الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زبدة الأصول - السيد محمد صادق الروحاني ج 3

زبدة الأصول

السيد محمد صادق الروحاني ج 3


[ 1 ]

زبدة الاصول تأليف المحقق الفذ آية الله العظمى السيد محمد صادق الحسينى الروحاني مد ظله الجزء الثالث

[ 2 ]

الكتاب: زبدة الاصول المؤلف: السيد محمد صادق الحسينى الروحانى نشر: مدرسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: قدس الطبعة: الاولى، ربيع الاول 1412 الكمية: 1000 نسخه السعر: 200 تومان

[ 3 ]

زبدة الاصول الجزء الثالث

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين صلواته واكمل تحياته على اشرف الخلائق محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما بقية الله في الارضين ارواح من سواه فداه وبعد فهذا هو ال‍ جزء الثالث من كتابنا زبدة الاصول وفقنا لنشره واخراجه الى عالم الظهور والمر جو من الله تعالى التوفيق لنشر الجزء الرابع والله ولى التوفيق

[ 7 ]

المقصد السادس: في القطع، وأقسامه، وأحكامه: وقبل الشروع في مباحث هذا المقصد، لا بد من تقديم امور: الاول: أن مباحث القطع خارجة عن المسائل الاصولية، بل هي أشبه بمسائل الكلام، وإنما نتعرض لها لشدة مناسبته مع المقام، فلنا دعا وثلاث: أما خروجها عن المسائل الاصولية، فلانها عبارة عن الكبريات التي تقع في طريق استنباط الاحكام الشرعية بمعنى لانها إنضمت إليها الصغريات أنتجت نتيجة فقهية، وهو الحكم الشرعي الكلي الواقعي، أو الظاهري، وحجية القطع بأقسامه - بما أنها لا تكون واسطة في استنباط الحكم الشرعي - تكون خارجة عن مسائل علم الاصول. فان قلت: إنه بناءا على كون المسائل الاصولية، هي المسائل التي تفيد في مقام إقامة الحجة على حكم العمل شرعا، تكون هذه المسالة منها إذ البحث عن منجزية القطع باقسامه كالبحث عن منجزية الامارة، يفيد في مقام إقامة الحجة على حكم العمل في الفقه. قلت: إن الحجة في الفقه التي جعلت موضوع علم الاصول، وقيل: (1): إن مسائله إنما هي ما تفيد في مقام إقامة الحجة على حكم العمل شرعا، يحتمل أن يراد بها معناها المصطلح في المنطق، ويحتمل أن يراد بها معناها المصطلح عند الاصوليين، وعلى أي تقدير لا يصح إطلاقها على القطع الطريقي: أما بمعناها الأول: فلان الحجة عبارة عن الوسط، الذي يحتج به على ثبوت الأكبر للاصغر، كالتغير لاثبات حدوث العالم، وهي بهذا المعنى تنوقف على أن يكون بينها وبين الاكبر - الذي يراد إثباته للاصغر - علقة ثبوتية: إما علقة العلية والمعلولية بان يكون الوسط علة لثبوت الاكبر الذي هو البرهان اللمي، أو

[ 8 ]

يكون معلولا له الذي هو البرهان الاني، وإما علقة التلازم. ومن المعلوم أن الحجة بهذا المعنى لا تصدق على القطع، ولا يصح جعله وسطا في تأليف القياس، فلا يقال: إن هذا معلوم الخمرية أو الحرمة، وكل معلوم الخمرية خمر، أو يجب الاجتناب عنه إذ المعلوم الخمرية يمكن ان يكون خمرا، ويمكن ان لا يكون - وبعبارة اخرى - ان الخمرية من العناوين الواقعية تدور مدار الواقع لا العلم، ووجوب الاجتناب متعلق بالخمر الواقعي لا بما هو معلوم الخمرية. ثم ان الحجة بهذا المعنى كما لا تصدق على القطع لا تصدق على الامارات الشرعية، ولا يصح جعلها وسطا: إذ متعلقاتها ان كانت من الموضوعات الخارجية فعدم ثبوت العلقة بينهما واضح، إذ لا علقة بين البينة القائمة على الخمرية وبين نفس الخمر، لا علقة التلازم، ولا علقة العلية، والمعلولية، وان كانت من الاحكام الشرعية، فلان الاحكام الشرعية انما تثبت لمتعلقاتها ومترتبة على موضوعاتها الواقية، لا على ما ادى إليه الطريق الابناء على التصويب الذى لا نقول به، فلا ربط ثبوتى بين الامارة وبين الاكبر وقد عرفت لزوم وجوده في اطلاق الحجة. وبهذا يظهر عدم تمامية ما افاده الشيخ الاعظم (ره) بقوله ان اطلاق الحجة على القطع ليس كاطلاقها على الامارات المعتبرة شرعا الى ان يقول فقولنا الظن حجة يراد به كونه وسطا لا ثبات حكم متعلقه فراجع وتدبر. وأما بمعناها الثاني: فلان الحجة في اصطلاح الاصوليين، عبارة عن الطرق والامارات الواسطة لا ثبات احكام ما تعلقت به بحسب الجعل الشرعي، وهذا المعنى لا ينطبق على القطع، إذ القطع بالحكم هو وصوله حقيقة ولا يتوقف عل منجزية القطع لتكون نتيجة البحث عنها مفيدة في الفقه، وهذا بخلاف ساير الامارات فانه بما انها ليست وصولا حقيقيا للحكم، فيتوقف العلم بالحكم على ثبوت كونها وصولا تعبديا، وبهذه العناية يصح جعلها وسطا في القياس لا ثبات احكام متعلقاتها فيقال هذا مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية حرام، ولعله الى هذا نظر الشيخ الاعظم (ره) وان كان خلاف ظاهر كلامه.

[ 9 ]

فالمتحصل انه لا يصح اطلاق الحجة على القطع باصطلاح اهل الميزان ولا بالصطلاح الاصولي، نعم بصح اطلاق الحجة عليه بمعنى القاطع للعذر أي المنجز والمعذر، ولكن هذا في القطع الطريقي. واما القطع المأخوذ في الموضوع فقد يقال انه يصح اطلاق الحجة بمعناها الاول عليه بنحو من العناية فيقال هذا معلوم الخمرية وكل معلوم الخمرية نجس يجب الاجتناب عنه إذا كانت النجاسة مترتبة على معلوم الخمرية لان نسبة الموضوع الى الحكم كنسبة العلة الى المعلول وان لم تكن من العلل الحقيقية الا ان من جهة عدم تخلف الحكم عن موضوعه والتلازم بينهما يقع وسطا للقياس، ولا فرق ذلك بين ما لو كان القطع تمام الموضوع أو جزئه، نسب ذلك الى المحقق النائيني (ره) ولا باس به. ولكن لا يصح اطلاق الحجة عليه بالمعنى الثاني: إذ القطع، بل من الادلة الدالة على ثبوت ذلك الحكم كالنجاسة عند القطع بالخمرية. مثلا - وبعبارة اخرى - تكون نسبته إليه هي نسبة ساير الموضوعات الى الحكم، فكما ان الحرمة لا تستنبط من الخمر بل من الادلة الدالة على حرمة الخمر كذلك هذا الحكم. ثم انه بما ذكرناه ظهر ان مسألتي منجزية العلم الاجمالي، واستحقاق المتجرى للعقاب خارجتان عن مسائل الفن، واما مسالة قيام الامارات والاصول مقام القطع، فهى وان كانت من المسائل الاصولية الا انها خارجة عن مسائل القطع، لان امكان قيام الامارة مقام القطع وعدمه من توابع الامارة، لا القطع لانه يثبت بها ترتب حكم الواقع على مؤدى الامارة أو عدمه، فظهر خروج هذه المسالة من المسائل الاصولية. واما وجه اشبهيته بمسائل الكلام: فلان المسائل الكلامية، عبارة عن كل شئ له مساس بالعقائد الدينية، وحيث ان البحث عن منجزية القطع يمكن ارجاعه الى، انه هل يصح للمولى ان يعاقب على مخالفة المقطوع به، فيصح دعوى ان هذه المسالة اشبه بمسائل الكلام. واما شدة مناسبته مع المقام فلانه يبحث في الاصول عما يقع نتيجته في طريق

[ 10 ]

القطع بالحكم فيناسب بيان حال القطع بالحكم. هل المسائل الاصولية تختص بالمجتهد الامر الثاني: ظاهر كلام الشيخ الاعظم (1) من جعل المقسم للحالات الثلاث، القطع، الظن، الشك، هو المكلف، عدم اختصاص ما يذكره من احكامها، بالمجتهد، وهو صريح المحقق الاصفهانى (2)، وصريح المحققين الخراساني (3) والنائيني (4) هو الاختصاص وتبعهما جماعة (5) وقالوا ان المسائل الاصولية من حجية خبر الواحد، والاستصحاب، وما شاكل تختص بالمجتهد، وقد استدل للثاني، بوجوه. الاول: ما افاده المحقق النائيني (6) (ره) وتوضيحه اختصاص عناوين موضوعاتها بالمجتهد: إذ حصول تلك الصفات من، القطع، والظن، والشك، فرع الالتفات التفصيلي الى الحكم، والعامي من جهة غفلته لا يكاد تحصل له تلك الصفات، وعلى فرض حصولها له لا عبرة بظنه وشكه بعد عجزه عن تشخيص موارد الامارات والاصول، وعدم تمكنه من فهم مضامينها والفحص في مواردها. وفيه: انه يمكن فرض حصولها للمقلد، ولو بعد تنبيه المجتهد، أو كان محصلا غير بالغ مرتبة الاجتهاد، واما عدم تشخيص مواردها، فيرجع في ذلك الى المجتهد وهو يعين الموارد. الثاني: ما ذكره المحقق الاصفهانى (7) قال ان عناوين موضوعاتن الاحكام الظاهرية لا تنطبق الاعلى المجتهد، فانه الذى جاثه النبا، أو جاثه الحديثان المتعارضان، وهو الذى ايقن بالحكم الكلى، وشك في بقائه وهكذا الا ان محذوره عدم ارتباط حكم المقلد به فلا يتصور في حقه تصديق عملي ليخاطب به، ومن له تصديق عملي لا ينطبق عليه العنوان ليتوجه التكليف انتهى. وفيه: ان وظيفة المجتهد هي وظيفة الامام (ع)، وهى بيان الاحكام المجعولة في

[ 11 ]

الشريعة بنحو القضايا الحقيقية، ومن جملة تلك الاحكام، الاحكام الاصولية، فإذا فرضنا ان الخبر الموثق المتضمن للحكم الكلى، كوجوب جلسة الاستراحة فهم المجتهد من الادلة حجيته، يفتى بحجية الخبر الموثق، ويرجع المقلد إليه في ذلك من باب رجوع الجاهل الى العالم، ويبين ان هذا الخبر ظاهر في الوجوب ولا معارض له، ويرجع المقلد في ذلك ايضا إليه من باب الرجوع الى اهل الخبرة، فيعمل المقلد به. وبذلك يظهر انه حاجة الى ما ذكره (قده) في رد هذا المحذور بقوله ان ادلة الافتاء والاستفتاء يوجب تنزيل المجتهد منزلة المقلد فيكون مجيئ الخبر إليه بمنزلة مجيئ الخبر الى مقلدة ويقينه وشكه بمنزلة يقين مقلده وشكه فالمجتهد هو المخاطب عنوانا والمقلد هو المخاطب لبا انتهى. مع انه يرد عليه انه لا دلالة لادلة الافتاء على هذا التنزيل فتدبر. الثالث: عدم قدرة المقلد على العمل بالخبر الواحد، وعلى الفحص اللازم في العمل بالاصول. وفيه: ان العمل بالخبر الواحد هو الاتيان بالفعل الذى دل الخبر على وجوبه، وهذا مما يقدر عليه المقلد، وانما لا يقدر على الاستظهار من الدليل، وقد عرفت انه له ان يرجع الى المجتهد في ذلك من باب كونه شرطا في الاخذ بالاحكام المتعلقة بالشك، بل الحكم متعلق بالشك الذى لا يكون في مورده دليل، والفحص انما يكون لاحراز ذلك، فيكون نظر المجتهد في تعيين ذلك متبعا للمقلد لكونه اهل الخبرة متبعا للمقلد، فالاظهر ان هذه الاحكام كالاحكام الاولية مشتركة بين المجتهد والمقلد لاطلاق ادلتها. ونتيجة ما اخترناه ان للمجتهد ان يقر المقلد على الشك ويقول له لا تنقض اليقين السابق بالشك، كما ان له يجرى الاستصحاب عنه لليقين والشك ويفتى بما يستخرجه من الاستصحاب، وهذا بخلاف القول بالاختصاص فانه ليس له ذلك. ويترتب عليه انه إذا فرضنا في مورد كون حكم متيقنا سابقا، ومشكوكا فيه لا حقا والمجتهد يرى ظهور رواية في خلاف الحكم السابق، والمقلد يعلم بخطائه واشتباهه،

[ 12 ]

فان له ان يجرى الاستصحاب، ويعمل على طبقه وهذا بخلاف مبنى التخصيص، فانه ليس له ذلك لعدم الاستصحاب له فتدبر فان هذه ثمرة مهمة. وربما يورد على القول بالاختصاص بوجهين. احدهما: ان لازمه عدم جواز رجوع المقلد إليه فيما استفاده من الادلة، فان الاحكام المختصة بالمجتهد لا يجوز للمقلد العمل بها لا حظ، وجوب التصرف في مال الايتام والقضاوة وما شاكل. ويرده انه فرق بين الحكم المتلعق بالعمل الخاص والحكم الذى يكون واسطة في اثبات الحكم الكلى الاولى المشترك بين المجتهد والمقلد، والذى لا يجوز العمل به هو الاول، فانه حكم متعلق بعمل المجتهد، والمقام من قبيل الثاني، فانه يستفيد المجتهد من حجية الاستصحاب الحكم المشترك بينه وبين مقلده فتدبر. ثانيهما: ان موضوع الاصول هو المكلف الشاك، والمقلد الذى يكون التكليف متوجها إليه، لا يكون شاكا في الحكم لعدم التفاته، والمجتهد وان كان شاكا، الا ان التكليف غير متوجه إليه، فمن توجه إليه التكليف غير شاك في الحكم، والشاك فيه لم يتوجه إليه التكليف، فلا مورد للرجوع الى الاصل العملي. واجاب عنه الشيخ الاعظم بان المجتهد نائب عن المقلد في اجراء الاصل، فيكون الشك من المجتهد بمنزلة الشك من المقلد. وفيه: انه لا دليل على هذه النيابة وادلة الاصول غير شاملة للشك النيابي. والحق في الجواب ان يقال ان موضوع الاصول هو الشك في الحكم فالمجتهد إذا التفت الى حكم مقلده الذى، هو مجعول بنحو القضية الحقيقية، ووظيفة المجتهد كوظيفة الامام (ع) - بيان ذلك وحصل له الشك مع يقينه سابقا بثوبته يجرى الاستصحاب بلحاظ يقينه وشكه، ولا يعتبر في جريان الاستصحاب كون الشك متعلقا بالحكم المتعلق بفعل نفسه ويفتى حينئذ ببقاء ذلك الحكم. اضف إليه انه يمكن ان يجرى المجته الاستصحاب بلحاظ يقين المقلد وشكه، كما إذا كان الحكم مما يلتفت إليه المقلد ايضا، فيشك فيه كما شك فيه المجتهد فيجرى

[ 13 ]

الاستصحاب في حقه ويفتى بمؤاده، فالقول بالاختصاص وان كان لا محذور فيه، الا ان مقتضى اطلاق الادلة هو البناء على التعميم. تثليث الاقسام الامر الثالث: ذكر الشيخ الاعظم، ان المكلف إذا التفت الى حكم شرعى، فاما ان يحصل له القطع، أو الظن، أو الشك، ولذلك جعل كتابه مشتملا على مقاصد ثلاثة، ومورد كلامه في التقسيم هو الحكم الواقعي. وعدل المحقق الخراساني في الكفاية عن ذلك وجعل التقسيم ثنائيا، ومحصل ما ذكره في وجه العدول امور ثلاثة. الاول: انه لا بد من ان يكون المراد من الحكم، اعم من الواقعي والظاهري، لعدم اختصاص احكام القطع بما إذا تعلق بالحكم الواقعي، وعليه فلا بد من جعل التقسيم ثنائيا، إذ المكلف إذا التفت الى حكم أو ظاهري، فاما ان يحصل له القطع به، أو لا ويدخل بحث الحجج والامارات الشرعية، والاصول العملية الشرعية، في القسم الاول، وعلى الثاني لا بد من انتهائه الى ما استقل به العقل، من اتباع الظن أو حصل ولم تتم مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة لا بد من الرجوع الى الاصول العقلية، من البرائة والاشتغال والتخيير على اختلاف اختلاف الموارد. الثاني: انه لا بد من تخصيص الحكم بالفعلى لان احكام القطع مختصة بما إذا كان متعلقا به، إذا الحكم الانشائي غير البالغ مرتبة الفعلية لا يترتب عليه اثر. الثالث: انه لا بد من تبديل الظن بالطريق المعتبر لئلا يتداخل الاقسام، إذ الظن غير المعتبر محكوم بحكم الشك، وفى كلام الشيخ جعل قسيما له، والامارة المعتبرة ربما لا تفيد الظن الشخصي فهى قسيم الشك وقد جعلت في كلام الشيخ داخلة فيه، وعليه فان كان لا بد من تثليث الاقسام، فلا بد وان يقال ان المكلف اما، ان يحصل له القطع، أو لا،

[ 14 ]

وعلى الثاني، اما ان يقوم عنده طريق معتبر، اولا، ومرجعه على الاخير الى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع ومن يقوم عنده الطريق. اقول يرد على ما افاده اولا، ان المجعول في باب الامارات والاصول الشرعية ليس هو الحكم الظاهرى كما ستعرف فلا علم بالحكم في مواردها. اضف إليه ان التقسيم في كلام الشيخ انما هو في رتبة سابقة على الحكم، ولبيان شرعى، اما ان يحصل له القطع الذى هو حجة ذاتا ولا تكون حجية جعلية، أو الشك الذى لا يكون قابلا للحجية إذ ليس فيه كاشفية اصلا ولا معنى لجعله حجة، واما ان يحصل له الظن وهو متوسط بينهما إذ له طريقية ناقصة، فليس كالقطع ليكون حجة ذاتا، ولا كالشك ليكون جعل الحجية له ممتنعا، فان دل على اعتباره يكون ملحقا بالقطع والا فهو ملحق بالشك، ويجرى في مورده الاصل العملي، فالتقسيم انما هو في مرتبة سابقة على الحكم، وبعد الحبث قد يلحق الظن بالقطع، وقد يلحق بالشك، فلا بد من جعل التقسيم ثلاثيا نعم لا بد من تدبيل الظن في كلام الشيخ بالطريق الناقص الذى جعله الشارع حجة، وتبديل الشك، بعدم وجود امارة معتبرة على الحكم، وقد صرح الشيخ (ره) بذلك في اول بحث البرائة. وبذلك يظهر الحال فيما افاده ثالثا، وانه هو الصحيح، وان كان فيما افاده مسامحة يظهر لمن تدبر فيه فالمتحصل ان التقسيم لا بد وان يكون ثلاثيا، بالنحو الذى افاده المحقق الخراساني ولا يتم ما افاده الشيخ الاعظم (ره). وقد يقال كما عن المحقق العراقى ان الاولى، ما افاده الشيخ، لان التقسيم انما هو بلحاظ ما للاقسام المذكورة من الخصوصيات الموجبة للطريقية والحجية من حيث، الوجوب، والامكان، والامتناع حيث ان القطع لكشفه التام مما وجب حجيته عقلا، والظن لكونه كاشفا ناقصا امكن حجيته شرعا، والكشف لعدم الشك فيه لا يقعل حجيته. وفيه: انه لو كان البحث في المباحث الاتية عن، وجوب الحجية للقطع، وامكانها للظن، وامتناعها للشك كان ما ذكر من التقسيم حقا، ولكن بما ان البحث في الظن انما هو

[ 15 ]

عن الامارات المجعولة شرعا افادت الظن ام لم تفد، كما ان البحث في المقام الثالث عن الاصول المجعولة عند عدم وجود امارة معتبرة ولو حصل الظن، والتقسيم انما يكون لتعيين عناوين المباحث الاتية اجمالا، فلا يصح ما ذكر. الكلام في حجية القطع وكيف كان فبيان احكام القطع واقسامه، يستدعى البحث في، مواضع الاول، قد طفحت كلمات الاصحاب بانه يجب العمل على وفق القطع، ولزوم الحركة على طبقه، وانه يوجب تنجيز الحكم، وتنقيح القول في هذا الموضع انما هو بالبحث في مقامت. الاول: في ان طريقية القطع بمعنى انكشاف المقطوع به به، قابلة للجعل، ام لا ؟ الثاني: في ان وجوب العمل على طبق القطع، بمعنى منجزيته في صورة المطابقة للواقع، ومعذريته في صورة المخالفة، وان شئت فعبر عنه بالحجية، هل هو مجعول، ام لا ؟ الثالث: في انه هل يمكن عقلا النهى عن العمل به بمعنى عدم ترتب محذور عقلي عليه، ام لا ؟ الرابع: في انه هل يصح تعلق الامر المولوي بالعمل على طبق القطع، وان شئت فعبر عنه بالاطاعة، ام لا، فيكون الامر بالاطاعة ارشاديا ولا يمكن ان يكون مولويا. اما المقام الاول: فالحق ان طريقيته لا تقبل الجعل، لا التكويني منه، ولا التشريعي، إذ حقيقة القطع، حقيقة مرآتية، فاقطع عين الطريقية، لا شئ لازمه تلك، ومن الواضح انه لا جعل تأليفي يبن الشئ ونفسه، نعم يصح جعل وجود القطع نفسه، لكنه غير جعل الطريقية له، الذى هو محل الكلام هذا بالنسبة الى الجعل التكويني واما عدم قابليتها للجعل التشريعي، فلانه لا يتعلق بما هو متكون بنفسه، والا يكون من اردأ انحاء تحصيل الحاصل. واما مقام الثاني: فالاقوال في ثلاثة 1 - ان وجوب العمل على وفق القطع، انما

[ 16 ]

هو من لوازم ذاته، اختاره صاحب الكفاية، حيث قال، وتاثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد وحاكم 2 - ان ذلك انما يكون بحكم العقل والزامه، اختاره المحقق الخراساني في التعلقية 3 - انه انما يكون ببناء العقلاء اختاره المحقق الاصفهانى. والحق هو الاول فان العقل بعد القطع بالحكم، يرى ان مخالفته مناف لذى الرقية، وخروج عن رسم العبودية، وهتك لحرمة المولى وظلم عليه، والعمل على وقفه عمل بوظيفة العبودية، ولهذا يدرك العقل انه لو عاقبه المولى على مخالفته لم يعد قبيحا، بل يحسن ذلك لعدم منافاته للحكمة، - وبعبارة اخرى - ان العقل كما يدرك استحالة العقاب من الحكيم في صورة عدم العصيان لكونه عقابا بلا بيان، ومنافيا للحكمة، كذلك يدرك صحته وامكانه في صورة العصيان لعدم التنافى بينه وبين الحكمة بل بينهما كمال الملائمة، وهذا الدرك العقلاني انما هو كدرك العقل امتناع اجتماع الامر والنهى، أو جوازه. واستدل المحقق اليزدى (ره) في دوره لعدم جعل الحجية للقطع: بانه لو قلنا باحتياجها إليه لزم التسلسل، لان الامر بمتابعة هذا القطع لا يوجب التنجز بوجوده الواقعي، بل لا بد من العلم، وهذا العلم ايضا كالسابق يحتاج في التنجيز الى الامر وهكذا. ولكن يرد عليه ان الامر الثاني وان كان وصوله مما لا بد منه في تنجيز الامر الواقعي المعلوم، الا انه لا تنجز له حتى يحتاج تنجزه الى الجعل فانه امر بداعي تنجز الامر الاول - وبعبارة اخرى - ان جعل المنجزية للقطع لا يكون من الاحكام المتعلقة بفعل المكلف حتى يتصور فيه المخالفة فتوجب استحقاق العقاب بل هو من الاحكام الوضعية التى لا مخالفة لها، وعليه فلا معنى لمنجزيته حتى يحتاج الى جعل آخر فلا يلزم منه التسلسل، فالصحيح ما ذكرناه. واما القول الثاني: فيرده ان شان القوة العاقلة، ليس هو البعث والتحريك، والالزام، بل شانها ادراك الاشباء، بل الالزام والبعث التشريعي وظيفة المولى، نعم الانسان يتحرك نحو ما قطع بكونه نفعاله، ويحذر عما يراه ضررا، ولكن ذلك ليس بالزام العقل

[ 17 ]

بل انما يكون منشاه حب النفس، ولذا لا يختص ذلك بالانسان، بل الحيوان بما انه بفطرته يحب نفسه، يتحرك نحو ما يراه نفعاله، ويحذر عما يراه ضررا عليه، وهذا التحرك تكويني، لا بعث تشريعي. واما القول الثالث: وهو القول بان حجية القطع انما تكون ثابتة ببناء العقلاء، والاحكام العقلائية عبارة عن القضايا المشهورة التى تطابقت عليها اراء العقلاء حفظا للنظام وابقاءا للنوع لحسن العدل وقبح الظلم والعدوان. فيرده ان وجوب العمل على طبق القطع كان ثابتا في زمان لم يكن فيه الابشر واحد ولم يكن نوع ليكون العمل على طبقه لحفظه، وان شئت فاختبر ذلك بفرض نفسك ذلك البشر. النهى عن العمل باقطع واما المقام الثالث: فالحق عدم امكان النهى عن العمل به، وذلك لوجهين. احدهما: لزوم التناقض اعتقادا مطلقا، وواقعا في صورة الاصابة، - وبعبارة اخرى - المكلف لا يتمكن من تصديق النهى عن العمل به بعد تصديقه بحرمة الفعل كما لو علم بحرمة الخمر: إذ النهى عن العمل به اذن في الفعل، وهو لا يجتمع مع الحرمة - وان شئت قلت - ان الحرمة عبارة عن الزجر عن الفعل مع عدم الترخيص في الفعل، فاترخيص فيه مع الحكم بالحرمة متناقضان والمكلف بعد اذعانه بالاول غير متمكن من الاذعان بالثاني. وقد اورد على هذا التقريب بايرادين. الاول: بانه قد ورد النهى عن العمل بالظن القياسي حتى في حال الانسداد فإذا جاز النهى عن العمل به في حال الانسداد، جاز النهى عن العمل بالعلم في حال الانفتاح، لان الظن في تلك الحال كالعلم في هذه. وفيه: انه ان اريد بهذا التنظير ان الظن بالحكم غير الفعلى، وان صح المنع عن العمل به، الا ان القطع به كذلك والقطع بالحكم الفعلى لا يمكن النهى عن العمل به،

[ 18 ]

للزوم اجتماع النقيضين، فالظن به ايضا كذلك، لانه يلزم منه الظن باجتماعهما وهو ايضا غير معقول - فيرد عليه - ان التكليف الواصل بالقطع الواصل بالقطع بما انه لا يحتمل الخلاف فلذا لا يعقل جعل حكم آخر في مورده، واما الظن فحيث انه ليس وصولا حقيقيا فالتكليف باق على مجهوليته ومرتبة الحكم الظاهرى محفوظة، فيصح جعل حكم في مورده وتمام الكلام في محله. وان اريد به ان الظن في حال الانسداد كالعلم يستقل العقل بمنجزيته لما تعلق به فإذا صح الترخيص في مخالفته شرعا صح في القطع فيرد عليه، ما سيأتي في محله من ان حكم العقل بمنجزية الظن في حال الانسداد تعليقي، بخلاف القطع فانه تنجيزي فيصح المنع عن العمل به دونه. الثاني: ما عن المحقق العراقى (ره) وهو انه لا مناقضة ولا تضاد بين الحكمين بعد كون مرجع ردعه الى الترخيص في الرتبة اللاحقة عن القطع والحال ان حرمة الفعل ثابتة له في الرتبة السابقة على القطع، ومع اختلاف الرتبة بين الحكمين، يرتفع المناقضة والتضاد بين الحكمين - وفيه - ما سيأتي في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي، والظاهري، من ان اختلاف الرتبة لا يكفى في رفع التناقض والتضاد فانتظر. الوجه الثاني: انه يلزم من النهى عن العمل بالقطع، الاذن في المعصية في صورة المصادفة للواقع، وفى التجرى في صورد المخالفة، وهما قبيحان، فالاذن فيهما ايضا قبيح، وان شئت قلت ان النهى عن العمل بالقطع، اما ان يكون بسلب طريقيته، أو بالمنع عن متابعته، والعمل على وقفه وشئ منهما لا يمكن، اما الاول فواضح إذ سلب الشئ عن نفسه محال، واما الثاني فلما ذكرناه. الامر بالاطاعة لا يكون مولويا واما المقام الرابع: فقد استدل لعدم امكان تعلق الامر المولوي بالاطاعة بوجوه. الاول: لزوم التسلسل: إذا الامر بالاطاعة لو كان مولويا يتحقق عنوان اطاعة اخرى

[ 19 ]

فيتعلق به الامر لكونها اطاعة، وهذا الامر ايضا، يحقق عنوان اطاعة اخرى، فيتعلق به الامر ايضا وهكذا الى ان يتسلسل. وفيه: ان ذلك يلزم لو قيل باحتياج وجوب الاطاعة الى الامر، لا ما هو محل البحث، وهو امكان تعلقه بها كما لا يخفى، مع انه للآمر ان يامر بها بنحو القضية الطبيعية فيشمل جميع الافراد غير المتناهية، وانحلال الامر المتعلق بالطبيعة الى اوامر غير متناهية حيث يكون بايجاد واحد لا محذور فيه. الثاني: لزوم اللغوية لان الامر المولوي ليس الا من جهة دعوة المكلف الى الفعل وهى موجودة هنا فلا حاجة إليه. وفيه: انه يكفى في عدم لزوم اللغوية تأكيد داع المكلف لانه يمكن ان لا ينبعث من امر واحد، وينبعث لو تعدد. الثالث: ما ذكره المحقق صاحب الدرر وهو انه يعتبر في صحة الامر قابليته، لان يصير داعيا مستقلا، لان حقيقته البعث نحو الفعل والامر المتعلق بالاطاعة لا يصلح لذلك، لان المكلف اما ان يؤثر فيه امر المولى اولا، وعلى الاول يكفيه الامر المتعلق بالفعل، وهو المؤثر لا غير لانه اسبق رتبة من الامر المتعلق بالاطاعة، وعلى الثاني لا يؤثر الامر المتعلق بالاطاعة فيه استقلالا لانه من مصاديق امر المولى. وفيه اولا: ان حقيقة الامر كما تقدم، اما ابراز اعتبار كون المادة على عهدة المأمور، أو ابراز شوق المولى الى الفعل ولا يعتبر في ذلك سوى ما يخرجه عن اللغوية وقد عرفت، انه يكفى في ذلك تأكيد داع المكلف، واما اعتبار كونه قابلا لان يصير داعيا مستقلا فلا وجه له اصلا، بل لو سلم كون الامر عبارة عن البعث نحو الفعل لا نسلم اعتبار ذلك فيه، إذا البعث نحو الفعل، ليس الا عبارة عن جعل ما يمكن داعويته، واما امكان داعويته مستقلا من دون ان يضم إليه شئ فليس ذلك مأخوذا في حقيقة البعث. وثانيا: لو سلمنا اعتبار ذلك فيه ولكن في المقام يتصور ذلك، فان كل واحد من الامرين قابل لان يكون داعيا مستقلا، ولكن لفرض اجتماعهما كل منهما يصير جزء الداعي وذلك ليس لقصور في الامر كما لا يخفى.

[ 20 ]

فالحق في وجه ذلك يبتنى على مقدمتين الاولى ان التكليف تأكيديا كان ام غير تأكيدي، - وبعبارة اخرى - كان في مورده تكليف آخر ام لم يكن، كان دليله المثبت حكم العقل، بضميمة قاعدة الملازمة ام كان دليلها الكتاب والسنة، لا بد وان يترتب عليه ثمرة، والا جعله يكون لغوا، وصدوره من الحكيم محال. الثانية: ان العناوين الحسنة قسمان، الاول: ما لا يكون مرتبطا بالمولى من حيث انه مولى كالاحسان الى الغير والظلم عليه. الثاني: ما يكون له ارتباط خاص بالمولى من حيث انه مولى كاطاعته والانقياد له. وفى الاول لو لم يتعلق به الامر المولوي لا وجه لعقاب المولى على المخالفة ولا الثواب على لا موافقة، ولا يوجب الفعل قربا الى المولى، ولا الترك بعدا عنه. واما في الثاني، فتصح العقوبة على المخالفة والثواب عى الموافقة ويوجب الفعل قربا إليه والترك بعدا عنه. إذا عرفت هاتين المقدميتن، فاعلم ان الامر والطلب حيث لا يصح الا فيما يوجب الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة والتمكن من التقرب الى المولى بالموافقة بحيث لولاه لما كان في المبين ان يتقرب به أو فيما يوجب ازدياد الثواب و العقاب، والا يكون التكليف لغوا، فلا يصح الامر المولوي في المقام لترتب هذه الاثار على نفس الموضوع بل هو الموضوع لهذه الاثار دون الامر كما لا يخفى. قال المحقق الخراساني (ره) في الكافية ثم لا يذهب عليك ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعليا وما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز واستحقاق العقوبة على المخالفة وان كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة انتهى. فيه: ان التفكيك بين الثواب والعقاب، لا وجه له: إذا الحكم ان كان فعليا فموافقته توجب الثواب ومخالفته توجب العقاب، وان لم يكن فعليا فان كانت المصلحة تامة ملزمة وانما لم يؤمر به لمانع في الامر غير المفسدة، كالفعلة في المولى العرفي، فمخالفته توجب العقاب كما ان موافقته توجب الثواب، من جهة تفويت الغرض الملزم، وان كان لم يؤمر به لمانع من قبيل المفسدة في الامر فمخالفته، وان كانت لا توجب العقاب الا ان موافقته ايضا لا توجب الثواب فتدبر.

[ 21 ]

الموضع الثاني في التجرى وقبل الشروع في البحث لا بد من التنبيه على امر، وهو ان موضوع البحث في كلمات الاعلام، وان كان هو القطع، الا ان الظاهر انه اعم منه، ومن الامارات المعتبرة والاصول العملية، بل يعم كل احتمال منجز كالمقرون بالعلم الاجمالي، والشبهة البدوية قبل الفحص، فالاولى ان يعنون البحث هكذا إذا قام حجة أي ما يحتج به المولى على العبد على حكم، بان قطع به، أو قامت امارة معتبرة عليه، أو استصحب، أو احتمل ولم يكن له مؤمن، وخالفه العبد، ولم يكن ذلك موافقا للواقع، فيكون فعله ذلك تجريا، فلو قامت البينة على خمرية شئ أو استصحب تلك، أو علم اجمالا بخمرية هذا المايع، أو المايع الاخر فشربه ولم يكن في الواقع خمرا، كان منجريا. ودعوى: انه في موارد الطرق والامارات الشرعية والاصول العملية يكون كشف الخلاف موجبا لانتهاء امد الحكم الا انه يستكشف عدم الحكم من الاول فلا يتصور فيها التجرى. مندفعه، بان ذلك يتم على القول بالتصويب، واما بناءا على ما هو الحق من ان المجعول في باب الامارات والطرق الشرعية هي الطريقية والكاشفية كما ستعرف فلا يتم ذلك كما لا يخفى. ثم ان مورد الكلام انما هو القطع الطريقي، واما القطع الموضوعي، فهو خارج عن محل البحث لانه لو كان القطع تمام الموضوع فليس له كشف الخلاف وان كان جزء الموضوع، فكشف الخلاف وان كان يتصور فيه الا ان تنجز التكليف، انما يكون بواسطة القطع بالحكم المتعلق بما هو جزء الموضوع وجزئه الاخر فتزاع التجرى انما يجرى باعتبار ذلك القطع الذى يكون طريقيا. إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في حكم التجرى من حيث، استحقاق العقاب، والقبح، والحرمة فلا بد من البحث في مقامات.

[ 22 ]

المقام الاول: في ان التجرى هل يوجب استحقاق، العقاب مع بقاء الفعل المتجرى به على ما هو عليه من المحبوبية أو المبغوضية ام لا ؟ وبهذا الاعتبار تكون المسالة كلامية. المقام الثاني: في ان الفعل المتجرى به هل يكون قبيحاكى يستتبعه الحرمة بقاعدة الملازمة ام لا ؟ وبهذا الاعتبار تكون المسالة اصولية. المقام الثالث: في البحث عن حرمة الفعل المتجرى به، والكلام فيه في جهتين: الاولى في البحث عن حرمته بنفس ملاك الحرام الواقعي باعتبار ان موضوعات الاحكام هي الاشياء بوجوداتها العلمية فاطلاق الادلة يشمل الفعل المتجرى به، الجهة الثانية في البحث عن حرمته لا بملاك الحرام الواقعي بل بملاك التمرد على المولى، والفرق بين الجهتين مضافا الى انه في الجهة الاولى، يكون البحث عن حرمة الفعل المتجرى به بعنوانه الاولى، وفى الثانية يكون عن حرمته بالعنوان الثانوي: ان البحث في الاولى مختص بما إذا كان الخطاء في الانطباق، مع كون الحكم مجعولا في الشريعة كما إذا قطع بخمرية شئ فشربه، ولا يتصور فيما إذا كان الخطاء في اصل جعل الحكم كما لو قطع بحرمة شرب التثن فشربه ولم يكن في الواقع محرما، واما البحث في الجهة الثانية فهو عام لكلا القسمين. استحقاق المتجرى للعقاب اما المقام الاول: فالاقوال فيه اربعة. الاول: استحقاق العقاب عليه مطلقا ولعله المشهور بين الاصحاب. الثاني: استحقاق العقاب على قصد العصيان والعزم على الطغيان لا على الفعل اختاره المحقق الخراساني. الثالث: عدم استحقاق العقاب لا على القصد ولا على الفعل. الرابع: استحقاق العقاب عليه إذا لم يكن الفعل المتجرى به واجبا واقعا. وحق القول في المقام انه ان قلنا ان استحقاق العقاب على المعصية، انما هو بجعل الشارع كما هو احد طرقه على ما نسب الى الشيخ الرئيس في الاشارات وغيره وفى غيرها:

[ 23 ]

نظرا الى ان ردع النفوس عن فعل ما فيه المفسدة وترك ما فيه المفسدة وترك ما فيه المصلحة واجب بقاعدة اللطف، فالمتجرى لا يستحق العقاب لان ما فيه المفسدة ذات شرب الخمر لا ما اعتقد انه شرب الخمر، وان قلنا انه انما يكون بحكم العقل كما هو المشهور، فالمتجرى يستحقه لاتحاد الملاك فيه مع المعصية الواقعية: لان العقاب على المعصية ليس لاجل ذات المخالفة مع التكليف، ولا لاجل تفويت غرض المولى، ولا لاجل ارتكاب المبغوض بما هو لوجود الكل في صورة الجهل، بل لكونها هتكا لحرمة المولى وجرئة عليه، وعدم العمل بما يقتضيه قانون العبودية والمولوية إذ بها يخرج العبد عن ذى الرقية ورسم العبودية إذ مقتضى ذلك تعظيم المولى لا هتك حرمته، والهتك يوجب الدخول في زمرة في المتجرى. وقد افاد المحقق النائيني (ره) ردا على هذا الوجه بانه مركب من امرين. الاول: كون العلم تمام الموضوع في المستقلات العقلية خصوصا في باب الاطاعة والمعصية حيث ان الارادة الواقعية لا اثر لها عند العقل ولا يمكن ان تكون محركة لعضلات العبد الا بالوجود العلمي والوصول. الثاني: كون المناط في استحقاق العقاب هو القبح الفاعلى ولا اثر للقبح الفعلى المجرد عن ذلك. وكل منهما قابل للمنع، اما الاول: فلان العلم وان كان له دخل في المستقلات العقلية، الا ان العلم غير المصادف للواقع ليس علما بل هو جهل، واعتبار هذا العلم في موضوع هذا الحكم العقلي انما هو من جهة ان الارادة الواقعية غير قابلة لتحريك ارادة الفاعل، بل المحرك هو انكشاف الارادة، وفى المقام الارادة الواقعية لم تصل الى الفاعل، بل هو تخيل الارادة فلا عبرة به في نظر العقل، وعلى الجملة ان الموجب للعقاب هو مخالفة تكليف المولى الواصل الى العبد، واين هذا مما لم يكن في الواقع تكليف، وكان من تخيل التكليف. واما الامر الثاني: فلان مناط استحقاق العقاب عند العقل، وان كان هو القبح الفاعلى، الا ان له قسمين. احدهما: ما يتولد من القبح الفعلى الذى يكون احرازه موجبا

[ 24 ]

للقبح الفاعلى. والثانى: ما يكون متولدا من سوء السريرة وخبث الباطن، وبينهما فرق واضح، والذى يوجب استحقاق العقاب هو القسم الاول، والموجود في التجرى هو الثاني. ويرد عليه انه ليس المدعى تأثير العلم في استحقاق العقوبة على المخالفة كى يقال انه في مورد التجرى لا يكون علم بل هو جهل مركب بل المدعى ان العلم يصير سببا لانطباق عنوان على المعلوم كعنوان الطغيان على المولى والجرئة عليه، ولا فرق وجدانا في انطباق هذا العنوان بين المعصية والتجرى، وعلى الجملة قد عرفت ان الموجب لاستحقاق العقاب ليس مخالفة تكليف المولى بما هي مخالفة كى يقال انه ليس في مورد التجرى تكليف، بل الموجب هو الهتك، والطغيان عليه، وفى ذلك لا فرق بين كون العلم مخالفا للواقع ام موافقا له. نعم في المعصية الواقعية جهة اخرى موجبة للعقاب ايضا، وهى تقويت الغرض الواصل وهذه الجهة غير موجودة في التجرى وعليه ففى المعصية سببان للعقاب بحيث لو امكن انفكاك تفويت الغرض الواصل عن الهتك والطغيان، لكان يوجب العقاب ايضا، ولكن بما انه لا يصدر في الخارج عن المكلف الا فعل واحد فيعاقب بعقاب واحد، اشد من عقاب التجرى. ولعل هذا هو مراد صاحب الفصول (ره) من ان العاصى يعاقب بعقابين متداخلين، وعليه فايراد المحقق الخراساني عليه من ان المعصية الحقيقية لا توجب الا عقوبة واحدة وعلى تقدير استحقاقهما لا وجه للتداخل، غير وجيه. 1 - انه لو فرضنا رجلين قطع احدهما بخمرية مايع وشربه فصادف، والاخر قطع بخمرية مايع آخر فشرب وخالف، يدور الامر بين امور اربعة، وهو استحقاق كليهما للعقاب، وعدم استحقاقهما له، واستحقاق المصادف قطعه، دون الاخر، وعكس ذلك، وحيث ان الثلاثة الاخيرة باطلة فيتعين الاول، اما بطلان الثاني، والرابع فواضح، واما

[ 25 ]

بطان الثالث فلاستلزامه اناطة استحقاق العقاب، بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعة الخارجة عن تحت قدرته، وفساده بين. ولكنه يندفع بانه لا محذور في الالتزام به فانه للخضم ان يقول بان السبب لاستحقاق العقاب هو المخالفة العمدية وانتفائها، تارة بانتفاء كلا الجزئين، واخرى بانتفاء الثاني، كما لو ارتكب الحرام عن عذر، وثالثة بانتفاء الاول كما في المتجرى، ولكن الجزئين حاصلان في المعصية، وعليه فالمصادفة التى هي غير اختيارية دخيلة في تحقق علة الاستحقاق وهو المخالفة لا في نفسه، ودخل الامر غير الاختياري في ذلك لا منع منه، بل واقع كوجود المكلف وما شاكل، وانما يعاقب المتجرى لعدم تمامية علة الاستحقاق. 2 - ما ادعاه جماعة من، الاجماع على ان ظان ضيق الوقت، يكون عاصيا إذا ترك الصلاة، ولو انكشف بقائه. ويرده مضافا الى عدم تمامية الاجماع المزبور، صغرى، وكبرى، اما الصغرى فلمخالفة جماعة، واما الكبرى فلان المسالة عقلية، مع ان مدرك المجمعين معلوم أو محتمل، انه يمكن ان يكون للظن موضوعية في هذا الحكم، بل الظاهر من جهة التعبير بالعاصي هو ذلك. وبه يظهر ما في الدليل 3 - وهو دعوى الشيخ ظاهرا، في ان سالك الطريق المظنون الضرر أو مقطوعه عاص، يجب عليه اتمام الصلاة، ولو بعد انكشاف عدمه. 4 - بناء العقلاء، ويرده انه لعله على الارادة لا على الفعل. 5 - انه انما يحكم بالاستحقاق من جهة تجريه وهتك حرمته لمولاه، وخروجه عن رسم عبوديته كما مر و هذا العنوان انما ينطبق على الفعل المتجرى به لا على مقدماته كالعزم والارادة: لان العبد بفعل ما، يراه انه مبغوض للمولى يخرج عن رسم العبودية ويكون ظالما، والعزم عليه عزم على الظلم، لا انه بنفسه ظلم، وهذا هو الوجه في عدم العقاب على الارادة والعزم: لا ما ذكره بعض من ان الارادة غير ارادية غير ارادية والا لتسلسل ومن المعلوم ان العقاب لا بد وان يكون على الامر الاختياري، لما عرفت من ان الارادة ارادية

[ 26 ]

بنفسها لا بواسطة ارادة اخرى، فلا يلزم التسلسل ولا العقاب على الامر غير الاختياري فتدبر. الفعل المتجرى به قبيح واما المقام الثاني: فقد استدل له بوجهين. احدهما: ان التجرى يكشف عن سوء سريرة العبد، وخبث باطنه، وانه في مقام الطغيان على المولى، وهذا يوجب قبح الفعل المتجرى به. ويرده ان الفعل وان كان يكشف عن سوء السريرة وخبث الباطن، الا انه لا يكون المنكشف قبيحا عقلا، وان كان موجبا لاستحقاق اللوم كساير الصفات والاخلاق الذميمة، وعلى فرض تسليم قبحه قبح المنكشف لا يوجب قبح الكاشف كما ان حسنه لا يوجب حسن الكاشف. ثانيهما: ان تعلق القطع بقبح فعل وحرمته، يوجب تعنون الفعل المقطوع قبحه بعنوان قبيح ويصير قبيحا سواء كان ذلك القطع مخالفا للواقع ام موافقا له. وانكر ذلك جماعة منهم المحقق الخراساني في الكفاية قال ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرى به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح والوجوب أو الحرمة واقعا، بلا حدوث تفاوت فيه: بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة ولا يغير حسنه أو قبحه بجهة اصلا انتهى، وقد ذكر في الاستدلال له بما محصله يرجع الى امور اربعة: الاول: ان العلم المرآتى المتعلق بالفعل، لا يكون مؤثرا في صفة الفعل، بان يغيره عما هو عليه، وان قلنا ان الحسن والقبح يعرضان للفعل بالوجوه والاعتبار، بداهة انه ليس كل وجه واعتبار يغير صفة الفعل، والوجدان اقوى شاهد عليه، وحال العلم في ذلك حال البصر وفى المبصرات، فكما ان البصر لا يؤثر في المبصر، العلم لا يؤثر في المعلوم، - وبعبارة اخرى - ان لا واقع للحسن والقبح عقلا، ولا لكون شئ وجها موجبا لهما الا في وجدان

[ 27 ]

العقل، وعدم كون المقطوع بهذا العنوان من العناوين الموجبة لاحدهما بعد وضوح عدم كوه بهذا العنوان ذا مصلحة أو مفسدة في نظر العقل، واضح. ويرده ان المدعى لا يدعى كون العلم بنفسه موجبا لذلك بل يقول بتأثير العلم في انطباق عنوان على المعلوم على تقدير المخالفة، وهو عنوان التجرى على المولى والطغيان عليه، وهتك حرمته. الثاني: ان العناوين المحسنة والمقبحة، لا بد وان تكون اختيارية متعلقة للارادة والاختيار، وعنوان القطع ليس من هذا القبيل: إذ القاطع لا يقصد الفعل بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة أو الخمرية أو شاكل، وانما يقصد العنوان الواقعي، فهذا العنوان لا يكون مقصودا. وفيه: ان المراد من القصد في قوله ان القاصد لا يقصد الا الفعل بعنوانه الاولى، ان كان هو الداعي كما هو ظاهر كلامه فهو صحيح، إذ من يشرب الخمر يكون داعيه الاسكار مثلا لا عنوان مقطوع الخمرية الا انه لا يعتبر في اختيارية الفعل ازيد من الالتفات إليه والقدرة على الفعل والترك، الا ترى ان من شرب الخمر لا بقصد انه خمر مسكر بل بقصد انه مايع بارد، يصدق انه شرب الخمر اختيارا ويستحق بذلك العقاب وان كان المراد منه الالتفات، فهو يرجع الى الوجه الثالث. الثالث: ان عنوان المقطوعية، يكون غالبا مغفولا عنه، وغير متلفت إليه، فكيف يكون من الجهات المحسنة أو المقبحة عقلا، ولا يكاد صفة موجبة لذلك الا إذا كانت اختيارية والشئ ما لم يكن ملتفتا إليه لا يكون اختياريا. وفيه: مضافا الى كونه اخص من المدعى كما هو واضح: ان المراد من الالتفات، ان كان هو الالتفات التفصيلي فعنوان المقطوعية، وان كان غير متلتفت إليه الا انه لا يعتبر الالتفات التفصيلي في الاختيارة بل يكفى الاجمالي منه، وان كان المراد ما يعم الالتفات الاجمالي الارتكازي، فهو وان كان دخيلا في الاتصاف بالاختيارية، الا ان عنوان المقطوعية، يكون ملتفتا إليه بالالتفات الاجمالي دائما، كيف وان الاشياء انما تكون حاضرة عند الذهن بالقطع، ويسمى بالعلم الحصولي، واما حضور القطع فهو يكون

[ 28 ]

بنفسه، بل لا حقيقة للقطع الا الحضور عند النفس، ويعبر عنه بالعلم الحضوري، فلا يعقل وجود القطع وعدم الالتفات إليه. الرابع: ان المتجرى لا يصدر فعل منه في بعض افراده بالاختيار، كما في التجرى بارتكاب ما قطع انه من مصاديق الحرام كما إذا قطع مثلا بان مايعا خمر مع انه لم يكن بالخمر، فان شرب الخمر منتف بانتفاء موضوعه، وشرب الماء مما لم يقصده، فلم يصدر منه فعل بالارادة والاختيار إذ ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصده. واجاب عنه بعض المحققين بما حاصله ان البرهان المذكور انما يتم بالنسبة الى الخصوصيات ولا يتم في الجامع فانه من شرب المايع باعتقاد انه خمر يعلم انه مصداق للجامع وهو شرب المايع وقادر على تركه فكيف يمكن ان يقال انه شرب المايع بلا اختيار، الا ترى ان من قتل شخصا باعتقاد انه زيد فبان انه عمر: فانه لا شبهة في انه قتل انسانا اختيارا. وفيه: انه مع الاغماض عن كون نسبة الطبيعي الى الافراد نسبة الاباء الى الابناء لا نسبة اب واحد الابناء، وعليه فكل فرد من افراد المايع له حصة من الطبيعي والحصة التى تكون في ضمن الخمر وان تعلقت ارادة الشارب بها الا انها لم توجد ولا واقع لها والحصة المتحققة لم تتعلق الارادة بها حتى يكون صدورها اختياريا. انه لو سلم كون نسبته إليها نسبة الاب الواحد الى الابناء، الا ان الطبيعي في ضمن الخاص انما يتعلق به الارادة بالعرض والا فهى متعلقة بالخاص، وكل ما بالعرض لا بد وان ينتهى الى ما بالذات، وحيث ان الخصوصية التى اريدت، ونسبت الارادة الى الطبيعي الموجود بالعرض لم توجد، والخصوصية الاخرى، لم تتعلق بها الارادة كى تنسب الى الطبيعي بتبعه، والمفروش ان الجامع لم يتعلق به الارادة رأسا، وبما هو فلا محالة، لا يكون الجامع اختياريا. والحق في الجواب ان شرب المايع الشخصي المشار إليه بالاشارة الحسية ليس بقسر القاسر. ولا بالطبع، بل يتحقق مستندا الى الارادة. نعم، تعلق الارادة به كان لاجل اعتقاد

[ 29 ]

انه شرب الخمر، واتخلفه انما يكون من باب تخلف الداعي، ولا يوجب كون الشرب المتحقق خارجا عن الاختيار. ثم ان في المقام وجها خامسا لعدم القبح، وهو انه لو التزم بقبح الفعل المتجرى به، لزم انقلاب الواقع عما هو عليه، أو اجتماع الحسن والقبح في مورد واحد، إذا كان الفعل المتجرى به في الواقع من الافعال الحسنة وكل منهما محال. وفيه: اولا، ان الفعل بما له من العنوان والقعى المجهول للفاعل لا يكون حسنا ولذا لو تركه كان معذورا، الا ترى انه لو ضرب اليتيم للتشفي وترتب عليه التاديب، لا يكون الضرب حسنا بوجه، بل هو قبيح محض. وثانيا: انه لو سلم كونه حسنا لا يلزم اجتماع الضدين بل يقع التزاحم بينهما ويقدم الاقوى، ومع التساوى، يحكم بانه لا حسن فيه ولا قبح، وعلى أي تقدير هذا الوجه، لا يمنع من كون التجرى بنفسه من العناوين القبيحة. ثم ان المحقق النائيني (ره) بعد ما التزم بعدم قبح الفعل مستندا الى الوجه الاول من الوجوه التى استند إليها المحقق الخراساني قال نعم، لا باس بدعوى القبح الفاعلى بان يكون صدور هذا الفعل من مثل هذا الفاعل قبيحا وان لم يكن الفعل قبيحا. وفيه: مضافا الى ما عرفت آنفا من ان القبح انما هو لعنوان التجرى، والهتك، والظلم المنطبق، على الفعل المضاف: انه لو سلم عدم قبح الفعل واغمض عما ذكر لما كان، وجه للالتزام بالقبح الفا على إذا اضافة الفعل الى الشخص، - وبعبارة اخرى - ايجاده، عين وجوده حقيقة لما حقق في محله من، اتحاد الايحاد والوجود، فلا معنى للقول بعدم قبح الوجود، وقبح الايجاد. و بهذا يظهر عدم صحة ما ذكره المحقق العراقى (ره) في مقام الجواب عنه، من ان لازم مبغوضية اضافة الفعل مبغوضية نفس الفعل، لكونه مقدمة للاضافة المذكورة. نعم، لو كان الفعل غير الاضافة المذكورة كان هذا الجواب متينا جدا - وبالجملة - لا بد من الالتزام اما بعدم القبح، كما عن المحقق الخراساني، أو القبح الفعلى كما حققناه في الجواب عن استدلال المحقق الخراساني على مختاره، واما الالتزام بالقبح الفاعلى فلا وجه له اصلا.

[ 30 ]

حرمة الفعل المتجرى به وعدمها واما المقام الثالث: فقد مر ان الكلام فيه في جهتين. الاولى: في حرمته بنفس الملاك للحرام الواقعي، بان يقال ان اطلاق الادلة الاولية شامل لموارد التجرى، وان متعلق التكليف في الخطابات الاولية انما هو ارادة الفعل الخارجي المحرز كونه ذلك الفعل من دون دخل لمصادفته ومخالفته، ويكون الموضوعات هي الوجودات العلمية، لا الموجودات الواقعية فمعنى لا تشرب الخمر لا تشرب ما قطعت بكونه خمرا. ويستدل له بما هو مركب من مقدمات، الاولى ان متعلق التكليف لا بد وان يكون مقدورا للمكلف فما هو خارج عن تحت قدرته لا محالة يكون مفروض الوجود ولا يتعلق به الحكم، وعليه فموضوعات الاحكام ومتعلقاتها خارجة عن حيز التكليف، فلو ورد لا تشرب الخمر، تكون خمرية الخمر خارجة عن حيز الخطاب ومفروضة الوجود في هذا الخطاب. الثانية: ان المحرك للارادة و الاختيار، انما هو القطع والانكشاف من دون دخل للمصادفة للواقع وعدمها فيه اصلا، الا ترى ان القاطع بوجود الاسد يفر وان لم يكن هناك اسد، وجود الاسد، لا يوجب الحركة نحو الفرار ما لم يقطع به. فما، افاده المحقق النائيني (ره) من ان المحرك هو العلم بالموجود الخارجي بما انه طريق إليه، - وبعبارة اخرى - الموجود الخارجي لكن لا مطلقا بل بعد الانكشاف غير تام. الثالثة: ان متعلق الارادة التشريعية هي الارادة التكوينية، إذا الغرض مترتب على الفعل الاختياري، لا الاضطراري، فالفعل في نفسه من حيث هو لا غرض فيه بل الغرض مترتب على اختيار الفعل، إذا عرفت هذه الامور تعرف ان متعلق التكليف انما هو اختيار ما تعلق القطع بانطباق الموضوع، أو المتعلق عليه فعلا أو تركا، صادف الواقع قطعه ام خالفه. واجاب عنه المحقق النائيني (ره) بان المقدمة الثالثة، غير تامة: إذ الارادة تكون مغفولا عنها حين الفعل ولا يلتفت الفاعل إليها، فلا تصلح لان يتعلق بها التكليف.

[ 31 ]

وفيه: ان الارادة ملتفت إليها واختيارية بنفسها. والحق في الجواب بمنع تلك المقدمة بان يقال ان التكليف لا بد، وان يتعلق بما فيه المفسدة أو المصلحة، ولاجل ذلك متعلق للغرض، ولا ريب ان ما فيه المصلحة أو المفسدة انما هو الفعل غاية الامر اما لا مصلحة أو لا مفسدة في الفعل غير الصادر عن الاختيار، أو انه من جهة عدم امكان التكليف بما لا يطاق، يكون المتعلق هو الفعل الصادر عن الاختيار، لا الاختيار نفسه، وعليه فإذا اختار شرب الخمر ولم يشربه لما اوجد المنهى عنه، فالحق ان الموضوعات هي الاشياء بوجوداتها الواقعية. واما الكلام في الجهة الثانية وهو انه قد يدعى حرمة الفعل المتجرى به يملاك الجرثة على المولى: واستدل له بان تعلق القطع بحرمة فعل، أو بموضوع معلوم الحرمة كالخمر، يوجب قبح ذلك الفعل، والقطع بحسن عمل بوجب حسنه، فبضميمة قاعدة الملازمة، يحكم بحرمته في الاول، ووجوبه في الثاني فهنا دعويان. الاولى ان القطع بقبح فعل أو حسنه من الوجوه المقبحة أو المحسنة الثانية ان قبح الفعل يستتبع حرمة شرعية، وحسنه يستتبع وجوبا شرعيا، اما الدعوى الاولى فقد مر الكلام فيها في المقام الثاني وعرفت انها تامة، والكلام في المقام في خصوص الدعوى الثانية. فقد اورد عليه المحقق النائيني (ره) بما حاصله ان الخطاب المدعى استكشافه بقاعدة الملازمة ان كان مختصا بالمتجرى ومن خالف قطعه للواقع، فمضافا الى انه تخصيص بلا وجه بعد اشتراك القبح الفاعلى بين صورة المصادفة للواقع، والمخالفة له، يكون غير ممكن، لان الالتفات الى الموضوع مما لا بد منه والمتجري لا يعقل ان يلتفت الى انه متجر لانه الالتفات يخرج عن كونه متجريا، فتوجيه الخطاب على وجه يختص بالمتجرى لا يمكن، وان كان الخطاب على وجه يعم صورة المصادفة والخالفة، بان ينهى عن هتك المولى مثلا، فهو ايضا لا يمكن لاستلزامه اجتماع المثلين دائما في نظر القاطع، وان لم يلزم ذلك في الواقع لان النسبة بين حرمة الخمر الواقعي، ومعلوم الخمرية، هي العموم من وجه، وفي مادة الاجتماع يتاكد الحكمان: إذا القاطع يرى قطعه مصادفا للواقع فدائما يجتمع في نظره حكمان، وكل من هذين الحكمين لا يصلح ان

[ 32 ]

يكون داعيا ومحركا لارادة العبد بحيال ذاته ولا معنى لتشريع حكم لا يصلح الانبعاث عنه ولو في مورد، وفى مثل اكرام العالم واكرم الهاشمي مما تكون النسبة بينهما عموما من وجه كل من الحكمين يصلح للباعثية ولو في مورد الافتراق، وفى صورة الاجتماع يلزم التاكد، فلا مانع من تشريع هذين الحكمين، بخلاف المقام فانه لو فرض ان للخمر حكم ولمعلوم الخمرية ايضا حكم، فبمجرد العلم بخمرية شئ يعلم بوجوب الاجتناب عنه الذى فرض انه رتب على ذات الخمر فيكون هو المحرم الباعث للاجتن اب، والحكم الاخر المرتب على معلوم الخمرية، لا يصلح لان يكون باعثا، ويلزم لغوييه وليس له مورد اخر، يمكن استقلاله في الباعثية وذلك واضح بعد ما كان العالم لا يحتمل المخالفة. واضاف الاستاذ الاعظم الى ذلك، ان الحكم ان كان مترتبا على ما يشمل التجرى، والمعصية، كان جعل هذا الحكم مستلزما للتسلسل، إذا التجرى أو العصيان قبيح عقلا على الفرض، وقبحهما يستتبع الحرمة الشرعية، وعصيان هذه الحرمة، أو التجرى فيها ايضا، قبيح عقلا، والقبح العقلي مستلزم للحرمة الشرعية وهكذا الى ما لا نهاية له. ولكن يرد على المحقق النائيني (ره) انه في مورد الاجتماع، اما ان يكون جعل التكليف الثاني صحيحا لترتب الاثر عليه، أو لا يكون كذلك فان كان صحيحا فلا يفرق فيه، بين ان يتعلق التكليف به خاصا، أو بما يعمه، وان لم يكن صحيحا فلا يصح، ولو بان يتعلق بعنوان اعم منه، - وبعبارة اخرى - بما ان المانع عن التكليف الثاني المتعلق بعنوان الاجتماع حينئذ، مانع ثبوتى، وهو عدم امكان داعويته، فلا يصح ولو بان يتعلق بعنوان اعم، إذ امكان داعويته، في مورد الافتراق، لا يصحح التكليف في مورد الاجتماع كما لا يخفى. والحق انه في الموارد التى نلتزم فيها بالتأكد، لا فرق بين ان يكون النسبة بين العنوانين عموما من وجه، أو تكون عموما مطلقا، فانه في المورد الثاني ايضا يصح جعل التكليف الثاني، ولا يكون لغوا، إذ يمكن ان يكون العبد ممن لا ينبعث عن التكليف الواحد، وينبعث لو تعدد، لازدياد العقاب على المخالفة، والثواب على الموافقة، فعلى

[ 33 ]

هذا للمستدل ان يقول انه وان كان في نظر القاطع، مورد النهى عن الهتك ملازما دائما، لمورد يكون متعلقا لتكليف آخر، الا انه يكفى لجعل الحكم عليه تأكد داعى العبد ولا يكون جعله لغوا. اضف الى ذلك انه لو كانت النسبة بين الموضوع الواقعي كالخمر، وما علم كونه محرما، هي العموم من وجه، كما اعترف به (قده) من جهة ان العلم ربما يخالف الواقع، والواقع ربما لا يتعلق به العلم، لا تكون النسبة في نظر العالم هي العموم المطلق، إذ العالم وان لم يحتمل مخالفة قطعه الفعلى للواقع، الا انه يحتمل مخالفة بعض افراد قطعه له بل ربما يحصل له العلم بذلك كما لا يخفى وعليه فلا محذور في جعلهما حتى على مسلكه. واما ما افاده الاستاذ ففيه انه لا يوجد من المولى الانهى واحد متعلق بطبيعة الهتك، وهو يشمل الافراد المحققة به، ولا باس بانحلال النهى الواحد الى نواهى غير متناهية لانتهائها الى ايجاد واحد، مضافا الى انقطاعها بانقضاء زمان الامتثال وبترك فعل واحد، وهو ما نهى عنه اولا، مع انه ليس هناك الا هتك واحد ولا يوجب مخالفة المتعدد من التكاليف التى في مورد واحد، ازيد من هتك واتحد وجرئة واحدة. فالحق في الجواب عن قاعدة الملازمة، ان يقال بعد بيان مقدمات. الاولى: انه لا بد وان يكون لتكليف سواء كان في مورده تكليف اخر ام لم يكن وسواء كان دليله المثبت له حكم العقل، ام كان هو الكتاب السنة اثر، والا يكون جعله لغوا وصدوره من الحكيم محال. الثانية: ان التكليف المولوي يتاتى فيما يكون موجبا للثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة أو ازديادهما، والتمكن من التقرب الى المولى بالموافقة أو فيما يكون موجبا للتنجز والعذر كالتكاليف الواردة في مقام جعل الامارات والاصول العملية. الثالثة: ان العناوين القبيحة قسمان، الاول ما لا يكون له في نفسه ارتباط خاص بالمولى، كالظلم على الغير، الثاني ما يكون بنفسه مرتبطا به، كهتك حرمة المولى، والظلم عليه، ففى القسم الاول لو لم به النهى المولوي، لا وجه لعقاب المولى عليه من

[ 34 ]

حيث انه مولى، ولا يوجب بنفسه بعدا عنه، ولا يكون تركه موجبا للقرب إليه، واما في القسم الثاني فجميع هذه الاثار تترتب عليه فيصح عقوبته عليه، ويكون فعله مبعدا عنه، وتركه مقربا إليه، بل هو الملاك لترتب هذه الاثار هذه الاثار على التكليف، والا فهو بنفسه مع قطع النظر عن هذا الحكم العقلي لا يترتب عليه شئ من هذه الاثار. إذا عرفت هذه المقدمات يتبين انه لا يصح التكليف المولوي بعنوان هتك المولى، لان الاثار التى يمكن ان يترتب على الحكم الشرعي الذى يكون بدون ترتبها لغوا لا يصدر من الحكيم، كلها مرتبة على نفس الموضوع، فتعلق التكليف به يكون لغوا وبلا اثر، وصدوره من الحكيم محال. ولنا في الجواب عن هذا الدليل وجه آخر، وهو ان حكم العقل عبارة عن ادراكه لا غير كما مر غير مرة، وعليه فتارة فتارة يدرك العقل ما هو سلسلة علل الاحكام من المصالح والمفاسد، واخرى يدرك ما هو في مرتبة معلولات الاحكام الشرعية، كحسن الاطاعة وقبح المعصية إذ هذا الحكم من العقل فرع ثبوت الحكم الشرعي، والذى يكون مورد قاعدة الملازمة انما هو القسم الاول والمقام من قبيل الثاني فلنا دعويان. الاولى: ان قاعدة الملازمة تتم في الاول، دون الثاني، والوجه فيه ان العقل إذا ادرك مصلحة ملزمة غير مزاحمة بمفسدة في عمل الاعمال، أو مفسدة ملزمة غير مزاحمة بالمصلحة في فعل من الافعال، يعلم قطعا بجعل، الوجوب الشرعي في الاول والحرمة في الثاني، بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام الشرعية للمصالح والفاسد، وان الشارع الا قدس جعل لكل عمل حكما اما لزوميا أو غير لزومي، وهذا القسم من الحكم العقلي نادر ان وجد. واما إذا كان المدرك العقلاني من القسم الثاني فلا مورد لقاعدة الملازمة. الدعوى الثانية ان المقام من قبيل الثاني وهو واضح لا سترة عليه. تنبيهات الاول: انه قد استدل لحرمة لافعل المتجرى، به بوجهين آخرين احدهما الاجماع،

[ 35 ]

الثاني الاخبار. اما الاول: فقد ادعى جماعة الاجماع على ان ظان ضيق الوقت إذا اخر صلاته عصى وان انكشف بقاء الوقت، وتعبيرهم بظن الضيق انما هو لبيان ادعى فردي الرحجان، وايضا ادعى الاجماع على ان سلوك طريق مظون أو مقطوعه معصية، ولو انكشف الخلاف، فلو فاتت الصلاة في السفر الكذائي، لا بد من القضاء تماما ولو بعد انكشاف عدم الضرر. ولكن يرده مضافا الى ما مر من ان محل الكلام في التجرى، هو القطع الطريقي المحض فلو تم الاجماع يكون الظن أو القطع بنفسه موضوع الحكم فيكون اجنبيا عن المقام. مع انه يمكن منع الاجما على العصيان حتى في صورة كشف الخلاف، لان وظيفة المفتى ليس الا تعيين الوظيفة حين العمل وهو حين حصول الظن والخوف فيحكم بحرمة التاخير، وان المكلف لو اخر يكون عاصيا، ولا يجوز السفر مع الخوف ويعد سفره معصية، واما انه لو تجرى وانكشف الخلاف، فهل هو عاص، ام لا ليس وظيفة المفتى بيانه. واما الاخبار فقد دلت الاخبار على العقاب نية المعصية، وبازائها روايات تدل على عدم العقاب عليها، فقد جمع بينهما، بحمل الاولى على نية المعصية مع الجرى على طبق ما نوى، وحمل الثانية على النية المجردة، ومن الحكم بترتب العقاب يستكشف الحرمة. ويرد عليه ان الجمع المذكور تبرعي لا شاهد له، ولعل الاولى حمل ما دل على نفى العقاب على العفو، وعدم فعلية العقاب، وما دل على ثبوته على الاستحقاق، نظير ما ورد في العفو عن الظهار، وعن الصغائر إذا اجتنب الكبائر فتأمل - مع - انه من ترتب العقاب في امثال المقام مما يكون الموضوع له ارتباط خاص بالمولى الذى يكون العقاب من آثار نفس الموضوع لا يستكشف الحرمة كما هو واضح، هذا كله مضافا الى ان عنوان الهتك والتجرى غير قابل لتعلق النهى المولوي به، فلو تم الاجماع و الاخبار

[ 36 ]

لا بد من تأويلهما. اصف الى ذلك ان الرويات الدالة على ترتب العقاب ما بين ما هو ضعيف السند وما هو قاصر الدلالة، راجع الوسائل ابواب مقدمات العبادات. التنبيه الثاني: هل المتجرى يكون فاسقا، ام لا ؟ ام يفصل بين التجرى في الكبائر، وبين التجرى في الصغائر، والاول يوجب الفسق دون الثاني. والحق يقتضى ان يقال انه ان فسرنا العدالة، بملكة باعثة على فعل الواجبات وترك المحرمات مطلقا، يكون المتجرى فاسقا مطلقا، لانه به يستكشف عدم الملكة، وانه لارادع له عن المعصية، كما انه ان فسرناها بملكة باعثة على عدم مخالفة المولى في الكبائر تعين التفصيل المزبور، وان فسرناها بفعل الواجبات وترك المحرمات لم يكن المتجرى فاسقا لانه لم يرتكب الحرام. التنبيه الثالث: افاد صاحب الفصول (ره) ان قبح التجرى لا يكون ذاتبا، بل يختلف بالوجوه والاعتبار ولذلك تقع المزاحمة بين محبوبية الفعل في الواقع، إذا قطع بحرمة ما هو واجب واقعا، فربما يتساويان، وربما يكون ملاك الوجوب اقوى، فالتجري حينئذ مضافا الى عدم قبحه يكون حسنا، وربما يكون ملاك قبح التجرى اقوى فيكون قبيحا. والحق ان يقال انه تارة يقع البحث فيما افاده لعى القول بعدم حرمة الفعل المتجرى به وكونه فقط، واخرى يقع البحث على القول بحرمته، اما على الاول فما بتوهم مزاحمته للقبح امران - الاول - حسن الفعل ان كان واجبا - الثاني - وجوبه، اما الاول: فهو لا يصح للمزاحمة: لان العنوان الحسن، أو القبيح، ما لم يلتفت إليه ولم يقصد، لا يوجب حسن الفعل أو قبحه، وحيث ان المتجرى لا يرى حسن الفعل فلا يقصد العنوان الحسن فلا يصلح ذلك لمنع تأثير ما يقتضى القبح وهو عنوان التجرى والهتك. واما الثاني: فلانه لا منافاة بين الوجوب الواقعي وقبح الفعل لدخوله تحت عنوان قبيح، والوجوب الواقعي لفرض عدم الالتفات لا يعقل ان يؤثر في رفع قبح الفعل. واما على الثاني: فالظاهر تعارض الوجوب الواقعي والحرمة الثابتة بواسطة القطع بحرمته: لان متعلق الوجوب هو الفعل وهو ايضا متعلق للحرمة لانطباق العنوان المتعلق للحرمة عليه، فيلزم الضدين فيدخل في باب التعارض، ولبيان ما تقتضيه القاعدة

[ 37 ]

في امثال المقام محل آخر. الموضع الثالث في القطع الموضوعي قد مر ان القطع طريق بذاته من دون جعل جاعل، وهو قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله ولا يضاده، وقد قسم الشيخ الاعظم هذا القسم من القطع أي القطع الموضوعي الى قسمين باعتبار ان القطع قد يكون مأخوذا في الموضوع بنحو الصفتية، وقد يكون مأخوذا على وجه الطريقية. اقول يقع الكلام في مقامين. الاول: في بيان المراد من اخذه على وجه الطريقية ملاحظته من حيث انه طريق معتبر - وبعبارة اخرى - ملاحظة الجامع بين القطع وساير الطرق المعتبرة، والمراد من اخذه في الموضوع على وجه الصفتية، ملاحظته حيث انه كشف تام. وفيه: ان الظاهر هو تقسيم القطع بما هو قطع وممتاز عن غيره الى القسمين، واخذه فيه بما انه من مصاديق الطرق المعتبرة، مع قطع النظر عن كشفه التام، يكون قطع النظر عن حقيقته، واخذ لغير القطع في الموضوع، وهو خلف. اضف الى ذلك ان الامارات تكون حينئذ من مصاديق ما اخذ في موضوع الحكم، ولا معنى للقول بانها تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية على ما افاده الشيخ الذى هو المقسم لهذا التقسم فلا يصح حمل كلامه عليه. وقد يقال كما في الكفاية ان القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الاضافة، ولذا كان العلم نورا لنفسه ونورا لغيره، فقد يؤخذ في الموضوع بما هو صفة خاصة بالغاء

[ 38 ]

جهة كشفه، وهذا معنى اخذه في الموضوع على وجه الصفتية، وقد يؤخذ فيه بما هو كاشف عن متعلقه وحاك عنه، وهذا معنى اخذه في الموضوع على وجه الطريقية. وفيه انه بما ان حقيقة القطع عين الانكشاف فلا يعقل اخذه في الموضوع مع الغاء جهة كشفه، فان حفظ الشئ مع قطع النظر عن جهة كشفه والغائها يكون قطع النظر عن حقيقته، ومعنى كون القطع والعلم ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره ليس ان له حيئيتين وجهتين فان ظهوره بنفسه عين مظهريته لغيره، بل معناه عدم احتياجه في الحضور الى حضور آخر. اضف الى ذلك ان اخذ القطع في الموضوع مع الغاء جهة كشفه عديم المورد في الشرعيات. وحق القول في المقام ان المراد من اخذه في الموضوع على وجه الصفتية، اخذه فيه بما انه مظهر لما تعلق به في النفس بلا نظر الى مطابقته للخارج، ومعنى اخذه في الموضوع على وجه الطريقية، اخذه فيه بما انه حاك عما في الخارج ومتعلق به، توضيح ذلك، ان العلم يشارك الوجود في كونه ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره، الا انه يفارقه في ان الوجود انما يكون مظهرا لماهية واحدة ولكن العلم مظهر لماهيتين، لانه اولا وبالذات مظهر لماهية في النفس وهى التى لا يعقل تحقق القطع بدونها لانه من الصفات الحقيقية ذات الاضافة، وتلك الماهية وان لم تكن معلومة بالذات الا انه يعبر عنها بذلك مسامحة، وثانيا وبالعرض يكون مظهرا لما في الخارج الذى يسمى بالمعلوم بالعرض، وهو الذى لا يكون ملازما للقطع، وقد لا يكون كما في ما إذا كان جهلا مركبا، ولا باس بتسمية المعلقين بالماهيتين، ويقال ان للعلم ماهيتين. فحينئذ قد يتعلق باخذ القطع في الموضوع من جهة تعلقه بالماهية المعلومة بالذات، ومثاله العرفي، ما لو نذر الوسواسى الذى لا يحصل له القطع بشئ، انه إذا قطع بشئ فعليه التصدق بدرهم، فانه لا ريب في ان نظره انما يكون الى ازالة مرضه المتوقفة على حصول هذه الصفة في النفس، ولا نظر له الى جهة تعلقه بما في الخارج،

[ 39 ]

وهذا هو المراد من اخذ القطع في الموضوع على وجه الصفتية، وقد يتعلق الغرض باخذه فيه من جهة تعلقه بالمعلوم بالعرض فيؤخذ في الموضوع بهذا اللحاظ وهذا معنى اخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقية. اقسام القطع واما المقام الثاني: وهو بيان اقسام القطع، فالظاهر ان المأخوذ منه في الموضوع ينقسم الى اربعة اقسام، إذ المأخوذ على الصفتية ينقسم الى قسمين، لانه اما ان يكون الموضوع هو هذه الصفة بلا دخل للواقع فيه ويؤخذ فيه كذلك، فيكون القطع تمام الموضوع، واما ان يكون الموضوع هذه الصفة مع كون الواقع ايضا دخيلا فيه فيكون القطع جزء الموضوع. و اما القطع المأخوذ على وجه الطريقية فلا يعقل فيه الاقسم واحد، إذ لا معنى لاخذه فيه بما انه تمام الموضوع بلا دخل للواقع، إذ معنى اخذه كذلك عدم النظر الى الواقع، ومعنى اخذه على نحو الطريقية كون النظر الى الواقع، فلا يمكن الجمع بينهما، وما افاده المحقق الخراساني من انه ايضا ينقسم الى قسمين - غير تام - فهذه ثلاثة اقسام. وهناك قسم رابع، وهو اخذه في الموضوع بما انه يقتضى الجرى العملي على وفقه، توضيح ذلك انه للقطع 1 - كونه ظاهرا بنفسه ومظهرا لما في النفس 2 - كونه مظهرا لما في الخارج 3 - كونه مقتضيا للجرى العملي على وقفه لانه الموجب والداعى لارادة العمل، مثلا العلم بوجود الاسد في الطريق يقتضى الفرار عنه واما نفس وجود الاسد، فهو لا يقتضى ذلك كما لا يخفى. فعلى هذا تارة يؤخذ القطع في الموضوع من الجهة الاولى، وقد عرفت انقسامه الى قسمين، واخرى يؤخذ فيه من الجهة الثانية، وثالثة يؤخذ في الموضوع من الجهة، الثالثة، فاقسام القطع المأخوذ في الموضوع، انما يكون اربعة فإذا انضم إليها ما هو طريق محض يصير خمسة.

[ 40 ]

ثم ان المراد من القطع الموضوعي هو المأخوذ في الموضوع واقعا ويكون دخيلا في ترتب الحكم، كالعلم المأخوذ في الركعتين الاولتين الاوليتين من الصلوات الرباعية، وركعات المغرب والصبح، ولذلك لو شك بين الواحدة والاثنتين مثلا، واتم الصلاة رجاءا ثم انكشف انه كان آتيا باركعتين كانت صلاته باطلة. لا القطع المأخوذ المأخوذ في لسان الدليل فقط مع ثبوت عدم دخله في الموضوع كما في قوله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود). قيام الامارات والاصول مقام القطع الموضع الرابع: وقع الكلام في قيام الامارات والاصول مقام القطع وملخص القول فيه بالبحث في مقامين، الاول في قيام الامارات مقام القطع، الثاني في قيام الاصول مقامه. اما المقام الاول: فلا ريب ولا كلام في قيام الامارات مقام القطع الطريقي المحض، إذ ثره انما هو تنجز الواقع عند الاصابة والعذر عند المخالفة وهما مترتبان قيامها مقامه مطلقا. الثاني: عدم قيامها مقامه كذلك اختاره المحقق الخراساني. الثالث: قيامها مقام القطع المأخوذ فيه على وجه الطريقية واما المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية فلا تقوم الامارات مقام اختاره الشيخ الأعظم (ره) وتبعه غيره من الاساطين ولعله الاظهر. فلنا دعويان. الاولى: عدم قيام الامارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية الثانية قيامها مقام القطع المأخوذ فيه على وجه الطريقية. اما الدعوى الاولى: فلقصور ادلة حجيتها في مقام الاثبات عن ذلك، إذ غاية ما يدل عليه دليل الحجية هو تتميم الكشف، والغاء احتمال الخلاف، وترتيب اثار الواقع على مؤداها، وبعبارة اخرى ترتيب اثار القطع من حيث الطريقية والكاشفية، واما الاثار

[ 41 ]

المترتبة على القطع من قطع النظر عن كاشفيته وطريقيته بل بما هو صفة خاصة نفسانية كبقية الصفات فلا نظر لدليلها إليها اصلا. وبذلك يظهر ان ما افاده المحقق الخراساني، من ان دليل التنزيل لو كان كافيا لتنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي والموضوع على وجه الطريقية لكان دليلا على قيامها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية من غير فرق، غير تام. واما الدعوى الثانية فيشهد بها اطلاق دليل الامارة فانه كما يدل على ترتيب اثر القطع العقلي على الامارة كذلك يدل على ترتيب اثره الشرعي. توضيح ذلك ان المجعول في باب الامارات، هو الطريقية والكاشفية التامة بالغاء احتمال الخلاف، ويعبر عن ذلك بتتميم الكشف، فمفاد دليل الامارة جعلها قطعا، فان شئت فعبر عنه بتنزيل الامارة منزلة القطع، ومرجعه الى التوسعة في القطع موضعا وجعل فر تعبدي له، وعليه فكما انه يدل على ترتيب اثر القطع العقلي أي اثر المقطوع على الامارة والمؤدى باعتبار انه بعد تتميم كشف الامارة يصير المؤدى منكشفا تعبدا، فيلزم ترتيب اثره، كذلك يدل على ترتيب اثر القطع الشرعي أي الحكم المأخوذ في موضوعه القطع، كما انه على اختاره المحقق الخراساني (ره)، من ان المجعول في باب الامارات هو المنجزية والمعذرية يكون مقتضى اطلاق الدليل ذلك. وما افاده (قده) في وجه عدم القيام بما توضيحه ان تنزيل شئ منزلة شئ آخر، يستدعى لحاظ المنزل، والمنزل عليه، ولحاظ الامارة والقطع في تنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي المحض، لا بد وان يكون آليا إذا الاثر مترتب على الواقع المنكشف بالقطع لا على نفس القطع، فيكون النظر في الحقيقة الى الواقع ومؤدى الامارة، ولحاظ الامارة والقطع في تنزيل المارة منزلة القطع الموضوعي يكون استقلاليا، إذا الاثر مترتب على نفس القطع فيكون النظر إليه حقيقة، وحيث ان الجمع بين التنزيلين في دليل واحد، مستلزم للجمع بين اللحاظين التنافيين، أي اللحاظ الالى والاستقلالي المتعلقين بملحوظ واحد في آن واحد، وهو غير ممكن، فلا بد وان يكون التنزيل بلحاظ احدهما، وحيث ان المستفاد من ادلة حجية الامارات يحسب المتفاهم العرفي هو لحاظ القطع طريقيا

[ 42 ]

فيتعين الاخذ به ما لم تقم على التنزيل من حيث الموضوعية. غير تام: لان المجعول في باب الامارات حيث يكون على مسلكه هو المنجزية والمعذرية، فلا يكون النظر في شئ من الموردين الى الواقع، بل في القطع الطريقي المحض ايضا يكون التنزيل بلحاظ اثر القطع نفسه، فلا محالة تكون اللحاظ استقلاليا، فلا يلزم من التنزيل منزلة القطع الطريقي والموضوعي على نحو الطريقية، الجمع بين اللحاظين المتنافيين، بل يلزم لحاظ واحد استقلالي وتنزيل واحد وهو تنزيل الامارة منزلة القطع: إذ لا يكون هناك تنزيل المؤدى منزلة الواقع فلا يكون هناك الا تنزيل واحد. نعم على القول بانه في باب الامارات يكون المجعول هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع يشكل قيامها مقام المأخوذ في الموضوع لان دليل الاعتبار لا يثبت العلم بالواقع ولو بالعناية والتعبد فلا وجه لقيامها مقامه. ودعوى: انه بعد ورود دليل الاعتبار يحصل العلم الوجداني بالواقع التعبدى، وهذا يكفى في ترتيب آثار العلم الموضوعي، مندفعة بان موضوع الحكم العلم بالواقع الحقيقي وتعميمه الى ما يشمل القطع بالواقع التعبدى يحتاج الى دليل مفقود، فعلى القول بجعل المؤدى يشكل الحكم بالقيام، ولكن على المسلكين الاخرين لا اشكال فيه، وسياتى الكلام في بيان ما هو الحق في اول مبحث الظن فانتظر. قيام الاصول مقام القطع واما المقام الثاني: وهو قيام الاصول مقام القطع، فقيام الاصل المحرز، مقام القطع الطريقي المحض واضح، حيث ان حكم الشارع بالبناء على وفق الحالة السابقة يستلزم المنجزية والمعذرية ويوجب ارتفاع موضوع قبح العقاب بلا بيان، واما القطع الموضوعي، فان كان ماخوذا في الموضوع بما هو صفة خاصة، أو بما انه طريق، لا يقوم مقامه إذا المجعول في الاصل المحرز ليس هو الطريقية، واما ان كان ماخوذا فيه بما انه

[ 43 ]

مقتض للجرى العملي يقوم مقام القطع. واما ساير الاصول العملية فغير الاحتياط الشرعي منها لا معنى لقيامها مقام القطع. اما البرائة العقلية، فلانها عبارة اخرى عن المعذرية، لا شئ نزل مقام القطع في ذلك. واما الاحتياط القعلى فالمنجز في مورده هو العلم الاجمالي، وانما الاحتياط في كيفية الاطاعة، لا انه منجز للحكم. واما البرائة الشرعية فهى ترخيص في الشئ بلحاظ عدم احراز الواقع، لا احراز عدم الواقع. واما الاحتياط الشرعي، فلا وجه لترك التكلم فيه من جهة منع الصغرى كما في الكفاية، إذا هو ثابت في الموارد الثلاثة على المشهور، مع ان عدم ثبوته عند الاصوليين لا يمنع من ذلك بعد كونه ثابتا عند الاخباريين رضوان الله تعالى عليهم. فالحق ان يقال، ان المجعول فيه ان كان هو التنجيز كما اختاره المحقق الخراساني فهو يقوم مقام القطع كما تقدم، ولكن الحق انه هو الحكم الذى لا مصلحة فيه سوى التحفظ على الواقع، حيث ان المولى لما كان له غرض لم يكن راضيا بتركه حتى في صورة الجهل، وكان يرى عدم داعوية التكليف في ظرف الجهل والاحتمال جعل هذا الوجوب تحفظا لذلك الغرض، وليس المجعول هو الحكم على تقدير المصادفة إذ بهذا النحو من الحكم لا يحفظ الواقع، فلا بد وان يجعل الحكم على جميع التقادير، وعلى هذا فلا وجه، لقيامه مقام القطع لعدم جعل الطريقية والكاشفية. ثم ان المحقق الخراساني (ره) بعد اختياره عدم قيام الامارات والاصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع قال وما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع والقطع وان دليل الاعتبار انما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدى منزلة الواقع وانما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما وتنزيل القطع بالواقع تنزيلا وتعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة لا يخلو من تكلف بل تعسف انتهى.

[ 44 ]

ولكن الوجه الذى ذكره في الحاشية، لا يتم، لا لما في الكفاية، بل لان الدلالة الملازمية، ان اريد بها دلالة الاقتضاء، فهى انما يكون فيما إذا كان الدليل مختصا بمورد خاص ولم يكن له اثر سوى هذا الاثر المترتب عليه، وعلى الجزء الاخر فمن باب عدم لزوم اللغوية يستكشف التعبد بالجزء الاخر ايضا إذا لم يكن وجدانيا، واما إذا كان الدليل مطلقا أو عاما شاملا لغير هذا المورد فمن الاول لا يختص بما إذا كان له اثر فعلى، ففيما كان الاثر مترتبا على الجزئين، لا يشمل الدليل احدهما وحده فلا يلزم اللغوية. توضيح ذلك انه ربما يترتب الاثر على الموضوع غير المركب - وبعبارة اخرى - يكون الموضوع شيئا واحدا نحو لا تشرب الخمر، وفى مثل ذلك إذا احرز الموضوع وجدانا أو تعبدا يترتب عليه الاحكم والاثر بلا توقف على شئ، وربما يترتب الاثر على الموضوع المركب كما في موضوع عدم تنجس الماء حيث انه مركب من المائية والكرية. وعليه، فإذا قامت الامارة على كلا جزئي الموضوع فلا كلام وان قامت على احدهما ولم يكن الجزء الاخر محرزا بالوجدان، فلا يمكن التمسك باطلاق دليلها لمثل هذه الامارة ثم اثبات الجزء الاخر بالملازمة، إذ شموله لها انما يكون متوقفا على ترتب الاثر عليها، والمفروض ان الاثر لا يكون مترتبا عليها مع فرض عدم ثبوت الجزء الاخر ولا يلزم من عدم شمول الدليل لها محذور فلا محالة لا يشملها، والمقام من هذا القبيل، لعدم اختصاص دليل حجية الامارة، والاستصحاب بالمورد الذى يكون القطع ماخوذا في الموضوع، نعم لو ورد دليل خاص على حجية خصوص هذه الامارة كما ورد خبر حفص في جواز الشهادة مستندة الى اليد لدل على ثبوت الجزء الاخر وهو العلم بالمشهود به بدلالة الاقتضاء صونا لكلام الحكيم عن اللغوية. وان اريد بها الدلالة الالتزامية المصطلحة، فيرد عليه انها تتوقف على التلازم البين بين المدلولين، وبديهى عدم التلازم بين جعل المؤدى منزلة الواقع وجعل القطع به منزلة المتعلق به هو العلم بكونه خمرا، كما ان العلم بكونه خمرا لا يستلزم كونه خمرا في الواقع فلا مورد للدلالة الالتزامية.

[ 45 ]

واضف الى ذلك ان اساس هذا التوجيه انما هو كون المجعول في باب الامارات والاصول هو المؤدى، وهذا مضافا الى منافاته لما التزم به في الكفاية من ان المجعول في باب الامارات هو المنجزية والمعذرية، فاسد من اصله لاستلزامه التصويب الباطل وعدم دلالة الدليل عليه في مقام الاثبات كما سيأتي تمام الكلام في ذلك في اول مبحث الظن. اخذ القطع بحكم في موضوع نفس الحكم الرابع: قال المحقق الخراساني في الكفاية الامر الرابع لا يكاد يمكن ان يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور ولا مثله للزوم اجتماع المثلين ولا ضده للزوم اجتماع الضدين نعم يصح اخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه أو مثله أو ضده انتهى. وتنقيح القول بالبحث في موارد. الاول: في اخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه. الثاني: في اخذه في موضوع ضده. الثالث: في اخذه في موضوع مثله - الرابع في اخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه، أو مثله، أو ضده. اما المورد الاول: فعن العلامة وغيره الاستدلال لامتناعه، بما في الكفاية من لزوم الدور. ولكن يرد عليه ان الحكم وان كان متوقفا على العلم لفرض اخذه في موضوعه، الا ان العلم لا يتوقف على شخص هذا الحكم بل على ماهية الحكم لاستحالة تقوم العلم بما هو خارج عن افق النفس، وليس العلم الا وجود الماهية في النفس، والوجود لا يقبل وجودا آخر. فالحق ان يستدل لامتناعه بوجهين آخرين. احدهما: لزوم الخلف في نظر المكلف، حيث انه يرى علمه كاشفا عن الواقع، والواقع منكشفا لديه، فيفرض قبل تعلق العلم حكما، ويرى علمه متعلقا به، فلو كان التكليف متاخرا عن العلم لزم الخلف في نظر المكلف، وان لم يكن العلم في الواقع متوقفا على المعلوم بالعرض.

[ 46 ]

ثانيهما: ما ذكره بعض المحققين، وهو ان فرض تعلق الوجوب مثلا بالعلم به فرض مدخلية العلم في المتعلق، وعدم كون المتعلق طبيعي فعل المكلف كالصلاة، وفرض العلم بوجوب الصلاة فرض تعلقه بطبيعيها وهما لا يجتمعان. ثم ان المحقق النائيني التزم بامكان اخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه بنتيجة التقييد - بدعوى - ان العلم بالحكم لما كان من الانقسامات الثانوية للحكم فلا يمكن ان يكون الدليل المتكفل لبيان الحكم مطلقا بالاضافة إليه ولا مقيدا بل يحتاج الى متمم الجعل وذلك المتمم ربما يوجب الاطلاق، وربما يوجب التقييد، كما في مورد الجهر والاخفات، والقصر والاتمام، حيث قام الدليل على اختصاص الحكم في الموردين بالعالم. وفيه: انه في مثل العلم والجهل كون المتمم بنحو الاطلاق، بمعنى عدم مدخيلة العلم والجهل ممكن، واما كونه بنحو التقييد، بمعنى مدخلية نفس العلم، فهو غير ممكن: إذا الخلف الذى ذكرناه يكون مانعا ثبوتيا ولا يفرق فيه بين ان يكون الدليل المتكفل لبيانه واحدا ام متعددا كما لا يخفى، نعم كونه بنحو التقييد بمعنى ملازمة العلم لعنوان ومدخلية ذلك العنوان فيه امر ممكن، وعلى هذا يحمل، ما دل على اختصاص حكم في مورد بالعالم به. اخذ القطع بحكم في موضوع ضده واما المورد الثاني: وهو اخذ القطع بحكم في موضوع ضده، كما إذا ورد الدليل على حرمة صوم يوم لو قطع بوجوبه، فقد يقال انه لا يلزم منه اجماع الضدين: لان من شرائطه وحدة الموضوع، وفى المثال يكون الوجوب متعلقا بالصوم والحرمة متعلقة به بما هو مقوطع الوجوب فيكون الموضوع للحكمين متعددا بحسب الجعل. ومع ذلك يكون ذلك ممتنعا ايضا لعدم امكان الجمع بينهما في مقام الامتثال لعدم امكان الانبعاث نحو عمل والانزجار عنه في آن واحد، ومع عدم امكان امتثالهما

[ 47 ]

مع لا يصح تعلق الجعل بهما من المولى الحكيم لهذه لجهة. ولكن تحقيق لزوم اجتماع الضدين، لان الحرمة في المثال، وان تعلقت بالصوم بما هو مقطوع الوجوب الا ان الوجوب متعلق به مطلقا يشمل ما لو تعلق القطع بوجوبه، فيلزم اجتماع الضدين في فرض العلم بالوجوب. اخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مثله واما المورد الثالث: وهو اخذ القطع بالحكم في موضوع مثله، فقد استدل لامتناعه باستلزامه اجتماع المثلين. وفيه: ان القطع بالحكم ان لم يوجب حدوث مصلحة اخرى سوى المصلحة الموجودة في المتعلق المقتضية لجعل الحكم الاول، فعدم امكان جعل الحكم الثاني انما يكون مستندا الى عدم المقتضى لا الى وجود المانع، وان اوجب حدوث المصلحة فان بنينا على عدم امكان الجعل الثاني من جهة عدم ترتب الغرض عيله، ولزوم لغويته، كان عدم امكان الجعل مستندا الى لزوم اللغوية لا الى اجتماع المثلين، وان بنينا على امكانه وعدم لزوم اللغوية كما سنبينه فاجتماع المثلين، لا يكون مانعا لانه يلتزم بالتأكد كساير موارد التاكد. والحق في المقام ان جعل الحكم الثاني، لا يكون لغوا إذ النسبة بين متعلقي الحكمين، وان كانت عموما مطلقا بما انه يترتب على الحكم الثاني اثر زيد وهو ازدياد العقاب والبعد بالمخالفة، وازدياد الثواب والقرب بالموافقة، ومن الممكن ان لا ينبعث العبد من تكليف واحد وينبعث من تكليفين بملاحظة ما ذكر فلا يكون جعل الحكم الثاني لغوا غاية الامر لا بد من الالتزام بالتأكد في صورة الاجتماع. وبما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق النائيني (ره) حيث التزم بانه لو كان بين العنوانين عموما من وجه، صح جعل كلا الحكمين، لان كلا من الحكمين يصلح لان ينبعث العبد منه ولو في مورد الافتراق، ففى صورة الاجتماع يلتزم بالتأكد. فلا مانع من

[ 48 ]

تشريع الحكمين بخلاف ما لو كان بينهما عموم مطلق إذ جعل التكليف الثاني الذى هو اخص موردا من الاول يكون لغوا لعدم قابليته، لان ينبعث عنه العبد ولو في مورد، ولا معنى لتشريع حكم لا يصلح الانبعاث عنه، و حيث ان القاطع بالحكم يرى قطعه مطابقا للواقع ففى نظره، تكون النسبة عموما مطلقا فلا الجعل لذلك. مع انه يرد عليه (قده) انه لو فرضنا استحالة جعل الحكم لما يكون متعلقا لتكليف آخر، لاجل عدم امكان داعويته، لا بد من الالتزام بعدم الامكان حتى فيما كانت النسبة بين الموردين عموم من وجه إذا التكليف الثاني بما انه في بعض موارد متعلقه لا يصلح للداعوية وانبعاث العبد عنه جعله بنحو الاطلاق، بنحو يشمله ايضا لغو ولا يصح بل لا بد من تقييده بمورد الافتراق - وامكان - داعويته في مورد لا يصحح التكليف لمورد لا يصلح لذلك فتدب. رولايتوهم، ان لازم ما اخترناه امكان تعلق الامر المولوي بالاطاعة، فانه يدفعه ما ذكرناه في محله من انه لهذا العنوان خصوصية لا يعقل تعلق الامر المولوي به. اخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه واما المورد الرابع: وهو اخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه، فقد التزم المحقق الخراساني (ره) بامكانه، ولكن سيأتي انشاء الله تعالى في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، ان هذا امر غير معقول، إذ كل ما اخذ في الموضوع في مقام الجعل لو تحقق يصير الحكم فعليا بلا توقف على شئ آخر ولو لم يتحقق لا يصير فعليا والالزم الخلف، فعدم دخل القطع في الانشاء، وعدم اخذه في الموضوع في مقام الجعل، ودخله فيه في مقام الفعلية مما لا يجتمعان. وان شئت قلت ان ما ذكره (ره) يبتنى على ما اسسه (ره) من ان للحكم مراتب اربعا من، الاقتضاء، والانشاء، والفعلية، والتنجز، واما بناءا على المسلك الحق من ان له مرتبتين مرتبة الجعل ومرتبة الفعلية فلا يتم: وذلك لان المراد من اخذ العلم بمرتبة من الحكم، ليس هو اخذ العلم بجعل الحكم لغير القاطع فانه ليس محل الكلام، بل المراد

[ 49 ]

اخذ العلم بجعل الحكم لنفس القاطع وهو يلازم العلم بالفعلية مثلا كون قوله تعالى (لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) جعلا لشخص القاطع يتوقف على صيرورته مستطيعا ومعه يصير فعليا فيعود محذور الدور أو الخلف. اخذ الظن في موضوع الحكم هذا كله في اخذ القطع بالحكم في الموضوع، واما الظن فملخص القول فيه، انه تارة يؤخذ في الموضوع على وجه الطريقية، واخرى يؤخذ فيه على وجه الصفتية، وعلى التقديرين، ربما يكون جزءا للموضوع، وربما يكون تمامه، وعلى التقادير قد يكون الظن معتبرا بجعل الشارع، وقد يكون غير معتبر. والكلام في امكان اخذ الظن بالحكم في موضوع نفسه هو الكلام في اخذ القطع به فيه دليلا ومختارا نقضا وإبراما. واما اخذ الظن بالحكم في موضوع حكم يخالفه كما إذا قال المولى إذا ظننت بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال يجب عليك التصدق، فان كان الظن تمام الموضوع، ترتب عليه وجوب التصدق كان الظن معتبرا أو غير معتبر، وان كان جزء الموضوع، والجزء الاخر هو الواقع، فان كان الظن معتبرا ترتب عليه الحكم ايضا فان احد جزئي الموضوع، وهو الظن محرز بالوجدان، والجزء الاخر وهو الواقع محرز بالتعبد الشرعي، وان كان الظن غير معتبر، فان قام امارة اخرى معتبرة، أو اصل معتبر على الواقع ترتب الحكم ايضا، والا فلا. واما اخذ الظن بحكم في موضوع حكم يماثله، فان كان الظن معتبرا، فان قلنا بان اخذ القطع بالحكم في موضوع حكم يماثله ممكن، ولا يلزم اجتماع المثلين، ويلتزم بالتأكد، فلا اشكال في جواز اخذ الظن فيه، وان قلنا بعدم امكانه، فالظاهر امكان اخذ الظن فيه ايضا لان المانع المتوهم في القطع وهو كون النسبة بين العنوانين عموما مطلقا في نظر القاطع لانه لا يحتمل مخالفة قطعه للواقع وان كان فاسدا، لا يجرى في الظن، لان

[ 50 ]

النسبة بين ثبوت الواقع والظن به عموم من وجه، ولو في نظر الظان، إذ الظن المعتبر وان كان علما تعبدا، الا انه يحتمل مخالفته للواقع وجدانا، ففى مورد الاجتماع يلتزم بالتأكد كما هو الشان في جميع موارد اجتماع العامين من وجه المحكومين بحكمين متماثلين. واختار المحقق النائيني (ره) عدم الامكان واستدل له بوجهين 1 - ان احراز الشئ لا يكون من طوارى ذلك الشئ بحيث يكون من العناوين الثانوية الموجبة لحدوث ملاك في الشئ غير ما هو عليه من الملاك 2 - ان الحكم الثاني لا يكون محركا لارادة العبد لان الانبعاث انما يتحقق بنفس احراز الحكم الواقعي المجعول على الواقع فلا معنى لجعل حكم آخر على ذلك المحرز. ولكن يرد على ما افيد اولا، انه اشكال يسرى الى جميع اقسام القطع والظن المأخوذة في الموضوع، والكلام في هذا البحث بعد الفراغ عن الامكان من الجهات الاخر، ويرد على ما افيد ثانيا ما تقدم من انه يمكن ان لا ينبعث العبد من حكم واحد وبنبعث من الحكم المؤكد الموجب الازدياة الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة وما شاكل من الاثار المخرجة للثاني عن اللغوية، مع انه (قده) التزم بامكان الجعل الثاني، إذا كانت النسبة بين العنوانين عموما من وجه، وقد مر ان النسبة بين العنوانين في المورد عموم من وجه. وان كان الظن غير معتبر فقد ذهب المحقق الخراساني الى امكان اخذه في موضوع الحكم المماثل، واستند في ذلك الى ما افاده في وجه امكان اخذ الظن بحكم في موضوع حكم ضده وستقف عليه وما يمكن ان يورد عليه. واما المحقق النائيني فقد اختار امكانه، وملخص ما افاده في وجه ذلك ان لازم اخذ الظن غير المعتبر لحاظه على وجه الصفتية إذ اخذه على وجه الطريقية، يستدعى اعتباره، وهو قد يؤخذ تمام الموضوع، وقد يؤخذ جزئه، ولا اشكال في كلا القسمين، اما في الاول: فلان النسبة تكون حينئذ العموم من وجه، وفى مورد الاجتماع يكون الحكم آكد، واما في الثاني، فربما يتوهم لغوية الحكم المماثل من جهة ان الحكم الاولى المجعول للواقع كالخمر محفوظ في حال الظن فجعل الحكم على الخمر المظنون لغو لا

[ 51 ]

اثر له، لكنه يندفع بانه يكفى في الاثر تأكد الحرمة في صورة تعلق الظن بالخمر، وتكون مثلا واجدة لعشرة درجات من المفسدة، بخلاف ما إذا لم يتعلق يه الظن، فانه يكون واجدا لخمس درجات، وربما لا يقدم الشخص على ما يكون مفسدته عشر درجات مع اقدامه على ما يكون خمس درجات، وهذا المقدار من الاثر يكفى. اقول ان ما افاده في المقام وان كان متينا جدا، الا انه ينافى ما ذكره في الظن المعتبر وما ذكر في غير موضع من، انه إذا كانت النسبة بين العنوانين عموما مطلقا، لا يصح جعل الحكم الثاني للزوم اللغوية، ولذلك اختار عدم جواز القطع بحكم في موضوع حكم يماثله. فان قلت انه يمكن ان يكون نظره الى الفرق بين موارد تنجز حكم العام كما في القطع وساير الموارد وبين المقام الذى يكون الحكم غير منجز، لفرض عدم اعتبار الظن، لان الحكم الاول لا يكون محركا فيصح جعل الثاني حينئذ. قلت ان هذا وان كان مطلبا دقيقا الا انه في المقام لا يمكن الالتزام لانه بما ان الظن في موضوع الحكم الثاني، اخذ جزء الموضوع وجزئه الاخر هو الواقع فحينئذ ان لم يعلم الواقع ولم يقم ظن معتبر على الواقع لا يكون الحكم الثاني باعثا أو زاجرا لعدم العلم به وان علم به ينقلب الموضوع فلا حكم، فلا محالة لا بد، وان يفرض في فرض تعلق الظن به قيام امارة معتبرة على ان المظنون هو الواقع، ليكون احد الجزئين ثابتا بالوجدان والاخر ثابتا بالتعبد حتى يكون الحكم الثاني صالحا للداعوية وفى هذا الفرض في المرتبة المتقدمة على هذا الحكم الحكم الاولى المترتب على العنوان العام لفرض قيام الامارة يصير فعليا ومنجزا ويكون صالحا للداعوية، وبالجملة في المورد الذى يكون الحكم الثاني صالحا للداعوية يكون الحكم الاول ايضا كذلك فتدبر فانه دقيق. واما اخذه في موضوع ضد ذلك الحكم، فان كان الظن مما ثبت اعتباره بالخصوص فالحق عدم الجواز: لانه حينئذ بضميمة دليل اعتبار الامارة يكون محرزا للواقع فجعل حكم آخر له يوجب اجتماع الضدين حقيقة في صورة المصادفة للواقع، وظنا مطلقا.

[ 52 ]

وان كان الظن غير معتبر فقد اختار المحقق الخراساني جوازه، من جهة ان المحذور المتوهم ليس الا اجتماع الضدين وهو مندفع بان الحكم الواقعي الذى تعلق به الظن لا يكون فعليا من جميع الجهات، بل العلم به دخيل في فعليته، وهذا النحو من الحكم لا ينافى مع الحكم المجعول للظن الذى يكون فعليا ليما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهرى والواقعي. وفيه: انه ستعرف من ان الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي انما يكون، من جهة ان الحكم الظاهرى سنخ حكم يجتمع مع الحكم الواقعي، وفى المقام يكون كلا الحكمين واقعيين فلا يمكن اجتماعهما وحيث ان اطلاق الحكم الواقعي شامل لصورة مصادفة الظن وتعلقه به، فيلزم عند المصادفة اجتماع الضدين وهو محال - وان شئت قلت - انه عند اجتماع العنوانين ووجود مصلحة ملزمة في الفعل باعثة الى جعل الوجوب ومفسدة حادثة بواسطة الظن به باعثة الى جعل الحرمة يتزاحم الملاكان، فان كان احدهما اقوى يكون هو المؤثر دون الاخر، ومع التساوى لا بد من الحكم بالاباحة فتحصل ان اخذ الظن بالحكم في موضوع ضد ذلك الحكم لا يمكن مطلقا. وجوب موافقة القطع التزاما الموضع الخامس: قال في الكفاية هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضى موافقته عملا يقتضى مواقفته التزاما والتسليم له اعتقادا وانقيادا كما هو اللازم في الاصول الدينية والامور الاعتقادية انتهى. اقول ان هذا البحث انما انعقد لبيان انه، هل يكون من ناحية وجوب الموافقة الالتزامية مانع من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي إذا كانت الاصول جارية في انفسها مع قطع النظر عن هذه الجهة، ام لا ؟ فالكلام يقع في جهتين، الاولى، انه هل تجب الموافقة الالتزامية ام لا ؟ الثانية، انه على فرض الوجوب هل يمنع ذلك عن جريان الاصول ام لا ؟ وقبل التعرض للبحث في الجهتين لا بد من بيان امرين.

[ 53 ]

احدهما: ان محل البحث في الجهة الاولى انه هل يكون لكل تكليف متعلق بعمل المكلف، اقتضائان، احدهما الموافقة العملية، وثانيهما الموافقة الالتزامية، ويترتب على المخالفة عملا، والتزاما عقابان، وعلى الموافقة كذلك ثوابان، وعند التكليف ثواب وعقاب، ام ليس له الا اقتضاء واحد. الامر الثاني: في بيان حقيقة الالتزام، وهى في غاية الخفاء بيانا وواضح دركا، والذى يمكن ان يقال، انه زايدا على الصورة الحاصلة للشئ عند النفس الذى هو القطع، والعمل الخارجي، للنفس شئ آخر نسبتها إليه نسبة التأثير والايجاد، ويكون هو فعلها، ويعبر عنه بالعلم الفعلى وذلك الشئ عبارة عن الالتزام وهو من جهة كونه نحوا من الوجود لا يمكن بيان حقيقته، الا انه مما يساعده الوجدان، ويشهد به قوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم " (1) حيث انه يدل على انهم انهم مع كونهم عالمين بنبوة نبينا (صلى الله عليه واله)، لم يكونوا منقادين له قلبا ولا مقرين بها باطنا، إذا عرفت الامرين فيقع الكلام في الجهتين. اما الجهة الاولى: فيمكن ان يستدل لعدم وجوب الموافقة الالتزامية بان التكليف إذا تعلق بفعل خارجي غاية ما يستكشف منه وجود مصلحة لازمة الاستيفاء في الفعل ويعلم منه ان الغرض من التكليف جعل ما يمكن ان يكون داعيا الى العمل الخارجي لاجل تحصيل تلك المصلحة الملزمة، فالعقل الحاكم في باب الامتثال انما يحكم بلزوم اتيان ما فيه المصلحة خاصة وهو الفعل الخارجي، فلا يقتضى التكليف الالتزام قلبا، ولعله الى هذا نظر صاحب الكفاية، حيث قال لشهادة الوجدان الحاكم في باب الاطاعة والعصيان بذلك. وكيف كان هذا الوجه لا يثبت عدم الوجوب حتى يعارض ما استدل به للوجوب لو تمت دلالته فالعمدة التعرض لادلة الوجوب فان لم يتم شئ منها يكون المرجع ما ذكرناه، فقد استدل له بوجوه.


1 - النمل / آية 14. (*).

[ 54 ]

منها: انه من مراتب شكر المنعم الذى هو واجب عقلا، وفيه انه لا دليل على وجوب شكر المنعم بكل ما يصدق عليه الشكر. ومنها: ادلة حرمة التشريع بدعوى انه لو علم الوجوب ولم يستند إليه تعالى بل استند الاباحة إليه يكون محرما ولا وجه لحرمته سوى وجوب الالتزام بالحكم المعلوم. وفيه: ان التشريع هو استناد ما لم يعلم انه من الدين إليه تعالى، وقد دل الدليل على حرمة ذلك، واما لو علم التكليف ولم يستند إليه تعالى لا هو، ولا غيره، فهو ليس من التشريع فلو ثبت وجوب الموافقة الالتزامية يكون عدم الاستناد موجبا للعقاب، والا فلا. ومنها: ادلة وجوب قصد القربة في العبادات فانه لا يكون الا مع التصديق بانه مأمور به فالالتزام يكون من لوازم وجوب الاتيان بالعبادة بداعي الامر، فيكون واجبا: بما دل على وجوب العبادة. وفيه، اولا: انه اخص من المدعى. وثانيا: ان مورد الكلام كما عرفت ثوبت اقتضائين لكل تكليف، وفى التعبديات، الالتزام، والعمل الخارجي، لا يكونان الا امرا واحدا، والامر يقتضيهما باقتضاء واحد، وكون الالتزام في مورد محققا لمقتضى التكليف ومتعلقه لا يوجب كونه ينفسه مطلوبا آخر. وثالثا: انه قد يؤتى بالعبادة من دون التزام اصلا كما لو علم بمحبوبية شئ ولم يعلم وجوبه واستحبابه فانه ياتي به بداعي الامر بلا قصد لخصوص الوجوب أو الاستحباب فتدبر. ومنها: استقلال العقل بقبح عدم الالتزام بما جاء به النبي (ص) من الاحكام لكشفه عن نقص العبد وانحطاط درجته لديه بخلاف ما لو التزم به فانه لكشفه عن كمال العبد وقربه الى ربه يكون حسنا. وفيه: ان وصول هذا الى حد اللزوم غير ثابت ويحتاج الى دليل مثبت له. ومنها: ما دل على وجوب تصديق النبي فيما جاء به من الاحكام. وفيه، اولا: ان مقتضى هذا الوجه تصديقه في الاحكام وغيرها بل في الاخبار ايضا، ولا يختص بالتكاليف اللزومية. وثانيا: انه انما يقتضى تصديقه فيما ثبت كونه من النبي (ص) باى نحو ثبت، اجماليا كان، ام تفصيليا ولا يقتضى وجوب الالتزام بكل

[ 55 ]

حكم تفصيلا وان لم يثبت ذلك كذلك. وثالثا: ان معنى تصديق النبي تصديقه ان ما ياتي به من الاحكام من قبل الله تعالى، وهذا يجتمع مع عدم الالتزام بما أو جبه الله تعالى. فتحصل انه لا دليل على وجوب الموافقة الالتزامية فالاظهر عدم وجوبها. واما الجهة الثانية: فان ثبت وجوب الموافقة الالتزامية، فان كان مقتضى الدليل وجوب الموافقة الالتزامية باحكام الله تعالى على النحو الثابت للمكلف، فهو لا يمنع من جريان الاصول: إذا الثابت انما هو وجوب احد الفعلين فيلتزم به كذلك، واجراء الاصول والحكم ظاهرا، باباحة كل واحد بعينه، لا ينافى ذلك فانه يلتزم باباحة كل منهما ظاهرا و وجوب احدهما واقعا، وان كان مقتضى الدليل هو الالتزام بكل حكم بشخصه، وعدم كفاية الالتزام الاجمالي، لزم سقوط وجوبها مع العلم الاجمالي: لعدم القدرة عليه، والبناء على كونه مخيرا في الالتزام باحدهما باطل، لاستلزامه التشريع المحرم، كما انه يلزم ذلك لو بنى على الالتزام بكل منهما بعينه كى بتحقق الالتزام الواجب كساير موارد تردد المكلف به فيها، أو على الالتزام باحدهما بالخصوص. فالمتحصل مما ذكرناه انه لا مانع من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي، وموارد دوران الامر بين المحذورين من ناحية وجوب الموافقة الالتزامية. ثم ان الشيخ الاعظم افاد في دفع محذور عدم الالتزام به، بل الالتزام بخلافه: بان الاصول تحكم في مجاريها بانتفاء الحكم الواقعي، فيرتفع موضوع لزوم الالتزام. واورد عليه في الكفاية بانه مستلزم للدور، وحاصل ما افاده ان جريان الاصول يتوقف على عدم المانع عنه، ومن جملة الموانع الاذن في المخالفة الالتزامية الذى، هو لازم التعبد بعدم الحكم المعلوم بالاجمال، لان ذلك قبيح فيكون مانعا، وعدم هذا المانع يتوقف على نفى الحكم الواقعي، كى لا يكون مقتض للموافقة الالتزامية ونفى الحكم الواقعي موقوف على جريان الاصل، فصحة جريان الاصول تتوقف على نفسها وكذلك عدم الحكم. ويرد على ان جريان الاصل، لا يتوقف على نفى الحكم، بل هو مفاد الاصل، ولا يلزم من نفى الحكم بالاصل الاذن في المخالفة الالتزامية المحرمة: لعدم حرمتها مع

[ 56 ]

نفى الحكم: لان الدليل المثبت لهذا التكليف أي وجوب الموافقة الالتزامية كساير ادلة الاحكام لا نظر له الى موضوعه، وهو الحكم، فهو لا يصح ان يكون مانعا عن الاصل النافي للموضوع. قطع القطاع الموضع السادس: حكى عن الشيخ الكبير عدم اعتبار قطع القطاع، والمراد من القطاع ليس من يحصل له القطع كثيرا لكونه بالملازمات في غالب الاشياء بالفراسة الفطرية أو الاكتساب، بل المراد به من يحصل له القطع من الاسباب غير العادية بحيث لو اطلع غيره عليها لا يحصل له القطع منها، في مقابل الوسواسى الذى لا يحصل له القطع من الاسباب العادية، وعلى هذا فان كان مراد الشيخ من قطع القطاع القطع الطريقي المحض فاشكاله واضح، لما مر من ان حجية القطع ذاتية لا تنالها يد الجعل اثباتا ونفيا. وان اراد منه القطع الموضوعي، فقد وافقه جماعة منهم الشيخ الاعظم، والمحقق الخراساني نظرا الى ان امره سعة وضيقا بيد المولى، فله ان يأخذ في موضوع حكمه قسما خاصا من القطع، وهو الحاصل من الاسباب المتعارفة العادية. ولكنه يندفع بان القطاع، وان كان يمكن التفاته الى ان نوع قطعه يحصل من سبب لا ينبغى حصوله منه الا ان شخص القطع الحاصل من السبب الخاص، لا يمكن ان يلتفت الى حصوله مما لا ينبغى حصوله منه، والا انقلب قطعه - وبعبارة اخرى - في كل قطع شخصي حين حصوله يرى انه حاصل من سبب ينبغى حصوله منه - وعليه - فلا فائدة في اختصاص الدليل، فلا مناص عن على الاطلاق، فالاظهر عدم امكان منع القطاع عن العمل بقطعه مطلقا، من غير فرق بين الاثار العقلية، والشرعية. القطع الحاصل من غير الكتاب والسنة السابع: المنسوب الى جملة من الاخباريين، عدم اعتبار القطع الحاصل

[ 57 ]

من المقدمات العقلية، وانكر المحقق الخراساني (ره) هذه النسبة، وافاد انهم في مقام منع الصغرى: فان بعضهم كالسيد الصدر، في مقام منع الملازمة بين حكم العقل والشرع، وبعضهم كالمحدث الاسترابادي في مقام بيان ان المقدمات العقلية لا تفيد الا الظن، فلا يجوز الاعتماد عليها، ولكن الشيخ الاعظم نقل في الرسائل كلمات جماعة منهم غير العلمين المذكورين، وهى صريحة في منع الكبرى. وكيف كان فتنقيح القول بالبحث في مقامين. الاول: في الصغرى وانه، هل يحصل القطع بالحكم الشرعي من غير الكتاب والسنة ام لا ؟ الثاني: في انه، هل يصح المنع عن العمل بالقطع الحاصل من غيرهما، ام لا ؟ ولنقدم الكلام في المقام الثاني. وقد ذكروا في توجيه كلام الاخباريين الظاهر في صحة المنع، وجوها. الاول: ما يظهر من الشيخ الاعظم (ره) وصرح به المحقق العراقى (ره) وهو انه يمكن ان يردع الشارع عن القطع الحاصل من غيرهما بان يقول ان القطع الحاصل عن تقصير المكلف في مقدمات حصول قطعه، لا يكون معذرا عند مخالته للواقع. وفيه: انه كما لا يعقل الردع عن منجزية القطع كذلك، لا يعقل الردع عن معذريته عند المخالفة، لانهما من لوازم القطع التى لا تنفك عنه، وقد مر في اول الكتاب انه لا يمكن النهى عن العمل بالقطع في كلا اثريه. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره)، وحاصله ان حيث لا يمكن اخذ العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم لاستلزامه الدور، ولا يمكن الاطلاق لان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فإذا امتنع احدهما امتنع الاخر، وحيث ان الاهمال النفس الامرى غير معقول فلا بد، اما من نتيجة الاطلاق أو نتيجة التقييد، إذ الملاك المقتضى لتشريع الحكم ان كان محفوظا في كلا الحالين، لا بد من الاطلاق، والا فمن التقييد، وحيث لا يمكن ان يكون الجعل الاولى متكفلا لبيان ذلك فلا بد جعل آخر، ليستفاد منه نتيجة الاطلاق أو نتيجة التقييد، فإذا دل دليل على اختصاص حكم بخصوص العالم كما في، الجهر والاخفات، والقصر والاتمام، نلتزم به، وإذا صح اخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوت الحكم، صح اخذ العلم بالحكم من وجه وسبب خاص مانعا عن ثبوت

[ 58 ]

الحكم، بحيث لا يحكم مع العلم به من ذلك السبب كما في باب القياس حيث قام الدليل على انه لا عبرة بالعلم بالحكم الحاصل من طريق القياس كما في رواية ابان في مسالة دية، الاصابع. وفيه، اولا: ما تقدم في مبحث اخذ القطع بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، من ان المانع انما هو في مقام الثبوت، لا في مقام الاثبات كى يرتفع بتعدد الدليل، ومضافا الى ما مر في مبحث التعبدى والتوصلى من ان استحالة التقييد لا تستلزم استحالة الاطلاق، بل لازمها ضرورية الاطلاق أو التقييد بضده، وحيث ان التقييد بالجاهل ايضا محال فيكون الاطلاق ضروريا، ان لازم ما افاده التصرف في ناحية المعلوم، وانه لا يحصل العلم بالحكم من غير الكتاب والسنة، مع ان صريح كلمات جماعة منهم عدم العبرة بالعلم بالحكم من غير هما، واما مسالة الجهر والاخفات، والقصر والتمام فليس الامر فيهما ما افاده من اختصاص الحكم بالعلم، بل المستفاد من الادلة اجزاء احدهما عن الاخر، واجزاء التمام عن القصر عند الجهل بالحكم على ما فصلناه في محله. الثالث: ان حكم العقل بوجوب اتباع القطع حكم تعليقي على عدم درع الشارع عن خلافه. وفيه: ما تقدم في اول الكتاب من ان حكمه تنجيزي لا تعليقي. الرابع: انه في العبادات التى يعتبر قصد القربة المنوط بالجزم بالامر الشرعي، للشارع ان يقيد القربة المعتبرة في المأمور به بالقرب الناشئ عن خصوص الجزم الناشئ عن الادلة السمعية لا مطلقا. وفيه: ان هذا وان كان ممكنا، الا انه لا دليل على هذا التقييد اولا، وهو اخص من المدعى ثانيا: لاختصاصه بالعبادات فتحصل انه لا يصح النهى عن العمل بالقطع الحاصل عن غير الكتاب والسنة. واما المقدم الاول: فملخص القول فيه ان الحكم العقلي على اقسام. الاول: ان يدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الفعل. الثاني: ان يدرك حسن فعل أو قبحه بمعنى ان يدرك فاعله المدح أو الذم. الثالث: ان يدرك امرا خارجيا

[ 59 ]

كاستحالة اجتماع النقيضين، ولكن بضميمة حكم شرعى إليه يستكشف حكما شرعيا في مورده. اما القسم الاول: فالحق مع المنكرين للملازمة بحسب الغالب، وذلك لعدم احاطة عقول البشر بملاكات الاحكام ومناطاتها: إذ لعل المصلحة المدركة مزاحمة بمفسدة في موردها، ولاجلها لا يصلح للمنشاية لجعل الوجوب، أو ان هناك مانعا آخر، عن جعل الوجوب، وعليه فلا يمكن استكشاف الحكم الشرعي، ولكن إذا فرضنا في مورد العلم بثبوت الحكم الشرعي فيه، قد مر انه ليس للشارع النهى عن العمل به. واما القسم الثاني: فادراك الحسن والقبح، انما يكون لدرك المصلحة والمفسدة، أو لامر الشارع ونهيه ولا ثالث، وعلى الاول يدخل في القسم الاول، وعلى الثاني لا يصلح للمنشاية لجعل الوجوب والحرمة لكونه في طولهما وقد تقدم تفصيل القول في ذلك فراجع. واما القسم الثالث: فاستكشاف الحكم الشرعي في لا ينكر مثلا يستكشف وجوب المقدمة من حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمته، بضميمة وجوب ذى المقدمة. بقى في المقام امر ان: الاول: انه قد يتوهم ان جملة من النصوص الكثيرة تدل على المنع عن العمل بالاحكام الشرعية ما لم يتوسط تبليغ الحجة اياها. ولكنه فاسد، فانها ما بين طوائف، الاولى ما تدل على المنع عن العمل بالقياس والاستحسانات والاعتبارات الوهمية كما عليه العامة. الثانية: ما يدل على اعتبار الولاية في صحة العبادات. الثالثة: ما يدل بظاهرها على اعتبار تبليغ الحجة في وجوب امتثال الاحكام - اما الطائفتان الاولييان، فهما اجنبيتان عن المقام كما هو واضح، واما الاخيرة فالجواب عنها - انه إذا استكشف الحكم الشرعي من حكم عقلي لا محالة يستكشف تبليغ الحجة اياها - لقوله (ص) ما من شئ يقربكم الى الجنة الخ، مع انه إذا استكشف الحكم الشرعي من دليل عقلي، تكون الحجة الباطنية، واسطة في ثبوت الحكم، مع انه لو سلم ظهور الاخبار في ذلك لا بد من رفع اليد عن ظاهرها بواسطة البراهين القطعية

[ 60 ]

القوية التي لا يمكن اثبات اساس الدين باقوي منها. الفروع التي توهم فيها المنع عن العمل بالمقطع الامر الثاني: في الفروع التي توهم فيها، المنع عن العمل بالقطع بالحكم والجواب الاجمالي في جميع تلك الفروع ان الحكم الذي نريد اثباته ويكون مخالفا للعلم ويلزم منه المخالفة العملية، ان كان حكما ظاهريا، لا يثبت لانه يكون في فرض الجهل بالواقع وان كان حكما واقعيا، فهو يوجب التخصيص في ذلك الدليل، نأير الدليل الدال على ثبوت حق المارة، فانه لا يصح ان يقال ان هذا الحكم مخالف لما علم من حرمة اكل مال الغير بغير رضاه، فانه يختص بغير هذا المورد، واما الجواب التفصيلي فهو بتوقف على بيان كل واحد منها. الاول: ما لو ادع شخص درهمين عند شخص، وادع الاخر عنده، درهما واحدا، فتلف احد الدراهم عند الودعي: فانهم حكموا بانه لصاحب الدرهمين درهم ونصف ولصاحب الدرهم نصف درهم، فلو انتقل النصفان منهما الى ثالث بهبة، ونحوها واشتري بمجموعهما ثوبا، فانه تفضيلا بعدم دخول الثوب بتمامه في ملكه لان بعض الثمن ملك الغير قطعا فلا يجوز الصلاة فيه ولا لبسه ولم يلتزم الاصحاب بذلك. واجيب عنه باجوبة. منها: ان الخبر الذي يكون مستند هذه الفتوى ضعيف السند ذكره الشهيد (ره) وفيه انه بعد افتاء الاصحاب بمضمونه لا مجال للمناقشة فيه سندا. ومنها: ان الامتزاج موجب للشركة ويوجب صيرورة كل جزء من الدراهم بينهما اثلاثا، فما سرق يكون من مالهما، لان من احدهما حتى يلزم المحذور المذكور. وفيه: ان الامتزاج في مثل المقام لا يوجب الشركة هو محرر في محله، مع ان لازم ذلك اعطاء درهم وثلث لصاحب الدرهمين وثلثي الدرهم، لصاحب الدرهم الواحد كما نسب الى العلامة (ره) الالتزام بذلك. ومنها: انه لا يكون الحكم في نفسه تاما. وفيه انه لا وجه له سوى ضعف سند

[ 61 ]

المدرك الذي عرفت ما فيه. ومنها: ان الدرهمين الباقيين احدهما لصاحب الدرهم قطعا فيعطى له، والباقي يحتمل ان يكون له، ويحتمل ان يكون لصاحب الدرهم الواحد، فيكون مالا مرددا بينهما لا بينة لاحدهما على كونه له، ولا يحلف على ذلك فمقتضى قاعدة العدل والانصاف التي هي من القواعد العقلائية التي امضاها الشارع، ويكون مبناها على تقديم الموافقة القطعية في الجملة والمخالفة القطعية كذلك على الموافقة والمخالفة الاحتماليين في باب الاموال هو تنصيفه بينهما. وفيه: لازم هذا الوجه هو جوار التصرف لكل منهما فيما اعطى له جوازا ظاهريا وعليه فلو اجتمعا عند ثالث، واشتري به ثوبا، فهو يعلم تفصيلا بعدم انتقال الثوب بتمامه إليه والحكم الظاهري لا يكون حجة مع العلم التفصيلي بالخلاف، ولازم ذلك عدم جواز التصرف فيه، ودعوي: انه بعد كون كل من النصفين مما يجوز تصرف من تحت يده فيه، لو انتقلا الى ثالث يجوز تصرفه فيهما واقعا لان جواز تصرف ذى اليد في المال ولو ظاهرا موضوع لجواز تصرف من انتقل إليه ذلك المال واقعا، فلا يحصل العلم لثالث بعدم جواز تصرفه في احدهما واقعا، مندفعة: بان قاعدة اليد ايضا من الامارات ولا يكون متكفلة لبيان حكم واقعي ولا توجب تبدل الواقع. ومنها: القول بكون ذلك من باب الصلح القهري فبالتعبد الشرعي، من باب الولاية، يدخل كل من النصفين في ملك واحد منهما، فكل يملك النصف واقعا فلا يحصل العلم المزبور لو اجتمعا عند ثالث. الفرع الثاني: لو اختلف المتبايعان في تعيين المبيع مع الاتفاق على الثمن، أو في تعيين الثمن مع الاتفاق، على المثمن مع عدم البينة فانهم ذكروا انه لو حلف احدهما فيحكم له وان تحالفا يحكم بالانفساخ، ورجوع كل من الثمن والمثمن الى ملك مالكهما فلو انتقل ما اتفقا على كونه احد العوضين أو انتقل، كل من ما وقع الاختلاف فيه الى ثالث واشتري بها شيئا فهو يعلم بعدم انتقاله إليه وعدم جواز تصرفه فيه مع انهم افتوا بالجواز.

[ 62 ]

وفيه: اولا ان اصل الحكم غير مسلم إذ لم يذكروا له مدركا سوى النبوى - المتبايعان إذا اختلفا تحالفا وترادا (1) وان مقتضى حلف كل منهما على نفى قول الاخر سقوط دعواه فيكون كان لم يقع عقد بينهما، ولكن يرد على النبوى مضافا الى، ضعف السند، وعدم الانجبار بالعمل، إذ لعل المشهورا استندوا الى وجه آخر: انه يلزم من العمل به تخصيص الاكثر لعمومه لجميع صور الاختلاف كما لا يخفى - واما الوجه الثاني، فيرد عليه اولا: ان الحلف لا يوجب فسخ العقد وانما يكون هذه القواعد قواعد ظاهرية محكمة في صورة الشك والجهل لا مع العلم. وثانيا: ان حلف كل منهما على نفس قول الاخر انما هو في التعيين، والا فهما متفقان على وقوع عقد بينهما فالساقط بالحلف هو التعيين، لا اصل العقد الذى هو معلوم ومتفق عليه. وثالثا: انه لو سلم الحكم بالانفساخ فان قلنا بانه بالتحالف ينفسخ البيع واقعا، ويرجع كل من العوضين الى مالكه فلا كلام، والا فنلتزم جواز تصرف الثالث فيهما. الفرع الثالث: لو علم شخس اجمالا بجنايته أو جنابة صاحبه صح له ان ياتم به في الصلاة، مع انه يعلم ببطلان صلاته لجنايته أو جنابة امامه. وفيه اولا: ان المشهور بين الاصحاب عدم جواز الاقتداء في الفرض وانما افتى جماعة منهم بالجواز، متمسكا بانها جنابة اسقط الشارع حكمها، وبصحة صلاة كل منهما شرعا، ولا دليل على اعتبار ما زاد على ذلك: وبانا نمنع حصول الحدث الا مع تحقق الانزال من شخص بعينه، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الثاني من فقه الصادق وبينا فساد هذه الوجوه، وان الاقوى هو عدم الجواز. وثانيا: انه لو سلم جواز الاقتداء يمكن ان يقال ان جوازه الاقتداء واقعا يتوقف على احراز الامام صحة صلاته، ولو ظاهرا وان احرز المأموم فسادها، وعليه فلا يحصل العلم المزبور كما لا يخفى. الفرع الرابع: لو اختلفنا في ان تمليك العين الخارجية كان بالهبة، أو بالبيع، ولم يكن لاحدهما بينة، وتحالفا قالوا، يرد العين الى مالكها الاول مع العلم التفصيلي


1 - سنن البيهقى ج 5 ص 333. (*)

[ 63 ]

بخروجها عن ملكه. وفيه: اولا انه إذا كان احد الاحتماليين كونه هبة جائزة لا يلزم من الرد العلم المزبور، بل يعلم بكونه ملكا له، اما على فرض كونه هبة جائزة فلكون نفس انكاره لها رجوعها، واما على فرض كونه بيعا فلامتناع المشترى من اداء الثمن، فيكون البايع بالخيار فاخذه العين رد للبيع، فهو يرجع الى ملكه على كل تقدير، وان كان احد الاحتمالين كونه هبة لازمة فحيث ان احد الاحتمالين كونه بيعا وله الخيار في فسخه يحتمل صيرورته ملكا له بالرد فلا يحصل العلم المزبور. وثانيا: انا لا نسلم هذا الحكم من رأسه، بل يقدم قول المدعى الهبة لاصالة البرائة فالحلف وظيفته، فلو حلف ينتقل المال إليه من دون عوض، ولو نكل يحلف صاحبه ويحكم له. وثالثا: لو سلمنا الانفساخ بالتحالف نقول ان التحالف يوجب الانفساخ القهري كان في الواقع بيعا أو هبة. الفرع الخامس: لو اقر بعين لشخص ثم اقربها لشخص آخر، قالوا - يعطى نفس العين للاول ويغرم للثاني قيمة العين، فيعلم اجمالا بعدم مالكية احدهما لما تحت يده - فلو انتقل منهما العين وقيمته الى ثالث واشترى بهما جارية يعلم تفصيلا بعدم انتقالها إليه فيحرم وطيها مع انهم لم يلتزموا به. وفيه: ان جواز تصرف الثالث فيهما وفيما جعل عوضا لهما مما لم يدل عليه آية ولا رواية فلا نلتزم به. الفرع السادس: لو تداعى رجلان عينا بحيث يعلم بصدق احدهما وكذب الآخر. قالوا: الحاكم يحكم بالتنصيف، ولازم ذلك جواز شراء ثالث لنصفين، مع انه يعلم تفصيلا بعدم انتقال تمام المال إليه من مالكه الواقعي. والجواب عن ذلك يظهر مما ذكرناه في الفرع الاول. كما انه يظهر مما ذكرناه في هذه الفروع الحكم في ساير الفروع المذكورة في الرسائل.

[ 64 ]

الموضع الثامن في العلم الاجمالي والبحث في العلم الاجمالي في مقامين، الاول في ثبوت التكليف وتنجزه به وعدمه، المقام الثاني في سقوط التكليف بالعلم الاجمالي بالعلم الاجمالي بعد الفراغ عن ثبوته مع امكان الامتثال التفصيلي. اما المقام الاول: فيقع البحث فيه في موردين. الاول: في ان العلم الاجمالي منجز بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية، فلا يجوز ترك المجموع من الاطراف في الشبهة الوجوبية، وارتكاب المجموع في الشبهة التحريمية ام لا ؟ المورد الثاني، في تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية وعدمه بمعنى انه يجب الاجتناب عن جميع الاطراف في الشبهة التحريمية والاتيان بجميع الاطراف في الشبهة الوجوبية، والبحث في كل من الموردين مبتن على احد طرفي الترديد في المورد الاخر، فان البحث عن وجوب الموافقة القطعية انما هو بعد الفراغ عن حرمة المخالفة القطعية، والا فمع القول بعدم حرمتها لا مورد للبحث في وجوب الموافقة القطعية، كما ان البحث عن حرمة المخالفة القطعية انما هو على القول بعدم وجوب الموافقة القطعية، والا فمع القول بوجوبها، لا يبقى مجال للبحث عن حرمة المخالفة القطعية وعدمها ولهذه الجهة لا يكون البحث في احد الموردين مغنيا عن البحث في الاخر. ثم ان مسألة تنجز العلم الاجمالي للحكم معنونة هنا وفى باب البرائة والاشتغال. وافاد الشيخ الاعظم (ره) ان المناسب في المقام هو البحث في المورد الاول، والمناسب لبحث البرائة البحث في المورد الثاني إذ البحث في المورد الثاني عن جواز ترك بعض الاطراف في الشبهة الوجوبية وارتكاب البعض في التحريمية، وليس في بعض الاطراف الا احتمال التكليف كما هو الحال في الشبهة البدوية، واما البحث في المورد الاول، وهو جواز ارتكاب المجموع في التحريمية وتركها في الوجوبية فهو بحث عن مخالفة العلم الاجمالي لان ثبوت التكليف معلوم.

[ 65 ]

والمحقق الخراساني (ره) يدعى ان المناسب في المقام هو البحث عن كون العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية، وحرمة المخالفة القطعية هل يكون بنحو العلية أو الاقتضاء، ثم بعد الفراغ عن كونه بنحو الاقتضاء بالنسبة الى كليهما، أو احدهما، يبحث في باب الاشتغال عن ثبوت المانع وعدمه. اقول الحق مع المحقق الخراساني إذا المناسب للبحث في المقام، هو البحث عن كل ما هو من شئون العلم، وفى باب الاشتغال البحث عن كل ما يكون من شئون الجهل كما هو واضح، وحيث انه في العلم الاجمالي كلتا الجهتين موجودتان ولا بد وان يبحث عن كلتيهما، ففى المقام يبحث عن كون العلم المخلوط بالجهل مقتض للتنجز، ام علة تامة له، وفي باب الاشتغال يبحث عن ان الشك المقرون بالعلم، هل يصلح بواسطة جريان الاصول ان يمنع عن التنجيز، ام لا ؟ ثم انه قد يتوهم التنافى بين ما ذكره المحقق الخراساني في المقام من ان العلم الاجمالي مقتض للتنجيز، وبين ما يصرح به في مبحث الاشتغال من كونه علة تامه له. ولكنه ناش من عدم التدبر في كلماته، ولتوضيح ما افاده في الموردين والجمع بين كلاميه، لا بد من تقديم مقدمة. وهى ان من جلمة كلماته، ان التكليف قد يكون فعليا من جهة، وقد يكون فعليا من جميع الجهات، ومراده من ذلك على ما يظهر من ما ذكره في بعض مباحث الكفاية، والتعليقة، وهو المنقول من مجلس بحثه، ان الغرض من التكليف قيد يكون بحد يوجب قيام المولى مقام البعث، وايصاله الى المكلف ولو بنصب طريق أو ايجاب الاحتياط، وفى مثل ذلك لا يجوز الترخيص في مخالفته، وقد لا يكون بهذا الحد، بل بحيث إذا وصل من باب الاتفاق لتنجز، وكان سببا لتحصيل الغرض من المكلف، وفى مثله يجوز الترخيص في خلافه وسد باب وصوله، فان كان التكليف على النحو الاول فهو فعلى من جميع الجهات، وان كان على النحو الثاني فهو الفعلى من جهة، هذا في مقام الثبوت. واما في مقام الاثبات فان دل دليل خاص على كونه فعليا من جميع الجهات، كما في الابواب الثلاثة، الدماء، والاعراض، والاموال عند المشهور فهو، والا فمقتضى

[ 66 ]

اطلاق ادلة الاصول، الشامل لاطراف العلم الاجمالي كون الغرض من قبيل الثاني وكون الحكم فعليا من جهة. إذا عرفت هذه المقدمة يظهر اندفاع التوهم المذكور فانه في مبحث الاشتغال يصرح بانه علة تامة إذا تعلق بالتكليف الفعلى من جميع الجهات، واما كلامه في المقام، فهو فرع عدم احراز ذلك، فمن جريان الاصول يستكشف كون التكليف فعليا من جهة. هل العلم الاجمالي منجز للتكليف، ام لا ؟ وكيف كان فالبحث في كل من الموردين، أي البحث في حرمة المخالفة القطعية، ووجوب الموافقة القطعية في المقام يقع في موردين - الاول في ان العلم الاجمالي هل يكون منجزا للتكليف في الجملة ام لا ؟ - وبعبارة اخرى - هل العقل يرى العلم الاجمالي بيانا كالعلم التفصيلي كى لا يجرى معه قاعدة قبح العقاب بلا بيان ام لا ؟ الثاني في ان تأثير العلم الاجمالي في التنجز، هل هو بنحو الاقتضاء، أو العلية، بمعنى انه هل يمكن للشارع الا قدس ان يرخص في المخالفة القطعية أو الاحتمالية، ام لا ؟ فالكلام يقع في مباحث اربعة. المبحث الاول: في تأثير العلم الاجمالي في حرمة المخالفة القطعية وعدمه، وقد يقال انه يعتبر في حكم العقل بقبح المخالفة ان يكون المكلف عالما بالمخالفة حين العمل لعدم تحقق العصيان الا مع العلم بها، ولا يكفى في حكم العقل بالقبح احتمال التكليف حين الارتكاب، ولا حصول العلم بالمخالفة بعد ارتكاب الجميع، ولذا في الشبهات البدوية مع احتمال التكليف يجوز الارتكاب تمسكا باصالة البرائة، ولا مانع من تحصيل العلم بحرمة ما فعله بالسؤال أو بغير ذلك - وعلى الجملة العقل انما يستقل بقبح الاقدام على العمل إذا علم حينه انه مخالفة للمولى، واما الاتيان بامور يعلم بعد ارتكابها انه خالف المولى فيها، ويكون حين العمل شاكا في ذلك، فلا يستقل العقل بقبح الاقدام عليها.

[ 67 ]

وفيه: ان الشك في التكليف ان كان توأما مع عدم وصوله من حيث الصغرى، كما في الشبهات الموضوعية، أو الكبرى كما في الشبهات الحكمية، يكون مورد القاعدة قبح العقاب بلا بيان، وبها يرتفع موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، وذلك كما في الشبهات البدوية، فيجوز الارتكاب، ومع ذلك لا يبقى مورد لحكم العقل بقبح المخالفة، واما ان كان احتمال وجود التكليف في كل مورد مقرونا بالعلم الاجمالي بوجود الحكم في احد الطرفين، فلا محالة لا يكون مورد القاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل يكون مورد القاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل - وان شئت قلت، انه لا يعتبر في حكم العقل بقبح مخالفة التكليف، سوى وصول التكليف من حيث الصغرى والكبرى، ولا يعتبر فيه تمييز المتعلق عن غيره، ولذلك ترى انه لم يشك احد في حكم العقل بقبح النظر دفعة الى امرأتين يعلم بحرمة النظر الى احداهما، مع ان متعلق التكليف غير مميز، فإذا وصل التكليف بالعلم الاجمالي استقل العقل بقبح مخالفته، وان شئت فاختبر ذلك بمراجعة العقلاء فانك تراهم لا يفرقون، في قبح قتل ابن المولى بين ما لو عرفه بشخصه، وبين ما لو تردد بين شخصين، وهذا هو الفارق بين المقام والشبهات البدوية، وحاصله انه في المقام يكون مخالفة التكليف من ناحية العبد. وفى الشبهات البدوية يكون من ناحية المولى فتدبر. المبحث الثاني: ان العلم الاجمالي بالقياس الى حرمة المخالفة القطعية هل يكون بنحو العلية أو الاقتضاء فقد اختار المحقق الخراساني (ره) انه بنحو الاقتضاء، بدعوى ان الحكم الواقعي حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف ففى كل طرف ليس الا احتمال وجود التكليف، فمرتبة الحكم الظاهرى معه محفوظة، وموضوع الاصول متحقق، فيجوز للشارع الاذن بمخالفته، ومحذور مناقضته مع المقطوع اجمالا، انما هو محذور مناقضة الحكم الظاهرى مع الحكم الواقعي، يرتفع بما يرتفع به هذا المحذور في الشبهات غير المحصورة، بل في الشبهات البدوية لاستلزام جعل الحكم الظاهرى، فيها احتمال الجمع بين الضدين، وبديهى ان احتمال الجمع يبن الضدين كالقطع به محال، والمحال مقطوع العدم، دائما، فما به التقصى عن المحذور في تلك الموارد كان به

[ 68 ]

التقصى في المقام، وعلى الجملة المقتضى للاذن موجود، وهو الشك في كل مورد والمانع مفقود لما يجمع به بين الحكم الظاهرى والواقعي. اقول يرد عليه امران. الاول: انه في الشبهات البدوية، انما يلتزم بجواز الاذن وجعل الحكم الظاهرى: نظرا الى الحكم الواقعي، حيث لا يكون واصلا فلا يلزم العقل بلزوم اتباعه، وحرمة مخالفته، ومثل هذا الحكم لا يكون مضادا مع الحكم الظاهرى، واما في المقام فالمفروض وصول الحكم الواقعي، وحكم العقل بوجوب اتباعه، وحرمة مخالفته، وهذا لا يلائم مع الحكم الظاهرى، واما في الشبهات غير المحصورة فيجئ في محلة انشاء الله تعالى ان القدر المتيقن من موردها، ما إذا لم يكن العلم الاجمالي منجزا اما لخروج بعض اطرافه عن محل الابتلاء، أو لغير ذلك من موانع التكليف، واما ما افاده (قده) في وجه الجمع من عدم كون الحكم الواقعي فعليا من جميع الجهات مع عدم العلم به تفصيلا، وعليه التزم في المقام بامكان جعل الترخيص في كل من الاطراف فيجئ في محله انه غير معقول لابتنائه على دخالة العلم في فعلية الحكم مع عدم اخذه في مقام الجعل. الثاني: ان المحذور ليس منحصرا في المناقضة كى يتم ما ذكره (ره) بل في المقام محذور آخر، وهو لزوم الترخيص في المعصية والاذن في الظلم. توضيح ذلك يتوقف على بيان امور. الاول: انه قد تقدم في مبحث التجرى، من ان ملاك استحقاق العقاب، هو الظلم على المولى، وعرفت ايضا انه انما يتحقق فيما لو وصل تكليف المولى. الثاني: ان الحاكم، بذلك هو العقل، لا الشرع. الثالث: ان محل الكلام هو ما لو تعلق العلم بالتكليف الفعلى والا فالعلم التفصيلي لا يوجب تنجزه فضلا عن العلم الاجمالي. الرابع: ان العناوين القبيحة ذاتا لا من باب انطباق عنوان آخر عليه كالظلم، لا يمكن ان يطرأ عليه ما يرفع قبحه. الخامس: انه لا فرق في حكم العقل بان مخالفة التكليف ظلم بين كونه واصلا بالعلم التفصيلي أو الاجمالي. إذا عرفت هذه المقدمات تعرف ان العلم الاجمالي بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية، انما يكون بنحو العلية، ولا يعقل ثبوتا الترخيص في كلا الطرفين لانه مستلزم

[ 69 ]

للعذن في الظلم، مضافا الى ان الترخيص في كلا الطرفين مستلزم لنقض الغرض من التكليف، إذا الغرض من الامر جعل الداعي ومن النهى جعل الزاجر، والترخيصان مناقضان لذلك. فتحصل، ان الاظهر كونه بنحو العلية بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية. المبحث الثالث: في ان العلم الاجمالي بالنسبة الى الموافقة القطعية، هل يكون له اقتضاء لوجوبها، ام لا ؟ لا ريب في اقتضائه له، لفرض وصول الحكم، فانه يحكم بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الواصل - وان شئت قلت - ان مقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل لزوم الموافقة القطعية، لاحتمال وجود التكليف الواصل في كل طرف فلا يجرى قبح العقاب بلا بيان. المبحث الرابع: في ان العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية، هل هو بنحو العلية كما عن المحقق الخراساني إذا كان الحكم فعليا من جميع الجهات، ام هو بنحو الاقتضاء كما عن الشيخ الاعظم والمحقق النائيني وغيرهما. وقد استدل للاول بوجهين، الاول: ما افاده المحقق الخراساني، وهو ان احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما محال فبما انه يحتمل وجود التكليف الفعلى في كل طرف فلا يصح الترخيص فيه. وفيه: انه يرد هذا الوجه ما يجمع به بين الحكم الظاهرى والواقعي، وثبت في محله عدم التنافى بينهما، ولذا ذكرنا في وجه عدم جواز الترخيص في المخالفة القطعية انه مستلزم للترخيص في المعصية. الوجه الثاني: ما افاده المحقق العراقى (ره) وحاصله انه لا شبهة في ان العلم الاجمالي يوجب تنجز الحكم الواقعي بما له من الوجود الخارجي لا بوصف انه معلوم - وبعبارة اخرى - ما يتنجر انما هو الحكم بنفسه لا صورته الذهنية، وحيث انه يحتمل انطباقه على كل طرف ففى كل من الاطراف يحتمل ثبوت التكليف المنجز وعليه فيكون مورد القاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لا قبح العقاب بلا بيان. وفيه، اولا: النقض بموارد رخص الشارع في المخالفة الاحتمالية، كما في مورد اشتباه القبلة، إذ مقتضى العلم الاجمالي هو الصلاة الى الجوانب بحد يقطع بالصلاة الى

[ 70 ]

القبلة ولكن الشارع المقدس رخص في ترك الموافقة القطعية، اما بالاكتفاء الى الصلاة الى اربع جوانب، أو الاكتفاء بالصلاة الى جانب واحد كما هو المختار تبعا لجمع من الاساطين، وفى موارد قاعدة الفراغ والتجاوز، فان الشارع لم يرفع اليد عن التكليف الواقعي، ولذا لو انكشف الخلاف يجب الاعادة، ولكن في مقام امتثاله اكتفى بما يكون امتثالا احتماليا بل في جميع موارد الامارات على الطريقية الامر كذلك. وثانيا: الحل، وحاصله ان احتمال التكليف قد عرفت انه مع قطع النظر عن المؤمن يكون مساوقا لاحتمال العقاب، وليس معنى احتمال ثبوت التكليف المنجز الا ذلك، فكما انه في ساير الموارد لا يكون هذا الاحتمال مانعا عن جريان الاصل كذلك في المقام و - بعبارة اخرى - انه مع عدم احتمال العقاب لا تجرى الاصول العقلية والنقلية للزوم اللغوية، فمورد جريانها انما هو احتمل العقاب - فتحصل - ان الاظهر انه بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية يكون مقتضيا لا علة تامة فيمكن ان يرخص الشارع في تركها. جواز الامتثال الاجمالي واما المقام الثاني: وهو سقوط التكليف بالعلم الاجمالي بان يوافقه اجمالا، فلا بنبغى الاشكال في جواز الامتثال الاجمالي مع عدم التمكن من الامتثال التفصيلي، والا لانسد باب الاحتياط، مع انه في فرض عدم التمكن منه، اما ان يسقط التكليف، أو يكون مكلفا بما لا يطاق، أو يجوز الامتثال الاجمالي، والاول خلاف الفرض، إذ الفرض العلم بالتكليف والثانى محال، فيتعين الثالث. واما مع التمكن منه، فالكلام يقع تارة في التوصليات، وباب العقود والايقاعات، واخرى في التعبديات. اما في التوصليات فلا اشكال في كفايته إذ المقصود فيها تحقق المأمور به في الخارج كيفما اتفق، لان به يحصل الغرض، ويسقط الامر بتبعه، فلو احتاط، واتى بجميع المحتملات يحصل له العلم بتحقق المأمور به في الخارج، ويلحق بالتوصليات،

[ 71 ]

الوضعيات كالطهارة والنجاسة، فلو غسل المتنجس بما يعين طاهرين يعلم اجمالا، بان احدهما ماء والاخر مضاف، طهر بلا اشكال. وكذلك العقود والايقاعات فلو اتى بانشائات متعددة يعلم اجمالا بصحة احدها يكفى في تحقق المنشا وان لم يتميز عنده السبب المؤثر. ولكن استشكل جمع من الفقهاء منهم الشيخ الاعظم الانصاري، في الاحتياط في العقود والايقاعات، اما مطلقا كما عن جماعة منهم، أو في خصوص ما إذا كان التردد من ناحية الشروط المقومة، كالزوجية بالنسبة الى الطلاق كما عن جماعة آخرين، واستندوا في ذلك الى انه مستلزم للاخلال بالجزم المعتبر في الانشاء: إذ الترديد ينافى الجزم، ولذا لا يصح التعليق في الانشاء، وعلى ذلك بنى الشهيد (ره) في محكى القواعد، الجزم ببطلان عقد النكاح، فيما لو زوج امرأة يشك في انها محرمة عليه فظهر حلها، وكذلك لو خالع امرأة أو طلقها وهو شاك في زوجيتها فانه باطل وان تبين كونها زوجة، وكذا لو ولى نائب الامام قاضيا لا يعلم اهليته وان ظهر كونه اهلا فانه لا يصير قاضيا. ولكن الاشكال المذكور لا يرجع الى محصل وذلك لانه في باب العقود والايقاعات امور، احدها الاعتبار النفساني من قبل المنشئ نفسه، الثاني السبب الذى يكون مظهرا لذلك الاعتبار النفساني، الثالث امضاء الشارع لذلك، والجزم انما يعتبر في الامر الاول، فلو كان المعتبر مرددا في اعتباره، ومعلقا اياه على امر مشكوك فيه كما لو قال وهبتك هذا المال ان كنت ابن زيد مثلا، أو ان جاء زيد، مع التردد فيه، لم يصح لانه مردد في اعتباره ولا يدرى تحققه لفرض تعليقه على امر مشكوك الحصول، وهذا هو الترديد المنافى لقصد الانشاء جزما، اجماعا، واما موارد الاحتياط في العقود والايقاعات فلا ترديد في الانشاء بمعنى الاعتبار النفساني، من قبل المنشئ، بل هو جازم به، غاية الامر انه تردد في ان السبب الممضى هو هذا أو ذاك. وعلى الجملة فالجزم المعتبر انما هو بمعنى عدم التردد في الاعتبار النفساني المبرز باللفظ، وهو متحقق في موارد الاحتياط في العقود والايقاعات التى هي محل الكلام، مثلا من ينشا النكاح بجميع محتملاته جازم في ذلك الاعتبار النفساني، والتردد

[ 72 ]

انما هو في ان السبب الممضى هذا أو ذاك، وهو لا ينافى الجزم المعتبر في الانشاء هذا فيما إذا لم يكن التردد من ناحية قابلية المحل للاعتبار الشرعي، واما في ذلك المورد كما لو شك في كون امرأة محرمة عليه فزوجها فظهر حلها، فلو اعتبر زوجيتها مع الشك في ان الشارع امضاها ام لا ؟ فحيث لا تريد في اعتباره وهو جازم به، فلا مانع من صحته إذ التردد في الحكم الشرعي لا ينافى الجزم المعتبر في الانشاء، بل العلم بعدم امضاء الشارع لا ينافى الانشاء لانه اعتبار من قبل نفس المنشئ ولا ربط له بالامضاء الشرعي ولذا لو زوج امرأة معتقدا انها محرمة عليه لا يصح تزويجها، ثم انكشف حليتها يحكم بصحة النكاح المذكور. واما في التعبديات فمع عدم تنجز الواقع كما في الشبهة البدوية الحكمية بعد الفحص، والشبهة الموضوعية مطلقا، فلا اشكال ولا كلام في الاحتياط فيها. واما مع تنجز الواقع كما في موارد العلم الاجمالي والشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص، فربما يستلزم الاحتياط التكرار، وقد لا يستلزمه، وعلى التقديرين فقد يكون المعلوم بالاجمال أو المشكوك فيه استقلاليا كما في مورد دوران الامر بين القصر والاتمام، وقد يكون ضمنيا كما في مورد دوران الامر بين الجهر والاخفات في القرائة كما في ظهر يوم الجمعة، وعلى التقادير تارة يتمكن من الامتثال العلمي، واخرى يتمكن من الامتثال الظنى، وما لم يستلزم التكرار قد يكون اصل الطلب معلوما في الجملة، وانما الشك في الوجوب والاستحباب، وقد لا يكون معلوما لاحتمال الاباحة فها هنا مسائل. المسالة الاولى: فيما إذا كان الاحتياط مستلزما للتكرار وكان المعلوم بالاجمال استقلاليا وكان متمكنا من الامتثال العلمي، وفيها قولان، وفى الرسائل لكن الظاهر كما هو المحكى عن بعض ثبوت الاتفاق على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقف على تكرار العبادة انتهى. وقد استدل لعدم الجواز بوجوه، الاول: انه يوجب الاخلال بقصد الوجه المعتبر في العبادة، لامور 1 - الاجماع المحكى على ذلك. وفيه، مضافا الى عدم ثبوته، والى عدم ثبوت اجماع الفقهاء بما هم فقهاء: انه يحتمل بل يعلم استناد المجمعين الى الوجه العقلي

[ 73 ]

الذى سيمر عليك وما فيه 2 - ان حسن الافعال وقبحها انما يكونان مترتبين على العناوين القصدية فلو قصد العنوان الحسن يتصف الفعل به، والا فلا مثلا ضرب اليتيم إذا قصد به التاديب يكون حسنا، والا فلا، فما دام لم يقصد العنوان الخاص الذى به يصير الفعل حسنا لما اتصف به، وحيث ان المكلف لا يكون محيطا بالمصالح والعناوين التى بها يصير الفعل العبادي حسنا فلا بد من الاشارة الاجمالية إليه بالاتيان به بالعنوان الذى اوجبه الشارع، لكونه عنوانا اجماليا للعنوان الذى يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالحسن، فيعتبر قصد الوجه، لكونه قصد اللعنوان الحسن الذي لا يعنون الفعل الخارجي به الا إذا قصده. وفيه، اولا: أن منياتى بعملين يعلم بوجوب احدهما انما يقصد الاتيان بكل منهما باحتمال الامر الخاص، فعلى فرض كونه هو المأمور به، فهو قاصد للامر المتعلق به، وهو عنوان اجمالي للعنوان الحسن الذى يصير الفعل حسنا فالاحتياط غير مخل بذلك وثانيا: انه يكفى في الاشارة الى ذلك العنوان قصد القربة لان الامر لا يدعوا الا الى ما تعلق به. 3 - انه يحتمل دخل قصد الوجه في العبادة ولا يمكن نفى اعتباره باطلاق دليل العبادة لانه من القيود التى على فرض دخلها لا يمكن اخذها في المأمور به شرعا، ولا يمكن نفيه بالاصل بل المتعين هو الرجوع الى قاعدة الاشتغال واصالة الاحتياط، ولا مورد للبرائة. وفيه: مضافا الى ما تقدم في مبحث التعبدى والتوصلى، من ان هذه القيود التى لا يمكن اخذها في المتعلق لو احتمل دخلها في حصول الغرض، يصح التمسك بالاطلاق لنفى اعتبارها، وايضا يصح التمسك بالاصل لنفيه فراجع ما ذكرناه. انه على فرض عدم تمامية ما ذكرناه من صحة التمسك بالاطلاق، والاصل في خصوص مثل قصد الوجه، يصح التمسك بالاطلاق المقامى لاثبات عدم دخله: إذ القيد ان كان مما يغفل عنه العامة فعدم بيان المولى دخله، ولو بالاخبار بدخله في الغرض، دليل العدم سيما إذا كان مما تعم البلوى به وتكثر الحاجة إليه، فان عدم البيان حينئذ على فرض دخله في الغرض اخلال بالغرض، والحكيم لا يخل به فيستكشف من عدم البيان عدم دخله فيما يحصل به الغرض، وهذا هو حقيقة الاطلاق المقامى، فالاظهر عدم اعتبار قصد

[ 74 ]

الوجه. الثاني: ان الاحتياط يستلزم الاخلال بالتمييز ومراعاته لازمه، واستندوا في لزوم مراعاتها بالوجوه الثلاثة المتقدمة في قصد الوجه، وقد عرفت نقدها، فالاظهر عدم اعتباره ايضا. الثالث: ان التكرار لعب بامر المولى وعبث فلا يصدق عليه الامتثال. واجاب عنه في الكفاية بامرين. احدهما: انه ربما يكون لداع عقلائي. وفيه: ان الاشتمال على الغرض العقلائي لا يجدى في دفع المحذور لو سلم سراية اللعب الى نفس الامتثال فان المعتبر في العبادة قصد القربة واللعب، لا يوجب القرب فلا يصح التقرب به. ثانيهما: ما محصله ان اللعب والعبث لو كان، فانما هو في كيفية احراز الامتثال وتحصيل اليقين به واما الاتيان بما هو مصداق للواجب عدم تحقق الامتثال. الرابع: ما افاده المحقق النائيني (ره)، وحاصله ان الاطاعة في نظر العقل الذى هو الحاكم في هذا الباب لا يتحقق الا باتيان العمل، والانبعاث عن شخص امر المولى، وبعثه لا عن احتماله، وهذا المعنى غير متحقق في الامتثال الاجمالي، فان الداعي له نحو العمل في كل طرف هو احتمال الامر - نعم - مع عدم التمكن منه يكون الامتثال الاحتمالى اطاعة، فالامتثال الاجمالي انما يكون في طول الامتثال التفصيلي، ثم على فرض عدم استقلال العقل بذلك، لا ريب في عدم استقلاله بعدمه، فتصل النوبة الى الاصل، وهو الاشتغال، وان قلنا بالبرائة فيما إذا احتمل اعتبار مثل قصد الوجه: إذ الشك هنا في كيفية الاطاعة الموكولة الى حكم العقل لا فيما يمكن اعتباره شرعا. وفيه: ان حقيقة الاطاعة في نظر العقل ليست الا اتيان المأمور به بجميع قيوده، مضافا الى المولى وليس وراء ذلك للعقل حكم، وهو لا يحكم باعتبار شئ زايد فيه، ولا ريب في ان الاضافة إليه تتحقق بالاتيان بداعي احتمال الامر، فلو كان معتبرا فيه الاتيان به عن البعث الجزمى، لكان ذلك باعتبار من الشارع وحيث انه لا دليل عليه،

[ 75 ]

فالاصل يقتضى عدم اعتباره. مع ان اتيان الفعل باحتمال الامر انما ينطبق عليه عنوان الانقياد الذى هو من العناوين الحسنة بالطبع، فما لم يمنع عنه مانع يكون متصفا بالحسن، ولذا اختار هو (قده) ان الامتثال الاجمالي من وجوه الطاعة وانما منع في صورة التمكن من الامتثال التفصيلي، والمانع المتصور ليس الا امكان الامتثال التفصيلي، وهو لا يوجب تعنون الامتثال الاجمالي بالعنوان القبيح. مضافا الى انا لا يتصور اعتبار شئ في الطاعة بحكم العقل، وان لم يعتبره الشارع، إذ لو كان دخيلا في الغرض كان كقصد الوجه والقربة مما على الشارع بيانه، وان لم يكن دخيلا فيه لا معنى لاعتباره. فتحصل ان الاحتياط وان استلزم تكرار العمل يكون حسنا ولا موجب للمنع عنه مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي وبه يظهر الحال في ساير الموارد. ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا، عدم جواز الاحتياط لو استلزم تكرار العمل - يقع الكلام في المسائل الاخر. المسالة الثانية: ما إذا كان الاحتياط مستلزما لتكرار جزء العمل مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي، وغاية ما يمكن ان يقال أو قيل في وجه عدم جوازه امران. احدهما: انه يحتمل دخل قصد وجه الجزء، والمرجع في مثل ذلك هو قاعدة الاشتغال، وقد مر تقريبه والجواب عنه. ثانيهما: ما افاده المحقق النائيني من انه يعتبر الانبعاث عن البعث لا عن احتماله في صدق الطاعة وقد مر الجواب عنه. واما ما افاده قدس سره في وجه عدم جريان هذا الوجه في المقام من انه يكفى في صدق الطاعة الانبعاث عن البعث الشخصي المتعلق بمجموع العمل، ولا يتوقف على ان يكون المحرك نحو كل جزء من العمل الامر الضمنى المتعلق به. فيرد عليه ان الامر بالمجموع عين الامر بالاجزاء فعند الاتيان بكل جزء لا محالة يكون المحرك الامر الضمنى المتعلق به فإذا لم يكن متلعقه معلوما واراد التكرار

[ 76 ]

لا محالة ياتي بكل واحد بداعي احتمال الامر. واما ساير الوجوه من دعوى، اخلال الاحتياط بقصد الوجه. والمييز، وكون الاحتياط لعبا وعبثا، فلا تجرى في المقام، اما الاول، فلان دليل اعتباره لم يكن الا الاجماع غير الثابت في المقام إذ المشهور عدم اعتباره هنا. وما ذكره المتكلمون من ان حسن الافعال انما يكون، بالعناوين القصدية وحيث انها في العبادات غير معلومة، فلا بد من الاشارة الاجمالية إليها بالاتيان بها بقصد الوجه. غير جار في الاجزاء إذ قصد وجوب مجموع العمل يكفى في قصد ذلك العنوان الحسن، ولا حاجة الى قصد وجه الجزء، والجزء بما هو لا يكون معنونا بعنوان حسن مستقل كى يلزم قصده. وبما ذكرناه ظهر وجه عدم جريان الوجه الثاني، واما الثالث: فلان الاحتياط غير المستلزم لتكرار العمل لا يعد لعبا ولا مجال لتوهم عده كذلك. المسالة الثالثة: ما إذا لم يكن الاحتياط مستلزما للتكرار، فان كان التكليف استقلاليا وكان اصل الطلب معلوما، كما إذا شك في ان غسل الجنابة واجب نفسي أو مستحب كذلك، فالظاهر انه لا اشكال في الاحتياط باتيان المحتمل بداعي الامر المعلوم وجوده، ولا يكون هناك ما يوجب المنع عن الاحتياط سوى ما نشير إليه وستعرف ما فيه. وقد استدل للمنع بوجوه: 1 - الاجماع 2 - كونه مخلا بقصد الوجه والتمييز 3 - ان الانبعاث عن البعث المحتمل انما ينطبق عليه عنوان الاطاعة إذا لم يتمكن من الجزم بالامر، وقد مر الكلام في الجميع، ويضاف إليه انه لو سلم اعتبار قصد العنوان الخاص الذى يصير الفعل حسنا به لا ينحصر ذلك بقصد الوجه خصوصا بقصد خصوصية الوجوب، أو الاستحباب، بل يمكن الاشارة إليه بقصد الامر المحرز على الفرض. هذا كله في فرض التمكن من الامتثال التفصيلي العلمي، واما إذا لم يتمكن منه ودار الامر بين الاحتياط والامتثال التفصيلي الظنى، فتارة يكون الظن مما ثبت اعتباره بالخصوص، واخرى يكون مما ثبت الاكتفاء به بدليل الانسداد، وثالثة مما لم يثبت اعتباره.

[ 77 ]

اما القسم الاول: فهو ملحق بالعلم التفصيلي بناءا على ما هو الحق من ان المجعول في الامارة المعتبرة هو الطريقية والكاشفية، وان الحجة المعتبرة، علم بالتعبد، فعلى القول بعدم جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال العلمي التفصيلي لا بد من البناء على عدم جوازه مع التمكن من الامتثال الظنى وعلى القول بجوازه يجوز في المقام ايضا. نعم فرق بين العلم الوجداني والظن المعتبر، وهو انه مع العلم الوجداني لا مجال للاحتياط، لعدم احتمال الخلاف، وله مجال مع الظن المعتبر، فانه لا ينافى مع الاحتمال الوجداني الذى هو الموضوع للاحتياط. وعلى هذا وقع الكلام بين الاعلام في جوازه تقديم المحتمل على المظنون في صورة الاحتياط وعدمه، واختار المحقق النائيني (ره) الثاني، ونسبه الى الشيخ الاعظم، والسيد الشيرازي (ره)، حيث انه في مسألة دوران الامر بين القصر والتمام، لمن سافر الى اربعة فراسخ، ولم يرد الرجوع في يومه، اختار الشيخ تقديم التمام على القصر واختار السيد تقديم القصر على التمام، قال (قده) ان منشا ذلك الاختلاف فيما يظهر من الادلة هل هو التمام أو القصر، بعد اتفاقهما على الكبرى الكلية، وهى وجوب تقديم المظنون على المحتمل، فالشيخ يرى انه وجوب التمام فاختار تقديمه على القصر عند الاحتياط، واستظهر السيد منها وجوب القصر فاختار تقديمه على التمام. وكيف كان فقد استدل له بوجهين، احدهما ما افاده المحقق النائيني (ره)، وهو ان ذلك مبنى على تأخر مرتبة الامتثال الاجمالي عن الامتثال التفصيلي فانه على هذا لو اتى، اولا بالمحتمل فحيث انه يحتمل سقوط الامر، فلا مناص له عن اتيان المظنون بداعي احتمال الامر، وهذا بخلاف ما لو اتى به قبل الاتيان بالمحتمل. وفيه: مضافا الى ضعف المبنى كما مر، انه لا يتم البناء ايضا: إذ الاتيان بالمظنون انما يكون بداعي الامر الجزمى التعبدى الثابت بالحجة المعتبرة قدم أو اخر، فانه لو اتى بالمحتمل أو لا يكون مقتضى الادلة الخاصة بقاء الامر، فلا فرق بين التقديم والتاخير. ثانيهما: ما ذكره الشيخ الاعظم (قده) - وحاصله - انه لو اتى بما قامت الحجة المعتبرة عليه، اولا فيأتي به مع قصد الوجه، وهذا بخلاف ما لو قدم المحتمل، فانه

[ 78 ]

لاحتمال سقوط الامر لا مجال لقصد الوجه. وفيه: مضافا الى ما تقدم من عدم اعتبار قصد الوجه انه لا فرق بين التقديم والتاخير كما عرفت في جواب المحقق النائيني (ره). واما القسم الثاني: فقد اختار الشيخ الاعظم تأخره عن الامتثال الاجمالي وتعجب من المحقق القمى (ره) حيث انه بنى على حجية مطلق الظن من باب دليل الانسداد، ومع ذلك ذهب الى تقديم الامتثال الظنى على الامتثال الاجمالي. وملخص القول في هذا القسم انه لو كانت نتيجة المقدمات هي حجية الظن عليه المتوقفة على بطلان الاحتياط للاجماع أو لغيره، فحكمه حكم الظن الخاص، ولا فرق بينهما الا في الكاشف عن الحجية والدليل عليها، وان كانت نتيجتها هي الحكومة التى حقيقتها، تضييق دائرة الاحتياط، ومن مقدماتها عدم وجوب الاحتياط، لا وجه لتقديم الامتثال الظنى على الاحتياط كما لا يخفى، والمحقق القمى (ره) حيث يكون قائلا بالكشف، ومصر عليه لا بالحكومة فعلى القول بتقديم الامتثال التفصيلي على الامتثال الاجمالي، يتم ما ذكره (ره)، وايراد الشيخ الاعظم (ره) عليه في غير محله. وبما ذكرناه يظهر الحال في الظن غير المعتبر، وانه لا وجه لتقديمه على الامتثال الاجمالي كما هو واضح هذا تمام الكلام فيما يتعلق بمباحث القطع. والحمد لله اولا وآخرا

[ 79 ]

المقصد السابع الامارات

[ 81 ]

المقصد السابع في الامارات المعتبرة شرعا - وبعبارة اخرى - في بيان ما يكون من الطرق الناقصة معتبرا شرعا أو قيل باعتباره وان شئت فعبر بالظن، وكيف كان فقبل الدخول في المباحث لا بد من التعرض لجهات. الاولى: لا شبهة في ان الظن ليس كالقطع في كون الحجية من لوازمه، بل ثبوتها له، ولكن طريق ناقص يحتاج الى الجعل الشرعي، إذ القطع بالحكم كما مر وصول للحكم ومخالفة التكليف الواصل ظلم على المولى وخروج عن رسم العبودية وذى الرقية وقبح الظلم واستحقاق اللوم من العقلاء والعقاب من الشارع عليه من الاحكام العقلية العملية الضرورية، واما الظن بالحكم وكذا الطريق الناقص إليه بما انه ليس وصولا له فالحكم على محجوبيته ومجهوليته فمخالفته لا ينطبق عليها عنوان الظلم والتعدى بل مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان - أي بلا وصول - المقتضية لعدم منجزيته للحكم - الا بجعل الشارع، غاية الامر ان الكاشف عن الجعل، قد يكون دليلا لفظيا، وقد يكون لبيا، وقد يكون مقدمات الانسداد على الكشف. واما ما افاده المحقق الخراساني من انه ربما تقتضي الامارة غير المعتبرة الحجية عقلا عند ثبوت مقدمات وطرو حالات وذلك بناءا على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة. فيرده ان مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة انما توجب حكم العقل بتضييق دائرة الاحتياط، وجواز الاكتفاء بالامتثال بالعمل وفق المظنونات تركا أو فعلا، فهو في

[ 82 ]

الحقيقة تبعيض في الاحتياط، لا ان الامارة غير العلمية تصير حجة، والا فلا مجال ان يحكم العقل بشئ لعدم كونه مشرعا بل شانه الدرك خاصة. ثم ان الظن كما لا يكون حجة لثبوت الحكم كذلك لا يكفى في سقوط التكليف. وفى الكفاية، وان كان ربما يظهر من بعض المحققين الخلاف، والاكتفاء بالظن بالفراغ ولعله لاجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل انتهى. والظاهر ان مراده ذلك البعض المحقق الخوانسارى حيث انه في مبحث الاستصحاب، قال إذا كان امر أو نهى لفعل الى غاية معينة فعند الشك في حدوث تلك الغاية لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال والخروج عن العهدة وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال انتهى، وربما كان فيرد على ما ذكره في وجه القول بالاكتفاء بالظن بالفراغ، من عدم لزوم دفع الضرر المحتمل، ان معنى وجوب دفع الضرر المحتمل انه ان صادف الواقع ترتب الضرر الذى هو العقاب في امتثال المقام، فلا معنى لعدم الوجوب بهذا المعنى، - وبعبارة اخرى - ان هذا الحكم ليس شيئا زايدا على موضوعه حتى ينكره احد، مع ان لازم هذا الوجه عدم وجوب تحصيل الظن بالامتثال، وكفاية الامتثال الاحتمالى ولا اظن ان يلتزم به احد، فالاظهر عدم اقتضاء غير القطع للحجية ثبوتا، ولا سقوطا. امكان التعبد بالامارة غير العلمية الجهة الثانية: في امكان التعبد بالامارة غير العلمية والظن، وليعلم انه ليس المراد بالامكان المتنازع فيه في المقام هو الاحتمال كما هو المراد منه في قولهم (كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان): لعدم كون الاحتمال محل النزاع لكونه امرا وجدانيا: ولعدم كون الامكان بهذا المعنى موردا للاثر فلا يناسب مع البحث الاصولي، ولا الامكان الذاتي وهو ما كان بالنظر الى ذاته لا اقتضاء بالاضافة الى الوجود والعدم، أي

[ 83 ]

ما ليس بذاته ضروري الوجود كالباري تعالى، ولا ضروري العدم كشريكه: إذ لم يتوهم احد كون حجية الظن بالنظر الى ذاته ضروري العدم. بل المراد به الامكان الوقوعى أي ما لا يلزم من فرض وقوعه اولا وقوعه محال. وقد اختار الشيخ الاعظم (ره) الامكان وعلله ببناء العقلاء على ذلك ما لم يجدوا ما يوجب الاستحالة. واورد على المحقق الخراساني بايرادات. الاول: منع كون سيرة العقلاء على ترتيب آثار الامكان عند الشك فيه. الثاني: عدم الدليل عى حجية هذه السيرة. الثالث: عدم الحاجة الى اثبات امكانه لعدم ترتب اثر عملي عليه. ولكن هذه الايرادات انما تتم إذا كان مراد الشيخ الاعظم (ره) ما فهمه المحقق الخراساني من كلامه من ان بناء العقلاء على الامكان عند الشك فيه وفى الاستحالة، وليس مراده ذلك، لانه بعد اسطر يصرح بخلاف ذلك - قال (قده) - (ان العقل لا يمكن له ادراك جميع المحسنات والمقبحات حتى يحكم بالامكان والامتناع) إذ مع عدم الاحاطة لا طريق للعقلاء الى الامكان ومعه لا معنى لبناء العقلاء عليه. بل مراده بتوضيح منا انه لو ورد من المولى، دليل ظاهر في حكم يحتمل العبد، عدم تمكنه من امتثاله واستحالته عليه، بناء العقلاء على الاخذ بدليل الوقوع، والبناء على الامكان حتى يثبت الاستحالة - وبعبارة اخرى - ان بناء العقلاء عملا يكون على ذلك عند الشك في الامكان والاستحالة، مع ورد دليل ظاهر في الحكم، فلو شككنا في امكان التعبد بالظن وورد دليل دال على حجية ظن خاص كخبر الواحد يتبع ذلك الدليل، وهذا متين جدا - فان شئت فاختبر ذلك من حال العبيد بالاضافة الى الموالى العرفية، فإذا قال المولى بعبده امش الى السوق واشتر اللحم، واحتمل العبد عدم قدرته على امتثال ذلك، فانه ليس للعبد ان يعتذر عن ترك التعرض للامتثال، باحتمال عدم القدرة بل العقلاء يذمونه، فيعلم من ذلك بنائهم على اتباع ظهور كلام المولى ما لم يثبت الاستحالة. ثم ان للمحقق النائيني (ره) في المقام كلاما، وهو ان المراد بالامكان في المقام،

[ 84 ]

ليس هو الامكان التكويني، بل المراد به الامكان التشريعي، المقابل للامتناع في عالم التشريع، إذ المحاذير المذكورة كلها راجعة الى عالم التشريع، والا فلم يتوهم احد ترتب محذور تكويني على التعبد بالظن، وعليه فلا ربط لذلك بالعقلاء كى يقال ان بنائهم على الامكان. اقول ينبغى ان يعد هذا الكلام من الغرائب، إذ الامكان والامتناع ليسا امرين اعتبارين كى يختلف الحال باعتبار شخص دون شخص بل هما امران واقعيان، بمعنى ان الخارج ظرف لهما لا لوجودهما، وانما الاختلاف يكون من ناحية المتعلق، وقد يكون المتعلق امرا تكوينيا وقد يكون تشريعيا، فالامكان والامتناع في جميع الموارد بمعنى واحد، فكما ان بناء العقلاء على الامكان في التكوينيات يكون بنائهم عليه في التشريعيات. مع انه لو سلم كون الامكان التشريعي غير الامكان التكويني، لا ارى محذورا في القول بان بناء العقلاء على ترتيب اثار الامكان في مقام العمل، وعدم طرح الدليل الدال على التعبد به بمجرد احتمال ترتب محذور عليه في عالم التشريع كما يقال بان بنائهم عليه في الامكان التكويني، وكون الامر في التشريعيات بيد غيرهم لا يصلح للمنع عن ذلك كيف، وهل يكون الامر في التكوينيات بيدهم ومربوطا بهم كى يقال انه لا ربط للتشريعيات بهم. ما توهم لزومه من التعبد بغير العلم من المحاذير وكيف كان فمن اختار، استحالة التعبد بالظن وبغير العلم، أو بطلانه وان لم يكن محالا، توهم لزوم محاذير من التعبد به. وقبل بيان تلك المحاذير ونقدها، لا بد وان يعلم ان الصور المعقولة في موارد التعبد بالظن ست، احداها عدم وجود الحكم في الواقع، ثانيتها، وجود الحكم الواحد سنخا في الواقع والظاهر معا مع كون متعلقيهما ضدين، ثالثتها وجود الحكمين مع وحدة

[ 85 ]

المتعلق، وكون الواقع هو الحرمة، والظاهر هو الوجوب، رابعتها عكس ذلك، أي كون الواقع هو الوجوب والظاهر هو الحرمة، خامستها، وجود الحكمين ووحدة المتعلق، مع كون الحكم الواقعي لزوميا، وجوبا كان، ام حرمة والحكم الظاهرى هو الترخيص، سادستها عكس ذلك أي كون الواقع ترخيصيا، والظاهر لزوميا. واما المحاذير التى توهم لزومها في هذا الصور، فثلاثة، الاول نقض الغرض، وهو يختص بالصورة الثالثة، والرابعة، والخامسة و تقريبه، انه إذا تعلقت الارادة الجدية بايجاد عمل، أو تركه، وتصدى المولى لذلك، بالامر، أو النهى يكون الامر بالعمل بالامارة غير العلمية المؤدية الى خلاف الواقع، باحد الانحاء المشار إليها نقضا منه لغرضه وهو من المستحيل حتى عند المنكرين للتحسين العقليين. والجواب عن ذلك: ان المولى إذا رأى في فعل مصلحة وغرضا مترتبا عليه، وكان ذلك الفعل فعل الغير، وكان الاثر مترتبا عليه في صورة اتيانه باختياره يحصل له غرض آخر، وهو جعل المحرك والداعى نحو الفعل فيأمر به لذلك، فالغرض من الامر، هو جعل المحرك والداعى نحو الفعل، وهذا الغرض ربما يكون جعل المحرم للعبد نحو الفعل واتفق العلم به، وربما يكون جعل الداعي والمحرك على كل تقدير أي حتى في صورة الشك والجهل، وهذا الاختلاف انما ينشأ من اختلاف المصالح الواقعية المترتبة على افعال العبيد في الاهمية، إذ المصلحة قد تكون بمرتبة من الاهمية تقتضي تصدى المولى لحصولها على جميع التقادير، وقد لا تكون بهذه الاهمية، بل بحيث لو علم العبد بامر المولى يتحرك نحوه، ومن الاختلاف في وجود المصلحة الجابرة، أو المزاحمة للفائتة، إذ ربما تكون في ظرف الجهل لعدم الاتيان بالفعل مصلحة جابرة لما فات أو مزاحمة له، وقد لا تكون، ففى صورة عدم اهمية المصلحة، وصورة الجبر أو التزاحم لا مانع من جعل حكم ظاهري على خلاف الواقع كما لا منع عن سكوته، وعدم جعل وجوب الاحتياط، ولا يلزم من ذلك نقض الغرض، وفى صورة الاهمية وعدم الجبر يلزم من جعله نقض الغرض. وحيث انه لا طريق لنا الى استكشاف كون الغرض من أي قسم من الاقسام فلا بد

[ 86 ]

من متابعة الدليل فمن ورود الدليل على جعل حكم على خلاف الواقع يستكشف كونها من قبيل احد الاولى دون الاخير فلا يلزم محذور نقض الغرض. المحذور الثاني المحذور الملاكى، وهو لزوم الالقاء في المفسدة فيما إذا كان الحكم الواقعي، هو الحرمة - وادت الامارة الى الوجوب أو الترخيص، وتفويت المصلحة فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب، وادت الامارة الى عدمه أو الحرمة، ويعبر عن ذلك - بتحليل الحرام - ولزوم الالزام بشئ من دون ان يكون فيه مصلحة الزامية فيما إذا كان الحكم الواقعي غير الزامي، وادت الامارة الى حكم الزامي، ويعبر عنه بتحريم الحلال. والجواب عن ذلك ان لهذا المحذور طرفين احدهما، تحريم الحلال أي الالزام بما هو مرخص فيه واقعا. والجواب عنه واضح، إذ الالزام بامور مباحة فيما إذا كان هناك ملاكات ثابتة في موارد مشتبهة، ولا يمكن للمولى التحفظ عليها الا بالالزام بعدة امور فيها ما لا ملاك فيه، وما فيه ذلك، لا محذور فيه، بل لا مناص الا عن ذلك، الا ترى انه لو علم المولى العرفي، ان في من يدخل عليه في اليوم المعين شخصا يهم بقتله وامر عبيده ان لا ياذنوا لاحد الدخول عليه، في ذلك اليوم تحفظا على عدم دخول ذلك الشخص، لا يرى العقلاء في ذلك محذورا بل يلزمونه بذلك - وبالجملة - الالزام بامر مباح تحفظا على غرض مهم لا محذور فيه حتى بناءا على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات: إذ التحفظ على ذلك الغرض المهم مصلحة ثابتة في جميع الموارد حتى في ذلك المورد الذى هو مباح واقعا. الطرف الثاني، تحليل الحرام، أي الالقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة. والجواب عنه انما هو باحد وجهين، الاول: ان المصلحة أو المفسدة الواقعية ليست بمرتبة من الاهمية كى يلزم تحصليها حتى في حال الجهل وعدم العلم به. الثاني: انه في فرض انسداد باب العلم حيث ان الامر يدور بين ان يهمل المولى عبيده فلا يصلوا الى الواقع اصلا فيلزم تفويت جميع المصالح والالقاء في جميع

[ 87 ]

المفاسد، و بين ان يتعبدهم بالعمل بالامارات غير العلمية فيصلوا الى الواقع في جملة من الموارد ويستوفون عدة من المصالح ويتحرزوا عن جملة من المفاسد، فيتعين التعبد بالعمل بها. واما في فرض انفتاح باب العلم، فان كانت الامارات غير العلمية اكثر اصابة الى الواقع من القطع أو الاطمينان الحاصل للمكلف فهذه الصورة ملحقة بالصورة الاولى، وان كان القطع أو الاطمينان اكثر اصابة من الامارات، فالتعبد بالامارات يمكن ان يكون لاجل ان الزم المكلفين بتحصيل العلم عسر على انوع ومناف لسهولة الشريعة فمصلحة التسهيل على النوع تقتضي التعبد بالامارات وتزاحم الملاكات الواقعية فمن التعبد بها يستكشف ان الشارع الا قدس قدم المصلحة النوعية العامة على المصالح الشخصية ولا قبح في ذلك. وقد اجاب الشيخ الاعظم (ره) عن هذه الشبهة بجواب آخر وتبعه غيره منهم المحقق النائيني (ره)، والاستاذ الاعظم، وهو الالتزام بالمصلحة السلوكية - بمعنى ان قيام الحجة يكون سببا لحدوث مصلحة في نفس السلوك بلا تأثير على المصلحة الواقعية أو استلزامه تبدل الموضوع، فما يفوت من المصلحة الواقعية بواسطة العمل على طبق الامارة عند المخالفة يكون متداركا بمصلحة السلوك، مثلا إذا قامت الامارة على وجوب الجمعة وكان الظهر واجبة في الواقع فان لم ينكشف الخلاف، يكون المتدارك مصلحة الظهر بتمامها، وان انكشف الخلاف بعد مضى الوقت يكون المتدارك مصلحة الوقت، وان انكشف بعد مضى وقت الفضيلة يكون المتدارك مصلحة فضيلة الوقت. وهذه السببية هي السببية التى ذهب إليها بعض العدلية في مقابل السببية على مسلك الاشعري الملتزم بانه لا حكم في الواقع مع قطع النظر عن قيام الطريق بل يكون قيامه سببا لحدوث مصلحة في المؤدى مستتبعة لثبوت الحكم على طبقها، والسببية على مسلك المعتزلي - الملتزم بان قيام الحجة من قبيل طرو العناوين الثانوية كالضرر موجب لحدوث مصلحة في المؤدى، اقوى من مصلحة الواقع، فان المصلحة على هذا المسلك انما تكون في السلوك لا في المتعلق.

[ 88 ]

اقول لا ريب في ان ما فيه المصلحة ليس هو العنوان مع قطع النظر عن تحققه، بل هو المتحقق في الخارج وهو الذى يكون ذا مصلحة فحينئذ ما له تحقق خارجي فيما إذا ادت الامارة الى وجوب ما هو حرام واقعا - مثلا - امور ثلاثة - الاول - امر المولى باتباع الامارة. الثاني: الالتزام بانه واجب. الثالث: العمل الخارجي، فان كان المراد من المصلحة السلوكية ثبوت المصلحة في الامر، ففيه انها غير استيفائية للمكلف حتى تدعو الى البعث وتوجب تلافى الفائت، مضافا - الى ان الفعل إذا لم يكن ذا مصلحة كيف يتعلق به التكليف، وان كان المراد ثبوتها في الالتزام، فمضافا الى انه لا وجه حينئذ للامر بالعمل لعدم المصلحة فيه لا يجب الالتزام كما حققناه في محله، وان كان المراد ثبوتها في العمل، ولو بان يكون ما فيه المصلحة عنوان آخر غير ذات الفعل منطبق عليه، أو الفعل المستند الى الامارة، يرجع ذلك الى التصويب والسببية على زعم المعتزلي، إذ لا محالة يقع بين ملاك الحكم الواقعي وهذه المصلحة الكسر والانكسار، فتصوير المصلحة السلوكية بنحو لا يرجع الى التصويب غير ممكن. فان قلت انه يمكن ان يتدارك الشارع المصلحة الفائتة باعطاء مقدار من المصلحة المصلحة السلوكية بنحو لا يرجع الى التصويب غير ممكن. فان قلت انه يمكن ان يتدارك الشارع المصلحة الفائتة باعطاء مقدار من المصلحة قلت ان ذلك يتم في الثواب لا في المصلحة الداعية الى الامر. الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري المحذور الثالث، المحذور الخطابى، وهو اجتماع المثلين. فيما إذا اصابت الامارة - واجتماع الضدين، فيما إذا اخطأت وادت الى غير ذلك الحكم مع وحدة المتعلق، وطلب الضدين فيما إذا اخطأت، وادت الى وجوب ضد الواجب، ولزوم التصويب ان التزمنا بعدم ثبوت الحكم الوقعي. وملخص القول في دفعه انما هو بوجهين، احدهما مختص بالطرق والامارات - ثانيهما - يعم موارد، الاصول، والامارات على القول بجعل الاحكام الظاهرية في مواردها.

[ 89 ]

اما الاول: فهو انه في باب الطرق ليس المجعول الا الطريقية والوسطية وتتميم الكشف، وعليه فمخالفة الطريق كمخالفة القطع له لا توجب التضاد وغيره مما اشير إليه. توضيح ذلك ان المجعول في باب الامارات والطرق ليس هو الحكم التكليفى كى تكون الحجية منتزعة عنه لما ذكرناه مفصلا في اوائل مبحث الاستصحاب من ان الاحكام الوضعية مستقلة في الجعل ولا تكون منتزعة عن حكم تكليفي، مضافا الى ان الحجية ليست من الاحكام التأسيسية بل هي من الاحكام الامضائية والشارع امضى ما عليه بناء العقلاء، ومن الواضح ان العقلاء لم يبنوا على جعل حكم تكليفي في موارد الامارات - مع - ان الحكم التكليفى ينعدم بالعصيان وليست الحجية كذلك. كما ان المجعول فيها، ليس هو التنجيز والتعذير، فان حسن العقاب على مخالفة التكليف وقبحه انما يكونان مترتبين على البيان وعدم البيان ومن لوازمهما غير القابلة للانفكاك، - وبعبارة اخرى - هما من الاحكام العقلية غير القابلة للتخصيص، فما دام لم يتصرف في الموضوع باعطاء صفة الطريقية للامارة لا معنى لجعل التنجيز والتعذير. وبالجملة في مورد الامارات غير العلمية بما ان موضوع حسن العقاب، وهو البيان والوصول غير موجود فما لم يتصرف الشارع فيها بجعل ما يكون موجبا لتحقق المقتضى للعقاب ليس للشارع جعل التنجيز والتعذير لانه تخصيص في الحكم العقلي. بل المجعول فيها الطريقية، أي ما للقطع بالانجعال وهو الطريقية والكاشفية التامة وتصير الامارة بذلك فردا اعتباريا للقطع، والبيان، والوصول. ودعوى ان اعتبار شئ يتصور على قسمين، الاول: ما يصير مصداقا حقيقيا للطبيعة بعد الاعتبار كالملكية. الثاني: ما لا يصير كذلك، والطريقية الاعتبارية من قبيل الثاني: إذ الامارة بعد اعتبار كونها علما لا تصير من مصاديق العلم حقيقة، وفى مثل هذا القسم لا بد وان يكون الجعل والاعتبار بلحاظ آثاره بخلاف القسم الاول فانه بعد صيرورته من مصاديق الطبيعة حقيقة بترتب عليه حكمها قهرا بلا احتياج الى لحاظ الشارع وجعله فاعتبار الطريقية لا بد وان يكون بلحاظ الاثر، وهو المعاملة مع المؤدى معاملة الواقع، فحينئذ لك ان تقول ان جعل المؤدى والمعاملة معه معاملة الواقع حيث انه

[ 90 ]

مقدم على جعل الطريقية إذ جعلها انما يكون بلحاظ جعل المؤدى، فلا محالة يكون اولى بالمجعولية منها، كما عن بعض الاساطين. مندفعة: بان اعتبار شئ في جميع الموارد من دون لحاظ الاثر لغو لا يصدر من الحكيم، بل في جميع الموارد الاعتبار يكون بلحاظ الاثر، ومن تلك الموارد اعتبار الطريقية، والاثر الذى بلحاظه نزل غير العلم من الاثار من قبيل صحة العقاب على المخالفة، فليس ذلك الاثر جعل المؤدى وتنزيله منزلة الواقع كى يصح ما ذكر، وتمام الكلام في محله، فعلى هذا لا حكم مجعول في باب الامارات والطرق كى لا يجتمع مع الحكم الواقعي. واما الوجه الثاني: فمحذور اجتماع المثلين، يدفع بان موضوعي الحكمين ان كانا طوليين غى المجتمعين في مورد واحد، فاين اجتماع المثلين، واما ان قلنا بان الحكم الظاهرى وان لم يكن في مرتبة الحكم الواقعي ولكن الواقع محفوظ في مرتبة الحكم الظاهرى فيلتزم بالتأكد. وبهذا البيان اندفع ايراد بعض الاعاظم على المحقق النائيني (ره) المتلزم بالتأكد في الجواب عن شبهة اجتماع المثلين، بان الواقع والظاهر في مرتبتين فكيف يمكن الالتزام بالتأكد، وجه الاندفاع انه على فرض الطولية لا يلزم اجتماع المثلين حتى يلتزم بالتأكد، والالتزام بالتأكد انما هو على فرض اجتماعهما في مورد واحد، الذى هو فرض الاشكال. ومحذور طلب الضدين يدفع بان طلب الضدين بهذا النحو أي بنحو لا يكون الحكم الواقعي محركا نحو الفعل أو الترك، ولا يلزم العقل بموافقته في ظرف فعلية الحكم الظاهرى لا محذور فيه - وبعبارة اخرى - ان طلب الضدين غير صحيح، من جهة عدم قدرة العبد على الامتثال، فإذا فرضنا ان وصول الحكم الواقعي مستلزم لارتفاع، موضوع الحكم الظاهرى، وفى فرض وصول الحكم الظاهرى، لا يكون الحكم الواقعي واصلا وهما لا يصلان معا في عرض واحد، فلا يلزم التدافع، ولا محذور من هذه الناحية.

[ 91 ]

واما محذور اجتماع الضدين، فالجواب عنه ان الحكمين بما هما لا تضاد بينهما و لذا يمكن جعلهما من المولى غير الحكيم، بل التضاد بينهما انما يكون من ناحية المبدأ أي، المصلحة، والمفسدة، والشوق، والكراهة: إذا الوجوب ناش عن المصلحة الملزمة غير المزاحمة والحرمة ناشئة عن المفسدة الملزمة غير المزاحمة، والاستحباب عن المزاحمة غير المزاحمة، والكراهة عن المفسدة الملزمة غير الملزمة، والاباحة عن المصلحة المزاحمة بالمفسدة المتساوتين، أو عن عدم شئ منهما، فاجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة يستلزم وجود المصلحة غير المزاحمة، والمفسدة غير المزاحمة في مورد واحد، وهو ممتنع، أو من ناحية المنتهى، وهو امتثال التكليف - مثلا - الوجوب يستلزم اتيان الفعل، والحرمة تستلزم تركه فمن تعلقهما بشئ واحد معا يلزم ان يفعل العبد فعلا ويتركه وهو محال - وعليه - فالتضاد بين الحكمين انما يكون تضادا بالعرض، والا التنافى انما يكون بين المبدئين والمنتهيين. وعلى ذلك فلا تضاد بين الحكم الواقعي والظاهري اما من ناحية المنتهى: فلما مر آنفا في الجواب عن محذور طلب الضدين، واما من ناحية المبدأ فلان الاحكام الواقعية ناشئة عن المصالح والمفاسد في المتعلقات، واما الحكم الظاهرى فهو انما يكون ناشئا عن المصلحة في الجعل بمعنى المصالح النوعية مثلا، ايجاب الاحتياط ناش عن التحفظ على الواقع، والبرائة على التسهيل عن المكلفين وعليه فلا تضاد بين الحكمين فتدبر فان هذا هو القول الفصل في المقام. ولا يخفى ان هذا يصلح جوابا ثانيا عن محذور اجتماع المثلين. فيما قيل في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ثم انه قد اجيب عن محذور اجتماع الضدين باجوبة اخر غير ما ذكرناه. الاول: ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) وحاصله، انه لا تضاد بين الحكمين لعدم اتحاد الموضوع: إذ موضوع الحكم الواقعي هو الفعل بعنوانه الاولى، وموضوع الحكم

[ 92 ]

الظاهرى هو الفعل بما انه مشكوك الحكم ومع اختلاف الموضوع وتعدده كيف يحكم بالتضاد. وفيه: انه لو تم لاختص بالاصول، ولا يعم الامارات على القول بجعل الحكم الظاهرى، إذ لم يؤخذ في موضوعها الشك. وثانيا: ان مقتضى اطلاق دليل الحكم الواقعي بالاطلاق اللحاظى، أو بنتيجة الاطلاق ثبوته في حال الشك في الحكم، والا لزم التصويب فيلزم المحذور المذكور. الثاني: ما في الكفاية وحاصله ان التعبد بدليل غير علمي انما هو بجعل الحجية له والحجية المجعولة لا تكون مستتبعة لانشاء احكام تكليفية، بل انما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا اصاب وصحة الاعتذار به، إذا اخطأ كما هو شأن الحجية غير المجعولة فلا يلزم اجتماع الضدين في صورة المخالفة. ثم انه (قده) اجاب بجواب آخر على فرض تسليم ان معنى الحجية أو لازمها جعل احكام تكليفية، وحاصله ان الحكم الظاهرى ليس بنحو يضاد مع الحكم الواقعي، فان الواقعي يكون ناشئا عن المصلحة أو المفسدة في المتعلق الموجبة لانقداح الارادة أو الكراهية فيما يمكن انقداحهما، والحكم الظاهرى يكون ناشئا عن المصلحة في نفس الجعل، لا عن ما في المتعلق من دون ارادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلقة بمتعلقه فلا يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة في فعل ولا اجتماع ارادة وكراهة ولا مضادة بين الانشائين كذلك فيما إذا اختلفا. وقد اشكل عليه الامر في بعض الاصول العملية كاصالة الاباحة الشرعية ووجه الاشكال امران. الاول: ان اصالة لا يمكن جريانها مع كون الواقع هو الحرمة لان الترخيص في الفعل لا يجتمع مع المنع منه، ولو كان عن مصلحة في نفسه: إذ في الحكم الالزامي يمكن ان يقال انه لا يكون فعليا لعدم تعلق الارادة فلا منافاة كما ذكرناه، واما الترخيص فليس له مرتبتان لتكون المرتبة الثانية وهى الفعلية متوقفة على الارادة، لعدم انقداح الارادة على كل حال بل فعليته انما تكون بنفس جعله فينافى الحكم الواقعي. الثاني: ان الحكم الالزامي يمكن ان يكون طريقيا موجبا لتنجز الواقع عند المصادفة

[ 93 ]

والعذر عند المخالفة، بخلاف الاذن والترخيص المجعول على المشكوك فيه فانه لا يعقل ان يكون طريقيا، لاخذ الشك في موضوعه، فلا محالة يكون نفسيا فينا في الحكم الواقعي. ثم انه اجاب عن هذا المحذور بجواب آخر وحاصله: انه لا يكون الحكم الواقعي فعليا كى يلزم اجتماع الضدين، أو المثلين، فان التضاد انما يكون بين الحكمين الفعليين ولا يكون انشائيا محضا حتى يرد على ان الحكم الانشائى لا اثر له حتى يتنجز بالعلم، بل يكون وسطا بينهما، ويكون انشائيا من جهة انه لا ارادة ولا كراهة على طبقه وفعليا من جهة انه يتنجز بالعلم كساير الاحكام الفعلية. وعدم فعليته ليس من جهة دخل العلم في الفعلية حتى يقال ان ما ذكره في ذيل كلامه في جواب ما اورده على نفسه بان الحكم قبل اداء الامارة الموافقة انشائي وبه يصير فعليا. بقوله لا يكاد يحرز بسبب قيام الامارة المعتبرة على حكم انشائي لا حقيقة ولا تعبدا، الا حكم انشائي تعبدا، لا حكم انشائي ادت إليه الامارة، اما حقيقة فواضخ، واما تعبدا فلان قصارى ما هو قضية حجية الامارة كون مؤداها هو الواقع تعبدا لا الواقع الذى ادت إليه الامارة انتهى. وحاصله ان الالتزام بدخل العلم في الفعلية لا يجدى لفعلية الحكم بقيام الامارة الموافقة، إذ الامارة ليست بعلم وجدانا، ففعلية الحكم على هذا الفرض تتوقف على صيرورة الامارة علما - وهى تتوقف على شمول دليل الحجية لها فتصير علما وشمول دليل الحجية لها انما يكون مع فرض تنزيل المؤدى منزلة الواقع ولا دليل على تنزيله سوى دليل حجية الامارة وشموله له متوقف على ان يكون الجزء الاخر محرزا بالوجدان أو بالتعبد، والاول مفقود بالفرض والثانى يتوقف على شمول دليل الحجية له ويثبت الواقع به ليصير علما وهذا دور واضح، فدليل الحجية لا يتكفل الا لكون المؤدى هو الواقع لا الواقع الذى علم به وجدانا أو تعبدا. بل من جهة ان الاذن والترخيص، مانع عن الفعلية، والعلم يوجب رفع الاذن،

[ 94 ]

فالعلم يوجب الفعلية لا لدخله فيه حتى يرد المحذور المذكور بل لكونه موجبا لارتفاع الاذن فمع قيام الامارة حيث يرتفع الاذن يصير الحكم فعليا ولا تتوقف الفعلية على تنزيل الامارة منزلة العلم هذا ملخص كلامه (قده) مع توضيح منا. اقول في كلامه (قده) مواضع للنظر. الاول: ما افاده من ان المجعول في الامارات هو التنجيز والتعذير، فانه يرد عليه ما ذكرته عند الوجه الاول من وجهى الجمع المنصور فراجع. الثاني: ما ذكره من الفرق بين الاباحة المجعولة في مورد اصالتها، وبين الاحكام المجعولة في مورد الامارات، فانه غير تام: إذ الحكم المجعول ان كان فعليا لفعلية موضوعه كان مضادا للحكم الواقعي الفعلى كان عن مصلحة في نفسه ام في متعلقه، وكان المتعلق، متعلقا للارادة والحب، ام لم يكن، كان الحكم طريقيا ان نفسيا، وان لم يكن فعليا لم يكن مضادا معه كان في مورد الامارات، ام في مورد اصالة الاباحة. - وبعبارة اخرى - ان الواجب هو الترخيص في الفعل مع الالزام وقد التزم بعدم مضادته مع الحكم الواقعي ان كان ناشئا عن مصلحة في نفسه فكذلك الاباحة التى هي الترخيص المجرد فكيف يلتزم بمضادته معه ان كان ناشئا عن مصلحة في الجعل. الثالث: ان ما ذكره (ره) من الالتزام بكون الحكم الواقعي فعليا من جهة بالمعنى المتقدم، يرد عليه ان فعلية الحكم وعدمها اجنبيتان عن المولى بالمرة بل تدوران مدار تحقق الموضوع بجميع قيوده وعدمه، فمع التحقق لا يعقل عدم فعلية الحكم، كما انه مع عدم تحققه لا يعقل فعليته - وعليه - فان كان المأخوذ في موضوع الحكم الواقعي، عدم قيام الحجة على الخلاف، وعدم الترخيص في مخالفته فعند قيامها لا يكون الحكم ثابتا لا الفعلى منه ولا الانشائى، اما الاول فواضح، واما الثاني فلانه انما يثبت لمن يكون الحكم بالنسبة إليه فعليا، فيلزم التصويب، وان لم يكن المأخوذ فيه ذلك فلا محالة عند قيامها أو الترخيص في مخالفته يلزم اجتماع الحكمين الفعليين فيلزم اجتماع الضدين. الوجه الثالث: ما افاده المحقق النائيني (ره) - وهو ان الكلام يقع في موارد ثلاثة: الاول، في الامارات. الثاني، في الاصول التنزيلية. الثالث، في الاصول غير التنزيلية.

[ 95 ]

اما الاول: فقد اجاب عن المحاذير بما ذكرناه من الوجه الاول للجمع فراجع. واما الثاني: فقد اجاب عنها بان المجعول في الاصول التنزيلية انما هي الجهة الثالثة للقطع وهى كونه مقتضيا للجرى العملي على طبق ما تعلق به وكون الشخص غير متحير في مقام العمل كما ياتي تفصيله في مبحث الاستصحاب وعليه فلا حكم مجعول حتى يلزم المحاذير المذكورة. واما في الاصول غير التنزيلية فمحصل جوابه (ره)، ان التكاليف الواقعية بوجوداتها النفس الامرية لا تصلح للمحركية والداعوية بل وصولها محرك نحو الفعل أو الترك وهذه المرتبة من الحكم مرتبة التنجيز والتعذير، وهما من الاحكام العقلية المتأخرة، عن مرتبة ثبوت الحكم الواقعي، وهذه المرتبة موكولة الى حكم العقل - وعليه - فاملاك الواقعي، تارة يكون بمرتبة من الاهمية لا يرضى الشارع بفواته حتى في فرض عدم وصلو الحكم، فلا بد من جعل وجوب الاحتياط فيكون هو وجوبا طريقيا موجبا لوصول الحكم على فرض وجوده بطريقه، ناشئا عن مصلحة الحكم الواقعي، واخرى لا يكون بهذه المرتبة من الاهمية فيرخص في الفعل أو الترك، ويكون هذا الحكم نظير حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان - وعلى ذلك - ففى المورد الاول بما ان علة جعل وجوب الاحتياط، هي المصلحة الواقعية ففى فرض عدم الحكم واقعا لا يكون وجوب الاحتياط ثابتا، بل انما هو صورة تخيل كونها حكما فلا يلزم اجتماع الضدين، وفى المورد الثاني بما ان ثبوت الترخيص والاذن انما هو في مرتبة متاخرة عن الحكم الواقعي، لا لان موضوعه الشك بما انه من الحالات الطوارى اللاحقة للحكم الواقعي، حتى يقال ان انحفاظ الحكم الواقعي عنده مستلزم لاجتماع الضدين، بل باعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع، وعدم كونه موصلا إليه ومنجزا له فقد لو حظ في الرخصة وجود الحكم الواقعي ومعه كيف يعقل ان يضاد الحكم الواقعي - وبعبارة اخرى - الرخصة انما تكون في عرض المنع المستفاد من ايجاب الاحتياط، وهو انما يكون في طول الواقع، ومتفرعا عليه فكذلك ما هو في عرضه يكون في طول الواقع، والا يلزم كون ما في طول الشئ في عرضه.

[ 96 ]

اقول ما ذكره (ره) في الامارات وفى الاصول التنزيلية متين، واما ما افاده في الاصول غير التنزيلية، ففى كلا موردى كلامه نظر. اما في المورد الاول: فلان ايجاب الاحتياط في صورة الموافقة للواقع لا يصح، وصدوره من الحكيم محال: إذ حينئذ يكون حكمه حكم الواقع غير الواصل، فلا يعقل صيرورته موجبا لتنجز الواقع - وبعبارة اخرى - صيرورته موجبا للتنجز فرع وصوله، ومع احتمال المخالفة وعدم المصادفة، لا يكون ذلك واصلا، فلا يكون منجزا وموجبا للتحفظ على الغرض، مع انه خلاف ظاهر الادلة، فان ظاهرها الوجوب على كل تقدير واستيفاء ما هو ملاكه مقتض ايضا. واما في المورد الثاني: فلان الحكم الواقعي ان كان ثابتا في المرتبة المتأخرة المفروضة لزم اجتماع الضدين، والالزم التصويب، مع ان ترتب احد الحكمين على الاخر والحكم بثبوته على فرض ثبوت الاخر، انما يعقل على فرض عدم التضاد، والا فلازمه جواز تحقق السواد على فرض وجود البياض - وبالجملة - فرض احد الضدين في طول الاخر لا يخرجه عن الضدية، ولا يوجب جواز اجتماعهما. ما يقتضيه الاصل عند الشك في الحجية الحجية الثالثة فيما يقتضيه الاصل عند الشك في الحجية، ليكون هو المرجع على تقدير عدم الدليل على الحجية وعلى عدمها، والمراد به ليس خصوص الاصل العملي، بل المراد منه القاعدة الاولية المستفادة من حكم العقل، أو الادلة السمعية. وقد طفحت كلماتهم بان الاصل عدم الحجية عند الشك فيها إذا الشك فيها مساوق للقطع بعدمها، ومرادهم بذلك ان الشك في انشاء الحجية ملازم للقطع بعدم الحجية الفعلية بمعنى عدم ترتب آثار الحجية. وكيف كان فقد افاد الشيخ الاعظم (ره) في وجه ذلك ان الحجية لها اثر ان. احدهما: صحة الالتزام بما ادى إليه من الاحكام. ثانيهما: صحة نسبته إليه تعالى، وهذان

[ 97 ]

الاثران لا يترتبان مع الشك في الحجية لما دل من، الكتاب، والسنة، والاجماع، والعقل على حرمة الالتزام والاستناد في صورة الشك، لانهما تشريع عملي وقولى، دلت الادلة الاربعة على حرمته، فالشك في الحجية ملازم للقطع بعدم ترتب اثار الحجية الفعلية، ومنه يستكشف عدمها. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بما حاصله ان اسناد مؤدى الامارة الى الله تعالى والاستناد إليها في مقام العمل ليسا من آثار الحجية، بل بينهما، وبين الحجية عموم من وجه، إذ قد يكون الشئ حجة، ولا يصح اسناد مؤداه الى الشارع كالظن على الحكومة، ويمكن ان يدل دليل على صحة الالتزام والنسبة إليه تعالى مع الشك في التعبد وعدم الحجية، وان الاثرين المذكورين هما للعلم بالمؤدى. ولذلك جرى (قده) في تقرير الاصل على خلاف ما قرره الشيخ، وحاصله ان آثار الحجية اربعة - التنجيز، التعذير، كون موافقته انقيادا، كون مخالفته تجريا، وهذه الاثار انما هي للحجية الفعلية، وهى مرتبة على العلم بالحجية الانشائية، ضرورة انه بدون الاحراز، لا يصح المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرد اصابته، ولا يكون عذرا لدى مخالفته مع عدمها، ولا يكون مخالفته تجريا، لا يكون موافقته انقيادا، فمع الشك في التعبد به يقطع بعدم حجيته وعدم ترتب شئ من الاثار عليه. ثم ان الشيخ (قده) بعد تأسيس الاصل تمسك لا ثبات حرمة العمل بالظن، بالعمومات، والايات الناهية عن العمل بغير العلم، وافاد ان مقتضى هذه العمومات، حرمة العمل بالظن الا ما خرج بالدليل، فادلة حجية الامارات تخصص هذه العمومات، فالشك في حجية شئ يكون شكا في التخصيص والمرجع فيه عموم العام، واورد عليه المحقق النائيني (ره) بما سيمر عليك مستوفى. وربما يستدل لعدم الحجية باستصحاب عدمها، وتنقيح القول بالبحث في موارد. الاول: في انه هل هناك ملازمة بين الحجية وجواز الاستناد إليه تعالى حتى يكون الدليل المثبت لاحدهما مثبتا للاخر كما افاده الشيخ ام لا ؟ كما اختاره المحقق الخراساني (ره).

[ 98 ]

الثاني: في انه هل يصح التمسك بما دل على حرمة العمل بغير العلم على عدم الحجية ام لا ؟ الثالث: في ان الشك في الحجية هل يلازم القطع بعدم الحجية واقعا، ام لا ؟ الرابع: في صحة ردع الشارع عن العمل بما لم يعلم حجيته. الخامس: في انه، هل يجرى استصحاب عدم الحجية وببركته يبنى على عدم الحجية، ام لا يجرى. اما المورد الاول: فقد تقدم تقريب ما افاده الشيخ الاعظم، وما اورده عليه المحقق الخراساني، ولكن يرد على صاحب الكفاية، ان ايراده يتم على مبناه في جعل الحجية، وهو ان المجعول، التنجيز، والتعذير فان ذلك لا يلازم ثبوت المؤدى، وكونه حكما شرعيا، لا حقيقة، ولا تعبدا حتى يستند الى الشارع، ولذلك لا يجوز الاستناد إليه في مورد ايجاب الاحتياط مع جعل المنجزية في ذلك المورد. واما إذا قلنا بان المجعول في باب الحجج والامارات، جعل الطريقية، وجعل ما ليس بعلم علما كما هو الحق، فلا ينفك ذلك عن جواز الاستناد، فانه من آثار العلم جواز الاستناد، فيترتب على الامارة، فمن دليل عدم جواز الاستناد يستكشف عدم الحجية، وحيث ان مبنى الشيخ في الامارات، جعل الطريقية، فهذا الاشكال لا يرد عليه، وقد تقدم الكلام في مبنى المحقق الخراساني في جعل الحجية، وعرفت عدم تماميته. واما ما افادة من ان الظن على تقدير الحكومة حجة، ولا يصح اسناد المظنون الى الشارع، فيرده ان نتيجة مقدمات الانسداد على تقرير الحكومة ليست حجية الظن بل نتيجتها التبعيض في الاحتياط. ولكن يرد على الشيخ (ره) ان مقتضى الادلة السمعية، عدم جواز اسناد ما لم يعلم، ومعه قيام الامارة على شئ كوجوب السورة في الصلاة، واحتمال حجيتها، لا يحرز ان وجوب السورة غير معلوم، بل يحتمل ان يكون معلوما، بالعلم التعبدى، فالتمسك بالعمومات تمسك بالعام في الشبهة المصداقية للعام، الذى لا شك لاحد في عدم جوازه فتدبر.

[ 99 ]

واما المورد الثاني: فقد استدل الشيخ بالعمومات الناهية عن العمل بغير العلم كقوله تعالى ولا تقف ما ليس للك به علم، ونحوه وذكر ان مقتضى هذه العمومات حرمة العمل بغير العلم الا ما خرج بالدليل، ونسبة ادلة حجية امارة خاصة الى تلك العمومات، نسبة المخصص الى العام، فالشك في حجية امارة خاصة شك في التخصيص والمرجع فيه عموم العام. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان مفاد دليل حجية الامارة كونها علما تعبدا فنسبته الى العمومات نسبة الحاكم الى المحكوم ويكون نافيا لموضوع العام، فعند الشك في الحجية لا محالة يشك في صدق موضوع العام، ومع الشك فيه يكون الشبهة مصداقية، وضرورى انه لا يجوز التمسك بالدليل الا مع احراز صدق موضوعه. واورد عليه الاستاذ بان الحجية الواقعية مما لا يترتب عليه اثر ما لم يصل الى المكلف فالحكومة انما هي بعد الوصول، فالعمل بما لم تصل حجيته الى المكلف، عمل بغير علم، وان كان حجة في الواقع. ولكن يرد على ان الحجية الواقعية وان لم تصل الى المكلف، توجب صيرورة الامارة علما، فاحتمالها يوجب الشك في كون المؤدى معلوما تعبدا، فايراد المحقق النائين على الشيخ تام. واما المورد الثالث: فقد يقال ان الحجية حكم واقعى نظير ساير الاحكام الشرعية مشتركة بين العالم والجاهل، ولا تكون مختصة بالعالم، لعين ما ذكر من لزوم الدور، وغيره من الاختصاص بالعالمين. واورد عليه بانه لا محيص عن الالتزام باخذ الوصول في مقام جعلها، إذ ليست هي كساير الاحكام الشرعية تترتب عليها الاثار حتى في صورة الجهل، بل لا تترتب عليها آثارها الا في فرض العلم والوصول. توضيح ذلك ان الامارة، اما ان تؤدى الى الترخيص مع كون الحكم الواقعي لزوميا كالحرمة، واما ان يعكس الامر، واما ان يتوافقان في الحكم اللزومى، وعلى كل تقدير لا اثر لوجود الحجية الواقعية: إذ في الفرض الاول يكون الواقع منجزا لاجل

[ 100 ]

احتمال وجوده وعدم الفحص والمفروض ان الامارة لم تصل إليه لتكون معذرة. واما في الفرض الثاني: فلا يستحق العقاب على مخالفة الواقع، وانما يستحقه للتجري لاحتمال التكليف ووجود الطريق إليه. واما في الفرض الثالث: فمخالفة الواقع توجب استحقاق العقاب كانت الامارة واصلة ام لم تكن: إذ مجرد احتمال التكليف منجز لكون الشبهة قبل الفحص، نعم لو كانت الامارة واصلة ترتب هذا الاثر عليها، فجعل الحجة للجاهل لغو، فلا محالة تختص بالعالم. واما محذور الدور أو الخلف فيندفع بان انشائها كانشاء ساير الاحكام يكون مهملا من هذه الجهة، فبنتيجة التقييد تختص بالعالم. ومن ذلك كله يظهر ان الشك في الحجية يوجب العلم بعدمها، لا بمعنى انعدام الشك، بل بمعنى ان الشك بمرتبة منها يوجب العلم بعدم مرتبة اخرى منها، فان احتمل حجية طريق خاص مع العلم بانه على فرض ثبوتها وانشائها تكون مختصة بالعالمين، يقطع بعدم فعليتها بالاضافة الى الشاك نفسه فالشك متعلق بمرتبة منها وهى الانشاء مهملا، والمعلوم عدمها غير تلك المرتبة فيجتمعان، لا ان العلم يوجب انعدام الشك. ولكن يمكن الجواب عن هذا الايراد بان احتمال التكليف يكون منجزا قبل الفحص، لاجل احتمال وجود الطريق إليه، والا فمع العلم بعدمه على فرض كون التكليف ثابتا واقعا، لا ريب في عدم التنجيز، فالاثر انما يترتب على الحجة غير واصلة، والطريق غير الواصل، فدعوى عدم ترتب الاثر على وجودها الواقعي كما ترى، فالحجية كساير الاحكام تكون مشتركة بين العالمين بها والجاهلين والشك فيها لا يوجب القطع بعدمها، نعم الاثار المرغوبة من الحجية وهى المعذرية والمنجزية وصحة الاستناد إليها في مقام العمل، وصحة اسناد مؤداها الى المولى، لا تترتب على الحجية بوجودها الواقعي، بل على احرازها صغرى وكبرى، لكونها من الاثار العقلية المترتبة على الحجية الواصلة فلو شك في الحجية يبنى على عدمها ظاهرا وبحسب الاثار. واما المورد الرابع: فلا ينبغى التوقف في صحة ردع الشارع عن العمل بما يشك

[ 101 ]

في حجيته كالقياس، وان كان العقل مستقلا بعدم الجواز مع العلم بالحجية أو الشك فيها في فرض بقاء العلم والشك: إذ موضوع حكم العقل الشك في الحجية وبالتعبد بالمنع يقطع بعدم الحجية فيخرج عن موضوع حكم العقل، فهو لا يصلح للمنع عن التعبد المولوي الشرعي. واما المورد الخامس: فقد يقال ان حجية الامارة من الحوادث وكل حادث مسبوق بالعدم فعند الشك يتمسك باستصحاب عدم الحجية. واورد عليه الشيخ الاعظم (ره) بانه لا يترتب على هذا الاصل اثر إذ يكفى في حرمة العمل بالظن عدم العلم بورود التعبد من غير حاجة الى احراز عدم ورود التعبد به ليحتاج في ذلك الى الاصل ثم اثبات الحرمة، والحاصل ان اصالة عدم الحادث انما يحتاج إليها في الاحكام المترتبة على عدم ذلك الحادث، واما الحكم المترتب على عدم العلم بذلك الحادث فيكفى فيه الشك، ولا يحتاج الى احراز عدمه بحكم الاصل. واورد عليه المحقق الخراساني بايرادين - احدهما - ان الحجية من الاحكام الشرعية وامر رفعها ووضعها بيد الشارع وما كان كذلك يجرى فيه وفى عدمه الاصل كان هناك اثر شرعى مترتب عليه ام لم يكن. وفيه: ان المستصحب إذا كان حكما شرعيا أو عدمه أو موضوعا ذى حكم شرعى، وان كان في جريان الاستصحاب لا يحتاج الى اثر شرعى، الا انه لا بد وان يترتب عليه اثر عملي لان الاستصحاب من الاصول العملية فلا يعقل جريانه من دون ان يقتضى الجرى والبناء العملي وان شئت فقل، انه كما يكون جعل الحكم الفرعي الذى لا اثر عملي له لغوا لا يصدر من الحكيم، كذلك استصحاب الحكم أو عدمه وابقائه مع عدم ترتب الاثر العملي عليه لغو فلا يجرى. ثانيهما: انه إذا كان الاثر مترتبا على واقع الشئ، وعلى الشك فيه كليهما، يجرى الاستصحاب ويثبت به الواقع ويوجب انعدام الشك الذى جعل موضوعا للقاعدة المضروبة لحال الشك ويكون الاستصحاب حاكما عليها، كما في استصحاب الطهارة، وقاعدة الطهارة، والمقام من هذا القبيل.

[ 102 ]

واورد عليه المحقق النائيني، بان الاثر إذا كان مترتبا على الواقع، وعلى الشك، فبمجرد الشك يترتب الاثر لتحقق موضوعة فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب، لانه لا تصل النوبة الى اثبات الواقع ليجرى فيه الاستصحاب فانه في المرتبة السابقة على هذا الاثبات تحقق موضوع الاثر وترتب عليه فاى فائدة لجريان الاستصحاب. وفيه: ان العقل وان استقل بعدم ترتيب اثار الحجية بمجرد الشك فيها، الا انه في طول الحكم الشرعي فبمجرد الشك يجرى الاستصحاب ويقطع بعد الحجية، وبه يرتفع موضوع الحكم العقلي، ويترتب حكم عقلي آخر وهو عدم ترتيب اثار الحجية مع احراز عدمها. وان شئت فقل ان المترتب على الشك عدم الحجية الفعلية، وما يثبته الاصل عدم الحجية الانشائية، فاحدهما غير الاخر، فما يحصل بالوجدان، غير ما يحصل بالتعبد، فالاظهر جريان استصحاب عدم الحجية. حجية الظواهر إذا عرفت ما ذكرناه، فيقع الكلام في الامارات المعتبرة، أو قيل باعتبارها في طى مباحث الاول في حجية الظواهر، وهى من اهم المسائل الاصولية، وعليها تدور رحى الاستنباط، بل هي، وحجية خبر الواحد اساس القول بانفتاح باب العلمي، ومع انكار احداهما، لا بد من البناء على الانسداد. وكيف كان فالقول بحجية ظواهر الادلة اللفظية الشرعية كالسنة يتوقف، على اثبات الظهور، وعلى ثوبت عدم غفلة المتكلم، وعلى الدليل عليها في مقام الاثبات. اما الاول: فمن حيث مواد الالفاظ لا بد من الرجوع الى اللغة، ومن حيث الهيئة الى ساير العلوم، وما لم يذكر في علم يرجع الى علم الاصول، كظهور الا مر في الوجوب وما شاكل، وعلى أي تقدير لا يبحث عنه في المقام. واما الثاني: فبالنسبة الى المولى الحقيقي لا يحتمل الخطا والغفلة حتى يحتاج الى

[ 103 ]

الاثبات، واما في الموالى العرفية فاصالة عدم الخطاء تجرى لبناء العقلاء عليها. واما الثالث: فحجية الظهورات أي كاشفيتها عن المراد الجدى، انما يكون ببناء العقلاء - توضيح ذلك - ان في كل كلام صادر من متكلم اصلين مترتبين. احدهما: اصالة الظهور وبها يعين ان الظاهر هو المراد الاستعمالى عند الشك واحتمال ارادة تفهيم غيره. ثانيهما: اصالة صدور الظاهر بداعي الجد: إذ بناء اهل المحاورات والعقلاء على حمل الكلام على انه انما صدر بداع الجد لابداع آخر، وان مطابق الظهور مراد جدى وبناءا على هذين الاصلين العقلاء يحكمون، بان مراد المتكلم مطابق لما هو ظاهر كلامه، والشارع الا قدس لم يخط عن هذه الطريقية المألوفة. واستدل لعدم حجية الظهورات بان الادلة الناهية عن العمل بالظن تشمل بعمومها للظواهر، وهى تكفى في الردع عن بناء العقلاء. وفيه: ان الظواهر ان كانت حجة تخصص تلك الادلة بدليل حجيتها، والا فظهور هذه الادلة كغيره من الظهورات ليس بحجة فلا وجه للتمسك به. ثم انه وقع الخلاف في موارد. الاول: هل تختص حجية الظهورات بما إذا ظن بالوفاق، ام يعم ما إذا لم يظن به، بل وان ظن بالخلاف، وجوه اقواها الاخير: والدليل عليه هو الدليل على حجية الظهور وهو بناء العقلاء: والشاهد عليه صحة مؤاخذة العبد إذا خالف امر مولاه معتذرا بالظن بالخلاف وعدم قبول عذره. ويشهد لعدم اعتبار الظن بالوفاق، مضافا الى ذلك روايات باب التعارض، إذ لا يعقل حصول الظن بالوفاق في المتعارضين، بل اما ان يحصل الظن بالوفاق في احدهما، اولا يحصل في شئ منهما، فان كان الظن بالوفاق معتبرا، لزم عدم حجيتهما في الصورة الثانية، وحجية خصوص ما حصل الظن بالوفاق فيه في الاولى وعلى كل تقدير لا تصل النوبة الى التعارض، فمن تلك النصوص يستكشف عدم اعتبار الظن بالوفاق. واستدل لاعتبار الظن بالوفاق بما يشاهد من ان العقلاء لا يكتفون في الامور المهمة كما في الاعراض والانفس والاموال بمجرد الظهور ما لم يحصل الظن بالوفاق.

[ 104 ]

وفيه: ان هذا يتم في غير المؤاخذة والاحتجاج من الاثار التى يكون المطلوب فيها تحصيل الواقع، ولا يتم فيهما كما يظهر لمن لا حظ ديدن العقلاء في المعاملة مع الظواهر بالنسبة الى الموالى والعبيد العرفية، وتراهم لا يقبلون عذر العبد في مخالفة امر مولاه، بانه ما حصل الظن مما عينه طريقا لامتثال تكاليفه، أو حصل الظن بالخلاف فتدبر. لا تخصص حجية الظهور بمن قصد افهامه الثاني: هل تختص حجية الظهور بمن قصد افهامه، كما اختاره المحقق القمى (ره)، وعليه بنى انسداد باب العلم والعلمي، ام يعم غيره وجهان، وقد استدل للاول بوجوه. الاول: ان اصالة الظهور بعد فرض كون المتكلم في مقام البيان والسامع في مقام فهم المراد مع عدم نصب القرينة على خلاف الظاهر، وعدم تعمد المتكلم في عدم اتيانه بالقرينة، يتوقف على اصالة عدم غفلة المتكلم عن نصب القرينة، وعدم غفلة السامع عن الالتفات إليها، وهى الاصل في حجية الظهور، وما لم يكن المخاطب مقصودا بالافهام، لا تجرى في حقه، اصالة عدم الغفلة لاحتمال وجود القرائن الحالية أو المقالية، اعتمد عليها المتكلم في مقام الافادة. وفيه: ان الكلام الملقى الى شخص ان كان متضمنا لبيان حكم شخصي متعلق به خاصة كان لما ذكر وجه، واما إذا كان الكلام الملقى متضمنا لبيان حكم كلى متعلق بمن قصد افهامه، وغيره، فقيام المتكلم مقام بيان هذا الحكم يقتضى وصول التكليف العمومي بشخص هذا الكلام، فلا يصح الاعتماد على ما يختص بالمخاطب من القرينة، اضف إليه ان احتمال وجود القرينة لا يعتنى به، بعد فرض كون الراوى عادلا غير خائن، لان الغائها خيانة. الثاني: ان بناء الشارع انما يكون على الاتكال على القرائن المنفصلة كما هو ظاهر لمن راجع ادلة الاحكام، ولا دافع لهذا الاحتمال بالنسبة الى من لم يقصد افهامه. وفيه: انه احتمال وجود القرينة المنفصلة، وان كان مانعا عن التمسك باصالة

[ 105 ]

الظهور، الا انه لا بد وان يفحص حتى يطمئن بعدمها لا انه يبنى على عدم حجية الظهور رأسا. الثالث: ان الروايات حيث قطعت على الابواب ومن المحتمل ان يكون قرينة مع القطعة التى قطعوها من ذيل الرواية فلا تجرى اصالة عدم القرينة. وفيه: ان المقطع ان كان عاميا كان لهذا الكلام مجال، واما لو كان المقطع مثل الكلين (ره) الذى هو ثقة وعارف باسلوب الكلام فنقله لقطعة من الرواية دليل على عدم وجود قرينة صارفة لظهورها صدرا وذيلا، - وبعبارة اخرى - كما نقول بحجية الخبر المنقول بالمعنى، إذا كان الناقل غير عامى، مع انه يحتمل وجود القرينة الصارفة، كذلك نقول في الخبر المقطع، مع انه لو سلم هذه الكبرى الكلية أي ان الظهورات حجة على المقصودين بالافهام، دون غيرهم، نقول في الروايات، ان المخاطب بالخطاب الصادر عن المعصوم (ع) مقصود بالافهام فالخطاب حجة عليه، وهو يروى الخبر لكل من سمعه أو رآه في الكتاب، فالكل مقصودون بالافهام بالنسبة إليه فهو حجة على الجميع. حجية ظواهر الكتاب الثالث: هل تختص حجية الظواهر، بغير ظواهر الكتاب، ام تعمها وجهان، قد استدل للاول بوجوه، وهى على قسمين. الاول: ما استدل به على منع اصل الظهور. الثاني: ما استدل به على عدم حجيته. اما القسم الاول: فهى امور. احدها: ما دل (1) على اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به، وهو النبي (ص) واوصيائه (عليهم السلام)، وفى بعضها الردع لابي حنيفة وقتادة ويحك ما ورثك الله من كتابه حرفا، وهذا هو الموافق للاعتبار إذ القرآن مشتمل على معان غامضة ومطالب عالية، ويشتمل على علم كان وما كان وما يكون، نزل في مقام الاعجاز


1 - الوسائل باب 13 من ابواب صفات القاضى كتاب القضاء. (*)

[ 106 ]

فلا يصل الى معانيه فكر البشر غير الراسخين في العلم. وفيه: ان تلك النصوص انما تدل على ان للقرآن بطونا لا يصل إليها فكر البشر غير من خواطب به، ففى كل مورد يحتمل ذلك، لا بد من الرجوع إليهم لدفع هذا الاحتمال، - وبعبارة اخرى - المنهى عنه الاستقلال في الفتوى من دون المراجعة إليهم وعلو مطالبه، وغموض معانيه، لا يكون موجبا لكون بيانه مخلا بالمقصود، فمع فرض ذلك كله فهو متناسب لا ذواق اهل العصور ولو لا ذلك لما كان لاثبات اعجازه سبيل. ثانيها: ان القرآن نزل على سبيل الرموز كما في فواتح السور، وفيه انه خلاف كونه معجزة خالدة. ثالثها: العلم الاجمالي بوجود القرائن المنفصلة الدالة على ارادة خلاف الظاهر منه كثيرا من المخصصات والمقيدات وهو يمنع عن جريان اصالة الظهور كما يمنع عن جريان الاصول العملية. وفيه: اولا ان المعلوم بالاجمال معنون بعنوان خاص وهو الموجود في الكتب التى بايدينا فبعدا الفحص والظفر بالمقدار المعلوم ينحل العلم الاجمالي حقيقة، أو انه إذا تفحص ولم يجد القرينة على ارادة خلاف الظاهر لهذا الظهور يخرج ذلك عن طرف العلم. وثانيا: لو سلم عدم تعنون المعلوم بالاجمال، بما ذكر واحتمل وجود القرينة في غير تلك الكتب، لو ظفرنا بعد الفحص بجملة من القرائن بمقدار المعلوم بالاجمال، لا محالة ينحل العلم الاجمالي حكما ولا مانع من اجراء اصالة الظهور في غير تلك الموارد. رابعها: وقوع التحريف واحتمال ان يكون فيما حرفوه قرينة صارفة لهذا الظهور. وفيه: اولا اثبتنا في محله بالادلة القطعية عدم وقوع التحريف في القرآن، واجبنا عن الروايات الموهمة لذلك - وثانيا - ان النصوص الآمرة بالرجوع الى القرآن، وعرض الاخبار إليه ناظرة الى القرآن، المدعى تحريفه، لان تلك النصوص عمدتها صادرة عن الصادقين عليهما السلام، والتحريف على فرض وقوعه انما يكون في زمان الخلفاء، فهذه الاخبار تدل على حجية ظهورات الكتاب الذى بايدينا، فيستكشف منها، انه لم يقع التحريف فيه أو على فرض وقوعه، فانما هو في الايات الواردة في فضائل اهل البيت

[ 107 ]

(عليهم السلام) لا آيات الاحكام، أو انه على فرض وقوعها فيها ليس فيما حرفوه قرينة صارفة لظواهر تلك الايات. واما القسم الثاني: فهو امران - الاول - ما دل من النصوص الكثيرة (1) على النهى عن تفسير القرآن بالرأى، بدعوى ان حمل الكلام على ظاهره تفسير بالرأى. وفيه: اولا - ان حمل الكلام على ظاهره ليس من التفسير بالرأى. وثانيا: انه ليس من التفسير لانه عبارة عن الايضاح والبيان والكشف، وحمل اللفظ على معناه الظاهر الذى ليس عليه قناع ليس منه. وثالثا: انه لو سلم شمول تلك النصوص لحمل اللفظ على ظاهره، فهى معارضة بالنصوص المتواترة الدالة على الرجوع الى الكتاب، وطرح ما خالفه، واستشهاده (ع) بظاهره، فلا بد من الجمع بينهما بحمل الاولى على الاستقلال في الاستفادة، واما على تأويله بما يطابق القياس والاستحسانات. الثاني: ما دل على النهى عن اتباع المتشابه - بدعوى - ان المتشابه مقابل للصريح وهو ما يحتمل فيه وجهان أو وجوه، قيشمل الظاهر، وفيه ان المتشابه هو ما تساوى طرفاه فلا يحتمل صدقه على الظاهر - مع - انه لو سلم شموله للظاهر، لا يجوز الاستدلال بهذه الاية الناهية عن اتباع المتشابه على عدم حجية ظواهر الكتاب، والا يلزم من وجوده عدمه، إذ لفظ المتشابه من جملة الظواهر القرآنية، فيكون داخلا تحت المتشابه، فلا يجوز الاستدلال به وما يكون كذلك لا يصح فلا بد وان يقال انها مختصة بحمل اللفظ المجمل على احد معنييه. فتحصل: ان الاظهر حجية ظواهر الكتاب، ويشهد له: مضافا الى ذلك كله: النصوص الامرة بالرجوع الى الكتاب التى تقدمت الاشارة إليها. لو شك في المراد ثم انه لو لم يحرز المراد، فتارة يكون من جهة عدم احراز الظهور، واخرى يكون


1 - الوسائل باب 13 من ابواب صفات القاضى ج 18. (*)

[ 108 ]

من جهة احتمال عدم تطابق المراد الجدى للمراد الاستعمالى، فهل هناك اصل عقلائي من قبيل اصالة الظهور، أو اصالة عدم القرينة، أو اصالة الحقيقة يعين المراد ام لا ؟ ام هناك تفصيل بين الموارد. وقبل الشروع في بيان هذه المسائل لا بد من تقديم مقدمات الاولى: ان الاحتياج الى هذه الاصول انما يكون لان يحتج بها على المولى إذا ادعى المولى ارادة خلاف الظاهر. الثانية: انه لا بد وان تكون الحجة مناسبة لمورد المحاجة. الثالثة: ان الظهور المنعقد للكلام حجة ما لم يثبت حجة اقوى على خلافه ولم تصل. إذا عرفت هذه الامور فاعلم ان عدم احراز مراد المولى ربما يكون لاجل عدم احراز الظهور، وربما يكون منشاه احتمال عدم كون الظاهر مرادا، اما الاول فمنشاه، اما ان يكون عدم احراز الموضوع له، واما ان يكون احتمال غفلة المتكلم عن نصب القرينة، واما ان يكون احتمال ترك نصبها عمدا لمصلحة أو غيرها، واما ان يكون احتمال اتكاله على القرينة المنفصلة. فان كان الشك في المراد بعد انعقاد الظهور، فالمرجع هو اصالة الظهور التى هي بنفسها اصل وجودي ثابت ببناء العقلاء وعدم ردع الشارع في الفروض الثلاثة، ولا يكون مجال لاجراء اصالة عدم القرينة، اما في الاولين فللعلم بعدم نصبها مع ان ذلك الاصل لا يناسب مورد المحاجة لو ادعى المولى ارادة خلاف الظاهر، واما في الثالث أي احتمال القرينة المنفصلة، فلان الظهور المنعقد للكلام حجة ما لم يثبت حجة اقوى على خلافها كما تقدم، والحجة متقومة بالوصول، فالقرينة غير الواصلة بوجودها الواقعي لا يترتب عليها الاثر فلا مجال لاجراء اصالة عدم القرينة، فبمجرد عدم الوصول بعد الفحص يتبع اصالة الظهور من دون ان يجرى اصالة عدم القرينة. واما لو شك في المراد لاجل عدم احراز الظهور، فان كان منشاه عدم احراز الموضوع له لا مجال لاجراء اصالة الظهور، ولا اصالة عدم القرينة كما لا يخفى، بل يرجع الى الاصول العملية.

[ 109 ]

وان كان منشاه احتمال قرنية الموجود، فعلى القول بكون اصالة الحقيقة بنفسها اصلا عقلائيا، فتجرى هي، ويحرز بها الظهور، وعلى القول بعدم كونها كذلك كما اختاره الشيخ الاعظم (ره) فلا مجال لاجرائها في المقام ولا سبيل الى احراز الظهور، والمراد. وان كان منشاه احتمال وجود القرينة وقد غفل عنها السامع، فلا ريب في عدم الاعتناء بهذا الاحتمال، الا ان هنا بالخصوص نزاعا بين العلمين، حيث ان المحقق الخراساني يدعى انه يبنى على اصالة الظهور ابتداءا، والشيخ (ره) ذهب الى انه يبنى على ان المراد هو ما يكون اللفظ ظاهرا فيه لو لا القرينة لاصالة عدم القرينة. اقول الظاهر لزوم اجراء اصالة عدم القرينة، لانه ما لم يجر هذا الاصل لا يكون الظهور محرزا كى يجرى اصالة الظهور، على انه قد عرفت لزوم مطابقة الدليل لمورد المحاجة، فإذا ادعى المولى، ارادة خلاف الظاهر مع نصب القرينة فالذي يفيد في مقام احتجاج العبد، على المولى هو اصالة عدم القرينة لا اصالة الظهور، وبعد ذلك، ان لم يحتمل ارادة خلاف الظاهر، وعلم انه على فرض عدم القرينة المراد مطابق للظهور، لا مجال لاجراء اصالة الظهور، لعدم الاحتياج إليها، والا فلا بد من اجرائها ايضا، والشيخ (قده) حيث فرض العلم بان المراد مطابق للظهور على فرض القطع بعدم القرينة، فما افاده من اجراء اصالة عدم القرينة خاصة متين غايته، ولا يرد على ما اورده المحقق الخراساني إذ الظاهر ان مورد كلام الشيخ (قده) هو خصوص هذا المورد كما يظهر لمن راجعه. وان كان منشاه احتمال وجود القرينة المتصلة ولم يصل الى المكلف للتقطيع، فعن المحقق القمى (ره)، انه مع هذا الاحتمال لا تجرى اصالة عدم القرينة ومعه يكون الكلام مجملا، ولكن قد تقدم ان هذه الكبرى الكلية في نفسها تامة الا انها غير منطبقة على الروايات المقطعة، بعد كون المقطع لها من قبيل الكليني واشتباهه. حجية قول اللغوى المبحث الثاني: في حجية قول اللغوى وعدمها، وقد نسب الى المشهور حجيته،

[ 110 ]

واستدل لها بوجوه. الاول: الاجماع على العمل بقول اللغوى، إذا العلماء خلفا عن سلف يراجعون كتب اللغة ويعملون بها. وفيه: اولا، ان تحصيل الاجماع في هذه المسالة التى لم يتعرض لها الاكثر في غاية الاشكال - انه لاعتمادهم على الوجوه الاخر، ولا اقل من احتمال ذلك لا يكون اجماعا تعبديا. الثاني: ان اللغوى من اهل خبرة هذه المقام، وقد بنى العقلاء على الرجوع الى اهل الخبرة في كل فن في ذلك الفن من دون اعتبار التعدد والعدالة. وفيه: ان المخبر به ان كان امرا محسوسا يعتبر في قبول الخبر كون المخبر ثقة، ومتعددا، على المشهور، وان كان من الامور الحدسية فان كان ذلك في باب الترافع، والتنازع يعتبر فيه التعدد والعدالة، والا فان كان المخبر به من اهل الخبرة لا يعتبر فيه ذلك، نعم يعتبر كون خبره مفيدا لمرتبة من الوثوق والاطمينان، لتسكن معه النفس والا ففى حجيته اشكال، والرجوع الى اهل اللغة لتعيين موارد الاستعمال، وان صح الا انه من المحسوسات فيعتبر في قبول خبره ما يعتبر في قبول خبر غيره بلا خصوصية فيه، والرجوع إليهم لتعيين المعنى وتمييزه عن المعنى المجازى، لا يصح لعدم كونهم من اهل خبرة ذلك. الثالث: انه فرض عدم حجيته يلزم انسداد باب العلم في خصوص اللغات إذ غالب معاني الالفاظ مجهولة لغير اهل اللسان اما، اصلا، اوسعة وضيقا، ووجه ذلك بعضهم بانه يلزم من اجراء البرائة في تلك الموارد المخالفة القطعية فيلزم التنزل الى حجية الظن الحاصل من قول اللغوى. وفيه: اولا ان مقدمات الانسداد لا تنحصر فيما ذكر بل يتوقف الانسداد الموجب للتنزل الى العمل بالظن، على ان يكون الاحتياط غير واجب، أو غير جائز، ولا يكون الاحتياط مع انسداد باب العلم باللغات غير جائز أو غير واجب. وثانيا: انه لا يلزم من هذا الانسداد، الانسداد باب العلم بالاحكام، إذ قل لفظ لا يكون معناه، مبينا، فهل بسبب عدم

[ 111 ]

معلومية معاني جملة قليلة من الالفاظ يلزم انسداد باب العلم. وثالثا: انه لو سلم تلازم انسداد باب العلم باللغات مع انسداد باب العلم بالاحكام، كان اللازم هو التنزل الى كل ما يفيد الظن بالحكم كان ذلك قول اللغوى أو غيره كما لا يخفى. الرابع: ان ادلة حجية خبر الواحد تدل على حجية قول اللغوى. وفيه: ان اللغوى ان اخبر عن موارد الاستعمالات فغاية ما يثبت من تلك الادلة، بعد اجتماع الشرائط هو ثبوت الاستعمال، وهو اعم من الحقيقة، وان اخبر عن كون لفظ موضوعا لمعنى خاص، فالمخبر عنه امر حدسى، ولا دليل على حجية خبر الواحد في الامور الحدسية. الخامس: انه يرجع الى اللغة ويعين بها مورد الاستعمال فيرجع الى اصالة عدم القرينة ويحرز بها ان المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي. وفيه: مضافا الى عدم تمامية ذلك، فيما ذكر للاستعمال موارد متعددة ان اصالة عدم القرينة حجحة فيما احرز المعنى وشك في المراد، لا فيما إذا احرز المراد، وشك في المعنى، كما في المقام، فتحصل ان الاظهر عدم حجية قول اللغوى ما لم يحصل منه الاطمينان. مدرك حجية الاجماع المبحث الثالث: في حجية الاجماع المنقول، وحيث انه لا دليل على حجيته سوى توهم اندراجه في الخبر الواحد فيعمه ادلة حجيته كان ينبغى تأخير البحث عنها عن حجية خبر الواحد، لكن الشيخ الاعظم قدم البحث عنها وتبعه ساير المحققين ونحن ايضا نقتفى اثره، وقبل الدخول في البحث عنها لا بد من التعرض لمدرك حجية الاجماع المحصل. وملخص القول فيه، انه لا ريب في ان مدرك حجية الاجماع ليس هو الاجماع ولا بد وان يكون غيره كما هو واضح، وليس هو الكتاب كما لا يخفى، ولا السنة لعدم

[ 112 ]

ورود نص بذلك، ولا العقل لعدم تصور حكم عقلي يتوصل به الى حكم شرعى يكون مخفيا علينا، فعلى هذا الاجماع بما هو اجماع ليس بحجه وانما ينحصر وجه حجيته باستكشاف رأى المعصوم والقطع به فلا فائدة في اطالة الكلام في بيان المراد من لفظ الاجماع، فالصفح عنه اولى، بل لا بد من التكلم في مستند القطع، وقد ذكروا فيه وجوها. منها: الملازمة العقلية، وتقريبها من وجهين. الاول: قاعدة اللطف وقد اعتمد عليها شيخ الطائفة وتبعه جماعة وتقريبها، ان الواجب على الامام (ع) الذى هو الحجة على الانام تبليغ الاحكام الشرعية الموجبة لتكميل النفوس، وتوصل العباد الى مناهج الصلاح، وهذه هي وظيفته المحولة إليه من قبل الله سبحانه الذى يجب عليه تكميل نفوس البشر، وارشادهم الى مناهج الصلاح، بانزال الكتب وبعث الرسل - وعلى ذلك - فإذا اتفقت الامة على حكم فان كان موافقا لرأية (ع) فهو المطلوب، والا فيجب عليه القاء الخلاف بينهم فمن عدم الخلاف يستكشف موافقة رأيه لما اجمع الاصحاب عليه. وفيه: ان الواجب على الامام (ع) انما هو تبليغ الاحكام الشرعية على النحو المتعارف لا ايصاله الى العباد ولو بنحو غير متعارف، وهم (عليهم السلام) قد بينوا الاحكام جميعها وانما لم يصل الينا مثلا بواسطة اخفاء الظالمين وخوف الاصحاب المعاصرين لهم عن بيانها تقية، فلا يجب عليه (ع) القاء الخلاف من طريق غير متعارف، والالزم بيان الحكم على كل فرد فرد، لا على المجموع من حيث المجموع إذ قاعدة اللطف تقتضي، بيان الاحكام على كل فرد والالتزام بالاستكشاف من رأى كل فرد كما ترى - مع - انه يلزم حجية قول فقيه واحد لو انحصر الفقيه فيه في عصر. الثاني: القطع بالحكم الحاصل من تراكم الظنون كما يحصل القطع من الخبر المتواتر. وفيه: ان ذلك يتم في الاخبار عن المحسوسات، كما في الخبر المتواتر، فان التواطى على الكذب بعيد غايته وكذلك احتمال الخطا في الكل، واما في الاخبار عن الحدسيات التى لا بد فيها من اعمال النظر، فاحتمال الخطا إذا كان متمشيا في واحد يكون متمشيا في الكل، والمقام من قبيل الثاني كما لا يخفى.

[ 113 ]

ومنها: الملازمة العادية، لقضاء العادة باستكشاف رأى الرئيس عن آراء المرثوسين. وفيه: ان ذلك يتم فيما إذا كان اتفاق المرثوسين في حال الحضور وامكان الوصول الى شخصه، فان اتفاقهم في هذه الصورة، يكشف عن رأيه لا محالة، وهذا بخلاف ما لو لم يكن كذلك، بل كان الاتفاق اتفاقيا، ولم يمكن الوصول الى شخص الرئيس عادة، فان في مثل ذلك لا يكشف عن رأيه قطعا، ومن الضرورى ان اتفاق العلماء من قبيل الثاني. ومنها: دخول الامام في المجمعين، اما بدخوله في جماعة افتوا بفتوى معين مع عدم معرفته بشخسه، واما بالسماع منه (ع) ولو بالواسطة لقرب عصرهم بعصر الحضور ثم ينضم إليه فتوى بقية العلماء، وينقل الجميع بعنوان الاجماع، واما بالتشرف بحضوره وسماع الحكم منه ونقل الاجماع عليه لئلا يتوجه الناس الى التشرف. اقول، اما الوجه الاول: فيرد عليه انه لو كان محتملا في زمان الحضور، لما كان يحتمل في عصر الغيبة، واما الوجه الثاني: فيرد مضافا الى عدم تحققة في الخارج، ان النقل كذلك يشبه بالاكل من القفاء إذ لو نقل رأيه (ع) كان اولى، واما الوجه الثالث: فقد امرنا بتكذيب من ادعى الحضور عملا فلا يعتنى به. ومنها: الملازمة الاتفاقية، ولا يمكن انكارها رأسا، وتفصيل القول فيه ان الاتفاق ان كان في مورد وجود، اصل، أو قاعدة، أو اطلاق، أو خبر، فهو في نفسه لا يكشف عن رأى المعصوم، ولا عن وجود دليل معتبر غير ذلك في البين، ولو لم يكن في البين ذلك، فلا محالة يكشف الاتفاق بل افتاء شخص واحد عن وجود دليل معتبر عندهم: إذ عدالتهم مانعة عن الافتاء بغير دليل فحينئذ، تارة يحتمل اعتمادهم على، اصل، أو قاعدة، ولم يذكروها في كتبهم ففى مثل ذلك لا يستكشف رأى المعصوم، والا فيختلف حسب اختلاف الاشخاص فرب شخص يحصل له القطع برأى المعصوم (ع) من افتاء جماعة معدودين، وآخر لا يحصل له القطع، الا من اتفاق الكل، وثالث، لا يحصل له القطع اصلا من جهة احتماله اعتمادهم على خبر لو وصل إليه، لما كان يرى ظهوره في هذا الحكم،

[ 114 ]

فهذا يختلف باختلاف الموارد والاشخاص. حجية الا جماع المنقول إذا تبين مدرك حجية الاجماع المحصل، فيقع الكلام في ما انعقد البحث له، وهو حجية المنقول من الاجماع، وملخص القول فيها، انه حيث عرفت ان لا دليل لها سوى توهم شمول ادلة حجية خبر الواحد له، فامتعين هو البناء على حجيته في بعض الموارد، توضيح ذلك ان المخبر عنه ربما يكون امرا حسيا وربما يكون حدسيا، والثانى قد يكون منشاه تام السببية في نظر المنقول إليه بحيث لو فرض اطلاعه على ذلك السبب، لقطع بذلك الامر الحدسى، وقد لا يكون كذلك والمدعى حجية الخبر في الموردين الاولى، دون الا خبر كما ذهب إليه المحقق الخراساني: والوجه في ذلك. ان ادلة حجية الخبر الواحد انما تدل على حجية الاخبار عن حس، لان عمدة ادلة حجية خبر الواحد هي، اية النبا، وبناء العقلاء والا فبقية الادلة اما لا تدل عليها، اولا اطلاق لها ولها قدر متيقن، وهما مختصان بالاخبار عن حس. اما الاية فبقرينة التفصيل بين العادل والفاسق، والتعليل بقيام احتمال الندم مع عدم التبين عن خبر الفاسق، تدل على عدم الاعتناء باحتمال تعمد الكذب، ولا تدل على تصويبه في حدسه، لان احتمال الخطاء في الحدس مشترك بين العادل والفاسق فلا يصح الفرق بينهما في ذلك، فالاية متكلفة لالغاء احتمال تعمد الكذب، فحينئذ ان كان المخبر عنه حسيا، وكان المخبر موثوقا به، وظابطا أي لم يكن آفة في حاسته يكون خبره لا محالة كاشفا نوعيا عن الواقع. وهذه الكاشفية هي المقتضية لبناء العقلاء على اصالة عدم الخطاء واتباع الخبر، واما إذا كان المخبر عنه حسيا ولم يكن المخبر له الظبط، أو كان المخبر عنه حدسيا فبما ان الخبر لا كاشفية نوعية له عن الواقع فلا بناء من العقلاء على اصالة عدم الخطاء له فلا يكون الخبر حجة فيهما.

[ 115 ]

ولذلك ترى ان الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم يعتبرون في الراوى، والشاهد الضبط، وليس ذلك لاجل دليل خاص مخرج لخبر غير الضابط عن تحت ادلة حجية الخبر الواحد بل انما يكون لاجل عدم المقتضى لها لاحتمال الخطاء، والاية لا نظر لها الى عدم الاعتناء به، ولا بناء من العقلاء على عدمه. وكذلك لو كان المخبر عن حدسيا، فان الاية لا نظر ليها إليه، وبناء العقلاء ليس على تصويبه، فلا يكون الخبر حينئذ حجة. نعم إذا كان المخبر عنه حدسيا، وكان المنقول إليه جازما باصابة الحدس على تقدير تحقق المنشا يكون الخبر حجة، لان عدم ثبوت المخبر عنه لا بد وان يستند اما الى الخطاء في الحدس، والمفروض الجزم بعدمه وكونه مصيبا، أو الى عدم تحقق المنشا، واحتمال تعمد الكذب، فالاية وبناء العقلاء تدلان على عدم الاعتناء به فلا محالة يثبت المخبر عنه هذا كله فيما يدل عليه ادلة حجية خبر الواحد. وبه يظهر في نقل الاجماع توضيحه، ان الناقل ربما ينقل المسبب، وهو رأى المعصوم (ع) وربما ينقل السبب، وهو فتاوى الفقهاء. فان نقل المسبب فان علم انه ينقله عن حس كما في العلماء في عصر الحضور، فهو حجة. وان احرز ان المخبر عنه حدسى كما في العلماء في هذا العصر، فان كان المنقول إليه يرى سببية ما يراه الناقل سببا لاستكشاف راى المعصوم (ع) فنقله حجة والا فلا. فتفصيل المحقق الخراساني بين ما إذا كان السبب تاما في نظر المنقول إليه، وبين ما إذا لم يكن كذلك والبناء على الحجية في الاول خاصة، مع اشتراكهما في كونه اخبارا عن المسبب بالالتزام، وعن السبب بالمطابقة، هو الصحيح ولا يرد عليه شئ مما اورد عليه. وان لم يحرز كونه حدسيا أو حسيا، فان لم يكن امارة ظنية على كونه حدسيا فهو حجة، لبناء العقلاء عليه، من جهة الكاشفية النوعية عن الواقع، إذ ظاهر حال العاقل في دعوى الجزم بشئ كونه مستندا الى سبب عادى متعارف، نعم مع الامارة على كونه حدسيا لابناء من العقلاء على كونه حسيا لعدم الكاشفية المشار إليها.

[ 116 ]

وان نقل السبب فهو يختلف من حيث كونه، تارة حسيا، واخرى حدسيا ناشئا من لحاظ اتفاق جمع من الاساطين، بنحو استكشف منه كونه من المسلمات عند الكل، وهذا المعنى يختلف بحسب اختلاف الناقلين من حيث الاحاطة بكلمات الاصحاب وعدمها، وعلى كل تقدير قد يقال ان نقل السبب حجة في المقدار الذى علم أو احتمل مع عدم الامارة على الخلاف، استناده الى الحس، وحينئذ ان بلغ ذلك في نظر المنقول إليه حدا يكشف عن رأى المعصوم (ع) فهو والا فيحتاج في كشفه الى ضم ما يتم به السبب، ولكن بشرط ضم ما علم انه غير ما نقله الناقل كما لا يخفى. ولكن الاظهر البناء على عدم حجية نقل السبب الا إذا كان المنقول تام السببية في نظر المنقول إليه، وذلك لانه يعتبر في شمول ادلة الحجية لشئ كونه اثرا شرعيا، أو موضوعا لاثر شرعى، وكونه ملازما لشئ هو اثر شرعى أو موضوع له لا يكفى، وحجية الامارة في مثبتاتها انما هو باعتبار كونها اخبارا بالالتزام عن اللازم ايضا، كما انه اخبار عن الملزوم وفى المقام الاخبار عن اللازم وهو رأى المعصوم غير مشمول لادلة الحجية لكونه خبرا حدسيا، والاخبار عن الملزوم غير مشمول له لعدم الاثر - مع - انه لو اغمض عن ذلك يكون المخبر عنه من الموضوعات، والمشهور اعتبار التعدد فيه، واما إذا كان المنقول تام السببية في نظر المنقول إليه فقد تقدم ان ادلة الحجية حينئذ تشمل ما ينقله من رأى المعصوم (ع) أو الحجة المعتبرة، وبما ذكرناه ظهر حال نقل السبب والمسبب معا بقى امران لا بد من التعرض لهما. احدهما: ان الاجماعات المنقولة إذا تعارض اثنان منها أو اكثر، فتارة ينقل كل من الناقلين، المسبب، واخرى ينقل السبب، وثالثة: يختلفان في النقل. اما الاول: فان كان النقلان غير حجتين كما إذا كانا عن حدس وعن منشا لا منشاية له في نظر المنقول إليه، فلا كلام، وان كان احدهما حجة دون الاخر كان، هو المتبع، وان كان كل منهما حجة لو كان وحده، كان من باب تعارض الامارتين، فلا بد من الاعمال ما يقتضيه القاعدة من التساقط، أو التخيير. وان نقلا معا السبب، فان كان المنقول إليه لكل منهما غير ما ينقله الاخر، كما إذا

[ 117 ]

نقل احدهما اتفاق علماء عصر، ونقل الاخر اتفاق علماء عصر آخر، فلا تعارض بينهما، بلا لا بد للمنقول إليه من ملاحظة تلكل الاقوال وفرضها كانه حصلها، وان كان المنقول لهما شيئا واحدا يقع التعارض بينهما. وبما ذكرناه ظهر حال ما إذا نقل احدهما المسبب والاخر السبب. الثاني: في حكم نقل التواتر - من حيث المسبب والسبب - وملخص القول فيه ان نقل التواتر، قد يوجب قطع المنقول إليه بما اخبر به، لو علم به، ولو لم يكن بينهما ملازمة عادية وقد لا يوجب ذلك، وفى الاول يكون النقل حجة دون الثاني، كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه في الاجماع المنقول، هذا فيما إذا لم يترتب الاثر على الخبر المتواتر من حيث هو، والا وجب ترتيبه. في حجية الشهرة الفتوائية وعدمها المبحث الرابع: في حجية الشهرة الفتوائية وعدمها، وملخص القول في المقام، ان الشهرة على اقسام، الاول الشهرة في الرواية، ويقابلها الشاذ النادر الذى لم ينقله المشهور. الثاني: الشهرة في الاستناد وهى المعبر عنها بالشهرة العملية، أي يكون استنادهم في الفتوى الى تلك الرواية، ويقابلها الشاذ النادر الذى لم يستند المشهور في الفتوى إليه بل اعرضوا عنه. الثالث: الشهرة في الفتوى من دون ان يعلم مستندهم، ويقابلها الشاذ النادر الذى لم يفت به المشهور، اما الاولان فسياتى الكلام فيهما في مبحث التعادل والتراجيح. انما الكلام في المقام في القسم الثالث، وقد استدل لحجية تلك الشهرة أي الشهرة الفتوائية، بوجوه. الاول: قوله (ع) في مقبولة ابن حنظلة بعد الامر باخذ المشهور وترك الشاذ النادر، فان المجمع عليه لا ريب فيه (1) إذ المراد به المشهور لا الاجماع المصطلح للامر بترك


1 - الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى حديث 1. (*)

[ 118 ]

الشاذ النادر، فيكون مفاد التعليل، ان المشهور مما لا ريب فيه، ومقتضى عموم العلة حجية كل شهرة لا خصوص الشهرة الروائية التى هي المعللة. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان هذه العلة ليست من قبيل العلة المنصوصة، التى تعمم وتخصص، إذ العلة المنصوصة، التى تكون كبرى كلية هي ما يصح التكليف بها ابتداءا، بلا ضم المورد إليها، نظير لا تشرب الخمر لانه مسكر، إذ يصح النهى عن شرب كل مسكر، وهذه العلة لا تصلح لذلك، إذ المراد من لا ريب فيه ليس هو ما لا ريب فيه بقول مطلق، لعدم كون المشهور كذلك، بل المراد منه لا ريب فيه بالاضافة، ولا يصلح ان يقال خذبلك ما لا ريب فيه بالاضافة الى غيره، والالزام بلك راجع بالقياس الى غيره، ولو كان هو الاحتمال المتساوي الطرفين، وعلى ذلك فالتعليل اجنبي عن الكبرى الكلية التى يتعدى عنها. اقول يمكن تصحيح كونها كبرى كلية. ولكن مع ذلك اجنبية عن المقام، وذلك لوجهين احدهما ان المراد من لا ريب فيه هو عدم الريب فيه بقول مطلق لان الامام طبق الامر البين الرشد على الخبر المجمع عليه، ولا ينافى ذلك فرض الراوى الشهرة في المتعارضين، إذا المراد من عدم الريب عدمه من حيث الصدور خاصة، وبديهى انه يمكن ان يكون المتعارضان صادرين عن المعصوم، احدهما لبيان الحكم الواقعي، والاخر للتقية وجعل هذه كبرى كلته يتعدى عن موردها الى كل مورد اطمئن بصدور الخبر، لا مانع منه، وبه يظهر عدم صحة الاستدلال به في المقام. ثانيهما: ان العلة علة للاخذ باحدى الحجتين لا لجعل الحجية لشئ، والتعدى عن المورد الى كل متعارضين كان الريب في احدهما اقل لا محذور فيه وقد التزم الشيخ (ره) بذلك وبه يظهر جواب آخر عن الاستدلال، فان العلة علة للترجيح لا لجعل الحجية. الثاني: اطلاق قوله (ع) في مرفوع زرارة، خذ بما اشتهر بين اصحابك (1) حيث ان


1 - مستدرك الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى حديث 2. (*)

[ 119 ]

الموصول من المبهمات، ومعرفه الصلة، واطلاقها يشتمل الشهرة الفتوائية، ومورده وان كان الشهرة الرواية بقرينة السؤال، الا ان العبرة بعموم الجواب لا بخصوص المورد. واجاب عنه الشيخ الاعظم بجوابين - احدهما - انه ضعيف السند، وهو متين كما سيمر عليك. الثاني: ان المراد بالموصول هو خصوص الرواية المشهورة، بقرينة ان السؤال عن الخبرين المتعارضين فيكون معرف الموصول ومبين المراد منه غير صلته، كما يظهر لمن تأمل في نظائره من الامثلة، فإذا قيل أي المسجدين تحب فأجاب ما كان الاجتماع فيه اكثر كان ظاهرا في خصوص المسجد الذى كان الاجتماع فيه اكثر لا مطلق المكان الذى كان كذلك. اضف إليه ان الشهرة الفتوائية لا تقبل ان يكون في طرفي المسألة فقول الراوى بعد ذلك انهما مشهوران ماثوران، اوضح شاهد على المراد هو الشهرة في الرواية، وسياتى الكلام في ذلك في محله. والحق في الجواب ان يقال ان الامر بالاخذ لا يكون ارشادا الى الحجية، بل الى ترجيح احدى الحجتين على الاخرى فلا وجه للتمسك باطلاقه لحجية الشهرة الفتوائية، نعم لا بأس بالتمسك به لمرجحيتها ايضا. الثالث: فحوى ما دل على حجية خبر الواحد لان ملاك حجيته المستفاد من الادلة هو حصول الظن والظن الحاصل من الشهرة الفتوائية اقوى فيدل دليل حجية خبر الواحد على حجيتها بالاولوية. وفيه: انه لم يثبت كون ملاك حجية الخبر ذلك بل لعله كونه غالب المطابقة للواقع باعتبار كونه اخبارا عن حس واحتمال الخطا في الحس بعيد بخلاف الاخبار عن حدس كما في الفتوى فان احتمال الخطاء في الحدس غير بعيد ويحتمل ان يكون الملاك خصوصية اخرى في الخبر ومع احتمال ذلك لا تتم دعوى الاولوية، بل الثابت عدم كون الملاك ما ذكر، لان الخبر حجة مع عدم الظن بل مع الظن بخلافه. الرابع العليل في ذيل آية البناء وهو قوله تعالى ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا

[ 120 ]

على ما فعلتم نادمين - فان تعليل عدم حجية خبر الفاسق باصابة القوم بجهالة أي السفاهة والاعتماد على ما لا ينبغى الاعتماد عليه، يدل على حجية المشهور، فان الاعتماد عليه ليس من هذا الباب، - وبعبارة اخرى - المورد وان كان هو الخبر الا ان العلة كما تخصص تعمم. وفيه: ان مقتضى تعميم العلة، عدم حجية كل ما يكون الاعتماد عليه سفاهة وجهالة، ولا تقتضي حجية كل ما يكون كذلك لعدم ثبوت المفهوم له، كما لا يخفى، فكون العلة محضصصة ومعممة اجنبي عن المقام - مع - ان كون الاعتمالد على الشهرة اعتمادا على ما ينبغى الاعتماد عليه اول الكلام، واثباته به دور واضح، فامتحصل عدم حجية الشهرة الفتوائية. المبحث الخامس في حجية خبر الواحد وقبل الدخول في البحث، لا بد وان يعلم ان البحث عن حجية الخبر الواحد، انما يكون من اهم المسائل الاصولية، فان اساس القول بانفتاح باب العلمي، وانسداده هو حجية الخبر الواحد وعدمها. ثم ان اثبات الحكم الشرعي من الخبر الواحد، يتوقف على امور، الاول: - ثبوت صدوره عن المعصوم (ع) - الثاني صدوره لبيان الحكم الواقعي لا للتقية وغيرها، الثالث ظهوره في معنى وحجية ظهوره والمتكفل للبيان من الجهة الاولى هذه المسالة. واما الجهة الثانية: فلا تحتاج الى البحث: لقيام العقلائية على عدم الاعتناء باحتمال صدوره لغير بيان الحكم الواقعي. والمتكفل للبيان من الجهة الثالثة الفصل المتقدم المنعقد لا ثبات ذلك فراجع. وعلى ذلك فعدم انطباق ما جعل موضوعا لعلم الاصول، وهى الادلة الاربعة - بضميمة - ما قيل ان مسائل كل علم ما يبحث فيها عن عوارضه الذاتية لموضوعاتها، على مسالة الخبر الواحد يكشف عن فساد الضابط، لا عن عدم كون هذه المسالة من

[ 121 ]

المسائل الاصولية، لما عرفت خصوصا، بضميمة ان الخواص المذكورة للمسالة الاصولية التى ذكرناها في اول الكتاب ثابتة لها، والشيخ الاعظم (ره) تصدى لتطبيق الضابط المذكور على هذه المسالة، وقد تعرضنا له ولجوابه ولما ذكر انتصارا له والجواب عنه في اول الكتاب فراجع. ادلة عدم حجية الخبر والجواب عنها وقد استدل لعدم حجية الخبر الواحد بوجوه. الاول: الاجماع على ذلك، وفيه ان المحصل منه غير حاصل، والمنقول منه كما بيناه غير حجية خصوصا في المقام حيث انه فرع حجية الخبر الواحد فكيف يستدل به على عدم حجية الخبر الواحد، والخبر الواحد، الذى ادعى السيد المرتضى وشيخ الطائفة وجمع من القدماء، عدم حجيته، غير ما هو المصطلح عندنا، ومرادهم به الخبر الضعيف: والشاهد عليه ادعاه الشيخ (ره) الاجماع على حجية خبر الثقة، ويؤيده ابتلاء الشيخ (ره) في زمانه بالعامة واخبارهم المروية بطرقهم غير المعتبرة - وقوله - في تعارض الروايتين ورجحان احداهما على الاخرى ان المرجوح لا يعمل به لانه خبر الواحد. الثاني: الايات منها التعليل المذكور في ذيل آية النباء على ما ادعاه الطبرسي وسياتى تقريب كلامه والجواب عنه. ومنها: ما دل على النهى عن العمل بالظن كقوله تعالى - ان الظن لا يغنى من الحق شيئا (1) وفيه: انه يدل على عدم حجية الظن بما هو ظن، ومحل الكلام هو حجية خبر الواحد بما هو وان لم يفد الظن - وبعبارة اخرى - الاية تدل على ان الظن من حيث هو ليس فيه اقتضاء الحجية وادلة حجية خبر الواحد تدل على وجود المقتضى في هذا العنوان فلا تنافى بينهما.


1 - سورة يونس آية 101. (*)

[ 122 ]

ومنها: ما دل على النهى عن اتباع غير العلم كقوله سبحانه ولا تقف ما ليس به علم (1). واورد عليه باختصاصه بالاعتقاديات، اما بدعوى ان مساق هذه الايات ذلك كما عن المحقق النائيني (ره) أو بدعوى، ان تلك الايات منصرفة الى الاعتقاديات، أو ان المتيقن منها ذلك كما عن المحقق الخراساني (ره). وفيه: ان الاية انما ذكرت في ذيل آيات الاحكام في سورة بين اسرائيل، والانصراف لا شاهد به والتيقن، ان كان باعتبار عدم ذكر المورد فلا اطلاق لها، يدفعه ان حذف المتعلق يفيد العموم، وان كان باعتبار ان من مقدمات الحكمة عدم وجود القدر المتيقن، فيدفعه انه ليس كذلك كما حقق في محله. والحق في الجواب عن هذه الايات ان يقال انها معارضة بما يدل على حجية الخبر الواحد مما سيجيئ ذكره فتخصص به لكونه اخص منها، مع انه يمكن ان يقال انه حاكم عليها لانه يخرجه عن غير العلم ويدخله في العلم، فلو كانت النسبة عموما من وجه كان مقدما عليها. الثالث: النصوص الكثيرة المتواترة اجمالا الدالة على ذلك (2). وفيه: انه تلك النصوص على طائفتين الاولى ما تدل على الاخذ بما علم صدوره مهم وعدم الاخذ بما لم يعلم صدوره، والجواب عنها هو الجواب عن الايات. الثانية: ما تدل على عرض الخبر على الكتاب - والسنتها مخلتفة - منها ما تضمن ان ما لا يوافق كتاب الله لم يصدر منهم. ومنها: ما تضمن ان ما لا يوافق كتاب الله غير حجة - ومنها - ما تضمن ان ما خالف كتاب الله غير صادر عنهم. ومنها: ما تضمن ان ما خالف كتاب الله غير حجة. والجواب عنها ان كل طائفة منها اخبار آحاد، لا يصح الاستدلال بها على عدم حجية الخبر الواحد، ومجموعها وان كانت متواترة اجمالا، الا ان لازم تلك ذلك هو الاخذ


1 - سورة الاسراء آية 36. 2 - الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى. (*)

[ 123 ]

بالمتيقن، وما هو اخص مضمونا، وهو الخبر المخالف للكتاب والمراد من المخالفة، هي المخالفة بالتباين: إذ المخالفة بالعموم والخصوص حيث ان اهل العرف يرون الثاني قرينة، على الاول، ليست مخالفة عند العرف - مع - انه إذا قيل بشمولها لها، يلزم تخصيص الاكثر لوجود كثير من المخصصات والمقيدات وغيرهما في الاخبار قطعا، مضافا: الى ان سياق هذا النصوص آب عن التخصيص، مع العلم اجمالا بل تفصيلا بوجود المخصص. وبهذا ظهر حال نصوص المخالفة على فرض كونها متواترة في انفسها. واما نصوص الموافقة على فرض التواتر فهى تخصص بما يدل على حجية الخبر الواحد: إذ الالتزام بان تلك الادلة مختصة بالخبر الموافق للكتاب خاصة كما ترى، لان ذلك الخبر حجيته لا يترتب عليها اثر، مضافا الى العلم بصدور الخبر غير الموافق عنهم (عليهم السلام) متكفل لبيان الاجزاء والشرائط لكل عبادة ومعاملة، فالمتعين هو حملها على عدم المخالفة بالتيان، أو على صورة المعارضة، أو الاعتقاديات، كما يشهد لكل ذلك بعض تلك النصوص. ادلة حجية الخبر الواحد - آية النبا وقد استدل لحجيته بوجوه. الاول: " آية النبا ان جائكم فاسق بنبا فتيبوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (1) " وتقريب الاستدلال بها من وجوه. الاول: مفهوم الوصف حيث انه تعالى اوجب التبين عن خبر الفاسق فيتسكشف من ذلك عدم وجوب التبين عن خبر غيره، وحيث ان وجوب التبين وجوب شرطى للعمل لا نفسي لان التفحص عن كونه صادقا، أو كاذبا، تفحص عن عيوب الناس، وهو لا يكون واجبا قطعا، مضافا الى ما في ذيل الاية من التعليل الدال على ذلك - وبالجملة -


1 - سورة الحجرات آية 6. (*)

[ 124 ]

لا ريب ولا كلام في ان وجوب التبين شرطى للعمل، فمفهومه عدم لزوم التبين عن خبر غير الفاسق في مقام العمل فيعمل به من غير تبين. وفيه: ما تقدم في مبحث المفاهيم من عدم حجية مفهوم الوصف خصوصا غير المعتمد على موصوفه. الثاني: دلالة الاقتضاء وهى ما افاده الشيخ الاعظم (ره) - وحاصله - انه في خبر الفاسق حيثيتين حيثية ذاتية، وهى كونه خبر واحد وحيثية عرضية، وهى كونه خبر فاسق، وقد علق وجوب التبين على الحيثية الثانية، فلو كانت الاولى صالحة لذلك كان المتعين، التعليق عليها: إذ العدول عن الامر الذاتي الى العرضى، قبيح وخارج عن الطريقة المألوفة، نظير تعليل نجاسة الكلب بملاقاته مع النجس فيستكشف من ذلك، ان وجوب التبين ينتفى، بانتفاء العنوان العرضى وهو الفسق، فيعمل بخبر غير الفاسق من دون تبين. واورد على بايرادين من. الاول: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو ان لازم هذا التقريب حجية الخبر في نفسه ومانعية الفسق، فلا بد من الالتزام بحجية خبر غير الفاسق مطلقا ولو لم يكن عادلا كالصغير، والوسط بين العادل والفاسق، ولم يلتزم به احد. وفيه: انه يقيد اطلاق المفهوم بالادالة الاخر الدالة على اعتبار العدالة والوثوق. الثاني: ما افاده بعض الاعظم (ره) وهو ان الخبر عبارة، عن المبتدأ، والخبر، والنسبة، وهذا المعنى يعرض له عوارض قد ينقله شخص واحد، وقد ينقله اشخاص متعددة، والناقل له، قد يكون عادلا، وقد يكون فاسقا فكما ان كون الراوى عادلا أو فاسق من العوارض كذلك كونه واحدا ام متعددا منها. وفيه: ان المراد من خبر الواحد الخبر الذى يحتمل الصدق والكذب، ومن كون عنوان خبر الواحد ذاتيا للخبر، ليس هو الذاتي في كتاب الكليات، بل المراد به الذاتي في كتاب البرهان، وهو ما يكفى في انتزاعه مجرد وضع الشئ من دون احتياجه الى ضم شئ آخر إليه، كالزوجية للاربعة، وخبر الواحد أي الخبر الذى لا يفيد القطع ويحتمل فيه الصدق والكذب كذلك: إذ الخبر في ذاته يحتمل الصدق والكذب، وان لم يضم إليه شئ خارجي.

[ 125 ]

والحق في الايراد عليه (قده)، ان يقال ان هذا التقريب ليس شيئا وراء مفهوم الوصف وهذا يجرى في جميع الاوصاف كما لا يخفى بل هو غيرها، فلو قال اكرم الانسان، يقال ان الحيوانية ذاتية للحيوان، والناطقية عرضى له، فتعليق الحكم على العنوان العرضى يكشف عن عدم ثبوت الحكم لغير ذلك المورد. نعم، لا بد وان يكون ذكر الفاسق لفائدة كما في جميع الاوصاف، ويمكن ان تكون تلك الفائة التنبيه على فسق الوليد، أو غير ذلك من الاغراض الداعية الى التصريح به. الثالث: من الوجوه، الاستدل بمفهوم الشرط بتقريب ان التبين علق على كون الجائى بالخبر فاسقا، فيدل على انتفاء التبين، عند عدم كون الجائى به فاسقا وحيث ان وجوب التبين شرطى، فمفهومه جواز العمل بخبر غير الفاسق من غير تبين واعتبار العدالة انما يكون بدليل خارجي. واورد عليه بوجوه الاول، ان هذه القضية ليس لها مفهوم إذ هي سيقت لبيان تحقق الموضوع فان المعلق عليه هو الموضوع وهو النبا المقيد بكون الجائى به فاسقا، فعند انتفاعه ينتفى الموضوع، فتكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، فلا مفهوم لها. واجاب عنه المحقق صاحب الكفاية، بان الموضوع، انما هو النبا الذى جيئ به، وكون الجائى به فاسقا هو الشرط فلا يكون من هذا القبيل. اقول ينبغى اولا تعيين محل النزاع ثم بيان ما هو الحق عندنا. اما الاول: فتوضيحه يتوقف على بيان مقدمة. وهى، ان القيود التى تكون دخيلة في ثبوت الحكم، ربما تؤخذ قيدا للموضوع، نحو زيد الجائى اكرمه، وربما ترجع الى المتعلق نحو الصلاة مع الطهارة واجبة، وربما ترجع الى الحكم نحو ان جاء زيد فأكرمه والثالث على قسمين. الاول: ان يكون تعليق الجزاء على الشرط عقليا من غير دخل للمولى فيه مثل - إذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها. الثاني ان يكون شرعيا وثبوت الجزاء في نفسه لا يتوقف عليه، والقضية التى لها مفهوم، هي ما كان القيد فيها قيدا للحكم وكان دخله شرعيا، واما في باقى الصور فلا مفهوم لها.

[ 126 ]

إذا عرفت ذلك، فاعلم ان النزاع في المقام انما يكون في ان هذه القضية هل تكون من القسم الثالث، فلا مفهوم لها ام من قبيل القسم الرابع فلها مفهوم، والمحقق الخراساني يدعى كونها من قبيل القسم الرابع، والشيخ الاعظم (ره) يدعى انها من قبيل القسم الثالث. وقد رجح المحقق النائيني قول صاحب الكفاية، وافاد في وجه ذلك ان الاية الشريفة نزلت في الوليد حيث اخبر بارتداد بين المصطلق، ولا بد وان يكون المورد من صغريات الكبرى الكلية المذكورة في الاية، وعليه فحيث انه في المورد اجتمع عنوانان، احدهما كون الخبر واحدا ثانيهما كون المخبر فاسقا وعلق الحكم على احد العنوانين، وهو الثاني، فكان الجزاء مترتبا على خصوص ذلك، وهو كون المخبر فاسقا مع فرض وجود العنوان الاخر، وعدم دخله في الجزاء والا لعلق عليه، فيكون مفاد المنطوق بعد ضم المورد إليه ان الخبر الواحد ان كان الجائى به فاسقا فتبينوا، فمفهومه ان لم يكن الجائى به فاسقا فلا تبينوا. اقول ان هذا المقدار لا يكفى في اثبات هذا القول إذ الشيخ (ره) يدعى ان الكبرى الكلية المذكورة في الاية، هي كون النبا المقيد بكون الجائى به فاسقا واجب التبين، - وبعبارة اخرى - ان الشرط هو المقيد وعليه فهى منطبقة على المورد ايضا. واما الثاني: وهو بيان ما هو الحق عندنا فاقول، ان الظاهر من الاية الشريفة كون الموضوع هو النبا ومحيئ الفاسق به هو الشرط لوجوب التبين: وذلك لان الموضوع هو الضمير المستتر في تبينوا، وهو انما يرجع الى مفعول جاء وهو ذات النبا، لا النبا الذى جاء به الفاسق، إذ مضافا الى انه لا وجه لتقييده به، لا يعقل ذلك لانه جعل مفعولا لجاء، والنبا المضاف الى الفاسق أي الذى اخبر به الفاسق، لا معنى لجعله مفعولا له، والالزام تحصيل الحاصل كما لا يخفى، فلا محالة لا يكون النبا مقيدا ويكون مطلقا، فيكون الموضوع ذات النبا. والايراد عليه بانه ان كان الموضوع ذات النبا المقسم لما جاء به الفاسق، أو العادل، لزم وجوب التبين في طبيعة النبا وان كانت متحققة في ضمن خبر العادل على تقدير تحقق الشرط، كما عن المحقق صاحب الدرر.

[ 127 ]

فيه: ان دخالة كل قيد ماخوذ في الدليل سواء جعل قيدا للموضوع، أو الحكم في ثبوت الحكم حدوثا وبقاءا ورجوعه الى الموضوع ثبوتا لا ينكر، والاختلاف انما هو في مقام الاثبات لا الثبوت والواقع واللب مع انه لو لم يكن الموضوع ذات النباء - يمكن ان يقال ان الموضوع هو النبا المحقق المردد بين القسمين فيصير المعنى يجب التبين عن النبا المحقق إذا جاء به الفاسق فيدل على المفهوم. ودعوى انه على هذا لا بد وان يعبر بما يدل على المضى لا الاستقبال - مندفعة - بانه لا وجه لذلك الا دعوى ان ما لم يوجد لعدم تشخصه، وعدم وقوعه على وجه، لا وجه لدعوى انه لا يكون هناك مجال الا للترديد بخلاف ما وجد، وهى مندفعة بان ما فرض في المستقبل إذا كان واحدا شخصيا، فهو بحسب الفرض جزئي لا يعقل وقوعه الا على وجه واحد، فهو غير قابل للانقسام الى امرين بل امره مردد بين الامرين بلحاظ جهل الشخص. ويمكن ان يقرر دلالة الاية على المفهوم بجعل الشرط مركبا من جزئين، النباء، وكون الاتى به فاسقا، وتوضيحه يتوقف على مقدمة. وهى، ان المقدم في القضية الشرطية، قد يكون امرا واحدا، وقد يكون مركبا من امور، وقد عرفت ان الاول على قسمين أي قد يكون لتحقق الموضوع، وقد لا يكون كذلك، واما الثاني فهو على قسمين. الاول: ما إذا كان الحكم بالنسبة الى كل منها قابلا للاطلاق والتقييد - مثل - ان جاء زيد، وكان على رأسه عمامة، وفى يده عصا، فأكرمه. الثاني: ما إذا كان بالنسبة الى بعضها كذلك، وبالنسبة الى الاخر لبيان تحقق الموضوع، مثل ان رزقت ولدا في يوم الجمعة فاختنه، حيث ان رزق الولد ذكر لبيان تحقق الموضوع، بخلاف يوم الجمعة، وفى القسم الاول يكون الحكم مقيدا بمجموع القيود وتدل القضية على انتفاء الحكم بانتفاء كل واحد من القيود، واما في القسم الثاني فبالنسبة الى ما سبق لتحقق الموضوع لا مفهوم لها، وينحصر مفهومها بالقياس الى التقيد الاخر. وعليه، فما يتوفق عليه الجزاء في المقام عقلا انما هو النبا ولا مفهوم للاية بالقياس إليه، وما هو قيد للحكم شرعا انما هو القيد الثاني فينتفى الحكم بانتفائه.

[ 128 ]

وبذلك كله ظهر ما في كلام المحقق الخراساني (ره) حيث قال انه لو كان الشرط هو نفس تحقق النبا ومجئ الفاسق به كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع. واما ما ذكره المحقق الخراساني (ره) بقوله مع انه يمكن ان يقال ان القضية ولو كانت مسوقة لذلك الا انها ظاهرة في انحصار موضوع التبين في النبا الذى جاء به الفاسق فيقتضى انتفاء وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر انتهى. فيندفع بان القضية الشرطية تدل على انحصار ثبوت الجزاء في الموضوع المفروض على فرض تحقق الشرط ولا تدل على انحصار الموضوع بما اخذ في لسان الدليل فتدبر فانه دقيق. الايراد الثاني: ان صدر الاية الشريفة وان كان ظاهرا في المفهوم الا انه من جهة التعليل، لعدم حجية خبر الفاسق باصابة القوم بالجهالة، أي عدم العلم بصدق المخبر، وهو عام شامل لخبر العادل غير المفيد للعلم ايضا ومقتضاه عدم حجية خبر العادل، أي كل خبر لا يفيد العلم، لا بد من الالتزام بعدم المفهوم للقضية، إذ يقع التعارض، بين ظهور، القضية في المفهوم، وعموم التعليل، ولا بد من رفع اليد عن احدهما، وعليه فبما ان ظهور التعليل في العموم اقوى من ظهور القضية في المفهوم فيقدم، ولا اقل من التساوى وعدم اظهرية احدهما عن الاخر فيتساقطان فلا يصح التمسك بالمفهوم، والفرق بين هذا الايراد وسابقه ان السابق كان بملاك عدم المقتضى للمفهوم، وهذا يكون بملاك ثبوت المانع عن انعقاد الظهور في المفهوم. ويمكن الجواب عن ذلك بوجهين، احدهما: ان المراد بالجهالة السفاهة، أي فعل ما يكون شأن ارباب الجهل، ولا يكون من زى العقلاء، - وبعبارة اخرى - الجهالة العملية نظير قوله تعالى " انى اعظك ان تكون من الجاهلين "، والشاهد على ذلك مضافا الى ظهور الاية، انه لو اريد به عدم العلم لزم تخصيص التعليل، بما دل على حجية الفتوى، والبينة، وغير ذلك من الامارات التى ثبتت حجيتها، مع ان سياق الاية آب عن التخصيص فلا مناص عن حمله على ارادة السفاهة وفعل ما لا ينبغى صدوره من العاقل. واورد على هذا الجواب الشيخ الاعظم (ره) بان اصحاب النبي (ص) الذين هم من

[ 129 ]

العقلاء قد عملوا بخبر الوليد حتى نزلت الاية فحمل الجهالة على السفاهة يلزم، اما الالتزام بعدم كونهم من العقلاء، أو عدم شمول الاية للمورد، وهما كما ترى، فلا محالة يكون المراد بها عدم العلم. وفيه: ان السفاهة على قسمين. الاول: فعل ما لا يصدر من العقلاء اصلا. الثاني: انه يصدر ولكنه مع الغفلة عن كونه من مصاديق كبرى كلية خاصة، نظير من يعلم انه لا يقدر على ان يسبح في الشط الذى عرضه مائة ذراع، ولكنه غفلة عن كون هذا الشط عرضه هذا المقدار يقدم على ذلك - وبالجملة - صدور عمل السفهاء من العقلاء في غاية الكثرة، كما يظهر من ملاحظة حال العصاة، اترى العصيان من ذى العقلاء بما هم عقلاء كلا. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) من حكومة المفهوم على عموم العلة - توضيح ذلك - ان العلة بعمومها متعرضة لبيان الردع عن العمل بغير العلم ولا نظر له الى عقد الوضع، كما هو الشان في كل دليل، والمفهوم الدال على حجية خبر العادل المستلزم لتنزيل خبر العادل منزلة العلم، وجعله من افراد العلم، يوجب، خروج خبر العادل عن موضوع التعليل، فيكون حاكما عليه، ولا يلاحظ النسبة بين الحاكم والمحكوم، بل الحاكم يقدم في جميع الصور. واورد عليه بايرادات احدهما ما افاده المحقق البروجردي، وهو انه على فرض ثبوت المفهوم، يكون حاكما على عموم العلة، ولكن الكلام في ثبوته، والمدعى ان عموم العلة مانع عن انعقاد الظهور لهذه القضية الشرطية. وفيه: ان مانعيته عن انعقاد الظهور لها، فرع ثبوت التنافى بين المفهوم، وعموم العلة، والا فلا وجه لمانعيته كما لا يخفى، ونحن تبعا للمحقق النائيني (ره)، ندعى انه لا تمانع ولا تدافع بينهما إذ كل منهما متكفل لبيان شئ، ولا ربط لمفاد احدهما بالاخر، إذ المفهوم انما يثبت الحجية لخبر العادل، ويجعله علما تعبدا وطريقا تاما، والعلة متكفلة لبيان الحكم، وانه لا يجوز اتباع ما ليس بعلم - وبعبارة اخرى - احدهما متكفل لعقد الوضع، والاخر لعقد الحمل، فاى تمانع بينهما ومع عدمه كيف يعقل ان يكون عموم العلة مانعا عن انعقاد الظهور للشرط في المفهوم وبالجملة الظاهر انه خلط بين دعوى

[ 130 ]

حكومة المفهوم على العلة وتحصيصها به - وما ذكره يتم في الثاني دون الاول -. ثانيهما: ما افاده بعض الاعاظم - وهو - ان الحكم في الاية الشريفة علل بالاصباح العادل، وهذه العلة تشترك بين خبر العادل والفاسق حتى مع الدليل على حجية خبر العادل، فان مخالفة الواقع موجبة للندم مطلقا فلا محالة تكون مانعة عن انعقاد الظهور في المفهوم. وفيه: ان الظاهر من العلة التعليل بما يصلح رادعا عند العقلاء وهو انما يكون في الندم على عدم العمل بالوظيفة لا في الندم على مخالفة الواقع مع العمل بالوظيفة - وبعبارة اخرى - ان الندم تارة يكون مع اللوم والعقوبة واخرى يكون بدون ذلك وما يصلح ان يكون رادعا عند العقلاء هو الاول، دون الثاني، وحيث ان الظاهر كون التعليل بما يصلح ان يكون رادعا عند العقلاء فلا محالة يكون الظاهر من الندم هو القسم الاول منه، ومن المعلوم ان خبر العادل على فرض حجيته لا يوجب العمل به الندم، فالمفهوم يصلح رافعا لموضوع العلة. ثالثها: ان المفهوم متفرع على المنطوق، ومترتب عليه ترتب الدلالة الالتزامية على الدلالة المطابقية، والمنطوق مترتب على عموم التعليل ترتب المعلول على علته فلا يعقل، ان يكون المفهوم حاكما على التعليل، إذ ما يكون متاخرا عن الشئ رتبة لا يعقل ان يكون حاكما عليه. وفيه: اولا ان تأخر المفهوم عن المنطوق انما هو في مقام الكشف والدلالة لا في مقام المدلول، - وبعبارة اخرى - حجية خبر العادل لا تكون متاخرة عن عدم حجية خبر الفاسق، بل المتأخر هو كشف القضية عن حجية خبر العادل عن كشفها عن عدم حجية خبر الفاسق، والحاكم انما هو نفس المفهوم لا كشفه، وثانيا ان الحكومة لا تنحصر في ما إذا كان الحاكم ناظرا الى المحكوم وشارحا له بل هناك قسم آخر من الحكومة، وهو ما إذا كان دليل الحاكم متضمنا لبيان موضوع مستقل يكون نتيجته التوسعة أو التضييق في دليل المحكوم كما في المقام. وبما ذكرنا ثانيا يظهر اندفاع، ما ربما يورد على الحكومة من ان الحكومة انما

[ 131 ]

هي فيما إذا كان لسان الدليل نفى الموضوع، وكان الغرض منه نفى الحكم كما في قوله (ع) لا ربا بين الوالد والولد، واما لو كان لسان الدليل نفى الحكم ابتداءا فليس هناك حكومة والمقام كذلك إذ المستفاد من المفهوم عدم وجوب التبين عن خبر العادل، وعموم العلة يدل على وجوبه، فيكون المفهوم مخصصا لعموم العلة لا انه يكون حاكما عليه. وجه الاندفاع ان الموضوع في المقام بنفسه قابل للتعبد به بلا احتياج الى لحاظ اثر شرعى فالمفهوم تعبد بالموضوع، وهو العلم ويترتب عليه آثاره العقلية من التنجيز والتعذير ويكون خارجا عن عموم التعليل موضوعا بالتعبد وهو من الحكومة بالمعنى الثاني فتدبر فانه دقيق. الايراد الثالث: على الاستدلال بالاية الشريفة، ان مورد الاية هو الاخبار بارتداد بنى المصطلق ولا اشكال في ان الخبر لا يفيد في الاخبار بارتداد شخص واحد فضلا عن الاخبار بارتداد جماعة فلو كان للاية مفهوم لزم تخصيص المورد المستهجن فلا مفهوم لها. وفيه: اولا ما افاده الشيخ الاعظم (ره) - وحاصله - ان المستهجن تخصيص المورد، واما تقييد اطلاق الدليل بالقياس الى المورد فلا قبح فيه اصلا - مثلا إذا سال عن وجوب اكرام زيد، واجيب بما يكون مختصا بغيره يكون هذا مستهجنا، واما لو اجيب بكبرى كلية، لزم تقييدها بالاضافة الى زيد، فلا استهجان فيه، والمقام من قبيل الثاني: فان المورد لا يكون خارجا عن الكبرى المذكورة في الاية، بل لا بد من تقييدها في خصوص المورد بالتعدد ولا يخرج بذلك عن تحت الكبرى الكلية كى يكون مستهجنا. واورد عليه بعض المحققين: بان المراد من التبين ان كان هو العلم، كان الامر ارشاديا، إذ وجوب العمل على طبق العلم عقلي، فالامر به لا محالة يكون ارشاديا، لا شرطيا، فلا مفهوم له: لعدم استفادة المفهوم من الامر الارشادي، وان كان المراد منه الوثوق لزم خروج المورد عن تحت الحكم المذكور في المنطوق، إذ لا يكفى الوثوق الحاصل من خبر الفاسق في مثل ذلك فلا يمكن التحفظ على كون وجوب التبين شرطيا مع عدم لزوم تخصيص المورد.

[ 132 ]

وفيه: اولا ان وجوب العمل على طبق العلم عقلي والواجب هو تحصيل العلم لا العمل به وتحصيله ليس واجبا عقليا بل هو شرعى - وثانيا - ان التبين انما هو بمعنى الظهور والوضوح فالمستفاد من المنطوق هو عدم العمل بخبر الفاسق الا بعد ظهوره و وضوحه، وهذا المعنى في نفسه ظاهر في العلم الوجداني، الا انه كلما ثبت بدليل حجيته، دخل في هذا العنوان بعنوان الحكومة كان هو خبر العادل الثابت حجيته بالفهوم، أو غيره من الامارات الثابتة حجيتها بدليل خارجي - وبالجملة - ليس المراد به خصوص العلم الوجداني، ولا الوثوق، بل هو الظهور والوضوح فتدل الاية على اناطة جواز العمل بخر الفاسق بالظهور وانكاشف الواقع، وهذا معنى عدم حجيته في نفسه، كما ان مفهومه جواز العمل بخبر العادل بلا اعتبار ذلك وهو معنى حجيته، وحينئذ كلما ثبت حجيته دخل في عنوان التبين والظهور والا فلا. هذا كله في الجواب الاول عن هذا الايراد، ويمكن ان يجاب عنه بجواب ثان، وهو ان المورد مورد للمنطوق لا المفهوم، وهو لم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود لعدم ورود الاية مورد اخبار العادل بالارتداد، بل يكون المفهوم من هذه الجهة كساير الكليات الابتدائية ولا ملازمة بين المنطوق والمفهوم في المورد. الايراد الرابع: ما افاده بعض الاعاظم، وهو ان المراد ان كان هو خصوص العلم الوجداني، لا يمكن ان يكون وجوب التبين نفسيا، أو شرطيا، أو مقدميا، لان مقسم هذه الاقسام الوجوب المولوي، ولزوم اتباع العلم عقلي وامر الشارع به لا محالة يكون ارشاديا فلا مفهوم للاية وان كان المراد به الوثوق، يكون المستفاد من مجموع منطوق الاية ومفهومها حكما مخالفا للاجماع، فان العلماء اختلفوا على قولين احدهما حجية قول العادل، افاد الوثوق ام لا ؟ ثانيهما حجة الخبر الموثق، والاية على هذا بمفهومها تدل على حجية خبر العادل، وان لم يفد الوثوق، وبمنطوقها تدل على حجية الموثق، وان لم يكن المخبر عادلا وهذا احداث قول ثالث، فلا محالة يقع التعارض بين المنطوق والمفهوم. وفيه: اولا - انه يمكن ان يكون المراد من التبين، العلم الوجداني، ويكون الامر به

[ 133 ]

مولويا، فان اتباع العلم والعمل على طبقه لا يعرضه الوجوب المولوي، واما تحصيل العلم فلا بد من كون وجوبه مولويا، والمقام من قبيل الثاني، لا الاول، فمنطوق الاية حينئذ ان العمل بخبر الفاسق مشروط بحصول العلم فمفهومه عدم اشتراط العمل بخبر العادل بذلك، وثانيا ان البناء على حجية خبر العادل سيما بعد تقييد الحجية بما إذا لم يكن معرضا عنه عند الاصحاب، وان لم يفد الوثوق، وحجية الخبر الموثق وان لم يكن المخبر عادلا، ليس احداثا للقول الثالث، بل الظاهر ان بناء المشهور على ذلك. حجية الخبر الواحد في الموضوعات وينبغى التنبيه على امور. الاول: ان مقتضى عموم مفهوم الاية الكريمة حجية الخبر الواحد في الموضوعات ايضا الا ما خرج بالدليل: ويشهد لها مضافا الى ذلك استقرار سيرة العقلاء على الاعتماد على اخبار الثقات فيما يتعلق بمعاشهم ومعادهم، وسيرة المتشرعة على اخذ معالم دينهم عن الثقات، ولم يرد عن الشارع ردع عن ذلك. وقد استدل لعدم حجيته فيها بموثق مسعدة عن الامام الصادق (ع) في حديث " والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (1) " فانه يدل على انحصار الحجة في الموضوعات، بالعلم الوجداني، والبينة، فيكون راعا عن بناء العقلاء، والسيرة، ومقيدا لاطلاق مفهوم الاية، فان النسبة بينهما وان كانت عموما من وجه، الا ان دلالة الموثق تكون بالعموم، ودلالة الاية بمفهومها بالاطلاق، وقد حقق في محله ان ما دلالته بالعموم مقدم على ما يكون دلالته بالاطلاق. ويرد عليه، اولا: انه بناءا على ما هو الحق المتقدم في محله، ان مفاد دليل حجية الخبر جعل ما ليس علما وظهورا، علما - يصير خبر الواحد بمقتضى مفهوم الاية من مصاديق الاستنابة بالحكومة، ويشمله الشق الاول المذكور في الموثق، فان قيل على هذا


1 - الوسائل باب 4 من ابواب ما يكتسب به كتاب البيع حديث 4. (*)

[ 134 ]

يلغو ذكر البينة، اجبنا عنه بانها انما ذكرت للتنبيه على حجيتها، مع ان ذكرها من قبيل ذكر الخاص بعد العام. وثانيا: انه يمكن ان يقال ان الاستبانة هي التفحص والاستكشاف، والبينة ما يظهر بقيام دليل من الخارج، - وبعبارة اخرى - ان المراد من البينة الحجة وما يكون مثبتا للشئ، واطلاق البينة على هذا المعنى انما هو من جهة كونه معناها اللغوى واستعمالها فيه ليس بعزيز، بل ورود في القرآن الكريم وكلمات العلماء قال الله تعالى " وآتينا عيسى بن مريم البينات (1) " وقال " وشهدوا ان الرسول حق وجائهم البينات (2) " وقال " ولقد جائتهم رسلهم بالبينات " (3) الى غير ذلك من الايات الكثيرة، فالادلة المتقدمة حاكمة، أو واردة على الموثق فانها تدل على ان خبر الواحد من مصاديق البينة حقيقة بعد الجعل. وثالثا: ان عدم حجية الخبر في مورد الموثق مما يكون الحلية مستندة الى اليد والاستصحاب لا يلازم عدم حجيته فيما لا معارض له. ورابعا: انه قد تقدم في محله عدم تسليم تقدم ما دلالته بالعموم على ما يكون دلالته بالاطلاق، بل يعامل معهما معاملة المتعارضين، وحيث ان احد طرفي التعارض الاية الشريفة فلا وجه للرجوع الى المرجحات غير الموافقة للكتاب فيقدم الكتاب. فالاظهر حجية الخبر الواحد في الموضوعات مطلقا الا ما خرج بالدليل، ويعضد ما ذكرناه النصوص الواردة في الابواب المتفرقة الدالة على ثبوت الموضوعات الخاصة به، مثل ما ورد في ثبوت الوقت باذان الثقة العارف (4) وما دل على جواز وطء الامة إذا كان البايع عادلا اخبر باستبرائها (5) وما دل على ثبوت عزل الوكيل به (6) الى غير ذلك من الموارد، فلا ينبغى التوقف في حجيته في الموضوعات الا ما خرج بالدليل.


1 - البقرة / 253. 2 - آل عمران 86. 3 - المائدة 32. 4 - الوسائل باب 3 من ابواب الاذان والاقامة. 5 - الوسائل باب 11 من ابواب بيع الحيوان. 6 - الوسائل باب 2 من ابواب الوكالة. (*)

[ 135 ]

تنويع الحديث الى الانواع الاربعة الثاني: ان الاصحاب (رضوان الله عليهم) قسموا الاخبار المعتبرة الى اقسام. الاول: الصحيح وهو ما كان رواته عدولا زكاهم الثقات. الثاني: الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور. الثالث: الموثق وهو ما كان رواته موثقين وان لم يكونوا اماميين، ويدخل فيه خبر الفاسق الموثق. الرابع: الحسن وهو ما كان رواته اماميين ممدوحين من دون ان يصرح بعدالتهم. اقوال اما الخبر الصحيح فهو المتيقن ارادته من المفهوم. واما الضعيف المنجبر فهو يثبت حجيته بمنطوق الاية: لان التبين، هو طلب الوضوح عن صدق الخبر وكذبه، وعمل الاصحاب من طرق ذلك. واما الموثق فيمكن ان يستدل لحجيته بوجهين - الاول - ان ظاهر تعليق هذا الحكم على الفاسق بواسطة مناسبة الحكم والموضوع المغروسة في اذهان اهل العرف، ان الموضوع هو غير المتحرز عن الكذب، إذ لا مدخلية لارتكاب ساير المحرمات من شرب الخمر وعدمه في مثل هذا الحكم الذى يكون مناطيه صدق المخبر ومطابقة خبره للواقع فمفهوم الاية حجية خبر المتحرز عن الكذب. ودعوى ان هذه حكمة جعل الحكم على خبر الفاسق فالمتبع هو ظاهر الاية وهو عدم حجية خبر الفاسق مطلقا، مندفعة بان ما ذكرنا من المناسبة انما تكون قرينة صارفة للظهور وموجبة لانعقاد الظهور الثانوي فيما ذكرناه. ودعوى، ان غير العادل المأمون في نوع اخباره لا وثوق بصدقه في خصوص هذا الخبر، مندفعة بان الموضوع لعدم الحجية غير المتحرز عن الكذب في نوع اخباره، وموضوع الحجية المتحرز عنه في نوع اخباره، - وبعبارة اخرى - الموضوع هو خبر الفاسق، وغير الفاسق، مع قطع النظر عن هذا الخبر بالخصوص. الثاني: الاستدلال بمنطوق الاية الشريفة، إذ التبين الذى هو شرط للعمل بخبر

[ 136 ]

الفاسق الذى هو طلب الوضوح والظهور اعم من تبين الرواية وتبين حال الراوى، واحراز وثاقته نوع من التبين، فيكون العمل بالموثق عملا بالمبين الواضح، ويؤكده بناء العقلاء هذا بناءا على اطلاق الفاسق على غير الامامي العامل بوظائف ما تدين به، والا كما عن الشيخ البهائي في زبدة الاصول حيث التزم باطلاق العادل عليه فالامر في غاية الوضوح. واما الحسن فان كان المدح المذكور للراوى موجبا للاطمينان والوثوق بكونه متحرزا عن الكذب، فحكمه حكم الموثق طابق النعل والا فلا تدل الاية الشريفة لا بمفهومها، ولا بمنطوقها على حجيته. التنبيه الثالث وقد اورد على حجية خبر الواحد بايرادين، احدهما: انه لو كان حجة، كان خبر السيد بالاجماع على عدم حجية خبر الواحد حجة، فيلزم عدم حجية غيره. وفيه اولا: انه قد عرفت اختصاص حجية الخبر الواحد بالاخبار عن حس، ولا تشمل الاخبار عن الحدس كما في نقل الاجماع. وثانيا: انه معارض بخبر الشيخ المدعى للاجماع على حجية الخبر الواحد. وثالثا: انه لا يمكن شمول الدليل لخبر السيد لانه يلزم ان لا يكون حجة لكونه خبرا، فيلزم من حجية خبر السيد عدم حجيته، وما يلزم من وجوده عدمه محال. وبهذا البيان يظهر اندفاع ما قيل في تقريب الاشكال انه من حجية المفهوم، في الاية الشريفة، ودلالتها على حجية الخبر الواحد بما انه يلزم عدمها، فتكون محالا: إذ لازم حجية الخبر الواحد حجية خبر السيد، ولازمه عدم حجية الخبر الواحد، وما يلزم من وجوده عدمه محال، فحجية الخبر الواحد محال. وجه الاندفاع ان المحال لا يترتب على حجية الخبر الواحد، بل انما يترتب على شمول الدليل لخبر السيد (ره) وحيث ان الضرورات تتقدر بقدرها، فيقتصر في رفع اليد عن الدليل بمقدار يترتب عليه المحال، وهو شمول دليل الحجية واطلاقه لخبر السيد،

[ 137 ]

وهو محال لا اصل حجية الخبر. واورد على هذا الوجه بان اخبار السيد بعدم حجية الخبر الواحد لا يشمل نفسه، إذ خبر السيد حاك والمحكى به عدم الحجية، والمحكى يكون في مرتبة سابقة على الحاكى، فلو شمل المحكى لخبر السيد لزم تأخره عنه تأخر الحكم عن موضوعه، فيلزم تأخر ما هو متقدم وهو محال. وفيه: ان المحكى بخبر السيد عدم الحجية انشاءا وهو غير متوقف على وجود الموضوع خارجا فضلا عن تأخره عنه، وهو المتقدم عليه، وما يترتب على خبره، ويكون متاخرا عنه هو عدم الحجية الفعلية. واجيب عن هذا الاشكال بوجه آخر وهو انه كما لا يشمل عدم الحجية المحكى لخبر السيد له من جهة لزوم تأخر ما هو متقدم كذلك لا يشمله الحجية لانهما نقيضان والنقيضان في مرتبة واحدة، فإذا كان عدم الحجية في مرتبة سابقة على خبر السيد، تكون الحجية ايضا كذلك لتساويهما رتبة. وفيه: مضافا الى ما تقدم من ان المتقدم عدم الحجية الانشائية، والمتاخر عدم الحجية الفعلية فكذلك في الحجية، ما تقدم في مبحث الضد من انه في المتقدم والتاخر الزمانى، يصح ان يقال ان المتأخر، عن احد المتقارنين زمانا متاخر عن الاخر ايضا، وهذا بخلاف التقدم والتاخر الرتبى إذ تأخر شئ رتبة عن احد المتساويين في الرتبة من جهة كونه معلولا له مثلا، لا يلزم تأخر الاخر عنه بعد فرض عدم وجود مناط التاخر فيه، وتمام الكلام في محله. ورابعا: انه من شمول ادلة الحجية لخبر السيد، يلزم انحصار المطلق في فرد واحد، وهو قبيح، بل المقام اسوء حالا من ذلك فان خبر السيد ليس عن ثبوت شئ في الواقع، بل انما هو عن عدم حجية الخبر، ففى الحقيقة يلزم بيان عدم الحجية بلسان الحجية وهو كما ترى. ودعوى انه لا يلزم ذلك فان الاخبار التى تكون قبل خبر السيد ايضا مشمولة لادلة الحجية، مندفعة بالاجماع على عدم الفرق بين ما هو قبل خبر السيد وما يكون بعده، مع

[ 138 ]

ان السيد يخبر عن عدم الحجية من الاول فلا يمكن التفكيك، وبهذا يظهر ان دعوى امكان التفكيك ظاهرا، وان لم يكن واقعا، مندفعة بان السيد يخبر عن الحكم الواقعي لا الظاهرى، فالمتحصل ان الاظهر عدم شمول الادلة لخبر السيد خاصة. شمول ادلة الحجية للاخبار مع الواسطة الايراد الثاني: الذى اورد على اصل حجية الخبر الواحد، ما يكون مختصا بالاخبار الحاكية مع الواسطة، كالاحاديث التى بايدينا - وتقريبه - انما يكون من وجوه. الاول: ان ادلة حجية الخبر منصرفة الى الاخبار الحاكية عن قول المعصوم (ع) بلا واسطة. واجيب عنه بجوابين احدعهما ما افاده الشيخ الاعظم (ره)، وتبعه المحقق النائيني (ره) وهو ان كل شخص من الوسائط انما ينقل خبرا بلا واسطة مثلا إذا قال الكليني حدثنى على بن ابراهيم، قال حدثنى ابى، قال حدثنى حماد بن عيسى، قال سمعت العسكري (ع) يقول، فهناك اخبار عديدة حسب تعدد الوسائط وكل منهم ينقل خبرا عن من يسمع منه بلا واسطة. وفيه: ان المستشكل انما يدعى ان الادلة منصرفة عن الاخبار مع الواسطة عن الامام، - وبعبارة اخرى - يدعى انصرافها الى الخبر الحاكى عن قول الامام بلا واسطة، ولا يدعى انصرافها الى الاخبار بلا واسطة في مطلق النبا. ثانيهما: ان كل واحد من الوسائط بما انه مجاز عن شيخه، فخبره بمنزلة خبره الى ان ينتهى الى الشخص الذى ينقل عن الامام (ع) فيكون خبر كل منهم داخلا في الخبر المروى بلا واسطة عن الامام. وفيه: ان الاجازة انما تفيد لنقل الخبر مع الغاء الواسطة، ولا توجب كونه خبرا بلا واسطة، - وبعبارة اخرى - كون الخبر بلا واسطة اما ان يكون حقيقة، أو يكون تعبدا، وشئ منهما لا يكون متحققا، اما الاول فواضح، واما الثاني: فلانه لا دليل على ان

[ 139 ]

الاجازة موجبة لذلك، فالحق في الجواب منع الانصراف. التقريب الثاني ان موضوع كل حكم متقدم رتبة على حكمه، ولذا قالوا ان نسبته إليه نسبة العلة الى المعلول، وعليه فإذا صار الحكم علة لثبوت فرد من افراد ذلك الموضوع، لا يعقل شمول ذلك الحكم له، والالزم تقدم ما هو متاخر، ففى المقام الخبر المحرز وجدانا هو خبر الكليني في المثال، واما خبر على بن ابراهيم فليس بوجداني وانما يثبت بنفس الحكم بوجوب التصديق فلا يعقل شمول هذا الحكم له. واجاب عنه المحقق الخراساني باجوبة ثلاثة الاول انه إذا كانت القضية طبيعية، فالحكم بوجوب التصديق يسرى إليه سراية حكم الطبيعة الى افرادها، بلا محذور لزوم اتحاد الموضوع والحكم، ومراده من القضية الطبيعية، ليس هو ما إذا كان الموضوع في القضية، نفس الطبيعة الكلية من حيث هي كلية كما هو المصطلح عند اهل المعقول - وبعبارة اخرى - الطبيعة بشرط لا، كقولنا الانسان نوع، بل المراد هو الطبيعي الاصولي، بمعنى الطبيعة بشرط الوجود السعي، والفرق ان الاول يكون الطبيعة ما فيها ينظر وفى الثاني يكون ما بها ينظر، ويكون آلة ملاحظة الافراد، وجعل الحكم لكل ما يصدق عليه انه فرد من الطبيعة. الثاني: دعوى القفطع بتحقق ما هو المناط في ساير الاثار في هذا الاثر أي وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب وان لم يشمله لفظا. الثالث: عدم القول بالفصل بين هذا الاثر، وبين ساير الاثار، في وجوب الترتيب، لدى الاخبار بموضوع صار اثره الشرعي، وجوب التصديق، ولو بنفس الحكم في الاية، - وبعبارة اخرى - عدم القول بالفصل بين حجية الخبر بلا واسطة أو مع الواسطة. واورد عليه بان المانع ليس مانعا اثباتيا حتى تصح هذه الاجوبة، بل المناع ثبوتى. والصحيح في الجواب ان يقال ان هذه القضية أي المتضمنة لحجية الخبر الواحد، كساير القضايا المتكفلة لبيان الاحكام الشرعية، انما تكون على نحو القضية الحقيقية، فهى بحسب الظاهر جعل لحكم واحد، ولكن في عالم اللب والواقع جعل لاحكام عديدة حسب ما للخبر من الافراد، من غير فرق بين الافراد الطولية والافراد العرضية،

[ 140 ]

وعليه فالحكم الثابت لخبر الكليني، وان كان يوجب تحقق فرد آخر من الخبر، وهو خبر على بن ابراهيم، الا ان الحكم الثابت له ليس شخص هذا الحكم، حتى يلزم المحذور المذكور بل فرد آخر من الحكم متحد مع هذا سنخا، فلا يلزم تأخر ما هو متقدم - مع - ان شمول الحكم لخبر الكليني لا يثبت خبر على بن ابراهيم بل به يحرز تحققه، لا اصل وجوده فلا مورد لهذا الاشكال. التقريب الثالث ان المعتبر في شمول دليل الحجية لمورد كونه اثرا شرعيا أو موضوعا ذا اثر شرعى إذا لا يصح التعبد الا بلحاظ ذلك والالزم كونه لغوا، والاخبار مع الواسطة التى يدعى كونها مشمولة لادلة الحجية لا اثر لها سوى وجوب التصديق، فلا يعقل شمول ادلتها لها - فان قلت - انه يكفى في الاثر نفس وجوب التصديق وهو بنفسه من الاثار الشرعية قلت ان وجوب التصديق وان كان المجعولات الشرعية، الا انه يعتبر في ترتبه على موضوعه كونه ذا اثر شرعى مع قطع النظر عن هذا الحكم ليكون شموله غير لغو. والجواب: عن ذلك مضافا الى ما مر امور، الاول ان هذا الاشكال ان ورد، كان على مسلك من يرى ان المجعول في باب الطرق والامارات، هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع، فان التنزيل لا بد وان يكون بلحاظ الاثر والحكم الشرعي، واما على المسلك الحق من ان المجعول فيه هو الكاشفية والطريقية، وجعل ما ليس بعلم علما، فلا اساس له اصلا، فان المجعول نفس الطريقية والكاشفية بلا حاجة الى كون المؤدى حكما شرعيا أو موضوعا ذا اثر شرعى. الثاني: انه بناءا على الانحلال في القضايا الحقيقية وكون كل فرد من افراد الموضوع له حكم واحد مستقل، غير مربوط باحكام الافراد الاخر، يكون وجوب التصديق الشامل لخبر على بن ابراهيم مثلا الذى هو اثر له، وبلحاظ يكون خبر الكليني مشمولا لادلة الحجية ويترتب عليه صدق العادل، غير ذلك الذى يترتب على خبر الكليني، فوجوب التصديق لكل خبر انما يكون بلحاظ فرد آخر من الحكم الثابت للمخبر عنه.

[ 141 ]

الثالث: انه لم يرد آية ولا رواية دالة على انه بعتبر في شمول دليل الحجية كون المخبر عنه اثرا شرعيا أو موضوعا ذا اثر شرعى، وانما يعتبر ذلك للخروج عن اللغوية، وعليه فإذا فرضنا ترتب اثر شرعى من وجوب شئ أو حرمته أو غيرهما على مجموع الاخبار الواقعة في سلسلة حكاية قول المعصوم (ع) كفى ذلك لصحة التعبد بحجية جميع تلك الاخبار. التقريب الرابع، ان شمول الدليل لمورد يتوقف على احراز صدق موضوعه عليه، اما بالوجدان أو بالتعبد، واخبار الوسائط بما انها غير محرزة بالوجدان كما هو واضح، ولا بالتعبد إذ ليس هناك دليل يمكن التمسك به لذلك سوى التعبد بتصديق العادل الشامل للخبر الاول، وهو لا يصلح لذلك والالزم حكومة وجوب تصديق العادل على نفسه وهو غير صحيح كما لا يخفى، فلا تكون مشمولة لادلة الحجية. وفيه: ان الحكومة على اقسام ثلاثة. الاول: ان يكون الحاكم بمدلوله اللفظى شارحا للمحكوم ومبينا لما اريد منه، بلفظ عنيت أو ما شابهه. الثاني: ان يكون دليل الحاكم متعرضا لدليل المحكوم لا بهذا اللسان، بل بالتصرف في عقد حمله كلا ضرر، أو في عقد وضعه توسعة، كقوله (ع) الفقاع خمرة استصغرها الناس، أو تضييقا نحو لا شك لكثير الشك. الثالث: ان تكون الحكومة في تطبيق الموضوع على فرد اثباتا أو نفيا، وهذا القسم من الحكومة خلافا للاولين تتصور في دليل واحد: والسرفيه ان الحكومة انما تكون بين الحكمين، لا بين الدليلين، افرض انه إذا قال المولى لا تشرب الخمر، لزم منه تحقق خمر في الخارج تكوينا، لا محالة تكون تلك الخمر ايضا مشمولة لذلك، فإذا امكن ذلك في التكوين، امكن في التشريع فإذا تحقق شرعا فرد من الخبر من شمول صدق العادل لفرد ترتب عليه فرد آخر، من صدق العادل، وهكذا، ومن هذا القبيل حكومة الاصل السببي على الاصل المسببى، وتمام الكلام في محله. الاستدلال باية النفر لحجية خبر الواحد الثاني: من ادلة حجية خبر الواحد، آية النفر قال الله عزوجل " فلو لا نفر من كل

[ 142 ]

فرقه منهم طائفلة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (1) " وتقريب الاستدلال بها من وجوه. الاول: ان كلمة لعل، ظاهرة في الترجي الحقيقي اما لكونها موضوعة له كما هو المعروف، أو لانصرافها الى كون الداعي الى استعمالها في معناها الحقيقي، وهو الترجي الايقاعى الانشائى هو ذلك، وحيث ان الترجي الحقيقي لتقومه بالجهل، يستحيل في حقه تعالى، فلا بد وان تحمل على اقرب المجازات والمعاني إليه، وهو المحبوبية، فجملة لعلهم يحذرون تدل على محبوبية التحذر، وهو التحفظ والتجنب العملي، والاتيان بما اخبر به لو كان واجبا والانتهاء عنه لو كان حراما، - وبعبارة اخرى - تطبيق العمل على ما انذر به، وإذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه، اما عقلا كما افاده صاحب المعالم (ره) نظرا الى ان التعبد بما لا يكون حجة قبيح وبما هو حجة واجب، - وبعبارة اخرى - مع وجود المقتضى للعقاب يجب التحذر، ومع عدمه يستقل العقل بقبح العقاب بلا بيان، أو شرعا لعدم الفصل واقعا، فالاية الكريمة تدل على وجوب التحذر عند انذار المنذر ولو لم يفد قوله العلم وهذا معنى حجية الخبر الواحد. واورد عليه بايرادات 1 - ان المراد بالنفر الى الجهاد، بقرينة صدر الاية الذى هو في الجهاد وسياق ساير الايات التى تكون قبل هذه الاية، ومعلوم ان النفر الى الجهاد، لا يترتب عليه التفقه، نعم ربما يترتب عليه بناءا على ما قيل، من ان المراد منه البصيرة في الدين من مشاهدة آيات الله تعالى. من غلبة المسلمين على اعداء الله وظهور علائم عظمة الله تعالى وساير ما يتفق في الحرب، ويخبروا بذلك المتخلفين فاللام - في - ليتفقهوا في الدين للعاقبة لا للغاية، ويكون التفقه والانذار والتحذر من قبيل الفائدة التى قد تترتب وقد لا تترتب لا من قبيل الغاية. ويرد عليه ان ليتفقهوا بحسب ظاهر اللفظ يكون متعلقا بقوله - نفر - فيكون النفر للتفقه لا للجهاد والا لزم ان يكون متعلقه محذوفا.


1 - التوبة آية 122. (*)

[ 143 ]

توضيح ذلك ان المفسرين ذكروا في الاية وجوها احدها: كون المراد النفر الى الجهاد فالمراد من التفقه مشاهدة آيات الله، وظهور اوليائه على اعدائه وما الى ذلك ثانيها كون المراد النفر الى الجهاد، وارادة تفقه المتخلفين من ليتفقهوا. ثالثها: كون المراد النفر للتفقه. والظاهر خصوصا بعد ملاحظة الروايات هو الا خبر، لا بنحو لا يكون مربوطا بما قبل هذه الاية من آيات الجهاد، بل بتقريب ان صدر الاية ينهى عن نفر المؤمنين كافة والمراد منه والله العالم، ان قصر النفر الى طائفة وجماعة، ليس مقابل تخلف الباقين، بل في مقام المنع عن قصر النفر الى الجهاد، نظرا الى انه كما يكون النفر للجهاد، مهما كذلك النفر للتفقه، فليكن نفر جماعة الى النبي للتفقه، ونفر الباقين الى الجهاد، فصدر الاية ينهى عن نفر الجميع الى الجهاد، ويبين ذلك في ذيلها بقوله فلو نفر... فالنافر، والمتفقه، والمنذر جماعة خاصة، لا ان النافرين غير المتفقهين، كما هو لازم الوجه الثاني، ولا كون الاية غير مربوطة باية الجهاد كما هو مقتضى الوجه الثالث، ولا ان المراد بالتفقه غير تعلم احكام الدين كما هو مقتضى الوجه الاول. وهذا المعنى يساعده الاعتبار مع التحفظ على ظواهر الفاظ الاية: إذ النافرين الى الجهاد إذا رجعوا كان ينذرهم النبي (ص) ولم يكن حاجة الى انذار المتخلفين، وعلى الجملة الظاهر ان المراد بالاية ان النفر للتفقه كالنفر الى الجهاد واجب على المسلمين كفائيا فليس لهم ان ينفروا باجمعهم الى الجهاد، بل ينفر طائفة له وطائفة للتفقه، ولو بان يتخلفوا عند النبي (ص) ويتعلموا منه مسائل الحلال والحرام، وقد فسرت الاية في جملة من الروايات بالنفر للتفقه. 2 - ما عن المحقق العراقى وهو ان مثل ادوات الترجي، والاستفهام، والتمنى ونحوها موضوعة لمعانيها الايقاعية الانشائية التى يوقعها المتكلم، والمستحيل في حقه تعالى هو وجود صفة الترجي حقيقة لا انشائه. وفيه: ان الظاهر منه كون الداعي لانشاء الترجي، هو وجود هذه الصفة حقيقة في نفس المتكلم لاصالة تطابق المراد الاستعمالى مع المراد الجدى، فإذا استحال ذلك في

[ 144 ]

حقه تعالى لا بد من البناء على ان الداعي اقرب المعاني إليه وهو محبوبية التحذر كما اشار إليه المحقق الخراساني في الكفاية. 3 - ما ذكره المحقق الخراساني وتبعه صاحب الدرر قال في الكفاية ان التحذر لرجاء ادراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة حسن وليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف ولم يثبت هيهنا عدم الفصل غايته عدم القول بالفصل انتهى. ويمكن الجواب عنه بوجهين - الاول - ان التحذر المطلوب في الاية ان اريد به التحذر في صورة احتمال المصادفة للواقع كان ما ذكر تاما، ولكن الظاهر منها هو مطلوبية التحذر استنادا الى قول المنذر - وعليه - فان كان قوله حجة لزم لزوم التحذر، والا لم يحسن ذلك، - وبعبارة اخرى - ان الظاهر كون ما يتحذر منه هو ما انذر به واتحادهما. والمنذر به انما هو مخالفة التكليف بما انها موجبة للعقاب، فلا محالة يكون التحذر المحبوب هو التحذر من العقاب، واحتمال العقاب الذى يحسن الحذر منه ملازم لحجية قول المنذر، ومعها يجب التحذر فتدبر فانه دقيق. الثاني: ان مقتضى اطلاق الاية محبوبية التحذر حتى لو احتمل وجدانا ثبوت ضد ما انذر به كما لو اخبر المنذر بوجوب المحتمل حرمته واقعا فحينئذ لو كان قول المنذر حجة حسن التحذر، ووجب، والا لم يحسن لفرض تساوى الاحتمالين. فالاولى في مقام الجواب عن هذا الاستدلال ان يقال ان مبنى ذلك كون كلمة - لعل - موضوعة للترجي المساوق لكلمة - اميد - في الفارسية، لكن التدبر في موارد استعمالها في القرآن الكريم، والادعية المأثورة عن المعصومين (ع) وكلمات اهل العرف يوجب عدم كونه موضوعا لها لا حظ قوله تعالى " ولعلك باخع نفسك على اثارهم " وقوله عزمن قائل " ولعلك تارك بعض ما يوحى اليك " وقول الامام السجاد (ع) في دعاء ابى حمزة، لعلك عن بابك طردتني وعن خدمتك نحيتنى أو لعلك رأيتنى مستخفا بحقك فاقصيتني الى اخر ما في ذلك الدعاء من استعمال هذه الكلمة التى من المعلوم عدم ملائمتها مع اظهار الرجاء وقول اهل العرف، لعل الشدة نازلة وغير ذلك من الموارد التى

[ 145 ]

لا شك في عدم التجوز فيها، فالظاهر ان كلمة لعل وضعت لتستعمل في موارد احتمال الوقوع سواء أكان مرجوا ام لا. الوجه الثاني: من وجوه الاستدلال بالاية الشريفة لحجية خبر الواحد، ان الغاية للانذار الواجب، الذى هو غاية للنفر الواجب، بمقتضى لو لا التحضيضية، انما هو التحذر أي التجنب في مقام العمل: لان الظاهر من كلمة لعل في جميع موارد استعمالها، كون ما بعدها علة غائية لما قبلها، وغاية الواجب إذا كان امرا اختياريا واجبة: لان ظاهر الكلام كون حكم ما جعل علة غائية حكم ما قبلها من وجوب، أو استحباب، وان شئت فقل ان الغاية التى اوجبت ايجاب امر، لا محالة تكون واجبة إذا كانت اختيارية واورد عليه بايرادات خمسة. الاول: ما ذكره الشيخ الاعظم وتبعه المحقق الخراساني وغيره، وهو ان الاية مسوقة لبيان وجوب التفقه والانذار، لا لبيان وجوب الحذر، وانما ذكر الحذر باعتبار كونه فائدة من فوائد التفقه، والانذار، فلا اطلاق لها بالنسبة الى وجوب الحذر، لان اول مقدمات الحكمة كون المتكلم في مقام البيان من الجهة التى يراد التمسك بالاطلاق بالنسبة إليها، ومع عدم الاطلاق لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن، وهو ما إذا حصل العلم بمطابقة قول المنذر للواقع. وفيه، اولا: انه لو شك في كون المتكلم في مقام البيان مقتضى السيرة العقلائية هو البناء على كونه في مقام البيان، وقد اعترف المحقق الخراساني بذلك في محله. وثانيا: ان ظاهر الاية الكريمة بقرينة قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة، وقد بين ذلك بقوله فلو لانفر الخ، كونها واردة لبيان وظيفة جميع المسلمين، وانه يجب على طائفة منهم التفقه والانذار، وعلى الباقين التحذر، فكما انه تكون الاية مطلقة بالنسبة الى وظيفة المنذرين وانه يجب عليهم الانذار، افاد قولهم العلم، ام لم يفد كذلك بكون مطلقة بالنسبة الى وظيفة المنذرين بالفتح، وانه يجب عليهم التحذر في كل مورد يجب الانذار لكونه غاية له. وثالثا: ان ظاهر الاية ترتب وجوب الحذر على الانذار، فلو اختص وجوب الحذر

[ 146 ]

بصورة حصول العلم كان ذلك مستلزما لالغاء عنوان الانذار إذ التحذر حينئذ يكون للعلم لا للانذار غاية الامر يكون الانذار من مقدمات حصول العلم. ورابعا: ان لازم ذلك حمل اطلاق الاية على الفرد النادر إذ ظاهر الاية الشريفة، بقرينة تقابل الجمع بالجمع، هو انذار كل واحد من الطائفة، بعضا من قومه، كما هو مقتضى طبع الحال، لا انذار مجموع الطائفة مجموع القوم، وعليه فا فادة انذاره العلم في غاية الندرة. وخامسا: انه يستكشف اطلاق وجوب التحذر من اطلاق وجوب الانذار، لان الانذار واجب على كل احد، سواء افاد قوله العلم، ام لم يفد ومع انحصار فائدة الانذار في التحذر، يكون التحذر واجبا مطلقا، والا يلزم اللغوية احيانا، كما ان غاية وجوب الانذار لو كان هو التحذر، فوجوب الانذار لتلك الغاية، لو كان مطلقا، لا محالة يكشف عن اطلاق وجوب الغاية المترتبة عليه، لاستحالة اطلاق احدهما، واشتراط الاخر كما هو واضح. الايراد الثاني ما افاده الشيخ الاعظم ايضا - وهو - ان الانذار هو الابلاغ مع التخويف، والتحذر هو التخوف الحاصل عقيب هذا التخويف، ومن المعلوم ان التخويف لا يجب الا على الوعاظ في مقام الايعاد على الامور التى يعلمها المخاطبون بحكمها، وعلى المرشدين في مقام ارشاد الجاهلين، ومن المعلوم ان تصديق الحاكى، فيما يحكيه من لفظ الخبر خارج عن الامرين، وخبره ان اشتمل على التخويف، لا يجب على المجتهد العمل به فان فهمه ليس حجة عليه، وهذا بخلاف المجتهد بالنسبة الى مقلديه كما لا يخفى. وفيه: ان قوله تعالى ليتفقهوا في الدين قرينة على ارادة بيان الاحكام من، ولنيذروا لا سيما مع ملاحة ايجاب النفر كما لا يخفى - وعليه - فلا بد وان يحمل الانذار على الانذار الضمنى وهو كما يكون بالافتاء بوجوب شئ أو حرمته كذلك يكون بالاخبار باحدهما كما لا يخفى، فلا وجه لدعوى اختصاص الاية الشريفة بالوعاظ أو المفتين. الايراد الثالث ان التفقه اخذ عنوانا في الاية فالموضوع هو الفقيه فهى تدلى على

[ 147 ]

حجية انذار الفقيه لا انذار كل راو. وفيه: ان الفقه في اللغة هو الفهم لا الاستنباط فالمراد بها هو، تعلم الاحكام الشرعية، ويؤيده بل يشهد له، ملاحظة نزول الاية، اضف إليه ان الموضوع هو المتفقه، لا الفقيه، ومن الواضح انه يصدق على الراوى، مع ان الاستنباط في صدر الاسلام لم يكن الا بسماع الحديث وتحمله، وفهمه معناه الظاهر، ولم يكن بهذه الصعوبة، فالرواة في صدر الاسلام، كانوا فقهاء، فيها يروون، فالاية تدل على حجية روايتهم، وإذا ثبت ذلك في روايتهم ثبت في رواية غيرهم، لعدم القول بالفصل. فتأمل فانه إذا دل الاية على حجية قول الفقيه بما هو فقيه على نحو دخل هذا العنوان لا محالة تدل على حجيته لمقلديه، وعدم الفصل انما يثبت حجية رأى الفقيه في هذه الازمنة، لا حجية الخبر، ومجرد سهولة الفقاهة في الصدر الاول لا يصلح لذلك. الرابع: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) ايضا - وحاصله - ان التفقه الواجب، هو معرفة الامور الواقعية من الدين، فالانذار الواجب هو الانذار بهذه الامور المتفقه فيها، فالحذر لا يجب الا عقيب الانذار بها، فإذا لم يحزر المنذر بالفتح، ان الانذار هل وقع بتلك الامور ام بغيرها تعمدا أو خطاءا لم يجب التحذر، فينحصر وجوب التحذر بما إذا علم المنذر صدق المنذر، بالكسر. وفيه: ان اللازم هو الانذار بما علم إذا المأمور به هو الانذار بما تفقه أي تعلم من الاحكام لا الانذار بالحكم الواقعي، وهو لا يقتضى ان يكون الانذار مفيدا للعلم ليتقيد به الانذار، فيتقيد به التحذر - نعم - لا بد وان يحرز انه انذار بما علم، ويحرز ذلك، باحراز انه متحرز عن الكذب، بضميمة اصالة عدم الغفلة التى هي من الاصول العقلائية كما لا يخفى. واما ما عن المحقق النائيني (ره) من الجواب عن ذلك، بان نفس الاية تدل على ان ما انذر به المنذر يكون من الاحكام لان قول المنذر إذا جعل طريقا إليها، يجب اتباع قوله، والبناء على انه هو الواقع، فالاية بنفسها تدل على ان ما انذر به المنذر يكون من الاحكام الواقعية.

[ 148 ]

ففيه ان اساس الايراد انما هو تقييد الموضوع، أي الانذار بكون المنذر به من الدين، وهذا القيد لا يحرز بشمول دليل الحكم، - وبعبارة اخرى - إذا تم الموضوع وصار الانذار حجة يتم ما ذكر ولكن المستشكل من جهة انه يدعى تقييد الموضوع يدعى عدم شمول الدليل للانذار ما لم يحرز كونه انذارا بالاحكام الواقعية، فالحق ما ذكرناه. الخامس: ان الامام (ع) طبق الاية الشريفة على اصول العقائد - كصحيح - يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق (ع) قال قلت له إذا حدث على الامام حدث كيف يصنع الناس قال (ع) اين قول الله عز وجل فلو لا نفر الخ (1) ونحوه غيره ولا ريب في ان اللازم في الاصول العلم فلا تدل الاية على حجية الخبر غير المفيد للعلم. وفيه: اولا ان هذه الاية الشريفة تدل على كفاية الخبر الواحد في العقائد وانما يقيد اطلاقها بالنسبة إليها بواسطة دليل خارجي. وثانيا: ان هذه الاخبار بما انها اخبار آحاد لا تصلح لان يرفع اليد لاجلها عن ظهور الاية الشريفة في حجية الخبر الواحد، فانه يجرى فيها ما ذكرناه في خبر السيد في آية النباء فراجع. وثالثا: ان الاية الشريفة متكفلة لبيان احكام - وهى - وجوب النفر والتفقه ووجوب الانذار، ووجوب التحذر، والذى طبقه الاما (ع) على اصول العقائد انما هو الحكم الاول ولا ربط للحكم الثاني به، ورابعا انها اخبار احاد لا يصح الاستدلال بها لعدم حجية خبر الواحد. والحق ان يورد على هذا الوجه بانه كون كلمة لعل ظاهرة في كون ما بعدها غاية لما قبلها غير ثابت، بل في كثير من الموارد - كقولنا - لا تهن الفقير علك ان تركع يوما والدهر قد رفعه - والامثلة المتقدمة من الايات والروايات، ليست كذلك، وبالجملة بعد كون كلمة لعل للتشكيك والترديد لا مورد لهذا الوجه. الوجه الثالث: ان الانذار بمقتضى الاية واجب، للامر به، ولجعله غاية للنفر الواجب كما هو قضية كلمة لو لا التحضيضية، فيجب التحذر وان لم يفد قول المنذر العلم، والالغى وجوبه.


1 - اصول الكافي ج 1 ص 378. (*)

[ 149 ]

وفيه: انه لا ينحصر فائدة الانذار في خصوص التحذر، بل يتصور له فائدة اخرى، وهى انشاء الحق وظهوره بكثرة انذار المنذرين، كما افاده المحقق الخراساني (ره) في الحاشية، وان شئت قلت انه إذا كانت الغاية الاقصى هو التحذر بعد حصول العلم يكون كل انذار جزءا مما يترتب عليه الغاية فيكون الغاية المترقبة منه تأثيره في الغاية الاقصى بهذا المقدار، وهذه الغاية مترتبة مطلقا فتدبر. ومع ذلك كله بمكن الاستدلال بالاية الكريمة لحجية خبر الواحد، بتقريب ان كلمة لعل وضعت لجعل مدخولها واقعا موقع الاحتمال، فحاصل الاية ايجاب الانذار لاحتمال تأثيره في التحذر نظرا الى اقتضاء الانذار للتحذر، ومن الواضح ان ذلك يلازم حجية الخبر، والا يقطع بعدم العقاب، وعلى هذا تكون الاية كاشفة عن حجية خبر الواحد السابقة على نزول الاية ويكون مسوقة على نحو تكون حجية الخبر مفروغا عنها، وعليه تكون الاية كاشفة عن حجية الخبر مطلقا، وان وجوب الحذر عند الانذار انما هو من باب تطبيق الكبرى الكلية على بعض المصاديق. آية الكتمان الثالث: مما استدل به لحجية خبر الواحد آية الكتمان وهى قوله تعالى " ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (1) ". وتقريب الاستدلال بها ان ظاهر الاية الشريفة لاجل لعن الكاتمين، هو حرمة الكتمان ووجوب الاظهار، وحيث لا فائدة للاظهار سوى القبول لزم ذلك وجوب القبول مطلقا، نظير ما ذكرناه في آية النفر، ونظير ما استدلوا لحجية اخبار المرئة عن كونها حاملا بقوله تعالى ولا يكتمن ما خلق الله في ارحامهن.


1 - البقرة آية 159. (*)

[ 150 ]

واجاب عن الاستدلال بها الشيخ الاعظم بجوابين الذين اوردهما على الاستدلال باية النفر من عدم اطلاقها بالنسبة الى صورة عدم حصول العلم، لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، أو دلالتها على وجوب الاخبار بالحكم الواقعي، فيجب القبول مع احراز انه اظهار لما انزل، فمع الشك يكون الشك في الموضوع فلا يجب القبول. واورد عليه المحقق الخراساني، بان الملازمة لو سلمت تنافى الوجهين، وحاصله انه مع حكم العقل بالملازمة لا معنى للايراد بما يرجع الى مقام الاثبات. ولكن الظاهر ان مراد الشيخ الاعظم: انه ان كان الاظهار ملازما عاديا لعدم حصول العلم كما في كتمان المرئة ما في بطنها، لان طريق احراز ما في الارحام منحصر في اخبارهن واخبار المرئة مما لا يفيد العلم غالبا، كان الاستدلال متينا، والا كما في المقام الذى يكون الموضوع لحرمة الكتمان عاما استغراقيا بمعنى حرمة الكتمان على كل احد، ويكون الغاية القصوى والغرض الاقصى، هو العمل عن علم فيكون اظهار كل واحد وعدم كتمانه مؤثرا في حصول هذا الغرض، ويترتب على اظهار كل واحد تلك القابلية والاستعداد فيخرج عن اللغوية، وان شئت قلت ان ظهور الحق وحصول العلم انما يكون حكمة لحرمة الكتمان والحكمة الداعية للتكليف لا يلزم ان تكون سارية في جميع الموارد. ولكن الذى يرد على الاستدلال ان الاية اجنبية عن المقام لان الكتمان انما هو في مقابل ابقاء الواضح، والظاهر على حاله لا ما يقابل الايضاح والاظهار، ويؤيده ان موردها ما كان فيه مقتضى القبول لو لا الكتمان لقوله تعالى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب، مع: ان فائة عدم الكتمان لا تنحصر في القبول تعبدا، بل يمكن ان يكون هي اظهار الحق وافشائه، ويشهد له ملاحظة مورد نزول الاية وهى اما نزلت في مقام الرد على اليهود حيث انهم اخفوا علامات النبي (ص) التى رأوها في التوراة، أو اهل السنة، والمراد بالبينات حينئذ علامات ولاية الامام على (ع) فلا تدل الاية على وجوب القول تعبدا.

[ 151 ]

الاستدلال بآية الذكر لحجية خبر الواحد الرابع: آية الذكر، وهى قوله تعالى " فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون (1) " وتقريب الاستدلال بها ما في آية الكتمان. واورد عليه بايرادات الاول ما ذكره الشيخ الاعظم (ره) وهو ان الراوى بما هو راو، لا يصدق عليه اهل الذكر، وانما يصدق هذا العنوان على فالاية لو تمت دلالتها، لدلت على جواز التقليد لا حجية الخبر. ورده المحقق الخراساني بان كثيرا من الرواة يصدق عليهم اهل الذكر، كزرارة ومحمد بن مسلم ويصدق على السؤال عنهم السؤال عن اهل الذكر، ولو كان السائل من اضرابهم، فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الاية، وجب قبول رواية غيرهم من العدول مطلقا، لعدم القول بالفصل جزما. واجيب عنه، بان قبول قول الرواة في الفرض حينئذ ليس بما هم رواة حتى يثبت في غيرهم بعدم القول بالفصل بل بما هم علماء، واهل الذكر. اقول يمكن تأييد المحقق الخراساني بان يقال ان مراده ان اساس الاشكال ان من كان عالما باحاديث قليلة لا يصدق عليه اهل الذكر، فلو كان الشخص عالما باحاديث كثيرة كزرارة يصدق عليه اهل الذكر، فإذا وجب قبول رواية هذا الشخص، والمفروض انه يقبل روايته بما هو راو، لا بما مفت، ثبت حجية رواية غيره لعدم الفصل. الثاني: ان المراد من اهل الذكر علماء اهل الكتاب بقرينة السياق، وفى بعض الروايات ان المراد بهم الائمة الطاهرين عليهم السلام. وفيه: ان الظاهر ان، اهل الذكر عنوان عام يشمل الجميع ويختلف باختلاف الموارد، فاهل الذكر لا ثبات النبوة هم علماء اهل الكتاب، واهل الذكر للشيعة، هم


1 - النحل آية 43. (*)

[ 152 ]

الائمة، وفى الغيبة اهل الذكر للناس، هم الفقهاء وللفقهاء، الرواة، فلا وجه لتخصيص اهل الذكر بطائفة خاصة منهم. الثالث: ان ظاهر تعليق الامر بالسؤال على عدم العلم ان الغاية منه حصول العلم بالجواب لا متابعة الخبر مع عدم حصوله. وفيه: اولا انه لم يظهر وجه هذا الاستظهار، إذ لا شبهة في ان حجية الخبر انما هي في ظرف عدم العلم، وهذا هو الذى صرح به الاية الشريفة فمن اين يستفاد ان الغاية هي حصول العلم، وثانيا ان نفس الاية الشريفة الدالة على حجية الخبر الواحد مع قطع النظر عن هذا الايراد كما هو المفروض، تدل على كون الخبر من افراد العلم، بناءا على مسلك تتميم الكشف كما هو الحق. فالصحيح ان يورد على الاستدلال بها انها لا تدل على ان غاية السؤال، هو العمل، حتى مع عدم العلم، وليس واردا في مقام البيان من هذه الجهة ولعل المطلوب هو قبول قول اهل الذكر في صورة حصول العلم أو الاطمينان. الاستدلال باية الاذن لحجية خبر الواحد الخامس: آية الاذن - وهى - قوله تعالى " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " (1) تقريب الاستدلال بها ان الله تعالى مدح نبيه، بتصديقه للمؤمنين، وقرنه بتصديقه بالله، فهو كاشف عن حسنه، وإذا ثبت حسنه، لزم القول بوجوبه: للملازمة العقلية، ولعدم الفصل. واورد عليه الشيخ الاعظم والمحقق الخراساني بان المراد من الاذن السريع التصديق والاعتقاد لا الاخذ بقول الغير تعبدا. وفيه: ان كون الشخص، سريع الاعتقاد والقطع، وحصوله من سبب، لا ينبغى،


1 - التوبة آية 61. (*)

[ 153 ]

حصوله منه انما يكون نقصا فيه فضلا عن النبي (ص)، فضلا عن كونه كمالا له، وموجبا لمدح الله سبحانه اياه. فالصحيح: ان يورد عليه بان المراد من تصديقه للمؤمنين هو عدم تكذيبهم ورد قولهم واظهار القبول الذى هو امر اخلاقي لا تصديقهم بجعل المخبر به واقعا وترتيب جميع الاثار عليه، وذلك لوجهين - الاول - انه لو كان المراد ذلك لم يكن اذن خير للجميع بل كان اذن خير لخصوص المخبر واذن شر لغيره - الثاني - ملاحظة مورد نزول الاية الشريفة وهو انه نم منافق على النبي (ص) فاخبره الله ذلك، فاحضره النبي (ص) وساله فحلف انه لم يكن شئ مما ينم عليه، فقبل منه النبي (ص) فاخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبي (ص) ويقول انه يقبل كل ما يسمع اخبره الله انى انم عليه، فقبل، واخبرته انى لم افعل فقبل، فرده الله تعالى بنزول هذه الاية، فانه من البديهى ان تصديق المنافق في مقابل اخباره تعالى لم يكن الا بهذا المعنى. واستشهد له الشيخ الاعظم (ره) وتبعه صاحب الدرر بتعدية الايمان في الفقرة الاولى بالباء، وفى الفقرة الثانية باللام فان ذلك آية اختلاف المراد به. وفيه: ان الايمان الذى هو عبارة اخرى عن التصديق ان تعلق بوجود الشئ كان يتعدى بالباء، ومنه قوله تعالى والمؤمنون كل آمن بالله، وان كان متعلقا بالقول والاخبار، يتعدى باللام، ومنه قوله تعالى وما انت بمؤمن لنا، ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم، وعليه فحيث انه اريد في الفقرة الثانية الايمان بقول المؤمنين، فتعداه باللام، وفى الفقرة الاولى، وان كان المراد به ايضا الايمان بقوله تعالى، الا انه انما تعدى بالباء للتنبيه على امر، وهو ان الايمان والتصديق باخبار الله تعالى، وقوله، ملازم للتصديق بوجوده، ولهذا النكتة تعدى بالباء. وبهذا يظهر انه لا وجه للاستشهاد لما ذكرناه، بان الظاهر من التعدية باللام هو التصديق فيما ينفعهم لا تصديقهم ولو فيما عليهم ويضرهم، فالصحيح ما ذكرناه. ولا يخفى انه بناءا على ما ذكرناه من عدم دلالة الايات، غير آية النبا على حجية خبر الواحد، لا كلام فانه قد عرفت ان المستفاد منها حجية الخبر الواحد في الاحكام

[ 154 ]

والموضوعات، من غير فرق بين انواع الخبر، ودعوى ان المفهوم منصرف الى الخبر المفيد للوثوق كما عن الشيخ الاعظم، من الغرائب، لان المفهوم كما مر دلالة عقلية، والانصراف من عوارض الالفاظ، وان قيل ان مدعاه انصراف المنطوق، توجه عليه انه غير منصرف قطعا، لعدم احتمال اختصاص عدم الحجية بالخبر المفيد للوثوق. واما على القول بدلالة غير آية النباء عليها، فالنسبة بين تلك الاية، ومنطوق آية البناء عموم من وجهة إذا المنطوق يشمل الخبر في الاحكام والموضوعات، وتلك الاية مختصة بالاحكام، الا انها اعم منه من جهة شمولها للعادل، والفاسق، والمجمع خبر الفاسق في الاحكام. وحيث ان المتعارضين من الكتاب لا معنى للرجوع الى اخبار الترجيح فلا محالة يتعارض الاطلاقان ويتساقطان، فيرجع الى اصالة عدم الحجية. واما مفهوم آية النباء فحيث انه مع الايات الاخر من قبيل المثبتين، فلا يقيد احدهما بالاخرى. وبه يظهر ان ما افاده الشيخ الاعظم من انه بعد دعوى انصراف مفهوم الاية بالخبر العادل المفيد للوثوق، يقيد ساير الايات به، غير تام. النصوص الدالة على حجية خبر الواحد السادس: من ادلة حجية الخبر الواحد، النصوص الكثيرة الواردة في موارد مختلفة، وقبل بيان هذا الاستدلال لا بد من تقديم مقدمة، وهى ان التواتر على اقسام. الاول: التواتر اللفظى وهو ما لو كان جميع الاخبار لفظها واحدا كخبر غدير الخم، فان هذه العبارة - من كنت مولاه فعلى مولاه - نقلها الجميع. الثاني: التواتر المعنوي، وهو ما إذا اتفقوا على نقل مضمون واحد بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام، كالاتفاق على شجاعة الامام على (ع). الثالث: التواتر الاجمالي وهو ما إذا كانت الاخبار مختلفة لفظا ومعنى، ولكن

[ 155 ]

يعلم بصدور واحد منها. وقد اختار المحقق النائيني (ره) عدم وجوده، بدعوى ان الاخبار وان بلغت من الكثرة ما بلغت فان كان هناك جامع بينها، يكون الكل متفقا على نقله، فهو يرجع الى التواتر المعنوي، والا فلا وجه لحصول القطع بصدق واحد منها بعد جواز كذب كل واحد منها في حد نفسه وعدم ارتباط بعضه ببعض. وفيه: ان مقتضى هذا البرهان انكار التواتر اللفظى والمعنوي ايضا: إذ كل واحد من الاخبار في نفسه محتمل للصدق والكذب، فكما يقال هناك انه يمتنع عادة تواطئهم على الكذب، كذلك يقال في المقام - وبالجملة - انكار ذلك مكابرة، وهذا القسم من التواترى التواتر الاجمالي على قسمين - الاول - ما لا يكون هناك جهة مشتركة بين تلك الاخبار الثاني ما يكون هناك جهة مشتركة ودعوى رجوع ذلك الى التواتر المعنوي، فاسدة بعد الاخذ في كل منها قيدا غير ما اخذ في الاخر، والمدعى في المقام ثبوت القسم الثاني من التواتر الاجمالي كما ستعرف. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان النصوص الواردة في المقام على طوائف. الاولى: الاخبار العلاجية الواردة في الاخبار المتعارضة (1) وهى كثيرة، وموردها الخبرين غير مقطوعي الصدور وذلك لصراحة جملة منها في ذلك كقوله (ع) في خبر ابى الجهم يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين، وظهور غيرها فيه، فان قول السائل ياتي عنكم خبران متعارضان، ظاهر في مشكوكى الصدور: ولان الترجيح بصفات الراوى من الاوثقية والاصدقية وغيرهما انما يناسب مع الشك في الصدور ولا يلائم مع القطع به ويظهر من هذه النصوص ان حجية الخبر الواحد في الجملة كانت امرا مفروغا عنه بين اصحاب الائمة عليهم السلام، وهم عليهم السلام لم يردعوا عنه، بل قرر واما كان مغروسا في اذهانهم بل صرحوا بالحجية اما تعيينا أو تخييرا. الطائفة الثانية ما تضمن الارجاع الى اشخاص من الرواة كالجالس، أي زرارة،


1 - الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى. (*)

[ 156 ]

والثقفي، والاسدي وغيرهم (1) الثالثة ما تضمن الامر بالرجوع الى الثقات كقوله (ع) لا عذر لاحد في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا (2). الرابعة: النصوص الواردة بالنسبة مختلفة المستفاد منها ذلك (3) وهذه النصوص وان لم تكن متواترة لفظا ولا معنا، الا انها متواترة اجمالا، فلا بد من الاخر بامتيقن منها وهو خبر العدل الامامي الذى يعبر عنه بالثقة، لاما افاده المحقق النائيني (ره) من كونه الخبر الموثوق به، إذ بعد فرض اخذ عنوان المأمون على الدين والدنيا، والثقة في الموضوع، والترجيح بالاعدلية في عرض، الاوثقية، لا يبقى مجال لدعوى ان اخصها مضمونا الخبر الموثوق به ومع عدم كونه اخص مضمونا لما كان وجه لدعوى القطع باستفادة حجيته من هذه النصوص. الا انه يمكن القول بحجية الخبر الموثوق به واستفادته من هذه النصوص بتقريبين آخرين. الاول: انه بمناسبة الحكم والموضوع المغروسة في الاذهان التى هي كالقرينة المتصلة يحمل الثقة، والعدل على ارادة المتحرز عن الكذب إذ هذا هو الدخيل في ثبوت الصدور من المعصوم (ع) واما العدالة في الامور الاخر وصحة العقيدة، فهما غير دخيلين في ذلك قطعا، وليس المقام نظير باب الفتوى والحكومة حيث يدعى، انهما منصبان لا يليق للتصدى لهما الا العادل الورع كما لا يخفى. الثاني: ما افاده المحقق الخراساني من ان المتيقن من هذه الاخبار هو الخبر الصحيح، الا انه من جملة تلكم الاخبار، خبر صحيح يدل على حجية الموثق مطلقا. تقرير الاجماع على حجية خبر الواحد السابع: من ادلة حجية الخبر الواحد الاجماع، وتقريبه من وجوه - احدها -


1 - الوسائل باب 8 من ابواب صفات القاضى. 2 - المصدر المتقدم. 3 - المصدر المتقدم. (*)

[ 157 ]

الاجماع المنقول من شيخ الطائفة على حجيته. الثاني: الاجماع القولى عدا السيد واتباعه كما يظهر ذلك بالتتبع في فتاوى الاصحاب وكلماتهم وخلافهم لا يضر. الثالث: الاجماع القولى من الجميع حتى السيد واتباعه، اما غير السيد واتباعه فواضح، واما هم فيمكن ان يذكر له وجهان. الاول: ان انكار السيد (ره) حجية الخبر المجرد عن القرائن القطعية انما هو لاجل انفتاح باب العلم لديه ومعلومية معظم الفقه عنده بالضرورة، والاجماع القطعي، والاخبار المتواترة كما يصرح بذلك في جواب ما اورده على نفسه بانه إذا لم يكن الخبر الواحد حجة فعلى أي شئ تعولون في الفقه كله وظاهر ذلك ان الخبر حجة على فرض انسداد باب العلم. الثاني: ان يكون المراد من العلم ما يشمل الوثوق والاطمينان كما يشهد له ما ذكره (قده) في تعريف العلم بانه ما يقتضى سكون النفس، فمراده من القرائن الموجبة للعلم هي ما توجب الوثوق والاطمينان الموجب لسكون النفس فيكون قوله قبال من يدعى حجية الخبر الواحد تعبدا و، ان لم يحصل الوثوق، وعلى ذلك فهو ايضا قائل بحجية الخبر الواحد غاية الامر يعتبر فيها افادته الوثوق. الرابع: الاجماع العملي من العلماء كافه بل من جميع المتشرعة. ولكن يرد على الوجه الاول ان حجية الاجماع المنقول على القول بها، انما هي من جهة كونه من افراد الخبر، فكيف يصح الاستدلال به على حجية الخبر، اضف الى ذلك ما تقدم من عدم شمول ادلة حجية الخبر الواحد لنقل الاجماع. ويرد على الوجه الثاني، مضافا الى ان عدم مضربة مخالفة السيد انما يتم على القول بالاجماع الدخولى دون الحدثى، أو قاعدة اللطف: انه لمعلومية مدرك المجمعين لا يكون هذا الاجماع كاشفا عن راى المعصوم عليه السلام. ويرد على الوجه الثالث: مضافا الى ما اورد على الثاني، انه اجماع تقديري

[ 158 ]

احتمالي، لانه من المحتمل ان السيد واتباعه على تقدير الالتزام بالانسداد لا يلتزمون بحجية خبر الواحد، بل يرونه من افراده الظن المطلق كالمحقق القمى (ره). ويرد على الوجه الرابع ان عمل المجمعين لا يكون كاشفا عن كون رأيهم حجية الخبر الواحد، فان عمل جماعة منهم يكون من جهة انهم يرون كون ما في الكتب الاربعة مقطوع الصدور. واما عمل المتشرعة فهو وان كان مما لا ينبغى انكاره، كما يظهر لمن لا حظ اخذ اهل البوادى والقرى والبلدان والبعيدة والنساء، الفتاوى من الوسائط بينهم وبين المعصومين، ونوابهم من صدر الاسلام الى زماننا الا انه لم يثبت كون ذلك سيرة المتشرعة بماهم متشرعون، بل الظاهر كون سيرتهم عليه، بما هم عقلاء فالعمدة هو بناء العقلاء. تقرير بناء العقلاء على حجية خبر الواحد الثامن: سيرة العقلاء فانها قد استقرت على العمل بخبر الواحد في جميع امورهم ولم يردع الشارع الاقدس عنها، والا لبان كما وصل منعه عن العمل بالقياس، مع ان العامل بالقياس اقل من العامل بخبر الثقة بكثير، ومع ذلك قد بلغت الروايات المانعة عن العمل بالقياس الى خمسمائة رواية تقريبا، ولم يصل المنع عن العمل بخبر الثقة رواية واحدة، وهذا قوى كاشف عن امضاء الشارع اياه. وغاية ما توهم ان الايات والروايات الناهية عن اتباع غير العلم رادعة عن هذه السيرة، وافاد القوم في دفع هذا التوهم وجوها. منها: ما في هامش الكفاية من ان نسبة السيرة الى تلك الادلة نسبة الخاص المتقدم الى العام المتأخر، في ان الامر يدور بين تخصيص العام بالخاص المقدم، وبين جعل العام ناسخا، وقد ذكرنا في بحث العموم والخصوص، ان المتعين هو الاول إذ الخاص قرنية على المراد من العام، وتقديم البيان على وقت الحاجة لا محذور فيه فتدبر.

[ 159 ]

وفيه: ان كون السيرة مخصصة للعام المتأخر متوقف على حجيتها، وهى تتوقف على احراز تمكن الشارع من الردع قبل نزول الايات الناهية، لتكون السيرة حجة حينئذ وقابلة لتخصيص العام، وانى لنا باثبات ذلك كيف ولم يكن (ص) في اول البعثة متمكنا من الردع عن المحرمات القطعية كشرب الخمر مثلا، ولا من الامر بالواجبات الضرورية كالصوم والصلاة ومع عدم التمكن لا يكون السيرة حجة. ومنها: ما في الكفاية متنا، قال لا يكاد يكون الردع بها الا على وجه دائر وذلك لان الردع بها يتوقف على تخصيص عمومها أو تقييد اطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة وهو يتوقف على الردع عنها بها والا لكانت مخصصة أو مقيدة لها ثم اورد على نفسه بانه على هذا يكون اعتبار خبر الثقة ايضا دوريا، لتوقفه على عدم الردع بها المتوقف على تخصيصها بها المتوقف على عدم الردع، واجاب عنه بانه يكفى في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها، ولا يتوقف على ثبوت عدم الردع. واورد عليه المحقق صاحب الدرر (ره) والاستاذ الاعظم: بان عدم ثبوت الردع لا يكفى في تخصيص العمومات بالسيرة بل لا بد من ثبوت الامضاء المنكشف بثبوت عدم الردع، فان سيرة العقلاء ما لم يمضها الشارع لا تكون حجة. ويمكن رد ذلك، بان هذا الايراد لا يرد عليه (قده) على مسلكه في حجية طريقة العقلاء، إذ ليس مبناه فيها الملازمة بين حجية شئ عند العقلاء وحجيته عند الشارع حتى يحتاج الى امضاء الشارع كى يكون المقتضى للحجية امضاء الشارع، ويكون ثبوت عدم الردع احد الطرق الكاشفة عن امضائه بل مبناه، ان الشارع بما انه رئيس العقلاء وهو منهم متحد المسلك مع العقلاء، فهذا مقتض لاتحاد المسلك - وبعبارة اخرى - نفس بناء العقلاء مقتض لحجية الخبر لفرض كونه منهم، وردعه كاشف عن اختلاف مسلكه معهم من حيث انه منهم، فعدم ثبوت الردع كاف في الحكم باتحاد المسلك لعدم المانع عن الحكم بالاتحاد. فالصحيح ان يورد عليه بان، عدم ثبوت التخصيص يكفى في حجية العمومات ايضا وصلوحها رادعة عن السيرة إذ الدليل حجة ما لم يثبت خلافه.

[ 160 ]

ومنها: ما عن المحقق الخراساني وهو ان الادلة منصرفة ولا اقل ان المتيقن منها خصوص الظن الذى لم يقم دليل على حجيته بالخصوص. وفيه: ان دعوى الانصراف باطلة إذ لا منشا له في المقام، حتى من المناشى التى ذكرها القوم، ونحن لا نسلهما من، غلبة الوجود، وكثرة الاستعمال الموجبتين لانس الذهن، واما دعوى التيقين فان اريد به الانصراف، فيرد عليه ما تقدم، والا فيرد عليه ان مجرد وجود المتيقن لا يمنع عن التمسك بالاطلاق. ومنها: ما عن المحقق الخراساني في مجلس بحثه وهو انه بعد تسليم صلاحية كل من العمومات والسيرة لرفع اليد بها عن الاخرى، وتعارضهما، وتساقطهما، يرجع الى استصحاب الحجية الثابتة للسيرة قبل ورود الايات الناهية عن العمل بغير العلم. وفيه: ان هذا يتم لو احرز تمكن الشارع الا قدس من الردع عن العمل به قبل ورودها ولم يكن يترتب عليه محذوراهم، والا فلا يكون امضائه محرزا به فلا تكون حجية السيرة محرزة قبل نزول الايات كى تستصحب مع ان دليل حجية الاستصحاب، اما السيرة العقلائية أو الاخبار الاحاد فعلى الثاني كيف يمكن التمسك لحجية خبر الواحد بالاستصحاب المتوقف حجيته على حجية الخبر الواحد بعد عدم كونها متواترة، وعلى الاول تكون الادلة الناهية عن العمل بغير العلم ناهية عن العمل بالاستصحاب فكل ما يقال في السيرة القائمة على العمل بخبر الواحد مع الايات الناهية عن العمل بغير العلم يقال في السيرة القائمة على العمل بالاستصحاب. كيف وقد صرح المحقق الخراساني في مبحث الاستصحاب من الكفاية بان تلك الايات رادعة عن العمل بالاستصحاب. اضف الى ذلك كله ان المختار عدم حجية الاستصحاب في الاحكام الكلية. ومنها: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) وحاصله ان دليل حرمة العمل بغير العلم احد امرين والعمومات راجعة الى احدهما - الاول - ان العمل بغير العلم تشريع محرم - الثاني - ان العمل بغير العلم مستلزم لطرح ادلة الاصول العملية واللفظية التى اعتبرها الشارع عند عدم العلم بالخلاف، وشئ من هذين الوجهين الردع عن العمل

[ 161 ]

في المقام إذ حرمة التشريع، وعدم جواز طرح الاصول مركوزان في اذهان العرف والعقلاء، ومع ذلك يعملون بخبر الثقة فيستكشف من ذلك ان العمل به لا يعد تشريعا عند العرف بل يرونه اطاعة، ولذا يعولون عليه في اوامرهم العرفية، اما الاصول التى مدركها حكم العقل، فلا تجرى في مقابل خبر الثقة، بعد الاعتراف ببناء العقلاء على العمل به، واما الاصول اللفظية، فلان مدركها بناء العرف والعقلاء، ولا بناء منهم على اعتبارها، فادلتها لا تشمل صورة وجود الخبر الموثوق به في مقابلها. وفيه: ان العرف والعقلاء انما لا يرون العامل بخبر الثقة في اموراتهم مشرعا لما يرونه حجة فعدم كونه تشريعا انما يترتب على حجيته، فلا يمكن اثبات الحجية بعدم التشريع، - وبعبارة اخرى - عدم كونه مشرعا انما يكون من جهة كون الخبر حجة عندهم، فلو كان ذلك كاشفا عن امضاء الشارع، كان العامل غير مشرع عنده ايضا والا كان مشرعا، والكلام الان في كاشفيته عن امضاء الشارع بعد ورود ما يصلح للرادعية فتدبر فانه دقيق، مع ان حمل جميع الاخبار والايات المتضمنة للنهى عن اتباع غير العلم على ارادة احد الامرين الذين اشار اليهما خلاف الظاهر، فان الظاهر من كل عنوان ماخوذ في دليل دخله في الحكم بنفسه. فالصحيح في الجواب ان يقال ان عمل العقلاء بخبر الثقة انما هو من جهة الغائهم احتمال الخلاف، وفرضه كالعدم والمعاملة العلم - وعليه - فلا يعقل رادعية العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم عنه إذ الرادعية فرع كون مورد البناء ومفاد العمومات شيئا واحدا و، الا فلو كان كل منهما متكفلا لبيان امر غير ما يكون الاخر متكفلا له، لا معنى للرادعية وهو واضح، والعمومات متضمنة لبيان عقد الحمل، وان كل ما صدق عليه غير العلم لا يجوز اتباعه، واما انه في أي مورد يصدق هذا العنوان فتلك العمومات غير متكفلة لبيانه، بل لا بد من التماس دليل آخر كما هو الشان في جميع الادلة المتضمنة للاحكام على الموضوعات، وبناء العقلاء متكفل لبيان عقد الواضح وان خبر الثقة ليس بغير علم، وعليه فالعمومات غير رادعة عنه بل لا يعقل رادعيتها. فتحصل انه بمقتضى بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة، بضميمة عدم الردع يبنى

[ 162 ]

على حجية خبر الثقة. ثم ان مقتضى هذا الدليل حجية كل خبر ثقة كان اماميا، ام غير امامى، بل كل خبر موثوق به كان الراوى ثقة، ام لا ؟ فيستفاد منه حجية الخبر باقسامه الاربعة، وكذلك يدل على حجية الخبر الواحد في الموضوعات، وما يتوهم ان يكون رادعا عنه، ودالا على عدم حجيته في الموضوعات قد تقدم انه لا يصلح لذلك في ذيل آية النباء فراجع. الوجوه العقلية التى اقيمت على حجية الخبر التاسع: الوجوه العقلية وهى امور احدها انه يعلم اجمالا بصدور كثير مما بايدينا من الاخبار من الائمة الاطهار، ولازم ذلك العمل بجميع النصوص التى هي طرف العلم - توضيح ذلك - انه بعد مراجعة احوال الرواة وملاحظة شدة اهتمامهم بضبط الاحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام، واهتمامهم بتنقيح ما اودعوه في كتبهم عن الاخبار المدسوسة، حتى انهم من جهة هذا الاهتمام كانوا لا يعتنون باخبار من يعتمد في عمل نفسه على المراسيل، وكان يروى عن الضعفاء، وان كان بنفسه ثقة كالبرقي، ولا يعتنون باخبار من عمل بنفسه بالقياس كالاسكافي، مع ان العمل لا ربط له بالخبر، ولذا ترى ان على ابن الحسين بن الفضال لم يرو كتب ابيه معتذرا بانه كان صغير السن عند سماعه الاحاديث منه فقرأ كتب ابيه، على اخويه محمد واحمد، وكانوا يتوقفون في روايات من كان على احق، ثم انحرف كبنى فضال، أو ارتد عن مذهب الشيعة كابن عذا فر، يظهر صدور جملة من الاخبار المتضمنة للاحكام المودعة في الكتب الاربعة وغيرها من الكتب، ومقتضى هذا العلم الاجمالي العمل بجميع النصوص التى تكون طرفا لهذا العلم الاجمالي. واورد عليه الشيخ الاعظم (ره) بامرين. الاول: ان لنا علمين اجماليين ومعلومين كذلك احدهما ثبوت الاحكام في الاخبار بالتقريب المتقدم. ثانيهما: ثبوت احكام في مجموع الاخبار وساير الامارات الظنية الاخر فسائر الامارات طرف للعلم الاجمالي

[ 163 ]

الثاني: الذى يكون دائرته اوسع من دائرة العلم الاجمالي الاول، ولا يكون ذلك العلم الاجمالي منحلا بالعلم الاجمالي الصغير إذ الميزان في تشخيص الانحلال وعدمه هو ان يفرز من اطراف العلم الاجمالي الصغير بالمقدار المتيقن، فان بقى علم اجمالي بوجود الاحكام في بقية اطراف الشبهة من ساير الاخبار، والامارات يكشف ذلك عن عدم الانحلال، وان لم يبق العلم الاجمالي لا محالة يكون منحلا، ويحث انه في المقام لا ريب في انا لو فرزنا قدرا من الاخبار لا يزيد عن المعلوم بالاجمال، من الاحكام في ما بين الاخبار من الاحكام، لا ريب في بقاء العلم الاجمالي بوجود احكام فيما بين بقية الاخبار وساير الامارات الظنية، فلا مناص عند عدم الانحلال. ولا يكفى في الجواب عن ذلك مجرد دعوى الانحلال، وعدم بقاء العلم الاجمالي كما في الكفاية وتبعه الاستاذ الاعظم فان انكار بقائه مكابرة. فالحق في الجواب ان يقال ان العلم الاجمالي وان كان باقيا الا ان الذى يفيد، لعدم الانحلال هو كون المعلوم بالاجمال وجوده من الاحكام في مجموع الاخبار وساير الامارات، غير المعلوم بالاجمال وجودها في الاخبار المروية في الكتب المعتبرة، وهذا انما يكون مع عدم احتمال اتحاد مؤديات ساير الامارات مع الاخبار المفروزة، أو المفروز منها، وحيث انه لاعلم بوجود احكام غير ما في الاخبار المروية في الكتب المعتبرة من الاحكام فلا محالة يكون العلم الاجمالي الكبير منحلا بالعلم الاجمالي الصغير والشك البدوى في ساير الامارات. بقى الكلام في ان مقتضى هذا الوجه، هل هو حجية الخبر بنحو يقيد به المطلق، ويخصص به العام، وبه يرفع اليد عن الاصول العملية، ام ليس الا وجوب العمل بالاخبار المثبتة فقط. والكلام في هذا المقام يقع في موردين - الاول - في معارضة الخبر مع الاصول اللفظية. الثاني: في معارضته مع الاصول العملية. اما المورد الاول: فظاهر الشيخ الاعظم، والمحقق الخراساني، وصريح المحقق الاصفهانى، عدم تقديمه على العمومات والمطلقات، والمنسوب الى المحقق العراقى (ره) هو العمل به في مقابلها وتقديمه عليها.

[ 164 ]

وقد استدل للاول بان العمومات والمطلقات حجج لا يرفع اليد عنها الا بحجة اقوى ومع عدم حجية الخبر كيف رفع اليد عنها. واستدل للثاني بان مقتضى اصالة الظهور الجارية في الاخبار الصادرة المعلومة بالاجمال هو خروج العمومات المثبتة والنافية عن الحجية، لانتهاء الامر فيها الى العلم الاجمالي بارادة خلاف الظاهر في بعض تلك العمومات والمطلقات من المثبت والنافى ولازمه بعد عدم المرجح هو اجراء حكم التخصيص والتقييد عليها، لسقوطها بذلك عن الاعتبار. وحق القول في المقام هو التفصيل بين الصور، لانه تارة يكون مفاد العام أو المطلق حكما الزاميا، كقوله تعالى " وحرم الربوا " (1) ومفاد الخبر حكما غير الزامي كقول امير المؤمنين عليه السلام ليس بين الرجل وولده ربا وليس بين السيد وعبده ربا (2) واخرى يكون عكس ذلك فيكون مفاد العام أو المطلق حكما غير الزامي كقوله تعالى " احل الله البيع " (3) ومفاد الخبر حكما الزاميا كالنبوي المشهور نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر (4). اما في الصورة الاولى فالصحيح هو ما افاده الشيخ وتابعوه، إذ العلم الاجمالي بورود التخصيص على العام، والعلم الاجمالي بعدم ارادة اصالة العموم، في بعض تلك العمومات لا يمنع من جريانها لعدم لزوم المخالفة العملية من جريانها، - وبعبارة اخرى - لا اثر للعلم الاجمالي إذا لم يكن متعلقه حكما الزاميا. واما في الصورة الثانية فالصحيح ما افاده المحقق العراقى (ره) لما اشار إليه من العلم الاجمالي الذى متعلقه حكم الزامي، - وبعبارة اخرى - يلزم من جريان الاصول اللفظية في جميع الموارد، العلم بمخالفة التكليف الواصل بالعلم وجريانها في بعض الموارد دون بعض ترجيح بلا مرجح فلا يجرى الاصل اللفظى في شئ من الموارد.


1 - البقرة آية 275. 2 - الوسائل باب 7 من ابواب الربوا حديث 1 ج 12. 3 - البقرة آية 275. 4 - الوسائل باب 40 من ابواب آداب التجارة حديث 3. (*)

[ 165 ]

واما في المورد الثاني: وهو معارضة الخبر مع الاصول العملية، فملخص القول فيه، ان الخبر، اما ان يكون مثبتا للتكليف كما لو دل الخبر على وجوب السورة في الصلاة، أو يكون نافيا له كما لو دل الخبر على عدم وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة، والاصل قد يكون نافيا كاصالة البرائة، وقد يكون مثبتا كقاعدة الاشتغال، واستصحاب بقاء التكليف كنجاسة الماء المتغير الزايل تغيره من قبل نفسه. فان كان الخبر مثبتا للتكليف يعمل به كان الاصل مثبتا له أو نافيا كما هو واضح، وكذلك يعمل به لو كان نافيا له وكان الاصل ايضا كذلك أي نافيا. واما إذا كان الخبر نافيا، والاصل مثبتا له، وكان الاصل هو قاعدة الاشتغال، كما لو علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، ودل الخبر على عدم وجوب الجمعة في زمان الغيبة، لا اشكال في انه لا يعمل بالخبر في هذا المورد الذى يقتضى العلم الاجمالي لزوم الاتيان بالجمعة بعد كون الوجه المتقدم مقتضيا للاتيان بما ادى إليه الخبر من باب الاحتياط لا الحجية، فانه لا اقتضاء له مع كون الخبر نافيا، والمقتضى لا يعارض مع ما لا اقتضاء له. واما لو فرضنا كون الاصل المثبت هو الاستصحاب فان لم يبلغ حدا يعلم اجمالا بمخالفة بعضها للواقع فكذلك أي لا بد من العمل بالاستصحاب وان بلغ الى هذا الحد، فجريان الاستصحاب، ومنعه عن العمل بالخبر، يبتنيان على القول بجريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي مع عدم لزوم المخالفة العملية كما هو الاظهر، واما على القول بعدم جريانه في اطراف العلم الاجمالي كما اختاره الشيخ الاعظم (ره) والمحقق النائيني (ره) فلا يجرى الاستصحاب، ويعمل بالخبر حينئذ كما لا يخفى. الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الوافية (ره) لحجية الاخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة مع عمل جمع به، من غير رد ظاهر - وحاصله - انه لا ريب في حدوث التكليف بعدة امور سيما بالاصول الضرورية كالصلاة والحج ونحوهما، وبقاء ذلك الى يوم القيامة وحيث ان اغلب اجزائها وشرائطها وموانعها انما تثبت بالخبر غير القطعي الصدور بحيث لو لم يعمل به خرج حقائق هذه الامور عن كونها هذه الامور، فلا مناص

[ 166 ]

عن العمل بالخبر الواحد. واورد عليه الشيخ الاعظم وتبعه المحقق النائيني (ره) وغيره، بان العلم الاجمالي انما هو تعلق بوجود الاجزاء والشرائط، والموانع، للاصول الضرورية في مطلق الاخبار، بل مطلق الامارات، فاللازم هو الاحتياط بالعمل بكل ما يدل على جزئية شئ، أو شرطيته، أو مانعيته لاحد تلكم الاصول. ويمكن الجواب عنه بان صاحب الوافية، يدعى العلم الاجمالي بصدور الاخبار الموجودة في تلك الكتب المشتملة على القيود المذكورة بمقدار المعلوم بالاجمال منها، وعليه فيوجب ذلك انحلال العلم الاجمالي بثبوتها في مطلق الامارات، ودعوى العلم الاجمالي بمصادفة بعض الامارات الاخر للواقع وصدور اخبار اخر غير الاخبار الموجودة في الكتب المعتمدة، لا تفيد بعد احتمال انطباق الصادر منها والمصادف للواقع على ما في تلكم الاخبار مضمونا. فالصحيح في الجواب عنه ان يقال ان لازم هذا الوجه، العمل بالاخبار المثبتة لها دون النافية، اضف إليه انه يرجع الى الوجه الاول غير ان دائرة العلم الاجمالي في المقام اضيق منه في ذلك الوجه، فيرد عليه ما اوردناه عليه اخيرا، مضافا الى انه لا يثبت به حجية الخبر القائم على اصل التكليف. الوجه الثالث: ما افاده بعض الاساطين، وحاصله ان الثابت يقينا بالضرورة، والاجماع، والخبر المتواتر: انا مكلفون بالرجوع الى السنة الى يوم القيامة فان تمكنا من الرجوع إليها على وجه يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه، فلا بد من الرجوع إليها كذلك، والا فلا بد من الرجوع الى الظن في تعيينها. واورد عليه الشيخ الاعظم وتبعه المحققون بانه ان اريد بالسنة نفس قول المعصوم أو فعله، أو تقريره، فوجوب الرجوع إليها ضروري، الا انه لا يلزم مع وجوب العمل بالخبر الحاكى عنها، مع عدم العلم بالمطابقة، الا إذا انضم إليها بقية مقدمات الانسداد، وان اريد بها الاخبار الحاكية، فلا دليل على وجوب العمل بها سوى العلم الاجمالي بصدور جمله كثيرة منها فهو يرجع الى الوجه الاول.

[ 167 ]

واورد عليهم المحقق الخراساني، بان ملاك هذا الوجه هو دعوى العلم بالتكليف بالرجوع الى الروايات في الجملة الى يوم القيامة. وفيه: انه إذا كان هناك دليل قطعي على ذلك، سوى الدليل على حجية الخبر بالخصوص المفروض عدمه، والعلم الاجمالي بصدور جملة منها، واستقلال العقل من جهة التنزل الى الامتثال الظنى، مع عدم امكان الامتثال القطعي كان لما ذكره المحقق الخراساني (ره) وجه ولكنه ليس فلا يتم ذلك فالصحيح ما افاده المحققون. ادلة حجية مطلق الظن وقد استدل لحجية الظن مطلقا من غير خصوصية للظن الحاصل من الخبر الواحد بامور، وهى اربعة. الاول: ان في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبى، أو التحريمي مظنة للضرر: لان الوجوب والحرمة يقتضيان العقاب على الترك في الاول، والفعل في الثاني، فالظن باحدهما ظن بترتب العقاب على مخالفته: ولان الظن بالوجوب ظن بوجود المفسدة في الترك، كما ان الظن بالحرمة ظن بالمفسدة في الفعل، بناءا على قول العدلية بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد، وبذلك يظهر ان ما افاده في النهاية من جعل كل من الضررين دليلا مستقلا على المطلب، هو الاحسن في التقريب، وكيف كان فلو انضم الى ذلك الكبرى الكلية، وهى لزوم دفع الضرر المظنون لاستقلال العقل بذلك يستنتج حجية الظن. واجيب عنه باجوبة. احدها: ما عن الحاجبى وتابعيه، من منع الكبرى، لان لزوم دفع الضرر المظنون انما يبتنى على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، ولا نقول به إذ غاية ما يمكن ان يقال كون ذلك احتياطا مستحسنا لا واجبا. ويرد عليه اولا انه لا سبيل الى انكار لزوم الحكم المذكور بعد اطباق العقلاء عليه

[ 168 ]

في جميع امورهم، ولذا استدل به المتكلمون على وجوب شكر المنعم، الذى هو الاساس لوجوب معرفة الله تعالى، واستدلوا به ايضا لوجوب النظر الى معجزة النبي (ص) وثانيا ان ملاك وجوب دفع الضرر المظنون، ليس هو التحسين والتقبيح العقليين، بل ملاكه كون الضرر منافرا للطبع، والفرار من ما ينافر الطبع مما يستقل به العقل، وملاك التحسين والتقبيح العقليين، كون بعض الافعال على وجه يحسن فاعله ويمدح عليه، وبعضها الاخر على نحو يقبح عليه ويذم، ولا ربط لاحدهما بالاخر ولذلك اتفق العقلاء على لزوم دفع الضرر المظنون، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح. واما ما اجاب به الشيخ الاعظم من ان تحريم تعريض النفس للمهالك والمضار الدنيوية والاخروية مما دل عليه الكتاب والسنة مثل قوله تعالى ولا تلقوا بايدكم الى التهلكة وغيره. فهو غريب لان، ما يحذر عن العقوبة الاخروية، لا يوجب الحكم الشرعي، ولذلك اتفقوا على ان اوامر الاطاعة ارشادية لا مولوية، وما يحذر عن الوقوع في المضار الدنيوية لم نعثر عليه والايات المشار إليها كلها من قبيل الاول - اضف إليه - ان التمسك بتلك الادلة مع عدم احراز الموضوع، لهم يظهر وجهه مع انه يخرج عن الدليل العقلي والكلام انما هو فيه. ثانيها: ما عن الشيخ في العدة والسيد في الغنية من ان الحكم المذكور مختص بالامور الدنيوية فلا يجرى في الاخروية مثل العقاب، واورد عليه بان المضار الاخروية اعظم، ويمكن ان يقال ان مراد هؤلاء، ان وجوب دفع الضرر المظنون بالوجوب المولوي النفسي الذى يراد استكشافه من حكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون يختص بالمضار الدنيوية: إذ حكم العقل بلزوم دفع العقاب المظنون لا يكون، الا حكما ارشاديا لوقوعه في سلسلة معاليل الاحكام، بخلاف وجوب دفع الضرر الدنيوي، فانه يمكن ان يكون مولويا لوقوعه في سلسلة علل الاحكام. ويمكن ان يكون مرادهم ان الضرر الاخروي قسمان: عقاب، وغير عقاب. والاول: مامون ما لم ينصب الشارع دليلا على التكليف به، بخلاف الضرر الدنيوي التابع

[ 169 ]

لنفس الفعل أو الترك، علم حرمته أو لم يعلم. والثانى: دل العقل والنقل على وجوب اعلامه على الحكيم وهو الباعث له على التكليف، ولكن ذلك يرجع الى منع الصغرى كما نبه عليه الشيخ الاعظم. ثالثها: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو منع الصغرى اما العقوبة فهى لا تلازم الحكم ليكون الظن به ظنا بها، فان العقاب يكون مترتبا على تنجز الحكم ومعصية الحكم، ومجرد الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجز به كى يكون مخالفته عصيانا، ثم قال الا ان يقال ان العقل وان لم يستقل بتنجزه بمجرده، الا انه لا يستقل ايضا بعدم استحقاقها معه فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة، ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدا، واما المفسدة فالظن بالحكم وان كان يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه الا انها ليست بضرر على كل حال: لان تفويت المصلحة ليس فيه مضرة بل ربما يكون في استيفائها مضرة كما في الاحسان بالمال، والمفسدة في الفعل الحرام، لا يلزم ان يكون من الضرر على فاعله، بل ربما يوجب منقصة في الفعل بلا ضرر على فاعله، مع منع كون الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهى عنها بل انما هي تابعة لمصالح فيها. ولكن ما افاده في العقاب من عدم استقلال العقل، بعدم استحقاقه مع الظن بالحكم فيحتمل العقاب حينئذ على المخالفة، والعقل مستقل بوجوب دفع العقاب المحتمل، غير تام فان منشا احتمال العقاب ان كان هو احتمال حجية الظن بالحكم فيحتمل وجود الحكم المنجز، ففيه ما حققناه وصرح هو (قده) به، من ان الظن المجرد مما يقطع بعدم حجيته، فيقطع بعدم تنجز الحكم، اضف إليه انه (قده) في مبحث البرائة يصرح بان ادلة البرائة توجب القطع بعدم العقاب، وبها يرتفع موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل، وما افاده في ذلك المبحث متين. وما افاده من عدم تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات، يرده النصوص والروايات الواردة في علل الشرايع المتضمنة لبيان المصالح والمفاسد للاحكام.

[ 170 ]

رابعها: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) بعد تسليم ان الظن بالحكم ظن بترتب الضرر الدنيوي على مخالفته بما حاصله ان الضرر المظنون مما يقطع أو يظن بتداركه، والعقل لا يستقل بقبح الاقدام على ما يوجب الضرر مع القطع بتداركه أو الظن به: إذ الظن بالحكم الذى لم يدل دليل على حجيته مشمول لادلة الاصول العملية الشرعية من الاستصحاب والبرائة الشرعية، وتلك الادلة اما ان تكون مقطوعة الصدور عنهم صلوات الله عليهم، أو تكون مظنونة الصدور، ولازم شمولها له تدارك المفسدة المظنونة حتى لا يلزم ايقاع المكلف في الضرر والمفسدة الواقعية، اد مع عدم احراز التكليف لا بد لشارع، اما من ايجاب الاحتياط، أو تدارك الضرر، وحيث لم يوجب الاحتياط عند الظن بالتكليف فلا يظن بالمفسدة غير المتداركة، بل يقطع أو يظن بالتدارك، والعقل لا يستقل بقبح الاقدام على المفسدة المتداركة. وفيه اولا: انه (قده) يصرح في مبحث البرائة بان الظن بالضرر غير العقاب، قد جعله الشارع الاقدس طريقا شرعيا، الى الضرر الواقعي، ويجب التحرز عنه، ولا تجرى فيه البرائة، كساير موارد الطرق الشرعية: لان هذا الحكم العقلي أي وجوب دفع الضرر المظنون، يكون واردا أو حاكما على البرائة العقلية والشرعية والاستصحاب، ومع ذلك كيف يحكم بشمولها له وتدارك الضرر. وثانيا: انه لم يقم دليل على لزوم تدارك المفسدة الواقعية في ظرف انسداد باب العلم والعلمي، الذى هو فرض جريان الاصول العملية، فانها انما تكون في مورد انسداد باب العلم، وعدم التمكن من الوصول الى الواقع بالعلم أو العلمي: فانه في فرض الانسداد لا يكون الوقوع في الضرر والمفسدة الواقعية مستندا الى الشارع. وثالثا: ان شمول ادلة الاصول لذلك المورد أي الظن بالضرر بما انه يتوقف على اثبات تدارك الضرر والمفسدة وهو غير ثابت فلا تشمله، ولا يلزم من عدم شمولها له بقاء العموم بلا مورد بعد كون المشكوكات والموهومات باقية تحته. والحق في الجواب يبتنى على بيان امور. الاول: ان المشهور بين العدلية تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات وخالفتهم المحقق الخراساني والتزم بانها تابعة

[ 171 ]

للمصالح في نفس الجعل. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بانه لو كانت المصلحة في نفس الامر والجعل، كان اللازم حصولها بمجرد الامر، ولم يبق موقع للامتثال. وفيه: ان لزوم الامتثال غير مربوط بالمصلحة والمفسدة، بل يجب الامتثال حتى بناءا على مسلك الاشعري القائل بجواز جعل الاحكام جزافا، لانه انما يجب لكونه مما يقتضيه قانون العبودية والمولوية. فالحق في الجواب عنه ان هذا في نفسه وان كان ممكنا، الا انه يرده النصوص والروايات الواردة في علل الشرائع المتضمنة لبيان المصالح والمفاسد للاحكام. ثم ان المصالح والمفاسد ربما تكون شخصية كمصلحة الصوم ومفسدة شرب المسكر ونحوهما وربما تكون نوعية كمصالح الواجبات النظامية، ومفاسدا كل مال الغير وقتل النفس المتحرمة وغيرهما. الامر الثاني: ان للعقل حكمين في باب الاطاعة والعصيان. احدهما: انه يجب على المولى انزال الكتب وارسال للرسل وبيان الاحكام وجعلها في معرض الوصول الى العبد، وان لا يعاقب على المخالفة بدون ذلك. ثانيهما: انه يجب على العبد الفحص عن تكاليف المولى في مظان وجودها، ويترتب على ذلك انه لو خالف العبد التكليف الواقعي، فان كان ذلك لقصور من ناحية المولى، لا يصح له عقاب العبد، ويعبر عن هذا بقبح العقاب من غير بيان، فلو تفحص العبد ولم يصل إليه التكليف من جهة هذا الحكم العقلي يقطع بعدم العقاب، وان كان لقصور من ناحية العبد، بان لم يفتحص عنه، صح عقابه على مخالفة التكليف، وكان قبل الفحص موردا لقاعدة، وجوب دفع الضرر المحتمل، الشامل للمظنون، والموهوم، فبذلك يظهر انه لا يعقل ورود القاعدتين في مورد واحد. فما احتمله الشيخ الاعظم، من انه لو ظن بالتكليف، لا تجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وان العقل لا يستقل بعدم العقاب، فلا محالة يحتمل العقاب، فيكون موردا لقاعدة وجوب الدفع.

[ 172 ]

في غير محله، إذ الظن الذى لم يثبت حجيته، لا يكون بيانا من قبل المولى ومع عدم البيان تجرى قاعدة قبح العقاب. الامر الثالث: ان تحمل الضرر الدنيوي المقطوع لا دليل على حرمته الا في موارد خاصة، كما سيأتي تفصيل القول فيه في مبحث لا ضرر، وعلى فرض كونه حراما، لم يدل دليل على حرمة تحمل الضرر المظنون وجوده، لاصالة البرائة الجارية في الشبهات الموضوعية، بلا خلاف في غير الموارد الخاصة التى اوجب الشارع فيها الاحتياط تحفظا للملاك الذى لا يرضى الشارع الا قدس بتوفيته حتى في مورد الشك، فمن عدم جعل وجوب الاحتياط وعموم ادلة البرائة يستكشف ان الملاك ليس بمثابة من الاهمية في نظر الشارع بنحو لا يرضى بفوته في فرض الشك، ومعه لا مورد لقاعدة وجوب الدفع. إذا عرفت هذه الامور فاعلم، ان المراد بالضرر في كلام المستدل ان كان هو الضرر الاخروي، أي العقاب، فهو لا يكون محتملا، فضلا عن كونه مظنونا، لما عرفت من انه لا ملازمة بين ثبوت التكليف الواقعي، والعقاب على مخالفته، بل العقاب انما يكون على مخالفة التكليف الواصل، فلا يكون الظن بالتكليف ظنا بالعقاب على المخالفة، بل مع عدم حجية الظن يكون العقاب مقطوع العدم لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالصغرى ممنوعة. وان كان المراد به الضرر الدنيوي، فهو في موارد الواجبات لا يحتمل، فان في مخالفتها تفويت للمصالح خاصة لا تحملا للضرر، فالصغرى ممنوعة ايضا وفى موارد الاحكام التحريمية، فما يكون من قبيل الاحكام الناشئة عن المفاسد النوعية، لا يكون الضرر محتملا ولا مظنونا، فالصغرى ممنوعة ايضا، وما يكون من قبيل الاحكام الناشئة عن المفاسد الشخصية، فالصغرى وان كانت ثابتة وتامة، الا ان الكبرى ممنوعة كما عرفت في الامر الثالث. الدليل الثاني من ادلة حجية مطلق الظن الوجه الثاني: انه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح وهو قبيح، ولتوضيح

[ 173 ]

هذا الوجه لا بد من بيان امور، الاول: انه ليس المراد من الراجح المرجوح ما هو كذلك بحسب الاغراض الشخصية فانه محال لا قبيح لاستحالة تأثير الاضعف دون الاقوى، ولذلك افاد المحقق القمى (ره) ان لفظ الترجيح بمعنى الاختيار والراجح والمرجوح، هو القول بان المظنون، أو الموهوم حكم الله أو العمل بمقتضاه. الثاني: ان الوجه المذكور في كلماتهم محتمل للوجهين، فانه قد يقرر بالنسبة الى الحكم بمقتضى الظن، وجعل حكم الله الظاهرى ما اقتضاه، وآخر يقرر بالنسبة الى العمل بمقتضاه. الثالث: ان الوجه المذكور قياس استثنائي وانتاجه يتوقف على ثبوت الملازمة بنفسها أو بالدليل، بين عدم الاخذ بالظن وبين ترجيح المرجوح على الراجح، وثبوت رفع التالى باحد الوجهين، فتمامية هذا الوجه تتوقف على ثبوت امرين، والامر الثاني واضح، اما الاول فغاية ما يقال في تقريبه ان الظن اقرب الى الواقع والوهم ابعد فإذا لم يعمل باظن فلا محالة يعمل بالوهم. واورد على ذلك بوجوه 1 - ما عن صاحب حاشية المعالم وهو ان المرجوح ربما يوافق الاحتياط كما لو ظن عدم وجوب شئ أو عدم جزئيته، فان الوجوب أو الجزئية يوافق الاحتياط الذى هو حسن عقلا فلو اتى به وعمل بالمرجوح لا محالة يكون اولى من العمل بالراجح وترك ذلك الشئ. ويرد على ان المراد من ترجيح المرجوح ان كان هو العمل على طبقه ولو من باب الاحتياط ففى الفرض لو اتى بذلك الشئ يكون عاملا بهما معا إذا الراجح لا يلزم بترك ذلك الشئ بل يرخص في فعله وتركه، فالفعل عمل بهما معا لا تقديم للمرجوح، وان كان هو الحكم بان مفاد هو حكم الله فلا ريب فيث كونه خلاف الاحتياط - وبعبارة اخرى - الاتيان بذلك الشئ بقصد الوجوب لا بقصد احتمال الامر يكون خلاف الاحتياط، والاتيان بداعي احتمال الامر لا يكون طرحا للراجح لان الاتيان لا ينافى عدم الوجوب. 2 - ما هو معروف بين الاصحاب قالوا ان ذلك فرع وجوب الترجيح فلا يرجح المرجوح، واما إذا لم يثبت وجوب الترجيح فلا يرجح المرجوح ولا الراجح، والظاهر

[ 174 ]

ان مرادهم من ذلك ما اجاب به الشيخ الاعظم (ره)، وحاصله ان هذا الوجه يتم لو تعلق الغرض بالواقع وتنجز التكليف، ولم يمكن الاحتياط، واما إذا لم يتنجز التكليف لا مانع من الرجوع الى الاصول النافية للتكليف، وليس فيه ترجيح للمرجوح، وكذا لو تنجز التكليف، وامكن الاحتياط فيجب العمل بالاحتياط لقاعدة الاشتغال فليس فيه ايضا ترجيح للمرجوح. نعم، لو تنجز التكليف ولم يمكن الاحتياط كما لو دار، امر القبلة في آخر الوقت بين جهتين يظن كون القبلة في احداهما، ولم يمكن الاحتياط لضيق الوقت تعين الاخذ بالظن، والا لزم ترجيح المرجوح، وعليه فتمامية هذا الوجه تتوقف على تمامية مقدمات الانسداد من بقاء التكليف وعدم جواز الرجوع البرائة، وعدم لزوم الاحتياط أو عدم امكانه وغير ذلك من المقدمات، وبدونها لا يتردد الامر بين الاخذ بالراجح والاخذ بالمرجوح، وهو تام. ولا يرد عليه ما افاده الشيخ الاعظم (ره) بقوله ان التوقف عن ترجيح الراجح ايضا قبيح كترجيح المرجوح، فان الظاهر ان الشيخ (ره) زعم ان المراد من هذا الوجه كون المراد منه مجرد عدم ترجيح المرجوح، فأجاب بذلك ولكن بعدما عرفت مراد القوم، لا يرد عليه هذا الوجه. الوجه الثالث: ان العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات يقتضى وجوب الاحتياط في جميع الشبهات باتيان كل ما يحتمل وجوبه ولو موهما وترك ما يحتمل الحرمة كذلك ولكنه موجب للعسر المنفى في الشريعة، فلا بد من التبعيض في الاحتياط، والاخذ بالمظنونات، - وبعبارة اخرى - الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج، بالعمل بالاحتياط، في المظنونات خاصة: لان الجمع على غير هذا الوجه، باخراج بعض المظنونات، وادخال بعض المشكوكات والموهومات باطل اجماعا. ويرد عليه ان الامرين المشار اليهما بعض مقدمات الانسداد، فلو لم ينضم اليهما ان باب العلم والعملي منسد، والرجوع الى ما ينفى التكليف في جميع الوقائع مع الانسداد أو الى الاصول لا يجوز، لا ينتج ذلك وجوب العمل بالظن كما هو واضح.

[ 175 ]

حول دليل الانسداد الوجه الرابع: هو الدليل المعروف بدليل الانسداد، وتنقيح القول فيه بالبحث في جهات، الاولى في بيان اصل المقدمات التى يتالف منها هذا الدليل، الثانية في النتيجة المرتبة عليها، الثالثة في تمامية المقدمات وعدمها. اما الجهة الاولى: فافاد الشيخ الاعظم انها امور اربعة. الاول: انسداد باب العلم والظن الخاص في معظم المسائل الفقهية. الثاني: انه لا يجوز لنا اهمال الاحكام المشتبهة وترك التعرض لامتثالها اصلا. الثالث: انه لا يجب الاحتياط التام في جميع الشبهات، اما لعدم امكانه، أو لاستلزامه اختلال النظام أو العسر، ولا يجوز الرجوع الى الاصل الجارى في كل مسالة ولا الى القرعة، ولا الى فتوى من يرى انفتاح باب العلم أو العلمي - الرابع - انه لا يجوز التنزيل الى الشك أو الوهم لقبح ترجيح المرجوح على الراجح. واضاف إليها المحقق الخراساني (ره) امرا آخر، وجعل المقدمات خمسا وهو انه يعمل اجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة. والحق مع المحقق الخراساني إذ مع اسقاط تلك المقدمة لا يبقى مجال للمقدمات الاخر الا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، ومجرد كونها واضحة لدلالة ساير المقدمات عليها لا يصلح وجها لاسقاطها، والا كان بعضها الاخر كذلك. واما ما افاده الاستاذ تبعا للمحقق النائين (ره) بان المراد من العلم بثبوت التكاليف ان كان هو العلم بثبوت الشريعة وعدم نسخ احكامها، فهذا من البديهيات التى لا ينبغى عدها من المقدمات، فان العلم بذلك كالعلم باصل وجود الشارع، وان كان المراد منه هو العلم بثبوت احكام في الوقايع المشبهة التى لا يجوز اهمالها فهذه المقدمة هي بعينها المقدمة الثالثة في كلام المحقق الخراساني الثانية في كلام الشيخ. فيرد عليه ان المراد به هو العلم بفعلية الاحكام، وهو لا يرجع الى الامر الثالث فان ذلك الامر انما هو لزوم امتثال الاحكام على فرض وجودها وهذا انما يكون هو العلم

[ 176 ]

بثبوت الاحكام فالمقدمات خمس. ثم ان المتعين جعل المقدمة الرابعة في كلام الشيخ هي عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الشكى والوهمى لكونه، مستلزما لترجيح المرجوح على الراجع، وهو قبيح كما صنعناه، لا لزوم الامتثال الظنى كما افاده الشيخ فانه نتيجة المقدمات. واما الجهة الثانية: ففى تعيين نتيجة المقدمات المذكورة على تقدير تماميتها من حيث انها الكشف أو الحكومة. وقبل بيان ما هو الحق في المقام لا بد وان يعلم ان المراد بالكشف هو استكشاف جعل الشارع الا قدس الظن حجة شرعية، في تلك الحال، وان المراد بالحكومة ان العقل يدرك كون المكلف معذورا غير مستحق للعقاب على مخالفة الواقع مع الاخذ بالظن، ويراه مستحقا للعقاب على مخالفة الواقع على تقدير عدم الاخذ بالظن والاقتصار على الامتثال الشكى والوهمى، فيحكم بتبعيض الاحتياط، في فرض عدم التمكن من الاحتياط التام، فالمراد بالحكومة، هو التبعيض في الاحتياط، لا استقلال العقل بحجية الظن، كما يوهمه ظاهر عبارة المحقق الخراساني فلنا دعويان. الاولى: ان المراد من الحكومة، هو التبعيض في الاحتياط، وتوضيحه، ان العقل انما يستقل بلزوم الاطاعة في الاحكام المولوية، واحراز امتثالها تفصيلا أو اجمالا، فان تعذر ذلك واحرز انه لا يجوز ترك التعرض لها رأسا فلا محالة يستقل بالتبعيض في الاحتياط والاكتفاء بالامتثال الظنى. الثانية: انه ليس المراد استقلال العقل بحجية الظن: والدليل على ذلك عدم معقوليته إذ شان القوة العاقلة هو الدرك، ولا تكون مشرعة وجعل الاحكام تكليفية كانت، ام وضعية انما هو وظيفة الشارع، ولا يكون ذلك شان العقل، وهذا من الوضوح بمكان. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان النتيجة المترتبة على هذه المقدمات، على فرض تماميتها انما تختلف المدرك للمقدمة الثالثة في كلام الشيخ والرابعة فيما اخترناه: إذ لو كان مدرك عدم وجوب الاحتياط ان الشارع الا قدس لا يرضى بابتناء

[ 177 ]

اساس الدين واكثر احكامه على الاحتياط، للاجماع، والضرورة، فان الاحتياط وان كان حسنا في نفسه، الا انه لا يكون حسنا فيما إذا استلزم انحصار الامتثال في اكثر الاحكام على الامتثال الاجمالي، المنافى لقصد الوجه والجزم، فلا محالة تكون النتيجة هي الكشف: إذ بعد فرض بقاء الاحكام، وعدم جواز اهمالها وعدم حسن الاحتياط فيها لا محالة يكشف جعل الشارع الظن حجة إذ لا طريق غيره ومع عدم نصب الطريق تكون الاحكام تكاليف بما لا يطاق، وان كان المدرك هو استلزامه العسر والحرج واختلال النظام فلا طريق الى كشف العقل جعل الشارع الظن حجة بعد حكمه بكفاية الاحتياط بالامتثال الظنى. واما الجهة الثالثة: فملخص القول فيها ان المقدمة الاولى، وهى العلم الاجمالي بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة، قطعية. ولكن هذا العلم الاجمالي منحل الى علم اجمالي آخر دائرته اضيق من دائرة هذا العلم الاجمالي، وهو العلم بثبوت التكاليف بمقدار المعلوم بالاجمال، فيها بين الاخبار، ولازم ذلك هو الاحتياط في خصوص الاخبار وقد تقدم تفصيل ذلك في الدليل العقلي الاول الذى اقيم على حجية الخبر الواحد. واما المقدمة الثانية: فتماميتها بالنسبة الى انسداد باب العلمي تتوقف على احد امور، اما عدم حجية الخبر الواحد، أو عدم حجية الظواهر اما مطلقا، أو لغير المقصودين بالافهام، أو عدم وفاء الاخبار بمعظم الفقه. والكل فاسدة: لما تقدم من حجية الخبر: والظواهر مطلقا، والاخبار بحمد الله وافية بمعظم الفقه فهى غير تامة. واما ما افاده المحقق القمى (ره) من تمامية مقدمات الانسداد حتى بناءا على حجية الخبر والظواهر بدعوى ان الظاهر من ادلة حجية الخبر حجية مطلق الظن وانه لا خصوصية لخبر الواحد. فغير تام، إذ يرد عليه، اولا: ان هذا احتمال محض لا دليل على الاعتناء به. وثانيا: انه لو كانت ادلة حجية الخبر بانفسها، دليل حجية الظن لا دليل الانسداد.

[ 178 ]

واما المقدمة الثالثة: فان بنينا على ان العلم الاجمالي منجز فيما إذا لم يتمكن المكلف من الموافقة القطعية للاضطرار الى بعض افراده غير المعين تركا أو فعلا، فملاكها واضح فان مقتضى العلم الاجمالي، الاحتياط بالمقدار الممكن، واما ان بنينا على عدم كونه منجزا في هذا المورد كما اختاره المحقق الخراساني، فمدركها، انه من عدم التعرض لامتثالها بالمرة، يلزم الخروج عن الدين، بمعنى المخالفة الكثيرة للاحكام، التى علمت بضرورة من الدين انها مرغوب عنها شرعا فلا يجوز، ففى الحقيقة مدرك هذه المقدمة غير الاجماع، احد امرين، العلم الاجمالي بوجود الاحكام، ولزوم الخروج عن الدين من اهمالها، فلو كان المدرك هو الاول، لزم الالتزام بكون النتيجة هو الحكومة ولو كان هو الثاني كانت النتيجة هو الكشف كما عرفت. فعلى هذا يمكن ان يقال بفساد مسلك الحكومة، لابتنائها على منجزية العلم الاجمالي، وهى متوقفة على بقائه وعدم انحلاله، فإذا فرضنا انه من عدم التعرض لامتثال الاحكام، يلزم الخروج عن الدين، فيكشف ذلك عن جعل الشارع طريقا الى احكامه، وليس هو غير الظن، وجعله طريقا يوجب انحلال العلم الاجمالي وعدم بقائه. واما المقدمة الرابعة: وهى، عدم جواز التقليد، والرجوع الى القرعة، والاحتياط، والرجوع الى الاصول فملخص القول فيها، ان بطلان التقليد لا يحتاج الى اقامة دليل فان المجتهد الذى يرى انسداد باب العلم يرى كون المجتهد القائل بالانفتاح جاهلا فكيف يجوز الرجوع إليه، مضافا الى ما ادعاه الشيخ (ره) من الاجماع القطعي على عدم جوازه، وبه يظهر حال الرجوع الى القرعة، مضافا الى قصور ادلتها عن الدلالة على الرجوع إليها لاستنباط الاحكام الشرعية. واما الاحتياط التام، فان كان غير ممكن، فلا اشكال في عدم وجوبه لقبح تكليف العاجز، وان كان مخلا بالنظام فلا اشكال في قبحه عقلا وعدم جوازه شرعا، واما ان كان موجبا للعسر والحرج، فهل لا يكون واجبا لادلة نفى العسر والحرج كما ذهب إليه الشيخ الاعظمم (ره)، ام لا يمكن نفى وجوب الاحتياط بادلة نفى العسر والحرج كما اختاره المحقق الخراساني (ره)، وجهان.

[ 179 ]

افاد الشيخ الاعظم (ره) ان تلك الادلة انما تدل على نفى الحكم الذاى ينشا من قبله الحرج، ووجوب الاحتياط، وان كان عقليا، لا يمكن رفعه الا برفع منشا انتزاعه الا انه ناش من بقاء الاحكام الواقعية على حالها، فهى المنشا للحرج الشئ الى اسبق علله، فبادلة نفى العسر يرفع الاحكام الشرعية الواقعية، فيرتفع وجوب الاحتياط بارتفاع موضوعه. واورد عليه المحقق الخراساني بان معنى دليل نفى الحرج ليس نفى الحكم الناشئ من قبله الحرج، بل مفاده نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، بدعوى ان ظاهر الادلة توجه النفى الى العمل الحرجى، ويكون المراد نفيه في عالم التشريع، وهو عبارة اخرى عن نفى حكمه، نظير قوله (ع) لا ربابين الوالد والوالد، وعليه فلا يكون دليل نفى الحرج حاكما على ما يقتضى الاحيتاط: لان الاحكام الواقعية متعلقة بافعال خاصة مرددة بين اطراف الشبهة وتلك الافعال لا تكون حرجية كى ترتفع بادلة نفى الحرج، ووجوب الاحتياط ليس حكما شرعيا كى يرتفع بادلة نفى الحرج فلا بد من الاحتياط وان استلزم الضرر. اقول يرد على ما افاده امران. احدهما: ان لسان دليل نفى الحرج ليس نفى الحكم بلسان نفى الموضوع فانه انما يكون فيما إذا كان الحكم مترتبا على موضوع وتعلق النفى بنفس ما تعلق به الحكم كما في مثل لا ربابين الوالد والوالد: فان الربا بنفسه متعلق للحرمة فالرواية الشريفة تنفى حكمه بلسان نفيه واما في المقام فالفعل الحرجى لم يذكر في الدليل، وانما المذكور فيه هو الحرج، وليس ذلك عنوانا للفعل، ليكون النفى راجعا إليه، فلا محالة يكون مفاد تلك الادلة ما افاده الشيخ الاعظم (ره) فتكون حاكمة على قاعدة الاحتياط. ثانيهما: ان قاعدة نفى الحرج تكون حاكمة على قاعدة الاحتياط حتى على مسلك المحقق الخراساني (ره) في مثل المقام مما كانت اطراف الشبهة من التدريجيات إذ الحرج لا محالة يكون في الافراد الاخيرة، وعليه كان الحكم في الواقع مترتبا على الافراد المتقدمة فقد امتثله المكلف على الفرض، وان كان متعلقا بالافراد الاخيرة كان متعلقه حرجيا فيرتفع بقاعدة نفى الحرج.

[ 180 ]

وان شئت قلت انه في التدريجات لو احتاط في اطراف الشبهة المتقدمة الى ان وصل الى حد الحرج، يعلم ثبوت الحكم في اطراف الشبهة المتأخرة، اما لكون التكليف في الاطراف المتقدمة أو لانه ان كان متعلقا بالفرد المتأخر، فهو لكونه حرجيا مرفوع بقاعدة نفى الحرج، وان شئت توضيح ذلك بالمثال فلا حظ ما لو نذر صوم يوم معين وتردد ذلك بين يوم الخميس، ويوم الجمعة، وفرضنا كون الصوم فيهما حرجيا على الناذر، فإذا صام يوم الخميس يعلم بعدم وجوب صوم ثوم الجمعة اما لكون المنذور صوم يوم الخميس، أو لكون صوم يوم الجمعة حرجيا مرفوعا بقاعدة نفى الحرج والمقام من هذا القبيل كما هو واضح فلا يظهر الثمرة بين المسلكين في المقام. ولكن يمكن ان يورد على حكومة قاعدة نفى الحرج، على قاعدة الاحتياط في المقام بوجهين آخرين. الاول: ان العسر والحرج ليس في الجمع بين محتملات كل تكليف من التكاليف الواقعية كى يرتفع ذلك الحكم بدليل نفى الحرج، بل العسر والحرج في الجمع بين محتملات مجموع التكاليف وليس مجموعها تكليفا وحدانيا، يكون الحرج في الجمع بين محتملاته، ويكون المقام نظير ما لو فرض كون امتثال مجموع التكاليف حريجا، فانه لا يرتفع المجموع بقاعدة نفى الحرج، والمقام كذلك فيجب الاحتياط بالنسبة الى كل تكليف، الى ان يتحقق الحرج في الاحتياط بالنسبة الى التكاليف الاخر فتدبر فانه دقيق. الثاني: ان لازم الحكم بحكومة قاعدة الحرج نفى الاحكام الواقعية وهذا مما يقطع بانه مرغوب عنه شرعا ومجمع على بطلانه، فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال، فالاحكام الشرعية الواقعية غير مرتفعة بل هي باقية في حال الانسداد، ومعه لا معنى لرفع وجوب الاحتياط الذى هو يحكم العقل، فهذه المقدمة ايضا غير تامة. واما الاصول، فهى على قسمين 1 - ما يكون مثبتا للتكليف كالاحتياط والاستصحاب المثبت 2 - ما يكون نافيا للتكليف كالبرائة والاستصحاب النافي والتخيير، اما ما كان مثبتا للتكليف، فان كان من الاصول غير المحرزة كقاعدة الاشتغال، فلا مانع من جريانها في مواردها، واما ان كان من الاصول المحرزة كالاستصحاب، فعلى القول بان المانع عن جريان الاستصحاب في اطراف العلم الاجمالي هو لزوم المخالفة العملية

[ 181 ]

كما اخترناه تبعا للاستاذ، والمحقق الخراساني، فلا مانع من جريانه ايضا كما لا يخفى، واما على ما اختاره الشيخ الاعظم والمحقق النائيني (ره)، من ان العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب، فلا يجرى الاستصحاب المثبت للتكليف في المقام للعلم بانتفاض العلم الاجمالي في الجملة كما هو المفروض. وافاد المحقق الخراساني (ره) انه على هذا المسلك ايضا لا مانع ما جريان الاستصحاب في المقام لانه انما يلزم فيما إذا كان الشك في الطرافه فعليا واما إذا لم يكن كذلك، بل لم يكن الشك فعلا الا في بعض اطرافه وكان بعض اطرافه الاخر غير ملتفت إليه اصلا، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الاحكام الشرعية فلا يكاد يلزم، لان الاستصحاب انما يجرى في خصوص الطرف المشكوك فيه، ولا يجرى في الطرف الاخر للغفلة وعدم الشك الفعلى، وليس فيه علم بالانتقاض. وفيه: ان الاستنباط، وان كان تدريجيا والمجتهد حين استنباط كل حكم يكون غافلا عن المورد الاخر، الا انه بعد الفراغ عن استنباط الجميع وجمعها في رسالة يعلم اجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد التى اجرى فيها الاستصحاب فليس له الافتاء بها، فعلى مسلك الشيخ لا يجرى الاستصحاب المثبت في الموارد المشتبهة. واما ما كان من الاصول نافيا للتكليف كالبرائة واستصحاب عدم التكليف، فعلى مسلك الشيخ الاعظم من ان الاضطرار الى المخالفة في بعض الاطراف لا بعينه لا يمنع من تنجيز العلم الاجمالي، لا يجوز الرجوع الى تلك الاصول النافية كما هو واضح، وعلى مسلك المحقق الخراساني من كونه موجبا لسقوط العلم الاجمالي عن التنجيز، فلا مانع من الرجوع إليها، الا إذا لزم من اجرائها في الموارد المشتبهة المخالفة للاحكام الكثيرة المعبر عنها بلزوم الخروج عن الدين فلا تجرى. وما افاده المحقق الخراساني (ره) من انه لا مانع من جريانها لو كانت موارد الاصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا أو نهض عليه علمي بمقدار المعلوم بالاجمال لا ينطبق على المورد إذ بعد كون المعلوم بالاجمال كثيرا ويعلم بثبوت جملة منها في موارد الاصول النافية لا سبيل الى هذا الكلام، مع ان كون تلك الموارد بمقدار المعلوم بالاجمال كما

[ 182 ]

ترى. اللهم الا ان يقال ان نظره الشريف الى انه لا يلزم حينئذ الخروج عن الدين فلا مانع من جريانها والله العالم. فالمتحصل عدم تمامية اكثر مقدمات الانسداد، وعليه فلا وجه لا طالة الكلام في بيان تنبيهات المسالة. والحمد لله اولا وآخرا

[ 183 ]

المقصد الثامن الاصول العملية

[ 185 ]

المقصد الثامن في الاصول العملية وهى القواعد المجعولة في ظرف الشك في الحكم الواقعي وعدم امارة عليه، وقبل الشروع في مباحث هذا المقصد لا بد من بيان امور. الاول: ان المحقق الخراساني عرف الاصول العملية بقوله، وهى التى ينتهى إليها المجتهد بعد الفحص والياس عن الظفر بدليل مما دل عليه حكم العقل أو عموم النقل انتهى. وذلك انما يكون من جهة ما ذكره في اول الكفاية، من ان تعريف القوم للمسائل الاصولية بانها القواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية، غير تام، لاستلزامه استطرادية مسائل الاصول العملية. وقد مر في اول الجزء الاول من هذا الكتاب، انه بعد تعميم الاحكام الشرعية الى الواقعية، والظاهرية، تدخل الاصول العملية في القواعد الممهدة للاستنباط فكما ان حجية خبر الواحد تقع كبرى لقياس الاستنباط، ويستنبط منها الاحكام الواقعية، كوجوب جلسة الاستراحة، ووجوب السورة في الصلاة وما شاكل، كذلك حجية اصالة البرائة، أو الاستصحاب، تقع كبرى لقياس الاستنباط، ويستنبط منها الاحكام الظاهرية، كجواز شرب التتن وما شاكل، بلا فرق بينهما، غاية الامر ان الحكم المستنبط من الاولى واقعى، ومن الثانية ظاهري. فان قيل ان ما ذكر انما يتم في الاصول الشرعية، واما الاصول العقلية، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهة البدوية، ووجوب دفع الضرر المحتمل، في الشبهة المقرونة

[ 186 ]

بالعلم الاجمالي، فلا يتم فيها فانه لا يستنبط الحكم منها، لا الظاهرى، ولا الواقعي، ولذا ليس للفقيه، الافتاء بالاباحة مستندا الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان. اجبنا عنه بما يظهر ببيان امرين - احدهما - ان المسالة الاصولية هي ما يقع احد طرفي المسالة في طريق الاستنباط، ولا يعتبر فيها وقوع النتيجة على جميع التقادير في طريق الاستنباط مثلا، البحث عن حجية خبر الواحد لا يقع نتيجته على تقديري الحجية وعدمها في طريق الاستنباط بل انما تقع في طريقه على التقدير الاول خاصة. الثاني: ان البحث في البرائة التعقلية ليس عن تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وعدمها لان محل البحث في ذلك هو علم الكلام، ولم يخالف في هذه القاعدة احد الا الاشعري، وانما يبحث في الاصول، عن انه هل تدل اخبار الاحتياط، والتوقف وما شاكل على لزوم الاحتياط في الشبهة البدوية كما يدعيه الاخباري، ام لا تدخل على ذلك كما هو مدعى الاصوليين، واما كون المرجع على تقدير عدم الدلالة هو قاعدة القبح فهو متفق عليه بين الفريقين، وبديهى ان البحث في ذلك يكون من المسائل الاصولية لوقوع النتيجة على تقدير الدلالة في طريق الاستنباط. وبذلك يظهر الحال في قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، إذ في الاصول لا يبحث عن هذه القاعدة، وانما يبحث عن ان اخبار الحل والاباحة هل تشمل اطراف العلم الاجمالي ام لا ؟ ولا كلام في انه على فرض عدم الشمول يكون المرجع القاعدة المشار إليها، وبديهى ان البحث في ذلك يكون من المسائل الاصولية، وعلى الجملة، بعد تعميم الاحكام الى الظاهرية، وتعيين مورد البحث في الاصول العملية العقلية، دخول مسائل الاصول العملية مطلقا في المسائل الاصولية من دون ان يضم القيد المزبور، واضح. اقسام المسائل الاصولية الامر الثاني: ان المسائل الاصولية تنقسم الى اقسام خمسة. القسم الاول: ما يوجب القطع الوجداني بالحكم الشرعي، كالبحث عن الملازمة

[ 187 ]

بين وجوب الشئ ووجوب مقدمته، والبحث عن امكان اجتماع الامر والنهى وامتناعه، وما شاكل، وتسمى هذه المباحث بالبحث عن الاستلزامات العقلية، والبحث عن المداليل. القسم الثاني: ما يوجب العلم التعبدى بالحكم الشرعي، وهذا قسمان. احدهما: ما يكون البحث صغرويا كمباحث الالفاظ، من قبيل البحث عن ان الامر ظاهر في الوجوب، ام لا ؟ وما شاكل. ثانيهما: ما يكون البحث كبرويا، أي يكون البحث فيه عن حجية شئ لا ثبات الاحكام الشرعية كالبحث عن حجية الخبر الواحد وساير مباحث الحجج، وقد مر الكلام في هذه الاقسام الثلاثة. القسم الرابع: ما لا يوصلنا الى الحكم الواقعي بالقطع الواجدانى ولا بالعلم التعبدى، بل يبحث فيه عن القواعد المتكفلة لبيان الاحكام الظاهرية في فرض الشك في الحكم الواقعي، وتسمى هذه القواعد بالاصول العملية الشرعية، ويعبر عن الدليل الدال على الحكم الظاهرى بالدليل الفقاهتى، كما يعبر عن الدليل الدال على الحكم الواقعي بالدليل الاجتهادي، وانما يعبر عن الحكم المجعول في ظرف الشك في الحكم الواقعي بالحكم الظاهرى لتمييزه عن الحكم المجعول للشئ بعنوانه الاولى، لا بعنوان انه مشكوك فيه، والا فالحكم الظاهرى ايضا حكم واقعى مجعول للشئ بعنوان انه مشكوك فيه. والقسم الخامس: ما يبحث فيه عن القواعد المتكفلة لتعيين الوظيفة العقلية عند العجز عن ما تقدم، وتسمى هذه القواعد بالاصول العملية العقلية، ومحل الكلام في المقام هو القسمان الاخيران وحيث ان الاصوليين ادرجوا الخامس في الرابع وتعرضوا للبحث عنهما في عرض واحد ونحن نتبعهم في ذلك. انحصار الاصول العملية في اربعة الامر الثالث: ان الاصول العملية التى هي محل البحث فعلا، والمرجع عند الشك

[ 188 ]

منحصرة في اربعة، وهى الاستصحاب، والتخيير، وهذا الحصر استقرائي بلحاظ نفس الاصول، وعقلي بحسب المورد: إذ الشك اما ان تعلم له حالة سابقة وقد اعتبرها الشارع. اولا: بان لم تعلم له حالة سابقة، أو علمت ولم يعتبرها الشارع كما إذا كان الشك في بقاء ناشئا من الشك في المقتضى على القول بعدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى. والثانى: قد يكون الشك في اصل التكليف، وقد يكون الشك في المكلف به، والثانى ربما يمكن الاحتياط وربما لا يمكن كما في موارد دوران الامر بين المحذورين، الاول مورد للاستصحاب، والثانى يكون مجرى للبرائة، والثالث يكون مجرى للاشتغال، والرابع مورد التخيير. وذكر الاصحاب في وجه عدم ذكر اصالة الطهارة عند الشك في النجاسة، في علم الاصول، وجوها. الاول: ان الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية فالشك فيهما شك في الموضوع دائما. اقول تقريب كونهما منها، ان مقابل الطهارة أي الحديث والخبث، من الامور الواقعية ومن مقولة الكيف، ويكون الخبث كيفا قائما بالجسم، والحديث كيفا قائما بالنفس، كما هو المعروف من انه حالة معنوية بدعوى: ان القذارة ما يوجب تنفر الطبع وموجبيتها لذلك انما تكون لعدم الملائمة لقوة من القوى الظاهرية، فيما فيه رائحة منتنة غير ملائم للشامة، وهكذا بالنسبة الى ساير القوى، ولا يختص ذلك بالاعيان الخاصة بل القلب المشحون بالعقائد الباطلة، نجس لتنفر الطبع السليم منه، فانه نقص للنفس، وبهذا الاعتبار تكون التوبة مطهرة للعاصي، وعلى هذا فتكون الامور المعلومة، موجبة لحصول اثر في الجسم، أو النفس، موجب لتنفر الطبع، ويزول ذلك الاثر باستعمال الطهور، فدائما يكون الشك فيهما من الشبهة الموضوعية، ومن الواضح ان البحث عن حكم الشبهة الموضوعية ليس من المسائل الاصولية. اقول هذا تقريب حسن، الا انه لا يدل على كونهما من الامور الواقعية بل بلائم مع كونهما من الاحكام الشرعية الناشئة عن ما يكون في المتعلقات من المصالح والمفاسد

[ 189 ]

كما لا يخفى، بل يعقل ان تكونا منها: إذا المتنجس انما ينجس بذاته على ما هو عليه من دون عروض كيف حقيقي عليه ليكون منطبق عنوان نجس وهل يتوهم ان يكون في بدن الكافر شئ موجود خارجي، ويرتفع اظهار الاسلام، إذ بدن هذا الشخص قبل الاسلام وبعده حسا وعيانا على حد سواء، فما ذلك الكيف القائم بالجسم في حال الكفر الذى لا يحس بقوة من القوى. اللهم الا ان يقال، ان دعوى ان المتنجس ينجس بذاته على ما هو عليه من دون عروض كيف حقيقي عليه، تندفع بان ذلك اول الدعوى فالخصم يدعى عروضه، غاية الامر انه لا يرى بدون الاسباب، وكم له نظير في الموجودات، والمكروبات، - وبعبارة اخرى - انهما من قبيل الخواص والاثار كخواص الادوية التى لا يعرفها الا الاطباء، واما بدن الكافر، فيمكن ان يقال ان الشارع حكم بنجاسته تنزيلا وحكومة، أي نزل بدنه منزلة النجاسة لقانون تعاكس النفس والبدن، والكفر موجب لكثافة النفس ولذلك حكم بنجاسة بدنه، والاسلام يرفع تلك الحالة النفسانية. والحق في الجواب ان يقال انهما لو كانا امرين واقعيين لما اختلفت الشرايع في عدد النجاسات، ولا اختلفت في المطهرات، مع ان الشرايع مختلفة في ذلك كله. اضف الى ذلك ان ظاهر الادلة جعلهما لا كشفهما، سيما المتضمنة لجعل الطهارة الظاهرية، إذ لو كانتا من الامور الواقعية، لزوم حمل تلك الادلة على جعل الاثار، وهو خلاف الظاهر. واما الكيف القائم بالنفس في الحدث فحيث لا ريب في عدم كونه من الاعتقاديات فلو كان فلا محالة يكون من الاوصاف الرذيلة النفسانية نظير ساير الملكات والصفات غير الحميدة، إذ لا ثالث لصفات النفس، ولا شبهة في عدم كونه منها لوجهين. الاول: ان الحدث حالة تحصل للانبياء والاوصياء وحاشاهم من اتصاف نفوسهم بصفة نقص. الثاني: ان اسبابه قد تقع على وجه العبادية المكملة للنفس. فالحق ان الطهارة وما يقابلها ليستا من الامور الواقعية وانما هما من الاحكام الشرعية مع انه لو سلم كونهما منها الا ان كاشفهما لا محالة يكون هو الشارع وعند الشك

[ 190 ]

لا بد من السؤال عنه وهذا معنى الشبهة الحكمية. الثاني: ما في الكفاية وهو اختصاص القاعدة ببعض ابواب الفقه، والمسألة الاصولية ما تفيد في جميع الابواب. وفيه: ان ضابط المسالة الاصولية استنباط الحكم الشرعي منها، واما اعتبار كونها جارية في جميع ابواب الفقه، فمما لم يدل عليه دليل، كيف وجملة من المسائل الاصولية تختص بابواب خاصة، لا حظ مسالة دلالة النهى على الفساد. الثالث: ان الطهارة والنجاسة عين التكليف، أو متنزعتان عنه، وعليه فالشك فيهما شك في الحكم ومورد للبرائة فقاعدة الطهارة عين البرائة ولذا لم يعد فسما برأسه. ويرده ما حققناه في مبحث الاستصحاب من ان الاحكام الوضعية، ومنها الطهارة والنجاسة مستقلة في الجعل، لا منتزعة من التكليف ولا عينه. والصحيح ان يقال انها من المسائل الاصولية، وانما لم تذكر في العلم الاصول لعدم وقوع الخلاف فيها، لا لعدم كونها منها. الفرق بين هذه المسالة ومسالة الحظر والاباحة الامر الرابع: في بيان الفرق بين هذه المسالة، ومسالة ان الاصل في الاشياء والافعال هو الحظر أو الاباحة، وقد افاد المحقق النائيني في مقام الفرق بينهما وجهين. الاول: ان البحث عن الخطر والاباحة راجع الى جواز الانتفاع بالاعيان الخارجية، من حيث كونه تصرفا في ملك الله تعالى، وسلطانه، والبحث عن البرائة والاشتغال راجع الى المنع والترخيص في فعل المكلف من حيث انه فعله، وان لم يكن له تعلق بالاعيان الخارجية. وفيه: انه البحث عن الحظر والاباحة لا يختص بالاعيان الخارجية، بل ما ذكره القوم وجها لكل من القولين، يعم جميع افعال العباد. فان القائلين بالحظر، استدلوا له بان العبد حيث انه مملوك، لا بد وان يكون

[ 191 ]

صدوره ووروده، عن اذن المولى ومالكه، فما لم ياذن مالكه اذنا مالكيا يكون تصرفه خروجا عن ذى الرقية ورسم العبودية، ويكون تصرفا في سلطان المولى وقبيحا، ومذموما عليه عقلا. واستدل القائلن بالاباحة لما اختاروه، بان الفعل حيث لم يمنع عنه الشارع، لا شرعيا، ولا مالكيا، فهو ليس خروجا عن ذى الرقية ورسم العبودية. وبديهى جريان هذين الوجهين في كل فعل من افعال المكلف وان لم يكن له تعلق بالاعيان الخارجية، فانه لا محالة يكون تصرفا في بدنه - كلسانه - مثلا، فيجرى فيه، ما تقدم من الوجهين. الثاني: ان البحث عن الحظر والاباحة ناظر الى حكم الاشياء من حيث عناوينها الاولية بحسب ما يستفاد من الادلة الاجتهادية، والبحث عن البرائة والاشتغال، ناظر الى حكم الشك في الاحكام الواقعية المترتبة على الاشياء بعناوينها الاولية. وفيه: ان مسالة الحظر والاباحة، انما تكون بلحاظ عدم ورود الدليل من الشارع لا بلحاظ ما يستفاد من الادلة الاجتهادية. فالصحيح في مقام الفرق بينهما، ان بحث الحظر والاباحة انما هو فيما يستقل به العقل في حكم الاشياء، مع قطع النظر عن ورود حكم من الشارع، وبحث البرائة والاشتغال، انما هو بعد ورود حكم الاشياء من قبل الشارع. ثم انه ربما يتوهم ان الاصل في الاشياء بحسب الادلة الاجتهادية هي الاباحة، وعليه فلا يبقى مجال لهذا المبحث في الشبهات التحريمية الحكمية لفقد النص التى هي العمدة في المقام، واستندوا في ذلك الى الاية الشريفة " خلق لكم ما في الارض جميعا " وفى بعض الكلمات ذكروا الاية كذلك احل لكم ما في الارض جميعا - والى - قوله تعالى " كلوا مما في الارض حلالا طيبا ". وفيهما نظر. اما الاية الاولى: فبا الكيفية الثانية ليست، وبالكليفية الاولى لا تدل على المطلوب، بل ظاهرها ان ما في الارض خلق لمانع العباد الدينية والدنيوية، باى وجه اتفق، وذلك لا يلازم اباحة كل شئ، إذا لا شئ من الاشياء الا وفيه منافع - مع - انه قد

[ 192 ]

ورد النص عن الامام (ع) في تفسيرها خلق لكم ما في الارض فتعتبروا به الحديث، مع انها مختصة بالافعال المتعلقة بالاعيان الخارجية، ولا تعم غيرها. واما الثانية: فالظاهر انها اجنبية عما استدل بها له فانها تتضمن الامر بالاكل مما في الارض حلالها طيبا لا حراما خبيثا، وليست في مقام بيان ان أي شئ حلال وحرام، ويؤيد، ذلك ورودها في جماعة من الاصحاب حيث حرموا على انفسهم من الحرث والانعام وغير ذلك. مع انها مختصة بالماكل: فإذا لا دليل على اباحة الاشياء مطلقا الا ما خرج بالدليل حتى يقال انه لا مورد للنزاع في البرائة والاحتياط إذ يتمسك باطلاق ذلك الدليل ويحكم بالاباحة، مضافا الى ان الاخباري يدعى ان المرجع في الشبهات التحريمية، انما هو اخبار الاحتياط الدالة على لزوم الاحتياط والتوقف عند الشبهة. الامر الخامس: ان اقسام الشك في اصل التكليف وان كانت عديدة إذ ربما يكون الشك في التكليف الاستقلالي وربما يكون في التكليف الضمنى، وعلى كل تقدير، قد يكون الشبهة تحريمية، وقد يكون وجوبية وعلى كل تقدير ربما يكون منشا الشك فقد النص، وربما يكون اجمال النص، وثالثا يكون تعارض النصين، ورابعا الامور الخارجية. وخلاف الاخباريين مع الاصوليين انما يكون في خصوص الشبهة التحريمية، وقد اتفقوا على عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية، الا ما عن الاسترابادي، حيث ذهب الى وجوب الاحتياط، وبعض الادلة يختص ببعض اقسام الشبهة الا انه مع ذلك كله الصحيح ما ذكره المحقق الخراساني (ره) من جعل محط البحث مطلق الشك في الحكم الجامع بين الاقسام، لان عمدة ادلة البرائة جارية في مطلق الشك في التكليف واختصاص بعضها بدليل خاص لا يوجب افراده بالبحث. نعم، في خصوص تعارض الخبرين كلام سيأتي في التعادل والترجيح، إذا عرفت هذه الامور، فاعلم ان تمام الكلام في هذا المقصد في طى فصول.

[ 193 ]

الاية الاولى من الايات التى استدل بها للبرائة الفصل الاول: لو شك في وجوب شئ أو حرمته ولم تنهض عليه حجة، فالمشهور بين الاصحاب انه يجوز شرعا وعقلا ترك الاول وفعل الثاني، وكان مامونا من عقوبة مخالفته، من غير فرق بين كون منشا الشك فقدان النص، أو اجماله واحتماله الكراهة أو الاستحباب، أو الامور الخارجية وقد استدلوا لذلك بالادلة الاربعة، فمن الكتاب بايات. منها: قوله عز وجل " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " (1) وتقريب الاستدلال به: ان بعث الرسل بحسب الارتكاز والفهم العرفي كناية عن ايصال الحجة والبيان، وعليه فمفاد الاية الشريفة نفى العقاب على مخالفة التكليف ما لم يصل واورد عليه بايرادات. الاول: ان المراد بالعذاب في الاية، العذاب الدنيوي، وهى راجعة الى الامم السابقة فالمستفاد منها ان عادة الله كانت جارية على عدم انزال العذاب على الامم السالفة الا بعد اتمام الحجة عليهم فلا ربط لها بالمقام. وفيه: ان الله تعالى اما ان يكون في مقام بيان حد رأفته بالعباد، وان العذاب قبل اتمام الحجة غير لائق بشانه مع كونه رأوفا، أو يكون في مقام بيان عدالته وعدم كونه ظالما. ولا ثالث: بعد ظهور، ما كنا في ان هذا الفعل لا يناسب صدوره من الفاعل كما يظهر من ملاحظة موارد استعماله وعلى كل تقدير تدل على المطلوب، بالولوية، بعد كون العذاب الاخرى اشد من العذاب الدنيوي وكونه رأوفا بنا كرأفته بالامم السابقة أو اكثر. الايراد الثاني: ان الاية الشريفة تدل على نفى الفعلية، وهو اعم من نفى الاستحقاق المطلوب اثباته في المقام. واجيب عن هذا باجوبة. منها: ما عن الشيخ الاعظم (ره) وهو ان نفى الفعلية يكفى في المقام إذا الخصم يسلم الملازمة بين نفى الفعلية ونفى الاستحقاق.

[ 194 ]

واورد عليه المحقق الخراساني بايرادين. احدهما: ان ما شك في وجوب أو حرمته عند الخصم، ليس باعظم مما علم حكمه، وليس حال الوعيد بالعذاب فيه الا كالوعيد به فيه. وفيه: ان الاية الشريفة إذ ادلت على عدم الفعلية، وقطع بعدم العقاب لا يبقى مجال للتمسك، بقاعدة دفع الضرر المحتمل، واخبار التوقف المعللة للامر بالتوقف، باحتمال الوقوع في الهلاكة والعقاب، ومع عدم كون المورد من مواردهما، لا خلاف بيننا وبين الاخبارين في ان المرجع هو اخبار الحل، وهى تدل على نفى الاستحقاق، فيكون عدم الاستحقاق مع عدم الفعلية في محتمل التكليف لاجل دليل آخر، لا للملازمة بين نفيهما، وهذا بخلاف موارد القطع بالحكم إذ لو دل دليل على نفى فعلية العقاب فحيث ان الدليل على ثبوت الحكم موجود فهو لا محالة يدل على الاستحقاق وعدم الملازمة، بين النفيين. وبهذا البيان يظهر الجواب عما اورد على من جمع بين التمسك بالاية الشريفة على البرائة، وبين الرد على من استدل بها على عدم الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي - بدعوى - انها تدل على عدم العقاب ما لم يصل بيان من الشارع واطلاقها يشمل ما لو حكم العقل بقبحه أو حسنه، فتدل على عدم الملازمة. بان الاية تدل على عدم فعلية العقاب، لا على عدم استحقاقه، والذى يفيد في مقام الاستدلال على عدم الملازمة عدم الاستحقاق. بان هذا مستلزم للتناقض إذ الاية ان دلت على نفى الفعلية، فلا تدل على البرائة وان دلت على نفى الاستحقاق فالجواب عن الاستدلال بها على عدم الملازمة غير سديد. وحيث عرفت ان الاستدلال بها على البرائة ليس بها وحدها بل بضميمة اخبار الحل فلا تناقض فتدبر جيدا. ثانيهما: انه لو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية، لما صح الاستدلال بها الاجدلا. وفيه: ما عرفت من انه إذا قطع بعدم العقاب يكون المرجع عند الطرفين اخبار

[ 195 ]

الحل فليس الاستدلال جدليا. ومنها: الاجماع من الفريقين على التلازم بين نفى الفعلية ونفى الاستحقاق. وفيه: انه لمعلومية مدرك المجمعين ليس هذا الاجماع اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (ع). ومنها: ان الظاهر من الاية الشريفة نفى الاستحقاق: والشاهد على ذلك ان الايات المتضمنة للعقاب والعذاب، انما يخبر عن الاستحقاق والاقتضاء لا عن الفعلية، وتكون تلك الايات من قبيل قولنا السم قاتل، فبقرينة المقابلة يكون السلب ايضا سلبا للاستحقاق ونفيا له، فتكون الاية بنفسها دليلا على نفى الاستحقاق من دون احتياج الى ضم مقدمة اخرى. اقول ان مبدأ المشتق المحمول على الذات، قد يكون اثرا لموضوعه، نظير السم قاتل، فيكون ظهور الاولى لهذه القضية استناده إليه بنحو الاقتضاء، وقد يكون فعله الاختياري، وهو قابل لان يستند إليه بنحو الاقتضاء وان يستند إليه بنحو الفعلية، ولكن الظاهر من تلك القضايا هو الثاني: والشاهد عليه في المقام استهجان ان يخبر عن ترتب العذاب، ويعقبه بعدم الفعلية - مثل - ان يقول انى اعذب تارك الصلاة، ولو لم يتحقق العذاب في الخارج، وهذا بخلاف التركيب الاول، فانه يصح ان يقال ان النار محرقة، وان لم يحرق في الخارج - وبالجملة - من الاستهجان المزبور يتستكشف ان الايات المتضمنة للعذاب تدل على الفعلية، فبقرينة المقابلة ايضا، يكون النفى نفيا للفعلية. لا يقال انه على هذا يلزم الكذب تعالى الله عن ذلك: فان التائب لا يعاقب ومن شفع له أو عفى عنه لا يعاقب. فانه يقال ان تلك الايات يكن استعمالها كنائيا وبصدد بيان الاحكام، ومن المعلوم ان الصدق والكذب في الكنايات يدوران مدار ما سيق الكلام لبيانه لا ما هو مفاد القضية بالمطابقة - الا ترى - ان زيدا كثير الرماد صدق إذا كان جوادا وان لم يكن له رماد، وكذب إذا لم يكن جوادا، فظهر ان جواب الشيخ الاعظم وحده تام. ويمكن الجواب عنه بجواب آخر، وهو ان الظاهر من الاية نفى الاستحقاق إذ

[ 196 ]

الظاهر منها هو كونها بصدد بيان ان سنة الله جارية على ذلك، وان العقاب غير لايق بمقامه ولا يناسب صدوره منه، ومن البديهى ان العقاب مع عدم الاستحقاق لا يليق بشانه، واما العقاب مع الاستحقاق فهو لايق بشانه فمن نفى العقاب بهذا البيان يستكشف عدم الاستحقاق. الايراد الثالث: ان هذه الاية لا تنفع في مقابل الاخباري فانه يزعم صلاحية اخبار الاحتياط لكونه بيانا فيكون نسبة هذه الاية الى دليلهم نسبة الاصل الى الدليل. وفيه: ان المراد ببعث الرسل بيان الحكم الواقعي، إذ الظاهر منه بيان ما يكون على مخالفته العقاب وليس هو الا الحكم الواقعي ولا شبهة في ان اخبار الاحتياط ليست بيانا له. الايراد الرابع: ان المراد من بعث الرسل، ان كان وصول الحكم، صح ما ذكر، ولكن من الممكن لو لم يكن هو الظاهر ان المراد به البيان في مقابل السكوت، فيكون مفادها عدم العقاب على مخالفة ما لم يبينه الشارع وسكت عنه، فيكون مفادها مفاد اسكتوا عما سكت الله فلا تدل على البرائة. الاية الثانية التى استدل بها للبرائة ومن الايات، قوله سبحانه " لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها (1) " وتقريب الاستدلال بها ان المراد من الموصول هو الحكم، فيكون المراد من الايتاء الاعلام والوصول، فيكون المراد بها ان الله تبارك وتعالى لا يكلف بالتكليف غير الواصل الى المكلف. واورد عليه بايرادات. الاول: ما عن الشيخ الاعظم (ره) - وحاصله - ان ما الموصولة تحتمل معان ثلاثة احدها خصوص الحكم، فيكون المراد من الايتاء الاعلام. ثانيها: خصوص المال بقرينة قوله تعالى قبل ذلك ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله


1 - الطلاق / آية 7. (*)

[ 197 ]

فيكون المراد بالايتاء الملكية والسلطنة. ثالثها: مطلق الفعل فيكون المراد بالايتاء الاقدار عليه فتدل على عدم جواز التكليف بما لا يطاق، وحيث لا ريب في عدم جواز ارادة خصوص الحكم منها، لمنافاته لمورد الاية، واردة المعنى الاعم الجامع بين المعان الثلاثة لا تعقل، إذ على الاول يكون الموصول مفعولا مطلقا، وعلى الاخيرين يكون مفعولا به، واضافة الفعل الى كل منهما تباين اضافته الى الاخر، ولا جامع بين النسبتين، فان المفعول المطلق يحتاج في اضافة الفعل إليه الى لحاظ كونه من شئون الفعل، وكيفياته وموجودا بوجوده، والمفعول به يحتاج في اضافة الفعل إليه الى لحاظ كونه موجودا في الخارج قبل الفعل، وتعلق الفعل به موجبا لايجاد الفعل وصفا عليه فلا يمكن ارادة الجامع، فيتعين ارادة احد الاخيرين أو الجامع بينهما كما اختاره هو ره. وفيه: انه يمكن ارادة الجامع وان يكون ذلك مفعولا به ولا يلزم كونه مفعولا مطلقا، بان لا يكون المراد من التكليف الحكم، بل المراد معناه اللغوى وهو الكلفة والمشقة، فيكون المراد ان الله تعالى لا يوقع عباده في الكلفة من ناحية شئ حكما كان بان ينجزه، ويعاقب عليه ام فعلا بان بامر به الا ما آتاه أي اعطاه، فيكون الجامع هو المراد من الموصول ويكون مفعولا به. الايراد الثاني: ان الايتاء المنتسب الى الحكم يراد به الاعلام والمنتسب الى المال يراد به الملكية والمنتسب الى الفعل يراد به الاقدار ولا جامع بينها. وفيه: ان المراد به هو الاعطاء غاية الامر اعطاء كل شئ بحسبه. الايراد الثالث: هو الحق ان الايتاء بما انه استند إليه تعالى، يكون المراد به اعلامه سبحانه بالطريق المتعارف بين الموالى والعبيد، بتوسيط الوحى الى سفرائه، وابلاغ ما اوحى الله الى العباد، فيكون مفادها مفاد الاية المتقدمة، وهو انه تعالى لا يوقع العباد في كلفة حكم لم يبينه وسكت عنه فتكون اجنبية عن المقام. الاية الثالثة التى استدل بها للبرائة ومن الايات قوله تعالى مخاطبا لنبيه ملقنا اياه طريق الرد على الكفار حيث حرموا

[ 198 ]

على انفسهم اشياء " قل لا اجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا " (1) حيث انه تعالى ابطل تشريعهم، بعدم وجدان ما حرموه فيما اوحى الله تعالى إليه، فلو لم يكن عدم الوجدان كافيا في الحكم بالاباحة وعدم الحرمة، لما صح هذا الاستدلال. واورد على الشيخ الاعظم وتبعه المحقق النائين (ره)، بان عدم وجدانه (ص)، دليل على عدم الوجود، وكاشف عنه، فلا يصح الاستدلال بها للحكم فيما لم يعلم وجوده، والشيخ الاعظم (ره) قال انه مشعر بذلك لما فيه من العدول عن التعبير بعدم الوجود الى عدم الوجدان، وانكر ذلك المحقق الخراساني (ره) وقال انه لعل النكتة في التعبير هو تلقين ان يجادلهم بالتى هي احسن، فانه في التعبير بعدم الوجدان من مراعاة الادب ما ليس في التعبير بعدم الوجود. اقول الاظهر تمامية الاستدلال بها، إذ هذه الاية نزلت في مقام المحاجة مع الكفار غير المعرفين بنبوته، المعلوم ان علمه (ص) بعدم الحرمة لا يفيد لهم، وفى هذا المقام لقنه، بان يلزمهم بما هو من الاصول المسلمة عند العقلاء، وهو ان ما لم يعلم حرمته لا يجوز الالتزام بتركه، وترتيب آثار الحرام عليه، فهذه الاية تدل على البرائة فتأمل. الاية الرابعة التى استدل بها للبرائة ومن الايات قوله سبحانه " وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم " (2) وتقريب الاستدلال بها، في سابقتها، لورودها في الرد على الكفار الملتزمين بترك الفعل الذى ليس فيما فصل دليل على حرمته، فان الاستدلال لبطلان مقالتهم بعدم وجود ما حرموه على انفسهم فيما فصل من المحرمات دليل على اباحة ما لم يعلم حرمته.


1 - الانعام آية 145. 2 - الانعام آية 119. (*)

[ 199 ]

واورد على الشيخ الاعظم (ره) بان ظاهر الموصول العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشئ مع تفصيل جميع المحرمات الواقعية وعدم كون المتروك منها، ومن المعلوم ان لازم ذلك عدم كون المتروك من المحرمات الواقعية فالتوبيخ في محله. وفيه: ان كون المحرمات الواقعية مفصلة باجمعها، وعدم كون المتروك منها بنفسه، لا يوجب العلم بعدم حرمة المتروك، ما لم يحرز ذلك، وليس في الاية الشريفة ما يدل على انهم كانوا عالمين بذلك، فالتوبيخ، يكون على الالتزام بترك شئ، مع عدم كون المتروك فيما فصل وان احتملوا كونه من المحرمات الواقعية ولم يفصل. ولكن يرد على الاستدلال بالاية الشريفة انها تدل على التوبيخ على ترك ما احرز عدم كونه من المحرمات المفصلة أي المبينة التى اعلم بها، وان احتمل كونه محرما واقعيا، ولا كلام في ذلك، انما الكلام في اباحة ما احتمل كونه من المحرمات المفصلة. الاية الخامسة التى استدل بها للبرائة ومن الايات قوله سبحانه " وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون " (1) أي ما يجتنبوه من الافعال والتروك، وتقريب الاستدلال بهذه الاية ما في آية التعذيب واورد عليه بايرادت. الاول: ما عن الشيخ الاعظم (ره)، وهو ان هذه الاية كاية التعذيب، ظاهرد في الاخبار عن حال الامم السابقة بالاضافة الى العذاب الدنيوي فلا تشمل الامة المرحومة والعذاب الاخروي. والجواب عنه ما تقدم في تلك الاية من ان الاية لم ترد في مقام الحكاية فقط، بل اما ان تكون في مقام، اظهار العدل، أو الرأفة بالعباد وعلى كل تقدير تدل على المطلوب بالاولوية.


1 - التوبة 115. (*)

[ 200 ]

الثاني: ما افاده المحقق الخراساني في حاشيته على الكفاية - وحاصله - ان اضلاله تعالى انما هو بخذلانه وسد باب التوفيق بالطاعة، وايكاله الى نفسه الموجب للعقاب الدائمي والخلود الابدي، وتوقف هذه المرتبة على البيان لا يستلزم توقف غيرها من المراتب عليه. وفيه: ان الظاهر من الاية كما ذكرناه في آية نفى التعذيب، كون ما تضمنته الاية مما جرت عليه سنة الله وعادته، وان خلافه لا يليق بشأنه، وعليه فلا فرق في ذلك بين مراتب العذاب والعقاب. الثالث: ما ذكره المحقق الخراساني (ره)، من ان مفادها مساوق لكبري قبح العقاب بلا بيان فلا ينفع التثبت بها في قبال الخصم المدعى لوجوب الاحتياط بمقتضى اخبار التوقف والاحتياط، فان الخذلان على زعمه يكون عن البيان. وفيه: ان الظاهر منها عدم العقاب على مخالفة التكليف غير المبين واخبار التوقف والاحتياط انما تكون بيانا لوجوب الاحتياط الذى لا عقاب على مخالفته، ولا تكون بيانا على التكليف الواقعي، بل توجب تنجيزه مع عدم مبينيته - وعليه - فالاية تعارض تلك الادلة. فالصحيح ان يورد عليه بما اوردناه على الاستدلال باية نفى التعذيب، من ان بيان الله تعالى، انما يكون بانزال الكتب، وارسال الرسل وتبليغ رسله احكامه بالطريق المتعارف بين الموالى والعبيد، وعليه فيكون مفاد هذه الاية مفاد ما تضمن، اسكتوا عما سكت الله عنه، ولا تتضمن حكم ما لو شك في حكم مبين. الاستدلال للبرائة بحديث الرفع واما من السنة فقد استدل للبرائة بروايات. منها حديث الرفع وهو الحديث المروى عن الخصال بسند صحيح عن حريز عن الامام الصادق (ع) قال، قال رسول الله (ص) رفع عن امتى تسعة: الخطاء، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما

[ 201 ]

لا يعلمون، وما اضطرو إليه، والحسد - والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفتيه (1). وحيث ان الخبر من الصحاح والاصحاب اعتمدوا عليه في الفقه، فلا مورد للبحث في سنده، فالمهم بيان فقه الحديث وما يستفاد منه وانه هل يدل على البرائة ام لا ؟ وذلك يتم بالبحث في مواضع. الاول: في بيان الامور التى يتوقف عليها فهم المراد من الحديث. الثاني: في جملة (ما لا يعلمون). الثالث: في ساير جملات الحديث. اما الموضع الاول: ففى بيان امور. الاول: ان الدفع والرفع وان اشتركا في انهما انما يصدقان مع وجود المقتضى، والا فعدم المعلول يستند الى عدم المقتضى لا الى وجود المانع، وايضاهما مشتركان في المنع عن تحقق المقتضى في الزمان اللاحق، الا ان بينهما فرقا، وهو ان الرفع يعتبر في صدقه وجود المعلول سابقا كى، يكون الرافع مزيلا للشئ الثابت، واما الدفع فيعتبر في صدقه عدم وجوده سابقا كى يكون سدا لباب المقتضى عن التأثير. وعلى ذلك فقد يشكل على الرواية بانه كيف استعمل الرفع في المقام مع عدم ثبوت المرفوع في زمان، واجيب عنه باجوبة. احدها: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان مانعية شئ عن تأثير شئ آخر دائما يكون بنحو الدفع، لان الرافع ما يمنع عن تحقق المقتضى بقاءا، ومن حينه ولا يمنع عن الوجود السابق، لان وجود شئ في زمان غير مربوط بوجوده في السابق، ولا يعقل تأثير المانع في الوجود السابق، فدائما يكون المانع مانعا عن تحقق المقتضى، وعليه فكل رافع فهو دافع، مضافا الى استعمال كل منهما في موضع الاخر في كلمات العرب. اقول: قد ظهر الجواب عن ذلك مما ذكرناه في تقريب الايراد، إذ هذا وان كان مطلبا صحيحا، الا ان المدعى هو اختلافهما في الموضع حيث ان الرفع وضع ليستعمل، فما


1 - الوسائل باب 56 من ابواب جهاد النفس، من كتاب الجهاد. (*)

[ 202 ]

يمنع عن تأثير المقتضى مع فرض تأثيره في تحقق المقتضى في الزمان السابق، والدفع وضع ليستعمل فيما يمنع عنه مع فرض عدم وجود المقتضى بالفتح سابقا. ثانيها: ما عنه ايضا وهو ان العلاقة المصححة في الشبهة الموضوعية، انما هي ثبوت الحكم واقعا كحرمة شرب الخمر، وهذا المقدار من سبق الوجود يكفى. وفيه: انه بعد ما ليس المرفوع هو الحكم الثابت المنشعب عن لا تشرب الخمر، والا يلزم ان يكون المرفوع هو الحكم الواقعي وهو (قده) غير ملتزم به، فلا محالة يكون المرفوع هو ايجاب الاحتياط، فما سبق وجوده غير مرفوع، وما رفع لا يكون له سبق وجود. ثالثها: ما عن المحقق العراقى (ره)، وهو ان المصحح لاطلاق الرفع في المقام هو وجود المقتضى لمثل هذا الانشاء في ظرف الجهل إذ مع وجود المقتضى يعتبرون العقلاء كانه موجود بالعناية. وفيه: ان لازم هذا البيان ان الدفع يكون، بمعنى الرفع، ولا يكون بينهما فرق إذ يعتبر في صدقه ايضا وجود المقتضى وهو خلف الفرض. رابعها: وهو الحق وهو ان استعمال الرفع في الاية انما يكون باعتبار ان هذه العناوين كانت في الشرايع السابقة ذووا احكام شرعية وموجودة في عالم التشريع، فرفعت عن هذه الامة فقد استعمل الرفع في معناه بهذه العناية. والامر الثاني: انه قد يتوهم انه لا بد من تقدير امر في الفقرات التسع لشهادة الوجدان بوجود الخطاء والنسيان وغيرهما من المذكورات، فلا محالة يكون المرفوع امرا آخرا، وقد وقع الخلاف في انه، هل هو المؤاخذة والعقوبة، أو جميع الاثار، أو اظهر الاثار، وقد ذكر لتعيين كل منها وجوده مذكورة في الرسائل، ولكن الظاهر عدم الاحتياج الى التقدير إذ الرفع فيها ليس رفعا تكوينيا كى يرد المحذور المذكور، بل هو رفع تشريعي، وعليه فلا حاجة الى التقدير اصلا - نعم - لا بد وان يكون الاثر المرفوع من الاثار الشرعية التى تكون قابلة للرفع والوضع، واما الاثار العقلية غير القابلة لذلك، فلا تكون مرفوعة بالحديث، الا ما كان منها مترتبا على الاثر الشرعي.

[ 203 ]

الثالث: ان الرفع بالنسبة الى غير ما لا يعلمون واقعى، وبالنسبة الى ما لا يعلمون رفع ظاهري توضيح ذلك ان الرفع في غير ما لا يعلمون يكون واقعيا لظهوره في ذلك وعدم معقولية كونه ظاهريا في جملة منها - ودعوى - انه على هذا تكون النسبة بين كل واحد من ادلة الاحكام الواقعية، وبين الحديث عموما من وجه فلا وجه لتقديمه - مندفعة - بان الحديث حاكم عليها لانه بلسان نفى الموضوع وتضييقه بالنسبة الى تلك الادلة، وقد ثبت في محله تقديم الحاكم على المحكوم - مع - ان النسبة بين كل واحد منها وبين الحديث، وان كانت عموما من وجه، الا ان النسبة بينه وبين جميعها عموم مطلق، فيدور الامر بين تقديم جميعها عليه - وتقديمه عليها - وتقديم بعضها عليه تقديمه على بعضها، والاول مستلزم لعدم بقاء المورد له، والاخير مستلزم للترجيح بلا مرجح فيتعين الثاني. واما فيما لا يعلمون ففى موارد الشبهة الحكمية، لا يعقل كون الرفع واقعيا، لاستلزامه اختصاص الاحكام الواقعية بالعالمين بها، وقد عرفت في اوائل هذا الجزء، ان اخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه مستلزم للخلف ولا يمكن - مضافا - الى الادلة الدالة على اشتراك الاحكام بين العالمين والجاهلين. واما في موارد الشبهة الموضوعية وان كان لا يلزم من الالتزام بكون الرفع واقعيا المحذور المتقدم، الا ان المعلوم من مذاق الشارع والائمة عليهم السلام، بل المستفاد من الادلة ثبوت الاحكام في حال الجهل مطلقا ولو كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية، فيكون الرفع ظاهريا. والمراد به رفع وجوب الاحتياط، توضيح ذلك انه حيث يكون وضع الحكم الواقعي في حال الجهل على رقبة العبد بايجاب الاحتياط، فكذلك، له ان يرفعه بعدم ايجابه، وان شئت فقل انه كما ان ايجاب الاحتياط وضع للواقع بجعل الحكم الطريقي كذلك عدم ايجابه مع ثبوت المقتضى للوضع رفع للواقع، فالرفع فيه ايضا مستند الى الواقع ولا يكون المقدر وجوب الاحتياط. ثم انه لا مانع من الالتزام بكون الرفع واقعيا بالمعنى الاول فيما إذا كان الشك في

[ 204 ]

المتعلق مع كونه موضوعا لحكم آخر نظير الشك في شرب الخمر بالنسبة الى وجوب الحد فمن شرب الخمر عن جهل بالخمرية لا يجب اجراء الحد عليه واقعا. ويترتب على ما ذكرناه من كون الرفع فيما لا يعلمون ظاهريا - وفى غيره واقعيا - انه بالنسبة الى غير ما لا يعلمون لو كان هناك عموم أو اطلاق مثبت للحكم في تلك الموارد، لزم تخصيصه أو تقييده، بحديث الرفع، ويكون ارتفاع تلك العناوين موجبا لتبدل الحكم واقعا من حينه، فاجزاء الماتى به في حال الاضطرار مثلا واضح، واما فيما لا يعلمون فلو كان هناك عموم أو اطلاق مثبت للحكم لزم الاخذ به ولا يبقى معه موضوع لحديث الرفع، لارتفاع الجهل به، ويكون ارتفاع الجهل لو عثر على الدليل المثبت للتكاليف بعد العمل موجبا لكشف الخلاف، وظهور ثبوت الحكم من الاول فالاجزاء يبتنى، على اجزاء الامر الظاهرى، أو على دلالة دليل آخر عليه كحديث (لا تعاد الصلاة) (1). الامر الرابع: ان لسان الحديث كما هو مفاد الظاهر فيه، رفع الحكم لا وضعه، وعليه فليس لسانه تنزيل الموجود، منزلة المعدوم، كما عن المحقق النائيني (ره) لان تنزيل شئ منزلة غيره، يستدعى ترتيب آثار ذلك الشئ عليه، وعرفت ان الحديث ليس شانه الوضع بل انما يرفع الحكم الثابت لولاه، كما ان الظاهر من الحديث انما هو رفع الحكم، لا نفى المتعلق، إذ ليس لسانه لسان النفى كما في لا شك لكثير الشك، فانه نفى للحكم بلسان نفى الموضوع، وهذا بخلاف الحديث، فانه انما يرفع موضوعية الموضوع الذى مرجعه الى رفع الحكم فاحفظ ذلك فانه يترتب عليه فائدة مهمة. الامر الخامس: ان متعلق الرفع ليس نفس العناوين المذكورة في الحديث بل المرفوع هو الفعل المتصف باحدها، اما في غير الخطاء والنسيان فواضح، واما فيهما فلو حدة السياق، ولان رفع نفس العنواين مناف للامتنان وضد للمقصود، مضافا الى انه لا يتصور جعل الحكم لهما بما هما كمالا يخفى، فالمرفوع هو الفعل المتصف بهما.


1 - الوسائل باب 1 من ابواب قواطع الصلاة حديث 4. (*)

[ 205 ]

ثم انه يقع الكلام في ان المرفوع بالحديث هل هو الاحكام الثابة للفعل المعنون باحد العناوين المزبورة، أو الاثار المترتبة على الفعل بعنوانه الاولى، أو هما معا. قد يقال بالثاني واستدل له المحقق الخراساني تبعا للشيخ الاعظم (ره)، وتبعه غيره، بانه لا يعقل رفع الاثار المترتبة على الفعل المعنون باحد العناوين، إذ الظاهر ان هذه العناوين صارت موجبة للرفع والموضوع للاثر مستدع لوضعه فكيف يكون موجبا لرفعه. وفيه: انه قد عرفت انه يعتبر في صدق الرفع كون الموضوع مقتضيا للوضع فكونه مقتضيا له، مما يعتبر في صدق الرفع، لا انه ينافيه - وبعبارة اخرى - بعد ما عرفت من ان المراد من الرفع هو الدفع، أو رفع الاثار الشرعية الثابتة في الشرايع السابقة، لا يبقى مجال لهذا الاشكال. نعم، يكون الحديث معارضا للادلة المتكفلة للاحكام الثابتة للفعل المعنون باحد العناوين، وبما ان تلك الادلة اخص تقدم فثبوت سجدتي السهو وكفارة القتل الخطائى مثلا انما يكون من قبيل التخصيص. ويمكن ان يوجه عدم المعقولية بان ورود الخبر مورد الامتنان يقتضى ان تكون الجهات الموجبة للمنة برفع الاحكام، هي هذه العناوين المأخوذة في الخبر من الجهل وغيره، فإذا كانت هذه الجهات مقتضية لرفع تلك الاحكام، فلا محالة ليست بما هي مقتضية لثبوتها، لانه لا يقل كون عنوان واحد مقتضيا، للوضع، والرفع، ولا ينافى ذلك اعتبار اقتضاء الوضع في صدق الرفع فان المعتبر وجود المقتضى فيما يرفع، وهو الفعل، لا كون الجهة المقتضية للرفع بعينها مقتضية للوضع فتدبر. وعليه فالمرفوع هي الاثار المترتبة على الفعل بعنوانه الاولى. مع، انه لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا معقولية ان يكون المرفوع الاثار المترتبة على الفعل المعنون باحد العناوين، بما انه لا جامع بين كلا القسمين من الاثر والامر يدور بينهما، فيكون الترجيح مع ما ذكرناه لفهم الاصحاب ولاستشهاد الامام (ع) على ما في رواية المحاسن (1) بمثل هذا


1 - الوسائل باب 16 من كتاب الايمان ج 16 ص 144. (*)

[ 206 ]

الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق. الامر السادس: ان الظاهر من الحديث رفع الاثار المترتبة على فعل المكلف، واما الاثار المترتبة على الموضوع الخارجي، بلا دخلا لفعل المكلف فيه فالحديث لا يرفع تلك الاثار لان ما يتعلق به الاضطرار والاكراه واخواتهما انما هو فعل المكلف، لا الموضوع الخارجي - وعليه - فلو لا قى يد الانسان مع شئ نجس اضطرارا أو خطاءا لا يمكن رفع النجاسة بالحديث، إذ الاثر لم يترتب على فعل المكلف، بل على الموضوع الخارجي، وهو الملاقاة ولو بغير اختيار، وبما ذكرناه يظهر عدم شمول الحديث لوجوب قضاء الفائت من المكلف اضطرارا أو اكراها. لان وجوب القضاء مترتب على الفوت بما هو من غير دخل لفعل المكلف فيه. ولا يتوهم انا ندعى عدم شمول الحديث للموضوعات فان ذلك غير صحيح، إذ لو كان فعل المكلف موضوعا لحكم يشمله الحديث كالافطار الذى جعل موضوعا لوجوب الكفارة إذ لا وجه لاختصاصه بالمتعلقات، بل ندعى عدم شموله للموضوع الخارجي. الامر السادس: يعتبر في جريان حديث الرفع ان يكون في رفع الحكم منة على العباد فبيع المضطر لا يرفع صحته بالحديث، إذ رفعها خلاف المنة، ويعتبر ان يكون في رفعه منة على الامة فلو كان منة على شخص، وضيقا على آخر، لا يشمله الحديث، فلو اتلف مال الغير بغير اختياره، لا يمكن اجراء الحديث، والحكم بعدم الضمان، فان في رفعه وان كان منة على المتلف الا انه خلاف الامتنان بالنسبة الى المالك. فهل يعتبر ان يكون في وضعه خلاف الامتنان كما عن المحقق العراقى (ره) ام لا يعتبر ذلك وجهان، اقواهما الثاني، لاطلاق الحديث ووروده في مقام الامتنان لا يقتضى ذلك ولا اجمال الحديث، وما رتبه على ما ادعاه من عدم رفع الحكم الواقعي فيما لا يعلمون لعدم كونه بوجوده الواقعي مما فيه ضيق على المكلف - غير تام - إذ عدم رفعه انما يكون لوجه آخر تقدم آنفا ولو تم هذا الوجه لاقتضى عدم رفعه حتى على المسلك الاخر، إذ ليس في رفعه امتنان.

[ 207 ]

فيما يستفاد من جملة ما لا يعلمون الموضع الثاني: في جملة ما لا يعلمون وبيان ما يصلح ان يكون مرفوعا فيها، وتنقيح القول فيها بالتكلم في جهات. الاولى: ان المرفوع ليس هو الحكم الواقعي لما تقدم، في الامر الثالث في الموضع الاول، ولا المؤاخذة، ولا استحقاقها، لما تقدم في الامر الثاني، ولا فعلية الحكم الواقعي، لما تقدم فالجمع بين الحكم الواقعي والظاهري من عدم معقولية نفى الفعلية بعد الانشاء الا بالتصرف في الجعل. بل المرفوع هو ايجاب الاحتياط لا بتقدير ذلك، بل من جهة ان ايجاب الاحتياط انما يكون من مقتضيات نفس التكليف الواقعي، فثبوته انما يكون نحو ثبوت للحكم الواقعي، ولهذا يصح في مقام التعبير عن رفعه، برفع الحكم الواقعي في الظاهر وقد تقدم توضيح ذلك في الامر الاول من الموضوع الاول. فان قلت انه إذا كان المرفوع هو ايجاب الاحتياط فحيث ان احتمال التكليف الواقعي موجود واحتمال المؤاخذة على مخالفته لا دافع له فيكون موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل باقيا فيجب الاحتياط بحكم العقل، والشرع. قلت ان العقاب على الواقع غير الواصل مقطوع العدم ولو بضميمة قبح العقاب بلا بيان فاحتمال ثبوته انما يكون بواسطة احتمال جعل الطريق إليه وايجاب الاحتياط، فإذا رفع ايجاب الاحتياط، لزم منه رفع المؤاخذة لرفع منشاه، وان شئت قلت ان المؤاخذة كوجوب الطاعة وحرمة المخالفة من الاحكام الواقعية المترتبة على المجعولات الشرعية اعم من الظاهرى والواقعي، فكما ان عدم الحكم الواقعي مستلزم لعدم العقاب كذلك التعبد بعدمه في الظاهر فتدبر. واما ما افاده الاستاذ من انه لا يكون المرفوع ايجاب الاحتياط بل هو نفس الالزام ظاهرا، واوضحه: بان الحكم سواء كان واقعيا ام ظاهريا يكون امر وضعه ورفعه بيد الشارع، فكما ان للمولى ان يجعل الوجوب أو الحرمة واقعيا كذلك له ان يجعل

[ 208 ]

الوجوب، أو الحرمة في ظرف الشك في الواقع، فإذا لم يفعل مع وجود المقتضى له فقد رفعه، ولازمه ثبوت الترخيص في اقتحام الشبهة، وعدم وجوب الاحتياط، فان الاحكام متضادة في مرحلة الظاهر ايضا، فكما ان عدم الالزام واقعا يستلزم الترخيص كذلك عدم الالزام في الظاهر يستلزم الترخيص ظاهرا، ومعه لا يبقى مورد لاحتمال العقاب. فيرد عليه ان المراد من الالزام الظاهرى، ان كان هو الحكم الطريقي المجعول للمشتبه بما هو مشتبه بداعي تنجز الواقع، فليس هو الا ايجاب الاحتياط، وان كان المراد هو الحكم الواقعي المجعول له بما هو كذلك فرفعه لا يفيد كما لا يخفى، وان كان المراد غير ذلك فلا بد من توضيح ازيد من ذلك. عموم الحديث للشبهة الحكمية والموضوعية الجهة الثالثة: في بيان الحديث هل يختص بالشبهة الموضوعية، أو الحكمية، ام يعم كلتا الشبهتين، ويتوقف بيان ما هو الحق على بيان ان المراد بالموصول، هل هو الفعل الخارجي، ام يكون المراد منه الحكم، أو الجامع بينهما، وعلى الاول هل المراد من لا يعلمون، عدم العلم بعنوان الفعل، وانه مصداق عنوان محرم، ام مصداق عنوان محلل، ام يكون المراد عدم العلم بحكمه، أو الجامع بينهما، وجوه، فمجموع محتملات الرواية خمسة. اقول انه لو كان المراد من الموصول الفعل كان الظاهر من لا يعلمون الجهل بعنوان الفعل واحتمال ارادة الجهل بحكمه أو الجامع خلاف الظاهر، لظهور الوصف في كونه وصفا بحال نفس الموصوف لا متعلقه. وتوجيه ارادة الجهل بالحكم ايضا بان يقال ان الجهل بالشئ قد يكون باعتبار صدوره، وقد يكون باعتبار عنوانه، ومن الواضح ان عدم العلم والجهل، انما هو بالاعتبار الثاني، وإذا كان التقدير هو العنوان وكان معنى حديث الرفع رفع ما لا يعلم عنوانه، فليكن العنوان اعم من الذاتي والعرضي فحينئذ يكون المراد كل جنس فعل كالشرب مثلا لم

[ 209 ]

يعلم عنوانه الذاتي كما إذا لم يعلم انه شرب خمر أو شرب ماء، أو لم يعلم عنوانه العرضى كان لم يعلم انه حرام أو مباح فهو مرفوع. غير صحيح لان المراد من الرفع التشريعي، فمعنى رفع الموضوع الخارجي، رفع حكمه، فلا بد فيما يستند إليه الرفع، ان يكون ذا حكم شرعى حتى يكون معنى رفعه رفع حكمه، ومن المعلوم ان الموضوع للاحكام، انما هو انواع الافعال لا اجناسها فطبيعي الشرب لا يكون متعلقا لحكم حتى يستند الرفع إليه، بل الحكم مترتب على انواعه، فلا بد وان يكون المراد من الموصول نوع الفعل الذى هو متعلق الحكم حتى يرتفع حكمه - وبعبارة اخرى - بعد كون المراد من الرفع، رفع الحكم لو كان المراد من الموصول نوع الفعل يكون الرفع مستندا إليه، ولو كان المراد جنسه لكان مستندا الى نوعه ومحتاجا الى تقدير النوع وكلما دار الامر بين التقدير وعدمه يكون عدمه اظهر، واوفق بالقواعد، وعليه فالمراد من الجهل الجهل يتحققه، لا بعنوانه، فلا يكون المراد من لا يعلمون الجهل بعنوان الفعل، فيدور الامر بين احتمالات ثلاثة - الاول - ارادة الفعل من الموصول فيختص الحديث بالشبهة الموضوعية - الثاني - ارادة الحكم منه - الثالث - ارادة الجامع بينهما فيعم كلتا الشبهتين. وقد استدل لان المراد منه الفعل بوجوه، احدها، ما افاده الشيخ الاعظم، وهو وحدة السياق، إذ المراد من الموصول في ساير الجملات، هو الفعل كما هو واضح، فيكون مقتضى وحدة السياق، ارادته من الموصول في هذه الجملة ايضا. وفيه: ان لفظة، ما، تكون من الموصولات والالفاظ المبهمة المستعملة دائما في معنى واحد سواء اريد بها الفعل، أو الحكم، والاختلاف انما يكون في المراد الجدى لا في المستعمل فيه، ووحدة السياق انما تصلح ان تكون معينة للمستعمل فيه، لا المراد الجدى - وبالجملة - وحدة المستعمل فيه التى توجب وحدة السياق مفروضة في المقام، واما تعيين المصداق، والمراد الجدى، بملاحظة تعينه في ساير الجملات، فلا تكون وحدة السياق صالحة لذلك. مع انه لو سلم ان وحدة السياق تعين المراد الجدى، فانما هو فيما إذا كان القيد

[ 210 ]

الثابت شرعيا، كما إذ رتب الحكم على جملة امور، وقيد عدة منها بقيد شرعا، يستكشف بمقتضى وحدة السياق، تقيد الجميع بذلك القيد، واما لو كان القيد الثابت لتلك الامور عقليا لا بحكم الشارع، فلا وجه للحكم بان وحدة السياق تدل على تقيد غيره به كما هو واضح، والمقام من قبيل الثاني إذ ارادة الفعل بخصوصه من لفظة - ما - في ساير الجمل، انما تكون لاجل عدم تعقل تعلق العناوين المذكورة في صلتها، من الاصظرار - والاكراه - وما لا يطاق بالحكم، فلا وجه للحكم بارادة الفعل من جملة ما لا يعلمون. ثانيها: ان الرفع لا بد وان يستند الى ما فيه الثقل، ومن الواضح ان الحكم ليس فيه ثقل بل انما هو يوجب الثقل، فالثقل انما يكون في الفعل، باعتبار ان اتيان الفعل بعنوان كونه ملزما عليه شاق، أو باعتبار ان الاتيان به على خلاف مقتضى الطبع خوفا من العقاب شاق وثقيل على المكلف، فالرفع يستند إليه لا الى الحكم. وفيه: ان الرفع انما يكون في مقابل الوضع، فكلما يصح اسناد الوضع إليه، يصح اسناد الرفع إليه ومن الواضح، ان الحكم الشرعي مما يكون قابلا لاسناد الوضع إليه، فكذلك يستند الرفع إليه. مع انه لو سلم اعتبار كون المرفوع ثقيلا، فلا يكون مختصا به، بل كما يصح اسناده الى ما فيه الثقل، يصح اسناده الى الموجب له، والى ما هو اثره وهو المؤاخذة كما لا يخفى. ثالثها: انه لا شبهة في شمول الحديث للشبهات الموضوعية، فالموصول اريد به الفعل يقينا، فلو اريد به الحكم ايضا لزم استعماله في معنيين، وهو لا يجوز. وفيه، اولا: انه لو اريد به الجامع بينهما، المنطبق على الفعل تارة، وعلى الحكم اخرى، وكان الاختلاف في المصداق، دون المفهوم، لا يلزم المحذور المذكور. وثانيا: انه ستعرف انه لو اريد به الحكم، كان الحديث شاملا للشبهتين. رابعها: ما افاده الشيخ الاعظم، وهو ان ظاهر الحديث رفع المؤاخذة، ومن الواضح ان المؤاخذة انما تكون على الفعل أو الترك، ولا معنى للمؤاخذة على الحكم، فتقديرها يوجب ارادة الفعل من الموصول.

[ 211 ]

وفيه: مضافا الى ما مر من عدم تقديرها، وان المرفوع هو نفس ما لا يعلم اريد به الحكم أو الفعل، لان الرفع تشرعي لا تكويني: انه قد مر ان المؤاخذة لا تقدر بنفسها فانها من الاثار العقلية، بل المرفوع منشاها، وهو وجوب الاحتياط، وعرفت انه من مقتضيات الحكم، لا الفعل فهذا الوجه لو تم لاقتضى ارادة الحكم من الموصول لا الفعل. خامسها: ما افاده المحقق الخراساني في التعليقة وحاصله ان اسناد الرفع الى الحكم حقيقي، والى الفعل مجازى لكونه اسنادا الى غير ما هو له، إذ لا معنى لرفع الفعل، فالمرفوع حكمه، فلو اريد من الموصول الفعل كان الاسناد في جميع الفقرات مجازيا لارادة الفعل من الموصول فيها قطعا ولو اريد منه الحكم كان الاسناة بالاضافة إليه حقيقيا وبالاضافة الى ساير الجمل مجازيا، وحيث ان الرفع في الحديث اسند الى المجموع، باسناد واحد لزم ان يكون حقيقيا أو مجازيا، ولا يعقل ان يكون بالنسبة الى بعضها حقيقيا وبالنسبة الى بعض آخر مجازيا، وحيث انه بالنسبة الى ساير الفقرات يكون مجازيا فلا بد وان يراد من الموصول في هذه الفقرة، الفعل ليكون بالنسبة إليها ايضا مجازيا. وفيه: اولا ان منشا هذا التوهم هو الخلط بين الرفع التكويني والتشريعي، حيث انه لا يصح رفع الفعل تكوينا فلو اسند الرفع الى الفعل لا محالة يكون المرفوع في الحقيقة هو حكمه، ولكن الرفع التشريعي الذى هو المراد من الحديث فتعلقه بالفعل واخراجه عن عالم التشريع ممكن حقيقة. توضيح ذلك ان الصفات التعلقية كالشوق والحب، وكذلك الاعتباريات لا يعقل ان تتحقق الا مضافة الى الماهيات وتلك الماهيات تتحقق بنفس تحقق هذه الامور نظير تحقق الماهية بالوجود الخارجي والذهني، فوجودها انما يكون بوجود هذه واعدامها باعدام هذه نظير اعدام الماهية في الخارج، فانه انما يكون باعدام الوجود، وعلى الجملة الرفع التشريعي نسب الى الفعل حقيقة كما ينسب الى الحكم كذلك فانه عبارة عن عدم جعل الفعل متعلقا للاعتبار التشريعي، نظير لا صيام في السفر، ولا ربا بين الوالد والوالد وما شاكل، فالاسناد بالنسبة الى جميع الفقرات حقيقي، وان اريد بالموصول الفعل.

[ 212 ]

وثانيا: انه لو سلم كون اسناد الرفع الى الفعل مجازيا يكون اسناد الرفع الى التسعة مجازيا، حتى لو اريد من الموصول فيما لا يعلمون، هو الحكم لان اسناد الرفع الى الحكم وان كان حقيقيا، ولكنه بالنسبة الى اللب والتحليل، والميزان في كون الاسناد حقيقيا أو مجازيا، انما هو الاسناد الكلامي، لا الاسناد التحليلي، وليس في الكلام الا اسناد واحد بحسب وحدة الجملة، وهو اسناد الرفع الى عنوان جامع بين جميع المذكورات وهو عنوان التسعة، ومعلوم ان الاسناد الواحد الى المجموع المركب مما هو له، ومن غير ما هو له اسناد الى غير ما هو له، وعليه فاسناد الرفع الى التسعة مجازى، وان اريد من الموصول في جملة ما لا يعلمون الحكم، وان ابيت عن ذلك وقلت انه ينحل الى اسنادات عديدة، فلا مانع من كون هذا الاسناد حقيقيا بالنسبة الى بعض التسعة ومجازيا بالنسبة الى بعض آخر أي باعتبار كونه متعلقا بالحكم حقيقيا وباعتبار كونه متعلقا بالفعل مجازيا. واما الاحتمال الثاني وهو ان يكون المراد من الموصول الحكم، فلا محذور فيه سوى انه لا وجه للالتزام به في مقابل ارادة الفعل، والا فيمكن ان يبنى على اراته منها مع شمول الحديث للشبهات الموضوعية والحكمية معا بان يبنى على الاطلاق من حيث المنشا. ودعوى انه في الشبهة الموضوعية حيث لا يكون الحكم حقيقة مجهولا، بل المجهول هو انطباق الموضوع على المشكوك فيه، وينسب الجهل إليه بالعرض، والا فالحكم في الحقيقة معلوم، فيكون خارجا عن مورد الرواية إذ الرفع حكم لما كان الحكم حقيقة مجهولا. مندفعة: بان ذلك وان كان يتم فيما إذا كان التكليف بنحو صرف الوجود، ولم يدع جريان البرائة فيه احد، كما إذا كان وجوب الصلاة الى القبلة معلوما، وشك في كون جهة قبلة فانه لا مورد للبرائة، ولا يتم فيما إذا كان التكليف انحلاليا نظير حرمة شرب الخمر، فان كل فرد من افراد الخمر محكوم بحكم غير احكام ساير الافراد، فلا محالة يكون الشك في المصداق شكا في الحكم حقيقة.

[ 213 ]

فالمتعين هو الاحتمال الثالث، أي ارادة الجامع بين الحكم والفعل، وتقريبه ان لفظة (ما) من الموصولات وموضوعة لمفهوم جامع بين جميع الاشياء نظير لفظ الشئ المنطبق، على الفعل تارة، وعلى الحكم اخرى، ومقتضى الاطلاق ارادة ذلك، فان عدم امكان ارادة غير الفعل من لفظة ما في ساير الجمل لا ينافى ارادته منها في هذه الجملة. فان قلت انه من ارادتهما معا يلزم الجمع بين الاسناد الحقيقي والمجازي، حيث ان اسناد الرفع الى الفعل اسناد مجازى إذ المرفوع في الحقيقة حكمه، والى الحكم حقيقي ولو كان المراد من الموصول هو الاعم لزم اجتماع اسنادين وهو غير معقول، اجبنا عنه بما تقدم مفصلا فراجع، وعليه فالحديث يشمل الشبهة الحكمية، والموضوعية معا. ثم ان بعض الاعاظم افاد انه يمكن بشمول الحديث لكلتا الشبهتين، مع فرض كون المراد من الموصول هو فعل المكلف، بان يقال ان المراد هو الفعل بما انه متعلق التكليف فحينئذ الشك فيه كما يمكن ان يكون باعتبار الجهل بعنوانه الذاتي، يمكن ان يكون باعتبار الشك في حكمه مثلا، شرب المايع الخارجي قد يكون مجهولا بعنوانه الذاتي، وهو كونه شرب الخمر الملازم للجهل بحكمه، وقد يكون عنوانه الذاتي معلوما، والجهل، انما يكون في وصفه العرضى وهو الحرمة فهو بكل اعتبار تعلق به الجهل مرفوع. وفيه: ان العنوان الذى يحتمل كونه مرادا من الموصول ان اخذ مرآتا الى المتصف به وهو الذات الى فعل المكلف، رجع ذلك الى ارادة الفعل منها، وان اخذ في الموضوع باعتبار نفسه رجع الى ارادة الحكم منها، وان اخذ باعتبار كليهما رجع الى ما اخترناه. الجهة الثالثة: في شمول الحديث للاحكام الضمنية والكلام في هذه الجهة موكول الى مبحث الاقل والاكثر الارتباطيين وسيظهر لك جريان البرائة فيها. الجهة الرابعة: الظاهر اختصاص الحديث بالاحكام التكليفية وعدم جريانها في الوضعيات إذ لو لم يعلم سببية معاملة خاصة وامضائها شرعا كان مورد الاصالة الفساد

[ 214 ]

ولا معنى لاجراء حديث الرفع فيها فانه ان اريد اثبات امضائها فالحديث لا يصلح لذلك، وان اريد رفعه لم يكن فيه منة، وان شك في جزئية شئ أو شرطيته لمعاملة خاصة ولم يكن لدليلها اطلاق مقتضى لعدم الاعتبار، فحيث ان شان حديث الرفع رفع الحكم أو الوضع المتعلق بالمجموع من المعلوم والمجهول، وامضاء المشتمل على المشكوك اعتباره لا شك فيه، فلا معنى لرفعه، ورفع جزئية المشكوك اعتباره وحدها لا يمكن كما ستعرف. في جريان البرائة في الاحكام غير الالزامية وعدمه ثم انه لا ريب في اختصا البرائة العقلية بموارد الشك في التكاليف الالزامية كما لا يخفى. واما البرائة الشرعية ففى اختصاصها بها خلاف. ثالثها - التفصيل بين ما لو شك في التكليف الاستقلالي وما لو شك في التكليف الضمنى، فتجرى في الثاني دون الاول. وهو الاظهر: لانه في موارد الشك في التكاليف الاستقلالية ما يكون قابلا للرفع انما هو حسن الاحتياط لما عرفت من ان رفع التكليف في الظاهر انما هو رفع للاحتياط، فان كان الشك في التكليف الالزامي، فالمرفوع ايجاب الاحتياط، وان كان في غير الالزامي، فالمرفوع انما هو استحبابه وحسنه، وحيث ان الاحتياط حسن ومستحب على كل حال، ويعلم عدم ارتفاعه فالتكليف غير الالزامي المحتمل غير مرفوع ظاهرا. واما في مورد الشك في التكليف الضمنى، فبما ان تقيد المستحب بالقيد المجهول مشكوك فيه فلا مانع من شمول الحديث له لنفيه، واثبات عدم التقييد ظاهرا، فيكون المرفوع هو الوجوب الشرطي، المترتب عليه عدم جواز الاتيان بالفاقد للشرط بداعي الامر. عنوان الخطاء والنسيان من العناوين المرفوعة الموضع الثالث: في ساير جملات الحديث انها على اقسام ثلاثة ولكل

[ 215 ]

منها آثار خاصة كما ستعرف فالكلام يقع في موارد. الاول: في الخطا والنسيان وقبل الشروع في البحث فيهما ينبغى ان يعلم ان النسيان عبارة عن الذهول وانمحاء صورة الشئ عن صفحة الذهن في مقابل الحفظ، ولازم ذلك ترك الفعل، واما اتيان شئ آخر مكان المنسى، فهو لا يستند الى النسيان، إذ لا يعقل ان يكون ذهول شئ عن الذهن وانعدامه علة باعثة لايجاد شئ آخر كيف ومن مبادى وجود الشئ حضوره عند النفس، بل وجود شئ آخر مانه مستند الى ارادته بما لها من المبادى، مثلا لو نسى خمرية مايع، وتخيل انه ماء فشربه، نسيان الخمرية لا يصير علة لشربه، بل العلة له ارادة شرب الماء. فعلى هذا يختص النسيان بالواجبات بان يتعلق النسيان بها فيتركها، ولا مورد له في المحرمات إذ ارتكاب المحرم لا يمكن بسبب النسيان، واما الخطاء فهو عبارة عن ايجاد شئ مع عدم تعلق القصد به بان يكون القصد متعلقا بايجاد شئ ويقع شئ آخر وهو على قسمين شبه العمد والخطاء المحض، والاول عبارة عما لو اتى بفعل وقصد عنوانا وتحقق شئ آخر، كما لو ضرب زيدا بقصد التاديب فمات، ولم يكن يحتمل ان يموت، والثانى عبارة عما لو قصد فعلا ولم يتحقق ذلك، ووقع فعل آخر كما لو قصد رمى صيد فاصاب انسانا وقتله، وكلا القسمين يحتصان بالمحرمات ولا مورد لهما في الواجبات الا في التكليف الضمنى بايجاد المانع خطاءا. ثم ان المنة في رفعهما مع ان ترك الواجب وفعل الحرام في موردهما خارجان عن سوء اختيار المكلف، ولا مقتضى للوضع، انما هو من جهة مقدورية المقدمة وهى التحفظ، وعلى ما ذكرناه ما افاده المحقق النائيني (ره)، فيما لو نسى الصلاة في تمام الوفت من انه لو نسيها بما انه لم يصدر منه امر وجودي قابل للرفع فلا يشمله الحديث. يرد عليه مضافا الى ما سنذكره، ان النسيان تعلق بالصلاة فتركها فالمنسى هو الصلاة فيرتفع وجوبها. وكيف كان فالكلام في المورد الاول، وهو الخطاء والنسيان يقع في مقامين. احدهما: في الاحكام التكليفية. ثانيهما: في الاحكام الوضعية.

[ 216 ]

اما المقام الاول: فالكلام يقع تارة في التكاليف الاستقلالية، واخرى في التكاليف الضمنية. اما التكاليف الاستقلالية، فحيث ان متعلق التكليف في المحرمات بحسب الغالب الطبيعة السارية، وفى الواجبات صرف وجود الطبيعة، وعرفت ان النسيان مختص بالواجبات والخطاء بالمحرمات، فالكلام في موضعين، اما في المحرمات فسقوط التكليف بعروض الخطاء على فرد كما لو شرب الخمر خطائا، لا اشكال ولا كلام فيه، واما في الواجبات فلو عرض النسيان على فرد من الواجب كما لو نسى الاتيان بالصلاة في ساعة من الوقت لا يكون ذلك الفرد مشمولا للحديث ولا يرتفع الحكم المتعلق بالصلاة في المثال إذ ما تعلق به التكليف وهو طبيعي الصلاة الواقعة ما بين المبدأ والمنتهى لم يطرأ عليه النسيان، وما طرأ عليه النسيان وهو الفرد لا يكون متعلق التكليف. نعم لو طرأ النسيان على الطبيعة كما لو نسى الصلاة في تمام الوقت كان التكليف ساقطا. واشكل المحقق النائيني في ذلك بان شان حديث الرفع انما هو تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود لانه يكون وضعا لا رفعا، فلو نسى الصلاة فبما انه لم يصدر منه امر وجودي قابل للرفع فلا يشمله الحديث. وفيه: ما تقدم من ان لسان الحديث ليس هو التنزيل والا كان وضعا لا رفعا، من غير فرق فيه بين تنزيل المعدوم منزلة الموجود أو العكس، بل شان الحديث انما هو رفع الحكم، وهو قابل لتعلقه بالفعل كما في الصلاة المنسية. واما التكاليف الضمنية، فالكلام تارة في نسيان جزء أو شرط في فرد، واخرى في نسيانه في المأمور به وهو الطبيعة ما بين المبدأ والمنتهى، وثالثة في ايجاد المانع، اما الاول فلو نسى فترك جزءا أو شرطا في فرد، فقد عرفت ان الحديث لا يشمله لان متعلق التكليف هو الطبيعة ومتعلق النسيان هو الفرد مع ان المعتبر هو تعلق النسيان بما هو متعلق التكليف. وقد يقال ان هذا يتم في غير الصلاة، ولا يتم فيها بناءا على حرمة ابطالها و

[ 217 ]

وجوب الاتمام، إذ معنى وجوب الاتمام تعين الطبيعة المأمور بها في الفرد، وعليه فيكون الفرد مامورا به فلو نسى جزءا منه يكون متعلق النسيان عين متعلق التكليف. ويرد عليه انه لا وجه لارجاع الامرين الى امر واحد، بل الامر بالطبيعة، والامر باتمام الفرد على تقدير الشروع في الصلاة امران مستقلان، لكل منهما اطاعة مستقلة وعصيان كذلك، وكل منهما ناش عن مصلحة خاصة غير مربوطة بما في متعلق الاخر من المصلحة. نعم يرتفع بالحديث حرمة الابطال من ناحية ترك المنسى، وهذا نظير ما إذا وقع احد الافراد متعلقا للنذر، ونسى اتيان الجزء في ذلك الفرد، فانه يرتفع الوجوب المدلول للامر النذرى دون وجوب الصلاة. واما الثاني: كما لو كان نسيان الجزء أو الشرط مستوعبا للوقت، فالظاهر شمول الحديث له، غاية الامران الجزء وكذا الشرط، بما انه ليس متعلقا لحكم مستقل بل هو متعلق حكم ضمنى ورفع ذلك انما يكون برفع الامر بالمركب والكل كما ان وضعه انما يكون بوضعه ولا يعقل الرفع بدونه ويرتفع به التكليف المتعلق بالمركب المشتمل على المنسى. واما الفاقد للمنسى فثبوت التكليف متعلقا به يحتاج الى دليل، والحديث لا يدل عليه لعدم كونه في مقام الوضع. وعن المحقق النائيني الاشكال في شمول الحديث للمورد بانه لا محل لورود الرفع على الجزء المنسى - كالسورة في الصلاة - لان شان الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود لانه انما يكون وضعا لا رفعا، وفى مورد نسيان الجزء لخلو صفحة الوجود عن الجزء لا محل لولود الرفع، اضف إليه انه لا يترتب اثر شرعى على المنسى حتى يرتفع بالحديث، لان جزئية الجزء لا تكون منسية والا كان ذلك من نسيان الحكم لا نسيان الموضوع فلا تكون مرفوعة بالحديث. ويرد على ما افاده اولا ما تقدم من ان شان الحديث ليس هو التنزيل والا كان ذلك وضعا، بل يرفع حكم ما تعلق به النسيان، ويرد على ما افاده ثانيا ان النسيان وان لم يتعلق

[ 218 ]

بالجزئية بل تعلق باتيان الجزء، ولكن معنى رفع الجزء رفع حكمه، ولا يعتبر في شمول الحديث تعلق ما فيه من العناوين في الحديث بالحكم، بل بعضها كالاضطرار والاكراه لا يعقل تعلقه به كما لا يخفى. فالمتحصل شمول الحديث للجزء والشرط إذا تعلق النسيان بهما وكان النسيان مستوجبا للوقت، ويترتب عليه رفع الامر بالمركب والكل، ولا يثبت به الامر بالفاقد للمنسى لعدم كونه في مقام الوضع. وما افاده المحقق صاحب الدرر (ره) من ان الحديث انما يرفع الجزئية والشرطية والامر بساير الاجزاء يكون باقيا قد عرفت ما فيه. وحاصله ان الجزئية، والشرطية انما تنتزعان، من الامر الضمنى المتعلق بالقيد أو التقيد، وحيث ان ذلك الامر لا يثوبت له استقلالا، بل بتبع ثبوت الامر بالكل، فحدوثه وبقائه تابعان لحدوث ذلك وبقائه فلا محالة يكون المرفوع هو الامر بالمركب، وتعلق الامر ببقية الاجزاء والشرائط يحتاج الى دليل آخر، والحديث لا يكون متكفلا لبيانه. نعم، في خصوص الصلاة دل الدليل على ذلك. فان قيل ان وجوب القضاء في خارج الوقت من آثار الاخلال بالواجب أو ببعض ما اعتبر فيه، فلو اخل بجزء أو شرط نسيانا يكون ذلك الاثر ايضا مرفوعا بالحديث وليس معنى الصحة الا ذلك. اجبنا عنه بان وجوب القضاء من آثار فوت الواجب في الوقت، وهو لا يرتفع بالحديث، فالحكم بعدم وجوب القضاء لا يمكن الا بواسطة الحكم بصحة الماتى به الفاقد للمنسى المتوقف على اثبات الامر به، وقد عرفت ان الحديث لا يثبت ذلك. ودعوى ان لازم ما ذكر، ما جهة انه يجرى في جملة ما لا يعلمون، جميع ما افيد انه لو كانت جزئية شئ مجهولة، واجرينا الحديث فيها، سقوط الامر بالكل ولم يلتزم به احد. مندفعة: بان النسيان أو الخطاء يوجب الرفع واقعا فيجرى فيه ما ذكرناه، واما في مورد الجهل فالامر المتعلق بالمجموع باق على حاله وانما يرفع وجوب الاحتياط،

[ 219 ]

وحيث ان التكليف بساير الاجزاء معلوم، وبهذا الجزء مشكوك فيه فبالنسبة الى هذا الجزء يرفع التكليف ظاهرا، وبالنسبة الى غيره يكون التكليف باقيا فلا وجه لرفعه ظاهرا كما لا وجه له واقعا وتفصيل ذلك في مبحث الاشتغال، في الاقل والاكثر الارتباطيين. واما الثالث: فعن المحقق النائيني بعد الاشكال في شمول الحديث للجزء أو الشرط المنسى انه يشمل للمانع، وانه في صورة ايجاد المانع خطاءا يصح التمسك بحديث الرفع، وهذا منه (قده) مبنى على ان يكون لسان الحديث نفى الموضوع ورفع انطباقه على فرده، نظير لا شك لكثير الشك الا ان المبنى ضعيف كما تقدم. وحاصله: انه لو اريد نفى ذات الفعل ليكون معناه ان الفعل الخطائى كالعدم فالتكل الصادر خطاءا، ليس بكلام شرعا، فهو خلاف ظاهر الدليل، وان اريد به نفى الفعل المعنون بهذا العنوان فهذا لا يتصور له معنى، الا عدم كونه متعلقا للحكم الشرعي فضعف هذا واضح. مع انه يرد عليه ما اورده (قده) على شمول الحديث للاجزاء والشرائط من ان الجزئية أو الشرطية غير منسية فلا وجه لرفعها بالحديث: فانه يجرى هذا الكلام بعينه في المانع إذ لم يتعلق العنوان بالمانعية، بل اوجد المانع خطاءا. ودعوى انه يمكن القول بعدم ابطال المانع الماتى به خطئا للعمل، بدعوى ان ما تحقق ليس بفعل لحديث الرفع فلا يكون مبطلا. قلت قد عرفت في بعض المقدمات ان لسان الحديث ليس نفى الموضوع وعدم انطباقه على الفرد بل لسانه رفع الحكم خاصة، وفى الاتيان بالمانع خطاءا ليس هناك شئ قابل للرفع سوى التكليف الضمنى المتعلق بعدمه وقد مر ان رفع ذلك انما يكون برفع الحكم المتعلق بالكل، فالمرفوع انما هو التكليف المتعلق بالمجموع، واما ثبوته متعلقا بباقى الاجزاء فيحتاج الى دليل آخر. فظهر من مجموع ما ذكرناه انه لا يمكن تصحيح العبادة الفاقدة لبعض الاجزاء والشرائط لنسيان أو اكراه أو ما شاكل بحديث الرفع ولذلك لم ينقل عن فقيه من الفقهاء التمسك بحديث الرفع لصحة الصلاة وغيرها من ساير المركبات بل افتاء القوم في الصلاة

[ 220 ]

بالفرق بين كون المنسى من الاركان ومن غيرها بالالتزام بالصحة في خصوص الثاني اقوى شاهد على ان مستندهم ليس هو حديث الرفع بل هو حديث لا تعاد الصلاة، إذ لو كان المدرك هو حديث الرفع لم يكن فرق بين الاركان وغيرها هذا كله في الاحكام التكليفية. واما الاحكام الوضعية كالعقود والايقاعات، فلا مجال لجريان حديث رفع الخطاء والنسيان فيها: وذلك فيما إذا تعلق النسيان بعنوان المعاملة واضح: لما عرفت في ما تقدم من ان حديث الرفع انما يجرى في الامور التى لا يعتبر في تحققها عنوان العمد والقصد وفى العقود والايقاعات يعتبر ذلك - مع - ان ما يمكن رفعه في الوضعيات ليس الا امضاء الشارع، والحكم بلزوم الوفاء، وعليه فما تحقق، في الخارج اما لا يترتب عليه ذلك فلا اثر كى يرفعه الحديث، واما يترتب عليه فالحديث ان رفعه كان خلاف المقصود، وان اريد اثبات الامضاء له به، فيرده انه غير مربوط بلسان الحديث فان لسانه الرفع لا الوضع. وبهذا يظهر عدم شمول الحديث لما إذا تعلق النسيان بجزء من المعاملة أو شرط منها. الاكراه والاضطرار المورد الثاني: في الاكراه والاضطرار وما لا يطاق، وقبل الدخول في البحث لا بد من بيان حقيقة كل من هذه الثلاثة، اما الاكراه فهو عبارة عن حمل الغير على ما يكرهه، ويعتبر في صدقه امور - منها - ان يكون بحمل الغير فلو فعل فعلا لترضية خاطر الغير من غير حمله عليه لا يصدق الاكراه، كما انه لو حمله حيوان لا يصدق الاكراه - منها - ان يكون حمل الغير مقترنا بالوعيد، ولو بالالتزام فلو حمله الغير مع وعده بالنفع لا يصدق الاكراه. منها: ان يكون الضرر المتوعد به مما لا يكون مستحقا عليه فلو حمله عليه و وعده على ما يستحقه من القصاص، أو طلب الدين لا يكون مكرها عليه. منها: ان يكون

[ 221 ]

الحمل متعلقا بالفعل نفسه فلو حمله على اعطاء مال وتوقف ذلك على بيع داره لا يكون بيع الدار مكرها عليه. منها: ان يكون الضرر المتوعد به مما يحتمل ترتبه. واما الاضطرار فهو عبارة عن الالجاء على فعل أو ترك بحيث يكون مخالفته مشقة وضررا عليه من غير حمل الغير عليه. واما ما مالا يطاق فهو مع الاضطرار متعاكسان دائما فكل فعل مضطر إليه يكون تركه مما لا يطاق وكل ترك مضطر إليه يكون فعله مما لا يطاق. إذا عرفت ذلك فالكلام يقع، تارة في الاحكام التكليفية، واخرى في الاحكام الوضعية، اما الاحكام التكليفية فالكلام فيها قد يكون في الاستقلالية منها، وقد يكون في الضمنية. اما التكاليف الاستقلالية، فان كان متعلق احد هذه العناوين موافقا لمتعلق التكليف، كما لو اكره على الصلاة، أو كان شرب الخمر مما لا يطاق واضطر الى تركه فلا يشمله الحديث لان الظاهر منه كونه في مقام بيان ان مخالفة التكليف مع طرو احد هذه العناوين لا باس بها، اضف إليه ان رفعه مناف للامتنان والحديث يختص بما في رفعه منه كما مر. واما ان كان مخالفا له، فان تعلق بما هو متعلق لحكم تحريمي كما لو اكره على شرب الخمر أو اضطر إليه سقط التكليف المتعلق به وان تعلق بما هو متعلق لحكم وجوبي فان لم يكن ذلك مستوعبا للوقت كما اضطر التى ترك الصلاة في ساعة من الوقت، أو اكره عليه فالحديث لا يشمله، فان ما تعلق به التكليف غير ما تعلق به الاكراه أو الاضطرار، فان التكليف متعلق بالطبيعي والعنوان متعلق بالفرد والفرد غير متعلق للتكليف. وان كان مستوعبا للوقت فالظاهر هو الفرق بين الاكراه والاضطرار. فانه لو اكره على ترك الصلاة، فالحديث لا يشمله لان التكليف متعلق بالفعل والاكراه تعلق بالترك. نعم، على القول بان الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده العام يصير ترك الصلاة حراما، فيرتفع الحرمة بالحديث ويثبت عدم الامر بالصلاة، لكنه

[ 222 ]

خلاف التحقيق. واما لو اضطر الى ترك الصلاة فمن حيث الاضطرار وان كان يجرى فيه ذلك لكن الاضطرار ملازم لكون الصلاة مما لا يطاق، فيشملها هذه الجملة من الحديث، وتدل على سقوط وجوب الصلاة، ولا يبعد دعوى دلالة بعض الروايات على ان مخالفة التكليف عن اضطرار لا باس بها، كما لا مانع من التمسك بحديث لا ضرر على رفع الوجوب كما هو واضح. وبذلك يظهر الحال فيما إذا تعلق احد هذين العنوانين بترك جزء أو شرط من المأمور به وان تعلق بالمانع فحكمه حكم ما إذا تعلق النسيان به الذى عرفت آنفا. واما في الوضعيات فلو اكره على معاملة يكون نفوذها مرفوعا بالحديث فلا تكون صحيحة، واما لو اضطر إليها كما لو اضطر الى بيع داره فلا يشمله الحديث لعدم كون رفع الصحة والنفوذ موافقا للامتنان. واما لو اكره على ترك معاملة فلا يمكن الحكم بترتب اثر المعاملة وتحققها، فان المكره، عليه غير ما رتب الاثر عليه فلا يشمله الحديث. واما لو اضطر إليه فحيث ان فعل المعاملة يصير مما لا يطاق فقد يتوهم شمول الحديث له لكنه غير تام فان في رفعه خلاف الامتنان. وبما ذكرناه يظهر انه لو اكره على ايجاد معاملة فاقدة للجزء أو الشرط كايجاد النكاح بالفارسي - على القول باعتبار العربية - لما امكن الحكم بصحة هذا النكاح لان ما وقع الا حكم له، وما له حكم لم يتعلق الاكراه به. فان قلت انه يرتفع شرطية العربية لانها حكم شرعى يمكن القول بارتفاعه. قلت قد عرفت ان الشرطية منتزعة من حكم آخر وفى رفعها لا بد من رفع منشا انتزاعها وهو في المقام حكم الشارع بنفوذ النكاح إذا وجد عربيا، ومن البديهى انه غير مرتفع في الفرض، لعدم تعلق الاكراه به وانما هو متعلق بتركه وتعلقه بترك موضوع الحكم لا اثر له كما عرفت. فان قلت ان المترتب على النكاح بالفارسي انما هو البطلان وهو يرتفع بالحديث.

[ 223 ]

قلت ان البطلان ليس حكما شرعيا، وانما هو ينتزع من عدم انطباق موضوع الحكم على الموجود الخارجي، وعدم تحقق الزوجية انما يكون من آثار عدم تحقق موضوعها لا تحقق غيره فلا يكون من آثار ما وقع ليرتفع بالحديث. الحسد والطيرة و... المورد الثالث: في الثلاثة الاخيرة المذكورة في الحديث، الحسد، والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق، وملخص القول فيها ان المرفوع فيها انما هو نفس الحكم المترتب عليه لو لا الرفع. توضيح ذلك ان الحسد عبارة عن صفة رذيلة في النفس موجبة لكراهة كون غيره من الاخوان متنعما، وحب زوال النعمة عنهم، أو مقتضاها واثره، وهذا من حيث انه يمكن رفعه بالمجاهدات وعدم التفتيش في امور الناس والتدبير فيما يترتب عليه من المفاسد الدينية والدنيوية وما يصل الى المحسود من المنافع قابل لتعلق التكليف بتحريمه أو وجوب رفعه، فقد رفعه الشارع الا قدس ما لم يظهر باللسان أو اليد ولم يتبع، ويؤيد ذلك النصوص الكثيرة الواردة في الحسد. واما الطيرة وهى التشام بالطير أو غيره وكان ذلك يصد هم عن مقاصدهم، فقد رفعها الشارع واخبر، انه ليس لها التأثير في جلب النفع أو دفع الضرر، وان هذا المعنى بنفسه وان كان فيه مقتضى وضع الحرمة لكونه موجبا للشرك واختياري، الا ان الشارع الا قدس رفع الحرمة عنه، ما لم يعمل على طبقه، ويمكن ان يكون المراد برفعه ان الشارع الاقدس لم يمض ما كان عليه بناء العرف من الالتزام بالصد عن المقاصد عنه التطير. واما الوسوسة في التفكر في الخلق، فيمكن ان يكون المراد بها وسوسة الشيطان عند التفكر في مبدأ الخلق، وانه من خلق الخالق ونحوه، وعلى أي تقدير فقد رفع الشارع حرمتها وحكمها، وتمام الكلام في كل واحد من هذه الثلاثة موكول الى محل آخر.

[ 224 ]

الاستدلال للبرائة بحديث الحجب ومما استدلوا به للبرائة من السنة حديث الحجب الذى رواه الصدوق في كتاب التوحيد في باب التعريف والبيان والحجة والهداية والكليني (قده) في الكافي في باب حجج الله على خلقه وهو مذكور في الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى، وهو خبر ابى الحسن زكريا بن يحيى عن ابى عبد الله (ع) قال ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، وفى الكافي اسقط كلمة علمه. وتقريب الاستدلال به ان حرمة ما يشك في حرمته كشرب التتن علمها محجوب عن العباد فتكون موضوعة عنهم، واورد على الاستدلال به بايرادات. 1 - ان المراد من كلمة ما ان كان هو الفعل فالحديث مختص بالشبهة الموضوعية، وان كان هو الحكم يختص بالشبهة الحكمية أو يعم كلتا الشبهتين على ما تقدم، وحيث ان ارادتهما معا مستلزمة لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى، ولا قرينة على تعيين احداهما فيصير الحديث مجملا لا يصح الاستدلال به. وفيه: ما تقدم في حديث الرفع من ان المراد به الجامع كما هو مقتضى الاطلاق ولا يرد محذور. 2 - ما افاده الشيخ الحر العاملي في الوسائل وهو ان الحديث مختص بالشبهة الوجوبية، مدعيا ان قوله (ع) موضوع عنهم قرينة ظاهرة في ذلك - وقيل - ان مراده، ان الوضع عن الشئ مقابل لوضعه عليه، وهو يناسب الوجوب هو الفعل الثابت على المكلف فيناسب رفعه بخلاف الحرام فان المكلف مزجور عنه لا انه ثابت عليه. وفيه: ان التكليف اللزومى بما انه ثقيل على المكلف يكون على المكلف، ولذلك يتعدى الحرمة بحرف الاستعلاء كالوجوب ويقال يحرم عليه كما تشهد له الاستعمالات القرآنية حتى في المحرمات التكوينية لا حظ قوله تعالى ان الله حرمهما على الكافرين. 3 - ما في الوسائل ايضا قال ان هذا الحديث لا ينافى وجوب الاحتياط لحصول

[ 225 ]

العلم به بالنص المتواتر. وفيه: ان هذا الحديث يدل على ان الحكم الواقعي المحجوب علمه عن العباد مرفوع في الظاهر وعرفت ان المراد من رفع الحكم الواقعي في الظاهر رفع وجوب الاحتياط، فالحديث دال على عدم وجوب الاحتياط فيعارض مع ادلة الاحتياط لو تمت دلالتها. 4 - ما افاده الشيخ الاعظم، وتبعه المحقق الخراساني وغيره من المتأخرين عنه بان الظاهر من الحديث بواسطة اسناد الحجب الى الله سبحانه ارادة رفع الاحكام التى لم يبينها الله سبحانه لاجل التسهيل ان لاجل مانع عن البيان مع وجوده المقتضى لها، فيكون الخبر من قبيل قوله (ع) اسكتوا عما سكت الله عنه، ولا يشمل الحكم الذى بينه ولم يصل الينا واخفاه الظالمون، وعلى الجملة مفاد هذا الخبر ان الاحكام التى اقتضت المصحلحة الالهية اخفهائها ليس للعباد التعرض لها. ويرد عليه: ان الاحكام اخفاها الظالمون بما انه لله تعالى ان يظهرها فإذا لم يوصلها الى العباد صح ان يقال ان الله تعالى حجبها اضف الى ذلك ان الحكم لا واقعية له وراء الابراز والانشاء فما لم يبينه الله تعالى وسكت عنه لا واقعية له كى يعقل ان يصير علمه محجوبا عن العباد: إذ ما من حكم الا وبينه الله تعالى لنبيه وهو لوصيه ولا يعقل وجود الحكم مع عدم البيان رأسا، فالمراد بما حجب علمه ليس الا الاحكام المبينة غير الواصلة الى العباد أي التى حجب علمها عن العباد لا انفسها وعليه فدلالة هذا الحديث على البرائة وعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية تامة، الا ان الذى يرد عليه انه ضعيف السند لزكريا بن يحيى الذى هو مجهول. الاستدلال على البرائة بروايات الحل ومما استدلوا به على البرائة، اخبار الحل، وهو اربعة، أو ثلاثة. الاول: ما رواه في الكافي بسنده عن مسعدة بن صدقة ورواه عنه في الوسائل باب

[ 226 ]

4 من ابواب ما يكتسب به حديث 4 - عن ابى عبد الله (ع) قال سمعته يقول كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك وقد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو أمرأة تحتك ولعلها اختك أو رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. الثاني: ما رواه لشيخ الطائفة بسنده عن عبد الله بن سليمان، راجع الوسائل باب 61 من ابواب الاطعمة المباحة حديث 1 - قال سالت ابا جعفر (ع) عن الجبن الى ان قال سأخبرك عن الجبن وغيره كل شئ فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه. الثالث: ما رواه البرقى بسنده عن معاوية بن عمار عن رجل قال كنت عند ابى جعفر (ع) فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر (ع) انه لطعام يعجبنى وساخبرك عن الجبن وغيره كل شئ فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه راجع الوسائل باب 61 من ابواب الاطعمة المباحة حديث 7 - ويحتمل اتحاده مسابقه وان عبد الله بن سليمان رواه عن ابى جعفر ومعاوية رواه عن بعض اصحابنا ويكون المراد به عبد الله. الرابع: ما رواه الصدوق بسنده عن عبد الله بن سنان والكليني بسند صحيح (راجع الوسائل باب 4 من ابواب ما يكتسب به حديث 1) عن ابى عبد الله (ع) كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه، هذه هي الروايات الواردة في الباب. وقد استدل الشيخ الاعظم (ره) بالخبر الثاني والرابع على البرائة في الشبهة الحكمية ولم يستدل بموثقة مسعدة ولعل نظره الشريف الى اختصاص الموثقة بقرينة ما فيها من الامثلة بالشبهة الموضوعية. والمحقق الخراساني استدل بخصوص الموثقة ولم يستدل بالخبرين ولعل وجهه ظهور قوله (ع) فيهما (فيه حلال وحرام) في فعلية الانقسام الى القسمين المختصة

[ 227 ]

بالشبهات الموضوعية لانه لا معنى لانقسام المجهول حرمته وحليته الى القسمين المختلفين. وقد يقال ان الظاهر من الكفاية اخذا من الشيخ الاعظم (ره)، الاستدلال برواية اخرى غير ما تقدم حيث قال ومنها قوله (ع) كل شئ لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه، وعليه فيرده انه لا وجود لها في كتب الحديث ولكن الظاهر ان نظره الشريف الى الموثقة وانما اخطا في نقل متن الحديث أو ان الناسخ اخطا. ثم ان المحقق الخراساني وان استدل بهذا الخبر في المقام على اصالة الحل، لكنه في مبحث الاستصحاب عند بيان ادلته يذكر هذا الخبر وينكر دلالته على اصالة الاباحة، وانما يدعى ظهوره في كونه واردا في مقام بيان ان حكم الاشياء بعناوينها الاولية هي الاباحة وانها تستمر الى ان يعرف خلافها، فيدل على الاباحة الواقعية واستصحابها، وكيف كان فلا بد من التكلم في كل واحدة منها. اقول اما موثق مسعدة فالكلام فيه يقع في جهتين - الاولى - انه هل يدل على اباحة المشكوك حرمته ام لا ؟ - الثانية - انه على فرض دلالته هل يختص بالشبهات الموضوعية ام يشمل الشبهات الحكمية. اما الجهة الاولى: فالاحتمالات المتصورة في قوله (ع) كل شئ حلال، اربعة. الاول: ارادة الحلية الظاهرية، فيكون الخبر على هذا في مقام جعل اصالة الاباحة، ويكون على هذا ذكر الامثلة في ذيلها المستندة حلية تلك الامور الى ادلة اخر، مثل اليد، والاستصحاب من باب التنظير لا التمثيل. الثاني: ارادة الحلية المستندة الى دليل آخر غير اصالة الاباحة ويكون الامثلة حينئذ تمثيلا لا تنظيرا للحلية المحكوم بها. الثالث: ارادة الحلية الثابتة في موارد الشك مطلقا، من غير فرق بين اصالة الاباحة، والحلية الثابتة باليد وما شاكل. الرابع: ارادة معناها اللغوى وهو الارسال وهذا ايضا ينطبق على الحلية الثابتة باصالة الاباحة والمستفادة من الدليل - وبعبارة اخرى - يكون قوله (ع) كل شئ حلال

[ 228 ]

حاكيا عن الانشائات المتعددة الثابتة بعناوين مختلفة، ودلالة الموثق على اصالة الحل مبتنية على كون الاحتمال الثاني خلاف الظاهر كما لا يخفى. اقول اما الاحتمال الاول، فهو مناف لظهور قوله (ع) وذلك مثل الثوب الخ فانه ظاهر في كونه تمثيلا لا تنظيرا. واما الاحتمال الثاني فعن الاستاذ الاعظم تعينه من جهة الغاية المذكورة في ذيله إذ انحصار رافع الحلية، في الاستبانة الظاهرة في العلم الواجدانى وفى البينة، كاشف عن ان الحلية فيها اريد بها المستندة الى اليد والاستصحاب، لا مطلق الحلية المرتفعة بغيرهما فان الحلية المستندة اليهما لا ترتفع الا بالعلم والبينة، وما في بعض الاخبار من اعتبار خبر الواحد بتحقق الرضاع، أو النسب يكون معارضا بما يدل على عدم اعتباره، واما الاقرار فهو وان كان رافعا للحلية الا انه خلاف المفروض في الموثق وعليه فهو اجنبي عن المقام. وفيه: ان المراد بالبينة هو معناها اللغوى أي ما يتبين به الشئ وهو مطلق الدليل فالمراد حينئذ ان الاشياء كلها على الاباحة حتى تستبين وتستكشف انت حرمتها أو تظهر حرمتها من الخارج بلا تفحص واستكشاف وقد مر توضيح ذلك في مبحث حجية الخبر الواحد، اضف الى ذلك ان الاستبانة لو كانت بمعنى العلم الوجداني يكون دليل ما ثبت حجيته حاكما على الموثق وموسعا للاستبانة ويكون ذكر البنية بالخصوص من قبيل ذكر الخاص بعد العام. وقد يقال تبعين هذا الاحتمال من جهة على الاحتمال الثالث أو الرابع مستلزم لحمل قوله كل شئ حلال على الحكاية عن انشائات متعددة، لا على مقام الجعل والتشريع. وفيه: ان هذا لازم على كل حال فان المجعول في باب اليد غير المجعول في باب الاستصحاب، فلا يمكن جعلهما بدليل واحد، فيدور الامر بين الاحتمالين الاخيرين وعلى التقديرين يدل على المطلوب. الا ان الاظهر هو الاخير اخذا بالعموم، فيدل الخبر على جعل الاباحة والحلية،

[ 229 ]

وانه لا يعتنى باحتمال الحرمة في جميع موارد الشك فيها لمكان جعل الحلية الظاهرية فيها بعناوين مختلفة. عدم اختصاص الموثق بالشبهة الموضوعية واما الجهة الثانية: فقد استدل لاختصاص الموثق بالشبهة الموضوعية بوجوه. احدها: ما افاده اكثر المحققين وهو ان الامثلة المذكورة فيه من قبيل الشبهة الموضوعية، وهذه قرينة أو صالحة للقرينية على الاختصاص بالشبهات الموضوعية، وان شئت قلت، ان الامام (ع) طبق الكبرى الكلية على الشبهة الموضوعية بقوله (ع) وذلك الخ، وهذا قرينة الاختصاص أو صالح لتلك. وفيه: ان جعل هذا قرينة لعدم كون المجعول في الصدر اصالة الحل، متين، وقد بيناه، واما بناءا على كون الصدر ظاهرا في كونه حاكيا عن انشائات متعددة فلا يكون التمثيل منافيا له، بل يكون حينئذ تمثيلا لبعض افراد الكبرى الكلية، ولا محذور في ذلك، ولا يكون ذلك قرينة ولا صالحا للقرينية. مع، انه لو تم هذا الوجه لزم حمل الصدر على غير اصالة الحل لا الحلية في الشبهات الموضوعية. الثاني: ما افاده المحققون المشار إليهم آنفا - وهو - ان حصر الغاية في الاستبانة التى هي بمعنى العلم الوجداني، وقيام البينة يدل على ان المراد بلفظ الاشياء في الموثق ما يكون من قبيل المذكورات في الخبر من الشبهات الموضوعية المحكومة بالحل، بحكم الاستصحاب واليد، فان الرافع في امتثال ذلك هو العلم والبينة، واما الرافع لها في الشبهات الحكمية، فهو قد يكون غيرهما من استصحاب الحرمة وخبر الواحد. وفيه: ما عرفت من حجية خبر الواحد في الموضوعات ايضا، وعرفت هناك ان المراد بالاستنابة ما هو الظاهر بنفسه، والمراد بالبينة ما يظهر بالحجة والبرهان فراجع ما ذكرناه، وعليه فلا مورد لهذا الوجه اصلا. الثالث: ما افاده المحقق النائيني (ره) والاستاذ الاعظم - وهو - ان قوله (ع) بعينه

[ 230 ]

يشهد بذلك لان العناوين الكلية كشرب التتن، اما ان تكون معلومة الحرمة، اولا تكون، وعلى الاول فهى معلومة بعينها، وعلى الثاني فهى غير معلومة، واما العلم بكونها محرمة لا بعينها فهو لا يتحقق الا في مورد العلم الاجمالي، مع كون الشبهة محصورة وظاهر انه لا يحكم فيه بالحلية، واما الشبهات الموضوعية فالشك فيها غالبا يلازم العلم بالحرام لا بعينه مثلا من شك في حرمة مايع خارجي لاحتمال كونه خمرا، فذلك يلازم غالبا العلم بوجود الخمر خارجا المحتمل انطباقه على ما في الخارج من المايع المحتمل كونه خمرا - وعليه - فيكون الحرام معلوما لا بعينه، ولكن يكون اطرافه غير محصورة، ولا يكون هذا العلم موجبا للتنجز، فيجوز ان يقال ما هو محل الابتلاء من اطرافه لا يعلم انه حرام بعينه، فهذه الكلمة، قرينة لاختصاص الخبر ببعض موارد الشبهات الموضوعية، ويثبت في البقية، بعدم الفصل، فيختص الحديث بالشبهة الموضوعية. وفيه: ان القيد انما يكون مذكورا في الغاية، ولا يكون شاهدا على ان ما قبل الغاية مقيد بكونه لا بعينه، بل يلائم مع العلم بالحرمة لا بعينه، وعدم العلم بالحرمة كما في الشبهة الحكمية. فالحق ان الخبر يدل على اصالة الاباحة في الشبهات الحكمية والموضوعية جميعا. واما غير الموثقة من الاخبار الاخر فدلالتها على اصالة الحل واضحة، انما الكلام في انه هل يختص تلك الاخبار بالشبهة الموضوعية كما عليه الشيخ الاعظم وغيره من اساطين الفن، ام تعم الشبهة الحكمية كما ذهب إليه شارح الوافية: نظرا الى ان الظاهر منها ان كل شئ فيه الحلال والحرام عندك بمعنى انك تقسمه الى هذين، وتحكم عليه باحدهما لا على التعيين، ولا تدرى المعين منهما فهو لك حلال، وشمول ذلك لمثل شرب التتن وغيره مما اشتبة حكمه واضح. وقد استدل للاختصاص بالشبهة الموضوعية بوجهين. 1 - ان كلمة بعينه الموجودة فيها تشهد بذلك بالتقريب المتقدم، والجواب عنه ما مر.

[ 231 ]

ما افاده الشيخ الاعظم، وهو ان المراد من قوله (ع) فيها (فيه حلال وحرام) كونه منقسما اليهما ووجود القسمين فيه بالفعل، لا مرددا بينهما إذ لا تقسيم مع الترديد اصلا لا ذهنا ولا خارجا، وذلك لا يتصور الا في الشبهة الموضوعية، كالمايع المشكوك كونه خمرا أو خلا: إذ لا قسمة فعلية في الشبهة الحكمية، كما لو شك في حلية شرب التتن فان فيه احتمال الحرمة والحلية لا وجود القسمين فيه. واورد عليه بوجهين احدهما: ما افاده المحقق العراقى وهو ان التقسيم الفعلى يتصور في الشبهة الحكمية مثلا اللحم فيه حلال، وهو لحم الغنم، وفيه حرام، وهو لحم الارنب وفيه مشكوك فيه، وهو لحم الحمار الوحشى مثلا، فإذا عم الحديث هذه الشبهة وحكم بالحلية فيها، تثبت الحلية في ساير الموارد بضميمة عدم القول بالفصل. وفيه: ان الشيخ يدعى ظهور الاخبار في كون وجود القسمين بالفعل، منشئا للشك في حلية المشكوك فيه، وهذا يختص بالشبهة الموضوعية، فانه إذا شك في كون شئ ماءا أو خمرا، لا محالة يشك في حليته، وحرمته، ومنشا الشك حرمة الخمر، وحلية الماء، إذ لو كانا حلالين، أو حرامين، لما كان هناك شك في الحلية والحرمة، وهذا بخلاف الشبهة الحكمية، فان منشا الشك فيها ليس وجود القسمين فعلا، بل فقدان النص، أو اجماله، كان القسمان حلالين، ام حرامين، ام مختلفين. ثانيهما: ما افاده المحقق النائيني، وهو ان لفظ الشئ، هو الموجود الشخصي الخارجي لا المفهوم الكلى، وحيث انه لا يعقل انقسامه الى الحلال، والحرام، كان ذلك قرينة على ان المراد من التقسيم قرينة على اختصاصه بالشبهات الموضوعية. وفيه: ان لفظ الشئ من الالفاظ التى تطلق، على جميع الامور، كليا كان ذلك الامر، ام شخصيا، بل وان كان ممتنعا كشريك الباري. مع انه لو سلم ارادة الموجود الخارجي منه نلتزم بالاستخدام في الضمير في قوله: فيه حلال وحرام، والقرينة على هذا الاستخدام نفس التقسيم، كما اشار إليه الشيخ، فالاظهر اختصاصها بالشبهة الموضوعية.

[ 232 ]

الاستدلال بحديث الناس في سعة ومن ما استدلوا به على البرائة قوله (ص) ان الناس في سعة ما لم يعلموا هكذا روى في عوالي اللئالى وقد حكى عنه في المستدرك ج 3 ص 218 وفى جامع الاحاديث ج 1 ص 326. واما خبر السفرة المروى في الوسائل في كتاب اللقطة باب 23 وهو خبر السكوني عن الامام الصادق عن امير المؤمنين (ع) في السفرة التى وجدت في الطريق وفيها لحم وخبز وبيض وجبن وسكين - يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء فان جاء طالبها غرموا له الثمن قيل يا امير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال (ع) هم في سعة حتى يعلموا، وقريب منه ما في المستدرك في ذلك الباب عن الجعفر بات والدعائم الذى توهم موافقته معنى مع هذا الخبر فهو اجبني عن المقام فانه يدل على امارية ارض المسلمين لحلية اللحم المطروح فيها. والظاهر حجية الخبر نفسه فانه في عوالي اللئالى نسب الخبر الى النبي (ص) جزما. وتقريب الاستدلال به انه يدل على ان الناس في سعة من ناحية الحكم المجهول ومن الواضح ان الاحتياط لو وجب لما كانوا في سعة اصلا. واورد عليه الشيخ بان الاخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل والنقل. واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بانه لو كان وجوب الاحتياط نفسيا تم ما افيد ولكن بما ان الاحتياط على تقدير وجوبه واجب طريقي لاجل ان لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام احيانا فلا يتم فانه وان علم وجوب الاحتياط الا انه لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد فكيف يقع في ضيق الاحتياط من اجله. وافاد الاستاذ الاعظم ان ما افاده الشيخ يتم على تقدير كون كلمة ما مصدرية زمانية، إذ المعنى ان الناس في سعة ماداموا لم يعلموا، فإذا علموا بوجوب الاحتياط

[ 233 ]

فليسوا في سعة، واما إذا كانت موصولة فلا يتم فانه يكون مفاده حينئذ ان الناس في سعة من الحكم المجهول ويكون حينئذ معارضا لادلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها: والحق ان يقال ان الضمير المستتر في لا يعلمون، يرجع الى الحكم، ويكون مفاد الحديث ان الناس في سعة مادام لا يعلمون الحكم الواقعي، لا في سعة من الحكم الذى لا يعلمونه ولا يعلمون الوظيفة عند عدم العلم به، ليكون مفاد الحديث مفاد قبح العقاب بلا بيان، من غير فرق بين ان تكون كلمة ما مصدرية زمانية أو موصولة مضافا إليها كلمة السعة، ومن غير فرق بين كون وجوب الاحتياط طريقيا ام نفسيا. اضف إليه ان وجوب الاحتياط على تقدير ثبوته طريقي، وان الظاهر كون كلمة ما موصولة: إذ ما المصدرية الزمانية على ما يظهر من موارد استعمالها تدخل على فعل الماضي، ولا تدخل على فعل المضارع فتأمل: فانه على ما صرح به في شرح الصمدية، انها تدخل على المضارع المصدر بلم كما في الحديث لكون الفعل حينئذ ماضيا معنى، وعلى الجملة فالحديث على جميع التقادير يدل على كون الناس في سعة من ناحية الحكم الذى لا يعلمونه، فيكون معارضا لادلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها. الاستدلال برواية الاطلاق ومن ما استدلوا به على البرائة قوله (ع) كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى - روى الصدوق في الفقيه انه قال الصادق (ع) كل شئ... الخ راجع الوسائل باب 19 من القنوت حديث 3 وباب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 60 وهو مضافا الى كونه معتبرا من جهة ان الصدوق نسبه الى المعصوم جزما. قد اعتمد عليه في اماليه حيث جعل اباحة الاشياء حتى يثبت الحظر من دين الامامية - وصرح في الفقيه في مبحث جواز القنوت بالفارسي بانه معتبر قال لو لا العمومات الدالة على جوازه لكنت افتى بالجواز لهذه الرواية فهو معتبر سندا. وقريب منه خبران آخران مرويان في المستدرك في ذلك الباب من القضاء احدهما ما عن امالي الطوسى وهو قوله (ع) الاشياء مطلقة حتى يرد فيها نهى أو امر

[ 234 ]

- والاخر عن عوالي اللئالى وهو قوله (ع) كل شئ مطلق حتى يرد فيه نص -. قال الشيخ الاعظم ان دلالته على المطلوب اوضح من الكل وظاهره عدم وجوب الاحتياط لان الظاهر ارادة ورود النهى في الشئ من حيث هو لا من حيث كونه مجهول الحكم، ولعل نظره الشريف في الا وضحية الى اختصاصه بالشبهة الحريمية التى هي محل الخلاف بين الاصوليين والاخباريين - ويكون اخص من اخبار الاحتياط فلا شك في تقدمه عليها. وكيف كان فقد اورد على الاستدلال بالحديث في الحدائق والوسائل. تارة، بانه خبر واحد لا يعتمد عليه في الاصول. واخرى، بانه موافق للعامة فيحمل على التقية. وثالثة، بحمله على الشبهة الوجوبية بان يكون المراد حتى يرد فيه نهى عن تركه - ورابعة - بالحمل على الشبهة الموضوعية - وخامسة - بان المراد ان كل شئ من الخطابات الشرعية يتعين حمله على اطلاقه أو عمومه حتى يرد فيه نهى يخص بعض الافراد ويخرجه من الاطلاق، ولعل نظرهما الى ان دلالته على ان الاصل في كلام الشارع الحمل على انه في مقام البيان لا الاجمال والاهمال. ولكن الخبر الواحد لا يعتمد عليه في اصول العقائد لا في اصول الفقه، وموافقة العامة من مرجحات احدى الروايتين الحجتين على الاخرى عند فقد جملة من المرجحات لا من مميزات الحجية عن اللاحجة، والحمل على الشبهة الوجوبية خلاف الظاهر سيما وان ترك الواجب ليس منهيا عنه، والحمل على الشبهة الموضوعية يحتاج الى قرينة، وارادة الخطاب من الشئ لا يلائم مع قوله حتى يرد فيه نهى أي في ذلك الشئ إذ النهى لا يرد في الخطاب. ثم ان المحقق الخراساني والمحقق النائيني لم يسلما دلالة الخبر على البرائة وذكر كل منهما وجها لذلك غير ما ذكره الاخر. اما المحقق الخراساني فافاد ان دلالته تتوقف على عدم صدق الورود الا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه وان صدر عن الشارع ووصل غير واحد مع انه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه سيما بعد بلوغه الى غير واحد وقد خفى على من لم يعلم

[ 235 ]

بصدوره انتهى. واما المحقق النائيني (ره) فافاد ان مفاد هذه الرواية هو اللاحرجية العقلية الاصلية قبل ورود الشرع والشريعة فهى اجنبية عن محل الكلام وهو اثبات الاباحة الظاهرية لما شك في حرمته بعد ورود الشرع وقد حكم فيه بحرمة اشياء وحلية غيرها. اقول الحق مع الشيخ (قده) وان شئيا افاداه لا يتم وقبل بيان ما ذكره المحققان وتوضيحه وبيان ما يرد عليهما، لا بد من تقديم مقدمة. وهى ان الاباحة لها اقسام ومعان. احدها: اللاحرجية الاصلية في قبال الحظر العقلي من جهة كونه عبدا مملوكا، - وبعبارة اخرى - الاباحة المالكية. ثانيها: الاباحة الواقعية الشرعية الناشئة عن لا اقتضائية الفعل لخلوه عن المصلحة والمفسدة أو عن تساويهما. ثالثها: الاباحة الشرعية الظاهرية الثابتة للموضوع بما هو محتمل الحرمة والحلية الناشئة عما يقتضى التسهيل على المكلف بجعله مرخصا فيه. ومبنى الاستدلال به في المقام على دلالته على الاباحة بالمعنى الثالث، والمحقق النائيني (ره) يدعى دلالته على الاباحة بالمعنى الاول، والمحقق الخراساني يدعى دلالته على الاباحة بالمعنى الثاني. اما المحقق النائيني، فقد قال ان المراد بالاطلاق معناه اللغوى فيكون مفاد الحديث ان الاشياء بعناوينها الاولية مرسلة حتى يرد من الشارع نهى فيكون اجنبيا عن المقام. وفيه: مضافا الى ان حمل ما صدر من الشارع من الحكم على عدم كونه مولويا بل على كونه عقليا أو ارشاديا خلاف الظاهر جدا، ان بيان اللاحرجية الاصلية الثابتة قبل ورود الشرع وبيان الحلال والحرام، وورود حكم من الشارع في كل مورد، اباحة أو غيرها، لغو لا يترتب عليه اثر، فلا يصدر من الامام. واما المحقق الخراساني فقد اورد على الشيخ (ره) بانه لو كان الورود بمعنى الوصول كان الاستدلال تاما ولكن حيث يحتمل ان يكون المراد منه الصدور لصدقه عليه فلا يثبت به حينئذ الا ما ادعيناه.

[ 236 ]

وفيه: ان المراد بالاطلاق ليس هو الارسال وعدم التقييد الواقعي، كان المراد بالورود هو الوصول أو الصدور، اما على الاول فلانه يلزم اختصاص الاحكام بالعالمين والتصويب الباطل، واما على الثاني فلانه يلزم جعل احد الضدين غاية للضد الاخر، وهو من الاستهجان بمكان لكونه، من الواضحات، فلا محالة يكون المراد عدم التقييد ظاهرا، وحيث ان تقييد الحكم الظاهرى بوجود الحكم الواقعي أو عدمه غير صحيح: إذ موضوعه الشك في الحكم الواقعي، والحكم الواقعي ليس غاية للشك، بل العلم غاية له، مع ان مفاده حينئذ ان كل شئ مباح ظاهرا ما لم يكن في الواقع حراما وهو كما ترى، فلا محالة يكون المراد بالورود الوصول. مع ان الحكم بالاباحة انما يكون ناشئا عن لا اقتضائية الموضوع، فلا يمكن ورود الحرمة في موردها لاستلزامها فرض اقتضائية الموضوع - ودعوى - انه لا ينافى كون الفعل لا اقتضاء بذاته، ومقتضيا لانطباق عنوان عليه - مندفعة - بان النهى على هذا انما يرد على ذلك العنوان، لا انه يرد في مورد الاباحة، مضافا الى منافاة الخبر حينئذ لما دل على ان حلال محمد (ص) حلال الى يوم القيامة. هذا كله إذا اريد بالخبر ما هو ظاهره من كون الاباحة مغياة بورود النهى في موردها، واما ان قيل انه اريد به تحديد الموضوع بان يراد ما لم يرد فيه نهى مباح وما ورد فيه النهى ليس بمباح، بان يكون القيد بنحو المعرفية، فيرد عليه مضافا الى كونه خلاف الظاهر انه يكون حملا للخبر على ما هو بديهى ولا يناسب مقام الامامة التصدى لبيانه. ويرد على المحقق الخراساني مضافا الى ذلك: ان الورود بحسب معناه اللغوى ليس مساوقا للصدور، بل هو مفهوما مقارب للوصول، فانه متعد بنفسه، والصدور لازم يقال الحياض تردها الكلاب وفى الاية الكريمة " وان منكم الاواردها " وقد فسرت الاية في المجمع عن الامام الصادق (ع) بالاشراف عليها ويقال، وردنى كتاب، وانما يتعدى بعلى فيما إذا اريد تفهيم الاشراف، وربما يكون الوارد امرا له محل في نفسه، كالامر والنهى فيقال ورد فيه امر أو نهى، فالموضوع محل الوارد، والمورد هو المكلف. وعليه فهو في نفسه ظاهر في الاباحة الشرعية الظاهرية مع قطع النظر عن البرهان

[ 237 ]

المذكور، إذ الاباحة الثابتة الى حين وصول النهى ليست الا الاباحة الظاهرية. فان قيل انه من المحتمل ان يكون المراد من النهى مطلق النهى المتعلق بالشئ، ولو من حيث كونه مجهول الحكم، فيكون الخبر حينئذ مورود الادلة الاحتياط. قلنا ان الظاهر من قوله حتى يرد فيه نهى، ورود النهى في الشئ بعنوانه، لا بعنوان آخر منطبق عليه فتدبر. وحيث انه مختص بالشبهة التحريمية، فعلى فرض تمامية دلالة ادلة وجوب الاحتياط عليه، يكون هذا الخبر اخص مطلق منها فيقدم عليها. الاستدلال للبرائة بحديث الاحتجاج ومما استدل به على البرائة ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابى عبد الله (ع) راجع اصول الكافي ج 1 ص 162 وص 164. قال ان الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم هكذا في احد النقلين وفى الاخر ان الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم (1) ودلالته على عدم المؤاخذة على الحكم الذى لم يعرف ولم يصل الى المكلف واضحة. قال الشيخ وفيه ان مدلوله كما عرفت في الايات وغير واحد من الاخبار لا ينكره الاخباري. اقول ان وجوب الاحتياط ان كان نفسيا كان ما افيد تاما ولكن لا قائل به، ومن يرى وجوب الاحتياط، يلتزم بان وجوبه طريقي بداعي تنجيز الحكم الواقعي المجهول فعلى فرض ثبوت وجوب الاحتياط لا معرفة بالحكم، اما الحكم الواقعي فلعدم الطريق إليه، لان وجوب الاحتياط وظيفة مجعولة في فرض الجهل بالحكم، واما وجوب الاحتياط فلعدم كونه حكما حقيقيا. وقد يقال ان الظاهر من التعريف في الخبر، هو التوحيد الفطري بالله وصفاته لا


1 - رواه الصدوق في التوحيد ص 410 و 411 و 413 الطبعة الحديثة. (*)

[ 238 ]

المعرفة باحكام الله تعالى بقرينة انه فرع عليه في احد النقلين، ثم ارسل رسولا وانزل عليهم الكتاب فامر الخ، فيكون وزانه وزان ما رواه المحدث الكاشانى في باب البيان والتعريف باسناده عن اليماني عن ابى عبد الله (ع) ان امر الله عجيب الا انه قد احتج عليكم بما عرفكم من نفسه الحديث يعنى ان صفات الله وافعاله عجائب وغرائب لا يصل الى كنهها ولا يدرك اسرارها الا الاقلون ولكن سبحانه لا يريد منكم البلوغ إليها ولم يطلب من لم يبلغ إليها ان يعبده بحسبها بل بحسب ما بلغ إليه منها وعرفه الله تعالى من نفسه فحسب وانما يحتج عليكم بمقدار معرفتكم التى عرفكم. وفيه: ان ما بعد ذلك الذيل شاهد على ان المقصود هو المعرفة بالاحكام الفرعية لا حظ الخبر، فالمراد منه انه حيث جرت سنة الله تعالى وعادته على الاحتجاج على العباد بما عرفهم فذلك منشا ارسال الرسل وانزال الكتب، فهذا الخبر صحيح سندا ويدل على البرائة. ودعوى انه لا يدل على عدم الاحتجاج بما لم يعرف الا بالمفهوم ولا يقولون به في امثال المقام، لانه من قبيل مفهوم الوصف واللقب. مندفعة بانه لوروده في مقام الامتنان والتحديد وبظهوره في ان الاحتجاج بما عرفه مناسب لمقام الالوهية، يدل على المفهوم. ومن الاخبار خبر عبد الا على بن اعين عن ابى عبد الله (ع) عمن لم يعرف شيئا هل عليه شئ قال (ع) لا، راجع اصول الكافي ج 1 ص 164 باب حجج الله على خلقه، ورواه الصدوق في التوحيد ص 412 الطبعة الحديثة. وتقريب دلالته على البرائة ان الظاهر من الشئ الاول هو مطلق ما لا يعرفه من الاحكام - وبعبارة اخرى - فرد واحد، ومن الشئ الثاني الكلفة والعقوبة من قبل الحكم المجهول، فيستفاد منه عدم وجوب الاحتياط. واورد عليه باحتمال ان يكون المراد منه العموم في النفى فيدل على عدم مؤاخذة من لم يعرف من الاحكام ولو واحدا منها وهو الجاهل القاصر الغافل عن الاحكام كاهل البوادى والسودان.

[ 239 ]

وفيه: اولا انه لو سلم كونه بنحو العموم في النفى يشمل الجاهل المطلق الملتفت مع كونه غير قادر على الفحص ويدل على انه لا يعاقب على المخالفة وبالالتزام على عدم وجوب الاحتياط وبعدم الفصل يتعدى الى الجاهل بالبعض بعد الفحص، وثانيا ان الظاهر منه ارادة فرد معين مفروض في الخارج فلا يفيد العموم في النفى. ومن ما استدلوا به على البرائة خبر عبد الصمد بن بشير عن ابى عبد الله (ع) المروى في الوسائل باب 45 من ابواب تروك الاحرام حديث 3 المتضمن لقضية الاعجمي الذى حج واحرم في ثيابه الذى افتى اصحاب ابن حنيفة عليه بفساد الحج ولزوم البدنة أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه، حيث انه يدل على عدم العقوبة ونفى الباس على ارتكاب المحرم عن جهل. واورد عليه الشيخ الاعظم (ره) بان الظاهر من الرواية هو اعتقاد الصواب والغفلة عن الواقع فلا يعم صورة التردد في كون فعله صوابا أو خطئا، ولعل نظره الشريف الى ان الباء في قوله بجهالة ظاهر في السببية للارتكاب، فيختص بالجاهل المركب والغافل، ثم ايده بان تعميم الجهالة بصورة التردد يحوج الكلام الى التخصيص بالشاك غير المقصر وسياقه آب عن التخصيص. واورد عليه بان الجاهل البسيط ايضا إذا فعل فعلا يكون فعله ناشئا من جهله، غاية الامر بواسطة ما يحكم به عقله بقبح العقاب بلا بيان، ودعوى ظهور الباء في السببية بلا واسطة كما ترى. اقول ما اورده المورد وان كان متينا الا انه من جهة ظهور الجهالة في الجهل بمطلق الوظيفة الفعلية، لا يمكن الاستدلال به في المقام، لورود اخبار الاحتياط على تقدير تمامية دلالتها على وجوبه عليه. واما ما افاده الشيخ من التأييد فيرده ان التخصيص مما لا بد منه للزوم اخراج الجاهل المقصر، وان كان معتقدا للخلاف. وقد استدل للبرائة بروايات اخر ضعيفة السند أو قاصرة الدلالة وفيما تقدم غنى وكفاية.

[ 240 ]

الاستدلال للبرائة بالاجماع الثالث: من الوجوه التى استدل بها للبرائة، الاجماع، وتقريبه بوجوه. الاول: دعوى اتفاق الكل على عدم استحقاق العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل. الثاني: دعوى الاتفاق على ان الحكم الشرعي في مورد التكليف الذى لم يصل بنفسه ولا بطريقه هو الترخيص. الثالث: دعوى الاتفاق على ان الحكم الظاهرى المجعول في مورد الجهل بالواقع هو الاباحة. وفى الكل اشكال: اما الاول فلانه اجماع على امر عقلي فليس تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم. واما الثاني: فلان الاخباريين يدعوى وصول التكليف في مورد الجهل مطلقا أو في خصوص الشبهة التحريمية بطريقه. واما الثالث: فلان الاخباريين ذاهبون الى ان الحكم المجعول هو التوقف والاحتياط - مع - انه لو تم فحيث ان مدرك المجمعين معلوم فلا يكون اجماعا تعبديا. الاستدلال بحكم العقل الرابع: من ادلة البرائة هو حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وتنقيح القول فيه بالبحث في جهات، الاولى في تمامية قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعدمها، الثانية في ملاحظتها مع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل الثالثة، في لحاظها مع ادلة وجوب الاحتياط. اما الجهة الاولى: فلا ريب في ان وظيفة المولى جعل الاحكام وجعلها في معرض

[ 241 ]

الوصول الى المكلفين، وبذلك يتم وظيفة، واما لزوم الامتثال فليس ذلك موكولا إليه، بل انما هو بحكم العقل والمراد به دركه حسن العقاب على مخالفة التكليف، ومن الواضح ان ذلك انما هو في مورد وصول التكليف، واما إذا لم يصل سواء لم يبينه اصلا، أو بينه ولم يجعله في مظان وجوده، أو جعله ولكن خفى عنا بواسطة اخفاء الظالمين، فلا يحكم العقل بقبح المخالفة ولا يدرك حسن العقاب عليها، بل يحكم بقبحه، اما في مورد عدم البيان فواضح، واما في مورد البيان وعدم الوصول: فلان حكم العقل بقبح المخالفة انما يكون من جهة دركه قبح الظلم، حيث ان مخالفة المولى ظلم عليه وخروج عن رسم العبودية وذى الرقية، ومن الواضح ان ذلك انما يكون في مورد الوصول، والا، فلا تكون المخالفة ظلما ولا يكون مجرى لهذا الحكم من العقل. واما ما افاده الاستاذ الاعظم في وجه هذا الحكم من ان ما يكون محركا للعبد أو زاجرا له انما هو الوجود العلمي لا الوجود الواقعي فالتكليف ما لم يصل الى المكلف لا يمكنه التحرك منه ومعه كان العقاب على مخالفته عقابا بلا مقتض كما إذا لم يكن حكم من المولى اصلا. فيرد عليه، ان الوجود الواقعي وان لم يكن محركا الا انه كما يكون وجوده العلمي محركا كذلك يمكن ان يكون وجوده الاحتمالى محركا، فمع فرض الشك واحتمال التكليف يمكن ان يتحرك العبد بالاحتياط. واما الجهة الثانية: فالمعروف بينهم ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، إذ مع حكم العقل بقبح العقاب لا يبقى احتمال الضرر ليجب دفعه. واشكل عليه بامكان العكس بان تكون قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل بيانا للتكليف ورافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان - وبعبارة اخرى - ان موضوع كل منهما مع قطع النظر عن الاخرى، موجود في مورد التكليف المحتمل لمساوقة احتمال التكليف لاحتمال الضرر، وكل منهما تصلح رافعة لموضوع الاخرى: إذ كما يقال قبح العقاب بلا بيان يوجب القطع بعدم العقاب كذلك يمكن ان يقال وجوب دفع الضرر

[ 242 ]

المحتمل بيان عقلي، فالعقاب ليس بلا بيان. واجاب عنه الشيخ الاعظم بان الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه وانما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية، وان لم يكن تكليف في الواقع، فلو تمت عوقب على مخالفتها وان لم يكن تكليف في الواقع لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده، فلا تصلح القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكور، بل قاعدة القبح واردة عليها لانها فرع احتمال الضرر ولا احتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان انتهى. واورد عليه بايرادين. احدهما: ما عن جماعة بان امر وجوب دفع الضرر المحتمل لا ينحصر، بالدوران بين ان يكون نفسيا، أو ارشاديا على ما يختار الشيخ (ره) بل هناك قسم الثالث وهو الوجوب الطريقي أي ما جعل تحفظا على الملاك الواقعي، نظير وجوب الاحتياط المجعول في الموارد الثلاثة على ما هو المعروف، ويترتب عليه تنجيز الواقع ولعل وجوب دفع الضرر المحتمل من هذا القبيل. وفيه: ان الوجوب الطريقي هو الذى يترتب عليه احتمال العقاب على مخالفة الواقع ويكون منشئا له كما في وجوب الاحتياط الشرعي في الموارد الثلاثة، ووجوب دفع الضرر المحتمل لا يتصور فيه ذلك، فان احتمال العقاب ماخوذ في موضوعه، وفى الرتبة السابقة عليه، فلا يعقل ترتبه عليه، والا لزم الدور، فلا يكون وجوب طريقيا قطعا، فيدور الامر بين القسمين الذين افادهما الشيخ (ره) فما افاده مطلب برهانى لا ادعاء صرف كما قبل قيل. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان هذا الحكم من العقل ارشاد محض لا يمكن ان يستتبع حكما مولويا شرعيا فكيف يمكن ان يكون العقاب على مخالفته وان لم يكن في مورده تكليف واقعى، وكيف صار هذا الحكم العقلي من القواعد الظاهرية مع ان مخالفة الاحكام الظاهرية لا تستتبع استحقاق العقاب مع عدم مصادفتها للواقع. وفيه: ان الظاهر ان مراد الشيخ، انه حيث لا يمكن ان يكون هذا الحكم طريقيا منجزا للواقع، فلو تمت القاعدة لا بد وان يكون وجوبه نفسيا موجبا للعقاب على

[ 243 ]

مخالفته، والتعبير عن ذلك بالقاعدة الظاهرية انما هو من جهة اخذ الاحتمال في موضوع هذا الوجوب النفسي، فالمتحصل ان ما افاده الشيخ الاعظم متين جدا لا يرد عليه شئ. واجاب القوم عن اصل الاشكال باجوبة اخر. احدها: ما افاده المحقق الخراساني - وهو - ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفع موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل إذ لا يبقى معها احتمال الضرر. ويرد عليه انه يمكن ان يعكس إذ كل ما القاعدتين لا تتكفل بيان موضوعها، وكل منهما صالحة لرفع موضوع الاخرى. ثانيها: ما افاده المحقق النائيني (ره) - وحاصله - ان قاعدة وجوب الدفع لا تصلح للبيانية، لعدم كونها رافعة للشك، وتمام الموضوع لقاعدة قبح العقاب هو نفس الشك في التكليف، فموضوع قاعدة القبح يكون باقيا، وهذا بخلاف العكس فان قاعدة القبح توجب رفع موضوع تلك القاعدة وهو احتمال الضرر. وفيه: ان موضوع قاعدة قبح العقاب، عدم البيان، وهو كما يرتفع بجعل الطريق، ورفع الشك، يرتفع بجعل الحكم الطريقي الموجب لتنجز الواقع وصحة المؤاخلة عليه، كما في موارد جعل وجوب الاحتياط كباب الانفس. ثالثها: ما افاده المحقق الخراساني (ره) - وحاصله - ان بيانية قاعدة دفع الضرر المحتمل دورية لانها تتوقف على احتمال الضرر، توقف الحكم على موضوعه، وهو يتوقف على عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان الرافعة لموضوعها، وهو يتوقف على بيانية قاعدة دفع الضرر المحتمل فبيانيتها دورية. وفيه: انه يمكن ان يعكس إذ جريان قاعدة قبح العقاب يتوقف على عدم البيان توقف الحكم على موضوعه، وهو يتوقف على عدم بيانية قاعدة دفع الضرر، وهو يتوقف على عدم احتمال الضرر، المتوقف على جريان قاعدة القبح، فالصحيح ما افاده الشيخ الاعظم (ره) هذا كله لو اريد بالضرر العقاب. وان اريد به الضرر الدنيوي: فيدفعه ان احتمال التكليف لا يكون ملازما لاحتمال الضرر، مع ان دفع المقطوع منه غير لازم فضلا عن محتمله، ولذا ترى تحمل العقلاء

[ 244 ]

المضار الدنيوية للمنافع، مضافا: الى اتفاق الفريقين الذين هما من العقلاء، على جريان البرائة في الشبهات الموضوعية، مع احتمال الضرر الدنيوي، وان اريد به المفسدة، فيدفعه انه لا دليل على وجوب دفع المحتمل منها، ولذا ترى جريان البرائة في الشبهة الموضوعية مع وجود هذا الاحتمال. واما الجهة الثالثة: فالظاهر انه لو تمت ادلة وجوب الاحتياط تكون واردة على القاعدة، وسيجيئ الكلام فيه مفصلا. الاستدلال على البرائة بالاستصحاب ثم انه ربما يستدل على البرائة بالاستصحاب، وتقريبه على نحوين. الاول: استصحاب عدم التكليف الثابت في حال الصغر وعدم استحقاق العقاب على الفعل أو الترك واورد عليه بايرادات. الاول: ان المستصحب لا بد وان يكون اثرا شرعيا أو موضوعا لاثر شرعى، وعدم التكليف ليس له اثر شرعى، ولا بنفسه اثر فانه ازلى، وعدم العقاب من لوازمه العقلية فلا ينالهما يد الموضع والرفع، وقد وجه المحقق الخراساني كلام الشيخ الاعظم (ره) بذلك. وفيه: انه لم يدل دليل على اعتبار كون المستصحب مجعولا شرعيا أو موضوعا له، بل المعتبر كون المستصحب قابلا للتعبد به، وعدم التكليف، وان كان ازلا غير قابل للوضع والرفع، الا انه بقاءا بيد الشارع. الثاني: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) وهو ان المتحقق في السابق عدم المنع، واستصحاب لا يفيد لانه لا يقطع معه بعدم العقاب، فيحتاج الى ضم قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومعها لا حاجة الى الاستصحاب - نعم - لو كان الاستصحاب حجة في مثبتاته، أو كان من الامارات صح التمسك به، إذ على الاول كان يثبت به الاباحة والترخيص، ومعه يقطع بعدم العقاب، وعلى الثاني كان يظن بعدم العقاب، وهو في حكم القطع بالتعبد، ولكن المبنيين فاسدان، فهذا الاستصحاب لا يفيد.

[ 245 ]

وفيه: انه ان كان مراده ان استصحاب عدم المنع لكونه غير مجعول شرعى ولا له اثر شرعى لا يجرى، فهو يرجع الى الوجه الاول وجوابه ما تقدم، وان كان مراده ان عدم العقاب ليس اثرا شرعيا لعدم المنع فلا يترتب عليه، فيرد عليه ان الاثار العقلية المترتبة على الامر الشرعي، يترتب باستصحابه، ولذا التزم (قده) بترتب عدم العقاب على الاباحة المستصحبة، وان كان مراده ان عدم العقاب ليس لازما لعدم المنع بل للاذن والترخيص فيرد عليه. ان العقاب من لوازم الحرمة، وعدمه من لوازم عدمها فاستصحابه يكفى لترتبه، مع ان عدم المنع قبل البلوغ بعد قابليته لتوجه الخطاب إليه انما يكون بحكم الشارع الثابت بحديث رفع القلم ونحوه، وحيث: ان هذا الحديث وامثاله من الامارات فيثبت به الاذن والترخيص، فيستصحب نفس ذلك الترخيص الشرعي. الثالث: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو، ان المتيقن هو اللاحرجية العقلية، أي العدم المحمولي غير المنتسب الى الشارع، والعدم بعد البلوغ لو كان فهو عدم نعتي أي المنتسب الى الشارع، واستصحاب العدم المحمولي لا ثبات العدم النعتى من الاصل المثبت الذى لا نقول به. وفيه: ان عدم التكليف في الصبى غير المميز، لا يكون منتسبا الى الشارع، الا انه في المميز منتسب إليه وهو قابل لتعلق التكليف به وقد رفعه الشارع امتنانا وعليه فالمتيقن ايضا عدم نعتي، مع ان استناد العدم الى الشارع، انما يكون بنفس دليل الاستصحاب، وقد ذكرنا في محله ان الاصل المثبت انما هو في لوازم المستصحب، لا لوازم الاستصحاب، وبالجملة لوازم الاستصحاب تكون مترتبة وليس ذلك من الاصل المثبت. الرابع: ما افاده المحقق النائيني (ره) به ايضا - وحاصله - ان الاستصحاب انما يجرى لترتيب اثر واقع المستصحب، واما الاثر المترتب على نفس الشك في الواقع فلا يجرى الاستصحاب، لترتبه، فانه بمجرد الشك يترتب ذلك الاثر فاجراء الاستصحاب لترتبه، من قبيل تحصيل الحاصل، بل من اردأ انحائه، فانه تحصيل تعبدي للحاصل وجدانا، والمقام نظير ما لو فسرنا التشريع، بادخال ما لم يعلم انه من الدين في الدين، فلو شك في مشروعية شئ يترتب عليه حرمة استناده إليه تعالى، فاجراء استصحاب عدم المشروعية لا ثبات

[ 246 ]

حرمة الاستناد لغو وتحصيل للحاصل، والمقام من هذا القبيل فان الشك فيه بنفسه موضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فاستصحاب عدم المنع الذى اثره المرغوب عدم العقاب لا يجرى. وفيه: انه من جهة كون الاثر غير مختص بالشك بل مترتب عليه وعلى الواقع، فالاستصحاب يجرى وحيث انه اصل محرز، يوجب رفع موضوع قاعدة القبح، ويترتب حينئذ عليه عدم العقاب، وليس من قبيل تحصيل الحاصل، وهذا نظير استصحاب الطهارة، وقاعدتها، فان القاعدة بمجرد الشك تجرى، ومع ذلك لا تكون مانعة عن جريان استصحابها، والسرفيه ما ذكرنا. الخامس: وهو الحق، وملخصه انه يعتبر في الاستصحاب، وحدة القضية المتيقنة، والمشكوك فيها، فيعتبر وحدة الموضوع، وفى المقام لا يجرى الاستصحاب لتبدل الموضوع فان الموضوع في القضية المتيقنة عنوان الصبى وقد تبدل، توضيح ذلك انه لا شبهة في ان العناوين المأخوذة في موضوعات الاحكام بنظر العرف تنقسم الى قسمين. احدهما: ما يكون مقوما لموضوع الحكمن كالعدالة بالاضافة الى جواز الاقتداء والاجتهاد بالنسبة الى جواز التقليد. ثانيهما: ما لا يكون مقوما له بل يكون علة لعروض الحكم على المعنون كالتغير المأخوذ في موضوع نجاسة الماء، وفى القسم الاول بانعدام العنوان يرتفع الموضوع بنظر العرف، ويكون المشكوك ثبوت الحكم له غير ما يتقن ثبوته له، وهما متعددان بنظر العرف فلا يجرى الاستصحاب، والمقام من هذا القبيل، فان عنوان الصبى والمجنون ونحوهما في نظر العرف من العناوين المقومة للموضوع فلا يجرى الاستصحاب. ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا كونهما من قبيل القسم الثاني، لكن انما يكون الاستصحاب جاريا في هذا القسم، إذا لم يحرز كون القيد علة للحدوث والبقاء، وشك في انه هل يكفى حدوث القيد في ثبوت الحكم حدوثا وبقائا ام لا ؟ واما مع الاحراز فلا يجرى الاصل والمقام كذلك فان الذى يستفاد من الادلة ان الصباوة والجنون من القيود التى يدور ارتفاع القلم مدارها حدوثا وبقائا فلا يجرى الاستصحاب.

[ 247 ]

التقريب الثاني: التمسك باستصحاب عدم جعل الشارع هذا الحكم الالزامي توضيحه، انه لا ريب في ان الاحكام الشرعية تكون تدريجية في جعلها، فهذا الحكم المشكوك فيه لم يكن مجعولا في زمان قطعا فيشك في ذلك فيجرى استصحاب عدم الجعل ما لم يتيقن به واورد عليه بايرادات. الاول: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو ان المتيقن هو، العدم غير المنتسب الى الشارع، أي العدم المحمولي الثابت قبل الشرع والشريعة، والعدم المشكوك فيه هو العدم النعتى المنتسب الى الشارع، واستصحاب العدم المحمولي لا ثبات العدم النعتى من الاصل المثبت الذى لا نقول به. وفيه: ما عرفت من ان جعل الاحكام كان تدريجيا، فاول البعثة لم يكن هذا الحكم المشكوك فيه مجعولا قطعا فالمتيقن هو العدم النعتى. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) ايضا، وهو ان الباعث أو الزاجر انما هو التكليف الفعلى لا الانشائى، فلا بد من اثبات عدم ذلك، واستصحاب عدم الجعل لا ثبات عدم المجعول من اوضح انحاء الاصول المثبتة. وفيه: مضافا الى النقض باستصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل الذى اتفق الكل على جريانه، فلو كان نفى الحكم باستصحاب عدم الجعل مثبتا كان اثباته باستصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ ايضا مثبتا. انه لا تعدد للاعتبار والمعتبر والانشاء المنشا كما في الايجاد والوجود، وانما لا يجب امتثال الاحكام قبل وجود الموضوع من جهة تعلقه به في ظرف وجوده على نحو القضية الحقيقتة، فمع عدم الموضوع لا حكم في حق المكلف من الاول، والا فمن جهة عدم الوجود للحكم الا بالاعتبار يكون لا محالة متحققا من حين الاعتبار، فلا مانع من استصحابه، أو عدمه فتدبر فانه دقيق. الثالث: معارضة استصحاب عدم جعل الحكم الالزامي مع استصحاب عدم جعل الترخيص للعلم بتحقق احدهما. وفيه: انه لا مانع من اجرائهما معا، بعد فرض عدم لزوم المخالفة العملية من

[ 248 ]

جريانهما معا، وفى المقام اشكالات اخر تقدم بعضها مع الجواب عنه في التقريب الاول، وبعضها واضح الدفع، فالاظهر جريانه وثبوت البرائة به - نعم - لا يثبت به الاباحة فلو كان هناك اثر مترتب على الاباحة لما كان يترتب على الاستصحاب ولزم الرجوع الى اصالة الاباحة. وقد يتوهم اختصاص هذا الوجه بالشبهات الحكمية، من جهة انه في الشبهة الموضوعية يكون الجعل معلوما فلا يجرى استصحاب عدم الجعل. ويندفع بانه من جهة ان جعل الاحكام انما يكون على نحو القضية الحقيقية دون الخارجية فكل موضوع خارجي من افراد الموضوع يكون مخصوصا بحكم خاص فعند الشك، لا مانع من استصحاب عدم جعل الحكم لهذا الموضوع الشخصي الخارجي. الاستدلال بالايات للزوم الاحتياط وقد استدل للزوم الاحتياط، بالكتاب، والسنة، والعقل، اما الكتاب، فبطوائف من الايات. الاولى: ما دل على حرمة القول بغير علم، كقوله تعالى " وان تقولوا على الله ما لا تعلمون " (1) إذ القول بالترخيص في محتمل التحريم قول بغير علم. الثانية: ما دل على لزوم التقوى كقوله تعالى " اتقو الله حق تقاته " (2) بدعوى ان ترك محتمل التحريم من التقوى. الثالثة: ما دل على حرمة القاء النفس النفس في التهلكة كقوله تعالى " ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة " (3). الرابعة: ما دل على المنع عن متابعة ما لا يعلم، كقوله عز وجل " ولا تقف ما ليس


1 - الاعراف آية 33. 2 - آل عمران آية 102. 3 - البقرة آية 195. (*)

[ 249 ]

لك به علم " (1) بتقريب انه ظاهر في وجوب التوقف وعدم المضى. الخامسة: ما يدل على التوقف ورد ما لم يعلم حكمه الى الله تعالى كقوله تعالى " فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول " (2). ولكن الظاهر عدم صحة الاستدلال بشئ من الطوائف، اما الاولى، فلان الحكم بالترخيص الواقعي وان كان قولا بغير علم، الا انا لا ندعيه، والحكم بالترخيص الظاهرى مستندا الى الحجة كالقول بوجوب الاحتياط مستندا إليها ليس قولا بغير علم بل عن علم. واما الطائفة الثانية فلان المراد بالتقوى ان كان هو الوقاية من عذاب الله، فارتكاب محتمل التحريم مع الدليل على جوازه، وعدم العقاب عليه ليس مشمولا للاية، وان كان المراد به المرتبة العالية من التقوى الشاملة، لترك المكروهات، وفعل المندوبات، والاحتياط باتيان ما يحتمل وجوبه مع الدليل على عدمه كموارد جريان قاعدة الفراغ وشبهها، فالامر به لا محالة يكون غير الزامي - والالتزام - بابقائه على ظهوره وخروج هذه الموارد بالدليل الخاص، كما ترى. واما الطائفة الثالثة فلان المراد بالهلاكة ان كان هو العقاب فادلة البرائة توجب القطع بعدم العقاب فلا يكون مشمولا لهذه الاية الشريفه، وان شئت قلت ان هذا النهى بعد ما لم يكن نفسيا، لان فعل ما يترتب عليه العقاب لا يكون محرما بحرمة اخرى، غير الحرمة المترتب عليها العقاب على مخالفتها، ولا طريقيا إذا الحكم الطريقي انما يكون لتنجيز الواقع، ومع فرض تنجزه لفرض الهلاكة في موضوعه، وهو العقاب، فلا يعقل ان يكون النهى موجبا له فلا محالة يكون ارشاديا فهو تابع لثبوت العقاب من دليل آخر، وادلة البرائة تنفيه، وان كان المراد الهلاكة الدنيوية فهى مقطوع العدم، مع ان الشك من هذه الجهة من قبيل الشبهة الموضوعية لا يبج فيها الاحتياط بالاتفاق. واما الطائفة الرابعة، فلان محتمل التحريم مع قيام الدليل على الترخيص فيه ظاهرا ليس مشمولا له لانه وان لم يعلم التكليف الواقعي، الا ان الوظيفة الظاهرية معلومة.


1 - الاسراء آية 36. 2 - النساء 59. (*)

[ 250 ]

واما الطائفة الخامسة فلان الظاهر منها رد الحكم الواقعي الى الله تعالى، مع انها لو شملت المقام تكون مختصة بما يمكن فيه رفع الشبهة ولا تشمل الشبهات بعد الفحص كما هو واضح. الاخبار التى استدل بها للزوم الاحتياط واما السنة، فقد استدل الاخباريون الاحتياط في الشبهة البدوية التحريمية، بطوائف منها. الاولى: ما يدل على حرمة القول والافتاء بغير العلم، كخبر زرارة، سالت ابا جعفر (ع) ما حجة الله على العباد قال (ع) ان يقولوا ما يعلمون ويفقوا عندما لا يعلمون، ونحوه غيره (1). والجواب عن الاستدلال بها واضح، لان القول بالحلية الواقعية وان كان قولا بغير علم الا انا لا نقول بها، والقول بالحلية الظاهرية مستندا الى ادلة البرائة قول عن علم. الثانية: ما دل على وجوب التوقف فيما لا يعلم ورد حكمه الى الائمة (ع) كخبر جابر عن الامام الباقر (ع) إذا اشتبه الامر عليكم فقفوا عنده وروده الينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا الحديث ونحوه غيره (2) ولكنها مختصة بصورة امكان ازالة الشبهة ولا تعم ما هو محل الكلام وهو الشبهة بعد الفحص. الثالثة: ما دل على ان الوقوف عند الشبهة من الورع، كقول الامام على (ع) لا ورع كالوقوف عند الشبهة، وخبر ابى شعيب عن الامام الصادق (ع) اورع الناس من وقف عند الشبهة الحديث ونحوهما غيرهما (3).


1 - الوسائل - باب 12 من باب صفات القاضى خبر 4 و 27 منها خبر 9 و 10 كتاب القضاء. 2 - الوسائل باب 4 - من ابواب صفات القاضى حديث 14 وباب 12 منها حديث 1 و 3 و 23 و 43. 3 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى 20 و 24 و 25 و 33. (*)

[ 251 ]

ولكن يرد على الاستدلال بها ما اوردنا على الاستدلال بالطائفة الثانية من الايات من تعين حملها على الاستحباب وعدم اللزوم. الرابعة: ما يدل على ان طلب ترك المشتبه انما هو من جهة ان الاتيان به يهودن فعل المعصية، كمرسل الصدوق خطب امير المؤمنين (ع) فقال ان الله حد حدودا فلا تعتدوها الى ان قال فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك (1) والاستدلال بها كما ترى. الخامسة: ما تضمن النهى عن الاتكال على الاستنباطات العقلية الظنية في الاعتقاديات، كخبر زرارة عن الامام الصادق (ع) لو ان العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا (2) والجواب عنها واضح. الاستدلال باخبار التوقف لوجوب الاحتياط السادسة: ما تضمن الامر بالوقوف عند الشبهة، معللا بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وفى بعضها التعليل خاصة كموثق مسعد بن زياد عن النبي (ص) انه قال لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة الى ان قال فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وقول الامام الصادق (ع) في مقبولة ابن حنظلة بعد ذكر جملة من المرجحات إذا كان كذلك فارجئه حتى تلقى امامك فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وفى روايات الزهري والسكونى وعبد الا على، الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ونحوها غيرها (3). وتقريب الاستدلال بها، ان ظاهر التوقف المطلق السكون وعدم المضى فيكون


1 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 61. 2 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 11. 3 - الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى حديث 1 و 35 - وباب 12 منها حديث 2 و 15 و 50. (*)

[ 252 ]

كناية عن عدم الحركة بارتكاب الفعل، واورد على الاستدلال بها بايرادات. منها: انها ضعيفة السند، وفيه انه لو تم في بعضها لا يتم في جميعها فان فيها الموثق والصحيح. ومنها: ان التوقف في الحكم الواقعي مسلم عند الفريقين - والافتاء بالحكم الظاهرى منعا وترخيصا مشترك بينهما والتوقف في العمل لا معنى له، ويرده ما ذكرناه في تقريب الاستدلال. ومنها: انها ظاهرة في الاستحباب - ويرده - ان الاقتحام في الهلكة لا خير منه اصلا مع انه جعل علة لوجوب الارجاء في المقبولة وتمهيد الوجوب طرح المخالف للكتاب في الصحيحة. ومنها: منها في مقام المنع عن العمل بالقياس وانه يجب التوقف عن القول إذا لم يكن هناك نص عن المعصوم (ع). وفيه: انه مخالف لظهورها ولا يلائم مع مورد بعضها كما لا يخفى. ومنها: ما احتمله قريبا المحقق النائيني (ره)، وهو انها تدل على ان الاقتحام في الشبهة، يوجب وقوع المكلف في المحرمات باعتبار ان من لم يتجنب عن الشبهات، وعود نفسه على الاقتحام فيها هانت عليه المعصية، وكان ذلك موجبا لجرئته على فعل المحرمات، وقد ورد نظير ذلك في المكروهات - وعليه - فهى لا تدل على ان نفس الاقتحام في الشبهة حرام إذا صادف الحرام. وفيه: مضافا الى منافاته لظهورها: فانها ظاهرة في ان فعل الشبهة وترك الوقوف بنفسه اقتحام في الهلكة، لا انه موجب له وتبعه لذلك كما لا يخفى: انه لا صارف عن ظهور الامر في الوجوب حينئذ ومجرد كون الحكمة المذكورة فيها جارية في المكروهات لا يصلح لرفع اليد عن هذا الظهور. ومنها: ما افاده المحقق صاحب الدرر (ره) وهو انا نعلم من الخارج عدم وجوب التوقف في بعض الشبهات كالشبهة الموضوعية، فيدور الامر بين تخصيص الموضوع بغيرها، وبين حمل الهيئة على مطلق الرجحان، ولا ريب في عدم رجحان الاول ان لم

[ 253 ]

نقل بالعكس. وفيه: ان بناء القوم حتى هو (قده)، على حمل المطلق على المقيد في هذه الموارد، والا فيجرى هذا الكلام في جميع موارد المطلق والمقيد كما هو واضح. ومنها: ما افاده الاستاذ الاعظم وهو ان الموضوع فيها عنوان الشبهة، وهى ظاهرة فيما يكون الامر فيه ملتبسا بقول مطلق ظاهرا وواقعا، فالشك الذى يكون حكمه الظاهرى معينا لا يكون شبهة، ويختص هذه الاخبار بالشبهات قبل الفحص ويظهر من بعضها في نفسه الاختصاص بها. وفيه: ان الشبهة قد اطلقت في موارد معلومية الوظيفة الظاهرية كما في موثق مسعدة، حيث اطلقت في موارد الشك في جواز النكاح مع ان الاصل الموضوعي يقتضى الجواز. ومنها: ما افاده جمع من المحققين وحاصله ان الامر بالتوقف علل بان في تركه احتمال الوقوع في الهلاكة، وظاهرها في نفسها العقاب، فقد اخذ في المرتبة السابقة على هذا الامر احتمال العقاب، وتنجز التكليف، فلا محالة لا يكون هذا موجبا له، والا لزم تأخر ما هو متقدم فتختص الاخبار بالشبهات التى يحتمل العقاب على ترك التوقف فيها، وهى الشبهات قبل الفحص، والشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، واما في الشبهات البدوية بعد الفحص فلا يحتمل العقاب فلا تشملها هذه الاخبار. واورد عليه بان هذه الجملة ظاهرة في احتمال الهلكة في كل شبهة فتكون واردة في مقام جعل وجوب الاحتياط - توضيحه - انه كما يمكن انشاء الحكم بالدلالة المطابقية يمكن انشائه بالدلالة الالتزامية، بان يخبر عن ترتب العقاب على فعل خاص فانه يستكشف منه حرمته إذ لو لا الحرمة، لما كان وجه للعقاب على الفعل، فليكن المقام من هذا القبيل إذ بعد فرض عموم الشبهة لكل شك، الاخبار بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، الدال بالمطابقة على انه في مورد كل شبهة لو كان تكليف يعاقب على مخالفته ومخالفته، موجبة للوقوع في الهلكة، يدل بالالتزام على جعل وجوب الاحتياط في كل شبهة.

[ 254 ]

وفيه: ان دلالة ما تضمن ترتب العقاب على فعل على الحرمة انما تكون من جهة صون الكلام عن اللغوية فلو فرضنا في مورد عدم لزوم اللغوية لما كان يستكشف الحرمة، وفى المقام بما انه في بعض موارد الشبهة احتمال العقاب موجود، والكلام قابل للحمل على تلك الموارد كما هو مورد بعضها، فلا يلزم اللغوية، من عدم الالتزام بالحكم فلا كاشف جعل وجوب الاحتياط. واورد على هذا الجواب بان ظاهر هذه الجملة احتمال الهلكة في مطلق الشبهة، لا خصوص الشبهة قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي فحيث انه في بعض مواردها، لا يعقل ذلك بلا جعل وجوب الاحتياط فيستكشف من اطلاقها ذلك. واجيب عنه باجوبه. الاول: ما عن الشيخ الاعظم (ره) وهو ان ايجاب الاحتياط ان كان مقدمة للتحرز عن العقاب، فهو مستلزم للعقاب على التكليف المجهول وهو قبيح، وان كان حكما ظاهريا نفسيا فالهلكة مترتبة على مخالفة نفسه لا مخالفة التكليف الواقعي وصريح الاخبار ارادة الهلكة المترتبة على مخالفة الواقع. وفيه: ان التكليف لا ينحصر بهذين القسمين بل هناك قسم ثالث، وهو الوجوب الطريقي وهو يوجب تنجز الواقع ويمكن حمل الاخبار عليه. الثاني: ما افاده العلمان المحقق الخراساني والاستاذ الاعظم، وهو ان ايجاب الاحتياط ان كان واصلا بنفسه، فلا يعقل ان يكون هذه العلة كاشفة عنه، وان لم يكن واصلا، فلا يعقل كونه منجزا للواقع: إذ التكليف غير الواصل لا يكون بيانا ومنجزا. وفيه: ان المدعى هو كشف ايجاب الاحتياط غير الواصل بنفسه، فيكون وصوله بهذه الجملة وصول الشئ بوصول معلوله. الثالث: انه لا مجال في المقام للتمسك بالاطلاق، وكشف جعل وجوب الاحتياط، فانه ان كان المولى في مقام جعل وجوب الاحتياط، ويكون هذه دليلا هذه دليلا عليه، فلا بد من الالتزام بان هذا الوجوب في بعض الموارد ارشادى محض، لانه في الشبهات قبل الفحص الذى يكون التكليف منجزا بحكم العقل، لا معنى لجعل وجوب الاحتياط الطريقي فلا بد من الحمل على الجامع بين الارشادي والطريقى، وهذا ليس باولى واظهر

[ 255 ]

من الالتزام بالاختصاص بالشبهات قبل الفحص وانه ليس في مقام جعل وجوب الاحتياط اصلا بل الثاني اولى ولا اقل من الاجمال وعدم الظهور في الاول. وفيه: ان لهذه الجملة مطابقية، ودلالة التزامية وهى تنجز التكليف عند كل شبهة، وحيث انه في بعض موارد الشبهة لا يعقل التنجز ما لم يوجب الشارع الاحتياط، فيستكشف جعله في تلك الموارد خاصة - وبالجملة - ليس المدعى جعل وجوب الاحتياط عند كل شبهة حتى يجرى فيه ما ذكر. والحق في الجواب ان يقال ان نصوص التوقف طائفتان - الاولى - ما تضمن الامر بالتوقف بلا تعليل بالعلة المذكورة - الثانية - ما يكون الامر فيه معللا بها. اما الاولى: فيرد على الاستدلال بها: ان الامر بالتوقف يدور امره، بين ان يكون للارشاد ويؤخذ باطلاق الشبهة وبين حمله على مطلق الرجحان، وبين حمله الجامع بين الارشادية والطريقية ليكون في موارد تنجز الكيف ارشاديا وفى موارد اخر منجزا، وبين حمله على الطريقية، واختصاص الشبهة بالشبهات بعد الفحص، إذ لا يمكن حمل الامر على الطريقية مع الاخذ باطلاق الشبهة إذ فيما تنجز التكليف، لا معنى لكونه طريقيا، لان المتنجز لا يتنجز ثانيا، وحيث ان الاستدلال بها يتوقف على احد الاحتمالين الاخيرين، والالتزام باحدهما ليس اولى، من الالتزام باحد الاولين، بل لا يبعد دعوى اولويتهما فلا يصح الاستدلال بها. واما الطائفة الثانية فيرد على الاستدلال بها، ان المراد بالهلكة ليس هو خصوص العقاب الاخروي كيف، وقد استعمل هذه الجملة في موارد عدم احتمال العقاب، وعدم لزوم الاحتياط قطعا، لا حظ موثق مسعد بن زياد المتقدم، وفيه قول النبي (ص) لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة، فان الامام الصادق (ع) فسره في الموثق بقوله، إذا بلغك انك قد رضعت من لبنها أو انها لك محرمة وما اشبه ذلك فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، ولا ريب في ان الاحتراز عن النكاح المفروض ليس بلازم باتفاق الفريقين، لاصالة عدم تحقق مانع النكاح، ولكون الشبهة موضوعية، ولا حظ خبر الزهري المتقدم الذى ذكر فيه هذه العلة تمهيدا لترك رواية الخبر، غير معلوم الصدور،

[ 256 ]

أو الدلالة، ومن البديهى رجحان ذلك لا لزومه، وعلى الجملة ان الاحتياط في بعض موارد احتمال الهلكة لازم باتفاق الفريقين، وهو ما إذا احتمل العقاب، وغير لازم كذلك في موارده الاخر، وهو ما لو احتمل مفسدة اخرى غير العقاب، لكون الشبهة حينئذ موضوعية، لا يجب فيها الاحتياط، وعليه فلا يستفاد من هذه العلة لزوم الاحتياط بالتقريب المتقدم، والامر بالتوقف المعلل بذلك يكون ارشاديا لا محالة لتعليل الامر بما ذكر فتدبر فانه دقيق. الاستدلال باخبار التثليث لوجوب الاحتياط السابعة: اخبار التثليث المروية عن المعصومين عليهم السلام ففى مقبولة ابن حنظلة عن الامام الصادق (ع) وانما الامور ثلاثة امر بين رشده فيتبع وامر بين غيه فيجتنب وامر مشكل يرد علمه الى الله والى رسوله، قال رسول الله (ص) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم (1). وتقريب الاستدلال بها من وجهين. احدهما: ان الامام (ع) بعد ما اوجب طرح الشاذ من حيث وجود ريب فيه لا يوجد في مقابله وهو المشهور استدل بالنبوي، وهذه قرينة قطعية على ارادة وجوب اجتناب الشبهات المرددة بين الحلال والحرام من النبوى، ودعوى ان الشاذ من البين الغى من حيث الصدور، مندفعة بان القطع بعدم الصدور يمنع عن التعارض والترجيح، اضف إليه انه لا معنى حينئذ لتثليث الامور، ولا لفرض الراوى كون الخبرين معا مشهورين، ولا لتقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة. ثانيهما: ان النبوى بنفسه ظاهر في وجوب الاجتناب لقوله (ع) فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم، فانه


1 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 9 كتاب القضاء. (*)

[ 257 ]

اخبار عن لازم ترك الشبهة وارتكابها مستتبع لا محالة لحكم انشائي، وطلب من الشارع، وفى خبر جميل بن صالح عن الامام الصادق (ع) عن ابائه عليهم السلام، قال رسول الله (ص) في كلام طويل الامور ثلاثة امر بين لك رشده فاتبعه وامر بين لك غيه فاجتنبه وامر اختلف فيه فرده الى الله عز وجل (1) ومرسل الصدوق قال ان امير المؤمنين (ع) خطب الناس فقال في كلام ذكره حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك (2) ونحوها غيرها. والجواب عن ذلك على التقريب الثاني الجارى في جميع الاخبار مع اختلاف في الظهور: ان المراد بالحرام في قوله ارتكب المحرمات، ان كان هو الحرام المتحقق في ضمن المشتبه على تقدير المصادفة، فيكون المراد الوقوع على هذا التقدير لا مطلقا ومعلوم ان الوقوع في الحرام الواقعي ولو مع عدم البيان ومعذورية المكلف في المخالفة، لا يلازم العقاب والهلكة الاخروية، لتطابق الادلة على عدم العقاب من دون بيان، فلا محالة يكون المراد من الهلكة اعم من المفسدة الدنيوية والاخروية، وحيث ان الفريقين، متفقان على عدم لزوم الاحتياط في جميع موارد ذلك، لان هذا الاحتمال موجود في الشبهة الموضوعية، والوجوبية ولا يجب فيهما الاحتياط، فلا بد وان يحمل على ارادة الرجحان والمطلوبية الملائمة مع عدم الوجوب، وان اصر على ظهور الهلكة في العقاب فلا محالة يقيد الشبهات بالشبهات قبل الفحص، والمقرونة بالعلم الاجمالي. وان كان المراد بالحرام الحرام المحقق المعلوم، فلا بد وان يراد بالوقوع الاشراف وتقريب النفس الى ارتكاب الحرام، كما هو الظاهر من مرسل الصدوق، وعليه فغاية ما يستفاد منه حينئذ، رجحان الترك ومطلوبية الاحتياط إذ لم يقل احد بان اشراف النفس الى الحرام من المحرمات الشرعية كيف، فان ذلك موجود في ارتكاب المكروه، إذا كثر كما صرح به في الاخبار، وفى الشبهات الموضوعية، فالنبوي على هذا في مقام بيان الصغرى، والكبرى المطوبة المسلمة انما هو رجحان تبعيد النفس من الوقوع في الحرام


1 - 2 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 23 و 22. (*)

[ 258 ]

ارشادا. والجواب عنه على التقريب الاول، انه ليس في الخبر ما يشهد بكون الامام في مقام الاستدلال، بل الظاهر خصوصا بقرينة ما ذكرناه كونه في مقام التقريب وذكر ما يسهل بملاحظة قبول المطلب. واجاب عنه الشيخ (ره) بانه لا مانع من الاستدلال برجحان ترك المشتبه المردد بين الحلال والحرام للزوم ترك الشاذ من الخبرين في مقام الطريق المترتب على العمل به الخطاء كثيرا، والاخذ بما ليس طريقا شرعا. وقربه تلميذه المحقق بقوله ان هو الا نظير الاستدلال بكراهة الصلاة، في ثوب من لا يتحرز عن النجاسات على عدم جواز الصلاة في الثوب النجس وهو كما ترى ولكن الذى يسهل الخطب أمره (قده) بالتأمل. فالمتحصل من هذه الاخبار هو رجحان الاحتياط مطلقا، ويؤيد ذلك الاخبار المساوقة للنبوي الشريف الظاهرة في الاستحباب لقرائن مذكورة فيها، كالعلوي المتقدم وخبر النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله (ص) يقول ان لكل ملك حمى وان حمى الله حلاله وحرامه والمشتبهات بين ذلك كما لو ان راعيا رعى الى جانب الحمى لم يثبت غنمه ان تقع في وسطه فدعوا المشتبهات (1) وبمضمونه روايات اخر. الاستدلال باخبار الاحتياط لوجوب الاحتياط الثامنة: الاخبار الامرة بالاحتياط، كقوله (ع) في صحيح ابن الحجاج الوارد في رجلين اصابا صيدا وهما محرمان وقد ساله عن ان على كل منهما جزاء أو عليهما جزاء واحد - إذا اصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه وتعلموا (2) وقوله (ع) في موثق عبد الله بن وضاح الذى كتبه في جواب السؤال عن وقت المغرب


1 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 40. 2 - الوسائل باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 1. (*)

[ 259 ]

والافطار ارى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتاخذ بالحائطة لدينك (1) وقول امير المؤمنين (ع) في خبر داود بن القاسم الجعفري عن الامام الرضا (ع) لكميل بن زياد اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت (2) وقول الامام الصادق (ع) في خبر عنوان البصري وخذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد إليه سبيلا (3). والنبوى دع ما يريبك الى ما لا يرببك (4) ونحوها غيرها. ويمكن الجواب عن هذا الوجه بوجوه. الاول: ما ذكرناه في اخبار التوقف غير المعللة. الثاني: انه يمكن ان يقال بعد عدم امكان حمل الامر بالاحتياط على النفسية - وتردد الامر - بين حمله على الطريقية، أو الارشادية لا تعين لاحد الاحتمالين، ولا شاهد يعين كونه طريقيا، بل لا يبعد في المقام دعوى وجود الشاهد على الارشادية وهو حسن الاحتياط عقلا. الثالث: انه لا ريب في ان الاحتياط في الشبهات الوجوبية والموضوعية غير واجب بل حسن، ومن المستبعد جدا - الالتزام بتخصيص - اخوك دينك فاحتط لدينك فيتعين البناء على انه للطلب المشترك بين الوجوب والاستحباب، أو للارشاد. اضف الى ذلك، ان المشار إليه في صحيح ابن الحجاج اما نفس واقعة الصيد أو السؤال عن حكمها، وعلى الاول يكون المورد من موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطين، فلا ربط له بما نحن فيه، مع ان الشبهة الوجوبية لا يجب الاحتياط فيها ان كان الشبهة بدوية باتفاق الفريقين، مع ان ظاهر الخبر التمكن من استعلام حكم الواقعة بالسؤال والتعلم فلا ربط له بما هو محل الكلام، وهو الشبهة بعد الفحص. وبذلك يظهر انه على الثاني كان المراد من الاحتياط فيه الاحتراط عن الافتاء حتى


1 - المصدر المتقدم. 2 - المصدر المتقدم. 3 - المصدر المتقدم. 4 - المصدر المتقدم. (*)

[ 260 ]

بالاحتياط، أو الافتاء بالاحتياط، لا يكون مربوطا بالمقام مع امكان التعلم، واما موثق ابن وضاح، فطاهره لزوم الاحتياط مع كون الشبهة موضوعية لاحتمال عدم استتار القرص: إذ لو كانت الشبهة حكمية كان عليه بيان الحكم لا الامر بالاحتياط، ومن المعلوم ان الانتظار مع الشك في الاستتار واجب بحكم الاستصحاب، وعليه فهو اجنبي عما هو محل الكلام. فتحصل ان شيئا من هذا الطوائف الثمان لا تدل على وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية بعد الفحص. ثم انه لو سلم دلالة الاخبار على لزوم الاحتياط في الشبهة التحريمية يقع الكلام في الجمع بينها وبين ما دل من الاخبار على جريان البرائة فيها. وملخص القول في ذلك ان اخبار البرائة من جهة كونها اخص من جهتين من تلك الاخبار لا بد من تقديمها. الاولى: اختصاصها بالشبهات بعد الفحص اما بنفسها أو للاجماع وحكمن العقل الذين هما بحكم المخصص المتصل المانع عن انعقاد الظهور في العموم، ودعوى اختصاص اخبار التوقف والاحتياط ايضا بالشبهات بعد الفحص لوجوب الاحتياط في غيرها مع قطع النظر عنها، مندفعة بان وجوبه في الشبهات قبل الفحص لا يمنع عن كونها جعلا لايجاب الاحتياط في جميع الموارد على ما هو مقتضى اطلاقها. الثانية: ان من جملة اخبار البرائة ما هو مختص بالشبهات التحريمية، كحديث، كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى، فتقدم اخبار البرائة على اخبار الاحتياط للاخصية. واما دعوى حكومة اخبار الاحتياط على اخبار البرائة، فقد تقدم تقريبها ودفعها عند الاستدلال بنصوص البرائة. اضف الى ذلك كله ان الاستصحاب الذى قربناه يكون حاكما على ادلة الاحتياط والتوقف. الاستدلال بحكم العقل لوجوب الاحتياط الثالث: مما استدل به لوجوب الاحتياط حكم العقل، وتقريبه بوجوه احدهما - انه

[ 261 ]

لا ريب في وجود العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة المقدسة ومقتضى هذا العلم الاجمالي لزوم فعل كل ما احتمل وجوبه وترك كل ما احتمل حرمته، غاية الامر ثبت بدليل آخر عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية والموضوعية وتكون الشبهات التحريمية الحكمية باقية تحت ما يقتضيه العلم الاجمالي، واجيب عن هذا باجوبة. الاول: ما افاده المحقق الخراساني وحاصله بعد النقض والابرام، ان العلم الاجمالي كما ينحل حقيقة بالعلم التفصيلي والشك البدوى، كذلك ينحل حكما بقيام الحجة التى حقيقتها المنجزية والمعذورية على احد الاطراف، إذا كان بمقدار ينطبق عليه المعلوم بالاجمال، إذ حقيقة جعل الحجية على هذا، جعل المنجزية إذا كان الواقع في مورد الحجة والمعذورية إذا كان في الطرف الاخر، ففى الحقيقة يصرف تنجز الواقع الثابت بالعلم، الى ما إذا كان في ذاك الطرف ويعذر إذا كان في ساير الاطراف، ونظير المقام قيام الامارة على كون احد الانائين المعلوم كون احدهما الذى هو اناء زيد نجسا اناء زيد. وفيه: ان لسان الحجة القائمة في بعض الاطراف، ان كان كون الواقع المعلوم بالاجمال في هذا، الذى كون لازمه عدم كونه في ساير الاطراف، كما هو الشان في المثال فانها كما تدل على ان هذا اناء زيد تدل بالالتزام على عدم كون الاخر انائه، تم ما ذكر، وكان من قبيل جعل البدل، واما إذا لم يكن كذلك كما هو الصحيح، فان الحجة انما تدل على ثبوت الحكم في مؤداها بلا عنوان ولا علامة غير المنافى لثبوته في ساير الاطراف، فلا تكون الحجة صارفة للتنجز وموجبة للعذر إذا كان هناك حكم في ساير الاطراف. الثاني: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) وهو منع تعلق تكليف غير القادر على تحصيل العلم، الا بما ادى إليه الطرق، فلا يكون ما شك في تحريمه مما هو مكلف به فعلا على تقدير حرمته واقعا. وفيه: ان مجرد نصب الطرق لا يفيد ان الشارع لم يرد من الواقع الا ما ساعد عليه

[ 262 ]

الطرق، بل غاية ما يفيد لزوم العمل على طبقها وعليه فالتكاليف الواقعية المعلومة اجمالا تنجز بالعلم للقدرة على امتثالها، فلا وجه لدعوى عدم كون التكليف في الموارد المشكوك فيها فعليا. الثالث: ما افاده الشيخ (ره) ايضا، ايضا، وهو انه إذا ثبت بدليل آخر وجوب الاجتناب عن جملة من اطراف العلم، ولو كان ذلك الدليل لا حقا اقتصر في الاجتناب على ذلك المقدار، لاحتمال كون المعلوم بالاجمال، هو هذا المقدار المعلوم حرمته تفصيلا، فاصالة الاحتياط في البعض الاخر غير معارضة بالمثل وما نحن فيه من هذا القبيل. وفيه: ان الدليل المزبور، لو كان سابقا على العلم الاجمالي، كان ما ذكر متينا، واما إذا كان لا حقا، فهو لا يكون قابلا لرفع اثر العلم بعد ما لم يصر موجبا لانحلاله وتمام الكلام في محله. الرابع: ان العلم بوجود الاحكام ينحل بالعلم الاجمالي، بوجودها في موارد الامارات، أو الاخبار - توضيحه - ان لنا علوما ثلاثة. الاول: العلم الاجمالي بثبوت احكام في الشريعة المقدسة. الثاني: العلم الاجمالي بوجود الاحكام في موارد الامارات من خبر الواحد وغيره. الثالث: العلم الاجمالي بوجود الاحكام في خصوص الاخبار، للعلم بعدم مخالفة جميعها للواقع بل جملة منها مصادفة للواقع قطعا، فحينئذ يمكن ان يدعى ان المعلوم بالاجمال من الاحكام الذى كون ثابتا في خصوص الاخبار أو في الامارات انما يكون بمقدار المعلوم بالاجمال ثبوته في الشريعة فلا ريب في الانحلال. الخامس: ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي يتوقف تنجيزه على بقائه، فكما ان العلم التفصيلي لو انقلب الى الشك السارى، يسقط عن التنجيز كذلك العلم الاجمالي، وانقلابه إليه وانعدامه، انما يكون بتبدل القضية المتيقنة الشرطية المانعة الخلو مثلا لو علم اجمالا بنجاسة احد الانائين يكون هناك قضايا ثلاث قضية متيقنة وقضيتان مشكوكتان، وهى العلم بنجاسة احدهما على سبيل منع الخلو، والشك في نجاسة كل منهما، - وبعبارة اخرى - الشك في انطباق المعلوم على كل من الطرفين، وهذا هو حقيقة العلم الاجمالي، وانعدامه انما يتحقق بعدم الشك في انطباق المعلوم ولو في طرف من الطرفين، كما لو

[ 263 ]

علم بنجاسة احدهما بعينه فانه يتبدل ذلك الى العلم بنجاسة احدهما المعين، والشك في نجاسة الاخر، ولا شك في نجاسة المعلوم بالتفصيل، وهذا من قبيل الشك السارى بالنسبة الى العلم التفصيلي، ولا يكون ذلك من باب عدم العلم بقاءا حتى ينتقض بما لو خرج احدهما عن محل الابتلاء، بل من باب عدمه بقاءا حتى في الحدوث. وعلى ذلك، نقول، في الامارات بناءا على جعل الطريقية الانحلال الحكمى واضح، إذا الامارة وان لم تكن علما تفصيلا حتى يوجب الانحلال الحقيقي لكنها تكون علما تعبديا، فكما ان العلم الحقيقي يوجب انحلال كذلك العلم التعبدى - وبالجملة - بعدا عطاء الشارع صفة الطريقية للامارة تكون الامارة علما في حكم الشارع فتوجب انحلال العلم الاجمالي وينعدم الترديد الذى به قوام العلم الاجمالي تعبدا. واما بناءا على جعل المنجزية كما هو مسلك المحقق الخراساني أو جعل الحكم الظاهرى، والالتزام بالسببية بالنحو المعقول فعن المحقق النائيني القول بان الانحلال في غاية الصعوبة، بل لا ينحل ويكون الاشكال باقيا بحاله: إذ على مسك جعل التنجيز، الامارة توجب تنجز الحكم لو ان في ذاك الطرف، وهذا ليس اثرا زايدا على العلم الاجمالي، لانه موجب ايضا، وعلى مسلك جعل الحكم الظاهرى غاية مفاد الامارة حدوث حكم ظاهري في مؤداها، ولا توجب تمييز القضية المتيقنة عن المشكوك فيها فالعلم باق بحاله. ولكن الاظهر هو الانحلال حتى على هذين المسلكين ايضا، إذ لو كان تنجيز الامارات وثبوت الحكم بها بعد تنجيز العلم الاجمالي، بان كان تنجيزها متوقفا على الوصول وقبله كان العلم الاجمالي منجزا كان ما افاده وجيها، ولكن لا يتوقف ذلك على الوصول، بل يكفى بيان الشارع ووجود الامارات في الكتب المعتبرة التى بايدينا، إذ التكاليف المحتملة تنجز بذلك، ولذا بنينا على عدم جريان قبح العقاب بلا بيان في الشبهات قبل الفحص لاحتمال البيان ووجود الامارة في الكتب المعتبرة، فالامارات بوجوداتها الواقعية المدونة في الكتب توجب التنجيز أو تثبت الحكم الظاهرى على اختلاف المسلكين، وعليه ففى اول البلوغ الذى يعلم بوجود احكام يعلم ايضا بوجود

[ 264 ]

امارات منجزة أو مثبتة للحكم الظاهرى بذلك المقدار، يكونان متقارنين، ومثل هذا العلم الاجمالي لا يكون منجزا من الاول، إذ التكليف لو كان في احد اطراف العلم منجزا قبل العلم أو مقارنا معه، أو محكوما بحكم آخر كذلك، والجامع عدم جريان الاصل النافي في ذلك الطرف، كما لو علم بنجاسة احد الانائين وقبله أو مقارنا معه علم تفصيلا بنجاسة احدهما المعين، أو كانت نجاسته موردا للاستصحاب يجرى الاصل في الطرف الاخر، بلا معارض وبيان السر في ذلك موكول الى محله. وعليه ففى المقام بما انه لا يجرى الاصل النافي في جملة من الموارد وهى موارد قيام الامارات يجرى الاصل النافي في الاطراف الاخر بلا معارض. فتحصل ان العلم الاجمالي لا يمنع من جريان الاصل، والغريب ان عين هذا البرهان يقتضى عدم جريان الاصل في الشبهة الوجوبية، مع ان الاخباريين قائلون بجريانه فيها، ولعلهم لم يستندوا في المقام الى هذا الوجه. الوجه الثاني من تقريب حكم العقل هو ما ذكره بعضه من استقلال العقل بالحظر في الافعال غير الضرورية قبل الشرع، ولا اقل من الوقف، إذ هو في مقام العمل مثل الحظر فيعمل به، حتى يثبت من الشرع الاباحة، ولم يرد الاباحة فيما لا نص فيه، وما دل على الاباحة على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الامر بالتوقف والاحتياط فالمرجع هو الاصل. ويرد عليه، اولا: ان الاصل في الاشياء قبل الشرع هو الاباحة دون الحظر كما ذهب إليه الاكثر. وثانيا: انه قد مر ثبوت الترخيص فيما لا نص فيه، وعدم معارضته بما دل على التوقف أو الاحتياط. واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بجوابين آخرين وتبعه غيره. احدهما: انه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والاشكال، والا لصح الاستدلال على البرائة بما قيل من كون تلك الافعال على الاباحة.

[ 265 ]

وفيه: ان مناط الحظر وهو عدم ثبوت الاذن موجود فيما هو محل الخلاف، واما مناط الاباحة فليس كذلك، فان عدم المنع عن فعل علم عدم ورود المنع عنه شرعا، لا يستلزم عدم المنع عنه مع فرض احتمال المنع عنه. الثاني: ما محصله ان العقل انما يحكم بالحظر في تلك المسالة لعدم قابلية المورد للبيان لكونه قبل الشرع والشريعة، فلا تجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان وهذا بخلاف، ما هو محل الخلاف المفروض فيه ثبوت الشرع والشريعة، وقابلية المورد للبيان، فمع عدم بيان الشارع، يستقل العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وفيه: ان استقلال العقل بذلك، واحراز عدم العقاب على مخالفة المنع الشرعي على فرض وجوده، لا ينافى مع الخطر، والمنع المالكى، الذى هو بمناط انه بمقتضى قانون المملوكية والعبودية، لا بد وان يكون جميع افعال المملوك عن اذن سيده، لئلا يخرج عن ذى الرقية، إذ هذا المناط بعينه موجود فيما هو محل الخلاف، وعدم العقاب لعدم المنع الشرعي، لا ينافى المنع لجهة اخرى، فتدبر. الوجه الثالث: ان الاقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالاقدام على ما يعلم المفسدة فيه، وهذا الوجه ربما يستدل به للاحتياط فيما هو محل الكلام، وهو الظاهر من الكفاية، وربما يستدل به للقول بالحظر في مسالة الحظر والاباحة، كما نسب الى الشيخين وغيرهما على ما في رسائل الشيخ الاعظم (ره) اما الاول: فقد مر في ذيل قاعدة قبح العقاب تقريبه وما يرد عليه. واما الثاني: فيرد عليه ان المفسدة ان كانت بالغة مرتبة التأثير في الحرمة، فلا ربط له بتلك المسالة، إذ هي انما تكون في فرض خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، وانه هل يستقل العقل بالحظر ان الاباحة، مع احراز عدم المنع من الشارع، وان لم تكن بالغة تلك المرتبة، فلا يكون الاقدام على ما فيه المفسدة فضلا عما يحتمل فيه ذلك منافيا لغرض المولى ليكون خروجا عن ذى الرقية، وبدونه لا استقلال للعقل على قبح الاقدام المذكور، ودعوى ان اصل الاقدام من دون اذن المولى خروج عن ذى الرقية لانه تصرف في ملك المولى بدون اذنه، مندفعة بان ذلك يرجع الى الوجه الثاني وهو باطل على ما حقق في محله.

[ 266 ]

اصالة عدم التذكية بقى امور مهمة لا بد من التنبيه عليها. الاول: ان موضوع البرائة هو الشك وعدم العلم، وعليه فكل اصل كان رافعا للشك تعبدا يكون مقدما على البرائة الشرعية بالحكومة من غير فرق بين الشبهة الموضوعية كما لو شك في انقلاب ما علم خمريته خلا، فان استصحاب الخمرية يرفع الشك في حرمة شربه الذى هو الموضوع للبرائة، ام كانت حكمية كما إذا شك في جواز وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، إذ استصحاب الحرمة على القول بجريانه، يرفع موضوع اصالة البرائة، وقد عبر المحقق الخراساني تبعا للشيخ عن هذا الاصل، بالاصل الموضوعي، باعتبار انه رافع لموضوع اصالة البرائة. ثم ان جماعة من المحققين منهم الشيخ الاعظم، وصاحب الكفاية، رتبوا على ذلك، انه لا تجرى اصالة الاباحة والحل، في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية، أو ورود التذكية عليه، لارتفاع الشك في الحلية باستصحاب عدم التذكية وتنقيح القول في ذلك يتوقف على بيان مقدمات. الاولى: ان الموت وان لم يكن مختصا بزهاق الروح حتف الانف، ولكنه ليس عبارة عن، زهاق الروح غير المستند الى سبب شرعى، بل هو عبارة عن الزهاق المستند الى غير السبب الشرعي، كما صرح به في مجمع البحرين، فهو امر وجودي لا عدمي. واما التذكية، فقد وقع الخلاف في انها، هل تكون امرا بسيطا معنويا حاصلا من فرى الاوداج الاربعة بشرائطه، ام هي عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة، الوارد على المحل القابل، بنحو يكون قابلية المحل شرطا للتاثير، أو جزءا للتذكية. وقد اختار المحقق النائيني الثاني، واستدل له: باستناد التذكية في الاية الشريفة " الا ما ذكيتم " الى المكلف فان نسبة التذكية الى الفاعلين تدل على انها من فعلهم.

[ 267 ]

وفيه: انه لا شبهة في انها من فعلهم، سواء كانت عبارة عن المسبب، أو عن نفس الافعال الخارجية، غاية الامر على الاول تكون فعلهم التسبيبى، وعلى الثاني فعلهم المباشرى، وليس الاستناة ظاهرا في ارادة المعنى المباشرى، دون التسبيبى. فالصحيح ان يستدل له مضافا الى ان الظاهر من الادلة ترتب الحلية والطهارة على نفس الافعال كقوله (ع) إذا رميت وسميت فانتفع بجلده (1) انه في جملة من النصوص ورد ان، ذكوة الجنين ذكوة امه (2)، ولو كانت التذكية اسما للمسبب، لما صح هذا الاطلاق، إذ الحاصل لكل منهما فرد من ذلك الامر المعنوي غير ما هو حاصل للاخر قطعا، وهذا بخلاف ما إذا كانت اسما لنفس الافعال الخارجية. ثم ان ظاهر الاسناد في الاية خروج القابلية عن حقيقتها، وانها تكون شرطا للتاثير كما هو واظح. الثانية: انه وان وقع الخلاف في ان ما يقبل التذكية من الحيوان، هل هو خصوص ما يحل اكل لحمه، أو ان كل حيوان يقبل التذكية الا المسوخ، أو ان كل حيوان يقبل تلك الا حشرات، أو ان كل حيوان قابل لها الانجس العين، ولكن الاظهر هو الاخير، اما قبول غير ماكول اللحم لها في الجملة فيشهد له قوله (ع) في ذيل موثق ابن بكير، وان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله وحرم عليك اكله فالصلاة في كل شئ منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه، وقد استدل به صاحب الجواهر (ره) للقول بقبول كل حيوان للتذكية الا ما خرج بالدليل، ويشهد لقبول السباع للتذكية موثق سماعة عن جلود السباع ينتفع بها قال (ع) إذا رميت وسميت فانتفع بجلده (3) وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله. المقدمة الثالثة ان موضوع النجاسة هو عنوان الميتة الذى هو امر وجودي كما يظهر لمن راجع النصوص. واستدل لكون موضوعها غير المذكى بخبر القاسم الصيقل، قال كتبت الى الرضا (ع) انى اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فيصيب ثيابي افاصلى فيها


1 - الوسائل باب 49 من ابواب النجاسات حديث 1. 2 - الوسائل باب 18 من ابواب الذبائح. 3 - الوسائل باب 49 من ابواب النجاسات حديث 2. (*)

[ 268 ]

فكتب الى اتخذ ثوبا لصلاتك فكتب الى ابى جعفر الثاني كنت كتبت الى ابيك بكذا وكذا فصعب على ذلك فصرت اعملها من جلود الحمر الوحضية الذكية فكتب الى كل اعمال البر بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا باس (1) بدعوى ان جملته الاخيرة تدل بالمفهوم على ان غير المذكى فيه باس، ومعلوم ان المراد بالباس النجاسة. وفيه: ان السائل حيث فرض عمله من شيئين احدهما من جلود الحمر الميتة ثانيهما من جلود الحمر الوحشية الذكية، فاجابه (ع) انه ان كان من القسم الثاني لا باس، فمفهومه ثبوت الباس لو كان من القسم الاول، - وبعبارة اخرى - ان الامام (ع) في مقام بيان حكم كلا العملين، والشاهد على ذلك تقييده (ع) بقوله وحشيا، مع انه لا ريب في عدم مدخلية الوحشية في الحكم، وعليه فغاية ما يثبت بهذا الخبر ثبوت الباس وهو النجاسة في الميتة دون غير المذكى. إذا عرفت هذه المقدمات، فاعلم ان الشبهة، تارة تكون موضوعية، واخرى تكون حكمية، اما الاولى ففيها صور. احداها: ان يعلم بقبول الحيوان للتذكية ووقوع التذكية عليه، ويشك في حلية لحمه وحرمته من جهة الشك في انه من القسم الذى يحل لحمه بعد التذكية، أو من غيره كما لو اشتبه الموجود الخارجي وتردد الامر بين ان يكون، غنما أو ارنبا، مع قبول كليهما للتذكية، ففى مثل هذه الصورة تجرى اصالة الاباحة، فان كان كلام الشهيد الذى نقله الشيخ الاعظم (ره)، من ان الاصل في اللحوم الحرمة شاملا لهذه الصورة، فغير تام: لما عرفت من اصالة الاباحة. ودعوى انه يستصحب حرمة اكل لحمه الثابت في حال الحيوة فيثبت به حرمة لحمه. مندفعة: بعدم ثبوت حرمة اكل الحيوان الحى، وفى الجواهر دعوى الشهرة على جوازا كل السمك وبلعه حيا، مع، انه لو سلم الحرمة فانما موضوعها، لحم حيوان حى، أو القطعة المبانة منه، وهذان العنوانان يرتفعان بالموت فلو ثبتت الحرمة يكون موضوعها


1 - المصدر المتقدم. (*)

[ 269 ]

شيئا آخر فلا يجرى الاستصحاب. ثانيتها: ما إذا شك في التذكية لاجل احتمال عروض المانع مع قبوله في نفسه للتذكية، ووقوعها كما لو شك في صيرورة الغنم موطوئة، وفى هذه الصورة ايضا لا تجرى اصالة عدم التذكية، بل تجرى اصالة عدم عروض المانع الحاكم عليها ويثبت الحلية والتذكية، ولو كان كلام الشهيد شاملا لهذا الصورة لا يكون تاما. ثالثتها: ما لو شك في ذلك من جهة الشك في ان الحيوان المذبوح من ما يقبل التذكية كالشاة، أو مما لا يقبل، أو من جهة تردد الجلد بين ان يكون من الحيوان المذبوح في الخارج المعلوم كونه كلبا، أو من الاخر الواقع عليه الذبح الجامع للشرائط المعلوم كونه غنما، وفى هذه الصورة بناءا على وجود دليل عام يدل على قبول كل حيوان للتذكية، الا ما خرج بالدليل كما تقدم منا وجريان استصحاب العدم الازلي حتى في العناوين الذاتية كما حققناه في محله يحكم بالطهارة، لاستصحاب عدم تحقق العنوان الذى خرج فيثبت انه حيوان لا يكون معنونا بعنوان الخاص، فيشمله العموم، ودعوى عدم تمامية ذلك في القسم الثاني لعدم كون حيوان في الخارج مشكوك كلبيته كى يجرى الاصل فيه، ويحكم بعدم كونه كلبا، مندفعة بان ما يكون هذا جلده بهذا العنوان يشك في انه كلب أو غنم ومقتضى الاصل عدم كونه كلبا. واما لو بنينا على عدم العموم، فان بنينا على ان التذكية عبارة عن الافعال الخاصة عن خصوصية في المحل كما اخترناه يجرى استصحاب، عدم الخصوصية، ويحكم بعدم التذكية لانتفاء المركب بانتفاء شرطه أو جزئه، هذا بناءا على جريان استصحاب العدم الازلي، واما بناءا على عدمه فلا يجرى اصالة عدم التذكية لعدم الحالة السابقة لجزئها أو شرطها، والمجموع من حيث المجموع ليس شيئا آخر وراء الاجزاء كى يجرى الاصل فيه وعليه فيتعين الرجوع الى اصالة الاباحة والطهارة. وبما ذكرناه ظهر ان ما افاده المحقق الخراساني من جريان اصالة عدم التذكية مع بنائه على كون التذكية عبارة عن الافعال الخاصة، يكون مراده بها اصالة عدم الخصوصية، لبنائه على جريان استصحاب العدم الازلي لا اصالة عدم المجموع.

[ 270 ]

وان بنينا على ان التذكية عبارة عن الامر التوليدى المسب عن الافعال الخاصة عن خصوصية في المحل، يجرى اصالة عدم التذكية ويحكم بعدمها. ثم انه في مورد جريان اصالة عدم التذكية يترتب عليها، عدم جواز الصلاة، وحرمة اكل لحمه: لانهما من آثار عدم التذكية ولا يترتب عليها النجاسة فانها كما عرفت مترتبة على الميتة، والموت امر وجودي كما تقدم، لا يثبت باصالة عدم التذكية، ففيها يرجع الى اصالة الطهارة، فالالتزام بان الاصل في اللحوم الحرمة والطهارة، متين على هذا، ولا يرد عليه اشكال اصلا. رابعتها: ان يكون الشك من جهة احتمال عدم وقوع التذكية عليه خارجا، أو قطعنا يكون الحيوان المعين الواقع عليه الذبح مذكى، والاخر المعين ميتة، وشك في ان الجلد من ايهما اخذ، وفى هذه الصورة ايضا تجرى اصالة عدم التذكية ويترتب عليها الحرمة، وفى النجاسة يرجع الى اصالة الطهارة، فالاصل هو الحرمة والطهارة. فعلى هذا الجلود التى يؤتى بها من بلاد الافرنجية، ويعمل بان يد المسلم يد عمياء ومع ذلك يحتمل التذكية تكون محكومة بالطهارة. اما الثانية: أي صورة كون الشبهة حكمية، فلها ايضا صور. الاولى: ان يعمل بقبوله للتذكية ويشك في حليته وحرمته وفى هذه الصورة تجرى اصالة الحل ويحكم بالحلية، ولا تجرى اصالة الحرمة الثابتة في حال الحيوة لما تقدم، في الصورة الاولى من صور الشبهة الموضوعية. الثانية: ما لو شك في قبوله للتذكية من جهة احتمال عروض المانع، كما لو شك في ان شرب لبن الخنزيرة مرة واحدة يمنع عن قبوله للتذكية ام لا ؟ وفى هذه الصورة يجرى استصحاب بقاء القابلية، فان كانت التذكية عبارة عن الافعال الخاصة عن خصوصية في المحل فقد احرز بعضها بالوجدان وبعضها بالاصل، ولو كانت امرا بسيطا حاصلا من الافعال، فحيث انه يكون بحكم الشارع، وتكون من الاحكام الوضعية وموضوعها الافعال الخاصة مع القابلية، فقد احرز، بعض الموضوع بالوجدان، وبعضه بالاصل، ويترتب عليه التذكية، ويكون هذا الاصل حاكما على اصالة عدم التذكية.

[ 271 ]

الثالثة: ما لو شك في القابلية ابتداءا كما لو تولد حيوان من طاهر ونجس، ولم يتبعهما في الاسم، فعلى المختار من وجود عموم دال على قبول كل حيوان للتذكية يتمسك به ويحكم بها، واما بناءا على عدمه، فان كانت التذكية امرا بسيطا معنويا يجرى اصالة عدم التذكية، وان كانت عبارة عن الافعال الخاصة مع قابلية المحل يجرى استصحاب عدم القابلية بناءا على جريان الاصل في العدم الازلي، والا فلا، وعلى التقديرين لا يجرى استصحاب عدم المجموع لما تقدم من عدم كونه بما هو مركب موضوع الحكم بل ذوات الاجزاء تكون موضوعا، ولا استصحاب عدم تحقق السبب، لان السبب هو ذوات الاجزاء، وعنوان السببية مضافا الى كونه عبارة عن الحكم، لا يكون دخيلا في الموضوع، وقد عرفت انه لا يترتب على اصالة عدم التذكية النجاسة. فما ذكره الشهيد والمحقق الثانيان فيما لو تولد حيوان من طاهر ونجس لم يتبعهما في الاسم وليس له مماثل ان الاصل فيه الحرمة والطهارة، متين بناءا على عدم وجود عموم دال على قبول كل حيوان للتذكية، اما الحرمة فلا صالة عدم التذكية، أو عدم القابلية، واما الطهارة فلاصالتها. وايراد الشيخ الاعظم (ره) بان وجه الحكم بالحرمة إن كان اصالة عدم التذكية، فلا بد من الالتزام بالنجاسة، غير تام. لا يقال انه بناءا على كون الميتة امرا وجوديا كما يجرى اصالة عدم التذكية ويترتب عليها الحرمة، يجرى اصالة عدم الموت، ويترتب عليها الطهارة فتتعارضان وتتساقطان، فيرجع الى اصالة الحل والطهارة، فلا وجه للحكم بالطهارة والحرمة كما افاده المحقق النراقى (ره)، فانه يقال: انه سيأتي في محله ان العلم الاجمالي بمخالفة احد الاصلين للواقع، لا يمنع من جريانهما ما لم يلزم منهما المخالفة العملية لتكليف لزومي، كما في المقام فانه لا مانع من جريانهما معا ويحكم بالحرمة لاصالة عدم التذكية والطهارة، وعدم النجاسة، لاصالة عدم الموت. ثم ان الوجه في ذكر هذا التنبيه في المقام، ان صاحب الحدائق، اورد على الاصوليين وتعجب منهم حيث انهم يحكمون بحرمة اللحم المشكوك تمسكا باصالة

[ 272 ]

عدم التذكية، مع انهم يقولون بعدم جريان الاصل مع وجود الدليل، والدليل على الحل، موجود في المقام، وهو قوله (ع) كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه. ويرد على ما افاده ان الدليل الذى يكون مقدما على الاصل، هو الدليل على الحكم الواقعي، والدليل الذى ذكره الذى هو من ادلة البرائة دليل على الحكم الظاهرى المأخوذ في موضوعه المرتفع تعبدا مع اصالة عدم التذكية، ولذلك يقدم عليه. جريان الاحتياط في العبادات التنبيه الثاني: لا اشكال في جريان الاحتياط، في الواجبات التوصلية، وكذلك في العبادات إذا احرز الرجحان وتردد بين ان يكون واجبا أو مندوبا، لامكان الاحتياط بداعي امره الواقعي، والاشكال فيه من ناحية قصد الوجه، قد مر دفعه في اوائل هذا الجزء. وانما الكلام والاشكال في جريان الاحتياط في العبادات، إذا لم يحرز محبوبية العمل ودار الامر بين الوجوب وغير الاستحباب، ومنشا الاشكال ان الاحتياط عبارة عن الاتيان بكل ما يحتمل دخله في المأمور به على فرض الامر به على وجه يحصل العلم بعد الاحتياط بتحقق ما احتاط فيه بجميع قيوده، ومن جملة الشرائط المعتبرة قصد امرها والتقرب به، وحينئذ ان اتى به بداعي الامر كان تشريعا محرما، وان اتى به بغير ذلك الداعي، فلم يات بالمأمور به قطعا وللقوم في الجواب عن هذا الشبهة مسالك. الاول: انه يستكشف الامر بالاحتياط من حسن الاحتياط عقلا بقاعدة الملازمة، أو من جهة ترتب الثواب عليه، فيأتي بالعمل بداعي ذلك الامر الاحتياطى. الثاني: ان الامر بالاحتياط الذى ورد في الاخبار امر مولوى نفسي، وهو يكفى في العبادية. الثالث: ان الاحتياط في العبادات امر ممكن بلا احتياج الى امر آخر، فالكلام يقع

[ 273 ]

في موارد ثلاثة. اما الاول: فيرد عليه ان حكم العقل بحسن الاحتياط انما يكون بيانا للكبرى وجاريا على نحو القضية الحقيقية المتضمنة لثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع، ولا تعرض له لبيان الموضوع، فهو لا يصلح ان يكون مبينا للموضوع وسببا لامكان الاحتياط، وبالجملة على فرض عدم امكان الاحتياط في العبادات لا مورد لحكم العقل بحسنه، ولا يفيد ما دل على ترتب الثواب عليه، وان شئت قلت انه لو ثبت الملازمة بين حكم العقل بحسن الاحتياط والامر به شرعا بما انه حينئذ يتوقف الامر على موضوعه توقف العارض على معروضه، فلا يعقل ان يكون من مبادى ثبوته فلا امر به. واما المورد الثاني: فملخص القول فيه ان محتملاته بعد عدم كون الامر به طريقيا كما مر ثلاثة - الاول - كونه ارشادا الى عدم الوقوع في المفاسد الواقعية، وعدم فوت المصالح نظير امر الطبيب، ونهيه - الثاني - كونه ارشادا الى حسن الاحتياط والانقياد عقلا - الثالث - كونه امرا مولويا نفسيا، فان قيل انه يحتمل كونه طريقيا استحبابا، اجبنا عنه بانا لا نتصور معنى معقولا للطريقية، التى هي عبارة عن الحكم بداعي تنجيز الواقع، غير اللزوم. وقد اختار جماعة منهم المحقق الخراساني، والمحقق النائيني الثاني، وعللوه بانه كالامر بالاطاعة، وحاصله ان نفس البرهان المقتضى لعدم كون الامر بالاطاعة، مولويا، يقتضى عدم كون هذا الامر مولويا، واوضحه المحقق النائيني - بما حاصله - ان الاحكام العقلية الواقعة في سلسلة علل الاحكام، وملاكاتها، كحكم العقل بحسن الاحسان، وقبح الظلم، تكون مستتبعة للاحكام الشرعية المولوية، وان كانت واقعة في سلسلة معاليل الاحكام وفى مرحة الامتثال، كحكم العقل بلزوم الاطاعة، لا تكون مستتبعة لها، ولو كان هناك حكم، كان ارشاديا، إذ الحكم الشرعي في نفسه لو لا الحكم العقلي بالامتثال لا يكون باعثا وزاجرا، فمقام الامتثال، لا معنى لورود الحكم الشرعي فيه، والمقام من قبيل الثاني لانه انما يكون لاجل ادراك الواقع فيكون واقعا في مرحلة الامتثال غاية الامر كونه امتثالا احتماليا.

[ 274 ]

واورد عليه الاستاذ الاعظم بما حاصله ان وجه كون الامر بالاطاعة ارشاديا ليس مجرد وقوعه في مرحة الامتثال، بل الوجه ان الامر المولوي ولو لم يكن متناهيا لا يكون محركا للعبد، ما لم يكن له الزام من ناحية العقل، فلا بد وان ينتهى الامر المولوي في مقام المحركية الى الزام من العقل، فلا مناص من جعل الامر الوارد في مورده ارشادا الى ذلك، وهذا بخلاف الامر بالاحتياط، إذ العقل بما انه لا يستقل بلزوم الاحتياط، فلا مانع من ان يامر به المولى مولويا حرصا على ادراك الواقع. اقول، قد مر في اول هذا الجزء ما في هذه الكلمات، وعرفت ان وجه كون الامر بالاطاعة ارشاديا ارتباط الموضوع بنفسه بالمولى، وان كلما يترقب من الاثار للحكم المولوي، من الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة، والتقرب باتيان المأمور به الى الله تعالى، تكون مرتبة على الموضوع، فلا يترتب على الامر بالاطاعة اثر فيكون لغوا، وهذا البرهان في بادى النظر جار في المقام، فلا يكون امره مولويا. نعم يمكن تصوير كونه مولويا بالتقريب الذى افاده المحقق النائيني (ره) في آخر كلامه، قال انه يمكن ان لا يكون الامر بالاحتياط ناشئا عن مصلحة ادراك الواقع، بل يكون ناشئا عن مصلحة في نفس الاحتياط كحصول قوة للنفس باعثة على ترك المعاصي وعلى الطاعات وحصول التقوى للانسان، والى هذا المعنى اشار (ع) بقوله من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك، فيكون الامر بالاحتياط بهذا الملاك، وهو ملاك واقع في سلسلة علل الاحكام فيكون الامر الناشئ عنه مولويا. ثم ان الشيخ الاعظم بعد اختياره عدم امكان الاحتياط في العبادات بلحاظ الاوامر المتعلقة بها على ما ستعرف في المورد الثالث. افاد انه يمكن تصحيح الاحتياط في العبادات بالامر بالاحتياط في الاخبار، بدعوى ان ذلك الامر مولوى نفسي، ومتعلق بذات الفعل العبادي ولا يكون في طول الامر الواقعي، فالمكلف ياتي بالعمل الذى يحتمل كونه مامورا به بالامر التعبدى، بداعي ذلك الامر الجزمى بالاحتياط، وهذا يكفى في العبادية. وتوضيح ذلك انما يكون ببيان امور 1 - ان الامر ليس على قسمين، تعبدي،

[ 275 ]

وتوصلى، بل الفرق بين القسمين، انما يكون في المتعلق، حيث انه ربما يؤخذ في المتعلق قصد القربة فالواجب تعبدي، وربما لا يؤخذ فيه ذلك فالواجب توصلي، ومعنى الاحتياط في جميع الموارد واحد، وهو اتيان المتعلق بجميع ما يعتبر فيه 2 - انه قد تقدم ان المأخوذ في المتعلق في التعبديات، هو اضافة الفعل الى المولى باى اضافة كانت، ولا يعتبر فيها الاضافة إليه بقصد امره المعين، فلو كان عمل عبادة وصالحا للاستناد الى الله تعالى، واضافه العبد إليه في مقام العمل من غير قصد امره، بل تخيل وجود امر آخر واضافة إليه بتلك الاضافة صح ووقع عبادة. 3 - ان الامر بالاحتياط في العبادات متعلق بذات الفعل المضاف الى المولى سبحانه. إذا تبين هذه الامور، يظهر انه لو اتى بعمل خاص يحتمل كونه مامورا به، بداعي الامر الاحتياطى الاستحبابى فقد تحقق الاحتياط، فانه على الفرض اتى بالعمل مضافا الى الله تعالى، فحال الامر الاحتياطى، حال الامر النذرى، فكما انه لو نذر ان يصلى صلاة الليل، وغفل عن امرها النفسي وقصد الامر النذرى في صلاته، لا اشكال في سقوط الامر بصلاة الليل وامتثاله، للاتيان بها مضافا الى الله تعالى فكذلك في المقام. وهذا الوجه متين، اما على القول بعدم امكان الاحتياط في العبادة بلحاط امرها الواقعي على فرض وجوده، فواضح، واما بناءا على المختار من امكانه كما ستعرف، فلما مر نقله من المحقق النائيني (ره) من ان الامر بالاحتياط يمكن ان يكون مولويا، وحيث ان ظاهر الامر كونه مولويا، فيؤخذ بما هو ظاهر الاخبار من كون الاحتياط مستحبا نفسيا. ويترتب عليه، انه يتجه الفتوى باستحباب العمل الذى يحتمل كونه مامورا به بالامر الواقعي، وان لم يعلم المقلد كون ذلك الفعل مما شك في كونها عبادة، ولم يات به بداعي احتمال المطلوبية، بل قصد الامر الجزمى. واما المورد الثالث: وهو امكان الاحتياط في العبادات بلا احتياج الى امر آخر، وعدمه، فقد قوى جماعة منهم الشيخ الاعظم (ره) العدم، وعللوه، بتوقف العبادة على قصد القربة، المتوقف على العلم بالامر، إذ مع الجهل به لو اتى بها بقصد الامر فهو تشريع محرم، ولو اتى بها بدون قصد الامر، فلم يات بالمأمور به قطعا.

[ 276 ]

وفيه: انه بناءا على أي مسلك من المسالك، فيما هو المناط في عبادية العبادة، من كون اعتبار قصد القربة في المتعلق، بالامر الاول، أو الامر الثاني، أو حكم العقل، لا ريب في ان قصد القربة المعتبر، ليس عبارة عن قصد الامر الجزمى، بل هو عبارة عن اضافة الفعل الى الله تعالى، وحيث ان هذا المعنى يتحقق فيما الو اتى بما يحتمل ان يكون مامورا به، برجاء المطلوبية، بل هذه الاضافة من اقوى الاضافات، ولا يلزم منه التشريع، فامكان الاحتياط ظاهر لا سترة عليه. وان شئت فقل ان مدرك اعتبار قصد القربة كان، هو حكم العقل، أو النص المتضمن لاعتبار النية الصالحة، أو الاجماع، لا دليل على اعتبار ازيد من اضافة الفعل الى الله سبحانه، وهذا يتحقق فيما لو اتى به برجاء المطلوبية، فلا اشكال في امكان الاحتياط في العبادة، بلا احتياج الى امر آخر. قاعدة التسامح في ادلة السنن التنبيه الثالث: إذا كان منشا احتمال الوجوب، أو الاستحباب خبرا ضعيفا، يمكن ان يقال باستحباب ذلك الفعل بلا حاجة الى اخبار الاحتياط، لورود جملة من الاخبار دالة على استحباب فعل دل خبر ضعيف على ترتب الثواب عليه لا حظ، صحيح هشام عن الامام الصادق (ع) من يقله عن النبي (ص) شئ من الثواب فعمله كان اجر ذلك له وان كان رسول الله (ص) لم يقله (1)، وعن البحار ان هذا الخبر من المشهورات رواه العامة والخاصة باسانيد - وخبر محمد بن مروان عن الامام الباقر (ع) من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أو تيه وان لم يكن الحديث كما بلغه (2) ونحوهما غيرهما ولا مورد للبحث في سند هذه النصوص لان منهاما هو صحيح، انما المهم البحث فيما يستفاد منها.


1 - الوسائل باب 18 من ابواب مقدمة العبادات حديث 3. 2 - المصدر المتقدم. (*)

[ 277 ]

وملخص القول فيه ان المحتمل فيه وجوه - الاول - ان يكون مفادها مجرد الاخبار عن فضل الله سبحانه من غير نظر الى حال العمل وانه على أي وجه يقع - وبعبارة اخرى - تكون ناظرة الى حال العمل بعد الوقوع وانه إذا بلغ عن الله سبحانه الثواب يعطيه الله الثواب الذى بلغ العامل وان لم يكن الامر كما اخبره من غير ان تكون ناظرة الى العمل وانه مستحب أو راجح، ولا يثبت بها استحباب، فيعتبر في الخبر الذى يتمسك به للاستحباب، ان يكون واجدا لشرائط الحجية - وعليه - فحيث انها ليست ناظرة الى حال العمل فلا اطلاق لها من هذه الجهة كى يتمسك به بل الظاهر منها العمل معتمدا على البلوغ والعامل لا يعتمد على قول المبلغ الا إذا كان قوله واجدا لشرائط الحجية، فكان واجديته لها اخذت في القضية مفروض الوجود والا لم يصح تفريع العمل على البلوغ. الثاني: ان يكون مفادها الغاء شرائط الحجية في باب المستحبات، وعدم اعتبار العدالة والوثاقة في حجية الخبر في المستحبات. الثالث: ان تكون ارشادا الى حكم العقل بحسن الانقياد في مورد بلوغ الثواب واحتمال المطلوبية. الرابع: ان يكون مفادها الاستحباب بعنوان بلوغ الثواب بحيث يكون هذا العنوان من العناوين الموجبة لحدوث المصلحة في الفعل الموجبة لتعلق امر استحبابى به. اما الاحتمال الاول: فيدفعه ان الظاهر من الاخبار ورودها في مقام الحث والترغيب الى الفعل لا بيان العمل بعد وقوعه والموضوع المأخوذ في النصوص البلوغ عن النبي (ص) أو الله تعالى لا الصدور حتى تكون ظاهرة في الوصول الجزمى حقيقة أو حكما. واما الاحتمال الثاني: فيدفعه ان جعل الحجية عبارة عن جعل الطريقية والكاشفية، ويكون لسان دليله، لسان الغاء الشك، وارائة الواقع لا ترتب شئ على المشكوك فيه، مع بقاء الشك كما في المقام، لا حظ قوله (ع) وان كان رسول الله (ص) لم يقله. واما الاحتمال الثالث: فيدفعه ان نصوص الباب سيما صحيح هشام انما تدل على ترتب الثواب على نفس العمل الذى بلغ عليه الثواب برواية ضعيفة غير معتبرة ولا اشكال

[ 278 ]

في انه لا يترتب عليه الثواب بحكم العقل بل الثواب بحكمه مترتب على العمل الماتى به بداعي احتمال المطلوبية فحكم الشارع بترتب الثواب على نفس الفعل مطلقا، لا يمكن ان يكون ارشادا الى حكم العقل. فيتعين الرابع وقد ظهر وجهه مما اسلفناه، وحاصله ان هذه الاخبار انما تدل على ترتب الثواب على نفس العمل الذى بلغ عليه الثواب، فحيث ان نفس العمل من دون الاستحباب لا معنى لترتب الثواب عليه فلا محالة يستكشف منها استحباب العمل، فما عن المشهور من التسامح في ادلة السنن مرادهم ذلك. واورد على ذلك بايرادات - الاول - انه يعارض هذه النصوص ما دل على عدم حجية خبر غير الثقة. وفيه: اولا ان هذه الاخبار مختصة بباب المستحبات، فالنسبة عموم مطلق، فعلى فرض التعارض تقدم هذه - وثانيا - انه قد عرفت ان مفاد هذه النصوص ليس حجية خبر الضعيف في باب المتسحبات، بل استحباب العمل بالعنوان الثانوي، فلا تنافى بينهما لعدم ورود النفى والاثبات على شئ واحد، فكما لا تعارض بين ما دل على عدم حجية قول الفاسق، وبين استحباب قضاء حاجته كذلك، لا تنافى بين ما دل على عدم حجيته، ونصوص الباب. الثاني: ان هذه المسالة مسالة اصولية لا يكتفى فيها باخبار الاحاد. وفيه: اولا ان مالا يكتفى فيه بخبر الواحد، هو اصول العقائد لا اصول الفقه، كيف وان حجية الاستصحاب تثبت بخبر الواحد، وثانيا: ان صاحب الحدائق (ره) ادعى تواتر هذه النصوص، وثالثا: انه قد مر انها لا تدل على حجية ما دل على الاستحباب، بل على استحباب نفس العمل فمفادها قاعدة فقهية، غاية الامر من القواعد الفقهية التى يكون امر تطبيقها على مواردها بيد المجتهد، والمقلد لا يقدر على ذلك بحسب الغالب نطير قاعدة لا ضرر. الثالث: انه في بعض النصوص فرع العمل على بلوغ الثواب، وظاهر ذلك ترتب الثواب على العمل الماتى به بعنوان الرجاء والاحتياط الذى يحكم العقل بترتب الثواب

[ 279 ]

عليه. وفيه: انه بناءا على كون مفاة النصوص استحباب العمل لا ريب في كون بلوغ الثواب من مقومات الموضوع ويكون ذلك متقدما على الحكم وعليه فيكون مفاد هذا النص منطبقا على ساير النصوص ولا يدل على ان المستحب بعد البلوغ اتيان العمل بكيفية خاصة كاتيانه بداعي احتمال الامر بل من ترتب الثواب عليه بقول مطلق يستكشف استحبابه كذلك وبالجملة فرق بين اتيان العمل برجاء المطلوبية وبين ترتب العمل على البلوغ الذى هو مفاد هذا النص. الرابع: انه في بعض النصوص قيد اتيان العمل بقوله التماسا للثواب وطلبا لقول النى (ص) وهذا يقتضى اختصاص الحكم بما إذا اتى به برجاء المطلوبية. اقول بعد التحفظ على امرين احدهما ان الفعل الذى لا نفع دنيوى فيه ولا يكون للمكلف داع، من قبل نفسه لاتيانه، لا بد في الاتيان به من داع آخر، وذلك الداعي بحسب الغالب في الواجبات هو الطمع في الثواب، أو الفرار من العقاب، وفى المستحبات خصوص الاول - ثانيهما - ان الطمع في الثواب بنفسه لا يكون داعيا الى العمل بلا وساطة شئ آخر لانه لا يترتب على العمل الماتى به بداعي درك الثواب، لانه مما يترتب على العمل الماتى به قريبا، فلا بد من توسيط القربة واضافة الفعل الى المولى بوجه. ان النص، انما يدل على ترتب الثواب على ما لو اتى بالفعل بداعي ترتب الثواب، وهذا لا ينافى استحبابه مطلقا وفى نفسه لانه إذا لم يكن الفعل مما يشتاق إليه الانسان بطبعه كان داعيه الى الاتيان به ترتب الثواب عليه بتوسيط قصد القربة واتيانه مضافا الى المولى كما هو الشان في المستحبات القطعية بحسب الغالب إذ فرض كون الداعي اهلية المولى للعبادة فرض نادر، والخبر ناظر الى حال الغالب، فالخبر قيد فيه هذا القيد لبيان امر واقعى، وهو كون الداعي لاتيان المستحب ترتب الثواب عليه، وحيث انه لم يقيد العمل في النص بما إذا اتى به برجاء المطلوبية فيستفاد منه ترتبه عليه لو اتى به بداعي الامر الجزمى، فيكون كاشفا عن الامر الاستحبابى، فيكون وزان هذه النصوص حينئذ

[ 280 ]

وزان ما دل على استحباب جملة من الاشياء بلسان ترتب الثواب عليها. مع انه لو سلم كون مفاد هذه النصوص المتضمنة لتفريع العمل على بلوغ الثواب، واتيانه طلبا لقول النبي (ص) والتماسا للثواب الموعود ترتب الثواب على العمل الماتى به برجاء درك الواقع لا محالة يكون ارشادا محضا الى ما يحكم به العقل من حسن الانقياد، ومعه لا معنى لكونه مقيدا للنصوص المطلقة المستفاد منها الحكم المولوي من ترتب الثواب على ذات العمل، لعدم الارتباط بينهما. وما ذكرناه في الجواب عن الاشكالين الاخبرين، انما هو على ما سلكناه في مبحث التجرى من ان الثواب والعقاب على الانقياد والتجرى، انما يكونان على الفعل المتجرى به أو المنقاد به. واما على مسلك الشيخ الاعظم (ره) من عدم الثواب والعقاب عليهما وانما هما كاشفان عن حسن سريرة الفاعل وقبحها، ومسلك المحقق الخراساني من انهما على مقدمات الفعل لا على نفسه فلا يحتاج الى هذا التطويل، فانه في الاخبار باجمعها حتى المقيد منها لو كان انما رتب الثواب على الفعل، وحيث ان الثواب على الفعل مختص بما إذا كان واجبا أو مستحبا فلا محالة يستكشف استحبابه. وبذلك يظهر ان ما افاده الشيخ الاعظم (ره) من حمل هذه الاخبار باجمعها على الارشاد الى احكم العقل لا يتم على مسلكه. كما ان ما ذكره المحقق الخراساني في الاخبار المتضمنة للقيد من كونها ارشادا الى حكم العقل لكنها لا توجب تقييد اطلاق الاخبار الاخر لا يتم على مسلكه. تتميم في بيان امور وتمام الكلام في هذا التنبيه، ببيان امور، الاول: ان الظاهر من الاخبار بناءا على المختار من استفادة الاستحباب منها، انما هو موضوعية، البلوغ لهذا الحكم، وعليه فيشكل افتاء الفقيه باستحباب عمل قام على استحبابه خبر ضعيف مطلقا، بل لا بد وان

[ 281 ]

يفتى به لمن بلغه الثواب، فالمقلد الذى لم يبلغه الثواب لا يكون هذا الحكم ثابتا له فكيف يفتى بالاستحباب - نعم - لو اخبر اولا بورود ضعيف على رجحانه صح له الافتاء باستحبابه بعده - ودعوى - ان المجتهد انما يكون نائبا عن المقلد في استنباط الاحكام منها هذا الحكم - مندفعة - بانه انما يكون نائبا عنه في الحكم الثابت للمقلد ايضا، واما الحكم المختص بطائفة خاصة فنيابة المجتهد لا تجدى في ثبوت الحكم لغير تلك الطائفة وحيث ان هذا الحكم مختص بمن بلغه الثواب فلا يثبت الاستحباب لغير من بلغه وليس للمجتهد الافتاء به له - اللهم - الا ان يستفاد من الاخبار ان البلوغ اعم من البلوغ للمقلد نفسه والبلوغ للمجتهد الذى يقلده. الثاني: ان هذه الاخبار كما تشمل ما لو قام خبر ضعيف على الثواب، كذلك تشمل ما لو قام على استحبابه أو وجوبه، إذ في الموردين يخبر الراوى عن الاستحباب أو الوجوب مطابقة، وعن ترتب الثواب على فعله التزاما، فيكون مشمولا لاخبار من بلغ لان الموضوع فيها اعم من كون البلوغ بالمطابقة أو الالتزام، وكونه دالا بالالتزام في المورد الثاني على ترتب العقاب على تركه ايضا، لا يمنع من ذلك لانه لا يثبت بالخبر الضعيف. الثالث: عنوان المسألة في كلمات القوم يقتضى اختصاص الحكم بالمستحبات فلا يتسامح في ادلة المكروهات، ولكن الشيخ الاعظم (ره) قال في الرسالة التى صنفها في هذه المسألة ان المشهور الحاق الكراهة بالاستحباب، وصاحب الفصول قال في عنوان المسالة قد تداول بين اصحابنا التسامح في ادلة السنن والمكروهات، وعن الشهيد في الذكرى دعوى الاجماع عليه. قد استدل للتعميم بوجوه 1 - ان دليل الكراهة يدل بالالتزام على ترتب الثواب على الترك فيشمله الاخبار 2 - تنقيح المناط فان المستفاد من النصوص التسامح في ادلة الاحكام غير اللزومية وانه لا يعتبر في اثباتها ما يعتبر في الاحكام اللزومية 3 - عموم لفظ الفضيلة في النبوى المروى عن طرق العامة عن عبد الرحمن الحوائى رفعا عن جابر بن عبد الله الانصاري قال رسول الله (ص) من بلغه من الله فضيلة فاخذ بها وعمل بها ايمانا بالله ورجاء ثوابه اعطاه الله ذلك وان لم يكن كذلك 4 - عموم لفظ الشئ في الاخبار للفعل

[ 282 ]

والترك 5 - عموم قول الامام الصادق (ع) في ما عن كتاب الاقبال لابن طاووس - من بلغه شئ من الخير - فانه اعم من بلوغه على الفعل أو الترك 6 - ان ترك المكروه مستحب فيشمله الاخبار 7 - ظاهر اجماع الذكرى. وفى الكل مناقشة اما الاول: فلا ظاهر الاخبار ترتب الثواب على الفعل كما يشهد له التفريع عليه بقوله (ع) فعمله أو فصنعه فلا تشمل البلوغ على الترك واما الثاني فلان المناط المشار إليه ظنى لا يصلح لاثبات الحكم الشرعي. واما الثالث: فلعدم الاعتماد على سنده، مع انه مذيلذ بقوله وعمل بها الظاهر في الفضيلة في الفعل، وبه يظهر ما في الرابع والخامس: واما السادس: فلان ترك المكروه ليس مستحبا، واما السابع: فلعدم ثبوت الاجماع وعدم حجيته على تقدير ثبوته لمعلومية المدرك، فالاظهر هو الاختصاص بالفعل المستحب كما هو ظاهر الاخبار. الرابع: هل يلحق بالخبر الضعيف فتوى الفقيه كما هو ظاهر المحقق في المعتبر في مسالة الصلاة الى انسان مواجه فيثبت استحباب العمامة مع التحنك في الصلاة لفتوى مشايخ الصدوق ام لا ؟ كما هو ظاهر الاكثرين وجهان، اقواهما الثاني: لان الظاهر من البلوغ هو البلوغ بطريق الحس دون الحدس والاجتهاد. نعم يلحق بالخبر فتوى من لا يفتى الا بمتون النصوص كما في كثير من القدماء فان فتواه حينئذ ابلاغ للخبر، ولو شك في ذلك فالاظهر عدم ثبوت الاستحباب للشك في صدق الموضوع. وبذلك يظهر ما في كلام الشيخ الاعظم في الرسالة حيث قال ان كان يحتمل ذلك استناده في ذلك الى الشارع اخذ به لصدق البلوغ باخباره. فانه يرده انه مع هذا الاحتمال يحتمل البلوغ لا انه يصدق البلوغ، واولى من ذلك في عدم الثبوت ما لو علم استناد المفتى الى قاعدة عقلية نظير ما حكى عن الغزالي من الحكم باستحقاق الثواب على فعل مقدمة الواجب فان الظاهر استناده في ذلك الى قاعدة تحسين العقل للاقدام على تهيئ مقدمات الواجب. وبه يظهر ضعف ما افاده المحقق القمى في القوانين من امكان كون ذلك منشئا

[ 283 ]

للتسامح. واولى من الكل ما لو علم خطاء المجتهد في المستند بان علمنا انه استند الى رواية لا دلالة فيها. الخامس: إذا ورد خبر ضعيف دال على استحباب عمل ودل خبر آخر على عدم استحبابه، فان كان ذلك الخبر غير معتبر فلا اشكال في شمول الاخبار له. وان كان معتبرا فقد يتوهم عدم شمول الاخبار له نظرا الى ان مقتضى دليل اعتباره تتميم الكشف والغاء احتمال الخلاف والقطع التعبدى بعدم الاستحباب ولازمه رفع موضوع اخبار التسامح وهو البلوغ مع احتمال المصادفة فلا تجرى تلك الاخبار. واجاب عنه المحقق العراقى بانه لا تعارض بينهما حيث لا يرد النفى والاثبات فيهما على موضوع واحد لان ما تثبته اخبار التسامح هو استحباب العمل بعنوان بلوغ الثواب وهذا مما لا ينفيه ذلك الدليل المعتبر فان ما ينفيه انما هو استحبابه بعنوانه الاولى. وفيه: ان المدعى ليس هو التنافى بين الدليلين، بل ان دليل اعتبار ذلك الخبر المعتبر يوجب رفع موضوع اخبار التسامح. وبه يظهر ان ما افاده الشيخ الاعظم (ره) من ان التنافى انما يكون بين ادلة حجية ذلك الدليل واخبار الباب وانهما يتساقطان، في غير محله. والحق في الجواب ان يقال انه لم يؤخذ احتمال المصادفة للواقع في موضوع اخبار الباب حتى يكون ذلك الدليل رافعا لموضوع اخبار التسامح، بل الموضوع هو بلوغ الثواب غاية الامر يكون منصرفا عما لو علم وجدانا بخطائه، وانه يعتبر الاحتمال الوجداني غير المرتفع بذلك الدليل، وعليه فمقتضى اطلاق اخبار التسامح ثبوت الاستحباب في الفرض، وحيث ان الخبر المعتبر يدل على عدم استحباب الفعل بعنوانه الاولى، واخبار الباب تدل على استحبابه بالعنوان الثانوي وهو بلوغ الثواب عليه فلا تعارض بينهما، وكما تعارض بين ذلك الدليل المعتبر واخبار الباب كذلك، لا تعارض بين ادلة حجية ذلك الخبر واخبار التسامح، فما افاده الشيخ من تسليم التعارض والحكم بالتساقط، في غير محله كما مر.

[ 284 ]

السادس: إذا دل خبقر ضعيف على استحباب عمل دل الدليل المعتبر بعمومه أو اطلاقه على حرمته كما لو دل خبر ضعيف على استحباب ايذاء المؤمن في ليلة التاسع من الربيع، فهل يشمله اخبار الباب لاطلاقها، ام لا ؟ وجهان. قد استدل للثاني بوجهين احدهما انصراف النصوص عما دل الدليل على عدمه. وفيه: ان الانصراف عما علم وجدانا خطأه لا اشكال فيه - واما الانصراف عما علم عدمه تعبدا - فلو سلم فهو بدوى لا اعتبار به. الثاني: انه بالدليل المعتبر يعلم بعدم الثواب عليه تعبدا فكيف يمكن القول بشمول الاخبار له المتوقف على احتمال الثواب. وفيه: ان الموضوع بلوغ رواية ضعيفة دالة على ترتب الثواب عليه مع الاحتمال الوجداني بالاستحباب كما مر وهذا لا ينفيه دليل التحريم - فالاظهر شمول الاخبار له -. وعليه فيقع التعارض بين دليل الحرمة ودليل الاستحباب. وقد يقال كما عن الشيخ الاعظم (ره) في مبحث الغناء من مكاسبه بانه يقدم الاول: فان دليل الاستحباب، انما يتضمن ثبوت الحكم لوجود جهته المقتضية له مع عدم تحقق ما يقتضى الالزام بترك مورده، فالفعل انما يتصف بالاستحباب إذا خلى في طبعه عما يقتضى الحرمة، فمع طرو عنوان ملزم لتركه يكون محرما ولا يقاومه دليل الاستحباب. اقول ان ما ذكره يتم في موارد، احدها ما إذا وقعت المزاحمة بين الدليلين في مقام الامتثال من دون ان يتصادفا على مورد واحد، كما لو وقعت المزاحمة بين وجوب الصوم واستحباب قرائة القرآن إذا لم يتمكن من الجمع بينهما، إذا دليل الالزام يكون معجزا عن دليل الاستحباب، ثانيها: ما إذا كان الموضوع واحدا ولكن كان الحكم غير الالزامي مشروطا بان لا يلزم من موافقته مخالفة حكم الزامي كقضاء حاجة المؤمن، لان استحبابه مقيد بعدم لزوم فعل الحرام من امتثاله، وعليه يبتنى عدم توقف احد في انه لا يجوز شئ من المحرمات بعنوان قضاء حاجة المؤمن، ثالثها: ما إذا كان الحكم غير الالزامي، مترتبا على الشئ بعنوانه الاولى والحكم الالزامي متعلقا به بعنوانه الثانوي. واما في غير هذه الموارد، وهو ما إذا كان الثابت في الواقع حكما واحدا، وكانت

[ 285 ]

الادلة متعارضة في ثبوت الحكم الالزامي أو غير الالزامي، بنحو التباين أو العموم من وجه، فلا وجه لدعوى تقديم دليل الحكم الالزامي، الا دعوى احد امور ثلاثة على سبيل منع الخلو، احدها: عدم ثبوت الاطلاق لدليل الحكم غير الالزامي بنحو يشمل موردا قام فيه دليل على حكم الزامي، ثانيها انصرافها عن هذا المورد، ثالثها: ظهوره في تقييد ما تضمنه من الحكم بعدم المخالفة للحكم الالزامي: والكل كما ترى. واما دعوى ان مقتضيات الاحكام الترخيصية لا تصلح لمزاحمة مقتضيات الاحكام الالزامية، فاجنبية عن المقام إذ تلك انما هي فيما إذا ثبت المقتضيان، وهو في الفرض معلوم العدم لفرض التعارض بين الدليلين، ولا اقل من عدم المعلومية، وعليه فحيث ان ما نحن فيه ليس من قبيل الموارد الثلاثة، الاول كما هو واضح، فان قلنا بانه في التعارض بالعموم من وجه بين الدليلين يتساقط الاطلاقان ففى المقام يتساقط الدليلان، ويرجع الى اصالة الاباحة، وان قلنا انه يرجع الى اخبار الترجيح، فيقدم دليل الحرمة للشهرة التى هي اول المرجحات. السابع: لو دل خبر ضعيف على موضع من الموضوعات التى يترتب عليها الحكم الاستحبابى كما لو دل خبر ضعيف على مسجدية موضع خاص، فهل يشمله اخبار من بلغ من جهة انه بالملازمة يخبر عن الحكم الاستبحابى المترتب عليه كاستحباب الصلاة في ذلك الموضع في المثال، ام لا ؟ قد استدل للثاني: بان الظاهر من اخبار الباب اختصاصها بما إذا اخبر عن النبي (ص) بما هو نبى، لا بما انه بشر، والاخبار عن مسجدية موضع خاص ليس من شانه بما انه نبى، كما ان اخباره باستحباب الصلاة فيه بالملازمة ليس من شئون النبي، فان وظيفته بيان الاحكام الكلية مثل استحباب الصلاة في المسجد. وفيه: ان كثيرا من الاخبار ليس فيها من بلغه عن النبي، بل هي مطلقة لا حظ صحيح هشام عن الامام الصادق (ع) من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له وان

[ 286 ]

لم يكن على ما بلغه (1)، ومثله ما رواه الصدوق عن الكليني بطرقه الى الائمة عليهم السلام (2) ونحوهما غيرهما - وعليه فالاظهر هو الشمول لاطلاق الاخبار نظرا الى الملازمة المشار إليها. اضف إليه ما افاده الشيخ (ره) من تنقيح المناط على القول بعدم شمولها باطلاقها له، إذ من المعلوم عدم الفرق بين ان يعتمد على خبر الشخص في استحباب العمل الفلاني في هذا المكان كبعض اماكن مسجد الكوفة وبين ان يعتمد عليه في ان هذا المكان هو المكان الفلاني الذى علم انه يستحب فيه العمل الفلاني انتهى، وعلى ذلك فيشمل اخبار الباب النصوص الضعيفة الواردة في تشخيص مدفن الانبياء والاولياء واولادهم، والواردة في تشخيص المقامات في مسجد الكوفة، والوارد في رأس سيد الشهداء عند امير المؤمنين عليهما السلام وما شاكل. الثامن: هل يشمل الاخبار لنقل فضيلة من فضائل المعصومين عليهم السلام، أو مصيبة من مصائبهم التى لم يقم على ثبوتها دليل معتبر، بل وردت بها رواية ضعيفة فيتنقل من دون ان تنسب الى الحكاية على حد الاخبار بالامور الواردة بالطرق المعتبرة، بان يقال كان امير المؤمنين يقول كذا ويفعل كذا ويبكى كذا، ونزل على سيد الشهداء كذا وكذا، كما عن غير واحد، بل ظاهر الشهيد في الذكرى حيث قال ان اخبار الفضائل يتسامح فيها عند اهل العلم، كونه مسلما عند القائلين بالتسامح، وعن الشهيد الثاني في الدراية جوز الاكثر العمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ وفضائل الاعمال الى ان قال وهو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حد الوضع والاختلاق ام لا ؟ وجهان. قد استدل للثاني بوجهين احدهما: ان الخبر الضعيف في المورد لا يكون متضمنا لترتب الثواب على شئ وانما مفاد ثبوت الموضوع لما دل على نقل فضائلهم ومصائبهم، وما دل على استحباب ذلك انما هو اخبار صحيحة معتبرة لا حاجة معها الى اخبار من بلغ الا انه لا تثبت الموضوع.


1 - الوسائل باب 18 من ابواب العبادات. 2 - المصدر المتقدم. (*)

[ 287 ]

الثاني: ان نقل ما لم يثبت حرام شرعا، لكونه من الكذب المحرم، وقد مر ان الاخبار لا تشمل ما لو كان العمل الذى دل الخبر الضعيف على ترتب الثواب عليه محرما بمقتضى عموم دليل معتبر أو اطلاقه، ولكن يرد على الثاني: ان الكذب المحرم هو ما لو كان الخبر بما له من المراد الاستعمالى للمتكلم مخالفا للواقع فما لا علم بمخالفة للواقع لا يصدق عليه الكذب، بل هو محتمل لكونه كذبا فمع الشك في الموضوع لا يشمله ادلة حرمة الكذب، فان قيل لازم ذلك جواز الاخبار به حينئذ للشك في الحرمة فيشمله ادلة البرائة، اجبنا عنه: بان العلم الاجمالي بمخالفته أو الاخبار بنقيضه للواقع، يمنع عن الاخبار به، فعلى هذا حيث تكون اخبار من بلغ مرخصة في المخالفة الاحتمالية لهذا العلم الاجمالي، وقد مر انه لا مانع من الترخيص في المخالفة الاحتمالية فلا محذور في الحكم باستحباب نقل الفضائل والمصائب مستندا الى تلكم الاخبار. ويرد على الاول ما تقدم في التنبيه السابق من ان النصوص تشمل الاخبار عن الموضوع. وعلى هذا فما افاده الشيخ الاعظم في رسالة التسامح ان العمل بكل شئ على حسب ذلك الشئ وهذا امر وجدانى لا ينكر ويدخل فيها فضائل اهل البيت ومصائبهم ويدخل في العمل الاخبار بوقوعها من دون نسبة الى الحكاية - الى ان قال - والدليل على جواز ما ذكرناه من طريق العقل حسن العمل بهذا مع امن المضرة فيها على تقدير الكذب واما من طريق النقل فرواية ابن طاووس والنبوى مضافا الى اجماع الذكرى المعتضد بحكاية ذلك من الاكثر انتهى، حسن ومتين. وربما يستدل له كما عن الفاضل النراقى بما دل على رجحان الا بكاء، وذكر الفضائل والمناقب، والاعانة على البر والتقوى، ولكن بما ذكرناه في الاستدلال لعدم الشمول يظهر ما فيه. التاسع: الظاهر عدم الفرق - كما صرح به غير واحد - بين وجود الخبر في كتب الخاصة ومرويا من طرقهم، أو كونه مرويا من طرق العامة، لاطلاق الاخبار. واستدل للاختصاص بان لازم التعميم العمل بما رواه المخالفون وقد ورد المنع

[ 288 ]

من الرجوع إليهم. ويرد عليه اولا انه لو تم لكان واردا على من يرى ان مرجع التسامح الى حجية خبر الضعيف في باب السنن، واما على ما اخترناه من ان مفاد النصوص استحباب العمل بالعنوان الثانوي فلا مورد له اصلا لعدم كونه رجوعا إليهم اصلا، وثانيا: انه لا يتم لما افاده الشيخ (ره) من ان الممنوع هو الرجوع إليهم في اخذ الفتوى واما مجرد الرجوع الى كتبهم لاخذ الروايات والاداب والسنن فنمنع قيام الدليل على منعه وتحريمه. العاشر: لو ورد خبر ضعيف على اعتبار خصوصية في المستحب الثابت في الشريعة كالوارد مثل في اعتبار الغسل في الزيارة الجامعة، فهل يحمل المطلق عليه، ام لا ؟ قد يقال بانه على القول بان اخبار التسامح تدل على الغاء شرائط الحجية وتدل على حجية الخبر الضعيف لا بد من البناء على الحمل وهو واضح، واما على القول بانها تدل على الاستحباب بالعنوان الثانوي فيشكل الحكم بالتقييد فان غاية ما يثبت بها حينئذ هو الاستحباب بالعنوان فيكون ما قام الخبر على استحبابه مستحبا في مستحب. ولكن يرد عليه ان الظاهر من الاخبار استحباب الشئ على النحو الذى دل الخبر الضعيف عليه من كونه نفسيا أو قيدا لمركب، وعليه فيثبت بالخبار التسامح قيدية ما تضمنه الخبر الضعيف غاية الامر بالعنوان الثانوي. الحادي عشر: إذا دل خبر ضعيف على استحباب عمل ودل خبر ضعيف آخر على حرمته أو كراهته، فان بنينا على عدم شمول النصوص للخبر الضعيف الدال على مرجوحية فعل لا اشكال في ثبوت الاستحباب في الفرض لان ما دل على المرجوحية حينئذ كالعدم، وما افاده المحقق النائيني من انصراف النصوص الى مورد ورد فيه الثواب خاصا ولا يشمل المقام، غير ظاهر الوجه، وان بنينا على شمولها له وثبوت استحباب الترك بها، فعن الشهيدين والشيخ وقوع التزاحم بين ما دل على استحباب الفعل وما دل على استحباب الترك فيكون المقام من قبيل صوم يوم عاشوراء الذى يكون فعله وتركه مستحبين. ولكن الاظهر ان ما افاده وان تم فيما إذا كان الفعل عباديا فان الفعل والترك

[ 289 ]

حينئذ من الضدين الذين لهما ثالث فيمكن الالتزام باستحبابهما بنحو الترتب، ولكنه لا يتم فيما إذا كان الفعل كالترك غير عبادي فانه لا يعقل استحباب النقيضين بنحو الترتب في مقام الثبوت فلا محالة يقع التعارض بينهما ولا بد من اعمال قواعد ذلك الباب. ثمرة هذا البحث الثاني عشر: في بيان ثمرة هذا البحث وذكر الشيخ في بيان الثمرة موردين. الاول: جواز المسح ببلة المسترسل من اللحية لو دل خبر ضعيف على استحباب غسله في الوضوء، بناءا على ثبوت الاستحباب الشرعي بالخبر الضعيف، وعدم جواز المسح بها بناءا على عدم ثبوته لعدم كونه من اجزاء الوضوء حينئذ، واورد على ذلك بوجهين. 1 - ما افاده المحقق الخراساني في التعليقة قال ان المسح لا بد من ان يكون من بلل الوضوء ولا يصح ببلل ما ليس منه ولو كان مستحبا فيه انتهى، وحاصله ان المسح لا يصح ببلة غير ما ثبت جزئيته للوضوء وغسل المسترسل لو ثبت استحبابه فهو مستحب مستقل لا جزء للوضوء. وفيه: ان الظاهر من اخبار المسالة استحباب الشئ على النحو الذى دل عليه الخبر الضعيف، من كونه مطلوبا مستقلا، أو جزءا للمركب، فإذا دل الخبر على استحباب غسل المسترسل بالامر الضمنى وجزءا للوضوء كان مفاد اخبار من بلغ ثبوته كذلك، وان شئت فقل انه يثبت بالاخبار استحباب الشئ بعنوان بلوغ الثواب به، ومنه يستكشف امر به، والامر بالجزء ظاهر في الجزئية كما هو الشان في جميع الموارد. 2 - انه لم يدل على جواز المسح برطوبة كل جزء من اجزاء الوضوء، بل دل على المسح برطوبة الوجه والمسترسل من اللحية خارج عن حد الوجه، ولعل هذا مراد الشيخ الاعظم (ره) حيث قال ويحتمل قويا المنع من اخذ البلل حتى بناءا على كونه مستحبا شرعيا، وتمام الكلام في ذلك في الفقه.

[ 290 ]

الثاني: لو دل خبر ضعيف على استحباب الوضوء لغاية من الغايات، إذ بناءا على ثبوت الاستحباب يكون ذلك الوضوء مستحبا ورافعا للحدث، وبناءا على عدمه لا يكون رافعا - والايراد عليه - بانه ليس كل وضوء مستحب رافعا، فان وضوء الجنب للنوم مستحب غير رافع، وكذا لاعادة الجماع، مندفع: بان ما ذكر من موارد النقض فانما هو في فرض عدم امكان رفع الحديث بالوضوء لانه الاكبر، واما إذا كان الحدث اصغر فلا اشكال في ارتفاعه بالوضوء المستحب. ولكن الذى يرد على ذلك ان الوضوء مستحب نفسي فلو توضأ للغاية المفروضة بما انه يقصد الوضوء، لا محالة يكون وضوئه رافعا للحدث، وان لم يثبت الاستحباب باخبار الباب. فتحصل انه لا ثمرة لهذا البحث الا من ناحية فتوى الفقيه باستحباب العمل، واتيان المقلد به بقصد الامر على القول بثوبت الاستحباب، ولا يجوز شئ منهما على القول الاخر. جريان البرائة في الشبهة التحريمية الموضوعية التنبيه الرابع: اتفق الاصولين والاخباريون، على ان مقتضى الاصل في الشبهة الموضوعية التحريمية هو الاباحة، وعدم وجوب الاجتناب عنها، ويشهد به مضافا الى اطلاق ادلة البرائة خصوص جملة من الاخبار على ما تقدم، وقد يتوهم عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان فيها، وانها تختص بالشبهات الحكمية: لان مورد القاعدة ما إذا لم يبين الشارع الحكم اصلا، وفى الشبهة الموضوعية بين الشارع الحكم، مثلا لو شك في كون مايع خمرا أو ماءا، فقد بين الشارع حكم الخمر وانما الشك يكون في امتثال ذلك التكليف فيجب حينئذ الاجتناب عن كل ما يحتمل خمريته من باب المقدمة العلمية، فالعقل لا يقبح العقاب إذا صادف الحرام الواقعي. - وبعبارة اخرى -: ان مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان انما هو ما إذا لم يردد بيان

[ 291 ]

من الشارع وفى الشبهة الموضوعية البيان الذى وظيفة الشارع تحقق ووصل الى المكلف، لان وظيفة بيان الاحكام الكلية، والشك في الحكم ليس لاجل الشك في البيان من جهة الشك في صدق الصغرى، وبيان الصغريات ليس وظيفة الشارع فلا مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل المرجع قاعدة الاشتغال، إذ العلم باشتغال الذمة بالكبرى الكلية المجعولة يقتضى العلم بالبرائة اليقينية، والفراغ اليقيني، وذلك لا يحصل الا باجتناب المشكوكات ايضا. واجاب عنه الشيخ الاعظم بالنقض بالشبهات الحكمية، وان ما ذكر من التوهم جار فيها ايضا لان العمومات الدالة على حرمة الخبائث والفواحش وما نهيكم عنه فانتهوا تدل على حرمة امور واقعية يحتمل كون شرب التتن منها. ويرد على ان منشا الاشكال لو كان هو ما افاده من ان الترك في الشبهة الموضوعية مقدمة علمية للامتثال صح ما افاده، ولكن قد عرفت ان منشا الاشكال شئ آخر، وهو ان بيان المصاديق ليس وظيفة المولى، وعليه فالشبهة المصداقية في مورد النقض بما ان رفع الشبهة فيها وبيان الحكم وظيفة المولى، فمع الشك يجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان وهذا بخلاف الشبهة المصداقية في موارد الشبهات الموضوعية كما تقدم. واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بما حاصله ان النهى الذى هو طلب للترك، يتصور على وجهين - الاول - طلب ترك الطبيعة السارية بان يكون الملاك في كل ترك، ويكون الحكم انحلاليا، وفى مثل ذلك تعلق التكليف بالافراد المعلومة معلوم، وتعلقه بالمشكوك فيه، غير معلوم، فيجرى فيه البرائة - الثاني - طلب ترك الطبيعة بنحو يكون المطلوب شيئا واحدا، وهو ترك جميع الافراد، وخلو صفحة الوجود عنها وفى مثله لا بد من الاحتياط ولا تجرى البرائة عن الفرد، لفرض ان المطلوب شئ واحد واللازم احراز الترك ولا يكاد يحرز الا بترك المشتبه. ويرد عليه امران 1 - ان النهى ليس عبارة عن طلب الترك بل عبارة عن الزجر عن الفعل، إذا الطلب ناش عن المصلحة في المطلوب كان هو الفعل أو الترك، وهو الامر،

[ 292 ]

والنهى انما يكون ناشئا عن المفسدة في المنهى عنه وهو زجر عن الفعل. 2 - انه لو سلم كون النهى هو طلب الترك كما تجرى البرائة في الصورة الاولى كذلك تجرى في الثانية وذلك يبتنى على بيان مقدمة. وهى انه كما يكون وجود الطبيعي بوجود افراده لا امرا متحصلا عنها كذلك يكون عدم الطبيعي باعدام افراده لا امرا متحصلا عنها، وعليه فإذا كان المطلوب عدم الطبيعة بالنحو الثاني كان المطلوب هو اعدام افراده، وحيث انها متعددة وكل عدم مطلوب بطلب ضمنى، فعلى القول بجريان البرائة في الشك في الاقل والاكثر تجرى البرائة عن مطلوبية عدم ما شك في فرديته للعلم بمطلوبية ساير الاعدام، والشك في مطلوبيته والبرائة تقتضي عدم مطلوبيته. واجاب المحقق النائيني (ره) عن الاشكال، بما حاصله: ان النهى المتعلق بطبيعة متعلقة بموضوع خارجي كلا تشرب الخمر تتصور على نحوين - احدهما - السالبة المحصلة بان يكون كل فرد من افراد الخمر فيه مفسدة مستقلة موجبة للزجر عنه، وفى مثله تجرى البرائة في الشبهة الموضوعية إذ العقاب، انما يترتب فيما إذا علم بوجود ذلك الموضوع في الخارج، وما لم يعلم لا يصح العقاب على مخالفة ذلك التكليف، لان تنجز التكليف في هذه الموارد، انما يكون بالعلم بالكبرى، والعلم بالصغرى معا ومجرد العلم بالكبرى لا يجدى، إذ العقاب انما يترتب على العلم بالتكليف الفعلى، وعليه فلا محالة ينحل التكليف المجعول بالنحو الكلى الى احكام عديدة مجعولة على نحو القضية الحقيقية، فمع الشك في صدق الموضوع يشك في فعلية الحكم ومعه يرجع الى البرائة - ثانيهما - الموجبة المعدولة المحمول، كان يقال كن لا شارب الخمر، وفى مثله لا تجرى البرائة، إذ متعلق هذا التكليف هو كان المكلف واجدا لوصف اللا شاربية، فلو شك في خمرية شئ يشك لا محالة في حصول هذا الوصف مع عدم تركه فيرجع الشك الى الشك في الامتثال. ويرد عليه اولا، ان التكليف الفعلى إذا لم يكن معلوما انما يقبح العقل العقاب على مخالفته إذا كان ذلك عن قصور من ناحية المولى في مقام الجعل أو الايصال، واما

[ 293 ]

إذا فرضنا ان المولى عمل بوظيفته وبين الحكم وجعله في معرض الوصول الى المكلف ووصل، وكان منشا الشك اشتباه الامور الخارجية فلا يقبح من المولى العقاب على مخالفته إذ ليس بيان المصاديق وتعيين الجزئيات وظيفة المولى ولا يقبح منه ترك هذا البيان فإذا تم من قبله البيان انقطع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان. وثانيا: يرد عليه ما اوردنا على المحقق الخراساني، فان عدم الطبيعة إذا كان عين اعدام افراده، كان معنى، كن لا شارب الخمر، كن متصفا باعدام افراد تلك الطبيعة، فكل عدم لا محالة يكون محكوما بحكم ضمنى، وعليه فلو شك في خمرية شئ لا محالة يكون من قبيل دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطين والمرجع في ذلك المورد هو البرائة كما سيأتي. فالمتحصل مما ذكرناه ان الاظهر عدم جريان البرائة العقلية في الشبهات الموضوعية. واما البرائة الشرعية فالظاهر شمولها، وتفصيل القول القول في ذلك يقتضى ان يقال ان التكليف التحريمي المتعلق بالشئ الناشئ عن المفسدة في المتعلق، يتصور على وجوه اربعة. الاول: ان يكون في كل وجود مفسدة، غير ما يكون في الافراد الاخر فلا محالة يكون كل فرد متعلقا لنهى مستقل فالافراد تعلق النهى بها معلوم، وما شك في فرديته يشك في تعلق النهى به فتجرى فيه البرائة. الثاني: ان يكون مفسدة واحدة في مجموع الوجودات بحيث يكون الجميع متعلقا لنهى واحد شخصي، وفى هذا الفرض يجوز ارتكاب جملة من الافراد المعلومة ايضا، فضلا عما شك في فرديته، إذ المفروض ان المفسدة انما تكون في مجموع الوجودات لا في كل واحد منها، وهل يجوز ارتكاب الافراد المعلومة وترك الفرد المشكوك فيه، ام لا يجوز ؟ وجهان، اقواهما الاول، إذ لو ارتكب المجموع من الافراد المعلومة، والفرد المشكوك فيه يعلم بارتكاب الحرام، اما لانها الحرام، أو لاشتمالها عليه، واما الافراد المعلومة خاصة فلا محالة يشك في حرمتها ومقتضى اصالة البرائة هو

[ 294 ]

عدم الحرمة. والى هذا نظر الشيخ الاعظم حيث قال في اواخر مبحث الاقل والاكثر ان حال الاقل والاكثر في المحرمات بعكس الاقل والاكثر في الواجبات أي انه في الواجبات تعلق التكليف بالاقل معلوم وفى المحرمات تعلقه بالاكثر معلوم ففى الاولى تجرى البرائة عن الاكثر، وفى الثانية عن الاقل. الثالث: ان يكون متعلق النهى هو صرف وجود الطبيعة المنطبق على اول الوجودات بحيث لو عصى واوجد فردا واحدا، لا يكون ساير الافراد مبغوضة، وهذا يتصور فيما إذا كان المتعلق اختياريا لا تعلق له بموضوع خارجي كالتكلم، ولا يتصور فيما كان له تعلق به. اما الاول: فلانه يتصور فيما إذا كان ما فيه المفسدة اول الوجودات، ولا يبعد ان يكون النهى عن بعض انواع المفطرات في بعض اقسام الصوم من هذا القبيل، ومثاله العرفي ما لو نام المولى ونهى عن التكلم من جهة ان اول وجوده يوقظه من النوم ولا مفسدة بعد ذلك في ساير الافراد، وفى مثل ذلك يكون متعلق النهى صرف وجود الطبيعة المنهى عنها. فدعوى عدم معقولية ذلك من جهة ان الحكم التحريمي لا ينشا الا عن مفسدة في متعلقه، فتلك المفسدة، ان كانت في الطبيعة السارية فلا بد من تعلق الحكم بكل وجود بنحو الاستغراق، وان كانت في مجموع الوجودات، فلا مناص عن تعلق حكم شخصي بالمجموع كما عن بعض المحققين. ممنوعة كما عرفت، وفى هذا الفرض لو اراد المكلف ارتكاب المشكوك فيه، لا محالة يشك في صدق اول الوجود عليه ليكون حراما فيرجع فيه الى البرائة. واما الثاني: مثل النهى عن اكرام الفاسق، فلان ما فيه المفسدة، اما ان يكون، هو جميع الوجودات أو مجموعها، أو وجود واحد، وعلى الاولين كيفية ورود الحكم معلومة، وعلى الاخير لا بد وان ينهى عن جميع الوجودات لئلا توجد الطبيعة في الخارج، فان الانزجار عن الطبيعة لا يكون الا بالانزجار عن كل فرد، وترك جميع الافراد فتدبر

[ 295 ]

حتى لا تشتبه عليك الامر، وتعرف الفرق بين القسمين، وفى هذا الفرض ان شك في وجود الموضوع يكون المرجع هو اصالة البرائة. الرابع: ان يكون النهى المتعلق بالافراد الخارجية، باعتبار ان المطلوب هو الامر البسيط المتحصل من مجموع التروك، كما لو فرضنا ان المطلوب بالاصالة في النهى عن الصلاة في مالا يؤكل لحمه هو وقوع الصلاة في غير مالا يوكل لحمه، وفى هذا الفرض بما ان الشك يكون في المحصل، يكون مورد القاعدة الاشتغال دون البرائة، الا ان يكون ذلك العنوان موجودا سابقا فانه حينئذ لو اتى بالمشكوك فيه يشك في ارتفاعه فيستصحب بقائه، فلا يكون اتيانه غير جائز، إذا المفروض تعلق التكليف بالعنوان المتحصل دون المحصل دون المحصل وحيث انه محرز بالاصل فلا وجه لعدم جواز المشكوك فيه. فان قيل لا يجرى هذا الاصل لعدم كون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم، إذ المترتب عليه فراغ الذمة، وهذا انما هو في مترتبة الامتثال. اجبنا عنه: بانه لا يعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب حكما أو موضوعا ذا حكم، بل المعتبر كونه مما يكون امر وضعه ورفعه بيد الشارع أو موضوعا لذلك، ولذا يجرى الاستصحاب في عدم الحكم، ولا ريب في ان التعبد بتحقق الامتثال مع الشك فيه من هذا القبيل كما في مورد قاعدة الفراغ والتجاوز، ففى المقام يجرى الاستصحاب ويحكم بتحقق الامتثال وفراغ الذمة ولو مع الاتيان بالمشكوك فيه. وهذه الفروض الاربعة تتصور في التكليف الوجوبى كان متعلقا بالفعل أو الترك، إذ قد يكون المصلحة في كل فرد من افراد الطبيعة فتعلق التكليف بها على نحو الطبيعة السارية ويتعدد التكليف بتعدد افرادها، وقد يكون المصلحة في مجموع الافراد ويتعلق تكليف واحد بها، وقد تكون المصلحة في صرف وجود الطبيعة، وقد تكون في الامر المتحصل من الافعال الخارجية. ففى الفرضين الاولين تجرى البرائة في الشبهة الموضوعية، ويظهر وجهه مما مر. ولا تجرى البرائة في الفرضين الاخيرين إذ الشك حينئذ يكون في الامتثال وهو مورد لقاعدة الاشتغال، اما في الثاني منهما فلما مر، واما في الاول كما لو وجب اكرام

[ 296 ]

عالم، فاكرم من شك في عالميته فواضح. ومما ذكرناه يظهر ما في كلام المحقق الخراساني حيث انه قال في آخر هذا التنبيه والفرد المشتبه وان كان مقتضى اصالة البرائة جواز الاقتحام فيه الا ان قضية لزوم احراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه ولا يكاد يحرز الا بترك المشتبه انتهى. فانه ان كان مورد كلامه فرض تعلق التكليف بمجموع التروك فقد عرفت انه مورد البرائة لا الاشتغال وان كان فرض تعلقه بعنوان بسيط مترتب على التروك، فقد مر انه مورد لقاعدة الاشتغال، دون البرائة لعدم كون الترك بنفسه موردا للحكم كى يشك في حكم المشكوك فرديته فتجرى البرائة، فلا يتصور صورة تكون موردا للبرائة والاشتغال معا. ثم لا يخفى ان ما ذكرناه لا فرق فيه بين التكاليف النفسية والضمنية، وعليه فهذه المسالة احد اركان الوجه لجواز الصلاة في اللباس المشكوك فيه وقد اشبعنا الكلام في تلك المسالة في رسالة مستقلة من اراد الاطلاع فليراجعها. التنبيه الخامس بعد ما عرفت من حسن الاحتياط عقلا مطلقا يقع الكلام في امور لا باس بتفصيل القول فيها. الاول: ان حسن الاحتياط عقلا واضح معناه إذ العقل يرى حسن الفعل الذى يتحقق به الانقياد للمولى ويمدح فاعله، واما معنى حسنه شرعا، فليس هو كونه ممدوحا عليه عنده بما هو رئيس العقلاء وارشد إليه، بل معناه ثبوت مصلحة وغرض شرعى فيه المستتبع لجعل حكم مولوى شرعى، فمن ينكر استحباب الاحتياط شرعا ويحمل اوامر الاحتياط على الارشاد ليس له القول بحسنه شرعا، ولكن حيث عرفت في التنبيه السابق، امكان كون الامر بالاحتياط مولويا نفسيا، وانه الظاهر منه، فيكون حسنا شرعا ايضا. الثاني: قد يقال ان الاحتياط انما هو فيما لم يكن هناك امارة على عدم الامر،

[ 297 ]

وعدم المطلوبية شرعا، لان موضوع حسنه الشبهة واحتمال الامر، والامارة رافعة لذلك، ومعها لا مورد للاحتياط وهذا بخلاف اصالة الاباحة التى هي حكم في موضوع الشبهة - ولكن يدفعه - ان ادلة الاحتياط لا تنحصر فيما اخذ في موضوعها الشبهة، بل العقل مستقل بحسنه بمجرد احتمال الامر وجدانا، لاجل كون الفعل انقيادا للمولى وجملة من الادلة الشرعية لم يؤخذ في موضوعها الشبهة فالحق حسن الاحتياط مطلقا. الثالث: ان الاحتياط انما يكون حسنا ما لم يخل بالنظام، والا فلا حسن فيه لا عقلا ولا شرعا، فان ما يخل بالنظام قبيح عقلا بل موجب للاخلال بالغرض شرعا، ومعه لا حسن فيه لا شرعا ولا عقلا. الرابع: انه إذا كان الاحتياط مخلا بالنظام لا بد من التبعيض، اما بالاحتياط الى ان يوجب الاختلال فيتركه، واما بان يحتاط في الامور مع رعاية الاهم فالاهم، مثلا يحتاط في حقوق الناس دون حقوق الله تعالى، واما بان يحتاط في الموارد التى كان ثبوت التكليف فيها مظنونا أو مشكوكا فيه، ولا يحتاط فيما كان هناك احتمال موهوم، واما بان يحتاط في الموارد التى لم يقلم امارة على عدم التكليف، واما بغير ذلك، والكل حسن. دوران الامر بين المحذورين الفصل الثاني: في اصالة التخيير وقبل الدخول في هذا المبحث لابد من التنبيه على امور. 1 - ان مورد النزاع ما إذا دار الامر بين وجوب شئ وحرمته ولم يحتمل غيرهما، والا فلو احتمل الاباحة مثلا لا شك في جريان البرائة بالنسبة الى كليهما ويحكم بالاباحة ظاهرا، بل جريان البرائة حينئذ اولى من جريانها في الشبهة التحريمية المحضة أو الوجوبية كذلك: لعدم جريان ادلة الاحتياط فيه لعدم امكانه. 2 - ان محل البحث ما لو لم يكن احد الحكمين بخصوصه مسبوقا بالوجود، و موردا للاستصحاب، إذ عليه يجرى الاستصحاب فيه، وفى عدم الحكم الاخر، وبه ينحل

[ 298 ]

العلم الاجمالي. 3 - هذا البحث انما يختص بالشبهة الموضوعية، كما لو ترددت المرئة الواحدة في وقت واحد، بين ان تكون محلوفا على وطئها أو على الترك، واما في الشبهة الحكمية فلم اظفر بمورد يكون الامر دائرا بين الوجوب والحرمة. ثم انه في دوران الامر بين المحذورين لا بد من البحث في مواضع، الاول: دوران الامر بينهما في التوصليات مع وحدة الواقعة فبالطبع لا يمكن الموافقة القطعية ولا المخالفة القطعية، وهذا هو اساس البحث ومحل النزاع وفيه اختلفت الاقوال، الثاني: دوران الامر بين المحذورين في التعبديات بمعنى ان يكون احد الحكمين أو كلاهما تعبديا مع وحدة الواقعة، فقهرا لا يمكن المخالفة القطعية ويمكن الموافقة القطعية، الثالث: دوران الامر بين المحذورين مع تعدد الواقعة. اما الموضوع الاول: وهو دوران الامر بين المحذورين في التوصليات مع وحدة الواقعة فالاقوال فيه خمسة. الاول: جريان البرائة الشرعية، والاصول التنزيلية. الثاني: الحكم بالتخيير بينهما عقلا من دون الالتزام بحكم ظاهري شرعا اختاره المحقق النائيني. الثالث: تقديم جانب الحرمه. الرابع: الحكم بالتخيير بينهما عقلا، والاباحة شرعا لاصالة الحل، دون البرائة العقلية، اختاره المحقق الخراساني (ره). الخامس: الحكم بالتخيير بينهما شرعا. والمختار عندنا هو الاول: لعموم ادلة البرائة الشرعية، وعدم المانع عن شمولها. اما عموم الادلة فلان الاصل كان تنزيليا ام غيره انما يجرى في خصوص كل من الوجوب والحرمة. نظرا الى ان كلا منهما مشكوك فيه ولا ربط لاحدهما بالاخر، ولا يجرى الاصل فيهما معا، وعليه فتشمل الادلة كلا منهما ويحكم بعدم الوجوب وعدم الحرمة في الظاهر، ولا ينافى ذلك مع العلم باحدهما واقعا بعد الجمع بين الحكم

[ 299 ]

الظاهرى والواقعي. واما عدم المانع فيظهر بعد بيان ما استدل به للاقوال الاخر وما يرد عليه. واما القول الثاني، وهو الحكم بالتخيير بينهما عقلا، من دون التزام بحكم ظاهري شرعا، وانه لا يجرى فيه الاصول التنزيلية وغير التنزيلية وانه ليس هناك الا اللاحرجية العقلية، اختاره المحقق النائيني. فقد استدل له بوجوه، منها: ان الرجوع الى الاصول باجرائها في الطرفين ينافيه العلم الاجمالي بمخالفة احد الاصلين للواقع، واجراء الاصل في احد الطرفين ترجيح بلا مرجح. وفيه: ان العلم الاجمالي المشار إليه لعدم ترتب الاثر عليه لا يمنع عن جريانها. ومنها: ان الاصول انما تجرى في الشك الساذج، لا الشك المقرون بالعلم الاجمالي بالالتزم كما في المقام. وفيه: انه ستعرف في مبحث الاشتغال، ان المانع عن جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي، هو لزوم الترخيص في المعصية وذلك يختص بما إذا لزم من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي مخالفة عملية لحكم لزومي، والا فلا مانع عن جريانها، والمقام من قبيل الثاني لعدم التمكن من المخالفة، والموافقة القطعيتين، والموافقة الاحتمالية لا بد منها، فان قيل انه يلزم من جريانها في الاطراف المخالفة الالتزامية، اجبنا عنه بان الموافقة الالتزامية غير واجبة اولا، ولا منافاة بين الالتزام بالزام واقعا والترخيص ظاهرا ثانيا. ومنها: ما افاده المحقق النائيني، وهو انه يعتبر في جريان الاصول العملية ترتب اثر عملي عليها، والا فلا تجرى، وفى المقام لا يترتب عليها ذلك، لعدم امكان الموافقة والمخالفة القطعيتين، ولا بدية الاحتمالية. وفيه: ان الاصل انما يجرى بالنسبة الى كل منهما بخصوصه لا فيهما معا، لان الاصول تكون انحلالية وتعدد بتعدد الموضوع، وموضوعها في المقام متعدد، وهو الوجوب بخصوصه، والحرمة بخصوصها لمشكوكية كل منهما، ويترتب على كل واحد

[ 300 ]

من الاصلين اثر عملي، إذا الاصل الجارى بالنسبة الى الوجوب يرخص في الترك ويثبت به انه لا الزام من المولى بالنسبة الى الفعل، كما ان الاصل الجارى بالنسبة الى الحرمة يرخص في الفعل خاصة فكل منهما يترتب عليه اثر عملي. ومنها: ما افاده المحقق النائيني (ره) ايضا، وهو ان مفاد هذه الاصول رفع التكليف في مورد يمكن الوضع بجعل وجوب الاحتياط، وحيث ان الوضع في المقام غير ممكن، لعدم التمكن من الاحتياط، فيكون رفعه ايضا كذلك، وفى تقريرات المحقق الكاظمي (ره) في تقريب هذا الوجه، ان جعل الوجوب والحرمة كليهما لا يعقل لا على نحو التعيين، ولا على نحو التخييير فلا يمكن رفعهما. وفيه: ان الممتنع جعلها واحد، واما جعل كل منهما بالخصوص الذى هو الموضوع للاصل كما عرفت آنفا، فامر معقول، إذ للمولى ان يحكم بوجوب الاحتياط بترك الفعل فيما احتمل حرمته، ولو كان المحتمل الاخر هو الوجوب، كما ان له ان يلزم باتيان الفعل فيما احتمل حرمته، ولو كان المحتمل الاخر هو الحرمة، فحيث ان له ذلك فله رفع كل منهما. وبالجملة الذى لا يمكن وضع التكليفين معا، واما كل منهما بالخصوص فيمكن وضعه، ولا يعتبر في صحة رفع التكليف عنهما ازيد من امكان وضع كل منهما بالخصوص، نظير ذلك ما لو امر المولى عبده بعدم دخول دار احد في اول طلوع الشمس، وهذا التكليف معقول ممكن، مع ان العبد لا يقدر على دخول دار كل احد في اول طلوع الشمس، وليس ذلك الا من جهة انه حيث يكون العبد قادرا على دخول كل دار بالخصوص، فللمولى ان يامر بترك الجميع - وبعبارة اخرى - انه لا يتعبر في رفع التكليف عن شيئين أو الامر بتركهما، الا القدرة على كل واحد بالخصوص ولا يعتبر القدرة عليه حتى في حال انضمام الاخر، وفى المقام حيث انه للمولى ان يضع كلا من التكليفين بالخصوص فله الرفع عن كل منهما. ومنها: ما عن المحقق العراقى (ره) وهو ان ادلة البرائة انما تجرى فيما إذا لم يكن هناك ما يقتضى الترخيص بحكم العقل بمناط الاضطرار والتكوين، ومع وجوده

[ 301 ]

لا ينتهى الامر الى الترخيص الظاهرى بمناط عدم البيان، وفى المقام العقل مستقل بالترخيص بمناط الاضطرار والتكوين. وفيه: ان المكلف بالنسبة الى كل تكليف بالخصوص الذى هو مورد الاصل، لا يكون مضطرا في مخالفته، وانما الاضطرار بالنسبة الى مخالفة احدهما بنحو التخيير، والاصل انما يجرى بلحاظ الاول كما لا يخفى. واما القول الثالث: فقد استدل له بوجوه منها: ان دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة، فحيث انه لو كان حراما، ففى فعله المفسدة ولو كان واجبا لزم من تركه فوت المصلحة، ودفع المفسدة اولى من جلب المنفعة، إذ اهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفسدة اتم، فيتعين الترك وتقديم جانب الحرمة. وفيه: ان العقل لا يحكم بذلك إذ ربما يكون الواجب اهم فيحكم العقل بتقديمه، ولم يرد من الشارع ما يدل عليه من آية أو رواية، مع ان هذا لو تم فانما هو فيما إذا كانت مفسدة محرزة ومصلحة كذلك وتردد الامر بينهما، واما في المقام الذى يجرى البرائة كما هو الحق، ويدفع الحرمة فكيف يمكن ان يحكم العقل بتقديم جانب الحرمة، كيف ولو لم يحتمل الا الحرمة وكان المحتمل الاخر هو الاباحة لجاز الفعل ومخالفة الحرمة على تقدير وجودها، ولا يجوز ذلك فيما لو كان المحتمل الاخر هو الوجوب. ومنها: المرسل المروى عن الامام على امير المؤمنين (ع) اجتناب السيئات اولى من اكتساب الحسنات، وقوله (ع) افضل من اكتساب الحسنات اجتناب السيئات. وفيه: اولا انه ضعيف السند - وثانيا - انه انما هو فيما كانت الحرمة والوجوب محرزتين، لا في مثل المقام مما دار الامر بينهما، وثالثا انه بهذه الكلية لا تتم قطعا، ورابعا، انه لا يدل على التعيين. ومنها: ان افضاء الحرمة الى مقصودها اتم من افضاء الوجوب الى مقصوده، لان مقصود الحرمة يتاتى بالترك سواء كان مع قصد، ام غفلة بخلاف فعل الواجب. وفيه: ان هذا لا يوجب اهمية الحرمة وتعين تقديمها. ومنها: الاستقراء فانه في موارد اشتباه مصاديق الواجب والحرام غلب الشارع

[ 302 ]

لجانب الحرمة، ومثل له بايام الاستظهار حيث ان الشارع الاقدس قدم جانب الحرمة وحكم بترك الصلاة - وتحريم استعمال الماء المشتبه بالنجس والامر بترك الوضوء. وفيه: اولا مجرد تقديم الحرمة في هذين الموردين لا يوجب الغلبة والاستقراء، وثانيا: ان وجوب الصلاة والوضوء تعبد لا توصلي فهما خارجان عما هو محل البحث، وثالثا: ان الاستظهار ليس على الوجوب عند المشهور كما افاده الشيخ الاعظم ولو قيل بالوجوب فلعله يكون لاستصحاب بقاء الحيض وحرمة العبادة في ذات العادة، واما غير ذات العادة الوقتية التى تترك الصلاة بمجرد الرؤية فهو للاطلاقات وقاعدة الامكان، واما الانائان المشتبهان فليس من مصاديق الباب لان الوضوء بالنجس حرمته تشريعية لا ذاتية وانما منع من التطهير به مع الاشتباه للنص (1). ومنها: ظاهر ما دل على وجوب التوقف عند الشبهة، المتقدم فان الظاهر من التوقف ترك الدخول في الشبهة. وفيه: اولا: ان ظاهر تلك الاخبار، الاختصاص بالشبهة التحريمية المحضة، ويظهر ذلك من ملاحظة ما فيها من التعليل، وثانيا: ان تلك النصوص، اما ان تشمل مورد احتمال الوجوب، فلا بد من ان يكون المراد بالتوقف اعم من ما ذكر - واما ان لا تشمل فلا تشمل دوران الامر بين الوجوب والحرمة. واما القول الرابع: وهو جريان اصالة الحل وعدم جريان البرائة العقلية - فقد استدل في الكفاية للاول: بشمول مثل كل شئ لك حلال حتى تعرف انه حرام له المتقدم ولا مانع عنه عقلا ولا نقلا، وذكر في وجه عدم المانع بان موافقة الاحكام التزاما لا تجب، ولو وجب لكان الالتزام اجمالا بما هو الواقع معه ممكنا، والالتزام التفصيلي باحدهما لو لم يكن تشريعا محرما لما نهض على وجوبه دليل قطعا، ثم قال وقياسه بتعارض الخرين الدال احدهما على الحرمة والاخر على الوجوب باطل، وظاهر العبارة كما هو صريح الشيخ الاعظم ان القياس بالخرين ونقده لتتميم البحث عن عدم وجوب الالتزام باحد الحكمين، بنحو التخيير كى يمنع عن اجراء البرائة شرعا، لا لاثبات التخيير


1 - الوسائل باب 8 من ابواب الماء المطلق. (*)

[ 303 ]

شرعا كما افيد وسياتى تقريبه. وتقريب القياس، اما ان الخبرين لا خصوصة لهما الا احداث احتمال الحكمين واقعا وهو موجود في دوران الامر بين المحذورين، واما ان الملاك للتخيير، وهو رعاية الحكم الظاهرى الاصولي وهى الحجية ورعاية الحكم الواقعي اولى، ولم يجب عن الاول، لوضوح فسده، واجاب عن الثاني: بان الخبر ان كان حجة من باب السببية فالتخيير بينهما من باب التخيير بين الواجبين المتزاحمين، وان كان حجة من باب الطريقية فالتخيير انما يكون من جهة وجود مناط الطريقية في احدهما تعيينا أو تخييرا واين ذلك من المقام الذى لا يكون المطلوب الا الاخذ بخصوص ما صدر واقعا وهو حاصل. واستدل للثاني بقوله ولا مجال ههنا لقاعدة قبح العقاب، بلا بيان فانه لا قصور فيه ههنا وانما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية كمخالفتها والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة انتهى. ويرد على ما افاده في الدعوى الاولى مضافا الى ما يصرح به في مبحث الاستصحاب، من عدم دلالة مثل الخبر المشار إليه على اصالة الباحة، وان صدره متضمن لبيان حكم الاشياء بعناوينها الاولية وذيله لبيان الاستصحاب. ومضافا الى اختصاص اصالة الاباحة بما إذا كان طرف الحرمة الاباحة والحل لاختصاص دليلها به، ولا يشمل دوران الامر بين المحذورين. ومضافا الى اختصاصها بالشبهة الموضوعية كما مر. ان الحكم الظاهرى انما يصح جعله ما لم يقطع بخلافه ومعه لا معنى لجعله لفرض اخذ الشك في موضوعه، وفى المقام حيث انه يقطع بالالزام وعدم اباحة هذا الفعل فلا مورد لجريان اصالة الحل - مع - ان الدليل اخص من المدعى لاختصاص هذه الادلة بالشبهات الموضوعية، وعلى الجملة فرق بين اصل البرائة الجارى في كل من الاحتمالين مستقلا، وبين اصالة الاباحة التى هي اصل واحد يرخص في الفعل والترك، فمفادها ينافى المعلوم بالاجمال. واما دعواه الثانية وهو عدم جريان البرائة العقلية، فهو تام، فالاظهر عدم جريانها

[ 304 ]

لتمامية البيان للعلم بالالزام، وانما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية، والمخالفة القطعية، - وبعبارة اخرى - تنجز التكليف متوقف على امرين احدهما وصول التكيلف، والاخر التمكن من الموافقة والمخالفة، وفى المقام عدم التنجير انما يكون للثاني لا الاول، فلا ربط للقاعدة بالمقام. والظاهر ان هذا هو مورد المحقق الخراساني (ره) فلا يرد عليه ما افاده بعض المحققين، من ان ماتم بيانه ووصل انما هو جنس الالزام، ولا يترتب عليه الاثر فلا يحكم العقل بتنجره، واما خصوص الوجوب أو الحرمة فحيث انه مشكوك فيه ولم يتم البيان بالنسبة إليه ولم يصل فالعقاب عليه عقاب بلا بيان. واما ما افاده المحقق النائيني (ره) في وجه عدم الجريان من ان القطع بالمؤمن حاصل في المقام، لان وجود العلم الاجمالي كعدمه لا يقتضى التنجيز والتاثير فلا مورد للقاعدة. فيرد عليه ان القطع بعدم العقاب انما هو لاجل القاعدة، والا فمع قطع النظر عنها لا قطع بعدم العقاب، على الترك، أو الفعل معينا. واما القول الخامس: - فقد استدل له بوجهين - احدهما قياس المورد بالخبرين المتعارضين المشتمل احدهما على الامر والاخر على النهى، بدعوى ان مناط الحكم بالتخيير هناك هو احداث الخبرين احتمال الحكمين واقعا والترديد بينهما إذ لا شان للخبرين بناءا على الطريقية المحضة الا احداث الاحتمال وهو موجود فيما نحن فيه، وان شئت قلت ان مفاد على حجية الخبر علما تعبدا وتتميم كشفه، فإذا ثبت في العلم التعبدى ثبت في الوجداني بطريق اولى. ويرده ان هناك، اما ان نقول بالتخيير في المسالة الفرعية، أو نقول بالتخيير في المسالة الاصولية، والاول غير صحيح في المقام لعدم امكان الموافقة والمخالفة القطعيتين ولا بدية الاحتمالية والتخيير العقلي، فجعله من قبيل طلب الحاصل، بل من ارادا انحائه فانه تحصيل تعبدي للحاصل وجدانا، وعلى الجملة جعل الحكم لا اثر عملي له لغو وصدوره من الحكيم محال، والثانى لا مورد له في المقام لانه هناك ملاك

[ 305 ]

الطريقية موجودا في كل منهما وفيما نحن فيه غير موجود، وان شئت قلت ان حجية كل منهما في ذلك المورد جعلية فيمكن جعل الحجية لهما تخييرا وفى المقام حجية العلم ذاتية غير قابلة للجعل، مع ان هناك فردين من العلم وفى المقام فرد واحد، اضف إليه ان التخيير هناك لدليل خاص غير معلوم الملاك فلا وجه للتعدى الى المقام. الوجه الثاني: انه يجب الالتزام بالحكم الواقعي، بعنوانه فان كان الثابت في الواقع هو الوجوب، كان اللازم به بخصوصه، وان كان هو الحرمة كان اللازم الالتزام بها كذلك، وحيث انه لا يمكن الموافقة القطعية في المقام، كان المتعين هو الموافقة الاحتمالية، وهو الالتزام بالوجوب أو الحرمة. وفيه: ما تقدم في مبحث العلم الاجمالي من مباحث القطع من عدم وجوب الموافقة الالتزامية اولا، وعدم وجوبها في موارد العلم الاجمالي ثانيا للتشريع، مع انه سيأتي في مبحث الاشتغال انه إذا لم تجب الموافقة القطعية لم تجب الاحتمالية. فتحصل مما ذكرناه ان الاظهر جريان البرائة الشرعية بالنسبة الى كل من الوجوب والحرمة. وهل تجرى الاصول التنزيلية، ام لا ؟ الاظهر ذلك بناءا على جريانها في اعدام الاحكام، وما ذكره الشيخ الاعظم وتبعه المحقق النائيني، من مانعية العلم الاجمالي بالحرمة أو الوجوب، سيجيئ دفعه في مبحث الاستصحاب وتعرف انه إذا لم يلزم المخالفة العملية من جريانها في اطراف العلم الاجمالي لا مانع من جريانها وسيجيئ تفصيل القول فيه في مبحث الاستصحاب. فالمتحصل ان الحق هو جريان الاصول الشرعية التنزيلية وغيرها في موارد دوران الامر بين المحذورين سوى اصالة الحل - وعدم جريان البرائة العقلية -. دوران الامر بين التعيين والتخيير ثم انه لو احتمل اهمية احد الحكمين، فهل يحكم بالتعيين كما اختاره المحقق الخراساني، ام لا ؟ وجهان.

[ 306 ]

اقول بناءا على ما اخترناه من جريان الاصول الشرعية النافتة للحكم في موارد دوران الامرين المحذورين، لا بد من البناء على التخيير، لاطلاق الادلة فان كلا من الحكمين المجهولين مورد لاصالة البراءة واستصحاب عدمه سواء كان احدهما على تقدير ثبوته في الواقع اهم من الاخر، ام لم يكن، وكذلك بناءا على ما اختاره المحقق الخراساني من جريان اصالة الحل في المقام، وبه يظهر ان محل كلامه في المقام مع الغض عما افاده من اجراء اصالة الحل. واما بناء على كون الحكم فيه هو التخيير العقلي، ففى الكفاية موافقا لغيره ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله، بتعينه كما هو الحال في دوران الامر بين التخيير والتعيين انتهى. واورد عليه بايرادين، احدهما: ما عن الشيخ الاعظم (ره) وهو ان الحاكم هو العقل فلا يعقل تردده بين التعيين والتخيير بل هو ان مستقل بالتعيين أو بالتخيير فلا يكون المقام داخلا في كبرى دوران الامر يبن التعيين والتخيير. وفيه: انه يمكن ان يقال ان العقل مستقل بالتعيين عند الاهمية لقبح التساوى بين الراجح والمرجوح، ومستقل بالتخيير عند التساوى لقبح الترجيح بلا مرجح، وان لم يحرز احدهما ولم يدرك الاهمية، فلا محالة يتردد العقل بين التعيين والتخيير، ولكن لا بما هو حاكم بتلك الكبريين، بل انه لم يدرك الملاك للحكم الشرعي الواقعي وهذا لا محذور فيه. ثانيهما: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو انه وان اخترنا في باب التزاحم ان الاصل هو التعيين، الا ان الاصل في المقام هو التخيير، وذلك لانه في باب التزاحم، تارة يكون لكل من دليلى الحكمين اطلاق، واخرى لا يكون لشئ منهما ذلك، اما في الصورة الاولى فحيث ان التزاحم انما ينشا من اطلاق كل من الخطابين لحال الاتيان بمتعلق الاخر مع عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما، فلا بد من سقوط احد الاطلاقين، فان كانا متساويين سقط الاطلاقان، لبطلان الترجيح بلا مرجح، فيقيد كل منهما بعدم الاتيان بالاخر، وهذا معنى التخيير وإذا كان احدهما اهم سقط اطلاق الاخر وبقى

[ 307 ]

اطلاقه، ولو احتمل الاهمية فحيث ان سقوط اطلاق غيره معلوم على كل حال، ويشك في سقوط اطلاق محتمل الاهمية، وكلما شك في سقوط اطلاق بؤخذ به وعليه فيحكم بالتعيين. واما في الصورة الثانية، فلان ثبوت كل من الحكمين كاشف عن اشتمال متعلقه على الملاك الملزم، وعليه فان كانا متساويين، جاز بحكم العقل تفويت كل منهما باستيفاء الاخر ولو كان احدهما اهم لم يجز تفويته خاصة، ولو احتمل الاهمية فيشك في جواز تفويت ملاكه باستيفاء الاخر مع القطع بجواز تفويت الاخر باستيفاء فلا مناص حينئذ من الاخذ به وتفويت ملاك غيره فيحكم بالتعيين. وشئ من هذين الوجهين لا يجرى في المقام لان الحكم المجعول واحد، فليس هناك اطلاقان، ولا ملاكان، بل الثابت انما هو احدهما ونسبة العلم الاجمالي الى كل منهما على حد سواء، فالحكم باللاحرجية العقلية باق على حاله، نعم لو كان احد التكليفين المحتملين مما يكون احتماله موجبا للاحتياط والشارع حكم به يجب الاحتياط لكنه من جهة الحكم الشرعي لا من جهة حكم العقل. ولكن الاظهر هو الحكم بالتعيين على هذا المسلك، إذ بعد فرض عدم جريان الاصول الشرعية، والعقلية في اطراف هذا العلم، واحرازه عدم العقاب، على مخالفة ما علم عدم اهميته، يشك في انه، هل يعاقب على مخالفة محتمل الاهمية، ام لا ؟ وحيث لا مؤمن من هذه الجهة، فلا محالة يكون المرجع، قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، وان شئت فقل، انه بما ان الحاكم بالتخيير واللاحرجية، هو العقل، من باب الاضطرار والالجاء، فمع احتمال اهمية احدهما، لا يستقل العقل بالتخيير. لو كان احدهما تعبديا مع وحدة الواقعة الموضع الثاني: ما لو كان احدهما أو كلاهما تعبديا، مع وحدة الواقعة كما إذا دار امر المرئة بين الطهر والحيض، مع عدم احراز احدهما، والبناء على حرمة العبادة على

[ 308 ]

الحائض ذاتا وان لم يقصد القربة: فانه حينئذ يدور امر الصلاة عليها بين الوجوب والحرمة، ووجوبها على تقدير ثبوته تعبدي، وفى مثل ذلك وان لم يمكن الموافقة القطعية، الا انه يمكن المخالفة القطعية باتيان الصلاة بلا قصد القربة فانها لو كان حائضا فقد اتت بالمحرم ولو كانت طاهرا فقد تركت الواجب. والحق عدم جريان البرائة في هذا الصورة في شئ من الطرفين: للعلم الاجمالي ومنجزيته بناءا على ما سيأتي تحقيقه في مبحث الاشتغال من ان العلم الاجمالي له اثر ان - الموافقة القطعية - والمخالفة القطيعة، وقد يترتب عليه هما معا، وقد يترتب عليه احدهما دون الاخر، وقد لا يترتب عليه شئ منهما، وفى الصور الثلاث الاول يكون العلم منجزا وموجبا لتساقط الاصول في اطرافه، وعليه فإذا امكن المخالفة القطعية خاصة كما في المقام لم تجر الاصل ووجب الاجتناب عن تلك فيتعين عليها ترك الصلاة رأسا، أو الاتيان بها بقصد القربة بالنحو المشروع عليها. ولا يخفى ان المحقق الخراساني في مبحث الاضطرار يصرح بانه لو اضطر الى احد اطراف العلم الاجمالي لا بعينه لا يكون هذا العلم منجزا، ولا محذور في مخالفته القطعية، وهذا لا يلائم مع ما ذكره في المقام من تنجز العلم الاجمالي بالنسبة الى المخالفة القطعية، ولكن حيث انه ستعرف ان المختار عندنا تنجزه بالاضافة إليها في تلك المسالة فهو منجز في المقام. دوران الامر بين المحذورين في العبادات الضمنية ثم ان الشيخ الاعظم (ره) افاد انه إذا دار الامر بين كون شئ شرطا أو مانعا، أو بين كونه جزءا وكونه زيادة مبطلة يكون من هذا الباب، واختار التخيير فيه على حذوما تقدم من دوران الامر بين المحذورين في التكاليف الاستقلالية، ومثل له بالجهر بالقرائة في ظهر يوم الجمعة حيث، قيل بوجوبه، وقيل بوجوب الاخفات وابطال الجهر وبالجهر بالبسملة في الركعتين الاخيرتين، وبتدارك الحمد عند الشك فيه بعد الدخول في السورة،

[ 309 ]

ويضاف إليها ما لو شك بعد النهوض للقيام في الاتيان بالسجدة الثانية إذ لو كان النهوض الى القيام من الغير المترتب لا بد من البناء على تحقق السجدة فالاتيان بها زيادة مبطلة، ولو كان مقدمة للجزء كان الاتيان بها واجبا ومعتبرا في صحتها. والحق عدم تمامية ما افاده (قده)، لان الحكم بالتخيير في التكاليف الاستقلالية انما كان من جهة عدم تنجز الحكم اللزومى المردد بين الوجوب والحرمة: لاستحالة الموافقة والمخالفة القطعيتين، وهذا بخلاف الحكم اللزومى المعلوم في المقام، فانه يمكن موافقته القطعية كما يمكن مخالفته القطعية، فيكون العلم منجزا، توضيح ذلك انه في دوران الامر بين المحذورين في العبادات الضمنية تتصور صورتان، احداهما: ما يتمكن المكلف من الامتثال العلمي التفصيلي، ولو برفع اليد عن ما هو مشتغل به، ثانيهما: ما يتمكن فيه المكلف من الامتثال الاجمالي، اما بتكرار الجزء أو بتكرار اصل العمل، كما في دوران امر القرائة بين الجهر والاخفات. اما في الصورة الاولى فلا ينبغى التوقف في وجوب احراز الامتثال لفرض التمكن منه وعدم المانع عنه، ولا يجوز له الاكتفاء باحد الاحتمالين لانه لا يحرز الامتثال به، ومعلوم ان الاشتغال اليقيني يستدعى البرائة اليقينية، فله ان يرفع اليد عن ما بيده من الصلاة واعادتها أو اتمامها على احد الاحتمالين ثم اعادتها. ودعوى ان الامر دائر بين المحذورين من جهة حرمة قطع الصلاة، بدعوى ان الامر يدور بين الاتمام مع الاحتمال، والابطال، وتحصيل الامتثال التفصيلي، فكما يمكن ان يكون وجوب الامتثال التفصيلي موجبا لتعذر اتمام العمل، يمكن ان يكون حرمة الابطال موجبة لتعذر الامتثال التفصيلي فيسقط ويكتفى بالامتثال الاحتمالى. مندفعة اولا: بان حرمة قطع الصلاة من جهة اختصاص مدركها بالاجماع على ما حققناه في الجزء الرابع من كتابنا فقه الصادق يختص بما يجوز للمكلف الاقتصار عليه في مقام الامتثال، واما الصلاة المحكوم بوجوب اعادتها فلا دليل على حرمة قطعها. وثانيا: بام كلامن فعل السجدة وتركها في المثال محتمل الحرمة من هذه الناحية فانه لو كانت السجدة ماتيا بها يحرم اتيانها فانه يوجب بطلان الصلاة، والا يكون تركه

[ 310 ]

كذلك، وحيث ان المكلف لا يتمكن ما الموافقة القطعية من جهة حرمة قطع الصلاة فيتخير المكلف، وهذا لا ربط له بالامر بالصلاة. - وبعبارة اخرى - ان في المقام علمين اجماليين احدهما العلم الاجمالي بلزوم العمل المردد بين ما يؤتى فيه بالجزء المشكوك فيه، وما يكون فاقدا له - ثانيهما - العلم بوجوب الجزء المشكوك فيه لعدم الاتيان به وحرمته من ناحية حرمة قطع الصلاة للاتيان به، فتكون زيادة مبطلة، والعلم الثاني وان لم يمكن موافقته القطعية ولا المخالفة كذلك فيكون المكلف مخيرا، ولكن العلم الاول يقتضى اعادة الصلاة تحصيلا للفراغ اليقيني. اضف الى ذلك كله انه لو التزمنا بثبوت الاطلاق لما دل على حرمة قطع الصلاة بنحو يشمل مثل ما بيده من الصلاة، وبنينا على ان العلم الاجمالي الذى لا يجب موافقته القطعية: لعدم امكانها، لو امكن مخالفته القطعية حرمت، لا بد في المقام من اتمام الصلاة مع احد الاحتمالين ثم اعادتها، وبذلك يمتثل كلا التكليفين بالمقدار الممكن. واما في الصورة الثانية: وهى ما يتمكن المكلف من الامتثال العلمي الاجمالي بتكرار الجزء أو بتكرار اصل العمل، فلا وجه يتصور لجواز الاقتصار على الامتثال الاحتمالى الذى هو لازم القول بالتخيير، فيجب عليه احراز الامتثال ولو بالاجمال لان اشتغال الذمة يقينا يقتضى الفراغ اليقيني. هذا كله فيما إذا امكن التكرار والا كما في ضيق الوقت، فبالنسبة الى اتيان الصلاة في الوقت وان كان التخيير مما لا بد منه لعدم التمكن من الامتثال القطعي، ولكن بالنسبة الى اصل الصلاة يمكن ان يقال انه يحصل له العلم الاجمالي، بوجوب الاتيان بالصلاة على احد الاحتمالين في الوقت والاتيان بها مع الاحتمال الاخر خارج الوقت، فعلى القول بتنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات هذا العلم يقتضى الموافقة القطعية بهذا النحو. اللهم الا ان يقال ان القضاء انما يكون بامر جديد، وتابعا لصدق فوت الفريضة في الوقت، فإذا لم يكن العلم الاجمالي بالجزئية أو المانعية في الصلاة في الوقت مقتضيا

[ 311 ]

الا للموافقة الاحتمالية ووجوب الاخذ باحد المحتملين، دون الاخر لعدم امكان الموافقة القطعية، فلا يحرز الفوت، لا بالعلم، ولا بالامارة، ولا بالاصل فلا يجب القضاء فتدبر فان في النفس شيئا. دوران الامر بين الوجوب والحرمة مع تعدد الواقعة الموضع الثالث: ما لو كانت الواقعة متعددة، والكلام فيه، تارة فيما إذا كان التعدد دفعيا، واخرى فيما إذا كان تدريجيا. ام المورد الاول: فكما لو علم اجمالا بصدور حلفين منه احدهما تعلق بفعل شئ والاخر تعلق بترك شئ آخر، واشتبه الامر ان في الخارج فيدور الامر في كل منهما بين المحذورين. فقد يقال بالتخيير من جهة ان كلا من الموضوعين، يدور امره بين المحذورين، ولا يمكن المالفة القطعية، ولا الموافقة القطعية فيحكم بالتخيير فيجوز له فعل كل منهما وتركهما معا، غاية الامر لو فعلهما، أو تركهما، يحصل له العلم بالمخالفة في احدهما والعلم اللاحق لا يكون مؤثرا بعد عدم تنجز التكليف حين العمل. ولكن يرد عليه انه من العلم بصدور حلفين منه متعلق احدهما بفعل شئ، والاخر بترك شئ آخر، يتولد علمان اجماليان احدهما العلم بوجوب احد الفعلين والاخر العلم بحرمة احدهما، وكل من هذين العلمين يمكن موافقته القطعية ومخالفته كذلك، فيكون منجزا، ولكن المكلف لا يتمكن من الموافقة القطعية لكلا العلمين، ومتمكن من المخالفة القطعية، فيتزاحم العلمان من الجهة الاولى ويتساقطان من تلك الجهة، واما من الناحية الاولى فلا مانع من بقاء تنجيزهما وعليه، فليس له فعلهما، ولا تركهما، بل يتعين عليه اختيار فعل احدهما وترك الاخر. اما المورد الثاني: فهو كما لو علم بتعلق الحلف بفعل شئ في زمان وترك ذلك الفعل في زمان آخر، واشتبه الزمانان، فهل يحكم بالتخييير في كل من الزمانين ويكون

[ 312 ]

التخيير استمراريا، ام يحكم به في الاول، وفى الزمان الثاني لا بد من اختيار خلاف ما اختاره في الزمان الاول وجهان. ذهب المحقق النائيني (ره) الى الاول بدعوى انه في الوقايع المتعددة كل واقعة برأسها يدور امرها بين المحذورين، ولا علم فيها بالملاك الملزم لا بالنسبة الى الفعل ولا بالنسبة الى الترك، وليس هناك خطاب قابل للداعوية، غاية الامر إذا اختار في الزمان الثاني عين ما اختاره في الزمان الاول يحصل له العلم بالمخالفة وهذا لا اثر له. وفيه: انه على القول بتنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات، يجرى في هذا المورد ما ذكرناه في سابقه، فانه يتولد حينئذ علمان اجماليان فتعلق احدهما بوجوب الفعل في احد الزمانين، والاخر بحرمته فيه، وكل من العلمين له مقتضيان الموافقة القطعية، والمخالفة القطعية، والتزاحم بينهما انما يكون من الناحية الاولى، ولا تزاحم بينهما من الناحية الثانية، فلا بد من البناء على تنجيز كل منهما بالاضافة الى المخالفة القطعية، فيتعين عليه في الفرض في الزمان الثاني اختيار خلاف ما اختاره في الزمان الاول، إذ لو اختار عينه يحصل له العلم بمخالفة احد التكليفين. والغريب ان المحقق النائيني (ره)، مع ذهابه الى تنجير العلم الاجمالي، في التدريجيات، اختار في المقام ان التخيير استمراري لا بدوى، نعم ما افاده تام، على مسلك من يرى عدم تنجير العلم الاجمالي فيها كما عرفت. حكم ما لو احتمل اهمية احد الالزامين ولو احتمل اهمية احد التكليفين، في الوقايع المتعددة، فهل يكون كالمسالة السابقة، فلا يحكم بالتعيين، ليوافقه قطعا، ويخالف التكليف الاخر كذلك، من جهة ان التكليف في كل من الواقعين غير معلوم، وكذلك الملاك، أو يكون على خلاف تلك المسالة ويحكم بالتعيين وجهان بل قولان، وقد اختلفت كلمات المحقق النائيني، ففى المقام يبنى على اصالة التخيير، وفى مسالة دوران الامر بين شرطية شئ ومانعية اختار

[ 313 ]

تقدم محتمل الاهمية. ومحصل ما افاده في وجه تقديم محتمل الاهمية، ان المقام من صغريات باب التزاحمن واحتمال الاهمية مرجحات ذلك، وذكر في وجه كونه من صغريات ذلك الباب ان لكل حكم اثرين ومقتضيين 1 - امتثاله 2 - احراز امتثاله والعقل مستقل بهما، فكما انه إذا لم يتمكن من امتثال الحكمين معا يكون من ذلك الباب، كذلك إذا لم يتمكن من ترتيب الاثر الثاني، بالنسبة الى الحكمين، أو لم يتمكن من ترتيب الاثر الاول لا حد الحكمين مع ترتيب الاثر الثاني للاخر، يكون من باب التزاحم، لان حقيقته هو التنافى بين مقتضيات الاحكام وآثارها، والمقام كذلك: فان المكلف لا يتمكن من امتثال كل من الحكمين، وامتثال الاخر واحرازه، فيقع بين الحكمين التزاحم. وفيه: اولا النقض بان لازم ما افاده من الدخول في باب التزاحم هو الحكم بالتخيير بين الموافقة القطعية لاحدهما والمخالفة القطعية للاخر، وبين الموافقة الاحتمالية لكل منهما في صورة التساوى مع انه (قده) غير ملتزم بذلك. وثانيا: بالحل بان تقديم محتمل الاهمية في باب التزاحم لم يدل عليه دليل تعبدي كى يدور الحكم مدار صدق التزاحم ويتعب النفس في اثبات صدقه وعدمه، وانما يحكم بالتخيير عند التساوى، ويحكم بالتعيين إذا احرز اهمية احدهما، أو احتمل ذلك في ما لو كان الملاكان تامين، والمكلف غير قادر على استيفائهما، فالامر بهما معا تكليف بما لا يطاق، فلا بد من سقوط احد التكليفين اما تعيينا أو تخييرا على اختلاف الموارد، وفى المقام الملاكان تامان، والمكلف قادر على امتثالهما، والتكليف بهما ليس تكليفا بما لا يطاق، والتنافى انما يكون بين ما يحكم العقل به لكل منهما من وجوب الموافقة القطعية، والعقل كما يحكم بوجوب موافقة الاهم يحكم بوجوب موافقة المهم بلا ترجيح لاحدهما على الاخر، فان الاهمية والمهمية انما يكون في حكم الشارع والفرض عدم التنافى بينهما دون ما يحكم به العقل. وبالجملة ان العقل في جميع موارد الاحكام الفعلية، من اهم الاحكام كالصلاة، الى ما دونها، يحكم بوجوب الموافقة بملاك واحد، والتنافى في هذا المقام لا يوجب

[ 314 ]

التنافى في جعل الحكمين، ولا يسرى إليه كما هو كذلك في باب التزاحم: فان التكليف بهما هناك تكليف بما لا يطاق. نعم لو كان احد التكليفين مما اوجب الشارع الاحتياط عند احتمال وجوده كما في الابواب الثلاثة، مثل ما لو حلف على ذبح شاه، له في ليلة معينة واشتبهت الشاة بالنفس المحترمة لظلمة ونحوها، لا ريب في تقديم حرمة القتل ولا يحكم بالتخيير: والسرفيه انه يقع التزاحم بين ايجاب الاحتياط والتكليف الآخر ويقدم الاول. هل التخيير في صورة تعدد الواقعة بدوى أو استمراري تذييل إذا تعددت الواقعة وكان حكم جميع الوقائع متحدة، كما لو علم بانه حلف على فعل في كل ليلة جمعة أو على تركه فيها، فهل التخيير بين تلك الافراد بدوى، بمعنى انه كلما اختاره في الليلة الاولى، لا بد وان يختاره في الليالى المتأخرة، ام يكون استمراريا، فله ان يختار في الليلية الثانية خلاف ما اختاره في الاولى كما ذهب إليه المحقق النائيني وجهان. ومحصل ما افاده المحقق النائيني (ره) في وجه كون التخيير استمراريا، ان كل واقعة لها حكم مستقل مغاير لحكم الوقايع الاخر، وقد دار الامر فيه المحذورين فيحكم العقل فيه بالتخيير ولا يترتب عليه محذور، إذا المحذور المتوهم ترتبه، احد امرين احدهما، انه إذا اختار في الواقعة الثانية خلاف ما اختاره في الاولى، يحصل له العلم بالمخالفة ثانيهما، ملاحظة المجموع واقعة واحدة، فمن تبعيض الوقايع بالنحو المتقدم يلزم مخالفة التكليف وكلاهما محل منع، اما الاول فلعدم حرمة المخالفة القطعية شرعا، ليجب الاجتناب والفرار عن حصولها، ولو بعد ذلك، فيجب على المكلف عدم ايجاد ما يلزم منه المخالفة القطعية ولو لم يكن التكليف منجزا كما في المقام، واما الثاني: فلان كل واقعة موضوع مستقل، له حكم مختص به كما هو واضح. واورد عليه بعض اكابر المحققين، بان ما افاده وان كان تاما الا انه لا يمكن البناء

[ 315 ]

على استمرارية التخيير من جهة اخرى، وهى انه من العلم الاجمالي بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة، والعلم بتساوي الافراد في الحكم، يتولد علمان اجماليان آخران، احدهما: العلم بوجوب الفعل في ليلة الجمعة الاولى، أو حرمته في الليلة الثانية، ثانيهما عكس ذلك، وهذان العلمان وان لم يمكن موافقتهما القطعية الا انه يمكن مخالفتهما القطعية، بالفعل في الاولى، والترك في الثانية أو العكس، وقد مر ان العلم الاجمالي ينجز بالمقدار الممكن من الموافقة أو المخالفة وعليه، فلا مناص عن كون التخيير بدويا. ولكن يمكن ان يقال ان هذين العلمين يتعارض المخالفة القطعية لكل منهما مع الموافقة القطعية للاخر، وحيث ان المكلف مضطر الى احدهما إذ لو اتى بالفعل في احدى الليلتين وتركه في الاخرى، فقد وافق احد العلمين، وخالف الاخر، فوجوب الموافقة القطعية لكل منهما يزاحم المخالفة القطعية للاخر، فيتساقطان، فلا اثر لهذين العلمين ايضا، فالاظهر ان التخيير استمراري لا بدوى. في الشك في المكلف به الفصل الثالث: في المكلف به مع العلم بالتكليف اجمالا وملخص القول فيه انه لو علم اجمالا بتعلق التكليف من الايجاب والتحريم بشئ، فتارة يتردد ذلك الشئ بين المتباينين، واخرى بين الاقل والاكثر فلا مناص من البحث في مقامين. الاول: في دوران الامر بين المتباينين وقبل الشروع في بيان ما هو الحق لا بد وان يعلم انه قد مر في مبحث العلم الاجمالي في القطع ان هذه المسالة معنونة في مباحث القطع وفى مباحث الشك، وان المناسب للبحث في القطع هو البحث عن كون العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية، وحرمة المخالفة القطعية، هل يكون بنحو العلية، أو بنحو الاقتضاء، ثم بعد الفراغ عن كونه مقتضيا بالنسبة الى كلا الحكمين أو خصوص الاولى منهما يبحث في مبحث الاشتغال عن ثبوت المانع وعدمه. لا ما افاده الشيخ الاعظم من ان المناسب لمباحث العلم هو البحث عن الحكم

[ 316 ]

الاول ولمباحث الشك هو البحث عن الحكم الثاني فراجع. وايضا قد مر هناك مفصلا ان العلم الاجمالي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية يكون مقتضيا وبالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية يكون علة تامة. وايضا قد مر في ذلفك المبحث انه قد يتوهم التنافى بين كلمات المحقق الخراساني في البايين حيث انه يرى في باب العلم الاجمالي ان العلم الاجمالي مقتض للتنجز وهو يصرح في المقام بكونه علة تامة له، وبينا مراده يندفع به هذا التوهم. وحاصله ان المعلوم بالاجمال ان كان فعليا من جميع الجهات يكون العلم علة تامة لتنجزه، وان كان فعليا من جهة يكون مقتضيا له، هذا ما يفيده في المقام، وفى مبحث العلم الجمالى افاد انه يستكشف من ادلة الاصول كون كل حكم فعليا من جهة، الا ما دل دليل على كونه انه فعليا جميع الجهات فراجع ما بيناه. ولكن يرد عليه مضافا ما ذكرناه في ذلك الباب، انه ان لم يؤخذ العلم دخيلا في الموضوع لا يعقل عدم فعلية الحكم الا ان يتعلق به العلم التفصيلي: فان ترتب الحكم على موضوعه وفعليته عند فعلية موضوعه، انما يكون بنحو ترتب المعلول على علته التامة، ولا يعقل التخلف، مثلا لو قال الخمر حرام بلا اخذ شئ آخر في الموضوع لو وجد الخمر لا محالة يصير حكمها، وهو الحرمة فعليا، والا يلزم الخلف، وبالجملة لا يعقل اخذ العلم بمرتبة من الحكم كالانشاء دخيلا في مرتبة اخرى وهى الفعلية للتلازم بينهما، وان اخذ في الموضوع يلزم الدور على المشهور أو الخلف على قول آخر، والاجماع والضرورة قائمان على عدمه كما حقق في محله، نعم في القطع الموضوعي يمكن اخذ العلم التفصيلي في الموضوع لكنه خارج عن محل الكلام: إذ الكلام في المقام في القطع الطريقي. وكيف كان فتحقيق القول يقتضى البحث في مقامين، الاول في ان العلم الاجمالي بالنسبة الى كل من المخالفة القطعية والموافقة القطعية، هل يكون مقتضيا للتنجيز، ام علة تامة، ام لا يكون له اقتضاء، ام هناك تفصيل، المقام الثاني في انه على فرض كونه مقتضيا هل ادلة الاصول تصلح للشمول لاطرافه ام لا ؟ وعلى فرض العدم هل

[ 317 ]

يشمل بعض الاطراف بنحو التخيير ام لا ؟ اما المقام الاول: فقد اشبعنا الكلام فيه في ضمن مباحث اربعة في مبحث العلم الاجمالي من مباحث القطع - وقد عرفت هناك ان المناسب في ذلك المبحث هو البحث في المقام الاول: والمناسب لمباحث الشك البحث في المقام الثاني. شمول ادلة الاصول والامارات لاطراف العلم وعدمه واما المقام الثاني: فالكلام فيه في موردين - احدهما - في شمول ادلة الامارات، والاصول لاطراف العلم الاجمالي، وعدمه - ثانيهما - في انه على فرض عدم الشمول لجميع الاطراف، هل تشمل بعضها ام لا ؟ اما المورد الاول: فحيث عرفت ان العلم الاجمالي بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية، انما يكون من قبيل العلة التامة، فعدم شمولها لجميع الاطراف مع استلزام جريانها فيها المخالفة القطعية واضح، وانما يصح هذا البحث على مسلك من يرى انه بالنسبة إليها انما يكون مقتضيا، وايضا يصح فيما إذا لم يلزم من جريانها في جميع الاطراف المخالفة القطعية العملية، كما لو كان اناثان معلومى النجاسة، سابقا، وعلم بطهارة احدهما لا حقا واشتبه الطاهر بالنجس، فانه لا يلزم من اجراء استصحاب النجاسة في كل منهما مخالفة عملية لتكليف لزومي. والمختار عدم جريان الامارات فيها، وجريان الاصول من غير فرق بين التنزيلية وغيرها. اما عدم جريان الامارات، فلان الامارة حجة في مثبتاتها ولو لم يلتفت المخبر إليها، وعليه فيلزم من جريانها في جميع الاطراف التعبد المتضادين، مثلا لو علم بطهارة احد الانائين، واخبر يقة بنجاسة احدهما، واخبر آخر بنجاسة الاناء الاخر، فلو شمل دليل حجية الخبر الواحد لكلا الخبرين لزم التعبد بان كل اناء نجس وطاهر، فان من يخبر عن نجاسة احد الانائين بالملازمة يخبر عن طهارة الاخر وكذلك من يخبر بنجاسة الاخر،

[ 318 ]

فيلزم من التعبد بهما، البناء على انهما نجسان وطاهران، وهو كما ترى. اما جريان الاصول فيها، فلوجود المقتضى، وعدم المانع، بعد عدم كون الاصل حجة في مثبتاته. وقد اختار الشيخ الاعظم والمحقق النائيني، عدم جريان الاصل التنزيلى وهو الاستصحاب في جميع الاطراف، واستدلاله بوجهين، الاول ما افاده الشيخ، وهو ان الشك المأخوذ في صدر دليله، وان كان يعم المقرون بالعلم الاجمالي الا ان اليقين المجعول في ذيله ناقضا، يشمل العلم الاجمالي ايضا، وبديهى ان الحكم بحرمة النقض في جميع الاطراف، يناقض الحكم بالنقض في بعضها. وفيه ان هذا الوجه يجرى في جميع الاصول حتى غير التنزيلية مثل قاعدة الحل، حيث انه جعل الغاية فيها العلم، الشامل للعلم الاجمالي، مع انه لو سلم التناقض والتنافى ولاجله حكم بالاجمال، فيمكن الاستدلال بساير الادلة التى لا تكون مذيلة بهذا الذيل، اضف الى ذلك، ان الناقض هو اليقين المتعلق، بعين ما تعلق به اليقين السابق، فإذا علم بنجاسة احد الانائين، ثم علم بغسله اجمالا يكون العلم الثاني ناقضا له، واما إذا كان اليقين السابق متعلقا بكل واحد بخصوصه، واليقين اللاحق متعلقا باحدهما لا بعينه فمثل هذا اليقين لا يصلح للناقضية لليقين السابق لتعدد المتعلق. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان هناك مانعا ثبوتيا عن جريانه، وحاصله، ان جعل الاستصحابين يضاد مع العلم الاجمالي نفسه، إذ المجعول في باب الاستصحاب هو البناء العملي على وفق الاحراز السابق، أي بقائه عملا، ومن المعلوم ان الحكم ببقاء الاحرازين تعبدا، وعملا، يناقض الاحراز الواجدانى لعدم بقائهما. وفيه: ان الاستصحاب انما يجرى في كل منهما بخصوصه ويتعبد ببقاء الاحراز السابق عملا فيه، ولا نظر له الى الطرف الاخر، لفرض عدم حجيته في مثبتاته وعليه فلا مانع من جريانهما والعلم بمخالفة احدهما للواقع، لا يمنع من جريانهما وتمام الكلام في مبحث الاستصحاب فانتظر. فالحق انه لا منع من جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي تنزيلية كانت ام

[ 319 ]

غير تنزيلية الا من ناحية منجزية العلم الاجمالي ولزوم المخالفة القطعية فإذا فرض عدم المانع من جهته تجرى الاصول. شمول ادلة الاصول لبعض الاطراف وعدمه واما المورد الثاني: فقد عرفت ان العلم الاجمالي، ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، بل يكون مقتضيا له - وعليه - فيقع الكلام في ان ادلة الاصول وغيرها من الادلة، هل تشمل بعض الاطراف، بنحو يكون لازمه جواز ارتكاب ما زاد عن مقدار الحرام كما عن بعض ام لا تشمل ؟ كما عن المشهور. والكلام في هذا المورد يقع في جهتين - الاولى - في شمول العمومات، الثانية فيما يقتضيه النصوص الخاصة في العلم الاجمالي. اما الاولى: فالمختار عدم شمول ادلة الاصول لبعض المعين، ولا للبعض غير المعين، وشمولها لبعضها تخييرا، بان تشمل جميع الاطراف بنحو التخيير. اما عدم شمولها للمعين، فلانه يلزم منه الترجيح بلا مرجح، ولا يرتفع هذا المحذور بتعليق الشمول على ما يختاره اولا، فانه يسئل عن المرجح لشمولها له دون الذى لم يختره، مع كون نسبة الدليل اليهما على حد سواء. واما عدم شمولها لغير المعين، فلانه اما لا مورد لها، أو لا يفيد شمولها له، مثلا لو علمنا بنجاسة احد المائين فاما ان يكون طهارة الاخر معلومة، أو تكون مشكوكا فيها، فعلى الاول لا مورد للاصل، وعلى الثاني لا يفيد، إذ الطهارة الظاهرية لا تزيد على الطهارة المعلومة فكما ان الطهارة الواقعية المعلومة، لا توجب عدم وجوب الموافقة القطعية كذلك الطهارة الظاهرية الثابتة بها. وبالجملة وجوب الاجتناب عن كل منهما ليس لاجل حكم الشارع بنجاسة كليهما حتى يرتفع بجريان اصالة الطهارة مثلا في احدهما، وانما يكون بحكم العقل من باب احتمال انطباق المعلوم بالاجمال عليه، وهذا الاحتمال الذى يكون موضوع حكم

[ 320 ]

العقل بوجوب دفعه لا يرتفع بالتعبد بطهارة احدهما غير المعين، فان كل واحد منهما بعد ذلك يحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه، فلا بد وان يدفع هذا الاحتمال، أو يجتنب بحكم العقل، هذا لو اريد به غير المعين عندنا، ولو اريد به غير المعين في الواقع، فهو لاحقيقة له، ولا تحقق كى يجرى فيه الاصول. شمول ادلة الاصول لبعض الاطراف تخييرا واما شمولها لبعض اطراف العلم الاجمالي تخييرا، بان تشمل جميع الاطراف بنحو التخيير، فتقريبه يتوقف على بيان مقدمة، وهى ان التخيير على ثلاثة اقسام، الاول: التخيير الشرعي الذى يحكم به الشارع ابتداءا كما في تعارض الخبرين مع عدم المجح، الثاني: التخيير الثابت في مورد التزاحم الذى يحكم به العقل فانه إذا لم يتمكن المكلف من امتثاله التكليفين معا لا محالة يسقط الاطلاق من كل من الدليلين، فتكون النتيجة ثبوت التكليف في كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالاخر، أو يسقط الخطابان ويستكشف خطاب تخييري من الملاكين الملزمين، على اختلاف المسلكين، الثالث: التخيير الثابت من جهة الاقتصار على المتيقن في رفع اليد عن ظواهر خطابات المولى، كما لو ورد عام افرادي له اطلاق احوالى مثل ما لو قال اكرم كل عالم فان مقتضى اطلاقه الاحوالي لزوم اكرام كل فرد، في كل حال، حتى في حال اكرام الاخر، ثم علمنا عدم وجوب اكرام فردين من العلماء كزيد وعمر مثلا معا، ودار الامر بين ان يكون كل منهما خارجا عن تحت العام رأسا فلا يجب اكرامهما، وبين ان يفيد اطلاقه الاحوالي فيجب اكرام كل منهما عند ترك اكرام الاخر، ومن المعلوم ان المتعين هو الثاني، - وبعبارة اخرى - الضرورات تتقدر بقدرها، فالمقدار المعلوم خروجه عن تحت العام هو عدم وجوب اكرامهما معا، واما الزايد عن ذلك فمقتضى عموم العام، هو لزوم اكرام كل منهما منفردا ويترتب على هذا ثمرات مهمة في الفقه. إذا عرفت هذ المقدمة، فاعلم ان المدعى جريان القسم الثالث في المقام دون

[ 321 ]

الاولين، بدعوى ان مقتضى اطلاق ادلة الاصول ثبوت الترخيص في كل واحد من اطراف العلم الاجمالي، سواء ارتكب الاطراف الاخر ام لم يرتكب، وقد علمنا من حكم العقل بقبح الترخيص في المعصية، انه لم يرخص الشارع في ارتكاب جميع الاطراف، ودار الامر بين ان يرفع اليد عن الترخيص في الجميع رأسا، وبين أن يرفع اليد عن اطلاق الترخيص في كل طرف وتقييده بما إذا يرتكب الاطراف الاخر، وقد عرفت ان المتعين هو الثاني. ولازم ذلك هو التخيير في ان يطبق الترخيص على أي طرف شاء المكلف، وبهذا البيان يظهر انه لا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في ادلة الاصول في المعنيين أي، الترخيص التعييني في الشبهات البدوية، والتخييري في المقرونة بالعلم الاجمالي. واورد عليه بايرادات. احدهما: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو انه في المقام حيث يستحيل الاطلاق فيستحيل التقييد ايضا، لان التقابل بين الاطلاق والتقييد انما يكون من تقابل العدم والملكة فإذا لم يمكن الاطلاق ثبوتا كيف يمكن التقييد في مقام الاثبات. وفيه: انه في موارد العدم والملكة، امتناع احدهما لا يستلزم امتناع الاخر، بل ربما يكون الاخر ضروريا، مثلا الجهل في المبدأ الا على محال، والعلم ضروري، والغنى في الممكن محال، والفقر ضروري، وهكذا. اما في الاطلاق والتقييد، فإذا امتنع احدهما لمحذور فيه، وكان ذلك في الاخر يكون هو ايضا محالا - مثلا - تقييد وجوب الصلاة بخصوص العاجزين محال، والاطلاق ايضا محال لعين ذلك المحذور، وهو قبح التكليف بما لا يطاق، ولو لم يكن ذلك المحذور في الاخر كما في تقييد الولاية بالفاسق. فانه ممتنع لكونه ترجيحا للمرجوح على الراجح، يكون الاطلاق أو التقييد بمقابلة ضروريا بعد امتناع الاهمال في الواقع، وفى المقام بما انه يترتب محذور على الاطلاق وهو لزوم الترخيص في المعصية، وهذا المحذور ليس في التقييد لا يكون محالا. ثانيها: ان دليل عدم الاطلاق بما انه كالمتصل لكونه من البديهيات، وهو يكون

[ 322 ]

مجملا مرددا بين ان يقيد به الاطلاق الاحوالي أو الافرادى، واجماله يسرى الى العام فلا وجه للتمسك بالاطلاق الافرادى لادلة الاصول. وفيه: ان المقيد في المقام ليس مجملا فان الترخيص في المعصية ليس امرا مجملا، بل من المفاهيم الواضحة، وهو انما يترتب على الاطلاق الاحوالي دون الافرادى، فلا محالة يوجب تقييده خاصة. ثالثها: ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) وحاصله ان المأخوذ في ادلة الاصول موضوعا لها، هو عدم العلم لا الشك، اما في مثل - رفع ما لا يعلمون - والناس في سعة ما لا يعلمون - فواضح، واما مثل - كل شئ حلال حتى تعرف انه حرام - فلانه من جعل الغاية العرفان والعلم، يستكشف، ان المغيا، هو ما لم يعلم وحيث ان العلم المجعول غاية اعم من الاجمالي والتفصيلي فكذا عدم العلم المأخوذ موضوعا هو عدم العلم الاجمالي والتفصيلي، وعليه فلا يشمل ادلة الاصول اطراف العلم الاجمالي اصلا. وفيه: انه لو كان المقصود اجزاء اصل واحد في جميع الاطراف كان ما ذكر متينا، ولكن الذى يجرى فيه الاصل هو كل طرف بخصوصه، وهو كما يكون مشكوكا فيه يكون غير معلوم: إذ المعلوم بالاجمال هو الجامع وكل خصوصية وطرف غير معلوم، فلا فرق بين كون الموضوع هو الشك أو عدم العلم. رابعها: ما افاده المحقق صاحب الدرر (ره)، وهو ان الادلة الدالة على ان العالم يحتج عليه ما علم، وانه في غير سعة من معلوماته يقتضى الاحتياط بحكم العقل وينافى الترخيص الذى استكشفناه من الاطلاق - مضافا - الى منع اطلاق الادلة المرخصة، بل هي متعرضة لحكم الشك من حيث انه شك. وفيه: اما الادلة الدالة على ان العالم في غير سعة من معلوماته، فهى متضمنة لبيان حكم ارشادى الى ما يحكم به العقل، وليست في مقام بيان حكم مولوى، لما مر من ان الامر باطاعة والنهى عن المعصية لا يكونان مولويين، واما حكم العقل فهو حكم تعليقي يرتفع بورود الترخيص ولا ينافيه، واما ذكره من منع الاطلاق، فيرد عليه انه لم يشك احد فثى التمسك باطلاقها في موارد الشبهات البدوية، ويتمسك بها فيها بكلا

[ 323 ]

اطلاقيها. خامسها: ما افاده المحقق وحيد عصره الخوئى، وهو ان المانع عن جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي ليس استلزامه الترخيص في الجمع، والالزم الالتزام بشمول الادلة لجميع الاطراف ابتدأ فيما إذا كانت امورا متضادة، مع ان المفروض خلافه، بل المانع هو الجمع في الترخيص، وذلك لا يرتفع بتقييد الترخيص في كل منها بعدم ارتكاب الاخر فان المكلف إذا لم يرتكب شيئا من الاطراف كان الترخيص في جميعها فعليا لا محالة، وهو مستلزم للعلم بترخيص ما علم حرمته بالفعل. وبتقريب آخر إذا علمنا حرمة احد المائين واباحة الاخر، فالحرمة المعلومة غير مقيدة بترك المباح يقينا كما ان الاباحة غير مقيدة بترك الحرام قطعا، فالحكم باباحة كل منهما المقيدة مناف للحكم بالحرمة، والاباحة المطلقتين، وقد مر غير مرة ان الحكم الظاهرى لا بد وان يحتمل مطابقته للواقع والاباحة المشروطة لا يحتمل مطابقتها للواقع بالضرورة. وبعبارة اوضح ان الاباحة الظاهرية انما لا تنافى الحرمة الواقعية إذا لم تصل الحرمة، والا كانت منافية معها وقد مر توضيح ذلك في محله، وإذا فرض وصول الحكم الواقعي ولو كان متعلقه مرددا بين امرين أو امور، ولم يكن متميزا في الخارج عن غيره، فكيف يعقل ثبوت حكم آخر على خلافه، وهل هو الا من الجمع بين المتضادين. ولكن يرد على ما افاده اولا ان المحذور هو الترخيص في المعصية، وهذا لازم الترخيص في الجمع، لا الجمع في الترخيص، فالمانع هو الاول دون الثاني، وما ذكره من النقض نلتزم به ولا نرى فيه محذورا. ويرد على ما افاده بتقريب آخر، انه يشترط في صحة جعل الحكم الظاهرى احتمال مصادفة المجعول بنفسه للواقع، واما مصادفة قيده له فلم يدل دليل عليها، واباحة كل من الطرفين في فرض عدم ارتكاب الاخر يحتمل مصادفتها للواقع، غاية الامر على فرض المصادفة يكون الاباحة الواقعية ثابتة حتى في فرض ارتكاب الاخر. ويرد على ما افاده اخيرا، اولا بالنقض بما إذا لم يلزم من جريان الاصول في

[ 324 ]

اطراف العلم الاجمالي مخالفة عملية فانه دام ظله ملتزم بالجريان، مع ان لازم ما افاده عدم الجريان. وثانيا: انه دام ظله في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، افاد ان الحكمين من حيث انفسهما لا تضاد بينهما، بل التنافى بينهما انما يكون بالعرض ومن ناحية المبدأ أو المنتهى وشئ منهما لا يكون في المقام، اما من ناحية المبدأ فلان الاحكام الواقعية ناشئة من المصالح والمفاسد في المتعلقات، والاحكام الظاهرية ناشئة من المصالح في الجعل، واما من ناحية المنتهى فلان جعل الترخيص مقيدا الذى نتيجته جواز ارتكاب احدهما لا ارتكابهما معا، ليس ترخيصا في المعصية، وقد اعترف دام ظله بان الترخيص في المخالفة الاحتمالية لا محذور فيه. فتحصل مما ذكرناه ان مقتضى اطلاق ادلة الاصول جواز ارتكاب ما زاد عن مقدار الحرام. واما الجهة الثانية: فمقتضى النصوص الخاصة الواردة في موارد مخصوصة وجوب الموافقة القطعية لا حظ. موثق عمار الوارد في الانائين المعلوم نجاسة احدهما المشتبه بالاخر الدال على لزوم الاجتناب عنهما. وحصن صفوان في الثوبين المعلوم نجاسة احدهما المتضمن للامر بالصلاة فيهما (1) والنصوص الدالة على غسل تمام الثوب المعلوم نجاسة بعضه (2) وبعض النصوص الوارد في الجبن (3) ويؤيده ما روى عن الامام على (ع) انه ما اجتمع الحرام والحلال الاغلب الحرام الحلال (4). ولا يعارضها ما ورد في قطيع غنم نزى الراعى على واحدة منها ثم ارسلها في الغنم حيث قال (ع) يقسم الغنم نصفين ثم يقرع بينهما فكلما وقع السهم عليه قسم غيره قسمين وهكذا حتى يبقى واحدة (5) وما دل على الاكتفاء بصلاة واحدة الى بعض الجهات


1 - الوسائل بال 8 من ابواب الماء المطلق حديث 14 كتاب الطهارة. 2 - الوسائل باب 7 من ابواب النجاسات كتاب الطهارة. 3 - الوسائل باب 33 من ابواب الاطعمة المحرمة. 4 - رواه المجلسي في البحار في باب 23 من كتاب العلم. 5 - الوسائل باب 30 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 1 - 4. (*)

[ 325 ]

المشتبه (1) وغير ذلك من النصوص فان بعضها مطروح وبعضها مئول، وبعضها مختص بمورده، فالاظهر وجوب الموافقة القطعية. عدم وجوب الموافقة القطعية مع عدم امكان المخالفة ثم انه ينبغى التنبيه على امور، الاول: انه إذا لم يحرم المخالفة القطعية في مورد لاجل عدم القدرة عليها، كما لو علم بحرمة الجلوس في احدى الدارين في اول طلوع الشمس، فهل تجب الموافقة القطعية كما عن بعض الاساطين، ام لا تجب ؟ كما عن المحقق النائيني (ره) وجهان. قد استدل للاول: بان وجوب الموافقة القطعية انما يكون بحكم العقل من جهة انه في كل طرف يحتمل التكليف يكون ذلك الاحتمال مورد الوجوب دفع الضرر المحتمل، ويكون الاحتمال منجزا ما لم يكن هناك مؤمن شرعى أو عقلي، وعدم المؤمن الشرعي في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي انما يكون لاجل التعارض من غير توقف لذلك على حرمة المخالفة القطعية. وفيه: اولا ان التعارض بين الاصول الجارية في اطراف العلم الاجمالي انما يكون لاجل انه من جريانهما معا يلزم الترخيص في المعصية فهما معا لا يجران فيقع التعارض بينهما، وإذا فرض انه من جريانهما معا لا يلزم الترخيص في المعصية كما في المقام، لفرض عدم القدرة على المعصية القطعية فلا مانع من جريانهما معا، فلا تعارض بينهما فيجريان، ونتيجة الاصلين عدم وجوب الموافقة القطيعة، ودعوى. ان جريان الاصل فيهما، مستلزم للترخيص في المبغوض الواصل، قد عرفت ما فيها وان هذا من حيث هو لا محذور فيه. فالمتحصل انه في كل مورد لم يتمكن من المخالفة القطعية لا يجب الموافقة


1 - الوسائل باب 8 من ابواب القبلة. (*)

[ 326 ]

القطعية. حدوث المانع بعد العلم الامر الثاني: قد عرفت ان عدم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي ليس لمانع ثبوتى، وانما يكون لاجل التعارض، فلو لم يجر الاصل النافي في احد الاطراف، اما من جهة كونه موردا لاصل ثبوتى من الاستصحاب، كما لو علم بنجاسة احد المائين، الذين يكون احدهما مستصحب النجاسة، أو قاعدة الاشتغال، كما لو علم بعدم الاتيان باحدى الصلاتين، مع كون احداهما موردا لقاعدة الاشتغال، أو تنجز التكليف فيه بمنجز آخر قبله، كما لو علم بنجاسة ما في احد المائين ثم علم باصابة النجاسة باحدهما أو اناء آخر، أو غير ذلك من الموانع، يجرى الاصل في الطرف الاخر بل معارض، وهذا مضافا الى وصوحه سيأتي الكلام فيه في مبحث الاضطرار، والخروج عن محل الابتلاء فانتظر. انما الكلام في هذا التنبيه في انه إذا حدث احد الموانع بعد تنجيز العلم الاجمالي، - وبعبارة اخرى - ما لو طرأ احد الموانع على العلم وهو على قسمين - احدهما - ما لو كان متعلق هذه الامور مقارنا للعلم، أو متقدما عليه، كما لو علم بنجاسة احد الانائين ثم بعد ذلك علم تفصيلا بان احد الانائين معينا كان حين اصابة النجاسة المعلومة أو قبلها نجسا للملاقاة معنجاسة اخرى - ثانيهما - ما لو كان متعلقها متاخرا عنه كما لو علم باصابة الدم باحد الانائين - ثم علم تفصيلا بانه صار احدهما معينا نجسا - أو فقد احدهما أو انعدام، أو علم بوجود احد الفعلين واتى باحدهما، والمختار جريان الاصل النافي في القسم الاول، دون الثاني. اما الاول: فيتضح ببيان امرين 1 - ان المنجز كان هو العلم التفصيلي، أو الاجمالي، أو الامارة، أو الاستصحاب يعتبر في بقاء منجزيته، بقائه، فلم علم تفصيلا أو اجمالا بنجاسة شئ أو احد الشيئين اوقات الامارة عليها أو استصحبت، ثم شك فيها بنحو الشك السارى يزول تنجيزه، ولا يجب الاجتناب عما علم نجاسته وجدانا أو تعبدا، نعم لو

[ 327 ]

كان العلم باقيا وشك في رفعه يجب الاجتناب عنه بقاءا 2 - ان زوال العلم الاجمالي كما يكون بالشك فيما علم بالشك السارى، كذلك يكون بالعلم الوجداني أو التعبدى بان احد طرفي العلم حين حدوث العلم أو قبله كان محكوما بحكم مماثل لما علم بثبوته، لان ذلك يوجب الشك في ثبوت تكليف آخر غير ما ثبت في ذلك الطرف المعين فالحجة المتأخرة توجب الشك السارى في العلم الاجمالي فلا محالة يزول تنخيزه. فالمتحصل انه لو كان المانع الطارى متعلقه مقارنا أو متقدما على المعلوم بالاجمال، لا محالة يسقط العلم عن التنجيز لزوم العلم بقاءا. وبما ذكرناه يظهر انه لو علم بنجاسة احد الشيئين في يوم الجمعة مثلا ثم في يوم السبت علم بان احدهما المعين كان في يوم الخميس نجسا واحتمل طهارته في يوم الجمعة: فانه يجرى الاستصحاب فيه فبقاءا لا علم بحدوث تكليف زايد فينقلب الشك في انطباق المعلوم بالاجمال الى الشك في حدوث نجاسة اخرى. واما في القسم الثاني: فلا يجرى الاصل في الطرف الاخر بل هو مورد لقاعدة الاشتغال، إذا العلم الاجمالي يكون باقيا، والشك يكون شكا في الامتثال بعد العلم بحدوث التكليف، وعدم الشك فيه، والشك في الامتثال مورد لقاعدة الاشتغال. وبتقريب آخر، ان المانع عن جريان الاصل وان كان هو التعارض وهو لا يكون باقيا، الا انه حيث يكون الشك في الزمان اللاحق بعينه الشك السابق، ولا يكون فردا آخر، ولم ينقلب إليه كما في القسم الاول، والمفروض انه لم يشمله في الزمان السابق ادلة الاصول فلا تشمله الى الابد، فانه ليس لادلة الاصول عموم ازمانى حتى يقال بان كل زمان موضوع مستقل فلا مانع من عدم الشمول في زمان والشمول في زمان آخر، وانما شمولها له في جميع الازمان يكون بالاطلاق فكل واحد من افراد الشك موضوع واحد في جميع الازمنة، فحينئذ إذا خرج فرد لا معنى لشمول الادلة له بعد ذلك، فانه ليس فردا آخر. وهذا الوجه مع اصرار الاستاذ عليه غير خال عن المناقشة فانه قد عرفت ان لدليل الاصل عموم افرادي، واطلاق احوالى وزماني، فإذا ورد التقييد على الثاني يؤخذ

[ 328 ]

بالمقدار الثابت، وفى الزايد عليه يرجع الى الاطلاق كما هو الشان، في كل اطلاق وعام، وقد اعترف دام ظله بذلك في دليل الاصل في مبحث شموله لاطراف العلم الاجمالي بنحو التخيير. والحق ان يقال انه في القسم الثاني وهو ما لو علم بطرو احد تلكم الامور بعد تحقق العلم الاجمالي، كما لو علم بنجاسة ما في احد الانائين ثم انعدم احدهما أو خرج عن محل الابتلاء أو اهريق ما فيه وانعدم أو علم بوجوب القصر أو التمام صلى القصر أو التمام، يجرى استصحاب بقاء الحكم المعلوم بالاجمال من وجوب الاجتناب، أو لزوم الاتيان، فانه حين ما علم اجمالا بنجاسة ما في احد الانائين أو وجوب احد الفعلين، علم بتوجه خطاب لزومي إليه، وبعد طرو المانع يشك في بقائه إذ لو كان في ذلك الطرف، فقد ارتفع، ولو كان في الطرف الاخر فهو باق، فلا محالة يجرى الاستصحاب وحيث ان المستصحب حكم شرعى لا يتوقف جريان الاستصحاب على وجود اثر شرعى آخر بل يتوقف على ترتب اثر عملي عليه، وهو يتحقق في المقام وهو الاجتناب عن الطرف الاخر، أو الاتيان به حيث ان العقل يحكم بذلك تحقيقا للامتثال القطعي. وبهذا البيان يظهر انه لا نحتاج الى اثبات ان هذا الفرد لازم الاجتناب، أو يجب الاتيان به، حتى يقال ان الاستصحاب المذكور لا يثبت ذلك لكونه لازما عقليا، بل المستصحب بنفسه حكم شرعى مجرى الاستصحاب والعقل في مقام امتثاله والقطع بفراغ الذمة، يحكم بلزوم الاجتناب في العلم بالحرمة، ولزوم الاتيان في العلم بالوجوب. فان قلت ان الشك في بقاء ذلك التكليف مسبب عن الشك في تعلق التكليف بهذا الطرف، والاصل ينفى ذلك فلا مورد للاصل المسببى. قلت ان الاصل على فرض جريانه انما ينفى كون هذا الفرد موردا للتكليف من الان ولا يجرى بالنسبة الى ما قبل ذلك فانه يكون معارضا، مثلا لو علم بوجوب الظهر أو الجمعة فصلى الجمعة فان الشك في وجوب الظهر، لو جرى فيه الاصل فانما يدل على عدم وجوبه فعلا، ولا يكون مفاد الاصل عدم وجوبه من الاول، فإذا لم يدل على عدم تعلقه به من الاول، فاحتمال وجوبه قبل ذلك ليس موردا للاصل، ومن البديهى ان بقاء

[ 329 ]

الوجوب المعلوم تعلقه باحدهما ليس مسببا عن كون هذا الفرد واجبا فعلا وانما يكون مسببا عن تعلقه به اولا وحيث لا يجرى فيه الاصل للتعارض فيجرى في المسبب. فان قلت إذا جرى الاصل في الظهر مثلا وحكم الشارع بعدم العقاب من ناحية ترك الظهر، فما فائدة الاستصحاب، وجريانه، لا يوجب حكم العقل بلزوم الاتيان بالظهر. قلت انه في صلاة الظهر جهتين، احداهما كونها مصداقا للجامع الذى علم تعلق التكليف به، ثانيتهما: خصوصية الظهرية والبرائة من الجهة الثانية، تجرى، وتدل على عدم اقتضاء العقاب من هذه الناحية، واما من الجهة الاولى فهى ساكتة، عنها والاستصحاب يدل على اقتضائه من تلك الناحية، ومن البديهى ان مالا اقتضاء له لا يزاحم ما له اقتضاء. ويمكن ان يذكر وجه آخر لعدم جريان الاصل النافي فيه، وهو ان الاصل في كل طرف من اطراف العلم الاجمالي، من الاول الى الابد يعارض مع الاصل الجارى في الطرف الاخر، وان كان اقصر زمانا منه، كما لو علم بحرمة الجلوس من الطلوع الى الزوال في محل، أو حرمته من الطلوع الى الغروب في محل آخر. وان شئت فعبر عنه بانه ينحل هذا العلم الى علمين اجماليين، احدهما العلم بحرمة الجلوس من الطلوع الى الزوال في هذا المحل، أو الجلوس من الطلوع الى الزوال في محل آخر، ثانيهما: العلم بحرمته من الطلوع الى الزوال، أو حرمته من الزوال الى الغروب في محل آخر، وحيث انهما مقارنان فينجزان معا، وفى المقام نقول انه لو فرضنا العلم بوجوب الجمعة أو الظهر مثلا - فصلى الجمعة - لا يجرى الاصل في الظهر لان العلم الاجمالي ينحل الى العلم بوجوب الجمعة الى حين الاتيان بها أو النظر الى ذلك الزمان، والعلم بوجوب الجمعة الى ذلك الحين، أو الظهر من ذلك الحين الى الغروب، فلا محالة اصالة عدم وجوب الظهر من ذلك الحين تعارض مع اصالة عدم وجوب الجمعة فتتساقطان فتدبر فانه دقيق. لو كان المعلوم الاجمالي واجبا تعبديا الامر الثالث: إذا تردد الواجب بين امرين أو امور، واتى المكلف ببعض

[ 330 ]

المحتملات فانكشف مصادفته للواقع، فان كان الواجب توصليا لا كلام في سقوطه، وهو واضح، وان كان تعبديا، فهل يسقط، ام لا ؟ ام يفصل بين ما إذا كان المكلف عازما على الموافقة القطعية باتيان جميع المحتملات، فيسقط، وبين ما إذا كان قاصدا للاتيان ببعض المحتملات فلا يحكم بالصحة وجوه واقوال. وقد اختار الشيخ الانصاري (ره) الوجه الثالث: وعلل ذلك بانه يعتبر في العبادة الجزم في نيتها فان امكن تفصيلا والا فاجمالا، وحيث انه في الصورة الاولى يكون الجزم موجودا، دون الثانية فتصح الاولى دون الثانية. ولكن حيث لم يدل دليل على اعتبار شئ في العبادة سوى كون الداعي غير نفساني، وعرفت في محله من مبحث التعبدى والتوصلى: انه إذا شك في اعتبار قصد القربة أو الوجه أو التمييز أو الجزم في النية أو نحوها مما لم يدل دليل على اعتباره، يكون المرجع هو اطلاق دليل ذلك المأمور به ومع عدمه هو البرائة، فلو اتى المكلف ببعض المحتملات برجاء اصابة الواقع وصادف الواقع فقد قصد القربة بفعله واتى بالعبادة على وجهها، فتكون صحيحة ومجزية. ويترتب على ذلك انه لو دار امر الواجبين المترتبين كالظهر والعصر بين افعال متعددة كما لو علم بنجاسة احد ثوبيه لا يعتبر في صحة الثانية، الفراغ اليقيني من الاولى، بل يكفى الاتيان ببعض محتملاتها فإذا صلى الظهر في احد ثوبيه، له ان يصلى العصر في ذلك الثوب، ولا يتوقف الاتيان بالعصر على الاتيان بالظهر في كلا ثوبيه، نعم ليس له ان يصلى العصر في الثوب الاخر: فانه يحتمل ان يكون هو الطاهر فيكون قد اتى بالعصر قبل الظهر. وان شئت قلت انه يعمل اجمالا بعدم الامر بالعصر في ذلك الثوب، اما لنجاسته أو لوقوع العصر قبل الظهر. لو كان متعلق العلم عنوانا مرددا بين عنوانين الامر الرابع: لا فرق في منجزية العلم الاجمالي بين ان يكون المعلوم عنوانا معينا

[ 331 ]

ذا حقيقة واحدة، كما لو كان المعلوم خصوص نجاسة احد المائين أو غصبية احدهما، أو ماشا كل، وبين ان يكون المتعلق عنوانا مرددا بين عنوانين مختلفى الحقيقة كما لو علم اجمالا بنجاسة احد المائين أو غصبيته، وذلك لان الميزان في تنجيز العلم الاجمالي وحرمة مخالفته القطعية، ووجوب موافقتها كذلك هو كونه وصولا للالزام المولوي بعثا أو زجرا، وتردد المعلوم بين عنوانين، لا يوجب قصورا في كشفه ووصوله فانه يعلم بخطاب مولوى موجبه إليه، والعقل يلزم بامتثاله واطاعته، وان شئت فاختبر ذلك بما لو علم بتوجه امر باكرام زيد إليه، ولم يعلم انه يجب اكرامه لعلمه أو لورعه، فانه لا يشك احد في لزوم امتثال هذا الحكم. فما افاده صاحب الحدائق على ما نسب إليه من انه لو كان المعلوم بالاجمال مرددا بين العنوانين، لا يجب موافقته القطعية، ولا يحرم مخالفته القطعية، في غير محله. إذا كان اثر احد الاطراف اكثر الامر الخامس: انه لا فرق فيما ذكرناه من تنجيز العلم الاجمالي ولزوم الموافقة القطعية، ولزوم ترتيب الاثر على كل طرف، بين ما لو كان اثر كل واحد شيئا واحدا كما لو علم بغصبية احد المايعين، وبين ما لو كان اثر احدهما اكثر، وفى الفرض الثاني لا فرق بين ان لا يكون بينهما قدر مشترك كما لو علم بوجوب قرائة يس، أو التوحيد في ليلة الجمعة بنذر ونحوه، فان سورة يس وان كان اكثر من التوحيد، الا انه لا قدر مشترك بينهما كى يكون هو المتيقن، وبين ان يكون بينهما قدر مشترك، كما لو علم بوقوع النجاسة في الاناء الذى فيه ماء مطلق أو في الاناء الذى فيه مايع مضاف، فان اثر النجاسة في كلا الطرفين، هو حرمة الشرب وهى الاثر المشترك، ولكن للماء المطلق اثر آخر يخصه وهو عدم جواز التوضى به على تقدير وقوع النجاسة فيه، فان العلم الاجمالي يكون منجزا في جميع الصور من حيث جميع الاثار، فانه في جميع الصور يتعارض الاصول في اطرافه وتتساقط فاحتمال التكليف في كل طرف بالنسبة الى كل اثر موجود، ولا

[ 332 ]

مؤمن له فمقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل ترتيب جمع الاثار. وعن المحقق النائيني (ره) انه في الصورة الاخيرة يكون العلم الاجمالي منجزا بالنسبة الى الاثر المشترك، واما بالنسبة الى الاثر المختص ببعض الاطراف، فيجرى فيه الاصل بلا معارض، وفى المثال المتقدم لا يجوز شرب الماء المطلق، ولا شرب المايع المضاف، ولكن لا مانع من التوضى بالماء المطلق: وعلل ذلك بان توجه تكليف لا تشرب معلوم، فلا مجرى للاصل بالنسبة إليه، واما توجه لا تتوضأ فهو مشكوك فيه فيجرى فيه الاصل بلا معارض. ولكن يرد عليه ان جواز التوضى متفرع على جريان قاعدة الطهارة في الماء، والمفروض سقوطها للمعارضة، فلا طريق الى الحكم بطهارته كى يحكم بجواز التوضى به، - وبعبارة اخرى - كلا الحكمين في احد الطرفين، معارض مع الحكم الواحد في الطرف الاخر فلا يجرى الاصل في شئ منهما. وان شئت قلت ان هذا العلم الاجمالي ينحل الى علمين اجماليين مقارنين، احدهما: العلم بتوجه لا تشرب المايع المضاف، أو لا تشرب الماء المطلق، والاخر العلم بتوجه خطاب لا تشرب المايع المضاف، أو لا تتوضأ من الماءا لمطلق، وهذا العلمان متقارنان، ويوجبان سقوط الاصول في كل طرف بالنسبة الى جميع الاثار، ولا يمكن اجراء اصالة البرائة عن خصوص عدم جواز التوضى، فلا فرق بين ان يكون في كل طرف حكما واحدا أو في احدهما حكما واحدا، وفى الاخر حكمين، فمن علم اجمالا بانه اما مديون بزيد درهما أو بعمرو درهمين، لا يجرى الاصل في الدرهم الزايد. نعم يتم ما افاده فيما لو كان الموضوع واحدا وكان الترديد في السبب الذى تعلق به العلم الاجمالي كما لو علم بانه مديون من زيد اما درهما، أو درهمين من جهة العلم الاجمالي بانه اما استقرض من زيد درهما أو اتلف ماله الذى يسوى درهمين، إذا اشتغال الذمة بدرهم لزيد معلوم لا يجرى الاصل فيه، والزايد مشكوك الحدوث فيجرى فيه الاصل بلا معارض.

[ 333 ]

تنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات الامر السادس: لو كانت الاطراف تدريجية الوجود، بان تعلق العلم الاجمالي بالامور التدريجية، فهل هو كالعلم الاجمالي المتعلق بالامور الدفعية، ام لا ؟ وقبل الشروع في البحث لا بد وان يعلم ان محل الكلام في هذا البحث، هو ما إذا لم تكن الاطراف مورد الاحتياط في انفسها مع قطع النظر عن العلم الاجمالي، فما مثلوا به للمقام بما لو علم اجمالا بانه يبتلى في يومه هذه بمعاملة ربوية من جهة الشبهة الحكمية، غير صحيح، إذا في مثله يجب الاحتياط كان العلم الاجمالي منجزا في التدريجيات، ام لم يكن كذلك، إذ كل معاملة يحتمل ان تكون ربوية في نفسها، مع قطع النظر عن العلم الاجمالي مورد لاصالة الاحتياط، لكون الشبهة حكمية، لا يجوز الرجوع فيها الى اصالة البرائة قبل الفحص، ومن جهة الحكم الوضعي مورد لاصالة عدم النقل والانتقال، والفساد، ودعوى - انه يمكن الرجوع الى عموم ما دل على صحة كل معاملة، مندفعة: بان العمومات قد خصصت بما دل على فساد المعاملة الربوية فالشك انما هو في مصداق المخصص، ولا يصح التمسك بالعمومات في مثله. وايضا محل الكلام في المقام فيما لم يرد فيه نص خاص، فما مثل به من انه لو علمت المرئة المستمرة الدم انها تحيض، اما في اول الشهر أو آخره، غير تام لورود روايات خاصة في المسالة وقد اشبعنا الكلام فيها في الجزء الثاني من كتابنا فقه الصادق. إذا عرفت ذلك فاعلم ان تدريجية اطراف العلم الاجمالي انما تكون على اقسام. الاول: ان يكون ذلك مستندا الى اختيار المكلف مع تمكنه من الجمع بينهما، كما إذا علم بنجاسة احد الانائين فشرب ما فيهما تدريجا مع تمكنه من شرب الجميع دفعة، لا اشكال ولا كلام في تنجيز العلم الاجمالي في هذا القسم، وهو واضح، ويلحق به القسم الثاني. وهو ما إذا كانت التدريجية مستندة الى عدم تمكن المكلف في الجمع بينهما، مع

[ 334 ]

تمكنه من ارتكاب كل منهما بالفعل مع ترك الاخر، كما لو علم بحرمة احد الضدين الذين لهما ثالث: وذلك للعلم بالتكليف الفعلى وتعارض الاصول في الاطراف وتساقطها. الثالث: ما لو كانت التدريجية في المتعلق مع العلم بالتكليف الفعلى على كل تقدير، كما لو علم بتعلق النذر بقرائة سورة خاصة في يوم الخميس، أو في يوم الجمعة بناءا على القول بالوجوب المعلق، وان وجوب الوفاء بالنذر انما يكون فعليا، لان الملاك يتم بالنذر، ويكون التكليف المتعلق بالوفاء به فعليا على كل تقدير، ويكون ظرف الامتثال والاتيان بالمتعلق متاخرا على تقدير، وفى هذا القسم ايضا لااشكال في تنجيز العلم الاجمالي، وتساقط الاصول في اطرافه، لمعلومية التكليف واستلزام جريان الاصل في الطرفين للترخيص في المعصية. الرابع: ما لو كانت التدريجية في التكليف، ولم يكن المعلوم فعليا على كل تقدير كما لو علم بوجوب مردد بين كونه فعليا الان، وكونه فعليا فيما بعد كما في مثال النذر على القول بعدم معقولية الواجب المعلق، وكما لو تردد الواجب بين كونه مطلقا أو مشروطا بشرط يحصل فيما بعد. وفيه اقوال 1 - جريان الاصل في كل من الطرفين مطلقا ذهب إليه المحقق الخراساني في الكفاية 2 - عدم جريانه في شئ من الطرفين مطلقا اختاره المحقق النائيني (ره) 3 - التفصيل بين ما إذا كان الملاك تاما على كل تقدير كما في مثال النذر، فلا يجرى الاصل في شئ من الطرفين، وبين ما إذا لم يكن تاما على كل تقدير كما في المثال الثاني، فيجرى فيه الاصل اختاره الشيخ الاعظم (ره). وتنقيح القول بالبحث في موردين - الاول - فيما لو كان الملاك تاما على كل تقدير، كما في مثال النذر، وانما لا يلتزم بالوجوب لو كان النذر متعلقا بالامر المتأخر لعدم معقولية الواجب المعلق - الثاني - ما إذا كان الملاك على تقدير تاما، وعلى تقدير غير تام، لعدم تحقق ما له دخل في تماميته كاكثر الشرائط التى تتوقف عليها فعلية التكليف، ومثل له الشيخ بما لو علمت المرئة بانها تحيض في الشهر ثلاثة ايام مرددا بين ايامه.

[ 335 ]

اما المورد الاول: فلا ينبغى التوقف في منجزية العلم الاجمالي، لان الترخيص في تفويت الملاك الملزم قبيح عقلا كالترخيص في مخالفته التكليف، فلا يجرى الاصل في شئ من الطرفين. واما في المورد الثاني: فافاد الشيخ انه يرجع الى الاصل النافي للحكم الى ان يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه الى اصالة الاباحة ولا يتعارضان اما قبل بقاء ثلاثة ايام، فلعدم المعارض للاصل النافي لعدم التكليف في ذلك الزمان بالنسبة الى تلك الايام قطعا فلا حاجة الى الاصل، واما الثلاثة الاخيرة فالاصل النافي للحكم، لا يعارضه الاصل الجارى فيما قبلها لعدمه فعلا غاية الامر بعد جريان الاصل فيه يقطع بمخالفة احد الاصلين للواقع ولا محذور فيه. واورد عليه المحقق النائيني (ره) مبتنيا على ما ذكره في بحث مقدمة الواجب، من حكم العقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه بتعجيز النفس قبل مجئ وقته كاستقلاله بقبح تعجيز النفس عن امتثال التكليف الفعلى، بدعوى انه لا فرق في ذلك بين كون التفويت مستندا الى العبد، وبين كونه مستندا الى المولى فلا يجوز للمولى ان يرخص في تفويت الملاك الملزم، وبما ان ترخيصه في الاقتحام في كل واحد من اطراف الشبهة في ظرف الابتلاء به يستلزم فوت الملاك الملزم في ظرفه فيكون قبيحا، وان شئت قلت انه لا فرق في قبح تفويت الملاك الملزم بين العلم الاجمالي والتفصيلي، فكما ان من يعلم تفصيلا بان الاقتحام في فعل يستلزم فوت الملاك الملزم في ظرفه لا يجوز له ذلك ويقبح للمولى الترخيص فيه، كذلك من يعلم اجمالا بان احد الفعلين التدريجيين مفوت للملاك الملزم، كما في المقام، لا يجوز له ذلك، وليس للمولى ان يرخص فيه. وما افاده وان كان حقا، الا ان الظاهر عدم جريان الاصل، حتى مع عدم البناء على استقلال العقل بقبح ذلك، إذ من يعلم بتوجه التكليف إليه اما في اول الشهر، أو آخره، لا يمكن للمولى ان يرخص في عدم امتثاله لانه ترخيص في المعصية - وبالجملة - الاصل الجارى في احد الطرفين في اول الشهر يعارض، مع الاصل الجارى في الطرف الاخر في

[ 336 ]

آخر الشهر، إذ لا يعتبر في التعارض كونهما عرضيين وفى زمان واحد. مانعية الاضطرار عن تنجيز العلم الاجمالي الامر السابع: لو اضطر الى ارتكاب بعض الاطراف، فهل يمنع ذلك عن تنجيز العلم الاجمالي ام لا ؟ وقبل الشروع في البحث لا بد من بيان امر به يتضح محل البحث في هذا التنبيه. وهو ان محل الكلام ما لو كان الاضطرار رافعا لجميع الاثار للمعولم بالاجمال كما لو علم بنجاسة احد المايعين المضافين، ثم اضطر الى شرب احدهما، فان الاثر المترتب على هذا المعلوم بالاجمال ليس الا الحرمة المرتفعة بالاضطرار، فيقع الكلام في انه هل ينحل العلم الاجمالي بذلك ام لا ؟ واما إذا كان المرتفع بالاضطرار بعض الاثار كما لو علم بنجاسة احد المائين المطلقين ثم اضطر الى شرب احدهما لا على التعيين أو علم بنجاسة الماء أو الحليب مع الاضطرار الى شرب الماء فان الاثر المترتب على هذا المعلوم بالاجمال حرمة الشرب، وعدم جواز التوضى به، والاضطرار انما يرفع الحكم الاول، ويكون الاثر الاخر باقيا فلا وجه لتوهم انحلال العلم الاجمالي، وهو واضح، فلا يجوز التوضى بشئ منهما. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاضطرار، قد يكون الى احدهما المعين، وقد يكون الى احدهما لا بعينه فالكلام في مقامين، الاول ما لو كان الاضطرار الى احدهما المعين، كما لو علم بنجاسة الماء أو الحليب واضطر الى شرب الماء، الثاني ما لو كان الاضطرار الى احدهما لا بعينه كما لو علم بنجاسة احد المائين واضطر الى شرب احدهما لا بعينه. اما المقام الاول: فالصور المتصورة التى بها يختلف الحكم ثلاث. الاولى: ان يكون الاضطرار حادثا بعد التكليف وبعد العلم به كما لو علم بنجاسة احد المايعين ثم اضطر الى شرب الماء منهما. الثانية: ان يكون الاضطرار حادثا قبل التكليف، وقبل العلم به كما لو اضطرار الى

[ 337 ]

استعمال احد مقطوعي الطهارة والحلية ثم حدث نجاسة احدهما أو حرمته والعلم بها. الثالثة: ما لو كان الاضطرار حادثا بعد التكليف وقبل العلم به، كما إذا كان احد المائين نجسا في الواقع ولكنه لم يكن عالما به فاضطر الى شرب احدهما ثم علم بانه كان نجسا قبل الاضطرار. اما في الصورة الاولى فقد اختار الشيخ الاعظم (ره) والمحقق النائيني عدم انحلال العلم الاجمالي: لان التكليف قد يتنجز بالعلم الاجمالي قبل عروض الاضطرار، واقصى ما يقتضيه الاضطرار هو الترخيص فيما اضطر إليه ورفع التكليف عنه لو كان متعلقا به، ولا رافع له في الطرف غير المضطر إليه، لان الضرورات تتقدر بقدرها. وذهب المحقق الخراساني في الكفاية الى الانحلال وعدم بقاء التنجيز، واستدل له بان العلم الاجمالي علة للتنجيز حدوثا وبقائا، وبعد الاضطرار لا يكون العلم بالتكليف باقيا، إذ لو كان التكليف في الطرف المضطر إليه، فقد ارتع لكون التكليف كان محدودا بعدم الاضطرار الى متعلقه، ومع عدم بقاء العلم يرتفع اثره، وهو التنجيز كما هو الحال في العلم التفصيلي فانه لو زال بالشك السارى لا يبقى تنجيره، ثم اورد على نفسه بالانتقاض بما لو فقد بعض الاطراف، فكما لا اشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي هنا، كذلك لا ينبغى الاشكال في لزوم رعاية الاحتياط مع الاضطرار، واجاب عنه بالفرق بين الاضطرار والفقدان، فان الاضطرار من حدود التكليف، ولا يكون الاشتغال به من الاول، الا مقيدا بعدم عروضه، فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به الا الى هذا الحد، فلا يجب رعايته فيما بعده، بخلاف فقدان المكلف به، فانه ليس من حدود التكليف وقيوده فالتكليف المتعلق به مطلق، فإذا اشتغلت الذمة به كان قضية الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك. ويرد عليه اولا انه كما يكون الاضطرار من حدود التكليف وبحدوثه يرتفع التكليف، كذلك يكون فقدان الموضوع من حدود التكليف وينتفى التكليف بانتفاء موضوعه، لان فعلية التكليف تدور مدار وجود الموضوع، بما له من القيود وبانتفائه أو انتفاء قيد من قيوده ينتفى الحكم.

[ 338 ]

وثانيا: ان العلم الاجمالي بالتكليف لا يكون منتقيا بحدوث الاضطرار نظير انتفاء العلم التفصيلي بالشك السارى بل هو باق بحاله، غاية الامر يكون متعلقه مرددا بين ان يكون من الطرف غير المضطر إليه فهو باق الى آخر الا زمان أو يكون في الطرف المضطر إليه فهو محدود بحدوث الاضطرار فيكون المعلوم بالاجمالى مرددا بين المحدود و المطلق. ويصير نظير ما لو علم بحرمة الجلوس في مكان خاص الى الزوال، أو في محل آخر الى الغروب، فكما لا سبيل الى القول بارتفاع التنجيز بالزوال كذلك في المقام. والى ذلك نظره الشريف في حامش الكفاية حيث التزم ببقاء التنجيز في الطرف غير المضطر إليه، بتقريب ان العلم الاجمالي تعلق بالتكليف المردد بين المحدود والمطلق ويكون من قبيل تعلق العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين القصير والطويل، فكما ان العلم الاجمالي، يكون منجزا هناك، كذلك في المقام. واما في الصورة الثانية: وهى ما إذا كان الاضطرار الى المعين قبل حدوث التكليف، كما لو اضطر الى شرب ما في احد الانائين معينا، ثم علم بنجاسته أو نجاسة، ما في الاناء الاخر فلا كلام ولا اشكال في عدم منجيزية هذا العلم الاجمالي، إذ النجاسة لو كانت واقعة فيما اضطر الى شربه، لم يحدث تكليف، وهو مقطوع الحلية على كل تقدير، فلا يجرى فيه الاصل، فيجرى في الطرف الاخر بلا معارض. وبما ذكرناه يظهر حكم ما لو كان الاضطرار، وحدوث التكليف مقارنين، فانه يجرى الاصل في غير المضطر إليه بلا معارض. واما في الصورة الثالثة: وهى ما لو كان الاضطرار الى المعين بعد حدوث التكليف وقبل العلم، كما لو اضطر الى شرب احد المايعين ثم علم بان احدهما كان نجسا قبل عروض الاضطرار، فقد اتفقت كلمات المحققين في هذه الصورة على عدم تنجيز العلم الاجمالي. وما افاده في المقام يكون مبتنيا على ما بنوا عليه ونحن تبعناهم من ان، عدم جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي انما هو لاجل التعارض لا لمانعية نفس العلم،

[ 339 ]

وانه لو كان الاصل النافي للتكليف جاريا في بعض الاطراف، دون بعض آخر، فلا مانع من جريانه، ولا يكون العلم الاجمالي حينئذ منجزا من غير فرق بين سبق التكليف وعدمه، وعليه. فلو كان عروض الاضطرار قبل العلم وبعد توجه الخطاب، فاما ان يكون حين الاضطرار غافلا عن نجاسة المائين أو معتقدا طهارتهما، أو يكون شاكا في النجاسة، فعلى الاولين لا يجرى الاصل في شئ منهما لعدم الموضوع، وعلى الثالث يجرى الاصل في الطرفين إذ الترخيص في مخالفة التكليف غير الواصل، لا يكون ترخيصا في المعصية ولا محذور فيه - هذا حال الطرفين قبل الاضطرار. واما بعده فحين ما يعلم بالنجاسة، فالطرف المضطر إليه لا يجرى الاصل فيه للعلم بجواز ارتكابه وحليته حتى لو كانت النجاسة واقعة فيه، ومع العلم بالجواز لا موضوع للاصل، فيجرى الاصل في الطرف الاخر بلا معارض. وعلى الجملة في زمان المنكشف والمعلوم كلا الاصلين يجريان على فرض الشك، وفى زمان العلم والكاشف يجرى احدهما دون الاخر فليس زمان يتعارض الاصلان فيه، فمثل هذا العلم الاجمالي لا يكون منجزا. ودعوى ان العلم بعد حدوثه يوجب ترتيب آثار المعلوم من حين حدوثه لا من حين العلم، مثلا لو علمنا بنجاسة الماء الذى توضأنا به قبل التوضى، يجب ترتيب آثار النجاسة حين الوضوء، وان لم يكن عالما بها حينه ففى المقام لا بد من ترتيب آثار العلم الاجمالي من حى حدوث المعلوم لعدم الفرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي. مندفعة: بان ذلك يتم بالنسبة الى آثار المعلوم، لا آثار العلم، وتساقط الاصول من آثار العلم كما لا يخفى. ويلحق بهذه الصورة ما لو كان الاضطرار مقارنا للعلم وبعد حدوث التكليف. وغاية ما يمكن ان يورد عليهم: انه انما لا يجرى الاصل في الطرف الاخر من جهة اخرى، وهى ان مقتضى استصحاب بقاء التكليف المقطوع حدوثه قبل الاضطرار المشكوك بقائه، لاحتمال كونه في الطرف المضطر إليه المرتفع بالاضطرار، وكونه في الطرف الاخر الباقي، بقاء التكليف وهو من قبيل القسم الثاني من اقسام استصحاب

[ 340 ]

الكلى وحيث ان المستصحتب بنفسه من الاحكام، فلا يتوقف جريانه على ترتب اثر شرعى عليه، وليس المقصود اثبات كون متعلق الحكم الطرف الاخر، حتى يقال انه مثبت بل العقل يحكم بانه يجب اجتناب الطرف الاخر في المحرمات، والاتيان به في الواجبات تحصيلا لليقين بالفراغ. وفيه: ان هذا الاصل محكوم لاصل آخر، فان الشك في بقاء الكلى الذى لا وجود له الا بوجود افراده، يرتفع باجراء اصالة عدم الحدوث في فرد مع العلم بعدم الفرد الاخر في صورة دوران امر الموجود بينهما كما في المقام فان المضطر إليه لو كان موردا للتكليف، فقد ارتفع التكليف قطعا فلو اجرينا اصالة عدم حدوث التكليف في الطرف الاخر لا يبقى شك في عدم بقاء الكلى. لا يقال: ان لازم ذلك عدم بقاء تنجيز العلم في صورة كون الاضطرار بعد التكليف والعلم: به فانه يجرى الاصل في الطرف الاخر، والمضطر إليه حلال قطعا. فانه يقال انه في تلك الصورة لا يجرى اصالة عدم حدوث التكليف لفرض تنجيز العلم قبل ذلك وسقوط الاصل في كلا الطرفين، وهذا بخلاف المقام فانه قبل الاضطرار لا علم بالتكليف، فيجرى الاصل في الطرفين بلا معارضة بينهما، وبعده لا علم بالتكليف ولا يجرى الاصل في المضطر إليه كى يعارض مع الجارى في الطرف الآخر، ولو ضم اصاة عدم حدوث التكليف في طرف بالعلم الوجداني بعدم وجوده في الطرف الاخر، والمفروض ان لا وجود للكلى الا في ضمن احدهما، لا شك في عدم بقاء الكلى، وان شئت عبر - بانه شك له مؤمن شرعى - وهذا نظير - دوران الامر بين الاقل والاكثر فانه وان كان بعد الاتيان بالاقل يشك في بقاء التكليف المعلوم تعلقه بالاقل أو الاكثر، والمشكوك بقائه لعدم الاتيان بالاكثر ولكن لاجل جريان الاصل في الاكثر وعدم معارضته بالاصل في الاقل لا يبقى شك في عدم بقاء الكلى - فالحق - ما افاده الاساطين من عدم تنجيز العلم الاجمالي في هاتين الصورتين ايضا.

[ 341 ]

حكم الاضطرار الى غير المعين واما المقام الثاني: وهو ما لو كان الاضطرار الى احد الاطراف لا بعينه ففيه مسالك. الاول: ما اختاره المحقق الخراساني في الكفاية وهو ان الاضطرار الى غير معين مانع علم العلم بفعلية التكليف فانه موجب لجواز ارتكاب احد الاطراف أو تركه تخييرا وهو ينافى العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا. اقول ان مراده (قده) من ذلك، ان كان ان الترخيص الواقعي ينافى العلم بحرمة المعلوم، فيرد عليه ما ستعرفه عند بيان المختار، وان كان مراده ان الترخيص الظاهرى ينافى معه من جهة ان العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، ولا يجوز الترخيص في تركها، فقد مر ما فيه مفصلا فراجع. الثاني: ما ذهب إليه المحقق النائيني (ره) وهو البناء على التوسط في التكليف والحكم بوجوب الاجتناب عن غير ما يرفع به الاضطرار في المحرمات والاتيان بغيره في الواجبات، حتى في صورة تقدم الاضطرار على حدوث التكليف، بدعوى ان الاضطرار انما تعلق بالجامع بين الحلال والحرام، ولم يتعلق بخصوص الحرام، فنفس الاضطرار لا يكون موجبا لرفع الحرمة، ولا وجه لرفع اليد عن حرمة الحرام المعلوم بالاجمال الا ترى انه لو اضطر الى شرب احد المائين مع العلم التفصيلي بنجاسة احدهما لا يتوهم احد رفع الحرمة عن الحرام المعلوم بالتفصيل لاجل الاضطرار الى الجامع، فكذلك في المقام، غاية الامر ان الذى يختاره المكلف في مقام رفع الاضطرار حيث انه مصداق للمضطر إليه فبالاختيار يرتفع حرمته ان كان هو الحرام وان كان الحرام غيره فهو باق. واورد على نفسه بانه على هذا لا يبقى فرق بين الاضطرار الى المعين والاضطرار الى غير المعين في ان كلامنهما يوجب التوسط في التكليف أي عدم التكليف على فرض مصادفته للمضطر إليه ووجوده إذا كان غيره، فما الفارق بينهما حيث يحكم في الاول

[ 342 ]

بعدم لزوم الاجتناب عن الطرف الاخر إذا كان الاضطرار قبل العلم، والتزم في الثاني بلزومه. واجاب عنه بانه في الاضطرار الى المعين إذا كان قبل التكليف وقبل العلم به فبعد حدوث سبب التكليف والعلم به، يقطع بحلية المضطر إليه وعدم حدوث التكليف ان صادف المضطر إليه، فيبقى الشك في الطرف الاخر موردا للاصل بالتقريب المتقدم، واما في الاضطرار الى غير المعين فحيث ان نفس الاضطرار لم يتعلق بما هو متعلق التكليف فقبل ان يختار احدهما، ويحدث سبب التكليف كاصابة النجاسة الى احدهما يكون التكليف فعليا على كل حال ومنجزا، وبعد ذلك إذا اختار احدهما، فحيث انه يصير مضطرا إليه فيرتفع التكليف ان كان ثاتبا في مورد الاختيار، وان كان في غيره فهو باق، فيكون حاله حال الاضطرار الى المعين بعد العلم بحدوث التكليف. وفيه: اولا ان ما يختاره ليس مصداقا للمضطر إليه حتى يكون الترخيص الثابت بدليل الاضطرار ترخيصا واقعيا، فينا في الحرمة فالحمرة ثابتة على كل حال، وانما يكون الترخيص ظاهريا موجبا للتوسط في التنجيز، وثانيا: انه لو سلمنا ذلك، فلازمه عدم وجوب الاجتناب عن الاخر، إذ ما يختاره اولا لو كان هو الذى اصابه النجاسة لم يحدث فيه التكليف من الاول لا انه حدث وارتفع بالاختيار: وذلك لعدم معقولية مثل هذا التكليف وكونه لغوا، إذ التحريم انما يكون لاجل ان يكون زاجرا عن الاختيار فجعل الحرمة وتعلقها بفعل، ترتفع عند اختيار الفعل وصيرورته مباحا لغو - وبعبارة اخرى - الحرمة انما تكون لاجل ان تصير زاجرة عن الاختيار، فصيرورته الفعل مباحا حينه يوجب لغوية جعل تلك الحرمة، فلو كان في الطرف المختار لم يحدث التكليف من الاول فيكون التكليف في الطرف الاخر، مشكوك الحدوث، فيجرى فيه الاصل فيكون كلام المستشكل متينا. الثالث: ما هو الحق، وهو التوسط في التنجيز، فالمدعى ثبوت التكليف على كل تقدير، وتنجيزه على تقدير دون آخر، وهو يبتنى على بيان مقدمات. الاولى: ان الترخيص اعم من الظاهرى والواقعي، كالحكم الالزامي، قد يتعلق

[ 343 ]

بصرف وجود الطبيعة، المنطبق على اول الوجودات، وقد يتعلق بجميع الوجودات، والاباحة الواقعية المتعلقة بجميع الوجودات ظاهرة، واما الاباحة المتعلقة بصرف الوجود، فهى انما تكون، فيما لو اباح المالك الدخول في داره مرة مثلا ويتصور ذلك في الاباحة الظاهرية ايضا. الثانية: ان المضطر الى استعمال احد المائين المعلوم نجاسة احدهما انما يكون مضطرا الى استعمال الجامع لا خصوص الحرام، وحيث ان احد فردي الجامع حرام والاخر مباح فلا بد وان يرفع اضطراره بما لا يكون حراما - وبعبارة اخرى - الحكم المترتب على الفعل المضطر إليه انما يترتب على ما لا مانع فيه، وهو المباح، ولذا ترى انه لو كان الحرام متميزا عن الحرام في الخارج لما كان يجوز دفع الاضطرار بالحرام، والسر فيه ما ذكرناه، وعليه فالحرام يتمكن المكلف من مخالفته ولم يطرأ عليه الاضطرار حتى يرفع حكمه. الثالثة: انه لا يمكن للشارع الترخيص في كليهما لكونه ترخيصا في المخالفة القطعية. إذا عرفت هذه الامور فاعلم: ان مقتضى ما ذكرناه في المقدمة الثانية عدم جواز ارتكاب احدهما ايضا في الفرض، الا ان العقل يحكم بان الاضطرار الموجب لصيرورة الحرام مباحا إذا تعلق به، لو تعلق باحد الامرين المعلوم حرمة احدهما، ولم يكن الحرام متميزا عما عداه يوجب عدم العقاب على ارتكاب احدهما، ولازم ذلك ترخيص الشارع في ارتكاب احدهما، وبمقتضى المقدمة الاولى يكون المرخص فيه صرف الوجود المنطبق على اول الوجودات، والجمع بين هذا الحكم وبقاء الحرمة الواقعية، يقتضى الالتزام بالترخيص الظاهرى - وبعبارة اخرى - الضرورات تتقدر بقدرها فلا وجه لرفع اليد عن الحرام الواقعي لان المضطر إليه هو ترك الموافقة القطعية فالمرتفع هو وجوبها، وبمقتضى المقدمة الثالثة يحرم المخالفة القطعية، وليس للشارع الترخيص فيها، فنتيجة ذلك هو التوسط في التنجيز. ومما ذكرناه يظهر ما في كلمات المحققين واليك طائفة منها 1 - ما افاده

[ 344 ]

المحقق الاصفهانى، من ان المعذورية في ارتكاب احد الاطراف ورفع عقاب الواقع عند المصادفة ينافى بقاء عقاب الواقع على حاله حتى يحرم المخالفة القطعية. فانه يرد عليه انه بعد تسليم وجود التكليف الواقعي على حاله، غاية ما يمكن للشارع الترخيص في المخالفة الاحتمالية، واما الترخيص في المخالفة القطعية وعدم العقاب على ارتكابهما فليس له ذلك ثوبتا، من غير فرق بين ان يكون الترخيصان بدليل واحد، أو بدليلين. 2 - ما ذكره المحقق النائيني من ان ارتكاب المكلف للحرام هذا الحال يكون مصداقا للاضطرار ويحمل عليه بالحمل الشايع الصناعي. فانه يرد عليه ان متعلق الاضطرار وما يترتب عليه الضرر هو الموافقة القطعية والجمع في الترك، وحيث ان وجوب الموافقة القطعية انما يكون بحكم العقل، ومن باب وجوب دفع الضرر المحتمل، ولا يرتفع حكم العقل الا بارتفاع منشا انتزاعه، فلا بد من كون العقاب مرفوعا عن احد الفعلين في المحرمات وترك احدهما في الواجبات، ولا يكون ذلك لا بجعل التخرخيص، وحيث ان الترخيص الظاهرى يكفى في ذلك، والضرورات تتقدر بقدرها، فلا محالة يكون هو المجعول الواقعي كى ينافى مع اطلاق دليل الحرمة. اضف الى ذلك ان الترخيص انما جئ من ناحية الجهل بمتعلق التكليف ومثل هذا الحكم لا محالة يكون ظاهريا، ومتعلقه انما هو احدهما بنحو صرف الوجود المنطبق على اول الوجودات، إذ به يرفع الاضطرار فيكون هو المرخص فيه دون الثاني، ولا يلزم الترجيح بلا مرجح. 3 - ما افاده المحقق الخراساني المتقدم ذكره، فانه يرد عليه ان الترخيص ليس واقعيا فلا ينافى مع الالزام المعلوم. ثم لا يخفى انه فرق بين الواجبات والمحرمات من جهة انه في الثانية يكون اول الوجودات مرخصا فيه لما مر، وفى الاولى يكون المرخص فيه ترك آخر الوجودات إذ الضرر في الواجبات انما يترتب على الجمع في الفعل، وفى باب المحرمات على الجمع

[ 345 ]

في الترك، والا فهما مشتركان في جميع ما تقدم كما لا يخفى. ثم ان ما ذكرناه انما هو في الاضطرار الموجب لاباحة الحرام، واما الاضطرار الموجب لوجوب ارتكاب الحرام، فلو حدث فبما ان احد الفعلين حرام والاخر مباح، فالوجوب يتعلق بالمباح لانه في الاخر مانع عن تعلقه وهو الحرمة فيصير احد الفعلين حراما والاخر واجبا وقد اشتبه احدهما بالاخر، فكل فعل يدور امره بين الوجوب والحرمة، فيدخل في المسالة المتقدمة، وهى دوران الامر بين الوجوب والحرمة، وقد مر ان مقتضى القاعدة، هو فعل احدهما وترك الاخر كى لا يخالف احد التكليفين قطعا. خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء الامر الثامن: قد طفحت كلمات المحققين تبعا للشيخ الاعظم بانه يعتبر في تأثير العلم الاجمالي كون جميع الاطراف داخلة في محل الابتلاء فلا اثر للعلم الاجمالي إذا كان بعض اطرافه خارجا عن محل الابتلاء وان كان مقدورا للمكلف، ولكن صريح كلام الشيخ الاختصاص بالشبهة التحريمية وتبعه جمع، وذهب آخرون الى انه لا فرق في ذلك بين الشبهات التحريمية والوجوبية. وكيف كان فتنقبح القول في المقام يقتضى ان يقال انه حيث لا ريب ولا كلام في انه يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي ان يكون جميع اطرافه مقدورة للمكلف، لانه يعتبر القدرة في التكليف، فلو كان بعض الاطراف خارجا عن تحت القدرة، كان التكليف بالنسبة إليه ساقطا يقينا فيكون التكليف في الطرف الاخر مشكوك الحدوث فيجرى فيه الاصل النافي للتكليف بلا معارض. فيعلم من ذلك ان عمدة الكلام في المقام في، انه هل يعتبر في فعلية التكليف وتنجزه دخول المكلف به في محل الابتلاء، ام لا يعتبر ذلك والا فمع فرض الاعتبار، يكون حكم ما لو خرج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، حكم الاضطرار الى احد الاطراف معينا، أو خروجه عن تحت القدرة عقلا، كما انه على فرض عدم الاعتبار يكون

[ 346 ]

العلم الاجمالي منجزا قطعا، فالمهم البحث في ذلك. وقد استدل الشيخ الشيخ الاعظم لدخل الدخول في محل الابتلاء في التكليف التحريمي، بقوله والحاصل ان النواهي المطلوب فيها حمل المكلف على الترك مختصة بحكم العقل والعرف بمن يعد مبتلى بالواقعة المنهى عنها ولذا يعد خطاب غيره بالترك مستهجنا الا على وجه التقييد بصورة الابتلاء، ولعل السرفى ذلك ان غير المبتلى تارك للمنهى عنه بنفس عدم ابتلائه فلا حاجة الى نهيه انتهى. وحاصل ما افاده يرجع الى امرين، احدهما: استهجان الخطاب بترك ما هو خارج عن محل الابتلاء - ثانيهما - كون الخطاب مع عدم الابتلاء من قبيل طلب الحاصل، إذ الترك حاصل بنفسه. واورد عليه بايرادين - الاول - النقض بالموارد التى لا ينقدح الداعي للمكلف الى فعلها دائما أو غالبا، كنكاح الامهات واكل العذرة، وما شاكل. واجاب: عنه المحقق النائيني بما حاصله، ان المعتبر في صحة الخطاب امكان انتساب الفعل، أو الترك الى الاختيار، والارادة، فان الخطاب لتحريك الارادة وبعثها نحو الفعل أو الترك، وعليه ففى الموارد المذكورة في النقض، حيث يكون بقاء الترك مستندا الى الاختيار والارادة، فلا مانع من الخطاب، واما في مورد الخروج عن محل الابتلاء، فبقاء الترك ليس مستندا الى الاختيار والارادة، بل الى جهات اخر، فلا يصح التكليف، وان شئت فقل، انه يعتبر في صحة التكيلف، امكان الداعوية، وهذا لا ينافى ضرورة الفعل، أو الترك الناشئة من ارادته كما في موارد النقض، بخلاف الضرورة الناشئة من غير جهة الارادة، كما في المقام، فانها توجب لغوية الحكم، وجعل الداعي الى الفعل، أو الترك. وفيه: ان المستشكل يدعى ان الضرورة في موارد النقض، ناشئة عن تنفر الطبع، لا عن الارادة، فكما انه في المقام يدعى ان التكليف لغو، كذلك في موارد النقض بلا تفاوت. الايراد الثاني: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو انه إذا كانت القدرة العادية

[ 347 ]

على الفعل معتبرة في فعلية التكليف التحريمي كانت القدرة على الترك معتبرة في الواجبات لوحدة الملاك، فإذا كان المعلوم بالاجمال مرددا بين ما لا يتمكن المكلف من تركه وبين غيره لم يكن هذا العلم الاجمالي منجزا. واجاب عنه المحقق النائيني (ره) بانه في باب المحرمات لا كلام في استهجان الخطاب بالترك وكونه طلبا للحاصل، لان الغرض من النهى ليس الاعدم تحقق المنهى عنه، وهذا حاصل مع عدم الابتلاء، بخلاف الواجبات إذا الامر انما هو لاجل اشتمال الفعل على المصلحة الملزمة، وليس التكليف بايجاد ما اشتمل على المصلحة باى وجه امكن ولو بتحصيل الاسباب البعيدة الخارجة عن القدرة العادية مع التمكن العقلي مستهجنا، ولا، طلبا للحاصل. وفيه: ان المحقق الخراساني يدعى انه لو كان يعتبر في صحة النهى التمكن العادى من الفعل لكان يعتبر في الامر، التمكن العادى من الترك، لا التمكن العادى من الفعل، فلو تم ما ذكره الشيخ الاعظم (ره) تم ما افاده لجريان الوجهين المذكورين في الواجبات ايضا ولكن الحق عدم اعتبار الدخول في محل الابتلاء، في شئ من المورد ويظهر ذلك ببيان امور. الاول: ان الحكم الذى هو امر اعتباري، لا يعتبر في صحة جعله سوى ما يخرجه عن اللغوية، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في هذا الكتاب. الثاني: ان الغرض الاقصى من التكاليف اعم من التوصلية والتعبدية، انما هو تكميل النفوس البشرية، ونيلها الكمالات بجعل التكليف داعيا الى الفعل والترك، ويحصل له بذلك القرب من الله تعالى، وليست هي كالتكاليف العرفية التى ينحصر الغرض فيها بحصول متعلقاتها في الخارج فعلا أو تركا، ومن اقوى الشواهد على ذلك الزجر عما لا يوجد الداعي الى فعله ابدا كاكل العذرة. الثالث: ان الداعي القربى إذا انضم الى الداعي النفساني يتصور على وجوه، احدها، ان يكون الداعي القربى مستقلا في الداعوية ويكون الداعي النفساني تبعيا ومندكا فيه، لا اشكال في صحة العبادة في هذا القسم، ثانيها عكس ذلك لا كلام في

[ 348 ]

بطلان العبادة فيه، ثالثها: ان يكونا معا داعيا إليه، وهذا يتصور على وجهين، 1 - ان لا يكون كل منهما داعيا مستقلا في نفسه بل يكون جزء السبب، الاظهر البطلان في هذه الصورة، 2 - ان يكون كل منهما داعيا مستقلا ولكن لعدم قابلية المحل يسقط كل واحد منهما عن الاستقلال، ولا يبعد البناء على الصحة كما ذهب إليها جماعة في هذه الصورة. إذا عرفت هذه الامور فاعلم: انه في مورد الخروج عن محل الابتلاء مع فرض القدرة العقلية على الفعل والترك إذا نهى المولى عن الفعل في المحرمات، اوامر به في الواجبات للمكلف ان يجعل ذلك التكليف داعيا الى الفعل أو الترك، ويحصل له بذلك الغاية القصوى من التكليف، ولتمام الكلام محل آخر وعلى ذلك فالعلم الاجمالي بالتكليف المردد بين ما هو خارج عن محل الابتلاء وما هو داخل فيه علم بتكليف فعلى ويكون منجزا. الشك في الخروج عن محل الابتلاء ثم ان تمام الكلام في المقام بالبحث في الموارد، الاول ما لو شك في اعتبار الدخول في محل الابتلاء، الثاني لو شك في الابتلاء، وعدمه على فرض اعتبار الدخول في محل الابتلاء، من جهة عدم تعيين مفهوم الابتلاء والترديد في حده، الثالث لو شك في القدرة العقلية من جهة الشبهة المصداقية. اما المورد الاول: فالشك في ذلك وان كان يلازم الشك في صحة التكليف وعدمها وبالتبع يشك في ان اطلاق الدليل هل يكون شاملا لهذا الفرد ام لا ؟ ولو كان ذلك احد اطراف العلم الاجمالي، لا علم بتكليف فعلى، الا ان اطلاق دليل ذلك التكليف يشمل هذا المورد ويتمسك به، ومجرد احتمال الاستحالة أو القبح في شمول الاطلاق لمورد لا يوجب عدم العمل بالاطلاق، ورفع اليد عنه، لانه لا بد من اتباع ظاهر كلام المولى ما لم يقطع بالاستحالة أو القبح، الا ترى انه بعد ورود آية البنا وغيرها من ادلة حجية خبر الواحد، لو احتمل احد ان تكون شبهة ابن قبة تامة، أو لم يطمئن بعدم ترتب

[ 349 ]

محال عليه، هل يمكن له ان لا يعمل بخبر الواحد، ويترك ما دل الخبر على وجوبه ويفعل ما دل على حرمته، وهل يكون مثل هذا العبد معذورا. وبالجملة دعوى ان الاطلاق انما يرجع إليه بعد الفراغ عن مقام الثبوت، وانه يصح شموله لمورد ثبوتا، ولو شك في ذلك لا يتمسك بالاطلاق كما في الكفاية، قال (قده) ضرورة انه لا مجال للتشبث به، الا فيما إذا شك في التقييد بشئ بعد الفراغ عن صحة الاطلاق بدونه، لا فيما شك في اعتباره في صحته انتهى، مندفعة بانه يستكشف من الاطلاق صحته ثبوتا لانه على ذلك بناء العقلاء كما عرفت. وقد ذهب الشيخ الاعظم (ره) الى انه يلحق بهذا المورد ما لو علم بان الدخول في محل الابتلاء شرط للتكليف، لكن شك في مورد من جهة الشبهة المفهومية، وهو المورد الثاني من البحث. وقد استدل له: بان المتبع في غير المقدار المتيقن من التقييد هو اطلاق الدليل لما حقق في محله في العام والخاص، من ان التخصيص أو التقييد بالمجمل مفهوما المردد بين الاقل والاكثر، لا يمنع عن التسك بالعام أو الاطلاق فيما عدا المتيقن من التقييد وهو الاقل، إذا كان الخاص أو المقيد منفصلا عن العام أو المطلق واورد عليه بايرادات. الاول: ما افاده المحقق الخراساني وقد تقدم نقل كلامه، وما يرد عليه آنفا فلا نعيد. الثاني: انه قد مر في مبحث العام والخاص، ان المخصص إذا كان مجملا دائرا بين الاقل والاكثر، فان كان لفظيا متصلا بالعام، أو كان عقليا ضروريا يسرى اجماله الى العام، ولا يصح التمسك باصالة العموم في الافراد المشكوك فيها، والمخصص في المقام عقلي ضروري، فان اعتبار امكان الابتلاء بما تعلق التكليف به من المرتكزات العرفية والعقلائية ويكون كالمتصل بالعام، فاجماله يمنع عن التمسك بالعام وبالاطلاق. وفيه: اولا المنع من كون المخصص في المقام من الاحكام العقلية الضرورية المرتكزة في اذهان العرف والعقلاء كيف، وقد عرفت ان الاظهر عدم اعتباره. وثانيا: ان الاحكام العقلية لا يتطرق إليها الاهمال والاجمال: لان العقل لا يستقل

[ 350 ]

بشئ الا بعد الالتفات الى الموضوع بجميع ما يعتبر فيه من الخصوصيات والقيود. وثالثا: ان العنوان الخارج عن العام إذا كان بنفسه ذو مراتب كالخروج عن محل الابتلاء، فالدليل المخرج وان كان عقليا ضروريا لا يسرى اجماله الى العام، وانما السراية فيما إذا كان الخارج عنوانا واحدا مرددا بين الاقل والاكثر، لم سلم الاجمال في الحكم العقلي. الثالث: ما افاده المحقق الخراساني في الحاشية على الرسائل، قال انما يجوز الرجوع الى الاطلاقات في دفع قيد كان التقييد به في عرضه ومرتبته بان يكون من احوال ما اطلق واطواره لا في دفع ما لا يكون كذلك وقيد الابتلاء من هذا القبيل فانه بحكم العقل والعرف من شرائط تنجز الخطاب المتأخر من مرتبة اصل انشائه فكيف يرجع الى الاطلاقات الواردة في مقام اصل انشائه في دفع ما شك في اعتباره في تنجزه انتهى. وفيه: انه لو كان معتبرا في التكليف كان معتبرا في الفعلية، لا في التنجز، بل لا يعقل ذلك، إذ المراد من عدم التنجز إذا كان المتعلق خارجا عن محل الابتلاء، لو كان انه في صورة الترك وعدم الاتيان بما تعلق النهى به، لا يعاقب عليه فهذا في جميع المحرمات الداخلة في محل البتلاء كذلك، وان كان المراد ان التكليف يكون بنحو لو خولف لا يعاقب عليه، فهذا مما لا يمكن الالتزام به، إذ فرض ذلك فرض الابتلاء. الرابع: ما افاده المحقق صاحب الدرر، وهو انه لا يمكن القطع بحكم ظاهري بواسطة الاطلاق والعموم، لان المفروض الشك في ان خطاب الشرع في هذا المورد حسن ام لا ؟ ولا تفاوت بين الخطاب الظاهرى والواقعي. وفيه: مضافا الى: ان الالتزام بجعل الحكم المماثل في حجية الامارات غير العلمية خلاف التحقيق وخلاف ما بنى عليه، انه لو سلم فانما هو في الامارات غير العلمية سندا، واما غير العلمية دلالة كالظهور العمومي فهى ليست بمعنى جعل الحكم المماثل قطعا، بل بمعنى بناء العقلاء على اتباعها عملا، والحكم باستحقاق المؤاخذة على مخالفتها، فليس هناك حكم ظاهري، ليكون حاله حال الحكم الواقعي في القيد المزبور، فالحق ان ما افاده الشيخ الاعظم (ره) تام لا يرد عليه شئ مما اورد عليه.

[ 351 ]

لو شك في القدرة العقلية واما المورد الثالث: وهو ما لو شك في القدرة العقلية بالشبهة المصداقية، أو شك في الخروج عن محل الابتلاء بهذا النحو على القول باعتبار الدخول في محل الابتلاء. فقد يقال ان مقتضى اطلاق ادلة التكاليف ثبوتها في هذه الموارد، ولكن قد تقدم في مبحث العام والخاص، ان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لا يجوز مطلقا خصوصا إذا كان المخصص لبيا ضروريا. وعن بعض المحققين انه وان لم يصح التمسك بالاطلاقات الا انه لا يصح الرجوع الى البرائة ايضا لتسالم الاصحاب على ان الشك في القدرة ليس موردا للبرائة بل يجب الفحص ليحرز العجز أو يتحقق الامتثال، الا ترى انه لو شك في القدرة على حفر الارض لدفن ميت أو شك الجنب في كون باب الحمام مفتوحا حتى يكون قادرا على الغسل ام لا ؟ لا ريب في لزوم الفحص وعدم جواز الرجوع الى البرائة عن وجوب الدفن أو وجوب الغسل، وعليه فيتعين الرجوع الى قاعدة الاشتغال واصالة الاحتياط. وفيه: اولا ان هذا لو تم فانما هو في التكاليف الوجوبية ولا يتم في المحرمات فانه لا يلزم من جريان البرائة فوت الغرض الملزم الذى هو المانع عن جريان البرائة في الواجبات كما ستعرف. وثانيا: انه لا تسالم من الاصحاب على عدم جريان البرائة عند الشك في القدرة الا فيما علم فوات غرض المولى الملزم على كل حال أي حتى مع العجز عن الامتثال، غاية الامر مع العجز لا يستند الفوت الى المكلف فلا شئ عليه، فيجب الفحص حينئذ لئلا يكون فوت الغرض الملزم مستندا الى التقصير العبد، لان العلم بالغرض بمنزلة العلم بالتكليف، واما لو لم يحرز وجود الغرض الملزم، اما لاحتمال دخل القدرة فيه، أو لعدم كون المورد محله كما في المقام إذ لم يحرز وجود الغرض الملزم في مورد الشك في التكليف فلا مانع من جريان البرائة، الا إذا كان للتكليف المشكوك قدرته على امتثاله

[ 352 ]

بدل كما في مثال الغسل أو الوضوء، فانه حينئذ للعلم الاجمالي بتوجه احد الخطابين اما المبدل أو البدل إليه لا يجرى البرائة في شئ منهما. وبه يظهر انه في مثل غسل الجنب لا يجرى اصالة البرائة للعلم الاجمالي بوجوبه أو وجوب التيمم لا لكون الشك شكا في القدرة. وثالثا: انه لو تم ما ذكر فلازمه عدم جريان البرائة في الطرف المشكوك كونه مقدورا أو مبتلا به، وعليه فيجرى الاصل في الطرف الاخر بلا معارض بناءا على ما هو الحق من ان عدم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي للتعارض. فالمتحصل مما بيناه انه في المقام ان كان المعلوم بالاجمال تكليفا وجوبيا، وعلم بوجود الغرض الملزم، كوجوب غسل احد الميتين لكونه مسلما، أو دفنه لا يجرى البرائة، بل لا بد من الفحص عن القدرة، والا كما لو علم بكون احد المايعين خمرا مع احتمال عدم القدرة على شرب احدهما بالخصوص، فانه يجرى البرائة عن حرمة شرب ما علم كونه مقدورا بلا مانع: إذ من جريان البرائة لا يلزم تفويت الغرض الملزم، ولا علم بتكليف فعلى على كل حال، إذ لعله يكون في الطرف المشكوك قدرته عليه، ويكون في الواقع غير مقدور فلا تكليف. ولا يعارضها اصالة البرائة في الطرف الاخر، لما ذكرناه، ولانه لا يجرى الاصل فيه من جهة اخرى: لانه بعدما عرفت من عدم جواز التمسك باطلاق الدليل المتضمن للحكم، لا محالة لا يجرى البرائة لان كل مورد لا يكون قابلا لوضع التكليف لا يكون قابلا للرفع ايضا. ثم انه بعد ما عرفت من انه لو علم بتعلق مقدورا، أو ما يشك في القدرة عليه في المحرمات، لا يكون العلم الاجمالي منجزا، تعرف انه لا يبقى ثمرة مهمة للنزاع في ان الخروج عن محل الابتلاء مانع عن الفعلية ام لا ؟ إذ في غالب موارد الخروج عن محمل الابتلاء يشك في القدرة العقلية.

[ 353 ]

لو كان احد اطراف العلم غير مقدور شرعا بقى الكلام في امرين، احدهما: انه ذهب جماعة منهم المحقق النائيني والمحقق الخوئى، الى ان ما لا يكون مقدورا شرعا، مثل ما لا يكون مقدورا عقلا، في انه إذا كان احد اطراف العلم الاجمالي كذلك، كما إذا كان احد الانائين أو الثوبين المعلوم نجاسة احدهما ملكا للغير الذى يبعد جواز استعماله ولو بالشراء ونحوه، لا مانع من الرجوع الى الاصل النافي للتكليف في الطرف الاخر، ولا يعارضه الاصل في غير المقدور، لعدم ترتب اثر عملي على جريانه فيه بعد العلم بحرمة التصرف فيه على التقديرين فينحل به العلم الاجمالي ولا يكون منجزا. ولكن يرد عليهم انه لا ريب في صحة اجتماع النواهي المتعددة في شئ واحد من الجهات العديدة، ويترتب عليها آثارها - مثلا - لو شرب الخمر التى هي ملك للذمي بغير اذنه يعاقب عقابين ويحد حد شارب الخمر، ويكون ضامنا للقيمة، وكذا لو وطء الاجنبية في حال طمثها، كما لا اشكال في جريان الاصل في شئ علم حرمته من جهة وشك فيها من جهة اخرى ورفع اثر الحرمة الثانية به - وعليه - فلا وجه لعدم تنجيز العلم الاجمالي في المثال إذ لا يعتبر في التنجيز سوى كونه علما بتكليف فعلى منجز على كل تقدير، وتعارض الاصول في اطرافه، وهذا الملاك موجود في المقام، فالحق عدم اللحوق - نعم يتم ما افادوه في المحرمين الذين لهما اثر واحد كالفردين من طبيعة واحدة. العلم الاجمالي في الطوليين الثاني: إذا كان المعلوم بالاجمال مرددا بين امرين طوليين، كما لو علم بنجاسة الماء، أو الترب مع انحصار الطهور بالمشتبهين، فعن المحقق النائيني (ره) وجوب الوضوء

[ 354 ]

والاكتفاء، به وانه لا يكون هذا العلم منجزا بدعوى ان تنجيز العلم الاجمالي متوقف على كونه منشئا للعلم بالتكليف الفعلى على كل تقدير، وهذا غير ثابت في المقام، إذ على تقدير كون النجس هو التراب، لا يترتب عليه شئ، لان عدم جواز التيمم حينئذ من جهة التمكن من الوضوء بالماء الطاهر، لا لنجاسة التراب، وان شئت قلت ان النجاسة المعلومة لم تؤثر في عدم جواز التيمم على كل تقدير، اما على تقدير كون النجس هو الماء فواضح، واما على تقدير كون النجس هو التراب فلان عدم جواز التيمم حينئذ مستند الى وجود الماء الطاهر لا الى نجاسة التراب، وعليه فتجرى اصالة الطهارة في الماء بلا معارض، وبها يرتفع موضوع جواز التيمم، وهو عدم التمكن من الماء. وفيه: انه انما يتم ذلك إذا لم يكن للتراب اثر آخر غير جواز التيمم كما إذا كان التراب في مكان مرتفع لا يمكن السجود عليه، أو كان مملوكا للغير لم ياذن في ذلك، ولا يتم فيما كان الابتلاء به من غير تلك الجهة ايضا، وكان له اثر آخر كالسجود عليه، فانه حينئذ تعارض اصالة الطهارة في الماء مع اصالة الطهارة في التراب، فتتساقطان، وعليه فيجب عليه الجمع بين الوضوء والتيمم. الشبهة غير المحصورة الامر التاسع: قد اشتهر بين الاصحاب ان اطراف العلم الاجمالي إذا كانت غير محصورة لا يكون العلم منجزا والكلام في هذا الامر انما هو في ان عدم الحصر بنفسه، هل يكون من موانع تنجيز العلم الاجمالي ام لا ؟ فلا بد من فرض الكلام في ما إذا كان المورد خاليا عن جميع ما يوجب المنع عن تنجيز العلم، ولو في غير المقام من موانع التكليف، من العسر والحرج، والخروج عن القدرة وما شاكل، وعلى ذلك قتسقط جملة مما استدل به على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة. وكيف كان فتنقيح القول بالبحث في موردين، الاول: في ضابط الشبهة غير المحصورة الثاني: في بيان حكمه.

[ 355 ]

اما الاول: فقد اختلفت كلمات الاصحاب في ذلك وذكروا لها ضوابط. منها: ما عن جماعة وهو تحديدها، ببلوغ الاطراف الى حد يعسر عدها أو يمتنع، وزاد بعضهم قيد في زمان قليل. وفيه: ان تحديدها بذلك احالة على المجهول، إذ في أي مقدار من الزمان يعسر عده والزمان القليل ايضا غير ظاهر المراد. ومنها: الارجاع الى العرف، وفيه: اولا ان اهل العرف لا يفهمون حده، وثانيا، ان هذا اللفظ لم يرد في رواية أو آية حتى يرجع الى العرف في مفهومه، وانما تكون المسالة عقلية. ومنها: ما افاده المحقق النائيني: وهو ان غير المحصورة ما لا يمكن فيها المخالفة القطعية بارتكاب جميع الاطراف وان تمكن من ارتكاب كل واحد، ولهذا تختص الشبهة غير المحصورة عنده (ره) بالشبهات التحريمية فانه في الشبهات الوجوبية يتمكن المكلف من المخالفة القطعية، وان بلغت الاطراف في الكثرة ما بلغت. وفيه: اولا: ان عدم التمكن منها ربما يكون مع كون الشبهة محصورة قطعا، كما لو علم بحرمة الجلوس في زمان معين في احدى الدارين، وثانيا: ان المراد من القدرة على المخالفة هي القدرة دفعتا أو تدريجا، فعلى الاولى كثير من الشبهات المحصورة كذلك، وعلى الثاني قل شبهة غير محصورة تكون كذلك، وثالثا: ان التمكن من المخالفة وعدمه يختلف باختلاف الاشخاص، والموارد، وقلة الزمان، وكثرته كما لا يخفى فليس له ضابط كلى. ومنها: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) وهو ان الشبهة غير المحصورة ما يكون احتمال وجود التكليف في كل طرف من اطرافها موهوما لكثرة الاطراف. واورد عليه بايرادين احدهما: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو ان الوهم له مراتب فالمراد أي مرتبة منه فهذا احالة على المجهول. ثانيهما: ما عن المحققين العراقى والخوئي وهو ان موهومية احتمال التكليف، لا تمنع من التنجيز، لان مجرد احتمال التكليف باى مرتبة كان يستلزم احتمال العقاب

[ 356 ]

الذى هو الملاك في تنجز التكليف لو لا المؤمن. ولكن الظاهر عدم الظاهر عدم ورود شئ من الايرادين عليه وتمامية ما افاده، وهو يظهر ببيان مراده، وحاصله: انه إذا وصل كثرة الاطراف الى حد كان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل طرف احتمالا موهوما في مقابل الاطمينان كما يظهر من الامثلة التى ذكرها، بمعنى انه يطمئن العرف بعدم كونه في ذلك الطرف والعقلاء: لحجية الاطمينان عندهم لا يعتنون باحتمال خلافه، ولهذا الاحتمال الموهوم ليس مراتب، فالصحيح تمامية ما افاده الشيخ (ره). ادلة عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة واما المورد الثاني: فالكلام فيه يقع، اولا في وجوب الاحتياط فيها وعدمه، وثانيا: في حرمة المخالفة القطعية وعدمها. اما الاول: فقد استدل لعدم وجوبه، بوجوه. 1 - الاجماع على ذلك، ويتوجه عليه ان القدماء لم يتعرضوا للمسالة بل هي معنونة في كلمات متاخرين فكيف يعرف اتفاقهم عليه، اضف إليه ان مدرك المجمعين معلوم وهو احد الوجوه الاتية فلا يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (ع). 2 - ان الاحتياط في الشبهة غير المحصورة مستلزم للعسر والحرج، وهما في الشريعة منفيان. وفيه: ان المنفى هو العسر الشخصي لا النوعى، وعليه فهذا يختلف باختلاف الاشخاص والازمان، وغير ذلك من الخصوصيات، فلازمه وجوب الاحتياط مع عدم لزومه في مورد. مع انه في شمول ادلة نفى العسر والحرج لوجوب الاحتياط أي فيما إذا لم يكن متعلق التكليف الواقعي حرجيا كلام سيأتي عند التعرض لقاعدة لا ضرر فانتظر.

[ 357 ]

3 - ان ما في رواية الجين من قوله (ع)، امن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في الارض جميعا (1) يدل على ذلك فانه يدل على ان وجود الميتة في مورد في الجبن المردد بين جميع ما في البلد لا يوجب لزوم الاجتناب عن الجميع. وفيه: اولا ان جميع ما في البلد من الجبن لا تكون داخلة في محل الابتلاء، فلعل عدم التنجيز لذلك لا لكون الشبهة غير محصورة - وثانيا - انه يحتمل ان يكون المسئول عنه هو الشبهة البدوية، ومنشا شك السائل ما رآه من جعل الميتة فيه في مورد، فيكون اجنبيا عن المقام. 4 - ما عن المحقق النائيني (ره) وهو انه إذا لم تحرم المخالفة القطعية لعدم التمكن منها، لا تجب الموافقة القطعية. وقد مر ما في جعل عدم التمكن من المخالفة القطعية ضابطا للشبهة غير المحصورة، ولكنه على فرض الاغماض عنه يتم ما افاده في المقام، لما تقدم في التنبيه الاول. 5 - ما افاده الشيخ الاعظم، وهو عدم اعتناء العقلاء باحتمال التكليف إذا كان موهوما، وقد مر تقريب ما افاده عند بيان الضابط لكون الشبهة غير محصورة، وعرفت انه متين: إذ الاطمينان حجة عقلائية. ويمكن ان يستدل لعدم وجوب الاحتياط مضافا الى ذلك: بان الدليل على لزومه في اطراف العلم الاجمالي منحصر في النصوص الخاصة كما تقدم، وعليه فحيث ان موارد تلك النصوص من قبيل الشبهة المحصورة فالتعدي عنها، واثبات لزوم الاحتياط في الاطراف الشبهة غير المحصورة، يحتاج الى دليل آخر مفقود، وعرفت ان القواعد تقتضي عدم لزوم الاجتناب، فالاظهر عدم وجوب الموافقة القطعية في الشبهة غير المحصورة كما هو المشهور بين الاصحاب بل المجمع عليه كما قيل. واما الثاني: وهو انه هل يحرم المخالفة القطعية، ام لا ؟ فملخص القول فيه، ان


1 - الوسائل باب 61 من الاطعمة المباحة حديث 5 ج 17. (*)

[ 358 ]

الادلة المتقدمة لا تدل على عدم الحرمة، ولكن يمكن ان يستدل له بان اطراف الشبهة إذا كانت كثيرة بحد كان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل طرف احتمالا موهوما، بالنحو الذى عرفته لا يكون مثل هذا العلم بيانا عند العقلاء، وعليه فهو في حكم العدم فلا يحرم المخالفة القطعية. ومما ذكرناه يظهر انه في الشبهة غير المحصورة يسقط حكم الشك عن كل واحد من الاطراف ايضا، بحيث يكون الشك في كل واحد منها كلا شك، فلو كان حكم الشك في نفسه لزوم الاحتياط، كما في الاموال والدماء والفروج حيث لا يجوز على المشهور الاقتحام في الشبهات البدوية في هذه الابواب الثلاثة، لا يترتب على الشك في اطراف الشبهة غير المحصورة، وعلى هذا بنينا على جواز الوضوء من الاواني غير المحصورة عند العلم الاجمالي باضافة احدها مع انه لا يجوز التوضى بما يشك في انه مضاف أو مطلق، لعدم احراز الشرط في صحة الوضوء من اطلاق الماء. واما على ما افاده المحقق النائيني في وجه عدم وجوب الاحتياط في المقام من التعليل بانه لا يحرم المخالفة القطعية لعدم التمكن منها، ولا تجب الموافقة لانه تابع لها، يكون العلم كلام علم، فالشك متحقق، وبنفسه مورد لقاعدة الاشتغال، فحكمه بصحة الوضوء باحد الانائات في المثال لا يبنى على ما اسسه، وتعليله ما افتى به بان المعلوم عند العقلاء كالتالف، لا يظهر معناه مع وجوده بجميع خصوصياته الشخصية. تذييل إذا كانت الشبهة كثيرة في كثير، كما لو كان المعلوم مائة واطراف الشبهة خمسمائة، فهل يجب الاحتياط، ام لا ؟ الظاهر ان ذلك يختلف باختلاف المباني، فانه على ما ذهب إليه الشيخ الاعظم (ره) وتبعناه يجب الاحتياط، في المقام لان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل طرف ليس احتمالا موهوما لا يعتنى به العقلاء، فانه من قبيل تردد الواحد في الخمسة، وعلى مسلك المحقق النائيني من ان الضابط عدم التمكن من المخالفة القطعية، لا يجب لعدم التمكن منها فان المخالفة القطعية، انما تكون بارتكاب اربعمائة وواحد.

[ 359 ]

الامر العاشر قد طفحت كلماتهم بانه لا يجب الاجتناب عن ملاقي بعض اطراف الشبهة المحصورة، واستقصاء الكلام في ذلك يستدعى تقديم امور. الاول: ان محل البحث ما إذا لم يكن لجميع الاطراف ملاق، بل كان لاحدها مثلا والا فلا ريب في وجوب الاجتناب عن الملاقى: للعلم الاجمالي بنجاسة احد افراد الملاقى بالكسر. الثاني: ان محل البحث ما إذا لم يكن في البين ما يقتضى نجاسة الملاقى كالاستصحاب، فانه إذا جرى استصحاب النجاسة في الملاقى بالفتح، يترتب عليه نجاسة الملاقى لكونها من الاثار الشرعية المترتبة على نجاسة الملاقى بالكسر. حكم العلم الاجمالي بجزء الموضوع الثالث: انه يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي ان يكون علما بالحكم، اما ابتدائا، أو بواسطة العلم بتمام الموضوع، واما لو لم يكن كذلك بان تعلق العلم الاجمالي بجزء الموضوع، فلا يكون مثل هذا العلم منجزا لعدم تعارض الاصول وعدم تساقطها، فلو علم بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر يوم الجمعة، أو علم بخمرية احد المايعين يكون هذا العلم الاجمالي منجزا في المثال الاول، وفى المثال الثاني بالنسبة الى ما يكون الخمر تمام الموضوع له وهو حرمة الشرب، واما بالنسبة الى ما يكون الخمر جزء الموضوع وجزئه الاخر الشرب، وهو وجوب الحد فلا يكون العلم الاجمالي موجبا لترتبه لو شرب احدهما، وكذا لو علم بان احد الجسدين ميت انسان والاخر جسد حيوان مذكى ماكول اللحم فان هذا العلم الاجمالي، وان كان يقتضى وجوب غسل كل منهما، ووجوب الاجتناب عن اكل لحم كل من الجسدين، الا انه إذا مس شخص احدهما، لا يحكم عليه

[ 360 ]

بوجوب الغسل، لان تمام الموضوع مس بدن ميت الانسان، وهو مشكوك التحقق والاصل عدمه والسرفيه انه إذا تعلق العلم الاجمالي بالحكم الفعلى يكون الشك في كل من الاطراف شكا في انطباق المعلوم بالاجمال عليه، فلا يكون مجرى للبرائة، واما إذا تعلق بما هو جزء الموضوع وكان الشك في تمامية الموضوع، فلا محالة يشك في اصل التكليف فلا مانع من الرحوع الى اصالة البرائة، وهذا بحسب الكبرى واضح لا اشكال فيه، وانما وقع الاشكال والخلاف في بعض الموارد من حيث الصغرى. ومن ذلك ما لو علم بغصبية احدى الشجرتين ثم حصلت الثمرة لاحداهما دون الاخرى، فقد يقال بانه لا اثر لهذا العلم بالنسبة الى الثمرة الموجودة لا تكليفا ولا وضعا، لان المحرم هو التصرف في نماء المغصوب وهو في المثال مشكوك فيه، كما ان موضوع الضمان وضع اليد على مال الغير، وهو ايضا مشكوك فيه والاصل عدمه - وعلى الجملة - ان هذا العلم الاجمالي انما يؤثر بالنسبة الى ما يترتب على غصبية الشجرة، ولا يؤثر بالنسبة الى آثار غصبية الثمرة لتوقفها على تحقق موضوعها وهو غصب الثمرة غير المحرز في المثال، واحراز غصبية العين، يوجب ترتب احكام غصب العين لا ترتيب احكام غصب الثمرة، فبالنسبة الى احكام غصب الثمرة من الضمان وحرمة التصرف تجرى اصالة، الاباحة، والبرائة، وعدم الضمان. ولكن المحقق النائيني (ره) افاد ان العلم الاجمالي المذكور بالنسبة الى آثار غصب الثمرة انما يكون من قبيل العلم بتمام الموضوع لا جزئه، بدعوى ان ضمان المنفعة والثمرة حكم مجعول مترتب على غصب العين من الدار والشجرة وما شاكل، فان اخذ العين المغصوبة كما يوجب ضمانها، كذلك يوجب ضمان منافعها الى الابد إذ اخذ المنافع وان لم تكن موجودة انما يكون باخذ العين، ولذلك جاز للمالك الرجوع الى الغاصب الاول في المنافع المتجددة بعد خروج العين عن تحت يده ودخولها تحت يد غيره فالعلم بغصبية احدى الشجرتين كما يقتضى ضمان العين المغصوبة كذلك يقتضى ضمان منافعها المتجددة، هذا من حيث الحكم الوضعي.

[ 361 ]

واما من حيث الحكم التكليفى أي حرمة التصرف في الثمرة ووجوب الاجتناب عنها: فلان وجوب الاجتناب عن منافع المغصوب، مما يقتضيه وجوب الاجتناب عن المغصوب لان النهى عن التصرف في المغصوب نهى عنه وعن توابعه ومنافعه، فيكفى في وجوب الاجتناب عن المنافع المتجددة فعلية وجوب الاجتناب عن ذى المنفعة وتنجزه بالعلم التفصيلي أو الاجمالي، لا بمعنى فعلية وجوب الاجتناب عن الثمرة قبل وجودها فان ذلك بديهى البطلان لامتناع فعلية الحكم قبل وجود موضوعه، بل بمعنى ان ملاك حرمة التصرف في الثمرة انما يكون تاما من حين غصب العين الموجب لضمانها وضمان منافعها الموجودة وغير الموجودة، وان النهى عن التصرف في الشجرة المغصوبة بنفسه يقتضى النهى عن التصرف في الثمرة عند وجودها، فلا يحتاج حرمة التصرف في الثمرة الى تعبد وتشريع آخر غير تشريع حرمة الاصل بمنافعه فحرمة التصرف في الثمرة من شئون حرمة التصرف في الشجرة، فكما يكون العلم الاجمالي موجبا لتنجز الاحكام المترتبة على الاعيان من الشجرة وما شاكل، يوجب تنجز الاحكام المترتبة على ما يعد من شئونها التابعة لها خطابا وملاكا، ومجرد تأخر وجود الشئ عن ظرف وجود العلم بعد تمامية ملاك حكمه لا يكون مانعا عن تنجيزه كما مر تحقيقه في العلم الاجمالي في التدريجيات. ولكن ما افاده لا يتم، لا من ناحية الحكم الوضعي، ولا من ناحية الحكم التكليفى. اما من الناحية الاولى: فلان الحكم بضمان المنافع المتجددة بغصب العين يتوقف على امرين، احدهما: احراز وضع اليد على العين المغصوبة، فمع وضع اليد على احدهما لا يكون ذلك محرزا، ثانيهما: احراز كون المنافع للعين المغصوبة، ومع الشك في ذلك كما في المقام يكون مقتضى اصالة البرائة عدم الضمان. واما من الناحية الثانية فلان ما افاده من تمامية الملاك قبل وجود المنفعة، فمما لا نتعقله، فانه مع عدم وجود الموضوع كيف يكون الملاك تاما، وبعد وجود المنفعة يكون الموضوع لحرمة التصرف مشكوك الوجود، فلا محالة يكون الملاك ايضا مشكوكا فيه.

[ 362 ]

والحق انه تارة يكون الشيئين الذين علم غصبية احدهما: مسبوقين بملكلية الغير لهما فدخل احدهما في ملكه دون الاخر، ففى هذا الصورة يحكم بضمان المنافع، وحرمة التصرف فيها لاستصحاب بقاء اصل الشجرة على ملك الغير وعدم انتقالها إليه ويترتب عليه، كونه مالكا لمنافعها، فلا بد من ترتيب اثار ذلك، ولا يعارضه استصحاب بقاء الاخرى على ملك مالكها لعدم لزوم المخالفة العملية من جريانهما معا. واخرى لا يكونان مسبوقين بذلك كما لو حازا شخصين للشجرتين التين هما من المباحات الاصلية، فغصب احدهما مال الاخر واشتبهتا فحصل لاحدهما نماء، فالظاهر انه لا يحكم في هذه الصورة بالضمان، فان استصحاب عدم دخول الشجرة ونمائها في ملكه لا يجدى لا ثبات ما لم يحرز كونها مملوكة للغير، لان موضوع الضمان وضع اليد على مال الغير غير المحرز في المقام فيرجع الى اصالة البرائة ويحكم بعد الضمان. واما جواز التصرف وعدمه، فيبتنيان على انه، هل الاصل في الاموال هو الاحتياط وان لم يكن هناك اصل موضوعي، مثبت لعدم الجواز، أو البرائة وحيث ان المختار هو الثاني كما حقق في محله فالاظهر جواز التصرف ايضا. ومن صغريات هذه الكبرى الكلية ملاقي بعض اطراف الشبهة في العلم الاجمالي وستعرف ما هو الحق فيه. بيان وجه نجاسة الملاقى الرابع: بعد ما لا شبهة ولا كلام في نجاسة ملاقي النجس، وقع الكلام في وجه نجاسته، والمحتملات ثلاثة. الاول: ان يكون نجاسته لاجل السراية الحقيقية، بمعنى الانبساط، بان يكون الملاقاة سببا لاتساع دائرة نجاسة الملاقى، كاتساعها في صورة اتصال الماء النجس بغيره، وامتزاجه به، فيكون حال الملاقاة، حال الاتصال والامتزاج. الثاني: ان تكون نجاسته بالسراية بمعنى الاكتساب بان تكون نجاسة الملاقى ناشئة

[ 363 ]

ومسببة عن نجاسة الملاقى، وفى طولها. الثالث: ان تكون نجاسته لمحض التعبد الشرعي، ويكون نجاسة الملاقى فردا من النجاسة، في قبال نجاسة الملاقى وفى عرضها، ويكون كل منهما موضوعا مستقلا، نظير نجاسة الكلب، والخمر، غاية الامر كان هذا الحكم في ظرف ملاقاته للنجس. وقد استدل للاول بوجوه 1 - ما عن الغنية، وهو قوله تعالى " والرجز فاهجر " (1) بدعوى ان هجر الشئ لا يتحقق الا مع الاجتناب عن الملاقى. وفيه: انه لا يدل الكريمة على نجاسة الملاقى، فضلا عن كونها بالنحو الاول. 2 - ان اهل العرف يفهمون من حكم الشارع بالنجاسة ذلك، وهو كما ترى وستعرف ما فيه. 3 - خبر جابر عن الامام الباقر (ع) قال اتاه رجل فقال وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في اكله قال فقال أبو جفعر (ع) لا تأكله فقال له الرجل الفارة اهون على من ان اترك طعامي من اجلها قال فقال أبو جعفر (ع) انك لم تستخف بالفارة وانما استخففت بدينك ان الله حرم الميتة من كل شئ (2) بقريب انه (ع) جعل عدم الاجتناب عن الطعام الملاقى للفارة استخفافا بتحريم الميتة، فلو لم يكن حرمة الملاقى ووجوب الاجتناب عنه من شئون وجوب الاجتناب عن الملاقى بالفتح لما صح جعله استحفافا بالميتة. واجاب عنه الشيخ الاعظم بان الظاهر من الحرمة فيه النجاسة: لان مجرد التحريم لا يدل على النجاسة فضلا عن تنجس الملاقى، فالملازمة بين نجاسة الشئ ونجاسة ملاقيه لا حرمة الشئ وحرمة ملاقيه. وفيه: ان اساس الاستدلال انما يكون مبتنيا على، ملازمة الحرمة الملزومة للنجاسة، لحرمة ملاقيه وتقريبه ما عرفت من ان وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس لو لم يكن من شئونه لما صح جعله اسخفافا بحرمة الملاقى من جهة نجاسته، فهذا الذى افاده


1 - سورة المدثر آية 6. 2 - الوسائل باب 5 من ابواب الماء المضاف حديث 2 كتاب الطهارة. (*)

[ 364 ]

لا يجدى في دفع الاستدلال. فالحق في الجواب مضافا الى ضعف سنده لعمرو بن شمر الذى ضعفه علماء الرجال ورموه بالوضع والكذب: انه يحتمل ان يكون وجه السؤال، الجهل بنجاسة الفارة لا تنجيسها فسال عن نجاستها، ولكن حيث انه كان نجاسة الملاقى بالكسر للنجس مغروسة في ذهنه سال عن نجاسة الطعام الذى وقعت النجاسة فيه، فاجابه (ع) بنجاسة الفارة على طبق ما كان مغروسا في ذهنه، فالرواية مسبوقة لبيان نجاسة الفارة لا ملاقيها. اضف الى ذلك: انه يحتمل ان يكون مورد السؤال تلاشى اجزاء الفارة وامتزاجها بما في الخابية، وعلى هذا ايضا تكون الرواية اجنبية عن المقام فإذا لا دليل على السراية بالمعنى الاول، ولا شاهد له من العرف والشرع. بل الذى يساعده فهم العرف قياسا بالقذارات العرفية، وهو الظاهر من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة المتضمنة لقولهم عليهم السلام للاتنجسه، ونجسه وما شابههما والمستفاد من كلمات علمائنا الابرار رضوان الله تعالى عليهم هو السراية بالمعنى الثاني. حكم ملاقي بعض اطراف الشبهة المحصورة إذا عرفت هذه الامور فاعلم ان الاقوال في المسالة اربعة 1 - عدم وجوب الاجتناب عن المقلاقى مطلقا 2 - لزومه كذلك 3 - انه في بعض الموارد يجب الاجتناب عن الملاقى والملاقى، وفى بعض الموارد يجب الاجتناب عن خصوص الملاقى بالفتح ولا ثالث - اختاره الاستاذ - 4 - انه في بعض الموارد يجب الاجتناب عنهما، وفى بعض الموارد يجب الاجتناب عن خصوص الملاقى بالفتح، وفى بعض الموارد يجب الاجتناب عن خصوص الملاقى بالكسر، ولا يجب الاجتناب عن الملاقى بالفتح اختاره المحقق الخراساني، وتنقيح القول في المقام، بالبحث في صور.

[ 365 ]

الصورة الاولى ما إذا علم اجمالا بنجاسة احد الشيئين ثم حصلت الملاقات، والظاهر ان اكثر المحققين على انه لا يجب الاجتناب عن الملاقى بالكسر، في هذه الصورة، والوجه فيه انه مشكوك الطهارة والنجاسة وليس طرفا للعلم الاجمالي فيجرى فيه اصالة الطهارة بلا معارض. وقد استدل لوجوب الاجتناب عن الملاقى بوجهين. احدهما: ان نجاسة الملاقى بالكسر عين الملاقى بالفتح غاية الامر انها توسعت بالملاقاة، وثبتت لامرين بعد ما كانت ثابتة لامر واحد فهو نظير ما لو قسم ما في احد الانائين قسمين، فيجب الاجتناب عن الملاقى بالكسر، تحصيلا للقطع بالاجتناب عن النجس المعلوم بالاجمال. ويرد عليه: ما حققناه في المقدمة الثالثة من ان نجاسة الملاقى ليست بسراية النجاسة سراية حقيقية، بل هي حكم آخر مستقل مترتب على الملاقاة. ثانيها: انه بالملاقاة يحدث علم اجمالي آخر بنجاسة الملاقى، أو الطرف الاخر ومقتضاه الاجتناب عن الملاقى ايضا. واجيب: عن ذلك بان العلم الاجمالي الثاني لا يكون منجزا فان احد طرفيه لا يجرى فيه الاصل لمنجز آخر، وهو العلم الاجمالي الاول، فيجرى في هذا الطرف بلا معارض - ولكن الحق هو التفصيل في المقام - وهو يبتنى على بيان مقدمة - وهى مع اهميتها وترتب فروع عليها لم تنقح في كلماتهم - وحاصلها. لو اختص بعض الاطراف باصل طولى انه إذا اختص بعض الاطراف باصل طولى، فهل يكون هو ايضا ساقطا، ام لا ؟ ام

[ 366 ]

هناك تفصيل وجوه. والحق انه ان كان الاصل في ما يجرى فيه اصل واحد مسانخا مع الاصل الحاكم في ذلك الطرف، كما لو علم بوقوع النجاسة في الماء أو على الثوب، إذ الاصل الحاكم في الماءة هو اصالة الطهارة، وهى مسانخة مع اصالة الطهارة في الثوب وفى الماء يجرى اصل طولى هو اصالة الحل فانه يشك في الحلية والحرمة من جهة النجاسة. وفى هذه الصورة لا وجه لسقوط الاصل الطولى: فان الاحكام الشرعية مجعولة بنحو القضية الحقيقية فقاعدة الطهارة على سعة دائرة مصاديقها مجعولة بجعل واحد، وعليه فحيث ان جعلها بنحو يشمل كلا طرفي العلم الاجمالي في امثال المثال، غير ممكن وبنحو يشمل احدهما دون الاخر ترجيح بلا مرجح، فلا محالة لا تكون مجعولة في شئ من الطرفين، فالشك في الحلية والحرمة شك واحد مورد لاصالة الحل بلا معارض. وبتقريب آخر - ان دليل اصالة الطهارة نعلم بتخصيصه، وعدم شموله للمقام، واما دليل اصالة الحل فهو باطلاقه يشكل الطرف المعين، لا موجب لرفع اليد عنه، وقد التزم الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية التى هي نظائر للمقام، منها ما لو علم بطهارة شئ في زمان ونجاسته في زمان آخر، وشك في المتقدم منهما، والمتاخر فبعد تعارض الاستصحابين يرجع الى قاعدة الطهارة، ومنها ما إذا علم حلية شئ وحرمته في زمانين، ولم يعلم المتقدم منهما فانهم يرجعون الى اصالة الحل بعد تساقط الاستصحابين، وهكذا في ساير الموارد. وان كان الاصل الجارى في احد الطرفين مسانخا مع الاصل المحكوم في الطرف الاخر كما لو علم بغصبية احد المائين، أو نجاسة الاخر، فان اصالة الحل فيما يحتمل غصبيته مسانخة مع اصالة الحل في الاخر التى هي محكومة لاصالة الطهارة، أو كان غير مسانخ لشئ منهما. وفى هاتين الصورتين العلم الاجمالي يوجب تنجز الواقع على كل تقدير وسقوط جميع الاصول حتى الطولية، وانما لا يجرى شئ من الاصول، لان كل واحد منها طرف

[ 367 ]

للعلم الاجمالي، ولا يصح ان يقال ان اصالة الطهارة فيما يحتمل نجاسته، تعارض مع اصالة الحل في الطرف الاخر، وتتساقطان، فيرجع الى اصالة الحل فيه: فان الترخيص فيه ياى لسان كان لا يصح لمخالفته للمعلوم بالاجمال، هذا كله إذا كان الاصل الطولى موافقا في المؤدى مع الاصل الجارى في المرتبة السابقة. واما ان كان مخالفا له فيرجع إليه بعد تساقط الاصول العرضية مطلقا، فلو علم نقصان ركعة من المغرب، أو عدم الاتيان بصلاة العصر، تعارض قاعدة الفراغ في المغرب، مع قاعدة الحيلولة في العصر، فيرجع الى استصحاب عدم الاتيان بالركعة المشكوك فيها، أو الى قاعدة الشك في الركعات المقتضية للبطلان، وبالنسبة الى صلاة العصر، يرجع الى اصالة البرائة عن وجوب القضاء بناءا على ان موضوعه الفوت لا مجرد عدم الاتيان - وتمام الكلام في شقوق هذه المسالة موكول الى محله -. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم انه يتم ما افادوه في مقام الجواب إذا لم يكن في الطرف الاخر الذى لا ملاقي له اصل طولى غير ساقط والا فيقع التعارض بينه وبين الاصل الجارى في الملاقى للعلم الاجمالي بنجاسته، أو حرمة استعمال ذلك الطرف مثلا، وهذا العلم يمنع عن جريان كلا الاصلين. الصورة الثانية ما إذا حصل العلم الاجمالي بعد العلم بالملاقاة، وفى هذه الصورة اقوال 1 - ما عن المحقق الخراساني وهو لزوم الاجتناب عن الملاقى ايضا 2 - ما اختاره المحقق النائيني تبعا للشيخ الاعظم وهو عدم لزوم الاجتناب مطلقا 3 - ما عن الاستاذ وهو التفصيل بين ما إذا كان زمان المعلوم مقارنا لزمان الملاقاة، وبين ما إذا كان سابقا عليه فاختار لزوم الاجتناب عنه في الاول دون الثاني. وقد استدل المحقق النائيني (ره) لما ذهب إليه، بان الاصل الجارى في الملاقى مقدم رتبة على الاصل الجارى فيما لاقاه، لان الشك في نجاسته ناش عن الشك في

[ 368 ]

نجاسته، وفى المرتبة المتقدمة، يعارض الاصل الجارى في الملاقى مع الاصل الجارى في الطرف الاخر فيتساقطان، وفى المرتبة اللاحقة، يجرى الاصل في الملاقى بالكسر بلا معارض. وفيه: اولا ان هذه الاحكام ليست احكاما للرتبة، وانما هي احكام للزمان، وحيث ان الاصل في الملاقى والملاقى متحدان زمانا، فكلاهما طرف للمعارضة. وثانيا: ان الاصل في الملاقى وان كان متاخرا رتبة عن الاصل الجارى في الملاقى بالفتح لكنه ليس متاخرا عن الاصل الجارى في الطرف الاخر، بل هما في رتبة واحدة، ولا وجه لتوهم التاخر سوى، توهم ان المتأخر عن شئ رتبة متاخر عما في رتبته، وهو فاسد، فان وجود العلة متحد رتبة مع عدمها ووجود المعلول متاخر عن وجود العلة، وهل يتوهم ان يكون وجود المعلوم متاخرا عن عدم علته - وبالجملة - التاخر الرتبى يحتاج الى ملاك وجهة وهو مفقود في المقام. واستدل للثالث: بانه إذا كان زمان المعلوم متقدما كما لو لاقى الثوب احد الانائين يوم الجمعة، ثم علم يوم السبت، بنجاسة احد الانائين يوم الخميس، فالشك في طهارة كل من الانائين شك في انطباق المعلوم بالاجمال عليه، فلا يجرى فيه الاصل، واما الشك في نجاسة الثوب فهو شك في حدوث نجاسة اخرى، ولا مانع من شمول دليل الاصل له بعد فرض تنجز النجاسة السابقة بالعلم المتأخر، واما إذا كان زمان الملاقاة متحدا مع زمان المعلوم، فالعلم الاجمالي كما تعلق بنجاسة احد الانائين تعلق بنجاسة الثوب، أو الاتاء الاخر، فيسقط الاصل في الثوب ايضا. وفيه: ان المدار وان كان على المنكشف لا الكاشف، لكن ذلك بالنسبة الى الاثار المترتبة على المعلوم المنجزة بالعلم، واما بالنسبة الى آثار العلم كالتنجيز، فالمدار على الكاشف لا المنكشف، ففى المقام نقول قبل العلم بالنجاسة اما لا شك في الطهارة في شئ من الملاقى والملاقى والطرف، أو يجرى الاصل في الجميع لعدم العلم بالنجاسة، والتعارض انما يكون في زمان حدوث العلم وفى ذلك الزمان كما يعارض الاصل الجارى في الملاقى بالفتح، مع الاصل الجارى في الطرف الاخر كذلك يعارض الاصل

[ 369 ]

الجارى في الملاقى بالكسر معه، فيتساقط الجميع، فحكم الفرض الاول حكم الثاني فالمتحصل ان الاقوى هو القول الاول. الصورة الثالثة قال المحقق الخراساني في الكفاية واخرى يجب الاجتناب عما لاقاه دونه فيما لو علم اجمالا نجاسته أو نجاسة شئ آخر ثم حدث العلم بالملاقاة والعلم بنجاسة الملاقى أو ذاك الشئ ايضا، فان حال الملاقى في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة السابقة في عدم كونه طرفا للعلم الاجمالي وانه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعا غير معلوم النجاسة اصلا لا اجمالا، ولا تفصيلا، وكذا لو علم بالملاقات ثم حدث العلم الاجمالي ولكن كان الملاقى خارجا عن محل الابتلاء في حال حدوثه وصار مبتلا به بعده انتهى، فهو (قده) ذكر موردين لصورة وجوب الاجتناب عن الملاقى بالكسر دون الملاقى. اما في المورد الاول: فقد اورد عليه المحقق النائيني والاستاذ وغيرهما بان تنجيز العلم الاجمالي بقاءا يدور مدار بقاء العلم فلو تبدل وانعدم لا معنى لبقاء التنجيز وعليه - فالعلم الاجمالي الحادث ثانيا يوجب انحلال العلم الاول - فان الشك في نجاسة الملاقى قبل العلم الثاني كان شكا في انطباق المعلوم بالاجمال عليه فلا يجرى فيه الاصل، الا انه بعد فرض العلم الثاني، يكون الشك في حدوث نجاسة اخرى غير ما هو معلوم بالاجمال، فلا مانع من الرجوع الى الاصل فيه. اقول بناءا على ما عرفت من ان العبرة في اثر العلم، وهو التنجيز بالكاشف لا المنكشف، العلم الاول ترتب عليه التنجيز وسقط الاصل في طرفيه، والعلم الثاني، لا يمنع عن جريان الاصل في الملاقى بالفتح، لفرض سقوط الاصل في الطرف الاخر لمنجز آخر، فيجرى فيه الاصل بلا معارض، وكون المعلوم الثاني مقدما غير مربوط بما هو مورد الاثر، فما افاده المحقق الخراساني في هذا المورد تام لا ايراد عليه.

[ 370 ]

ولكن ما افاده في المورد الثاني لا يتم لان الاصل انما لا يجرى فيما هو خارج عن محل الابتلاء إذا لم يترتب عليه اثر، واما مع ترتبه، كما في المقام فان نجاسة ما لاقاه من آثار نجاسته، فيجرى، مثلا إذا غسل شئ نجس بماء حين الغفلة عن نجاسته وطهارته، ثم انعدم الماء فشك في نجاسته وطهارته، فهل يتوهم احد انه لا يجرى اصالة الطهارة في الماء ويرجع الى استصحاب النجاسة - وبالجملة - لا ريب في جريان الاصل فيه مع ترتب الاثر عليه، وفى المقام بما انه يترتب عليه عدم نجاسة ملاقيه فيجرى فيه الاصل ويعارض مع الطرف الاخر، فهل يجرى الاصل في الملاقى بالكسر، ام لا وجهان تقدما في الصورتين السابقتين، ومنه تعرف انه لا يجرى فيه الاصل، ففى هذا المورد ايضا يجب الاجتناب عن الملاقى والملاقى. دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين المقام الثاني: في دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين، وقبل الدخول في البحث واستقصاء الكلام فيه لا بد من تقديم امور. الاول: انه قد ظهر من ابحاثنا السابقة ان الشك ان كان في التكليف والجعل الشرعي فهو مورد لاصالة البرائة، وان كان في انطباق المجعول بعد العلم بالجعل، وفى الامتثال فهو مورد لقاعدة الاشتغال - وبعبارة اخرى - ان الشك في التكليف مورد للبرائة والشك في المكلف به مورد لقاعدة الاشتغال، والكلام في هذا المقام بعد الفراغ عن هذين الامرين يقع في الاقل والاكثر الارتباطيين بالنسبة الى الشك في وجوب الاكثر من حيث الصغرى وانه، هل يكون من قبيل الشك في التكليف: نظرا الى العلم بتعلق التكليف بالاقل والشك في تعلقه بالزايد عليه، أو انه من قبيل الشك في المكلف به: نظرا الى وحدة التكليف المعلوم بالاجمال، وتردده بين ان يكون متعلقا بالاقل أو الاكثر، فيكون الشك في الانطباق وفى المكلف به. الثاني: ان الاقل والاكثر اما استقلاليان، أو ارتباطيان، والفرق بينهما انما هو من

[ 371 ]

جهة انه، تارة يكون غرض واحد مترتبا على الاقل على كل تقدير وبتبعه يكون موردا لتكليف خاص، وعلى فرض وجوب الاكثر فانما هو من جهة كون الاكثر ذا مصلحتين، وبتبع ذلك يتعدد التكليف والمثوبة والعقوبة عند الموافقة والمخالفة، ويتحقق الاطاعة باتيان الاقل على كل تقدير، وان لم يكن في ضمن الاكثر، وهذا هو الاقل والاكثر الاستقلاليان، وتارة اخرى يكون الغرض المترتب على الاكثر على فرض وجوبه واحدا وبتبعه يكون التكليف ايضا واحدا، فامر المعلوم مردد بين كونه متعلقا بالاقل أو الاكثر، وهذا هو الاقل والاكثر الارتباطيان، ومحل الكلام هو الثاني، واما في الاول فلا اشكال في جريان البرائة عن الاكثر لانحلال العلم الاجمالي فيه حقيقة على جميع المسالك. الثالث: ان محل الكلام ما إذا كان الاقل على فرض كونه متعلقا للتكليف ماخوذا بنحو اللابشرط القسمى بالنسبة الى الزايد الذى يكون الاكثر واجدا له، فلا يضره الاتيان بالاكثر، واما إذا كان ماخوذا بنحو بشرط لا عن الزايد حتى يضره الاتيان بالاكثر كما في دوران الامر بين القصر والتمام، فهو خارج عن محل الكلام، ويكون من قبيل دوران الامر بين المتباينين لكون الاقل المعلوم وجوبه مرددا بين ان يكون هو الاقل بشرط شئ أو بشرط لا - وبعبارة اخرى - محل الكلام في المقام انما هو فيما إذا كان الاتيان بالاكثر مما يقتضيه الاحتياط، ويوجب سقوط التكليف وامتثاله على كل تقدير، وإذا كان الاقل ماخوذا بشرط لا لا يمكن الاحتياط باتيان الاكثر، ولا يحرز به الامتثال لاحتمال كون الزايد مبطلا، ولذلك يكون مقتضى الاحتياط عند العلم الاجمالي بوجوب القصر أو التمام، هو الجمع بينهما، لا الاتيان بالتمام فقط. إذا عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يقتضى البحث في موضعين. الاول: في دوران الامر بين الاقل والاكثر في الاجزاء الخارجية كالشك في وجوب السورة في الصلاة. الثاني: في دوران الامر بينهما في الاجزاء التحليلية كدوران الامر بين الاطلاق والتقييد أو دوران الامر بين الجنس والنوع كما لو علم بوجوب اطعام الحيوان أو خصوص الانسان.

[ 372 ]

اما الاول: فالاقولا فيه ثلاثة. 1 - جريان البرائة العقلية والنقلية في الاكثر، ذهب إليه الشيخ الاعظم (ره) وجماعة 2 - عدم جريان البرائة العقلية والنقلية 3 - التفصيل بين البرائة العقلية فلا تجرى وبين البرائة النقلية فتجرى، اختاره، المحقق الخراساني والمحقق النائين، فالكلام في جهتين، الاولى في جريان البرائة العقلية وعدمه، الثانية في جريان البرائة النقلية وعدمه. جريان البرائة العقلية في الاقل والاكثر اما الجهة الاولى: فقد استدل له الشيخ الاعظم (ره) بانحلال العلم الاجمالي بوجوب الاقل والاكثر، بالعلم بوجوب الاقل المردد بين النفسي والغيري، إذ لو كان الاقل واجبا، فوجوبه نفس، ولو كان الاكثر واجبا، فوجوب الاقل غيرى، والشك في وجوب الاكثر فيجرى فيه البرائة العقلية. ويرد عليه ما حققناه في بحث وجوب المقدمة من استحالة اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى، إذ ليس للمركب وجود غير وجود الاجزاء كى يتوقف عليه توقف وجود الشئ على وجود غيره، والوجوب الغير ناش عن توقف وجود على آخر، وتمام الكلام في محله. واما الايراد عليه بعد تسليم كون وجوب الاقل معولما اما نفسيا أو غيريا، بانه لا يوجب انحلال العلم الاجمالي، لانه يعتبر في الانحلال كون المعلوم بالتفصيل من سنخ المعلوم بالاجمال، والمقام ليس كذلك، لان المعلوم بالجمال هو الوجوب النفسي، والمعلوم بالتفصيل هو الوجوب الجامع بين النفسي والغيري. فيمكن دفعه لان ذلك وان لم يكن انحلالا حقيقيا ولكنه انما يكون في حكم الانحلال: فان الميزان هو جريان الاصل في احد الطرفين دون الاخر، وفى المقام مع قطع النظر عن ما ذكرناه بما ان الاقل وجوبه معلوم، لا يجرى فيه الاصل، فيجرى في الاكثر بلا معارض.

[ 373 ]

والصحيح في تقريب الانحلال ما افاده جماعة ويمكن استفادته من كلمات الشيخ وهو ان تعلق الوجوب النفسي الجامع بين الاستقلالي والضمنى بالاقل معلوم، اما لكونه هو الواجب، أو لكونه جزء الواجب، والزيد عليه مشكوك الوجوب، فيجرى فيه قبح العقاب بلا بيان ن، - وبعبارة اخرى - ترك الواجب بترك الاجزاء المعلوم وجوبها، يوجب العقاب، واما تركه بترك الجزء المشكوك فيه، فالعقاب عليه غير معلوم، والقاعدة مقتضية لقبحه، واورد بايرادات. الاول: ما عن المحقق الخراساني من استلزام الانحلال عدمه وهو محال، فان وجوب الاقل فعلا على كل تقدير متوقف على تنجز التكليف مطلقا، ولو كان متعلقا بالاكثر، فلو كان وجوبه كذلك مستلزما لعدم تنجزه الا إذا كان متعلقا بالاقل كان خلفا، مع انه يلزم من وجوده عدمه: لاستلزامه عدم تنجز التكليف على كل حال المستلزم، لعدم لزوم الاقل مطلقا، المستلزم لعدم الانحلال. وفيه: ان فعلية وجوب الاقل على كل تقدير لا تتوقف على تنجزه حتى على فرض تعلقه بالاكثر، بل تتوقف على فعليته على ذلك التقدير، واما تنجز وجوبه فهو متوقف على العلم به، لا على تنجز التكليف حتى على تقدير تعلقه بالاكثر، وان شئت قلت: ان التنجز عبارة عن استحقاق العقاب على ترك المأمور به، والمامور به بما انه مركب من وجودات متعددة، فلا محالة يكون تركه، تارة بترك جميع الاجزاء، واخرى بترك بعضها، وعليه فتركه بترك الجميع، أو بترك الاجزاء المعلومة موجب لاستحقاق العقاب، واما تركه بترك الجزء المشكوك فيه، فلا علم بانه موجب للعقاب فمقتضى قبح العقاب بلا بيان عدمه. الثاني: ان التكليف المعلوم في المقام تكليف واحد على التقديرين لكونه ارتباطيا فتعلقه بكل جزء ملازم لتعلقه بالاجزاء الاخر ثبوتا وسقوطا، ولا معنى لسقوطه بالاضافة الى بعض الاجزاء، دون بعض، فاحتمال تعلقه بالاكثر مستلزم لاحتمال عدم سقوطه باتيان الاقل، والشك في السقوط مورد لقاعدة الاشتغال دون البرائة. وفيه: ان الواجب بحكم العقل الاتيان بما ثبت تعلق التكليف به، وعليه فان كان

[ 374 ]

ترك الواجب مستندا الى ترك الاجزاء المعلومة كان المقصر هو العبد، وان كان مستندا الى ما لم يبينه الشارع، شمله قاعدة قبح العقاب بلا بيان. الثالث: ما افاده المحقق النائيني، وحاصله ان معنى الانحلال تبدل القضية المنفصلة المانعة الخلو الى قضية متيقنة، وقضية مشكوك فيها، وهذا مفقود في المقام: فان وجوب الاقل لا يكون معلوما الا بنحو الاهمال الجامع بين كونه بشرط شئ بالاضافة الى الجزء المشكوك فيه أو لا بشرط، وهو مقدم للعلم الاجمالي، ولا يعقل ان يكون موجبا لانحلاله، والالزم انحلال العلم بنفسه وهو محال، ثم انه (ره) ايد ذلك بالوجه الثاني المتقدم. وفيه: ان ما افاده من عدم انحلال الحقيقي متين، ولكن ذلك لا يمنع من الانحلال الحكمى، وهو جريان الاصل في احد الطرفين دون الاخر، وفى المقام وان كان كل من خصوصيتى وجوب الاقل، أي الاطلاق، والتقييد مشكوكا فيها، ولكن لا يجرى الاصل في الاطلاق، لعدم الاثر فانه يجب الاتيان به كان واجبا مطلقا أو مقيدا، فيجرى الاصل في خصوصية التقييد بلا معارض، ولا نعنى بالانحلال الا ذلك، - وبعبارة اخرى -: ان القضية المهملة في المقام ليست كالقضية المهملة في المتباينين التى لا يترتب عليها الاثر الا في ضمن احدى الخصوصيتين: فانه يعلم بترتب العقاب على ترك الاقل، فلا معارض للاصل الجارى في الخصوصية الزايدة التى يترتب عليها الاثر، فيجرى. واما ما ذكره من التأييد، فيرد عليه ان الشك في سقوط التكليف ليس مطلقا موردا لقاعدة الاشتغال، بل انما يكون موردا لها إذا لم يكن منشا الشك في التكليف كما في المقام. الرابع: ما افاده صاحب الحاشية (ره)، وهو ان العلم الاجمالي بالجامع ملازم للعلم الاجمالي باحدى الخصوصيتين، أي خصوصية اللابشرطية، وخصوية بشرط شئ، بالاضافة الى الجزء المشكوك فيه، والعلم الاجمالي الاول وان انحل، الا ان الثاني باق فيجب الاحتياط، وهذا نظير العلم بوجوب الظهر أو الجمعة، فان العلم بوجوب الجامع بينهما وان كان ينحل، الا ان العلم باحدى الخصوصيتين لا ينحل.

[ 375 ]

وفيه: ان معنى اللابشرطية هو رفض القيود، ولا يكون هو بنفسه من القيود، والخصوصيات اللازم تحصيلها، والاتيان بها، وهذا بخلاف المثال، فان كلا من الخصوصيتين لازم الاتيان على فرض كونها متعلقة للتكليف. الخامس: انه بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات، نعلم ثبوت مصلحة ملزمة في الاقل، أو الاكثر، وحيث انه لازم الاستيفاء بحكم العقل، وليست ذات اجزاء بل هو امر واحد مترتب على تمام المأمور به، فلا بد من الاحتياط باتيان الاكثر، إذ لا يعلم بحصولها عند الاقتصار على الاتيان بالاقل. واجاب عنه الشيخ الاعظم (ره) بجوابين، الاول: ان البحث عن جريان البرائة ليس مبتنيا على خصوص مسلك العدلية القائلين بالتبعية، فلنفرض الكلام على مسلك الاشعري الذى لا يكون قائلا بالتبعية. والظاهر ان هذا الجواب سهو من قلمه الشريف فان مسلكه (قده) مسلك العدليه. الثاني: ان الغرض لا يمكن تحصيل القطع بحصوله على التقديرين، اما على تقدير الاقتصار على الاقل فواضح، واما على تقدير الاتيان بالاكثر فلانه، اما ان ياتي به بقصد الامر الجزمى، أو ياتي به بقصد الامر الاحتمالى، اما الاول فتشريع محرم، لا يحتمل معه حصول الغرض، واما الثاني فلاحتمال اعتبار قصد الوجه في حصوله - وعليه - فلا يجب تحصيل القطع بحصول الغرض فلا يبقى الارعاية الامر وقد مر الانحلال فيه. وفيه اولا: ان لازم ذلك لزوم الاحتياط في التوصليات، دون التعبديات، لامكان تحصيل القطع بحصول الغرض فيها، باتيان الاكثر، وثانيا: ان قصد الوجه لا يكون معتبرا - وعلى فرض الاعتبار انما يكون في الواجب النفسي الاستقلالي، ولا يعتبر قصد وجه الجزء ايضا، كما مر في اوائل هذا الجزء. واما ما في الكفاية من ان لازم احتمال عدم حصول الغرض، لاحتمال دخل قصد الوجه، احتمال بقاء الامر وعدم سقوطه باتيان الاقل لكونه معلولا له، وعليه فلا علم بسقوط الامر باتيان الاقل، حتى يوجب انحلال العلم. فيرد عليه: ان الشيخ يدعى ان تحصيل الغرض لعدم التمكن من احرازه لا يجب

[ 376 ]

فاللازم هو مراعة الامر خاصة، وهى تقتضي الاتيان بالاقل على كل تقدير، وهو يوجب الانحلال، وان شئت قلت ان ترك تحصيل الغرض بترك الاقل معاقب عليه قطعا وبترك الزايد مشكوك فيه فيقبح العقاب عليه. واجاب المحقق النائيني (ره) عن اصل الاشكال بانه قد يكون الغرض الداعي الى الامر بشئ مترتبا على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة كترتب القتل على فرى الاوداج، وقد يكون كترتب المعلول على علته المعدة بحيث يتوسط بينهما امر غير اختياري كترتب حصول الثمرة على الزرع، وفى الاول بما ان الغرض اختياري، وهو المطلوب بالاصالة، لا بد من تحصيله من غير فرق بين ان يتعلق الامر، بالسبب، أو المسبب، وفى الثاني لا يجب تحصيله، ولا يصح تعلق التكليف به، هذا بحسب مقام الثبوت. واما في مقام الاثبات فان احرز احد الامرين فهو، والا فمن تعلق الامر بالسبب دون المسبب، يستكشف انه من قبيل الثاني، إذ لو كان من قبيل الاول كان المتعين هو الامر بالمسبب، ويترتب على ذلك ان نسبة المصالح الى الواجبات الشرعية نسبة المعاليل الى علله المعدة، وحينئذ فالواجب على المكلف الاتيان بالمأمور به، ولا يكون مكلفا بتحصيل الغرض، فلو تردد الامر بين الاقل والاكثر لم يكن مانع من الرجوع الى البرائة في الاكثر. وفيه: ما مر في مبحث الصحيح والاعم، ان الغرض المترتب على المأمور به غرضان، الغرض الاقصى، والغرض الاعدادي والذى يتخلف عن المأمور به هو الاول دون الثاني، وترتب الثاني على المأمور به انما يكون من قبيل ترتب المعلول على علته التامة، فلا بد من تحصيله، وانما لم يامر به الشارع من جهة ان المكلفين لا يفهمونه، ولا يدرون ما يحصله، وبالجملة: ان المعد لذلك الغرض الاقصى الخارج عن تحت اختيار المكلف، هو الحصة الخاصة من الفعل، وهى التى تكون معدة، و هذا الغرض الاعدادي سبب للامر بالفعل، وهو داخل تحت الاختيار، فلا بد من تحصيله، فراجع ما حققناه، فإذا تردد المأمور به بين الاقل والاكثر فلا محالة يشك في ان الاقل هل يكون

[ 377 ]

موجبا لحصول الغرض ام لا ؟ فيجب الاتيان بالاكثر تحصيلا للقطع بحصوله. والصحيح في الجواب عن اصل الاشكال ان الغرض والمسبب المترتب على الفعل، تارة يكون بنفسه متعلقا للحكم كما إذا امر المولى بقتل شخص اوامر بتمليكه، ففى مثل ذلك لا بد للمكلف من احراز حصوله باتيان ما يكون محصلا قطعا، واخرى يكون متعلق التكليف هو الفعل المحصل والسبب، وهو على قسمين 1 - ما يكون المكلف به هو المسبب والغرض بحسب المتفاهم العرفي، ويكون التكليف به عرفا تكليفا بالغرض والمسبب كما لو امر المولى بضرب عنق زيد فانه يفهم العرف ان المكلف به هو القتل، وفى مثل ذلك ايضا لا بد للمكلف من احراز حصوله باتيان ما يحصله يقينا فلو شك في حصول القتل بضرب عنقه مرة واحدة لا بد من تحصيل العلم بتحقق القتل 2 - ما يكون المكلف به عند العرف هو السبب والمحصل دون الغرض والمسبب، بل هما مما يغفل عنه العامة ولا يلتفت إليه الا الاوحدي من الناس كما في العبادات، أو وان كان مما يلتفت إليه كما في الطهارة الحدثية على القول بانها امر معنوى متحصل من الافعال الخاصة ولكن المحصل لها بيانه وظيفة المولى ولا يفهمه العرف، ففى مثل ذلك لا بد للمكلف من الاتيان بما امر به، واما كون الماتى به وافيا بغرض المولى فهو من وظائف المولى. - وبعبارة اخرى -: ان العقل يحكم بوجوب الاتيان بما بينه المولى، وعلى فرض عدم تمامية البيان من قبل المولى لا يكون تفويت الغرض مستندا الى العبد، فلا يكون مستحقا للعقاب، فحينئذ بالمقدار الواصل من المحصل وهو الاقل حيث انه وصل وبتركه يفوت الغرض قطعا ليس للعبد تركه، واما المقدار الذى لم يصل وهو الاكثر، فالعقل لا يلزم العبد بتحصيله، ولا يحكم بحرمة تفويته إذا التفويت المستند الى عدم بيان المولى يقبح العقل العقاب عليه، - وبعبارة اخرى -: ان الغرض كالامر والتكليف، فكما ان التكليف الذى قام عليه البيان لا بد من اطاعته وما لم يقم عليه بيان من المولى مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وفى ما نحن فيه حيث ان التكليف بالقياس الى الاقل واصل فلا بد للمكلف من

[ 378 ]

اطاعته ويصح العقاب على مخالفته، وبالنسبة الى الاكثر لم يصل فيقبح العقاب عليه، كذلك بالقياس الى الغرض فانه على تقدير ترتبه على الاقل كان الحجة عليه تامة وبتركه يفوت الغرض قطعا فيصح العقاب عليه، وعلى تقدير ترتبه على الاكثر لم يقم عليه بيان من المولى، فلا يلزم العقل بالاتيان به وكان العقاب على تفويته بترك الاكثر عقابا بلا بيان: لكونه مستندا الى عدم بيان المولى لا الى تقصير العبد وتحصيل الغرض الذى لم يبينه المولى غير واجب، والعقل يرى العقاب على تفويت هذا الغرض عقابا بلا بيان. وبالجملة الغرض لا يزيد على الامر فإذا لم يصل محصله الى العبد، ولم يجعل الشارع وجوب الاحتياط عند احتماله يستكشف من ذلك ان هذا الغرض ليس بحد من اللزوم يجب تحصيله على كل حال، بل لو وصل يجب تحصيله، وما دام لم يصل يكون العبد في فسحة منه وتفويته غير موجب للعقاب، وحيث ان وجوب الاكثر لم يصل ففوت الغرض ان كان مستندا الى تركه لا يكون موجبا للعقاب. هذا كله بناءا على تبعية الاحكام للمصالح في المتعلقات، واما بناءا على تبعيتها لمصالح في الجعل وفى انفسها كما هو الشان في الاحكام الوضعية، ومال إليه المحقق الخراساني (ره) فالاشكال مندفع من اصله. فالمتحصل انه لا مانع من جريان البرائة العقلية في الاكثر، أي الزايد عن الاقل. جريان البرائة الشرعية في الاقل والاكثر واما الجهة الثانية: وهى جريان البرائة الشرعية وعدمه فبناءا على ما اخترناه من جريان البرائة العقلية، فلا ريب في جريان البرائة الشرعية، لان تعلق التكليف بالجزء المشكوك فيه غير معلوم، فيرفعه حديث الرفع وغيره من ادلة البرائة، ولا يعارضه ان تعلق التكليف بخصوص الاقل غير معلوم فهو مرفوع، لان تعلقه بالاقل، اما استقلالا أو ضمنا معلوم، والشك انما هو في تعلقه بالاكثر. والايراد على شمول دليلها للجزء المشكوك فيه، تارة بان الجزئية ليست

[ 379 ]

بمجعولة ولا لها اثر مجعول فلا تشملها ادلة البرائة، واخرى: بان ارتفاعها انما يكون برفع منشا انتزاعها وهو الامر بالمركب، ولا دليل آخر على الامر بالخالى عه، تقدم الجواب عنهما في حديث الرفع. واما بناءا على عدم جريان البرائة العقلية فهل تجرى البرائة الشرعية ام لا ؟ وجهان ذهب المحقق الخراساني (ره) والمحقق النائيني (ره) الى الاول. اقول ان المانع المهم عن جريانها اد الامرين، لزوم تحصل الغرض، وافاده المحقق النائيني (ره) من انه يلزم منه انحلال العلم الاجمالي بنفسه، ولو تم هذان الوجهان أو احدهما لزم عدم جريان البرائة الشرعية ايضا. ولو يفد ما افاده المحقق الخراساني (ره) من ان عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئية ما شك في جزئيته فبمثله يرتفع الاجمال والتردد عما تردد امره بين الاقل والاكثر ويعينه في الاول. ولا ما افاده المحقق النائيني (ره) من ان مفاد حديث الرفع ونحوه عدم التقييد في مرحلة الظاهر فيثبت الاطلاق ظاهرا: لان الاطلاق والتقييد ليسا من قبيل المتضادين كى يكون اثبات احد الضدين برفع الاخر من الاصل المثبت، بل بما ان التقابل بينهما من قبيل تقابل العدم والملكة، فالاطلاق عدم التقييد في مورد كان صالحا للتقييد، فحديث الرفع بمدلوله المطابقى يدل على اطلاق الامر بالاقل وعدم قيدية الزايد، وبذلك يتحقق الامتثال القطعي للتكليف المعلوم بالاجمال. اما الوجه الاول: فلان غاية ما يرفع بحديث الرفع ونحوه، انما هو جزئية ما شك في جزئية ظاهرا، واما ان الغرض مترتب على الاقل فلا يثبت بذلك لان كون الغرض مترتبا على الاقل لازم عقلي لرفع الجزئية واقعا، وحيث ان الاصول لا تكون حجة في مثبتاتها، فلا يثبت بحديث الرفع ونحوه ترتب الغرض على الاقل فإذا لم يثبت ذلك ومقتضى العلم الاجمالي لزوم تحصيله والقطع به باتيان الاكثر فلا يفيد جريان البرائة الشرعية شيئا، وعلى الجملة حديث الرفع ونحوه لا يوجب عدم جواز اتيان الاكثر وانما يدل على عدم وجوبه ومقتضى العلم الاجمالي بالغرض الملزم لزوم الاتيان بالاكثر فلا

[ 380 ]

تنافى بينهما لان ما لا اقتضاء فيه لا يعارض ما له الاقتضاء. - وبعبارة اخرى - حيث انه لا يثبت بحديث الرفع ونحوه من ادلة البرائة ترتب الغرض على الاقل، وانما تدل على رفع جزئية المشكوك فيه ظاهرا وانه من ناحية التكليف لا عقاب على ترك الاكثر، واما من ناحية الغرض فلا تعرض لها، ومقتضى لزوم تحصيل الغرض والقطع به على كل حال لزوم الاتيان بالاكثر، فبناءا على عدم جريان البرائة العقلية لاجل لزوم تحصيل الغرض، لا تجرى البرائة الشرعية ايضا فالتفكيك في غير محله. واما الوجه الثاني: فلان جريان البرائة عن تقييد الاقل بانضمام الجزء المشكوك فيه لا يثبت تعلق التكليف بالاقل على نحو الاطلاق فلا ينحل العلم الاجمالي بذلك ومع بقاء العلم الاجمالي، لا بد من القطع بامتثاله باتيان الاكثر، وكون التقابل بين الاطلاق والتقييد من قبيل تقابل العدم والملكة، لا يغنى شيئا في المقام لان ذلك انما هو في مقام الاثبات، واما في مقام الثبوت فالتقابل بينهما من قبيل تقابل التضاد، لان الاطلاق بحسب مقام الثبوت عبارة عن لحاظ الطبيعة بنحو السريان واللابشرط القسمى، والتقييد عبارة عن لحاظها بشرط شئ، وعلى هذا فلا يمكن اثبات الاطلاق بنفى التقييد ومعه لا ينحل العلم الاجمالي، وهو يقتضى لزوم الاحتياط فلا تجرى البرائة النقلية كالبرائة العقلية. فالمتحصل مما ذكرناه ان التفكيك بين البرائة العقلية والنقلية، وجريان الثانية دون الاولى كما اختاره العلمان في غير محله. كما ظهر مما ذكرناه من انحلال العلم الاجمالي حكما، وعدم لزوم تحصيل الغرض الا باتيان ما بينه الشارع محصلا، انه تجرى البرائة العقلية والنقلية. حول التمسك بالاستصحاب لكل من القولين ثم انه ربما يتمسك بالاستصحاب في المقام لكل من القول، بالبرائة، والاشتغال. اما الاول: فتقريبه ان جزئية المشكوك فيه، وتعلق الامر به لم تكن في اول

[ 381 ]

الشريعة مجعولة قطعا، والشك انما هو في الجعل فيجرى استصحاب عدم الجعل، ويثبت به عدم المجعول، وقد مر في مبحث البرائة ما يمكن ان يورد على هذا الاصل والجواب عنه. والايراد عليه، كما عن الاستاذ بانه بعد العلم بتعلق التكليف بالاقل، اما مطلقا، أو مقيدا بالجزء المشكوك فيه يقع التعارض بين استصحاب عدم التقييد، واستصحاب عدم جعل التكليف بالاقل على نحو الاطلاق فيتساقطان. يندفع بان استصحاب عدم جعل التكليف على نحو الاطلاق لا اثر له، لوجوب الاتيان بالاقل على كل تقدير، وفى جريان استصحاب الحكم، وعدمه يعتبر وجود اثر عملي وترتبه عليه، فلا يجرى، فيجرى اصالة عدم جعل التكليف بالمقيد بلا معارض. واما الثاني: فتقريبه ان وجوب الواجب المردد بين الاقل والاكثر معلوم، وامره بعد الاتيان يدور بين ما هو مقطوع الارتفاع: إذ على تقدير تعلقه بالاقل فقد ارتفع، وعلى تقدير تعلقه بالاكثر، فهو باق فيستصحب ويحكم ببقائه بناءا على ما هو الحق من جريان الاستصحاب في القسم الثاني من اقسام استصحاب الكلى. وفيه: ان هذا الاصل وان كان في نفسه جاريا الا ان في المقام اصلا آخر حاكما عليه وهو اصالة عدم تعلق التكليف بالاكثر، غير المعارض باصالة عدم تعلقه بالاقل لانه لا يجرى: لعدم الاثر، وللبحث في ان استصحاب الكلى في الاحكام، محكوم للاصل الجارى في الفرد محل آخر وقد اشبعنا الكلام فيه في الجزء الرابع. فالمتحصل مما ذكرناه ان مقضتى، البرائة العقلية، والنقلية، والاستصحاب عدم وجوب الاحتياط باتيان الاكثر. دوران الامر بين الاقل والاكثر في الاجزاء التحليلية واما الموضع الثاني: وهو دوران الامر بين الاقل والاكثر في المركبات التحليلية فملخص القول فيها انها على اقسام.

[ 382 ]

الاول: ان يكون ما يحتمل دخل التقييد به في المأمور به موجودا مستقلا منحاذا عنه كالطهارة للصلاة، الثاني: ان لا يكون له وجود منحاذ، ولا يكون من مقوماته، بل يكون نسبته إليه نسبة الصفة الى الموصوف كالايمان بالنسبة الى الرقبة، الثالث: ان يكون مقوما له ويكون نسبته إليه نسبة الفصل الى الجنس، كما إذا دار الامر بين وجوب اطعام الحيوان، أو خصوص الانسان، والشيخ الاعظم عبر عن الجميع بالمركبات التحليلية، والمحقق الخراساني في التعليقة، عبر عن القسم الاول والثانى بالاجزاء الذهنية، وعن الثالث بالجزء التحليلي، وفى الكفاية تبع الشيخ، والمحقق النائيني خص المركب التحليلي بالقسم الثالث، ولا يهمنا البحث في ذلك، انما المهم هو البحث في جريان البرائة وعدمها. اما البرائة العقلية ففى الكفاية بعد اختياره عدم جريانها في شئ من الاقسام، قال بداهة ان الاجزاء التحليلية لا تكاد تتصف باللزوم من باب المقدمة عقلا، فالصلاة مثلا في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها، وفى ضمن صلاة اخرى فاقدة لشرطها وخصوصيتها تكون مباينة للمأمور بها انتهى. ويرد عليه ما عرفت من ان جريان البرائة لا يتوقف على الانحلال، بل يتوقف على العلم بتعلق التكليف بالطبيعي والشك في تعلقه بالخصوصية الزايدة، وعدم معارضة الاصل الجارى في المقيد، والمشروط، والخاص بالاصل الجارى في المطلق، والمقام كذلك، فان تعلق التكليف في هذه الاقسام بالطبيعي معلوم، وامره مردد بين تعلقه بالمطلق أو المقيد، وحيث ان التقييد كلفة زايدة، فيرتفع بالاصل، ولا يجرى الاصل في الاطلاق، لانه يقتضى التوسعة لا التضييق، وليس فيه كلفة زايدة حتى ترتفع بالاصل. وان شئت قلت ان عدم الاتيان بالطبيعي الجامع موجب لاستحقاق العقاب قطعا لانه يوجب ترك الواجب على كل تقدير، واما لو اتى به من دون القيد فالعقاب عليه لا يكون عقابا مع البيان فيكون قبيحا، - وبعبارة اخرى - ترك الواجب على فرض لزوم المقيد مستند الى عدم البيان لا الى تقصير العبد كى يستحق العقاب. مع ان الكلى الطبيعي موجود في الخارج، ونسبته الى الافراد نسبة الاب الواحد

[ 383 ]

الى الابناء لا نسبة الاباء الى الابناء، وعليه فهو يتصف في الخارج بوصف الكثرة، لا بوصف التباين إذ الطبيعي من حيث هو لا واحد ولا متعدد، وانما يكون مع الواحد واحدا ومع المتعدد متعددا، مثلا الانسان الموجود في الخارج في ضمن زيد ليس مغايرا ومبائنا لما هو الموجود في ضمن بكر، بل الطبيعي متكثر في ضمنها لا متباين، وعليه فيصح ان يقال ان تعلق التكليف بالطبيعي معلوم، وبالخصوصية مشكوك فيه فيجرى فيه البرائة. اضف الى ذلك كله ان متعلق التكاليف انما هو الماهيات والعناوين دون المصاديق الخارجية كما مر تحقيقه، والبرائة انما تجرى في متعلق التكليف لا فيما يحصل به الامتثال فلا يكون مجرى البرائة من قبيل المتباينين بل من قبيل الاقل والاكثر، فالمتحصل مما ذكرناه انه لا مانع من جريان البرائة العقلية في شئ من الاقسام الثلاثة. واما البرائة الشرعية فلم يستشكل احد في جريانها في القسمين الاولين، وقد استشكل المحققان الخراساني والنائيني (ره) في جريانها في القسم الثالث وذهبا الى انه لا تجرى البرائة الشرعية فيه. وقد استدل المحقق الخراساني (ره) له: بان خصوصية الخاص ليست كخصوصية الاقتران بالطهارة مثلا جعلية، كى يمكن رفعها بادلة البرائة وانما تكون منتزعة عن نفس الخاص فيكون الدوران بينه وغيره من قبيل الدوران بين المتباينين. وفيه: ان المأمور به يمكن ان يكون هو الطبيعي بلا دخل للخصوصية فيه، ويمكن ان يكون الخاص، والخصوصية وان كانت منتزعة عن نفس الخاص غير قابلة للرفع والوضع، الا انها بالاعتبار المذكور يكون اعتبارها في المأمور به قابلا لهما، وعليه فمقتضى حديث الرفع عدم دخلها فيه فيكتفى باتيان الطبيعي. - وبعبارة اخرى - ان الشرطية في المقام وان لم تكن منتزعة عن الامر بالخصوصية كما يتوهم ذلك في الشرط الذى يكون له وجود مغاير كالوضوء بالنسبة الى الصلاة، وايضا لا تكون منتزعة من الوجود المختص به: فان الخصوصية والمشروط موجودان بوجود واحد، الا انه في مقام تعلق الامر قبل الوجود يكون المتعلق، وهو المفهوم

[ 384 ]

والعنوان متعددا، وتعلق الامر باحدهما وهو ذات المشروط معلوم، وتعلقه بالشرط، وهو الخصوصية مشكوك فيه فيجرى فيه البرائة. اضف الى ذلك انه لو تم هذا الاشكال لزم منه عدم جريان البرائة في الشك في الجزئية ايضا لان كل واحد من الاجزاء له اعتباران، الاول اعتبار الجزئية وان التكليف المتعلق بالمركب متعلق به ضمنا، الثاني اعتبار الشرطية لان ساير الاجزاء مقيدة به فيكون الشك في الجزئية شكا في الشرطية بالاعتبار المذكور. هذا كله مضافا الى ما عرفت مرارا من ان الملاك في جريان الاصل في بعض الاطراف عدم جريانه في الاخر، والمقام كذلك، لان تعلق التكليف باطعام جنس الحيوان المردد بين الانسان وغيره معلوم، والشك انما هو في تقيده بكونه انسانا فيجرى فيه الاصل، ولا يعارضه الاصل في الاطلاق لعدم جريانه كما مر. واما المحقق النائيني (ره) فقد استدل له على ما نسب إليه بوجهين. احدهما: ما في تقريرات شيخنا المحقق الكاظمينى (ره)، وهو ان الترديد بين الجنس والفصل وان كان بالتحليل العقلي من دوران الامر بين الاقل والاكثر الا انه بنظر العرف خارجا يكون من الترديد بين المتباينين، لان الانسان بما له من المعنى المرتكز في الذهن مباين للحيوان عرفا فلو علم اجمالا بوجوب اطعام احدهما لا بد من الاحتياط، ولا يحصل ذلك الا باطعام خصوص الانسان، لانه جمع بين الامرين فان اطعام الانسان يستلزم اطعام الحيوان ايضا. وفيه: ان الكلام ليس في خصوص المثال ومحل الكلام هو ما لو كان الترديد بين الجنس، والنوع، مع فرض صدق الجنس على النوع ايضا، وكونه بنظر العرف شاملا له كما لو علم بوجوب اطعام الحيوان أو الغنم. مع انه لو سلم عدم شمول الجنس له كما في المثال لا بد من الاحتياط باطعام الانسان، واطعام حيوان آخر، إذ على الفرض لو كان الواجب اطعام الحيوان يكون المراد به غير الانسان. ثانيهما: ما ذكره سيدنا المحقق الخوئى دام ظله وهو ان الجنس حيث لا يوجد الا

[ 385 ]

في ضمن الفصل فلا يتعلق الحكم به، الا متفصلا بفصل معين، أو بفصل ما، فلو علم بتعلق التكليف اما بنوع خاص، أو بالجنس، فيكون من موارد دوران امر الواجب بين التعيين والتخيير، والمختار عنده (قده) في جميع صوره، التعيين وعدم جواز الرجوع الى البرائة عن كلفة التعيين، ولا باس بذك تلك المسالة اجمالا ليتضح الحكم في المقام. دوران الامر بين التعيين والتخيير وملخص القول فيها، ان دوران الامر بين التعيين والتخيير بحسب الموارد ينقسم الى اقسام. الاول: ما إذا دار الامر بينهما في الحجية، كما لو علم بانه يجب تقليد الاعلم اما تعيينا، أو تخييرا بينه وبين تقليد غير الا علم. قد يقال ان الاصل يقتضى البناء على التخيير، وذلك لوجهين. احدهما: ان الشك في حجية الراجح، وهو فتوى الاعلم في المثال، تعيينا أو حجية المرجوح، وهو فتوى غير الاعلم تخييرا، مسبب عن الشك في اعتبار المزية شرعا فيجرى اصالة العدم في السبب، ويترتب عليه عدم حجية الراجح تعيينا، وحجية المرجوح تخييرا. وفيه: ان معنى اعتبار المزية شرعا دخلها في جعل الشارع الحجية للراجح تعيينا، وسياتى في مبحث الاستصحاب، عدم جريان الاصل في امثال هذه الامور لعدم كونها مجعولة شرعا، ولا يترتب عليها اثر شرعى، لان ترتب الجعل عليها ترتب عقلي نحو ترتب المقتضى على المقتضى، لا ترتب شرعى. الثاني: ان المفروض حجة كل منهما شانا، وانما الشك في الحجية الفعلية، وعدم حجية المرجوح بهذا المعنى، مسبب عن الشك في مانعية المزية، فتجرى اصالة عدمها، ويترتب عليها الحجية الفعلية. وفيه: ان معنى مانعية الزيادة، مانعيتها عن الجعل، إذ لا يعقل المنع عن الفعلية من

[ 386 ]

دون ان يؤخذ عدمها دخيلا في مقام الجعل، لما مر عدم معقولية دخل شئ في مقام الفعلية من دون ان يؤخذ في مقام الجعل، فيرد عليه ما اوردنا على سابقه. فالاظهر ان الاصل هو التعيين، للعلم بحجية الراجح كفتوى الاعلم في مفروض المثال اما تعيينا أو تخييرا، والشك في حجية المرجوح وقد مر في اول مباحث الظن، ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعد الحجية. الثاني: ما إذا دار الامر فيه بين التعيين والتخيير في مقام الامتثال لاجل التزاحم، كما إذا كان غريقان، لا يتمكن المكلف من انقاذ كليهما، فلا ريب في انه مع التساوى يجب عليه تخييرا انقاذ احدهما، كما انه لو كان احدهما اهم يتعين عليه انقاذه خاصة، فحينئذ لو احتمل ان يكون احدهما اهم فيتعين انقاذه معينا، أو يكونا متساويين فيتخير بين انقاذ ايهما شاء فالامر يدور بين وجوب انقاذ المحتمل الاهمية معينا، وبين وجوب انقاذه ايهما شاء مخيرا. قد يقال ان الحكم في هذا القسم ايضا التعيين، لان التزاحم وان كان يوجب سقوط احد التكليفين بامتثال الاخر، الا انه لا يوجب سقوط الملاكين عما هما عليه من حد الالزام، وحيث ان المحقق في محله، ان تفويت الغرض الملزم بعد احرازه قبيح بحكم العقل، كمخالفة التكليف الواصل، وهذا القبح لا يرتفع الا بعجز المكلف تكوينا، أو تشريعا بامر المولى بشئ لا يتمكن المكلف من الجمع بين ما فيه الملاك وذلك الشئ، والا فما لم يثبت ذلك يحكم العقل بقحب التفويت، وايضا قد مر في محله من هذا الكتاب انه إذا كان المتزاحمين اهم فالتكليف يكون متعلقا به وصارفا لقدرة المكلف نحوه، والملاك في الطرف الاخر مع كونه ملزما في نفسه لا يكون تفويته قبيحا بحكم العقل، لاستناده الى تعجيز المولى اياه، وان كان كل من المتزاحمين مساويا مع الاخر في الملاك، فبما انه لا يجوز الترجيح بلا مرجح، فلا يصح التكليف باحدهما معينا مطلقا فلا بد من التكليف بكل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالاخرة، أو بالجامع بينهما، على الخلاف المحرر في محله وعلى كل حال يجوز الاكتفاء باحدهما وتفويت الاخر، فمع احتمال اهمية احدهما يكون الاتيان به وتفويت ملاك الاخر جائزا قطعا،

[ 387 ]

ومجزيا في مقام الامتثال كما هو واضح، واما الاتيان بالاخر، وتفويت ملاك الاخر المحتمل اهميته، مع القدرة على تكوينا، فلم يثبت جوازه، فالعقل يحكم بقبحه، لانه تفويت للغرض الملزم من غير عذر فلا محالة الرجوع الى قاعدة الاشتغال تحصيلا للفراغ اليقيني. ولكن يمكن ان يورد عليه بانه بعد فرض قدرة المكلف على تحصيل كلا الغرضين، ان احرز ان لاحدهما مزية يجب بحكم العقل تحصيله بمعنى انه مع عدمه يستحق العقاب، وان لم يحرز ذلك فتفويت كليهما يوجب استحقاق العقاب، - وبعبارة اخرى - استحقاق العقاب في صورة تفويت الغرض المحتمل اهيمته في ظرف تفويت غير الاهم معلوم، واما استحقاق العقاب على تفويته مع تحصيل غير الاهم فغير معلوم، ومقتضى اصالة البرائة عدم الاستحقاق، فالاظهر هو اصالة التخيير في هذا القسم، فاحتمال الاهيمة لا يوجب التعيين. القسم الثالث: ما لو دار الامر بين التعيين والتخيير في مرحة الجعل في الاحكام الواقعية كما إذا شك في ان الواجب في الكفارة في مورد خاص، هلا هو العتق معينا، ام يكون مخيرا بينه، وبين الصوم، ولم يكن امارة أو اصل موضوعي، يرفع بها الشك، ولهذا القسم صور ثلاث. الاولى: ما إذا علم وجوب فعل، وعلم سقوطه باتيان فعل آخر، ودار الامر بين كون المسقط عدلا للواجب الاول، فيكون وجوبه تخييريا، أو مسقطا له لاشتراط التكليف بعدمه، كالقرائة في الصلاة المردد وجوبها بين ان يكون تعيينا مشروطا بعدم الايتمام أو تخييريا بينهما، وتظهر الثمرة فيما لو عجز القرائة فانه على الاول لا يجب عليه الايتمام، وعلى الثاني يتعين ذلك كما لا يخفى، وفى هذه الصورة الاصل هو التعيين، لانه يرجع الشك المزبور الى الشك في وجوب ما علم مستقطيته عند تعذر ما علم وجوبه، وهو مورد للبرائة. ثم ان المحقق النائيني اختار في خصوص مسالة القرائة والايتمام، عدم كون الوجوب تعيينا، واستدل له، بان الايتمام وان كان عدلا للواجب الا انه عدل للصلاة فرادى بما لها

[ 388 ]

من المراتب الطولية، لما دل على ان " سين بلال عند الله شين " (1)، والنبوى الاخر ان الرجل الاعجمي ليقرأ القران بعجميته فيرفعه الملائكة على عربية (2) وللاطلاقات الامرة بقرائة ما تيسر (3) الشاملة لصورة التمكن من الايتمام، فلا يتعين عليه الايتمام حتى على هذا المسلك. وبهدا البيان يندفع ما اورده الاستاذ عليه، بان ما يحتمله الامام من المأموم انما هي القرائة وليس فيها حرف الشين ليتعين عليه الايتمام عند تعذر التلفظ به على تقدير كون الوجوب تخييريا: فانه وان ذكر من الروايات خصوص النبوى المشهور الا ان الظاهر ان مراده ما ذكرناه. ويمكن ان يستدل لاصالة التخيير بالمعنى المشار إليه فيما لو عجز في الاثناء، كما إذا تعذرت القرائة لامر طار من ضيق الوقت ونحوه: باستصحاب بقاء الوجوب المتعلق بخصوص ما علم تعلق التكليف به كالقرائة، أو بالاعم منه ومن ما علم مسقطيته، كالايتمام، ولا نريد اثبات وجوب المسقط تعيينا، كى يرد ليه ما افاده المحقق النائيني من انه من الاصول المثبتة، بل بما ان المستصحب بنفسه من الاحكام الشرعية لا يتوقف جريان الاستصحاب الا على ترتب اثر عقلي عليه، وهو في المقام تعين الاتيان بما علم مسقطيته وشك في تعلق التكليف به، فيتعين ذلك، ويكون هذا الاصل حاكما على اصالة البرائة المتقدمة. فالمتحصل مما ذكرناه ان الاظهر هو التفصيل بين كون العجز من الاول فالاصل هو التعيين، وبين كونه طاريا في الاثناء فالاصل هو التخيير. الصورة الثانية: ان يعلم وجوب كل من الفعلين، ويدور الامر بين ان يكون وجوب كل منهما تعيينا فيجب الاتيان بهما معا مع التمكن، أو تخييريا يجتزى باتيان احدهما، والاصل في هذه الصورة هو التخيير، ويظهر وجهه مما سنذكره في. الصورة الثالثة: وهى ما إذا علم وجوب فعل بخصوصه واحتمل كون فعل آخر


1 - المستدرك باب 23 من ابواب قرائة القران حديث 3 كتاب الصلاة. 2 - الوسائل باب 30 من ابواب قرائة القران حديث 4 من كتاب الصلاة. 3 - الوسائل باب 59 من القراءة في الصلاة. (*)

[ 389 ]

عدلا له حتى يكون ما علم تعلق التكليف به احد فردي الواجب التخييري، أو انه ليس عدله بل يتعين هو لا يقوم شئ آخر مقامه ولا يسقطه كما لو علم بوجوب العتق، وشك في انه واجب تعيينى أو مخيرا بينه وبين الصوم، فقد ذهب جماعة منهم المحقق صاحب الكفاية، والمحقق النائيني، الى ان الاصل فيها هو التعيين، وعليه يبتنى الحكم في مسالتنا التى هي محل الكلام في كونها مجرى لقاعدة الاشتغال، أو البرائة. اما المحقق الخراساني، فقد استدل له بوجهين احدهما: ما في الكفاية، وهو مختص بما إذا كان المحتمل دخل خصوصية ذاتية في الواجب وهو ان خصوصية الخاص منتزعة من نفس الخاص ولا يمكن معه الرجوع الى البرائة وقد مر الجواب عنه. ثانيهما: ما ذكره في حاشيته على الفرائة وهو التمسك باستصحاب عدم وجوب ما يحتمل كونه عدلا، واستصحاب بقاء التكليف بعد الاتيان به. ويرد على الاستصحاب الاول انه لا يثبت به التعيين، الا على القول بالاصل المثبت مع انه معارض باستصحاب عدم جعل الوجوب التعييني لما يحتمل تعيينيته. ويرد على الثاني ان الشك في بقاء الوجوب بعد الاتيان بما يحتمل كونه عدلا مسبب عن احتمال كون الواجب تعيينا، فإذا جرى الاصل فيه، وارتفع هذا الاحتمال، وحكم بكون الواجب تخييريا، لا يبقى موضوع لهذا الاستصحاب. واما المحقق النائيني، فقد استدل له بان صفة التعيينية، ليست من الامور الوجودية المجعولة ولو بالتبع، كى يرفعها حديث الرفع، بل هي عبارة عن عدم جعل العدل والبدل، - وبعبارة اخرى - في مقام الثبوت التعيينية عبارة عن تعلق الارادة المولوية بشئ، وليس لها فصل وجودي، بل حدها عدم تعلق الارادة بشئ آخر يكون عدلا لما تعلقت الارادة به، فلا يجرى فيها البرائة، لانه يعتبر في جريانها كون المرفوع امرا وجوديا موجبا لالقاء المكلف في الضيق والكلفة، وبالجملة الشك في التعيينية والتخييرية يرجع الى الشك في وجوب العدل وعدمه، وبديهى ان عدم جعل الوجوب لا يكون موردا للبرائة، وعليه فالمرجح عند الشك في التعيين والتخيير هو قاعدة الاشتغال لرجوع الشك فيهما الى الشك في سقوط ما علم تعلق التكليف به، بفعل ما يحتمل كونه عدلا له.

[ 390 ]

وفيه: ان متعلق التكليف في الواجب التخييري، اما ان يكون كل من فردي الواجب متعلقا للتكليف مشروطا بعدم الاتيان بالاخر، أو يكون هو الجامع بينهما، غاية الامر ان كان بين الفردين جامع حقيقي فهو المتعلق للتكليف، والا فالمتعلق هو الجامع الانتزاعي المعبر عنه باحد الشيئين، أو احد الاشياء على اختلاف المسلكين في الواجب التخييري. اما على الاول: فالشك في كون شئ واجبا تعيينيا، أو تخييريا، يرجع الى الشك في وجوبه مع الاتيان، بما يحتمل كون عدلا له، بعد العلم بوجوبه في صورة عدم الاتيان به، ولا ريب في ان ذلك وجودي، ومورد للبرائة، وان شئت فقل ان وجوبه عند ترك ما يحتمل كونه عدلا له، معلوم، ووجوبه في فرض عدم الاتيان به مشكوك فيه، فيجرى فيه البرائة ويثبت بها عدم وجوبه في تلك الحالة، فيثبت التخيير. واما على الثاني: فالعلم بكون الواجب تعييا، أو تخييريا، عبارة عن العلم بتعلق التكليف بالجامع، والشك في كونه لا بشرط، أي كونه مطلقا، أو بشرط شئ وبنحو التقييد، والاعتباران أي اللابشرطية، وبشرط شيئية وان كان متقابلين ولا يكون شئ منهما متيقنا، الا انه عرفت غير مرة، ان اصالة البرائة عن التقيد، غير معارضة باصالة البرائة عن الاطلاق لان الاطلاق يوجب التوسعة، لا التضييق، فلا يشمله دليل البرائة، فيجرى الاصل في التقيد، وبه ينحل العلم الاجمالي، فإذا ثبت عدم التقيد، لا يكون الشك شكا في سقوط التكليف المنجز، فلا يكون مورد القاعدة الاشتغال، بل بعد ارتفاع احتمال التقيد لا يبقى شك في الامتثال. فالمتحصل مما ذكرناه انه لا وجه للقول باصالة التعيين في هذا القسم، بل المرجع اصالة البرائة عن الالزام باتيان خصوص ما يحتمل كونه واجبا تعيينيا. وبذلك يظهر ان الوجه الثاني الذى ذكره المحقق النائيني (ره) لعدم جريان البرائة الشرعية في المركبات التحليلية فيما إذا كان يحتمل دخله في المأمور به مقوما له - غير تام - ففى جميع موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر تجرى البرائة العقلية، والشرعية عن وجوب الاكثر.

[ 391 ]

الشك في الجزئية أو الشرطية المطلقة ثم انه ينبغى التنبيه على امور، الاول: إذا ثبت جزئية شئ للمأمور به، أو شرطيته له في الجملة، ودار الامر بين كونها مطلقة شاملة لحال النسيان، فيبطل المأمور به بتركه ولو نسيانا، ام يختص بحال الذكر فلا يبطل، وقد عنون ذلك في كلمات الاصحاب بانه إذا ثبت جزئية شئ للمأمور به وشك في ركنيته، وكيف كان فتنقيح القول بالحبث في جهات، الاولى في امكان تكليف الناسي بغير المنسى، واستحالته، الثانية، فيما تقتضيه الاصول اللفظية، الثالثة فيما تقتضيه الاصول العملية. في امكان التكليف الناسي بما عدى المنسى اما الجهة الاولى: فعن جماعة منهم الشيخ الاعظم استحالته: لان الناسي لا يرى نفسه واجدا لهذا العنوان ولا يلتفت الى نسيانه، فانه بمجرد الالتفات الى نسيانه يخرج عن عنوان الناسي ويدخل في عنوان الذاكر، فلا يعقل انبعاثه عن ذلك البعث لان الالتفات الى ما اخذ عنوانا للمكلف مما لا بد منه في الانبعاث وانقداح الارادة، وعلى هذا يستحيل فعلية مثل هذا الحكم في حقه سواء التفت إليه، ام لم يلتفت، اما على الاول فلعدم بقاء العنوان وتبدله، واما على الثاني فلعدم امكان الانبعاث، وقد ذكر الاصحاب في وجه امكانه امورا. الاول: ما افاده المحقق الخراساني بان يوجه الخطاب الى الناسي بعنوان آخر عام أو خاص، لا بعنوان الناسي ويكون ذلك العنوان ملازما لعنوان الناسي، وهو مما يمكن الاتفات إليه: فان التفكيك بين المتلازمين بمكان من الامكان فلا محذور. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان العنوان الملازم للنسيان انما اخذ معرفا لما هو العنوان حقيقة، فالعنوان الحقيقي انما هو عنوان الناسي والذى لا بد منه في صحة التكليف

[ 392 ]

هو امكان الالتفات الى ما هو العنوان حقيقة ولا يكفى الالتفات الى المعرف. وهو غريب فان العناوين المأخوذة جزءا للموضوع وقيدا للمكلف ليست من العناوين القصديقة كى يلزم قصدها. والصحيح ان يود عليه بان المنسى يختلف، فتارة يعرض للمكلف نسيان السورة، واخرى يعرض له نسيان التشهد، وثالثة يعرض له نسيان الذكر الواجب، وهكذا ولا يكون معينا مضبوطا كى يؤخذ عنوان ملازم له، ودعوى كون عنوان ملازما لنسيان الجزء بما له من التبدل بعيدة جدا، مع انه مجرد فرض لا واقع له. الثاني: ما افاده المحقق الخراساني ايضا وهو ان يوجه الخطاب على نحو يعم الذاكر والناسى بالخالى عما شك في دخله مطلقا، وقد دل دليل آخر على دخله في حق الذاكر، وارتضاه المحقق النائيني (ره). واورد عليه بعض اعاظم المحققين (ره) بانه لا تعين للمنسى حتى يؤمر بما عداه مطلقا، وبه مقيدا بالاتفات، فلا بد من الالتزام بتعدد البعث بعدد ما يتصور من انحاء نسيان الجزء اطلاقا أو تقييدا. وفيه: ان التكليف بكل واحد من الاجزاء والشرائط غير ما يتقوم به العمل يقيد بالالتفات ولا محذور في ذلك، كيف وقد وقع ذلك في باب الصلاة فانه بواسطة حديث لا تعاد الصلاة خصص ادلة الاجزاء والشرائط غير الخمسة المعينة بحال الذكر. واما الايراد عليه بان الناسي لعدم توجهه الى كووه ناسيا يقصد الامر المتوجه الى الذاكرين، فما قصده لا واقع له، وما له واقع له يقصده. فيندفع: بان الناسي وان كان يعتقد مماثلة امره لامر الذاكرين، ولكنه لاجل قصده امتثال الامر الفعلى المتوجه إليه، ووجود امر فعلى كذلك، لا يضر ذلك بصحة عمله، بل يكون من قبيل الخطاء في التطبيق. الثالث: ما عن تقريرات بعض الاعاظم لبحث الشيخ (ره)، وهو ان الناسي يمكن ان يختص بخطاب، ولا يلزم محذور عدم امكان كون الناسي ملتفتا الى نسيانه فلا يمكنه امتثال الامر المتوجه إليه، فان الامتثال لا يتوقف على ان يكون المكلف ملتفتا الى ما اخذ

[ 393 ]

عنوانا له بخصوصه، بل يمكن الامتثال بالالتفات الى ما ينطبق عليه من العنوان ولو كان من باب الخطاء في التطبيق فيقصد الامر المتوجه إليه بالعنوان الذى يتخيل كونه واجدا له وان اخطاء في اعتقاده، فالناسي يقصد الامر المتوجه إليه بتخيل انه امر الذاكر فيؤل الى الخطاء في التطبيق. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بانه يعتبر في صحة البعث ان يكون قابلا للانبعاث عنه ومثل هذا التكليف لا يصلح لان يصير داعيا ومحركا للارادة في وقت من الاوقات، لان الناسي لا يلتفت الى نسيانه في جميع الموارد. وفيه: انه لا يعتبر في صحة التكليف سوى الخروج عن اللغوية يترتب اثر عليه، وهذا الاثر أي الامتثال من باب الخطاء في التطبيق يكفى في ذلك. فالمتحصل مما ذكرناه امكان تكليف الناسي بما عدى المنسى وطريق اثباته احد الامرين، اما ما في تقريرات الشيخ (ره)، أو الوجه الثاني الذى افاده المحقق الخراساني. الكلام حول اطلاق دليل الجزء المنسى واما الجهة الثانية: وهى البحث حول قيام الدليل على كون الناسي مكلفا ببقية الاجزاء والشرائط وسقوط التكليف عن خصوص الجزء أو الشرط المنسى. فنخبة القول فيها انه ان كان لدليل الجزء أو الشرط المنسى اطلاق يشمل حال النسيان نظير قوله (ع) (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) أو (الا بطهور) فلا بد من الاخذ به، والحكم بالجزئية أو الشرطية المطلقة، سواء كان لدليل الواجب اطلاق، أو لم يكن له ذلك: لانه لا ريب في ان اطلاق دليل المقيد مقدم على اطلاق دليل المطلق. ولا يتوهم انا ندعى ثبوت الجزئية أو الشرطية في حال النسيان، وتعلق الامر بالمركب، أو المقيد حتى يقال انه غير معقول لكونه تكليفا بما لا يطاق، بل ندعى ثبوتها في جميع آنات الامر بالمركب أو المقيد، فلازم الاطلاق سقوط الامر عند نسيان الجزء أو الشرط، ولازمه فساد الفاقد له.

[ 394 ]

فان قيل ان ما ذكر يتم إذا كان الدليل المثبت للجزئية أو الشرطية بلسان الوضع مثل لا صلاة الا بفاتحة الكتاب، واما إذا كان بلسان الامر والتكليف كقوله اركع في الصلاة فلا يتم: لان هذا التكليف كساير التكاليف مختص بحكم العقل بحال التذكر، ولا يعقل شموله لحال النسيان فالجزئية المستفادة منه تبعية وتختص بحال الذكر ايضا. اجبنا عنه بان هذه الاوامر ليست اوامر بعثية ومستقلة، بل تكون ارشادية الى دخالة متعلقاتها في المركب، وفى الملاكات. ودعوى: ان متقضى حديث رفع النسيان الغاء جزئيته أو شرطيته في هذه الحال، وبه يثبت صحة الماتى به ومطابقته للمأمور به. مندفعة: بما تقدم من انه لا يترتب عليه، سوى رفع الامر بالمركب من المنسى، ولا يثبت به الامر بغيره لان رفع الجزئية انما يكون برفع منشأ انتزاعها وهو الامر بالمركب. مع ان نسيان جزء أو شرط في فرد من الواجب ليس موردا لحديث الرفع راجع ما حققناه في ذلك المبحث. ثم انه قد اجيب عن اصل الاشكال بوجوه، الاول: ما يظهر من الشيخ الاعظم (ره) وهو ان الجزئية لا تكون منتزعة عن الامر الغيرى، بل هو مسبب عنها فانتفائه في حق الغافل عنه لا يقتضى انتفاء الجزئية - نعم - لو كانت الجزئية أو الشرطية منتزعة عن الحكم التكليفى كوجوب ليس غير الحرير صح ما ذكر. وفيه: - اولا ان الجزئية للوافى بالغرض وان كان سببا للامر الغيرى وليس الامر مسببا عنها، الا ان الجزئية للمطلوب والمامور به التى هي مورد الاثر في المقام تكون مسببة عن تعلق حصة من الامر بالجزء - وثانيا - انه لو تم ذلك وسلم كون الامر مسببا عن الجزئية، فعدم الامر وان لم يكن كاشفا عن عدم الجزئية لكنه لا كاشف عن الجزئية: فان سعة دائرة المنكشف وضيقها في مقام الاثبات تابعتان لسعة دائرة الكاشف وضيقها. الثاني: ما عن المحقق العراقى (ره) وهو ان حكم العقل بقبح تكليف الناسي انما يكون من قبيل الاحكام النظرية التى لا ينتقل الذهن إليها الا بعد، الالتفات والتامل في المبادى التى اوجبت حكم العقل فيدخل حينئذ في القرائن المنفصلة المانعة عن

[ 395 ]

حجية ظهور الكلام لا عن اصل ظهوره، وعليه يمكن ان يقال ان غاية ما يقتضيه الحكم العقلي المزبور انما هو المنع عن حجية ظهور تلك الاوامر في الاطلاق بالنسبة الى الحكم التكليفى، واما بالنسبة الى الحكم الوضعي وهو الجزئية المطلقة فهى باقية ولا مانع عنها فيؤخذ بظهورها في ذلك. وفيه: اولا ان حكم العقل بقبح الناسي من قبيل الاحكام العقلية التى تكون بمثابة القرينة المحتفة بالكلام بحيث يمنع عن انعقاد الظهور في الاطلاق - وثانيا - ان دلالة هذا الكلام على الجزئية انما تكون بالالتزام، وقد حقق في محله ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية وجودا وحجة، فمع اختصاص المطلوب المطابقى بحال الذكر، يكون المدلول الالتزامى ايضا مختصا بتلك الحالة. فالصحيح في الجواب ما ذكرناه من ان هذه الاوامر انما تكون ارشادا الى جزئية متعلقاتها للمركب، ودخلها في الملاكات والمصالح وعليه، فحال هذه الادلة حال ما يكون بلسان الوضع بلا فرق بينهما اصلا. فالمتحصل انه ان كان لدليل الجزء أو الشرط اطلاق كان لازمه فساد الفاقد له ولو في حال النسيان، وقد خرج عن ذلك باب الصلاة: فانه دل حيث لا تعاد الصلاة على اختصاص قيودها غير الخمسة المستثناة بحال الذكر، فتصح مع فقدها نسيانا. وان لم يكن لدليل الجزء أو الشرط اطلاق، فان كان لدليل الواجب اطلاق فيؤخذ به ويحكم بصحة العمل الفاقد للمنسى والوجه فيه ظاهر. وان لم يكن له ايضا اطلاق فتصل النوبة الى البحث عن الاصول العملية. ما يقتضيه الاصل العملي عند الشك في الجزئية المطلقة وهى الجهة الثالثة: من جهات البحث في المقام، ومحصل القول فيها انه ذهب جماعة منهم المحقق الخراساني (ره) الى ان مقتضى حديث الرفع وغيره من ادلة البرائة صحة الماتى به فاقد اللمنسى أو شرطيته، فيصح العمل

[ 396 ]

لموافقته للمأمور به. ولكن الحق في المقام هو التفصيل الانحلالى، وما يكون متعلقا بصرف وجود الطبيعة. فان كان من قبيل الثاني، وكان النسيان في فرد منه، كما هو المفروض، فالتكليف باصل الطبيعي، معلوم، والشك يرجع الى جواز الاكتفاء بالماتى به وعدمه، فبناءا على استحالة تعلق خطاب خاص بالناسى، فالماتى به غير مامور به قطعا، فالشك في جواز الاكتفاء به، ناش من الشك في وفائه بالغرض، فلا محيص من الرجوع الى قاعدة الاشتغال فيلزم الاعادة. واما بناءا على امكانه فيدخل في كبرى دوران الامر بين الاقل والاكثر للعلم بتعلق التكليف بالطبيعة، كالصلاة، والعلم بدخالة المنسى، كالسورة في حال التذكر، والشك في دخالة المنسى في حال النسيان، فالواجب مردد بين ان يكون هي خصوص الطبيعة المشتملة على القيد، أو الجامع بينها وبين الفاقدة لها في حال النسيان، فيرجع الامر الى العلم بالقدر الجامع والشك في اعتبار القيد على الاطلاق، ففى فرض الشك يرجع الى البرائة، ويحكم بعدم قيدية المنسى في حال النسيان، ومطابقة الماتى به للمأمور به. وما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان اقصى ما يقتضيه اصالة البرائة عن الجزء المنسى هو رفع الجزئية في حال النسيان فقط، ولا يقتضى رفعها في تمام الوقت، الا مع استيعاب النسيان لتمام الوقت، فلو تذكر المكلف في اثناء الوقت بمقدار يمكنه ايجاد الطبيعة بتمام مالها من الاجزاء فاصالة البرائة عن الجزء المنسى لا تقتضي، عدم وجوب الفرد التام في ظرف التذكر. يرد عليه ان التمسك في المقام لرفع الجزئية في حال النسيان انما هو بعنوان ما لا يعلم، لا بعنوان النسيان، وعليه فالرفع وان كان مادام بقاء الموضوع الا ان موضوعه، وهو الشك يكون باقيا بعد رفع النسيان، وحال التذكر، فانه يشك في الجزئية لو اتى بها في حال النسيان ومع بقاء الموضوع لا معنى للالتزام بان المرفوع هو الجزئية في خصوص حال النسيان فتدبر فانه دقيق.

[ 397 ]

واما ان كان التكليف من قبيل الاول، أي كان التكليف انحلاليا، فان كان كل فرد محكوما بحكم مستقل، كما في المحرمات، والعام الاستغراقي، فلو نسى فردا من متعلق الحكم يرفع حكمه بحديث الرفع وساير ما يدل على عدم تعلق التكليف بالمنسى. واما ان كان بنحو العام المجموعى وماشا كله، كما لو وجب البيتوتة في محل خاص من اول غروب الشمس الى طلوعها، فان كل ساعة من الليل مشمولة لما دل على وجوب البيتوتة الا ان الواجب واحد لا متعدد، وليس من قبيل مطلوبية صرف وجود البيتوتة في الليل في ذلك المحل، فلو نسى المكلف الواجب في الساعة الاولى، وشك في ان جزئية البيتوتة في هذه الساعة هل تكون مقيدة بحال الذكر، فيجب عليه البيتوتة في الساعات اللاحقة أو تكون مطلقة، فالامر بالبيتوتة ساقط رأسا فلا تجب في الساعات المتأخرة، فيرجع الشك حينئذ الى الشك في التكليف، فيكون المرجع هو اصالة البرائة عن اصل التكليف، وبما ذكرناه يظهر ما في كلمات القوم في المقام، فانها مشوشة مضطربة، واجعل ما ذكرناه مقياسا، لما قبل في المقام. الكلام حول حكم الزيادة عمدا أو سهوا الامر الثاني: في حكم الزيادة عمدا أو سهوا في المركبات الاعتبارية، وتنقيح القول بالبحث في جهات. الاولى: في انه هل يمكن تحقق الزيادة حقيقة في المركب الاعتباري ام لا ؟ الثانية: في اعتبار قصد الزيادة في تحققها وعدمه. الثالثة: فيما تقتضيه القاعدة الاولية في الزيادة العمدية. الرابعة: فيما تقتضيه القاعدة الثانوية في خصوص باب الصلاة في الزيادة العمدية. الخامسة: في حكم الزيادة السهوية من حيث الصحة والبطلان. اما الجهة الاولى: فقد يقال باستحالة تحقق الزيادة حقيقة وان كانت متحققة بالمسامحة العرفية لان الزايد ان لم يكن من سنخ ما اعتبر جزءا أو شرطا للمركب

[ 398 ]

الاعتباري لما صدق عليه الزيادة كما هو الشان في غير المركب الاعتباري، الا ترى: ان الدهن الذى اضيف إليه مقدار من الدبس، لا يصح ان يقال انه زاد فيه، وان كان يصدق عليه عنوان الزيادة على ما في الظرف، وان كان من سنخه فان كان ذلك الجزء الذى من سنخ الزايد ماخوذا على نحو الا بشرط من غير تقييد بالوجود الواحد فحيث ان كل ما اتى به بفرد من طبيعي ذلك الجزء كان مصداقا للمأمور به كان الماتى به واحدا أو متعددا فلا زيادة هناك، وان كان ماخوذا بشرط لا عن الوجودات المتأخرة فلاتيان به مرة اخرى موجب لفقد قيد الجزء المستلزم لنقصه مثلا إذا اخذ الركوع غير الملحوق بمثله جزءا للصلاة لو لحقه مثله لم يتحقق ما هو جزء للصلاة. وفيه اولا: ان اعتبار اللابشرطية في الجزء انما يتصور على وجهين 1 - اخذ طبيعة الجزء في المتعلق بنحو تصدق على الواحد والمتعدد 2 - اخذه بنحو اللابشرط القسمى أي لا مقترنا بلحوق مثله ولا مقترنا بعدمه، وقى القسم الاول لا يتصور الزيادة كما افيد، واما في الثاني فحيث ان الجزء حينئذ صرف وجود الطبيعة المنطبق على اول الوجودات، فالوجود الثاني غير دخيل فيه، ولا مانع عن تحققه فيتحقق الزيادة. وبذلك يظهر صدق الزيادة إذا كان الزايد غير مسانخ لما اعتبر في المأمور به. وثانيا: ان عدم صدق الزيادة بالدقة الفلسفية لا يترتب عليه اثر بعد صدقها عرفا وتبعية الاحكام للصدق العرفي، ووضوح صدق الزيادة عرفا. واما الجهة الثانية: فالظاهر اعتبار قصد كون الماتى به من اجزاء المأمور به في الزيادة إذ المركب الاعتباري كالصلاة مركب من وجودات متباينة ووحدته انما تكون بالاعتبار ولا يكاد يتحقق الا بالقصد وتفصيل القول في ذلك في الجزء الخامس من فقه الصادق. واما الجهة الثالثة: فالشك في بطلان العمل من جهة الزيادة انما يكون ناشئا من الشك في اعتبار عدمه في المأمور به، ومقتضى الاصل عدم اعتباره فيه ما لم يقم على اعتباره دليل، فلا باس بالزيادة العمدية فضلا عن السهوية نعم ربما يوجب الزيادة البطلان من جهة اخرى كما لو كان الواجب تعبديا وقصد المكلف امتثال خصوص الامر المتعلق

[ 399 ]

بالمركب من الزايد وغيره، فانه لا اشكال في البطلان من جهة ان ما قصده من الامر لا واقع له وما له واقع لم يقصده، أو اوجبت الزيادة الاخلال بالهيئة الاتصالية المعتبرة في بعض الواجبات فانه حينئذ يوجب البطلان، وعلى الجملة الزيادة من حيث هي لا توجب البطلان عمدا أو سهوا. واما الجهة الرابعة: فقد دلت النصوص على مبطلية الزيادة العمدية للصلاة مطلقا كما هو المشهور بين الاصحاب لا حظ صحيح ابى بصير عن الامام الصادق (ع) من زاد في صلاته فعليه الاعادة (1). واورد عليه بوجهين احدهما: ما افاده المحقق الهمداني (ره) وهو ان الزيادات السهوية خارجة عن هذا الحكم، وعليه، فيدور الامر بين ارادة الزيادة العمدية منه، وبين ارادة زيادة الاركان أو الركعات، وحيث ان حصول الزيادة العمدية نادر وكون زيادة الركعة هو الفرد الواضح مما يطلق عليه انه زاد في صلاته، فلو لم يكن الحديث منصرفا الى الثاني لا ريب في اجماله والمتيقن هو ذلك، والى ذلك نظر بعض المعاصرين حيث قال انه منصرف الى زيادة الركعة أو محمول على ذلك بقرينة ما دل على عدم قدح زيادة الجزء سهوا الموجب لرفع اليد عن اطلاقه على كل حال. وفيه: ان مقتضى الصحيح مبطلية كل زيادة كانت هي، الركعة، أو الركن، أو غيرهما، من غير فرق بين العمد والسهو، ومن غير فرق بين العلم والجهل خرج عن هذا العموم زيادة غير الاركان ان كانت سهوية، وقد حقق في محله ان العام حجة في غير افراد المخصص، فالباقي تحته زيادة الاركان والركعة مطلقا، وزيادة غيرهما ان كانت عمدية، ولا يدور الامر بعد التخصيص بين ارادة العمد وبين ارادة زيادة الاركان أو الركعة كى يتم ما ذكراه. ثانيهما: ما افاده المحقق اليزدى (ره) وهو ان الزيادة في الصلاة، اما ان تكون من قبيل الزيادة في العمر فيكون المقدر الذى جعلت الصلاة ظرفا له هو الصلاة فينحصر


1 - الوسائل باب 19 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 2. (*)

[ 400 ]

المورد بما إذا كان الزايد مقدارا يطلق عليه الصلاة مستقلا كالركعة، واما ان يكون المقدر شيئا من الصلاة سواء كان ركعة ام غيرها، واما ان يكون مطلق الشئ، لا يبعد ظهور اللفظ في الاول ولا اقل من الاحتمال فالقدر المتيقن من الحديث بطلان الصلاة بزيادة الركعة. وفيه: ان متقضى الاطلاق هو الثالث: وان شئت قلت حذف المتعلق يفيد العموم فعدم التصريح بالزايد يوجب اطلاق الخبر وارادة كل زيادة، غاية الامر بواسطة الاجماع والروايات يقيد اطلاقه بالزيادة السهوية في غير الاركان. ويمكن ان يستدل له: بمصحح زرارة عن احدهما عليهما السلام لا تقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم فان السجود زيادة في المكتوبة (1) إذ لو لم تكن الزيادة مطلقا مبطلة لما صح هذا التعليل - الا ترى - انه لو قال الفقاع خمرة استصغرها الناس في مقام بيان الحرمة لما صح ذلك إذا لم يكن الخمر حراما. ودعوى اجمال التعليل لا السجدة التى لا يؤتى بها بقصد الجزئية لا تصدق عليها الزيادة في الصلاة كما عن المحقق الهمداني (ره) وغيره. مندفعة: بان لسان هذا الحديث لسان الحكومة ويدل على ان مطلق وجود السجدة زيادة وان لم يقصد بها الجزئية. ويمكن ان يستدل له: بالتعليل في خبر الاعمش عن جعفر (ع) في حديث شرايع الدين ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لانه زاد في فرض الله عز وجل (2) وتمام الكلام في الجزء الخامس من فقه الصادق. واما الجهة الخامسة: فالمستفاد من الروايات ان زيادة الركوع أو السجود سهوا توجب البطلان وزيادة غيرهما من الاجزاء لا توجبه. وملخص القول فيها ان النصوص الواردة فيها على طوائف الاولى: ما دل على بطلانها بالزيادة مطلقا، كقوله (ع) في صحيح ابى بصير المتقدم من زاد في صلاته فعليه الاعادة.


1 - الوسائل باب 40 من ابواب القرائة في الصلاة حديث 1. 2 - الوسائل باب 17 من ابواب صلاة المسافر حديث 8. (*)

[ 401 ]

الثانية: ما دل على مبطلية الزيادة السهوية كقوله (ع) إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا (1). الثالثة: ما يدل على بطلانها بالاخلال سهوا بالاركان أي الركوع والسجود وعدم بطلانها بالاخلال سهوا بغيرها، كقوله (ع) لا تعاد الصلاة الا من خمس... الحديث (2). وتوهم اختصاص الحديث بالنقيضة وعدم شمولها للزيادة كما عن المحقق النائيني (ره)، مندفع بما حققناه في الجزء الخامس من فقه الصادق، ومقتضى الجمع بين هذه الطوائف ما ذكرناه: لان النسبة بين الثالثة والاولى وان كانت عموما من وجه لاختصاص الاولى بالزيادة وشمول الثالثة للنقيضة واختصاص الثالثة بالاركان وعموم الاولى لغيرها، الا ان الثالثة حاكمة على الاولى كحكومتها على ادلة الاجزاء والشرائط والموانع، لانه من الموانع الزيادة. واما الطائفة الثانية، فقد اورد عليها بايرادين - احدهما - انه ضعيف السند. وفيه: انه حسن كالصحيح بابراهيم بن هشام بل هو صحيح. الثاني: ان الرواية، في نسخة الكافي هكذا، إذا استيقن انه زاد في المكتوبة ركعة لم يعتد بها، وصاحب الكافي اضبط من صاحب التهذيب، مع ان الثابت في محله انه لو دار الامر بين الزيادة، والنقيصة يبنى على وجود الزيادة، ومع التنزل لا اقل من الاجمال والمتيقن زيادة الركعة. وفيه: ان في الكافي روايتين، احداهما في باب السهو في الركوع، وهى ما ذكر في الايراد، ثانيتهما في باب السهو في الاربع والخمس وهى ما ذكره في التهذيب، والثانية ممتازة عن الاولى بسندها ومتنها فهما روايتان، وحيث انهما مثبتتان لا تنافى بينهما فلا يحمل احداهما على الاخرى. والنسبة بينها وبين الثالثة عموم من وجه لاختصاص الثالثة بغير الاركان واختصاص الثانية بالزيادة، الا ان حديث لا تعاد الصلاة حاكم على جميع ادلة الاجزاء


1 - الوسائل باب 19 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 1. 2 - الوسائل باب 1 من ابواب قواطع الصلاة حديث 4. (*)

[ 402 ]

والشرائط والموانع فيقدم عليها والمسألة طويلة الذيل قد اشبعنا الكلام فيها في الجزء الخامس من فقه الصادق فليراجع. الكلام حول حكم تعذر بعض القيود للمأمور به الامر الثالث: إذا تعذر بعض ما له الدخل في المأمور به وجودا كالجزء والشرط أو عدما كالمانع باضطرار ونحوه، فهل يسقط التكليف عن المقيد، ام لا ؟ وجهان: وتنقيح القول فيه يقتضى البحث في مقامين، الاول: فيما يقتضيه القاعدة الاولية، الثاني: فيما يقتضيه الاصل الثانوي. اما المقام الاول: فما ذكرناه في التنبيه السابق يجرى في المقام، وحاصله انه ان كان لدليل القيد اطلاق يشمل حال التعذر يؤخذ به ويحكم بسقوط الامر بالمقيد لتعذر القيد، سواء كان لدليل المقيد اطلاق، أو لم يكن: لتقدم اطلاق المقيد على اطلاق المطلق، وان لم يكن له اطلاق. فان كان لدليل المقيد اطلاق كما في الطمأنينة بالاضافة الى الصلاة، فيؤخذ باطلاقه ويحكم بسقوط القيد وتعلق الامر بالفاقد منه. وان لم يكن له ايضا اطلاق فتصل النوبة الى الاصل العملي وحينئذ، ان كان التعذر في فرد من الطبيعة المأمور بها كما إذا تعذر عليه اتيان الصلاة في اول الوقت مع ذلك القيد، فلا اشكال في انه ليس مورد الحديث نفى الاضطرار: لعدم تعلق الاضطرار بما تعلق به التكليف، فان التكليف متعلق بالطبيعة، والاضطرار متعلق بالفرد، واما ان كان التعذر مستوعبا للوقت، فيجرى حديث الرفع عن وجوب المقيد. ولا مورد لتوهم ان حديث الرفع يرفع الجزئية أو الشرطية الا في حال التمكن، فيجب الاتيان بالباقي: لان الجزئية أو الشرطية أو المانعية منتزعة عن الامر الضمنى المتعلق بالجزء أو التقيد بالشرط أو عدم المانع، ولا يعقل رفعها بدون رفع منشا انتزاعها، والامر الضمنى لا ثبوت له استقلالا وانما هو ثابت بتبع ثبوت الامر بالكل، فلا بد من رفع

[ 403 ]

الامر بالمقيد، ومعه لا دليل على ثبوت الامر بالفاقد، وتمام الكلام محرر في ذيل حديث الرفع، وفى التنبيه السابق. واما ما في الكفاية في مقام الجواب عن هذا التوهم بقوله، بداهة انه ورد في مقام الامتنان فيختص بما يوجب نفى التكليف لا اثباته انتهى. فيرد عليه انه إذا علم بتعلق الوجوب بالطبيعة الجامعة حتى في هذه الحال، فانه لو كان التكليف بنحو صرف الوجود وكان التعذر في بعض المصايق كما لو تعذر الصلاة مع القرائة في مقدار من الوقت، تكون نتيجة جريان الحديث التوسعة والاكتفاء بما يؤتى به في حال التعذر، وعدم لزوم الاعادة أو القضاء، ووجوب الباقي انما يكون للعلم الاجمالي بوجوبه، ولو كان التكليف انحلاليا فبما انه تعذر بعض اجزائه لا علم بالتكليف فتجرى البرائة عن اصل التكليف فلا تجرى البرائة عن الجزئية والشرطية، نعم لو لم يعلم بتعلق الوجوب بالطبيعة الجامعة حتى في هذه الحالة مقتضى اصالة البرائة عن بقية الاجزاء والشرائط عدم وجوب شئ عليه. ما يقتضيه الاصل الثانوي واما المقام الثاني: فقد استدلوا لان الاصل الثانوي يقتضى لزوم الاتيان ببقية الاجزاء والشرائط غير القيد المتعذر بوجوه. منها: الاستصحاب وقبل بيان تقريب الاستصحاب لا بد وان يعلم، ان المحقق الخراساني خصه بصورة طرو التعذر والشيخ الاعظم والمحقق النائيني عمماه. وافاد المحقق النائيني (ره) في وجه التعميم ان جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية التى يكون اعمالها وظيفة المجتهد لا يتوقف على تنجز التكليف خارجا، بل يكفى فرض فعلية التكليف بتقدير وجود الموضوع كما في بقاء نجاسة الماء المتغير الزائل عنه التغير، وحيث ان فرض وجود الموضوع لا يتوقف على فرض تمكن المكلف من الجزء في اول الوقت وطرو العجز في اثناء الوقت، فيجرى الاستصحاب في المقام لفرض

[ 404 ]

دخول الوقت مع كون المكلف واجدا لشرائط التكليف. وفيه: ان المستصحب إذا لم يكن حكما جزئيا ثابتا لموضوع شخصي، بل كان من الاحكام الكلية انما يكون على قسمين، الاول هو الحكم في مقام الجعل والتشريع الذى لا رافع له الا النسخ، الثاني الحكم الفعلى، ولا يشك في بقائه الا عند الشك في سعته وضيقه لاجل الشك في حده كالمثال المفروض، والفرق بين القسمين بعد اشتراكهما في عدم الاحتياج في جريان الاستصحاب، الى وجود الموضوع خارجا: ان الشك في القسم الاول انما يكون شكا في بقائه في عمود الزمان، على ما للموضوع من الحد، وفى القسم الثاني يكون شكا في مقدار المجعول وحده، ومنشا الشك في الاول احتمال النسخ، وفى الثاني تبدل خصوصية في الموضوع كزوال التغير في المثال، وفى المقام لو كان العجز من الاول لا يقين بالحكم حتى يستصحب، فان اليقين بثبوت الحكم في مقام الجعل موجود، الا انه لا شك في بقائه لعدم احتمال النسخ، والحكم في مقام الفعلية غير متيقن، حتى لو فرض مكلف تعذر عليه الاتيان بتمام المركب من اول الامر، وليس من قبيل الماء المتغير الذى زال تغيره من قبل نفسه، إذ ذلك الماء قبل التغير تكون نجاسته فعلية، بخلاف المقام. تقريب التمسك بالاستصحاب واما تقريب الاستصحاب فيكون من وجوه: الاول: ان يستصحب الوجوب الجامع بين الغيرى والنفسي الثابت للاجزاء غير المتعذر قبل التعذر: لان الوجوب الغيرى كان متعلقا بها ويشك في ارتفاع الوجوب فيستصحب. وفيه: اولا ما تقدم من ان الاجزاء لا تكون متصفة بالوجوب الغيرى، وثانيا: انه من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلى كما لا يخفى ولا نقول بجريانه. الثاني: ان يستصحب الوجوب الاستقلالي الثابت للمركب فيما إذا لم يكن المتعذر من الاجزاء المقومة، بان يقال ان المركب الفاقد للجزء المتعذر الذى، هو متحد مع الواجد له عرفا، كان واجبا قبل التعذر فيستصحب بقائه.

[ 405 ]

واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان هذا متوقف على احراز كون المتعذر غير مقوم للوجب، وتشخيص ذلك في العناوين المأخوذة في الموضوع كالعدالة والاجتهاد والتغير، وان كان واضحا بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، ولكن في المختراعات الشرعية لا سبيل لنا الى معرفة المقوم، وتمييره عن غيره، وعليه فلا يجرى الاستصحاب إذ ما غاية ما هناك الشك في كونه مقوما، أو غير مقوم، لعدم احراز اتحاد القضية المتيقنة، والمشكوك فيها. وفيه: انه لم يرد دليل من الشارع على كون جزء أو شرط مقوما للمركب، فالظاهر ايكال ذلك الى العرف، فإذا كانت نسبة المتعذر الى غيره كنسبة الواحد الى العشرة، مثلا كان الاتحاد متحققا فيجرى الاستصحاب. والاولى: في الايراد عليه ان يقال ان الاستصحاب في الاحكام الكلية، انما يجرى إذا لم يكن الشك في بقائه من جهة الشك في ضيق المجعول الشرعي وسعته، والا فلا يجرى كما ياتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب والمقام من قبيل الثاني. مع انه محكوم لاستصحاب بقاء جزئية المتعذر المسلتزم لسقوط الامر بالمركب فتأمل. الثالث: ان يستصحب الوجوب النفسي المردد بين تعلقه سابقا بالمركب على ان يكون المفقود جزءا له مطلقا، فيسقط الوجوب بتعذره، وبين تعلقه بالمركب على ان يكون الجزء جزءا اختياريا يبقى التكليف بعد تعذره، والاصل بقائه فثبت به تعلقه بالمركب على الوجه الثاني. وفيه: انه من الاصل المثبت الذى لا نقول به نظير استصحاب وجود الكر لاثبات كرية الباقي. الرابع: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو ان يستصحب الوجوب الضمنى المتعلق بكل واحد من الاجزاء قبل التعذر إذ بتعلق الامر بالمركب قد انبسط الامر على الاجزاء بالاسر وبعد ارتفاع تعلقه وانبساطه عن الجزء المتعذر يشك في ارتفاع انبساطه على ساير الاجزاء، فيستصحب، بلا مسامحة في الموضوع، ولا في المستصحب ولا حاجة الى اخذ

[ 406 ]

الجامع. وفيه: مضافا الى ما اوردناه على الوجه الثاني، ان ثبوت الوجوب الضمنى وسقوطه تابعان لثبو الامر بالكل وسقوطه، وعليه فإذا فرض تعذر الجزء فلا محاله يسقط امره، ولازمه سقوط الامر بالكل، فتلك الوجوبات الضمنية الثابتة في حال التمكن قد يقطت قطعا، فلو كان ثابتة فهى وجوبات ضمنية اخر بتبع الامر بما عدى المعتذر فتلك الافراد منها زالت قطعا، والافراد الاخر مشكوك الحدوث واستصحاب الجامع من قبيل القسم الثالت من اقسام استصحاب الكلى. بيان مدرك قاعدة الميسور ومما استدلوا به على وجوب بقية الاجزاء، غير القيد المتعذر، قاعدة الميسور، وقد استدل بها جماعة في موارد مختلفة، وعمدة المدرك لها الروايات. منها: النبوى المعروف، إذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم، الذى روى عن امير المؤمنين (ع) وابى امامة الباهلى، وابى هريرة في الحج عند ستوال بعض الصحابة عن وجوبه في كل عام واعراضه عن الجواب حتى كرر السائل سئواله مرتين أو ثلاث فقال (ص) ويحكم وما يؤمنك ان اقول نعم والله لو قلت نعم لوجب ولو وجب ما استطعتم الى ان قال فإذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم (1) وروى في عوائد النراقى والجواهر عن عوالي اللئالى مستقلا، والخبر وان كان ضعيف السند، لان ما في المجمع وعوالي اللئالى مرسل، وما رواه العامة راويه أبو هريرة، الا ان اشتهار التمسك به بين الاصحاب يوجب جبر ضعفه، هكذا قيل وستعرف ما فيه. وتقريب الاستدلال به، ان لفظة، من اما تبعيضية، أو بيانية، أو بمعنى الباء، واما ساير معانيها، من الابتدال ء، والتعليل فلا تحتمل ارادتها في المقام، وحيث لا يمكن كونها


1 - مجمع البيان في ذيل آية 101 من المائدة، وسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 326 وعوالي اللئالى ج 4 ص 58. (*)

[ 407 ]

بيانية، لان مدخولها الضمير وهو لا يمكن ان يكون بيانا لشئ لكونه مبهما، وكونها بمعنى، الباء، خلاف الظاهر، فيتعين ان تكون تبعيضية، كما ان كلمة، ما في قوله ما استطعتم ظاهرة في كونها موصولة لا مصدرية زمانية فتكون مفعولا لقوله فاتوا، فيكون المراد من الجملة، إذا امرتكم بمركب ذى اجزاء وابعاض فاتوا ما تستطيعونه منه، لا فاتوا به مدة استطاعتكم. واورد على الاستدلال به المحقق الخراساني بان ظهور من في التبعيض لا ينكر، الا ان كونه بحسب الاجزاء غير واضح لاحتمال ان يكون بحسب الافراد، بل لورودها في مقام الوجوب عن السؤال عن تككرار الحج بعد امره به لا محيص عن كونه بهذا اللحاظ. وفيه: مضافا الى ما ستعرف، انه يمكن ان يكون المراد بالشئ اعم من الكل والكلى، ومجرد كون المورد من قبيل الثاني لا يوجب تخصيص الجواب به، إذا الميزان في استفادة عموم الحكم، انما هو بعموم اللفظ لا بخصوصية المورد، فمع عموم الجواب في نفسه لا وجه للتخصيص من جهة المورد. وما افاده المحقق النائيني (ره) في مقام دفع هذا الوجه بعدم الجامع بينهما من جهة ان لحاظ الافراد يباين لحاظ الاجزاء، ولا يصح استعمال كلمة من، في الاعم، من الاجزاء، والافراد، وان صح استعمال الشئ فيه. غير تام: فانه لو كان المراد بالشئ الكلى كان كلمة من تبعيضية ايضا، ولا ملزم لحملها على غير ذلك على هذا فان كل فرد بعض من الطبيعة من جهة تبعض الحصص الموجودة منها في ضمن افرادها - وبالجملة - كما ان الجزء بعض المركب، كذلك الفرد بعض الطبيعة. وما افاده المحقق العراقى (ره) من ان القدر المتيقن في مقام التخاطب، وهو كون المورد الكلى ذى افراد، مانع عن التمسك بالاطلاق. يدفعه ما حققناه في محله من انه غير مانع عن التمسك بالاطلاق. ولكن يرد على الاستدلال به وجوه 1 - انه مروى في سنن النسائي بنحو آخر، وهو فإذا امرتكم بالشئ فخذوا به ما استطعتم، فيكون مفاد الحديث لزوم الاتيان

[ 408 ]

بالمأمور به عند القدرة والاستطاعة فحيث انه مروى بطريقين والخاصة كما تمسكوا به ونقلوه بالطريق الاول تمسكوا به ونقلوه بالطريق الثاني (1) فهو مجمل لا يصح الاستدلال به هذا على فرض تسليم تلقى الاصحاب اياه بالقبول وهو ايضا محل نظر. 2 - انه كما ان حمل كلمة من على التبعيض، وكون ما موصولة، وارادة المركب ذى الاجزاء من لفظ الشئ لا ينطبق على مورد الرواية: فان السؤال فيه عن تكرار الحج وعدمه، ولزوم الاتيان بالمقدار الميسور من اجزاء المركب المأمور به، اجنبي عن ذلك، كذلك حمل كلمة من على التبعيض، وارادة الطبيعي ذى افراد من ذلك اللفظ لا ينطبق على مورد الرواية فانها وارادة في مقام بيان عدم وجوب الحج الامرة واحدة، وفى هذا المقام لا يناسب مثل هذه الجملة، مع انها ظاهرة في اعطاء ضابطة كلية غير مختصة بباب الحج فلا يمكن حمل الرواية على هذا المعنى. فعلى هذا تكون كلمة من اما زايدة، أو بمعنى الباء ويكون الضمير مفعولا فاتوا ولفظة ما زمانية فيكون المعنى إذا امرتكم بشئ فاتوه عند القدرة والاستطاعة، وهذا المعنى وان كان خلاف الظاهر، الا انه لا مناص عن الالتزام به، بعد عدم انطباق غيره على مورد الرواية، وعلى هذا الوجه تدل الرواية على اشتراط التكليف بالقدرة فتكون اجنبية عن المقام. 3 - انه لو سلم كون كلمة (من) للتبعيض واغمض عما ذكرناه، الا ان امر الرواية عليه يدور، بين ان تحمل على موارد تعذر المركب مع التمكن من بعض اجزائه، فيكون الامر حينئذ مولويا ويستفاد منه الوجوب بعد تعذر المركب، وبين ان تحمل على موارد تعذر بعض افراد الواجب، مع التمكن من الاخر فيكون الامر ارشاديا الى بقاء وجوب ذلك الفرد، وحيث لا جامع بين الامرين فلا يمكن ان يكون المراد بالشئ الاعم من الكلى والكل، ولا قرينة على تعين احد الاحتمالين، لو لم يكن الصدر قرينة على الثاني، فلا محالة تكون الرواية مجملة لا يصح الاستدلال بها.


1 - راجع البحار باب صلاة العراة ص 95. (*)

[ 409 ]

الكلام حول حديث الميسور لا يسقط بالمعسور ومنها: ما رواه في كتاب عوالي اللئالى على ما روى عنه صاحب العوائد عن امير المؤمنين (ع) الميسور لا يسقط بالمعسور (1). ومحصل القول في هذا العلوى: انه قد استدل به لوجوب بقية الاجزاء إذا تعذر بعضها، بتقريب ان لا يسقط ليس نهيا ابتداءا، ولا نفيا اريد به الانشاء لان متعلق النهى كان مولويا أو ارشاديا، لا بد وان يكون مقدورا وفعل المكلف، ومعلوم ان سقوط الواجب عن ذمة المكلف كثبوته يكون راجعا الى الشارع، ولا معنى لنهى المكلف عنه، بل لا مناص عن حمل لا يسقط على كونه جملة خبرية محضة، اريد بها الاخبار عن عدم سقوط الحكم، وحيث ان الحكم بعدم السقوط والاخبار عنه، انما يصح فيما يكون موردا للسقوط أو لتوهمه وانه لا يكون وجه لسقوط الحكم عن فرد، ولا موهم له بسبب سقوطه عن فرد آخر كى يحكم بعدم سقوطه، ومجرد الجمع في العبارة لا يوجب ذلك، فلا مناص عن ارادة الميسور من الاجزاء، مع انه لو سلم انه يصح الحكم بعدم السقوط في الميسور من الافراد لا وجه لتخصيص الكلام به، بل يكون عاما شاملا له وللميسور من الاجزاء وما يمكن ان يورد على هذا التقريب امران. الاول: ان بقية اجزاء المركب قبل تعذر المتعذر كانت واجبة، بوجوبات ضمنية، وهى قد سقطت بسقوط الامر بالمركب فلو ثبت بعده، وجوب، فهو ثبوت جديد، وجعل حادث، ولا معنى للاخبار عن حدوثه بعدم سقوطه الا بالعناية والمسامحة، وهذا بخلاف تعذر بعض الافراد فان غير المتعذر يكون وجوبه الثابت له قبل التعذر باقيا على ما كان عليه، فلفظ السقوط، قرينة على اختصاص الخبر بموارد تعذر بعض الافراد، ولا يشمل تعذر بعض اجزاء المركب: لان شموله له يحتاج الى مسامحة لا يصار إليها الا بالقرينة.


1 - عوالي اللئالى ج 4 ص 58. (*)

[ 410 ]

وافاد الشيخ الاعظم (ره) في دفع هذا الايراد وجهين، احدهما: ان عدم السقوط محمول على نفس الميسور لا على حكمه، ومعنى عدم سقوطه عدم سقوطه التشريعي فانه المناسب لاخبار الشارع، فالمراد ان الميسور باق على موضوعيته لما كان له من الحكم، وفى الميسور من الاجزاء وان كان حكمه السابق قد سقط حقيقة، ولو كان حكم ثابتا له، فهو حكم آخر الا ان موضوعيته للحكم مستمرة غير ساقطة، فان سقوط حكمه وقيام حكم آخر مقامه يوجب بقائه على صفة الموضوعية، وعلى ذلك فحيث ان هذا الكلام انما يقال في مورد ارتباط وجوب الشئ بالمتمكن من ذلك الشئ الاخر كما في الامر بالكل، أو توهم ارتباطيته كما في الامر بما له عموم افرادي فيعم الخبر كليهما معا. وفيه: ان تشخص الحكم انما هو بتشخص موضوعه، وحيثية موضوعته لحكم، غير حيثية موضوعيته لحكم آخر فمع عدم العناية، لا يصح اطلاق عدم السقوط، وهى تتوقف على دليل، ومع عدم القرينة على هذه العناية لا مورد للالتزام به. وبالجملة حيث ان ظاهر الخبز هو عدم السقوط الحقيقي لا العنائى، إذ نظر العرف متبع في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها على المصاديق، ومن المعلوم ان المسامحة في المقام انما هو في التطبيق فلا محالة يختص الخبر بما له افراد لا ماله اجزاء. ثانيهما: ان عدم السقوط ان حمل على عدم سقوط الحكم وفى الميسور من الاجزاء يكون الحكم الثابت غير ما كان ثابتا سابقا، الا ان العرف لعدم مداقتهم يعبرون عن وجوب باقى الاجزاء بعد تعذر غيرها من الاجزاء ببقاء وجوبها وعن عدم وجوبها بارتفاته، فيصدق على وجوب بقية الاجزاء عدم سقوط وجوبها فلا مانع عن شمول الخبر لكلا الموردين. ومما ذكرناه في الوجه السابق يظهر الايراد على هذا الوجه، فالمتحص تمامية هذا الايراد. الثاني: ان المراد من عدم السقوط وثبوت الامر ان كان خصوص الاستحباب، أو مطلق الرجحان، فهو لا يدل على الوجوب، وان اريد به الوجوب لزم خروج الاحكام الاستحبابية عن عموم القاعدة.

[ 411 ]

وفيه: ان الوجوب والاستحباب ليسا متباينين بل الوجوب انما هو بحكم العقل وخارج عن المستعمل فيه والصيغة مستعملة مطلقا في معنى واحد، والفرق بينهما انما هو في ورود الترخيص في ترك المأمور به وعدمه، وعليه فالخبر يشمل المستحبات وثبوت الترخيص بترك المقدور من اجزائها، لا ينافى حكم العقل بلزوم الاتيان بالاجزاء المقدورة من الواجب بعد عدم ثبوت الترخيص فيه، فالعمدة هو الايراد الاول. اضف إليه ان الخبر لم يثبت انجباره بعمل الاصحاب لانه لم يوجد في كتب من تقدم على صاحب عوالي اللئالى. الكلام حول حديث ما لا يدرك ومنها: المرسل المحكى عن عوالي اللئالى عن الامام على امير المؤمنين (ع) ما لا يدرك كله لا يترك كله (1) وتقريب الاستدلال به ان لفظ - كل - في الموردين لا يمكن ان يراد منه العموم الاستغراقي ولا المجموعى لعدم صحة الحكم بوجوب اتيان ما لا يتمكن المكلف من مجموعه أو جميعه، فلا بد وان يراد منه في الاول المجموعى، وفى الثانية الاستغراقي، فيكون المراد النهى عن ترك الجميع عند تعذر المجموع، وهذا لو سلم شموله للكلى ذى افراد، لا شبهة في شموله للكل ذى اجزاء، إذا لعام إذ الوحظ بنحو العموم المجموعى لا يفرق فيه بين كون اجزائه متفقة الحقيقة، أو مختلفتها فيدل المرسل على لزوم الاتيان بما هو المقدور من اجزاء وقيود المركب الذى له اجزاء تعذر بعضها، وما هو الميسور من افراد الواجب ذى افراد تعذر بعضها. وما في الكفاية لا دلالة له الا على رجحان الاتيان بباقى الفعل المأمور به واجبا كان أو مستحبا عند تعذر بعض اجزائه لظهور الموصول فيما يعمهما، وليس ظهور لا يترك في الوجوب لو سلم موجبا لتخصيصه بالواجب لو لم يكن ظهوره في الاعم


1 - ج 4 ص 58. (*)

[ 412 ]

قرينة على ارادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية وكيف كان فليس ظاهرا في اللزوم هيهنا، ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام انتهى. يرد عليه اولا، انه لو ثبت رجحان الاتيان بالميسور من اجزاء الواجب ثبت وجوبه، لعدم القول بالفصل، وثانيا: ما تقدم في محله من ان الوجوب، والحرمة ليسا داخلين تحت دائرة المستعمل فيه، والهيئة مطلقا تستعمل في معنى واحد، ولو دل دليل آخر على الترخيص في الترك أو الفعل، يحكم بالاستحباب أو الكراهة، والا فالعقل يحكم بلزوم الامتثال، وعليه فالموصول وان كان شاملا للمستحبات، الا ان ثبوت الترخيص في ترك الميسور من اجزاء المستحب، لا ينافى حكم العقل بلزوم الاتيان بالميسور من اجزاء الواجب مع عدم ثبوت الترخيص في تركها، وثالثا: ما افاده الشيخ الاعظم (ره) من ان المراد بالموصول ليس هو العموم قطعا لشموله للافعال المباحة بل المحرمة فكما يتعين حمله على الافعال الراجحة بقرينة، قوله لا يترك كذلك يتعين حمله على الواجبات بنفس هذه القرينة الظاهرة في الوجوب. والحق في الايراد على الاستدلال بهذا العلوى، ان يقال: انه مضافا الى ضعف سنده لما ذكرناه في سابقه: انه لا يمكن ارادة موارد تعذر بعض اجزاء المركب، وموارد تعذر بعض الافراد جميعا منه: لان الحكم في الاول مولوى وفى الثاني ارشادى، وحيث لا جامع بينهما، فلا تكون الرواية شاملة لكلا الموردين، وحيث لا قرينة على تعيين احدهما، فتكون مجملة لا يصح الاستدلال بها. وظهور الصيغة في المولوية لا يعين الاحتمال الاول، لان ظهورها ليس وضعيا ليكون قرينة على تعيين المتعلق، وانما هو ظهور مقامي ناش من التصدى للجعل، فلا يصلح قرينة لتعيين المتعلق، نعم لو علم المتعلق وشك في كونه مولويا تكون ظاهرة في الولوية، بخلاف ما لو دار المتعلق بين ما لا يصح تعلق الحكم به الا ارشاديا، وبين ما لا يصح تعلقه به الا مولويا فانه لا ظهور له في تعيين المتعلق. فتحصل ان شيئا من الروايات الثلاث لا دلالة له، على لزوم الاتيان بالميسور من اجزاء الواجب عند تعذر بعضها هذا في غير الصلاة.

[ 413 ]

واما فيها: فمقتضى الاجماع المحقق وقوله (ع) في مرسل يونس (فانها لا تدع الصلاة بحال) لزوم الاتيان بالميسور من الاجزاء والشرائط. ثم انه قد اورد على الاستدلال بالقاعدة لوجوب ما عدا القيد المتعذر وانه يجب الباقي عند تعذر بعض الاجزاء أو الشرائط بايرادين. 1 - ما عن المحقق النائيني وهو انه قد يقع الاشكال في تشخيص الميسور في الموضوعات الشرعية، لان تشخيص الركن عن غيره والميسور عن المبائن، في غاية الاشكال مثلا كون ثلاث ركعات ميسور الاربع عند تعذر الاربع مما لا طريق الى احرازه، إذ من المحتمل ان تكون خصوصية الاربع ركنا لصلاة الظهر ومقومة لحقيقتها، ولذا قيل ان التمسك بقاعدة الميسور في العبادات يتوقف على عمل الاصحاب، والوجه في اعتباره تشخيص الركن في العبادة، ليكون الباقي ميسور المتعذر. وفيه: انه إذا علق الشارع الحكم بعدم السقوط على الميسور الواقعي، ولم يعين طريقا إليه كان نظر العرف طريقا إليه، والا لزم نقض الغرض، فنظر العرف حجة باطلاق المقام وعدم نصب الطريق ولا ريب انه بنطر العرف الثلاث ميسور الاربع وليست خصوصية الاربع ركنا بنظرهم. وبذلك يظهر اندفاع ما اورد على ما ذكره المحقق الخراساني بقوله إذا لم يكن دليل على الاخراج أو الالحاق كان المرجع هو الاطلاق الخ من انه إذا كان صدق الميسور مشكوكا فيه فلا معنى للتمسك بالاطلاق. وجه الاندفاع ان مراده من الاطلاق، الاطلاق المقامى لا الكلامي، وتقريبه ما عرفت. 2 - انه لكثرة ورود التخصيص عليها حصل وهن في عمومها بنحو يحتاج في العمل بها الى عمل الاصحباب، فبدونه لا يعمل بها. واجيب: عنه بان ذلك يتم لو كان الخارج تخصيصا في الحكم، واما إذا كان تخطئة للعرف في عدم كون ما يرونه ميسورا، ميسورا فلا يتم ذلك: إذ مقتضى الاطلاق المقامى كما مر هو ايكال الشارع فهم الميسور الى نظر العرف في جعل ما يرونه ميسورا لشئ صورة، طريقا الى الميسور الواقعي في مقام الوفاء بالغرض، ولازم ذلك هو الاخذ بما يراه

[ 414 ]

العرف كونه ميسورا لشئ الا في الموارد التى ثبت الردع فيها ببيان الشارع. وفيه: ان الموارد الخارجة ليست بعنوان التخطئة المشار إليها، لعدم كون المعيار الميسور في مقام وفاء الغرض، لعدم الدليل على ذلك، بل لعدم فهم العرف الاغراض، لا معنى لمثل ذلك فالظاهر من الدليل هو الميسور بحسب الصورة - فتأمل - فالاظهر انه اشكال لاذاب عنه. دوران الامر بين الجزئية والمانعية الامر الرابع: إذا تردد الامر بين جزئية شئ أو شرطتيه، وبين مانعية أو قاطعيته، بان علم اجمالا اعتبار وجود شئ في المأمور به أو عدمه، فللمسالة صور ثلاث. الاولى: ما إذا كان الواجب واحدا شخصيا ولم يكن له افراد طولية ولا عرضية كما في ما إذا ضاق الوقت ولم يتمكن المكلف الا من صلاة واحدة، ودار الامر بين الصلاة عاريا أو في الثوب المتنجس، قال الاستاذ ان الحكم فيه هو التخيير بلا شبهة ولا اشكال: إذ الموافقة القطعية متعذرة، والمخالفة القطعية بترك الصلاة غير جائزة يقينا، فلم يبق الا الموافقة الاحتمالية الحاصلة بكل واحد من الامرين. وفيه: انه إذ لم يكن القضاء واجباتم ما افيد، واما مع وجوبه فهو يتمكن من الموافقة القطعية باتيان صلاة في الوفت باحدى الكيفيتين وصلاة اخرى خارج الوقت بكيفية اخرى، وعليه فمقتضى العلم الاجمالي ذلك. الثانية: ما إذا كانت الوقايع متعددة، وان لم يكن للواجب افراد طولية ولا عرضية كما إذا دار الامر بين كون شئ شرطا في الصوم أو مانعا عنه، قال الاستاذ حيث ان المكلف به متعدد فالحكم فيه هو التخيير الابتدائي، فله ان يختار الفعل في جميع الايام أو الترك كذلك. اقوال ما افاده من عدم استمرارية التخيير متين، لانها مستلزمة للمخالفة القطعية وهى غير جائزة، وكذا ما افاده من التخيير في كل يوم متين لعدم تمكنه من الموافقة

[ 415 ]

القطعية، ولكن بما انه يجب قضاء الصوم فيحصل له علم اجمالي آخر، وهو وجوب الصوم باحد النحوين أو قضائه بالنحو الاخر، فيجب ذلك تحصيلا للموافقة القطعية لهذا العلم الاجمالي. الثالثة: ما إذا كان الواجب واحدا ذا افراد طولية بحيث يكون المكلف متمكنا من الاحتياط وتحصيل العلم بالموافقة بالاتيان بالواجب مع هذا الشئ مرة وبدونه اخرى، كما في الجهر بالقرائة في ظهر يوم الجمعة المردد بى كونه لازما أو مانعا، وكما لو شك في السجدة وهو في حال النهوض الى القيام، فانه يدور الامر بين كون النهوض من اجزاء الصلاة، فالشك في السجدة شك فيها بعد مضى المحل فلا يجوز الاتيان بالسجدة ويكون موجبا لبطلان الصلاة، وبين ان لا يكون من الاجزاء فالشك فيها شك في المحل فلا بد من الاتيان بالسجدة، فهل الحكم في مثل ذلك هو التخيير، أو الاحتياط وتكرار العمل. فعن الشيخ الاعظم اختيار التخيير قال والتحقيق انه لو قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشك في الشرطية والجزئية وعدم حرمة المخالفة للواقع إذا لم تكن عملية فالاقوى التخيير هنا انتهى. وقد مر في ذيل مبحث دوران الامر بين المحذورين هذه المسالة مفصلا، وعرفت ان الاظهر هو تعين الجمع بتكرار العبادة فراجع ما حققناه ولا نعيد. فيما يعتبر في العمل بالاحتياط خاتمة في بيان ما يعتبر في العمل بالاحتياط، والاخذ بالبرائة، والبحث عن ذلك يقع في مقامين، المقام الاول فيما يعتبر في العمل بالاحتياط، والكلام فيه في مواضع 1 - انه لا اشكال ولا كلام في ان حسن الاحتياط شرعا وعقلا، مشروط بان لا يكون مخلا بالنظام، والا فلا يحسن لان ما يخل بالنظام قبيح عقلا، بل موجب للاخلال بالغرض شرعا ومعه لا حسن فيه لا عقلا ولا شرعا.

[ 416 ]

2 - انه لا فرق في حسن الاحتياط بين ما لو كان هناك امارة على عدم الامر وما لم يكن كما ذكرناه في آخر مسالة البرائة قبل مسالة دوران الامر بين المحذورين. 3 - انه قد افاد المحقق النائيني (ره) انه يعتبر في حسن الاحتياط إذا كان على خلافه حجة شرعية ان يعمل المكلف اولا بمؤدى الحجة ثم يعقبه بالعمل على خلاف ما اقتضته الحجة احرازا للواقع وليس للمكلف العكس. واستدل له بامرين احدهما: ان معنى اعتبار الطريق الغاء احتمال مخالفة الواقع عملا وعدم الاعتناء به، والعمل اولا برعاية احتمال مخالفة الطريق للواقع، ينافى الغاء احتمال الخلاف فان ذلك عين الاعتناء باحتمال الخلاف، وهذا بخلاف ما لو قدم اولا ما يقتضيه الحجة: فان العقل يستقل حينئذ بحسن الاحتياط لرعاية اصابة الواقع. وفيه: ان مقتضى حجية الامارة وجوب العمل على طبقها، ولا يكون مقتضاها عدم جواز العمل بما يخالف مفادها احرازا للواقع، والا لزم عدم جواز العمل بما بخالف مفادها حتى بعد العمل بما تقتضيه الامارة، وعليه فكما ان العقل يستقل بحسن الاحتياط احرازا للواقع بعد العمل بمفادها كذلك يستقل بحسنه قبله. ثانيهما: انه يعتبر في حسن الاطاعة الاحتمالية عدم التمكن من الاطاعة التفصيلية، وبعد قيام الطريق المعتبر على شئ، كوجوب صلاة الجمعة، يكون المكلف متمكنا من الطاعة والامتثال الفصيلى بمؤدى الطريق فلا يحسن منه الامتثال الاحتمالى باتيان مخالفه وهو الظهر في المثال. وفيه: مضافا الى عدم صحة المبنى كما مر، ان اعتبار الامتثال التفصيلي انما هو في صورة التمكن منه في العمل الذى ياتي به بداعي الاحتمال، واما العمل الذى لا يمكن فيه ذلك فلم يستشكل احد حتى هو (قده) في حسنه، وفى المقام اتيان العمل بما يخالف مؤدى الامارة، لا يمكن الطاعة التفصيلية سواء اتى به بعد العمل بمفادها، أو قبله، وما يمكن فيه الامتثال التفصيلي هو العمل بمفاد الامارة سواء اتى به قبل المخالف أو بعده، وعلى الجملة ما يمكن فيه الاطاعة التفصيلية، غير ما لا يمكن فيه تلك، من غير فرق بين الصورتين، وامكان الامتثال التفصيلي بالعمل بمؤدى الامارة، لا يكون شرطا في الاحتياط

[ 417 ]

بالعمل بما يخالف مؤداها. 4 - هل يعتبر في حسن الاحتياط في العبادات، عدم تمكن المكلف من الامتثال التفصيلي وازالة الشبهة كما عن جماعة، ام لا يعتبر ذلك كما هو الحق ؟ ام يفصل بين كون الاحتياط مستلزما للتكرار فيعتبر وبين عدمه فلا يعتبر، ام يفصل بين موارد العلم الاجمالي بثبوت التكليف وعدمه وجوه واقوال. اقواها الثاني: وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في مبحث القطع، واجماله انه لا يعتبر في صحة العبادات سوى الاتيان بجميع ما امر به المولى مضافا إليه - وبعبارة اخرى ظ عن نية صالحة وعدم كون الداعي غير الداعي الالهى واما نية الوجه والتمييز وغيرهما مما ذكروه وجها لعدم جواز الاحتياط فلا دليل على اعتباره وتمام الكلام في محله. فيما يعتبر في الاخذ بالبرائة المقام الثاني: فيما يعتبر في جريان البرائة والاخذ بها، وقد طفحت كلماتهم بانه يعتبر في جريانها الفحص، وانه لا يجوز العلم بها الا بعد الفحص والياس عن الظفر بما يخالفها، واستقصاء الكلام في ذلك يستدعى البحث في مواضع، الاول في اعتبار الفحص وعدمه، الثاني: في مقدار الفحص المعتبر، الثالث: في استحقاق التارك للفحص للعقاب وعدمه، الرابع في صحة العمل الماتى به قيل الفحص وفساده. اما الاول: فالكلام فيه في موردين 1 - في البرائة العقلية 2 - في البرائة الشرعية. اما المورد الاول: فلا اشكال في اعتبار الفحص في جريان البرائة العقلية: لان العقل انما يحكم بقبح العقاب على مخالفة التكليف إذا استندت الى المولى بان لم يعمل بما هو وظيفته من البيان وجعله في معرض الوصول الى المكلف، واما إذا عمل المولى بما هو وظيفته، وكان الحكم في معرض الوصول ولم يتفحص العبد عنه، ولم يعمل بما هو وظيفته، فلا يكون العقاب حينئذ قبيحا لعدم كونه عقابا بلا بيان، وبالجملة المراد من

[ 418 ]

البيان الذى كون عدمه موضوع هذا الحكم العقلي ليس هو ايصال التكليف الى العبد قهرا، بل المراد بيانه على الوجه المتعارف وجعله بمرئ من العبد ومسمح، بحيث لو تفحص عنه لظفر به، فلو كان الحكم مبينا من قبل المولى ولم يتفحص عنه العبد صح العقاب على مخالفته فلا يكون عقابه بلا بيان. واما المورد الثاني: فلا اشكال ايضا في عدم اعتبار الفحص في جريان البرائة الشرعية في الشبهات الموضوعية: لاطلاق ادلتها، وعدم ما يوجب تقييده، واما في الشبهات الحكمية فقد استدل للزوم الفحص بوجوه. الاول: انصراف الاطلاقات الى الشك المستقر الذى لا يكون في معرض الزوال بالفحص عن الادلة فلا تشمل الشبهات قبل الفحص. وفيه: ان هذه دعوى بلا بينة ولا برهان كيف وقد تمسك الاصحاب بها في الشبهات الموضوعية قبل الفحص، وهذه آية عدم الانصراف، فمقتضى الاطلاقات هو عدم لزوم الفحص، وبه يظهر ان عدم لزوم الفحص في الشبهات الموضوعية انما يكون على القاعدة، نعم ورد الدليل الخاص على لزومه في بعض الموارد كمسالة النصاب في الزكاة وغيرها. الثاني: الاجماع، وفيه: انه لمعلومية مدرك المجمعين لا يكون كاشفا عن رأى المعصوم (ع). الثالث: العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات في الموارد المشتبهة في مجموع ما بايدينا من الاخبار مع كونها على نحو لو تفحصنا عنها لظفرنا بها، ومقتضى ذلك عدم جريان البرائة في شئ من المسائل قبل الفحص. واورد عليه بايرادين 1 - انه اعم من المدعى إذ المدعى لزوم الفحص في خصوص ما بايدينا من الاخبار، والمعلوم بالجمال اعم من ذلك: فان من اطراف هذا العلم الاخبار غير المدونة في الكتب المعتبرة فالفحص فيما بايدينا من الاخبار غير نافع. وفيه: ان العلم الاجمالي الكبير ينحل الى علم اجمالي صغير، وهو وجود واجبات ومحرمات في خصوص ما بايدينا من الاخبار والشك في وجود غيرها في غير ما بايدينا:

[ 419 ]

إذ من المحتمل تطابق النصوص غير الواصلة الينا، مع ما بايدينا من حيث المضمون، وعليه فلا مانع من هذه الجهة. 2 - ما ذكره المحقق الخراساني وهو انه اخص من المدعى: فان لازمه جواز الرجوع إليها قبل الفحص بعد الظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان المعلوم بالاجمال المردد بين الاقل والاكثر إذا كان ذا عنوان وتمييز، غير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار المعلوم، فان الواقع تنجز بما له من الافراد في الواقع، كما لو علم بحرمة البيض من قطيع الغنم، وتردد البيض بين العشرة والعشرين، فهل يتوهم احد جواز الرجوع الى البرائة قبل الفحص، بعد العلم تفصيلا بحرمة عشرة منها، والمقام من هذا القبيل فان التكاليف المعلومة بالاجمال، نعلم بوجودها في الكتب المعتبرة، وعليه فبعد الظفر بالمقدار المعلوم اجمالا، لا يجوز الرجوع الى البرائة قبل الفحص نعم، لو كان المعلوم بالاجمال من اول الامر مرددا بين الاقل والاكثر، ولم يكن ذا علامة وتمييز جاز الرجوع الى البرائة في مثل ذلك بعد الظفر بالمقدار الاقل، ولكن المقام ليس كذلك. ويرد عليه: ان الميزان في عدم جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي هو التعارض، وإذا كان المعلوم بالاجمال الذى له علامة وتمييز، مرددا بين الاقل والاكثر وظفرنا بالمقدار المعلوم بالاجمال، فلا مانع من جريان الاصول في ساير الاطراف لانها بلا معارض كما لا يخفى. وان شئت قلت: ان العلم بتعلق التكليف بعنوان في التكاليف الانحلالية لا يوجب تنجزه بالنسبة الى جميع افراده الواقعية، بل التنجيز يدور مدار ذلك مع العلم بالصغرى، الا ترى ان الشارع الا قدس حرم الخمر والمكلف عالم بذلك ولكن ذلك لا يوجب تنجزه في الموارد المشكوك فيها، وفى المقام وان علم بوجود التكاليف في الاخبار المدونة في الكتب المعتبرة، الا ان هذا العنوان له افراد معلومة، وافراد ومصاديق مشكوك فيها، وفى القسم الثاني تجرى البرائة بلا كلام ولا اشكال. الثالث: ان عادة الشارع الاقدس جارية على ايصال التكاليف، لا بالقهر والاجبار

[ 420 ]

بل بجعلها في معرض الوصول الى المكلفين، وعليه فمقتضى قانون العبودية والمولوية لزوم الفحص عن الاحكام الشرعية، ففعلية الوصول تكون من وظائف المكلفين بحكم العقل، وهذا الحكم القعلى، بمنزلة القرينة المتصلة، ويكون مانعا عن ظهور ادلة البرائة في الاطلاق وعليه فالادلة لا تشمل الشبهات قبل الفحص. الرابع: ما دل من الاخبار على لزوم التوقف في الشبهات قبل الفحص ورد حكمها الى الامام (ع) (1)، وحيث انها اخص من ادلة البرائة، فتقدم عليها، فتختص ادلة البرائة بالشبهات بعد الفحص. الخامس: الايات والروايات الدالة على وجوب التعلم، وهى طائفتان، الاولى ما تضمن الامر بالتفقه، والحث والترغيب على فعله، والذم على تركه، كاية النفر (2) والنصوص الكثيرة (3) وتقريب الاستدلال بها انه لو لم يكن الفحص واجبا لم يكن وجه للامر بالسؤال والتفقه والذم على تركه، والثانية ما تضمن مؤاخذة الجاهل بفعل المعصية لترك التعلم، لا حظ ما عن الامالى عن الامام الصادق (ع) انه سئل عن قوله تعالى فلله الحجة البالغة فقال ان الله تعالى يقول للعبد يوما القيامة عبدى اكنت عالما فان قال نعم قال له افلا عملت بما علمت، وان كان جاهلا قال له افلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة البالغة (4) وتقريب الاستدلال بها واضح. واورد على الاستدلال بها المحقق العراقى بايرادين الاول، اختصاصها بالفحص الموجب للعلم بالواقع، والمطلوب اعم من ذلك، الثاني، انها ظاهرة في الارشاد الى حكم العقل بلزوم الفحص لاجل استقرار الجهل الموجب لعذره، فعموم ادلة البرائة حينئذ، واردة عليهما. وفيهما: نظر، اما الاول فلقيام الامارات مقام العلم، واما الثاني، فلانها ظاهرة في


1 - الوسائل باب 4 و 12 من ابواب صفات القاضى كتاب القضاء. 2 - التوبة اية 122. 3 - اصول الكافي ج 1 ص 30 باب فرض العلم. 4 - تفسير الصافى ج 2 ص 169 - ذيل آيه 149 سورة الانعام، ونحوه في تفسير البرهان. (*)

[ 421 ]

الارشاد الى حكمه بلزوم الفحص عما جعله الشارع. الموضع الثاني: في مقدار الفحص اللازم، والظاهر انه لا حد مضبوط له، بل حده حصول الاطمينان، الذى هو حجة عقلائية بعدم وجود دليل من خبر أو اجماع تعبدي، فاللازم هو تتبع كتب الاخبار، وكلمات الابرار، لتحصيل العلم العادى بعدم الخبر وعدم اجماع تعبدي، ولا وجه للاكتفاء بالظن، لانه يغنى من الحق شيئا، واما تحقق الصغرى أي حصول الاطمينان بعدم الدليل، فهو سهل لمن تصدى لاستنباط الاحكام الشرعية. في استحقاق تارك الفحص للعقاب وعدمه واما الوضع الثالث: وهو استحقاق تارك الفحص للعقاب وعدمه، فملخص القول فيه ان الاقوال فيه ثلاثة - الاول - ما هو المشهور بين الاصحاب، وهو استحقاق العقاب على مخالفة الواقع لو اتفق، الثاني: ما عن ظاهر الشيخ الاعظم وصريح المحقق النائيني، وهو استحقاق العقاب على ترك الفحص المؤدى الى مخالفة الواقع، الثالث: ما عن المحقق الاردبيلى، وصاحب المدارك، وهو استحقاق العقاب على ترك الفحص والتعلم مطلقا وان لم يؤد الى مخالفة الواقع. ومنشا الخلاف ان وجوب الفحص والتعلم هل يكون وجوبا نفسيا، أو طريقيا، أو ارشاديا: أو مقدميا: إذ على الاول يكون الفحص كساير الواجبات النفسية يعاقب على مخالفته، وعلى الثاني يكون وجوب الفحص كساير الاحكام الطريقية الموجبة لتنجز ذى الطريق، واستحقاق العقاب على مخالفتها عند ترك الواقع، وعلى الثالث يكون العقاب على مخالفة الواقع. والاظهر عدم كون وجوبه نفسيا: لان الظاهر من الادلة كون التعلم مقدمة للعمل، كما هو صريح الخبر الوارد في تفسير قوله تعالى فلله الحجة البالغة، لا انه واجب نفسي، بل ظاهر ذلك الخبر كونه ارشاديا، فانه متضمن لافهام العبد بما يقال له هلا تعلمت، ولو

[ 422 ]

لم يكن وجوبه ارشاديا، وكان نفسيا، أو طريقيا كان له ان يجيب بعدم علمه بوجوب الفحص والتعلم، كما اجاب عن الاعتراض بعدم العمل بعدم العلم بالحكم. مع انه إذا ثبت عدم كونه واجبا نفسيا لا مثبت لكونه طريقيا: إذا دوران الامر بين كون الامر طريقيا، أو ارشاديا لا معين لاحدهما. ثم انه لا كلام في الواجبات المطلقة، انما الكلام في وجوب التعلم إذا كان الواجب مشروطا بشرط غير حاصل، من جهة انه في ظرف امكان التعلم لم يثبت وجوب الواجب كى يجب تعلمه مقدمة له، وفى ظرف حصول الشرط، لا قدرة على الامتثال، وقد مر الكلام في ذلك مستوفى في مبحث وجوب مقدمة الواجب. حكم العمل الماتى به قبل الفحص واما الموضع الرابع: وهو البحث حول صحة العمل الماتى به قبل الفحص وفساده، فملخص القول فيه ان من ترك الفحص وعمل فان كان عباديا ولم يتمش منه قصد القربة لا اشكال في فساده، والا فان انكشف مخالفته للواقع، أو لم ينكشف الخلاف والوفاق فكذلك، وان انكشف موافقته للواقع أو لما هو وظيفته صح لفرض الاتيان بالوظيفة، فالصحة وسقوط الامر حينئذ من القضايا التى قياساتها معها. كما انه لا اشكال في الصحة إذا انكشف موافقة عمل الجاهل قبل التقليد للواقع على فتوى كلا المجتهدين، أي الذى كان يجب الرجوع إليه حال العمل ومن يجب الرجوع إليه فعلا. انما الكلام في موردين، الاول: فيما إذا انكشف موافقته لفتوى من كان يجب عليه الرجوع إليه حال العمل مع عدم مطابقته لفتوى المجتهد الفعلى أو مخالفته لها، الثاني: فيما إذا انكشف موافقته لفتوى المجتهد الفعلى، ومخالفته لفتوى المجتهد - الاول. والاظهر هي الصحة فيهما: فان متلعق رأى المجتهد الفعلى هو الحكم الكلى

[ 423 ]

والتقليد طريق إليه فبعد مطابقة عمله، لفتوى من يجب الرجوع إليه يكون عمله مطابقا للواقع بحسب الطريق، كما ان عمله ان كان مطابقا لفتوى من كان يجب الرجوع إليه حين العمل كان عمله مطابقا للحجة، إذ لا يعتبر في الموافقة للحجة العلم بالمطابقة ولا الاستناذ إليها وتمام الكلام في مبحث الاجتهاد والتقليد. حكم ما لو احتمل الابتلاء بقى التنبيه على امور الاول: انه بعد ما لا ريب في عدم لزوم الفحص فيما إذا اطمئن بعدم الابتلاء بالواقعة التى لا يعلم حكمها، يقع الكلام فيما إذا احتمل الابتلاء، وقد استدل لعدم لزوم الفحص حينئذ باستصحاب عدم الابتلاء، بناءا على جريانه في الامور الاستقبالية كما هو الحق. واورد عليه المحقق النائيني (ره)، بان الاستصحاب انما يجرى فيما إذا كان المستصحب بنفسه اثرا شرعيا أو موضوعا ذا اثر شرعى، واما إذ كان الاثر مترتبا على نفس الشك والاحتمال، فلا مورد لجريان الاستصحاب، والمقام من قبيل الثاني: فان الاثر المرغوب هو وجوب التعلم من باب وجوب دفع الضرر المحتمل، وهذا مترتب على احتمال الابتلاء دون واقعه فلا يجرى فيه الاصل. وفيه: ان وجوب التعلم انما ثبت من باب اطاعة المولى، ويكون وجوبه ارشاديا كما مر آنفا - وعليه - فإذا جرى الاستصحاب وحكم بعدم الابتلاء يترتب عليه الاثر - وبعبارة اخرى - ان الموضوع لوجوب الفحص والتعلم هو الابتلاء. واورد عليه بعض الاكابر بان الاستصحاب يختص بالامور الماضية، فعدم الابتلاء في المستقبل لا يكون مشمولا لادلته. وفيه: ان الميزان في جريان الاستصحاب تقدم زمان المتيقن على زمان المشكوك فيه من غير فرق بين الامور الماضية والاستقبالية وسيجئ تحقيق القول فيه في بحث الاستصحاب.

[ 424 ]

واستدل الاستاذ للزومه باستهجان تخصيص الادلة الدالة على وجوب التعلم بموارد العلم أو الاطمينان بالابتلاء لندرتها فيكون وجوب التعلم عند احتمال الابتلاء ثابتا بالدليل، ومعه لا تصل النوبة الى جريان الاصل العملي. وفيه: ان المسائل التى يعلم الابتلاء بها في غاية الكثرة. فالحق ان يستدل لوجوبه بالعلم الاجمالي بابتلائه فيما بقى من عمره بما لا يعلم حكمه، وهو مانع عن جريان الاصل في موارد الشك. معذوريد الجاهل المقصر في الجهر والاخفات الثاني: المشهور بين الاصحاب صحة صلاة من اجهر في موضع الاخفات، وبالعكس، ومن اتم في موضع القصر إذا كان منشاه الجهل بالحكم وان كان عن تقصير، ومع ذلك التزموا باستحقاق العقاب على ترك الواقع الناشئ عن ترك الفحص. وصار ذلك عويصة بانه كيف يعقل الجمع بين الحكم بالصحة، وعدم وجوب اعادة الواجب مع بقاء الوقت، والحكم باستحقاق العقاب على ترك الواجب. وذكروا وجوها في رفع هذه العويصة، منها: ما افاده المحقق الخراساني - وحاصله - انه يمكن ان يكون الماتى به في حال الجهل خاصة مشتملا على مقدار من المصلحة ملزمة في نفسه، ويكون الواجب الواقعي مشتملا على تلك المصلحة وزيادة ملزمة ايضا، ولكن لا يمكن تداركها عند استيفاء تلك المصلحة، فالماتى به غير مامرو به للامر بالاهم، ويحكم بصحته لاشتماله على المصلحة، ولا يجب اعادة الواجب الواقعي لعدم امكان استيفاء الباقي، ويحكم باستحقاقه العقاب، لاجل ان فوت المصلحة الملزمة مستند الى تقصير العبد في ترك التعلم. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان الخصوصية الزائدة من المصلحة القائمة بالفعل الماتى به في حال الجهل ان كان لها دخل في حصول الغرض من الواجب فلا يعقل سقوطه بالفاقد لتلك الخصوصية خصوصا مع امكان استيفائها في الوقت.

[ 425 ]

ودعوى عدم امكان اجتماع المصلحتين في الاستيفاء، واضحة الفساد: إذ لا يعتبر في استيفاء المصلحة سوى القدرة على متعلقها الموجودة في المقام، الا إذا كان ثبوت المصلحة في الواجب مشروطا بعدم سبق الماتى به من المكلف، وهو خلف إذ يلزم منه خلو الواجب عن المصلحة في حال الجهل، فلا موجب لاستحقاق العقاب، وان لم يكن لتلك الخصوصية، دخل في حصول الغرض فاللازم هو الحكم بالتخيير بين العلمين غايته ان يكون الواجب افضل فردي التخيير ولا وجه لاستحقاق العقاب. وفيه: ان الخصوصية الزائدة، وان كانت دخيلة، الا انها دخيلة في كمال المصلحة لا في اصلها، وانما يسقط الواجب لعدم استيفاء الكامل، ودعوى: ان المصلحتين لا تضاد بينهما الا من ناحية عدم القدرة على متعلقهما وهى متحققة على الفرض، مندفعة: بان المقدور هو صورة العمل دون حقيقته. ومنها: ما افاده الشيخ الكبير وهو الالتزام بالترتب، بتقريب ان الواجب على المكلف، اولا هو القصر مثلا، وعلى تقدير تركه فالتمام مامور به فلا تنافى بين الحكم بالصحة، واستحقاق العقاب على ترك الواجب الاول. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بوجوه 1 - ان الخطاب المترتب لا بد وان يكون موضوعه عصيان الخطاب المترتب عليه، وفى المقام إذا التفت الى كونه عاصيا ينقلب الموضوع، والا لا يعقل ان يكون الحكم محركا له. وفيه: انه لم يرد دليل على لزوم كون الموضوع هو العصيان، بل الترتب ممكن مع كون الموضوع للخطاب المترتب هو الترك، كما مر تفصيل ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، والالتفات الى الترك مع عدم انقلاب الموضوع ممكن. 2 - ان وجوب الصلاة لا يكون مختصا بوقت خاص، بل هو ثابت موسع بين المبدأ والمنتهى فعصيانه لا يمكن الا بخروج الوقت وانقضائه ففى اثناء الوقت لا يعقل فعلية الحكم الثاني، وقد ظهر مما اوردنا على الاول، الايراد على ذلك ايضا. 3 - ان الالتزام بالترتب لو امكن لا دليل على وقوعه، وفى المتزاحمين انما يقتضى اطلاق الخطابين بالتقريب المتقدم الترتب، وهذا بخلاف المقام.

[ 426 ]

وفيه: ان صحة الماتى به في المقام مفروغ عنها، وقد دلت النصوص عليها، وانما الكلام في امكان ذلك مع البناء على استحقاق العقاب، فالمهم تصوير الامكان وفى هذا المقام يكفى ما افاده (ره). واورد على الاستاذ بان ما ورد من ان الواجب على المكلف في كل يوم خمس صلوات يكفى في ابطال القول بالترتب في المقام. وفيه: ان مفاد تلك الاخبار عدم وجوب صلاة سادسة في عرض تلك الصلوات، وهى كما لا تنافى التخيير بين القصر والاتمام في مواضع التخيير لا تنافى الترتب في المقام. ومنها: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو انكار استحقاق العقاب، توضيحه: ان الجاهل بوجوب الصلاة قصرا، أو اخفاتا في مورد ثبوته، لو فرضنا انه صلى قصرا، أو اخفاتا، وحصل منه قصد القربة، فلا يخلو الامر من الحكم بصحة صلاته أو فسادها، فعلى الاول لا مناص من الالتزام بان الحكم الواقعي هو التخيير بين القصر والتمام، أو الجهر والاخفات، وعليه فلا موجب للعقاب لو اتى باحد طرفي التخيير، وعلى الثاني لا مناص عن الالتزام بكون الصلاة، تماما أو جهرا، هو الواجب على التعيين في ظرف الجهل، ومعه كيف يمكن الالتزام باستحقاق العقاب على ترك القصر أو الاخفات، ودعوى: الاجماع عليه، مجازفة لعدم تعرض اكثر الاصحاب له، مع انها ليست مسالة شرعية ليصح الاستدلال به. وما افاده (ره) وان كان لا يخلو عن اشكال، الا ان ما افاده في ذيل كلامه من عدم الدليل على استحقاق العقاب متين جدا. الثالث: قد عرفت ان مقتضى اطلاق ادلة الاصول خصوصا ما ورد في خصوص الشبهة الموضوعية وصريح بعض ما ورد في الاستصحاب كصحيح زرارة، عدم اعتبار الفحص في الرجوع إليها، الا انه ذكر جماعة ان ذلك يختص بالاحكام التى لا يتوقف العلم بها متوقفا على الفحص، والا فيجب الفحص بدعوى ان جعل الحكم في مورد يتوقف العلم به على الفحص، يدل بالدلالة الالتزامية وبالملازمة العرفية على وجوب

[ 427 ]

الفحص والا لزم اللغو في الشريعة ومثلوا لذلك 1 - ما إذا شك في تحقق الاستطاعة الى الحج من حيث المال أو من جهة اخرى 2 - ما إذا شك في زيادة الربح عن مؤنة السنة 3 - ما إذا شك في المسافة فقالوا يجب الفحص مع كون المورد مجرى لاستصحاب عدم تحقق المسافة. اقول ان الكبرى الكلية مسلمة الا ان الظاهر انه ليست الموارد المذكورة من صغرياتها لان حصول العلم في كل من تلك المسائل باحد الطرفين كثير كما لا يخفى. وقد افاد المحقق النائيني انه يعتبر في جريان الاصول في الشبهات الموضوعية ان لا تكون مقدمات العلم باجمعها تامة بحيث لا يحتاج حصول العلم الا الى مجرد النظر، والا كما لو فرضنا ان المكلف بالصوم على السطح، ولا يتوقف علمه بطلوع الفجر الا على مجرد النظر الى الافق فلا يجوز الرجوع الى البرائة أو استصحاب عدم طلوع الفجر بدون النظر: لان مجرد النظر لا يعد فحصا عرفا ليحكم بعدم وجوبه. وفيه: ان مدرك عدم وجوب الفحص لو كان هو الاجماع، أو خبر دال عليه كان ما افيد في غاية المتانة، ولكن بما ان مدركه اطلاق الادلة وخصوص بعض الروايات فلا يتم ذلك لعدم اخذ عنوان الفحص أو عدمه في لسان دليل كى يرجع في تعيين مفهومه الى العرف، ولو استدل له بعدم صدق عنوان الجاهل والشاك وغير العالم على ذلك المكلف، كان الولى، وان كان ذلك ايضا محل تأمل ونظر. الكلام حول ما فاده الفاضل التونى ثم انه ذكر الفاضل التونى على ما نسب إليه الشيخ الاعظم (ره) انه يعتبر في جريان اصل البرائة شرطان آخران، احدهما: ان لا يكون اعمال الاصل موجبا لتضرر مسلم، والا فلا يجرى ومثل له بما لو فتح انسان قفس فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو امسك رجلا فهرب دابته فان اعمال البرائة فيها يوجب تضرر المالك في هذه الموارد.

[ 428 ]

واجاب عنه الشيخ وتبعه المحقق الخرساني (ره) بانه وان لم تجر البرائة في موارد جريان قاعدة نفى الضرر الا انه حقيقة لا يبقى لها مورد بداهة ان الدليل الاجتهادي يكون بيانا وموجبا للعلم بالتكليف ولو ظاهرا، فان كان المراد من الاشتراط ذلك فلا بد من اشتراط ان لا يكون على خلافها دليل اجتهادى، لا خصوص قاعدة الضرر. اقول: الظاهر ان نظر الفاضل التونى ليس الى ان قاعدة نفى الضرر جارية في تلك الموارد، ولذلك لا تجرى البرائة، فانه لا تكون مجرى قاعدة نفى الضرر لوقوع الضرر فيها لا محالة اما على المالك أو على المتلف، إذ لو حكم بالضمان تضرر المتلف ولو حكم بعدمه تضرر المالك. بل الظاهر ان نظره الى ما ذكرناه في حديث الرفع من انه وارد مورد الامتنان، وهو انما يرفع الحكم الذى في رفعه منة على الامة، فبالطبع لا يجرى فيما إذا لزم من جريان البرائة تضرر مسلم أو من بحكمه: إذ لا امتنان في مثل ذلك على الامة في رفع الحكم، وعليه فما افاده متين لا يرد عليه ما ذكراه، واما البحث في انه في تلك الموارد هل يكون مقتضى قاعدة الاتلاف هو الضمان ام لا ؟ فهو موكول الى محل آخر، وعلى أي تقدير لا تجرى البرائة عن الضمان. الشرط الثاني: ان لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعى من جهة اخرى، ومثل لذلك بان يقال في احد الانائين المشتبهين الاصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فانه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الاخر، أو عدم بلوغ الملاقى للنجاسة كرا، أو عدم تقدم الكرية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة: فان اعمال الاصول يوجب الاجتناب عن الاناء الاخر أو الملاقى أو الماء. اقول: ان ثبوت حكم شرعى من جهة اخرى يتصور على اقسام. الاول: ان لا يكون بينهما ترتب شرعا ولا عقلا الا ان العلم الاجمالي اوجب ذلك بينهما، كما في المثال الاول الذى ذكره الفاضل التونى، فانه لا ترتب بين طهارة احدهما ونجاسة الاخر الا من ناحية العلم الاجمالي بنجاسة احدهما ففى مثل ذلك لا تجرى البرائة، لا لما افاده فان الاصل ليس حجة في مثبتاته، بل لابتلائه بالمعارض، واما المثالان

[ 429 ]

الاخران في كلامه فهما مثالان للاستصحاب ولا ربط لهما بالبرائة. الثاني: ان يكون الترتب عقليا كترتب وجوب المهم على عدم وجوب الاهم بناءا على القول بعدم امكان الترتب، فان الموجب لرفع اليد عن اطلاق دليل المهم انما هو فعلية التكليف بالاهم الموجب لعجز المكلف عن الاتيان بالمهم، وفى مثل ذلك لو فرض الشك في تعيين التكليف بالاهم للشك في اهميته وجرى الاصل في تعينه ولازمه ترخيص الشارع في ترك الاهم، كان المهم واجبا لاطلاق دليله، فهو المثبت لوجوبه لا البرائة وانما هي ترفع المانع وهو عجز المكلف، فلا مورد لاشتراط جريان البرائة بعدم اثباته للحكم الالزامي. الثالث: ان يكون الترتب شرعيا بان اخذ جواز شئ ماخوذا في موضوع وجوب شئ آخر وهذا ايضا يختلف فانه، تارة يكون الحكم الالزامي مترتبا على الاباحة الواقعية ومثل المحقق النائيني (ره) لذلك بترتب وجوب الحج على عدم اشتغال ذمة المكلف بمال الناس، واخرى يكون الحكم الالزامي حكما واقعيا مترتبا على مطلق الاباحة واقعية كانت ام ظاهرية، كما في ترتب وجوب الوضوء بالماء فانه مترتب على اباحته سواء كانت واقعية ام ظاهرية، وثالثة يكون الحكم الالزامي اعم من الواقعي والظاهري مترتبا على الاباحة اعم من الواقعية والظاهرية، كما في ترتب وجوب الحج على الاستطاعة واباحة المال الذى به صار المكلف مستطيعا، فلو حكم باباحة المال لاصل من الاصول وجب الحج ظاهرا، ولو انكشف الخلاف وعدم اباحته انكشف عدم كونه مستطيعا من الاول. ففى الصورة الاولى لا يترتب على الاصل الجارى الحكم الالزامي: لعدم ثبوت ما يترتب عليه بالاصل، وهذا ليس بالاشتراط، وفى الصورة الثانية يترتب على الاصل ذلك الحكم الالزامي لتحقق موضوعه غاية الامر يكون الالزام ظاهريا، وفى الصورة الثالثة يترتب الحكم الالزامي. والى ما ذكرناه في هذه الصور نظر المحقق الخراساني (ره) حيث قال، والاباحة أو رفع التكليف الثابت بالبرائة النقلية لو كان موضوعا لحكم شرعى أو ملازما له فلا محيص عن

[ 430 ]

ترتبه عليه بعد احرازه فان لم يكن مترتبا عليه بل على نفى التكليف واقعا فهى وان كانت جارية الا ان ذلك الحكم لا يترتب لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها وهذا ليس بالاشتراط انتهى. ختام نتعرض فيه لبيان قاعدة لا ضرر تبعا للشيخ الاعظم والمحقق الخراساني (ره) في الكفاية.

[ 431 ]

قاعدة لا ضرر

[ 433 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين وافضل الصلوات واكمل التحيات على اشرف الخلائق محمد وآله الطيبين الطهارين وبعد فلما كانت، قاعدة لا ضرر، من اهم القواعد الفقهية، لابتناء كثير من الاحكام الشرعية عليها، ولهذا صنف فيها جمع من الفحول منهم الشيخ الاعظم، رسالة مستقلة، وقد حررت في سالف الزمان، فيها رسالة، بعد القاء ما يتعلق بها الى فريق من ارباب العلم والفضل، فاحببت الحاقها بالكتاب، والله الموفق للصواب. وتنقيح القول في هذه القاعدة بالبحث في مقامات 1 - في مدركها 2 - في مفادها ومعنى العبارات التى في النصوص، - وبعبارة اخرى - في فقه الحديث 3 - في دفع ما اورد عليها من الايرادات 4 - في التنبيهات المبينة لحدود هذه القاعدة، والمشتملة على بعض ما يتفرع عليها مما عنونه الفقهاء، مستدلين عليها بها 5 - في بيان حالها مع الادلة الاخر المعارضة لها 6 - في حكم الاضرار بالنفس. بيان مدرك القاعدة اما المقام الاول: فقد ورد فيها روايات كثيرة، ففى الرسائل قد ادعى فخر الدين في الايضاح في باب الرهن تواتر الاخبار على نفى الضرر والضرار، ولكن في الرسالة المستقلة المعمولة في هذه القاعدة بعد نقل ذلك عن الفخر، ذكر انه لم يعثر عليه، وكيف كان فالروايات الواردة في القاعدة كثيرة. منها: موثق ابن بكير الذى رواه المشايخ الثلاثة باسناد بعضها صحيح عن زرارة عن الامام الباقر (ع) ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان

[ 434 ]

منزل الانصاري بباب البستان يمر به الى نخلته ولا يستاذنه فكلمه الانصاري ان يستاذن إذا جاء فايى سمرة، فلما تابى جاء الانصاري الى رسول الله (ص) فشكا إليه وخبره الخبر فارسل إليه رسول الله (ص) وخبره بقول الانصاري وما شكا وقال إذا اردت الدخول فاستاذن فابى، فلما ابى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء الله فابى ان يبيع فقال (ص) لك به عذق يمد لك في الجنة فابى ان يقبل فقال رسول الله (ص) للانصاري اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فانه لا ضرر ولا ضرار (1). ومنها: ما رواه ابن مسكان عن ابى جعفر (ع) المتضمن لقضية سمرة، وهو نحو ما تقدم الا انه قال، فقال له رسول الله (ص) انك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، قال ثم امر بها فقلعت ورمى بها إليه فقال له رسول الله (ص) انطلق فاغرسها حيث شئت (2). ومنها: ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن الصيقل عن ابى عبيدة الحذاء قال أبو جعفر (ع) وقد نقل القضية نحو ما تقدم، الا انه قال (ص) بعد الامتناع، ما اراك باسمرة الامضارا، اذهب يا فلان، فاقطعها - فاقلعها خ - واضرب بها وجهه (3)، وهذا الخبر وان لم يشتمل على جملة - لا ضرر ولا ضرار - الا انه متضمن لصغرى القاعدة، واستنتج منها، الامر بقلع الشجرة. ثم انه لا كلام في ان هذه الاخبار الثلاثة تحكى عن قصة واحدة، والظاهر منها انه كان لسمرة حق العبور الى نخلته من البستان، وكان استيفاء حقه، بلا اذن من الانصاري، اضرارا به، ولم يرض سمرة، بالجمع بين الحقين. ومنها: ما رواه المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله (ع) قضى رسول الله (ص) بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال لا ضرر ولا ضرار، وقال إذا ارفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة (4).


1 - الوسائل ج 17 - ص 341 و 340 - باب 12 من ابواب احياء الموات. 2 - المصدر المتقدم. 3 - المصدر المتقدم. 4 - الوسائل ج 17 - ص 319 - باب 5 من ابواب الشفعة. (*)

[ 435 ]

ومنها: ما رواه في الكافي باسناده عن عقبة بن خالد عن الامام الصادق (ع) قضى رسول الله (ص) بين اهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نقع الشئ وقضى بين اهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال لا ضرر ولا ضرار (1). ومنها: خبر هارون بن حمزة الاتى، في بيان معنى الضرار. ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه، قال النبي (ص) لا ضرر ولا ضرار في الاسلام فالاسلام يزيد المسلم خيرا، ولا يزيد شرا (2). ومنها: خبر دعائم الاسلام عن الامام الصادق (ع) عن ابيه عن ابائه عن امير المؤمنين عليهم السلام ان رسول الله (ص) قال لا ضرر ولا ضرار (3). ومنها: خبر الدعائم عن ابى عبد الله (ع) انه سئل عن جدار الرجل وهو سترة بينه وبين جاره سقط عنه فامتنع من بنائه قال (ع) ليس يجبر على ذلك الى ان قال، قيل له وان كان الجدار لم يسقط ولكنه هدمه أو اراد هدمه اضرارا بجاره لغير حاجة منه قال (ع) لا يترك وذلك ان رسول الله (ص) قال، لا ضرر ولا ضرار، وان هدمه كلف ان يبنيه (4). ومنها: مرسل العلامة، انه (ص) قال، لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (5). منها: ما رواه شيخ الطائفة عن النبي (ص) انه قال ضرر ولا ضرار (6). ومنها: ما رواه سيد ابن زهرة في الاحتجاج على حكم الارش، قال ويحتج على المخالف بقوله (ص) لا ضرر ولا ضرار (7) هذه هي الروايات الواصلة الينا من طرق الشيعة، وفى المقام روايات من طرق العامة ايضا. لا حظ ما رواه احمد بن حنبل من طريق ابن عباس، ومن طريق عبادة بن صامت


1 - الوسائل ج 17 - ص 333 - باب 7 من ابواب احياء الموات حديث 2. 2 - الوسائل ج 17 ص 377 - باب 1 من ابواب موانع الارث حديث 10. 3 - مستدرك الوسائل، المجلد الثالث 3 ص 150. 4 - المصدر المتقدم. 5 - التذكرة في المسالة الاولى من خيار الغبن. 6 - الخلاف، كتاب البيع - باب حكم خيار الغبن. 7 - الغنية اواخر ابواب الخيار، في حكم الارش.

[ 436 ]

عن النبي (ص) انه قال (ص) لا ضرر ولا ضرار راجع المسند ج 5 ص 326 و 327. ورواه النووي في الاربعين عن ابى سعيد سعد بن مالك الخزرجي، وذكر ان ابن ماجة، والدار قطني، رويا الحديث مسندا. ورواه مالك في الموطا عن عمر بن يحيى عن النبي (ص) مرسلا ثم قال وله طرق يقوى بعضه بعضا، راجع المجالس السنية في شرح الاربعين النووية ص 98 مجلس 32. وما رواه ابن الاثير في النهاية انه (ص) قال، لا ضرر ولا ضرار في الاسلام. هذه اجميع ما وصلنا من النصوص وهناك نصوص متضمنة للنهى عن الاضرار بالغير، كجملة من الايات، نتعرض لها في آخر الرسالة، وانما المهم في المقام تنقيح القول في الجملة المذكورة في هذه النصوص، وتمام الكلام في هذا المقام في جهات. سند الحديث الاولى: لا ينبغى التوقف في ان هذه الجملة صدرت عن النبي (ص)، وذلك لوجوه. الاول: صحة بعض طرق الحديث كالخبر الثاني: فان رجال سنده كلهم عدول، ثقات، اما ميون بالاتفاق عدى ابن بكير، وهو من الذين اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم فهو بمنزلة الصحيح أو اعلى منه، وبعض آخر منها وستقف عليه. الثاني: اشتهار الحديث بين الفريقين حتى ادعى بعض اصحابنا تواتره. الثالث: استناد الاصحاب إليه ونقله في كتبهم على وجه الاعتماد عليه. متن الحديث الثانية: في تشخيص متن الحديث المروى في اكثر النصوص قوله (ص) لا ضرر ولا ضرار بلا زيادة كلمتي - في الاسلام - و - على مؤمن، وقد اضيف كلمة على مؤمن في الخبر الاول، وحيث انه ضعيف لانه رواه محمد بن خالد عن بعض اصحابنا عن ابن

[ 437 ]

مسكان عن زرارة، فهو مرسل، فلا يعتمد عليه. واما كلمة في الاسلام، فقد اصر شيخ الشريعة الاصفهانى (قده)، على عدم وجودها في شئ من طرق الخاصة والعامة. وفى مقابله ادعى بعض معاصريه، استفاضة الحديث مع هذا القيد، واسند الى المحققين دعوى تواتر هذا الحديث مع هذه الزيادة. والحق ان القولين افراط وتفريط: لوجودها في جملة من الاخبار، منها مرسل الصدوق الذى هو حجة، فان الارسال على نحوين - احدهما - ما إذا كان التعبير بلفظ روى ونحوه، ثانيهما: ما ادا كان بلفظ قال وما شاكل - وبعبارة اخرى - اسند المرسل الخبر جزما الى من روى عنه الواسطة - والاول لا يكون حجة - والثانى حجة فان المرسل إذا كان ثقة، اسناده الى من روى عنه الواسطة كاشف عن ثبوت الرواية عنده إذ لا يجوز الاسناد بغير ذلك، والمقام من قبيل الثاني كما لا يخفى. ودعوى، ان التعبير بلفط قال انما يصح مع ثبوت صدور الرواية عند المرسل ولو من جهة القرائن، وحيث يحتمل ان تكون تلك القرائن غير موجبة للاطمينان عندنا فلا يعتمد عليه. مندفعة: بانه إذا فرضنا ان الخبر الذى يراه المرسل حجة نراه حجة، ولا اختلاف بيننا وبينه في المبنى، وحيث ان تشخيص موضوع ذلك ليس متوقفا على مقدمات بعيدة كى حتمل ان يكون التشخيص غلطا، فلا محالة نكتفي بثبوت الصدور عنده. لا يقال انه يحتمل ان يكون ما رواه الصدوق اشارة الى ما افاده النبي (ص) في ذيل قضية سمرة، والمروى هناك يكون مجردا عن هذه الكلمة، فانه يجاب عنه، اولا بان مجرد الاحتمال، لا يصلح دليلا، لرفع اليد، لما يكون الخبر متضمنا له، فلعله صدر هذه الجملة عن النبي (ص) مرتين، تارة مع الزيادة، واخرى بدونها. وثانيا: انه لو دار الامر، بين الزيادة، والنقيصة، يكون الترجيح لما تضمن الزيادة فان احتمال الغفلة في الزيادة، ابعد من احتمال الغفلة في النقيصة. وما افاده المحقق النائيني (ره) من ان تقدم اصالة عدم الزيادة على اصالة عدم

[ 438 ]

النقيصة لا يكون تعبديا صرفا بل هو من باب بناء العقلاء، وابعدية الغفلة بالنسبة الى الزيادة عن الغفلة بالنسبة الى النقيصة، وهذا انما يتم في الزيادات البعيدة عن الاذهان دون المعاني المانوسة كما في المقام، فان نفى الضرر حيث انه من المجعولات الشرعية، فيتوهم الراوى اقترانه بهذه الكلمة، سيما مع ثبوتها في اغلب اقتضيته (ص). غير تام فان الراوى إذا كان ثقة معتمدا في النقل لا يضيف الى ما يرويه شيئا من عنده فينحصر وجه الزيادة في الغفلة فيجرى فيه الوجه المذكور. ولا يتوهم، ان وجود هذه الكلمة وعمه سيان لعدم الفرق في معنى لا ضرر ولا ضرار بزيادتها ونقصها: إذ لو لم تكن في ذيل الحديث المبارك لكان المنفى ايضا هو الحكم المجعول في الاسلام كما افاده المحقق النائيني (ره).: لانه إذا ثبت ان مفاد لا ضرر، نفى الحكم الضررى كان ما افاده تاما، ولكن سيأتي ان جماعة ذهبوا الى ان مفاده النهى عن الاضرار بالغير، ووجود كلمة في الاسلام يصلح ردا عليهم كما سيمر عليك في محله. فالمتحصل ان الصادر عن النبي (ص) - لا ضرر ولا ضرار - تارة مجردا واخرى مع زيادة كلمة في الاسلام. موقع صدور الحديث الثالثة: في موقع صدور الحديث، المتيقن وروده في ذيل قضية سمرة، ويحتمل وروده مستقلا، وظاهر الاخبار المتقدمة وروده في ثلاثة مواضع اخر، احدها ذيل قضائه في الشفعة - ثانيها - ذيل قضائه (ص) في منع فضل الماء - ثالثها - ذيل، ما تضمن حكم جدار الرجل الذى هو سترة بينه، وبين جارة وقد سقط عنه فامتنع من بنائه. اما الموضع الثالث: فحيث ان الخبر المتضمن له هو خبر دعائم الاسلام، وهو ضعيف للارسال، ولعدم ثبوت وثاقة صاحب الكتاب فلا وجه للتعرض له. واما الموضعان الاولان، فلقد اصر شيخ الشريعة (ره) على عدم كون حديث الشفعة والناهي عن

[ 439 ]

منع الفضل حال صدورهما من النبي (ص) مذيلين بحديث الضرر، وان الجمع بينهما وبينه جمع من الراوى بين روايتين صادرتين عنه (ص) في وقتين مختلفين، وتبعه في ذلك جماعة منهم المحقق النائيني (ره)، وقد ذكروا في مقابل ظهور السيقا في كون الجمع، من الجمع في المروى لا من الجمع في الرواية، وجوها. الاول: ما افاده شيخ الشريعة وحاصله، ان اقضية النبي (ص) مروية من طريق اهل السنة برواية عبادة بن صامت مجتمعة وهى بعينها مروية من طرقنا برواية عقبة متفرقة على حسب تفرق الابواب، وحديث الشفعة، والنهى عن منع فضل الماء، ليسا مذيلين بحديث الضرر في نقل عبادة بل هو مذكور مستقلا، وفى نقل عقبة لم يذكر مستقلا بل في ذيلهما، وبعد كون عبادة من اجلاء الشيعة، مع ما علم من استقراء رواياته من، اتقانه، وضبطه وان المروى عن عقبة قطع، وذكر كل قطعة منه في باب، يقطع الانسان ان حديث الضرر مستقل. - وبعبارة اخرى ظ انه من توافق النقلين حتى في العبارات يحدس الانسان قطعيا ان الاقضية كما كانت مجتمعة في رواية عبادة، وكان من قبيل الجمع في الرواية لا في المروى كما هو واضح، كانت مجتمعة في خبر عقبة بن خالد، لا سيما ان الراوى عن عقبة في جميع الابواب المتضمنة لتلك الاقضية المتشتة محمد بن عبد الله بن هلال، والراوي عنه محمد بن الحسين والراوي عنه محمد بن يحيى، وهذا كله يوجب الاطمينان بعدم وجود الذيل في حديث الشفعة والمنع من فضل الماء في خبر عقبة بل كان قضاءا مستقلا خصوصا بعد ملاحظة ان الغاء هذا الذيل من الحديثين لا يجر نفعا، ولا يدفع ضررا عن عبادة. الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو انه لو كان من تتمة قضية اخرى في رواية عقبة لزم خلو رواياته الواردة في الاقضية عن هذا القضاء الذى هو من اشهر قضاياه (ص). الثالث: ما عن المحقق النائيني (ره) ايضا، وهو ان لا ضرار على ما ستعرف معناها لا يناسب، حديث الشفعة، ومنع فضل الماء. الرابع: ان بيع الشريك ليس علة للضرر، بل ولا مقتضيا، وهكذا منه فضل الماء

[ 440 ]

لا يوجب الضرر، نعم لا ينتفع الممنوع، وليس عدم النفع ضررا. الخامس: ان تضرر الشريك ببيع شريكه حصته من غيره لا يكون ضرريا الا في بعض الموارد فبين مورد ثبوت الخيار، وتضرر الشريك بالبيع، عموم من وجه. السادس: ان الضرر لو كان في بيع الشريك فانما هو آت من قبل البيع نفسه فلو كان ذلك موردا للقاعدة لزم الحكم بالبطلان، فان ثبوت الخيار جابر للضرر على تقدير وجوده. السابع: ان النهى في المنع من فضل الماء انما يكون تنزيهيا، فلا يندرج تحت كبرى لا ضرر، والكل قابلة للخدشة. اما الاول: فمضافا الى ان عبادة وان كان من اجلاء الشيعة الا ان الرواة عنه عاميون لم يثبت وثاقتهم: ان عبادة لم يذكر جميع اقضية النبي (ص) كيف وهو لم ينقل قضائه في قضية سمرة، وما ذكره من لا ضرر ولا ضرار مستقلا الظاهر انه قطع قضية سمرة، ونقل ما في ذيلها، فلعله لم يذيل حديث الشفعة والمنع من فضل الماءة، بهذه الجملة لبنائه على التقطيع، واتكاءا على ذكرها مستقلا. واما الثاني: فلانه لا محذور في الالتزام بان عقبة لم ينقل هذه القضية المشهورة كما لم ينقل قضية سمرة. واما الثالث: فلانه ستعرف ان ضرار بمعنى التعمد في الضرر، وهذا يلائم مع قضائه (ص) في الموردين. مع ان الاستشهاد بالكبرى الكلية لا يجب ان يكون جميع تلك الكبرى منطبقة على ما استشهد بها له - مثلا - نرى انه (ع) في خبر البزنطى وصفوان استشهد (ع) في رجل اكره على اليمين فحلف بالطلاق والعتاق، وصدقة ما يملك بقوله (ص) رفع ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوه وما اخطاوا (1)، مع ان المنطبق على المورد خصوص ما اكرهوا، ونرى ايضا، صحة ان يجاب عمن سئلنا عن من ترك صلاته وهو نائم: بانه رفع القلم عن الصبى والمجنون


1 - الوسائل ج 16 ص 136. (*)

[ 441 ]

والنائم فليكن المقام من هذا القبيل. واما ساير الوجوه: فلانه يمكن ان يلتزم بان لا ضرر ولا ضرار في الخبرين من قبيل حكمة التشريع لا العلة والوجه في الالتزام بذلك مع ان الظاهر من القضية كونها علة لزوم المحاذير المذكورة. ودعوى انه كيف يمكن ان يكون شئ واحد مجعولا ضابطا كليا في مورد وحكمة للتشريع في مورد آخر. تندفع بانه لا محذور في ذلك - الا ترى - ان نفى الحرج جعل ضابطا كليا ويرفع كل حكم لزم منه الحرج، ومع ذلك جعل حكمة لتشريع طهارة الحديد. فان قيل انه يلزم ان تكون الحكمة غالبية والضرر في بيع الشريك ليس غالبيا بل هو اتفاقى، اجبنا عنه، بان ذلك ايضا غير لازم. ويمكن دفع الوجه الاخير، بانه لا محذور في الالتزام بكون النهى لزوميا كما التزم به شيخ الطائفة، توضيحه ان المعروف في تفسير حديث المنع من فضل الماء، انه يراد منه ما إذا كان حول البئر كلاء، وليس عنده ماء غيره، ولا يتمكن اصحاب المواشى من الرعى الا إذا تمكنوا من سقى بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعى، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعى، وفى هذا المورد قال الشيخ في المبسوط. كل موضع قلنا انه يملك البئر فانه احق بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم وليس له منع الفاضل من حاجته حتى لا يتمكن غيره من رعى الكلاء الذى يقرب ذلك الماء، وانما يجب عليه ذلك لشرب المحتاج إليه وشرب ما شيته فاما لسقى زرعه فلا يجب عليه ذلك لكنه يستحب انتهى، ولتمام الكلام في هذه المسالة محل آخر. فالمتحصل انه لا محذور في كون هذه الجملة من تتمة الروايتين، فلا دافع لظهورهما في ذلك. ولكن الذى يرد عليهما، ان الراوى فيهما عن عقبة هو محمد بن عبد الله بن هلال وهو مهمل، فعلى هذا المتيقن هو ورود هذه الجملة في ذيل قضية سمرة، ويحتمل

[ 442 ]

ورودها مستقلة ايضا. مفاد الحديث ومعنى مفرداته واما المقام الثاني: فالكلام فيه في موردين 1 - في مفردات الحديث اعني كلمتي، الضرر، والضرار 2 - في معنى الجملة، من جهة دخول كلمة لا على الكلمتين. اما الاول: فالضرر، من الالفاظ التى لها معان ظاهرة عند اهل العرف، ويعرفها كل من مارس اللغة العربية ولا حظ موارد استعمال هذا اللفظ، وهو خلاف النفع، ويوافقه اللغة، ففى معجم مقاييس اللغة، الضر ضد النفع، ويقال ضره يضره ضرا، ونحوه عن الصحاح، والنهاية الاثيرية، والقاموس. واليه يرجع ما عن المصباح ضره يضره من باب قتل إذا فعل به مكروها واضربه يتعدى بنفسه ثلاثيا والباء رباعيا والاسم الضرر، وجعل الكراهة اعم من المعنى المذكور خلاف ظاهر كلامه. كما انه يمكن ارجاع ما عن القاموس من قوله بعد تفسير الضرر بما مر، الضرر سوء الحال، الى ذلك. واما ما عن المصباح، من انه قد يطلق على نقص في الاعيان، فهو على خلاف وضعه: كما ان ما في معجم مقاييس اللغة، من اطلاقه على اجتماع الشئ، وعلى القوة، خلاف وضعه ذلك كما صرح به. وكيف كان فبما ان للضرر معنى مبينا عند العرف ويتبادر الى الذهن عند اطلاقه، لا وجه للرجوع الى اللغويين، فانه مع قطع النظر عن عدم حجية قول اللغوى: انه لو سلم حجيته فانما هي بملاك رجوع الجاهل الى العالم، والرجوع الى اهل الخبرة، فمع فرض كون المعنى معلوما، لا مورد للرجوع كما لا يخفى. والذى يظهر من تتبع موارد استعمال هذا اللفظ، انه عبارة عن النقص في النفس،

[ 443 ]

أو العرض، أو المال، وما شاكل من مواهب الحياة، بل لا يبعد دعوى صدقه، في موارد اجتماع الاسباب، وحصول المقتضى لبعض تلك المواهب إذا منع عنه مانع. ثم ان ظاهر جماعة من اللغويين، ان تقابل الضرر والنفع تقابل التضاد، وصريح المحقق الخراساني في الكفاية ان تقابلهما تقابل العدم والملكة. ولا يتم شئ منهما، اما الاول فلان الضرر كما عرفت هو النقص في المال أو النفس أو العرض، وهو ليس امرا وجوديا حتى يكون ضد النفع. واما الثاني: فلان النفع ليس عبارة عن التمامية كى يكون التقابل بينه وبين النقص الذى هو عبارة عن عدم ما من شانه التمامية، تقابل العدم والملكة، بل هو عبارة عن الزيادة العائدة الى من له علاقة بما فيه الفائدة العائدة إليه، فبين النفع والضرر واسطة، مثلا لو اتجر شخص ولم يربح، ولم ينقص من ماله شئ، لا يكون هناك نفع، ولا ضرر. واما الضرار، فالظاهر انه مصدر باب المفاعلة من ضاره يضاره، وقد ذكر في معناه امور. 1 - انه المجازاة على الضرر، ففى المجمع، الضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على اضراره. 2 - انه فعل الاثنين والضرر فعل الواحد، واحتمل الشيخ رجوعه الى المعنى الاول. 3 - انه بمعنى الضرر جئ به للتأكيد، كما صرح به جمع من اللغويين لا حظ القاموس والمصباح. 4 - انه الا ضرار بالغير من دون ان ينتفع به، والضرر ما تضربه صاحبك وتنتفع انت به. 5 - انه بمعنى الضيق واطلقه عليه في الصحاح بعد اطلاق الضرر على سوء الحال. 6 - انه التصدى للاضرار، ذكره المحقق الاصفهانى، واليه يرجع ما افاده المحقق النائيني (ره) من انه الا ضرار العمدي، والتعمد على الضرر والقصد إليه. اقول الظاهر ارادة المعنى الاخير منه - لا - لما افاده المحقق الاصفهانى (ره) من ان ما اشتهر بين القوم من ان الاصل في باب المفاعلة انه فعل الاثنين وان الفرق بينه وبين

[ 444 ]

باب التفاعل بعد اشتراكهما في انهما فعل الاثنين، ان باب المفاعلة هو فعل الاثنين، مع الاصالة من طرف والتبعية من طرف آخر، وباب التفاعل هو فعل الاثنين مع الاصالة والصراحة من الطرفين مما لا اصل له، كما يشهد به الاستعمالات الصحيحة القرآنية وغيرها، فان فيها ما لا يصح ذلك فيه، وفيها ما لا يراد منه ذلك منه ذلك كقوله تعالى " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم " (1) فان الغرض نسبة الخديعة منهم الى الله تعالى، والى المؤمنين لا منهما إليهم، وقوله تعالى " ومن يهاجر في سبيل الله " (2) ويرائون، وناديناه، ونافقوا، وشاقوا، ولا تؤاخذني، الى غير ذلك، وان مفاد هيئة المفاعلة غير مفاد هيئة التفاعل، وانه لا يتقوم بطرفين، بل هيئة المفاعلة وضعت لافادة ان التعدية الى الاخر ملحوظة في مقام افادة النسبة، بخلاف هيئة المجرد، فان تلك الحيثية ولو كانت داخلة في مفادها كما في الفعل المجرد الثلاثي، كخدع غير ملحوظة، فإذا فعل فعلا كان اثره خداع الغير، صدق عليه انه خدعه لا انه خادعه، الا إذا تصدى لخديعته فالضرار هو التصدى للاضرار. فان هذه الامور ليست برهانية بل لا بد فيها من الرجوع الى اهلها، وقد صرح اهل الفن، بان الاصل في باب المفاعلة ان يكون فعل الاثنين، واستعمال تلك الهيئة في غير ذلك انما يكون مع القرينة، كما في الامثلة المشار إليها. بل الوجه في ارادة المعنى الاخير في الحديث، ان فعل الاثنين لا ينطبق على مورده للتصريح فيه بان سمرة مضار، ولم يقع المضاره بين الانصاري، وسمرة، كما ان ارادة المجازاة لا تنطبق عليه، مضافا الى عدم تعاهدها من هذه الهيئة، والتاكيد المحض خلاف الظاهر، والضيق ليس معناه قطعا كما هو واضح. فيتعين ما افاده وهو الذى يظهر بالتتبع في موارد استعماله، مع القرينة على عدم ارادة فعل الاثنين، كقوله تعالى " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا (3) " فان قوله لتعتدوا شاهد


1 - البقرة آية 9. 2 - النساء آية 100. 3 - البقرة آية 232 و 234. (*)

[ 445 ]

كون الضرار هو التعمد للاضرار بقصد الاعتداء وقوله تعالى " لا تضار والدة بولدها ولا كولود له بولده " (1) فان المراد به النهى عن اضرار الام بالولد بترك الارضاع غيظا على ابيه وعن اضرار الاب بولده بانتزاعه من امه طلبا للاضرار وقوله تعالى " وما هم يضارين به من احد الا باذن الله " (2) وكونه بمعنى التعمد في الاضرار بالسحر مما لا يخفى. وقوله تعالى " من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار (3) " فان المراد النهى عن الاضرار بالورثة، بالاقرار بدين ليس عليه، وقوله عز وجل " والذين اتخذوا مسجدا ضرارا (4) "، وقد اخبر الله تعالى ان المنافقين بنوا المسجد الذى بنوه ضرارا وقصدوا به المضارة ولذلك كان قبيحا ومعصية، وفى التبيان، الاية تدل على ان الفعل يقع بالارادة على وجه القبح دون الحسن، أو الحسن دون القبح. وقوله عز وجل " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (5) " في التبيان معناه لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة لتضيقوا في السكنى والنفقة وامر بالسعة والمضارة المعاملة بما يطلب به ايقاع الضرر بصاحبه. وقول الامام الصادق (ع) في خبر هارون بن حمزة الغنوى في بعير مريض اشتراه رجل بعشرة دراهم وشاركه الاخر بدر همين بالرأس والجلد، فقضى ان برأ البعير وبلغ ثمنه ثمانية دنانير، لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ فان قال اريد الرأس والجلد فليس له ذلك هذا الضرر (6) فان طلب الرأس والجلد في الفرض ليس الا بقصد الاضرار بالشريك، وقد اطلق (ع) على الضرار. وقول النبي (ص) في الحديث مخاطبا لسمرة، انك رجل مضار، فان المراد به انك متعمد في الاضرار بالانصارى.


1 - المصدر المتقدم. 2 - البقرة آية 97. 3 - النساء آية 16. 4 - التوبة آية 107. 5 - التوبة آية 107. 6 - الوسائل ج 13 ص 49. (*)

[ 446 ]

وبالجملة التتبع في موارد استعمال هذه المادة المتهيئة بهيئة باب المفاعلة مع القرينة على عدم ارادة فعل الاثنين، والتامل في الخبر يوجبان الاطمينان بان المراد بكلمة ضرار في الحديث ما افاده العلمان، فيكون حاصل قوله (ص) لا ضرر، ولا ضرار نفى اصل الضرر ولو مع عدم التصدى للاضرار، ونفى التصدى للاضرار. مفاد الجملة بالحاظ تصدرها بكلمة لا واما الثاني: وهو مفاد الجملة بلحاظ كونها متصدرة بكلمة - لا - ودخولها على الكلمتين، فقد ذكروا فيه وجوها. 1 - ما يظهر من اللغويين وشراح الحديث، واختاره صاحب العناوين، وشيخ الشريعة الاصفهانى (ره) وهو ارادة النهى من النفى ومرجعه الى تحريم الاضرار. 2 - ما نسبه الشيخ الاعظم (ره) الى بعض الفحول، وهو ان المنفى الضرر المجرد غير المتدارك، ولازمه ثبوت التدارك في موارد الضرر. 3 - ما اختاره المحقق الخراساني، وهو كونه من قبيل نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، كما في قوله لا رهبانية في الاسلام - ولا ربا بين الوالد والولد - وما شاكل، فمفاد الحديث، نفى الاحكام إذا كانت موضوعاتها ضررية. 4 - ما اختاره الشيخ الاعظم وتبعه جمع من الاساطين منهم المحقق النائيني، وهو ان المفاد كل حكم ينشا منه الضرر سواء أكان الضرر ناشئا من نفس الحكم كما في لزوم العقد الغبنى، ام من متعلقه كما هو الغالب. اما بان يكون مجازا من باب ذكر المسبب، وارادة السبب كما يظهر من الشيخ (ره)، أو من باب الاطلاق الحقيقي نظرا الى كون النفى تشريعيا لا تكوينيا، كما افاده المحقق النائيني، واما بان يكون اطلاق الضرر على الحكم الموجب له من باب الحقيقة الادعائية. 5 - ما هو المختار، وهو ان المنفى كل حكم نشا منه الضرر، أو كان موضوعه ضرريا.

[ 447 ]

6 - ما عن بعض الاعاظم وهو ان الحكم سلطاني، سيمر عليك توضيحه. اما الوجه الاول فغاية ما قيل في توجيه انه كما يصح الاخبار عن وجود الشئ في مقام الامر به، كذلك يصح الاخبار عن عدم شئ في مقام النهى عنه، وقد شاع استعمال النفى وارادة النهى، كما في قوله تعالى لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (1) وقول رسول الله (ص) لا سبق الا في خف أو حافر (2) وقوله (ص) لا هجرة فوق ثلاث (3) وقوله (ص) لا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام (4) وقوله (ص) لا منع، ولا اسراف، ولا بخل، ولا اتلاف (5) ونحوها غيرها من الجملات الناهية بلسان النفى، وهى كثيرة. وهذا الوجه وان كان يكفى في رد المحقق الخراساني حيث قال، وارادة النهى من النفى لم يعهد من مثل هذا التركيب، الا انه لا يفى باثبات المطلوب: وذلك لان ارادة النهى من النفى انما يكون باحد وجهين. احدهما: استعمال الجملة في مقام الاخبار عن عدم تحقق ما تصدر بكلمة لا، في الخارج كناية عن مبغوضيته، وحرمته، نظير الاخبار عن ثبوت الشئ في الخارج كناية عن محبوبيته، وفى هذا التعبير الكنائى لطف، ويفيد المراد بوجه آكد، الا ترى انه لو كان الاب في مقام بيان زجر ابنه عن الكذب، قال لا كذب في بيتى، يكون آكد في افادة المراد بحسب المتفاهم العرفي. ثانيهما: ان يكون ما صدره لا النافية، محكوما بالجواز في الشرايع السابقة، أو عند العقلاء، واريد نفى ذلك الحكم في الشريعة المقدسة كما في لا شغار في الاسلام، ولا


1 - البقرة آية 197. 2 - الوسائل ج 13 ص 348. 3 - الوسائل ج 8 ص 584. 4 - الوسائل ج 14 ص 229. 5 - عوالي اللئالى ج 1 ص 296 الطبع الحديث. (*)

[ 448 ]

رهبانية في الاسلام (1) ولا رأى في الدين (2) فان الاول، وهو ان يقول الرجل للرجل زوجنى ابنتك حتى ازوجك ابنتى على ان لا مهر بينهما كان امرا متعارفا عند العقلاء، وكذلك القياس والرأى وقد نفاهما الشارع، والرهبانية كانت مشروعة في الشريعة السابقة، فقد نفى شرعيتها في الاسلام. وشئ منهما لا مورد له في الحديث، اما الاول: فلان حمل اللفظ، أو الهيئة والجملة على ارادة المعنى الكنائى، خلاف الظاهر لا يلتزم به الا مع عدم امكان ارادة المعنى الحقيقي، أو القرينة على عدم ارادته، كما في قوله تعالى، لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج. واما الثاني: فلان الاضرار بالغير لم يكن جائزا في شريعة من الشرايع السابقة، ولا عند العقلاء، فارادة النهى من النفى في الحديث لا تصح. اضف الى ذلك كله، انه في بعض الروايات كلمة، في الاسلام، موجودة في ذيل قوله (ص) لا ضرر ولا ضرار، وهى ظرف لغو متعلق بفعل عام مقدر، وهو، موجود، وهذا لا يلائم مع ارادة النهى من كلمة لا، بان يكون معنى الحديث، حرمة الاضرار في الاسلام: إذ الاسلام لا يكون ظرفا لا ضرار الناس بعضهم ببعض، الا على تكلف بعيد. مع ان ارادة النهى من الحديث، لا يلائم مع قضية سمرة، إذ حرمة الاضرار، لا تنطبق على ما امر (ص) به، من قلع الشجرة، والرمى بها وجهه كما هو واضح، فهذا الوجه ضعيف. واما الوجه الثاني فغاية ما قيل في توجيهه، ان الاصحاب ذكروا في باب الضمان انه لو تلف العين المضمونة يجب على الضامن تداركها اما بالمثل أو القيمة، وذكروا ان ذلك بمنزلة اداء


1 - مجمع البيان ج 10 ص 242 ومجمع البحرين في ذيل كلمة رهب. 2 - الوسائل ج 18 ص 33. (*)

[ 449 ]

نفس العين التى يجب ادائها، بمقتضى حديث على اليد - وعليه - فإذا حكم الشارع الاقدس بلزوم تدارك الضرر، صح تنزيل الضرر الموجود منزلة المعدوم، ويقال لا ضرر. واورد عليه الشيخ الاعظم (ره)، بان الضرر الخارجي، لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشارع بلزوم تداركه، وانما المنزل منزلته الضرر المتدارك فعلا. وفيه: ان المدعى يدعى ان الشارع يحكم باشتغال الذمة بالبدن، فكأنه يكون البدل موجودا في الخارج فعلا، لا انه حكم بوجوب التدارك تكليفا محضا. والصحيح ان يورد عليه: بان اشتغال الذمة، وان صح جعله، منشئا للتنزيل لكنه نفى تنزيلي لا حقيقي، وهو خلاف الظاهر لا يصار إليه الا مع القرينة. مع انه يلزم من الالتزام بذلك تأسيس فقه جديد: فان مجرد الاضرار بالغير من دون اتلاف مال منه لا يوجب الضمان - الا ترى - انه لو تضرر تاجر باستيراد تاجر آخر اموالا كثيرة، لم يجب تداركه لا تكليفا، ولا وضعا. واما الوجه الثالث فقد افاد المحقق الخراساني في توجيه كونه الظاهر من الحديث، بان الظاهر ان يكون لا لنفى الحقيقة، كما هو الاصل في هذا التركيب حقيقة أو ادعاءا كناية عن نفى الاثار كما هو الظاهر من مثل لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد (1) ويا اشباه الرجال ولا رجال (2) فان قضية البلاغة في الكلام هو ارادة نفى الحقيقة ادعاءا لا نفى الحكم أو الصفة، والمنفى في الحديث هو الضرر، وحيث لا يمكن ارادة نفى الحقيقة، حقيقة فليكن من قبيل نفى الحقيقة ادعاءا بلحاظ نفى الحكم والاثار، فمفاد الحديث، نفى الموضوع الضررى بلحاظ نفى حكمه. والمتاخرون عنه اوردوا عليه بايرادات 1 - ما افاده جماعة، وحاصله، ان نفى


1 - الوسائل ج 3 ص 478. 2 - نهج البلاغة ص 65 خطبة 25. (*)

[ 450 ]

الحكم بلسان نفى الموضوع، انما يصح في موارد ثلاثة. الاول: كون الموضوع المنفى بنفسه، ذا حكم شرعى بحسب، عموم دليل أو اطلاق شامل له كما في قول الامام امير المؤمنين (ع) ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا (1) فان الربا محكوم بالحرمة بحسب الادلة، فيكون حينئذ دليل النفى ناظرا الى نفى شموله له بنفى انطباق موضوعه عليه. الثاني: كون العنوان المنفى علة للفعل الذى هو موضوع للحكم بحسب عموم دليل أو اطلاق، كما في قول رسول الله (ص) رفع عن امتى تسعة اشياء، الخطاء، والنسيان الحديث (2) فيكون النفى، نفيا للمعلول، بلسان نفى علته فيدل على ان الفعل الصادر في حال الخطاء أو النسيان، كانه لم يصدر في الخارج فيرتفع عنه الحكم. الثالث: ما إذا كان العنوان المنفى عنوانا ثانويا للموضوع ذى حكم، كعنوان الطاعة، في قوله (ع) لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق (3). والمقام لا يكون من قبيل شئ من هذه الموارد، اما الاول فلانه ان اريد نفى الحكم المترتب على الضرر بنفسه، لادى ذلك الى خلاف المقصود، ويستلزم جواز الاضرار بالغير، لعدم كونه حينئذ ضررا شرعا، اضف إليه ان موضوع الحكم يمتنع ان يكون رافعا له لكونه مقتضيا له، وان اريد منه نفى الحكم المترتب على الفعل المعنون بعنوان الضرر، فيرده ان الضرر ليس عنوانا للفعل، بل هو مسبب عنه ومترتب عليه. واما الثاني: فلان الضرر ليس علة للفعل، بل هو معلول له ومسبب عنه. واما الثالث: فلما اشير إليه من ان الضرر لا يحمل على الفعل الخارجي، كالوضوء، والصوم، وما شاكل، بل هو مسبب عنه ومترتب عليه، وعلى الجملة ما هو موضوع الحكم، هو العنوان المنطبق على الفعل الخارجي لم يرد عليه النفى، وما ورد عليه النفى لم يرفع حكمه قطعا.


1 - الوسائل ج 12 ص 436. 2 - الوسائل ج 11 ص 295. 3 - الوسائل ج 8 ص 111. (*)

[ 451 ]

ويتوجه عليه ان نفى العنوان الثانوي تشريعا واخراجه عن عالم التشريع، تارة يكون حقيقيا، واخرى يكون من قبيل نفى المسبب بلسان، والمقام من قبيل الثاني، لان هذا المقدار من خلاف الظاهر مما لا بد من الالتزام به، حتى على مسلك المستشكلين، الذى اختاروه تبعا للشيخ، من ان المنفى هو الحكم الضررى، إذ الحكم ايضا سبب للضرر، فلو اريد نفى الحكم الضررى لا محالة يكون نفيا للمسبب بلسان نفى سببه. ودعوى ان الحكم سبب توليدى وعلة للضرر، والمسبب التوليدى من العناوين المنطبقة على السبب مثلا الاحراق الذى هو مسبب توليدى ينطبق على سببه وهو الالقاء، فإذا كان الحكم سببا للضرر، ينطبق عنوان الضرر على الحكم فعلى هذا المسلك لا يلزم الالتزام بخلاف الظاهر بخلافه على المسلك الاخر، كما عن المحقق النائيني (ره). غريبة، فان المسبب التوليدى في المثال ليس هو الاحراق، فانه وصف منتزع من ترتب الحرقة، عليه بل المسبب هو الخرقة، وهى لا تنطبق على الالفاء، وبالجملة، السبب، والمسبب موجودان منحاذان لا يعقل انطباقهما على شئ واحد، فالضرر ينشا من الحكم ولا ينطبق عليه وانما المنطبق على الحكم عنوان المضر والضار. بل ارادة نفى الموضوع الضررى، اظهر من ارادة نفى الحكم الضررى، فان الموضوع سبب للضرر ونفى المسبب بنفى سببه شايع، واما الحكم فقد يكون سببا كما في لزوم العقد في المعاملة الغبنية، وقد يكون من قبيل المعدلة لوساطة ارادة المكلف واختياره، كايجاب الوضوء على من يتضرر به فان الحكم ليس سببا للضرر لوساطة ارادة المكلف فان له لا يتوضا فلا يقع في الضرر. ودعوى ان ارادة المكلف حيث تكون مقهورة في عالم التشريع لهذا البعث، فبالاخرة ينتهى الضرر الى البعث والجعل كانتهاء المعلول الاخير الى العلة الاولى، لا كانتهائه الى المعد كما عن المحقق النائيني. مندفعة، بان الارادة، ليست معلولة للحكم، بل هي ناشئة عن مباديها، والحكم انما يكون جعلا لما يمكن ان يكون داعيا لها، من قبيل المعد للارادة، لا العلة.

[ 452 ]

وعليه، فلو اريد من الحديث نفى الحكم الضررى بنحو يلتزم به هؤلاء الا علام لا بد من الالتزام بكونه نفيا، للجامع بين السبب والمعد، بلسان نفى المسب، ولا اظن كون هذا الاستعمال متعارفا، أو له مماثل. 2 - ما افاده المحقق النائيني، وحاصله ان نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، تارة يكون نفيا بسيطا واردا لسلب ذات الشئ، واخرى يكون نفيا تركيبيا واردا لسلب شئ عن شئ. فان كان من قبيل الاول، يعتبر في صحته قيود ثلاثة. الاول كون الموضوع ذا حكم، اما في الجاهلية، أو في الشرايع السابقة أو في هذه الشريعة بحسب عموم دليل، أو اطلاق شامل له - والا - فلا معنى لنفى الحكم بلسان نفى موضوعه. الثاني: كونه عنوانا اختياريا، كالرهبانية، حتى يكون نفيه التشريعي، موجبا لنفيه التكويني. الثالث: كون الحكم المنفى هو الحكم الجائز، والا، انتج نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، ضد المقصود في بعض المقامات، كما في مورد اتلاف مال الغير، فانه لورود في هذا المقام، قوله لا ضرر يكون مفاده، ان هذا الفرد الصادر خارجا من المتلف لا حكم له، كما هو مفاد قوله (ع) لا سهو في سهو. وان كان من قبيل الثاني، أي كان النفى تركيبيا، واردا لسلب شئ عن شئ، فهو يكون تخصيصا بلسان الحكومة، - وبعبارة اخرى - النفى تحديد لما اخذ موضوعا لذلك الحكم المنفى بما عدى مورد النفى، فمثل قوله (ع)، لا شك لكثير الشك، يدل على اختصاص البناء على الاكثر بغير كثير الشك. ولا يمكن الالتزام بشئ منهما في - لا ضرر - اما الثاني: فلعدم كون السلب سلبا تركيبيا، نعم لو كان الخبر بلسان، لا موضوع ضرريا، لكان من قبيل لا شك لكثير الشك. واما الاول: فلان الضرر وان كان اختياريا، الا ان حكمه السابق، حيث لا يكون بالنسبة الى الاضرار بالغير اباحة، بل هو اما تحريم، أو قبح، فارادة نفى الحكم بلسان نفى الموضوع، ينتج ضد المقصود في الموارد المشار إليها، كما في مورد اتلاف مال الغير. وفيه: انه بعد فرض كون الحديث نفيا للسبب بلسان نفى المسبب، كما هو اساس

[ 453 ]

هذا الوجه، فقوله (ص) لا ضرر، في قوة لا وضوء ضرريا، ولا عقدا ضرريا، وهكذا ساير الموضوعات الضررية، فيكون سلبه تركيبيا، ولا محذور فيه. 3 - ان كلمة، ى الاسلام، الموجودة في بعض النصوص المعتبرة، تدل على ان المنفى هو الحكم الضررى، إذ لا معنى لكون الموضوع ضرريا في الاسلام. وفيه: ان هذه الكلمة تنفى احتمال كون، لا، نهيا كما مر مفصلا، ولا تصلح قرينة لتعين كون المنفى هو الحكم، بل هي قرينة على كون النفى تشريعيا لا حقيقيا، والنفى التشريعي كما يتعلق بالحكم حقيقة، يتعلق بالموضوع كذلك ويخرج الموضوع عن عالم التشريع، فهذه الكلمة تلائم مع كون المنفى كل من الحكم أو الموضوع. فالمتحصل مما ذكرناه، ان شيئا مما اورد على ما اختاره المحقق الخراساني لا يرد عليه. نعم، يرد عليه ان هذا الاستعمال وان كان صحيحا وشايعا، الا انه لا وجه لتخصيص المنفى بالموضوع الضررى، بل مقتضى اطلاقه البناء على ارتفاع كل ما هو ضررى كان هو الحكم أو الموضوع. ودعوى ان اسناد النفى الى الحكم حقيقي واسناده الى الموضوع مجازى حيث ان المنفى في الحقيقة حكمه فلو كان المراد من الحديث هو الاعم لزم اجتماع اسنادين، مجازى، وحقيقي في اسناد واحد، وهو غير معقول. مندفعة: بان المراد بالنفى النفى التشريعي وهو كما يستند حقيقة الى الحكم يستند حقيقة الى الموضوع باخراجه عن عالم التشريع، وبما ذكرناه ظهر ما في. الوجه الرابع الذى اختاره الشيخ والمحقق النائيني، فانه لا وجه لجعل المنفى خصوص الحكم الضررى. وقد استدل المحقق النائيني (ره) لهذا القول، أي كون المنفى هو كل حكم اوجب

[ 454 ]

الضرر، بما يتضح ببيان امور. الاول: ان النفى إذا تعلق بشئ، فان كان ذلك حكما شرعيا، كان النفى نفيا بسيطا: لان الاحكام الشريعة من الامور الاعتبارية النفس الامرية، ووجودها التكويني، عين تشريعها، فاثباتها، أو نفيها، راجع الى افاضة حقيقتها، وايجاد هويتها، أو اعدامها عن قابلية التحقق، فعلى هذا يكون نفيها من السلب البسيط، وان كان من الامور الاختراعية، أو الامور الدائرة بين العقلاء، المتعلق بها الامضاء، فحيث ان قابليتها للجعل اختراعا، أو تأسيسا، أو امضاءا أو تقريرا، عبارة عن تركيب انفسها، أو محصلاتها، دون افاضة هويتها وايجاد حقائقها، فلا محالة، يكون النفى الوارد عليها من السلب التركيبي، فالمجعول فيها نفس النفى دون المنفى. ثم ان السلب التركيبي على قسمين، قسم ينفى فيه هذه المهيات عن شئ، كقوله (ع) لا صلاة الا بطهور، وقسم عكس ذلك، أي ينفى فيه شئ عن هذه المهيات، كما في لا شك في المغرب، ولا رفث في الحج وما شاكل، وفى القسم الاول: يفيد النفى، الجزئية، أو الشرطية، وفى القسم الثاني، المانعية: فان نفى الماهية عن شئ، معناه عدم تحقق الماهية بدون ذلك، واما نفى شئ عن الماهية، فمعناه ضدية وجود هذا الشئ فيها، أي الماهية قيدت به، وكيف كان فينتج النفى في القسمين الفساد من غير استعمال النفى في نفى الصحة، وفى نفى الكمال، في مثل لا صلاة لجار المسجد الا في غير المسجد، هذا فيما يكون قابلا لان يتعلق به الجعل من حيث النفى أو المنفى، واما ما لا يقبل ذلك كالامور الخارجية، فلا بد وان يكون ذاحكم، لو لا هذا النفى ليكون النفى بلحاظه، وهو انما يكون باحد وجهين، اما بان يكون بنفس عنوانه موضوعا لحكم عند العرف والعقلاء، أو في الشرايع السابقة، والنفى واردا لا لغاية كقوله (ع) لا رهبانية في الاسلام وما شاكل مما ورد لنسخ الاحكام السابقة، والغائها عن الاعتبار، واما بان يكون مندرجا لو لا هذا النفى في عموم، أو اطلاق، وكان النفى واردا لاخراج ذلك الفرد عن موضوع العام أو المطلق كقوله (ع) لا شك لكثير الشك، ولا شك في نافلة، والقسم الاول من النفى البسيط، والثانى من النفى التركيبي.

[ 455 ]

الثاني: ان الضرر من العناوين الثانوية للحكم، لانه من المسببات التوليدية، والمسبب التوليدى ينطبق على السبب، فان قيل ان ما ذكر يتم في مثل لزوم العقد الذى هو السبب للضرر، ولا يتم في مثل وجوب الوضوء على من يتضرر به، فان السبب هو الوضوء، ووجوبه من قبيل المعد، قلنا: ان ارادة المكلف حيث كانت مقهورة في عالم التشريع لهذا البعث والجعل، وقد اشتهر ان الممتنع الشرعي، كالممتنع العقلي، واللابدية الشرعية، كاللابدية العقلية، فبالاخرة ينتهى الضرر الى البعث والجعل كانتهاء المعلول الاخير الى العلة الاولى لا كانتهائه الى المعد، فالعلة التامة لوقوع المكلف في الضرر هي الجعل الشرعي. الثالث: ان اسناد النفى الى الحكم حقيقي، ويكون النفى مستعملا في معناه الحقيقي بلا رعاية عناية، بخلاف اسناده الى الموضوع فانه يحتاج الى رعاية عناية. فنتيجة هذه الامور ظهور قوله (ص) لا ضرر ولا ضرار، في ارادة نفى الحكم الضررى، فانه بذلك يتحفظ على ظهور لا النافية في ما هو معناه الحقيقي، من دون ان يلتزم بخلاف الظاهر في مدخولها، بان يكون من قبيل استعمال المسبب وارادة سببه، كى: يرد عليه ما افاده المحقق الخراساني، بانه ليس من الشايع المتعارف في المحاورات التعبير عن نفى السبب بنفى مسببه، لما ذكرناه من ان الضرر عنوان ثانوى للحكم، ونفى العنوان الثانوي وارادة العنوان الاولى، ليس من باب المجاز فان اطلاق المسبب التوليدى على سببه شايع متعارف في المحاورات العرفية. في كلامه مواقع للنظر 1 - ما افاده من انطباق المسبب التوليدى على سببه الذى قد مثل، له بانطباق الا يلام على الضرب، والاحراق على الالقاء في النار: فانه يرد عليه ما تقدم من انهما موجودان بوجودين، وليسا من قبيل العنوانين المنطبقين على المعنون الواحد، والا يلام، والاحراق ليسا مسببين، بل المسبب هو الا لم، والحرقة، وبديهى عدم انطباقهما على الضرب والالقاء. 2 - ما ذكره من انه من جهة مقهورية العبد في الارادة، يكون وساطتها، كوساطة الامر غير الاختياري، غير مانع من استناد المعلول الى علته الاولى، فانه يرد عليه، ما تقدم

[ 456 ]

من ان الحكم انما يكون داعيا الى الارادة، واختياريتها محفوظة، فهو من قبيل المعد. 3 - ما افاده من ظهور النفى في ارادة نفى الحكم، فانه بعد فرض كونه النفى تشريعيا، لا تكوينيا، يكون نسبته الى الحكم والموضوع على حد سواء، وسياتى زيادة توضيح لذلك، وعليه فلا وجه لجعل المنفى خصوص الحكم. الوجه الخامس ومما ذكرناه ظهر ان مفاد الحديث نفى مطلق الامر الضررى موضوعا كان ام حكما، وهو الوجه الخامس ونزيده ظهورا ببيان امرين. الاول: ان المنفى في المقام هو ما يوجب الضرر، وهذا المقدار من العناية مما لا بد منه، كان المنفى هو الحكم الضررى، أو الموضوع الضررى وقد مر توضيحه، وعرفت ان ما افاده المحقق النائيني من ان الضرر من العناوين الثانوية للحكم غير تام. الثاني: ان وجود الضرر في الخارج غير ملازم لاستعمال النفى، في غير معناه الحقيقي، أو ظهوره في نفى الحكم، بل النفى متعلق بالضرر في عالم التشريع، فاستعمل في معناه، اريد بالمنفى الحكم، أو الموضوع، اما على الاول فواضح، واما على الثاني، فلان المراد من النفى، هو اخراج الموضوع عن عالم التشريع، توضيحه، ان الصفات التعلقية، كالشوق، والحب وكذلك الاعتبارات، لا يعقل ان تتحقق الامضائه الى الماهيات، وتلك الماهيات تتحقق بنفس تحقق هذه الامرو نظير تحقق الماهية بالوجود الخارجي، والذهني، فوجودها انما يكون بوجود هذه، واعدامها في الحقيقة انما يكون باعدام هذه، نظير اعدام الماهية في الخارج، فانه يكون باعدام الوجود. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه ان الحديث ظاهر في ارادة نفى الامر الضررى سواء كان موضوعا ام حكما.

[ 457 ]

بقى الكلام في الوجه السادس وحاصل ما افيد في وجهه، ان هذه الحكم ليس حكما تشريعيا بل هو حكم سلطاني حكم به (ص) لمقام سلطنته الممضاة، من قبل الله تعالى، بمنع اضرار الناس بعضهم ببعض. توضيحه ان للنبى (ص) مقامات ثلاثة 1 - مقام النبوة، وتبليغ الرسالة، وهو من هذه الجهة مبين للمعارف وحاك للاحكام الشرعية 2 - مقام القضاوة، وهو انما يكون في مقام تنازع الناس في الحقوق والاموال 3 - مقام السلطنة والرئاسة، كنصب امراء الجيوش والقضاء واشباه ذلك. ومن المعلوم ان حكمه (ص) في قضية سمرة بنفى الضرر ليس من الاول، ولا الثاني: إذ لم يكن لسمرة ولا للانصاري، شك في الحكم التكليفى أو الوضعي، أو تنازع في حق اختلفا فيه من جهة اشتباههما في المصاديق أو الحكم، وانما اشتكى الانصاري وتظلم وانتصر منه (ص) بما انه سلطان على الامة، فامر (ص) بقلع النخلة حسما لمادة الفساد، وعقبه بلا ضرر ولا ضرار، فهذا حكم سلطاني عام بعد الحكم الخاص، ومفاده انه لا يضر احد غيره في حوزة رعيتي والتابعين لى، لا بما انه حكم من الاحكام الشرعية بل بما انه حكم من قبل السلطان. ويرد على امور 1 - ان مال هذا الوجه، الى الوجه الاول وهو، ارادة النهى من النفى، وكونه في مقام بيان تحريم الا ضرار، فيرد عليه جميع ما اوردناه على الوجه الاول. 2 - ان هذا الموضوع الكلى الذى حكم عليه، بحكم سلطاني، هل له حكم شرعى، ام لا حكم له ؟ لا سبيل الى الثاني: لما ثبت بالضرورة انه (ص) لم يدع موضوعا الا وبين حكمه وعلى الاول، كان حكمه الجواز، أو المنع، لا وجه لتوهم الاول، فيتعين الثاني، ومعه لا يبقى مورد للحكم السلطاني. 3 - ان اعمال السلطنة انما يكون في الموارد الخاصة التى ترتبط بمصالح الامة مما

[ 458 ]

لا يندرج تحت ضابطه كلية القضاة، وامراء الجيوش، وما شاكل فان تعيين ذلك وتطبيقها على مواردها الجزئية التى لا ضابطة لها بيده (ص) على ما يراه مصلحة للعباد، ولا سبيل الى جريان ذلك في الموضوعات الكلية. 4 - ان الظاهر من قضية سمرة ان النزاع بينه وبين الانصاري كان من ناحية الاختلاف في الحكم، فان سمرة كان يرى الاستيذان من الانصاري، منافيا لسلطنته، فيما كان له من حق العبور الى نخلته، ولذا قال استاذن في طريقي الى عذقى، والانصاري كان يرى ان له الزامه بذلك، فرجعا الى النبي (ص) فحكمه انما يكون من باب القضاء، والظاهر ان الاصحاب ايضا فهموا منه ذلك ولذلك ذكروا هذه اقضية في اقضية النبي (ص). تطبيق حديث لا ضرر على قضية سمرة اما المقام الثالث: وهو في دفع ما اورد على الاستدلال بالحديث من الايرادات، وهى متعددة جملة منها واضحة الدفع لا حاجة الى التعرض لها، وانما المهم منها اثنان. الاول: ان حديث لا ضرر لا ينطبق على ما ذكر من مورده وهو نزاع سمرة، مع الانصاري - وبعبارة اخرى - ان الميزان الكلى المبين بقوله (ص) لا ضرر ولا ضرار، لا ينطبق على مورده، فلا بد اما من رفع اليد عن ظاهره، أو اخراج المورد، وعلى التقديرين لا يصح الاستدلال به. والوجه في ذلك ما افاده الشيخ في رسالته المعمولة في هذه القاعدة، وحاصله، ان الضرر في تلك القضية انما كان في دخول سمرة بغير استيذان من الانصاري، ولم يكن في بقاء عذق سمرة في البستان ضرر، ولذا امره (ص) اولا بالاستيذان من الانصاري، ومع ذلك امر (ص) بقلع العذق، فالكبرى الكلية المذكورة في الحديث لا ينطبق على مورده، فكيف يستدل بها في غيره، واجابوا عنه باجوبة. 1 - ما عن الشيخ (ره) وهو ان عدم انطباق التعليل على الحكم المعلل، لا يخل بالاستدلال.

[ 459 ]

وفيه: ان عدم انطباق الكبرى على ما ذكر موردا لها، يكشف عن عدم ارادة ما يكون الكبرى ظاهرة فيه، والا لزم خروج المورد، فلا محالة تصير مجملة ومعه لا يصح الاستدلال بها. 2 - ما افاده المحقق النائيني (ره)، وهو ان جواز دخول سمرة على الانصاري بغير اذن منه، معلول لكون سمرة مستحقا لا بقاء عذقه في البستان، فإذا كان المعلول ضرريا فكما يرتفع هو بنفى الضرر كذلك يرتفع علته بنفيه، ونظير ذلك ما إذا كانت المقدمة ضررية، فانه كما يرتفع وينفى به وجوب المقدمة كذلك ينتفى به وجوب ذى المقدمة فحق سمرة يسقط لكون معلوله ضرريا. وفيه: اولا بالنقض بما إذا كانت اطاعة الزوج ضررية للزوجة، فان لازم ما افاده نفى الزوجية التى هي العلة لوجوب الاطاعة، أو إذا اضطر الى شرب النجس، فان لازم ما افاده نفى النجاسة به وغير ذلك من الموارد. وثانيا: - بالحل - وهو انه لا يستلزم ضررية المعلول، ضررية العلة كى ترتفع بنفى الضرر فلا وجه لنفيها، وهذا بخلاف المقدمة الضررية: فان ضرريتها تستلزم ضررية ذى المقدمة فيرتفع وجوبه ابتداءا لكونه ضرريا. 3 - ما افاده المحقق النائيني (ره) ايضا وتبعه غيره، وهو ان المستفاد من الرواية امران، الاول عدم جواز دخول سمرة على الانصاري بغير استيذانه، الثاني حكمه (ص) بقلع العذق والمستند الى الضرر، والصغرى لهذه الكبرى انما هو الحكم الاول خاصة، والحكم الثاني انما هو من جهة ولايته (ص) على اموال الامة وانفسهم دفعا لمادة الفساد أو تأديبا له لقيامه مقام العناد واللجاج. وفيه: ان الظاهر من الحديث كون المستند الى الضرر هو الحكم الثاني كما يظهر لمن راجعه. فالحق في الجواب ان يقال انه بعد ما لم يرض سمرة بالاستيذان وكان حفظ عرض الانصاري متوقفا على قلع العذق وكان حفظ العرض اهم في نظر الشارع من حفظ المال طبق (ص) نفى الضرر على حفظ سلطنة الانصاري لعرضه المقتضى ذلك لقلع العذق،

[ 460 ]

فما هو المستند الى الضرر حفظ الانصاري لعرضه لا نفى سلطنة سمرة على عذقه. وان شئت فقل انه بعد ما لم يرض سمرة، بالاستيذان ولا بالمعاملة على عذقه، كان الموجب للضرر، هو بقاء عذقه، وعدم جواز قلعه، فعموم نفى الضرر طبق عليه، ولاجله جاز. مع ان اجمال ما تضمن قضية سمرة، من النصوص غير مضر بالاستدلال بالنصوص المتضمنة لهذه الجملة خاصة كمرسل الصدوق المتقدم الذى عرفت اعتباره. هل القاعدة موهونة بكثرة التخصيصات الايراد الثاني: ما ذكره الشيخ في الرسائل، بقوله، ان الذى يوهن فيها، هي كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها اضعاف الباقي، الى ان قال بل لو بنى على العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد. والظاهر ان نظره في الموارد الخارجة، الى ابواب، الحدود، والديات، والقصاص، والتعزيرات، والضمانات، والخمس، والزكاة، والحج، والجهاد، وما شاكل، واجيب عنه بوجهين. الاول: ان استقرار سيرة الفريقين، على العمل بها في مقابل العمومات المثبتة للاحكام، وعدم رفع اليد عنها الا بمخصص قوى، يوجب جبر وهنها. واورد عليه بان كثرة التخصيص كاشفة عن عدم ارادة المعنى الذى استظهرناه من ادلتها، وعملهم يكشف عن فهفهم معنى شاملا للموارد التى عملوا بها فيها، وحيث ان ذلك المعنى ليس ظاهرا، وفهم الاصحاب ليس حجة لنا، فلا يصلح ذلك لجبر وهنها. بعد فرض انه لا يحتمل ان يكون عمل الاصحباب كاشفا عن وجوه قرينة واصلة إليهم غير واصلة الينا، وان الصادر عن المعصوم (ع) هو الذى بايدينا، جعل كثرة التخصيص كاشفة عن عدم ارادة المعنى الظاهر، غريب: فان ارادة معنى غير ما هو الظاهر بلا قرينة عليها، غير محتملة بالنسبة الى المتكلم الحكيم، الذى هو في مقام بيان الحكم

[ 461 ]

الشرعي، فكثرة التخصيص لمعنى ان كانت مستهجنة، لا ريب في ان ذلك اشد استهجانا، نعم ما ذكر من عدم حجية فهم الاصحاب، متين. الثاني: ما ذكره الشيخ الاعظم (ره) وهو ان الموارد الكثيرة الخارجة عن العام انما خرجت بعنوان واحد جامع لها وان لم نعرفه تفصيلا، وقد تقرر في محله ان تخصيص الاكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بان عدم الاستهجان فيما إذا كان الخارج بعنوان واحد انما هو فيما إذا كان افراد العام انواعا، والسرفيه حينئذ ان خروج عنوان واحد عن تحت الانواع الكثيرة ليس تخصيصا للاكثر، وان كانت افراده اكثر من افراد ساير الانواع: لان الملحوظ على الفرض هو الانواع دون الافراد، واما إذا كان افراده اشخاصا بما، ان الملحوظ استقلالا والمجعول موضوعا هو الاشخاص، والنظر الى الانواع آلى، فلا يتفاوت في الاستهجان بين كون الخارج بعنوان واحد أو بعناوين عديدة، وفى القاعدة بما ان افراد لا ضرر، اشخاص فكثرة الخارج مستهجن، وان كان بعنوان واحد. والصحيح ان يقال ان دليل العام إذا كان من قبيل القضية الخارجية وكان الحكم مترتبا وواردا على كل شخص من الافراد بلا جامع بينها بحسب الملاك - مثل - قتل من في العسكر - ونهب ما في الدار - تم ما افاده المحقق الخراساني (ره) واما إذا كان من قبيل القضية الحقيقية غير الناظرة الى الافراد الخارجية المتضمنة لورود الحكم على الطبيعة، وبلحاظ انطباقها على الافراد يشمل الحكم للافراد، فلا يتم فانه لا نظر في القضية الحقيقية الى الافراد، فلا استهجان في كثرة افراد المخصص، إذ لم يلاحظ الخارج، الى على نحو الفرض والتقدير، ويزيد عدم الاستهجان وضوحا، إذا كان المخصص متصلا، أو متحققا حين صدور العام، كما في المقام. فهل المقام من قبيل الاول، أو الثاني قد يقال انه من قبيل القضية الخارجية من جهة ان المنفى هو الضرر الناشئ من الاحكام المجعولة في الخارج كما عن المحقق النائيني (ره). وفيه: ان المنفى كل حكم ضررى ولا يكون الحديث ناظرا الى خصوص الاحكام

[ 462 ]

التى كانت مجعولة حين صدور الحديث كما هو واضح، فهو انما يكون من قبيل القضية الحقيقية، وعليه فيتم ما افاده الشيخ (ره) ويؤيد عدم الاستهجان، ان تلك الاحكام المشار إليه كانت صادرة عن النبي (ص) في زمان قضية سمرة ومع ذلك لم يعترض عليه احد من الصحابة بجعلها في الشريعة. ويمكن ان يجاب عن الاشكال بوجوه اخر 1 - بظهور لا ضرر ولا ضرار في نفسه في نفى الاحكام التى لم تقتض بطبعها ضررا، فهذه الموارد خارجة عن القاعدة بالتخصص لا بالتخصيص. 2 - ان الحكم في جملة من تلك الموارد ليس ضرريا كابواب، الغرامات، والجنايات، والزكاة، والخمس: فان وجوب تدارك ما اتلفه، ووجوب الدية على من جنى أو قتل نفسا، ووجوب اخراج حق الامام (ع) والسادات والفقراء من جهة كونهم شركاء، انما يكون من قبيل اداء الدين، ولا يصدق عليها الضرر الذى هو عبارة عن النقص في المال. 3 - ان الحكم المبين بحديث لا ضرر، من الاحكام الاجتماعية الاسلامية، وتلك الاحكام انما تكون بلحاظ نوع المسلمين وعامتهم، لا بلحاظ الافراد، وعليه فاكثر الاحكام التى توهم كونها ضررية وخارجة عن تحت عموم الحديث لا تكون ضررية بحسب النوع، الذى هو الميزان في المقام، فلا اشكال في التمسك بعموم الحديث. الميزان هو الضرر الشخصي واما المقام الرابع: فملخص القول فيه في ضمن تنبيهات، الاول، ان الميزان، هل هو الضرر الشخصي فلو كان فعل واحد ضرريا على عامة المكلفين، ولم يكن ضرريا على شخص واحد، ولم يكن من الاحكام الاجتماعية لا يحكم بارتفاعه بالنسبة إليه خاصة، ام تكون العبرة بالضرر النوعى فالحكم في الفرض يكون مرتفعا بالنسبة الى غير المتضرر ايضا. والاظهر هو الاول: فان الظاهر من اخذ عنوان في الموضوع دوران فعلية

[ 463 ]

الحكم مدار فعلية ذلك العنوان، ولا يكفى لفعلية الحكم بالنسبة الى شخص فعلية الموضوع بالاضافة الى اشخاص اخر، كما هو الشان في جميع العناوين الكلية المؤخوذة فثى الموضوعات - الا ترى - ان وجوب الحج رتب على الاستطاعة فلو فرضنا ان اكثر اهل البلد صاروا مستطيعين في سنة، غير واحد منهم، فهل يتوهم النباء على وجوبه عليه ايضا، وهذا من الوضوح بمكان وقد استدل للثاني بوجهين. 1 - ان الاصحاب استلوا بها على خيار الغبن، مع ان المعاملة الغبنية لا تكون ضررية دائما، بل ربما تكون المصلحة في بيع المتاع باقل من ثمن المثل، كما إذا كان في معرض السرقة أو الحرقة، أو لم يقدر مالكه على حفظه ولا على بيعه باكثر من ذلك: فان هذه المعاملة غبنية وليست بضررية، ومقتضى اطلاق كلمات الاصحاب ثبوت الخيار فيها ايضا فيستكشف من ذلك ان الميزان هو الضرر النوعى لا الشخصي. وفيه: اولا، ان منشا ثبوت خيار الغبن ليس هو قاعدة لا ضرر كما حقق في محله. وثانيا: ان الظاهر صدق الضرر في الفرض، فان هذه المعاملة بملاحظة الجهات الخارجية وان كانت اقل ضررا من حفظ المتاع، الا انها من حيث انها معاملة تكون ضررية، إذ لا يتصور الغبن من دون الضرر. وثالثا: ان التزام الفقهاء في المورد المفروض، بالخيار مع قطع النظر عن الادلة الاخر، غير ثابت. ورابعا: ان الظاهر من الحديث، نفى الحكم الموجب للضرر اما في النفس أو المال، والضرر المالى قد يكون موجبا للضرر الحالى، وقد لا يكون كذلك، فشخصية الضرر، انما هي بلحاظ المال، لا بلحاظ الشخص. 2 - انه لا ريب في ان الضرر في موارد ثبوت حق الشفعة انما يكون غالبيا ومع ذلك افتى الاصحاب بثبوته مطلقا، بل الامام (ع) طبق حديث لا ضرر عليه كما تقدم فيعلم من ذلك ان العبرة بالضرر النوعى لا الشخصي. وفيه: ان دليل ثبوت ذلك الحق ليس هو قاعدة لا ضرر، بل النصوص الخاصة الدالة عليه، وقد تقدم ان النص الذى في ذيله لا ضرر ولا ضرار، ضعيف السند.

[ 464 ]

مع انه لو سلم تذيل تلك النصوص بهذا الذيل، ثبوت الخيار في غير مورد الضرر لازمه فرض الضرر حينئذ حكمة التشريع، وهذا امر يمكن الالتزام به في تلك النصوص، بخلاف الاحكام التى يلتزم بنفيها من جهة كونها ضررية لما دل على نفى الضرر، فتدبر فانه دقيق. العبادات الضررية مشمولة للحديث التنبيه الثاني: هل الحديث يشمل العبادات الضررية، ام لا ؟ وجهان وقد استدل للثاني بوجهين. 1 - انه في بعض النصوص كلمة، على مؤمن، موجودة في ذيل جملة لا ضرر ولا ضرار، والظاهر منها، حينئذ ان المنفى هو الحكم الذى يتضرر به الغير، واما ما يتضرر به الانسان نفسه، كما في العبادات الضررية، فخارج عن تحت تلك الجملة. وفيه: انه قد عرفت عدم وجود كلمة على مؤمن في شئ من الاخبار، الا في مرسل ضعيف غير حجة، فالقيد الموجب لخروج العبادات الضررية، غير ثابت. مع انه لو سلم وجودها في نص معتبر، بما ان هناك ما يكون مطلقا ولا يحمل المطلق على المقيد في المثبتين، ففى العبادات الضررية يتمسك بالنص المطلق لنفى احكامها. 2 - ان الضرر هو النقص في المال أو النفس أو ما يتعلق به مع عدم حصول نفع في مقابله، واما ما يحصل في مقابله نفع، فلا يكون ضررا، ومعلوم ان الامر بالشئ في حال الضرر. الثابت بعموم الدليل أو اطلاقه، يدل على العوض، فلا يكون ضررا. واجيب عنه: بان الامر متعلق بنفس تلك الماهية كالصلاة ولازمه تحقق الاجر في مقابل تلك الماهية، واما حصول عوض في مقابل الضرر واجر له فلا دليل عليه. واورد عليه الشيخ الاعظم بانه لو سلم وجود النفع في ماهية الفعل أو في مقدماته، كان الامر بذلك الفعل امرا بالتضرر امرا بالتضرر والاجر بازائه.

[ 465 ]

والحق في الجواب ان الضرر هو النقص الدنيوي غير المتدارك بنفع كذلك، واما النفع الاخروي فهو الموجب للامر بالتضرر ولا يكون مخرجا له عن كونه ضررا، فالاظهر شموله لها، مع: ان المراد بالعوض اما الاجر الاخروي، أو المصلحة الكامنة في فعل العبادة، اما الاجر فثبوته تابع للامر وبعد تقييد اطلاق دليل الامر بالعبادة بحديث لا ضرر يكون الامر تابعا ومتوقفا على عدم كون العبادة ضررية، فلو توقف ذلك على الاجر كان ذلك دورا واضحا، واما المصلحة فحيث ان الدليل ليس في مقام بيانها بل في مقام بيان الامر وانما تستكشف هي من ثبوت الامر بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات، فثبوت المصلحة انما يتوقف على ثبوت الامر، وهو يتوقف على عدم الضرر، فلو كان ذلك متوقفا على ثبوت المصلحة لزم الدور، فالعوض الاخروي، والمصلحة لا يصلحان لجبر الضرر فتدبر فانه دقيق. الاقدام لا يمنع عن شمول الحديث التنبيه الثالث: لا اشكال في شمول الحديث، لما إذا كان السبب للتضرر، هو الحكم الشرعي بلا دخل لما هو فعل اختياري للمكلف فيه. انما الكلام فيما إذا كان للفعل الاختياري دخل فيه فانه قد اختلفت كلمات القوم في موارده، ويتوهم التنافى بين فتاوى القوم فيها. وقد صرح غير واحد في جملة من التكليفيات بان الاقدام على الضرر لا يوجب عدم حكومة القاعدة عليها. وقالوا انه من اجنب نفسه متعمدا مع كون الغسل مضرا له ان هذا الاقدام لا يوجب عدم جريان قاعدة لا ضرر. وانه إذا صار المكلف باختياره سببا لمرض أو عدو يتضرر به سقط وجوب الصوم والحج. وانه لو احدث المتوضى مع كون الوضوء ضرريا لا يجب عليه الوضوء.

[ 466 ]

وايضا صرح غير واحد في الوضعيات وفى غير مورد من التكليفيات بان الاقدام يمنع عن حكومة القاعدة لا حظ. مسالة مالو اقدام انسان ونصب اللوح المغصوب في سفينته: فانه قالوا انه يجوز لمالك اللوح نزع لوحه وان تضرر مالك السفينة بنزعه بلغ ما بلغ، وانه يجب على مالك السفينة رد اللوح وان تضرر، وعللوه بانه اقدم على الضرر. ومسالة العلم بالغبن، فانهم يفتون بثبوت اللزوم، ويعللون عدم شكول القاعدة له: بانه اقدم على الضرر. ومسالة ما لو استاجر شخص ارضا الى مدة وبنى فيها بناءا أو غرس فيها شجرا، يبقى بعد انقضاء زمان الاجارة: فانهم قالوا ان لمالك الارض هدم البناء وقلع الشجر وان تضرر به المستاجر. وكذا لو غرس أو بنى من عليه الخيار في الملك الذى تعلق به حق الخيار، فانهم افتوا بانه لذى الخيار هدمه أو قلعه إذا فسخ العقد الخيارى وان تضرر به من عليه الخيار الى غير ذلك من الفروع. وكيف كان ففى المقام اقوال 1 - ما ذهب إليه جمع من متأخري المتأخرين، وهو ان الاقدام يمنع عن شمول القاعدة مطلقا 2 - ما اختاره جماعة، وهو عدم المانعية كذلك 3 - التفصيل بين الاقدام بفعل محرم، والاقدام بفعل جائز، وان الاول مانع عن الشمول دون الثاني 4 - التفصيل بين التكليفيات، والوضعيات، وهو مانع في خصوص الاولى 5 - التفصيل الذى اختاره المحقق النائيني. وقد استدل للاول: بان الحديث انما يرفع الحكم الذى يكون سببا للضرر، وفى الفرض، السبب هو الاقدام لانه الجزء الاخير للعلة دون الحكم.: وبان جماعة من الاصحاب افتوا بلزوم الغسل على من اجنب نفسه مع العلم بكون الغسل ضرريا.: وبتسالم الاصحاب على ان خياري العيب، والغبن، يسقطان، في صورة علم المغبون بغبنه، وما لو علم المشترى بالعيب، ولا وجه لذلك سوى الاقدام.

[ 467 ]

وفى الكل نظر، اما الاول: فمضافا الى كونه اخص من المدعى، لما سيمر عليك عند بيان ما افاده المحقق النائيني. يرد عليه: انه قد عرفت ان المنفى بحديث لا ضرر، كل ما اوجب الضرر كان هو الحكم أو الموضوع، فعدم استناد الضرر الى الحكم مع كون المتعلق أو الموضوع ضرريا، لا يوجب عدم شمول الحديث. واما الثاني: فلان من افتى بوجوب الغسل في الفرض انما استند الى النص الخاص (1) فلا يقاس ساير الموارد به. واما الثالث: فلان مدرك ثبوت خياري العيب والغبن، ليس هو قاعدة لا ضرر، بل المدرك فيهما، الشرط الضمنى الذى عليه بناء العقلاء في معاملاتهم من سلامة المبيع، وتساوى المالين في المالية مع التبدل في الاشخاص، والاخبار الخاصة في خيار العيب (2) واختصاص الوجهين بصورة الجهل واضح. مع: انه لو سلم كون المدرك هو قاعدة لا ضرر فبما ان القاعدة انما تنفى الحكم الذى في رفعه منة، ومع العلم بالغبن، والعيب لا يكون رفع اللزوم امتنانيا فلا تشمله القاعدة. واستدل للثالث وهو ان الاقدام بفعل حرام مانع عن شمول القاعدة بخبر عبد العزيز الاتى، عن الامام الصادق (ع) عمن اخذ ارضا بغير حقها وبنى فيها قال يرفع بنائها وتسلم التربة الى صاحبها ليس لعرق ظالم حق، بدعوى ان الجملة الاخيرة كناية عن كل ما وضع بغير حق، فكل موضوع بغير حق وعلى وجه محرم لا احترام له، فلا تشمله القاعدة لخروج هذا المال عنه تخصصا، إذ القاعدة تنفى الضرر على المال المحترم. وبقول الامام على (ع) في نهج البلاغة الاتى، الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها. لكنهما اخصان من المدعى لاختصاصهما بالاموال، وعدم شمولها لما إذا تضرر


1 - الوسائل ج 2 ص 986. 2 - الوسائل ج 12 ص 362. (*)

[ 468 ]

الغاصب بغير ما وضع على المغصوب، واستدل للرابع، بان القاعدة امتنانية، ولا امتنان في رفع الصحة واللزوم مع العلم بالضرر بخلاف باب التكليفيات، وقد ظهر ما فيه مما قد مر واما لقول الخامس: الذى اختاره المحقق النائيني، فملخصه انه للاقدام صور ثلاث، الاولى، الاقدام على موضوع يتعقبه حكم ضررى، كما لو اجنب نفسه مع العلم بان الغسل يضره، أو شرب دواءا يعلم بانه يصير سببا لمضرية الصوم، الثانية، ان يكون الاقدام على نفس الضرر، كالاقدام على البيع الغبنى، الثالثة ان يكون اقدامه على امر يكون مستلزما لتوجه الحكم الضررى إليه، سواء كان الحكم قبل الاقدام فعليا، كما لو غصب لوحا ونصبه في سفينته، أو لم يكن كذلك، ولكنه يعلم بتحققه بعد ذلك، كما لو بنى في الارض المستأجرة سنة مثلا، أو غرس فيها شجرا يبقى فيها بعد انقضاء مدة الاجارة. واختار عدم مانعية الاقدام في الصورة الاولى، وكونه مانعا في الاخيرتين. وذكر في وجه المانعية في الصورة الاولى، ان السبب للضرر فيها، هو الحكم الشرعي، والاقدام انما هو من قبيل المعد وفى المرتبة السابقة على الحكم، ولا يكون واسطة بين الحكم والضرر، مثلا في المثالين لو لا حكم الشارع بوجوب الغسل، والصوم لم يكن الشخص متضررا بالاجناب، وشرب الدواء. وذكر في وجه المانعية في الصورة الثانية: بان منشا الضرر إذا كان حكم الشارع يكون منفيا بالحديث، وان كان فعل المكلف لا يكون حكمه مشمولا له، ومع العلم بالضرر واقدامه عليه يكون منشا الضرر فعل المكلف، فلا يشمله الحديث. - وبعبارة اخرى -: ان الحكم في هذه الصورة ليس الا مقدمة اعدادية والمكلف بنفسه اقدم على الضرر سواء كان العقد لازما ام جائزا، فالضرر لم ينشا من لزوم العقد، بل لا يصح نسبة الضرر إليه، لان الضرر الذى اقدم عليه في رتبة الموضوع للزوم فلا يعقل ان يكون موضوعا له. وافاد في وجه المانعية في الصورة الثالثة، بان اختيار المكلف واقدامه ليس واقعا في طريق امتثال الحكم حتى ينتهى الضرر بالاخرة الى الحكم، بل الضرر مستند الى

[ 469 ]

اختياره واقدامه، مثلا في المثالين، الضرر انما ينشا من اقدام المكلف على البناء، أو الزرع لا من وجوب رد المغصوب الى مالكه فارغا ووجوب رد الارض المستأجرة فارغة مع العلم بانقضاء زمان الاستحقاق قبل كمال الزرع والشجر في نفسه، هذا ملخص ما افاده بتوضيح منا. ويرد عليه امور 1 - ما تقدم من ان المنفى ليس خصوص الحكم الضررى، بل لو كان موضوع الحكم ضرريا يرفع حكمه بالحديث. 2 - انه في الاقدام على المعاملة الغبنية لو تم ما افاده فانما هو بالنسبة الى الصحة، واما لزومها فهو يكون منشئا لبقاء الضرر، إذ لو كانت المعاملة جائزة وتمكن المكلف من التخلص عن الضرر بالفسخ لا يكون الضرر باقيا، فحكم الشارع باللزوم ضررى يكون مشمولا للحديث. 3 - انه في الصورة الثالثة يكون المقدم عليه هو الموضوع لوجوب تخليص الارض، الذى هو ضررى، ومن المعلوم ان وجوب التخليص غير وجوب رد المال الى صاحبه، وهو انما يتوجه بعد الاقدام، فلاقدام من قبيل المعدلا من قبيل الجزء الاخير للعلة، فلا بد من الالتزام بشمول الحديث له حتى على مسلكه. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه اظهرية القول الثاني وان الاقدام من حيث هو لا يكون مانعا عن شمول الحديث. ويمكن ان يستدل له مضافا الى ما مر بان المنفى في الحديث عنوانان، الضرر، والضرار، وقد مر ان الضرار، هو التعمد الى الضرر والقصد إليه، فيمكن ان يقال ان قوله (ص) لا ضرار باطلاقه يدل على نفى الحكم الضررى مع الاقدام، فتأمل. رد المغصوب مع تضرر الغاصب ثم انه لا باس بالتعرض لفرع مناسب للمقام، وهو انه ذهب جماعة من الاصحاب الى وجوب رد اللوح المغصوب، إذا نصبه الغاصب في السفينة، وان تضرر منه الغاصب،

[ 470 ]

واستدلوا له بوجوه. 1 - ما افاده المحقق النائيني، وهو ان الهيئة الحاصلة من نصب اللوح، لا تكون مملوكة للغاصب، لانه لا يكون مالكا لتركيب السفينة مع غصبية اللوح، فرفعه لا يكون ضرريا، لان الضرر عبارة عن نقص ما كان واجدا له. وفيه: انه وان لم يصدق الضرر من هذه الجهة، الا انه ربما يوجبه من نواح اخر، كما إذا حصل من رفع الهيئة النقص في ساير اجزائها، أو الخلل في محمولاتها، ومقتضى اطلاق كلمات الاصحاب جواز الرفع حتى في تلك الموارد. 2 - ما افاده الشيخ الاعظم، وهو انه كما يكون احداث الغصب حراما، وان تضرر الغاصب بتركه، ولا يصح ان يقال ان الغاصب يتضرر بتركه، فحرمة الغصب منفية بالحديث، كذلك يكون ابقائه حراما، لان دليل حرمة الابقاء هو دليل حرمة الاحداث، فلا يصح ان يقال بجواز الابقاء من جهة تضرر الغاصب بتركه، فيجب الرد لذلك. 3 - خبر عبد العزيز محمد الدرواردى عن الامام الصادق (ع) عمن اخذ ارضا بغير حقها، وبنى فيها قال (ع) يرفع بنائه وتسليم التربة الى صاحبها ليس لعرق ظالم حق ثم قال قال رسول الله (ص) من اخذ ارضا بغير حق كلف ان يحمل ترابها الى المحشر (1). وما عن نهج البلاغة قال امير المؤمنين (ع) الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها (2). هل الضرر مانع عن صحة العبادة، أو العلم به مانع التنبيه الرابع: هل المنفى بقاعدة لا ضرر، هو الضرر الواقعي وان لم يعلم به، فلو توضأ باعتقاد عدم الضرر، أو صام كذلك، وكان مضرا واقعا لم يصح وضوئه ولا صومه، ام يكون المنفى هو الضرر المعلوم، فلو اعتقد عدم تضره بالوضوء فتوضأ ثم انكشف


1 - الوسائل ج 17 ص 311 باب 3 من ابواب الغصب. 2 - الوسائل ج 17 ص 309 باب 1 من ابواب الغصب. (*)

[ 471 ]

انه تضرر به صح وضوئه، ام يكون المنفى هو الضرر المعلوم بان يكون العلم جزء الموضوع، كما هو ظاهر الشيخ الاعظم في الرساله حيث انه قال بعد كلام له متعلق بالمقام فتحصل ان القاعدة لا تنفى الا الوجوب الفعلى على التضرر العالم بتضرره، وجوه واقوال. اقواها الاول: لان المنفى في الحديث هو الضرر، والظاهر منه هو الضرر الواقعي كما هو الشان في جميع العناوين المأخوذة في الموضوعات، لان الالفاظ موضوعة للمعانى النفس الامرية، من غير دخل للعلم فيها، فالعبرة في رفع الحكم، كونه، أو موضوعه ضرريا في المواقع، وان لم يعلم به المكلف. وقد استدل الشيخ لدخل العلم بالضرر في النفى، بانه مع اعتقاد عدم الضرر الحكم الواقعي لم يوقع المكلف في الضرر ولذا لو فرضنا انتفاء هذا الوجوب واقعا على هذا المتضرر، كما لو توضأ باعتقاد عدم تضرره لوقع في الضرر فلم يستند تضرره الى جعل هذا الحكم، والحديث انما يرفع الحكم الذى يكون سببا وعلة للضرر، فالحديث لا يشمله. وفيه: ان الحديث كما يرفع الحكم الذى ينشا منه الضرر كذلك ينفى كل حكم كان موضوعه ضرريا، ومن الواضح ان الوضوء في الفرض ضررى. مع انه يرد عليه انه لو سلم كون المرفوع هو الحكم الذى ينشا منه الضرر، يكون العبرة في الرفع بكون الحكم بنفسه، أو بامتثاله ضرريا، ولا ينظر الى ما في الخارج من الضرر، وانه من أي سبب تحقق، ومعلوم ان الحكم المزبور ضررى بامتثاله. واضف إليه ان هذا الوجه لو تم لدل على مانعية اعتقاد الضرر عن شمول القاعدة ولا يدل على شرطية العلم بالضرر. ويظهر من كلمات الشيخ، وجه آخر لذلك، قال في الرسالة بعد ذكر الوجه المتقدم، فنفيه ليس امتنانا على المكلف وتخليصا له من الضرر، بل لا يثمر الا تكليفا له بالاعادة بعد العمل والتضرر انتهى. وحاصله، ان حديث نفى الضرر لوروده في مقام الامتنان يختص بما في رفعه

[ 472 ]

تسهيل وارفاق ومن المعلوم ان رفع الحكم في الفرض يستلزم التكليف بالاعادة بعد العمل والتضرر فلا يشمله الحديث. ولكن يرد عليه مضافا الى انه مختص بما يكون له البدل وما يستلزم الاعادة كما في الوضوء، فانه لو شمله الحديث وانكشف الضرر لا بد من التيمم واعادة الصلاة التى صلاها مع ذلك الوضوء، وكما في الصوم فانه لو صام وانكشف الضرر لا بد من قضائه على فرض شمول الحديث ولا يتم في غيرهما، وفيهما دل الدليل على ان العبرة باعتقاد الضرر، فان موضوع جواز الافطار المأخوذ في الاخبار (1) هو خوف الضرر الشامل للاعتقاد بالاولوية، كما ان الروايات الخاصة (2) الواردة في موارد خاصة كالمجروح، والمقروح، ومن يخاف العطش، تدل على كون الموضوع للتيمم هو اعتقاد الضرر أو خوفه.: ان هذا الوجه، كالنصوص المشار إليها لا يدل على ان الضرر الواقعي ليس موضوعا، بل يدل على تخصيص موضوع الحديث، كما ان الجمع بين الاخبار المشار إليها، وحديث لا ضرر، يقتضى البناء على كون كل من الضرر والعلم به موضوعا مستقلا، وعليه فلو اعتقد عدم الضرر فتيمم، ثم تبين وجوده، صح تيممه على المختار وبطل على المسلك الاخر، كما انه لو اعتقد عدم مضرية الصوم، ولم يصم فانه على المختار لم يفعل محرما ولم يترك واجبا وان تجرى، بخلافه على المسلك الاخر. فالمتحصل ان القاعدة انما تنفى الحكم الضررى وحكم الفعل الضررى، غاية الامر في بعض الموارد يقيد بان لا يكون معتقدا لعدم الضرر. هل الحكم بنفى الضرر من باب الرخصة أو العزيمة التنبيه الخامس: هل الحكم بنفى الضرر من باب العزيمة، فلا يجوز الاتيان بما


1 - الوسائل ج 7 ص 153 و 155. 2 - الوسائل ج 2 ص 968 وص 997. (*)

[ 473 ]

هو ضررى ولو كان عبادة لا تصح، فلو تحمل الضرر وتوضا بطل وضوئه، ام يكون من باب الرخصة، فيجوز الاتيان به، فلو توضأ في الفرض يصح، وجهان، بل وجوه. وقد استدل لكونه من باب العزيمة، بوجوه بعضها يدل على حرمة ذلك الفعل، وبعضها استشهد به لعدم الامر به فلو كان عبادة لا تصح ولا يكون الفعل الضررى حراما الا من باب التشريع، وبعضها يختص بخصوص الوضوء. 1 - ما في الجواهر، وهو ان الاضرار بالنفس حرام، فالمأمور به إذا كان ضرريا يكون محرما فلا محالة يرتفع امره لامتناع اجتماع الامر والنهى، وقد استدل بذلك لبطلان الوضوء في مفروض المثال. واورد عليه بان المحرم هو الضرر المترتب على الوضوء، فالوضوء محرم بالحرمة المقدمية غير الموجبة للبعد، فلا مانع من التقرب بالوضوء. وفيه: ان الحرمة لا بد وان تتعلق بما هو داخل تحت الاختيار وفعل المكلف، وهو الاضرار لا الضرر، والا ضرار منطبق على الوضوء لا مترتب عليه. فالصحيح ان يورد عليه بما سيأتي من عدم الدليل على حرمة الاضرار بالنفس فانتظر. 2 - ما افاده المحقق النائيني، وهو انه لا ريب في صحة التيمم في الفرض، ولا ريب ايضا في ان التيمم في طول الوضوء: فانه علق على عدم وجدان الماء، والوضوء معلق على الوجدان، فلو كان الوضوء ايضا مشروعا، يلزم كون ما في طول الشئ في عرضه وكون المكلف واجدا وغير واجد، في زمان واحد، وهو محال. وفيه: ان مشروعية التيمم علقت على عدم وجدان الماء، أو كون الماء مضرا فمع مشروعيتهما معا، لا يلزم شئ من المحذورين. 3 - ان حديث لا ضرر، انما يوجب تقييد متعلقات الاحكام، ويدل على ان كل حكم ضررى منفى في الاسلام، فلو كان الفعل الضررى امرا عباديا، كالوضوء، لا يكون مامورا به ومع عدم الامر لا محالة لا يصح، فالوضوء الضررى باطل، واورد عليه بايرادات.

[ 474 ]

الاول: ان دليل حكم ذلك الفعل، كدليل وجوب الوضوء، انما يدل باطلاقه بالدلالة المطابقية على انه واجب حتى في حال الضرر، وبالدلالة الالتزامية يدل على انه ذو ملاك في تلك الحال، وحديث لا ضرر انما يوجب تقييد ذلك الدليل من الناحية الاولى أي من حيث دلالته على الوجوب، واما دلالته على كونه واجدا للملاك فلا مقيد له، إذ لو كان للكلام دلالات وظهورات سقط بعضها عن الحجية لا موجب لسقوط غيره، فلو اتى بالوضوء بداع الملاك صح. وفيه: ان التمسك بالاطلاق فرع كون الكلام مسوقا للبيان، وادلة الاحكام سيقت لبيان الاحكام، لا الملاكات غاية الامر بالبرهان العقلي يستكشف من وجود الحكم وجود الملاك، فإذا قيد الحكم لا كاشف عن وجود الملاك ايضا. الثاني: ان حديث لا ضرر انما ينفى اللزوم لا الجواز - وان شئت قلت - انه بناءا على كون الاختلاف بين الوجوب والاستحباب من ناحية الترخيص في الترك وعدمه، دليل نفى الضرر يرفع الوجوب، ويقتضى الترخيص، كما انه بناءا على كون الوجوب مركبا من طلب الفعل من المنع من الترك الحديث انما يرفع القيد الثاني، فالوضوء حينئذ مطلوب ويصح لذلك. وفيه: ان الوجوب كما حقق في محله ليس مركبا بل هو بسيط، كما انه قد تقدم ان الحديث لا يثبت الحكم فانه ناف لا مثبت، وايضا هو ينفى الحكم الشرعي دون الاحكام العقلية، - وعليه - فلا معنى لنفى اللزوم وبقاء الجواز بمعنى نفى احد الضدين وبقاء الاخر، أو نفى الحكم العقلي. الثالث: وهو يختص بالمستحب، وما هو من قبيل الوضوء، وهو ان حديث لا ضرر، بما انه وارد في مقام الامتنان، فلا يصلح ان يكون رافعا للاستحباب إذ لا كلفة في وضعه كى يرفعه، وانما يرفع التكاليف اللزومية، وعليه فبما ان الوضوء مع قطع النظر عن وجوبه الغيرى، مستحب نفسي على الاظهر، ومستحب غيرى على المسلك المشهور بين الاصحاب، من ان المطلوب النفسي هو الكون على الطهارة الحاصل من الوضوء، فالامر اللزومى المتعلق به وان كان منفيا بالحديث، الا ان امره الاستحبابى يكون باقيا، فيصح

[ 475 ]

الوضوء الذى اتى به بداعي ذلك الامر النفسي. فالمتحصل مما ذكرناه، ان حديث نفى الضرر، بالنسبة الى الواجبات من قبيل العزيمة، لا بمعنى الحرمة بل بمعنى عدم الامر بالفعل الضررى، وحيث لا يشمل المستحبات، فالمستحبات الضررية، وما يكون فيه ملاكان، للوجوب، والاستحباب، كالوضوء، يكون امر الاستحبابى باقيا، فيصح الاتيان به بداعي ذلك الامر لو كان عبادة، فلو تحمل الضرر وتوضا يصح وضوئه. هل حديث لا ضرر يشمل عدم الحكم ام لا ؟ التنبيه السادس: بعد ما لا اشكال في انه يشمل الحديث الاحكام الوجودية وينفيها، وقع الكلام في انه، هل يشمل عدم الحكم لو كان ضرريا، ام لا يشمله ؟، وفيه وجهان بل قولان. اظهرهما الثاني: فان ظاهر الحديث هو نفى ما يوجب الضرر، ومن الواضح ان النفى لا يرد على العدم، بل لا بد وان يكون مورده وجوديا. والى ذلك نظر المحقق النائيني (ره) حيث قال ان حديث نفى الضرر ناظر الى الاحكام المجعولة في الشريعة وعدم الحكم بشئ وان كان تحت قدرة الحاكم الا انه ليس حكما مجعولا فلا يشمله الحديث. فلا يرد عليه ما افاده بعض المحققين من ان عدم جعل الحكم في موضع قابل للجعل بمنزلة جعل العدم لا سيما مع ورود قوله (ع) ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم (1) فانه بمنزلة التصريح بجعل عدم التكليف.: فان العدم حتى مع التصريح به ليس شيئا قابلا لورود النفى والعدم عليه، مع ان المنفى كما مر، اما هو الحكم الموجب للضرر، أو الاعم منه ومن الحكم الذى يكون


1 - الوسائل ج 18 ص 119 باب 12 من ابواب صفات القاضى حديث 28.

[ 476 ]

متعلقه ضرريا، وعلى التقديرين لا يشمل عدم الحكم، فان العدم لا يكون سببا ومؤثرا، في امر وجودي وهو الضرر في المقام، ولا شئ كى يكون له موضوع أو متعلق، وقد استدل للاول بوجوه. 1 - ما عن الشيخ الاعظم وتبعه غيره، وحاصله ان المنفى انما هو كل ما يكون من الاسلام، ويعامل عليه في الشريعة وجوديا كان أو عدميا، فكما انه يجب في حكمة الشارع نفى الاحكام الضررية، كذلك يجب جعل الاحكام التى يلزم من عدمها الضرر. ويرد عليه ان هذا الوجه انما يصلح وجها لبيان امكان ذلك، ولا يصلح وجها لبيان شمول حديث لا ضرر لعدم الحكم، إذ الظاهر تعلق النفى بما هو مجعول، ولا يكون العدم شيئا، قابلا لان يكون متعلقا للنفي الا بالعناية وان شئت قلت، ان عدم العدم ونفيه لا يكون مجعولا، الا بعناية جعل الوجود. 2 - ما افاده الشيخ الاعظم (ره) ايضا، وهو ان الاحكام العدمية تستلزم احكاما وجودية، فان عدم ضمان ما يفوته من المنافع يستلزم حرمة مطالبته ومقاصته والتعرض له، وجواز دفعه عند التعرض له. وفيه: ان الحديث انما يرفع ما هو ضررى، واما ما هو ملازم لامر يكون ذلك ضرريا، فالحديث لا يكون متكفلا لنفيه. 3 - ان العدم وان لم يستند بحسب بدوه ومفهومه الى الشارع الا انه بحسب البقاء مستند الى الشارع: لانه بقاءا قابل لان يناله يد الجعل بان يرفعه الشارع أو يبقيه، ولذا تجرى الاستصحابات العدمية - وعليه - فالعدم بقاءا مستند الى الشارع وإذا كان مستندا إليه وكان ضرريا يشمله حديث لا ضرر. وفيه: ان كون العدم بقاءا بيد الشارع، غير كونه مستندا إليه بالفعل، والذى لا بد منه في شمول الحديث هو الثاني، فالاظهر عدم شمول الحديث للعدميات. فرعان وقد رتبوا على شمول الحديث للعدميات امورا.

[ 477 ]

منها: انه لو حبس احد حرا، حتى فات عمله، أو حبس حتى ابق عبده: فان حكم الشارع بعدم ضمان الحابس ضررى على المحبوس، فينتفى ويثبت الضمان. وفيه: ان ترخيص الحابس، وان كان ضرريا مرفوعا بالحديث ويثبت به حرمته، بناءا على ما سيأتي من دلالة الحديث على حرمة الاضرار بالغير الا انه لو عصى الحابس وحبسه وتضرر المحبوس، لا يدل الحديث على الضمان: لما مر من انه لا يشمل العدميات، وعرفت ايضا ان الاضرار ليس من موجبات الضمان. نعم لو كان مفاد الحديث نفى الضرر غير المتدارك، كان دالا على الضمان فانه يتدارك به الضرر المتوجه الى المحبوس، لكنك عرفت فساد المبنى. ومنها: انه لو امتنع الزوج عن نفقة زوجته - قالوا - انه بناءا على شمول الحديث للعدميات يكون يعدم جواز طلاقها بغير اذن الزوج ضرريا يشمله الحديث فيحكم بجواز ان يطلقها الحاكم، أو غيره باذنه. وقد تمسك الفقيه الطباطبائى في ملحقات عروته، بقاعدة نفى الضرر، لجواز طلاق الحاكم الشرعي كل امرئة تتضرر ببقائها على الزوجية. اقول، ان المسالة وردت فيها نصوص خاصة (1) فلا يبقى مورد للنزاع فيما يقتضيه قاعدة نفى الضرر. مع انه على فرض شمول حديث لا ضرر لعدم الحكم، يمكن ان يقال ان زوال سلطنة الزوج ضرر عليه، فهو ايضا مشمول للحديث، ولا مرجح لاحد الضررين على الاخر. اضف الى ذلك ان امتناع الزوج عن الانفاق ضررى، واما نفس الزوجية، وكون امر الطلاق بيد الزوجه، فهما ليسا ضرريين. نعم الحكم بجواز الطلاق، يوجب تدارك الضرر الناشئ من عدم الانفاق، ولو كان المنفى هو الضرر غير المتدارك دل الحديث على جوازه ولكن قد مر ان الحديث


1 - الوسائل ج 15 ص 223، باب 1 من ابواب النفقات كتاب النكاح.

[ 478 ]

لا يختص به ولا يدل على لزوم التدارك، وبما ذكرناه يظهر ما في ساير ما رتبوا عليه. حكم الشك في الضرر التنبه السابع: إذا شك في مورد ان الحكم، أو المتعلق ضررى، ام لا ؟ كما لو شك في مضرية الصوم أو الوضوء وما شاكل ففيه وجوه واقوال. احدهما: انه لو ظن بالضرر بالظن غير المعتبر يكون المورد مشمولا لحديث لا ضرر، ذهب إليه الشيخ الاعظم والمحقق الخراساني. قال في الكفاية في مبحث الانسداد نعم ربما يجرى نظير مقدمات الانسداد في الاحكام في بعض الموضوعات الخارجية من انسدادا باب العلم به غالبا واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا به بمخالفة الواقع باجراء الاصول فيه مهما امكن وعدم وجوب الاحتياط شرعا أو عدم امكانه عقلا كما في موارد الضرر انتهى. وقال الشيخ في الرسائل نعم قد يوجد في الامور الخارجية ما لا يبعد اجراء نظير دليل الانسداد فيه كما في موضع الضرر الذى اينط به احكام كثيرة من جواز التيمم والافطار وغيرهما انتهى، وبذلك صرح في كتاب الصوم. ولكن يرد على هذا الوجه انه يتم ان لم يكن باب العلمي مفتوحا وحيث ان قول اهل الخبرة وهم الاطباء حجة فلا يتم ذلك. ثانيها: انه حيث يشك في صدق الضرر، فالحديث لا يشمل فيرجع الى عموم دليل ذلك الحكم كدليل وجوب الوضوء والصوم، وهو الظاهر من السيد في العروة. ولكنه لا يتم على ما هو الحق من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ثالثها: ما افاده المحقق العراقى (ره) وهو ان الحديث لا يشمل، والتمسك بدليل الحكم لا يجوز، فيشك في الحكم والمرجع فيه حينئذ هو اصالة الاحتياط دون البرائة، بدعوى ان مرجع هذا المانع الى عدم قدرة الحاكم لتوسعة حكمه مع تمامية مقتضيه

[ 479 ]

فيكون نظير عدم قدرة المحكوم له على الامتثال حيث ان العقل حاكم بالاخذ باحتمال الحكم، ولا يرى مجرى البرائة الا مورد الشك في اصل الاقتضاء. وفيه: انه لم تم ذلك بالاضافة الى البرائة العقلية، لا يتم بالاضافة الى البرائة الشرعية فان مقتضى اطلاق ادلتها، ارتفاع الحكم في كل مورد شك فيه، ومع الشك في الضرر حيث انه يشك في الحكم، فلا محالة تجرى البرائة، ولا مورد لاصالة الاحتياط. فالصحيح ان يقال، انه إذا كان الواجب مما له بدل كالوضوء فانه لو سقط وجوبه ينتقل الفرض الى التيمم، أو كان الواجب مما يجب قضائه لو سقط وجوبه كالصوم، لا يجرى الحديث قطعا: فانه لو بنينا على ان الميزان هو الضرر الواقعي، ففى هذه الموارد بما ان لازم جريانه هو الجمع بين المبدل والبدل، وفعل الشئ وقضائه ولا تصل النوبة الى جريان البرائة عن المبدل، وفعل الشئ: العلم الاجمالي بوجوب احدهما، وهو خلاف الامتنان، فلا يجرى، نعم من لا يرى منجزية العلم الاجمالي في التدريجيات خصوصا فيما إذا كان المعلوم بالاجمال على تقدير غير فعلى وبلا ملاك كما في قضاء الصوم، لا محالة يشك في الوجوب ويجرى اصالة البرائة عنه، وعلى ما ذكرناه فمقتضى اطلاق دليل الواجب وجوبه، ولعله الى هذا نظر صاحب العروة. ويمكن ان يذكر وجه آخر لكون المورد من موارد التمسك باطلاق دليل الواجب لا البرائة حتى مع كون المنفى في الحديث هو الضرر الواقعي، وذلك لانه يجرى فيه استصحاب عدم حصول الضرر بفعله بناءا على ما هو الحق من جريان الاستصحاب في الامور الاستقبالية، على ما اشبعنا الكلام فيه في مبحث الاستصحاب. فالمتحصل مما ذكرناه انه في موارد الشك في الضرر يبنى على عدمه فيرجع الى اطلاق، أو عموم دليل ذلك الحكم، كدليل وجوب الوضوء، والصوم، ونحوهما. نعم في خصوص باب الصوم بنينا على جواز الافطار مع الظن بالضرر كما هو المشهور، بل ومع احتماله، من جهة ان المأخوذ في جملة من النصوص موضوعا لجواز

[ 480 ]

الافطار الخوف من الضرر (1) وهو يصدق مع الظن بالضرر بل ومع الاحتمال المتساوي الطرفين، وقد ذكرنا في كتابنا فقه الصادق وجها آخر لجواز الافطار مع الظن بالضرر، لعدم ارتباطه بالمقام اغمضنا عن ذكره. بيان وجه تقديم القاعدة على ادلة الاحكام واما المقام الخامس: وهو بيان حال القاعدة مع ما يعارضها، فالكلام فيه في موارد. 1 - في بيان نسبتها مع الادلة المثبتة للاحكام الثابتة للافعال بعناوينها الاولية. 2 - في بيان نسبتها مع ساير الادلة المثبة أو النافية لحكم الافعال بعناوينها الثانوية. 3 - في تعارض الضررين. اما الاول: فبعد ما لا كلام في تقديم القاعدة على جميع العمومات الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضررى، كادلة وجوب الوضوء على واجد الماء، وحرمة الترافع الى حكام الجور، وسلطنة الناس على اموالهم وما شاكل، وقع الكلام في وجه ذلك مع ان النسبة بين دليل القاعدة، وبين كل واحد من تلك الادلة عموم من وجه، وقد ذكروا في وجه تقديمه امورا. 1 - ما نقله الشيخ عن غير واحد من عدهما من المتعارضين، وانما يقدم القاعدة، اما بعمل الاصحاب، أو بالاصول، كالبرائة في مقام التكليف، وغيرها في غيره. وفيه: اولا ما ستعرف من حكومة دليل القاعدة، على جميع تلكم الادلة، ولا تعارض بينهما، والترجيح انما هو في غير موارد الجمع العرفي كما حقق في محله. وثانيا: انه على فرض تسليم التعارض، الاصول ليست من مرجحات احد الخبرين على الاخر، واما عمل الاصحاب أي الشهرة الفتوائية فهو انما يكون من المرجحات، إذا


1 - الوسائل ج 7 ص 155 باب 19 من ابواب من يصح منه الصوم حديث 1. (*)

[ 481 ]

كانت النسبة بينهما هو التباين، أو العموم من وجه، مع كون دلالة كل منهما على حكم المجمع بالعموم، وان كانت دلالة احدهما بالاطلاق والاخر بالعموم، أو كانت دلالة كل منهما بالاطلاق فالمشهور هو التساقط في الثاني، وتقديم العام في الاول فتأمل فان المختار خلافه. 2 - ان دليل القاعدة اخص من مجموع ادلة الاحكام، وحيث ان المنفى هو الحكم أو الموضوع الضررى في الاسلام، فطرف المعارضة مجموع تلك الادلة لا كل واحد، فلا بد من لحاظ النسبة بين دليلها، ومجموع تلك الادلة، ومن الواضح ان النسبة هي العموم والخصوص المطلق فيقدم دليل، القاعدة. وفيه: ان جميع الاحكام ليس لها دليل واحد، كى يلاحظ النسبة بين ذلك الدليل، ودليل القاعدة، بل لكل واحد من الاحكام دليل مستقل غير مربوط بغيره، والنسبة لا بد وان تلاحظ بين الادلة، وعليه فلا محيص عن ملاحظتها بين دليل القاعدة، وكل واحد من تلك الادلة، والنسبة حينئذ هي العموم من وجه. 3 - انه يدور الامر لعلاج التعارض بين امور ثلاثة. احدها: تقديم دليل لا ضرر على بعض تلك الادلة، وتقديم بعضها عليه، ثانيها: تقديم تلك الادلة باجمعها، على دليله - ثالثها - تقديم دليله على جميع تلك الادلة. لا سبيل الى الاولين: إذا الاول، مستلزم للترجيح بلا مرجح، والثانى، يستلزم عدم بقاء المورد له، فيتعين الثالث. ويرد عليه انه لا محذور في الثاني، لو لا الحكومة، فان طرح الدليل عند التعارض، غير عزيز. 4 - ما افاده المحقق الخراساني (ره) - وحاصله - انه إذا ورد دليل مثبت لحكم لعنوان اولى، وورد دليل لبيان حكم لعنوان ثانوى، وكانت النسبة بينهما عموما من وجه، يوفق العرف بينهما بحمل الاول على بيان الحكم الاقتضائى، والثانى على بيان الحكم الفعلى، - وبعبارة اخرى - يجمع بينهما بحمل العنوان الاولى على كونه مقتضيا، والعنوان الثاني على كونه مانعا، وحيث ان دليل نفى الضرر متضمن لتشريع حكم لعنوان ثانوى،

[ 482 ]

فيحمل لاجله الادلة المثبتة للاحكام للعناوين الاولية على بيان الاحكام الاقتضائية، فيكون المتحصل عدم وجود تلك الاحكام في موارد الضرر. وفيه: ان المراد بالحكم الاقتضائى ان كان الحكم المجعول غير الفعلى، من جهة دخل شئ في فعليته فهو غير معقول، إذ الحكم لا يعقل عدم فعليته بعد فعلية موضوعه، وصيرورة الضرر مانعا عنها بمعنى اخذ عدمه في الموضوع، وان كانت ممكنة الا انه مع عدم الدليل عليه لا وجه ودليلية حديث لا ضرر اول الكلام، وان كان المراد هو الملاك، فيرد عليه ان حمل الجملة الانشائية على الاخبار مما لا يساعده الجمع العرفي. 5 - ما افاده الشيخ، والمحقق الخراساني، وهو ان حديث لا ضرر لوروده في مقام الامتنان يقدم على الغمومات. ويمكن تقريبه بانه إذا لم يكن، للحكم مقتضى الثبوت في مورد الضرر، فهو منفى لعدم المقتضى، فلا معنى لنفيه امتنانا، فورود الحديث في مقام الامتنان يقتضى وجود المقتضى له، كما انه إذا لم يكن له مقتضى الاثبات من اطلاق دليل أو عموم لا محالة يكون منفيا لعدم الحجة من دون حاجة الى نفيه امتنانا، فمن ورود الحديث في مقام الامتنان يستكشف وروده لتحديد مقتضى الاثبات بقصره على غير مورد الضرر. 6 - ما افاده الشيخ الاعظم، قال ان هذه القاعدة حاكمة على جميع العمومات الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضررى كادلة لزوم العقد، وسلطنة الناس على اموالهم و وجوب الوضوء... وغير ذلك انتهى. واورد عليه المحقق الخراساني، بان حكومتها تتوقف على ان تكون بصدد التعرض لبيان حال ادلة الاحكام المورثة للضرر باطلاقها أو عمومها، وحديث لا ضرر ليس كذلك، بل هو لمجرد بيان ما هو الواقع من نفى الضرر فلا حكومة له، بل حاله كساير ادلة الاحكام. اقول الحق ما افاده الشيخ (ره)، وذلك، لعدم انحصار الحكومة بما إذا كان دليل الحاكم متعرضا لبيان ما اريد من المحكوم بالمطابقة، كما في قول الامام الصادق (ع) في خبر عبيد بن زرارة في جواب سئواله، اليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه، انما ذلك في

[ 483 ]

الثلاث والاربع (1)، بل لو كان صالحا لذلك بان يبين شيئا لازمه بيان حال المحكوم، كان ذلك من قبيل الحكومة، والمقام كذلك. توضيح ذلك يقتضى البحث في موارد ثلاثة 1 - بيان ضابط الحكومة 2 - بيان وجه تقديم الحاكم 3 - تطبيق ضابط الحكومة على المقام، وبيان كون دليل القاعدة حاكما على الادلة المثبتة للاحكام بعناوينها الاولية. اما الاول: فضابط الحكومة، كون احد الدليلين ناظرا الى الاخر، أو صالحا لذلك. اما بالتصرف في موضوعه سعة، كقوله (ع) الفقاع خمرة استصغرها الناس، بالنسبة الى ادلة حرمة شرب الخمر. أو ضيقا، كقوله (ع) لا شك لكثير الشك، بالنسبة الى ادلة الشكوك. أو بالتصرف في متعلقه ضيقا كما لورود الضيافة ليست باكرام، بعد ورود ما دل على وجوب اكرام العلماء. أو سعة، كما في قوله (ع) الطواف في البيت صلاة بالنسبة الى ما دل على شرطية الطهارة للصلاة. أو بالتصرف في محموله، بان يتلونه بلون، ويدل على عدم ثبوت ذلك الحكم في بعض الحالات، والموارد. واما الثاني: فوجه التقدم إذا كان دليل ناظرا الى موضوع دليل المحكوم أو متعلقه واضح، إذ كل من الدليلين متكفل لبيان شئ غير ما يكون الاخر متكفلا لبيانه: فان دليل المحكوم لا نظر له الى بيان الموضوع أو المتعلق، بل انما يثبت الحكم على فرض تحقق الموضوع، واما إذا كان ناظرا الى المحمول، فلان التمسك باصالة الظهور أي الاطلاق أو العموم في دليل المحكوم فرع تحقق الشك في المراد، ودليل الحاكم يرفع الشك، ويخصص الحكم بمورد خاص، فلا يبقى مورد للتمسك باصالة الاطلاق أو العموم.


1 - الوسائل ج 5 - ص 320 و 300. (*)

[ 484 ]

واما الثالث: فان قلنا ان حديث لا ضرر انما يكون من قبيل نفى الحكم بلسان نفى الموضوع أو يكون مفاد الحديث نفى الحكم إذا كان الموضوع ضرريا، فحكومة الحديث على ادلة الاحكام واضحة: فانه حينئذ يكون مضيقا لدائرة موضوعات ادلة الاحكام. وان قلنا انه انما يكون نافيا للحكم الضررى، فالحديث يوجب تلون ما تضمنه ادلة الاحكام الاولية بلون مخصوص، فعلى أي تقدير يكون حديث لا ضرر حاكما على ادلة الاحكام. تعارض قاعدة لا ضرر، مع قاعدة نفى الحرج واما المورد الثاني: فهو في بيان نسبة قاعدة لا ضرر، مع الادلة المثبتة أو النافية للاحكام بعناوينها الثانوية، ففى الكفاية، يعامل معهما معاملة المتعارضين، لو لم يكن من باب تزاحم المقتضين والا فيقدم ما كان مقتضيه اقوى وان كان دليل الاخر ارجح واولى ولا يبعد ان الغالب في توارد العارضين ان يكون من ذلك الباب بثبوت المقتضى فيهما مع تواردهما لا من باب التعارض لعدم ثبوته الا في احدهما انتهى. وفيه: مضافا الى ما حققناه في اول التعادل والترجيح، من ان باب تزاحم المقتضيين، غير باب تزاحم الحكمين، وانه لو لا حكومة احد الدليلين على الاخر لا بد من اجراء ما يقتضيه قواعد باب التعارض.: ان ما افاده يتم بناءا على ما افاده في وجه تقدم قاعدة نفى الضرر على ادلة الاحكام الاولية، من التوفيق العرفي، ولا يتم على مسلك الحكومة، فان الوجه المتقدم لحكومة دليها على ادلة الاحكام الاولية، بعينه يقتضى تقديم دليلها على الادلة المثبتة للاحكام بعناوينها الثانوية، مثل دليل الشرط والنذر وما شاكل مما دل على ثبوت حكم في مقابل حكم العنوان الاولى، كما لا يخفى. فلا بد من ملاحظة نسبة دليل القاعدة مع الادلة النافية للحكم بالعنوان الثانوي،

[ 485 ]

مثل دليل نفى الحرج، والاكراه ونحوهما، والعمدة هي قاعدة نفى الحرج (1). فلو تعارض دليل قاعدة نفى الضرر، مع دليل قاعدة نفى الحرج، كما لو فرضنا ان عدم تصرف المالك في ماله وان لم يوجب تضرره، الا انه حيث يكون تصرفه لجلب منفعة وتعلق غرض عقلائي به يكون ذلك حرجا، - وبعبارة اخرى - حجر المالك عن الانتفاع بما له حرج، وكان تصرفه في ملكه موجبا لتضرر جاره، ففيه وجوه واقوال. 1 - تقديم قاعدة نفى الحرج لحكومة نفى الحرج على نفى الضرر اختاره الشيخ الاعظم في الرسائل. 2 - تقديم قاعدة لا ضرر، نظرا الى موافقة قاعدة نفى الحرج لها في اكثر مواردها، فلو قدم قاعدة نفى الحرج في مورد التعارض لزم كون تأسيسها كاللغو. 3 - يعامل معهما معاملة المتعارضين الذين تكون النسبة بينهما عموما من وجه فيقدم قاعدة نفى الحرج للشهرة، فان المشهور بين الاصحاب جواز التصرف في الفرض، ولموافقة الكتاب، أو يحكم بتساقطهما فيرجع الى قاعدة السلطنة، على الخلاف بين المسلكين في التعارض بالعموم من وجه. 4 - المعاملة معهما معاملة المتزاحمين، فيقدم الاقوى منهما لو كان والا فيحكم بالتخيير، اختاره المحقق الخراساني، وهناك وجوه اخر ستقف عليها. وتنقيح القول في المقام، ان حكومة قاعدة نفى الحرج باطلة لوجهين. احدهما: ان كلامن القاعدتين حاكمة على عمومات الاحكام المجعولة في الشريعة ومبينة للمراد منها من غير ان يكون فيها جعل وتشريع فجعل احداهما ناظرة الى الاخرى وشارحة لها والحال هذه لا معنى له كما لا يخفى. ثانيهما: ان كلامنهما ناظرة الى نفى الاحكام في مرتبة واحدة، وليست قاعدة نفى الحرج ناظرة الى قاعدة نفى الضرر بنحو التصرف في موضوعها أو محمولها. واما الوجه الثاني: وهو تقديم قاعدة لا ضرر لاقلية موردها، فيرده: انه ليس مورد


1 - الحج / 79. (*)

[ 486 ]

الضرر اقل، إذ المراد بالحرج المشقة التى لا تتحمل عادة وبديهى ان الوقوع في الضرر لا يستلزم ذلك مطلقا، اضف إليه ان اقلية المورد انما توجب التقديم لو كانا متضادين، بحيث يلزم من تقديم الاكثر موردا، عدم بقاء المورد للاقل، لا في مثل المقام مما لو قدمنا قاعدة نفى الحرج، لا يلزم طرح قاعدة لا ضرر، بل يبقى لها مورد وهو مورد توافقهما. واما الوجه الرابع: وهو المعاملة معهما معاملة المتزاحمين الذى اختاره المحقق الخراساني، فيرد عليه: ان التزاحم انما هو بين الحكمين، والقاعدتان نافيتان للاحكام ولا يثبت بشئ منهما حكم اصلا فلا معنى للتزاحم، وان اريد به التزاحم بين المقتضيين، فيرده ان باب تزاحم المقتضيين غير مربوط بباب تزاحم الاحكام. وعلى هذا فان تم ما يخطر بالبال عاجلا من انه من جهة ان القاعدتين لهما الحكومة على الاحكام المجعولة، ولا حكومة لهما على عدم الحكم، انه في موارد الدوران بينهما كما في المثال، لا يخلو الامر من ان التصرف المذكور، اما ان يكون مباحا غير محرم مع قطع النظر عن القاعدتين، وهو ما إذا لم يكن تصرفا في مال الجار ولا متلفا لما له، كما إذا حفر بئرا في داره قريبا من بئر الجار وصار ذلك سببا لنقص ماء بئر الجار، أو يكون محرما غير مباح كما لو استلزم تصرفا في مال الغير، وعلى التقديرين لا مورد الا لاحدى القاعدتين إذ ليس الاحكم واحد والاخر عدم الحكم، ففى الفرض الاول هو السلطنة على المال، وفى الثاني حرمة الاضرار بالغير. فإذا كان حكم، كسلطنة المالك على ما له، حرجيا أو ضرريا يشمله ما دل على نفى الحرج أو دليل نفى الضرر، ويرفع ذلك، ولو فرضنا ان عدم ذلك الحكم كان كذلك كما في المثال، لا يكون ذلك مشمولا لشئ منهما ولا يثبت به ذلك الحكم، لان عدم الحكم وعدم السلطنة ليس مجعولا حتى يرتفع باحدى القاعدتين، فالقاعدتان لا تجتمعان في مورد. وعلى فرض التنزل وتسليم تواردهما على مورد واحد واجتماعهما في محل واحد، بالبناء على انه كما يرتفع بكل من القاعدتين الاحكام المجعولة، كذلك يرتفع بهما

[ 487 ]

عدم الحكم ايضا، فالاظهر عدم شمول شئ منهما لذلك المورد المجمع: من جهة انهما انما وردتا في مقام الامتنان على الامة، فإذا كان تصرف المالك في ماله ضرريا على الجار، وتركه حرجيا على نفسه لا يكون رفع السلطنة منة على الامة، لكون خلاف الامتنان على المالك كما، ان رفع حجر المالك عن التصرف في ماله ليس فيه منة على الامة لكونه خلاف الامتنان على الجار. ولعله الى احد هذين الامرين نظر من قال، انهما لا يتواردان على مورد واحد ولا يجتمعان في محل فارد. وان لم يتم شئ منهما فالظاهر ان يعامل معهما معاملة المتعارضين، ولا مورد لاعمال قواعد باب التزاحم، لان التزاحم انما هو بين الحكمين الوجوديين، ولا معنى له في الاعدام، والمفروض ان كلا من القاعدتين نافية للحكم لا مثبتة، فلا يثبت بهما الحكم كى يعامل معهما معاملة المتزاحمين. وعليه فحيث ان النسبة بينهما عموم من وجه، والمختار في تعارض العامين من وجه هو الرجوع الى اخبار الترجيح والتخيير، ففى المثال بما ان المشهور بين الاصحاب جواز تصرف المالك في ماله وان تضرر الجارية، يقدم قاعدة لا حرج: لان الشهرة اول المرجحات، ومع الاغماض عنه فهى موافقة للكتاب فتقدم، فيحكم بجواز التصرف. واما على المسلك الاخر من عدم الرجوع الى اخبار الترجيح، فعلى المختار من ان الاصل في تعارض الامارتين هو التخيير يحكم بالتخيير، فله ان يختار قاعدة لا حرج ويقدمها ويبنى على جواز التصرف في المثال. واما على القول بالتساقط، فيحكم به، فيرجع الى قاعدة السلطنة وغيرها من القواعد المبيحة وان وصلت النوبة الى الاصل، فانه البرائة في المقام. فالمتحصل انه يحكم بجواز التصرف في مفروض المسالة على جميع المسالك، ولعله الى بعض ما ذكرناه نظر الاصحاب فانهم افتوا بالجواز فتدبر جيدا.

[ 488 ]

حكم تصرف المالك في ماله بدون الحاجة مع تضرر الغير به ثم انه ينبغى التعرض لفرع يناسب المقام، وهو انه إذا كان تصرف المالك في ماله مستلزما لتضرر جاره، ولم يكن التصرف لدفع ضرر متوجه إليه، ولا لجلب منفعة ولم يكن له فيه غرض عقلائي، بل يكون عبثا ولغوا، فهل يجوز هذا التصرف لعموم دليل السلطنة، ام لا يجوز لقاعدة نفى الضرر فانها تنفى سلطنة المالك واباحة تصرفه في ماله، ام يجوز مع الضمان وجوه. ظاهر كلمات الاصحاب هو الثاني، فان جماعة منهم كالعلامة في التذكرة، والشيهد في الدروس، قيدوا جواز تصرف المالك فيما له، بما يتضرر به جاره، بما جرت به العادة، وجماعة آخرين كالمحقق الثاني بصورة دعاء الحاجة، بل العلامة في التذكرة استدل للجواز في المسالة المشار إليها: بان منعه عن عموم التصرف ضرر منفى، ولا شك ان منعه عن هذا التصرف ليس ضررا. وهذا هو الحق: فان قاعدة السلطنة وان اقتضت جواز تصرف المالك في ماله كيف شاء وان تضرر الغير به، الا ان حديث لا ضرر حاكم عليه كحكومته على ساير ادلة الاحكام. وقد استدل بعض تبعا لسيد الرياض للجواز بعموم ما دل على تسلط الناس على اموالهم (1) واجاب عن ما في الكفاية من اشكال معارضته مع قاعدة لا ضرر بان النسبة بنيهما عموم من وجه والترجيح مع الاول للشهرة، وانه لو سلم التكافؤ فالمرجع اصالة الاباحة. ولكن قد عرفت ان ادلة نفى الضرر حاكمة على دليل السلطنة فلا معنى للرجوع الى ما دل على الترجيح، ولا للتساقط والرجوع الى الاصل.


1 - البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث، وج 1 ص 154 الطبع القديم. (*)

[ 489 ]

ومن غريب ما افاد، ان ما دل على ان الناس مسلطون على اموالهم من الخبر المتواتر، مع انه خبر واحد مروى عن طرق العامة، ولكنه معمول به فضعفه منجبر بالعمل، ثم ان الظاهر انه لو تصرف فيه وتضرر الجار من دون ان يتلف منه مال، لا وجه للحكم بضمانه، ولا يثبت بقاعدة نفى الضرر الضمان كما مر مفصلا. واما معارضة القاعدة مع دليل نفى الاكراه فيسجئ الكلام فيها. لو دار الامر بين حكمين ضرريين بالنسبة الى شخص واحد واما المورد الثالث: وهو ما لو تعارض حكمان ضرريان، فمسائله ثلاث. الاولى: لو دار امر شخص واحد بين ضررين، بحيث لا بد من تحمل احدهما، أو ايراد احدهما، كما لو اكره على الاضرار بشخص، اما بهذا الضرر، أو بذاك، الثانية، ما لو دار الامر بين الاضرار باحد الشخصين، كما لو اكره على ذلك، الثالثة ما لو دار الامر بين تحمل الضرر، أو ايراد الضرر على الغير. اما المسالة الاولى: فكلمات الاصحاب في فروع هذه المسالة التى تعرضوا لها في كتاب الغصب، واحياء الموات وغيرهما مضطربة، ولكن الشيخ جزم في الرسالة بلزوم الترجيح بالاقلية، ومع التساوى فالتخيير. قال فان كان ذلك بالنسبة الى شخص واحد فلا اشكال في تقديم الحكم الذى يستلزم ضررا اقل مما يستلزمه الحكم الاخر، لان هذا هو مقتضى نفى الحكم الضررى عن العباد فان من لا يرضى بتضرر عبده لا يختار له الا اقل الضررين عند عدم المناص عنهما انتهى، وقد جزم بذلك صاحب الكفاية (ره). وملخص القول في المقام انه ان كان الضرران، مباحين تخير في اختيار ايهما شاء وهو واضح. وان كان احدهما محرما، والاخر مباحا اختار المباح، إذ لا وجه لسقوط الحرمة كما لا يخفى.

[ 490 ]

وان كانا محرمين يختار ما حرمته اضعف، ويجتنب عما حرمة اقوى واهم، كما هو الشان في جميع موارد التزاحم ومع التساوى لابد من تقديم الحكم الذى يستلزم ضررا اقل مما يستلزمه الحكم الاخر، لما افاده الشيخ، ومع التساوى فهو مختار، وبما ذكرناه يظهر ما في اطلاق كلام العلمين. لو دار الامر بين حكمين ضرريين بالنسبة الى شخصين واما المسالة الثانية: فقد جزم المحقق الخراساني بلزوم الترجيح بالاقلية، ومع التساوى فالتخيير. وقال الشيخ في الرسالة، وان كان بالنسبة الى شخصين فيمكن ان يقال ايضا بترجيح الاقل ضررا إذ مقتضى نفى الضرر عن العباد في مقام الامتنان عدم الرضا بحكم يكون ضرره اكثر من ضرر الحكم الاخر لان العباد كلهم مساوون في نظر الشارع بل بمنزلة عبد واحد، فالقاء الشارع احد الشخصين في الضرر بتشريع الحكم الضررى فيما نحن فيه نظير لزوم الاضرار باحد الشخصين لمصلحته فكما يؤخذ فيه بالاقل كذلك فيما نحن فيه، ومع التساوى فالرجوع الى العمومات الاخر، ومع عدمها فالقرعة، لكن مقتضى هذا ملاحظة الشخصين المختلفين باختلاف الخصوصيات الموجودة في كل منهما من حيث المقدار ومن حيث الشخص فقد يدور الامر بين ضرر درهم وضرر دينار مع كون ضرر الدرهم اعظم بالنسبة الى صاحبه من ضرر الدينار بالنسبة الى صاحبه وقد يعكس حال الشخصين في وقت آخر، وما عثرنا عليه من كلمات الفقهاء في هذا المقام لا يخلو عن اضطراب انتهى. واورد على البناء على التخيير مع التساوى، بان حديث لا ضرر لوروده في مقام الامتنان على الامة لا يشمل المقام، إذ لا معنى للمنة على العباد برفع الضرر فيما كان نفيه عن احد مستلزما لثبوته على آخر، فيستكشف بذلك عن عموم ارادتهما، فيجب الرجوع الى ساير القواعد.

[ 491 ]

وعلى البناء على الترجيح باقوائية الضرر أو اكثريته. بان ذلك يوجب الترجيح في الضررين بالنسبة الى شخص واحد لا شخصين، إذ لا منة في نفى الضرر الاقوى على من اسلتزم ذلك في حقه ثبوت الضرر، بل انما يكون منة على خصوص من نفى عنه، وكون العباد بالنسبة الى الله تعالى، بمنزلة عبد واحد، لا يصحح المنة على جميعهم في نفى الضرر الاكثر والاقوى، ولو على من استلزم ذلك بالنسبة إليه الضرر. وتنقيح القول في المسالة ان فروعها ثلاثة 1 - ما لو دار الامر بين الاضرار باحد الشخصين، كما لو اكرهه المكره بذلك 2 - ما إذا كان الضرر متوجها الى احد الشخصين مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، كما إذا وقع دينار شخص في محبرة الغير، وكان ذلك بفعل شخص ثالث 3 - ما إذا كان الضرر متوجها الى احدهما بآفة سماوية. اما الفرع الاول: فلا اشكال في انه يجوز احدهما - ولا يجوز الاخر - وارتفاع عدم الجواز عن احدهما حيث يكون لاجل عدم تمكن المكلف فلا محالة يقع التزاحم بينهما فلا بد من اعمال مرجحات ذلك الباب، ومن جملتها الاهمية، وحيث انها ربما تكون بالاكثرية فما افاده الشيخ من الترجيح بالاقلية، يتم في هذا الفرع وليجعل ما استدل به الشيخ الذى هو وجه اعتباري استحسانى من مؤيدات ذلك. واما الفرع الثاني: فيتخير في اتلاف ايهما شاء، ويضمن الشخص الثالث الذى هو السبب لتوجه الضرر الى احد الشخصين بضمان المثل أو القيمة لصاحبه ولا يخفى وجهه. واما الفرع الثالث: فالمشهور انه يلزم اختيار اقل الضررين، وان ضمان ذلك على مالك الاخر. واستدل له: بان نسبة جميع الناس الى الله سبحانه نسبة واحدة، فالكل بمنزلة عبد واحد فالضرر المتوجه الى احد شخصين كاحد الضررين المتوجه الى شخص واحد، فيلزم اختيار اقل الضررين، ثم انه حيث تكون الخسارة المتوجهة الى من اورد الضرر عليه، لمصلحة الاخر، فهو يكون ضامنا لها. ولكن مجرد كون الخسارة لمصلحته، لا يوجب استقرار تمام الخسارة عليه فالصحيح: انه حيث يكون الضرر المتوجه، متوجها اليهما ونسبته اليهما على حد سواء،

[ 492 ]

فمقتضى قاعدة العدل والانصاف المصطادة من النصوص، وعليها بناء العقلاء، هو تقسيط الخسارة عليهما بنسبة المالين. ويؤيده قوى السكوني عن الامام الصادق (ع) عن ابيه (ع) في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا فضاع دينار منها، قال (ع) يعطى صاحب الدينار دينارا ويقسم الاخر بينهما نصفين (1). لو دار الامر بين ضرر نفسه وضرر غيره واما المسالة الثالثة: وهى ما لو دار الامر بين ضرر نفسه وضرر غيره ففروعها اربعة. 1 - ما إذا كان الضرر متوجها إليه ابتداءا، وامكن توجيهه الى الغير. 2 - ما إذا كان الضرر متوجها الى غيره، وامكن تحمله. 3 - ما إذا كان متوجها ولم يكن متوجها الى احدهما بالخصوص، فهما في عرض واحد. 4 - ما إذا تردد الضرر بين الشخصين، نفسه، وغيره، من جهة الحكم الشرعي، كما لو فرضنا ان المالك يتضرر بعدم حفر البئر في داره، وان جاره يتضرر بحفرها. إذا كان الضرر متوجها الى نفسه اما الفرع الاول: وهو ما لو كان الضرر متوجها إليه ابتداءا، كما لئو اكرهه الجائر على دفع مبلغ معين، أو كان السيل متوجها الى داره، فلا ينبغى التوقف في عدم جواز توجيهه الى الغير، باخذ المبلغ من الغير واعطائه اياه في المثال الاول، وصرف السيل الى


1 - الوسائل ج 13 ص 171 باب 12 من ابواب الصلح. (*)

[ 493 ]

دار غيره في الثاني: إذ الجواز حكم ضررى منفى في الشريعة. لا يقال ان ترك الاضرار بالغير ايضا ضررى، فلزومه منفى بالشريعة. فانه يقال - اولا - ان عدم جواز الاضرار غير مشمول للحديث لما تقدم من عدم كون الحديث حاكما على العدميات. وثانيا: ان ترك الاضرار ليس ضرريا، فان المفروض توجه الضرر إليه باسبابه وانما يراد دفعه عن نفسه بايجاد المانع. لو كان الضرر متوجها الى الغير واما الفرع الثاني: وهو ما لو كان الضرر متوجها الى الغير ابتداءا، ومثلوا له بما إذا اكرهه الجائر على نهب مال الغير، والا فيحمل اموال نفسه إليه، ففيه وجوه، واقوال. الاول: ما اختاره الشيخ الاعظم، وهو ارتفاع حرمة الاضرار بالغير مطلقا، ولو كان الضرر المتوعد به على ترك المكره عليه، اقل بمراتب من الضرر المكره عليه. الثاني: عدم ارتفاع حرمته كذلك، أي ولو كان الضرر المتوعد به اكثر من الضرر المكره عليه. الثالث: التفصيل بين ما إذا كان الضرر الذى توعد به اعظم، أو مساويا، فترتفع الحرمة، وبين ما إذا كان اقل فلا ترتفع. الرابع: ما اختاره الاستاذ الاعظم، وهو التفصيل بين ما إذا كان الضرر المتوعد به امرا مباحا في نفسه، كما إذا اكره الجائر على نهب مال الغير وجبله إليه، والا فيحمل اموال نفسه إليه، فلا ترتفع الحرمة، وبين ما إذا كان ذلك الضرر امرا محرما، كما إذا اكرهه على ان يلجئ شخصا آخر الى فعل محرم كالزناء، والا اجبره على ارتكابه بنفسه، فتقع المزاحمة، ويرجع الى قواعد باب التزاحم.

[ 494 ]

وقد استدل للاول بوجوه 1 - ان عموم حديث رفع الاكراه (1)، شامل لجميع المحرمات حتى الاضرار بالغير، ما لم يبلغ الدم. وفيه: ان الحديث لوروده مورد الامتنان على الامة، والحكم بارتفاع الحرمة، مناف للامتنان بالاضافة الى ذلك الغير، وان كان موافقا للامتنان بالاضافة الى المكره، فلا يكون مشمولا للحديث. 2 - ان عموم نفى الحرج (2) يدل عليه، فان الزام الغير بتحمل الضرر، وترك ما اكره عليه حرج. وفيه: ان الحرج المنفى في الشريعة، هي المشقة التى لا تتحمل عادة، وبديهى ان الوقوع في الضرر لا يستلزم ذلك مطلقا، فلا يصح التمسك لجوارز الاضرار مطلقا بدليل نفى الحرج. اضف إليه، انه ايضا وارد في مقام الامتنان على الامة، فيجرى فيه ما في سابقه. 3 - ان الضرر متوجه الى الغير بحسب ارادة المكره بالكسر، والمكره بالفتح، وان كان مباشرا الا انه ضعيف لا ينسب إليه توجيه الضرر الى الغير، نعم لو تحمل الضرر ولم يضر بالغير، فقد صرف الضرر عن الغير الى نفسه عرفا، والمستفاد من ادلة تشريع نفى الاكراه انما هو لدفع الضرر فلا يجب تحمل الضرر لدفعه عن الغير. وفيه: ان هذا وان كان تاما في بعض الفروض كما ستعرف، الا انه لا يتم في مورد وساطة ارادة المكره بالفتح، فان الاكراه لا يوجب سلب اختيار المكره بالفتح وصيرورته كالالة بل هو بعد على كونه مختارا فيه، وعليه فهو يضر بالغير اختيارا دفعا للضرر عن نفسه. واستدل للثاني: باطلاق ادلة حرمة الاضرار بالغير الاتية، بعد عدم شمول ادلة نفى، الاكراه، والحرج، والضرر للمقام كما تقدم. وفيه: ان هذا الوجه وان كان تاما في نفسه، الا انه ربما يزاحم حرمة الاضرار،


1 - الوسائل ج 11 - ص 295 - باب 56 من ابواب جهاد النفس. 2 - سورة الحج آية 79. (*)

[ 495 ]

محرم آخر، وهو ما إذا كان الضرر المتوعد به امرا محرما، وحينئذ فلا بد من الرجوع الى مرجحات باب التزاحم، فالاظهر هو القول الرابع في مفروض المثال. واستدل للثالث: بان نسبة جميع الناس الى الله سبحانه نسبة واحدة، فالكل بمنزلة عبد واحد، فالضرر المتوجه الى احد الشخصين كاحد الضررين المتوجه الى شخص واحد فلا بد من ملاحظة اقل الضررين وعند التساوى يحكم بالتخيير. وفيه: انه إذا كان الضرر المتوعد به امرا مباحا في نفسه كيف يحكم بالتخيير بين ذلك وبين الامر المحرم وهو الاضرار بالغير، مع انه وجه اعتباري استحسانى لا يعتمد عليه. والحق في المقام ان يقال انه إذا كان الضرر بحسب طبعه متوجها الى الغير كما إذا توجه السيل الى دار الجار لا اشكال في عدم وجوب تحمل الضرر لدفعه عنه، فان الضرر في الفرض ليس من فعله كى يشمله دليل حرمة الاضرار. ولكن مسالة الاكراه ليست من هذا الباب، فان الاكراه انما يوجب تخيير المكره بين الاضرار بالغير، وبين تحمل الضرر على فرض العدم، فلا يكون من توجه الضرر الى الغير ابتداء، واما في مسالة الاكراه فقد ظهر مما حققناه قوة الوجه الرابع. حكم ما لو توجه الضرر من غير ناحية الحكم واما الفرع الثالث: وهو ما إذا كان الضرر متوجها الى احد شخصين، وكان ذلك مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، كما إذا حصلت دابة في دار لا يخرج الا بهدم ولم يكن حصولها من احدهما ولا بتفريط منه، أو ادخلت دابة رأسها في قدر وافتقر اخراجها الى كسر القدر ولم يكن من احدهما تفريط. فهو خارج عما نحن فيه ولا يشمله حديث لا ضرر ولا ضرار، لانه انما ينفى الحكم الناشئ منه الضرر ان الموضوع الضررى، ولا يشمل ما إذا كان الضرر متوجها مع قطع النظر عن الحكم.

[ 496 ]

فما في الجواهر في الفرع الاول من انه يهدم الدار ويخرج الدابة ويضمن صاحب الدابة الهدم، لان صاحب الدابة مكلف باخذها من دار الغير وتخليص ملكه منها فكل ضرر حصل صاحب الدار بالنسبة الى ذلك وجب جبره على صاحب الدابة لقاعدة لا ضرر ولا ضرار انتهى. ضعيف لما مر: ولان قاعدة لا ضرر نافية للحكم لا مثبة فلا يثبت بها الضمان، وليس مفادها نفى الضرر غير المتدارك كما مر. وكيف كان فالمشهور بين الاصحاب انه يهدم الدار ويخرج الدابة في الفرع الاول، ويكسر القدر في الثاني ويضمن صاحب الدابة الهدم والكسر، وعللوه: بانه لمصلحته. واورد عليهم الشهيد الثاني في محمى المسالك، بان المصلحة قد تكون مشتركة بينهما بل هو الاغلب وقد تكون مختصة بصاحب الدار أو القدر، وايضا قد تكون الدابة ماكولة اللحم فلا يفوت عليه بذبحها ما يقابل الهدم والكسر. واحتمل الشهيد في الدورس على ما حكى في الفرع الثاني ذبح الدابة مع كون كسر القدر اكثر ضررا من قيمة الدابة أو ارشها ترجيحا لا خف الضررين. وفى رسائل الشيخ الاعظم انه يحمل اطلاق كلامهم على الغالب من ان ما يدخل من الضرر على مالك الدابة إذا حكم عليه بتلف الدابة واخذ قيمتها اكثر مما يدخل على صاحب القدر بتلفه واخذ قيمته - وبعبارة اخرى - تلف احدى العينين وتبدلها بالقيمة اهون من تلف الاخرى انتهى. وحق القول في المقام بعد ما عرفت من انه لا مورد لاحتمال قاعدة لا ضرر في المقام حتى يراعى الترجيح بقلة الضرر، انه حيث يجب على صاحب الدابة الانفاق عليها بالماكول والمشروب، والمسكن، ولو امتنع يجبره الحاكم على الانفاق أو البيع، أو الذبح ان كان ماكول اللحم، فيجب عليه اخراج الدابة من الدار، وراسها من القدر، ان لم يمكن ذلك بدون الاخراج أو لم ياذن صاحب الدار في ذلك، بل ابقاء الدابة في الدار تصرف في مال الغير لا يجوز، فإذا توقف الاخراج على هدم الدار أو كسر القدر، وجب ذلك،

[ 497 ]

وحيث ان التصرف في مال الغير بلا عوض لا وجه له، فمقتضى الجمع بين الحقين، الهدم أو الكسر، والضمان. واظن ان مراد المشهور من التعليل لذلك بانه لمصلحته هو ذلك، أي انه لا يتمكن من العمل بوظيفته الشرعية الا بذلك، وعليه فلا مورد للاعتراض عليهم بما في المسالك من انه قد يكون المصلحة لصاحب القدر أو الدار فقط، وقد يكون المصلحة مشتركة بينهما. ولصاحب الجواهر في الفرع الثاني كلام لا باس به مع الاغماض عما ذكرناه، قال ولعل اطلاق الاصحاب ان المصلحة لصاحب القدر مبنى على اقتضاء بقاء القدر هلاكها فالضرر عليه حينئذ بالبقاء دون القدر الذى ياخذ قدره بعد الموت تاما، ومن هذه الجهة خصوا صاحب الدابة بالضمان انتهى. لو كان الضرر متوجها الى احد شخصين نفسه أو غيره من ناحية الحكم واما الفرع الرابع: وهو ما لو كان الضرر متوجها الى نفسه، أو غيره من ناحية الحكم الشرعي كما إذا كان تصرف المالك في ماله فيما تضرر جاره به، لدفع ضرر يتوجه إليه بحيث يكون ترك التصرف موجبا لتضرره بفوت الحاجة. فالمشهور بين الاصحاب هو جواز التصرف وان كان ضرر الجار اللازم منه اكثر، بل الظاهر انه لا خلاف فيه. وفى رسالة الشيخ والظاهر عدم الضمان ايضا عندهم كما صرح به جماعة منهم الشهيد. فالكلام في موردين 1 - في الحكم التكليفى 2 - في الضمان. اما الاول: فقد استدل للجواز بوجوه، الاول: ان اباحة التصرف توجب تضرر الجار فتشملها قاعدة لا ضرر، وحرمته موجبة لتضرره فهى ايضا في نفسها مشمولة للقاعدة، فيقع التعارض بينهما فلا يمكن شمولها لهما معا، وشمولها لاحدهما دون الاخر

[ 498 ]

ترجيح بلا مرجح فلا تشمل شيئا منهما، فيرجع الى قاعدة السلطنة المقتضية للجواز. واورد عليه المحقق النائيني بان منشا تضرر المالك هو حرمة التصرف الثابتة من شمول حديث لا ضرر لاباحة التصرف وسلطنة المالك على ماله، ومعلوم ان الضرر الناشئ من شمول الحديث المتأخر عنه رتبة لا يكون مشمولا له، والا فيلزم تقدم ما هو متاخر، وعليه فحديث لا ضرر في المثال يشمل خصوص جواز التصرف الناشئ منه تضرر الجار. ويتوجه على اولا ان حرمة التصرف الموجب لتضرر الجار ان لم تكن ثابتة مع قطع النظر عن قاعدة لا ضرر، لا تثبت بها لانها قاعدة نافية للحكم لا مثبتة. وثانيها: انها لو ثبتت بها لا مانع من شمول القاعدة لها في نفسها، لان القاعدة من قبيل القضية الحقيقية وتنحل الى قضايا عديدة بحسب ما للتضرر من الافراد، وعليه فإذا شملت القاعدة لجواز التصرف وثبت بها حرمة التصرف وكانت الحرمة موجبة لتضرر الجار يتولد منه مصداق آخر للقاعدة فيشملها القاعدة ولا يلزم تقدم ما هو متاخر، فان المتأخر غير ما هو متقدم وهو واضح. اللهم الا ان يقال ان حديث لا ضرر بحسب المتفاهم العرفي لا ينفى الحكم الذى اثبته الحديث، وعليه فالعمدة هو الايراد الاول. ولكن يرد على هذا الوجه، انه حيث تكون القاعدة في مقام الامتنان على الامة ولا منة على العباد في الحكم بتحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير ولو كان ضرره اعظم من ضرر نفسه فالحديث لا يشمل سلطنة المالك على التصرف في ماله ولا يقتضى حجره عنه. اضف إليه انه لو سلم تعارض الضررين وسقوط القاعدة بالنسبة اليهما يكون مقتضى قاعدة نفى الحرج هو عدم حجر المالك عن التصرف في ماله. ومن هذين الايرادين يظهر وجهان آخران لجواز التصرف. الرابع: الاجماع، ولكنه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه. الخامس: ما ذكره بعض المحققين تبعا لسيد الرياض، بان عموم التسلط يعارض عموم نفى الضرر والترجيح للاول للاصل والاجماع.

[ 499 ]

ويرده ان قاعدة لا ضرر حاكمه على قاعدة السلطنة كما مر مفصلا. ويمكن ان يستدل للجواز مضافا الى الوجهين المتقدمين ما افاده الشيخ في الرسالة، من ان تجويز الاضرار بالغير مع الاكراه وعدم لزوم تحمل الضرر، يشهد بعدم لزوم تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير. وبما ذكرناه ظهر ان ما ذكره بعض المتأخرين من وجوب ملاحظة مراتب ضرر المالك والجار وتقديم الجار على المالك فيما كان ضرره اعظم واكثر من ضرر المالك، غير تام، نعم إذا كان ضرر الجار من قبيل هلاك النفس المحترمة التى يجب على المالك ايضا حفظها، لا اشكال في تقديم ضرر الجار لكنه خارج عن محل الكلام. كما انه ظهر ان ما افاده المحقق السبزواري ايرادا على الاصحاب من انه يعارض قاعدة السلطنة قاعدة نفى الضرر فيشكل الجواز، غير صحيح. ولكن التحقيق الذى يقتضيه النظر الدقيق ان جميع هذه الكلمات منحرفة عن طريق السداد، والصواب، فان تصرف المالك في ملكه ان كان موجبا لتضرر الجار وكان ذلك علة له والمراد بالضرر هو، النقص في المال، أو العرض، أو النفس لا محالة يكون ذلك التصرف حراما محضا ولا يكون متصفا بحكمين، الحرمة، والاباحة، ولا سبيل الى دعوى ان قاعدة السلطنة تدل على الجواز فانها لا تدل على جواز التصرف في ملك الغير، وهل التمسك بها في المقام الا كالتمسك بها لا ثبات جواز ان يذبح بمديته غنم الغير بدعوى انه مسلط على مديته يتصرف فيها ما شاء، وذلك كما في حفر بئر قريبا من بئر الجار في الارض المعمورة، بناءا على ان ملك ارضا ملك قرارها الى تخوم الارض، وفراغها الى عنان السماء، كما عن جماعة، أو ان الاحتفار حيازة لما في تخوم الارض من المياه كما عن المحقق القمى، فان ذلك ان اوجب قلة ماء بئر الجار، لا يجوز قطعا. واما ان لم يكن ما يتوجه الى الجار ضررا، بل كان عدم النفع كما في المثال بناءا على انكار المبنيين كما حققناه في محله، واخترنا ان الاحتفار ليس حيازة للمياه الموجودة في عروق الارض، وبينا ان من ملك ارضا وان كان يملك مقدار من الفراغ الذى يتوقف عليه تصرفاته في ارضه، ولمقدار آخر منه بتبعية الارض بمنزلة الحريم،

[ 500 ]

ومقدارا من قرارها كذلك ولا يملك ما تجاوز عن ذينك الحدين، فلا يكون حراما بل هو مباح محض، وعلى التقديرين ليس الا حكم واحد وحيث ان المختار كما مر ان قاعدة لا ضرر، لا تشمل عدم الحكم، ولا تكون مثبتة للحكم، فليس في الامثلة المذكورة في كتب القوم لتعارض الضررين، مورد يتم فيه ما افادوه، ويتعارض قاعدة لا ضرر الجارية، في احد الطرفين مع الجارية في الطرف الاخر. وعليك تطبيق الضابط الذى ذكرناه على الامثلة المذكورة في الكلمات، مثلا في حفر بئر قريب من بئر الجار الموجب لعدم جذب بئر الجار ما في عروق الارض من المياه، يكون ذلك جائزا غير محرم كما هو المشهور بين الاصحاب، وفى حفر بئر كنيف أو بالوعة بقرب بئر ماء الجار، ان لم يوجب ذلك تغير ماء البئر ولكن كان الجار يستقذر ماء بئره لقربه من الكنيف أو البالوعة، أو اوجب تغيير الماء ولكن كان من قبيل المعد لا العلة التامة بان تمكن الجار من احكام جدار الماء بنحو لا يتغير ما بئره، جاز الحفر ولم يكن حراما، واما إذا كان بنحو العلة التامة أي الجزء الاخير منها لم يجز، ولم يكن ذلك مباحا، وهكذا ساير الامثلة، وعلى الجملة ليس المقام من باب التعارض بين فردين من القاعدة في شئ، بل بما ذكرناه يظهر انه لا يتعارض قاعدة السلطنة مع قاعدة لا ضرر في مورد فانه إذا اوجب التصرف تضرر الغير لم يجز ولم يكن مورد القاعدة السلطنة، وعليه فلا مورد للبحث فيما يقتضيه قواعد باب التعارض، وقد خرجنا بما ذكرناه عما يقتضيه الادب بالنسبة الى علماء الاسلام والله تعالى مقيل العثرات. وبما ذكرناه يظهر الحال في المورد الثاني، أي الضمان، فانه إذا اوجب تصرف المالك في ماله اتلاف مال الغير، واستند الاتلاف إليه، كان ضامنا قطعا ولا مورد لاعمال قاعدة لا ضرر، لان الضمان حكم مبنى على الضرر فهو خارج عن مورد الحديث، ولا يشمله حديث لا ضرر كما مر، والا كما في حفر الئر قريبا من بئره اعمق منها الموجب لجذب المياه الموجودة في عروق الارض، فلا ضمان، لما حقق في محله من انحصار سبب ضمان الغرامة بالاتلاف، واليد، والاستيفاء.

[ 501 ]

حكم الاضرار بالغير خاتمة في حكم الاضرار، بالغير، وبالنفس، فالكلام يقع في مسالتين، الاولى في الاضرار بالغير، الثانية، في الاضرار بالنفس. اما الاولى: فلا ينبغى التوقف في حرمة الاضرار بالغير، ويشهد به مضافا الى عدم الخلاف فيه، جملة من الايات القرآنية، وكثير من النصوص، اما الايات فهى في موارد خاصة. منها: قوله تعالى " ولا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده (1) " وقد نهى الله تعالى في هذه الشريفة، ان يضر الوالدة بالولد، بترك الارضاع تعنتا، أو غيظا على ابيه، ونهى ايضا عن ان يضر الاب بولده، بان ينزعه من امه ويمنعها من ارضاعه، وقد مر ان المضارة بمعنى الاضرار عن عمد. وقد قيل في معنى الاية وجه آخر، وهو ان المنهى عنه اضرار الاب بالوالدة بترك جماعها، خوفا من الحمل، واضرار الوالدة، بالامتناع من الجماع، خوفا من الحمل ايضا، وفى كنز العرفان، الجزء الثاني ص 233، بد نقل هذا الاحتمال، وروى عن الباقر والصادق (ع). ومنها: قوله تعالى " ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (2) " نهى الله تعالى عن الاضرار والتضييق على المطلقات. ومنها: قوله عز وجل " ولا تمسكوا هن ضرارا (3) نهى الله تعالى عن الرجوع لا للرغبة، بل للاضرار.


1 - البقرة آية 233. 2 - الطلاق آية 7. 3 - البقرة آية 230. (*)

[ 502 ]

منها: قوله تعالى " ولا يضار كاتب ولا شهيد (1) " نهى الله عز وجل عن الاضرار بالكتاب والشهود إذا ادوا حق الشهادة والكتابة، أو نهى عن اضرار الكاتب والشاهد غيرهما على الاختلاف في كون الفعل مبنيا للفاعل، أو للمفعول، واما النصوص فكثيرة. منها: ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن زياد عن الامام الصادق (ع) لا ينبغى للرجل ان يطلق امرأته ثم يراجعها وليس به فيها حاجة ثم يطلقها، فهذا الضرار الذى نهى الله عز وجل عنه (2) قوله وهذا الضرار الذى نهى الله عنه، بيان للكبرى الكلية ويدل على حرمة الاضرار مطلقا. منها: ما عن عقاب الاعمال للصدوق باسناده عن النبي (ص)، في حديث من اضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض الله له بعقوبة دون النار - الى ان قال - من ضار مسلما فليس منا ولسنا منه في الدنيا والاخرة (3). منها: ما عن الكافي باسناده عن الحلبي عن الامام الصادق (ع) في حديث انه نهى ان يضار بالصبى أو تضار امه في رضاعه (4) ومنها: خبر طلحة بن زيد عن الامام الصادق (ع) ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم (5) وسياتى الكلام في فقه الحديث فيه. ومنها: ما في الكافي عن طلحة بن زيد عن الامام الصادق (ع) عن ابيه (ع) قرأت في كتاب لعلى (ع) ان رسول الله (ص) كتب كتابا بين المهاجرين والانصار ومن لحق بهم من اهل يثرب ان كل غازية غزت بما بعقب بعضها بعضا بالمعروف والقسط بين المسلمين فانه لا تجار حرمة الا باذن اهلها وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم (6) الحديث والمراد بالجار من اعطى الامان لا المجاور للبيت كما يظهر من صدر الخبر، ثم ان قوله غير مضار اما حال من المجير على صيغة الفاعل، أي يجب ان يكون المجير غير مضار ولا آثم في


1 - البقرة آية 284. 2 - الوسائل ج 15 ص 402 باب 34 من ابواب اقسام الطلاق حديث 1. 3 - الوسائل ج 15 ص 490 باب 2 من ابواب الخلع والمباراة حديث 1. 4 - الوسائل ج 15 ص 177 باب 70 من ابواب احكام الاولاد حديث 3. 5 - الوسائل ج 17 ص 341 باب 12 من ابواب احياء الموات حديث 2. 6 - الكافي ج 5 ص 31 باب اعطاء الامان من كتاب الجهاد، الوسائل ج 11 ص 50. (*)

[ 503 ]

حق المجاور، أو حال عن المجار، ويحتمل بناء المفعول ايضا. ومنها: ما رواه الكليني (ره) باسناده عن محمد بن الحسين قال كتبت الى ابى محمد (ع) رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل فاراد صاحب القرية ان يسوق الى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذا الرحى اله ذلك ام لا ؟ فوقع (ع) يتقى الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر اخاه المؤمن (1). وغير ذلك من النصوص الواردة في الابواب المختلفة - منها - ما ورد في باب حريم العين والقناة والنهر في كتاب احياة الموات - ومنها - غير ذلك. اضف الى ذلك كله ان الاضرار بالغير ظلم في حقه - فيدل على حرمته - الادلة الاربعة الدالة على حرمة الظلم. مع انه ايذاء له فيدل على حرمته ما دل على حرمة الايذاء، ويمكن ان يستدل لعدم جوازه بحديث لا ضرر ولا ضرار، فان الحكم باباحته حكم ضررى فيكون منفيا في الشريعة، فإذا لا ريب في حرمة الاضرار بالغير. حكم الاضرار بالنفس واما المسالة الثانية: ففى رسالة الشيخ الاعظم، قد استفيد من الادلة العقلية، والنقلية، تحريم الاضرار بالنفس، اقول لا كلام عندنا في حرمة الاضرار بالنفس، إذ ادى ذلك الى الوقوع في التهلكة، أو تحقق ما علم مبغوضيته في الشريعة كقطع الاعضاء ونحوه أو كان يصدق عليه التبذير، والاسراف إذا كان الضرر ماليا. انما الكلام في الاضرار بالنفس في غير هذه الموارد، وقد استدل لحرمته بوجوه. 1 - ان العقل مستقل بذلك. وفيه ان العقل لا يأبى من تحمل الضرر إذا ترتب عليه غرض عقلائي كما في سفر


1 - الوسائل ج 17 ص 343 باب 15 من ابواب احياء الموات. (*)

[ 504 ]

التجارة أو الزيارة وما شاكل. 2 - ادلة نفى الضرر، اما بدعوى ارادة النهى من النفى، أو بدعوى، ان جوازه ضررى منفى في الشريعة. وفيه: ان تلك الادلة انما تنفى الاحكام الضررية، ولا يكون المراد من النفى النهى كما تقدم تفصيل ذلك. وجواز الاضرار بالنفس غير مشمول لها: لما تقدم من عدم شمول حديث لا ضرر، للاحكام غير اللزومية المتعلقة بالشخص نفسه. مع ان رفع جواز الاضرار بالنفس إذا ترتب عليه غرض عقلائي مخالف للامتنان فلا يشمله الحديث. اضف الى ذلك ان الضرر الذى يترتب عليه غرض عقلائي لا يعد ضررا عرفا. 3 - خبر - مفضل بن عمر - قال قلت لابي عبد الله (ع) لم حرم الله الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير قال ان الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده واحل لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم ولا زهد فيما احل لهم، ولكنه خلق الخلق فعلم ما تقوم به ابدانهم وما يصلحهم فاحله لهم اباحة تفضلا عليهم لمصلحتهم وعلم ما يضرهم فناهم عنه وحرمه عليهم - الى ان قال - اما الميتة فانه لا يد منها احد الا ضعف بدنه ونحل جسمه وذهبت قوته وانقطع نسله الحديث (1). بتقريب ان قوله (ع) وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، يدل على ان علة تحريم الخمر، والميتة والدم ولحم الخنزير انما هي كونها مضرة، ومقتضى عموم العلة حرمة كل ما يوجب الضرر على النفس. وفيه: ان قوله (ع) وعلم ما يضرهم فناهم عنه، من قبيل حكمة التشريع، لا من قبيل العلة التى يتعدى عنها، وذلك لان السؤال انما يكون عن وجه تحريم الله تعالى تلك الامور، فالسؤال انما يكون عن حكمة التشريع، ولا يكون سئوالا عن انطباق عنوان عام


1 - الوسائل ج 16 ص 310 باب 1 من ابواب الاطعمة المرحمة حديث 1. (*)

[ 505 ]

محرم عليها، وعدمه هو واضح، فالجواب ايضا يكون ناظرا الى ذلك، ولعل ما ذكرناه ظاهر لا سترة عليه. اضف الى ذلك انه لو كان ذلك علة يدور الحكم مدارها، لزم منه عدم حرمة المذكورات إذا لم يترتب على استعمالها الضرر، كما في استعمال القليل منها، أو جواز استعمال ما يقطع من الميتة بعدم الضرر فيها كما لو ذبح الى غير القبلة، ولا يلتزم بذلك فقيه. مع ان ما ذكر في وجه حرمة الميتة رتب على ادمانها، فلو كان ذلك علة، لزم منه عدم حرمة اكل الميتة مع عدم الادمان. ومنها: ما رواه الصدوق باسناده عن الامام على (ع) في حديث الاربعمائة، ولا تأكلوا الطحال فانه بيت الدم الفاسد (1) والاستدلال به انما يكون بعموم العلة. والجواب عنه انما هو بكون ذلك من قبيل الحكمة لا العلة، لو روده في مقام بيان حكمة تحريم الله تعالى الطحال، لا في مقام بيان تحريم عنوان عام شامل للطحال. ومنها: خبر محمد بن سنان عن الامام الرضا (ع) فيما كتب إليه من جواب مسائله وحرم الخنزير لانه مشوه الى ان قال وحرمت الميتة لما فيها من فساد الابدان والافة الى ان قال حرم الله الدم كتحريم الميتة لما فيه من فساد الا بدان وانه يورث الماء الا صفر ويبخر الفم وينتن الريح ويسئ الخلق، ويورث قساوة القلب وقلة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن ان يقتل ولده ووالده وصاحبه (2) وتقريب الاستدلال به، والجواب عنه ما في سابقيه، ويضاف إليه ان ما ذكر في مقام الحكمة ليس هو الاضرار بالبدن خاصة، كما هو واضح. ومنها: خبر الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الامام الصادق (ع) واما ما يحل للانسان اكله مما اخرجت الارض فثلاثة صنوف من الاغذية الى ان قال،


1 - الوسائل ج 16 ص 322 باب 3 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 10. 2 - الوسائل ج 16 ص 311 باب 1 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 3. (*)

[ 506 ]

وكل شئ يكون فيه المضرة في بدنه وقوته فحرام اكله الا في حال الضرورة الحديث (1). وفيه: اولا انه ضعيف السند للارسال، واستناد الاصحاب إليه غير ثابت فلا يكون حجة. وثانيا: انه يدل على حرمة الاطعمة والاغذية المضرة كالسموم وما شكل، لا حرمة الاضرار بالنفس مطلقا، ولو كان باستعمال الاطعمة غير المضرة في انفسها، لا حظ قوله (ع) قبل الجملة التى هي محل الاستشهاد، صنف منها جميع الحب كله من الحنطة والشعير والارز والحمص وغير ذلك من صنوف الحب وصنوف السماسم وغيرهما كل شئ من الحب مما يكون فيه غذاء الانسان في بدنه وقوته فحلال اكله، وكل شئ يكون فيه المضرة الى آخره. ومنها: خبر دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه قال في حديث وما كان منها أي من صنوف الثمار والبقول فيه المضرة فحرام اكله الا في حال التداوى به الخبر (2). ويرد عليه، انه ضعيف السند للارسال ولعدم ثبوت وثاقة مؤلف ذلك الكتاب وهو أبو حنيفة نعمان بن محمد بن منصور، والاستناد إليه غير ثابت، اضف إليه اختصاصه بالاطعمة المضرة، كما في خبر تحف العقول. ومنها: ما عن فقه الرضا اعلم يرحمك الله ان الله تبارك وتعالى لم يبح اكلا ولا شربا الا لما فيه المنفعة والصلاح ولم يحرم الا ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكل نافع مقوللجسم فيه قوة للبدن فحلال وكل مضر يذهب بالقوة أو قاتل فحرام مثل السموم والميتة والدم ولحم الخنزير الى آخره (3). والجواب عنه كما في سابقيه، مضافا الى عدم ثبوت كونه كتاب رواية، ولعله تأليف فقيه من اهل البيت.


1 - الوسائل ج 17 ص 61، باب 42 من ابواب الاطعمة المباحة حديث 1. 2 - المستدرك ج 3 ص 80 باب نوادر ما يتعلق بابواب الاطعمة المحرمة حديث 1. 3 - مستدرك الوسائل ج 3 ص 71 باب 1 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 5. (*)

[ 507 ]

ومنها: خبر طلحة بن زيد عن الامام الصادق (ع) الجار كالنفس غير مضار ولا آثم (1). وفيه: انه يدل على ان الجار (أي من اعطى له الامان كما مر) بمنزلة النفس، فكما ان الانسان بطبعه لا يقدم على الضرر ولا يظهر عيوب نفسه، فليكن كذلك بالنسبة الى الجار، ولا يدل على حرمة الاضرار بالنفس. وفى المقام روايات كثيرة اخر مذكورة في الوسائل ومستدرك الوسائل، يظهر الجواب عنها مما تقدم، مضافا الى ضعف اسناد جملة منها. فإذا لا دليل على الحرمة، ومقتضى الاصل الجواز. ويشهد به، توافق النص، والفتوى، والعمل على جواز عدة امور مع كونها مضرة، مقوللجسم فيه قوة للبدن فحلال وكل مضر يذهب بالقوة أو قاتل فحرام مثل السموم والميتة والدم ولحم الخنزير الى آخره (3). والجواب عنه كما في سابقيه، مضافا الى عدم ثبوت كونه كتاب رواية، ولعله تأليف فقيه من اهل البيت.


1 - الوسائل ج 17 ص 61، باب 42 من ابواب الاطعمة المباحة حديث 1. 2 - المستدرك ج 3 ص 80 باب نوادر ما يتعلق بابواب الاطعمة المحرمة حديث 1. 3 - مستدرك الوسائل ج 3 ص 71 باب 1 من ابواب الاطعمة المحرمة حديث 5. (*)

[ 507 ]

ومنها: خبر طلحة بن زيد عن الامام الصادق (ع) الجار كالنفس غير مضار ولا آثم (1). وفيه: انه يدل على ان الجار (أي من اعطى له الامان كما مر) بمنزلة النفس، فكما ان الانسان بطبعه لا يقدم على الضرر ولا يظهر عيوب نفسه، فليكن كذلك بالنسبة الى الجار، ولا يدل على حرمة الاضرار بالنفس. وفى المقام روايات كثيرة اخر مذكورة في الوسائل ومستدرك الوسائل، يظهر الجواب عنها مما تقدم، مضافا الى ضعف اسناد جملة منها. فإذا لا دليل على الحرمة، ومقتضى الاصل الجواز. ويشهد به، توافق النص، والفتوى، والعمل على جواز عدة امور مع كونها مضرة، كادمان اكل السمك، وشرب الماء بعد الطعام، واكل التفاح الحامض، وشرب التتن والتنباك، والجماع على الامتلاء من الاطعام، ودخول الحمام مع الجوع، وعلى البطنة والاضرار بالنفس بسفر التجارة، وما شاكل ذلك، فيجوز الاضرار بالنفس، بغير ما يوجب التهلكة أو قطع عضو من الاعضاء، الا ما استثنى بلا كلام، هذا آخر ما اوردنا في قاعدة لا ضرر. والحمد لله اولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.


1 - الوسائل ج 17 ص 341 باب 12 من ابواب احياء حديث 2. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية