الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زبدة الأصول - السيد محمد صادق الروحاني ج 2

زبدة الأصول

السيد محمد صادق الروحاني ج 2


[ 1 ]

زبدة الاصول تأليف المحقق الفذ آية الله العظمى السيد محمد صادق الحسينى الروحاني مد ظله الجزء الثاني

[ 2 ]

الكتاب: زبدة الاصول ج 2 المؤلف: السيد محمد صادق الحسينى الروحانى نشر: مدرسة الامام الصادق عليه السلام المطبعة: امير الطبعة: الاولى، ربيع الاول 1412 الكمية: 1000 نسخه السعر: 200 تومان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. وافضل صلواته على اشرف الخلائق اجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين لاسيما بقية الله في الارضين الامام المهدى ارواح من سواه فداه واللعن على اعدائهم اجمعين وبعد فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا زبدة الاصول وفقنا لطبعه واسئل الله تعالى التوفيق لنشر بقية هذه الموسوعة والله ولى التوفيق.

[ 4 ]

[... ]

[ 5 ]

الفصل الخامس في اقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده وعدمه وقبل الدخول في البحث لابد من تقديم مقدمات، الاولى هل هذه المسالة من المبادى الاحكامية، أو من المبادى التصديقية، أو من المسائل الاصولية، والفقهية فيه وجوه: 1 - انها من المبادى الاحكامية، وهى المسائل التى تكون محمولاتها من عوارض الاحكام التكليفية أو الوضعية كتضاد الاحكام وملازمة بعضها لبعض، ومسالة الضد من هذا القبيل فانه يبحث فيها عن ملازمة الامر بشئ للنهى عن ضده. وفيه انه لا مانع من كون المسالة فيها جهتان يوجب كل منهما تعنونها بعنوان مستقل، وهذه المسالة كذلك لما ستعرف من وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط. 2 - انها من المبادى التصديقية، فان موضوع علم الاصول الادلة الاربعة ومنها حكم العقل، والمراد به اذعان العقل بشئ، فلا محالة تكون المسالة الاصولية هي ما يبحث عن لواحق حكم العقل، واما ما يبحث فيه عن نفس حكم العقل فهو بحث عن ذات الموضوع، لا عن عوارضه وحيث ان المبحوث عنه في هذه المسالة الملازمة العقلية بين وجوب شئ وحرمة ضده، فهى من المبادى التصديقية. وفيه ما مر في اول الاصول من ان موضوع علم الاصول ليس هو الادلة الاربعة بل المسالة الاصولية هي ما تقع نتيجتها في طريق الاستنباط كانت باحثة عن عوارض الادلة الاربعة أم لم يكن ومسالة الملازمة بين الامر بالشئ والنهى عن شده من هذا القبيل.

[ 6 ]

3 - انها من المسائل الفقهية لان المبحوث عنه في هذه المسالة حرمة ضد الواجب واجاب عنه المحقق النائيني (ره) بان علم الفقه متكفل لبيان احوال موضوعات خاصة، كالصلاة، والصوم، وما شاكل. والبحث عن حرمة كلى ضد الواجب الذى لا ينحصر صدقه بموضوع خاص لا يتكفله علم الفقه. ويرده ان علم الفقه كما يكون متكفلا لبيان احوال الموضوعات الخاصة بعناوينها الاولية كذلك يكون متكفلا لبيان احوال العناوين العامة التى تنطبق على كثير من العناوين الخاصة لا حظ: النذر، والشرط، واطاعة الوالد وما شاكل. والحق في الجواب ان البحث ليس ابتداءا في حرمة الضد، بل البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شئ وحرمة ضده وعدم ثبوتها وبديهى ان البحث عن ذلك ليس بحثا فقهيا. والصحيح انها من المسائل الاصولية، لوقوع نتيجتها واسطة في استنباط الحكم الشرعي بلا حاجة الى ضم كبرى اصولية اخرى: إذ يترتب على ثبوت الملازمة حرمة الضد وعلى عدم ثبوتها عدم حرمته. ولو نوقش في ذلك وقيل ان حرمة الضد بما انها حرمة غيرية لا تصلح لان تكون ثمرة للمسألة الاصولية، اجبنا عنه بانه على فرض القول بعدم ثبوت الملازمة يترتب على هذه المسألة صحة الضد العبادي، وعلى ثبوتها عدم صحته، كما سيمر عليك وهذا يكفى في كون المسألة اصولية. الثانية: الظاهر ان هذه المسألة من المسائل العقلية، لامن مباحث الالفاظ: إذ الحاكم بالملازمة انما هو العقل، غاية الامر ان هذا الحكم العقلي انما هو من الاحكام العقلية غير المستقلة، وهى مالا يستنبط منه الحكم الا بعد ضم مقدمة شرعية إليه، وليس من الاحكام العقلية المستقلة، وهى التى يستنبط منها الاحكام بلا احتياج الى ضم شئ آخر إليها: وذلك لانه لا يستنبط من حكم العقل بالملازمة حرمة شئ الا بعد ضم وجوب ضده إليه، وتوهم انحصار الاحكام العقلية في القسم الثاني، اوجب جعل هذه المسألة من مباحث الالفاظ والا فلا صلة لها بها.

[ 7 ]

الثالثة: ان المراد بالضد هو مطلق المنافى - توضيح ذلك - ان المنافى تارة يكون وجوديا كالاضداد الخاصة - أو الجامع بينها - واخرى يكون عدميا كالترك الذى هو المسمى عندهم بالضد العام - وقد يعبر عن الجامع بين الاضداد الخاصة بالضد العام - والضد الخاص، تارة يكون واحدا فيكون الضدان مما لا ثالث لهما كالحركة والسكون، واخرى يكون متعددا وهو الضدان اللذان لهما ثالث. الرابعة: ان المراد بالاقتضاء في عنوان المسألة ليس ما هو ظاهره، بل الاعم منه و من الاقتضاء بنحو العينية والجزئية ليعم جميع الاقوال، فانه من الاقوال القول بان الامر بالشئ عين النهى عن ضده، والقول بان النهى عن الضد جزء من الامر بالشئ، والقول باستلزام الامر بالشئ للنهى عن ضده. وبعد ذلك اقول ان الكلام يقع في مقامين: الاول: في الضد الخاص الثاني: في الضد العام. الاستدلال للاقتضاء من طريق الملازمة في الضد الخاص اما الكلام في المقام الاول: فقد استدل لاقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده الخاص بطريقين: احدهما من طريق الملازمة: بتقريب ان وجود كل شئ ملازم لترك ضده، والمتلازمان متحدان حكما، ولا يعقل اختلافهما في الحكم فإذا كان احد الضدين مامورا به وواجبا، لا محالة يكون عدم الاخر مامورا به واجبا، فإذا وجب عدمه كان وجوده منهيا عنه. ويرد عليه ما تقدم في مبحث المقدمة، من انه لا دليل على اتحاد المتلازمين في الحكم، وانما اللازم عدم اختلافهما في الحكم، والالتزام بخلو الواقعة عن الحكم وان كان اولا وبالذات، غير صحيح، الا انه بواسطة العوارض لا محذور فيه، كما إذا كان مانع عن الترخيص في فعل، ولم يكن فيه مصلحة ولا مفسدة فمثل هذا الفعل لا يحكم عليه

[ 8 ]

بشئ. لا يقال: انه كما في الارادة التكوينية ارادة احد المتلازمين أو الملزوم أو اللازم مع الالتفات الى الملازمة تلازم ارادة اللازم أو الملزوم أو الملازم. ولذا لو كان حراما، يكون فاعله معاقبا لصدوره باختياره وارادته، يكون في الارادة التشريعية ايضا كذلك لانهما توأمتان، فانه يقال قد مر غير مرة عدم ترتب جميع آثار الارادة التكوينية على الارادة التشريعية، وفى التكوينية بما انهما متلازمتان وجودا، يلازم ارادة احدهما ارادة الاخر، بخلاف الارادة التشريعية المتعلقة بفعل الغير. مع ان عدم الضد لو كان واجبا لما كان وجوده حراما إذ ترك الواجب ليس حراما كما مر. وقد يفصل بين الضدين الذين لا ثالث لهما، كالاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وبين الضدين الذين لهما ثالث، بالذهاب الى الاقتضاء بالدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم في الاول، وعدم الاقتضاء في الثاني كما عن المحقق النائيني (ره): بتقريب انه بعد البناء على اقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده العام كما بنى عليه، لابد من الالتزام به في المقام نظرا الى وجود ملاك النقيضين في الضدين الذين لا ثالث لهما وهو امتناع اجتماعهما، وامتناع ارتفاعهما، وهذا الملاك مفقود في الضدين الذين لهما ثالث. ثم اورد على نفسه بانه لو سلمت الملازمة في الضدين الذين لا ثالث لهما، لابد من الالتزام بها في الضدين مطلقا: إذ الجامع بين الاضداد الوجودية مضاد للواجب ولا ثالث لهما، فإذا كان الجامع حراما فيكون كل فرد منه في الخارج متصفا بالحرمة. واجاب عنه بان الجامع بين الاضداد الوجودية، ليس الا عبارة عن عنوان انتزاعي يشار به الى نفس الاضداد، فكل فرد منه مضاد بنفسه وبخصوصيته لا باعتبار انطباق عنوان الجامع عليه، مع ان الجامع لو كان متاصلا الا ان الموجود في الخارج هو الفرد والمصداق، ولا ملازمة بين تركه ووجود الضد الاخر على الفرض، والجامع لا يوجد في الخارج بنفسه.

[ 9 ]

اقول يرد عليه اولا ما سيأتي من عدم تسليم الاقتضاء في النقيضين. وثانيا: انه لو سلم فيهما لا نسلم في الضدين، إذ الفرق بينهما مع المراجعة الى العرف ظاهر: إذ العرف يرون ان احد النقيضين إذا كان محبوبا كان الاخر مبغوضا وليس الامر كذلك في الشئ ولازمه ومقارنه. وثالثا: انه لو سلمت الدلالة الالتزامية في الضدين الذين لا ثالث لهما، لابد من التسليم في مطلق الضدين، إذ ملاك الدلالة استلزام وجود الشئ لعدم ضده وهو امر مشترك بين جميع الاضداد، واما استلزام عدم الشئ لوجود ضده المختص بما إذا لم يكن لهما ثالث، فهو اجنبي عن الملاك المشار إليه. الاستدلال للاقتضاء بالمقدمية الطريق الثاني هو المقدمية: وهذا الدليل مركب من مقدمتين: احداهما: صغرى القياس وهو كون عدم احد الضدين مقدمة لوجود الضد الاخر. الثانية: كون مقدمة الواجب واجبة، فيكون الامر بالضد مقتضيا لطلب ترك الضد الاخر، وهو معنى النهى عنه أو فقل انه إذا وجب الترك حرم الفعل، والكلام في هذا الطريق يقع في كل من المقدمتين: اما الاولى: فهى على ما في الكفاية المهم من البحث هنا، والاقوال فيها خمسة: الاول: ان عدم احد الضدين مقدمة لوجود الضد الاخر، ووجود الضد الاخر مقدمة لعدم هذا الضد، فتكون المقدمية من الطرفين، ذهب إليه العضدي والحاجبي. الثاني: مقدمية عدم احدا لضدين لوجود الاخر ولا عكس ذهب إليه جماعة من المحققين منهم المحقق القمى وصاحب الحاشية السبزواري، وعلى هذا بنوا اقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده. الثالث: مقدمية وجود احد الضدين لعدم الاخر، ولا عكس، وعليه يبتنى شبهة الكعبي. الرابع: نفى المقدمية من الطرفين، اختاره جماعة من المحققين والاساطين.

[ 10 ]

الخامس: التفصيل بين الضد الموجود والمعدوم، والالتزام بمقدمية عدم الاول لوجود الضد الاخر وعدم مقدمية عدم الثاني لوجوده - وبعبارة اخرى فرقوا بين الرفع والدفع والتزموا بمقدمية العدم في الاول دون الثاني، وهو الذى اختاره المحقق الخوانسارى ونسب الى الشيخ الاعظم (ره). اما القول الاول: فهو دور واضح كما سيمر عليك، ولازمه مقدمية الشئ لنفسه، و تقدمه على نفسه وفساده من الوضوح بمكان. واما القول الثاني: فقد استدلوا له: بانه لا ريب في ان العلة باجزائها مقدمة على العلة والعلة مركبة من اجزاء ثلاثة، المقتضى، وهو الذى يترشح منه المقتضى والمعلول كالنار بالاضافة الى الاحراق - والشرط، وهو الذى يصحح فاعلية المقتضى كالمماسة - وعدم المنافى، وهو الذى له دخل في فعلية تأثير المقتضى كعدم الرطوبة، وحيث ان الضدين متمانعان فكل منهما مانع من الاخر، فعدمه من اجزاء علة الاخر ومقدمة له. واجيب عن هذا الوجه لمقدمية عدم احد الضدين لوجود الاخر بوجوه: الجواب الاول: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو مبتن على مقدمتين: الاولى: ان عدم المعلول انما يكون بعدم علته، وهو تارة يكون بعدم المقتضى. واخرى، يكون بعدم الشرط. وثالثة يكون بوجود المانع، وحيث ان دخل كل منها يغاير الاخر: إذ المقتضى هو ما يترشح منه المعلول، والشرط هو ما يكون دخيلا في فعلية تأثير المقتضى اثره، وعدم المانع انما يكون دخله في المعلول من جهة مزاحمة وجوده تأثير المقتضى، فاستناد العدم أي عدم المعلول الى المانع، انما يكون في ظرف تحقق المقتضى والشرائط، إذ مع فرض عدم المقتضى لا يستند عدم المعلول الى وجود المانع مثلا إذا لم تكن النار موجودة في العالم، أو كانت موجودة ولم تكن مماسة للثوب، فهل يتوهم احد صحة ان يقال ان الثوب لا يحترق فعلا لرطوبته، كما ان استناد العدم الى عدم الشرط انما يكون في ظرف تحقق المقتضى مثلا في المثال: إذا لم تكن النار موجودة لا يستند عدم الاحتراق الى عدم المماسة، فالمانع انما يتصف بالمانعية عند وجود المقتضى مع

[ 11 ]

بقية الشرائط، والا فلا يتصف بالمانعية ليكون عدمه من مقدمات وجود المعلول. وعلى هذه المقدمة رتب في مبحث لباس المشكوك فيه عدم معقولية جعل الشرطية لاحد الضدين والمانعية للاخر، بدعوى انه لو كان الضد الذى هو شرط موجودا فلا يعقل ان يوجد الضد الاخر، حتى يتصف بالمانعية وان لم يكن موجودا فعدم المعلول يستند الى عدمه لا الى وجود الضد الاخر ففى هذا الظرف ايضا لا يتصف بالمانعية. المقدمة الثانية: انه إذا فرض وجود احد الضدين يستحيل تحقق المقتضى للضد الاخر إذ تضاد الشيئين يستلزم تضاد مقتضيهما - وبعبارة اخرى - المحال لا يعقل تحقق مقتضيه واجتماع الضدين محال فتحقق مقتضيهما معا محال. إذا عرفت هاتين المقدمتين يظهر لك انه مع وجود احد الضدين يستحيل وجود المقتضى للضد الاخر، ومع استحالته عدم ذلك الضد يستند الى عدم مقتضيه لا الى وجود الضد الاخر، فوجود الضد لا يكون مانعا كى يكون عدمه من المقدمات. اقول ان ما ذكره من المقدمة الاولى في غاية المتانة. واما المقدمة الثانيه: فهى غير تامة: إذ كل واحد من الضدين من الممكنات وليس محالا فيمكن تحقق المقتضى له وكذلك الضد الاخر، والممتنع انما هو تحقق مقتض واحد لاجتماعهما وتحققهما معا، فإذا تحقق المقتضى مع الشرائط لكليهما، فوجود احدهما يتصف بكونه مانعا عن وجود الاخر - وبعبارة اخرى - ان الشئ إذا كان في نفسه مما يمتنع وجوده لا يعقل تحقق المقتضى له، واما إذا كان في نفسه ممكنا كما في المقام حيث ان كلا من الضدين يمكن وجوده في الخارج فثبوت المقتضى له امر ممكن - وبالجملة - انا لا ندعى وجود المقتضى لاجتماع الضدين ولكل من الضدين بوصف اجتماعه مع الاخر حتى يقال انه ممتنع وتحقق المقتضى للمتنع محال، بل ندعى وجود المقتضى لكل واحد من الضدين في نفسه الذى هو ممكن، ولو لا ما ذكرناه لما كان يستند عدم المعلول الى وجود المانع ولو في مورد من الموارد: إذ وجود المعلول مع وجود المانع ممتنع، فلا يمكن تحقق المقتضى له، ومعه يستند العدم الى عدمه المقتضى لا الى وجود المانع.

[ 12 ]

الجواب الثاني: ما افاده المحقق الخراساني في الكفاية، قال: لان المعاندة والمنافرة بين الشيئين لا تقتضي الا عدم اجتماعهما في التحقق وحيث لا منافاة اصلا بين احدا لعينين، وما هو نقيض الاخر وبديله بل بينهما كمال الملائمة كان احد العينين مع نقيض الاخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون ان يكون في البين ما يقتضى تقدم احدهما على الاخر انتهى. توضيح ما افاده يتوقف على بيان امرين: احدهما: انه وقع الخلاف في ان عدم المانع هل هو من اجزاء العلة فيكون مقدما على المعلول بالتقدم العلى، ام لا ؟ ام هناك تفصيل ذهب الى الثالث المحقق الخراساني على ما يصرح به في ذيل كلامه: والوجه في ذلك ان المانع ربما يكون مانعا عن وجود المقتضى والمعلول، كما في كل من الضدين بالاضافة الى وجود الاخر. وربما يكون مانعا من تأثير المقتضى كالرطوبة المانعة من تأثير النار في احراق الجسم الرطب، والثانى من اجزاء العلة، واما الاول فليس سوى كون وجوده مزاحما لوجود المعلول ومنافيا له في التحقق بلا دخل له في التأثير والعلية وعلى ذلك فلا يكون عدم احد الضدين من اجزاء علة الاخر. ثانيهما: انه ذهب جماعة الى اعتبار وحدة المرتبة في الضدين والنقيضين زائدا على الوحدات الثمانية المعروفة. وبعد ذلك نقول ان مراده (قده) من هذا الجواب ان المنافرة بين الضدين كما تقتضي استحالة اجتماعهما في التحقق والوجود في زمان واحد كذلك تقتضي استحالة اجتماعهما في مرتبة واحدة وإذا استحال ذلك كان عدم احدهما في تلك المرتبة ضروريا، والا فلا بد وان يكون وجوده فيها كذلك لاستحالة ارتفاع النقيضين عن الرتبة - مثلا - السواد والبياض متضادان، ومقتضى تضادهما كما يكون امتناع اجتماعها في الوجود وفى آن واحد أو رتبة واحدة كذلك يكون ضرورة عدم واحد منهما في رتبة وجود الاخر لاستحالة ارتفاع النقيضين عن المرتبة ايضا. والجواب عن ذلك ان ما افاده يبتنى على اصل غير تام، وهو ان استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين انما تكون مع وحدة الرتبة، واما مع تعددها فلا استحالة ابدا، أو فقل

[ 13 ]

انه يعتبر في التناقض أو التضاد وحدة الرتبة، ومع اختلافهما فلا تضاد ولا تناقض ولكنه فاسد إذ المضادة والمناقضة والممانعة من صفات الموجودات الخارجية لا المراتب العقلية. والتضاد بين السواد والبياض مثلا انما هو في ظرف الخارج والا فمع قطع النظر عن وجودهما في الخارج لامضادة بينهما. وعلى هذا فلا يتم ما افاده من ان المعاندة والمنافرة بين الضدين تقتضي استحالة اجتماعهما في رتبة واحدة فإذا استحال اجتماعهما فيها فلا محالة يكون عدم احدهما في تلك المرتبة ضروريا والا لزم اما ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما وكلاهما محالان: والوجه فيه ما عرفت من ان المنافرة بين الضدين انما هي بلحاظ الوجود الخارجي فحسب، فإذا لا مانع من ان يكون عدم احدهما متقدما على الاخر بالرتبة، ولا يلزم عليه المحذور المذكور، واما عدم تقدم احد الضدين على الاخر فليس لاجل التضاد، بل من ناحية فقد ملاك التقدم أو التاخر، هذا ما يظهر لى من كلامه (قده). وقد يقال ان مراده (قده) ان الضدين انما يكونان في مرتبة واحدة، لان كل واحد منهما بديل للاخر، ووجود كل من الضدين مع عدم نفسه ايضا في مرتبة واحدة لانهما نقيضان وبديلان، فتكون النتيجة ان وجود احد الضدين انما هو في مرتبة عدم الضد الآخر ولا تقدم ولا تأخر بينهما. ولا يرد عليه ما توهم وروده عليه، من ان بين احد العينين وما هو نقيض الاخر وان كان كمال الملائمة، الا ان ذلك لا يستلزم كون احد العنيين مع نقيض الاخر في مرتبة واحدة، فان كل علة مع معلولها بينهما كمال الملائمة، وهما يوجدان في زمان واحد، و مع ذلك يكون التقدم والتاخر بينهما ثابتين كما هو واضح. ولكن يرد عليه ان قياس المساوات في الزمان تام - مثلا إذا كان قيام زيد في زمان قيام عمرو - وقيام عمر في زمان مجيئ بكر لا محالة يكون قيام زيد في زمان مجئ بكر، ولا يتم في السبق بالرتبة، ويمكن ان يكون شيئان في مرتبة واحدة ولم يكن بينهما تقدم وتاخر، ومع ذلك يكون احدهما متقدما رتبة على شئ ثالث لوجود ملاك السبق فيه، ولا يكون الآخر متقدما عليه، لعدم وجود ملاكه فيه، مثلا وجود الشرط متقدم رتبة

[ 14 ]

على وجود المشروط، ولكن عدمه ليس متقدما عليه. وبالجملة التقدم بالعلية انما هو شأن العلة لا ما مع العلة، فالتقدم بالعلية الثابت لعدم شئ لا يسرى الى نقيضه وهو وجوده كى يقال ان وجود الضدين في مرتبة واحدة. الجواب الثالث: ما ذكره المحقق الخراساني (ره) ايضا قال فكما ان قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع احدهما في ثبوت الاخر كذلك في المتضادين انتهى. وفيه انه في النقيضين عدم كل منهما عين الآخر، وارتفاع الوجود عين العدم البديل له وكذلك العكس فلا معنى لتوقف احدهما على عدم الاخر، واما في الضدين فحيث لا ريب في ان عدم كل منهما غير وجود الآخر فقد ادعى انه مقدمة له بالبرهان المتقدم فلا بد من اقامة البرهان على عدم المقدمية. الجواب الرابع: ما في الكفاية ايضا وحاصله ان التمانع بين شيئين بان يكون كل واحد منهما مانعا عن الاخر ويكون من اجزاء علته، غير معقول: وذلك لان التمانع بين الشيئين بان يكون عدم كل منهما مقدمة لوجود الاخر، امران: احدهما: تقدم عدم المانع على وجود الممنوع لكونه من اجزاء علته. ثانيهما: تقدم وجود المانع على عدم المعلول، إذ لو فرض وجود المقتضى له مع الشرائط واستند عدمه الى وجود المانع، لا محالة يكون وجوده مقدما رتبة على عدمه، فعلى هذا التمانع بين الضدين مستلزم للدور: إذ يلزم منه تقدم وجود كل منهما على عدم الاخر وعدمه على وجوده، فيلزم تقدم وجود كل منهما وتوقفه على وجوده. توضيح ذلك، ان وجود الضد انما يستند الى عدم ضده فعدمه مقدم رتبة عليه، و عدم ذلك الضد إذا كان مقتضيه وشرائطه موجودة، يستند الى وجود هذا الضد، فهو مقدم رتبة على عدم ذلك الضد، فيلزم تقدم عدم الضد على ما فرضناه متاخرا عنه وهو دور واضح. وقد اجاب عن ذلك المحقق الخوانسارى - ونسب الى الشيخ الاعظم - ونقله في الكفاية بان توقف وجود احد الضدين على عدم الاخر فعلى، بخلاف توقف عدم الاخر على وجوده فانه شانى: إذ وجود احد الضدين انما يكون بوجود علته

[ 15 ]

في الخارج ومن اجزائها عدم المانع، وبديهى ان توقف وجود المعلول على جميع اجزاء علته ومنها عدم المانع فعلى لدخل جميعها في تحققه ووجوده في الخارج، واما عدم الضد فهو قد يكون بعدم المقتضى، وآخر بفقد الشرط، وثالثا بوجود المانع، وانما يستند الى وجود الضد في فرض وجود المقتضى، مع شرائر شرائطه، ولعله ممتنع لاحتمال ان يكون وقوع احد الضدين في الخارج، وعدم وقوع الاخر فيه منتهيين الى تعلق الارادة الازلية بالاول وعدم تعلقها بالثاني: فانها علة العلل وجميع الاسباب الممكنة لابد وان تنتهى الى سبب واجب وهو الارادة الازلية فيكون عدم الضد حينئذ مستندا الى عدم وجود المقتضى لا الى وجود المانع ليلزم الدور. فان قيل ان هذا لو تم فانما هو في موردين: 1 - في الموجودات التكوينية 2 - في الافعال الارادية إذا كان الضدان منتهيين الى ارادة شخص واحد، فان ارادة شخص واحد للضدين محال كان الضدان منتهيين الى الارادة الازلية ام لم ينتهيا إليها، فإذا اراد احدهما فلا محالة يكون عدم الاخر مستندا الى عدم الارادة والمقتضى لا الى وجود الاخر، واما في الافعال الارادية التى كان كل منهما متعلقا لارادة شخص غير ما يكون الاخر متعلقا لارادته - كما إذا اراد شخص حركة شئ واراد الاخر سكونه - فلا محالة يتصور وجود المقتضى وهو ارادة الاخر الذى لم يوجد فعدمه مستند الى وجود المانع لا الى عدم المقتضى لفرض وجوده وهو الارادة، إذا ارادة الضدين من شخصين امر ممكن. اجبنا عنه بان عدم الضد حينئذ مستند الى قصور المقتضى، فان الارادة الضعيفة مع مزاحمتها بالارادة القوية لا تؤثر: لخروج متعلقها عن تحت القدرة فعدم الاخر حينئذ يستند الى عدم قدرة الاخر على ما اراده. وان شئت فقل ان عدمه حينئذ يستند الى فقد الشرط اعني به القدرة على الايجاد مع تعلق الارادة القوية بخلافه فلا يستند الى وجود المانع. واجاب عن ذلك المحقق الخراساني بما حاصله ان هذا وان كان موجبا لرفع الدور ولكن ما هو ملاك استحالة الدور وهو توقف الشئ على ما يصلح ان يكون

[ 16 ]

متوقفا عليه باق - وبعبارة اخرى - كيف يمكن ان يكون ما هو من اجزاء العلة لشئ معلولا له بعينه وكيف يمكن الالتزام بتقدم الشئ على ما يصلح ان يكون متقدما عليه فانه في قوة ان يقال انه من الممكن تقدم الشئ على نفسه. ولكن يمكن ان يورد عليه بامور: 1 - ما تقدم في مبحث الطلب والارادة من عدم انتهاء افعال العباد الى ارادة الله تعالى والا لزم الجبر، اضف إليه ان ارادته تعالى ليست ازلية 2 - ان وجود المقتضى لوجود الضد المعدوم امر ممكن حتى مع وجود الضد الاخر كما فصلنا القول في ذلك في جواب المحقق النائيني (ره) 3 - انه لو كان ذلك امرا ممتنعا لزم من ذلك بطلان مقدمية عدم الضد لوجود الضد الاخر كما افاده المحقق النائيني (ره) 4 - ان عدم تحقق احد الضدين مع تحقق الاخر انما يكون من جهة المانع كما سيمر عليك عند بيان ما هو الحق في المقام. الجواب الخامس: ان عدم المانع ليس من اجزاء العلة لان العدم لا مناسبة له مع الوجود كى يكون مؤثرا فيه. وفيه ان الاعدام والملكات كالحيثيات الاستعدادية امور انتزاعية من امور وجودية، مثلا عدم المانع انما يؤثر في المعلول من جهة انه ينتزع من خلو المحل عن المانع الذى هو امر وجودي فلا مانع من تأثيره في الوجود. فالحق في تقريب منع المقدمية ان يقال انه لو فرضنا شيئا قابلا لوجود احد الضدين كالجسم المعلق في الفضاء القابل للحركة الى طرف المشرق، والحركة الى طرف المغرب، فتارة لا يوجد المقتضى مع الشرائط لهما، واخرى يوجد لاحدهما، وثالثة يوجد لهما معا. اما في الصورة الاولى: فعدم كل منهما انما يستند الى عدم المقتضى له، لا الى وجود المانع كما هو واضح. وكذلك في الصورة الثانية عدم ما لا مقتضى له يستند الى ذلك لا الى وجود الضد الاخر. واما في الصورة الثالثة: فان كان المقتضيان متكافئين في القوة، فلا محالة لا يوجد شئ منهما: إذ تحققهما معا مستلزم لاجتماع الضدين، وتحقق احدهما دون الاخر، مستلزم للترجح بلا مرجح، فيكون عدم كل منهما غير مستند الى عدم المقتضى لفرض

[ 17 ]

وجوده، ولا الى وجود الضد الاخر لفرض عدمه، فيستكشف من ذلك ان المانع هو مقتضى الآخر وعدم كل منهما مستند الى وجود مقتضى ضده، فالمانع هو المقتضى بالكسر لوجود الضد، والممنوع هو المقتضى بالفتح، أي وجود الضد الاخر، فالمانع متمحض في المانعية، والممنوع ايضا متمحض في الممنوعية، فالتمانع غير محقق، و كذلك لو فرضنا اقوائية احد المقتضيين فانه يوجد مقتضاه خاصة، وعدم الاخر يستند الى وجود هذا المقتضى الاقوى لا الى مقتضاه. وبعبارة اوضح، ان الضدين قد يكون المقتضى لكل منهما موجودا، وقد لا يكون المقتضى لشئ منهما موجودا، وقد يكون المقتضى لاحدهما موجودا دون الاخر. اما الفرضان الاخيران، فخارجان عن محل الكلام، لان عدم مالا مقتضى له مستند الى عدم المقتضى، لا الى وجود الاخر، ومحل الكلام هو الفرض الاول، وفى ذلك الفرض قد يكون المقتضيان متساويين قوة وضعفا، وقد يكون احدهما اقوى، اما في المورد الاول، فلا يوجد شئ منهما لاستحالة تأثير كل منهما اثره معا لامتناع اجتماع الضدين وتاثير احدهما المعين، ترجح بلا مرجح، فلا محالة لا يوجد شئ منهما وحينئذ يسئل ما الموجب لعدم التحقق بعد وجود المقتضى والشرائط، وليس الا وجود المقتضى للاخر، فمقتضى كل منهما يكون مانعا عن الاخر وعن تأثير مقتضيه في تحققه، واما في المورد الثاني فيوجد الضد الذي يكون مقتضيه اقوى، ولا يوجد الاخر و عدمه حينئذ ليس لفقد المقتضى، إذ لو لم يكن المقتضى الا قوى موجودا لكان موثرا في تحقق مقتضاه وانما المانع هو اقوائية المقتضى للضد الموجود. وهذا كما يجرى في الموجودات التكوينية يكون في الافعال الاختيارية. اما بالنسبة الى ارادة شخص واحد فانه إذا كان الشوق المتعلق بانقاذ احد الغريقين الذين لا يتمكن من انقاذهما معا اقوى، لوجود مرجح لاعمال القدرة في انقاذه ككونه ابنه مثلا، لا محالة يكون هو الموجب لعدم تحقق الاخر وعدم انقاذه، ولذا لو لم يكن هذا لكان ينقذ من ترك انقاذه. واما بالنسبة الى ارادة شخصين كما لو فرضنا ان احد الشخصين اراد

[ 18 ]

تحريك الجسم الساكن الى طرف المشرق والاخر اراد تحريكه الى طرف المغرب فان تساويا في القوة لا يتحرك الى شئ من الطرفين، والمانع انما هو مقتضى الحركة وان كان احدهما اقوى فيكون هو المانع عن تأثير ارادة الاخر في حركة الجسم الى الطرف المقابل وهذا من الوضوح بمكان. فالمتحصل ان المانع في الضدين انما هو مقتضى كل منهما بالنسبة الى الاخر فلا يكون عدم احد الضدين من اجزاء العلة لوجود الضد الاخر، فلا تمانع بين الضدين. التفصيل بين الضد الموجود والمعدوم واما القول الخامس: وهو التفصيل بين الضد الموجود والمعدوم، والالتزام بان عدم الثاني ليس من اجزاء العلة بمعنى عدم مانعية وجوده، وعدم الاول من اجزائها. واستدل للشق الاول بما تقدم. وللشق الثاني، بانه لا ريب في ان قابلية المحل من الشرائط، ومع فرض وجود الضد لا يكون قابلا لعروض الضد الاخر، فعدم الضد الموجود وارتفاعه انما يكون مما يتوقف عليه الضد الآخر. وفيه: انه لا ريب في انه يعتبر في الضدين ما يعتبر في النقيضين من الوحدات الثمانية، لان عدم اجتماع الضدين من فروع عدم اجتماع النقيضين، فالبياض الثابت لجسم في زمان، لا يكون ضدا للسواد الثابت له في زمان آخر، فحينئذ اقول ان الضد الموجود وجوده الفعلى ليس ضد الوجود الضد الآخر في الآن المتأخر، بل التضاد انما يكون بين وجود هذا الضد في الزمان المتأخر، مع وجود الآخر في ذلك الزمان، وحيث ان وجوده في الزمان المتأخر غير متحقق بالفعل، فالمضادة دائما تكون بين الشيئين غير موجودين، و عليه فيأتي فيه التفصيل المتقدم آنفا من انه تارة لا يكون المقتضى لهما متحققا، واخرى يكون لاحدهما، وثالثة لهما على نحو تقدم. لا يقال ان هذا لا يتم بناءا على ما قيل من ان البقاء لا يحتاج الى المؤثر وان العلة المحدثة بنفسها علة مبقية - وبعبارة اخرى - على تقدير القول باستغناء البقاء

[ 19 ]

عن المؤثر وكفاية العلة للحدوث كان وجود الضد المستغنى عن العلة مانعا عن حدوث ضده، فلا محالة يتوقف حدوث ضده على ارتفاعه، نعم على القول الاخران لم يكن للضد مقتض، أو لم يكن شرطه متحققا فعدمه يستند الى عدم المقتضى أو عدم الشرط، وان كانا موجودين ومع ذلك لم يوجد كان ذلك مستندا الى مقتضى الضد الموجود أي مقتضى البقاء المانع من تأثير مقتضى ضده. فانه يرد عليه ان المبنى فاسد، لان سر الحاجة في وجود الممكن الى العلة انما هو امكانه وفقره الحقيقي، وفى هذه العلة لا فرق بين الحدوث والبقاء، بل الحدوث والبقاء شئ واحد، وهو الوجود والتحقق في عالم الكون، غاية الامر ان لم يكن الوجود مسبوقا بالعدم كان هو الحدوث، وان كان مسبوقا بمثله يعبر عنه بالبقاء، وان لو حظ ذلك في الموجودات يظهر بداهة ذلك، ولو فرضنا ان السراج اضئ فما دام يكون متصلا بالقوة الكهربائية أو كان النفط في المنبع اوما شاكل يكون مضيئا، ومع انتفاء العلة ينعدم الضوء وهكذا في ساير موارد العلة المعدومة، واما ما يرى من بقاء جسم موضوع على الارض ما لم يرفع برافع، وبقاء العمارات التى بناها البنائون سنين متطاولة، و بقاء الجبال، والاحجار ونحوها من الموجودات الطبيعية على سطح الارض، فهو ليس من بقاء الموجود بلا علة، بل العلة للبقاء انما هي خصائص تلك المواد الطبيعية وقوة الجاذبة العامة التى تفرض عليها المحافظة على وضعها - وقد صارت عمومية تلك القاعدة في هذه الايام من الواضحات - وقد اودعها الله تعالى في هذه الكرة الارضية للتحفظ على الكرة وما عليها على وضعها ونظامها الخاص، فالمتحصل احتياج البقاء الى المؤثر. اضف الى ذلك انه لو تم ذلك فانما هو في الموجودات العينية الخارجية لا في افعال العباد فانه ليس لاحد التفوه بان من شرع في فعل يتم ذلك وان لم تبق ارادته المتعلقة به مثلا من كبر يتم صلاته بنفسها وان انعدمت الارادة: والوجه في ذلك ما تقدم في مبحث الطلب والارادة من ان الفعل الاختياري ما سبقه اعمال القدرة والاختيار وهو فعل اختياري للنفس وليس من الصفات ويكون هو الواسطة بين الشوق والفعل الخارجي، و عليه فالفعل الارادي تابع لاعمال النفس قدرتها في الفعل فان لم يعملها استحال تحققه.

[ 20 ]

وايضا هو من الضروريات ومن القضايا التى قياساتها معها بلا حاجة الى تشكيل قياس والاستدلال له. بقى الكلام فيما ذهب إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح الذى عرفت ان مبناه هو القول الثالث، وكيف كان فهو يتوقف على مقدمتين: الاولى: ان ترك الحرام متوقف على فعل من الافعال الوجودية، بدعوى استحالة خلو المكلف عن فعل من الافعال الاختيارية. الثانية: احتياج الحادث في بقائه الى المؤثر وان العلة المحدثة لا تكفى في البقاء، و عليه فبما ان ترك الحرام يتوقف حدوثا بقاءا على ايجاد فعل من الافعال فيكون واجبا بالوجوب المقدمى ولا يمكن فرض مباح في الخارج. وفيه ان المقدمة الاولى مخدوشة، إذ ترك الحرام انما يكون بعدم ارادته وحينئذ وجوب فعل آخر، اما ان يكون من باب مقدمية وجوده لعدم ضده تقدم المانع على عدم ممنوعه، أو من باب التلازم واتحاد حكم المتلازمين، وكلاهما فاسدان. اما الاول: فلما مر مفصلا من انه في الضدين لا تمانع بينهما بل المانع هو مقتضى كل منهما. واما الثاني: فلما مر من ان المتلازمين لا يمكن اختلافهما في الحكم ولا يجب توافقهما فيه - وبعبارة اخرى - ان عدم تحقق الضد انما يكون بعدم ارادته لا لوجود الضد الاخر، نعم، إذا علم المكلف في مورد انه لو لم يات بفعل من الافعال يصدر عنه الحرام بارادته يحكم العقل بلزوم الاتيان به ولا يكون ذلك واجبا شرعيا. اقتضاء الامر بالشئ للنهى عن الضد العام واما المقام الثاني: وهو ان الامر بالشئ هل يقتضى النهى عن ضده العام وهو الترك ام لا ففيه وجوده واقوال اربعة: 1 - كون الامر بالشئ عين النهى عن ضده.

[ 21 ]

2 - كونه متضمنا للنهى عن ضده. 3 - كونه ملزوما للنهى عن ضده باللزوم البين بالمعنى الاخص ودلالة الامر عليه بالالتزام. 4 - كونه ملزوما له باللزوم البين بالمعنى الاعم. اما القول الاول: فقد استدل له: بان عدم العدم وان كان مغايرا للوجود مفهوما الا انه عينه خارجا، لان نقيض العدم هو الوجود، وعدم العدم عنوان للوجود لا انه يلازمه، فطلب ترك الترك عين طلب الفعل، والفرق بينهما انما بحسب المفهوم. وفيه: اولا سيأتي ان النهى ليس طلبا للترك بل انما هو زجر عن المتعلق الناشئ عن المفسدة وعليه فعدم الاقتضاء بمعنى العينية واضح إذ البعث، والزجر، وكذا، الكراهة، والارادة، والمصلحة، والمفسدة، من المتباينات فكيف يمكن ان يكون احدهما عين الاخر: وثانيا انه فرق بين ما هو محل الكلام، وهو ان الامر بالشئ هل هو عين النهى عن ضده ام لا ؟ وبين هذا الدليل، وحاصله انه إذا ورد امر بالفعل ونهى عن الترك فهما متحدان لا تغاير بينهما وهذا لا يلازم الاول كيف ربما يغفل الامر عن ترك تركه فضلا عن ان يامر به. ويمكن تصحيح قول من يدعى ان الامر بالشئ عين النهى عن ضده، بان يقال ان المراد بالعينية انه إذا راى المولى في فعل مصلحة وصار ذلك سببا لشوقه الى تحقق ذلك الفعل فله في الوصول الى مقصودة طريقان وكل منهما عين الاخر في الوصول الى الغرض. احدهما: ان يامر بالفعل. ثانيهما: ان ينهى عن الترك كما ورد في المستحاضة انها لا تدع الصلاة. ثم ان المحقق الخراساني (ره) وجه المدعى بوجه لطيف، وحاصله ان الامر بالشئ انما يكون طلبا واحدا وهو كما يكون حقيقة منسوبا الى الوجود وبعثا وتحريكا نحوه كذلك يصح ان ينسب الى الترك بالعرض والمجاز: لان التحريك نحو الشئ والتقريب إليه يلازم التحريك عن نقيضه والتبعيد عنه، كما يظهر من التحريك والتقريب الخارجيين فان التحريك والتقريب الى محل يكون تحريكا عن محل آخر وتبعيدا عنه.

[ 22 ]

فيكون الامر بالشئ ردعا عن نقيضه، اضف الى ذلك انه لو سلم ان حقيقة النهى عبارة عن طلب الترك كما هو المنسوب الى المشهور، فلا يرجع هذا البحث الى البحث عن امر معقول ذى اثر وذلك لان معنى اقتضائه للنهى عن الضد، اقتضائه لطلب ترك الترك الذى هو الوجود والفعل، لما حقق في محله، من ان الوجود والعدم نقيضان لا واسطة بينهما، والعناوين الاخر، كعدم العدم من العناوين الانتزاعية من احدهما، وعليه: فمآل هذا البحث الى ان الامر بالشئ، هل يقتضى طلب ذلك الشئ ام لا ؟ وهذا لا يرجع الى محصل لان ثبوت الشئ لنفسه ضروري. واما الثاني: وهو ان الامر بالشئ متضمن للنهى عن ضده، فقد استدل له بما اشتهر من ان الوجوب هو طلب الفعل مع المنع من الترك. ولكن قد تقدم في مبحث الاوامر انه لا اصل له وان الوجوب بسيط غير مركب، و حاصله ان الوجوب اما ان يكون هو الشوق الاكيد أو يكون منتزعا عن اعتبار كون المادة على عهدة المكلف، وعلى الاول فهو من الاعراض وهى بسائط، وعلى الثاني يكون هو من سنخ الوجود وبساطته اظهر من ان تذكر. واما ما اشتهر من ان الوجوب هو طلب الفعل مع المنع من الترك فالظاهر كما افاده المحقق الخراساني (ره) انهم في مقام تحديد تلك المرتبة البسيطة من الطلب وتعينها، فالمنع من الترك ليس من اجزاء الوجوب ومقوماته، بل من خواصه ولوازمه، بمعنى انه لو التفت الى الترك لما كان راضيا به لا محالة وكان يبغضه البتة. واما القول الثالث: وهو دلالة الامر على النهى عن ضده بالالتزام، بمعنى ثبوت الملازمة بين الامر بالشئ والنهى عن ضده فدعواه وان كانت معقولة، وقد اختاره المحقق النائيني (ره) ولكنها غير صحيحة: وذلك لان النهى يكون ناشئا عن المفسدة، والامر عن المصلحة فالامر بالشئ يكشف عن المصلحة فيه، وهذا لا يلازم ثبوت المفسدة في تركه كى يكون ذلك مقتضيا للنهى عنه، بل لا يكون الترك الا ترك ما فيه المصلحة، وان اردت ان تطمئن نفسك فراجع الاوامر العرفية حيث ترى بالوجدان ان الامر بالشئ لا يلازم المفسدة في تركه، فالالتزام باقتضاء الامر بالشئ للنهى عن

[ 23 ]

ضده، بارجاع كل امر الى حكمين، احدهما متعلق بالفعل، والاخر بتركه ويكون الترك مخالفة لحكمين وموجبا لاستحقاق عقابين مما لا يمكننا المساعدة عليه وبما ذكرناه يظهر ما في. ما افاد المحقق النائيني (ره) من ان دعوى الدلالة عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص بان يكون تصور الوجوب كافيا في تصور المنع من الترك فليست ببعيدة، وعلى تقدير التنزل عنها فالدلالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم، مما لا اشكال فيها ولا كلام. ويمكن توجيه دعوى الملازمة بان يقال ان المراد من النهى عدم الترخيص وعليه فحيث ان الالزام بالفعل يضاد الترخيص في الترك، فالامر بالفعل يلازم عدم الترخيص في الترك لكنه لا يناسب ان ينعقد له بحث في الاصول. فالمتحصل ان الامر بالشئ لا يقتضى النهى عن ضده مطلقا. ثمرة البحث في الاقتضاء وعدمه المشهور بين الاصحاب انه تظهر الثمرة في موردين: الاول: ما إذا وقعت المزاحمة، بين واجب موسع كالصلاة، وبين واجب مضيق كالازالة، وصلاة الايات عند الزلزلة وما شاكل. الثاني: ما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيقين احدهما اهم من الاخر كما في الدوران بين الاتيان باليومية في آخر الوقت، وصلاة الايات، مثلا، لانه على القول باقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده، يقع الواجب الموسع أو المهم فاسدا، إذا كان عبادة بناءا على ما سيأتي من ان النهى عن العبادة يوجب الفساد، وعلى القول بعدم الاقتضاء يقع صحيحا إذ المقتضى للفساد هو النهى ولا نهى على الفرض. وقد اورد على هذه الثمرة بايرادين متقابلين: الاول: ما عن الشيخ البهائي (قده) من بطلان العبادة مطلقا حتى على القول بعدم

[ 24 ]

اقتضاء الامر بالشئ النهى عن ضده: مستندا الى ان الفساد لا يحتاج الى النهى بل يكفى فيه عدم الامر، ولا شبهة في ان الامر بالشئ يقتضى عدم الامر بضده لاستحالة تعلق الامر بالضدين معا فلو كانت العبادة المضادة غير مامور بها فلا محالة تقع فاسدة. ثانيهما: ما عن جماعة منهم المحقق النائيني (ره) وهو صحة العبادة على القولين، بناءا على ما هو الحق عندهم من كفاية الملاك والمحبوبية الذاتية في صحة العبادة، وان لم يؤمر بها لاجل المزاحمة، اما على القول بعدم الاقتضاء، فواضح لوجود المقتضى للصحة وعدم المانع، واما بناءا على القول بالاقتضاء، فلان العبادة حينئذ وان كانت منهيا عنها الا ان هذا النهى غيرى نشأ من مقدمية تركها أو ملازمته للمأمور به ولم ينشأ عن مفسدة في متعلقه ليكون موجبا لاضمحلال ما فيه من الملاك الصالح للتقرب بما اشتمل عليه، وعليه فالعبادة باقية على ما كانت عليه من الملاك والمصلحة والمحبوبية الذاتية الصالحة للتقرب بها، والنهى المتعلق بها بما انه غيرى لم ينشأ عن المفسدة وعن المبغوضية للمولى، و لذلك قالوا انه لا يوجب البعد عن الله تعالى ولا العقاب على مخالفته فلا يكون صالحا للمانعية فالمقتضى للصحة موجود، والمانع مفقود، فلابد من البناء عليها. ثم ان المحقق الثاني اورد على انكار الثمرة في الصورة الاولى، وهى مزاحمة الموسع بالمضيق بما اوضحه جماعة من المحققين منهم المحقق النائيني وحاصله يبتنى على امور: 1 - ان الامر بالعبادة انما يكون متعلقا بالطبيعة الملغاة عنها جميع الخصوصيات والتشخصات، دون الافراد، وبعبارة اخرى ان التكليف انما تعلق بصرف وجود الطبيعة دون خصوصيات افرادها كى يرجع التخيير بينها الى التخيير الشرعي، ومقتضى اطلاق الامر بها ترخيص المكلف في تطبيق تلك الطبيعة على أي فرد من افرادها شاء تطبيقها عليه من الافراد العرضية والطولية، ولكن هذا انما يكون إذا لم يكن هناك مانع عن التطبيق، والا كما إذا كان بعض افرادها منهيا عنه فلا محالة يقيد اطلاق الامر المتعلق بتلك الطبيعة بغير هذا الفرد المنهى عنه لاستحالة انطباق الواجب على الحرام. 2 - انه يكفى القدرة على بعض الافراد في صحة تعلق التكليف بصرف

[ 25 ]

وجود الطبيعة لان المأمور به حينئذ مقدور إذ القدرة على فرد قدرة على الطبيعة ولا دخل لعدم القدرة على فرد آخر منها في ذلك، - وبعبارة اخرى - انه لا يعتبر في صحة تعلق التكليف بالطبيعة إذا كان المطلوب هو صرف الوجود القدرة على جميع افرادها بل لا يوجد طبيعة تكون مقدورة كذلك، وعليه فعدم القدرة على فرد منها لا يوجب تقييدا في المتعلق. 3 - ان ملاك الامتثال انما هو انطباق المأمور به على الماتى به، لا كون الفرد بشخصه مامورا به. 4 - ان الواجب الموسع بما ان له افرادا غير مزاحمة، وصرف وجود الطبيعة منه مقدور للمكلف وغير مزاحم بالواجب المضيق، فالامر بالمضيق لا يوجب سقوط الامر بالموسع، إذ غير المقدور حينئذ هو الفرد وهو غير مأمور به، والمأمور به هو الطبيعة، وهو غير مزاحم بالمضيق، فلا يكون التكليف بالموسع متقيدا بشئ. وعلى هذا، فعلى القول بعدم كفاية الملاك، إذا كان الامر بالشئ مقتضيا للنهى عن ضده كان الفرد المزاحم من الواجب الموسع منهيا عنه فيقيد به اطلاق الامر به: لامتناع ان يكون الحرام مصداقا للواجب ونتيجة ذلك التقييد هي وقوعه فاسد العدم الامر حينئذ و اما على القول بعدم الاقتضاء، فالامر بالمضيق لا يوجب تقييدا في الموسع لان غايته عدم القدرة شرعا على الفرد المزاحم وهو كعدم القدرة عقلا، والفرض ان الفرد غير مامور به، فملاك الامتثال، وهو انطباق المأمور به على الماتى به فيه موجود كساير الافراد، فانها ليست مامورا بها وانما يكتفى بها في مقام الامتثال لانطباق الطبيعة المأمور بها عليها، وهذا الملاك بعينه موجود في الفرد المزاحم فلا مناص من البناء على القول بالاجزاء والصحة، - وبعبارة اخرى - ان ما هو غير مقدور شرعا لا يكون مامورا به، وما هو مامور به وهو الطبيعة مقدور، وعليه فيصح الاتيان بالفرد المزاحم إذ الانطباق قهرى والاجزاء عقلي. واورد على هذا التفصيل المحقق النائيني (ره) بما حاصله ان ما افاده يتم على القول بان اعتبار القدرة في المتعلق انما هو بحكم العقل بقبح تكليف العاجز: إذ يمكن ان يقال ان العقل لا يحكم بازيد من اعتبار القدرة على الواجب في الجملة ولو بالقدرة على فرد منه،

[ 26 ]

فإذا كان المكلف قادرا على الموسع للقدرة على غير الفرد المزاحم، فلا يكون التكليف به قبيحا. وبما ان انطباقه على الفرد المزاحم قهرى يكون اجزائه عقليا، واما إذا بنينا على ان اعتبار القدرة انما هو باقتضاء نفس التكليف ذلك، لا لحكم العقل بقبح تكليف العاجز، ضرورة ان الاستناد الى امر ذاتي سابق على الاستناد الى امر عرضى، فلا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بذلك. توضيح ذلك: ان المختار عنده (قده) ان منشأ اعتبار القدرة انما هو اقتضاء نفس التكليف ذلك، فان الغرض من التكليف جعل الداعي للمكلف نحو الفعل ليحرك عضلاته نحوه بالارادة، وترجيح احد طرفي الممكن، وهذا المعنى بنفسه يقتضى كون متعلقة مقدور الامتناع جعل الداعي نحو الممتنع شرعا أو عقلا، فالبعث لا يكون الا نحو المقدور، فيخرج الافراد غير المقدورة عن حيز الطلب، وعليه فإذا كان التكليف مقتضيا لاعتبار القدرة، فلا محالة يكون المأمور به، هو الحصة الخاصة من الطبيعة، و هي الحصة المقدورة، واما الحصة غير المقدورة فهى خارجة عن متعلقة فالفرد المزاحم بما انه غير مقدور شرعا وهو كغير المقدور عقلا خارج عن حيز الامر، فلا يكون المأمور به منطبقا على الماتى به فلا يكون مجزيا. في البحث عن اعتبار القدرة في المتعلق وتفصيل القول في المقام بالبحث في جهات: الاولى: في انه، هل يعتبر القدرة في متعلق التكليف، ام لا ؟ وما هو الوجه في ذلك. اقول: تارة يكون جميع الافراد للطبيعة المطلوب صرف وجودها غير مقدورة، واخرى يكون بعض الافراد كذلك، وعلى الثاني: قد يكون تمام الافراد العرضية في زمان خاص غير مقدورة، وقد يكون بعض تلك الافراد العرضية كذلك، وعلى كل تقدير، قد يكون عدم القدرة عقليا وقد يكون شرعيا. وقد استدل لاعتبار القدرة في متعلق التكليف بوجوه، جملة منها واضحة الدفع، من

[ 27 ]

قبيل: انصراف المادة، أو الهيئة، الى الحصة المقدورة، واعتبار الحسن الفاعلى في العبادة زايدا على الحسن الفعلى. وقد تعرضنا لها في مبحث التعبدى والتوصلى، والمهم منها اربعة اوجه: احدها: ما ذكره المحقق النائيني (ره) وقد ذكرناه آنفا فيما افاده ردا على المحقق الثاني. ويتوجه عليه ان حقيقة الامر كما مر في اول مبحث الاوامر عبارة عن، اظهار شوق الآمر الى فعل المأمور، أو ابراز اعتبار كون المادة على عهدته، وشئ منهما لا ينافى مع كونه غير مقدور، واما البعث والطلب وما شاكل فهى عناوين للامر لا انها مداليل له. ثانيها: قبح تكليف العاجز الذى يستقل به العقل. ويتوجه عليه ان امتثال التكليف الذى هو موكول الى العقل مشروط بالقدرة، و مع العجز لا يحكم العقل بلزوم الامتثال - وبعبارة اخرى - قد بينا في مبحث الاوامر بان الوجوب والاستحباب خارجان عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، وانما هما امران انتزاعيان من حكم العقل بلزوم الامتثال لو امر المولى بشئ ولم يرخص في تركه و عدمه لو امر به ورخص في تركه، وعليه فإذا كان الفعل المأمور به غير مقدور، لا يحكم العقل بلزوم امتثاله، ولا يجوز العقاب على مخالفة امر المولى، وعلى ذلك فغاية ما يستقل به العقل اعتبار القدرة في التنجيز دون اصل الامر. ثالثها: الايات والروايات المتضمنة لعدم التكليف بغير المقدور. ويتوجه عليه ان التكليف انما يطلق على الامر والنهى باعتبار ما يتبعهما من الزام العقل بالفعل أو الترك وفى فرض عدم القدرة حيث لا حكم للعقل فلا يكون الامر - تكليفا - وبعبارة اخرى - ان شئت قلت انه لا يستفاد من الايات والروايات ازيد مما يحكم به العقل من اعتبار القدرة في التنجيز فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. رابعها: ان الامر فعل اختياري للمولى فان لم يترتب عليه اثر عملي يكون لغوا، و صدوره من الحكيم محال، فالامر بغير المقدور حيث يكون لغوا يكون محالا. وهذا الوجه متين لكنه يختص بالقدرة العقلية ولا يجرى في موارد

[ 28 ]

عدم القدرة الشرعية كما هو واضح ونزيده وضوحا: انه لو كان التكليف الواقعي هو الوجوب وقامت الامارة على حرمتها، فلا ريب في عدم قدرة المكلف شرعا على امتثال التكليف الواقعي لكونه موظفا بالانزجار، ومعه لا يقدر على الانبعاث، وحينئذ ان التزم بسقوط التكليف الواقعي لزم التصويب المجمع على بطلانه، وان التزم ببقائه لزم الالتزام بعدم اعتبار القدرة في التكليف. ويمكن ان يقال انه لو سلم دلالة الايات والروايات على اعتبار القدرة فانما هي بالنسبة الى القدرة العقلية دون الشرعية. فان قيل، انه في ما هو محل البحث وهو تزاحم الواجبين لا يقدر عقلا على امتثال كلا الحكمين فلا بد من سقوط احدهما أو كليهما فإذا كان هناك مرجح لاحدهما يبقى ذلك فيتعين سقوط الاخر. توجه عليه: انه لو كان هناك امر واحد بهما كان ذلك امرا بغير المقدور وحيث ان المفروض انهما امران والمكلف قادر على امتثال كل منهما في نفسه لا يبقى لذلك مجال. وايضا ان مقتضى الوجه المختار، والايات والروايات انه إذا كان بعض افراد الطبيعة المأمور بها مقدورا كون التكليف صحيحا - وبعبارة اخرى - انهما يدلان على اعتبار عدم عجز المكلف عن جميع الافراد ولا يدلان على عدم صحة التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور. وبما ذكرناه يظهر انه في المقام بما ان الضدين لم يتعلق بهما تكليف واحد، بل كل منهما متعلق لتكليف مستقل، والمفروض القدرة على امتثاله فلا مانع من ثبوت الامر بالضد، وعليه فيأتي به بداعي الامر. كما انه ظهر ما في كلمات المحقق النائيني (ره) ويتوجه عليه مضافا الى ذلك كله. انه لو سلم اعتبار القدرة الشرعية في المتعلق، لو فرضنا ان الافراد العرضية كانت غير مقدورة كما في مزاحمة الواجب الموسع في اول الوقت، والمضيق. فعلى القول باستحالة الواجب المعلق، وعدم صحة تعلق الطلب بامر متاخر مقدور

[ 29 ]

في ظرفه، كما بنى عليه المحقق النائيني، تكون الطبيعة بجميع افرادها، غير مقدورة، اما الافراد العرضية، فللمزاحمة، واما الافراد المتأخرة الطولية، فللتاخر، وامتناع تعلق التكليف بالامر المتأخر. وبذلك يظهران ما سلمه المحقق النائيني من صحة العبادة المزاحمة على فرض كون مدرك اعتبار القدرة حكم العقل، نظرا الى انه لا يحكم العقل باعتبارها مع فرض القدرة على بعض افراد الموسع، غير تام على مسلكه. واما على القول بامكان الواجب المعلق كما هو الحق، فيصح تعلق التكليف بصرف وجود الطبيعة من غير فرق بين المسلكين في اعتبار القدرة، اما على مسلك كون المدرك هو حكم العقل، فواضح، واما على مسلك المحقق النائيني، فلانه وان سلم كون الغرض من التكليف امكان صيرورته داعيا للمكلف في فعله، يكون هذا الغرض متحققا في الفرض، لان المفروض كون المتعلق هو صرف وجود الطبيعة، لا الافراد وهو انما يكون مقدورا بالقدرة على بعض الافراد، فتفصيل المحقق النائيني (ره) بين المسلكين في غير محله. النهى الغيرى يوجب الفساد الجهة الثانية: في ان النهى الغيرى عن العبادة، هل يوجب الفساد، ام لا ؟ ذهب المحقق النائيني (ره) الى الثاني، واختار المحقق الثاني وجماعة الاول. واستدل المحقق النائيني (ره) له بان النهى الغيرى لا ينشأ عن مفسدة في متعلقه ليكشف عن عدم تمامية ملاك الامر وبما انه قد عرفت في مبحث التعبدى والتوصلى كفاية قصد الملاك في صحة العبادة وعدم اشتراطها بقصد الامر تعرف ان الاقوى في محل الكلام صحة الفرد المزاحم ولو بنينا على كونه منهيا عنه بالنهي الغيرى. اقول سيأتي الكلام في الجهة الثالثة في انه، هل يصح اتيان العبادة بداعي المحبوبية والملاك، وانه هل هناك كاشف عن الملاك مع عدم الامر ام لا ؟

[ 30 ]

وانما الكلام في هذه الجهة متمحض في انه بناءا على كفاية الملاك و وجود الكاشف عنه غير الامر، هل النهى الغيرى يصلح للمانعية ام لا ؟ والاظهر هو صلاحيته لذلك، وكونه مقتضيا للفساد: إذ النهى الغيرى وان لم يكن ناشئا عن المفسدة والمبغوضية، الا انه مانع عن التقرب بالملاك والمحبوبية إذ التقرب به انما يكون، لاجل كونه مورد الاشتياق المولى والمولى يحب وجوده في الخارج، ومع فرض نهى المولى و تسبيبه الى اعدام الفعل لا محالة لا يمكن التقرب بذلك الملاك - وبعبارة اخرى - الملاك الذى مع وجوده يسبب المولى الى اعدامه لا يصلح للمقربية، مضافا، الى ما تقدم من ان مخالفة التكليف الغيرى ايضا توجب العقاب فراجع ما ذكرناه. واما ما قيل من ان النهى الغيرى وان لم يوجب الفساد الا انه لاجل افضائه الى ترك محبوب اهم لا يمكن التقرب به - فغير سديد - إذ عدم استيفاء المصلحة المتحققة في فعل لا يصلح ان يكون مانعا عن التقرب بما في فعل آخر من المصلحة. الاتيان بالعبادة مع عدم الامر الجهة الثالثة: في انه على القول بعدم الامر بالواجب الموسع المزاحم بالواجب المضيق أو المهم مع مزاحمته بالاهم ولو بنحو الترتب، هل هناك طريق الى الحكم بالصحة والاجزاء، ام لا ؟ ونخبة القول فيها ان القول بالصحة والاكتفاء به يتوقف على مقدمتين: احداهما: كون الفرد المزاحم الساقط امره واجدا للملاك كساير الافراد ثانيتها: الاكتفاء بذلك في صحة العبادة. اما المقدمة الثانية: فقد مر الكلام فيها، في مبحث التعبدى والتوصلى، وعرفت عدم كفاية قصد الملاك والمصلحة في صحة العبادة وفى المقام ذكر المحقق الخراساني (ره) كلاما، صار ذلك عويصة لمن تأخر عنه قال، نعم فيما إذا كانت موسعة، وكانت مزاحمة بالاهم في بعض الوقت لا في تمامه، يمكن ان يقال انه حيث كان الامر بها على حاله، وان صارت مضيقة بخروج

[ 31 ]

ما زاحمه الاهم من افرادها عن تحتها، امكن ان يؤتى بما زوحم منها، بداعي الملاك، وان كان الفرد خارجا عن تحتها بما هي مامور بها، الا انه لما كان وافيا بغرضها، كالباقي تحتها، كان عقلا مثله في الاتيان به في مقام الامتثال، والاتيان به بداعي ذلك الامر الى ان يقول هذا على القول بكون الاوامر متعلقة بالطبايع، واما بناءا على تعلقها بالافراد، فكذلك، و ان كان جريانه عليه اخفى. ويمكن توجيه ما افاده باحد انحاء: 1 - انه على القول بتعلق الاوامر بالطبايع يكون نظره الى ما وجهنا به كلام المحقق الثاني، وبه يظهر وجه قوله على القول بتعلق الاوامر بالافراد جريانه اخفى، و لكن ذلك لا يتم على القول بتعلقها بالافراد. 2 - ان يكون نظره الى انه يمكن اتيانه بداعي اسقاط الامر بالفرد الاخر، نظرا الى انه واجد للملاك والغرض الموجب للامر فباتيانه يستوفى الملاك والغرض، فيسقط الامر والا بقى بلا ملاك وسقوطه ذلك ليس بالعصيان فلا محالة يكون بالامتثال فيصح الاتيان بالفرد المزاحم امتثالا للامر المتعلق بالفرد غير المزاحم. 3 - ان يكون نظره الشريف الى ان الامر انما يدعو الى ما تعلق به، بملاك انه محصل للغرض، لا بما انه متعلق للامر، وهذا الملاك موجود في غير ما تعلق به الامر فيصح اتيانه بداعي الامر. طريق استكشاف الملاك واما المقدمة الاولى: فقد استدل لها ولوجود الملاك في الفرد الساقط امره بوجوه: احدها: ما عن المحقق الخراساني (ره) وهو دعوى القطع بان الفرد المزاحم تام الملاك، وانه وان كان خارجا عن الطبيعة المأمور بها لكنه يكون وافيا بالغرض كباقي الافراد، لفرض ان سقوط الامر ليس لعدم المقتضى، بل انما هو لاجل عدم قدرة العبد على الامتثال ولوجود المانع، - وبعبارة اخرى - لا يكون خارجا عن تحت الطبيعة المأمور

[ 32 ]

بها بالتخصيص كى يقال بانه قاصر عن الوفاء بالغرض، بل يكون من جهة عدم امكان تعلق الامر به عقلا، فالعقل لا يرى تفاوتا بينه وبين ساير الافراد في الوفاء بالغرض. ولكن يرد عليه ان طريق استكشاف الملاك انما يكون باحد طرق: الاول: احاطة العقل بالواقعيات وكشفه الملاك. الثاني: اخبار الشارع ولو ببيان الملاك علة للحكم. الثالث: كون الشئ بنفسه متعلق الامر بناءا على ما هو الصحيح من تبعية الاحكام لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد. الرابع: ما إذ كان الفرد مصداقا للمأمور به بما هو مامور به، فانه يكشف عن وفائه بغرض المأمور به وكونه واجدا للملاك، واما إذا لم يكن شئ من ذلك كما في المقام كما هو واضح، فلا كاشف عن وجود الملاك، و دعوى القطع بوجود الملاك بعد احتمال ان لا يكون في فرض سقوط الامر ملاك له اصلا غير مسموعة، وبالجملة ان الكاشف عن الملاك بعد عدم الاحاطة بالواقعيات و عدم التنصيص من الشارع هو الامر ومع سقوطه لا كاشف عنه. ثانيها: ما عن جماعة منهم المحقق العراقى (ره) وحاصله انه إذا كان للكلام دلالات متعددة وظهورات كذلك، كما إذا كان له دلالة مطابقية، ودلالة التزامية أو دلالة مطابقية، ودلالة تضمنية كما في العام المجموعى كقولنا اكرم عشرة من العلماء، فانه يدل على وجوب اكرام المجموع بالدلالة المطابقية وعلى اكرام كل واحد بالدلالة التضمنية، و سقط اللفظ عن الحجية بالاضافة الى احد مدلوليه وهو الدلالة المطابقية مثلا لم يستلزم ذلك سقوطها عنها بالاضافة الى مدلوله الاخر: إذا الضرورات تتقدر بقدرها - و بعبارة اخرى - الدلالة الالتزامية، أو التضمنية وان كانت تابعة للمطابقية في مقام الثبوت والاثبات الا انها ليست تابعة لها في الحجية، لان كل ظهور للكلام بنفسه متعلق للحجية بمقتضى ادلة حجية الظهورات وسقوط اللفظ عن الحجية بالاضافة الى احد الظهورات من جهة قيام حجة اقوى على خلافه لا يوجب رفع اليد عن الظهور الاخر الذى لا مانع من البناء على حجيته. وان شئت قلت ان الكلام الذى له مدلولان: مطابقى، والتزامي، أو تضمني، يكون منحلا الى اخبارين، ودليل الاعتبار يدل على حجية كل واحد مستقلا، فسقوط احدهما

[ 33 ]

عن الحجية لحجة اقوى لا يوجب سقوط الاخر. والمقام من هذا القبيل إذ مقتضى اطلاق الامر المتعلق بالعبادة كونها مامورا بها حتى في صورة المزاحمة، ودلالته هذه تكون بالدلالة المطابقية، وبالدلالة الالتزامية يدل على ثبوت الملاك والمصلحة في كل فرد في جميع حالاته حتى في هذه الحال، وبالمزاحمة سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية، بمعنى ان الاطلاق قيد بالقرينة العقلية، الا ان ظهوره في كون الفعل ذا مصلحة ملزمة لا موجب لسقوطه - وبعبارة اخرى - الدال على ثبوت الامر في كل فرد يدل على وجود الملاك فيه بالدلالة الالتزامية، فإذا قيد ذلك في مدلوله المطابقى، يدخل في الكبرى الكلية من انه إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لا يسقط الدلالة الالتزامية، إذ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية وجودا لا حجية. وعلى هذا المبنى بنوا في التعادل والترجيح على ان الخبرين المتعارضين يسقطان على القاعدة الا انه ينفى الثالث بهما. وفيه: اولا النقض بموارد التخصيص فان دليل العام يدل على ثبوت الحكم في كل فرد، وبالدلالة الالتزامية يدل على ثبوت الملاك فيها، فإذا وردا لتخصيص يقيد اطلاقه بالنظر الى الحكم فقط ولا مخصص له بالقياس الى الملاك، لانه لا يدل على عدم وجوده في ذلك الفرد إذ عدم الحكم كما يمكن ان يكون لعدم الملاك يمكن ان يكون لاجل المانع، فعلى هذا المسلك لابد وان يبنى على ثبوت الملاك في ذلك الفرد، وهذا مما لم يلتزم به احد. وبانه إذا قامت البينة على ملاقاة الثوب للبول فهى بالدلالة الالتزامية تدل على نجاسته فإذا علمنا من الخارج عدم مطابقة مدلولها المطابقى للواقع، ولكن احتملنا ثبوت النجاسة، فهل يتوهم احد انه يبنى على النجاسة لهذه الكبرى الكلية. وثانيا: بالحل، وهو ان من يخبر عن شئ مثلا، وبالدلالة الالتزامية عن لازمه، انما يخبر عن لازمه لا مطلقا بل عن الحصة منه الملازمة لهذا الشئ، مثلا من يخبر عن ملاقاة البول للثوب انما يخبر عن النجاسة الخاصة الحاصلة من ملاقاة البول، لا مطلقا فحينئذ إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية وعلم بكذبه مثلا لا محالة تسقط

[ 34 ]

الدلالة الالتزامية، فالدلالة الالتزامية كما تكون تابعة للدلالة المطابقية وجودا، كذلك تكون تابعة لها بقاءا وحجية. وعلى ذلك في المقام نقول ان ما دل على ثبوت الحكم، غير مقيد بالقدرة، وان كان يدل على ثبوت الملاك الملزم، الا انه لا يدل على ثبوته على نحو الاطلاق حتى مع قطع النظر عن ثبوت الحكم، بل انما يدل على ثبوت الملاك الملازم للوجوب والحكم، فيكون دالا على ثبوت حصة خاصة من الملاك وهى الحصة الملازمة لذلك الحكم والمنشأ له فإذا سقطت الدلالة على الحكم لمانع لا يبقى دلالته على الملاك الذى هو السبب له فلا علم لنا بوجود الملاك، وبالجملة مع فرض سقوط الكاشف على الملاك، لا معنى لادعاء العلم بوجود المنكشف. ولا تقاس الدلالة الالتزامية بالدلالة التضمنية، فان دلالة الكلام على المدلول الالتزامى انما تكون من جهة كونه لازما للمدلول المطابقى فلا بقاء له بعد سقوطه، واما الدلالة التضمنية فليست من هذا القبيل بل الدلالة المطابقية تنحل في الواقع الى دلالات تضمنية باعتبار كل جزء منه فإذا سقط بعضها، لا موجب لسقوط البقية، وعلى الجملة لا ملازمة ولا تبعية بين المداليل التضمنية بعضها بالاضافة الى بعضها الاخر لعدم كون احدها معلولا للاخر ولا علة له ولا معلولان لعلة ثالثة في الواقع. اضف الى جميع ذلك ان احراز الملاك في فعل، انما يكون تابعا للارادة الجدية لا الانشائية لان ثبوت الملاك على مسلك العدلية انما يكون في متعلق الارادة الجدية فتبعية الملاك تدور مدار الارادة الجدية، فمع فرض عدم كون فرد متعلقا للارادة الجدية لا كاشف عن وجود الملاك فتدبر. الثالث: ما افاده المحقق النائيني (ره) وحاصله انه تارة تؤخذ القدرة في متعلق التكليف لفظا، كما في آيتى الحج والوضوء، فانه يكون دلالة اللفظ على اعتبار القدرة في الاولى بالمطابقة، وفى الثانية بالالتزام، فانه يستفاد ذلك من جهة اخذ عدم وجدان الماء في موضوع وجوب التيمم مطابقة، والتفصيل قاطع للشركة لا محالة، و في مثل ذلك يستفاد ان القدرة دخيلة في الملاك، بداهة انه لا معنى لاخذ قيد في

[ 35 ]

متعلق الحكم في مقام الاثبات، إذا لم يكن له دخل في مقام الثبوت، وعلى ذلك بنوا على عدم امكان تصحيح الوضوء أو الغسل بالملاك، وعلى الجملة التقييد يكشف عن ان ما فيه الملاك مقيد بالقدرة، وغير المقدور لا ملاك فيه. واخرى لا يكون المتعلق مقيدا بها، بل هو مطلق، ولكن تعلق الطلب قيد بالقدرة، اما من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، أو من جهة اقتضاء نفس الخطاب ذلك، اما من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، أو من جهة اقتضاء نفس الخطاب ذلك، فمعروض الطلب في المرتبة السابقة على عروضه وهى مرتبة اقتضاء المتعلق لعروض الطلب عليه التى هي عبارة اخرى عن مرتبة واجديته للملاك لا محالة يكون مطلقا، والتقييد في المرتبة اللاحقة، وهى مرتبة عروض الطلب، لا يعقل ان يكون تقييدا للمرتبة السابقة، كما في كل ما لا يتاتى، الا من قبل الامر كقصد القربة، ففى المرتبة السابقة بما انه مطلق يستكشف عدم دخل القدرة في الملاك وعن كون ذات العمل الذى هو معروض الطلب واجدا للملاك التام، والا لكان عليه البيان والتقييد فباطلاق المادة يتمسك لاثبات وجود الملاك في مورد المزاحمة الموجبة لسقوط الامر بالمهم من جهة عدم القدرة على امتثالهما معا. فان قيل انه فيما لم يؤخذ القدرة في المتعلق لو سلم عدم القطع بالتقييد شرعا الكاشف عن دخل القدرة في الملاك، الا انا نحتمل ذلك بالبداهة، ولا دافع لذلك الاحتمال، إذ لو كانت دخيلة فيه لجاز للمتكلم ان يكتفى في بيانه بنفس ايقاع الطلب على ما كان فيه الملاك فيكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق. توجه عليه انه بعد ما عرفت من استحالة اخذ ما لا يتاتى الا من قبل الامر في المتعلق لسبقه على تعلق الطلب، لا يحتمل قرينية ايقاع الطلب، فلا يكون داخلا في تلك الكبرى الكلية ليدعى الاجمال. وان قيل ان اطلاق المتعلق انما يكشف عن عدم دخل القيد في الملاك إذا لزم نقض الغرض من عدم التقييد في مقام الاثبات مع دخل القيد في مقام الثبوت، وإذا لم يلزم ذلك لا يكون الاطلاق كاشفا في مقام الثبوت، وعليه ففى المقام بما ان القدرة لعدم

[ 36 ]

تمكن المكلف من ايجاد غير المقدور في الخارج، لا يلزم من عدم بيان قيديتها نقض الغرض ولو كانت القدرة دخيلة في الملاك واقعا. اجبنا عنه اولا بعدم كون ذلك من مقدمات الاطلاق كما هو محرر في محله. وثانيا، انه لا يلزم نقض الغرض في مورد القدرة التكوينية دون الشرعية، إذ المكلف قادر تكوينا على اتيان الواجب المزاحم بما هو مقدم عليه. وفيه: ان المراد من الاطلاق ان كان هو الاطلاق اللفظى، أي ما يتمسك به لاستكشاف مراد المتكلم من ظهور كلامه، فيرد عليه ان التمسك بالاطلاق فرع كون المتكلم في مقام البيان، وبديهى ان المولى في مقام الامر بشئ، انما هو بصدد بيان المأمور به، لاما فيه الملاك، فلا يصح التمسك بالاطلاق، مع انه لو سلم كونه في مقام البيان حتى من هذه الجهة، لا يمكن التمسك بالاطلاق ايضا، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، إذ يمكن ان يكون المولى قد اتكل في تقييد ما فيه الملاك الى حكم العقل باعتبار القدرة في المتعلق، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك. فلا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق. وما افاده (قده) من استحالة كون ذلك بيانا ومقيدا لاطلاق متعلقه في مرتبة سابقة. غير تام لان انقسام الفعل الى المقدور وغيره من الانقسامات الاولية وليست القدرة من قبيل قصد الامر، أو العلم بالحكم الذى لا يتاتى الا بعد الامر، فإذا كانت من الانقسامات الاولية، فلابد وان يكون الحكم الوارد على الطبيعة المنقسمة الى المقدورة وغير المقدورة، اما مطلقا أو مقيدا بعد عدم تعقل الاهمال النفس الامرى، ولا يفرق في ذلك بين بيان القيد وابراز دخله قبل الامر أو بعده، فان عدم وجود القيد قبل الامر غير كون ابرازه بعده فتدبر فانه دقيق. وان كان مراده من الاطلاق كشف الملاك من باب كشف المعلول عن علته سواءأ كان المولى في مقام البيان ام لا ؟ - وبعبارة اخرى - اراد من الاطلاق مالا يتوقف على التفات المولى فضلا عن كونه في مقام البيان كما هو صريح كلامه. فغاية ما يمكن ان يقال في توجيهه انه لاريب بناءا على مذهب العدلية ان ما يرد عليه الطلب لابد وان يكون ذا

[ 37 ]

ملاك ومصلحة، والمفروض ان ما يرد عليه الطلب في ظاهر كلام المولى هو الفعل المطلق قبل تعلق الطلب به دون المقيد، فيكشف ذلك عن ان الواجد للملاك هو مطلق الفعل دون المقيد منه. ولكن يرد عليه ان لزوم كون متعلق الطلب ذا ملاك ومصلحة، مما لم تدل عليه آية أو رواية معتبرة كى يتمسك باطلاقها ويحكم بثبوت الملاك، حتى مع عدم الامر، بل انما هو لاجل ان الحكيم لا يفعل الجزاف ولا يامر بما لا مصلحة فيه، وغاية ما يقتضيه هذا البرهان هو ثبوت الملاك في خصوص الحصة التوأمة مع الامر والطلب. وفى المقام بما ان الامر انما تعلق بالحصة من الطبيعة غير المزاحمة مع ما هو اهم منها، فلا محالة يكون ما فيه الملاك تلك الحصة لا الطبيعة المطلقة - وبعبارة اخرى - ان المعلول انما يكشف عن وجود علته بمقدار سعته دون الزائد، فإذا كان المعلول هو الحكم في خصوص الحصة من الطبيعة المقدورة، لا محالة يكشف ذلك، عن وجود الملاك في خصوص تلك الحصة دون غيرها. فالمتحصل انه على فرض عدم الامر لا كاشف عن وجود الملاك كما افاده صاحب الجواهر (ره)، اضف إليه ما تقدم في مبحث التعبدى والتوصلى من ان قصد الملاك والمصلحة لا يوجب اتصاف العمل بالعبادية كما افاده صاحب الجواهر (ره). مسألة الترتب ثم انه قصد تصدى جماعة من المحققين لتصحيح الامر بالضد بنحو الترتب على عصيان الامر بالاهم، أو البناء عليه، وقبل تنقيح القول في المقام نذكر امورا. الاول: ان البحث في هذه المسالة يترتب عليه ثمرة إذا لم يمكن تصحيح العبادة المزاحمة بواجب مقدم عليها بالوجهين المتقدمين. وهما الملاك، والامر، وقد مر ان تصحيحها بالامر نظرا الى عدم اعتبار القدرة الشرعية اظهر، خصوصا في مورد تزاحم الواجب الموسع والمضيق، بل ستعرف خروج هذا المورد من موضوع البحث واختصاصه

[ 38 ]

بتزاحم الواجبين المضيقين. الثاني: ان للواجبين الممتنع اجتماعهما في زمان واحد صورا، فان كانا موسعين كالصلاة اليومية، وصلاة الايات في سعة وقتهما فلا شبهة في خروجها عن كبرى باب التزاحم. لان المكلف متمكن من الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون مزاحمة فيكون الامر بكل منهما فعليا بلا تناف ولم يستشكل فيه احد. وان كانا مضيقين كما في الازالة والصلاة في آخر وقتها بحيث لو اشتغل بالازالة فاتته الصلاة، فلا كلام في كونها داخلة في كبرى باب التزاحم، وكونها محل النزاع في الترتب. وان كان احدهما موسعا والاخر مضيقا كما في صلاة الظهر في سعة وقتها، وازالة النجاسة عن المسجد، ففى هذه الصورة اختلفت كلمات المحققين. فعن المحقق النائيني (قده) دخولها في كبرى باب التزاحم، نظرا الى ان تقييد الحكم بخصوص الفرد المزاحم ممتنع، فلا محاله يكون اطلاقه وشموله له محالا، لان التقابل بين الاطلاق والتقييد، تقابل العدم والملكة، فإذا امتنع احدهما امتنع الاخر ويترتب على ذلك وقوع المزاحمة بين، اطلاق الواجب الموسع، وخطاب الواجب المضيق فلا يمكن الجمع بينهما إذ على تقدير فعلية خطاب المضيق يستحيل اطلاق الواجب الموسع بالاضافة الى الفرد المزاحم، فلا بد من رفع اليد عن اطلاق الموسع والتحفظ على فعلية خطاب المضيق أو رفع اليد عن الخطاب المضيق والتحفظ على اطلاق الموسع، فتكون هذه الصورة داخلة في محل النزاع كالصورة الثانية، غاية الامر التزاحم في تلك الصورة بين الخطابين، وفى هذه الصورة بين اطلاق احدهما وخطاب الاخر. ولكن يتوجه عليه ما عرفت في مبحث التعبدى والتوصلى، من عدم تمامية ما افاده من انه إذا امتنع التقييد امتنع الاطلاق فراجع ما حققناه، ونزيده وضوحا ان الاطلاق عبارة عن رفض القيود لا الجمع بينها، ودخالة كل قيد في الحكم، فمعنى اطلاق الواجب الموسع كون الواجب صرف وجود الطبيعة، وعدم دخل شئ من خصوصيات الافراد فيه، فالفرد المزاحم كغيره في عدم دخله في متعلق الوجوب، ونتيجة ذلك

[ 39 ]

ان الواجب الموسع مطلق بالنسبة الى الفرد المزاحم ولا ينافى ذلك مع فعلية خطاب الازالة، فلا تكون هذه الصورة داخلة في كبرى التزاحم ولا يجرى نزاع الترتب فيه بل يصح اتيان الفرد المزاحم بداعي امر الموسع بلا توقف على امكان الترتب. امكان الترتب ملازم لوقوعه الثالث: انه على فرض امكان الترتب، يلازم ذلك لوقوعه، وان شئت فعبر بانه كفى ذلك لوقوعه فلا بد من الالتزام بوقوعه: وذلك لان الامر بالاهم بوجوده لا يزاحم الامر بالمهم على الفرض، ومزاحمته معه انما تكون في ظرف امتثاله فانه موجب لعدم قدرة العبد على امتثال الامر بالمهم، كما ان مزاحمة الامر بالمهم للامر بالاهم، انما تكون في ظرف امتثاله لا مطلقا، فلا بد من سقوط اطلاق احد الخطابين لا سقوط اصل خطاب احدهما - وبالجملة - التزاحم انما يكون بين الاطلاقين لابين الخطابين فان ابقيا على اطلاقهما بقى التزاحم، وان ارتفع احد الاطلاقين ارتفع التزاحم فلا موجب لرفع اليد عن اصل خطاب احدهما والحكم بسقوطه، إذ الضرورات تتقدر بقدرها، فإذا فرض اهمية احدهما يبقى اطلاقه على حاله ويحكم بسقوط اطلاق الاخر، فبالنسبة الى اصل الخطاب به يتمسك باطلاق دليله الافرادى ويحكم بثبوته. وان شئت قلت ان سقوط الخطاب لابد وان يكون لعجز تكويني أو شرعى. اما العجز الشرعي، فمفقود، لفرض امكان الترتب وان الامر بالاهم بوجوده لا يزاحم الامر بالمهم بنحو الترتب. واما العجز التكويني فهو مختص بصورة امتثال الامر بالاهم، ومع عدم الامتثال يكون القدرة على امتثال الامر بالمهم موجودة، فلا موجب لسقوطه في هذا الفرض فحينئذ في صورة عصيان الامر بالاهم يتمسك لاثبات الامر بالمهم باطلاق دليله الافرادى، مثلا إذا تزاحم الامر بالصلاة، مع الامر بالازالة، وقدم الثاني، ففى صورة عصيان الامر بها يتمسك باطلاق اقيموا الصلاة ونحوه من المطلقات لشمول الامر لمثل هذه الصلاة، وانما خرجنا عن اطلاقها الاحوالي وقيدناه في صورة امتثال الامر بالازالة لا

[ 40 ]

مطلقا، فوقوع الترتب بعد اثبات امكانه لا يحتاج الى دليل، بل دليله حينئذ نفس اطلاق الادلة. ويتفرع على ذلك انه لو وقع التزاحم بين المتساويين فبناءا على امكان الترتب يكون كلا الامرين فعليين بنحو الترتب بمعنى ان الامر بكل منهما فعلى مشروط بعدم الاتيان بالاخر: إذ التزاحم انما يكون بين اطلاقيهما، وحيث لا مرجح لاحدهما على الاخر يسقطان معا، فكل منهما يقيد بعدم الاتيان بالاخر، ففى صورة عدم الاتيان، بهما يكون الامران فعليين ويكون التخيير عقليا، ولو اتى باحدهما يسقطان معا احدهما بالامتثال والاخر بارتفاع موضوعه وعدم تحقق شرطه، ولو لم يات بهما فقد خالف امرين. واما بناءا على استحالة الترتب وكون التزاحم بين نفس الحكمين، فلا محالة يسقط الامران معا. وعليه، فبناءا على كشف الملاك مع عدم الامر باحد الطريقين المتقدمين، حيث ان الملاكين موجودان والمكلف يتمكن من تحصيل احدهما، فيكشف العقل ثبوت خطاب تخييري شرعى، فيكون التخيير شرعيا، وبناءا على ما اسلفناه من انه مع عدم الامر لا كاشف عن الملاك لا مجال لاستكشاف ذلك ايضا. بقى في المقام فرع متفرع على ذلك ايضا، وهو انه لو وقع التزاحم بين حكمين، واحتمل اهمية احدهما دون الاخر، فبناءا على امكان الترتب، يكون سقوط اطلاق خطاب ما لم يحتمل اهميته متيقنا، كان الاخر اهم ام كانا متساويين، واما ما يحتمل اهميته فسقوط اطلاق خطابه مشكوك فيه لاحتمال اهميته فلا موجب للحكم بسقوطه: إذ لا ريب في التمسك بالاطلاق لو شك في سقوطه فيكون خطاب محتمل الاهمية مطلقا والخطاب الاخر مقيدا بعدم الاتيان بطرفه، واما بناءا على استحالة الترتب، فحيث ان التزاحم انما يكون بين نفس الخطابين فيسقطان معا كان الاخر اهم ام لم يكن غاية الامر بناءا على استكشاف الملاك يكشف وجود خطاب، وهو على فرض التساوى متعلق باحدهما على نحو التخيير، وعلى فرض الاهمية متعلق به تعيينا، فإذا احتمل الاهمية يكون امر الخطاب دائرا بين التعيين والتخيير، فعلى القول باصالة الاحتياط في تلك المسألة يبنى

[ 41 ]

على ان المتعين الاتيان بما يحتمل اهميته، وعلى القول باصالة البرائة في تلك المسألة يحكم بالتخيير في المقام، وهذه ثمرة مهمة مترتبة على هذه المسألة. الرابع: ان الواجب الاهم إذا كان آنيا غير قابل للدوام والبقاء فالتكليف بالمهم لا يتوقف على القول بجواز الترتب وامكانه لان عصيان الامر بالاهم في الان الاول القابل لوجود الاهم فيه موجب لسقوط امره في الان الثاني بسقوط موضوعه ومعه لا مانع من فعلية الامر بالمهم على الفرض، لان المانع هو فعلية الامر بالاهم، فحينئذ يصح الاتيان بالمهم ولو على القول باستحالة الترتب فهذا الفرض خارج عن مورد النزاع فان ما هو محل النزاع ما إذا كان الامر بالاهم فعليا ومع ذلك وقع الكلام في فعلية الامر بالمهم. نعم، تعلق الامر بالمهم في الان الاول القابل لتحقق الاهم فيه خارجا يكون محل الكلام، فالقائل بالترتب يلتزم بامكانه والقائل باستحالته يلتزم بعدم امكانه، فنزاع الترتب في هذا القسم ينحصر في خصوص الامر بالمهم في الان الاول. فالمتحصل انه إذا كان الواجب الاهم آنيا دون الواجب المهم، اثبات الامر بالمهم في الان الثاني لا يتوقف على القول بالترتب، وان كانا آنيين فاثبات الامر بالمهم يكون مبتنيا على القول بالترتب. الخامس: انه إذا كان كل من الاهم والمهم تدريجيا كالصلاة والازالة عند وقوع المزاحمة بينهما فلا اشكال في انه داخل في محل الكلام، فان قيل ان عصيان الامر بالاهم آناما شرط لفعلية الامر بالمهم في جميع ازمنة امتثاله بلا توقف فعليته في الآنات المتأخرة على استمرار معصية الامر بالاهم في تلك الانات بل لو تبدلت المعصية بالاطاعة في الان الثاني كان الامر بالمهم باقيا على فعليته لتحقق شرطه، وهو عصيان الامر بالاهم في الان الاول فلا ريب في امتناع ذلك، فانه يلزم من ذلك طلب الجمع بين الضدين، والظاهر من المنكرين للترتب كالمحقق الخراساني كون نظره الى هذا المورد، ولكن ليس ذلك مراد القائلين بالترتب، بل محل بحثهم ومحط نظرهم ما لو فرض كون عصيان الامر بالاهم في جميع ازمنة امتثاله شرطا لفعلية الامر بالمهم، بمعنى ان فعلية الامر بالمهم تدور مدار عصيان الامر بالاهم حدوثا وبقائا، فلا يكفى عصيانه آناما لبقاء امره الى الجزء

[ 42 ]

الاخير منه، ففعلية الامر بالصلاة مثلا عند مزاحمته بالامر بالازالة، مشروطة ببقاء عصيان الامر بالازالة، واستمراره الى آخر ازمنة امتثال الامر بالصلاة. الدليل الانى لامكان الترتب إذا عرفت هذه الامور، فاعلم ان تنقيح القول بالبحث في مقامين: الاول: في ادلة امكان الترتب. الثاني: في بيان ما قيل في وجه الاستحالة. اما المقام الاول: فادلة الامكان نوعان: الدليل الانى: والدليل اللمى. فالكلام اولا في الدليل الانى: وملخص القول فيه انه يشهد بامكانه، مضافا الى شهادة الوجدان وقوعه في العرفيات كثيرا من دون ان يتجاوز الآمر عن الامر بالاهم وطلبه حقيقة ولا كون الامر بالمهم ارشادا الى محبوبيته، ووقوعه في الشرعيات وهو اقوى الدليل على امكانه فلا حظ. 1 - مالو حرمت الاقامة على المسافر من اول الفجر الى زوال الشمس و عصى المكلف هذا الخطاب واقام، فلا اشكال في انه يجب عليه الصوم ويكون مخاطبا به، ولا ينطبق ذلك الا على الترتب إذ في الان الاول من الفجر توجه إليه كل من خطاب، لا تقم، وصم على تقدير الاقامة، وعصيان الخطاب الاول مترتبا ففى حال الاقامة يجب عليه الصوم مع حرمة الاقامة، وهذا المثال عين القول بالترتب الذى هو عنوان كلام القوم، على القول بان الاقامة قاطعة لحكم السفر لا لموضوعه، فانه يكون خطاب الصوم مترتبا على عصيان خطاب الاقامة بلا توسط شئ كترتب خطاب المهم على عصيان خطاب الاهم، نعم لو قلنا بان الاقامة قاطعة للسفر موضوعا، كان خطاب الصوم مترتبا على عنوان غير المسافر والحاضر لا على عصيان خطاب الاقامة، ولكن يكون عصيان حرمة الاقامة علة لتحقق ما هو موضوع وجوب الصوم، لانه بعصيان خطاب الاقامة يتحقق عنوان الحاضر وبتحقق ذلك العنوان يتوجه خطاب الصوم فيتوسط بين عصيان خطاب الاقامة وخطاب الصوم هذا العنوان، ولكن توسط العنوان لا يكون رافعا لما قيل

[ 43 ]

انه محذور في الترتب. 2. مالو وجبت الاقامة توجه إليه خطاب القصر، فيكون خطاب القصر مترتبا على عصيان الامر بقصد الاقامة وتركه في الخارج. 3 - مالو حرمت الاقامة، فعصى واقام، فانه يتوجه إليه خطاب اتمام الصلاة، الى غير ذلك من الفروع التى لا تجتمع مع عدم الترتب. الدليل اللمى لامكان الترتب واما الدليل اللمى للامكان الذى هو المهم في المقام، فللقوم في تقريبه وجوه، وحيث ان الموجب للوقوع في مضيقة المحال، هو استحالة طلب الضدين، و وجوه الامكان ناظرة الى ذلك، والا فبقية وجوه المنع واضحة الدفع. فلابد اولا من تقريب وجه الاستحالة ثم تعقيبه بوجوه الامكان. وحاصله ان ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد، آت في طلبهما بنحو الترتب إذ لو كان التكليف بهما مترتبا وان لم يكن في مرتبة طلب الاهم اجتماع طلبهما الا انه كان في مرتبة الامر بالمهم اجتماعهما لفعلية الامر بالاهم في هذه المرتبة وعدم سقوطه بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص أو العزم عليها مع فعلية الامر بغيره ايضا لتحقق ما هو شرط فعليته فرضا. ودعوى الفرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك فان الطلب في كل منهما في الاول يطارد الاخر بخلافه في الثاني إذ الطلب بغير الاهم لا يطارد طلب الاهم فانه يكون على تقدير عدم الاتيان بالاهم. مندفعة بانه لا معنى للمطاردة سوى فعلية الامرين ومضادة متعلقيهما فان كل امر انما يقتضى ايجاد متعلقه في فرض فعليته فمع فرض فعلية كل منهما لا محالة يكون هناك اقتضائان مع عدم قدرة المكلف الا على الاتيان بواحد من المقتضيين بالفتح، فلا محالة يلزم من اجتماعهما في زمان واحد المطاردة بينهما في ذلك الزمان.

[ 44 ]

وقد ذكر المحققون في الجواب عن ذلك تصحيحا للترتب وجوها: احدها: ان التكليف بالمهم لما كان معلقا على امر اختياري للمكلف، وهو معصية التكليف الاول أو على امر حصوله بيد المكلف واختياره، وهو كون المكلف ممن يعصى للتكليف الاول جاز تنجزه عند حصول شرطه، ولزوم ايجاد المتنافيين في زمان لا يسع لهما، لايمنع عن صحة التكليف، لان التكليف بالمحال إذا كان ناشئا من اختيار المكلف لاضير فيه: إذ الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار. وفيه اولا: ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا لا خطابا، والا فلا فرق في قبح التكليف بالمحال وغير المقدور بين ما إذا كان سبب الخروج عن القدرة هو المكلف، ام كان المكلف به خارجا عن القدرة بنفسه ومن جهة العوامل الخارجية. وثانيا: انه لو سلم ذلك وانه لا ينافيه خطابا ايضا فانما هو فيما إذا كان المتعلق مقدورا والعبد بسوء اختياره صيره غير مقدور، لا فيما إذا كان غير مقدور من الاول، وعلق الحكم على امر اختياري كما لو قال: يجب عليك الجمع بين النقيضين ان صعدت على السطح، فانه لم يتوهم احد جواز هذا التكليف، والمقام من هذا القبيل فان الجمع بين الضدين محال من الاول وتعليق طلبه على عصيان الامر بالاهم لا يصححه. الوجه الثاني: ان التكليف المشروط أي التكليف بالمهم ليس في رتبة التكليف المطلق المتعلق بالاهم ومعه لامانع من تحققهما، توضيح ذلك ان التكليف بالاهم لا يكون مشروطا بوجود متعلقه، ولا مشروطا بعدمه ولو بنتيجة التقييد والا لزم طلب الحاصل أو طلب النقيضين كما هو واضح، وإذا لم يصح التقييد والاشتراط لم يكن فيه اطلاق بالنسبة اليهما، إذ الاطلاق عبارة عن عدم الاشتراط في مورد يسوغ ذلك، لا مجرد عدم الاشتراط، فالتكليف الاول، بالنسبة الى هذا التقدير لا مطلق ولا مشروط، واما التكليف بالمهم، فهو غير ثابت في المرتبة المتقدمة على العصيان أي عصيان الامر بالاهم لاشتراطه به، بل هو ثابت في المرتبة المتأخرة، فليس شئ من التكليفين ثابتا في مرتبة ثبوت الاخر، والتكليف بالمتنافيين لا يصح إذا كان ذلك في مرتبة واحدة. وفيه: ان هذه الاحكام احكام للزمان لا للرتبة، فثبوت التكليف باحد المتنافيين في

[ 45 ]

زمان ثبوت التكليف بالآخر ممتنع، وان كانا في مرتبتين، وحيث، انه في زمان ثبوت التكليف بالمهم، لا يكون التكليف بالاهم ساقطا كما هو المفروض، بل هو ايضا باق فيلزم ثبوتهما في زمان واحد، وهو مستلزم لطلب الجمع بين الضدين الممتنع، مع ان التنافى بين الحكمين ليس تنافيا بالذات أو من حيث المبدأ والملاك بل انما يكون تنافيا بالعرض من جهة تضاد المتعلقين فاختلاف الحكمين رتبة بل وزمانا مع فرض وحدة زمان المتعلقين رتبة وزمانا لا يوجب ارتفاع ملاك التنافى كما هو واضح. ما افاده المحقق النائيني في تصحيح الترتب الثالث: ما افاده المحقق النائيني (ره) وقد بنى جوابه على مقدمات خمس، و بعضها وان لم يكن صحيحا، وبعضها غير دخيل في اثبات صحة الترتب، وبعضها مترتب على صحة الترتب، الا انه لاشتمالها على فوائد جمة، نذكر كل مقدمة منها ثم نعقبها بما يختلج بالبال. المقدمة الاولى: انه لا كلام في ان الموجب لوقوع المكلف في مضيقة المحال هو ايجاب الجمع بين الضدين، إذ مع عدمه لا يقع المكلف في المضيقة فالمحذور كل المحذور انما ينشأ من ايجاب الجمع بين الضدين، ولا كلام ايضا في انه لابد من سقوط ما هو منشأ ايجاب الجمع ولا وجه لسقوط غير ذلك، وهذان الامران لا كلام فيهما. فالكلام كله انما هو في ان الموجب للجمع بين الضدين، هل هو نفس الخطابين وفعليتهما مع وحدة زمان امتثالهما، أو ان الموجب للجمع هو اطلاق كل من الخطابين لحالتي فعل متعلق الاخر وعدمه، والمنكرون للترتب يدعون الاول، والمصححون الثاني، ونحن إذا راجعنا الى غير باب الضدين كالصلاة والصوم، نرى انه إذا امر الشارع بهما مع تقييد كل من الامرين بعدم الاتيان بمتعلق الاخر، أو كان احدهما مشروطا بذلك، لما كانت النتيجة ايجاب الجمع بين الصوم والصلاة فليكن كذلك في باب الضدين.

[ 46 ]

ثم قال وعلى ذلك يبتنى المسلكان في التخيير بين المتزاحمين المتساويين من حيث كون التخيير عقليا أو شرعيا، فانه إذا كان المقتضى للجمع، هو اطلاق الخطابين فالساقط هو الاطلاق ليس الا مع بقاء اصل الخطاب، فيكون كل من الخطابين مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر لحصول القدرة عليه عند ترك الاخر، وينتج التقييد عقلا، وهذا بخلاف مااذا قلنا بان المقتضى لايجاب الجمع، هو اصل الخطابين فانه يسقطان معا و لمكان تمامية الملاك في كل منهما يستكشف العقل خطابا شرعيا تخييرا باحدهما و يكون كساير التخييرات الشرعية كخصال الكفارات، غايته ان التخيير في الخصال، يكون بجعل ابتدائى وفى المقام يكون بجعل طارى. ثم قال ومن الغريب ما صدر من الشيخ حيث انه في الضدين الذين يكون احدهما اهم ينكر الترتب، غاية الانكار، ولكن في مبحث التعادل والترجيح التزم بالترتب من الجانبين ويصرح بان التخيير في الواجبين المتزاحمين، انما هو من نتيجة اشتراط كل منهما بالقدرة عليه وتحقق القدرة في حال تركب الاخر، فيجب كل منهما عند ترك الاخر، فيلزم الترتب من الجانبين، مع انه انكر الترتب من جانب واحد هكذا في تقريرات المحقق الكاظمينى، وفى تقريرات المحقق الاكبر الخوئى. المقدمة الاولى في بيان امرين: الاول: ان الفعلين المتضادين، إذا كان التكليف بهما، أو باحدهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الآخر فلا محالة يكون التكليفان طوليين لا عرضيين، فلا يلزم من الطلبين كذلك طلب الجمع بين الضدين ولذا لو فرضنا امكان الجمع بين متعلقي الطلبين كذلك كدخول المسجد وقرائة القرآن ومع ذلك كان الطلبان بنحو الترتب امتنع وقوعهما في الخارج على صفة المطلوبية، فيستكشف من ذلك ان نفس ترتب الخطابين يمنع تحقق طلب الجمع بين متعلقيهما. الثاني: ان التزاحم بين التكليفين لعدم القدرة على امتثالهما معا، وان كان يستلزم

[ 47 ]

سقوط ما به يرتفع التزاحم لاستحالة التكليف بغير المقدور، الا انه لابد من الاقتصار على ما به يرتفع التزاحم، ولا وجه لسقوط الزايد عليه ولذلك وقع الكلام في ان الموجب للتزاحم، هل هو اطلاق الخطابين، ليكون الساقط هو اطلاق خطاب المهم دون اصل خطابه مشروطا بعدم الاتيان بالاهم، أو ان الموجب له نفس فعلية الخطابين ليسقط خطاب المهم من اصله، ثم ينقل عن الشيخ الاعظم ما ذكره المحقق الكاظمينى ويورد عليه بما مر. اقول ان الامر الاول الذى ذكره المحقق الخوئى وان كان متينا الا انه يحتاج الى الاثبات وهو (دام ظله) لم يقم برهانا على ذلك سوى التمثيل، وهو لا يكفى في اثبات هذا الامر، فان قيل، ان برهانه ما سيأتي فيما بعد، قلت فذكر هذا في المقدمات بلا وجه. واما الامر الثاني: فهو في نفسه ايضا تام وقد اشبعنا الكلام فيه الا ان ذلك من آثار امكان الترتب واستحالته لامن مقدمات اثبات امكانه. واما ما افاده المحقق الكاظمي فيرد عليه انه لا اشكال في ان تقييد الاطلاقين، يوجب رفع التزاحم، وارتفاع المحذور والكلام في الترتب انما هو في انه، هل يرتفع المحذور بتقييد اطلاق خصوص الامر بالمهم وابقاء اطلاق الامر بالاهم ام لا ؟ والمحقق الخراساني والشيخ يدعيان انه لا يرتفع المحذور بذلك فان مقتضى اطلاق الخطاب بالاهم لزوم الاتيان به حتى مع الاتيان بالمهم ففى ذلك التقدير يلزم طلب الجمع بين الضدين، وبذلك يرتفع التهافت بين كلمات الشيخ الاعظم (ره). المقدمة الثانية ان شرائط التكليف كلها ترجع الى قيود الموضوع، ولا بد من اخذها مفروض الوجود في مقام الجعل والانشاء وفعلية الحكم تتوقف على فعليتها وتحققها في الخارج فحالها حال الموضوع بعينه إذ كل موضوع شرط وكل شرط موضوع، وبديهى

[ 48 ]

ان الموضوع بعد وجوده خارجا لا ينسلخ عن الموضوعية ويكون الحكم بلا موضوع، فالواجب المشروط بعد تحقق شرطه لا ينقلب مطلقا: إذ هو مساوق للقول بان الموضوع بعد وجوده خارجا ينسلخ عن موضوعيته، ويترتب على ذلك فساد توهم ان الالتزام بالترتب لا يدفع محذور التزاحم بين الخطابين، بتوهم ان الامر بالمهم بعد حصول عصيان الامر بالاهم المفروض كونه شرطا له يكون في عرض الامر بالاهم فيقع بينهما التزاحم لا محالة. اقول ان الالتزام بعدم صيرورة الواجب المشروط واجبا مطلقا بوجود شرطه لا يتوقف على ارجاع شرائط الحكم الى قيود الموضوع، بل هو كذلك حتى على القول بكونها وسائط في ثبوت الحكم للموضوع. فان الحكم حينئذ يدور مدار وجودها حدوثا وبقاءا كما هو الشان في جميع العلل باجزائها. فالجواب عما اورد على الترتب بانه بعد تحقق شرط التكليف بالمهم وهو عصيان الامر بالاهم يكون كلا التكليفين مطلقين وكل منهما في عرض الآخر فيقع التزاحم بينهما. لا يتوقف على هذه المقدمة، بل الجواب عنه ان الواجب المشروط لا يصير واجبا مطلقا بحصول شرطه، بل بعد على مشروطيته، سواء رجعت الشروط الى قيود الموضوع، ام كانت من قبيل العلة لثبوت الحكم لموضوعه، فهذه المقدمة ايضا غير دخيلة في اثبات الترتب. المقدمة الثالثة في بيان ان زمان شرط الامر بالاهم وزمان فعلية خطابه وزمان امتثاله أو عصيانه الذى هو شرط للامر بالمهم كلها متحدة، كما ان الشأن هو ذلك بالقياس الى الامر بالمهم و شرط فعليته وامتثاله أو عصيانه، ولا تقدم ولا تأخر في جميع ما تقدم بالزمان، والوجه في مقارنة زمان شرط الامر مع زمان فعلية الخطاب، ان ما فرض جزءا اخير الموضوع الحكم اما ان يكون حكمه وخطابه فعليا عند تحققه بلا فصل زماني فهو المطلوب واما

[ 49 ]

ان تكون فعليته متوقفة على مضى آن ما فيلزم ان لا يكون ما فرضناه جزءا اخيرا للموضوع جزءا اخيرا له وهو خلف. وبذلك يظهر ان تأخر الامتثال عن الخطاب ايضا رتبي لا زماني فان نسبة الامتثال الى الخطاب كنسبة المعلول الى علته، واول زمان الخطاب هو اول زمان الامتثال نعم في الموسعات لا يلزم مقارنة زمان الامتثال لزمان الخطاب، وبالجملة الامتثال بالاضافة الى الخطاب كالمعلول بالاضافة الى علته فلا مانع من مقارنته اياه زمانا فلا موجب لفرض وجود الخطاب قبله بآن ما، مع: ان وجود الخطاب قبل زمان الامتثال لغو محض: إذ المكلف ان كان عالما بالحكم يكون محركه الخطاب المقارن لصدور متعلقه والا فالخطاب لا اثر له رأسا، مضافا الى انه لا اشكال في صحة العبادات الموسعة كالصلاة إذا وقعت في اول وقتها والقول بلزوم تقدم الخطاب على زمان الامتثال في المضيقات يستلزم القول بلزوم تقدمه عليه في الموسعات، لعدم الفرق في ذلك بين لزوم مقارنة الامتثال لاول الوقت وجوازها كما في الموسعات، مع انهم لا يقولون بلزوم التقدم فيها. اضف الى ذلك كله ان تقدم الخطاب على الامتثال يستلزم فعلية الخطاب قبل وجود شرطه فلابد من الالتزام بالواجب المعلق. ثم انه (قده) رتب على هذه المقدمة دفع جملة من الايرادات على الترتب. منها: ان الشرط للامر بالمهم ان كان عصيان الامر بالاهم لزم تأخر الامر بالمهم عن سقوط الامر بالاهم، وهذا مما لا كلام في جوازه، وان كان كون المكلف ممن يعصى فيما بعد اعني وصف التعقب بالعصيان لزم طلب الجمع بين الضدين إذا المفروض ان خطاب الاهم مطلق وفعلى، وقد تحقق وخطاب المهم فعلى بتحقق شرطه فيكون كلا الضدين مامورا بهما في آن واحد. ومنها: ان عصيان الامر بالاهم متحد زمانا مع امتثال خطاب المهم فلا بد من فرض تقدم خطاب المهم على زمان امتثاله وهو يستلزم الالتزام بالشرط المتأخر، والواجب المعلق وكلاهما باطلان.

[ 50 ]

اقول: اما الايراد الثاني فجوابه ما تقدم من عدم استحالة الشرط المتأخر، ولا الواجب المعلق. واما الايراد الاول فجوابه لا يتوقف على اثبات كون الشرط للامر بالمهم هو، عصيان الامر بالاهم بنحو الشرط المقارن، بل لو كان الشرط هو عصيان الامر به بنحو الشرط المتأخر، والتزمنا بفعلية الامر بالمهم، قبل زمان امتثال الامر بالاهم أو عصيانه، لم يلزم طلب الجمع بين الضدين، كما انه لو قيل بشرطية البناء لذلك لم يلزم هذا المحذور: وذلك لانه ان كان الشرط هو العصيان بنحو الشرط المتأخر، فيكون المأمور به هو المهم الملازم لعدم الاتيان بالاهم في ظرفه، كالصلاة الملازمة لعدم الازالة في ظرفها، فطبيعي الصلاة لم يأمر بها وانما الحصة منها التوأمة مع عدم الازالة هي التى تكون مامورا بها فمثل هذا الامر بالازالة على جميع التقادير، لا يكون طلبا للجمع بين الضدين إذ لو امتثل الامر بالازالة فقد هدم موضوع الامر بالصلاة فلا تكون مامورا بها، وبالجملة: لا فرق في عدم لزوم طلب الجمع بين الضدين بين كون العصيان شرطا مقارنا، ام شرطا متاخرا، وان كان الشرط هو البناء بنحو الاستمرار لا حدوثا فقط، فالامر بالمهم مع الامر بالاهم لا يكونان من طلب الجمع بين الضدين ايضا، إذ لو اطاع الامر بالاهم، ورفع اليد عن بنائه فقد هدم موضوع الامر بالمهم، فاثبات كون الشرط هو العصيان نفسه بنحو الشرط المقارن مما لا دخل له في اثبات الترتب. ثم انه يمكن الجواب عن شبهة كون فعلية الامر بالمهم بعد سقوط الامر بالاهم لو كان العصيان شرطا مقارنا بوجه آخر غير ما افاده في المقدمة، - وان كان ما افاده متينا - وان شئت فاجعل ما اذكره توجيها لما افاده، وهو ان منشأ هذه الشبهة توهم ان العصيان متى تحقق ووجد في الخارج، فهو مسقط للامر، وهو فاسد إذ الموجب لسقوط الطلب امران: الاول: امتثاله من جهة انه يوجب حصول الغرض منه، وبديهى ان الغرض إذا تحقق فلا يمكن بقاء الامر المعلول له، فالامتثال يكون مسقطا لا لكونه امتثالا فانه معلول للامر، فكيف يعقل ان يكون معد ماله - وبعبارة اخرى - وجود المعلول خارجا يستحيل

[ 51 ]

ان يكون علة لعدم وجود علته، بل من جهة انه يوجب حصول الغرض فلا محالة يسقط الامر حينئذ لانتهاء امد اقتضائه وبعد تحققه لا اقتضاء له ابدا. الثاني: امتناع الامتثال وعدم تمكن المكلف منه، فانه يوجب سقوط التكليف لقبح التكليف بغير المقدور كان عدم التمكن لضيق الوقت، أو من ناحية مانع آخر، وعلى الجملة العصيان لا يعقل ان يكون مسقطا للامر لان ثبوت الامر في حالتى العصيان والامتثال امر ضروري، والا لم يكن لهما معنى معقولا، وانما يسقط الامر لو استمر العصيان الى زمان لا يتمكن المكلف بعده من الامتثال. وعليه فإذا كان المكلف متمكنا من الامتثال ولكنه عصى ولم يأت به في الان الاول، فلا محالة لا يوجب سقوط الامر فالتكليف بالاهم لا يكون ساقطا بعصيانه عن الان الاول مع تمكن المكلف من امتثاله في الان الثاني فإذا يجتمع الامران في زمان واحد، وهو زمان عصيان الاهم. ثم ان ما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان العصيان شرط مقارن وان لم يكن دخيلا في اثبات الترتب الا انه في نفسه تام: إذ مقتضى الجمع بين اطلاق دليل الاهم، واطلاق دليل المهم المقيدين بالقدرة مع فرض عدم القدرة على امتثالهما، هو تقييد دليل المهم بمقدار يكون امتثاله غير مقدور، وفى غير ذلك يكون امره باقيا لاطلاق دليله، والمهم انما لا يقدر عليه في حال الاشتغال بالاهم فيسقط امره في خصوص تلك الحالة. المقدمة الرابعة ان انحفاظ كل خطاب بالنسبة الى ما يتصور من التقادير والانقسامات يكون على احد انحاء ثلاثة: الاول: ما إذا كان الانحفاظ بالاطلاق أو التقييد اللحاظى وذلك بالنسبة الى كل انقسام يتصور في المتعلق سابق على الحكم ومع قطع النظر عن ورود الخطاب الثاني: ان يكون الانحفاظ نتيجة الاطلاق أو التقييد، وذلك بالنسبة الى كل انقسام

[ 52 ]

وتقدير لاحق للمتعلق بعد تعلق الخطاب به بحيث لا يكون لذلك التقدير وجود الا بعد ورود الخطاب كتقديري العلم والجهل وقد تقدم تفصيل القسمين في التعبدى والتوصلى. الثالث: ما إذا كان الانحفاظ من جهة اقتضاء الخطاب بنفسه وضع ذلك التقدير أو رفعه يكون محفوظا في الصورتين، وهذا مختص بباب الطاعة والعصيان، فيكون انحفاظ الخطاب في حالتى الفعل والترك بنفسه وباقتضاء هوية ذاته، لا باطلاقه لحاظا أو نتيجة: إذ لا يعقل الاطلاق والتقييد بالنسبة الى تقديري فعل متعلق الخطاب وتركه بل يؤخذ المتعلق معرى عن حينية فعله وتركه ويلاحظ نفس ذاته، فيحمل عليه بالفعل، ان كان الخطاب وجوبيا، وبالترك ان كان الخطاب تحريميا فيكون الخطاب نحو الفعل، ان كان الخطاب وجوبيا، وبالترك ان كان الخطاب تحريميا فيكون الخطاب نحو الفعل، أو الترك نظير حمل الوجود أو العدم على شئ حيث انه يؤخذ ذلك الشئ معرى عن الوجود والعدم إذ في حمل الوجود عليه لو قيد بالوجود لزم حمل الشئ على نفسه، ولو قيد بالعدم لزم اجتماع النقيضين، ولو اطلق لزم كلا المحذورين. وكذا في المقام لا يمكن تقييد المتعلق بالفعل في مقام البعث إليه لاستلزامه طلب الحاصل، ولا تقييده بالترك لاستلزامه طلب الجمع بين النقيضين، ولا اطلاقه بالنسبة الى تقديري الفعل والترك، للزوم كلا المحذورين فلابد من لحاظ المتعلق مهملا معرى عن كلا تقديري الفعل والترك فيخاطب به بعثا أو زجرا وليس فيه تقييد ولا اطلاق، لا لحاظا، ولا نتيجة، ولكن مع ذلك يكون الخطاب محفوظا في كلتا حالتى الفعل والترك، ما لم يتحقق الامتثال أو العصيان، وانحفاظ الخطاب انما يكون باقتضاء ذاته. ويترتب على الفرق بين القسمين الاولين، والقسم الاخير من هذه الجهة امران: احدهما: ان نسبته التقدير المحفوظ فيه الخطاب بالاضافة إليه في الاولين نسبة العلة الى المعلول، اما في مورد التقييد، فلما مر من ان مرجع كل تقدير كان الخطاب مشروطا به، الى كونه ماخوذا في موضوعه، وعرفت ان رتبة الموضوع من حكمه رتبة العلة من معلولها، واما في مورد الاطلاق فلما مر من اتحاد مرتبتي الاطلاق والتقييد، لان الاطلاق عبارة عن عدم التقييد في مورد قابل له، فإذا كانت مرتبة التقييد سابقة على مرتبة الحكم المقيد به كانت مرتبة الاطلاق ايضا كذلك، واما في القسم الاخير فنسبة التقدير المحفوظ

[ 53 ]

فيه الخطاب بالاضافة إليه نسبة المعلول الى علته لما مر من ان الخطاب له نحو علية بالاضافة الى الامتثال، لان الخطاب هو الذى يقتضى وضع احد التقديرين وهدم الاخر، فإذا كان نسبة الحكم الى الامتثال نسبة العلة الى معلولها كان الحال ذلك بالاضافة الى العصيان ايضا، لان مرتبة العصيان هي بعينها مرتبة الامتثال. الثاني: ان نسبة التقدير المحفوظ فيه الخطاب في القسمين الاولين بما انه نسبة الموضوع الى حكمه، فلا محالة لا يكون الخطاب متعرضا لحاله اصلا وضعا ورفعا، مثلا خطاب الحج لا يكون متعرضا لحال الاستطاعة ليكون مقتضيا لوجودها أو عدمها، بخلاف التقدير المحفوظ فيه الخطاب في القسم الاخير، فانه متعرض لحاله رفعا ووضعا، و إذ المفروض انه هو المقتضى لوضع احد التقديرين ورفع الاخر. ومن ذلك يظهر ان خطاب المهم لكونه غير متعرض لحال عصيان الاهم لكونه موضوعا له لا يعقل ان يترقى ويصعد الى مرتبة الاهم ويكون فيه اقتضاءا لموضوعه، كما ان خطاب الاهم المتعرض لهذه الحال واقتضائه رفعها لا يعقل ان يتنزل ويقتضى شيئا آخر غير رفع موضوع خطاب المهم، فكلا الخطابين وان كانا محفوظين في ظرف العصيان ومتحدين زمانا الا انهما في مرتبتين طوليتين. وبالجملة طلب الاهم يقتضى هدم موضوع طلب الاهم يقتضى هدم موضوع طلب المهم من دون ان يقتضى شيئا آخر على تقدير عدم تحقق مقتضاه في الخارج، واما طلب المهم فهو لا يقتضى وجود موضوعه ووضعه وانما يقتضى وجود المهم على تقدير تحقق موضوعه فليس الطلبان في عرض واحد ليقع المزاحمة بينهما من جهة امتناع الجمع بين متعلقيهما في زمان واحد. اقول في كلامه مواقع للنظر: 1 - ما ذكره في الاطلاق والتقييد في القسمين، الاولين من الالتزام بالاطلاق اللحاظى - والذاتى والملاكي - وقد مر تفصيله في التعبدى والتوصلى. 2 - ما افاده من ترتب المحذورين في الاطلاق في القسم الاخير، وهو غير تام: لان حقيقة الاطلاق عبارة عن رفض القيود لا الجمع بينها. فمعنى كون المتعلق مطلقا كونه غير

[ 54 ]

مقيد بالوجود والعدم، لاكونه مقيدا بهما، ومن الواضح ان المستحيل انما هو دخل وجود المتعلق أو عدمه في الطلب، واما عدم دخلهما فيه، فهو ضروري لا مستحيل وقد مر في مبحث التعبدى والتوصلى انه إذا استحال التقييد بكل من القيود المتصورة لا محالة يكون الاطلاق ضروريا لا مستحيلا، وعلى ذلك فانحفاظ الخطاب في تقدير لا محالة يستند الى التقييد أو الاطلاق اللحاظى بالاضافة الى ذلك التقدير وليس للقسم الثاني والثالث من انحفاظ الخطاب في تقدير، موضوع اصلا. 3 - ما افاده (ره) من ان نسبة التقدير المحفوظ فيه الخطاب بالاضافة إليه في القسمين الاولين نسبة العلة الى معلولها، واما في مورد التقييد فلرجوعه الى الموضوع و اما في الاطلاق فلاتحاد مرتبة الاطلاق والتقييد، فانه يرد عليه ان ما ذكر يتم في التقييد ولا يتم في الاطلاق إذ معنى الاطلاق عدم دخل قيد ما في الحكم، وبديهى ان تأخر حكم عما له دخل في فعليته لا يستلزم تأخره عما ليس له دخل فيها، وكون الاطلاق والتقييد في مرتبة واحدة لا يوجب تقدمه على ما يكون القيد مقدما عليه لان التقدم والتاخر لابد وان يكون بملاك يقتضيهما. ولذلك قالوا ان وجود العلة متقدم على وجود المعلول ولكن عدم العلة مع كونه في مرتبة وجود العلة لا موجب لتقدمه على وجود المعلول. وقياس المساوات انما يتم في الزمان دون الرتبة. 4 - لا دخل لهذه المقدمة في اثبات الترتب بل قوامه انما هو بما رتبه عليها وهو ان خطاب الاهم من جهة اقتضائه لرفع موضوع المهم، وهو العصيان وهدمه الى آخر ما افاده، فالمتحصل ان المقدمات الاربع غير دخيلة في اثبات الترتب. بيان ما هو الحق في المقام وتمام الدخل انما هو للمقدم الخامسة، ومحصلها بعد الغاء مالا ربط له باثبات الترتب وتبديل بعض الخصوصيات ان القول بالترتب لا يترتب عليه طلب الجمع بين الضدين، وانه انما يترتب على اطلاق الخطابين، لان الشرط الذى يترتب

[ 55 ]

عليه الخطاب، تارة يكون غير اختياري كما في دلوك الشمس بالنسبة الى الامر بالصلاة، واخرى يكون اختياريا، وعلى الثاني قد لا يكون الخطاب الاخر المجامع معه متعرضا له، كالاستطاعة التى هي شرط لوجوب الحج في عام الاستطاعة، وقد نذر زيارة الحسين - عليه السلام - في ذلك العام فان الامر بزيارته (ع) ليس متعرضا للاستطاعة، وقد يكون الخطاب الاخر المجامع معه متعرضا له، وعلى الثاني قد يكون الحكم بنفسه معدما لذلك القيد، والشرط كما في الخطاب باخراج ناقة واحدة زكاة قبل تمام سنة الربح، فان تعلق الخطاب بنفسه يوجب خروج العين عن عنوان فاضل المؤنة الذى اخذ قيدا و موضوعا لوجب الخمس، وقد يكون بامتثاله معدما لذلك التقدير والموضوع كما فيما نحن فيه فان خطاب المهم إذا قيد بعصيان الامر بالاهم الذى هو اختياري وقابل للتصرف الشرعي، فالخطاب الاخر المجامع معه في الزمان وهو خطاب الاهم، متعرض لقيد الخطاب بالمهم، ومعدم له بامتثاله لا بنفسه، ويكون المطلوب فيه في الحقيقة هو هدم موضوع الخطاب بالمهم. ومحل الكلام هو هذا القسم الاخير والمدعى ان توجه خطابين كذلك الى مكلف واحد في زمان واحد لا يستلزم طلب الجمع بين المتعلقين الضدين: إذ طلب الجمع انما يكون فيما لو كان متعلق كل منهما مقيدا بحال الاتيان بالاخر - أو كان متعلق احدهما مقيدا بذلك دون العكس - أو كان كل منهما مطلقا بالاضافة الى امتثال الاخر. واما إذا فرضنا ان متعلق احدهما مقيد بعدم الاتيان بالاخر انشاءا وفعلية فهما لا يقتضيان الجمع بين الضدين، لانه يلزم منه حينئذ اجتماع النقيضين أو الخلف وذلك لان المهم مطلوب في ظرف عدم الاتيان بالاهم، فلو فرض وجوده يلزم من فعلية الامر بالمهم اجتماع النقيضين لو التزمنا بتحقق شرطه وهو عدم الاتيان بالاهم، أو الخلف لو التزمنا بفعليته مع عدم شرطه، وكلاهما محالان، فلا محالة فعلية الخطابين بنحو الترتب لا تستلزم طلب الجمع فتدبر فانه دقيق.

[ 56 ]

وجه آخر لصحة الترتب وان شئت قلت ان طلب الضدين لا يكون قبيحا بنفسه، وانما يتصف بالقبح، فيما إذا لزم منه ارادة الجمع بينهما وإذا لم يلزم منه ذلك فلا مانع منه: إذ المانع من التكليف بذلك بعد فرض عدم التنافى بين الحكمين انفسهما، وعدم التنافى بين مبدأيهما من المصلحة والحب والشوق، ليس الا التنافى بين الامتثالين، وبعبارة اخرى التكليف بغير المقدور، والخارج عن قدرة المكلف، هو الجمع بينهما، والتكليف باحد المتنافيين حال التكليف بالاخر، انما يلزم منه ارادة الجمع إذا كان كلاهما مطلقين أو مقيدين بحال الاتيان بالاخر، أو كان احدهما مطلقا والاخر مقيدا بذلك. واما لو كان احدهما مطلقا، والاخر مقيدا بعدم ايجاد المكلف متعلق الاخر فلا يلزم منه ذلك - بيانه - ان لازم مطلوبية الجمع وقوع كل منهما في الخارج على صفة المطلوبية، وان كان في حال وقوع الاخر لو فرض امكان الجمع ووقوعه، واللازم على تقدير تقييد احد الامرين بعدم وقوع متعلق الاخر في الخارج منتف، ضرورة انه مع وقوع ما يكون عدمه شرطا في تحقق التكليف بالاخر يكون وقوع الاخر على غير صفة المطلوبية لفقد شرط مطلوبيته. وان شئت التوضيح فافرض الترتب، في التكليفين المتعلقين بما يمكن الجمع بينهما مثلا لو قال الامر صم يوم الخميس وكن في المسجد في ذلك اليوم من اوله الى آخره إذا تركت الصيام فيه، فانه على تقدير الجمع بين الصيام، والدخول في المسجد لا يقع الثاني منهما على صفة المطلوبية فان مطلوبيته مقيدة بعدم فعل الصيام. فان قلت ان مانع التكليف بالمتنافيين وهى ارادة الجمع متحققة في هذا الفرض، غاية الامر ان تحققه مبنى على امر محال وهو تحقق التناقض، وذلك لانه مع فرض تنجز التكليف المشروط بمعصية التكليف الاخر يكون ذلك التكليف ايضا ثابتا لانه لم يحدث بعد ما يوجب سقوطه من مضى زمانه أو امتثاله، ولازم بقائه حينئذ وجود متعلقه

[ 57 ]

على صفة المطلوبية في هذه الحال وهو الشئ حال عدمه، والمفروض ان متعلق التكليف بالمهم إذا وجد في هذه الحال يوجد على صفة المطلوبية لان شرط مطلوبيته الذى هو عدم وجود متعلق الاول حاصل. قلت، لازم المحال محال وتوضيحه، ان مطلوبية المهم مع وجود متعلق الاخر الذى هو اهم انما هي مترتبة على امر محال وهو عدم متعلق التكليف بالاهم في حال وجوده والمترتب على المحال محال، ومعنى بقاء التكليف بالاهم في حال تحقق شرط التكليف بالمهم، ليس مطلوبية الفعل في حال عدمه مقرونا بعدمه، بل معناه مطلوبية عدم استمرار العدم، وبقاء هذا التكليف مع فرض عدم تحقق المتعلق، انما هو لكون متعلقه باقيا على اختيار المكلف ومقدورا له في هذه الحال، فهذا المحال لو فرض امكانه ايضا لا يكون وقوع الفعل معه على صفة المطلوبية، والحاصل انه في هذا الفرض يمكن منع مطلوبية كل من متعلقي الامرين. فان قلت هذا التوجيه لا يتم في مسألة الضد، لان محبوبية غير الاهم ليست مقيدة بحال عدم فعل الاهم غاية الامر ان التكليف بالاهم يمنع عن التكليف به. قلت: ان محبوبية غير الاهم وان كانت مطلقة الا ان تعلق التكليف به مقيد بذلك كما تقدم والترتب المدعى انما هو في التكليف لا في المحبوبية. ادلة استحالة الترتب ونقدها المقام الثاني: في بيان ما قيل في وجه استحالة الترتب ونقده، وقد ذكروا في وجهها امورا: الاول ما نقلناه في اول المقام الاول، وذكره المحقق الخراساني في الكفاية، وحاصله ان ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما بنحو الترتب فانه وان لم يكن في مرتبة طلب الاهم اجتماع الطلبين الا انه كان في مرتبة الامر بغير الاهم اجتماعهما، لفرض عدم سقوط الامر بالاهم بعصيانه، ولازم اجتماع الطلبين في

[ 58 ]

زمان واحد، مطاردة كل منهما للاخر، واقتضائهما الجمع بين الضدين في ذلك الزمان، لان نسبة الحكم الى متعلقه نسبة المقتضى الى مقتضاه في الخارج، فكما ان الامر بالاهم يقتضى ايجاد متعلقه في ذلك الزمان كذلك الامر بالمهم يقتضى ايجاده فيه لفرض فعليته فيه، ولا معنى للفعلية الا اقتضاء ايجاد متعلقه فيه خارجا ودعوته إليه، فيلزم من اجتماع الطلبين في زمان واحد المطاردة بينهما في ذلك الزمان، اضف إليه انه لو سلم عدم كون الامر بالمهم مقتضيا لطرد الاهم فالامر بالاهم لا محالة يقتضى طرد الامر بالمهم، وهذا يكفى في استحالة طلبه. ويرد عليه ان الامر بالمهم ان كان مطلقا أو كان مقيدا بالاتيان بمتعلق الاهم كان لا محالة في عرض الامر بالاهم ووقعت المطاردة بينهما، وكذا لو كان الامر به على تقدير تقييده بعصيان الاهم مقتضيا لعصيانه وتركه في الخارج بان يكون ترك الاهم من قبيل قيد الواجب، فانه يقع المطاردة بينهما، ولكن التقادير كلها خلاف مفروض الكلام، اما الاولان فواضح واما الاخير، فلما تقدم من ان المدعى كون عصيان الامر بالاهم من قبيل قيد الوجوب للمهم، وقد مر مستوفى من ان قيد الوجوب يرجع الى الموضوع، وايضا قد عرفت انه يستحيل كون الحكم مقتضيا لوجود موضوعه وناظرا إليه رفعا ووضعا، وعليه فالامر بالمهم لكونه مقيدا بعصيان الاهم لا يمكن كونه طاردا للامر بالاهم فانه يكون لا اقتضاء له بالاضافة الى اتيان متعلق الاهم وتركه، وبديهى ان مالا اقتضاء له لا يمكن ان يزاحم ما فيه الاقتضاء. وعلى الجملة الامر بالمهم من جهة ثبوته على تقدير عصيان الامر بالاهم وترك متعلقه لا يعقل استناد عصيان الاهم إليه بل هو مستند الى سوء سريرته فإذا المطاردة من الجانبين غير متحققه. واما ما افاده من ان الامر بالاهم يطارد الامر بالمهم فحسب وهذا يكفى في الاستحالة، فيدفعه ان الامر بالاهم لا نظر له الى متعلق الامر بالمهم بل انما هو ناظر الى موضوعه ومقتضيا، لرفعه، والامر بالمهم يكون ناظرا الى متعلقه دون موضوعه فكل منهما يقتضى شيئا لا يكون الاخر مقتضيا له فلا تزاحم بينهما، ولا طرد لاحدهما للاخر،

[ 59 ]

إذ الطرد انما يتصور في صورة المزاحمة، ولا مزاحمة بين ما لا اقتضاء له، وما فيه الاقتضاء فتدبر فانه دقيق الثاني: ما افاده المحقق الخراساني في صدر كلامه، وحاصله ان القول بالترتب بما انه مبنى على فعلية كلا الامرين في زمان واحد، فلا محالة يستلزم طلب الجمع بين الضدين، وهو محال. وجوابه ما تقدم وملخصه ان الامر بالمهم لا يكون متعرضا لعصيان الامر بالاهم ولا نظر له إليه رفعا ووضعا لكونه ماخوذا في موضوعه، والحكم ويستحيل ان يكون مقتضيا لوجود موضوعه أو عدمه، والامر بالاهم انما يكون ناظرا إليه ومقتضيا لهدمه و رفعه، ومن الواضح ان الجمع بين ما لا اقتضاء له وما فيه الاقتضاء لا يستلزم الجمع بل هو في طرفي النقيض معه، ولذلك لو امكن الجمع بينهما خارجا لم يقعا على صفة المطلوبية، بل الواقع على هذه الصفة خصوص الواجب الاهم دون المهم، وحيث ان المكلف قادر على الاتيان بالمهم في ظرف ترك الاهم، فلا مانع من تعلق التكليف به وعلى الجملة حيث ان الامر بالمهم، ليس مطلقا، ولا مشروطا باتيان الاهم، بل مشروط بعصيانه ومع ذلك لا يكون ناظرا إليه، فلا يكون ذلك مع الامر بالاهم طلبا للجمع بين الضدين، نعم يلزم منه الجمع بين الطلبين، ودعوى انه لا يمكن الانبعاث عن كلا الامرين، مندفعة بان الانبعاث عنهما بنحو الترتب ممكن. واما ما اجاب به عن هذا الوجه المحقق النائيني (ره) من ان الامرين وان كانا فعليين حال العصيان، الا انه من جهة اختلافهما رتبة لا يلزم من فعليتهما معا طلب الجمع، إذ الامر بالاهم في رتبة يقتضى هدم موضوع الامر بالمهم، واما هو فلا يقتضى وضع موضوعه، وانما يقتضى ايجاد متعلقه على تقدير وجود الموضوع، وحاصله ان ملاك عدم لزوم طلب الجمع بين الضدين من اجتماع الامرين في زمان واحد، انما هو اختلاف رتبتهما. فيرد عليه ما تقدم مرارا من ان الاحكام الشرعية ثابتة للموجودات الزمانية ولا اثر لاختلافهما في الرتبة بعد ما لم يلزم من اختلافهما في الرتبة الاختلاف زمانا، ولذلك جاز اجتماع الضدين أو النقيضين في رتبة واحدة، كما جاز ارتفاعهما عنها.

[ 60 ]

اضف إليه ما تقدم في بعض المقدمات التى افاده (ره) لتصحيح الترتب، من ان الامر بالاهم لا يكون متقدما على الامر بالمهم رتبة إذ التقدم الرتبى يحتاج الى ملاك غير موجود فيهما. الثالث: ان المكلف غير قادر على امتثال الخطابين فحيث ان صحة الخطاب مشروطة بالقدرة على متعلقه، فلا مناص عن الالتزام بوحدة الخطاب، فكيف يعقل الالتزام بفعلية الخطابين معا. وفيه: ان الخطابين المترتب احدهما على عصيان الاخر كل منهما مما يقدر المكلف على امتثاله حيث انه يامر المولى اولا بالاهم، وهو قادر على الاتيان به، وعلى فرض امتثاله لا امر بالمهم، وعلى فرض عصيانه يامر بالمهم وهو قادر على امتثاله. الوجه الرابع: انه لا يمكن الخطاب المولوي، الا فيما يصح ان يعاقب على مخالفته حتى يمكن ان يصير داعيا الى المكلف نحو الفعل، لفرض ان داعوية الخطاب بالنسبة الى غالب الناس انما هي باعتبار ما يستتبعه من الثواب والعقاب، فإذا لم يكن الخطاب مستتبعا للثواب على موافقته، ولا العقاب على مخالفته لم يكن خطابا مولويا، وعلى ذلك فان ترك المكلف امتثال كلا الواجبين معا، فاما ان يلتزم بتعدد العقاب، أو بوحدته، لا سبيل الى الاول، إذ كما لا يمكن تعلق التكليف بغير المقدور كذلك لا يمكن العقاب عليه وبما ان المفروض استحالة الجمع بين المتعلقين فيستحيل العقاب على تركهما معا، والثانى، ملازم لانكار الترتب وانحصار الامر المولوي بالاهم، وكون الامر بالمهم ارشادا محضا الى كونه واجدا للملاك، لعدم معنى لوجود الامر المولوي الالزامي وعدم ترتب العقاب على مخالفته. ويرد عليه، انه خلط بين ان يكون العقاب على ترك الجمع بين الاهم والمهم، وان يكون العقاب على الجمع في الترك، بمعنى انه يعاقب على ترك كل منهما في حال ترك الاخر، والمستحيل هو الاول لانه غير مقدور دون الثاني. وان شئت قلت ان العقابين ليسا لعدم الجمع بين المتعلقين، كى يقال انه ممتنع و كذلك ما يستتبعه، بل على الجمع بين العصيانين وهما مقدوران للمكلف كما تقدم

[ 61 ]

في الجواب عن الوجه المتقدم. فان قلت ان الاطاعة والعصيان ترتضعان من ثدى واحد، وحيث ان المكلف غير قادر على اطاعتين فهو لا قدر الا على عصيان واحد، فلا يستحق اكثر من عقاب واحد. قلت، ان وحدة العصيان وتعدده تابعان لوحدة التكليف وتعدده، وربما لا يكون هناك في صورة الموافقة الا اطاعة واحدة ولكن في صورة العصيان عصيانان عديدة، كما في الواجب الكفائي فانه في صورة الموافقة يطيع شخص واحد، ولا يمكن للجميع الاطاعة والامتثال لكنه في صورة ترك الجميع هناك عصيانات عديدة بعدد المكلفين - وبالجملة - بما ان كلا من التكليفين اجنبي عن الاخر، والمكلف قادر على امتثاله في فرض توجهه، فيوجب مخالفته استحقاق العقوبة على ذلك. الترتب في مقام الجعل ثم انه ينبغى التنبيه على امور: الاول: المشهور بين الاصحاب صحة الصلاة جهرا في موضع الاخفات، وبالعكس، وصحة الصلاة تماما في موضع القصر، وذهب جماعة الى صحة الصلاة قصرا في موضع التمام للمقيم عشرة ايام كل ذلك في فرض الجهل عن تقصير، وايضا التزم المشهور، بان الجاهل المقصر في تلك الموارد يستحق العقاب على مخالفة الواقع وتركه. ومن هنا وقع الاشكال في الجمع بين هاتين الجهتين، وانه كيف يمكن الحكم بصحة الماتى به خارجا واجزائه عن الواقع وعدم وجوب الاعادة مع بقاء الوقت، والحكم باستحقاق العقاب. واجابوا عنه باجوبة: منها: ما نسب الى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (ره) من الالتزام بالترتب، بتقريب ان الواجب على المكلف ابتداءا هو الصلاة جهرا، مثلا، وعلى تقدير تركه وعصيان امره فالواجب هو الاخفات، أو بالعكس فالصحة تكون لامتثال الامر الثاني، والعقاب على ترك التكليف الاول وعصيانه. واورد عليه المحقق النائيني (ره) وغيره بايرادات: احدها: ان محل الكلام

[ 62 ]

في المقام ما إذا كان التضاد بين المتعلقين اتفاقيا واما إذا كان التضاد دائميا كمثال الجهر والاخفات، لكان التنافى في مقام الجعل الذى هو الضابط للتعارض لا في مقام المجعول الذى هو الملاك في كونه من باب التزاحم، وعلى ذلك فيخرج المثال بذلك عن موضوع بحث الترتب لا محالة. وفيه: انه فيما إذا كان التضاد دائميا بما ان التنافى في مقام الجعل ليس لعدم الملاك، بل لكون التكليفين المتعلقين بالضدين كذلك موجبا للتكليف بالمحال، وهو انما يلزم إذا كان كل منهما مطلقا، واما إذا قيد كل منهما بعدم الاتيان بمتعلق الاخر، أو قيد احدهما بذلك فلا يلزم التنافى بينهما، فلا محذور في الالتزام بالترتب، غاية الامر الترتب انما يكون في مقام الجعل بتقييد جعل احد الحكمين المتعارضين بعصيان الاخر، والترتب المعنون في كلمات الفقهاء هو الترتب في مقام الفعلية بتقييد فعلية خطاب المهم بعصيان الاهم. نعم الترتب في مقام الجعل، كما في المسألتين يمتاز عن الترتب في مقام الفعلية بامرين: احدهما: ان الترتب في مقام الفعلية لا يحتاج الى دليل، بل على فرض امكانه لا بد من البناء على وقوعه كما مر تقريبه، واما الترتب في مقام الجعل، فلا يكفى امكانه في وقوعه، بل لابد من اقامة الدليل عليه، ولكن الشيخ الكبير يدعى ان الدليل قد دل على وقوعه في المسألتين، وهو الروايات الصحيحة الدالة على الصحة بضميمة ما دل على العقاب على مخالفة الواقع. الثاني: ان المأخوذ في موضوع خطاب المهم في المسألتين هو عدم الاتيان بمتعلق الاخر في حال الجهل لا مطلقا. الثاني: انه يختص الترتب بما إذا كان للواجبين المتضادين ثالث كما تقدم، وياتى ولا ثالث لهما في المقام: لان الجهر، والاخفات من الضدين الذين لا ثالث لهما. وفيه: ان المأمور به هو القرائة الجهرية، أو الاخفاتية، لا الجهر والاخفات في القرائة، ومن البديهى انهما من الضدين الذين لهما ثالث وهو ترك القرائة. الثالث: ان مورد الخطاب الترتبى هو ما إذا كان خطاب المهم مترتبا على عصيان خطاب الاهم كما في مسألة الصلاة والازالة وهذا لا يمكن في المقام إذ المكلف ان

[ 63 ]

التفت الى كونه عاصيا للتكليف بالاهم انقلب الموضوع، وان لم يلتفت الى ذلك فكيف يعقل ان يكون الحكم المجعول على هذا العنوان محركا للمكلف. وفيه: انه لم يرد آية ولا رواية دالة على اختصاص الترتب بما إذا قيد الامر بالمهم بعصيان الامر بالاهم، بل يصح الترتب مع كون المعلق عليه هو مطلق الترك، وهذا العنوان مما يمكن ان يلتفت إليه الجاهل ولا ينقلب الموضوع. لا يقال انه لا يمكن الالتزام بذلك في المقام إذ لازمه فعلية التكليف بالثاني، عند ترك الاول حتى في حال العلم وهو مما لم يلتزم به فقيه. فانه يقال، انه بمقتضى الجمع بين النصوص والفتاوى نلتزم بان تركه في حال العلم خارج عن الموضوع بل الموضوع غيره كما لا يخفى. وبما ذكرناه يندفع ايراده الرابع على القول بالترتب في المقام بان العصيان لخطاب يتوقف على فعلية ذلك الخطاب وتنجزه، وفى المسألتين لا يكون الخطاب الواقعي منجز الفرض الجهل به، - وبعبارة اخرى - المكلف بالاخفات في الواقع إذا اجهر بالقرائة فاما ان يكون عالما بوجوب الاخفات عليه، اولا، اما الاول، فهو خارج عن محل الكلام: إذ المفروض فيه توقف صحة الجهر على الجهل بوجوب الاخفات، واما على الثاني فعصيان وجوب الاخفات وان كان متحققا في الواقع، الا انه من جهة كون التكليف بالاخفات مجهولا، لا يكون متنجزا، فلا محالة يكون العصيان حقيقة بالنسبة الى الخطاب الطريقي الواصل، وهو وجوب التعلم، أو الاحتياط، عند المصادفة، دون الخطاب الواقعي المجهول. والفرق بين هذا الوجه وسابقه، ان الوجه السابق كان مبناه على فقد العلم بالعصيان وهذا الوجه انما هو لفقد العصيان نفسه. والجواب عنه ما تقدم من عدم اختصاص الترتب باخذ العصيان في موضوع الخطاب بالمهم، بل اخذ المخالفة للتكليف بالاهم فيه. اضف إليه ما حقق في محله من ان العقاب ليس على مخالفة الوجوب الطريقي الواصل المصادف للواقع، بل انما هو على مخالفة الواقع، فانه بعد تنجزه، بوجوب

[ 64 ]

التعلم، أو الاحتياط لا محالة يوجب مخالفته العقاب. واورد الاستاذ على كاشف الغطاء، بانه وردت الروايات ان الواجب على المكلف في كل يوم خمس صلوات وهى تكفى في ابطال القول بالترتب في المقام. وفيه: ان الترتب المدعى في المقام انما هو بين وجود القرائة الجهرية، ووجوب القرائة الاخفاتية، في صلاة واحدة، لا في الصلاتين المشتملة احداهما على الاولى، والاخرى على الثانية. الايراد السادس ان وجوب الصلاة بما انه موسع فلا ينزع عنوان العصيان من تركها في جزء من الوقت، بل من تركها في مجموع الوقت المضروب لها، وعليه فلا يعقل تحقق العصيان في اثناء الوقت كى يصير الحكم الثاني فعليا. والجواب عنه هو الجواب عن الوجه الثالث الذى افاده المحقق النائيني (ره). ومحصله ان الملاك لامكان الترتب هو كون الواجب المهم في ظرف عدم الاتيان بالاهم وتركه في الخارج مقدورا للمكلف وعليه فلا يكون تعلق الامر به على هذا التقدير قبيحا. فالشرط لتعلق الامر بالمهم هو عدم الاتيان بالاهم لا عصيانه، وعلى هذا بنينا على جريان الترتب في الاوامر الاستحبابية وعدم اختصاصه بالاوامر الالزامية والتعبير عن ذلك في كلماتهم بالعصيان انما هو للاشارة الى ما هو شرط في الواقع. وعلى هذا فلا مانع من الالتزام بالترتب في المسألتين ودفع الاشكال المتقدم به غاية الامر ان الترتب فيهما يحتاج وقوعه الى الدليل والدليل موجود وهو الروايات - و يمكن دفع الاشكال بوجه اخر سيأتي التعرض له. وقد اجيب عن اصل الاشكال باجوبة اخر، منها ما افاده الشيخ الاعظم (ره) من الالتزام، تارة بعدم تعلق الامر بالصلاة الاخفاتية مثلا عند الجهل بالحكم، والعقاب انما يكون على ترك التعلم، واخرى بعدم تعلق الامر بالصلاة الجهرية الماتى بها في حال الجهل بل هي مسقطة للواجب، والمامور به هو الصلاة الاخفاتية والعقاب يكون على ترك المأمور به. ولكن يرد على ما افاده اولا: انه لو سلم كون العقاب على ترك التعلم في

[ 65 ]

موارد المصادفة للواقع وان مر عدم تماميته، لا نسلم ذلك عند عدم المصادفة للواقع لفرض عدم الحكم الواقعي: ويرد على ما افاده ثانيا ان الظاهر من الروايات كون الماتى به في حالة الجهل مامورا به وقد اعترف هو (قده) بذلك. ومنها: ما افاده المحقق الخراساني وقد نقلنا مع ما اورد عليه وما يمكن ان يورد عليه في آخر مسألة البرائة والاشتغال. ويمكن الجواب بوجه آخر وهو عدم تمامية ما هو المنسوب الى المشهور من الجمع بين الحكم بالصحة في المسألتين واستحقاق العقاب على ترك الواجب الواقعي: لان الجاهل بوجوب الاخفات مثلا لو صلى اخفاتا وتحقق منه قصد القربة، فاما ان يحكم بفساد صلاته عند انكشاف الحال أو يحكم بصحتها، وعلى الاول فمقتضاه ان الواجب على المكلف تعيينا عند الجهل هو الجهر فلا معنى لاستحقاق العقاب على ترك الاخفات، ودعوى استحقاقه على ترك التعلم، قد عرفت ما فيه، ودعوى الاجماع عليه، غريبة لعدم كونه من الاحكام الشرعية، مع انه غير ثابت لخلو كلمات كثير منهم عن ذلك وعلى الثاني فلا بد وان يكون الحكم الواقعي هو التخيير بين الجهر والاخفات، وبديهى اجزاء الاتيان باحد طرفي التخيير وعدم استحقاق العقاب على ترك الاخر. فالمتحصل مما ذكرناه امران: الاول: انه يمكن الجواب عن الاشكال بالالتزام بالترتب في مقام الجعل. الثاني: انكار استحقاق العقاب فتدبر فانه نافع. التنبيه الثاني والثالث التنبية الثاني: لا فرق في امكان الترتب، ووقوعه بين كون شرط الامر بالمهم عصيان الامر بالاهم، أو ما هو معلول له، فلو حرمت الاقامة في محل، فعصى المكلف واقام يتوجه إليه خطاب الصوم، والصلاة تماما، فعلى القول بان قصد الاقامة قاطع للسفر موضوعا، يكون الامر بالصوم، والصلاة تماما معلقا على الحضر المعلول لعصيان النهى

[ 66 ]

عن الاقامة، وقد مر تفصيل القول فيه. الثالث: انه كما يمكن الترتب بين الخطابين من طرف واحد، يمكن الترتب بينهما من طرفين، كما في مثل اجلس في المسجد في الساعة الخاصة ان لم تقرأ القرآن، واقرأ القرآن ان لم تجلس فيه في تلك الساعة، وما ذكرناه من البرهان لامكانه، وهو عدم لزوم الطلبين كذلك طلب الجمع بين الضدين وعدم محذور آخر، يقتضى الامكان في الترتب من الجانبين. وبما ذكرناه يظهر التنافى بين كلمات الشيخ الاعظم (ره) حيث انه في آخر مسألة البرائة والاشتغال في جواب الشيخ الكبير المصحح لصحة عمل الجاهل المقصر في مسألتي الجهر والاخفات والقصر والاتمام مع استحقاق العقاب على مخالفة الواقع بالالتزام بالترتب - يصرح بعدم معقولية الترتب - وفى اول بحث التعادل والترجيح في تعارض الخبرين على القول بالسببية يقول ان مقتضى القاعدة هو التخيير لا التساقط كما في كل واجبين متزاحمين لم تثبت اهمية احدهما فانه يقرب وجه التخيير بالالتزام بوجوب كل منهما مقيدا بعدم الاتيان بالاخر، وهذا هو حقيقة الترتب من الجانبين بعد فرض ان الشرط ليس خصوص العصيان بل ترك متعلق الامر الاخر. الرابع: يعتبر في امكان الترتب القدرة على المهم في ظرف عصيان الامر بالاهم، اما إذا فرضنا عدم القدرة عليه في ذلك الفرض: لامتناع وجوده كما في المتلازمين في الوجود، أو لكون وجوده ضروريا كما في الضدين الذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون، فلا يعقل الترتب إذ الامر بالمهم كساير التكاليف مشروط بالقدرة على متعلقه، فمع عدمها لا سبيل الى الامر به. ومن هنا ينشأ اشكال في المثال المعروف للترتب، وهو الصلاة والازالة، إذ بعد الشروع في الصلاة الامر بالازالة فعلى على الفرض، ومقتضى هذا الامر ابطال الصلاة، ومقتضى الامر بها المضى فيها، والابطال والمضى في الصلاة ضدان لا ثالث لهما وعلى فرض عدم الابطال المضى قهرى لا اختياري فلا يجرى الترتب في هذا المثال. وفيه اولا: ان المأمور به الاهم ليس هو ابطال الصلاة بل المتعلق هو ذات المبطل و

[ 67 ]

هي الازالة وهى مع الصلاة من الضدين الذى لهما ثالث، وثانيا: انه لو سلم ان الاهم، هو الابطال، لكن ليس هو مطلق الابطال، بل الحصة منه التوأمة مع الازالة، وهى مع الازالة من الضدين الذين لهما ثالث كما لا يخفى. الترتب في المشروط بالقدرة شرعا الخامس: ان الترتب امكانا ووقوعا، يختص بما إذا كان الخطاب بالمهم غير مشروط بالقدرة شرعا، والا كما في الامر بالوضوء إذا زاحمه واجب اهم، بان كان له مقدار من الماء يكفى للوضوء أو حفظ نفس محترمة، فلا يمكن تصحيحه بالترتب إذ نفس ذلك التكليف يكون معجزا شرعيا، ويوجب صيرورته غير قادر شرعا، لا امتثاله، - وبعبارة اخرى - نفس خطاب الاهم موجب لاعدام موضوع المهم فانه بنفسه يوجب صيرورته غير واجد الذى هو موضوع لوجوب التيمم ويرفع الوجدان الذى جعل موضوعا لوجوب الوضوء من غير فرق بين صورة الامتثال والعصيان، وعليه فبما ان فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه فلا محالة يستحيل فعلية الحكم في فرض وجود الرافع لموضوعه، فلا يعقل فعليته في ظرف العصيان ولا يكون الوضوء ذا ملاك حينئذ لاختصاص الملاك بصورة الوجدان، فلا يصح اتيان الوضوء بداعي الامر و لا بداعي الملاك في صورة المزاحمة، وان عصى المكلف ذلك التكليف. وبالجملة بعد اخذ القدرة والوجدان في موضوع حكم، يكون نفس التكليف الشرعي في مورد المزاحمة رافعا لموضوع ذلك الحكم لكونه معجزا شرعيا، فلا سبيل الى الالتزام بالترتب فيه، وهذا بخلاف ساير الموارد التى عرفت ان امتثال المزاحم رافع للموضوع، لا التكليف نفسه. وقد حكى عن صاحب الفصول (ره) انه لو انحصر ماء الوضوء فيما يكون في الانية المغصوبة، أو الذهب، أو الفضة على نحو يحرم عليه الاغتراف منه للوضوء، ولم يغترف ما يكفيه للوضوء دفعة واحدة، بل كان بنائه على الاغتراف تدريجا فاغترف ما

[ 68 ]

يكفيه لغسل الوجه فقط، انه لا مانع من صحة وضوئه حينئذ بالامر الترتبى فانه يكون واجدا للماء بعد ما كان يعصى في الغرفة الثانية، والثالثة التى يتم بها الغسلات الثلاث للوضوء، فيكون امره بالوضوء نظير امره بالصلاة، إذا كان مما يستمر عصيانه للازالة الى آخر الصلاة إذ المصحح للامر بالصلاة انما كان من جهة حصول القدرة على كل جزء منها حال وجوده لمكان عصيان الامر بالازالة في ذلك وتعقبه بالعصيان بالنسبة الى الاجزاء اللاحقة. وفى الوضوء ياتي هذا البيان ايضا إذ القدرة على كل غسلة من غسلات الوضوء تكون حاصلة عند حصول الغسلة لمكان العصيان بالتصرف في الانية المغصوبة والعصيان في الغرفة الاولى لغسل الوجه يتعقبه العصيان في الغرفة الثانية والثالثة لغسل اليدين فيجرى في الوضوء الامر الترتبى كجريانه في الصلاة. واورد عليه المحقق النائيني (ره) مبتنيا على ما ذكرناه في هذا التنبيه، بانه فرق بين باب الوضوء وباب الصلاة إذ الصلاة لا يعتبر فيها ازيد من القدرة العقلية على اجزائها المفروض حصولها باستمرار عصيان الازالة، فلا مانع من الامر الترتبى فيها، واما في الوضوء فالقدرة المعتبرة فيه انما يكون شرعية ومما لها دخل في الملاك، ولا قدرة شرعية على الوضوء بعد ما كان موقوفا على التصرف في الانية المفروضة ولا ملاك له حينئذ فيكون غسل الوجه بالغرفة الاولى لغوا لا اثر له فلا يجرى في الوضوء الامر الترتبى. اقول: ما افاده صاحب الفصول خلافا للمشهور بين الاصحاب، من بطلان الوضوء في الفرض تام، وايراد المحقق النائيني (ره) عليه غير صحيح. وذلك لانه وان كان لاريب في اعتبار القدرة شرعا في وجوب الوضوء، ولازمه عدم الملاك له مع عدم القدرة بخلاف موارد دخل القدرة عقلا، الا ان المعتبر هو القدرة في ظرف العمل والامتثال، ولذلك لا شبهة في انه لو فرض تجدد القدرة التكوينية بعد كل غسلة للغسلة اللاحقة لها، كما لو كان عنده من الماء ما يكفى لغسل وجهه وشرع في الوضوء رجاءا لنزول المطر، ونزل بعد غسل الوجه وغسل يديه به، أو كان عنده ثلج يذوب شيئا فشيئا ولم يكن عنده اناء ليجمعه فيه، يجب عليه الوضوء ولا ينتقل وظيفته

[ 69 ]

الى التيمم. وإذا انضم الى ذلك امران: احدهما: ان الشرط المتأخر ممكن، فلا مانع من كون القدرة حين الغسلة الاخيرة شرطا لوجوب الوضوء من اول غسل الوجه ثانيهما: امكان الترتب، يستنتج من ذلك صحة الوضوء بالماء المأخوذ من تلك الاناء بالاغتراف لان المكلف بعد اغترافه الماء يقدر على الوضوء بمقدار غسل الوجه، وبما انه بان على ارتكاب المحرم ثانيا وثالثا الى ان يتم الوضوء يعلم بطرو التمكن والقدرة عليه من غسل ساير الاعضاء، وعليه فلا مانع من الالتزام بثبوت الامر به مترتبا على عصيانه. واولى من ذلك صورة عدم انحصار الماء في الاواني المزبورة إذ يصح الوضوء بالاغتراف من الاواني حتى على القول باعتبار القدرة الفعلية على الغسلات الثلاث، وعدم كفاية القدرة التدريجية لفرض ان المكلف متمكن من الطهارة المائية بالفعل وحتى على القول باستحالة الترتب إذ غاية ما هناك انه بسوء اختياره قد ارتكب فعلا محرما، ولا يضر ذلك بصحة وضوئه بعد ما كان الماء الموجود في يده مباحا. وايضا اولى من ذلك صورة تمكن المكلف من تفريغ الماء في ظرف آخر إذ يصح الوضوء حينئذ بالاغتراف على جميع هذه المباني، نعم، الوضوء من تلك الاواني بنحو الارتماس إذا صدق عليه التصرف فيها، أو بصب الماء منها على الاعضاء بحيث كان غسل الاعضاء متحدا وجودا مع التصرف فيها يكون فاسدا، لان المحرم لا يمكن ان يكون مصداقا للمأمور به، وحيث ان الوضوء بنفسه محرم فيمتنع ان ينطبق الواجب عليه. فقد انقدح حكم جميع صور الوضوء من تلك الاواني. كما انه ظهر بطلان ما عن المشهور من بطلان الوضوء في صورة انحصار الماء فيها، ولم يفرغ الماء من الاناء دفعة وكان الوضوء بالاغتراف منها تدريجا، وان ما افاده صاحب الفصول (ره) من الصحة هو الاظهر. والغريب ما افاده السيد الفقيه الطباطبائى (قده) قال إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في احدى الانيتين، فان امكن تفريغه في ظرف آخر وجب، والاسقط وجوب الوضوء أو الغسل ووجب التيمم وان توضأ أو اغتسل فيها بطل... سواء اخذ الماء

[ 70 ]

منهما بيده أو صب على محل الوضوء بهما أو ارتمس فيهما، وان كان له ماء آخر أو امكن التفريغ في ظرف آخر، ومع ذلك توضأ أو اغتسل منهما فالاقوى ايضا البطلان. فانه لا يمكن الموافقة على ما افاده بوجه، ولا يمكن ان يذكر لما افاده وجه، سوى دعوى صدق التصرف في الاناء على الوضوء منها ولو بالاغتراف، فيكون منهيا عنه فلا يمكن ان يقع مصداقا للمأمور به، فلا مناص عن البناء على البطلان في جميع الفروض. وهو توهم غير صحيح إذ الوضوء منها بالاغتراف لا ينطبق عليه العنوان المنهى عنه إذ المأمور به هو صب الماء على الوجه واليدين وهو ليس تصرفا فيها والمنهى عنه هو اخذ الماء من تلك الاواني ومع تعدد الوجود والفرض عدم سراية الحكم من متعلقه الى مقارناته ولوازمه الاتفاقية لاوجه لاعمال قاعدة اجتماع الامر والنهى، بل المتعين الرجوع الى قاعدة باب التزاحم. التنبيه السادس افاد المحقق النائيني (ره) انه إذا كان خطاب الاهم استمراريا فقد يكون العلم به قبل الشروع في امتثال خطاب المهم، وقد يكون بعد الشروع فيه، وان كان قبل الشروع فتدور صحة خطاب المهم ابتداءأ واستدامة مدار القول بالترتب، وان كان بعده وكان الواجب مما لا يحرم قطعه فكذلك، واما ان كان مما يحرم قطعه كما إذا علم بتنجس المسجد بعد الشروع في الصلاة الفريضة، فلا يتوقف بقاء خطاب المهم على القول بالترتب إذ ازالة النجاسة انما كانت اهم من الصلاة لاجل فوريتها وسعة وقت الصلاة فإذا شرع فيها وحرم قطعها على الفرض لم يبق موجب لتقدم خطاب الازالة على خطابها فلا يتحقق حينئذ عصيان خطاب الازالة ليكون الامر باتمام الصلاة متوقفا على جواز الترتب فالامر باتمامها يكون متقدما على الخطاب الازالة لا محالة.

[ 71 ]

ولكن يرد عليه ما حققناه في محله من انه لا دليل على حرمة قطع الصلاة سوى الاجماع والمتيقن منه غير المقام. اضف إليه انه لو سلم لدليل حرمة القطع اطلاق شامل للمقام وكان لدليل وجوب الازالة ايضا اطلاق وقعت المزاحمة بينهما فيحكم بالتخيير، ولا وجه لما في تقريرات المحقق الكاظمي من ان امتثال الامر بالازالة انما يكون على القول بالترتب، نعم إذا كان لدليل حرمة القطع اطلاق، ولم يكن دليل وجوب الازالة مطلقا. تم ما افاده. بيان حقيقة التزاحم ثم ان المحقق النائيني (ره) ذكر للتزاحم اقساما، وجعل كل قسم عنوانا لمسألة وبحث فيها عن جريان الترتب فيه وعدمه، ونحن نتبعه في ذلك. وتنقيح القول بالبحث في جهات: الاولى: في بيان حقيقة التزاحم. الثانية: في بيان اقسامه. الثالثة فيما تقتضيه القاعدة في باب التزاحم وبيان مرجحات ذلك الباب. الرابعة: في البحث عن جريان الترتب وعدمه. واما بيان حقيقة التعارض، وما تقتضيه القاعدة فيه، ومرجحات باب التعارض فموكول الى باب التعادل والترجيح. كما ان البحث في انه في موارد عدم القدرة على اتيان جميع اجزاء المركب الاعتباري المأمور به، ولزوم ترك بعضها غير المعين هل المحكم هو قواعد باب التزاحم كما هو المشهور، ام يتعين اعمال قواعد باب التعارض، موكول الى كتاب الصلاة، وقد اشبعنا الكلام فيه في الجزء الرابع من كتابنا فقه الصادق، وكيف كان فالبحث في المقام في جهات: الاولى: في بيان حقيقة التزاحم، اقول: التزاحم على نوعين: الاول: التزاحم بين الملاكات بان يكون في فعل مقدار من المصلحة يقتضى ايجابه، ومقدار من المفسدة يقتضى تحريمه، أو مقدار من المصلحة يقتضى استحبابه ومقدار من المفسدة يقتضى

[ 72 ]

كراهته، أو كانت مصلحة في فعل، ومصلحة اخرى في فعل آخر مضاد له، أو كانت المصلحتان في فعلين متضادين بحيث لم يمكن استيفائهما معا، وهكذا. وبديهى ان الامر في هذه الموارد بيد المولى، وعليه ان يلاحظ الملاكات ويقدم ما هو الاهم والاقوى ويجعل الحكم على طبقه، ولا ربط لذلك بالعبد بشئ فان وظيفته امتثال اوامر المولى والخروج عن عهدة الاحكام من دون ملاحظة جهات المصالح والمفاسد، بل لو زعم ان المولى قد اشتبه عليه الامر كما قد يتفق ذلك في الموالى العرفية فجعل الوجوب مثلا مع انه لا مصحلة فيه، لم يكن له بمقتضى العبودية مخالفة ذلك الامر. اضف الى ذلك انه ليس للعبد طريق الى احراز جهات المصالح والمفاسد في متعلقات الاحكام الشرعية مع قطع النظر عن ثبوتها، وهذا النوع من التزاحم غير مربوط بنا ولا يكون في مقابل التعارض. النوع الثاني: تزاحم الاحكام بعضها مع بعض، في مقام الامتثال والفعلية ومنشأه عدم قدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين معا، - وبعبارة اخرى - مورد هذا التزاحم ما إذا لم يكن بين جعل الحكمين معا على موضوعيهما الذى يكون بنحو القضية الحقيقية بلا تعرض لحال موضوعه وجودا وعدما، تمانع وتناف كما في جعل وجوب انقاذ الغريق، وحرمة التصرف في مال الغير، في ما لو توقف الاول على الثاني، بل التنافى والتمانع انما هو في مرتبة فعلية الاحكام وزمن امتثالهما. توضيح ذلك: انه قد مر مرارا ان لكل حكم مرتبتين، الاولى مرتبة الجعل والانشاء، وهى جعله لموضوعه على نحو القضية الحقيقية من دون تعرض له لحال موضوعه. الثانية: مرتبة الفعلية وهى تتحقق بفعلية موضوعه في الخارج، وعلى هذا فحيث انه من شرائط التكليف القدرة على امتثاله فيلزم من عدم القدرة عدم الفعلية، و عليه فإذا ورد حكمان، فان لم يمكن اجتماع الملاكين كما في موارد اجتماع الامر والنهى على القول بالامتناع، أو علم من الخارج عدم احد الحكمين، أو كان الحكمان مما لا يتمكن المكلف من امتثالهما معا ابدا كما في الامر بالضدين خصوصا إذا كانا مما لا ثالث

[ 73 ]

لهما، لا محالة يقع التنافى بينهما في مقام الجعل، فهو داخل في باب التعارض. وان كان بحيث لم يكن هناك تناف في مقام الجعل كما في وجوب انقاذ الغريق وحرمة التصرف في مال الغير، وكما في الصلاة مع الازالة، ضرورة ان هذا المقدار من التنافى الاتفاقي بالنسبة الى شخص ما لا يمنع من جعلهما على نحو القضية الحقيقية إذ المانع المتوهم ليس الا عدم القدرة على امتثالهما معا فيكون جعلهما لغوا ومن الواضح انه لا يوجب ذلك باعتبار كونه تنافيا اتفاقيا، والموجب له انما هو التنافى الدائمي بالنسبة الى جميع المكلفين كما هو الحال في الضدين حيث انه لا يمكن للشارع ايجابهما بنحو الاطلاق معا، فانه لغو محض، وصدوره من الحكيم محال، بل التنافى انما يكون في مرتبة الفعلية لان فعلية كل من الحكمين المتزاحمين تابى عن فعلية الاخر لاستحالة فعلية كليهما معا، إذ القدرة الواحدة لا تفى الا باعمالها في احدهما ولا تكفى للجمع بينهما في مقام الاتيان والامتثال فلا محالة كان اختيار كل منهما موجبا للعجز عن الاخر فينتفى الحكم الاخر بانتفاء قيده وهو القدرة على القول باشتراطها من دون ان يوجب ذلك تصرفا في دليله. وعلى الجملة ان باب التعارض انما هو فيما لو كان تمانع وتناف بين جعل الحكمين بنحو القضية الحقيقية. اما من ناحية المبدأ حيث ان المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة أو الغالبة عليها والمفسدة كذلك متضادتان لا يمكن اجتماعهما في شئ واحد، وكذلك الارادة والكراهة بالنسبة الى متعلق واحد. واما من ناحية المنتهى لعدم تمكن المكلف من امتثال كلا الحكمين ولزوم التكليف بما لا يطاق لتضاد المتعلقين ذاتا مع اتحادهما في الحكم كما إذا وجب القيام دائما والقعود كذلك. أو لتلازم المتعلقين تلازما دائميا مع اختلافهما في الحكم كما إذا وجب استقبال المشرق، وحرم استدبار المغرب، أو غير ذلك مما لا يمكن الجمع بين الحكمين ثبوتا. واما إذا لم يكن بينهما التنافى لامن ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى ولم يلزم

[ 74 ]

من جعلهما، اجتماع المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة في متعلق واحد ولا يلزم التكليف بما لا يطاق، كوجوب صلاة الفريضة، ووجوب ازالة النجاسة عن المسجد، فلا يكون هناك مانع من جعلهما معا. وبعبارة اخرى - إذا لم يكن بين الحكمين تناف في مقام الجعل والتشريع، بل كان بينهما كمال الملائمة وانما نشأ التنافى في مقام فعلية كليهما وتحقق موضوعهما خارجا اتفاقا فهو باب التزاحم، فالملاك للدخول في باب التزاحم هو ان يكون التضاد بين المتعلقين اتفاقيا وكان منشأه عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال اتفاقا بعد ما كان قادرا على الاتيان بكل واحد من الفعلين في نفسه مع قطع النظر عن الاخر ولم يقدر على الجمع بينهما صدفة. فالمتحصل، ان المنشأ الاساسى لوقوع التزاحم بين الحكمين جعل الشارع كلا الحكمين في عرض واحد، ولازمه اقتضاء كل منهما لامتثاله في عرض اقتضاء الاخر له، وعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال اتفاقا، فإذا تحقق هذان الامران تحققت المزاحمة بينهما، وإذا انتفى احد الامرين لا مزاحمة اصلا. ثم ان للمحقق النائيني (ره) كلا ما في المقام وهو ان التزاحم قد ينشأ من شئ آخر لا من عدم قدرة المكلف، ومثل له بما إذا صار المكلف واجدا للنصاب الخامس من الابل الذى يجب فيه خمس شياة ثم بعد انقضاء ستة اشهر مثلا ملك ناقة اخرى، فحصل النصاب السادس، الذى يجب فيه بنت مخاض. فان المكلف وان كان قادرا على دفع خمس شياة بعد انقضاء ستة اشهر من ملكه للنصاب الخامس، وعلى دفع بنت مخاض بعد مضى حول النصاب السادس، الا ان قيام الدليل على ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين، اوجب التزاحم بين الحكمين. ولكن يرد عليه ان قيام الدليل المذكور، يوجب العلم بتقييد، مادل على وجوب خمس شياة على من ملك النصاب الخامس، ومضى عليه الحول، أو مادل على وجوب بنت مخاض على من ملك النصاب السادس ومضى عليه الحول فيقع التعارض بين اطلاقي الدليلين ولا ربط لذلك بباب التزاحم، وكانه تخيل اختصاص باب التعارض

[ 75 ]

بتعارض الدليلين رأسا ولا يشمل تعارض اطلاقيهما. اقسام التزاحم الجهة الثانية: في بيان اقسام التزاحم، فقد ذكر المحقق النائيني (ره) اقساما خمسة للتزاحم، وذكر ان منشأ التزاحم امور خمسة: الاول: تضاد المتعلقين بمعنى انه اجتمع المتعلقان في زمان واحد بحيث لا يمكن للمكلف فعلهما، كما في الصلاة، والازالة. الثاني: عدم قدرة المكلف على فعل كل من المتعلقين، مع اختلاف زمانهما، كما إذا لم يتمكن من القيام في الركعة الاولى، والثانية معا، بل كان قادرا على القيام في احداهما فقط، والفرق بين هذا القسم، وسابقه، هو ان عدم القدرة في هذا القسم ناش عن عجز المكلف في حد ذاته عن فعل المتعلقين، وفى سابقه كان ناشئا عن وحدة زمان المتعلقين، من دون ان يكون المكلف عاجزا لولا اتحاد الزمان. الثالث: تلازم المتعلقين مع اختلافهما في الحكم كما إذا وجب استقبال القبلة و حرم استدبار الجدى مع تلازمهما في بعض الامكنة. الرابع: ما إذا كان الحرام مقدمة للواجب فيما إذا لم يكن التوقف دائميا، كما إذا توقف انجاء المومن على التصرف في ملك الغير بغير رضاه. الخامس: موارد اجتماع الامر والنهى، فيما إذا كان هناك ماهيتان اتحدتا في الخارج نحو اتحاد كالصلاة والغصب بناءا على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الطبيعة الى مشخصاتها. ولا يهمنا البحث في انه ما ذا يكون اثر هذا التقسيم وانه لا يترتب على اية ثمرة، و يكون نظير تقسيم ان التزاحم، قد يكون بين وجوبين، وقد يكون بين تحريمين وقد يكون بين وجوب وتحريم وهكذا. وايضا لا يهمنا البحث في رجوع بعض هذه الاقسام الى بعض، مثلا مورد جواز

[ 76 ]

اجتماع الامر والنهى، الذى هو المورد الخامس للتزاحم، يرجع الى الثالث. بيان ما يقتضيه القاعدة في هذا الباب ومرجحاته الجهة الثالثة: في بيان ما يقتضيه القاعدة في باب التزاحم، ومرجحات هذا الباب. فالكلام في موردين: الاول: فيما تقتضيه القاعدة، وقد مر مفصلا انها تقتضي التخيير، إذ المانع عن فعلية الحكمين المتزاحمين انما هو عدم القدرة على امتثالهما وعليه، فبما ان المكلف قادر على اتيان كل منهما عند ترك الاخر يتعين عليه بحكم العقل البناء على وجوب كل منهما مقيدا بعدم اتيان الاخر، وان شئت فقل، ان التزاحم ليس بين اصل الخطابين، بل التزاحم بين اطلاق كل منهما بالنسبة الى صورة الاتيان بمتعلق الاخر، مع اطلاق الاخر كذلك، وحيث ان الضرورات تتقدر بقدرها فتعين حينئذ تقييد كل من الاطلاقين، فتكون النتيجة هو التخيير وعليه فإذا اتى باحدهما سقط التكليفان، احدهما بالامتثال، والاخر بارتفاع موضوعه وقد مر اعتراف الشيخ الاعظم (ره) بذلك ايضا فراجع ما قدمناه. المورد الثاني: في مرجحات باب التزاحم، وقد ذكر المحقق النائيني لهذا الباب مرجحات. ترجيح مالا بدل له على ماله بدل الاول: كون احد الواجبين مما ليس له بدل والاخر مما له بدل، وافاد هذا يتحقق في احد موردين: احدهما: ما إذا كان لاحد الواجبين بدل في عرضه، كما لو زاحم واجب موسع له افراد تخييرية عقلية لمضيق لا بدل له كما في مزاحمة وجوب الازالة الذى هو فورى مع وجوب الصلاة في سعة وقتها، أو زاحم احد افراد الواجب التخييري الشرعي لواجب

[ 77 ]

تعيينى، كما إذا كان لشخص عشرة دنانير، ودار امرها بين ان يصرفها في مؤنة من تجب عليه مؤنته، وبين ان يصرفها في كفارة شهر رمضان، حيث ان لكفارة شهر رمضان بدلا و هو صوم شهرين متتابعين، فانه لا اشكال في تقدم مالا بدل له على ماله البدل. بل قد مر ان هذا في الحقيقة خارج عن التزاحم، وانما يكون التزاحم فيه بالنظر البدوى إذ مالا اقتضاء فيه لا يمكن ان يزاحم ماله اقتضاء، لان دليل الواجب التخييري أو الموسع لا يقتضى لزوم الاتيان بخصوص الفرد المزاحم، بخلاف دليل الواجب المضيق أو المعين. المورد الثاني: لهذا المرجح، ما إذا كان لاحد الواجبين بدل في طوله دون الاخر كما لو زاحم وجوب الوضوء مع وجوب انجاء النفس المحترمة من الهلاكة. ومثل لذلك بمثالين، احدهما ما إذا وقع التزاحم بين الامر بالوضوء والامر بتطهير البدن أو اللباس للصلاة فبما ان الوضوء له بدل وهو التيمم فلا يمكن مزاحمة امره مع امر التطهير فيقدم رفع الخبث ويكتفى بالصلاة مع الطهارة الترابية. ثانيهما: ما إذا دار الامر بين ادراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية و ادراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية، ثم اورد على نفسه: بان ادراك ركعة واحدة في الوقت بدل عن تمام الصلاة فيه فيكون الدوران بين واجبين لكل منهما بدل، واجاب عنه بان بدلية ادراك الركعة الواحدة عن تمام الصلاة في الوقت انما هي على تقدير العجز عن ادراك تمام الصلاة فيه وقد فرضنا قدرة المكلف على ادراك تمامها فيه فلا موجب لسقوط التكليف باتيان تمام الصلاة في وقتها فيجب الاتيان بتمام الصلاة في وقتها مع الطهارة الترابية. اقول: ما ذكره في المورد الثاني من الكبرى الكلية تام إذ كل مورد ثبت فيه البدل شرعا لواجب فلا محالة يكون ذلك الواجب مقيدا بالقدرة، لانه لا معنى لجعل شئ بدلا طوليا لشئ الا كون ذلك البدل مقيدا بالعجز عن ذلك الشئ وحيث ان التفصيل قاطع للشركة فلازمه تقييد ذلك الواجب بالتمكن والقدرة، سواء صرح في لسان الدليل بذلك كاية التيمم أو لم يقع التصريح به في لسان الدليل، فتكون كما صرح به.

[ 78 ]

واما المثالان الذان ذكرهما فلا تكون هذه الكبرى منطبقة عليهما لوجهين: الاول: ما حققناه في كتابنا فقه الصادق في الجزء الرابع، من ان موارد دوران الامر بين الواجبين الضمنيين من موارد التعارض، لا التزاحم، فان التنافى حينئذ بين الجعلين لا الفعليين فراجع ما حققناه. الثاني: انه في المثالين لكل من الواجبين بدل، اما في الاول فلان الصلاة مع اللباس النجس أو عاريا بدل عن الصلاة مع الطهارة الخبثية واما في الثاني فلما اورده (قده) على نفسه، وجوابه عنه غير تام، إذ التيمم ايضا يكون بدلا عن الوضوء في صورة العجز عن الطهارة المائية - وبعبارة اخرى - انه ان لوحظ كل من الواجبين في نفسه وبالاضافة الى الصلاة التامة الاجزاء والشرائط، فهو عاجز عنه، فلا يصح ان يقال انه متمكن من الصلاة اربع ركعات في الوقت مع الطهارة الترابية فلا يكون عاجزا، إذ يصح ان يعكس حينئذ فيقال انه متمكن من الصلاة في الوقت بادراك ركعة منها فيه مع الطهارة المائية فلا ينتقل الفرض الى التيمم. تقديم المشروط بالقدرة العقلية المرجح الثاني: ما إذا كانت القدرة في احد الواجبين شرطا شرعيا، وفى الاخر شرطا عقليا. والمراد بكون القدرة شرطا شرعيا هي ما اخذت في لسان الدليل كما في الحج والوضوء، فيقدم ما يكون مشروطا بالقدرة عقلا على ما يكون مشروطا بالقدرة شرعا. وقد افاد المحقق النائيني (ره) في وجه ذلك، ان غير المشروط بها يصلح لان يكون تعجيزا مولويا عن المشروط بها، ولا عكس، حيث ان وجوبه لا يكون مشروطا بشرط سوى القدرة العقلية والمفروض انها حاصلة فالمقتضى لوجوبه موجود و هو اطلاق الدليل والمانع مفقود، فلا بد من البناء على وجود المقتضى بالفتح، ومعه يخرج ما كان مشروطا بالقدرة شرعا عن تحت سلطانه وقدرته شرعا للزوم صرف قدرته

[ 79 ]

في ذلك، والممنوع شرعا كالممنوع عقلا، فإذا لم يكن قادرا شرعا لم يجب لانتفاء شرطه وهو القدرة، والحاصل ان ما يكون مشروطا بالقدرة عقلا بنفسه معجز مولوى، فيكون رافعا لموضوع ما يكون مشروطا بالقدرة شرعا ولا عكس. وهو (قده) لم يستند في وجه التقديم الى ان ملاك الواجب المشروط بالقدرة عقلا تام، فلا مانع من ايجابه وهو يمنع عن ثبوت الملاك للواجب، بل ذكر ذلك من آثار الوجه الذى قدمناه. فلا يرد عليه ما اورده الاستاذ، من انه لا طريق لنا الى كشف الملاك، مع ان تقديم احد المتزاحمين على الاخر، بمرجح لا يرتكز بوجهة نظر مذهب دون اخر فلا بد من ذكر وجه يعم حتى مذهب الاشعري المنكر لتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد. ثم انه اورد على نفسه بانه ربما يختلج بالبال انه لا طريق لنا الى كشف عدم تقييد المتعلق بالقدرة شرعا، وانه لا يمكن التمسك بالاطلاق لنفيه وذكر في وجه ذلك امورا، وقد قدمناها مع نقدها عند التعرض لطريق كشف الملاك في اوائل مبحث الضد فراجع. الترجيح بالمتقدم زمانا ثم انه في موارد هذه المرجحات، لا يلاحظ الاهمية، ولا السبق واللحوق الزمانى. واما لو فرض تساوى المتزاحمين في هذه المرجحات، بان كان كل منهما مشروطا بالقدرة عقلا أو مشروطا بالقدرة شرعا، وكان الواجبان مضيقين، وتعينيين، فتصل النوبة الى الترجيح بالسبق واللحوق، والاهمية والمهمية. وتفصيل القول في ذلك انه إذا تزاحم الواجبان المتساويان من جهة المرجحات المتقدمة، فاما ان يكون كل منهما مشروطا بالقدرة شرعا، أو يكون كل منهما مشروطا بالقدرة عقلا. اما في المورد الاول وهو ما كانت القدرة في كل منهما شرطا شرعيا، فيقدم فيه ما كان بحسب الزمان متقدما، بان تقدم زمان امتثاله، كما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب

[ 80 ]

صوم يوم الخميس ووجوب صوم يوم الجمعة، بان نذر صوم اليومين ولم يقدر الا على اتيان احدهما، أو كان زمان امتثالهما متحدا ولكن تقدم زمان خطاب احدهما، كما لو وقعت المزاحمة بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر، فيما لو نذر في شهر رمضان المبيت ليلة عرفة في مشهد الحسين (ع)، وبعد ذلك عرض له الاستطاعة (وفى المثال كلام سيأتي) وفى مثل ذلك لا يلاحظ اهمية المتأخر، بل يكون السابق متقدما مطلقا. والوجه في التقديم واضح، فان زمان فعلية وجوب السابق يكون قادرا عليه عقلا وشرعا لعدم فعلية الاخر ليكون مانعا ومعجزا شرعيا وهو حينئذ يكون معجزا بالنسبة الى متعلق الاخر ومانعا عن فعلية موضوعه، ومع عدمها لا يعقل فعلية الحكم، ولا يلاحظ الاهمية فان لحاظ ذلك يستدعى ثبوت ملاكين وتحقق الموضوعين ومع فرض عدم القدرة الا على احدهما لا يكون هناك الا ملاك واحد ولا يصير من الموضوعين فعليا الا واحد فلا معنى للرجوع الى الاهمية. ثم ان المحقق النائيني (ره) ذكر ان هذا المرجح انما يكون مرجحا فيما إذا لم يكن هناك جهة اخرى توجب تقديم احد الواجبين ولو كان متاخرا عنه زمانا، ومثل لذلك بالمثال المتقدم إذ النذر وان كان سابقا زمانا على اشهر الحج ولكن من جهة اشتراط وجوب الوفاء بالنذر، بعدم استلزامه تحليل الحرام ايضا، والوفاء بالنذر في المثال يستلزم ترك الواجب في نفسه مع قطع النظر عن تعلق النذر به، فلا يشمله ادلة وجوب الوفاء به، فإذا ينحل النذر بذلك، ويصير وجوب الحج فعليا رافعا لموضوع وجوب الوفاء بالنذر وملاكه. واورد عليه بايرادات: 1 - ان هذه المسألة غير مربوطة بما هو محل الكلام وهو كون كل من الواجبين مشروطا بالقدرة شرعا، لعدم كون دليل وجوب الوفاء بالنذر مشروطا بها. وفيه: ان وجوب الوفاء تابع لما التزم به المكلف على نفسه وما التزم به المكلف على نفسه هو المقدور فقد اخذ المكلف في الالتزام القدرة، وخطاب الوفاء متاخر عن الالتزام، فالخطاب يرد على الفعل الذى اخذت القدرة فيه في المرتبة السابقة على ورود

[ 81 ]

الخطاب، فيكون كما إذا قيد المتعلق في لسان الدليل بالقدرة صريحا. 2 - عدم اخذ القدرة في دليل وجوب الحج، لان موضوعه وان كان هو الاستطاعة، الا انها فسرت الاستطاعة في الاخبار بالزاد والراحلة، فلا يكون اعتبارها فيه شرعيا. وفيه اولا: انه في جملة من الاخبار اخذ عدم مزاحمة تكليف آخر معه من قيود الاستطاعة، لا حظ صحيح الحلبي عن الامام الصادق (ع) إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام (1). فان المستفاد منه ان كل عذر رافع للفرض، وبديهى ان الوفاء بالنذر عذر شرعى فيكون رافعا له، وثانيا، ان النصوص المفسرة للاستطاعة في مقام بيان اعتبار قيود فيها، ولا نظر لها الى عدم اعتبار نفس الاستطاعة بما لها في المفهوم. 3 - ان دليل وجوب الوفاء بالنذر يصلح رافعا لملاك الحج وموضوعه، ومانعا عن وجوبه: لان ملاك النذر تام لا مانع منه سوى وجوب الحج فيشمل دليله الفرض وبه تنتفى الاستطاعة، وبتبعه يرتفع الوجوب. وفيه: ان مانعية وجوب الوفاء بالنذر عن وجوب الحج دورية: فان فعلية وجوب الوفاء، متوقفة على عدم التكليف بالحج، والا يلزم منه تحليل الحرام، فلو كان عدم التكليف بالحج من ناحية فعلية وجوب الوفاء لزم الدور. 4 - ما استدل به لتقديم النذر في المثال على ما افتى به المشهور، وهو ان النذر حين انعقاده لم يكن مانع عنه فينعقد فيجب الاتيان بالمنذور، وهو يصلح مانعا عن تحقق الاستطاعة لان المانع الشرعي كالمانع العقلي فلا يجب الحج. وفيه: انه بعد اعتبار عدم كون النذر محللا للحرام في وجوب الوفاء لا مجال لما افيد فان المعتبر عدم كونه محللا في ظرف العمل لا حين النذر. فالمتحصل، مما ذكرناه تمامية ما افاده المحقق النائيني (ره) فيقدم دليل وجوب


1 - وسائل باب 6 من ابواب وجوب الحج وشرائطه حديث 3. (*)

[ 82 ]

الحج في المثال، ويعضده ما افاده الاستاذ قال ان وجوب الوفاء بالنذر لو كان مانعا عن تحقق الاستطاعة وسقوط وجوب الحج عن المكلف للزم امكان التخلص عن وجوب الحج بكل نذر يضاد متعلقه للاتيان بمناسك الحج في ظرفها مع ان ذلك يقطع ببطلانه انتهى. حكم المتزاحمين لمشروط كل منهما بالقدرة وإذا فرضنا ان الواجبين المتزاحمين، المشروط كل منهما بالقدرة شرعا، غير الممتاز احدهما عن الاخر بثبوت البدل له خاصة، لم يسبق احدهما على الاخر زمانا، واتحدا من حيث الزمان، فهل يقدم الاهم كما اختاره الاستاذ، ام لا يكون هناك مورد للترجيح بالاهمية كما ذهب إليه المحقق النائيني (ره) وجهان: استدل للثاني: بان الترجيح بالاهمية انما يكون فيما إذا كان كل من الواجبين، واجدا للملاك التام فعلا كما سيمر عليك، وفى مثل المقام بما ان كلا من التكليفين مشروط بالقدرة شرعا، والمفروض انه لا قدرة للمكلف على امتثال كلا الخطابين، فلا محالة يكون احد الخطابين واجدا للملاك دون الاخر، والاهمية على تقدير وجود الملاك في طرف لا تكون كاشفة عن وجود الملاك في ذلك الطرف، دون الطرف الاخر، فلعل الملاك عند المزاحمة فيه، لا في الطرف الذى لو فرض تحقق الملاك فيه لكان اهم من غيره. وبعبارة اخرى: بما ان كلا من الخطابين مشروط بالقدرة شرعا، ولها دخل فيه وفى ملاكه، يمكن ان يكون كل منهما رافعا للملاك في الطرف الاخر، من دون فرق بين تساوى الملاكين، وكون احدهما اهم من الاخر على فرض تحققه، وكون اهمية الملاك على تقدير وجوده كاشفة عن وجوده وفعليته، دون ملاك الطرف الاخر، دون اثباته خرط القتاد. واورد عليه الاستاذ بان شرط فعلية ملاك الواجب المفروض كونه اهم من غيره، و

[ 83 ]

هي القدرة عليه متحقق وجدانا إذ المفروض كونه مقدورا عقلا، وعدم المنع من صرف القدرة فيه شرعا، فلا وجه لتفويت المولى الملاك الاهم بعدم الامر به، وهذا بخلاف الواجب الاخر، فانه وان كان مقدورا عقلا، الا ان الزام المولى بصرف القدرة في غيره، يوجب عجز المكلف عن ايجاده وسالبا لملاكه. ويرد عليه، ان مفروض الكلام باب التزاحم، وهو عدم التنافى في مقام الجعل و كون التمانع في مقام الفعلية، وايضا المفروض ان فعلية كل منهما توجب ارتفاع ملاك الاخر وعلى ذلك ففرض فعلية ما ملاكه على فرض وجوده اهم، دون الاخر مع ان نسبة القدرة التى هي شرط في فعلية كل منهما على حد سواء غريب، ولا ربط لهذا الباب بما افاده من انه لا وجه لعدم الامر بما ملاكه اهم فالتحقيق هو التخيير مطلقا. ثم انه اختار المحقق النائيني (ره) كون التخيير شرعيا كشف عنه العقل، فان كلا من الواجبين إذا كان واجد الملاك الزامي في ظرف القدرة عليه كما هو المفروض ففى فرض التزاحم يكون احدهما لا بعينه ذا ملاك الزامي، فلابد للمولى من ايجابه، ضرورة انه لا يجوز للحكيم ان يرفع يده عن تكليفه بالواحد لا بعينه، مع فرض وجدانه للملاك الالزامي، بمجرد عجز المكلف عن الاتيان بكلا الفعلين، فلا محالة يوجب المولى احد الفعلين لا بعينه. واورد عليه الاستاذ، بانه إذا كان المفروض قدرة المكلف على كل من الواجبين في نفسه وفى ظرف ترك الاخر، وان الشارع لم يلزمه باحدهما المعين لانه بلا مرجح، فلابد ان يكون كل منهما واجدا للملاك في ظرف ترك الاخر، ولازم ذلك تعلق الامر بكل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالاخر، فالتخيير يكون عقليا لا شرعيا. وفيه: ان هذا الوجه يتم فيما إذا كانت القدرة شرطا عقليا، واما على فرض كونها شرطا شرعيا، فلا يتم إذ قوله كل منهما مقدور في ظرف ترك الاخر، غير تام، لانه وان كان مقدورا عقلا، الا انه غير مقدور شرعا وهو واضح، فالاظهر كون التخيير حينئذ شرعيا بالتقريب الذى افاده المحقق النائيني (ره)

[ 84 ]

الترجيح بالاهمية واما المورد الثاني: وهو ما كان كل من الواجبين مشروطا بالقدرة عقلا، فقد يكون احدهما اهم، وقد يحتمل اهميته، وقد يكونان متساويين - فهيهنا فروض الاول، ما إذا كان احدهما اهم من الاخر - فلا كلام ولا اشكال في انه يقدم الاهم سواء كان الاهم مقارنا زمانا مع المهم، أو سابقا عليه، أو متاخرا عنه، اما في الاولين فواضح: لان المهم بالنسبة الى الاهم يكون من قبيل المستحب بالنسبة الى الواجب، فكما ان المستحب لا يصلح ان يزاحم مع الواجب كذلك المهم لا يصلح لان يزاحم الاهم، وان شئت قلت ان العقل الحاكم في باب الاطاعة والعصيان مستقل بتقديم الاهم - وبعبارة اخرى - ان التكليفين المتزاحمين لا يمكن ثبوتهما معا، ولا سقوطهما كذلك لكونه بلا موجب، فيدور الامر بين سقوط المهم، دون الاهم وبالعكس، والثانى غير معقول لكونه ترجيحا للمرجوح على الراجح، فيتعين الاول. واما في الصورة الاخير: فلان الاهم وان كان متاخرا زمانا، الا ان ملاكه تام في ظرفه على الفرض، اما من جهة ان الواجب المعلق ممكن فيستكشف من الوجوب الفعلى تمامية الملاك أو من الاستفادة من الخارج، كما في حفظ النفس المحترمة وحفظ بيضة الاسلام، وامثال ذلك على القول باستحالة الواجب المعلق كما عليه المحقق النائيني (ره) وعلى كل تقدير يجب حفظ القدرة عليه في وقته لئلا يفوت. إذ العقل كما يستقل بقبح تفويت الواجب الفعلى كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه، وعليه فحيث ان اتيان المهم فعلا يوجب تفويت ملاك الاهم في ظرفه، فلا يجوز فيكون وجوب حفظ القدرة عليه في زمانه الذى يحكم به العقل معجز اللمكلف بالاضافة الى امتثال المهم بالفعل. وعلى الجملة العقل الحاكم بالتقديم لا يفرق بين الموردين، فلو فرضنا انه دار الامر بين حفظ مال المؤمن في يوم الخميس، أو حفظ نفسه في يوم الجمعة

[ 85 ]

يكون الثاني مقدما. الثاني: ما إذا كان احدهما محتمل الاهمية، فيكون هو المقدم وقد مر في الامر الثالث الذى قدمناه على مسألة الترتب ما هو الوجه في ذلك، فراجع. الثالث: ما إذا لم يكن احدهما اهم ولا محتمل الاهمية فهل يكون السبق زمانا موجبا للترجيح ام لا ؟ فلو فرضنا ان ظالما حكم بقتل انسان في يوم الخميس وانسان آخر، في يوم الجمعة ويقبل شفاعة المكلف اما في يوم الخميس أو يوم الجمعة، فهل يكون ذلك من المرجحات ام لا ؟ فقد بنى المحقق النائيني (ره) ذلك على القول بان التخيير بين المتزاحمين المتساويين، هل يكون عقليا، ام يكون شرعيا ؟ إذ على الاول حيث ان مبناه القول بالترتب وتقييد اطلاق كل من الخطابين، بعدم الاتيان بالاخر، لابد من البناء على الترجيح به، لان التكليف بالمتقدم هو الذى يكون فعليا، دون المتأخر، لان سقوط كل من التكليفين المتزاحمين بناءا عليه، لا يكون الا بامتثال الاخر، وبما ان امتثال التكليف بالمتاخر متاخر خارجا لتاخر متعلقه فلا يكون للتكليف بالمتقدم مسقط في عرضه، فيتعين امتثاله على المكلف بحكم العقل، واما على القول بالتخيير الشرعي ومبناه سقوط الخطابين، واستكشاف خطاب آخر من الملاكين وحيث انه (قده) يختار الاول، فيرى ذلك من المرجحات. اقول الظاهر عدم كون ذلك من المرجحات، اما على القول بامكان الشرط المتأخر فلانه لا مانع من تقييد اطلاق خطاب السابق بترك الاخر في ظرفه، واما على ما اختاره من امتناعه فحيث انه (قده) يرى عدم الفرق في نظر العقل بين تفويت الواجب الفعلى، و تفويت الملاك الملزم في ظرفه فكما يحكم بقبح الاول، يحكم بقبح الثاني، فلا محالة لابد له من البناء على التخيير بالتقريب المتقدم، فلا يكون السبق زمانا من المرجحات، فمع تساوى المتزاحمين من حيث الاهمية يحكم بالتخيير مطلقا، اللهم الا ان يقال انه على فرض احتمال مرجحية السبق الزمانى فحيث ان تقييد اطلاق خطاب المتأخر متيقن وتقييد السابق مشكوك فيه، فالاصل يقتضى بقاء اطلاقه فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. واما على فرض التساوى فالحكم هو التخيير، واما الكلام في كون التخيير شرعيا

[ 86 ]

كما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية، والمحقق الرشتى، ام يكون عقليا كما ذهب إليه المحقق النائيني، فقد تقدم في الامر الثالث من الامور التى قدمناها على مسألة الترتب، و قد عرفت ان الثاني اقوى نظرا الى ان التنافى ليس بين الخطابين بل بين اطلاقهما، فلا بد من التقييد ولا وجه لرفع اليد عن اصل الخطاب لان الضرورات تتقدر بقدرها ولازم ذلك هو التخيير العقلي فراجع. فالمتحصل مما ذكرناه ان الترجيح بالسبق انما هو في صورة كون التكليفين مشروطين بالقدرة شرعا، والترجيح بالاهمية فيما لو كانا مشروطين بها عقلا، دون شرعا، كما ان التخيير في الصورة الاولى شرعى، وفى الصورة الثانية عقلي، هذا تمام الكلام في تزاحم الحكمين المستقلين. واما الكلام في التمانع بين التكليفين الضمنيين فموكول الى محل آخر وقد تعرضنا له في كتاب فقه الصادق الجزء الرابع في مبحث القبلة. الترتب في الحكمين الطوليين الجهة الرابعة: في جريان الترتب في ساير اقسام التزاحم غير ما إذا كان التضاد بين الواجبين اتفاقيا، وقد عرفت انها اربعة، فالكلام في مسائل اربع: الاولى: ما إذا كان منشأ التزاحم قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما من دون ان يكون بين المتعلقين تضاد ولو اتفاقيا لاختلاف زمانهما - وبعبارة اخرى - إذا وقعت المزاحمة بين واجبين طوليين يكون كل منهما مشروطا بالقدرة عقلا وكان المتأخر اهم وقدمناه. فقد وقع الكلام بين القائلين بامكان الترتب في انه، هل يمكن الالتزام بالترتب و تعلق الامر بالمتقدم مترتبا على عصيان الامر المتعلق بالواجب المتأخر، ام لا ؟ اختار المحقق النائيني (ره) الثاني. ومحصل ما افاده في وجه ذلك: ان الخطاب الترتبى، اما ان يلاحظ بالنسبة الى

[ 87 ]

نفس الخطاب المتأخر، أو يلاحظ بالنسبة الى الخطاب المتولد منه وهو وجوب التحفظ لقدرته للواجب المتأخر المستكشف من حكم العقل بقبح تفويت الملاك الملزم ولزوم تحصيله. فان كان الاول فاما ان يكون الشرط هو عصيان الخطاب، أو يكون هو عنوان التعقب بالعصيان، أو العزم على العصيان. والاول: أي كون الشرط هو عصيان الخطاب المتأخر، يستلزم محذورين، احدهما: الالتزام بالشرط المتأخر وقد مر انه غير معقول. ثانيهما: انه لا يجدى في رفع المزاحمة فان المزاحم للمتقدم ليس نفس خطاب المتأخر، ولو كان اهم، بل المزاحم له هو الخطاب المتولد منه وهو لزوم حفظ القدرة له، ومعلوم انه من فرض عصيان المتأخر في زمانه لا يسقط خطاب وجوب حفظ القدرة لعدم سقوط خطاب المتأخر بعد ما لم يتحقق عصيانه، ففرض عصيان المتأخر في موطنه لا يوجب سقوط خطاب - احفظ قدرتك - فإذا لم يسقط فالمزاحمة بعد على حالها وخطاب احفظ قدرتك موجب للتعجيز عن المتقدم، ولا يعقل الامر بالمتقدم في مرتبة وجوب حفظ القدرة للمتأخر. واما الثاني: وهو كون الشرط عنوان التعقب - فيرد عليه اولا - ان ذلك يدور مدار قيام الدليل عليه ولم يقم من غير جهة اشتراط التكليف بالقدرة في الواجبات التدريجية دليل على ذلك، فيكون الالتزام بالترتب في المقام على خلاف القاعدة من غير دليل يقتضى ذلك. وثانيا: ان ذلك لا يوجب رفع محذور طلب الجمع وصيرورة المهم مقدورا بواسطة هذا التقييد مع فرض الخطاب الفعلى بحفظ القدرة للواجب المتأخر المفروض كونه الاهم ومعجزا عن الواجب المتقدم. واما الثالث: وهو كون الشرط العزم على العصيان فهو مستلزم لطلب الجمع بين الضدين. واما الرابع: وهو لحاظ الخطاب الترتبى بالنسبة الى خطاب احفظ قدرتك، فان كان الشرط هو العزم والبناء على عصيان خطاب الحفظ لزم طلب الجمع بين الضدين، و ان كان الشرط نفس العصيان المتحقق بصرف القدرة فيرد عليه ان عدم حفظ القدرة لا

[ 88 ]

يكون الا بفعل وجودي يوجب صرف القدرة عليه وذلك الفعل الوجودى اما نفس الواجب المتقدم أو فعل آخر أو الجامع بينهما. وان كان الاول يلزم طلب الحاصل وان كان الثاني يلزم تعلق التكليف بالممتنع: فانه مع صرف قدرته في المتقدم باتيانه يكون طلبه طلب الحاصل، ومع صرفه في فعل آخر يتعذر عليه الواجب المتقدم، وان كان الثالث يلزم كلا المحذورين. ولا يقاس المقام بالصلاة والازالة فان ترك الازالة ممكن بدون الصلاة وفعل آخر - واما عدم حفظ القدرة فلا يمكن بدون فعل ما فتدبر. اقول في كلماته (قده) مواقع للنظر: الاول: ما افاده من ان كون الشرط هو عصيان خطاب الاهم، يلزم منه الالتزام بالشرط المتأخر، وهو محال. فانه يرد عليه: ما تقدم منا من امكانه غاية الامر وقوعه في الخارج، يحتاج الى دليل، وهو في المقام موجود، وهو عدم جواز رفع اليد عن اصل التكليف، إذا امكن التحفظ عليه بنحو من الانحاء، وفى المقام يمكن التحفظ عليه على نحو الالتزام بالشرط المتأخر. الثاني: ما افاده من ان شرطية عنوان التعقب تحتاج الى دليل، وهو مفقود في المقام، وانما التزمنا به في اشتراط التكليف بالقدرة في الواجبات التدريجية كالصلاة و نحوها، من جهة ان استمرار العصيان عبارة اخرى عن استمرار القدرة المعتبرة فيها التى لا يمكن الا بكون الشرط عنوان التعقب لمكان اعتبار الوحدة في الاجزاء التدريجية. فانه يرد عليه انه على القول باستحالة الشرط المتأخر، نفس الدليل الدال على الترتب، وهو انه إذا امكن الترتب واشتراط احدهما بعدم الاتيان بمتعلق الاخر كان مقتضى الدليل الالتزام بذلك ولا موجب لرفع اليد عن اصل الخطاب، يدل على شرطية عنوان التعقب في التدريجيات، ضرورة انه إذا امكن طلب المهم مشروطا بتعقبه بترك الواجب المتأخر الاهم، فلا موجب لرفع اليد عن اصل الخطاب وانما اللازم هو رفع اليد عن اطلاقه بمقدار يرتفع به التزاحم، اعني به اطلاقه بالاضافة الى حال امتثال الواجب المتأخر في ظرفه. وبعبارة اخرى: ان كون احد الخطابين مشروطا بترك امتثال الاخر لم يرد في لسان

[ 89 ]

دليل من الادلة كى نقتصر على مقدار مدلوله ونأخذ بظاهره، بل انما هو من ناحية حكم العقل بعدم امكان تعلق الخطاب بفعلين متضادين الا على هذا التقدير، وعليه فإذا لم يمكن في مورد تقييد اطلاق الخطاب بالمهم بترك امتثال خطاب الاهم من جهة استلزامه القول بالشرط المتأخر يستقل العقل بتقييده بالعزم عليه، أو بعنوان التعقب بعين هذا الملاك. الثالث: ما افاده من ان شرطية العزم تستلزم طلب الجمع بين الضدين. فانه يرد عليه انه لو كان العزم بحدوثه خاصة شرطا لفعلية الامر بالمهم، فلا محالة يلزم ذلك، إذ بعد حدوثه يصير الامر بالمهم فعليا ومطلقا كالامر بالاهم، لكنه غير صحيح، بل كما يلتزم بان الشرط في مورد كونه العصيان هو العصيان المستمر نلتزم، بان الشرط هو الاستمرار على العزم لاحدوث العزم آناما. الرابع: ما افاده من ان عصيان وجوب حفظ القدرة اما ان يتحقق بصرف القدرة في المهم أو بصرفها في فعل آخر الى آخر ما افاد. فانه يرد عليه ان ترك التحفظ على القدرة للواجب المتأخر، ان كان عين صرفها في الواجب المتقدم المهم، أو صرفها في شئ آخر كان لما افاده وجه، ولكن الامر ليس كذلك لان التحفظ عبارة عن ابقاء القدرة على حالها، وعدم اعمالها في شئ وهو ملازم هنا لترك المهم، وعدم الاتيان به في الخارج، ومعنى ترك التحفظ عدم ابقائها على حالها، وهو ملازم في المقام لفعل المهم أو لفعل آخر، لا انه عينه فيكون نظير الازالة والصلاة. الخامس: ما افاده من انه لو كان الشرط هو عصيان خطاب الاهم أو عنوان التعقب أو العزم على العصيان لما كان يجدى في رفع المحذور لان وجوب حفظ القدرة له معجز عن الاتيان بالمهم، فلا يكون معه قادرا عليه شرعا. فانه يرد عليه اولا النقض بوجوب الاهم إذا كان مقارنا مع المهم زمانا بعد فرض عدم سقوط الوجوب بعصيانه، وثانيا بالحل وهو ان نفس وجود الخطاب لا يكون مانعا إذ ليس المحذور الجمع بين الطلبين بل المحذور كله، في طلب الجمع بين الضدين، وهو

[ 90 ]

انما يكون إذا كان في عرضه لا في طوله، وعلى نحو الترتب لما مر مفصلا من عدم التنافى بين مقتضى الامرين كذلك. اضف الى ذلك كله ان وجوب حفظ القدرة ليس وجوبا شرعيا مولويا، بل وجوبه عقلي، وحيث انه واقع في سلسلة معلول الحكم فلا يكون مستتبعا لحكم شرعى، وعليه فلا معنى لوقوع المزاحمة بينه وبين وجوب المهم إذ لا شان للوجوب العقلي سوى ادراكه حفظ القدرة للواجب الاهم فالمزاحمة انما هي بين وجوب المهم ووجوب الاهم وهى ترتفع بالالتزام باحد الامور المتقدمة. فالمتحصل مما ذكرناه امكان الترتب هنا ايضا، بالالتزام باشتراط وجوب السابق بعصيان خطاب المتأخر، وعلى فرض عدم امكان الشرط المتأخر بتقييده بالعزم على عصيانه المستمر، أو عنوان التعقب به فتدبر فانه حقيق به. جريان الترتب في المقدمة المحرمة الثانية: إذا وقعت المزاحمة بين المقدمة وذيها، فهل يجرى الترتب فيها، ام لا ؟ و ملخص القول فيها ان المقدمة تارة تكون سابقة في الوجود على ذيها كالتصرف في ارض الغير لانقاذ الغريق، واخرى تكون مقارنة في الوجود لذيها كتوقف احد الضدين على ترك الاخر بناءا على كونه مقدمة له، فالكلام في مقامين: اما الاول: فإذا فرضنا ان الواجب المتوقف على الحرام اهم منه وقدمناه فلا اشكال في سقوط حرمة المقدمة في فرض الاتيان بالواجب، انما الكلام في انه على فرض العصيان هل تكون المقدمة حراما من باب الترتب ام لا ؟ والمحذور المتوهم للترتب في خصوص المقام امران: احدهما: ان الامر الترتبى في المقام يوجب اجتماع الوجوب والحرمة في نفس المقدمة والوجوب والحرمة متضادان لا يمكن اجتماعهما. الثاني: ان الامر الترتبى في المقام يتوقف على القول

[ 91 ]

بالشرط المتأخر، ولم يقم دليل بالخصوص على اعتبار الشرط المتأخر في خصوص المقام حتى نرجعه الى وصف التعقب. ولكن يندفع الاول، اولا: بما تقدم مستوفى من اختصاص الوجوب المقدمى بالمقدمة الموصلة. وثانيا: ان الوجوب الغيرى التبعى غير الناشئ عن ملاك مستقل لا يصلح لمعارضة الحكم النفسي الذى صححناه معلقا على عصيان الواجب النفسي الاهم، وان شئت قلت ان وجوب المقدمة وجوب عقلي، وعليه فلا معنى لوقوع المزاحمة بينه و بين الحرمة إذ لا شأن للوجوب العقلي الا ادراكه انه لابد للاتيان به تحفظا على الواجب النفسي الاهم فعلى فرض عصيانه وعدم الاتيان به لا محالة لا يصلح لمعارضة الحرمة النفسية. ويندفع الثاني بما مر من امكان الشرط المتأخر اولا، وانه لا مانع من الالتزام بكون الشرط هو عنوان التعقب بعصيان الاهم في ظرفه، أو العزم على عصيانه ثانيا: إذ لا موجب لرفع اليد عن اطلاق دليل الحرمة بالاضافة الى حال التعقب أو العزم عليه وحيث ان الضرورات تتقدر بقدرها، فاللازم هو رفع اليد عن اطلاق الدليل بمقدار يقتضيه الضرورة وهو في غير تلك الحالة. واما في المقدمة المقارنة فالكلام فيها قد تقدم في اول مبحث الضد مستوفى فلا نعيد. جريان الترتب في موارد اجتماع الامر والنهى الثالثة: إذا وقعت المزاحمة بين الامر والنهى كما في موارد اجتماعهما بناءا على القول بالجواز وكون التركيب بينهما انضماميا، ووقوع المزاحم بينهما فهل يجرى الترتب هناك ام لا ؟ قولان: ذهب المحقق النائيني (ره) الى الثاني. نظرا الى ان عصيان النهى في مورد الاجتماع كالنهي عن الغصب اما ان يكون باتيان فعل مضاد للصلاة المأمور بها مثلا كأن

[ 92 ]

يشتغل بالاكل، واما ان يكون بنفس الاتيان بالصلاة، وعلى التقديرين، لا يمكن جريان الامر الترتبى، لان الاول مستلزم لطلب الجمع بين الضدين والثانى مستلزم لطلب الحاصل وان التزم بكون الشرط هو الاعم، لزم كلا المحذورين، وان التزم بان الشرط هو العزم على الغصب لانفسه، لزم الامر بالضدين على الوجه المحال. ولكن يرد عليه انه لا يلزم من الالتزام بكون الامر بالصلاة مشروطا بعصيان النهى عن الغصب على القول بكون التركيب انضماميا لا اتحاديا، المحذور الاول: إذ الشرط هو الكون في الارض المغصوبة، وهو غير الصلاة وغيرها من الافعال الوجودية الاخر، ولذا لو فرض خلو المكلف عن جميع تلك الافعال الخاصة، ومع ذلك كان تصرفا في مال الغير وغصبا. وان شئت قلت ان المكلف قادر على الصلاة عند كونه في الارض المغصوبة وان فرض كونه في ضمن احد الافعال المزبورة لفرض كونه قادرا على تركه والاشتغال بالصلاة، نعم لو كان الكون في الارض المغصوبة، عين احد الافعال المزبورة، وكان التركيب اتحاديا تم ما افيد، الا انه خارج عن مورد التزاحم، ويدخل في باب التعارض، و تمام الكلام في مبحث اجتماع الامر والنهى. عدم جريان الترتب في المتلازمين الرابعة: إذا كان التزاحم ناشئا من ملازمة وجود الواجب، لوجود الحرام اتفاقا، كما إذا فرضنا حرمة استدبار الجدى المستلزمة ذلك لوقوع التزاحم بينها وبين وجوب استقبال القبلة بالنسبة الى اهل العراق وماسامته من النقاط، فلا ريب في كون ذلك من باب التزاحم، فيرجع فيه الى قواعد ومرجحات ذلك الباب، فان كان لاحدهما مرجح يقدم، والا فيحكم بالتخيير. وهل يمكن جريان الترتب في هذا المورد، ام لا ؟ الظاهر هو الثاني كما ذهب إليه المحقق النائيني (ره) إذ لا يعقل ان يكون حرمة استدبار الجدى مثلا مشروطا بعدم

[ 93 ]

استقبال القبلة وعصيان الامر به، لان ترك استدبار الجدى حينئذ قهرى، فالنهى عنه لغو محض وطلب للحاصل فلا يصدر من الحكيم، وكذلك لا يعقل ان يكون وجوب استقبال القبلة مشروطا بعصيان النهى عن استدبار الجدى والاتيان بمتعلقه، فان استقبال القبلة حينئذ ضروري الوجود فلا يعقل الامر به من الحكيم، فالمتحصل عدم امكان الترتب بين المتلازمين لا من جانب واحد ولا من جانبين. وقد ظهر من مجموع ما ذكرناه جريان الترتب في الاقسام الاربعة من اقسام التزاحم بين الحكمين، وعدم جريانه في خصوص القسم الاخير. واما موارد التزاحم بين الملاكين، فقد عرفت انه داخل في باب التعارض ولا معنى للنزاع في جريان الترتب فيها، وعليك بالتأمل التام فيما حققناه. امر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه الفصل السادس: في جواز امر الآمر بشئ مع علمه بانتفاء شرطه وعدمه، وذكر المحقق الخراساني (ره) في الكفاية انه لا يجوز لان الشرط من اجزاء العلة فيستحيل ان يوجد الشئ بدونه، الا ان يكون المراد من لفظ الامر، الامر ببعض مراتبه وهو مرتبة الانشاء، ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الاخر وهو الفعلية، فيكون النزاع في ان امر الآمر يجوز انشائه مع علمه بانتفاء شرط فعليته، وعدم بلوغه تلك المرتبة فاذن لا اشكال في جوازه بل وقوع ذلك في الشرعيات والعرفيات: لان الامر الصوري إذا كان الداعي له الامتحان أو نحوه لا البعث والتحريك حقيقة واقع في العرف والشرع. واورد عليه المحقق الاصفهانى (ره) بانه لا يجوز الامر بشئ مع العلم بانتفاء شرط الفعلية، إذ الانشاء بداع البعث مع العلم بانتفاء شرط الفعلية غير معقول للغوية وبداع آخر لا يترقب منه البلوغ الى مرتبة البعث الجدى، فلا مورد لدعوى العلم بانتفاء شرطها، ولا يدخل في العنوان، وبلا داع محال. وافاد المحقق النائيني (ره) ان هذه المسألة باطلة من اصلها لا في القضية الحقيقية

[ 94 ]

ولا في القضية الخارجية، اما في الاولى فلان فعلية الحكم فيها منوطة بالموجود الخارجي ويستحيل تخلفها عنه وعلم الآمر بوجوده أو بعدمه اجبني عن ذلك، واما في الثانية فلان الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم وهو تمام العلة له، والوجود الخارجي و عدمه اجنبيان عن الحكم فلا معنى للبحث عن الجواز المزبور. وملخص القول في المقام انه حيث يكون لكل حكم مرتبتان، مرتبة الجعل، و مرتبة المجعول فيقع الكلام، تارة في شرائط الجعل واخرى في شرائط المجعول. اما الكلام في الاولى: فبما ان الجعل فعل اختياري للمولى وكل فعل اختياري مسبوق بالارادة بما لها من المقدمات فانتفاء الجعل بانتفاء شرطه من الواضحات، ولم ينقل النزاع فيه عن احد، إذ بديهى ان جعل الحكم معلول للارادة ومباديها ومشروط بها، واستحالة وجود المعلول بدون وجود علته التامة ظاهرة. فجعل المحقق الخراساني ذلك محل الكلام غير سديد، كما ان ما ذكره من الجواز إذا لم يكن الامر بداعي البعث والتحريك بل كان بداعي الامتحان ونحوه، غير مربوط بما هو محل الكلام، لان محل البحث في الجواز وعدمه هو الاوامر الحقيقية، والا ففى الاوامر الصورية التى ليس الداعي فيها البعث فلا اشكال ولا كلام في جوازه. واما في الثانية: أي شرائط المجعول ففى خصوص القدرة من تلك الشرائط على القول بدخلها في الفعلية لا في التنجز، يكون المخالف هو الاشاعرة فانهم التزموا بجواز الامر بغير المقدور، واما في غيرها فحيث عرفت في بحث الواجب المطلق والمشروط ان كل قيد اخذ مفروض الوجود في مقام الجعل يستحيل فعلية الحكم بدون فعليته ووجوده في الخارج. فان اريد من الامر هو الحكم الفعلى، فامتناعه واضح لانه يرجع الى فعلية الحكم مع عدم فعلية موضوعه. وان كان المراد منه هو الانشاء والجعل كما هو الظاهر، فالظاهر هو التفصيل بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية، والالتزام بعدم الامكان في الاولى والامكان في الثانية. اما عدم الامكان في الاولى فلانه في القضايا الخارجية انما يجعل الحكم على

[ 95 ]

الموضوع الموجود الخارجي، فمع فرض العلم بانتفاء الموضوع، لا يعقل الحكم عليه بنحو القضية الخارجية. واما الامكان في الثانية فلان القضية الحقيقية عبارة عن جعل الحكم على الموضوع المقدر وجوده، وهذا لا ينافى عدم تحقق الموضوع خارجا الى الابد، فانه حكم على تقدير وجود الموضوع. نعم، يعتبر في صحته ان يترتب على مثل هذا الجعل اثر، والا يلزم اللغوية، ويكفى في الخروج عن ذلك ما إذا فرضنا ان الجعل بنفسه يمنع عن تحقق الموضوع، ويتصور ذلك في الاحكام المجعولة قصاصا، ونحوها: مثلا إذا فرضنا ان جعل القصاص المترتب على القتل العمدي اوجب عدم تحقق القتل في الخارج، أو وجوب الحد للزاني، اوجب، عدم تحقق الزنا في الخارج، وما شاكل ذلك ومن المعلوم انه مضافا الى انه لا مانع من مثل هذا الجعل تقتضيه المصلحة العامة. نعم، إذا فرضنا ان امتناع الشرط لم يكن مستندا الى الجعل بل كان من ناحية اخرى، كما إذا امر بشئ على تقدير الصعود الى السماء يكون ذلك لغوا وصدوره من الحكيم محال، وحيث ان محل الكلام هي القضايا الحقيقية، فصح ان يقال انه يجوز امر الآمر بشئ مع علمه بانتفاء شرطه، والحكم بعدم الجواز نشأ من الخلط بين القضايا الخارجية والحقيقية. وبذلك يندفع ايراد المحقق الاصفهانى (ره) بان الانشاء بداعي البعث مع العلم بانتفاء شرطه غير معقول للغوية: لما عرفت من عدم لزوم اللغوية لو كان انتفاء الشرط مستندا الى الجعل وهو الذى اوجب عدم تحققه في الخارج. كما انه ظهر مافى كلمات المحقق النائيني (ره) إذ النزاع في المسألة ليس في دخل علم الآمر بوجود الموضوع، أو بعدم وجوده في فعلية الحكم ليتم ما افاده، بل النزاع في ان جعل الحكم في القضية الحقيقية للموضوع المقدر وجوده مع علم الجاعل بعدم تحقق الموضوع في الخارج هل يجوز ام لا ؟ وقد عرفت ان هذا النزاع معقول، نعم، في بعض موارده يكون الجعل لغوا، - وبعبارة اخرى - ان النزاع ليس في فعلية الحكم مع علم الحاكم بانتفاء موضوعه خارجا بل انما هو في جواز اصل جعل الحكم

[ 96 ]

وقد يقال بترتب ثمرة على هذه المسألة، وهى انه على القول بجواز الامر بشئ مع العلم بانتفاء شرطه، تجب الكفارة على من افطر في نهار شهر رمضان مع عدم تمامية شرائط وجوب الصوم له الى الليل، كما إذا افطر اولا ثم سافر، أو وجد مانع آخر من الصوم كالمرض أو نحوه، فانه مامور حينئذ بالصوم فيشمله ما دل على وجوب الكفارة على الصائم إذا افطر ولا تجب الكفارة بناءا على عدم جواز الامر مع انتفاء شرطه عليه حينئذ. وفيه: ان المعنى المعقول لما هو محل الكلام غير مرتبط بما ذكر، بل وجوب الكفارة في المثال وعدمه مبنيان على ان الموضوع له، هل هو الافطار في زمان يجب عليه الامساك ولو لم يكن صوما، فيجب الكفارة لو افطر، ام يكون هو الافطار في حال كونه صائما حقيقة فلا تجب. والظاهر انه الى ذلك نظر الاستاذ حيث قال ان وجوب الكفارة مترتب على الافطار العمدي في نهار شهر رمضان بلا عذر مسوغ له سواء أطرأ عليه مانع من الصوم بعد ذلك ام لم يطرأ، ولكن لم افهم مراده من قوله وذلك لاطلاق الروايات الدالة عليه، فان كان نظره الى روايات الكفارة فهى مختصة بالافطار حال كونه صائما، وان كان الى غيرها فلم يصل الينا رواية فضلا عن الروايات. واما ما افاده المحقق النائيني (ره) من ابتناء وجوب الكفارة في هذا الفرض على ان وجوب الصوم، هل ينحل الى تكاليف متعددة بتعدد الانات، أو هو تكليف واحد مشروط بشرط متاخر وهو بقاء شرائط الوجوب الى المغرب، وعلى الثاني فهل لنا تكليف آخر بامساك بعض اليوم في خصوص ما إذا ارتفع شرط الوجوب بالاختيار أو مطلقا، ام لا ؟ فهو ليس مبنى هذه المسألة بل هو مبنى وجوب الامساك قبل طرو المانع و عدمه. هل الاوامر متعلقة بالطبايع أو الافراد الفصل السابع: في ان الاوامر هل هي متعلقة بالطبايع أو الافراد، وحيث ان

[ 97 ]

هذا النزاع بظاهره لا معنى له إذ لا يتوهم احد تعلق الامر بالموجود الخارجي لانه مسقط للامر فلا يعقل تعلقه به، ولا تعلق الامر بالطبيعة الصرفة ومن حيث هي مع قطع النظر عن حيثية انطباقها على الموجود الخارجي، فلا بد لنا من تحرير محل النزاع في المقام اولا ثم بيان ما هو الحق فيه ثانيا. فاقول: ان محل النزاع يمكن ان يكون احد امور: احدها: ان المتعلق هو وجود الطبيعي أو الفرد، ويكون هذا النزاع مبتنيا على مسألة امكان وجود الطبيعي في الخارج، وامتناعه، فمن يقول بتعلق التكليف بالفرد، انما يكون قائلا بامتناع وجود الطبيعي في الخارج ففرارا عن تعلق التكليف بغير المقدور، يلتزم بتعلقه بالفرد، ولا يكون لازم قوله دخول لوازم التشخص في المكلف به. ولازم القول بتعلق التكليف بالفرد كون التخيير شرعيا دائما بخلاف تعلقه بالطبيعة فانه يستلزم كون التخيير عقليا. فما ينقله المحقق النائيني (ره) عن بعض الاساطين من تفسير تعلق الامر بالافراد بانكار التخيير العقلي بين الافراد الطولية والعرضية، وان التخيير بينها يكون شرعيا دائما بخلاف تعلقه بالطبيعة فانه يكون عقليا يكون نظره الى ذلك. ولا يرد عليه ما اورده المحقق النائيني (ره) من استبعاد احتياج تعلق الطلب بشئ الى تقدير كلمة أو بمقدار افراده العرضية والطولية، مع عدم تناهيها غالبا، مضافا الى ان وجود التخيير العقلي في الجملة مما تسالم عليه الجميع ظاهرا: فانه يندفع بانه انما يدعى ان متعلق التكليف في الواقع هو الافراد، والا ففى ظاهر الدليل اخذت الطبيعة في المتعلق مشيرا الى الافراد فالتخيير العقلي بلحاظ ظاهر الدليل في قبال ما صرح به في لسان الدليل فتدبر. ثانيها: ان المتعلق هو الوجود، أو الماهية ويكون النزاع حينئذ مبنيا على مسألة فلسفية اخرى من ان الاصل في التحقق هو الوجود أو الماهية، فمن جعله الوجود قال بتعلق التكليف به، وهو المراد بتعلقه بالفرد، ومن جعله الماهية قال بتعلق التكليف بالماهية والطبيعة، والمحقق الاصفهانى (ره) يقول ان ظنى ان المراد بتعلق الامر بالطبيعة أو الفرد

[ 98 ]

يكون احد هذين الوجهين، وايضا يقول ولعل ذهاب المشهور الى تعلق الامر بالطبيعة لذهاب المشهور من الحكماء والمتكلمين الى اصالة الماهية وتعلق الجعل بها. ثالثها: ان متعلق الطلب هل هو صرف وجود الطبيعة العارى عن جميع الامور التى لا تنفك عن الوجود خارجا كالاعراض الملازمة مع الوجود الجوهرى التى يطلق عليها المشخصات بضرب من المسامحة والعناية، والا فالتشخص انما يكون بالوجود، ولذا قالوا الشئ ما لم يوجد لم يتشخص، ام يكون المتعلق تلك المشخصات ايضا، ولا يكون الامر واقفا على نفس الوجود السعي - وبعبارة اخرى - يكون النزاع في ان الامر بالشئ، هل يكون امرا بما لا ينفك في الوجود عنه، ام لا ؟ وقد اختار المحققان الخراساني والنائيني ان محل النزاع ذلك. وقد اورد على كون المتعلق هو الوجود، سواء أكان هو وجود الطبيعة أو الفرد، بان الوجود الخارجي مسقط للامر وعلة لعدمه، فلا يعقل ان يكون معروضا له، فان المعروض مقتض لعارضه، لا انه علة لعدمه، مع انه يلزم طلب الحاصل، اضف إليه ان كثيرا ما يكون الطلب والتكليف موجودا، ولا يوجد ذلك الشئ في الخارج فكيف يكون متعلقا به، وبعبارة اخرى - يلزم بقاء العارض بلا معروض، بل الامر والتكليف يكون موجودا قبل وجود متعلقه، وهو معلول له فكيف يكون معروضه. واجاب عنه المحقق الخراساني في الكفاية، بان معنى تعلقه بالوجود، ان الطالب يريد صدور الوجود من العبد وجعله بسيطا الذى هو مفاد كان التامة وافاضته. ويرد عليه ان المحقق في محله، ان الايجاد والوجود متحدان ذاتا، والتغاير بينهما اعتباري، فإذا امتنع تعلقه بالوجود امتنع تعلقه بالايجاد. واجاب عنه بعض المحققين بان المراد ان الطلب يتعلق بالطبيعة وقد جعل وجودها غاية لطلبها. واورد عليه في الكفاية بان الطبيعة بما هي هي ليست الا هي لا يعقل ان يتعلق بها الطلب لتوجد أو تترك، وانه لابد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود، أو العدم معها. ولكن يرد على ما في الكفاية ان كون الطبيعة من حيث هي خالية عن جميع

[ 99 ]

الاوصاف، كما لا ينافى حمل موجودة، أو معدومة عليها بالحمل الشايع، كذلك لا ينافى عروض وصف المطلوبية لها، فلا منافاة بين كون الصلاة في حد ذاتها لا مطلوبة ولا غير مطلوبة، وبلحاظ تعلق الطلب بها مطلوبة. وحق القول في الجواب عن ذلك وعن اصل الايراد ان متعلق الغرض و ما فيه المصلحة بما انه هو الوجود، لا الطبيعة من حيث هي، فليست هي متعلقة الامر والشوق، وحيث ان الامر والشوق لا يتعلقان، بما هو الموجود من جميع الجهات كمالا يخفى فلا يتعلقان به، فلا محالة يتعلقان بالطبيعة الملحوظة بما انها خارجية بمعنى انها تلاحظ فانية في الخارج ومرآتا وآلة له، بحيث لا يلتفت الى مغايرتها للخارج، ولا يرى في هذا اللحاظ سوى الموجود الخارجي الذى هو منشأ انتزاعها. وان شئت قلت ان الشوق كالعلم لا يتشخص الا بمتعلقه، ولكن طبيعة الشوق من الطبايع التى لا تتعلق الا بما له جهة فقدان وجهة وجدان، إذ لو كان موجودا من كل جهة كان طلبه تحصيلا للحاصل، ولو كان مفقودا من كل جهة لم يكن طرف يتقوم به، فلو كان متعلقه موجودا من حيث حضوره للنفس، ومفقودا من حيث الوجود الخارجي، يرتفع جميع المحاذير، فان العقل لقوته يلاحظ الموجود الخارجي فيشتاق إليه، فالموجود بالفرض والتقدير، مقوم للشوق، لا بما هو هو، بل بما هو آلة لملاحظة الموجود الخارجي، والشوق يوجب خروجه من حد الفرض الى الفعلية والتحقق، وهذا هو المراد من تعلق الشوق، والامر، بوجود الطبيعة، فلا يرد عليه شئ مما ذكر. وحيث ان النزاع على الوجهين الاولين، لا يترتب عليه ثمرة فالصفح عنه اولى. واما على الوجه الاخير: فان كان مدعى تعلق الطلب بالافراد، يدعى تعلق طلب مستقل بالخصوصيات غير ما تعلق بصرف وجود الطبيعة، فهو بديهى البطلان، وان كان يدعى تعلق طلب قهرى ناش عن تعلقه بما فيه المصلحة. فالقول: بتعلقه بالافراد يبتنى على احد المسلكين: 1 - القول بوجوب مقدمة الواجب، وكون الخصوصيات الفردية من مقدمات وجود الطبيعة، فانه حينئذ يصح تعلق الطلب القهري المقدمى بالافراد. 2 - اتحاد المتلازمين في الوجود، في الحكم، فان الطبيعة

[ 100 ]

لا يمكن ان يوجد الا في ضمن الافراد فالامر بالطبيعة امر بها على هذا. وحيث عرفت في مبحث الضد، ان الخصوصيات ليست من مقدمات وجود الطبيعة المطلوبة بل من ملازمات وجوده، وايضا عرفت انه لا ملزم لاتحاد المتلازمين في الحكم، بل يمكن ان يكون احدهما محكوما بحكم، ولا يكون الاخر محكوما به، كما في استدبار الجدى، واستقبال القبلة في العراق مثلا، فالامر بصرف وجود الطبيعة، لا يستلزم الامر بالافراد، ولا بالحصص المقارنة لها، فمتعلق الامر هو الطبيعة على ما هو ظاهر الدليل، دون الافراد. وهذا النزاع يترتب عليه ثمرة في مبحث اجتماع الامر والنهى، كما سيمر عليك. هل يبقى الجواز بعد نسخ الوجوب الفصل الثامن: إذا نسخ الوجوب ففيه اقوال: احدها: انه يثبت الجواز بالمعنى الاعم. ثانيها: انه يثبت الاستحباب. ثالثها: انه لا يثبت شئ منهما. والكلام تارة فيما تقتضيه الادلة الاجتهادية واخرى في مقتضى الاصول العملية اما الاول، فالاظهر انه لادليل على شئ من القولين الاولين، لان ما يتوهم دلالته لا يخلو من ان يكون دليل الناسخ أو دليل المنسوخ وشئ منهما لا يدل عليه، أي لا يدل على الجواز، ولا على الاستحباب، اما دليل الناسخ فلانه انما يكون متضمنا لرفع الوجوب، وعدم الوجوب يلائم مع كل واحد من الاحكام الاربعة الاخر، ولازم اعم للجواز و دليل اللازم الاعم لا يثبت الملزوم الاخص، واما دليل المنسوخ فانه دل على ثبوت الوجوب وقد نسخ ولم يدل على شئ آخر. وقد استدل للاول بانه يثبت بدليل المنسوخ امران: احدهما: جنس الوجوب و هو الجواز، والاخر فصله وهو المنع من الترك، والقدر المتيقن مما يرفعه دليل الناسخ هو الفصل وبقاء الجنس متفصلا بفصل آخر حيث يكون ممكنا في تبدل الصور في الموجودات الجوهرية، وفى مقام الاثبات دلالة دليل المنسوخ على بقائه تامة، والمتيقن

[ 101 ]

من دليل الناسخ رفع غيره كما عرفت، فلا مناص عن الالتزام به. وفيه اولا: انه لو تم هذا الوجه لزم الحكم ببقاء الرجحان الجامع بين الوجوب والاستحباب، إذ هو الجنس القريب، والجواز جنس بعيد فتأمل فانه يرده ما سيأتي: وثانيا: ان ما ذكر من بقاء الجنس والمادة المشتركة بعد انعدام صورة الشئ كالكلب الذى يصير ملحا، يتم في الجواهر التى لها اجزاء خارجية، ولا يتم في الاعراض التى ليس لها الااجزاء تحليلية عقلية، فضلا عن مثل الاحكام التى هي بسائط من جميع الجهات، وليس لها اجزاء خارجية ولا عقلية كما لا يخفى. واستدل للقول الثاني وهو ثبوت الاستحباب بانه حيث يكون للوجوب مراتب عديدة، وهى: الجواز، والرجحان، والالزام، ورفعه كما يمكن ان يكون برفع الجواز، يمكن ان يكون برفع الرجحان مع بقاء الجواز، ورفع الالزام مع بقاء الرجحان وفى مقام الاثبات لا دليل على رفع مرتبة خاصة منها فلا بد من الاخذ بالمتيقن، وهو رفع الالزام خاصة، وفيما عداه يؤخذ بدليل المنسوخ ويحكم باستحباب الفعل، وان شئت قلت ان المقام نظير ما إذا ورد امر بشئ ورد دليل آخر صريح في عدم الوجوب، فكما انه في ذلك المورد بناء الفقهاء على حمل الظاهر على النص، والجمع بينهما بالحمل على الاستحباب، فكذلك في المقام إذ لا فرق بينهما الا ان في ذلك المورد دليل نفى الوجوب ينفيه من الاول، وفى المقام ينفيه بعد مضى زمان ومجرد ذلك لا يوجب الفرق في هذا الجمع العرفي كما لا يخفى، وعلى ذلك فيتعين البناء على الاستحباب. وفيه: ان الفرق بين البابين واضح حيث انه في ذلك الباب انما يجمع بين الدليلين إذا لم يتعرض دليل نفى الوجوب أي الصريح في جواز الترك لحال الطلب، ولا ينفيه، بل انما يرخص في ترك المطلوب، ولذلك يبنى على الاستحباب الذى لا حقيقة له سوى ذلك، أي ينتزع من الامر بشئ مع الترخيص في تركه، واما في المقام فالمفروض ان دليل الناسخ متعرض لحال دليل المنسوخ، ويدل على ارتفاع ما تضمنه ذلك الدليل وهو الطلب، فلا وجه لقياس احد البابين بالاخر، واما القول بان المتيقن منه رفع خصوص الالزام فالجواب عنه ما تقدم في الجواب عن القول الاول، مضافا الى ان خصوصية

[ 102 ]

الالزام ليست مدلولة للامر كى يمكن القول بان المتيقن من رفع الوجوب رفع تلك الخصوصية وبقاء الجامع كما حققناه في مبحث الانشاء والاخبار. واما المقام الثاني: وهو ما تقتضيه الاصول العملية فقد يقال ان الثابت بدليل المنسوخ الوجوب، والرجحان لان الواجب راجع، والجواز، والمتيقن ارتفاعه هو الوجوب واما الجواز، والرجحان فيشك في ارتفاعه فيستصحب بقائه. وفيه: ان هذا الاستصحاب يكون من قبيل استصحاب الكلى القسم الثالث من اقسامه وهو ما لو شك في بقاء الكلى للشك في حدوث فرد مقارنا لزوال ما حدث يقينا، وقد حقق في محله عدم جريانه. ودعوى، ان الوجوب والاستحباب مرتبتان من الوجود الواحد متفاوتتان بالشدة والضعف، كالبياض الشديد والضعيف وفى مثل ذلك يجرى استصحاب الكلى. مندفعة بان ذلك يتم فيما إذا لم يكن المتفاوتان بالرتبة متباينين بنظر العرف، والوجوب والاستحباب كذلك فلا يجرى الاستصحاب في شئ منهما، فيتعين الرجوع الى اصالة البرائة وهى تقتضي الجواز. الواجب التخييري الفصل التاسع: في الواجب التخييري، وقد اختلف العلماء فيما إذا تعلق الامر باحد الشيئين أو الاشياء الى عدة آراء ومذاهب: الاول: ان الواجب هو واقع احدهما أو احد الاشياء على وجه الابهام والترديد الذى لا تعين له في الواقع وهو الذى اختاره المحقق النائيني (ره). المذهب الثاني: ان الواجب هو الجامع الحقيقي بين الفعلين أو الافعال، ويكون التخيير قد صدر من الشارع بنحو الارشاد الى افراد الواجب التعييني الذى تعلق به غرضه وخفيت على المكلفين افراده، فيكون انشاء التكليف به بصورة التخيير بين امور متباينة كى يستفاد منه حدود الواجب اجمالا اختاره المحقق الخراساني (ره) فيما إذا كان

[ 103 ]

الغرض واحدا. المذهب الثالث: كون جميع الابدال واجبا والالتزام بان للوجوب سنخا آخر غير التعييني يتعلق بما زاد عن الفعل الواحد ويكون امتثاله باتيان بعض الابدال أو جميعها وعصيانه بترك الجميع وهو الوجوب التخييري، والظاهر ان المحقق الخراساني اختار ذلك فيما علم كون الغرض متعددا لا يكاد يحصل الغرض مع حصول الغرض في الاخر باتيانه - وبعبارة اخرى - كون الاغراض متزاحمة لا يمكن جمعها في الوجود الخارجي و لاجله تقع المزاحمة بين الامور. المذهب الرابع: كون كل واحد من الفعلين واجبا بالوجوب التعييني ولكن المتعلق في كل منهما مشروط بعدم الاتيان بالاخر، ويتصور ذلك فيما كان الغرضان متزاحمين كما في الوجه السابق، أو ان المولى ارفاقا وتسهيلا على المكلفين لم يوجب الجمع بين الغرضين. المذهب الخامس: ان يكون الواجب هو الواحد من الفعلين أو الافعال معينا و هو الذى يعلم الله تعالى ان العبد يختاره. المذهب السادس: كون الواجب هو الواحد المعين عند الله ويكون اتيان الاخر من باب اسقاط المباح للواجب. المذهب السابع: ان الواجب هو الجامع الانتزاعي وهو مفهوم احدهما أو احدها الصادق على كل منهما أو من الافعال. وقد استدل المحقق الخراساني لما ذهب إليه فيما كان الغرض واحدا، بوضوح ان الواحد لا يصدر من اثنين بما هما اثنان ما لم يكن جامع بينهما لاعتبار نحو من السنخية بين العلة والمعلول وعليه فجعلهما متعلقين للخطاب الشرعي لبيان ان الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين فيكون التخيير بينهما بحسب الواقع عقليا لا شرعيا. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان متعلق التكليف لا بد وان يكون مما يفهمه العرف كى يمتثله فالجامع الملاكى المستكشف تحققه بالبرهان لا يكفى في جواز تعلق التكليف به.

[ 104 ]

ولكن يمكن الجواب عنه بان ذلك يتم إذا لم ينبه الشارع على مصاديقه، وتعلق الامر في ظاهر الدليل بافراد ذلك الجامع انما هو ليستفاد منه حدود ذلك الواجب اجمالا، ولذا التزم بان التخيير وان كان بحسب ظاهر الدليل شرعيا الا انه بحسب اللب والواقع عقلي، وعلى الجملة إذا تم البرهان المذكور كان اللازم هو تعلق الارادة بنفس النوع الجامع بين تلك الافراد لانه المشتمل على الملاك وكانت الخصوصيات خارجة عن مركز الارادة ولكن حيث ان العرف لا يفهم ذلك الجامع امر المولى بالافراد ارشادا الى كونها افرادا للنوع الذى تعلق به الارادة. والمهم في الايراد على المحقق الخراساني (ره) انه لا طريق لنا الى استكشاف كون الملاك واحدا وظاهر الدليل خلافه لتعلق الامر على الفرض بالخصوصيات. اضف الى ذلك عدم تمامية البرهان المذكور في الواحد النوعى الا ترى انه ربما يحصل الحرارة من الحركة وآخر تحصل من النار، والاول من قسم العرض، والثانى من الجواهر، ولا يعقل تصور الجامع بين الجوهر والعرض، وتمام الكلام في محله. واما المذهب الثالث: فهو بظاهره بين الفساد، إذ حقيقة الوجوب لا تجتمع مع جواز الترك ولو جوازا في الجملة والى بدل، الا ان يرفع اليد عن الوجوب في تلك الحالة فلا يكون وجوب كل من الافراد مطلقا، بل يكون مشروطا بعدم الاتيان بالاخر، فلا بد من اصلاحه بان المراد انه بعد تزاحم الملاكين في الامر باحد الشيئين، أو عدم وجوب الجمع بينهما تقع المزاحمة بين الامرين فيكون كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر. فيرجع هذا القول الى القول الرابع، ويرد عليه حينئذ ان ذلك مناف لظاهر ادلة الواجب التخييري حيث ان الظاهر منها كون الواجب واحدا لا متعددا. مع ان الغرضين غير الممكن استيفائهما ان كانا بحيث لا يمكن استيفائهما حتى مع تقارن الفعلين، فلازمه عدم تحقق الامتثال لو اتى بهما معا، إذ الغرضان لا يستوفيان على الفرض واحد هما دون الاخر لا يستوفى والا لزم الترجيح بلا مرجح، فلا محالة لا يستوفى شئ منهما، فلا يسقط التكليف، وان كانا بحيث يمكن استيفائهما معا مع التقارن، فلازمه كون كل منهما واجبا تعينييا ولزوم ايجادهما معا إذا كان الجمع بينهما

[ 105 ]

ممكنا للمكلف كما هو واضح. اضف إليه ان فرض وجود غرضين كذلك لعله ملحق بانياب الاغوال. هذا كله مضافا الى ان مثل المحقق الخراساني ليس له الالتزام بهذا القول، لانه ممن يرى استحالة الترتب، وصحة التكليفين المشروط كل منهما بعدم الاتيان بالاخر تبتنى على امكان الترتب فانه من قبيل الترتب من الطرفين الذى مر امكانه عندنا. ثم انه لو فرضنا وجود غرضين كذلك لكان المتعين هو الالتزام بكون كل من الفعلين متعلقا لتكليف مشروط بعدم الاتيان بالاخر بناءا على امكان الترتب لتبعية الحكم للملاك والغرض. ودعوى ان الملاكين على الفرض يتزاحمان في الملاكية ومعلوم ان الملاك المزاحم بملاك آخر لا يصلح ان يكون داعيا الى التكليف، فلا مناص من كون احد الملاكين على البدل ملاكا فعليا وقابلا للدعوة فتكون النتيجة خطابا واحدا باحد الشيئين لا خطابين مشروطين. مندفعة بانه في المقام لا تزاحم بين الملاكين في الملاكية لعدم المانع من الجعلين سوى عدم امكان استيفائهما في الخارج. واما المذهب الخامس: فيرد عليه مضافا الى كونه خلاف ظاهر الادلة الدالة على الوجوب التخييري، ومنا فانه للاشتراك في التكليف، انه في فرض عدم الاتيان بشئ من الفعلين ان لم يكن التكليف متحققا فلا عصيان ولا عقاب، والالتزام بوجود تكليف الزامي لا عقاب على مخالفته ولا تحقق له في فرض عصيانه كما ترى، وان كان متحققا فيسئل انه متعلق باى شئ فلا مناص من الالتزام باحد المسالك الاخر. واما المسلك السادس: ففساده غنى عن البيان. فيدور الامر بين القول الاول، وهو كون الواجب واقع احدهما، أو أحد الاشياء على وجه الابهام والترديد، والاخير، وهو كون الواجب هو الجامع الانتزاعي. اما الاول: فقد افاد المحقق النائيني (ره) في توجيهه انه حيث يكون ظاهر العطف بكلمة أو كون الغرض المترتب على كل من الفعلين أو الافعال المأخوذة في متعلق

[ 106 ]

التكليف في التخييري امرا واحدا مترتبا على واحد من الفعلين أو الافعال على البدل، فلا بد وان يتعلق طلب المولى باحدها على البدل ايضا لعدم الترجيح وليس هنا ما يتوهم كونه مانعا عن تعلق الطلب بشيئين أو الاشياء كذلك لا ثبوتا ولا اثباتا، الا امتناع تعلق الارادة بالمبهم، والمردد، وهو لا يصلح مانعا: فان عدم تعلق الارادة التكوينية غير المنفكة عن المراد الموجود بها، لا يعقل تعلقها بالمردد، لانها علة لايجاد المراد، ولا يعقل تعلقها الا بالشخص، لمساوقة الوجود للتشخص والتعين، الا ان ذلك من لوازم تكوينية الارادة، لا الارادة نفسها، ومعلوم ان كل قيد اعتبر في الارادة التكوينية بما انها ارادة، لا بد وان يكون قيدا للتشريعية ايضا، واما ما يعتبر فيها بما انها تكوينية فلا يعتبر في التشريعية، وكذلك العكس، مثلا تنقسم الارادة التشريعية الى تعبدية، وتوصلية باعتبار سقوطها باتيان المتعلق وان لم يقصد به التقرب، وعدمه الا مع الاتيان بقصد التقرب، و هذا من خواص الارادة التشريعية التى تتعلق بفعل الغير، ولا يعم الارادة التكوينية بالضرورة، وكذلك يمكن تعلق الارادة التشريعية بالكلى الملغى عنه الخصوصيات الفردية، والصنفية، بل هي كذلك دائما، وهذا بخلاف الارادة التكوينية، فانها لاجل كونها علة لايجاد المراد لا تتعلق الا بالشخص، وعليه فالظاهر ان امتناع تعلق الارادة التكوينية بالمردد وماله بدل من لوازمها خاصة، ولا يعم الارادة التشريعية. ويرد على ما افاده امور: 1 - ان الارادة تكوينية كانت أو تشريعية لا يعقل تعلقها بالامر المتشخص بالوجود، فان من مبادى الارادة تصور الفعل المراد، وشخص الفعل الخارجي لا يعقل تصوره قبل تشخصه، بل النفس تأخذ صور الاشياء من الخارج ثم توجد في الخارج على منوالها، وتلك الصورة وان كانت من جهة كثرة القيود المأخوذة فيها لا مصداق فعلى لها، سوى الشخص الموجود الخارجي، الا انها ليست بشخصية، بل كلية، وعلى الجملة ان النفس انما ترغب في الشئ وتريده وتشتاق إليه حيث لا تكون موجودا في الخارج، فإذا وجد امتنع تعلق الارادة به، فإذا ثبت ان متعلق الارادة لابد وان يكون غير موجود، فيلزم كونه امرا كليا، وان انحصر مصداقه في الخارج في الواحد.

[ 107 ]

2 - ان الارادة لا تتعلق بفعل من الافعال الا بلحاظ اشتماله على المصلحة، فلا محالة يكون موضوع تلك المصلحة شيئا متعينا في نفسه قابلا لان يتشخص في الخارج بوجوده، ومفهوم احدهما المردد، لا ذات له ولا وجود، ولا تحقق، وكل ما وجد لا محالة يكون معينا، فيمتنع ان يكون موضوعا لتلك المصلحة. 3 - ان الارادة التشريعية انما تكون محركة نحو الفعل، وموجبة للارادة التكوينية، وللعضلات، فإذا فرض المحقق النائيني وسلم ان الارادة التكوينية لا تتعلق بالمردد، فلا يعقل تعلق الارادة التشريعية به، وهل هو الا التكليف بغير المقدور. فالاظهر هو القول الاخير، وهو كون المتعلق الكلى الانتزاعي وهو عنوان احدها، ولا مانع من تعلق التكليف بالامور الانتزاعية إذا كان منشأ انتزاعها بيد المكلف، ومن المعلوم ان هذا العنوان الانتزاعي قابل للانطباق على كل فرد من افراد الواجب التخييري، وان شئت توضيح ذلك، فهو يظهر ببيان مقدمتين: الاولى: انه يمكن تعلق صفة حقيقية كالعلم باحد الامرين أو الامور، ويكون هذا العنوان معلوما، مثلا إذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الشيئين، واحتملنا نجاسة الاخر، و كانا في الواقع نجسين، فحيث ان نسبة العلم الاجمالي الى كل منهما على حد سواء فلا يكون المعلوم بالاجمال احدهما المعين، وليست النجاستين الواقعيتين متعلقتين للعلم على الفرض ولا يكون المعلوم النجاسة الكلية الجامعة لفرض العلم باحدى الخصوصيتين فلا محالة يكون المتعلق احدى النجاستين على نحو الاهمال والتردد، فإذا امكن تعلق الصفات الحقيقية بعنوان احدهما، فتعلق الامور الاعتبارية به لا يحتاج الى بيان. الثانية: ان التكليف لا بد وان يتعلق بما فيه المصلحة، بالتقريب المتقدم في تعلق الامر بالافراد لا بالطبيعة. فعلى هذا في المقام بما ان كلا من الفعلين يفى بالغرض الباعث الى الامر وجعل الوجوب، فلا محالة يلاحظ المولى عنوان احد الفعلين ويامر به فانيا في الخارج ولا ادعى ان الواجب هو احدهما المردد الذى لا ذات له ولا وجود، بل عنوان احدهما

[ 108 ]

الذى هو كلى انتزاعي قابل للانطباق على كل واحد من الوجودين المنطبق على اول الوجودين. فعلى هذا الفرق بين التخيير الشرعي والتخيير العقلي، اعتباري محض إذ لو كان متعلق التكليف هو الجامع الحقيقي يسمى ذلك بالتخيير العقلي ولو كان هو الجامع الانتزاعي يسمى بالتخيير الشرعي. وبما ذكرناه ظهر انه لا يقاس الارادة التشريعية بالارادة التكوينية إذ في الثانية الارادة علة للوجود الخارجي وهو معين ولا يعقل ان يكون هو عنوان احدهما، وفى الاولى الارادة تكون علة للبعث الذى يمكن تعلقه بعنوان احدهما. فتحصل مما ذكرناه ان في الواجب التخييري الواجب انما هو عنوان احدهما أو احدها فانيا في الخارج القابل للانطباق على كل واحد من الفعلين أو الافعال ولا يرد عليه شئ من المحاذير المذكورة. التخيير بين الاقل والاكثر بقى الكلام في انه، هل يمكن التخيير بين الاقل والاكثر، ام لا ؟ وجهان. محل الاشكال هو ما إذا كان نفس الفعل المتعلق للتكليف مرددا بين الاقل والاكثر وكان للاقل في ضمن الاكثر وجود مستقل، كما لو امر تخييرا بين التسبيحة الواحدة والتسبيحات الثلاث، أو امر تخييرا بين المشى فرسخا، أو فرسخين، أو رسم خط تدريجا مخيرا بين القصير والطويل. واما إذا لم يكن الفعل المتعلق للتكليف مرددا بين الاقل والاكثر، بل كان متعلقه كذلك كما إذا امر تخييرا بالاتيان بعصا طولها عشرة اذرع أو بعصا طولها خمسة اذرع، أو امر باكرام عشرة دفعة أو خمسة كذلك، أو لم يكن للاقل في ضمن الاكثر وجود مستقل كما إذا امر بالمسح بالكف أو باصبع واحدة، فلا اشكال اصلا بل الموردين من قبيل دوران الامر بين المتباينين.

[ 109 ]

وكيف كان فقد افاد المحقق الخراساني (ره) انه يمكن تصوير ذلك فيما إذا كان الاقل بحده محصلا للغرض الذى يحصله الاتيان بالاكثر - وبعبارة اخرى - يكون هناك غرض واحد وذلك الغرض يحصله الاكثر، والاقل بشرط عدم الانضمام لا الاقل مطلقا بل حصة خاصة منه ولا يفرق في ذلك بين ان يكون للاقل وجود مستقل في ضمن الاكثر كتسبيحة واحدة في ضمن ثلاث تسبيحات وان لا يكون له وجود مستقل كالخط القصير في ضمن الخط الطويل، وبكلمة اخرى ان التخيير انما يكون بين الاقل بشرط لا، والاقل بشرط شئ، أي بين الاقل بحده والاكثر كذلك، ووافقه المحقق النائيني (ره). وفيه اولا: ان التقييد بشرط لا لا يدفع المحذور الذى اورد على التخيير بينهما، و هو ان الاقل يوجد دائما قبل الاكثر فيسقط الواجب فلا يتصف الزايد بالواجب ابدا: إذ المحذور انما يرتفع إذا كان التباين خارجيا لا عقليا والتقييد به يوجب التباين العقلي لا الخارجي، - وبعبارة اخرى - بعد الاتيان بالاقل وتحققه ان كان الاتيان بالزايد واجبا كان الاكثر واجبا تعينيا، والا خرج عن كونه واجبا، ولا محصل للقول بانه ان اتى به يتصف بالوجوب واما قبله فلا وجوب فتدبر، نعم، لو قيد الاقل بقيد آخر، صح التخيير كما في القصر والاتمام لكنه خارج عن التخيير بين الاقل والاكثر بالبداهة. وثانيا: ان الالتزام بتقييد الاقل بذلك لا ريب في كونه خلاف ظاهر الادلة، و رجوعه، الى التخيير بين المتباينين لان الاقل بشرط لا يباين الاقل بشرط شئ والتصرف فيما ظاهره التخيير بين الاقل والاكثر بذلك، وحمله على خلاف ظاهره، ليس باولى من رفع اليد عن ظهور الامر بالاكثر وحمله على الاستحباب بل الثاني اولى كما لا يخفى. ثم انه قد انقدح مما قدمناه انه لا يمكن حل الاشكال بلحاظ فردية الاكثر كالاقل للطبيعة التى يترتب الغرض على صرف وجودها، لانه ان قيل الاقل الذى يتحقق قبل الاكثر (وان كان الاكثر بعد تحققه فردا واحدا لانه إذا لم يتخلل العدم بين نحو وجود الطبيعة يكون الشخص الموجود باقيا على تشخصه لا انه يتبدل تشخصاته) ببشرط لا من انضمام الزايد إليه فهو يرجع الى الوجه المتقدم، وان اخذ لا بشرط من الانضمام، كان الغرض مترتبا عليه كذلك، فهو بتحققه يحصل الغرض فيسقط الوجوب فلا امر بالزايد

[ 110 ]

فهذا الوجه الذى اساسه لحاظ فردية الاكثر للطبيعة كالاقل لا يفيد ما لم يقيد الاقل بعدم انضمامه الى ما يتقوم به الاكثر، ومعه يرجع الى الوجه الاول، الذى اساسه لحاظ ترتب الغرض على الاقل بشرط لا وعلى الاكثر، فالاظهر عدم معقولية التخيير بين الاقل والاكثر ولا يساعد الدليل على ذلك في مثل اذكار الركوع والسجود، والتسبيحة في الاخيرتين التى توهم انه في تلك الموارد يكون التخيير بين الاقل والاكثر، بل الظاهر منها ان الاقل واجب والزائد مطلوب استحبابا. الواجب الكفائي الفصل العاشر: في الواجب الكفائي، وللاصحاب في بيان حقيقته مسالك: الاول: كون الاختلاف بين الكفائي والعيني من ناحية الوجوب وهو الظاهر من الكفاية قال المحقق الخراساني (ره) والتحقيق انه سنخ من الوجوب وله تعلق بكل واحد بحيث لو اخل بامتثاله الكل لعوقبوا على مخالفته جميعا وان سقط عنهم لواتى به بعضهم وذلك لانه قضية ما إذا كان هناك غرض واحد حصل بفعل واحد صادر عن الكل أو البعض انتهى. ويرد عليه انه ليس للوجوب حقائق مختلفة بل سنخ الكفائي هو سنخ العينى. الثاني: كون الاختلاف بينهما من ناحية المكلف وهو الذى اختاره جمع من المحققين. منهم المحقق النائيني (ره) ومحصله انه كما ان الغرض من المأمور به، تارة يترتب على صرف وجود الطبيعة، واخرى على مطلق وجودها، والاول منهما يستتبع حكما واحدا متعلقا بصرف وجود الطبيعة ويكفى في امتثاله الاتيان بفرد واحد، وهذا بخلاف الثاني فان المجعول في المورد الثاني احكام عديدة حسب ما للطبيعة من الافراد، ولا يكتفى في مقام الامتثال بايجاد فرد منها، كذلك يختلف الغرض بالاضافة الى المكلف، إذ تارة يترتب على صدور الفعل من صرف وجود المكلف، واخرى يترتب على صدوره من مطلق وجوده، وعلى الثاني يكون الوجوب عينيا، لا يسقط بفعل واحد

[ 111 ]

منهم على الاخرين، وعلى الاول يكون الوجوب متوجها الى صرف وجود المكلف فبامتثال احد المكلفين يتحقق الفعل من صرف وجود الطبيعة، فيسقط الغرض، فلا يبقى مجال لامتثال. الباقين. ولكن يرد على ذلك ان تعلق التكليف بصرف وجود طبيعي الفعل والناقض للعدم، المنطبق على اول الوجودات، امر ممكن، واما كون المكلف هو صرف وجوده فمما لا اتعقله، إذ اول وجود المكلف هو اسن المكلفين، واول من قام بالفعل، لا يكون منطبق عنوان صرف وجود المكلف، إذ المكلف لابد وان يكون مفروض الثبوت قبل الفعل، ولا يتعلق التكليف بتحصيله. ودعوى كون المكلف هو الطبيعي الملحوظ بحيث لا يكون دخل لشئ من الخصوصيات فيه وهو المعبر عنه باللا بشرط القسمى، مندفعة بان الطبيعي مع قطع النظر عن وجوده غير مكلف، وبلحاظه بما انه موجود بوجودات متعددة، يقع الكلام في انه أي وجود من تلكم الوجودات يكون مكلفا. وقد يقال في بيان حقيقة الوجوب الكفائي انه عبارة عن الوجوب المتعلق بكلى المكلف بما هو، بدعوى ان الايجاب كالملكية من الامور الاعتبارية، فكما ان الملكية تقوم بالكلى، كما في تعلق ملكية الزكاة والخمس بطبيعى الفقير، والسيد، كذلك يتعلق الايجاب بالكلى، فمن قام بالفعل يتعين فيه الكلى الذى وجب عليه الفعل. وفيه: ان الايجاب بنفسه وان كان امرا اعتباريا قابلا لان يتعلق بالكلى، ولكن بما انه جعل للداعى ومحرك لارادة المكلف نحو الفعل، فلا محالة لا يعقل تعلقه بالكلى بما هو كلى بل بالمكلف بالحمل الشايع. الثالث: ان الاختلاف بينهما من ناحية المكلف به، وهو الذى اختاره المشهور، وهو الحق: بيانه ان الوجوب الكفائي متوجه الى جميع آحاد المكلفين، ومتعلق بالفعل، غاية الامر مع خصوصية يمتاز بها عن ما هو متعلق الوجوب التعييني، وهى اشتراطه بعدم الفعل من الاخرين فهناك خطابات عديدة بحسب ما للمكلفين من الافراد، وكل واحد منها مشروط بعدم اتيان الاخرين بالفعل، واورد عليه بايرادات:

[ 112 ]

الاول: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان الغرض حيث انه واحد ومترتب على صرف الوجود فيلزم ان يكون الخطاب واحد لانه يتبعه ويستحيل تخلفه عنه، والا لكان بلا داع وغرض وهو محال. وفيه: ان مثل هذا التعدد الذى لا يامر المولى باتيان الجميع ولا يريد الا صدور فعل واحد من احدهم، لا ينافى مع وحدة الغرض، - وبعبارة اخرى - ان الغرض وان كان واحدا الا انه لما كان يحصل بفعل كل واحد منهم، فليس للمولى الا الامر بالجميع بنحو يكون مطلوبه صدور الفعل من واحد منهم لا من الجميع وليس هو الا بهذا النحو. الثاني: ما افاده الاستاذ الاعظم، وهو ان الترك المفروض كونه شرطا، ان كان هو مطلق الترك ولو كان ذلك في برهة من الزمان قابلة للاتيان به فيها، فاللازم عند تحقق ذلك ان يجب على كل مكلف ان يأتي به ولو مع فرض اتيان غيره به، وان كان الشرط هو الترك في جميع الازمنة القابلة لتحقق الواجب فيها، فاللازم عند صدور الفعل من الجميع في عرض واحد ان لا يتحقق الامتثال منهم اصلا إذ المفروض عدم تحقق الشرط على هذا التقدير. وفيه: ان هناك شقا ثالثا، وهو ان يكون الشرط عدم اتيان غيره بالفعل قبل شروعه في ذلك، ولا يرد على هذا شئ من المحذورين كما لا يخفى. الثالث: انه مع عدم اتيان الجميع يلزم فعلية جميع الخطابات مع عدم امكان امتثال الجميع. وفيه: انه حيث يكون كل خطاب مشروطا بعدم اتيان الاخرين فلا يكون نتيجة فعلية جميع الخطابات طلب الجمع كما حقق في الترتب، مع ان المحذور لو كان في المقام فليس هو عدم امكان الامتثال إذ كل فرد قادر على الاتيان، بل المحذور ما افاده المحقق النائيني (ره) الذى عرفت ما فيه. ثم ان في المقام وجهين آخرين لوضوح فسادهما لا نطيل الكلام بذكرهما مع نقدهما مفصلا ونشير اليهما: احدهما: ان المكلف واحد معين عند الله ولكنه يسقط عنه بفعل غيره.

[ 113 ]

ويرده اولا انه لو كان كذلك لما كان الثواب على فعل غيره، وثانيا ان سقوط الواجب بفعل المباح يحتاج الى دليل ولا مجال لتوهم دلالة مادل على انه يسقط باتيان بعض افراد المكلفين لانه انما يكون من ناحية شمول التكليف له ولذا يثاب عليه، وثالثا انه غير معقول لان المفروض حينئذ انه كل واحدا من المكلفين يشك في كون التكليف متوجها إليه فيجرى البرائة فالمولى لا يصل الى غرضه بمثل هذا التكليف. ثانيهما: ان المكلف مجموع آحاد المكلفين من حيث المجموع. ويرده ان لازمه عدم الامتثال بفعل البعض، مع انه لوتم لاقتضى كون التكليف متوجها الى صرف وجود مجموع المكلفين لان بعض الواجبات الكفائية بل كلها غير قابل لان يصدر عن المجموع. فالمتحصل مما ذكرناه ان الواجب الكفائي، عبارة عن الفعل الواجب على عموم المكلفين على نحو العموم الاستغراقي، فيكون واجبا على كل واحد منهم على نحو السريان، غاية الامر وجوبه على كل فرد مشروط بعدم اتيان الاخرين به: ثم ان المحقق النائيني ذكر في المقام فرعا وهو انه إذا كان شخصان، متيممين، و وجدا ماءا يكفى لوضوء احدهما، فهل يبطل تيمم كل واحد منهما، ام لا يبطل شئ منهما، أو يبطل واحد منهما على البدل، لكل وجه، الا انه قوى الوجه الاول، وافاد ان في المقام امور ثلاثة: 1 - الامر بالوضوء 2 - الامر بالحيازة، أي حيازه الماء 3 - القدرة على الحيازة، قال لا اشكال في ان الامر بالوضوء مترتب على الحيازة الخارجية، و كون الماء في تصرفه، واما الامر بالحيازة فهو مشروط بعدم سبق الاخر الى حيازته، واما القدرة على الحيازة، فهى بالقياس الى كل منهما فعلية، لتمكن كل منهما لحيازة الماء، و عدم كفاية الماء الا لوضوء واحد، انما يكون منشئا لتحقق التزاحم في مقام فعلية الحيازة خارجا، واما فعلية قدرة كل منهما على الحيازة فلا تزاحم فيها اصلا، وبما ان بطلان التيمم، لم يترتب في لسان الدليل، على الامر بالوضوء، بل هو مترتب على وجدان الماء المتحقق في ظرف القدرة على الحيازة، فيبطل التيممان معا، ومن الضرورى ان تزاحم الخطابين في ناحية الوضوء لا يستلزم التزاحم في ناحية الحكم ببطلان التيممين.

[ 114 ]

اقول يرد على ما افاده امور: الاول: ما افاده من ان الامر بالوضوء مترتب على الحيازة الخارجية، غير تام، بل هو مترتب على الوجدان المتحقق بالقدرة على الحيازة. الثاني: ما ذكره من انه لا تزاحم بين قدرة كل منهما على الحيازة مع قدرة الاخر عليها، وانما التزاحم في مقام فعلية الحيازة منهما خارجا، مردود بان المفروض ان المورد غير قابل لحيازتين، بل هو صالح لاحداهما ومعه كيف يكون كل منهما قادرا عليها بلا تزاحم بين القدرتين. الثالث: ما افاده من ان تزاحم الخطابين في ناحية الوضوء لا يستلزم التزاحم في ناحية الحكم ببطلان التيممين، فانه يرد عليه ان بطلان التيمم وان لم يترتب على الامر بالوضوء الا انهما معا مترتبان على وجدان الماء وعليه فالتزاحم في ناحية الوضوء يلازم التزاحم في ناحية الحكم ببطلان التيمم. والحق ان يقال انه بناءا على المختار في الواجب الكفائي من توجه التكليف الى جميع آحاد المكلفين يكون الامر بالوضوء متوجها الى كل منهما مقيدا بعدم سبق الاخر، فلا محالة يبطل تيممهما. واما ما افاده الاستاذ من ان ذلك في فرض عدم سبق احدهما الى الحيازة، فان كان نظره الشريف الى صورة سبق احدهما إليها قبل توجه الاخر إليه، فهو متين ولكنه خارج عن الفرض، وان كان نظره الى صورة توجه الخطاب اليهما ثم استباق احدهما إليه، فلا يتم إذا لان قبل الاستباق يبطل التيممان كما مر. الواجب الموسع والمضيق الفصل الحادي عشر: في الموسع والمضيق، ينقسم الواجب باعتبار تحديد الامر به بزمان مخصوص، وعدم تحديده به، الى موقت، وغير موقت، وينقسم الموقت باعتبار اوسعية الوقت المحدد له على ما يفى من الزمان باتيان الواجب فيه، وكونه بمقدار زمان

[ 115 ]

الواجب، الى مضيق، وموسع، كما ان غير الموقت ينقسم باعتبار تقيد الامر به باتيانه فورا، وعلى فرض العصيان، ففورا، أو الى الابد، وعدم تقيده به الى فورى باقسامه، وغير فورى، ومحل الكلام في هذا الفصل، هو الموسع والمضيق. وربما يستشكل في وجود الواجب الموسع تارة، وفى الواجب المضيق اخرى. اما في الاول: فبانه يستلزم جواز ترك الواجب في اول الوقت والوجوب غير ملائم لجواز الترك. والجواب عنه: ان المأمور به هو طبيعي الفعل الواقع في طبيعي الوقت المحدود بحدين، وقد نظره بعض مشايخنا بالحركة التوسطية وهو الكون بين المبدأ والمنتهى قال فكما ان الكون المتوسط بالنسبة الى الاكوان المتعاقبة الموافية المحدود كالطبيعي بالنسبة الى افراده كذلك الفعل المتقيد بالوقت المحدود بالاول والاخر بالاضافة الى كل فرد من الفعل المتقيد بقطعة من الزمان المحدود بحدين انتهى، فالواجب لا يجوز تركه، وما يجوز تركه ليس بواجب. وبالجملة الوجوب متعلق بالجامع بين الافراد الطولية فيكون المكلف مخيرا بينها، كما في التخيير بين الافراد العرضية. واما في الثاني: فبان الانبعاث لابد وان يتاخر عن البعث ولو آناما، فلا بد من فرض زمان يسع البعث والانبعاث معا، ولازم ذلك اوسعية زمان الوجوب عن زمان الواجب وعدم وجود المضيق. والجواب عنه: ان تأخر الانبعاث عن البعث رتبي لا زماني وعليه فللعالم بالبعث ان ينبعث في اول زمان تحققه، ولا يلزم التاخير عنه، وهذا كله واضح لا يهمنا البحث فيها. تبعية القضاء للاداء انما المهم هو البحث في انه هل يجب الاتيان بالموقت في خارج وقته إذا فات

[ 116 ]

في الوقت اختيارا أو لعذر، أو انه يسقط بخروج الوقت، ولو وجب فهو بامر جديد، والكلام فيه يقع في مقامين: الاول: في مقام الثبوت. الثاني: في مقام الاثبات. اما المقام الاول: فالصور المعقولة اربع: احداها: ان يكون هناك مصلحتان، احداهما: مترتبة على الفعل، والثانية: مترتبة على ايقاعه في الوقت، وبتبع ذلك يكون هناك امران، احدهما: متعلق بالفعل، والاخر: بايقاعه في الوقت. ثانيتها: ان تكون المصلحة المترتبة على الفعل في الوقت واحدة، والامر المتعلق به واحدا ولكن بعد مضى الوقت توجد مصلحة اخرى في الفعل موجبة للامر به في خارج الوقت. ثالثتها: عين هذه الصورة مع كون المصلحة المترتبة عليه في خارج الوقت مرتبة ضعيفة من المترتبة على الفعل في الوقت. رابعتها: كون المصلحة واحدة، مع عدم المصلحة في الفعل في خارج الوقت اصلا. وفى الصورة الاولى يكون القضاء واجبا بالامر الاول، وفى الصورة الثانية والثالثة واجبا بامر جديد، وفى الصورة الرابعة لا يجب. واما المقام الثاني: فالكلام فيه يقع، تارة فيما يقتضيه الاصول العملية، واخرى في مقتضى الادلة الاجتهادية. اما الاصول، فان علم ان الواجب بنحو وحدة المطلوب، لا تعدده، ولكن شك في انه هل يجب القضاء لاجل حدوث مصلحة اخرى ام لا ؟ لا سبيل الى جريان الاستصحاب، لانه ان اريد استصحاب شخص الوجوب الثابت له في الوقت فهو متيقن الارتفاع بتبع ارتفاع المصلحة، وان اريد استصحاب بقاء الكلى فهو من قبيل القسم الثالث من اقسام الكلى والمختار عدم جريان الاستصحاب فيه كما حقق في محله. واما إذا شك في انه بنحو تعدد المطلوب، أو وحدته، فقد يقال انه يجرى

[ 117 ]

الاستصحاب فيه لانه من قبيل القسم الثاني من اقسام استصحاب الكلى، إذا لو كان بنحو تعدد المطلوب يكون الوجوب المتعلق بالفعل باقيا بعد الوقت ولو كان بنحو وحدة المطلوب كان امده آخر الوقت فيكون الحادث مرددا بين الطويل والقصير وعليه فيجرى الاستصحاب فيه. وبذلك يظهر ان ما افاده المحقق الخراساني من انه لا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت وقضية اصالة البرائة عدم وجوبها في خارج الوقت، غير تام. ولكن بما ان الحق عدم جريان الاستصحاب في الاحكام مطلقا لكونه محكوما لاستصحاب عدم الجعل فلا يجرى هذا الاصل فيتعين الرجوع في جميع الموارد الى اصالة البرائة. واما المقام الثالث: وهو ما يقتضيه الادلة الاجتهادية، فان ورد امر بالمقيد، فلا ظهور له ولا اطلاق في ثبوت الوجوب بعد الوقت، بل ظاهره عدم بقائه، وان كان التوقيت بدليل منفصل، فان كان لدليل التوقيت اطلاق فلا محالة يقيد اطلاق الدليل الاول وتكون النتيجة ثبوت الوجوب للموقت مطلقا، ولازم ذلك ارتفاعه بمضي الوقت. وان لم يكن له اطلاق، وكان لدليل الواجب اطلاق فقد قال المحقق الخراساني ان قضية اطلاقه ثبوت الوجوب بعد انقضاء الوقت وكون التقييد به بحسب تمام المطلوب لا اصله. اقول: ليس مراده ان المتيقن من القيد الثابت بدليل منفصل مجمل، تقييد مرتبة من الطلب وهى مرتبة تأكده لا تقييد الطلب بجميع مراتبه، وفى المراتب الاخر يؤخذ باطلاق دليل الواجب كما قيل: فانه يرد عليه ان مدلول دليل الواجب ثبوت وجوب واحد بسيط وليس هو ذا مراتب، وقد صرح بذلك المحقق الخراساني (ره) في مسألة ما إذا نسخ الوجوب وشك في الاستحباب وغيره فراجع. بل مراده ان المتيقن من دليل التوقيت هو تقييد الاطلاق في صورة التمكن من اتيان العمل في الوقت، اما العاجز فاطلاق الدليل بالنسبة إليه بلا مقيد فيؤخذ به ويثبت وجوب القضاء في حقه بالاطلاق ثم يلحق به المتمكن العاصى، بضميمة عدم الفصل،

[ 118 ]

وهو حسن. وربما يفصل بين كون القرينة على التقييد متصلة وبين ما إذا كانت منفصلة، فعلى الاول ان كانت القرينة بصورة القضية الشرطية، فهى تدل على عدم وجوب اتيانه خارج الوقت بناءا على ثبوت المفهوم للقضية الشرطية، وكذلك على القول بثبوت المفهوم للوصف وكانت القضية وصفية، واما على ما هو الحق من عدم ثبوت المفهوم لها فهى لا تدل على عدم الوجوب، ولا تدل على الوجوب ايضا، إذ لا ينعقد للكلام ظهور الا في الوجوب في الوقت، واما إذا كانت القرينة منفصلة فحيث انها لا توجب انقلاب ظهور الدليل الاول في الاطلاق الى التقييد، بل غاية ما هناك دلالته على انه مطلوب في الوقت ايضا، فاطلاق الدليل الاول يدل على وجوبه في خارج الوقت ايضا. وفيه: ان القرينة المنفصلة وان لم توجب انقلاب ظهور الدليل الاول في الاطلاق و ليس من مقدمات الحكمة عدم البيان ولو منفصلا كما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) الا انها مانعة عن حجية ظهوره في الاطلاق وتوجب تقييد مراد المولى، وعليه فحيث ان ظاهر الامر بقيد في المأمور به كونه ارشادا الى جزئيته أو شرطيته كما في بقية القيود غير الوقت فلا محالة تكون النتيجة ان الواجب هو الحصة الخاصة من الطبيعة وهى الواقعة في الوقت. وهذا هو مراد المحقق النائيني (ره) حيث قال في جواب هذا الوجه انه ان ادعى ان ذلك هو مقتضى القاعدة في تمام التقييدات فهو سد لباب حمل المطلق على المقيد و ان ادعى اختصاص ذلك بخصوص الزمان دون الزمانى فهى دعوى بلا بينة ولا برهان مع وحدة الملاك في كلا المقامين وهو ظهور القيد في الركنية وتضييق دائرة المطلوب الاول. ثم انه بقى الكلام في امور لا بد من التعرض لها. الاول: ان ما افاده المحقق الخراساني واوضحناه لا يختص بالتقييد بالوقت، بل يعم جميع القيود المأخوذة في الواجب بدليل منفصل، فانه ان كان لدليل القيد اطلاق كما في الطهارة بالاضافة الى الصلاة كان مقتضى القاعدة اختصاص وجوب الصلاة بصورة

[ 119 ]

التمكن من الطهارة، وان لم يكن له اطلاق كما في الطمأنينة في حال القيام فان مدركه الاجماع، والمتيقن منه صورة التمكن ففى فرض عدم التمكن لابد من اتيان الصلاة قائما مع فقد هذا القيد. الثاني: انه في موارد ثبوت وجوب القضاء كما في الصلوات اليومية والصوم والنذر المعين، وقع الكلام في انه بعد قيام الدليل، هل يكون التقييد بالوقت من قبيل تعدد المطلوب، وكونه واجبا في واجب، أو يكون من باب التقييد ولكن قيديته منه مقصورة بحال التمكن، أو انه لا يكون هذا ولا ذاك بل يكون القضاء واجبا آخر مغايرا للواجب في الوقت، ولهذا البحث اثران: احدهما: يظهر في التقييد بساير القيود غير الزمان، كالطهارة بالنسبة الى الصلاة، فانه لو كان من قبيل الاول كان اللازم هو حصول الامتثال بالنسبة الى اصل الواجب لو ترك القيد عمدا أو بغير اختيار، ولو كان من قبيل الثاني كان اللازم هو عدم حصول الامتثال لو تركه عمدا، ولو كان من قبيل الثالث كان اللازم هو عدم حصول الامتثال لو تركه مطلقا. ثانيهما: ما لو مضى الوقت وشك في اتيان المأمور به ولم يكن موردا لقاعدة الشك بعد الوقت كما في الصوم، أو شك في صحة الماتى به وفساده مع محفوظية صورة العمل الشك في مطابقة العمل للواقع، وعدم مطابقته له، كما لو صلى الى جهة معينة وشك في ان القبلة هي تلك الجهة أو غيرها، أو توضأ بمايع شك في كونه ماءا فانه لا يجرى قاعدة الفراغ في هذا المورد فانه ان كان من قبيل تعدد المطلوب لا بد من البناء على وجوب الاتيان لاستصحاب بقاء الامر. وبعبارة اخرى: ان التكليف المتعلق بها معلوم والشك انما هو في الامتثال وسقوط التكليف وفراغ الذمة عنه، ومعلوم ان المعتمد حينئذ قاعدة الاشتغال، وان كان القضاء بامر جديد لا محالة يكون ذلك التكليف المعلوم ساقطا قطعا بالعصيان أو الامتثال والشك انما هو في حدوث تكليف آخر فالمرجع هو اصالة البرائة. ثم ان الظاهر كون القضاء بامر جديد، ولو لم يدل عنوان القضاء والفوت على ان الواجب في خارج الوقت مغاير لما وجب اولا وان ما وجب اولا قد فات وان

[ 120 ]

هذا الواجب هو قضاء ذلك، لما دل على بقاء الامر وكون التقييد بنحو تعدد المطلوب و عليه ففى موارد الشك المؤمى إليها يرجع الى اصالة البرائة. الثالث: انه بناءا على ان القضاء بامر جديد لو خرج الوقت وشك المكلف في الاتيان بالمأمور به في وقته فهل يمكن اثبات وجوب الاتيان به باستصحاب عدم الاتيان به ام لا ؟ وجهان مبنيان. على ان الفوت الذى علق عليه وجوب القضاء، هل هو امر وجودي وهو خلو الوقت عن الواجب، أو هو امر عدمي وعبارة عن عدم الاتيان به في الوقت فعلى الاول لا يجرى الاستصحاب الا على القول بحجيته في مثبتاته، وعلى الثاني يجرى كما هو واضح. والاظهر، هو ان الفوت امر وجودي كما يظهر بالمراجعة الى المتفاهم العرفي، مثلا، المتفاهم العرفي من قولنا فات شئ من زيد هو ذهاب شئ من كيسه لا الامر العدمي، وعليه فلا يمكن اثبات وجوب القضاء بالاستصحاب. وعلى فرض التنزل وتسليم الشك في ان الفوت امر وجودي، ملازم لعدم الفعل في الوقت أو امر عدمي، لا يجرى الاستصحاب، لانه لا يحرز ان رفع اليد عن المتيقن السابق من نقض اليقين بالشك ومعه يكون التمسك باطلاق دليله، تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، هذا كله ما يقتضيه القاعدة. ولكن المستفاد من الاخبار الخاصة في الصلاة هو كون الموضوع هو ترك الصلاة. لا حظ صحيح زرارة وفضيل عن الامام الباقر (ع) في حديث متى استيقنت أو شككت في وقتها انك لم تصلها أو في وقت فوتها انك لم تصلها صليتها وان شككت بعد ما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن فان استيقنت فعليك ان تصليها في أي حالة كنت. (1) فان متعلق اليقين في قوله وان استيقنت بقرينة ما تقدم، ترك الصلاة، وعدم الاتيان بها كان ذلك لعذر شرعى ام عقلي اولا عن عذر فمقتضى الصحيح ان الموضوع هو الترك


1 - الوسائل باب 60 من ابواب المواقيت حديث 1. (*)

[ 121 ]

وعليه فلا مانع من اثبات وجوب القضاء بالاستصحاب. الامر بالامر بفعل امر به الثاني عشر: إذا امر بالامر بشئ كما في امر الشارع بامر الاولياء الصبيان بالصلاة، فهل هو امر بذلك الفعل مطلقا، أو مع توسيط الامر الثاني، ام لا يكون امرا به وجوه و تنقيح القول في المقام انه بحسب الواقع ومقام الثبوت يتصور على وجوه. الاول: ان يكون الغرض مترتبا على نفس الامر الثاني بدون ان يكون غرض للمولى في الفعل. الثاني: ان يكون الغرض مترتبا على الفعل من دون دخل لتوسيط الامر الثاني فيه الثالث: ان يكون الغرض مترتبا على الفعل في صورة توسيط الامر. فعلى الاول، لا يكون الامر بالامر بشيئ امرا بذلك الشئ وعلى الاخيرين يكون امرا به، غاية الامر على الاول منهما لا موضوعية للامر، وعلى الثاني منهما له موضوعية في ذلك هذا بحسب مقام الثبوت. اما ما يقتضيه ظواهر الادلة - فهو الوجه الاخير - وذلك: لانه يدفع الاحتمال الثاني، وهو كون الامر الذى تعلق به الامر ماخوذا على نحو الطريقية المحضة بحيث لا دخل له في المصلحة والغرض اصلا ظهور الامر بالامر: إذ لو كان كذلك كان يأمر بالتبليغ لا بالامر، فمقتضى مدلوله المطابقى نفى هذا الاحتمال، فما استظهره المحقق النائيني (ره) من الادلة، من اخذه طريقيا، غير صحيح. وما ايد به الاستاذ الاعظم (دام ظله) ذلك، من ان هذا العرف ببابك فراجع الا ترى انه لو امر المولى احد عبيده ان يأمر الاخر باشتراء اللحم لا يشك احد في كونه امرا باشتراء اللحم ويجب على المأمور الثاني الاشتراء وان لم يتوسط الامر. يرد عليه، انه في امثال هذا المورد انما يحرز من الخارج كون الغرض مترتبا على الفعل فقط، فهى غير مربوطة بالمقام.

[ 122 ]

ويدفع الاحتمال الاول: ان الظاهر من الامر الذى امر به كما في ساير موارد استعماله ارادة البعث الجدى منه لا الامر الصوري فقط، وعلى ذلك فمقتضى الظهور تعين الاحتمال الثاني، فالظاهر من الادلة كون الامر بالامر بشئ امرا به مشروطا بما إذا امر المأمور الاول، اللهم الا، ان يثبت عدم ترتب غرض على توسيط الامر الاول، فحينئذ يكون امرا به مطلقا هذا ما يقتضيه الادلة الاجتهادية. ولو لم يظهر من الادلة شئ من هذه الاحتمالات فلابد من الرجوع الى الاصل العملي وهو يقتضى الاحتمال الاخير، لو دار الامر بين الاحتمالين الاخيرين. واما مع الاحتمال الاول، فهو مقتضى الاصل، كل ذلك مما يقتضيه اصالة البرائة. ويظهر ثمرة هذا البحث في شرعية عبادات الصبى وعدمها، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الثامن من فقه الصادق في كتاب الحج. الامر بشئ بعد الامر به. الثالث عشر: إذا ورد امر بشئ بعد الامر به قبل امتثاله، فهل يوجب تكرار ذلك الشئ، أو تأكيد الامر الاول، وجهان، والا ظهر هو حمل الامر على التأكيد وذلك لوجهين: الاول: ان ظاهر المادة هو ذلك إذ الطبيعة الواحدة لا يتعلق بها الامر تأسيسا مرتين، ولا يعارض ذلك ظاهر الهيئة، فان ما قيل من ظهورها في التأسيس في نفسه - ممنوع - بناءا على المختار في الانشاء من انه ابراز للامر النفساني لا ايجاد لشئ كما تقدم. نعم، ارادة التأكيد خلاف مقتضى البلاغة إذا لم يكن لنكتة مقتضية لذلك. الثاني: ان حمل الامر على التأسيس يستلزم تقييد اطلاق المادة الواقعة في حيز الخطاب الاول بفرد وتقييد المادة الواقعة في حيز الخطاب الثاني بفرد آخر، إذ كما ان الطلب مرتين لا يتعلق بصرف وجود الطبيعة كذلك لا يتعلق احدهما بصرف الوجود والآخر بالفرد بل لا بد من تقييد كلا المتعلقين، وعليه فو سلم كون حمل الامر على التأكيد خلاف الظاهر فليس بحد يصلح للمقاومة مع هذين الظهورين.

[ 123 ]

المقصد الثاني النواهي

[ 124 ]

[... ]

[ 125 ]

المقصد الثاني في النواهي وفيه فصول، وقبل تنقيح القول في تلكم الفصول، لا بد من البحث في جهات: الاولى: المشهور بين الاصحاب ان النهى بمادته وصيغته كالامر بمادته وصيغته، في الدلالة على الطلب غير ان متعلق الطلب في احدهما الوجود وفى الاخر العدم، - وبعبارة اخرى - انهما مشتركان في المعنى الموضوع له وهو الدلالة على الطلب. ولذلك قال المحقق الخراساني (ره) انه يعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت اصلا، نعم يختص النهى بخلاف وهو ان متعلق الطلب فيه، هل هو الكف ؟ أو مجرد الترك وان لا يفعل والظاهر هو الثاني، وتوهم ان الترك ومجرد ان لا يفعل خارج عن تحت الاختيار، فلا يصح ان يتعلق به البعث والطلب فاسد، فان الترك ايضا مقدور والا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالارادة والاختيار، انتهى. واورد على ذلك جماعة من المحققين، بان النهى لا ينشأ من مصلحة لزومية في الترك، ليقال ان مفاده طلبه، بل هو ناش من مفسدة لزومية في الفعل، وعليه فلا محالة يكون مفاده الزجر والمنع عنه، ولذلك ذهبوا الى ان النهى بما له من المعنى مادة وهيئة، يباين الامر كذلك، فلا اشتراك بينهما في شئ اصلا، ولا فرق بينهما من حيث المتعلق، و في الموردين المتعلق هو ايجاد الطبيعة، وانما الفرق من ناحية الموضوع له. اقول، ما افيد الايراد من ان الفرق بين الامر والنهى انما هو من ناحية الموضوع له ومن ناحية المنشأ وانه لا فرق بينهما من حيث المتعلق تام، ولكن ما ذكر من ان معنى

[ 126 ]

النهى هو الزجر والمنع عن الفعل فهو غير تام. اما الدعوى الاولى فهى تتضح ببيان امر، وهو انه ربما يكون مصلحة في الترك فيأمر المولى به ويصير الترك واجبا كالصوم، والايراد عليه بان الترك غير مقدور وخارج عن تحت القدرة فلا يصح تعلق الطلب به، يندفع بما في الكفاية من انه بقاءا مقدور وذلك لا بمعنى تأثير القدرة في العدم، فان ذلك غير تام، إذ العدم ليس مستندا الى القدرة واثرا لها لتحققه قبلها، لا يعقل تأثير القدرة التى هي امر وجودي في العدم لعدم السنخية بينهما، بل بمعنى انه لقدرة العبد على تبديل العدم بالوجود يصح التكليف بهما، و كيف كان لا يصح النهى عن الفعل في هذا المورد، بل الترك يصير من الواجبات. ثم ان الصور المتصورة لتعلق الامر بالترك اربع. الاولى: ان يتعلق الامر بصرف ترك الطبيعة. الثانية: ان يتعلق الامر بجميع تروك افراد الطبيعة بان تكون المصلحة قائمة بكل واحد من التروك ويامر المولى بترك الطبيعة ينحل ذلك الى احكام عديدة، تعلق كل واحد منها بترك فرد من افراد الطبيعة. الثالثة: ان يتعلق الامر بمجموع التروك بحيث لو لم يترك فردا لما امتثل اصلا. الرابعة: ان يتعلق الامر بامر بسيط حاصل من مجموع التروك. ولكن الصورة الاولى غير معقولة: إذ ترك فرد من الطبيعة من الافراد العرضية والطولية متحقق لا محالة، لان المكلف لا يقدر على ايجاد جميع الافراد فالتكليف بترك فرد منها لغو وصدوره من الحكيم محال. لا يقال انه على هذا لابد من الالتزام بعدم معقولية الصورتين الاخيرتين بل الثانية ايضا، إذ لو لم يكن المكلف قادرا على ايجاد جميع افراد الطبيعة لم يكن قادرا على ترك جميعها إذ القدرة على احد النقيضين عين القدرة على الاخر، فكيف يتعلق الامر بجميع التروك أو مجموعها أو ما يحصل من المجموع. فانه يقال ان نقيض جميع التروك عبارة عن عدم الجميع ولو بفعل واحد فكما ان الفعل الواحد مقدور كذلك جميع التروك، وغير المقدور انما هو الجمع في الوجود،

[ 127 ]

لا الجمع في الترك، فالصور الثلاث الاخيرة معقولة ولابد في كل مورد من ملاحظة الدليل. ويترتب على هذا ثمرة في ما إذا شك في صدق الطبيعة التى امر بتركها على فعل خارجي لشبهة موضوعية، إذ في الصورة الاولى من الصور المعقولة، تجرى البرائة عن وجوب ترك ذلك الفعل، عقلا وشرعا لرجوع الشك فيه، الى الشك في جعل حكم مستقل، وفى الصورة الثانية، جريان البرائة يبتنى على جريانها في الاقل والاكثر الارتباطيين، وفى الصورة الثالثة لا يجرى، لانه شك في المحصل، اللهم الا ان يلتزم بجريانها فيما إذا كان بيان المحصل وظيفة الشارع، وتمام الكلام في ذلك محرر في مسألة اللباس المشكوك فيه. وربما تكون المفسدة في الفعل لا المصلحة في الترك، وفى هذا المورد لا معنى للامر بالترك، بل لا مناص عن النهى عن الفعل، فما افيد في الايراد من ان الامر بالفعل والنهى عنه يشتركان في المتعلق والاختلاف بينهما انما هو في الموضوع له وانه في كل منهما شئ يباين الاخر تام. واما الدعوى الثانية وهى ان الفرق بينهما ليس ما ذكر من ان الامر موضوع للطلب والنهى موضوع للزجر والمنع عن الفعل، بل الفرق بينهما من ناحية اخرى. اما في الامر فقد مر في مبحث الاوامر، ان الطلب الذى بمعنى التصدى نحو المطلوب يكون من العناوين التى تنطبق على الامر بعد تحققه ويكون الامر مصداقا له لا انه المعنى الموضوع له والمستعمل فيه، وان الطلب الانشائى مما لا نتعقله. بل حقيقة الامر اما عبارة عما افاده الاستاذ من انه عبارة عن اعتبار كون المأمور به في ذمة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة وابراز ذلك الاعتبار في الخارج بمبرز كصيغة الامر أو ما يشبهها فالصيغة أو ما شابهها وضعت للدلالة على ابراز ذلك الامر الاعتباري النفساني، وهو اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف، أو ما اختاره المشهور وهو انه عبارة عن ابراز الشوق النفساني بالفعل، فالصيغة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على ابراز شوق المتكلم بصدور الفعل عن المأمور.

[ 128 ]

واما في النهى فإذا حللنا النهى المتعلق بشئ، لا نرى شيئا غير شيئين. احدهما: اعتبار كون المكلف محروما عن ذلك الشئ باعتبار اشتماله على مفسدة ملزمة وبعده عنه، أو كراهة الناهي للفعل. ثانيهما: ابراز ذلك الامر النفساني في الخارج بمبرز كصيغة النهى أو ما شاكلها، فالصيغة أو ما شاكلها موضوعة للدلالة على ابراز ذلك الامر النفساني لا للزجر والمنع، نعم هي مصداق لهما. فالمتحصل مما ذكرناه ان الامر والنهى، مختلفان بحسب المعنى، ومتحدان بحسب المتعلق، فما اخترناه هو عكس ما ذهب إليه المشهور، من انهما متحدان بحسب المعنى، مختلفان بحسب المتعلق. اقتضاء النهى ترك جميع الافراد الجهة الثانية: انه بعد مالا كلام في ان النهى كالامر، لا يدل على الدوام والتكرار، و ايضا لا كلام في ان الامر المتعلق بالطبيعة انما يكون امتثاله باتيان فرد منها، واما النهى المتعلق فلا يمتثل الا بترك جميع الافراد، وقع الكلام في وجه ذلك. وقد ذكر القوم في وجه ذلك، ان الامر انما يكون متعلقا بصرف ايجاد الطبيعة في الخارج، فهو لا يقتضى الا ايجادها في ضمن فرد ما ضرورة ان صرف الوجود يتحقق باول وجودها وبه يتحقق الامتثال ويحصل الغرض، ومعه لا مجال لايجادها في ضمن فرد آخر، واما في طرف النهى فبما انه صرف ترك الطبيعة، فلا محالة لا يمكن تركها الا بترك جميع افرادها في الخارج العرضية والطولية ولا تنعدم الا بانعدام جميع الافراد. وقد اورد على ذلك بعض اساتيذنا المحققين (ره) بان الطبيعة توجد بوجودات عديدة، ولكل وجود عدم، وهو بديله ونقيضه، ولا يكون نقيض الوجود الخاص الا العدم الخاص، لا عدم الافراد الاخر. وحينئذ إذا لو حظت الطبيعة في مقام الحكم امرا أو نهيا بنحو تسرى الى جميع الافراد، فكما ان النهى عنها يقتضى طلب ترك جميع الافراد ولا يتحقق الامتثال، الا بترك الجميع، كذلك الامر لا يمتثل الا بايجاد جميع الافراد، و

[ 129 ]

اما إذا لو حظت في مقام الحكم بنحو صرف الوجود، فكما ان الامر لا يقتضى الا وجودا واحدا، كذلك النهى لا يقتضى الا ترك فردما، فالمغالطة انما تكون من جهة انه يؤخذ الطبيعة في مقام تعلق الامر بنحو صرف الوجود وفى مقام تعلق النهى بنحو مطلق الوجود. اقول، انه بناءا على ان يكون النهى عبارة عن طلب ترك الطبيعة، يتم ما ذكره القوم، ولا يرد عليهم هذا الايراد، وهو يتضح بعد بيان مقدمتين. الاولى: ان الوجود الخارجي كما انه وجود لماهية شخصية، وجود للطبيعة ايضا، - وبعبارة اخرى - كلى الطبيعي موجود في الخارج. الثانية: ان الاطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخل شئ منها في الحكم لا الجمع بين القيود ودخل جميع الخصوصيات، فعلى هذا يتم ما ذكره القوم وايراده (قده مبنى على اخذ الخصوصيات في الحكم - والا - فإذا لو حظت الطبيعة وطلب ايجادها فهى توجد بوجود فرد واحد، لما عرفت في المقدمة الاولى، وإذا طلب تركها فهو لا يكون الا بعدم وجود فرد منها، ومن هنا قالوا، ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية. ولكن الصحيح ان يورد عليهم بضعف المبنى كما تقدم، وان النهى عبارة عن ابراز الكراهة عن الفعل لا طلب للترك وان متعلق الامر والنهى شئ واحد، وعليه، فيقع الكلام في بيان الفارق. وتنقيح القول في المقام يقتضى البحث في موارد، الاول: في الافراد العرضية. الثاني: في الافراد الطولية. الثالث: انه إذا عصى النهى في زمان وتحقق الفعل فباى شئ يحكم بوجوب ترك الباقي بعد ذلك. اما المورد الاول: وهو انه لماذا يقتضى النهى ترك جميع الافراد العرضية، فالحق فيه ان يقال، انه لا يخلو الامر من ان تكون المفسدة في جميع الافراد، ويكون في كل وجود مفسدة خاصة، أو تكون في مجموع الوجودات مفسدة واحدة، أو تكون المفسدة في قسم خاص من الطبيعة كالكذب لغير الاصلاح، أو تكون في اول الوجودات مفسدة، فباطلاق الدليل ينفى الاحتمال الثالث، واما الاحتمال الثاني فمضافا الى انه، يدفع بالاطلاق إذ لو كان كذلك وكان نهى واحد متعلقا بالمجموع لزم تقييد متعلقه بانضمام

[ 130 ]

بعض الوجودات الى بعض: ان مثل هذا التكليف لغو: إذا لا يوجد مكلف يوجد جميع الافراد فلا محالة يترك بعضها، فيبقى الاحتمال الاول والاخير، وعلى كل تقدير يجب ترك جميع الوجودات اما على الاول فواضح، واما على الاخير، فلان كل فرد وجد فهو اول الوجودات واما المورد الثاني: وهو انه لماذا يقال باقتضاء النهى لترك جميع الافراد الطولية، فقد ظهر حكمه مما ذكرناه، بضميمة ان مقتضى اطلاق النهى عدم اختصاصه بزمان خاص، بل لا يكون للزمان دخل في هذا الحكم: إذ على ذلك بعد فرض عدم كون المفسدة في مجموع الوجودات ولا في قسم خاص من الطبيعة، كانت المفسدة في جميع الوجودات، ام في اول ما يوجد، كان اللازم ترك جميع الافراد كما لا يخفى واما المورد الثالث: وهو انه إذا خولف النهى وتحقق اول الوجودات لماذا يجب الترك في الازمنة المتأخرة. اقول ان الحكم في هذا المورد، يدور مدار كون المفسدة في جميع الوجودات، و كونها في اول الوجودات، إذ على الاول يجب الترك وعلى الثاني لا يجب، والمدعى ان الظاهر من دليل النواهي كون المفسدة من قبيل الاول، خلاف ما هو ظاهر دليل الامر: فان ظاهره كون المصلحة في صرف الوجود لا في جميع الوجودات ولنا في اثبات الفرق وكون النهى من قبيل الاول طريقان: الاول: الغلبة الموافقة للارتكاز والفهم العرفي، فان الغالب ترتب المصلحة على صرف الوجود، والمفسدة القائمة بالطبيعة التى لم يؤخذ فيها قيد من القيود بجميع الوجودات، وان شئت فاختبر ذلك من حال نفسك فيما إذا رأيت مصلحة في فعل من عبدك ومفسدة فيه بالنسبة الى الاخر وهذه الغلبة قرينة عامة على ان النهى متعلق بكل فرد بحيث لو كان متعلقا بصرف الوجود كان محتاجا الى نصب قرينة عليه، والامر بعكس ذلك، وهذا الفرق انما نشأ من قبل المصلحة والمفسدة لا من قبل الامر والنهى، ولا من قبل متعلقهما. الثاني: ان التقييد باول الوجودات مخالف للاطلاق في كلا الموردين، بل

[ 131 ]

مقتضى الاطلاق ثبوت الحكم ايجابيا كان ام تحريميا في جميع الافراد ولكن في الامر قامت قرينة عامة على ان المتعلق صرف الوجود لملاحظة المصالح القائمة بالطبايع، - وبعبارة اخرى - حيث ان ايجاد جميع الافراد الطولية والعرضية غير مطلوب، اما لعدم القدرة، أو لغيره فلا محالة يكون المتعلق صرف الوجود. واما ما ذكره الاستاذ الاعظم في مقام الفرق بين الامر والنهى: بانه بما ان الانزجار عن بعض الافراد حاصل فيستحيل الزجر عنه فلا بد من تعلقه بكل واحد مستقلا ليترتب عليه انزجار المكلف عن ارتكابه، وهذا بعكس الامر، حيث ان العبد لا يتمكن من اتيان جميع الافراد، فلا محالة يكون الطلب متعلقا ببعض افراده، وبما انه غير مقيد بحصة خاصة، يكون مقتضى الاطلاق جواز الامتثال بكل فرد اراد المكلف ايجاده. فيرد عليه ان ما ذكر من البرهان في النهى انما يقتضى نفى احتمال كون المتعلق فردا واحدا من الافراد مرددا بينها، واما احتمال كون المتعلق خصوص اول الوجودات فلا ينفى بذلك. العموم المستفاد من النهى استغراقي الجهة الثالثة: قد مر سابقا ان مقتضى اطلاق دليل النهى هو العموم بالاضافة الى الافراد الطولية كاقتضائه العموم بالنسبة الى الافراد العرضية، والبحث في هذه الجهة ان اطلاق دليل الامر المستفاد منه العموم انما يكون مقتضيا لكون العموم في متعلق الامر بدليا، وقد يكون مجموعيا، كما انه في طرف الحكم الوضعي يكون مجموعيا، والاول كما في اوفوا بالعقود، فان المستفاد عرفا من اطلاق الاية الكريمة وان كان هو العموم الاستغراقي بالاضافة الى الافراد العرضية والطولية للعقد، ولكن المستفاد منه بالاضافة الى الوفاء الذى تعلق به الامر هو العموم المجموعى لوضوح ان الوجوب الثابت للوفاء بكل فرد من العقد في جميع الانات والازمنة، وجوب واحد مستمر وليس الثابت في كل آن وزمان وجوبا غير الوجوب الثابت له في زمان آخر، والثانى، كما في احل الله البيع

[ 132 ]

فان المستفاد منه بالاضافة الى الافراد العرضية والطولية للبيع هو العموم الاستغراقي الا ان الحلية الثابتة لكل فرد من افراد البيع في جميع الازمنة حلية واحدة مستمرة. واما في طرف النهى فلا يلتزمون بذلك بل بنائهم على ان العموم المستفاد من اطلاق دليله انما يكون استغراقيا ويكون ثبوت الحرمة له في كل زمان غير الحرمة الثابتة في زمان آخر. ولذلك تصدى المحقق النائيني (ره) لبيان الفرق، ما اليك نصه واما انحلال النهى بالنسبة الى الافراد الطولية وبقائه في الان الثاني بعد امتثاله في الان الاول باحد وجهين الاول ان يؤخذ الزمان في ناحية المتعلق بان يكون شرب الخمر في كل زمان مثلا محكوما بالحرمة فيكون الشرب في الان الثاني حراما وان امتثل النهى في الان الاول بترك تمام افراد الطبيعة الثاني ان يؤخذ الزمان في ناحية الحكم بان يكون الحكم المتعلق بترك الطبيعة باقيا في الازمنة اللاحقة وبما انه لا دليل على اخذ الزمان في ناحية المتعلق ولا معنى لتحريم شئ يسقط بامتثاله آنا ما كان دليل الحكمة مقتضيا لبقاء الحكم في الازمنة اللاحقة ايضا انتهى. ويرد عليه اولا ما عرفت من ان استفادة العموم بالاضافة الى الافراد الطولية ايضا بالاطلاق، فما افاده من ان انحلال النهى بالاضافة الى الافراد الطولية يتوقف على احد امرين، اما اخذ الزمان في ناحية المتعلق، أو اخذه في ناحية الحكم، غير سديد: لما مر من عدم توقفه على شئ منهما وثانيا انه لو سلم انه لابد من اخذ الزمان في ناحية المتعلق أو الحكم: ان دليل الحكمة يعين اخذه في المتعلق لان اطلاق المتعلق وعدم تقييده بزمان مخصوص يقتضى ثبوت الحكم له في كل زمان على نحو العموم الاستغراقي. والحق ان الفارق هو الفهم العرفي كما تقدم، وكيف كان فتنقيح القول في هذا المقصد بالبحث في فصول:

[ 133 ]

اجتماع الامر والنهى الفصل الاول: في اجتماع الامر والنهى وقبل الشروع في البحث في المقصود يقدم امور: الاول: انه حيث يعنون المسألة هكذا، هل يجوز اجتماع الامر والنهى ام لا ؟ فلذلك توهم ان النزاع في المقام كبروى بمعنى ان موضوع المسألة اجتماع الامر والنهى في واحد ومحمولها الجواز أو الامتناع. والتحقيق ان النزاع ليس في ذلك فان اجتماع الامر والنهى في شئ واحد محال حتى عند من يجوز التكليف بالمحال كالأشعري، فان اجتماعهما في نفسه محال لانه مستلزم لاجتماع المحبوبية والمبغوضية في واحد وهو ممتنع، لا انه تكليف بالمحال. بل النزاع انما يكون صغرويا، وانه لو تعلق الامر بطبيعة كالصلاة مثلا وتعلق النهى بطبيعة اخرى كالغصب واتفق انطباق الطبيعتين على شئ واحد، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، فيقع الكلام في انه، هل يسرى النهى من متعلقه الى ما ينطبق عليه الطبيعة المأمور بها، نظرا الى كون المجمع موجودا بوجود واحد، ام لا يسرى لتعدد المجمع و كونه موجودا بوجودين، - وبعبارة اخرى - محل الكلام ان التركيب بين الطبيعتين في محل الاجتماع، هل هو اتحادى فيتعين القول بالامتناع، أو انضمامي فيتعين القول بالجواز. المراد بالواحد الثاني: قال المحقق الخراساني المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين ومندرجا تحت عنوانين باحدهما كان موردا للامر وبالاخر للنهى وان كان كليا مقولا على كثيرين كالصلاة في المغصوب وانما ذكر لاخراج ما تعدد متعلق الامر والنهى ولم يجتمعا وجودا وان جمعهما واحد مفهوما كالسجود لله والسجود للصنم لا لاخراج الواحد الجنسى أو النوعى كالحركة والسكون الكليين المعنونين بالصلاتية والغصبية انتهى.

[ 134 ]

اقول ان صاحب الفصول لما رأى انه لو عمم محل النزاع الى الواحد النوعى والجنسى، لزم دخول مثل السجود لله المأمور به، والسجود للصنم المنهى عنه في محل البحث، مع انه خارج عن محل البحث قطعا، خص الواحد بالواحد الشخصي. والمحقق الخراساني لما رأى ان التخصيص يترتب عليه محذور آخر، وهو لزوم خروج الكلى المنطبق عليه عنوانان احدهما مامور به والاخر منهى عنه كالحركة المعنونة بالصلوتية والغصبية التى هي تصدق على كثيرين مع انه لا وجه له، التزم بالتعميم مقيدا يكون الواحد مندرجا تحت عنوانين ليخرج مثل السجود لله والصنم الذى هو واحد نوعي، الا انه ليس مندرجا تحت عنوانين بل يكون منقسما اليهما وتحته عنوانين، - وبعبارة اخرى - التزم بان المراد بالواحد هو الواحد في الوجود ليشمل الواحد النوعى المنطبق عليه عنوانان، الذى لازم ذلك، تصادقهما على فرد واحد في الخارج ويخرج السجود لله وللصنم، حيث انهما لا ينطبقان في الخارج على وجود واحد وفرد شخصي خارجي فتدبر فانه دقيق. ولكن يرد على المحقق الخراساني ان المراد بالواحد هو الواحد الشخصي لا للمحذور المتقدم المترتب على التعميم كى يدفع بما ذكر، بل لان للقائلين بعدم الاجتماع مسلكين، احدهما: ان متعلق الامر طبيعة ومتعلق النهى طبيعة اخرى، ويكون الخارج مقدمة لايجادهما، لا مصداقا لهما، وعلى هذا لا يسرى الامر والنهى الى الخارج حتى يكون النزاع في خصوص الواحد الشخصي، ام يعم الواحد النوعى. ثانيهما: انهما يسريان الى الخارج ولكنه في الخارج وجودان منضمان لا وجود واحد، وعلى هذا فيسرى كل منهما الى الخارج اولا بلا واسطة شئ حتى تكون الواسطة هو الواحد، النوعى: لان متعلق الاوامر والنواهي حقيقة هو الوجود الخارجي، واما القائلون بالاجتماع، فهم يقولون انه يسرى كل منهما الى الخارج، وفى الخارج وجود واحد، وعلى هذا القول يسريان الى الخارج اولا وبلا واسطة شئ وبديهى ان الوجود الخارجي، ليس واحدا نوعيا، إذ الوجود مساوق للفردية، فيكون النزاع في الواحد الشخصي لاغير.

[ 135 ]

بيان الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهى في العبادات الثالث: في بيان الفرق بين هذه المسألة، ومسألة النهى في العبادات، وملخص القول فيه، ان هيهنا نزاعين. احدهما: في سراية كل من الامر والنهى الى متعلق الاخر وعدمه. ثانيهما: بعد الفراغ عن عدم السراية، هل يقع التزاحم بين الحكمين ام لا ؟ اما في النزاع الاول: لو اخترنا عدم السراية وحكمنا بالجواز وبنينا على ان متعلق الامر غير متعلق النهى، فاجنبية المسألة عن تلك المسألة واضحة، ولو اخترنا السراية، فيقع التعارض والتكاذب بين الدليلين، فان قدمنا جانب الامر وحكمنا بسقوط النهى فلا نهى كى يشتبه هذه المسألة بتلك المسألة، وان قدمنا جانب النهى، فيدخل في تلك المسألة بمعنى انه بهذه المسألة يثبت صغرى من صغريات تلك المسألة. واما في النزاع الثاني: فان لم يكن هناك مندوحة يقع التزاحم بين الحكمين، و حينئذ لو بنينا على اشتراط القدرة في متعلق التكليف لابد من سقوط احدهما اما الامر أو النهى، واما على القول بعدم الاشتراط يكون التكليفان باقيين، غاية الامر لا يجب امتثالهما إذ لا ريب في اعتبارها في حكم العقل بلزوم الامتثال. وان كان هناك مندوحة فعلى القول باشتراط القدرة يقع التزاحم بين اطلاق دليل الامر والنهى فان قدم النهى يصير هذا الفرد غير مامور به ولا يصح اتيانه بداع الامر المتعلق بالطبيعة، وعلى أي حال لا يصير منهيا عنه، وان قدم الامر، فلا نهى، واما بناءا على عدم اشتراط القدرة، فهذا الفرد ايضا مامور به ولا تزاحم بينهما إذ هما أي الامر والنهى قابلان للامتثال، وعلى جميع التقادير تكون هذه المسألة من الجهة الثانية من النزاع اجنبية عن مسألة النهى في العبادات بالمرة. وفى المقام وجهان، آخران للفرق ذكرهما الاصحاب. احدهما: ما افاده صاحب الفصول وحاصله ان النزاع في هذه المسألة انما هو فيما إذا تعلق الامر والنهى بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة والذات وان كانت النسبة بينهما العموم المطلق كما إذا امر المولى عبده بالحركة ونهاه عن القرب في مكان مخصوص.

[ 136 ]

والنزاع في تلك المسألة فيما إذا كان متعلق الامر والنهى متحدان حقيقة ومختلفان بمجرد الاطلاق والتقييد بان يتعلق الامر بالطبيعة المطلقة كالصلاة والنهى بحصة خاصة منها كالصلاة في الدار الغصبية. ويرد عليه انه إذا كان جهة البحث في المسألتين واحدة وكذلك الغرض، مجرد اختلافهما موضوعا أو محمولا لا يوجب عقد مسألتين، فإذا كان ملاك البحث في تلك المسألة موجودا في هذه المسألة وكان الغرض المترتب عليها مترتبا على تلك ايضا وهو فساد العبادة لا اثر لمجرد الاختلاف المشار إليه. ثانيهما: ان البحث في تلك المسألة لفظي، فانه يبحث عن دلالة النهى على فساد العبادة، وفى المقام عقلي فان الحاكم بالجواز أو الامتناع بملاك تعدد المجمع في مورد الاجتماع ووحدته فيه هو العقل ولا ربط للفظ في البحث عنها. وفيه اولا: سيأتي ان البحث في تلك المسألة ايضا عقلي ولا صلة له بعالم اللفظ اصلا. وثانيا: انه مع الامتياز الذاتي بين المسالتين كما قدمناه لا نحتاج الى امتياز عرضى بينهما. مسألة اجتماع الامر والنهى من المسائل الاصولية الرابع: في ان هذه المسألة، هل هي من المسائل الفقهية، أو من المسائل الكلامية، أو من المبادى التصديقية، أو الاحكامية، أو من المسائل الاصولية، وجوه واقوال: الاول: قد يقال انها من المسائل الفرعية، لانه يبحث فيها عن عوارض فعل المكلف وهى صحة العبادة باتيان المجمع وامتثال الامر باتيان مصداق من الطبيعة المأمور بها، إذا انطبق عليه طبيعة منهى عنها ام لا ؟ وفيه: انه لم يعنون المسألة هكذا، بل محل الكلام في هذه المسألة، انه، هل يلزم اجتماع الحكمين في فعل واحد ام لا ؟ واما صحة الاتيان بالمجمع وعدمها فهى من ثمرات هذا البحث لا ان ذلك محل الكلام.

[ 137 ]

الثاني: انها من المسائل الكلامية، وقد ذكروا لذلك وجهين: احدهما: ما افاده المحقق النائيني (ره) من انه يبحث فيها عن استحالة اجتماع الحكمين في مورد واحد وجوازه. وفيه: ما عرفت من انه ليس كل ما يبحث فيه عن الامكان والاستحالة، مسألة كلامية الا ترى انه يبحث في علم الحساب، عن انه، هل يمكن تقسيم الاعشار على المتعارف، ام لا ؟ فهل يتوهم احد كون هذه المسألة من المسائل الكلامية. ثانيهما: انه يبحث في هذه المسألة عن انه، هل يجوز للمولى ويمكن له ان يأمر و ينهى عن الموجود الخارجي الذى ينطبق عليه عنوان مبغوض، وعنوان محبوب، ام لا يجوز ؟ وفيه: ان كل مسألة يبحث فيها عن الامكان والاستحالة ليست من المسائل الكلامية، بل هي عبارة عن المسائل التى يبحث فيها عما يجوز للمولى ويمتنع عليه بما هو مولى كالظلم له تعالى، واما البحث عن امكان الشئ واستحالته في نفسه كاعادة المعدوم، وان عنوان البحث بانه، هل يجوز للمولى ذلك، ام لا ؟ فلا يوجب كون المسألة كلامية، والمقام من قبيل الثاني: إذ البحث انما هو عن الجواز والامتناع بالنسبة الى الشئ نفسه كان الآمر والناهي، هو الله تعالى، ام غيره، فلو جاز جاز له ولغيره، كما انه لو امتنع امتنع لهما. الثالث: انها من المبادى الاحكامية، بناءا على ثبوتها وعدم كونها من المبادى التصديقية، وهى ما يبحث فيها عن حال الاحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية، أو انتزاعية ومن حيث اشتراطها بشروط عقلية، وعن ملازماتها، مثل البحث عن استلزام وجوب الشئ للنهى عن ضده. وتقريب كونها منها ما افاده المحقق النائيني وهو انه يبحث فيها عن استلزام حرمة الشئ ووجوبه لعدم الاخر وعدم استلزامه له. ولكن يرد عليه: ان البحث في المقام انما هو في لزوم اجتماع الحكمين في واحد و عدمه، ولا يبحث عن استلزام كل من الوجوب والحرمة لعدم الاخر.

[ 138 ]

والاولى: في تقريبه ان يقال: ان من مباحث هذه المسألة سراية كل من الامر والنهى الى متعلق الاخر وعدمها، وهذه عبارة اخرى عن، استلزام الامر بعنوان، والنهى عن عنوان آخر المنطبقين على شئ واحد، اجتماع الحكمين في شئ واحد، وعدمه، وعليه فان وقعت هذه المسألة في طريق استنباط الحكم الشرعي، تكون من المسائل الاصولية، والا فهى من المبادى الاحكامية. الرابع: كونها من المبادى التصديقية فقد اختاره المحقق النائيني، وذكر في وجهه، انه لا يترتب فساد العبادة على القول بالامتناع، بل القول به يوجب دخول دليلى الوجوب والحرمة في باب التعارض واجراء احكامه عليهما ليستنبط من ذلك حكم فرعى، وعليه فالنزاع من الجهة الاولى يدخل في مبادى بحث التعارض، كما ان النزاع في الجهة الثانية يدخل في مبادى بحث التزاحم. وبالجملة استنباط الحكم الفرعي، انما يكون متوقفا على اجراء احكام التعارض، أو التزاحم ولا يترتب على هذه المسألة نتيجة فرعية، بعد ضم صغرى نتيجة تلك المسألة إليها. اقول لو كان المراد من الحكم الفرعي المستنتج من هذه المسألة، الصحة، والفساد كانت هذه المسألة كما افيد من المبادى التصديقية، إذ على الامتناع، يدخل دليلا الوجوب والحرمة في باب التعارض، فبضميمة اجراء احكامه عليهما يستنتج حكم فرعى، وعلى الجواز من الناحية الاولى، يدخلان في باب التزاحم، فبضميمة اجراء احكامه يستنتج الصحة، أو الفساد، وما ذكره الاستاذ الاعظم ايرادا على المحقق النائيني من انه يترتب على هذه المسألة، صحة العبادة على القول بالجواز، وهذا المقدار يكفى في كون المسألة اصولية، وان كان على القول بالامتناع لا يستنبط الفساد الا بعد ضم اجراء احكام التعارض. غير سديد إذ استنباط الصحة على القول بالجواز انما يكون بعد اجراء احكام التزاحم ايضا. ولكن يرد عليه ان الصحة والفساد ليستا من الاحكام الشرعية، فانهما ينتزعان من

[ 139 ]

مطابقة الماتى به للمأمور به، وعدمها، فترتبهما ليس مناط كون المسألة اصولية، فلا بد وان يكون المراد من الحكم الفرعي الوجوب والحرمة. وهو بهذا المعنى يستنتج من نفس هذه المسألة بلا احتياج الى ضم شئ آخر إليها، إذ بناءا على السراية يكون الثابت في المجمع حكما واحدا، وعلى الجواز وعدم السراية يستنتج ان المجمع محكوم بحكمين. فان قيل انه ما لم ينضم إليه مسألة اخرى، وهى مسألة التزاحم لا يمكن الحكم بكونه محكوما بحكمين، اجبنا عنه بان التزاحم انما يكون في مقام الامتثال بعد ورود الحكم الشرعي من قبل الشارع، وان شئت فقل ان نتيجة هذا البحث على الجواز ثبوت حكمين مشروطين بالقدرة، هذا بناءا على اعتبار القدرة في الحكم الشرعي واما بناءا على عدم اعتبارها فالامر اوضح من ذلك، إذ لا يسقط شئ منهما، بل هما باقيان على كل تقدير. فالمتحصل مما ذكرناه ان هذه المسألة من المسائل الاصولية: لانها تقع نفسها بلا ضم مسألة اخرى إليها في طريق استنباط الحكم الشرعي، وقد مران هذا هو الملاك في كون المسألة اصولية. هذه المسألة من المسائل العقلية الخامس: الظاهر ان هذه المسألة من المسائل العقلية لا اللفظية، وليس الوجه فيه ما افاده المحقق الخراساني (ره) من انه لا اختصاص للنزاع في الجواز والامتناع بما إذا كان الايجاب والتحريم باللفظ، فانه وان كان محل النزاع خصوص ذلك لم تكن لفظية فان مناط كون المسألة عقلية، عدم كون النزاع في تحديد مدلول اللفظ وبديهى ان محل الكلام في هذه المسألة ليس ذلك كان النزاع في اجتماع الامر والنهى المدلولين للفظ ام في الارادة والكراهة والاعتبارات النفسانية - بعبارة اخرى - انه وان كان محل النزاع جواز اجتماع الطلب المستفاد من الامر والزجر المستفاد من النهى وعدمه لما كانت المسألة

[ 140 ]

لفظية، بل تكون مع ذلك عقلية: لانه بديهى ان محل الكلام ليس هو تحديد مدلول اللفظ. وقد يقال انه حيث يكون من جملة الاقوال في المسألة الجواز عقلا والامتناع عرفا كما نسب الى المحقق الاردبيلى (ره) فلا محالة تكون المسألة لفظية إذ معنى الامتناع العرفي دلالة اللفظ بواسطة الملازمة العرفية على ذلك، بان يدل دليل الامر على وجوب ما تعلق النهى به، ودليل النهى على حرمة ما تعلق به الامر فلا محالة يقع التنافى بين الدليلين. واجاب عنه المحقق الخراساني (ره) بان المراد من الامتناع العرفي ليس ما ذكر بل مراده منه ان الموضوع وان كان بحسب الدقة العقلية متعددا في مورد التصادق، الا انه يكون بالنظر المسامحى العرفي واحدا، فالعقل هو الحاكم بالامتناع بعد تشخيص الموضوع بنظر العرف لا ان اللفظ يدل عليه. اقول انه قد تكرر منا ان نظر العرف انما يتبع في تعيين المفاهيم سعة وضيقا، واما في مقام تطبيق المفاهيم على المصاديق فلا يعتنى به، بل يضرب على الجدار، وعليه فان كان مدعى هذا القائل ما افاده المحقق الخراساني، فهو بديهى البطلان، وان كان مراده دلالة اللفظ على سراية كل من الامر والنهى من متعلقه الى متعلق الاخر، فيرده ان ملاك السراية وعدمها وحدة المجمع في مورد التصادق وتعدده، فان كان واحدا بحسب الواقع فلا مناص من القول بالامتناع والسراية، وان كان متعددا في الواقع، فان قلنا بسراية الحكم من احد المتلازمين الى اللازم الاخر، فايضا لابد من القول بالامتناع، وان قلنا بعدم السراية كما هو الحق، فلا بد من الالتزام بالقول بالجواز، والملاك في وحدة المجمع وتعدده انما هو نظر العقل لا العرف كما تقدم. وربما يقال في وجه كون الامتناع عرفيا وصيرورة المسألة لفظية: بانه يبحث في انه، هل يكون المتفاهم العرفي من الادلة الدالة على وجوب الصلاة أو نحوها. بعد ملاحظة دليل النهى عن التصرف في مال الغير مثلا انما هو وجوب حصة خاصة من الصلاة، وهى الحصة التى لا تقع في مال الغير، فيكون الحصة الواقعة في ملك الغير منهيا عنها فحسب ولا تكون مصداقا للمأمور بها ومآل ذلك الى تخصيص دليل

[ 141 ]

المأمور به بغير موارد المنهى عنه وهذا معنى امتناع اجتماعهما في شئ واحد، ام لا يكون المتفاهم العرفي ذلك. وفيه اولا: ان ذلك لا ربط له بما هو محل الكلام، فان محل الكلام ما لو كان المجمع مشمولا لدليل الامر والنهى معا والمفروض في ذلك تخصيص الامر بغير المجمع، ولا موضوع حينئذ للنزاع في جواز الاجتماع وامتناعه كما هو واضح. وثانيا: انه لا وجه للدعوى المزبورة اصلا فان تخصيص الدليل بحصة خاصة من الطبيعية المأمور بها يحتاج الى دليل يدل عليه ودلالة دليل النهى على ذلك بعد كون النسبة بينهما عموما من وجه تتوقف على القول بالامتناع وتقديم جانب النهى، أو الجواز واهمية دليل النهى وسيأتى الكلام في الموردين. جريان النزاع في جميع انواع الامر والنهى السادس: الظاهر جريان النزاع في جميع انواع الامر والنهى ما عدا التخييريين منهما سواء أكانا نفسيين، ام غيريين، ام تعينيين، ام عينيين، ام كفائيين، فلنا دعويان: الاولى: جريان النزاع في جميع انواعهما. والوجه فيه انه قد عرفت ان القول بالامتناع يبتنى على احد امرين، اما كون المجمع واحدا وجودا، أو الالتزام بسراية الحكم من احد المتلازمين بحسب الوجود الى الملازم الاخر والقول بالجواز يبتنى على امرين: احدهما: تعدد المجمع. الثاني: عدم سراية الحكم من احد المتلازمين الى الاخر، وعليه فحيث انه بديهى استحالة اجتماع الحكمين في شئ واحد كان الحكمان نفسيين ام غيريين أو عينيين ام كفائيين، فلا محالة يكون النزاع في جميع انواعهما. ودعوى: ان عنوان المسألة لا يعم جميع الاقسام وان كان الملاك عاما لان المأخوذ في العنوان هو الامر والنهى وقد مر انصرافهما الى النفسيين العينيين التعينيين. مندفعة، بان هذين اللفظين ربما يطلقان في مقام الاخبار مثل: قولنا الامر والنهى لا يجتمعان. وقد يطلقان في مقام الانشاء ومقتضى الاطلاق في المورد الاول هو الشمول

[ 142 ]

لجميع الاقسام ومقتضاه في الثاني هو الحمل على النفسيين العينيين التعينيين كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا. واما ما افاده المحقق الخراساني (ره) في مقام الجواب من ان الانصراف المشار إليه لو سلم فانما هو في صيغتهما لا في مادة الامر والنهى، مع، ان الانصراف المذكور انما هو بمقتضى مقدمات الحكمة لا بمقتضى الانصراف اللفظى أو الانسباق الالحاقى المستند الى الوضع. فيرده، ان الانصراف لو تم فانما هو في الموردين. فان منشأ الانصراف هو المعنى لا اللفظ كى يفرق بين الصيغة المستعملة في مقام الانشاء ومادة الامر أو النهى المستعملة فيه. وادعاء اختصاص العنوان ليس مبنيا على الانسباق الحاقى، بل على ظهور الكلام كان لذلك، ام من جهة الاطلاق ومقدمات الحكمة. فالصحيح في الجواب ما ذكرناه مع ان اختصاص العنوان لا يوجب اختصاص البحث بعد كون الملاك عاما. واما الدعوى الثانية وهى عدم جريانه في التخييريين منهما، فلانه لا نتصور للحرمة التخييرية معنى قابلا لان تجتمع مع الايجاب في مورد: إذ بناءا على كون الحرمة ناشئة عن المفسدة والمبغوضية مرد الحرمة التخييرية الى حرمة الجمع بين الفعلين باعتبار قيام مفسدة ملزمة بالمجموع، لا بالجامع بينهما، والا لكان كل من الفعلين محرما بالحرمة التعينية لفرض انحلال النهى المتعلق بالجامع الى نواه عديدة، بعدد ما للجامع من الافراد فيثبت لكل واحد منهما نهى مستقل، وهذا بخلاف الايجاب فان مرد الوجوب التخييري الى ايجاب الجامع بين شيئين أو الاشياء لقيام مصلحة واحدة ملزمة بفرد واحد من ذلك الجامع بلا دخل لخصوصية من الخصوصيات فيه. وعلى ذلك فان اتى بالمجمع الذى هو مصداق لاحد طرفي الوجوب واحد فردي التخييري من الحرمة، كما لو امر بالصلاة أو الصوم تخييرا، ونهى عن التصرف في الدار والمجالسة مع الاغيار كذلك، فصلى فيها، فان لم يجلس مع الاغيار لا يكون تصرفه في الدار حراما، فيتمحض المجمع في الوجوب، وان جالس معهم فيكون تصرفه

[ 143 ]

في الدار محرما بالحرمة التعينية غايته الضمنية لفرض ان المحرم هو مجموع الفعلين. وبما ذكرناه يظهر ان ما افاده المحقق الخراساني في ان النزاع يجرى في التخييرين ايضا، ومثل له بالمثال المذكور وقال فصلى فيها مع مجالستهم كان حال الصلاة فيها حالها كما إذا امر بها تعيينا ونهى عن التصرف فيها كذلك في جريان النزاع ومجيئ ادلة الطرفين، غير تام فان المفروض فيما افاده الحرمة التعينية لا التخييرية كما مر. واما ما مثل به في الفوائد، وهو ما إذا امر بكل من الصلاة والصوم تخييرا ونهى عن كل من الشرب والدخول في الحمام تخييرا، فصلى في الحمام، وقال هذه الصلاة كالصلاة في الغصب من حيث جريان النزاع فيها، فان كان مراده الصلاة في الحمام من دون ان يشرب فالمجمع لا حرمة فيه، وان كان مع الشرب ورد عليه ما اوردناه على ما في الكفاية. اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع السابع: صرح صاحب الفصول (ره) والمحقق القمى (ره) والمحقق الخراساني في الفوائد بانه لا بد من اعتبار قيد المندوحة في محل النزاع في هذه المسألة بل قال صاحب الفصول ان من تركه فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره. ولكن قال المحقق الخراساني في الكفاية والتحقيق مع ذلك عدم اعتبارها فيما هو المهم من محل النزاع من لزوم المحال وهو اجتماع الحكمين المتضادين، وعدم الجدوى في كون موردهما موجها بوجهين في رفع غائلة اجتماع الضدين، أو عدم لزومه، وان تعدد الوجه يجدى في رفعها، ولا يتفاوت في ذلك اصلا وجود المندوحة وعدمها. واورد عليه المحقق النائيني وجمع من المحققين، بان النزاع في المقام انما يكون من جهتين: الاولى: في سراية كل واحد من الامر والنهى الى متعلق الاخر وعدمها. الثانية: في انه على فرض عدم السراية، هل يوجب انطباقهما على فعل واحد، وقوع التزاحم بين حكمهما ام لا ؟ والنزاع في الجهة الثانية لا بد وان يكون مع وجود المندوحة لان وقوع التزاحم بين الحكمين مع عدمها واضح.

[ 144 ]

اقول انه بناءا على عدم اعتبار القدرة في متعلق التكليف، يكون الحكمان موجودين على الجواز من الجهة الاولى حتى مع عدم المندوحة، واما بناءا على اعتبارها في متعلق التكليف فبناءا على ما هو المعروف من كفاية الملاك المستكشف من الدليل المتكفل لبيان الحكم وان سقط هو للتزاحم، في التقرب، صحت العبادة على القول بالجواز من الجهة الاولى كانت المندوحة موجودة ام لم تكن، واما بناءا على ما هو الحق من عدم استكشاف الملاك من ذلك الدليل بعد سقوط الحكم فبناءا على تعلق الاوامر بالافراد، وجود المندوحة وعدمها سواء، فان القدرة على الامتثال بساير الافراد لا تجعل المجمع مقدورا، - وبعبارة اخرى - القدرة على ساير الافراد لا توجب صحة الامر بالمجمع، واما بناءا على تعلقها بالطبايع، فان قلنا بان تعلق الامر بالطبيعة السارية انما يصح في صورة القدرة على جميع الافراد والا فالمتعلق هي الطبيعة السارية في الافراد المقدورة فكذلك كما لا يخفى، نعم، على القول بتعلقها بالطبيعة وكفاية القدرة على بعض الافراد في صحة الامر بالطبيعة اين ما سرت يصح اخذ المندوحة إذ مع فرض وجودها لا تزاحم بين الامر والنهى، واما مع انحصار الطبيعة في المجمع فيقع التزاحم بين الحكمين فتدبر فان ما ذكرناه حقيق به. عدم ابتناء النزاع في المقام على تعلق الاوامر بالطبايع الثامن: قد يتوهم ان النزاع في الجواز والامتناع، يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالطبايع، واما الامتناع على القول بتعلقها بالافراد فهو في غاية الوضوح، لانه على تقدير القول بتعلقها بالافراد يكون الفرد الخارجي مصداقا للمأمور به والمنهى عنه معا ولم يقل احد بجواز ذلك حتى القائل بالجواز فانه انما يقول به بدعوى ان تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون لا مطلقا فلا يعقل النزاع على هذا القول. وقد يتوهم ان القول بالامتناع يبتنى على القول بتعلق الاحكام بالافراد لما مر والقول بالجواز يبتنى على القول بتعلقها بالطبايع فان الامر إذا تعلق بطبيعة والنهى بطبيعة

[ 145 ]

اخرى واتفق انطباقهما على شئ في الخارج يكون المتعلقان متعددين ولا يلزم اجتماعهما في واحد، ولعله يرجع الى الاول، ولذلك. اجاب المحقق الخراساني عنهما بجواب واحد، وحاصله ان تعدد الوجه ان كان يجدى في تعدد المتعلق بحيث لا يضر معه الاتحاد بحسب الوجود والايجاد لكان يجدى ذلك، ولو على القول بالافراد إذ الموجود الخارجي الموجه بوجهين يكون فردا لكل من الطبيعتين فيكون مجمعا لفردين موجودتين بوجود واحد، والا لما كان يجدى اصلا حتى على القول بالطبايع لوحدة الطبيعتين وجودا واتحادهما خارجا. وحق القول في المقام ان يقال ان مرد النزاع في تعلق الاوامر بالطبايع، أو الافراد ان كان الى ما اختاره المحقق الخراساني (ره) والمحقق النائيني في تلك المسألة، من ان المراد من تعلق الامر بالطبيعة هو تعلقه بنفسه الشئ مع قطع النظر عن مشخصاته، والمراد من تعلقه بالفرد ان المشخصات تكون مقومة للمراد بما هو مراد فيكون تلك اللوازم والمشخصات داخلة في متعلق الامر، فالقائل بتعلق بالطبيعة يريد تعلقه بذات الشئ مع قطع النظر عن مشخصاته بحيث لو تمكن المكلف من ايجاده في الخارج بدون أي مشخص واوجده يسقط الامر ويحصل الامتثال، والقائل بتعلقه بالفرد يريد تعلقه به مع مشخصاته فتكون مشخصاته ايضا مامورا بها، يكون التوهم المذكور متينا جدا إذ على القول بتعلق الاوامر والنواهي بالافراد يكون الامر متعلقا بالصلاة مثلا مع مشخصاتها ومن جملتها الغصب في مورد الاجتماع فهو متعلق للامر، والحال انه متعلق للنهى ايضا فيلزم اجتماع الامر والنهى في شئ واحد وهو محال، وعلى القول بالتعلق بالطبايع يصح النزاع، والقول بان متعلق كل من الامر والنهى غير الاخر، فلم يجتمعا في واحد وانما الاجتماع في مرحلة اخرى. وبذلك يظهر ان المحقق الخراساني ليس له الجواب بما افاده. ولكن قد مر في ذلك المبحث ان مسألة تعلق الاوامر بالطبايع أو الافراد، يمكن ان تكون مبتنية على مسألة فلسفية وهى ان الاصل في التحقق هو الفرد أو الطبيعة والماهية، والقائلون باصالة الماهية يدعون ان متعلق الامر هو الطبيعة والقائلون باصالة الوجود

[ 146 ]

يقولون ان المتعلق هو الفرد، وايضا يمكن ان تكون مبتنية على مسألة فلسفية اخرى، وهى ان الكلى الطبيعي موجود في الخارج بوجود افراده ام لا وجود له في الخارج، فعلى الاول يكون متعلق الاوامر والنواهي وجودات الطبايع، وعلى الثاني يكون المتعلق الافراد. وعلى هذين التقديرين عدم ابتناء النزاع في المقام على تلك المسألة في غاية الوضوح وما افاده المحقق الخراساني يتم على هذين المبنيين فتدبر. بيان ضابط ما به يدخل مورد في هذا الباب أو باب التعارض التاسع: قال صاحب الكفاية: انه لا يكاد يكون من باب الاجتماع الا إذا كان في كل واحد من متعلقي الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق والاجتماع كى يحكم على الجواز بكونه فعلا محكوما بالحكمين وعلى الامتناع بكونه محكوما باقوى المناطين أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن احدهما اقوى كما ياتي تفصيله واما إذا لم يكن للمتعلقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب ولا يكون محكوما الا بحكم واحد منهما إذا كان له مناطه أو حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لواحد منهما قيل بالجواز أو الامتناع. هذا بحسب مقام الثبوت واما بحسب مقام الدلالة والاثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا احرز ان المناط من قبيل الثاني فلا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح والتخيير والا فلا تعارض في البين بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين فربما كان الترجيح مع ما هو اضعف دليلا لكونه اقوى مناطا فلا مجال حينئذ لملاحظة مرجحات الروايات اصلا بل لابد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات كما ياتي الاشارة إليها نعم لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلى لوقع بينهما التعارض فلابد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل احدهما على الحكم الاقتضائى بملاحظة مرجحات باب المزاحمة انتهى. وربما يورد عليه، بالتنافى، بين قوله في هذا الامر، فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا احرز ان المناط من قبيل الثاني. وبين قوله في الامر اللاحق وكلما لم يكن

[ 147 ]

هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض: إذ لازم الاول، هو اجراء احكام التزاحم عند الشك في ثبوت المقتضى للحكمين، ولازم الثاني، هو اجراء احكام التعارض. ولكن الظاهر عدم وجود صورة شك في ذلك كى يكون على الاول مورد الاجراء احكام التزاحم وعلى الثاني مورد الاجراء احكام التعارض. وذلك لان دليلى الحكمين ان لم يكن لهما اطلاق، أو كان لاحدهما خاصة لم يكونا من المتعارضين ولا المتزاحمين، وان كان لكل منهما اطلاق فان علم بكذب احدهما كان من باب التعارض مطلقا على كلا المسلكين. وان لم يعلم بكذب احدهما. فعلى القول بالجواز يعمل بكلا الدليلين فإذا كان الدليلان، أو احدهما في مقام بيان الحكم الاقتضائى يحكم بفعليتهما، واما على الامتناع، فان كان الدليلان في مقام بيان الحكم الاقتضائى، أو كان احدهما كذلك يكونان من باب التزاحم، واما ان يكون الدليلان في مقام بيان الحكم الفعلى، فالاطلاقان متعارضان إذ بعد فرض عدم امكان فعليتهما معا، اما ان يكون مرجح من المرجحات المذكورة في الاخبار العلاجية. لاحدهما فيحكم بفعليته، والا فيتساقطان، وعلى كل تقدير أي سواء كان الساقط احدهما أو كليهما يكونان من باب التعارض، إذ كما يمكن ان يكون السقوط والانتفاء لاجل المانع مع ثبوت المقتضى له يمكن ان يكون لاجل انتفائه. اللهم الا ان يقال ان قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائى لو لم يكن احدهما اظهر والا فخصوص الظاهر منهما - بدعوى - ان الدليل المتكفل لبيان الحكم الفعلى، يدل بالمطابقة على ثبوت الحكم وبالالتزام على ثبوت المقتضى له فإذا وقع التنافى والتعارض بين الحكمين وسقطت الدلالة المطابقية لهما أو لاحدهما عن الحجية، لا وجه لالقائهما عن الحجية في الدلالة الالتزامية، ولازم ذلك هو الحكم بوجود المقتضى لهما فيكونان من باب التزاحم. ثم ان هذا كله في شرح كلمات المحقق الخراساني، ودفع توهم التنافى بين كلماته واما تحقيق القول في المقام، فملخص ما افاده في هذا الامر، امور ثلاثة: احدها: ان هذه المسألة تدور مدار امر واحد، وهو كون المجمع لمتعلقي الامر

[ 148 ]

والنهى في مورد الاجتماع، مشتملا على ملاك الحكمين معا، ليكون على القول بالجواز محكوما بكلا الحكمين، لفرض وجود الملاك، وعدم المانع من ناحية اخرى. وعلى القول بالامتناع، يكون محكوما باقوى الملاكين إذا كان احدهما اقوى، وبحكم آخر غير هذين الحكمين إذا كان الملاكان متساويين، واما لو يكن المجمع مشتملا على الملاكين فلا يكون من هذا الباب، كان مشتملا على ملاك احدهما ام لا ؟ ولكن يرد عليه ان هذه المسألة لا تكون مبتنية على نظر الامامية القائلين بتبعية الاحكام للملاكات الواقعية بل تعم نظر جميع المذاهب حتى مذهب الاشعري المنكر لتبعية الاحكام للملاكات، مع انه قد مر ان القول بالامتناع يبتنى على سراية النهى من متعلقه الى ما ينطبق عليه المأمور به، اما لوحدة المجمع وجودا وماهية، أو لعدم تخلف اللازم عن الملزوم في الحكم، والقول بالجواز يكون مبتنيا على عدم السراية، وعليه فاجنبية مسألتنا هذه، عن مسألة تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد الواقعية، واضحة. ثانيها: انه لو احرز من الخارج، بان المجمع للمتعلقين مشتمل على ملاك واحد غير المعلوم انه ملاك الامر أو النهى، يقع التعارض بين دليلى الامر والنهى، ولابد من الرجوع الى مرجحات ذلك الباب، والا بان لم يحرز ذلك، كان من باب تزاحم المقتضيين، ولابد من اعمال قواعد باب التزاحم. ويرد عليه ما تقدم في مبحث الضد من ان ملاك التعارض هو تنافى الحكمين في مقام الجعل، اما من ناحية المبدأ أو من ناحية المنتهى، والملاك في التزاحم هو ما إذا لم يكونا متنافيين في مقام الجعل، بل كان بينهما كمال الملائمة، وكان التضاد بين المتعلقين اتفاقيا وكان منشأه عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال اتفاقا - وعليه - فإذا فرض وجود المقتضيين، وفرض ان المجمع واحد وجودا، وماهية، لا محالة يقع المعارضة بين الحكمين: إذ لا يمكن اجتماع المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة، أو الغالبة عليها، مع المفسدة كذلك، وايضا لا يمكن اجتماع الارادة، والكراهة، وايضا لا يمكن الامتثال ولا يكون ذلك من باب التزاحم، ولا مورد لاعمال قواعده، وقد مر ان باب تزاحم المقتضيين، غير باب تزاحم الاحكام.

[ 149 ]

ثالثها: انه لو كان كل من الدليلين متكفلا للحكم الفعلى لوقع التعارض بينهما، فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة، الا إذا جمع بينهما بحمل احدهما على الحكم الاقتضائى، بملاحظة مرجحات باب المزاحمة. وفيه: ان التوفيق العرفي انما يكون بملاحظة مرجحات باب الدلالة والمعارضة، لا بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، لوضوح الفرق بين البابين، مع ان الحمل المزبور، لا يجدى في رفع غائلة اجتماع الامر والنهى في شئ واحد لما مر ان اجتماع المصلحة، والمفسدة، والموثرتين، في المحبوبية والمبغوضية، غير ممكن. واما ما اورده المحقق النائيني على ما افاده المحقق الخراساني ضابطا في المقام، بما حاصله، ان لازم ذلك عدم تحقق مورد للتعارض اصلا إذ انتفاء الملاك لا يمكن استكشافه من نفس الدليلين لعدم تكاذبهما في ذلك وانما يكون تكاذبهما في الوجوب والحرمة، ولو دل دليل من الخارج على انتفاء الملاك في احدهما يكون ذلك من موارد اشتباه الحجة باللاجحة. فيرد عليه اولا: ما ذكره المحقق الخراساني بقوله، فان انتفاء احد المتنافيين كما يمكن ان يكون لاجل المانع مع ثبوت المقتضى له، يمكن ان يكون لاجل انتفائه، فعلى الامتناع وكون الدليلين في مقام بيان الحكم الفعلى يكون الدليلان متعارضين. وثانيا: انه لو علم من الخارج انتفاء الملاك في احد الحكمين الموجب للعلم بكذب احدهما بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد يكون ذلك من باب التعارض، لا اشتباه الحجة باللاحجة كما حققناه في مبحث التعادل والترجيح. بيان ما به يحرز كون مورد من قبيل التعارض أو من هذا الباب العاشر: ان المحقق الخراساني (ره) بعد ما بين في المقدمة الثامنة ضابط ما به يدخل مورد الاجتماع في هذا الباب قد تعرض لمقدمة اخرى، وغرضه من التعرض له بيان ما به يمكن ان يحرز به كون مورد من قبيل التعارض أو من هذا الباب.

[ 150 ]

وحاصل ما افاده انه ان كان هناك ما دل من اجماع أو غيره على وجود المناط لكلا الحكمين في المجمع فلا اشكال في انه حينئذ من هذا الباب، والا فان كان لكل من دليلى الحكمين اطلاق، فاما ان يكون الاطلاقان في مقام بيان الحكمين الاقتضائيين أو يكون الاطلاقان في مقام بيان الحكمين الفعليين، فعلى الاول يدل الاطلاقان على ثبوت المقتضى والمناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب، وعلى الثاني فكذلك على القول بالجواز الا إذا علم اجمالا بكذب احدهما فيعامل معهما معاملة المتعارضين، و على الامتناع فالاطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضى للحكمين، لان انتفاء احد المتنافيين كما يمكن ان يكون لاجل المانع، يمكن ان يكون لاجل انتفائه، اللهم الا ان يقال ان مقتضى التوفيق بينهما حمل كل منهما على الحكم الاقتضائى لو لم يكن احدهما اظهر والا فخصوص الظاهر منهما. وفى كلامه مواقع للنظر، مع قطع النظر عما اوردنا عليه من عدم كون المناط في هذا الباب وجود الملاكين. الاول: ان المراد من الحكم الفعلى ان كان هو الحكم البالغ مرتبة الباعثية والزاجرية، فهو ليس امرا جعليا ومجعولا للشارع، بل هو يدور مدار فعلية ما اخذ موضوعا له في مقام الجعل والانشاء: لما مر غير مرة من ان الاحكام الشرعية مجعولة بنحو القضية الحقيقية، ولا يتوقف جعلها على وجود الموضوع وانما يصير الحكم فعليا بعد فعلية موضوعه، ولا يعقل تخلفه عنه، وان كان المراد منه هو جعل الحكم وانشائه، فيرد عليه ان اجتماع الحكمين كذلك في شئ واحد محال من غير فرق بين القول بالجواز، والامتناع. الثاني: فيما افاده في الحكم الاقتضائى، فانه يرد عليه انه ان كان مراده منه هو الانشاء بداعي الكشف عن كون المتعلق ذا مصلحة أو مفسدة فهو ليس الا حكما ارشاديا ولا يثبت به الوجوب أو الحرمة، والكلام انما هو في اجتماع الامر والنهى الدالين على الوجوب والحرمة، فيكون خارجا عن مسألة الاجتماع، وان كان مراده منه هو الحكم الطبيعي بمعنى الحكم الذى ثبت على ذات الشئ من دون النظر الى عوارضه وطواريه،

[ 151 ]

غير المنافى لعروض عنوان على متعلقه واتصافه بحكم آخر، فيرد عليه ان الاهمال في مقام الاثبات وان كان معقولا، الا ان التعارض والتزاحم فرع الاطلاق كما تقدم فمع عدمه لا تمانع رأسا. الثالث: ما افاده من امكان رفع المعارضة بالتوفيق المزبور، فانه يرد عليه ما تقدم فراجع. الامتثال باتيان المجمع على القول بالجواز الحادى عشر: المشهور بين الاصحاب انه على القول بالجواز وتعدد المجمع تكون العبادة صحيحة ولو كان عالما بالحرمة، أي حرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع، وانه يسقط الامر ويحصل الامتثال باتيان المجمع مطلقا، وان كان معصية للنهى. وكذلك الحال على الامتناع وترجيح جانب الامر الا انه لا معصية عليه حينئذ. واما على الامتناع وتقديم جانب النهى فالامر يسقط باتيان المجمع مطلقا في غير العبادات لحصول الغرض، واما في العبادات فلا يسقط الامر مع الالتفات الى الحرام أو بدونه تقصيرا. واما إذا لم يلتفت إليه قصورا فالامر يسقط باتيانه ووافقهم المحقق الخراساني في الكفاية. ولكن خالفهم المحقق النائيني (ره) وذهب الى بطلان العبادة على القول بالجواز وتعدد المجمع فيما إذا كان المكلف عالما بالحرمة لا فيما إذا كان جاهلا بها أو ناسيا لها. وتنقيح القول في المقام على وجه يظهر مدرك ما افاده الاعلام، وما هو الحق منها يقتضى البحث في مقامين. الاول، في حكم الامتثال على الجواز وتعدد المجمع. الثاني، في حكمه على القول بالامتناع ووحدة المجمع. اما المقام الاول: فالكلام فيه في موردين: احدهما: ما إذا فرض العلم بحرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع. ثانيهما: ما إذا كان جاهلا بها أو ناسيا لها.

[ 152 ]

اما المورد الاول: فقد عرفت ان المحقق الخراساني (ره) وفاقا للمشهور، ذهب الى صحة العبادة وخالفهم المحقق النائيني (ره) وذهب الى بطلانها. والحق ان يقال انه، تارة نقول بعدم اشتراط القدرة في متعلق التكليف ما لم يستلزم اللغوية كما اخترناه، أو نقول بانه لو اعتبرنا القدرة فهو مختص بالقدرة التكوينية دون التشريعية كما هو الصحيح، فلا اشكال في صحة العبادة لفرض ان المأمور به منطبق على الفرد الماتى به في الخارج وهو المجمع، وان استلزم المعصية للنهى، لكن العبادة ليست متحدة مع الحرام، فلا يكون ارتكابه موجبا للفساد بل يكون من قبيل النظر الى الاجنبية في الصلاة. واخرى نقول باعتبارها، فحينئذ ان قلنا بكفاية القدرة على بعض الافراد في تعلق الامر بالطبيعة اين ما سرت كما اختاره المحقق الثاني (ره) لا كلام في الصحة كما لا يخفى، واما بناءا على اشتراطها وعدم كفاية ذلك، واعتبار كون كل فرد مقدورا في نفسه في دخوله في حيز الامر، فيقع التزاحم بين الامر والنهى لعدم قدرة العبد على امتثالهما معا فمع تقديم جانب النهى يسقط الامر. وما ذكره الاستاذ الاعظم من ان حرمة ما يكون مقارنا للمأمور به لا تجعل ذلك الفرد غير مقدور ليخرج عن حيز الامر إذ عدم القدرة اما ان يكون تكوينيا أو يكون تشريعيا بتلعق النهى بذلك الشئ أو بمقدماته، وفى غير هذين الموردين لا يكون الشئ غير مقدور - وعليه - فبما ان الايتان بفرد الطبيعة المأمور بها في ضمن المجمع لا يكون غير مقدور عقلا كما هو واضح، ولا شرعا لعدم تعلق النهى به ولا بمقدماته لعدم سراية النهى عن ملازمه إليه فلا وجه لخروجه عن حيز الامر، فلا مانع من اتيان المأمور به في ضمن المجمع بقصد امره حتى على هذا المسلك. غير تام إذ بناءا على اعتبار القدرة، بما ان المكلف غير قادر على الاتيان بالمأمور به في ضمن المجمع وترك المنهى عنه، فلا بد من سقوط النهى أو خروج هذا الفرد عن حيز الامر، ولا يمكن بقائهما معا فإذا فرضنا بقاء النهى، فلا محيص عن خروج هذا الفراد عن حيز الامر - وبعبارة اخرى - لم يظهر لى وجه الفرق بين هذا المورد من موارد التزاحم

[ 153 ]

وساير موارده، فان هذا البرهان بعينه يجرى في ساير الموارد كما لا يخفى، والجواب عنه ما ذكرناه. فالاظهر انه على هذا المبنى لابد من سقوط الامر، ولكن يمكن تصحيح العبادة حينئذ والالتزام بحصول الامتثال باتيان المجمع بالترتب، أو بداعي الملاك بناءا على استكشاف وجوده مع سقوط التكليف كما هو المشهور غير المنصور. ثم ان المحقق النائيني استدل لما ذهب إليه من بطلان العبادة في صورة العلم بالحرمة: بان صحة العبادة حينئذ تتوقف على احد مسالك. الاول: ثبوت الامر بها في عرض النهى. الثاني: ثبوت الامر في طول النهى بنحو الترتب. الثالث: اتيانها بداعي الملاك وشئ منها لا يتم. اما الاول: فلانه يعتبر في متعلق التكليف القدرة على المأمور به وقد بينا في محله ان مدرك اعتبار القدرة ليس هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز، بل المدرك اقتضاء الخطاب القدرة على متعلقه حيث ان حقيقة الخطاب هو البعث على احد طرفي المقدور و ترجيح احد طرفي الممكن وجعل الداعي للفعل، ومعلوم ان جعل الداعي نحو الممتنع عقلا وشرعا محال، فلازم ذلك كون متعلق الامر هو الحصة المقدورة من الطبيعة و خروج الحصة غير المقدورة عنه، - وبعبارة اخرى - ان لازمه ايضا اعتبار الزايد على قدرة الفاعل التى يحكم باعتبارها العقل، وهو القدرة على الفعل والفرد المزاحم للحرام فيما نحن فيه ليس مقدورا عليه لان المانع الشرعي كالمانع العقلي فلا تنطبق الطبيعة المأمور بها بما انها مامور بها عليه فلا تصح. وفيه: ما عرفت في مبحث الضد مفصلا، ان هذا الوجه لا يتم وانه يبتنى على ان يكون الامر هو البعث نحو الفعل مع انه عبارة عن ابراز شوق المولى الى الفعل، أو اعتبار كون الفعل على عهدة المكلف، وشئ منهما لا يقتضى اعتبار القدرة فراجع ما ذكرناه واما الثاني: وهو تصحيح العبادة في المجمع بالترتب فقد انكر جريان الترتب في مسألة الاجتماع ومحصل ما افاده في وجه عدم جريان الترتب، يظهر ببيان مقدمتين.

[ 154 ]

الاولى: ان الترتب انما يمكن فيما إذا كان فعل المهم على فرض عصيان الامر بالاهم مقدورا للمكلف، واما لو فرضنا عدم القدرة عليه وصيرورة الفعل واجبا على تقدير ترك الاهم كما في الضدين الذين لا ثالث لهما فلا مورد للترتب كما تقدم. الثانية: ان الترتب انما نلتزم به فيما لم يلزم من الخطابين كذلك طلب الجمع بين الضدين، والا فلا يمكن. فبعد هاتين المقدمتين، قال ان عصيان خطاب النهى الذى هو شرط الامر حيث انه لابد وان يكون اما باتيان متعلق الامر أو بضد آخر غيره، وعلى الاول يلزم من الخطاب الترتبى طلب الحاصل، وعلى الثاني يلزم منه طلب احد الضدين على تقدير وجود الضد الاخر ومرجعه الى طلب الجمع بين الضدين وكلاهما محال فلا يعقل الخطاب الترتبى في المقام. اقول ما ذكره (ره) من المقدمتين تامتان، ولكن لا يتم ما رتب عليهما، الا على القول بالامتناع من الجهة الاولى، إذ بناءا على الجواز يكون وجود المنهى عنه مغايرا مع وجود المأمور به وساير الافعال، فالامر بالصلاة مثلا على تقدير تحقق الغصب ليس طلبا للحاصل. فان قلت ان وجود الغصب يلازم مع فعل من الافعال، فاما ان يؤخذ في الموضوع الحصة الملازمة للصلاة فيلزم طلب الحاصل، أو يؤخذ فيه الحصة الملازمة لفعل آخر من النوم وغيره، فيلزم طلب الجمع بين الضدين. قلت، يرد عليه اولا: النقض بساير المتزاحمين الذين صححنا الترتب فيها كالصلاة والازالة، فنقول ان ترك الازالة الذى اخذ في موضوع الامر بالصلاة، اما ان يؤخذ الحصة منه الملازمة للصلاة، فيلزم طلب الحاصل، أو يؤخذ الحصة الملازمة لفعل آخر فيلزم طلب الجمع بين الضدين. وثانيا: بالحل، وهو انه لا يؤخذ قيد من القيود فيه، فكما انه نقول في المثال ان الشرط هو ترك الازالة المعرا عن جميع القيود، وعلى تقديره تكون الصلوة مقدورة كذلك في المقام نقول ان الشرط هو فعل المنهى عنه ولا يؤخذ فيه قيد من القيود، وعلى فرض وجوده يكون وجود المأمور به مقدورا فيؤمر به على هذا التقدير،

[ 155 ]

وقد مر تفصيل القول في ذلك في مبحث الضد فراجع. واما الثالث: وهو تصحيحها بالملاك فقد افاد (قده) في وجه عدم امكان ذلك بان ملاك الامر انما يصلح للتقرب به فيما إذا لم يكن مزاحما بالقبح الفاعلى والا فلا يكون صالحا للتقرب به الى المولى: فان صحة العبادة كما يعتبر فيها الحسن الفعلى كذلك هي مشروطة بالحسن الفاعلى بان يكون زايدا على محبوبيته وحسنه ايجادها من الفاعل حسنا، والملاك المفروض وجوده في المقام ليس كذلك لان الصلاة والغصب مثلا بما انهما ممتزجان في الخارج بحيث لا يمكن الاشارة الى احدهما دون الاخر كانا متحدين في مقام الايجاد والتاثير فيكون موجدهما مرتكبا للقبيح في ايجاده ومعه يستحيل ان يكون الفعل الصادر منه مقربا له. وفيه: انه بعد فرض تعدد وجود المأمور به والمنهى عنه كما هو المفروض في هذا المقام، لا محالة يكون الايجاد متعددا: إذ الايجاد والوجود، متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلكل من المأمور به والمنهى عنه، ايجاد مستقل فليس في ايجاد المأمور به قبح فعلى، ولا فاعلي، نعم هو مقارن لما هو قبيح ولكن قد مر ان القبح لا يسرى من احد المقارنين الى المقارن الاخر. فالمتحصل مما ذكرناه انه على القول بالجواز وتعدد المجمع يكون حكم المقام حكم ساير موارد التزاحم، فالاظهر صحة العبادة بالاتيان بالمجمع. نعم، بناءا على ما تقدم من انه لا طريق لنا الى احراز الملاك مع سقوط الامر، لا سبيل الى تصحيح العبادة الا بالطريقين الاولين. واما المورد الثاني: وهو ما إذا كان جاهلا بالحرمة عن قصور أو ناسيا لها، فعلى القول بالصحة في حال العلم فالصحة في فرض الجهل والنسيان اظهر. واما على القول بعدم الصحة في صورة العلم، فالظاهر هي الصحة ايضا في صورة الجهل والنسيان. اما مع الجهل، فلانه في جميع موارد التزاحم إذا كان التكليف بالاهم غير منجز، فبما انه لا يصلح ان يكون معجزا شرعيا عن امتثال الاخر لكونه معذورا في مخالفته لا

[ 156 ]

يعقل مزاحمته معه فلا محالة يكون الامر باقيا. واما في فرض النسيان فالامر اوضح لان التكليف يكون مرفوعا رأسا. فالمتحصل، مما ذكرناه صحة العبادة في مورد الاجتماع على القول بالجواز وتعدد المجمع واقعا في جميع الصور من العلم والجهل والنسيان. واما افاده المحقق الخراساني (ره) قال انه لا اشكال في سقوط الامر وحصول الامتثال باتيان المجمع بداعي الامر على الجواز مطلقا ولو في العبادات وان كان معصية للنهى ايضا انتهى. فهو وان كان حقا كما مر الا انه لا يتم على مسلكه من سقوط التكليف عن احد المتزاحمين فانه حينئذ ان قدم جانب الامر لم يكن وجه لحكمه بالمعصية للنهى وان قدم جانب النهى لم يكن معنى للاتيان بداعي الامر بعد أنه لا يلتزم بالترتب. حكم الامتثال باتيان المجمع على القول بالامتناع المقام الثاني: في حكم الامتثال باتيان المجمع على القول بالامتناع ووحدة المجمع واقعا فان قدمنا جانب الامر فالصحة واضحة غير محتاجة الى البحث. وان قدمنا جانب النهى فالكلام فيه في موضعين: الاول: في صورة العلم أو الجهل به عن تقصير. الثاني: في صورة الجهل عن قصور والنسيان. اما الموضع الاول: فالكلام فيه في موردين: احدهما: في التوصليات. ثانيهما: في العبادات. اما المورد الاول: ففى الكفاية فيسقط به الامر به مطلقا في غير العبادات لحصول الغرض الموجب له انتهى. وفيه: انه ان قدم جانب النهى وخرج المجمع عن حيز الامر وتمحض في كونه منهيا عنه وقيد المأمور به بغير هذا الفرد لا معنى لصحته وحصول الغرض، وان شئت قلت انه على الامتناع يقع التعارض بين دليلى الامر والنهى، فان قدمنا دليل النهى لقواعد و

[ 157 ]

مرجحات باب التعارض، يخرج المجمع عن كونه مامورا به، ومعه لا وجه للاجزاء من غير فرق بين التعبدى والتوصلى. نعم، ربما يعلم من الخارج انه يحصل الغرض من الواجب ولو اتى به في ضمن محرم كازالة النجاسة عن البدن والثوب لو غسلا بالماء المغصوب، واما مع عدم الدليل على ذلك كتكفين الميت بالمغصوب وتحنيطه به فلا يحكم بالصحة وسقوط الامر وحصول الغرض. وبالجملة على الامتناع ووحدة المجمع وجودا وماهية، ووقوع التعارض بين دليل الامر والنهى، معنى تقديم جانب النهى تمحض المجمع في كونه مبغوضا ومحرما فحسب، ومن الواضح ان الحرام لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب. وبما ذكرناه ظهر الحال في المورد الثاني وهو العبادات وانه لا اشكال في الفساد. واما الموضع الثاني: فالكلام فيه، تاره في صورة الجهل عن قصور، واخرى في صورة النسيان. اما في صورة الجهل، فالاظهر هو الفساد إذ بعد ما خرج المجمع عن تحت دليل الامر وتمحضه في كونه مبغوضا ومحرما وعدم معقولية ان يكون مصداقا للواجب لافرق بين صورة العلم والجهل، ولا بد من البناء على عدم سقوط الامر باتيانه، وان شئت فلا حظ المثال المعروف - اكرم عالما - ولا تكرم الفساق، فعلى فرض تقديم النهى، هل يتوهم احد سقوط الامر باكرام العالم الفاسق، فكذلك في المقام. وقد استدل المحقق الخراساني (ره) للصحة في العبادات بوجوه ثلاثة: الاول: ان المجمع من حيث كونه مشتملا على المصلحة قابل لان يتقرب به وانما لا يحكم بالصحة، في صورة العلم، وما يلحق به من الجهل إذا كان عن تقصير من جهة انه يقع الفعل في الحالين مبعدا والمبعد لا يقرب، - وبعبارة اخرى - لا يكون صدوره حسنا بل قبيحا من جهة كونه ايجاد اللمبغوض، وان شئت فقل انه يعتبر في صحة العبادة حسن الفعل والحسن الفاعلى، وفى الحالين، وان كان الفعل حسنا الا انه يكون مقترنا بالقبح الفاعلى، ولاجل ذلك لا يصح ولا يمكن ان يتقرب به، وهذا بخلاف ما إذا كان الجهل عن قصور وعذر، فانه لا يكون الفعل منه مبعدا ولا مقترنا بالقبح الفاعلى فتصح العبادة. هذا بناءا على

[ 158 ]

كفاية الاتيان بداعي الملاك بل يمكن تصحيح العبادة على القول باعتبار قصد الامر فيها. بدعوى كفاية قصد الامر المتعلق بالطبيعة التى يندرج تحتها المجمع في الامتثال باتيان المجمع، وان لم يكن بنفسه داخلا في حيز الامر. وفيه: ان المصلحة المغلوبة للمفسدة، لا تصلح ان تكون موجبة للقرب فلا يصح التقرب بما اشتمل عليها فاتيان المجمع في صورة الجهل عن قصور، وان لم يكن مقترنا بالقبح الفاعلى، الا انه بنفسه لا يكون حسنا، مع انه لو سلم ذلك لا يتم ما ذكره من كفاية قصد الامر المتعلق بالطبيعة: إذ الامر لا يدعو الا الى ما تعلق به فلا يصح الاتيان بالمجمع غير المأمور به بداعي الامر المتعلق بغيره. مضافا الى انه بعد عدم امكان كون المجمع محكوما بحكمين من غير فرق بين صورة العلم والجهل، وتقديم جانب النهى وسقوط الامر، لا كاشف عن وجود المصلحة إذ سقوط الامر، كما يلائم مع وجود المصلحة وغلبة المفسدة عليها، يلائم مع عدم المصلحة وتمحض المجمع في كونه ذا مفسدة ومع عدم احراز المصلحة كيف يمكن التقرب بالملاك. الثاني: ان فعلية كل حكم تابعة للحسن أو القبح المتوقف تحققهما على العلم بالمصلحة أو المفسدة - لا - على المصلحة والمفسدة الواقعتين وعليه ففى صورة الجهل عن عذر وان كانت المفسدة الموجودة في المجمع اقوى من المصلحة الا انها لا تكون منشئا لجعل الحرمة، والمصلحة وان كانت اضعف، الا انه للعلم بها الموجب للحسن تكون منشئا لجعل الوجوب، فيكون المجمع مامورا به في حال الجهل عن قصور، لان قوة الملاك توجب جعل الحكم على طبق ما هو الاقوى في حال الالتفات والعلم بها أو ما هو في حكم الالتفات دون ما يكون عن غير التفات، فان المجهول لا يصلح للمنشائية لجعل الحكم. وفيه: ان المصلحة الواقعية موجبة لحسن الفعل ذاتا كما ان المفسدة الواقعية، موجبة لقبحه كذلك نعم الحسن والقبح الفاعليان لا يدوران مدار المصلحة والمفسدة الواقعيتين، الا ان المنشأ لجعل الاحكام انما هو الحسن والقبح الذاتيان دون الفاعليين

[ 159 ]

المتأخرين عن جعل الاحكام، فان ذلك غير معقول كما هو واضح. مع انه على ذلك يخرج المجمع عن مورد البحث، وهو كونه مجمعا للعنوانين الذين تعلق باحدهما الامر وبالاخر النهى، فان لازم ما ذكره عدم كونه محكوما بالحرمة رأسا. واما ما اشتهر بين جماعة من كون الحكم تابعا للمصلحة أو المفسدة المعلومة، فانما ارادوا بذلك المعلومة عند الحاكم، لا المكلف، والا فهو بين الفساد، إذ مضافا الى انه لا طريق للمكلفين لاحراز مصالح الاحكام، انه لا كلام في انه لا يسمع اعتذار العبد التارك لما امر به مولاه بانى اعتقدت كون المأمور به خاليا عن المصلحة، أو ما احرزت وجودها، و لعمري ان فساد هذا الكلام اوضح من ان يبين. الثالث: ان الاحكام لا تضاد بينها في مقام الانشاء كما لا تضاد بينها في مقام الاقتضاء، وانما التضاد بينها يكون في مقام الفعلية، وعليه فبما ان المفروض وجود الملاكين في المجمع فلا محالة يكون الانشائان ثابتين، وحيث ان المانع عن فعلية الامر انما هو فعلية النهى، ففى صورة الجهل عن قصور يسقط النهى عن الفعلية فلا محالة يصير الامر فعليا. وفيه: ان التنافى والتضاد ثابت في مقام الاقتضاء والانشاء، إذ المصلحة التى تكون ملاكا ومنشئا للامر هي المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة أو الغالبة عليها، والمفسدة التى تكون منشئا للنهى هي ما لا تكون مزاحمة للمصلحة أو تكون غالبة عليها، وعليه فلا يعقل اجتماعهما في واحد. واما الانشاء فان اريد به استعمال اللفظ في المعنى، فهو وان لم يكن مضادا مع حكم انشائي آخر الا انه لا يكون منشئا للاثر اصلا، وان اريد به انشاء الحكم على طبق الملاك، ويكون ناشئا عن الارادة والكراهة، فهو وان كان لا تضاد بينه وبين حكم انشائي آخر كذلك إذ الجعل خفيف المؤنة، الا انه يثبت التضاد بينهما بالعرض من جهة التضاد بين ملاكيهما، ومن ناحية المنتهى ايضا، كما سيجئ تنقيح القول في ذلك. ثم ان المحقق الخراساني (ره) قال وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليلا

[ 160 ]

الحرمة والوجوب متعارضين وقدم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا حيث لا يكون معه مجال للصحة اصلا وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع وقيل بالامتناع وتقديم جانب النهى حيث يقع صحيحا في غير مورد من موارد الجهل والنسيان لموافقته للغرض بل للامر انتهى. وفيه: ما مر من انه على الامتناع الذى اساسه وحدة المجمع وجودا وماهية لا محالة يقع التعارض بين الدليلين وان باب تزاحم الملاكات غير باب تزاحم الاحكام و الملاك للامر ليس وجود المصلحة بل هي المصلحة غير المغلوبة للمفسدة فمع تقديم جانب النهى وغلبة المفسدة لا محالة لا تصلح المصلحة على فرض وجودها للملاكية والداعوية. فالاظهر هو الفساد وعدم الصحة في صورة الجهل، واما في صورة النسيان فالاظهر هي الصحة لسقوط النهى بالنسيان فإذا كان المجمع جائزا واقعا فلا مانع من شمول اطلاق دليل الامر له. فالمتحصل مما ذكرناه ان الاظهر هي الصحة على القول بالجواز وتعدد المجمع، و عدم الصحة على القول بالامتناع مطلقا الا في فرض النسيان. دليل القول بالامتناع وبعد ذلك نقول انه قد استدل لكل من القولين بوجوه، فالكلام يقع اولا فيما استدل به القائلون بالامتناع. ثم فيما استدل به للجواز. اما ادلة القول بالامتناع فنذكر منها في المقام وجهين: احدهما: ما في الكفاية و جعله مركبا من مقدمات اربع: الاولى: ان الاحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها. الثانية: ان متعلقات التكاليف هي المفاهيم بما هي فانية في الموجودات الخارجية. الثالثة: ان تعدد الوجه والعنوان لا يوجب تعدد المعنون ولا تنثلم به وحدته. الرابعة: ان الموجود الواحد لا يمكن ان يكون له ماهيتان. ورتب على هذه المقدمات ان المجمع بما انه واحد

[ 161 ]

وجودا وماهية فلا يعقل اجتماع الامر والنهى فيه. اقول: اما المقدمة الثانية، فقد تقدم الكلام فيها في مبحث تعلق الامر بالطبايع أو الافراد وعرفت انها صحيحة. واما المقدمة الرابعة: فهى بديهية، فالعمدة هو البحث في الاولى، والثالثة. الاحكام الخمسة متضادة اما المقدمة الاولى: فقد اختار (قده) ان الاحكام متضادة في مقام الفعلية، ولا تضاد بينها ما لم تبلغ تلك المرتبة. وفيه: ان هذا مبنى على مبناه من ثبوت المراتب للحكم، من الاقتضاء، والانشاء والفعلية، والتنجز، واما بناءا على المختار من ان له مرتبتين مرتبة الانشاء، والجعل بداعي التحريك على الموضوع المقدر وجوده وبنحو القضية الحقيقية، ومرتبة الفعلية والمجعول، وخروجه من التقدير الى الفعلية، فلا يتم ذلك إذ لو كان بين الفعليين تضاد، لا محالة يكون التضاد بين الانشائيين ايضا إذ امكان الجعل تابع لامكان الفعلية، ومع عدم امكان الفعليين لما كان يمكن انشائيين. والمحقق الاصفهانى (ره) ذهب الى انه لا تضاد بين الاحكام رأسا حتى في مقام الفعلية، ومحصل ما افاده (ره) ان التضاد كالتماثل من اوصاف الاحوال الخارجية، للامور العينية وليس الحكم بالنسبة الى متعلقه كذلك، سواء كان المراد به البعث والزجر، أو كان المراد به الارادة والكراهة. اما إذا كان المراد به البعث والزجر الذين هما امران اعتباريان ينتزعان من الانشاء، فلان الانشاء الذى هو مركب من كيف مسموع أي اللفظ، ومن كيف نفساني وهو قصد ثبوت المعنى به، قائم بالمنشأ لا بالفعل. اما الاعتبار، فهو ايضا قائم بالمعتبر ومقومه الفعل، بوجوده العنوانى الفرضى، وليس هو الفعل الخارجي، فانه يوجد سواء وجد الفعل ام لا ؟ كما هو واضح. واجتماع احكام متعددة ولو من موالى متعددين بالنسبة الى عبيد

[ 162 ]

كذلك في واحد واضح لا يحتاج الى بيان. واما إذا كان المراد به الارادة والكراهة اللتين هما من الامور الواقعية، ويكون موضوعهما النفس ومتعلقهما الفعل، فلانه لا مانع من اجتماع ارادات وكراهات كذلك في النفس في زمان واحد كما نشاهد بالعيان بالنسبة الى امور متعددة لبساطة النفس وتجردها، واما من حيث المتعلق، فلان المتعلق ليس هو الوجود الخارجي كما حقق في محله بل طبيعي الفعل بما انه فان في الخارج، واجتماع الاوصاف المتباينة في الواحد الطبيعي من الجنسى والنوعي، واضح، بداهة ان الطبيعي مورد لاحكام متعددة ولو من موالى متعددين بالنسبة الى عبيد كذلك ولا يخرج طبيعي الفعل عن كونه طبيعيا باختلاف الموالى والعبيد، وتعدد الفاعل، والسبب الموجد لا دخل له في تحقق التضاد والتماثل وعدمه بل المناط وحدة الموضوع والمفروض امكان الاجتماع في مثل هذا الواحد، ثم انه (قده) التزم بعدم امكان توجه البعث والزجر نحو شئ واحد لمحذور آخر وهو عدم قدرة العبد على ان ينبعث نحو شئ وينزجر عنه في ذلك الزمان. اقول: اما انكار التضاد بين الامر والنهى فهو حق وستعرف تحقيقه، وما انكاره بين الارادة والكراهة، فهو غير تام، ويتضح بعد بيان مقدمة. وهى، ان الصفات على قسمين: الاول: الصفات غير ذات الاضافة. الثاني: الصفات ذات الاضافة، وفى الاول يكون التضاد ثابتا مع وحدة الموضوع. وفى الثاني انما يكون التضاد مع وحدة الطرفين، مثلا، التقدم والتاخر ضدان ولكن التضاد انما يكون مع وحدة المتقدم والمتقدم عليه، والمتاخر والمتاخر عنه، والا فمع تعدد احد الطرفين لا تضاد بينهما، مثلا، يصح قولنا: زيد متقدم على عمرو، ومتاخر عن بكر، وهذا بخلاف قولنا: زيد متقدم على عمرو ومتاخر عنه. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم، ان الارادة والكراهة من الصفات ذات الاضافة فالمضادة ليست بين مطلق الارادة والكراهة بل بين الارادة الخاصة والكراهة كذلك أي ارادة شخص واحد فعلا واحدا. وكراهته عنه، والتضاد بينهما ثابت، وعليه فاجتماع ارادة وكراهة من الموالى المتعددين، أو بالنسبة الى عبيد كذلك أو مع تعدد المتعلق لا

[ 163 ]

ينافى مع التضاد بينهما. ودعوى: ان متعلقهما طبيعي الفعل لا الوجود الخارجي، ولا مانع من اجتماع صفات متباينة في الواحد الطبيعي، مندفعة: بان المتعلق وان كان هو الطبيعي، الا انه فانيا في الخارج، فإذا كان الطبيعي الفاني في افراد متعلقا للارادة، والطبيعي الفاني في افراد اخر متعلقا للكراهة، لاكلام، واما الطبيعي الفاني في جميع الافراد، فلا يمكن تعلق الارادة والكراهة من شخص واحد به بالنسبة الى شخص واحد. والتحقيق في هذا المقام ان الاحكام لا تضاد بينها ذاتا بل التضاد يكون بينها، من ناحية المبدأ، أي الشوق والكراهة، والمصلحة والمفسدة، أو من ناحية المنتهى، أي الامتثال، فالتضاد بينها ثابت، لكنه تضاد بالعرض، لا بالذات، وتمام الكلام في محله، و على أي تقدير لا يمكن اجتماعهما في واحد. ضابط كون التركيب اتحاديا أو انضماميا واما المقدمة الثالثة: وهى ان تعدد الوجه والعنوان لا يوجب تعدد المعنون التى هي اساس القول بالامتناع، كما ان القول بان تعدده يوجب تعدد المعنون اساس القول بالجواز. فقد افاد المحقق النائيني (ره) في مقام الجواب عنها. بعد فرضه كون محل الكلام، ما إذا تعلق الامر بطبيعة، والنهى بطبيعة اخرى وكانت النسبة بين العنوانين عموم من وجه. واما إذا كانت النسبة عموما مطلقا فلم يتوقف في الامتناع: لاتحاد العنوانين في الخارج، وان وجود الخاص في الخارج بعينه وجود للعام. وانه يخرج عن محل الكلام ما إذا كانت النسبة بين الموضوعين عموما من وجه، دون المتعلقين، كما في قضيتي اكرم العالم. ولا تكرم الفاسق، وانه في هذا المورد يمكن ان يكون التركيب اتحاديا: إذ المشتق انما ينطبق على الذات باعتبار اتصافها بمبدء خاص

[ 164 ]

ولا مانع من عروض مبدئين على ذات واحدة واتصافها بهما معا. انه إذا كانت النسبة بين الطبيعتين التين تكون، احداهما متعلقة للامر، والاخرى متعلقة للنهى عموما من وجه لا بد وان يكون التركيب بينهما في مورد الاجتماع انضماميا ولا يعقل ان يكون اتحاديا إذ المبدء الموجود في محل الاجتماع متحد ماهية مع المبدء الموجود في محل الافتراق، وعليه: فحيث لا يعقل ان يكون لموجود واحد ماهيتان متغايرتان، فلا بد وان يكون التركيب انضماميا ويكون لكل منهما وجود خاص. وتحقيق القول في المقام ان المتعلق للامر أو النهى، تارة يكون من الماهيات المتأصلة كالضرب مثلا، واخرى يكون من المفاهيم الانتزاعية التى تنتزع من الماهيات المتأصلة المتعددة، وثالثة، يكون من الامور الاعتبارية القابلة للانطباق على ماهيات مختلفة كعنوان التعظيم حيث انه ربما يصدق على القيام واخرى على تحريك الرأس و ثالثة على لبس العمامة وهكذا. وعليه، فان كان المتعلقان من المهيات المتأصلة وكانت النسبة بينهما عموما مطلقا لا محالة يكون التركيب اتحاديا، وان كانت النسبة عموما من وجه، لا بد وان يكون التركيب انضماميا، إذ لو فرضنا ان لكل منهما في غير مورد الاجتماع وجود أو فعلية، فكيف يعقل اجتماعهما في وجود واحد، فان ذلك يستلزم كون الشئ الواحد متفصلا بفصلين، وفعليا بفعلين، وبالجملة المقولات باجمعها متباينة لا يعقل اجتماع اثنتين منها في شئ واحد، وما يكون مصداقا لاحداها يمتنع كونه مصداقا للاخرى. وان كان المتعلقان من المهيات الانتزاعية أو الاعتبارية، فان كان منشأ انتزاعهما، أو مورد اعتبارهما شئ واحد، كما لو امر باكرام زيد، ونهى عن اكرام عمرو، فقام اكراما لهما لا محالة يكون التركيب اتحاديا، وان كان لكل منهما منشأ انتزاع خاص، أو مورد اعتبار كذلك غير مربوط بالاخر، كما لو قام اكراما لزيد وتحرك رأسه اكراما لعمرو يكون التركيب انضماميا. وان كان احد المتعلقين من المهيات المتأصلة والاخر من الماهيات الانتزاعية، أو الاعتبارية، وكان منشأ انتزاعه أو مورد اعتباره تلك المهية المتأصلة يكون التركيب

[ 165 ]

اتحاديا، وان كان غيرها يكون انضماميا، فيمكن ان تكون النسبة بين المتعلقين عموما من وجه، ومع ذلك يكون التركيب بينهما اتحاديا في المجمع. فما افاده المحقق النائيني من انه إذا كانت النسبة عموما من وجه لا محالة يكون التركيب انضماميا، لا يتم. كما ان ما افاده المحقق الخراساني من ان تعدد الوجه والعنوان لا يوجب تعدد المعنون على اطلاقه غير تام، فلا بد في تشخيص ذلك من ملاحظة كل مورد بخصوصه. الصلاة في الدار المغصوبة واما الصلاة في الدار المغصوبة، فملخص القول فيها، ان الصلاة مركبة من مقولات متباينة، وليس لها بنفسها ماهية خاصة وعدم صدق الغصب على جملة منها واضح، فان النية انما تكون من مقولة الكيف النفساني، والاذكار من التكبيرة، والقرائة، والتشهد، و غيرها من مقولة الكيف المسموع، والافعال المعتبرة فيها جملة منها كالركوع، والسجود والقيام، والجلوس، ونحوها، من مقولة الوضع أي الهيئة الحاصلة من اضافة بعض الاجزاء الى بعض، أو الكيف الجسماني، ولا مساس لشئ من ذلك بالغصب الذى هو من الماهيات غير المتأصلة المنتزعة من مهيات مختلفة، حيث انه في المقام ينتزع من الكون في الدار الذى هو من مقولة الاين، ولا ينتزع، من الاذكار فانها تصرف في اللسان، لافى مال الغير، ولا من الافعال، ولا من النية كما هو واضح، وقد برهن في محله ان المقولات العشر متباينة لا يعقل صدق اثنتين منها على موجود واحد فلا محالة يكون للغصب وجود غير ما لهذه الاجزاء من الوجود، والتركيب يكون انضماميا. واما الهوى الى السجود والنهوض الى القيام فان قلنا انهما ليسا من اجزاء الصلاة كما هو الحق فلا كلام، واما ان قلنا بانهما منها، فبناءا على ان الحركة لها مهية خاصة غير ما لغيرها من الماهيات، كما ذهب إليه بعض، فحالهما حال الاجزاء السابقة، واما بناءا على ما هو الحق من ان الحركة لا مهية متاصلة لها، بل هي تنتزع من تدريجية الوجود، و

[ 166 ]

كون الشئ في كل آن في حد غير ما كان فيه في الآن السابق، كما عليه المحققون، فهما في المقام ينتزعان من مقولة الاين التى تنتزع منها الغصبية ومن مقولة الوضع، فان كان المأمور به الاوضاع المتعددة الحاصلة بالهوى والنهوض فلا مساس لهما بالغصب فيكون التركيب انضماميا، واما ان قلنا ان المأمور به هو نفس الحركة الخاصة التى هي حركة في الاين فيلزم اجتماع المأمور به والمنهى عنه في واحد. نعم، بناءا على اعتبار الاعتماد على الارض في السجود، كما هو الظاهر، أو في القيام كما ذهب إليه بعض لزم اتحاد المأمور به والمنهى عنه في هذا القيد: إذ الغصب انما ينتزع من نفس الاعتماد على الارض المغصوبة لانه تصرف فيها. وكيف كان فإذا عرفت الضابط لكون التركيب اتحاديا، أو انضماميا، فاعلم انه على الاول لا مناص عن القول بالامتناع، إذ لا يعقل اجتماع الامر والنهى في شئ واحد، لعدم اجتماع مبدأيهما في واحد، وعلى الثاني لا مناص عن القول بالجواز: إذ بعد فرض تعدد الوجود وتمحض احدهما في كونه ذا مصلحة، والاخر في كونه ذا مفسدة، فلا بد من الامر باحدهما والنهى عن الآخر. وللمحقق اليزدى في درره في المقام كلام لا باس بالتعرض له قال (قده) قد يتراى التهافت بين الكلمات حيث عنونوا مسألة جواز اجتماع الامر والنهى، ومثلوا له بالعامين من وجه واختار جمع منهم الجواز، وانه لا تعارض بين الامر والنهى في مورد الاجتماع، وفى باب تعارض الادلة جعلوا احد وجوه التعارض، التعارض بالعموم من وجه وجعلوا علاج التعارض الاخذ بالاظهر ان كان في البين والا التوقف، أو الرجوع الى المرجحات السندية على الخلاف. واجاب عنه بان هذه المسألة مبنية على احراز وجود الجهة والمناط في كلا العنوانين وان المناطين، هل هما متكاسران عند العقل إذا اجتمع العنوانان في واحد كما يقوله المانع، اولا كما يقوله المجوز، ولا اشكال في ان الحاكم في هذا المقام هو العقل، و باب تعارض الدليلين، مبنى على وحدة الملاك، ولا يعلم ان الملاك الموجود، هل هو ملاك الامر ؟ أو ملاك النهى مثلا فلا بد ان يستكشف ذلك من الشارع بواسطة الاظهرية

[ 167 ]

ان كان احد الدليلين اظهر، والا التوقف أو الرجوع الى المرجحات السندية انتهى. اقول، يرد على جوابه (قده) انه لا طريق الى استكشاف وحدة المناط، وتعدده من غير ناحية التكليف الا نادرا، - وبعبارة اخرى - التعارض المدعى في ذلك الباب، انما هو بين نفسي الدليلين، لامن جهة احراز وحدة الملاك، فلا بد من رفع التهافت بوجه آخر. والحق في الجواب يبتنى على ما تقدم، وهو ان النسبة بين الموضوعين، وهما عنوانان اشتقاقيان، كالعالم، والفاسق، إذا كانت عموما من وجه، فبما انهما يصدقان على معروض واحد وذات واحدة، فلا محالة يكون التركيب اتحاديا، فلا مناص الاعن التعارض، واما إذا كانت النسبة بين المتعلقين وهما، مبدأ الاشتقاق عموما من وجه، و كان كل واحد منهما من الماهيات المتأصلة، أو كان كل منهما من الماهيات الانتزاعية أو الاعتبارية، وكان منشأ انتزاع كل منهما أو مورد اعتباره مغايرا للاخر، فلا محالة يكون التركيب انضماميا، فلا مناص عن القول بالجواز، وعليه، فما هو المعنون في باب التعارض هو المورد الاول، وما هو المعنون في المقام هو المورد الثاني فتدبر فان ذلك دقيق. الوجه الثاني: مما استدل به للامتناع على فرض كون التركيب انضماميا، انه بما ان كلا من متعلقي الامر والنهى في المجمع يكون من مشخصات الاخر فالتكليف بكل منهما يسرى الى الاخر فيلزم اجتماع الامر والنهى في واحد. والجواب عنه هو ما ذكرناه في مبحث الضد، ومبحث تعلق الامر بالطبايع أو الافراد من ان التكليف المتعلق بشئ لا يسرى الى مشخصاته التى لها وجودات مستقلة، وملازماته. ادلة القول بجواز الاجتماع وقد استدل للجواز على فرض كون التركيب اتحاديا بوجوه: الاول: ان الاجتماع في المقام بما انه مأموري لا آمرى لكونه من قبل نفس

[ 168 ]

المكلف بسوء اختياره فلا مانع من الاجتماع. وفيه: ان الاجتماع وان كان بسوء اختيار المكلف الا انه لا يعقل كون شئ واحد محكوما بحكمين لعدم امكان اجتماع المبدأين وقاعدة الامتناع بالاختيار، لا ينافى الاختيار، مضافا الى ان المراد بها عدم منافاته له عقابا لا خطابا هي اجنبية عن المقام مما يستحيل اجتماع المبدأين كما لا يخفى. الثاني: ما ذكره المحقق القمى (ره) وحاصله، ان الفرد مقدمة لوجود الطبيعي، و عليه فان قلنا بعدم وجوب المقدمة كان معروض الحرمة غير معروض الوجوب، وان قلنا بوجوبها فاجتماعهما في واحد وان كان متحققا الا ان احدهما نفسي والاخر غيرى. وفيه: ان الفرد ليس مقدمة لوجود الطبيعي بل الطبيعي موجود بوجود الفرد، فلا مقدمية للفرد على وجود الطبيعي، - وبعبارة اخرى - قد تقدم ان متعلق الامر هو الطبيعي الفاني في الوجودات الخارجية، مع ان متعلق النهى ايضا، هو الطبيعي بالمعنى المزبور، والفرق بينهما ان احدهما انحلالي، والاخر ليس كذلك. فيلزم اجتماعهما في واحد. الثالث: ان المتعلق التكليف انما هو الطبيعي المتصف بالوجود، ولكن الصفة خارجة عن حريم المتعلق، وانما الدخيل اتصاف الطبيعة بها. وعلى ذلك، فان تعلق الامر بطبيعة والنهى بطبيعة اخرى وتحققتا في الخارج بوجود واحد، فالوجود الخارجي وان كان واحدا الا ان الطبيعة المتصفة بالوجود متعددة، إذ اتصاف، كل من الطبيعتين بالوجود، غير اتصاف الاخرى به، فمحل الامر غير محل النهى، ولازم ذلك اختلاف الاطاعة والعصيان، وتعددهما ايضا، إذ الاتيان بالمجمع ليس بنفسه امتثالا ولا عصيانا، بل هو يوجب حصول اتصاف كل من الطبيعتين بالوجود، ويكون الامتثال باتصاف احداهما به. والعصيان باتصاف الاخرى به، هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه هذا الوجه وبه يظهر عدم تمامية جواب المحقق الخراساني من ان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون إذ ليس مبنى الاستدلال تعدد المعنون بل مبناه كون المأمور به اتصاف العنوان بالوجود فوحدة الوجود، لا تنافى هذه الدعوى. ولكن يرد عليه، مضافا الى ما تقدم في مبحث تعلق الاوامر بالطبايع، من ان متعلق

[ 169 ]

التكليف، الطبيعي الفاني في الموجود الخارجي، ان الوجود إذا كان واحدا فلا محالة يكون الايجاد واحدا، لانهما متحدان ذاتا، متغايران اعتبارا، والايجاد إذا كان واحدا، والوجود واحدا، كيف يعقل ان يكون مامورا به، ومنهيا عنه، وامتثالا، وعصيانا. العبادات المكروهة الرابع: انه لو لم يجتمع الامر والنهى لما وقع نظيره، وقد وقع كما في العبادات المكروهة فمن وقوع نظيره يستكشف الجواز إذ الوجه لعدم الجواز انما هو تضاد الاحكام الخمسة وامتناع اجتماع اثنين منها في واحد، وعليه، فمن الدليل على اجتماع الاستحباب والكراهة في واحد يستكشف امكانه، ومن امكانه يستكشف امكان اجتماع الوجوب والحرمة في واحد. ولهذا الوجه جوابان: الاول: الجواب الاجمالي وهو ان الظهور لا يصادم البرهان فلو تم برهان الامتناع لا مناص عن التصرف فيما ظاهره خلاف ذلك، مع انه في تلك الموارد أي العبادات المكروهة قد ادعى ظهور الادلة في اجتماع الاستحباب والكراهة، بعنوان واحد، ولم يلتزم بجواز ذلك احد حتى القائل بالجواز. الجواب الثاني: هو الجواب التفصيلي، وحاصله، ان العبادات المكروهة على اقسام ثلاثة: الاول: ما تعلق النهى التنزيهى بشئ يكون نسبته مع المأمور به نسبة العموم والخصوص المطلق، مع فرض عدم بدل للمنهى عنه في الخارج كصوم يوم عاشوراء. الثاني: ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهى هي العموم المطلق، مع وجود بدل للمنهى عنه، كالصلوة في الحمام. الثالث: ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهى هي العموم من وجه، كالصلوة في مواضع التهمة، بناءا على ان النهى عنها انما هو لاجل اتحادها مع الكون في مواضعها أو ملازمتها له اما في القسم الاول: فقد اجاب عنه المحقق النائيني (ره) بما يبتنى على مقدمة ذكرها، وهى، ان النذر إذا تعلق بعبادة مستحبة، فالامر الناشئ من النذر يتعلق بذات العبادة

[ 170 ]

التى كانت متعلقة للامر الاستحبابى في نفسها فيندك الامر الاستحبابى في الامر الوجوبى ويتحد به فيكسب الامر الوجوبى جهة التعبد من الامر الاستحبابى والامر الاستحبابى يكتسب جهة اللزوم من الامر الوجوبى فيتولد من ذلك امر وجوبي عبادي، واما إذا تعلقت الاجارة بالعبادة المستحبة في موارد النيابة عن الغير، فالامر الناشئ منها لا يتعلق بذات العبادة التى تعلق بها الامر الاستحبابى، بل يتعلق باتيان العبادة بداعي الامر المتوجه الى المنوب عنه، لعدم تعلق الغرض بذات العبادة من دون قصد النيابة عن المنوب عنه، فلا يعقل في هذا المورد تداخل الامرين واندكاك احدهما في الاخر، إذ التداخل فرع وحدة المتعلق والمفروض عدمها في هذا المورد، فلا يلزم اجتماع الضدين في هذا المقام. ثم بعد هذه المقدمة افاد ان متعلق الامر في هذا القسم من العبادات المكروهة هو ذات العبادة، ومتعلق النهى التنزيهى هو التعبد بهذه العبادة لا نفسها، إذ لا مفسدة في فعلها ولا مصلحة في تركها، بل المفسدة في التعبد بها لما فيه من المشابهة للاعداء. وحيث، ان متعلق الامر غير متعلق النهى فلا يكون النهى منافيا للامر وبما ان النهى تنزيهي لا يكون مانعا عن التعبد بمتعلقه. اقول في المقدمة التى ذكرها، وما ابتنى عليها نظر، اما في المقدمة فمورد ان للنظر. اما الاول: فلان الامر النذرى في التعبدية والتوصلية تابع لمتعلقة، إذ اتصاف الامر بالتعبدية والتوصلية انما يكون من جهة انه ان كان يعتبر في حصول الغرض المترتب على متعلقه قصد القربة، فهو تعبدي والا فتوصلي، ولا يختلف حقيقة الامر في الموردين و على ذلك فان تعلق النذر بالعبادة فالامر النذرى بما انه يعتبر في متعلقه قصد القربة تعبدي، وان تعلق بغيرها فهو توصلي، فاتصاف الامر النذرى بالتعبدية ليس لاجل اكتسابه تلك من الامر الاستحبابى. واما الثاني: فلان الامر الاجارى لم يتعلق باتيان العبادة بداعي الامر المتوجه الى المنوب عنه: إذ لا يعقل ان يقصد النائب الامر المتوجه الى المنوب عنه، لان الامر المتوجه الى شخص يكون محركا له خاصة فكيف يجعل غيره داعيا له، بل متعلق الامر

[ 171 ]

الا جارى هو ما تعلق به الامر الاستحبابى العبادي المتوجه الى جميع الناس للنيابة في العبادة عن الميت، بل الحى في بعض الموارد من دون ان يكون له مساس بالامر العبادي المتوجه الى المنوب عنه، وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الاول من منهاج الفقاهة في مبحث اخذ الاجرة على الواجب وفى الجزء التاسع من فقه الصادق في مسألة النيابة في الحج، واما في البناء فلانه ان ادعى ان متعلق النهى هو قصد الامتثال، فيرد عليه انه يلزم اجتماع الامر الاستحبابى الضمنى المتعلق بقصد القربة مع النهى التنزيهى، وان ادعى ان متعلقه ذات العبادة مع قصد الامر، فيرد عليه انه يلزم وحدة متعلق الامر الاستحبابى، والنهى التنزيهى. وقد اجاب الشيخ الاعظم وتبعه المحقق الخراساني، عن اشكال اجتماع الامر والنهى في شئ واحد في هذا القسم، بما حاصله. ان النهى التنزيهى فيه لا يكون زجرا عن الفعل، بل يكون ارشادا الى وجود مصلحة في الترك ارجح من مصلحة الفعل، المستكشفة ارجحيته من مداومة الائمة - عليهم صلوات الله - على الترك، فليست الكراهة في هذا القسم بمعناها المصطلح، المقابل للاستحباب، المتحقق عن الزجر عن الفعل الناشئ عن المفسدة في الفعل، كى تنافى، مع استحبابه، بل هي بمعنى رجحان الترك من جهة انطباق عنوان ذى مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض وان كان مصلحة الترك اكثر، فيكون الفعل والترك من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن اهم في البين والا فيتعين الاهم وان كان الاخر يقع صحيحا حيث انه كان راجحا وموافقا للغرض كما هو الحال في ساير المستحباب المتزاحمات. وقد اورد على هذا الجواب بايرادات. الاول: انه لا تستكشف الارجحية من مداومة الائمة - عليهم السلام - إذ يمكن ان يكون اختيارهم للترك لاجل مجامعته مع ساير المستحبات من دون رجحان لمزية الترك. وفيه: ان صوم يوم عاشوراء مثلا لا يكون مزاحما مع ساير المستحبات كى يكون

[ 172 ]

اختيارهم لتركه لما ذكر. مع، انه يستكشف تلك من امرهم - عليهم السلام - اصحابهم بالترك بلا تأمل. الثاني ما في الدرر من ان انطباق عنوان راجح على الترك غير معقول، لان معنى الانطباق هو الاتحاد في الوجود الخارجي والعدم ليس له وجود. وفيه: ان معنى الانطباق هو الاتصاف على الوجه المناسب للمثبت له ولو بلحاظ الفرض والتقدير، وعليه، فان كان المدعى انطباق عنوان وجودي على الترك كان الايراد في محله، ولكن يمكن ان يكون مراده انطباق عنوان عدمي عليه، وهو مخالفة بنى امية مثلا أي عدم الموافقة لهم في الصوم. مع، انه يمكن القول بانطباق عنوان اعتباري عليه. الثالث: انه لم لا يلتزم برجحان الترك نفسه وانما التزم بانطباق عنوان راجح عليه. واجيب عن ذلك، تارة باستلزامه علية الشئ وجودا وعدما لشئ واحد وهى المصلحة وهو محال. واخرى، بان الترك لو كان بذاته راجحا لزم اتصاف الفعل بالراجحية والمرجوحية معا لكونه نقيض الترك الراجح ونقيض الراجح مرجوح. وثالثة: بان الترك لكونه عدميا لا يعقل ان يكون ذا مصلحة. وفى الكل نظرا ما الاول، فلان المدعى حينئذ ليس ترتب فرد واحد من المصلحة على الوجود والعدم، بل ترتب مصلحتين احداهما على الفعل. والاخرى على الترك. واما الثاني، فلانه ان اريد بكون نقيض الراجح مرجوحا كونه ذا مفسدة ومبغوضية أو منهيا عنه فهو ممنوع، وان اريد به كونه اقل رجحانا من الترك، فهو تام إلا إنه لا ينافى رجحان الفعل في نفسه. واما الثالث: فلان العدم المطلق كذلك، واما العدم المضاف فبما ان له حظا من الوجود فيمكن ان يكون ذا مصلحة كتروك الحج والصوم. فتحصل، انه لا مانع من الالتزام بثبوت الرجحان في الترك ولعل عدم ذكره في الكفاية من جهة ان موارد هذا القسم ليست كذلك. الرابع: ان ارجحية الترك وان لم توجب حزازة في الفعل الا انها توجب المنع عنه فعلا ولذا كان ضد الواجب بناءا على كونه مقدمة له حراما ويفسد إذا كان عبادة. وفيه: ما تقدم في مبحث الضد من ان الامر بالشئ لا يقتضى النهى عن ضده و

[ 173 ]

نقيضه فليس الفعل منهيا عنه إذ النهى النفسي لا بد وان يكون عن منقصة، والغيري، لابد وان يكون لكونه مقدمة للحرام، وشئ من الملاكين لا يكون متحققا في ضد الواجب و نقيضه. واما ما اجاب به المحقق الخراساني في الحاشية، من ان المانع عن التقرب احد امرين. النهى النفسي، والحزازة في الفعل، فالنهى التحريمي مطلقا يوجب الفساد، والنهى التنزيهى انما يوجبه إذا كان عن منقصة وحزازة في الفعل، إذ الفعل لا يكون قابلا للتقرب، مع عدم الترخيص في ارتكابه كما انه لا يكون قابلا له إذا كان فيه منقصة وحزازة، والا كما في المقام فلا يكون مانعا عنه لكونه مرخوصا فيه وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبية. فهو غير تام، لما ذكرناه في مبحث الضد من ان النهى الغيرى كالنفسى يوجب عدم امكان التقرب بالمنهى عنه، فراجع، فالصحيح ما ذكرناه. الخامس: ما ذكره المحقق النائيني (ره) وهو ان الفعل والترك إذا كان كل منهما مشتملا على مقدار من المصلحة، فحيث انه يستحيل تعلق الامر، بكل من النقيضين في زمان واحد، يكون المؤثر في نظر الآمر احدى المصلحتين على تقدير كونها اهم، وما فيه المصلحة المهمة لا امر به، لا تعيينا في عرض الامر بالمهم، ولا تخييرا، ولا بنحو الترتب. اما الاول: فلكونه مستلزما لطلب النقيضين. واما الثاني: فلكونه مستلزما لطلب الحاصل. واما الثالث: فلما عرفت من عدم جريان الترتب في الضدين الذين لا ثالث لهما، ففى النقيضين اولى بعدم الجريان. وفيه: ان الفعل والترك وان كانا نقيضين الا ان ما فيه المصلحة هو الفعل العبادي، والترك - أي ترك الفعل رأسا - وهما ليسا نقيضين، لوجود ثالث لهما، وهو الفعل غير العبادي، وعليه فلا مانع من الالتزام بجريان الترتب فيهما وكون الفعل ايضا مامورا به على تقدير عدم امتثال الامر بالترك. مع، انه لو سلم عدم جريان الترتب في المقام فمن الاجماع القطعي يستكشف وجود الملاك في الفعل فيؤتى به بهذا الداعي فيقع عبادة.

[ 174 ]

فتحصل، من مجموع ما ذكرناه ان ما افاده الشيخ الاعظم (ره) في هذا القسم من الالتزام بان النهى ارشاد الى ما في الترك من المصلحة لا انه ناش عن حزازة ومنقصة في الفعل، لتنافى كونه عبادة، ومن مداومتهم - عليهم السلام - بالترك وامرهم اصحابهم به يستكشف اهمية تلك المصلحة عما في الفعل، وهذا لا ينافى وقوع الفعل عبادة - تام - لا يرد عليه شئ. نعم، هو خلاف الظاهر فان النهى كما عرفت عبارة عن الزجر عن الفعل لا طلب الترك، والزجر عن الفعل انما يصح إذا كان الفعل ذا منقصة وحزازة، فحمله على ارادة طلب الترك خلاف الظاهر، بل غير صحيح، بل يتعين الالتزام بخلاف ظاهر آخر الذى هو مراد الشيخ (ره) وهو حمل النهى على الارشاد الى ارجحية الترك. واما القسم الثاني: فيمكن ان يلتزم فيه بما التزمنا به في القسم الاول. ويمكن ان يجاب عن الاشكال فيه بجواب آخر وهو يبتنى على مقدمة - وهى - انه إذا تعلق الامر بطبيعة بنحو صرف الوجود فلا محالة يكون المكلف مختارا في تطبيقها على أي فرد شاء ما لم ينه عن فرد بالنهي الارشادي الى المانعية، أو بالنهي التحريمي وحينئذ ربما لا يكون في خصوصية خاصة محبوبية ولا مبغوضية، واخرى يكون فيها محبوبية ومصلحة غير ملزمة، وثالثة يكون فيها مبغوضية ومفسدة غير ملزمة، فعلى الاول يكون تطبيق الطبيعة على الفرد المتخصص بتلك الخصوصية مباحا كالصلاة في الدار، وعلى الثاني يكون مستحبا كالصلاة في المسجد، وعلى الثالث يكون مكروها كالصلاة في الحمام إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم انه في هذا القسم النهى التنزيهى متعلق بتخصيص الطبيعة بالخصوصية التى فيها حزازة ومنقصة، من دون ان يكون في وفاء ذلك الفرد بمصلحة الواجب نقص، بل هذا الفرد يفى بجميع ما يفى به ساير الافراد من المصلحة غاية الامر من جهة تلك الخصوصية نهى عنه تنزيهيا، وبالجملة النهى التنزيهى لم يتعلق بصرف وجود الطبيعة الذى هو متعلق الامر فلا وجه للتنافى بينهما، بل تعلق بتطبيق الطبيعة على هذا الفرد، فلو كان هناك تناف فانما هو بينه وبين الترخيص في تطبيق الطبيعة على أي فرد شاء المكلف، ولكن بما ان النهى ليس تحريميا بل هو تنزيهي فهو

[ 175 ]

لا ينافى الترخيص. فان قيل ان وجود الطبيعة وتطبيقها على فرد، - وبعبارة اخرى - وجود الخصوصية الذى نعبر عنه بتطبيق الطبيعة على الفرد، هل هما وجودان ؟ ام وجود واحد مضاف اليهما ؟ فعلى الاول كما يجتمع الوجوب والكراهة يجتمع الوجوب والحرمة، وعلى الثاني لا يمكن اجتماع الوجوب والكراهة ايضا إذ الاحكام باسرها متضادة لا يعقل اجتماع اثنين منها في مورد واحد. اجبنا عنه بانا نختار الشق الثاني، ولا ندعى اتصاف ذلك الوجود بالوجوب والكراهة، بل نقول انه واجب لا غير لكونه وافيا بجميع ما في الطبيعة من المصلحة بلا نقص اصلا، ولكن النهى عنه انما يكون ارشادا الى ان هذا الوجود بما انه وجود للخصوصية ايضا، وتلك الخصوصية يبغضها المولى وفيها مفسدة غير ملزمة، فالحري ان لا يأتي المكلف به في مقام الامتثال وان كان لو اتى به وقع مصداقا للواجب، والمثال العرفي لذلك ما لو امر المولى عبده باتيان الماء وكان غرضه رفع العطش، وكان المولى يكره الاناء من الخزف، ولكن لم يكن هذا لزوميا، فنهى عبده عن اتيان الماء في تلك الاناء نهيا تنتزيهيا، والعبد في مقام الامتثال اختار ذلك الفرد، فهو في عين كونه مصداقا للواجب ووافيا بمصلحته بما انه وجود لتلك الخصوصية يكون منهيا عنه بالنهي التنزيهى. فليكن هذا مراد من فسر الكراهة في هذا القسم باقلية الثواب أي بما انه متحد مع ما يبغضه المولى يكون اقل ثوابا مما لا يكون متحدا معه فلو كان مراد المحقق الخراساني من قوله في المقام، انه يمكن ان يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها لاجل تشخصها في هذا القسم بمشخص غير ملائم لها كما في الصلاة في الحمام انتهى. فنعم الوفاق، وان كان مراده نقصان المصلحة اللزومية كما هو ظاهره، فلا يتم إذ مع نقص المصلحة اللزومية من حد اللزوم لا يكون العمل واجبا فتأمل. واما القسم الثالث: وهو ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهى عنه عموما من وجه كالصلوة في مواضع التهمة، فالقائل بجواز الاجتماع في وسع من هذا الاشكال، و اما القائل بالامتناع مطلقا أو فيما كان العنوانان منطبقين على وجود واحد كما اخترناه، فله

[ 176 ]

ان يجيب عن الاشكال بالجواب الثاني الذى ذكرناه في القسم الثاني ولا يمكن له الجواب بما اجبنا به في القسم الاول، كما لا يخفى. اجتماع الوجوب والاستحباب. ثم انه قال المحقق الخراساني (ره) كما انقدح حال اجتماع الوجوب و الاستحباب فيها وان الامر الاستحبابى يكون على نحو الارشاد الى افضل الافراد مطلقا على نحو الحقيقة ومولويا اقتضائيا كذلك وفعليا بالعرض والمجاز فيما كان ملاكه ملازمتها لما هو مستحب أو متحد معه على القول بالجواز، ولا يخفى انه لا يكاد ياتي القسم الاول هيهنا فان انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الذى لا بدل له انما يؤكد ايجابه لا انه يوجب استحبابه اصلا ولو بالعرض والمجاز الا على القول بالجواز وكذا فيما إذا لازم مثل هذا العنوان فانه لو لم يؤكد الايجاب لما يصحح الاستحباب الا اقتضائيا بالعرض والمجاز انتهى. ويرد عليه، ان ضم المصلحة غير الملزمة الى المصلحة الملزمة لا يوجب اشتداد ملاك الوجوب بما هو وجوب، فلا يكون لتاكد الوجوب معنى معقول، ولذا لا يشتد عقابه لو خالف، اللهم الا ان يكون مراده من ايجابه الامر به، ولا بأس بالالتزام بتاكد الطلب فتدبر. مع انه لو تم ما ذكره (قده) في القسم الثاني وهو ماله بدل من حمل الامر الاستحبابى على الاستحباب الاقتضائى، تم في القسم الاول وهو ما ليس له بدل، إذ المراد بالاستحباب الاقتضائى ليس هو ما يمكن ان يصير فعليا ولو في وقت ما: فان ذلك لا يمكن في القسم الثاني ايضا إذ مادام لم يغفل عن العبادة الواجبة لا معنى لصيرورته فعليا والا لزم اجتماع الحكمين، ومع الغفلة عنها لا يعقل تحققه، كى يمكن ان يصير باعثا فعليا إذ المفروض ان المتعلق هو تخصيص الطبيعة الواجبة بهذه الخصوصية، بل بمعنى وجود المقتضى والملاك للاستحباب وهذا يمكن تصويره فيما ليس له بدل ايضا.

[ 177 ]

وحق القول في المقام، انه إذا جامع مع الفعل الواجب عنوان ذو مصلحة غير ملزمة، فلو كان التركيب انضماميا، نلتزم بتعلق الامر الاستحبابى بذلك العنوان كما ذكرناه في القسم الثالث من العبادات المكروهة، وان كان التركيب اتحاديا يجرى فيه ما ذكرناه في القسم الثاني من العبادات المكروهة وهو ما إذا كانت الخصوصية المتحدة مع الواجب ذا مصلحة، أو مفسدة من الجواب الثاني وهو حمل النهى أو الامر على الارشاد فراجع ما ذكرناه، واما إذا انطبق عنوان ذو مصلحة على الفعل الواجب فتأكد الوجوب غير معقول كما عرفت، فيتعين، حمل الامر على الارشاد الى وجود تلك المصلحة أو الالتزام بتاكد الطلب، وبه يظهر ما في ساير كلماته (قده). الاضطرار الى ارتكاب الحرام وينبغى التنبيه على امور: الاول: ان الامتثال باتيان المجمع له موارد: الاول: ما إذا كان المكلف متمكنا من امتثال الواجب في الخارج بدون ان يرتكب الحرام ولكنه باختياره يرتكب الحرام وياتى بالواجب في ضمنه. وذلك كمن يتمكن من الاتيان بالصلاة في غير الدار المغصوبة، ولكنه باختياره دخلها وصلى فيها فعندئذ يقع الكلام في صحة تلك الصلاة وفسادها، هذه هي محل البحث في مسألة اجتماع الامر والنهى، وقد تقدم الكلام فيه مفصلا. الثاني: ما إذا كان متمكنا من ترك الحرام ولكنه كان غير متمكن من امتثال الواجب من دون ان يرتكب الحرام، لعدم المندوحة له، كما إذا توقف الوضوء مثلا على التصرف في ارض الغير بان يكون الماء في محل يتوقف الوضوء به على التصرف فيها، وهده المسألة من مسائل التزاحم وقد مر الكلام فيها في مبحث الضد. الثالث: ما إذا كان المكلف غير متمكن من ترك الحرام كالمحبوس في الدار المغصوبة سواء أكانت مقدمته باختياره، أو بغير الاختيار، وبعد ذلك لم يتمكن من الخروج عنها، ويضطر الى التصرف فيها فقهرا يكون مضطرا الى الصلاة فيها، وهذه هي

[ 178 ]

المسألة التى انعقد هذا الامر لبيان الحكم فيها. والكلام فيها يقع في موضعين، الاول: ما إذا كان الاضطرار بغير سوء اختيار المكلف. الثاني: في الاضطرار بسوء الاختيار. اما الموضع الاول: فالكلام فيه في موردين: الاول: في حكم الفعل المضطر إليه نفسه. الثاني: في حكم العبادة الواقعة معه كالصلاة في الدار المغصوبة. اما الاول: فلا اشكال ولا كلام في ان الاضطرار يوجب سقوط التكليف عن العمل المضطر إليه، ولا يعقل بقائه: ويدل عليه، مضافا الى حكم العقل بقبح التكليف بما لا يطاق: الايات والروايات. حكم العبادة الواقعة مع الفعل المحرم المضطر إليه. واما الثاني: فان كانت العبادة غير متحدة مع المحرم خارجا، فلا كلام في الصحة. والوجه فيه مضافا الى ما مر من انه من ثمرات مسألة الاجتماع هي صحة العبادة على القول بالجواز مطلقا المتوقف على كون المجمع متعددا خارجا، انه مع سقوط الحرمة لا مانع عن الصحة والفرض وجود المقتضى. وان كانت العبادة متحدة وجودا مع المنهى عنه في الخارج فهل تصح العبادة الواقعة في ذلك المكان كما لعله المشهور بين الاصحاب، ام لا تصح مطلقا ؟ كما هو المنسوب الى المحقق النائيني (ره) ام يفصل بين كون ارتكاب المحرم واجبا فالصحة وبين كونه غير واجب فالفساد كما هو المنسوب الى بعض المحققين وجوه. وقد استدل للقول الاول بان تقييد المأمور به بعدم وقوعه في ذلك المكان انما كان لاجل النهى النفسي المفروض سقوطه فمقتضى القاعدة سقوط هذا القيد، لسقوط علته المقتضية لذلك اعني بها الحرمة - وبعبارة اخرى - ليس اعتبار هذا القيد المستفاد من النهى النفسي بواسطة دلالته على الحرمة، كالقيد العدمي المدلول ابتدائا للنهى الغيرى كما في النهى عن الصلوة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه، الذى لا يسقط اعتباره بمجرد

[ 179 ]

الاضطرار الى ارتكابه، من جهة ان النهى انما يدل على ان المأمور به وما فيه المصلحة، انما هو غير هذا الفرد وهذا لا مصلحة فيه، وحديث الرفع لا يصلح لاثبات وجود المصلحة فيه وصيرورته مامورا به. نعم، إذا كان الاضطرار مستوعبا للوقت تكون الصلوة مامورا بها لما تضمن ان الصلاة لا تدع بحال، بل القيد انما اعتبر بتبع دلالة النهى على الحرمة، فإذا سقطت الحرمة، سقط اعتبار هذا القيد. وقد استدل للقول الثاني، تارة بان الحرمة وفساد الصلاة، معلولان للنهى في مرتبة واحدة من دون سبق ولحوق بينهما، وما يكون مرتفعا بادلة نفى الاضطرار انما هو الحرمة، ولا دليل على رفع المعلول الثاني، فمقتضى القاعدة الاولية هو سقوط الامر بتعذره في مجموع الوقت وتقييد اطلاقه فيما إذا كان التعذر في بعض الوقت. واخرى، بان مقتضى اطلاق النهى ثبوت الحكم والمفسدة حتى في حال الاضطرار، وبادلة نفى الاضطرار، انما يرفع الحكم، فلا مقيد لاطلاق النهى بالاضافة الى ثبوت المفسدة، وليست هذه الادلة نظير الدليل المخصص، المتضمن للتخصيص الوارد على دليل النهى الكاشف عن اختصاص الحرمة بغير مورد التخصيص من اول الامر كى يمنع عن التمسك باطلاق النهى حتى بالاضافة الى ثبوت المفسدة، بل غاية ما يدل عليه هذه الادلة، انما هو رفع الحكم الفعلى لاجل عروض ما يوجب ارتفاعه فلا رافع لملاك التحريم، و لا كاشف عن رفعه، فاطلاق النهى بالاضافة إليها على حاله، وهى تكون مانعة عن اتصاف الفعل بالوجوب، إذ الفعل الذى فيه مفسدة غالبة على المصلحة لا يعقل اتصافه بالوجوب. وفيهما نظر، اما الاول: فلانه ان اريد به ان الحرمة والفساد، معلولان له في مرتبة واحدة كما هو صريحه، فهو بديهى الفساد إذ لا تغصب مثلا لا دلالة له على فساد الصلاة المجتمعة مع الغصب، لعدم كونه ارشاديا بل هو متضمن لحكم نفسي وليس من قبيل النهى المستفاد منه المانعية ابتداءا، وان اريد به ان لا تغصب مثلا انما يدل بالدلالة المطابقية على الحرمة، وبالدلالة الالتزامية على فساد العبادة، والاضطرار انما اوجب سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية، فتبقى الدلالة الالتزامية بحالها، لانها تابعة للدلالة المطابقية وجودا لا حجية كما قيل في توجيه هذا الوجه، فيرد عليه، ما حققناه في محله،

[ 180 ]

من انها كما تكون تابعة لها وجودا تابعة لها حجية. واما الثاني: فلانه مضافا الى انه لا كاشف عن وجود الملاك بعد سقوط التكليف، ان المفسدة التى لا تكون منشئا للمبغوضية الفعلية، لا تكون مانعة عن ايجاب الفعل. وللمحقق النائيني (ره) في تأييد المستدلين والايراد على الناقدين كلام في المقام محصله ان التقييد ربما يستفاد من النهى مطابقة كما في النواهي التى تكون ارشادا الى المانعية كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه والميتة والحرير وما شاكل. وربما يستفاد التقييد من النهى النفسي من جهة مزاحمة المأمور به مع المنهى عنه، بمعنى ان المكلف لا يتمكن من امتثال كليهما في الخارج، فلا محالة تقع المزاحمة بينهما فلو قدمنا جانب النهى لا محالة يقيد المأمور به بغير هذا الفرد. وثالثا: يستفاد التقييد من النهى النفسي لامن جهة المزاحمة بل من ناحية الدلالة الالتزامية بمعنى ان النهى، بالمطابقة يدل على الحرمة، وبالدلالة الالتزامية على التقييد. اما النوع الاول: فلا اشكال في دلالته على الفساد في حال الاضطرار: لان مقتضى اطلاق دليل التقييد فيه على تقدير تمامية مقدماته، هو اعتبار هذا القيد في المأمور به في جميع احوال المكلف، ولازم ذلك هو سقوط الامر عند انحصار الامتثال بالفرد الفاقد للقيد، نعم، في خصوص باب الصلاة دل الدليل على عدم سقوط الصلاة بحال ومفاده الغاء الشارع كل قيد من قيودها في حال العجز عن تحصيله. واما النوع الثاني: أي ما كان اعتبار القيد العدمي ناشئا من مزاحمة المأمور به للمنهى عنه. فالقاعدة تقتضي سقوط التقييد عند الاضطرار، لان التقييد فرع التزاحم، والتزاحم فرع وجود التكليف التحريمي كى يكون معجزا للمكلف عن الاتيان بالمأمور به ومعذرا له في تركه فإذا فرض سقوط التكليف التحريمي بالاضطرار لم يبق موضوع للتزاحم الموجب لعجز المكلف فلا محالة يسقط التكليف. واما النوع الثالث: اعني ما كان اعتبار القيد العدمي مستفادا من النهى النفسي، فان قلنا ان التقييد تابع للحرمة ومتفرع عليها كما هو المشهور فمقتضى القاعدة هو سقوط القيد عند الاضطرار لسقوط علته المقتضية اعني بها الحرمة، واما ان قلنا بان التقييد

[ 181 ]

والحرمة، معلولان لعلة في مرتبة واحدة بلا سبق ولحوق بينهما، فالقاعدة تقتضي سقوط الامر عند تعذر قيده، والمقام كذلك و ووجهه على ما في تقريرات المحقق الكاظمي ان القيدية في هذا النوع وان استفيدت من النهى الا انها ليست معلولة للنهى، بل هي معلولة للملاك الذى اوجب النهى فالحرمة والقيدية معلولان لعلة ثالثة وهو الملاك وسقوط احد المعلولين بالاضطرار لا يوجب سقوط المعلول الاخر، فالقيدية المستفادة من النهى النفسي ايضا تقتضي القيدية المطلقة. وعلى ما في تقريرات بعض تلامذة الاستاذ، ان الوجوب والحرمة متضادان و قد تقدم في بحث الضد ان وجود احد الضدين ليس مقدمة لعدم الضد الاخر فلا تقدم ولا تأخر بينهما، كما لا تقدم ولا تأخر بين وجوديهما، فإذا كان الامر كذلك: استحال ان يكون عدم الوجوب متفرعا ومترتبا على الحرمة فلا يكون الدليل دالا على الحرمة في مرتبة متقدمة وعلى عدم الوجوب في المرتبة المتأخرة بل تكون دلالته عليهما في مرتبة واحدة فالقاعدة الاولية تقتضي سقوط الامر بالمركب عند الاضطرار وتعذر قيد من قيوده دون سقوط التقييد. ولكن يرد على التقريب الاول الذى ذكره المحقق الكاظمي (ره) انه وان كان مقتضى حديث الرفع وما شاكله الوارد في مورد الامتنان ثبوت الملاك والمقتضى، والا لم يكن رفع الحكم مستندا الى الامتنان بل كان مستندا الى عدم المقتضى كما هو واضح. الا ان الملاك الذى لا يؤثر في المبغوضية لا يكون مانعا عن صحة العبادة: إذ الفعل المشتمل عليه يكون في نفسه جائزا، وإذا كان جائزا لم يكن مانعا عن التمسك باطلاق دليل الواجب لاثبات كونه مصداقا له. ويرد على التقريب الثاني: ان عدم ترتب عدم احد الضدين على وجود الاخر واقعا وفى عالم الثبوت غير عدم ترتب ثبوته على ثبوته في مقام الدلالة والكشف والمدعى هو الثاني، وبديهى ان دليل الحرمة لا يدل بالدلالة المطابقية على فساد العبادة وعلى تقيدها بقيد، وعلى عدم الوجوب، بل يكون ذلك بالدلالة الالتزامية كما هو الشأن في المتلازمين، بل يكون الدليل الدال على المعلول دالا على وجود علته بالدلالة الالتزامية

[ 182 ]

فيكون وجود المعلول مترتبا على وجود علته ولكن كاشفية الدليل عنهما انما تكون بالعكس أي يكون كاشفيته عن وجود العلة متفرعة على كاشفيته عن وجود المعلول، و قد مر في مبحث الضد بشكل موسع ان الدلالة الالتزامية فرع الدلالة المطابقية وجودا وحجية، فالقاعدة الاولية تقتضي صحة العبادة المجامعة مع الحرمة عند سقوط الحرمة. واستدل للقول الثالث بعد البناء على وجود المفسدة المانعة عن اتصاف الفعل بالوجوب مع سقوط الحرمة لعروض الاضطرار، بانه إذا وجب ارتكاب ذلك الفعل كما إذا توقف حفظ النفس المحترمة على الدخول في الدار المغصوبة والمكث فيها، لا محالة يوجد في ذلك الفعل مصلحة ويصير محبوبا وتلك المصلحة توجب اندكاك مفسدة الغصب، فكان هذا الفعل لا مفسدة فيه اصلا، فالصلاة فيها ايضا جائزة، وهذا بخلاف ما إذا لم تحدث فيه مصلحة. وفيه: مضافا الى ضعف المبنى كما عرفت آنفا، لا يتم هذا التفصيل، لان صيرورة شئ محرم ذى مفسدة مقدمة لواجب اهم، انما توجب سقوط حرمته ولا يوجد فيه مصلحة فمع بقاء المفسدة والملاك، كما هو المفروض يكون حكم هذا الشق حكم الشق الاخر بلا فرق بينهما، - وبعبارة اخرى - لا يوجد فيه مصلحة كى يكون ذلك فارقا بين الفرضين، فتحصل ان الاقوى هو ما ذهب إليه المشهور وهى الصحة مطلقا. حكم الصلاة في حال الاضطرار ثم انه لا باس بالتعرض لمسألة مناسبة للمقام وهى بيان حكم الصلاة في الارض المغصوبة في حال الاضطرار والكلام فيها في مقامين، الاول: ما إذا لم يتمكن المكلف من الخروج عنها في الوقت، الثاني: ما إذا كان متمكنا من ذلك. اما المقام الاول: فبعد ما لا كلام ولا اشكال في وجوب الصلاة عليه، وقع الكلام في انه، هل يجوز له الاتيان بالصلاة فيها مع الركوع والسجود كما عن جماعة منهم صاحب الجواهر (ره) ام يجب الاقتصار على الايماء والاشارة بدلا عنهما كما عن جماعة آخرين منهم المحقق النائيني (ره) ومنشأ الاختلاف بعد الاتفاق على ان الاضطرار، وان

[ 183 ]

كان يسوغ الحرام الا انه لا بد من الاقتصار في التصرف على مقدار تقتضيه الضرورة دون الزائد عليه، فانه غير مضطر إليه فلا محالة لا يجوز، ان الركوع والسجود تصرف زائد على مقدار الضرورة فلا يسوغ، ام لا يعدان من التصرف الزائد باعتبار ان كل جسم يشغل المكان بمقدار حجمه من الطول والعرض والعمق، وذلك المقدار لا يختلف باختلاف اوضاعه واشكاله فيجوز، والمحقق النائيني (ره) قد سلم ان الركوع والسجود لا يعدان من التصرف الزايد عقلا ومع ذلك حكم بعدم الجواز نظرا الى انهما منه عرفا. توضيح ما افاده ان الانسان سواء أكان على هيئة القائم أو القاعد أو الراكع أو الساجد أو ما شاكل يشغل مقدارا خاصا من المكان، وذلك لا يختلف زيادة ونقيصة بتفاوت تلك الاوضاع والاحوال، فبالدقة العقلية ان الركوع والسجود لا يعدان تصرفا زايدا، الا انهما من جهة استلزامهما للحركة يعدان تصرفا زائدا بنظر العرف، وبديهى ان العبرة بصدق التصرف الزايد بنظر العرف لا بالدقة الفلسفية، فلا محالة يجب الاقتصار في الصلاة على الايماء والاشارة بدلا عنهما. ولكن يرد عليه مضافا الى ما صرح به (قده) ايضا كرارا، ان نظر العرف انما يتبع في تعيين المفاهيم وتحديدها سعة وضيقا، واما في تطبيق المفهوم على المصداق فهو لا يتبع والمقام من قبيل الثاني.: ما صرح به صاحب الجواهر (ره) قال ان القيام والجلوس والسكون والحركة و غيرها من الاحوال متساوية في شغل الحيز وجميعها اكوان ولا ترجيح لبعضها على بعض فهى في حد سواء في الجواز وليس مكان الجسم حال القيام اكثر منه حال الجلوس، نعم يختلفان في الطول والعرض إذا الجسم لا يحويه الاقل منه ولا يحتاج الى اكثر مما يظرفه و يتضح ما افاده ببيان امرين: احدهما: ما تقدم من ان كل جسم له حجم خاص ومقدار مخصوص يشغل المكان بمقدار حجمه من دون ان يختلف ذلك باختلاف اوضاعه و اشكاله، لان نسبة مقدار حجمه الى مقدار من المكان نسبة واحدة في جميع حالاته واوضاعه، ولا يختلف ذلك باختلاف الاوضاع الطارئة عليه من الركوع والسجود والقيام والجلوس وما شاكل. ثانيهما: انه لا فرق بين كون المكلف في الدار المغصوبة على هيئة

[ 184 ]

واحدة وكونه على هيئات متعددة في انه مرتكب محرمات متعددة: إذ كون فيها باى هيئة كان معصية ومحرم في كل آن، ولا سبيل الى توهم انه لو كان قائما في جميع الانات، فهو مرتكب لمحرم واحد ولو ركع وسجد فقد ارتكب محرمات متعددة، لان كون المكلف في الدار على هيئة واحدة في كل آن وزمان تصرف في الارض ومحرم لا ان كونه عليها في جميع الانات والازمنة تصرف واحد ومحكوم بحكم واحد. وبذلك يتضح ان الركوع والسجود لا يكون تصرفا زائدا عرفا ايضا لانه إذا لم يركع وبقى قائما فقد تصرف في الدار المغصوبة، وكذلك إذا ركع وسجد والحركة الركوعية أو السجودية، وان كانت تصرفا الا ان البقاء على القيام ايضا تصرف لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف، فالمتحصل انه لا بد من البناء على انه ياتي بالصلاة مع الركوع والسجود. واما المقام الثاني: وهو ما إذا كان المكلف متمكنا من التخلص عن الغصب في الوقت، فتارة يكون مضطرا الى البقاء بمقدار ما يصلى الصلاة، واخرى لا يكون مضطرا الى ذلك بل يرتفع الاضطرار قبل ذلك. اما في المورد الاول: فعلى ما اخترناه في صلاة المضطر الى الغصب يجوز له الاتيان بالصلاة ولا يجب عليه تأخير الصلاة لان يؤتى بها في خارج الدار، واما على مسلك المحقق النائيني فيتعين عليه التاخير إذ لا موجب لان يصلى مع الايماء والاشارة بدلا عن الركوع والسجود مع فرض تمكنه من الاتيان بها معهما في الوقت. واما في المورد الثاني: فالظاهر انه لا يجوز له الاتيان بالصلاة لحكم العقل والشرع بلزوم التخلص من الغصب والخروج عن الدار المغصوبة في اول ازمنة الامكان ورفع الاضطرار فلو بقى بعد ذلك يكون مرتكبا للحرام لفرض انه تصرف في ملك الغير من دون اضطرار. ولو صلى والحال هذه، تدخل صلاته هذه تحت مسألة الاجتماع، فعلى القول بجواز اجتماع الامر والنهى تصح، وعلى القول بالامتناع لا تصح لما تقدم مفصلا. واما الموضع الثاني: وهو ما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار كما إذا توسط الدار

[ 185 ]

المغصوبة باختياره فالكلام فيه في موردين: الاول: ما إذا لم يكن له مندوحة، كما لو دخل الدار ولم يتمكن من الخروج عنها، فقد ظهر مما تقدم حكم ذلك، من حيث نفسه، ومن حيث العبادة التوأمة معه والمهم هو البحث في المورد الثاني. حكم الخروج من الدار المغصوبة وهو ما إذا كان له مندوحة كما لو دخل الدار المغصوبة وتمكن من الخروج عنها والكلام فيه انما هو في حكم الخروج وفى الصلاة الواقعة في حاله، اما الاول فقد اختلفت كلمات الاصحاب فيه، والاقوال فيه خمسة: الاول: انه محرم ومنهى عنه فقط نسبه صاحب التقريرات الى بعض الافاضل في الاشارات. الثاني: انه واجب فحسب ولا يكون محرما بالنهي الفعلى ولا بالنهي السابق الساقط فلا يجرى عليه حكم المعصية، اختاره الشيخ الاعظم والمحقق النائيني، ونسب الى العضدي والحاجبي. الثالث: انه حرام وواجب بناءا على جواز اجتماع الامر والنهى بعنوانين بينهما عموم من وجه، وان المقام من هذا القبيل فالخروج واجب اما لانه مقدمة للتخلص عن الحرام الذى هو واجب ومقدمة الواجب واجبة أو لانه مصداق للتخلص الواجب، و حرام لانه مصداق للتصرف في مال الغير وهو محرم، ذهب إليه أبو هاشم المعتزلي والمحقق القمى ناسبا له الى اكثر افاضل متاخرينا بل وظاهر الفقهاء. الرابع: انه واجب فعلا وحرام بالنهي السابق الساقط من ناحية الاضطرار ولكن يجرى عليه حكم المعصية، اختاره صاحب الفصول، ونسب الى الفخر الرازي. الخامس: انه غير محكوم بحكم من الاحكام الشرعية، ولكنه منهى عنه بالنهي السابق الساقط بواسطة الاضطرار، فيجرى عليه حكم المعصية، نعم هو واجب عقلا من جهة انه اقل المحذورين واخف القبيحين، اختار هذا القول المحقق الخراساني (ره)

[ 186 ]

في الكفاية: اما القول الاول: فهو بين الفساد لانه بعد فرض الاضطرار، وعدم تمكن المكلف من ترك الغصب بمقدار زمان الخروج لانه بعد الدخول في الدار المغصوبة لابد له من ان يبقى فيها أو يخرج عنها ولا ثالث، وحيث ان البقاء فيها حرام، فلو حرم الخروج لزم التكليف بما لا يطاق، وقاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار انما هي في العقاب دون الخطاب. واما القول الثاني: وهو ما اختاره المحقق النائيني تبعا للشيخ الاعظم، فملخص ما افاده ان المقام لا يكون تحت قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار، ودخوله تحت كبرى قاعدة وجوب رد المال الى مالكه، ولاجل ذلك يكون الخروج واجبا شرعا. ولا يجرى عليه حكم المعصية. نعم، لو كان داخلا تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار كان الصحيح ما افاده المحقق الخراساني. فله (قده) دعا وثلاث. اما الدعوى الاولى: وهى عدم كون المقام داخلا في كبرى قاعدة عدم منافات الامتناع بالاختيار للاختيار فقد استدل لها بوجوه اربعة: الاول: ان ما يكون داخلا تحت تلك الكبرى، لا بد من ان يكون قد عرضه الامتناع باختيار المكلف وارادته بحيث يكون خروجه عن القدرة مستندا الى اختيار المكلف كالحج يوم عرفة لمن ترك المسير الى الحج باختياره، ومن الواضح ان الخروج عن الدار المغصوبة ليس كذلك، فانه باق على ما هو عليه من كونه مقدورا للمكلف فعلا وتركا ولم يطرأ عليه ما يوجب امتناعه ثم قال، نعم مطلق الكون في الدار المغصوبة الجامع بين البقاء والخروج باقل زمان يمكن فيه الخروج وان كان مما لا بد منه الا انه اجنبي عن الاضطرار الى خصوص الغصب بالخروج. والجواب عن ذلك يظهر ببيان امور: 1 - انه لا فرق في شمول القاعدة بين المحرمات والواجبات، غاية الامر انه على العكس فيهما: فانه في التكاليف الوجوبية يصير الفعل ممتنعا وفى التكاليف التحريمية يصير الترك ممتنعا، - وبعبارة اخرى - انه بحسب الغالب في التكاليف

[ 187 ]

الوجوبية ترك المقدمة يفضى الى امتناع فعل ذى المقدمة في الخارج، وفى التكاليف التحريمية يكون ايجاد المقدمة موجبا لامتناع ترك الحرام، مثلا: ترك المسير الى الحج يوجب امتناع الحج، والدخول في الدار المغصوبة يوجب امتناع ترك الحرام والانزجار عنه. 2 - ان الخروج انما يكون محكوما بالحرمة من حيث انطباق عنوان الغصب عليه لا من حيث هو، وعليه فبمقدار اقل زمان يمكن فيه الخروج يكون مقهورا في ارتكاب الغصب إذ لا ثالث للبقاء والخروج، فبذلك المقدار يكون مضطرا الى مخالفة التكليف ويمتنع عليه الامتثال. 3 - لا فرق في شمول القاعدة بين موارد الامتناع الشرعي والامتناع العقلي. وبعد ذلك يظهر شمول قاعدة الامتناع بالاختيار لمقدار زمان يمكن فيه الخروج. مع انه لو تم ما افاده لزم ان يكون الخروج محرما ومنهيا عنه فعلا، لان المانع ليس الا الاضطرار وامتناع الامتثال، ولو انكر ذلك لزم البناء على وجود المقتضى بالفتح وهو الحرمة، ولو قيل بان النهى يسقط من جهة اضطرار المكلف الى التصرف في الدار المغصوبة بمقدار اقل زمان يمكنه الخروج وحيث انه لا بد من سقوط احد التكليفين اما حرمة البقاء أو حرمة الخروج، والخروج اقل محذورا، فيسقط نهيه لذلك، قلنا ان الاضطرار الى ذلك تكوينا بمعنى عدم القدرة على تركه، لا عدم القدرة على فعله، بضميمة بقاء النهى عن البقاء، يوجب كون ترك الخروج ممتنعا فيدخل في تلك القاعدة. الثاني: انه يعتبر في شمول القاعدة، كون الشئ ذا ملاك وجدت المقدمة أم لا و يكون الحكم بنفسه مشروطا بمجيئ زمان متعلقه، لامتناع الواجب التعليقي، وهذا بخلاف المقام، فان التصرف بالدخول من المقدمات التى لها دخل في تحقق القدرة على الخروج وملاك الحكم فان الداخل هو الذى يمكن توجيه الخطاب المتعلق بالخروج به دون غيره، فلا يكون مشمولا للقاعدة. وفيه: ان الخروج قبل الدخول، ذو ملاك، ومنهى عنه، ويكون تركه مقدورا بواسطة القدرة على الواسطة، وهو ترك الدخول، وانما يكون غير مقدور بعد الدخول

[ 188 ]

فليس الدخول دخيلا في ملاك حكم الخروج، ومن شرائط اتصاف الفعل بالمفسدة، - وبعبارة اخرى - ان الخروج بعد الدخول مقدور تكوينا وذو ملاك قبل الدخول، وانما يصير ممتنعا بعد الدخول للنهى عن البقاء، فبعد الدخول يصير ممتنعا شرعيا، فلا يكون الدخول موجبا لتحقق ملاك الحكم في الخروج. وان شئت قلت بعد ما لا ريب في شمول القاعدة للمحرمات كشمولها للواجبات وايضا تكون القاعدة شاملة للامتناع الشرعي، وعرفت ان شمولها للمحرمات عكس شمولها للواجبات، بمعنى انه يعتبر في الواجبات كون الفعل مقدورا قبل الاتيان بالمقدمة وبتركها يمتنع، وفى المحرمات يعتبر كون الترك مقدورا قبل الاتيان بالمقدمة وممتنعا بعد الاتيان بها: ان شمول القاعدة للخروج ان كان بلحاظ وجوبه، تم ما افاده، لان وجوب الخروج بلحاظ وجوب رد المال الى مالكه لا ملاك له قبل الدخول ليفوت ذلك بترك هذه المقدمة، مع انه بايجاد المقدمة لا يفوت منه ذلك للاتيان بالخروج، ولكن ان كان بلحاظ حرمته كما هو كذلك، وحيث ان ترك الخروج قبل الدخول مقدور، والخروج لكونه منطبق عنوان التصرف في مال الغير ذو ملاك ملزم وحرام، وبالدخول يصير ترك الخروج ممتنعا بعد فرض فعلية النهى عن البقاء، لدوران امره بين البقاء والخروج، وامتناع الخروج يكون مستندا الى الدخول باختياره فيكون مشمولا للقاعدة الثالث: ان الملاك في دخول الشئ تحت القاعدة هو ان تكون المقدمة موجبة للقدرة على ذى المقدمة ليكون الآتى بها قابلا لتوجيه الخطاب باتيان ذى المقدمة إليه، وفى المقام الدخول وان كان مقدمة للخروج الا ان تحققه في الخارج يوجب سقوط النهى عن الخروج فكيف يمكن ان يكون الخروج من صغريات تلك القاعدة. وفيه: انه في الواجبات يعتبر في تحقق مورد القاعدة كون المقدمة موجبة للقدرة على ذى المقدمة وتركها موجبا لامتناعه ليكون الآتى بها قابلا لتوجه الخطاب باتيان ذى المقدمة إليه، واما في المحرمات فينعكس ذلك أي يعتبر كون المقدمة موجبة للزوم وجوده وامتناع الانزجار وتركها موجبا للقدرة عليه. الرابع: ان الخروج في المقام واجب في الجملة ولو كان ذلك بحكم العقل و

[ 189 ]

يكشف ذلك عن كونه مقدورا وكل ما كان كذلك لا يدخل تحت القاعدة قطعا لان موردها ما إذا كان الفعل غير مقدور وغير قابل لتعلق الخطاب به. وفيه: ان الخروج لا يكون واجبا شرعا كما ستعرف، مع ان جعل الوجوب للخروج بعد جعل الحرمة لساير انحاء التصرفات لغو ولا اثر عقلي له فلا يعقل جعله، و ان شئت قلت ان العبد مجبور بحكم العقل بالمعنى الصحيح في اتيانه، وما هذا شأنه يكون جعل الوجوب له لغوا وتمام الكلام في محله، ولا عقلا، إذ شان القوة العاقلة الدرك، لا الالزام. واما الدعوى الثانية: وهى كون المقام داخلا في كبرى قاعدة وجوب رد المال الى مالكه، فقد استدل لها: بان الخروج يوجب تحقق التخلية بين المال ومالكه التى به يتحقق الرد في غير المنقولات فيكون واجبا. توضيح ما افاده ان الاضطرار تعلق بمطلق الكون في الدار المغصوبة بعد الدخول بقدر اقل زمان يمكن فيه الخروج لا بخصوص البقاء ليرتفع حرمته، ولا بالخروج ليسقط وجوبه، فلا محالة يرتفع حرمة الجامع، وحيث ان البقاء بالسكون والحركة غير الخروجية محرم، والخروج مصداق للتخلية بين المال ومالكه وواجب، فيكون المقام من الاضطرار الى مطلق التصرف في مال الغير الذى يكون بعض افراده واجبا وبعضها محرما فهو نظير ما لو اضطر الى شرب الماء لرفع عطشه الجامع بين النجس والطاهر، فكما انه في المثال لا يوجب الاضطرار سقوط الحرمة عن شرب النجس لعدم الاضطرار إليه بل يجب رفع العطش بشرب الماء الطاهر، كذلك في المقام يتعين عليه رفع الاضطرار بالخروج. وبالجملة فالخروج واجبا شرعا وعقلا لدخوله، تحت قاعدة وجوب التخلية بين المال ومالكه وامتناع دخوله تحت قاعدة الامتناع بالاختيار، وغير الخروج من اقسام التصرف يبقى على حرمته. ثم انه (قده) قال انه لو بنينا على ان الشارع لا يرضى بالتصرف في مال الغير بلا رضاه، وان كان ذلك بعنوان التخلية ورده إليه، فغاية ما هناك ان يكون حال الخروج

[ 190 ]

في المثال حال شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النفس، فكما ان الشارع حيث لا يرضى بصدور شرب الخمر من أي شخص، فيحكم بحرمة المقدمة التى بها يضطر المكلف الى شربه ولكنه بعد تحقق المقدمة في الخارج لا يكون الشرب المتوقف عليه حفظ النفس الا مطلوبا عقلا وشرعا، فكذلك يكون الخروج في المقام، فيكون المقدمة التى بها يضطر المكلف الى الخروج وهى الدخول محرما، وحيث انه محرم في نفسه فيكون الدخول حراما من جهة نفسه ومن جهة كونه علة للخروج، واما الخروج نفسه، فهو بعد الدخول يكون مطلوبا فحسب. فالمتحصل ان التصرف في مال الغير بالخروج لا يخلو الامر فيه من ان يكون حاله حال ترك الصلاة من المرئة التى توسلت الى صيرورتها حائضا بشرب الدواء، أو يكون حاله حال شرب الخمر المشتمل على ملاك الحرمة في جميع التقادير، فيحرم التسبيب بفعل ما يضطر المكلف معه إليه، لكنه على تقدير تحقق الاضطرار في الخارج، لتوقف واجب فعلى عليه، أو لكونه بنفسه مصداق الواجب لا يقع الفعل الا محبوبا. والجواب عن ذلك: ان التخلية والتخلص، اما ان يكون امرا عدميا وعبارة عن ترك الغصب، أو يكون امرا وجوديا وعبارة عن ايجاد الفراغ والخلاء بين المال و صاحبه كما هو الصحيح، وعلى التقديرين لا يكون الخروج مصداقا لها: لان الحركة الخروجية تصرف في مال الغير ومصداق للغصب، فهى اما مضادة للتخلية أو نقيض لها، وعلى التقديرين لا يكون الخروج معنونا بعنوان التخلية. فان قيل ان الخروج وان كان مصداقا للغصب اصله، ولا يصدق عليه التخلص منه الا انه مصداق للتخلية والتخلص بالاضافة الى الغصب الزايد، ومعه يكون محبوبا. اجبنا عنه بان التخلص من الغصب الزايد، فرع الابتلاء به فما دام لم يبتل بشئ لا يصدق انه خلص عنه، وبذلك يظهر اندفاع الوجهين الذين افادهما. واما ما افاده من ان العقاب انما يكون على فعل المقدمة في مثال الاتيان بما يضطر معه الى شرب الخمر، فقد مر في مبحث المقدمات المفوتة مفصلا، وعرفت ان العقاب انما يكون على فعل ما هو محرم لو لا الاضطرار فراجع.

[ 191 ]

وقد استدل في محكى التقريرات لوجوب الخروج بوجهين آخرين: احدهما: ان الخروج يكون مقدمة للواجب لوجوب ترك الغصب الزايد عن مقدار الخروج، فيتعلق به الوجوب بحكم العقل الحاكم بالملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمته، فالخروج عن الدار الغصبية يكون مامورا به لكونه مقدمة للواجب المنجز الفعلى. واجاب عنه المحقق الخراساني بجوابين. الاول: ما محصله ان مقدمة الواجب ان كانت مباحة تجب، وان كانت محرمة فمع عدم الانحصار، لا تجب بل يكون الواجب هو المباحة، واما مع الانحصار فان لم يكن وجوب ذى المقدمة اهم لا تجب، وان كان اهم فان كان الانحصار لا بسوء الاختيار، تجب المقدمة، وان كان بسوء الاختيار لا تجب بل تبقى على مبغوضيتها والا لكانت الحرمة معلقة على ارادة المكلف واختياره لغيره و عدم حرمته مع اختياره له، ففى المقام حيث ان الخروج واحد زمانا ففرض خروجه عن المبغوضية لا يعقل فانه يلزم منه حرمة الخروج على تقدير ارادة الدخول وجوازه على تقدير ارادة نفسه كما هو بعد الدخول. وقد يقال في توجيه مراده من قوله (والا لكان الحرمة معلقة على ارادة المكلف واختياره لغيره وعدم حرمته مع اختياره له) ان الضمير في قوله لغيره، وله، عائد الى الخروج فتكون النتيجة تعليق حرمة الخروج على ارادة غير الدخول وهو تركه، و جواز الخروج على ارادة الدخول، فيكون الحاصل حرمة الخروج عند ترك الدخول و تجويزه عند الدخول. وايضا قد يقال في توجيه مراده ان المراد بغير الخروج ترك الخروج، وعليه فيلزم من رفع حرمته رجوع الالزام الى الاباحة أو طلب الحاصل: إذ طلب ترك الخروج معلقا على ارادة ترك الخروج يلزم منه الاول وطلبه معلقا على نفس الخروج يلزم منه الثاني. وكيف كان فيرد عليه انه لو سلم كون الخروج مقدمة للواجب، لا محالة يصير واجبا إذ بعد فرض سقوط تكليفه التحريمي لا مانع عن اتصافه به، إذا المبغوضية الذاتية لما لم تكن منشئا للاثر وموجبة لزجر الآمر عنه، فلا تنافى مع ايجابه من جهة توقف

[ 192 ]

الواجب الفعلى عليه، فالمقتضى موجود والمانع مفقود، فلا مناص عن البناء على وجوبه - وبعبارة اخرى - ان الخروج قبل الدخول محرم شرعا، ولا يكون مقدمة للواجب، فان للمكلف ترك الدخول والخروج، ولكن بعد الدخول يصير مقدمة للواجب، وحيث لا مانع عن وجوبه لسقوط حرمته بالاضطرار، وعدم منافاة المبغوضية الذاتية له، فلا بد من البناء على وجوبه الثاني: ما ذكره (ره) بقوله مع انه خلاف الفرض وان الاضطرار يكون بسوء الاختيار. وفيه: ان المفروض كون الاضطرار الى الخروج بسوء الاختيار، لا ان اختيار الخروج يكون بسوء، والفرق بينهما واضح. فالحق في الجواب عن ذلك ان يقال ان الخروج مقدمة للكون في خارج الدار و هو ليس بواجب، وانما هو ملازم لترك الكون في الدار الذى هو ترك للحرام. نعم، بناءا على كون ترك الحرام واجبا، ولازم الواجب واجبا، يجب الكون في خارج الدار فيجب مقدمته، وهو الخروج، ولكن قد عرفت في مبحث الضد فساد كلا المبنيين. الوجه الثاني: ان التصرف في الدار المغصوبة بالخروج ليس كالتصرف بالدخول والبقاء، بل هو لاجل كونه مما يترتب عليه رفع الظلم ويتوقف عليه التخلص عن التصرف بالحرام، لا يكون حراما في حال من الحالات، بل حاله مثل حال شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلاك في الاتصاف بالوجوب في جميع الاوقات. وفيه: اولا، ما عرفت آنفا من عدم كونه مقدمة للواجب فلا وجه لوجوبه. وثانيا، ان دعوى عدم كونه منهيا عنه قبل الدخول لا وجه لها سوى دعوى عدم القدرة عليه الا بالدخول وهى فاسدة، فانه مقدور غاية الامر بالواسطة لا بدونها. واما الجواب عن ذلك بعد تسليم المقدمية بان المبغوضية الفعلية مانعة عن الاتصاف بالوجوب فيدفعه ما ذكرناه آنفا. فتحصل مما ذكرناه انه لاوجه للقول بوجوب الخروج عن الدار المغصوبة، وبه يظهر عدم تمامية القولين الاخرين وهما، القول بانه حرام وواجب، والقول بانه واجب

[ 193 ]

فعلا وحرام بالنهي السابق الساقط بالاضطرار، مع انه يرد على الاول منهما ما تقدم من عدم كونه منهيا عنه، اضف إليه لزوم اجتماع الضدين في مورد واحد. واما الثاني منهما وهو القول الرابع، فقد اورد عليه المحقق الخراساني والمحقق النائيني بان تعلق حكمين بفعل واحد ممتنع ولو كان زمانا الايجاب والتحريم متغايرين، لان الاعتبار في الاستحالة والامكان، انما هو باتحاد زمان صدور الفعل وتعدده لا باتحاد زمان الايجاب والتحريم وتعدده من حيث انفسهما، كيف والا لزم وقوع الخروج بعد الدخول عصيانا للنهى السابق واطاعة للامر اللاحق فعلا مبغوضا ومحبوبا كذلك بعنوان واحد. ولكن: الظاهر عدم ورود هذا الايراد على صاحب الفصول، فان كون فعل خاص موردا للنهى في مدة من الزمان وموردا للامر في مدة اخرى، لا محذور فيه ولا يكون ذلك من اجتماع الضدين المحال بشئ - وبعبارة اخرى - صاحب الفصول (ره) لا يدعى بقاء الحرمة الى حين ما يصير واجبا حتى يورد عليه ما ذكراه بل يدعى سقوط النهى بعد ذلك وبقاء اثره، فالاشكال من حيث لزوم اجتماع الضدين في غير محله. وهو (قده) اجاب عن هذا الايراد التقديرى: بانه لو كانت مبغوضية شئ في زمان مضادا لمطلوبيته في زمان آخر، لامتنع البداء في حقنا مع وضوح جوازه وانما لا يترتب هنا اثر الاول لرفع البداء له بخلاف المقام، فالاولى الجواب عن هذا القول بما تقدم. ثم ان المحقق النائيني اورد على المحقق الخراساني بان هذا الجواب وان كان حقا الا انه ليس لك الجواب بذلك، فانك التزمت في حاشية المكاسب بنظير ما التزم به الفصول في المقام، وهو ان المال الواقع عليه العقد الفضولي بعد صدور العقد وقبل حصول الاجازة محكوم عليه واقعا بكونه ملك من انتقل عنه، وبعد الاجازة يحكم عليه واقعا بكونه في ذلك الزمان بعينه لمن انتقل إليه، ولا منافاة بين الحكمين اصلا لتعدد زمانهما وان اتحد زمان المحكوم بهما. اقول: الظاهر عدم ورود هذا الاشكال على المحقق الخراساني إذ فرق بين الاحكام الوضعية والتكليفية، فان الاحكام الوضعية انما تكون تابعة للمصلحة في نفس

[ 194 ]

الاعتبار، إذ لا وعاء له سوى الاعتبار، فمن الممكن وجود المصلحة في اعتبار ملكية ثوب خاص في يوم السبت لزيد، ثم في يوم الاحد بواسطة الاجازة تحدث المصلحة في اعتبار ملكية ذلك الثوب في يوم السبت لعمرو، فيعتبر له، ولا مضادة بين لاعتبارين. وتفصيل ذلك في محله، واما الاحكام التكليفية فهى تابعة للمصالح والمفاسد في نفس الفعل فحينئذ ان كانت فيه مصلحة ملزمة فلا معنى للنهى عنه، والا فلا مورد للامر به فتدبر. فتحصل: من مجموع ما ذكرناه ان الخروج ليس مامورا به، ولا منهيا عنه ولكنه واجب عقلا، لكونه اقل المحذورين، ومعاقب عليه لدخوله تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار، فالاقوى هو الخامس، وهو انه غير محكوم بحكم شرعا و واجب عقلا، ومعاقب عليه. الصلاة في حال الخروج واما الصلاة في حال الخروج، فقبل بيان حكمها لابد وان يعلم ان محل الكلام ما لو كانت الصلاة التى تكون وظيفته يتمكن من اتيانها في حال الخروج، والا فلا كلام في البطلان. وملخص القول في المقام انه بناءا على القول بجواز اجتماع الامر والنهى تصح الصلاة، لما عرفت من ان الاظهر هي الصحة على هذا المسلك مطلقا. وكذلك على القول بالامتناع وتقديم جانب الامر. والمحقق الخراساني بنى الصحة في سعة الوقت على هذا المسلك، لو بنى على اجراء حكم المعصية على الخروج، على عدم اقتضاء الامر بالشئ للنهى عن ضده واستدل له، بان الصلاة في الدار المغصوبة، وان كانت مصلحتها غالبة على ما فيها من المفسدة الا انه لا شبهة في ان الصلاة في غيرها تضادها، إذ لا يبقى مجال لاحداهما مع الاخرى، وهى اهم لخلوها عن المنقصة الناشئة من قبل اتحادها مع الغصب، فلا محالة تكون هي مامورا بها، ولازمه كون الصلاة فيها منهيا عنها. وفيه: ان الصلاة الواقعة في الدار لا تكون مصلحتها اقل من مصلحة الصلاة في

[ 195 ]

خارج الدار، ومقارنتها مع المفسدة لا توجب نقصا فيها، وعليه فلا وجه للتقييد الامر بالطبيعة بما تقع في خارج الدار المغصوبة، بل يشمل الواقعة فيها، فالامر لا يكون مختصا بالصلاة الواقعة في خارج الدار حتى يلازم مع النهى عن الصلاة فيها، مع ان مجرد الاقوائية ما لم تصل الى حد الالزام لا توجب التقييد. واما على الامتناع وتقديم جانب النهى، فان بنينا على وجوب الخروج وعدم اجراء حكم المعصية عليه، فالصحة واضحة، وان بنينا على انه منهى عنه بالنهي الفعلى، ففى حال السعة لا اشكال في الفساد، واما في حال الضيق فربما يقال. ان مقتضى قوله (ع) - الصلاة لا تسقط بحال - صحة الصلاة في تلك الحالة. ولكن الظاهر عدم شموله لا مثال المقام إذ معنى عدم سقوط الصلاة بحال، انما هو، ان كل مكلف في أي حال من الحالات كان، مكلف بالصلاة بحسب وظيفته حتى الغرقى، لا ان التكليف بها يكون باقيا بعد ان عصى المكلف وصير ايجادها على النحو المعتبر شرعا حقه ممتنعا. وان بنينا على عدم كون الخروج منهيا عنه ولكن يجرى عليه حكم المعصية، فالاظهر هي صحة الصلاة حتى في حال السعة إذ لا وجه للفساد سوى دعوى ان حديث رفع الاضطرار انما يرفع الحكم لا المفسدة، والمبغوضية الذاتية، ومن المفروض اقوائية المفسدة من مصلحة الصلاة، وعليه فهما مانعتان عن صحة الصلاة، وهى فاسدة: إذا المفسدة التى لا تصح لان تكون منشئا لجعل الحرمة، لا تصلح ان تكون مانعة عن تعلق الامر بالصلاة، هذا كله لو لم تكن الصلاة في حال الخروج فاقدة لبعض ما يعتبر في صلاته من الاجزاء والشروط كالركوع ونحوه. والا فالاقوى هو الفساد مطلقا، اما في حال السعة فواضح، واما في حال الضيق، فلما عرفت من عدم شمول قوله (ع) الصلاة لا تدع بحال لامثال المقام كما عرفت آنفا. قال المحقق النائيني، انه بناءا على كون الخروج داخلا في موضوع قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار، واجراء حكم المعصية عليه، تكون الصحة والفساد في ضيق الوقت مبتنيا على القول بجواز اجتماع الامر والنهى من الجهة الاولى، وعدمه،

[ 196 ]

لانه على الاول لا اشكال في صحة الصلاة: إذ القبح الفاعلى المانع عن التقرب في ساير الموارد لا يتحقق، في ما نحن فيه قطعا لان ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال، يستفاد منه، بالدلالة الالتزامية ارتفاع القبح الفاعلى عند مزاحمته لترك الصلاة رأسا، واما على القول بالامتناع فكون الخروج مبغوضا فعلا، يستلزم خروج الفرد المتحد به عن تحت الامر بالصلاة واقعا، فلا يصح الامتثال به قطعا وذلك يسلتزم سقوط الامر بالصلاة حينئذ لعدم القدرة على امتثاله. ويرد عليه (قده) مضافا الى ما عرفت من ان القبح الفاعلى مما لا اساس له اصلا سوى، القبح الفعلى، والتجرى، غير المتحققين في المقام. ومضافا الى ان مادل على ان الصلاة لا تسقط بحال لا يشمل امثال المقام كما عرفت آنفا. ومضافا الى ان المبغوضية الذاتية لا تمنع عن كون الفرد المتصف بها باقيا تحت الامر بالصلاة. انه لو كان القبح الفاعلى مرتفعا، بما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال. لابد من القول بالصحة على الامتناع ايضا لذلك الدليل، فانه على هذا يدل على عدم كون الخروج مبغوضا للمولى عند تضيق وقت الصلاة. دليل تقديم النهى الامر الثاني: قد عرفت مما قدمناه ان مسألة الاجتماع على القول بالامتناع ووحدة المجمع في مورد الاجتماع حقيقة من صغريات كبرى باب التعارض، كما انها على القول بالجواز وتعدد المجمع فيه كذلك من صغريات باب التزاحم. انما الكلام في هذا الامر في انه على القول بالامتناع في المسألة، هل هناك مرجح لتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب، أو بالعكس، أو لا يكون مرجح لشئ منهما. وقد ذكروا لتقديم جانب النهى على جانب الامر وجوها. منها: ان النهى اقوى دلالة، ووجه اقوائيته في الدلالة، على ما عن التقريرات ان

[ 197 ]

دلالة الامر على الوجوب في مورد الاجتماع تكون بالاطلاق، ودلالة النهى على حرمته انما تكون بالعموم، والعموم اقوى دلالة، فيقدم النهى. ووجهها على ما في الكفاية، ان دلالة النهى على حرمة المجمع وان لم تكن بالوضع ولكنها ليست بالاطلاق فحسب كما في الامر، بل الدلالة عليها انما هي بحكم العقل نظرا الى ان وقوع الطبيعة في حيز النهى أو النفى، يقتضى عقلا سريان الحكم الى جميع الافراد فالدلالة عليها عقلية، ولا يتوقف ذلك على جريان مقدمات الحكمة في المتعلق، بل كما ان لفظة كل تدل على استيعاب جميع افراد المدخول من غير حاجة الى ملاحظة اطلاق مدخوله وقرينة الحكمة، بل يكفى ارادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة ولا بشرط في دلالته على الاستيعاب، كذلك وقوع الطبيعة في حيز النفى أو النهى يقتضى عقلا استيعاب جميع افراد الطبيعة من دون ملاحظة الاطلاق في المتعلق. ويرد عليهما ما تقدم في اول مبحث النواهي من ان دلالة النهى على انتفاء جميع الافراد انما تكون بالاطلاق. ثم انه لو سلم كون دلالة النهى على الاستيعاب ما افاده المحقق الخراساني، لا وجه لقياسه على لفظة كل التى بنفسها تدل على ارادة العموم من مدخولها: فانه في المقام السلب بنفسه لا يدل على ذلك، بل يتوقف على جريان مقدمات الحكمة في مدخوله، فانه وضع للدلالة على سلب المدخول، وهذا بخلاف لفظ (كل) فانها بنفسها تدل على ارادة العموم من مدخولها بلا احتياج الى اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها كما سيأتي تنقيح القول في ذلك في اول مبحث العام والخاص. ولكن الظاهر ان مراد المستدل ليس شيئا من الوجهين المتقدمين. بل الظاهر ان مراد المستدل ما افاده الاستاذ من ان الاطلاق، في طرف دليل النهى شمولي ضرورة ان حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه لا تختص بمال دون آخر، فهى تنحل بانحلال موضوعها ومتعلقها في الخارج، وهذا بخلاف الاطلاق في طرف دليل الامر، فانه بدلى لان الامر المتعلق بصرف الطبيعة يقتضى كون المطلوب هو صرف وجودها في الخارج، وقد ثبت في محله ان الاطلاق الشمولى يقدم على الاطلاق البدلى

[ 198 ]

في مقام المعارضة، كما ذهب إليه الشيخ الاعظم، وتبعه المحقق النائيني، وقد اشبعنا الكلام في ذلك في مبحث المشروط، وعليه فهذا الوجه تام. ومنها: ان الحرمة تابعة للمفسدة الملزمة في متعلقه والوجوب تابع للمصحلة كذلك في متعلقه، وقد اشتهر في الالسن ان، دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة، فلا بد من ترجيح جانب الحرمة. واجاب عنه المحقق القمى بانه في ترك الواجب ايضا مفسدة إذا تعين. وفيه: انه لا مفسدة في ترك الواجب ولو كان معينا بل فيه فوت المصلحة وهى غير درك المفسدة، مع ان ما هو مورد البحث وهو الصلاة في الدار المغصوبة مع وجود المندوحة خارج عما ذكره: فانه لا يتعين الواجب في المجمع وقد ذكر انه في ترك الواجب مفسدة إذا تعين. واجاب عن هذا الوجه المحقق الخراساني بامرين: 1 - ما ذكره في الكفاية واوضحه في الهامش، وافاد في وجه ذلك ان الترجيح به انما يناسب ترجيح المكلف واختياره للفعل أو الترك، بما هو اوفق بغرضه لا المقام، و هو مقام جعل الاحكام، فان المرجح هناك ليس الا حسنها أو قبحها العقليان لا موافقة الاغراض ومخالفتها. اقول بناءا على كون الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية لا وجه لدعوى انه ليس مقام الجعل مقام جلب المنفعة ودفع المفسدة، بل المرجح هو حسن الفعل أو قبحه، إذ بناءا على ذلك يدور امر الشارع بين ايصال المنفعة الى العبيد، ودفع المفسدة عنهم وحيث انه لا فرق في هذه القاعدة العقلائية بين الفاعل، وجاعل الاحكام: فانه لكونه رئيس العقلاء لدى التزاحم بين دفع المفسدة وايصال المنفعة يقدم الاول، لو تمت القاعدة كما لا يخفى. 2 - انه لو سلم ان القاعدة تامة، فانما هي فيما لا يكون مجال لاصالة البرائة أو الاشتغال كما في دوران الامر بين الوجوب والحرمة التعيينيين، لا فيما يجرى كما في محل الاجتماع لاصالة البرائة عن حرمته فيحكم بصحته، ولو قيل بقاعدة الاشتغال

[ 199 ]

في الشك في الاجزاء والشرائط فانه لا مانع عقلا الا فعلية الحرمة المرفوعة باصالة البرائة عنها عقلا ونقلا، نعم لو قيل بان المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية ولو لم يكن الغلبة بمحرزة، فاصالة البرائة غير جارية، بل كانت اصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة، ولو قيل باصالة البرائة في الاجزاء والشرائط لعدم تأتى قصد القربة مع الشك في المبغوضية. وفيه: انه مع وجود القاعدة العقلائية التى يستكشف بها الحكم الشرعي لا يبقى مورد لقاعدة الاشتغال أو البرائة. مع، ان المانع عن صحة الصلاة والموجب لتقييد الامر بالصلاة، انما هو الحرمة الواقعية، وهى لا ترتفع بالبرائة، وعليه فحيث يحتمل عدم الامر بالصلاة في الدار المغصوبة، فلا محالة يشك في ان الاتيان بها، هل يجزى عن الصلاة المأمور بها في هذا اليوم قطعا التى يمكن امتثال امرها بالصلاة في خارج الدار ام لا ؟ والاصل يقتضى عدمه. ويمكن الجواب عن هذا الوجه بامور: الاول: انه بناءا على ما ذكرناه سابقا من انه على الامتناع يقع التعارض بين دليل الامر والنهى، ولا بد من سقوط احدهما، لا مورد لهذه القاعدة اصلا، إذ كل منهما سقط، لا كاشف عن وجود ملاكه - وبعبارة اخرى - ليس هناك ملا كان للامر والنهى كى يقع التزاحم بينهما في مقام الاستيفاء فيرجع الى هذه القاعدة. الثاني: ان دفع المفسدة مطلقا ليس اولى من جلب المنفعة فانه ربما يقدم العقلاء على فعل فيه المفسدة والمضرة، لاجل ما يترتب عليه من المنافع. الثالث: انه لا دوران في المقام، فانه يمكن في المقام دفع المفسدة مع جلب المنفعة بالصلاة في خارج الدار المغصوبة. ومنها: الاستقراء بدعوى انه إذا تتبعنا موارد دوران الامر بين الوجوب والحرمة في المسائل الشرعية واستقرأناها، نجدان الشارع قدم جانب الحرمة على جانب الوجوب، ومن جملة تلك الموارد ان الشارع المقدس حكم بترك العبادة ايام الاستظهار فان امر المرئة في تلك الايام يدور بين وجوب الصلاة عليها وحرمتها، ومنها الوضوء

[ 200 ]

أو الغسل بمائين مشتبهين، إذ الامر حينئذ يدور بين حرمة الوضوء أو الغسل من كل منهما ووجوبه، وقد قدم الشارع جانب الوجوب وامر باهراق المائين والتيمم للصلاة. ويرد عليه اولا: ان الاستقراء وهو تتبع الجزئيات والافراد وتفحصها ليفيد العلم بثبوت كبرى كلية، لا يثبت بهذا المقدار، بل الاستقراء الناقص وهو تتبع اكثر الجزئيات ليفيد الظن بثبوتها لا يثبت بذلك. وثانيا: ان الامر في هذين الموردين ليس كذلك وان الحكم فيهما ليس من ناحية هذه القاعدة. ترك العبادة ايام الاستظهار وتمام الكلام بالبحث في موردين: الاول، في ترك العبادة ايام الاستظهار. الثاني، في الوضوء أو الغسل بالمائين المشتهبين: اما في الاول: ففى الكفاية، ان حرمة الصلاة فيها، انما تكون لقاعدة الامكان والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا فيحكم بجميع احكامه ومنها حرمة الصلاة عليها لا لاجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدعى انتهى. ويرد عليه ان الاظهر عدم ثبوت قاعدة الامكان، لعدم الدليل عليها كما عن جماعة من المحققين كالمحقق الثاني والمقدس الاردبيلى وصاحب المدارك وغيرهم، والغاء الشارع الاستصحاب في الحيض كالغائه اياه في ركعات الصلاة، وقد اشبعنا الكلام فيهما في الجزء الثاني من فقه الصادق. والتحقيق ان يقال ان الروايات الواردة في الاستظهار مختلفة، كما ان الاقوال فيها كذلك، فقد ذهب جماعة الى استحباب الاستظهار وعدم وجوبه، نسب ذلك الى عامة المتأخرين، وعن مجمع الفائدة والمعتبر والذخيرة الاباحة. ثم ان القائلين بالوجوب اختلفوا على اقوال. واختار جماعة وجوبه في يوم واحد، وآخرون وجوبه ثلاثة ايام، وبديهى ان شيئا من هذه الاقوال لا يوافق مع القاعدة

[ 201 ]

المزبورة، إذ لو كان الحكم مستندا الى القاعدة كان المتعين هو لزوم الاستظهار الى عشرة ايام. نعم، للتوهم المزبور مجال بالنسبة الى القول بوجوبه الى عشرة ايام، ولكنه ايضا فاسد، لان الحكم حينئذ انما يكون مستندا الى الروايات، وبديهى ان مجرد مطابقة الروايات للقاعدة لا تكشف عن ثبوتها وابتناء وجوب الاستظهار عليها فلعله بملاك آخر. اضف الى ذلك كله ان الاستشهاد، يتوقف على القول بحرمة العبادة على الحائض ذاتا إذ لو كانت الحرمة تشريعية كما هو الصحيح لم يكن الامر في ايام الاستظهار مرددا بين الوجوب والحرمة فايجاب الاستظهار في تلك الايام على المرئة اجنبي عن تلك القاعدة. الوضوء بمائين مشتبهين واما المورد الثاني: وهو عدم جواز الوضوء بمائين مشتبهين فقد ظهر حاله مما مر، فان عدم جواز الوضوء بهما لو كان، فانما هو عدم الجواز تشريعا، لا الحرمة الذاتية، مع ان مقتضى القاعدة هو الوضوء بهما كما ستعرف، فعدم الجواز لنص خاص، غير مربوط بالقاعدة المشار إليها، ولا باس بالاشارة الاجمالية الى الحكم في تلك المسألة فملخص القول فيها انه يدل على عدم جواز الوضوء موثق سماعة عن الامام الصادق (ع) عن رجل معه انائان وقع في احدهما قذر ولا يدرى ايهما وليس يقدر على ماء غيرهما قال (ع) يهريقهما ويتيمم (1) ومثله حديث عمار (2) وقد عمل بهما الاصحاب كما في المعتبر. ثم ان ظاهر الخبرين من جهة ظهورهما في نجاسة ما في الاناء بمجرد ملاقاة النجاسة ولفظ الاناء الاختصاص بالقليل، ففى الكرين لا مناص عن الرجوع الى ما تقتضيه القاعدة.


1. الوسائل باب 8 من ابواب الماء المطلق حديث 14 2. المصدر المتقدم (*)

[ 202 ]

وفى الكفاية انها تقتضي التفصيل بين الكر، والقليل، ففى الثاني مقتضاها كالنص تعين التيمم، وفى الاول مقتضى القاعدة صحة الوضوء أو الغسل لو توضأ أو اغتسل بهما وصحة الصلاة بعد ذلك، اما في القليل فللابتلاء بنجاسة البدن ظاهرا بحكم الاستصحاب، للقطع بحصول النجاسة حال ملاقاة المتوضأ من الاناء الثانية، اما بملاقاتها، أو بملاقاة الاولى، وعدم استعمال مطهر بعده ولو طهر بالثانية مواضع الملاقاة بالاولى، و اما في الكر فمن جهة عدم الحاجة في حصول الطهارة به الى التعدد وانفصال الغسالة لا يحصل في زمان علم بالنجاسة تفصيلا، وان علم بالنجاسة بالنجاسة اجمالا حين ملاقاة الاولى أو الثانية، فلا مجال لاستصحاب النجاسة ولا استصحاب الطهارة، للجهل بالتاريخ. وفيه، اولا: انه بعد تطهير بعض الاعضاء بالثانية، يحصل له علم اجمالي بنجاسة احد العضوين اما العضو الذى طهر لنجاسة ما طهر به، أو الباقي لنجاسة الاولى، فيستصحب النجاسة المعلوم تاريخها الى ما بعد تطهير الباقي فلا وجه للتفصيل. وثانيا: ان المبنى ضعيف، إذ المختار جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ كجريانه في معلومه، فيتعارض استصحاب الطهارة الثابتة بعد استعمال الطاهر منهما المرددة بين بقاء الطهارة قبل الاستعمال وحدوث غيرها، وهى ثبوتها معلوم وبقائها مشكوك فيه، مع استصحاب النجاسة في الفرضين فيتساقطان فيرجع الى قاعدة الطهارة، ففى كليهما لو توضأ أو اغتسل بهما بالنحو المزبور أي توضأ باحدهما، ثم طهر بالثانية مواضع الوضوء ثم توضأ بها يحصل له الطهارة المائية مع عدم الابتلاء بالنجاسة الخبثية ظاهرا، فلا مجال معه للتيمم. مضافا الى انه لو كرر الصلاة عقيب كل وضوء تحرز الصلاة الصحيحة واجدة للطهارة الحدثية والخبثية، فالامر بالتيمم انما يكون على خلاف القاعدة، وحيث ان النص مختص بالقليل فلا يتعدى عنه الى الكر. ودعوى عدم الفصل بينهما على ما ذكر، مندفعة: باحتماله إذ تطهير الاعضاء و تطهير ما يترشح عليه ماء الوضوء من مواضع البدن أو الثوب بالقليل، متعسر غالبا بخلاف الكثير.

[ 203 ]

ما يقتضيه الاصل في المقام الامر الثالث: إذا لم يثبت ترجيح لتقديم جانب النهى أو العكس، فقد افاد المحقق الخراساني انه يجرى حينئذ اصالة البرائة عن الحرمة، ومعه لا مانع من الحكم بصحة الصلاة إذ المانع ليس الا الحرمة المرتفعة بالاصل وبعد ارتفاع الحرمة فهى قابلة للتقرب بها فتقع صحيحة ولا يتوقف جريان هذا الاصل على جريانها في موارد الشك في الاجزاء والشرائط لان المانعية في المقام أي وقوع الصلاة في المكان المخصوص ليست مانعية شرعية ليكون عدم حرمة المكان الخاص قيدا للصلاة بل مانعيتها عقلية ومن ناحية ان صحتها لا تجتمع مع الحرمة فالشك فيها لا يرجع الى الشك بين الاقل والاكثر فلا يكون شكا مقرونا بالعلم بل شك بدوى. ثم قال نعم لو قلنا بان المفسدة الواقعية الغالبة مؤثرة في المبغوضية ولو لم تكن الغلبة محرزة فاصالة البرائة غير جارية بل كانت اصالة الاشتغال بالواجب لو كان عبادة محكمة ولو قيل باصالة البرائة في الاجزاء والشرائط لعدم تأتى قصد القربة مع الشك في المبغوضية. وفى كلامه موقع للنظر. الاول: انه في مورد تعارض العامين من وجه مع عدم الجمع العرفي بينهما - مسلكان - احدهما: الرجوع الى المرجحات السندية. ثانيهما: تساقط الاطلاقين والرجوع الى العام الفوق أو الاصل، وما افاده من تصحيح الصلاة باصالة البرائة لا يتم على شئ من المسلكين، اما على الاول: فلانه في المثال يقدم دليل الصلاة، لان دليل وجوبها الكتاب فيقدم على دليل الغصب وهو السنة، فالصلاة صحيحة للكتاب، لا لاصالة البرائة. واما على الثاني: فلانه بعد تساقط الاطلاقين وان لم يكن مانع عن صحة الصلاة الا انه لا مقتضى لها ايضا إذ المفروض ان مقتضيها اطلاق دليل الامر الساقط في الفرض - وبعبارة اخرى - انه باصالة البرائة لا ترتفع الحرمة الواقعية، والمفروض

[ 204 ]

ان المعارض للوجوب هو الحرمة الواقعية، والاصل لا يكون حجة في لوازمه فلا يدل على الامر بالصلاة في المجمع فلا محرز لكونها مامورا بها فلا وجه للحكم بصحتها. الثاني: انه على فرض ثبوت اطلاق دليل الامر وشموله للمجمع، ما افاده من عدم ابتناء جريان الاصل في المقام على جريان الاصل في الاقل والاكثر الارتباطيين فانه وان تم من حيث جريان اصالة البرائة عن الحرمة، الا انه لاثبات صحة الصلاة لا مناص من البناء عليه، لان اصل وجوب الصلاة معلوم وتقييده بغير هذا المكان مشكوك فيه فان جرى الاصل وارتفع التقييد صحت، والا فلا تصح. الثالث: ما افاده من ان المؤثر في المبغوضية هي المفسدة الواقعية الغالبة ولو لم تكن الغلبة بمحرزة فلا مجال للبرائة، فيرد عليه انه لا علم لنا بوجود المفسدة في هذه الحالة كى يقال ان العلم بها وبالحرمة الذاتية كاف في تأثيرها بمالها من المرتبة للشك في اصل وجودها، وانه هل يكون المجمع مشتملا على مفسدة، ام لا ؟ لان مسألة الاجتماع على الامتناع داخل في كبرى باب التعارض لا التزاحم، وفى ذلك الباب انما يكون الثابت احد الحكمين، وعليه فحيث ان ثبوت الحرمة مشكوك فيه، فلا طريق لنا الى احراز وجود المفسدة. مع انه لو سلم ان المجمع مشتمل على كلا الملاكين كما هو مختاره، فحيث ان الموجب للحرمة هو المفسدة الغالبة على المصلحة، فالحرمة والمبغوضية مجهولة فلا محالة تجرى اصالة البرائة فيها. حكم ما لو تعدد الاضافات الامر الرابع: قال في الكفاية الظاهر لحوق تعدد الاضافات بتعدد العنوانات والجهات في انه لو كان تعدد الجهة والعنوان كافيا مع وحدة المعنون وجودا في جواز الاجتماع كان تعدد الاضافات مجديا انتهى. اقول: لا ريب في ان تعدد الاضافات يوجب اختلاف الطبيعة المضافة، حسنا، و

[ 205 ]

قبحا، ومصلحة، ومفسدة، وجوبا، وحرمة، مثلا السجود لله ذو مصلحة وحسن عقلا ومحبوب شرعا، وللصنم ذو مفسدة وقبيح عقلا، وحرام شرعا مع ان السجود واحد، واكرام العادل حسن، واكرام الفاسق قبيح، والصلاة الى القبلة ذات مصلحة، والى غيرها ذات مفسدة، فهذا امر بديهى لا يقبل للترديد والاشكال فما عن بعض المحققين من انكار ذلك دعوى بينة الفساد. ومترتبا على ذلك اورد المحقق الخراساني على القوم، بانهم كيف اتفقوا على معاملة المتعارضين، مع مثل اكرم العلماء ولا تكرم الفساق، مع انهم اختلفوا في جواز اجتماع الامر والنهى وامتناعه، مع ان لازم المقدمة المزبورة كفاية تعدد الاضافة في جواز الاجتماع على القول بكفاية تعدد العنوان. واجاب عنه انتصارا للقوم بانه انما يكون بنائهم على معاملة تعارض العموم من وجه في موارد تعدد الاضافات، مبنيا على الامتناع، أو عدم المقتضى لاحد الحكمين في مورد الاجتماع. وقد تقدم عند ذكر المختار في جواز الاجتماع وامتناعه، نقل هذا الايراد و جوابه، عن المحقق اليزدى، وقد ذكرنا ما كان يخطر بالبال في الجواب عنه وعن اصل الايراد فراجع. اقتضاء النهى في العبادات للفساد وعدمه الفصل الثاني: في ان النهى عن الشئ هل يقتضى فساده ام لا ؟ وقبل الدخول في البحث في ذلك، لا بد من البحث في جهات. الاولى: قد تقدم في مبحث اجتماع الامر والنهى ما به يمتاز هذه المسألة عن تلك المسألة وان النزاع هناك صغروى، فانه يبحث في تلك المسألة في انه لو تعلق الامر بعنوان وتعلق النهى بعنوان آخر وتصادقا في الخارج على مورد، فهل النهى يسرى عن متعلقه في مورد الاجتماع والتطابق الى متعلق الامر وما ينطبق عليه ام لا ؟ وفى المقام

[ 206 ]

يكون النزاع كبرويا، فانه يبحث عن تلازم النهى عن شئ مع فساده على فرض تعلقه بنفس ما تعلق الامر به. هذه المسألة من المسائل الاصول اللفظية الثانية: هل هذه المسألة من المسائل الاصول العقلية، أو اللفظية، ام هناك تفصيل بين العبادات، والمعاملات ؟ والبحث في الاولى عقلي، وفى الثانية لفظي. وملخص القول فيها ان البحث في دلالة النهى عن المعاملة على الفساد، انما يكون لفظيا، لعدم التنافى بين ترتب الاثر والحرمة والمبغوضية فلا بد وان يكون البحث لفظيا فتأمل، واما النهى في العبادات، فقد يقال انه يمكن عقد المسألة لفظية، سواء بنينا على كفاية الاتيان بداعي الملاك في صحة العبادة، ام بنينا على لزوم الامر. اما على الثاني فبان ينعقد البحث هكذا، هل النهى يدل بالالتزام على عدم الامر ام لا ؟، واما على الاول، فبان يعنون المسألة، ان النهى هل يدل على عدم الملاك للامر من جهة ان ملاك الامر المصلحة غير المزاحمة أو الغالبة على المفسدة واما المغلوبة فليست ملاكا له، ام لا ؟ وعلى هذا فقد يقال انه بما ان البحث في المعاملات لفظي محض، وفى العبادات قابل لان يكون لفظيا ولان يكون عقليا فالاولى عقد بحث واحد لهما وهو انما يكون لفظيا. ولكن يرد على عقد المسألة هكذا، ما ذكره المحقق الخراساني في مبحث مقدمة الواجب، من انه إذا كانت الملازمة ثبوتا محل الكلام، لا مورد للنزاع في دلالة اللفظ - وبعبارة اخرى - انه على القول بثبوت الملازمة بين الحرمة والفساد فانما يكون الحاكم به العقل، ولا صلة له بباب الالفاظ ولذا لا يختص النزاع بما إذا كانت الحرمة مدلولة لدليل لفظي، وحيث ان هذا المعنى مورد للنزاع فلا مورد للنزاع في دلالة اللفظ. مع ان ما قيل من انه ينازع في دلالة اللفظ بالدلالة الالتزامية على الفساد، اجبنا عنه: بانه يشترط في الدلالة الالتزامية كون اللزوم بينا والا كما في المقام فلا دلالة التزامية ايضا

[ 207 ]

حتى على فرض حكم العقل بالملازمة. وعلى ذلك فيتعين ان يكون السر في عد هذه المسألة من مباحث الالفاظ ما ذكره المحقق النائيني (ره) من ان الاصوليين لم ينعقدوا بحثا خاصا للاحكام العقلية غير المستقلة اعني بها مباحث الاستلزامات بل ذكروا كلا منها في مورد لاجل مناسبة ما وبديهى ان المناسب لهذه المسألة انما هي مباحث النواهي. عدم اختصاص النزاع بالنهي التحريمي النفسي الثالثة: ربما يقال بان محل النزاع في هذه المسألة، انما هو النهى النفسي التحريمي. وتنقيح القول بالبحث في موردين: 1 - في الاختصاص بالتحريمى. 2 - في جريان النزاع في النهى الغيرى وعدمه. اما المورد الاول: فقد استدل المحقق النائيني (ره) وتبعه الاستاذ الاعظم على الاختصاص بالتحريمى، بان النهى التنزيهى عن فرد لا ينافى الرخصة الضمنية المستفادة من اطلاق الامر فلا ينافى اطلاق الامر بالطبيعة بالاضافة الى ذلك الفرد، بخلاف النهى التحريمي فانه ينافى الاطلاق المزبور فيوجب تقييد المأمور به بغير الفرد المنهى عنه. واورد عليهما، بان تطبيق الطبيعة على الفرد ان كان له وجود غير وجود الطبيعة فلا مانع من كونه حراما مع كون الطبيعة واجبة وان لم يكن له وجود منحاذ كما لا يمكن ان يكون حراما، لا يمكن ان يكون مكروها ايضا: إذ الاحكام الخمسة باسرها متضادة. ولا يمكن دفع هذه الشبهة الا بما ذكرناه في مبحث العبادات المكروهة من كون النهى التنزيهى ارشادا الى وجود منقصة وحزازة في الخصوصية الموجودة بوجود الطبيعي، - وبعبارة اخرى - الموجود الخارجي لا يكون متصفا الا بالوجوب، و اما الالتزام بالكراهة الفعلية فمما لا يمكن كما مر. ولكن يرد عليهما، ان هذا خلف الفرض إذ محل الكلام، ما لو تعلق النهى بنفس ما تعلق به الامر، وما ذكراه انما هو تصحيح لتعلق النهى التنزيهى بتطبيق الطبيعة المأمور

[ 208 ]

بها على الفرد - وبعبارة اخرى - بايجاد المأمور به متخصصا بخصوصية خاصة التى فيها مفسدة غير ملزمة، واما لو تعلق النهى التنزيهى بعبادة فبما ان الاحكام متضادة فلا محالة لا امر بها. ويكون ملاكه مغلوبا أو معدوما، فلا وجه حينئذ لتصحيح العبادة حينئذ لا امرا ولا ملاكا. فالمتحصل جريان النزاع في النهى التنزيهى ايضا. المورد الثاني: في انه هل النهى الغيرى كالنهي النفسي، يجرى فيه النزاع ام لا ؟ ملخص القول فيه ان النهى الغيرى على قسمين، الاول: ما كان مسوقا لبيان مانعية المنهى عنه عن العبادة واعتبار قيد عدمي في المأمور به. الثاني: ما كان نهيا تبعيا ناشئا من توقف واجب فعلى على ترك عبادة. اما القسم الاول: فلا ريب في دلالته على الفساد، فانه إذا اعتبر في المأمور به قيد عدمي ولم يقترن المأمور به بذلك القيد، لا محالة لا يكون واجدا لجميع ما اعتبر فيه فلا ينطبق على الماتى به المأمور به بحده، وليس معنى الفساد الا ذلك. واما القسم الثاني: وهو كالنهي عن الصلاة التى تتوقف على تركها، ازالة النجاسة عن المسجد بناءا على ثبوت الملازمة بين الامر بشئ والنهى عن ضده، فقد ذهب المحقق النائيني خلافا للمحقق الثاني والخراساني، الى عدم دلالته على الفساد. واستدل له: بان غاية ما يترتب على النهى الغيرى، انما هو عدم الامر بالفعل، ولا دلالة له بوجه على عدم الملاك، لعدم كونه ناشئا عن مفسدة ومبغوضية، وانما هو ناش عن كون تركه مقدمة لواجب اهم، وحيث انه يكفى في صحة العبادة اشتمالها على الملاك وان لم يتعلق بها امر. وقد تقدم الكلام في الكاشف عن الملاك والفرض ان النهى لا يضر بالملاك فيصح الاتيان بالعبادة. ويرد عليه مع قطع النظر عن ما ذكرناه من عدم الكاشف عن الملاك: ان الملاك الذى يسبب الشارع الاقدس الى تفويته وعدم ايجاده لا يصلح للمقربية وصيرورة العمل عبادة ومقربا الى الله تعالى وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا في مبحث الضد.

[ 209 ]

بيان المراد من العبادة الرابعة: في بيان المراد من العبادة التى وقع البحث في ان النهى عنها هل يقتضى الفساد، ام لا ؟ وانما سيق هذا لامر لبيان دفع ما قد يشكل في تصوير النهى عن العبادة، بان العبادة ليست الا ما يوجب القرب، فكيف يعقل النهى عنها. والحق في الجواب ان العبادة على قسمين. الاول: ما يكون عبادة ذاتا وادبا يليق الخضوع به، - وبعبارة اخرى - ما يكون ذاتا تخضعا وتذلللا اظهارا للعبودية كالسجود. الثاني: ما لا يكون كذلك. اما القسم الاول: فتصوير النهى عن العبادة بذلك المعنى واضح. نعم، هناك اشكال آخر وهو ان العبادة بهذا المعنى لا يصح النهى عنها، لانها إذا كانت ادبا وحسنا ذاتيا، فالنهى عنها، انما يكون كالنهي عن الاطاعة، - وبعبارة اخرى - حسنها الذاتي مانع عن النهى. ولكن يمكن دفعه بانه ربما يكون في المكلف من الارجاس ما يوجب عدم كونه لايقا باظهار العبودية، فتكون العبادة منه قبيحة فيصح النهى عنها. واما القسم الثاني: فقد قيل في مقام الجمع بين كونها عبادة ومنهيا عنها، وجوه: احدها: ما في الكفاية وهو ان المراد بالعبادة، ما لو تعلق الامر به كان امره امرا عباديا لا يكاد يسقط الا إذا اتى به بنحو قربى كساير امثاله، نحو، صوم العيدين، والصلاة في ايام العادة. وفيه: ان هذا خلاف الظاهر فان ظاهر قولهم النهى عن العبادة هي الفعلية لا التقديرية، مع: ان فساد العبادة بهذا المعنى مستند الى عدم المقتضى لا الى النهى كما هو واضح. ثانيها: ما في التقريرات وهو ما امر به لاجل التعبد به. ثالثها: ما هو منسوب الى غير واحد، وهو ما يتوقف صحته على النية.

[ 210 ]

رابعها: ما عن المحقق القمى (ره) وهو ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شئ. واورد المحقق الخراساني (ره) على هذه الثلاثة. بانه ضرورة انها بواحد منها لا يكاد يمكن ان يتعلق بها النهى. اقول: ان ما ذكره (ره) وان تم، الا انه غير وارد عليهم، لعدم كونهم في مقام بيان المراد من العبادة في المقام، بل في مقام بيان العبادة من حيث هي. فالصحيح في المقام، ان يقال ان المراد بها ما لو لا النهى كان عبادة لكونها مشمولة لدليل متضمن للامر بها، فتكون في مرتبة سابقة على النهى عبادة، فلا يكون المراد، العبادة التقديرية فتدبر هذا كله في العبادة بالمعنى الاخص. واما العبادة بالمعنى الاعم كغسل الثوب وامثاله من مقدمات الصلاة، فهى من جهة وقوعها عبادة داخلة في محل النزاع، واما من جهة الاثار الوضعية المترتبة عليها، فقد يتوهم دخولها في محل النزاع من جهة ان الطهارة مثلا من الاعتباريات فحكمها حكم الملكية، لكنه فاسد فان الطهارة ليست مترتبة على فعل المكلف حتى يمكن التفرقة بين كونها مبغوضة للشارع وعدمه كالملكية، بل هي مترتبة على نفس الغسل الذى هو اسم المصدر فما هو سبب له غير مربوط بما يتعلق النهى به، فلا وجه لتوهم دلالة النهى فيه على الفساد فتدبر فانه لا يخلو عن دقة. المراد بالمعاملة الخامسة: في تعيين المراد من المعاملة التى يقع البحث عن اقتضاء النهى فسادها و عدمه. وقد قسم في التقريرات المعاملة على ثلاثة اقسام. الاول: ما يتصف بالصحة والفساد كالعقود والايقاعات. الثاني: ما لا يتصف بهما مع ترتب الاثر الشرعي عليه، كالغصب، والاتلاف، واليد، والجنايات، واسباب الوضوء. الثالث: ما لا يتصف بهما مع عدم ترتب اثر شرعى عليه وقد مثل له بشرب الماء.

[ 211 ]

والمحقق الخراساني (ره) تبع صاحب التقريرات في ذلك، واستدل لعدم جريان النزاع في القسم الثاني، بان اثره لا ينفك عنه، وفى الثالث بانه لا اثر له، واختار جريان النزاع في القسم الاول، سواء كان من قبيل العقود والايقاعات ام كان من قبيل التحجير والحيازة وامثالهما، - وبعبارة اخرى - ان الداخل في العنوان هو المعاملة بالمعنى الاعم. واورد المحقق النائيني على ما افاده في القسم الاول، بان المعاملة بالمعنى الاعم الشاملة للتحجير والحيازة وامثالهما، لم يتوهم احد دلالة النهى فيها على الفساد فالمراد بها هي العقود والايقاعات خاصة. وفيه: انه كما ان الملكية الحاصلة بالبيع من الامور الاعتبارية التسبيبية لا الواقعية، و بهذا الاعتبار دخلت في محل النزاع، من جهة انه بما ان الاعتبار فعل الشارع فيمكن ان لا يعتبرها لو كان السبب مبغوضا له، كذلك ثبوت الملكية بالحيازة والحق بالتحجير من الامور الاعتبارية بلا فرق اصلا، فالاظهر دخولها في محل النزاع. واما ما افاده العلمان من عدم دخول القسم الثاني في محل النزاع فهو متين جدا و لكن لا لما افاده المحقق الخراساني، بل لعدم قابلية للاتصاف بالصحة والفساد فانه يختص بما يكون مرغوبا فيه وهو لا يكون كذلك فيه، بل يكون اثره الشرعي مجعولا على المكلف كباب الضمانات والمحرمات، والحدث، الا ترى انه لا يقال لشرب الخمر غير المحرم للاضطرار انه فاسد، ولسبب الضمان الذى لا يترتب عليه كالاكل في موضع حق المارة انه اتلاف فاسد، ولما صدر من المسلوس والمبطون انه فاسد. ثم لا يخفى انه يذكر مما ذكرناه من انه لا يدخل في عنوان النزاع الا ما كان قابلا للاتصاف بالصحة والفساد. انه يخرج عن محل النزاع امران آخران. احدهما: البسائط فانها تتصف بالوجود والعدم لا بالصحة والفساد، وان شئت قلت. انهما وصفان للموجود الخارجي، وفى البسائط مع فرض الوجود الخارجي يكون الشئ تاما ومع عدمه يكون معدوما لا فاسدا. الثاني: موضوعات التكاليف، وذلك لان الصحة والفساد كانتا بمعنى ترتب الاثر وعدمه، ام كانتا بمعنى مطابقة الماتى به لما هو طرف اعتبار الشارع أو حكمه كما

[ 212 ]

هو الاظهر على ما ستعرف، لا تتصف الموضوعات بهما، اما على الاول فلعدم تأثير الموضوع في الحكم والا لزم انقلاب المجعول التشريعي مجعولا تكوينيا كما نبه عليه المحقق النائيني، واما على الثاني فلان اعتبار الشارع وحكمه انما يصير فعليا بعد وجود الموضوع فمع عدمه ولو بنقص جزء أو شرط منه، لا حكم ولا اعتبار اصلا فلا مورد للنزاع. حقيقة الصحة والفساد السادسة: في بيان حقيقة الصحة والفساد، فقد قال المحقق الخراساني (ره) انهما وصفان اضافيان يختلفان بحسب الاثار والانظار فربما يكون شئ واحد صحيحا بحسب اثر أو نظر وفاسدا بحسب آخر ومن هنا صح ان يقال ان الصحة في العبادة والمعاملة لا تختلف فيهما بل فيهما بمعنى واحد وهو التمامية وانما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الاثار التى بالقياس إليها تتصف بالتمامية وعدمها انتهى. والظاهر انه ليس مراده كونهما من مقولة الاضافة التى هي عبارة عن شيئين إذا عقل احدهما عقل الاخر، كالابوة والبنوة، حتى يقال انهما ليسا كذلك قطعا، مع ان ما ذكر في وجه ذلك بقوله يختلفان بحسب الانظار، لا يدل عليه: فان الامور الحقيقية النظرية ايضا تختلف باختلاف الانظار. بل مراده كونهما من الصفات ذات الاضافة، كالعلم مثلا، لو كان من الصفات لا من الافعال. ولكن يرد عليه (قده) ان الصفات الحقيقية ذات الاضافة، وان كان يجوز اجتماع المتقابلات منها، ككون الشخص عالما بشئ وجاهلا بآخر، وكون شئ علة لشئ و معلولا لآخر، الا ان ذلك في صورة اختلاف المضاف إليه لا مطلقا. والا فلا ريب في عدم جواز اجتماعها. الا ترى انه لا يعقل كون الشخص عالما بشئ وجاهلا به. وعلى ذلك، فحيث انه (قده) سيصرح بان معنى الصحة هي التمامية، فالمضاف إليه للتمامية، ان كان هو الطبيعة الجنسية أو النوعية أو الصنفية، فاجتماعهما في واحد الذى

[ 213 ]

يكون مع اختلاف المضاف إليه انما يتحقق بكون الشئ صحيحا تاما من طبيعة، وفاسدا وناقصا من اخرى، لا من حيث ترتب اثر دون آخر، مثلا، الخل صحيح وفاسد، صحيح بالاضافة الى الخل فاسد بالنسبة الى ماء التمر، وليس لترتب الاثر دخل في ذلك. وان كان المضاف إليه للتمامية هو الاثر، فالصحيح هو ما يترتب عليه جميع الاثار فان ترتب عليه اثر دون آخر، لا يكون صحيحا فلا يصح ان يقال انه صحيح بلحاظ اثر دون آخر. والحق في المقام ان يقال ان الصحة والفساد إذا اضيفتا الى الامور الخارجية، يراد من الصحيح ما يترتب عليه الاثار المرغوبة منه، ومن الفاسد ما لا يترتب عليه شئ من الاثار، واما ما يترتب عليه بعض الآثار دون بعض فهو المعيب. واما في الشرعيات، فهما ليسا بهذا المعنى قطعا، اما في المعاملات فلان البيع مثلا لا اثر له وثبوت الملكية وترتبها عليه انما يكون حكما واعتبارا شرعيا، وهو خارج عن قدرة البايع وفعل اختياري للمولى وفعل المكلف غير مؤثر فيه، وبالجملة باب التأثير والتاثر، والعلية والمعلولية، اجبني عن الحكم وموضوعه وليس الموضوع سببا للحكم و مؤثرا فيه. واما في العبادات، وان كان يمكن تصوير هذا المعنى فيها بناءا على مسلك العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد، بدعوى ان الصحيح هو ما يؤثر في حصول المصلحة التى دعت المولى الى الامر بالفعل، والفاسد ما لا يؤثر فيه الا ان الصحيح والفاسد، يطلقان فيها عند الاشاعرة المنكرين لتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد، وبعض الامامية القائل بتبعيتها للمصالح في الجعل، بما لهما من المعنين الذين يطلقان عليهما عند المشهور من العدلية، فيستكشف من ذلك، انه ليس مرادهم من الصحة والفساد ترتب الاثر وعدمه. بل المراد بالصحة في الشرعيات انطباق الماتى به والموجود الخارجي على ما هو طرف اعتبار الشارع وحكمه، ويكون شاملا لجميع قيوده، وبالفاسد، ما لا يكون كذلك، مثلا إذا قال الشارع ان العقد العربي المقدم ايجابه على قبوله، سبب للملكية، فإذا

[ 214 ]

اوجد الشخص البيع مع هذه القيود فهو صحيح والا فهو فاسد، وبالجملة الصحة والفساد وصفان لا يتصف بهما الا الموجود الخارجي، ولا معنى معقول للقول بان طبيعة الصلاة صحيحة أو فاسدة، واتصاف الموجود الخارجي بهما انما يكون باعتبار انطباقه على ما اخذ متعلقا للحكم الشرعي، وسببا للاعتبار وعدمه. مجعولية الصحة والفساد وعدمها السابعة: ان الصحة والفساد في العبادات والمعاملات، هل هما مجعولان شرعا كساير الاحكام الشرعية، أو واقعيان، أو يفصل بين العبادات والمعاملات فهما مجعولان شرعا في المعاملات دون العبادات كما اختاره الاستاذ، أو يفصل في المعاملات بين المعاملات الكلية والمعاملات الشخصية فهما في الاول مجعولان شرعا دون الثانية كما اختاره المحقق الخراساني (ره) أو يفصل بين الصحة الواقعية والصحة الظاهرية، فالثانية مجعولة دون الاولى كما اختاره المحقق النائيني (ره) فيه وجوه. والتحقيق ان الصحة والفساد من الاوصاف الطارئة على الموجود الخارجي، و اما الماهيات مع قطع النظر عن طرو الوجود عليها فلا يعقل اتصافها بالصحة والفساد كما مر بيان ذلك مفصلا، وعليه فالصحة الواقعية في العبادات والمعاملات غير مجعولة، بل هي والفساد وصفان واقعيان لكونهما عبارتين عن انطباق الماتى به على المأمور به، أو على الاسباب الشرعية، وعدمه، والانطباق وعدمه امران تكوينيان. واما في موارد الاوامر الظاهرية بالنسبة الى الاوامر الواقعية، فالحق ان الصحة امر مجعول ما لم ينكشف الخلاف: إذ انطباق المأمور به بالامر الواقعي على الماتى به، وان كان مشكوكا فيه الا ان للشارع ان يتعبد بذلك وبترتيب آثار الصحة عملا، وقد فعل ذلك في جميع موارد الاحكام الظاهرية، غاية الامر في بعضها بالصراحة كما في مورد قاعدة الفراغ والتجاوز، لاحظ قوله (ع) بلى قد ركعت، وفى الاخر بالالتزام كما إذا صلى مع الطهارة المستصحبة: فان دليل الاستصحاب يدل بالالتزام على جعل الصحة للماتى به

[ 215 ]

وانطباقه على المأمور به. واما إذا انكشف الخلاف فان كان ذلك قبل فوات محل تدارك الجزء الناقص مثلا، فلا محالة لا يحكم بالصحة الا بعد الاتيان به لان موضوع الحكم بالصحة كان هو الشك وقد ارتفع، وان كان بعد فوات محل التدارك وكان الناقص مما لا يوجب نقصه البطلان، فالحق هو تبدل الصحة الظاهرية حينئذ بالصحة الواقعية: إذ لو لم يرفع الشارع التكليف عن الناقص، كان اللازم الاتيان به، ولو رفع التكليف عنه وسقط عن الجزئية كان الماتى به صحيحا واقعا. وبذلك ظهر ما في كلام المحقق النائيني (ره) الملتزم بكون الصحة امرا مجعولا حتى في صورة كشف الخلاف. بدعوى، انه في هذه الصورة يفرض الشارع ما اتى به مطابقا للمأمور به، إذ لا يمكن الحكم بالصحة مع عدم رفع اليد عن التكليف بما لم يأت به، ومعه يكون صحيحا واقعا لا ظاهرا كى تكون الصحة مجعولة. ثم ان المحقق الخراساني بعد اختياره ان الصحة في العبادات بمعنى، سقوط الاعادة والقضاء في المأمور به الواقعي، انما هي امر واقعى ومما يحكم به العقل. قال وفى غيره ربما يكون مجعولا، والتعبير ب‍ (ربما) اشارة الى انه ان كان الماتى به المنطبق عليه المأمور به بالامر الاضطراري، أو الظاهرى وافيا بجميع ما يكون المأمور به بالامر الواقعي الاولى وافيا به من المصلحة، أو كان وافيا بالمهم منها بحيث كان الباقي غير لازم الاستيفاء يكون السقوط غير مجعول، بل هو حينئذ امر واقعى. ولكن حيث لا طريق لنا الى كشف الملاكات وكون الماتى به وافيا بالجميع لا محالة تكون الصحة مجعولة دائما وقد مر الكلام في ذلك في مبحث الاجزاء. ثم انه (قده) قال نعم الصحة والفساد في الموارد الخاصة لا يكاد يكونان مجعولين بل هي انما تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به انتهى. ولكن يرد عليه انه مع فرض مجعولية الصحة للكلى لا معنى لعدم كون الصحة في الموارد الخاصة مجعولة، إذ بعد فرض كون تعلق الاحكام بالطبايع على نحو القضية الحقيقية، لا يعقل عدم سراية الحكم المجعول الى الفرد، إذ الجعل المتعلق بالطبيعي انما

[ 216 ]

هو جعل على الافراد المقدر وجودها، وبعد وجودها يصير المجعول فعليا، فالصحة في الموارد الخاصة تكون مجعولة على فرض كون الصحة مجعولة على الكلى كما هو الشأن في جميع الاحكام التكليفية والوضعية كما لا يخفى. ثم ان المحقق الخراساني (ره) ذهب في المعاملات الى التفصيل بين الكلية منها، كالبيع، والاجارة، والصلح، والنكاح، وما شاكل ذلك، وبين الخارجية الشخصية فبنى على انهما في الاولى مجعولان شرعا، وفى الثانية منتزعان واقعا بدعوى ان المأخوذ في ادلة الامضاء هو المعاملات الكلية، واما الشخصية فانما تتصف بهما لاجل انطباق المعاملة الخارجية مع ما هو المجعول سببا، وعدمه. وفيه: ان الصحة والفساد بمعنى مطابقة الموجود الخارجي لما جعل سببا في الاحكام الوضعية، لا يكونان مجعولين في المعاملات ايضا، فان انطباق الكلى على الفرد كان الكلى امرا تكوينيا ام جعليا، عقلي قهرى، وان شئت قلت ان المجعول الشرعي هو جعل شئ خاص سببا، وفى هذا المقام لا معنى للصحة والفساد، لانهما من صفات الموجود الخارجي، وهو انما يتصف بهما باعتبار انطباق المجعول الشرعي عليه وعدمه، والانطباق وعدمه لا يكونان مجعولين فهما في المعاملات ايضا غير قابلين للجعل بل امران واقعيان. مع انه إذا كانت الصحة مجعولة للكلى لا محالة تكون صحة كل فرد مجعولة ولا يعقل التفكيك. الاصل في المسألة الثامنة: لا اصل في المسألة يعول عليه في المسألة الاصولية، إذ الاصل المتوهم وجوده ليس الا الاستصحاب، ولا مجرى له في المقام، إذ الملازمة وان لم تكن داخلة تحت احدى المقولات لكنها من الامور الواقعية الازلية، وليست لها حالة سابقة، فان كانت موجودة فهى من الازل والى الابد كذلك فلا يتصور اليقين باحد الطرفين في زمان

[ 217 ]

والشك فيه في زمان آخر، بل الشك فيها دائما انما هو في اصل ثبوتها من الازل وعدم ثبوتها كذلك، واوضح من ذلك ما لو كان النزاع في دلالة النهى على الفساد لفظا وعدم دلالته عليه إذ عدم الاصل على هذا الفرض ظاهر. واما في المسألة الفرعية ففى الكفاية، نعم، كان الاصل في المسألة الفرعية الفساد لو لم يكن هناك اطلاق أو عموم يقتضى الصحة في المعاملة، واما العبادة فكذلك لعدم الامر بها مع النهى عنها. قال المحقق النائيني (ره) ان الاصل في المعاملة هو الفساد مطلقا. واما العبادة فان كان الشك في صحتها وفسادها لاجل شبهة موضوعية فمقتضى قاعدة الاشتغال فيها هو الحكم بفساد الماتى به وعدم سقوط امرها، واما إذا كان لاجل شبهة حكمية فالحكم بالصحة والفساد عند الشك يبتنى على الخلاف في جريان البرائة والاشتغال عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية. اقول: ان ما ذكراه غير مربوط بما هو محل الكلام إذ الكلام في المقام ليس في حكم مطلق الشك في الصحة والفساد إذ هو موكول الى محله، وانما الكلام في المقام في خصوص الشك في الصحة من جهة تعلق النهى. فالحري في المقام ان يقال، ان الاصل في المعاملات هي الصحة وفى العبادات هو الفساد. اما في المعاملات، فلان مورد النزاع ينحصر في وجهين. الاول: استلزام النهى عقلا لتقييد اطلاق دليل الاعتبار بالنسبة الى ما تعلق به. الثاني: استلزامه لذلك عرفا و بالدلالة الالتزامية، وعلى كل تقدير يشك في تقييد الاطلاق، والاصل عدمه - وبعبارة اخرى - يحكم بالصحة للاطلاق أو العموم. نعم، إذا لم يكن هناك اطلاق أو عموم يقتضى الصحة الاصل هو الفساد الا انه خارج عن محل الكلام. واما في العبادات فيتصور هناك نزاع آخر، وهو انه هل يمكن التقرب بالمبغوض ام لا ؟ وعلى كل تقدير لا كلام في تقييد اطلاق الامر، إذ لو فرض الشك في استلزام المبغوضية لاستحالة التقرب والشك في ظهور اللفظ في الفساد، الا انه لا يتصور الشك في تقييد اطلاق الامر لانهما ضدان لا يجتمعان. فإذا لم يكن هناك امر، وحيث ان

[ 218 ]

ملاكه ايضا ليس فان ملاكه المصلحة غير المغلوبة للمفسدة، والمفروض من فعلية النهى وسقوط الامر غلبة ملاك النهى، فلا يمكن التقرب به والحكم بصحتها إذ صحة العبادة متوقفة على الامر بها أو اشتمالها على ملاك الامر والمفروض عدمهما. وبما ذكرناه سيما في العبادات ظهر ما في كلمات المحقق الاصفهانى (ره) حيث انه التزم، بان الاصل هو الفساد إذا كانت عقلية من جهة الشك في ان التقرب بالعبادة مع المبغوضية الفعلية، هل يتنافيان ام لا ؟ فان ذلك موجب للفساد بحكم قاعدة الاشتغال. إذ يرد عليه ان الشك ليس في مانعية المبغوضية بل في صلاحية الملاك للتقرب. النهى المتعلق بذات العبادة إذا عرفت هذه الجهات فالكلام يقع في مقامين، الاول: في العبادات. الثاني: في المعاملات. اما الاول: فملخص القول فيه، ان النهى المتعلق بها يتصور على اقسام، الاول: ما يتعلق بذات العبادة كالنهي عن صوم يوم العيد. الثاني: ما يتعلق بجزئها كالنهي عن قرائة سورة العزيمة في الصلاة. الثالث: ما يتعلق بشرط العبادة كالنهي عن التستر بثوب مغصوب أو الحرير أو نحو ذلك. الرابع: ما يتعلق بوصفها الملازم لها، وقد مثل المحقق الخراساني له بالجهر والاخفات. الخامس: ما يتعلق بوصفها غير الملازم لها أي القابلة للانفكاك عنها كالتصرف في مال الغير الملازم لاكوان الصلاة في مورد الالتقاء والاجتماع. اما القسم الاول: وهو النهى المتعلق بذات العبادة. فتنقيح القول فيه ان النهى المتعلق بالعبادة، ربما يكون ارشاديا من جهة مزاحمتها بالاهم كالصلاة عند مزاحمتها بالازالة، وقد يكون تشريعيا، وثالثا يكون نفسيا تحريميا. اما الاول: فربما يقال بعدم دلالته على الفساد لان غاية ما يدل عليه عدم الامر، ولا يدل على عدم الملاك، وقد مر انه يكتفى في صحة العبادة بالاتيان بها بداعي الملاك، و لكن قد عرفت ان الاظهر دلالته على الفساد، لدلالته على عدم الامر، والملاك الموجود

[ 219 ]

فيها على فرض وجوده مع انه لا كاشف عنه لا يصلح للتقرب به: إذا لملاك الذى يتسبب الشارع الى اعدامه لا يكون مقربا. واما الثاني: فهو يدل على الفساد من جهة دلالته على عدم الامر وعدم الملاك: إذ بعد فرض ان النهى ليس لمفسدة ذاتية ولا لمزاحمته مع واجب اهم، لا محالة يستكشف ان هذا الفعل لا يمكن وقوعه عبادة بوجه، - وبعبارة اخرى - ان هذا النهى وارد مورد توهم وجود الامر أو الملاك، فيدل على عدمهما، وعليه، فإذا كان الدليل المتضمن له قطعيا، لا مجال للاتيان به برجاء المطلوبية أو الملاك، إذ الاتيان بالرجاء فرع الاحتمال، و اما إذا كان ظنيا، فللاتيان به برجاء المحبوبية والملاك مجال، فحينئذ لو كان عبادة يقع ما اتى به صحيحا ومجزيا. واما الثالث: وهو النهى التحريمي النفسي، فقبل بيان وجه دلالته على الفساد لابد من بيان امر، وهو انه ربما يقال انه لا يمكن تعلق النهى التحريمي النفسي بالعبادة، وقد مر ذلك وانما نعيده لبيان ما افاده المحقق الخراساني، وكيف كان فذكر وجه عدم الامكان بقوله، لا يقال هذا لو كان النهى عنها دالا على الحرمة الذاتية ولا يكاد يتصف بها العبادة لعدم الحرمة بدون قصد القربة، وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها الا تشريعا ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة، ومعه لا يتصف بحرمة اخرى لامتناع اجتماع المثلين كالضدين انتهى. وحاصله ان متعلق النهى اما ان يكون ذات العمل مع قطع النظر عن قصد الامر، أو يكون هو العمل مع قصد امتثال الامر الواقعي، أو يكون هو الفعل مع قصد الامر الجعلى، ولا رابع، والاول باطل باعتراف الخصم، والثانى باطل من جهة عدم القدرة عليه لعدم الامر، والثالث حرام تشريعا، ومع الحرمة التشريعية لا يعقل الاتصاف بالحرمة الذاتية، والا لزم اجتماع المثلين. واجاب عنه المحقق الخراساني بجوابين، احدهما: ان المتعلق للنهى والحرمة هو ما يقع عبادة لو كان مامورا به. وفيه: ان هذا بحسب الفرض وان كان متينا، ولكن المستشكل يدعى انه في

[ 220 ]

موارد تعلق النهى بالعبادة، كصلاة الحائض ليس المتعلق هو ذات العمل مع قطع النظر عن قصد القربة، ولذا لم يلتزم فقيه بالحرمة لو صلت الحائض لتعليم الغير لا مع قصد القربة، - وبعبارة اخرى - ان الالتزام بكون المنهى عنه ذات العبادة، أي ما لو امر به لكان امره عباديا، لا يوجب دفع الاشكال، فان المستشكل يدعى انه في موارد النهى عن العبادات التى يدعى كون النهى فيها تحريميا نفسيا لا يكون المتعلق ذات العبادة مع قطع النظر عن قصد الامر والملاك، وحيث انه ليس هو العمل مع قصد الامر الواقعي، فيتعين كونه الفعل مع قصد الامر البنائى وحيث انه محرم بالحرمة التشريعية فلا يعقل تعلق الحرمة الذاتية به. الثاني: ان المحرم بالحرمة التشريعية ليس هو الفعل الخارجي بل انما يكون المتصف بها ما هو من افعال القلب كما هو الحال في التجرى والانقياد. فلا مانع من اتصاف الفعل الخارجي بالحرمة الذاتية. وفيه: ان تعلق النهى في التشريع بالامر القلبى وان كان ممكنا، الا ان المتعلق بحسب التحقق الخارجي هو ذات العمل الماتى به بقصد التشريع: لانه منطبق عنوان التشريع، واما البناء القلبى فهو بناء على التشريع لا انه تشريع فتدبر. فالحق في الجواب عن اصل الايراد، اولا بالنقض بالمحرمات الذاتية التى يؤتى بها بداعي الامر فانه لا ريب في اتصافها بالحرمة التشريعية والذاتية. وثانيا: بالحل، وهو الالتزام بالتأكد كما هو الشان في جميع الموارد التى تعلق تكليفان متماثلان بشئ واحد. إذا عرفت هذا فاعلم ان النهى النفسي في العبادات الجعلية يدل على الفساد لوجهين، عدم المقتضى، ووجود المانع وفى العبادات الذاتية يدل على الفساد لوجه واحد، وهو الاقتران بالمانع. وذلك لانه في وقوع الفعل عبادة يعتبر امران. احدهما: كون الفعل صالحا للتقرب به لكونه عبادة ذاتا أو للامر أو الملاك. ثانيهما: عدم مبغوضيته: إذ المبغوض لا يصلح لان يتقرب به لكونه مبعدا والمبعد لا يقرب وعلى هذا فدلالة النهى عن العبادة على الفساد واضحة.

[ 221 ]

لانه في العبادات الجعلية المنهى عنها، كلتا الجهتين، مفقودتان، اما الاولى: فلان النهى، يدل على عدم الامر، وعدم الملاك، اما دلالته على عدم الامر فواضحة، واما دلالته على عدم الملاك، فلان ملاك الامر هو المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة، أو الغالبة عليها، واما المصلحة المغلوبة فلا تكون ملاكا ولولا مغلوبية المصلحة لما كان المولى ينهى عن الفعل، فمن النهى كما يستكشف عدم الامر يستكشف عدم المصلحة أو مغلوبيتها للمفسدة، فيدل النهى على عدم الامر وعدم الملاك. واما الثانية: فلان النهى يدل على المبغوضية والمبغوض لا يقرب، وفى العبادات الذاتية النهى لا يوجب سلب ما هو ذاتي له فلا محالة ينحصر وجه الفساد بفقد الجهة الثانية أي تكون مبغوضة وهى تمنع عن التقرب بها فتدبر. ثم انه بناءا على ما اخترناه من دلالة النهى باقسامه على الفساد، لا مجال للنزاع في انه إذا شك في كون النهى من أي الاقسام، هل يدل على الفساد، ام لا ؟ واما على القول بعدم دلالة بعض اقسامه على الفساد فهل يوجب مثل هذا النهى الفساد، ام لا ؟ اقول الظاهر دلالته عليه إذ هو بجميع اقسامه يدل على عدم الامر، وببعض اقسامه يدل على عدم الملاك، وعليه ففى هذا المورد بما ان عدم الامر محرز ووجود الملاك مشكوك فيه فلا يصح الاتيان به. فهل يصح الاتيان به برجاء وجود الملاك ام لا ؟ وجهان: اقواهما الثاني ما لم يرتفع احتمال المبغوضية باصل أو دليل كما لا يخفى. تذييل به يتم البحث في النهى عن العبادة: وهو ان مقتضى ما ذكرناه في وجه دلالة النهى على الفساد، هو الفساد حتى في مورد الجهل، بالنهي عن قصور، كما لا يخفى وقد التزم الاصحاب بذلك، وفى مبحث اجتماع الامر والنهى على الامتناع، وترجيح جانب النهى، بعين هذا الوجه التزمنا بالفساد حتى في صورة الجهل عن قصور، ولكن جمعا من الاصحاب لم يلتزموا بذلك في ذلك المبحث، مع انه لا فرق بين البابين اصلا، في جريان ما ذكرناه وجها للفساد كما هو واضح وهذا ايراد على القوم غير قابل الذب.

[ 222 ]

النهى المتعلق بجزء العبادة واما القسم الثاني: وهو النهى المتعلق بجزء العبادة، فقد افاد المحقق الخراساني (ره) ان جزء العبادة من حيث انه عبادة يجرى فيه ما ذكرناه في القسم الاول، الا ان بطلان الجزء لا يوجب بطلان العبادة المركبة منه ومن غيره الا إذا اقتصر المكلف عليه في مقام الامتثال، واما إذا لم يقتصر عليه واتى بعده بالجزء غير المنهى عنه تقع العبادة صحيحة لعدم المقتضى للفساد، الا ان يستلزم ذلك موجبا آخر للفساد كالزيادة العمدية أو نحو ذلك وهو امر آخر اجبني عن محل الكلام. وافاد المحقق النائيني (ره) ان النهى عنه يقتضى فساد العبادة مطلقا سواء كان الجزء من سنخ الافعال أو كان من سنخ الاقوال، وسواء اقتصر على ذلك الجزء المنهى عنه أو لم يقتصر عليه، سواء كان اعتبار ذلك الجزء في العبادة بشرط لا أو كان لا بشرط. وقد ذكر في وجه ذلك ما ينحل الى امور بعضها مختص بالصلاة وبعضها عام يجرى في جميع المركبات. احدها: وهو يختص بخصوص الجزء الذى اخذ فيه عدد خاص كالسورة بناءا على حرمة القران. وحاصله، ان الاتى به في ضمن العبادة، اما ان يقتصر عليه فيها، أو يأتي بعده بما هو غير منهى عنه، وعلى كل تقدير تبطل الصلوة، اما على الاول: فلان الجزء المنهى عنه خارج عن اطلاق دليل الجزئية، فيكون وجوده كعدمه فالاقتصار عليه في مقام الامتثال موجب لفقد الجزء، واما على الثاني: فلانه يوجب الاخلال بالوحدة المعتبرة في الجزء. وفيه: ان المنهى عنه هو الاتيان بسورتين بداعي تحقق الامتثال بالمجموع، ولو اتى باحداهما لا بقصد الجزئية للصلاة، لا يصدق القران الممنوع. وعليه، فلو اتى بالجزء المحرم لا بقصد الجزئية لا يوجب الاتيان بفرد آخر بعده صدق القران. ثانيها: صدق عنوان الزيادة في الفريضة على الاتيان بالفرد المنهى عنه، وان لم

[ 223 ]

يقصد به الجزئية إذ لا يعتبر في تحققها قصد الجزئية إذا كان المأتى به من جنس احد اجزاء العمل، وهو يوجب البطلان. وفيه: ان المركب الاعتباري لا يزيد شئ فيه الا مع الاتيان به بداعي كونه منه. نعم، في خصوص الركوع والسجود لا يعتبر ذلك للنص الخاص في الثاني والقطع بعدم الفصل بينه وبين الركوع، فالجزء المحرم لواتى به لا بقصد الجزئية لما صدق عليه عنوان الزيادة. ثالثها: ان التكلم العمدي مبطل للصلاة بمقتضى الادلة خرج عنها الذكر المختص بمقتضى دليل الحرمة بغير الفرد المحرم، فالذكر المحرم مبطل لها بمقتضى عموم ما دل على مبطلية التكلم للصلاة. وفيه: ان هذا في بادى النظر وان كان متينا، الا انه بعد التدبر في ادلة مبطلية التكلم يظهر ان تلك الادلة مختصة بكلام الآدميين والذكر المحرم ليس منه. ثم ان هذين الوجهين الاخيرين مختصان بالصلاة، ولا يجريان في غيرها، فما افاده المحقق النائيني (ره) من انهما يدلان على بطلان غير الصلاة من المركبات الاعتبارية لو اتى بالجزء المنهى عنه منها غير تام. رابعها: ان تحريم الجزء يستلزم اخذ العبادة بالاضافة إليه بشرط لا، وتوضيح ما افاده ان تعلق الامر بالجزء لا يخلو عن احد الاعتبارات الثلاثة، اما ان يكون بشرط شئ بالقياس الى ما يماثله كتعلق الامر بتسبيحتين من التسبيحات الاربع، فانه مقيد بالاتيان بالثالثة: واخرى يكون بشرط لا بالقياس إليه نظير الامر بالسورة على القول بحرمة القران، وثالثة: يكون لا بشرط بالاضافة إليه كما في المثال بناءا على جواز القران - وعلى هذا - فإذا تعلق النهى بفرد من افراد المأمور به، فلا محالة يوجب النهى تقيد المأمور به بعدم الاقتران به، ويوجب صيرورته بشرط لا بالاضافة إليه فيكون المأمور به مقيدا بعدمه فلا محالة يبطل بوجوده هذا ملخص ما افاده بتوضيح منا. وفيه: انه ان اريد من تقييد اطلاق المأمور به، ان المأمور به انما هو غير هذا الجزء وان تضمن المركب له لا يوجب انطباق المأمور به على الماتى به، فهو متين على القول

[ 224 ]

بدلالة النهى عن العبادة على الفساد كما ستعرف، وان اريد تقيده بعدم هذا الجزء بحيث يكون وجوده مانعا ومبطلا الذى هو المطلوب، فدون اثباته خرط القتاد إذ لا ملازمة بين مبغوضيته ومانعيته عن العبادة، الا ترى ان النظر الى الاجنبية محرم ومبغوض للشارع مع ان وجوده لا يبطل العبادة - وبالجملة - النهى عن الشئ الذى تكون العبادة بالقياس إليه لا بشرط لا يوجب اشتراطها بعدمه، فالمتحصل ان فساد الجزء من جهة تعلق النهى به لا يوجب فساد العبادة لا في الصلاة ولا في غيرها الا إذا قيدت العبادة بعدمه فيكون مانعا و هو خارج عن محل الكلام. النهى عن شرط العبادة واما القسم الثالث: وهو النهى عن شرط العبادة، فقد ذكر المحقق الخراساني ما محصله ان للشرط قسمين التعبدى والتوصلى، فما كان من قبيل الاول النهى عنه يوجب فساده فلا محالة يوجب فساد المشروط لانتفائه بانتفاء شرطه، وما كان من قبيل الثاني حيث ان النهى عنه لا يوجب فساده فلا يلزم منه فساد المشروط. واورد عليه المحقق النائيني (قده) بان تقسيم الشرط الى التعبدى كالطهارات الثلاث، وغير تعبدي كالتستر ونحوه لا يتم: إذ ما هو شرط انما هو المعنى المعبر عنه باسم المصدر، واما الافعال الخاصة كالوضوء واخويه، فهى بانفسها ليست شروطا للصلاة، بل هي محصلة لما هو شرطها، وما هو عبادة انما هو الافعال الخاصة، فما هو عبادة غير ما هو شرط، بل حال الشرط في هذه الموارد حال بقية الشرائط في عدم اعتبار قصد القربة فيه، ولذا لو صلى غافلا عن الطهارة وانكشف كونها مقترنة بها صحت صلاته بلا كلام. وفيه: ان هذه بناءا على مسلك المشهور من ان الشرط للصلاة، انما هو الامر الحاصل من هذه الافعال لا هي بانفسها، متين. ولكن بناءا على ما قويناه في الجزء الاول من فقه الصادق تبعا للمحقق الخراساني (ره) من ان الطهارة عنوان منطبق على نفس هذه الافعال، تقسيمه للشرط الى قسمين متين.

[ 225 ]

ثم ان المحقق النائيني (ره) اختار عدم دلالة النهى عن الشرط على الفساد، واستدل له: بان الشرط للعبادة الذى تعلق به الامر انما هو المعنى المعبر عنه باسم المصدر، واما المتعلق للنهى فهو المعنى المعبر عنه بالمصدر فما هو متعلق النهى ليس شرطا للعبادة وما هو شرط لها لم يتعلق به النهى. وفيه: ان الفرق بين المعنيين المعبر عنهما، بالمصدر، واسم المصدر، اعتباري والا فهما واحد حقيقة كما تقدم وعليه فلا يعقل كون احدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه. ولكن مع ذلك يمكن تصحيح العبادة، بانه في الشروط على ما تقدم في الشرط المتأخر ليس وجوداتها مامورا بها بالامر بالمشروط بخلاف الاجزاء بل التقيد بها مامور به، والامر به لا يستلزم الامر بالقيد، بل ربما يكون القيد غير اختياري كالكعبة، و قد تقدم تنقيحه، وعليه: فالنهى عن وجود الشرط لا يوجب تقييد الطبيعة المأمور بها بالاتيان بها غير متقيدة بهذا القيد لان متعلقه غير متعلق الامر الضمنى. ومنه: يظهر ان ما رتبه الاستاذ الاعظم على وحدة المعنيين وهو فساد المركب المأمور به غير سديد. النهى عن وصف العبادة واما القسم الرابع: وهو النهى عن وصف العبادة، فقد افاد المحقق الخراساني ما محصله ان النهى عن الوصف اللازم كالنهي عن الجهر في القرائة، مساوق للنهى عن موصوفه لاستحالة كون الموصوف مأمورا به ووصفه الذى لا ينفك عنه منهيا عنه، وان لم يكن الوصف لازما بل كان مفارقا كالغصبية لاكوان الصلاة المنفكة عنها، فان اتحد الوصف وجودا مع الموصوف وبنينا على امتناع اجتماع الامر والنهى كان النهى عنه نهيا عن الموصوف، واما مع عدم اتحادهما وجودا، أو انه وان اتحدا الا انه بنينا على جواز الاجتماع فالنهى عن الوصف لا يسرى الى الموصوف. اقول: يرد عليه امران. الاول: انه في عد الجهر من قبيل الوصف اللازم، والغصبية من قبيل الوصف

[ 226 ]

المفارق، نظر، إذ كما ان القرائة لا تنفك عن الجهر، أو الاخفات، كذلك الصلاة لا تنفك عن اباحة المكان أو غصبيته وكما ان الصلاة تنفك عن خصوص الغصبية كذلك القرائة تنفك عن خصوص الجهر. الثاني: ان ضابط سراية النهى عن الوصف الى الموصوف وعدمها، ليس كون الوصف لازما أو مفارقا، بل الضابط كون الوصف من مراتب وجود الموصوف بحيث لا يكون في الخارج الا موجود واحد نظير السرعة والبطؤ في الحركة، والجهر والاخفات بالنسبة الى القرائة، وعدم كون الوصف من مراتب وجود الموصوف، بل يكون له وجود مستقل كالاعراض غير الانتزاعية التى لا تكون من كيفيات موصوفه كالنظر الى الاجنبية في الصلاة. إذ على الاول يسرى النهى عن الوصف الى الموصوف، لا محالة، وان لم يكن الوصف لازما، كما لو فرضنا النهى عن الجهر لا عن الجهر في القرائة، فانه يوجب النهى عن القرائة الجهرية لوحدة الموجود الخارجي. وعلى الثاني لا يسرى النهى الى الموصوف وان كان وصفا لازما، كما لو فرضنا النهى عن النظر الى الاجنبية في خصوص الصلاة إذ بعد تعدد المتعلق لا مانع من كون احدهما مامورا به والاخر منهيا عنه. واما حديث انه لا يعقل اختلاف المتلازمين في الحكم، فقد مر الجواب عنه في مبحث الضد فراجع، مع: انه غاية ما يلزم منه عدم اختلافهما فيه، لا لزوم اتفاقهما كما اختاره المحقق الخراساني لالتزامه بسراية النهى إليه فتدبر. النهى عن المعاملات واما المقام الثاني: اعني به النهى المتعلق بالمعاملة، ففى دلالته على الفساد وعدمه اقوال: 1 - ما ذهب إليه جماعة من المحققين منهم المحقق النائيني من دلالته على

[ 227 ]

الفساد 2 - ما عن ابى حنيفة والشيبانى وهو دلالته على الصحة والمنقول عن نهاية العلامة التوقف ووافقهما فخر المحققين في نهاية المأمول 3 - ما ذهب إليه جماعة وهو عدم دلالته على الصحة ولا على الفساد. وتنقيح القول في المقام ان النهى المتعلق بالمعاملة، تارة يكون ارشاديا، واخرى يكون تحريميا، وعلى الثاني قد يتعلق النهى بالاثار، والتصرف في الثمن أو المثمن، كقوله (ع) ثمن العذرة سحت، وقد يتعلق بنفس المعاملة، أو بعنوان منطبق عليها، وثالثة يكون النهى تشريعيا. لا ريب في دلالة القسم الاول على الفساد، وكذلك القسم الثاني، إذ لا وجه للمنع عن التصرف في الثمن سوى عدم صحة المعاملة وبقائه على ملك مالكه، نعم دلالة القسم الاول عليه، تكون بالمطابقة ودلالة الثاني بالالتزام. واما القسم الثالث: وهو النهى التحريمي المتعلق بالمعاملة فهو، قد يتعلق بالاعتبار النفساني القائم بالمتعاملين، وقد يتعلق بابرازه بمبرز خارجي. توضيح ذلك، ان في المعاملة كالبيع اربعة امور: احدها اعتبار الملكية القائم بالمتبايعين. ثانيها اعتبارها القائم بالعقلاء. ثالثها الاعتبار القائم بالشارع الاقدس. رابعها اظهار المتبايعين اعتبارهما النفساني بمظهر خارجي، من لفظ أو غيره. اما الاعتبار القائم بالشارع فهو غير قابل لتعلق النهى به: وذلك لانه من الافعال الاختيارية للمولى وخارج عن تحت قدرة المكلف، مع: انه إذا كان مبغوضا له فلاى جهة يوجده. واما الاعتبار القائم بالعقلاء الذى يعبر عنه في كلماتهم بالمسبب العرفي، أي امضاء العقلاء اعتبار المتبايعين، فهو ايضا غير قابل لتعلق النهى به لكونه خارجا عن تحت قدرة المتبايعين، وليس نسبته الى فعلهما نسبة المسبب التوليدى الى سببه كى يصح النهى عنه للقدرة على سببه. وبذلك يظهر فساد ما افاده المحقق النائيني (ره) حيث التزم، بان متعلق النهى هو المسبب العرفي، وعلى ذلك فيتعين تعلق النهى، اما بالاعتبار القائم بالمتبايعين، أو بما

[ 228 ]

يكون مظهرا له في الخارج. وعلى كل تقدير لا يدل النهى على الفساد، اما على الثاني فواضح سواء تعلق النهى بذات ما هو مظهر كانشاء البيع باللفظ اثناء الاشتغال بالفريضة، أو به بما انه مظهر للاعتبار المزبور، واما على تقدير تعلقه بالاعتبار النفساني فغاية ما قيل في وجه دلالته على الفساد امران: الاول: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو انه يعتبر في صحة المعاملة امور ثلاثة، احدها: كون كل من المتعاملين مالكا للعين أو بحكمه. ثانيها: ان لا يكون محجورا عن التصرف فيها من جهة تعلق حق الغير بها، أو غير ذلك من اسباب الحجر ليكون له السلطنة الفعلية على التصرف فيها. ثالثها: ان يوجد المعاملة بسبب خاص وآلة مخصوصة، فإذا تعلق النهى بالمسبب، أي الاعتبار النفساني - وبعبارة اخرى - بالملكية المنشأة كما في النهى عن بيع المصحف من الكافر، كان النهى معجزا مولويا للمكلف عن الفعل و رافعا لسلطنته عليه، فيختل بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحة المعاملة ويترتب عليه فسادها، وبالجملة يعتبر في نفوذ المعاملة السلطنة الفعلية على التصرف في العين ومنع المولى يوجب رفع السلطنة فلا محالة تفسد المعاملة. وفيه: ان توقف نفوذ المعاملة وصحتها على السلطنة الوضعية بديهى، واما كون النهى موجبا لسلب هذه السلطنة فهو اول الكلام. نعم، النهى يوجب رفع السلطنة التكليفية ونفوذ المعاملة غير متوقف عليها، وبالجملة المعتبر في صحة المعاملة انما هي السلطنة الوضعية والحرمة انما توجب رفع السلطنة التكليفية لا السلطنة الوضيعة، إذ لا منافاة بين حرمة شئ ونفوذه وضعا فتدبر. الوجه الثاني: الروايات الواردة في نكاح العبد بدون اذن سيده، الدالة على صحته مع اجازته لا بدونها، معللة بانه لم يعص الله وانما عصى سيده فإذا اجاز جاز مثل ما رواه في محكى الكافي والفقيه عن زرارة عن الامام الباقر (ع) سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال ذلك الى سيده ان شاء اجازه وان شاء فرق بينهما، قلت اصلحك الله ان الحكم ابن عتبة وابراهيم النخعي واصحابهما يقولون ان اصل النكاح فاسد ولا يحل اجازة

[ 229 ]

السيد له فقال أبو جعفر (ع) انه لم يعص الله وانما عصى سيده فإذا اجاز فهو له جائز (1) وصحيحه الاخر عنه (ع) قال سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغير اذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه قال (ع) ذلك لمولاه ان شاء فرق بينهما وان شاء اجاز نكاحهما الى ان قال، فقلت لابي جعفر (ع) فانه في اصل النكاح كان عاصيا فقال أبو جعفر (ع) انما اتى شيئا حلالا وليس بعاص لله انما عصى سيده ولم يعص الله تعالى ان ذلك ليس كاتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة واشباهه (2) ونحوهما غيرهما وتقريب الاستدلال بها بوجهين: احدهما: ما عن الفصول والقوانين وغيرهما، وحاصله انها متضمنة لتعليل عدم فساد النكاح أي نكاح العبد غير المأذون، مع لحوق الاجازة بانه لم يعص الله فيه وانما عصى سيده، فتدل على ان عصيان الله تعالى في النكاح الذى هو من المعاملات يوجب الفساد. ويرد عليه: ان المراد من العصيان في قوله لم يعص الله، هو العصيان التكليفى، و عليه فان كان المراد من العصيان في قوله، وانما عصى سيده هو العصيان التكليفى، لزم التهافت في الكلام فان عصيان السيد تكليفا عصيان لله تعالى، وان اريد به العصيان الوضعي أي عدم الامضاء، لزم منه التفكيك في المراد من العصيان في الجملتين وهو خلاف الظاهر جدا. ثانيهما: ما افاده المحقق النائيني ويمكن استفادته من الجواهر في كتاب النكاح و هو مبنى على ارادة العصيان التكليفى من العصيان في الجملتين، وحاصله ان المستفاد من الروايات ان النهى ربما يكون ناشئا عن المفسدة في الفعل نفسه وبعنوانه ويكون راجعا الى حقه تعالى على عبيده مع قطع النظر عن حقوق الناس بعضهم على بعض، وربما يكون النهى لامر خارج عن المعاملة وناشئا عن التمرد على سيده من دون ان يكون في الفعل مفسدة بنفسه وعنوانه، فان كان النهى من قبيل الاول كان دالا على الفساد: لان


1 - الوسائل باب 22 من ابواب نكاح العبيد والاماء من كتاب النكاح حديث 1. 2 - الوسائل باب 22 من ابواب نكاح العبيد والاماء حديث 2. (*)

[ 230 ]

متعلق النهى مبغوض للشارع حدوثا وبقاءا لاستمرار مفسدته المقتضية للنهى عنه، وان كان من قبيل الثاني كان دائرا مدار تمرده عليه حدوثا وبقاءا فإذا رضى السيد بما عصاه فيه ارتفع عنه النهى بقاءا، فلا يكون حينئذ موجب لفساده، ولا مانع عن صحته، فالمستفاد من الاخبار ان الفساد يدور مدار النهى حدوثا وبقاءا فالنهى الالهى الناشئ من تفويت حق الغير، انما يوجب فساد المعاملة فيما إذا كان النهى باقيا ببقاء موضوعه فإذا ارتفع باجازة من له الحق تلك المعاملة ارتفع النهى عنه، واما النهى الراجع الى حقه تعالى فحيث انه غير قابل للارتفاع فلا موجب للصحة، فالمنفى في الروايات العصيان التكليفى بالمعنى الثاني، والمثبت هو العصيان التكليفى بالمعنى الاول. ولكن يتوجه على ذلك، اولا: ان انشاء البيع أو التزويج ليس تصرفا عرفا كى يكون حراما، ولذا لو انشأ العبد البيع لغير نفسه، لما توقف على اجازة سيده بلا كلام، ولم يكن فاعلا للحرام، نعم، إذا نهى عنه يكون حراما، ولكن المفروض عدم النهى. وثانيا: لو سلم انه إذا استقل العبد بامر كان عاصيا لاقتضاء العبودية، وكون العبد كلا على مولاه لا يقدر على شئ، ذلك حيث انه اتى بما ينافيه مقام عبوديته، لا يعقل انقلاب هذا العصيان فان الاجازة والرضا البعدى لا توجب انقلاب الشئ عما وقع عليه. وقد استدل لدلالة النهى على الصحة بوجهين، الاول: انه يعتبر في متعلق النهى القدرة ولا يكاد يقدر على المسبب الا فيما كانت المعاملة صحيحة مؤثرة. الثاني: النصوص المتقدمة بتقريب انها صريحة في ان عصيان السيد، لا يستلزم بطلان النكاح، و بما ان عصيان السيد يستلزم عصيانه تعالى، فيستفاد منها ان عصيانه تعالى لا يستلزم الفساد، واما عصيانه تعالى المستلزم للفساد بمقتضى مفهوم قوله (ع) انه لم يعص الله، فلا بد ان يراد به العصيان الوضعي. وكلاهما فاسدان اما الاول، فلانه يتم لو كان متعلق النهى الاعتبار القائم بالشارع، وقد عرفت عدم معقولية ذلك، وانما المتعلق له الاعتبار القائم بالمتبايعين، وهو مقدور وان لم يكن صحيحا. واما الثاني: فلتوقفه على ان يكون المراد من العصيان في كل من الموردين معنى يغاير ما يراد منه في الآخر وقد عرفت فساد ذلك ايضا وانه خلاف

[ 231 ]

ظاهر السياق. فالمتحصل انه كما ان القاعدة لا تقتضي دلالة النهى على الفساد ولا على الصحة كذلك لا تدل النصوص الخاصة على شئ منهما. وحاصل ما قدمناه في الاخبار ان محتملات المراد من العصيان في الجملتين اربعة، الاول: ان يراد به فيهما العصيان الوضعي. الثاني: ان يراد به فيهما العصيان التكليفى. الثالث: ان يراد بالعصيان في الاولى التكليفى منه وفى الثانية الوضعي منه. الرابع: عكس ذلك، والاحتمالان الاخيران يدفعان بوحدة السياق، فيدور الامر بين الاولين. والظاهر هو الاول، وذلك لوجهين، احدهما: ان انشاء البيع أو التزويج أو ما شاكل ليس تصرفا عرفا كى يكون حراما ولذا لو انشأ العبد البيع لغير نفسه لما توقف على اجازة سيده بلا كلام. الثاني: ان عصيان السيد حرام شرعا فمعصيته يكون معصية لله تعالى فكيف يتصور ان يكون فعل معصية للسيد، ولا يكون معصية لله، فلا محالة يكون المراد منه العصيان الوضعي اعني عدم النفوذ. فالمتحصل حينئذ انه لا توقف في نفوذ النكاح من قبل الله تعالى وليس نكاحا غير مشروع في نفسه بل التوقف في نفوذه انما هو من قبل السيد لاعتبار رضاه فيه فيدور عدم الصحة مدار عدم الرضا حدوثا وبقاءا فإذا اجاز جاز. لا يقال، ان العصيان الوضعي للسيد مستلزم لعصيان الله تعالى: لان عدم امضاء السيد موجب، لعدم امضاء الله تعالى. فانه يقال: ان عصيان السيد ومخالفته حرام شرعا والمحرم الشرعي ليس على قسمين - وبعبارة اخرى - بالاجازة والرضا البعدى لا ينقلب ما وقع معصية عما وقع عليه، وهذا بخلاف عدم الامضاء: فان عدم امضاء الشارع الاقدس لما لم يمضه السيد، عدم امضاء ما دامي، أي مادام لم يجز السيد فتدبر فانه دقيق. ويؤيد ما ذكرناه من كون المراد من العصيان فيهما العصيان الوضعي تمثيله (ع) لعصيان الله تعالى في الصحيح الثاني، بالنكاح في العدة واشباهه، فالمتحصل انه لا يدل النهى التحريمي على الصحة ولا على الفساد.

[ 232 ]

واما القسم الرابع: وهو النهى التشريعي، فملخص القول فيه، انه ان تعلق نهى بمعاملة خاصة فهو لا محالة يكون دالا على فسادها، وعدم مشروعيتها، واما المعاملة التى لا يعلم مشروعيتها ولا دليل عليها إذا اتى بها بما انها مشروعة، فمقتضى عموم النهى عن التشريع حرمتها، ومقتضى اصالة عدم الانتقال هو البناء على الفساد ما لم ينكشف كونها ممضاة. وانما الكلام فيما لو انكشف كونها مشروعة، اقول: على المختار من عدم دلالة النهى النفسي المتعلق بالمعاملة على الفساد صحت هذه المعاملة، واما على ما اختاره المحقق النائيني (ره) تبعا للمشهور، من دلالته على الفساد، فلابد له من الالتزام بالفساد، بناءا على ان المحرم في التشريع هو ذات العمل الخارجي المتصف بعنوان التشريع و هو الاعتبار النفساني في المقام، إذ لا فرق بين تعلق نهى خاص بمعاملة خاصة، وبين انطباق عنوان عام محرم عليها: فان المبغوضية ان استلزمت الفساد، ففى الموردين، والا فكذلك. وبذلك ظهر ان ما اختاره المحقق النائيني (ره) من الصحة في الفرض، وعدم دلالة النهى التشريعي على الفساد لا ينطبق على مسلكه. هذا تمام الكلام في النواهي والحمد لله اولا وآخرا.

[ 233 ]

المقصد الثالث المفاهيم

[ 234 ]

[... ]

[ 235 ]

في المفهوم وبيان المراد منه المقصد الثالث: في المفاهيم، وفيه مباحث، وقبل الدخول في المباحث لابد من تقديم مقدمات، الاولى، ان للمفهوم اطلاقين: احدهما: ما يراد منه كل معنى يفهم من اللفظ فحسب سواء أكان من المفاهيم الافرادية أو التركيبية، أو كل ما يفهم من الشئ سواء أكان ذلك الشئ لفظا، ام غيره كالاشارة أو الكتابة أو نحو ذلك، وهذا قد يكون مدلولا مطابقيا للفظ بحيث يكون اللفظ قالبا له، وقد يكون من جهة لزومه لما يكون اللفظ قالبا له، والاول ينقسم الى المدلول المطابقى، والتضمني، والثانى، ربما يستفاد من اللفظ من دون ضم مقدمة خارجية عقلية أو نقلية إليه، وربما يستفاد منه مع ضم مقدمة إليه، ويعبر عن الاول باللزوم البين، وعن الثاني باللزوم غير البين، والاول على قسمين إذ تارة يكفى تصور الملزوم في الانتقال الى اللازم فهو البين بالمعنى الاخص، واخرى لا ينتقل الى اللازم الا بعد تصور الطرفين والنسبة فهو البين بالمعنى الاعم، وهما مشتركان في عدم الحاجة الى ضم مقدمة خارجية، ثم انه يعتبر في الدلالة الالتزامية كون المعنى لازما بينا و لا يكفى فيها مجرد اللزوم، وهذا الاطلاق خارج عن محل الكلام حيث انه في المهفوم المقابل للمنطوق. وهو الاطلاق الثاني، فلا بد من بيان المراد من هذين اللفظين أي المنطوق والمفهوم فاقول، اما المنطوق فقد عرفه الحاجبى، بما دل عليه اللفظ في محل النطق، والمفهوم

[ 236 ]

بما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وفسر العضدي الاول بقوله ان يكون حكما لمذكور وحالا من احواله، وفسر الثاني بقوله بان يكون حكما لغير مذكور وحالا من احواله. والمحقق الخراساني (ره) قال انه حيث يكون المفهوم عبارة عن قضية تستتبعها خصوصية المعنى الذى اريد من اللفظ بتلك الخصوصية وهو العلية المنحصرة. فالصحيح ان المفهوم حكم غير مذكور لا حكم لغير مذكور. والاعلام (قده) اطالوا الكلام في المقام بالنقض والابرام طردا وعكسا. وحق القول في المقام، ان المنطوق عبارة عن كل معنى يفهم من اللفظ بالمطابقة وضعا أو اطلاقا أو من ناحية القرينة العامة أو الخاصة، واما المفهوم فهو عبارة عن معنى يفهم من اللفظ بالدلالة الالتزامية نظرا الى العلاقة اللزومية البينة بينه وبين المنطوق، - وبعبارة اخرى - ان المفهوم عبارة عما كان انفهامه من لوازم انفهام المنطوق باللزوم البين بالمعنى الاخص أو الاعم بلا حاجة الى شئ آخر. وبذلك يظهر ان وجوب المقدمة، وحرمة الضد، وما شاكل خارجة عن المفهوم: إذ ما لم يضم الى دليل وجوب ذى المقدمة، ووجوب شئ، حكم العقل بالملازمة لما كان يستفاد تلك فيكون اللزوم غير بين فلا يكون من المفهوم. فان قيل ان تبعية انفهام معنى لمعنى آخر، لا يكون جزافا، فلا محالة تكون مستندة الى امر واقعى، وهو وجود الملازمة بين المعنيين، وعليه فلا فرق بين تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذى المقدمة، وتبعية المفهوم للمنطوق، فكما انه في المورد الاول يتوقف استفادة وجوب المقدمة من دليل وجوب ذيها الى ضم مقدمة خارجية، وهى درك العقل الملازمة بين الوجوبين، كذلك في المورد الثاني يكون انفهام المفهوم من المنطوق مستندا الى مقدمة خارجية، وهى كون الشرط في القضية علة منحصرة للحكم. فلا فرق بينهما من هذه الناحية. اجبنا عنه بان التبعية في المقام مستندة الى دلالة الجملة الشرطية وضعا أو اطلاقا، على كون الشرط علة منحصرة، فيكون الدال على تلك الحيثية هو اللفظ، وهذا بخلاف تلك الموارد، فان التبعية هناك مستندة الى مقدمة خارجية.

[ 237 ]

وبما ذكرناه يظهر تمامية ما افاده صاحب الفصول، ردا على ما اورد على حد المفهوم. بانه منقوض بدلالة الامر بالشئ على الامر بمقدمته، وبدلالته على فساد الضد على القول به مع ان شيئا منهما لا يسمى مفهوما اصطلاحا. بان المعتبر في المفهوم هو دلالة اللفظ، واقتضاء الامر لما ذكر من دلالة العقل. ثم الظاهر ان دلالة الاقتضاء وهى، ما توقف صحة الكلام، أو صدقه عليه كما في قوله تعالى (فاسئلوا القرية) فانه إذا لم يقدر الاهل لم يصح الكلام، وقوله (ص) رفع عن امتى الخطاء والنسيان، ودلالة الاشارة وهى ما يلزم من الكلام وان لم يقصده المتكلم كدلالة الايتين الكريمتين على ان اقل الحمل ستة اشهر، ودلالة الايماء وهى ما يستبعد معه عدم ارادته كدلالة قوله (ع) كفر عقيب قول السائل هلكت واهلكت جامعت اهلي في نهار شهر رمضان على علية الجماع للتكفير، كل ذلك لا تكون من الدلالة اللفظية و يكون اللزوم فيها من اللزوم غير البين، وعلى فرض كون بعضها من الدلالة اللفظية فهو ليس من المنطوق، وهو مادل عليه الجملة التركيبية بالدلالة المطابقية، ولا من المفهوم وهو ما دلت عليه الجملة بالدلالة الالتزامية المتوقفة على كون اللزوم بينا، وغير محتاج الى ضم مقدمة خارجية كما هو واضح. فما يظهر من بعض من ادخال مثل دلالة الاشارة في المنطوق، غير تام، كما انه ما يظهر من بعض من ادراجها في المفهوم فاسد، بل هي ليست بشئ منهما. وقد ظهر مما ذكرناه ان المحقق النائيني (ره) قد خلط في المقام، بين اللزوم البين بالمعنى الاعم، واللزوم غير البين، ولذلك عد هذه الموارد من اللزوم البين بالمعنى الاعم، مع انها من اللزوم غير البين. وعلى الجملة، المنطوق هو المدلول المطابقى للجملة التركيبية، والمفهوم هو المدلول الالتزامى لها على معنى كونه لازما بينا بالمعنى الاعم أو الاخص له، ولعله الى ذلك يرجع ما عن الحاجبى، بان يكون المراد من محل النطق المدلول المطابقى، ولا محله هو المدلول الالتزامى.

[ 238 ]

واما ما افاده المحقق الخراساني (ره) ردا على الحاجبى والعضدي بان المفهوم هو حكم غير مذكور لا حكم لغير مذكور. فيرده ان المراد بالحكم ان كان هو الحكم الشخصي فهو كما انه غير مذكور من غير فرق بين مفهوم الموافقة والمخالفة، فان حرمة الشتم المفهومة من قوله تعالى (لا تقل لهما اف) غير مذكورة، وعدم وجوب الاكرام عند عدم المجئ المستفاد من قولنا ان جاء زيد فأكرمه غير مذكور، كذلك هما حكمان لغير المذكور إذ الشتم في الاول والاكرام المقيد بعدم المجئ غير مذكورين، وان كان المراد به سنخ الحكم فيلزم خروج مفهوم الموافقة من هذا التعريف، فان سنخ الحكم المفهومى، وهو حرمة الشتم مذكور، فالاظهر هو صحة تعريفه بكل منهما مع ارادة الحكم الشخصي. ثم ان الظاهر، كون لزوم المفهوم للمنطوق من اللزوم البين بالمعنى الاخص، ضرورة انه ينتقل الذهن الى الانتفاء عند الانتفاء من العلية المنحصرة المستفاد من اللفظ بلا حاجة الى تصور أي شئ آخر. الثانية: قال في محكى التقريرات الظاهر من موارد اطلاق اللفظين (أي المنطوق والمفهوم) في كلمات ارباب الاصطلاح انهما وصفان منتزعان من المدلول، الى ان قال، خلافا لظاهر العضدي تبعا للحاجبى والمحكى عن الشهيد حيث جعلوهما من الاوصاف الطارية للدلالة ولا وجه لذلك، قال المحقق الخراساني وان كان بصفات المدلول اشبه وتوصيف الدلالة احيانا كان من باب التوصيف بحال المتعلق انتهى. اقول الظاهر انهما ليسا من صفات الدلالة: إذ هي تتصف بالصراحة والظهور ونحوهما، ولا تتصف بالمنطوق والمفهوم، ولا من صفات المدلول: فانه يتصف بالكلى والجزئي وامثالهما، بل الظاهر انهما من صفات الدال إذ الدال على المعنى ان كان لفظا كما في دلالة اللفظ على معناه المطابقى، فهو منطوق، وان كان هو المعنى المستتبع الموجب لانتقال الذهن الى معنى آخر، فهو مفهوم، فتوصيف المدلول بهما انما يكون توصيفا بحال المتعلق باعتبار ان الدال ربما يكون منطوقا وربما يكون مفهوما. الثالثة: الظاهر ان مسألة المفهوم من المسائل الاصولية اللفظية لا من المسائل

[ 239 ]

العقلية وان كان فيها ملاكها ايضا، لانه وان كان الحاكم بالانتفاء عند الانتفاء هو العقل ولذا قيل انها من المسائل العقلية، ولكن حيث ان الكاشف عن انحصار العلة والشرط هو الذى يكون كاشفا عن لازمه بالدلالة الالتزامية، فهى من المسائل اللفظية. الرابعة: ان محل الكلام في المقام ليس، هو حجية المفهوم بعد الفراغ عن وجوده، فان تلك متسالم عليها، بل محل الكلام اصل وجود المفهوم وتحققه، يعنى ان الجملة الشرطية مثلا، هل تكون ظاهرة في المفهوم وتدل بالدلالة الالتزامية على الانتفاء عند الانتفاء ام لا تدل على ذلك، بل على مجرد الثبوت عند الثبوت، والا فبعد ثبوت ظهورها في ذلك يشمله ما دل على حجية الظواهر. المبحث الاول في مفهوم الشرط إذا عرفت هذه المقدمات فاعلم ان الكلام يقع في مباحث الاول في مفهوم الشرط ولتحقيق الحال في المقام لا بد من تقديم امرين: الاول: انه قد مر في مبحث الواجب المشروط ان ادوات الشرط انما وضعت لتعليق مفاد جملة على مفاد جملة اخرى، بلا فرق بين ان تكون الجملة المعلقة انشائية، و ان تكون خبرية ومن غير فرق في الانشاء بين ان يكون الحكم المستفاد من الجزاء مفهوما اسميا بان يكون مدلول كلمة، وجب، أو يجب أو ما شاكل ذلك، وبين ان يكون مستفادا من الهيئة ومفهوما حرفيا، وبالجملة يكون المقدم في القضية الشرطية قيدا لنفس الحكم المذكور في التالى، لا قيدا للواجب كما اختاره الشيخ الاعظم (ره) والكلام في ثبوت المفهوم يكون مبتنيا على ذلك، واما على ما افاده الشيخ (ره) فحال القضية الشرطية عندئذ حال القضية الوصفية في الدلالة على المفهوم وعدمها. الثاني: ان دلالة الالفاظ والجمل ليست ذاتية وانما تستند الى الوضع، أو الانصراف، أو القرينة العامة، أو الاطلاق ومقدمات الحكمة، وعليه فلا بد من البحث في مقامات. الاول: في انه هل تدل القضية الشرطية على المفهوم بالوضع، أو القرينة العامة

[ 240 ]

ام لا ؟ الثاني: في انه هل تدل عليه بالانصراف ام لا ؟ الثالث: في التمسك بالاطلاق. دلالة القضية الشرطية على المفهوم بالوضع أو القرينة العامة اما المقام الاول: فقد سلك المحققون منهم المحققان الخراساني، والنائيني طريقا لاثباتها، وهو يرتكز على ركائز: الاولى: ان ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط انما يكون بنحو اللزوم وتكون ملازمة بين الجزاء الشرط ولا يكون مدلول القضية مصاحبة المقدم مع التالى بلا دلالة على اللزوم أو الاتفاق، إذ لو لم تكن ملازمة بين الجزاء والشرط لما استلزم عدم الشرط عدم الجزاء. الثانية: ان تكون القضية ظاهرة في ترتب الجزاء على الشرط والا لما دلت القضية على عدم التالى عند عدم المقدم. وما افاده الاستاذ من ان هذا الامر لا بد من الغائه إذ المراد بالترتب ان كان هو الترتب في عالم الثبوت فلا حاجة الى ذكر الامر الثالث وهو كون الترتب بنحو ترتب المعلول على علته إذ الترتب في عالم الثبوت يستحيل ان يكون في غير ذلك، وان كان المراد الترتب في عالم الاثبات فلا حاجة الى ذكر الامر الاول إذ الترتب في عالم الاثبات ملازم للزوم بل ليس الا هو. غير سديد، إذ الترتب في عالم الثبوت كما يكون بين المعلول وعلته يكون بين المتقدم والمتاخر في الزمان وبجعل الجزاء واعتباره بعد تحقق الشرط كما في القضايا الشرعية. الثالثة: كون القضية ظاهرة في ان ترتب الجزاء على الشرط من باب ترتب المعلول على العلة لا من باب ترتب العلة على المعلول، ولا من باب ترتب احد المعلولين لعلة ثالثة على المعلول الاخر، والا لما دلت القضية على المفهوم لان عدم المعلول لا يكشف عن عدم ذات العلة لجواز استناده الى وجود المانع، ولا عن عدم المعلول الاخر. الرابعة ان تكون القضية ظاهرة في ان الشرط علة منحصرة للجزاء والا فيمكن

[ 241 ]

ثبوت الجزاء عند عدم الشرط لوجود علة اخرى له. اما الركيزة الاولى فقد ذهب المنطقيون والمحقق الاصفهانى (ره) الى عدم دلالة القضية الشرطية على اللزوم، بل تدل القضية على مصاحبة المقدم مع التالى فحسب، و قسم المنطقيون القضية الشرطية الى لزومية واتفاقية، ومثلوا للثانية بقولنا ان كان الانسان ناطقا فالحمار ناهق. واستدل المحقق الاصفهانى (ره) له بان اداة الشرط موضوعة لمجرد جعل متلوها واقعا موقع الفرض التقدير، وان التعليق والترتب انما يستفاد من تفريع التالى على المقدم والجزاء على الشرط كما تدل عليه الفاء الذى هو للترتب سواء كان الترتب زمانيا كما في جاء زيد فجاء عمرو، أو كان الترتب بنحو العلية كما في تحركت اليد فتحرك المفتاح، أو بالطبع كما في وجد الواحد فوجد الاثنان، أو كان الترتب بمجرد اعتبار العقل كما في قولنا ان كان النهار موجودا فالشمس طالعة وان كان هذا ضاحكا فهو انسان، ولا دلالة للقضية على ازيد من ذلك فلا تدل على لزوم بينهما. واختار المحقق الخراساني والمحقق النائيني دلالتها على ذلك. واستدل الاول له بالتبادر والانسباق، ويرده: انا نرى استعمال الجملة الشرطية، في الاتفاقيات كثيرا بلا حاجة الى لحاظ قرينة واعمال عناية. لا حظ، موارد الترتب الزمانى وقولنا ان كان زيد ضعيفا فايمانه قوى، أو ان كان زيد مريضا فعقله سالم، ونحو ذلك من القضايا الشرطية الاتفاقية. واستدل المحقق النائيني (ره): بانه لو صح الاستعمال في غير مورد اللزوم بلا رعاية علاقة واعمال عناية لصح تعليق كل شئ على كل شئ. ويرده ان عدم صحة تعليق كل شئ على كل شئ بديهى، الا انه من جهة دلالة القضية على ترتب الجزاء على الشرط باحد انحاء الترتب فمع عدم شئ من اقسامه لا يصح التعليق ومع وجوده يصح التعليق، وان لم يكن لزوم بينهما، فالمتحصل عدم دلالة القضية الشرطية على اللزوم بين الجزاء والشرط. واما الركيزة الثانية فهى واضحة إذ هذا هو الظاهر من جعل شئ مقدما والاخر

[ 242 ]

تاليا، خصوصا إذا كان الجزاء مصدرا بالفاء الترتيبية. واما الركيزة الثالثة وهى دلالة القضية الشرطية على ان ترتب الجزاء على الشرط من باب الترتب المعلول على العلة، فالظاهر انها غر سديدة كما اعترف به المحقق الخراساني (ره) إذ كما تستعمل القضية في ذلك المورد، كذلك تستعمل في مورد ترتب العلة على المعلول كما هو الحال في البرهان الانى، كقولنا ان كان النهار موجودا فالشمس طالعة، وان كان العالم حادثا فهو متغير، وايضا تستعمل فيما كان من قبيل ترتب احد المعلولين، لعلة ثالثة على معلول آخر كقولنا، ان كان النهار موجودا فالعالم مضئ، و نحو ذلك كل ذلك بلا لحاظ وجود قرينة في البين واعمال عناية، وهذه آية كون المعنى واحدا في الجميع. ثم ان المحقق النائيني (ره) بعد اعترافه بان استعمال القضية الشرطية في موارد غير ترتب المعلول على علته ليس مجازا، قال ان ظاهر القضية الشرطية هو ذلك لان ظاهر جعل شئ مقدما وجعل شئ آخر تاليا هو ترتب التالى على المقدم، فان كان هذا الترتب موافقا للواقع، ونفس الامر، بان يكون المقدم علة للتالى، فهو، والا لزم عدم مطابقة ظاهر الكلام للواقع مع كون المتكلم في مقام البيان على ما هو الاصل في المخاطبات العرفية، و عليه فبظهور الجملة الشرطية في ترتب التالى على المقدم، يستكشف كون المقدم علة للتالى وان لم يكن ذلك ماخوذا في الموضوع له. وفيه: ان اساس هذا الوجه انحصار الترتب في عالم الثبوت في ترتب المعلول على علته، وهو غير تام: إذ مضافا الى ما تقدم من ان للترتب اقساما: الترتب الزمانى، والترتب بنحو العلية والترتب الاعتباري، ملاحظة القاضيا الشرعية توجب القطع بعدم دلالتها على كون الجزاء معلولا للشرط، فان الحكم فيها ليس معلولا للشرط، بل هو معلول لارادة الجاعل، فغاية ما يدل عليه التعليق والجملة بتمامها هو ترتب ثبوت الجزاء على ثبوت الشرط، واما كونه بنحو العلية فلا بل كما يمكن ان يكون كذلك يمكن ان يكون ترتبا زمانيا أو جعليا. والاعتذار في القضايا الشرعية بان ترتب الحكم فيها على الشرط نحو ترتب

[ 243 ]

المعلول على علته، لا يفيد. واما الركيزة الرابعة وهى دلالة القضية على كون الشرط علة منحصرة للجزاء، فهى على ما ذكرناه من عدم دلالتها على العلية واضحة الفساد، واما على ما اختاره المحقق النائيني (ره) فان تمت قاعدة، الواحد لا يصدر الا عن الواحد، ولم تختص بالواحد الشخصي، فقد يقال انه لابد من الالتزام بها إذ الشرط ان كان علة منحصرة يكون بعنوانه الخاص علة، والا كانت العلة هي الجهة الجامعة بين هذا الشرط والشرط الاخر المفروض ثبوته بلا دخل لخصوصيات الشرط المذكور في العلة، وهو خلاف الظاهر، ولكن الذى يسهل الخطب عدم علية الشرط في القضايا الشرعية للجزاء. فالمتحصل مما ذكرناه عدم تمامية هذا الوجه، ويمكن ان يسلك سبيلا آخر لاثبات المفهوم، وهو انكار جميع تلك الركيزات المتقدمة مع دعوى الدلالة على المفهوم، بمعنى ان استفاد المفهوم من القضية الشرطية غير مربوطة بالارتباطات العقلية، وانها تابعة للحصر المستفاد من الجملة الشرطية كاستفادته من ساير ادوات الحصر. محصله انه بعد التحفظ على ان الشرط في القضية الشرطية يرجع الى الحكم المستفاد من الهيئة، وان مفاد ان جائك زيد فأكرمه، ان وجوب اكرام زيد، معلق وموقوف ومشروط، بالمجئ، وايضا بعد التحفظ على ما تقدم من ان المفهوم عبارة عن المدلول الالتزامى أي القضية التى تكون ملزومة لخصوصية مستفادة من المنطوق باللزوم البين وهو الحصر، أي حصر ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، بلا ربط لذلك بالارتباطات العقلية من اللزوم والعلية وغيرهما. ان المنساق الى الذهن من مجموع كلمة ان مثلا وهيئة الجملة الشرطية ان ثبوت الجزاء يكون منحصرا بمورد ثبوت الشرط كساير ما يستفاد منه الحصر، وان شئت ان يظهر لك ذلك فلا حظ قولنا انوجوب اكرام زيد معلق، أو موقوف، أو مشروط، بمجيئة، فهل يتوهم احد عدم استفادة الحصر منه، فكذلك في المقام واظن ان ذلك ظاهر لمن راجع المحاورات العرفية.

[ 244 ]

ودعوى، انه لا اشكال في صحة قول القائل، ان احسن اليك زيد فأكرمه بعد قوله ان جائك زيد فأكرمه، وايضا لا اشكال في صحة السؤال عن انه، هل يجب اكرامه لو احسن الى بعد ذلك القول، وهذه علامة عدم الظهور في الحصر والانتفاء عند الانتفاء. مندفعة، بان صحة ذلك نظير صحة قول القائل لا تكرم زيدا بعد قوله اكرم العلماء الظاهر في العموم بلا كلام، وان ذلك يكون من قبيل المطلق والمقيد. الاستدلال بالانصراف المقام الثاني: ذكر المحقق الخراساني (ره) انه قد يستدل لدلالة القضية الشرطية. على المفهوم بالانصراف، وحاصله ان اطلاق العلاقة اللزومية المستفادة من القضية الشرطية، منصرف الى ما هو اكمل افرادها، وهو اللزوم بين العلة المنحصرة ومعلولها. واجاب عنه، بانه ممنوع صغرى وكبرى. اما الصغرى فلعدم كون اللزوم بينهما اكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة إذ الانحصار لا يوجب كون الربط الخاص الذى لا بد منه في تأثير العلة في معلولها آكد واقوى. ويرده ان العلة في فرض الانحصار لا تنفك عن التأثير بخلافها في فرض عدم الانحصار، إذ لو سبقتها شريكتها كانت هي مؤثرة دون هذه، اللهم الا ان يقال ان عدم فعلية التأثير لا يوجب ضعفاني العلة، وانما هو لا جل عدم قابلية المحل لان تؤثر العلة فيه، مع ان المحقق الخراساني لم يسلم ظهور القضية في العلية وانما سلم اللزوم خاصة، وبه يظهر انه على ما سلكناه من منع دلالتها على اللزوم ايضا يكون منع الصغرى اوضح. واما الكبرى فاشكالها ظاهر، إذ الاكملية لا توجب الانصراف، سيما مع كثرة الاستعمال في غير الاكمل كما في المقام لكثرة استعمال الجملة الشرطية في غير العلة المنحصرة لو لم يكن باكثر. التمسك بالاطلاق لاثبات المفهوم واما المقام الثالث: وهو التمسك بالاطلاق، وقد ذكروا له تقريبات، اشار

[ 245 ]

المحقق الخراساني الى ثلاثة منها الاول قياس المقام على اطلاق صيغة الامر فكما انه يقتضى كون الوجوب نفسيا لا غيريا، فكذلك في المقام، ويكون ذلك تمسكا باطلاق اداة الشرط، ومبنيا على الاعتراف بدلالة الشرطية على اللزوم، كما ان تالييه مبنيان على الاعتراف بدلالتها على الترتب على العلة التامة، ولا ينفع شئ من التقارير لمنكر الدلالة على اللزوم كما اخترناه. وكيف كان فحاصل هذا التقرير ان مفاد الشرطية اللزوم، وله فردان، اللزوم مع الانحصار، واللزوم لا معه، وحيث ان القيد الثاني امر وجودي، بخلاف الاول. فإذا كان المولى في مقام البيان ولم يذكر القيد الوجودى مقتضى الاطلاق هو الحمل على مقابله نظير ما يقال ان اطلاق الامر يقتضى كون الوجوب نفسيا من جهة ان الوجوب النفسي هو ما لا يترشح من الغير، والوجوب الغيرى هو ما يترشح من غيره، فالثاني مقيد بامر وجودي، والاول بامر عدمي، وحيث ان الامر الوجودى يحتاج الى البيان بخلاف العدمي فاطلاق الامر يقتضى كون الوجوب نفسيا. واورد عليه المحقق الخراساني بايرادين. احدهما: ان هذا يتم فيما إذا تمت هناك مقدمات الحكمة ولا يكاد تتم فيما هو مفاد الحروف كما هاهنا، فان اللحاظ في مدلول الحرف آلى، سواء كان مدلوله جزئيا يدخل فيه اللحاظ، ام كليا كما هو مختار المحقق الخراساني (ره) نظرا الى خروج اللحاظ عن المدلول وكونه من شرائط الاستعمال، وعلى هذا فان لم يلاحظ المعنى استقلالا لا يصح التقييد، لانه ضرب من الحكم، وهو لا يمكن بدون الالتفات الى متعلقه استقلالا، فإذا لم يمكن التقييد لم يمكن الاطلاق وان لوحظ مستقلا خرج عن كونه معنى حرفيا وصار معنى اسميا. وفيه: انه قد تقدم تحقيق القول في ذلك وعرفت جريان مقدمات الحكمة في مفاد الحروف، وقد اعترف هو بذلك، ولذلك تمسك باطلاق هيئة فعل الامر لاثبات كون الوجوب نفسيا لا غيريا، وحله على مسلكه على ما افاده تلميذه المحقق بملاحظة

[ 246 ]

المعنى الحرفى الوسيع أو الضيق بتبع المعنى الاسمى، فيلاحظ اللازم والملزوم، على نحو لا ينفك احدهما عن الاخر، ويكون ذلك ملاحظة للزوم بنحو الانحصار بالتبع. الايراد الثاني: ان القياس على تعيين الوجوب النفسي باطلاق صيغة الامر مع الفارق، فان النفسي هو الواجب على كل حال بخلاف الغيرى فانه واجب على تقدير دون تقدير، فيحتاج بيانه الى مؤنة التقييد بما إذا وجب الغير، وهذا بخلاف اللزوم بنحو العلة المنحصرة، إذ كل واحد من انحاء اللزوم والترتب محتاج في تعيينه الى القرينة مثل الآخر، - وبعبارة اخرى - القيود العدمية كالوجودية تحتاج الى التنبيه والبيان، وانما لا يحتاج الى البيان عدم القيد لا القيد العدمي، والا فهو كالضد الوجودى لا بد من بيانه. وان شئت قلت، ان الضابط عنده (قده) انه كلما كان عدم بيان الطرف المقابل في المتفاهم العرفي بيانا له، من غير احتياج الى التصريح به فعند الاطلاق يحمل اللفظ عليه، وكلما لم يكن كذلك بل كان كل منهما محتاجا الى التصريح، لا سبيل الى حمل اللفظ عليه عند الاطلاق، وما نحن فيه من قبيل الثاني، إذ كما ان الترتب بغير الانحصار يحتاج الى القرينة والبيان كذلك الترتب مع الانحصار وبالجملة وجود ترتب آخر وعدمه لا يسريان الى هذا الترتب. ويمكن الجواب عنه بوجه آخر وهو ان الانحصار وعدمه ليسا من عوارض الشرطية وشئونها بل من حالات الشرط، وعليه، فان اريد التمسك باطلاق الشرط فهو يرجع الى الوجه الثالث الذى سيأتي الكلام فيه، والا فلا معنى للتمسك باطلاق الشرطية والسببية لاثبات الانحصار. هذا كله مبنى على تسليم دلالة الشرطية على اللزوم، وقد مر انها لا تدل عليه، فلا مورد لهذا الوجه اصلا. التقريب الثاني، من تقارير التمسك بالاطلاق للقول بثبوت المفهوم للقضية الشرطية، ما افاده المحقق الخراساني بقوله بتقريب انه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ضرورة انه لو قارنه أو سبقه الاخر لما اثر وحده، وقضية اطلاقه انه يوثر كذلك مطلقا انتهى، وهو انما يكون تمسكا باطلاق تأثير المقدم والشرط، في التالى والجزاء.

[ 247 ]

وحاصله بعد الاعتراف بدلالة القضية الشرطية على العلية ان مقتضى اطلاق التأثير هو استناد التالى الى المقدم مطلقا، ولو كان المقدم علة غير منحصرة لا يستند التالى الى المقدم كذلك، بل لو سسبقه الاخر كان هو المؤثر، ولو قارنه كانا معا مؤثرا فمن اطلاق الاستناد يستكشف انحصار العلة. واجاب عنه المحقق الخراساني بقوله، وفيه انه لا يكاد ينكر الدلالة على المفهوم مع اطلاقه كذلك الا انه من المعلوم ندرة تحققه لو لم نقل بعدم اتفاقه. ومحصله ان الدليل المتضمن للعلية انما يكون في مقام بيان صلاحية الشئ و قابليته للتاثير لا في مقام بيان العلية الفعلية. وعليه فبما انه لا فرق في العلية بهذا المعنى بين الانحصار وعدمه فلا يتم هذا الوجه، ويمكن ان يكون نظره الى عدم تسليم دلالة القضية الشرطية على العلية. التقريب الثالث للتمسك بالاطلاق ما ذكره المحقق الخراساني بما حاصله ان مقتضى اطلاق الشرط كون الملازمة ثابتة بين الجزاء وهذا الشرط وليست بينه وبين شئ آخر فيكون نظير ما ذكروه من ان مقتضى اطلاق الامر كون الوجوب تعيينيا. واورد عليه المحقق الخراساني بما حاصله ان الوجوب التعييني والتخييري، سنخان من الوجوب، ولكل منهما حد خاص كما حقق في محله، وعليه فإذا تردد الامر بينهما، فبما ان ثبوت الوجوب التخييري، يحتاج الى التصريح بثبوت العدل، بخلاف الوجوب التعييني فانه يكفى فيه عدم بيان العدل، فإذا كان المولى في مقام بيان حد الوجوب وجرت ساير مقدمات الحكمة، يثبت الثاني بالاطلاق، وهذا بخلاف العلة فان ثبوت عدل آخر له وعدمه، لا يوجبان اختلافا في سنخ العلية، ولا يتفاوت حدها بثبوت العدل وعدمه، فالاطلاق لا يثبت كون العلة منحصرة، وان شئت قلت: ان الانحصار وعدمه ينتزعان من ثبوت علة اخرى وعدمها، فلا يكون الاطلاق الوارد في مقام بيان العلية مثبتا لاحدهما. نعم، لو كان المولى في مقام بيان كل ماله العلية لهذا الجزاء ولم يصرح بثبوت غير هذه العلة يكشف ذلك عن انحصارها فيها، ولكن ذلك اجنبي عما هو محل الكلام.

[ 248 ]

وبما ذكرناه في توضيح كلامه (قده) يظهران ايراد المحقق النائيني (ره) عليه: بان الاطلاق المتمسك به في المقام ليس هو اطلاق الجزاء واثبات ان ترتبه على الشرط انما هو بنحو ترتب المعلول على علته المنحصرة ليرد عليه ما ذكر، بل هو استدل باطلاق الشرط، في غير محله. وجه الظهور ان ايراده انما يكون باطلاق الشرط. فالصحيح ان يورد على المحقق الخراساني (ره) بان القضايا الشرطية سيما القضايا الواردة في مقام بيان الاحكام الشرعية لا تدل على علية الشرط للجزاء كى يجرى فيه ما ذكره بل انما يدل على الترتب خاصة. ويمكن توجيه هذا التقريب بنحو يسلم عن جميع ما اورد عليه، وهو ان حقيقة الامر كما مر ليست الا ابراز كون الفعل متعلقا لشوق المولى. وعليه فبما ان الشرط لا يكون راجعا الى الابراز كما واضح، فلا محالة يكون راجعا الى الشوق، فيكون شوق المولى بالفعل معلقا على قيد وشرط، ولازمة انتفاء الشوق بانتفاء القيد، من غير فرق بين كون الابراز بالهيئة، أو بالمادة المستعملة في المفهوم الاسمى. ويمكن التمسك بالاطلاق لاثبات المفهوم، بوجه آخر وهو التمسك باطلاق الجزاء بتقريب انه قيد الجزاء، وهو الحكم الكلى والشوق المطلق بذلك الشرط بخصوصه، ولم يقيد بشئ آخر، لا على نحو الاشتراك بان يجعل شئ آخر مجامعا لذلك الشرط قيدا للجزاء ولا على نحو الاستقلال، بان يجعل شئ آخر موجبا لترتب الجزاء عليه ولو عند انفراده وعدم مجامعته لما جعل في القضية شرطا، ومقتضى ذلك دوران الجزاء مدار الشرط في القضية وجودا وعدما، فكما انه لم يشك احد في التمسك باطلاق الجزاء لنفى قيدية شئ آخر مع وجود الشرط، كذلك لا ينبغى ان يشك في التمسك باطلاقه لعدم دخل شئ آخر في ثبوت الجزاء مستقلا ولازم ذلك الانتفاء عند الانتفاء. وليس ذلك تمسكا باطلاق الشرط كى يورد عليه بما افاده المحقق الاصفهانى بان الاطلاق لا يكون الا مع انحفاظ ذات المطلق فالاطلاق من حيث الضميمة معقول، و اما الاطلاق من حيث البدل فلا، إذ لا يكون بدله الا في ظرف عدمه فلا يعقل اطلاق القيد

[ 249 ]

في ظرف عدم نفسه. وجه عدم الورود انه ليس تمسكا باطلاق الشرط، بل هو تمسك باطلاق الجزاء فلا ايراد عليه. نعم الايراد المذكور وارد على ما افاده المحقق النائيني (ره) حيث افاد ان مقتضى اطلاق الشرط بعد عدم العطف باو أو بواو، ان القيد مطلق من حيث الضميمة، ومن حيث البدل فيستفاد من الاطلاق، الاستقلال في العلية والانحصار. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه، ان القضية الشرطية تدل على المفهوم وطريق اثبات ذلك امور. الاول: الدلالة الوضعية، فان المنساق الى الذهن من القضية الشرطية ان ثبوت الجزاء منحصر بمورد ثبوت الشرط. الثاني: اطلاق الشرط بالتقريب المتقدم. الثالث: اطلاق الجزاء. وقد يتوهم ان لازم ما ذكرناه دلالة جميع القضايا الشرعية على المفهوم بناءا على ما مر سابقا من ان القضايا الحقيقية انشائية كانت ام اخبارية ترجع الى قضايا شرطية مقدمها فرض ثبوت الموضوع وتاليها ثبوت المحمول، وان القضايا الشرطية ترجع الى القضايا الحقيقية. والجواب عنه ان القضية الشرطية ليست ذات مفهوم بقول مطلق بل هي على اقسام: الاول: ما يكون الشرط فيها مما يكون الحكم معلقا عليه عقلا، ويكون الشرطية سيقت لبيان تحقق الموضوع، نظير، ان رزقت ولدا فاختنه. وإذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها أو ردوها. الثاني: ما لا يكون الشرط فيها مما يكون الحكم معلقا عليه عقلا بل على فرض دخله يكون اعتباره شرعيا محضا. والثانى: تارة يكون القيد قيدا للموضوع، و اخرى للمتعلق، وثالثة للحكم، والمدعى انما هو دلالة القسم الرابع على المفهوم كما يظهر مما ذكرناه وجها لذلك، غاية الامر ان ظاهر القضية الشرطية في نفسها رجوع القيد الى الحكم لا الى الموضوع أو المتعلق وعليه، فدعوى دلالة القضية الشرطية التى لم تسق لبيان تحقق الموضوع في محلها، وعلى هذا فالقضايا الحقيقية، وان رجعت الى القضايا الشرطية، الا انها تكون من القسم الاول فلا تدل على المفهوم.

[ 250 ]

ما استدل به لعدم ثبوت المفهوم للشرط ونقده ثم ان في المقام قولين آخرين. احدهما: عدم ثبوت المفهوم للشرط مطلقا واستدل له بامور: الاول: ما عن السيد (قده) وحاصله ان غاية ما يكون القضية الشرطية دالة عليه كون الشرط علة للجزاء ويكون تأثير الشرط كافيا في صوغ القضية الشرطية، وتعليق الحكم به بجعل الشرط مقدما والمشروط تاليا بلا عناية، ولا يستفاد منها الانحصار، ثم ذكر في ذيل كلامه جملة من الموارد التى يكون الشرط غير منحصر، وقال ونيابة بعض الشروط عن بعض اكثر من ان تحصى. وبهذا البيان يظهر ان السيد قد تجاوز عن المحقق الخراساني بمرحلتين، فان المحقق الخراساني بعد ما افاد ان ثبوت المفهوم للقضية الشرطية يتوقف على امور اربعة. الدلالة على اللزوم، والترتب، وكون الترتب من قبيل ترتب المعلول على العلة، والانحصار، اعترف بالاول خاصة، وصرح بعدم الدلالة على الاخيرين، والسيد (قده) اعترف بالثلاثة الاول، وانكر الاخر خاصة، فلا وجه لايراد المحقق الخراساني عليه. وكانه (قده) لم ينظر الى ما افاده السيد، والا لما اجاب بما في الكفاية من ان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت امر ممكن ولكنه غير مربوط بما هو محل الكلام في مقام الاثبات، واما في مقام الاثبات فمجرد الاحتمال لا يكفى في دفع الظهور ما لم يكن بحسب القواعد اللفظية راجحا أو مساويا، وليس فيما افاده ما يثبت ذلك، فان السيد ينكر الظهور مثل المحقق الخراساني (ره). الثاني: انه لو دل لكان باحدى الدلالات الثلاث، والملازمة كبطلان التالى ظاهرة، واجيب عنه، تارة بمنع بطلان التالى فانه قد مر دلالة القضية بالدلالة الالتزامية على ثبوت المفهوم، واخرى، بمنع الملازمة لانه يمكن اثبات المفهوم بالاطلاق كما مر. الثالث: قوله تعالى (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا).

[ 251 ]

وفيه: ان الشرط في الاية الكريمة مسوق لبيان تحقق الموضوع، حيث ان ارادة التحصن من القيود العقلية لحرمة الاكراه، إذ لا يعقل الاكراه على البغاء، في فرض عدم ارادة التحصن كما هو واضح، وقد مر عدم المفهوم لمثل هذه القضية. القول بالتفصيل ومدركه الثاني: ما اختاره جماعة منهم الشيخ الاعظم، وهو التفصيل بين كون الحكم في الجزاء مستفادا من المادة، كقوله (ع) إذا زالت الشمس وجبت الصلاة، والطهور، وبين كونه مستفادا من الهيئة كقولنا: ان جاء زيد فأكرمه، والالتزام بدلالة القضية الشرطية في القسم الاول على المفهوم دون الثاني: واستدل له بوجهين. احدهما: ان المفهوم كما مر عبارة عن انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه، واما انتفاء شخص الحكم المذكور في التالى عند عدم الشرط، فهو عقلي لا ربط له بدلالة اللفظ ابدا، لاستحالة بقاء الحكم مع انتفاء موضوعه أو قيد من قيوده، أو من قيود الحكم، ومن هنا لم نقل بدلالة اللقب على المفهوم، مع ان انتفاء شخص الحكم بانتفاء ما اخذ في موضوعه واضح، ولو ثبت حكم شخصي آخر، مع عدم الشرط، فانما هو حكم آخر غير الحكم الثابت له عند ثبوت الشرط، غاية الامر انه من سنخه، وعلى الجملة ان المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط، وعليه فحيث ان الحكم المستفاد من المادة مفهوم اسمى وكلى فتدل القضية الشرطية المعلقة للحكم على الشرط عندئذ على المفهوم، واما ما يكون مستفادا من الهيئة فحيث انه معنى حرفي ويكون جزئيا فلا تدل على المفهوم، إذ غايته انتفاء الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه وهو جزئي، فلا يدل على انتفاء فرد آخر. والجواب عنه ما تقدم من ان المعنى الحرفى ليس جزئيا بل هو ايضا كالمعنى الاسمى كلى. ثانيهما: ان مفاد الهيئة جزئي لانه معنى آلى وملحوظ آلى، وهو غير قابل للتقييد

[ 252 ]

فالقيد والشرط في القضية الشرطية المشتملة على بيان الحكم بالهيئة يرجع الى المادة والمتعلق فلا يكون الحكم معلقا كى ينتفى بانتفاء القيد. وهذا بخلاف المعنى الاسمى لو كان الحكم مستفادا من المادة فانه يرجع الشرط إليه فينفي الحكم بانتفاء الشرط فتدل على المفهوم. والجواب عنه ما تقدم في الواجب المشروط مفصلا، وبينا انه مضافا الى ان المعنى الحرفى كلى وقابل للتقييد. ان الجزئي لا يقبل التقييد بمعنى التضييق وقابل للتقييد بمعنى التعليق والربط كما في التعليق على الشرط. ضابط اخذ المفهوم. بقى امور الاول: ان المفهوم كما عرفت عبارة عن انتفاء سنخ الحكم المعلق عن الموضوع في المنطوق عند انتفاء شرطه، واما انتفاء شخص الحكم فهو غير مربوط بالمفهوم كما ان انتفاء الحكم عن موضوع آخر غير ما هو موضوع في المنطوق لا ربط له بالمفهوم. - وبعبارة اخرى - ان المفهوم تابع للمنطوق موضوعا ومحمولا ونسبة، سوى ان المنطوق قضية موجبة، أو سالبة والمفهوم عكس ذلك. وعلى ضوء ذلك قال المحقق الخراساني (ره) انه ليس من المفهوم دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والاوقاف والنذور والايمان كما توهم، بل عن الشهيد في تمهيد القواعد انه لا اشكال في دلالتها على المفهوم، وذلك لان انتفائها عن غير ما هو المتعلق لها من الاشخاص التى تكون بالقابها أو بوصف شئ أو بشرطه ماخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه، بل لاجل انه إذا صار شئ وقفا على احد أو اوصى به أو نذر له الى غير ذلك لا يقبل ان يصير وقفا على غيره أو وصية أو نذرا له وانتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق قد عرفت انه عقلي مطلقا انتهى. قال الشهيد (ره) في تمهيد القواعد لا اشكال في دلالتها في مثل الوقف

[ 253 ]

والوصايا والنذر والايمان كما إذا قال وقفت هذا على اولادي الفقراء أو ان كانوا فقراء أو نحو ذلك انتهى. ومحصل الايراد عليه كما في التقريرات والكفاية وغيرهما ان دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في تلكم الموارد، ليست من المفهوم، وانتفاء سنخ الحكم، بل هو من باب انتفاء شخص الحكم. وقد يقال انتصارا للشهيد (ره) ان الوقف أو النذر أو الوصية قد يتعلق بالمال الشخصي. واخرى، يتعلق بالكلى، فإذا تعلق بالشخصي، فلا يعقل تعلق وصية اخرى مثلا بهذا المال في عرض هذه الوصية، ولكن يمكن تعلقها به في طول هذه، وإذا تعلق بالكلى فيمكن تعلق فرد آخر في طول هذا الفرد، وفى عرضه، وعلى كل تقدير تعلق فرد آخر معقول فيجرى فيه نزاع المفهوم، وانه، هل يدل على انتفاء الفرد الطولى في الاول ومطلق الفرد في الثاني، ام لا ؟ بعد ان انتفاء شخص الوقف أو الوصية أو النذر ليس بالمفهوم. مفهوم تعليق الحكم الكلى بنحو العام الاستغراقي على الشرط الثاني: ان الحكم الثابت في الجزاء، المعلق على الشرط، قد يكون حكما واحدا متعلقا بشئ واحد، كوجوب الحج المعلق على الاستطاعة، وقد يكون حكما كليا له افراد متعلقا بامور متعددة، أو متعلقا بواحد، وعلى الثاني قد يكون بنحو العام المجموعى، وقد يكون بنحو العام الاستغراقي، لا اشكال في القسمين الاولين. انما الكلام في القسم الثالث: كقوله (ع) الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شئ (1)، وان مفهوم هذه القضية، هل هو الايجاب الجزئي كما عن جماعة منهم المحقق الشيخ محمد تقى الشيرازي مدعيا بداهة ذلك: نظرا الى ان المفهوم يكون نقيض المنطوق، وقد برهن في محله ان نقيض السالبة الكلية، الموجبة الجزئية، فلا تدل القضية على اكثر من ان بعض


1 - الوسائل باب 9 من ابواب الماء المطلق. (*)

[ 254 ]

النجاسات ينجس الماء القليل، ففى غير موارد القدر المتيقن لا سبيل الى التمسك بهذه الرواية، ام يكون مفهومها موجبة كلية كما ذهب إليه جماعة آخرون منهم الشيخ الاعظم (ره) والمحقق النائيني، مدعيا الاول منهما بداهة ذلك، فتدل الرواية على تنجس الماء القليل بالملاقاة كل ما يصلح للتنجيس، من غير فرق بين انواع النجاسات والمتنجسات، ومن غير فرق بين احوال الافراد ككون النجاسة واردة ام مورودة ونحو ذلك، فيه وجهان: وقبل بيان ادلة الطرفين لابد من تمهيد امور: 1 - ان هذا النزاع لا يجرى فيما إذا كان الشرط منحلا الى شروط عديدة حسب ما للحكم من الافراد، حيث ان ظاهر القضية حينئذ تعليق كل حكم من تلكم الاحكام المتعددة، على فرد من افراد الشرط، كقولنا: اكرم العلماء ان كانوا عدولا، فان ظاهره تعليق وجوب اكرام كل عالم على كونه عادلا، فإذا انتفى بعض تلك الشروط ينتفى بعض تلك الاحكام، وإذا انتفى الشرط بالمرة ينتفى الحكم بالكلية، بل مورد الكلام ما إذا كان الشرط واحدا كما في الرواية الكريمة. 2 - ان المفهوم تابع للمنطوق في جميع القيود المعتبرة فيه، وانما التفاوت بينهما بالسلب والايجاب، فالموضوع والمحمول فيهما واحد، والفرق بينهما ان المنطوق، قضية موجبة أو سالبة، والمفهوم عكس ذلك أي يكون مفهوم الايجاب السلب ومفهوم السلب الايجاب. 3 - ان الفرق بين العام المجموعى والاستغراقي، انما هو في الواقع ونفس الامر فانه يكون في الاول حكما واحدا ناشئا عن ملاك واحد له امتثال واحد وعصيان كذلك و غير مربوط بالاخرين، واما في مقام الاثبات فالانشاء واحد ويبرز حكما واحدا. إذا تمهدت هذه الامور فاعلم انه استدل الشيخ (ره) لما ذهب إليه: بان العموم لوحظ مرآة وآلة لملاحظة الافراد فكأنه لم يذكر في القضية الا الاحكام الجزئية المتعلقة بالافراد، فيكون تعليق هذا الحكم المنحل الى احكام جزئية عديدة على الشرط منحلا الى

[ 255 ]

تعليقات عديدة ولازم حصر الشرط كما هو المفروض انه في صورة انتفائه ينقلب كل نفى الى الاثبات. وفيه: ان انحلال الحكم وتعدده وتعدد التعليقات انما هو بحسب مقام الثبوت والواقع، واما في مقام الاثبات والابراز فالحكم واحد والمعلق بحسب ملاحظة التعليق في مقام الابراز امر وحداني لا تعدد فيه، ولازم ذلك انقلاب هذا الحكم الوحداني الى نقيضه فتدبر. وافاد المحقق النائيني (ره) ان المقرر في علم الميزان، وان كان ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية، ونقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية، الا ان النظر في علم الميزان مقصور على القواعد الكلية لتاسيس البراهين العقلية، ولذا لا ينظر فيه الى الظواهر، واما في علم الاصول فالمهم هو استنباط الحكم شرعى من دليله، فيكفى فيه اثبات ظهور الكلام في شئ وان لم يساعده البرهان المنطقي، وعلى ذلك فلا بد وان ينظر الى ظاهر الدليل فان كان المعلق على الشرط في القضية الشرطية مجموع الاحكام، فالمفهوم يكون جزئيا: إذ المنتفى بانتفاء الشرط هو ما علق عليه وهو عموم الحكم، لا الحكم العام، وان كان هو الحكم العام أي كل واحد واحد من الاحكام، فالمفهوم يكون كليا هذا بحسب مقام الثبوت، واما بحسب مقام الاثبات، فان كان العموم المستفاد من التالى معنى اسميا مدلولا عليه بكلمة كل واشباهها، امكن ان يكون المعلق على الشرط، هو نفس العموم والحكم العام، فلا بد في تعيين احدهما من اقامة قرينة خارجية، واما إذا كان معنى حرفيا مستفادا من مثل هيئة الجمع المعرف باللام وغير قابل لان يكون ملحوظا بنفسه، أو كان مستفادا من مثل وقوع النكرة في سياق النهى، ولم يكن هو بنفسه مدلولا عليه باللفظ، فلا محالة يكون المعلق على الشرط، هو الحكم العام كما في الرواية المزبورة، فيكون مفهومها نجاسة القليل بملاقاة كل واحد من النجاسات. اقول سواء كان في مقام الاثبات العموم مستفادا من معنى اسمى، أو حرفي، لا وجه لهذا التفصيل إذ الحكم المجعول المدلول عليه التالى انما يكون بنحو العام الاستغراقي، والمعلق على الشرط انما هو ذلك الحكم المجعول في التالى فلا وجه للالتزام بكون

[ 256 ]

المعلق هو مجموع الاحكام بهذا القيد الا بالتقريب الذى نذكره وبذلك التقريب ايضا لا فرق بين كون العموم مستفادا من معنى اسمى أو حرفي. وحاصل ذلك التقريب ان المعلق انما هو الحكم المجعول في التالى، وهو في مقام الثبوت وان كان منحلا الى احكام عديدة، الا انه في مقام الاثبات حكم واحد لا متعدد، وهو معلق على الشرط، فيكون مفهوم القضية الشرطية حينئذ نفى الحكم الثابت على الطبيعة السارية عند عدم الشرط وهو انما يتحقق بانتفائه عن بعض الافراد، وعلى ذلك فينطبق الظهور العرفي على القانون المنطقي، وهو ان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية، كما ان نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية، وان شئت توضيح ذلك بالمثال العرفي لاحظ، قولنا إذا لبست الدرع الفلاني لا يغلب على احد فهل يتوهم احد ان مفهومه انه ان لم يلبس ذلك الدرع يغلب عليه كل احد. والى ذلك نظر المحقق اليزدى (ره) حيث استدل لكون مفهوم السالبة الكلية الموجبة الجزئية بالتبادر، فالمتحصل مما ذكرناه ان مفهوم الرواية الكريمة تنجس الماء القليل بملاقاة بعض النجساات. ثم ان المحقق النائيني (ره) افاد انه لا يترتب ثمرة على النزاع المزبور في مورد الرواية، إذ لو كان مفهومها تنجس الماء القليل بنجاسة ما، ثبت تنجسه بكل نجس، إذ لا قائل بالفصل بينها، واما المتنجس فحيث ان المراد بالشئ المذكور في الرواية الشئ الذى يكون في نفسه موجبا لتنجس ملاقيه فان ثبت من الخارج تنجيس المتنجس، كفى ذلك في الحكم بانفعال الماء القليل بملاقاته، من دون احتياج في ذلك الى التمسك بمفهوم الرواية. ويرد عليه ان ثبوت تنجيس المتنجس من الخارج، يوجب دخوله في المنطوق وهو عدم تنجس الكر بملاقاته، واما ثبوت تنجس الماء القليل بملاقاته، فهو يتوقف على احد امرين. اما القول بان مفهوم السالبة الكلية، الموجبة الكلية، أو ورود دليل خاص دال عليه،

[ 257 ]

والا بان لم يرد دليل خاص، وبنينا على ان مفهوم السالبة الكلية الموجبة الجزئية، فحيث انه لم يثبت عدم الفصل بينه، وبين النجاسات، بل افتى المحقق الخراساني (ره) بانه لا يتنجس الماء القليل بملاقاة المتنجس، مع بنائه على تنجسه بملاقاة النجس، فلا محالة لا يثبت تنجس القليل به. حكم تعدد الشرط واتحاد الجزاء الثالث: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، كما في المثال المعروف، إذا خفى الاذان فقصر. وإذا خفى الجدران فقصر، بناءا على وجود الخبر بالنحو الثاني وعلى ان الشرط هو خفاء الاذان، والجدران بما هما. لا ان الشرط هو البعد الخاص ولو حظ العنوانين معرفين له (وقد اشبعنا الكلام في الموردين في الجزء الخامس من فقه الصادق) فعلى القول بثبوت المفهوم للقضية الشرطية. وكون النسبة بين الشرطين هو العموم من وجه (وان انكره المحقق النائيني (ره) وادعى تارة بان خفاء الاذان دائما يحصل قبل خفاء الجدران، واخرى تطابقهما) لا محالة تقع المعارضة بين اطلاق مفهوم كل منهما و منطوق الاخرى، فلا بد من علاج هذه المعارضة وقد ذكر لذلك طرق. الاول: ان يلتزم بعدم دلالتهما على المفهوم، فلا دلالة لهما على عدم سببية شئ ثالث لوجوب القصر، وقد اختار هذا الوجه المحقق الخراساني. الثاني: ان يلتزم بكون الشرط احدهما تخييرا الذى نتيجة العطف بكلمة (أو) برفع اليد عن كون كل من الشرطين سببا منحصرا مع بقائه على كونه سببا تاما، - وبعبارة اخرى - بتقييد كل من الشرطين باثبات العدل له، ونتيجة ذلك ترتب وجوب القصر على خفاء احدهما وان لم يخف الاخر. الثالث: ان يلتزم بان الشرط هو مجموع الامرين الذى هو نتيجة العطف بكلمة (واو) برفع اليد عن كون كل شرط سببا تاما، وجعله جزء السبب، ويقيد اطلاق كل من الشرطين بانضمامه الى الشرط الاخر فإذا خفيا وجب القصر، والا فلا، وان خفى

[ 258 ]

احدهما الرابع: ان يلتزم بتقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الاخر، من دون تصرف في شئ من المنطوقين. الخامس: ان يجعل الشرط، هو القدر المشترك بينهما بان يكون تعدد الشرط قرينة على ان الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص، بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان قال صاحب الكفاية (ره) ان العقل يعين هذا الوجه. السادس: رفع اليد عن المفهوم في خصوص احد الشرطين، وبقاء الاخر على مفهومه، نسب ذلك الى الحلى، وفى الكفاية انه لا وجه له الا ان يكون ما ابقى على المفهوم اظهر، هذه هي تمام الوجوه المتصورة في هذه الموارد. اما الوجه الاول: فقد استدل له: بان ثبوت المفهوم للقضية الشرطية تابع لثبوت الخصوصية المستتبعة له كما تقدم، وحيث ان المفهوم بنفسه ليس مدلولا للكلام حتى يتصرف فيه، بل لابد من التصرف في المنطوق، بدلالته على الخصوصية وهى الحصر، فلا محالة يقع التعارض، بين دلالة كل منطوق على الثبوت عند الثبوت، مع دلالة الاخر على الحصر، وبما ان دلالة المنطوقين على الثبوت عند الثبوت، اقوى من دلالتهما على تلك الخصوصية فتنتفى دلالتهما عليها فلا يثبت المفهوم لهما، لا يقال: انه يرفع اليد عن دلالتهما على تلك الخصوصية في بعض مدلوله لا في جميعه، فانه يقال: ان تلك الخصوصية بسيطة، فاما ان تؤخذ في المنطوق أو لا، فالتبعيض باخذها في الجملة مما لا يعقل. وفيه: ان التقييد ان كان مستلزما للتصرف في الاستعمال كان هذا الوجه متعينا، ولكن بما انه لا يلزم التصرف فيه، بل يوجب التصرف في الارادة الجدية مثلا لو قال اكرم العلماء ثم قال لا تكرم زيدا، يكون المستعمل فيه هو الجميع لا العلماء غير زيد، والخاص يوجب التصرف في الارادة الجدية، وبسببه يحكم بعدم ارادة تمام مدلول العام بالارادة الجدية، وفى المقام كل من المنطوقين استعمل فيما وضع له، ويدل على الثبوت عند الثبوت مع الحصر، الا انه لا بد من التصرف في مدلوله الثاني، والالتزام بعدم كونه بتمامه

[ 259 ]

مرادا جديا، والتبعيض في ذلك المقام بالالتزام بارادة الحصر، بالنسبة الى غير هذا الفرد مما لا محذور فيه فتدبر فانه دقيق واما الوجه الرابع: فهو بظاهره غير معقول الا ان يرجع الى الوجه الثاني إذا المفهوم من المداليل الالتزامية، والدلالة عليها دلالة عقلية، والتصرف فيه بتقييد أو تخصيص، من دون التصرف في المنطوق، غير معقول: لان الحكم العقلي لا يقبل ذلك، لان مرده الى انفكاك اللازم عن الملزوم والمعلول عن علته وهو مستحيل. واما الوجه الخامس: فقد استدل له المحقق الخراساني بان الامور المتعددة بما هي مختلفة لا يمكن ان يكون كل منها مؤثرا في واحد، فانه لابد من الربط الخاص بين العلة والمعلول، ولا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان، ولذلك ايضا لا يصدر من الواحد الا الواحد، فلابد من المصير الى ان الشرط في الحقيقة واحد و هو القدر المشترك بين الشرطين. وفيه: ما تقدم من انه ليس في باب الاحكام الشرعية تأثير وتأثر وعلية حتى يجرى ذلك، مع انه لو التزمنا بالوجه الثالث، وهو كون المجموع شرطا لا مجال لهذا الوجه. اما الوجه السادس: فاورد عليه المحقق الخراساني بان رفع اليد عن المفهوم في خصوص احد الشرطين وبقاء الآخر على مفهومه لا يصار إليه الا بدليل آخر، الا ان يكون ما ابقى على المفهوم اظهر. وفيه: انه بذلك لا يرتفع التعارض وان دل عليه الدليل: لان التنافى انما يكون بين منطوق كل منهما مع مفهوم الآخر، إذ مفهوم كل منهما انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط المأخوذ فيه، وهذا ينافى ثبوته عند ثبوت الشرط الاخر، وعلى ذلك فلو رفع اليد عن المفهوم في احدهما بقى التنافى بين مفهوم الاخر، ومنطوق هذا. فيدور الامر بين الوجه الثاني وهو تقييد اطلاق كل من الشرطين باثبات العدل له، وبين الوجه الثالث، وهو تقييد اطلاق كل منهما بانضمامه الى الشرط الاخر، - وبعبارة اخرى - يدور الامر بين تقييد الاطلاق المقابل للعطف بكلمة أو - وبين تقييد الاطلاق المقابل للعطف بكلمة واو -

[ 260 ]

وللمحقق النائيني (ره) في المقام كلام، بعد الاعتراف بدوران الامر بين الامرين والتصرف في احد الاطلاقين، وحاصله، انه حيث لا مرجع لاحدهما على الاخر، ولا يمكن الاخذ بكليهما للعلم الاجمالي بعدم ارادة احدهما، فيسقطان معا وحيث انه يعلم بوجوب القصر في المثال عند تحقق مجموع الشرطين على كل تقدير، واما في فرض انفراد كل من الشرطين بالوجود، فثبوت الجزاء فيه يكون مشكوكا فيه، ولا اصل لفظي في المقام على الفرض، لسقوط الاطلاقين بالتعارض، فتصل النوبة الى الاصل العملي، و هو يقتضى عدم وجوب القصر عند تحقق احد الشرطين لاستصحاب بقاء وجوب التمام الثابت في حال خفائهما المشكوك تبدله الى وجوب القصر عند خفاء احدهما، و يوافقه اصل البرائة، فتكون النتيجة موافقة لتقييد الاطلاق المقابل للعطف بواو. ويرد عليه، مضافا الى ما سنبينه في وجه المختار من انه لاحد الاطلاق مرجح على الاخر، انه لو سلم ذلك يقع التعارض بين الاستصحاب المشار إليه، واستصحاب بقاء وجوب القصر في نفس ذلك المحل، لو عاد الى منزله من السفر حيث ان الثابت هناك وجوب القصر فيستصحب ذلك، كما ان اصالة البرائة عن وجوب القصر تعارضها اصالة البرائة عن وجوب التمام بعد العلم بوجوب احدهما. مع انه لو سلم تمامية الاصل المشار إليه وعدم المعارض له، لا تصل النوبة إليه لعموم ما دل على وجوب القصر على المسافر بناءا على ما هو الظاهر من صدق المسافر على من خرج من منزله قاصدا السفر الى المسافة، وقد خصص ذلك، بما دل على انه لا يقصر ما لم يصل الى حد الترخص، وحيث انه مجمل مفهوما، والقدر المتيقن منه ما لو لم يخف الاذان ولا الجدران، وفى مورد الشك وهو ما لو خفى احدهما لابد من الرجوع الى ما دل على وجوب القصر فتكون النتيجة موافقة لتقييد الاطلاق المقابل للعطف باو. وحق القول في المقام انه يتعين تقييد الاطلاق المقابل ب‍ (أو) وابقاء الاطلاق المقابل للعطف بواو وتكون النتيجة كفاية احدهما في وجوب القصر، وهو يبتنى على مقدمة. وهى ان الميزان الكلى الذى يعمل به في موارد المعارضة هو انه إذا كان

[ 261 ]

للمتعارضين ظهورات عديدة لا بد من ملاحظة ان ايامنها طرف للمعارضة ثم العلاج برفع اليد عنه أو عن طرفه، واما رفع اليد عن الظهور الآخر الذى ليس طرف المعارضة فمما لا وجه له، وان ارتفعت المعارضة به مثلا، إذا ورد اكرم العلماء، ثم ورد لا يجب اكرام زيد العالم فحيث ان طرف المعارضة هو ظهور الاول في العموم، فالمتعين هو رفع اليد عنه خاصة، وان كان ترتفع المعارضة برفع اليد عن ظهوره في الوجوب وحمله على ارادة الاستحباب. إذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم انه في المقام بما ان التعارض انما يكون بين مفهوم كل من القضيتين وبين منطوق الاخرى، وكل من المنطوقين اخص من مفهوم الاخرى، فيتعين تقييد اطلاقه ولكن، حيث انه لا يعقل التصرف في المفهوم نفسه لما تقدم، فلا بد من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض إذ الضرورات تتقدر بقدرها، و هو انما يكون بتقييد اطلاق المنطوق المقابل للتقييد بكلمة أو، وما رفع اليد عن اطلاق المنطوق المقابل للعطف بكلمة واو، وهو وان كان يرتفع به التعارض، الا انه لا موجب لهذا التصرف. وان شئت قلت ان التعارض انما يكون بين دلالة كل من القضيتين على الثبوت عند الثبوت، مع اطلاق دلالة الاخرى على الحصر بالنسبة الى جميع الامور، فلا بد من تقييد اطلاق دلالة كل منهما على الحصر، بدلالة الاخرى على الثبوت عند الثبوت، فتكون النتيجة، ان الشرط هو احد امرين، وهذا معنى تقييد الاطلاق المقابل للعطف بكلمة أو، والتعارض وان كان يرتفع بجعل المجموع شرطا واحدا وتقييد الاطلاق المقابل للعطف بواو الا انه لعدم كونه طرف المعارضة لا وجه لرفع التعارض به. تداخل الاسباب الامر الرابع: إذا تعدد الشرط اتحد الجزاء، وثبت بالدليل من الخارج، أو من نفس القضيتين أو القضايا ان كل شرط سبب مستقل للجزاء وترتبه عليه، فهل القاعدة

[ 262 ]

تقتضي تداخل الشروط في تأثيرها اثرا واحدا، مثلا، إذا اجتمع اسباب للغسل في شخص واحد كالجنابة ومس الميت والحيض وما شاكل، فهل القاعدة تقتضي تعدد الجزاء، أو لا تستدعى الا اثرا واحدا، ويعبر عن ذلك بتداخل الاسباب. وعلى تقدير اقتضائها التعدد، فهل القاعدة تقتضي تداخل الجزاء، بان يكتفى بغسل واحد في مقام الامتثال، أو عدم التداخل فلا يكتفى به في هذا المقام بل لا بد من الاتيان به متعددا حسب تعدد الشرط، وهو المراد بالعنوان المعروف بمسألة تداخل المسببات. فالكلام يقع في مقامين: الاول: في تداخل الاسباب. الثاني: في تداخل المسببات، وقبل الشروع في البحث في المقامين ينبغى تقديم امور: الاول: ان محل الكلام في المقام ما لم يعلم من الخارج، التداخل، أو عدمه، والا فهو خارج عن محل الكلام كما هو الحال في بابى الوضوء والغسل، اما الاول فلان الظاهر من رواياته من جهة التعبير عن الموجبات له بالنواقض مثل لا ينقض الوضوء الا ما خرج من طرفيك (1)، واما شاكل ذلك، وبديهى ان النقض غير قابل للتكثر والتعدد، هو ان اسبابه إذا تعددت فان اقترنت اثر مجموعها في هذه الصفة على نحو يكون كل واحد جزء السبب، وان ترتبت اثر المتقدم خاصة، واما الغسل، فلانه دلت الروايات (2) الكثيرة على انه إذا اجتمعت حقوق متعددة يجزى غسل واحد عن الجميع فبمقتضى الاخبار يحكم في الوضوء بتداخل الاسباب، وفى الغسل بتداخل المسببات. نعم، في الغسل حكم الافراد من سبب واحد كما لو اجنب مرات حكم تعدد اسباب الوضوء. الثاني: ان محل الكلام انما هو الاحكام القابلة للتعدد، واما ما لا يكون قابلا له كالقتل فسياتى الكلام فيه فيما بعد. الثالث: في تأسيس الاصل في المسألة، اقول ان الشك، تارة يكون في تداخل الاسباب، واخرى في تداخل المسببات، اما الشك من الناحية الاولى، وانه لو اجتمع


1 - الوسائل باب 2 من ابواب نواقض الوضوء. 2 - الوسائل باب 43 من ابواب الجنابة. (*)

[ 263 ]

السببان أو الفردان من سبب واحد، هل هما معا سبب واحد، أو كل منهما سبب لحكم غير ما يكون الاخر سببا له، فالاصل يقتضى التداخل، إذ الحكم الواحد متيقن الثبوت، والشك انما يكون في ثبوت حكم آخر فيرجع فيه الى البرائة، واما الشك من الناحية الثانية، بعد احراز عدم التداخل من الناحية الاولى، فحيث ان الشك يكون في الامتثال لا في التكليف فيكون المرجع قاعدة الاشتغال فتكون النتيجة عدم التداخل. ثم انه لا فرق فيما ذكرناه في الموردين بين الحكم التكليفى والوضعى: إذ الشك في حدوث حكم زايدا على المقدار المتيقن ثبوته مورد لاصالة العدم، كما ان الشك في سقوطه بعد احراز الثبوت مورد لاصالة بقاء الحكم وعدم سقوطه. فما افاده المحقق النائيني (ره) من انه لا ضابطة كلية لجريان الاصل في موارد الاحكام الوضعية فلا بد من ملاحظة كل مورد بخصوصه والرجوع فيه الى ما يقتضيه الاصل، لا يمكن المساعدة عليه. الرابع: ان المنسوب الى فخر المحققين (ره) ان القول بالتداخل وعدمه يبتنيان على كون الاسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات، فعلى الاول لابد من البناء على التداخل إذ يمكن ان تكون امور متعددة حاكية عن امر واحد، ومع احتمال وحدة السبب الحقيقي لا مجال للبناء على تعدد المسبب، وعلى الثاني لا بد من القول بعدم التداخل إذ مقتضى سببية كل من الامور المتعددة ان يكون له مسبب مستقل: إذ لو كان هناك مسبب واحد لزم اجتماع العلل المتعددة على معلول واحد. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بايرادين: الاول: انه حيث يمكن ان يكون الاسباب الشرعية على القول بكونها معرفات، حاكيات عن اسباب حقيقية متعددة وظاهر القضايا الشرطية تعدد المسبب بتعدد السبب، فلا محالة تدل الشرطية على تعدد السبب الحقيقي. وفيه: انه يتم لو كان المراد من المعرفات الكواشف عن حدوث السبب واما لو كان المراد منها الكواشف عن ثبوت السبب أو عن ثبوت الحكم، فلا يتم: إذ مرجع ذلك حينئذ الى انكار دلالة الشرطية على الحدوث عند الحدوث وانها تدل على مجرد الثبوت.

[ 264 ]

الثاني: ان الاسباب الشرعية على نوعين: معرفات، ومؤثرات. لا انها على نوع واحد، فتكون كساير الاسباب فالمبنى فاسد. وفيه: انها ليست معرفات، ولا مؤثرات: فان المؤثر في الحكم هو ارادة الجاعل. والحق ان يورد على الفخر، بانه ان اريد بكون العلل الشرعية غير مؤثرات انها لا تكون دخيلة في الحكم كدخل العلة في المعلول، فهو وان كان متينا جدا لما عرفت مرارا من ان الاحكام الشرعية مجعولات اختيارية للشارع، والمؤثر فيها ارادة الشارع فحسب، نعم، حيث ان اللغو لا يصدر من الشارع الحكيم فلا محالة تكون هناك ملاكات، وهى امور واقعية ولكنها بالنسبة الى المؤثر في الحكم، من قبيل الدواعى كبقية الدواعى للفعل الاختياري، وعلى أي حال لا تكون العلل مؤثرات، الا انه لا يلازم ذلك كونها معرفات لجواز كونها موضوعات للاحكام الشرعية، فإذا كانت كذلك فحيث ان الشارع جعل تلك الاحكام على موضوعاتها على نحو القضية الحقيقية فلا محالة يتوقف فعلية تلك الاحكام على فعلية موضوعاتها، ولا تنفك ابدا عنها، ولذلك قيل انها تشبه العلة التامة من هذه الناحية. وان اريد بذلك كونها معرفات للموضوعات الواقعية، ولا مانع من تعدد المعرف لموضوع واحد واجتماعه عليه، مثلا عنوان الافطار في نهار شهر رمضان المأخوذ موضوعا لوجوب الكفارة، لا يكون بنفسه موضوعا، بل هو معرف لما هو الموضوع له واقعا، فهو وان كان ممكنا، الا انه خلاف ظواهر الادلة، إذ الظاهر من كل عنوان دخيل في الحكم كونه موضوعا له بنفسه لا بما انه معرف لعنوان آخر، فلا يصح الحمل على كونه معرفا بلا قرينة. وان اريد بذلك كونها معرفات لملاكاتها الواقعية، فيرده انها ليست بكاشفة عنها بوجه إذ الكاشف عنها اجمالا هو نفس الحكم الشرعي، واما الشرط فلا يكون كاشفا عنها هذا إذا كان المراد من الاسباب الشرعية موضوعات الاحكام وشرائطها، واما لو اريد بها ملاكاتها الواقعية، فالامر اوضح إذ لا معنى لدعوى كونها معرفات. الخامس: ان محل الكلام في التداخل وعدمه، هو ما إذا كان الشرط قابلا للتعدد،

[ 265 ]

واما إذا لم يكن قابلا له كما في الافطار في نهار شهر رمضان المأخوذ سببا لوجوب الكفارة فانه إذا اكل أو شرب مرة واحدة، فقد صدق عليه الافطار ولو اكل بعده لا يكون الاكل الثاني مفطرا، ولا يصدق عليه هذا العنوان، ولذا لو اكل أو شرب في نهار شهر رمضان مرات لا يجب عليه الا كفارة واحدة ولا ربط له بالتداخل. وما عن الفقيه صاحب العروة (ره) من ان عنوان الافطار كناية عن نفس الاكل والشرب، وانما اخذ عنوان الافطار معرفا لما هو الموضوع له، ثم قال وتدل عليه الروايات ايضا. غير سديد: إذ ظاهر كل عنوان ماخوذ في الدليل كونه بنفسه موضوعا لا كناية عما هو الموضوع له فحمله عليه لا بد فيه من قيام قرينة عليه، وما ذكره من دلالة الروايات عليه لم نعثر على واحدة منها، نعم، يمكن ان يكون نظره الشريف الى خصوص ما ورد في الجماع والاستمناء. لكنه لا وجه للتعدى عن مورد النصوص والالتزام بالتفصيل بينهما وبين ساير المفطرات لا محذور فيه. وبعد ذلك نقول، اما الكلام في المقام الاول وهو التداخل في الاسباب ففيه اقوال: 1 - عدم التداخل وهو المشهور بين الاصحاب. 2 - التداخل اختاره جماعة منهم المحقق الخونسارى، والمحقق صاحب العروة في ملحقات العروة. 3 - التفصيل بين ما إذا كان الشرطين من نوع واحد كما إذا تعدد الوطء بالشبهة، فالثاني، وبين ما إذا كانا من نوعين فالاول، نسب ذلك الى الحلى (ره) واما الاحتمالات فهى اربعة: الاول: ان يلتزم بحدوث الاثر عند وجود كل شرط. الا انه هو الحكم عند الشرط الاول، وتاكده عند تحقق الشرط الثاني، مثلا، إذا ورد، إذا بلت فتوضأ، ثم ورد، إذا نمت فتوضأ، فبال المكلف ثم نام، يكون المتحقق عند البول وجوب الوضوء، وعند النوم تأكد ذلك الوجوب، فتكون النتيجة مع التداخل، وان لم يكن ذلك تداخلا اصطلاحيا. الثاني: تقييد اطلاق المادة في كل من القضيتين بفرد غير الفرد الذى اريد

[ 266 ]

من المادة الواقعة في حيز الخطاب الآخر، فتكون النتيجة عدم التداخل. الثالث: الالتزام بعدم دلالة شئ منهما على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت فتكون النتيجة التداخل المصطلح. الرابع: الالتزام بان متعلق الجزاء وان كان واحدا صورة الا انها حقائق مختلفة متصادقة على واحد، فتكون النتيجة عدم التداخل من حيث الاسباب، والتداخل من حيث المسببات. وقد يقال كما في الكفاية انه لما كان ظاهر الجملة الشرطية، حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، وكان مقتضى ذلك تعدد الجزاء بتعدد الشرط، كان الاخذ بظاهر القضية إذا تعدد الشرط حقيقية أو وجودا محالا، فانه يلزم منه كون حقيقة واحدة مثل الوضوء محكوما بحكمين متماثلين، وهو واضح الاستحالة، فلا بد للقائل بالتداخل من الالتزام باحد امور، اما بعدم دلالة الجملة الشرطية في صورة التعدد على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت، أو بكون متعلق الجزاء وان كان واحدا صورة الا انه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط متصادقة على واحد، أو بتأثير الشرط الاول في الوجوب والثانى في تأكد الوجوب، وكل ذلك خلاف الظاهر. واما القول بعدم التداخل فلا يلزم منه التصرف في ظهور: لان ظهور الجملتين في عدم تعدد الفرد ووحدة المتعلق انما يكون بالاطلاق، وهو يتوقف على عدم البيان، و ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب المقتضى لتعدد الفرد في فرض تعدد الجملة، يصلح بيانا لما هو المراد من الاطلاق، ومعه لا ينعقد ذلك الاطلاق فلا يلزم على ذلك تصرف في ظهور اصلا. وفيه اولا: ان ذلك لو تم فانما هو بالنسبة الى ظهور الحكم في الجزاء في التأسيس، ولا يكفى ظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث وحده لذلك فانه يلائم مع الالتزام بالتأكد كما عرفت، وعليه، فاثبات ذلك يتوقف على اثبات ان ظهور الحكم في التأسيس، كظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث بالوضع، لا بالاطلاق، والا فيقع التعارض بين الاطلاقين فيتساقطان معا، ولازم ذلك هو البناء على ان الامر بشئ

[ 267 ]

بعد الامر به قبل امتثاله مقتضيا للاتيان بفردين عملا بظهور الهيئة في التأسيس، مع انه (قده) اختار هناك أي في تلك المسألة التأكيد. وثانيا: لو سلمنا كونه بالوضع لكان ذلك موجبا لتقييد الاطلاق لا عدم انعقاده فتدبر. وللمحقق النائيني (ره) في المقام كلام، قال الاستاذ انه في غاية المتانة فانه (ره) اختار القول بعدم التداخل مطلقا ومحصل ما افاده يتضح ببيان امرين: احدهما: انه إذا تعدد الشرط جنسا، يكون استفادة تعدد الحكم من ظهور كل من القضيتين في انه كل من الشرطين، يكون مستقلا في سببيته للجزاء، وانه يترتب عليه الجزاء مطلقا سبقه الاخر أو قارنه، ام لا ؟ وإذا تعدد الشرط من جنس واحد، فاستفادة تعدده انما تكون من جهة ما حققناه في محله، من ان كل قضية شرطية ترجع الى القضية الحقيقية، وعليه فكما ان الحكم في القضية الحقيقية ينحل الى احكام عديدة حسب تعدد افراد الموضوع كذلك ينحل الحكم في القضية الشرطية بانحلال شرطه: إذ ادوات الشرط وضعت لجعل مدخولها موضع الفرض والتقدير واثبات التالى على هذا الفرض، فلا يكون بين القضية الحقيقية، والشرطية، فرق فيتعدد الحكم بتعدد الشرط وجودا. الثاني: ان تعلق الطلب بشئ لا يقتضى كون المتعلق صرف الوجود، واول الوجودات، بل ان ذلك انما يكون من جهة حكم العقل بالاكتفاء بوجود واحد عند تعلق طلب واحد بالطبيعة، فإذا فرض ظهور الجملتين الشرطيتين في تعدد الطلب، يكون ذلك رافعا لحكم العقل بالاكتفاء بوجود واحد لارتفاع موضوعه، وهو الطلب الواحد، و بالجملة ان كل امر في نفسه لا يدل الا على الطلب المقتضى لايجاد متعلقه، واما كون هذا الطلب واحدا أو متعددا فليس في الامر بهيئته ومادته دلالة عليه، نعم، إذا لم يكن هناك ما يقتضى تعدد الطلب وقد فرض تعلق الامر بالطبيعة كان الطلب واحدا قهرا، الا انه من جهة عدم المقتضى لتعدد، لا من جهة دلالة اللفظ عليه فإذا فرض ظهور القضية الشرطية في تعدد الطلب، كان لازم ذلك ارتفاع موضوع الحكم بوحدة الطلب أي عدم المقتضى للتعدد، ويكون ظهور القضية في التعدد واردا عليه، وعلى فرض التنزل وتسليم

[ 268 ]

ظهور الجزاء في وحدة الطلب انما يكون ذلك من جهة عدم ما يدل على التعدد، فإذا دلت الجملة الشرطية بظهورها في الانحلال، أو من جهة تعددها في نفسها على تعدد الطلب كان هذا الظهور لكونه لفظيا مقدما على ظهور الجزاء في وحدة الطلب الناشئ عن عدم ما يدل على التعدد الذى هو من الظهورات السياقية. فالنتيجة على ضوء هذين الامرين انه لا موضوع للتعارض بين ظهور القضية في الانحلال والحدوث عند الحدوث وبين ظهور الجزاء في وحدة التكليف، حيث لا ظهور للجزاء في ذلك في فرض تعدد الشرط، بل عرفت ان تعدد البعث يستدعى تعدد الانبعاث فيكونان تكليفين متعلقين بطبيعة واحدة كل منهما يستدعى ايجاد فرد منها فلا موجب للحمل على التأكيد فيكون مقتضى القاعدة حينئذ عدم التداخل. اقول: يرد على ما افاده في الامر الثاني أو لا. ان الطبيعة المتعلقة للطلب لا بد وان تلاحظ على نهج الوحدة أو التعدد لعدم تعقل تعلق الحكم بالمهمل. وعليه فالاكتفاء بالواحد انما يكون بمقتضى الاطلاق. واما ما ذكره على فرض التنزل من حكومة ظهور الجملة الشرطية في تعدد الطلب على ظهور الجزاء في وحدته الناشئ عن عدم ما يوجب التعدد: فغاية ما يمكن توجيهه ان يقال ان ظهور الجزاء في الوحدة انما يكون بالاطلاق المتوقف على عدم البيان وظهور الجملة الشرطية في التعدد يصلح للبيانية، أو يقال ان ظهور الجزاء في الوحدة انما يكون ظهورا سياقيا من باب ان عدم الدليل على التعدد دليل العدم وظهور الجملة الشرطية في التعدد رافع لمنشأ الظهور، أو يقال ان ظهور الجملة الشرطية في التعدد انما هو بالوضع وظهور الجزاء في الوحدة بالاطلاق فيقدم الاول. الا ان شيئا من التوجيهات لا يتم ما لم ينضم إليه ظهور الحكم في الجزاء في التأسيس، وانه كظهور الجملة الشرطية في التعدد انما يكون بالوضع، والا فمع انكاره كما سيمر عليك عند بيان المختار فلا يتم كما مر عند بيان ما يرد على المحقق الخراساني (ره). والحق هو القول بالتداخل مطلقا. غاية الامر، ان الشرطين ان كانا من نوع واحد

[ 269 ]

فالتداخل المدعى هو المصطلح منه، وان كانا من نوعين فهو بمعنى الالتزام بحكم واحد اكيد فلنا دعويان. اما الاولى: فالوجه فيه ما افاده السيد في ملحقات عروته: بان الموجب حينئذ جنس الشرط الصادق على الواحد والمتعدد فبحصول الجزاء دفعة واحدة يصدق حصول مقتضى كل منهما ويكون من باب التداخل في السبب نظير الجنايات المتعددة. وقد اورد على ذلك بايرادين: احدهما: للمحقق الخراساني (ره) وحاصله ان مقتضى اطلاق الشرط في مثل، إذا بلت فتوضأ، هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرات. وفيه: ان غاية ما يقتضيه الاطلاق هو عدم خصوصية لفرد دون آخر، واما ان المأخوذ شرطا، هل هي الطبيعة السارية، ام هو صرف الوجود، والوجود السعي، للطبيعة، فهو لا يدل عليه، بل يمكن ان يقال ان الاطلاق، هو رفض القيود، انما يقتضى كون الشرط، والسبب هو صرف وجود الطبيعة، إذ ملاحظتها بنحو الطبيعة السارية تحتاج الى عناية زايدة. وان شئت فقل انه كما يدعى ان الاطلاق يقتضى كون المطلوب صرف الوجود في متعلقات التكاليف، كذلك يقتضى كون السبب والشرط هو صرف الوجود، أي الوجود السعي للطبيعة. الايراد الثاني: ما افاده المحقق النائيني (ره) في وجه استفادة كون كل فرد سببا مستقلا من ان القضية الشرطية ترجع الى القضية الحقيقية، فينحل الحكم فيها الى احكام عديدة حسب تعدد افراد الشرط. ويرد عليه ان ذلك يتوقف على اثبات كون السبب ماخوذا بنحو الطبيعة السارية كما هو الشان في المحرمات على ما حققناه في اول مبحث النواهي، والا فلا يتم. واما الثانية: وهو انه إذا كان الشرطان من نوعين، كما لو اكل في نهار شهر رمضان وجامع اهله، فلانه لو التزمنا به لا يوجب التصرف في شئ من الظهورات. أي ظهور القضية في الحدوث عند الحدوث، وظهورها في ان المتعلق حقيقة واحدة لا حقائق

[ 270 ]

متعددة، واطلاق المادة. ودعوى: انه يستلزم التصرف في ظهور الحكم في كونه تأسيسيا. مندفعة، اولا: بما مر في مبحث تعلق الامر بشئ بعد الامر به، من انه بناءا على ما هو الحق من ان الامر كساير الانشائيات ليس ايجادا للطلب، - وبعبارة اخرى - ليس ايجاديا بل حقيقته ابراز الاعتبار النفساني، أو ابراز شوق الامر بالفعل المتعلق له، وعلى هذا فليس هناك ظهور في التأسيس. وثانيا: انه لو سلم كونه ايجاديا. فبما ان تأكد الطلب ليس شيئا غير الطلب بل هو من سنخه كما في كل مقول بالتشكيك، فالحمل على التأكيد لا يستلزم كون شئ من القضيتين في غير مقام انشاء الطلب وجعل الحكم. نعم، ان الحكم المجعول في كل منهما ان حدث في محل فارغ عن مثله يكون مستقلا وان حدث في محل مشغول بمثله فهو تأكيد. واما المحتملات الاخر فكل واحد منها يتوقف على رفع اليد عن ظهور من الظهورات. اما المحتمل الثاني فلانه يتوقف على تقييد اطلاق المادة في كل من القضيتين. واما الثالث: فلانه يتوقف على رفع اليد عن ظهور القضيتين في الانشاء، والالتزام بكون كل منهما في مقام الاخبار والا لم يتم ذلك كما لا يخفى. واما الرابع: فلانه يستلزم التصرف في المادة بارادة حقيقة خاصة منطبقة عليها لا هي بانفسها، وعلى ذلك فيتعين الالتزام بما ذكرناه. وقد استدل الحلى لما اختاره على ما عن التقريرات من التفصيل بالتعدد عند اختلاف الاجناس وعدمه عند الاتحاد، بدعوى الصدق على الثاني: وباطلاق السببية على الاول. وحاصله انه عند تعدد الشرط من نوع واحد، لا بد من البناء على التداخل لان الشرط حينئذ اسم جنس صادق على الواحد والمتعدد، واما لو تعدد النوع فلا وجه لتداخل الاجناس فلا مناص من التعدد. وبما ذكرناه ظهر تمامية ما افاده في الشرطين من نوع واحد وعدمها في النوعين

[ 271 ]

هذا كله فيما إذا كان متعلق الحكم في الجزاء قابلا للتعدد. واما فيما لا يكون قابلا لذلك فهو على قسمين: احدهما: ما يقبل التقييد بالسبب كالخيار، حيث انه قابل للتقييد بالمجلس والحيوان وما شاكل، ومعنى تقييده بالسبب، هو ان يلاحظ الخيار المستند الى المجلس فيسقطه أو يصالح عليه ويبقى له الخيار المستند الى الحيوان على القول بعدم التداخل، وكذا في القتل لاجل حقوق الناس، فلو قتل زيد شخصين، فقتله وان لم يقبل التعدد الا انه قابل للتقييد بالسبب، فلو اسقط ورثة احد المقتولين حق القود، لم يسقط حق ورثة الاخر. ثانيهما: ما لا يكون قابلا للتقييد كوجوب القتل الناشئ عن غير حق الناس، كالارتداد ونحوه، فان حكم الله تعالى لا يمكن العفو عنه. لا اشكال في خروج الثاني عن محل الكلام. ودخول الاول فيه. ويترتب على النزاع في التداخل وعدمه فيه اثر، وهو انه على فرض القول بعدم التداخل لذى الخيار مثلا اسقاط الخيار المستند الى احد السببين دون الاخر أو المصالحة عليه، فيسقط ويبقى الاخر، وعلى فرض التداخل ليس له ذلك. تداخل المسببات واما المقام الثاني: وهو تداخل المسببات، فملخص القول فيه انه بناءا على القول بالتداخل في الاسباب لا مورد لهذا البحث، واما بناءا على القول بعدم التداخل، والالتزام بتعدد المأمور به، أو انه على القول بالتداخل لو دل دليل خاص على عدم التداخل في مورد، فهل القاعدة الاولية تقتضي التداخل في المسببات فيكتفى باتيان فرد واحد عن الوجودات المتعددة للمأمور به، كما ورد النص في خصوص الاغسال المتعددة، وانه يجتزى بغسل واحد عن الجميع، ام تقتضي عدم التداخل، وجهان، اظهر هما الثاني. إذ سقوط التكليفين المتعلقين بفردين من الطبيعة باتيان فرد واحد مما لاوجه له، الا ان يدل عليه دليل خاص.

[ 272 ]

وربما ينعقد هذا البحث في مورد آخر، وهو ما إذا كان هناك تكليفان متعلقان بشيئين، وكانت النسبة بينهما عموما من وجه، وتنقيح القول فيه، انه تارة تكون النسبة المفروضة بين الموضوعين، مثل اكرم العلماء واكرم الهاشميين، واخرى تكون بين المتعلقين، مثل اكرم العلماء، واضف العلماء وعلى كل تقدير، تارة يكون الحكمان مجعولين: بنحو العام البدلى، واخرى يكونان بنحو العام الشمولى. فان كانت النسبة بين الموضوعين عموما من وجه وكانا شموليين، يكون ذلك من صغريات الكبرى الكلية المبحوث عنها في المقام، إذ في المجمع أي العالم الهاشمي في المثال ياتي النزاعان، وعلى المختار من ان القاعدة تقتضي القول بالتداخل في الاسباب، نلتزم في المثال بان المأمور به فرد من الاكرام، وعلى القول بعدم التداخل يكون المأمور به فردان من الاكرام، وعليه فلا وجه للالتزام بالاجتزاء باكرام واحد. وان كانت النسبة بين المتعلقين عموما من وجه وكانا شموليين. لا يعقل القول بعدم التداخل إذ لا يعقل التعدد فيه. وان كانت النسبة بين المتعلقين. أو الموضوعين عموما من وجه وكانا عامين بدليين. فلا كلام في التداخل. انما الكلام في انه، هل يكون في المجمع حكم مؤكد، ام يكون الاكتفاء بفرد واحد من جهة انطباق متعلق كل منهما على الماتى به، فقد اختار المحقق الخراساني الاول، ولكن الاظهر هو الثاني، إذ المأمور به انما هو الطبيعة من دون دخل شئ من الخصوصيات فيه، فالفرد الماتى به في الخارج، ليس بخصوصه متعلقا للتكليف كى يتصف بالوجوب الاكيد، - وبعبارة اخرى - إذا ورد اكرم عالما. ثم ورد، اكرم هاشميا يكون متعلق التكليف في الاول اكرام العالم بلا دخل للهاشمية فيه، وفى الثاني يكون بعكس ذلك، فلا وجه للقول بتاكدا لطلب في مجمع العنوانين، وان شئت قلت، ان لازم القول بالتأكد كون الحكم المجعول في مورد العامين من وجه ثلاثة. احدها: الحكم المؤكد. والاخران غير مؤكدين، وهو باطل. وتظهر ثمرة ذلك في الفقه فيما إذا كانت النسبة بين الواجب والمستحب عموما

[ 273 ]

من وجه، وكان كل من الوجوب والاستحباب متعلقا بالطبيعة الملغاة عنها الخصوصيات، أو كانت النسبة بين المستحبين كذلك، والاول كالنسبة بين صوم الاعتكاف وصوم شهر رمضان، أو صوم واجب بالنذر، والثانى كالنسبة بين صلاة الغفيلة ونافلة المغرب، وصلاة الجعفر ونافلة المغرب أو الليل، وامثال ذلك فلا مانع من الجمع بينهما في مقام الامتثال باتيان المجمع. المبحث الثاني في مفهوم الوصف المشهور بين الاصحاب عدم المفهوم للوصف، واثبته جماعة وعزى ذلك الى ظاهر الشيخ، وحكى عن الشهيد انه جنح إليه في الذكرى، وعن العلامة التفصيل بين ما كان الوصف علة كما في اكرم زيدا لانه عالم وبين غيره. وفى المسألة تفاصيل اخر لا يعبأ به ولتنقيح محل النزاع لابد من تقديم امور: الاول: ان محل الكلام ليس هو خصوص الوصف المصطلح، وهو المشتق الجارى على الذات كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة واسم الزمان وما شاكل. بل اعم من ذلك ومن المنسوبات كالبغدادي. وما يؤدى معنى الوصف كذى علم. والاسامى الجارية على الذوات بلحاظ اتصافها بعرض كالسواد أو بعرضي كالملكية. بل الظاهر شموله لما عبر عنه في القوانين بالوصف المقدر وهو ما يكون كناية عنه كما في قوله (ص) لان يمتلى بطن الرجل قيحا خير من ان يمتلى شعرا فان امتلاء البطن كناية عن الشعر الكثير. الثاني: ان محل الكلام هو الوصف المعتمد على موصوفه بان يكون مذكورا في القضية كقولنا اكرم انسانا عالما. أو ما شاكل ذلك، واما الوصف غير المعتمد على الموصوف كقولنا اكرم عالما. فلا كلام في عدم دلالته على المفهوم، فانه حينئذ كساير افراد اللقب، الذى سيأتي انه لا مفهوم له بلا كلام، والفرق بينه وبين غيره، بكون المبدأ فيه غير جعلى، بخلاف المبدأ في غيره، لا يكون بفارق في المقام.

[ 274 ]

ومجرد ان الوصف ينحل بتعمل من العقل، الى شيئين، ذات، ومبدأ، لا يوجب فارقا بينه، وبين الجامد، بعد انه لا يتعدى ذلك عن افق النفس الى مقام الدلالة. بل لو قيل بدلالة الوصف غير المعتمد على الموصوف على المفهوم، لا يبعد دعوى اولوية دلالة الجامد عليه، لما عرفت في مبحث المشتق، من ان كون المبدأ الجوهرى مناطا للحكم، بحيث يرتفع الحكم عند عدمه اولى من كون المبدأ العرضى مناطا له. وبهذا يظهر ان من فصل بين الوصف المعتمد على الموصوف وغيره، والتزم بدلالة الاول على المفهوم، دون الثاني، ليس تفصيلا في المقام بل هو التزام بدلالة الوصف على المفهوم مطلقا. الثالث: ان النسبة بين الوصف والموصوف، تارة، تكون هي التساوى، كالانسان الضاحك. واخرى، تكون النسبة عموما من وجه، كالانسان الابيض. وثالثة، تكون عموما مطلقا، والاخير يتصور على وجهين: إذ قد يكون الموصوف اعم، كالانسان العالم، وقد يكون الوصف اعم كالانسان الماشي. وحيث ان النزاع في المقام ليس في ان تعليق الحكم على الوصف، هل يدل على كونه تمام الموضوع وعلة منحصرة للحكم فتكون النتيجة عدم ثبوت الحكم عند انتفاء الوصف ولو لموضوع آخر وثبوته مع وجود الوصف ولو في محل آخر: فان دلالة الجملة على ذلك اجنبية عن المفهوم المبحوث عنه في المقام، بل النزاع انما هو في انتفاء الحكم عن الموضوع الثابت له الحكم عند انتفاء القيد، - وبعبارة اخرى - يكون النزاع في ان التوصيف هل يوجب حصر الحكم الثابت للموصوف بصورة وجود الوصف ام لا ؟ فيختص محل الكلام بصورة بقاء الموصوف بعد وصفه، وهو انما يكون في صورة كون النسبة عموما من وجه في صورة الافتراق وصورة كون النسبة عموما مطلق مع كون الوصف اعم كما لا يخفى. إذا عرفت هذه الامور. فاعلم انه قد استدل لثبوت المفهوم للوصف بوجوه: الاول: ما عن التقريرات من دعوى التبادر عرفا. وفيه: انه بعد ما نرى استعمال القضية الوصفية في غير مورد الانحصار الذى هو

[ 275 ]

اساس الدلالة على المفهوم بلا عناية ولا رعاية علاقة فلا يصغى الى هذه الدعوى. الثاني: انه لو لم يدل الوصف على المفهوم، لكان الاتى به لاغيا وهو مستحيل في حق الحكيم فلا مناص عن البناء على دلالته على المفهوم. وفيه: ان ذكر الوصف ربما يكون لفوائد اخر غير حصر ثبوت الحكم بمورد الوصف، كشدة الاهتمام بمورد الوصف كقوله اياك وظلم اليتيم، أو لدفع توهم عدم شمول الحكم لمورد الوصف كما في قوله تعالى (لا تقتلوا اولادكم خشية املاق) أو لعدم احتياج السامع الى غير مورد الوصف كقولك لمن لا يجد غير ماء البئر، ماء البئر طاهر مطهر، أو لغير ذلك من الفوائد. الثالث: الانصراف الى العلية المنحصرة. وفيه: ما عرفت من عدم تمامية ذلك في مفهوم الشرط. الرابع: ما نسب الى العلامة وهو ان تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية، و لازم ذلك انتفاء الحكم عند انتفائه، لانتفاء المعلول بانتفاء علته. واجاب عنه المحقق الخراساني بان مجرد ظهوره في العلية لا يوجب ذلك بل ثبوت المفهوم يتوقف على ثبوت العلية المنحصرة. وفيه: انه على فرض ثبوت ظهوره في العلية، لا مناص من قبول دلالته على المفهوم، بناءا على ما هو المسلم عنده من ان الواحد لا يصدر الا عن الواحد، فانه على ذلك يكون الدليل الظاهر في علية الوصف بعنوانه الخاص ظاهرا في كونه علة منحصرة، والا كانت العلة هو الجامع بينه وبين غيره، لا خصوصه بعنوانه، وهو خلاف الظاهر، فانكاره دلالته على المفهوم على فرض تسليم ظهوره في العلية لا مورد له على مسلكه. كما ان تسليم المحقق النائيني (ره) دلالته على المفهوم على فرض تسليم ظهوره في العلية لا يتم على مسلكه الذى صرح به في مفهوم الشرط، حيث انه (قده) سلم ظهوره في العلية وانما انكر دلالته على المفهوم بالوضع من جهة عدم دلالة القيد على كونه علة منحصرة. فالصحيح في الجواب عن هذا الوجه منع ظهوره في العلية، بل لا يعقل ذلك

[ 276 ]

في الاحكام الشرعية لعدم كون القيود الخارجية والموضوعات علة للحكم، بل علته ارادة الجاعل كما مر. اضف إليه ان مجرد الاشعار لا يكفى لاثبات المفهوم جزما حيث انه لا يكون من الدلالات العرفية. الخامس: ما ذكره المحقق صاحب الحاشية، من ان المشتهر في الالسنة ان الاصل في القيد ان يكون احترازيا ولا يكون احترازيا الا بان يدل على المفهوم ولا يلائم مع عدم المفهوم للوصف، فان معنى الاحترازية عدم ثبوت الحكم للفاقد. وفيه: ان المراد به خروج الفاقد للقيد عن حيز الحكم الشخصي في القضية، أي الحكم المجعول للمقيد لا خروجه عن حيز سنخ الحكم الذى هو المفهوم. السادس: انه لولا ذلك لما صح حمل المطلق على المقيد في المثبتين نظير اعتق رقبة واعتق رقبة مؤمنة. مع ان بنائهم على الحمل. وفيه: ان الحمل في المثبتين يتوقف على احراز وحدة الحكم في القضيتين وكونه حكما مجعولا بنحو العام البدلى، فانه على ذلك يحمل المطلق على المقيد من جهة ظهور القيد في كونه دخيلا في شخص الحكم المجعول، من دون توقف على دخالته في سنخ ذلك الحكم، وهذا لا ربط له بالمفهوم. فالمتحصل انه لا دليل على ثبوت المفهوم للوصف. بل يمكن ان يستدل لعدم ثبوت المفهوم له بما ذكره جماعة منهم المحقق النائيني (ره) وتوضيح ذلك انما يتم ببيان امرين: احدهما: ان القيد ربما يعتبر قيدا للموضوع أو المتعلق الذى يعبر عنه بالمفهوم الافرادى فيكون المقيد بما هو مقيد موضوعا للحكم أو متعلقا له كما في الوصف، وربما يرجع الى الحكم كما في الشرط، - وبعبارة اخرى - كما انه عرفت ظهور القضية الشرطية في كون القيد قيدا للهيئة، كذلك ظاهرا لتوصيف كون الوصف قيدا للمفهوم الافرادى قبل ورود الحكم عليه. ثانيهما: ان ملاك الدلالة على المفهوم كما عرفت في مفهوم الشرط رجوع القيد الى الحكم ليترتب عليه ارتفاع الحكم عند ارتفاع الشرط، واما القيد الراجع الى الموضوع

[ 277 ]

فغاية ما يقتضيه ثبوت الحكم للمقيد، وانتفاء شخص الحكم المذكور في القضية عند انتفاء القيد، ولا يدل على عدم ثبوت حكم آخر للفاقد، لان ثبوت شئ لشئ لا يستلزم النفى عما عداه، وعليه فالوصف بما انه ليس قيدا للحكم بل هو قيد للموضوع أو المتعلق فلا تدل القضية الوصفية على المفهوم. وقد اورد على ذلك بانه وان كان متينا الا انه ليس للمحقق النائيني الالتزام بذلك لانه يرى رجوع القضايا الحقيقية الى القضايا الشرطية مقدمها ثبوت الموضوع وتاليها ثبوت الحكم، ورجوع القضايا الشرطية الى القضايا الحقيقية وان المعنى المستفاد منهما شئ واحد وانما الاختلاف في كيفية التعبير. وفيه: ان القضايا الحقيقية لا تدل على المفهوم مع رجوعها الى القضايا الشرطية، من جهة ما ذكره (ره) في اول مبحث المفاهيم، من ان القضية الشرطية التى سيقت لبيان تحقق الموضوع لا تدل على المفهوم، واما رجوع القضية الشرطية الى القضية الحقيقية، فليس المراد به عدم كون القيد من قيود الحكم، بل المراد به عدم فعلية الحكم قبل فعليته، وتلازم فعليته لفعلية كل فرد من افراده. ثم انه قد استدل لعدم الدلالة على المفهوم - باية - ربائبكم اللاتى في حجوركم (1). واجاب عنه في الكفاية، بانه يعتبر في دلالته عليه عند القائل بالدلالة، ان لا يكون واردا مورد الغالب، كما في الاية لعدم دلالته على الاختصاص معه وبدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم. وفيه: ان مدرك الدلالة على المفهوم، ان كان لزوم اللغوية كان لهذا الكلام وجه، واما لو كان غيره من الوجوه المتقدمة فلا يتم إذ تلك الوجوه تجرى حتى في القيود الواردة مورد الغالب، الا بناءا على انصراف المطلق الى الغالب فانه عليه يكون التقييد به كالتقييد بالمساوى، ولكن المبنى فاسد كما سيأتي في محله، مع ان البناء على الانصراف مستلزم للبناء على التقييد بالقيود الواردة مورد الغالب وبناء المشهور على خلافه مع، انه


1 - النساء / 32 (*)

[ 278 ]

يمكن منع تماميته حتى على الوجه الاول، إذ بعد عدم دخل القيد في الحكم يكون ذكره لغوا. مفهوم الغاية المبحث الثالث: في ان الغاية في القضية، هل تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية، بناءا على دخول الغاية في المغيا، أو عنها وبعدها بناءا على خروجها، ام لا تدل عليه، وجهان، وتنقيح القول بالبحث في مقامين: الاول: في المنطوق وان الغاية داخلة في المغيا، ام خارجة عنه. الثاني: في المفهوم، وانها تدل عليه ام لا ؟ اما الاول: فقد اختلف الاصحاب في دخول الغاية في حكم المغيا وعدم دخولها فيه الى اقوال: احدها: عدم الدخول مطلقا ذهب إليه نجم الائمة والمحقق الخراساني (ره) ثانيها: الدخول كذلك. ثالثها: التفصيل بين ما إذا كانت الغاية من جنس المغيا وعدم كونها من جنسه فعلى الاول الغاية داخلة فيه دون الثاني. رابعها: التفصيل بين كون الغاية مدخولة لكلمة حتى، وكونها مدخولة لكلمة الى، فعلى الاول هي داخلة في المغيا دون الثاني. اختاره الزمخشري وادعى بعض النحاة الاجماع على الدخول في حتى - ومال إليه المحقق النائيني (ره) - خامسها: التفصيل بين كون الغاية قيدا للفعل مثل سر من البصرة الى الكوفة، وبين كونها قيدا للحكم مثل صم الى الليل، فعلى الاول داخلة في المغيا و على الثاني خارجة عنه، وفى المقام اقوال اخر لا يعبأ بها. وقد استدل المحقق الخراساني للاول. بانها من حدوده فلا تكون محكومة بحكمه. وقد استدل بعض المحققين للثاني، بان غاية الشئ هو الجزء الذى ينتهى إليه الشئ فلا محالة تكون داخلة فيه. اقول: ما ذكراه بحسب الكبرى الكلية متين، فان الحد الاصطلاحي خارج عن المحدود، لكونه مما ينتهى عنده الشئ كما ان ما به ينتهى الشئ أي الجزء الاخير داخل بلا كلام، وانما الكلام في المقام في ان مدخول اداة الغاية هل هو من قبيل الاول

[ 279 ]

أو الثاني، وما ذكراه اجنبي عما هو محل الكلام. وقد استدل للقول الرابع: بان كلمة حتى تستعمل غالبا في ادخال الفرد الخفى في موضوع الحكم، فتكون الغاية حينئذ داخلة في المغيا لا محالة. وفيه: ان كلمة حتى تستعمل في موردين: احدهما: العطف. ثانيهما: الخفض، لافادة كون مدخولها غاية لما قبلها، وما تستعمل لادراج الفرد الخفى انما هي حتى العاطفة، فتدبر. واستدل المحقق اليزدى للقول الخامس: بانه إذا كانت الغاية غاية للحكم فحيث انها موجبة لرفع الحكم فلا يمكن بعثه الى الفعل المتخصص بها، فلا محالة تكون خارجة وان كانت غاية للفعل، فهى تكون داخلة كما يظهر لمن راجع موارد الاستعمال. وفيه: انه إذا كانت الغاية غاية للحكم يكون النزاع المعقول ما صرح به المحقق الخراساني (ره) في هامش الكفاية، قال نعم يعقل ان ينازع في ان الظاهر، هل هو انقطاع الحكم المغيا بحصول غايته أو استمراره في تلك الحال، وعليه فلا وجه لهذا التفصيل. والظاهر ان الصحيح هو ان الغاية بطبعها الاصلى من دون مراعاة القرائن والشواهد الحالية أو المقالية لا دلالة لها على الدخول ولا الخروج وانما تختلف دخولا وخروجا باختلاف المقامات ولا ضابطة لها. وما افاده الاستاذ من ان الظاهر ان المتفاهم العرفي من القضية المغياة بغاية هو عدم دخول الغاية في المغيا ان اراد منه عدم الدلالة على الدخول، فكلام متين، وان اراد منه الدلالة على العدم، فلا يتم. واما المقام الثاني: فالغاية قد تكون قيدا وغاية للموضوع كما في مثل قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق، وقد تكون غاية للمتعلق كقوله تعالى اتموا الصيام الى الليل، وقد تكون غاية للحكم كقوله كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام. اما إذا كانت غاية للموضوع أو المتعلق فدلالتها على المفهوم يبتنى على القول بدلالة الوصف على المفهوم، وقد مر ان المراد من الوصف ليس هو الوصف المصطلح، و

[ 280 ]

عرفت ان الفرق بين القضية الشرطية، والقضية الوصفية حيث ان الاولى تدل على المفهوم دون الثانية، انما يرتكز على ان القيد في الاولى للحكم، وفى الثانية للموضوع أو المتعلق. واما إذا كانت غاية للحكم فقد افاد المحقق الخراساني، في وجه دلالتها على المفهوم بقوله لانسباق ذلك منها كما لا يخفى وكونه قضية تقييده بها والا لما كانت ما جعل غاية له بغاية انتهى. ويرد عليه انه (قده) صرح في مفهوم الشرط بانه لا دلالة للقضية الشرطية على المفهوم، مع تصريحه برجوع القيد فيها الى الحكم، وافاد انه لا يستفاد المفهوم ما لم يدل الكلام على كون القيد علة منحصرة، وحيث انه لا يدل على ذلك فلا تدل على المفهوم، وبعين هذا البرهان يقال في المقام ان الدلالة على المفهوم تتوقف على ثبوت كون الغاية للحكم مطلقا بحيث تكون غاية لتاثير كل ما يفرض كونه علة له، واما إذا لم يدل الا على كونها غاية للحكم المعلول لعلة خاصة، اما لتمامية ذلك المقتضى أو لوجود المانع عن تأثيره، ولم يكن ناظرا الى الحكم المعلول لعلة اخرى ولا لعلته، فلا يدل على المفهوم. ولكن ما افاده (قده) في المقام في نفسه تام إذ لو جعل الغاية غاية للحكم، لدلت على المفهوم وانه حيث يكون ظاهرها كون الغاية غاية لطبيعي الحكم في المنطوق، فتدل على انتفائه بعد الغاية. ثم ليعلم ان المراد من كون الغاية غاية للحكم كونها غاية لثبوت الحكم لا لنفسه، والا لما دل على المفهوم فان الكلام حينئذ يدل على جعل الحكم المقيد، وهو لا يستلزم عدم جعل غيره، وانما التزمنا في الشرط بدلالته على المفهوم، من جهة ظهور الكلام في حصر ثبوت الحكم بثبوت القيد، وهذا بخلاف ما إذا كانت غاية لثبوت الحكم فان الكلام حينئذ، يدل على ان الحكم المطلق ثبوته لهذا الموضوع مغيا بهذه الغاية، فتكون القضية حينئذ كالقضية المتضمنة للشرط، وعليه فادعاء الاستاذ ان دلالة الغاية على المفهوم اقوى من دلالة الشرط، في محله: لان ظهورها في كونها قيدا لثبوت الحكم لا لنفسه اقوى من ظهور الشرط فتدبر فانه دقيق.

[ 281 ]

هذا كله في مقام الثبوت - واما في مقام الاثبات وتمييز موارد كون الغاية غاية للحكم - أو للموضوع أو المتعلق، مع صلاحيتها كونها غاية لكل منها. مثلا إذا قال صم الى الليل يصلح الى الليل كونه غاية للصوم، فيكون الواجب مقيدا، ويصلح ان يكون غاية للحكم فيدل على المفهوم، فالمحقق الخراساني لم يذكر شيئا. واما المحقق النائيني فافاد انها بحسب الوضع لا تكون ظاهرة في شئ، ولكنها بحسب التركيب الكلامي لا بد وان تتعلق بشئ والمتعلق لها هو الفعل المذكور في الكلام لا محالة فتكون حينئذ ظاهرة في كونها من قيود الجملة لا من قيود المفهوم الافرادى فتلحق بادوات الشرط فتكون ظاهرة في المفهوم. وافاد المحقق الخوئى في ضابط ذلك - انه ان كان الحكم المذكور في القضية مستفادا من الهيئة كان الكلام في نفسه ظاهرا في رجوع القيد الى متعلق الحكم: إذ الظاهر هو رجوع القيد في الكلام الى المعنى الحدثى فرجوعه الى الموضوع خلاف الظاهر، كما ان رجوعه الى الهيئة خلاف المتفاهم العرفي، وان كان الحكم المذكور مستفادا من مادة الكلام فان لم يذكر متعلق الحكم في الكلام كما في قولنا يحرم الخمر الى ان يضطر إليه المكلف، فالكلام ظاهر في رجوع القيد الى نفس الحكم، وان كان المتعلق مذكورا فيه، فلا يكون للكلام ظهور في رجوعه الى الحكم، أو المتعلق. اقول: لم يظهر لى وجه ادعائه ظهور الكلام في رجوع القيد الى المتعلق دون الحكم إذا كان الحكم المذكور في القضية مستفادا من الهيئة بعد كون بنائه على امكان رجوع القيد إليها وعدم محذور في ذلك. ثم أي فرق بين كون الحكم مستفادا من الهيئة أو من المادة حيث ادعى في الفرض الثاني اجمال الحكم وعدم ظهوره في رجوعه الى الحكم أو المتعلق. فالاولى في مقام الضابط، ان يقال ان الاصل في القيود التى تذكر بعد الجملة رجوعها الى النسبة أي ما سيق الكلام لبيانه وهو النسبة، وما يذكر قبل اسناد الحكم الى متعلقه فهو يرجع الى المتعلق أو الموضوع، والظاهر ان هذا واضح لا يحتاج الى بيان ازيد من التنبيه إليه، والظاهر ان مراد المحقق النائيني ذلك.

[ 282 ]

فالمتحصل مما ذكرناه ان الغاية ان ذكرت بعد اسناد الحكم الى المتعلق دل الكلام على المفهوم، والا فلا. المبحث الرابع في مفهوم الحصر المشهور بين الاصحاب انه يدل على الحصر كلمات، منها كلمة، الا الاستثنائية، و قالوا انها تدل على اختصاص الحكم سلبا وايجابا بالمستثنى منه. وتنقيح القول في المقام، ان هذه الكلمة تستعمل على نحوين، وفى موردين: احدهما: تستعمل وصفية، وهى التى تذكر قيدا للمفهوم الافرادى من الموضوع، أو المتعلق، قبل ورود الحكم عليه، وانتسابه إليه كما في الاية الكريمة - لو كان فيهما الا الله لفسدتا - ونحوها قولنا: القوم الا زيدا جائوا. وهى حينئذ خارجة عن محل الكلام و يكون سبيلها حينئذ سبيل ساير الاوصاف، وقد مر ان المراد بها كل ما يوجب تقييد المفهوم الافرادى لا خصوص الوصف المصطلح وقد مر عدم دلالتها على المفهوم، فالا الوصفية لا تدل على المفهوم. مما يدل على الحصر كلمة (الا) ثانيهما: ما يستعمل استثنائية، وهى التى تذكر قيدا للجملة، وتستعمل بعد تماميتها أي ثبوت الحكم للموضوع كقولنا: جاء القوم الا زيدا. وهى حينئذ تدل على المفهوم و على نفى الحكم الثابت للمستثنى منه عن المستثنى فتفيد كلمة (الا) ثبوت نقيض الحكم المذكور في القضية للمستثنى. وما في الكفاية وذلك للانسباق عند الاطلاق قطعا، مراده ما ذكرناه ومحل كلامه الا الاستثنائية، فلا يرد عليه انه لم لا يذكر القسمين في كلمة الا نحو ما ذكره في الغاية. واما ما في بعض الكلمات من تصور ان يكون الاستثناء عن الحكم مع قطع النظر

[ 283 ]

عن المتعلق أو الموضوع أو ثبوت الحكم له، فلا معنى له سوى في مثل لا وجوب لاكرام زيد الا وجوبا ضعيفا أو وجوبا لا عقاب على مخالفته وامثال ذلك. وعلى الجملة ان الاستثناء أي كلمة (الا) ان كان من المفهوم الافرادى تكون القضية وصفية وغير دالة على المفهوم، وان كان من الجملة التركيبة تدل على المفهوم، فالنزاع في الحقيقة راجع في قوله: جاء القوم الا زيدا. الى ان قوله الا زيدا من قيود القوم، ويكون المعنى ان القوم الذين هم غير زيد جائوا فلا تدل القضية على المفهوم لان اثبات حكم لموضوع خاص لا يدل على انتفاء سنخه عن غير هذا الموضوع، أو يكون من الحكم فتكون الا استثنائية، و يكون للقضية المفهوم لان اثبات حكم للقوم واخراج زيد عن هذا الحكم مع انه منهم عين المفهوم. هذا بحسب مقام الثبوت، واما في مقام الاثبات فما كان قبل الاسناد يكون استثناءا عن الموضوع أو المتعلق فلا يدل على المفهوم، وان كان بعد الاسناد فهو ظاهر في رجوعه الى الجملة، أي ما سيقت الجملة لبيانه وهو ثبوت الحكم للموضوع، وان شئت قلت انه ظاهر في رجوعه الى الموضوع بما ان الحكم ثابت له وعليه فيدل على المفهوم، وهذا هو الضابط في المقام. واما ما ذكره المحقق النائيني من ان الاصل في كلمة (الا) كونها استثنائية ومن قبيل الثاني، وكونها وصفية ومن قبيل الاول يحتاج الى القرينة. فلم يظهر لى وجه كون ما ذكر اصلا فيها بعد وضعها للاخراج الجامع بين القسمين، وكون الوصفية، والاستثنائية منتزعتين عن كونها اخراجا عن المفهوم الافرادى أو الجملة. مع انه لو سلم تعدد الوضع لم يظهر وجه كون احدهما اصلا. واما ما نقل عن نجم الائمة من ان رفع التناقض المتوهم في باب الاستثناء منحصر بان يخرج المستثنى قبل الاسناد. فكما افاده المحقق النائيني (ره) كلام لا ينبغى صدوره عن جنابه إذ الكلام لا يحمل على شئ الا على ما هو ظاهر فيه بعد تماميته بمتمماته من لواحقه وتوابعه، فلا تناقض ابدا بين المستثنى منه والمستثنى حتى يتوقف رفعه على جعل الاخراج قبل

[ 284 ]

الاسناد. اضف إليه انه لو عول المتكلم على بيان مرامه بقرينة منفصلة لا تكون القرينة مناقضة لذى القرينة كما في قرائن المجازات والتخصيصات والتقييدات مع ذى القرائن والعمومات والمطلقات، وعلى الجملة لا اختصاص لهذا التوهم بباب الاستثناء. وربما يستدل لدلالة الاستثناء على المفهوم بقبول رسول الله صلى الله عليه وآله قبول اسلام من اظهر الاعتراف بكلمة التوحيد، قال في محكى التقريرات وقبول رسول الله (ص) اسلام من قال لا اله الا الله من، اعدل الشواهد على ذلك، أي على كون الاستثناء من النفى مفيدا للاثبات، وقريب منه ما عن الفصول. وافاد المحقق الخراساني في رده انه يمكن دعوى ان دلالتها على التوحيد كان بقرينة الحال أو المقال. وفيه، ان هذه كلمة التوحيد في جميع الازمنة لا في خصوص الصدر الاول كى تصح هذه الدعوى، وان تمت بالاضافة الى ما عن التقريرات، - وبعبارة اخرى - نفس هذه الكلمة مع عدم القرينة تكون كلمة التوحيد. والانصاف ان هذه الكلمة تدل على التوحيد بحسب المتفاهم العرفي. فيما اورد على كلمة التوحيد وجوابه ولكن هاهنا اشكالا معروفا، ولاجله التزم جماعة بان كون هذه الكلمة كلمة التوحيد، انما هو من جهة التعبد. وهو، ان خبر لا بما انه محذوف فلا بد وان يقدر شئ، ولا يخلو ذلك من ان يكون ممكنا، أو موجودا، ولا ثالث، وان كان الاول فلا يدل على وجوده تعالى، وان كان الثاني فلا يدل على نفى امكان اله آخر حيث ان نفى الوجود اعم من نفى الامكان واجابوا عنه باجوبة. منها: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو ان مراد من الاله واجب الوجود، وامكانه مساوق لوجوده ووجوبه، فان المتصف بالامكان الخاص ما لا اقتضاء له في ذاته لا للوجود ولا للعدم، فوجوده يحتاج الى وجود علة له فمفهوم واجب الوجود إذا

[ 285 ]

قيس الى الخارج يدور امره بين الامتناع والوجود، ولا ثالث لهما، وعليه فهذه الكلمة تدل على التوحيد سواء أكان الخبر المقدر ممكنا أو موجودا. والظاهر ان نظره (قدس سره) الى البرهان المعروف عند العرفاء ببرهان الصديقين، وهو ان الممكن بالامكان العام إذا لم يوجد في الخارج، فلا بد وان يستند عدم وجوده الى عدم المقتضى، أو عدم الشرط، أو وجود المانع، وحيث ان كل ذلك لا يعقل في مفهوم واجب الوجود لعدم استناد وجوده الى وجود المقتضى والا انقلب الواجب ممكنا، فنفس تصوره يكفى للتصديق بوجوده. وفيه: ان الاله ليس بمعنى واجب الوجود، بل هو بمعنى المعبود: لانه من اله أي عبد، اضف إليه ان هذا مطلب فلسفي دقيق لا يعرفه العوام، وهذه كلمة التوحيد للجميع. ومنها: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان كلمة لا الواقعة في كلمة التوحيد، مستغنية عن الخبر، فهى تدل على عدم تقرر مدخولها مطلقا ولو في مرحلة الامكان، فتدل الكلمة المباركة على نفى الوجود والامكان عن غير الله تعالى واثبات كليهما له. وفيه: ان كلمة لا وان كانت تستعمل بلا خبر، الا انها حينئذ تكون تامة لا ناقصة فلا تدل حينئذ على نفى الامكان عن غيره، نعم يثبت به نفى وجود غيره تعالى. ومنها: ما ذكره المحقق اليزدى (ره) قال ويمكن ان يجاب بان المراد من الاله المنفى هو خالق تمام الموجودات وبعد نفى هذا المعنى مطلقا واثباته في ذاته المقدسة يلزم ان يكون كل موجود سواه جل جلاله مخلوقاله، ولا يمكن مع كونه مخلوقا ان يكون خالقا فحصر وجود الاله في الباري جل وعلا يدل بالالتزام البين على عدم امكان غيره تعالى. وفيه: مضافا الى ان الاله ليس بمعنى الخالق: ان الجملة مركبة من عقدين، سلبى، وايجابى، والاول ينفى خالقية غيره تعالى، والثانى يثبت الخالقية له، واما اثبات مخلوقية ما عداه فهو خارج عن العبارة، فلا يصح جعله اساسا لهذا الجواب. والصحيح في الجواب ان يقال ان الاله كما مر هو المعبود، فالمراد بهذه الكلمة نفى المستحق للعبادة غيره تعالى، واثبات استحقاقه جل جلاله لها: وذلك يلازم مبدئيته

[ 286 ]

تعالى لجميع الموجودات، فان ذلك يوجب كونه مستحقا لها، لاستحقاق العلة لان يخضع لديه المعلول وعدم مبدأية غيره. اضف إليه انه لو كان الاله بمعنى واجب الوجود، امكن اثبات التوحيد بهذه الكلمة بوجه آخر، وهو كفاية التوحيد الوجودى، والاقرار بوجود مبدأ واحد في الاسلام، و لا يتوقف على نفى الامكان عن غيره، ولذا لو غفل عن ذلك حين التكلم بها يحكم باسلامه بلا كلام. وقد يقال ان هذه الكلمة وردت في قبال المشركين، ولذا يسمونه كلمة التوحيد واثبات وجود الصانع مفروغ عنه، وعليه فحيث ان الاله بمعنى المعبود، فمفاد الكلمة نفى المستحق للعبادة غيره تعالى، ومعلوم ان نفى الموجود الكذائي سوى الله تعالى يدل على التوحيد في المعبود وهو يكفى في الاسلام. ثم ان الظاهر بحسب المتفاهم العرفي من كلمة التوحيد بمقايسة نظائرها كون المقدر فيها موجود لا ممكن. ثم ان المحكى عن ابى حنيفة انه استدل لعدم دلالة الاستثناء على المفهوم، بقوله (ص) لا صلاة الا بطهور، إذ لو كان الاستثناء من النفى اثباتا للزم كفاية الطهور في صدق الصلاة. واجاب عنه المحقق الخراساني باجوبة: 1. ما افاده في الهامش، وهو ان كلمة الا في مثل هذا التركيب، تدل على نفى الامكان يعنى ان الصلاة لا تكون ممكنة بدون الطهور ومعه تكون ممكنة لا ثابتة فعلا. وفيه: ان موارد استمال هذه الكلمة تشهد بانها تستعمل للنفي الفعلى، أو الاثبات كذلك. مع، انه ان لوحظ العمل المشتمل على جميع ما يعتبر في الصلاة فهى الصلاة فهى صلاة فعلا، وان لوحظ نفس الطهارة أو كل عمل مقترن بها، فهى ليست بصلاة امكانا. 2 - ان الاستعمال مع القرينة كما في مثل التركيب مما علم فيه الحال لا دلالة له على مدعاه اصلا.

[ 287 ]

وفيه: انه لا قرينة هنا حيث لانه لا فرق بين هذا التركيب واستعماله في غيره من الموارد. 3 - ما توضيحه ان المتفاهم العرفي من مثل هذا التركيب، نظير، لاعلم الا بالعمل. ان الصلاة لا تتحقق بدون الطهارة، وإذا تحققت، لا بد وان تكون مع الطهارة - وبعبارة اخرى - ان الصلاة الواجدة لجميع ما يعتبر فيها لا تكون صلاة الا إذا اقترنت بالطهارة، كما ان العلم ليس علما حقيقة الا مع الاقتران بالعمل، ولا يدل على ان العمل وحده غير مقرون به علم، وعلى ذلك فلا مانع من الاخذ بمفهومه وهى صلاتية الواجدة لجميع ما يعتبر في الصلاة إذا اقترنت بالطهارة لا صلاتية الطهارة ولا صلاتية كل مقترن بالطهارة. ثم انه وقع الخلاف في ان دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى هل هي داخلة في المنطوق أو المفهوم ؟ فقد افاده المحقق الخراساني (ره) انه ان كانت الدلالة عليه في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة كانت بالمنطوق كما هو ليس ببعيد، وان كان لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التى دلت عليها الجملة الاستثنائية كانت بالمفهوم. وفيه: انه وان كانت الدلالة عليه بنفس الاستثناء لما كان بالمنطوق، فان اداة الاستثناء تدل على الاخراج، وليس ذلك عين ثبوت نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه للمستثنى، بل هو لازمه، نظير، ان عدم وجوب اكرام زيد على فرض عدم مجيئ عمرو المستفاد من قولنا: اكرم زيدا ان جاء عمرو. انما يكون لازم العلية المنحصرة والقيد المنحصر على اختلاف المسلكين. فالمتحصل ان كلمة الا، المستعملة للاخراج عن الحكم تدل على المفهوم، وما تستعمل بمعنى الصفة وللاخراج من الموضوع أو المتعلق لا تدل عليه. وبما ذكرناه ظهران ما افاده في المسالك في توجيه فتوى صاحب الشرايع، بانه لو قال ليس لزيد عل عشرة الا درهما لا يلزم بشئ. بما حاصله، ان الاستثناء إذا كان من نفس الموضوع قبل الحكم المذكور في الكلام، لم يكن في الكلام دلالة الا على نفى العشرة المخرج عنها الواحد فكأنه قال ليس لزيد على تسعة. وإذا كان استثناءا بعد الحكم

[ 288 ]

المذكور، ثبت الدرهم الواحد في ذمة المقر، وحيث انه لا قرينة على كون الاستثناء بعده أو قبله فلا يكون الكلام المذكور اقرارا بشئ، متين ولا يرد عليه شئ. مما يدل على الحصر كلمة (انما) ومما يدل على الحصر والاختصاص كلمة (انما) على المشهور. وقد نص اهل الادب على ذلك أي على انها من اداة الحصر، وتبادره منها قطعا عند اهل العرف و المحاورة، وان لم يكن لهذه الكلمة مرادف في لغة الفرس ولذلك استشكل في محكى التقريرات في ذلك، ولكنه لا يمنع عن الانسباق بملاحظة تتبع موارد استعمال هذه الكلمة، ويمكن ان يقال انها مركبة من كلمة (ان) التى هي للتحقيق واثبات الشئ، و كلمة (ما) التى هي للنفي، والنفى يرد على تالى انما والاثبات على الجزء الاخر وعليه فقوله انما الاعمال بالنيات، بمنزلة لا عمل الابنية. فان قيل انها كما تستعمل في قصر الصفة على الموصوف كقولنا انما الفقيه زيد، كذلك تستعمل في قصر الموصوف على الصفة كقولنا انما زيد عالم أو مصلح، وبديهى انها في المورد الثاني، لا تدل على الحصر حيث ان لزيد صفات اخر غيره، فيستكشف من ذلك ان انسباق الحصر منها في ما هو من قبيل الاول انما يكون بواسطة القرائن المقامية كتقديم ما حقه التاخير ونحو ذلك، فيتم ما افاده الشيخ (ره) من انه ليس لهذه الكلمة في عرفنا اليوم مرادف حتى يعلم ان انسباق الحصر منها انما يكون من حاق اللفظ فتكون دالة على الحصر. اجبنا عنه بانه في المورد الاول أي قصر الصفة انما يكون المتكلم في مقام التجوز والمبالغة، وكانه فرض ان لا صفة له غيره، فيجعله مقصورا عليه ادعاءا، كما في زيد عدل، ونفس ذلك دليل على افادة الحصر، والا لم يكن ذلك مبالغة ثم ان الفخر الرازي في تفسيره في الاية الكريمة انما وليكم الله ورسوله والذين

[ 289 ]

امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون) (1) نقل استدلال الشيعة بهذه الاية على خلافة على بن ابى طالب صلوات الله عليه، واجاب عنه بان هذا الاستدلال يبتنى على كون كلمة (انما) مفيدة للحصر، ولا نسلم ذلك: والدليل عليه قوله تعالى انما مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء، ولا شك في ان الحياة الدنيا لها امثال اخرى ولا تنحصر بهذا المثال، وقوله تعالى، انما الحياة الدنيا لعب ولهو، ولا شك في ان اللعب واللهو قد يحصلان في غيرها. ويرد عليه اولا النقص بقوله تعالى: وما الحياة الدنيا الا لهو ولعب، وقوله عز وجل وما هذه الحياة الدنيا الا لهو ولعب، مع انه لا شبهة لاحد حتى الفخر في انها تفيد الحصر فما يجيب به عن هاتين الايتين، اجبنا به عن تلك الاية. وثانيا بالحل، وهو ان الدنيا في الايتين صفة للحياة لا انها مضاف إليها، فتدل الايتين على انحصار الحياة الدانية التى هي في مقابل الحياة الراقية العالية التى تستعمل في موردين، أي في مقابل الحياة الاخروية، وفى مقابل الحياة الدنيوية الراقية كحياة الانبياء والاولياء ومن يتلو تلوهما، حيث ان حياتهم عبادة وطاعة لله تعالى في أي شكل ونوع كانت، باللعب واللهو، يعنى ان الحياة الدنية في هذه الدنيا هي اللعب واللهو. ثم انه افاد المحقق النائيني (ره) ان دلالتها على ثبوت شئ لشئ ونفيه عن غيره، انما يكون بنفس اللفظ فهى خارجة عن محل الكلام، وداخلة في الدلالات المنطوقية. ويرد عليه ان كلمة انما لا تدل بالمنطوق على النفى، بل تدل على حصر المحمول بالموضوع، ولازم ذلك هو القضية الاخرى مناقضة لما تدل عليه، وهذا هو المفهوم. وقد يعد من ما دل على الحصر كلمة. بل الاضرابية قال المحقق الخراساني (ره)، و التحقيق ان الاضراب على انحاء منها ما كان لاجل ان المضرب عنه انما اتى به غفلة أو سبقه به لسانه، فيضرب بها عنه الى ما قصد بيانه، فلا دلالة له على الحصر اصلا، فكأنه اتى بالمضرب إليه ابتداءا كما لا يخفى، ومنها ما كان لاجل التأكيد، فيكون ذكر لمضرب عنه


1 - المائدة / 55

[ 290 ]

كالتوطئة والتمهيد لذكر المضرب إليه فلا دلالة له عليه ايضا، ومنها ما كان في مقام الردع وابطال ما اثبت اولا فيدل عليه وهو واضح، والظاهر ان مراده من التأكيد الترقي أي ما يستعمل لاجل الاهتمام في افهام المقصود بذكر غير المقصود، فلا يرد عليه ان ما كان لاجل التأكيد ليس من اقسام بل الاضرابية بل هو قسيمها. ثم ان المحقق الخراساني في الكفاية ذهب الى دلالة القسم الثالث منها وهو ما كان في مقام الردع وابطال ما اثبت اولا على المفهوم، وفى الهامش، قال ان هذا يتم إذا كان بصدد الردع عنه ثبوتا، واما إذا كان بصدده اثباتا كما إذا كان مثلا بصدد بيان انه انما اثبته اولا بوجه لا يصح معه الاثبات اشتباها فلا دلالة له على الحصر. وفيه: انه وان كان بصدد الردع عنه ثبوتا لما دل على المفهوم والحصر: فان غاية ما يدل عليه حينئذ هو الحصر بالاضافة الى خصوص ما ذكر اولا أي يدل على عدم ثبوت الحكم له، واما الحصر بالاضافة الى غيره فلا يدل على، فالانصاف ان الاضراب باقسامه لا يدل على المفهوم. تعريف المسند إليه باللام ومما قيل بانه يفيد الحصر تعريف المسند إليه بالكلام ومرادهم به خصوص المبتداء كما صرح به جماعة، فتعريف الفاعل باللام كما في جاء الضارب خارج عن محل الكلام. وكيف كان فملخص القول في المقام انه قد استدل لدلالته على الحصر بوجوه: الاول: ان اللام للاستغراق فيكون مفاد قولنا القائم زيد، ان جميع افراد القائم هو زيد فيدل على الحصر. وفيه: ان الظاهر ولا اقل من المحتمل كونها للجنس. الثاني: ان مدخولها ماخوذ بنحو الطبيعة المطلقة السارية في جميع الافراد، والفرق بينه وبين الاول اخذ الخصوصيات الفردية المقومة في الاول، دون الثاني. وفيه،

[ 291 ]

انه لا معين لذلك. الثالث: ان الحمل اولى ذاتي فيدل على عدم ثبوت المسند إليه في غير مورد المسند. وفيه: ان الظاهر من مثل هذه التراكيب كون الحمل شايعا صناعيا. الرابع: ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) هو ان المعروف عند اهله اعتبار كون الموضوع هو الذات، لا المفهوم وان كان الموضوع من الاوصاف العنوانية فالقائم وان كان مفهوما كليا، الا ان جعله موضوعا في القضية يستدعى جعله بما هو ذات أي اعتبار كونه كذلك ومعه لا يعقل ان يعرضه خصوصيات متباينة كخصوصية الزيدية والعمروية والبكرية إذ الواحد لا يكون الا معروضا لخصوصية واحدة، فاعتبار الكلى ذاتا وجعل المحمول ما لا يقبل السعة يقتضى الحصر. وفيه: مضافا الى ما يعترف به هو (قده) من عدم كون ذلك لاجل ادخال اللام عليه، انا لا نسلم لزوم جعل الموضوع هو الذات، بل في موارد الحمل الاولى الموضوع هو المفهوم الكلى لا الذات، والا انقلب الحمل الى الشايع الصناعي، وفى موارد الحمل الشايع وان كان الشايع جعل الموضوع هو الذات، الا انه لم يقم دليل على ذلك بنحو يجعل مدركا للحكم فتدبر، فالاظهر عدم دلالته على الحصر، فغاية ما يستفاد من قولنا القائم زيد اتحاد القائم مع زيد وجودا، وهذا لا يلازم عدم اتحاد مع عمرو وجودا. المبحث الخامس في مفهوم العدد قال في الكفاية لا دلالة، لللقب، ولا للعدد على المفهوم، وانتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما اصلا، وقد عرفت ان انتفاء شخصه ليس بمفهوم، كما ان قضية التقييد بالعدد منطوقا عدم جواز الاقتصار على ما دونه لانه ليس بذاك الخاص والمقيد، و اما الزيادة فكالنقيصة إذا كان التقييد به للتحديد بالاضافة الى كلا طرفيه... وكيف كان

[ 292 ]

فليس عدم الاجتزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم انتهى. المراد باللقب مطلق ما يعبر به عن الشئ، وعليه فعدم دلالته على المفهوم واضح إذ اثبات شئ لشئ لا يلازم نفيه عما عداه. واما العدد فالكلام فيه يقع من جهتين: الاولى في منطوقه، الثانية في مفهومه. اما الجهة الاولى: فلا ريب في ظهور القضية التى تضمنت جعل الحكم للعدد مثل، اكرم عشر رجال، في عدم تعلق شخص الحكم المذكور في القضية باقل من العدد و حينئذ ان كان الحكم بنحو العام الاستغراقي، لواتى باقل منهما بان اكرم خمسا فقد امتثل بالاضافة الى اكرامهم، وعصى من حيث ترك اكرام غيرهم، ولو كان مجموعيا لما تحقق الامتثال الا بعد اكرام العشرة فلو لم يكرم واحدا منهم لما امتثل. واما في طرف الزيادة ففيه نزاعان: الاول، في شمول الحكم للاكثر بحده الاكثرى بحيث إذا اكرم اثنى عشر رجلا، فقد انطبق عليه المأمور به بماله من الحد. الثاني، في انه على فرض عدم الانطباق هل تكون الزيادة مفسدة للماتى به ام لا ؟ اما الاول: فالكلام فيه هو الكلام في طرف الاقل، بمعنى انه لا ينطبق عليه بحده عنوان المأمور به. واما الثاني: فان كان المتكلم في مقام البيان حتى من هذه الجهة أي في مقام بيان جميع ما يعتبر في المأمور به ولم يقيده بعدم الاكثر مقتضى الاطلاق عدم المفسدية، والا فحيث ان مآل الشك حينئذ الى ان المطلوب هو العدد لا بشرط، أو بشرط عدم الزيادة، فيكون المورد داخلا في الاقل والاكثر الارتباطيين، والمختار فيه جريان البرائة. واما الجهة الثانية: فالقول بدلالته على المفهوم يبتنى على القول بدلالة الوصف، عليه: لما عرفت من ان المراد بالوصف، اعم من الوصف المصطلح، والعدد من الوصف بهذا المعنى فتدبر.

[ 293 ]

المقصد الرابع العام والخاص

[ 294 ]

[... ]

[ 295 ]

المقصد الرابع في العام والخاص وفيه مباحث، وقبل الخوض في المباحث لا بد من ذكر امور لا يستغنى عنها الاول: انه عرف العام بتعاريف، قال في الفصول ان للقوم في العام حدودا كثيرة لا يسلم كلها أو جلها عن المناقشة أو الخلل المحوج الى ارتكاب التعسف أو التمحل الى اخر ما افاد. والمحقق الخراساني (ره) في الكفاية بعد ما اشار الى ذلك افاد ما محصله ان تلك التعاريف لفظية تقع في جواب السؤال عنه ب‍ [ ما ] الشارحة لا واقعة في جواب السؤال عنه ب‍ (ما) الحقيقية، واستدل لما ادعاه: بان المعنى المركوز منه في الاذهان اوضح مما عرف به مفهوما ومصداقا، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه المقياس في الاشكال عليها مع انه يعتبر في التعريف ان يكون هو اجلى واظهر من المعرف، ثم انه (قده) اعتذر عن القوم بان الغرض من التعريف ليس هو بيان حقيقة العام بما له من المفهوم العام لعدم كونه محلا لحكم من الاحكام كى يجب تعيين مفهومه، بل هو لبيان مصاديق العام وافراده التى محل للاحكام، فالغرض بيان ما يكون بمفهومه جامعا بين ما لا شبهة في انها افراد العام ليشاربه الى ما هو محل للاحكام. ويرد على ما افاده امور. الاول: ان شرح اللفظ التعريف اللفظى على قسمين: 1. شرح تام موجب لتمييز المدلول عن جميع ما عداه، 2 - شرح ناقص موجب لتمييزه عن بعض ما عداه، والذى لا يضر عدم اطراده أو انعكاسه انما هو الثاني ومقصود الشارحين للعناوين هو الاول، فالاعتذار عن عدم اطراد تعاريف القوم: تارة، وعدم انعكاسها اخرى: بان تعاريفهم تعاريف لفظية لا يقبل.

[ 296 ]

الثاني: ان ما ذكره (ره) من مرادفة التعريف اللفظى لمطلب ما الشارحة خلاف اصطلاح اهل الميزان، فان ما يستفاد من كلماتهم، ان مطلب ما الشارحة بعينه مطلب ما الحقيقية، وانما الاختلاف بينهما من جهة، ان الاول انما يكون قبل معرفة وجود المسئول عنه، والثانى بعده، واما التعريف اللفظى فهو عبارة عن تفسير اللفظ بما يرادفه من غير ان يعرف بحقيقته ولا بامر خارج عنها لازم لها. الثالث: ان ما ذكره في وجه كون تعاريفهم لفظية وهو ان المعنى المركوز منه في الاذهان اوضح من تلك التعاريف. لا يكون شاهدا له. فان في التعريف اللفظى ايضا يعتبر عدم أو ضحية المعرف عن المعرف والا لغى التعريف. الرابع: ان ما ذكره في وجه أوضحية ذلك المعنى المركوز من جعله مقياسا للاشكال، يرد عليه انه يمكن ان يكون المعنى معلوما اجماليا ويعلم بعض مصاديقه يقينا كما يعلم عدم كون جملة من الامور من مصاديقه ومع ذلك لا يكون معلوما تفصيلا بحيث يحرز حال المصاديق المشتبهة الاندراج، فيعرف بما يميز به ذلك. الخامس: ان ما ذكره من عدم تعلق غرض بشرح حقيقته، يرد عليه انه ان لم يتعلق غرض بذلك لم يكن حاجة الى شرح لفظه ايضا، والاشارة الى المصاديق كما تحصل بذلك تحصل بشرح الماهية. واما ما اورد عليه بانه من جملة المسائل المعنونة، تقدم العام على المطلق وعدمه. وموضوع هذه المسألة العام بعنوانه لا مصاديقه. ففيه ان موضوع الحكم ليس هو العام بما هو، بل ما يكون شموله لمصداقه بالوضع في قبال ما يكون بالاطلاق وهذا لا يتوقف على معرفة حقيقة العام. وحق القول في المقام ان العموم في اللغة معناه الشمول وهو المنساق الى الذهن من حاق لفظه، والمتفاهم العرفي منه، واما بحسب الاصطلاح، فالظاهر انه ليس للقوم اصطلاح خاص فيه، بل هو في اصطلاحهم مستعمل في معناه اللغوى والعرفي، ولذلك نريهم انهم يفسرونه بما دل على شمول الحكم لجميع افراده مدخوله. الثاني: ان الفرق بين العام والمطلق الشمولى كقوله تعالى: (احل الله البيع) ان دلالة

[ 297 ]

العام على العموم والشمول انما هو بالوضع، ودلالة المطلق على ذلك انما هي بمقدمات الحكمة. اقسام العموم الثالث: ان العموم ينقسم الى، استغراقي، ومجموعي، وبدلي، والحكم في الاول في مقام الاثبات واحد، وفى مقام الثبوت متعدد بعدد افراد العام، ولكل فرد حكم مستقل غير مربوط بالحكم الثابت للاخر، وفى الثاني واحد في مقامي الثبوت والاثبات والمتكلم يجعل المجموع من حيث المجموع موضوعا واحدا، وفى الثالث ايضا يكون الحكم واحدا في المقامين، الا ان المتعلق هو صرف وجود الطبيعة لا مجموع الافراد وهذا كلمه مما لا كلام فيه. انما الكلام في منشأ هذا الاختلاف والانقسام وقد افاد المحقق الخراساني والنائيني وجمع آخرون، ان منشأه اختلاف كيفية تعلق الحكم بالعام، والا فالعموم في جميع بمعنى واحد حيث ان الحكم المتعلق به، تارة يكون بنحو يكون كل فرد موضوعا للحكم، واخرى يكون الجميع موضوعا واحدا، وثالثة بنحو يكون كل واحد موضوعا على البدل، وعلى الاول يكون العام استغراقيا، وعلى الثاني يكون مجموعيا، وعلى الثالث يكون بدليا. اقول: اما العام البدلى فهو يغاير مفهوما مع اخويه، فان الاستيعاب فيه استيعاب تبادلي، أي المفهوم لا يصدق على اكثر من فرد واحد، وصدقه على كل فرد، انما يكون بالتبادل ولا يكون عرضيا، وهذا بخلافه في الآخرين. وهذا كاشف عن اختلاف البدلى مع القسمين الاخرين بالمفهوم، ويشهد له: مضافا الى ذلك اختلافه معهما، في الالفاظ الموضوعة له، ولهما، فان لفظ (أي) مثلا موضوع للبدلى، ولفظة (كل) موضوعة لهما. واما القسمان الآخران، فقد افاد المحقق الاصفهانى (ره) ان الفرق بينهما انما يكون قبل تعلق الحكم بتقريب، ان مصاديق العام لها مفاهيم متقومة بالكثرة بالذات فلها

[ 298 ]

وحدة مفهومية وكثرة ذاتية، وهذا المعنى الكذائي محفوظ، وان ورد عليه اعتبارات مختلفة فقد يترتب الحكم عليه بلحاظ تلك الكثرة الذاتية كما في الكل الافرادى، وقد يترتب الحكم عليه بلحاظ تلك الوحدة، كما في الكل المجموعى، فالكثرة وان كانت محفوظة الا انها ملغاة في مرحلة موضوعيته للحكم. وفيه: ان الموضوع في العام المجموعى ليس هي جهة الوحدة الجامعة، فان معنى كون الموضوع هي تلك الجهة عدم دخل الخصوصيات في الحكم مع انه في العام المجموعى يكون الموضوع هي الافراد باجمعها بمالها من الخصوصيات. مضافا الى انه لا معنى لجعل الموضوع هي الطبيعة والجهة الجامعة من حيث هي، فلا محالة يكون بلحاظ وجوداتها ومن البديهى عدم كون الموضوع فردا واحدا بل كونه تمام الوجودات فيسئل عن ان المجموع بمالها من الوجودات المتكثرة، هل هي موضوعة لحكم واحد أو متعدد ؟ ويكون كل فرد موضوعا لحكم واحد، فمجرد الالتزام بكون الموضوع هي جهة الوحدة لا يكفى في كون العام مجموعيا فتدبر فانه دقيق. فالحق ان يقال ان الاختلاف بينهما انما يكون بلحاظ الحكم ولكن قبله، بمعنى انه في مقام جعل الافراد موضوعا، تارة يلاحظ المجموع شيئا واحدا لترتب غرض واحد على المجموع، واخرى تلاحظ الافراد بمالها من الوجودات المتكثرة لترتب اغراض متعددة عليها، فالاول عام مجموعي، والثانى عام استغراقي. الرابع: ان العام البدلى هل هو داخل في اقسام العام، أو هو من اقسام المطلق ؟ فقد اختار المحقق النائيني (ره) الثاني، بدعوى ان البدلية تنافى العموم فان متعلق الحكم في العموم البدلى ليس الا فردا واحدا وهو ليس بعام، وايده بان هذا القسم من العموم يستفاد غالبا من اطلاق المتعلق فيكون بذلك مندرجا في المطلق دون العام. وفيه: ان العام البدلى، عبارة عن ما يكون ترخيص تطبيق المأمور به على افراده مدلولا لفظيا ومستندا الى الوضع، واستفادة هذا المعنى وان كانت غالبا بالاطلاق، الا انه ربما يكون مدلولا للفظ ومستندا الى الوضع، كما في قولنا: اكرم أي رجل شئت. و ما يكون من اقسام العام هو هذا، لا ما استفيد ذلك فيه باجراء المقدمات فانه يكون حينئذ

[ 299 ]

مطلقا بدليا وهذان القسمان ياتيان في العام الشمولى ايضا كما لا يخفى. الخامس: انه على ما ذكرناه لا يبقى مورد للشك في كون العموم بدليا، أو غيره، و لو شك في انه استغراقي أو مجموعي. فقد افاد المحقق النائيني (ره) ان الاصل يقتضى كونه استغراقيا، من جهة ان العموم المجموعى يحتاج الى اعتبار الامور الكثيرة امرا واحدا ليحكم عليها بحكم واحد، وهذه عناية زايدة تحتاج افادتها الى مؤنة اخرى. وفيه: انه في العام الاستغراقي ايضا لا بد وان يلاحظ كل واحد مستقلا فكل منهما يحتاج الى خصوصية زايدة. فالصحيح، في وجه تعين الحمل على الاستغراقي عند الدوران ان يقال، انه في العام المجموعى يكون كل فرد محكوما بحكم ضمنى، الا انه مقيد بالاتيان بساير الافراد، وهذا بخلافه في الاستغراقي، فان كل فرد محكوم بحكم مستقل له امتثال خاص، ويمتثل لواتى به وان لم يات بساير الافراد فالعام المجموعى يحتاج الى تقييد زايد، والاصل اللفظى، والعملي يقتضيان عدمه، والحمل على الاستغراقي. السادس: قال المحقق الخراساني في الكفاية، وقد انقدح ان مثل عشرة، وغيرها لاحادها المندرجة تحتها ليس من العموم، لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها انتهى. واورد عليه بان العام ايضا لا يصلح للانطباق على افراده، مثلا (كل رجل) لا ينطبق على فرد من الرجل. وفيه: ان الفاظ العموم، وضعت لافادة شمول المدخول لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه مثلا، لفظة كل، وضعت لافادة شمول مدخولها، وهو الرجل في المثال، لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه، فالمدخول أي الرجل لا بد وان يكون صالحا للانطباق على كل فرد لا بعد تصدره بلفظ العموم بل في نفسه. فان قيل: ان العشرة ايضا كذلك، فان مادتها الواحد وهو يصلح ان ينطبق على كل واحد، والعشرة توجب استيعاب الواحد الى هذا الحد.

[ 300 ]

اجبنا: ان الواحد ليس مادة العشرة، بل لكل منهما مفهوم وحداني، يغاير الاخر، و هذا بخلاف كل رجل. هل للعموم صيغة تخصه ؟ السابع: اختلفوا في انه هل للعموم صيغة تخصه ام لا ؟ ذهب جماعة منهم المحقق والشيخ والعلامة الى الاول، ونسب الى الاكثر، واختاره المحقق الخراساني وغيره من المحققين المتأخرين، وذهب قوم الى الثاني. وتوقف بعضهم، واختلف النافون، فمنهم من جعلها مشتركة بينه وبين الخصوص ووافقهم السيد لغة قائلا انها نقلت في عرف الشارع الى العموم، ومنهم من جعلها حقيقة في الخصوص ومجازا في العموم. وقد استدل لكون صيغ العموم حقيقة في الخصوص بامرين: احدهما: ان ارادة الخصوص ولو في ضمن العموم معلومة بخلاف العموم لاحتمال ان يكون المراد به الخصوص فقط وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن اولى من جعله حقيقة في المحتمل. وفيه: ان كون الخاص متيقنا انما هو بحسب الارادة الخارجية وهذا لا يمنع عن ظهور اللفظ لا في العموم ولا في غيره، غاية الامر يكون العام نصا في ارادة الخاص وظاهرا بالاضافة الى ارادة العام، ومحط النظر انما هو في اثبات الظهور وعدمه. نعم لو كان ارادة الخاص على نحو يمنع عن ظهور العام في العموم ويكون بمنزلة القرينة المتصلة في الكلام بحيث احتاج ارادة العموم الى نصب قرينة كان وضع اللفظ للعموم لغوا، فالاولى ان يكون موضوعا للخصوص، لكن الامر ليس كذلك لكثرة ارادة العموم منها في الشرعيات وغيرها. مع ان الخاص ليس له حد خاص إذ العام إذا خرج منه فرد واحد، فالباقي خاص وان خرج منه فردان، فكذلك الى ان يصل الى حد، لا يجوز ان يتجاوز عنه التخصيص، وعليه فان قيل انها وضعت لجميع تلك المراتب بنحو المشترك اللفظى فهو بين الفساد، وان قيل انها موضوعة للجميع بنحو الاشتراك المعنوي، فهو اوضح فسادا لعدم الجامع.

[ 301 ]

الثاني: انه قد اشتهر التخصيص وشاع حتى قيل ما من عام الا وقد خص، الحاقا للقليل بالعدم مبالغة، والظاهر يقتضى كونه حقيقة في الاشهر الا غلب تقليلا للمجاز. واجاب عنه المحقق الخراساني بقوله ولو سلم فلا محذور فيه اصلا إذا كان بالقرينة. ولا يخفى انه بعد تسليم كثرة المجاز لا موجب للحمل عليه: إذ المعروف في المجاز المشهور، التوقف أو الحمل على المجاز بقرينه الشهرة. فالحق في الجواب منع المجاز في موارد التخصيص لما سيأتي في محله، من ان ارادة الخاص من العام لا تنافى استعماله فيما وضع له فانتظر لذلك زيادة توضيح، مع ان استعمال العام فيما وضع له وارادة العموم منه كثير، كما يظهر لمن راجع العمومات العرفية والعقلية، بضميمة عدم وضع خاص في العمومات الشرعية. بيان ما يدل على العموم الثامن: بعد ما عرفت من ان للعموم صيغة تخصه ذكر المحقق الخراساني جملة من ما عد مما يدل على العموم وهى، النكرة في سياق النفى أو النهى، ولفظة كل، والمحلى باللام، فالكلام في موارد، الاول: في النكرة في سياق النفى أو النهى، والمراد من النكرة ليس هو اسم الجنس الداخل عليه التنوين المفيد للوحدة، بل المراد منها هو الطبيعة اللا بشرط. لا كلام في ظهور النكرة في سياق النفى أو النهى في الشمول إذا وردت في مقام البيان، ولذلك قال في الفصول لا ريب في ان النكرة في سياق النفى تفيد العموم، وقريب منه ما افاده المحقق القمى، والمحقق الخراساني ادعى فوق ذلك قال ودلالتها عليه لا ينبغى ان تنكر عقلا. وكيف كان فقد وقع الكلام في ان دلالتها عليه هل تكون سياقية عقلية، ام تكون بالوضع، أو بالاطلاق ؟

[ 302 ]

والحق انها بالاطلاق، لا سياقية عقلية، ولا بالوضع: لان مدخول النفى، أو النهى، وهى النكرة، قابل للانطباق على المطلق والمقيد، والنفى كلفظة (لا) موضوعة لنفى مدخولها ليس الا، فلا محالة إذا جرت مقدمات الحكمة في المدخول يستفاد منها العموم، والا فيكون مهملا، والمهملة في قوة الجزئية ولا يستفاد منها العموم. وقد استدل المحقق اليزدى (ره) لافادتها العموم بنفسها: بان النفى المتعلق بالطبيعة المهملة لا يصح الا إذا لم تكن متحققة اصلا: إذ لو صح نفى الطبيعة مع وجود فرد خاص منها لزم اجتماع النقيضين. وفيه: ان اجتماع النقيضين انما يلزم لو اريد من المدخول الطبيعة المطلقة، واما لو اريد منه المهملة فلا يلزم اجتماع النقيضين، فالاظهر ان دلالتها عليه انما تكون بالاطلاق، وليست دلالتها عليه سياقية عقلية كما مر في اول مبحث النواهي. المورد الثاني: في لفظة (كل) وامثالها. وبعد مالا كلام في استفادة العموم منها. وقع الكلام في ان هذه هل تتوقف على اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها، ام دلالتها عليه تستند الى الوضع ولا تحتاج الى اجراء المقدمات ؟ والحق هو الثاني، بمعنى ان لفظة (كل) مثلا وضعت لا فادة فعلية صلاحية مدخولها لما يصلح ان ينطبق عليه، فبادخال لفظة (كل) على الطبيعة تصير تلك الصلاحية فعلية، فهى بالوضع تدل على الغاء جميع الخصوصيات عن مدخولها. فقول القائل: اكرم كل عالم. في قوة ان يقول لا دخل لشئ من القيود في موضوع حكمي، والشاهد على ذلك امران: الاول: انه لو كان في مقام الاهمال واتى بهذه اللفظة يعد خارجا عن طريق المحاورة، الثاني: انه لو جرت المقدمات في المدخول واستفيد الاطلاق منها لا يبقى احتياج الى اداة العموم، ويكون وجودها لغوا. وقد استدل للاول بوجوه، احدها: انه لا ريب في امكان تقييد المدخول كما في قولنا: كل رجل عالم، وهذه قرينة على احتياج استفادة العموم الى اجراء مقدمات الحكمة، إذ لو لا ذلك لزم كونه تقييدا لدائرة العموم في فرض ثبوته فيكون التقييد منافيا له.

[ 303 ]

وفيه: ان اداة العموم تدل على استيعاب جميع افراد ما يصلح ان ينطبق عليه مدخولها من الاجناس، أو الانواع، أو الاصناف، والتقييد يوجب تضييق دائرة المدخول فلا تنافى. الثاني: ان شمول اداة العموم تابع لسعة المدخول وضيقه، ان مطلقا فمطلقا، وان مقيدا فمقيدا فهى لا اقتضاء بالاضافة الى اطلاق مدخولها وتقييدها فلو كانت بانفسها مفيدة للسعة والاستيعاب من غير اجراء مقدمات الحكمة لزم الخلف أي كونه مقتضيا بالاضافة الى ما يكون لا اقتضاء بالاضافة إليه. وفيه: ان شمول اداة العموم تابع لسعة المدخول وضيقه من حيث الصلاحية للانطباق، ولازم ما ندعيه من افادتها استيعاب ما يصلح ان ينطبق عليه المدخول كونه مقتضيا بالاضافة الى فعلية هذه الصلاحية لا نفس الصلاحية فلا خلف. الثالث: ان غاية ما تقتضيه الاداة كون المدخول غير مهمل، اما كونه طبيعة وسيعة، أو حصة منها، فالاداة لا تعين شيئا منهما، فيتوقف احراز ذلك على اجراء مقدمات الحكمة. وفيه: ان احتمال ارادة الحصة ان كان لاحتمال وجود القرينة، فهو يندفع باصالة عدم القرينة التى هي من الاصول العقلائية، وان كان لاحتمال ارادة الحصة واقعا فنفس ظهور الكلام ينفيه، فتحصل انه في مثل لفظة (كل) و (أي) لا يتوقف استفادة العموم على اجراء مقدمات الحكمة. المورد الثالث: انه بعد ما لا كلام ولا ريب في تبادر العموم من الجمع المحلى باللام، وقع الكلام في ان ذلك، هل هو من جهة وضع اللام وحدها، ام من جهة وضع هذه الهيئة بنفسها، أي الالف واللام مع اداة الجمع، الواردة على المادة في عرض واحد بلا تقدم ولا تأخر بينهما كما اختاره المحقق النائيني (ره) ام من جهة ان الالف واللام وضعت للتعريف فتدل على تعريف مدخولها، وتعينه ولا تعين لشئ من مراتب الجمع القابلة للانطباق عليها الا اقصى مراتب الجمع، وهى المرتبة الاخيرة وهى جميع الافراد. اقول: يرد على الاول، ان لازمه ورود العموم على الجمع، وافادة ثبوت الحكم على

[ 304 ]

جميع مصاديق الجمع بما هو جمع وهو خلاف المتفاهم العرفي، مع ان لازمه افادة المفرد المعرف باللام ايضا للعموم كما لا يخفى. ويرد على الثاني، ان لازمه كون استعمال الجمع المعرف باللام، في موارد العهد الذهنى والخارجى مجازا، وهو فاسد بالبداهة. مع انه على هذا يكون للمركب وضع، ولكل من جزئية وضع آخر، فلو استعمل بلا قرينة، فاما ان يلتزم باستعمال المفردات في معانيها والمركب في معناه، أو باستعمال المفردات في معنى المركب، لا سبيل الى شئ منهما اما الاول فواضح، واما الثاني فلاحتياجه الى قرينة معينة مفقودة. وعلى هذا فيتعين الثالث وهو وضع الالف واللام للتعريف، وحيث لا تعين لشئ من مراتب الجمع الا ارادة جميع الافراد فهى المرادة. والايراد عليه كما عن المحقق الخراساني، في مبحث المطلق والمقيد، بان اقل مراتب الجمع ايضا متعين الظاهر ان إليه نظر المحقق النائيني حيث منع استفادة العموم من ما ذكرناه، وقال والا لكان لمنعها مجال واسع. غير تام إذ المراد التعين بين المصاديق في الخارج المختص بالمرتبة الاخيرة لان لها مصداقا واحدا، واما اقل مراتب الجمع فالظاهر ان ابهامها ازيد من ابهام ساير المراتب، فان مصاديقها القابلة لانطباقها عليها ازيد من مصاديق ساير المراتب، فان كل ثلاثة، ثلاثة، أو أثنين اثنين على الخلاف في اقل مراتب الجمع بانحاء التركيبات المختلفة من مصاديق هذه المرتبة. فالاظهر ان افادتها العموم انما تكون لاجل تعين اقصى مراتب الجمع، إذا عرفت هذه الامور، فالكلام يقع في فصول. حجية العام المخصص في الباقي الفصل الاول: إذا ورد عام وخصص بشئ، فهل يوجب تخصيصه به سقوطه عن

[ 305 ]

الحجية بالنسبة الى الباقي فما لم يعلم شمول الحكم وشك فيه لا حجة على ثبوته، ام لا ؟ وتنقيح القول فيه بالبحث في مواضع ثلاثة. الاول: ما إذا كان المخصص مبينا مفهوما ومصداقا، وكان الشك في شمول العام لمورد ناشئا عن الاشتباه في الحكم، كما إذا ورد اكرم كل عالم، وخصص ذلك ب‍ (لا تكرم مرتكب الكبائر من العلماء) وشك في وجوب اكرام العالم المرتكب للصغائر. الثاني: ما إذا كان المخصص مجملا مفهوما، وكان الشك في شمول العام لمورد من الاشتباه في مفهوم الخاص، ودورانه بين السعة والضيق كما إذا ورد (اكرم كل عالم) ثم ورد (لا تكرم الفساق منهم) وفرضنا ان مفهوم الفاسق كان مجملا مرددا بين ان يكون خصوص المرتكب للكبائر، أو الجامع بينه وبين المرتكب للصغائر، وشككنا في وجوب اكرام العالم المرتكب للصغيرة ومنشأه اجمال مفهوم الخاص. الثالث: ما إذا كان المخصص مجملا مصداقا يعنى كان الشك في شمول العام لمورد ناشئا من الاشتباه في الامور الخارجية، كما إذا دل الدليل على وجوب اكرام العلماء، ودل دليل آخر على عدم وجوب اكرام الفاسق منهم، وشككنا ان زيدا فاسق ام لا ؟ اما الاول: فلا خلاف بين اصحابنا في حجية العام في الباقي كما عن المعالم، وعن الفصول والقوانين دعوى الاتفاق عليه، وانما الخلاف فيه يكون بين العامة حيث نسب الى جماعة منهم عدم جواز التمسك بالعام مطلقا، ونسب الى آخرين التفصيل بين ما كان المخصص منفصلا وما كان متصلا فذهبوا الى عدم جواز التمسك بالعام على الاول دون الثاني، وربما نسب الى بعضهم التفصيل بين الاستثناء وغيره. واستدل النافي بان اللفظ حقيقة في العموم، فبعد التخصيص، يعلم انه غير مراد فهو لم يستعمل في العموم، فلا يكون حجة في الباقي لتعدد مراتبه، ومعلوم ان المعاني المجازية إذا تعددت، فارادة كل واحد منها تحتاج الى قرينة معينة، وحيث لا قرينة فبالطبع يصبح العام مجملا، فلا يمكن التمسك به، وبالجملة ففى كل مورد كان المعنى المجازى متعددا يحتاج ارادة معنى واحد من تلك المعاني الى قرينتين صارفة، ومعينة وفى المقام القرينة الصارفة وهو المخصص موجودة، والقرينة المعينة غير موجودة فلا

[ 306 ]

محالة يكون اللفظ مجملا فلا يجوز التمسك به. واجابوا عنه باجوبة. منها، ما ذكره المحقق القمى وصاحب الفصول، وهو انه مع وجود المرجح لا اجمال وهو الاقربية الى العام فهى قرينة على ارادة تمام الباقي. ورده المحقق الخراساني، بان الاقربية بحسب المقدار لا اعتبار بها وانما المدار على الاقربية بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال. وفيه: ان الظاهر ان المجيب اراد من الاقربية معناه الثاني، مدعيا ان منشأ زيادة الانس، كما يكون كثرة الاستعمال، كذلك قد يكون شدة العلاقة والارتباط. ومنها: ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) وحاصله: ان دلالة العام على جميع الافراد، وان كانت واحدة، الا انها تنحل الى دلالات ضمنية متعددة حسب تعدد الافراد، - وبعبارة اخرى - بما ان المصاديق التى تحكى عنها هذه الدلالة الواحدة متعددة و شان الحكاية والمرآة جذب لون محكيه، فالحكاية ايضا متعددة، فالعام يدل على كل فرد بدلالة ضمنية في قبال دلالته على ساير الافراد، ومعنى ذلك كون كل فرد مستعملا فيه و مرادا بالارادة الاستعمالية، فإذا ورد المخصص فهو وان كان كاشفا عن عدم تعلق الارادة الاستعمالية بجميع الافراد، ولازم ذلك كونه مجازا، الا ان هذا المجاز ليس على حد ساير المجازات التى تكون مباينة للمعنى الحقيقي، ولذا لو تردد المعنى المجازى بين امور متعددة لا يحكم بارادة احدهما مع عدم القرينة عليه، بل هذا المعنى المجازى انما هو من جهة عدم شمول العام لافراد مخصوصة، فالمقتضى للحمل على الباقي، وهو دلالة العام بنفسه على كل فرد موجود، والمانع مفقود إذ المانع المتصور ليس الا ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله، والمفروض انتفائه بالنسبة الى الباقي لاختصاص المخصص بغيره. واورد عليه المحقق الخراساني بان الدلالات الضمنية تابعة للدلالة المطابقية، فهو انما يدل على كل فرد بتبع دلالته على العموم والشمول، فإذا انكشف بالمخصص عدم استعماله في العموم والشمول، فلا كاشف عن استعماله في الافراد الباقية لسقوط الدلالة التضمنية بسقوط المطابقية. وعليه، فالمانع وان كان مفقودا الا انه لا مقتضى للحمل على الباقي، إذ المقتضى اما الوضع أو القرينة، والمفروض انه ليس بموضوع له وليست

[ 307 ]

قرينة، ولا موجب آخر للحمل على الباقي، ودلالته على كل فرد قد عرفت سقوطها. ويمكن ان يقال ان العام حين استعماله دال على جميع الافراد بدلالة واحدة وعلى كل فرد بدلالة تضمنية، فبعد ورود المخصص، وان كان يكشف عدم استعماله في العموم وسقوط الدلالة المطابقية، الا ان سقوطها انما يكون بتبع سقوط الدلالة التضمنية على عكس الثبوت، حيث ان التضمنية تابعة للمطابقية، وذلك لان المزاحم انما يزاحم اولا و بالذات الدلالة التضمنية فهى تسقط ابتداءا وبتبعها تسقط المطابقية. وحيث انه انما يزاحم بعض تلك الدلالات التضمنية لا جميعها فلا وجه لسقوط جميعها بل الساقط منها خصوص ماله مزاحم اقوى. وعلى ذلك فمرجعه الى ثبوت القرينة على الحمل على الباقي فتدبر فانه دقيق. ثم ان المحقق النائيني (ره) افاد في وجه مراد الشيخ الاعظم (ره) وجها آخر، وهو ان دلالة العام على ثبوت الحكم لكل فرد من افراد العام، لا تكون منوطة بدلالته على ثبوته لساير الافراد، فكما ان نفس ثبوت الحكم لكل فرد غير مربوط بثبوته لساير الافراد، كذلك دلالة العام على ذلك، وهذا نظير ما لو قال اكرم هؤلاء مشيرا الى جماعة خاصة، فكما ان تخصيص بعض الافراد في مثل ذلك، لا ينافى وقوع الاشارة الى الجميع، وكون كل فرد من الافراد الباقية محكوما عليه بوجوب الاكرام، وان قلنا باستلزام التخصيص للمجازية كذلك يكون الحال فيما إذا كانت الدلالة على ثبوت الحكم لجميع الافراد بلفظ عام، فهناك دلالات عرضية فإذا سقطت احداها عن الحجية لا وجه لسقوط غيرها من الدلالات عن الحجية فخروج بعض الافراد عن حكمه لو سلم انه يستلزم المجاز لا يوجب ارتفاع دلالته على ثبوت الحكم لبقية الافراد التى لا يعمها المخصص، وبذلك يظهر ان المجاز اللازم للتخصيص انما هو من جهة خروج بعض ما كان داخلا في المفهوم المستفاد من لفظ العام، واما دخول الباقي فهو غير مستند الى كون الاستعمال مجازيا، وهذا بخلاف المجاز المتحقق في مثل قولنا (رأيت اسدا يرمى) الذى هو من جهة استعمال اللفظ فيما يباين ما وضع له. اقول: ان خروج بعض الافراد عن الحكم الثابت لجميع الافراد ان لم يكن مستلزما

[ 308 ]

للتصرف في استعمال العام في العموم كما هو ظاهر تقريره (ره) فهذا خروج عن الفرض والتزام بعدم المجازية، ومجرد اخراجه عن الحكم بعد كون المستعمل فيه هو معناه الموضوع له لا يوجب صيرورته مجازا، وان كان مستلزما لذلك، فيرد عليه ما ذكره المحقق الخراساني، لولا ما اوردناه عليه. ومنها: ما افاده المحقق الخراساني، واليه يرجع ما افاده المحقق النائيني كما سيمر عليك، وملخصه ان التخصيص لا يستلزم تجوزا في العام مطلقا سواء أكان المخصص متصلا، ام منفصلا، اما إذا كان المخصص متصلا كما إذا قال (اكرم كل هاشمى عادل) فلان اداة العموم مستعملة فيما هو معناها الحقيقي من استغراق تمام افراد المدخول، - وبعبارة اخرى - شمول المدخول لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه، غاية الامر ان دائرة المدخول مضيقة من جهة التقييد، وكذلك المدخول مستعمل فيما وضع له، فانه لم يوضع الا للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة والمقيدة، ومن البديهى انه لم يستعمل الا فيه، وافادة التقييد بدال آخر كافادة الاطلاق بمقدمات الحكمة، لا تنافى استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة، وبالجملة الاطلاق لم يؤخذ في معنى المطلق كى يكون التقييد مخالفا للمعنى الموضوع له كما ان المدخول لم يستعمل في المقيد والقيد قرينة عليه كى يكون مجازا. واما إذا كان المخصص منفصلا كما إذا ورد (اكرم كل عالم) ثم ورد (لا تكرم الفاسق من العلماء) فالعام استعمل في العموم والتقييد لا يوجب تصرفا فيه. وتوضيح ذلك يتوقف على بيان: مقدمة وهى ان الدلالات على اقسام: الاولى: الدلالة التصورية وهى الانتقال الى المعنى من سماع اللفظ، ولو كان اللافظ بغير شعور واختيار، وهذه الدلالة لا تستند الى الوضع بل منشأها الانس الحاصل من كثرة الاستعمال. الثانية: الدلالة التصديقية فيما قال ويعبر عنها بالدلالة التفهيمية، وهى دلالة اللفظ على ان المتكلم اراد به تفهيم المعنى، وهذه الدلالة مستندة الى الوضع لما تقدم في مبحث الوضع من ان حقيقته، تعهد الواضع بانه متى اراد تفهيم معنى خاص تكلم بلفظ مخصوص، وهذه الدلالة تتوقف زايدا

[ 309 ]

على العلم بالوضع على احراز ان المتكلم في مقام التفهيم وانه لم ينصب قرينة متصلة في الكلام على الخلاف ولا ما يصلح للقرينية. الثالثة: الدلالة التصديقية فيما اراده وهى دلالة اللفظ على ان المراد الجدى للمتكلم مطابق مع المراد الاستعمالى. - وبعبارة اخرى - ان الداعي للارادة الاستعمالية هو الجد لا غيره، وهذه الدلالة ايضا اجنبية عن الوضع بل هي مستندة الى بناء العقلاء على ان ما يصدر من الفاعل المختار من قول أو فعل يصدر بداعي الجد لا بغيره من الدواعى، وهذه الدلالة تتوقف زائدا على ما مر على احراز عدم وجود قرينة منفصلة على الخلاف ايضا، والا فمع وجودها لا يكون ظهور الكلام كاشفا عن المراد الجدى، فهذه القرينة مانعة عن حجية ظهور العام في العموم لا عن اصله. إذا عرفت ذلك يظهر لك انه في التخصيص بالمنفصل، لا يستعمل العام الا في العموم وليس هناك معنى مجازى حتى يصير مجملا، لان المخصص حينئذ لا يصادم العام في الدلالة الثانية التى هي الدلالة الوضعية، وانما يصادمه في الثالثة، - وبعبارة اخرى - يكشف المخصص عن عدم مطابقة المراد الجدى للمراد الاستعمالى، وعدم حجية العام في جميع الافراد، وهذا لا يقتضى رفع اليد عن الدلالة الوضعية والظهور، فالعام المخصص مستعمل في معناه الحقيقي دائما غاية الامر في المقدار الذى قامت القرينة على عدم كونه مرادا جديا يرفع اليد عنه وفى المقدار الزايد ينعقد الظهور بالمعنى الثالث ببناء العقلاء الذى هو المتبع في المقام. فان قيل، كما قيل: ان المخصص المنفصل إذا كان كاشفا عن عدم كون المراد الجدى مطابقا للمراد الاستعمالى، فما فائدة استعمال العام في العموم. اجبنا عنه: بانه مضافا الى ان المتكلم ربما يكون لابد من ذلك لاجل مفسدة في بيان القيد أو مصلحة في تأخيره ولو تقية أو ما شاكل، ان استعماله فيه انما هو ضرب للقانون والقاعدة، حيث انه لا بد بحكم العقل من العمل على طبقه وعدم التعدي عنه الا بقيام دليل على خلافه، فهو حجة بهذا العنوان العام بالاضافة الى جميع موارده ومصاديقه الا ما قام الدليل على خلافه وفى غيره يرجع الى العموم. فالمتحصل ان التخصيص لا يوجب التجوز في العام بل هو مستعمل فيما وضع له وان لم يكن المستعمل فيه مرادا جديا.

[ 310 ]

واورد على ذلك بايرادات، احدها: ما عن المحقق النائيني (ره) وهو ان الارادة الاستعمالية، ان اريد بها ايجاد المعنى البسيط العقلاني باللفظ بحيث كان اللفظ والارادة مغفولين عنهما حين الاستعمال باعتبار ان النظر اليهما آلى، فهذه هي بعينها الارادة الجدية المتقوم بها استعمال اللفظ في المعنى، وان اريد بها الارادة الهزلية في مقابل الارادة الجدية، فهى وان لم تكن منافية لاستعمال اللفظ في المعنى لعدم كون الاستعمال الحقيقي دائرا مدار كون الداعي إليه هو خصوص الارادة الجدية، الا انه من المقطوع به ان استعمال عمومات الكتاب والسنة في معانيها لا يكون من هذا القبيل أي لا يكون الداعي إليه الارادة الهزلية. وفيه: انه لا تلازم، بين ان لا يكون الداعي الى الاستعمال هو الارادة الجدية، وبين كونه هو الارادة الهزلية، لما عرفت من انه يمكن ان يكون الداعي ضرب القانون والقاعدة وعرفت ما يترتب على ذلك من الفائدة. ثانيها: ما عن المحقق النائيني ايضا، وهو ان ورود العام في بعض الموارد لبيان حكم الشك ضربا للقاعدة، وان كان لا ينكر كما في الاستصحاب وقاعدة الطهارة و ما شاكل، الا ان التخصيص في هذه الموارد قليل جدا حيث ان تقدم شئ عليها غالبا يكون بنحو الحكومة أو الورود، واما العمومات المتكفلة لبيان الاحكام الواقعية للاشياء بعناوينها الاولية من دون نظر الى حال الشك وعدمه، فعمل اهل العرف بها حال الشك لا يكشف عن كونها واردة في مقام ضرب القانون والقاعدة، ضرورة ان عملهم بها عند الشك في ورود التخصيص عليها انما هو من باب العمل بالظهور الكاشف عن كون الظاهر مرادا واقعا، وعن ان المتكلم القى كلامه بيانا لما اراده في الواقع، وعليه فيستحيل كون تلك العمومات واردة لضرب القانون والقاعدة في ظرف الشك. وفيه: ان المراد من استعمال العام في العموم من باب جعل القانون والقاعدة، ليس كون الحكم المجعول على العام مجعولا عليه في ظرف الشك، بل المراد به ان العام استعمل في معناه الموضوع له والداعى إليه كونه بيانا للمراد الجدى ما لم تكن قرينة على التخصيص.

[ 311 ]

الثالث: ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) قال: ان الظاهر من الانشاء كونه بداعي البعث لابداعى جعل القانون والقاعدة، فبعد ورود التخصيص، يدور الامر بين مخالفة احد ظهورين، اما الظهور الاستعمالى برفع اليد عنه مع حفظ ظهوره في كونه بداعي البعث الجدى بالنسبة الى ما استعمل فيه وهو الخصوص، واما الظهور من حيث الداعي وهو كون الانشاء بداعي البعث برفع اليد عنه، وحمل الانشاء على كونه بداعي ضرب القانون و اعطاء الحجة، ولا مرجح لاحدهما على الاخر. وفيه: انه إذا ورد كلام له ظهورات، ثم ورد ما ينافيه. لا بد من لحاظ انه مناف لاى ظهور من الظهورات ورفع اليد عن خصوصه، وان ارتفع التنافى برفع اليد عن الظهور الاخر، مثلا إذا ورد (اكرم العلماء). ثم ورد (لا يجب اكرام زيد العالم) فالتنافي وان كان يرتفع بحمل الامر في الدليل الاول على الاستحباب، الا انه لا وجه له: إذ التنافى انما هو بين ظهور الدليل الاول في العموم، وبين الخاص فلا بد من رفع اليد عنه، وابقاء ظهوره في الوجوب، وهذا هو الميزان الكلى في جميع موارد التعارض، وعليه ففى المقام إذا فرضنا ورود اكرام العلماء، ثم ورود (لا تكرم زيدا) فبما ان طرف المعارضة للدليل الثاني، هو ظهور الاول في كون الانشاء بداعي البعث بالاضافة الى جميع افراد العام فالمتعين هو رفع اليد عنه خاصة، دون ظهوره في ارادة العموم بالارادة الاستعمالية. الرابع: ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) ايضا وحاصله: ان حجية الدليل انما هي باعتبار كاشفية الانشاء عن كونه بداعي البعث الجدى والانشاء الواحد المتعلق بموضوع متعدد، حيث انه بداعي البعث الحقيقي، فيكون منشأ لانتزاع البعث حقيقة بالاضافة الى كل واحد، ولو لم يكن بداعي البعث الحقيقي بالاضافة الى بعض الافراد مع كونه متعلقا به في مرحلة الانشاء، فاما ان يكون الداعي متعددا، فيلزم صدور الانشاء الواحد عن داعيين بلا جهة جامعة تكون هي الداعي، واما ان يكون هو البعث الحقيقي، فالمفروض عدمه بالاضافة الى بعض الافراد، فيتعين كون الانشاء لا بداعي البعث الجدى بالاضافة الى الجميع. وعليه فلا يكون حجة بالنسبة الى البقية: إذ الحجية انما تكون فيما إذا كان الانشاء بداعي البعث الجدى، لا إذا كان بداع آخر.

[ 312 ]

وفيه: ان انشاء الحكم لموضوع متعدد وصدوره عن داعيين بمعنى كون الداعي بالاضافة الى بعض الافراد، البعث الجدى، وبالاضافة الى آخر داع آخر، كما إذا كانت مصلحة في تأخير بيان القيد أو مفسدة في بيانه بالمتصل، لا محذور فيه، إذ الداعي ليس علة الفعل كى يصح ان يقال الواحد لا يصدر الا عن الواحد. الخامس: انه في الكلام الصادر من المتكلم وان كان اصلين مترتبين، احدهما اصالة الظهور المعينة ان الظاهر هو المراد الاستعمالى عند الشك واحتمال ارادة غيره. ثانيهما، اصالة صدور الظاهر بداعي الجد لا بدواع اخر، الا ان الاصل الاول، انما يكون طريقا وقنطرة للمراد الجدى الذى هو مقتضى الاصل الثاني، والا فاى معنى للبناء على ان الظاهر هو المراد بالارادة الاستعمالية مع العلم بعدم كونه مرادا جديا. وعليه، فإذا فرضنا ان القرينة، وهى الخاص قامت على ان الظاهر ليس مرادا جديا - وبعبارة اخرى - لا ارادة جدية على طبق مدلول اللفظ بتمامه، لا يبقى مجال لاصالة الظهور إذ لا بناء لاهل المحاورات على حمل اللفظ على ظاهره بعد ذلك. وفيه: انه ان احتملنا استعمال اللفظ في معناه الظاهر غير المراد بلا داع من الدواعى العقلائية كان ما ذكر تاما، ولكنا لا نحتمل ذلك في الكلمات الصادرة من الشارع الاقدس، وعليه، فإذا كان ذلك لاجل داع عقلائي ولو كان ذلك في المقام اعطاء الحجة وجعل القانون، فلا محالة يكون بناء العقلاء على اصالة الظهور والاعتماد عليها. فتحصل ان ما افاده المحقق الخراساني في المقام حق لا يرد عليه شئ من ما اوردوه عليه. ومنها: ما افاده المحقق النائيني (ره) وحاصله، ان الميزان في كون اللفظ حقيقة هو كونه مستعملا، في معناه الموضوع له بحيث ان الملقى في الخارج كانه هو نفس ذلك المعنى البسيط العقلاني، وهذا الميزان متحقق في المقام، من جهة ان اداة العموم لا تستعمل الا فيما وضعت له، كما ان مدخولها لم يستعمل الا فيما وضع له، اما الثاني: فلان المدخول لم يوضع الا للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة والمقيدة، ومن الواضح انه لم يستعمل الا فيها، وافادة التقييد بدال آخر متصل أو منفصل كافادة الاطلاق بمقدمات

[ 313 ]

الحكمة، لا تنافى استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة كما هو ظاهر، واما الاول: فلان الاداة لا تستعمل ابدا الا في معناها الموضوع له اعني به تعميم الحكم لجميع افراد ما اريد من مدخولها، غاية الامر ان المراد بالمدخول، تارة يكون امرا وسيعا، واخرى يكون امرا ضيقا. وهذا لا يوجب فرقا في ناحية الاداة اصلا. وفيه: ان هذا لا يتم بناءا على ما اخترناه من ان اداة العموم بانفسها متكفلة لبيان عدم دخل شئ من الخصوصيات في الحكم ولا تحتاج الى اجراء مقدمات الحكمة في المدخول: فانه على هذا يكون المخصص منافيا لهذه الدلالة مع قطع النظر عما ذكرناه والظاهر ان مراده (قده) ما ذكرناه وعليه فيتم. ومنها: ان تخصيص العام لا يستلزم عدم ارادة العموم منه لامكان ان يراد العموم من العام المخصص ارادة تمهيدية، ليكون ذكر العام توطئة لبيان مخصصه، وحيث ما كان العموم مرادا من اللفظ كان اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي. واورد عليه المحقق النائيني (ره) بان ذكر العام للدلالة على معناه دلالة تصورية توطئة للدلالة التصديقية على المعنى المستفاد من مجموع الكلام بعد ضم بعضه الى بعض وان كان صحيحا الا انه يختص بموارد التخصيص بالمتصل ولا يعم موارد التخصيص بالمنفصل فتبقى دعوى عدم استلزام التخصيص فيها للمجازية بلا دليل. وفيه: ان مراد هذا القائل، من ان ارادة العموم من العام ارادة تمهيدية ليس هو الارادة التصورية، بل مراده منها الارادة التفهيمية أي التصديقية فيما قال، والتعبير عنها بالتمهيدية من جهة ان ذكر العام تمهيد وتوطئة لذكر مخصصه بعده، فهذا الوجه يرجع الى ما ذكرناه واوضحنا به ما افاده المحقق الخراساني واجبنا عن كل ما اورد عليه. إذا خصص العام بالمجمل مفهوما واما الموضع الثاني: وهو ما إذا فرض الشك في التخصيص فيه من ناحية الشك في مفهوم الخاص ومن جهة الشبهة المفهومية فملخص القول فيه.

[ 314 ]

ان المجمل المفهومى ربما يكون مجملا من جميع الوجوه كما في (اكرم العلماء الا بعضهم) وهذا القسم خارج عن محل الكلام، ولا كلام في سقوط العام عن الحجية رأسا، وربما يكون مجملا من بعض الجهات بحيث يبقى للعام موارد متيقنة، كما في (اكرم العلماء الا الفساق منهم) وفرض تردد الفاسق بين اختصاصه بمرتكب الكبيرة، وشموله لمرتكب الصغيرة، حيث ان العالم الذى لا يرتكب شيئا منهما يكون مشمولا للعام يقينا، وهذا هو محل الكلام. ثم ان المخصص المجمل مفهوما على اربعة اقسام. إذ ربما يكون المخصص متصلا، وربما يكون منفصلا، وعلى كل تقدير، قد يكون امره مرددا يبن الاقل والاكثر. وقد يكون مرددا بين المتباينين، وقبل بيان ما هو الحق في هذه المسألة لا بد من التنبيه على امر مر تفصيله. وملخصه، ان لكل كلام صادر من متكلم مختار دلالات، الاولى: الدلالة التصورية. الثانية: الدلالة التصديقية فيما قال. الثالثة: الدلالة التصديقية فيما اراد، والمخصص منفصلا كان أو متصلا لا يصادم الدلالة الاولى، وإذا كان متصلا فهو يصادم و يزاحم الدلالة الثانية، ويوجب قصرها على غير موارد التخصيص، وإذا كان منفصلا فهو لا يصادم الثانية، بل يزاحم الثالثة، ويوجب قصر الحجية على غير مورد التخصيص. إذا حققت ذلك فاعلم، ان المخصص إذا كان متصلا يسرى اجماله الى العام كان اجماله لدوران الامر بين الاقل والاكثر، أو لدورانه بين المتباينين: فانه من جهة مزاحمة الخاص إذا كان متصلا لظهور العام في العموم لا ينعقد للعام ظهور، الا في الافراد المعلوم عدم دخولها تحت الخاص. - وبعبارة اخرى - بعد فرض كون الخاص المتصل موجبا لعدم ظهور العام الا في غير ما هو مشمول للخاص، إذا كان الخاص مجملا يصير العام ايضا مجملا. وان كان المخصص منفصلا، فان كان امره دائرا بين المتباينين يسرى اجماله الى العام من جهة ان الخاص، اوجب تقييد مراد المتكلم بشئ، غير معين، وقصر حجيته في غير ذلك الشئ، فإذا كان الخاص مجملا لا محالة يصير العام مجملا، غاية الامر لا

[ 315 ]

يوجب اجمال العام بالاضافة الى دلالته التصديقية فيما قال، بل يوجب اجماله بالاضافة الى دلالته التصديقية فيما اراد. واما ان كان اجماله لدوران امره بين الاقل والاكثر كما إذا ورد اكرم العلماء، ثم ورد في دليل منفصل، لا تكرم الفساق منهم، وتردد الفاسق بين ان يكون مرتكب الكبيرة خاصة، أو هو مع المرتكب للصغيرة، فلا يسرى اجماله الى العام، لا بالاضافة الى الدلالة التصديقية فيما قال، ولا بالاضافة إليها فيما اراد، اما في الاولى فواضح، واما في الثانية فلان قصر الخاص حجية العام انما يكون من جهة كونه حجة اقوى، فهو انما يصلح لقصر الحجية في المقدار الذى هو حجة فيه، واما فيما لا حجية له بالاضافة إليه، فلا قاصر لحجية العام فلا محالة يكون العام حجية فيه، وحيث، ان الخاص حجة في القدر المتيقن، وهو الاقل ولا يكون حجة في الافراد المشكوك فيها فلا مزاحم لحجية العام فيها كى يمنع عن حجيته فهو الحجة والمعلول. وقد اورد على ما ذكرناه من التفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل وان اجمال الخاص لا يسرى الى العام في الثاني بامرين: الاول: ان دليل الخاص يوجب تقييد المراد الواقعي بغير ما يكون الخاص شاملا له لا بخصوص ما علم من افراده، إذ الخارج هو المفهوم الكلى، وعليه، فإذا فرض اجمال الخاص لتردده بين الاقل والاكثر يكون الباقي تحت العام بحسب المراد الواقعي، مرددا بين الاقل والاكثر فلا فرق بين المخصص المتصل، والمنفصل بالنسبة الى تقييد المراد الواقعي، فكل منهما يوجب اجمال العام - وبعبارة اخرى - ان المنفصل فيما له من المدلول واقعا، يمنع عن حجية العام ويوجب قصر الحجية على ما لا يكون داخلا تحت الخاص واقعا، لا بما علمناه من مدلوله، كما انه في صورة الاتصال يتضيق ظهوره بما له من المدلول لا بما علمناه من مدلوله، وبالجملة لا فرق بين صورتي الاتصال والانفصال، الا في زوال الظهور في احدهما دون الاخر، والا فمن حيث تضييق الحجية هما متساويان. وفيه: انه في المخصص المتصل لا ينعقد للعام ظهور بالنسبة الى الافراد المشكوك فيها فلا يتم موضوع الحجية الثابتة ببناء العقلاء، واما في المنفصل فالعام ينعقد ظهوره في

[ 316 ]

جميع الافراد فيكون حجة على جميع الافراد في نفسه، وانما الخاص يمنع عن حجيته لكونه حجة اقوى، وحيث ان حجية الخاص انما تكون بالنسبة الى الافراد المعلومة خاصة، لعدم ترتب الحكم على المفاهيم، والالفاظ، وتعلقه بالمصاديق، فقول المولى، لا تكرم الفساق حكم انحلالي بحسب ما للفاسق من الافراد وحينئذ فكل فرد علم شمول الخاص له يكون هو خارجا عن تحت العام، والافراد المشكوك فيها من جهة عدم العلم بشمول الخاص لها، وبالتبع لا يكون هو حجة فيها، تكون باقية تحت العام، وبالجملة ليس الخارج عن تحت العام شئ واحد، بل اشياء فكل ما علم خروجه فهو، والا فيبقى تحت العام. الثاني: انه بعد ما صارت عادة المتكلم جارية على ذكر المخصص منفصلا عن كلامه، فلا محالة يحتاج في التمسك بعموم كلام المتكلم احراز عدم المخصص المنفصل، وعليه، فاللازم الاجمال فيما نحن فيه لعدم احرازه بالنسبة الى الافراد المشكوك فيها لا بالقطع، ولا بالاصل، اما الاول فواضح، واما الثاني فلعدم بناء العقلاء على التمسك به بعد وجود ما يصلح ان يكون صارفا والمفروض وجوده وهو الخاص. وفيه: ان لازم ذلك ان لا يجوز لاصحاب الائمة عليهم السلام التمسك بالعمومات الصادرة عنهم مع احتمال صدور المخصص المنفصل من ذلك الامام أو الامام اللاحق، وهذا مما ثبت خلافه بالضرورة، فيستكشف منه ان بناء العقلاء على التمسك بعموم كل ما استقر ظهوره التصديقي فيما قال ما لم يقم حجة اقوى على خلافه، والخاص لا يكون حجة في الافراد المشكوك فيها كى يمنع عن حجية العام. نعم، إذا كان الخاص مرددا بين المتباينين لا يمكن التمسك به في شئ من الموردين، للعلم الاجمالي بخروج احدهما وهو كما يمنع عن جريان الاصول العملية في اطرافه، كذلك يمنع عن جريان الاصول اللفظية فيها. التمسك بالعام في الشبهة المصداقية واما الموضع الثالث: وهو ما إذا شك في خروج مورد عن العام وعدم شموله له،

[ 317 ]

من ناحية الشبهة الموضوعية، كما لو (ورد اكرم العلماء الا المرتكب للكبيرة) وفرضنا الشك في ارتكاب زيد العام للكبيرة وعدمه، فقد وقع الخلاف فيه في انه، هل يتمسك بالعام ويحكم بان الفرد المشكوك فيه محكوم بحكم العام، وفى المثال، يحكم بوجوب اكرام زيد، ام لا يجوز التمسك بالعام فيه. الظاهر انه لا كلام في عدم جواز التمسك به فيما إذا كان المخصص متصلا، بلا فرق، بين ان يكون المخصص المتصل باداة الاستثناء كما في المثال، أو بغيرها كالوصف أو نحوه كقولنا (اكرم كل عالم تقى) والوجه في ذلك: انه لا ينعقد للعام ظهور الا فيما علم خروجه عن المخصص ففى المثالين لا ينعقد للعام ظهور الا في حصة خاصة من العلماء وهى التى لا توجد فيها الارتكاب للكبيرة، وما علم كونه تقيا. فمع الشك في الموضوع لا سبيل الى التمسك بالعام. واما في المنفصل، فنسب الى اكثر القدماء، بل قيل انه المشهور بينهم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ونسب ذلك الى الشهيد الثاني، حيث نسب إليه الاستدلال لان الخنثى إذا ارتد يقتل: بعموم قوله من بدل دينه فاقتلوه خرج منه المرأة ويبقى الباقي داخلا في العموم. وايضا نسب الى السيد صاحب العروة، ولكن هذه النسبة الى صاحب العروة انما استنبطت، من بعض الفروع الذى ذكره، منها: قوله إذا علم كون الدم اقل من الدرهم، و شك في انه من المستثنيات ام لا يبنى على العفو. ومنها: قوله إذا شك في انه بقدر الدرهم أو اقل فالاحوط عدم العفو. ولكن لا يصح هذا الاستنباط إذ مضافا الى انه يمكن ان يكون حكمه بالعفو في الفرع الاول لاستصحاب عدم كونه من المستثنيات بنحو العدم الازلي، أو اصالة البرائة عن مانعية هذا الدم للصلاة، أو غيرهما، كما ان احتياطه بعدم العفو في الثاني يمكن ان يكون لاجل ان عنوان المخصص عنوان وجودي، فلا مانع من استصحاب عدمه عند الشك فيه، ومضافا الى ان بعض الفروع الذى ذكره في العروة، لا يلائم هذا المبنى، منها ما

[ 318 ]

لو شك في مايع انه مطلق أو مضاف ولم يعلم حالته السابقة: فانه حكم بعدم تنجسه بملاقاة النجاسة ان كان بقدر الكر، مع انه لو جاز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية كان عليه ان يفتى بالنجاسة، لان مقتضى العمومات، تنجس كل شئ بالملاقاة الا الماء الكر، فمع الشك في المائية يشك في المصداق. انه يصرح في العروة وملحقاتها بعدم الجواز، اما في العروة فقد افاد في كتاب النكاح في مسألة ما إذا اشتبه من يجوز النظر إليه بين من لا يجوز بالشبهة المحصورة، انه يجب الاجتناب عن الجميع، وكذا بالنسبة الى من يجب التستر عنه ومن لا يجب، وان كانت الشبهة غير محصورة أو بدوية فان شك في كونه مماثلا أو لا اوشك في كونه من المحارم النسبية أو لا، فالظاهر وجوب الاجتناب، لان الظاهر من اية الغض ان جواز النظر مشروط بامر وجودي وهو كونه مماثلا أو من المحارم، فمع الشك يعمل بمقتضى العموم لا من باب التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية بل لاستفادة شرطية الجواز بالمماثلة أو المحرمية أو نحو ذلك، فانه دليل على انه ليس من القائلين بالجواز. واما في الملحقات ففى كتاب القضاء في الفصل الخامس عشر في المسألة 13 في التنازع في صحة العقد وفساده في ذيل رد من استدل للصحة بالايات والاخبار الدالة على حمل فعل المسلم على الصحة، قال كما لا وجه للتمسك له بالعمومات إذ مع الاغماض عن كون الشبهة مصداقية قد يكون هناك اصل يثبت موضوع المخصص المعلوم كاصالة عدم البلوغ واصالة عدم التعيين ونحوهما. واما النسبة الى المشهور فقد افاد المحقق النائيني (ره) ان مسألة جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وعدمه لم تكن محررة في كلام المشهور، وانما نسب إليهم ذلك من جهة ذهابهم الى الضمان، فيما إذا دار الامر بين كون اليد عادية وكونها غير عادية، فحيث توهم انه لا مدرك لذلك سوى عموم ما دل على ضمان اليد الخارج عنه اليد الامانية غير العادية، مع انه يمكن ان يكون مدركهم التمسك بالاصل واحراز موضوع الضمان بضم الوجدان إليه كما يستفاد ذلك من كلمات المحقق الثاني، بدعوى ان موضوع الضمان مركب من الاستيلاء على مال الغير وعدم رضاه بذلك، والمفروض ان

[ 319 ]

الاستيلاء على مال الغير محرز بالوجدان وعدم رضاه بذلك محرز بالاصل وبضم الوجدان الى الاصل يتم الموضوع المركب فيترتب عليه الضمان، فهذه النسبة ايضا غير ثابتة، واما النسبة الى الشهيد الثاني فهى ايضا غير صحيحة لان الظاهر من استدلاله انه يرى الخنثى المشكل صنفا ثالثا غير الرجل والمرئة، فانه قال خرج عن العموم المرئة و بقى الباقي ولم يقل من علم كونه امرأة، وبالجملة فالقائل بالجواز مطلقا غير ثابت. نعم، لو صح ما نسب الى العلامة من التمسك بعموم ما دل على وجوب الغض للحكم بعدم جواز النظر الى من شك في كونه مماثلا كان هو من القائلين به. وعن الشيخ الاعظم الانصاري انه قد فصل بين ما كان المخصص لفظيا وما كان لبيا، فعلى الاول لا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، دون الثاني، وتبعه المحقق الخراساني (ره). فالكلام يقع في مقامين. الاول: فيما إذا كان المخصص لفظيا. والثانى: ما إذا كان لبيا. اما المقام الاول: فالاظهر عدم جواز التمسك بالعام، في الشبهة المصداقية: لانه قد مر مرارا انه لا يمكن التمسك باى دليل ما لم يحرز موضوعه ولا يكون حجة بدون ذلك، ولذا لو شك في مايع انه خمر أو غير خمر لا يجوز التمسك بعموم ما دل على حرمة شرب الخمر، بل يرجع الى اصالة البرائة وهذا من الوضوح بمكان، وعليه ففى المقام، قبل ورود الخاص كان العام بحسب الظاهر تمام الموضوع للحكم، وبعد وروده وتقديمه على العام تكون حجية العام مختصة بغير المعنون بعنوان الخاص - وبعبارة اخرى - يكون عنوان العام جزء الموضوع والجزء الاخر عدم عنوان الخاص، فكما انه لو شك في صدق عنوان العام، لا يجوز التمسك بالعموم، للشك في الموضوع كذلك، لو شك في عنوان الخاص، إذ لا فرق بين الشكين في كونهما شكا في الموضوع المانع عن التمسك باصالة العموم. وقد استدل للجواز بوجوه. الاول: ان العام حجة فيما لا يزاحمه حجة اقوى، و عليه، فحيث ان الخاص لا يكون حجة في الفرد المشكوك فيه فلا مزاحم لحجية العام

[ 320 ]

فيه، إذ اللاحجة لا يصلح لمزاحمة الحجة. وفيه: ان الخارج عن تحت العام لا يكون هي الافراد الخارجية بما هي، بل الخارج هو العنوان الذى تضمنه دليل الخاص لكن لا مفهومه، بل واقع ذلك العنوان بلا دخل للخصوصيات الفردية، ولازم ذلك اختصاص حجية العام بغير مورد ذلك العنوان، فالفرد المشكوك فيه يكون نسبته الى العام والخاص على حد سواء، ولا يكون شئ منهما حجة فيه. الثاني: قياس المقام بالافراد المشكوك فيها من حيث اجمال مفهوم الخاص، فكما ان هناك يتمسك بعموم العام كذلك في المقام. وفيه: ان هناك حجية الخاص لا تكون في العنوان المشكوك شموله لافراد خاصة بل لفرض الشك في المفهوم واجماله تكون حجة في المقدار المتيقن، ولا يكون حجة في الزايد، مثلا لو تردد الفاسق بين كونه موضوعا لخصوص المرتكب للكبيرة، وشموله للمرتكب للصغيرة يكون الخاص، وهو لا تكرم الفساق حجة في خصوص القسم الاول، ولا يكون حجة في المرتكب للصغيرة، فهذا العنوان يكون باقيا تحت اكرم العلماء وهذا بخلاف ما نحن فيه فان الخاص حجة في تمام مدلوله وذلك العنوان يكون خارجا عن تحت العام. وبعبارة اخرى: ان لازم وجود الخاص الذى هو الكاشف الاقوى اختصاص الحكم المترتب على العام بالافراد التى لا ينطبق عليها العنوان الذى تضمنه دليل الخاص، ولا يدور قصر الحكم مدار انطباق عنوان المخصص على الفرد الخارجي، كى يتوهم عدم قصر الحكم بالنسبة الى الفرد الذى لا يعلم انطباق الخاص عليه. وان شئت قلت: ان القضية الحقيقية انما تكون متكفلة لاثبات الحكم على الافراد المفروض وجودها، ولا تكون متكفلة، لتطبيق الموضوع على الافراد الخارجية بل هو موكول الى المكلف. وعليه فلو كانت الشبهة مصداقية لا يكون العام حجة الا في غير عنوان الخاص، فكما يكون انطباق الخاص على هذا الفرد مشكوكا فيه، كذلك انطباق العام عليه مشكوك فيه، وقد عرفت ان دليل العام لا يتكفل للتطبيق، فلا يصح التمسك

[ 321 ]

به، واما في الشبهة المفهومية: فلا يعمل خروج الزايد عن مقدار المعلوم عن تحت العام، بفرض وجوده واعتبار عدمه في العام، فلا محالة يكون العام حجة بالقياس الى تلك الافراد أي الافراد المشكوك شمول الخاص لها. الثالث: قياس الاصول اللفظية بالاصول العملية، فكما انه لو شك في الحلية والحرمة يتمسك بمثل اصالة الحل كذلك: لو شك في اندراج الفرد المشكوك فيه في ما هو المراد من العام يتمسك بمثل اصالة العموم. وفيه: انه قياس مع الفارق: إذ الاصول العملية، مجعولة في فرض الشك في الواقع، وهذا بخلاف الاصول اللفظية، فانها واقعة في طريق احراز الواقع، وقد احرز ان الموضوع للحكم هو العام المعنون بغير عنوان الخاص، وكون فرد داخلا تحت عنوان العام بعد التخصيص وعدمه اجنبي عما هو مفاد اصالة العموم. الرابع: ان العام له عموم افرادي، واطلاق احوالى، مثلا، (اكرم العلماء) بعمومه الافرادى يدل على وجوب اكرام كل فرد، وباطلاقه الاحوالي يدل على وجوب اكرام كل فرد في جميع حالاته التى تفرض، ومن جملة حالاته كونه، معلوم العدالة، و معلوم الفسق، ومشكوك العدالة والفسق، وبورود المخصص، ك‍ (لا تكرم الفساق منهم) يعلم خروج الفسق وشك في خروج مشكوك الفسق والعدالة، فمقتضى اصالة العموم والاطلاق بقاء المشكوك فيه تحت الحكم. وفيه: ان المخصص انما يوجب تخصيص العموم الافرادى، واختصاص الحكم بغير افراد الفاسق واقعا، وهذا يوجب سقوط الاطلاق الاحوالي، لانه فرع حجية العام في العموم الافرادى. الخامس: قاعدة المقتضى والمانع، بتقريب ان عنوان العام من قبيل المقتضى لثبوت الحكم لكل فرد، وعنوان الخاص، انما هو من قبيل المانع، فإذا احرز المقتضى و شك في وجود المانع، لابد من الاخذ بالمقتضى بالفتح والبناء على ثبوته. وفيه: انه ان اريد بذلك ما يرجع الى مقام الاثبات والدلالة، بدعوى، ان ظهور العام مقتض للحجية، والمخصص مانع عنها، ومع الشك في تطبيق المانع على فرد،

[ 322 ]

يؤخذ بالمقتضى، لاوله الى الشك في وجود مزاحم لما هو حجة عليه في نفسه، فهو يرجع الى الوجه الاول الذى عرفت ما فيه، وان المخصص يوجب قصر حجية العام على غير مورد الخاص. وان اريد به ما يرجع الى مقام الثبوت، بتوهم ان عنوان العام مقتض، و عنوان الخاص مانع عنه، فيرد عليه مضافا الى انه لا دليل على هذه القاعدة من العقل أو الشرع، انه يمكن ان يكون في الواقع المقتضى قاصرا عن الشمول للافراد التى تنطبق عليها عنوان الخاص - وبعبارة اخرى - يكون المقتضى في الافراد التى لا ينطبق عليها عنوان الخاص. فتحصل: ان الاظهر عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لفظيا. واما ما عن التقريرات من الاحتجاج له بالاستصحاب فيما لو عمل بالعام في المشكوك بواسطة القطع باندارجه ثم طرأ الشك فيه، فهو على فرض جريانه تمسك بالاصل، لا بالعام. واما المقام الثاني: وهو ما إذا كان المخصص لبيا، فقد عرفت ان الشيخ ذهب الى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيه مطلقا. واختار المحقق الخراساني التفصيل بين ما إذا كان المخصص واضحا بمثابة صح للمتكلم ان يتكل عليه في مقام التخاطب، كما إذا كان من الاحكام الضرورية العقلية، فهو حينئذ كالمتصل، فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لانه حينئذ يكون كالقرينة المتصلة الموجبة لصرف الكلام عن العموم الى الخصوص، وبين ما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان حكما نظريا موقوفا ثبوته على مقدمات أو اجماع فيجوز. وقد ذكر في وجه الجواز والفرق بينه وبين المخصص اللفظى وجوها، احدها: انه إذا ورد عام، كقولنا (اكرم كل عالم) ورود من الشارع مخصص لفظي كقولنا (لا تكرم الفساق منهم) تكون الحجة الملقاة من المولى الى عبده اثنتين. احداهما العام، والاخرى الخاص. والخاص انما يوجب رفع اليد عن حجية العام بمقدار مدلوله، فالفرد المشكوك

[ 323 ]

فيه يكون نسبته اليهما على حد سواء، فلا يصح الاخذ باحداهما دون الاخرى، واما في المخصص اللبى فالحجة الملقاة من المولى حجة واحدة، لابد من اتباعها وعدم رفع اليد عنها الا بمقدار القطع الحاصل من تلك المقدمات، ومعلوم ان القطع بالعنوان لا يسرى الى المصاديق المشكوك فيها فهى مما يعلم عدم كونها موضوعا للحجية فبالنسبة إليها ليس في البين حجة على خلاف العام واقعا، فلا يجوز رفع اليد عن العام لانه بلا وجه. وفيه: اولا انه على هذا الوجه لا مورد للفرق بين ما هو كالمتصل وغيره، إذ في القسم الاول ايضا يجرى هذا البرهان بعينه، وبه يحرز عدم كون المشكوك فيه من افراد الحجة على خلاف العام، فلا وجه لدعوى عدم انعقاد ظهور للعام في العموم. وثانيا: انه (قده) سيصرح في مبحث الاستصحاب بسراية العلم الى الخارج، وعليه، فلو كان العلم متعلقا بعنوان واحتمل انطباق ذلك العنوان على الفرد الخارجي، يحتمل كونه موضوعا للعلم مثلا، لو علم بحرمة اكرام الفاسق، واحتمل كون زيد فاسقا يحتمل كونه موضوعا لما علم حرمة اكرامه، وعلى ذلك فلا فرق بين المخصص اللفظى واللبى. وثالثا: ان المخصص اللبى كاللفظى يوجب تقييد المراد الواقعي، وعدم كون الموضوع الواقعي هو العام بما هو بل مقيدا بقيد خاص، ففى الافراد المشكوك فيها، وان كان عدم حجية الخاص معلوما، الا ان دخولها في موضوع ما هو حجة من مفاد العام غير معلوم، فلا يمكن التمسك به. ثانيها: ان الفرق بين الموردين يظهر من عدم صحة مؤاخذة المولى، إذا ورد (اكرم جيراني) ثم قال (لا تكرم اعدائي من جيراني) لو لم يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته، وهذا بخلاف ما إذا لم يرد الخاص بل علم من الخارج انه لا يريد اكرام اعدائه من جيرانه، وشككنا في عداوة بعض جيرانه ولم يكرمه فانه يستحق المؤاخذة حينئذ على ترك اكرامه. ويرد عليه ان ذلك دعوى لا شاهد لها، بل بنظر العقلاء الذى هو المعيار في هذا الباب، لا فرق بين الموردين اصلا.

[ 324 ]

ثالثها: ما ذكره بقوله وبالجملة كان بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة الى المشتبه هيهنا بخلافه هناك، وهذه ايضا دعوى بلا بينة ولا شاهد. رابعها: ما ذكره في التقريرات، ومنها اخذ المحقق الخراساني، وذكره في آخر كلامه، وحاصله ان الرجوع الى العام فيما إذا كان المخصص لبيا، يوجب رفع الشك عن المصداق المشتبه للخاص، فيقال في مثل (لعن الله بنى امية قاطبة) ان فلانا وان شك في ايمانه يجوز لعنه، لمكان العموم وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمنا فينتج انه ليس بمؤمن. ويرده، انه إذا ورد عام مثل (لعن الله بنى امية قاطبة) فتارة يعلم ان في بنى امية مؤمنين، واخرى يشك في ذلك، وما افاده يتم في الفرض الثاني، و محل الكلام هو الفرض الاول الذى يعلم بعدم بقاء العام على ظهوره في العموم، وورد التخصيص عليه، غاية الامر انه مردد بين الاقل والاكثر. فتدبر. ثم ان المحقق النائيني اختار تفصيلا آخر فيما إذا كان المخصص لبيا، وهو ان ما يسمى بالمخصص العقلي أي المخصص غير اللفظى، ان كان بمعنى ما يوجب تقييد موضوع الحكم وتضييقه نظير تقييد الرجل في قوله (ع) (فانظروا الى رجل قد روى حديثنا) الخ، بكونه عادلا لقيام الاجماع على ذلك، فحاله حال المخصص اللفظى، واما إذا كان بمعنى ادراك العقل ما هو ملاك حكم الشارع، غير الصالح لتقييد الموضوع، إذ الملاك هو ما يترتب على الفعل المتأخر عن الحكم المتأخر عن وجود الموضوع، كما في قوله (ع) (لعن الله بنى امية قاطبة) مع حكم العقل بان ملاك لعنهم انما هو بغضهم لاهل البيت عليهم السلام، فالمؤمن منهم على تقدير وجوده كخالد بن سعيد لا يشمله اللعن المزبور، فيجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وذلك، لان احراز كون الملاك في جميع افراد العام انما هو من وظائف المولى إذ لا يصح له القاء العام الا مع احراز ذلك، ولو فرض العلم بعدم وجود الملاك في بعض الافراد لابد من حمل كلام الشارع الاقدس على انه لم يبينه لمصلحة هناك اقتضت ذلك، واما إذا شك في وجود الملاك وعدمه فنفس العموم يصلح لان يكون كاشفا عن وجوده في الفرد المشكوك فيه إذ مع عدم احرازه وجود الملاك في المشكوك فيه لما كان يلقى كلامه بنحو يشمله.

[ 325 ]

وفيه: انه إذا احرز العقل عدم وجود الملاك في فرد، فلا محالة يكون ذلك من جهة اشتماله على خصوصية أو فقده الخصوصية الموجودة في ساير الافراد، والا فلا يعقل احراز عدم الملاك فيه، وحينئذ ان كانت تلك الخصوصية معلومة تكون هي في الصورة الاولى وعدمها في الثانية قيدا للعام، فحال هذا القسم حال القسم الاول إذا شك في وجود تلك الخصوصية في فرد، وان لم تكن معلومة وكانت مرددة بين امور يكون المقام من قبيل دوران امر الخاص بين المتباينين. تذييل في استصحاب العدم الازلي وقد اختلف المحققون في انه، هل يمكن احراز دخول الفرد المشتبه في افراد العام باجراء الاصل في العدم الازلي بعد عدم امكان التمسك بعموم العام بالاضافة إليه ام لا ؟ فذهب المحقق الخراساني (ره) الى القول الاول وتبعه جماعة، والمحقق النائيني الى الثاني وتبعه جماعة آخرون. وليعلم ان محل الكلام في المقام ما إذا كان المخصص ذات عنوان وجودي و موجبا لتقييد موضوع العام، كالمخصص المنفصل كما لو قال (اكرم العلماء) وقال بدليل منفصل (لا تكرم فساقهم) أو كالاستثناء من المتصل نظير (اكرم العلماء الا الفساق منهم) أو (المرئة تحيض الى خمسين، الا القرشية) واما إذا كان متصلا بالكلام على وجه التوصيف كما لو قال (اكرم العلماء العدول أو غير الفساق) أو (المرئة غير القرشية تحيض الى خمسين) أو ما شاكل فهو خارج عن محل الكلام، فانه لا اصل يحرز به حال الفرد المشتبه، الا إذا كان لنفس القيد حالة سابقة عدما أو وجودا مع وجود الموضوع. وقد استدل المحقق الخراساني لما اختاره: بانه في محل الكلام، يكون الباقي تحت العام غير معنون بعنوان خاص، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص، فيمكن احراز المشتبه منه بالاصل الموضوعي في غالب الموارد، وبه يحكم عليه بحكم العام، مثلا إذا شك ان امرأة تكون قرشية أو غيرها فلا اصل يحرز به انها قرشية أو غيرها لانه

[ 326 ]

ليس زمان تكون المرئة موجودة وعلم اتصافها باحدهما ثم شك فيه، الا ان اصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين القريش تجدى في تنقيح انها ممن لا تحيض الا الى خمسين، لان المرئة التى لا يكون بينها وبين القريش انتساب ايضا باقية تحت ما دل على ان المرئة انما ترى الحمرة الى خمسين، والخارج عن تحته هي القرشية. فملخص ما يدعيه ان مثل التخصيص المزبور، انما يوجب تعنون الموضوع في العام بعدم كونه متصفا بذلك الوصف الذى اخذ في المخصص، بمعنى اعتبار عدم اتصاف العام بالوصف الوجودى المأخوذ في ناحية الخاص، وهذا هو المراد من قوله بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص، أي كل عنوان وجودي أو عدمي فرض تحققه في طرف العام، فهو لا ينافى ثبوت الحكم له، الا العنوان المأخوذ في الخاص، ولا يضر وجوده ولا عدمه، وليس مراده دخل كل عنوان في الحكم، وعليه فيجرى استصحاب عدم تحقق الوصف والعنوان المأخوذ في الخاص، وفى المثال استصحاب عدم القرشية المتحقق قبل تولد تلك المرئة في الخارج ويثبت به انها غير متصفة بالقرشية فتكون باقية تحت دليل العام الدال على ان المرئة تحيض الى خمسين عاما، لان الموضوع في العام الباقي تحته مركب من امرين، كونها مرئة، وعدم انتسابها الى قريش، والاول محرز بالوجدان، والثانى بالاصل فبضم احدهما الى الاخر، يتم الموضوع. واورد عليه تارة، بان المخصص المنفصل المذكور يوجب تعنون العام بعنوان خاص وجودي مضاد لعنوان الخاص، وهو المنسوب الى الشيخ الاعظم. واخرى بان الباقي تحت العام بعد التخصيص حسب ظهور دليله هي المرئة التى لا تكون قرشية على نحو مفاد ليس الناقصة، فالتمسك باستصحاب العدم ان كان المراد استصحاب العدم النعتى، فهو لا يجرى لعدم الحالة السابقة، وان كان المراد العدم المحمولي فهو وان كان يجرى فيه الاصل الا انه لا يثبت به العدم النعتى الذى هو المأخوذ في الموضوع الا على القول بالاصل المثبت كما عن المحقق النائيني (ره). وثالثة: بان العام لا يتعنون من جهة الخصيص ويكون التخصيص نظير موت فرد من افراد الموضوع فانه وان اوجب قصر الحكم بالباقي الا انه لا يوجب تعنونه بعنوان

[ 327 ]

آخر زايدا عما كان عليه، ومع ذلك فاستصحاب العدم انما يصلح لرفع حكم الخاص لا لاثبات حكم العام كما عن المحقق العراقى (ره). وتنقيح القول في المقام بنحو يثبت صحة ما افاده المحقق الخراساني (ره) من جريان الاصل في العدم الازلي الذى يترتب عليه ثمرات عديدة، وعدم ورود شئ من ما اوردوه عليه يتوقف على بيان مقدمات. الاولى: ان الوجود والعدم، تارة يضافان الى الماهية ويقال انها موجودة أو معدومة - وبعبارة اخرى - ان الماهية متاصلة كانت كالجواهر والاعراض ام غيرها، لا تخلو من ان تكون موجودة أو معدومة ولا ثالث، والا لزم ارتفاع النقيضين، فكما يقال في الجوهر انه اما موجود أو معدومه كذلك يقال في العرض كالبياض انه اما موجود أو معدوم، ويعبر عن هذين بالوجود والعدم المحموليين، وبمفادي كان وليس التامتين و هما ثبوت الشئ وسلبه. واخرى يلاحظ وجود العرض بالاضافة الى معروضة وموضوعه لا الى ماهيته، أو عدمه بالاضافة إليه، ويعبر عنها بمفادى كان الناقصة وليس الناقصة، والوجود والعدم النعتيين، وهما ثبوت شئ لشئ ونفيه عنه، وهذان أي الوجود والعدم كذلك، يحتاجان في تحققهما الى وجود موضوع خارجي في الخارج ولا يعقل تحققهما بدونه، ويكونان من هذه الناحية كالعدم والملكة، فكما ان عدم الملكة يحتاج الى محل قابل للاتصاف بالملكة، كذلك العدم النعتى، وعلى الجملة ان الوجود والعدم النعتيين لا يعقل تحققهما بدون الموضوع الخارجي، ولذلك قالوا ان ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، و من هنا يمكن ارتفاعهما بارتفاع موضوعهما من دون ان يلزم ارتفاع النقيضين، وهذا بخلاف الوجود والعدم المحموليين حيث انه لا يمكن ارتفاعهما معا فانه من ارتفاع النقيضين. فالمتحصل ان الوجود والعدم النعتيين، يحتاجان في تحققهما الى موضوع خارجي، والعدم الثابت قبل تحقق الموضوع غير هذا العدم. الثانية: ان الموضوع أو المتعلق ان كان مركبا من امور متعددة، فتارة يكون مركبا

[ 328 ]

من جوهرين، أو عرضين، أو جوهر وعرض ثابت، ولو في غير ذلك الجوهر، واخرى يكون مركبا من العرض ومحله، وثالثة يكون مركبا من المعروض وعدم العرض. ففى القسم الاول: يكون الدخيل هو ذوات اجزاء المركب، أي كل واحد من تلك الامور المأخوذة - وبعبارة اخرى - الوجودات التوأمة بلا دخل لعنوان آخر من قبيل عنوان اجتماعهما في الوجود، وغير ذلك في الموضوع أو المتعلق، ولذا إذا كان بعضها محرزا بالوجدان، والاخر مستصحبا يترتب عليه الاثر، كما لو فرضنا ان موضوع وجوب الاكرام، هو العالم في يوم الجمعة، فلو احرز كون اليوم يوم الجمعة، واستصحب عالمية زيد التى هي متيقنة سابقا ومشكوك فيها لاحقا يترتب عليه الاثر وهو وجوب الاكرام. ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم المركب، لا لان الشك في بقاء عدم المركب مسبب عن الشك في وجود اجزائه، فإذا جرى الاصل فيه لا تصل النوبة الى جريان الاصل في المسبب، كما عن المحقق النائيني (ره)، فان السببية في المقام ليست شرعية، فلا يكون الاصل في السبب حاكما على الاصل في المسبب. بل: لان المركب من حيث انه مركب بوصف الاجتماع، لا يكون موضوعا للحكم، وانما هو مترتب على ذوات الاجزاء المجتمعة، ولا شك فيها بعد ضم الوجدان الى الاصل. نعم، إذا كان وصف المقارنة أو غيرها دخيلا في الحكم يجرى استصحاب العدم، ويترتب عليه عدم الحكم، ولا يعارض باستصحاب وجود الجزء وضمه الى الوجدان كما لا يخفى. وفى القسم الثاني: لا بد من اخذ الموضوع هو المعروض المتصف بذلك العرض، لا مجرد وجود المعروض والعرض، واجتماعهما في الوجود، وذلك لان وجود العرض في نفسه وجود في الغير وعين وجوده لموضوعه وعليه، فان اخذ وجود العرض في الموضوع، بما هو شئ في نفسه ولم يلاحظ كونه في الغير، ووصفا له، فيخرج عن هذا القسم، ويدخل في القسم الاول، ولا بد من الالتزام بترتب الاثر وان كان العرض موجودا في غير هذا الموضوع وهو خلف الفرض، وان اخذ بما هو قائم بالذات وعرض، فلا محالة يعتبر العرض نعتا، ففى ترتب الحكم لا بد من احراز اتصاف الموضوع بالعرض

[ 329 ]

زايدا على احراز وجود الموضوع ووجود العرض، وفى مثل ذلك لا يمكن اجراء الاستصحاب واحراز الموضوع، الا إذا كان الوصف بوصف كونه نعتا مسبوقا بالحالة السابقة. وفى القسم الثالث: يمكن ان يكون الحكم مترتبا على عدم الوصف، بنحو النعتية، وبنحو الموجبة المعدولة، ويكون العدم رابطيا بمعنى اخذ خصوصية فيه ملازمة لعدم العرض، والا فلا معنى لكون العدم نعتا ومنتسبا ومرتبطا بشئ، فان الارتباط والنسبة من شئون الوجود، وفى مثل ذلك لا مورد لجريان الاستصحاب في العدم، واحراز الموضوع بضم الوجدان الى الاصل، ما لم يكن العدم بوصف النعتية مسبوقا باليقين إذ لا يثبت به العدم النعتى، لكون المستصحب هو العدم المحمولي واثبات العدم النعتى به من قبيل الاصل المثبت، مثلا، لو كان موضوع الحكم بالتحيض الى خمسين عاما، هي المرأة المتصفة بانها غير قرشية لا يجدى استصحاب عدم القرشية المتحقق قبل وجود المرأة لانه لا يثبت به اتصاف هذه المرأة بغير القرشية. ويمكن ان يكون الدخيل في الموضوع هو العدم المحمولي، بل هذا النحو هو الظاهر من القضايا المتضمنة لاخذ العدم في الموضوع، فان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، الا ان عدم العرض ليس كذلك، ولا يلزم ان يكون نعتا بل هو انما يكون بعدم نسبته الى موضوعه، وعدم تحقق العرض بنفسه، فلا يعتبر فيه ملاحظة النسبة بينه وبين الموضوع. وبالجملة، الربط وان كان مأخوذا في طرف الوجود، الا انه لا يكون ماخوذا في طرف العدم، وعلى ذلك فاخذ عدم العرض في الموضوع انما يكون بالطبع باخذه على ما هو عليه من كونه عدما محموليا لا عدما نعتيا، وفى مثل ذلك يجرى الاستصحاب في عدم الوصف الثابت قبل وجود الموضوع والمعروض، ويحرز الموضوع بضم الوجدان الى الاصل، ويترتب عليه الحكم، مثلا إذا كان الموضوع للتحيض الى خمسين عاما المرأة التى لا تكون متصفة بالقرشية، فباستصحاب عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش المتحقق قبل وجود المرأة، وضمه الى ما هو محرز بالوجدان، وهو وجود المرأة يثبت الحكم ويترتب عليه ذلك.

[ 330 ]

هذا فيما إذا احرز احد الامرين، ولو شك في مورد ان المأخوذ في الموضوع، هل هو العدم المحمولي، أو العدم النعتى، فقد يقال كما عن المحقق النائيني (ره) بان الاعتبارين متباينان، فليس احدهما متيقنا والاخر مشكوكا فيه فلا يمكن ترتيب اثر احدهما المعين، وهو غير تام: فان اعتباره نعتا يحتاج الى عناية زايدة بان يؤخذ في الذات خصوصية ملازمة لعدم الوصف، لما عرفت من ان العدم من حيث هو لا معنى لانتسابه وارتباطه فانهما من شئون الوجود. وعليه، فما لم يدل دليل على اخذه كذلك يتعين حمله على ان المأخوذ هو العدم المحمولي. الثالثة: انه إذا ورد عام ثم ورد خاص وكان عنوان الخاص من قبيل الاوصاف، كما إذا ورد (المرئة تحيض الى خمسين عاما) ثم ورد (ان القرشية تحيض الى ستين عاما) فهو يكون كاشفا عن تقييد المراد الواقعي، وعدم جعل الحكم للخاص من اول الامر واقعا، ولازم ذلك، ان ما ثبت له الحكم واقعا هو المقيد وملحوظا بنحو التقييد إذ مع عدم الاهمال في الواقع، وعدم الاطلاق يتعين التقييد. وذهب المحقق (ره) الى انه في مثل ذلك لا يتعنون العام من جهة التخصيص، واستدل له: بان خروج فرد كموته في الخارج فكما ان الموت يوجب قصر الحكم على الافراد الباقية من دون ان يعنون عنوان العام بعنوان آخر زائدا على ما كان عليه، كذلك إذا خرج فرد عن تحت العام بدليل خاص. وفيه: ان دليل التخصيص انما يوجب تضييق الموضوع في مقام الجعل، وانه لم يجعل الا على افراد لا تكون داخلة تحت دليل الخاص، وهذا بخلاف الموت، فانه يوجب عدم فعلية الحكم من دون ان يوجب تصرفا في مقام الجعل، وهذا هو الفارق بينهما، فالتخصيص يوجب التقييد ولكن دليل خاص لا يوجب تقييد العام بكونه متصفا بعدم ذلك الوصف ليكون الموضوع مركبا من الذات، وعدم الوصف بنحو العدم النعتى كى لا يجدى استصحاب عدمه الثابت قبل وجود الذات، وذلك: فان غاية ما يلزم من التخصيص وخروج عنوان عن تحت دليل العام كونه غير مطلق بالاضافة الى وجود ذلك الوصف ولا مقيدا بوجوده ولا مهملا، بل مقيدا بعدم اتصافه بوجوده، واما زايدا على

[ 331 ]

ذلك بان يعتبر النسبة بين الذات والعدم بالنحو المعقول فدليل التخصيص، لا يدل عليه، فلا وجه لاعتباره، والبرهان المتقدم على ان لازم اخذ عدم العرض في الموضوع أو المتعلق دخله فيه على نحو العدم النعتى، قد عرفت ما فيه. واما ما افاده المحقق النائيني (ره) برهانا عليه بانه إذا كان دليل التخصيص كاشفا عن تقييد ما ورافعا لاطلاق العام، فلا بد وان يكون ذلك باعتبار اوصافه ونعوته التى يكون انقسام العام باعتبارها في مرتبة سابقة على انقسامه باعتبار مقارناته، فيرجع التقييد الى التقييد بالعدم النعتى، إذ لو كان راجعا الى التقييد بعدم المقارنة للوصف على نحو مفاد ليس التامة، فاما ان يكون ذلك مع بقاء الاطلاق بالنسبة الى كون العدم نعتا، أو يكون ذلك مع التقييد بالاضافة الى العدم النعتى، وكلاهما باطل. اما الاول: فللزوم التدافع بين الاطلاق من جهة العدم النعتى، والتقييد بالعدم المحمولي. واما الثاني: فللزوم لغوية التقييد بالعدم المحمولي لكفاية التقييد بالعدم النعتى. فيرد عليه، اولا انه مع تحقق العام يكون كل من العدمين ملازما للاخر خارجا فلا يبقى مجال مع التقييد باحدهما للتقييد بالاخر أو الاطلاق بالاضافة إليه، وان شئت فقل ان انقسام العام بالاضافة الى نعوته واوصافه، وان كان في مرتبة سابقة على انقسامه بالاضافة الى مقارناته في طبعه، الا ان كونه كذلك في مقام الدخل في الغرض ولو في لحاظ المولى وفى مقام جعل الحكم ممنوع. وعليه، فعين البرهان المتقدم يجرى لو قيد العام بالعدم النعتى، ويقال، ان العام بالاضافة الى العدم المحمولي مطلق أو مقيد، وكلاهما باطل، و الحل ما ذكرناه. وثانيا: انه يمكن ان يختار الشق الاول على فرض التنزل وهو كونه مطلقا بالاضافة الى العدم النعتى، وليس معنى الاطلاق، دخل جميع القيود في الحكم حتى يلزم التدافع، بل معناه رفض القيود فلا تدافع. إذا حققت هذه المقدمات تعرف ان خروج الخارج عن تحت العام وهو في المثال عنوان القرشية يستلزم اخذ عدم ذلك العنوان في طرف العام على نحو التقييد بعدم اتصاف المرأة بذلك الوصف، فيكون الباقي بعد التخصيص هي المرئة التى لا تكون

[ 332 ]

متصفة بالقرشية. وعليه فلو شك في كون امرأة قرشية لا مانع من التمسك باستصحاب عدم القرشية المتحقق قبل تولد المرأة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيثبت الموضوع المركب من وجود المرأة، وعدم اتصافها بالوصف الذى هو الموضوع للعام بعد التخصيص. فالمتحصل ان ما افاده المحقق الخراساني متين لا يرد عليه شئ مما اوردوه عليه، فالاصل في العدم الازلي يجرى. ثم ان المحقق النائيني (ره) اورده على المحقق الخراساني بايرادات اخر. منها: ان ما افاده من ان العام يكون معنونا بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص، يناقض ما افاده في صدر كلامه من ان العام بعد التخصيص لا يكون معنونا بعنوان خاص. وفيه: ما عرفت من ان مراده بقوله، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص، ان التخصيص يوجب تعنون الموضوع وتقيده بعدم كونه متصفا بذلك الوصف الوجودى - وبعبارة اخرى - كل عنوان وجودي أو عدمي فرض تحققه في طرف العام، فهو لا ينافى ثبوت الحكم له، الا العنوان المأخوذ في الخاص ولا يضر وجوده ولا عدمه، فلا تناقض بين كلماته. ومنها: جعله التخصيص بالمتصل إذا كان بالاستثناء كالمخصص المنفصل في عدم كونه موجبا لتعنون العام بعنوان خاص، غير صحيح فان المخصص المتصل انما يوجب انعقاد الظهور التصديقي في غير عنوان الخاص، وقد اعترف هو (قده) بذلك. وفيه: ان مراده بما ذكره ان التخصيص بالاستثناء لا يوجب تعنون العام بعنوان خاص، بل غاية ما يترتب عليه، اعتبار عدم اتصاف العام بالوصف المأخوذ في الخاص، و هذا لا ينافى مزاحمة المخصص للدلالة التصديقية فيما قال، لدليل العام كما لا يخفى. ومنها: انه (ره) عدل عن اجراء اصالة العدم في نفس عنوان القرشية المأخوذ في لسان الدليل الى اجراء اصالة العدم في العنوان الانتزاعي، وهو عنوان الانتساب الى قريش وهذا لا وجه له.

[ 333 ]

وفيه: ان عنوان القرشية، والانتساب الى قريش، امر واحد والاختلاف انما هو في التعبير. كلام للمحقق الخراساني ثم ان المحقق الخراساني ذكر في الكفاية، انه ربما يظهر من بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك في فرد لا من جهة احتمال التخصيص، بل من جهة اخرى كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمايع مضاف فيكشف صحته بعموم مثل (اوفوا بالنذور) فيما إذا وقع متعلقا للنذر، بان يقال وجب الاتيان بهذا الوضوء وفاءا للنذر للعموم وكلما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا للقطع بانه لولا صحته لما وجب الوفاء به، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الاحرام والصيام قبل الميقات وفى السفر إذا تلعق بهما النذر ثم اخذ في النقد على ذلك. وتمام الكلام في المقام بالبحث في موارد: الاول: ان ما ذكره هذا البعض من التمسك بعموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر هو بعينه التمسك بالعام في الشبهة المصداقية غاية الامر مع اثبات ان المشكوك فيه من الافراد الباقية تحت العام لا الافراد الخارجة الذى اعترف المحقق الخراساني بانه يثبت به. توضيح ذلك: ان اوفوا بالنذر انما يكون عاما، ومقتضى عمومه وجوب الوفاء بكل نذر، خرج عنه ما إذا كان المتعلق غير راجح في نفسه، فإذا شك في رجحان الوضوء بالماء المضاف وعدمه، لاجل عدم الدليل، فيشك في كون النذر المتعلق به مما يجب الوفاء به ام لا ؟ فيتمسك بالعموم بناءا على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و يحكم بلزوم الوفاء بالنذر المتعلق بالوضوء بالمضاف، ويترتب عليه صحة الوضوء به، إذ لو لم يكن صحيحا لما وجب الوفاء به، وعلى ذلك، فلا مورد لهذا الاستيحاش من صاحب الكفاية مع انه ممن يرى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا.

[ 334 ]

الثاني: انه (قده) افاد انه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكفلة لاحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها، إذا اخذ في موضوعاتها احد الاحكام المتعلقة بالافعال بعناوينها الاولية كما هو الحال في وجوب الوفاء بالنذر، وملخص ما ذكره ان العنوان الثانوي المأخوذ في موضوع الحكم الشرعي، قد يكون موضوعا لحكمه مطلقا، وقد يكون موضوعا له إذا كان العنوان الاولى للموضوع محكوما بحكم خاص، وان كان على النحو الثاني كما في النذر، فانه موضوع لوجوب الوفاء إذا كان المنذور محكوما بحكم خاص، وكونه راجحا لا مطلقا، وشك في ثبوت ذلك الحكم الخاص، وهو رجحان المنذور في نفسه لا مورد للتمسك بالعموم، لان الشك حينئذ شك في الموضوع ومعه لا مورد للتمسك بعموم الحكم، وان كان على النحو الاول، فان شك في ثبوت حكم العام للفرد، صح التمسك بالعموم لاثباته كما في العناوين الاولية، وحينئذ ان كان محكوما بعنوانه الاولى بغير حكمه بالعنوان الثانوي، وقعت المزاحمة بين المقتضيين، ويؤثر الاقوى منهما لو كان، والا لم يؤثر احدهما ويحكم بحكم آخر كالاباحة إذا كان احدهما مقتضيا للوجوب والاخر مقتضيا للحرمة. اقول في كلا شقى كلامه نظر: اما الاول: فلما مر من كون ذلك تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، وعليه، فما ذكره وان صح على ما بنينا عليه من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقا، لكنه لا يتم على مسلكه، بل عليه ان يقيد جوابه بانه لا يجوز التمسك لو كان دليل اعتبار رجحان المنذور متصلا، أو منفصلا لفظيا، كما هو واضح. واما الثاني: فلان المورد داخل في باب التعارض لا التزاحم، إذ العنوانان منطبقان على موجود فارد لا وجه للرجوع الى مرجحات باب التعارض، وحيث ان النسبة بينهما عموم من وجه، فان كان دليل العنوان الثانوي حاكما على دليل العنوان الاولى، كما في لا ضرر بالنسبة الى دليل الوضوء مثلا، فيقدم هو، والا فلا بد من اعمال قواعد التعارض بين العامين من وجه المذكورة في محله. مع، ان ما ذكره في المقام، ينافى ما اختاره، من عدم مزاحمة ادلة العناوين الاولية لادلة العناوين الثانوية، وان التوفيق العرفي

[ 335 ]

يقتضى تقديم الثانية مطلقا. الثالث: ان المحقق الخراساني ذكر في وجه صحة الصوم في السفر بنذره فيه بناءا على عدم صحته فيه بدونه، وكذا الاحرام قبل الميقات امورا، الاول: ان صحتهما انما تكون لديل خاص كاشف عن رجحانهما ذاتا في السفر وقبل الميقات وانما لم يؤمر بهما لمانع يرتفع مع النذر. وفيه: ان المانع من الامر بهما، ان كان هي المفسدة التى بقدرها أو ازيد فهما ليسا راجحين فلا يجب الوفاء بالنذر المتعلق بهما، فان قلت بعد تعلق النذر يصيران كذلك، قلت فيرجع هذا الجواب الى الجواب الثاني، وان كان غيرها، بمعنى ان هناك مانع عن البعث فلا بد وان يلتزم بصحة الصوم في السفر، والاحرام قبل الميقات لو اتى بهما بقصد المحبوبية من دون قصد الامر، ولم يلتزم بذلك فقيه. الثاني: ان دليل صحتهما يكشف عن عروض عنوان راجح عليهما ملازم لتعلق النذر بهما. وفيه: ان ذلك العنوان الحسن الذى يصير الفعل راجحا، انما يستحق فاعله المدح إذا اتاه عن قصد لما تقدم مرارا من ان العناوين التى يختلف بها حسن الفعل وقبحه كعنواني التاديب، والتشفي، المنطبقين على ضرب اليتيم، لابد وان تقصد والا لا يقع الفعل حسنا، والقصد يتوقف على العلم، وحيث ان ذلك العنوان مجهول ومغفول عنه، فلا يكون سببا لرجحان الفعل وعباديته. الثالث: انه يكفى الرجحان الطارى عليهما من قبل النذر في عباديتهما بعد تعلق النذر باتيانهما عبادة أو متقربا بهما منه تعالى وان لم يتمكن من اتيانهما كذلك قبله، الا انه يتمكن منه بعده ولا يعتبر في صحة النذر، الا التمكن من الوفاء ولو بسببه، والشاهد على كفاية ذلك في المقام النص الخاص المخصص لعموم دليل اعتبار الرجحان في متعلق النذر. وفيه: انه ان اريد من الرجحان الطارى من قبل النذر انطباق عنوان راجح على المنذور، بعد النذر، فيرد عليه ما اوردناه على الوجه الثاني، بل مرجعه إليه، وان اريد

[ 336 ]

منه الرجحان الطارى بسبب النذر من حيث انه يوجب تعلق الامر النذرى به فيصير راجحا فيرد عليه: انه ينافى ما ذكره سابقا من ان الامر النذرى توصلي لا يعتبر في سقوطه الا الاتيان بالمنذور باى داع كان. نعم، يتم هذا الوجه بناءا على ما حققناه في محله من ان التعبدية والتوصلية ليستا من صفات الامر والوجوب، بل هو فيهما على نسق واحد وسنخ فارد، وانما هما من صفات الواجب، إذ الغرض منه، تارة يحصل لواتى به بقصد القربة، واخرى يحصل لواتى به باى داع كان، والاول تعبدي والثانى توصلي، وعليه فسقوط الامر بالوفاء بالنذر في التعبدية والتوصلية تابع للمنذور، فان كان عباديا لا يسقط الا إذا اتى به بقصد القربة، والا فيسقط باى داع كان، وفى المقام بما ان المنذور يكون الاتيان بهما عبادة، فلا يسقط الامر بالوفاء الا باتيانهما كذلك فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال، وبالجملة ان صحة الاحرام قبل الميقات وصحة الصوم في السفر من جهة النذر انما هما من ناحية الروايات الخاصة الدالة على صحتهما كذلك. وعليه فاما ان يجعل هذه الروايات مخصصة، لما دل على اشتراط صحة النذر برجحان متعلقه، واما ان يكون نذر الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر ملازما واقعا لجهة موجبة للرجحان، أو يكون النذر الجامع لشرائط الصحة سوى شرط الرجحان موجبا لرجحان المتعلق، وعلى أي تقدير لا يكون ذلك دليلا على صحة التمسك بادلة وجوب وفاء بالنذر في مسألة الوضوء مثلا، بل ولا يصلح للتأييد، إذ غاية ما قيل في وجه التأييد احتمال كشف النص الخاص عن صلاحية عموم الوفاء بالنذر، لاقتضاء الصحة ولو في حال النذر، ولكنه كما ترى فان مرجع ما ذكر الى كشف النص عن ان النذر يوجب قلب حكم العنوان الاولى، ويؤثر في صحة المتعلق بعد فرض العلم بالبطلان قبل النذر، وهذا غير مربوط بما هو محل البحث والكلام من الشك في دخوله في المخصص، وارادة اثبات صحته بما دل على وجوب الوفاء بالنذر بعد التمسك بعمومه، لا قلب الحكم المترتب على العنوان الاولى.

[ 337 ]

التمسك بالعام مع معلومية الحكم بقى امران، الاول: إذا علم ان فردا محكوم بحكم خلاف حكم العام، وشك في انه من مصاديق العاف قد خصص العام به، ام لا ؟ كما إذا علم ان زيدا لا يجب اكرامه، وشك في انه عالم فقد خصص ما دل على وجوب اكرام كل عالم، أو جاهل يكون خروجه عنه تخصصا، فهل يجوز التمسك، باصالة العموم، واصالة عدم التخصيص، لاحراز عدم كونه من مصاديق العام، بحيث يترتب عليه ساير ما لغير موضوع العام من الاحكام ام لا ؟ قولان. فعن الشيخ الاعظم اختيار القول الاول، وهو الظاهر من جماعة من الفقهاء حيث تمسكوا، بما دل على طهارة ملاقي ماء الاستنجاء من الروايات على طهارة الماء نفسه بدعوى انه لو كان نجسا لصار سببا لنجاسة ملاقيه، أو كان مخصصا لعموم ما دل على ان الملاقى للماء النجس نجس، فبضم اصالة العموم في ذلك الدليل، بما دل على طهارة ملاقي ماء الاستنجاء يحكم بانه طاهر. ونظيره تمسك الاصوليين باطلاقات التخدير على مخالفة الامر (فليحذر الذين يخالفون عن امره) لاثبات ان الامر الندبى لا يكون امرا حقيقيا. والمحقق الخراساني في مبحث الصحيح والاعم ذهب هذا المسلك حيث استدل على كون الصلاة اسما لخصوص الصحيحة بالاخبار المتضمنة لترتب الاثار على الصلاة، ولكنه في المقام استشكل في جواز التمسك باصالة العموم، وقد استدل للجواز بوجهين: الاول: ان ظاهر مثل اكرم العلماء جعل الملازمة بين عنوان العالم، ووجوب الاكرام، فكما ان مقتضى طرد القضية ثبوت الحكم كلما ثبت الموضوع كذلك قضية عكسها انتفاء الموضوع كما انتفى الحكم. وفيه: ان ظاهر القضية جعل الحكم من لوازم ثبوت الموضوع، لا التلازم من الطرفين. الثاني: انه من القواعد المنطقية المسلمة انه من لوازم القضية الموجبة الكلية عقلا

[ 338 ]

عكس نقيضه، مثلا من لوازم قولنا (كل انسان حيوان)، (كل ما ليس بحيوان ليس بانسان) فمن لوازم اصالة العموم الجارية في العمومات عكس نقيض القضية، مثلا من لوازم (اكرم كل عالم) انه كل من لا يجب اكرامه ليس بعالم، وحيث ان اصالة العموم من الاصول اللفظية، والامارات فتكون حجة في لوازمها، فيثبت باصالة العموم، عدم فردية ما علم انه غير مشمول لحكم العام من مصاديق العام. وفيه: ان مدرك حجية اصالة العموم انما هو بناء العقلاء، فلا بد من ملاحظة ثبوت هذا البناء في كل مورد بالنسبة الى مداليل الكلام، إذ لم يرد دليل خاص على حجية مثبتات الامارات، كى يتمسك باطلاقه، وعلى ذلك فبناء العقلاء، انما هو على حجية اصالة العموم في مدلولها المطابقى، والمدلول الالتزامى في فرض ثبوت الدلالة المطابقية، فلو شك في شمول الحكم لفرد تجرى اصالة العموم، ويترتب عليها الحكم ولوازمه، واما مع العلم بعدم شمول الحكم لفرد، فلا دليل على حجية اصالة العموم الجارية بالنسبة الى ساير الافراد في اثبات عدم فردية هذا المشكوك فيه، وان شئت قلت ان حجية الامارة في مثبتاتها تابعة لمقدار دلالة دليل تلك الامارة، وفى المقام لم يثبت بناء من العقلاء على حجية اصالة العموم بالنسبة الى مثل هذا اللازم، فتحصل ان الاظهر عدم جواز التمسك باصالة العموم في المقام. الثاني: انه إذا دار امر ما علم خروجه عن حكم العام بين فردين احدهما فرد للعام، والاخر ليس فردا له، كما إذا ورد (لا تكرم زيدا) وتردد زيد بين زيد العالم، وغيره من ناحية الشبهة المفهومية، فهل يجوز التمسك باصالة العموم لاثبات وجوب اكرام زيد العالم، ام لا يجوز ؟ فيه وجهان. اظهرهما الاول: لفرض ان الشك يكون في خروج فرد من العام المعلوم فرديته عن حكم العام، وبذلك يثبت ان زيد الجاهل محكوم بعدم وجوب الاكرام: والسر في ذلك ما تقدم من ان مورد التمسك باصالة العموم، العلم بالفردية والشك في الحكم، و انما لم نتمسك بها في المسألة السابقة من جهة انه كان هناك الحكم معلوما وكان الشك في الفردية وفى هذه المسألة الامر بالعكس.

[ 339 ]

واستدل للقول الثاني بان العلم الاجمالي بحرمة اكرام احدهما المردد بين العالم والجاهل موجب لترك اكرامهما، واصالة العموم لا توجب انحلاله لعدم تكفلها لبيان حال الافراد بخلاف الامارة القائمة على ان زيد العالم يجب اكرامه. وفيه: ان لاصالة العموم مدلولين مطابقيا، والتزاميا، والاول وجوب اكرام زيد العالم، والثانى انتفاء الحرمة عنه، واثباتها لزيد الجاهل باعتبار حجيتها في مثبتاتها فلا محالة ينحل العلم الاجمالي بعلمين تفصيليين، هما، العلم بوجوب اكرام زيد العالم، والعلم بحرمة اكرام زيد الجاهل. اللهم الا ان يقال انه لا اطلاق لدليل حجية اصالة العموم ليثبت به حجيتها في مثبتاتها كما تقدم، فتدبر فان المسألة غير خالية عن الاشكال. العمل بالعام قبل الفحص الفصل الثاني: المشهور بين الاصحاب عدم جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص، وعن النهاية دعوى الاجماع عليه، وعن ظاهر التهذيب اختيار الجواز وتبعه جماعة، ونقل التفصيل بين ضيق الوقت، فالجواز وبين عدمه فالمنع عن بعض. وتنقيح القول بالبحث في موارد: الاول، في الاخذ بالعام قبل الفحص عن المخصص. الثاني، في مقدار الفحص. الثالث، في انه هل هناك فرق بين احتمال المخصص المتصل، والمنفصل ام لا ؟ الرابع، في انه هل هناك فرق بين الفحص هنا، و الفحص في موارد الاصول العملية، ام لا ؟ اما المورد الاول: فقد استدل لعدم جواز التمسك بعموم العام قبل الفحص عن المخصص بوجوه: الاول: ما عن المحقق القمى (ره): وهو ان خطابات الكتاب والسنة مختصة بالمشافهين ولابد لاثبات الحكم للغائبين والمعدومين من التمسك بدليل قانون الاشتراك في التكليف، ومعلوم ان التمسك بهذا القانون يتوقف على تعيين حكم

[ 340 ]

المشافهين من تلك الخطابات وانه عام أو خاص، وتعيين ذلك يتوقف على الفحص فإذا يجب الفحص على غير المشافهين. وفيه: اولا ان كثيرا من الادلة المتضمنة لبيان الاحكام ليست بطريق الخطاب، وانما وردت على نحو القضية الحقيقية، وبديهى انها لا تختص بالمشافهين، فهل يتوهم ان قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله عز وجل: (احل الله البيع و حرم الربوا) وما شاكل. تكون مختصة بالمشافهين، وثانيا ان الخطابات الشرعية غير مختصة بالمشافهين كما سيمر عليك. الثاني: ما عن الزبدة وهو ان الظن بالمراد لا يحصل قبل الفحص، وحجية اصالة العموم مختصة بما إذا حصل الظن بالمراد، فيجب الفحص تحصيلا للظن. وفيه: ان حجية اصالة العموم، انما هي من باب افادة الظن النوعى، دون الشخصي، بل هي حجة وان قام الظن الشخصي على الخلاف، اضف إليه انه اخص من المدعى إذ ربما يحصل الظن قبل الفحص. الثالث: الاجماع، ويرده ان الاجماع على فرض وجوده معلوم المدرك فلا يكون حجة. الرابع: ما عن الشيخ الاعظم (قده) وهو ان كل من يتصدى للاستنباط يعلم اجمالا بورود مخصصات كثيرة للعمومات الواردة في الكتاب والسنة ومقتضى ذلك عدم جريان اصالة العموم في شئ من الموارد، الا بالفحص وخروج العام، عن اطراف العلم الاجمالي. واورد عليه بايرادين، احدهما: ان لازم ذلك هو عدم جواز العمل بالعام لو تفحص عن الخاص في الكتب المعتمدة ولم يظفر به ولكن احتمل وجوده في كتب اخرى فان العام لا يخرج عن الطرفية للعلم الاجمالي الا إذا علم بعدم تخصيصه. وفيه: ان لنا علمين اجماليين، احدهما العلم بوجود مخصصات في ضمن الروايات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام، ثانيهما العلم بوجودها في ضمن خصوص الروايات الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة في الابواب المناسبة للمسألة،

[ 341 ]

والعلم الاجمالي الاول وان كان مقتضاه ما ذكر لو كان وحده، لكنه ينحل بالعلم الاجمالي الثاني الاصغر منه، ضرورة انه لا علم اجمالي بوجود المخصص في غير تلك الكتب فلا يكون مانعا عن التمسك بالعام إذا لم يكن الثاني مانعا كما لو تفحص في تلك الكتب ولم يظفر بالمخصص. ثانيهما: ان المقتضى لوجوب الفحص ان كان هو العلم الاجمالي، لزم عدم وجوب الفحص بعد انحلال العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال، مع ان ظاهر الاصحاب وجوب الفحص حتى في شبهة واحدة باقية ولو مع الظفر بالمخصصات اكثر مما علم اجمالا، وقد تصدى المحقق النائيني لاثبات ان هذا العلم الاجمالي غير قابل للانحلال بالظفر بالمقدار الاقل المعلوم. ومحصل ما افاده ان المعلوم بالاجمال المردد بين الاقل والاكثر على قسمين: القسم الاول: ما لا يكون للمعلوم علامة وتمييز كما لو علم بانه مديون اما بعشرة تومان، أو بعشرين، وفى مثل ذلك ينحل العلم الاجمالي، بالعلم باشتغال الذمة بالعشرة، والشك في الاشتغال بالزايد وتجرى فيه البرائة. القسم الثاني: ما يكون المعلوم بالاجمال ذا علامة وتمييز، كما لو علم بانه مديون بزيد بالمقدار المكتوب في دفتره المردد عنده بين الاقل والاكثر، وفى مثل ذلك لا ينحل العلم الاجمالي، وليس لاحد دعوى جريان البرائة في المقدار الزايد على المتيقن بحسب الكمية والمقدار. والسر في ذلك، ان العلم إذا تعلق بذلك العنوان والعلامة يوجب تنجز الواقع بمقدار سعة عنوان متعلقه، وعليه فلا يعقل انحلال العلم بالاقل، والشك في الاكثر. وان شئت قلت، ان الاكثر حينئذ طرف لعلم اجمالي آخر متعلق بعنوان لم تلاحظ فيه الكمية فلا وجه لجريان الاصل فيه. والمقام من قبيل الثاني: إذ نعلم بوجود المخصصات للعمومات في الكتب المعتبرة، ففى الحقيقة هناك علمان احدهما العلم بوجود المخصصات المرددة بين الاقل والاكثر. الثاني: العلم بوجودها في الكتب المعتبرة، فالعلم الاول الملحوظ فيه الكمية، وان

[ 342 ]

انحل بعد العثور على المقدار المعلوم، الا ان العلم الثاني يمنع عن جريان الاصل في غير المقدار المتيقن. وفيه: ان المعلوم بالاجمال إذا كان معنونا بعنوان غير مردد بنفسه بين الاقل والاكثر، صح ما ذكره، واما إذا كان نفس ذلك العنوان المعلوم والعلامة المعينة مرددا بين الاقل والاكثر، وظفرنا بالمقدار المتيقن يجرى الاصل في الزايد، مثلا لو علمنا بنجاسة اناء زيد الموجود بين الاناآت، وتردد بين كونه اناءا واحدا أو ازيد، ثم علمنا بكون اناء خاص اناء زيد يجرى الاصل في غيره بلا مانع. والمقام من هذا القبيل: فان العلم بوجود المخصصات في الكتب المعتبرة، وان كان علما بعنوان خاص وعلامة مخصوصة، الا ان ذلك العنوان امره بنفسه مردد بين الاقل والاكثر، فبعد العثور على المقدار المتيقن المعنون بذلك العنوان يكون الشك في المقدار الزايد شكا خارجا عن طرف العلم الاجمالي، فتحصل ان هذا الوجه ايضا لا يصلح ان يكون مستند الحكم بعدم جواز العمل بالعام قبل الفحص مطلقا، لاخصيته عن المدعى. الخامس: ما افاده المحقق الخراساني (ره) وهو ان عمومات الكتاب والسنة بما انها في معرض التخصيص من جهة غلبة المخصصات لم يثبت استقرار سيرة العقلاء على العمل بها قبل الفحص لو لم ندع ثبوت عدمه. وفيه: انه ان اريد بذلك، الاصل المحرز لكون الظاهر، هو المراد بالارادة الاستعمالية، فيرد عليه ما تقدم من ان المخصص القطعي التفصيلي لا يكشف عن عدم كون الظاهر مرادا بالارادة الاستعمالية ولا ينافيه فضلا عن العلم الاجمالي بوجود المخصصات - وبعبارة اخرى - يتم ذلك بناءا على احتياج استفادة العموم من اداته الى اجراء مقدمات الحكمة في المدخول، إذ حينئذ يصح ان يقال حجية العمومات متقومة بجريان مقدمات الحكمة الكاشفة عن عدم دخل قيد في مراد المتكلم، فإذا علم بجريان عادة المتكلم على التعويل على القرائن انهدم اساس مقدمات الحكمة، ولكن قد عرفت عدم تمامية ذلك فراجع.

[ 343 ]

وان اريد به الاصل المحرز لكون المراد الجدى منطبقا على المراد الاستعمالى، فيرد عليه: انه لم يظهر وجه دعوى التفصيل، بين كون العام في معرض التخصيص و عدمه، نعم، بناءا على اعتبار الظن الفعلى في حجية اصالة العموم يتم ذلك، لكنك عرفت فساد المبنى. فالحق ان يستدل لوجوب الفحص بحكم العقل بذلك: فانه يستقل بوجوب الفحص عن الاحكام الشرعية جريا على طبق قانون العبودية والمولوية، إذ ليس وظيفة الشارع ايصال احكامه الى المكلفين باى نحو كان بل وظيفته بيان الاحكام، وجعلها في معرض الوصول إليهم بحيث لو تفحصوا عنها لعثروا بها، ووظيفة العبد حينئذ الفحص عنها في مظان وجودها، بمعنى انه لو لم يفحص عنها وكانت ثابتة وعاقبه المولى على مخالفتها جاز له ذلك، ويشهد له مضافا الى ذلك الادلة الدالة على وجوب التعلم مقدمة للعمل. واما المورد الثاني: ففى الكفاية ان مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له، والظاهر ان مراده بذلك ليس ما هو ظاهره، إذ العمومات التى تكون معرضا للتخصيص لا تخرج عن المعرضية بالفحص عن المخصص، إذ الشئ لا ينقلب عما هو عليه، بل مراده ان المقدار الواجب هو ما يحصل به الاطمينان بعدم وجود المخصص في مظانه، دون الزايد عليه، لان الاطمينان حجة عقلائية، كما انه لا يجوز الاقتصار على ما دونه يعنى الظن، لعدم الدليل عليه والظن لا يغنى من الحق شيئا. واما المورد الثالث: ففى الكفاية الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل باحتمال انه كان ولم يصل، بل حاله احتمال قرينية المجاز، وقد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقا ولو قبل الفحص عنها. وافاد المحقق الاصفهانى (ره) توجيها لذلك بان الفارق عليه المعرضية للتخصيص بالمنفصل، ولا غلبة للاحتفاف بالمتصل، فلا يبقى الا احتمال احتفافه بالمخصص والظهور حجة على عدمه. ولكن بعد ما عرفت من ان وجه لزوم الفحص عن المخصص ليس هي المعرضية،

[ 344 ]

بل الوجه فيه ما ذكرناه من الوجهين، ولا فرق فيهما بين المتصل والمنفصل، تعرف ان الاظهر لزوم الفحص عن المخصص المتصل ايضا. واما المورد الرابع: فقد ذهب المحقق الخراساني والمحقق النائيني (ره) الى الفرق بين الفحص في المقام والفحص في موارد التمسك بالاصول العملية، حيث ان الفحص هيهنا عما يزاحم الحجية والمانع عنها، مع ثبوت المقتضى لها، والفحص هناك انما هو لتتميم المقتضى لان العام قد انعقد ظهوره في العموم مع عدم الاتيان بالقرينة المتصلة، والفحص انما هو عن وجود قرينة منفصلة، وهى انما تزاحم حجية العام، لا ظهوره، فالفحص انما هو لرفع المانع والمزاحم، واما الفحص هناك فانما هو لتتميم مقتضى جواز العمل بالاصل، اما بالاضافة الى البرائة العقلية، فان العقل بدونه يستقل باستحقاق العقاب على المخالفة، فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان، و اما الاصول الشرعية من البرائة والاستصحاب، فادلتها وان كانت مطلقة وغير مقيدة بالفحص، الا ان الاجماع بقسميه على تقييده به كما في الكفاية. وحكم العقل يقيدها بذلك ضرورة ان اطلاقها يستلزم نقض الغرض من بعث الرسل وانزال الكتب، فان لازم الاطلاق هو عدم وجوب النظر في المعجزة، ومع عدم النظر لا تثبت اصل النبوة فضلا عن فروعها، فتجويز ترك النظر في المعجزة تستلزم نقض الغرض الداعي الى بعث الرسل وانزال الكتب وهو قبيح، وبعين هذا الملاك يجب الفحص عن الاحكام الشرعية عند احتمال تحققها في نفس الامر وامكان وصول العبد إليها بالفحص كما عن المحقق النائيني (ره). اقول: بناءا على ما ذكره المحقق الخراساني في وجه لزوم الفحص في المقام، لا يكون الفحص هاهنا عما يزاحم مقتضى الحجية، لفرض انه لا بناء من العقلاء على حجية اصالة العموم الا بعد الفحص عن المخصص، فلا مقتضى للحجية قبله، كما هو الشان في الاصول العملية، فانه لا مقتضى لجريانها قبل الفحص عن الدليل على الحكم وان شئت فقل انه في كلا البابين يكون الفحص فحصا عن ان العام، أو الاصل حجة، ام يكون شئ آخر حجة.

[ 345 ]

كما انه بناءا على ما سلكناه في وجه لزوم الفحص، من ان العقل يدل على ذلك، لا يكون الفحص في شئ من الموردين عما يزاحم الحجة. وما افاده المحقق النائيني في وجه تقييد ادلة الاصول، يجرى بالاضافة الى اصالة العموم: فان العقل كما يستقل بوجوب النظر الى المعجزة، والا لزم اقحام جميع الانبياء عليهم السلام، وبوجوب الفحص في مقام الرجوع الى الاصول العملية، كذلك يستقل بوجوب الفحص في مقام التمسك باصالة العموم، فالملاك لاستقلاله في كلا الموردين واحد، لان المكلف لو تمسك باصالة العموم بدون الفحص عن المخصص، مع علمه بان بيان الاحكام الشرعية كان على نحو التدريج وبالطرق العادية المتعارفة لوقع المكلف في مخالفة تلك الاحكام كثيرا ولا يكون معذورا، لان العقل يرى ان وظيفته هي الفحص عن المخصص فتدبر. الخطابات الشفاهية الفصل الثالث: هل الخطابات الشفاهية مثل: (يا ايها الذين امنوا) تختص بالحاضرين مجلس التخاطب أو تعم غيرهم من الغائبين بل المعدومين ؟ فيه خلاف. وقبل الخوض في بيان المقصود لابد من تعيين محل الكلام، قال المحقق الخراساني (ره) انه يمكن ان يكون النزاع في ان التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح تعلقه بالمعدومين ام لا ؟ أو في صحة المخاطبة معهم بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالالفاظ الموضوعة للخطاب أو بنفس توجيه الكلام إليهم وعدم صحتها، أو في عموم الالفاظ الواقعة عقيب اداة الخطاب للغائبين بل المعدومين وعدم عمومها لهما بقرينة تلك الاداة انتهى. اقول: لا اشكال في ان محل كلام القوم ليس هو الوجه الاول، إذ الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لا يصح توجيه التكليف الحقيقي بمعنى البعث أو الزجر الفعلى الى المعدومين بل الغائبين، واما التكليف بمعنى الانشاء على نحو القضية الحقيقية فامكانه

[ 346 ]

وصحته من البديهيات، ولذا ترى ان موضوع بحثهم هو ما إذا كان الكلام المتكفل لبيان الحكم مشتملا على اداة من ادوات الخطاب ولكن تبعا له (قده) نبحث في جميع الموارد. فان كان النزاع على الوجه الاول ففى الكفاية ما محصله ان التكليف المتوجه الى المكلف الذى هو محل النزاع في المقام من انه، هل يتعلق بالمعدوم، ام لا ؟ اما ان يراد به التكليف الانشائى بلا بعث ولا زجر، واما ان يراد به التكليف الحقيقي، فان اريد به الاول فيصح تعلقه بالمعدوم إذ الانشاء خفيف المؤنة فللحكيم ان ينشأ حكمه على وفق الحكمة والمصلحة ويطلب شيئا قانونا من الموجود والمعدوم، ليصير فعليا بعد ما وجد الشرائط، وان اريد به الثاني، فهو على قسمين: الاول التكليف التنجيزي المطلق، بان يراد به الاتيان بالفعل قبل ان يوجد. الثاني: التكليف الحقيقي الفعلى بالفعل الكائن في ظرف الوجود والقدرة وتحقق ساير الشرائط، فان اريد به القسم الاول فهو محال، وان اريد الثاني فهو امر ممكن، والى الثاني، اشار في آخر كلامه بقوله واما إذا انشأ مقيدا بوجود المكلف و وجد انه الشرائط فامكانه بمكان من الامكان. وبهذا التقريب لكلامه يندفع ما اورده عليه المحقق الاصفهانى (ره) من انه بناءا على مسلكه من صحة تعلق الارادة والبعث حقيقة بامر استقبالي يمكن تعلقه بالمعدوم ايضا، فان ارادة شئ فعلا ممن يوجد استقبالا كارادة ما لا يمكن فعلا بل يمكن تحققه استقبالا، إذ المراد منه كالمراد ليس موضوعا للارادة كى يتوهم انه من باب العرض بلا موضوع، بل موضوعها النفس وهى مما تقوم بها الارادة الخاصة في مرتبة وجودها لا في مرتبة وجودهما. لما عرفت من انه يصرح بامكان تعلق التكليف الحقيقي بالنحو المزبور به وانما ينكر تعلقه به مطلقا غير معلق على وجوده وهو مما لا ريب في عدم امكانه. ثم انه نظر المقام بانشاء التمليك في الوقف على البطون، قال: فان المعدوم منهم يصير مالكا للعين الموقوفة بعد وجوده بانشائه ويتلقى لها من الواقف بعقده انتهى. اقول: ان التمليك الحقيقي بالملكية الاعتبارية، لا الملكية الحقيقية، التى هي من المقولات العشر، وخارجة عن محل الكلام، وان كان يمكن ان يكون للمعدوم،

[ 347 ]

- وبعبارة اخرى - بعد كون الملكية من الامور الاعتبارية وهى خفيفة المؤنة فكما يمكن اعتبار ملك المعدوم إذا دعت المصلحة الى اعتبارها، كذلك يمكن اعتبارها للمعدوم و ليست الملكية كالطلب الحقيقي، ولكن الامر في الوقف ليس كما افاد من جهة ان الشئ الواحد لا يقبل لان يكون ملكا للموجود وللمعدوم بالاستقلال. وان كان النزاع على الوجه الثاني فقال المحقق الخراساني انه لا ريب في عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة وعدم امكانه ضرورة عدم تحققه توجيه الكلام نحو الغير حقيقة الا إذا كان موجودا وكان بحيث يتوجه الى الكلام ويلتفت إليه انتهى. اقول: الاقسام الثلاثة المتقدمة في الطلب تجرى في الخطاب ايضا، فانه ربما يكون خطابا انشائيا، فيصح خطاب المعدوم فضلا عن الغائب، واخرى يكون خطابا حقيقيا، و هو على قسمين: الاول: ان يخاطب المعدوم بغرض التفهيم فعلا، الثاني: ان يخاطبه بغرض التفهيم في ظرف وجوده والتفاته. اما القسم الاول فهو ممتنع بالنسبة الى الغائب والمعدوم، واما الثاني فهو ممكن، ويكون هذا بعينه كخطاب النائى في المكاتبات والمصنفات، فكما انه ربما يقصد المتكلم تفهيم المخاطب حين ما وصل إليه الخطاب لا من حين صدوره كما إذا فرضنا ان المخاطب نائم، أو كان في بلد آخر فيكتب له كتابا و يخاطبه بخطاب ليعمل عملا بعد قيامه من النوم أو مجيئه من السفر، أو يخاطب ولده الصغير بقوله يا ولدى إذا كبرت فافعل كذا، أو نحو ذلك فكذلك يمكن ان يكون المقصود بالتفهيم من الخطابات الواردة في الكتاب جميع البشر الى يوم القيامة. واما النزاع على الوجه الثالث: وهو عموم الالفاظ الواقعة عقيب اداة الخطاب للغائبين والمعدومين وعدم عمومها لهما، بمعنى انها هل وضعت للخطاب الانشائى، فيشمل المعدومين، أو للخطاب الحقيقي فلا يشمل الغائبين، فضلا عن المعدومين، فهو يبتنى على اختيار جواز تكليف المعدوم، وامتناع المخاطبة معه، اما على فرض اختيار جواز مخاطبة المعدوم بالخطاب الحقيقي فلا يبقى لهذا النزاع مجال، إذ على فرض كون الاداة موضوعة للخطاب الحقيقي ايضا يجتمع مع عموم المتعلق، وحيث عرفت امكانها فالاظهر هو شمول الخطابات الشفاهية للمعدومين ايضا.

[ 348 ]

وعلى تقدير الامتناع يمكن ان يستدل لشمول الخطابات الشفاهية للمعدومين: بما في الكفاية وذهب إليه الاستاذ الاعظم، من ان اداة الخطاب حسب ما ندركه من مفاهيمها عند الاستعمال موضوعة للخطاب الانشائى، فصح شمولها للمعدوم والغائب، وانصرافها الى الحقيقي وان كان لا ينكر، الا انه ما لم يمنع عنه مانع، كما هو موجود في كلام الشارع، ضرورة عدم اختصاص تلك الاحكام التى تضمنتها الجملات المصدرة باداة الخطاب بالحاضرين مجلس التخاطب، إذ اختصاص الخطاب بالمدركين لزمان الحضور وان كان ممكنا ومحتملا، الا انه لم يحتمل احد اختصاصه بالحاضرين مجلس الخطاب، وعليه فلابد من حمله على الخطاب الانشائى، فيشمل الخطاب المعدومين. واما ما افاده المحقق النائيني (ره) في وجه الشمول في القضايا الحقيقية بعد تسليم امتناع خطاب المعدوم، بانه يصح خطابه بعد التنزيل والعناية، بان يفرض المعدوم موجودا حاضرا ويخاطب معه، وهذا التنزيل مفروض في القضايا الحقيقية، ومقوم لكون القضية حقيقية، لا انه امر زايد، ليكون مدفوعا بالاصل إذ كون القضية حقيقية يقتضى بنفسه فرض الموضوع موجودا، فيكون الخطاب خطابا لما فرض وجوده من افراد الطبيعة في موطنه. فغير سديد إذ مقوم القضية الحقيقية، فرض الموضوع موجودا وهذا المقدار لا يكفى في صحة الخطاب الحقيقي بل يحتاج الى فرضه حاضرا، هو مما لا يقتضيه القضية الحقيقية، وبالجملة ملاك القضية الحقيقية جعل الحكم على الافراد المقدرة الوجود، وملاك الخطاب الحقيقي هو الحضور. ثم انه قد استدل لعموم الخطابات القرآنية للمعدومين باحاطته تعالى بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال. ويرد عليه، مضافا الى ان عدم صحة خطاب المعدوم انما هو لقصور فيه لا في المخاطب بالكسر، فلا يلزم من عدم شمول خطاباته له نقضا فيه تعالى، ان خطابه تعالى من صفات فعله لا ذاته فعدم صلاحيته للشمول للمعدوم لا يوجب نقصا في الله تعالى. وكون المعدوم موجودا في عالم آخر غير عالم المادة، ككونه في عالم الذر، أو في علمه تعالى، لا يصلح لان يكون سببا لصحة المخاطبة معه بالخطاب بالالفاظ وغيرها

[ 349 ]

من الدوال المناسبة لهذا العالم، ومحل الكلام هو خطابات القرآن والا فالخطاب بما يناسب ذلك العالم لا كلام فيه. وفى خطابات الكتاب المجيد احتمال آخر وهو ان المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحيا والهاما، هو النبي (ص) ويكون النبي حين القاء الخطاب الى الناس حاكيا لخطاب الله تعالى إليه، ويؤيد ذلك ما ورد (انه لا يعرف القرآن الا من خوطب به) وعلى هذا فحيث ان متلو اداة الخطاب بنفسه شامل لغيره، فلا محيص عن حمل الاداة في مثله للخطاب الايقاعى لفرض كون المخاطبة الحقيقية معه (ص) وعدم المخاطبة الحقيقية مع غيره، وعليه فلا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين بل يعم المعدومين فضلا عن الغائبين. ولكن احتمال حمل لفظ الجمع مثل (يا ايها الذين امنوا) على ارادة النفس النبوية من جهة انه لقوة ايمانه ورجحان ايمانه على ايمان جميع المؤمنين كانه جميع المومنين، خلاف الظاهر. ثمرة البحث ثم ان الاصحاب ذكروا لهذا البحث ثمرتين، احداهما: ما ذكره المحقق القمى (ره) وهى حجية خطابات الكتاب للمعدومين وعدمها، فانه إذا كانت الخطابات مختصة بالمشافهين، فلا محالة لا يكون غير المشافهين مقصودين بالافهام، فلا يكون الظواهر حجة عليهم لاختصاص حجيتها بالمقصودين بالافهام. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بايرادين، الاول: انه مبنى على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالافهام وقد حقق عدم الاختصاص. الثاني: انه لو سلم ذلك فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك، ممنوع، بل الظاهر ان الناس كلهم كذلك، وان لم يعمهم الخطاب، ثم استشهد له بغير واحد من الاخبار، والظاهر ان نظره، الى الاخبار الدالة على عرض الخبر على الكتاب والاخذ بما وافقه ونحو ذلك. ويرد على الايراد الثاني انه إذا كان الخطاب مختصا بالمشافهين، لا محيص عن

[ 350 ]

البناء على انهم مقصودون بالافهام، والا لزم لغوية القاء الخطاب المتضمن للتكليف، والاخبار الدالة على الرجوع الى الكتاب لا يدل شئ منها على انه في آيات الاحكام الواردة بطريق المخاطبة كغيرها من الايات، يكون الجميع مقصودين بالافهام. الثمرة الثانية: ما عن المحقق البهبهانى وفى التقريرات ومحصلها ان المعدومين حين الخطاب إذا وجدوا وبلغوا وكانوا مخالفين مع الموجودين حال الخطاب في خصوصية مصنفة يحتمل دخلها ثبوتا في الحكم، كاختلافهم في درك حضور الامام المحتمل دخله في وجوب صلاة الجمعة، فعلى القول بشمول الخطابات للمعدومين، يجوز لهم التمسك بالاطلاق لرفع دخالة ما شك في دخله، كما جاز التمسك باطلاقاتها للموجودين، واما لو قلنا بعدم شمولها لهم، فلا يجوز لهم التمسك بالاطلاقات لعدم كونها حينئذ متكفلة لاحكام غير المشافهين، والتمسك بالاطلاق فرع توجه الخطاب، فلا يبقى في البين سوى قاعدة الاشتراك المثبتة للاحكام الثابتة للمشافهين للمعدومين، و حيث لا دليل لها سوى الاجماع، أو اخبار لا اطلاق لها، ولا اطلاق للاجماع فلا يثبت به الحكم الا مع الاتحاد في الصنف. واورد عليه في الكفاية بانه يمكن اثبات الاتحاد، وعدم دخل ما كان البالغ الان فاقدا له مما كان المشافهون واجدين له، باطلاق الخطاب إليهم من دون التقييد به، و كونهم كذلك لا يوجب صحة الاطلاق مع ارادة المقيد معه، فيما يمكن ان يتطرق إليه الفقدان، وان صح فيما لا يتطرق إليه ذلك، وليس المراد من الاتحاد في الصنف الا الاتحاد فيما اعتبر قيدا في الاحكام لا الاتحاد فيما كثر الاختلاف بحسبه والتفاوت بسببه بين الانام بل في شخص واحد بمرور الدهور والايام، والا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين فضلا عن المعدومين حكم من الاحكام، ودليل الاشتراك انما يجدى في عدم اختصاص التكاليف باشخاص المشافهين، فيما لم يكونوا مختصين بخصوص عنوان لو لم يكونوا معنونين به لشك في شمولها لهم ايضا، فلولا الاطلاق واثبات عدم دخل ذاك العنوان في الحكم لما افاد دليل الاشتراك، ومعه كان الحكم يعم غير المشافهين، و لو قيل باختصاص الخطابات بهم.

[ 351 ]

وزاد عليه المحقق صاحب الدرر، بانه ليس شئ يشترك فيه جميع المشافهين الى آخر عمرهم ولا يوجد عندنا. وفيه: انه يصح التمسك بالاطلاق في الصفات التى يتطرق إليها الفقدان ككونهم في المسجد ويثبت به عدم دخلها في الحكم بالنسبة إليهم، فبدليل الاشتراك يثبت لغيرهم، إذا لم يحتمل دخل الحدوث واعتباره في الحكم حدوثا وبقاءا، والا فلا يصح التمسك بالاطلاق كالفرض الاخر، وهو كونهم واجدين لصفة لا يتطرق إليها الفقدان ككونهم في زمان الحضور، إذ الحدوث مما لا يتطرق إليه الفقدان، وعليه، فلا يمكن دفع شئ من القيود المحتمل دخلها بالاطلاق على فرض عدم شمول الخطابات للمعدومين، فلابد من اثبات تلك الاحكام لهم، اثبات الاتحاد، وعدم دخل تلك القيود فيها، وهذا بخلاف القوم بالتعميم فانه حينئذ يصح التمسك بالاطلاق لهم ابتداءا، و لعمري هذه ثمرة نفيسة مهمة مترتبة على هذا المبحث. تعقب العام بضمير يرجع الى بعض افراده الفصل الرابع: إذا تعقب العام بضمير يرجع الى بعض افراده، فان كانا في كلام واحد، وكانا محكومين بحكم واحد كما لو قيل (والمطلقات ازواجهن احق بردهن) فلا شبهة في تخصيص العام به. وان وقعا في كلامين، أو في كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام كما في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بانفسهن) الى قوله تعالى (وبعولتهن احق بردهن) (1) فيدور الامر بين التصرف في العام، أو في الضمير، لان كلمة المطلقات تعم الرجعيات، وغيرهن والضمير في قوله وبعولتهن يرجع الى خصوص الرجعيات، لان حق الرجوع للزوج انما هو فيهن دون غيرهن.


1 - البقرة: 228. (*)

[ 352 ]

وملخص القول في المقام انه في المسالة اقوال، الاول: التصرف في العام باجراء اصالة عدم الاستخدام في ناحية الضمير، ذهب إليه العلامة في النهاية، الثاني: الالتزام بالاستخدام أو ما بحكمه، باجراء اصالة العموم وابقاء ظهور العام في عمومه، ذهب إليه العلامة في التهذيب والسيد المرتضى، الثالث: تعارض الاصلين والحكم بالاجمال، ذهب إليه المحقق وصاحب المعالم الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت الجملتان في كلام واحد فيحكم بالاجمال لاجل عدم جريان شئ من الاصليين، وبين ما إذا كانتا في كلامين منفصيلن، فيحكم ببقاء ظهور العام باجراء اصالة العموم خاصة، ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية، الخامس: الالتزام بجريان الاصلين وعدم تعارضهما، وحمل كلتا القضيتين على ارادة معناهما اللغوى في مرحلة الاستعمال، مع الالتزام بخروج بعض افراد العام في الثانية عن تحت الارادة الجدية، هذه هي الاقوال في المسألة وعرفت ان ظاهر الكفاية اختيار القول الرابع. فللمحقق الخراساني دعويان احداهما: ان الجملتين لو كانتا في كلام واحد يحكم بالاجمال وعدم جريان شئ من اصالة العموم، واصالة عدم الاستخدام. ثانيهما: انه لو كانتا في كلامين تجرى اصالة العموم بلا معارض. اما الدعوى الاولى: فاستدل لها بانه لا يجرى اصالة عدم الاستخدام، لان مدركها بناء العقلاء والمتيقن منه اتباع الظهور في ما إذا شك في مراد المتكلم من اللفظ، واما إذا كان المراد معلوما وكان الشك في كيفية ارادته، وانها على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد كما هو الحال في ناحية الضمير، فلا يجرى ذلك الاصل، لعدم ثبوت بناء العقلاء عليه، واما اصالة العموم فهى ايضا لا تجرى لان تعقب العام بضمير يرجع الى بعض افراده، مع كونهما في كلام واحد، يصلح ان يمنع عن انعقاد ظهوره فيه، لانه من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية بنظر العرف، ومعه لا ظهور له حتى يتمسك به، الا على القول باعتبار اصالة الحقيقة تعبدا، وهو غير ثابت، فيحكم بالاجمال ويرجع الى ما يقتضيه الاصول العملية. واما الدعوى الثانية: فافاد في وجهها ان اصالة عدم الاستخدام لا تجرى لما مر،

[ 353 ]

فلا معارض لاصالة الظهور في ناحية العام المنعقد ظهوره في العموم بعد عدم ما يصلح للقرينية في الكلام المتضمن له. واورد على ما افاده في وجه عدم جريان اصالة عدم الاستخدام بوجهين: الاول: انه يتم ذلك بناءا على دوران الامر بين اصالة العموم واصالة عدم الاستخدام، واما بناءا على دورانه بين اصالة العموم والاسناد الى من هوله، فالمراد من الضمير هو البعض تارة، والكل اخرى، إذ لو كان العام مستعملا في الخصوص كان الاسناد الى من هو له، وكان المراد بالضمير هو الكل، وإذا كان الاسناد الى الكل توسعا كان المراد من الضمير هو البعض، فالمراد من الضمير مختلف. وفيه: ان العبرة في جريان الاصول التى بنى عليها العقلاء، بالمراد الجدى الذى يختلف به العمل، لا المراد الاستعمالى، فمع الشك في مثل هذا المراد الذى لا يختلف به في مقام العمل لا تجرى هذه الاصول فتدبر. الايراد الثاني: ما ذكره الاستاذ الاعظم، وهو ان المدعى لجريان اصالة عدم الاستخدام لا يدعى ظهور نفس الضمير في شئ، ليرد عليه ما ذكر، بل انما يدعى ظهور الكلام بسياقه في اتحاد المراد من الضمير ومرجعه، وبما ان المراد من الضمير في محل الكلام معلوم، يدور الامر بين رفع اليد عن الظهور السياقى المثبت لعدم ارادة العموم من العام، ورفع اليد عن اصالة العموم المقتضية للالتزام بالاستخدام، وعليه فيجرى هذا الاصل. وما ذكره يتم ان رجع الى ما سنشير إليه، وهو ان المعتبر في جريان اصالة عدم الاستخدام كساير الاصول العقلائية هو اختلاف العمل بالبناء عليها وعدمه: فانه حينئذ يكون ذلك من تعيين المراد، ولا يعتبر زايدا على ذلك كون ذلك بتعيين المراد المطابقى، بل يكفى الاختلاف من ناحية تعيين المراد الالتزامى، والمقام من هذا القبيل فان اللازم من جريان اصالة عدم الاستخدام وان الضمير مستعمل فيما وضع له كون المراد من العام بعض افراده، فيجرى هذا الاصل لهذه الجهة. والايراد على ذلك، بان اثبات اللازم العقلي، وهى ارادة الخاص من العام

[ 354 ]

في المقام، فرع اثبات الملزوم بالاصل فإذا لم يمكن اثبات الملزوم به، لم يمكن اثبات لازمه به ايضا لانه فرعه وبتبعه كما عن المحقق النائيني (ره). غريب: إذ عدم امكان اثبات الملزوم به، انما يكون لاجل عدم اختلاف العمل، والاصول العقلائية، انما تكون جارية في مقام تعيين الوظيفة، والا، فمع فرض الاختلاف ولو من جهة اللازم فيجرى الاصل بلا محذور (ولكن ستعرف بعيد هذا انه ليس لازم جريان اصالة عدم الاستخدام ارادة الخاص من العام فانتظر) وان لم يرجع الى ذلك، واراد منه ان ذلك من تعيين المراد المطابقى فهو كما ترى، فالمتحصل انه لا محذور في جريان اصالة عدم الاستخدام من ناحية ما ذكر. واما ما افاده في وجه عدم جريان اصالة العموم فسياتى الكلام فيه. ثم ان المحقق النائيني ذكر في وجه عدم جريان اصالة عدم الاستخدام وجهين آخرين غير ما ذكره المحقق الخراساني. احدهما: ان الاستخدام في الضمير، انما يلزم إذا كان العام بعد التخصيص مجازا، فانه حينئذ يكون المراد من الضمير المعنى المجازى، ومن العام المعنى الحقيقي، واما بناءا على الحقيقة وعدم كونه مجازا فلا يلزم الاستخدام إذ لا يكون للعام حينئذ الا معنى واحد حقيقي وليس له معنى آخر حقيقي أو مجازى ليراد بالضمير الراجع إليه معنى مغاير لما اريد من نفسه ليلزم الاستخدام في الكلام. وفيه: ان العام المخصص لا يكون مجازا لو اريد به نفسه بالارادة الاستعمالية معناه الحقيقي، وهو تمام الافراد، إذ المخصص يكشف عن عدم مطابقة المراد الجدى للمراد الاستعمالى فلا تلزم المجازية، واما لو كان المراد بالضمير الراجع إليه بالارادة الاستعمالية بعض افراد العام فهو الاستخدام، إذ المراد بالمرجع حينئذ جميع الافراد، و بالضمير الراجع إليه هو البعض، وليس الاستخدام الا ذلك، أي عدم اتحاد المراد من المرجع والضمير. الثاني: انه لو سلمنا جريان اصالة عدم الاستخدام مع العلم بالمراد الا انها انما تجرى فيما إذا كان الاستخدام من جهة عقد الوضع كما إذا قال المتكلم، رأيت اسدا و

[ 355 ]

ضربته، وعلمنا ان مراده بالضمير هو الرجل الشجاع، واحتملنا ان يكون المراد بلفظ الاسد الحاكى عما وقع عليه الرؤية هو الرجل الشجاع لئلا يلزم الاستخدام، وان يكون المراد منه الحيوان المفترس، ليلزم ذلك، ففى مثل ذلك نسلم جريان اصالة عدم الاستخدام، فيثبت بها ان المراد بلفظ الاسد في المثال، هو الرجل الشجاع، دون الحيوان المفترس، واما فيما نحن فيه فليس ما استعمل فيه الضمير، في الاية الكريمة هو خصوص الرجعيات، بل الضمير قد استعمل فيما استعمل فيه مرجعه، يعنى كلمة المطلقات في الاية الكريمة، فالمراد بالضمير فيها انما هو مطلق المطلقات، وارادة خصوص الرجعيات منها، انما هي بدال آخر، وهو عقد الحمل في الاية، فانه يدل على كون الزوج احق برد زوجته فما استعمل فيه الضمير، هو بعينه ما استعمل فيه المرجع، فاين الاستخدام لتجرى اصالة عدمه. وفيه ان ما افاده من ان الضمير في الاية الكريمة مستعمل في العموم متين جدا، وقيام الدليل الخارجي على عدم جواز الرجوع الى بعض اقسام المطلقات في اثناء العدة، لا يوجب استعمال الضمير في الخصوص، لما مر مفصلا من ان التخصيص لا يستلزم كون العام مجازا، ولكن ما افاده من كون الدال على اختصاص الحكم بالرجعيات هو عقد الحمل، غير تام، فان الاية الكريمة، متعرضة لبيان حكمين للمطلقات: 1 - لزوم التربص والعدة 2 - احقية الزوج برد زوجته، ولو كان الدليل منحصرا بالاية لقلنا بعموم الحكمين لجميع اقسام المطلقات، وانما ثبت الاختصاص بدليل خارجي، فانه دل دليل من الخارج على اختصاص الحكم الثاني بقسم من المطلقات كما انه دل دليل خارجي، على اختصاص الحكم الاول بغير اليائسة ومن لم يدخل بها، فكما ان المطلقات استعملت في العموم، والتخصيص لا يوجب استعمالها في الخاص، فكذلك الحال في الضمير، فالمتحصل انه لا مانع من اجراء اصالة عدم الاستخدام. واما اصالة العموم، فلم يورد على جريانها شئ سوى ما افاده المحقق الخراساني (ره) من انه من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية، وهو غير تام، فان اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية انما هو فيما إذا ذكر في الكلام كلمة أو جملة مجملة، من حيث المعنى

[ 356 ]

بحيث يصح اتكال المتكلم عليه في مقام بيان مراده مثل اكرم العلماء الا الفساق منهم إذا افترضنا ان لفظ الفاسق يدور امره بين خصوص مرتكب الكبيرة أو الاعم منه و من المرتكب للصغيرة فلا محالة يسرى اجماله الى العام. واما فيما نحن وهو ما إذا كان الكلام متكفلا لحكمين متغايرين كما في الاية الكريمة، حيث ان الجملة المشتملة على العام متكفلة لبيان حكم، وهو لزوم التربص والعدة، والجملة المشتملة على الضمير متكفلة لبيان حكم آخر، وهو احقية الزوج بالرجوع الى الزوجة في اثناء العدة، والحكم الاول ثابت لجميع افراد العام، والثانى ثابت لبعض افراده، ومن الواضح انه لا صلة للثاني بالاول كى يكون قرينة على اختصاص الحكم الاول ايضا، وعلى الجملة لا تمانع بين عمومه الحكم الاول واختصاص الحكم الثاني، حتى يكون الثاني قرينة على الاول، فاصالة العموم ايضا تكون جارية. ثم انه بعد جريان كل من الاصلين في انفسهما، يقع الكلام في انه، هل يكون بينهما تعارض حتى يرفع اليد عن احدهما، ام لا ؟ الظاهر هو الثاني، إذ مقتضى اصالة عدم الاستخدام ارادة العموم، لا الخصوص بالارادة الاستعمالية، لا بالارادة الجدية كى يقال ان المراد معلوم فلا يجرى اصالة عدم الاستخدام - وبعبارة اخرى - انه لا تمانع بين الاصلين، فان اصالة العموم تقتضي كون المراد بالعام هو العموم، واصالة عدم الاستخدام لا يقتضى الا كون المراد من الضمير بالارادة الاستعمالية هو ما اريد من مرجعه، لا ان المراد بالارادة الجدية هو ذلك. نعم، بعد جريانها في ساير الموارد يجرى اصل آخر وهو مطابقة المراد الاستعمالى مع المراد الجدى، وعليه، فهذا الاصل لا يجرى في المقام، لا انه لا تجرى اصالة عدم الاستخدام نفسها، فالاصلان الطوليان الجاريان في ناحية العام وهما، اصالة العموم، واصالة مطابقة المراد الجدى للمراد الاستعمالى، لا معارض لهما، إذ اصالة عدم الاستخدام المعينة لان المراد الاستعمالى في الضمير هو جميع الافراد تجرى ولا تنافى شيئا منهما، واما الاصل الطولى لهذا الاصل، وهو اصالة مطابقة المرادين، فهو لا يجرى لمعلومية المراد الجدى.

[ 357 ]

ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا تعارض الاصلين، أي اصالة العموم واصالة عدم الاستخدام، لابد من تقديم الثاني بحسب المتفاهم العرفي، كما هو الشان في جميع موارد تعارض ظهور القرينة مع ظهور ذى القرينة، فان الاول يقدم مطلقا، كما يظهر لمن راجع تلك الموارد، مثل رأيت اسدا يرمى أو ضربته فتدبر، فتحصل ان الاقوى هو القول الخامس، ثم الاول. تعارض المفهوم مع العموم الفصل الخامس: إذا تعارض العام مع المفهوم، فهل يقدم المفهوم على العموم، أو العكس، اولا هذا ولا ذاك، ام هناك تفصيل وجوه واقوال. وقد استدل لتقديم العموم، بان دلالة العام على العموم ذاتية اصلية، ودلالة اللفظ على المفهوم تبعية، وطبيعي تقدم الاصلية على التبعية، ولعله الى ذلك نظر صاحب المعالم قال انه انما يقدم الخاص على العام من جهة اقوائية دلالته، وليس الامر هاهنا كذلك فان المنطوق اقوى دلالة من المفهوم، وان كان المفهوم خاصا فلا يصلح للمعارضة. ويرد عليه ان دلالة اللفظ على المفهوم، انما هي من جهة دلالته على خصوصية مستتبعة له، ودلالته عليها، اما ان يكون بالوضع أو بمقدمات الحكمة، والمفروض ان دلالة العام على العموم ايضا لا تخلو من احد هذين الامرين، أي الوضع، أو مقدمات الحكمة فما معنى كون احدى الدلالتين ذاتية اصلية والاخرى تبعية. واستدل لتقديم المفهوم مطلقا، وان كانت النسبة عموما من وجه، بان دلالة القضية على المفهوم عقلية، ودلالة العام على العموم لفظية، فلا يمكن رفع اليد عن المفهوم من جهة العموم، - وبعبارة اخرى - ان المفهوم لازم عقلي للخصوصية التى تكون في المنطوق، وبديهى انه لا يعقل رفع اليد عن المفهوم من دون ان يتصرف في تلك الخصوصية لاستحالة انفكاك الملزوم عن لازمه والعكس، ورفع اليد عن تلك

[ 358 ]

الخصوصية بلا موجب لفرض انها ليست طرفا للمعارضة. مع العام، فما هو طرف للمعارضة لا يمكن رفع اليد عنه، وما يمكن فيه ذلك ليس طرف المعارضة. ويرده، ان التعارض بين المفهوم والعام يرجع في الحقيقة الى التعارض بين المنطوق والعام، لان القضية ذات مفهوم، تدل على تلك الخصوصية بالمطابقة، وعلى المفهوم بالالتزام فالعام المعارض انما يعارض لكليهما لان انتفاء الملزوم، كما يستلزم انتفاء اللازم كذلك انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم، ولا يعقل انفكاك احدهما عن الاخر، فالعام المنافى للمفهوم يكون منافيا للمنطوق، ويقع التعارض بينهما. وقد فصل المحقق الخراساني (ره) في المقام بما حاصله، انه إذا ورد العام مع ماله المفهوم في كلام أو كلامين مرتبطين، على نحو يصلح ان يكون كل منهما قرينة على الاخر، ودار الامر بين تخصيص العموم أو الغاء المفهوم، فالدلالة على كل منهما ان كانت بالاطلاق، أو بالوضع فلا تكون هناك عموم ولا مفهوم لعدم تمامية مقدمات الحكمة في شئ منهما وتزاحم ظهور احدهما وضعا، لظهور الاخر، لاحتفاف كل منهما بما يصلح للقرينية وهو ظهور الاخر الا إذا كان احدهما اظهر فانه يقدم ذلك لكونه مانعا عن انعقاد ظهور الاخر، أو استقراره، وان كانا في كلامين ولم يرتبط احدهما بالاخر بنحو يصلح ان يكون قرينة على التصرف في الاخر يعامل معهما معاملة المجمل، الا إذا كان احدهما اظهر. ويرد عليه مضافا الى انه لم يبين حكم ما إذا كانت دلالة احدهما بالوضع والاخر بالاطلاق، ان ما افاده يتم إذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه، كما في عموم ما دل على ان، ماء البئر واسع لا يفسده شئ الشامل للقليل، وما دل بمفهومه على ان القليل ينجس بملاقاة النجاسة كقوله (ع) (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ) واما إذا كانت النسبة عموما مطلقا فلا يتم لتقدم ظهور القرينة على ظهور ذى القرينة وسيمر عليك تفصيل القول في ذلك وتنقيح القول بالبحث في مقامين. الاول: في المفهوم الموافق. الثاني: في المفهوم المخالف. اما الاول: فقبل بيان حكمه لابد من تقديم مقدمة، وهى، ان المفهوم الموافق، و

[ 359 ]

هو ما إذا توافق المفهوم والمنطوق في الايجاب أو السلب، تارة يكون على نحو الاولوية، واخرى على نحو المساواة - والاول - انما يكون فيما إذا ادرك ان مناط الحكم موجود في مورد آخر بنحو اشد واكمل، كما في الاية الشريفة (ولا تقل لهما اف) (1) حيث ان مناط حرمة قول - اف - موجود في الضرب والشتم بنحو اشد - وبعبارة اخرى - انما يتحقق فيما إذا كان الحكم في لسان الدليل مترتبا على فرد وكانت اولوية ثبوت الحكم في مورد آخر قطعية. واما إذا فرضنا ان الدليل المتضمن لحكم فرد انما يكون بحسب القرائن الداخلية والخارجية، من باب ذكر الخاص للتنبيه على العام كما احتمل ذلك في الاية الشريفة، فهو خارج عن المفهوم، بل هو من باب انطباق موضوع الحكم نفسه على فرده ومصداقه. والظاهران هذا هو مراد المحقق النائيني (ره) بقوله، واما إذا كانت الاولوية عرفية كما في الاية الشريفة، فالمدلول خارج عن المفهوم وداخل في المداليل اللفظية العرفية. فلا يرد عليه ما اورده الاستاذ الاعظم: بانه قد تقدم اعترافه (قده) بان المفهوم داخل في المداليل اللفظية، فلا وجه لما افاده في المقام من خروج ما إذا كانت الاولوية عرفية من المفهوم الموافق. واما الثاني: وهو ما إذا كان المفهوم على نحو المساواة فقد يتحقق فيما احرز مناط الحكم من الخارج وكان ذلك المناط موجودا في مورد آخر، فيحكم بسراية الحكم الى ذلك المورد، وقد يتحقق فيما إذا كانت علة الحكم منصوصة، وهو انما يكون فيما إذا كانت العلة المذكورة واسطة في الثبوت كما في قضية لا تشرب الخمر لاسكاره، واما إذا كانت من قبيل العنوان المنطبق عليه كما في قضية لا تشرب الخمر لانه مسكر، فهو خارج عن المفهوم. توضيح ذلك ان العلة تارة تكون عنوانا منطبقا على الموضوع الخاص المذكور في القضية، فحينئذ يكون ظاهر القضية كون الموضوع ذلك العنوان المذكور في التعليل، و


1 - الاسراء 23. (*)

[ 360 ]

يكون ثبوته للموضوع المذكور في القضية من جهة انطباق ذلك العنوان عليه، وهذا خارج عن المفهوم، إذ ثبوت الحكم المترتب على العنوان الكلى على مصاديقه و معنوناته ليس من المفهوم، بل هو نظير ثبوت وجوب الاكرام لزيد العالم لو قال المولى اكرام كل عالم. واخرى تكون العلة من الحيثيات التعليلية للحكم كما في المثال الاول، وفى مثل ذلك يكون ظاهر القضية كون المذكور في التعليل بنفسه علة للحكم مع قطع النظر عن اية خصوصية فرضت حتى خصوصية القيام بالموضوع المذكور في القضية، وعليه فاحتمال ان يكون في خصوص العلة القائمة بالموضوع المذكور في القضية خصوصية داعية الى جعل الحرمة، مندفع بالظهور، وعلى هذا فيحكم بثبوت الحكم في غير ذلك الموضوع مما يشترك معه في تلك العلة، وهذا هو المفهوم الموافق بالتساوى الذى يعبر عنه بالمفهوم بالتساوى، ولحن الخطاب، ومنصوص العلة. وبما ذكرناه ظهر ما في كلمات المحقق النائيني (ره) في المقام حيث عد القسم الاول من المفهوم الموافق، وانكر تسرية الحكم المذكور في القضية من الموضوع المذكور فيها في القسم الثاني وقد عرفت ما في كلا شقى كلامه (قده). إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد يتوهم تقدم المفهوم الموافق على العام إذا كانت النسبة بينهما عموما مطلقا كما هو الشان في جميع موارد العام والخاص. وقد يتوهم تقدمه عليه، وان كانت النسبة بينهما عموما من وجه، وذلك من جهة ان التصرف في المفهوم ورفع اليد عنه مع ابقاء المنطوق على حاله غير ممكن لفرض كون الاولوية قطعية - وبعبارة اخرى - يلزم التفكيك بين اللازم والملزوم، وهو محال، واما رفع اليد عن المنطوق مع عدم كونه معارضا فمما لا وجه له فيتعين التصرف في العام. ولكن الظاهر فساد كلا التوهمين: وذلك: لان التعارض بين المفهوم والعام، يرجع الى التعارض بين العام، والمنطوق لانه كما يستلزم ثبوت الملزوم لثبوت لازمه و لاجله يحكمم بثبوت المفهوم الموافق كذلك يستلزم نفى اللازم، نفى الملزوم، لفرض التلازم، فحينئذ دليل بعمومه يدل على عدم ثبوت المفهوم فيدل على عدم ثبوت

[ 361 ]

المنطوق - مثلا - لو قال (اضرب كل احد) ثم قال (ولا تقل لوالديك اف) فانه كما يدل الثاني على حرمة ضربهما، كذلك يدل الاول على جواز قول الاف لهما بالاولوية، و عليه، فلا بد من علاج التعارض بينهما، فان كان المنطوق اخص مطلقا من العام يقدم المنطوق والمفهوم، وان كانت النسبة بين العام والمفهوم عموما من وجه، كما في مثل (اكرم فساق خدام العلماء) الدال بالاولوية على وجوب اكرام العلماء عدولا كانوا، ام فساقا، و (لا تكرم الفساق)، وان كانت النسبة بين المنطوق والعام عموما من وجه. كما لو كان المنطوق في مفروض المثال (اكرم خدام العلماء) فلا بد من ملاحظة ما يرجع إليه في مثل هذا التعارض، فان قدم المنطوق لكون دلالته بالوضع ودلالة العام بالاطلاق مثلا فيحكم بثبوت المفهوم وان قدم العام وخصص المنطوق فلا محالة تتضيق دائرة المفهوم ايضا كما هو اوضح من ان يخفى فتدبر في اطراف ما ذكرناه. واما المقام الثاني: فالنسبة بين العموم والمفهوم ان كانت عموما من وجه، فان كانت دلالة العام على العموم وضعية فان قلنا ان دلالة الكلام على المفهوم ايضا وضعية كما تقدم. فلا بد من الرجوع الى الاخبار العلاجية بناءا على المختار كما سيأتي تحقيقه. وان قلنا بان دلالة الكلام على المفهوم بالاطلاق يقدم العام على المفهوم، لان من جملة المرجحات لتقديم احد العامين من وجه كون دلالة احدهما بالوضع والاخر بالاطلاق. وان كانت دلالة العام على العموم غير وضعية، فان كانت دلالة الكلام على المفهوم وضعية يقدم المفهوم على العام، والا فيتساقط الاطلاقان، ولا بد من الرجوع الى دليل آخر من اصل لفظي أو عملي. واما إذا كانت النسبة عموما مطلقا، وكان المفهوم اخص من العام، يقدم المفهوم مطلقا، وذلك فيما إذا كان للمفهوم حكومة على العام، كمفهوم اية البنأ الحاكم على عموم العلة فيها المستفاد منها المنع عن اتباع غير العلم، واضح، فان المفهوم حينئذ متكفل لعقد الوضع للعام، ويوجب خروج مورده عن كونه فردا للعام، والعام غير متعرض لذلك، وانما يثبت الحكم على ما تحققت فرديته له، فهو لا يصلح لان يمنع عن

[ 362 ]

انعقاد الظهور في المفهوم الا على وجه دائر - وبعبارة اخرى - كون المورد فردا للعام يتوقف على عدم المفهوم وهو يتوقف على شمول العام له، المتوقف على كونه فردا له. وان لم يكن له حكومة عليه، فوجه تقديمه عليه هو ورود دليل حجيته على اصالة العموم، من جهة ان الخاص في نفسه قرينة على العام فالتعبد به تعبد بعدم ارادة الظهور من العام، وقد حقق في محله ان اصالة الظهور في القرينة مقدمة على اصالة الظهور في ذى القرينة ولو كان ظهور القرينة في نفسه اضعف من ظهور ذى القرينة وتمام الكلام في ذلك يأتي في مبحث التعادل والترجيح. تعقب الاستثناء للجمل المتعددة الفصل السادس: إذا تعقب الاستثناء جملا متعددة، فهل الظاهر هو رجوعه الى الكل كما عن الشيخ (قده) أو خصوص الاخيرة كما عن جماعة، أو لا ظهور له في واحد منهما، اما لكونه مشتركا لفظيا كما عن السيد، أو معنويا كما يؤول إليه ما في المعالم، أو ان المستعمل فيه واحد كان الاستثناء راجعا الى الكل أو الى خصوص الاخيرة كما في الكفاية وجوه. وتنقيح القول بالبحث في موردين: الاول: في امكان رجوع الاستثناء الى الكل و عدمه. الثاني: في ان الظاهر هو الرجوع الى الكل على فرض امكانه، أو الى الاخيرة، أو لا ظهور له في شئ منهما. اما الاول: فافاد المحقق الخراساني (ره) بانه لا اشكال في صحة رجوعه الى الكل، وافاد في وجهه ما محصله ان اداة الاستثناء موضوعة للاخراج وهى تستعمل فيه دائما سواء اتحد طرفاها اعني المستثنى والمستثنى منه، ام تعددا، ام اختلفا بالتعدد في جانب والاتحاد في آخر، وان قلنا بوضع الاداة بالوضع العام والموضوع له الخاص كما اختاره صاحب المعالم (ره) إذ الاخراج من المتعدد، نظير اخراج المتعدد مصداق واحد لمفهوم الاخراج لا مصاديق متعددة، فلو رجع الاستثناء الى الجميع أو الى خصوص

[ 363 ]

الاخيرة لم يكن فرق من ناحية استعمال الاداة في معنى واحد - وبعبارة اخرى - ان نسبة الاخراج واحدة كانت قائمة بالمتحد، أو المتعدد، غاية الامر إذا كانت قائمة بالمتعدد تنحل تلك النسبة الى نسب ضمنية متعددة بتعدد اطراف النسبة. وفيه: مضافا الى ان قياس تعدد المستثنى منه، بتعدد المستثنى، مع الفارق فان تعدد المستثنى لا يصح الا بالعطف، وهو في حكم تعدد اداة الاستثناء، وهذا بخلاف تعدد المستثنى منه، ولذلك ترى انه استدل لعدم جواز الرجوع الى الجميع، بانه ان اضمر مع كل جملة استثناءا لزم مخالفة الاصل، وان لم يضمر كان العامل فيما بعد الاستثناء اكثر من واحد، ولا يجوز تعدد العامل على معمول واحد في اعراب واحد: لنص سيبويه عليه وقوله حجة: انه إذا كان الدال على الاستثناء حرفا وكان الموضوع له في الحروف خاصا، لا محالة يكون ذلك موضوعا للاخراجات الخاصة، ولازم ذلك تعدد الاخراج بتعدد احد الطرفين كما هو الشان في الامور النسبية فيكون الاخراج متعددا إذا كان المستثنى، أو المستثنى منه متعددا، الا ان يلاحظ الوحدة في الجمل المتعددة، أو في المستثنيات المتعددة، وعلى ذلك فارجاع الاستثناء الى الجميع مع عدم لحاظ الوحدة مستلزم لاستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد. ولكن الذى يسهل الخطب فساد المبنى، وان الموضوع له في الحروف عام، فلا كلام في امكان الارجاع الى الجميع. نعم، إذا كان المستثنى شخصا واحدا غير قابل الانطباق على المخرج من كل جملة، كما إذا قال: (اكرم العلماء) و (اضف العدول الا زيدا) ولم يكن زيد مجمع العنوانين لا يمكن الرجوع الى الجميع، الا بتأويل زيد الى مسماه، أو باستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد ولكنه غير مربوط بما هو محل الكلام. واما المورد الثاني: ففى الكفاية انه لا ظهور له في الرجوع الى الجميع أو خصوص الاخيرة، وان كان الرجوع إليها متيقنا. نعم، غير الاخيرة من الجمل لا تكون ظاهرة في العموم، لاكتنافها بما لا تكون معه ظاهرة فيه ثم قال اللهم الا ان يقال بحجية اصالة الحقيقة تعبدا لا من باب الظهور، فيكون المرجع عليه اصالة العموم إذا كان وضعيا، واما

[ 364 ]

إذا كان بالاطلاق فلا يكاد يتم ذلك لعدم تمامية مقدمات الحكمة، والوجه في عدم جريان المقدمات صلوح الاستثناء لذلك، لاحتمال الاعتماد حينئذ في التقييد عليه لاعتقاد انه كاف فيه ثم امر بالتأمل، وافاد في وجهه في الهامش، ان مجرد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهرا في الرجوع الى الجميع، فاصالة الاطلاق مع عدم القرينة محكمة لتمامية مقدمات الحكمة. اقول: في كلماته مواقع للنظر: 1 - ما افاده من انه لا ظهور له في الرجوع الى الجميع، فانه يرد عليه انه بعد كون الاستثناء والمستثنى صالحين للرجوع الى الجميع باستعمالهما في الجامع وارادة جميع افراده يكون مقتضى الاطلاق هو الرجوع الى الجميع، وحينئذ لو كان ظهور العمومات الاخر غير الاخيرة وضعيا يقدم على ظهور الاستثناء والمستثنى في الاطلاق، والا فيتعارض الاطلاقان ويتساقطان، اللهم الا ان يقال ان ظهور القرينة مقدم على ظهور ذى القرينة مطلقا كما هو الصحيح، وعليه بناء العرف في المحاورات، وعليه فيقدم ظهور الاستثناء في كونه راجعا الى الجميع وتخصص جميع العمومات به. 2 - ما افاده (قده) من انه بناءا على عدم ظهور الاستثناء في الرجوع الى الكل أو خصوص الاخيرة يكون ذلك مانعا عن انعقاد الظهور لساير الجمل غير الاخيرة، لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، فانه يرد عليه ان كبرى احتفاف الكلام بذلك انما هو ما إذا صح اعتماد المتكلم عليه وان كان مشتبه المراد عند المخاطب كلفظ الفاسق، لو فرضنا كون الفسق مشتبه المراد عند المخاطب، ودار امره بين كونه عبارة عن ارتكاب الكبيرة، أو الاعم منه ومن ارتكاب الصغيرة، فلو قال: (اكرم العلماء الا الفساق منهم) فلا محالة يكون ذلك مانعا عن انعقاد ظهوره في العموم لدخوله في الكبرى المتقدمة، حيث انه يصح للمتكلم ان يعتمد عليه في بيان مراده الواقعي. وهذا بخلاف المقام، فان مجرد صلوح الاستثناء للرجوع الى الجميع بدون قرينة عليه لا يصلح للاعتماد عليه، بل الاعتماد عليه يصح إذا كان بحسب متفام العرف ظاهرا في الرجوع الى الجميع، وعلى الجملة، ان العمومات ظاهرة في الشمول لجميع الافراد

[ 365 ]

فلا بد في صرفها عن ظواهرها من الاكتناف بما هو اظهر منه، أو المساوى معه الموجب ذلك لاجمالها، والفرض ان الاستثناء ليس له ظهور في تخصيص تلك الجمل، فلا يصح للمولى ان يتكل عليه فلا تكون العمومات من قبيل الكلام المحفوف بالقرينة. 3 - ان ما افاده في الهامش من ان مجرد الصلوح لذلك بلا قرينة عليه غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهرا في الرجوع الى الجميع، وان كان تاما، و به يندفع ما افاده في الاطلاق، الا انه لم يظهر وجه الفرق بين العموم والاطلاق، وانه كيف لا يكون صلوح الاستثناء للرجوع الى الجميع مانعا عن انعقاد الاطلاق، ويكون مانعا عن ظهور العام في العموم. ثم ان للمحقق النائيني في المقام تفصيلا، قال ان من الواضح انه لا بد من رجوع الاستثناء الى عقد الوضع لا محالة. وعليه فان لم يكن عقد الوضع مذكورا الا في صدر الكلام كما إذا: (قيل اكرم العلماء واضفهم واطعمهم الا فساقهم) لا مناص من رجوع الاستثناء الى الجميع، لفرض ان عقد الوضع لم يذكر الا في صدر الكلام، وعرفت انه لا بد من رجوع الاستثناء الى عقد الوضع، وان كان عقد الوضع مكررا في الجملة الاخيرة كما في الاية الكريمة (والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا) الى آخر الاية، فالظاهر فيه هو رجوع الاستثناء الى خصوص الجملة الاخيرة، لان تكرار عقد الوضع في الجملة الاخيرة مستقلا يوجب اخذ الاستثناء محله من الكلام، فيحتاج تخصيص الجملة السابقة على الجملة الاخيرة الى دليل آخر مفقود على الفرض. ويرد عليه امران: 1 - ما افاده في صورة عدم تكرر عقد الوضع، فانه يرد عليه ان الاستثناء كما يصح من الاسم الظاهر، يصح من الضمير وليس الضمير كالتوصيف، وعليه فحكم هذه الصورة حكم الصورة الثانية 2 - ما افاده في صورة تكرر عقد الوضع من اخذ الاستثناء محله من الكلام، فانه يرد عليه انه مع صلوح الاستثناء للرجوع الى الجميع ما معنى اخذ الاستثاء محله من الكلام ؟ وللاستاذ تفصيل آخر، وحاصله ان الصور ثلاث، الاولى: ان يكون تعددها بتعدد

[ 366 ]

الموضوع فحسب كما لو قيل: (اكرم العلماء والسادة الا الفساق منهم). الثانية: ان يكون تعددها بتعدد المحمول كما لو قال المولى لعبده: (بع كتبي واعرها واجرها الا ما كان مكتوبا على ظهره انه مخصوص لى) الثالثة: ان يكون تعددها بتعدد الموضوع والمحمول معا. كما لو قال: (اكرم السادة وانظر الى العلماء الا الفساق منهم). اما في الصورة الاولى فان لم يتكرر عقد الحمل كما في المثال فلا شبهة في رجوع الاستثناء الى الجميع، حيث ان ثبوت الحكم الواحد لهم جميعا قرينة عرفا على ان الجميع موضوع واحد في مقام الجعل واللحاظ، واما إذا كرر فيها عقد الحمل كما إذا قيل: (اكرم العلماء واكرم الشيوخ الا الفساق منهم) فالظاهر هو رجوع الاستثناء الى خصوص الجملة المتكررة فيها عقد الحمل وما بعدها من الجمل لو كانت لان تكرار عقد الحمل في الكلام قرينة بنظر العرف على انه كلام آخر منفصل عما قبله من الجملات، و بذلك يأخذ الاستثناء محله من الكلام. واما الصورة الثانية، فان كان الموضوع فيها غير متكرر كما في الاية الكريمة والمثال، فالظاهر رجوع الاستثناء الى الجميع، والوجه فيه هو رجوع الاستثناء الى الموضوع فبطبيعة الحال يكون استثناءا من الجميع. وان كان الموضوع فيها متكررا كما في مثل قولنا: (اكرم العلماء واضفهم وجالس العلماء الا الفساق منهم) فالظاهر هو رجوع الاستثناء الى خصوص الجملة المتكررة فيها عقد الوضع وما بعدها من الجمل لو كانت، فان تكرار عقد الوضع قرينة عرفا على قطع الكلام عما قبله، وبذلك ياخذ الاستثناء محله. واما الصورة الثالثة: فيظهر حالها مما تقدم وهو رجوع الاستثناء الى الجملة الاخيرة. اقول: ان اساس ما افاده من التفصيل امور. احدها: ان تكرار عقد الوضع قرينة عرفية على انفصال الكلام عما قبله فيأخذ الاستثناء محله. ثانيها: انه مع عدم تكراره يكون الكلام ظاهرا في الرجوع الى الجميع لرجوع الاستثناء الى الموضوع، والمفروض انه ذكر في صدر الكلام. ثالثها: ان ثبوت الحكم الواحد للموضوعات المتعددة قرينة عرفا على ان

[ 367 ]

الجميع موضوع واحد. ويرد على ما افاده اولا: ان تكرار عقد الوضع لو سلم كونه قرينة على انفصال الكلام عما قبله، لا يكون سببا لرجوع الاستثناء الى خصوص الجملة الاخيرة بعد كونه صالحا للرجوع الى الجميع، ولم افهم معنى اخذ الاستثناء محله، ويرد على ما افاده ثانيا ما اوردناه على المحقق النائيني (ره) من ان الاستثناء يصح ان يرجع الى الضمير، نعم ما افاده من الامر الثالث تام. فالمتحصل مما ذكرناه، هو ظهور القضية مطلقا، في الرجوع الى الجميع. تخصيص الكتاب بخبر الواحد الفصل السابع: ذهب جماعة الى جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، و حكى المحقق عن الشيخ وجماعة انكاره مطلقا، وقال صاحب المعالم وهو مذهب السيد، وفصل بعضهم فاجازه ان كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي متصلا كان أو منفصلا، وتوقف بعض واليه يميل المحقق. ويمكن ان يستدل لجواز بوجوه: 1 - انه حيث لا تعارض بين سند الكتاب و سند الخبر، بل التنافى انما هو من جهة الدلالة، أي دلالة الكتاب عموما أو اطلاقا وسند الخبر، أو دلالته، فلا ريب في التقديم الخبر، لان دليل اعتبار سند الخبر يكون حاكما عليها، ورافعا لموضوعها، وهو الشك في ارادة العموم، حيث انه بعد اعتبار الخبر سندا و حجيته يكون مبينا لما هو المراد من الكتاب في الواقع فيقدم عليه، واما دلالة الخبر فهى قطعية لكونه نصا في مدلوله، وبديهى ان الظاهر يرفع اليد عنه بالنص. 2 - الاخبار العلاجية حيث انهم (ع) قدموا فيها عند بيان المرجحات الشهرة وصفات الراوى على موافقة الكتاب، فتدل على ان الخبر المخالف للكتاب، بنحو العام والخاص، لا التباين إذا كان مشهورا يكون حجة، ومقدما على معارضه، فلا محالة يخصص العموم به، اضف الى ذلك ما سيأتي في محله، من ان الامور المذكورة فيها منها

[ 368 ]

موافقة الكتاب من مرجحات احدى الحجتين على الاخرى، لا من مميزات الحجة عن اللا حجة، فجعل موافقة الكتاب من تلكم بنفسه دليل حجية المخالف. 3 - انه لولا ذلك لزم الغاء الخبر بالمرة، ضرورة انه لا خبر الا ويخالفه عموم الكتاب، فادلة حجية الخبر تدل على جواز تخصيص الكتاب به. واما ما استدل به صاحب التقريرات والمحقق الخراساني، قال في الكفاية لما هو الواضح من سيرة الاصحاب على العمل باخبار الاحاد في قبال عمومات الكتاب الى زمن الائمة عليهم السلام، فيرد عليه: ان المتيقن من ذلك في زمن الائمة، هو ما لو كان الخبر قطعي السند، فانه لا ريب في حصول القطع بالصدور كثيرا، مع قلة الواسطة وكون الواسطة مورد الوثوق والاطمينان. واستدل لعدم الجواز بوجوه. احدها: ان الكتاب قطعي السند، والخبر ظنى السند، فكيف يرفع اليد عن القطعي بالظني. ويرد عليه ما مر من: ان القطعي انما هو سند الكتاب وصدور الفاظه الخاصة عن الشارع الاقدس، والخبر لا ينافى ذلك، واما دلالته على العموم أو الاطلاق فهى ليست قطعية، لاحتمال عدم ارادته تعالى العموم أو الاطلاق من العمومات والمطلقات، وانما يكون حجية اصالة الظهور فيها ببناء العقلاء، وبديهى ان بنائهم عليها انما هو ما لم يقم على خلافها قرينة والا فلا بناء منهم على العمل بها، والفرض ان خبر الواحد بعدم قيام الدليل على حجيته يصلح قرينة على الخلاف، وعلى الجملة ان طرف معارضة الخبر هو دلالة الكتاب وهى غير قطعية. ثانيها: ما ذكره المحقق (ره) المائل الى التوقف وهو انه، لا دليل على حجية الخبر غير الاجماع والمتيقن منه ما لم يكن الخبر على خلاف عموم الكتاب أو اطلاقه. ويرده ما سيأتي من ان مدرك حجية الخبر هو، السيرة العقلائية، والايات، والاخبار كما سيأتي. ثالثها: ما عن الشيخ في العدة وهو الاخبار الدالة على المنع عن العمل بما خالف

[ 369 ]

كتاب الله، وان ما خالفه زخرف أو باطل أو اضربه على الجدار أو لم اقله أو ما شاكل ذلك (1)، وهذه الاخبار تشمل الاخبار المخالفة لعمومات الكتاب ومطلقاته ايضا فتدل على عدم حجيته. وفيه: ان المخالفة بالعموم والخصوص لا تكون مخالفة عرفا، بل العرف يرى كون الخاص قرينة على العام، وشارحا له، ومع وجوده لا بناء من العقلاء على حجية اصالة الظهور، فالمراد من المخالفة فيها اما خصوص المخالفة بالتباين، أو الاعم منه ومن العموم من وجه، اضف إليه انه بعد العلم بصدور الاخبار المخالفة للكتاب بالعموم المطلق، فلو سلم شمول المخالفة له لابد من تخصيص تلك الاخبار بغير تلك المخالفة. فان قيل ان الاخبار الامرة برد المخالف آبية عن التخصيص، اجبنا عنه انها آبية عن التخصيص الافرادى ولكنها غير آبية عن التخصيص الانواعى بان يقال كل خبر خالف كتاب الله فهو زخرف الا المخالف له بنحو العموم والخصوص المطلق. واما ما في الكفاية من قوله مع قوة احتمال ان يكون المراد انهم لا يقولون بغير ما هو قول الله تعالى واقعا، وان كان على خلافه ظاهرا شرحا لمرامه تعالى وبيانا لمراده من كلامه. فيرد عليه: ان الاخبار الامرة بطرح المخالف صريحة في كون المراد هو ما بين الدفتين لا الحكم الله الواقعي، فانه لا يعلمه الا هو ونبيه واوصيائه، فلا معنى لارجاع الناس إليه، وجعله معيارا لهم في تشخيص الخبر الصحيح عن غيره. مع انه لو تم ما افاد فانما هو فيما كان لسانه، لم نقله أو ما شاكل، ولا يتم فيما كان لسانه اضربه على الجدار كما لا يخفى. رابعها: انه لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لجاز نسخه به، حيث انه قسم من التخصيص وهو التخصيص بحسب الازمان ولا فرق بينهما الا في كون التخصيص المصطلح تخصيصا بحسب الافراد العرضية، والنسخ تخصيصا بحسب الافراد الطولية


1 - وسائل الشيعة 18 / 78. (*)

[ 370 ]

فلو جاز الاول جاز الثاني مع انه ممتنع جزما، فيمتنع الاول. ويرد عليه: انه قد دلت الادلة القطعية على ان الشريعة المقدسة قد كملت في زمان النبي (ص) وانه لا يتبدل شئ من الاحكام بعد موته، وان حلاله حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام كذلك، وهذه تدل على ان الخبر الدال على النسخ باطل وغير موافق للواقع وليس كذلك التخصيص، نعم إذا تضمن خبر الواحد نسخ حكم في زمان النبي (ص) نلتزم به ولا محذور فيه، فالمتحصل هو جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. دوران الامر بين التخصيص والنسخ الفصل الثامن: إذا ورد عام وخاص ودار الامر بين النسخ والتخصيص ففيه صور: الاولى: ان يكون الخاص متصلا بالعام ومقارنا معه. الثانية: ان يكون الخاص بعد العام قبل حضور وقت العمل به. الثالثة: ان يكون الخاص بعد العام وبعد حضور وقت العمل به. الرابعة: ان يكون العام بعد الخاص قبل حضور وقت العمل به. الخامسة: ان يكون العام بعد الخاص وبعد حضور وقت العمل به. اما الصورة الاولى: فلا ريب في كونه مخصصا لعدم معقولية النسخ لانه عبارة عن رفع الحكم الثابت في الشريعة، والمفروض ان الحكم العام في العام المتصل بالمخصص غير ثابت فيها ليكون الخاص رافعا له، وبالجملة لا معنى معقول لجعل الحكم ورفعه في آن واحد. واما الصورة الثانية: فقد يقال بعدم جواز التخصيص، فانه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الخطاب، ويرده ما سيأتي من جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فضلا عن تأخيره عن وقت الخطاب. وفى الكفاية وعن المحقق القمى وصاحب المعالم وغيرهم من الاساطين، انه لا محيص من كونه مخصصا له وبيانا، واستدل له بوجهين:

[ 371 ]

احدهما: ان المتعلق في ظرف العمل ان كان فيه مصلحة فلماذا ينسخ الحكم، والا فلماذا يجعله. ويرده ان هذا ايراد اورد على جواز النسخ مطلقا وسيأتى الجواب عنه انه يمكن ان يكون مصلحة في البعث إليه في زمان أو يكون مفسدة في اخراج هذا الفرد في اول الامر. ثانيهما: انه لا يعقل جعل الحكم من المولى الملتفت الى عدم فعليته في الخارج بفعلية موضوعه فان اثر الحكم الايجابي منحصر في امكان داعويته في ظرف العمل. والالتزام بانه يمكن ان يكون مصلحة في جعل الحكم، ونسخه قبل زمان العمل، التزام بعدم امكان النسخ، إذ مثل ذلك الجعل ليس جعلا للحكم الحقيقي، بل هو حكم صوري امتحاني، أو نحوه، وهو خلف الفرض. ولا فرق في ذلك بين القضية الخارجية، والحقيقية، إذ في القضية الحقيقية، وان كان المجعول هو الحكم على موضوع مقدر الوجود، وليس منوطا بوجود الموضوع خارجا، ويصح الجعل مع عدم تحقق الموضوع في الخارج، فيما إذا صار الجعل سببا لعدم تحققه، كما في بعض الاحكام الجزائية، كجعل القصاص، الا انه لاجل كون الحكم البعثي، انشاءا بداعي جعل الداعي، ومع نسخه لا يترقب منه ذلك، فلا يصح - وبعبارة اخرى - اثر جعل الحكم، ولو كان بنحو القضية الحقيقية، هو امكان داعويته في حين فعليته فلا يصح نسخ مثل ذلك قبل فعلية الموضوع المستلزم للغوية الجعل. وبما ذكرناه ظهر ما في كلام المحقق النائيني (ره) حيث انه التزم بامكان النسخ قبل حضور وقت العمل في القضايا الحقيقية غير الموقتة بوقت مخصوص، مستدلا بانه لا يشترط في صحة جعله وجود الموضوع له في العام اصلا، إذ المفروض انه حكم على موضوع مقدر الوجود.: فانه قد عرفت ان المانع هو لغوية جعل الحكم ثم نسخه، مع، انه في مورد علم الحاكم بعدم تحقق الموضوع خارجا وعدم استناد ذلك الى الجعل نلتزم بعدم معقولية الجعل للغوية.

[ 372 ]

وما يرى من صحة جعل الحكم الموجب لعدم تحقق موضوعه في الخارج الموجب لعدم فعليته في الخارج كما في القصاص وبعض الحدود فانما هو من جهة خروج ذلك الجعل عن اللغوية ولا ربط لذلك بما هو محل الكلام الذى لا اثر عملي له سوى امكان الداعوية. فالمتحصل انه، يمكن ان يكون ذلك ناسخا، ويمكن ان يكون مخصصا، و لكن الاظهر كونه مخصصا لما سيأتي في الصورة الثالثة. وهى ما إذا ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، فقد يقال بتعين النسخ، و قد يقال بتعين التخصيص. واستدل للاول، بعدم معقولية التخصيص لقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة. واجاب عنه المحقق الخراساني بان العام إذا كان واردا في مقام بيان الحكم الواقعي ثم ما ذكر، واما إذا كان واردا في مقام بيان جعل القانون والقاعدة، بمعنى ان المتكلم اراد بالارادة التصديقية فيما قال، جعل الحكم على جميع الافراد، وان استعمال العام في معناه انما هو لكونه بيانا للمراد ما لم يجئ قرينة على التخصيص، كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الايات والروايات، فلا مانع من ورود التخصيص بعد حضور وقت العمل به، إذ لا يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لعدم كون المولى في مقام بيان المراد الجدى حين جعله الحكم على نحو العموم، وانما يكون في مقام بيان ضرب القاعدة وهو على الفرض لم يتاخر بيانه عن وقت الحاجة. ويرد عليه ان ما ذكر من كون عمومات الكتاب والسنة واردة في مقام ضرب القاعدة، وان كان تاما كما مر في مبحث عدم استلزام تخصيص العام للمجازية، ولا يرد عليه ما اورده المحقق النائيني (ره) كما عرفت في ذلك المبحث. الا انه لا يفيد في المقام إذ لا يخل الامر من كون العمومات ظاهرة في ارادة العموم واقعا وجدا في مقام الاثبات والدلالة، أو لا تكون ظاهرة فيها، فعلى الاول يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ العام حينئذ ظاهر في العموم والخاص المتأخر كاشف عن عدم ارادة العموم، وهذا بعينه هو تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعلى الثاني لا ظهور

[ 373 ]

لها في العموم كى يتمسك به في مقام الاثبات وفى ظرف الشك في المراد، وبالجملة المحذور في ذلك المبحث ثبوتى يرتفع بما افيد، وفى المقام اثباتي لا يرتفع به فتدبر. فالاولى في مقام الجواب ان يقال ان قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة انما هو بمناط انه يوجب ايقاع المكلف في المشقة من دون مقتض لها واقعا، وذلك فيما إذا افترضنا ان العام مشتمل على حكم الزامي في الظاهر، ولكن كان بعض افراده في الواقع مشتملا على حكم ترخيصي، وهو قبيح، أو انه يوجب القاء المكلف في المفسدة أو يوجب تفويت المصلحة كما إذا كان العام مشتملا على حكم ترخيصي في الظاهر، وكان بعض افراده في الواقع واجبا أو حراما. وهو ايضا قبيح، واياما كان انما يكون هذا القبح قابلا للرفع وذلك فيما إذا اقتضت المصلحة الاقوى ذلك، فانه لا يكون هذا القبح كقبح الظلم غير ممكن التخلف عنه بل هو اقتضائي ومن قبيل قبح الكذب، وعليه فإذا اقتضت المصلحة الاقوى من مفسدة التاخير، أو كان في التقديم مفسدة اقوى من مفسدة تأخيره لا محذور فيه ولا مانع عنه (كما كان كذلك في صدر الاسلام) واستدل للثاني بوجوه ياتي الاشارة إليها في الصورة الخامسة، وستعرف وجه تعين التخصيص في جميع الصور. الصورة الرابعة: ما لو ورد العام بعد الخاص قبل حضور وقت العمل به ففى هذه الصورة يتعين الالتزام بالتخصيص، لما مر في الصورة الثانية من ان البناء على النسخ يوجب لغوية جعل الحكم. الخامسة: ما إذا ورد العام بعد الخاص وبعد حضور وقت العمل به، ففى هذه الصورة يقع الكلام في ان الخاص المتقدم، هل يكون مخصصا فيكون الحكم المجعول بعد ورود العام هو حكم الخاص دون العام، أو ان العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم فيكون الحكم المجعول بعد وروده هو حكم العام، فيه وجهان. وقد استدل لتعين التخصيص بوجوه. الاول: ما في الكفاية قال وان كان الاظهر ان يكون الخاص مخصصا لكثرة التخصيص حتى اشتهر ما من عام الا وقد خص مع قلة النسخ في الاحكام جدا، وبذلك يصير ظهور الخاص في الدوام ولو كان بالاطلاق اقوى

[ 374 ]

من ظهور العام ولو كان بالوضع كما لا يخفى انتهى. واورد عليه المحقق النائيني (ره) تبعا للشيخ الاعظم، بامتناع كون دليل الحكم متكفلا لبيان استمرار ذلك الحكم ودوامه، لان الحكم باستمرار أي حكم انما هو في مرتبة متاخرة عن نفس ذلك الحكم، ضرورة انه لابد من ان يكون نفس الحكم مفروض الوجود حين الحكم عليه بالاستمرار فكيف يعقل ان يكون دليل واحد متكفلا باثبات نفس الحكم وباثبات ما يتوقف على كون ذلك الحكم مفروض الوجود في الخارج. ولكن يمكن رد ذلك بان معنى استمرار الحكم ودوامه، هو ثبوت الحكم في جميع الازمنة وبلحاظ الافراد الطولية للمتعلق، وعليه فكما ان الدليل بالاضافة الى الافراد العرضية قد يكون مقيدا، وقد يكون مطلقا كذلك بالاضافة الى الافراد الطولية وليس معناه، ثبوت حكم واحد، واستمرار ذلك الحكم، بل لا محالة ينحل الحكم الى احكام عديدة بعدد ما لموضوعه من الافراد، وعليه فإذا كان الدليل في مقام البيان ولم يقيده بزمان خاص يكون الحكم مطلقا بالاضافة الى جميع الازمنة فيتمسك به في كل زمان يشك في ثبوت الحكم له، فما افاده المحقق الخراساني من ان الخاص يدل على الدوام والاستمرار بالاطلاق، متين. ولكن ما افاده من تقديم الخاص على العام، وان كانت دلالة الخاص بالاطلاق و دلالة العام على العموم بالوضع، غير تام، فان دلالة العام على العموم تنجيزية غير متوقفة على شئ وتصلح ان تمنع عن جريان مقدمات الحكمة في الخاص، غلبة التخصيص لا تكون بحد توجب الاطمينان بذلك، ومجرد الظن لا يغنى عن الحق شيئا. مع انه لا يدور الامر في المقام بين التخصيص والنسخ، فان الخاص صلاحيته لكونه مخصصا تتوقف على جريان مقدمات الحكمة، وهى غير جارية على الفرض. الثاني: التمسك بقولهم عليهم السلام (حلال محمد (ص) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة) (1) فان ذلك ظاهر في ان كل حكم ثابت في الشريعة المقدسة


1 - اصول الكافي ج 1 ص 58 ح 19. (*)

[ 375 ]

مستمر الى يوم القيامة فيتمسك في كل مورد يشك فيه في استمرار الحكم الثابت فيه بعموم هذا الدليل. وفيه: اولا ان المراد به ان شريعة محمد (ص) باقية الى يوم القيامة وانه لا ينالها يد النسخ بشريعة اخرى، ولا نظر له الى استمرار كل حكم منه الى يوم القيامة. مع، انه لو سلم ظهوره في استمرار كل حكم منها، يقع التعارض بينه وبين عموم العام المقتضى للشمول لجميع الافراد منها هذا الخاص المستلزم ذلك للنسخ. الثالث: ان الامر في محل الكلام دائر بين رفع اليد عن اصالة العموم، وبين رفع اليد عن اصالة عدم النسخ في مثل ذلك يتعين رفع اليد عن اصالة العموم، لقلة النسخ، و كثرة التخصيص. وفيه: انه لو جرت اصالة العموم لكانت حاكمة على اصالة عدم النسخ، لان مدرك الاولى بناء العقلاء، ومدرك الثانية الاستصحاب، ولا كلام في حكومة الاصل اللفظى على الاصل العملي. مع ان اصالة العموم في نفسها لا تجرى، إذ الخاص المتأخر يصلح أو يكون بيانا للمراد من العام، وان ورد بعد حضور وقت العمل به إذا كانت هناك مصلحة تقتضيه، و عليه فلا تجرى اصالة العموم التى مدركها بناء العقلاء، لعدم كون بنائهم على ذلك في مثل الفرض. اضف الى ذلك كله، ان اصالة عدم النسخ لا تجرى في الثورة الثالثة لوجهين: احدهما: انه يجب على الملكف، بعد ورود الخاص تطبيق عمله على طبق الخاص، كان هو ناسخا أو مخصصا فلا اثر لجريان اصالة عدم النسخ، فان قيل انه يترتب عليها الاثر بلحاظ ثبوت الحكم العام الى زمان ورود الخاص، اجبنا عنه بانه يعتبر في الاستصحاب ترتب الاثر بلحاظ البقاء لا الحدوث فتدبر. ثانيهما: ان المعتبر في الاستصحاب كون الحدوث متيقنا والبقاء مشكوكا فيه، وفى المقام يكون بالعكس، فانه في المقام لا شك في حكم الخاص بعد وروده، وانما الشك في ان حكمه قبل ذلك كان هو هذا الحكم بعينه ليكون الخاص مخصصا لدليل العام، أو

[ 376 ]

ان حكمه كان على طبق العموم فيكون ناسخا، فلا معنى لجريان الاستصحاب. فالصحيح في وجه تعين التخصيص ان يقال مضافا الى ما مر من عدم جريان اصالة العموم في نفسها ان الاحكام الشرعية باجمعها ثابتة في الاسلام في زمان النبي (ص) ولا نسخ بعده، وعليه فالاحكام التى بينها الائمة المعصومين عليهم السلام هي الاحكام الثابتة من الاول لا من حين صدورها، فتكون العمومات والخصوصات باجمعها كاشفة عن ثبوت مضامينها من الاول، وعليه فلا مناص من جعل الخاص مخصصا في جميع الصور لا ناسخا. النسخ ثم انه لا بأس بصرف الكلام الى ما هو الحق في النسخ، تبعا للاساطين. فاقول: ان النسخ في اللغة رفع شئ واثبات غيره مكانه، وتحويل شئ الى غيره وفى الاصطلاح هو رفع امر ثابت في الشريعة بارتفاع امده وانتهاء، وان شئت قلت انه البداء في التشريعيات. وبذلك يظهر ان ارتفاع الحكم الفعلى بارتفاع موضوعه كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان، ليس من النسخ بشئ، بل النسخ هو رفع الحكم عن موضوعه المفروض وجوده في عالم التشريع والجعل. والمشهور بين المسلمين امكانه، وخالفهم اليهود والنصارى، وقد استدلوا له: بان النسخ يستلزم احد محذورين، اما عدم حكمة الناسخ، أو جهله، وكلاهما مستحيل في حقه تعالى.: والوجه فيه ان الله تعالى حين ما جعل المنسوخ ان كان عالما بوجود المصلحة الى الابد فيلزم كون نسخه جزافا وعلى خلاف الحكمة، وان لم يكن عالما به بل كان جاهلا مركبا يعتقد وجود المصلحة ثم انكشف له عدمها كان جاهلا ولا ثالث: والجواب، عن ذلك اولا: النقض بالتخصيص، فانه يجرى فيه هذا البرهان فان الشارع الجاعل

[ 377 ]

للحكم على نحو العموم، ان كان عالما بوجود المصلحة في جميع الافراد فالتخصيص جزاف وعلى خلاف الحكمة، وان لم يكن عالما به بل كان يعتقد وجود المصلحة ثم ينكشف له عدم المصلحة فيلزم كونه جاهلا. وثانيا: بالحل وهو ان الشارع الاقدس يعلم انه لا مصحلة في جميع الافراد في موارد التخصيص وفى جميع الازمنة في مورد النسخ ولكنه لمصلحة يجعل الحكم بنحو العموم، وفى جميع الازمنة ليكون العام دليلا حيث لا قرينة على خلافه، فيكون الحكم بحسب الواقع مقيدا بذلك الزمان الخاص المعلوم عند الله المجهول عند الناس، و يكون ارتفاعه بانتهاء امده وحلول اجله، ولكنه بحسب مقام الاثبات والبيان يكون ثابتا في جميع الازمنة، ولعله الى هذا نظر المحقق الخراساني حيث قال ان النسخ وان كان رفع الحكم الثابت اثباتا الا انه في الحقيقة رفع الحكم ثبوتا وانما اقتضت الحكمة اظهار دوام الحكم واستمراره، وعليه فما افاده تام. ولكن ما فرعه على ذلك بقوله، وحيث عرفت ان النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا وان كان بحسب الظاهر رفعا فلا بأس به مطلقا ولو كان قبل حضور وقت العمل لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك وتعالى بالمعنى المستلزم لتغير ارادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتا وجهة انتهى. لا يتم فانه وان كان لا يلزم المحذور المذكور، ولكنه يلزم لغوية جعل الحكم فانه انما يصح الجعل فيما إذا امكن داعويته ومع عدم امكانها يكون الحكم لغوا وصدوره من الحكيم محالا. نعم، يمكن ان يقال ان الاحكام على نوعين، احدهما ما يراد منه البعث أو الزجر الحقيقي، ثانيهما ما لا يراد منه ذلك كالحكم الصادر لغرض الامتحان، والقسم الثاني يصح جعله ثم رفعه قبل حضور وقت العمل به، ولا يلزم من رفعه محذور، الا انه بعد رفعه يظهر انه لم يكن حكما بل كان صورة الحكم ولا مشاحة في تسمية ذلك ايضا نسخا. ومن هذا القبيل لعله يكون امر ابراهيم بذبح اسماعيل، عليهما السلام. واما البداء فالكلام فيه ما حققناه في ذيل مسألة الجبر والاختيار، وقد مر.

[ 378 ]

[... ]

[ 379 ]

المقصد الخامس المطلق والمقيد

[ 380 ]

[... ]

[ 381 ]

المطلق والمقيد المقصد الخامس: في المطلق والمقيد والمجمل والمبين، وفيه فصول: الفصل الاول: المطلق على ما عرفه اكثر الاصوليين هو ما دل على شايع في جنسه، وفى القوانين أي على حصة محتملة الصدق على حصص كثيرة مندرجة تحت جنس ذلك الحصة، وقريب منه ما عن المعالم، وعن الفصول ان اصل التعريف بالحصة من العضدي، واورد على هذا التعريف بايرادين. احدهما: ما عن صاحب الفصول (ره) وهو انه انما ينطبق هذا التعريف على النكرة فانها التى تدل على ذلك، أي على حصة شايعة بدليا في حصص ذلك الجنس، ولا يشمل الاطلاق المستفاد من اسم الجنس الدال على جميع الحصص - وبعبارة اخرى - لا يشمل الاطلاق الشمولى. واجيب عنه، تارة بانه انما يختص هذا التعريف بالنكرة بناءا على ارادة الفرد المردد من الشايع الواقع في التعريف، واما إذا اريد به المعنى السارى في الجنس كما هو الظاهر لان معنى الشيوع، هو السريان، فينطبق التعريف على النكرة واسم الجنس. و اخرى بما في الكفاية: من ان ذلك شرح الاسم، وهو مما يجوزان لا يكون بمطرد ولا منعكس. وثالثة: بان هذا التعريف من التفتازانى وغيره ممن يقولون بعدم وجود الكلى الطبيعي في الخارج فلذا عرفوه على نحو لا يكون منطبقا الا على النكرة. والكل كما ترى، اما الاول: فلان التعريف انما هو بما دل على الشايع في جنسه والشيوع وان كان بمعنى السريان الا ان السارى في الجنس ليس الا النكرة، واما اسم

[ 382 ]

الجنس فهو شايع في افراده، واما الثاني: فلان الشارح للاسم. تارة يكون في مقام شرح تمام ما يكون مدلولا للفظ فلا مناص له من الاتيان بلفظ يرادف المشروح، فلو شرح بغير ذلك أي مع الزيادة أو النقيصة، يرد عليه الاشكال، واخرى يكون في مقام الشرح الناقص، وحيث ان مقصود الشارحين للالفاظ الواقعة في عناوين الابحاث هو الاول، لكونهم في مقام ضبط المدلول بنحو لا يفوتهم شئ، ولذا تريهم يشرحونها بعد الايراد على غيرهم بعدم الاطراد أو الانعكاس، فيصح الاشكال عليهم، واما الثالث: فلان الاطلاق الشمولى يلائم مع القول بعدم وجود الكلى الطبيعي، والايراد انما هو عدم شمول التعريف له، فالاظهر صحة هذا الايراد. الثاني: ان الاطلاق والتقييد من صفات المعنى وانما يتصف بهما اللفظ بالتبع والعرض، وهذا التعريف ظاهره كونهما من صفات اللفظ. وعرفه جماعة منهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد، والمحقق في مقدمة المعتبر بانه اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي. فالصحيح ان يقال ان الظاهر انه ليس للاصوليين اصطلاح خاص في معنى الاطلاق والتقييد، وانهم يطلقونهما بما لهما من المعنى اللغوى، وهو الارسال، والاشتراط، يقال اطلق الفرس أي ارسل عنانه وارخى في مقابل تقييده. وعليه، فالاولى تعريفه أي المطلق بانه ما دل على معنى شايع مرسل في غيره، كما عن بعض المحققين (ره). ثم ان الاطلاق والتقييد كما يتصف بهما المفاهيم الافرادية، كذلك يتصف بهما الجمل التركيبة، غاية الامر، اطلاق المفهوم الافرادى يقتضى التوسعة دائما، واطلاق الجمل التركيبية قد يقتضى التوسعة، وقد يقتضى التضييق، وقد تكون عند الاطلاق ظاهرة في معنى، وبالتقييد ظاهرة في آخر، مثلا، اطلاق العقد يقتضى نقد البلد أو التسليم والتسلم، وتقييده يقتضى خلاف ذلك، واطلاق الامر يقتضى النفسية العينية التعيينية، والتقييد يقتضى الغيرية، أو التخييرية، أو الكفائية، وحيث انه لا ضابط لاطلاق الجمل التركيبية، فلا بد من البحث عن اطلاق كل جملة بخصوصها في المورد المناسب له، فالبحث في المقام متمحض في البحث عن اطلاق المفاهيم الافرادية.

[ 383 ]

اسم الجنس ثم انه يقع الكلام في جملة من الاسماء، وهل انها من المطلق ام لا ؟ منها اسماء الاجناس من الجواهر والاعراض، وفى وضعها اقوال: 1 - ما نقله صاحب الفصول قال وقيل بل موضوع للفرد المنتشر، وهو مردود بشهادة التبادر على خلافه. 2 - ما نسب الى المشهور، وهو وضعها للمهية المطلقة أي المقيدة بالشياع والسريان بحيث كان الشياع والسريان جزء المدلول، ولكن المحقق الخراساني يصرح بان الكلام في صدق النسبة. 3 - ما اختاره المحققون تبعا لسلطان العلماء وهو وضع اسم الجنس للمهية المهملة التى تكون مقسما لجميع اعتبارات المهية، وهو الحق عندنا. توضيح ذلك، انما يكون ببيان اقسام الماهية، وملخصه انه، تارة تلاحظ الماهية من حيث هي ويكون النظر مقصورا على ذاتها وذاتياتها من دون النظر الى الخارج عن ذاتها، واخرى تلاحظ مقيسة الى الخارج عن ذاتها فيلاحظ معها شئ آخر خارج عن مقام ذاتها، والجامع بين القسمين الذى لا تحقق له الا في ضمن احدهما، هي الماهية المهملة غير المقيدة بلحاظ حتى لحاظ قصر النظر على الذات والذاتى، وهو الكلى الطبيعي، كما ستعرف. والقسم الثاني وهو الماهية الملحوظ معها شئ خارج عن مقام ذاتها وذاتياتها، له اقسام. احدها: ما لو كان ذلك الشئ عنوان مقسميتها للاقسام التالية دون غيره، ويسمى ذلك بالماهية اللابشرط المقسمى. ثانيها: لحاظ عدم دخل شئ من الخصوصيات، وعدم اخذ شئ منها مع الماهية ورفض القيود، - وبعبارة اخرى - عنوان الاطلاق والارسال، ويسمى ذلك، باللابشرط القسمى، والماهية المطلقة والمرسلة، والمحمول المترتب عليها يثبت لجميع الافراد

[ 384 ]

الخارجية. ثالثها: ما لو كان ذلك الشئ الخارج الملحوظ مع الماهية عنوان تجردها في وعاء العقل عن جميع الخصوصيات والعوارض، ويسمى ذلك بالماهية المجردة، والماهية بشرط لا، والمحمول المترتب عليها حينئذ لا يثبت لشئ من الافراد الخارجية، ولا يصح حمل شئ عليها سوى المعقولات الثانوية، مثل: نوع، وهذه تسمى بالاسماء التالية، النوع الجنس، الفصل، العرض العام، العرض الخاص، حيث انها عناوين للماهيات الموجودة في افق النفس فلا تصدق على الموجود الخارجي. رابعها: ما لو كان ذلك الشئ خصوصية من الخصوصيات الخارجية، وتلك الخصوصية، تارة تكون وجودية كلحاظ ماهية الانسان مع العلم، واخرى تكون عدمية كلحاظها مع عدم العلم، وتسمى هذه الماهية بالماهية المخلوطة، والماهية بشرط شئ، بلا فرق بين نوعيه، نعم في اصطلاح الاصوليين ربما يعبر عن النوع الثاني، بالماهية بشرط لا. وبعد ذلك نقول ان اسم الجنس موضوع للماهية المهملة الجامعة بين جميع تلك الاقسام المعراة عن تمام الخصوصيات والتعينات الخارجية والذهنية حتى خصوصية قصر النظر عليها، والشاهد على ذلك استعماله في الماهية بجميع اطوارها ولو كان شئ من تلكم الخصوصيات ماخوذا فيها، كان استعماله في غير تلك الخصوصية مجازا ومحتاجا الى قرينة، حتى ولو كانت تلك الخصوصية قصر النظر على ذاتها و ذاتياتها، وان شئت فقل ان تلكم الخصوصيات باجمعها الطارئة على الماهية انما هي في مرحلة الاستعمال ومما حققناه يظهر امور. الاول: ان الماهية المقصور فيها النظر الى ذاتها وذاتياتها ليست هي الماهية المهملة نظرا الى انها متعينة من هذه الجهة فنسبة هذه الى الماهية المهملة فيها مسامحة واضحة، بل هي فوق جميع الاعتبارات واللحاظات الطارئة عليها. الثاني: ما في كلمات المحقق الخراساني (ره) حيث انه بعد اختياره لوضع اسم الجنس للماهية المهملة قال وبالجملة الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى وصرف المفهوم الغير الملحوظ معه شئ اصلا الذى هو المعنى بشرط شئ ولو كان ذلك الشئ

[ 385 ]

هو الارسال، الى ان قال بداهة عدم صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الافراد، الى ان قال وكذا المفهوم اللابشرط القسمى فانه كلى عقلي لا موطن له الا الذهن لا يكاد يمكن صدقه وانطباقه عليها بداهة ان مناطه الاتحاد بحسب الوجود خارجا فكيف يمكن ان يتحد معها ما لا وجود له الا ذهنا انتهى. فانه يرد عليه امور: 1 - انه جعل الماهية الملحوظة مرسلة، المعبر عنها بالماهية المطلقة التى نسب الى المشهور ان اسم الجنس موضوع لها، من الماهية بشرط شئ، مع انه قد عرفت انه اللابشرط القسمى لا بشرط شئ، ومنشأ جعلها منها تخيل ان لحاظ السريان قد اخذ قيدا لها، مع ان معنى لحاظ سريانها هو لحاظها فانية في المصاديق والافراد الخارجية بالفعل من دون اخذ اللحاظ قيدا لها، فالمعتبر فيها هو واقع السريان الفعلى، لا لحاظه ووجوده في افق النفس، وقد عرفت ان معنى الاطلاق رفض القيود و عدم دخل شئ منها فيه، وبديهى ان السريان الفعلى من لوازم لحاظ اطلاق الماهية وارسالها كذلك، وبالجملة السريان ليس خصوصية وجودية ماخوذة في الماهية لتكون الماهية المطلقة، الماهية بشرط شئ، بل هو عبارة عن انطباق نفس الماهية على افرادها في الخارج. 2 - انه (قده) افاد ان الماهية المطلقة لا وجود لها الا في الذهن، ويرد عليه ما تقدم من انه ليس معنى الماهية المطلقة، الماهية المقيدة بلحاظ السريان، بل معناها لحاظ الماهية فانية في جميع مصاديقها وافرادها الخارجية بالفعل ومن الطبيعي ان الماهية الملحوظة كذلك تنطبق على جميع افرادها ومصاديقها بالفعل، فالحكم الثابت لها يسرى الى جميع افرادها في الخارج. 3 - انه افاد ان الماهية الملحوظ معها عدم لحاظ شئ معها التى هي الماهية اللابشرط القسمى كلى عقلي لا موطن له موطن له الا الذهن، ولا تصدق على الخارجيات. فانه يرد عليه ان اللابشرط القسمى هو الماهية المطلقة، وهذه هي الماهية بشرط لا. الثالث: ان الكلى الطبيعي عبارة عن الماهية المهملة لان الكلى الطبيعي هو الكلى الممكن انطباقه على الافراد الخارجية، وهذا ينطبق على الماهية المهملة، واما اللابشرط

[ 386 ]

المقسمى الذى ذهب المحقق السبزواري الى انه الكلى الطبيعي، فهو ليس كليا طبيعيا لوجهين: احدهما: ما افاده المحقق النائيني (ره) وهو ان اللابشرط المقسمى عبارة عن الطبيعة الجامعة بين الكلى المعبر عنه باللا بشرط القسمى، والماهية المطلقة الصادقة على الافراد الخارجية، والكلى المعبر عنه بالماهية المجردة وبشرط لا، التى لا موطن لها الا العقل الممتنع صدقها على الافراد الخارجية، والكلى المعبر عنه بالماهية بشرط شئ الذى لا يصدق الا على الافراد الواجدة لما اعتبر فيه من الخصوصية، وبديهى انه يستحيل ان يكون الجامع بين هذه الاقسام، هو الكلى الطبيعي، لان الكلى الطبيعي، هو الكلى الجامع بين الافراد الخارجية الممكن صدقه عليها فهو حينئذ لا يعقل ان يكون مقسما للكلى العقلي الممتنع صدقه على الافراد الخارجية، لان المقسم لابد من ان يكون متحققا في ضمن جميع اقسامه ولا يعقل ان تكون الماهية المعتبرة على نحو تصدق على الافراد الخارجية في ضمن الماهية المعتبرة على نحو يمتنع صدقها على ما في الخارج. ثانيهما: ان الماهية المعنونة بعنوان كونها اللابشرط المقسمى، التى لا تحقق لها الا في ضمن احد اقسامها من الماهية المجردة، والمخلوطة، والمطلقة، كما هو الشان في كل مقسم بالاضافة الى اقسامه - وبعبارة اخرى - انه عنوان انتزاعي، ويكون عروضه على الماهية في مرتبة متاخرة عن عروض تلك التقسيمات عليها غير قابلة للصدق والانطباق على ما في الخارج حيث لا وجود لها الا الذهن، فلا تصلح ان تكون كليا طبيعيا، واما مع قطع النظر عن هذا العنوان فهى قابلة للانطباق عليها وتصلح ان تكون كليا طبيعيا، الا انها حينئذ ليست الماهية اللابشرط المقسمى بل هي ماهية المهملة. واما اللابشرط القسمى الذى ذهب المحقق النائيني (ره) الى انه الكلى الطبيعي، فهو ايضا لا يكون كذلك لان اللابشرط القسمى هو الماهية المطلقة، ويعتبر فيها انطباقها بالفعل على جميع مصاديقها، لانه قد لو حظ فيها السريان الفعلى، واما الكلى الطبيعي فهو قابل لان يصدق على الخارجيات، لا انه هو الصادق بالفعل عليها بلحاظ فنائه فيها. فالكلي الطبيعي هو الماهية المهملة غير المقيدة بلحاظ خاص حتى لحاظها بقصر

[ 387 ]

النظر على مقام الذات والذاتيات، لا الماهية اللابشرط المقسمى كما ذهب إليه المحقق السبزواري، ولا الماهية اللابشرط القسمى كما ذهب إليه المحقق النائيني (ره). الرابع: ان اللابشرط المقسمى ليس هو الماهية الملحوظة من حيث هي إذ اللابشرط المقسمى، ما يكون مقسما للاعتبارات الثلاثة للماهية المقيسة الى الخارج عن ذاتها، والماهية من حيث هي قسيم لها فكيف يتحدان. الخامس: الفرق بين اللابشرط القسمى، والمقسمي، حيث ان المضاف إليه في الاول الخصوصيات الخارجية للماهية، والمضاف إليه في الثاني، اعتبارات الماهية المقيسة الى الخارج عن ذاتها. علم الجنس ومنها: علم الجنس كاسامة، وفى وضعه اقوال، احدها: ما هو المشهور بين الاصحاب وهو انه موضوع للطبيعة لا بما هي هي بل بما هي متعينة بالتعين الذهنى ولذا يعاملون مع اعلام الاجناس معاملة المعارف. الثاني: ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية، قال لكن التحقيق انه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شئ معه اصلا كاسم الجنس والتعريف فيه لفظي كما هو الحال في التأنيث اللفظى، ووافق في دعوى كون التعريف فيه لفظيا نجم الائمة وأبا حيان، قال نجم الائمة في بحث العلم إذا كان مؤنث لفظي كغرفة وبشرى وصحراء، ونسبة لفظية ككرسي، فلا باس ان يكون لنا تعريف لفظي اما باللام كما ذكرناه قبل أو بالعلمية كما في اسامة انتهى. الثالث: ما اختاره المحقق الاصفهانى (ره) تبعا للسيد الشريف، وصاحب الفصول، وهو انه موضوع للماهية بما انها متعينة بالتعين الجنسى، بيانه ان كل معنى طبيعي فهو بنفسه متعين وممتاز عن غيره، وهذا وصف ذاتي له، فاللفظ ربما يوضع لذات المتعين، والممتاز كالاسد، واخرى للمتعين والممتاز بما هو كذلك كاسامة.

[ 388 ]

الرابع: انه موضوع لتمام اشخاص جنس واحد مستوعبا من غير دخل اللحاظ، و بهذا الاعتبار يطلق عليه علم الجنس في قبال علم الشخص المختص ببعض اشخاص الجنس، فيكون اللفظ مشتركا بين تمام تلك الاشخاص، ولو بوضع واحد عام. واستدل للقول الاول: باتفاق اهل العربية، على المعاملة مع علم الجنس معاملة المعرفة بخلاف اسم الجنس، ولا فرق بينهما الا ملاحظة تعين الماهية بالتعين الذهنى، قال في القوانين ان علم الجنس قد وضع للماهية المتحدة مع ملاحظة تعينها وحضورها في الذهن كاسامة، فقد تراهم يعاملون معها معاملة المعارف بخلاف اسم الجنس فان التعين والتعريف انما يحصل فيه بالالة مثل الالف واللام فالعلم يدل عليه بجوهره واسم الجنس بالالة. واورد عليه المحقق الخراساني (ره) بايرادين، احدهما: انه لو كان موضوعا للمتعين في الذهن أي الماهية مع لحاظ تعينها في الذهن كان لازمه عدم صحة حمله على الافراد بلا تصرف وتجريد، إذ ما لا موطن له الا الذهن لا يقبل للانطباق على ما في الخارج، مع انه لا شبهة في صحة انطباقه بما له من المعنى على الافراد الخارجية من دون تصرف وتجريد وهذا يكشف قطعيا عن عدم اخذ تلك الخصوصية في الموضوع له. ثانيهما: ان وضع اللفظ لمعنى، يحتاج الى تجريده عن خصوصيته، في مقام الاستعمال، لا يصدر عن جاهل فضلا عن الواضع الحكيم. ولاجل ذلك اختار هو القول الثاني، وقال انه لا فرق بين اسم الجنس، وعلم الجنس، في المعنى الموضوع له اصلا، واما انهم يعاملون مع علم الجنس معاملة المعرفة فالتعريف فيه لفظي، بمعنى ان العرب كما انه قد يجرى على بعض الالفاظ حكم التأنيث، مع انه ليس فيه تأنيث حقيقي كلفظ اليد وغرفة، وما شاكل كذلك قد يجرى على بعض الالفاظ حكم التعريف وآثاره من قبيل الابتداء به، وعدم دخول الالف واللام عليه و عدم وقوعه مضافا مع انه ليس فيه تعريف اصلا. كما انه لاجل هذه الشبهة ذهب جماعة الى القول الثالث والرابع، والا فلا كلام لاحد في ان اللغة تابعة للسماع، ولا قياس فيها فإذا كان المسموع والمنقول فيها من اهلها

[ 389 ]

ان علم الجنس موضوع للماهية بما هي متعينة بالتعين الذهنى، لابد من متابعته سيما وان دعوى انسباق التمييز والتعين منه غير بعيدة. ولكن: الحق عدم ورود هذا الايراد على المشهور فلا حاجة الى هذه التكلفات، و ذلك لان المراد بالوضع للمتعين بالتعين الذهنى ليس وضعه له بنحو يكون الوجود الذهنى دخيلا في الموضوع له من حيث هو، بل المراد دخل الوجود الذهنى بنحو المرآتية فيكون لفظ اسامة موضوعا للاسد المتعين في الذهن على نحو المرآتية للخارج كما هو الشأن في العهد الذهنى - وبعبارة اخرى - علم الجنس موضوع لذات معنى تعلقت الاشارة به، وما هو معروضها بلا اخذ تقيدها فيه ويصير بذلك معرفة إذ معروض الاشارة له نحو من التعين ليس لغيره، فالحق تمامية ما ذكره المشهور. المفرد المعرف باللام ومنها: المفرد المعرف باللام، والمراد بالمفرد اسم الجنس، والمعروف بين الاصحاب ان اللام على اقسام: الجنس، والاستغراق، والعهد الخارجي الحضوري، والعهد الذكرى، والعهد الذهنى، ولا كلام في انه يستعمل اللام في تلكم الموارد كثيرا، والاول كما في قولنا (الرجل خير من المرئة) والثانى، كما في (ان الانسان لفى خسر الا الذين آمنوا) و (احل الله البيع) والثالث كما في (اليوم اكملت لكم دينكم) والرابع، كما (في عصى فرعون الرسول) والخامس كما في (ادخل السوق واشتر اللحم). انما الكلام في ان هذه الخصوصيات، هل تستفاد من وضع الالف واللام للتعريف والتعين الجامع بين هذه الاقسام، وتوضيح ذلك ما افاده المحقق الاصفهانى (ره) بان الالف واللام وضعت للدلالة على ان مدخولها واقع موقع التعين، اما جنسا، استغراقا، أو عهدا باقسامه ذكرا وخارجا وذهنا على حد ساير الادوات الموضوعة لربط خاص كحرف الابتداء الموضوعة لربط مدخوله بما قبله ربط المبتداء بالمبتداء من عنده وهكذا كما هو المعروف بين الاصحاب، ام من وضعهما لذلك باوضاع متعددة، فيكون من قبيل

[ 390 ]

الاشتراك اللفظى، ام يكون ذلك بوضع مدخولهما لذلك، ويكون الالف واللام علامة له، ام بوضع مجموع الداخل والمدخول، ام تستفاد هذه الخصوصيات من القرائن الخارجية كما اختاره المحقق الخراساني (ره) فيه وجوه واقوال.: الظاهر عدم وضع المدخول، ولا الداخل والمدخول: إذ الظاهر ان المفهوم من المدخول هو المفهوم منه حال عرائه عنهما، فيدور الامر بين قولين، وضع الالف واللام، أو استفادة الخصوصيات من القرائن، والا ظهر منهما هو الاول، كما صرح به اهله، والمراد انهما وضعتا للدلالة على ان مدخولهما واقع موقع التعين، اما جنسا، أو استغراقا، أو عهدا باقسامه. واورد المحقق الخراساني عليه بايرادات، الاول: انه لا تعين للجنس الا الاشارة الى المعنى المتعين بنفسه من بين المعاني ذهنا، إذ لا تعين للجنس ليمكن الاشارة إليه وراء التعين الذهنى، ولازم ذلك ان لا يصح حمله على الخارجيات، لامتناع الاتحاد مع ما لا موطن له الا الذهن الا بالتجريد ومعه لا فائدة في التقييد. الثاني: ان الوضع لما لا حاجة إليه بل لابد من التجريد عنه والغائه في الاستعمالات العرفية كان لغوا. الثالث: ان استفادة الخصوصيات انما تكون بالقرائن التى لابد منها لتعينها حتى على القول بالوضع للتعريف، ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة الى تلك الاشارة. اقول: الايرادان الاولان قابلان للمناقشة من وجوه، منها: اختصاصهما باللام التى تكون اشارة الى الجنس. ومنها: ان الاشارة الى الجنس المعين ليست بكونه ملحوظا وموجودا بالوجود الذهنى، بل المراد بها الاشارة الى جهة تعين الجنس. توضيح ذلك: ان كل معنى طبيعي فهو متعين في الواقع وممتاز بنفسه عما عداه، واسم الجنس انما وضع لذات المتعين واللام انما وضعت لافادة تلك التعين الواقعي. ومنها: ان المراد بوضعهما للاشارة الى المعين ذهنا لو سلم ليس دخل الوجود الذهنى بنحو الموضوعية، بل بنحو المرآتية لما في الخارج. واما الايراد الاخير، فيدفعه ان القرينة المعينة للمعنى الجامع المشار إليه باللام غير القرينة الدالة على اصل الاشارة الى الخصوصية كما لا يخفى.

[ 391 ]

بقى في المقام شبهة اخرى ذكرها المحقق العراقى (ره) ولاجلها سلم ما ذكره المحقق الخراساني (ره) وهى، انه في مثل هذا الانسان لو كان اللام، للاشارة لزم اجتماع الاشارتين في زمان واحد، وهو محال، فلا مناص من جعل اللام فيه للزينة وحينئذ فيلتزم بذلك في غير المصدر بلفظ هذا لعدم صحة التفكيك بينهما. وفيه: ان اللام انما هي للاشارة الى النوع المتعين، وهذا اشارة الى فرد خاص منه فلا يلزم اجتماع الاشارتين. فالحق ان اللالف واللام مطلقا للتعريف، والتعيين، لا بمعنى كون التعين الذهنى جزء المعنى الموضوع له أو قيده، بل بمعنى دلالتهما على تعريف مدخولها وتعينه في موطنه، نظير اسماء الاشارة، والضمائر، فكما ان اسم الاشارة موضوع للدلالة على تعريف مدخوله، وتعينه في موطنه، كما في هذا زيد، أو هذا الكلى اعم من الاخر، وما شاكل كذلك الالف واللام، والشاهد على ذلك الارتكاز والوجدان في الاستعمالات المتعارفة، نعم في خصوص العهد الذهنى كلمة لام لا تفيد شيئا زايدا على ما يفيده مدخولها، ولا تدل على تعين مدخولها، وانما تدخل من جهة ان اسماء المعرب في كلمات العرب لا تستعمل بدون احد امور ثلاثة، التنوين، الالف واللام، والاضافة، ففى مثله لابد وان يقال، ان اللام للتزيين فحسب، وقد نقل الاستاذ ان المحقق الرضى ذهب الى ذلك أي كون اللام للتزيين في خصوص العهد الذهنى، وهو متين. وبما ذكرناه يظهر ان مراد المحقق الخراساني (ره) من كون اللام للتزيين مطلقا هو ذلك، نظير ما ذهب إليه اهل العربية من ان التنوين ربما يكون، للتمكن، كما في مثل هذا رجل لا امرئة، وعليه فلا معنى لما اورده المحقق الايروانى (ره) من انه أي زينة يحصل باللام، لا تحصل بساير الحروف الهجائية. فتدبر. وقد مر في مبحث العام والخاص ان افادة الجمع المحلى بالالف واللام للعموم انما يكون لاجل ذلك فراجع. النكرة ومنها: النكرة، وهى تطلق على معنيين، احدهما: ما يقابل المعرفة التى عرفوها

[ 392 ]

بما هي قابلة لال، وهى تشمل اسم الجنس. ثانيهما: ما يكون حدا وسطا بين اسم الجنس، القابل للصدق على كثيرين عرضيا، وبين الماهية المتعينة بشخص معين، وهى التى تكون محل الكلام، وتصدق على افراد الماهية تبادليا - وبعبارة اخرى - المراد بالنكرة في محل الكلام الطبيعة المقيدة بالوحدة المعبر عنها بالحصة في كلمات بعضهم. والمعروف في الالسنة ان النكرة وضعت للدلالة على الفرد المردد في الخارج. و هو على ظاهره بين الفساد: إذ لا وجود للفرد المردد، لان كل ما هو موجود فهو متعين ولا يعقل كونه مرددا بين نفسه وغيره. وذكر المحقق الخراساني انها تستعمل، تارة في الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير واحد من افراد الطبيعة وذلك في النكرة الواقعة في حيز الاخبار كما في (جاء رجل من اقصى المدينة) وتستعمل اخرى في الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة وذلك في النكرة الواقعة في حيز الطلب كما في (جئني برجل) فيكون حصة من الرجل ويكون كليا ينطبق على كثيرين، وبالجملة النكرة اما هي فرد معين في الواقع غير معين للمخاطب أو طبيعي مقيد بمفهوم الوحدة - وبعبارة اخرى - حصة كلية فيكون كليا قابلا للانطباق. وفيه: ان المفهوم منها في الموردين شئ واحد، واللفظ انما يستعمل في معنى واحد وقع في حيز الطلب أو الاخبار، واستفادة التعين في المورد الثاني، لا تستند الى نفس اللفظ، بل انما هي تكون من الخارج من جهة نسبة الفعل الخارجي إليه - وبعبارة اخرى - ان النكرة ليس لها وضع مخصوص، بل هي مركبة من اسم الجنس، والتنوين، والاول يدل على نفس الطبيعة المهملة. والثانى، وضع لافادة فرد غير معين في مرحلة الاسناد اخبارا، أو انشاءا، فلا يكون المفهوم منها في الموردين الا شئ واحد، وهى الحصة غير المعينة في مرحلة الاسناد، والتعين الواقعي فيما إذا وقعت في حيز الاخبار، غير مربوط بمفهوم اللفظ. ثم انه يقع الكلام في ان التنوين، هل يدل على مفهوم الوحدة، فيكون مفاد النكرة

[ 393 ]

الطبيعة الكلية المقيدة بمفهوم الوحدة، أي عنوان احد التشخصات، فتكون هي ايضا كليا، إذ ضم الكلى الى الكلى، لا يصيره جزئيا كما اختاره المحقق الخراساني، ام يدل على مصداقها اما معينا أو مرددا، ام يدل على احد التشخصات المفردة بنحو يكون القيد المفهوم منه نفس التشخص غير المعين المنطبق على الخارج بنحو التبادل، وان احد اخذ كما، للقيد واشارة الى كم التشخص كما اختاره المحقق العراقى (ره) وجوه. : الاظهر ما ذكره المحقق الخراساني وذلك، لان القيد ليس مصداق احد التشخصات لا معينا كما تقدم ولا مرددا، لما عرفت من انه لا ذات له ولا وجود، ولا نفس التشخص، لان له ايضا مفهوما ومصايق، ولا ريب في ان مفهومه ليس قيدا وكذلك جميع المصاديق، بل مصداق واحد، وحينئذ فلا بد من اختيار احد الطرق الثلاثة الاخر، فالاظهر ما اختاره المحقق الخراساني. ثم انه قد عرفت في ضمن المباحث السالفة ان اسم الجنس موضوع للماهية المهملة الجامعة بين جميع الخصوصيات التى يمكن ان يطرأ عليها، وبديهى ان الاطلاق والتقييد من الخصوصيات الطارئة على الماهية المهملة، فهما خارجان عن حريم الموضوع له والمستعمل فيه، وعليه فالتقييد لا يوجب المجاز لاستعمال اللفظ في معناه الموضوع له والتقييد مستفاد من دال آخر. واما على ما نسب الى المشهور من كون اللفظ موضوعا للمطلق أي المقيد بالارسال والشمول، ففى الكفاية ان المطلق بهذا المعنى لطرو التقييد غير قابل، فان ماله من الخصوصية ينافيه ويعانده، فيرد عليه انه على هذا المسلك ايضا لا يستلزم التقييد المجاز، إذ المراد الاستعمالى منه هو المطلق، واستعمل اللفظ فيه، والتقييد انما يدل على ان المراد الجدى هو المقيد، دون المطلق ولا يدل على ان اللفظ استعمل في المقيد ليكون مجازا - وبعبارة اخرى - ان المطلق حينئذ يكون كالعام فكما مر في العام والخاص ان التخصيص لا يوجب كون استعمال العام مجازا، لانه لا يوجب التصرف في الدلالة التفهيمية، بل في الدلالة التصديقية فكذلك في المطلق. ولكن ذلك في التقييد بالمنفصل، واما في المقيد المتصل فيتم ما افاده المحقق

[ 394 ]

الخراساني، إذ لا يجرى فيه ما ذكرناه في التخصيص بالمتصل، من ان اداة العموم موضوعة لافادة الشمول لجميع افراد ما يصلح ان يراد من مدخولها فتقييد المدخول لا ربط له باداة العموم، والوجه في عدم الجريان واضح، فان المطلق على هذا المسلك موضوع للطبيعة المقيدة بالارسال والشمول لجميع افرادها، وبديهى ان التقييد ينافى ذلك. فالمتحصل انه على ما نسب الى المشهور لابد من التفصيل بين التقييد بالمتصل و بالمنفصل، والبناء على المجازية في الاول، دون الثاني. مقدمات الحكمة الفصل الثاني: في مقدمات الحكمة، وقبل بيانها لابد وان يعلم ان المحمول في القضية تارة يكون من قبيل الذات والذاتيات، واخرى، يكون من المعقولات الثانوية من قبيل: الانسان نوع، والحيوان جنس، وثالثة، يكون من غيرهما مما هو قابل للسراية الى حصص الموضوع وافراده في الخارج، فان كان من قبيل الذات والذاتيات، يستكشف ان المأخوذ هي الطبيعة التى قصر النظر على ذاتها وذاتياتها، وان كان من المعقولات الثانوية يستكشف انه لوحظت الطبيعة مجردة عن الخصوصيات، وماخوذة بنحو بشرط لا في الموضوع، وان كان المحمول من غير هذين القسمين، يعلم عدم اخذ الطبيعة من حيث هي، ولا بنحو بشرط لا، فيدور الامر بين اخذها مطلقة وسارية في جميع الافراد، بمعنى عدم دخل شئ من الخصوصيات في الحكم، وبين اخذها بشرط شئ بمعنى دخل خصوصية من الخصوصيات فيه، فلا بد في الحكم باحدهما من اقامة الدليل عليه فلو كانت هناك قرينة خاصة فلا كلام، والا فان تمت المقدمات التى سيمر عليك المسماة بمقدمات الحكمة يحكم باخذها مطلقة والا فلا، وتلك المقدمات ثلاث: الاولى: ان يكون المتكلم الحاكم متمكنا من بيان القيد على فرض دخله في الحكم بانشاء واحد، أو بانشائين، أو بنحو آخر كالاخبار، والا فلا يكون لكلامه اطلاق في مقام الاثبات حتى يكون كاشفا عن الاطلاق في مقام الثبوت، وعدم دخل القيد

[ 395 ]

في الحكم، لفرض انه على فرض دخله، لا يتمكن المولى من بيانه، ومعه كيف يكون اطلاق كلامه في مقام الاثبات كاشفا عن الاطلاق في مقام الثبوت. الثانية: ان يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده من الجهة التى نحاول التمسك باطلاق كلامه لكشف الاطلاق من تلك الجهة في مقام الثبوت، ولا يكون في مقام الاهمال أو الاجمال كما في قوله تعالى (اقيموا الصلاة) (1) و (تيمموا صعيدا طيبا) (2) وكما في قول الطبيب للمريض اشرب الدواء، ولا يكون في مقام البيان من جهة اخرى ومسوقا لبيان حكم آخر كما في قوله تعالى (فكلوا مما امسكن) (3) الوارد في مقام بيان عدم كون ما افترسه الكلب المعلم باصطياده ميتة سواء امسك من الحلقوم أو من غيره. فانه لا يكون واردا في مقام بيان اثبات طهارة موضع الامساك من الصيد، وعلى الجملة يعتبر ان يكون المتكلم في مقام البيان من جهة التى يراد التمسك باطلاق كلامه من تلك الجهة، إذ مع فرض عدم كون المولى في مقام البيان، أو كونه في مقام بيان حكم آخر لا معنى للتمسك باطلاق كلامه والحكم بان ما بينه تمام مراده. وهذا من الوضوح بمكان. ثم ان لابد من التنبيه على امرين، احدهما: ان في المقام نزاعا معروفا بين الشيخ الاعظم وبين المحقق الخراساني وهو ان عدم البيان الذى هو من المقدمات. هل هو عدم البيان الى الابد ولو منفصلا بحيث إذا ظفرنا بعد على المقيد يكشف ذلك عن اختلال المقدمة الثانية، فلا اطلاق للمطلق اصلا. فالامر الثاني: هو عدم اتيان المتكلم في كلامه ما يدل على اعتبار قيد لا متصلا ولا منفصلا، اختاره الشيخ وتبعه المحقق النائيني (ره). أو ان الجزء المقتضى للاطلاق هو عدم بيان القيد متصلا، واما بيان القيد منفصلا فهو لا يضر بالاطلاق، وانما يوجب تقييد المراد الجدى، اختاره المحقق الخراساني (ره) والحق هو ما اختاره المحقق الخراساني (ره) فالمراد بكون المتكلم في مقام البيان هو


1 - البقرة / 34 2 - المائدة / 9 3 - المائدة / 4 (*)

[ 396 ]

كونه في مقام بيان المراد الاستعمالى، لا بيان المراد الجدى، - وبعبارة اخرى - يكون المراد منه كون الملقى للكلام نحو ينعقد لكلامه ظهور في الاطلاق، ولا يكون من قبيل قول الطبيب للمريض اشرب الدواء، ويكون حجة على المخاطب على سبيل القانون والقاعدة. توضيح ذلك انه قد بينا سابقا ان مراتب الدلالة ثلاث، الاولى: الدلالة التصورية. الثانية: الدلالة التفهيمية، ويعبر عنها بالدلالة التصديقية فيما قال، والمراد بها انعقاد الظهور فيما قاله المتكلم، وهذه الدلالة تتوقف على عدم وجود القرينة المتصلة، ولا يضربها وجود القرينة المنفصلة، وهى الدلالة اللفظية. الثالثة: الدلالة التصديقية الكاشفة عن مطابقة المراد الجدى للمراد الاستعمالى، ولا ربط للفظ بذلك، بل مدركها سيرة العقلاء في المحاورات، وهذه الدلالة تتوقف على عدم وجود القرينة ولو منفصلا، وعلى ذلك فالقرينة المنفصلة كاشفة عن تقييد المراد الجدى، ولا ينثلم بها ظهور المطلق في الاطلاق. ويترتب على ذلك ان تقييد المطلق من جهة، لا يوجب سقوط اطلاق الكلام من الجهات الاخر. مثلا، لو فرضنا ان الاية الكريمة (احل الله البيع) (1) في مقام البيان من جميع الجهات، وورد عليها التقيد بعدم كون البايع صبيا أو مجنونا، وشك في ورود التقييد عليها من جهة اخرى ككون الانشاء باللفظ، وعدم كفاية المعاطاة، فلا مانع من التمسك بالاطلاق والحكم بعدم اعتباره. الامر الثاني: المشهور بين الاصحاب، ان الاصل فيما شك في كون المتكلم في مقام البيان حمل كلامه عليه، فعدم كونه في هذا المقام، يحتاج الى دليل. ولكن الحق تبعا للمحقق النائيني هو التفصيل بين ما لو شك في ان المتكلم كان في مقام التشريع، أو كان في مقام بيان تمام مراده، وبين ما لو شك في ذلك من جهة سعة الارادة وضيقها، بان علمنا ان لكلامه اطلاقا من جهة، وشك في اطلاقه من جهة اخرى،


1 - البقره / 275. (*)

[ 397 ]

كما في الاية الكريمة (كلوا مما امسكن) (1) حيث نعلم باطلاقها من جهة عدم اعتبار الامساك من الحلقوم في تذكيته وعدم اعتبار القبلة فيها وما شاكل، وشك في انها في مقام البيان من جهة طهارة محل الامساك وعدمها، فالاصل في الكلام حمله على كونه في مقام البيان في المورد الاول، دون الثاني: وذلك لجريان سيرة اهل المحاورات على ذلك في المورد الاول خاصة، ولعل منشأ ذلك ان اهل المحاورات عند القاء كلماتهم يكونون في مقام ابراز مراداتهم لا في مقام الاهمال فنفس القاء الكلام كاشف بالكشف الناقص عن كون المتكلم في مقام البيان، وهذا الملاك كما ترى مختص بالمورد الاول. وقد يقال كما عن صاحب الدرر بانه لا حاجة الى احرار كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد في الحمل على الاطلاق، بيانه، ان المهملة مرددة بين المطلق، والمقيد، ولا ثالث، ولا اشكال في انه لو كان المراد المقيد تكون الارادة متعلقة به بالاصالة وانما ينسب الى الطبيعة بالتبع لمكان الاتحاد وعليه، فيستفاد الاطلاق من ظاهر الكلام بواسطة اصالة الظهور حيث ان الظاهر ان الارادة متعلقة بالطبيعة اصالة. وفيه: ان اصالة الظهور لا بد لها من منشأ من الوضع أو القرينة، وحيث ان الموضوع له ليس هو المطلق كما عرفت بل هي الطبيعة المهملة، والاطلاق كالتقييد يتوقف على شئ آخر غير ترتب الحكم على الطبيعة المهملة، فلا يصح التمسك باصالة الظهور الا بعد فرض تمامية المقدمات. الثالثة: ان لا يأتي المتكلم في كلامه بما يدل على اعتبار خصوصية من الخصوصيات الوجودية أو العدمية، واما القيد المنفصل فقد عرفت حاله. فلو تمت المقدمات يستكشف ان موضوع الحكم أو متعلقه هي الطبيعة المطلقة. لا يقال، كيف يمكن الحكم بان الموضوع هو المطلق مع ان الاطلاق كالتقييد قيد زائد يحتاج ثبوته الى دليل دال عليه. لانه يقال انه بعد فرض عدم معقولية ثبوت الحكم للطبيعة المهملة نفس عدم


1 - المائدة: 4. (*)

[ 398 ]

التقييد يكفى في الحكم بان الموضوع هو الطبيعة السارية، بمعنى انه لا يكون شئ من القيود دخيلا في الحكم - وبعبارة اخرى - كون الموضوع هو الطبيعة المطلقة يكفى في احرازه احراز عدم التقييد بضميمة ان الموضوع ليس هو الطبيعة المهملة. ثم ان المحقق الخراساني جعل من مقدمات الحكمة عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، ولو كان المتيقن بحسب الخارج عن ذلك المقام في البين، والمراد به، ان لا يكون المتقيد بقيد خاص بالنظر الى دلالة اللفظ، وظهوره لا بحسب واقع الارادة متيقنا والا فلو كان هناك قدر متيقن بالنظر الى ذلك المقام، واتكل المولى في مقام بيان مراده على وجوده، وكان المقدار المتيقن هو تمام مراده لما اخل بغرضه لفرض بيانه، وهذا بخلاف القدر المتيقن بلحاظ الخارج عن ذلك المقام، فانه لو كان تمام مراده المقدار المتيقن لاخل ببيانه. وبهذا البيان اندفع ما اورد عليه بانه ما الفرق بين القسمين، فان كان احدهما مضرا بالتمسك بالاطلاق فليكن الاخر كذلك. فالصحيح ان يورد عليه، اولا: بان لازم ذلك عدم التمسك بالاطلاقات في اكثر المطلقات المتضمنة لبيان الاحكام فانها واردة في موارد خاصة، ومن المعلوم ان المورد هو المتيقن، كون مرادا من اللفظ المطلق مع انه لم يلتزم به احد، ولذا اشتهر ان المورد، لا يكون مخصصا، ولا مقيدا ولا يلتزم هو ايضا به، الا في بعض الموارد، مثل المطلقات الواردة في مورد قاعدة التجاوز حيث انه (قده) التزم باختصاصها بالصلاة من جهة ان الامثلة المذكورة في صدر النصوص من اجزاء الصلاة. وثانيا: انه إذا فرضنا ان المولى كان في مقام بيان تمام مراده، وكان القيد دخيلا في حكمه لاخل بغرضه، وان كان قدر المتيقن في مقام التخاطب موجودا، فان المطلق الشامل لذلك المورد قطعا، لا يدل على دخل القيد في الحكم، وانما يدل على ثبوت الحكم لذات المقيد وهو اعم من دخل القيد وعدمه فتدبر حتى لا تبادر بالاشكال. واما ما جعله المحقق النائيني (ره) من المقدمات، وهو كون الموضوع أو المتعلق قابلا للانقسام الى قسمين، مع قطع النظر عن تعلق الحكم به، بدعوى انه مع عدم قبوله

[ 399 ]

للانقسام في مرتبة سابقة على الحكم كانقسام الواجب الى، ما يقصد به امتثال امره، وما لا يقصد فيه ذلك، يستحيل فيه الاطلاق من جهة استحالة التقييد لانهما من قبيل العدم والملكة، فإذا امتنع احدهما امتنع الاخر. فيرد عليه، انه لو سلم عدم امكان التقييد بالنسبة الى الانقسامات اللاحقة في انشاء واحد مع انه ممنوع كما تقدم في التعبدى والتوصلى، الا انه يمكن بانشائين، أو بانشاء و اخبار، وعليه فيمكن التقييد ولو بتعدد الدليل، فيمكن الاطلاق، مضافا الى ما مر في ذلك المبحث من ان استحالة التقييد كما لا توجب ضرورية الاطلاق لا تستلزم امتناعه. نعم، هي مانعة عن التمسك بالاطلاق كما تقدم في المقدمة الاولى. الانصراف مانع عن التمسك بالاطلاق ثم انه يعتبر في التمسك بالاطلاق زايدا على ما مر، احراز صدق المطلق على الفرد المشكوك فيه، كما هو الشان في كل دليل، وما لم يحرز صدقه لا يجوز التمسك بالدليل وهو واضح جدا، وعليه، فحيث ان التشكيك في الماهية وان كان محالا عقلا، الا انه بحسب المرتكزات العرفية امر ممكن وواقع وله عوامل متعددة منها علو مرتبة بعض افراد الماهية كما في المثال الاتى ومنها غير ذلك، فالانصراف الناشئ عن ذلك يمنع عن التمسك بالاطلاق، والانصراف في غير هذا المورد لا يمنع عنه، وتفصيل القول في ذلك ان الانصراف المانع عن التمسك بالاطلاق، قسمان يجمعهما التشكيك في الماهية في متفاهم العرف، توضيحه ان التشكيك في الماهية الموجب للانصراف المانع عن التمسك بالاطلاق، تارة يكون بحيث يرى العرف بعض افراد الطبيعة خارجا عن كونه فردا لها، كما في الانسان الذى هو حيوان حقيقة ولكن الحيوان لا يصدق عليه عند العرف وعلى ذلك بنوا انصراف ما دل على بطلان الصلاة في شئ من اجزاء ما لا يؤكل عن اجزاء الانسان، واخرى يكون بحيث يشك العرف في كون فرد مصداقا للطبيعة وعدمه، وعلى أي تقدير، الانصراف في الموردين مانع عن التمسك بالاطلاق غاية الامر

[ 400 ]

في المورد الاول، لا ينعقد للمطلق ظهور الا في غير ما انصرف عنه اللفظ من جهة كون الكلام حينئذ من قبيل المحفوف بالقرينة المتصلة، وفى المورد الثاني لا ينعقد له ذلك من جهة احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية، ولكنهما يشتركان في المنع عن انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق. واما في غير هذين الموردين، من قبيل الانصراف الناشئ عن غلبة الوجود، أو كثرة الاستعمال، وما شاكل، فلو كان فهو بدوى يزول بادنى تأمل. ثم ان المحقق الخراساني قال لا اطلاق له فيما كان له الانصراف الى خصوص بعض الافراد، أو الاصناف لظهوره فيه، أو كونه متيقنا منه ولو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه انتهى. فان كان نظره الشريف الى ما ذكرناه من القسمين فهو متين، وان كان نظره الى ما افاده في التقريرات من ان شيوع ارادة المقيد من المطلق ربما يبلغ حد الشياع في المجاز المشهور عند تعارضه مع الحقيقة المرجوحة، وربما يوجب استقرار الشك واستمراره على وجه لا يزول بالملاحظة والتامل، نظير الشك الحاصل في المجاز المشهور عند التردد في وصول الشهرة حدا يمكن معها التصرف، وحكم فيهما بعدم التمسك بالاطلاق وانه يحكم، في القسم الاول بالتقييد، وفى الثاني بالاجمال. فيرد عليه ان ارادة المقيد لدى اطلاق المطلق بدال آخر لا يوجب انس اللفظ بالمعنى كما في المجاز المشهور، فضلا عن ان يوجب تعينه، وقد صرح المحقق الخراساني في مبحث ان الامر حقيقة في الوجوب في الجواب عن صاحب المعالم، ان كثرة الاستعمال مع القرينة المصحوبة لا توجب صيرورة اللفظ مجازا مشهورا، وعدم الحمل على معناه الحقيقي كيف، وقد كثر استعمال العام في الخاص حتى قيل ما من عام الا وقد خص ولم ينثلم به ظهوره في العموم بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على ارادة الخصوص. وبذلك يظهر ما يرد على ما افاده في المقام بقوله كما انه منها ما يوجب الاشتراك أو النقل، لا يقال كيف يكون ذلك وقد تقدم ان التقييد لا يوجب التجوز في المطلق

[ 401 ]

اصلا، فانه يقال الى ان قال ان كثرة ارادة المقيد لدى اطلاق المطلق، ولو بدال آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزية انس كما في المجاز المشهور أو تعيينا واختصاصا به كما في المنقول بالغلبة انتهى. حمل المطلق على المقيد الفصل الثالث: إذا ورد مطلق ومقيد فاما ان يختلف حكمهما بمعنى كون المحكوم به فيهما مختلفين، مثل (اطعم يتيما، واكرم يتيما هاشميا) أو يتحد حكمهما، مثل (اطعم يتيما، اطعم يتيما هاشميا) ومحل الكلام هو الثاني. اما الاول: فلا يحمل المطلق على المقيد اجماعا الا عن اكثر الشافعية، وقد نقل عنهم حمل اليد في آية التيمم على اليد في آية الوضوء، فقيدوها بالانتهاء الى المرفق لاتحاد الموجب وهو الحدث، واشكاله ظاهر لانه يرجع الى اثبات العلة والعمل بالقياس. واما على الثاني: فقد يكون المقيد مخالفا للمطلق في الحكم مثل (اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة) وآخر يكون موافقا له مثل (اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة) وعلى الاول فقد تسالم الاصحاب فيه على حمل المطلق على المقيد، وعلى الثاني فالمشهور الحمل والتقييد، وذهب جماعة منهم الى انه يحمل المقيد على افضل الافراد. ولكن الظاهر انه لا وجه للفرق بين القسمين، لما مر في العام والخاص، من ان الوجوب إذا تعلق بالطبيعة ربما يكون تطبيقها على مورد مباحا، كما في الصلاة في الدار، وربما يكون مستحبا، كما في الصلاة في المسجد وربما يكون واجبا، كما في الصلاة في محل نذر ان يأتي بها فيه، وربما يكون مكروها، كما في الصلاة في الحمام، وعلى ذلك فكما يمكن ان يقال انه إذا ورد مطلق مقيد مثبتين، مثل (اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة) انه يحمل الامر في المقيد على الاستحباب، فلا وجه لحمل المطلق على المقيد، كذلك يمكن ان يقال انهما إذا كانا مختلفين، كما في (اعتق رقبة، ولا تعتق رقبة كافرة) يحمل النهى على الكراهة فيكون عتق الكافرة اردأ الافراد، كما ان عتق المؤمنة في الاول افضل

[ 402 ]

الافراد، فما هو المشهور من حمل المطلق على المقيد في المختلفين جزما وبدون الترديد، والكلام والبحث في المتوافقين في غير محله، بل هما من باب واحد. وكيف كان فقد استدل الاكثرون للحمل فيما هو محل البحث بينهم: بانه جمع بين الدليلين وهو اولى. واورد عليه بامكان الجمع على وجه آخر كحمل الامر فيهما على التخيير أو في المقيد على الاستحباب. واورد عليه في التقريرات على ما حكى: بان الاول باطل لعدم معقولية التخيير بين الفرد والكلى، والثانى فاسد: لان التقييد ليس تصرفا في معنى اللفظ، وانما هو تصرف في وجه من وجوه المعنى الذى اقتضاه تجرده عن القيد، مع تخيل وروده في مقام بيان تمام المراد، وبعد الاطلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على وجه الاجمال، فلا اطلاق فيه حتى يستلزم تصرفا فلا يعارض ذلك بالتصرف في المقيد بحمل امره على الاستحباب. وناقش المحقق الخراساني في انتصار التقريرات بما حاصله انه قد مر ان الظفر بالمقيد المنفصل لا يكشف عن عدم ورود المطلق في مقام البيان، بل عن عدم كون الاطلاق بمراد جدى، فيكون التقييد ايضا تصرفا في المطلق، كما ان حمل الامر على الاستحباب يكون تصرفا، فيتعادل التصرفان، مع ان حمل الامر في المقيد في الحقيقة مستعمل في الايجاب، فان المقيد إذا كان فيه ملاك الاستحباب كان من افضل افراد الواجب لا مستحبا فعلا، فلا يلزم من حمل الامر في المقيد على الاستحباب تصرف في المعنى فلا يعارض ذلك بالتصرف في المطلق. ثم انه (قده) قال، ولعل وجه التقييد كون ظهور اطلاق الصيغة في الايجاب التعييني اقوى من ظهور المطلق في الاطلاق. اقول: ما اورده على التقريرات متين، واما ما افاده في وجه حمل المطلق على المقيد، فيرد عليه انه لا يلائم مع ما اختاره من ان دلالة الامر على الوجوب التعييني، انما يكون بالاطلاق ومقدمات الحكمة لا بالوضع، فانه حينئذ يكون كل من الظهورين بالاطلاق، فلا وجه لدعوى اقوائية احدهما من الاخر.

[ 403 ]

وحق القول في المقام: ان حمل المطلق على المقيد يتوقف على ثبوت امرين، احدهما: التنافى بين الدليلين. ثانيهما: اقوائية ظهور المقيد في كون متعلق التكليف خصوص الحصة الخاصة من الطبيعة، من ظهور المطلق في كون المتعلق الطبيعة اين ما سرت ولو في ضمن غير تلك الحصة. وقبل البحث في الموردين لابد وان يعلم ان محل الكلام، هو ما إذا كان ظاهر دليل المقيد كونه متكفلا لبيان حكم مستقل مولوى، واما إذا كان ظاهرا في نفسه في الارشاد الى الجزئية، أو الشرطية، أو المانعية، فلا كلام في حمل المطلق على المقيد، ولذلك لم يتوهم احد عدم حمل الامر بالصلاة مطلقا على مثل قوله (ع) (لا تصل فيما لا يؤكل لحمه) (1) الظاهر في الارشاد الى مانعية لبسه في الصلاة، وكذا الحال في المعاملات مثل قوله (نهى النبي (ص) عن بيع الغرر) (2) الظاهر في الارشاد الى مانعية الغرر عن البيع، وهذا كله مما لا اشكال فيه. وكيف كان فالكلام في مقامين، الاول: فيما يثبت به التنافى بين الدليلين، ومحل الكلام انما هو المتوافقان (كاعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة) واما المختلفان (كاعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة) فثبوت التنافى واضح. ثم ان ثبوت التنافى يتوقف على وحدة التكليف، وهى ان احرزت من الخارج فلا كلام، والا فثوبتها يتوقف على امور: 1 - ان يكون المتعلق في كل من دليلى المطلق والمقيد، صرف الوجود المنطبق على اول الوجودات، إذ لو كان المتعلق جميع الوجودات، مثل احل الله البيع، واحل الله البيع العربي، فلا تنافى بين الدليلين لعدم التنافى بين امضاء البيع العربي وغيره. نعم، إذا كان لدليل المقيد مفهوم ثبت التنافى وهذا بخلاف ما إذا كان المتعلق في كل منهما صرف الوجود، فان اطلاق دليل المطلق يقتضى الاجتزاء بغير المقيد في مقام الامتثال، و تقييد المتعلق في دليل المقيد يقتضى عدم الاجتزاء به، فيحصل التنافى بينهما وما ذكرناه


1 - الوسائل باب 2 من ابواب لباس المصلى. 2 - الوسائل باب 40 من ابواب اداب التجارة. (*)

[ 404 ]

هو السر في عدم حمل المطلق على المقيد في المحرمات، إذ المتعلق فيها جميع الوجودات. 2 - كون دليل المقيد متضمنا لحكم الزامي، والا فلا يتحقق التنافى بينه، وبين دليل المطلق، إذ لو كان متضمنا لبيان حكم غير الزامي، كانت الجزئية أو الشرطية، للقيد الذى تضمنه غير الزامية لفرض انتزاعها من التكليف غير الالزامي، فلا تنافى بينه وبين الترخيص المستفاد من الاطلاق (فتأمل فان للكلام فيه مجالا واسعا) وهذا بخلاف ما إذا كان متضمنا لحكم الزامي، ثم انه لا فرق فيه بين كون التكليف الالزامي ارشاديا ام نفسيا، كما لا فرق بين كون الحكم الذى تضمنه دليل المطلق لزوميا أو غير لزومي. 3 - ان يكون الحكم في كل من المطلق والمقيد مرسلا، ام معلقا على سبب واحد، واما إذا كان كل منهما معلقا على سبب غير ما يكون الاخر معلقا عليه، مثل (ان ظاهرت فاعتق رقبة، وان افطرت فاعتق رقبة مؤمنة) أو كان احدهما مرسلا والاخر معلقا على سبب، مثل (اعتق رقبة وان ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة) فلا تنافى بين الدليلين، فلنا دعويان. احداهما: عدم التنافى في الموردين الاخيرين. ثانيهما: التنافى في الموردين الاولين. اما الاولى: ففى صورة تعليق كل منهما على سبب مستقل، فعدم التنافى انما يكون من جهة ظهور القضيتين في تعدد الحكم بتعدد السبب، واما في صورة تعليق احدهما على السبب دون الاخر، فالعدم، انما هو من جهة ان هناك اطلاقين وتقييدين، اطلاق الوجوب وتقييده بحصول السبب، اطلاق المتعلق، وتقييده بالمؤمنة، وتقييد كل من الاطلاقين، يتوقف على تقييد الاخر إذ لو لم يقيد الوجوب بحصول السبب لما كان وجه لتقييد المتعلق، لانه بعد فرض بقائه على اطلاقه، وبقاء المقيد على تقييده، لا مناص عن كونهما حكمين لمتعلقين، كما انه لو لم يقيد المتعلق لما كان وجه لرفع اليد عن اطلاق الحكم، إذ مع فرض تعدد المتعلق لا محالة يكون الثابت حكمين فلا موجب للحمل. واما الدعوى الثانية: فمضافا الى ان وحدة السبب بنفسها كاشفة عن وحدة الحكم، والا لزم تأثير شئ واحد في شيئين - وهما وجوب عتق الرقبة - ووجوب عتق الرقبة المؤمنة: انه ان لم نلتزم بوحدة التكليف في الموردين والتزمنا بان التكليف متعدد،

[ 405 ]

فلا يخلو الامر من انه، اما ان يكون متعلق التكليف في المقيد هو التقيد، بحيث لا تكون الحصة من الطبيعة الموجودة في ضمنه، دخيلة في الحكم فيكون المقيد واجبا في واجب، أو يكون المتعلق هي الحصة من الطبيعة الموجودة في ضمن المقيد، لا مجال للمصير الى الاول، لكونه خلاف الظاهر، ولقلة وجود مثل هذا التكليف في الشرع الانور، واما الثاني: فان التزمنا بان الملاكين الذين هما منشأ الحكمين لا يستوفيان باتيان المقيد، لكان ذلك مخالفا لتعلق الامر في المطلق بصرف وجود الطبيعة المنطبق على ما في ضمن المقيد ايضا، وان كان المقيد وافيا بكلا الملاكين واتيانه موجبا لسقوط التكليفين، لزم تعليق الامر بالمطلق على عدم الاتيان بالمقيد الذى يجب الاتيان به تعيينا على كل تقدير، ولا موجب للامر بالمطلق بنحو يشمله، وهو خلاف الظاهر، فيتعين الالتزام بوحدة التكليف. المقام الثاني في بيان اقوائية ظهور المقيد في كون متعلق الحكم هو الحصة الخاصة من الطبيعة، وبعبارة اخرى في علاج هذا التنافى. وملخص القول فيه ان الامر يدور بين، ابقاء المطلق على ظاهره من الاطلاق والسريان، والتصرف في المقيد بحمل امره على الواجب التخييري، أو حمله على ارادة افضل الافراد، وان شئت قلت بحمل القيد المذكور فيه على كونه واردا في مقام بيان الفضيلة الكامنة في المقيد، وبين حمل المطلق على المقيد. وقد ذكروا في وجه تقديم الثاني أي حمل المطلق على المقيد وجوها. الاول: ما نسب الى الاكثر وهو انه جمع بين الدليلين، وقد تقدم ما يرد عليه. الثاني: ما نسب الى الشيخ الاعظم (ره) وقد مر في اول المبحث، وعرفت انه يرد عليه ما افاده المحقق الخراساني. الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية، وقد تقدم، ومر ايراده. الرابع: ان التقييد شايع فهو المتعين عند دوران الامر بينه وبين مخالفة ظهور آخر : وفيه مضافا الى ان الغلبة والشيوع لا توجب الاظهرية، ان ارادة الاستحباب من الامر ايضا شايعة. الخامس: ما افاده المحقق النائيني (ره)، ومحصله ان الامر في المقيد يكون بمنزلة

[ 406 ]

القرينة على ما هو المراد من الامر في المطلق، والاصل الجارى في ناحية القرينة يكون حاكما على الاصل الجارى في ذى القرينة، اما الاول: فلان ملحقات الكلام من، الصفة، والحال، والتمييز تكون قرينة على اركان الكلام من المبتدأ والخبر، واما الثاني: فلان الشك في المراد من ذى القرينة يكون مسببا عن الشك في المراد من القرينة وظهورها رافع لظهور ذى القرينة فلا يبقى له ظهور حتى يصلح لصرف ظهور القرينة وليس كذلك العكس: إذ القرينة بمدلولها الاولى تقتضي ان يكون المراد من ذى القرينة خلاف ظاهره، وذو القرينة ليس بمدلوله الاولى متعرضا لحال القرينة، وفى المقام، بما ان القيد يكون بمنزلة القرينة بالنسبة الى المطلق لانه لا يخلو من كونه وصفا أو حالا أو غير ذلك من ملحقات الكلام فاصالة الظهور فيه تكون حاكمة على اصالة الظهور في المطلق، ثم قال هذا في المتصل، واما في المنفصل، فالميزان فيه لتشخيص كون شئ قرينة على غيره هو فرضه متصلا به في الكلام الواحد، فان كان في هذا الفرض قرينة كان قرينة في فرض الانفصال ايضا، والا فيكون معارضا له، ففى المقام إذا ورد (اعتق رقبة) ثم ورد، (اعتق رقبة مؤمنة) لابد من فرض المؤمنة متصلة بقوله: (اعتق رقبة) وحيث انه لا ريب في كونها قرينة على المراد من المطلق في هذا الفرض، فيتعين الالتزام بذلك في فرض الانفصال ايضا. وفيه اولا: ان مركز التنافى ليس هو ظهور المؤمنة، وظهور الرقبة، بل اطلاق الرقبة، وظهور الامر بعتق الرقبة المؤمنة، في الوجوب والامر دائر بين رفع اليد عن احدهما، وقرينية الثاني على الاول، في فرض الاتصال ايضا اول الكلام، كما لو قال: (اعتق رقبة، واعتق رقبة مؤمنة). وثانيا: ان قرينية المؤمنة في ظرف الاتصال انما هي لاجل انه من مقدمات الحكمة عدم التقييد فمع التقييد لا ينعقد للمطلق ظهور في الاطلاق، فقياس صورة الانفصال بصورة الاتصال، قياس مع الفارق. فالحق في وجه تقديم التقييد ان يقال: ان التزاحم والتنافى ليس بين ظهور المطلق في الاطلاق، وظهور الامر بالمقيد في الوجوب التعييني، بل بين اصالة صدور الظاهر بداعي

[ 407 ]

الجد لا بدواعى اخر في المطلق، وظهور الامر بالمقيد في الوجوب التعييني، فانه كما عرفت في مبحث العام والخاص، ان للكلام الصادر من المتكلم اصلين مترتبين احدهما: اصالة الظهور المعينة ان الظاهر هو المراد الاستعمالى عند الشك واحتمال ارادة غيره، ثانيتهما: اصالة صدور الظاهر بداعي الجد لا بدواعى اخر - وبعبارة اخرى - اصالة تطابق المراد الجدى مع المراد الاستعمالى، فطرف المعارضة في طرف المطلق الاصل الثاني لا الاول، وعليه، فحيث ان مدرك ذلك الاصل هو بناء العقلاء، وهو انما يكون مع عدم ورود دليل من الشارع الاقدس على خلافه، ودليل المقيد يصلح لذلك، فيتعين التصرف في المطلق بالمعنى الذى عرفت، وابقاء الامر بالمقيد على ظاهره فتدبر في اطراف ما ذكرناه، فانه حق القول في المقام ولا اظن بقاء الترديد لاحد في حمل المطلق على المقيد بعد التدبر فيما ذكرناه. هذا كله في المتوافقين، وبه يظهر الحال في المتخالفين، مثل (اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة) بل حمل المطلق على المقيد فيهما اظهر كما لا يخفى. بقى في المقام امور لا بد من التنبيه عليها. احدها: انه إذا كان الحكم متعلقا بجميع الوجودات لا صرف الوجود كما في احل الله البيع، فان كان دليل المقيد مخالفا له في الايجاب والسلب، كما ورد من النهى عن بيع الخمر والخنزير والبيع الربوي وما شاكل، لا كلام ولا اشكال في حمل المطلق على المقيد، لما مر من ان النهى عن حصة خاصة من مركب اعتباري جعله المولى متعلقا لحكمه التكليفى أو الوضعي ظاهر في الارشاد الى المانعية، فيدل دليل المقيد على مانعية ما تضمنه عن صحة البيع مثلا، وان كان موافقا له كما إذا ورد في احد الدليلين انه في الغنم السائمة زكاة، وورد في الاخر انه في الغنم زكاة، فان لم يكن لدليل المقيد مفهوم لا موجب لحمل المطلق على المقيد لما عرفت من توقف الحمل على وحدة التكليف المستكشفة من تعلقه بصرف الوجود، والمفروض في المقام تعلق التكليف بجميع الوجودات، دون صرف الوجود فلا وجه للحمل وان كان لدليل المقيد مفهوم، فحيث ان مفهومه نفى الحكم عن غير مورد الخاص، فلا محالة يوجب ذلك تقييد المطلق. ثانيها: ان المشهور بين الاصحاب عدم حمل المطلق على المقيد في باب

[ 408 ]

المستحبات واختصاص ذلك بالواجبات فالكلام انما هو في الفارق بينهما. افاد المحقق الخراساني (ره) في وجه ذلك وجهين. 1 - تفاوت المستحبات غالبا من حيث المراتب بمعنى ان غالب المستحبات تتعدد بتعدد مراتبها في المحبوبية، وهذه الغلبة قرينة على حمل المقيد على الافضل. ويرد عليه: اولا ان لازم ذلك هو الالتزام باستحباب المطلق وان كان القيد متصلا، كما إذا ورد، زر الحسين (ع) مغتسلا، بان يقال ان مغتسلا لا يوجب تقييد المتعلق للامر لعلمنا خارجا بان مراتب المحبوبية مختلفة، وثانيا: ان المراتب في الواجبات ايضا متفاوتة، فلابد على هذا ان يقال ان المطلق وارد لبيان ثبوت مرتبة من الوجوب والمقيد وارد لبيان مرتبة اخرى منه، وثالثا: ان الغلبة لا توجب ذلك إذا كان دليل المقيد قرينة عرفية على تعيين المراد من المطلق لعدم مانعية الغلبة عن ظهور دليل المقيد في ذلك. 2 - ان ثبوت استحباب المطلق انما هو من جهة قاعدة التسامح في ادلة السنن، وكان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق، بعد مجيئ دليل المقيد، وحمله على تأكد استحبابه من التسامح فيها. ويرد عليه ان معنى حمل المطلق على المقيد كون المراد بالمطلق هو المقيد، وعليه فليس في المطلق خبر دال على الاستحباب كى يشمله اخبار من بلغ مع انه لو تم هذا لزم الالتزام به في الواجبات ايضا غاية الامر بالالتزام باستحباب المطلق بناءا على ما هو الحق من شمول اخبار من بلغ لما إذا تضمن النص وجوب شئ. اضف إليه انه لو تم ذلك لم يكن وجه لكون المقيد افضل الافراد لان استحبابه ثبت بدليل واستحباب المطلق ثبت بدليل اخر اجنبي عنه فتدبر. والحق في المقام ان يقال ان الدليل الدال على التقييد يتصور على وجوه. الاول: ان يكون له مفهوم، ويكون دالا على نفى الاستحباب عن غير ذلك المورد، كما إذا ورد دليل بعد دليل استحباب صلاة الليل، ودل على ان استحبابها انما هو إذا اتى بها المكلف بعد نصف الليل، وفى ذلك لابد من حمل المطلق على المقيد عرفا ووجهه واضح.

[ 409 ]

الثاني: ان يكون الامر في دليل المقيد بنفس التقييد، لا بالقيد كما إذا دل دليل على استحباب الاقامة، وورد في دليل آخر، فلتكن في حال الطهارة وكان ظاهرا في لزوم ذلك وفى مثل ذلك لابد من حمل المطلق على المقيد لان الامر في المقيد يكون ظاهرا في الارشاد الى شرطية الطهارة، ولا فرق في ذلك بين كون الاقامة واجبة ام مستحبة. الثالث: ان يكون دليل المقيد مخالفا لدليل المطلق في الحكم كما إذا دل دليل على استحباب الاقامة ثم ورد في دليل آخر النهى عن الاقامة في حال الجلوس، ففى مثل ذلك ايضا لا بد من حمل المطلق على المقيد لما مر من ان النهى عن خصوصية في متعلق الحكم يكون ظاهرا في الارشاد الى المانعية فيكون مرجع ذلك الى ان عدم الجلوس، ماخوذ في الاقامة المأمور بها. فما نسب الى المشهور من عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات لا يتم في شئ من هذه الاقسام الثلاثة، ولا يظن بهم الالتزام بعد الحمل في تلكم الاقسام. الرابع: ان يتعلق الامر في دليل المقيد بالقيد كما هو الغالب في باب المستحبات كما ورد مطلقات آمرة بزيارة سيد الشهداء صلوات الله عليه، وورد في ادلة اخر استحباب زيارته في اوقات مخصوصة كليالى الجمعة، وما شاكل، وفى مثل ذلك لا يحمل المطلق على المقيد، لما مر من ان الحمل يتوقف على التنافى بين الدليلين، وإذا لم يكن دليل المقيد الزاميا فلا محالة لا يكون منافيا مع الترخيص المستفاد من اطلاق المطلق في تطبيقه على أي فرد من افراده شاء في مقام الامتثال ومع عدم التنافى لا موجب للحمل. وبما ذكرناه يظهر ان الميزان هو كون دليل المقيد الزاميا، أو غير الزامي: ففى الاول يحمل المطلق على المقيد وان كان دليل المطلق متضمنا لحكم غير الزامي، وفى الثاني لا يحمل وان كان دليل المطلق متضمنا لحكم الزامي، ولعله الى ذلك نظر المشهور والله العالم. ثالثها: ان الاطلاق كما عرفت عبارة عن رفض القيود وعدم دخل شئ من القيود في الحكم، ويترتب عليه اختلاف الاطلاق باختلاف المقامات، وتكون نتيجته في بعض

[ 410 ]

الموارد تعلق الحكم بصرف الوجود، كما في الاحكام التكليفية الوجوبية، كاعتق رقبة، أو اكرم عالما، وما شاكل، وفى مورد آخر تعلق الحكم بمطلق الوجود، والطبيعة السارية وذلك كما في الاحكام التحريمية كلاتشرب الخمر، وفى الاحكام الوضعية كاحل الله البيع، وما شاكل، وقد مر تفصيل ذلك في مبحث النواهي. رابعها: ان قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف بحسب اختلاف المقامات، بمعنى ان الاطلاق في مقام الاثبات ربما يكشف عن الضيق في مقام الثبوت، كما في اطلاق صيغة الامر حيث انه في مقام الاثبات يكشف عن ان الواجب في مقام الثبوت نفسي، لا غيرى، تعيينى لا تخييري، وعينى لا كفائى وذلك كله ضيق على المكلف، وقد مر في اول مبحث المطلق والمقيد البحث في ذلك. المجمل والمبين الفصل الرابع: في المجمل والمبين، قال المحقق الخراساني (ره) الظاهر ان المراد من المبين في موارد اطلاقه الكلام الذى له ظاهر ويكون بحسب متفاهم العرف قالبا لخصوص معنى، والمجمل بخلافه فما ليس له ظهور مجمل وان علم بقرينة خارجية ما اريد منه، كما ان ماله الظهور مبين وان علم بالقرينة الخارجية انه ما اريد ظهوره وانه مؤول انتهى. وما افاده (قده) من التعريف للمجمل والمبين ينافى ما سيذكره في ذيل كلامه المتضمن لبيان انهما وصفان اضافيان، فان ظاهر هذا التعريف انهما من صفات اللفظ ناشئتان من تعدد الوضع، أو تكثر المعاني المجازية عند احراز عدم ارادة المعنى الحقيقي، وظاهر الذيل انهما وصفان ناشئان عن العلم بالوضع والجهل به. والحق هو الاول، الا ترى انه لا يصح ان يقال ان الالفاظ العربية كلها مجملات بالقياس الى الجاهل بها، فيستكشف من ذلك ان اطلاقهما انما يكون بلحاظ الاول، فالمجمل هو اللفظ الذى لا قالبية له للمعنى في متفاهم العرف عند اهل تلك اللغة، وهذا

[ 411 ]

بخلاف المبين، فللاجمال والبيان واقعان محفوظان، يطلقان بلحاظهما، نعم قد يقع الاختلاف في كون لفظ مجملا، فيدعى احد انه مجمل، والاخر يدعى انه مبين، ولكن ذلك انما يكون في مقام الاثبات وهو يشهد بانهما من الامور الواقعية والا لم يكن معنى لوقوع النزاع والخلاف في الامور الاضافية. ثم انه تارة يكون اللفظ مجملا من حيث المراد الاستعمالى، واخرى يكون ظاهرا من حيث ذلك، ولكن المراد الجدى منه غير معلوم، فان شئت عبر عن الثاني بالمجمل حكميا في قبال الاول الذى هو مجمل حقيقي. والاول: قد يكون اجماله ذاتيا، كاللفظ المشترك وقد يكون بالعرض كالكلام المحفوف بما يصلح للقرينية. والثانى: كالعام المخصص بمخصص منفصل دائر امره بين متباينين كما إذا ورد (اكرم العالم) ثم ورد (لا تكرم زيدا العالم) وتردد زيد في الخارج بين شخصين، فيكون المخصص مجملا ويسرى اجماله الى العام حكما لا حقيقة لما مر من ان المخصص المنفصل يوجب التصرف في المراد الجدى لا المراد الاستعمالى فيكون العام مجملا من حيث المراد الجدى. ثم انه وقع الكلام في طائفة من الالفاظ المفردة والجمل في ابواب الفقه انها مجملة أو مبينة، والاول، كلفظ، الصعيد، والغناء، والكعب، واليد في آية السرقة (1) عند السيد المرتضى وجماعة. والثانى: مثل لا صلاة الا بطهور (2)، لا صلاة الا بفاتحة الكتاب (3)، وحرمت عليكم امهاتكم (4)، واحلت لكم بهيمة الانعام (5)، مما اضيف الحكم الى الاعيان الخارجية. وحيث ان كل تلكم المباحث مباحث صغروية، وليست مباحث كبروية،


1 - المائدة: 38. 2 - الوسائل باب 1 من ابواب الوضوء حديث 6. 3 - مستدرك الوسائل باب 1 من ابواب القرائة في الصلاة حديث 5 - 8. 4 - النساء / 23. 5 - المائدة / 1. (*)

[ 412 ]

ولا ضابطة كلية لتمييز المجمل عن المبين في هذه الموارد، فلا مناص الا عن الرجوع والاول: قد يكون اجماله ذاتيا، كاللفظ المشترك وقد يكون بالعرض كالكلام المحفوف بما يصلح للقرينية. والثانى: كالعام المخصص بمخصص منفصل دائر امره بين متباينين كما إذا ورد (اكرم العالم) ثم ورد (لا تكرم زيدا العالم) وتردد زيد في الخارج بين شخصين، فيكون المخصص مجملا ويسرى اجماله الى العام حكما لا حقيقة لما مر من ان المخصص المنفصل يوجب التصرف في المراد الجدى لا المراد الاستعمالى فيكون العام مجملا من حيث المراد الجدى. ثم انه وقع الكلام في طائفة من الالفاظ المفردة والجمل في ابواب الفقه انها مجملة أو مبينة، والاول، كلفظ، الصعيد، والغناء، والكعب، واليد في آية السرقة (1) عند السيد المرتضى وجماعة. والثانى: مثل لا صلاة الا بطهور (2)، لا صلاة الا بفاتحة الكتاب (3)، وحرمت عليكم امهاتكم (4)، واحلت لكم بهيمة الانعام (5)، مما اضيف الحكم الى الاعيان الخارجية. وحيث ان كل تلكم المباحث مباحث صغروية، وليست مباحث كبروية،


1 - المائدة: 38. 2 - الوسائل باب 1 من ابواب الوضوء حديث 6. 3 - مستدرك الوسائل باب 1 من ابواب القرائة في الصلاة حديث 5 - 8. 4 - النساء / 23. 5 - المائدة / 1. (*)

[ 412 ]

ولا ضابطة كلية لتمييز المجمل عن المبين في هذه الموارد، فلا مناص الا عن الرجوع في كل مورد الى فهم العرف فان كان له ظهور عرفى فلا كلام، والا فيرجع الى القواعد والاصول وهى تختلف باختلاف الموارد والحمد لله اولا وآخرا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية