصحة والفساد، وإلا فعلى القول بالجواز فمركب الأمر غير موضوع النهي. وحينئذ فلا مجال للبحث عن فساد ما لا يكون إلا حراما محضا، فإنه لا يكون إلا مبعدا محضا. فممنوعة بأنه تقييد لاطلاق محل النزاع، للاعتقاد بعدم مجال للقول بالصحة، وقد عرفت أن شمول النزاع لمورد لا يستلزم التصديق بوجود ملاك القولين فيه، مضافا الى ما عرفت وسيأتي إن شاء الله تعالى من إمكان القول: بالصحة على الامتناع وتقديم جانب النهي أيضا، مضافا الى أنه سيأتي عن قوم الاستدلال بالنهي على الصحة. فما في المقالات (1) مما لا نستطيع تصديقه فراجع. السابع: يشبه أن يكون اطلاق الصحة والفساد - في العرف - على ماكان له مزاج خاص بحسب طبعه، فإن بقي على مزاجه فهو صحيح، وإن عرضه وصف آخر مضاد فهو فاسد، فهما وصفان وجوديان متضادان، ومع ذلك فقد يتراءى استعمال الفاسد فيما لا يستعمل الصحيح فيه، وبالعكس - مثلا - يقال لللحم إذا تغير عن طبعه: إنه فاسد، ولايقال لسالمه: إنه صحيح، وكذا يقال لمثل الظروف والأوعية: إنها صحيحة، ولايقال لها: فاسدة، وكيف كان فلا ريب في أنهما ليسا مساوقين للتمام والنقصان، كما اوضحه سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي -. نعم، لا ينبغي الشك في استعماله عند المتشرعة في الواجد لجميع أجزائه


(1) المقالات: ج 1 ص 384 - 385. (*)

[ 452 ]

المعتبرة وشرائطه، بحيث يترتب عليه أثره المطلوب، والفاقد له، فكأنهما نقلا عندهم فيما يترتب عليه الأثر المطلوب، ومالا يترتب، ففي هذا المعنى يمكن أن يقال: إنهما عدم وملكة على المعروف، لاعتبار قابلية المحل لأن يتصف بالصحة فيما يتصف بالفساد، لالكونهما معا وصفا للماهية الموجودة، فإن الملاك في تقابل العدم والملكة ذاك لا هذا، ومنه تعرف النظر فيما حكي عن المحقق النائيني (قدس سره) (1) فراجع. فالحاصل: أن المعنى بهما عند المتشرعة هو ما يترتب الأثر المطلوب عليه ومالا يترتب، والاختلاف في التفاسير لو كان فإنهما هو اختلاف في المصداق دون المفهوم، كما في الكفاية. وعلى ما ذكرنا فكما يتصف بهما غير المعاملات يتصف بهما المعاملات بالمعنى الاخص أيضا، فإن أسماءها وإن كانت موضوعة للمسببات إلا أن الحق أن لهذه المسببات وجودا اعتباريا قد ينفك عن الأثر، كما في بيع الفضولي، فإنه يصدق عليه البيع بلا تجوز ومسامحة، ومع ذلك فتأثيره شرعا وعند العقلاء مشروط برضاء المالك، فالصحيح ما لحقه الشرط والفاسد خلافه. نعم، إذا كان الاخلال بحد يسلب حقيقة عنوان المعاملة، كما لو باع ولامثمن فهناك لا بيع - مثلا - لا أنه بيع فاسد، فلا مجال للاشكال على جريانهما فيها بأنها بسائط، أمرها دائر بين الوجود والعدم، لا الصحيح والفاسد. وأما ما أجاب به المحقق النائيني (قدس سره) من أن الإيجاب والقبول: بمنزلة الآلة للبيع، كالقلم للكتابة، فالصادر عن المكلف أمر واحد، بمعناه المصدري إيجاب وقبول، وبمعناه الاسم المصدري نقل وبيع، فاتصاف الإيجاب والقبول بالصحة والفساد عبارة اخرى عن اتصاف البيع بهما. ففيه أن لفظي الإيجاب والقبول إذا كانا بمنزلة الآلة، فلا محالة يكونان غير ذي الآلة، أعني نفس الأمر الإعتباري، كما أن القلم غير الكتابة. فاتصافهما


(1) فوائد الاصول: 458. (*)

[ 453 ]

بالصحة والفساد أجنبي عن اتصاف نفس المعاملة، وكيف يعقل أن يكون الايجاد المصدري مركبا، والموجود واسم المصدر بسيط، مع أنهما في الخارج واحد على المعروف، أو مقيس بالنسبة الى شئ واحد، كما هو الحق. تنبيه: إن الصحة والفساد، بأي معنى كانا، فهما ليسا من الأحكام الوضعية، لا بالذات ولا بالتبع، وإنما هما من الامور الانتزاعية، وذلك أنه إن اريد بهما واجدية العمل لما يعتبر فيه، حتى يترتب عليه المراد من سقوط الأمر أو الأثر الخاص كالملكية، وعدم هذه الواجدية، فلاريب في أنهما ينتزعان من مطابقة المأمور به الشرعي أو الموضوع ذي الأثر مع المأتي به وعدم مطابقته، وإن اريد بهما اسقاط الإعادة والقضاء وعدمه فهو أيضا ينتزع من ترتب هذا الأثر ودخالته في ترتبه وعدم ترتبه، وأوضح منهما لو اريد بهما موافقة المأمور به أو الشريعة وعدمها. نعم، قد يتوقف انتزاع هذه المعاني عن العمل على تصرف من الشارع في ما هو المأمور به، كما في قاعدة لا تعاد بالنسبة الى الصلاة وسائر موارد الإضطرار الذي يجزي الأضطراري عن اختيارية، وهو لا يوجب كون الصحة أو الفساد - مثلا - مجعولا تبعيا، إذ المراد من المجعولات بالتبع أن يكون نفس جعل الشارع مستتبعا لأمر اعتباري أو انتزاعي آخر، كما في الجزئية أو الشرطية التي يكفي في انتزاعها نفس أمر الشارع - مثلا - بالمركب منه أو المقيد به، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإن نفس الجعل الشرعي لا يكفي في انتزاعه، بل يتوقف على إتيان المكلف أيضا. ثم إن الصحة أو الفساد بأي معنى اريد منه فهو في الكلي والمصاديق واحد، فصحة العمل الجزئي أيضا عبارة عن وجدانه لجميع ما يعتبر في المأمور به أو موضوع المعاملة، كما أن صحة العبادة أو المعاملة كذلك فما هو صريح الكفاية من الفرق بينهما غير واضح.

[ 454 ]

وأما الإشكال عليه في المعاملات: بأن الموصوف بالنفوذ هو الأفراد لا الكلي - كما في نهاية الدراية (1) ففيه - مع عدم اختصاصه بالمعاملات بل هو على تسليمه جار في العبادات أيضا، فإن الموصوف بالمسقطية أيضا هو العمل الشخصي لا الكلي فتدبر جيدا - أن كلام الكفاية مبني - على الظاهر - على ما مر منه في بحث اجتماع الأمر والنهي، من أن الكلي ليس إلا نفس الموجود الخارجي، وأن متعلق الأحكام نفس المعنونات لا الألفاظ ولا العناوين، وحينئذ فالمراد بالكلي هو وجود الطبيعة، غير ملحوظ فيه أية خصوصية حتى هذية المصداق، والمراد بالفرد، هو مصداقها الذي لا يتعرى على الأقل من هذه الهذية، وعليه فتعلق النفوذ والإسقاط بالكلي مما لا محذور فيه، ومنه نعرف ما، في كلام سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله -. الثامن: لاأصل في نفس المسألة الاصولية، لفظية كانت أو غيرها، وأما الفرعية ففي المعاملات الأصل عدم حصول الآثار المجعولة كالملكية، وفي العبادات إن رجع الشك الى اعتبار شئ في المأمور به شرعا فهو من الأقل والأكثر، وإن شك في حصول القربة فالمحكم هو استصحاب بقاء التكليف وقاعدة الاشتغال، ويلحق بالعبادات الواجبات التوصلية، التي هي أيضا من المعاملات بالمعنى الأعم، فإنه إن رجع الشك الى الشك في تقييد المأمور به بشئ، فهو من الأقل والاكثر، وإن علم التقييد خطابا وشك في حصول الملاك بالمصداق الحرام، فاصالة الاشتغال واستصحابه محكمة. التاسع: أن موضوع البحث - كما مر - هو كل ما يتصف بالصحة والفساد، مما يكون مطلوبا، فيبحث في هذا المبحث عن أن النهي عنه يوجب فساده بنفسه أم لا، وعليه فإطلاق موضوع البحث شامل لنفس العبادة وجزئها وشرطها، وكذلك المعاملة، وأما البحث عن ان جزء العبادة عبادة بمعنى أعتبار قصد القربة فيه أيضا أم لا فهو خارج عن بحثنا هذا. وإن كان الحق اعتباره فيه، إذ الدليل على اعتبار


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 146، ط، المطبعة العلمية. (*)

[ 455 ]

قصد القربة في نفس العبادة بعد أن لم يكن الكل إلا نفس الأجزاء يدل عليه، فالجزء وإن فرض عدم اعتبار القربة فيه بذاته إلا أنه بما أنه عين الكل تشترط فيه، كالذبح في الحج بما أنه ذبح وبما أنه عين الحج، وهذا بخلاف الشرط الذي لا يكون العبادة مركبة منه ومن غيره، بل يعتبر كونها متقيدة به، فمقتضى اعتبار القربة في العبادة أنها لو أتى بالمقيد بما أنه مقيد بقصد القربة، ولكنه فعل القيد بغير هذا القصد كان عبادته صحيحة، مثلا لو تستر باللباس لئلا يذهب ماء وجهه، ثم صلى لأداء وظيفته كانت صلاته صحيحة، فالشرائط كلها يحتاج اعتبار قصد القربة فيها الى دليل خاص، ومنها الأوصاف المعتبرة في قراءة الصلاة كالجهر والاخفات. وأما الأوصاف التي ليست بشرط فإذا نهى عنها فهي وإن كانت غير مفارقة عن الصلاة وغير مستقلة بالوجود فالنهي عنها ليس عين النهي عن الصلاة، بل هي كالأوصاف المفارقة، حيث إن الإتيان بها متحد مع الإتيان بالصلاة - مثلا - فإن الجهر هو بعين القراءة، كما أن الغصب بعين الصلاة، فكونه من مصاديق النهي عن العبادة مبني على امتناع اجتماع الأمر والنهي، وأما الخدشة في المثال لتعلق النهي بالوصف اللازم بالجهر والاخفات، بما في نهاية الدراية (1)، من أنهما من مراتب القراءة لا وصفان عارضان عليها، فهي مبنية على دقة عقلية غير معتنى بها هنا، بعد ماكان بنظر العرف القراءة شيئا وجهرها أو اخفاتها وصفا لها، فإذا كان الأمر هكذا عندهم فلا محالة بناء على جواز الإجتماع بل على الامتناع أيضا يعد الآتي بالقراءة مع الوصف المنهي آتيا بالمأمور به وممتثلا لأمر مولاه، كما لا يخفى. إذا عرفت هذه الامور فالبحث يقع في مقامين: الأول: في العبادات: والظاهر أن محل البحث فيها - كالمعاملات - هو تعلق النهي المفروض كونه


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 149، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 456 ]

تحريميا تكليفيا بها، وأما البحث عن أن ظاهر النهي هو الحرمة تكليفا أو غيره فهو أمر آخر. فنقول: إن النهي إما نفسي وإما غيري، وكل منهما إما أن يتعلق بنفس عنوان العبادة أو بعنوان آخر منطبق عليها، أما النهي النفسي المتعلق بذات العبادة فلاريب في كشفه عن فسادها، إذ العبادة متقومة بقصد القربة، أعني الإتيان بها له تعالى، وهذا المعنى لا يعقل إلا فيما كان راجحا لديه مطلوبا له تعالى، فإذا نهى عن عمل بذاته فلا محالة يكون هذا العمل وإن اشتمل على مصلحة ما مبغوضا بذاته عنده غير مطلوب له، فسواء علم به العبد أم لم يعلم، فهو مرجوح عنده واقعا لا يعقل وقوعه عبادة، مضافا الى أن حال الالتفات لا يتمشى قصدها أيضا. ومنه تعرف النظر فيما في المقالات (1)، من منع البطلان فيما كان جاهلا بالحرمة، بملاحظة أن كون غالب المنهيات غيرية لبا يوجب تعلق الحب والبغض بما فيه مفسدة ومصلحة، وإن كانتا في ذات العبادة فتصير كالمتزاحمين، ويختص البطلان فيها أيضا بما إذا تنجز نهيه. وذلك أنه إذا نهى عن أمر نفسيا كشف نهيه عن أنه أمر ليس المولى بصدد تحصيله، بل بصدد تحصيل تركه، وإن كان قيامه بهذا الصدد لغلبة مفسدته الذاتية على مصلحته، فإذا قام بصدد تحصيل تركه وكان غير راجح عنده بل مرجوحا، لا يعقل وقوعه عبادة أبدا. هذا. وأما النهي النفسي المتعلق بعنوان منطبق على العبادة - بناء على أنه من النهي عن العبادة كما على القول بالامتناع - فإن كانت للعبادة مندوحة، لكنه أتى بها في المجمع بسوء اختياره، فحيث إن مقتضى النهي عنه إنما هو قصر سعة طلبه وتخصيصه بغير المجمع من غير تقييد لمتعلق الطلب، بل متعلقه هناك أيضا نفس الطبيعة، والمفروض - بمقتضى وجود المندوحة - أن المولى قام بصدد استيفاء غرضه وأمر بهذه الطبيعة، فكانت الطبيعة راجحة لديه، فلا قصور في المجمع بعد


(1) المقالات: ج 1 ص 386. (*)

[ 457 ]

اشتماله على الغرض الراجح عند المولى، أن يؤتى به طلبا لتحصيل هذا الغرض، ويكون امتثالا لذلك الأمر، وإن كان عاصيا في مخالفة هذا النهي أيضا. نعم، إذا لم يكن لها مندوحة، فإن قلنا: ببقاء الأمر على فعليته، وكون العجز عذرا فقط، فحاله حال وجود المندوحة، وأما إن قلنا: بسقوطه عن فعليته، فالمولى رفع اليد عن المطلوبية، وهو بالفعل قد نهى عن العبادة فكانت عنده مطلوبة الترك، وما حاله هذا كيف يؤتى به لأجل المولى ؟ اللهم ! إلا أن يكون جاهلا بالحرمة جهلا يكون فيه معذورا، إذ معه تسقط الحرمة عن الفعلية، ومعه لامانع من فعلية الأمر، فتصح العبادة كما مر تفصيله في مبحث الاجتماع فتذكر. وأما النهي الغيري فطلب ترك العمل والنهي عنه إنما هو لأجل العمل بوظيفة اخرى، وإلا فهو بنفسه مطلوب، فبعد البناء على مخالفة تلك الوظيفة لا بأس بإتيان العمل له تعالى. هذا. وأما الإشكال في تصوير تعلق النهي النفسي التحريمي بذات العبادة، فهو مع جوابه مذكور في الكفاية، بلا حاجة الى الالتزام بأن المنهي هو المأتي به تشريعا، وإلا فلا دليل على حرمة التشريع، وذلك أنه إن اريد منه ما يتوقف على عقد القلب بوجوب ما ليس بواجب جزما فهو غير ممكن، فإنه لا يعقل عقد القلب بخلاف ما يعتقده، وإن اريد به البناء القلبي على أن يعمل معه خارجا معاملة الواجب، فأي دليل على حرمة هذا البناء أو العمل على طبقه، وكيف يكون نفس هذا البناء أو مع العمل على طبقه تصرفا في سلطان المولى ؟ أم كيف يكون التصرف في سلطانه هذا التصرف حراما شرعيا، نعم، ما ثبت بالأدلة حرمته هو إدخال ما ليس من الدين فيه، وهو مساوق للبدعة، وإدخال شئ في الدين بين الناس بحيث يترتب عليه خارجا - ولو عند بعض - آثار ما هو جزء من الدين، ويعد عندهم منه. هذا. مضافا الى أن المعقول من التشريع لا يصحح القربة المعتبرة في العبادات، إذ البناء القلبي لا يوجب كونه مطلوبا للمولى حتى يأتي به له تعالى. هذا كله في النهي التحريمي.

[ 458 ]

وأما النهي التنزيهي فالنفسي منه المتعلق بذات العبادة يكشف عن مطلوبية ترك ذاتها عند المولى، فليس فيها جهة يمكن بها إتيانها للمولى فلا محالة تقع باطلة، ومتعلق النهي هنا أيضا نفس العمل بلا قصد القربة، فلا يرد أن لازمه تجويز التشريع، وأما النفسي المتعلق بعنوان منطبق على العبادة - بناء على القول بامتناع الاجتماع - ففي ما له مندوحة، فجمعا بين غرضي المولى يكون المجمع منهيا عنه فقط تنزيها، إلا أنه قد عرفت صحة العبادة في المجمع حينئذ في التحريمي أيضا، وفي مالا مندوحة فلا محالة يرفع المولى يده عن الزجر التنزيهي، ويوجبها فعلا، فتصح بلا إشكال. وقد يتوهم أن الكراهة الفعلية لا تنافي تعلق الطلب والأمر بالمكروه، غاية الأمر أن يصير أقل ثوابا، بخيال أن الكراهة متقومة بجواز الترك، فتجتمع مع الوجوب والندب، وهو يندفع بما مر في بحث العبادات المكروهة، من أن حقيقة الكراهة هو الزجر عن العمل، غاية الأمر أن المولى يجيز مخالفة زجره، وإلا فالزجر مطلقا يخالف البعث مطلقا، وقد مر التفصيل فراجع. المقام الثاني في المعاملات: والنهي فيها إما عن عنوان طار عليها متحد معها، وإما عن نفسها بذاتها، أما النهي عما يتحد معها فعدم استلزامه لفسادها واضح، وأما النهي عن أنفسها فتفصيل القول فيه أن المتصور في المعاملة بمعناها الأخص امور: نفس الألفاظ أو الفعل المنشأبهما المعاملة، والمعنى الاعتباري المقصود من المعاملة الذي هو حقيقة هذه المعاملة، والأثر المترتب عليها كالملكية، والتسبب بالألفاظ - مثلا - الى حقيقة المعاملة، أعني استفادة المنشئ واستعماله لها وتوصله بها الى تلك الحقيقة، والتسبب بالألفاظ الى الأثر، والتسبب بحقيقة المعاملة الى الأثر. أما الألفاظ فلا ريب في أنها فعل له مباشري، لكن النهي عنها غير ملازم للفساد. وأما حقيقة المعاملة كالبيع والإجارة فهي من أفعاله الإنشائية، وهي من

[ 459 ]

الموجودات الاعتبارية العقلائية، وقوامها عند العقلاء ليس بأن تقع صحيحة مترتبا عليها الأثر، فإن الغاصب يصدق على معاملته البيع، بلا تجوز ومسامحة، مع أنها باطلة في سوق العقلاء أيضا. وبالجملة: فالنهي عن هذا المعنى الاعتباري أيضا لا يلازم فساده، وعدم ترتب الأثر المطلوب عليه، كما أنه لا يدل على صحته، إذ حقيقة هذا المعنى بلا تجوز غير منوطة بالصحة، فالمكلف قادر عليه وإن حكم ببطلانه وعدم ترتب الأثر عليه شرعا وعرفا، فما عن أبي حنيفة والشيباني بلا وجه. وأما الأثر كالملكية فهو نفسه من اعتبارات الشارع وقوامه باعتباره، وليس من أفعال المكلف لا ابتداء ولا إنشاء، نعم، له دخل في حصوله، إذ هو الذي يحقق ويوجد موضوع اعتباره، وبهذا المعنى يصح انتسابه إليه وإن نهى عن ايجاده، وحينئذ قد يقال باستلزام النهي عن إيجاده، لفساده وعدم اعتباره شرعا، وذلك أن إيجاد الملكية بما أنه إيجادها إذا كان مبغوضا للشارع، والمفروض أن بيده أمر اعتباره، فلا محالة لا يعتبر هو ما في غاية المبغوضية له، إلا أن الحق هنا أيضا عدم الاستلزام، لاحتمال أن يتحقق له بعد انشاء المعاملة في اعتبار هذا الأثر غرض ومصلحة أقوى من المفسدة المترتبة، وحيث إن هذه المصلحة والغرض غير مترتب ولا مقصود ما لم تنشأ المعاملة، فطريق الجمع بين المقاصد أن يحرم ايجاد الأثر على المكلف، بعدم انشائه لتلك المعاملة وعدم ايجاده لموضوع اعتباره، لكنه إذا اوجد موضوع الاعتبار فحيث إن مصلحة اعتباره أقوى من مفسدة وجوده يعتبر الأثر ويرتب عليه ولا إشكال. ومما ذكرنا تعرف حكم سائر الأقسام فلا نطيل. كما تعرف النظر في ما في نهاية الدراية في مقام الإشكال على الكفاية فراجع. هذا حكم المعاملات المنهية بحسب القاعدة وحكم العقل. وأما من حيث الرواية الواردة فالقول بالبطلان مبني على استظهار عصيان التكليف من لفظ العصيان الوارد في الرواية، أما لو استظهر أو احتمل أعم مما

[ 460 ]

يشمل خلاف المجعول الوضعي فلا دليل فيها أيضا للبطلان. ثم إن هذا كله إذا علم أن النهي الوارد تحريمي تكليفي، وأما إذا تعلق النهي عن معاملة، ولم يعلم بالقرينة أنه تكليفي أو وضعي، فطبقا لما أفاده سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي -: من أن كل شئ لم يكن مقصودا لنفسه وإنما يكون المقصود منه أمرا آخر فالنهي عن المعاملات ظاهر في الوضعي، وإنما ينهي عنها إرشادا الى عدم ترتب الأثر المقصود عليها.

[ 461 ]

المقصد الثالث في المفاهيم مقدمة: في تعريف المفهوم وتحرير محل النزاع: إذا اطلقت جملة شرطية - مثلا - كقولنا: " إن جاءك زيد فأكرمه " فلاريب في دلالة ألفاظها بمقتضى الوضع على المعنى الذي هذه الألفاظ قوالب له. وبعبارة اخرى تدل على معناها في محل النطق، وربما ننتقل من خصوصية المعنى وتعليقه على شرط الى انتفائه بانتفاء الشرط، وحينئذ يكون لنا دالان ومدلولان، إذ اللفظ دل بلا واسطة على معنى هو قالب له، وهذا المعنى أيضا قد دل على معنى آخر بلحاظ تخصصه بخصوصية، فالدال الأول مما نطق به، والدال الثاني مما فهم منه، فبحسب المعنى اللغوي يكون الدال الأول منطوقا والثاني مفهوما، ومدلول اللفظ يختص بأنه فهم من اللفظ، ومدلول المعنى بأنه فهم من المعنى، كما أن احدى الدلالتين تختص بأنها باللفظ، والاخرى بانها بالمعنى، فبنحو المجاز والادعاء يصح دعوى أن معنى اللفظ أو دلالته منطوق، وأن مدلول المعنى أو دلالته مفهوم. وبالجملة: يصح كون المنطوق أو المفهوم وصفا للدال والمدلول والدلالة، وإن كان التوصيف في بعضها مجازيا، إلا أن الظاهر من كلماتهم أن المنطوق والمفهوم يراد بهما المعنى المدلول عليه باللفظ والمعنى، فراجع.

[ 462 ]

وعليه فلا بأس بتعريف المفهوم بما يستفاد من الكفاية، من أنه حكم انشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي اريد من اللفظ بتلك الخصوصية، وماقد يؤخذ في تعريفه من أنه من المداليل الإلتزامية - كما عن المحقق النائيني (قدس سره) - لا يوافق استفادته من مقدمات الإطلاق، إذ المعتبر في الدلالة الإلتزامية اللزوم البين بالمعنى الاخص، بمعنى أنه ينتقل الى المدلول الإلتزامي بمجرد سماع اللفظ وفهم معناه، والمفهوم المستفاد من مقدمات الإطلاق ليس كذلك، كما لا يخفى. ثم إن الحق أنه من مداليل الألفاظ، ولو كانت الدلالة عليه بواسطة المعنى، كما في الدلالة الإلتزامية، وقد يقال: بأن المفهوم من قبيل مدلول الفعل، ببيان أن استفادة المعنى من اللفظ، بحيث يمكن الإحتجاج على المتكلم بإرادته له، تتوقف على أربعة امور مترتبة: الأول: عدم كون المتكلم لاغيا وكونه مريدا للإفادة. الثاني: كونه مريدا لإفادة ما هو ظاهر اللفظ، بحيث يكون ظاهره مرادا له جدا، في قبال إلغائه تقية أو لجهات اخر. الثالث: كون لفظه ظاهرا في المعنى. الرابع: حجية الظهور. والمتكفل للأمر الثالث والرابع وإن كان دلالة اللفظ وحجية الظواهر، إلا أن المتكفل للأولين دلالة الفعل، إذ قد استقر بناء العقلاء على حمل فعل الغير على كونه صادرا عنه لغايته الطبيعية، بحيث لا يعتنون باحتمال صدوره لغوا، ولا باحتمال صدوره لغير غايته النوعية، وبهذه الجهة يحمل لفظه على كونه صادرا عنه لغرض الإفادة لا لغوا، وعلى أن كيفية إفادته بإرادة ما هو ظاهر له ومعناه، وهذا البناء كما هو ثابت في مجموع الكلام، كذلك يكون ثابتا في قيوده من الشرط أو الغاية أو الوصف - مثلا - فيحمل ذكر الشرط - مثلا - لحكمه على أنه صادر لغرض الإفادة المتوقعة منه، أعني كونه دخيلا في ترتب الحكم على موضوعه في قبال أن يكون ترتبه على الموضوع بلا أي شرط، وكون الموضوع نفسه تمام الدخيل في ترتب الحكم.

[ 463 ]

هذا ما أفاده بعض الأعاظم من الأساتذة (قدس سره) على ما في تقرير بحثه (1). وفيه: أولا: أن غاية ما يسلم في الأفعال بما أنها أفعال أنها تحمل على عدم صدوره جزافا وبلا غاية عقلائية، ولذلك يحمل ذكر اللفظ أيضا على أنه لم يكن لغوا وجزافا، وأما أن هذه الغاية افادة المعنى الظاهر من اللفظ فهو عبارة اخرى عن حجية ظاهر كلامه، بداهة أن ظاهر كلامه لو لم يكن حجة لما امكن الحكم عليه بأن غايته إفادة ظاهره، وبعبارة اخرى انفهام أن الغاية من اللفظ هو الغاية العقلائية النوعية وإن كان من قبيل مداليل الأفعال، إلا أن تعيين أن هذه الغاية النوعية هي إفادة الظاهر من بركات حجية الظواهر. وثانيا: أن بناء العقلاء في باب الظواهر على أن كل ما يكون ظاهرا من اللفظ ومدلولا منه فهو مراد لمتكلمه جدا، بحيث لا يعتنون باحتمال خلافه، سواء كان منشأ احتمال الخلاف احتمال ارادة خلاف الظاهر، أو احتمال التقية، أو احتمال التكلم به لا لإفادة معنى بل لغوا، أو تمرينا، وبعبارة اخرى جميع احتمالات الخلاف يدفع بنفس حجية الظواهر، سواء قلنا: بأنها أصل واحد هو أصالة الظهور أو أنها اصول متعددة، وتفصيل المقال في بحث حجية الظواهر. ومنه تعرف أن البحث في المفاهيم يكون بحثا صغرويا، وأن اللفظ هل يكون ظاهرا في المفهوم أولا ؟ وإلا فلو ثبت المفهوم فهو داخل في كبرى حجية الظواهر، ولانزاع في حجيته.


(1) نهاية الاصول: ج 1 ص 293 الطبعة الثانية. (*)

[ 464 ]

1 - فصل في مفهوم الشرط مفهوم الشرط هو انتفاء الحكم المذكور في الجزاء عند انتفاء شرطه، فهل يدل تعليق الحكم على الشرط على هذا الانتفاء أولا ؟ ومحل البحث هو أنه هل يدل التعليق المزبور بالوضع أو بقرينة عامة على ذلك الانتفاء ؟ وإلا فلا ينكر دلالته عليه أحيانا بقرينة خاصة. فنقول: لاريب في دلالة القضية الشرطية على ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، والمعية بينهما، ويحتاج القول بالمفهوم الى دعوى انحصار المصاحب والمع للجزاء فيما ذكر تلو أداة الشرط، وأن الشرطية بنفسها أو بقرينة عامة تدل على ذلك، من غير احتياج الى اثبات الملازمة المنحصرة أو للعلية المنحصرة، بداهة أن الشرط إذا كان مصاحبا منحصرا للحكم الثابت في الجزاء فلا محالة ينتفي بانتفاء مصاحبه المنحصر، وإن كان المصاحبة بينهما اتفاقية، فما في الكفاية وغيرها من التوقف على العلية المنحصرة فيه مالا يخفى. والحق أن أداة الشرط إنما تدل على أنه على تقدير تحقق تاليها المسمى بالشرط يتحقق الجزاء، وليس معنى هذا التقدير أنا نقدر أن الشرط وقع في الماضي أو سيقع في المستقبل، حتى يستفاد من فرضه في الماضي أنه لم يقع فيه، ومن تعليق أمر على غير واقع أن هذا الأمر أيضا لم يقع في الماضي - كما في نهاية

[ 465 ]

الدراية - بل معنى هذا التقدير ليس إلا ما قلناه من أنه على تقدير تحقق الشرط يكون الجزاء أيضا واقعا، سواء في ذلك الماضي والحال والمستقبل. وأما استفادة انتفاء الشرط في الماضي فهي من خصوصيات لو ولولا الشرطية، فربما يستفاد انتفاء الجزاء بالبيان المزبور، وإلا فربما لا يستفاد الانتفاء في الشرطية المستعملة بالنسبة الى الماضي أيضا، كما إذا قلت وانت شاك بالفارسية " اگر فلاني ديروز حركت كرده باشد امروز صبح بمقصد رسيده است ". وبالجملة: فمدلول الشرطية ليس إلا أن التالي محقق عند وقوع الشرط، من غير احتياج الى كون مصاحبتهما لارتباط وملازمة واقعية، فيكون استعمال أداة الشرط في القضايا الاتفاقية ايضا استعمالا لها في معناها الحقيقي، إلا أنه لا يبعد دعوى انصرافها إلى أنها لزومية، لكنه لا وجه لدعوى الاختصاص بما كان اللزوم من باب علية الشرط للجزاء، وإن كان ربما يدعى. وكيف كان فغاية مفادها ثبوت الحكم المذكور عند ثبوت الشرط أو لثبوته، وأما دلالتها على انحصار ثبوته بذلك فممنوعة، وقد ذكر لتقريب دلالتها بالاطلاق وجوه مذكورة في الكفاية وغيرها، واجيب عنها أيضا بما اغنانا عن التعرض لها، وإنما نتعرض من بينها لوجهين: الأول: ما في نهاية الدراية (1) من أنه بعدما كان ظاهر التعليق علية الشرط للحكم المذكور في الجزاء، فظاهر العنوان المذكور في الشرط أنه بخصوصيته له الدخل في العلية، فيكون طبيعة الحكم المذكور معلولا لخصوص العنوان المزبور، ومعه لا يمكن تحققه بشرط آخر، وإلا صدر الواحد عن اثنين. وفيه: أولا: منع الظهور في العلية. وثانيا: أن العرف والعقلاء لا يلتزمون باسناد الحكم الى الجامع فيما كانت العلة هو الجامع، بل يصحح بلا مسامحة اسناده الى كل من مصاديقه. وثالثا: أن الحكم ليس معلولا حقيقيا للشرط، ولا الشرط علة وموثرا في


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 163 - 164، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 466 ]

وجود الحكم، كيف والحكم أمر اعتباري يعتبره الشارع. ورابعا: أن قاعدة عدم صدور الواحد عن اثنين إنما هو في الواحد الشخصي البسيط من جميع الجهات، ولا تجري في الواحد النوعي، وان كان لا يبعد استفادة الوحدة النوعية لعلة نوع واحد، من باب لزوم السنخية بين العلة والمعلول، اللهم ! إلا أن يقال: إن السنخية أيضا إنما تقتضي ثبوت المعلول بحقيقته في ذات العلة، وأما لزوم كونها حقيقة واحدة ونوعا واحد فلا، بل غاية الأمر لزوم اشتراك كل ما هو علة له في هذا المعنى الذي هو علة لهذه الطبيعة، فتدبر جيدا. الثاني: ما في المقالات (1)، وحاصله: دعوى إطلاق الجزاء، ببيان: أن طبع تعليق الحكم على موضوعه وإن كان يقتضي إثبات الحكم بنحو الطبيعة المهملة عليه، فلا ينافي ثبوته في موضوع آخر، إلا أن هذا الحكم المهمل الثابت عليه بالنحو المهمل من حيث الموضوع، حيث علق على الشرط، وهي جهة خارجة وزائدة عن تعليقه على موضوعه، فلا بأس بأخذ الإطلاق فيه، ودعوى: أن وجوب إكرام زيد - مثلا - بنحو الإطلاق معلق على مجيئه ومشروط به فوجوب الإكرام وإن كان مهملا من حيث تعلقه بزيد فليس مطلق وجوب الإكرام معلقا عليه حتى ينتفي عن غيره، إلا أن مطلق وجوب إكرام زيد معلق على مجيئه، ومنه تعرف عدم ورود ما في تقريري لبحث سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي - عليه. نعم، يرد عليه: منع ظهوره في الإطلاق، بل ظهور القضية من هذه الجهة أيضا تعليق الوجوب بنحو مهمل على الشرط، كما يظهر بمراجعة الإرتكاز، نعم، لو ثبت انحصار المصاحب أو العلة في ما ذكر تلو اداة الشرط ثبت المفهوم. ثم إن كلامه (قدس سره) مبني على تسليم دلالة الشرط على الانحصار، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر ما فيه. وينبغي التنبيه على امور: الأول: ظاهر كلماتهم - في ما اطلعت - وصريح بعض - كما عرفت - أن


(1) المقالات: ج 1 ص 405. (*)

[ 467 ]

المبحوث عنه والملاك للقول: بالمفهوم وعدمه، هو أن الجملة الشرطية هل تدل على انحصار العلة في ما جعل شرطا ؟ إلا أنه قال في المقالات ما حاصله: أن دلالة الجملة الشرطية أو الوصفية بل اللقبية أيضا على الانحصار مسلمة عندهم ولا كلام فيها، وإنما كلامهم في أن المعلق على الشرط - مثلا - شخص الحكم أو طبيعته المهملة، حتى لا يقتضي انتفاء علته المنحصرة، إلا إنتفاء شخصه أو طبيعته المطلقة، حتى ينتفي الحكم مطلقا بانتفائه. واستدل على هذه الدعوى أولا: بأنهم مطبقون على انتفاء شخص الحكم بانتفاء المعلق عليه في هذه الموارد كلها، مع أنه مبني على الانحصار، وإلا فعلى احتمال عدم الانحصار، وتعلق شخص الحكم بأعم مما ذكر في القضية لما كان للجزم بانتفائه وجه. وثانيا: بأنهم صرحوا في المطلق والمقيد المثبتين بأنه إذا علم وحدة المطلوب فيجب تقييد المطلق، ولا وجه له إذا احتمل عدم الانحصار، إذ حينئذ يحتمل أن شخص الحكم الواحد الثابت في المقيد يكون علة ثبوته أعم من المقيد، بحيث يبقى ولو بانتفائه وثبوت المطلق (1). هذا. أقول: إن كلامه (قدس سره) إنما يتم لو كان مراد القوم في قولهم بانتفاء الشخص أن شخص الحكم بما أنه شخص معلق على الشرط أو الوصف أو غيرهما، وليس كذلك، فهذا صاحب الكفاية وغيره، ينطق بانتفاء الشخص، مع أنه يصرح بأن المنشأ والمستعمل فيه الهيآت أمر كلي، فمرادهم أن المعلق على الشرط - مثلا - وإن كان معنى كليا بحسب المفهوم، إلا أنه لاريب في تخصصه إذا وجد وتضيقه ذاتا بحيث لا يكون مقتضى هذا الإنشاء إلا ثبوت شرط الحكم المنشأ عند ثبوت الشرط، فهذه الحصة من الكلي عبر عنها في كلامهم بشخص الحكم. وعليه فلهم أن يقولوا بانتفاء الشخص، مع انكار الدلالة على الانحصار، ببيان


(1) المقالات: ج 1 ص 138. (*)

[ 468 ]

أن ظاهر الشرط - مثلا - أنه بعنوانه وخصوصيته دخيل في تحقق الكلي، وهو وإن كان لا ينافي دخالة شرط آخر بخصوص عنوانه في تحققه أيضا، إلا أن لازمه أن الحصة المعلولة أو المصاحبة لهذا الشرط تنتفي بانتفائه. ومنه تعرف صحة كلامهم في المطلق والمقيد بلا ابتناء له على انحصار العلية. وحينئذ فلاريب في أن المعلق هو المعنى الكلي، حتى أن الشيخ الأعظم (قدس سره) القائل: بخصوصية الموضوع له في الحروف والهيآت أرجع العلية المستفادة من التعليق الى الكلي، كما سيأتي ذكره إن شاء الله، والبحث ممحض في أن التعليق هل يدل ولو بالاطلاق على انحصار علة الكلي والطبيعة في ما جعل شرطا - مثلا - فيكون لازمه انتفاء الكلي بانتفاء الشرط، وانتفاء الكلي إنما يكون بانتفاء جميع أفراده ولو عرفا. الثاني: قال في الكفاية: إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاء شخصه ضرورة انتفائه عقلا، بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده " انتهى ". أقول: إن اريد الاستدلال على كون المفهوم انتفاء السنخ بضرورية انتفاء الشخص عقلا بانتفاء موضوعه، كما هو ظاهر العبارة فهو غير صحيح، إذ حكم العقل بالانتفاء ضرورة لا يوجب أن يكون للكلام مفهوم، ولا أن لا يكون، فإنه يصح مع تسليم هذا الحكم العقلي أن ينازع في أن اللفظ أيضا يدل على هذا الانتفاء أم لا، فالدليل على انتفاء الشخص عند مثبت المفهوم أمران، وعند المنكر منحصر في أمر واحد، هو حكم العقل، وإن أريد أن محل النزاع هو انتفاء السنخ، وهو المراد بالمفهوم، كما يظهر من التقريرات حيث قال: والمعتبر في المفهوم انتفاء الحكم عن مورد الشرط على تقدير انتفائه بحسب نوع الحكم وسنخه " انتهى " فله حينئذ وجه. وكيف كان فلا يصح الاستدلال على ثبوت المفهوم بما إذا كان انتفاء الحكم من لوازم انتفاء الشخص، إذ القول بانتفاء الشخص لما كان عقليا بلا اشكال فلا

[ 469 ]

محالة يعترفه المنكر أيضا، فلا يصح ما عن الشهيد الثاني من الاستدلال، لثبوت المفهوم في باب الوصايا والأوقاف والاقارير، بعدم النزاع والتشاجر في ثبوت المفهوم فيها، إذ وجهه ما في تقريرات الشيخ من أنه لا خلاف بينهم أنه إذا أوصى أو وقف على أولاده الفقراء - مثلا - أو إذا كانوا فقراء، فهذه الوصية أو الوقف لا يشمل غير الفقراء منهم، ويعد معارضا للوقف أو الوصية لمطلق أولاده. وفيه: أنا وإن أنكرنا المفهوم الا أن شخص هذا الوقف أو الوصية إذا انشئ على عنوان الفقير - مثلا - فمقتضاه أن ملكية الموصى به أو منافع الموقوفة تعتبر لهم، ومعلوم أن اعتبار ملكية عين أو منفعة لاحد لا يجتمع مع اعتبارها لغيره منفردا أو مشتركا. وبالجملة: فمعارضة الوقف الآخر أو الوصية الاخرى لما سبقه، وعدم شموله لغير العنوان المأخوذ فيه، من لوازم الشخص، ولا يدل تسليمها على القول بالمفهوم. نعم، إن كان من المسلم بينهم أنه إذا علق نفس الوقف أو الوصية وانشائهما على شرط، فهذا التعليق يدل على انتفاء الوقف والوصية بانتفاء الشرط مطلقا. بحيث يعد الوقف على نفس الموقوف عليهم بشرط آخر منافيا لهذا الوقف، فهو من لوازم انتفاء السنخ والقول بالمفهوم، فإذا قال: إن كان زيد عادلا فهذا وقف عليه، وقلنا بدلالته على أنه إن لم يكن عادلا فليس وقفا عليه، بحيث لو قال بعبارة اخرى: إن كان زيد فقيرا فهو وقف عليه لعد معا رضا له، فهو من لوازم انتفاء السنخ وقول بالمفهوم. ثم إن المراد بالسنخ هو الحكم الكلي المأخوذ فيه جميع القيود المذكورة في الكلام، سوى ما يؤخذ المفهوم من ناحيته وعند انتفائه، كالشرط - مثلا - وهذا المعنى الكلي هو المعلق على الشرط بناء على ما هو الحق من وضع الحروف والهيآت أيضا لمعان عامة، وإن كان سنخها يغاير سنخ المعاني الاسمية، وهذا المعنى غير ما يعبر عنه بناقض العدم الكلي، إذ ناقض عدم الطبيعة، وإن كان معنى

[ 470 ]

معقولا، بناء على ما حققناه تبعا للكفاية في اوائل مباحث النواهي، من أن وجود الطبيعة بوجود فرد ما وانتفائها بانتفاء جميع الأفراد عقلا، كما هو كذلك عرفا، إلا أنه غير منطبق إلا على أول وجود الطبيعة، والمعنى الكلي المعلق على الشرط هنا أوسع منه، فلو تحقق طبيعة الوجوب بتحقق الشرط فلا يصح تحققه ثانيا بغير هذا الشرط، بناء على القول: بالمفهوم فمقتضي المفهوم أنه لا يتحقق الوجوب ابدا بغير ما جعل شرطا، لا أنه لا يتحقق أول مصاديقه الا به. وكيف كان فبناء على كون المعلق معنى كليا، فلا وقع للإشكال بان غاية مفاد الشرط هو انتفاء الشخص، كما لا يخفى. نعم، لهذا الاشكال مجال بناء على كونه شخصيا، للقول بوضع الهيآت للمصاديق الجزئية من معناها - كما اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره) - لكنه (قدس سره)، أيضا أرجع التعليق الى الكلي وجميع المصاديق ببيان مذكور في التقريرات. وأحسن تقرير له أن يقال - ولعله مراد سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي -: إن المعلق على الشرط وإن كان نفس الحكم، إلا أن المفهوم عرفا من التعليق أن هذا التعليق إنما هو لمناسبة بين الشرط والإتيان بمادة الجزاء، وبعبارة اخرى لثبوت مصلحة في المادة إذا تحقق الشرط، وهذه المناسبة مستفادة عرفا فيما بين الشرط والمادة بمعناها الكلي، وحينئذ فيفهم تعليق الحكم الكلي على الشرط فقط، فتدبر جيدا. الثالث: حيث إن مبنى القول بالمفهوم على استفادة أن المصاحب المنحصر للحكم المنشأ هو الشرط - مثلا - فبانتفاء الشرط إنما ينتفي هذا الحكم المصاحب له دون غيره، فلابد من موافقة المفهوم للمنطوق في جميع القيود، إلا قيد الخصوصية المأخوذ بلحاظها المفهوم، إذ هي ثابتة في المفهوم المنطوق، منتفية في المفهوم، كما أن الحكم المنطوق مخالف للمفهوم نصا واثباتا أيضا. نعم، إن كان أمر من لوازم كون الحكم مثبتا أو منفيا فلابد من ثبوته، وعليه فإذا كان المنطوق حكما مثبتا على مادة مطلقة، كما إذا قال: إن جاءك زيد فأعتق

[ 471 ]

رقبة، فالواجب بحصول الشرط، هو عتق رقبة ما أي رقبة كانت، إذ هو مقتضى اجراء مقدمات الاطلاق، في معنى مادة عتق رقبة في الكلام المثبت، ومفهوم هذه الجملة أن الوجوب المتعلق بعتق رقبة منفي بانتفاء الشرط، وانتفائه بأن لا يجب عتق فرد ما أصلا. وبالجملة: فالملاك في أخذ المفهوم عرفا هو ملاحظة نفس المعنى المدلول عليه بالفاظ المنطوق، فينتفى الحكم عن هذا المعنى في المفهوم، وأما ما يفهم عنه في المنطوق بضميمة مقدمات الاطلاق، فهو غير معتبر في كيفية أخذ المفهوم. ومنه تعرف أن تعليق وجوب شئ على شرط يقضي بانتفاء الوجوب مطلقا عنه بانتفاء ذاك الشرط، وإن كان الوجوب الثابت له في المنطوق مرادا به خصوص الوجوب العيني النفسي التعييني المطلق بمعونة مقدمات الحكمة. هذا كله فيما كان المعلق مطلقا. وأما إذا علق على الشرط عموم، فبناء على ما ذكرنا من أن العبرة في المفهوم رعاية نفس المعنى المدلول عليه باللفظ، فاستفادة نفي العموم أو عموم النفي في ناحية المفهوم مبنية - كما في التقريرات - على أن الملحوظ في التعليق هل هو حيثية العموم بما هو عموم، أو نفس أفراد العام، والعموم إنما يكون آلة لتسرية الحكم إليها ؟ فلا كلام إذا علم بالقرينة الخارجية أن التعليق بأي من النحوين، ومع إنتفاء القرائن فلا يبعد أن يقال: إن إفادة العموم إن كانت بالألفاظ الموضوعة له، كما إذا قال: إن جاءك زيد فأكرم جميع العلماء، أو كلهم، أو كل واحد منهم أو العلماء جميعهم، فالظاهر منه أن المعلق حيثية العموم، ويكون المفهوم نفي العموم فقط، فلا ينافي ثبوت الوجوب لبعض منهم بدليل منفصل آخر، وإن كانت بنفس الجمع المحلى بالألف واللام، كما إذا قال: إن جاءك زيد فأكرم العلماء، فظاهره تعليق الأفراد وأن هيأة الجمع سمتها الآلية لتسرية الحكم إليها فقط، فمفهومه عموم النفي. ومما ذكرنا تعرف الحق فيما هو المفهوم لقوله (عليه السلام): " إذا بلغ الماء قدر كر لم

[ 472 ]

ينجسه شئ " (1) فإن الظاهر من هذا التركيب هو أن المعلق على الكرية عموم النفي، فالمنفي بانتفائها هذا العموم، فلا ينافي عدم تنجس القليل ببعض النجاسات، نعم لو كانت العبارة: " إذا بلغ الماء قدر كر لم يتنجس بالنجس " كان الظاهر منه تعليق عدم التنجس بالنجس على الشرط، ومفهومه أنه إذا انتفى الشرط يتنجس بالنجس، وهو باطلاقه يقتضي انفعال القليل بجميع النجاسات. وبالجملة فالمناط ما ذكرنا، فلابد من التدبر في كل مورد يرد علينا في الفقه. الرابع: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء فبناء على القول بالمفهوم، أو قيام قرينة على ارادته كورود القضيتين - مثلا - في مقام التحديد، كقوله: " إذا خفى الأذان فقصر " وقوله (عليه السلام): " إذا خفى الجدران فقصر " فلا محالة يقع التعارض بينهما، سواء كان الجزاء مما يمكن تكراره أم لا، فيبحث في هذا الأمر عن علاج تعارضهما، والبحث تارة عن تعيين المتعارضين، وأنهما المفهومان، أو المنطوقان، أو منطوق كل مع مفهوم الآخر، واخرى عن وجه علاج تعارضهما. والحق أن المفهوم قضية بنفسها كلية، غاية الأمر أنها في مقام الاستفادة والدلالة تابعة لخصوصية مرادة في المنطوق لازمة لها، فمنطوق كل منهما لا يجتمع مع شئ من هذين اللازم والملزوم، والتصرف في كل منهما ملازم للتصرف في الآخر، فلا وجه لما في تقريرات بعض أعاظم الأساتذة (قدس سره): من أن المفهوم أمر تبعي يستفاد من فحوى الكلام وليس له ظهور اطلاقي نظير الألفاظ حتى يخصص أو يقيد " انتهى " إذ كونه تبعيا لا ينافي تخصيصه أو تقييده بعد كونه عاما أو مطلقا، نعم، في انضمام عمومه تابع للمنطوق. وبالجملة: فمفهوم قوله: إذا خفى الأذان فقصر، قولك: إذا لم يخف الأذان لا يجب القصر، وهو أمر مطلق قابل للتقييد، وإن كان تقييده ملازما لتصرف في المنطوق أيضا بحسب الجد. هذا في التقييد بالمنفصل.


(1) الوسائل: الباب 9 من ابواب الماء المطلق ح 2 ج 1 ص 117. (*)

[ 473 ]

وأما المتصل فالقيد يقع في المنطوق، وبه يصير المفهوم مضيقا ومقيدا من أول انعقاده. هذا. وأما علاج تعارضهما ففيه وجوه معروفة، وخلاصة ما في الكفاية: أنه يحتمل الجمع بتقييد مفهوم كل منهما، وبالحمل على عدم مفهوم لهما، وبجعل الشرط مجموعهما، وبجعله الجامع بينهما، والوجه الرابع أمر غير عرفي وإن كان العقل يعينه فيما يثبت تحقق الجزاء في كل من الشرطين، والوجه العرفي للجمع هو الثاني، فيرفع اليد عن مفهومهما، ويحكم بثبوت الجزاء بكل منهما بمساعدة العرف، وبعد الجمع العرفي كذلك يتحقق موضوع ذاك الحكم العقلي، بعدم امكان صدور الواحد عن الكثير، فيكشف عقلا عن تأثير الجامع، هذا مراده (قدس سره)، وعبارته ظاهرة واضحة الدلالة على ذلك، فمن العجب حملها على معنى آخر والإشكال عليه بما هو مذكور في نهاية الدراية (1)، فراجع. ثم إن سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله - فصل في المقام: بأنا إن قلنا: بوضع أداة الشرط للعلية المنحصرة، فبالتعارض يسقط كل من الظهورين عن الحجية، إذ معه لا يمكن إرادة الموضوع له في كل منهما وليس أحدهما أولى من الآخر، وإن قلنا: بوضعها لأصل العلية واستفدنا الانحصار من الانصراف، فالعرف يحكم في مقام الجمع برفع اليد عن الانصراف، ويبقى ظهور كل في المعنى الحقيقي على حاله، وإن قلنا: بالوضع للعلية واستفادة الانحصار من الاطلاق، فأيضا يرفع اليد عن الاطلاق ويبقى المعنى الحقيقي على حاله، وأما إن قلنا: بأن الاستقلال والانحصار كليهما مستفادان من الاطلاق، فالانحصار في كل منهما لا يجامع استقلال الآخر فضلا عن انحصاره، فيعارضه كل منهما، وليس أحد منهما اولى برفع اليد من الآخر، فلا يمكن الحكم برفع اليد عن خصوص الاستقلال أو الانحصار في شئ منهما. هذا كله حكم كل من الشرطين بالنسبة للآخر. وأما بالنسبة لثالث يحتمل كونه مستقلا أو دخالته ضميمة، فعلى القول: باستفادة


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 166، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 474 ]

الأمرين من الوضع قد عرفت تعارض الشرطين، فلا ظهور سالم حتى يؤخذ به، وعلى القول: باستفادة الانحصار من الانصراف، فنفي احتمال الضميمة مسلم، كما مر، إلا أنه لا دليل فيهما على نفي احتمال استقلال ثالث، وعلى الوجهين الأخيرين ينفي احتمال الثالث، إذ تعارض الاطلاقين إنما هو في خصوص الشرط الآخر، فغاية الأمر سقوطهما عن الحجية بالنسبة إليه، وأما الثالث فكلاهما متطابقان على نفيه مطلقا. هذا كلامه " دامت بركاته ". أقول: لا ينبغي الشك في أن القائل: بالوضع للعلية المنحصرة لا يقول: بوضعها لهذا المفهوم الاسمي، ولامفهومها الحرفي، نظير وضع من للإبتداء الحرفي، إذ هو لا ينكر التعليق المستفاد من أداة الشرط، بل ما نفهمه وندعي أنه بالقرينة وكون المتكلم في مقام التحديد - مثلا - يدعي هو أن أداة الشرط قد وضعت لنفس ذلك المعنى، ولا ينبغي الشك في أن المتكلم الذي في مقام التحديد إن قال: إذا خفى الجدران يجب عليك القصر إلا إذا سرت فرسخين - مثلا - فإنه يجب القصر أيضا وإن لم يخف الجدران، فهذا الاستثناء في مقام التحديد لا يعد مستهجنا عرفا، ولا يوجب عدم ظهور التحديد بنفسه في الانحصار، بل هو مع كونه ظاهرا فيه اريد منه الانحصار بنحو قابل لورود التقييد والاستثناء عليه، فكما كان قوله: اكرم العلماء إلا زيدا إنما يوجب أن يتصرف في الإرادة الجدية، مع بقاء المعنى المستعمل فيه أعني العموم بحاله، فهكذا اخراج بعض الأفراد هنا لا يوجب أن لا يستعمل أداة الشرط في معناها الموضوع له، بل إنما يوجب ورود نحو تقييد عليه وتصرف في المراد الجدي، وحينئذ فلما كان كل من الشرطين، يدل على ثبوت الجزاء عند ثبوته، وهذا المعنى خاص مطلق بالنسبة الى ما يدل عليه أداة الشرط من الانحصار، فلا محالة يجمع بينهما بالتقييد به فقط في الانحصار، ويكون ظهور كل منهما باقيا في جميع مفاده، كما كان ينفى به احتمال دخالة ضميمة أو استقلال علة ثالثة. ومنه تعرف أنه لو قلنا: بالانصراف الى الانحصار، فهو أمر قابل للتقييد،

[ 475 ]

فحيث إن الظهور الانصرافي قد انعقدوتم، فإنما يرفع اليد عنه بمقدار دلالة الدليل على خلافه، أعني مفاد الشرط الآخر. وأما ما أفاده في الوجه الأخير - أعني استفادة كلا الاستقلال والانحصار من الاطلاق - من تعارض الاطلاقات وعدم رجحان لرفع اليد عن الاطلاق المفيد للانحصار، ففيه: أن الاطلاق المفيد للاستقلال في كل منهما خاص مطلق بالنسبة الى الاطلاق المفيد للانحصار في المنطوق، ويتبعه المفهوم كما عرفت، فإن مقتضى اطلاق الانحصار أن الجزاء يتحقق به في جميع الموارد، سبقه شئ أو لحقه أو قارنه - مثلا - واطلاق الاستقلال في الشرط الآخر أن هذا الشرط نفسه يوجب تحقق الجزاء، فلا محالة يوجب أن لا يتحقق بذلك الشرط، إذا سبقه هذا الشرط أو قارنه، وهو خاص مطلق يقدم عليه، وهكذا سائر تقريبات الاطلاق، هذا هو الكلام بوجه صناعي، وإلا فالعرف لا يشك في الحكم بترتب الجزاء على كل من الشرطين، ولا في الحكم بنفي الثالث، إذا سلم أن الشرطية لها مفهوم وضعا أو بالقرينة. هذا. ثم إنه قد وقع في كلام سيدنا الاستاذ الأعظم - مد ظله - وكلمات المحقق النائيني (قدس سره): أن الاطلاق المفيد للانحصار مترتب على الاطلاق المفيد للعلية التامة، وقد صار هذا الترتب منشأ توهم الانحلال والعلم بورود التقييد على اطلاق الانحصار، ولذلك أجابا عن هذا التوهم بما هو قريب المأخذ من الاخر. والظاهر أنه لا وجه لتسليم الترتب، وذلك أنه إذا قال المولى: إن جاءك زيد فأكرمه، فمفاد القضية بحكم الوضع - على الفرض - دخالة المجئ في وجوب الإكرام، فاطلاق ترتب الوجوب على المجئ وعدم الإتيان بضميمة يقتضي الاستقلال، وإطلاق ان هذا الترتب والدخالة لم يقيد بوقت دون وقت ولم يذكر له عدل، يقتضي كون دخالته في جميع الموارد لاينوبه شئ آخر، وضم الاطلاقين أفاد أنه علة منحصرة وعليه فرفع اليد عن استقلاله لا يلازم رفع اليد عن اطلاق دخالته، كالعكس، وحينئذ فإذا ورد " ان سلم عليك زيد فأكرمه " فاطلاق

[ 476 ]

الاستقلال يقتضي أن لا دخالة مع التسليم للمجئ - مثلا - وهو خاص مطلق بالنسبة الى اطلاق الدخالة في الشرطية الاخرى فيقيد به، كما عرفت. فتذكر. الخامس: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء عنوانا، أو تكرر مصداق شرط واحد، فبناء على استقلال كل شرط في اقتضاء الجزاء لو انفرد، هل يجب تكرار الجزاء بعدد الشروط ؟ أو يكتفي في امتثال الكل بإتيان الجزاء مرة واحدة ؟ وهذا هو البحث المعروف بتداخل الأسباب والمسببات، ولتوضيح البحث لا بأس بذكر امور: الأول: أن مفروض هذا البحث سببية كل شرط أو مصداق للجزاء لو انفرد، فلذلك لا يتوقف هذا البحث على القول بمفهوم الشرط، بل يتم ولو على انكاره، وإنما يتوقف على سببية كل شرط بنفسه لو انفرد، سواء قيل بعدم المفهوم أو قيل بالمفهوم وجمع بين القضيتين بالتزام السببية لكل من الشرطين، فتمام ملاك البحث هنا تعدد ما هو سبب لو انفرد بنفسه، ولذلك فلهذا البحث مجال حتى لو جمع بين القضيتين بحمل كل منهما على بيان جزء السبب، وذلك أن اجتماعهما في الوجود، وإن لم يحقق موضوع البحث، إلا أنه كذلك في المرة الاولى، وإلا فلو إجتمعا مرة ثانية فهو من صغريات عنوان البحث، نهاية الأمر أنه من قبيل تكرر مصداق شرط واحد، ومنه تعرف أن له مجالا حتى بناء على الغاء احدى الشرطيتين، كما نسب الى الحلي، فما يظهر من التقريرات والكفاية من تفريع هذا البحث على ما عدا هذين المسلكين محل منع. الثاني: أن محل البحث ما إذا حصل الشرط الثاني مقارنا مع الأول أو بعده قبل امتثاله، وإلا فلو حصل بعد امتثاله فلاريب ولا اشكال في لزوم الإتيان بالجزاء ثانيا. الثالث: أن المراد بتداخل الأسباب أن لا يترتب على الشرائط المتعددة إلا وجوب واحد، بأن يكون تعددها بمنزلة العدم، أو يقتضي تأكد الوجوب فقط لاتعدده، كما أن المراد بتداخل المسببات أن يتعدد الوجوبات والواجبات ولو

[ 477 ]

بتقييد عنوان الجزاء في كل شرط بقيد مخصوص، لكن يجوز الاكتفاء بفرد واحد في مقام امتثال الجميع، لكون هذا الواحد مصداقا لجميع هذه الواجبات، والتداخل على الأول - أعني تداخل الأسباب - عزيمة، إذ ليس إلا وجوب واحد، فيسقط بامتثاله بالضرورة، وأما على الثاني فإن كان انطباق العناوين على ذاك الواحد قهريا فكذلك، إذ المفروض أنه بتحققه تتحقق جميع هذه الامور والعناوين الواجبة، فلا يبقى مجال لبقاء وجوبها بعد امتثالها، وإن كان انطباقها موقوفا على القصد، لكونها من الامور القصدية، فالتداخل رخصة وتابع لقصده. الرابع: أن محل هذا البحث ما إذا كان الجزاء قابلا للتكرار، وأما إذا لم يعقل تكرره فليس موضوعا لهذا البحث، وإن كان فيه بحث آخر من حيث تأكد الوجوب وعدمه، وسيجئ إن شاء الله تعالى التعرض له بعد هذا البحث. الخامس: أن الاسباب التكوينية إذا اجتمعت في محل واحد، فالوجدان شاهد على اختلافها بحسب الموارد، فربما يؤثر كل منها أثرا غير الآخر، كما إذا ضرب أحد مرتين، فإن كل ضرب موجب لوجع وتعب غير ما يوجبه الآخر، وربما يؤثران معا ذلك الأثر الذي يؤثره كل منهما منفردا لو انفرد، فيصير كل منهما جزء السبب، كما إذا فرى أوداج أحد واصيب قلبه أيضا بسيف، وفي هذا القسم لو وقع الثاني بعد تأثير الأول لما يؤثر أصلا، فإذا كانت الأسباب التكوينية كذلك فصرف ثبوت السببية إجمالا للشرط لا يقتضي ولا يدل على شئ من الوجهين، إذ يحتمل تأثيرهما معا أثرا واحدا، كما يحتمل تأثير كل في وجوب خاص به. وحيث لاريب عند أحد أن الأمر والتكليف يسقط بحصول المكلف به كما هو حقه في الخارج، فصرف تعدد الوجوب لا يقتضي تعدد الامتثال إلا أن يكون العنوانان المأمور بهما بحيث لا يجتمعان على مصداق واحد معا، وإلا فالواحد امتثال لكليهما ويسقطان به، بلا خلاف ولا اشكال. ومنه تعرف أن هذا البحث ليس إلا بحثا لفظيا يبحث فيه عن مقتضى مفاد الأدلة عند تعدد الشروط، وليس بحثا لبيا وعقليا، وأن مبادئ إثبات أي من

[ 478 ]

وجهي المسألة منحصرة فيما يدل عليه الألفاظ، فلا وجه لما في التقريرات من كون البحث غير لفظي، ولا لما عن العلامة (قدس سره) من الاستدلال بمقتضى السببية، بل الطريق الوحيد هو ما في الكفاية من التمسك بمقتضى ظواهر الألفاظ، ونحن نتبعه. السادس: لو شك في تداخل الأسباب، فإن كان الجزاء حكما تكليفيا محضا فلا شك في أن المتيقن حدوث تكليف واحد، والزائد محكوم بالعدم، بحكم الاستصحاب ثم البراءة، وإن كان تكليفا مرتبا على وضع، كما إذا وقع في البئر ميتتا الانسان، أو أصاب البول اليد مرتين، فربما يقال: إن هذا الأمر الوضعي يحتمل بقاؤه بعد العمل بالمتيقن من التكليف، فيحكم بمقتضى الاستصحاب ببقائه ويرتب عليه آثاره، فيحكم في المثال بنجاسة البئر واليد، إلا إذا أتى بما يتيقن معه بالفراغ. أقول: وهو حق فيما كان هذا الأمر الوضعي واحدا على اي حال، وإنما كان الاختلاف - لو كان - في الأحكام المترتبة عليه، كما لعله في المثالين كذلك، وأما إذا كان الاختلاف والتعدد - لو فرض تعدد - في نفس ذلك الأمر أولا وبالذات، وفي الاحكام ثانيا وبالتبع، فهاهنا نقول: إن المتيقن وجود واحد منه، والزائد مشكوك من رأس محكوم بعدم الحدوث، ولعل من هذا القبيل مااذا أراد تكفير غيبته اغتابها أحدا مرات بمثل الاستغفار. هذا. ولو شك في تداخل المسببات بعد القطع بتعدد التكليف وعنوان المكلف به، فشك في أن العنوانين هل هما بحيث ينطبقان على واحد في مقام الامتثال أم لا ؟ فإن كان الجزاء حكما تكليفيا محضا فحيث إن الشك في التطابق لا محالة منشأه الجهل بحدود العنوان المكلف به، ولا محالة هذا الشك سار في كل منهما. وحينئذ فإن كان الأمر دائرا في كل منهما بين الأقل والأكثر تجري البراءة عن الزائد المشكوك، فلا يجب في كل منهما إلا الأقل اللازم منه تطابقهما على واحد، كما إذا شك في أن الواجب طبيعة الوضوء الواقعة بعد موجبه أو هي مقيدة أيضا باستقلاله في مقام الامتثال ؟ فوجوب الوضوء الواقع بعد موجبه معلوم، وقيد

[ 479 ]

الاستقلال مشكوك تجري البراءة عنه، فلا يجب إلا الوضوء الواقع بعد الموجب، ووضوء واحد مصداق لكلتا الطبيعتين كما لا يخفى. وأما إن كان الأمر في كل منهما دائرا بين متباينين، أحدهما موجب للتصادق دون الآخر، فلا محالة الاشتغال اليقيني بتكليفين يستدعي البراءة اليقينية عنه كما لا يخفى. هذا إذا كان الجزاء تكليفا محضا. وأما إذا كان مرتبا على أمر وضعي، فالظاهر هو الحكم بالاشتغال والاحتياط مطلقا، أما في ماكان ذلك الأمر الوضعي واحدا فواضح كما مر، وأما إذا كان تعدد الحكم التكليفي تابعا لتعدد الوضع، فالمفروض هنا تعدد التكليف فيكشف عن تعدد الوضع، واجراء البراءة في التكليف المسبب لا يرفع الشك عن سببه، واحتمال بقائه محكوم بالبقاء بالاستصحاب، فيترتب عليه آثاره. ومما ذكرنا تعرف النظر في إطلاق كلمات اصحابنا الأعلام (قدس سرهم) في كلا مقامي الشك، فراجع. إذا عرفت هذه الامور: فنقول: إنه قد مر في أثناء المباحث الماضية أن هيأة الأمر ليس مدلولها خصوص البعث، بل مدلولها البعث نحو الإتيان، والمادة إنما تدل على المعنى الاسم المصدري، بل المادة في جميع الصيغ والهيآت تدل على معنى اسم المصدر، والهيأة تدل على الإتيان به دلالة وحكاية تصورية كما في المصدر، أو تصديقية كما في الأفعال، وهيأة الأمر والنهي من قبيل الأفعال. وبالجملة: فإذا علق الجزاء على الشرط فالمفهوم منه عرفا أن ذاك الإتيان الذي جزء مدلول الهيأة مقيد بكونه بعد صدق الشرط وتحققه، فإذا قال: إن جاء زيد فأكرمه، أو إذا بلت فتوضأ، فالمفهوم منه وجوب كون الإتيان بالاكرام والوضوء بعدما صدق مفاد جاء وبلت، وهذا فيما كان الشرط من الظروف أوضح، وفي سائر أداة الشرط أيضا واضح. وعليه فالهيأة وإن وردت بمفادها على نفس الطبيعة، أعني اسم المصدر، الا

[ 480 ]

أن إتيان هذه الطبيعة كوجوبه مقيد بكونه بعد صدق الشرط، والشاهد على ما ذكرناه مع وضوحه أنه لو فعل الجزاء قبل تحقق شرطه ثم تحقق شرطه لما صح له الاكتفاء به، وتلك آية التقييد المزبور، وإلا فلا وجه لعدم الاكتفاء به بعد إتيان المأمور به بجميع قيوده الدخيلة في تحصيل غرض المولى، غاية الأمر أنه لم يأمر به بعد، والأمر غير معتبر في صحة العمل والاكتفاء به، إذا كان محصلا لغرض المولى بشراشره، ولذلك قلنا: باكتفاء الصبي عن وظيفة الوقت بعبادته التي أتى بها قبل بلوغه، إذا بلغ أثناء الوقت، وبالاكتفاء بصلاة الظهر المأتي بها في وقت الجمعة، ممن لا يصلي الجمعة عصيانا، بناء على وجوبها العيني. وحينئذ فمفاد كل قضية شرطية، أو شرطية واحدة بالنسبة الى مرات تحقق الشرط، أن الجزاء لابد وأن يقع عقيب شرطه الموجب له، فالواجب بكل شرط غير ما وجب بالآخر (1)، ومع ذلك فحيث لا يقيد بازيد من هذه البعدية، فاللازم الاكتفاء بمصداق واحد من الطبيعة، لصدق جميع الايتاآت بقيدها عليه، فمقتضى اطلاق كل شرطية أنه مع تعدد الشرط يكون المقام من باب تداخل المسببات. ومنه تعرف ما في كلمات الاعلام، من أن مقتضى الاطلاق اجتماع حكمين مماثلين على موضوع واحد. هذا. مضافا الى إمكان أن يقال - استنادا الى ما عرفت من أن القضية الشرطية إنما تدل على تحقق الجزاء، على تقدير تحقق شرطه، وإن لم يبعد دلالتها عرفا على نحو ارتباط للجزاء بشرطه وأما السببية فلا -: إنا ننكر ظهور الجزاء في حدوثه بحدوث الشرط، وغاية دلالته أن البعث نحو إتيان الطبيعة ثابت عند تحقق الشرط وبعنايته. وبالجملة: فلا يستفاد من الشرطية سببية فعلية للشرط، حتى يقتضي تعدد


(1) ولا يخفى ان بين العناوين الواجبة عموما من وجه، حتى في افراد طبيعة واحدة، لامكان وقوع امتثال كل جزاء شرط عقيبه، فيما لو وقع منفردا، فليس الثاني اخص مطلقا، فتنبه. (منه عفي عنه). (*)

[ 481 ]

الوجوب بتعدده، ويكون قرينة على التصرف في اطلاق مادة الجزاء، كما في الكفاية، تبعا للتقريرات. مضافا الى أن الاستناد في تقديم مقتضى الشرط بعد تسليم سببيته على إطلاق الجزاء، بكون الإطلاق ظهورا تعليقيا معلقا على عدم القرينة والشرط قرينة التقييد - كما في الكفاية - مع عدم تماميته في المقيد المنفصل كالشرطية الاخرى فيه: أن غاية مفاد كل شرطية بحسب الوضع سببية شرطها إجمالا لجزائها، وأما ثبوت السببية له حتى فيما قارن شرطا آخر أو لحقه، فلا طريق إليه إلا الإطلاق، فهو أيضا ظهور تعليقي، فكيف يفرق بينهما بذلك. اللهم ! إلا أن يدعى أنه مقتضى الجمع العرفي، وهو المحيص الوحيد. والا فجميع ما قيل في هذا المقام تأييدا لما نسب الى المعروف من عدم التداخل لا يخلو عن المناقشة، حتى ما اختاره في نهاية الدراية، واليه يرجع ما في تقريرات المحقق النائيني (قدس سرهما) من أن كل تحريك فإنما يقتضي حركة مختصة به، فتعدد التحريك يقتضي تعدد الحركة، فلا يرد على الطبيعة المأمور بها تقييد إلا أن اقتضاء كل تحريك لحركة يستلزم تعدد الامتثال، - فراجع لتوضيحه وتسديده الى نهاية الدراية -. إذ يرد عليه: أن المقصود بالتحريك إن كان هو البعث الاعتباري كما هو ظاهره، فتعدده لا بأس به إذا كان الثاني تأكيدا للأول، فإن الحق الذي يشهد به الوجدان أن التأكيد أيضا انشاء بعث على حدة، غاية الأمر أن الغرض منه والداعي إليه نفس الغرض والداعي الى البعث الأول. وبالجملة: فتعدد البعث بهذا المعنى لا بأس به، إلا أنه لاريب في أن الوجوب معهما واحد، ولا يقتضي إلا اتيانا واحدا، وهو (قدس سره) أيضا معترف به قطعا. وإن كان المقصود تعدد الوجوب والطلب المتعلق بطبيعة الجزاء كما هو

[ 482 ]

مراده (قدس سره)، إذ هو (قدس سره) يرى أن تعدد حقيقة البعث لا ينفك عن تعدد الوجوب (1). ففيه أولا: أن تعدد الوجوب والطلب بالنسبة لطبيعة واحدة غير معقول عند العقلاء، وخلاف الوجدان والارتكاز. وثانيا: أن العقل الحاكم في باب الامتثال إنما يحكم بلزوم أن يأتي العبد ويقدم الى المولى ما طلبه منه فقط، فإذا طلب منه نفس الطبيعة الصادقة على فرد واحد، فلا يوجب على العبد ولا يلزمه إلا بإتيان نفس الطبيعة فقط، إذ المفروض أنها هي التي طلبها منه، سواء كان الطلب المتعلق به واحدا أم متعددا. ومن أحسن البيانات لقول المشهور ما في بحث نية الوضوء من مصباح الفقيه، وقد نقله بمعناه في نهاية الدراية، وبين ما يرد عليه فراجعهما (2). فالبيان الصحيح لمذهب المشهور إنما هو الاستناد الى العرف، وأنهم يقدمون أصالة ظهور الشرطية في حدوث الجزاء بكل شرط على أصالة اطلاق المادة في الجزاء، ولا يرد عليه سوى ما عرفت. وربما يورد عليه تارة (3) بأن غاية التقديم أن الوجوب في كل شرط تعلق بغير ما تعلق به في الآخر، وهو إنما يقتضي تعدد العنوانين المأمور بهما، وأما أنهما ينطبقان على واحد أم لا فلا دليل عليه. وفيه: أنه لاريب في أنه إذا انفرد كل شرط فالمفهوم من الشرطية عرفا وجوب مصداق واحد من طبيعة الجزاء أي مصداق كان، فإذا فرض ثبوت هذا الاقتضاء لها في صورتي التقارن أو التأخر أيضا، فلا شك أنه لا يتغير مفهومها حينئذ عما كان مفهوما لها عند الانفراد، فلا محالة بكون الواجب بكل شرط مصداقا واحدا غير ما وجب بالآخر.


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 168، ط المطبعة العلمية. (2) مصباح الفقيه: كتاب الطهارة ص 126، نهاية الدراية: ج 2 ص 169 - 170، المطبعة العلمية. (3) هذا الإيراد منقول عن تهذيب الاصول تقرير بحث الاستاذ الأعظم - مد ظله - وقد نقلته في تقريري لبحثه - مد ظله -. (منه عفى عنه). (*)

[ 483 ]

وبعبارة واضحة إذا قال المولى: إذا ضحكت فاكرم عالما، وإذا نمت عن صلاة الليل فاكرم عالما، فلا شك في أنه إذا نام عنها فالواجب عليه اكرام عالم واحد أي عالم كان، فلا يقيد بأي قيد، إلا أنه يجب عليه اكرام عالم واحد، فإذا ضحك عقيبه وكذلك إذا ضحك فقط فالواجب عليه اكرام عالم واحد بلا قيد، فإذا كانت الشرطيتان بهذه المثابة لم يقيد الجزاء فيهما بقيد أصلا، فإذا اجتمعا واريد أن يوجب بكل منهما واجبا خاصا، فمع حفظ ذلك الاطلاق المستفاد منه عند الانفراد فلا محالة بكون مقتضى الجمع بينهما ماعن المشهور: من أن الواجب بكل منهما مصداق واحد غير ما وجب بالآخر. وأخرى (1)، بأنه لاريب في أنه لا يكون واحد من الخطابين في الاسباب المتعددة ناظرا الى الآخر، والتقييد بالآخر - كما هو مقالة المشهور - إنما يصح مع النظر لا بدونه. وفيه: أن التعبير بالآخر المستلزم للناظرية إنما وقع في الكلمات من ضيق الخناق، ومرادهم أن العرف بعد الحكم بتقديم ظهور حدوث الوجوب في الجزاء بحدوث كل شرط، يحكم بأن الواجب من الطبيعة أفراد منها متعددة عدد الشرائط، فكما أنه لا بأس بأن يطلب المولى بلفظ واحد مصداقين أو مصاديق من طبيعة واحدة، بحيث يكون وجوب كل مستقلا وغير مرتبط بالآخر، وبالجملة لا تكون واجبة ارتباطا، ولا يتعين ما يأتي به مصداقا لاحد الواجبات بخصوصه دون البقية، فكذلك هنا بعد الجمع المزبور، فكأنه قال: أطلب منك مصداقين - مثلا - من الطبيعة، كيف والتقييد بمفهوم الآخر يقتضي أن يتعين مصداق امتثال كل جزاء بحسب مقام العمل عن غيره، بحيث كان احدهما بخصوصه مصداقا لجزاء خاص، والثاني مصداقا للآخر، ولا اظن التزام أحد به، كما هو كذلك قطعا في المثال. ومن جميع ما ذكرنا تبين أنه لاوجه لما عن الفخر من ابتناء القولين في المسألة على أن الاسباب الشرعية مؤثرات في الأحكام، أو كواشف عنها، إذ قد


(1) هذا الإيراد مذكور في نهاية الاصول تقرير بحث سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره). (*)

[ 484 ]

عرفت أن المدار على ما يستفاد من ظواهر الأدلة، وإلا فصرف السببية التكوينية إجمالا أيضا قد لا تقتضي تعدد المسببات، كما عرفت. كما ظهر منه أنه لا وجه معتد به للتفصيل بين تعدد الشرائط نوعا، وتعدد أفراد نوع واحد، باختيار التداخل في الثاني، دون الأول، كما عن الحلي (قدس سره). إذ أحسن وجه قيل له بعد تسليم قول المشهور في مختلف النوع، ما في مصباح الفقيه، وحاصله أن المفهوم عرفا من كل قضية شرطية، أن الشرط الذي هو السبب للجزاء هو وجود طبيعة الشرط لا بشرط من الوحدة والتعدد، فالواحد كالمتعدد مصداق واحد للشرط بما هو شرط. وهذا الوجه وإن جاء قويا في نظره قدس سره الشريف إلا أن الظاهر هو انحلال الشرط حسب تعدد الأفراد، وأن العرف يرى كل فرد شرطا واحدا مستقلا، وكيف كان فلا يرد عليه ما في الكفاية من قوله: وإلا فالاجناس المختلفة لابد من رجوعها الى واحد... إلى آخره. وذلك أنه وان كان رجوعها الى واحد، إلا أن ذلك رجوع عقلي، لايمنع عن الاخذ باطلاق كل شرط. وهناك وجوه اخر لتقريب قول المشهور أو التفصيل طوينا ذكرها استغناء بما في زبر الأصحاب (قدس سرهم). وقد عرفت أن مقتضى القواعد الأولية هو تداخل المسببات، وبعد التنزل فلا يبعد تداخل الأسباب، فتذكر. تتميم: هذا كله في ماكان موضوع الحكم في الجزاء قابلا للتعدد، وأما ما لا يكون قابلا لذلك، ففي الكفاية: أنه لابد من تداخل الأسباب فيه فيما لا يتأكد المسبب، ومن التداخل فيه فيما يتأكد " انتهى ". أقول: أما ما لا يتأكد منه فلابد من تداخل الأسباب، وانما الكلام في أن المؤثر هو المجموع، أو الجامع، أو خصوص المتقدم فيما تقدم أحدهما ؟ صرح في التقريرات بأنه الجامع، ولاتكرر فيه، فلا يتكرر مسببه. وفيه - مع الغض عن أن التأثير بمعنى الايجاد لا معنى له هنا، إلا أن يراد به أن وجود الشرط بما فيه من

[ 485 ]

المصلحة أو بما يلازمه من المصلحة يكون داعيا للمولى الى جعل وجوب الجزاء، فيصير انشاؤه عند وجوده وجوبا فعليا - أن الجامع بما أنه مفهوم واحد كلي لا معنى لتأثيره أصلا، ولو فرض أن الجامع هو المؤثر فلابد وأن يراد به أنه مؤثر بوجوده الخارجي، وحينئذ فبتعدد أفراده يتعدد ما هو المؤثر والغاية، وعليه، فالحق أن السبب والداعي الفعلي هو خصوص المتقدم، فيما لا يتأكد وكان أحدهما مقدما، ومجموعهما في ما يتأكد أو المقارنين، فتدبر جيدا. وأما ما يتأكد، فبناء على مبني المشهور من ظهور الشرطية في اقتضاء كل شرط فردا من طبيعة موضوع الجزاء مستقلا، فما في الكفاية مبين، إذ مقتضى تعدد الشروط تعدد الأفراد المطلوبة وتعدد أغراض المولى، ففيما لا يمكن لموضوع الجزاء الا مصداق واحد، فالمفهوم من الشروط عرفا تأكد المسبب فإنه بمنزلة تعدده كما لا يخفى. وأما بناء على ما اخترناه من أن الأصل تداخل المسببات، فلا يبعد أن يقال: بعدم استفادة التأكد أيضا، وذلك أن التقييد بالبعدية المذكورة، كما يمكن أن يكون لاجل أن في كل من هذه العناوين مصلحة واحدة باستقلاله، ولازمه تأكد الوجوب هنا، وازدياد المصلحة في المجمع هناك، كذلك يمكن أن يكون لأجل أن كلا من الشروط يوطئ ويمهد الموضع لحصول المصلحة، مصلحة واحدة لا تتعدد ولاتزداد في نفس الطبيعة التي هي موضوع الجزاء، فلذلك يقيد الواجب بقيد البعدية المزبورة، حتى لا يكتفي بما أتى به من أفراد الطبيعة قبل الشرط الأخير، ومع ذلك لا يوجب تعدد الشروط قيام مصلحة أوفى بالطبيعة، فاستفادة التأكد هنا وهناك في غاية الاشكال. ثم إنه فيما يتأكد المسبب فلا بأس باجراء آثار المتعدد عليه، فلو كان من قبيل الحقوق القابلة للاسقاط يجوز اسقاط اثر سبب واحد فقط، فيبقى أثر الباقي كما لو كان وحده، وأما فيما لا يقبل التأكد فلا معنى لاسقاطه من ناحية دون اخرى، فما في كلام المحقق النائيني (قدس سره) من امكان التقييد بالأسباب، إنما يصح في الأول دون الثاني، فراجع، والله تعالى هو العالم.

[ 486 ]

2 - فصل في مفهوم الوصف موضوع البحث هنا - كما يظهر من نفس العنوان - هو أن يتعلق الحكم بذات مقيدة ببعض أوصافها، فيبحث عن أن انتفاء الوصف فقط يقتضي انتفاء الحكم ؟ فقهرا يختص البحث بما إذا كان الوصف اخص ولو من وجه من موصوفه، حتى يتصور بقاء ذات الموصوف وانتفاء خصوص الوصف، فقول بعض الشافعية: إنه يستفاد من قوله (عليه السلام): " في الغنم السائمة زكاة " عدم الزكاة في معلوفة الابل، خروج عن محل هذا المبحث، وإن كان لأصل ما استفاده وجه، بناء على استفادة العلية المنحصرة في زكاة مطلق الحيوان لعنوان السائمة، إذ حينئذ يكون الإبل المعلوف حيوانا لم يوجد فيه علة وجوب الزكاة لكنه بناء على استفادة هذه العلية المنحصرة فيجري كلامه في الوصف المساوي والأعم كما أفاده في الكفاية، فإذا لم يوجد هذا الوصف الذي هو علة منحصرة للحكم في مورد يكون الحصر شاملا له، فالحكم الثابت على الموصوف بالوصف منفي عنه، وان لم يكن موضوعه باقيا. وما في نهاية الدراية من أنه لا يجري في خصوص المساوي لتلازم الوصف والموصوف، فلا بقاء للموضوع مع عدم الوصف، ليقال: بانتفاء سنخ الحكم لاجل المفهوم، ولابقاء للوصف مع عدم الموصوف حتى يقال: بثبوت الحكم من أجل استفادة العلية " انتهى " (1). فيه أن محل كلام هذا البعض هو عدم بقاء موضوع الوصف ووصفه، فعدم بقاء


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 178، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 487 ]

الموضوع وإن اوجب خروجه عن مفهوم الوصف، إلا أنه عين محل كلام هذا البعض، وأما استفادة الحكم فيما كان الوصف ثابتا دون الموصوف فهو صحيح بنفسه، إلا أنه ليس محل كلام الكفاية، فراجع. ثم إن المراد بالذات الموصوفة ليس الذات المدلول عليها بدلالة وضعية، بل المقصود ثبوت الحكم عليها بحسب اللب وجد المراد - كما هو مراد التقريرات - والعرف متوجه الى هذه الذات الموصوفة، فلا ينبغي الاشكال في دخول الوصف الغير المعتمد ايضا في محل النزاع. نعم، إذا ذكر للموضوع حال ولم يكن من قيود الواجب حتى يجب تحصيله، كما إذا قال: أكرم زيدا عالما، فالظاهر أنه ليس من قيود الموضوع، إذ الحال النحوي بحسب فهم العرف من قيود ثبوت الحكم على ذات الموضوع، فالمفهوم من الحال في الجملة المزبورة، هو المفهوم من الظرف فيما قيل: اكرم زيدا في حال عدالته، فالحال غير داخل في عنوان الموضوع، إلا أن يلحق به بحسب الملاك، كما يلحق به فيما كانت الدلالة على الوصف ضمنيا كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لأن يمتلي بطن الرجل قيحا خير من أن يمتلي شعرا " (1)، فإن المراد بالامتلاء من الشعر حفظ الشعر الكثير، وإن كان في المثال مناقشة واضحة، إذ لا يبعد دعوى أنه يستفاد من النبوي كراهة حفظ الشعر قليله وكثيره، وأنه بمنزلة القيح، وهذا التنزيل أوجب كون الامتلاء به كالامتلاء بالقيح. وكيف كان فالمشهور هنا عدم المفهوم للوصف، ووجهه مذكور في الكفاية وغيرها، وأورد عليهم الشيخ البهائي (قدس سره): بأن تصريحهم بعدم المفهوم هنا يناقض ما ثبت عنهم من حمل المطلق على المقيد فيما إذا كانا مثبتين، فإنه لا تعارض بينهما حتى يحتاج الى الحمل، بناء على إنكار مفهوم الوصف، ولذلك خص كلامهم بما إذا لم يكن في البين مطلق. والحق عدم ورود هذه المناقضة أصلا، توضيحه أن إنكار المفهوم إنما يقتضي


(1) بحار الأنوار: ج 79 ص 292، بتفاوت يسير. (*)

[ 488 ]

عدم دلالة المقيد بنفسه على انتفاء الحكم عن غيره من الأفراد، والتزم المشهور بذلك في باب المطلق والمقيد أيضا، ولذلك اشترطوا في حمل المطلق على المقيد إذا كانا مثبتين وحدة التكليف، إذ حينئذ تنعقد المعارضة بينهما، فإنه كما أن تعلق تكليفين بطبيعة واحدة غير معقول، كذلك تعلق تكليف واحد بالمقيد بما أنه مقيد - كما هو ظاهر دليل المقيد - وبالمطلق بما أنه مطلق - كما هو ظاهر دليل المطلق - غير معقول فظهور المقيد في أن التكليف تعييني وفي أن خصوصية المقيد دخيلة في المتعلق يعارض ظهور دليل المطلق في أن متعلق ذاك التكليف هو المطلق، والعرف يجمع بين المطلق والمقيد بتقييد المطلق وحمله على المقيد، ويحكم بأن هذ الحكم الواحد والتكليف الواحد قد تعلق بخصوص المقيد، فلا محالة يكون هذا الحكم منفيا عن غير المقيد من سائر أفراد المطلق، ولامانع من تعلق تكليف آخر غير هذا الواحد بالمطلق، أو غير المقيد من سائر أفراد المطلق. نعم، إن دل دليل على تعلق نفس هذا التكليف بغير المقيد من سائر الأفراد، فهو معارض لظهور المقيد في التعيين. وإن كانا قابلي الجمع فيحمل كلاهما على التخيير، ويرفع اليد عن ظهورهما في التعيين. كما أن من الواضح أنه لافرق في انعقاد المعارضة بين المطلق والمقيد بعد انفهام وحدة التكليف، بين أن يكون الإطلاق بدليا أو شموليا، فما في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره): من أنه لا موجب للحمل في المطلق الانحلالي، وأنه لو دل ثالث على ثبوت الحكم في سائر الأفراد فلا يعارض المقيد من العجائب، ومثلهما ما فيه من أن دليل المقيد صريح في التعيين، وهذا الذي أوضحناه هو مراد الكفاية، فلا يرد عليه ما في نهاية الدراية، بل ما فيها (1) من أن مقتضى حمل المطلق على المقيد عدم وجوب المطلق مطلقا لا عدم وجوبه بشخص وجوب المقيد فقط محل منع، كما عرفت، إلا أن يرجع الى ما في الكفاية والحمد لله.


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 177، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 489 ]

3 - فصل في مفهوم الغاية المقصود من عنوان البحث ان يرد قضية مشتملة على اداة تسمى بأداة الغاية، أعني الى وحتى، فيبحث عن دلالتها مفهوما على انتفاء سنخ الحكم عن الغاية وما بعدها، أو عن خصوص ما بعدها، فليس موضوع البحث عنوان الغاية حتى يبحث عن معناها. وقد فصل في الكفاية بين ما كانت الأداة غاية الحكم، وبين ما كانت غاية موضوعه، بالتزام المفهوم في الأول دون الثاني، والظاهر أن مراد المقالات بكونها غاية للنسبة الحكمية، هو ما عبر عنه في الكفاية بكونها غاية للحكم. وكيف كان فقد استدل في الكفاية، لثبوت المفهوم - في غاية الحكم - بقوله: لانسباق ذلك منها كما لا يخفى، وكونه قضية تقييده بها، وإلا لما كانت ما جعل غاية له بغاية (1). " انتهى ". أقول: والظاهر أن مرجع دعوى الانسباق الى أن الحكم المنشأ في ما قبل الغاية وإن كانت طبيعة الحكم مهملة، إلا أن أداة الغاية لما كانت دالة على نهاية الحكم، فتدل بدلالة التزامية تبينية على انتفاء الطبيعة عما بعد الغاية - مثلا - وكما أن النفي المنطوق به إذا توجه الى طبيعة اقتضى انتفاء جميع أفرادها عن ظرف


(1) الكفاية: ص 246. (*)

[ 490 ]

النهي، بداهة أن انتفاء الطبيعة بانتفاء جميع الافراد، فهكذا النفي المفهومي حرفا بحرف. ومنه تعرف أن القول بالمفهوم هنا ايضا غير موقوف على اجراء مقدمات الإطلاق في ناحية الحكم، واثبات أن المعلق على الغاية هو مطلق وجوب الموضوع مثلا - كما في المقالات وربما يتفوه به غيره - اللهم ! إلا أن نقول: بانحصار طريق اثبات المفهوم مطلقا، وفي جميع المفاهيم بذلك، لكن قد عرفت ما فيه في بعض تنبيهات مفهوم الشرط. وبعد فعندي في ما أفاده الكفاية اشكال، لعدم الجزم بالتبادر المذكور، وأن المتيقن من التعليق على الغاية هو تعليق حكم القضية لا طبيعته حتى يستلزم ما أفاد. وأما برهانه الآخر فمرجعه لغوية التقييد لو لم يكن مفهوم، وفيه: أن التقييد كان لغوا لو لم يكن للغاية دخل في حكم القضية أيضا، ولا ينبغي الريب في ظهور ذكر الغاية في أن لما قبلها دخلا وخصوصية، وأما أن أمرا آخر لا يقوم مقامه فمما لا دلالة عليه، ولذلك فإذا قال المولى لعبده: " تعاهد دار زيد مادام هو في السفر كل يوم مرة الى أن يجئ من السفر ". ثم قال بدليل منفصل: " كل ما امرك به زيد فهو واجب عليك عني " فأمره زيد بعد أن جاء من السفر بتعاهد داره كل يوم مرة، ففي هذا المثال وإن كان نسبة القضية الثانية الى مفهوم الاولى - على تقدير أن يكون لها مفهوم - عموما من وجه، لكن العرف لا يشك في وجوب العمل بعموم الثانية ولا يراه معارضا لمفهوم الاولى أصلا، وهو دليل على عدم ثبوت المفهوم. ثم إنه لو قلنا: بالمفهوم من طريق صاحب المقالات، فبيانه أن تعلق الحكم بموضوعه بماله من القيود، وإن كان لا اطلاق فيه، مثلا، إذا قال: اكرم زيدا العالم كل يوم مرة الى آخر الشهر، فالوجوب وإن كان مهملا من ناحية تعلقه بالوصف، بمعنى أن المعلق على الوصف مهملة وجوب اكرام زيد، لا مطلق وجوب اكرام زيد حتى يوجب انتفائه بانتفاء الوصف، إلا أن هذا الاهمال أو الاطلاق لما كان من

[ 491 ]

ناحية أوصاف زيد التي يكون أخذ المفهوم من ناحيتها، فهو غير الاهمال والاطلاق من ناحية الظروف التي يؤخذ المفهوم بحسبها في مفهوم الغاية، فيمكن مع فرض اهمال القضية من ناحية الأوصاف أن تكون مطلقة من ناحية الظروف والمسافات، ولا ربط لإحداهما بالاخرى أصلا. والعجب أن صاحب المقالات المرتضي لهذه الطريقة لم يتنبه لهذه النكتة، وجعل كلا من الإطلاقين عين الآخر، وفرق بينهما بأنهما من قبيل اللااقتضاء والمقتضي في مقام الإثبات وإن كانا متلازمين في عالم الثبوت، فراجع (1). ثم إنه بناء على التفصيل بين كون الغاية غاية للحكم، وبين كونها غاية موضوعه، فالظاهر أنه لا ضابط يعين رجوعها الى أحدهما، وصرف رجوعها الى الحكم في قوله: " كل شئ طاهر " - مثلا - لا يدل على أن جميع الموارد مثله، نعم، لا يبعد دعوى اظهرية رجوعها الى الإتيان الذي هو متعلق البعث وجزء مفاد الهيأة، فيما كانت القضية بصورة البعث والزجر أو الجملة الفعلية التي مادتها عمل المكلف، والى النسبة الحكمية، في ما كانت جملة اسمية - فان كان الخبر فعل المكلف يكون قيد الموضوع، وإن كان الوجوب ونحوه كان قيد الحكم - والى الوجوب والحرمة - مثلا - في الجملة الفعلية التي مادتها أحدهما، ومع ذلك كله، فالظاهر في المثال السابق، أعني تعاهد كل يوم مرة دار زيد الى أن يجئ من السفر، أنه قيد للحكم لا الإتيان المذكور. ثم إن هنا نزاعا آخر، عنون بأنه هل الغاية داخلة في المغيى بحسب الحكم ؟ وحيث إن الغاية - أعني مدخول الأداة - هو غاية بحسب الدقة العرفية وعدم التسامح في التعبير لأمد الحكم وزمانه، فأمد الحكم هو المغيى حقيقة لانفس الحكم، كما أن مكان الموضوع هو المغيى في مثال: " سر من البصرة الى الكوفة " لا نفس السير، فالتعبير بأنه هل الغاية داخلة في المغيى بحسب الحكم صحيح في غاية الحكم والموضوع جميعا ؟ إذ كما أن المراد به حينئذ في المثال، أن المغيى


(1) مقالات الاصول: ج 1 ص 417. (*)

[ 492 ]

كما كان محلا لموضوع الحكم، فهل الغاية مثله ؟ فكذلك المراد به في غاية الحكم أن المغيى كما كان ظرفا لثبوت الحكم فهل الغاية مثله ؟ كيف وإن اريد من قولنا بحسب الحكم، تعلق الحكم بالمغيى وكونه موضوعا له، لما صح في شئ منهما أصلا، وإن أردنا بالمغيى مسامحة نفس الموضوع أو الحكم، فلا معنى لدخول مدخول الأداة الذي هو الغاية في أحدهما أصلا، فلا الكوفة داخل في السير، ولا مجئ زيد أو وقت مجيئه داخل في وجوب التعاهد، وحينئذ فلابد من تجوز، فإن أريد أن الغاية هل هي داخلة في ظرف المغيى - مثلا - صح في كليهما. نعم، إن اريد أن مظروف الغاية هل هو داخل في المغيى ؟ لم يصح في الحكم، كما لا يخفى، فكلام الكفاية مبني عليه، فتدبر.

[ 493 ]

4 - فصل في مفهوم الحصر لاريب في أنه إذا دل الكلام على الحصر فلازمه ومفهومه اختصاص الحكم بمورد الحصر وانتفائه عما عداه، وإنما الكلام في ماعد من أداته وهو امور: منها الاستثناء، ولاريب في دلالته عليه، ولم ينقل فيه الخلاف عن أحد إلا عن أبي حنيفة، وحيث إن دلالة الكلام على النفي أو الإثبات في المستثنى منه بالمنطوق، فلا محالة هو أيضا غير مخالف فيه، فلابد وان يوجه كلامه بما في التقريرات، من أنه يدعي أن الاستثناء إنما يدل على خروج المستثنى عما اريد بالمستثنى منه، فلا يشمل حكم القضية له، وأما أنه محكوم بخلافه فلا يدل عليه، والتبادر بالوجدان شاهد على خلافه. وما تمسك به من قوله (صلى الله عليه وآله): " لاصلاة إلا بطهور " (1) ونحوه، بتقريب أنه لو كان له مفهوم لاقتضى انحصار مقوم الصلاة بالطهارة، أو كون كل شئ مع الطهارة صلاة. فيه مضافا الى أن الاستعمال أعم من الحقيقة، أن خبر لا التي لنفي الجنس وإن كان هو كلمة موجود، كما في سائر الموارد مما حذف فيه الخبر - فلا يصح شئ من جوابي الكفاية متنا وهامشا - والحصر وإن لم يكن إضافيا بالنسبة الى الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط سوى الطهارة، لظهور الحصر في أنه حقيقي -


(1) سنن البيهقي: ج 2 ص 255. (*)

[ 494 ]

فلا يصح ما في التقريرات - إلا أنه مع ذلك كله فليس مفاده إلا أن الصلاة تتحقق حال كونها مع الطهارة فقط، فكما أنه إذا قال بالمنطوق ينحصر وجود الصلاة التي هي مطلوبة له تعالى في حالة كونها مصاحبة للطهارة، فلا يدل هذه العبارة على ازيد من اشتراطها بالطهارة، فهكذا هذا النفي المستفاد من المفهوم. وأما الاستدلال للمختار بأنه (صلى الله عليه وآله) كان يقبل اسلام من يعترف بمفاد كلمة التوحيد، ففيه: أنه لو اغمض عن التبادر، فلعله كان لدلالة قرينة الحال على إرادته لإثبات الوجود له تعالى، لاصرف استثنائه عما سبق والسكوت عن حكمه. ثم إن في دلالة الكلمة المباركة على ما هو المعتبر في الأقرار بالتوحيد، من الشهادة بوجوده تعالى ونفي امكان غيره، اشكالا، إذ لو قدر الخبر موجود، أو قيل بأن النفي المستفاد من لفظة لا عدم محمولي، لما دل الاستثناء على نفي امكان غيره، ولو قدر ممكن لما دل على وجوده تعالى. والظاهر أن الإله من أله بمعنى عبد، فعال بمعنى المفعول، ولما كان المشركون في زمان بعثته (صلى الله عليه وآله) مشركين في عبادته تعالى، فهو وهم كانوا متفقين في أن واجب الوجود خالق السموات والارض ومن فيهن هو الله تعالى (1) وإنما كان اختلافهم في أنهم اشركوا به تعالى في مقام العبادة شفعاء (2) عنده تعالى، فالمحتاج إليه في إقرارهم أن يشهدوا بانحصار المعبود فيه تعالى، فإذا قيل - والوضع هذا - لا معبود إلا الله، مع أن الأرض مملوة من المعبودات غيره، فلا محالة يراد به أنه لا معبود يحق له العبادة إلا الله تعالى، وهذه العبارة بمدلولها وإن كانت تحصر وجود المعبود بالحق فيه تعالى، ولا تنفي امكان حقية العبادة لغيره مما يمكن أن يوجد بعدا أو وجد وانعدم قبلا، إلا أن الناس لما لم يكونوا متوجهين الى هذه المعاني، وكانوا مريدين بهذه العبارة أن يدخلوا في سلك المسلمين قبل منهم اسلامهم.


(1) راجع سورة المؤمنون الآية 84 الى 89 وسورة الزخرف الآية 9 وغيرهما. (2) راجع سورة يونس الآية 18 وسورة الزمر الآية 3 وغيرهما. (*)

[ 495 ]

وأما استلزامه واقعا لنفي الاستحقاق عن غيره تعالى، فلا يكفي في تمامية الإيمان ما لم يقر به هذا. مضافا الى أنه يمكن أن يقال: إن الواجب هو اعتقاد أن المعبود والخالق منحصر فيه تعالى، ولا يعتبر أن يعتقد امتناع الشريك، وإنما يعتبر اعتقاد عدمه، وإن كان اعتقاد امكان الشريك مضرا بالتوحيد، فتدبر. ثم إن الظاهر من إلا الإستثنائية وغيرها من أدوات الاستثناء أنها راجعة الى نفس المستثنى منه، وتخرج المستثنى من المستثنى منه، غاية الأمر أن هذا الإستثناء والاخراج بلحاظ الحكم المذكور في القضية، فهو وإن كان تحديدا للموضوع، إلا أن ظاهره، أن هذ التحديد بلحاظ الحكم، وأن المستثنى محكوم بخلاف الحكم المذكور، لا أنه مسكوت عنه، فالإتيان بالاستثناء دليل على أن الحكم المتعلق في ظاهر القضية بالمستثنى منه الظاهر في شموله لجميع الافراد لم يسند بحسب الجد والحقيقة الا الى ما عدا المستثنى، لا أنه يسند الحكم حقيقة الى الجميع ثم يخرج عنه ما بعد إلا. وبالجملة: فالظاهر أن الاسناد إنما يكون بحسب الإرادة الجدية بعد الاستثناء، والإخراج، وإن كان عن الموضوع، إلا أنه بلحاظ الحكم يدل على المفهوم. هذا هو مقتضى ظاهر أداة الاستثناء بحسب المتفاهم العرفي، ومنه تعرف أن ما في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره) من أنه لا اشكال في أن مثل " إلا " يفيد حصر الحكم لا الموضوع، وأن الإخراج إنما هو بعد الاسناد مما لا نقدر على تصديقه، فراجع (1). ثم إن مثل " إلا " لا يدل إلا على خروج المستثنى عن المستثنى منه، فلا محالة يكون ثبوت الحكم المخالف له بالمفهوم، فإن لازم خروجه عما سبقه بلحاظ الحكم محكوميته بنقيض حكمه، فالحكم المخالف لازم الخروج لا نفسه حتى يكون الدلالة منطوقية. هذا.


(1) فوائد الاصول: ج 1 - 2 ص 505. (*)

[ 496 ]

ومنها: إنما، واستدل لإفادته الحصر بتصريح أهل اللغة والتبادر وامور اخر مذكورة في الفصول، والتبادر غير ثابت، والامور الاخر أكثرها مبني على استعماله في موارد اريد منها الحصر، وأما أن الدال عليه هذه اللفظة فلا دليل عليه، ولعل قول أهل اللغة أيضا مبني على مثل هذه الاستعمالات، فلا دليل فيه، بعد مفروضية استعمالها في غير الحصر أيضا. ومنها: بل وهي وإن دلت على اختصاص حكم القضية بما بعدها بالاضافة الى المضرب عنه، فيما كان الغرض منها تخصيص الحكم به ثبوتا، كما في الكفاية، إلا أنها بعد صحة استعمالها في غير ذلك أيضا فلا محالة يحتاج استفادة ذلك منها الى القرينة. ومنها: تعريف المسند إليه بلام تعريف الحقيقة والطبيعة، وحيث إن نفس ذاك التعريف لا تقتضي إلا أن الطبيعة معلومة معهودة فاثبات محمول لها لا يقتضي سوى اتحادها به في الجملة، كان يقال لمن لا يعرف الأسد إذا رآه: الأسد هذا، وهو لا يقتضي انحصارها فيه. والملحوظ في ظرف المسند إليه بل المسند، وإن كان الذات لا المفهوم، إلا أن وحدة هذه الذات ليست خصوص الوحدة الشخصية، بل هي تابعة للموضوع له لفظ المسند إليه، ففيما كان موضوعا لمعنى كلي، فلا محالة وحدته نوعية أو جنسية أو صنفية. وصرف اتحاد معنى كلي بشئ في الجملة، لا يقتضي الانحصار كما مر. اللهم ! إلا أن اريد باعتبار الذات في طرف المسند إليه اعتبار ذات شخصية، وحينئذ وإن صح ما افيد من الحصر، إلا أن اعتبارها بهذا المعنى في غاية المنع. فظهر أنه لا طريق الى استفادة الحصر سوى ما في الكفاية من كون المولى والمتكلم بصدد بيان اتحاد المعنى الكلي المسند إليه بماله من الاطلاق بالمسند.

[ 497 ]

5 - فصل في مفهوم اللقب والعدد لا اشكال في عدم مفهوم لللقب، وأما العدد فربما لا يستبعد دلالته على المفهوم، إذ لو قال أحد: " جاءني اليوم خمسة نفرات " لاستفيد منه عرفا عدم مجئ سادس، ولو قال: اكرم خمسة من العلماء لعد معارضا لقوله: اكرم ستة منهم، وهكذا، والانصاف أن الجزم بالمفهوم فيه مشكل فإنه لو قال: اكرم خمسة، ثم قال اكرم رجلا عالما آخر، فالظاهر عدم منافاة له لقوله الأول، فتدبر جيدا.

[ 499 ]

المقصد الرابع: في العام والخاص وفيه فصول: 1 - فصل في تعريفهما ببالي أنه قد مر في مبحث الواجب المشروط أنه وإن لم يكن في غالب مواضيع البحث خلاف عند علماء الفن في حقيقة هذه العناوين سعة وضيقا، ولذا يجعل - كما في الكفاية - صدق ذاك المعنى على فرد، وعدمه، المقياس في الاشكال على تعريفها، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي الريب في أن العلماء عند تعريفهم لها بصدد ذكر تعريف يساوي هذه العناوين بحسب المصداق، فهم وإن لم يكونوا بصدد تعريف منطقي حتى يراعى أجلائية معرفهم إلا أنهم بصدد بيان ما يساويه مصداقا، ولذلك جرت السيرة على الاشكال في التعريفات بعدم الطرد أو العكس، فالتعاريف وإن كانت اشبه بالتعاريف اللغوية، السابقة على مطلب ما الشارحة أيضا، إلا أنها بصدد بيان مفهوم مساو، فالاشكال عليها طردا وعكسا، وإن لم يكن مثمرا عملا، إلا أنه واقع في محله، فلا وجه وجيه لما في الكفاية في المقام وغير مقام، فراجع. ثم إن أفادة العموم في الغالب يكون بتعدد الدال والمدلول، كما تراها في مثل كل عالم والعلماء، وقد تكون بلفظ واحد وضع لمعنى عام كالقوم والناس، وعلى

[ 500 ]

أي حال فالعام والخاص من قبيل الألفاظ، فيمكن تعريف العام بأنه مادل على جميع الأفراد التي يمكنه أن يحكي عنها، فيتميز عن المطلق بأن مدلوله الأفراد، بخلاف المطلق فإن مفاده ولو بعد جريان مقدمات الحكمة، هو نفس الطبيعة، غاية المستفاد من المقدمات أن الطبيعة تمام موضوع للحكم، وحيث إنها متحدة مع كل واحد من أفرادها فينسحب حكمها إليها. نعم، إن العام وإن دل على جميع الأفراد إلا أن خصوصيات الأفراد ليست من مدلولها أصلا، بل هو يعبر عن أفرادها بعنوانها الجامع المشترك بينها الذي بسببه تدخل تحت العام، كما لا يخفى. ثم إنهم قد قسموا العموم الى بدلي وشمولي، والشمولي الى استغراقي ومجموعي، وأمثلتها كالمراد بها واضحة. إنما الكلام في أن هذا التقسيم بلحاظ اختلاف الموضوع له في ألفاظ العموم، أو بلحاظ اختلاف ملاحظة الأفراد في نظر المولى عند جعل الحكم عليها، وهذا الثاني هو مراد الكفاية ومختارها وهو الصحيح، وذلك أن التقسيم لو كان بلحاظ اختلاف الموضوع له لكان العمومات المشتركة معنى بين الشمولي والبدلي، أو بين الاستغراقي والمجموعي، خارجة عن الأقسام، فإنه لاريب في صحة استعمال الجمع المحلي في الاستغراقي والمجموعي، بلا اختلاف في مدلوله المستعمل فيه في المقامين، كما أن لفظة أي قد تستعمل في العموم البدلي، كأن يقال: اكرم أي عالم شئت، وقد تستعمل في العموم الشمولي الاستغراقي كأن يقال: اكرم أي عالم رأيت، وواضح أن المستعمل فيه فيهما واحد، وأنه إذا اريد من العام الاستغراق أو المجموعية أو البدلية، فسواء كان مختصا بما اريد منه، أو مشتركا بينه وبين غيره، فهو عندهم عام استغراقي أو مجموعي أو بدلي طبقا لما اريد منه، مع أنه لو كان التقسيم بلحاظ الموضوع له لكان اللازم خروج المشترك من الأقسام، كما لا يخفى على المتدبر.

[ 501 ]

2 - فصل في الجنس أو النكرة تلو النفي أو النهي لاريب للمتأمل أن اسم الجنس والطبيعة، سواء كان المتكلم به في مقام البيان أم لا، فمعناه المستعمل فيه هو نفس الطبيعة التي بذاتها موجودة في جميع أفرادها فهذا المعنى يرى باللفظ الموضوع له معنى واحدا، وإن لم يكن واحدا شخصيا، إلا أن خصوصيات الأفراد، وهذيتها الموجبة لفرديتها، غير ملحوظة ولامرئية بهذا اللفظ، فليس في مقام حكاية هذا اللفظ عن أفراد معناه عين ولا أثر، فهذا المعنى الذي بالحمل الشايع واحد بهذا المعنى من الوحدة وإن لم يكن مرئيافيه سوى نفسه، إلا أنه لاريب في عينيته لكل من أفراده، فلذلك فإذا وجد فرد فقد وجد هذا المعنى، فنسبة النفي وعدم الوجود إليه لا يصح عقلا، إلا إذا لم يكن من أفراده عين ولا أثر، وإلا كان هذا المعنى موجودا لا معدوما، وهذا المعنى العقلي مرتكز في ذهن العرف أيضا، فظاهر نفي الطبيعة عند العرف أيضا نفي جميع الأفراد، ولا يصح عندهم ولا عند العقل نفي الطبيعة إلا إذا انتفى جميع أفرادها، من غير اختصاص له بما إذا كان المولى أو المتكلم في مقام البيان، إذ هو من خواص اسناد النفي الى الطبيعة، وحيث إن المتكلم وإن لم يكن في مقام البيان لا يريد ولا يستعمل من اللفظ الموضوع للطبيعة، إلا نفسها، فلا يجوز له اسناد النفي إليها إلا إذا انتفى جميع أفرادها. وقد مر بيان المطلب بتفصيل أزيد في أوائل النواهي، إلا أن بيانها هنا مع ايجازها لعله أوثق وأوضح. وبالجملة: فقد عرفت هناك أن أول النهي الى النفي في الجهة الموجبة لإنتفاء

[ 502 ]

الأفراد كلها، فراجع وتذكر. ثم إن النكرة حيث كان مدلولها هو الطبيعة بقيد الوحدة، فمدلولها أيضا معنى واحد كلي، لم ير فيه إلا نفس الطبيعة مقيدة بالوحدة فقط، فنفيها أيضا يقتضي انتفاء جميع الأفراد بعين البيان السابق (1). هذا. ثم إن المتبادر عرفا من جميع ألفاظ العموم هو جميع الأفراد، كان المتكلم بصدد بيان تمام المراد أم لا، فلفظ كل عالم أو العلماء مفاده عرفا جميع المصاديق من غير دخل لكون المتكلم به في مقام البيان أصلا، والشاهد هو التبادر العرفي، وبعدما كان مفادها العموم فلا يصح ولايجوز استعمالها إلا لمن كان موضوع حكمه جميع أفراد المعنى. كما أن العرف شاهد على فهم العموم من الجمع المحلى باللام، لامن باب دلالة اللام على الاستغراق، بل الظاهر أن اللام لا يفيد في شئ من الموارد شيئا، وليس فائدته إلا الزينة والمنع من دخول التنوين التي تدل على الوحدة، الموجبة لإرادة فرد واحد في أسماء الاجناس. وجماعة واحدة في الجموع، فإذا لم يكن تنوين يستفاد من أسماء الجنس نفس الطبيعة، ومن الجموع جميع مصاديق مفردها، وإلا فاللام نفسه لا يدل على العموم، ولذلك ترى مرادفها بالفارسية - مثلا - يدل على العموم، ولا لام ولا شئ آخر إلا الجمع، فراجع لفظ " دانايان "، " دانشمندان " ونحوهما.


(1) بل الحق ان النكرة التي معناها فرد واحد من الطبيعة، إذا وقعت تلو النهي أو النفي، فظهورها تعلق النهي أو النفي بجميع أفراد هذه الطبيعة، فصح عدها من أداة العموم فإن العام لفظ يدل على جميع أفراد المعنى، لكنه لا يحتاج في افادة العموم الى القاعدة العقلية الحاكمة بأن انتفاء الطبيعة إنما يكون بانتفاء جميع الأفراد، كما لا يحتاج الى إجراء مقدمات الحكمة. وأما الجنس الواقع تلوهما فمفاده نفي نفس الطبيعة لا نفي الأفراد، ونفيها إنما يكون بانتفاء جميع أفرادها، فهو محتاج الى هذه القاعدة، وإن لم يحتج الى مقدمات الحكمة، وحيث ان مفاده ليس التعرض للأفراد، فلا يصح عده من أداة العموم. (منه عفي عنه). (*)

[ 503 ]

3 - فصل في حجية العام في الباقي إذا خصص العام بمخصص فلاريب في حجيته في باقي الأفراد، من غير أن يلزم منه تجوز حتى يستشكل بتعدد مراتبه وعدم المعين لواحدة منها، بل هو حقيقة مطلقا كما اختاره في الكفاية، وأوضحه سيدنا العلامة الاستاذ - مد ظله العالي -، واكتفاء بما حكيته تقريرا لبحثه الشريف لم نتعرض لبيانه فراجع. وحاصله: أن العام بأصالة الظهور يقتضي ارادة جميع الأفراد، وقرينة التخصيص إنما تدل على عدم تعلق الجد بما في موارده، من دون اقتضاء لبقية الأفراد، فتبقى دلالة العام وجده على ماكان. إلا أن في تقريرات بعض السادة من الأساتذة (قدس سره): أن العمومات المخصصة قسم ثالث من الاستعمال، لاحقيقي ولا مجازي، إذ في الاستعمالات الحقيقية يراد بقاء المعنى وثباته في ذهن السامع بتمامه، وفي الاستعمالات المجازية يراد انتقال الذهن من تمامه الى معنى آخر ادعي أنه من مصاديق المعنى الحقيقي، وفي العمومات المخصصة يراد بقاء بعضه في ذهنه ليحكم عليه، وخروج بعضه منه، فهي أمر متوسط بين الحقيقة والمجاز، إذ لم يرد فيها ثبوت المعنى بتمامه، ولاجعله، معبرا ينتقل عنه. نعم، يشترك الثلاثة في أن اللفظ استعمل في الموضوع له (1) " انتهى ".


(1) نهاية الاصول، تقريرات درس السيد البروجردي قدس سره: ص 161 - 162. (*)

[ 504 ]

وفيه: أنه لما كان المفروض استعمال العام في جميع الأفراد، وإلقاء جميع مصاديقه باستعماله، والمفروض أنه لم يرد أن البعض هو الكل ادعاء، فلا نتصور بعد ذينك الأمرين الا أن لا يكون جده الى تمام هذه الأفراد، فيخالف مقتضى أصالة الجد للمراد الاستعمالي، فهو وإن أراد وألقى باستعماله جميع الأفراد، إلا أن غرضه الأصيل متعلق ببعضها، فهذا بعينه هو مراد الكفاية، مع أن هذا العظيم (قدس سره) بصدد رده وابداء وجه آخر، فراجع وتدبر جيدا. وفي نهاية الدراية (1) بعد الاشكال على ما في الكفاية، بما هو مردود بما ذكرناه عن سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي - قال ما حاصله: أن المخصص إذا ورد قبل حضور العمل بالعام، فهو بضميمة العام مبين لموضوع حكم المولى، وأما إذا ورد بعد حضور وقته فالعام يحمل على عمومه جدا، إلا أن ملاك جعل الحكم في افراد المخصص مصلحة ثانوية ينتهي أمدها بقيام المخصص. وفيه أولا: أن مفاد المخصص أن مضمونه هو حكم الله الواقعي من أول الشريعة، فيعارض ظهور العموم الظاهر في أن حكمه تعالى الواقعي، هو ما تضمنه، فيجمع عرفا بينهما بإخراج موارد المخصص من الأول. وثانيا: أن إنشاءه إن لم يعم أفراد المخصص - كما يظهر من أول كلامه - فهو أول الكلام، إذ الخصم يدعي أن العام يصير حينئذ مجملا، والمخصص ليس قرينة إلا على إخراج ما تضمنه، لا وعلى دخول ما بقي، وإن عم جميع الأفراد كما هو ظاهر ذيله، فيعود الإشكال والسؤال عن الداعي. والإنصاف: أنه (قدس سره) حيث لم يتيسر له التصديق بما في الكفاية، لانقداح اشكال عقلي في ذهنه الشريف، التزم بهذا التفصيل والتكلف، وإلا فالأمر واضح بحمد الله تعالى. ثم إنه (قدس سره) على تسليم مجازية العام المخصص وجه كلام الشيخ (قدس سره) بما حاصله: أن دلالة العام ثابتة على كل واحد من الأفراد بنحو الدلالة التضمنية، فهنا


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 187، ط المطبعة العلمية. (*)

[ 505 ]

دلالات تضمنية بعدد الأفراد، والمخصص إنما يتعرض أولا وبالذات الى هذه الدلالات التضمنية، فبمقدار ما يشمله من الأفراد نرفع اليد عن هذه الدلالات، ويبقى البقية ونستكشف بها أن المستعمل فيه جميع الباقي حتى يحفظ جميع هذه الدلالات الباقية. وفيه: أنه منه (قدس سره) عجيب، إذ الدلالة التضمنية لا ريب في تبعيتها للمطابقية، فإذا ورد التخصيص على العموم فلا محالة لم يرد منه تلك الدلالة المطابقية، فيسقط جميع دلالاته التضمنية التابعة لتلك المطابقية، ودلالته التضمنية بعد ذلك تتبع المطابقة، فلابد من الكشف عنها أولا حتى ينكشف مقدار التضمن، والفرض تعدد مراتب المجازات.

[ 506 ]

4 - فصل هل العام حجة فيما احتمل كونه من أفراد المخصص ؟ والبحث تارة عن المشتبه للشبهة المفهومية، واخرى في الشبهة المصداقية. أما الشبهة المفهومية: فإجمال المخصص إذا كان متصلا يسري الى العام، فيكون المشتبه مشكوكا في صدق العام عليه، وذلك بخلاف المنفصل، وإنما يوجب رفع اليد عن أصالة الجد الجارية في العموم، وحينئذ فإذا دار أمر المخصص بين المتباينين فيعلم إجمالا بخروج أحدهما، فيعمل بمقتضى هذا العلم، وأما فيما دار بين الأقل والأكثر فالعام معلوم تخصيصه في الاقل، ومشكوك في الزائد عليه، فلا يرفع اليد عن أصالة جده إلا فيما علم تخصيصه. وتوهم أنه إنما يصح فيما كان الإجمال للشك في اللفظ الصادر عن المولى في مقام التخصيص أو في اطلاق عنوان المخصص، وأما فيما علم اللفظ بخصوصه، وكان له اطلاق أو ما بحكمه، كما إذا قال: لا تكرم فساق العلماء وشك في مفهوم الفسق، فهاهنا يعلم بخروج الفاسق مطلقا بماله من المعنى عن عموم اكرم العلماء، وحينئذ ينقسم العموم بحسب أصالة الجد الى العلماء الفساق وغير الفساق، وتختص أصالة الجد بغير الفساق، فيشك في انطباقه على المصر على الصغيرة. مدفوع بان عنوان المخصص ليس لفظ الفسق، بل اللفظ إنما هو عبرة الى

[ 507 ]

المعنى، ومعناه قرينة على رفع اليد عن معنى العام، وموجب لتقييد موضوعه بحسب الجد، وحينئذ فالشك فيه يوجب الشك في أن القيد الوارد هو غير مرتكب الكبيرة، أو هو غير مرتكب الكبيرة والمصر على الصغيرة، والأول يقيني، والثاني مشكوك يؤخذ فيه بالعموم. وبالجملة: لافرق بين الموارد اصلا، فإما يؤخذ بالعموم مطلقا، وإما يمنع الأخذ به، للشك في جريان سيرة العقلاء عليه أو منعه، فتدبر. ثم إن سيدنا العلامة الاستاذ - دام ظله - أفاد في وجه الرجوع الى العام هنا: أنه لااشكال في حجية العام بنفسه، أما المخصص فليس حجة إلا فيما علم إرادته منه، وهو الأقل، دون الزائد عليه، وذلك أن حجية الظواهر عندهم إنما هو بمعنى عملهم بها، وهو إنما يتصور فيما علم المراد من المخصص، وأما فيما لا يعلم فكيف يكون حجة عليه، فالمخصص في الزائد ليس بنفسه حجة، فلا يرفع عن الحجة به. وفيه: أنه لو بنى على ذلك كان اللازم حجية العام في الشبهة المصداقية أيضا، إذ الحجية بمعنى العمل، كما تتوقف على العلم بالمفهوم، كذلك تتوقف على العلم بانطباق المفهوم، فيقال: إن المخصص بنفسه ليس حجة، فلا يرفع اليد به عن الحجة، والحق أن العقلاء في باب الألفاظ يسندون معانيها الى المتكلم بها، وهذا الاسناد أيضا مرتبة من الحجية، ولذلك يحكمون باختصاص جد العام بما عدى مورد المخصص، وحيث إن مفهوم المخصص في الشبهة المصداقية مبين، فيعلم بالعام بعد التخصيص، ويشك في انطباقه، وأما في الشبهة المفهومية فلا يعلم به تفصيلا، بل يعلم بتخصيصه بالأقل ويشك في الزائد فيرجع إليه، كما يرجع إليه في موارد الشك في أصل التخصيص أو تخصيص زائد بلفظ آخر. هذا كله في الشبهة المفهومية. وأما الشبهة المصداقية فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز الرجوع الى العام فيما كان المخصص متصلا، إذ العام من أول الأمر يختص أصالة جده بمل عدا مورد التخصيص، وبعبارة القوم ينعقد ظهوره في الخصوص، فشبهة المخصص

[ 508 ]

شبهة العام، وبحكمه مااذا كان العموم منصرفا الى بعض الأفراد لقرينة حالية أو مقالية أو عقلية، كما لا يخفى. إنما الكلام في المخصص المنفصل، والحق عدم جواز الرجوع الى العام في المخصص اللفظي، إذ بعد وروده يختص موضوع العام بحسب الجد بما إذا لم يصدق عليه المخصص، فالشك في صدقه شك في انطباق العموم بما هو حجة. وقد يقرب الرجوع إليه بأن لاكرم العلماء - مثلا - عموما افراديا به يسري حكمه الى جميع أفراده، وإطلاقا أحواليا به يسري حكمه في أفراده الى معلوم العدالة أو الفسق ومشكوكهما، وقوله: لا تكرم الفساق منهم إنما يكون حجة في معلوم الفسق لامشكوكه، فيبقى اطلاق العموم فيه بحجيته. وفيه مضافا الى ما ذكرناه في تقرير بحث سيدنا الاستاذ الاعظم - دام ظله -. أولا: أنه كما أن للعام اطلاقا أحواليا يجري به حكمه على عنوان مشكوك الفسق، فهكذا للخاص أيضا اطلاق أحوالي يجري به حكمه على الفاسق المشكوك الفسق، وتقديم الخاص على العام يوجب خروج الفاسق المشكوك الفسق أيضا عن العام، ولا محالة يختص العام بالعالم الغير الفاسق على ما عليه من الأحوال، وإذا شك في الفسق فليس العام حجة كالخاص. وثانيا: أن للعموم المذكور إطلاقا من حيث نفس العدالة والفسق - مثلا - وإطلاقا آخر من حيث تعلق قطع وشك المكلف بهما، من دون توقف احدهما على الآخر، وقوله: لا تكرم الفساق منهم يوجب اخراج الفاسق الواقعي، فيختص موضوع العام بحسب الجد بالعالم الغير الفاسق، ويبقى اطلاقه من حيث تعلق قطع المكلف وشكه بالفسق والعدالة على ماكان، بلا تصرف فيه أصلا، فإذا احتمل كون فرد فاسقا، فصدق العام مشكوك فلا يكون العموم حجة على وجوب اكرامه. هذا كله في المخصص اللفظي، وأما اللبي المنفصل، فبعد التوجه الى انحفاظ قيود المبحث، أعني ورود تخصيص بحكم العقل - مثلا - على العام بعنوان محتمل الصدق على فرد، فالظاهر عدم جواز الرجوع إليه لعين ما مر في اللفظي، من الشك

[ 509 ]

في انطباق موضوع العام بما هو حجة عليه، فلا يكون حجة على جريان حكمه عليه. فما في نهاية الدراية (1) - وهو توضيح لما في تقريرات الشيخ الأعظم (قدس سره) - من أن العام يدل على انتفاء وجود العنوان المنافي في جميع افراده، إنما يصح فيما إذا احتمل ملازمة جميع أفراده لانتفاء المنافي، وأما في محل البحث من تخصيص موضوعه الذي لا يكون إلا إذا وجد المنافي بين أفراده، بداهة لغوية التخصيص وتقييد العنوان في صورة الملازمة، فالعنوان المتحصل عبارة عن عنوان العام مقيدا بعدم عنوان المخصص، وهو مشكوك الانطباق في هذا الفرد. كما أن ما في تقريرات بعض أعاظم الاساتذة (قدس سره) (2) من أنه يمكن أن يكون أهمية حكم العام بمثابة لا يرضى المولى بترك امتثاله في ما يحتمل المخصص عليه، وحينئذ فهو إعتمد في تخصيص العام على الحكم العقلي الثابت في الموارد الشخصية، لعلمه بانطباق كبرى المخصص عليه، لفرض علمه بالمصداق، فالعام حجة حينئذ في موارد الشك بخلاف المخصص اللفظي إذ بعد ورود التخصيص اللفظي يختص حجية العموم بغير موضوع المخصص واقعا. ممنوع إذ هو أيضا خروج عن محل البحث، إذ مورد البحث مااذا كان العنوان الواقعي محكوما بحكم مخالف للعام، وحينئذ يكون حكم العقل أيضا موجبا لقصر حجية العام على ما بقى تحته واقعا، ومعه فلا يمكن اعتماده على حكم العقل في الموارد الشخصية، كما لا يخفى. وأما ما ذكره بعض علماء العصر " دامت بركاته ": من أنه لو لم يجز التمسك به في اللبيات لم يبق لنا عام جائز العمل، فإن كل عام مخصوص عقلا بما إذا لم يزاحم ملاك حكمه بملاك أقوى واقعا، ولاحكم من الأحكام الشرعية إلا ويحتمل فيه عروض ملاك أقوى، يرفع به الحكم التابع للملاك الأول فافهم " انتهى ".


(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 188، ط المطبعة العلمية. (2) نهاية الاصول: ص 334 ط القدس. (*)

[ 510 ]

ففيه: أولا: أنه مبني على كون العام المبتلى بالمزاحم الأقوى مخصصا به، والحق أن التكاليف قوانين لا بأس بانحفاظها على ما كانت عليه من الفعلية حينئذ أيضا، غاية الأمر أن العبد معذور في الخلاف إذا علم بالمزاحمة أو كانت مزاحمة واقعا أيضا، فإذا احتمل المزاحم الأقوى فالعام شامل للمورد بلا اشكال، والشك إنما هو في قيام العذر، وهو عند العقل لا يكون عذرا. وثانيا: أن الملاكات ليس موضوعا للأحكام، وموضوع المخصص الموجب لتقييد موضوع العام وقصر حجيته هو دائما من قبيل عناوين الأفعال، والملاك في جعل الاحكام ملاك ومنشأ دائما لجعلها على موضوعاتها، فما أفاده إنما يصح فيما احتمل طرو عنوان ثبت أقوائية ملاكه، واما فيما لم يثبت ذلك فتقييد موضوع العام به مشكوك، وأصالة العموم حجة على عدمه. ومما ذكرنا يظهر النظر فيما في تقريرات المحقق النائيني (قدس سره): من أنه إذا كان احراز وجود المخصص في أفراد العموم من وظيفة المتكلم بحيث لا يصح له القاء العموم إلا بعد احراز عدم وجود المخصص، فهنا يكون العموم حجة في المشتبه، وأما إذا لم يكن من وظيفته كالفاسق - مثلا - فلا يكون حجة فيه. فان فيه مالا يخفى. إذ بعد ماصححنا للمولى المقنن القاء العموم ضربا للقاعدة، فليس لنا مورد لا يصح للمولى القاء العام إلا بعد احراز عدم وجود المخصص. نعم، إلقاء العام حجة على عدم وجوده ما لم ينكشف الخلاف، ومعه يتقيد موضوعة بعدم المخصص، ولازمه عدم حجيته في المشكوك. وبالجملة: فليس مفاد كل عام إلا ثبوت الحكم على أفراده، ومن ثبوته عليها ينكشف عدم وجود المخصص، وهو محفوظ ما لم يعلم أو يصرح بخلافه، وليس له دلالتان: احداهما ثبوت الحكم على الأفراد، والثانية - في عرض الاولى - أن المتكلم أحرز وحكم بأن جميع الأفراد من الجيران - مثلا - ليسوا أعداء، بل هو من توابع الاولى فإذا تخصص موضوع العام، فكما يشك في ثبوت حكمه، كذلك

[ 511 ]

يشك في وجود المخصص ولا طريق الى نفيه. نعم، فيما علم من المولى أنه بحكمه هذا بصدد الاخبار عن عدم وجود عنوان المخصص أيضا، حتى يكون كلامه الواحد اكرم جيراني، بمنزلة أن يقول: " أكرام جيراني واجب، وجيراني جميعهم أصدقائي " ففي مثله يكون العام الثاني حجة في من لم يعلم بكونه عدوا له أو صديقا، وبه يحرز وينقح موضوع العموم الأول، ولكن من أين لنا أمثال هذا الكلام ولاسيما في القضايا الحقيقية المبنى عليها أحكام الشريعة. ومما ذكرنا تعرف ما في ما اختاره في درر الاصول فراجع. تنبيهات: الأول: ما مر من عدم جواز التمسك بالعام ولا المخصص إنما هو فيما لم يكن أصل موضوعي، وأما معه فلاريب في تنقيح الموضوع به وجواز الرجوع إليه، ولا إشكال فيما كان موضوع المخصص أو العام بعد التخصيص ثابتا قبلا متيقنا بحدوده، فإنه يستصحب ويدخل تحت الدليل، وإنما الكلام فيما لم يتيقن به بحدوده سابقا، إما لعدم وجوده أصلا كما في المرأة المرددة في أنها من قريش أم لا، وإما لعدم اتصافه بجميع ما يعتبر في موضوعيته، كما إذا خصص عموم " أكرم العلماء " ب‍ " لا تكرم الفساق " وكان رجل جاهل معلوم العدالة، ثم صار عالما وشك في بقاء عدالته. ولتحقيق المقام لابد أولا من البحث عن أن التخصيص ماذا يفعل بالعام ؟ فنقول: إن فيه احتمالات: أحدها - أن يكون شأنه اخراج الأفراد المدلول عليها بالمخصص، من غير تأثير في العام وموضوعه أصلا، بل إنما يكون التخصيص كموت الفرد، كما هو صريح المقالات، ثانيها - أن يوجب تعنون العام بعنوان واحد وجودي ضد لعنوان المخصص كالعدول في المثال، ثالثها - أن يوجب تعنون موضوعه بكل عنوان غير مجتمع مع عنوان المخصص، كما هو ظاهر الكفاية،

[ 512 ]

رابعها - أن يوجب تعنونه بعنوان غير المخصص، كغير الفاسق وغير القرشية بنحو السلب العدولي، وخامسها - أن يوجب تعنونه بعنوان الذي ليس بالعنوان المخصص، كالعالم الذي لم يكن فاسقا بأن يتصف بهذا السلب المحصل، وهنا احتمالات اخر سيظهر. والتحقيق في المقام أن حقيقة كل حكم بعثي أو غيره ليس صرف ما يدل عليه اللفظ في الاستعمال ما لم ينضم إليه إرادة المتكلم به، فحقيقته هو المعنى الذي أراده المنشئ حقيقة، وإلا كان خيال حكم لا حكما، وعليه فإذا ورد على العموم تخصيص، فلو كان تمام موضوع حكمه الحقيقي هو نفس ماكان موضوعا له قبل التخصيص، بلا تصرف فيه ولا في حالات ثبوته، لما بقي للمخصص موضع أصلا، إذ المفروض أن كل عالم - مثلا - في جميع الحالات محكوم حقيقة بوجوب الاكرام، ومعه فأين موضوع لا تكرم الفساق، ولا يصح قياس المطلب بموت الفرد، إذ الحكم مرتب على ماكان فردا لعنوان العالم، والموت يوجب خروج الفرد عن الفردية، من غير تضيق لموضوع الدليل، وهو بخلاف ماكان الفرد باقيا وموصوفا بعنوان به فرديته كما لا يخفى. وحينئذ فلابد من التصرف بأحد وجهين: إما بأن يبقى عنوان العام على تمام الموضوعية، ويختص ظرف ثبوت الحكم عليه بما إذا لم يكن معنونا بعنوان المخصص، وإما بأن يتصرف في عنوان العام ويقيد بعنوان غير مجتمع مع عنوان المخصص، فكلا التصرفين ممكن ثبوتا، ولابد من أحدهما قطعا. نعم، جعل الشرط المزبور لثبوت الحكم على عنوان العام أو الوصف المتصف به عنوانه وجود ضد عنوان لعنوان المخصص، أو كل عنوان مغاير له، خلاف متفاهم العرف قطعا، فالأمر دائر بين ذلك السلب العدولي والتحصيلي، فيصير حاصل الأمر في المثال: إذا لم يكن العلماء فساقا أو إذا كانوا غير فاسقين يجب اكرامهم، أو يصير حاصله: اكرم كل عالم ليس بفاسق، أو غير فاسق. إذا عرفت هذا فالكلام تارة في ما إذا كان الموضوع موجودا إلا أنه لم

[ 513 ]

يتصف بجميع ما يعتبر في موضوعيته، واخرى فيما كان معدوما ثم وجد إما بعنوان المخصص أو عنوان يغايره. أما الأول: فقد قال سيدنا العلامة الاستاذ الأعظم - مد ظله العالي -: بعدم جريان الاستصحاب فيه، إذ موضوع الحكم بعد ورود التخصيص، هو العالم الغير الفاسق، أو العالم الذي ليس بفاسق، بحيث يكون الوصف العدولي أو السلبي ثابتا له بما هو عالم، والاستصحاب إنما يثبت كونه بذاته عالما أو غير فاسق، وأما أنه بما أنه عالم موصوف بغير الفاسق، فهو من لوازمه العقلية الغير المثبتة بالاستصحاب. أقول: كلامه - مد ظله - مبني على أنه إذا تعددت الأوصاف العرضية لشئ، فالشئ بما أنه موصوف بأحدهما أخذ موضوعا لاتصافه بالآخر، حتى يكون موضوع الحكم في قوله: " اكرم الرجال العلماء العدول " الرجل العالم الموصوف - بعد فرض أنه عالم - بكونه عادلا، إذ حينئذ الأمر كما أفاده - مد ظله - من عدم إمكان احراز الموضوع في مثل محل البحث بالأصل. لكن هذا المبنى خلاف متفاهم العرف، فإن كل أحد يعلم بأن الرجل في المثال كما أنه موضوع لوصف العالم، فهو أيضا بذاته موضوع وصف العادل، فموضوع الحكم من كان عالما وكان عادلا، فهو من الموضوعات المركبة، يمكن احرازها بضم الوجدان والأصل. نعم، لا يبعد دعوى أن العناوين الذاتية، كالرجلية والانثوية، مأخوذة في موضوع هذه الأوصاف، فالقول: بأن الموضوع له هو عنوان الشخص، والرجلية كالعالمية والعادلية أوصاف عارضة له خلاف المتفاهم. وكيف كان، فالظاهر امكان احراز الموضوع في هذا القسم من الشك، سواء قلنا: بتقييد موضوع العام أو بتقييد ظرف ثبوت حكمه، أما على الأول فقد عرفت، وأما على الثاني فلأن الحكم الواقعي بعد التقييد هو: " أكرم كل عالم إذا كان غير فاسق، أو إذا لم يكن فاسقا " فإذا احرز كونه عالما بالأصل، يدخل في هذا الدليل،

[ 514 ]

وينطبق عليه عنوان العالم، وإذا احرز أنه ليس بفاسق، انطبق عليه عنوان الشرط، فينطبق عليه الدليل ويستفاد منه حكمه، هو واضح. وأما الثاني: فحيث إن عنوان العام المخصص، كعنوان المخصص، ملازم لوجود الموضوع، وقد مر أن عنوان ذات الموضوع كالمرأة في مثال القرشية، مقوم لموضوع وصف القرشية، أو التي ليست بقرشية، فلا يمكن احراز الموضوع بالأصل، إذ ليس للمرأة الغير القرشية ولا للمرأة التي ليست بقرشية حالة سابقة يقينية، حتى يحكم ببقائها بالاستصحاب، واستصحاب نفس السلب المحصل الذي هو الوصف على أحد الاحتمالين أعني أنها لم تكن قرشية، وإن كان لها حالة سابقة متيقنة، إذ الوصف هو السلب المحصل، وهو صادق بانتفاء الموضوع ولم يعتبر فيه بما هو وصف وجود الموضوع، وإنما لزم وجوده لكون الموضوع المرأة الكذائية، ولا محالة لاتصدق إلا على الموجودة، لكنه لا يثبت الموضوع، أعني أنها أمرأة ليست بقرشية (1) مضافا الى إمكان منع صدق نقض اليقين بالشك عرفا فيما كان تيقن صدق السلب لانتفاء وجود الموضوع، والشك لعدم العلم بحالته إذا وجد، هذا بناء على القول بتقييد موضوع العام. ومنه تعرف الكلام على القول: بتقييد ظرف ثبوت الحكم، إذ لو كان القيد سلبا عدوليا مثل " إذا كانت المرأة غير قرشية " فلا حالة سابقة متيقنة، ولو كان سلبا تحصيليا مثل " إذا لم تكن المرأة قرشية " فقد عرفت الاشكال في صدق عنوان النقض بالشك فيه، مضافا الى أنه من قبيل الموجبة السالبة المحمول فلا حالة متيقنة له. ثم من العجب ما في دليل الدرر (2) من أن الحكم بالتحيض الى ستين مترتب على صرف خصوصية القرشية، ويمكن نفيها بالاستصحاب.


(1) والحق أنه لما كان وصفا للمرأة - مثلا - وهو عنوان لا يصدق إلا على الموجود، فموضوع هذا السلب أمر مفروض الوجود، وحينئذ ليس له حالة يقينية، ولو لم يعتبر في موضوع هذا السلب الوجود فعنوان المرأة صادق قطعا، وكونها ليست بقرشية صادق بحكم الاستصحاب، ولا يعتبر في الموضوع أزيد من ذلك (منه عفي عنه). (2) درر الفوائد: ج 1 ص 220. (*)

[ 515 ]

إذ فيه: أولا - أن خصوصية كونها امرأة أيضا لاريب في دخلها في هذا الحكم، ولذلك لا يتعدى الحكم عن المرأة. وثانيا - أن صرف نفي أحد الضدين لا يثبت الضد الآخر، أعني التحيض الى خمسين. وثالثا - أنه لو سلم فالخصوصية هنا كونها قرشية، وقد عرفت الاشكال في استصحاب عدمه. ومما ذكرنا تعرف النظر في كلمات القوم ابراما ونقضا، فراجع. التنبيه الثاني: لاريب في عدم جواز التمسك بالعموم، في ماكان الشك لامن جهة احتمال التخصيص، بل من جهة اخرى، كما لو شك في مشروعية الوضوء بالمضاف، فيتمسك بعموم أدلة وجوب الوفاء بالنذر بعد تعلق النذر به ليحكم بوجوبه، فيتمسك منه مشروعيته، وذلك أنه لا يبعد أن يقال - بعد تقوم النذر بأن يجعل على نفسه شيئا لله تعالى -: إنه لا يتصور هذا المعنى إلا في ماكان مطلوبا له تعالى، فعمومات النذر بنفسها مختصة بما كان مطلوبا لله تعالى، والشك في المشروعية شك في فرديته لنفس العام، ولاريب ولا خلاف في عدم جواز التمسك بالعمومات في الشبهة المصداقية لنفسها. نعم، إن قلنا: بأن عمومات مثل النذر بنفسها تعم كل ما يجعله على نفسه، والتخصيص يرد عليها بمخصص منفصل، كان التمسك بها تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه، وقد عرفت أنه أيضا غير جائز، لكن الظاهر اختصاصها بنفسها كما أشرنا إليه. ولعله لذلك جعل في الكفاية التمسك بها مما لا يكاد يتوهمه عاقل. ثم إن تأييد جواز التمسك بالعام هنا بما ورد من مثل صحة نذر الصوم في السفر، غير متين، فإنه قد دل الأدلة الأولية على بطلان الصوم في السفر، ومعه لا يبقى مجال للتمسك بدليل الصحة أصلا، وإنما قام دليل خاص على صحته مع النذر، فلا ربط له بما نحن فيه، إلا أن يتوهم أن النذر لما كان قادرا على قلب البطلان صحة، فلأن يقدر على التصحيح في مورد الشك - كما في ما نحن فيه - أولى، وفيه مالا يخفى، فإن قيام الدليل الخاص على أمر لا يستلزم التمسك

[ 516 ]

بالعموم في ما ليس فيه حجة. الثالث: إذا ورد على شخص معين حكم يخالف حكم العام، كما إذا حكم على زيد بعدم وجوب الاكرام، وشك في أنه من أفراد العام وعالم حتى يكون تخصيصا في عموم اكرم العلماء، أو هو ليس من العلماء فلا يكون تخصيصا فيه. فهل يجوز التمسك بالعام، واحراز أنه ليس من أفراده، ببيان أنه إذا كان كل عالم - مثلا - يجب اكرامه، فلا محالة من لا يجب اكرامه فليس بعالم، تحفظا على عموم العام - كما هو مقتضى عكس النقيض - ؟ قال في الكفاية: " فيه اشكال: لاحتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في كون فرد العام محكوما بحكمه، كما هو قضية عمومه " والظاهر أن مراده احتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في حكم الشخص، لا في مثل، ما نحن فيه مما نعلم حكمه، وإنما يشك في كيفية محكوميته بهذا الحكم، هل هو من باب التخصيص أم لا ؟ فلا يرد عليه أنا بالمآل نشك في أنه هل أراد المولى اكرام جميع العلماء أو لا ؟ فإن هذا الشك إذا آل الى الشك في حكم فرد مفروض الفردية يصح التمسك بالعموم لكشف حكمه، وإلا فمحل اشكال. الرابع: إذا ورد في كلام المولى " لا يجب أن تكرم زيدا " ولم يعلم المراد من زيد ؟ أهو زيد العالم حتى يكون تخصيصا في عموم " اكرم العلماء " أو زيد الجاهل حتى لايرد عليه تخصيص، فحيث نشك في حكم زيد العالم، فلا ينبغي الريب في جواز التمسك بالعموم لرفع الشك في حكمه، فيحكم عليه بوجوب الاكرام، لكنه هل يرفع به اجمال قوله: " لا يجب ان تكرم زيدا " فيعلم به أن المراد منه زيد الجاهل أم لا ؟ ظاهر كلام الكفاية ذيل الأمر السابق رفع اجماله به، لتسليمه حجية مثبتات الاصول اللفظية، وهو صريح التقريرات ومختار سيدنا الاستاذ - دام ظله - إلا أنه محل تأمل وتردد، لعدم تسلم أن سيرة العقلاء هاهنا عليه. ولو قلنا: برفع الإجمال عنه فلو قال: " لا تكرم زيدا " لكان زيد العالم واجب الإكرام بمقتضى العموم، وزيد الجاهل محرم الإكرام، لرفع الإجمال عن متعلق النهي بالعموم، كمالايخفى.

[ 517 ]

5 - فصل في الرجوع الى العام قبل الفحص الظاهر أن المنشأ لعقد هذا البحث هو ما هو مشاهد لكل من له أدنى مساس بأدلة الفقه من ورود عمومات كثيرة، ووجود مخصصات منفصلة لكثير منها، وهو أمر مسلم عند الكل، من غير دخل للمباني المختلفة في الاعتراف به، فهم وإن لم يقيدوا عنوان البحث بعمومات أدلة الفقه ومخصصاتها، إلا أنه لاريب في أنها المنشأ لعقد هذا البحث. وعليه فلكل صاحب مبنى أن يقيم الدليل لمختاره من وجوب الفحص، ولو على مبناه، فليس لنا أن نجعل محل كلام القوم بعد الفراغ عن حجية الظواهر من باب الظن الخاص، ومن باب الظن النوعي لاعم من المشافهين وغيرهم - كما ربما يستظهر من الكفاية - فضلا عن أن نجعله ما إذا لم يعلم بتخصيصها لا إجمالا ولا تفصيلا. كيف ولكل العلماء ذوي المباني المختلفة عقد هذا البحث والاستدلال لما يختاره، ولو كان الاستدلال مبنيا على مبناه، فلا يمكن الرد على امثال هذه الاستدلالات بالخروج عن مفروض الكلام. فضلا عن الإيراد على الاستدلال بالعلم الإجمالي بالخروج عنه، بل غاية الأمر أن يورد على هذه الاستدلالات بأنها مبنية على مبان قد تحقق بطلانها، أو بانها غير وافية باثبات المرام بنواحيه كلها. ولعله مراد الكفاية، بأن يكون مراده

[ 518 ]

بقوله: والذي ينبغي أن يكون محل الكلام... الى آخره أنه بعد تحقق بطلان تلك المباني في محله، وعدم وفاء العلم الإجمالي باثبات جميع أبعاد المرام، فينبغي أن يكون محل الكلام ما أفاده. ثم إن الرجوع الى العام قبل الفحص عن مخصصه أحد مصاديق الرجوع الى أصالة الظهور قبل الفحص عما يخالفه، سواء كان مخصصا له أو مقيدا أو حاكما أو قرينة اخرى على إرادة خلاف الظاهر، فلا يتوهم خصوصية للرجوع الى العام أصلا. ثم إنه استدل هنا بوجهين: أحدهما: مسألة المعرضية، والمراد بها: أنه إذا كان هنا عمومات، وكان لها مخصصات، وكل منها في معرض أن يرد عليها مخصص، فمع هذه المعرضية فلا يجوز التمسك بالعام إن بعد الفحص في مظان وجود هذا المخصص واليأس عن الظفر به، فالمعرضية بهذا المعنى بنفسها موجبة للفحص. وليس المراد بالمعرضية مجرد جريان عادة المتكلم كثيرا على إرادة خلاف الظاهر بقرائن منفصلة، فإن هذا المعنى من المعرضية إن أوجب الفحص كان اللازم منها عدم جواز التمسك بالعام مع احتمال ورود المخصص بعد ذلك حتى فيما علم بعدم وروده بعد، وهو مما لا يمكن الالتزام به. والوجه الثاني: العلم الإجمالي بورود مخصصات لهذه العمومات، وهو يوجب سقوطها عن الحجية إلا إذا خرج عام بالفحص عن أطراف الاحتمال. واورد عليه تارة: بأن الفحص التام في الأخبار التي بأيدينا أيضا لا يوجب جواز الرجوع الى العام، لاحتمال وجود المخصص في أخبار الاصول الاربعمائة التي لم تصل بأيدينا. والحق أن منشأ هذا العلم الإجمالي بالمخصصات إذا كان نفس هذه الأخبار التي بأيدينا، فلا محالة يكون المعلوم بالإجمال محصورا فيها، فبالفحص وعدم الظفر بالمخصص فيها لعام يخرج العام المذكور عن الطرفية.

[ 519 ]

اللهم إلا أن يدعى العلم بمخصصات اخر في تلك الأخبار الغير الواصلة الينا، لكنها ممنوعة جدا لعدم العلم باشتمال ما لم يصل الينا من الأخبار المعتبرة - لو كانت - على أحكام جديدة مخالفة لما اشتملت عليها الأخبار المعتبرة الواصلة كما لا يخفى. واخرى: بأن الفحص عن المخصص والعثور على مقدار لا يعلم بكمية ازيد منه يوجب انحلال العلم الإجمالي، فيلزم عدم وجوب الفحص في ما بقى من العمومات، مع أن المفروض المدعى وجوب الفحص عنه في جميع العمومات، فلا يمكن استناده الى العلم الإجمالي. وأجاب عنه في المقالات (1) بما حاصله: أن مجرد إحتمال طرفية العام لذلك العلم الإجمالي يوجب سقوطه عن الحجية إلا بالفحص والعلم بخروجه عنها، ومعلوم أن هذا الاحتمال قائم بكل عام ورد في أي من ابواب الفقه، والعثور على المخصصات بالمقدار الذي يساوي كمية المقدار المتيقن، لا يوجب خروج ما بقى من العمومات عن طرفية ذلك الإحتمال، لاحتمال وجود مخصصات أزيد على المتيقن، فمجرد إحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على المقدار الذي ظفر به لا يؤثر انحلال العلم الإجمالي. ومنه تعرف أن العثور على المقدار المذكور في جميع ابواب الفقه أيضا لا يفيد انحلال العلم الإجمالي إذا كان المفروض بقاء عمومات اخر في تلك الأبواب، وكان طرفيتها باقية كما كانت. كما أن العثور على ذلك المقدار في بعض الأبواب فقط لا يوجب كشف الخلاف وحدوث العلم بأن انحصار المتيقن من المخصصات في ذلك المقدار المفروض اشتباه. كما لا يوجب كشف خلاف طرفيه جميع العمومات لهذا العلم الإجمالي. وذلك أن العثور على المقدار المذكور ولو في بعض الأبواب لازمه احتمال أن


(1) المقالات: ج 1 ص 455 - 456. (*)

[ 520 ]

لا يوجد في الأبواب الاخر، فلا يكشف خلاف في العلم بانحصار المتيقن حيث إن المسلم انحصار المتيقن في مقدار مخصوص، لاانحصار المخصص، فيحتمل فيه الزيادة على المقدار المتيقن، ومع هذا الاحتمال واحتمال عدم الانطباق على ما ظفر به، فالطرفية في العمومات الباقية باقية، كما عرفت. فلا يرد عليه ما أورده سيدنا الاستاذ - دام ظله - على ما في تقريرات بحثه " تهذيب الاصول " فراجع (1). بل لو كان له جواب فإنما هو دعوى انحلال العلم الإجمالي المذكور، باحتمال انطباقه على ما ظفر به من المخصصات، كما هو مسلم في ظاهر كلماتهم. وأجاب عنه المحقق النائيني (2) (قدس سره) بما حاصله: أن المعلوم بالإجمال إذا تردد بين الأقل والأكثر فهو على قسمين: أحدهما: أن لا يعلم إلا نفس الموضوع المتعلق للتكليف المردد بين الأقل والاكثر، كان يعلم باشتغال ذمته إما بالعشرة وإما بالخمسة. والثاني: أن يكون له عنوان وعلامة منطبقة عليه، كأن يعلم في الفرض بأن ما في ذمته مضبوط في الدفتر. فالقسم الأول ينحل فيه العلم الإجمالي بعلم تفصيلي بالأقل وشبهة بدوية في الزائد عليه، وأما القسم الثاني فنفس العلم بموضوع التكليف وإن لم يقتض الاحتياط، لانحلاله - كما عرفت - إلا أن علمه بأن عليه عنوانا وعلامة يقتضي الاحتياط عقلا وعرفا، وما نحن فيه من قبيل الثاني، فإنا نعلم بأن على المخصصات المعلومة بالإجمال علامة، وهي: أنها محصورة في أخبار الكتب التي بأيدينا، فيجب فيه الاحتياط. وأورد عليه سيدنا الاستاذ - دام ظله -: أولا: بأن العنوان والعلامة إذا كانت اتفاقية ولم يتعلق بها التكليف فلا قيمة لها أصلا، ولذلك إن المكلف إذا أخذ دراهم شخص آخر محفوظة في كيس وأتلفها،


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 498. (2) أجود التقريرات: ج 1 ص 484 - 485. (*)

[ 521 ]

وتردد أمرها بين الأقل والاكثر، فلا ينبغي الريب في عدم وجوب الإحتياط، مع أن عنوان ما في الكيس علامة عليها. وثانيا: أنه لو فرض أن يكون العنوان والعلامة موضوعا ومتعلقا للتكليف، لكنه إذا فرض المعنون مرددا بين الأقل والأكثر فالقدر المسلم أن الأقل معنون ومصداق للعنوان المذكور، ويشك في انطباقه على الزائد، فلا محالة ينحل العلم الإجمالي الى علم تفصيلي في الأقل وشك بدوي في الزائد (1). وبمثل الجواب الثاني أورد عليه تلميذه العلامة الخوئي في ذيل أجود التقريرات (2). أقول: ولا يبعد أن يقال: إنه إذا كانت على المعلوم بالإجمال علامة، وكانت العلامة بحيث يمكن بها معرفة ما عليه العلامة، فالعقل يحكم بوجوب الإحتياط حنيئذ ومعرفة المكلف به بالفحص عن العلامة، فإنه لا ينبغي الريب في أنه إذا كان عالما يضبط ما على ذمته في الدفتر، وكان قبل المراجعة إليه مرددا في مقداره أنه العشرة أو الخمسة، فعقله والعقلاء يوجبون عليه الرجوع الى الدفتر ليتضح له مقداره، ولا يجوزون له الاكتفاء بأداء الأقل، كما أنه إذا علم بأن في القطيعة من الغنم عدة موطوءة وأن هذه العدة مجموعة في بيت - مثلا - وكانت مردده بين خمسة معينة وأكثر، فإنه لاريب في ايجاب الإحتياط عليه في الزائد وتعرف حاله، ولايجوز له إجراء البراءة من دون مراجعة الى البيت ليعرف ما فيه. نعم، إذا فاتت العلامة كأن فقد دفتره أو خرجت الاغنام المجموعة عن البيت، فحينئذ تجري البراءة عن الأكثر. ولعله كان مراد المحقق النائيني (قدس سره) وإن لم يف به عبارة مقرريه، والله العالم. ايقاظ قال في الكفاية ما حاصله: أن الفرق بين الفحص هاهنا وبينه في الاصول العملية أنه هاهنا عما يزاحم الحجية، بخلافه هناك، فإنه بدونه لاحجة، فالفحص مقوم للحجية، ومكمل لما هو الحجة هناك لاهنا " انتهى ".


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 499. (2) اجود التقريرات: ج 1 ص 485 هامش. (*)

[ 522 ]

أقول: إن ما أفاده في ما نحن فيه حق، وذلك أن قوام باب التزاحم بأن المزاحم - بالفتح - واجد في نفسه لجميع ما هو دخيل في فعلية حكمه، إلا أن حكمه لا يصير فعليا لمجرد ابتلائه بالمزاحم، كما هو واضح بأدنى تأمل في مزاحمة انقاذ الغريق بواجب أهم، فإن الإنقاذ لا يتصف بالوجوب، لا لنقص في مبادي وملاكات ايجابه، بل لمجرد أن هناك واجبا أهم، وفي ما نحن فيه الأمر كذلك، فإن تمام الدخيل في محكومية الظواهر بالكاشفية الفعلية إنما هو ظهورها الإستعمالي في العموم، وعدم إقامة قرينة متصلة على أنه ليس بمراد جدا، بعد كون المتكلم في مقام إفاده المرام، فكل ظاهر إذا كان كذلك فهو واجد لجميع ما هو شرط أن يراه العقلاء كاشفا عن مرام المتكلم. لكنه إذا كان في قباله كلام منفصل هو كالمخصص له، وكان هذا المنفصل أيضا جامعا لمقومات الكاشفية، فلا ريب في أنه يحكم له بالكاشفية عن مرام المولى، ومعه فلا يمكن بقاء تلك الكاشفية للعام - مثلا - لا لعدم جامعيته في ذاته لشرائط الكاشفية، بل لابتلائه بذلك الكاشف الأقوى، فهو مزاحم أقوى لكاشفيته التي هي منشأ انتزاع الحجية، فإن الحق أن الحجية أمر انتزاعي من إحتجاج العبد أو المولى على الآخر بما انكشف من مرامه بالكاشف العقلائي. وأما ما أفاده في الاصول العملية فلا يمكننا تصديقه، فإن الحق أن العقل يحكم بقبح العقاب إذا لم يكن بيان، والبيان عنده عبارة عن اعلام التكليف الإلزامي بطريق متعارف يمكن المكلف الوصول إليه، وعليه فإن كان مورد الشك في التكليف مما اعلم المولى بطريق يمكن الوصول إليه أن فيه تكليفا الزاميا فهو ليس موضوع الحكم بالقبح، وإن لم يعلمه كذلك فهو موضوع هذا الحكم، سواء فحص المكلف عنه أم لا، فلا شأن، للفحص إلا إحراز أن المورد من ايهما ؟ وإلا فالفحص والاحراز ليس مقوما لموضوع حكم العقل بالقبح، بل سبب الإحراز ما هو بنفسه موضوع لحكم العقل بالقبح، أو لاحراز التكليف المنجز مع قطع النظر عن الفحص أيضا.

[ 523 ]

ومثله الكلام في الحكم العقلي بالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الحكمية. وأما الاستصحاب والبراءة الشرعية، فإن سلمنا إطلاق موضوعهما فالتقييد الوارد عليهما في الشبهات الحكمية ليس بأزيد مما ذكرناه في حكم العقل المذكور، فإن قوله (عليه السلام): " هلا تعلمت ؟ " إنما يتعقل إذا كان للمكلف طريق الى تعلم التكاليف الإلزامية، وهو فيما إذا أعلم بها المولى بطريق أمكن المكلف الوصول إليه، فيقيد إطلاق حديث الرفع والاستصحاب في الشبهات الحكمية بما إذا لم يكن طريق ممكن الوصول بعد الفحص، ومعه فالفحص شأنه إحراز أن المورد هل هو من مصاديق هذا العام المخصص أم لا ؟ نعم، لو قلنا بأن الفحص من مقومات موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ومتممات أجزائه، وهكذا الأمر في البراءة الشرعية والاستصحاب لكان لما أفاده في الكفاية وجه، إلا أن الحق خلاف ذلك. والله العالم.

[ 524 ]

6 - فصل في الخطابات الشفاهية هل الخطابات الشفاهية مثل: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم) * مما اشتمل على أداة النداء أو الخطاب، وكان تلوها عنوان أعم بنفسه من المشافهين ؟ فهل تختص هذه الخطابات بخصوص المشافهين، أو تعم الغائبين، أو تعم المعدومين زمن الخطاب الموجودين بعده ؟ وبلحاظ منشأ الخلاف المذكور أحيانا في كلماتهم يبحث عن امور ثلاثة: الأول: هل يصح تعلق الحكم والتكليف الفعلي بالمعدوم ؟ والحق هنا - كما في الكفاية وغيرها - امتناع تعلقه بالمعدوم، فإنه وإن كان أمرا اعتباريا، إلا أن قوامه عند العقلاء بأن يكون المكلف موجودا واجدا لجميع شرائط التكليف، وهو واضح لاسترة عليه، ومعه فلا يعقل تعلقه بالمعدومين، وليس ذلك لتقوم الوجود التكويني الذي للإرادة أو للبعث والتحريك به، حتى يقال - كما في نهاية الدراية -: إن وجودهما إنما يتقوم بمرتبة من وجوده متحققة في نفس المريد والمحرك، بل لأن قوام هذا الأمر الاعتباري عند العقلاء بفعلية وجود المكلف. ومنه تعرف أن لا مجال للنقض بالواجب التعليقي، حيث تعلقت الإرادة أو البعث بالفعل قبل مجئ ظرف إتيانه، وذلك أن العقلاء يرون قوام التكليف الفعلي

[ 525 ]

بفعلية وجود المكلف، ولا يرونه متقوما بحضور ظرف العمل. وعليه فلا يعقل تعلق التكليف بالمعدوم، وإن صح تعلقه بالغائب عن محضر الخطاب. نعم، لا بأس بانشاء التكليف على عنوان عام، على نحو القضايا الحقيقية، مثل قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * فالتكليف بالحج قد انشئ على كل من استطاع، وهو معنى لا يتحقق إلا بعد وجود الإنسان واتصافه بالاستطاعة، فلا محالة يكون متعلق هذا التكليف الفعلي المكلف الموجود الواجد لشرط الاستطاعة، فما لم يتحقق هذا الموضوع فلا اثر من التكليف بالنسبة إليه، إلا انشاء التكليف لا وجوده الحقيقي الفعلي، ولا وجوده الإنشائي، فإن المنشأ بمثل الآية هو التكليف الفعلي لاغير، فالمتحقق هو انشاء التكليف الفعلي لا التكليف الإنشائي. الثاني: لا يصح توجيه الكلام والمكالمة والمخاطبة وهو المقصود من الخطاب الحقيقي إلا مع الحاضر في مجلس الخطاب الملتفت إليه، سواء كان الخطاب بالأداة المختصة به كياء النداء وضمير الخطاب، أم كان بمجرد المكالمة وتوجيه الكلام إليه، فلا يجوز الخطاب الحقيقي مع الغائب عن المجلس فضلا عن المعدوم حينه. فيعتبر صلاحية المخاطب للإلتفات الى الخطاب، وكونه في مجلس الخطاب أي في مسمعه، وإن لم يعتبر اتحاد المكان، وبالجملة، فالمكالمة الحقيقية المعبر عنها بالخطاب الحقيقي إنما تتصور إذا كان هذا الكلام الشخصي بحيث يسمعه مخاطبه. وعليه فالتكلم مع الجماد الحاضر ونداؤه ليس خطابا حقيقيا، وتكلم العبد مع الله تعالى خطاب حقيقي، لأن المخاطب يسمع الكلام ويدركه، وإن لم يكن بالجارحة المخصوصة، وهكذا النداء والسلام على أوليائه المعصومين " صلوات الله عليهم أجمعين " خطاب حقيقي لهم، بعد كونهم يسمعون كلامنا، وأما كلام الله

[ 526 ]

تعالى ونداؤه مع عباده الذين لم يبلغوا مرتبة سماع كلام الله تعالى فلا يصدق عليه الخطاب الحقيقي، فإنه تعالى وإن كان محيطا بجميع الأشياء، وكل المخلوقات حاضرة عنده بلا حجاب، إلا أن العبيد المخلوقين إذا كانوا قاصري الوجود عن سماع كلامه والصوت المخلوق له، وكان الصوت المحقق به الخطاب قاصر الوجود عن بلوغه لأسماعهم، فلا يصدق عليه الخطاب الحقيقي والمكالمة الحقيقية، ولا ينافيه إحاطته الوجودية بكل شئ، كما لا يخفى. الثالث: أن استعمال أداة الخطاب كأداة النداء وضمائر الحضور، وإن صح بلا تجوز في ما لم يكن للمنادى والحاضر التفات، إلا أنه لا يبعد دعوى انصرافها الى الحاضر الملتفت - كما في الكفاية - كما أنه لا يبعد أن يقال: إن وقوع العنوان العام - كالناس والذين آمنو - تلوها فيما إذا اوجد بها خطاب شفاهي لفظي، لا يوجب زوال هذ الإنصراف، كما لا يوجبه عدم اختصاص الحكم المذكور بعدها بخصوص الحاضرين، بل المفهوم عرفا من امثال هذه الخطابات الشفاهية أن المتكلم لما رأى الحاضرين مصداقا لتلك العناوين، فقد خاطبهم وناداهم بهذه العناوين بعد تطبيقها عليهم، وحكم عليهم بالأحكام التي يذكرها في كلامه، ثم علمنا باشتراك أحكامهم مع غيرهم أوجب انفهام حكم الغير، فدعوى الكفاية أن الاشتراك في الحكم مانع عن الإنصراف مما لا يمكننا تصديقها. وبالجملة: فالموضوع له لهذه الأداة هو الخطاب الإنشائي، إلا أنها إذا استعملت في خطاب شفاهي ملقى الى جمع حاضر، انصرفت الى خصوص الخطاب الحقيقي الذي لا يكون إلا مع مخاطب مدرك ملتفت. ثمرة البحث: قد عدت للبحث ثمرتان في الخطابات القرآنية مذكورتان في الكفاية وغيرها والفرق بينهما واضح كما أفاده. والحق أن القرآن الكريم نزل به الروح الأمين على قلب رسول رب العالمين (صلى الله عليه وآله) بلسان عربي مبين - كما في سورة الشعراء - وإن هذا النزول كان

[ 527 ]

بالقراءة عليه، كما يدل عليه آيات سورة القيامة: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * وهذا لا ينافي أن يكون القرآن الكريم وجودا جمعيا أعلى في العوالم العالية، فإذا كان نزوله بأن يقرأه الروح الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكن من الله تعالى خطاب شفاهي بالقرآن الكريم الى النبي (صلى الله عليه وآله)، بل قراءة وحكاية للجملات القرآنية من جبرائيل عليه (صلى الله عليه وآله) فليس خطاباته بالنسبة إليه (صلى الله عليه وآله) أيضا خطابا حقيقيا، وإنما هو خطاب إنشائي فضلا عن سائر الناس المخاطبين بمثل: * (يا أيها الذين آمنوا) *، و * (يا أيها الناس) * وأمثاله، فهي خطابات إنشائية نسبتها الى المؤمنين الحاضرين في أول مجلس يقرأه النبي (صلى الله عليه وآله) فيه عليهم، فنسبتها إليهم والينا وكيفية شمولها لهم ولنا واحدة، ولو كان ظهورها لهم حجة - كما كان كذلك - لكان لنا أيضا حجة حرفا بحرف. ومعه فلا وجه لشئ من الثمرتين كما لا يخفى على المتدبر.

[ 528 ]

7 - فصل في التخصيص بالمفهوم لو فرض دلالة اللفظ على المفهوم سواء كان موافقا أم لا، فهي حجة معتبرة، ولو كانت أقوى عند المقايسة من ظهور العام في العموم لقدم عليه، فإن ملاك التقدم الموجود في الخاص المنطوقي هو الأقوائية عند القياس باي جهة كانت، فإذا وجدت في المفهوم قدم المفهوم أيضا. نعم، يمتاز المفهوم بخاصة هي أنه لما كان من لوازم الخصوصية المدلول عليها في المنطوق، فلو قدم العام لأقوائيته على المفهوم، فلا محالة لا محيص من رفع اليد عن دلالة المنطوق على هذه الخصوصية، ويتصرف من هذه الجهة في المنطوق، فإنه لو فرض دلالة المنطوق - مثلا - على انحصار ملازمة الشرط للحكم المذكور في القضية، فإن بقيت هذه الدلالة بحالها، فلازمها القطعي انتفاء الحكم المذكور عند انتفاء الشرط، وهو ينافي تقديم العام عليه فلابد حينئذ من رفع اليد عن أصل الدلالة على المفهوم والانحصار، كما لا يخفى. ولكن هذا لا يقتضي أن يكون التعارض بالذات بين العام والمنطوق، إذ لانتعقل من التعارض بالذات إلا أن يدل أحد الدليلين في موضوع خاص على حكم، ويدل الدليل الآخر في ذلك الموضوع بعينه على حكم آخر مضاد له أو مناقض، فإذا اجتمع العام والمفهوم في موضوع واحد، واقتضى كل منهما فيه ضد مقتضي الآخر أو نقيضه، كانا متعارضين بالذات، فما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سره) من أن التعارض بالذات في المفهوم الموافق بين العام والمنطوق، ويتبعه تعارض العام والمفهوم مما لا ينبغي صدوره منه، والله ولي العصمة.

[ 529 ]

8 - فصل الاستثناء المتعقب للجمل قد اختلف في أن الظاهر رجوعه الى خصوص الأخيرة، أو رجوعه الى الكل، أو أنه لا ظهور له في شئ منهما وإن كانت الأخيرة متيقنة. والكلام في مقامين: الاول: في امكان الرجوع الى الجميع، فإنه قد يتوهم استحالته لاستلزامه استعمال لفظ واحد هو أداة الإستثناء في معنيين، لكنه مدفوع بامكان أن يلحظ معنى جميع العمومات المتقدمة، واستعمل أداة الاستثناء في الإخراج عنه إخراجا واحدا مفهوميا، ثم ينحل الى اخراجات متعددة نوعية كما ينحل الى اخراجات متعددة بتعدد الأشخاص التي هي مصاديق المستثنى. كما أن توهم استلزام استعمال لفظ المستثنى فيما كان علما لاشخاص مخصوصة، كل منهم فرد لواحد من العمومات، في اكثر من معنى واحد، كما إذا قيل: اكرم العلماء وأضف الشعراء إلا زيدا، وكان زيد اسما لرجلين أحدهما: عالم، والثاني: شاعر. مدفوع بأنه كالخروج عن محل الكلام، إذ الظاهر أن الكلام ممحض في البحث عن مقتضى نفس تعقب الاستثناء لجمل متعددة، لا وعن مقتضى اشتراك

[ 530 ]

لفظ المستثنى بين كثيرين اشتراكا لفظيا كالمثال، مضافا الى ما في كلام الأعاظم من امكان استعمال لفظ " زيد " في عنوان المسمى بزيد، وكفى به في امكان المطلب. المقام الثاني: في الاستظهار، وقد اعتقد صاحب الكفاية هنا، إجمال الكلام من هذه الجهة مطلقا، إلا أنه فصل بعض الأعاظم، بأنه لوجئ باسم ظاهر واحد في صدر الكلام، وبضميره في الجمل التالية، كان الإستثناء راجعا الى الجميع، ولوجئ باسم ظاهر آخر في بعض الجمل التالية - سواء كان تكرار الاسم الأول أم لا - كان راجعا الى هذه الجملة وما بعدها لو كانت متضمنة لضميره وتبقى ما قبلها على عمومها وعلله بأن الإستثناء راجع الى عقد الوضع، ومقتضاه ما ذكرنا. أقول: أولا: والحق أن الإستثناء ليس مثل سائر القيود الواردة على الموضوع، لكي يوجب تقييد الموضوع في المرحلة السابقة على تعلق الحكم به، كما إذا قيل: اكرم العلماء العدول، بل الظاهر من قوله: " اكرم العلماء إلا الفساق " جعل الفساق في جانب وإخراجهم من العلماء، ثم تعليق الحكم بالعلماء الذين بقوا بعد اخراجهم، وهذا أيضا في مرحلة الجد، وإلا فالعلماء مستعمل في مفهومه العام، بلا ايراد تقييد عليه أصلا، ولو من طريق تعدد الدال والمدلول، كما مر الكلام فيه سابقا. نعم، لو لم تكن الأداة مستعملة في الاستثناء، بل كانت مستعملة في توصيف المستثنى منه، كانت راجعة الى عقد الوضع كما في سائر القيود، لكنه خلاف الفرض. وثانيا: لو سلمنا رجوع الإستثناء أيضا كسائر القيود الى عقد الوضع، فأي دليل لعدم رجوعه الى خصوص الأخيرة في مااذا كان ضميرا. وربما يوجه عدم رجوعه الى خصوصها حينئذ بما حاصله: " أن الضمير من قبيل أسماء الإشارة، فلا يأهل أن يستثنى منه شئ، فإن الاهل لذلك، هو المشار إليه، كما أنه لو اشتمل المستثنى على الضمير كان هذا وجها آخر أيضا لعدم أهلية الضمير لأن يرجع إليه ضمير، فلا محالة يرجع الإستثناء والضمير الى الاسم الظاهر المذكور أولا، ويستثنى منه ثم يرجع الضمائر الاخر إليه بعد الاستثناء " (1).


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 519. (*)

[ 531 ]

أقول: وهو عجيب، وإن افاده سيدنا الاستاذ - مد ظله - فإنه يمكن أن يكون لهذا الكلام محل إن كان المقصود الأصيل في الكلام هو الألفاظ المقومة للكلام، وهو بين البطلان إذ الموضوع أو المحمول هو المعاني المرادة بالألفاظ، ومعنى الإستثناء والمستثنى يرجع الى تلك المعاني أيضا، فسواء افيدت بالأسماء الظاهرة أو الضمائر وأسماء الإشارة، فالموضوع أو المحمول نفس المسميات والمعاني فلا فرق بين أدائها بأي طريق، كما لا يخفى. فالوجه الأصيل لاي مختار هنا هو الاستناد الى فهم العرف الساذج. وفصل بعض أهل التدقيق، بأنه إن كان دلالة العام والإستثناء كليهما بالوضع أو الإطلاق، أو كان دلالة الإستثناء بالوضع والعام بالإطلاق حصل في الكلام إجمال - كما في الكفاية - أما في الأولين فظاهر، وأما في الثالث فلأن دلالة الإستثناء بالوضع لا توجب ظهوره في الرجوع الى جميع العمومات. نعم، لو انعكس الأمر وكان دلالة العام بالوضع، والإستثناء بالإطلاق، كان العام مانعا عن انعقاد إطلاق الإستثناء، كما لا يخفى. وفيه: أنه لو قال: " اكرم العلماء إلا الفاسق منهم " وقلنا: بأن دلالة العام بالوضع فلا ينبغي الريب في أن إطلاق الفاسق المستثنى مقدم عليه، فالمطلق الواقع بعد أداة الإستثناء أقوى ظهورا من العام الوضعي الدلالة، فلا مجال لما أفاده (قدس سره) هنا. بل إن مفتاح الأمر هنا أمر آخر هو أنه هل الكلام ظاهر في رجوع أداة الإستثناء الى خصوص الأخيرة، أو ظاهر في رجوعه الى الكل ؟ وإلا فإذا سلم ظهوره في أي الأمرين لما قاومه ظهور وضعي، في قبال الظهور الإطلاقي، المنعقد في المستثنى، كما عرفت ؟ والله العاصم.

[ 532 ]

9 - فصل تخصيص الكتاب بالخبر الواحد مقتضى القاعدة جواز تخصيص عموم الكتاب بالخبر الواحد الخاص، وتقييد إطلاقه به، وبالجملة، جعل الخبر الواحد المعتبر قرينة على إرادة خلاف الظاهر من ظواهره، على ما هو المرسوم في غيره، وذلك أن الكتاب وإن كان قطعي السند، إلا أن ملاك الحجية، هو طريقية القطع عند العقل والعقلاء، وهذه الطريقية أمر مشترك بين جميع الطرق المعتبرة، فجميعها عند العقلاء في عرض واحد، لا أن حجية الطريق المعتبر الظني في طول القطع، وعليه فعموم الكتاب - بعد قيام الطريق القطعي بصدوره، وقيام الدليل على حجية ظهوره - طريق وحجة معتبرة، كما أن ظهور الخبر الخاص - بعد قيام الدليل على حجية صدوره وظهوره - طريق وحجة معتبرة بنفسه على مفاده، وحيث إن كليهما بنفسهما حجتان في عرض واحد، فمع إجتماعهما فالخاص قرينة على تقييد العام كما إذا كان كلاهما ظني الصدور أو قطعيه. والظاهر أنه الوجه لاستمرار عمل الأصحاب عليه، وإن كان استمراره في مرئى الأئمة المعصومين (عليهما السلام) مع عدم ردعهم عنه حجة اخرى، كما لا يخفى. وبعد اليقين بصدور الخبر الذي هو قرينة إرادة خلاف الظاهر من ظاهر الكتاب عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، فلا محالة يراد بمخالفة الخبر الذي قالوا بأنهم لا يقولونه غير هذه المخالفة، لعدم امكان تخصيص هذه الاخبار وإبائها عنه. فراجع المطولات.

[ 533 ]

10 - فصل دوران الأمر بين النسخ والتخصيص إذا ورد عام وخاص منفصل عنه فهل الخاص مخصص له مطلقا، أو يفصل بين صدور المتأخر قبل وقت العمل بالمتقدم وبعده ؟ أقوال: وتحقيق المقام أن كل دليل ورد في بيان حكم شرعي، ولا سيما أخبار المعصومين (عليهم السلام)، فظاهره أن مفاده حكم الإسلام، وإطلاقه قاض بأن هذا الحكم ثابت بثبوت الإسلام، باق ببقائه فإذا قال الإمام الهادي (عليه السلام): " صلاة الجمعة واجبة " كان مفاده أن وجوب صلاة الجمعة حكم من أحكام الإسلام جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإطلاقه الأزماني يقتضي أن هذا الحكم ثابت من زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وفي جميع الأزمنة التالية أيضا أبدا، لا أن هذا الحكم يكون من زمان صدور هذه الكلام من الامام من أحكام الإسلام، بل إنه حكم الإسلام من زمان رسوله (صلى الله عليه وآله)، ثم يبقى ببقاء الإسلام، وليس المراد من دلالته على البقاء دلالته عليه بعنوان البقاء، لكي يستشكل عليه بأن البقاء عنوان متأخر ومترتب على أصل الوجود، ويستحيل إرادته من الدليل الدال على أصل وجوده - كما عن المحقق النائيني (قدس سره) - بل المراد أن دليله يدل على ثبوت الحكم وعلى تحققه في جميع الأزمنة ببركة الإطلاق الأزماني، ثم نعبر نحن عنه بالثبوت والبقاء. وكيف كان فكلا الدليلين العام والخاص يكون لهما ظهور في أن مفادهما

[ 534 ]

حكم الإسلام ثابت بثبوته ويبقى ببقائه، ولا محالة يكون النسبة بين مجموع مفادهما العموم والخصوص المطلق، أحدهما: يدل على أن حكم الإسلام وجوب اكرام العلماء، والآخر: على أن حكمه عدم وجوب فساقهم، فكما أنهما لو وردا في كلام واحد متصل كان الخاص قرينة على تخصيص العام، فهكذا الأمر إذا ورد أحدهما منفصلا عن الآخر، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص هو المتقدم أو العام، ولا بين ورود المتأخر قبل حضور وقت العمل بالمتقدم أو بعده، كما عرفت، ومنه يظهر الخلل الموجود في كلمات الأعلام في المقام، فراجع. ثم إن معنى التخصيص أيضا - كما مر - هو إخراج مورد الخاص عن حكم العام من أول الأمر، فيعلم به أن حكم الإسلام من أول الأمر كان هو مفاد الخاص في الموضوع المأخوذ في الخاص، وأن شمول عنوان العام له كان شمولا ظاهريا خياليا، قد تبين خلافه بقرينة الخاص، وإلا فإرادة المولى من أول الأمر وجده كان في موضوع الخاص مطابقا لما تضمنه الخاص من الحاكم، ولم يكن موضوعه في واقع إرادته وجده محكوما بحكم العام أصلا، وإن تخيل ذلك اغترارا بظهور العام، ومن المعلوم أن قوام الحكم بإرادة المتكلم وجعله للحكم واقعا، لابخيال المخاطب وظنه، وإن كان على خلاف الواقع. فما في بعض الكلمات من وجود الحكم الظاهري في موضوع الخاص المتأخر، قبل صدوره، مبني على الخلط بين الإرادة الواقعية لحكم ظاهري - وبها قوام الحكم الظاهري - وبين تخيل ظاهري لشمول الإرادة لمورد تبين خلافه - كما في ما نحن فيه - والله العاصم.

[ 535 ]

المقصد الخامس في المطلق والمقيد وفيه فصول: 1 - فصل في تعريفهما قد نسب الى المشهور تعريف المطلق بأنه مادل على شايع في جنسه، وفسر - كما في المعالم - بمعنى كونه حصة محتملة لحصص كثيرة مما يجتمع تحت أمر مشترك. أقول: إن ظاهر التعريف أن المطلق هو اللفظ الدال، لامدلول الألفاظ، ولا بأس به في الإصطلاح وإن كان منشأه عدم تقييد معناه، وكيف كان فظاهر التعريف أنه لفظ كان معناه شايعا في جنسه، وتحليله وتوجيهه أن المعنى المطلق الذي يراد من المطلق، كقولنا: " اكرم عالما " بما أنه مراد من اللفظ يكون بحيث ينطبق على جميع مصاديق جنسه، فيعم كل من يصدق عليه العالم بلا فرق بين أصناف العلماء ولا أفرادهم، والظاهر من الجنس هو معناه العرفي الشامل للحقائق الخارجية والامور الانتزاعية والاعتبارية، ومحصله كل كلي له مصاديق، وإن كان في اصطلاح الفلسفة، أو غيرها يسمى بالنوع أو غيره، لكنه على أي حال لا يعم الأشخاص ولو بحسب أحوالها المختلفة، فزيد - مثلا - لا يطلق عليه

[ 536 ]

في العرف بلحاظ أنه جامع لحالات القيام والقعود، والحركة والسكون، ونحوها أنه جنس، بل هو شخص تعتوره حالات، فلا محالة يكون التعريف قاصرا عن الشمول للإطلاق الأحوالي أو الأزماني الجاري على شئ واحد، وتكلف بعض اهل التدقيق، بإرادة السنخ من الجنس - بعد تصحيحه بإرادة معنى من السنخ يعم الشخص الموجود في حالات متبادلة - خروج عن مفهومه العرفي، كما لا يخفى. ثم إن الشياع المتقوم به إطلاق المطلق لادلالة في التعريف على أنه مدلول المطلق بحسب الوضع، أو أنه أمر دل عليه بانضمام القرينة ولو كانت مقدمات الحكمة، فالتعريف ينطبق على كلا الاحتمالين والقولين. وحينئذ فلو أريد تعريف جامع غير مختص بمسلك خاص لأمكن تعريف المطلق، بأنه مادل على شايع في جنسه أو أحواله أو أزمانه. ومما ذكرنا تعرف أن تفسير المعالم بكون المطلق حصة ليس على ما ينبغي، إذ لابد في الحصة من تقييد الكلي بقيد مع أن الشياع المأخوذ في التعريف أعم من ذلك، ولعل نظر المعالم كان معطوفا الى المطلق الذي كان بصورة النكرة - كما مثل له بمثل اعتق رقبة - والنكرة كما يأتي تدل على تقيد المفهوم بالوحدة، فلا محالة يكون مفهومها حصة، إلا أنه لا وجه لتخصيص المطلق وحصره في خصوص ماكان في قالب النكرة، كما لا يخفى، والشياع في الجنس كما يتصور في النكرة، يتصور في غيره مثل اطلاق مواد الأوامر والنواهي، بل ومثل: * (أحل الله البيع) * على ما سيأتي. كما أنه قد مر مرارا أن القوم لما كانوا بصدد تعريف جامع مانع فالإشكال على العكس، أو الطرد ليس خروجا عن مقصد القوم، ولا أجنبيا عما هم بصدده، وأن اصطلاح شرح الاسم هو التعريف بالحد أو الرسم، إلا أنه قبل أن يتبين ويسلم وجود المعرف في عالم الحقيقة والأعيان، كما أن التعريف بهما بعد تسلم وجود المعرف يقال عليه التعريف الحقيقي، ومنه تعرف الاشكال على ما في الكفاية هنا أيضا.

[ 537 ]

فالحاصل: أن من الممكن تعريف المطلق بأنه: " مادل على معنى شايع في جنسه أو أحواله أو أزمانه " وهو تعريف غير مبتن على مبنى خاص، وإن كان الحق في تعريفه، هو أن المطلق لفظ مدلوله نفس معنى - لاأزيد - يكون له أفراد أو أحوال أو أزمان، ولايكون لهذه الاختلافات كلا أو بعضا دخل في كونه مرادا للمتكلم. ويتضح هذا التعريف بالتأمل في مباحث الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.

[ 538 ]

2 - فصل في أن الشياع ليس داخلا في ما وضع له المطلق قد نسب الى المشهور أن الشياع جزء مدلول المطلق أو قيده بحسب وضعه اللغوي، إلا أنه لم نجد تصريحا به ولا دليلا عليه، إلا ما نسبه سلطان العلماء (قدس سره) في حاشية المعالم الى المشهور في بحث حمل المطلق على المقيد، من أن المطلق حينئذ مجاز، فإنه قد يقال بدلالته على قولهم: بأن الاطلاق مأخوذ في الموضوع له، إذ المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضع له، فالقول: بالمجازية دليل على أخذ قيد الإطلاق في الموضوع له. إلا أن فيه أولا: أنه من باب الالزام بلوازم المبني، ولعلهم غافلون عنه، ولعلهم لو تنبهوا رفعوا اليد عن القول بالمجازية. وثانيا: أن من المحتمل أنهم توهموا من حمل المطلق على المقيد استعمال المطلق من أول الأمر في خصوص المقيد، ولذا قالوا: بأنه مجاز، وكيف كان فصحة نسبة أخذ قيد الإطلاق في الموضوع له الى المشهور غير ثابتة. ثم إن أخذ الشياع في معنى المطلق، تارة بأخذ مفهوم الشياع والإرسال في الموضوع له، فيكون معنى الانسان - مثلا - هو " الإنسان المرسل عن كل القيود " واخرى بأخذ مصداقه، بمعنى أن الانسان المستعمل في كلام المتكلم إذا كان اريد منه المعنى، بحيث كان تمام الموضوع للحكم المتعلق به، فهو مستعمل في معناه

[ 539 ]

الحقيقي، وإن قيد المعنى بأي قيد، فلم يستعمل اللفظ في معناه الحقيقي. والأول من قبيل وضع اللفظ للمعنى البشرط شئ، والثاني من قبيل وضعه للابشرط. والثاني أقرب الى إمكان أن يقول به أحد، كما لا يخفى. والتحقيق: أن جميع الألفاظ قد وضعت لنفس معناها، بلا تقييد لها بقيد الإرسال، مفهوما أو مصداقا ولا بسائر القيود، وحيث إن نفس المعنى متحققة في جميع الموارد، سواء كانت مطلقة وتمام الموضوع للحكم المتعلق به، أو مقيدة بقيد من باب تعدد الدال والمدلول، أو مهملة، أو مجملة، أو مأخوذة في مقام التقسيم، فالموضوع له الالفاظ أعم من جميع ذلك، والشاهد عليه هو التبادر، فإنا لا نرتاب أبدا في أن استعمال أي الالفاظ في جميع الموارد المذكورة وغيرها استعمال حقيقي، بلا عناية ادعاء، وتجوز في معناه، وانه يتبادر منها معنى يصح إرادته بلا تجوز في جميع الموارد المذكورة، فلم يقيد المعنى بالإرسال ولا غيره، ولا فرق في ذلك بين الأسماء والحروف، ولا بين المفردات والمركبات، كما هو واضح. إلا أنه مع ذلك كله لا بأس بالبحث عن خصوص ما وضع له بعض الألفاظ تبعا للقوم فنقول: منها: اسم الجنس: والمراد به كل اسم غير معرفة، ولا داخل عليه تنوين الوحدة، وكان مفهومه أمرا كليا، كانسان وأسد، والحق أنه موضوع لنفس المعنى الكلي غير مقيد بأي قيد حتى الإرسال المفهومي أو المصداقي، ويشهد له التبادر على ما عرفت. وقد اختلفت كلماتهم في أن الموضوع له - على هذا - هل هو من قبيل اللابشرط القسمي، أو المقسمي، أو الطبيعة المهملة ؟ أقول: لا يخفى على البصير بالاصطلاح أن اصطلاح اللابشرط القسمي والبشرط شئ، والبشرط لا كاللابشرط المقسمي في مباحث الماهية من العلوم الحكمية، مختص بما إذا كان المنظور إليه اتحاد الماهية بوجه مع أمر آخر،

[ 540 ]

كالماهية الجنسية المأخوذة لا بشرط بالنسبة الى الفصل الخاص، والجنس المأخوذ بشرط الفصل في تقويم النوع، والمادة المأخوذة بشرط لامن الاتحاد مع الصورة، وإن كانت مجتمعة معها في الوجود، وعليه فإجراء ذلك الاصطلاح في المقام وأمثاله مما يكون الأمر الذي يلاحظ قيديته خارجا عن حقيقة ذات الشئ الذي يكون له قيدا، كقيد الكتابة للعبد والإيمان للرقبة، مبني على نحو توسع وتشبيه. وكيف كان فينبغي التنبه هنا لأمرين: أحدهما: أن الاعتبار اللابشرطية كالبشرط شيئية والبشرط لائية إنما يكون تعبيرا عن واقع ما عليه الشئ، لاقيدا فيه، فكما أن البشرط شئ موجود في الخارج، ولا يقيد بالاعتبار الذهني، أعني البشرط شيئية، فهكذا اللابشرط أيضا حرفا بحرف، فالجنس لما كان لا بشرط في تحصله الماهوي من الاتحاد مع خصوص الفصل الخاص، فلا محالة يتحد في ماهيته وتحصله مع كل منها، ويتحقق ماهويا معه، والعبد إذا لم يقيد بالكتابة ولا بعدمها، فلا محالة يكون لا بشرط، ويتحقق بتحقق العبد الكاتب أو الغير الكاتب، إلا أن تحققه مع أي واحد منهما يكون بما أن كلا منهما عبد، والاعتبار اللابشرطية إنما يكون حكاية عما عليه الجنس والعبد، من أن النظر ليس مقصورا على خصوص الحيوان الناطق أو اللا ناطق، ولا على خصوص العبد الكاتب أو اللاكاتب، لا أنها قيد فيه كما في اعتبار البشرط شئ والبشرط لا. فما أفاده المحقق السبزواري في بحث اعتبارات الماهية من الفريدة الخامسة من منظومته (1) وغيره، ومشى مشيه صاحب الكفاية (2) من امتناع تحقق اللابشرط القسمي ممنوع جدا. وثانيهما: أن هذه التقسيمات في مباحث الفلسفة إنما كانت لتعلق أغراض علمية خاصة بكل من الأقسام، ليعلم بها أن اعتبار الجنس مع الفصل، في مااذا


(1) شرح المنظومة: ص 92. (2) الكفاية: ص 283. (*)

[ 541 ]

كان النظر معطوفا الى تقويم النوع بهما - وهو اعتبار البشرط شئ - غير اعتبار الجنس في مااذا كان المنظور مقايسته مع الفصل المحصل له، أو النوع المقيس الى الماهيات الشخصية، وهو اعتبار اللابشرط، وجميعهما غير اعتبار كل الماهيات إذا اريد تبين مقوماتها الداخلية، فلا حاجة الى ما تكلفه سيدنا الاستاذ " دامت بركاته "، فراجع تلك المباحث من الكتب الحكمية وتقريرات بحث استاذنا الأعظم (1) - مد ظله العالي -. وبعد ذلك نقول: الحق أن الموضوع له في أسماء الأجناس ليس المعنى البشرط - لا عن القيود ولا البشرط شئ مع بعضها - ولو كان هو الإرسال المفهومي - وهو واضح كما مر، ولا اللابشرط القسمي، لأن لازمه اختصاص استعمالها الحقيقي بخصوص ما أريد بها المعاني مرسلة عن جميع القيود، وليس الأمر كذلك، لما عرفت من صحة استعمالها حقيقيا في المهملة والمقيدة أيضا. كما أن الموضوع له فيها ليس اللابشرط المقسمي، وذلك أنه إنما يطلق على المعنى أنه لا بشرط مقسمي إذا كان مقيسا الى اشتراط وجود قيد فيه أو عدمه وعدم اشتراطه، وليس الموضوع له فيها مشروط بهذه المقيسية، بل هو أعم من ذلك. كما أن الموضوع له ليس الماهية المهملة، أعني مثل معنى الدواء في قول الطبيب للمريض: " يجب عليك أن تشرب دواء "، وذلك لصحة استعمالها في المقيدات أيضا استعمالا حقيقيا، بل الموضوع له فيها هو نفس المعنى - بلا أي قيد يتصور - الموجودة في جميع الموارد المذكورة، فتدبر جيدا، فإنه لو اريد من الماهية المبهمة في كلام الكفاية هذا المعنى، لما كان بأس بموافقته، إلا أنه ربما ينافيه عطف المهملة عليها. ومنها: علم الجنس: قال في الكفاية: والمشهور بين أهل العربية أنه موضوع للطبيعة بما هي متعينة بالتعين الذهني (2) " انتهى ".


(1) تهذيب الاصول: ج 1 ص 527 - 528. (2) الكفاية: ص 283. (*)

[ 542 ]

إلا أنه لا يبعد المصير الى أن التعريف فيه لفظي، فإنه وإن امكن توجيه كونه معرفة بأن نفس الطبيعة التي تتحد مع المصاديق الخارجية، وإن لم يصح اتصافها بكونها معلومة بالذات - حسب اصطلاحهم - إلا أنها معلومة بالعرض قطعا، بل قد عرفت في مبحث تعلق التكاليف بالخارجيات أن المتصف بالمعلومية والمشتاقية والمحبوبية هو نفس الواقع، بلا تجوز ولا مسامحة عند العقلاء في توصيفها بهذه الأوصاف، والملاك الفلسفي لهذه الاتصافات وجود صفة في النفس، أو تجلي النفس بذاتها متعلقة بمرتبة نفسانية من هذه الامور، إلا أن هذه الامور النفسانية لما كانت مرتبطات بمتن الطبائع الموجودة في الخارج نحو ارتباط، وباصطلاحهم وجودات ذهنية نفسية لها، صحح هذا الارتباط اتصاف الطبائع والواقعيات حقيقة بهذه الأوصاف، فكما أن زيدا محبوب لك في الحقيقة واتصافه به لا يقتضي تعلق حبك به تكوينا وخارجا، فهكذا يمكن أن يتصف أمر شخصي أو كلي بأنه معلوم لك معروف عندك مع تقوم علمك بوجوده النفسي، وعدم تعلق ولا إضافة خارجية لنفسك به. وعليه فأمكن أن يكون تعريف علم الجنس لأجل كون لفظه دالا على هذه الحيثية المعلومية التي يكون للطبائع، ولا يوجب امتناع صدقها على الخارجيات، إذ المصاديق أيضا مصداق للطبيعة المعلومة فلا يستلزم الوضع لها تجريدا عند الاستعمال ولا لغوية الوضع، فلا يرد عليه، ما في الكفاية (1) ولا حاجة الى إرجاع التعريف الى التعين الذاتي الذي لكل من هذه الطبائع، كما في نهاية الدراية (2) وتبعه سيدنا الاستاذ - دام ظله العالي - فإن التعريف هو المعروفية والمعلومية التي ملاكها تعلق العلم بها وهو غير التعين والامتياز، كما لا يخفى. إلا أنه لما كان الالتفات الى هذه الدقيقة مما يبعد عنها ذهن عامة العرف فدعوى وضع هذه الأعلام للإشارة الى هذه الدقيقة الغير الملتفت إليها عند من


(1) الكفاية: ص 283. (2) نهاية الدراية: ج 2 ص 216. (*)

[ 543 ]

يستعملها كثيرا دعوى بعيدة جدا، فالأظهر أن التعريف فيها تعريف لفظي لاغير. هذا بالنسبة لأخذ قيد التعريف في الموضوع له، وأما قيد الإرسال مفهوما أو مصداقا فالكلام فيه هو الكلام في أسماء الأجناس حرفا بحرف. ومنها: المعرف باللام بأقسامه الستة: من تعريف العهد الذكري والحضوري والخارجي وتعريف الحقيقة المنقسم الى تعريف الجنس والاستغراق، والعهد الذهني الذي هو بمنزلة النكرة. وهي كما في الكفاية لو سلم فيها التعريف فمن باب تعدد الدال والمدلول. كما أن الكلام فيها بالنسبة لأخذ قيد الإرسال هو الكلام في ماسبقها. كما أن دلالة اللام على التعريف، وتقييد مفاد مدخولها به، وإن لم يستلزم محذورا على ما عرفت تفصيله في اسم الجنس، إلا أنه مما لادليل عليه، فإن خصوصية المورد في الثلاثة الأولة مما يدل عليها القرائن الحالية أو المقالية، وإنما اللام منعت عن دخول التنوين الدال على الوحدة كما في النكرة، فيمكن أن لا تكون اللام إلا للزينة لا معنى لها أصلا، كما أن مفاد لفظ " الإنسان " في قولنا: الإنسان نوع و " الرجل " في قولنا: " الرجل خير من المرأة " لم يعلم ازدياده على نفس الطبيعة، وهكذا في مثل قولنا: " ادخل السوق واشتر " حيث لم يكن عهد خارجي، فان الظاهر أن مفاد لفظ " السوق " نفس الطبيعة، وتعليق فعل " ادخل " قرينة انطباقها على الفرد الخارجي منها، وقد عرفت استبعاد إرادة تعريف نفس الحقيقة، لبعده عن أذهان عامة العقلاء جدا، مع أن هذه الاستعمالات شائعة بينهم كثيرا. وأما لام الاستغراق فالظاهر أيضا أنها لام التزيين، واستفادة السريان والشمول مرهونة لإطلاق مدخولها، واستفادة أن الحكم المتعلق به من لوازم معنى المدخول، فلا محالة يكون معه حيثما كان. وجعل الاستغراق تبعا للتعريف بالمعنى المذكور في الكفاية بعيد عن أذهان العامة، مع أن كل احد يفهم الاستغراق من قوله تعالى: * (إن الإنسان لفي خسر إلا

[ 544 ]

الذين آمنوا) * (1). نعم، لايرد عليه ما في الكفاية، فإن جميع الأفراد متعين معلوم خارجا، إذ لا يتصور له إلا مصداق واحد هو جميع المصاديق، وأما أقل مراتب الجمع فهو وإن كان ثلاثة، إلا أن مصداق هذه الثلاثة غير متعين ولا معلوم خارجا، بل يمكن أن يكون كلا من المجموعات الثلاثية المتصورة، وهي كثيرة، كما لا يخفى. ومنها: النكرة: والمراد بها الاسم غير ذي اللام المختوم بتنوين دال على الوحدة. والظاهر أن نفس الاسم دال على معناه الكلي، والتنوين على اتصافه بالوحدة، فيكون معنى رجل - مثلا - فردا واحدا من هذا المعنى، بلا فرق بين ماكان في الجملة الإخبارية أو الإنشائية، نعم، في الخبر عنه في الزمان الماضي يلزمه خصوصية شخصية لا محالة، فإن ما وقع وتحقق إذا كان واحدا شخصيا لا يتصور فيه تغيير عما وقع، فلا محالة يكون فردا معينا، إلا أنه غير دلالة اللفظ عليه، والدليل على ذلك كله هو التبادر القطعي. ثم إن مفادها ليس إلا فردا واحدا من معنى مدخول التنوين، لاشخصية وخصوصية واحدة من خصوصيات الأفراد، بمعنى أن يكون التنوين حكاية عن واحدة من الخصوصيات، اية منها كانت، ليلزمه في ما إذا قال مطلقا " اعتق رقبة " حكاية لفظ " رقبة " عن الخصوصيات الملحقة بأفراد الرقبة، فيتبعها تعلق الطلب باية من هذه الخصوصيات كانت، فالرقبة المؤمنة بما أنها مؤمنة، بل الرقبة الخاصة الشخصية بجميع مشخصاتها، تكون محكية بالنكرة، بما أنها شخص واحد ذو مشخصات، ويتعلق الطلب بخصوصياتها أيضا، ويمكن قصد التقرب الى المولى بهذه الخصوصيات، فإن ذلك كله خلاف الظاهر والمتبادر من النكرة، بل ليس مفادها أزيد من فرد واحد من معنى الاسم لاأزيد، فلا يحكى النكرة إلا عن فرد


(1) العصر: 2 - 3. (*)

[ 545 ]

منه ولا يتعلق الطلب ولا يصح قصد التقرب إلا بعنوان أنه فرد من المعنى لاغير. وعليه فما في المقالات ونهاية الأفكار (1) محل منع جدا. كما أن المتبادر منه هو تقيد الطبيعة والمعنى بالوحدة، لا مجرد عدم تعينها بمعين - كما في نهاية الدراية - فإن لفظ " رجل " يتبادر منه مانعبر عنه بالفارسية ب‍ " مردي "، ولا ريب في تقيده بالوحدة.


(1) المقالات: ج 1 ص 497 - 498. نهاية الأفكار، ج 2 ص 566. (*)

[ 546 ]

3 - فصل في مقدمات الحكمة قد تحصل مما مر: أن الألفاظ قد وضعت لذات المعاني الموجودة في موارد إرادة الإطلاق أو التقييد أو الإهمال، فلا محالة استفادة أن المراد منها خصوص الإطلاق محتاجة الى قرينة هي مقدمات الحكمة. وعدها الشيخ الأعظم (قدس سره) وكثير من الأعاظم اثنتين، وقال الكفاية: إنها ثلاث: وهذه هي: أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، وأن لا يقيم قرينة على التقييد، وأن لا يكون في مقام المخاطبة قدر متيقن. أما المقدمة الاولى ففسرها صاحب الكفاية: بأن يكون في مقام مجرد اظهار تمام المراد، وإعطاء الحجة للمخاطب، وإن لم يكن إرادته الجدية مطابقة معها في جميع الموارد، ولذلك فقد عبر بعض: بأن المراد بالبيان هنا نظيره في قاعدة قبح العقاب بلا بيان. والظاهر أن البيان هو بيان نفس المراد، ومعنى كونه في مقامه أن يكون في مقام لابد عند العقلاء وأن يبين تمام المراد، اللهم إلا أن يكون في نظر المتكلم مصالح تدعوه الى الإخفاء، فإذا كان في هذا المقام كان ما يتكلم به ظاهرا في أنه تمام المراد، فكونه في مقام البيان هو الموجب عليه أن يظهر مراده ولو بإعطاء الحجة عليه.

[ 547 ]

وكيف كان فلو لم يكن في هذا المقام كان مقاله واردا في موضع الإهمال، فلم ينعقد له ظهور في الإطلاق. وقد أنكر الحاجة إليها صاحب الدرر، مكتفيا بظهور تعلق الحكم بالطبيعي في تعلقه به بالذات، لايتبع تعلقه بعنوان بعض مصاديقه الذي هو لازم إرادة التقييد، فإذا تعلق الحكم بنفس الطبيعة بالذات سرى الى جميع مصاديقها " انتهى " (1). وفيه: أن نفس هذا الظهور الذي استند إليه مرهون كون المتكلم في مقام البيان، وإلا لكان كلامه ظاهرا في الإهمال، فإن إرادة الإهمال إذا كان في مقامه ليست خلاف الظاهر أصلا، أترى أن قول الطبيب للمريض بعد عرض حاله عليه، وقبل المعاينات النهائية: " يجب عليك استعمال الدواء " يكون له ظهور في الإطلاق، لكي يتمسك به المريض ويستعمل كل ما يصدق عليه الدواء، أو أن كونه في مقام الإهمال يوجب ظهوره في الإهمال ؟ وكيف كان فلا ينبغي الريب في تقوم الظهور الإطلاقي وتوقفه على هذه المقدمة، ولا في أن مقتضاها أن يقيم المتكلم قرينة على التقييد لو لم يكن الإطلاق مرادا له، متصلة بكلامه، فلو فرغ عن الكلام ولم يقم قرينة انعقد لكلامه ظهور في الإطلاق. المقدمة الثانية: أن لا يكون في كلامه قرينة على التقييد، ووجه الحاجة إليها واضحة، فإنها مع وجودها يكون الكلام ظاهرا في إرادة المقيد، فسواء جعلنا هذه المقدمة تمهيدا لمورد البحث، أو مقدمة لانعقاد الإطلاق، فلا شك في توقف انعقاد الإطلاق على عدم ذكر ولا وجود قرينة التقييد، والبحث عن نحو اعتبارها ليس بمهم. إلا أنه لاريب أيضا في أن المتوقف عليه الظهور الإطلاقي هو أن يكون على التقييد قرينة متصلة بالكلام، فإن المتكلم الذي كان في مقام يبين فيه تمام


(1) درر الفوائد: ج 1 ص 234. (*)

[ 548 ]

المراد، إذا ألقى كلامه بلا احتفافه بقرينة على التقييد، يحكم العقلاء وينعقد عندهم لكلامه ظهور في أن ما جعله موضوعا - مثلا - لحكمه فهو تمام الموضوع له، وبحكم أصالة التطابق بين الظهور والجد يحكم بأن الاطلاق هو مراده الجدي أيضا، كما أنه إن تكلم في مقام بيان تمام المراد بالعموم يكون العموم ظاهرا بمقتضى الوضع في جميع الأفراد، ويحكم بإصالة التطابق بأنه مراده الجدي أيضا، ثم إذا قام دليل منفصل على خلاف هذا الإطلاق كان بمنزلة إذا قام على خلاف ذلك العموم، يقدم منها ما هو الأقوى دلالة، على ما هو المقرر في باب الجمع بين الأدلة اللفظية. وهذا الذي قلناه لاريب في أنه حكم العقلاء هنا، ومعه فلا ينبغي الإصغاء الى ما في تقريرات بعض الأعاظم، بل وفي كلمات الشيخ الأعظم (قدس سره) من أن الموقوف عليه انعقاد الإطلاق أن لا يرد قرينة على التقييد، الى حضور وقت الحاجة الى العمل، كما لا يخفى. المقدمة الثالثة: أن لا يكون للكلام قدر متيقن في مقام التخاطب، واستدل لاعتبارها في الكفاية بأنه مع انتفائها ووجود هذا المتيقن لااخلال بالغرض، فإنه لو كان المتيقن تمام مراده فقد بينه، غاية الأمر أنه لم يبين أنه تمام مراده، وإنما اللازم بيان تمام المراد، لابيان أنه تمام المراد، وزاد عليه في تعليقته على الكفاية، بامكان استفادة أنه تمام المراد أيضا، فراجع. أقول: وفيه أولا: أن تفريع انعقاد الظهور الاطلاقي على مسألة لزوم الإخلال بالغرض، وتحديده مدار لزوم الإخلال بالغرض وعدمه، وإن ذكر في كلام الأعاظم، إلا أنه ممنوع، بل إن كون المتكلم في مقام البيان وعدم ذكر قرينة على التقييد يوجب ظهور كلامه في أن ما جعله موضوعا لحكمه فهو تمام موضوع له. وبعبارة اخرى: إن هذه المقدمات تكون قائمة مقام الوضع، بل أقوى منه، وتوجب ظهور الكلام في الإطلاق، ولا يلتفت العقلاء الى أنه لولاه لزم اخلال الغرض لكي يدور الظهور مداره، بل هو ظهور عقلائي يتبع هذه المقدمات.

[ 549 ]

وبعد ذلك فنقول: إن جميع ما يعتبر عندهم من هذه المقدمات لانعقاد هذا الظهور الإطلاقي إنما هو المقدمتان الأولتان، ولادخل لوجود القدر المتيقن في مقام التخاطب ولا لعدمه، في انعقاد الظهور المذكور أصلا، فإذا تمت المقدمتان إنعقد للكلام ظهور في الإطلاق، ولا يضر به وجود القدر المتيقن في مقام الخطاب، كما لا يضر به القدر المتيقن الخارج عن مقام التخاطب اتفاقا، والدليل القاطع عليه هو بناء العقلاء وفهم العرف، الذي هو المحكم في كشف الظهورات. وثانيا: أنه لو سلمناه فإنما يجري في الاطلاقات الشمولية، إذ فيها أمكن أن يقال: إنه لو كان تمام مراده هو القدر المتيقن في مقام الخطاب - كأن كان السؤال عن البيع بالعقد العربي، فقال: البيع حلال - لكان ثبوت الحكم في هذا المتيقن مسلما، فقد بينه المتكلم، وهو مانع عن انعقاد الإطلاق بالنسبة لما زاد عليه من الأفراد، وأما إذا كان الإطلاق بدليا، فلو كان تمام مراده بعض المصاديق المتيقن في مقام التخاطب، لكان الطريق الوحيد العقلائي لبيان تمام المراد تقييد المعنى الكلي بالقيد المختص بهذا البعض، مثلا، إذا كان تمام مراده عتق فرد واحد من الرقبات المؤمنة، وكان القاؤه في صورة الإطلاق لا العموم، لما كان محيص من مثل قوله: " اعتق رقبة مؤمنة " فلو لم يصرح بهذا التقييد بل قال: " اعتق رقبة " لما افاد كون عتق الرقبة المؤمنة قدرا متيقنا في مقام التخاطب، إلا أن امتثال هذا التكليف في ضمن الرقبة المؤمنة مجز قطعا، وأما أنه مراد المتكلم والمولى فلم يبينه المتكلم أصلا، لا بعنوان بيان تمام المراد، ولا بعنوان أنه تمام المراد. وقد يورد عليه ثالثا: كما في تقريرات السيد العظيم البروجردي (قدس سره) (1) وكلمات سيدنا الاستاذ (2) - دام ظله - بابتناء اعتبار المقدمة الثالثة على مبنى المشهور، من أن المطلق بعد جريان مقدمات الإطلاق يكون عاما، قد بين حكم جميع أفراد المعنى ومصاديقه. لكنه خلاف التحقيق، بل عليه أن معنى كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد ليس إلا أنه في مقام بيان أن نفس الطبيعة تمام موضوع


(1) نهاية الاصول: ج 1، ص 382 - 383. (2) تهذيب الاصول: ج 1 ص 533 - 534. (*)

[ 550 ]

حكمه - بناء على الإطلاق - أو أن الطبيعة المقيدة تمام موضوع حكمه - بناء على إرادة التقييد - وحينئذ فليس بعض المصاديق قدرا متيقنا في مقام التخاطب، قد بينه المتكلم، فإن الطبيعة المرسلة، والطبيعة المقيدة، متباينتان، لاأقل وأكثر، بل لو كانتا أقل وأكثر لكان الأقل المتيقن هي نفس الطبيعة، فإنها التي لاريب إجمالا في تعلق الحكم بها وكونها موضوعا للحكم، وإنما الشك في موضوعية المقيد والتقييد " انتهى ". وفيه: أن المقصود من لزوم أن يكون المتكلم في مقام البيان الذي هو مفاد المقدمة الأولى مجرد أن يبين تمام مراده، ولم يؤخذ فيه أن يكون بيانه هذا بطريق الإطلاق أو العموم أو غيرهما، فتفسير كونه في مقام البيان بكونه في مقام بيان تمام الموضوع للحكم اشتباه واضح، وعليه فإذا قال - وهو في مقام البيان -: " البيع حلال "، وكان البيع بالعقد العربي محل كلام بين المتكلم والمخاطب، فلا ينبغي الريب في أن المخاطب إذا التفت يفهم من هذا الكلام أن البيع بالعقد العربي حلال، وإن كان انفهامه هذا من باب تطبيق هذه الطبيعة الكلية على مصداقها المتيقن، فكيفما كان فقد فهم حكم البيع بالعقد العربي من كلام المتكلم، فهو قد أفاد وبين حكم العقد العربي، وإن كان ببركة تطبيق الكبرى على مصداقها المقطوع، فمع غمض النظر عما سبق، أمكن أن يقال: إنه مانع عن انعقاد الإطلاق في ما عداه من المصاديق والأفراد، والله العالم وهو العاصم. إشكال ودفع: قد يقال - على المقدمة الاولي -: إن اعتبارها صحيح في ما وقع المطلق في الاثبات والأوامر، دون ما إذا وقع في النهي أو النفي، وذلك أن كون المتكلم في مقام الإهمال في الأوامر والاثبات يمنع عن انعقاد الإطلاق، ويوجب ظهوره في الإهمال، ولا ينافيه ورود المقيد ولو في كلام منفصل، وأما في النفي أو النهي فمجرد تعلقه بالطبيعة كقوله: " لا تشرب الخمر "، وقوله: " لارجل في الدار " يوجب ظهور الكلام في أن المنفي هو نفس الطبيعة، وقد حقق أن انتفاءها بانتفاء جميع الأفراد، فصدور الكلام المشتمل على النفي أو النهي المتعلق بالطبيعة ظاهر

[ 551 ]

بنفسه في انتفاء الطبيعة أو النهي عنها، بحيث يكون حجة بنفسه على إرادة الإطلاق، ويكون التقييد المنفصل قرينة موجبة للتصرف في الظهور المنعقد، فلا حاجة في انعقاد الظهور الى كون المتكلم في مقام البيان، بل هو كالعموم ظاهر بنفسه في تعلق الحكم بالطبيعة المطلقة. أقول: ما أفاده (قدس سره) وإن كان حقا إلا أن التحقيق أن محل كلام الأعلام في الحاجة الى هذه المقدمات مااذا لم يكن قرينة على إرادة الإطلاق، وإلا فإذا قيل: " اكرم عالما أي عالم كان " أو " اكرم العالم أي عالم كان " فلفظة " عالم " أو " العالم " لاريب في استعمالها في معنى نفس الطبيعة، لا في جميع الأفراد، إلا أن تعقيبها بقوله: " أي عالم كان " قرينة واضحة على إرادة الإطلاق، ومعه فلا حاجة الى احراز أن المتكلم في مقام البيان، بل إن هذا الكلام لا يمكن صدوره إلا إذا كان تمام موضوع حكم المتكلم هو الإطلاق، فكما أن هاهنا لا يقول أحد بالإحتياج الى المقدمة الاولى، بل لا يرتاب في خروجه عن محل كلام الأعلام، فهكذا النفي أو النهي المتعلق بالطبيعة أيضا قرينة على إرادة الإطلاق، وموجبة لخروج المورد عن محل الكلام، فمحل كلامهم ما إذا لم يكن قرينة لفظية على إرادة الإطلاق والله العاصم. وينبغي التنبيه على امور: الأول: إذا علم بكون المتكلم في مقام الإهمال أو الإجمال، أو بكونه في مقام بيان تمام المراد فهو، وإلا فلا يبعد دعوى انعقاد سيرة العقلاء على الأخذ بالكلام وحمله على أن متكلمه في مقام البيان، في قبال احتمال الإجمال والإهمال. نعم، لو كان هنا جهتان لم يعلم أنه في مقام البيان من أي الجهتين، فلا محالة لا يصح الأخذ بالإطلاق في خصوص شئ منهما ما لم يرتفع هذا الإجمال. الثاني: صريح عبارة التقريرات: أن المطلق بعد إجراء مقدمات الإطلاق

[ 552 ]

متعرض لحال الأفراد، حتى أن المعنى المطلق يقيد بقيد الشياع والتخيير بحسب الأفراد، وهو الظاهر من عبارة الدرر حيث إنه - بعد استظهار تعلق الإرادة بنفس الطبيعة بالذات - قال: وبعد تسليم هذا الظهور تسري الإرادة الى جميع الأفراد، وهذا معنى الإطلاق " انتهى " (1) ويستظهر هذا المعنى من بعض عبارات تقريرات الشيخ العظيم النائيني في الفوائد (2)، بل ومن الكفاية حيث قال: إنها " قضية مقدمات الحكمة " تارة تكون حملها على العموم البدلي، واخرى على العموم الإستيعابي " انتهى ". والحق أن غاية مقتضى المقدمات أن نفس المعنى الكلي الذي جرى بالنسبة إليه المقدمات، هو تمام متعلق إرادة المتكلم في الحكم الذي تعرض له بكلامه، فإذا قال: " اكرم عالما "، وكان في مقام البيان يحكم بأن تمام ما تعلق به الوجوب هو طبيعة الاكرام، كما أن تمام ما تعلق به وأراد وجوب اكرامه هو " واحد من العلماء " فإذا كان تمام الواجب طبيعة الاكرام، وهي صادقة ومتحدة مع أي فرد كان، فامتثال الوجوب في ضمن الضيافة والتسليم والتعظيم كاف، لأن كلا منها مصداق للطبيعة، وإتيانه إتيان الطبيعة، كما أن مفهوم " عالما " بمعنى " عالم واحد " إذا كان تمام الموضوع لمتعلق وجوب الاكرام، وكان متحدا ومنطبقا مع كل فرد، فاكرام اي فرد كان مصداق اكرام عالم واحد، وبه يتحقق ما أوجبه المولى، فلذلك يحكم العقل في مقام الامتثال بالتخيير في الإتيان بأي فرد كان، وإلا فموضوع الحكم هو نفس الطبيعة، ومعنى الإطلاق ليس أن الطبيعة تمام موضوع الحكم. والوجه فيما ذكرناه واضح، فإن كلا من الألفاظ المستعملة في الكلام، إنما يدل على معناه الموضوع له، وقد مر أن الموضوع له لأسماء الأجناس، ويلحق به مواد الافعال، هو نفس المعنى الكلي، كما أن النكرة بلحوق التنوين بها معناها فرد من الطبيعة، ومثله الكلام في سائر الألفاظ، فإن الموضوع له فيها مجرد معانيها، فلا دلالة على أفراد المعنى ولا على أحوال الفرد، بل على نفس المعنى الذي هو


(1) الدرر: ج 1 ص 234. (2) فوائد الاصول: ج 2 ص 574. (*)

[ 553 ]

موجود مع كل فرد وفي كل حال، فالمتكلم يحكي عن مراده بالألفاظ، والألفاظ لا تدل إلا على نفس المعاني لا على الافراد والأحوال، فلا محالة يكون موضوع حكمه نفس المعاني لا أفرادها وأحوالها، وللكلام صلة تأتي في الأمر التالي. الثالث: قسموا الإطلاق الى بدلي وشمولي، فالأول: ما يكتفي في امتثال حكمه بفرد واحد، ويستوي فيه جميع أفراد المطلق، والثاني: ما يعم حكمه جميع أفراد المطلق في عرض واحد، مثال الأول: أكرم عالما، ومثال الثاني: اكرم العالم، وحيث عرفت أن المطلق غير متعرض بنفسه - ولو بعد إجراء المقدمات - لحكم الأفراد، وإنما مقتضاها - مثلا - أن " عالما " أو " العالم " تمام موضوع حكم وجوب الاكرام، ثم إن العقل حيث يرى تحقق هذا المعنى في كل فرد، فلا محالة بتبع وجود هذا المعنى الكلي يجئ حكمه أيضا، فالحكم في كل فرد أيضا لنفس المعنى الكلي المتحد مع الفرد، لا لنفس الفرد. بخلاف العموم البدلي أو الشمولي. فملاك التقسيم هو رعاية هذا الحكم العقلي الذي يختلف باختلاف الموارد، لا اختلاف مفاد المطلق في الدلالة على البدلية تارة، والشمول اخرى. فالمطلق في كلا القسمين أريد منه نفس المعنى الطبيعي، وهو بنفسه تمام الموضوع للحكم، إلا أن خصوصيات المقام توجب تارة أن يستفاد أن الحكم المذكور في الكلام من لوازم الطبيعة، واخرى أن الغرض يحصل بوجود الطبيعة، الذي توجد بفرد ما فكان لازم الأول الشمول، ولازم الثاني البدلية. فما عن المحقق العراقي (قدس سره) حسب تقرير بعض فضلاء درسه في نهاية الأفكار، من جعل الاكتفاء في الامتثال بفرد ما - في الأوامر - وانحلال التكليف الى تكاليف متعددة مستقلة - في النواهي - من آثار اختلاف المعنى المراد من الطبيعة المطلقة، بأن اريد في الأوامر صرف الوجود منها وفي النواهي وجودها الساري - ولو من باب تطبيق الطبيعة المهملة عليهما (1) - ممنوع جدا. بل الحق أن المراد بطبيعة المادة المطلقة في الأوامر والنواهي أمر واحد، هو


(1) نهاية الأفكار: ج 1 - 2، ص 569. (*)

[ 554 ]

نفس طبيعة المعنى، بلا أي قيد، وهذه الطبيعة بنفسها قابلة للانطباق على كل فرد من مصاديقها الطولية والعرضية، إلا أن تعلق البعث والأمر إليها بملاحظة أنه طلب لإيجادها، ووجود الطبيعة بوجود فرد ما، فتعلق البعث الى هذه الطبيعة المطلقة يقتضي حصول الامتثال بأول فرد منها أي فرد كان، كما أن تعلق الزجر والنهي بها بملاحظة أن امتثاله بأن لا توجد الطبيعة، وانتفائها بانتفاء جميع الأفراد، فتعلق النهي بهذه الطبيعة المطلقة يقتضي الانتهاء عن جميع مصاديقها، بحيث كان الطبيعة في كل فرد لازم الانتهاء عنها، فاختلاف الحال في الأوامر والنواهي من آثار الاختلاف الذاتي المتحقق بين نفس النهي والامر، لا من آثار اختلاف المراد بالطبيعة فيهما ولا من آثار اختلاف المصداقين المنطبق عليهما الطبيعة المهملة فيهما، بل المفهوم والمراد من الطبيعة في كليهما واحد، والاختلاف المذكور من آثار اختلاف الحكمين. فالحاصل: أنه قد يستفاد من خصوصيات المقام أن الحكم المذكور في الكلام من لوازم وجود الطبيعة، وذلك كما في موارد النفي والنهي، وفي مثل * (احل الله البيع) * و " اكرم العالم " فهاهنا الحكم وإن تعلق بالطبيعة، إلا أنه حيث كان من قبيل اللازم لها، والطبيعة متحدة مع جميع افرادها، فلا محالة يتعدد الحكم بتعداد المصاديق والأفراد، فكل فرد ومصداق محكوم بالحرمة، وبوجوب الاكرام، وبالحلية، ولكل منها حكم مستقل. كما أنه قد يستفاد منها البعث الى إيجاد الطبيعة، فالطبيعة وان كانت مطلقة قابلة الشمول لكل فرد، إلا أنه لما كان إيجاد الطبيعة بإيجاد فردما، فلا محالة ليس المطلوب بالفعل إلا فردا واحدا منها، وحيث لالون للطبيعة المبعوث إليها، فلا محالة يتخير المكلف في تطبيقها في مقام العمل على أي الأفراد شاء، ويكون الاطلاق بدليا، والله تعالى ولي الهداية. الرابع: ينقسم الإطلاق الى أفرادي، وأحوالي، وأزماني، وتجتمع في قول: " صل خلف العادل " فإن إطلاق العادل إذا قيس الى مصاديقه " أفرادي "، وإذا

[ 555 ]

لوحظ الى الحالات المختلفة كالشبع والجوع والصيام والإفطار، " أحوالي " وإذا لوحظ الأزمنة المتواردة على كل فرد وثبوت الحكم فيها فالإطلاق " أزماني " إلا أن هنا أيضا يكون الإطلاق بمامر من المعنى، أي إن العادل في المثال تمام الموضوع لذلك الحكم، والحكم من لوازم وجوده، وحيث إن هذا الموضوع متحد في جميع الأفراد، في أحوالها المختلفة والأزمنة المتعاقبة، فوجوده فيها كاف في ثبوت الحكم فيها. الخامس: لما كان قوام انعقاد الإطلاق بكون المتكلم في مقام البيان، فلو كان يتصور للكلام جهتان، وكان المتكلم في مقام البيان من إحداهما لما جاز الأخذ بالإطلاق، بل لا ينعقد من الجهة الاخرى - مثلا - إن قول الصادق (عليه السلام) في مرسل حماد بن عثمان: " في الرجل يصلي في الخف الذي قد أصابه القذر، فقال: إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة فلا بأس " (1) وارد في مقام بيان حكم مالا تتم فيه الصلاة من حيث النجاسة، ويؤخذ باطلاقه في جميع المصاديق من هذه الجهة، إلا أنه ليس في مقام بيان حكمه من حيث كونه مأخوذا من مأكول اللحم وغيره، فلا إطلاق له كي يحكم بجواز الصلاة في الخف المأخوذ من غير مأكول اللحم - مثلا - وهكذا. السادس: كما يجري المقدمات ويؤخذ بالإطلاق في المعاني الاسمية كذلك تجري وينعقد الإطلاق في المعاني الحرفية أيضا، لما مر في محله من أن التحقيق أن عدم الاستقلال المأخوذ في معنى الحروف، إنما هو بمعنى عدم قابليته لوقوعه موضوعا، أو محمولا، وإلا فلا بأس بالالتفات إليه وتقييده أو إطلاقه - مثلا - الهيأة الخبرية في المضارع الاستقبالي في قولك: " يجئ زيد غدا " معناها معنى حرفي، يحكي عن صدور فعل المجئ عن فاعله، والصدور الحرفي المحكي بها مطلق، من حيث كون الفاعل ضاحكا - مثلا - أم لا، وإذا قلت " يجئ زيد غدا ضاحكا " فكونه ضاحكا قيد لمفاد الهيأة، وهو معنى حرفي، وهكذا الأمر في قول المولى " صل ركعتين " وقوله: " صل قائما " الى غير ذلك.


(1) الوسائل: الباب 31 من ابواب النجاسات ح 2 ج 2 ص 1045. (*)

[ 556 ]

وتوهم رجوع القيد الى الفاعل أو المادة كاشف عن إعوجاج الذهن، فإنه لا يرتاب أحد في أن مفاد العبارة الحكاية عن أن صدور العمل عنه كان في هذه الحالة - والصدور معنى يحكي عنه الهيأة - لا الحكاية عن صدور العمل عن زيد الضاحك، أو عن أن العمل المتصف بكون فاعله قائما قد صدر عنه، وهكذا الأمر في جانب الأمر به مطلقا ومقيدا، وفي سائر المعاني الحرفية مطلقة أو مقيدة. وما عن بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثه (فوائد الاصول) (1): من أن الإطلاق بمعنى الشمول، والشمول إنما يتصور في المفاهيم الكلية، ومفهوم الحروف ليس بكلي، ممنوع صغرى وكبرى، فإنك قد عرفت أن قوام الاطلاق إنما هو بكون المعنى تمام الموضوع وتمام المراد - مثلا - وإن لم يتصور فيه شمول كشمول الكلي لأفراده، كما في الإطلاق الأحوالي والأزماني، وهذه التمامية متصورة في المعاني الحرفية أيضا، مضافا الى أن المعاني الحرفية أيضا لا بأس بكونها كلية، فإن مفهوم قوله: " سر من البصرة " الأمر بالسير المبتدأ من البصرة، وهذا الابتداء يمكن تحققه في أي الأفراد المتصورة من أي نواحي البصرة شاء، فكل منها يصدق عليه السير المبتدأ به منها، فكما أن السير يصدق على أي سير اختاره، فهكذا الإبتداء الذي دل عليه لفظة " من " يصدق على أي فرد من الابتداء اختاره، كما هو واضح، وتمام الكلام في مبحث المعاني الحرفية. السابع: لاشك في أن المعنى اللغوي للالفاظ التي تجري فيها مقدمات الإطلاق معلوم بنفسه لا تجري المقدمات لكشفه، كما لاريب في أن استفادة الإطلاق متقومة بأن يكون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، فلا محالة تنتج المقدمات الكشف عن المراد، وأن ما أفاده المتكلم تمام موضوع حكمه - مثلا - فالمقدمات تكشف عن ما أراده المتكلم. وبعبارة اخرى إن مقدمات الإطلاق ناظرة الى المعنى المقصود من الكلام، والى الجهة التركيبية منه، فإنها التي يكون بها بيان المراد، فالمقدمات كاشفة عن


(1) فوائد الاصول: ج 2 ص 564. (*)

[ 557 ]

مراد المتكلم بكلامه، إلا أن هذه الإرادة والمرادية ليست هي الإرادة الجدية، بشهادة أن المتكلم إذا كان في مقام البيان، وقال: " اكرم عالما " - مثلا - ثم قال: بكلام منفصل: " لا تكرم فساق العلماء " لكان كلامه هذا المنفصل قرينة على إرادة خلاف الظاهر جدا من كلامه المطلق، ويتصرف به في جده من دون أن يوجب الكشف عن عدم كونه في مقام البيان، فإنه خلاف المفروض كما عرفت، بل هو كما إذا قال أولا: " أكرم العلماء " أو: " أكرم أي عالم شئت " ثم قال منفصلا: " لا تكرم الفساق من العلماء " فكما أن كلامه المنفصل هنا قرينة التصرف في أصالة جد كلامه الأول فهكذا فيما نحن فيه حرفا بحرف، فإن كيفية التصرف في الظهور السابق - كانعقاد أصل الظهور في كلا الموردين في نظر العقلاء والعرف وارتكازهم - واحدة، وإنما الاصطلاح سمى أحدهما بالتقييد، والآخر بالتخصيص، ففي كلا الموردين الإرادة الاستعمالية محفوظة، وإنما يتصرف في الإرادة الجدية، غاية الأمر أن الدال على الإرادة الإستعمالية في العموم نفس الوضع اللغوي، وفي الإطلاق هو المقدمات، فالمقدمات كاشفة عن الإرادة التي نسميها إرادة استعمالية، لاعن الإرادة الجدية، ولا عن المفهوم اللغوي. الثامن: قال في الكفاية: تبصرة لا تخلو من تذكرة: وهي أن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف بحسب اختلاف المقامات، فإنها تارة يكون حملها على العموم البدلي، واخرى على العموم الإستيعابي، وثالثة على نوع خاص مما ينطبق عليه، حسب اقتضاء خصوص المقام، واختلاف الآثار والأحكام، كما هو الحال في سائر القرائن بلا كلام، فالحكمة في اطلاق صيغة الأمر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني العيني النفسي، فإن إرادة غيره تحتاج الى مزيد بيان، ولا معنى لإرادة الشياع فيه، فلا محيص عن الحمل عليه في مااذا كان بصدد البيان " انتهى ". أقول: قد عرفت الكلام على اقتضاء المقدمات للعموم البدلي أو الاستيعابي، عند البحث عن الإطلاق البدلي والشمولي، وأن مقتضى المقدمات إنما هو كون

[ 558 ]

المعنى المطلق تمام موضوع حكم المتكلم - مثلا - ثم إن وجود هذا المعنى في تمام الأفراد أوجب سراية الحكم إليها، بدليا أو شموليا، بحسب اختلاف خصوصية المقامات، والتحقيق أن الكلام في اقتضاء المقدمات لحمل المطلق على نوع خاص مما ينطبق عليه أيضا كذلك. توضيحه: أن استعمال اللفظ الدال على الوجوب هيأة كانت أم مادة في مقام الإجمال أو الإهمال استعمال صحيح محتمل، كما في استعمال أسامي الأجناس في ذلك المقام، فلا محالة حمله على غيره محتاج الى أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام المراد، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى لاريب في أن هيأة إفعل أو مادة الوجوب ظاهرة بنفسها في فعلية الوجوب، قبال تعليقه واشتراطه بشرط، وحينئذ فإذا كان المتكلم في مقام بيان تمام مراده من جهة المكلف وسائر ما يتقوم به الوجوب ومن جهة الأحوال أو الأزمان المعتبرة في الحكم، فقال مثلا: " صل ركعتين " فظاهر الهيأة هو الوجوب الفعلي، ومتعلقه هو ذات المخاطب، وحيث إنه في مقام بيان تمام ما يتوقف عليه الحكم، ولم يذكر قيدا خاصا، بل إنما علق الحكم على ذات المخاطب، فإطلاق كلامه يقتضي أن يكون تمام ما يتعلق عليه ويتوقف عليه الحكم هو ذات المكلف، فبتحقق المكلف يكون الحكم فعليا بلا انتظار أي شرط آخر، فهذا الإطلاق يقتضي أن يكون الوجوب مطلقا من ناحية غير ذات المكلف المخاطب ووجوده. كما يقتضي أيضا أن يكون الوجوب نفسيا، إذ الوجوب الغيري متوقف على فعلية الوجوب النفسي المتعلق بذي المقدمة، وهو خلاف إطلاق الكلام المقتضي، لأن ذات المخاطب هو تمام ما يتوقف عليه فعلية الحكم. وكما يقتضي أيضا أن يكون الوجوب عينيا، فإن التحقيق - على ما مر في البحث عن الوجوب الكفائي - أن الفرق بين العيني والكفائي، إنما هو من جهة المكلف، فإذا جعل عمل خاص كدفن الميت على عهده شخص يكون واجبا عينيا، وإذا جعل على عهدة جمع يكون واجبا كفائيا، وعليه فإطلاق الكلام

[ 559 ]

الحاكم بأن ذات المخاطب تمام موضوع لمتعلق الحكم، ولما يتوقف عليه فعليته، فلا محالة يكون الوجوب كفائيا. وحيث إن للوجوب المتعلق بالمكلف إطلاقا بحسب أحوال المكلف والأزمان المختلفة، ومنها أن يأتي المكلف بما يحتمل ان يكون عدلا تخييريا لما أوجبه عليه - أعني صلاة الركعتين - فإطلاق تعلق الوجوب بذات المكلف يقتضي أن يكون كاللازم لوجوده، يدور معه مهما دار، فيثبت معه وإن أتى بالمحتمل العدلية، فيلزمه كون الوجوب تعيينيا، فكما عرفت من أن إطلاق قوله: " صل خلف العادل " يقتضي بقاء حكم جواز الصلاة خلفه في الأحوال أو الأزمان المختلفة، فهكذا إطلاق قوله: " صل ركعتين " هاهنا، ويمكن إجراء هذا البيان لاستفادة عينية الوجوب أيضا، كما لا يخفى. فتحصل أن الظاهر أن مقتضى اجراء المقدمات في جميع الموارد شئ واحد هو أن ما يجري مقدمات الإطلاق له هو تمام ماله الدخل في المعنى، وفي الدخل في الحكم الذي له الدخل فيه، وربما يكون له لوازم، منها استفادة العموم البدلي أو الشمولي، ومنها استفادة خصوص قسم خاص من الأفراد كما في ما نحن فيه. والله العالم العاصم. التاسع: في تقرير بحث بعض الأعاظم (1) (قدس سره) ما حاصله: أن التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس تقابل السلب والإيجاب، إذ في هذا التقابل يمتنع اجتماع المتقابلين وارتفاعهما، مع أن الإطلاق والتقييد ليسا كذلك، لإمكان إرتفاعهما عن المحل الغير القابل لهما - كما في الانقسامات اللاحقة عن تعلق الحكم كالعلم والجهل - وذلك أنه لاريب في امتناع التقييد بها، وإذا امتنع التقييد، امتنع الإطلاق أيضا، لأن الإطلاق عبارة عن تساوي هذا القيد وعدمه، فإذا إمتنع لحاظ نفس التقييد امتنع لحاظ التسوية أيضا، فلابد من قابلية المحل لهما حتى يتصف بأحدهما، فإن كانا ثبوتيين - كما على مسلك المشهور - كان التقابل من التضاد،


(1) فوائد الاصول: ج 2 ص 565. (*)

[ 560 ]

وإن كان الإطلاق عدميا - كما هو المختار - كان من قبيل العدم والملكة " انتهى ". وفيه: أنه مبني على كون حقيقة الإطلاق لحاظ التسوية بين القيود، ليؤول الى أن موضوع الحكم - مثلا - هو المعنى المتصف بأي قيد كان، فيتوقف على لحاظ التقييدات والتسوية بينها، لكنه خلاف التحقيق، فقد عرفت أن حقيقة الإطلاق أن يكون المعنى نفسه تمام الموضوع، وهذه التمامية غير موقوفة على لحاظ التسوية بين التقييدات، بل الإطلاق رفض جميعها، لا الجمع بينها والتسوية فيها. نعم، يمكن أن يقال: إن امتناع التقييد بقيد يمنع عن الحكم بأن المطلق تمام موضوع حكم الحاكم بمجرد أن يكون في مقام البيان، ولا يذكر قيدا، لاحتمال أن يكون عدم ذكر القيد، لامتناع ذكره، حسب الفرض، إلا أنه لو سلم فلا يوجب انقلاب حقيقة معنى الإطلاق الى معنى غير التمامية المذكورة، بل في مثل ذاك المورد ربما يستفاد الإطلاق ببرهان أقوى من مقدمات الإطلاق، فإنه لما امتنع التقييد بذاك القيد فلو امتنع التقييد بعدمه أيضا أو كان المفروض عدم التقييد به، لثبت إطلاقه، مثلا، إذا كان تقييد المكلف بالعلم أو الجهل ممتنعا فكان تمام الموضوع ذات المكلف، وكان الحكم ثابتا على ذاته ساريا في كلتا حالتي علمه وجهله، ولو فرض أن تقييد المأمور به بقصد القربة محالا، وكان المسلم عدم تقييده بالخلو عن القربة، فكان تمام الموضوع والمأموربه نفس العمل، وكان الحكم ساريا في كلتا حالتي قصد القربة وعدمه، والله العالم والعاصم.

[ 561 ]

4 - فصل في الجمع بين المطلق والمقيد إن محل الكلام في هذا الفصل أن يرد المطلق والمقيد كل منهما في كلام منفصل عن الآخر، وحينئذ نقول: إذا ورد مطلق ومقيد متنافيان بدوا، فإما يتضمنان تكليفا، وإما وضعا، وكل منهما، إما مختلفان نفيا وإثباتا، وإما متوافقان، وكل منها إما يكون ظهورهما حكما إلزاميا أو غير إلزامي، الى غير ذلك، ونقدم الكلام في التكليفيين ونقول: إن المطلق والمقيد إذا كان ظاهرهما التكليف الإلزامي، فالمختلفان بالنفي والإثبات، مثل " اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة " ومثل " لا تعتق رقبة " و " اعتق رقبة مؤمنة " لااشكال في تنافيهما البدوي، ولا في أن الجمع العرفي بينهما تقييد المطلق بالمقيد، فكما لم يكن ريب في جعل الخاص قرينة ومخصصا للعام، وموجبا للتصرف في أصالة الجد الجارية في العام، فهكذا هنا حرفا بحرف. وأما إذا توافقا في الإثبات والنفي، فالمثبتان مثل قوله: " اكرم عالما، واكرم عالما هاشميا " فإن علم وحدة الحكم الذي تضمنه المطلق والمقيد، فلا محالة إن الحكم الواحد يكون له موضوع واحد، فيتنافى بدوا المطلق والمقيد، والمشهور المنصور حمل المطلق على المقيد، وكون المقيد قرينة على التصرف في أصالة الجد الجارية في المطلق، وذلك أن الهيأة الدالة بظاهرها على الوجوب في كليهما

[ 562 ]

واحدة، وإنما الاختلاف في إطلاق متعلق المادة وتقييدها، وحيث إن الحكم فيهما حكم واحد، فالمطلق وإن اقتضى تعلق الحكم بالعالم غير الهاشمي، والاكتفاء به في امتثال التكليف، إلا أن تقييده بالهاشمي في المطلق الظاهر في كون الخصوصية معروضا للوجوب يقتضي - ولو بحكم العقل - أن غير الهاشمي ليس واجب الاكرام، فكأنه قال " اكرم عالما والعالم غير الهاشمي لا يجب اكرامه " فكما أن المختلفين لاريب في تقييد المطلق فيهما بالمقيد فهكذا هنا مما يؤول إليه. وهذا الذي ذكرناه لا فرق فيه بين مااذا كان المطلق والمقيد من قبيل العام البدلي، كالمثال المذكور، وما إذا كانا من قبيل الشمولي مثل " اكرم العالم ولاتكرم العالم الفاسق " كما لا يخفى. ومنه تعرف أن الاشكال عليه باحتمال الجمع على وجه آخر، بحمل الهيأة في المقيد على الرجحان والإستحباب، فيكون المقيد أفضل أفراد الواجب، مدفوع، بأنه احتمال لا يرتضيه العقلاء في مقام الجمع، اللهم ! إلا إذا كان في خصوص مورد يقتضيه قرينة خاصة متبعة. وأما الجواب عن هذا الإشكال، بأن تقييد المطلق هنا ليس خلاف القواعد، فإن ظهوره في الإطلاق فرع عدم ما يصلح للقرينية، وبالعثور على المقيد نعلم بوجوده إجمالا، فلا ينعقد له إطلاق، بل ينعقد ظهوره في المقيد - كما في التقريرات (1) - فمدفوع بأن انعقاد الظهور للمطلق في الإطلاق، إنما يتوقف على عدم القرينة المتصلة، وأما المنفصلة فلا تمنع عن انعقاد الظهور الإطلاقي، غاية الأمر أن تكون موجبة للتصرف في أصالة الجد الجارية في الاطلاق، كما في العام والمخصص المنفصل عنه. وأما ما في الكفاية في مقام دفع كلام التقريرات: " من أن الظفر بالمقيد لا يكون كاشفا عن عدم ورود المطلق في مقام البيان " فهو وإن كان متينا في نفسه، إلا أنه أجنبي عن كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) فإنه لم يدع كشفه عن عدم ورود


(1) تقريرات الشيخ: ص 221 س 2 وما بعده. (*)

[ 563 ]

المطلق في مقام البيان، بل إنما ادعى كونه قرينة على التقييد، وموجبة لعدم ظهوره في الإطلاق. وبالجملة: فالتقريرات تدعي انتفاء المقدمة الثانية من مقدمات الإطلاق - أعني عدم ذكر قرينة على التقييد - وكلام الكفاية مسوق لدفع دعوى انتفاء المقدمة الاولى - أعني كونه في مقام البيان -. كما أن ما أفاده ثانيا: " من أن حمل الأمر في المقيد على الاستحباب حقيقته أن الأمر فيه قد استعمل في الإيجاب التخييري في افضل الأفراد، فإن المقيد إذا كان فيه ملاك الاستحباب، مع أنه من أفراد الواجب لا يكون مستحبا فعليا، ضرورة أن ملاكه لا يقتضي استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه. يرد عليه، أولا: أنه خلاف ظاهر كلام المستشكل، فإن اشكاله احتمال حمل الهيأة في المقيد على الإستحباب، فلو سلمنا عدم امكان اجتماع الاستحباب والوجوب لما كان بد من حمل الإستحباب حينئذ على الإرشاد، أو على الإستحباب المولوي الملاكي، فإنه يحفظ معه قوله بالإستحباب. وثانيا: أن الحمل على هذا الوجوب التخييري لادلالة فيه على أن المقيد من أفضل الأفراد. نعم، هذا الحمل حمل بعيد بنفسه، ولو دار الأمر بينه وبين تقييد الإطلاق لما كان ريب في أن الأولى تقييد الإطلاق. ثم إنك قد عرفت أن انفهام التنافي البدوي بين المطلق والمقيد فرع كون الحكم المذكور فيهما واحدا، وهذه الوحدة إن علمت من الخارج فلا كلام، وإلا فإن علق كلاهما على سبب واحد، كقوله: " إن ظاهرت فاعتق رقبة أو أكرم العلماء، وإن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة أو العلماء العدول " كانا ظاهرين في الوحدة المذكورة، وأما إن كان كلاهما أو أحدهما غير معلق على سبب فالظاهر عدم ظهورهما في تلك الوحدة، وعدم ظهور تناف بينهما ولو بدوا، بل يؤخذ بإطلاق المطلق، وإنه تكليف مستقل، وبالمقيد وإنه تكليف آخر، فإذا قال: اكرم

[ 564 ]

عالما، ثم قال منفصلا عنه: " اكرم عالما هاشميا "، فحيث إن موضوعيهما عنوانان، كان الظاهر من البعثين أنهما بعثان وتكليفان، وإن اجتمع العنوانان في العالم الهاشمي، وحينئذ، فان اكرم عالما غير هاشمي، فقد امتثل أمر المطلق، ويبقى عليه امتثال أمر المقيد، وإن اكرم من أول الأمر عالما هاشميا، فلا يبعد الإكتفاء به في امتثال الأمرين، عملا باطلاق المادة في كل من الأمرين. هذا. وقد يقال: باستكشاف الوحدة في مااذا تعلق الأمران في المطلق والمقيد بصرف الوجود، كمثال: اكرم عالما واكرم عالما هاشميا، إما لأن الجمع بين ظهور الأمرين في الاستقلال وظهور المتعلق في صرف الوجود يوجب تعلق حكمين متماثلين على موضوع واحد " في العالم الهاشمي " وهو في الامتناع كاجتماع الضدين من الأحكام، فيمكن أن يكشف به وحدة الحكم المذكور في المطلق والمقيد. وإما لأن المقيد لظهوره في إيجاب القيد يقتضي وجوب ايجاد صرف وجود المقيد، وعدم الرضا بإيجاد هذا الصرف في غير المقيد، والمفروض أن المطلوب في المطلق أيضا صرف الوجود، فبقرينة عدم الرضا المذكور المستفاد من المقيد يستفاد وحدة التكليف، وأن المطلوب هو المقيد ليس إلا. وفي الوجهين مالا يخفى: أما الأول: فلأن الأحكام التكليفية ليست من قبيل الأعراض الخارجية حتى يترتب عليها حكم التضاد والتماثل، والقول: بامتناع اجتماع الأمر والنهي في واحد ذي وجهين لو سلمناه، فإنما هو لمكان منافاة مقتضاهما فيه، حيث إن النهي يزجر المكلف ويمنعه عن القرب منه، والأمر يحركه الى إتيانه، وهما متنافيان، وهذا الوجه غير جار هاهنا، فان الأمر في المطلق والمقيد كل منهما يبعث ويحرك نحو متعلقة، وهما متوافقان، فلا بأس بالجمع بين ظهور الأمرين في الاستقلال، وظهور متعلقهما في صرف الوجود. ومما ينبغي التنبه له أن البعث الى كل شئ إنما يكون ظاهرا في مجرد تعلق بعث به، وتعدد الأمر تابع لتعدد المتعلق، وإلا فلا نعقل ولا نسلم ظهورا مستقلا

[ 565 ]

للبعث في الاستقلال، فها هنا حيث إن المطلق والمقيد عنوانان، فلا محالة يتعدد الأمران حسب تعددهما، كما عرفت. هذا كله بالنسبة للوجه الأول. وأما الوجه الثاني: فلأن الأمر بالمقيد إنما يقتضي وجوب الإتيان بالمقيد، وأنه لو أتى بالمطلق لما كان كافيا في امتثال أمر المقيد، وأما أن يقتضي عدم الرضا وعدم الاكتفاء بإتيان المطلق ولو في مقام امتثال تكليف آخر فلا، وحينئذ فحيث إن أمر المطلق يقتضي وجوب الإتيان بالمطلق، ولولا في ضمن المقيد، فلو أتى به في ضمن غير المقيد صح الاكتفاء به في امتثال الأمر بالمطلق، كما لا يخفى، فإذا لا طريق لكشف وحدة التكليف. ثم إنه لافرق في ما ذكرنا من عدم التنافي بين المطلق والمقيد بين ما إذا كان متعلقهما صرف الوجود أو مطلق الوجود، كما إذا قال: اكرم العالم، وقال أيضا اكرم العالم الهاشمي، غاية الأمر أن ذكر القيد يكون لكمال عناية به أو لغير ذلك. كما لافرق فيه بين الأوامر المحمولة على الوجوب، والأوامر الإستحبابية، فإنه في المستحبات أيضا إذا علم أن المطلق والمقيد في مقام افادة حكم واحد، فلا محالة يكون موضوع الحكم الواحد واحدا فيقع التنافي بين المطلق والمقيد ويجمع بينهما بما مر من حمل المطلق على المقيد، وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك، فإن اختلاف المتعلق يوجب ظهور الكلام في أمرين مستقلين، ولا منافاة بين الأخذ بهما - كما عرفت - في الواجبين. ومما ذكرنا أيضا يظهر الكلام في المنفيين، فإن الواجب الأخذ بكل من المطلق والمقيد، بلا منافاة بينهما، إلا إذا احرزت وحدة الحكم المذكور فيهما فيجمع حينئذ بينهما، كما مر. وهكذا الكلام في الأحكام الوضعية، فإذا قال: " لا تصل في ما لا يؤكل لحمه "، كما لافرق فيه بين الأوامر المحمولة على الوجوب، والأوامر الإستحبابية، فإنه في المستحبات أيضا إذا علم أن المطلق والمقيد في مقام افادة حكم واحد، فلا محالة يكون موضوع الحكم الواحد واحدا فيقع التنافي بين المطلق والمقيد ويجمع بينهما بما مر من حمل المطلق على المقيد، وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك، فإن اختلاف المتعلق يوجب ظهور الكلام في أمرين مستقلين، ولا منافاة بين الأخذ بهما - كما عرفت - في الواجبين. ومما ذكرنا أيضا يظهر الكلام في المنفيين، فإن الواجب الأخذ بكل من المطلق والمقيد، بلا منافاة بينهما، إلا إذا احرزت وحدة الحكم المذكور فيهما فيجمع حينئذ بينهما، كما مر. وهكذا الكلام في الأحكام الوضعية، فإذا قال: " لا تصل في ما لا يؤكل لحمه "، وقال أيضا: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه "، اخذ بكلا المطلق والمقيد ولا منافاة، ويكون ذكر خصوص الوبر لخصوصية ذكره في مقام ابتلاء المخاطب -

[ 566 ]

مثلا - وأمثال ذلك، وأما أذا قال في مقام بيان نجاسة المتنجس بالبول وكيفية تطهيره تارة: " اغسل ثوبك بالماء إذا لاقى البول "، واخرى: " اغسل ثوبك بالماء مرتين إذا لاقى البول " فإن ظاهره أن الكلامين في مقام بيان الغسل المطهر، وهو حكم واحد، وتقييده بالمرتين في المقيد يوجب حمل المطلق أيضا عليه. وليكن هذا آخر كلامنا في مباحث الألفاظ، حامدين لله تعالى، مصلين على خاتم الأنبياء وآله الأطيبين الأطهار، والحمد لله رب العالمين. وكان هذا ليلة الاثنين الرابع من شهر رجب الأصب، من السنة (1408) الهجرية القمرية، الثالث من شهر إسفند من السنة 1366 الهجرية الشمسية. * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية