الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إفاضة العوائد - السيد الگلپايگاني ج 2

إفاضة العوائد

السيد الگلپايگاني ج 2


[ 1 ]

افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد تأليف المرحوم المبرور مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي قدس سره بقلم سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله الجزء الثاني

[ 2 ]

دار القران الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه الحوزة العلمية ايران قم هوية الكتاب * الكتاب: افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد الجزء الثاني * المؤلف: سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگانى مد ظله * الناشر دار القران الكريم - قم المقدسة * الطبعة: الاولى * طبع منه: 3000 نسخه * المطبعة: مهر * التاريخ: غرة محرم الحرام 1411 ه‍ ق * ايران: قم - شارع ارم - دار القرآن الكريم، صندوق البريد 151 - رقم الهاتف 33078 الرمز 251.

[ 3 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أن من وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى الحكم الشرعي، فاما أن يكون قاطعا به أولا (1)، وعلى الثاني إما أن يكون له طريق منصوب من قبل الشارع أولا. وعلى الثاني اما أن تكون له حالة ملحوظة أولا. وعلى الثاني إما أن يكون الشك في حقيقة التكليف (2)، وإما أن يكون في متعلقه. وعلى الثاني إما ان يتمكن من الاحتياط وإما أن لا يتمكن منه. والقاطع تعريف القطع (1) لا يخفى ان التقسيم المذكور وان كان لا يرد عليه ما اورد على ما في الفرائد: من تداخل الاقسام في الحكم، من حيث أن بعض الظنون محكوم بحكم الشك، لكن يرد عليه: ان البحث عن طريقية الطرق خارج عن تلك الاقسام، ويشبه بالمبادي لها، بخلاف ما قسم عليه في الفرائد. فتدبر جيدا. (2) يعني في اصل الالزام الجامع بين الوجوب والحرمة، دون ما كان نوعه مشكوكا فيه، كما إذا علم بوجوب شئ أو حرمته، أو علم بحرمة شئ أو وجوب شئ آخر فانه مع امكان الاحتياط مورد للاحتياط، كما في المثال الثاني مطلقا والمثال الاول احيانا في التدريجي مثلا، والتصريح بذلك في قبال ما اختاره الشيخ (قدس =

[ 4 ]

[ ومن له طريق معتبر الى الواقع يتبع ما عنده من القطع أو الطريق. والشاك ان لوحظت حالته السابقة فهو مورد الاستصحاب، والا فان شك في حقيقة التكليف فهو مورد البراءة، وان شك في متعلقه وكان قادرا على الاحتياط، فهو مورد الاشتغال، وان لم يكن قادرا على الاحتياط فهو مورد التخيير. (وهم ودفع) قد يتوهم عدم صحة ما ذكرنا، من جهة أن المقسم في هذه المذكورات هو من وضع عليه قلم التكليف، وهو اعم من المجتهد والمقلد، مع أن أحكام بعض الاقسام مختصة بالمجتهد، كالقواعد المقررة للشاك. (إن قلت) لا يصح القول باختصاص الاحكام المقررة للشاك بالمجتهد، للزوم عدم جواز رجوع المقلد إليه فيما استفاده منها، فان الاحكام المختصة بالمجتهد لا يجوز للمقلد العمل بها، كوجوب التصرف في مال الايتام والغيب وفصل الخصومة وامثال ذلك مما يختص بالمجتهد. (قلت) لا ينافي اختصاص القواعد المقررة للشاك بالمجتهد رجوع المقلد إليه في الاحكام المستفادة من تلك القواعد، مثلا المخاطب بقول الشارع: (لا تنقض اليقين بالشك) وان كان هو المجتهد، ولكن الحكم الذي يبنى على بقائه هو الحكم الاولى المشترك بينه وبين المقلد، فالافتاء ] = سره): من ان الشك في التكليف عبارة عن الشك في نوع التكليف، وان كان الجنس معلوما، لكنه (قدس سره) لم يلتزم بعدم وجوب الاحتياط في المثال الثاني، مع أن لازم كلامه ذلك، فتأمل فيه، لعلك تطلع على غير ما ذكرنا.

[ 5 ]

[ به عبارة عن حكمه بوجوب العمل على طبق الحالة السابقة على كل احد، بخلاف الاحكام الواقعية المختصة بالمجتهد، لعدم استنباط المجتهد فيها حكما آخر يشترك فيه المقلد، بل هذه الاحكام واقعية تعلقت بفعل المجتهد خاصة. هذا ويدفع اصل الاشكال بعدم اختصاص الاحكام الثانوية بالمجتهد (3)، بل حالها حال الاحكام الاولية في اشتراكهما بين المقلد والمجتهد، من دون تفاوت اصلا، لعدم التقييد في ادلة الاحكام الظاهرية، وعدم دليل من الخارج يدل على هذا الاختصاص، إلا توههم عدم قدرة المقلد على العلم بخبر الواحد وعلى الفحص اللازم في العمل بالاصول. ويدفعه أن العمل بخبر الواحد ليس الا الاتيان بالفعل الخارجي الذي دل الخبر على وجوبه، ومن الواضحات عدم خصوصية المجتهد فيه. نعم الذي يختص بالمجتهد ولا يقدر عليه المقلد هو الاستظهار من الدليل والاستنباط منه أن الواجب كذا، وهذا غير العمل بمدلوله، والاخذ ] (3) الظاهر عدم كون العمل بخبر الواحد وظيفة المقلد اصلا. وإنما عليه حكم واقعي يشترك فيه العالم والجاهل، وحكم ظاهري وهو العمل على فتوى مجتهده، سواء استنبط من الخبر أو من غيره، حتى في مورد وجود الخبر واقعا، لكن لم يعثر عليه مجتهده وحكم بخلاف ما تضمنه، فالمقلد خارج عن العمل بالطرق المنصوبة للمجتهد. وشمول التعريف له بهذا التقريب لا يخلو من تعسف. نعم يمكن شموله له بتقريب أن يقال: إن المقلد فيما يقلد داخل فيمن قام عليه الطريق المنصوب من قبل الشارع، وهو فتوى مجتهده، وأما فيما لم يفت فيه مجتهده اصلا، ولو بوجوب احد شيئين أو أشياء أو بحرمتهما مثلا، فقوله حجة له في عدم الدليل. وقاعدة قبح العقاب من غير بيان فطرية غير تقليدية. ولا ينافي ذلك غفلته عنه وتذكار المجتهد له، فافهم واغتنم فانه لطيف.

[ 6 ]

[ بالاحكام المتعلقة بالشك ليس مشروطا بعنوان الفحص عن الادلة، حتى يقال ان المقلد لا يقدر عليه، بل الحكم متعلق بالشك الذي ليس في مورده دليل واقعا. والفحص إنما يكون لاحراز ذلك، فيكون نظر المجتهد في تعيين مدلول الدليل، وانه ليس له معارض، وفي احراز عدم وجود الدليل في مورد الشك متبعا للمقلد. هذا. إذا عرفت ما ذكرنا من اقسام الملكف واحكام كل منها على سبيل الاجمال، فلنشرع كل من المذكورات في ضمن مباحث: ]

[ 7 ]

[ المبحث الاول في حجية القطع المتعلق بالتكليف وينبغي التكلم فيه في ثلاثة مقامات: (الاول) - أن القطع هل يحتاج في حجيته الى جعل الشارع، كما ان الظن كذلك ام لا ؟ (الثاني) أنه هل يمكن عقلا النهي عن العمل به ام لا ؟ (الثالث) أنه هل يقبل تعلق امر المولى به أم لا ؟ (اما الكلام) في المقام الاول فنقول: الحق عدم احتياجه الى الجعل، فانه لو قلنا باحتياجه إليه لزم التسلسل، لان الامر بمتابعة هذا القطع لا يوجب التنجز بوجوده الواقعي، بل لابد فيه من العلم، وهذا العلم ايضا كالسابق يحتاج في التنجز الى الامر وهكذا، مضافا الى أنه لو فرضنا امكان التسلسل لا يمكن تنجيز القطع، لعدم الانتهاء الى ما لا يكون محتاجا إلى الجعل (4). وهذا واضح. ] حجية القطع: (4) وهذا احد الادلة التي اقيمت لاثبات الصانع جل وعلا، مع قطع النظر عن بطلان التسلسل، بان يقال المحتاج الى ما لا نهاية له لا يرفع الاحتياج، فلابد وأن =

[ 8 ]

[ (واما الكلام) في المقام الثاني، فقد يقال في وجه عدم قابليته للمنع: أن المنع عن العمل بالقطع يوجب التناقض، فان من علم بكون هذا خمرا، وكون الخمر محرمة، يحصل له من ضم هذه الصغرى الوجدانية إلى تلك الكبرى المقطوع بها - العلم بكون هذا حراما، فيرى تكليف المولى ونهيه عن ارتكاب شرب هذا المائع من دون شبهة ولا حجاب، فلو قال: لا تعمل بهذا العلم، رجع قوله الى الاذن في ارتكاب شرب الخمر بنظر القاطع، وهو التناقض. واورد على اصل الدعوى نقضا بورود النهي عن العمل بالظن القياسي حتى في حال الانسداد، فإذا جاز النهي عن العمل بالظن عند الانسداد، جاز النهي عن العمل بالعلم، لان الظن في تلك الحالة كالعلم. واجاب عن هذا الاشكال شيخنا الاستاذ دام بقاؤه: بان القياس بالظن القياسي ليس في محله، لان العالم يرى الحكم الواقعي من غير سترة ولا حجاب، فالمنع عن اتباعه راجع الى ترخيص فعل ما يقطع بحرمته، أو منع فعل ما يقطع بوجوبه، فكيف يمكن أن يذعن به مع الاذعان بضده ونقيضه من الحكم المقطوع به في مرتبة واحدة، وهي مرتبة الحكم الواقعي، لانكشاف الواقع بحاقه، من دون سترة موجبة لمرتبة اخرى غير تلك المرتبة، ليكون الحكم فيها حكما ظاهريا لا ينافي ما في المرتبة الاخرى، بخلاف الظن القياسي، فان النهي عنه في صورة الانسداد إذا ] = ينتهي الى الغنى بالذات، وذلك واضح. وكذلك القطع لو كان استقراره ولزوم العمل عليه محتاجا إلى قطع آخر بحجيته، لما استقر في شئ، وان بلغ جعل الحجية الى ما لا نهاية له.

[ 9 ]

[ صح ببعض الوجوه الآتية لا يكون الا حكما ظاهريا لا ينافي الحكم الواقعي لو خالفه، كما إذا اصابه ووافقه. هذا ما أفاده دام بقاه من الجواب. اقول: وهذا لا يستقيم على ما ذهب إليه: من منافاة الحكمين الفعليين اللذين تعلقا بموضوع واحد خارجي، سواء كانا واقعيين ام ظاهريين ام مختلفين، وحصر دفع التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري: بجعل الواقعي انشائيا والظاهري فعليا. وتوضيح الاشكال على هذا المبنى انه لا ينبغي الفرق بين القطع وبين الظن، بل العمدة ملاحظة المقطوع والمظنون، فان تعلق كل منهما بالحكم الفعلي فلا يعقل المنع، أما في حال القطع فواضح. وأما في حال الظن، فلان المنع عن العمل بالظن يوجب القطع بعدم فعلية الحكم الواقعي - لو كان على خلاف الحكم الظاهري - وهذا ينافي الظن بالحكم الواقعي الفعلي، كما هو المفروض. وهذا واضح. واما ان تعلق كل منهما بالحكم الانشائي، فلا مانع من الحكم على الخلاف، ولا تفاوت ايضا بين العلم والظن. هذا وأما على ما قلنا في دفع المنافاة بين الحكم الواقعي والظاهري: من اختلاف رتبتيهما، فيرد اشكال آخر على اصل الدعوى، بأنه كما تتأخر رتبة الشك والظن بالحكم عن نفس الحكم، كذلك تتأخر رتبة العلم به، لانه ايضا من العناوين المتأخرة عن الحكم، فكما أنه لا ينافي جعل حكم مخالف للواقع في موضوع الشك والظن لاختلاف رتبتيهما، كذلك لا ينافي جعل حكم مخالف للواقع في مورد القطع، لعين ما ذكر. ]

[ 10 ]

[ ويمكن أن يجاب على هذا المبنى بأن العلم بالتكليف موجب لتحقق عنوان الاطاعة والمخالفة، والاول علة تامة للحسن، كما أن الثاني علة تامة للقبح. وهما كعنواني الاحسان والظلم، فكما أنه لا يجوز المنع عن الاحسان والامر بالظلم عقلا، كذلك لا يجوز المنع عن الاطاعة والامر بالمعصية والمخالفة. ولا فرق عند العقل في تحقق هذين العنوانين بين اسباب القطع، بخلاف الظن بالتكليف، فانه بعد لم يصل الى حد يصلح لان يبعث المكلف الى الفعل، لوجوب الحجاب بينه وبين الواقع، فلم يتحقق عنوان المخالفة والاطاعة. نعم لو حكم العقل بوجوب الاتيان بالمظنون من جهة الاحتياط، وإدارك الواقع - كما في حال الانسداد - فعدم الاتيان به على تقدير اصابة الظن للواقع في حكم المعصية، لكن لا إشكال في أن هذا الحكم من العقل ليس الا على وجه التعليق، بمعنى كونه معلقا على عدم منع الشارع عن العمل بذلك الظن، لا على وجه التنجيز، كالاتيان بالمعلوم. ومن ثم لو حكم الشارع بترك العمل بالظن في حال الانسداد لا ينافي حكم العقل. ومحصل ما ذكرنا من الوجه: ان المخالفة لكونها قبيحة بقول مطلق - لا تقبل الترخيص، والاطاعة - لكونها حسنة كذلك - لا تقبل المنع (5)، لا أن المنع عن العمل بالعلم مستلزم للتناقض، حتى يرد عليه ما ذكرنا من الاشكال. ] (5) ويمكن التمسك بالتناقض ايضا على هذا الوجه، لكن في مقام الفرض لا في مقام جعل الحكم، حتى يجاب بتعدد موضوع الحكم. بتقريب أن يقال: إن الغرض من الجعل والمصلحة الباعثة له مطلق، ولا دخل لحال التجرد فيه، وإن كان له دخل =

[ 11 ]

[ اما المقام الثالث أعني قابلية العمل بالعلم، اي الاطاعة لورود التكليف الشرعي المولوي عليه وعدمها - فقد قيل في وجه عدم القابلية امور: (منها) لزوم التسلسل لو تعلق الامر المولوي بالاطاعة، لان الامر بالطاعة لو كان مولويا يحقق عنوان اطاعة اخرى، فيتعلق الامر به، لكونها اطاعة. وهذا الامر ايضا يحقق عنوان الاطاعة، فيتعلق الامر به، وهكذا. (ومنها) اللغوية، لان الامر المولوي ليس الا من جهة دعوة المكلف الى الفعل، وهي موجودة هنا، فلا يحتاج إليه. (ومنها) ان الاطاعة عبارة عن الاتيان بالفعل بداعي امره، ] = في الحكم، لانه لو كانت المصلحة ايضا مقيدة بعدم الحالات الطارئة، يلزم التصويب الباطل بالاجماع، لو لم يكن بمحال. وحينئذ إذا علم العبد بلزوم شئ ولزوم تركه، يعلم أن غرض المولى تعلق فعلا بفعل ذلك أو تركه، ومع ذلك لا يمكن له التصديق بجواز ترك الاول أو فعل الثاني، لانه تصديق باذن المولى في نقض الغرض. وهو محال. وهذا بخلاف الظان والشاك، فان الواقع لما لم يكن معلوما لهما، فلا يكون الغرض محرزا، حتى يكون الاذن في تركه نقضا للغرض. لا يقال: الظن بالتكليف يلازم الظن بالغرض. والنهي عن العمل به يلازم القطع بعدمه، للقطع باستحالة نقض الغرض. لانه يقال: لا نسلم ان النهي يلازم القطع بعدم الغرض، لانه مانع من رفع تحريك المولى العبد الى ما ينافي وجوده، مع الغرض الذي لا يؤثر في نفس العبد لغرض آخر، ومعلوم أن التكليف - إذا كان مشكوكا أو مظنونا لظن غير معتبر - لا يؤثر في نفس العبد، بخلاف صورة العلم بالتكليف، فان الغرض معلوم ويؤثر في نفس العبد، فلا يجوز رفع اليد عنه، فتأمل جيدا.

[ 12 ]

[ فلا يعقل أن يكون الامر بها داعيا إليها، والا لزم عدم تحقق موضوع الاطاعة، ويستحيل أن يصير الامر المتعلق بعنوان داعيا الى ايجاد غير ذلك العنوان، هذا وكلها مخدوشة: اما الاول: فلانه لا يوجد من الامر الا انشاء امر واحد متعلق بطبيعة الاطاعة (6)، والقضية الطبيعية تشمل الافراد المحققة بها، فلا بأس بانحلال الامر المتعلق بالطبيعة الواحدة الى اوامر غير متناهية، لانتهائها الى ايجاد واحد، مضافا الى انقطاع هذه الاوامر باتيان المكلف فعلا واحدا، وهو ما امر به اولا أو انقضاء زمان ذلك الفعل. وأما الثاني: فلانه يكفي في الخروج عن اللغوية تأكيد داعي المكلف، لانه من الممكن أن لا ينبعث بامر واحد، ولكنه لو تعددت وتضاعفت الاوامر ينبعث نحو الفعل. ] (6) لا يقال: على هذا يلزم عقوبات غير متناهية ومثوبات كذلك. لانه يقال: لا بأس به، لان الآخرة دار خلود ولا فناء لنعيمها ولا زوال لنكالها، لكن يمكن الخدشة في ذلك: بان الاوامر غير المتناهية إن كانت عرضية، فلا بأس بصيرورتها داعية للمكلف، بان يتصور المكلف ايضا طبيعة الامر ويقصدها اجمالا، وأما إذا فرضنا لزوم الترتيب في الدواعي، بمعني حصول كل داع بتأثير داع سابق، فهذا لا يمكن في غير المتناهي، لانه بالفرض لا مبدأ لها، حتى يقال اثر كل سابق في اللاحق، وليس ذلك من قبيل العلم بالعلم، أو ما ينقطع التسلسل فيه بقطع الاعتبار. نعم إذا قيد المولى موضوع امره بالاول، بان يقول مثلا: أطع الأمر أو ببعض آخر، ينقطع التسلسل، لكن لو كان الملاك، الاطاعة، فلا وجه لتخصيص الحكم بالاول، إلا ان يقال بوجود المانع في بعض أقسام ما فيه الملاك، لكن التفصيل بين افراد الاطاعة مما لا يقبله الوجدان، ولم يعهد من أحد.

[ 13 ]

[ وأما الثالث: فلان اتيان الفعل ابتداءا بداعي الامر بالاطاعة ليس اطاعة للامر المتعلق به، ولكن اتيانه بداعي الامر المتعلق به بداعي الامر بالاطاعة - بحيث يكون الامر بالاطاعة داعيا الى ايجاد الداعي - لا يظر بصدق الاطاعة، ولا يكون الامر المتعلق به مولويا، كما لا يخفى. والاولى أن يقال في وجه المنع أن الارادة المولوية - المتعلقة بعنوان من العناوين - يعتبر فيها أن تكون صالحة لان تؤثر في نفس المكلف مستقلا (7)، لان حقيقتها البعث الى الفعل. وبعبارة اخرى هي ايجاب الفعل اعتبارا وبالعناية، والامر المتعلق بالاطاعة مما لا يصلح لان يؤثر في نفس المكلف مستقلا، لانه لا يخلو من أمرين: إما أن يؤثر فيه امر المولى أولا، فعلى الاول يكفيه الامر المتعلق بالفعل، وهو المؤثر لا غير، لانه اسبق رتبة من الامر المتعلق بالاطاعة. وعلى الثاني لا يؤثر الامر المتعلق بالاطاعة فيه استقلالا، لانه من مصاديق امر المولى، وقد قلنا أن من شان امر المولى امكان تأثيره في نفس العبد على وجه الاستقلال. هذا كله في القطع المتعلق بالحكم الواقعي الذي يكون طريقا محضا إليه (8). وما القطع المأخوذ في موضوع الحكم، فلا اشكال في امكان تقييده بحصوله من سبب خاص، كما أنه لا اشكال في امكان اعتباره على ] (7) لا يخفى ان اللازم في الامر أن يكون كذلك، مع قطع النظر عن معصيته، بمعنى أنه لابد ان يصلح للتأثير مستقلا لولا معصيته، من دون ارتباط باطاعة امر آخر أو معصيته، وكل من الاوامر في المقام هكذا. فتأمل تعرف. واعتبار الزائد في الامر يحتاج الى تأمل. (8) لا يخفى أن المقصود من حجية هذا القطع - بلا حاجة إلى الجعل - هو =

[ 14 ]

[ وجه الاطلاق، فيتبع دليل اعتباره. ثم اعلم أن القطع المأخوذ في الموضوع يتصور على اقسام (احدها) أن يكون تمام الموضوع للحكم (ثانيها) ان يكون جزءا للموضوع، بمعنى ان الموضوع المتعلق للحكم هو الشئ مع كونه مقطوعا به. وعلى أي حال إما أن يكون القطع المأخوذ في الموضوع ملحوظا على أنه صفة خاصة، وإما أن يكون ملحوظا على أنه طريق الى متعلقه. والمراد - من كونه ملحوظا على أنه صفة خاصة - ملاحظته من حيث أنه كشف تام، والمراد من كونه. = لزوم العمل به عقلا، وكون القطع محركا وباعثا نحو المقطوع به، وبهذا المعنى لا يمكن النهي عنه، ولا ارتداع المكلف عن العمل به، لا العذر عند الخطأ والتنجيز عن الاصابة، لان التنجيز عند الاصابة وإن لم ينفك عنه، لكن يمكن تحقق القطع وعدم معذورية المكلف مع الخطأ، كمن علم اجمالا بتحقق الخطأ في بعض اقسام القطع الحاصل له من بعض المقدمات العقلية مثلا، فانه لا يجوز له الاقتحام في تلك المقدمات، ولو حصل له القطع منها لم يكن معذورا عند الخطأ، وإن كان في العمل به مجبولا. ولو كان ذلك مراد المفصلين بين الحاصل من المقدمات الشرعية والعقلية، فلا بأس بالالتزام به، كما لو كان المراد عدم حصول القطع غالبا من المقدمات العقلية، واما لو كان المراد عدم جواز العمل بالقطع الحاصل من المقدمات العقلية، بعد حصوله، فلا فرق فيما ذكر من عدم احتياج حجيته الى الجعل، وعدم امكان النهي عنه، وعدم قابليته للامر بمتابعته بين الحاصل من أي سبب لاي شخص في أي مسألة. نعم على القول بالجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بتعدد مراتب الاحكام، يمكن الالتزام بجواز النهي عن بعض اقسام القطع، بدخل قسم خاص موضوعا في فعلية الحكم، وان كان طريقا في الانشاء، ولعل كلام صاحب الفصول - في مقدمات الانسداد في مقام اختيار حجية خصوص الظن بالطريق - يبتني على ذلك، حيث قال بعد كلمات له: (وحاصل القطعين يرجع إلى قطع واحد، وهو أن الشارع كلفنا بمؤديات تلك الطرق) فراجع وتأمل في تصحيحه.

[ 15 ]

ملحوظا على أنه طريق - ملاحظته من حيث أنه احد مصاديق الطرق المعتبرة. وبعبارة اخرى ملاحظة الجامع بين القطع وسائر الطرق المعتبرة، فعلى هذا يصح أن يقال في الثمرة بينهما انه على الاول لا يقوم سائر الامارات والاصول مقامه، بواسطة الادلة العامة لحجيتها، أما غير الاستصحاب من الاصول فواضح، وأما الاستصحاب وسائر الامارات المعتبرة، فلانها بواسطة ادلة اعتبارها توجب اثبات الواقع تعبدا، ولا يكفي مجرد الواقع فيما نحن فيه، لان للقطع بمعنى الكشف التام دخلا في الحكم، إما لكونه تمام الملاك، وإما لكونه مما يتم به الموضوع. وعلى الثاني فقيام الامارات - المعتبرة، وكذا مثل الاستصحاب لكونه ناظرا الى الواقع في الجملة - مقامه مما لا مانع منه، لانه فيما يكون القطع على هذا المعنى تمام الموضوع، ففي صورة قيام احدى الامارات أو الاستصحاب، يتحقق مصداق ما هو الموضوع حقيقة (9)، وفيما يكون المعتبر هو الواقع المقطوع، فالواقع يتحقق بدليل الحجية تعبدا، والجزء الآخر وجدانا، لان المفروض عدم ملاحظة القطع في الموضوع من حيث كونه كاشفا تاما، بل من حيث أنه طريق معتبر، وقد تحقق مصداقه قطعا. (9) لكن لا يخفى عدم صحة التعبير عن ذلك بقيامها مقام القطع في الموضوعية، نعم هي قائمة مقامه من حيث الطريقية، هذا إذا كان القطع تمام الموضوع، وأما إذا كان الواقع ايضا، دخيلا، فيمكن التعبير بلحاظ احد جزئي الموضوع، وهو الواقع حيث أن الواقع تعبدا يقوم مقام الواقع الحقيقي، واما جزؤه الآخر فهو متحقق حقيقة، كما في تمام الموضوع.

[ 16 ]

[ (فان قلت) لو لم يكن العنوان الواقعي موضوعا للحكم - كما هو المفروض - فالامارات القائمة عليه لا يشملها دليل الحجية، حتى تصير مصداقا للطريق المعتبر، لان معنى حجيتها فرض مداليلها واقعة، وترتيب آثار الواقع عليها، والمفروض في المقام أن ما تعلقت به الامارة ليس له اثر واقعي، بل الاثر يترتب على العلم إن كان تمام الموضوع، وعلى الواقع المعلوم إن كان قيده. (قلت) أما فيما كان العلم تمام الموضوع، لو لم يكن لمتعلقه اثر اصلا، فما ذكرته حق لا محيص عنه، لكن نقول بقيام الامارات فيما لو كان للمتعلق اثر آخر غير مرتب على العلم، مثل أن يكون الخمر موضوعا للحرمة واقعا، وما علم بخمريته موضوعا للنجاسة مثلا، فحينئذ يمكن احراز الخمر تعبدا بقيام البينة، لكونها ذات اثر شرعي، وبعد قيام البينة يترتب عليها ذلك الحكم الآخر الذي رتب على العلم، من حيث انه طريق لتحقق موضوعه قطعا. وأما فيما كان العلم قيدا للموضوع، فيكفي في اثبات الجزء الآخر كونه ذا اثر تعلقي، بمعنى أنه لو انضم الباقي يترتب عليه الاثر الشرعي، وكم له من نظير، فان اثبات بعض اجزاء الموضوع - بالاصل أو بالامارة، والباقي بالوجدان - غير عزيز. ومما قررنا يظهر لك الجواب عن الاشكال الذي اورده شيخنا الاستاذ دام بقاه في هذا المقام على شيخنا المرتضى طاب ثراه، بما حاصله: أن قيام الامارات - وبعض الاصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع جزءا على وجه الطريقية بمجرد الادلة العامة الدالة على حجيتها - يوجب الجمع بين اللحاظين لحاظ الموضوعية ولحاظ الطريقية، لان الملحوظ ]

[ 17 ]

في التنزيل إن كان نفس الظن والعلم، بمعنى أن الجاعل لاحظ الظن ونزله منزلة العلم في الآثار، فاللازم من هذا الجعل ترتيب آثار العلم على الظن، ولا يلزم منه ترتيب آثار الواقع على المظنون، وإن كان الملحوظ متعلقهما، بمعنى أن الجاعل لاحظ العلم والظن مرآة للمتعلق، فاللازم ترتيب آثار الواقع على متعلق الظن، ولا يجوز على هذا ترتيب آثار العلم على الظن. وعلى اي حال فلو تعلق الحكم بالخمر المعلومة مثلا، فدليل حجية الامارة - أو الاستصحاب المنزل للشك بمنزلة العلم - يتصدى لتنزيل احد الجزءين للموضوع، لان الجاعل لو اراد التنزيل في كليهما، لزم أن يجمع بين لحاظ العلم والظن في الامارة، أو العلم والشك في الاستصحاب طريقا وموضوعا، وهو مستحيل. وحاصل الجواب أنه بعد ما فرضنا اعتبار العلم طريقا بالمعنى الذي سبق، فادلة حجيتة الامارة أو الاستصحاب - وان لم تتعرض الا لتنزيل المؤدى منزلة الواقع - تكفي في قيام كل منهما مقام العلم، لاحراز الموضوع المقيد بعضه بالتعبد وبعضه بالوجدان، كما عرفت (10). ثم إنه دام بقاه تقصى عن هذا الاشكال بأنه بعد تنزيل المؤدى منزلة الواقع، فالواقع التعبدي معلوم، مثلا لو ورد دليل على حرمة الخمر (10) صحة هذا الجواب - على تقدير كون معنى اخذ القطع موضوعا بنحو الطريقية على ما ذكر - واضحة لا اشكال فيها. لكن قد يقال: بان معنى القطع كذلك جزءا للموضوع أو تمامه ليس أخذ جامع الطرق موضوعا، بل لشخص القطع دخل لا يقوم شئ مقامه الا بجعل على حده، وذلك لان القطع جهتين وحيثيتين: - >

[ 18 ]

[ المعلومة، وقامت البينة على أن هذا خمر، نعلم بواسطة دليل حجية البينة بان هذا الخمر تعبدا، فيتحقق هذا الموضوع بواسطة دليل الحجية والوجدان، فدليل الحجية يوجب ثبوت الخمر تعبدا، والعلم بان هذا خمر تعبدا = (الاولى) - نورانيته في نفسه، وهي جهة كونه صفة انسانية تباين الخارج. (الثانية) - جهة مظهريته ومنوريته للغير، وهي كونه فانيا في الخارج وحاكيا عنه، والناظر إليه بهذه الحيثية قد لا يرى الا الخارج، وقد يرى الخارج والطريق الخاص إليه بنحو مضى في علم الجنس، فان لوحظ في الموضوع على نحو الاول، فهو معنى اخذه صفة، وان لوحظ على النحو الثاني فهو معنى طريقيته المحضة. وإن اخذ على النحو الثالث فهو معنى أخذ الطريق موضوعا، ومعلوم أنه لو اخذ بهذا النحو ملحوظا في الموضوع، بمجرد دليل حجية امارة لا يصح قيامها مقامه، لفرض لحاظ طريق خاص في الموضوع وهو القطع. لكن قد اورد على هذ المعنى بعدم الواسطة بين الاخذ بنحو الطريقية، على أن يكون الجامع بين الطرق موضوعا للحكم، وبين اخذه بنحو الصفتية، وذلك القطع الملحوظ موضوعا قد لا يرى به الا صفة في المتعلق، وهو عدم الترديد فيه، من غير نظر الى كونه صفة خاصة في النفس. وبهذا المعنى لا ترديد في المتعلق في جميع الامارات، وقد يلاحظ كونه صفة في قبال سائر الصفات، وهو معنى الصفتية، لكن لا يخفى أن صفة الواقع مع القطع غير صفته مع الامارة، فان عدم الترديد فيه على الاول واقعي، بخلاف الثاني، فانه تعبدي. ثم إنه يمكن ان يقال بصحة قيام الامارة مقام القطع، وان كان له دخل في الموضوع على النحو الذي اشرنا إليه، بان يكون الجاعل لحجية الامارة حين الجعل ناظرا إلى آثار القطع، أعم من ان يكون مأخوذا في موضوعه شرعا، أو ما يترتب عليه عقلا، فانه يمكن للشرع التعبد بالعمل على الامارة كالعلم، وان كان لزوم العمل في العلم عقليا، فالجامع بين الحكمين هو ترتب اثر العلم، وسيأتي في الاستصحاب انشاء الله تعالى مزيد توضيح لذلك.

[ 19 ]

[ وجداني. وفيه أن اخذ بعض اجزاء الموضوع تعبدا وبعضها وجدانا انما يكون فيما إذا كان الجزء الوجداني مما اعتبر في الدليل الاول، كما إذا ترتب الحكم على الماء الكر الطاهر، فنقول كون هذا ماءا وجداني، وكونه كرا وطاهرا مثلا يتحقق بالاصل. وأما في مقامنا هذا فالجزء الوجداني ليس مما اخذ في الدليل الاول، لان الموضوع فيه هو العلم بالخمر الواقعية، لا الاعم منها ومن التعبدية، حتى يتحقق هذا الجزء بالوجدان، فلابد - في ترتيب اثر العلم بالخمر الواقعية على العلم بالخمر التعبدية - من تنزيل آخر. (فان قلت) ان الحكم في الموضوعات المقيدة انما رتب على المقيد من حيث انه مقيد، ولا شك في أن مجرد اثبات احد الجزءين بالاصل والآخر بالوجدان لا يوجب اثبات المقيد، فلا محيص عن ذلك، إلا أن تلتزم بان المقيد بالقيد التعبدي بمنزلة المقيد بالقيد الواقعي، فهنا نقول ايضا يكفي في ترتيب الحكم بالعلم بالخمر التعبدية. (قلت) الحكم المرتب على الماء الكر ليس مرتبا على المقيد أعني العنوان البسيط، بل الموضوع هو منشأ انتزاع ذلك العنوان اعني الماء حال كونه كرا، ولو سلمنا كون الموضوع هو البسيط. فنقول: إنه من الوسايط الخفية التي لا يراها العرف واسطة، ولاجل احد هذين الوجهين نقول: يكفي في ترتيب الحكم ثبوت جزء بالوجدان والباقي بالاصل، وهذ لا يتم في الخمر المعلومة، لان كون هذا المائع خمرا في الواقع لا يستلزم كون العلم المتعلق به هو العلم بكونه خمرا، كما أن العلم بكونه خمرا لا يستلزم كونه خمرا في الواقع.

[ 20 ]

[ وبعبارة اخرى مجرد تعلق علم بهذا المائع وكونه خمرا في الواقع، لا يكون منشأا لانتزاع الخمر المعلومة، بخلاف كون هذا الماء كرا، فتدبر. التجري ثم إنك قد عرفت مما سبق عدم تجويز العقل الاقدام على مخالفة القطع المتعلق بالتكليف، فلو أقدم على ذلك وصادف قطعة الواقع، فلا شبهة في استحقاقه العقوبة. وأما لو لم يصادف، فوقع النزاع والاختلاف بين العلماء (قدس سرهم) في حكمه. وتحقيق المبحث أن يقال إن النزاع يمكن ان يقع في استحقاق العقوبة وعدمه، فيكون راجعا الى النزاع في المسألة الكلامية، ويمكن أن يقع النزاع في ان ارتكاب الشئ المقطوع حرمته هل هو قبيح ام لا ؟ فتكون المسألة من المسائل الاصولية التي يستدل بها على الحكم الشرعي. ويمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل اعني ارتكاب ما قطع بحرمته مثلا حراما شرعا أو لا، فتكون من المسائل الفقهية، فان كان النزاع في الاخير، فالحق عدم اتصاف الفعل المذكور اعني ما قطع بحرمته بالحرمة الشرعية. توضيح ذلك أن شرب المائع المقطوع خمريته في الخارج ينتزع منه عناوين. (منها) شرب الماء (ومنها) شرب مقطوع الخمرية (ومنها) شرب مقطوع الحرمة (ومنها) شرب المايع ]

[ 21 ]

(ومنها) التجري. ولا اشكال في عدم كون الاخير منها اختياريا للفاعل، فانه لم يكن محتملا لخطأ اعتقاده، فلم يقدم على هذا العنوان عن التفات، وهكذا الاول منها. وباقي العناوين وإن كانت اختيارية للفاعل، ضرورة أن مجرد كون الفرد الصادر عنه غير الفرد المقصود مع اشتراكهما في الجامع، لا يخرج الجامع عن كونه اختياريا، إلا أنه من المعلوم عدم النزاع في شئ من تلك العناوين، غير عنوان مقطوع الحرمة. وقد عرفت مما مضى عدم قابلية هذا العنوان للحكم المولوي، فان هذا الحكم نظير الحكم بحرمة المعصية ووجوب الاطاعة. هذا واما ما يظهر من كلام شيخنا الاستاذ دام ظله: من أن الفعل المتجري به لا يكون اختياريا اصلا، حتى بملاحظة العام الشامل للفرد المقصود وغيره، فلعله من سهو القلم. قال دام ظله - في طي استدلاله على عدم كون التجري حراما شرعا ما لفظه (مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد - بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة - لا يكون اختياريا كي يتوجه إليه خطاب تحريم أو ايجاب، إذ القاطع لا يقصده الا بما قطع انه عليه من العنوان الواقعي الاستقلالي، لا بهذا العنوان الطاري الآلي، بل لا يكون اختياريا الصلا، إذا كان التجري أو الانقياد بمخالفة القطع بمصداق الواجب أو الحرام أو موافقته، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده، وما صدر منه لم يقصده، بل ولم يخطر بباله. لا يقال إن ما صدر منه لا محالة يتدرج تحت عام يكون تحته ما قصده، فيسري إليه قصده، مثل شرب المايع في المثال.

[ 22 ]

فانه يقال: كلا، كيف يصير العام المتحقق في ضمن خاص مقصودا واختياريا، بمجرد قصد خاص آخر قصده بخصوصيته. نعم لو عمد الى خاص تبعا للعام، فصادف غيره من افراده، لم يخرج عن اختياره بما هو متحد مع ذلك العام، وان كان خارجا عنه بما هو ذلك الخاص) انتهى موضع الحاجة من كلامه دام بقاه. اقول: لا شك في أن كل عنوان يكون ملتفتا إليه حال ايجاده وكان بحيث يقدر على تركه يصير اختياريا، وان لم يكن موردا للغرض الاصلي، مثلا لو شرب الخمر مع العلم بكونها خمرا لا لانها خمر، بل لانها مايع بارد، يصح ان يعاقب عليه، لانه شرب الخمر اختيارا (11)، وإن لم يكن كونها خمرا داعيا ومحركا له على الشرب، لانه يكفي في كون شرب الخمر اختياريا، صلاحية كون الخمرية رادعة له، وكونه قادرا على تركه. ونظير هذا محقق فيما نحن فيه بالنسبة الى الجامع، فان من شرب مايعا باعقتاد انه خمر، يعلم بان هذا مصداق لشرب المايع، ويقدر على تركه، التجري (11) ويشهد لذلك تقبيح العقلاء - من قتل زيدا بزعم انه عمرو - في قتل اصل الانسان، والصائم الذي شرب الماء بزعم انه خمر في إفطار الصوم. لا يقال: ذلك مناف لما هو المعروف من أن المهملة لا اطلاق فيها إذا كانت بتبع الفرد. لانه يقال: معنى عدم اطلاقها عدم السراية إلى فرد آخر، مع خصوصيته المضادة للمحكوم عليه، لا عدم سراية العوض الى الجامع. مثلا لو باع فرسا، فبان حمارا، لا يقال بسراية البيع من جامع الحيوان الى الحمار، لا انه لو كان لبيع جامع الحيوان اثر، لا يترتب عليه.

[ 23 ]

[ فكيف يحكم بعدم كون شرب المايع إختياريا له، فان خص العنوان الموجود اختيارا بما كان محطا للارادة الاصلية للفاعل، فاللازم ان يحكم - في المثال الذي ذكرناه - بعدم كون شرب الخمر اختياريا، لعدم تعلق الارادة الاصلية بعنوان الخمر، كما هو المفروض. ولا اظن احدا يلتزم به، وإن اكتفى في كون العنوان اختياريا، بمجرد كونه معلوما وملتفتا إليه حين الايجاد، بحيث يصلح لان يكون رادعا له، فحكمه - بعدم كون الجامع فيما نحن فيه اعني شرب المايع اختياريا - لا وجه له. وكيف كان فالحكم - بعدم اختيارية العناوين المنطبقة على الفعل المتجري به باسرها، حتى الجامع لما هو واقع وما هو مقصود - مما لا ارى له وجها، فالاولى ما قلناه في المقام. ومحصله ان العناوين المتحققة مع الفعل المتجري به بين ما لا يكون اختياريا، وبين ما لا شبهة في عدم تحريمه، وبين ما لا يكون قابلا لورود النهي المولوي عليه. هذا على تقدير جعل النزاع في الحرمة الشرعية. واما لو كان مجرى النزاع كون الفعل المتجري به قبيحا ام لا، فالذي يقوى في النظر عدم كونه قبيحا اصلا، فانا إذا راجعنا وجداننا، لم نر شرب المايع المقطوع خمريته الا على ما كان عليه واقعا قبل طرو عنوان القطع المذكور عليه. والذي اوقع مدعي قبح الفعل في الشبهة هو كون الفعل المذكور - في بعض الاحيان - متحدا مع بعض العناوين القبيحة، كهتك حرمة المولى، والاستخفاف بامره تعالى شانه، وامثال ذلك مما لا شبهة في قبحه، وانت خبير بان اتحاد الفعل المتجري به مع تلك العناوين ليس دائميا، لانا نفرض الكلام فيمن اقدم على مقطوع الحرمة، لا مستخفا بامر المولى ولا جاحدا لمولويته، بل غلبت عليه شقوته، كاقدام فساق المسلمين على المعصية، ولا اشكال في أن نفس الفعل المتجري به

[ 24 ]

- مع عدم اتحاده مع تلك العناوين - لا قبح فيه اصلا. ومن هنا يظهر الكلام على تقدير جعل النزاع في استحقاق العقوبة، وانه لا وجه لاستحقاق الفاعل - من حيث انه فاعل لهذا الفعل الخارجي - العقوبة بعد عدم كونه محرما ولا قبيحا عقلا. نعم قد يقال باتصاف بعض الافعال - الموجودة في النفس مما هو موجب لتحريك الفاعل نحو الفعل - بالقبح، وبسببه يستحق موجده العقوبة. بيان ذلك ان العفل الاختياري لابد له من مقدمات في النفس، بعضها غير اختيارية من قبيل تصور الفعل وغايته والميل إليه (12)، وبعضها اختيارية من قبيل الارادة (13)، فما كان من قبيل الاول لا يتصف بحسن ولا قبح، ولا يستحق الشخص المتصف به مثوبة ولا عقوبة، ضرورة ان ما ذكر منوط بالافعال الاختيارية. وما كان منها من قبيل الثاني يتصف - في محل الكلام - بالقبح، كما انه في الانقياد (12) لا يقال: إذا كان الميل الى الشئ غير اختياري، فكيف يقع الحب تحت الامر، كمحبة الله ومحبة الرسول وعترته (سلام الله عليهم اجمعين) ؟ لانه يقال: ذلك باختيارية مباديها، بالنظر الى أفعال من امر بمحبته أو صفته، حتى يورث ذلك المحبة قهرا كما هو واضح. (13) قد مر ان اختيارية الارادة موقوفة على كونها عبارة عن حالة نفسانية توجد بعد تصور الفعل ونفعه وعدم المانع له، وتارة توجد بعد تصور نفع في نفسها، وان لم يكن في المراد مصلحة اصلا، كما أنه قد يمنع من تحققها تصور مفسدة اقوى من مفسدة ترك المراد. واختياريتها بهذا المعنى لا يحتاج الى دليل، وبذلك يقع تحت الامر، مثلا: لو نذر أحد قصد اقامة العشرة في مكان، وجب عليه العزم وقصد الاقامة، وكذلك يقع قيدا للمطلوب، كما في العبادات، ولو لا اختياريتها لما صح ذلك.

[ 25 ]

[ يتصف بالحسن، ويستحق الموجد له في النفس العقوبة فيما نحن فيه، كما يستحق المثوبة في الانقياد. والحاصل ان نفس العز على المعصية قبيح، وان لم تترتب عليه المعصية. نعم لو انجر إلى المعصية يكون اشد قبحا. (فان قلت) كيف يمكن ان تكون الارادة اختيارية، والمعتبر في اختيارية الشئ ان يكون مسبوقا بها، فلو التزمنا في الارادة كونها اختيارية لزم التسلسل. (قلت) انما يلزم التسلسل لو قلنا بانحصار سبب الارادة في الارادة، ولا نقول به، بل ندعي أنها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلق اعني المراد، وقد توجد بالجهة الموجودة في نفسها، فيكفي في تحققها احد الامرين. وما كان من قبيل الاول لا يحتاج الى ارادة اخرى، وما كان من قبيل الثاني حاله حال ساير الافعال التي يقصدها الفاعل، بملاحظة الجهة الموجودة فيها. ولازم ما ذكرنا أنه قد يقع التزاحم بين الجهة الموجودة في المتعلق والجهة الموجودة في الارادة، فيحنئذ ترجيح احدى الجهتين يستند إلى ارادة اخرى، فلو فرضنا كون الفعل مشتملا على نفع ملائم لطبع الفاعل، وكون ارادته مشتملة على ضرر يخالف طبعه، فترجيح ارادة الفعل إنما هو بعد ملاحظة مجموع الجهتين، والاقدام على الضرر المترتب على تلك الارادة، ولا نعنى بالفعل الاختياري إلا هذا. = وأما على زعم من تكون الارادة عنده عبارة عن الشوق المؤكد ليس الا، فبعض الاوقات وان كان اختياريتها باختيارية بعض مباديها، كتصور المراد أو الجزم إليه احيانا، لكن في الغالب لم تكن مسببة عن تلك المبادي. ولا محالة تكون قهرية. ولذا الجئ في الكفاية إلى الالتزام بكون العقاب والثواب من تبعات القرب والبعد، والتزم في التجري ايضا بالعقاب بذلك التقريب.

[ 26 ]

[ والدليل على ان الارادة قد تحقق لمصلحة في نفسها هو الوجدان، لانا نرى إمكان ان يقصد الانسان البقاء في المكان الخاص عشرة ايام، بملاحظة أن صحة الصوم والصلاة التامة تتوقف على القصد المذكور، مع العلم بعدم كون هذا الاثر مترتبا على نفس البقاء واقعا. ونظير ذلك غير عزيز، فليتدبر في المقام. (فان قلت) إن مجرد كون الفعل قبيحا بحكم العقل لا يوجب استحقاق العقوبة من المولى، لان العقوبة تابعة للتكليف المولوي، ولذا قيل إن التكاليف الشرعية الطاف في التكاليف العقلية. ومعنى هذا الكلام هو ان الاوامر والنواهي الصادرة من الله تعالى توجب زيادة بعث للعباد نحو الفعل والترك، لكونها موجبة للمثوبة والعقوبة، ولو كان حكم العقل بالحسن والقبح كافيا فيها، لما كانت التكاليف الالهية الطافا. ولا يمكن أن يقال باستكشاف حكم الشرع هنا بقاعدة الملازمة، لانا نقول - مضافا إلى منع تلك القاعدة بناءا على عدم كفاية الجهات الموجودة في الفعل للتكليف، إذ قد يكون الفعل حسنا عقلا، ولا يامر به الشارع، أو يكون قبيحا، ولا ينهى عنه، لعدم المصلحة في النهي عنه - ان الملازمة المذكورة انما تنفع فيما يكون قابلا للتكليف المولوي، وليس المقام كذلك، لان حال النهي المتعلق بارادة المعصية كحال النهي المتعلق بها. (قلت) فرق بين العناوين القبيحة، فان منها ما لا يكون لها ارتباط خاص بالمولى - من حيث انه مولى - كالظلم على الغير مثلا (ومنها) ماله ربط خاص به، كالظلم على نفس المولى والخيانة بالنسبة إليه، ففي الاول لو لم يتعلق به النهي المولوي، فلا وجه لعقاب المولى، بل هو كاحد العقلاء يجوز له ملامة الفاعل من حيث انه عاقل، وأما الثاني فيصح عقوبته من حيث هو مولى له. هذا محصل الكلام في المقام.

[ 27 ]

واما استدلالهم على حرمة الفعل المتجري به وكونه معصية بالاجماع، فمدفوع بعدم كشفه على قول المعصوم عليه السلام في المسائل العقلية، مضافا إلى مخالفة غير واحد. وأما مسألة سلوك الطريق المظنون خطره، فهو وان كان يظهر الاتفاق فيه منهم على كونه عصيانا، إلا أنه يمكن القول بكون الظن عندهم تمام الموضوع للحرمة الواقعية، فيخرج عن محل الكلام. واما ما ذكر من الدليل العقلي المعروف، فمحصل الجواب أنا نختار ثبوت العقاب على من اصاب دون من أخطأ. واما ما اورد على ذلك من لزوم ابتناء العقاب على امر غير اختياري، ففيه ان مدخلية امور غير اختيارية في صحة العقاب مما لا تضر عقلا، إذ ما من فعل اختياري الا كان للامور الغير الاختيارية دخل فيه، كتصور الفاعل والميل إليه، وانما يمنع العقل من العقاب على ما لا يرجع بالاخرة الى الارادة والاختيار. العلم الاجمالي وينبغي التنبيه على امور: (الاول) - ان العلم الاجمالي هل له اثر بحكم العقل، أو حاله حال الشك البدوي ؟ وعلى الاول، فهل يوجب حرمة المخالفة القطعية فقط، أو يوجب الموافقة القطعية ايضا. وعلى اي حال هل يصح للشارع الترخيص في خلاف ما اقتضاه أو لا ؟ وبعبارة اخرى هذا الاثر منه هل هو على نحو العلية التامة، بحيث لا يقبل المنع، أو على نحو الاقضاء. وملخص الكلام في المقام أنه لا شبهة في أن المقدم - على اتيان

[ 28 ]

[ جميع اطراف الشبهة التحريمية - حاله عند العقل حال من أقدم على المحرم المعلوم تفصيلا، وأي فرق بين من شرب من اناءين عالما بان احدهما خمر، وبين من شرب من اناء واحد عالما بانه خمر ؟ وانكار كون الاول معصية يرده وجدان كل عاقل. وأما الاقدام على ارتكاب احد الاناءين مع عدم قصد الآخر أو مع عدمه، فهو وإن لم يكن في الوضوح كالاول، لكن مقتضى التأمل عدم جوازه عند العقل ايضا، لوجود الحجة على التكليف الواقعي المعلوم، إذ لولاه لجازت المخالفة القطعية. وبعد ثبوت الحجة اشتغلت ذمة المكلف بامتثاله، فلا يجدي له الا القطع بالبراءة الذي لا يحصل الا بترك الاطراف (14). ولكن حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية ليس كحكمه بحرمة المخالفة القطعية، إذ الثاني حكم تنجيزي لا يقبل ان يرتفع، لان المخالفة القطعية حالها حال الظلم، بل هو من اوضح مصاديقه. والحال ان الاذن في العصيان مما لا يعقل، ولو كان معقولا لم يكن وجه لمنعه في العلم التفصيلي كما مر، فلو دل ظاهر دليل على ترخيص المخالفة القطعية، يجب صرفه عن ظاهره، بخلاف الموافقة القطعية التي تحقق بالاحتياط في جميع الاطراف، فان اذن الشارع - في ارتكاب العلم الاجمالي (14) ومن اتحاد مناط وجوب الموافقة القطعية مع حرمة المخالفة القطعية يعلم ان البحث فيه من تبعات ذلك البحث، ولا يناسب البراءة كما ذكره الشيخ (رحمه الله) نعم البحث في امكان الترخيص أو وقوعه وعدم امكانه أو وقوعه يناسب البراءة، وسيجئ انشاء الله تعالى.

[ 29 ]

[ محتمل الحرمة - ليس اذنا في المعصية (15)، والحكم بلزوم الاحتياط إنما هو من جهة احتمال الضرر وعدم الامن من العقاب، فإذا دل دليل على عدم وجوب الاحتياط، يؤمن به من العقاب. ومن هنا ظهر أنه لو دل بظاهره على جواز المخالفة القطعية، فلا بد من طرحه، لمنافاته لحكم العقل، بخلاف ما لو دل دليل على عدم وجوب الموافقة القطعية، والترخيص في بعض الاطراف إما على سبيل التعيين أو على سبيل التخيير، ويأتي في مبحث البراءة التعرض للادلة اللفظية، وأنها هل يستفاد منها الترخيص في ترك الاحتياط ام لا ؟ (15) قد يقال: إن الاذن في المخالفة الاحتمالية ايضا كالاذن في المخالفة القطعية، لانه ينجر إلى التناقض، لان فعلية التكليف واقعا - كما هو مقتضى العلم الاجمالي - يناقض عدم الفعلية في الطرف المرخص فيه. هذا على مبنى الجمع بين الحكمين بالفعلية والانشائية. واما على الترتب، فايضا يمكن ان يقال: إن العبد إذا علم بوجوب احد شيئين فعلا من جميع الجهات، فالاذن في ترك احدهما اذن في المعصية بنظره احتمالا، ونقض للغرض احتمالا، وكما لا يمكن تصديق العبد أن الحكيم أذن في المعصية قطعا، كذلك لا يمكن له احتمال ذلك، فكيف يمكن تصديق العبد الترخيص في المخالفة الاحتمالية مع انه ملازم عنده لاحتمال الاذن في المعصية ونقض الغرض ؟ نعم لو تم ما ذكره الشيخ (ره) من استلزام الاذن في البعض لبدلية الباقي للواقع، وقلنا بجواز جعل البدل - ولو كان الواقع على ما هو عليه من الفعلية - لصح الترخيص في البعض، لكن في الاستلزام المذكور - وجواز جعل البدل مع فعلية الواقع من جميع الجهات - ما لا يخفى. ويمكن ان يدفع الاشكال بوجه آخر، وهو أن يقال: إن الترخيص في بعض اطراف المعلوم بالاجمال إن كان بعنوان المولوية والشارعية، فهو ينافي ويناقض فعلية = [........... ]

[ 30 ]

= الحكم كائنا ما كان، وأما إذا كان بعنوان الارشاد إلى حكم العقل، فلا تنافي ولا تناقض في البين، كحكم العقل بترك احد الضدين في المتزاحمين، ما لم يكن اهم في البين، أو ترك المهم فيما كان مع فعلية التكليف فيهما من قبل المولى، بل وكحكم العقل في الشبهة البدوية بعدم المنع من الارتكاب من قبله، للقطع بعدم العقاب، لقبحه على الحكيم من دون بيان، إن قلنا بفعلية الاحكام من قبل الشارع حتى في الشبهات البدوية، وعدم اختلاف مرتبة الواقع مع الظاهر بالفعلية والانشائية، كما هو مبنى الاستاذ - دام بقاه - فان حكم العقل في تلك الموارد لا ينافي في الحكم الشرعي الواقعي، لان معنى فعلية الحكم الشرعي ان الحكم تام من الجهات الراجعة الى الشارع من دون نظر الى الموانع العقلية. والحاصل: انه لا اشكال في الكبرى، وان الارشاد غير مناف للحكم الواقعي. انما الكلام في الصغرى وتصوير الارشادية في المورد، مع أن العقل يحكم بوجوب الموافقة القطعية لولا ترخيص الشارع، والارشاد لا يتحقق الا في الحكم الشرعي المطابق لحكم العقل، دون المخالف له. فنقول: في بيانه وعلى الله الاتكال - يمكن ان يرى المولى الخبير - في مورد يحكم العقل بلزوم الموافقة القطعية - ما لو اطلع عليه العقل لم يحكم بها، بل يرخص في الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، مثل أن يرى استلزام الاحتياط لتفويت بعض اغراض مهمة لم يطلع عليها العقل، فيرخص في تركه، والاكتفاء ببعض الاطراف ارشادا، مع حفظ الواقع على ما هو عليه من الفعلية، لما فيه من الجمع بين الغرضين، ومعلوم أن الارشاد بذلك في مرحلة الامتثال لا ربط له بمقام المولوية وجاعلية الحكم، حتى ينافي ما جعله في الواقع. لا يقال: إن الترخيص مع فعلية الواقع قبيح ولو ارشادا، لان مرجع ذلك إلى الارشاد إلى نقض الغرض، فان من يرى ابنه غريقا لا يصح له تقرير عبده إذا اشتبه عليه الابن بالعدو ولو ارشادا، ولو فعل ذلك لقبحه العقلاء، ويلزمونه برفع اشتباه العبد، الا مع صرف النظر عن الابن، فلابد من التزام عدم فعلية التكاليف الواقعية =

[ 31 ]

[......... ] = بالنسبة الى الغافلين وغيرهم من المعذورين، والا يلزم ما ذكرنا من المحذور، وهو تثبيت المولى عبده في تخلف ارادته وهو محال. لانه يقال: هذا فيما إذا انحصر الغرض في الاوامر في مصلحة المأمور به، كما في غالب اوامرنا. واما إذا كانت المصلحة في نفس الجعل، كما في اوامر الحكيم - تعالى شأنه - فلا تلزم تلك المحاذير، لان ما هو لطف على العباد - ويمتنع منعه على الحكيم - هو اصل الجعل، لا تسبيبه لادراك المصلحة خارجا، حتى ينافي ذلك تقرير حكم العقل بعدم لزوم الامتثال في المقام، حتى أن القائلين بلزوم المصلحة في متعلقات الاحكام لا يلتزمون باكثر من أن على الحكيم الجعل بمقتضاه، ومرحلة الامتثال ودرك المصلحة خارجة عن وظيفته. ولا يتوهم عدم لزوم امتثال مثل ذلك الامر، لان المصلحة حقيقة في جعله لافى الامتثال، كما في تكليف العصاة. لانه يدفع: بان الامر وإن كان عن المصلحة في نفس الجعل، لكنه حكم حقيقة، ويجب امتثاله. وقد مر في مبحث الاوامر تحقيق ذلك، وأن وجوب امتثال من اللوازم العقيلة للامر، من غير دخل لكون المصلحة في نفسه أو في المأمور به ولا فرق على ذلك بين تكليف العصاة وغيرهم. وكما لا يضر عدم ادراك المصلحة واقعا في تكليف العصاة، كذلك في الجاهل والغافل، وكل ما حكم العقل بالمعذورية، فان المناط كون نفس الجعل، لطفا لا ايصال المصلحة إلى العباد، حتى يلزم عليه رفع العذر بل واجباره على الاطاعة، عند التمكن. فلا اشكال في الالتزام بفعلية الاحكام في جميع الموارد التى يحكم العقل بكون المكلف معذورا فيها مع تقرير الشارع لحكمه، فان اللطف يقتضى جعل الحكم الفعلي من دون نقص في مقام جعله من قبل المولى وانما النقص من ناحية المكلف في مقام الامتثال، ولا يجري مثل ما ذكر في الاوامر الخارجة عن مورد ابتلاء المكلف لعدم صلاحية التكليف فيها للتأثير ولو بعد تمامية شرائط التنجيز. ويشترط في الحكم صلاحية ذلك، فالقياس مع الفارق. ويشهد لما ذكرنا - من تمامية التكليف في حق المعذور - انا بحد من انفسنا عدم تفاوت الحال =

[ 32 ]

(الامر الثاني) هل يكتفى في مرحلة السقوط بالامتثال الاجمالي، مع التمكن من الامتثال التفصيلي علما، أو بظن معتبر ام لا (16) ؟ لا اشكال في سقوط التكليف لو كان من التوصليات. وأما لو كان من العبادات المعتبر فيها قصد القربة، فاقصى ما يمكن به الاستدلال - على وجوب تحصيل العلم أو الظن المعتبر في مقام الامتثال وعدم الاكتفاء بالامتثال الاجمال - وجوه: (الاول) الاجماع المتسفاد من كلمات بعض الاعاظم، خصوصا فيما إذا اقتضى الاحتياط التكرار. (الثاني) عدم عد العقلاء من تمكن من تحصيل العلم بالواجب ] = في اوامرنا، بعد رفع العذر عقلا إلا من حيث حكم العقل بتجويز العقاب، بعد رفعه وعدمه قبله. نعم، يبقى في المقام اشكال: وهو أنه على ذلك يمكن الترخيص في المخالفة القطعية ايضا، بل وفي المخالفة المعلومة بالتفصيل كما أنه قد يحكم العقل بجوازها فيما إذا ابتلى المعلوم بمزاحم مثله، أو بوجبه فيما إذا ابتلى باهم منه، ولا يمنع عنه الشرع، بل يصح منه الارشاد إليه ايضا فما، المانع من ان يرى ان في مخالفته ادراك لمصلحة لو اطلع عليها العقل لا وجبها أو جوزها ؟. ويمكن الجواب عنه: بان كون الاحكام لطفا ليس الا بلحاظ صلاحيته للتأثير في نفس العبد، بعد تمامية شرائط التنجيز، فإذا منعها في هذا الحال مانع عن التأثير صارت لغوا ولم يتحقق اللطف اصلا. نعم، يبقى الكلام في امكان خروج بعض اقسام العلم، حيث انه يكفي في عدم اللغوية بقاء بعض اقسامه بحاله. كما لا يخفى. (16) أو يقال: إن الغرض كما اثر في حدوث الامر كذلك يؤثر في بقائه، فما لم يسقط لا يسقط كما في الكفاية.

[ 33 ]

- شخصا واكتفى باتيانه على نحو الاجمال - مطيعا، ألا ترى أن العبد إذا علم اجمالا بارادة المولى شيئا مرددا بين اشياء متعددة، ويقدر على تشخيص، ما اراده بالسؤال منه، فلم يسأل، وجاء بعدة امور أحدها مطلوب للمولى، يعد عابثا لاغيا، فكيف يوجب مثل هذا العمل القرب المعتبر في العبادات ؟ (الثالث) أن يقال يحتمل أن يكون للآمر غرض لا يسقط الا باتيان الفعل مع قصد الوجه التفصيلي، ومع هذا الاحتمال يجب الاحتياط. أما تحقق هذا الاحتمال في النفس، فلعدم ما يدل على نفيه. وأما وجوب الاحتياط، فلان هذا القيد المحتمل ليس مما يمكن دفعه باطلاق الدليل، ولا بالاصل، وان قلنا به في مقام دوران الامر بين المطلق والمقيد. أما الاول: فلكون القيد المذكور مما هو متأخر رتبة عن الحكم فلا يمكن دخله في الموضوع، فالموضوع بالنسبة إلى القيد المذكور لا مطلق ولا مقيد، والتمسك باصالة الاطلاق إنما يصح فيما يمكن ان يكون معروضا للقيد. واما الثاني: فلان موضوع التكليف بناءا على ذلك متعين معلوم بحدوده، وانما الشك في مرحلة السقوط، وليس حكمه الا الاشتغال. وفى الكل نظر. أما الاجماع فلعدم حجية المنقول منه، مضافا الى عدم الفائدة في اتفاقهم ايضا في مثل المقام، مما يكون المدرك حكم العقل يقينا أو احتمالا، إذ مع احتمال ذلك لا يستكشف رأى المعصوم عليه السلام. واما الدليل الثاني، فلان عدم عد العبد الآنى بعدة امور ممتثلا في بعض الاحين، إنما هو فيما يكون مقصوده الاستهزاء. وليس هذا محل

[ 34 ]

الكلام فيفرض فيما كان عدم تحصيل العلم التفصيلي منه، من جهة غرض عقلائي. والحاصل أن الكلام في ان الاطاعة الاجمالية يمكن أن تكون عبادة ومقربة، لا أن الاطاعة الاجمالية مقربة مطلقا، ولو كان قاصدا للاستهزاء. وأما الدليل الثالث، فقد اشبعنا الكلام فيه في بحث وجوب المقدمة (17). وذكرنا هناك عدم الفرق بين مثل هذه القيود المتأخرة رتبة عن الحكم. وساير القيود، فلا نطيل المقام باعادته. ومن اراد فليراجع. (17) بمنع لزوم الدور كما مر، وعلى فرض تسليم الدور يمكن أن يستكشف عدم تقيد الغرض بمعونة مناط مقدمات الحكمة، وهو لزوم نقض الغرض من عدم اظهار القيد ولو بدليل منفصل حيث اظهاره به. وأما على طريقة الاستاذ - دام بقاه - من ظهور اسناد الحكم الى المطلق في تعلق الحكم بالطبيعة بالصالة، لا بواسطة تعلقه ببعض افرادها، فيمكن ان يقال في المقام: إن الظاهر تعلق الطلب بها من حيث نفسها، لا من حيث كونها مقدمة لشئ آخر، بل يمكن استكشاف عدم القيد في المقام بقرينة اخرى، وهي كون قصد الوجه والتميز مغفولا عنه عند العامة، بحيث لا يمكن عدم اظهاره وايكاله إلى المكلف، وإن فرض عدما استشكافه عند الالتفات. هذا كله في الاطلاق واما الاصل العملي: فان كان الشك في تحقق العبادة بدون هذا القيد عقلا، فالاصل هو الاشتغال من دون حاجة الى الاستدلال، وأما إن كان الشك في دخله في الغرض مع القطع بتحقق العبادة بدونه، فالظاهر أنه من قبيل المطلق والمقيد وتجرى فيه البراءة، وإن قيل بعدم امكان دخله في المأمور به، لان الشك في السقوط ناش عن الشك في ثبوت الغرض، والغرض - على فرض لزوم تحصيله - إنما هو فيما كان ثبوته مقطوعا به، لا فيما شك ثبوته من اول الامر. فمن امر بشي، مع قطع المأمور بكون الغرض حصول شئ يجب الاحتياط باتيان كل ما يحتمل دخله فيه. وأما إذا أمر بشئ - مع احتمال ان يكون الغرض شيئا لا يحصل باتيان المأمور به - فلا يجب الاحتياط بمجرد هذا الاحتمال وذاك التقرير بعينه جار في = (*)

[ 35 ]

[ المخالفة الالتزامية (الامر الثالث) - هل المخالفة الالتزامية كالمخالفة العملية عند العقل أم لا ؟ ينبغى ان نفرض موردا لا تكون فيه مخالفة عملية أصلا، ولو على نحو التدريج، ونتكلم في جواز المخالفة الالتزامية فيه نفيا واثباتا. وهذا لا يفرض في الشبهة الحكمية، لعدم وجود فعل يكون واجبا في الشرع في ساعة معينة أو حراما كذلك (18) ثم يرتفع حكمه بعد تلك الساعة، فينحصر المورد في الشبهه الموضوعية، كالمرأة، المرددة ين المنذور وطيها في ساعة كذا، أو ترك وطيها كذلك. ومجمل القول فيه أن المخالفة الالتزامية في المثال المفروض تتصور على قسمين: (أحدهما) - عدم الالتزام بشئ من الوجوب والحرمة فيه. =


المطلق والمقيد، لاحتمال عدم حصول الغرض الباعث للامر المعلوم إلا باتيان المقيد، مع أن المقام أولى من سائر القيود لما ذكر من مغفولية القيد عند العامة، فيستكشف عن ارادة عدم الدخل، ولا تصل النوبة الى الاصل. المخالفة الالتزامية (18) الظاهر عدم الحاجة الى ساعة معينة، بل لو كان متعلق الوجوب أو الحرمة فعلا لا يتمكن المكلف من فعله وتركه، ولو من جهة عدم لحاظ الزمان فيه اصلا، كأن يعلم اجمالا أن الختان اما واجب وإما حرام، فانه - مع قطع النظر عن المبادرة والاسراع فيه، - لا يتمكن المكلف من المخالفة القطعية، كما لا يتمكن من الموافقة القطعية مطلقا، ولو مع لحاظ الاسراع، وكذلك لو شك في حرمة قتل المرتد بعد التوبة ووجوبه مثلا، فانه - مع قطع النظر عن الاستعجال، - لا يتمكن المكلف من الاحتياط فيه، ولا من المخالفة القطعية.

[ 36 ]

(ثانيهما) - الالتزام بحكم آخر غير ما علم واقعا. فنقول: إن ارد - القائل بوجوب الالتزام بالحكم، وعدم جواز المخالفة - وجوب الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه، سواء كان واجبا أو حراما، فهو مما لا ينبغى إنكاره، لان لازم التدين بالشرع والانقياد به، هو أن يتسلم ما علم انه حكم الشارع (19). وإن اراد لزوم التدين بشخص الحكم المجعول في الواقع، فهو مما لا يقدر عليه، لكونه مجهولا. نعم يقدر ان يبنى على وجوب هذا الفعل، سواء كان واجبا في الواقع أم حراما. وكذلك الكلام في الحرمة. وان اراد لزوم التدين باحد الحكمين على سبيل التخيير في الخبرين المتعارضين، فهو امر يقدر عليه، لكن لزومه يحتاج إلى دليل، إذ لولاه لكان البناء تشريعا محرما، وليس في المقام دليل، سوى ما يتوهم - من الادلة الدالة على وجوب الاخذ باحد الخبرين المتعارضين، عند عدم ترجيح احدهما على الآخر - من ان العلة في ايجاب الاخذ باحد الخبرين كون الحكم في الواقعة مرددا بين امرين، وهو فاسد، لعدم القطع بالملاك، واحتمال اختصاص الحكم بخصوص مورد تعارض الخبرين ] (19) وذلك لان الايمان ليس محض الاعتقاد، بل يحتاج مع ذلك الى التسليم المقابل للجحود الذي اشار إليه - تبارك وتعالى - بقوله - عز من قائل - (... جحدوا بها واستيقنتها انفسهم..) والظاهر انه مع التسليم بما جاء به صلى الله عليه وأله - لا يمكن عدم الالتزام بالواقع كيفما كان، لانه لا يجتمع مع التسليم المذكور، كما لا يخفى.


(1) سورة النمل (27): 14 (*)

[ 37 ]

- مضافا إلى أنه لو تم ذلك، لوجب في دوران الامر بين الاباحة والتحريم الاخذ باحد الحكمين، كما لا يخفى. والحاصل انه لا دليل على وجوب الالتزام بشخص حكم في الواقعة المشكوك فيها، ولا يجوز الالتزام به لكونه تشريعا. ومن هنا يظهر عدم المانع عقلا، للالتزام بحكم آخر غير الوجوب والتحريم في مورد الشك (20) كالاباحة إذا اقتضت ادلة الاصول ذلك، لان المانع المتصور هنا إما لزوم الالتزام بشخص الوجوب أو الحرمة، وهذا ينافى الالتزام بالاباحة. وإما لزوم الالتزام بالواقع المردد على ما هو عليه. اما الاول فمفقود لما عرفت. وأما الثاني فليس بمانع، لعدم المنافاة بين الالتزامين كما انه لا منافاة بين نفس الحكمين، لما حقق من عدم المنافاة بين الاحكام الواقعية والاحكام المجعولة في موضوع الشك، ومع عدم المنافاة بين نفس الحكمين لا يعقل أن يكون الالتزام باحدهما منافيا للالتزام بالآخر. هذا في الواقعة الواحدة التى لم تكن لها مخالفة عملية اصلا. وأما الوقايع المتعددة، كما لو دار الامر بين وجوب صلاة الجمعة دائما، أو حرمتها كذلك، فالكلام - في عدم وجوب الالتزام بشخص حكم من الشرع: من الوجوب أو الحرمة، بل حرمته - هو الكلام فيما سبق. وأما الالتزام بالحكم المخالف فمبنى على جريان دليل الاصل ] (20) نعم هنا كلام بالنسبة الى ادلة بعض الاحكام في مرحلة الاثبات، كأن يقال: إن دليل اصالة الحلية منصرف الى محتمل الحلية والحرمة، لا المردد بين الوجوب والحرمة، أللهم إلا أن يتمسك (برفع) بتقريب أن يقال: ان الحديث يدل على رفع المؤاخذة عما لا يعلم بعلم يؤثر في تحريك العالم، نحو ما علم ولو بالاحتياط. ومعلوم أن العالم باحد الحكمين من الوجوب والحرمة يتأثر من علمه فتأمل.

[ 38 ]

الدال على الاباحة، وهو موقوف على عدم حكم العقل بقبح المخالفة تدريجا. والحق عدم جريان دليل الاصل، لان المخالفة التدريجية قبيحة عند العقل كغيرها، إذ غاية ما يقال في عدم قبحها. أن الفعل في الزمان الآتى ليس متعلقا لتكليفه الفعلى، بل التكليف المتعلق به مشروط بوجود الزمان الآتى. والتكليف الفعلى ليس له مخالفة عملية قطعية أو يقال بأن المخالفة العملية القطعية وان كانت قبيحة مطلقا، إلا أن الامر في المقام دائر بين الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، حتى لا توجد مخالفة قطعية، أو الموافقة القطعية المستلزمة للمخالفة القطعية، ولا نسلم ان العقل يعين الاول. أما الاول: فهو باطل، لما حققناه في مبحث مقدمة الواجب: من أن الواجب المشروط - بعد العلم بتحقق شرطه في محله - يكون كالمطلق عند العقل، فراجع، فالتكليف المتعلق بالفعل في الزمان الآتى في حكم التكليف الموجود الفعلى عند العقل، فكما أنه لو علم بوجوب احد الشيئين فعلا، يجب عليه الامتثال بالاتيان بكليهما، كذلك لو علم بوجوب فعل إما في هذا اليوم وإما في الغد يجب عليه الاحتياط باتيان الفعل في اليومين. هذا إذا تمكن من الاحتياط والموافقة القعطية. واما إذا لم يتمكن من الموافقة القطعية - كما فيما نحن فيه - يجب عليه ترك المخالفة القطعية. وأما الثاني، فلان عدم ارتكاب المخالفة القطعية متعين عند العقل، لما سمعته سابقا ونحققه في مبحث البراءة انشاء الله تعالى: من أن حكم العقل بقبح المخالفة القطعية تنجيزي، لا يمكن أن يرفع بالمانع (21). واما (21) وحاصل الكلام: أنه لو كان الامر دائرا بين غرضين في الواقع فيمكن الاذن في ترك احدهما لحفظ الآخر ولو ارشادا في مرحلة الامتثال، كما مر تفصيله في =

[ 39 ]

حكمه بوجوب الموافقة القطعية فليس كذلك، فانه إنما يكون على تقدير عدم ترخيص الشارع في الموافقة الاحتمالية. (فان قلت) الاذن في المخالفة القطعية التدريجية واقع في الشرع، كما في التخيير بين الخبرين المتعارضين، إن قلنا بكونه استمراريا، وكتخيير المقلد بين الاخذ بفتوى كل من المجتهدين فانه في كل منهما قد ينجر الامر الى المخالفة القطعية التدريجية، كما إذا كان احد الخبرين دالا على الوجوب، والآخر على الحرمة، وكما إذا افتى احد المجتهدين بالوجوب، والآخر بالحرمة. (قلت) موافقة الحكم الظاهري - في المثالين في كل واقعة - بدل للواقع، على تقدير المخالفة (22). ومثل هذه المخالفة التدريجية التى لها بدل، ليس ممنوعا عقلا، بخلاف ما إذا لم يكن لترك الواقع بدل اصلا، كما إذا رخص الشارع في ترك الواقع في هذا الزمان والزمان الآتى، فان هذا ترخيص في مخالفة الواقع بلا بدل. ] = المخالفة الاحتمالية، لكن المقام ليس كذلك، لعدم تزاحم في الواقع بين المحتملين، لامكان حفظهما واقعا، وإنما لا يمكن احرازهما وحفظهما في مرحلة الظاهر إلا بالاحتمال، بالتزام الفعل دائما أو الترك كذلك، فالتكافؤ ليس الا بين العلم بالموافقة واحتمال المخالفة. والعقل لا يجوز القطع بالمخالفة لعدم تحقق احتمال المخالفة. (22) إن كان المقصود من البدلية موضوعية الطرق والامارات في قبال الواقع، فله، وجه. وأما على الطريقية فالترخيص بخلاف الواقع، مع فرض كون الواقع محفوظا بمرتبته الواقعية - من المحبوبية والمبغوضية - يحتاج الى مزيد تأمل، ويأتى تفصيله في بحث البراءة انشاء الله تعالى.

[ 40 ]

[ المبحث الثاني في الظن والكلام فيه يقع طى امور: (الاول) أنه هل يمكن التعبد بالامارات غير العلمية عقلا ام لا ؟ والنزاع في هذا الامر بين المشهور وابن قبة (قدس الله اسرارهم) ومورد كلامهم وان كان خبر الواحد، إلا ان ادلة الطرفين تشهد بعموم محل النزاع. إذا عرفت هذا فنقول: إن الامكان يطلق على معان: (احدها) - الامكان الذاتي، والمراد به مالا ينافى الوجود والعدم بحسب الذات، ويقابله الامتناع بهذا المعنى، كاجتماع النقيضين والضدين. (ثانيها) - الامكان الوقوعى والمراد به مالا يلزم من فرض وجوده محذور عقلي ويقابله الامتناع بهذا المعنى. (ثالثها) - الاحتمال، كما هو أحد الوجوه في قاعدة الامكان في باب الحيض. لا اشكال في عدم كونه بالمعنى الاول موردا للنزاع إذ لا يتوهم احد من العقلاء أن التعبد بالظن يأبى عن الجود بالذات. كاجتماع ]

[ 41 ]

[ النقيضين، كما ان النزاع ليس فيه بالمعنى الثالث إذ الترديد والشك في تحقق شئ حاصل لبعض وغير حاصل للآخر، وهذا ليس امرا قابلا للنزاع، فانحصر الامر في الثاني. ثم لا يخفى أن المراد - من المحذور العقلي الذى فرض عدم لزومه في الامكان الوقوعى - انما هو الموانع العقلية لا عدم المقتضى وان كان يلزم من فرض وجود الشي مع عدم المقتضى محذور عقلي ايضا، لامتناع تحقق الشئ من دون علة، لانه لو كان المراد اعم من المقتضى وعدم المانع، لكان العلم بالامكان في شي مساوقا للعلم بوجوده، كما لا يخفى. وعلى هذا فمن يدعى العلم بالامكان بالمعنى المذكور، فدعواه راجعة الى العلم بانه على فرض وجوده لا يترتب عليه محذور عقلي، ولو شك في تحققه من جهة الشك في تحقق مقتضيه، ولا تصح هذه الدعوى إلا ممن يطلع على جميع الجهات المحسنة والمقبحة في المقام، مثلا من يعتقد بامتناع اجتماع الحكمين الفعليين في مورد واحد، لا يصح منه دعوى الامكان بالمعنى المذكور، إلا بعد القطع بعدم فعلية الاحكام الواقعية. وكذا الالقاء في المفسدة قبيح بحكم العقل، فمن يدعى امكان العتبد بالظن، لابد وأن يعلم بأن في العمل به مصلحة اعظم من المفسدة التى قد يتفق وقوع المكلف فيها بسبب التعبد به، ومتى يحصل العلم لاحد من طريق العقل. نعم لو ثبت بالادلة التعبد بالظن نستكشف ما ذكرناه. وهذا غير دعوى الوجدان، والقطع بعدم المحذور. فالاولى أن يقال - بعد رد الوجوه التى تذكر في المقام للمنع - بانا لا نقطع بالاستحالة، فلا مانع من الاخذ بالادلة التى اقيمت على حجية بعض الظنون، كما ستطلع عليها في الامر الثالث انشاء الله تعالى. ]

[ 42 ]

[ الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي وكيف كان قد استدل المانع بوجهين: (الاول) - انه لو جاز التعبد بخبر الواحد في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله، لجاز التعبد به في الاخبار عن الله تعالى، والتالى باطل اجماعا، فالمقدم مثله. بيان الملازمة أن حكم الامثال فيما يجوز ومالا يجوز سواء، ولا يختلف الاخبار بواسطة اختلاف المخبر عنه، وكونه هو الله سبحانه أو النبي صلى الله عليه وآله، وإذا لم يجز التعبد به في الاخبار عن الله تعالى، لم يجز في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله. والجواب منع بطلان التالى عقلا، لجواز ايجاب الشارع التعبد باخبار سلمان وامثاله عن الله تعالى، غاية الامر عدم الوقوع وليس هذا محلا للنزاع. (الثاني) ان العمل بخبر الواحد موجب لتحليل الحرام وتحريم الحلال، إذ لا يؤمن أن يكون ما اخبر بحليته حراما في الواقع، وبالعكس. وتوضيح الكلام أنه لا اشكال في أن الاحكام الخمسة متضادة باسرها، فلا يمكن اجتماع اثنين منها في مورد واحد. ومن يدعى التعبد بخبر الوحد يقول بوجوب العمل به، وان أدى الى مخالفة الواقع. وحينئذ لو فرضنا أن الامارة ادت إلى وجوب صلاة الجمعة، وكانت محرمة في الواقع ونفس الامر، فقد اجتمع في موضع واحد - أعنى صلاة الجمعة - حكمان: الوجوب والحرمة، وايضا يلزم اجتماع الحب والبغض والمصلحة والمفسده في شئ واحد، من دون وقوع الكسر والانكسار، بل

[ 43 ]

يلزم المحال ايضا على تقدير المطابقة للواقع، من جهة لزوم اجتماع المثلين، وكون الموضوع الواحد موردا لوجوبين مستقلين، وايضا يلزم الالقاء في المفسدة، فيما إذا ادت الامارة الى اباحة ما هو محرم في الواقع وتفويت المصلحة فيما إذا ادت الى جواز ترك ما هو واجب. هذا كله على تقدير القول بأن لكل واقعة حكما مجعولا في نفس الامر، سواء كان المكلف عالما به أو جاهلا، وسواء ادى إليه الطريق أو تخلف عنه، كما هو مذهب اهل الصواب. وأما على التصويب فلا يرد ما ذكرنا من الاكشال، إلا أنه خارج عن الصواب هذا، والجواب عنه وجوه: - (الاول) ما افاده سيدنا الاستاذ طاب ثراه: من عدم المنافاة بين الحكمين إذا كان الملحوظ في موضوع الآخر الشك في الاول. وتوضيحه أنه لا اشكال في أن الاحكام لا تتعلق ابتداءا بالموضوعات الخارجية، بل انما تتعلق بالمفاهيم المتصورة في الذهن، لكن لا من حيث كونها موجودة في الذهن، بل من حيث انها حاكية عن الخارج فالشئ ما لم يتصور في الذهن لا يتصف بالمحبوبية والمبغوضية. وهذا واضح. ثم إن المفهوم المتصور تارة يكون مطلوبا على نحو الاطلاق، واخرى على نحو التقييد. وعلى الثاني فقد يكون لعدم المقتضى في ذلك المقيد وقد يكون لوجود المانع (مثلا) قد يكون عتق الرقبة مطلوبا على سبيل الاطلاق، وقد يكون الغرض في عتق الرقبة المؤمنة خاصة، وقد يكون في المطلق، إلا أن عتق الرقبة الكافرة مناف لغرضه الآخر، ولكونه منافيا لذلك الغرض، لابد ان يقيد العتق المطلوب بما إذا تحقق في الرقبة المؤمنة، فتقييد المطلوب في القسم الاخير إنما هو من جهة الكسر والانكسار، لا لتضييق دائرة المقتضى، وذلك، موقوف على تصور العنوان ]

[ 44 ]

المطلوب أولا، مع العنوان الآخر المتحد معه في الوجود المخرج له عن المطلوبية الفعلية، فلو فرضنا عنوانين غير مجتمعين في الذهن، بحيث يكون المتعقل احدهما لا مع الآخر، فلا يعقل تحقق الكسر والانكسار بين جهتيهما، فاللازم من ذلك أنه متى تصور العنوان الذى فيه جهة المطلوبية يكون مطلوبا صرفا، من دون تقييد، لعدم تعقل منافيه ومتى تصور العنوان الذى فيه جهة المبغوضية يكون مبغوضا كذلك، لعدم تعقل منافيه، كما هو المفروض. والعنوان المتعلق للاحكام الواقعية مع العنوان المتعلق للاحكام الظاهرية مما لا يجتمعان في الوجود الذهنى ابدا (مثلا) إذا تصور الآمر صلاة الجمعة، فلا يمكن ان يتصور معها إلا الحالات التى يمكن ان يتصف بها في هذه الرتبة، مثل كونها في المسجد أو في الدار، وامثال ذلك. واما اتصافها بكون حكمها الواقعي مشكوكا، فليس مما يتصور في هذه الرتبة، لان هذا الوصف مما يعرض الموضوع بعد تحقق الحكم، والاوصاف المتأخرة عن الحكم لا يمكن ادارجها في موضوعه. فلو فرضنا أن صلاة الجمعة - في كل حال أو وصف يتصور معها في هذه الرتبة - مطلوبة بلا مناف ومزاحم، فارادة المريد تتعلق بها فعلا، وبعد تعلق الارادة بها تتصف باوصاف اخر لم تتصف بها قبل الحكم، مثل أن تصير معلومة الحكم تارة ومشكوكة الحكم اخرى. فلو فرضنا - بعد ملاحظة اتصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم - تحقق جهة المبغوضية فيه، يصير مبغوضا بهذه الملاحظة لا محالة، ولا تزاحمها جهة المطلوبية الملحوظة في ذاته، لان الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقلا فعلا، لان تلك الملاحظة ملاحظة ذات الموضوع مع قطع النظر عن الحكم، وهذه ملاحظته مع الحكم. (فان قلت) العنوان المتأخر وان لم يكن متعقلا في مرتبة تعقل

[ 45 ]

الذات، ولكن الذات ملحوظة في مرتبة تعقل العنوان المتأخر فعند ملاحظة العنوان المتأخر يجتمع العنوانان في اللحاظ فلا تعقل المبغوضية في الرتبة الثانية مع محبوبية الذات. (قلت) تصور ما يكون موضوعا للحكم الواقعي الاولى مبنى على قطع النظر عن الحكم، لان المفروض كون الموضوع موضوعا للحكم، فتصوره يلزم ان يكون مجردا عن الحكم، وتصوره بعنوان كونه مشكوك الحكم لابد وان يكون بلحاظ الحكم، ولا يمكن الجمع بين لحاظ التجرد عن الحكم ولحاظ ثبوته. وبعبارة اخرى صلاة الجمعة - التى كانت متصورة في مرتبة كونها موضوعة للوجوب الواقعي - لم تكن مقسما لمشكوك الحكم ومعلومه، والتى تتصور في ضمن مشكوك الحكم تكون مقسما لهما، فتصور ماكان موضوعا للحكم الواقعي والظاهري، معا يتوقف على تصور العنوان على نحو لا ينقسم إلى القسمين وعلى نحو ينقسم اليهما. وهذا مستحيل في لحاظ واحد (23). فحينئذ نقول متى تصور الآمر صلاة الجمعة بملاحظة ذاتها، تكون مطلوبة، ومتى تصورها بملاحظة كونها مشكوكة الحكم، تكون متعلقة لحكم آخر. فافهم وتدبر، فانه لا يخلو من دقة. الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي (23) ونظير ذلك تصور مفهوم الانسان بحيث يقع موضوعا للكلية والجزئية، فان الموضوع في الاول وان كان ذاتا عين موضوع الثاني، لكن تصوره - بنحو يصح حمل الكلية عليه - لا يجتمع مع تصوره بنحو يصح حمل الجزئية عليه، لانه في الاول يحتاج الى تجريد النظر عن جميع خصوصيات الذات حتى لحاظ التجريد، وفي الثاني لابد ان =

[ 46 ]

= [....... ] تلاحظ الذات مع الخصوصية، وهما لا يجتمعان نعم يمكن النظر إلى الموضوع في القضيتين بنظرة فوق النظرتين، للحكم باتحادهما ذاتا، وذلك لا ينافي عدم اجتماعهما في اللحاظ الاول. وبما ذكرنا ظهر اندفاع ما توهم: من أن دخل حال تجرد الذات ولو في الحكم يوجب القطع بعدم الحكم مع الشك، وذلك، لان المشكوك في حكمه مع قطع النظر عن صفة المشكوكية مشكوك في حكمه، وذلك المشكوك فيه هو الحكم الواقعي. وفي هذا اللحاظ لا يرى موضوع الحكم الظاهري. ومع لحاظ الشك في حكمه الواقعي مقطوع الحكم، وهذا المقطوع به هو الحكم الظاهري، وفي هذا اللحاظ ايضا لا يرى موضوع الحكم الواقعي، حتى يحكم بمشكوكية حكمه أو مقطوعيته. ثم إنه لا يخفى عدم ابتناء الجمع بما ذكرنا على جواز اجتماع الامر والنهي، بل يجري على الامتناع ايضا، لان مناط الامتناع هو تضاد الامر والنهي في الخارج إما لكون الخارج موطنا لهما ابتداءا، وإما لسرايتهما من الطبائع الى الخارج على اختلاف فيه، فمتعلقهما بالاخرة واحد شخصي خارجي، ولو كان في الذهن متعددا، وهو محال. بخلاف المقام، فان الخصوصية المأخوذة في كل من الحكمين ذهنية، ومعلوم أن الحكم المجعول للطبيعة مع خصوصية ذهنية لا يسري إليها مجردة عن تلك الخصوصية أو مقيدة بخصوصية اخرى ذهنية، فالحكم المجعول للذات في لحاظ التجرد لا يسري إليها مع خصوصية مشكوكية حكمها، نظير الحكم المجعول للغنم في لحاظ التجرد عن الاوصاف الطارية كالغصبية، فانه لا يسري إليه مع اخذ تلك الخصوصية فيه، بخلاف النهي المتعلق بالحركة والتصرف في ملك الغير من دون لحاظ التجرد عن خصوصية فيه، فانه يسري الى الحركة الخارجية وان كانت مصداقا للصلاة. نعم فرق بين المقام وما مثلنا به من حكم الغنم، حيث انه تحدث في الغنم بسبب الغصب مفسدة تغلب على جهة الحلية، بخلاف الحكم الظاهرى، فان الاعتبار يقتضى ان تكون المصلحة في نفس الجعل لا في ترك الواقع، فالواقع يكون بحاله من دون معارضة شئ لمصلحته، ولذا لا تصويب اصلا، لان الحكم الواقعي فعلي في حق =

[ 47 ]

[......... ] = الجاهل كما هو، ولا مانع من استحقاق العقوبة عليه الا رفع العذر عن المكلف، وهو معنى حكم الله على العالم والجاهل سواء. وأما أنه لا حكم سواه حتى في مرتبة الظاهر، فلا يكون اجماعيا، بل عكسه يكون معلوما ظاهرا. وأما الحكم الظاهري فحيث لم يكن في مرتبة الواقع، فلا حب فيه ولا بغض، بل كلما ينظر الآمر في المرتبة الاولى الى الذات يرى البعث والزجر بالنسبة إليها فعليا، وكلما ينظر في الرتبة الثانية إليها لا يراها محبوبة ولا مبغوضة، وكذلك المكلف كلما يصرف النظر إليها في الرتبة الاولى يراها مشكوكة الحكم، وكلما يصرف النظر إليها في الرتبة الثانية يراها مقطوعة الحكم. فتحصل: انه لا منافاة بين الارادة والترخيص لا في مقام المصلحة، ولا في مقام الجعل، ولا في مقال الامثتال. أما الاول: فلعدم مصلحة في الحكم الظاهري في قبال الواقع، وإنما المصلحة في الجعل، كما مر مفصلا، بل لا يمكن اختلاف مصلحة الذات بلحاظ حالات المكلف من الشك، لان المصلحة تابعة لتأثيرها. وأما الثاني: فلما مر من تنظير الجعل في المقام بالحكم بالكلية في الكليات فراجع. وأما الثالث: فلان المكلف - في حال يؤثر في نفسه الحكم الظاهري - لا يكون الحكم الواقعي محركا له. لا يقال: كما لا يمكن اجتماع البعث والزجر، كذلك لا يمكن البعث نحو المبغوض، مثل ان يبعث الانسان نحو قتل ولده، فانه محال، ولو مع عدم النهي، فان النهي وان كان بنظر الآمر مقيدا بحال التقيد في هذا التقريب لكن المبغوضية حسب الفرض غير مقيدة، فلا يمكن البعث الا مع الكسر والانكسار، ولو مع مصلحة الجعل، فان المبغوض من جهة قد تطرأ عليه المحبوبية الفعلية من جهة طرو مصلحة عليه، كالادوية المرة المنفورة، فانها تصير مطلوبة لتوقف ارتفاع المرض أو دفعه عليها، مع الكسر والانكسار، فالواقع يبقى بلا مصلحة غير مزاحمة، فينجر الامر إلى التصويب، وكون =

[ 48 ]

[ الوجه الثاني ما افاده طاب ثراه ايضا، وهو أن الاوامر الظاهرية ليست باوامر حقيقية، بل هي ارشاد إلى ما هو اقرب إلى الواقعيات. وتوضيح ذلك - على نحو يصح في صورة انفتاح باب العلم، ولا يستلزم ] = الحكم الظاهري بلا مصلحة لا في ذاته ولا في جعله، ومع المصلحة فيه فيشبه هذا التقريب كلام شيخ الطائفة من ان كوننا ظانين بصدق الراوي صفة من صفاتنا، غاية الامر ان المصلحة في الجعل لا في المجعول. لانه يقال: نعم إذا طرأت على نفس الفعل جهة ذات مصلحة اقوى أو مساوية مع الواقع، فلا اشكال في الكسر والانكسار. وانما الكلام فيما إذا كانت بشئ خارج عن ذات الفعل، كما في الضدين مثلا، ولو كان احدهما اهم، فان اهميته لا تنافي فعلية المهم بالمعنى الذي ذكرنا: من عدم المانع من قبل المولى في مطلوبيته، فمصلحة الجعل من قبيل احد الضدين، وان كان اقوى بمراتب من الواقع لكن مع ذلك لا تنافي فعلية الواقع على ما هو عليه. والحاصل: ان اللطف يقتضي الجعل للجاهل والغافل على طبق مصلحة الواقع، بل وللعاصي مع العلم بعصيانه، لان درك المصلحة ليس علة للجعل حتى ينتفي الجعل بانتفائه، وليست المصلحة متعلقة للارادة، حتى يلزم تخلف المراد عنها، بل نفس الجعل مطابقا للمصلحة لطف، وكذلك قد تكون المصلحة في الجعل بخلافه اهم من احراز الواقع، خصوصا فيما يتوقف احرازه بجعل الاحتياط، حيث يمكن أن يكون المحذور فيه اشد من محذور ترك الواقع. هذا كله حال الجهل بالواقع، وأما العلم فلا يمكن دخل تجرده في الحكم الواقعي وان كان في اختلاف الرتبة مع الواقع نظير الشك، وذلك، لان حال الشك في الواقع حال لم يؤثر فيه الواقع، فلا مانع للجعل بخلافه، بخلاف حال العلم، فان معنى التكليف ان يكون مؤثرا بعد العلم ورفع العذر فالتقييد بعدمه يستلزم نفي اسم التكليف عنه. ولا فرق في ذلك بين التفصيلي والاجمالي بالنسبة الى المخالفة القطعية، واما الاحتمالية فسيجئ الكلام فيها في الاشتغال - انشاء الله تعالى - وان مرت الاشارة إليها اجمالا في بعض المباحث السابقة.

[ 49 ]

تفويت الواقع من دون جهة - ان نقول إن انسداد باب العلم - كما انه قد يكون عقليا - كذلك قد يكون شرعيا، بمعنى أنه وإن أمكن للمكلف تحصيل الواقعيات على وجه التفصيل، لكن يرى الشارع العالم بالواقعيات أن في التزامه بتحصيل اليقين مفسدة، فيجب بمقتضى الحكمة دفع هذا الالتزام عنه، ثم بعد دفعه عنه، لو احاله الى نفسه، يعمل بكل ظن فعلى من أي سبب حصل، فلو رأى الشارع - بعد أن آل امر المكلف الى العمل بالظن - أن سلوك بعض الطرق اقرب الى الواقع من بعض آخر، فلا محذور في ارشاده إليه. فحينئذ نقول اما اجتماع الضدين فغير لازم (24)، لانه مبنى على كون الاوامر الطريقية حكما مولويا. واما الالقاء في المسفدة وتفويت المصلحة، فليس بمحذور، بعد ما دار امر المكلف بينه وبين الوقوع في مفسدة اعظم. الوجه الثالث ان يقال ان بطلان ذلك مبنى على عدم جواز اجتماع الامر والنهى، لان المورد من مصاديق ذلك العنوان، فان الامر تعلق بعنوان العمل بقول العادل مثلا، والنهى تعلق بعنوان آخر مثل (24) لكن يرد عليه: ان الاوامر الطريقية وان لم تكن باحكام لكنها مع ارشاديتها تستلزم الترخيص في ترك المطلوب الفعلي، والاذن في اتيان المبغوض الواقعي. ولا يصح ذلك الا مع الالتزام بما التزمنا به من دخل حال التجرد عن الشك في الحكم الواقعي، والا عادت المحذورات السابقة، كما لا يمكن حفظ فعلية الواقع مع الترخيص بالحرج، بل قد يقال بانه لا يمكن التصديق بذلك الارشاد، لانه من علم بفعلية الحكم - على اي تقدير، وظن وجوده في بعض اطراف العلم - كيف يصدق الارشاد باتيان الطرف الآخر، مع كونه مظنون العدم عنده، فان كان ولابد، فلابد من الالتزام بدخل الشارع بعنوان الشرعية حتى ينحل العلم. وأما بعنوان الطريقية المحضة فلا يستقيم إلا بما قلنا: من دخل حالة التجرد فتدبر جيدا.

[ 50 ]

[ شرب الخمر، وحيث جوزنا الاجتماع وبيناه في محله، فلا اشكال هنا ايضا. لا يقال جواز اجتماع الامر والنهى على تقدير القول به إنما يكون فيما تكون هنا مندوحة للمكلف كالامر بالصلاة والنهى عن الغصب، لا فيما ليس له مندوحة. وما نحن فيه من قبيل الثاني، لان العمل بمضمون خبر العادل (مثلا) يجب عليه معينا، حتى في مورد يكون مؤدى الخبر وجوب شئ، مع كونه حراما في الواقع بخلاف الصلاة، لعدم وجوب تمام افرادها معينا، بل الواجب صرف الوجود الذى يصدق على الفرد المحرم، وعلى غيره. لانا نقول اعتبار المندوحة في تلك المسألة إنما كان من جهة عدم لزوم التكليف بما لا يطاق، وفيما نحن فيه لا يلزم التكليف بما لا يطاق، من جهة عدم تنجز الواقع فلم يبق في البين الا قضية اجتماع الضدين والمثلين وهو مدفوع بكفايه تعدد الجهة. وفيه أن جعل الخبر طريقا الى الواقع، معناه أن يكون الملحوظ في عمل المكلف نفس العناوين الاولية (25) (مثلا) لو قام الدليل على وجوب صلاة الجمعة في الواقع، فمعنى العمل على طبقه أن يأتي بها على انها واجبة واقعا، فيرجع ايجاب العمل به إلى ايجاب الصلاة على أنها واجبة واقعا فلو فرضنا كونها محرمة في الواقع يلزم كون الشئ الواحد من جهة واحدة محرما وواجبا، فليس من جزئيات مسألة اجتماع الامر والنهى التى قلنا بكفايه تعدد الجهة فيها. فافهم. (25) ؟ بذلك أن الاصح في تصوير امكان الجمع هو التقريب الاول، واما الالتزام يكون الواقع انشائيا - كما التزم به المحقق الخراساني (قدس سره) في حاشية =

[ 51 ]

[........ ] = الفرائد - ففيه: ما اورد عليه في الكفاية (تارة) بعدم لزوم الاتيان حينئذ بما قامت الامارة على لزومه، و (اخرى) باستلزام الجمع المذكور احتمال ثبوت المتنافيين، وهو محال كالقطع به، وإن كان الاول من الايرادين لا يخلو من اشكال بعد تصديق قيام الامارة مقام العلم في بلوغ الحكم بقيامها عليه مرتبة الفعلية، لان الامارة حينئذ كالعلم، والذي ادت إليه الامارة كالمعلوم، فيصير منجزا، ولا نحتاج الى اثبات الحكم الذي ادت إليه الامارة بالامارة، حتى يقال: لا يثبت بها الا ذات الحكم، بل يثبت احد جزءيه - وهو الحكم - بالامارة، وجزؤه الآخر - وهو اداء الامارة إليه - بالوجدان. نعم في كون الامارة كالعلم في بلوغ الحكم مرتبة الفعلية اشكال، لان مؤدى الامارة ينزل منزلة الواقع، وبالفرض لا يكون الواقع الا انشائيا، فما الذي جعله فعليا ؟ وأما ما التزام به (قدس سره) في الكفاية من كون التعبد بالطريق عبارة عن جعل الحجية، من دون استتباع لانشاء احكام تكليفية بل ليست الحجة الا الموجبة لتنجز التكليف عند الاصابة، ولصحة الاعتذار عند الخطأ. ففيه: أن الحجية غير قابلة للجعل، لانها عبارة عن صفة يقطع بها العذر، أما العلم فوجود هذه الصفة له تكويني، لان اراءة المعلوم ذاتي له، وما ليس له تلك الصفة تكوينا لا يمكن جعلها له تشريعا ولو كانت الحجية قابلة للجعل لكان اللازم ان تكون متعلقة للعلم تارة وللجهل اخرى. ولازم ذلك عدم المعذورية حتى مع الجهل به، والا فلا معنى للحجية. وبطلان ذلك واضح، لان المعذورية من اثر العلم، ولا يتوهم ان الحجية امر واقعى ولكن العلم متمم لها، فما لم تعلم لم تكن تامة، لان الاشكال في المتممية عين الاشكال في اصل الجعل، فان العقاب بلا بيان قبيح، ولا يمكن رفع قبحه بجعل ما ليس ببيان بيانا. لا يقال: بنفس ذلك الجعل يتم البيان. لانه يقال: معنى ذلك الجعل ليس الا جعل العقاب بلا بيان، اللهم الا ان يقال: انه عقاب بلا بيان، مع قطع النظر عن هذا الجعل. وأما معه والعلم به فيكون = (*)

[ 52 ]

[......... ] نفس ذلك بيانا، فانه يصح ان يقول احد: انى اعاقب مع الشك فان مرجع ذلك إلى ايجاب الاحتياط، كما ان العقل يحكم بوجوبه معه، بل يمكن ان يقال ان مرجع ايجاب الاحتياط إلى ذلك ايضا فتأمل. واما ما التزم به (قدس سره) في موارد الاصول المرخصة، من دون نظر الى الواقع من فعلية الحكم الواقعي، لكن بحيث لو علم به لتنجز. ففيه: ان التنجز ليس مما يصح تعليقه من قبل الشارع بل الحكم به من وظيفة العقل، ولو كان تعليقه من قبل الشارع ممكنا، لصح تعليقه بالعلم الحاصل من سبب خاص مثلا، ولا يلتزم به. هذا إذا كانت الفعلية تامة. وأما إذا كان المقصود أن الفعلية ذات مراتب وليس الحكم الواقعي فيها بمرتبة يجب امتثاله. فيرد عليه ما اورده من الايرادين على الجمع المختار له في الحاشية، لكن الظاهر ان المقصود كون الحكم فعليا تاما، ومع ذلك كيف يمكن الترخيص بل تعود المحذورات كلا. وأما ما اورد عليه من ان الحكم الظاهري إما حكم، فيضاد الواقعي، وإما ليس بحكم فلا يجب امتثاله، فالظاهر عدم وروده عليه، لان المقصود أن الحكم الظاهري لما كان بلحاظ الواقعي ففي نفسه ليس بحكم حقيقة، بل كالعلامة ان اخطأ ليس بشئ وان اصاب فهي عين الواقع. لا يقال: على ذلك فهو مردد بين الحكم واللاحكم، فلا يعلم انه يجب امتثاله ام لا ؟ لانه يقال: إذا علم المكلف بالامر يجب بحكم العقل امتثاله، ما لم يعلم أنه لا حقيقة له، فالعلم بالامر موضوع لوجوب الاطاعة إلا بعد العلم بكونه صوريا. ومن ذلك يعلم عدم ورود اشكال آخر عليه، وهو الاشكال بعدم الفرق بين الاصول الناظرة الى الواقع وغيرها، حيث التزم في خصوص الثاني بورود الاشكال، ودفعه بما ذكر، دون الاول، وذلك لان الاصول الناظرة ليس فيها ترخيص في قبال الواقع =

[ 53 ]

[ الامر الثاني تأسيس الاصل المعول عليه في المقام اعلم ان الحجية عبارة عن كون الشئ بحيث تصح به المؤاخذة والاحتجاج، ولا ملازمة بين هذا المعنى وجواز التعبد (26) إذ من الممكن تحقق هذا المعنى وعدم جواز التعبد به، كالظن في حال الانسداد، بناءا على الحكومة. وهذا المعنى إن ثبت بالدليل، فلا اشكال فيه، وان شك فيه فهل لواقعه اثر على تقدير ثبوته ام لا ؟ بل يكون ما شك في حجيته مع ما علم بعدم حجيته سواء، وان كانت حجة في الواقع. والحق فيه التفصيل. وبيان ذلك ان للحجة اثرين: (احدهما) - اثبات الواقع وتنجيزه على تقدير الثبوت (ثانيهما) اسقاطه كذلك (الاول) ما يكون قائما على حكم الزامي من الوجوب أو الحرمة، وكان مطابقا للواقع، فانه يصحح العقوبة على ذلك الحكم الواقعي. (والثانى) ما يكون قائما على رفع الالزام في مورد، لولاه لكان مقتضى ] = حقيقة، بل اما صوري واما عين الواقع، بخلاف غيرها، فانها حقيقة ترخيصات، فلابد لجمعها مع المنع الواقعي من محيص. تأسيس الاصل (26) الحجية بالمعنى المذكور وان لم تكن ملازمة لجواز التعبد لكنها بهذا المعنى غير قابلة للجعل، كما اوضحناه في الحاشية السابقة. والشك فيها ليس الا لعدم درك العقل لها، وهو مساوق لعدمها، وبالمعنى الذي يمكن جعلها من قبل الشارع، ويصح الشك فيها ملازمة لجواز التعبد بها من الشارع، والحجة المشكوكة بعد الفحص لم يبق لها اثر إلا عدم جواز التعبد بها من الشارع، ولعله لذلك عنون الشيخ (قدس سره) هذه المسألة بعنوان التعبد فراجع.

[ 54 ]

[ العقل الاحتياط، كاطراف العلم الاجمالي. (اما القسم الثاني) فلا ينفع الواقع المشكوك فيه قطعا مطلقا، ضرورة أن من علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة عليه، فلم يأت بالظهر مثلا، وكان هو الواجب واقعا، يصح ان يعاقب عليه وان كان الدليل على عدم وجوبه موجودا في الواقع، بحيث لو اطلع عليه لكان حجة له على المولى. (واما القسم الاول) فتارة يفرض بعد الفحص وعدم الظفر، واخرى قبل ذلك، أما في الاول فالوجود الواقعي للدليل ليس له اثر في حقه قطعا، إذ ليس الوجود الواقعي للحكم الطريقي اقوى من الوجود الواقعي للحكم الاولى، فبعد الفحص وعدم الظفر بالحكم ولا بدليله، يحكم العقل بالبراءة قطعا. وأما في الثاني: فهو على قسمين (تارة) يكون بحيث لو تفحص عن الدليل لظفر به. و (اخرى) لا يكون كذلك، فان قلنا بان الشك قبل الفحص كنفسه يصحح العقوبة على الواقع على تقدير الثبوت في كلا القسمين فوجود الدليل بحسب الواقع ايضا لا اثر له، لان المنجز فيما يكون الدليل موجودا في الواقع ايضا نفس الشك، وان قلنا بان المصحح للمؤاخذة ليس نفس الشك، بل وجود الدليل إن كان، بحيث لو تفحص عنه لظفر به هو المصحح، فالشاك مردد امره بين ان يكون له دليل يصل إليه بعد الفحص، فتصح عقوبته، أو لا يكون، فيقبح عقابه. ولما لم يكن جازما بقبح العقاب، يجب عليه عقلا الاحتياط أو الفحص، فالوجود الواقعي للدليل - لو كان بحيث لو تفحص عنه لظفر به - يثمر في حقه، لانه به يؤاخذ ويعاقب على المخالفة. ]

[ 55 ]

[ فتحصل مما ذكرنا أن الطريق المشكوك بعد الفحص ليس بحجة قطعا، لا اثباتا ولا اسقاطا، وقبل الفحص ليس بحجة اسقاطا مطلقا، واثباتا ان قلنا بان الحجة نفس الشك قبل الفحص. وان لم نقل بذلك، بل قلنا بان الحجة هو الدليل الذى لو تفحص عنه لظفر به، فما لم يكن الدليل الواقعي كذلك، فهو غير حجة ايضا. وأما فيما إذا كان الدليل الواقعي بحيث لو تفحص عنه لظفر به، فوجوده الواقعي حجة على المكلف، وان كان مشكوكا فيه فعلا، فتدبر. حجية الظاهر الامر الثالث في الامارات الثابته حجيتها بالدليل أو قيل انها كذلك. (فمنها) ما يعمل به في تشخيص مراد المتلكم بعد الفراغ عن المدلول العرفي للفظ. اعلم ان الارادة على قسمين: (احدهما) ارادة الشئ في اللب ونفس الامر (وثانيهما) ارادة المعنى من اللفظ في مقام الاستعمال، وهما قد تتفقان، كما إذا قال المتكلم اكرم العلماء واراد من اللفظ انشاء وجوب اكرام كل منهم، وكان في الواقع ايضا مريدا له. وقد تختلفان، كما انه في المثال لم يرد اكرام واحد منهم بالخصوص فحكمه - في مقام الارادة الاستعمالية على ذلك الفرد - حكم صوري، ولم يظهر الواقع لمصلحة في اخفائه. والمقصود الاصلى في هذا المقام تشخيص الارادة الاستعمالية، وما اراد من اللفظ في مقام الاستعمال. وبعد هذا التشخيص تطبيق هذه الارادة على الارادة الواقعية عند الشك باصل آخر، غير ما يتكلم فيه في المقام.

[ 56 ]

إذا عرفت هذا فنقول إذا علمنا أن المتكلم كان في مقام تفهيم المراد، وعلمنا انه مع الالتفات لم ينصب قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره، نقطع بان مراده هو ما يستفاد من ظاهر اللفظ، إذ لولا ذلك لزم الالتزام بانه تصدى لنقض غرضه عمدا. وهذا مستحيل. ولا يختص ذلك بمورد يكون المتكلم حكيما، بل العاقل لا يعمل عملا يكون فيه نقض غرضه، سواء كان حكيما ام لا. وهذا واضح. فمتى شككنا في ان المتكلم اراد من اللفظ معناه الظاهر أو غير، فاما ان يكون الشك من جهة الشك في كونه في مقام التفهيم، وإما من جهة الشك في وجود القرينة، وإما من جهة كليهما. فان كان منشأ الشك الشك في كونه في مقام تفهيم المراد، فلا اشكال في ان الاصل المعول عليه عند تمام العقلاء كونه في مقام تفهيم مراده. وهذا الاصل لا شبهة لاحد منهم فيه، ولا ينافى ما ذكرنا، ما سبق في باب الاطلاق: من ان كون المتكلم في مقام البيان لابد وان يحرز من الخارج، وبدونه يعامل مع اللفظ معاملة الاهمال، لان الاطلاق امر زائد على مدلول اللفظ. وما ذكرناه هنا - من الاصل المتفق عليه - إنما هو بالنسبة الى مدول اللفظ، فلا تغفل. وان كان منشأه الشك في نصب القرينة، فهل لنا اصل يعتمد عليه ام لا ؟ وعلى الاول فهل الاصل المعول عليه هو اصالة عدم القرينة أو اصالة الحقيقة ؟ والثمرة بينهما تظهر فيما لو اقترن بالكلام ما يصلح لكونه قرينة، فعلى الاول يوجب اجمال اللفظ لعدم جريان اصلة عدم القرينة مع وجوده. وعلى الثاني يؤخذ بمقتضى ما يستفاد من الوضع، حتى يعلم خلافه. ومبنى الاشكال في المقام هو أنه هل الطريق إلى ارادة المتكلم عند العقلاء

[ 57 ]

صدور ذات اللفظ الموضوع، أو هو مع قيد خلوه عن القرينة الصارفة ؟ فعلى الاول وجود القرينة من قبيل المعارض، على الثاني لعدمها دخل في انعقاد الطريق على ارادة المعنى الظاهر، كما انه لوجودها دخل في انعقاد الطريق على ارادة المعنى الغير الظاهر. إذا حفظت ذلك فاعلم أن اعتبار الظهور الثابت للكلام - وان شك في احتفافه بالقرينة - مما لا اشكال فيه في الجملة كما تأتى الاشارة إليه. وأما كون ذلك من جهة الاعتماد على اصالة الحقيقة - كى لا يرفع اليد عنها حتى في صورة وجود ما يصلح للقرينية - فغير معلوم، وإن كان قد يدعى أن بناء العقلاء على الجرى على ما يقتضيه طبع الاشياء، ما داموا شاكين في ثبوت ما اخرجها عن الطبيعة الاولية. ومن ذلك بناؤهم على صحة الاشياء عند شكهم في الصحة والفساد، لان مقتضى طبع كل شي ان يوجد صحيحا، والفساد يجئ من قبل امر خارج عنه. ولعله من هذا القبيل القاعدة المسلمة عندهم: (كل دم يمكن ان يكون حيضا فهو حيض) فان مقتضى طبع المرأة ان يكون الدم الخارج منها دم حيض، وغيره خارج عن مقتضى الطبع. وعلى هذا نقول ان مقتضى طبع اللفظ الموضوع أن يستعمل في معناه الموضوع له، لان الحكمة في الوضع تمكن الناس من اداء مراداتهم بواسطة الالفاظ، فاستعماله في غيره انما جاء من قبل الامر الخارج عن مقتضى الطبع، لكن الانصاف أن هذا البناء من العقلاء انما يسلم في مورد لم تحرز فيه كثرة الوقوع على خلاف الطبع واستعمال الالفاظ في معانيها المجازية - ان لم نقل بكونه اكثر من استعمالها في المعاني الحقيقية بمراتب - فلا اقل من التساوى، فلم يبق الطبع الاولى بحيث يصح الاعتماد عليه.

[ 58 ]

[ هذا وكيف كان فالمتيقن من الحجية هو الظهور المنعقد للكلام، خاليا عما يصلح لان يكون صارفا. ولا يناط بالظن الفعلى بالخلاف، ولا تختص حجيته بمن قصد افهامه، بل هو حجة على من ليس مقصودا بالخطاب ايضا، بعد كونه موردا للتكليف المستفاد من اللفظ. والدليل على ذلك كله بناء العقلاء، وامضاء الشارع. أما الاول فلشهادة الفطرة السليمة عليه، فلو علم العبد بقول المولى اكرم كل عالم في هذا البلد، واحتمل عدم ارادته معناه الظاهر، إما من جهة احتمال التورية وعدم كونه في مقام افهام المراد، وإما من جهة احتمال كون الكلام مشتملا على القرينة على خلاف الظاهر، وخفيت عليه، أو ظن احد الامرين من سبب غير حجة عند تمام العقلاء، وفرضنا عدم تمكنه من الفحص عما يوجب صرف الكلام المذكور عن ظاهره، فهل يصح له ان لا يأتي بمفاد اللفظ المذكور، معتذرا بانى لم اتيقن ان المولى كان بمعرض تفهيم المراد، أو بعدم اشتمال الكلام على القرينة صارفة، بل كان وجودها عندي محتملا أو فهل يصح للمولى - لو اتى العبد مفاد الكلام المذكور في الفرض الذى فرضنا - أن يعاتبه أو يعاقبه إن كان ما اتى به مبغوضا له واقعا ؟ فان رأينا من انفسنا انقطاع عذر العبد - في المثال المذكور في صورة عدم الاتيان، وصحة احتجاج المولى عليه عند العقلاء، وانقطاع عذر المولى في صورة الاتيان، وصحة احتجاج العبد عليه عندهم، كما هو الواضح بادنى ملاحظة والتفات - كان هذا معنى الحجية عندهم، إذ لا نعنى بحجية ظواهر الالفاظ كونها كالعلم في ادراك الواقعيات، حتى يشكل علينا بان الاخذ باحد طرفي الشك في ما كان المراد مشكوكا، أو الاخذ بطرف الوهم فيما كان موهوما كيف يكون كالعلم عند العقلاء ؟ وكذا الكلام فيما لو قطع بكلام للمولى خاطب به غيره، مع كونه

[ 59 ]

موردا للتكليف المشتمل عليه ذلك الكلام مع بذل جهده فيما يوجب صرف الكلام عن مقتضى ظاهره، فانه بعد مراجعة العقلاء يقطع بانقطاع العذر بين العبد والمولى بذلك الكلام، وان كان العبد غير مقصود بالخطاب اللفظى. هذا واما الثاني اعني امضاء الشارع لهذه الطريقة، فلان الطريقة المرتكزة في جبلة العقلاء لو لم يرض بها الشارع لكان عليه الردع ولم يصدر منه ما يصلح لكونه رادعا الا الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، وهى غير قابلة للردع عن العمل بالظواهر، لعدم حجية مدلولها بالنسبة إليه قطعا، لان الظواهر إما أنها ليست بحجة اصلا، وإما انها حجة، فعلى الاول ظواهر الآيات ايضا ليست بحجة. لانها منها، وعلى الثاني تخصيصها بها معلوم، فلا تغفل. بقى الكلام في خصوص ظواهر الكتاب المجيد التى ادعى اصحابنا الاخباريون عدم حجيتها. والذى يمكن أن يكون مستندا لهم امور: (الاول) الاخبار المدعى ظهورها في المنع عن العمل بظواهر الكتاب المجيد. (الثاني) العلم الاجمالي بوقوع التحريف فيه، كما يظهر من الاخبار الكثيرة ايضا. (الثالث) العلم الاجمالي بورود التخصيص والتقييد في عموماته ومطلقاته، ووقوع الاستعمالات المجازية فيه. (الرابع) وجود المتشابه في الكتاب، وعدم العلم بشخصه ومقداره والنهى عن اتباعه. ولا يصلح شئ من الامور المذكورة المنع. أما الاخبار فلانها على طوايف (منها) ما يدل على المنع عن التفسير بالراى. و (منها) ما يدل على المنع عن مطلق التفسير و (منها) ما

[ 60 ]

[ يدل على المنع عن الافتاء بالكتاب معللا بعدم وجود علمه إلا عند اهله. ولا ريب في أن الاوليين لا تمنعان عن العمل بالظواهر، فان من عمل من اهل اللسان بعام صادر من مولاه، لا يقال انه فسر كلام مولاه، فضلا عن صدق التفسير بالرأى عليه. وأما الثالثة فانه من المحتمل قويا كون المنع مختضا بمثل ابى حنيفة وامثاله الذين كانوا يعملون بظواهر الكتاب، من دون مراجعة من عندهم علمه. ولا اشكال عندنا في ان هذا النحو من العمل بظواهر الكتاب غير جائز. (فان قلت) ان الظاهر من قوله (عليه السلام) - في مقام الاعتراض على ابى حنيفة: (تعرف كتاب الله حق معرفته.. ؟) - ان المفتى بظواهر القرآن يجب ان يعرف القرآن حق معرفته، والا لا يجوز له الفتوى بها. (قلت) ليس في الخبر ما يدل على عدم جواز الافتاء بظواهر القرآن مطلقا بل المتيقن من مدلوله ان من اكتفى في مدارك فتاواه بالقرآن المجيد واعرض عن مراجعة كلمات العترة عليهم السلام - كما كان ذلك ديدن ابى حنيفة وامثاله - لا يجوز له ذلك، إلا بعد العلم بحقيقة القرآن. ولما لم يكن هذا العلم عند احد الا العترة الطاهرة، فلا يجوز لغيرهم الاكتفاء بالقرآن، فلا يدل الخبر على المنع عن العمل بظواهر الآيات في حق الخاصة الذين ديدنهم الفحص ومراجعة كلمات ائمتهم عليهم السلام ثم العمل بظواهر الآيات بعد عدم الظفر بما يوجب صرفها عن ظاهرها، كما لا يخفى. واما العلم الاجمالي بوقوع التحريف - بعد تسليمه - فيمكن ان يقال إنه في غير آيات الاحكام من الموارد التى يكون التحريف فيها مطابقا

[ 61 ]

لاغراضهم الفاسدة. وثانيا لو سلمنا عدم اختصاص العلم الاجمالي بغيرها، فغاية الامر صيرورتها من اطراف العلم الاجمالي، إذ لا يمكن دعوى العلم الاجمالي في خصوصها قطعا. وحينئذ نقول لا تأثير لهذا العلم الاجمالي بخروج بعض اطرافه عن محل الابتلاء. (فان قلت) خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء انما يمنع عن تأثير العلم الاجمالي في العمل بالاصول. وأما الظواهر فالعلم الاجمالي قادح للعمل بها مطلقا، ولو كان بعض اطرافه خارجا عن محل الابتلاء. والسر في ذلك أن الملاك في العمل بالاصول هو الشك، فيعمل بها عنده، إلا أن يكون هناك مانع عقلي، وليس الا فيما يكون العلم الاجمالي بثبوت تكليف فعلى، بحيث يلزم من العمل بالاصول في الاطراف المخالفة القطعية. وفيما خرج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، لم يكن التكليف الفعلى معلوما فلا مانع من العمل بالاصول. وأما الاخذ بالظواهر فملاكه الطريقية إلى الواقع المعلوم انتفاؤها عند العلم الاجمالي مطلقا. (قلت) بناء العقلاء - في العمل بالظاهر المستقر على عدم الاعتناء بالعلم الاجمالي بمخالفة ظاهر - يحتمل ان يكون هو هذا العمل الظاهر الذى هو محل الابتلاء أو غيره مما لا يكون محلا للابتلاء (27). أترى ان حجية ظواهر الكتاب (27) وايضا يمكن أن يقال: إن اصالة عدم القرينة أو اصالة الظهور لا تجري في الطرف الخارج عن محل الابتلاء، فان المدار لو كان على الطريقية بمعنى الظن الشخصي، فذلك العلم الاجمالي مضر به، واما لو كان المدار على الاصلين المذكورين، وان لم يحصل ظن في مجراهما، فحيث لا اثر لجريانهما في الخارج عن محل الابتلاء، فيبقى مورد الابتلاء سليما.

[ 62 ]

احدا من العقلاء يتوقف عن العمل بالظاهر الصادر من مولاه بمجرد العلم الاجمالي بمخالفة ظاهر مردد بين كونه ما صدر من مولاه وكونه ما صدر مولى آخر لعبده ؟ واما العلم الاجمالي بورود المخصصات والمقيدات على عمومات الكتاب ومطلقاته، فالجواب عنه أنه إن ادعى العلم الاجمالي فيما بايدينا من الامارات، فهو مانع عن العمل بالظواهر قبل الفحص. واما بعده فيعلم بخروج المورد من الاطراف. وإن ادعى ذلك في الواقع، فهو مانع عن العمل قبل الظفر بالمخصص والمقيد بالمقدار المعلوم بالاجمال. إما علما وإما من الطرق المعلوم حجيتها، إذ بعد الظفر كذلك ينحل العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوى، كما هو واضح. (واما) كون القرآن مشتملا على المتشابه فالجواب عنه أن المتشابه لا يصدق على ماله ظاهر عرفا، ولو فرض الشك في شموله للظواهر، فلا يجدى النهى المتعلق بعنوان المتشابه، لان القدر المتيقن من مورده هو المجملات، فلا يصير دليلا على المنع في الظواهر. فتلخص مما ذكرنا عدم دليل يقتضى خروج ظواهر الكتاب عن الحجية، فهى على حد غيرها باقية تحت قاعدة الحجية المستفادة من بناء العقلاء وامضاء الشارع، فلا تحتاج إلى الاخبار التى يدعى ظهورها في حجية ظواهر الكتاب، مع كون كلها أو جلها مخدوشا. هذا تمام الكلام في اعتبار الظواهر بعد الفراغ عن تشخيص نفس الظاهر. واما تشخيص الظاهر والمتفاهم من معنى اللفظ فمحصل الكلام فيه أن الظن في تشخيص الظواهر إما ان يحصل من قول اللغوى واما من احراز مورد الاستعمال بضميمة اصالة عدم القرينة وكل منهما لا دليل على حجيته. ]

[ 63 ]

أما الاول فلان غاية ما يستدل به عليه وجهان (احدهما) كونه خبرة، وبناء العقلاء على الرجوع إلى اصحاب الصناعات البارزين في فنهم فيما يخص صناعتهم (ثانيهما) ان استنباط الاحكام من الادلة واجب على المجتهد، ولا يمكن الا بالرجوع الى قول اللغوى في تشخيص معاني الالفاظ الواردة في الكتاب والسنة. والدليل الثاني لو تم لدل على حجية كل ظن، ولا اختصاص له بقول اللغوى. وكيف كان فلا يتم كل من الوجهين. (اما الاول) فلعدم كون اهل اللغة خبرة فيما هو المقصود، لان المقصود فهم المعاني الحقيقية للالفاظ وتشخيصها عن المعاني المجازية، وليس وظيفة اللغوى الا بيان موارد الاستعمال. وأما كون المعنى الكذائي حقيقيا، فلا يطلع عليه، وإن اطلع عليه بواسطة بعض الامارت، فليس من هذه الجهة من اهل الخبرة. والحاصل أن المنع من جهة تحقق الصغرى. وأما الكبرى اعني بناء العقلاء على الرجوع الى ارباب الصناعات في صنعتهم، فالانصاف أنهالا تخلو عن قوة (28). (واما الوجه الثاني) فان كان المقصود أنه لو لم يرجع الى الظن ] حجية قول اللغوى (28) لكنه - دام ظله - انكر في مجلس الدرس ذلك ورد الكبرى ايضا: بان المتيقن من الرجوع إليهم عند حصول الوثوق والاطمينان من قولهم، فلا يكون قول الخبرة حجة الا مع الوثوق والاطمينان. لكن الظاهر حجية قوله مطلقا، وطريق استكشاف ذلك ليس الا مراجعة طريقة العقلاء.

[ 64 ]

الحاصل من قول اللغوى، لا نسد باب المتثال للاحكام الواقعية المعلومة اجمالا، فهو راجع إلى دليل الانسداد. وهذا يكون ممنوعا على تقدير، وخارجا عن محل الكلام على تقدير آخر لأن المدعى إن كان ممن يسلم حجية قول الثقة، وبهذا يحرز صدور تلك الاخبار المنقولة من الثقات، فلا اشكال في أنه ليس له دعوى العلم الاجمالي بوجود الاحكام، لان معاني الفاظ الاخبار - التى تكون حجة بالفرض - معلومة غالبا، فلم يبق له بعد ذلك علم اجمالي، بل ينحل الى العلم التفصيلي والشك البدوى. وإن كان ممن لا يسلم ذلك، فيصح منه دعوى العلم الاجمالي، لكن نتيجة تلك الدعوى - مع انضمام باقى المقدمات المذكورة في دليل الانسداد - كون الظن الحاصل من قول اللغوى من الظنون المطلقة الثابتة حجيتها بدليل الانسداد وهذا خارج عن محل البحث. ولا ربط له بالمدعى، لانا في مقام اثبات حجيته بالخصوص، حتى يكون من الظنون الخاصة كحجية ظواهر الالفاظ. وإن كان المقصود حجيته مع قطع النظر عن الاحكام المعلومة اجمالا، فوجوب اجتهاد المجتهد لا يقتضى وجوب العمل بالظن المذكور، لان القاعدة تقتضي - في مورد عدم العمل بالحكم الواقعي وعدم دليل خاص يرجع إليه - الرجوع إلى الاصول العملية في ذلك المورد. ومما ذكرنا ظهر ان التمسك بالاحتياج إلى قول اللغوى لا يثمر ابدا في المقام، لان مع ملاحظة دليل الانسداد خارج عما نحن فيه. ومع قطع النظر عنه لا يحتاج إلى الاخذ بقوله. هذا مضافا إلى ما عرفت من أن قول اللغوى لا تنحل به عقدة ما يهمنا، وهو تشخيص حقايق المعاني من مجازاتها. هذا في الظن الحاصل من قول اللغوى. ]

[ 65 ]

[ وأما اصالة عدم القرينة، فالقدر المتيقن من بناء العقلاء على حجيتها إنما هو في مورد احرز المعنى الحقيقي للفظ، وشك في ارادة المتكلم اياه (29). وأما لو احرز المراد، وشك في كون المراد معنى حقيقيا للفظ أو مجازيا، فلا نسلم بناءهم على كونه معنى حقيقيا له، بملاحظة الاستعمال واصالة عدم القرينة. ولهذا اشتهر - بين العلماء في قبال السيد القائل باصالة الحقيقة - ان الاستعمال اعم من الحقيقة. ولعل نظير ذلك مالو ورد عام، وعلم بعدم كون الفرد الخاص موردا لحكم ذلك العام، ولكن شك في أنه هل هو داخل في عنوان اصالة عدم القرينة (29) لما عد المستدل اصالة عدم القرينة مما يحصل منها - بضميمة العلم بالمراد - الظن بالمعنى الحقيقي، فتصدى - دام ظله - لرده بما في الكتاب، لكنه - دام علاه - رجع عن هذا التقريب في مجلس الدرس، بتقريب أن الاصول الجارية عند العقلاء ليست كالاصول العملية الشرعية التي ليس مثبتها حجة بل هي عندهم بمنزلة الامارة يلتزمون بجميع لوازمها، كما مر في التمسك باصالة العموم لاخراج عدم تطبيق عنوان الخارج عن الحكم قطعا على افراد العام، كما في (اللهم العن بني اميه قاطبة) مثلا فيما إذا احتمل كون المتكلم بصدد تشخيص افراد العام لا فيما إذا أو كل تشخيصها الى عهدة المخاطب فراجع. والحاصل: أن أصالة العدم بلازمها تدل على كون المعنى المراد هو الموضوع له: ولا يبعد جريانها في مثل المقام عندهم. نعم فيما إذا كان ما يصلح للقرينية موجودا، فلا يجري الاصل المذكور حتى يستكشف شئ من اللوازم. واستظهر - دام علاه - كون النزاع بين السيد والمشهور - قدس الله اسرارهم - في خصوص ما إذا كان الصالح للقرينية موجودا لافي سائر الموارد لكنه كما ترى فان كلمات الاكثر تنادى باعمية النزاع، فراجع مظانها.

[ 66 ]

[ العام حتى يكون خروجه تخصيصا في العام، أو خارج عنه حتى يكون عدم كونه موردا لحكم العام من باب التخصص فانه يمكن أن يقال في ذلك عدم معلومية بناء العقلاء على اصالة عدم التخصيص، لاستكشاف حال عنوان ذلك الفرد، بعد القطع بعدم كونه مشمولا للحكم. ويمكن الفرق بين المثال وما نحن فيه: بانه في المثال يرجع الشك الى الشك في المراد من اللفظ وان كان حكم هذا الفرد - الخارجي الذى لا يعلم دخوله في أي عنوان - مقطوعا به، واصالة عدم القرينة فيه يترتب عليها تشخيص المراد، بخلاف ما نحن فيه، فان المفروض عدم الشك في المراد من اللفظ. هذا. الامر الرابع - الاجماع المنقول ومنها - الاجماع المنقول بخبر الواحد. وتحقيق المقام يبتنى على بيان امور: (الاول) - ان الاجماع في مصطلح العامة عرف بتعاريف، فعن الغزالي (أنه اتفاق امة محمد صلى الله عليه وآله على امر من الامور الدينية) وعن الفخر الرازي (أنه اتفاق اهل الحل والعقد من امة محمد صلى الله عليه وآله على امر من الامور) والمراد من اهل الحل والعقد - على ما نبه عليه غير واحد منهم - المجتهدون. وعن الحاجبى (انه اجتماع المجتهدين من هذه الامة في عصر على امر) وأما اصحابنا فقد اوردوا له حدودا كلها متحدة أو متقاربة معه، فعرفه العلامة بما ذكره، الفخر الرازي، وعرفه بعضهم بأنه اجتماع رؤساء الدين من هذه الامة في عصر على امر. والحاصل أنه من المعلوم أنه ليس لاصحابنا رضوان الله عليهم ]

[ 67 ]

[ اصطلاح جديد في الاجماع وانما جروا فيه على ما جرت عليه العامة. نعم قد يتسامح في اطلاق الاجماع على اتفاق طائفة خاصة يعلم منه قول الامام عليه السلام، لوجود ملاك الحجية وهو قول الامام عليه السلام، وعدم الاعتناء بمخالفة غيره. (الثاني) - ان مستند حجية الاجماع أمور ثلاثة: (احدها) - دخول شخص الامام عليه السلام في جملة المجمعين، ضرورة أنه لو اتفق هذا النحو من الاتفاق - أعنى اتفاق اهل العصر أو اتفاق امة محمد صلى الله عليه وآله، أو اتفاق العلماء منهم، أو اهل الحل والعقد منهم، أو الرؤساء منهم - كان الامام عليه السلام أحد هؤلاء قطعا، لعدم خلو عصر من وجوده (ثانيها) - ما ذهب إليه شيخ الطائفة من قاعدة اللطف. وحاصله أنه إذا اجتمع المجتهدون في عصر على حكم من الاحكام الشرعية، قطع بمطابقتة للواقع إذ لولا ذلك للزم على الامام عليه السلام اظهار المخالفة من باب اللطف وحيث لم يظهر المخالفة نقطع باتحاد رأيه مع رأى العلماء. (ثالثها) - ما ذهب إليه المتأخرون من الحدس. وحاصله أن اتفاق علمائنا الاعلام - الذين ديدنهم الانقطاع الى الائمة في الاحكام، وطريقتهم التحرز عن القول بالراى والاوهام مع، ما يرى من اختلاف انظارهم - مما قد يؤدى بمقتضى العقل والفطرة السليمة الى العلم بأن ذلك قول ائمتهم ومذهب رؤسائهم. ولا اختصاص لهذه الطريقة باستكشاف قول المعصوم عليه السلام، بل قد يستكشف بها رأى سائر الرؤساء المتبوعين. مثلا إذا رأيت جميع خدمة السلطان الدين لا يصدرون إلا عن رأيه اتفقوا على اكرام شخص خاص، يستكشف من هذا الاتفاق ]

[ 68 ]

[ أن هذا إنما هو من توصية السلطان. (الثالث) - أن الطريق الاول مما لا يمكن تحصيله في عصر الغيبة، لانه مبنى على استقصاء آراء اشخاص يكون هو عليه السلام منهم، ولا يعرف شخصه تفصيلا. ومن المعلوم عدم الاتفاق لاحد في هذه الاعصار. والطريق الثاني ليس صحيحا، لعدم تمامية البرهان الذى اقيم عليه، فانه - بعد غيبة الامام بتقصير منا - كل ما يفوتنا من الانتفاع بوجوده الشريف، وبما يكون عنده من الاحكام الواقعية، قد فاتنا من قبل نفسنا، فلا يجب عليه عقلا أن يظهر المخالفة عند اتفاق العلماء إذا كان اتفاقهم على خلاف حكم الله الواقعي، فانحصر الامر في الطريق الثالث (30). إذا عرفت هذا فنقول انه لو نقل الاجماع ناقل فهذا النقل لا يخلو من وجوه: (احدها) - أن ينقل اتفاق جماعة يلازم قول الامام عند المنقول إليه. (ثانيها) - ان ينقل اتفاق جماعة ليس كذلك عنده قطعا، وهذا على قسمنين (احدهما) أنه حصل للمنقول إليه بعض الامارات أو الفتاوى، بحيث حصل له - من مجموع ما عنده وما نقله الناقل على تقدير الاجماع المنقول (30) قد يقال باشتراط كشف الطريق المذكور - اي المعصوم عليه السلام - بالعلم بكون اتفاقهم - عن التواطي، كما عن كشف القناع وبعض علماء العصر، لكن الظاهر أن اتفاق المعظم كاشف غالبا وان لم يعلم ذلك، وان كان يتضح المراد من التواطى كما هو نعم يشترط في الكشف المذكور عدم العلم بمستند منهم لايتم عندنا، خصوصا مع اختلاف مستندهم.

[ 69 ]

[ صدقه - العلم بقول الامام عليه السلام (ثانيهما) انه ليس عنده شئ آخر يحصل العم بانضمامه إلى المنقول. (ثالثها) - ان ينقل الاجماع، ولا يعلم ان هذا الناقل حصل قول الامام عليه السلام بطريق ملازم له عندنا ايضا أو بغير ذلك الطريق. لا ينبغى الاشكال في حجية نقل الاجماع ان كان على الوجه الاول بالنسبة الى الكاشف والى المنكشف، بناءا على حجية خبر الواحد. اما بالنسبة الى الكاشف، فلانه اخبار عن امر محسوس. فيأخذ هذا الامر المحسوس المخبر به تعبدا، ويستكشف منه لازمه. واما بالنسبة الى المنكشف فلانه، وان لم يكن من الامر المحسوس ولكن لما كان طريق الاطلاع عليه هو المحسوس يلحق به، نظير الاخبار بالعدالة، فانه يقبل من المخبر لاستكشافها من لوازمها المحسوسة. وكذا لا ينبغى الاشكال في حجيته على الاول من شقى الوجه الثاني بالنسبة الى الكاشف، وجعل مقدار ما اخبر به العادل بمنزلة المحصل واستكشاف الواقع بضميمة ما عنده من الامارات، كما لا ينبغى الاشكال في عدم حجيته على الثاني من شقى الوجه الثاني، لان العلم بتحقق هذا القدر لا يستلزم العلم بالواقع. ولا اشكال في ان التعبد بخير الواحد لا يفيدنا ازيد من العلم. وأما إذا نقل الاجماع على الوجه الثالث، فهل لنا دليل على حجيته ام لا ؟ وما يمكن أن يستدل به عليه مفهوم آية النبأ بناءا على ثبوت المفهوم (31). (31) بل يمكن الاستدلال عليه ايضا بالسيرة الجارية عند العقلا، بضميمة عدم ردع الشارع، لانهمم يعملون بخبر الثقة ما لم يعلم كونه عن حدس، من دون فحص =

[ 70 ]

[ وحاصل تقريب الدلالة انها تدل بمفهومها على حجية اخبار العادل مطلقا، سواء كان عن حس أو عن حدس، غاية الامر أنه خرج ما علم كونه عن حدس غير قريب من الحس وبقى الباقي. أو يقال بان الخارج وإن كان الاخبار عن الحدس البعيد عن الحس واقعا، لكن لما كان المخصص منفصلا، بعد استقرار ظهور العام في وجوب العمل بكل ما يخبر به العادل، سواء كان عن حدس أو عن حس، فاللازم التمسك بحكم العام فيما لم يعلم دخوله تحت عنوان المخصص. هذا وفيه منع المفهوم للآية كما ستعرف ومنع ظهوره في الاعم من الاخبار عن حدس بعيد عن الحس، فان مقتضى التعليل في ذيل الآية هو وجوب الاعتناء باحتمال الندم المستند إلى فسق المخبر. ومن المعلوم أنه ليس الا من جهة قوة احتمال تعمده الكذب، بخلاف العادل. وكذا منع كون الخارج من تحته ما يعلم أنه عن حدس بعيد، ومنع جواز التمسك بعموم العام في صورة الشك في وجود المخصص الذى علم عنوانه مفصلا. نعم يجوز التمسك في المخصص المنفصل لو كان مجملا مرددا بين الاقل والاكثر، مع اشكال فيه ايضا مر بيانه في بحث العام والخاص. ويمكن ان يقال في تقريب حجية الاجماع المنقول: ان جهة الشك - في عدم مطابقته للواقع - تنحصره في امور: (احدها) - احتمال تعمده الكذب. (ثانيها) - احتمال خطأه في الحدس والخطأ الذى يحتمل في ] = عن منشأه أللهم إلا أن يقال بان ذلك فيما لم يتهم الناقل بكثرة الاخبار عن حدس، كما في اكثر نقلة الاجماعات المنقولة، فانه لا يجوز عندهم قبول قوله إلا بعد احراز كونه عن حس لا حدس.

[ 71 ]

[ حقه إما من جهة استكشاف فتوى جماعة اخبر بفتواهم، كما إذا استكشف فتوى جماعة في مسألة فرعية، من جهة اتفاقهم على الاصل الذى ينطبق عليها بمقتضى اجتهاد الناقل. وإمام جهة الكشف عن رأى الامام عليه السلام، بواسطة قول جماعة لا ينبغى عادة حصول العلم بقولهم، فان كان الشك من جهة الامر الاول فادلة حجية خبر العادل - وان قلنا باختصاص مفادها في الغاء احتمال الكذب - ترفع هذا الشك، وإن كان من جهة الامر الثاني، فالظاهر - من قول الناقل ان المسألة اجماعية - تحصيل الاجماع في خصوص تلك المسألة، وحجية هذا الظاهر ترفع ذلك الشك. من جهة انه استكشف رأى الامام عليه السلام من سبب غير عادى، فظاهر حاله يرفع هذا الشك. نعم لو تبين منه في موارد أن دعواه الاجماع كانت مستندة الى الاجماع على القاعدة، أو مستندة الى اتفاق جماعة ليس اتفاقهم سببا عاديا لاستكشاف رأى الامام عليه السلام، فلا يجوز الركون الى نقله. وأما ما لم يعلم حاله فادلة حجية قول العادل - بضميمة ظاهر لفظه وظاهر حاله - تنتج وجوب الاخذ بالاجماع الذى نقله. وفيه - بعد تسليم بقاء ظهور كلام ناقل الاجماع في الاتفاق على الفرع - أنه لا يبعد حصول العلم للناقل بواسطة اتفاق جماعة وعدم حصوله لنا، ولا يلزم في الصورة المفروضة أن يكون حصول علمه بسبب غير عادى، حتى يكون على خلاف مقتضى الاصل العقلائي، لامكان ان يكون ذلك منه من جهة حسن ظنه بتلك الطائفة لم يكن ذلك الظن الحسن للمنقول إليه. فتحصل من جميع ما ذكرنا عدم الدليل على حجية الاجماع المنقول بالخصوص إلا إذا كان الاجماع المنقول بحيث لو اطلعنا عليه علما، حصل لنا العلم، أو كان بحيث لو ضممنا إليه الامارات الموجودة عندنا حصل لنا العلم. ]

[ 72 ]

(تتميم) قد يقال: بناءا على أن مفهوم الاية ليس متعرضة الا لحيثية الغاء احتمال تعمد الكذب لا ينفعنا في الاخذ بخبر العادل، حتى في المحسوسات، إذا احتملنا كون الحجية الفعلية منوطة بشرط آخر، إذ هي على التقدير المذكور ليست متعرضة للحجية الفعلية، حتى يدفع ذلك الشرط المحتمل باطلاقها. والجواب أنه - بعد الفراغ عن احتمال تعمد الكذب - ليس المانع من حمل مفاد قول القائل على الواقع إلا احتمال الخطأ في الحس، ومقتضى الاصل عند العقلاء عدمه، فإذا انضم ذلك الحكم المستفاد من الشرع الى تلك القاعدة المتفق عليها عند العقلاء يعقل بقاء التحير. نعم يمكن عدم كون الخبر - بعد فرض الغاء احتمال الكذب - حجة فعلية الا مع شرط زائد كالتعدد ونحوه، لكن إن ثبت ذلك بالدليل يرجع الى عدم امضاء الشارع ذلك الاصل المحفوظ عند العقلاء، إلا مع وجود ذلك الشرط. وما لم يدل دليل على ذلك، فمقتضى القاعدة العمل بالاصل المرتكز في اذهان العقلاء. ومن هنا يظهر ان عدم قبول شهادة الفاسق - حتى مع العلم بعدم تعمده الكذب - ليس منافيا لما ادعينا إذا اشتراط العدالة في الشهادة ثبت من الشرع، لا من جهة احتمال تعمد الكذب في الفاسق. وبعد ثبوت ذلك يستكشف عدم امضاء الشارع ذلك الاصل العقلائي في مورد شهادة الفاسق. ويمكن ان يقال ايضا بأن مانعية الفسق في باب الشهادة أو اشتراط العدالة ليست راجعة إلى عدم امضاء الاصل المذكور، فلو شهد الفاسق وعلم بعدم تعمده الكذب، عملنا بالاصل المذكور في إحراز

[ 73 ]

الواقع لكن الموضوع لحكم الواقع في باب دفع الخصومات ليس مجرد احراز الواقع باى طريق، بل هو خصوص البينة العادلة، فلا تنافى بين احراز الواقع وعدم جواز الحكم على طبقه. فليتدبر. التواتر المنقول ومما قلنا في الاجماع المنقول يظهر الكلام في التواتر المنقول، إن اردنا اثبات الواقع الذى ادعى الناقل تواتر الاخبار عليه. وأما إن اردنا ترتيب آثار نفس التواتر، فان كان الاثر مرتبا على التواتر في الجملة - ولو عند واحد - اخذ به بلا اشكال، لان احتمال عدم تحقق التواتر عنده ملغى بحكم الادلة الدالة على وجوب الغاء احتمال الكذب عمدا. وان كان مرتبا على التواتر عند المنقل إليه لم يؤخذ به. وان كان المنقول اخبار عدة لو اطللع عليه المنقول إليه تحقق له العلم، لان المفروض عدم تحقق العلم للمنقول إليه بواسطة اخبار تلك العدة، فالتواتر عنده منتف قطعا. وبعبارة اخرى حصول العلم باخبار جماعة ليس كالامور الواقعية حتى يثبت باخبار العدال ككرية الماء وقلته وامثال ذلك، بل يختلف باختلاف الموارد والاشخاص (32) فمن حصل له العلم باخبار جماعة، التواتر المنقول (32) لا يخفى ان التواتر - على ما يستفاد من تضاعيف كلماتهم - عبارة عن اخبار جماعة لا يجوز عند العقل تواطؤهم على الكذب عادة، وعلى ذلك لا يختلف عند الاشخاص. نعم لو كان عبارة عن اخبار جماعة يورث العلم للمنوقل، إليه، فيختلف باختلاف الموارد، لكنه ليس كذلك قطعا، والا لكان اخبار عشرة يورث العلم =

[ 74 ]

تحقق له التواتر واقعا، دون من لم يحصل له العلم. وحينئذ فاخبار العادل بتحقق التواتر لما لم يوجب حصول العلم فعلا للمنقول إليه، لم يتحقق له موضوع الحكم وهو التواتر عنده. الامر الخامس - الشهرة ومن الظنون التى ادعى حجيتها بالخصوص الظن الحاصل من فتوى المشهور. وما يمكن ان يستدل به عليها امران: (احدهما) الادلة الدالة على حجية خبر الواحد إما بدلالتها على ذلك لمفهوم الموافقة، كما قد يتوهم بدعوى ظهورها في أن اعتباره ليس من باب الخصوصية بل، هو من باب الكشف عن الواقع، فتدل على اعتبار ما كان كشفه اتم منه. وإما من جهة تنقيح المناط بعد استفادته من تلك الادلة. والخدشة في كليهما واضحة (أما الاول) فلان ما يكون من باب مفهوم الموافقة يعتبر فيه دلالة اللفظ عليه عرفا، بحيث يكون مسوقا لافادة المفهوم، كدلالة قوله تعالى: (ولا تقل لهما اف) على حرمة الضرب، لان المعلوم من هذه القضية أنها سيقت لافادة حرمة الايذاء. وإنما ذكر الفرد الخفى فيها لاقادة أن الايذاء باى مرتبة كان محرم. ولا اشكال في ان ] = للمنقول إليه تواترا ولا يلتزمون به، وعلى ما ذكرنا فلا نحتاج الى اضافة قيد العادة في خصوص العلم في توجيهه. ولا يرد بما يرد على توجيه المتن، بل هو شئ كسائر العاديات يصح الاخبار به عن حس بسبب احساس اسبابه، مثل الاخبار بقتل زيد عند مشاهدة وقوع الضرب عليه، وزهوق روحه مقارنا له أو بعده بقليل.

[ 75 ]

العرف لا يفهم القضية الدالة على حجية خبر الواحد أنها سيقت لبيان اعتبار مطلق الظن. و (اما الثاني) فلانه إن اراد تنقيح المناط الظنى فلا يفيد، لعدم الدليل على اعتبار هذا الظن. وإن اراد تنقيح المناط القطعي فانى لاحد القطع بذلك، فان ظهور الادلة في كون اعتبار الخبر من باب الطريقية مسلم ولكن ليست الطريقية عبارة عن مجرد حصول الظن، بل هي مطابقة المورد غالبا للواقع، بحيث يكون مواقع التخلف في غاية الندرة. وما لم يكن كذلك - ولو احتمالا - لا يحصل لنا القطع بتحقق المناط، فلا يجوز لنا الحكم باعتبار كل ظن حصل لنا، بمجرد جعل الشارع خبر العادل حجة، وإن كان ذلك الظن اقوى من الظن الحاصل من الخبر، لامكان التخلف في الكل أو الغالب. ولو فرضنا العلم بمطابقته غالبا، فلا نعلم حصول تلك المرتبة من الغلبة التى رآها الشارع في الخبر. هذا. (ثانيهما) بعض الاخبار الواردة - في تعارض الخبرين - الدالة على الاخذ بالشهرة، كقوله عليه السلام: - خذ بما اشتهر بين اصحابك بدعوى أن المورد وإن كان مما تعارض فيه الخبر ان، لكن العبرة بعموم الجواب لا بخصوص المورد. وفيه ان الموصل عبارة عن الخبر لاكل شئ وهو واضح. وإن سلمنا عمومه، فالاشتهار عبارة عن الوضوح لا الشهرة في الاصطلاح. وإن سلمنا فغاية الامر كون الشهرة مرجحة، ولا تلازم بين المرجحية والحجية مستقلة.

[ 76 ]

الامر السادس - خبر الواحد ومما قام الدليل على اعتباره بالخصوص في الجملة خبر الواحد. واعلم ان اثبات الحكم الشرعي بالالفاظ المنقولة عن المعصومين عليهم السلام - بعد الفراغ عن امور متعلقة بعلم الكلام - يتوقف على امور اربعة: (أحدها) - احراز ان هذه الالفاظ صادرة عنهم عليهم السلام، (ثانيها) - إحراز أن صدورها إنما كان لاجل افادة الحكم الواقعي، لا للخوف والتقية أو مصالح اخر اقتضت اظهار الحكم على خلاف ما هو ثابت في الواقع. (ثالثها) احراز ظواهر الالفاظ وتشخيص ما هو المتفاهم منها عرفا. (رابعها) - إحراز أن الظواهر منها مرادة للمتكلم. وهذا البحث انعقد للاول من هذه الامور، والثلاثة الاخيرة بين ما يكون مفروغا عنه وما يكون محلا للنظر. ثم لا يخفى ان موضوع النزاع في هذا المبحث ليس الا خبر الواحد، إذ ليس النزاع هنا الا في حجيته وعدمها، فلا وجه لجعل الموضوع هو السنة الواقعية، وجعل النزاع في ثبوته خبر الواحد، تحفظا لموضوع علم الاصول، لان الالتزام - بكون الموضوع في هذا العلم هو الادلة الاربعة - ليس له ملزم. وقد اشبعنا الكلام في ميزان علم الاصول والفقه في اول الكتاب (33). ] حجية خبر الواحد (33) قد مر منا توجيه كلام الشيخ (قدس سره) فراجع.

[ 77 ]

[ وكيف كان فاستدل المانع بالآيات الناهية عن العمل بغير علم (34). ومنها التعليل المذكور في ذيل آية النبأ والروايات الدالة على عدم قبول الخبر المخالف للكتاب، ورد ما لم يوافقه، وأنه باطل زخرف، والاجماع المحكي عن السيد، بل المحكى عنه أنه بمنزلة القياس في كون تركه معروفا لدى الاصحاب. (والجواب) أما عن الايات، فبانها - بعد تسليم دلالتها - عمومات قابلة للتخصيص، وبعد دلالة الدليل على حجية الخبر تخصص به، بل الدليل الدال على حجية الخبر حاكم على تلك العمومات، لان لسان تلك الادلة جعل مفاد الخبر بمنزلة الواقع. (واما) عن التعليل المذكور في آيه النبأ، فيأتى عند ذكرها انشاء الله تعالى (واما) عن الاخبار فبانها بين طوائف: (منها) - ما يدل على عدم جواز العمل بخبر الواحد عند التعارض، وهذه الطائفة - مع انها اخبار آحاد لا يجوز التمسك بها، لعدم حجية خبر الواحد - لا تثبت المنع عن العمل مطلقا. (ومنها) - ما يدل على وجوب العرض على الكتاب، وهو بين طائفتين (احداهما) - ما يدل على طرح الخبر الذى يخالف الكتاب (ثانيتهما) - ما يدل على طرح الخبر الذى لا يوافق الكتاب. وهذه الاخبار وإن حصل منها التواتر في الجملة، لكن لا يثبت بها ] (34) الظاهر عدم احتياج المانع إلى الاستدلالل، بل يكفيه عدم تمامية دليل المثبت، وعلى فرض تمامية ادلة المثبتين لا يثمر استدلال المانع بتلك الظواهر، فانها قابلة للتخصيص. نعم لو كان في ادلة المثبتين ايضا عمومات لامكن معارضتها بما استدل به المانعون.

[ 78 ]

الا وجوب طرح ما يخالف الكتاب، ولا تدل على السلب الكلى. أما بناءا على ان المراد من عدم الموافقة خصوص المخالفة - كما هو الظاهر من هذا اللفظ عرفا - فواضح. وأما على ظهوره في الاعم - كما هو مدلوله اللغوى - فلعدم ثبوت التواتر في خصوص الطائفة المشتملة على طرح غير الموافق منها، بل التواتر المدعى هنا هو التواتر الاجمالي بمعنى العلم بصدور البعض في مجموع الطائفتين، فاللازم الاخذ بالأخص مضمونا، لانه المتيقن على أي حال. ثم ان المراد بالمخالفة لا يجوز ان يكون على نحو العموم والخصوص والاطلاق والتقييد لشيوع مثل هذه في الاخبار الصادرة عنهم عليهم السلام. والتزام التخصيص في تلك الموارد شنيع جدا، لا لكثرتها، بل لان الاخبار - الدالة على رد الخبر المخالف اللكتاب وكونه باطلا وزخرفا - آبية عن التخصيص كما لا يخفى، فلابد من حمل المخالفة على المخالفة على نحو التباين. والقول - بعدم صدور ما يباين الكتاب من الجاعلين - مدفوع: بان هذا الاستبعاد انما يصح فيما إذا نقلت تلك الاخبار المباينة للكتاب عن الائمة عليهم السلام، لا فيما إذا كان على نحو الدس في كتب الاصحاب رضوان الله تعالى عليهم. (واما) الاجماع فالمحصل منه غير ثابت والمنقول غير مفيد مع أنه معارض بالمثل، وموهون بذهاب المعظم الى الخلاف. حجة المجوزين هي الادلة لاربعة (أما) الكتاب فقد استدلو بآيات منه: (منها) - آية النبأ، قال الله تبارك وتعالى: (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.. الآية) تقريب الاستدلال بها من وجوه. (الاول) - التمسك بمفهوم الشرط الدال على عدم وجوب التبين ]

[ 79 ]

عند مجئ غير الفاسق بالخبر. (الثاني) - التمسك بمفهوم الوصف، حيث علق سبحانه الحكم على خبر الفاسق. (الثالث) التمسك بالمناسبة العرفية بين الفسق والتبين: بحيث يظهر عند العرف أن وجه الاتيان به في الكلام كونه علة، وبعد فرض كونه علة لا يمكن كون الخبر بذاته علة، والالزم استناد المعلول إليه. لكونه اسبق مرتبة (35). هذا وفى الكل نظر، أما في الاخيرتين فلاحتمال أن يكون ذكر الوصف في الاية لمجرد التنبيه على فسق الوليد، ولكن الانصاف بعد هذا الاحتمال، لان العرف يفهم من هذه القضية مناسبة بين التبين والفسق. والحق هو أن يقال: إن المناسبة وإن كانت محققة، لكن لا يفهم من القضية ان وجه وجوب التبين في خبر الفاسق هذا الوصف بنفسه أو من جهة كونه ملازما لعدم حصول العلم غالبا، فحينئذ تتردد العلة بين امرين: (احدهما) وصف الفسق (ثانيهما) عدم حصول العلم. ولازم الاول حجية خبر العادل، ولازم الثاني اشتراك خبر العادل الغير المفيد للعلم مع خبر الفاسق كذلك في عدم الحجية. وأما في الاول، فلان الجزاء ليس إلا التبين في خبر الفاسق، ولا يمكن تحققه الا بعد مجئ الفاسق بالنبأ، فالشرط مسوق لبيان تحقق الموضوع، كما في قولك: (إذا ركب الامير فخذ ركابه، وإذا رزقت ولدا فاختنه.) والحاصل ان القضايا الشرطية التى تدل على المفهوم، يشترط فيها (35) لا يقال: نعم لكن يمكن ان يكون في كل فرد من افراد الخبر خصوصية موجبة للتبين خارجة عن ذاته.

[ 80 ]

أن تكون مشتملة على موضوع وشرط خارج عنه، لتدل اداة الشرط على كون الحكم المستفاد من تلك القضية دائرا مدار ذلك الشرط. وأما قيما لم يعقل تحقق الجزاء عند عدم الشرط لعدم تحقق موضوعه، فعدمه حينئذ، عقلي ليس من مفاد القضية، ولا ينفع في المقام هذا العدم العقلي، لان المطلوب عدم وجوب التبين في خبر العادل، لا عدم وجوب التبين في خبر الفاسق في صورة عدم تحققه. لا يقال ان كلمة إن واخواتها وان كانت موضوعة - بالوضع اللغوى أو العرفي - للدلالة على ثبوت الحكم للموضوع عند وجود الشرط، وعدمه عند عدمه، لكن لما لم يمكن ارادة هذا المعنى في المقام، لعدم وجود شرط خارج عن الموضوع، يجب حمل القضية على علية الموضوع لسنخ الحكم المستفاد من المحمول، حفظا لبعض مراتب ظهور تلك الادوات. وبعبارة اخرى إن سنخ المفهوم هنا سنخ مفهوم الوصف واللقب، إن قلنا به، غاية الامر أن القول به فيهما خلاف التحقيق، لعدم ما يدل عليه. ولكن نقول به هنا لمكان اداة الشرط. لانا نقول ليس حمل الكلام على هذا المعنى حفظا لظهور اداة الشرط في الجملة (36) لعدم دلالتها الا على العلية المنحصرة للشرط لانه يقال: على ذلك ايضا يلزم ان يجعل الخبر موضوعا لوجوب التبين، لعدم خروج فرد منه ايضا، فمن عدم جعل ذات الخبر موضوعا يستكشف انه يوجد فرد من افراد الخبر - ولو مهملا - غير محكوم بوجوب التبين للعمل، فيفيد حجية الخبر في الجملة في مقابل السلب الكلي فيؤخذ بالقدر المتيقن الجامع للشرائط. بخلاف التقريبين الاولين، حيث يثبت عليهما الكلية، ويكتفى في المخرج بالقدر المتقين. (36) الظاهر ظهور مثل تلك القضايا في نفي الحكم عن موضوع آخر،

[ 81 ]

للحكم المتعلق بالموضوع في القضية، اللازم منها ارتفاعه عند عدمه عن ذلك الموضوع. لا يقال إن الموضع في القضية ليس نبأ الفاسق حتى يلزم انتفاؤه بانتفاء، الشرط بل الموضوع هو النبأ، ومجئ الفاسق به شرط خارج عنه، فتدل الآية على وجوب التبين في النبأ على تقدير مجى الفاسق به، وعدمه على تقدير عدمه. لانا نقول إن كان المراد كون الموضوع هو طبيعة النبأ المقسم لنبأ العادل والفاسق، فاللازم - على تقدير تحقق الشرط - وجوب التبين في طبيعة النبأ، وان كانت متحققة في ضمن خبر العادل. وان كان المراد كون الموضوع هو النبأ الموجود الخارجي، فيجب ان يكون التعبير باداة الشرط باعتبار الترديد لان النبأ الخارجي ليس قابلا لامرين. فعلى هذا ينبغى أن يعبر بما يدل على المضى لا الاستقبال. هذا (وههنا) اشكالات آخر اوردت على دلالة الآية على حجية خبر العادل كلها قابل للدفع: (منها) - أن العبرة في القضية المعللة ملاحظة تلك العلة عموما وخصوصا، فقد تعمم العلة، وإن كان المذكور في اصل القضية خاصا، وليست من قبيل إن ركب الامير فخذ ركابه وأمثاله، بل هي من قبيل إن ركب الامير الفرس الكذائي فخد ركابه، أو إن رزقت ولدا ذكرا فاختنه، فانها تدل على عدم لزوم اخذ ركاب غير الفرس المذكور وعدم لزوم الختان في غير الذكر. والانصاف: ان انكر ظهورها فيما ذكرنا مكابرة، فان كون الآية الشريفة بصدد بيان الحكم الكلي - بحث يفهم منه حكم مردد النزول تبعا ومع ذلك يخص الفاسق من بين المخبرين بلزوم تبين خبره من دون غيره - اقوى شاهد على المفهوم. والظاهر أن الخدشة فيه كالخدشة في مقابل الوجدان. فتدبر.

[ 82 ]

وقد تخصص، وان كان المذكور عاما وقد تكون معممة من وجه ومخصصة من وجه، كما قى قولك: (كل الرمان لأنه حامض) حيث أنه يتعدى منه الى كل حامض، ويخصص الرمان بالحامض. إذا تمهد هذا، فنقول: إن صدر الآية وإن كان دالا على حجية خبر العادل بالمفهوم، إلا ان التعليل يدل على وجوب التبين في كل خبر غير مفيد للعلم فتكون القضية - بعد ملاحظة التعليل - في قوة أن يقال: (إن جاءكم خبر لا يعلم صدقه وكذبه، فتبينوا فيه). لا يقال أن مقتضى التعليل حكم عام نظير سائر العمومات الدالة على عدم جواز العمل بغير العم فلو فرض للآية مفهوم، يجب أن يخصص العموم المستفاد من التعليل به، كما يخصص به سائر العمومات. لانا نقول تقديم الخاص على العام إنما يكون فيما لو دار الامر بين طرح الدليل الخاص راسا، وبين طرح عموم العام. والا اشكال في أن الثاني متعين، لانه جمع بين الدليلين، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل، لان ما يترتب على اخذ عموم العلة ليس الا طرح المفهوم، وهو بعض مدلول القضية، كما أن ما يترتب على اخذ المفهوم ليس الا طرح العموم، فالتعارض بين ظهور القضية الشرطية في المفهوم وظهور التعليل في العموم، ولا شك أن التعليل اظهر في العموم من دلالة القضية على المفهوم، فيكون التعليل لاظهريته قرينة صارفة عن انعقاد ظهور القضية في المفهوم. نعم لو وقع التعارض بين مفهوم الآيه وعام آخر تكون دلالته على العموم اضعف من دلالة القضية الشرطية في العلية المنحصرة، وبخصص ذلك العام بها، كما هو الحال في معارضتها مع سائر العمومات الدالة على عدم جواز العمل بغير العلم. والجواب عن الاشكال أن التعليل لا يدل على عدم جواز الاقدام

[ 83 ]

بغير العلم مطلقا، بل يدل على عدم الجواز فيما إذا كان الاقدام في معرض حصول الندامة، واحتماله منحصر فيما لم يكن الاقدام عن حجة، فلو دلت الآيه بمفهومها على حجية خبر العادل، فلا يحتمل أن يكون الاقدام على العمل به مؤديا إلى الندم (37) فلا منافاة بين التعليل ومفهوم الآية اصلا. (ومنها) - أن الآيه لو دلت على حجية خبر العادل، لدلت على حجية خبر السيد في نقله الاجماع على عدم حجية خبر الواحد ولازم ذلك عدم حجية الخبر اصلا. توضيح ذلك أن حجية خبر العادل مما يلزم من وجوده العدم، وكلما كان كذلك فهو محال، فحجية خبر العادل محال. أما الكبرى فواضحة. وأما الصغرى، فلانه لو كان حجة لكان خبر السيد بعدم حجية خبر الواحد ايضا حجة، لكونه خبرا صادرا من العادل. ولو كان هذا حجة لزم عدم حجية اخبار الآحاد مطلقا. وأما ما اجيب عنه - بأن خبر السيد غير قابل للحجية، لان حجيته مستلزمة لعدمها - فغير سديد، لان عدم قابلية للحجية إنما هو باعتبار شموله لنفسه. وأما بالنسبة إلى سائر مداليله فقابل للحجية، فحينئذ نقول: يمكن أن يلتزم بالتفكيك، ويقال ان خبر السيد بالنسبة الى (37) لا يخفى أن الآية وإن دلت بمفهومها على حجية خبر الواحد لكن لا يصح التعليل المذكور بذلك اللحاظ، لان الظاهر من التعليل كون العلة علة لوجوب التبين في الفاسق دون العادل. وبعبارة اخرى: علة للحجية، ومعلوم ان العلة لابد من تحققها: مع قطع النظر عن الحكم، فكيف يصح نفى احتمال كون الاقدام على العمل بخبر العادل

[ 84 ]

نفسه ليس بحجة، وبالنسبة الى سائر مداليله موضوع لدليل الحجية فيقع التعارض بينه وبين سائر الافراد في حكم العام. فالاولى في الجواب أن يقال: ان اخبار السيد - لكونه نقلا للاجماع - لا تشمله ادلة حجية الخبر، كما عرفت سابقا. وعلى فرض شمول الادلة، الامر ههنا دائر بين خروج هذا الفرد من العام وخروج باقى الافراد. ولا شك في أن الاول متعين لان الثاني مستلزم لحمل الكلام على اللغز والمعمى، إذ في مقام ارادة عدم حجية خبر العادل، إلقاء الكلام الدال على حجيته مما لا ينبغى صدوره من المتكلم الحكيم. قال شيخنا المحقق الخراساني دام بقاه في تعليقاته - على ما يظهر من عبارته - (انه من الجائز أن يكون خبر العادل حجة من زمن صدور الآيه الى زمن صدور هذا الخبر من السيد (قدس سره)، وبعده يكون هذا الخبر حجة فقط، فبكون شمول العادل لخبر السيد مفيدا لانتهاء الحكم في هذا الزمان، وليس هذا بمستهجن) ثم قال دام بقاه ما محصله: (إن حجية خبر العادل - في زمان صدور الآية دون زماننا - وان كانت خلاف الاجماع، فانا نعلم بالاجماع أن الخبر لو كان حجة للاولين، لكان حجة للآخرين، إلا أنه لا بأس في مقام الاخذ بظاهر العموم أن يأخذ الاولون بمقتضاه من حجية الخبر، ونأخذ نحن ايضا بمقتضاه من عدم حجيته. هذا = مؤديا الى الندم بلحاظ حجيته المستفادة من المفهوم. أللهم إلا أن يحمل الامر بالتبين في الآية على الارشاد، حتى تستكشف منه الحجية الشرعية لخبر العادل بغير هذا الحكم. لكنه خلاف سياق الآية، ومناف لعمل القوم بخبر الوليد، حتى احتاجوا إلى الردع بالآية ثانيا. فافهم.

[ 85 ]

ملخص مما افاده دام بقاه. وفيه (اولا) ما عرفت أن بشاعة الكلام - على تقدير شموله لخبر السيد - ليست من جهة خروج تمام الافراد سوى فرد واحد، حتى يدفع بما افاده، بل من جهة التعبير بالحجية في مقام ارادة عدمها. وهذا لا يدفع بما افاده. و (ثانيا) أنه بعد تسليم الاجماع المذكور امر القضيه دائر بين امور كلها باطلة، إلا إرادة باقى الافراد، وعدم ارادة خبر السيد، لان المتكلم بهذه القضية إما لم يرد حجية خبر العادل اصلا، وهو خلاف الفرض. وإما اراد حجية كل الاخبار حتى خبر السيد، وهو باطل ايضا، للزوم التناقض، وإما اراد حجية كل الاخبار إلى زمان صدور الخبر من السيد وعدمها بعده، وهو باطل ايضا، لانه خلاف الاجماع. وإما اراد حجية خصوص خبر السيد من بين اخبار الآحاد، وهو باطل ايضا، لانه مستهجن. وإما اراد حجية باقى الاخبار غير خبر السيد. وهو المطلوب. (ومنها) - أن الآية لا تشمل الاخبار مع الواسطة. ومحصل هذا الاشكال من وجهين: (احدهما) أنه إذا قال الشيخ (قدس سره) حدثنى المفيد، قال حدثنى الصدوق مثلا، فخبر المفيد لا يثبت لنا الا بدليل حجية قول الشيخ. وكيف يصح أن يجعل خبر المفيد - الذى تحقق تعبدا بواسطة قول الشارع صدق خبر العادل - موضوعا لهذا الحكم، فهذا من قبيل شمول قول القائل - كل خبرى صادق - لهذا الخبر الذى اخبر به فعلا غاية الامر أن قضية كل خبرى صادق توجد فردا حقيقيا للخبر، بخلاف صدق العادل، فانه يوجد فردا تعبديا له. و (ثانيهما) ان قول الشارع صدق العادل ليس الا بملاحظة ترتيب

[ 86 ]

الاثر، ولا اثر لخبر المفيد المخبر بقول الشيخ إلا وجوب التصديق، فيلزم أن تكون قضية صدق العادل ناظرة الى نفسها، وهو محال. وعند التحقيق نرى أن الاشكال الاول راجع الى الثاني، لان ايجاد قضية صدق العادل الفرد التعبدى ليس معناه الا ايجاب ترتيب الاثر، ولو اجبنا عنه فرغنا عن الاشكالين. والجواب ان وجوب تصديق العادل فيما اخبره، ليس من قبيل الحكم المجعول للشك تعبدا بل مفاد الحكم هنا جعل الخبر - من حيث أنه مفيد للظن النوعى - طريقا الى الواقع. فعلى هذا لو اخبر العادل بشئ - يكون ملازما لشئ له اثر شرعا إما عادة أو عقلا أو بحسب العلم - نأخذ به، ونرتب على لازم المخبر به الاثر الشرعي المرتب عليه. والسر في ذلك أن الطريق إلى احد المتلازمين طريق إلى الآخر وان لم يكن المخبر ملتفتا إلى الملازمة فحينئد نقول يكفى في حجية خبر العادل انتهاؤه الى اثر شرعى. لا يقال إنما ذكرت إنما يصح فيما إذا كان بين المخبر به وشئ آخر ملازمة عادية أو عقلية، وليس بين المخبر به فيما نحن فيه - اعني حديث المفيد وصدقه - ملازمة لا عادية ولا عقيلة، فالانتقال من خبر المفيد - المخبر بقول الشيخ إلى تحقق مضمومه - لا يجوز الا ببركة قول الشارع صدق العادل فيجب ان يكون هذا الحكم باعتبار تعلقه بخبر الشيخ ناظرا الى نفسه. لانا نقول إن الملازمة وان لم تكن عقلية ولا عادية، ولكن يكفى ثبوت الملازمة الجعلية، بمعنى أن الشارع جعل الملازمة النوعية الواقعية - بين اخبار العادل وتحقق المخبر به - بمنزلة الملازمة القطعية، ولا تكون قضية صدق العادل ناظرة إلى هذه الملازمة، كما انها غير ناظرة إلى الملازمة

[ 87 ]

العقلية والعادية، بل يكفى في ثبوت هذا الحكم ثبوت الملازمة في ننفس الامر، حتى تكون منتحة للحكم الشرعي العملي (38). وان شئت قلت كما أن الطريق الى الحكم الشرعي العملي ابتداء طريق إليه، وتشمله ادلة الحجية كذلك الطريق الى طريق الحكم الشرعي ايضا طريق إليه (39)، فيشمله دليل الحجية فافهم وتدبر. هذا مضافا إلى أن قضيه صدق العادل - بعد القطع بعدم كون المراد منها التصديق القلبى - يجب ان تحمل على ايجاب العمل في الخارج، وليس لقول المفيد المخبر بقول الشيخ أثر عملي اصلا، ولو بعد ملاحظة كونها موضوعا لوجوب التصديق، لان التصديق ليس اثرا عمليا في نفسه، بعد ما لم يكن المراد التصديق القلبى، والاثر العملي منحصر فيما تنتهى إليه هذه الاخبار، وهو قول الامام عليه السلام تجب الصلاة مثلا، فيجب أن تكون قضيه صدق العادل - عند تعلقها بقول الشيخ - ناظرة إلى ذلك الاثر، وهو لا يصح الا بملاحظة ما ذكرنا. (38) لا يخفى أن المقصود بالملازمة إن كانت هي الملازمة النوعية الواقعية، فهي وان كانت محققة، لكنها لا تكفي في لزوم ترتيب الاثر، كما هو واضح. وإن كانت هي الملازمة الجعلية الشرعية، فكيف يكون دليل الحجية ناظرا إليها، ويحكم بلزوم الترتب بلحاظها، والمفروض انه لا دليل آخر يثبت به ذلك ؟ نعم بناءا على القضية الطبيعية لا اشكال، ولا يحتاج إلى تلك التفاصيل، كما هو واضح. (39) ففيه: أن التعبد بالطريق أو طريقه لا يمكن الا مع الاثر لهما، فلو كانت صلاة الجمعة مثلا اثرا لجميع الطرق المذكورة يصح الجعل والتعبد في جميعها، والا فلا، ومعلوم أنها مع قطع النظر عن ذلك ليست إلا اثرا للاخير. وأما أن الاثر العملي منحصر فيما تنتهى إليه هذه الاخبار، فصحيح لو صحت القضية الطبيعة، والا فليس هو اثرا إلا للاخير، كما مر.

[ 88 ]

[ وبعبارة اخرى أوضح احتمال عدم وجوب الصلاة في المثال المذكور مستند الى احتمال كذب احد العدول المذكورين في السلسلة (40) فمعنى الغاء احتمال كذب العادل يرجع الى ايجاب العمل بما انتهى إليه قول الرواة العدول. ومن الآيات التى استدل بها على حجية الخبر: آية النفر. قال الله تعالى: (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). تقريب الاستدلال بوجوه اربعة: (الاول) - استظهار رجحان الحذر من لفظة لعل - إما بانسلاخها عن معناها الحقيقي وهو الترجي الواقعي وحملها على مطلق الطلب، أو مع ابقائها على حقيقتها على ما هو التحقيق - يكون معناها هو الترجي الايقاعى. ولا ينافى ذلك صدورها ممن هو عالم بحقيقة الامر، ثم القول بالوجوب من باب الملازمة العقلية بين رجحان الحذر ووجوبه، لما افاده صاحب المعالم: من أن المقتضى للحذر إما أن يكون موجودا فيجب وإما أن لا يكون موجودا فلا يحسن. (الثاني) استظهار رجحان الحذر مما ذكر، مع القول بوجوبه من ] (40) فهو يرفع الاشكال عن عدم ثبوت الموضوع في غير الخبر المسموع، لان الموضوع - على ذلك - نفس إخبار العدل الواقعي ومعلوم أن عدم العمل - بوجوب الجمعة في المثال - يستلزم تكذيب أحد العدول واقعا وهو منفي بالفرض. لكن استلزام ذلك للتكذيب ايضا موقوف على كون اتيان صلاة الجمعة عملا بقول جميع المخبرين.: ومعلوم أنه مع قطع النظر عن جعل الشارع ليس اثرا لغير خبر المخبر بلا واسطة عن الامام (ع) لا عقلا ولا شرعا ولا عادة. فالتقريرات الاربعة مشتركة في توقفها على القضية الطبيعة، فافهم فانه دقيق.

[ 89 ]

جهة الاجماع على عدم كون العمل بخبر الواحد مستحبا، لان العلماء بين من يقول بالحرمة، ومن يقول بالوجوب، فلا قائل بالاستحباب. فإذا ثبت الوجوب بالاجماع. (الثالث) استكشاف وجوب الحذر من جهة وقوعه غاية للانذار الواجب، من جهة وقوعه غاية للتفقه الواجب، من جهة وقوعه غاية للنفر الواجب، بمقتضى كلمة لو لا التحضيضية. الرابع استظهار وجوب الانذار مما ذكر، واستكشاف وجوب الحذر بالملازمة العقلية، لانه لو لم يجب الحذر عقيب الانذار، لزم لغوية وجوب الانذار. ولا يخفى عدم تمامية شئ من الوجوه. أما الاول فلا مكان الحذر بالنسبة إلى فوت المصالح الواقعية، وارتكاب المفاسد الكامنة في الاشياء. وأما الثاني والثالث فلا بتنائهما على اطلاق رجحان الحذر، حتى في عدم العلم بمطابقة قول المنذر للواقع. وليس الكلام مسوقا له كما لا يخفى. وأما الرابع فلانه يكفى في عدم اللغويه حصول العلم من جهة انذار المنذرين في بعض الاحيان (41) ووقوع الحذر بعد العلم. (41) قد يقال باندفاع هذا الايراد من جهة كون العموم في: (ليتفقهوا، ولينذروا، ويحذرون) للاستغراق. وحينئذ يجب الانذار على كل طائفة من الطوائف، ويجب الحذر على كل واحد من المنذرين - بالفتح - عند إنذار كل واحد من المنذرين - بالكسر - ومعلوم أنه لا ملازمة بين انذار كل واحد وحصول العلم لكل واحد. فيدل على وجوب الحذر ولو مع عدم حصول العلم. لكن فيه: أن مجرد كون العمومات المذكورة في الايه للاستغراق لا يلازم اطلاق وجوب الحذر، ولو مع عدم العلم فانه يمكن ايجاب الحذر على العموم استغراقا،

[ 90 ]

[ فان قلت كيف يمكن القول بوجوب الانذار على الاطلاق، وعدم القول بوجوب الحذر كذلك، مع أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها اطلاقا وتقييدا قلت قد يجب غير المقدمة معها، لعدم كون ما هو المقدمة ممتازا عند المكلف فيجوز ان يجب مطلق الانذار، لعدم تميز الانذار المفيد للعلم من بين الانذارات، للوصول الى ما هو المقصود الاصلى. هذا مضافا الى احتمال أن يقال أن الآية ليست الا في مقام افادة وجوب تعلم احكام الله واقعا، والانذار بها (42) والحذر عن مخالفتها. ولا يثبت بها وجوب التعبد بما لم يعلم أنه حكم الله تعالى، كما هو محل البحث. ثم إن شيخنا المرتضى (قدس سره) اورد على الاستدلال بالآية بأنها اجنبية عن المقام، فان الكلام في أنه هل يجب الحكم بصدور الالفاظ المنقولة عن الحجة عليه السلام بخبر الواحد أم لا ؟ ولا شك في أن مجرد هذا لا يوجب صدق الانذار على فعل الناقل، ولا صدق الحذر على تصديق المنقول إليه، فالانسب الاستدلال بها على حجية فتوى الفقيه للعامي. وفيه انه ليس حال الناقلين للاخبار إلى غيرهم في الصدر الاول لحكمة نشر الدين والاحكام، وايجاب الحذر على العموم استغراقا عند حصول العلم، فافهم فانه لا يخلو عن دقة. (42) وما قيل - بل نقل عن بعض الاعلام من أن نفس هذا الحكم ينزل قول المنذر بمنزلة الدين - فهو غريب، لان تنزيله ذلك موقوف على شمول اطلاقه حتى لصورة عدم العلم بأن المنذر منه من الدين، والمدعى عدم شمول اطلاقه لغير الدين، والمفروض أن كونه من الدين مشكوك فيه فتدبر.

[ 91 ]

إلاكحال الناقلين للاحكام من المجتهدين إلى مقلديهم فلو قال أحد حاكيا عن قول المجتهد: (اتقوا الله في شرب الخمر فانه يوجب العقاب مثلا) يصدق أنه منذر، مع أن نظره ليس بحجة. وكذلك حال الرواة بالنسبة الى من تنقل إليهم الاخبار، من دون تفاوت اصلا. نعم يبقى الكلام في نقل الاخبار التى ليست مشتملة على الانذار، كالاخبار الدالة على الاباحة والاستحباب والكراهة، لكن الامر فيها سهل، بعد الاجماع على عدم الفرق بين افراد الاخبار. ومما ذكرنا في هذه الآية من عدم دلالتها على وجوب اخذ قول المنذر تعبدا، تعرف بطلان الاستدلال بآية الكتمان، لان حرمة الكتمان ووجوب اظهار الحق لا تلازم وجوب قبول السامع عند الشك تعبدا، كما لا يخفى. ومن الآيات التى استدل بها للمقام آية سؤال اهل الذكر، قال جل وعلا: (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) تقريب الاستدلال ما مر سابقا من الملازمة، لان ايجاب السؤال مع عدم وجوب القبول لغو. وفيه - مضافا إلى ما مر من الجواب - انها لو دلت على حجية الخبر، لدلت على حجية الاخبار التى وردت في أن المراد باهل الذكر هم الائمة عليهم السلام. وعلى هذا لا دخل لها بحجية خبر الواحد، فصحة الاستدلال بها توجب عدم صحة الاستدلال بها. هذا ومن جملة الآيات التى استدلو بها آية الاذن، قال الله تعالى (ويقولون هو اذن، قل هو اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فانه تعالى قرن تصديق نبيه صلى الله عليه وآله للمؤمنين بتصديقه جل وعلا، ومدحه بذلك.

[ 92 ]

وفيه ان الظاهر من الآية بقرينة تعدية الايمان في الفقرة الثانية باللام: أن الله تعالى مدح نبيه صلى الله عليه وآله بحسن المعاشرة مع المؤمن، بقبول قوله فيما ينفعه ولا يضر غيره، لا بتصديق قول المؤمن مطلقا، بمعنى ترتيب جميع الآثار كما هو المقصود. وهذا هو المراد من التصديق في قول الامام عليه السلام (فان شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولا، وقا لم اقله فصدقه وكذبهم). واما السنة فاخبار كثيرة، (43) إلا أن صحة التمسك بها تبتنى على تواترها، إما لفظا واما معنى وإما اجمالا، بمعنى العلم بصدور بعضها عن الامام عليه السلام والا لما امكن التمسك بها على حجية اخبار الآحاد، والا ولان وإن كانا مفقودين، إلا أن الاخير ليس قابلا للانكار كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار الواردة في هذا الباب. وعلى هذا يجب الاخذ باخصها مضمونا، لكونه القدر المتيقن من بينها. وحينئذ لو نهض ما هو القدر المتيقن على حجية ما عداه، لوجب الاخذ به، كما أن الامر كذلك، فان في الاخبار ما هو جامع لشرايط الحجية. ويدل على حجية خبر الثقة. وعليك بمراجعتها، حتى تجد صدق ما ادعينا. ولكن المتيقن من مدلول ما هو القدر المتيقن حجية الخبر الموثوق الصدور من جهه الوثوق بصدق الراوى، دون الجهات الخارجية. نعم لو تم بناء العقلاء الذى يتكلم فيه بعد ذلك انشاء الله، لدل على حجية كل خبر تطمئن النفس بصدوره من أي جهة كان. (واما الاجماع) فتقريره من وجوه: (43) الانصاف أن التتبع في الاخبار يورث الاطمينان - ان لم يورث القطع - بحجية خبر الثقة، وان شئت فراجع مظانها.

[ 93 ]

(الاول) - دعواه على حجية خبر الواحد في قبال السيد واتباعه. (الثاني) دعواه على حجيته في حال الانسداد مطلقا حتى من السيد واتباعه. (الثالث) دعوى السيرة واستمرار طريقة المسلمين طرا على استفادة الاحكام الشرعية من الثقات. (الرابع) استقرار طريقة العقلاء وتحصيل الاجماع على الوجه الاول باحد وجهين: (احدهما) تتبع كلمات العلماء واقوالهم رضوان الله عليهم (ثانيهما) - تتبع الاجماعات المنقولة والعلم بتحقق الاجماع المحصل إما بنفس الاجماعات المنقولة وإما بضميمة شواهد اخر. ولا يخفى ما في كلا الوجهين، فان تتبع كلماتهم - مع احتمال كون مدركهم مثل آيه النبأ أو غير ذلك من الادلة التى ذكرت سابقا - لا يوجب الحدس القطعي برأى الحجة عليه السلام. ومن هنا تعرف حال الوجه الثاني. وأما دعوى الاجماع مطلقا حتى من السيد واتباعه على حجية خبر الواحد في زمان الانسداد فلا تنفع بعد احتمال أن المستند للمطلق منهم هو الادلة التى ذكرناها، وللمقيد منهم بحال الانسداد هو حكم العقل بحجية كل ظن، سواء حصل من الخبر أم من غيره. وأما دعوى سيرة المسلمين، فلم يحرز أن عملهم بخبر الثقات من حيث كونهم مسلمين لاحتمال أن يكون ذلك منهم من جهة كونهم عقلا، فيرجع إلى الوجه الرابع. نعم هذا الوجه - اعني بناء العقلاء - لو تم عدم ردع الشارع إياهم لاثبت المدعى، فينبغي التكلم فيه، فنقول: الذى يمكن أن يكون رادعا لهم الآيات المتكاثرة والاخبار المتواترة على حرمة العمل بما عدا العلم، وشئ منها لا يصلح لان يكون رادعا.

[ 94 ]

[ بيان ذلك أنه بعد فرض كون حجية خبر الثقة مرتكزة في اذهان العقلاء لو تكلم احدهم مع الآخر، وقال لا يجوز، أو لا يحسن العمل بغير العلم، أو لا ينبغى نقض اليقين بغير اليقين مثلا، يفهم السامع من كلام هذ المتكلم أن المراد من العلم اعم من الجزم وما هو بمنزلة عندهم. والمفروض أن حجية قول الثقة مفروغ عنها عند المتكلم والسامع لكونها من العقلاء. والقضايا الصادرة عن احدهما - الملقاة إلى الآخر التى حكم فيها على موضوع العلم - محمولة على ما هو العلم بنظرهم وفى حكمهم. وعلى هذا نقول: ان تكلمات الشارع مع العرف والعقلاء حالها حال تكلمات بعضهم مع الآخر، لانه بهذه الملاحظة بمنزلة احد من العرف، ومن هذه الجهة تحمل الاحكام الشرعية الواردة في القضايا اللفظية على المصاديق العرفية. وحينئذ نقول: نهى الشارع عن العمل بغير العلم - بنظر العرف والعقلاء - محمول على غير صورة الاطمينان والوثوق الذى فرض كونه عنده بمنزلة العلم. نعم لو أراد الشارع العمل بغير العمل بغير العلم بنظر العرف والعقلاء، فالواجب أن يعلمهم بلفظ دال عليه صريحا، كأن يقول يحرم عليكم العمل بالاطمينان أو مثل ذلك. هذا محصل الكلام في المقام، وعليك بالتأمل التام. واستدل شيخنا المحقق الخراساني - دام بقاه - على عدم صلاحية الادلة المذكورة للردع بلزوم الدور لو كانت رادعة. وبيانه أن رادعية تلك الادلة تتوقف على وجوب اتباعها مطلقا، حتى في موارد خبر الثقة، وهو يتوقف على عدم حجيته. كيف ؟ ولو كان حجة لكان واردا أو حاكما عليها، فلو كان خبر الثقة غير حجة بواسطة كونها رادعة، للزم الدور، لتوقف رادعتيها على عدم حجية خبر الثقة المتوقف على رادعيتها، فلا تكون تلك

[ 95 ]

الادلة رادعة الا على وجه دائر. وفيه (اولا) أنه يمكن تقرير نظير هذا الدور في طرف حجية خبر الثقة، بان يقال إن حجية خبر الثقة تتوقف على عدم رادعية تلك الادلة، إذ على تقدير رادعيتها لا يكون خبر الثقة حجة، كما هو المفروض، وعدم رادعيتها يتوقف على حجية خبر الثقة، إذ على تقدير عدم حجيته يكون عموم الادلة متبعا في موارد وجود خبر الثقة، فلا يمكن أن يكون خبر الثقة حجة إلا على وجه دائر. و (ثانيا) - أن ما افاده من توقف رادعية الادلة على عدم حجية خبر الثقة فمسلم، لما عرفت من انه على تقدير حجيته لا يبقى مجال للعمل بالعمومات. وأما توقف عدم حجيته على رادعية تلك الادلة فممنوع، إذ يكفى في عدم الحجية عدم العلم بامضاء الشارع (44)، وهو حاصل قبل الفراغ عن عدم كون تلك الادلة رادعة، فتدبر جيدا: واما العقل فهو من وجوه: بعضها مختص بحجية الخبر، وبعضها يثبت حجية مطلق الظن (اما الاول) فمن وجوه: (44) لا يقال: هذا مناف لما اختار المصنف من لزوم تصريح الشارع في الردع، وكفاية عدم ثبوت الردع في الامضاء. وقد صرح في الكفاية أيضا بذلك وان شئت فراجع قوله (قدس سره) في ذيل فانه يقال: ضرورة أن ما جرت عليه السيرة المستمرة إلى قوله (قدس سره) يكون عقلا وشرعا متبعا ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات. يقال: مقصود الاستاذ - دام بقاه - أنه مع قطع النظر عن التقريب الاول لا يصح اثبات ذلك بالدور. ولو قيل بكفاية ذلك، فنحن مستغنون عن الاستدلال بالدور، فالدور لا يتم الا بما لا نحتاج معه إليه، وهو لزوم العلم بالردع في الارتداع عن السيرة، فافهم فانه لطيف.

[ 96 ]

(أحدها) أنا نعلم اجمالا بصدور كثير من الاخبار التى بايدينا، بحيث لو علم تفصيلا لا نحل العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوى. وحينئذ يجب بحكم العقل العمل بكل خبر مثبت للتكليف (45)، ويجوز العمل بكل خبر ناف له، لخروج مورده عن اطراف العلم. ولا يخفى أن مقتضى هذا الدليل - على تقدير تماميته - هو وجوب العمل بكل خبر مثبت للتكليف،، لو لم يكن في مورده اصل مجعول شرعى ينافى مقتضى الخبر، وإلا لم يكن العلم بمضمون الخبر متعينا، بل المتعين هو العمل بالاصل ان كان مثبتا للتكليف ايضا (46)، وإلا يوجب الترخيص في مخالفة الاحتياط بالعمل بالخبر. هذا إذا كانت الاصول الواردة في موارد الاخبار حجة، بمعنى عدم العلم بخلافها اجمالا، واما لو علم ذلك فان كان هذا العلم الاجمالي في الاصول المثبتة للتكليف الواردة في موارد الاخبار المثبتة لتكليف آخر، فمقتضى القاعدة التخيير (47) لان المقام من دوران الامر بين محذورين، (45) هذا لو لم يلزم منه العسر الرافع للتكليف، والا فيجب العمل بكل خبر مثبت مظنون الصدور كما عبر به الشيخ الانصاري (قدس سره) في الفرائد في مقام تقريب الدليل المذكور. (46) فيما إذا لم يكن الجمع بين مقتضاهما أو كان حرجيا والا فيجب العمل بهما، ولا يخفى وجهه، بعد عدم كون الاصول حجة. (47) الظاهر أنه لا وجه للتخيير في المقام، لانه إن لم يلزم من العمل بالاصول مخالفة قطعية عملية، فمع إمكان الجمع بينها وبين الاخبار، يجب العمل بهما، ومع عدم الامكان يتعين العمل بها، دون الاخبار، لان العمل بالاخبار لاوجه له الا الاحتياط، والاصول - ما لم يلزم منها مخالفة عملية قطعية حجة قطعية - لا يرفع اليد عنها باحتمال الحجة. وهذا هو الوجه في تقدم العمل بها على العمل بالاخبار في

[ 97 ]

[ للعلم بصدور اخبار مثبتة للتكلف اجمالا، وشمول دليل الاصل لبعض موارد وجود الاخبار على نحو الاجمال ايضا. نعم لو قلنا إن دليل الاصل يقصر عن ثبوت الحكم في موارد العلم الاجمالي بالخلاف، يجب العمل بمقتضى الاحتياط في مضمون الاخبار، وان كان العلم الاجمالي بخلاف الاصول المثبتة في موارد الاخبار النافية، فلزوم العمل، بمقتضى تلك الاصول وعدمه مبنى على ما اشير إليه آنفا، من قصور ادلتها في مورد العلم الاجمالي وعدمه، فان قلنا بالاول فتسقط عن الحجية، وان قلنا بالثاني - كما هو التحقيق - يجب العمل بمقتضاها (48) هذا حال الاصول المثبتة في مورد الاخبار المثبتة والنافية. وأما الاصول النافية في موارد الاخبار المثبتة فلو علم اجمالا بخلافها يجب طرحها راسا، سواء قلنا بعدم شمول ادتها لها ام لا. أما على الاول فواضح. وأما على الثاني، فلان العلم بالكل موجب للمخالفة القطعية، وهى قبيحة عقلا. والعمل بالبعض معينا ترجيح من غير مرجح، وغير معين لا دليل عليه. فظهر مما ذكرنا كله أن وجوب العمل بالاخبار بمقتضى هذا الدليل لا يفى بما هو المراد والمقصود من حجية الخبر. الصورة الاولى: وان كان العمل بالاصول مستلزما للمخالفة القطعية العملية، وجب العمل بالاخبار، ولا يجوز العمل بالاصول اصلا، لتساقطها. نعم لو كان بعض الاصول المثبتة معلوم المطابقة للواقع، فمقتضى القاعدة التخيير، لما ذكر من دوران الامر بين المحذورين، لكنه خارج عن فرض عدم العلم في غير مورد الاخبار. (48) وذلك لان العلم الاجمالي - بخلاف الاصول - غير مضر، ما لم ينجز إلى المخالفة العملية القطعية.

[ 98 ]

هذا ويظهر من جواب شيخنا المرتضى قدس سره عن هذا الدليل دعوى العلم بالاحكام، زائدة على المقدار المعلوم في الاخبار الصادرة. والذى ينادى بذلك دعواه بانا لو فرضنا عزل طائفة من الاخبار، وضممنا الى الباقي مجموع الامارات التى بايدينا، كان العلم الاجمالي بحاله. ومن المعلوم عدم صحة هذه الدعوى، إلا بعد العلم بالتكاليف، زائدة على المقدار المعلوم في الاخبار الصادرة، إذ لو لا ذلك لما حصل العلم بعد عزل طائفة من الاخبار، لامكان كون المعلوم بتمامه في تلك الطائفة التى عزلناها. وحينئذ لا يرد عليه اشكال، إذ مع صحة الدعوى المذكورة لا اشكال في لزوم الاخذ بباقى الامارات، لكونها من اطراف العلم الاجمالي. نعم يمكن منع العلم زائدا على ما حصل لنا في الاخبار الصادرة. (الوجه الثاني) ما ذكره في الوافية، مستدلا على حجية الخبر الموجود في الكتب المعتمدة للشيعة كالكتب الاربعة، مع عمل جمع من غير رد ظاهر، قال: (لانا نقطع ببقاء التكليف الى يوم القيمة، سما بالاصول الضرورية كالصلاة والزكاة والحج والمتاجر والانكحة ونحوها، مع أن جل اجزائها وشرايطها وموانعها إنما يثبت بخبر الواحد الغير القطعي، بحيث يقطع بخروج حقايق هذه الامور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بخبر الواحد. ومن انكر فانما ينكر باللسان، وقلبه مطمئن بالايمان انتهى) اقول هذا الدليل كالدليل الاول، إلا أن المدعى فيه العلم الاجمالي بصدور خصوص الاخبار الدالة على الشرايط والاجزاء والموانع، ويرد عليه - مضافا الى ما يرد على الاول - أنه لا يثبت وجوب العمل بالخبر المثبت لاصل التكليف. (الوجه الثالث) ما ذكره بعض الاساطين في حاشيته على المعالم. وملخصه، أن وجوب العمل بالكتاب والسنة ثابت بالاجماع، بل ]

[ 99 ]

[ بالضرورة والاخبار المتواترة، وبقاء هذا التكليف ايضا بالنسبة الينا ثابت بالادلة المذكورة. وحينئذ فان امكن الرجوع اليهما على وجه يحصل العلم بهما بحكم أو الظن الخاص به فهو، وإلا فالمتبع هو الرجوع اليهما على وجه يحصل الظن منهما. اقول لا يخفى أن المراد من السنة - التى ادعى الاجماع والضرورة على وجوب العمل بها - إن كانت السنة الواقعية (49) فهذا يرجع إلى دليل الانسداد الآتى المثبت لحجية كل ظن، لا خصوص الاخبار. وإن كان المراد هو اخبار الآحاد الحاكية عن السنة، فمع أنه لا ينبغى دعوى الضرورة على وجوب العمل بها يوجب العمل بما هو متيقن الاعتبار لو كان، وإلا فالعمل بالكل تحصيلا للامتثال اليقيني. ولا يجوز الاكتفاء بالخبر المظنون الصدور أو الاعتبار. وأما الوجوه التى استدل بها على حجية مطلق الظن من غير خصوصية للخبر فهى اربعة: (الاول) أن مخالفة المجتهد - لما ظنه من الحكمم الوجوبى أو التحريمي - مظنة للضرر، ودفع الضرر المظنون لازم. أما الصغرى، فلان الظن بالوجوب أو الحرمة مستلزم للظن بالعقوبة على المخالفة، أو بالمفسدة (49) الظاهر ان كلامه (قدس سره) كالصريح في أن المراد بها هي الاخبار الحاكية، وان شئت فراجع، كما أن الظاهر انه (قدس سره) غير مجازف في دعوى الضرورة، فان من اعرض عن جميع ما بأيدينا من الاخبار - ولو لعدم العلم بها وعدم العلم بحجيتها، وبنى في استنباط احكامه على غيرها من الامارات - الظاهر أنه يعد خارجا من الدين بضرورة من الشيعة، لانهم يأخذون الاحكام منها إما علما وإما ظنا فراجع كلامه - زيد في علو مقامه - لعلك تفهم مراده، وتجد صدق دعواه اكثر مما ذكرنا...

[ 100 ]

اللازمة لترك الواجب أو فعل الحرام، بناءا على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها. وأما الكبرى فلاستقلال العقل بها، بل قيل: إن وجوب دفع الضرر المظنون متفق عليه بين العقلاء، وإن لم نقل بالتحسين والتقبيح. والجواب ان الضرر الاخروي غير مظنون، بل ولا محتمل من جهة عدم البيان (50) واما الغير الاخروي - إن سلمنا الظن به - فلا يوجب صحة العقوبة، بداهة أن مجرد هذا الظن ليس منشأ للعقوبة، وليس هنا حكم عقلي يوجب العقوبة (51)، بل المحقق في موارد الظن بالضرر تحرز النفوس بمقتضى الجبلة، ولا يختص ذلك بالعقلاء، بل هو امر مرتكز في نفوس تمام الحيوانات. ومعلوم أن مثل هذا الارتكاز الجبلى - الذى ليس منشأه التحسين والتقبيح - ليس موجبا لصحة العقوبة. والحاصل أن تحرزهم عن الضرر إنما هو من جهة حبهم للنفس والمال، وليس من اقدم عليه - لغرض من الاغراض ممن يعد عند العقلاء - مقدما على القبيح، كمن يقدم على الظلم، فلم يبق إلا أن المقدم على الضرر المظنون أو المحتمل يقع فيه على فرض وجوده، وهذا (50) بل يمكن أن يقال: إن الظن بالضرر الاخروي. - بمعنى العقاب كاحتماله، بل وكالعلم به - لا يمكن أن يكون بيانا، لانه لا يترتب على مخالفة الظن المذكور الا الوقوع فيه على تقدير الاصابة، ولا يكون بيانا، لحكم آخر، ولا مصححا لعقاب آخر والمفروض أنه لا يتحقق العلم والظن به، بل ولا الاحتمال، إلا بعد تحقق بيان غيره، فلا يصير احتمال العقاب أو الظن به أو العلم به بيانا اصلا، بل البيان هو الحجة الناهضة للتكلف، فافهم فانه دقيق. (51) أما عدم كونه بيانا على هذا التقدير فواضح لانه ليس بحكم حتى يكون بيانا وأما على تقدير كون العقل حاكما به - كحكمه بقبح الظلم - فهل يكون =

[ 101 ]

[ لا ينكره، احد سواء كان بناء العقلاء على الاحتراز عن الضرر ام لا، إنما الكلام في أنه هل للمولى حجة على مؤاخدته مطلقا أو على تقدير الوقوع في الضرر الواقعي اولا. وقد عرفت عدمها. هذا مضافا إلى انه لا يلزم إن تكون المفاسد الكامنة في فعل المحرم أو ترك الواجب من الضرر الراجع الى المكلف، حتى يحصل في الاقدام على مظنون الحرمة وترك الوجوب مخالفة الكبرى المدعاة، كما هو واضح. (الوجه الثاني) انه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوع على الراجح وهو قبيح. وفيه أنه إن اراد من الراجح ما هو راجح بملاحظة اغراض الفاعل، ويقابله المرجوح كذلك فترجيح المرجوح بهذا المعنى غير ممكن، لانه راجع إلى نقض الغرض، وليس مجرد الاخذ بالطرف الموهوم ترجيحا للمرجوح بهذا المعنى، إذ ما لم يترجح بملاحظة اغراضه لم يمل إليه. وإن أراد من الراجح الظن، فعدم الاخذ به واختيار الطريق الموهوم وان كان ترجيحا للمرجوح بمعنى اختيار الطرف الموهوم، ولكن قبح ذلك موقوف على تنجز الاحكام الواقعية، ولزوم امتثالها، وانحصار طريق الامتثال بالظن أو الوهم أو الشك. لكن هذا راجع إلى دليل الانسداد الآتى، وليس وجها مستقلا. = الحكم بوجوب دفع الضرر المظنون بيانا، سواء كان الحكم به طريقيا لعدم الوقوع في الضرر الواقعي أو موضوعيا، في قبال الواقع أو لا يكون بيانا إلا على التقدير الاول ؟ الظاهر هو الاول، لانه - على الثاني - يجب الاجتناب عنه بما هو مظنون الضرر، سواء ترتب الضرر أم لا، ويصح العقاب وإن خالف الواقع، ولا يورث عقابا آخر للواقع فلا ربط له بتسجيل الواقع.

[ 102 ]

[ (الوجه الثالث) ما عن السيد الطباطبائى - قدس سره - من أنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالاتيان بكل ما يحتمل الوجوب، وترك كل ما يحتمل الحرمة، ولكن مقتضى قاعدة نفى الحرج عدم وجوب ذلك كله، لانه عسر اكيد وحرج شديد، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط ونفى الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات، دون المشكوكات والموهومات، لان الجمع على غير هذا الوجه - باخراج بعض المظنونات وادخال بعض المشكوكات والموهومات - باطل اجماعا. ولا يخفى رجوع هذا الى دليل الانسداد المعروف، مع اسقاط بعض المقدمات التى لا ينتج بدونها. دليل الانسداد (الوجه الرابع) هو الدليل المعروف بدليل الانسداد، وهو مركب من مقدمات: (الاولى) العلم الاجمالي بثبوت تكاليف كثيرة في الشريعة. (الثانية) عدم لزوم الامتثال على نحو يقطع باتيانها أو اتيان ما يكون بدلا عنها، لا على وجه التفصيل ولا على وجه الاجمال، سواء كان عدم لزوم ذلك بواسطة عدم التمكن أم بواسطة الاذن الصادر منه. (الثالثة) عدم جواز الاهمال وترك التعرض لامتثالها اصلا. (الرابعة) انه في مقام دوران الامر - بين الامتثال على وجه الظن وبينه على وجه الشك والوهم - يكون اختيار الشك والوهم في قبال الظن قبيحا عند العقل. ولو تمت هذه المقدمات التى ذكرناها يجب الاخذ بالظن قطعا، إذ العلم الاجمالي بوجود التكاليف ثابت بحكم المقدمة الاولى، وليس على

[ 103 ]

المكلف امتثالها على نحو يوجب القطع بالسقوط، لا على نحو الامتثال العلمي التفصيلي، ولا على نحو الامتثال بالطرق المعتبرة تفصيلا، أو الاصول المعتبرة كذلك، ولا على نحو الامتثال الاجمالي، بحكم المقدمة الثانية. ولا يجوز له اهمالها وعدم التعرض لامتثالها اصلا، بحكم المقدمة الثالثة، ولا يجوز العقل رفع اليد عن الظن واخذ المشكوك والموهوم في قباله، بحكم المقدمة الرابعة، فلا سبيل له الا الاخذ بالظن. (اما المقدمة الاولى) فلا سبيل الى انكارها. و (اما المقدمة الثانية) فتوضيحها أن الامتثال - على نحو يوجب العلم ببراءة الذمة: - يتحقق باحد امور: (منها) إحراز التكاليف تفصيلا بمقدار ينحل العلم الاجمالي الى العلم التفصيلي والشك البدوى، والاتيان بما علم تفصيلا، (ومنها) احرازها بالمقدار المذكور بالطرق الشرعية المعتبرة والاصول المثبتة للتكاليف، والاحتياط في الموارد الجزئية التى تقتضي القاعدة الاحتياط فيها، ولو مع قطع النظر عن العلم الاجمالي المذكور. (ومنها) اتيان كل ما يحتمل كونه واجبا، وترك كل ما يحتمل كونه حراما. اما الاول فلا سبيل إليه قطعا، لشهادة كل احد أن المعلومات - في الفقه بالنسبة إلى غيرها لندرتها - تكاد ان تلحق بالمعدوم. واما الثاني فيبتنى على مراجعة ما ذكرنا من الادلة على حجية الحبر (52)، فان قطع منها بحجية قسم خاص منه يفى بالفقه، كالخبر (52) وقد قلنا أن مراجعة الاخبار تورث الاطمينان أو القطع بحجية خبر الثقة، كما مر منه ما دل على حجيته من السيرة وعدم الردع، وان شئت فراجع، =

[ 104 ]

[ الموثوق صدوره، فقد استراح من الرجوع الى الظن المطلق، والا فمرجعه الظن المطلق ان تم باقى المقدمات، وستطلع عليه. واما الرجوع الى الاصول المثبتة فلا يكفى، لعدم وفائها في الفقه، بحيث توجب انحلال العلم الاجمالي، مضافا إلى أن الامارات الموجودة في مواردها قد توجب العلم الاجمالي، بخلاف مفادها. والعلم الاجمالي بخلاف مؤدى الاصول مضر لنا فيما نحن بصدده، سواء: ان العلم الاجمالي بنفى التكليف في بعض مواردها، أم باثبات تكليف آخر مضاد لمؤدى الاصول، وان قلنا بان مجرد العلم الاجمالي - بعدم التكليف بين الاصول المثبتة له - لا ينافى اجراء الاصل. أما الثاني فواضح. وأما الاول، فلان تلك الاصول - التى فرضناها كافية في الفقه لو لا هذا العلم - تصير غير كافية بملاحظة العلم المذكور، فانه بعد العلم بعدم ثبوت التكاليف في بعض مواردها، يعلم ان المعلوم بالاجمال في غير موردها. اللهم الا ان يفرض أن الاحكام الظاهرية المستفادة من الاصول زائدة على المقدار المعلوم من التكاليف المعلوم اجمالا، بحيث لم يعلم بتكاليف اخر في غير مؤدى الاصول، حتى بعد العلم الاجمالي بعدم التكليف في بعض مواردها. وهو كما ترى. والحاصل أن اكتفاء المجتهد - بالعمل بالاصول المثبتة للتكليف، والاحتياط في الموارد الجزئية، ورفع اليد عن سائر الامارات - لا يجوز ] = والظاهر أنه مع الاصول المثبتة والضروريات والمعلومات والمسلمات كاف في معظم ابواب الفقه، فنحن بحمد الله في فسحة من العمل بمطلق الظن أو الاحتياط حتى المقدور، فشكرا له على ما أوضح السبل، ونسأله التوفيق للعمل بها بحق خاتم الرسل (صلى الله عليه)

[ 105 ]

لامرين: (احدهما) - قلة مواردها بحيث لا تفى بالمقدار المعلوم اجمالا. (ثانيهما) - ان العلم الاجمالي بمخالفة مواردها للواقع يوجب سقوطها عن الاعتبار، فيما كان العلم بتكليف آخر مضاد لمؤدى الاصول، ويوجب عدم الاكتفاء بمؤدى الاصول، فيما كان العلم بعدم ثبوت التكليف في بعض مواردها. نعم يلزم الاخذ بمؤدى الاصول المذكورة بواسطة سقوط العلم الاجمالي بالمخالفة عن الاعتبار، واعمال الظن في غيرها، لا أنه يقتصر في الفقه على العمل بتلك الاصول، ويطرح سائر الامارات المثبتة للاحكام. لا يقال ان من الطرق إلى التكاليف الواقعية الاخذ بفتوى الفقيه، حيث دلت الادلة الخاصة على اعتبارها للجاهل. لانا نقول الرجوع الى فتوى الفقيه إنما يجب على غير البصير، لا على الفاضل المتدرب الذى يقطع بفساد مبنى الفقيه الآخر من دعوى انفتاح باب العلم والعلمي وهذا واضح. وأما الطريق الثالث من الطرق للامتثال القطعي، أعنى اتيان محتملات الوجوب وترك محتملات الحرمة، فقد يقال بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه، لاختلال النظام بذلك: لكثرة ما يحتمل وجوبه، خصوصا في ابواب الطهارة والصلاة. قال شيخنا المرتضى - قدس سره في تقريب ذلك: (لو بنى العالم الخبير بموارد الاحتياط فيما لم ينعقد عليه اجماع قطعي، أو خبر متواتر على الالتزام بالاحتياط في جميع اموره يوما وليلة، لوجد صدق ما ادعينا. هذا كله بالنسبة إلى نفس العمل بالاحتياط. وأما تعليم المجتهد موارد الاحتياط لمقلديه، وتعلم المقلد موارد الاحتياطات الشخصية، وعلاج

[ 106 ]

تعارض الاحتياطات، وترجيح الاحتياط الناشئ عن الاحتمال القوى على الاحتياط الناشئ عن الاحتمال الضعيف، فهو مستغرق لاوقات المجتهد والمقلد، فيقع الناس من جهة تعليم هذه الموارد وتعلمها في حرج يخل بنظام معاشهم ومعادهم). لا يخفى أن العلم الاجمالي انما يكون بين موارد الامارات المثبتة للتكليف، لا بينها وبين ما لا يكون عليه امارة اصلا، فحينئذ نقول: لا يلزم من الاحتياط في تمام مواردها حرج، بحيث يوجب اختلال النظام، بل لا يكون حرجا لا يحتمل عادة بالنسبة الى كثير من المكلفين الذين ليس محل ابتلائهم الا القليل من التكاليف، واتفاق الحرج - في بعض الموارد لبعض الاشخاص - يوجب دفع الاحتياط عنه لا عن عامة المكلفين، فمقتضى القاعدة الاحتياط في الدين إلا في موارد خاصة، مثل أن يوجب اختلال النظام أو كان مما لا يحتمل عادة، أو لم يكن الاحتياط ممكنا، كما إذا دار الامر بين المحذورين، أو وقع التعارض بين احتياطين، أو أوجب الاحتياط المخالفة القطعية لواجب قطعي آخر، فيجب العمل بالظن، لانه لا طريق للمكلف اقوى منه. والحاصل أن دعوى الحرج - لاسيما الموجب لاختلال النظام بالنسبة الى آحاد المكلفين الموجب لسقوط الامتثال القطعي عن الكل - في غاية الاشكال. وما يدل على ما ذكرنا أن بناء سيد مشايخنا الميرزا الشيرازي (قدس الله نفسه الزكية) كان على ارجاع مقلديه إلى الاحتياط، وقل ما اتفق منه اظهار الفتوى، والمخالفة، للاحتياط، وكان مرجع تمام افراد الشيعه مدة متمادية، ومع ذلك ما اختل نظام العالم بواسطة الرجوع الى الاحتياط، وما كان تحمل هذا، الاحتياط شاقا على المسلمين، بحيث لا يحتمل عادة.

[ 107 ]

وكيف كان فهذه الدعوى محل نظر بل منع. ثم انا لو سلمنا تحقق العسر والحرج في العمل بالاحتياط الكلى، فان كان بحيث يختل به النظام، فالعقل حاكم بطرحه. ولا اشكال فيه. وأما لو لم يكن بهذه المثابة، فالتمسك في رفعه بالادلة السمعية الدالة على نفى الحرج في الدين محل تأمل، إذ يمكن أن يقال ظاهرها عدم جعل الشارع تعالى تكليفا يوجب الحرج بنفسه. ولا اشكال في ان التكاليف المجعولة من قبل الشارع ليست بنفسها، بحيث يوجب امتثالها الحرج والمشقة، وانما جاء الحرج من قبل جهل المكلف في تعيينها. وبعد عروض هذا الجهل يحكم العقل بوجوب الاحتياط، وليس الاحتياط شرعيا، حتى يلزم منه جعل الحرج، فما جعله الشارع ليس بحرجى، وما يكون حرجيا ليس بمجعول للشارع. هذا ولكن الاشكال في الكبرى ليس في محله، بعد ملاحظة الانصاف وفهم العرف، فان ما يفهم العرف من ادلة الحرج هو عدم تحقق الحرج على المكلف من ناحية الشارع، سواء كان بجعله ابتداء ام كان بجعل الاحكام الواقعية، واشتبه على المكلف، فوقع في الكلفة بحكم العقل وامضاء الشارع (53). (53) لا يخفى أن المقصود أن العرف يفهم من أدلة لا حرج تقييد اصل اطلاقات الاحكام بغير مثل هذا المورد الذي ينجر بالاخرة الى الحرج، ولو بضميمة حكم العقل. وعلى ذلك فيكون دليل العسر والحرج واردا على دليل الاحتياط لا حاكما عليه، كما عبر به في الكفاية، فليس حالهما الا كحال ساير الاصول العملية والادلة الشرعية، حيث ترفع الادلة موضوع الاصول، بل لا يمكن رفعها مع بقاء موضوعها، لانه مخالف لحكم العقل. هذا في الاحتياط العقلي. واما الشرعي فلا تشمله ادلة رفع الحرج أصلا =

[ 108 ]

نعم يمكن القول بعدم شمولها للموارد التى الزم المكلف على نفسه المشقة - كما لو آجر نفسه لعمل شاق - بوجهين (احدهما) أن القضية واردة في مقام المنة، ولا منة في هذه الموارد (ثانيهما) ان العمل بعد هذا الالتزام مستند إلى نفس الملتزم، لا الى الشارع. وقد يورد على الاخذ بالاحتياط انه مخالف للاحتياط، وهذا الايراد مبنى على اعتبار قصد الوجه، وقد اشبعنا الكلام في الجواب عن ذلك في مبحث مقدمة الواجب، فراجع. ونزيد هنا أنا لو سلمنا ذلك فهو مختصل بصورة قدرة المكلف على تحصيل العلم التفصيلي. وأما في غيرها فلا، خصوصا في ما إذا لم يقدر على تحصيل الطريق الشرعي، ايضا، كما هو المفروض في المقام، لان الظن الذى لم يقم دليل شرعى على حجيته لا يجوز قصد الوجه به، وان اكتفى المدعى بقصد الوجه بالوجوب العقلي، فهو ممكن بالنسبة إلى الاحتياط اللازم بمقتضى حكم العقل في المقام. هذا واما المقدمة الثالثة - وهى عدم جواز ترك التعرض لامتثال التكليف بنحو من الانحاء - فيدل عليه (اولا) العلم الاجمالي بوجود الاحكام، وهو يوجب الموافقة القطعية، وبعد عدم التمكن أو عدم الوجوب تسقط الموافقة القطعية، ولكن تبقى حرمة المخالفة القطعية بحالها، فان قبح المخالفة القطعية لا يمكن ان يرفع في حال من الاحوال، كما قرر = إذا وجب في مورد حرجي، لورود الحكم في مورد الحرج، ولا تشمله ادلته، كما بين في محله. نعم لو استلزم في مورد حرجا زائدا على اصل الاحتياط فتشمله الادلة، ويرفع وجوبه بلا محذور اصلا. =

[ 109 ]

ذلك في محله. و (ثانيا) الاجمال القطعي، فان اهمال معظم الاحكام - وكون المكفين بالنسبة إليها كالبهائم والانعام - مما يقطع بانه مرغوب عنه شرعا، وهو الذى يعبر عنه في لسان العلماء بالخروج عن الدين، فان من اقتصر على ما علم - من الاحكام مع قلتها وترك المجهولات مع كثرتها - يكاد ان لا يعد من الملتزمين بدين الاسلام. والحاصل ان بطلان هذه الطريقة اوضح من أن يخفى على العوام، فضلا عن الخواص. (واما المقدمة الرابعة) وهى ترجيح الظن في مقام الامتثال على غيره بعد التنزل عن العلم، فان تمسكنا في المقدمة الثالثة بالعلم الاجمالي فوجهه واضح، لانه موجب للموافقة القطعية بحسب اقتضائه الاولى، فإذا لم تجب الموافقة، فلا يسقط عن تنجيز الواقعيات راسا، كيف ؟ وحرمة المخالفة القطعية من آثار هذا العلم عقلا (54)، وإذا لم يسقط عن (54) لا إشكال في حرمة المخالفة القطعية مع بقاء العلم الاجمالي. إنما الكلام في بقائه مع تسليم كون الاحتياط في جميع الاطراف حرجيا مرفوعا بادلة الحرج، فانه - مع احتمال تصادف التكليف لما يرفع به الحرج المقطوع معه رفعه شرعا - كيف يبقى العلم بالتكيف بحاله، حتى تحرم مخالفته ؟ نعم لو كان الاحتياط بحيث يوجب اختلال النظام ليكون رفع التكليف بحكم العقل من دون استناد الى الشرع، لما كان مضرا بالعلم بالتكليف من قبل الشرع، وكان المورد من موارد الاحتياط، أما مع كون التكليف على التقدير المذكور مرفوعا شرعا، فلا يبقى العلم كما صرح به في الكفاية. وانما التزم بوجوب الاحتياط مع ذلك في بعض الاطراف بالاجماع على عدم جواز الاهمال من رأس أو القطع به من الخارج = (*)

[ 110 ]

[....... ] ولا يتوهم أن الفرق في ذلك من جهة الفرق في مبنى الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي، حيث أنه (قدس سره) لا يجوز الترخيص في أحد الاطراف مع العلم بالحكم الفعلي اجمالا، بخلاف شيخنا الاستاذ - دام بقاه - حيث ان فعلية الحكم الواقعي في مرتبته محفوظة بنظره حتى مع الاذن في بعض الاطراف، لانه يجد فارقا إذا كان الاذن بعنوان المشكوك، فانه لا ينافي بقاء الحكم الواقعي، في مرتبته بفعليته، لا في مثل المقام الذي تكون ادلة الحرج نافية لواقع التكليف في مرتبة ذاته لا له بما هو مشكوك فيه كما اوضحناه في التعليقة السابقة. والحاصل: أن التمسك بالعلم الاجمالي - في وجوب الاحتياط في بعض الاطراف حتى ينتج الحكومة للعقل بوجوب متابعة الظن - مما لا ارى له وجها. نعم يمكن إثبات الاحتياط مع قطع النظر عن الاجماع أو القطع من الخارج بحكم العقل بان الشارع لا يصح أن يرخص في مثل المقام إلا بمقدار يرتفع به الحرج، لان الحكم الواقعي بالفرض فعلي من جميع الجهات، ولا مانع منه إلا الحرج، وهو يرتفع بارتكاب بعض الاطراف، فكأن للشارع غرضين. (احدهما) وصول المكلف إلى الواقعيات من دون مزاحم لها في حد نفسها. (والثاني) عدم وقوع المكلف في محذور الحرج. وفي مثل المقام لا يتطرق عند العقل إلا الاذن في ترك الواقعيات، بمقدار رفع الحرج، كما يحكم بذلك فيما إذا اتفق مثل ذلك في الاغراض الدنيوية، بل يحكم بقبح الاذن في ترك الواقعيات زائدا على ما يرفع به الحرج. وبذلك يكشف قطعا عن حال الشرع، من دون حاجة الى الاجماع على وجوب الاحتياط أو القطع بلحاظ الاهمية المحرزة في التكاليف، أو غير ذلك من الطرق. لكن لا يخفى أن هذا التقريب ايضا لا تثبت به الحكومة، لانه يرجع بالاخرة الى استكشاف وجوب الاحتياط من قبل الشارع بواسطة العقل، ولا يتعين به العمل بالظن، بل يحرم ترك الاحتياط رأسا. ولا فرق في ذلك بين الاتيان بالمظنوتات وترك المشكوكات أو العكس. =

[ 111 ]

التنجيز، فاللازم مراعاته بقدر الامكان، وهو منحصر بالاخذ بالظن. واما لو لم نقل بتأثير العلم الاجمالي، وتمسكنا لحرمة مخالفة الاحكام المجعولة في المقام بالاجماع فيشكل الحكم بتقديم الظن عقلا (55)، لان الاجماع ان كان منعقدا على مجرد حرمة المخالفة القطعية لتلك الاحكام، فيكفى في عدم مخالفة هذا الاجماع الاتيان بالمشكوكات والموهومات، وإن كان على وجوب الاخذ بالظن، فتعين الظن حينئذ شرعى لا عقلي، إلا أن يقال بان الاجماع منعقد على امرين: (احدهما) حرمة المخالفة القطعية (ثانيهما) عدم جواز الاكتفاء بالشك أو الوهم، فنتيجة هذين الاجماعين ان الشارع إما جعل طريقا خاصا للواقعيات، واما أن الظن عنده حجة. ولما كان الطريق الآخر مشكوكا فيه، والقابل للسلوك إلى الواقع في هذه الحال منحصرا في الظن، يتعين بالعقل اعتباره. هذا ولكن لا يخفى أن هذا البيان يرجع إلى حجية الظن شرعا من باب الكشف، وسيجئ توضيح ذلك انشاء الله تعالى. وينبغى التنبيه على امور: = اللهم إلا أن يقال: إن العقل إذا اكتشف الحكم بوجوب الاحتياط من لزوم الجمع بين الغرضين، وعلم أن احد الغرضين نفس الواقعيات، فيلزم المكلف بالاقتصار في ترك الاحتياط على خصوص الموهومات، والاحتياط في المشكوكات والمظنونات، إن لم يلزم منه الحرج ايضا. وإلا ففي خصوص المظنونات، ولا نعني بالحكومة الا ذلك، لا وجوب متابعة الظن مطلقا. (55) هذا إن لم يكن الاجماع على مجرد اهمية الواقع في نظر الشارع، بحيث يعاقب عليه حتى مع الشك، فانه على ذلك لا يجب على الشارع جعل طريق إليه، بل يمكن أن يكل المكلف إلى ما يحكم به عقله، وهو يحكم بلزوم العمل بالظن، مع عدم امكان الاحتياط ولو تبعيضا، وسيأتي منه - دام ظله - التصريح بذلك.

[ 112 ]

(احدها) أنه بعد صحة مقدمات الانسداد هل النتيجة اعتبار الظن مطلقا بمعنى جواز الاكتفاء بالمظنونات، ورفع اليد عن المشكوكات والموهومات، أو اعتبار الظن الاطمينانى لو كان بين الظنون تفاوت، وإلا فمطلق الظن، أو يحكم بوجوب العمل بالظن بمقدار العلم بالتكليف، فان كان بين الظنون ترجيح من حيث القوة يؤخذ ذلك المقدار من الظن القوى، والا يتخير، أو يحكم بالاخذ بالظنون النافية للتكليف بمقدار يرفع به الحرج، ويقدم القوى منها على الضعيف، ويحتاط في الباقي، سواء كان من موارد الظنون المشتبهة ام غيرها ؟ وجوه. والذى تقضيه القاعدة هو الاخير - وفاقا لشيخنا المرتضى قدس سره - ثم الثالث. بيان ذلك أنه لا اشكال في أن للمعلومات الاجمالية مقدارا متيقنا بحسب العدد، وهذا لا شبهة فيه. وانما الاشكال في ان الامتثال في الخارج - بمقدار ما علم اجمالا - هل يكفى في خروج المكلف عن عهدة العلم الاجمالي، وان لم يعلم به ام لا ؟ مثال ذلك لو علم بوجود النجاسة في احد الاناءين، واحتمل نجاسة كليهما ايضا، فترك احدهما وشرب من الآخر، وكانا نجسين في نفس الامر، فهل يكفى في رفع العقاب عنه اجتناب احدهما الذى كان نجسا في نفس الامر، نظرا الى ان العلم الاجمالي ليس متعلقا بازيد من تكلف واحد، وقد امتثل بحكم الفرض، وان لم يعلم بذلك، أو يصح العقوبة عليه بمجرد ارتكابه الشرب من الآخر، نظرا الى ان العلم الاجمالي بوجود احد النجسين بين الاناءين يصحح العقوبة على ارتكاب شرب ما هو نجس بينهما ؟ الاقوى الثاني، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الاطاعة والعصيان بعدم معذورية المكلف المفروض في ارتكاب شرب ما هو نجس واقعا. لا يقال: على هذا يلزم ثبوت العقابين في محل الفرض على من ]

[ 113 ]

شرب من كلا الاناءين وهو باطل، ضرورة ان العلم بتكليف واحد لا يصحح العقابين،، إذ الآخر مشكوك فيه، وليس العقاب عليه الا عقابا بلا بيان. لانا نقول: إن العلم الاجمالي بثبوت احد التكليفين يوجب عقابا واحدا على المخالفة المتحققة بينهما، فلو شرب من الاناءين في محل الفرض، يستحق عقوبة واحدة، وكذا لو شرب من اناء، لاشتراك الفرضين في تحقق المخالفة الواحدة التى كانت محرمة بحكم العقل. إذا عرفت هذا فنقول: إن مقتضى العلم الاجمالي في المقام أن يحتاط في تمام الاطراف، توصلا إلى الموافقة القطعية، واجتنابا عن المخالفة الواقعية، فإذا دل الدليل على الترخيص في بعض الاطراف - وهو المقدار الذى يرفع الحرج - بترك الاحتياط فيه (56)، فالمقدار المعلوم بالاجمال لو كان في الباقي، توجب مخالفته العقوبة، فيجب الاحتياط في غير مورد الترخيص، تخلصا من المخالفة الموجبة للعقاب. هذا وأما إن قلنا بكفاية الامتثال بالمقدار المعلوم بالاجمال في نفس الامر، فيقتصر على العمل بالظنون المثبتة للتكليف بالمقدار المعلوم بالاجمال، لان العلم الاجمالي بمقدار خاص يوجب الاتيان به علما، وان لم يمكن فالواجب الاتيان به ظنا. ولا دليل على الاتيان بازيد من ذلك (56) قد مر آن الترخيص بحسب الواقع - ولو في بعض الاطراف - لا يلائم بقاء الواقع على فعليته، ولا محيص عن الاجماع لوجوب الاحتياط أو استكشافه من حكم العقل، وهما لا يقتضيان وجوب الاحتياط بنحو ما ذكر في المتن، إلا بما ذكرنا من استكشاف اهتمام الشارع بالواقعيات، بحيث لا يعذر المكلف على تركه في حالة الشك، فلا تغفل.

[ 114 ]

[ وحينئذ فلو تمكن من تحصيل الاطمينان بالمقدار المذكور، اقتصر عليه، وإن تساوت الظنون يتخير في اخذ المقدار المذكور من بينها. هذا مقتضى التأمل في نتيجة دليل الانسداد. والله الهادى إلى سبيل الرشاد. الامر الثاني أن قضية المقدمات المذكورة - على تقدير سلامتها - هل هي حجية الظن بالواقع أو بالطريق أو بهما معا ؟ فقد ذهب إلى كل فريق، واختار شيخنا المرتضى قدس سره الثالث. وحاصل ما افاده في وجهه: أن المهم للمكلف تحصيل براءة الذمة عن الواقعيات، فان تمكن من ذلك على سبيل العلم، تعين عليه. وان انسد باب القطع الى ذلك يتنزل إلى الظن بذلك. ولا اشكال في أن العلم بالبراءه - كما أنه يحصل باحد امرين إما تحصيل العلم بالواقع واتيانه، وإما تحصيل ما هو طريق قطعي إليه، وليس بينهما تفاوت عند العقل - كذلك الظن بالبراءة يحصل باحد امرين إما تحصيل الظن بنفس الواقع، وإما تحصيل الظن بما هو طريق مجعول إليه شرعا، فإذا انسد باب تحصيل العلم بالمبرئ يؤول امر المكلف إلى التنزل إلى الظن بذلك. ولا يعقل الفرق بين الظنين، لما قلنا إن المهم عند العقل في مقام الامتثال ليس ادراك الواقعيات، بل الخروج عن عهدة ما صار منجزا على المكلف باى نحو كان. هذا، اقول: لا اشكال في الكبرى التى افادها في المقام، وهو ان العقل - بعد انسداد باب تحصيل العلم بالمبرئ - يعين الظن به باى وجه كان، إنما الاشكال في ان العمل بما ظن كونه طريقا - وان لم يفد نفسه ظنا بالواقع - ظن بالابراء. ومحصل الاشكال ان بدلية مفاد الطرق عن الواقع لو كانت تابعة لتحققها واقعا، وإن لم يعلم بها، كان الامر كما افاده قدس سره، لكن

[ 115 ]

هذا خلاف التحقيق، فان من علم اجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة مثلا، فترك الجمعة واتى بالظهر، وكان ما تركه هو الواجب في نفس الامر، واتفق مقارنة تركه الواجب طريقا شرعيا دالا على عدم الوجوب، لا يوجب الثبوت الواقعي لذلك الطريق، فرفع استحقاقه العقوبة بحكم العقل، واسقاط عقوبة الواقع في صورة العمل بالطريق إنما هو من لوازم العلم بحجيته، لا من لوازم ثبوته في الواقع. لا يقال ثبوته بالحجة كثبوته بالعلم، والمفروض حجية مطلق الظن في حال الانسداد. لانا نقول اعتبار الظن هنا موقوف على تعلقه بالمبرئ، فان كان الابراء بواسطة اعتبار الظن لزم الدور. والحاصل ان تعميم الظن - للظن بالطريق بمجرد العلم الاجمالي بالواقعيات - في غاية الاشكال، لما مر. نعم يمكن دعوى اعتبار الظن في الطريق بواسطة دعوى العلم الاجمالي الآخر المتعلق به، كما يأتي تقريبه انشاء الله تعالى. (حجة) من ذهب إلى الاختصاص بالظن بالطريق امران: (احدهما) ما ذكره صاحب الفصول قدس سره، قال: (انا كما نقطع بانا مكلفون في زماننا هذا تكليفا فعليا باحكام فرعية كثيرة لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع، ولا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه، أو قيام طريقه مقام القطع، ولو بعد تعذره، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق الى الظن الفعلى الذى لا دليل على حجيته، لانه اقرب الى العلم والى اصابة الواقع مما عداه). وفيه - بعد تسليم هذا العلم الاجمالي - أن اللازم الاخذ بالقدر

[ 116 ]

المتيقن إن كان، والا فالاحتياط باخذ مضامين تمام الطرق التى تكون اطرافا للعلم لعدم كون الاحتياط في الطرق حرجيا، وان قلنا بكونه كذلك في اطراف تمام المحتملات. ولازم ذلك أن يأتي بمؤدى كل واحد من الطرق المثبتة إن لم يكن له معارض. وفى غير هذه الصورة إن كان المعارض نافيا للتكليف، وكان من غير نوعه، فالعمل على طبق الامارة المثبتة وان كان نافيا، وكان فردا آخر من نوعه، فالعمل على الاصل في غير الخبر مطلقا، وفي الخبر على التخيير إن لم يكن للمثبت ترجيح، والا يتعين العمل به. هذا إذا كان المعارض نافيا للتكليف، وأما إذا كان مثبتا لتكليف مضاد للآخر، فالعمل على الاصل في غير صورة كونهما فردين من الخبر، وفيهما التخيير مع عدم المرجح، وتعيين احدهما مع المرجح. ويظهر وجه ما ذكرنا كله بالتأمل. ثم انه على فرض كون العمل، بالاحتياط - فيما بايدينا من الطرق - موجبا للعسر والحرج، فهل المتعين العمل بالظن بالطريق ام لا ؟ ومبنى ذلك ان الطرق المجعولة - بعد العلم بها - هل هي مثل العلم في انحلال التكاليف المعلومة بالاجمال أم لا ؟ غاية الامر أن الاتيان بمؤداها يجب، بدلا عن اتيان الواقع. وتوضيح ذلك أنه لو علم بوجوب عمل معين - بعد كونه من اطراف العلم الاجمالي - ينحل العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوى. واللازم عليه بحكم العقل الاتيان بما علم تقصيلا، وباقى الاطراف مورد لاصالة البراءة. ولو فرض الخطأ في علمه، بان لم يكن ما قطع بوجوبه واجبا في نفس الامر، وكان الواجب ذاك الطرف الآخر الذى صار محكوما بالبراءة، لم يكن عليه شئ، وإن لم يأت باحدهما،

[ 117 ]

فان ما هو واجب صار موردا للبراءة بحكم العقل، وما قطع بوجوبه لم يكن واجبا واقعا، فلا يضر مخالفته. نعم ان قلنا بايجاب التجرى للعقوبة يستحقها في الفرض من قبل التجرى، وكذا الحال في ما إذا كان الواجب المعلوم مرددا بين ازيد من طرفين اولا، ثم علم بوجوده بين طرفين منها، فان الوجب بحكم العقل الاحتياط في الطرفين، وباقى الاطراف التى كانت طرفا للعلم اولا مورد للبراءة. والوجه في ذلك واضح. هذا فيما إذا تحقق العلم التفصيلي بعد العلم الاجمالي. وأما إذا قام طريق معتبر على احد الاطرف تفصيلا أو اجمالا في بعض اطرافه فهل يحكم بالبراءة فيما لم يقم عليه طريق، بمجرد قيام الطريق على بعض الاطراف، وإن لم يعمل به عصيانا أو أن الحكم بالبراءة - في الطرف الخالى عن الطريق - موقوف على العمل بمؤدى الطريق. مثلا لو فرضنا قيام طريق معتبر على وجوب الظهر، بعد العلم الاجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة، فهل يحكم بالبراءة عن الجمعة، وعدم صحة العقاب عليها، وإن لم يأت بالظهر عصيانا، أو أن الحكم بالبراءة عن تكليف الجمعة موقوف على اتيانه بالظهر الذى كان واجبا بمقتضى الطريق ؟ وتظهر الثمرة فيما لو لم يات بالظهر، واتفق كون الواجب هو الجمعة، ولم يأت بها ايضا. فعلى الاول لا يستحق العقاب اصلا، أما على ترك الجمعة فلكون وجوبها موردا للبراءة. واما على ترك الظهر فلعدم كونه واجبا في الواقع. وقد تحقق في محله أن مخالفته لا توجب العقوبة الا على تقدير مصادفتها مخالفة الواقع. والمفروض عدمها في المقام. وعلى الثاني يستحق العقوبة على ترك الواجب الواقعي، لان المفروض أن جريان البراءة في مورده يتوقف على اتيان مؤدى الطريق، ولم يأت به. الاقوى

[ 118 ]

[ هو الثاني (57)، لان قيام الطريق لا يوجب انحلال العلم الاجمالي حقيقة، بداهة أن الاجمال باق في النفس بعد، فلا يرتفع اثره عند العقل، غاية الامر أنه لما نزل الشارع مؤدى الطريق منزلة الواقع، يجب بحكم العقل قيامه في مقام الامتثال مقام الواقع، فلو أدى الى وجوب الظهر بعد العلم الاجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة، فاتيانه بمنزلة اتيان الواجب الواقعي، فلو كان واجبا واقعا فهو، والا كان بدلا عنه في مرحلة الامتثال، فيكفى في مقام لزوم امتثال الواجب الاتيان بمؤدى الطريق. وأما لو لم يأت بمؤدى الطريق، ولا بالواقع، فيستحق العقاب، لانه لم يأت بالواقع - المنجز عليه بسبب العلم الاجمالي - لا اصلا ولا بدلا. ومن هنا اتضح ان اثر العلم الاجمالي لا يرتفع بمحض قيام الطريق على بعض اطرافه، بل يكون الاتيان بموارده بدلا عن الواقع في مرحلة الامتثال، فيتخير المكلف بين اتيان الاصل واتيان البدل. إذا عرفت ذلك ظهر لك أن لازم ما ذكرنا كون العمل الطرق مساويا للعمل بالواقع في مقام الامتثال عقلا، فإذا تمكن من العلم يتخير بين تحصيل العلم بالواقع والعلم بالطريق، وعند عدم التمكن من العلم، يقوم الظن في كل منهما مقام العلم. (الوجه الثاني) ما أفاده بعض المحققين، ومحصل كلامه قدس سره يتضح في ضمن مقدمات: (الاولى) العلم بكوننا مكلفين بالاحكام الشرعية اجمالا، وانه لم (57) لا يخفى أن ذلك ينافي ما يأتي منه - دام بقاه - في البراءة من انحلال العلم بقيام الطرق في بعض الاطراف، ولو التزم احد بعدم انحلاله، فيلزمه ذلك حتى على القول بانفتاح باب العلمي، وهو كما ترى.

[ 119 ]

يسقط عنا التكليف بواسطة الجهل بخصوصياته. (الثانية) أن كل ما يجب العلم به في زمان الانفتاح يجب الظن به عند الانسداد. (الثالثة) انه في حال الانفتاح يجب العلم ببراءة الذمة في حكم الشارع، دون العلم باتيان الواقع. (الرابعة) - بعد لزوم تحصيل الظن بالبراءة في حكم الشارع في حال الانسداد - ان الظن بالواقع لا يلازم الظن بالبراءة في نظر الشارع، بخلاف الظن بالطريق، فتنحصر الحجة في زمان الانسداد بالظن بالطريق، والاوليان بمكان من الوضوح. والدليل - على الثالثة على ما افاده قدس سره في مقدمات هذا المطلب - هو (ان المناط في وجوب الاخذ بالعلم وتحصيل اليقين من الدليل، هل هو تحصيل اليقين بمصادفة الاحكام الواقعية الاولية، إلا أن يقوم الدليل على الاكتفاء بغيره، أو أن الواجب أولا هو تحصيل اليقين بتحصيل الاحكام، واداء الاعمال على وجه اراد الشارع منافى الظاهر، وحكم معه قطعا بتفريغ الذمة، بملاحظة الطرق المقررة لمعرفتها، مما جعلها وسيلة للوصول إليها، سواء علم بمطابقة الواقع أو ظن ذلك، أو لم يحصل به شئ منهما ؟ وجهان: والذى يقتضيه التحقيق هو الثاني، فانه القدر الذى يحكم العقل قطعا بوجوبه، ودلت الادله المتقدمة على اعتباره، ولو حصل العلم بها، على الوجه المذكور، لم يحكم العقل قطعا بوجوب تحصيل العلم بما في الواقع، ولم يرد شئ من الادلة الشرعية بوجوب تحصيل شئ وراء ذلك، بل الادلة الشرعية قائمة على خلاف ذلك، إذ لم تبن الشريعة من اول الامر على وجوب تحصيل كل من الاحكام الواقعية على سبيل القطع

[ 120 ]

[ واليقين، ولم يقع التكيف به حين انفتاح سبيل العلم بالواقع، وفى ملاحظة طريق السلف من زمن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام كفاية في ذلك، إذ لم يوجب النبي صلى الله عليه وآله - على جميع من في بلده من الرجال والنساء - السماع منه في تبليغ الاحكام أو حصول التواتر لآحادهم بالنسبة الى آحاد الاحكام أو قيام القرينة القاطعة على عدم تعمد الكذب أو الغلط في الفهم أو في سماع اللفظ، بل لو سمعوه من الثقة اكتفوا به) انتهى كلامه رفع مقامه. وحاصل ما افاده قدس سره ان الواجب بحكم العقل تحصيل العلم بالبراءة في حكم الشارع في حال الانفتاح. ولما كان الواجب في حال الانسداد تحصيل الظن بما كان يجب تحصيل العلم به حال الانفتاح، يلزم تحصيل الظن بالبراءة في حكم الشارع. وأما الدليل على ان العمل بالظن بالطريق يوجب الظن بالبراءة في حكم الشارع، دون العمل بالظن بالواقع، فهو ما اشار إليه في طى كلماته، من ان الظن بالعمل بالواقع قد يجامع القطع بعدم البراءة عند الشك، كالظن القياسي، فتعين العمل بالظن بالطريق، فانه ملازم الظن بالمبره ع. والجواب (اولا) بالنقض بما قام الظن القياسي على حجية طريق، فانه ليس بمعتبر قطعا، فان كان عدم اعتبار ظن من الظنون موجبا لعدم الاعتماد على الباقي، فاللازم عدم الاخذ بالظن بالطريق ايضا. و (ثانيا) - أن ما اسسه - من لزوم تحصيل العلم بالبراءة في حكم المكلف - لا وجه، لانه ليس من وظيفة الآمر الحكم بالبراءة، وانما يحكم بها العقل، سواء اتى بنفس الواقع على وجه الجزم، أو اتى بمؤدى الطريق المجعول. أما في الاول فواضح لانه ليست براءه الذمة مستندة الى حكم ]

[ 121 ]

الشارع عند العمل بالقطع، بل القاطع يقطع ببراءة ذمته عن الواقع، من دون ملاحظة حكم من الشرع. واما في الثاني فلان العقل يحكم ايضا بان الاتيان بمؤدى الطريق الذى هو واقع ثانوى منزل في لسان الادلة منزلة الواقع الاولى، بمعنى عدم صحة العقاب عليه لو كان غير مؤدى الطريق. وكيف كان فالحكم بالبراءة عما كلفنا الشارع من العقل، وهو يلزمنا بتحصيل العلم بها في نفس الامر. ولا شك في ان البراءة اليقينية عند الانفتاح تحصل باحد امرين إما اتيان نفس الواقع، وإما اتيان ما هو مؤدى الطريق المعتبر، فاللازم عند الانسداد الظن بالبراءة في نفس الامر، وهو ايضا لا يختص باتيان ما هو مؤدى الطرق المظنونة. فالقول - بان العمل بالظن بالواقع لا يوجب الظن بالبراءة، بخلاف العمل بالظن بالطريق - تحكم. هذا فيما إذا علم بنصب الطريق اجمالا. وأما مع قطع النظر عن ذلك - كما هو مبنى كلام المستدل - فلنا ان نمنع جواز العمل بالظن بالطريق اصلا، كما عرفت مما ذكرنا سابقا فراجع. الامر الثالث هل المقدمات المذكورة - على تقدير - تماميتها تنتج اعتبار الظن على نحو حكومة العقل أو موجبة لكشف العقل عن اعتبار الظن شرعا ؟ الحق هو الاول، فان العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات يوجب وجوب الامتثال بحكم العقل، فان تمكن من ذلك ولم يكن له مانع تعين عليه الامتثال القطعي، وان لم يتمكن أو اسقط عنه الشارع الامتثال القطعي، يجب التنزل إلى الظن، لانه اقرب الى الواقع المنجز عليه، بمقتضى العلم من الشك أو الوهم. ولا يجوز العقل - بعد وجود مراتب متفاوته للامتثال - المصير الى المرتبة النازلة إلا بعد عدم

[ 122 ]

التمكن من ما فوقها، أو سقوطه بالاذن الشرعي. وبعد وجود هذا الحكم القطعي من العقل، لا يجب على الشارع جعل الطريق. فان قلت: الامر كما تقول فيما إذا كان رفع اليد عن المرتبة العليا بواسطة عدم التمكن عقلا. وأما إذا كان بواسطة اذن الشارع، فيكشف عن عدم فعلية الاحكام على تقدير تحققها في البعض المرخص فيه، لامتناع اجتماع الحكمين الفعلين في مورد واحد، ووجودها في البعض الآخر غير معلوم، فاذن ينتفى اثر العلم الاجمالي بالمرة. فللقائل باعتبار الظن من باب الكشف أن يقول: لم يبق لنا الا الاجماع على عدم جواز ترك التعرض للاحكام الواقعية بوجه من الوجوه، واجماع آخر على عدم جواز الاقتصار على مجرد اتيان المشكوكات أو الموهومات، فيثبت بذينك الاجماعين جعل طريق من الشارع، إذ لو لا ذلك لما صح عقلا العقاب على ترك التعرض للاحكام، فان ما كان منجزا وهو العلم الاجمالي قد ارتفع اثره. ولما كان الطريق القابل للسلوك في نظر المكلف في الحال التى هو عليها منحصرا بالظن يكشف عن اعتباره. قلت رفع اثر العلم الاجمالي - مطلقا بواسطة الاذن في بعض الاطراف - ممنوع. أما بناءا على عدم المنافاة بين فعلية الاحكام الواقعية والترخيص الوارد من الشرع في مورد الشك فواضح، لان العلم بوجود الاحكام الفعلية باق على حاله مع هذا الترخيص (58)، فيجب على (58) لا يخفى ان الترخيص لا ينافي فعلية الاحكام على هذا المبنى، إن كان في مرتبة الشك فيها، فانه لا منافاة بين الترخيص في مرتبة الشك مع الفعلية في مرحلة الذات المجردة عن الشك - كما مر مفصلا -. أما إذا كان الترخيص في مرتبة الذات كالثابت بادلة الحرج، فكيف تجتمع مع الفعلية على اي تقدير، والظاهر أن =

[ 123 ]

المكلف امتثال تلك الاحكام المعلومة إما قطعا إذا لم يكن له مانع، وإلا ينزل الى الظن بحكم العقل. واما بناءا على منافاة الاذن في بعض الاطراف مع فعلية الواقع. فلعدم الملازمة بين الترخيص ورفع الفعلية على الاطلاق، بل غاية ما يلزم الترخيص رفع الفعلية بمقدار يقتضى الموافقة القطعية. هذا إذا قلنا بوجوب امتثال الاحكام الواقعية من جهة ثبوت العلم الاجمالي، كما هو الحق. وأما بناءا على عدم تنجيز العلم الاجمالي والتمسك - لعدم جواز ترك التعرض للاحكام الواقعية المجهولة - بالاجماع، فيمكن ان يقال ان لازم هذا المبنى التزام جعل الظن من قبل الشارع. توضيح المقام أن صاحب هذا المبنى يحكم بالبراءة في تمام اطراف العلم الاجمالي، لانه كالشك البدوى عنده بحسب الفرض، غاية الامر تحقق الاجماع في المقام على عدم البراءة في تمام الاطراف، فان التنافي بينهما لا يحتاج الى بيان. نعم لو قيل بان الحرج في بعض الاطراف مرفوع بعنوان المشكوكية وبعبارة اخرى: لو قيل بان المرفوع هو الحكم بوجوب الاحتياط في جميع الاطراف لانفس الواقع، حيث انه ليس بحرجي لصح ما افاده، لكنه قد مر منا أن الحرج لا يرفع به الا نفس الواقع ولو بتقييد اطلاقه. وأما الحكم بوجوب الاحتياط، فان كان من قبل الشرع في مورد يكون حرجيا، فلا يرفع ب‍ (لا حرج) بل الدليل المثبت لذلك الحكم مخصص لادلة الحرج، لانه ورد في مورد الحرج، وان كان بحكم العقل للعلم الاجمالي بالحكم، فرفعه - ما لم يرفع موضوعه - تخصيص في حكم العقل، وهو محال. فلابد من رفع فعلية الواقع على تقدير تصادف رفع الحرج به، فينتفي العلم بالفعلية. ومقتضى ذلك عدم وجوب =

[ 124 ]

اقتصر على دعوى هذا الاجماع، لا يجب عليه عقلا الا الاتيان ببعض الاطراف، وان كان من موارد المشكوكات أو الموهومات. وهذا ايضا لم يقل به احد، فيتحقق اجماع آخر على عدم جواز الاقتصار على اتيان المشكوكات أو الموهومات، فينتج الاجماعان اعتبار طريق من الشارع. ولما لم يكن ما يقبل السلوك بحسب حال المكلف إلا الظن، يكشف عن اعتباره من بين الطرق. هذا ولكن يمكن أن يقال إن المستكشف من الاجماع اهتمام الشارع بالواقعيات، وهذا يكفى في حكم العقل بالاطاعة بالمقدار الممكن، ولا يلزم جعل الطريق، فانا لو احرزنا من الشارع الاهتمام بامر، نحكم بلزوم مراعاته، وان كان من موارد الشكوك البدوية. ومن هذا الباب حكمهم بلزوم الاحتياط في باب الاعراض والدماء والاموال. ومن هنا ظهر عدم الاحتياج إلى دعوى الاجماع الثاني، فانه بعد انعقاد الاجماع على عدم جواز الرجوع الى البراءة في التكاليف المجهولة، يستكشف اهتمام الشارع بالواقعيات. وبعد هذا الاستكشاف يحكم العقل بلزوم مراعاته بقدر الامكان. = الاحتياط من رأس، إلا إذا استكشفناه من العقل، كما مر بيانه، أو من الاجماع على اهتمام الشارع للواقعيات، كما لو قيل بعدم تنجز العلم الاجمالي كما يذكره - دام ظله -. فظهر مما ذكرنا عدم الفرق بين القول بتنجز العلم، مع قطع النظر عن دليل الحرج، وعدم تنجزه في الحاجة إلى منجز آخر نعم على الاول يجري ما ذكر من حكم العقل بوجوب الجمع بين الغرضين على الشارع الحكيم. وعلى ذلك ينحصر الدليل على العلم - باهمية الواقعيات الشرعية حتى في حال الشك مثلا - من اجماع أو مناط آخر، فافهم.

[ 125 ]

والحاصل أن القطع - بجعل الطريق من قبل الشارع بواسطة مقدمات الانسداد - مما لا وجه له، بعد وجود الطريق العقلائي الامتثال الذى يحكم العقل بوجوب الاخذ به في مقام الاطاعة. وليس هذا من الاحكام العقلية التى يستكشف منها الحكم الشرعي من باب الملازمة، لان الحكم في باب الاطاعة والعصيان ليس من وظيفة المولى، ولو صدر من قبله حكم في هذا الباب يحمل على الارشاد. هذا. الامر الرابع هل المقدمات تنتج اعتبار الظن على نحو الاطلاق، أو على نحو التقييد بظن خاص، أو تنتج اعتباره على نحو الاهمال ؟ ثم الاطلاق والتقييد قد يعتبر ان بالنسبة الى الاسباب، وقد يعتبران بالنسبة الى مراتب الظن، وقد يعتبران بالنسبة إلى الموارد. وتحقيق المقام أن يقال إنه لا وجه للالتزام باهمال النتيجة، بحيث تبقى الحجة مرددة بين ابعاض الظنون، أو بينها، وبين سائر الطرق الاخر. بيان ذلك أنا لو بنينا على حكومة العقل، فلا يخلو إما أن نقول بحرمة المخالفة في المعلوم بالاجمال الا بمقدار العسر والحرج وإما أن نقول إن الحرج اوجب سقوط الموافقة القطعية قيام الموافقة الظنية في المقدار المعلوم بالاجمال مقام الموافقة العلمية، فعلى الاول لا يجوز ترك الاحتياط الا في مقدار يكون حرجا على المكلف، فان ارتفع الحرج بترك الاحتياط في موارد الاطمينان بعدم التكليف، يجب الاقتصار عليه، وإلا يتعدى في ترك الاحتياط إلى باقى الظنون النافية للتكليف. وهكذا. وعلى الثاني يجب الرجوع إلى الظنون الاطمينانية المثبتة للتكليف، لو كانت وافية بالمقدار المعلوم بالاجمال، والا يتممها من باقى الظنون، ويعمل في الزائد بالاصل. ولا فرق فيما ذكرنا على القولين بين اسباب الظن، كما انه في حال الانفتاح لا فرق بين اسباب حصول العلم

[ 126 ]

في لزوم اتباعه عقلا، وكذا لا فرق بين الموارد لان المعيار عند العقل هنا العلم بالتكليف. نعم يمكن أن يقال - بناءا على الاول - الظن الاطمينانى بعدم التكليف لا يؤخذ به في الموارد التى عرفت اهتمام الشارع بها، كالدماء والفروج والاموال وامثال ذلك (59) بل يحتاط فيها، كما أنه بناءا على الثاني لا تكون هذه الموارد مجرى للبراءة، وان كانت خارجة عن مورد الظن الاطمينانى. هذا بناءا على حكومة العقل. وأما بناءا على الكشف، فالذي ذهب إليه صاحب هذا القول أن العقل يكشف عن حجية طريق واصل الينا، دون الطريق الواقعي الذى يبقى مجهولا عندنا، فان وجه اعتبار الطريق في هذا الحال رفع تحير المكلف من الواقعيات المشكوك فيها، فلا معنى لجعل طريق واقعى يكون المكلف متحيرا فيه. ومقتضى هذا القول أن يؤخذ بالقدر المتيقن، ولو في حال الانسداد إن كان في البين وكان وافيا في الفقه، وإلا فان كان لبعض الظنون ترجيح في نظرنا وأمكن الاكتفاء به في الفقه نقتصر عليه، والا نأخذ بمطلق الظن. (59) والسر - في عدم جواز العمل بالظن في هذه الموارد - أنه نعلم بوجوب الاحتياط في خصوصها ولو كان حرجيا، لان الحرج لا يرفع ما ثبت في مورد الحرج بل يخصص بذك العلم كما اشرنا إليه سابقا فلا تتم فيها المقدمات حتى تصح النتيجة. ولا فرق في ذلك بين تقريب الكشف والحكومة، وبين القول بان الظن في حال الانسداد كالعلم، أو القول بلزوم التبعيض في الاحتياط، والاكتفاء في رفع الحرج بالظنون، أو القول بكفاية الموافقة الظنية، لانه بعد اختلال هذه المقدمة - أي عدم وجوب الاحتياط في خصوص هذه الموارد - تختل النتيجة على جميع التقادير، ولا محيص الا العمل بالاحتياط.

[ 127 ]

هذا ثم إنه على تقدير القول بحجية الطرق الواقعية، فاللازم الاحتياط باخذ الجميع لو لم يكن فيه محذور، والا فاللازم ترتيب مقدمات الانسداد في الطريق إلى أن ينتهى إلى مقدار من الظن لا يكون زائدا على قدر الكفاية في الفقه، ولم يكن محذور في الاحتياط فيه والدليل على ذلك أن الطرق احكام ثانوية شرعية، فكما أن انسداد باب العلم بالنسبة الى الاحكام الواقعية مع سائر المقدمات يقتضى جعل الشارع طريقا إليها، كذلك حال انسداد باب العلم بالنسبة إلى الاحكام الثانوية، من غير تفاوت اصلا. ومما ذكرنا يظهر لك أنه لا وجه لتوهم أنه على تقدير اشتباه الطرق الواقعية المجهولة، وعدم لزوم الاحتياط، لابد من الانتهاء الى حكومة العقل، فان القائل بهذا المبنى ليس قائلا بحكومة العقل، وإلا لم يقل بالطرق الشرعية المجعولة محال الانسداد. هذا. الامرا الخامس - أنه - بناءا على حجية الظن من باب الحكومة - قد استشكل في الظن القياسي. وملخص الاشكال فيه أنه ان قلنا بحجية الظن القياسي في حال الانسداد - كباقي الظنون - فهو مخالف للاخبار المتواترة، بل اجماع الشيعة على الخلاف، وإن قلنا بعدم حجيته، فلا يخلو إما أن يقال بعدم ملاك الحجية فيه، وإما أن يقال بوجود الملاك فيه. والاول باطل، لان ملاك الحجية عقلا - في حال الانسداد - ليس الا الظن. والثانى موجب للتخصيص في حكم العقل وهو محال. فان قيل: نلتزم بعدم حجيته، ونختار الشق الاول، نقول بأن الملاك عند العقل هو الظن الذى لم يمنع عنه الشارع، فإذا منع الشارع عن ظن يخرج عن موضوع حكم العقل، فخروج الظن القياسي تخصص لا تخصيص.

[ 128 ]

(قلت) هذا موقوف على صحة منع الشارع عن العمل بالظن في حال الانسداد، ولا يمكن ذلك، إذ لو صح لما قطع العقل بحجية سائر الظنون ايضا، لاحتمال منع الشارع عن العمل بها. ولا دافع للاحتمال المذكور إلا حكم العقل بقبح المنع من الشارع. ولا يخفى أن هذا الاشكال لا يبتني على القول بحجية الظن، بل يأتي على القول بالتبعيض في الاحتياط ايضا. نعم مورد الاشكال على الاول هو الظن القياسي المثبت للتكليف، وعلى الثاني هو الظن القياسي النافي له، كما يظهر وجهه بادنى تأمل. والجواب عن الاشكال أنا نلتزم بان المعتبر - بحكم العقل في حال الانسداد - هو الظن الذى لم يعلم منعه من قبل الشارع، فإذا علم المنع يخرج عن موضوع حكم العقل. وهذه الدعوى تنحل إلى دعاوى ثلاث: (الاولى) - ان المعتبر عند العقل ليس مطلق الظن. (الثانية) - أن الخصوصية المعتبرة في الموضوع هو عدم العلم بمنع الشارع، لا عدم منع الشارع واقعا. (الثالثة) - جواز منع الشارع عن العمل بظن في حال الانسداد. أما الدليل على الاولى، فهو أن وجه الزام العقل العمل بالظن إنما هو. تنجز الواقعيات بواسطة قيام الحجة عليها من العلم الاجمالي، وأنه مع هذا الوصف لا يؤمن المكلف من العقاب لو ترك العمل بما يظن كونه حكما واقعيا، وبعد منع الشارع عن العمل بظن يقطع بعد العقاب على مؤدى ذلك الظن وإن كان حكما واقيعا (60). (60) وفيه ما لا يخفى، فان النهي عن العمل بالظن كيف يرفع العقاب الثابت بالعلم الاجمالي، وهل الظن حينئذ إلا كالشك، فان المنجز للتكليف لم =

[ 129 ]

وأما الدليل على الثانية، فهو أن احتمال منع الشارع عن العمل بظن في حال الانسداد راجع إلى احتمال براءة ذمة المكلف عن مؤداه لو كان حكما واقعيا (61)، وبعد قيام الحجة - اعني العلم الاجمالي - = يكن هذا حتى يقطع بعدم العقاب عند عدم حجيته، والمنع المذكور لا يؤثر في تنجيز العلم وعدم تنجيزه، كما لا يؤثر فيه انتفاء اصل الظن وتبدله إلى الشك. فالاولى أن يقال أن من المقدمات انسداد باب العلم في الاحكام والطرق، وإذا علم في مورد النهي الشرعي، يخرج ذلك المورد عما تجري فيه المقدمات، سواء كان بالنسبة الى نفس الواقع أو الطرق وكذلك بعد العلم بالنهي عن الظن القياسي، يخرج هذا الظن عن مورد الانسداد، لكن بعد ذلك لابد من العمل بمقتضى القاعدة، فبناءا على التبعيض في الاحتياط، لا يضر خروجه بلزوم الاحتياط في مورده. بل وكذا على تقدير لزوم الموافقة الظنية، لان الاكتفاء بهذا الظن ما لم يكن الا بمناط الاقربية إلى الواقع عند العقل، وهو بعد النهي موجود كما كان موجودا قبله. لكن الظاهر أن حكم العقل بالاكتفاء بالموافقة الظنينة ايضا هو بعد انتفاء المقدمة المذكورة، اعني انسداد باب العلم نفيا واثباتا حتى في الطريق. نعم لو قيل: إن الظن في حال الانسداد كالعلم اثباتا ونفيا، فهذا لا يجتمع مع النهي، لكن لا لما ذكر من القطع بعدم العقاب بل لما ذكرنا من انفتاح باب العلم بعد النهي. ولا فرق فيما ذكرنا بين كون النهي عن الظن المذكور وضعيا، بمعنى عدم جواز العمل به، لان النهي على كلا التقديرين ليس الا عن العمل به معتمدا عليه، لا لرجاء الوصول الى الواقع. نعم لو دل النهي على حرمة العمل - بمعنى حرمة المظنون - فيخرج عن محل الكلام، لانه مع القطع بالحرمة لم يبق الظن بالوجوب مثلا، لكنه لم يلتزم أحد بذلك. (61) قد علم - مما ذكرناه في التعليقة السابقة - أن النهى عن الظن - ولو =

[ 130 ]

لا يعتنى بهذا الاحتمال. وهل هذا الا كاحتمال حجية ظن في حال الانفتاح ؟ فكما أنه هنالك لا يجوز الاكتفاء بالاحتمال المذكور في قبال الامتثال العلمي، كذلك هنا لا يجوز الاعتماد عليه في قبال الامتثال الظنى. وهذا واضح جدا. وأما الدليل على الثالثة، فهو أن وجه عدم الجواز منحصر في امرين (احدهما) - اجتماع الحكمين المتضادين في موضوع واحد (ثانيهما) - تفويت المصلحة. والجواب عن الاول أن اختلاف مرتبة الحكم الظاهرى والواقعي يصحح وجودهما بدون تناف وتضاد اصلا، وعن الثاني أن تفويت المصلحة قبيح لو لم تكن تلك المصلحة مزاحمة مع مصلحة اخرى، إما في الجعل وإما في متعلقه. وقد ذكرنا نظير ما ذكر هنا في رد اشكال جعل الطريق في حالا الانفتاح مستقصى، فراجع. فان المقامين من واد واحد. = صار مقطوعا - لا يلازم براءة الذمة عن مؤداه، فاحتماله لا يلازم ذلك بطريق اولى. وفيه: أيضا ما يأتي منه - دام ظله - أن احتمال المنع في حال الانسداد عن ظن ليس الا كاحتمال جعله في حال الانفتاح، فكما ان الاول لا ينافي استقلال العقل بعدم الحجية، كذلك الثاني لا ينافي استقلاله بالحجية، لان الجعل الواقعي لا يترتب عليه شئ، فكيف يلازم - احتمال ما يترتب على واقعه شئ - احتمال براءة الذمة مع فرض العلم بعدم بلوغ النهي. ومن جميع ما ذكر يظهر ما في الثالثة من الاشكال والجواب، فان النهي عن العمل بالظن - ولو تحريما - غر مرتبط باجتماع الحكمين وتفويت المصلحة، حتى يحتاج إلى ما ذكر في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، لان المفروض أن النهي متعلق بالاعتماد على الظن لا بنفس الواقع، نعم لو تعلق بنفس الواقع صح ما ذكر جوابا وايرادا، لكن الفرض غير واقع.

[ 131 ]

اشكالا وجواب. (الامر السادس) أنه لو قام فرد من افراد مطلق الظن على حرمة العمل ببعضها، فهل يجب الاخذ بالظن المانع أو الممنوع، أو يحكم بالتخيير، أو يسقط كلاهما عن الاعتبار ؟ اقول قد عرفت - مما ذكرنا سابقا في تعيين نتيجة دليل الانسداد - أن مقتضى القاعدة احد امرين: إما التبعيض في الاحتياط - وهو تركه في الموارد التي يطمأن بعدم ثبوت التكليف، واتيان الباقي إذا ارتفع الحرج بذلك، وإلا يتعدى إلى مطلق الظن النافي. وأما الظنون المثبتة فحالها عند هذا القائل حال الشك يحتاط فيها، لانها من اطراف العلم لا من جهة انها ظنون. وإما وجوب العمل على طبق الظنون الاطمينانية المثبتة للتكليف بمقدار المعلوم بالاجمال. وأما الظنون النافية فحالها عند هذا القائل حال الشك في الاخذ بمقتضى الاصل، فعدم الاحتياط فيها ليس من جهة الظن بعدم التكليف، بل لان مواردها مجرى الاصل. وعلى كلا الحالين لا اشكال في المقام، حتى يحتاج الى الدفع. أما على الاول فالظن الممنوع إن كان مثبتا للتكليف، فيجب عليه أن يحتاط في مورده، لا لانه ظن، بل لانه من موارد الاحتمال، فلا يضر هذا المدعى الظن بعدم حجية الظن المفروض، بل لو قطع بعدم حجيته ايضا يحتاط في مورده، لانه من اطراف العلم. والحاصل أن المدعى لهذا القول لا يأخذ الظن المذكور حجة، حتى يمنعه الظن المانع، وان كان نافيا له، وكان من الظنون الاطمينانية أو بنينا على التعدي منها إلى غيرها من الظنون، لعدم ارتفاع الحرج بترك الاحتياط في خصوص الظنون الاطمينانية، فلو كان المرجع في عدم حجيته

[ 132 ]

الى مجرد أن الشارع لم يجعله حجة، فلا اشكال في أن الظن بعدم الحجية بهذا المعنى لا يضر بترك الاحتياط، بمقدار رفع الحرج بمقتضى الظنون النافية للتكليف، بداهة أن تارك الاحتياط في المقدار المذكور في موارد الظنون النافية وإن كان بعضها مما ظن عدم اعتباره لا يخرج من أنه ظان ببراءة ذمته مما كان عليه. والعقل لا يحكم عليه بازيد مما ذكر، ولو كان المرجع الى حرمة العمل بالظن المفروض بحيث كان المظنون أن العمل به محرم في هذا الحال، فلا اشكال في تقديم الظن المانع، فان ترك الاحتياط حينئذ يظن أنه من المحرمات، فاللازم طرح هذا الظن المتعلق بنفى التكليف الاولى، وجعل المورد كالموارد التى لا ظن فيه اصلا. هذا مقتضى القول الاول أعنى التبعيض في الاحتياط. وأما على الثاني فالظنون النافية للتكليف باسرها لا يتفاوت حالها بين ان يظن عدم حجيتها أم لا، لان العمل بمقتضى تلك الظنون ليس من باب انها ظنون، بل لاجراء الاصل في مواردها. واما الظنون المثبتة له، فان كان عنده من الظنون الاطمينانية ما بقى بمقدار التكليف المعلوم، وما ظن عدم حجيته كان من الظنون الضعيفة، فلا اشكال ايضا، فان ما يجب اخذه لا مانع فيه. وما فيه المانع لا يجب اخذه، وان كان ما يظن عدم حجيته من الظنون الاطميانية أو من غيرها، بناءا على عدم كفاية تلك الظنون. فنقول: إن كان مرجع عدم الحجية إلى مجرد أن الشارع لم يجعله حجة، فلا مانع من العمل بالظنون المفروضة، فان العامل بها في حال الانسداد لا يخلو من أنه وافق المقدار المعلوم من التكاليف بالظن الاطمينانى أو بمطلق، على اختلاف حال الاشخاص، والعقل لا يلزم بأزيد من ذلك على المبنى الذى ذكرناه سابقا، وإن كان المرجع الى ان

[ 133 ]

الشارع جعل العمل به محرما، فلا اشكال في أن الاتيان بمؤدى الظن الممنوع لا يعد من الموافقة الظنية، فان مقتضى حرمة العمل بالظن المفروض - في هذه الحال - عدم فعلية الواقع المتعلق للظن الممنوع، فان الظن - بحرمة العمل بظن فعلا - يلازم الظن بان التكاليف الواقعية - التى فرض كونها مععلومة فعلا - في غير مؤدى الظن المفروض، فلا يعد العمل بالظن المفروض من الاطاعة الظنية للتكليف الفعلى، حتى يحكم بوجوبه. هذا ما يقتضيه النظر. واما لو قيل بحجية الظن في حال الانسداد اثباتا ونفيا، بمعنى وجوب الاخذ بمؤداه على كل حال في الواقعيات وفي الطرق، بحيث كان ملاك الحجية في الظنون المتعلقة بالواقع موجودا مطلقا، وكذا في الظنون المتعلقة بالطرق. وبعبارة اخرى كان حال الظن حال الانسداد، حال العلم حال الانفتاح، فيشكل الامر في المقام من حيث أن ملاك الاعتبار موجود في كليهما. والاخذ باحدهما دون آخر ترجيح بلا مرجح. وقد يقال في المقام بتقديم الظن المانع، فانه بمؤداه يمنع عن الظن الممنوع بخلاف الظن الممنوع، فانه بمؤداه لا ينفى المانع، بل ينفيه بواسطة المنافاة، وعدم امكان الاجتماع في الحجية، فخروج الظن الممنوع من باب التخصص، لانه من الظنون التى قام الدليل على عدم اعتبارها، وقلنا بان موضوع الحجية عند العقل الظن لم يقم دليل على عدم اعتباره، بخلاف الظن المانع، فانه ان خرج فانما هو من باب التخصيص. ثم قاس هذا القائل المقام بمسألة الشك السببي والمسببي، فان الوجه - في تقديم الشك السببي - هو ان دخوله تحت الدليل يوجب خروج الشك المسببى موضوعا، بخلاف الشك المسببى، فانه

[ 134 ]

لا يوجب خروج الشك السببي موضوعا بل يوجب خروجه حكما من باب المنافاة، فيقدم الاول لتقدم التخصص على التخصيص. هذا. وفيه أن قياس المقام بمسألة وجود الشك السببي والمسببي فاسد من وجوه: (احدها) - أن الامر في ذلك المقام دائر بين التخصيص والتخصص، بخلاف مقامنا، فان اجراء الحكم على كل من الظنين يوجب خروج الآخر عن الموضوع، لان المفروض أن الموضوع مقيد بعدم قيام الدليل على عدم حجيته، والدليل - على حجية شئ تلازم عدم حجية شئ آخر - دليل على عدم حجية ذلك الشئ الآخر. و (ثانيها) - أنه لو سلمنا أن الامر في ذلك المقام ايضا لم يكن دائرا بين التخصيص والتخصص، بل يكون كما يكون كالمقام دائرا بين تخصصين، كما إذا قلنا بحجية الاستصحاب من باب الطريقية، فيلزم منه القول بأنه إذا اجرى في الشك المسببى يزول الشك في السبب، كالعكس، من باب لزوم الاخذ بلوازم الطريق، ولكن يمكن القول بتقديم الشك السببي من جهة تقدم وجوده على الشك المسببى رتبة، فيرتب عليه حكمه، من دون مزاحم في مرتبته، حيث ان الشك المسببى الذى هو معلوله ليس موجودا في مرتبة العلة، بخلاف مقامنا هذا، لعدم الترتب بين الظنين في مرتبة الوجود. (62) و (ثالثها) أنه لو فرضنا كون الامر دائرا بين التخصيص والتخصص في المقام، فلا وجه ايضا لتقديم الظن المانع. (62) بل الظن المانع متأخر من حيث الرتبة، لان موضوعة عدم حجية الممنوع ومعلوم أن مرتبة الحجية وعدمها متأخرة عن اصل الحجة، والظن بالشئ =

[ 135 ]

توضيح ذلك أن تقدم التخصص على التخصيص - في مقام الدوران - انما يكون في المعلومات اللفظية من جهة لزوم الاخذ بظاهرها، الى أن يدل دليل على الخلاف، فما دام فرد العام موجودا، لا يجوز رفع اليد عن الحكم المستفاد من القضية الا بواسطة الدليل المخرج. وأما إذا انتفى الفرد عن الفردية، فليس رفع اليد عن حكمه خلافا للقاعدة. واما فيما نحن فيه، فان موضوع حكم العقل - مع قطع النظر عن وروده على المانع أو الممنوع - متحقق في كلا الفردين، لان كلا منهما ظن لم يقم دليل على عدم اعتباره. ومن الواضح أن مجرد لزوم التخصيص على تقدير آخر، لا يوجب الترجيح في حكم العقل، فان مسألة الترجيح بالتخصص إنما هي في مقام الاثبات والاستفادة، دون مقام اللب والثبوت، فلابد - في إجراء حكم العقل على احدهما دون الآخر - من خصوصية واقعية توجب ترجيح احدهما على الآخر عند العقل. فتدبر جيدا. ومما ذكرنا ظهر لك ما في ما افاده شيخنا المرتضى قدس سره في توجيه هذا الكلام، بقوله: (ان القطع بحجية المانع عين القطع بعدم حجية الممنوع، لان معنى حجية كل وجوب الأخذ بمؤداه، لكن القطع بحجية الممنوع - التى هي نقيض مؤدى المانع - مستلزم للقطع بعدم حجية المانع، فدخول المانع لا يستلزم خروج الممنوع. وإنما هو عين خروجه، فلا ترجيح ولا تخصيص، بخلاف دخول الممنوع، فانه يستلزم خروج المانع، فيصير = كالعلم، والشك فيه متأخر عن الشئ ايضا بمرتبة، فالظن المانع متأخر عن الممنوع بمرتبتين، فلو كان التقدم الرتبي علة لتقدم الشك السببي في الاستصحاب، فليكن الممنوع مقدما في الباب، كما لا يخفى عند اولى الالباب.

[ 136 ]

ترجيحا من غير مرجح انتهى). وانت خبير بما فيه، لانه مع قطع النظر عن الحكم الذى جاء من قبل دليل الانسداد، لم يكن بين الظنين تفاوت، فما الذى اوجب جريانه في الظن المانع دون الممنوع. والاولى في الجواب منع المبنى، بانا لا نسلم وجود ملاك الاعتبار في كل ظن لم يقم على عدم اعتباره دليل، بل الملاك إما الظن بعدم حصول المخالفة بمقدار ما علم اجمالا، أو الظن بحصول الموافقة بالمقدار المذكور. والظن الذى فرض كونه ممنوعا - إذا انسلخ منه ذانك العنوانان - لم يؤخذ به، لعدم وجود الملاك فيه، والا فلا مانع من الأخذ به ومع كون ملاك الاعتبار ما ذكرنا، لا يمكن وقوع التعارض بين فردين من الظن، فليتأمل جيدا. قال شيخنا الاستاذ دام بقاه في الكفاية في هذا المقام: (إن التحقيق - بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد - انه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع منه، فضلا عما إذا ظن، كما اشرنا إليه في الفصل السابق، فلا بد من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص، فان كفى، وإلا فبضميمة ما لم يظن المنع عنه، وان احتمل مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد، وان انسد باب هذا الاحتمال معها كما لا يخفى، وذلك ضرورة عدم الاحتمال مع الاستقلال حسب الفرض. ومنه انقدح انه لا يتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الاصول أو في الفروع أو فيهما انتهى). أقول احتمال منع الشارع في حال الانسداد عن ظن، كاحتمال جعل الشارع ظنا في حالا الانفتاح، فكما ان الاحتمال الثاني لا ينافى استقلال العقل بعدم الحجية، كذلك الاحتمال الاول لا ينافى استقلال العقل بالحجية. والسر في ذلك ان الجعل الواقعي للطريق اثباتا ونفيا

[ 137 ]

[ لا يترتب عليه أثر الحجية، ما لم يثبت بعلم أو علمي، فإذا لا منافاة بين احتمال منع الشارع عن اتباع ظن، واستقلال العقل بحجية، لعدم ثبوت ذلك المنع بطريق معتبر من العلم أو العلمي، وكذا لا منافاة بين الظن بذلك واقعا، واستقلال العقل بحجية الظن الممنوع، لتحقق الملاك في الظن الممنوع، دون المانع فتدبر جيدا. المبحث الثالث في مسائل الشك. وفيه مقاصد: المقصد الاول في اصالة البراءة اعلم ان من وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى الحكم الشرعي في الواقعة، فإما أن يكون قاطعا أولا، وعلى الثاني إما أن يكون له طريق معتبر أولا. ولا إشكال في أن مرجع القاطع الى قطعه، كما أنه لا إشكال في أن مرجع من جعل له طريق معتبر الى الطريق المجعول له. وأما الاخير فمرجعه الى القواعد المقررة للشاك، وهى منحصرة في اربع: لأن الشك إما ان تلاحظ فيه الحالة السابقة اولا، فالاول مجرى الاستصحاب، والثانى إما أن يكون الشك فيه في جنس التكليف اولا، والاول مجرى اصالة البراءة (63) والثانى إما أن يمكن فيه الاحتياط ام لا، فالاول مورد الاحتياط، والثانى مجرد التخيير. وإنما عدلنا - عما ذكره شيخنا المرتضى قدس سره من التقسيم - إلى ما ذكرنا، لانه لا يخلو عن مناقشة واختلال. ثم انك قد عرفت أن الشاك موضوع للقواعد الاربع، والمقصود بالبحث في هذه الرسالة التعرض لتلك القواعد تفصيلا، فههنا اربع مسائل:

[ 138 ]

اصالة البراءة المسألة الاولى في حكم الشاك في جنس التكليف، ولم تلاحظ له حالة سابقة، وأن حكمه - بعد الفحص عن الدليل واليأس عنه - هل هو البراءة أو الاحتياط. سواء كان الامر دائرا بين الحرمة وغير الوجوب، ام بين الوجوب وغير الحرمة، وسواء كان الشك من جهة عدم النص، ام من جهة اجمال النص، ام من جهة تعارض النصين، لان المقصود بيان الاصل في الشبهات البدوية، والصور المذكورة لا تفاوت بينها بحسبه، وإن اختص بعض منها بحكم آخر، لدليل خارجي. إذا عرفت هذا فنقول وبالله التوفيق: الاقوى أن مقتضى القاعدة في الشبهات المذكورة هو البراءة وعدم لزوم الاحتياط. (لنا) على ذلك حكم العقل بقبح العقاب من دون حجة وبيان، وهذه قاعدة مسلمة عند العدلية، ولا شبهة لاحد فيها، إلا أن ما يمكن أن يكون رافعا لموضوعها اصالة البراءة (63) لم تجر عادة الاصوليين على تقييد البراءة بالفحص، مع الشك في التكليف ليس مجرى البراءة الا بعد الفحص، ولعل القيد لوضوحه صار كالمذكور. =

[ 139 ]

بزعم الخصم امور، نتكلم فيها حتى يتضح الحال انشاء الله تعالى. (الاول) وجوب دفع الضرر المتحمل عقلا، وهذه ايضا قاعدة عقلية يجب العمل بها، فإذا كان الفعل محتمل الحرمة، يحتمل في ايجاده الضرر، وكذا إذا كان محتمل الوجوب، يحتمل في تركه الضرر. والعقل حاكم بوجوب دفع الضرر، فيجب بحكم العقل ترك الاول وايجاد الثاني. وبعد ثبوت هذا الحكم من العقل يرتفع موضوع تلك القاعدة. (والجواب) أن الضرر المأخوذ في موضوع القاعدة الثانية إن كان الضرر الاخروي، فلا يكون محتملا حتى يجب دفعه (64) لان المفروض عدم البيان في غير هذه القاعدة، وهى لا تكون بيانا الا على وجه دائر، لان جريانها يتوقف على الموضوع، والموضوع يتوقف على جريانها. وإن كان الضرر ما يكون لازما لفعل كل حرام، وترك كل واجب، كما يقول به العدلية، فاحتماله وإن كان ملازما لاحتمال التكليف، ولم يكن محتاجا إلى بيان، إلا أن حكم العقل بوجوب دفعه = وأما ما قد يقال: إن الشك قبل الفحص ليس بشك اصلا، فالظاهر أنه باطلاقه غير قابل للتصديق لو سلم ذلك في بعض المقامات. لا يقال: إنهم في ذلك المقام بصدد بيان المجرى، لا شرائط جريان الاصل. والفحص من شرائط الجريان. فانه يقال: نعم لولا تعبيرهم في مجرى الاستصحاب بالشك الذي تلاحظ فيه الحالة السابقة، نظرا الى اخراج ما لم تلاحظ فيه، ولو من جهة عدم الشرائط. (64) وقد مر منا أن الظن بالضرر - بمعنى العقاب - لا يمكن أن يكون بيانا، لانه على تقدير الاصابة لا يترتب عليه الا الوقوع فيه، كالعلم، ولا يكون مصصحا لعقاب آخر، ولا يتحقق الظن به، بل ولا احتماله إلا بعد البيان، والمفروض أنه معدوم في المقام.

[ 140 ]

[ ليس الا لاجل الخوف من الوقوع فيه، ولا يترتب على مخالفته سوى الوقوع في المفسدة الذاتية على تقدير الثبوت، ولا يكفى هذا الحكم في اثبات العقاب من المولى، لان عقاب المولى لا يصح الا مع المخالفة، ولا تتصور هنا مخالفة، إلا على تقدير الالتزام بأن إلقاء النفس في المفسدة المحتملة من الافعال القبيحة عند القعل على أي حال، سواء كان في الواقع مفسدة ام لا، حتى يستكشف بقاعدة الملازمة تعلق نهى الشارع بهذا العنوان، ويصير اتيانه مخالفة للنهى. وليس الامر كذلك، للزوم أن يكون محتمل المفسدة مقطوع المفسدة عند العقل. وهذا واضح البطلان. والحاصل أنه ليس في المقام الا ارشاد العقل بالتجنب عن المفسدة المحتلمة، ولا يترتب عليه الا نفس تلك المفسدة على تقدير الثبوت. وقد يجاب أيضا بان الشبهة في المفسدة من الشبهات الموضوعية = نعم لو كان الضرر الاخروي المحتمل هو المفاسد اللازمة للاشياء في الآخرة، من دون توقف على البيان كالذاتيات، فالعقاب وإن كان معلوم العدم، لكن نفس ذلك الاحتمال يصلح لردع المكلف عن مخالفة ظنه، لانه كاحتمال العقاب في عدم ارتياح المكلف معه، فاللازم على القائل بالبراءة بيان ما يريح المكلف من هذا الاحتمال. والذي يمكن أن يقال: ان هذه المفسدة - لما كانت مغفولا عنها عند العامة، بحيث لا يتحقق احتمالها الا لنادر - لو كانت ملازمة لذوات الواجبات والمحرمات من دون توقف على البيان، كان اللازم على الحكيم العالم بذلك الزام العباد بالتجنب عنها، ولو بعنوان آخر، مثل عنوان مشكوك التكليف بايجاب الاحتياط، فلو تمت ادلة الاحتياط، فيها، والا، نكشف من عدم وجوب الاحتياط عدم مفسدة ذاتية لترك الواجبات، أو فعل المحرمات الواقعية وأنها غير متوقفة على البيان.

[ 141 ]

[ التى لا يجب فيها الاحتياط اتفاقا. ولكنه مخدوش بعدم ثبوت الاتفاق على البراءة، حتى في مثل هذه الشبهة، كيف ؟ والخصم يستدل على دعواه بوجوب دفع المفسدة المحتملة. والمتيقن من مورد الاتفاق إنما هو الشبهات التى لم يكن كشفها وظيفة الشارع، مثل كون هذا المايع بولا أو خمرا ونحو ذلك فالعمدة في الجواب ما ذكرنا فلا تغفل (65). (الامر الثاني) أن الامور التى يمكن أن تكون بيانا وحجة على العقاب - بزعم الخصم - الآيات والاخبار. أما الآيات فهى على صنفين. (احدهما) ما دل على النهى عن القول بغير العلم. والجواب عنه واضح، لانا لا نقول بأن الواقعة المشكوكة محكومة بالحلية في نفس الامر، حتى يكون قولا بغير علم، بل نقول بان اتيان محتمل الحرمة بعد الفحص عن الدليل لا يوجب عقابا، وكذا ترك محتمل الوجوب. وهذا ليس قولا بغير علم، بل هو مقتضى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان. (ثانيهما) - ما دل بظاهره على لزوم الاحتياط والتورع والاتقاء، (65) لا يخفى أن ما ذكره - دام ظله - في الجواب لا يثمر إلا لنفي حكم العقل بوجوب دفع الضرر المظنون، ليكشف منه حكم الشرع بقاعدة الملازمة، حيث أنكر كون الجبليات والفطريات حكم العقل، كما في فطريات الحيوانات. وأما ذلك فلا ينفي حكم الشرع، تعبدا بحرمة مخالفة تلك الجبلة، إذا ورد عليه دليل آخر غير ما ادعى من العقل، كما ان عد إهلاك الانسان نفسه من الجبليات. ولكن مع ذلك ورد من الشارع حرمته بالاجماع والكتاب والسنة، فيمكن أن يكون الاضرار ايضا كذلك، حيث أنه لا اشكال في حرمة الاضرار على النفس أو المال أو العرض إذا لم يكن مما يتسامح ويتحمل عادة بالاجماع أو بلا ضرر، فليس الجواب =

[ 142 ]

[ مثل قوله تعالى: (واتقوا الله حق تقاته) (وجاهدوا في الله حق جهاده) وقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) وكذا (لا تلقوا بايديكم الى التهلكة). والجواب عما عدا الاخير أن الاتقاء يشمل فعل المندوبات وترك المكروهات. ولا اشكال في عدم وجوبهما، فيدور الامر بين تقييد المادة بغيرهما وبين التصرف في هيئة الطلب، بحملها على ارادة مطلق الرجحان، حتى لا ينافى فعل المندوب وترك المكروه. ولا اشكال في عدم اولوية الاول إن لم نقل باولوية الثاني، من جهة كثرة استعمالها في غير الوجوب، حتى قيل: إنه صار من المجازات الراجحة لمساواة احتمالها مع الحقيقة. وأما عن آية التهلكة فبان الهلاك بمعنى العقاب معلوم العدم، لعدم البيان عليه، وبدونه قبيح. ولا يمكن ان يكون هذا النهى بيانا، إذ موضوعه التهلكة، ولا يمكن ان يتحقق الموضوع بواسطة حكمه. واما الهلاك بمعنى المفاسد المترتبة على فعل الحرام وترك الواجب، فالحق ان الآية لا تشملها، لانها مما لم يقل به إلا الا وحدي من الناس بالبرهان = الا أن ما اجمع على حرمته - ولو كان عنوانا عاما، أو ورد عليها دليل - هو الضرر الواقعي، والتمسك بهما في مورد الشك تمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وأما ما أورد عليه من أن المتيقن من مورد الاتفاق انما هو الشبهات التى لم يكن كشفها وظيفة الشارع. ففيه: أن الشارع إذا حرم شيئا بعنوان الضرر، فلا ريب أن تعيين مصداق الضرر خارج عن وظيفته. نعم في بعض الموارد يمكن أن يكون الضرر الواقعي مخفيا، بحيث يجب على الشارع اعلام العباد، ولو بانشاء حكم الزامي عليه بعنوانه. وهذا لا ربط له باثبات الحرمة بعنوان لا ضرر. فالجواب لهذا التمسك منحصر بما ذكر من أنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقيه، ولذا يجوز لمن يجوز التمسك به فيها التمسك لاثبات الحرمة في المقام بلا ضرر، فلا تغفل.

[ 143 ]

العقلي، حتى أن بعضا من العدلية لا يلتزمون بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلق، بل يكتفون بوجود المصلحة في التكليف. فكيف تحمل الخطابات - المنزلة على فهم العرف - على هذا المعنى الدقيق الذى لا يعرفه الا البعض بمقتضى البرهان العقلي. ويمكن ان يقال - على فرض شمولها للمفاسد الذاتية - لا تدل على دعوى الخصم، لانها تدل على حرمة إلقاء النفس في التهلكة الواقعية، ولا دلالة لها على حكم حال الشك. وفيه ان الظاهر أن إلقاء النفس في التهلكة اعم من الاقدام على التهلكة اليقينة والمحتملة عرفا، ولا اقل من شمولها لموارد الظن بالتهلكة، وان كان غير معتبر، فيلحق به الشك، لعدم القول بالفصل، فالاولى في الجواب ما ذكرنا. وأما الاخبار فهى على اصناف: (الاول) ما يدل على حرمة القول بغير علم، وقد مر الجواب عنه. (الثاني) ما يدل على وجوب التوقف عند الشبهة، وهذا الصنف مختص بالشهبة التحريمية، بقرينة التوقف الذى يكون عبارة عن عدم المضى والحركة الى جانب الفعل. (الثالث) الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط، وهى اعم موردا من السابق، لانها تشمل الشبهة التحريمية والوجوبية. أما ما يدل منها على التوقف، فهو اكثر من ان يحصى. وتقريب الاستدلال به أن الظاهر - من هذه الاخبار الكثيرة - أن عدم التوقف والحركة إلى ناحية الفعل المحتمل حرمته موجب للاقتحام في الهلكة، والظاهر من الهلكة العقاب الاخروي، فمحصل هذه الاخبار ان الاقدام - على فعل ما احتمل حرمته - موجب لثبوت العقاب على تقدير كون ]

[ 144 ]

الفعل المأتى به محرما في الواقع. لا يقال إن الاوامر المتعلقة بالتوقف لا يمكن كونها بيانا لثبوت العقاب، لانها انما جاءت من جهة الهلكة، كما هو مقتضى التعليل في الاخبار، والحكم الذي جاء من جهة الهلكة لا يعقل ان يكون منشأ لثبوتها، للزوم الدور. فمورد هذه الاخبار مختص بالشبهة التى قامت الحجة في موردها على الواقع، على تقدير ثبوته، كالشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي ونحو ذلك. وأما الشبهات البدوية بعد الفحص عن الدليل، فليس مرتكبها مقتحما في الهلكة، حتى يجب عليه التوقف، للقطع بعدم الهلكة فيها، من جهة قبح العقاب من دون بيان. لانا نقول: إذا تعلق حكم بطبيعة، وعلل بعلة، وكان المتكلم في مقام البيان، فالظاهر ان تلك الطبيعة في أي فرد وجدت محكومة بذلك الحكم، وان العلة سارية في جميع افراد تلك الطبيعة (66). ولا فرق فيما قلنا بين أن يكون الحكم المذكور في القضية مولويا، وبين ان يكون ارشاديا، الا ترى أن الطبيب لو قال للمريض كل الرمان لانه مزيل للصفراء، يفهم منه ان ازالة الصفراء سارية في تمام افراده، وان هذه الطبيعة من دون تقييدها بشئ تصلح لذلك المريض. والحاصل أنه لا اشكال في ظهور ما قلنا، وأن الاخبار تدل على أن مطلق الشبهة يجب فيها التوقف، لان عدم التوقف فيها موجب للاقتحام (66) ويمكن ان يكون نفس التعليل بالوقوع في الهلكة بيانا لايجاب الاحتياط، ليصح العقاب على الواقع لو صادف مخالفته لمخالفته، فان البيان على لزوم شئ أو حرمته كما يتحقق بالامر به والنهى عنه، كذلك يتحقق بذكر أن من فعل ذلك يستحق كذا وكذا اجرا أو عقابا. لكن الانصاف أن الظاهر من الاخبار خلاف ذلك.

[ 145 ]

[ في الهلكة، فيجب الجمع بين هذا الاطلاق والقاعدة العقلية التى مرت سابقا: من قبح العقاب من دون بيان، بأن يستكشف من هذه الادلة أن الشارع قد كان اوجب الاحتياط على المخاطبين بالخطاب المدلول عليه بهذه الاخبار، والا لم يصح التعليل المذكور في الاخبار، فإذا ثبت وجوب الاحتياط على المخاطبين بهذه الخطابات، يثبت وجوبه علينا ايضا، للقطع بالاشتراك في التكليف. هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال بهذه الاخبار. (والجواب) أولا بأنا نمنع ظهور المشتبه في كل محتمل، بل قد يطلق على فعل يحتمل فيه الحظر، وبعد احتمال ذلك في اللفظ لا يتعين المعنى الاول، بل يتعين الثاني، بقرينة التعليل، فلا ربط حينئذ لتلك الاخبار بمذهب المدعى. (وثانيا) أنه - على فرض ظهور هذه الاخبار في العموم - لا مناص من حملها على ارادة مطلق الرجحان، وحمل الهلكة فيها على الاعم من العقاب وغيره من المفاسد، لانه من الموارد التى اديت بهذه العبارة - في الاخبار على سبيل التعليل - النكاح في الشبهة، وقد فسره الامام الصادق عليه السلام بقوله: (إذا بلغك أنك رضعت من لبنها، أو أنها لك محرمة، وما اشبه ذلك) ولا اشكال في أن مثل هذا النكاح لا يجب الاجتناب عنه، ولا يوجب عقابا، وإن صادف المحرم الواقعي، فان مثل هذه الشبهة من الشبهات الموضوعية التى يتمسك فيها بالاصل إتفاقا، مضافا الى قيام الاجماع ايضا فيها. والحاصل أن قولهم عليهم السلام - فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة - اجرى في موارد وجوب التوقف، وفي موارد عدم وجوب التوقف، فاللازم ان نحمله على ارادة مطلق الرجحان، حتى يلايم

[ 146 ]

كليهما. (وثالثا) مع قطع النظر عن بعض موارد تلك الاخبار، نعلم من الخارج عدم وجوب التوقف في بعض من الشبهات التحريمية والشهبات الموضوعية باعتراف الخصم، فيدور الأمر بين تخصيص الموضوع بغيرها أو حمل الهيئة على مطلق الرجحان. ولا ريب في عدم رجحان الاول إن لم نقل بالعكس، فيسقط عن الدلالة على ما ادعاه الخصم. (واما الصنف الثالث) من الاوامر التى دلت بظاهرها على وجوب الاحتياط فهى كثيرة: (منها) صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: (سألت ابا الحسن عليه السلام) عن رجلين اصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء بينهما، أو على كل واحد منهما جزاء ؟ قال عليه السلام: بل عليهما أن يجزى كل واحد منهما الصيد، فقلت: ان بعض اصحبانا سألني عن ذلك، فلم ادر ما عليه، قال عليه السلام إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا وتعلموا. (ومنها) موثقة عبد الله بن وضاح، قال: (كتبت الى العبد الصالح يتوارى عنا القرص، ويقبل الليل، ويزيد الليل ارتفاعا، ويستر عنا الشمس، ويرتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون، فاصلي حينئذ، وافطر إن كنت صائما، أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التى فوق الجبل ؟ فكتب إلي ارى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتاخذ بالحائطة لدينك...) الخبر. (ومنها) خبر التثليث المروى عن النبي صلى الله عليه وآله والوصى وعن بعض الائمة عليهم السلام، في مقبولة ابن حنظلة الواردة في الخبرين المتعارضين - بعد الامر باخذ المشهور منهما، وترك الشاذ النادر،

[ 147 ]

معللا بقوله عليه السلام، فان المجمع عليه لا ريب فيه - قوله عليه السلام: (انما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيحتنب، وامر مشكل يرد حكمه إلى الله ورسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم). (ومنها) سائر الاخبار الآمرة بالاحتياط في الدين. مثل ما ورد من قول امير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد رضى الله عنه: (اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت) وامثال ذلك. والجواب أما عن الصحيحة، فبان قوله عليه السلام: (إذا اصبتم بمثل هذا) يحتمل أن يكون اشارة الى السؤال، يعنى إذا سئلتم عن مثل هذه الواقعة من الوقايع المشكوك فيها، ولم تدروا حكمها فعليكم بالاحتياط. ويحتمل أن يكون اشارة إلى نفس الواقعة، يعنى إذا ابتليتم بالوقايع المشكوك فيها، فعليكم بالاحتياط. وعلى الاول يحتمل أن يكون المراد من قوله عليه السلام فعليكم بالاحتياط ايجاب التوقف وترك القول بما لا يعلم، وأن يكون المراد ايجاب الافتاء بالاحتياط، والاخير بعيد جدا. وعلى الثاني يمكن أن يكون المراد من قوله عليه السلام بمثل هذا جميع الوقايع المشكوك فيها، وأن يكون المراد ما كان مماثلا لواقعة جزاء الصيد في كونه مرددا بين الاقل والاكثر. واستدلال الاخباريين مبنى على حمل الرواية على المعنى الاول بالوجه الثاني الذى قلنا بانه بعيد جدا، أو على المعنى الثاني بالوجه الاول. اما الاول منهما ففى غاية البعد. وأما الثاني فيلزم عليهم الحكم

[ 148 ]

بالاحتياط في الشبهات الوجوبية البدوية، ولم يلتزم اكثرهم بذلك، مضافا إلى عدم الترجيح في هذا الاحتمال، فيسقط الخبر عن صحة الاستدلال. واما عن الموثق فبانه مع اضطرابه لا يدل على المطلوب، لانه ان حمل على كفاية استتار القرص ووجوب الانتظار حتى يحصل القطع بتحققه، فمع بعده عن ظاهر الخبر - كما لا يخفى - لا يدل الا على انه في امثال المقام - مما اشتغلت ذمة المكلف بتكليف - يجب عليه ان يحتاط، حتى يحصل له اليقين بالبراءة (67) وان حمل على كفاية استتار القرص، فيشكل حكم الامام عليه السلام بالاحتياط، مع ا المورد من الشبهات الحكمية التى تكون وظيفة الامام عليه السلام رفع الشبهة فيها، فلابد ان يحمل هذا البيان منه على التقية، بمعنى ان قوله عليه السلام - (ارى لك ان تنتظر) - ليس من اجل عدم كفاية الاستتار، بل من جهة حصول القطع بتحققه لمكان. الاحتياط اللازم في المورد. بل يمكن أن يقال إن الظاهر من قوله عليه السلام (ارى لك) ايجاب الانتظار احتياطا، فيكون هذا ايضا شاهدا على التقية، ويمكن قريبا أن يكون قوله عليه السلام - (وتأخذ بالحائطة لدينك) متمما للفقرة الاولى، لا تعليلا لها، فالمراد على هذا انه يجب عليك الانتظار على نحو الاحتياط، من دون ان يلتفت إلى مذهبك احد. واما عن خبر التثليث فينبغي اولا ذكر موارد الاستدلال به، ثم الجواب عنه. وهى ثلاثة: (احدها) ايجابه الاخذ بالمشهور وطرح الشاذ النادر، معللا بان (67) بل مقتضى الاستصحاب في المقام ايضا وجوب الانتظار كما لا يخفى.

[ 149 ]

المجمع عليه لا ريب فيه، فيستفاد من التعليل أن الوجه في وجوب طرح الشاذ كونه مما فيه ريب. وبمقتضى عموم هذه العلة يجب رفع اليد عن كل ما فيه الريب وطرحه، والاخذ بما لا ريب فيه. وهذا مفاد قولهم عليهم السلام في بعض الاخبار: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) فشرب التتن مثلا مما فيه ريب، وتركه مما لا ريب فيه. ومقتضى قوله عليه السلام وجوب طرح الاول والاخذ بالثاني. (ثانيها) تقسيم الامام عليه السلام الامور إلى ثلاثة اقسام، والحكم بوجوب رد الشبهات إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله. (ثالثها) النبوى الذى استشهد به الامام عليه السلام، وهو قوله: (حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم). والجواب أما عن الاول فبان السؤال انما هو عن الخبرين المتعارضين، وانه بايهما يجب الاخذ على انه طريق وحجة، فيستفاد من الجواب بملاحظة عموم التعليل: ان الاخذ بكل ما فيه الريب بعنوان أنه حجة بينه وبين الله غير جائز، ولا شك في ذلك. ولا دخل له بما نحن بصدده: من لزوم الاحتياط في مقام العمل وعدمه. وأما عن الثاني فبان ظاهر حكم الامام عليه السلام برد الشبهات إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله عدم القول بما لا يعلم. ولا اشكال ايضا في ذلك، ولا يدفع ما ندعيه كما لا يخفى. واما النبوى، فان كان المراد من الهلكة فيه العقاب - كما هو

[ 150 ]

الظاهر - فاللازم حمله على الارشاد (68) وتخصيصه بموارد ثبوت الحجة على الواقع، وان كان ما يعم المفاسد الذاتية، فاللازم حمل الطلب فيه على مطلق الرجحان. ويمكن أن يقال إن المحرمات الواقعية التى لا دليل على ثبوتها ليست داخلة في هذا التقسيم، بل هو ناظر الى المحرمات المنجزة، والمحللات والشبهات بين الحرام المنجز والحلال، كالشبهات في اطراف العلم الاجمالي. ولا اشكال في وجوب الاحتياط فيها. وأما عن سائر الاخبار الآمرة بالاحتياط، فبأن الامر فيها دائر بين التصرف في المأمور به - بحمله على غير الشبهات الموضوعية التى ليس الاحتياط فيها واجبا اتفاقا - وبين التصرف في الهيئة بحملها على ارادة مطلق الرجحان، ولا اقل من عدم ترجيح الاول ان لم يكن الثاني اولى، كما هو واضح، مضافا إلى أن الظاهر من كلها أو جلها الاستحباب، كما لا يخفى على من راجعها. الامر الرابع - من الامور التى تمسك بها الخصم - العلم الاجمالي بوجود احكام كثيرة، وهذا العلم حاصل لكل من علم ببعث النبي صلى الله عليه وآله، ولا طريق الى انكاره إلا المكابرة. ومقتضى هذا العلم الاحتياط في كل شبهة وجوبية أو تحريمية، لان الاشتغال اليقيني بالتكاليف يقتضى البراءة اليقينة منها بحكم العقل، غاية الامر إن ثبت عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية بالدليل، نقول بمقتضاه في خصوص تلك الشبهة، وتبقى الشبهات التحريمية باقية على (68) وليس حاله الا حال الاخبار الدالة على التوقف المعللة بان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، وقد مر تقريب الاستدلال مع الجواب عنها فراجع

[ 151 ]

[ مقتضى العلم الاجمالي. لا يقال إن هذا العلم إنما يكون قبل مراجعة الادلة. وأما بعدها فالمعلوم اشتغال الذمة بمقتضى مداليل الادلة، والزائد مشكوك فيه. وبعبارة اخرى بعد مراجعة الادلة ينحل العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوى. لانا نقول ان كان المراد ان الادلة توجب القطع بالاحكام الواقعية، فكل منصف يقطع بخلاف ذلك، وان كان المراد أنه مع كون الادلة لا تفيد القطع، يجرى الاصل في الموارد الخالية عنها. فالجواب بانه لا وجه لذلك، فان المراد من انه مقتضى دليل حجية الامارات وجوب الاخذ بمؤداها لا حصر التكاليف الواقعية بمواردها. وحينئذ لا منافاة بين وجوب الاخذ بمؤدى الامارات بمقتضى دليل اعتبارها، ووجوب الاخذ بمقتضى العلم الاجمالي الموجود فعلا بالاحتياط في الاطراف الخالية عن الامارة (69) هذا والجواب عنه بوجوه: - (69) قد يقال: إن نظير المقام ما إذا قال اجتنب عن إناء زيد مع تردده بين اناءين، ثم قامت البينة على كون إناء خاص إناء زيد، فانه لو اجتنب عن خصوص ما قامت البينة عليه يكفيه ولا شئ عليه. وصرح بذلك المحقق الخراساني (قدس سره) في الكفاية. لكن الظاهر خلافه، لان في المثال نزل الاناء الخاص منزلة اناء زيد، وفي الحقيقة هذه البينة حجة على عدم كون غيره اناء زيد، فهى حجة على عدم وجوب الاجتناب عن غيره، بخلاف مقامنا، فان المفروض أن العلم بالواقعيات باق، والامارات لا تدل الا على وجوب ما ادت إلى وجوبه، أو حرمة ما ادت الى حرمته، من غير تعرض لتطبيق المعلوم عليه، فيؤثر العلم اثره.

[ 152 ]

(الاول) ان العلم الاجمالي بالتكاليف لا يقتضى الا الاتيان بالمقدار المعلوم إما حقيقة، كما لو علم بالمقدار المعلوم تفصيلا واتى به، وإما حكما كما لو اتى بمؤديات الطرق التى نزلها الشارع منزلة الواقع، فالآتي بها كالآتى بنفس الواقعيات، ولا شئ عليه سوى ذلك. ويمكن الخدشة في هذا الجواب: بان العلم الاجمالي يقتضي عدم المخالفة بالمقدار المعلوم اجمالا، لا المطابقة بذلك المقدار، كما سبق في مبحث دليل الانسداد، وجعلناه مبنى القول بالتجزى في الاحتياط (70). (الوجه الثاني) - أنه - بعد قيام الادلة على الواجبات والمحرمات بالمقدار المعلوم - ينحل العلم الاجمالي الى العلم التفصليى والشك البدوى، لان الاتيان بما دلت الادلة على وجوب واجب، وكذا ترك ما دلت على تحريمه، ولا يكون لنا علم بالتكليف، سوى ما علم تفصيلا، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل. فان قلت: هذا لو اطلع على الادلة قبل العلم الاجمالي أو مقارنا له - صحيح، لما ذكر من عدم العلم بازيد مما علم تفصيلا بمجرد احتمال (70) الظاهر ان الجواب المذكور مخدوش، بان الامتثال الحكمي، للمعلوم بالاجمال لا يتحقق الا فيما مثلنا به في التعليقة السابقة من أنا لو علمنا بوجوب الاجتناب عن اناء زيد، فاخبر العادلان بأن الاناء الخاص لزيد، فان الاجتناب عنه امتثال حكمي للمعلوم، وهو كاف، ولو قيل بلزوم عدم المخالفة بالمقدار المعلوم في العلم الاجمالي، لان مرجع ذلك الطريق الى نفي وجوب غيره، وهو كاف في التأمين من العقاب المحتمل، بخلاف ما لو اخبرا بنجاسة ذلك الاناء، فان العلم الاجمالي - بنجاسة اناء زيد الغير المنحل فعلا - يقتضى لزوم الاجتناب عن الآخر ايضا، وان قلنا بكفاية، الموافقة بالمقدار المعلوم حقيقة وحكما، لان الموافقة بالمقدار المعلوم واقعا مجهول بالفرض، وحكما لا دليل عليه، فافهم.

[ 153 ]

[ التطبيق. وأما لو اطلع على الادلة بعد العلم الاجمالي، فلا يكفى مجرد احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على مداليل الادلة، لتنجز الواقعيات بواسطة العلم، ويجب بحكم العقل الامتثال القطعي. قلت: يشترط في بقاء اثر العلم الاجمالي كونه باقيا، بمعنى أن يكون عالما في الزمن الثاني اجمالا بوجود التكليف في الزمن الاول، وان لم يكن عالما به، بملاحظة الزمن الثاني، من جهة انعدام بعض الاطراف أو خروجه عن محل الابتلاء أو غير ذلك. ولهذا لو شك في الزمن الثاني في ثبوت التكليف في الزمن الاول، لم يكن اثر للعلم الاول بلا اشكال. فحينئذ نقول: العلم الاجمالي وان كان موجودا في الزمن الاول، لكن الامارات الدالة على الاحكام لما دلت على ثبوتها من اول الامر، وكان الواجب عليه البناء على مضمونها، ففى زمان الاطلاع على هذه الامارات لم يكن اجمال في البين، بملاحظة الحالة السابقة، لانه يعلم في الحال بثبوت التكليف في موارد الامارات في اول الامر، ويشك في الزائد كذلك. وبعبارة اخرى الظفر بالامارات - بعد العلم الاجمالي - من قبيل العلم بالتكاليف الواقعية من اول الامر، فكما انه يوجب انحلال العلم الاجمالي، كذلك الظفر بالامارات الشرعية، لانها تكشف عن وجود تكاليف قطعية على طبق مقتضاها من اول الامر. هذا ولا يخفى أن الجواب المذكور وان كان نافعا في المقام، فان كلا منافي الشبهات الحكمية. والادلة القائمة على التكاليف ثابتة في الواقع مقدمة على العلم الاجمالي، غاية الامر عدم اطلاع المكلف عليها. وبعد اطلاعه عليها يكشف عن ثبوت تكاليف قطعية من اول الامر كما عرفت.

[ 154 ]

[ ولكنه غير نافع في الشبهة الموضوعية (71) كما لو قامت البينة على بعض اطراف العلم الاجمالي متاخرة عن العلم، لانها لا تكشف عن التكليف القطعي، ضرورة ان التكليف القطعي الذى يكون عباره عن وجوب متابعة البينة لا يمكن أن يكون سابقا على نفس البينة، فلا يبقى في البين إلا لسان البينة بكون هذا موضوعا للحكم سابقا. ومجرد هذا اللسان لا يجدى في الانحلال الوجداني. نعم الجواب الأول إن تم فهو نافع مطلقا حتى في موارد قيام البينة. (الوجه الثالث) - أن العلم يعتبر في موضوع حكم العقل، من حيث انه طريق قاطع للعذر، لا من حيث انه صفة خاصة. ولذا تقوم الامارات مقامة. وقد بينا الفرق بينهما في مبحث حجية القطع. وعلى هذا لو قامت امارة معتبرة أو طريق معتبر على بعض الاطراف مفصلا، فالمعلوم بصفة أنه معلوم وان كان بعد مرددا، ولكن ما قام عليه الطريق القاطع للعذر ليس مرددا، فما هو ملاك حكم العقل بوجوب الامتثال مفصل، (71) لا يخفى أن الفرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية مبني على كون الامارة حجة يجب العمل بها في الواقع، وان لم تكن واصلة الى المكلف، فيكشف بعد الوصول أن العمل بها كان واجبا من اول الامر. أما لو قلنا بعدم الحجية لها الا بعد الوصول، وعدم وجوب العمل بها الا بعده، فحالها حال البينة في أن وجوب العمل بها لا يتحقق الا بعد وصولها، فلا ينحل العلم بها ايضا. وقد مر من الماتن دام ظله اختيار عدم الحجية الا للواصل. أللهم إلا أن يقال: بالفرق بين حجية الامارة ووجوب العمل بها، لان الحجية لا تتحقق الا بعد الوصول، بخلاف العمل على طبقها، فانه مجعول واقعا، وان لم تصل إلى المكلف، فالمكلف ما لم تصل إليه معذور في ترك العمل بها كالاحكام الواقعية. فافهم.

[ 155 ]

وما بقى على اجماله ليس ملاكا لحكم العقل. ولا تفاوت في الانحلال على هذا الوجه بين أن يكون الطريق مقارنا للعلم أو سابقا عليه أولا حقا له، وكذا لا تفاوت بين الشبهة في الحكم وبين الشبهة في الموضوع. هذا. وتلخص مما ذكرنا عدم نهوض الادلة التى استدل بها اصحابنا الاخباريون على ايجاب الاحتياط، فيكفى لنا حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان. ولنشرع في ذكر الادلة الشرعية الدالة على عدم البأس في ارتكاب الشبهات الحكمية البدوية بعون الله تعالى وحسن توفيقه. (منها) - الخبر المروى عن النبي صلى الله عليه وآله بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد: (رفع عن امتى تسعة اشياء: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه..) وتقريب الاستدلال به واضح. واستشكل شيخنا المرتضى قدس سره في شموله للشبهات الحكمية التى هي محل النزاع بوجهين: (احدهما) - أن السياق يقتضى أن يكون المراد من الموصول في قوله ما لا يعلمون هو الموضوع، إذ المراد في قوله ما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه ليس الا الافعال، إذ لا معنى للاضطرار إلى الحكم أو الاكراه عليه، فيكون المراد من الموصول في قوله ما لا يعلمون ايضا الافعال المجهولة العنوان، لظهور اتحاد السياق. (ثانيهما) - أن الظاهر أن المراد من الرفع المؤاخذة، فلابد من التقدير في قوله ما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه، والمقدر هو المؤاخذة على نفس المذكورات ولو قلنا بشمول الموصول فيما لا يعلمون الحكم ايضا، لا يمكن مثل هذا التقدير فيه، إذ لا معنى للمؤاخذة على

[ 156 ]

الحكم. وزاد شيخنا الاستاذ اشكالا آخر، وهو أن إستاد الرفع إلى الحكم اسناد الى ما هو له، إذ وظيفة الشارع رفع الحكم ووضعه، واسناده إلى الموضوع اسناد إلى غير ما هو له، فيكون اسنادا مجازيا، فارادة الحكم والموضوع من الموصول لا تجوز إلا ان يراد كل منهما مستقلا، كما في استعمال اللفظ في المعنيين. هذا ولكن الانصاف عدم ورود شئ مما ذكر. اما قضية السياق فلان عدم تحقق الاضطرار في الاحكام وكذا الاكراه لا يوجب التخصيص في قوله (ما لا يعلمون) ولا يقتضى السياق ذلك، فان عموم الموصول إنما يكون بملاحظة سعة متعلقة وضيقه، فقوله عليه السلام ما اضطروا إليه اريد منه كل ما اضطر إليه في الخارج، غاية الامر لم يتحقق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم، فيقتضى اتحاد السياق أن يراد من قوله (ما لا يعلمون) ايضا كل فرد من افراد هذا العنوان. ألا ترى أنه إذا قيل ما يؤكل وما يرى في قضية واحدة، لا يوجب انحصار افراد الاول في الخارج ببعض الاشياء تخصيص الثاني ايضا بذلك البعض ؟ وهذا واضح جدا. واما ما ذكره قدس سره من الوجه الثاني، فالتحقيق فيه أنه لا يحتاج إلى التقدير في القضية اصلا. توضيح ذلك: أنه (تارة) نلتزم بان الاحكام: الواقعية في حال الجهل لابد وان تكون باقية على فعليتها. و (اخرى) لا نلتزم بذلك. وعلى أي حال نقول: أسند الرفع إلى نفس ما لا يعلمون بنحو من المسامحة، فعلى الاول المجهول سواء كان حكما أو موضوعا ليس مرفوعا حقيقة. أما الثاني فواضح. وأما الاول فلان المفروض بقاء الاحكام الواقعية على فعليتها في

[ 157 ]

حال الجهل، فلابد من احدى المسامحتين (72). إما جعل المجهولات مما يقبل الرفع ادعاءا، وإما حمل النسبة على التجوز (73)، وعلى الثاني إن كان المجهول حكما يمكن رفعه حقيقة، بمعنى رفع فعليته في حال الجهل. وأما ان كان موضوعا، فلا يقبل الرفع، فالمتعين جعل ما لا يقبل الرفع مما يقبل الرفع ادعاءا، ثم نسبة الرفع إلى الجميع حقيقة. ومما ذكرنا يظهر ما فيما افاده شيخنا الاستاذ ايضا فلا تغفل. وبالجملة الانصاف انه لا وجه لرفع اليد عن عموم قوله - صلى الله عليه وآله - (ما لا يعلمون) للشبهات الحكمية. ثم إنك بعد ما عرفت ان نسبة الرفع الى ما لا يعلمون واخواته تحتاج الى وجه من المسامحة، اعلم أن المصحح لهذه المسامحة إما أن يكون رفع جميع الآثار، وإما خصوص المؤاخذة في الجميع، وإما الاثر المناسب لكل من المذكورات. فان قلنا بالاول، فلو كان للشئ آثار متعددة يرتفع عند الجهل أو النسيان أو الاضطرار كلها، مثل ما لو اضطر الى ليس الحرير الذى له الحرمة النفسية والمانعية للصلاة، وكذا لو جهل بكونه حريرا أو جهل بكون الحرير محرما ومانعا من الصلاة. (72) لا يخفى أن الاحكام - على هذا المبنى - وان كانت فعلية في مرتبة الذات، لكنها مرفوعة في مرتبة الشك فيها، بوصف أنها مشكوكة، ويمكن دعوى عدم دلالة الحديث على ازيد من ذلك. (73) لا يخفى ان اسناد الرفع مجازا الى الموضوع - بلحاظ رفع مؤاخذته - لا يأباه الوجدان، بخلاف اسناده الى الحكم بلحاظ رفع مؤاخذة موضوع محكوم بذلك الحكم، فلعله يصير كاسناده الجري على السطح المجاور للميزاب المجاور للماء الجاري.

[ 158 ]

وان قلنا بان لثاني مورد الرفع، فينحصر فيما له خصوص الاثر المذكور - اعني المؤاخذة - وما لم يكن له ذلك خارج عن مورد الرواية. وان قلنا بالثالث يشمل غير المؤاخذة ايضا، لكن الفرق بينه وبين الاول: أنه على الاول لو كان للشئ آثار متعددة يرتفع الكل، بخلاف الاخير، فانه يلاحظ ما هو انسب بالنسبة الى ذلك الشئ. إذا عرفت هذا فنقول لو خلينا وانفسنا، لقلنا بأن الظاهر أن نسبة الرفع المذكورات إنما تكون بملاحظة رفع المؤاخذة، لكن ينافيه ما روى عن الصفوان والبزنطي عن ابى الحسن عليه السلام بطريق صحيح في (رجل يستكره على اليمين، فحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك يلزمه ذلك ؟ فقال لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله رفع عن امتى ما اكرهوا عليه وما لا يطيقون وما اخطأوا..) فان الحلف على ما ذكر وان كان باطلا مطلقا، الا ان استشهاد الامام عليه السلام - على عدم لزومها مع الاكراه على الحلف بها - يدل على عدم اختصاص الرفع برفع المؤاخذة، فعلى هذا يدور الامر بين الاحتمالين الاخيرين أحدهما جميع الآثار، والثانى الاثر المناسب، لكن الثاني مستلزم لملاحظات عديدة فتعين الاول (74). قال شيخنا الاستاذ في تعليقاته: (ان ما يظهر من الخبر لا ينافى ] (74) لا يخفى ان العطف بالواو في كل من التسعة بمنزلة تكرير رفع وبناءا عليه فلا اشكال في ارادة رفع الاثر الظاهر في كل منها، ولولا ذلك لأشكل في جميع الآثار ايضا، لاحتياجها الى ملاحظات عديدة، حيث أن آثارها مختلفة، ولا يقدر مجموع الآثار مفهوما بالقطع، وإلا لامكن تقدير مفهوم الاثر الظاهر، فلا يبعد القول برفع الاثر الظاهر على ما يظهر عند العرف.

[ 159 ]

تقدير خصوص المؤاخذة مع تعميمها الى ما كانت مرتبة عليها بالواسطة، كما في الطلاق والصدقة والعتاق، فانها مستتبعة لها بواسطة ما يلزمها من حرمة الوطئ في المطلقة، ومطلق التصرفات في الصدقة، أو العتق، وبالجملة لو كان المقدر هو خصوص المؤاخذة الناشئة من قبلها بلا واسطة أو معها لا ينافيه ظاهر الخبر) انتهى كلامه. اقول اسناد الرفع الى شيئ لا يرتفع بنفسه ينصرف إلى الاثر المترتب غلى ذلك الشئ من دون واسطة، فان قلنا بتمام الآثار فهو تمام الآثار المترتبة على الشئ من دون واسطة، وإن قلنا بالمؤاخذة خاصة، فهو ايضا من باب انها اظهر الآثار للمذكورات، ولو في خصوص المقام. وعلى أي لا يشمل الآثار المترتبة على الشئ بواسطة ووسايط، كما أن اخبار الاستصحاب - الدالة على وجوب ابقاء ما كان - تنصرف الى الاثار بواسطة. وكيف كان دلالة الخبر المذكور على كون المرفوع اعم من المؤاخذة غير قابلة الخدشة. بقى الكلام في امور: (الاول) أن المراد بالرفع في هذا الخبر الشريف هو الدفع، أو الاعم منه ومن الرفع، لا معناه الحقيقي الذى هو عبارة عن ازالة الشئ بعد ثبوته، إذ هو غير واقع في بعض العناوين المذكورة قطعا. (الثاني) أن الاثر المرفوع إنما هو الاثر الشرعي المترتب على هذا المذكورات بلا واسطة، فالآثار القطعية والشرعية المترتبة عليها بواسطة أو وسائط خارجة عنه. إن قلت فعلى هذا الشبهات الحكمية خارجة عن مورد الرواية، لان الحرمة المجهولة مثلا ليس لها اثر شرعا، بل اثرها المؤاخذة وهى غير قابلة للتصرف الشرعي. وهكذا الوجوب المجهول. ]

[ 160 ]

قلت المؤاخذة وان لم تكن قابلة للرفع والوضع بنفسها، لكنها قابلة لها بواسطة منشأها، فانه للشارع ان يثبت المؤاخذة بايجاب الاحتياط في حال الجهل، فإذا لم يوجب الاحتياط ترتفع المؤاخذة، فيصح اسناد رفعها إلى الشارع، مضافا إلى إمكان القول بان نسبة الرفع إلى الشبهات الحكمية ليس بملاحظة الآثار، بل بملاحظة نفسها، لان الحكم بنفسه مما تناله يد الجعل (75). (الثالث) أنه لا اشكال في قبح مواخذة الناسي والعاجز والمخطئ عقلا. وعلى هذا يستشكل في الرواية من جهتين: (الاولى) - عدم اختصاص رفع المؤاخذة عن هذه المذكورات بالامة المرحومة. (الثانية) ان الرواية في مقام المنة، واى معنى للمنة في رفع ما هو قبيح عند العقل. ثم لا يخفى أنه لا يرتفع الاشكال يجعل المرفوع تمام الآثار، إذ منها المؤاخذة، فانضمام الآثار - التى يصح رفعها امتنانا إلى ما لا يصح كذلك غير - صحيح. وهذا التوجيه نظير ما قيل في أن الرفع إنما هو بملاحظة مجموع (75) أما على مبنى القائل بارتفاع الحكم الواقعي الفعلي في الظاهر، فمعلوم. وأما على مبنى الاستاذ - دام بقاه - من بقاء الاحكام الواقعية على فعليتها، فيما وجهنا سابقا من رفعها في مرتبة الشك وإن كان فعليا في مرتبة الذات. هذا في الشبهات الحكمية. وأما الشبهة الموضوعية، فان كان الحكم بالرفع فيها بما هي غير معلومة الحكم، كما هو الظاهر، فنفس ما اسند إليه الرفع مرفوع. وأما إن كان الحكم بالرفع بلحاظ اشتباه الموضوع، فيمكن القول بتخصيص الرفع به، من دون حاجة الى توجيه الرفع برفع الاحتياط، لكن اصل هذا الاحتمال بعيد.

[ 161 ]

التسعة، فما اورده شيخنا المرتضى قدس سره - على التوجيه الثاني: من أنه شطط من الكلام - وارد على الاول ايضا بعينه، فلا تغفل. وكيف كان فالاولى أن يقال - كما افاده شيخنا المرتضى قدس سره اخيرا - بان النسيان وكذا الخطأ قد يكون من جهة مسامحة المكلف وعدم المبالاة في الحفظ، وقد يكون غير مستند إليه. والقبيح مؤاخذة الناسي والمخطئ، مثلا إذا لم يكونا مستندين إليه. وأما في صورة الاستناد إليه، فليست المؤاخذة قبيحة، فيصح ان يرفع الشارع المؤاخذة عن الناسي. ومثله، بان لا يوجب عليهم التحفظ اولا. (الرابع) - أنه إن بنينا على أن المرفوع تمام الآثار، يمكن أن يقال لو نسى جزءا من اجزاء الصلاة وأتى بالباقي، كانت مجزية ولا تجب عليه الاعادة بعد الالتفات، إذ هي من الآثار الجزئية، فهى مرفوعة في حال النسيان، فيدل الخبر على ان المكلف به للناسي هي الصلاة من دون ذلك الجزء المنسى. والاشكال - بان الجزئية غير قابلة للرفع لانها من الآثار الوضعية التى قلنا بعدم الجعل فيها - مدفوع بما مر في رفع المؤاخذة: من أنها وان كانت غير قابلة للجعل بنفسها، الا انها قابلة له من جهة منشأ انتزاعها. هذا، ولكن ما قلناه انما هو مبنى على صحة اختصاص الناسي بالتكليف، كما هو التحقيق والمحقق في محله. واما على مذهب شيخنا المرتضى قدس سره من عدم امكانه، فلا يصح الاستدلال، كما لا يخفى (76). (76) الظاهر أن القول برفع الجزئية بهذا الحديث مشكل، حتى على قول من يجوز اختصاص الناسي بالخطاب، ويصحح رفع الشئ إذا كان منشأه قابلا للرفع، =

[ 162 ]

(الخامس) أنه لو شك في مانعية شئ للصلاة، فالحديث - بناءا على حمله على تمام الآثار - ينفع لصحة صلاته ما دام شاكا، وإذا قطع بكونه مانعا يجب عليه اعادة تلك الصلاة في الوقت وقضاؤها في خارجه، كما هو مقتضى القاعدة في الاحكام الظاهرية. وأما لو شك في انطباق عنوان ما هو مانع على شئ، فلا يبعد ان يقال بالاجزاء، وإن علم بعد الفعل بالانطباق، كما لو صلى مع لباس شك في انه من مأكول اللحم أو غيره مثلا، إذ مقتضى رفع الآثار عن هذا المشكوك تخصيص المانع بما علم أنه من غير المأكول. ولا يمكن هذا القول في الاول، إذ يستحيل تخصيص المانع بما إذا علم ما نعيته، فتدبر جيدا. ومن جملة ما استدل به على البراءة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج فيمن تزوج امرأة في عدتها، قال: (إذا كان بجهالة فيلتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو اعظم من ذلك. قلت باى الجهالتين اعذر، بجهالته أن ذلك محرم عليه، ام بجهالته أنها في العدة ؟ قال إحدى الجهالتين اهون من الاخرى، الجهالة بان الله حرم عليه ذلك، وذلك لانه لا يقدر معه على الاحتياط. قلت فهو في الاخرى معذور ؟ قال نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور، فله ان يتزوجها). تقريب الاستدلال أنه حكم بكونه معذورا، لانه جاهل، فجعل = وذلك لأن ظاهر الحديث رفع المشكوك، ومعلوم ان رفع الجزئية كما يتحقق بالامر بالباقي، كذلك يتحقق برفع الكل اصلا، فلا يدل الرفع بوضع الامر في الباقي الا بالملازمة العلمية، فيصير نظير الاصل المثبت في الاستصحاب، وهو خلاف ظاهر حديث الرفع، لكن لا يخفى أن المانعية ليست كذلك، لانها لو ارتفعت كفى في كون الباقي سليما عن المانع..

[ 163 ]

الجهل موجبا للعذر، سواء كان متعلقا بالحكم ام بالموضوع، ويؤيده سؤال الراوى بعد ذلك بأى الجهالتين اعذر، ويشكل بان الجهل المفروض في الرواية - على فرض كون المراد منه الشك - ان كان متعلقا بالحكم الشرعي فالمعذورية تتوقف على الفحص، إذ الجاهل بالحكم قبل الفحص ليس بمعذور اجماعا. ولو حملنا الرواية على ما بعد الفحص، فيبعد بقاء الجهل مع وضوح الحكم بين المسملين. وان كان المراد الجهل بالموضوع، فيصح الحكم بالمعذورية إذا لم يعلم بكونها في العدة اصلا. وأما إذا علم بكونها في العدة سابقا ولم يدر انقضاءها، فمقتضى استصحاب بقاء العدة عدم معذوريته. وبالجملة الحكم بمعذورية الجاهل مطلقا لا يطابق القواعد المسملة، إلا ان تحمل الجهالة على الغفلة، فيستقيم الحكم بالمعذورية، أو كان المراد من المعذورية المعذورية بالنسبة إلى الحكم الوضعي أعنى الحرمة الا بدية. وايضا هنا اشكال آخر في حكمه بكون الجهالة بان الله تعالى حرم عليه ذلك أهون من الاخرى، معللا بعدم قدرته على الاحتياط معها. وحاصل الاشكال أنه لا فرق بين الجهالتين في هذه العلة، لانها إن كانت بمعنى الغفلة، فلا اشكال في عدم قدرته على الاحتياط فيهما، والتفكيك بين الجهالتين بان يجعل الجهالة بالحكم بمعنى الغفلة والاخرى بمعنى الشك - في غاية البعد. قال شيخنا الاستاذ (غاية ما يمكن ان يقال في دفعه هو أن إرادة الغفلة في احد الموضعين والشك في الآخر لا توجب التفكيك في الجهالة بحسب المعنى فيهما، فانه من الجائز بل المتعين استعماله في كلا الموضعين في المعنى العام الشامل للغفلة والشك، لكن لما كان الغالب في الجهل

[ 164 ]

بالحكم هو الغفلة، - إذ مع وضوح هذا الحكم بين المسلمين قلما يتفق مع الالتفات إليه الشك فيه، بخلاف الجهل بكونها في العدة، فانه يتحقق غالبا مع الالتفات، لكثرة اسبابه، إذ المتعارف - بحيث قل أن يتخلف - التفتيش عن حال المرأة التى يريد ان يتزوجها، ومعه من المستحيل عادة أن لا يصادف بما يورث التفاته إلى انها في العدة ام لا كما لا يخفى - خص الامام عليه السلام الجاهل بالتحريم بالاعذرية، معللا بكونه غير قادر على الاحتياط، نظرا إلى ان الغالب فيه الغفلة، بخلاف الجاهل بالعدة من دون التفات منه إلى ما يتفق نادرا في الموضعين، فإذا لا تفكيك بحسب المعنى بين الموضعين). قلت كما أن وضوح الحكم بين المسلمين يوجب عدم الشك مع الالتفات، كذلك غلبة التفتيش عن حال المرأة توجب عدم بقاء الشك بحاله (77)، فالتعرض لحكم الشبهة في العدة ايضا تعرض للفرد النادر فتأمل. ويمكن دفع الاشكالات الواردة على الرواية باجمعها، بحمل الجهالة على الغفلة في كلتا الصورتين، وحمل قول السائل بجهالة ان الله حرم عليه ذلك - على الجهالة في الحكم التكليفى، وقوله - ام بجهالته انها في العادة - على جهالته بان العدة موضوعة للامر الوضعي اعني الحرمة (77) لا يخفى ان بقاء الشك حتى مع التفتيش ليس ببعيد. وأما حمل الجهل في الثاني على الجهل بالحرمة الابدية، وحمل الاحتياط الممكن على ترك التزويج بعد انشكاف الحال، فهو خلاف الظاهر، فان موضوع الاحتياط لا يتحقق فيما لم يكن تكليف مشكوك. والمفروض ان الزواج - مع الجهل بالعدة - لم يكن محرما في الواقع حتي يحكم بالمعذورية في تركه، فالاقوي ما في الكفاية من التوجيه.

[ 165 ]

[ الا بدية. وحينئذ وجه قدرته على الاحتياط في الثاني أنه بعد الالتفات يتمكن من رفع اليد عن الزوجة، بخلاف الاول، فأنه عمل بالفعل المحرم شرعا، ولا يتمكن من تدراكه بعد الالتفات، فافهم. ومما استدلوا به على البراءة قوله عليه السلام: (كل شئ فيه حلال وحرام، فهو ذلك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه) بحمل قوله عليه السلام فيه حلال وحرام على صلاحيتها واحتمالها، فيصير الحاصل أن كل شئ يصلح لأن يكون حراما ولأن يكون حلالا، ويصح أن يقال فيه اما حرام واما حلال فهو لك حالا، سواء كانت الشبهة في الحلية والحرمة من جهة الشك في اندراجه تحت كلى علم حكمه ام لا. واورد شيخنا المرتضى قدس سره على المستدل: بان القضية ظاهرة في الانقسام الفعلى إما خارجا، مثل أن يكون هناك شئ مشتمل على الحلال والحرام في الخارج، وإما ذهنا كما إذا كان هناك شئ تحته عنوانان، احدهما محرم والآخر محلل، وان لم يوجد افراد احدهما أو كليهما في الخارج. وعلى أي حال حمل القضية على الترديد خلاف الظاهر. لا يقال انا نحمل القضية على الانقسام الفعلى، ولا ينافى شمولها للشبهات الحكمية ايضا، كما إذا فرضنا شيئا فيه حرام وحلال كذلك، ويكون قسم من ذلك الشئ مشتبه الحكم كمطلق اللحم، حيث أن فيه حلالا كلحم الغنم وحراما كلحم الخنزير، وفيه قسم آخر مشتبه بين الحلال والحرام، فتدل الرواية على حلية ذلك المشتبه، وبعد شمول الرواية لهذا المورد، يلحق به ما بقى من الشبهات الحكمية بعدم القول بالفصل. لانا نقول قوله عليه السلام (فيه حلال وحرام) إنما جئ به لبيان منشأ الاشتباه، والا فالقيد - الذى لا دخل له في الحكم ولا في

[ 166 ]

[ تحقق الموضوع - يكون لغوا لا ينغبى صدوره من المتكلم سيما الامام عليه السلام، ولا اشكال في أن حلية لحم الغنم وحرمة لحم الخنزير مما لا دخل له في حلية لحم الحمير المشتبه، ولا يكون ايضا منشأ للاشتباه، إذ منشأ الاشتباه فيه إنما هو عدم النص، بخلاف ما لو حملناه على الشبهة الموضوعية، فان هذا القيد يكون بيانا لمنشأ الاشتباه، حيث ان وجود القسم الحلال والقسم الحرام يكون منشأ للشبهة في ذلك الامر الخارجي الذى لم يعلم اندراجه في احد القسمين، مضافا إلى أنه يلزم على ما ذكره هذا القائل أن يكون العلم - بكون لحم الخنزير حراما - غاية لحلية لحم الحمير. هذا محصل ما افاده قدس سره. اقول يمكن دفع هذين الاشكالين عن القائل: أما الاول فبانه يكفى في عدم لغوية القيد أنه لو علم كون مطلق اللحم حراما أو حلالا، لم يبق شك في لحم الحمير (78) فوجود القسمين في اللحم صار منشأ للشك في لحم الحمير. واما الثاني فبان معرفة الحرام غاية للحكم على المطلق أو على ذلك الشئ الذى عرف حرمته، ولولا ذلك للزم الاشكال على تقدير الاختصاص بالشبهة الموضوعية ايضا، إذ بعد معرفة فرد من افراد الغير المذكى يصدق انه عرف الحرام، فيلزم ارتفاع الحكم عن الشبهات ايضا، (78) لا يخفى ما في هذا التعليل من العلة، فان كان المقصود أنه لو كان حكم مطلق اللحم معلوما حتى لحم الحمير، فلم يكن لحم الحمير مشكوكا، فهذا واضح. لكن حمل الرواية على ذلك كما ترى. وإن كان المقصود أن العلم بالحرمة في الافراد المحرمة موجب لرفع الشك في لحم الحمير، فهذا واضح البطلان، وكذا العلم بالحلية في الافراد المحللة، فافهم.

[ 167 ]

فتدبر جيدا. ومن جملة ما استدلوا به على البراءة قوله عليه السلام في المرسلة (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى) وهذا كبعض ما سلف لو تمت دلالته لدل على البراءة في الشبهة التحريمية، وادعى شيخنا المرتضى قدس سره كونها اوضح دلالة من الكل. وفيه ان الاستدلال بها على المطلوب يبني على حمل قوله عليه السلام - (حتى يرد فيه نهى) - على الثبوت عند المكلف، والا فلو حمل على الورود في نفس الامر، كما أنه لم يكن ببعيد، فلا تدل الا على اباحة الاشياء قبل تعلق النهى بها واقعا، فما شك في تعلق النهى به وعدمه من الشبهات، لا يجوز لنا التمسك بالعام فيها، إلا أن يتمسك باستصحاب عدم النهى لاحراز الموضوع. وعلى هذا لا يحتاج الى الرواية في الحكم بالاطلاق، لانه لو صح الاستصحاب لثبت به ذلك فافهم. هذه عمدة الادلة في الباب. وقد عرفت ما ينفع منها. والادلة الاخر التى ذكروها في المقام من الآيات والاخبار - لعدم كونها نافعة - لم نتعرض لها، رعاية للاختصار. بقى هنا امران: (الاول) - أنه - بعد ما عرفت حال الشبهة الحكمية في اصل التكليف من الوجوبية والتحريمية - ينبغى التكلم في الموضوعية من هذا القسم ايضا: فنقول مجمل القول فيها أن التكاليف المتعلقة بالطبيعة على انحاء: (احدها) - أن تتعلق بها باعتبار صرف الوجود اعني المقابل للعدم المطلق. (ثانيها) - أن تتعلق بها باعتبار الوجودات الخاصة. (ثالثها) - أن تتعلق بها باعتبار مجموع الوجودات من حيث

[ 168 ]

المجموع. فلو تعلق التكليف على النحو الاول، فلا مجال لاصالة البراءة في الشبهة الموضوعية سواء كان التكليف المتعلق بالطبيعة على النحو المذكور أمرا أو نهيا، لان الامر بالطبيعة على هذا النحو يقتضى ايجاد فرد ما منها، فما لم يوجد قطعا أو يشك في ايجاده، يجب عليه الاتيان به بحكم العقل، من دون شك، فإذا قطع بايجاده فليس عليه شئ آخر قطعا. وكيف كان لا مجال لاصالة البراءة، وتعلق النهى بها على هذا النحو يقتضى ترك جميع الافراد، لان الطبيعة لا تترك الا بترك جميع الافراد، فمتى شك في شئ انه من افراد الطبيعة المنهى عنها يجب عليه تركه، لان اشتغال الذمة بترك ايجاد الطبيعة معلوم، ولا يتقين بالبراءة الا بالقطع بترك جميع افرادها في نفس الامر. ولو تعلق التكليف بالطبيعة على النحو الثاني فلا اشكال في أنه ينحل إلى تكاليف عديدة، وان كل فرد يتعلق به تكليف مستقل، نظير العام الاستغراقي (79)، فمتى شك في شئ انه من افراد الطبيعة المكلف بها، فالاصل فيه البراءة، سواء كان التكليف المتعلق بالطبيعة امرا أو نهيا، إذ كلما ذكرنا في الشبهة الحكمية من حكم العقل والدلالة الشرعية جار هنا ايضا. ومجرد العلم بالكبرى - التى شك في وجود صغراها كما هو المفروض - لا يصحح العقاب على هذا المشكوك فيه. ولعمري إن هذا واضح جدا. (79) مثال ذلك في الامر (إقض ما فات) فانه عام استغراقي يشمل جميع الافراد، فلو شك في فوت فرد فلا اشكال في جريان اصالة البراءة، وأما في النواهي، فالامثلة كثيرة لا حاجة الى ذكرها.

[ 169 ]

ولو كان التكليف بالطبيعة على النحو الثالث (80) فان كان امرا يتقضى اتيان مجموع الافراد، فيجب الاتيان بما يحتمل ان يكون فردا للطبيعة، تحصيلا للبراءة اليقينية، وإن كان نهيا يكفى ترك الفرد الواحد، فيجب القطع بترك الواحد، ولا شئ عليه بعده. إذا عرفت هذا تعرف أن مورد اجراء اصالة البراءة ينحصر فيما إذا كان التكليف بالطبيعة باعتبار وجودها السارى في كل من الافراد، بحيث ينحل إلى تكاليف متعددة، فلا يحسن القول بالبراءة في الشبهة الموضوعية على نحو الاطلاق ولا بعدمها كذلك فلا تغفل. (الثاني) مورد اصالة البراءة في الشبهة ما لم يكن هناك اصل وارد أو حاكم عليها، فمثل المرأة المرددة بين الزوجة والاجنبية، واللحم المردد بين ان يكون مذكى أو غير مذكى خارج عنه. أما الاول فلاستصحاب عدم تحقق علقة الزوجية. واما الثاني فلاستصحاب عدم التذكية. (80) لا يقال: ما الفرق بين المقام وبين الشك في الاقل والاكثر الارتباطين حيث حكم - دام ظله - فيه بالبراءة بخلاف المقام، فان مجموع الافواد في المقام نظير مجموع الاجزاء في الشك المذكور ؟ فانه يقال: نعم المقامان متشابهان في اصل المحبوبية بنحو الارتباط بين الاجزاء هنا وبين الافراد هناك، لكن الفرق: هو أن الكلام في الشك في الاقل والاكثر إنما هو فيما إذا تعلق التكليف بلفظ مجمل كالصلاة على الصحيحى مثلا، فانه يمكن أن يقال فيه: إن التكليف من قبل الشارع لم يثبت في اكثر من ذلك، حتى على القول بوجود الجامع البسيط بين الافراد الصحيحة، كما مر اجمال ذلك في الصحيح والاعم. وسيأتي تفصيله في المسألة - انشاء الله تعالى -، بخلاف المقام، فان التكليف تعلق بالمبين، ولم يكن الشك الا في الامتثال من جهة الشبهة الخارج رفعها عن مقام التشريع، فلا تغفل.

[ 170 ]

[ لا يقال: كما أن الحلية في بعض الادلة علقت على التذكية، كذلك الحرمة في البعض الآخر علقت على الميتة، فاستصحاب عد التذكية معارض باستصحاب عدم كونه ميتة، فيتساقطان فيرجع الى البراءة. لأنا نقول: ليست الميتة خصوص ما مات حتف انفه، بل هي عبارة عن غير المذكى، لان الحيوان - إن ازهق روحه مع تحقق امور اعتبرها الشارع: من التسمية والاستقبال وفرى الاوداج الاربعة ونحوها، فقد حل لحمه، ومع عدم تلك الامور كلا أو بعضا - يكون شرعا ميتة. وأما المال المردد بين مال الغير ومال نفسه، فان كان مسبوقا بكونه مال الغير، فلا شبهة في كونه موردا للاستصحاب، وان لم تكن له حالة سابقة معلومة، فيمكن القول بالحرمة فيه، من جهة أن قولهم عليهم السلام - لا يحل مال إلا من حيث ما احله الله - يدل على أن الحلية معلقة على امور وجودية اعتبرها الشارع، فإذا شككنا في تحقق ما هو موجب للحلية يستصحب عدمه، وكذلك الكلام في مال الغير الذي نشك في طيب نفس صاحبه، فان حلية التصرف في المال معلقة على طيب النفس، وعند الشك يستصحب عدمه. هذا تمام الكلام في المسألة الاولى، وهى الشك في التكليف من الشبهة الحكمية و الموضوعية بحسب الاصل العقلي والنقلى، وقد قلنا: إن مقتضاهما البراءة، فلا ينافى ما ذكرنا عدم اعتبارها في مورد تعارض النصين، لوجوب الرجوع الى المرحجات هناك لو كانت، والا فالتخيير كما هو التحقيق، لان ما ذكرنا هنا إنما كان مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في علاج الخبرين. فلا تغفل.

[ 171 ]

المقصد الثاني في اصالة الاشتغال المسألة الثانية فيما إذا كان المكلف شاكا في متعلق التكليف مع كونه قادرا على الاحتياط. فنقول والله المستعان: الشك في متعلق التكليف بعد احراز اصله (تارة) يكون في نوع التكليف مع احراز جنسه، كما إذا علم بوجوب هذا وحرمة ذاك. و (اخرى) يكون في الفعل الذى تعلق به التكليف المعلوم جنسا ونوعا، كما إذا علم اجمالا بوجوب هذا أو ذاك، أو علم بحرمة هذا أو ذاك. وعلى كلا التقديرين إما أن تكون الشبهة حكمية، بمعنى ان رفعها من وظيفة الشارع، أو تكون موضوعية، بمعنى أن رفعها ليس من وظيفته، انما وظيفته جعل الحكم للشاك. وعلى التقدير الاول (تارة) تكون الشبهة ناشئة من عدم النص. و (اخرى) من اجمال النص و (ثالثة) من تعارض النصين. والمقصود هنا الكلام في حكم هذه الشبهة باقسامها من الاصل العقلي والنقلى، إذ حكم جميع الاقسام من حيث الشبهة واحد، وإن اختص بعض افرادها بحكم خاص كالشبهة الناشئه من تعارض النصين. والحاصل ان المقصود ان المكلف - المحرز لتكليف المولى في الجملة مع تمكنه من الاحتياط - حكمه ماذا ؟ فنقول: الاقوى وجوب الاحتياط عليه باتيان جميع المحتملات، فيما إذا كان الواجب مرددا بين امور، ويترك جميع المحتملات فيما إذا كان الحرام كذلك، وباتيان هذا وترك ذاك فيما إذا كان الالزام المعلوم مرددا بين وجوب فعل هذا وترك ذاك. (لنا) أن المقتضي للامتثال - وهو العلم بخطاب المولى - موجود

[ 172 ]

بالفرض، والشك في تعيين المكلف به ليس بمانع عند العقل، وهل يجوز العقل المخالفة القطعية للتكليف المقطوع به، مع تمكن المكلف من الامتثال بمجرد الشك في التعيين ؟ حاشاه من ذلك، فان الملاك المتحقق في مخالفة العلم التفصيلي موجود هنا بعينه. ومن هنا يظهر أن العقل يوجب الموافقة القطعية، لان العلم بالواقع اوجب تنجزه على المكلف، فليس له حجة في عدم اتيانه، كما هو ظاهر. (فان قلت): إن الاصل العقلي وان كان كذلك، إلا أن الاخبار الدالة على الترخيص - في موارد الشك باطلاقها أو عمومها - شاملة للمقام، فيحكم بالاباحة بمقتضى الاخبار، لا بمقتضى حكم العقل. (قلت): لاننكر شمول الاخبار للمقام كما ذكرت، وما ذكر - في نفى شمولها من كون العلم المأخوذ غاية اعم من العلم الاجمالي والتفصيلي، والاول حاصل في المقام - مدفوع بان الغاية صيرورة المشكوك فيه معلوما، وهنا ليس كذلك كما هو واضح، فموضوع ادلة الاصول باق على حاله، إلا أن الاخذ بمؤدى الاصول في تمام اطراف العلم الاجمالي يوجب الاذن في المخالفة القطعية، وهو مما يحكم العقل بقبحه على الحكيم تعالى، فان المفروض تحقق العلم بخطاب فعلى من الشارع، وحينئذ ترخيصه في تمام اطراف العلم يرجع إلى ترخيصه في المعصية، ولو جاز ترخيصه في المعصية هنا، جاز في العلم التفصيلي ايضا، لانهما من واد واحد كما لا يخفى. نعم يمكن ان يرخص في بعض الاطراف إما تعيينا واما على

[ 173 ]

البدلية (81)، لان الاذن في البعض ليس اذنا في المعصية، ولا يكون منافيا للتكليف الواقعي المعلوم بالاجمال، لما ذكرنا في محله من اختلاف مرتبة الحكمين، وحينئذ فالعمدة اثبات دلالة هذه الاخبار على الاذن في بعض الاطراف، بعد رفع اليد عن دلالتها الاولية بحكم العقل. قنقول: ما يمكن أن يقال في المقام في اثبات المراد وجوه: (الاول) - أن مقتضى عموم الادلة الترخيص في كل من الاطراف، غاية ما هنا وجوب التخصيص بحكم العقل بمقدار ما لا يلزم منه الاذن في المعصية، وحيث لا ترجيح لاخراج واحد معين من عموم الادلة، نحكم بخروج البعض لا بعينه، وبقاء الباقي كذلك حفظا لاصالة العموم فيما لم يدل دليل على التخصيص. وفيه أن البعض الغير المعين لم يكن موضوعا للعام من اول الامر، اصالة الاشتغال: (81) لا يخفى أن الترخيص في بعض الاطراف أيضا في غاية الاشكال. أما على القول بتضاد الاحكام في المرتبة الفعلية مع اتحاد الموضوع في الحكم الظاهري والواقعي، فاظهر، لان المفروض هو العلم بالحكم الفعلي على جميع التقادير، ومعه كيف يصح جعل حكم مضاد له، ولو على بعض التقادير ؟ ولذا اعترف في الكفاية بعدم جواز الترخيص في بعض الاطراف، لو كان المعلوم التكليف الفعلي من جميع الجهات. وأما على القول باختلاف المرتبة في الحكمين، فلانه وإن لم يلزم اجتماع الضدين أو النقيضين - إلا أن الاذن في احد الاطراف ينجر إلى الاذن في المعصية على تقدير المصادفة، كالاذن في جميع الاطراف. والدليل على ذلك أنه مع قطع النظر عن الاذن في أحد الاطراف، يكون الارتكاب لاحد الاطراف مع المصادفة معصية، ولذا يستحق مرتكبه العقوبة ويعد عاصيا، فالاذن المذكور يكون اذنا في المعصية على التقدير المذكور. والظاهر عدم الفرق

[ 174 ]

[ حتى يحفظ العموم بالنسبة إليه، لان موضوعه هو المعينات، فالحكم بالترخيص في المبهم يحتاج إلى دليل آخر. (الثاني) - أن يقال ان الدليل اللفظى وان لم يدل على الترخيص في البعض الغير المعين، إلا أنه يمكن استكشاف هذا الترخيص من الدليل اللفظى بضميمة حكم العقل. بيانه أن القضية - المشتلمة على حكم متعلق بعنوان من العناوين على سبيل الاطلاق أو العموم - يفهم منها امران: - (احدهما) - ثبوت ذلك الحكم لتمام افراد عنوان الموضوع. (ثانيهما) وجود ملاك الحكم في كل فرد منها. ثم إن ثبت قيد يرجع إلى مادة القضية، فقضية ذلك التقييد تضييق دائرة ذلك الحكم وملاكه معا، وإن ثبت قيد يرجع الى الطلب، فقضيته رفع اليد عن اطلاق الطلب دون المادة، كما إذا ورد = فيما ذكر بين جعل البدل وعدمه، فان الدليل المتضمن لجعل البدل وإن لم يكن مناقضا لدليل الواقع، بل يكون حاكما عليه. ولذا يصح جعل البدلية حتى مع العلم التفصيلي بالواقع، لكن يوجب تقييد الواقع حقيقة. ولا يجتمع ذلك مع العلم بمطلوبية نفس الواقع، حتى يكون جعل البدل حكما ظاهريا. أللهم إلا أن يقال: أن الحاكم في الاطاعة والمعصية هو العقل، وهو حاكم بان ارتكاب أحد اطراف المعلوم بالاجمال معصية لو لم يأذن له الشرع. وأما مع الاذن، فموضوع المعصية منتف رأسا، فحكمه بكونه معصية معلق على عدم اذن الشرع في ارتكابه، كحكمه بان متابعة الظن - عند انسداد باب العلم مع سائر المقدمات - اطاعة، فانه معلق على عدم نهي الشارع عنه، وهذا بخلاف حكمه بكون متابعة العلم التفصيلي إطاعة ومخالفته معصية، فانه حكم تنجيزي لا يمكن رفعه إلا برفع موضوعه، وهو العلم التفصيلي، وكذلك بالنسبة إلى المخالفة القطعية للعلم الاجمالي. فتأمل.

[ 175 ]

[ خطاب دال على وجوب انقاذ الغريق، ثم وجد غريقان، فان ذلك الخطاب وان كان غير شامل لهما بحكم العقل، لقبح التكليف بما لا يطاق، إلا انه يحكم باطلاق المادة بوجود ملاك الوجوب في كليهما، ولهذا يستكشف العقل وجوبا تخييريا إن لم يكن احدهما اهم، وخطابا تعيينيا متعلقا بالاهم، إن كان كذلك. وقد مضى شطر من هذا الكلام في البحث عن مقدمة الواجب، فراجع. إذا عرفت هذا فنقول: إن الادلة المرخصة هنا وان اختص حكمها بغير صورة العلم الاجمالي بحكم العقل الحاكم بقبح الاذن في المعصية، إلا أن اقتضاء كل مشكوك للاباحة يستكشف من اطلاق المادة. وبعد تعذر الجرى على مقتضى كل من الاطراف، يستكشف أن البعض على سبيل التخيير مرخص فيه، حيث لا ترجيح للبعض المعين. هذا وفيه ان هذا الحكم من العقل إنما يكون فيما يقطع بان الجرى على طبق احد الاقتضاءين لا مانع فيه، كما في مثال الغريقين. وأما فيما نحن فيه، فكما ان الشك يقتضي الترخيص كذلك العلم الاجمالي يقتضى الاحتياط، ولعل اقتضاء العلم يكون أقوى في نظر الشارع، فلا وجه لقطع العقل بالترخيص. (الثالث) - ان يقال إن مقتضى اطلاق الحكم في الادلة المرخصة ثبوت الاذن في كل من الاطراف في حال ارتكاب الباقي وفي حال عدمه، وهذا الاطلاق قد قيد بحكم العقل في حال ارتكاب الباقي، فيما كان العلم الاجمالي متعلقا بحرمة احد الامور، وفي حال ترك الباقي فيما كان المعلوم وجوب احد الامور، فنأخذ بمقتضى الاطلاق في غير الصورتين، ونقول بثبوت الاذن في الصورة الاولى، وفى حال عدم ارتكاب الباقي، وفى الثانية في غير حال ترك الباقي، حفظا لاطلاق الحكم فيما لم

[ 176 ]

يدل دليل على خلافه. وبهذا البيان يمكن اثبات الخطابين فيما إذا اجتمع غريقان لا يقدر على انقاذهما، بان يقال ان مقتضى القاعدة رفع اليد عن اطلاق كليهما، وجعل كل منهما مقيدا بترك الآخر. (لا يقال) لازم ذلك ثبوت الخطابين في حال ترك كليهما، لثبوت شرط كل منهما، فيلزم التكليف بما لا يطاق في الحال المفروض في مسألة الغريقين، وكذا يلزم الاذن في المعصية في تلك الحال في الشبهة المحصورة. لانا نقول إن الاطلاق لا يقتضى ايجاد الفعل في حال تركه حتى يلزم المحذور المذكور فافهم (82). لا يقال إن لازم ما ذكر اجتماع اللحاظين المتنافيين في الادلة المرخصة، لان الاذن فيها مطلق بالنسبة إلى الشبهات البدوية ومشروط بالنسبة إلى الشبهة المقرونة بالعم الاجمالي، فيلزم في إنشاء واحد أن يلاحظ ذلك الانشاء مطلقا ومشروطا. لانا نقول هذا المحذور إنما يرد إن قلنا بان القيد الوارد على المطلق كاشف عن ارادة المقيد في مقام الاستعمال. وأما إن قلنا إن المطلق في مقام الالقاء اريد منه ما هو ظاهره، وأن القيد كاشف عن عدم الارادة في مقام اللب، فلا محذور كما لا يخفى. هذا ولكن الادلة - الدالة على أن العالم يحتج عليه بما علم، وأنه في غير سعة من معلوماته - تقتضي الاحيتاط بحكم العقل، وينافى الترخيص الذى استكشفناه من الاطلاق، مضافا إلى منع اطلاق الادلة (82) لعله اشارة إلى أن الأمر - لا محالة - يقتضي الايجاد حال العدم، لكن لا بنحو التقييد والتوصيف به، فالاولى التعبير بأن الامر لا يقتضي مقيدا بتركه.

[ 177 ]

[ المرخصة، بل هي متعرضة لحكم الشك من حيث أنه شك. ثم إن ما ذكرناه إنما يصح على ما هو التحقيق عندنا من كون الاحكام الواقعية فعلية، وان الترخيص في مورد الشك لا ينافى فعلية الحكم الواقعي. وأما على ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ من ثبوت المراتب للاحكام، فقد يقال بوجوب الاخذ بعمومات الادله المرخصة في اطراف العلم، والجمع بينهما وبين الحكم الواقعي المعلوم بالشأنية والفعلية، كما هو الحال في الشبهات البدوية. لكنه مدفوع بأنه كما أن عمومات الادلة المرخصة تقتضي الترخيص، كذلك عموم ادلة اعتبار العلم يقتضى الفعليه فيتعارضان (83) فلا طريق للحكم بالترخيص. فان قلت هب، ولكن لا طريق ايضا للحكم بفعلية المعلوم بعد التعارض. قلنا يكفى في الحكم بالفعلية ظهور ادلة الاحكام، لانها ظاهرة بنفسها في الحكم الفعلى. والحمل على الشأنى إنما كان من جهة الجمع بينها وبين الادلة المثبتة للاحكام الظاهرية، وحيث لم يكن حكم (83) لا يخفى أن ادلة اعتبار العلم ليست بلفظية، حتى تعارض الادلة المرخصة، بل عقلية، فان اقتضى العقل اعتباره، جزما، فلا مجال للادلة المرخصة، والا فلا مانع من جريان الادلة المرخصة، كما لا يخفى. ثم انه على فرض التعارض لا معنى للتمسك بظواهر الادلة، حيث أن الظاهر لا حجية له الا بعد العلم به، والمفروض أن دليل العلم سقط بالتعارض، ولم افهم معنى محصلا لهذه المعارضة والمرجح، فتأمل لعلك تفهم.

[ 178 ]

ظاهري، لا وجه لرفع اليد عن ظهورها. وينبغى التنبيه على امور: (الاول) - أنه لو كان اطراف المعلوم بالاجمال مما لم يوجد إلا تدريجا، كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها: بان تنسى وقتها وإن حفظت عددها، فعلم اجمالا انها حائض في الشهر ثلاثة ايام مثلا، فهل يجب على الزوج الاجتناب عنها في تمام الشهر، ويجب على الزوجة ايضا الامساك عن قراءة العزيمة واللبث في المسجد مثلا اولا ؟ قد يقال بعدم تنجز التكليف لا على الزوج ولا على الزوجة، لان المعلوم عندهما خطاب مردد بين المطلق والمشروط، لان الزوج يعلم بحرمة الوطئ في هذه القطعة من الزمان، أو في القطعة الآتية، ولو كانت الحرمة في القطعة الآتية، فالخطاب مشروط بتحقق التلك القطعة، فلم يعلم بتوجه الخطاب المطلق إليه. ومقتضى الاصل البراءة وهكذا الكلام في الزوجة. وفيه انه ليس حال الزوجة كالزوج (84)، لانها في كل يوم تعلم بتوجه خطاب مطلق إليها إما متعلق بافعال المستحاضة، واما متعلق بتروك الحائض، فلا وجه للعمل بالبراءة بالنسبة إليها. واما الزوج فالذي ينبغى أن يقال أن من يرى ثبوت الوجوب التعليقي، وأنه قسم من الواجب المطلق، يجب أن يلاحظ الدليل الدال على وجوب ترك وطء الحائض في وقت حيضها، فان استظهر منه أن هذا الوجوب مشروط بالزمان، يحكم بالبراءة في كل قطعة من الزمان في الصورة المفروضة، لعدم تحقق العلم بالتكليف المطلق في وقت من الاوقات، وإن استظهر أنه مطلق وأن زمان الواجب قد انفك عن زمان الوجوب، يحكم بوجوب ] (84) لا يخفى عدم جريان البراءة للزوج ايضا، لانه - قبل اغسال الاستحاضة - يعلم بحرمة وطيها، وبعد الاغسال يستصحب الحرمة، كما لا يخفى.

[ 179 ]

الاحتياط. وعلى هذا المبنى يمكن الفرق بين الصورة المفروضة وبين ما إذا نذر أو حلف على ترك وطء امرأته في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو ازيد، بان يقال إن في الاول خطاب الزوج مشروط بتحقق الحيض، ولم يعلم بتحققه، بخلاف الثاني، لان الخطاب ليس له شرط اصلا، بل الزمان ظرف لتحقق الفعل. وأما بناءا على ما قلنا في مبحث مقدمة الواجب - اخذا عن سيدنا الاستاذ طاب ثراه من انقسام الواجب الى المطلق والمشروط، وعدم ثالث لهما، وان المقدمات الوجودية للواجب المشروط - بعد العلم بتحقق ما هو شرط الواجب في محله، وإن لم يتحقق - بعد محكومة بالوجوب، كما اشبعنا الكلام فيه - فاللازم الحكم بالاحتياط في المثال مطلقا، فان حكم الواجب المشروط - بعد لعلم بتحقق شرط الوجوب في محله، وإن لم يتحقق بعد - حكم الواجب المطلق على هذا المبنى (85). (الثاني) - أنه يشترط في تنجز المعلوم بالاجمال أن يكون الخطاب المعلوم بحيث يصح تعلقه فعلا بالمكلف على أي حال، بمعنى أن كل طرف فرض كونه فيه من الاطراف، كان الخطاب بالنسبة إليه صحيحا، فانه لو لم يكن على بعض التقادير صحيحا، لم يعلم بتوجه الخطاب فعلا. وهذا واضح ويتفرع على ما ذكرنا مسائل: (الاولى) - أنه لو اضطر إلى ارتكاب احد الاطراف، التى علم (85) لا يخفى أنه - على مبناه - يلزم القول بوجوب المقدمة على المميز الغير البالغ، إذا علم ببلوغه، وعدم القدرة على المقدمة بعد البلوغ، إذا لم تؤخذ فيها القدرة الحاصلة بعد البلوغ، ولا اظن احدا يلتزم بذلك.

[ 180 ]

بوجود النجاسة أو الخمر فيها معينا، فلو كان هذا الاضطرار سابقا على العلم، لم يؤثر ذلك العلم شيئا (86)، وكذا لو كان مقارنا له، ووجهه (86) نعم قد يقال بلزوم الاحتياط، فيما لو علم - بعد الاضطرار أو مقارنا له - بتحقق التكليف قبل الاضطرار، بدعوى أن العلم بالتكليف التام - من قبل المولى - يقتضي الخروج عن عهدته على جميع التقادير، إلا إذا ترك لمانع عقلي أو شرعي، من غير فرق ذلك بين العلم بتحققه فعلا، أو في السابق إذا كان احتمال ارتفاعه مستندا الى طرو المسقط من امتثال أو عذر عقلي أو شرعي. مثلا إذا التفت المكلف - بعد مقدار من الوقت - إلى نفسه، وشك في أنه هل صلى أول الوقت أم لا، فيجب عليه الاتيان بالصلاة بقاعدة الاشتغال، لانه علم فعلا بتحقق التكليف التام من قبل المولى أول الوقت، وان كان غير منجز للغفلة، وهذا العلم يكفي في لزوم العلم بالفراغ. كذلك في المقام فإذا علم المكلف بتحقق التكليف التام من قبل المولى بين شيئين، وجب عليه الامتثال القطعي له، وإن كان غير منجز في زمان تحققه. والامتثال القطعي في المقام - لما لم يمكن لمضى زمانه على تقدير المصادفة لما اضطر إليه - فيجب عليه الامتثال الاحتمالي. واجيب عنه: بأن العلم منجز إذا تعلق فعلا بتكليف يكون محلا لابتلاء المكلف على كلا التقديرين، حتى يصلح للتأثير في المكلف، وهذا التكليف - المردد بين كونه هو المعروض للاضرار أو غيره - غير صالح لذلك، لانه على تقدير المصادفة للمضطر إليه لا اثر له فعلا، كما هو واضح. وأما ما ذكر في المثال فالعلم تعلق بتكليف صالح للتأثير فعلا، مع قطع النظر عن امتثاله. وهذا معنى أن العلم بالتكليف يستلزم العلم بالفراغ. وليس التأثير للعلم المتعلق بالمكلف به في الزمان السابق، كما هو المدعى. لكن فيه: أن التكليف الفعلي في المثال بالاخرة مشكوك فيه، ولا معنى للعلم به - لولا الامتثال - الا الشك فيه فعلا، فان قلنا بتأثير العلم المتعلق بالزمان السابق فهو، وإلا فليس فعلا الا الشك. والمسألة بعد محتاجه إلى مزيد تأمل.

[ 181 ]

واضح. اما لو كان الاضطرار لاحقا ومسبوقا بتحقق العلم الاجمالي، فلا يرفع الاثر الحاصل للعلم، لان الذمة قد اشتغلت بامتثال التكليف الواقعي في حال العلم، فيجب بحكم العقل تحصيل اليقين بالبراءة. (الثانية) أنه لو اضطر الى ارتكاب البعض الغير المعين، فلا يكون مانعا من تنجز الخطاب في كل من الاطراف فعلا، لعدم الاضطرار الى ارتكاب طرف معين. وبعبارة اخرى شرايط الخطاب بالنسبة إلى الواقع موجودة (87)، ولذا لو علم به تعين عليه دفع اضطراره بالطرف الآخر، غاية الامر جهل (87) قد يقال: إن المقام مقام التمسك باطلاق المقيد، لا التمسك باطلاق المطلقات، فان اطلاق (رفع ما اضطروا إليه) كما يشمل ما اضطر إليه تعيينا، كذلك يشمل ما اضطر إليه تخييرا، كما لو كان احد الفردين من الخمر مضطرا إليه، بل يمكن أن يقال: إن كل واحد منهما معينا مصداق للمضطر إليه إذا ارتفع الاضطرار به، فلو صادف الحرام الواقعي، فلا مانع من تقييده. وعلى ذلك يكون اصل التكليف مشكوكا فيه. لكنه يقال: إن الاضطرار تعيينا أو تخييرا مقيد للواقع، إذا كان هو المضطر إليه واقعا وفي علم الله. أما إذا كان في الواقع بلا محذور، وإنما يرتكبه المكلف احيانا لجهله، فلا مانع من حفظ اطلاق الواقع، وجعل حكم ظاهري للمكلف بجواز ارتكابه ظاهرا، بل يمكن - بلا جعل حكم - تسليم الامر الى المكلف، فيعمل بما يحكم به عقله، والعقل يحكم بحفظ الواقع حتى المقدور، بعد ما لم يكن فيه محذور واقعا. أللهم إلا أن يقال: إن مجرد إمكان جعل الحكم الظاهري لا يكفي لاثباته، ما لم يدل عليه دليل خاص. وأما الادلة العامة، فالاصل في كل منها متعارض، والواحد لا بعينه لم يكن تحت الدليل، وأما حكم العقل فمسلم فيما إذا كان الاضطرار عقليا، وأما في العرفي، فان كان الدليل مقيدا للواقع بمثل ذاك الاضطرار، =

[ 182 ]

المكلف هنا اوجب سقوط الامتثال القطعي عنه. وهذا نظير حال الانسداد، حيث أن عدم القدرة على امتثال الاحكام الواقعية - على سبيل القطع أو كونه حرجا عليه - لا يوجب سقوط الاحكام الواقعية، بل يوجب سقوط الامتثال القطعي عنه. نعم من ذهب الى عدم امكان اجتماع الحكم الواقعي الفعلى والترخيص في حال الشك كذلك، يجب عليه أن يفصل هنا بين أن يكون الترخيص في بعض الاطراف شرعيا، فيرتفع العلم الاجمالي بثبوت التكليف، أو عقليا فيبقى العلم بحاله، كما أنه لابد له من هذا التفصيل في مسألة دليل الانسداد: بأن يقول: إن كان الحرج اللازم على تقدير الاحتياط عقليا، كما إذا لزم من الاحتياط اختلال النظام، فلا ينافى بقاء الاحكام الواقعية، وان كان شرعيا، فالترخيص الشرعي ينافى بقاء العلم الاجمالي، فلا يكون اتيان المظنونات واجبا عقلا، اللهم الا ان يدعى العلم الاجمالي في خصوص المظنونات. (الثالثة) أنه لو كان احد الاطراف خارجا عن محل الابتلاء قبل تحقق العلم الاجمالي، أو خرج عنه مقارنا له، فلا يكون العلم الاجمالي منجزا، لعدم كونه علما بالتكليف الفعلى. والخروج عن محل الابتلاء إما بأن يكون غير مقدور للمكلف، وإما بأن يكون بحيث يرغب عنه الناس عادة، وتكون دواعيهم مصروفة عنه نوعا. والميزان استهجان العقلاء للخطاب المتعلق به، والخروج عن محل الابتلاء - بعد تحقق العلم = فلا يبقى علم بالتكليف، وإلا فلا دليل لترخيص احد الاطراف. وهذا التقريب بعينه جار في دليل الانسداد، وينتج لزوم الاحتياط ما لم يبلغ الى حد يمنعه العقل، إلا إذا تمسك بالاجماع في لزوم الاحتياط، لا بالعلم الاجمالي.

[ 183 ]

الاجمالي - حاله حال الاضطرار الطارى. وقد سبق أن الاصل فيه لزوم الاحتياط. ولا اشكال في شئ مما ذكرناه. إنما اشكال في حكم موارد الشك في كون الطرف خارجا عن محل الابتلاء، أو داخلا فيه لا من جهة الامور الخارجية، بل من جهة اجمال ما هو خارج عن موارد التكليف الفعلى، فهل يكون المقام مما يتمسك فيه باصالة البراءة أو الاحتياط أو إطلاق الادلة، بملاحظة أن التقييد بالمجمل - المردد بين الاقل والاكثر - يوجب الاقتصار فيه على المتقين، وهنا كذلك، لان الخارج ليس عنوانا مبينا، فيشك في الانطباق، حتى يصير المقام من التمسك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية، كما لا يخفى. والحق عدم جواز التمسك بالدليل اللفظى في امثال المقام، مما يكون الشك فيه راجعا الى حسن الخطاب وعدمه، لوجهين: (احدهما) - أن الادلة الشرعية ليست ناظرة الى مثل هذه الجهات. (ثانيهما) - أنه لا يمكن القطع بحكم ظاهري، بواسطة اصالة الاطلاق أو العموم، لأن المفروض الشك في أن خطاب الشرع في هذا المورد حسن ام لا ؟ ولا تفاوت بين الخطاب الواقعي والظاهري. وعلى هذا فهل القاعدة تقتضي البراءة أو الاحتياط ؟ التحقيق هو الثاني (88)، (88) لا يخفى أن التقريب المذكور يقتضي لزوم الاحتياط، حتى فيما علم خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء، لأن العلم - بوجود مبغوض المولى بين امور - موجود، والمفروض أنه كاف حجة وبيانا لتنجيز الواقع لو صادف مورد الابتلاء، بناءا على كونه كالشك في القدرة.

[ 184 ]

لان البيان المصحح للعقاب عند العقل - وهو العلم بوجود مبغوض المولى بين امور حاصل، وإن شك في الخطاب الفعلى، من جهة الشك في حسن التكليف وعدمه. وهذا المقدار يكفى حجة عليه، نظير ما إذا شك في قدرته على اتيان المأمور به وعدمها، بعد احراز كون ذلك الفعل موافقا لغرض المولى ومطلوبا له ذاتا، وهل له أن لا يقدم على الفعل بمجرد الشك في الخطاب الفعلى الناشئ من الشك في قدرته. والحاصل ان العقل - بعد احراز المطلوب الواقعي للمولى أو مبغوضة - لا يرى عذرا للعبد في ترك الامتثال. هذا. (الثالث) - أنه لو تحقق العلم التفصيلي بالمقدار المعلوم بالاجمال، ولم يكن له عنوان زائد لا يعلم انطباقه على ما علم تفصيلا، فلا اشكال في انحلال العلم الاجمالي قهرا، إذا يكشف العلم التفصيلي عن كون الخطاب سابقا. أما لو علم تفصيلا بشئ لا يعلم انطباق المعلوم الاجمالي عليه، كما إذا علم اجمالا بوجود شاة متصفة بصفة كذا موطوءة بين الشياه، ثم علم تفصيلا بكون الشاة المعينة موطوءة، ولم يعلم باتصافها بتلك الصفة، فهل يوجب الانحلال، أم يجب الاحتياط حتى يقطع بالاجتناب عن الشاة = نعم، قد يدعى الفرق بين الشك في القدرة والشك في الخروج عن مورد الابتلاء: بان الشئ الخارج عن مورد الابتلاء لا يحسن تعلق التكليف به حتى اقتضاءا، وفي الحقيقة ينزل منزلة العدم، بخلاف غير المقدور عليه، فانه يصح تعلق الحب والبغض وتعلق التكليف به اقتضاءا ففي الشك في القدرة يكون التكليف التام من قبل المولى معلوما، والشك في وجود المانع من قبل العقل، بخلاف ما إذا خرج احد الاطراف عن مورد الابتلاء، فان الشك حينئذ في اصل التكليف، لكن مقتضى ذلك عدم الاحتياط حتى في مورد الشك في خروج بعض الاطراف عن مورد الابتلاء. وكيف كان فلا يستقيم ما في المتن من التفصيل، فافهم.

[ 185 ]

المتصفة بالوصف المعلوم ؟ الاقوى الاول، لانه - بعد احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على ما علم تفصيلا - لم يبق له علم بتكليف آخر، سوى المعلوم بالتفصيل (89). نعم يشترط في الانحلال أن يعلم بكون الشاة الخاصة موطوءة في الزمن الذى علم اجمالا بوجود شاة موطوءة، بملاحظة ذلك الزمان، إذ لو علم تفصيلا بكون شاة موطوءة، واحتمل حدوث الوطى، لم ينحل العلم الاجمالي السابق، بل هو باق على اجماله. فان قلت: إن كان الاعتبار بوجود العلم الاجمالي في زمان، فاللازم الاحتياط في كلا المثالين، لاشتراكهما في تحقق العلم الاجمالي في زمن، وان كان الاثر دائرا مدار وجوده، فيلزم عدم وجوب الاحتياط فيهما، إذ - بعد العلم التفصيلي بكون الطرف المعين محرما - لا يبقى التردد والاجمال في أن الحرام هل هذا أو الآخر ؟ سواء علم تفصيلا بكونه حراما من قبل ام لم يعلم بذلك، بل احتمل حدوث سبب الحرمة. (89) لا يخفى أن ذلك لا يتم فيما إذا علم بتعلق الحكم بعنوان مردد بين شيئين، وإن علم بتحقق الحكم في أحدهما، لان متعلق الحكم وإن كان مرددا - في الخارج - بين ما هو معلوم تفصيلا ومشكوك بدوا، لكن العلم بتحقق التكليف المتعلق بهذا العنوان يقتضي العلم بالبراءة عنه، والاقتصار على المعلوم تفصيلا لا يزيد على الشك في امتثال التكليف المعلوم، فتأمل فانه دقيق. نعم ذلك مختص بما إذا كان متعلق الحكم معنونا بعنوان خاص. وأما إذا كان نفس الحكم المعلوم اجمالا معنونا بعنوان الشك في انطباقه على المعلوم التفصيلي، كالنفسية والغيرية والواقعية والظاهرية، وامثال ذلك، فلا يؤثر في لزوم الاحتياط، لان مناط المعصية والاطاعة عند العقل ليس الا العلم بالحكم الفعلي الشرعي، من غير خصوصية بين اقسام الحكم، بخلاف العنوان المعلوم، فان المكلف مأخوذ به. ووجهه يظهر بالتأمل.

[ 186 ]

قلت الاعتبار بوجود العلم الاجمالي وبقائه بملاحظة الزمن اللاحق. وبعبارة اخرى يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي - في الازمنة المتأخرة - أن يعلم أنه في الزمن السابق كان عليه تكليف مردد بين اطراف، وان لم يعلم بملاحظة الحال. وأما إذا علم الآ بان هذا المورد كان متعلقا لتكليفه في السابق، وشك في الطرف الآخر من اول الامر، فلا اثر للعلم الاجمالي الموجود سابقا، كما لو شك في اصل تحقق التكليف من اول الامر، بعد ما علم اجمالا بثبوته اولا، بل ولو تفصيلا. ولو كان مجرد تحقق العلم في زمن مؤثرا لوجب الحكم بوجود الاثر، وان صار شكا ساريا. وهذا مما لا يقول به ذو مسكة. ثم إن هذا الذى ذكرناه من الانحلال إنما هو فيما إذا لم يعلم بانحصار التكليف، كما في المقدار الذى علم تفصيلا. وأما إذا علم بالانحصار، فالامر فيه أوضح. هذا حال العلم التفصيلي. ولو قام طريق معتبر شرعى مثبت للتكليف في بعض الاطراف، بحيث لو علم مؤدى ذلك الطريق لانحل العلم الاجمالي، فهل يحكم بانحلال ويجرى الاصل النافي للتكليف في الباقي اولا يجرى ؟ بل الاحتياط في باقى الاطراف ايضا. ومحل الكلام ما لم يعين الطريق مورد العلم الاجمالي، كما إذا علم اجمالا بكون شاة موطوءة من انسان خاص، ثم قامت البينة على ان الشاة الموطوءة من ذلك الشخص هي هذه، فانه في هذه الصورة لا اشكال في جريان الاصل في الطرف الآخر، وكذا لو علم بحصر المعلوم في واحد مثلا، فان من لوازم صدق البينة عدم كون الباقي موطوءا، وتعيين المعلوم بالاجمال فيما قامت عليه البينة. وقد حقق في محله وجوب الاخذ بلوازم الطرق، وان لم تكن شرعية. وبهذا تفارق الاصول العلمية. والحاصل ان محصل الكلام فيما إذا علم بوجود حرام أو واجب بين

[ 187 ]

امور، واحتمل كون التكليف زائدا على المعلوم في نفس الامر، ولم يعين الطريق المعلوم بالاجمال في مورده، كما إذا علم بكون شاة واحدة موطوءة بين الشياه، واحتمل الزيادة، ثم قامت البينة على ان الشاة المخصوصة موطوءة، وكذا لو علم بوجوب الظهر والجمعة، ثم قام الطريق المعتبر على وجوب الظهر. ومجمل الكلام في المقام أنه لو كان قيام الطريق سابقا على العلم الاجمالي أو مقارنا له، فلا اشكال في جريان الاصول الشرعية النافية للتكليف (90)، فان الاصل في مورد الطريق محكوم عليه، فتبقى الاصول ] (90) نعم لو علم بعد قيام الطريق بتحقق التكليف، قبل قيام الطريق، فيجري فيه ما مر في الاضطرار السابق على العلم، ففيما يضر سبق العلم في جريان الاصل في الاطراف الخالية عن الطريق يشكل الامر، وإن كان الطريق سابقا على العلم، لكنه قد مر التأمل فيه. والذي يقتضيه النظر عجالة: هو أن بعض اطراف العلم الاجمالي إذا تنجز قبل العلم بتكليفه بطريق شرعي أو اصل عقلي، ثم حدث العلم بعد ذلك المنجز، قيبقى الاصل في الطرف الآخر سليما عن المعارض، من غير فرق في ذلك بين العلم بتحقق التكليف قبل تحقق ذلك المنجز أو بعده، وذلك لأن نفس التكليف السابق لا اثر له، ما لم يعلم به أو لم تقم عليه أمارة، والمفروض ان العلم الاجمالي حاصل بعد قيام المنجز في بعض الاطراف، بحيث لا يؤثر في ما ثبت المنجز له قبلا، زائدا على ما كان عليه. وبعبارة اخرى: بعد تحقق المنجز لا مورد لجريان الاصل فيه، فيبقى الاصل في الطرف الآخر سليما عن المعارض. وتوضيح ذلك بالمثال، لو علمنا بنجاسة إناء زيد أو اناء عمر وفى يوم الجزعة، ثم علمنا يوم السبت بتنجس واحد منهما أو إناء بكر بنجاسة اخرى من سنخها يوم الخميس، فان العلم الحادث لما لم يؤثر في إناء زيد =

[ 188 ]

- الجارية في الاطراف الخالية عن الطريق - سليمة عن المعارض. ولو كن بعد تحقق العلم الاجمالي، فان كان المقام من الشبهات الحكمية، وكان عدم وصوله إليه من جهة عدم الفحص، فلا اشكال أيضا في خلو الاصول في باقى الاطراف عن المعارض، لان قيام الطريق يكشف عن عدم كون مورده مجرى للاصل من اول الامر، فيبقى خاليا عن المزاحم. وإن لم يكن من الشبهات الحكمية، أو كان، ولكن تفحص بقدر الوسع، فلم يجد الطريق ابتداءا، ثم التفت الى طريق على خلاف العادة = وعمرو باحداث تكليف آخر زائدا على ما كان منجزا قبل، لا مانع من اجراء الاصل في إناء بكر. وليس لاحد أن يقول: إن الاصل في إناء بكر كان في الواقع معارضا لاصلهما. لانه يقال ؟ إن الاصل لا يتحقق بدون تحقق موضوعه، ولا معنى له. ولمفروض ان إناء بكر - يوم الجمعة - لم يكن متعلقا للعلم ولا الشك، حتى يجري فيه الاصل ليعارض اصلهما وبذلك يعلم حال الملاقي لاحد الاطراف، وانه لا يجب الاجتناب عنه، إذا علم به بعد العلم الاجمالي، سواء علم بحصول الملاقاة قبل العلم السابق أو بعده، ويجب الاجتناب عنه لو وقع، أولا طرفا للعلم، وان علم بعد ذلك كون نجاسته مستندة الى الملاقاة، ولا يجب الاجتناب حينئذ عن الملاقى - بالفتح - لو حصل العلم به، بعد العلم بالملاقي - بالكسر. والحاصل: ان الاصل لا يجري ما لم يتحقق موضوعه، فكل ما لم يعلم به من الاطراف الا بعد تعارض الاصول في بعض آخر، فلا مانع من اجراء اصله. ولا فرق فيما ذكرنا بين كون المانع - من اجراء الاصول في بعض الاطراف - تعارض الاصول، كما ذكرنا، أو قيام أمارة مثبتة للتكليف في بعض الاطراف، فيبقى الاصل في بعضها الآخر سليما.

[ 189 ]

[ مثلا، فيشكل اجراء الاصول الشرعية في باقى الاطراف، لسقوطها ابتداءا بواسطة المعارضة. وقد عرفت ان سقوط المعارض - بعد العلم الاجمالي والتساقط - لا يوجب كون الطرف الموجود موردا للاصل. والذى يبنغى أن يقال: هو ان قيام الطريق يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي السابق في الاحتياط عقلا. وقد قررنا وجهه سابقا في الجواب عن الاخباريين المتمسكين بالعلم الاجمالي لرفع البراءة، فلا نطيل المقام باعادته. (الامر الرابع) - أن سقوط الاصول في اطراف العلم إنما يكون إذا كانت نافية للتكليف. وأما إذا كانت مثبتة، فلو احتمل مطابقة الكل للواقع - كما في صورة عدم العلم بالانحصار - فلا اشكال في وجوب الاخذ بها، لعدم المانع لا عقلا ولا شرعا. أما إذا لم يحتمل ذلك، كما إذا علم بنجاسة احد الاناءين وطهارة الآخر، وكان كل منهما مسبوقا بالنجاسة، فهل يحكم بجريان الاستصحاب في كليهما ام لا ؟ وجهان مبنيان على ان العلم المجعول في الاخبار غاية، هل هو اعم من العلم التفصيلي والاجمالي، أو هو مختص بالعلم التفصيلي ؟ إن قلنا بالاول فلا يجرى الاصل. وان قلنا بالثاني فلا مانع من جريان الاصلين كليهما. أما بحسب الدليل الشرعي، فلان المفروض ثبوت الدليل العام ووجود الموضوع لذلك الدليل. وأما بحسب حكم العقل، فلان اجراء الاصل في كليهما يوجب المخالفة العملية. وقد عرفت ما هو الاقوى. وتظهر الثمرة في ملاقي احد الاناءين بالخصوص، فانه - على تقدير جريان الاستصحاب في الملاقى بالفتح - محكوم بالنجاسة، وعلى التقدير الآخر محكوم بالطهارة.

[ 190 ]

(الامر الخامس) - انه قد عرفت في طى المسائل السابقة ان الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي انما يجب فيها الاحتياط بشروط: (منها) - كون الاطراف كلها موردا للابتلاء، بحيث لا يكون التكليف بالنسبة الى بعضها مستهجنا. (ومنها) - عدم الاضطرار الى بعض الاطراف إما معينا وإما غير معين، فانهما مشتركان في عدم وجوب الاحتياط، كما لا يخفى. (ومنها) - عدم كون الاحتياط في جميع الاطراف حرجيا، ولو كان كذلك لم يجب الاحتياط. إذا عرفت ذلك فنقول قد اشتهر أن الشبهة الغير المحصورة لا يجب فيها الاحتياط، بل ادعى عليه الاجماع، بل الضرورة، فلا بد أن تفرض الشبهة على نحو لو فرض كونها محصورة لوجوب فيها الاحتياط، لكونها جامعة للشرايط المعتبرة في تنجزها، إذ لو فقد بعض ما ذكر، فعدم وجوب الاحتياط إنما يكون من جهة عدم الشرط، لا من جهة كونها غير محصورة، فلنفرض الكلام فيما إذا علمنا بحرمة شئ مردد بين امور كثيرة، ولم يكن الاجتناب عن الجميع حرجيا، ولم يكن بعضها خارجا عن محل الابتلاء، ولم يكن المكلف مضطرا الى ارتكاب البعض. فما قيل في وجه عدم وجوب الاحتياط فيها - من عدم ابتلاء المكلف بالنسبة الى جميع الاطراف، أو كون الاحتياط فيها حرجيا وامثال ذلك - اجنبي عن المقام. إذا عرفت موضع البحث فنقول: غاية ما يمكن ان يقال - في وجه عدم وجوب الاحتياط - هو أن كثرة الاطراف توجب ضعف احتمال كون الحرام مثلا في طرف خاص، بحيث لا يعتنى به العقلاء، ويجعلونه كالشك البدوى، فيكون في كل طرف يقدم الفاعل على

[ 191 ]

الارتكاب طريق عقلائي على عدم كون الحرام فيه. وهذا التقريب احسن مما افاده شيخنا الاستاذ قدس سره: من أن وجه عدم وجوب الاحتياط كون الضرر موهوما، فان جواز الاقدام على الضرر الاخروي الموهوم - لو سلم - لا يوجب القطع بكونه غير معاقب، كما لا يخفى. هذا ولكن فيما ذكرنا ايضا تأمل، فان الاطمينان - بعدم الحرام في كل واحد واحد بالخصوص - كيف يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها، وعدم خروجه عنها، وهل يمكن اجتماع العلم بالموجبة الجزئية، مع الظن بالسلب الكلى (91) فحينئذ إن تم الاجماع في المسألة فهو، والا فالقول بعدم وجوب الاحتياط مشكل، لعين ما ذكر في الشبهة المحصورة، من دون تفاوت. ولا يبعد أن يكون حكمهم بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الغير المحصورة من جهة مقارنتها غالبا مع فقد بعض شروط التنجيز، وعلى هذا لا خصوصية لها في الحكم المذكور. هذا حكم الشبهة في متعلق الحكم بعد احراز اصله، وقد ذكرنا أن الشبهة إن كانت في اصل التكليف، فالقاعدة تقتضي البراءة، وان كانت في متعلقه بعد احراز اصله، فالقاعدة تقتضي الاحتياط. وقد وقع الاختلاف بين اصحابنا في بعض الشبهات، فذهب جماعة إلى كونه موردا للبراءة، واخرى الى كونه موردا للاشتغال. ومبنى الخلاف أنه هل هي من افراد الشبهة في اصل التكليف، أو في متعلقه. ومن تلك الموارد الشك في جزئية شئ للمأمور به، وأن التكليف هل هو متعلق بالمركب الاقل أو الاكثر. (91) لا يخفى أن الظن بالعلم - في كل من الاطراف بخصوصه - غير الظن بالسالبة الكلية، ولو كان كذلك، لكان الشك في كل من الاطراف مع القطع =

[ 192 ]

الاقل والاكثر والتكلم فيه يقع في مقامين: (احدهما) في اقتضاء الاصل العقلي و (ثانيهما) في اقتضاء الاصل الشرعي. والمركب الواجب (تارة) يفرض توصليا لا يشترط فيه قصد القربة. و (اخرى) تعبديا. ولنقدم الكلام في الواجب التصلى بحسب اقتضاء الاصل العقلي: فنقول احتج على لزوم الاحتياط بثبوت العلم الاجمالي بالتكليف المتعلق بالاقل والاكثر، ومقتضى اشتغال الذمة بالتكليف وجوب الفراغ منه يقينا، وهو لا يحصل الا باتيان الاكثر. ] = بالموجبة الجزئية ايضا مناقضا، لان الشك في السالبة الكلية مناقض للقطع بالموجبة الجزئية، كما هو واضح. نعم، يرد على هذا التقريب: أن الظن بالعدم في كل منهما لو كان طريقا عقلائيا الى العدم، فمع القطع بخطأ أحدها تتعارض الطرق فتتساقط. أللهم إلا أن يقال: أن الاطمينان في كل منها بنزلة العلم، وبعد تحققه لا يلتفت إلى احتمال عدمه حتى يعارض بشئ. مثلا لا إشكال في أن كل قاطع إلا المعصوم (ع) يقطع بأن بعض افراد قطعه خطأ، ويعلم بعدم عصمته من الخطأ، ولكن عند كل فرد من افراد قطعه لا يحتمل كون ذلك خطأ، فكذلك الاطمينان المنزل عند العقلاء منزلة العلم. وقد يوجه عدم الاجتناب في اطراف الشبهة الغير المحصورة، بعد تفسيرها بما يتعذر عادة الاجتناب عن الاطراف من جهة كثرتها، بعدم القدرة على اجتنابها. وفيه ما لا يخفى: من عدم ملائمة التفسير لما ذكروا، ولا العلة الا لمخالفة مقدار لا يقدر على تركها، وهو غير ما بنوا عليه فيها. وقيل فيها ايضا ما لا ينطبق على ما التزموا به والظاهر أن ما في المتن امتن مما عثرت عليه من التوجيهات.

[ 193 ]

[ لا يقال إن الاقل معلوم الوجوب على كل حال، لانه إما واجب نفسا وإما مقدمة لحصول الاكثر، وبعد العلم بوجوب الاقل تفصيلا، ينحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوى. لانا نقول التكليف المعلوم تفصيلا لو كان غير يافى الواقع، لا يترتب عليه اثر عقلا، لما حقق في محله. والتكليف النفسي غير معلوم تفصيلا في طرف خاص، فيبقى العلم الاجمالي بالتكليف النفسي موجبا للاحتياط. فان قلت نفى الاثر عن التكليف الغيرى مطلقا لا وجه له، فان المنفى بحكم العقل استحقاق العقوبة على مخالفته كالتكليف النفسي. وأما كون مخالفته منشأ للعقاب على ذى المقدمة، فلا ينفيه العقل، بل هو لازم له عند العلم به، فحينئذ يقال: إن التكليف بالاقل معلوم، ومخالفته توجب استحقاق العبد للعقوبة، إما على ترك نفسه، وإما على ترك ما هو مسبب عن تركه، ولا علم له بتكليف آخر غير هذا المعلوم. قلت المفروض على هذا القول عدم تنجز الاكثر، فكيف يصير ترك الاقل المعلوم موجبا للعقوبة عليه. والحاصل ان احتمال كون الوجوب المعلوم غيريا هل يوجب تنجز الاكثر ام لا ؟ فعلى الاول لا معنى للقول بالبراءة فيه. وعلى الثاني لا معنى للقول بان مخالفته توجب العقوبة عليه. إن قلت ترك الاكثر قد يكون متسندا الى ترك الاجزاء المعلومة، وقد يكون مستندا الى ترك الجزء المشكوك فيه. والمراد - من أن مخالفة التكليف الغيرى توجب العقوبة على ذى المقدمة - أنه لو ترك مستندا الى ترك الاجزاء المعلوم وجوبها، لاستحق عليه العقاب، دون ما إذا ترك مستندا الى غيرها.

[ 194 ]

[ قلت لازم ما ذكرت عدم صحة العقوبة على الاكثر، لو ترك مجموع الاجزاء من المعلومة وغيرها، فان الترك حينئذ ليس مستندا الى خصوص ترك الاجزاء المعلومة، كما هو واضح، فيرجع الامر الى ان مخالفة هذا الامر المعلوم ليس له اثر على كل تقدير. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال للقائل بالاشتغال. وفيه ان الضابط في انحلال العلم الاجمالي ليس العلم التفصيلي بالتكليف الذى يوجب في مخالفته العقوبة على كل حال، كيف ؟ ولو كان كذلك لما صح القول بالانحلال فيما إذا قام طريق معتبر شرعى مثبت في بعض الاطراف، فانه لا تصح العقوبة على مخالفة التكليف الطريقي على كل تقدير، بل هو موجب لصحة العقوبة لو كان مصادفا للواقع. إنما الضابط هو العلم التفصيلي بالتكليف الذى يجب امتثاله عقلا، وإن كان من جهة صحة العقوبة على بعض التقادير. فنقول - فيما نحن فيه - إن العلم بالتكليف المتعلق بالاقل - لما لم يعلم كونه مقدميا أو نفسيا - يجب عند العقل موافقته، لانه لو كان نفسيا لم يكن له عذر في تركه، كما في التكاليف الطريقية، حيث أن وجوب امتثالها عند العقل من جهة احتمال مصادفتها للواقع، وان المكلف على هذا التقدير لم يكن معذورا. فعلى هذا نقول: نعلم تفصيلا بتكليف من الشرع يجب بحكم العقل متابعتة، ونشك في تكليف آخر وراء ذلك، لاحتمال وحدة مورد العلم الاجمالي مع التفصيلي. والعجب ممن جزم في التكاليف الطريقية بانها موجبة للانحلال، مع جزمه هنا بالاشتغال، محتجا بأن التكليف المعلوم ليس له اثر على كل تقدير. وكيف كان فالاقوى في النظر البراءة

[ 195 ]

وفاقا لسيدنا الاستاذ طاب ثراه، لما ذكر من الوجه. فان قلت إن مقتضى قواعد العدلية كون الاوامر مسببة عن مصالح في المأمور به، وأن غرض الشارع وصول العبد إليها، فإذا اتى بالاقل لم يعلم بحصول الغرض اصلا، لاحتمال حصوله باتيان الاكثر، والعقل يحكم بوجوب اتيان المأمور به على نحو يسقط به الغرض، بل ليس هذا الكلام مبنيا على قواعد العدلية القائلين بوجود المصلحة والمفسدة، لوضوح أن لكل آمر غرضا في اتيان المأمور به، وان كان جزافا، ويلزم على العبد اتيان المأمور به على نحو يصحل به غرض المولى. قلت لزوم اتيان الفعل على نحو يسقط به الغرض عقلا (تارة) من جهة أن الثابت عليه بحكم العقل اسقاط الامر، وهو لا يسقط الا باسقاط الغرض. و (اخرى) من جهة ان اللازم بحكم العقل تحصيل غرض المولى مستقلا، من دون ملاحظة كونه سببا لسقوط الامر. وعلى الثاني (تارة) يقال إن اصل الواجب في باب الاطاعة ينحصر في تحصيل الغرض، والامر إنما يكون حجة على الغرض، من دون ان يكون موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال. و (اخرى) يقال بان الواجب كل منهما بحكم العقل، فلو انفرد الغرض عن الامر يجب تحصيله. وكذا لو انفرد الامر عن الغرض، كما لو كانت المصلحة في نفس التكليف. فان كان نظر القائل الى الاول نقول لا يعقل بقاء الامر مع اتيان متعلقه، لانه يرجع الى طلب الحاصل. وان كان نظره الى اول الوجهين من الثاني فنقول هذا خلاف ما نجده من انفسنا، لوضوح أنه لو فرضنا امر المولى جديا، ولم يكن له غرض في الفعل، بل إنما امر جدا لغرض ومصلحة في الطلب الجدى، يجب بحكم العقل اطاعته، ويصح عند العقلاء ان يؤاخذ العبد على المخالفة، ولا يسمع

[ 196 ]

عذر العبد بأن هذا الامر لم يكن لتحصيل غرض في المأمور به. وان كان نظره إلى الوجه الاخير فنقول: لو علم بان غرض المولى لا يحصل باتيان متعلق الامر المعلوم، يحكم العقل باتيان ما هو موجب لحصول غرضه. وأما إذا لم يعلم ذلك، واحتمل انطباق غرضه على ما علم وجوبه - كما فيما نحن فيه - فلا يحكم العقل بوجوب شئ زائد على ما علم وجوبه، فان امتثال هذا الامر المعلوم واجب، ولا يعلم ببقاء غرض المولى بعد اتيان الفعل المفرض. ويمكن ان يستدل على البراءة بوجه آخر، وهو أن يقال: إن الاقل معلوم الوجوب بالوجوب النفسي، لان المركب باللحاظ الاول - الذى يجعله الحاكم موضوعا للحكم - ملحوظ بلحاظ واحد، وموجود في الذهن بوجود واحد، ولا جزء له بهذا اللحاظ، إنما تعتبر الجزئية بلحاظ ثانوي، وهو لحاظ كل جزء منه مستقلا، فالجزء إن لوحظ مستقلا فهو مقدمة للكل، وان لوحظ طريقا الى اللحاظ الاولى للحاكم على نحو الطبيعة المهملة، فهو غير الكل، إذ ليس للاجزاء بهذا الاعتبار وجود علحدة. إذا عرفت هذا فنقول - بعد العلم بتعلق الوجوب إما بالاقل أو بالاكثر - نعلم بتعلقه بذات الاقل، مع قطع النظر عن كونه محدودا باحد الحدين، ونشك في تعلقه بشيئ آخر، فمقتضى الاصل البراءة. فان قلت إن الطبيعة المهملة - من احد الحدين - لا تكون موضوعة لحكم الحاكم قطعا، ضرورة أنه إما تعلق غرضه بالمركب الاقل أو الاكثر، فالقدر المشترك بينهما - المجرد عن اعتبار الوضعين - شئ انتزع عن تكليف الآمر باحد العنوانين على جهة الخصوصية، ولا أثر هذا الامر الانتزاعي، وما هو واقع لا يعلم به الا اجمالا.

[ 197 ]

(قلت) ليس حكم العقل بوجوب الامتثال مختصا بما إذا علم عنوان المكلف به مفصلا، بل متى علم بشئ - ولو كان ذلك الشئ وجها من وجوه المكلف به - لزم عليه الامتثال بحكم العقل. ولذا قلنا في مبحث العلم الاجمالي أنه باقسامه موجب للاحتياط، لو لم يكن العنوان الواقعي للمكلف به معلوما، كما إذا علم بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، أو بحرمة شرب التتن. (فان قلت) نعم لكن ليس العلم بوجوب المهملة مقتضيا لاتيانها في ضمن أي فرد كان، ألا ترى أنه لو كان الواجب عتق الرقبة المؤمنة، لا يصح امتثاله بعتق الرقبة الكافرة ؟ وان كانت نسبة الوجوب الى عتق الرقبة بنحو الاهمال صحيحة، من جهة وجود المهملة في المقيد ايضا، فمقتضى العلم - بتعلق الوجوب بالطبيعة المهملة - امتثاله على نحو يقتضيه في الواقع. ولا يقطع بالبراءة من مقتضى هذا المعلوم إلا بالاتيان بالاكثر. قلت إن علم تعلق التكليف بالمقيد، فلا يصح امتثاله في الفرد الفاقد للقيد، لان التكليف بالمقيد تكليف واحد، وان صح نسبته الى المهملة، من جهة اتحادها مع المقيد، فذمته مشغولة باتيان ذلك المقيد، بخلاف ما نحن فيه، فان ذمته لم تشتغل بازيد من هذه الطبيعة الجامعة. فان قلت: على هذا لزم عليك ان تقول - في صورة العلم بوجوب احد المتباينين - بعدم وجوب الاحتياط، لانه لا يعلم الا بوجوب احدهما، فلا يجب عليه الا اتيان احدهما، لانه المقدار المعلوم له. قلت وجه الاحتياط في المتباينين أنه يعلم بوجوب عنوان خاص في نفس الامر، وذلك العنوان خصوصية زايدة على عنوان احدهما، لان هذا العنوان الاجمالي صادق على كل منهما، وذلك لا ينطبق الا على واحد

[ 198 ]

بعينه. والمنجز عقلا هو ذلك العنوان الخاص، لا العنوان الاعم الاجمالي. وأما في مقامنا مما يكون الامر فيه دائرا بين الزائد والناقص، أو المطلق والمقيد، فلا علم للمكلف بلزوم خصوصية زائدة على المقدار المعلوم، فان مرجع كون الناقص أو المطلق مطلوبا إلى عدم دخل خصوصية زائدة على تلك الطبيعة، لا الى دخل خصوصية زائدة، وهى النقص أو الاطلاق، فتدبر في المقام. ومما ذكرنا عرفت وجه اصالة البراءة في الشك في القيد، فلا نطيل بذكره الكلام. هذا حال الاصل العقلي في الاجزاء والقيود المشكوكة في الواجبات التوصلية (92). (واما) الواجبات التعبدية، فيستظهر القائل بالاحتياط بجهة اخرى غير ما ذكره في وجه الاحتياط في التوصليات، وهى أن الواجب فيها قصد التقرب، ولا يحصل الا بقصد اتيان ما هو تكليف نفسي للمولى، إذ في الواجبات الغيرية - على ما حقق في محله - لا يتأتى قصد القربة، فيجب من جهة حصول هذا المعنى المبين إتيان الاكثر، وقصد التقرب باتيان ما هو واجب في الواقع. الاقل والاكثر (92) لكن لا يخفى أن البراءة - على التقريبين - لا تتم، إلا على القول بحصول الامتثال متدرجا لاجزاء المركب، ليصح أن يقال ما علم بوجوبه نعلم بامتثاله، وما شك في امتثاله مشكوك رأسا، وأما لو قيل بأن الامتثال في كل من الاجزاء مراعى بامتثال الكل فيمكن القول بالاشتغال، بل يتعين، لان ما علم وجوبه - وهو الاقل - مشكوك الامتثال، والعقل لا يحكم بالبراءة ما لم يجزم بامتثال ما علم وجوبه، فالاشتغال من جهة الشك في الامتثال الاقل لا من جهة الاكثر.

[ 199 ]

وفيه ان قصد القربة إن جعلناه من الاغراض المترتبة على الامر، بان قلنا لا يمكن ادراجه في المأمور به، فمعلوم ان تنجزه تابع لتنجز الامر، إذ لا يعقل عدم تنجز الامر الذى هو سبب لتنجز الغرض وتنجزه، فكما أن العقل يحكم في الشبهات البدوية بعدم تنجز الغرض المترتب على الامر على المكلف، كذلك هنا على القول بالبراءة. نعم لو كان التكليف متعلقا بالاقل، يجب على المكلف امتثاله على نحو يسقط به الغرض، إذ الحجة قد قامت عليه. والمفروض أنه يأتي بالاقل المعلوم بقصد الاطاعة، لا باغراض اخر. فان قلت كيف يتمشى قصد القربة فيما دار امره بين ان يكون واجبا نفسيا أو مقدميا، والمفروض عدم حصول القرب في امتثال التكليف المقدمى ؟ قلت المقدار المسلم اعتباره في العبادات أن توجد على نحو يعد فاعله من المنقادين للمولى. ومن المعلوم حصوله هنا، كيف ؟ ولو كان المعتبر أزيد من ذلك، لانسد باب الاحتياط في العبادات في موارد الشبهة في اصل التكليف، إذ لا يعلم العبد أن ما يأتي به لغو أو مطلوب للمولى، فكيف يقصد القربة ؟ ومن هنا ظهر الجواب عن هذا الاشكال، على تقدير القول بكون قصد القربة داخلا في المأمور به، فانه يصير حينئذ كالاجزاء المعلومة في لزوم المراعاة باتيانها متقربا على نحو ما ذكرناه. هذا تمام الكلام في الاصل العقلي. واما الاصل الشرعي فنقول إن الدليل العمدة في المقام هو حديث الحجب وحديث الرفع، ومفادهما بالنسبة الى مورد الشك واحد. وتقريب الاستدلال على مبنى القائل بالبراءة عقلا واضح، فان مقتضاهما

[ 200 ]

رفع الحكم المتعلق بالاكثر، لانه مما حجب الله علمه عن العباد، ومما لا يعلمون، ولا يعارضه كون تعلق الحكم بالنسبة الى الاقل مشكوكا ايضا، فان التكليف النفسي وإن كان كذلك، إلا أنه - بعد العلم باصل الوجوب وكوون هذا الحكم المعلوم لازم الامتثال بحكم العقل، كما هو مبنى القائل بالبراءة - لا يكون موردا للرفع، لان ما هو ملاك للاثر عند العقل معلوم غير قابل للرفع، والخصوصية المشكوكة ليست كلفة زائدة على العبد، كما هو واضح. ومن هنا يظهر وجه الاستدلال بهما على نفى القيد المشكوك. وأما على مبنى القائل بالاحتياط، فيشكل التمسك بهما على المطلوب، من جهة أنه - على المبنى المذكور - العلم بالوجوب الاعم من النفسي والغيري ليس له اثر عقلا. وإنما المؤثر هو العلم بالتكليف النفسي إما اجمالا أو تفصيلا، فعلى هذا كما أن تعلق التكليف بالاكثر مشكوك فيه، فيشمله الحديث، كذلك تعلقه بالاقل ايضا، فيتعارضان (93). اللهم إلا أن يقال بعد تعارضهما يبقى الاصل - الجارى في الوجوب الغيرى للجزء المشكوك فيه - سليما عن المعارض، لان الشك فيه إنما يكون مسببا عن الشك في تعلق التكليف بالاكثر، وليس في مرتبة المتعارضين حتى يسقط بالتعارض. ولكن يمكن المناقشة فيه أيضا بأن مجرد نفى الوجوب الغيرى عن الجزء المشكوك فيه لا يثبت كون الواجب هو الاقل، إلا بالاصل المثبت (93) لا يخفى عدم جريان الاصل في الاقل، وإن لم نقل بأن الامر به منجز ومصحح للعقوبة، على تقدير وجوبه، وذلك لأن تركه ترك للمعلوم رأسا، فلا يجري فيه الاصل الشرعي من هذه الجهة.

[ 201 ]

الذى لا نقول. به أللهم إلا أن يدعى أن رفع الوجوب - عن جزء المركب بعد فرض وجوب الباقي - يفهم منه عرفا ان الباقي واجب نفسي (94) ويؤيد ذلك قول الامام عليه السلام في خبر عبد الاعلى: (يعرف هذا واشباهه من كتاب الله، ما جعل عليكم في الدين من حرج، امسح على المرارة) حيث أن الامام عليه السلام دلنا على ان المدلول العرفي للقضية رفع ما يكون حرجا، وهو مباشرة اليد الماسحة للبشرة الممسوحة، واثبات الباقي، وهو اصل المسح. وهنا نقول ايضا بأن المجهول مرفوع، والتكليف ثابت في الباقي، بمدلول قضية رفع ما لا يعلمون، وحديث الحجب. ومن هنا يظهر وجه التمسك بهما لنفى القيد المشكوك، فان التكليف بالمقيد، وان كان تكليفا واحدا، لكن يصح تحليله عند العقل، ويقال إن تعلق التكليف باصل الطبيعة معلوم، والخصوصية الزائدة غير معلومة، فتنفى بمقتضى الخبرين، ويثبت الباقي كما ذكرنا. هذا، وينبغى التنبيه على امور (الاول) - أنه إذا دار الامر بين التعيين والتخيير، بأن يكون تعلق الوجوب على موضوع معلوما، وشك في أنه على نحو التعيين أو التخيير، فالاصل يقتضى ايهما ؟ فيه وجهان. (لوجه الاول) أن تعلق التكليف بهذا الموضوع معلوم، ويشك في أنه هل يسقط باتيان شئ آخر ام لا ؟ فمقتضى الاشتغال بالحكم الثابت فراغه عن عهدة التكليف يقينا. (94) لا يخفى أن الالتزام بهذه الدعوى دونه خرط القتاد. وأما استدلال الامام (عليه السلام) فالتجاوز عن مورده مشكل، ولذا اقتصر غير واحد على المورد.

[ 202 ]

(لوجه الثاني) أن الشك في المقام راجع إلى الشك في الاطلاق والتقييد، ووجهه أن الشيئين إذا اتحدا في الاثر، فاللازم عند العقل أن يكون ذلك الاثر مستندا إلى القدر الجامع، فحينئذ مرجع الشك في التعيين والتخيير إلى أن التكليف هل هو متعلق بالجماع بين الفردين، أو بخصوص ذلك الفرد ؟ وبما أنا قلنا بالبراءة هناك نقول بها هنا ايضا. (والحق) هو الاول، لان التخيير وإن كان راجعا الى تعلق الحكم بالجامع عقلا وفى عالم اللب، ولكن لو كان مراد المولى ذلك العنوان الخاص الذى جعله موردا للتكليف على وجه التعيين، لم يكن للعبد عذر، وليست المؤاخذة عليه مؤاخذة من دون حجة وبيان، حيث أنه يعلم توجه الخطاب بالنسبة إلى العنوان الخاص. ومن هنا تعرف الفرق بين المقام وبين دوران الامر بين المطلق والمقيد، حيث أنه في الثاني لا يعلم بتوجه الخطاب بالمقيد، فيؤخذ بالمتيقن، ويدفع القيد بالبراءة، بخلاف ما نحن فيه، حيث أن المفروض العلم بصدور الخطاب المتعلق بالعنوان الخاص، فلا تغفل. (الثاني) - أنه لما فرغنا عن الشك في الجزئية والقيدية في الشبهة الحكمية، فاللازم التكلم في الموضوعية منها مفصلا، لكون بعض مصاديقها محلا للابتلاء، وموردا لانظار العلماء. فنقول وبالله المستعان إن جعل طبيعة جزءا للمأمور به يتصور على انحاء: (منها) جعلها باعتبار صرف الوجود، أعنى الوجود اللابشرط من جميع الخصوصيات، الذى يكون نقيضا للعدم المطلق. وبعبارة اخرى الذى ينتقض به العدم، فيكتفى باتيانه في ضمن فرد واحد، ضرورة تحقق ذلك المعنى اللابشرط في ضمن فرد واحد. و (منها) - جعلها باعتبار وجودها السارى في جميع الافراد.

[ 203 ]

و (منها) - جعلها باعتبار مجموع الوجودات، بحيث يكون مجموع افراد الطبيعة جزء أو احدا للمأمور به، والاقسام المذكورة كلها متصورة بالنسبة الى الشرط والمانع. إذا عرفت هذا فنقول إن جعل شئ جزءا أو شرطا للمأمور به بالاعتبار الاول، فلا ريب في وجوب احرازه، وعدم جواز الاكتفاء بالمشكوك، لان الاشتغال - بالمركب من اجزاء معلومة أو المشروط بالشرط المعلوم - معلوم بالفرض، ولا تتحقق البراءة إلا باتيان ما يعلم انطابقه عليه. وهذا في الوضوح والبداهة بمكان. وان جعل جزءا أو شرطا بالاعتبار الثاني، فلا اشكال في أن مرجع هذا النحو من الجعل إلى جعل كل واحد من افراد الطبيعة جزءا مستقلا أو شرطا كذلك، وان القضية الدالة على ذلك تنحل إلى قضايا متعددة، فهل يحكم - في الفرد المشكوك كونه جزءا أو شرطا، من جهة الشك في انطباق المفهوم المعلوم كونه جزءا أو شرطا عليه - بالبراءة أو الاحتياط ؟ وجهان تعرف الحال بعد بسط المقام في الشك في المانع ايضا. وكذا الحال فيما إذا جعل بالاعتبار الثالث. وان جعل شئ مانعا بالاعتبار الثالث - اعني اعتبار مجموع الوجودات - فيرجع الى اشتراط ترك واحد من افراد ما جعل مانعا. ولا اشكال في وجوب احراز ذلك احراز ذلك الترك، لان اصل الاشتراط معلوم، فاللازم العلم بوجود الشرط. وهذا ايضا واضح. وان جعل مانعا باحد الاعتبارين الاولين - اعني اعتبار صرف الوجود، أو الوجود السارى - فلو شك في كون شئ مصداقا للمفهوم الذى جعل مانعا، فهل الاصل يقتضى الاحتياط والاجتناب عن ذلك الشئ المشكوك كونه فردا، أو البراءة ؟

[ 204 ]

مثال ذلك إذا علمنا ان الشارع جعل - لبس الجلد أو الصوف أو الوبر لغير ما يؤكل لحمه من الحيوان - مانعا للصلاة، وشككننا في ان اللباس الخاص هل هو مأخوذ مما يؤكل لحمه أو من غيره ؟ المشهور - كما قيل - على الاحتياط، وذهب بعض الاساطين الى البراءة وعدم وجوب الاحتياط. منهم سيد مشائخنا الميرزا الشيرازي في أواخر عمرة وهذا هو الاقوى. اللباس المشكوك (وتوضيح المقام) على نحو يكشف الستر عن وجه المرام: أن جعل اجزاء ما لا يؤكل لحمه مانعا في الصلاة - بعد القطع بعدم كون المانع هو مجموع وجودات تلك الطبيعة - لا يخلو من أمرين إما حمله على نحو السريان، فالمجعول مانعا - على هذا - كل فرد من افراد تلك الطبيعة. والمفروض أن لتلك الطبيعة افرادا معلومة، قد علم تقييد الصلاة بعدم كل واحد منها، فمرجع الشك هنا إلى أن المأمور به هل قيد بعدم هذا الفرد زائدا على ما علم اعتباره فيه ام لا ؟ وبعبارة اخرى مرجع هذه الشبهة الى الشبهة في اشتراط امر آخر، سوى الامور المعلومة، غاية الامر أن هذه الشبهة نشأت من امور خارجية. وحينئذ نقول: إن لهذه الشبهة جهتين: (احداهما) أنها من مصاديق الشبهة في الاقل والاكثر (والثانية) أنها من مصاديق الشبهة الموضوعية، فان كان المانع من اجراء البراءة فيها الجهة الاولى، فقد فرغنا عنها، وان الحق فيها من هذه الجهة البراءة، وكل ما اقمناه حجة هناك جار هنا، فلا نطيل الكلام باعادته. وإن كان المانع الجهة الثانية فقد مر ايضا الكلام فيه، وان ما يشك في كونه محرما - من جهة الشك في انطباق العنوان عليه -

[ 205 ]

حكمه حكم ما يشك في كونه محرما من جهة الشبهة الحكمية. والحاصل أنه بعد ما فرضنا قبح المؤاخذة على ارتكاب المحرم المجهول، فلا فرق في ذلك بين ان يكون المرتكب جاهلا بالصغرى، وأن هذا خمر مثلا، وبين أن يكون جاهلا بالكبرى، بان لا يعلم حرمته، فالقائل بوجوب الاحتياط إن كان نظره إلى ان هذا المورد مما دار الامر فيه بين الاقل والاكثر، فقد اجبنا عن اشكاله في الشبهة الحكمية، وان كان نظره إلى كون المقام من الشبهات الموضوعية، فقد اجبنا عن اشكاله في الشبهة الموضوعية، ولا يعقل ان يحدث - اجتماع الجهتين ليست واحدة منهما موجبة للاحتياط - ايجاب الاحتياط. هذا إن حملنا دليل المانع على الوجود السارى، كما هو ظاهر النواهي الشرعية عرفا، سواء كانت نفسية أو غيرية، وان حملناه على صرف الوجود، فقد يتوهم ان مقتضى القاعدة الاحتياط، حيث ان تقييد الصلاة بعدم تلك الحقيقة معلوم، وهو تقييد واحد، سواء كثرت افرادها ام قلت. ولا يتحقق ذلك العدم الا بعدم جميع الافراد، كما إذا قيدت الصلاة بالطهارة من الحدث، ولم يعلم بانه هل يتحقق بالمركب من الغسلتين والمسحتين أو به وبشئ آخر. والحاصل أنه لو كان التكليف بشئ واحد معلوما، ودار الامر في محصل ذلك الشئ بين الاقل والاكثر، فلا شك في لزوم الاحتياط. والسر في ذلك أن محط التكليف ليس هذا المركب، حتى يؤخذ فيه بالقدر المتيقن، ويكون الشك في الباقي شكا في اصل التكليف، بل التكليف متعلق بذلك المعنى الواحد، فالذمة مشغولة به يجب الفراغ عنه، لكن التحقيق يقتضى عدم الفرق بين الصورتين، ومقايسة ذلك بالطهارة

[ 206 ]

ومحصلها ليست في محلها (95). توضيح ذلك أنه قد يكون التكليف متعلقا بالعنوان المتولد من السبب الخارجي، ويشك في ان سبب حصول ذلك العنوان المكلف به، هل هو الاقل أو الاكثر، فيجب حينئذ الاحتياط باتيان الاكثر، حتى يعلم تحقق العنوان. والامر بالطهارة من هذا القبيل، لانها امر معنوى يتحصل من افعال خارجية. وكذلك لو امرنا بالتأديب، ولم نعلم أنه يحصل بضربة أو بضربتين مثلا، وهكذا. وقد يكون التكليف متعلقا بما هو عين الخارج، لا انه يتحصل به، كما فيما نحن فيه، فان صرف الوجود الذى جعلناه متعلقا للنهى الغيرى هو عين الوجودات الخارجية، والنهى المتعلق به في الحقيقة راجع إلى النهى عن تلك التحصلات الخارجية. فحينئذ يقال: أنا نعلم من جهة ذلك النهى تقييد الصلاة بعدم تلك التحصلات المعلومة، ونشك في تقييدها بالزائد، ومقتضى الاصل البراءة. والفرق بين هذا الفرض وسابقه أنه في السابق كانت الشبهة من مصاديق الشبهة في الاقل والاكثر من حيثية واحدة، وفى هذا الفرض من حيثيتين: (احداهما) من جهة ارتباط القيد بالصلاة (والثانية) من جهة الارتباط الموجود في نفس القيد. ولا ضير بعد ما لم تكن هذه الجهة منشأ للاحتياط. هذا ما استفدناه من سيدنا الاستاذ طاب ثراه في بيان الاصل القعلى، نقلا عن سيد مشايخنا الميرزا الشيرازي قدس سره. (95) لا يخفى منافاة التقريب المذكور لما مر منه - دام بقاه - من الالتزام بالاشتغال، على قول الصحيحي، مع أن ما وضع له اللفظ - على هذا القول - ليس غير الجامع الذي هو عين الخارجيات لا شئ يحصل بها، فراجع، فان ما ذكر - دليلا للاشتغال هناك - بعينه جار في المقام، ولا مجال لتكراره فعلا.

[ 207 ]

[ فان قلت إن ما ذكرته صحيح على تقدير جعل لبس غير مأكول اللحم مانعا في الصلاة. واما لو جعل اللباس - على تقدير كونه من اجزاء الحيوان - شرطا، سواء كان ذلك الشرط كونه مأكول اللحم ام عدم كونه من غير مأكول اللحم، فالقاعدة تقتضي الاحتياط، فانه - بعد حصول التقدير، وهو ما إذا لبس المصلى شيئا من اجزاء الحيوان - اشترط هذا اللباس الخاص بشئ معلوم، وهو كونه مما يؤكل أو عدم كونه مما لا يؤكل. والشك إنما هو في وجود الشرط، وليس هنا قدر متيقن، حتى يؤخذ به، ويصير الشك في الزائد شكا في اصل الاشتراط كما لا يخفى على المتأمل. وحينئذ نقول إن موثقة ابن بكير - التى هي اصل في عدم جواز لبس غير مأكول اللحم في الصلاة - وان كان صدرها ظاهرا في مانعية ليس غير مأكول اللحم في الصلاة، ولكن بعض فقراتها تدل على خلاف ذلك، وهو قوله عليه السلام (لا يقبل الله تلك الصلاة حتى تصلى في غيره مما احل الله اكله) لأن هذه الفقرة - بعد القطع بعدم كون ظاهرها مرادا، كما هو واضح - ان تحمل على الشرطية التقديرية. والمعنى - على هذا - لا يقبل الله تلك الصلاة على تقدير لبسك شيئا من الحيوان، حتى تصلى فيما احل الله اكله فحينئذ لا يجوز الاكتفاء بالصلاة في اللباس المشكوك. قلت لا يخفى - على العارف باسلوب الكلام - ان هذه الفقرة ليست مما تفيد مطلبا آخر سوى ما استفدناه من صدر الرواية، لان قول الامام عليه السلام هذا تفريع على ما مر منه عليه السلام في صدر الرواية. ومحصل المعنى: أنه لما كانت الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه فاسدة، لا يقبل الله تلك الصلاة حتى يصلى في غيره، واما ذكر ما احله الله من

[ 208 ]

جهة كون الصلاة فيه احد مصاديق الصلاة المقرونة بعدم المانع. ثم إنه على تقدير تسليم كونه في مقام بيان الاشتراط نقول: الظاهر منه توقف صحة الصلاة على كونه في مأكول اللحم، وبعد القطع بعدم اشتراط ذلك بقول مطلق، فاللازم حمله على الاشتراط المعلق، يعنى أن المصلى - على تقدير لبسه شيئا من اجزاء الحيوان - لا تصح صلاته إلا أن يصلى فيما احله الله وحينئذ نقول يكفى في صدق هذا الشرط أن يكون معه، لباس مما احله الله يقينا، وان كان معه ايضا ما يشك كونه كذلك، فانه بعد احراز الشرط - المستفاد من ذيل الرواية على الفرض - ليس لنا شك الا من جهة مانعية اللباس الآخر للصلاة. وقد قلنا إنه من تلك الجهة مورد للاصل. اللهم إلا أن يدعى أنه - على تقدير القول بأن ذيل الرواية تفيد الشرطية - ليس معناه مجرد اشتراط الصلاة فيما احله الله، بل المراد أن المصلى - على تقدير لبسه جزءا من الحيوان - يشترط كون ذلك الجزء الملبوس مما يؤكل، ففى الجزء المشكوك اصل الاشتراط معلوم. وإنما الشك في وجود الشرط. واللازم في مثله الاحتياط. وكيف كان نحن في سعة مما ذكر، لما قلنا من ان العمدة مفاد صدر الرواية، وان الذيل لا يفيد شيئا الا التفريع على ما ذكر. هذا تمام الكلام في الاصل العقلي. واما الاصل النقلي، فيدل على المقصود كل ما دل على البراءة في الشبهة الحكمية، بالتقريب الذى مر بيانه هناك، فلا نطيل الكلام باعادته، مضافا الى امكان أن يقال ان مثل قوله عليه السلام - (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه) ايضا - يدل على المقصود.

[ 209 ]

تقريبه ان الحل والحرمة كما يطلقان على النفسيين، كذلك يطلقان على الغيريين، وقد شاع استعمالهما في هذا المعنى في الاخبار، مثل قوله عليه السلام في رواية عبد الله بن سنان: (كل ما كان عليك أو معك مما لا يجوز فيه الصلاة منفردا...) وكذا قوله عليه السلام: (لا يجوز الصلاة في شئ من الحديد) وفى رواية ابراهيم بن محمد الهمداني: (لا يجوز الصلاة فيه) وفى صحيحة عبد الجبار: (لا تحل الصلاة في الحرير المحض) وفى صحيحة اخرى له: (لا تحل الصلاة في حرير محض) وفى صحيحة على بن مهزيار: (هل يجوز الصلاة في وبر الارنب - الى ان قال - فكتب عليه السلام لا يجوز الصلاة) وفى رواية الحلبي: (كل ما لا يجوز الصلاة فيه وحده) إلى غير ذلك من الموارد التى يقف عليها المتتبع. والحاصل أن الحل والحرمة - في لسان الائمة عليهم السلام - اعم من النفسي والغيري، كما يشهد به ما ذكرناه من الاخبار. وحينئذ نقول: مقتضى ظاهر الحديث جواز الصلاة في المشكوك، فانه شئ لا يعلم اتحل الصلاة فيه ام لا. وقد قال كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال، وللجلود والاصواف قسم تحل فيه الصلاة، فيحكم في المشكوك بالحل، بمقتضى ظاهر الحديث. هذا محصل الكلام في المقام وفقنا الله واخواننا المؤمنين لمراضيه بحق محمد صلى الله عليه وآله خير الانام. (الثالث) أنه إذا ثبتت جزئية شئ في الجملة، وشك في أن نقصه سهوا يوجب بطلان الصلاة ام لا، فهل الاصل العقلي يوجب الاعادة، أو الاكتفاء بالناقص ؟ وجهان: (اولهما) اختيار شيخنا المرتضى قدس سره. واحتج على ذلك بما حاصله: أن ما كان جزءا حال العمد، كان جزءا حال الغفلة فلو لم

[ 210 ]

يأت به نسيانا لم يأت بالمركب المأمور به. والدليل على ما قلنا أنه لو كانت جزئية الجزء المغفول عنه مختصة بحال العمد، لزم تخصيص الغافل بخطاب خاص، وهو غير معقول، لعدم امكان انبعاث الغافل بالخطاب المتوجه الى عنوانه، لان انبعاثه يتوقف على التفاته إلى انه داخل في العنوان الذى تعلق به الخطاب. ولا يعقل التفاته الى ذلك، لانه مناف للغفلة، فمتى التفت يخرج عن كونه غافلا، فينتفى الخطاب المتعلق بهذا العنوان، لعدم موضوعه. وما لم يلتفت لم يعقل انبعاثه بذلك الخطاب، فالخطاب المتوجه إليه لغو مطلقا. نعم يمكن ان يسقط الشارع الادعاة عن المكلف الآتى بالناقص، كما نقول به في بعض اجزاء الصلاة بواسطة القاعدة المستفادة من الشرع، لكن الكلام في الاصل العقلي، مع قطع النظر عما استفدناه من الشرع. ولا شك في ان الاصل العقلي لزوم الاحتياط، وعدم الاكتفاء بالمركب الناقص. هذا محصل ما افاده قدس سره في المقام. واورد عليه سيدنا الاستاذ نقلا عن سيد مشايخنا الميرزا الشيرازي قدس سرهما بوجهين: (أحدهما) أنه على تقدير تسليم قبح اختصاص الغافل بخطاب خاص، لا يلازم كونه مشاركا للعامد في الخطاب، لجواز ان لا يكون له خطاب اصلا حين الغفلة، لا بالتام المغفول عنه ولا بالناقص المأتى به، بل هو كذلك، لانه غير قادر على المغفول عنه، وغير قابل للخطاب الناقص، فتوجه الخطاب إليه لغو، وان اريد من الخطاب مجرد الاقتضاء والمصلحة، فنسبة الامكان الى الناقص والتام سواء. فان قلت بعد الاجماع على ان لكل احد خطابا، كان خطاب الغافل كخطاب الذاكر، لعدم امكان اختصاصه بخطاب، غاية الامر أن الخطاب عام. والمكلف ما دام غافلا لم يتنجز عليه كالشاك بعد

[ 211 ]

الفحص. قلت دعوى الاجماع - بالنسبة الى الغافل عن الموضوع، كما هو محل الكلام - ممنوعة. نعم الغفلة عن الحكم لا توجب اختلاف الحكم، والالزم التصويب. وملخص الكلام أنا نشك بعد ارتفاع العذر في أن الغافل صار مكلفا بغير المركب الناقص الذى اتى به ام لا ؟ والاصل عدمه. وثبوت الاقتضاء - بالنسبة الى الجزء الفائت لا دليل عليه، فالاصل البراءة عنه، كما هو الشان في كل مورد دار الامر فيه بين الاقل والاكثر. لا يقال انا نستصحب بقاء الارادة الذاتية التى كانت ثابتة في حال الغفلة. (لانا نقول) المعلوم منها وهى المتعلق بالقدر المشترك بين الاقل والاكثر مقطوع الامثتال، والزايد مشكوك الحدوث، فالاصل البراءة منه. (الوجه الثاني) أنه يمكن تصور اختصاص الغافل وامثاله بخطاب، مثل أن يخاطب في ضمن مطلق الانسان بالصلاة، ويشرح له الاجزاء والشرايط على ما هو عليه من العموم والاختصاص بالذاكر. وحينئذ فان لم يلتفت من اول الامر إلى جزء، فلا محالة ينوى الاجزاء المطلقة المفصلة في ذهنه، بعنوان انها عين الصلاة، وان التفت الى ان من تلك الاجزاء ما يختص بالذاكر، ينوى الاتيان بالعبادة بحسب ما يجب عليه على حسب حالته الطارئة عليه، فيكون داعيه المرتكز في ذهنه الامر الواقعي الذى تصوره بالعنوان الاجمالي، واعتقاد انه لا يعرض عليه النسيان لا يضر بالنية، كما لا يخفى (96). (96) لا يخفى ابتناء صحة ذلك على كون التكليف للذاكر بخصوص ما =

[ 212 ]

هذا ما سمعناه منه طاب ثراه، ونقلنا في هذه الرسالة عباراته في الرسالة التى صنفها في الخلل، شكر الله سعيه واجزل مثوبته. هذا حال نقص الجزء الذى ثبتت جزيئته في الجملة سهوا، ولو زاد فمقتضى القاعدة الاولية - مع قطع النظر عن ادلة ابطال الزيادة - عدم بطلان العمل بها، ولو كانت عن عمد، لان الزيادة في العمل المأمور به لا يمكن أن تكون مبطلة، إلا ان يشترط عدمها، فيرجع الى النقيصة، فالشك في بطلان العمل بالزيادة يرجع إلى الشك في اعتبار عدمها أو عدمه. والمرجع البراءة، لانه من مصاديق الشك في التقييد. نعم لو دل دليل على بطلان العمل بها في الجملة، فعلى ما افاده شيخنا المرتضى قدس سره لابد من القول بالبطلان بها، بحسب الاصل العقلي في حال العمد والسهو، لعدم امكان اختصاص الساهي بخطاب خاص على ما نقلناه منه قدس سره. وأما على ما ذكرنا، فلو لم يكن للادلة الدالة على ابطال الزيادة = يتذكره من الاجزاء، بنحو تعدد المطلوب، حتى يعتقد كونه مكلفا بتكليفين: أحدهما لخصوص الذاكر، وثانيهما: لجميع الناس، غير مرتبط احدهما بالآخر، أما لو كان تكليف الذاكر مركبا من مجموع ما يتذكر، بحيث لو لم يات ببعضها لم يمتثل امر الصلاة مثلا - كما هو المفروض في الصلاة - فلا يتم التقريب المذكور، لان المكلف - بعد اعتقاد كونه متذكرا وغير ناس لجزء من الاجزاء - لا يكون الداعي والمحرك له الا الامر بجميع الاجزاء، ولا يرى نفسه مكلفا بما كلف به الناس غير الذاكر، فلا يصلح الامر (المتوجة إلى) جميع الناس للداعوية والمحركية، بعد اختصاص الذاكر بتكليف خاص. وهذا ما اورده الشيخ (ره) من الايراد، وكذا الايراد المذكور يرد على ما وجه به من توجيه الخطاب بعنوان عام أو خاص عليه، بغير عنوان الناسي، فان اعتقاد كونه متذكرا مانع عن تأثير غير أمر المتذكر، فلا صلاحية لغير ذلك الامر للتأثير.

[ 213 ]

اطلاق يشمل حال السهو، لم تكن في تلك الحالة مضرة بالعمل، لما ذكر من الوجه. هذا تمام الكلام فيما يقتضيه الاصل العقلي، فتلخص مما ذكرنا أن مقتضى الاصل العقلي عدم بطلان العمل بنقص الجزء سهوا، فيما لم يدل دليل على جزئيته، حتى في حال السهو، كما ان مقتضى الاصل عدم البطلان إذا زاد على المركب المأمور به، ما لم يدل دليل على ابطال الزيادة. ولو دل دليل على ذلك، ولم يكن له اطلاق يشمل حال السهو، فالاصل عدم البطلان بالزيادة في حال السهو. بقى الكلام في الاصل المستفاد من الشرع في خصوص باب الصلاة، فنقول: روى محمد بن على بن الحسين باسناده عن زرارة قال قال أبو جعفر عليه السلام (لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود) والتكلم فيه يقع في مواقع: (الاول) - ان الظاهر - بمقتضى العموم المستفاد من الخبر - عدم التفاوت بين اسباب الخلل، وان وقوعه في غير الخمسة المستثناة لا يوجب الاعادة، سواء كان منشأه السهو عن الحكم، أو عن موضوعه، أو النسيان كذلك، أو الجهل كذلك. نعم ليس الخلل - الواقع عن علم بالحكم أو الموضوع - داخلا في نفى الاعادة لمنافاة ذلك للجزئية أو الشرطية الثابتتين بحسب الفرض. هذا وكلمات الاصحاب لا تلائم ما ذكرنا من العموم، فلاحظ. (الثاني) - ان الظاهر من الاعادة هو الاتيان ثانيا، بعد تمام العمل، فلا يعم اللفظ بظاهره الاستيناف في الاثناء، ولكن استعماله في الاعم شايع في الاخبار، وفى لسان المتشرعة، مضافا الى شهادة تعليل عدم الاعادة في الخبر بان القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة

[ 214 ]

الفريضة، فانه ظاهر في ان تركه سهوا لكونه سنة لا تنقض الفريضة حين حصوله، لا انه مراعى باتمام العمل. (الثالث) أنه هل يعم الخبر الزيادة الواقعة في الصلاة عن سهو، أو يختص مدلوله بالنقيصة ؟ وجهان (من) أن الزيادة ايضا راجعة الى النقيصة، لكون عدمها معتبرا في الصلاة، والا لم يعقل كونها موجبة للبطلان، فعلى هذا مقتضى العموم عدم الاعادة بكل نقص حصل في الصلاة، سواء كان بترك ما اعتبر وجوده ام بايجاد ما اعتبر تركه (ومن) أنه ظاهر من حيث الانصراف في الوجوديات. واما العدميات المعتبرة في الصلاة فلا يشملها، وهو الاقوى. وعلى هذا فان ثبت عموم يدل على ابطال الزيادة مطلقا، لم تكن الرواية حاكمة عليه، وعلى الاول هل يدل على بطلان العمل بزيادة الركوع والسجود أم لا ؟ يمكن أن يقال ان زيادتها داخلة في المستثنى منه، فان مدلول الخبر على هذا عدم الاعادة من النقص الحاصل في الصلاة، سواء كان بترك شئ معتبر وجوده، ام بايجاد شئ معتبر عدمه، إلا من نقص الركوع والسجود مثلا، فتكون زيادتهما داخلة في المستثنى منه. ويمكن أن تكون الزيادة صفة مضافة الى الجزء، كما ان النقيصة ايضا كذلك، فهما اعتباران متواردان عليه. وان كانت الزيادة عدمها معتبرا في الصلاة، فهى - من جهة الاعتبار الاول - تدخل في المستثنى، ويصير حاصل مدلول الخبر - على هذا - لا تعاد الصلاة بفوت شئ من الامور المعتبرة فيها، سواء كانت وجودية ام عدمية إلا إذا نشأ الخلل الواقع فيها من جهة الركوع والسجود مثلا. والخلل الواقع فيها من جهتيهما على قسمين: (احدهما) تركهما في الصلاة و (ثانيهما) زيادتهما فيها. هذا ولكن الانصاف أن ظهور الرواية فيما قلنا مشكل. والاظهر

[ 215 ]

ما قلناه. اولا من عدم شمولها للعدميات المعتبرة في الصلاة. (الرابع) أنه لو شك في أن سبب النقص عمد أو سهو، فالتمسك بالعموم مبنى على الاخذ بالعمومات في الشبهة المصداقية، إلا أن يقال: ان التخصيص هنا عقلي، والمتيقن منه هو المعلوم كونه عن عمد، وهو غير بعيد (97). هذا بعض الكلام في الحديث الشريف. وقد عرفت عدم تعرضه للزيادة، فلو فرض ما يدل على ابطال الزيادة مطلقا، لم يكن منافيا له. ثم لو فرض شموله للزيادة كالنقيصة، فالنسبة - بينه وبين الاخبار الدالة على ابطال الزيادة مطلقا - وان كانت عموما من وجه، إلا ان الظاهر حكومة هذه القاعدة عليها، كما لا يخفى. وكذا الحال فيما إذا دل دليل على بطلان الصلاة بالزيادة في خصوص حال السهو، مثل قوله عليه السلام (إذا استيقن أنه زاد في المكتوبة استقبل الصلاة)، لان الدليل المذكور وان كان مختصا بحال السهو، لكنه من حيث الزيادة يعم الركوع والسجود وغيرهما. والقاعدة تدل على عدم لزوم الاعادة في غير الركوع والسجود، فمورد التعارض غيرهما. ومقتضى حكومة القاعدة اخراج مورد التعارض عن ذلك الدليل، ويتعين مورده في الركوع والسجود. فما افاده شيخنا المرتضى قدس سره من كون الدليل المذكور اخص من القاعدة - لا وجه له، فتدبر جيدا. (97) لا يخفى أن التخصيص إن كان عقليا، فليس مقداره مشكوكا فيه، حتى يؤخذ بالقدر المتيقن بل العمد الواقعي خارج حقيقة، فان كان العقل يحكم في المشكوك فيه بعدم كونه عمدا فهو، والا فلا يمكن التمسك بالعموم، لان العموم ايضا محتمل أن يكون خلاف العقل فتأمل.

[ 216 ]

(الامر الرابع) انه إذا ثبتت جزئية شئ أو شرطيته في الجملة، فهل يقتضى الاصل جزئيته أو شرطيته مطلقا، بحيث لو تعذر سقط التكليف، أو اختصاص اعتبارهما بحال التمكن، فلو تعذرا لم يسقط التكليف بالمقدور ؟ وجهان. وينبغى تعيين محل الكلام ثم التكلم بما تقتضيه القاعدة فيه. فنقول محل الكلام ما إذا لم يكن للدليل - الدال على الجزئية أو الشرطية - اطلاق، إذ لو كان كذلك لا اشكال في سقوط التكليف حال تعذرهما، وكذا إذا لم يكن للدليل - الدال على وجوب المركب والمقيد - اطلاق يشمل حال العجز عنهما، إذ لو كان كذلك يتمسك بالاطلاق في بقاء التكليف. ثم إنه قد يفرض طرو العجز مع كونه قادرا قبل ذلك، وقد يفرض كونه عاجزا من اول الامر، كما إذا كان في اول زمن التكليف عاجزا عن اتيان تمام المأمور به. ثم ان القدرة والعجز (تارة) يفرضان في واقعة واحدة كما إذا كان في اول الظهر قادرا على اتيان الصلاة مع تمام ما له دخل فيها، فصار عاجزا عن اتيان شئ منه في الوقت. و (اخرى) في واقعتين، كما إذا كان قادرا في الايام السابقة، فطرأ عليه العجز في يومه، فلو كان عاجزا من اول الامر لم تجر في حقه الا قاعدة البراءة، إذ قاعدتا الاستصحاب والميسور اللتان يتمسك بهما في المسألة الآتية لا تجريان في حقه، ضرورة توقفهما على الثبوت في الزمان السابق، اللهم إلا أن يكتفى في تحقق قاعدة الميسور بتحقق مقتضى الثبوت. ولو كان العجز طاريا عليه في واقعة واحدة. فالحق وجوب الاتيان بالمقدور عقلا، لانه يعلم بتوجه التكليف

[ 217 ]

إليه، فان لم يأت بالمقدور لزمت المخالفة القطعية. فالمقصود بالبحث هنا صورة طرو العجز في واقعة اخرى، ولم يكن للدليل الدال على المركب والمقيد اطلاق، وكذلك لم يكن للدليل الدال على الجزئية أو القيدية، اطلاق. إذا عرفت هذا فنقول لا اشكال في أن مقتضى الاصل الاولى البراءة، للشك في ثبوت اصل التكليف، لكن هنا امور تقدم على قاعدة البراءة: (منها) - استصحاب بقاء التكليف على المقدور، إما من جهة المسامحة في المستصحب، بمعنى أن التكليف المتعلق بالمقدور في الزمن السابق، وان كان غيريا، وقد انتفى قطعا. وهذا التكليف المشكوك نفسي على تقدير ثبوته، لكن العرف لا يرى الغيرية والنفسية معددة للتكليف. وإما من جهة المسامحة في الموضوع، بان يقال إن المستصحب هو التكليف النفسي. والمركب التام والناقص - بجزء واحد، وكذا المقيد والفاقد للمقيد - ليسا بموضوعين عند العرف، بل هما شئ واحد. وهذا الاختلاف نظير الاختلاف في حالات موضوع واحد، نظير استصحاب الكرية، مع أن موضوع الكرية لم يكن هذا الماء الموجود عقلا، وكل منهما صحيح. ولكن الثمرة بينهما أنه على الاول يجرى الاستصحاب في المقدار المقدور، سواء كان قليلا ام كثيرا. وبعبارة اخرى سواء كان المعجوز عنه بالنسبة إلى المقدور قليلا، بحيث يفرض كالمعدوم ام لا، وعلى الثاني لا يجرى، إلا إذا كان المقدور بمقدار يصح اطلاق اسم التام عليه بالمسامحة العرفية. وايضا الاستصحاب على الوجه الاول يختص بصورة فقدان الجزء، ولا يجرى في صورة فقدان القيد، لان المطلق لا يكون مكلفا به

[ 218 ]

بالتكليف الغيرى في ضمن المقيد، لعدم كونه مقدمة له، بخلاف الاجزاء بالنسبة الى الكل، فالاستصحاب في صورة فقدان القيد مختص بالوجه الثاني. ولكن لا يخفى أنه ليس كل قيد بحيث يكون فقدانه غير قادح في جريان الاستصحاب، بل القيود مختلفة في ذلك، فرب قيد لا يكون عدمه مغيرا للموضوع في نظر العرف، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فانها مع الطهارة ليست امرا مباينا لها مع عدمها، بخلاف الايمان بالنسبة الى الرقبة، فان الرقبة المؤمنة والرقبة الغير المؤمنة متباينتان بنظر العرف. ومجرى الاستصحاب في صورة العجز عن القيد هو القسم الاول، كما لا يخفى. و (منها) - النبوى الذى في غوالى اللئالى: (إذا امرتكم بشئ، فائتوا منه ما استطعتم). و (منها) - العلوى (الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله) وضعف اسناده مجبور باشتهار التمسك به بين العلماء في الكتب الفقهية. تقريب الدلالة في النبوى أن كلمة من ظاهرة في التبعيض لا التبيين، لان كونها بيانية فيما إذا كان لسابقها اجمال يرتفع بسبب متعلقها، كما في قولك خاتم من فضة، وكونها بمعنى الباء خلاف الظاهر مطلقا. وحينئذ كلمة ما موصولة لا مصدرية زمانية، فيصير المعنى إذا امرتكم بمجموع مركب من اجزاء، ولم تقدروا على اتيان الكل فائتوا بالبعض الذى استطعتم. هذا ولكن هذا المعنى وان كان ظاهرا من الرواية، إلا أنه مستلزم لتخصيص كثير، بل الخارج منها اكثر من الباقي بمراتب، بحملها على هذا المعنى المستلزم هذا التخصيص المستبشع لا يجوز، فيدور الامر بين

[ 219 ]

استكشاف تقييد متصل بالكلام مجهول عندنا - فلا يجوز التمسك بها في الموارد، إلا بعد احراز كونها من مصاديق العنوان المذكور في الدليل من الخارج - وبين حملها على معنى آخر، وان كان خلافا لظاهرها إبتداءا. وعلى أي حال لا يجوز التمسك بها لما نحن بصدده. والانصاف أنه بعد ملاحظة خروج الاكثر لو حملناه على ظاهره، فالاقرب جعل كلمة من فيه زائدة أو بمعنى الباء، وكلمة ما مصدرية زمانية، فيكون مفاده تخصيص أو امر النبي صلى الله عليه وآله بزمان الاستطاعة، ويصير موافقا لادلة نفى الحرج في الدين. هذا واما تقريب الدلالة في العلوى الاول، فهو أن يقال: إن قوله عليه السلام لا يسقط إنما هو في مقام توهم السقوط، وهو وإن كان فرع الثبوت، إلا أنه يكفى في صدق الثبوت وعدم السقوط ثبوت التكليف الغيرى المتعلق بالميسور سابقا، لما ذكرنا في تصحيح الاستصحاب من اتحاد التكليف الغيرى والنفسي عرفا، أو يقال إن التكليف النفسي كان ثابتا في الموضوع، كما مضى في الاستصحاب أيضا. والثمرة بينهما كالثمرة المذكورة في الاستصحاب بالطريقين. هذا ولكن الاشكال الوارد في الرواية السابقة من لزوم خروج الاكثر جار هنا ايضا، فلا بد من حمله على ما لا يستلزم ذلك. والاولى حمله على الارشاد والموعظة لمن اراد اتيان شئ بالوجه الاكمل، أو الانتهاء إلى اقصى درجات الكمال، فلم يتمكن، فان النفس قد تنصرف عن الاقدام على الميسور ايضا، وان كان حسنا، كما هو المشاهد المعلوم. ومن هنا يظهر الكلام في العلوى الثاني ايضا. اصاله التخيير المسألة الثالثة فيما إذا علم جنس التكليف، ولم يتمكن من

[ 220 ]

[ الاحتياط، سواء كان عالما بالنوع، كما إذا علم بوجوب الظهر أو الجمعة، ولم يقدر على الجمع بينهما، أو لم يكن كذلك، كما إذا علم باصل الالزام، ولم يعلم تعلقه بفعل شئ مخصوص أو تركه. ومجمل الكلام في المقام أنه (تارة) تفرض هذه الحالة في واقعة واحدة، و (اخرى) في وقايع متعددة. والاول لا يفرض غالبا إلا في الشبهات الموضوعية، كمن علم بوجوب وطى احدى زوجتيه بالنذر في زمان خاص غير قابل للجمع، أو علم بوجوب وطى امرأة خاصة أو حرمته، من جهة العلم بأنه إما حلف على الوطى أو على تركه. والثانى يفرض في الشبهات الحكمية ايضا، كمن علم بوجوب الجمعة دائما أو حرمته كذلك مثلا. اما الفرض الاول فلا يمكن في حقه مخالفة قطعية ولا موافقة قطعية، إن كان التكليف توصليا. والموافقة الاحتمالية والمخالفة كذلك حاصلتان قهرا، وحيث لا معين لاختيار خصوص الفعل أو الترك في مقام العمل، يحكم العقل بالتخيير. وأما الفرض الثاني فالموافقة القطعية لما لم تكن متصورة فيه، فلا اثر للعلم الاجمالي فيها. واما المخالفة القطعية، فلا وجه لاهمال العلم بالنسبة إليها. (لا يقال) الوقايع المتأخرة لما لم يكن التكليف بالنسبة إليها إلا مشروطا بتحقق الزمان، لا ربط لها بالمكلف، فالتكليف الثابت المتعلق به منحصر فيما تعلق بالواقعة الشخصية الفعلية. ولا اشكال في أن المخالفة القطعية غير ممكنة فيها، كالموافقة القطعية. لانا نقول التكاليف المشروطة بشرط متحقق الحصول فيما بعد، حالها حال التكاليف المطلقة في وجوب مقدماتها الوجودية والعلمية.

[ 221 ]

وقد مر الكلام في ذلك في مبحث مقدمة الواجب مستوفى، ومن اراد فليراجع. والحاصل ان العقل لا يفرق في قبح المخالفة القطعية بين ما إذا كان التكليف مطلقا أو مشروطا، بشرط يعلم حصوله. ومن هنا يعلم حال الواقعة الواحدة إذا كان احد طرفي المعلوم بالاجمال أو كلاهما تعبديا. هذا حال الاصول الثلاثة أعنى البراءة والاحتياط والتخيير. وقد تم فيها الكلام بعون الله الملك العلام، ويتبعها الكلام في الاستصحاب مستعينا بالله العزيز الوهاب. المسألة الرابعة في الاستصحاب وقد عرف بتعاريف غير خالية عن المناقشة، وامتنها تعريفه بابقاء ما كان، لان المراد بالابقاء بشهادة المقام هو الابقاء العملي لا الحقيقي، وذكر جملة (ما كان) مع كونه مأخوذا في مفهوم الابقاء، يدل على دخل الكون السابق في الابقاء العملي، فيخرج ما إذا كان الابقاء للعلم بالبقاء أو لدليل خارجي عليه. وايضا يعلم اعتبار الشك واليقين من هذه العبارة، لانه لو كان للكون السابق دخل في الابقاء، فلا بد من احرازه، وكذا لو لم يكن شاكا في البقاء، لم يكن ابقاؤه مستندا الى الكون السابق، فلا يرد عليه الاشكال باخلال اليقين والشك اللذين هما ركنا الا استصحاب. وايضا الاستصحاب على ما يظهر من مشتقاته هو فعل المكلف، لا حكم الشارع (98) بناءا على اعتباره من باب الاخبار، ولا حكم العقل أو بناء العقلاء، الاستصحاب (98) مثلا يقال: من كان على يقين من الطهارة، فشك في الحدث، فيستصحب الطهارة، بل قد يقال: يجب عليه الاستصحاب. ومعلوم أن ذلك =

[ 222 ]

بناءا على عدم اخذه من الاخبار، فلا يرد على التعريف المذكور ما اورده شيخنا الاستاذ من ان الاستصحاب يختلف باختلاف جهة اعتباره، إذ هو - كما عرفت - عبارة عن البناء على الحالة السابقة بحسب العمل (99) غاية الامر أن وجه هذا البناء يختلف باختلاف الآراء، فعند بعض حصول الظن النوعى أو الشخصي من الكون السابق، وعدم ما يدل على ارتفاعه، وعند آخر الاخبار = لا يلائم كون ذلك حكما. (99) لا يقال: بناءا على أنه عبارة عن بناء المكلف على الحالة السابقة فما معنى اطلاق الحجة عليه، وكثيرا ما يقال الاستصحاب حجة أو ليس بحجة. لانه يقال: إطلاق الحجة على العمل بالحالة السابقة، نظير اطلاق الحجة على الامارات، كخبر الواحد مثلا أو الظن الحاصل من شئ، كالشهرة وغيرها. بيان ذلك: أن إطلاق الحجة على ما ذكرت من الامارات عندي ليس إلا باعتبار وقوعها وسطا لاثبات الحكم الواقعي على تقدير تحققها في نفس الامر، فان صلاة الجمعة لو كانت في علم الله واجبة ولم يصل وجوبها بهذا العنوان إلى المكلف، لكن وصل إليه وجوب العمل بقول العادل، وأخبر العادل بوجوبها، فيصح أن يقال: إن اتيان صلاة الجمعة عمل بقول العادل، والعمل بقوله واجب، فالاتيان بصلاة الجمعة واجب، وان لم يكن لعنوانه، لكن ذاك الحكم لذات الموضوع صار معلوما، ولا نعني بالحجة الا ذلك. نعم لو لم تكن في الواقع واجبة، فهذا الحكم لم يكن الاصوريا، ويجري هذا التقريب بعينه في الاستصحاب، لان الحكم في الواقع لو كان - في علم الله - يصير معلوما عند المكلف بعنوان وجوب العمل عل الحالة السابقة، فالعمل على الحالة السابقة يقع وسطا، ويقال مثلا: إتيان صلاة الجمعة عمل على الحالة السابقة، وكل عمل على الحالة السابقة واجب، فاتيانها واجب. ولما كان ذلك الحكم بلحاظ حفظ الواقع، فلو لم تكن في الواقع واجبة، يكون حكما صوريا، كما في الامارة. فافهم واغتنم.

[ 223 ]

[ الدالة على وجوب البناء على الحالة السابقة. وهكذا. ولا يوجب هذا الاختلاف تفاوتا في حقيقة الاستصحاب، كما لا يخفى. ثم اعلم أن الاستصحاب إن أخذ من باب الظن، فتارة يبحث عن وجود هذا الظن، واخرى عن حجيته ولا اشكال في ان النزاع الثاني نزاع في المسألة الاصولية، كالنزاع في حجية خبر الواحد وامثال ذلك، بناءا على عدم اخذ عنوان الدليلية في موضوع علم الاصول. واما الاول فادخاله في المسألة الاصولية مبنى على جعل محل الكلام ثبوت الملازمة بين الكون السابق والبقاء، لان موضوع البحث حينئذ هو حكم العقل، وهو ادراكه الملازمة ظنا، وان احتيج - بعد الفراغ عن هذا الحكم العقلي - إلى حكم شرعى يدل على حجية هذا الظن، فموضوع البحث ذات الدليل العقلي، وان لم يفرغ عن دليليته. وأما إذا اخذناه من الاخبار فادراجه في المسائل الاصولية - مع الالتزام بكون موضوع علم الاصول هو الادلة الاربعة لا غير - مشكل، بل غير ممكن، لان المبحوث فيه ليس الا ثبوت حكم الشارع بوجوب المضى على ما كان. ومن الواضح عدم كون حكم الشارع - الذى هو محل البحث في المقام - من الادلة الاربعة، بل هو مدلول الاخبار، بعد احراز حجيتها، وحجية ظواهرها، وتمييز ظاهرها عن غيره، وغير ذلك مما جعل لكل واحد بحث مستقل. والحاصل انه ليس النزاع في حكم الشارع في المقام إلا مثل النزاع في حكم الشارع بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال وأمثاله من المسائل الفقهية، فما افاده المحقق القمى قدس سره في القوانين - من أن الاستصحاب إن اخذ من العقل، كان داخلا في الدليل العقلي، وإن اخذ من الاخبار فيدخل في السنة - صحيح في الشق الاول، ولكنه محل نظر في الشق الثاني. ويظهر من كلام شيخنا المرتضى قدس سره هنا دخوله في المسائل الاصولية، من جهة أن إجراءه في موارده مختص بالمجتهد، وليس وظيفة للمقلد. ومراده قدس سره ان هذا الحكم من الشارع بعد الاستظهار من ادلة الباب لا ينفع الا المجتهد، إذ مجراه تيقن الحكم في السابق وعدم طريق في اللاحق

[ 224 ]

يدل على ارتفاعه. ومن الواضح أن تشخيص المورد المذكور ليس شأن المقلد. وهذا ميزان المسائل الاصولية، بخلاف ما إذا استظهر من الادلة نجاسة الغسالة مثلا، فان هذا الحكم - بعد استظهاره من الادلة - ينفع المقلد، وهو ميزان المسائل الفقهية. وعلى هذا تدخل مسألة الاستصحاب - ولو على تقدير اخذه من الاخبار - في المسائل الاصولية. ولا يخفى أن هذا الكلام يدل على عدم التزامه بكون موضوع علم الاصول خصوص الادلة، ولكن يرد على ما افاده قدس سره ان لازم ما ذكره كون بعض المسائل الفقهية داخلا في المسائل الاصولية، من قبيل قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وعكس هذه القاعدة، لوضوح ان تشخيص مجاريهما ليس وظيفة للعامي، بل ينتقض بكل حكم شرعى متعلق بالموضوعات التى لا يكون تشخيص مصاديقها الا وظيفة للمجتهد، من قبيل الصلاة والغناء والوطن، وامثال ذلك، مما لا يحصى فتأمل (100). واوثق كلام في المقام أن يقال: كل قاعدة اسست لملاحظة الاحكام الواقعية الاولية - سواء كانت من الطرق إليها، أو من الاحكام المتعلقة بالشك، من دون ملاحظة الكشف عن الواقع - تسمى قاعدة اصولية، (101) وسواء ] (100) لا يخفى أن ما ذكره - دام ظله من الامثلة - وإن لم ينفع العلم بها المقلد قبل العلم بموضعها، لكن بعد العلم بموضعها ينفعه من دون حاجة الى المجتهد، بخلاف مسائل الاصول، فانه لا ينفعه العلم بها، حتى بعد العلم بموضعها ومحمولها، مثلا لو علم المقلد معنى قول المجتهد: (خبر الواحد حجة) بان علم معنى خبر الواحد، وعلم معنى حجيته، لا ينفعه في مقام العمل، بل وإن قال المجتهد له إن الواحد الذي قلت لك أنه حجة، هذا الخبر الخاص، مع ذلك لا ينفعه، بخلاف المسائل الفقهية، فانه - بعد العلم بالموضوع والمحمول وتشخيصها - لا يحتاج الى المجتهد في العمل. (101) قد مر الاشكال في عدم تمامية ذلك الفارق ايضا، لانتقاضه (عكسا) بمقدمة الواجب على تقدير، و (طردا) بقاعدة ما لا يضمن على تقدير، فراجع.

[ 225 ]

كانت منجزة للاحكام الواقعية أو مسقطة لها، فيخرج ما ذكر في مقام النقض عن تحت القاعدة المذكورة، فان الاحكام المذكورة ليست مجعولة بملاحظة حكم آخر، بل هي احكام مجعولة لمتعلقاتها للاقتضاء الثابت فيها، وتدخل مسألة الاستصحاب ونظائرها في المسائل الاصولية، لشمول القاعدة المذكورة لها. ثم إن المعتبر في اليقين والشك الماخوذين في موضوع الاستصحاب تحققهما فعلا، ولا يكفى وجودهما الشأنى، بمعنى ان المكلف لو التفت لكان متيقنا بالحدوث وشاكا في البقاء. أما بناءا على اخذه من الاخبار فواضح، لان المعتبر فيها وجودهما الظاهر في الفعلية. وأما بناءا على اخذه من باب الطريقية، فلان طريقية الكون السابق للبقاء إنما هي في صورة الالتفات. وأما في حال الغفلة، فلا يكون مفيدا للظن النوعي، حتى يكون طريقا. والظاهر أن هذا لا اشكال فيه. إذا عرفت هذا فنقول: قد فرع شيخنا المرتضى قدس سره على ذلك مسألتين: (الاولى) - ان المتيقن بالحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق، فشك، جرى الاستصحاب في حقه، فلو غفل عن ذلك وصلى، بطلت صلاته، لسبق الامر بالطهارة، ولا يجرى في حقه حكم الشك في الصحة بعد الفراغ عن العمل، لان مجراه الشك الحادث بعد الفراغ، لا الموجود من قبل. (الثانية) أنه لو غفل المتيقن بالحدث عن حاله وصلى، ثم التفت وشك في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهرا، جرت في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، لحدوث الشك بعد العمل وعدم وجوده قبله، حتى يوجب الامر بالطهارة والنهى عن الدخول في الصلاة بدونها. (ثم قال قدس سره): نعم هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة، لولا حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ. انتهى كلامه قدس سره. اقول: وللنظر فيما افاده قدس سره مجال، لان المصلي في الفرض الاول

[ 226 ]

كالثاني ليس محكوما بحكم الاستصحاب، (102) لان المفروض أنه غفل في حال صلاته عن الحالة السابقة، ولم يكن شاكا في تلك الحالة، فكيف يمكن أن يحكم عليه في تلك الحالة بعدم جواز نقض اليقين بالشك ؟ نعم كان محكوما بهذا الحكم قبل الصلاة في حال التفاته، ولكنه رفع بواسطة رفع موضوعه. وأما بعد الصلاة فان قلنا بان الشك الحاصل له هنا من افراد الشكوك الحادثة بعد الفراغ من العمل، لان الشك الموجود قبل العمل قد انتفى، وهذا الشك الموجود بعده شك آخر حدث بد الفراغ، تجرى في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، على احتمال يأتي في المسألة الثانية. وإن قلنا بانه هو الشك الموجود قبل العمل عرفا، فليس من افراد الشكوك التى تجرى فيها القاعدة المذكورة، فاللازم الاخذ باستصحاب الحدث، والحكم ببطلان الصلاة بملاحظة هذا الشك الموجود بعد الفراغ، بالتقريب الذى يأتي بيانه في المسألة الثانية. وأما المسألة الثانية، فالاخذ بقاعدة الشك بعد الفراغ فيها مبنى على كونها من الاصول العملية. وأما على كونها من الطرق، من جهة ملاحظة التعليل الوارد في بعض الاخبار من أنه حين العمل أذكر، فلا تكون المشمولة لها، للعلم بأنه حين العلم ليس اذكر منه بعده. (103) فحينئذ إن قلنا بالاول يؤخذ بالقاعدة، وتقدم على الاستصحاب، لا من جهة الحكومة، بل من جهة أنه لولاه لزم كون (102) لا يخفى أن مقتضى جريان الاستصحاب في الآن الاول بطلان الصلاة التى وقعت قبل تحصيل الطهارة عمدا كانت أو غفلة. والمفروض أن المصلي يعلم بانه بعد ذلك الشك لا تحصل له الطهارة، بعد الصلاة، فمبني على احتياج كل زمان مشكوك إلى استصحاب على حدة، أما لو قيل بكفاية استصحاب الحدث في الآن الاول مع القطع بعدم تغيير حاله بعد، فلا حاجة الى الاستصحاب بعد الصلاة. فافهم. (103) يمكن أن يقال: إن فرض الشيخ (قدس سره) إنما هو فيما احتمل التطهير قبل الصلاة، وهو ملازم لاحتمال التذكر قبل الصلاة، ولو بمقدار يصح منه =

[ 227 ]

القاعدة لغوا، لورودها مورد الاستصحاب غالبا، إما موافقة أو مخالفة، وإن قلنا بالثاني، فتقديمها عليه - في موارد جريانها من جهة الحكومة - نظير تقديم سائر الادلة والامارات عليه. ولكن الدليل غير شامل للشك المفروض، لعدم صدق التعليل المقتضى للطريقية. ومن هنا يعلم ما في ما افاده قدس سره من أن هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم الاستصحاب، لولا حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ، لانه لو اخذ بالقاعدة من باب الطريقيه بملاحظة التعليل المذكور، فلا تجرى في الفرع المزبور اصلا، حتى تكون مقدمة على الاستصحاب، وان اخذ بها من باب التعبد، فتقدمها ليس من باب الحكومة، كما لا يخفى. ولعله اشار إلى ما ذكرنا أو بعضه بقوله: فافهم. ثم إن الاستصحاب ينقسم - باعتبار المستصحب والدليل الدال عليه في السابق والشك في بقائه في اللاحق - الى اقسام عديدة، لا يهمنا التعرض لذكرها، لقلة الجدوى. وإنما المهم هنا بيان امور: استصحاب حكم العقل احدها: أن الدليل الدال على وجود المستصحب في السابق إن كان هو العقل، فهل يمكن الاستصحاب ام لا ؟ ذهب شيخنا المرتضى قدس سره الى الثاني، وذهب جمع من مشايخنا الى الاول، تبعا لسيد مشايخنا الميرزا الشيرازي قدس سره، وهو الحق. وتوضيح ذلك يتوقف على بيان مرام الشيخ ] = التطهر، وهو كاف في جريان التعليل. وأما قوله (قدس سره): (لو غفل المتيقن للحدث عن حاله) فيحتمل أن يكون المقصود الغفلة تفصيلا، بنحو لا يصح منه تحصيل الطهارة، لانه مناف لما فرض من احتمال التطهر، فافهم.

[ 228 ]

[ قدس سره اولا. فنقول: حاصل ما يستفاد من كلامه في وجه منع جريان الاستصحاب هو أن العقل يحكم بحكم إلا بعد احراز موضوعه بقيوده وحدوده، حتى عدم المانع والرفع. فحينئذ إذا حكم العقل بالحسن أو القبح على موضوع محدود بحدوده، فما دام ذلك الموضوع على حاله، لا يعقل الشك في حكمه، والشك في الحكم إما من جهة القطع بزوال قيد أو جزء من ذلك الموضوع، واحتمال أن يكون ملاك ذلك الحكم موجودا في المجرد عنهما ايضا، وإما من جهة الشك في انطباق الموضوع العقلي على امر خارجي، ولا يمكن الاستصحاب في كل من الصورتين. أما الاولى، فللقطع بزوال الموضوع. وأما الثانية، فللشك في بقاء الموضوع. ومن جملة شرايط الاستصحاب احراز الموضوع. فان قلت: لو بنينا على احراز الموضوع في الاستصحاب بالدقة العقلية، لانسد بابه في الاحكام الشرعية ايضا، ضرورة عدم إمكان الشك فيها إلا من جهة الشك في الموضوع. ومن المعلوم عدم الاشكال هنا من هذه الجهة، لان الميزان نقض اليقين بالشك عرفا، وهو يقتضى بقاء ما هو الموضوع عندهم. قلت: الفرق بين المقامين أنه في القضايا الملقاة من الشرع، يرى العرف موضوعا وحكما وشيئا آخر يكون من حالات الموضع، وواسطة في ثبوت الحكم لذلك الموضع، وان لم تكن القضية عند العقل الا مركبة من الموضوع والمحمول والنسبة، وليس هناك شئ آخر يكون ظرفا أو حالا لثبوت الحكم للموضوع. مثلا إذا قال الشارع (الماء نجس إذا تغير)، فموضوع هذه القضية عند العرف هو الماء، والتغير واسطة لثبوت النجاسة للماء، فحينئذ لو شك - بعد زوال التغير من قبل نفسه - في النجاسة، من جهة الشك في أن التغير في زمان سبب لنجاسة الماء مطلقا، ولو زال بعد ذلك، أو أنه سبب لها حدوثا وبقاءا أو من جهة الشك في أنه بعد زوال التغيير، هل قام مقامه ملاك آخر أم لا ؟ يصدق أن ما كان موضوعا للنجاسة في الزمن السابق باق بعينه، والشك في النجاسية شك في بقائها، فتشمله ادلة الاستصحاب.

[ 229 ]

وأما القضية الملقاة من العقل، فليست مشتملة على شئ آخر خارج عن الموضوع، يسمى ظرفا أو حالا، وواسطة في ثبوت الحكم، كما كان في القضية الملقاة من الشرع. فحينئذ متى زال قيد أو جزء عن الموضوع العقلي، فالباقي موضوع آخر مغاير لما كان اولا، فلا يفرض الشك في الحكم العقلي مع بقاء موضوعه. ومن هنا يظهر عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف بالعقل ايضا هذه خلاصة ما افاده قدس سره في المقام: اقول: وتحقيق الحال أن يقال: إن عدم الاجمال - في موضوع حكم العقل، بمعنى إدراكه واذعانه الفعلى - مسلم لعدم إمكان ان يذعن بحسن شئ أو قبحه، ولم يتعين عنده موردهما، فإذا حكم بحسن شئ مركب أو مقيد أو قبحه، فجميع خصوصيات ذلك الشئ له دخل في حكمه، بحيث لو زال بعض الخصوصيات وتغير عما كان عليه أولا، يرتفع حكمه قطعا. ولكن يمكن أن لا يكون لبعض تلك الخصوصيات دخل فيما هو ملاك لحكمه اعني: الحسن والقبح الواقعيين، بان يعتقد العقل حسن شئ أو قبحه على سبيل الاهمال والاجمال إما بأن يرى ذلك في مركب أو مقيد مثلا، من دون ان يعلم دخل لخصوصية أو جزء معين في الحسن والقبح، أو يرى ان المطلق مثلا مقتض للحسن أو القبح، ولكن يحتمل ان يكون وجوده في خصوصية خاصة رافعا لما يقتضيه المقتضى، فالقدر المتيقن عند العقل حينئذ هو المقيد بغير القيد المفروض، مع احتمال أن يكون الملاك في المطلق، أو بان يعتقد أن الملاك قائم بالمجموع المركب أو المقيد. ولكن يحتمل وجود ملاك آخر في فاقد الجزء أو القيد، ففى جميع الصور المفروضة - إذا تغير موضوعه الاولى بزوال القيد المفروض أو الجزء المفروض - يشك في ثبوت الملاك في الباقي. إذا عرفت هذا فنقول: لا ينبغى الاشكال في عدم جواز استصحاب نفس حكم العقل، ضرورة عدم تصور الشك في بقائه، كما لا ينبغى الاشكال في عدم جواز استصحاب ملاك حكمه، لان الشك وإن كان متصورا فيه، لكنه ليس موضوعا لاثر من الآثار الشرعية، ولكن استصحاب الحكم الشرعي

[ 230 ]

- المستكشف بقاعدة الملازمة - بمكان من الامكان، لعدم المانع فيه إلا الشك في الموضوع بحسب الدقة، ولو كان هذا مانعا لانسد باب الاستصحاب في الاحكام الكلية والجزئية، لكون الشك فيها راجعا الى الشك في الموضوع يقينا، وما هو الجواب في باقى موارد الاستصحاب هو الجواب هنا، من دون تفاوت اصلا. وستطلع على تحقيق وجوب اخذ الموضوع من العرف في محله انشاء الله تعالى. ادلة الاستصحاب الثاني - بيان حال الادلة الدالة على وجوب البناء على الحالة السابقة، وانها هل تدل عليه مطلقا، أو تختص ببعض الموارد ؟ فنقول: ذهب شيخنا المرتضى قدس سره الى الثاني، وذكر من الادلة الدالة على الاستصحاب امورا كلها مختصة بصورة الشك في الرافع، مع احراز المقتضي على ما افاده قدس سره: أحدها: ظهور كلمات جماعة في الاتفاق عليه. ثانيها: أنا تتبعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من اول الفقه الى آخره موردا إلا وحكم الشارع فيه بالبقاء، إلا مع امارة توجب الظن بالخلاف، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، فان الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة، والا لوجب الحكم بالطهارة، لقاعدة الطهارة، بل لغلبة بقاء جزء من البول أو المنى في المخرج، فرجح هذا الظاهر على الاصل - الى أن قال قدس سره - والانصاف أن هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع، وهو أولى من الاستقراء الذى ذكره غير واحد، كالمحقق البهبهانى وصاحب الرياض أنه المستند في حجية شهادة العدلين على الاطلاق. ثالثها: الاخبار المستفيضة، فذكر اخبار الباب عموما وخصوصا، ثم قال قدس سره - بعد التكلم فيها نقضا وإبراما: ان اختصاص الاخبار الخاصة بالقول المختار واضح. وأما الاخبار العامة، فالمعروف بين المتأخرين

[ 231 ]

الاستدلال بها على حجية الاستصحاب مطلقا. وفيه تأمل قد فتح بابه المحقق الخوانسارى قدس سره في شرح الدروس. توضيحه: أن حقيقة النقض هي رفع الهيئة الاتصالية، كما في نقض الحبل، والاقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الامر الثابت، وقد يطلق على مطلق رفع اليد عن الشئ، ولو لعدم المقتضى له، بعد أن كان آخذا به، فالمراد من النقض عدم الاستمرار عليه، والبناء على عدمه بعد وجوده. إذا عرفت هذا فنقول: إن الامر يدور بين أن يراد بالنقض مطلق ترك العمل وترتيب الاثر، وهو المعنى الثالث، ويبقى المنقوض عاما لكل يقين، وبين ان يراد من النقض ظاهره، وهو المعنى الثاني، فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار المختص بالموارد التى يوجد فيها هذا المعنى. والظاهر رجحان هذا على الاول، لان الفعل الخاص يصير مخصصا لمتعلقه العام، كما في قول القائل لا تضرب احدا، فان الضرب قرينة على اختصاص العام بالاحياء، ويكون عمومه للاموات قريبة على ارادة مطلق الضرف عليه، كساير الجمادات. إنتهى ما اردنا نقله من كلامه رفع مقامه. اقول: أما الاتفاق فلا يتحقق المحصل منه الكاشف عن رأى المعصوم قطعا. والمنقول منه ليس بحجة، مع ما يرى من الاختلاف، وذهاب جمع إلى عدم حجية الاستصحاب مطلقا. واما التتبع الذى ذكره قدس سره، فان كان الدليل في كل مورد غير ادلة الاستصحاب، فالانصاف أنه يفيد الاطمينان التام بوجوب الجري على طبق المقتضي للبقاء. أما ان هذا الحكم هل هو من جهة ملاحظة الحالة السابقة مع وجود المقتضى للبقاء، أو من جهتها من دون اعتبار المقتضي، أو من جهتها من دون اعتبار الحالة السابقة ؟ فلا يعلم. وان كان الدليل على ذلك ادلة الاستصحاب، فليس بدليل مستقل ليتكلم فيها. وأما الاخبار، فالانصاف ان ظهورها في حجية الاستصحاب غير قابل للانكار. وأما اختصاص مواردها فيما اختاره قدس سره فمحل منع، بل

[ 232 ]

الحقيق شمولها للشك في المقتضي ايضا. وتحقيق الحال فيها يتوقف على ذكر كل واحد منها. فنقول: إن الاخبار الواردة في المقام بين عامة وخاصة: فمن الاولى صحيحة زرارة، ولا يضرها الاضمار، لان زرارة اجل شأنا من ان يسأل غير الامام، فالمسئول إما أبو جعفر وإما أبو عبد الله عليهما الصلاة والسلام، لانه يروي عن كليهما، قال: (قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ قال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن، فقد وجب الوضوء، قلت فان حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم ؟ قال: لا حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين ابدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر). (فقه الحديث) ان الظاهر من الفقرة الاولى ان شبهة السائل كانت حكمية، أعنى أنه كان شاكا في أن مفهوم النوم الذى جعل ناقضا للوضوء، هل يشمل مثل الخفقة والخفقتين ام لا، فسأل عن ذلك، فاجابه عليه السلام بما حاصله: أن النوم الموجب للوضوء لا يتحقق بذلك، بل الملاك نوم العين والاذن. والفقرة الثانية سؤال عن الشبهة الموضوعية. أعنى بعد ما علم زرارة ما هو الملاك في النوم الناقض سأل عن الشك في تحقق ذلك، فاجابه عليه السلام بقوله: (حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك امر بين، والا فانه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر). ثم إن قوله (عليه السلام) - فانه على يقين من وضوئه - يحتمل بعيدا أن يكون هو الجزاء للشرط، ويصير المفاد: وإن لم يجئ من ذلك امر بين، فانه يجري على يقينه من وضوئه. والظاهر أن جواب الشرط محذوف قامت العلة مقامه، (104) كما وقع نظيره في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى (وان تكفروا (104) ولا يخفى أنه على هذا تكون القضية اظهر في العموم من الاحتمال

[ 233 ]

[ فان الله غنى عنكم) ومثل قوله تعالى (ومن كفر فان ربى غنى كريم، ومن كفر فان الله غنى عن العالمين) وامثال ذلك مما لا يحصى. وحينئذ هذه القضية تكون صغرى لقوله (ولا ينقض اليقين..) والظاهر أن قوله (عليه السلام) من وضوئه لمجرد كونه متعلقا لليقين في المورد، لا لدخله في الحكم، لان المناسبات المقترنة بالكلام كما قد توجب التقيد وان لم يكن القيد مذكورا، كما في قوله: عليه السلام (إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ) الظاهر من جهة فهم العرف المستند الى المناسبة المقامية انه لم ينجسه شئ بالملاقاة كذلك قد توجب إلغاء القيد المذكور في الكلام، كما فيما نحن فيه، فان المناسب لعدم النقض هو جنس اليقين في قبال الشك، فاندفع ما يقال في المقام من أن استظهار العموم من الخبر مبنى على كون اللام للجنس، وظهوره فيه ممنوع بعد سبق الخصوصية، لما عرفت من ان المناسبة في المقام توجب الغاء الخصوصية بنظر العرف. ثم اعلم ان هذه الصحيحة انفع للمقام من الاخبار العامة الآتية، لكونها نصا في وجوب الجري على الحالة السابقة المتيقنة في حال الشك، بخلاف الاخبار العامة، فانها تحتمل افادتها لقاعدة الشك الساري، كما يأتي. نعم ليست الصحيحة نصا في العموم، لكنها ظاهرة فيه، كما اشرنا إليه. بقى الكلام في أن الصحيحة وامثالها - مما يدل على عدم جواز نقض اليقين بالشك - هل تعم الشك في المقتضي أو تختص بالشك في الرافع، بعد احراز المقتضي. والاقوى هو الاول. = الاول، لانه على الاحتمال الاول يمكن أن يكون قوله (ع): (ولا ينقض اليقين بالشك ابدا) تأكيدا للقضية المثبتة لا علة، وعلى ذلك لا محذور في كون اليقين عين اليقين بالوضوء، بخلافه على الاحتمال الثاني، فانه بعد ما كان الجواب محذوفا تكون جملة (فانه على يقين) ظاهرة في التعليل. وعلى ذلك فارادة شخص اليقين بالوضوء من لا تنقض تكون بعيدة كمال البعد، لانه كتعليل الشئ بنفسه، كقولك يجب اكرام زيد لانه زيد، وهو كما ترى.

[ 234 ]

توضيح ذلك: ان النقض بحسب اللغة ضد الابرام، فلا بد ان يتعلق بماله اجزاء مبرمة، كما في قوله تعالى: (نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا) (2) كما أن متعلق الابرام لابد ان يكون ذا اجزاء متفاسخة. وقد يستعار لمثل العهود والايمان، مما شأنه الاستحكام والاتقان، لكونها شبيهة بماله اجزاء ذات ابرام. واليقين حاله حال العهد واليمين، وانتقاضه عبارة عن انفساخ تلك الحالة الجزمية، وتحقق الترديد في النفس، فعلى هذا نسبة مادة النقض الى اليقين لها مناسبة تامة لا تحتاج الى صرف النسبة الى المتيقن، ثم تخصيصه بما إذا كان له مقتض للبقاء، بل ليس مجرد وجود المقتضي للبقاء في شئ مصححا لنسبة النقض إليه، لما عرفت من اعتبار كون متعلقه اجزاء مبرمة. فان قلت: نعم لكن النهى في القضية لا يصح تعلقه بنقض اليقين، حيث أن انتقاض اليقين بالشك قهرى. قلت: كما أنه لا يجوز تعلق النهى بنقض اليقين، كذلك لا يجوز تعلقه بنقض المتيقن أيضا، لانه أيضا في حال الشك إما باق واقعا، وإما مرتفع. وعلى أي حال ليس اختياره بيد المكلف، كما هو واضح. فالنهى في القضية يجب أن يكون متعلقا بالنقض من حيث العمل. وعلى هذا كما أنه يصح أن يقال يجب عليك معاملة بقاء المتيقن من حيث الآثار، كذلك يصح أن يقال يجب عليك معاملة بقاء اليقين كذلك. فان قلت: نعم، لكن على الثاني تفيد القضية وجوب ترتيب اثر نفس اليقين، وهو غير مقصود. قلت: اليقين في القضية ملحوط طريقا الى متعلقه، فيرجع محصل مفاد القضية إلى وجوب معاملة بقاء اليقين، من حيث كونه طريقا الى متعلقه، فيندفع المحذور. هذا مما افاده سيدنا الاستاذ طاب ثراه نقلا عن سيد مشايخنا الميرزا الشيرازي قدس سره ولعمري ان التأمل المنصف يشهد بان هذا الالتفات والتنبه إنما يصدر ممن ينبغى ان يشد إليه الرجال، فجزاه الله عن الاسلام واهله احسن الجزاء. ]

[ 235 ]

و (منها) - صحيحة اخرى لزرارة ايضا، قال: قلت له (عليه السلام): (اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المنى، فعلمت أثره إلى أن اصيب له الماء، فحضرت الصلاة، ونسيت ان بثوبي شيئا، وصليت، ثم انى ذكرت بعد ذلك ؟ قال (عليه السلام) تعيد الصلاة وتغسله، قال: قلت فان لم اكن رأيت موضعه، وعلمت أنه اصابه فطلبته ولم اقدر عليه، فلما صليت وجدته ؟ قال تغسله وتعيد، قلت: فان ظننت أنه اصابه ولم اتيقن ذلك، فنظرت ولم ار شيئا، فصليت فيه، فرأيت فيه ؟ قال (عليه السلام): تغسله ولا تعيد الصلاة، قلت: لم ذلك: قال لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت، وليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا، قلت فانى قد علمت أنه قد اصابه، ولم أدر اين هو فاغسله، قال تغسل من ثوبك الناحية التى ترى أنه قد اصابها، حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل على إن شككت أنه اصابه شئ أن انظر فيه ؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد ان تذهب بالشك الذى وقع من نفسك، قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدرى لعله شئ اوقع عليك، فليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك.. الحديث. (تقريب الاستدلال) كما في الصحيحة الاولى، لكن فيها إشكال من جهة اخرى، وهو أن الظاهر من السؤال في قوله: (فان ظننت أنه قد اصابه) أنه بعد الصلاة تبين أن ثوبه كان نجسا من اول الامر. وحينئذ عدم اعادة الصلاة لا يمكن أن يكون مستندا إلى تلك القاعدة، اعني عدم جواز نقض اليقين بالشك، لان الاعادة على هذا نقض اليقين بيقين مثله. وبعبارة اخرى: الظاهر من تلك الفقرة أن الاعادة نقض اليقين بالشك، ولعدم صلاحية ذلك لا تصلح الاعادة، ولا يمكن حفظ هذا الظهور فيما نحن فيه، فان الطهارة من الخبث إن كانت من الشروط الواقعية، فالاعادة ليست من مصاديق نقض اليقين بالشك، كما هو واضح. وان كان الشرط إحرازها ولو

[ 236 ]

[ بالاصل، فالاجزاء وعدم الاعادة مستند ان إلى حكم الاستصحاب حين الصلاة، بضميمة الادلة الدالة على كفاية نفس الاحراز حين الصلاة. وعلى أي حال قوله (عليه السلام) - وليس ينبغى لك ان تنقض اليقين بالشك - لا ينتج عدم الاعادة، كما هو واضح. إذا عرفت هذا يظهر لك عدم ارتفاع هذا الاشكال بما تخيله بعض: من استناد عدم الاعادة الى اقتضاء الامر الظاهرى للاجزاء، ولا بما افاده شيخنا الاستاذ دام بقاه: من جعل الشرط هو نفس الاحراز، ولو باصل من الاصول، إذ كل ذلك اجنبي عن ظاهر الرواية، كما لا يخفى. فيلزم التصرف في ظاهرها إما على نحو ما تخيله المتخيل. وإما على نحو وجهها شيخنا الاستاذ دام بقاه. والتوجيهان مشتركان في أن الصحة وعدم الاعادة إنما يكون مستندا إلى كبرى مسلمة عند السائل، وان قوله (عليه السلام) - (ليس ينبغى لك...) اشارة إلى تحقق صغرى لتلك الكبرى المسلمة. غاية الامر أنه على ما تخيله المتخيل الكبرى المفروضة كون الامر الظاهرى مفيدا للاجزاء، وعلى ما افاده دام ظلله، كون الشرط نفس الاحراز، فلا تغفل. والعجب منه دام بقاه أنه استضعف كلام المتخيل، ثم وجه الرواية بما هو مماثل لما استضعفه. هذا إذا كان المراد من الرواية ما ذكر كما. وأما إن كان المراد رؤية النجاسة بعد الصلاة، مع احتمال وقوعها بعدها، هو احد الاحتمالين فيها، فلا اشكال في اقتضاء قوله (عليه السلام) - لا تنقض اليقين بالشك - عدم اعادة الصلاة، والاكتفاء بما اتى به، لانه واجد للشرط تعبدا، ولا كاشف للخلاف، كما هو المفروض. فان قلت: عدم الاعادة ليس اثرا شرعيا، حتى يترتب على استصحاب الطهارة، قلنا: ليس المجعول بقضية لا تنقض عدم وجوب الاعادة، حتى يقال: إنه عقلي ليس قابلا للجعل، بل المجعول بها التصرف في شرط الواجب، والتوسعة في موضوع الوجوب، ولازم ذلك عدم وجوب الاعادة، فعدم وجوب الاعادة من

[ 237 ]

اللوازم العقلية المترتبة على نفس الاستصحاب، لا على المستصحب. و (منها) - صحيحة ثالثة لزرارة: (وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في اربع، وقد احرز الثلاث، قام فاضاف إليها اخرى، ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط احدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك باليقين، فيتم على اليقين، فيبنى عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات). وقد تمسك بها في الوافية وتبعه جماعة ممن تأخر عنه. وكيف كان فهذه الصحيحة - مع قطع النظر عما فيها من الاجمال - لا تفيد قاعدة كلية ينتفع بها في سائر الموارد، لظهور أن قوله (عليه السلام) - ولا ينقض اليقين بالشك - تأكيد لقوله (عليه السلام) قام فاضاف إليها اخرى، لا علة له، حتى يستفاد منه الكلية. اللهم إلا أن يستفاد العموم من قوله (عليه السلام): ولا يعتد بالشك في حال من الحالات. ثم إن جعل هذا المورد من مصاديق حرمة نقض اليقين بالشك، يحتمل امرين: أحدهما - كونه من جهة التقية، موافقة للعامة الزاعمين لكون مقتضى البناء على اليقين هو البناء على الاقل، وضم الركعة المشكوكة. ويوهن هذا الاحتمال ظهور صدر الرواية في عدم الصدور على جهة التقية، حيث أنه امر في جواب السائل عن الشك بين الاثنين والاربع بأن يركع ركعتين، واربع سجدات، وهو قائم بفاتحة الكتاب. وهذا ظاهر في وجوب ركعتين منفصلتين. من جهة ظهور تعيين الفاتحة. وهذا مخالف لمذهب العامة. ثانيهما ان يقال: إن المراد - من قوله (عليه السلام): قام فاضاف إليها ركعة - القيام للركعة المنفصلة، كما هو مذهب الحق. والوجه - لجعل هذا من صغريات القاعدة المزبورة مع اقتضائها بحسب الظاهر اتيان الركعة المتصلة - أن الصلاة في نفس الامر يعتبر فيها أمران احدهما تحقق الركعات، وثانيهما تقييدها بعدم الزائد. ومقتضى قولهم (عليهم السلام)، لا تنقض اليقين بالشك، البناء على عدم تحقق الركعة المشكوكة، ولا يثبت بهذا تحقق ذلك التقييد المعتبر لو اتى بالركعة

[ 238 ]

المشكوكة موصولة، فالجمع بين مفاد القاعدة المزبورة ومراعاة ذلك التقييد لا يمكن إلا باتيان الركعة منفصلة، فليتأمل جيدا. وهذا التوجيه اوجه من حمل الرواية على ايجاب تحصيل اليقين بالاحتياط، كما فعله شيخنا المرتضى قدس سره، لظهور اتحاد مفاد هذه القضية في جميع الموارد. وقد عرفت كونها ناصة في الاستصحاب في الصحيحة الاولى. وما قد يتوهم - من امكان الجمع بين الاستصحاب وايجاب تحصيل اليقين، فلا ينافى تطبيق القضية تارة على الاستصحاب، كما في الصحيحة الاولى واخرى على ايجاب الاحتياط كما في الصحيحة الثالثة - (مدفوع) بأنه على تقدير إرادة الاستصحاب، يجب أن يراد من اليقين المفروض في القضية الموجود الثابت، وعلى تقدير ارادة ايجاب الاحتياط، يجب ان يفرض عدمه حتى يصح الامر بتحصيله. وهما ملاحظتان غير قابلتين للجمع، كما هو واضح. (ومنها) موثقة عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: (إذا شككت فابن على اليقين، قلت هذا اصل ؟ قال (عليه السلام) نعم). أقول إن جعلنا مورد الرواية خصوص ركعات الصلاة، كما ان الاصحاب يذكرونها في طى ادلة تلك المسألة، فالمراد من قوله (عليه السلام) (فابن على اليقين) إما تحصيل اليقين بالبناء على الاكثر، واتيان ما يحتمل، نقصه منفصلا، ولا دخل لها بما نحن بصدده. وإما محمول على التقية. وإما على الاستصحاب بالتوجيه الذى ذكرناه في الصحيحة السابقة. وان لم نقل باختصاصها بشكوك الصلاة، فلا يبعد دعوى ظهورها في الاستصحاب، حيث أن الظاهر من لفظ اليقين هو اليقين الموجود حين البناء عليه، لا الماضي، حتى ينطبق على قاعدة الشك السارى، ولا المستقبل حتى يكون المراد وجوب تحصيله، وينطبق على الاحتياط. فما ذكره شيخنا المرتضى قدس سره - من أن الموثقة - على تقدير عدم اختصاص موردها بشكوك الصلاة - اضعف دلالة من الروايات الآتية، حيث أنه لم يبين فيها أن المراد اليقين السابق على الشك، ولا أنه المتيقن السابق

[ 239 ]

على المشكوك، بخلاف الروايات الآتية، حيث انها ليست خارجة عن هذين الاحتمالين - مبنى على عدم كون ظهور الموثقة في الاستصحاب أقوى من بين الاحتمالات. وقد عرفت خلافه. (ومنها) - ما عن الخصاب بسنده عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (ع) قال: (قال امير المؤمنين (عليه السلام): من كان على يقين فشك، فليمض على يقينه، فان الشك لا ينقض اليقين) وفى رواية اخرى عنه (عليه السلام) (من كان على يقين فأصابه شك، فليمض على يقينه، فان اليقين لا يدفع بالشك). اقول: ظهور الروايتين في اتحاد متعلق اليقين والشك مما لا يقبل الانكار. وحينئذ إما أن يلاحظ المتيقن مقيدا بالزمان، فالشك فيه معناه الشك السارى. وإما أن يجرد عنه. وعلى الثاني إما أن تكون القضية مهملة من حيث الزمان، وإما أن تكون ملحوظا فيها على نحو الظرفية. والاخير منطبق على المدعى. وسيجئ أن الجمع بين القاعدة والاستصحاب غير ممكن في هذه القضية. إذا عرفت هذا فنقول: إن القضية وإن كانت في حد نفسها غير ظاهرة في المدعى، لكن بملاحظة تكرارها في موارد - يعلم ارادة الاستصحاب منها - تصير ظاهرة في المدعى، لظهور اتحاد المراد في تمام الموارد. (لا يقال) إن ذكرهما في عداد ادلة الباب غير صحيح، لان العمدة هي الادلة المتقدمة، إذ لولاها لكانت هذه مجملة أو ظاهرة في غير المدعى. لانا نقول: فائدة هاتين الروايتين استفادة الكلية، بعد ما حملناهما على الاستصحاب، إذ ليس فيهما ما يمنع ذلك، كما كان في الادلة السابقة. هذا ولكن الاشكال في سند الرواية، من حيث أن فيها قاسم بن يحيى، وقد ضعفه العلامة قدس سره في الخلاصة، وتضعيفه وإن كان مستندا إلى تضعيف ابن الغضايرى، وقد قيل إنه لا يعبأ به، الا انه لم يوجد في علم الرجال توثيقه، فلو اغمضنا عن هذا التضعيف، لكان من المجاهيل، وعلى أي حال لا يجوز جعل الرواية مدركا لشئ. اللهم إلا أن يوثق برواية الاجلة عنه، مثل احمد بن ابى ]

[ 240 ]

[ عبد الله، واحمد بن محمد بن عيسى، فليتأمل جيدا. و (منها) - مكاتبة على بن محمد القاسانى، قال: (كتبت إليه - وانا بالمدينة - عن اليوم الذى نشك فيه من رمضان، هل يصام ام لا ؟ فكتب (عليه السلام): اليقين لا يدخله الشك، صم للرؤية وافطر للرؤية). ودلالتها على المدعى بملاحظة تفريع الامام (عليه السلام) ظاهرة. هذه اخبار عامة واردة في المقام، وقد تؤيد بالاخبار الواردة في الموارد الخاصة، مثل رواية عبد الله بن سنان (في من يعير ثوبه الذمي، وهو يعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، قال فهل على ان اغسله ؟ فقال: لا، لانك اعرته اياه وهو طاهر، ولم تستيقن انه نجسه) (1). وفى تعليل الحكم بانه طاهر حين الاعارة دلالة واضحة على ان المستند هو استصحاب الطهارة لا قاعدتها. ومثل موثقة عمار: (كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر). بناءا على كونها في مقام بيان استمرار الطهارة المفروغ عنها، لا في مقام جعل الطهارة في موضوع لم يعلم نجاسته. ولكن الظاهر من القضية المعنى الثاني، كما هو واضح، فلا دخل لها بالمدعى. ولا يمكن الجمع بين المعنيين، اعني قاعدة الطهارة واستصحابها، فان الثاني مبنى على كونها مفروضة الوجود، والاول مبنى على عدم كونها كذلك. وملاحظة شئ واحد مفروض الوجود وغيره جمع بين المتنافيين، كما لا يخفى. والعجب من شيخنا الاستاذ دام بقاه حيث زعم إمكان الجمع بينهما في القضية المذكورة. والنظر في كلامه يتوقف على نقل ما افاده قال دام بقاه في حاشيته على رسالة الاستصحاب - عند قول المصنف قدس سره (نعم إرادة القاعدة والاستصحاب معا توجب استعمال اللفظ في معنيين...) ما لفظه: ارادتهما إنما توجب ذلك، لو كان كما افاده قدس سره، بان يراد من المحمول فيها تارة اصل ثبوته، واخرى استمراره، بحيث كان اصل صبوته مفروغا عنه. كذلك الحال في الغاية، فجعلت غاية للحكم بثبوته مرة، وللحكم باستمراره اخرى. وأما إذا اريد احدهما من المغيى والآخر ]

[ 241 ]

من الغاية فلا. توضيح ذلك: أن قوله (عليه السلام): (كل شئ طاهر) - مع قطع النظر عن الغاية - بعمومه يدل على طهارة الاشياء بعناوينها الواقعية، كالماء والتراب وغيرهما، فيكون دليلا اجتهاديا على طهارة الاشياء، وباطلاقه - بحسب حالات الشئ التى منها حالة كونه بحيث يشتبه طهارته ونجاسته بالشبهة الحكمية أو الموضوعية - يدل على قاعدة الطهارة فيما اشتبهت طهارته كذلك. وأن أبيت إلا عن عدم شمول اطلاقه لمثل هذه الحالة التى هي في الحقيقة ليست من حالاته، بل من حالات المكلف، وان كانت لها اضافة إليه، فهو بعمومه - لما اشتبهت طهارته بشبهة لازمة له لا تنفك عنه ابدا، كما في بعض الشبهات الحكمية والموضوعية - يدل بضميمة عدم الفصل بينه وبين سائر المشتبهات على طهارتها كلها، وإلا يلزم تخصيصه بلا مخصص، ضرورة صدق عنوان الشئ على هذا المشتبه، كسائر الاشياء، بلا تفاوت اصلا، كما لا يخفى، وليس التمسك به - فيما اشتبهت طهارته موضوعا - تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية، لان التمسك به إنما هو لاجل دلالته على القاعدة وحكم المشكوك على ما عرفت، لا لاجل دلالته على حكم الشئ بعنوانه الواقعي، كى يلزم تخصيصه من هذه الحيثية بنجاسة بعض العناوين أو بعض الحالات. ولا منافاة بين جواز التمسك به للحكم بطهارة المشتبه من جهة وعدم جوازه من جهة اخرى كما لا يخفى. ولا ضير في اختلاف الحكم بالنسبة إلى افراد العام، وصيرورته ظاهريا، بالنسبة إلى بعضها، وواقعيا بالاضافة إلى بعضها الآخر، لان الاختلاف بذلك إنما هو من اختلاف افراد الموضوع، لا من جهة الاختلاف في معنى المحكوم، بل هو - بالمعنى الواحد والمفهوم الفارد - يحمل على ما هو واحد يعم تلك الافراد على اختلافها، كما هو واضح من ان يخفى. فلا مجال لتوهم لزوم استعمال اللفظ في معنيين من ذلك اصلا، فعلى ذلك يكون دليلا بعمومه على طهارة الاشياء بما هي بعناوينها، وبما هي مشتبه حكمها مطلقا، بضميمة عدم الفصل في المشتبهات بين ما يلزمه الاشتباه، وبين مالا يلزمه الاشتباه، فلا حاجة في دلالته

[ 242 ]

على قاعدة الطهارة إلى ملاحظة الغاية. نعم بملاحظتها يدل على الاستصحاب. (بيانه) ان قضية جعل العلم - بالقذارة التى تنافي الطهارة - غاية لها في الرواية هي بقاؤها واستمرارها، ما لم يعلم بالقذارة، كما هو الشأن في كل غاية، غاية الامر أن قضيتها لو كانت من الامور الواقعية هو استمرار المغيى وبقاؤه واقعا الى زمان تحققها، ويكون الدليل عليها دليلا اجتهاديا على البقاء ولو كانت هي العلم بانتفاء المغيى هو بقاؤه واستمراره تعبدا. الى زمان حصولها، كما هو الحال في الغاية ههنا، فيكون بملاحظتها دليلا على استمرار الطهارة تعبدا، ما لم يعلم بانتفائها، ولا نعنى بالاستصحاب إلا ذلك كما لا يخفى. فدل بما فيه من الغاية والمغيى على ثبوت الطهارة واقعا وظاهرا على ما عرفت على اختلاف افراد العام، وعلى بقائها تعبدا عند الشك في البقاء، من دون لزوم محذور استعمال اللفظ في معنيين، إذ منشأ توهم لزومه ليس الا توهم أن إرادة ذلك من قوله: (كل شى طاهر) لا يكاد أن يكون الا بارادة الحكم على كل شئ بثبوت اصل الطهارة، ما لم تعلم قذارته، والحكم باستمرار طهارته المفروغ عنها ايضا ما لم تعلم قذارته باستعمال لفظ طاهر وإرادة كلا الحكمين منه. وقد عرفت أن استفادة مفاد القاعدة من اطلاقه أو عمومه بضميمة عدم الفصل، من غير حاجة إلى ملاحظة الغاية. واستفادة مفاد الاستصحاب من الغاية، من جهة دلالتها على استمرار المغيى، كما هو شأن كل غاية، إلا أنها لما كانت هو العلم بانتفاء المغيى، كان مفاده استمراره تعبدا، كما هو الشأن في كل مقام جعل ذلك غاية للحكم، من غير حاجة في استفادته الى ارادته من اللفظ الدال على المغيى، والا يلزم ذلك في كل غاية مغيى كمالا يخفى. مثلا: (الماء طاهر حتى يلاقى النجس) لابد أن يراد منها على هذا طاهر بمعنى ثبوت الطهارة، ومعنى استمراره كليهما، مع أنه ليس بلازم لاستفادة الاستمرار من نفس الغاية، كما لا يخفى،. فلم لا يكون الحال في هذه الغاية على هذا المنوال. انتهى موضع الحاجة من كلامه دام بقاه. (1).

[ 243 ]

اقول: وفيه (اولا) - أن الجمع - بين الحكم بطهارة الاشياء بعناوينها الاولية وعنوان كونها مشكوكة الطهارة - لا يمكن في انشاء واحد، ضرورة تأخر رتبة الثاني عن الاول، ولا يمكن ملاحظة موضوع الحكم الثاني في عرض موضوع الحكم الاول. وهذا واضح. وايضا على فرض تسليم الجمع يصير الحكم المجعول بملاحظة الشك. لغوا، لان هذه القضية الجامعة لكلا الحكمين متى وصلت إلى المكلف يرتفع شكه، من جهة اشتمالها على الحكم بطهارة جميع الاشياء بعناوينها الاولية، فلا يبقى له شك حتى يحتاج إلى العمل بالحكم الوارد على الشك. اللهم إلا أن تحمل القضية على الاخبار والحكاية عن الواقع دون الانشاء. وعلى هذا يرتفع الاشكالان، لأنه إذا فرض أن الشارع حكم على بعض الاشياء بعناوينها الاولية بالطهارة، وعلى بعض آخر بعنوان أنه مشكوك فيه ايضا، يصح أن يقول واحد في مقام الحكاية: كل شئ طاهر عند الشرع إما بالطهارة الواقعية وإما بالطهارة الظاهرية. هذا. ولكنه لا يدل على أن المحكوم بالطهارة ما هو، حتى يكون دليلا اجتهاديا على طهارة الاشياء بعناوينها الاولية، كما نص عليه كلامه المحكى، فيظهر أن ما قلناه في مقام التوجيه لا ينطبق على المستفاد من كلامه دام بقاؤه. ان مقتضى الغاية المذكورة في القضية أن الحكم فيها إنما هو ثابت فيما قبل الغاية، وهو زمان عدم العلم بالقذارة، وهذا الحكم الثابت للاشياء في زمان عدم العلم بالقذارة عبارة عن قاعدة الطهارة، فاين حكم الاستصحاب الذى هو عبارة عن ابقاء الشئ الموجود سابقا في حال طرو الشك، والشئ الذى فرضناه موجودا بهذه الرواية هو طهارة الاشياء في حال عدم العلم، وهو حال الشك، وبقاؤها ببقاء الشك ليس استصحابا قطعا، لان مقتضى الحكم المعلق على موضوع بقاؤه ببقائه، ومن الموضوعات الشك، وإذا اريد افادة الاستصحاب، فاللازم فرض شك آخر طارئ على هذا الحكم المتعلق بموضوع الشك والحكم ببقائه، في حال ذلك الشك الطارئ كما إذا شك في ان هذا

[ 244 ]

الحكم المتعلق بالشك هل نسخ أم لا ؟ مثلا. والحاصل: أنه لا ينبغى الشك في عدم امكان الجمع بين القاعدة والاستصحاب في قضية واحدة، بعد ملاحظة ما ذكرنا. وعليك بالتأمل والتدبر، لئلا يشتبه عليك الحال. الكلى الامر الثالث - أن المتيقن السابق في استصحاب الكلى قد يكون جزئيا، وقد يكون كليا، والشك في بقاء الكلى (تارة) من جهة الشك في بقاء الفرد الذى علم تحققه فيه، و (اخرى) من جهة الشك في تعيين الفرد المتحقق في ذلك الكلى، وتردده بين ما هو باق جزما، وبين ما هو مرتفع، و (ثالثة) من جهة الشك في وجود فرد آخر مع الفرد المتيقن أولا، أو مقارنا لارتفاعه بحيث يحتمل عدم ارتفاع الكلى، فان كان الشك في بقاء الكلى من جهة الشك في بقاء الفرد المعين كالمثال الاول، فلا اشكال في جواز استصحاب الكلى إن كان ذا اثر شرعى، ولا يغنى عن استصحاب الفرد، وان كان بقاؤه مستلزما، لبقاء ذلك الفرد، فلو كان الفرد ذا اثر شرعى يجرى فيه الاستصحاب مستقلا. وهل يغنى استصحابه عن استصحاب الكلى، بحيث يترتب على الاستصحاب الجارى في الفرد اثر الفرد والكلى ام لا ؟ وجهان من حيث أن الفرد عين الكلى في الخارج، والاثر المترتب على الكلى سار في الفرد من جهة الاتحاد والعينية، فالفرد مجمع لاثرين: (احدهما) من جهة الكلى، و (الثاني) من جهة نفسه. ومن حيث تغايره مع الكلى عند التعقل، ولكل منهما اثر يمكن سلبه عن الآخر، وان كانا متحدين في الخارج. (مثلا) لو فرض أن وجود الانسان في الدار يكون موضوعا لوجوب الصلاة ركعتين، ووجود زيد يكون موضوعا لوجوب التصدق بدرهم، يصح أن يقال: إن وجوب الصلاة ليس اثرا لزيد، بل هو اثر لوجود الانسان وكذلك يصح أن يقال: إن وجوب التصدق ليس اثر، بل هو أثر لوجود زيد. وحينئذ نقول:

[ 245 ]

إن اجراء الاستصحاب بالنسبة إلى زيد - لو شك في بقائه - لا يوجب الا ترتب الاثر المختص بزيد، لاما هو مترتب على حقيقة الانسان، كما في العكس. وان كان الشك من جهة الشك في تعيين الفرد، فهو على قسمين، لان الشك فيه إما راجع إلى الشك في المقتضى - كما لو كان الموجود اولا حيوانا مرددا بين ما يعيش ثلاثة ايام أو سنة، فإذا مضى ثلاثة ايام يشك في بقاء ذلك الحيوان - واما راجع الى الشك في الرافع، كما لو خرجت منه رطوبة مرددة بين البول والمنى، ثم توضأ فيشك في بقاء حدثه وارتفاعه بواسطة الوضوء. هذا إن قلنا بان الحدث الجامع بين الاكبر والاصغر موضوع لاثر شرعى، وهو عدم جواز الدخول في الصلاة. وأما إن قلنا ان الموضوع للاثر خصوص الحالتين اللتين توجدان مع البول والمنى، إحداهما توجب المنع من الدخول في الصلاة إلا بالوضوء، والاخرى توجب المنع إلا بالغسل. فالمثال الذى ذكرناه اخيرا ليس من موارد استصحاب الكلى. وكيف كان فالحق جواز استصحاب الكلى في كلا القسمين ان كان له اثر شرعا، لعدم المانع إلا على مذاق من يذهب إلى اختصاص مورده بالشك في الرافع، فمنع جريانه في القسم الاول. وقد عرفت أن التحقيق خلافه. نعم منع بعض علماء العصر - دام ظله - جريان هذا النحو من الاستصحاب مطلقا في حاشيته التى علقها على مكاسب شيخنا المرتضى قدس سره. وحاصل ما افاده هناك أن الشك في بقاء الكلى مسبب عن الشك في وجود الفرد الطويل، وحيث ان مقتضى الاصل عدمه، فلا يبقى شك في بقاء الكلى. ثم أورد على نفسه بان اصالة عدم وجود الفرد الطويل معارض باصالة عدم وجود الفرد القصير، واجاب بانه ليس في طرف القصير أصل حتى يعارض ذلك الاصل، لعدم الاثر الشرعي للاصل الجارى، في طرف القصير. هذا. وفيه (أولا) - أن تقدم الاصل الجارى في السبب على المسبب إنما يكون فيما إذا كان الترتب شرعيا، كالاصل الجارى في الماء بالنسبة الى الثوب

[ 246 ]

المغسول به، فان غسل الثوب بالماء الطاهر شرعا يوجب طهارة الثوب شرعا، بخلاف ترتب عدم الكلى على عدم الفرد في المثال، فانه من جهة العلم بانحصار الموجود في فرد واحد وانه على تقدير عدم وجود الطويل وجد القصير وارتفع. و (ثانيا) - ان عدم جريان الاصل في القصير مطلقا لا وجه له، لانه ان كان المراد انه مقطوع العدم في زمان الشك في بقاء الكلى، فلا يقدح هذا القطع، لان ملاك المعارضة وجود الاصلين المتعارضين في زمان، وإن انتفى مورد أحدهما فيما بعد ذلك كما لو خرج احد اطراف الشبهة المحصورة - بعد تعارض الاصلين - عن محل الابتلاء. وإن كان المراد عدم جريان الاصل في القصير اصلا، فهو لا يصح على الاطلاق. وانما يصح فيما إذا كان اثر الفرد القصير اقل من اثر الفرد الطويل، كما إذا لم يعلم أن الثوب تنجس بالدم أو بالبول، وقلنا انه في الاول يكفى الغسل مرة، وفى الثاني يجب مرتين، فان وجوب الغسل مرة مما يقطع به، فلا يجوز استصحاب عدم تنجسه بالدم، لنفى اثره. واما إذا لم يكن كذلك، كما لو كانا متباينين في الاثر، فلا وجه للقول بعدم جريان الاستصحاب في الفرد القصير فليتدبر جيدا. ثم إنك قد عرفت أن إجراء الاصل في الكلى لا يثبت الفرد، وان كان ملازما له، لان هذه الملازمة ليست بشرعي. وحينئذ فلو كان للفرد اثر خاص ينفى بالاصل، إلا إذا كان للفرد الآخر ايضا اثر خاص، فيتعارض الاصلان. وكذا لو علم ان الحكم ببقاء الكلى في الاثر، والحكم بعدم الفرد كذلك مما لا يجتمعان في مرحلة الظاهر أيضا - وإن كان الشك من جهة وجود الفرد الآخر مع المتيقن أو مقارنا لارتفاعه، ففى جريان الاستحصاب في الجامع بين الفردين المحتمل بقاءوه بقيام الفرد الآخر مقام المتيقن وجوه: (ثالثها) - التفصيل بين القسمين المذكورين، فيجرى في الاول منهما، نظرا الى احتمال بقاء الكلى بين ما وجد اولا، دون الثاني، للقطع بعدم بقائه كذلك، كما ذهب إليه شيخنا المرتضى قدس سره واختار شيخنا الاستاذ دام بقاه عدم الجريان مطلقا.

[ 247 ]

قال في تقريب ذلك: إن وجود الطبيعي وإن كان بوجود فرده، إلا أن وجوده في ضمن افراد متعددة ليس نحو وجود واحد له، بل وجود كل فرد منه نحو وجود له عقلا وعرفا، كما إذا شك أنه في الزمان الاول كان موجودا بوجود واحد أو وجودين، وفى ضمن فرد أو فردين، لم يكن الشك في نحو وجوده، بل الشك في وجوده بنحو آخر غير ما علم من نحو وجوده، فما علم من وجوده فقد علم ارتفاعه. وما شك فيه فقد شك في اصل حدوثه، فاختل احد ركني الاستصحاب فيه على كل حال. ومنه يظهر الحال في القسم الثاني، بل الامر فيه اظهر. انتهى كلامه دام بقاه. أقول: لو جعلت الطبيعة - باعتبار صرف الوجود، مع قطع النظر عن خصوصياته الشخصية - موضوعا للحكم، كما اوضحنا ذلك في مسألة اجتماع الامر والنهى فلا اشكال في أن هذا المعنى لا يرتفع الا بانعدام تمام الوجودات الخاصة في زمن من الازمنة اللاحقة، لانه في مقابل العدم المطلق، ولا يصدق هذا العدم الا بعد انعدام الوجودات. وحينئذ لو شك في وجود الفرد الآخر مع ذلك الموجود المتيقن، واحتمل بقاؤه بعد ارتفاع الفرد المعلوم فمورد استصحاب الجامع. - بملاحظة صرف الوجود - متحقق، من دون اختلال احد ركنيه، فان اليقين بصرف وجود الطبيعة غير قابل للانكار، وكذلك الشك في بقاء هذا المعنى، لان لازم الشك في كون فرد في الآن اللاحق الشك في تحقق صرف الوجود فيه، وهو على تقدير تحققه في نفس الامر بقاءا لا حدوثا لان هذا المعنى من الوجود في مقابل العدم المطلق، فحدوثه فيما إذا كان مسبوقا بالعدم المطلق. والمفروض انه ليس كذلك فعلى تقدير تحققه بقاءا فالشك فيه شك في البقاء، نعم لو اريد استصحاب وجود خاص فهو غير جائز، لأن المتقين سابقا مقطوع الارتفاع، والمشكوك لاحقا غير متيقن سابقا، فاختل احد ركني الاستصحاب. ومما ذكرنا يظهر حال القسم الآخر، وهو مالو شك في وجود فرد آخر مقارنا لارتفاع الموجود من دون تفاوت اصلا.

[ 248 ]

- استصحاب التدريجيات الامر الرابع - أن المستفاد من اخبار الباب أن مجرى الاستصحاب هو ما شك في تحققه لاحقا، مع القطع بتحققه سابقا، فحينئذ لا فرق بين ما يكون قارا بالذات وما يكون تدريجيا كالزمان والزمانيات، كالتكلم والحركة وامثالهما، ضرورة أنها - ما لم تنقطع - وجود واحد حقيقي، وان كان نحو وجودها أن ينصرم شيئا فشيئا. وحينئذ فلو شك في تحقق الحركة مثلا أو نفس الزمان، بعد ما علم بتحققه سابقا، فقد شك في تحقق عين ما كان محققا سابقا، فلا يحتاج في التمسك بالاخبار الى المسامحة العرفية. نعم لو كان محل الاستصحاب الشك في البقاء، امكن أن يقال: ان مثل الزمان والزمانيات خارج عن العنوان المذكور، (105) لعدم تصور البقاء لها إلا بالمسامحة العرفية، لكن ليس هذا العنوان في الادلة. وبعبارة اخرى = المعتبر في الادلة صدق نقض اليقين بالشك، ولا تفاوت في ذلك بين التدريجيات وغيرها. قال شيخنا المرتضى قدس سره الامر الثاني من الامور التى نبه عليها في (105) لا يخفى أن المقصود من الزمان المستصحب إن كان الجامع بين الآنات المحدودة بين الحدين، كالكلي في المعين، صح استصحابه - وإن قلنا باعتبار البقاء في صدق لا تنقض - لان بقاء الجامع كما مر منه - دام ظله - ببقاء الافراد لكنه لا يصدق عليه اليوم والليل مثلا، بل الظاهر أن كل آن جزء منهما لا جزئي، لهما. وإن كان المقصود استصحاب ما هو موضوع له للفظ اليوم أو النهار، فلا يصح الا بما ذكره الشيخ (قدس سره) من المسامحة في وجوده وتحققه، مع قطع النظر عن اعتبار البقاء، لان وجود اليوم حقيقة لا يتحقق الا بعد تحقق جميع اجزائه ولو عند العرف. وأما ما يرى من اطلاق اليوم على بعض النهار فليس الا من باب المسامحة، فتأمل.

[ 249 ]

باب الاستصحاب ما لفظه: (قد علم من تعريف الاستصحاب وأدلته: أن مورده الشك في البقا ؟ وهو وجود ما كان موجودا في الزمان السابق، ويترتب عليه عدم جريان الاستصحاب في نفس الازمان، ولا في الزمانى الذى لا استقرار لوجوده، بل يتجدد شيئا فشيئا على التدريج. وكذا في المستقر الذى يؤخذ قيدا له، إلا أنه يظهر من كلمات جماعة جريان الاستصحاب في الزمان، فيجرى في القسمين الاخيرين بالطريق الاولى) انتهى كلامه رفع مقامه. وقد عرفت صحة استصحاب نفس الزمان والزمانيات، ومن دون احتياج الى مسامحة. نعم لو انقطع الزمانى بما لا يقيد به عرفا، ثم وجد فعده شيئا واحدا، يحتاج إلى المسامحة والا فبحسب العقل قد انصرمت وحدته. ويمكن أن يقال: إن الزمان إن لوحظ امرا محدودا - بأن يقال: ان الليل وكذا النهار عبارتان عن القطعة الخاصة المحدودة بالحدين المفروضين - أمكن تحقق اليقين فلا معنى للعلم به إلا بعد احراز مجموع تلك القطعة، وبعد احراز وجود تمام تلك القطعة لا يبقى الشك فيه، فلا يتحقق فيه ما هو ملاك جريان الاستصحاب. نعم لو قلنا بان الليل والنهار عبارتان عن الآن السيال بين الحدين المفروضين، أمكن تحقق اليقين والشك فيه، وهكذا حال الحركة إن كان المقصود الحركة المحدودة المسماة بالحركة القطعية، فلا يجتمع فيها اليقين والشك. وإن كان المقصود الحركة التوسطية - وهى كون الجسم بين الحدين - فيمكن كونها متعلقة لليقين والشك، كما هو ظاهر، فالاولى في المقام أن يقال: إن كان موضوع الاثر الذى اريد استصحابه هو الزمان المحدود أو الزمانى كذلك، فاستصحابه يحتاج الى المسامحة التى أفادها شيخنا المرتضى قدس سره من جعل المجموع موجودا فعليا، لوجود جزئه، وان كان القسم الآخر فلا يحتاج في الاستصحاب إلى تلك المسامحة. وأما المستقر الذى اخذ الزمان قيدا له، فان اريد استصحابه في حال الشك في انقضاء الزمان المأخوذ قيدا - كما هو ظاهر كلامه قدس سره هنا -

[ 250 ]

فحاله حال استصحاب نفس الزمان، كمن وجب عليه الجلوس في النهار مثلا، فجلس إلى ان شك في انقضاء النهار وبقائه، إذ يصح أن يقال: إن جلوسه كان سابقا جلوسا في النهار، والآن كما كان، فيترتب حكمه اعني الوجوب. لا يقال: ان الجلس في هذه القطعة من الزمان ليس له حالة سابقة، ضرورة كونه مرددا من اول الامر بين وقوع في الليل أو النهار. لانا نقول: المفروض عدم ملاحظة الجلوس في القطعات من النهار موضوعا مستقلا، بل اعتبر حقيقة الجلوس المتحقق في النهار موضوعا واحدا للوجوب. (106) وهذا واضح. وإن اريد استصحاب الموضوع المقيد بالزمان أو حكمه، بعد انقضاء الزمان المأخوذ قيدا، - كما هو ظاهر كلامه قدس سره بعد ذلك، عند التعرض للقسم الثالث، وهو ما كان مقيدا بالنهار - فلا شك في عدم جريان الاستصحاب، ضرورة أن الجلوس - المقيد بالنهار، وكذا حكمه - لا يبقى بعد انقضائه. إذا عرفت ما ذكرنا فنقول: إن مراده قدس سره إن كان ما ذكر أولا، فلا وجه للقطع بعدم جريان الاستصحاب كما افاد ذلك عند تعرضه للقسم الثالث، حيث يقول: (وأما القسم الثالث - وهو ما كان مقيدا بالزمان - فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه...) بل ينبغى القطع بصحة الاستصحاب فيه، كما لا يخفى. وإن كان مراده قدس سره ما ذكرناه أخيرا، فلا وجه لجعل الاستصحاب فيه اولى منه في نفس الزمان هذا وكيف كان فالظاهر عدم الاشكال في صحة الاستصحاب ] (106) لا يخفى أن اعتبار تلك الحقيقة شيئا واحدا، وإن كان مفيدا لاستصحاب نفسها إذا شك في بقائها، لكن لا يفيد في اثبات كون ذلك الجلوس جلوسا، في النهار، كما هو المدعى بل يكون اثبات ذلك نظير اثبات كون الزمان المشكوك فيه نهارا، ويأتي منه - دام بقاه - عدم اثبات ذلك باستصحاب النهار، فتأمل.

[ 251 ]

[ في الاقسام الثلاثة إذا كان الاثر مترتبا على نفس بقائها، من دون أن تحمل وتطبق على جزئي في الخارج. وأما لو اريد مع تطبيقه كذلك، كما إذا اريد أن يحكم باستصحاب الزمان، بكون هذا الزمان المشكوك فيه نهارا مثلا، فلا يصح الا بالاصل المثبت. وبعبارة اخرى: إن كان الحكم مرتبا على تحقق النهار، ففى الآن الثاني يحكم به بالاستصحاب، ويترتب عليه ذلك الحكم، إن كان مرتبا على كون الزمان المشكوك فيه نهارا، فلا يثبت بذلك الاستصحاب لان كون الزمان المشكوك نهارا امر آخر يلازم بقاء النهار عقلا. اللهم إلا ان يعد من اللوازم الخفية التى لا يراها العرف واسطة، فلا يضر كما ياتي انشاء الله تعالى. ثم نقل (قدس سره) عن بعض معاصريه: أنه - في صورة تعلق الحكم بالموضوع المعتبر فيه الزمان - لو شك بعد انقضاء ذلك الزمان في بقاء الحكم، فهناك استصحابان، أحدهما وجودي، والآخر عدمي، فيعارض احدهما الآخر. مثلا لو علمنا بوجوب الجلوس في يوم الجمعة إلى الزوال ثم شككنا بعد الزوال، فههنا اصلان: أحدهما استصحاب وجوب الجلوس، والآخر استصحاب عدمه. ورد عليه قدس سره بان الزمان إن اخذ قيدا فليس هناك الا استصحاب العدم، لان الجلوس المقيد بما بعد الزوال لم يكن واجبا قطعا، وإن اخذ ظرفا، فليس هناك الا استصحاب الوجود، لان عدم الوجوب انقطع بنقيضه، فلا يجرى فيه الاستصحاب، بخلاف الوجوب، فانه كان ثابتا قبل الزوال، فيشك في بقائه بعده، انتهى ملخصا. أقول: يمكن أن يوجه كلام المعاصر المذكور على نحو يسلم عما اورد عليه، بان نختار الشق الاول. ونقول: بان الزمان وان اخذ قيد في الموضوع الذى تعلق به الوجوب، إلا أن نسبة الوجوب - الى المهملة عن اعتبار الزمان - صحيحة، لاتحاد المهملة مع الاقسام كما بينا ذلك في محله وبنينا على ذلك صحة اجراء اصالة البراءة في المقيد المشكوك فراجع مسألة الاقل والاكثر. وعلى هذا

[ 252 ]

نقول: لو وجب الجلوس المقيد بما قبل الزوال، فبعد انقضاء الزوال، يمكن أن يقال: ذات الجلوس كان واجبا قبل الزوال ونشك في بقائه فيحكم - ببركة الاستصحاب - ببقاء الوجوب لاصل الجلوس فيما بعد الزوال، ويعارض باستصحاب وجوب الجلوس المقيد بما بعد الزوال لانه بهذا القيد مشكوك الوجوب أو نختار الشق الثاني. ونقول: إن الزمان وإن اعتبر ظرفا في الدليل الذى دل على ثبوت الحكم على الموضوع، لكن بعد انقضاء ذلك الزمان كما انه يصح أن يلاحظ ذلك الفعل، ويقال: انه كان واجبا في السابق، ونشك في بقاء وجوبه - كذلك يصح أن يلاحظ مقيدا، ويقال: ان هذا الموضوع المقيد لم يكن واجبا في السابق، والآن كما كان، فيتعارض الاصلان في طرف الوجود والعدم. وفيه: ان الشق الاول وإن امكن تصوره، لليقين السابق بوجوب حقيقة الجلوس على سبيل الاهمال، والشك اللاحق كذلك لكنه راجع الى استصحاب القسم الثالث من الكلى. وقد سبق من شيخنا المرتضى قدس سره اختيار عدم جريانه. ونحن وان قلنا بصحته لكنه في المقام محكوم لان الشك فيه مسبب عن الشك في وجوب فرد آخر من الجلوس (107) والاصل عدمه. وعلى كل حال لا يصح القول بالتعارض، هذا في الشق الاول. وأما الشق الثاني فاستصحاب الوجوب ليس له معارض فان مقتضى (107) لا يخفى أن عدم كون الشك في بقاء الحقيقة مسببا عن الشك في وجوب فرد آخر فيما إذا احتمل كون وجوب ذلك المقيد بما هو مقيد من باب تعدد المطلوب فيكون الواجب بعد ذلك الزمان حقيقة الجلوس مثلا، لافردا آخر، هذا مع عدم رفع الشك في المسبب بجريان الاصل في السبب، فيما إذا كان مسببا، لان ترتب عدم الجامع بعدم الفرد ليس باثر شرعي، كما لا يخفي. لكن يأتي فيه ما أجيب به عن الشق الثاني، لان وجوب الذات لا ينافي عدم وجوب المقيد، فلا تعارض، كما هو واضح.

[ 253 ]

استصحاب عدم وجوب الجلوس المقيد بالزمان الخاص: هو أن هذا المقيد ليس موردا للوجوب على نحو لوحظ الزمان قيدا، ولا ينافى وجوب الجلوس في ذلك الزمان الخاص على نحو لوحظ الزمان ظرفا للوجوب. الاستصحاب التعليقي والتقديري الامر الخامس - أنه قد يطلق على بعض الاستصحابات الاستصحاب التقديرى والتعليقى، وهو ان يثبت الحكم المشترط بشئ المتعلق بموضوع في الآن السابق المشكوك بقاؤه لذلك الموضوع، لاختلاف حال من حالاته، مثل أن العنب كان حكمه النجاسة المعلقة على الغليان، وبعد ما صار زبيبا - والمفروض عدم صيرورته بواسطة الجفاف موضوعا آخر عند العرف - يشك في أن النجاسة - المعلقة على الغليان التى كانت ثابتة لهذا الموضوع حال كونه عنبا - هل هي باقية بعد صيرورته زبيبا ام لا ؟ لا اشكال في صحة هذا الاستصحاب، لعدم الفرق في شمول ادلة الباب بين ما يكون الحكم المتيقن في السابق مطلقا أو مشروطا. ولا يتوهم أن الحكم المشروط قبل تحقق شرطه ليس بشئ إذ قد تقرر في محله تحققة ووجوده قبل وجود شرطه وكما أن وظيفة الشارع جعل الشئ حراما مطلقا مثلا، كذلك وظيفته جعله حراما على تقدير كذا فإذا شك في بقاء الحرمة المعلقة في الآن الثاني يصح ان يجعل حرمة ظاهرية معلقة على ذلك الشرط. وإذا صح ذلك، فشمول ادلة الاستصحاب مما لا ينبغى أن ينكر. وهذا واضح. وانما الاشكال في تعارضه مع استصحاب الحكم الفعلى. مثلا الزييب إذا غلى، فهناك حالتان في السابق، يصح استصحاب كل منهما احداهما الحرمة على تقدير الغليان، والثانية، الاباحة الفعلية الثابتة قبل الغليان فهل يكون لاحدهما تقدم على الآخر ام لا ؟ قال شيخنا المرتضى قدس سره أن استصحاب الحكم التعليقي مقدم لحكومته على استصحاب الحكم الفعلى.

[ 254 ]

أقول: عندي فيما افاده قدس سره نظر، فان الشك في بقاء الاباحه الفعلية وان كان مسببا عن الشك في جعل الحرمة التعليقية، إلا أن ترتب عدم الاباحة من جهة أن العقل يحكم بثبوت الحرمة الفعلية - عند تحقق الشرط - وهى تضاد الاباحة، وهذا الحكم العقلي، وان كان من لوازم الحكم التعليقي، سواء كان ظاهريا ام واقيعا، نظير الحكم بلزوم الامتثال، لكنه يصحح الاخذ بهذا اللازم، وانه ليس قولا بالاصل المثبت ولا يصحح الحكومة، لما عرفت من ان عدم الاباحة حينئذ من جهة عدم امكان الجمع بينهما، وكما يترتب على الاستصحاب التعليقي عدم الاباحة بحكم العقل، كذلك يترتب على استصحاب الحكم الفعلى عدم الحكم التعليقي بحكم العقل، إذ لا تجتمع الاباحة - ولو ظاهرا - مع ما يكون علة لضدها. وبعبارة اخرى ليس العصير بعد الغليان محكوما بالحرمة بحسب الدليل شرعا، مع قطع النظر عن الشك، حتى يكون حاكما على ما يقتضى اباحته بملاحظة الشك، بل الحكم بالحرمة إنما جاء من حكم العقل بفعلية الحكم المعلق عند تحقق ما علق عليه. والمفروض أن الحكم المعلق - أيضا حكم مجعول للشاك فيصير فعليا للشاك ايضا بحكم العقل، فتدبر. ومما ذكرنا يظهر ما في كلام شيخنا الاستاذ دام بقاه من تصحيح الحكومة، بكون اللازم من اللوازم العقلية الاعم من الواقعي والظاهري. نعم لو قلنا بتقديم الاصل في الشك في السبب. من جهة تقدمة على الشك في المسبب طبعا، وإن لم يكن من آثار الاصل الجارى في السبب رفع الشك عن المسبب شرعا - صحت الحكومة هنا. وسيجئي - انشاء الله تعالى عند ذكر تعارض الاصلين - زيادة توضيح للمطلب فانتظر. استصحاب حكم الشريعة السابقة الامر السادس - أنه لو شك في بقاء الحكم الثابت في الشريعة السابقة، فهل يحكم بالبقاء بواسطة الاستصحاب ام لا.

[ 255 ]

توضيح المقام أن هذا الشك (تارة) يفرض بعد القطع بنسخ اصل الشريعة السابقة، واخرى يفرض بواسطة الشك في ذلك. أما الأول، فالحق جواز اجراء، لاستصحاب، والحكم ببقاء الحكم المشكوك فيه في هذه الشريعة، فان المقتضي - اعني عمومات الادلة - موجود وليس في المقام ما يصلح للمانعية عدا امور، توهم كونها مانعة. (منها) - أن الحكم الثابت لجماعة لا يمكن اثباته في حق آخرين، لتغاير الموضوع، فان ما ثبت في حقهم مثله لانفسه. والجواب (أولا) - بالنقض باستصحاب عدم النسخ فان الحكم المفروض كان ثابتا لجماعة، وثبت بالاستصحاب في حق الآخرين. و (ثانيا) - بالحل وهو أن المستصحب كان حكما ثابتا للعنوان الباقي، ولو بتبدل الاشخاص لانفس الاشخاص، ليلزم تعدد الموضوع، ههنا كالموضوع في الوقف على العناوين من الفقراء والطلبة وغيرهما. هذا ملخص ما اجاب به شيخنا المرتضى قدس سره وهو كلام متين. وأجاب ايضا بانا نفرض الشخص الواحد مدركا للشريعتين فإذا ثبت في حقه حكم في الشريعة السابق، وشك في بقائه في اللاحقة يجرى في حقه الاستصحاب ويكون هذا حكم الشخص المفروض وبعد وجود المعدومين في عصره يسرى الحكم المذكور إليهم، لقيام الضرورة على اتحاد حكم اهل العصر الواحد. وهذا بظاهره مخدوش، كما أفاد شيخنا الاستاذ في حاشيته، لان قضية الاشتراك تقتضي كون الاستصحاب حكما كليا ثابتا في حق كل من كان على يقين من شي فشك دون من لم يكن كذك فتسرية الحكم الثابت بالاستصحاب - في حق من كان موضوعا له الى من لم يكن موضوعا له - مما لا وجه له اصلا. ويمكن ان يكون نظره إلى ان المعدوم الذى يوجد في زمن المدرك للشريعتين متيقن لحكم ذلك المدرك في الشريعة الاولى، وشاك في حكمه ايضا

[ 256 ]

في هذه الشريعة، فيحكم بادلة الاستصحاب ببقاء ذلك الحكم للشخص المدرك للشريعتين، ثم يحكم بثبوته لنفسه بواسطة الملازمة الثابتة بالشرع. وبعبارة اخرى الحكم الثابت لمدرك الشريعتين بمنزلة الموضوع لحكمه، وهذا الاستصحاب في حق المعدوم الذى وجد في عصره من الاصول الجارية في الموضوع. فافهم. (108) ومنها - أن هذه الشريعة ناسخة لغيرها من الشرايع، فلا يجوز الحكم بالبقاء. وفيه أن نسخ جميع الاحكام غير معلوم ونسخ البعض غير قادح. (لا يقال) انا نعلم بنسخ كثير من الاحكام السابقة. والمعلوم تفصيلا ليس بالمقدار المعلوم اجمالا حتى ينحل. (لانا نقول) الافعال التى تعلق بها حكم الشرع.: بين ما علم تفصيلا بنسخ الحكم الثابت له في الشريعة السابقة، وبين ما لم يعلم بذلك. والثانى على ضربين، لأنه إما أن يعلم الحكم الشرعي الثابت له في هذه الشريعة، وإما لا، والثانى على ضربين، لانه إما لم يعلم حكمه في الشريعة السابقة أيضا أو إما يعلم ذلك. ومجرى الاستصحاب هو القسم الاخير فقط. وقد تقرر جواز اجراء الاصل في بعض اطراف العلم، وان كان سليما من المعارض. ودعوى العلم الاجمالي - بوقوع النسخ في القسم الاخير - مما لا يصغى إليها، لانه في غاية الندرة، كما لا يخفى. و (منها) - ما حكى عن المحقق القمى قدس سره أن جريان الاستصحاب مبنى على القول بكون حسن الاشياء ذاتيا، وهو ممنوع، بل التحقيق أنه بالوجوه والاعتبارات. والظاهر أن مراده قدس سره بكون حسن الاشياء ذاتيا (108) وجهه واضح، حيث أن موضوع الاشتراك هو شخص المكلف بما هو انسان، لا بما هو متصف بصفة ليس في غير المدرك والحكم الاستصحابي موضوعه المتيقن في السابق، وليس غير المدرك شريكا له بالفرض.

[ 257 ]

[ - الذى جعله مبنى لصحة الاستصحاب - ليس كونها علة تامة للحسن، وإلالكان النسخ محالا، ولم يقع موردا للشك حتى يثبت عدمه بالاستصحاب، بل مرداه قدس سره كونها مقتضيه. وحاصل مرامه على هذا أن صحة استصحاب عدم النسخ مبنية على القول بأن الفعل الذى كان حسنا في السابق، كان من جهة اقتضائه لذلك، حتى يرجع الشك في نسخه الى الشك في وجود المانع. وأما إن قلنا بالوجوه والاعتبارات، فلا يجرى الاستصحاب، لاحتمال أن يكون للزمان دخل في حسن ذلك الفعل، فمقتضى بقاء الحسن غير محرز. هذا غاية توجيه كلامه. وفيه (اولا) - أنه على هذا المبنى لا يصح استصحاب عدم نسخ حكم الشريعة اللاحقة ايضا، لو شك في ارتفاعه لعين ما ذكر، و (ثانيا) - أنا قلنا فيما مضى أنه لا فرق على القول باخذ الاستصحاب من الاخبار - بين أن يكون الشك في المانع أو في المقتضى فراجع. واما الثاني: اعني صورة كون الشك في بقاء الاحكام السابقة، من جهة الشك في نسخ اصل الشرع. فنقول: أنه لو فرض بقاء هذا الشك بعد التفحص الذى هو شرط للعمل بالاستصحاب، فجواز التمسك به لهذا الشاك يبتنى على احد امرين. إما أن يعلم أن هذا الحكم الاستصحابى حكم في كل من الشريعتين، وإما أن يعلم أن هذا الحكم ثابت في الشريعة اللاحقة، لانه على الاول يعلم أنه هذا الحكم غير منسوخ، وعلى الثاني يعلم أن المجعول في حقه مثلا الابقاء على الحكم السابق، إما لكونه حكما واقعيا له، وإما لكونه حكما ظاهريا. (109) (109) لا يخفى أنه على تقدير اختصاص حجية الاستصحاب بالشريعة اللاحقة، يعلم عدم حجية ذلك الاستصحاب إما لعدم ثبوته، وإما لانتقاضه على تقدير حجيته، فيما إذا كان المشكوك فيه نسخ اصل الشريعة. نعم لو كان المشكوك فيه نسخ بعض الاحكام فله وجه.

[ 258 ]

فائدة حكي عن بعض السادة أن ابتلي بمخاصمة وقعت بينه وبين بعض علماء اليهود، فتمسك العالم اليهودي لاثبات دينه باستصحاب نبوة موسى (ع)، لاعتراف المسليمن باصل ثبوتها وحقيتها، قال فعلى المسلمين إقامة الدليل على ارتفاعها وانقطاعها. وهذه الشبهة قد إشار إليها الجاثليق لاثبات نبوة عيسى (ع) في مجلس المأمون، فاجابه الرضا (ع) بأنى مقر بنبوة عيسى (ع) وكتابه وما بشر به امته وما اقرت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وكتابه ولم يبشر به امته، فاجابه الفاضل المذكور على حسب ذلك بأنا نقول بنبوة موسى الذى اقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ولا نقول بنبوة كل موسى لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله فاعترض عليه اليهودي بان موسى بن عمران حاله معهود وشخصه معروف قد ادعى النبوة وجاء بدين وشريعة، وانتم تعرفون صحتها ولا يتفاوت ثبوت ذلك بين أن يقول بنبوة محمد صلى الله عليه وآله اولا يقول بها، فنحن نقول بنبوة ذاك الشخص المعهود وبقائها بحكم الاستصحاب، فعليكم بابطاله، انتهى حكاية المخاصمة بين اليهودي وبعض السادة. وقد اجابوا عن اشكال اليهودي باجوبة لا يهمنا ذكرها. والحق في الجواب أن اليهودي المذكور (تارة) يريد أن يتمسك بالاستصحاب لتكليف نفسه فيما بينه وبين ربه. (واخرى) يريد الزام الخصم، فان كان غرضه تكليف نفسه. فنقول بقاء نبوة موسى (ع) - الراجع إلى بقاء احكامه في نفس الامر - ملزم لامرين (احدهما) - وجوب الاعتقاد والعلم بذلك الذى هو مقتضى الايمان (ثانيهما) - وجوب العمل بتلك الاحكام، فان اراد اثبات اللازم الاول بالاستصحاب، فهو غير معقول، لانه حكم مجعول للشاك بوصف أنه شاك. ولا يمكن الايجاب تحصيل العلم والاعتقاد بأمر على من هو شاك في ذلك الامر يوصف انه شاك نعم يمكن ان يجب على

[ 259 ]

الشخص في حال الشك تحصيل العلم، كما أنه يجب على العباد تحصيل العلم بالمبدأ والوسايط والمعاد. ولكن هذا التكليف راجع إلى ايجاب ازالة تلك الحالة اعني الشك، لا أنه تكليف متعلق بموضوع الشاك. والاول امر ممكن واقع، والثانى محال، لرجوعه إلى اجتماع النقيضين. وان اراد اثبات اللازم الثاني، فهو ممكن، إلا انك عرفت أن التمسك بالاستصحاب مشروط بالفحص ولو تفحص اليهودي ورفع اليد عن المعصية وما اخذ من آبائه تقليدا لظهر له حقية مذهب الاسلام، لوضوح الادلة والبراهين القائمة على صدقه بحيث لم تبق له حيرة ولا شك، حتى يحتاج الى التمسك بالاستصحاب وهذا امر مقطوع به لا ريب فيه اصلا. نعم لو فرض محالا بقاء الشك له بعد الفحص فالتمسك بالاستصحاب - لعمل نفسه بالاحكام السابقة. إن كان الحكم الاستصحابى مجعولا في الشريعتين، أو الجرى على التكاليف الثابتة في شريعة موسى، من جهة أنه إما تكليف واقعى له أو ظاهري - مما لا مانع له، ولا يضر ذلك احدا. ولا ربط له في ابطال مذهب الخصم وحقية مذهبه، كما هو ظاهر. هذا إذا كان غرضه اثبات تكليف نفسه. واما إن كان غرضه الزام الخصم - كما هو ظاهر قوله فعليكم اقامة الدليل الخ - فنقول من الامور المعتبرة في الاستصحاب المجعول في حقنا اليقين بامر في الزمن السابق، والشك في ذلك الامر في الزمن اللاحق. ونحن لو قطعنا النظر عن اخبار نبينا وكتابه الذى اخبر بنبوة موسى، لا نعلم بوجود موسى، فضلا عن نبوته، ومع ملاحظة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وكتابه واخباره بنبوة موسى (ع) نعلم بنبوته، ونعلم بنسخه ايضا، فكيف تلزم ايها اليهودي بالاستصحاب جماعة ليس لهم علم بالامر السابق على تقدير، وليس لهم شك في انقطاع ذلك الامر على تقدير آخر. الاصل المثبت الامر السابع - ان نقض اليقين بالشك ليس امر اختياريا للمكلف، حتى

[ 260 ]

يقع مورد التكليف فالقضية - بعد القطع بعدم كون ظاهرها مرادا - محمولة بحكم العرف على النهى عن النقض عملا فمحصل المعنى حرمة اليقين، ووجوب الابقاء في حال الشك من حيث العمل فيختص مورد التكليف بما إذا كان لليقين السابق - على فرض بقائه - عمل يصح للشارع ان يجعله موردا للتكليف، وحيث أن هذه القضية وردت لرفع تحير المكلف من جهة تكليفه الواقعي، لزم أن يكون لليقين السابق - على تقدير بقائه - عمل متعلق للتكليف الشرعي، وان لم يكن في السابق كذلك، فخرج اليقين الذى لم يكن له - على تقدير بقائه - عمل اصلا، وكذا ما لم يكن له عمل متعلق للتكليف الشرعي. إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المتيقن في السابق حكما من الاحكام الشرعية متعلقا بموضوع من الموضوعات أو موضوعا خارجيا تعلق به الحكم الشرعي، من دون واسطة فدخوله في مورد الاخبار ممالا اشكال فيه لان اليقين بالحكم له عمل، وهو الاتيان بموضوع متعلق للحكم الشرعي. وكذا اليقين بموضوع مورد للتكليف بلا واسطة، مثلا لو تيقن بكون مايع خمرا، فعمل هذا اليقين من حيث الطريقية ترك شرب ذلك المايع، وابقاء عمل اليقين في الحالة الثانية ترك شربه ايضا، فيرجع قوله لا تنقض اليقين بالشك - فيما لو كان المتيقن وجوب الصلاة مثلا - إلى ايجاب الصلاة، وفيما لو كان كون المايع خمرا فشك فيه إلى حرمة شربه، لان ترك الصلاة في الاول نقض لليقين بالوجوب عملا، وكذا شرب ذلك المايع في الثاني. وبهذا تعرف معنى ما هو المعروف من أن الاستصحاب في الاحكام الشرعية عبارة عن جعل الحكم المماثل للمتيقن، وفى الموضوعات عبارة عن جعل آثارها، مع وحدة الدليل الدال على ذلك فاضبطه فانه حرى به ذلك. ثم ان ما قلناه من أنه لا بد أن يكون لليقين عمل ليس المراد كون ذلك العمل متعلقا للتكليف الشرعي مستقلا، بل المراد أعم منه ومن أن يكون له دخل وربط بالموضوع المتعلق للحكم، بنحو من انحاء الربط، كالقيد والشرط، فالميزان أن يكون لليقين عمل بواسطة الشرع، سواء كان من جهة كون شئ موضوعا

[ 261 ]

للتكليف مستقلا، أو من جهة دخله في الموضوع بنحو من الانحاء، ضرورة أن تقيد مورد الادلة بالصورة الاولى مما لا وجه له اصلا، لان مقتضى العموم عدم جواز نقض كل يقين له عمل يصح للشارع أن يحكم به. واما إن لم يكن المتيقن في السابق حكمها من الاحكام الشرعية، ولا موضوعا رتب عليه الحكم شرعا بلا واسطة، فهو على انحاء: (احدها) مالا ينتهى الى اثر شرعى اصلا. و (الثاني) ما ينتهى إليه بنحو من الانحاء، لا اشكال في خروجه الاول من الادلة. واما الثاني فهو على اقسام، وكلها يسمى بالاصول المثبتة، لكن يختلف بعضها مع بعض في الخروج عن مورد الادلة وضوحا وخفاءا. (احدها) ما ينتهى بواسطة اللوازم العادية أو العقلية إلى اثر شرعى. و (الثاني) ما ينتهى بواسطة الملازمة بينه وبين شي آخر، إما عقلا وإما عادة وإما اتفاقا الى اثر شرعى. و (الثالث) ما يكون ملزومه اثرا شرعيا أو موضوعا لاثر شرعى. و (الرابع) أن يكون لازمه اثرا شرعيا، ولكن لم يكن ترتبه على ذلك الموضوع بشرعي، كما لو احرز مقتضى الوجوب، وشك في المانع، فاصالة عدم المانع - وان كان يترتب عليها الوجوب وهو حكم شرعى - لكن ترتب هذا الحكم على وجود المقتضى وعدم المانع ترتب عقلي كما لا يخفى. و (الخامس) أن يكون المستصحب أو اثره من الامور الانتزاعية التى منشأ انتزاعها بيد الشرع، كاستصحاب الشرطية أو عدمها أو المانعية أو عدمها، بناءا على عدم كونها من الامور المجعولة في حد ذاتها، كما هو التحقيق، أما خروج الثاني والثالث عن مورد الادلة فظاهر، فان الابقاء العملي للشئ ليس اخذا بملازمه أو اثر ملازمه في الوجود أو ملزومه. أما الرابع فقد يتوهم شمول دليل الاستصحاب له، من جهة أن الحكم الشرعي وان كان ترتبه بحسب الواقع عقليا،: إلا أنه يمكن أن يرتبه الشارع عند الشك، فان العقل غير حاكم بترتب الاثر عند الشك في المانع، فالحكم به في

[ 262 ]

حال الشك ليس خارجا عن وظيفة الشارع. وفيه أن عنوان عدم المانع وجوده كالمقتضى بعنوانه، (110) وكذا العلة ليس له اثر حتى عقلا، فان مثل تلك العناوين إنما تنتزع من تأثير شئ بعنوانه الخاص في شئ، لان الآثار تتحقق بها. وهذا واضح جدا. وأما الخامس فلا يبعد دخوله في الادلة، حيث أن الحكم ببقاء ما هو من قبيله بجعل منشأ انتزاعه، فهو مما تناله يد التصرف. وليس خارجا عن وظيفة الشارع. ودعوى انصراف الاخبار عن مثله ليس لها وجه. والمسألة محل تأمل. وأما القسم الاول، فالتحقيق فيه عدم دخوله في الاخبار، وعدم شمولها له، لان الابقاء العملي للشئ ينصرف إلى اتيان ما يقتضيه ذلك الشئ بلا واسطة. فان قلت لو تيقن بشئ ليس له اثر إلا بواسطة الوسايط، فمقتضى اصالة الاطلاق في لفظ اليقين الحكم بدخول هذا المتيقن أيضا فيحكم بوجوب ترتيب الآثار مع الواسطة، لانحصار الاثر فيها، بالفرض. وإذا صح في ذلك يتم في غيره. لعدم القول بالفصل. قلت: قد قلنا: إن المراد من نقض اليقين في القضية هو النقض العملي، (110) لا يخفى أن الشرطية والمانعية وأمثالهما وإن كانت من الامور الانتزاعية، ولم تكن في نفسها امرا شرعيا أو عقليا لكن لما كان رفعها برفع منشأ انتزاعها ممكنا، بمعنى كون منشأها اثرا، وهو كاف في صحة رفعها، فلا مانع من شمول الادلة المثبتة للآثار الشرعية تعبدا، كما لا مانع من شمول حديث الرفع للشرط المشكوك، كما سيأتي منه - دام ظله -. هذا إذا كان المقصود استصحاب عدم المانع بعنوان عدم المانع. وأما إذا كان المانع بعنوانه الاولي مسبوقا بالعدم، فلا مانع من استصحابه، إذا كان مانعا شرعا، مثل استصحاب عدم استصحاب جزء من اجزاء غير المأكول في الصلاة، فيما إذا احتمل طروه مثلا، وكذلك الكلام في الشرط. وسيأتى منه - دام ظله - اختياره.

[ 263 ]

فكما تصرف بحكم الادلة الاقتضاء الى ذلك، تصرف بحكم الانصراف الى ما يكون نقضا عمليا لنفس المتيقن ابتداءا، لا بواسطة الوسايط، فاليقين بامر ليس له اثر شرعا، بل ينتهى بالوسائط الى اثر شرعى ليس له نقض عملي، على نحو ما تنصرف إليه القضية، فلا تشمله. ومن هنا يظهر أنه لا يتفاوت الامر بين ان يكون هناك لفظ يدل عموم افراد اليقين وضعا، أو لا يكون الا اطلاق لفظ اليقين، إذ الدعوى المذكورة تتعلق بانصراف المادة، فلو كانت مدخولة للفظ الكل ايضا، لما دل الا على احاطة افراد ما دلت عليه المادة. إن قلت: فعلى ما ذكرت لا يمكن اثبات اللوازم الشرعية الثابتة مع الواسطة في صورة قيام الامارة أو الطريق على شئ، فان معنى قول الشارع - صدق العادل أو اعمل بالبينة - ليس الا جعل المؤدى بمنزلة الواقع فيما يترتب عليه، وإذا لم يكن لما اخبر به العادل اثر شرعا، بل ينتهى بواسطة اللوازم العادية أو العقلية إلى اثر شرعى فمقتضى ما ذكرت في دليل الاستصحاب أن لا يشمله دليل الحجية هنا ايضا، لان العمل بالاثر الشرعي المفروض ليس اخذا بمفاد خبر العادل ابتداءا. قلت: الوجه في ذلك أن الطرق والامارات إنما اعتبرت من جهة كشفها عن الواقع، وافادتها الظن النوعى به: ولا إشكال في أن ما يكشف عن الملزوم يكشف عن اللازم، بعد العلم بالملازمة، فالظن النوعى المتعلق باللازم ظن حاصل من تلك الامارة، ودليل حجيتها دل على اعتبار الظن النوعى الحاصل منها، فهنا فردان من الكشف الحاصل منها، فان كان كل منهما قابل للاعتبار، يشملهما دليل الحجية، وإن كان أحدهما دون الآخر، يدخل هو تحت دليل الحجية، دونه. وبهذا يظهر أنه لو كان مفاد الامارة ابتداء امرا لم يكن شرعيا، ولا موضوعا لاثر شرعى، ولكن ينتهى إلى اثر شرعى بالف واسطة، يثبت ذلك الاثر الشرعي، لان الامارة تكشف عن وجود ذلك الاثر ويصير مظنونا بالظن

[ 264 ]

النوعى الحاصل من تلك الامارة، ولا يتوقف اثبات هذا الاثر الشرعي على اعتبار الامارة في الوسايط، حتى يستشكل بانها ليست قابلة لان يعتبر فيها الامارة بل دليل الحجية يشمل الكشف الحاصل من تلك الامارة عن الاثر الشرعي ابتداءا. ومن هنا يظهر الجواب عن شبهة، ربما يتوهم ورودها على الحكم بنفى الثالث بالخبرين اللذين تعارض مدلولهما. وحاصل الشبهة أن دلالة كل منهما على نفى الثالث دلالة التزامية، وبعد سقوطهما في المدلول المطابقى، وعدم حجيتهما فعلا فيه، كيف يؤخذ بمدلولهما الالتزامى الذى هو تبع لمدلولهما المطابقى ؟. وحاصل الجواب - على ما عرفت هنا - ان كشف كل منهما عن المعنى الالتزامى، وان كان تبعا للكشف عن المطابقى في الوجود، ولكن ليس تبعا له في الاعتبار والحجية، لان كلا منهما كشف حاصل من الخبر، فسقوط الكشف الاول - عن الحجية بواسطة المعارض - لا يلازم سقوط الثاني. ومن هنا يعلم وجه أخذ ما يلازم مفاد الامارة في الوجود، سواء كانت الملازمة عادية أو عقلية أو اتفاقية. ومن هنا يعلم ايضا أنه لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن، لم يكن مناص من القول بالاصل المثبت، لعدم انفكاك الظن بالملزوم عن الظن باللازم، والظن باحد المتلازمين عن الظن بالآخر. اللهم إلا ان يقال بان بناء العقلا على اعتبار الظن بالبقاء الحاصل من الكون السابق، لا الظن، بحدوث امر يلازم بقاء ذلك الشئ. وعلى هذا يحمل عدم ذهابهم إلى حجية الاصل المثبت، مع أن بناء المعظم على حجيته من باب الظن. وكيف كان فبناءا على التحقيق - من اخذ الاستصحاب من الاخبار - يجب ان يقتصر في مورده على ما إذا كان المستصحب حكما شرعيا، أو موضوعا لحكم شرعى من دون واسطة امر عادى أو عقلي. نعم يستثنى من ذلك

[ 265 ]

ما إذا كانت الواسطة بين المستصحب وبين الحكم الشرعي من الوسايط الخفية. والسر في ذلك أن العرف لا يرى ترتب الحكم الشرعي على تلك الواسطة، بل يراه مرتبا على نفس المستصحب وخطاب لا تنقض اليقين بالشك - كسائر الخطابات - تعلق بالعنوان، باعتبار مصاديقه العرفية لا الواقعية العقلية، ولذا لا يحكم بواسطة دليل نجاسة الدم بنجاسة اللون الباقي منه، بعد زوال العين، مع أنه من افراد الدم بنظر العقل والدقة، بواسطة استحالة انتقال العرض. فما يتوهم - من ان المسامحة العرفية بعد العلم بخطأهم - لا يجوز الاعتماد عليها، وأن المقام من هذا القبيل - ناش عن عدم التأمل، فان المدعى ان مورد الحكم بحسب الدقة هو المصاديق العرفية. نعم لو ترتب حكم على عنوان باعتبار ما هو مصداقه بحسب الواقع، لا يجوز الاعتماد على ما يراه العرف مصداقا، من باب المسامحة. وهذا واضح جدا. واستثنى شيخنا الاستاذ دام بقاه ايضا ما إذا كانت الملازمة بين الشيئين جلية، بحيث يستلزم التنزيل في احدهما التنزيل في الآخر، كالابوة والبنوة، وهو كلام في غاية المتانة، ولا يجب أن يكون لكل منهما اثر حتى يصح بلحاظ التنزيل، بل وضوح الملازمة بينهما صار بحيث يعد اثر كل واحد منهما اثرا للآخر، كما لا يخفى. ثم إنه لا باس بالاشارة إلى بعض الموارد التى توهم كونه من الاصول المثبتة. وقد ذكرها شيخنا الاستاذ دام بقاه واجاب عنها: (منها) - ما لو نذر التصدق بدرهم مادام ولده حيا، حيث توهم أن استصحاب حياته - في يوم شك فيها لاثبات وجوب التصدق بدرهم - مثبت لعدم ترتب الاثر الشرعي على حياة الولد في دليل من الادلة، بل موضوع الوجوب هو الوفاء بالنذر، وحياة الولد توجب أن يكون الدرهم المتصدق به وفاءا للنذر. ومثل هذا الاشكال جار في استصحاب حياة زيد لاثبات وجوب الانفاق من ماله على زوجته، لان حياة زيد ليست موضوعة في الدليل، بل الحكم مرتب على

[ 266 ]

الزوج، وزيد على تقدير حياته يوجب تحقق عنوان الزوجية، وهو موضوع لوجوب الانفاق وامثال ذلك - مما لا يسع لذكره المجال - كثيرة. وقد اجاب عنه دام بقاه بقوله: (والتحقيق في دفع هذه الغائلة أن يقال: إن مثل الولد في المثال، وإن لم يترتب على حياته اثر شرعى في خصوص خطاب، إلا أن وجوب التصدق قد رتب عليه، لعموم الخطاب الدال على وجوب الوفاء بالنذر، فانه يدل على وجوب ما التزم به الناذر بعنوانه الخاص، على ما التزم به من قيوده وخصوصياته، فانه لا يكون وفاءا لنذره إلا ذلك. وبالجملة إنما يجب بهذا الخطاب ما يصدق عليه الوفاء بالحمل الشايع، وما يصدق عليه الوفاء بهذا الحمل ليس الا ما التزم به بعنوانه بخصوصياته، فيكون وجوب التصدق بالدرهم ما دام الوالد حيا في المثال مدلولا عليه بالخطاب، لاجل كون التصدق به كذلك وفاءا لنذره، فاستصحاب حياة الولد لاثبات وجوب التصدق غير مثبت، ووجه ذلك - أي سريان الحكم من عنوان الوفاء بالوعد أو العهد أو النذر وشبهه من الحلف والعقد الى تلك العناوين الخاصة المتعلق بها احد هذه الامور حقيقة - هو أن الوفاء ليس إلا امرا منتزعا عنها، وتحققه يكون بتحققها. وانما اخذ في موضوع الخطاب ذلك دونها، لانه جامع لها مع شتاتها وعدم انضباطها، بحيث لا تكاد ان تندرج تحت ميزان أو يحكى عنها بعنوان غيره جامع ومانع كما لا يخفى. وهذا حال كل عنوان منتزع عن العناوين المختلفة المتفقة في الملاك، للحكم عليها المصحح لانتزاعه عنها، كالمقدمية والضدية، ونحوهما. ولاجل ذلك يكون النهى المتعلق بالضد - بناء على اقتضاء الامر بالشي له - من باب النهى في المعاملة والعبادة، لا من باب اجتماع الامر والنهى. (لا يقال): إن الغصب مثلا له عنوان منتزع، فكيف إذا اجتمع مع الصلاة يكون من باب اجتماع الامر والنهى لا النهى في العبادات والمعاملات ؟ (لانا نقول): إن الغصب وإن كان منتزعا إلا أنه ليس بمنتزع من الافعال بما هي صلاة، بل بما هي حركات وسكنات، كما ينتزع منها عنوان الصلاة

[ 267 ]

ايضا. وهذا بخلاف عنوان الضد، فانه منتزع عن الصلاة بما هي صلاة، فيما إذا زاحمت هي كذلك واجبا مضيفا، فإذا اقتضى الامر به النهى عن ضده، يكون النهى متعلقا بالصلاة، فاحفظ ذلك، فانه ينفعك) انتهى ما افاده دام بقاه بالفاظه. أقول: إن أراد أن عنوان الوفاء بالنذر ليس له دخل في المطلوبية، بل المطلوب في نفس الامر هو العناوين الخاصة بخصوصياتها، وإنما جئ بهذا العنوان لمجرد الاحتواء على المطلوبات الخاصة، نظير (هؤلاء) في قولك (اكرم هؤلاء) كما هو ظاهر كلامه، ففيه أنه من المعلوم أن إعطاء الدرهم على تقدير حياة الولد إنما وجب لكونه مصداقا للوفاء بالنذر، لا لخصوصية فيه، مع قطع النظر عن هذا العنوان. وإن أراد أن الحكم المتعلق بهذا العنوان يسرى الى مصاديقه التى منها إعطاء الدرهم على تقدير حياة الولد، فهو حق لا ريب فيه، إلا أنه لا اختصاص لهذا الكلام بالعناوين المذكورة في كلامه من الوفاء بالنذر والعهد وامثال ذلك، بل الاحكام المتعلقة بكل عنوان تسرى الى مصاديقه، وان كان من العناوين التى يضاف الوجود إليها في الخارج، كالانسان. مثلا. (والاولى) في الجواب أن يقال: إن الوفاء بالنذر - كسائر العناوين - إذا تعلق به الحكم يسرى الى مصاديقه في الخارج ومن مصاديقه إعطاء الدرهم على تقدير حياة الولد بعد الالتزام بذلك، فاعطاء الفقير الدرهم على تقدير حياة الولد متعلق للتكليف للشرعي، من حيث كونه مصداقا للنذر، فإذا شك في حياة الولد تستصحب ويترتب عليها الحكم بلا واسطة. ومنها - استصحاب وجود شرط شي أو عدم مانعه أو بالعكس، إذ يتخيل أنه لا اثر شرعا يترتب على وجود احدهما. والشرطية والمانعية من الاحكام الوضعية، وهى على التحقيق غير مجعولة، وجواز الدخول في المشروط والممنوع وعدم جوازه ليس بشرعيين، بل عقليان لاستقلال العقل بهما. والجواب أنه إن أراد استصحاب مصداق الشرط والمانع، أعنى ما جعله الشارع شرطا أو مانعا، سواء اعتبر في المكلف به، مثل الطهارة والحدث، ام

[ 268 ]

في التكليف كالزوال ومثله، فلا اشكال في صحة الاستصحاب بل مورد بعض اخبار الباب هو استصحاب الطهارة إذ كما أن تقييد موضوع الحكم بالطهارة وظيفة للشارع، كذلك الاكتفاء بالطهارة المشكوك فيها أو عدم الاكتفاء بها وكذلك جعل الحكم المشروط بشرط لم يعلم تحققة، عند اقتضاء الاستصحاب تحققه أو عدم جعله عند اقتضاء الاستصحاب عدم تحققه. والحاصل أنه كما أن ايجاب الصلاة المقيدة بالطهارة وظيفة للشارع، كذلك الاكتفاء بالصلاة مع الطهارة المشكوكة التى علم بتحققها سابقا ايضا وظيفة له. وكما أن ايجاب اكرام العالم بشرط العدالة وظيفة للشارع كذلك ايجاب اكرام العالم المشكوك عدالته، بعد ما علم سابقا بها ايضا وظيفة له. ولا اشكال في شئ من ذلك. وان اراد استصحاب عنوان الشرطية والمانعية أو عدمهما، فله وجه، من حيث أن هذه العناوين ليست بمجعولة في حد أنفسها، ولا تكون موضوعة لاثر شرعى، مع امكان ان يقال بصحة الاستصحاب فيما ذكر ايضا، لأنه وإن كان غير مجعول ولا موضوعا لاثر شرعى، إلا أنه يكفى في شمول ادلة الاستصحاب لشئ كونه بحيث تناله يد التصرف من قبل الشرع، ولو بان يجعل ما هو منشأ لانتزاعه. وعلى هذا ايضا لا فرق في صحة الاستصحاب، بين ما لوحظت هذه العناوين في المكلف به، أو في التكليف. وعبارة شيخنا الاستاذ دام بقاه في المقام لا تخلو من اضطراب فراجع. ومنها - الاستصحاب في الموضوعات الخارجية، بتوهم أنه لا اثر لها شرعا إلا بواسطة انطباق العناوين الكلية عليها، ضرورة أن الاحكام الشرعية لها لا للموضوعات الخارجية الشخصية، فيكون اثباتها بملاحظة تلك الاحكام مثبتا. وهذا الايراد نقله شيخنا الاستاذ في تعليقته عن بعض الاعاظم من معاصريه. اقول: يحتمل أن يكون مراده أن الجزئي الخارجي لم يترتب عليه حكم في الشرع، بل إنما يسرى الحكم إليه عقلا، للانطباق، فترتب الحكم على الجزئي الخارجي عقلي لا شرعى. ويحتمل أن يكون مراده أن الاعيان الخارجية

[ 269 ]

كالخمر ونحوها ليست بنفسها موضوعة للحكم التكليفى، ضرورة أن موضوع التكليف إنما هو فعل المكلف، فالحرام شرب الخمر مثلا لا نفسها، فكون المايع المخصوص خمرا، لا يترتب عليه شئ إلا كون شربه شرب الخمر، وهو موضوع للحرمة، فاستصحاب خمرية شئ لاثبات أن شربه شرب الخمر من الاصول المثبتة. (والجواب) أن كون المايع الخارجي خمرا موجب لصيرورته حراما بنفس الحرمة المجعولة المتعلقة بشرب الخمر، لان الحكم المتعلق بالعناوين الكلية عين الحكم المتعلق بجزئياتها، فالمايع الخارجي - على تقدير كونه خمرا - يكون شربه حراما، لاتحاد شربه مع شرب الخمر. وهو واضح. هذا تمام الكلام في المقام. مجهولي التاريخ الامر الثامن - أنه لا فرق في المستصحب بين أن يكون مشكوك الارتفاع في الزمان اللاحق رأسا، وبين أن يكون مشكوك الارتفاع في جزء من الزمان اللاحق، مع القطع بارتفاعه بعد ذلك الجزء، وهو الذى يعبر عنه باصالة تأخر الحادث. والمقصود أن الحادث الذى نقطع بوجوده في زمان، ونشك في مبدأ وجوده، فمقتضى الاستصحاب عدم تحققه في الازمنة التى يشك فيها، فيرتب عليه آثار عدمه في تلك الازمنة، وان لم تترتب عليه آثار حدوثه، فيما بعد تلك الازمنة، لان حدوثه فيه لازم عقلي للعدم في تلك الازمنة، ومطلق وجوده المعلوم بالفرض. إلا أن يقال إن الحدوث في زمان خاص ليس عنوانا بسيطا متحققا من اصل وجوده فيه وعدمه فيما قبل، بل هو عبارة - ولو عند العرف - عن الوجود في ذلك الزمان مقيدا بعدمه في الازمنة السابقة، فيصير كسائر الموضوعات المقيدة التى يمكن احراز قيدها بواسطة الاصل. وكيف كان فلا إشكال في اثبات الآثار الشرعية المترتبة على عدم الحادث المفروض في الازمنة المشكوك فيها، إن كان لعدم ذلك اثر شرعى.

[ 270 ]

هذا حال الحادث المعلوم وجوده في زمن، وشك في مبدأ وجوده بالنسبة الى نفسه. وأما حاله بالنسبة الى حادث آخر، كما إذ علم بحدوث حادثين، وشك في تقدم احدهما على الآخر، فاما أن يجهل تاريخهما أو يعلم تاريخ احدهما. وأما لو علم تاريخ حدوث كل منهما، فلا يبقى للشك فيه مجال، فهو خارج عن محل الكلام. أما في صورة الجهل بتاريخ كليهما، فاصالة عدم كل منهما في الازمنة المشكوكة التى فيها زمان حدوث الآخر وان كانت جارية في حد ذاتها، (111) إلا أنها معارضة بالمثل إن كان لعدم كل منهما في زمن حدوث الآخر اثر شرعى، وإن كان الاثر لعدم احدهما بالخصوص، فيجرى فيه بلا معارض. وأما إذا كان تاريخ احدهما معلوما والآخر مشكوكا، فيجرى الاصل في مجهول التاريخ ويحكم بعدمه في الازمنة المشكوكة التى فيها زمن وجود معلوم التاريخ إن كان لذلك العدم في زمنه اثر شرعى. ولا يجرى الاصل في طرف معلوم التاريخ، للعلم بعدمه قبل ذلك الزمان المعين الذى قطع بوجوده. والعلم بانقطاع ذلك العدم في ذلك الزمان، فليس له زمان شك في بقاء عدمه. نعم وجوده الخاص، اعني وجوده المقارن لوجود ذاك مشكوك فيه، فيمكن (111) هذا على ما وافق الشيخ اعلى الله مقامه. وأما على ما استقر عليه رأيه اخيرا، فهو عدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ رأسا، لا للمعارضة، بل لتردد كل من الفريقين بين كونه نقضا لليقين بالشك أو باليقين، فيكون التمسك - في كل منهما بعموم لا تنقض - تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية. بيان ذلك: أنا إذا فرضنا - في المثال المذكور في المتن - العلم بحصول الملاقاة والكرية أول الفجر من يوم الجمعة، واحتملنا تقدم الملاقاة بساعة، وكذلك الكرية، فاستصحاب عدم الملاقاة الى زمان حصول الكريه واقعا، يرجع الى استصحاب عدم الملاقاة الى زمان مردد بين زمان العلم بالملاقاة وزمان الشك فيه، لاحتمال، كون زمان الكرية اول الفجر، والمفروض أن الملاقاة - اول الفجر - كانت

[ 271 ]

استصحاب عدمه بنحو ليس التامة، لانه مسبوق بالعدم الازلي، فيترتب عليه الاثر إن كان له أثر بهذا النحو من الوجود. وأما إن كان الاثر لعدمه في مورد الوجود المفروض للآخر بنحو ليس الناقصة، فليس له حالة سابقة، لان اصل وجوده معلوم في زمان معلوم. وأما كون هذا الوجود في زمان وجود الآخر فلا يعلم نفيا واثباتا. مثاله: لو علم بحدوث ملاقاة النجس الماء المعين في يوم الخميس، وعلم بصيرورته كرا، لكن لا يعلم تاريخ كريته، فيحتمل كونه كرا في يوم الخميس، ويحتمل صيرورته كرا في يوم الجمعة، فاستصحاب عدم الكرية في زمن الشك - اعني يوم الخميس الذى هو زمان حدوث الملاقاة - لا اشكال فيه، فتكون ملاقاة النجاسة للماء الذى لم يكن كرا، - في يوم الخمس - محرزة. أما ملاقاته فبالوجدان. وأما عدم كريته في زمن الملاقاة اعني يوم الخميس فبالاصل، فيعامل هذا الماء معاملة الماء الذى لاقى نجسا ولم يكن كرا في زمن الملاقاة. وأما استصحاب عدم الملاقاة فان اريد استصحابه من دون اضافة الى الآخر، فهو باطل قطعا، إذ ليس لها زمان شك في وجودها وعدمها، لان المفروض أن مبدأ وجودها وانقطاع عدمها معلوم، وإن اريد استصحابه مع الاضافة الى الآخر، بأن تلاحظ الملاقاة المتحققة في زمن الكرية ويستصحب عدمها، لان الوجود الخاص غير معلوم، وإن كان مطلق الوجود معلوما، فهو مبنى على كون الاثر مرتبا على الوجود الخاص على نحو كان التامة. ] = معلومة، فرفع اليد عن عدمه في تلك الحالة نقض لليقين باليقين لا بالشك، وكذا في طرف الكرية. وعلى ذلك لا يجرى الاستصحاب فيهما رأسا، ولو لم تكن معارضة في البين، مثل ما إذا لم يكن لاحدهما اثر. وكذا لا يجرى فيما إذا كان أحدهما المعين معلوما في خصوص معلوم التاريخ من هذه الجهة، وإن لم يكن فيه اشكال آخر، بان اخذ الاثر لعدمه في الزمان الآخر بنحو ليس التامة، فان عدمه في الزمان الآخر على الفرض مردد بين نقض اليقين بالشك أو باليقين، كما مر بيانه.

[ 272 ]

[ وأما إذا كان الاثر مرتبا عليه على نحو الوجود الربطى بمعنى أن الملاقاة لها اثر شرعى إذا وقعت في زمن وقوع الكرية المفروض وجودها، وكذا عدم الملاقاة، فليس للملاقاة على هذا النحو ولا لعدمها حالة سابقة، لعدم العلم بأنه في زمن الكرية وقعت الملاقاة أو لم تقع، بخلاف مجهول التاريخ، مثل الكرية في المثال، فانه يمكن اثبات عدمها، وان كان الاثر مرتبا على العدم المرتبط بالوجود الآخر على نحو ليس الناقصة، لان الكرية بهذا النحو وان لم تكن مسبوقة بالعدم، بحيث يمكن ان يكون المستصحب هو عدم الكرية بهذا النحو، إلا أن استصحاب عدم الكرية - مع قطع النظر عن اضافتها إلى الملاقاة - يكفى في اثبات عدمها الربطى، لان مقتضاه عدمها في يوم الخميس الذى هو احد الازمنة المشكوكة، وهو ايضا زمن الملاقاة بالفرض، فيصح ان يقال انه في يوم الخميس وقعت الملاقاة وهو غير كر. وهذا واضح لا سترة عليه. ولشيخنا الاستاذ دام بقاه في المقام - ردا على شيخنا المرتضى قدس سره - كلام لا بأس بذكره والنظر فيه، قال دام بقاه عند قول شيخنا المرتضى قدس سره في مجهولي التاريخ: (إن اصالة عدم احدهما في زمان حدوث الآخر معارضة بالمثل) ما هذا لفظه: (لا يخفى أنه لا مجال لاصالة عدم احدهما في زمان حدوث الآخر في نفسها، مع قطع النظر عن المعارضة بها في الآخر، للقطع بوجود كل منهما في زمان. وأما أنه كان في زمان الآخر وإن كان مشكوكا، إلا انه غير مسبوق بالعدم، فانه حدث إما فيه أو في غيره من زمان سبقه أو لحقه. وبالجملة ما ذكره في دفع جريان الاصل في طرف المعلوم ومعارضته في طرف المجهول به من قوله قدس سره ويندفع (الى آخره) جار ههنا في الطرفين. والتحقيق حسبما يساعد عليه التدقيق، أن الغرض إن كان متعلقا بمجرد عدم أحدهما في زمان الآخر فالاصل في نفسه يجرى في الطرفين مطلقا ولو كان احدهما معلوم التاريخ، ضرورة أن وجودهما الخاص وهو الوجود في زمان الآخر مشكوك الحدوث، لاحتمال ان لا يوجدا به، وان علم تحققهما بوجود ما،

[ 273 ]

فيكون مسبوقا بالعدم، فيستصحب لمكان اركان الاستصحاب بلا ارتياب، حتى فيما علم زمان حدوث احدهما، وكون وجود كل منها معلوما لا ينافى الشك في تحققه بوجود خاص، وهو الجود في زمان الآخر المسبوق بنقيضه، وهو سلب هذا الوجود الخاص ونفيه في الازل، فليتعبد به باستصحابه ما لم يعلم بانقلابه. وان علم بانقلاب عدمه في الجملة - إلى ان قال - وان كان الغرض متعلقا بانه لم يكن وجوده الثابت في زمان معلوم أو مجهول في زمان الآخر أو كان فلا مجال للاصل اصلا، فان الوجود المحقق في كل واحد منهما المشكوك كونه في زمان الآخر غير مسبوق بعدم كونه فيه، بل إما حدث مسبوقا أو ملحوقا أو فيه. وأما سبق وجود مجهول التاريخ في زمان معلومه بالعدم، فهو ايضا بالنسبة الى اصل تحققه لا بالنسبة إلى وجوده المعلوم فانه اما كان في زمان معلوم التاريخ أو في زمان آخر، فلم يكد يكون مسبوقا بعدم كونه في زمانه، ثم شك في أنه على ما كان، فيستصحب العدم. وانما يصح استصحاب عدم وجوده الخاص، وهو وجوده فيه. كما مر. وبالجملة لا حالة سابقة في البين لو شك في أنه متى كان وجود احد الحادثين اللذين كان كل منهما مجهول التاريخ، أو كان احدهما وتعلق الغرض بتعيين ذلك، وأنه كان في زمان الآخر، أو في زمان آخر، فلا استصحاب. والحالة السابقة إنما تكون لو شك في انه هل تحقق بوجود خاص - وهو وجوده في زمان الآخر الذى هو مفاد كان التامة من دون نظر الى وجوده المحقق، وأنه متى كان الذى هو مفاد كان الناقصة - لما عرفت من احتمال عدم تحققة به، وان تحقق بوجود آخر فلا مانع من استصحابها في احدهما الا استصحابها في الآخر، فيجرى لولا هذه المعارضة) انتهى ما اردنا من نقل كلامه دام بقاه. اقول المقصود في المقام كون الحادثين على نحو - لو فرض عدم وجود كل منهما في زمان الثبوت المفروض للآخر - يترتب عليه اثر. وعلى هذا لو فرضنا أن كليهما لى التاريخ، يتعارض الاصل في كل منهما ولو فرض احدهما معلوم التاريخ دون الآخر، يجرى الاصل في مجهول التاريخ، اعني أنه يستصحب عدمه

[ 274 ]

لى زمن وجود هذا المعلوم ففى كلا القسمين مجرى الاستصحاب محقق، من جهة تحقق اليقين في السابق والشك في اللاحق، إلا أنه في القسم الاول معارض بالمثل، وفى الثاني لا معارضة. أما بيان أن مجرى الاصل محقق في كلا القسمين - مع أن الاثر مرتب على عدم كل منهما في زمان الثبوت الخارجي المفروض للآخر، ولا حالة سابقة لعدم واحد منهما على هذا النحو، لان اصل الوجود للآخر، معلوم. وأما كونه مقارنا مع عدم الآخر أو وجوده فليس مما له حالة سابقة - هو ان المستصحب ليس العدم في زمان وجود الآخر بلحاظ هذا المجموع، حتى يقال بعدم الحالة السابقة لهذه السالبة، بل المستصحب نفس عدم ذلك الحادث، فيحكم ببقائه الى زمان الثبوت الخارجي لحادث آخر ففى زمان الثبوت الخارجي للآخر، يتحقق ما هو الموضوع للاثر الشرعي، وهو وجود حادث في حال عدم الآخر، الاول منهما وجدانا والآخر تعبدا. مثلا لو فرضنا ترتب الاثر على ملاقاة النجس للماء في حال عدم كونه كرا، فلو تيقن بتحقق الملاقاة وشك في الكرية، مع العلم بعدمه في السابق، فلا اشكال في اثبات عدم الكرية حال الملاقاة بالاصل، وإن لم يكن لعدم الكرية - بهذا العنوان أعنى حال الملاقاة - حالة سابقة، لان المستصحب نفس عدم الكرية المعلوم سابقا، فتتم - باستصحاب بقاء ذلك العدم الى زمان الملاقاة - اجزاء الموضوع للحكم الشرعي بعضها بالوجدان وبعضها بالتعبد فظهر أن مجرى الاستصحاب محقق في كلا القسمين. وأما التفصيل - الذى قلنا بان الاصلين يتعارضان في مجهولي التاريخ بخلاف ما إذا كان احدهما معلوم التاريخ، فيجرى الاصل في مجهوله - فبيانه أنه بعد فرض أن لكل من الحادثين اثرا في حال عدم الآخر، ففى مجهول التاريخ يحتمل انتقاض عدم كل منهما قبل الآخر وبعده، ففى حال وجود كل منهما يحتمل بقاء عدم صاحبه، وعدم انتقاضه بالوجود، فيتعارض الاصلان. وأما لو كان احدهما معلم التاريخ، كما لو علم بحدوث الملاقاة في اول

[ 275 ]

يوم الجمعة، وشك في أن الكرية هل حدثت قبله أو بعده مثلا فاستصحاب عدم الكرية - الى اول يوم الجمعة الذى هو زمان ثبوت الملاقاة الخارجي - لا مانع منه. واما الاستصحاب في طرف الملاقاة المعلوم مبدأ حدوثها، فلا يمكن، لعدم زمان شك في بقاء عدمها، لانها قبل يوم الجمعة كانت معدومة قطعا، وفى اول يوم الجمعة انتقض عدمها بالوجود قطعا، فلم يبق في البين زمان يشك في بقاء عدم الملاقاة حتى يستصحب. نعم كون الملاقاة في زمن الكرية مشكوك فيه، إلا أنها على هذا النحو ليس لها حالة سابقة إن اريد اثباتها أو نفيها على نحو الربط، وان لم يرد على النحو الربطى، فيمكن استصحاب عدم هذا الوجود الخاص أعنى الملاقاة في زمن الكرية، إلا أن هذا الاستصحاب محكوم، لان منشأ الشك في وجود هذا الخاص هو أن اول يوم الجمعة الذى هو مبدأ وجود الملاقاة هل كان كرا اولا، فلو كان الاصل جاريا في الخصوصية تتعين حال هذه الملاقاة باحراز اصلها وجدانا، وقيدها تعبدا. ولعمري إن ما قلناه واضح وإن اشتبه على من لا يليق لمثله هذا لاشتباه، وكانه دام بقاه توهم - من عبارة الشيخ قدس سره في بيان تساقط الاصلين في مجهولي التاريخ (واما اصالة عدم احدهما في زمان حدوث الآخر، فهى معارضة بالمثل) - أن المقصود اجراء الاصل في عدم احدهما في زمن الآخر، ملاحظا كونه في زمن الآخر جزءا للمستحصب، لكنه من الواضح أن مراده قدس سره ليس ذلك، بل هو ما ذكرنا فتأمل في المقام تجد صدق ما ادعيناه. هذا. هل يؤخذ بالعام أو باستصحاب حكم المخصص الامر التاسع - أن الدليل الدال على الحكم، لو دل عليه في الزمان الثاني اثباتا أو نفيا، فلا اشكال في عدم جريان الاستصحاب لان مورده عدم وجود الدليل، الاجتهادي. انما الكلام في أنه لو كان لنا عام يدل على ثبوت الحكم لافراده، ثم خرج منه فرد في زمان، ففى ما بعد ذلك الزمان هل يرجع الى استصحاب حكم

[ 276 ]

المخصص أو الى عموم العام ؟ مثلا لو قال اكرم العلماء، ثم علمنا بالاجماع عدم وجوب اكرام زيد في يوم، ففى ما بعد ذلك اليوم هل يرجع الى استصحاب عدم وجوب الاكرام، أو إلى عموم اكرم العلماء ؟ وملخص الكلام في المقام: أنه إن لاحظ المتكلم بالقضية قطعات الازمنة افرادا، كما لو قال: اكرم العلماء في كل زمان، فلا شبهة في أنه إذا خرج فرد في زمان، يحكم بدخوله في حكم العام فيما بعد ذلك الزمان، سواء جعل تلك القطعات بحسب اعتبار الدليل قيد الفعل المأمور به أم ظرفا للنسبة الحكمية، فانه على الفرض الاول يصير الاكرام بالنسبة إلى كل فرد من افراد العام متعددا بالنسبة الى الازمنة، فاكرام زيد في يوم الجمعة فرد من افراد العام، وفى يوم السبت فرد آخر، وهكذا. وعلى الثاني تصير نفس القضية متعددة بتعدد افراد الزمان، فكأن المتكلم في كل زمان تكلم بهذه القضية. ولا شبهة في أن خروج زيد يوم الجمعة لا يوجب سقوط القضية عن الحجية فيما بعده على التقديرين، فانه على الاول اكرام زيد في يوم الجمعة فرد من الاكرام واكرامه في يوم السبت فرد آخر، خرج من العموم فرد، فيتمسك في الباقي باصالة العموم. وعلى الثاني القضية في حكم القضايا المتعددة، فكأنه صدرت من المتكلم قضية في يوم الجمعة فخرج منها زيد، وأيضا صدرت منه تلك القضية في يوم السبت، ولم يعلم بخروجه، من تلك القضية الثانية. والحاصل أن المقام مقام الاخذ بالعموم دون الاستصحاب، بل قال شيخنا المرتضى قدس سره إنه في هذا المورد لم يجز التمسك بالاستصحاب، وان لم يتمسك بعموم العام ايضا، لكن فيما افاده نظر، لان المانع من الاخذ بالاستصحاب - مع قطع النظر عن العموم - ليس الا عدم اتحاد الموضوع، والموضوع في الاستصحاب - بعد عدم اخذه من العقل كما سيجئ - إما مأخوذ من الدليل، وإما من العرف، فان اعتبرنا الاول، فالمعيار هو الموضوع المأخوذ في الحكم المستصحب. وربما يكون الزمان قيدا بحسب الدليل الدال على العموم، وظرفا للحكم بحسب الدليل الدال على المخصص. وان اعتبرنا الثاني فالامر

[ 277 ]

اوضح فانه قد يكون الزمان بالنسبة الى دليل الحكم المستصحب ايضا قيدا، لكن العرف يراه ظرفا للحكم مع ما عرفت من عدم ملازمة ملاحظة الازمنة افرادا مع كونها قيدا للمأمور به، لما مضى من وجه آخر ايضا. هذا على تقدير ملاحظة الازمنة افرادا. وأما على تقدير عدم ملاحظة ذلك، فظاهر أن الحكم في القضية المفروضة يتعلق بكل فرد ويستمر ذلك دائما حيث انه لم يحدده بحد خاص، ولم يقيده بزمان خاص بالفرض، فإذا خرج الفرد من تحت العام في زمان لم يكن العام دليلا على دخوله في الزمان الآتى، لأن دلالة العام على استمرار الحكم المتعلق بالفرد فرع دلالته على نفس الفرد فإذا خرج الفرد من تحته يوم الجمعة، فانى لنا بالعموم الذى يشمل ذلك الفرد يوم السبت ؟ حتى يشمله الحكم ويحكم باستمرار ذلك الحكم ايضا من اول يوم السبت. والحاصل أنه على الفرض الاول كان الفرد الخارج يوم الجمعة فردا، والفرد الذى يتمسك بالعموم له في السبت فردا آخر، أو كان لنا في يوم الجمعة قضية عامة، خرج منها فرد، وفى يوم السبت ايضا قضية عامة كذلك، نشك في خروج الفرد منها. ولا إشكال في كل الاعتبارين في التمسك بالعموم في المشكوك، لان الفرد المفروض - على تقدير عدم دخوله تحت العام - يستلزم تخصيصا آخر زايدا على تخصيص المعلوم. وهذا واضح. بخلاف الفرض الثاني، فان الفرد المفروض خروجه يوم الجمعه - لو كان خارجا دائما - لم يستلزم إلا مخالفة ظاهر واحد، وهو ظهور وجوب اكرامه دائما. (فان قلت) كيف يتمسك بالاطلاقات بعد العلم بالتقييد، ويقتصر في عدم التمسك بها على المقدار الذى علم بخروجه ؟ والحال أن مفادها واحد. وبعد العلم بالتقييد، يعلم ان ليس بمراد. (مثلا) لو فرضنا ورود دليل على وجوب عتق الرقبة وعلمنا بدليل منفصل: أن الرقبة الكافرة عتقها غير واجب، فيلزم ان لا يكون الموضوع في الدليل الاول المفهوم من اللفظ المذكور فيه مرادا وبعد ما لم يكن هذا المعنى مرادا منه، لا يتفاوت في كونه خلاف الظاهر، بين ان يكون المراد من الرقبة

[ 278 ]

المؤمنة أو مع كونها عادلة، وليست مخالفة الظاهر على تقدير ارادة المفهوم الثاني من اللفظ اكثر، حتى يحمل اللفظ بواسطة لزوم حفظ مراتب الظهور بقدر الامكان على الاول، إذ ليس في البين الا تقييد واحد كثرت دائرته أو قلت. والمفروض انا نرى ان ديدن العلماء على التمسك بالاطلاق في المثال المذكور، والحكم ببقاء الرقبة المؤمنة - سواء كانت عادلة ام فاسقه - تحت الاطلاق. (قلت) الفرق بين المطلق وما نحن فيه: هو ان المطلق يشمل ما تحته من الجزئيات في عرض واحد. والحكم إنما يتعلق به بلحاظ الخارج فظهور القضية استقر في الحكم على كل ما يدخل تحت المطلق بدلا أو على سبيل الاستغراق، على اختلاف المقامات، فإذا خرج بالتقييد المنفصل شئ، بقى الباقي بنفس ذلك الظهور الذى استقر فيه أولا. وهذا بخلاف ما نحن فيه، فان الزمان في حد ذاته امر واحد مستمر، ليس جامعا لافراد كثيرة متباينة، إلا أن يقطع بالملاحظة، ويجعل كل من قطعاته ملحوظا في القضية، كما في قولنا: أكرم العلماء في كل زمان. وأما إذا لم يلاحظ على هذا النحو، كما في قولنا أكرم العلماء، ومقتضى الاطلاق: أن هذه الحكم غير مقيد بزمان خاص فلازمه الاستمرار من اول وجود الفرد الى آخره، (112) فإذا انقطع الاستمرار بخروج فرد في يوم (112) لا يخفى أن الاطلاق وإن كان ملازما للاستمرار، لكنه بحقيقة الاستمرار لا بمفهومه، بمعنى أن عدم تقييد الطبيعة - الموضوعة للحكم بشي من الانات - يقتضي عدم دخل شئ من افراد الآنات في الحكم المذكور. ولازم ذلك تحقق الحكم في الجميع، لظهور الاسناد في كون موضوع الحكم نفس الطبيعة، وهي محققة في كل حال. ولا دخل لغيرها في الحكم. وكذلك لو استفدنا ذلك من مقدمات الحكمة، ولا يحتاج ذلك المعنى إلى لحاظ الازمنة مفردا، بل يكفيه عدم لحاظ الزمان مع الموضوع، ولازمه الحكم بعدم دخل شئ من الآنات المشكوكة، سواء علم بدخل بعض الحالات وشك في بعض آخر أو لم يعلم ذلك اصلا، وتكون الآنات المتكثرة من هذه الجهة نظير الحالات المتكثرة، فكما أن الحالات لا تحتاج في أخذ

[ 279 ]

الجمعة مثلا، فليس لهذا العام المفروض دلالته على دخول ذلك الفرد يوم السبت، إذ لو كان داخلا لم يكن هذا الحكم استمرارا للحكم السابق، كما هو واضح. هذا كله فيما إذا خرج فرد من افراد العام في الاثناء. وأما إذا علم بخروجه من أول الامر إلى زمان معين، فمقتضى القاعدة الحكم بشمول العام له بعد ذلك الزمان، لان أصالة عموم الافراد تقتضي دخول الفرد المفروض في حكم العام في الجملة، وبعد العلم بعدم دخوله من اول الوجود الى زمن معين يجب تقييده بما بعد ذلك الزمان، بخلاف ما إذا خرج في الاثناء، فان العموم الافرادى قد عمل به. هذا غاية ما يمكن أن يقال أو قيل في الفرق بين المنقطع الوسط والابتداء. وعندي فيه نظر، لأن أصالة العموم بالنسبة الى الافراد الا تقتضي الا دخول الفرد في الجملة. وأما استمرار الحكم المتعلق به، فانما هو من جهة اطلاق الزمان. والمفروض كونه معنى واحدا، وهو استمرار الحكم من اول وجود الفرد الى آخره. (113) ولا فرق في ارتفاع هذا المعنى بين ان يخرج الفرد في الاثناء أو من اول الوجود فانه في كلا الحالين الحكم في القضية لم يستمر بالنسبة الى هذا الفرد من اول وجوده الى آخره، وتقييد الفرد بغير الزمان المقطوع = الاطلاق بالنسبة الى كل منها الى لحاظ على حدة، بل يكفيها عدم اللحاظ بالنسبة إلى شئ منها، فكذلك الآنات. فتحصل من ذلك أن التمسك بالاطلاق في المقام لا اشكال فيه، ولا يستفاد من الاطلاق مفهوم الاستمرار، حتى يقال إنا نقطع بخروج الفرد في آن من الآنات، فافهم فانه دقيق. (113) قد مر عدم استفادة الاستمرار بمفهومه من الاطلاق، بل مقتضى الاطلاق - بعد العلم بدخول الفرد - ثبوت الحكم في كل زمان إلا ما علم خروجه، من دون فرق بين ما خرج ابتداءا أو في الاثناء. وقلنا إن ذلك مقتضى عدم تقييد الطبيعة بشئ، من دون ابنائه على ظهور الدليل في كل واحد من الازمنة، كما ذكره - دام بقاه -. ولعله واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

[ 280 ]

خروجه مبنى على ظهور الدليل في كل واحد من الازمنة، حتى يقتصر في الخارج على القدر المتيقن. وهذا خلاف المفروض. على أنه لو صح هذا التقييد فيما خرج في الابتداء، لصح فيما إذا خرج في الاثناء ايضا، بأن يقال - بعد العلم بخروج زيد مثلا يوم الجمعة عن عموم اكرم العلماء - ان الواجب هو الاكرام في غير يوم الجمعة، فيوم السبت فرد من افراد هذا العنوان المقيد، كما أن اليوم السابق على يوم الجمعة ايضا فرد له. والحاصل أن الامر دائر بين تخصيص العام بالنسبة إلى الفرد أو التصرف في ظهور الاطلاق الذى يقتضى استمرار الحكم، ولو فرضنا أن الثاني متعين، من جهة أنه ظهور اطلاقي يرفع اليد عنه في مقابل الظهور الوضعي، فلا يجوز أن يقيد موضوع الحكم بما بعد ذلك الزمان الخارج، ويقال بثبوت الحكم لذلك الموضوع دائما، لان ذلك فرع انعقاد ظهورات بالنسبة الى الازمان، حتى تحفظ فيما لم يعلم بالخروج. والمفروض خلافه، بل اللازم - على فرض القول بدخول الفرد في الجملة - القول بعدم دلالة القضية على زمان الحكم. فافهم. اخذ الموضوع في الاستصحاب الامر العاشر - أنه يشترط في استصحاب كل شئ بقاء موضوعه على نحو ما كان في القضية المتيقنة، فان كان الموضوع فيها الشئ المفروض وجوده، فاللازم ان تكون القضية المشكوكة هي ثبوت العرض لذلك الشئ المفروض وجوده، وان كان الموضوع ذات الشئ اعني الطبيعة المقررة، كما إذا تيقن بوجود زيد، فاللازم أن يكون في القضية المشكوكة ايضا كذلك، مثلا لو تيقن بقيام زيد في السابق، ثم شك في ذلك، فتارة يشك في القيام مع اليقين بوجود زيد في الخارج، واخرى مع الشك. والثانى على قسمين، لان الشك (تارة) يستند إلى الشك في وجود زيد، و (اخرى) لا يستند إليه، بل يشك في كل من وجوده وقيامه مستقلا. هذه اقسام الشك المتصورة في قيام زيد ثانيا.

[ 281 ]

والقضية الموضوعة للحكم الشرعي في نحو قيام زيد يمكن تصورها على قسمين: (أحدهما) - أن يكون الموضوع ثبوت هذا المفهوم، كما إذا قال إذا تحقق قيام زيد في الخارج فافعل كذا (ثانيهما) - أن يكون الموضوع ثبوت القيام لزيد على فرض وجوده في الخارج كما هو مفاد قولك: إن كان زيد قائما فافعل كذا. إذا عرفت هذا فنقول: إن كان موضوع الحكم الشرعي القيام على النحو الاول فلا اشكال في جريان الاستصحاب إذا شك في ذلك في الآن الثاني، سواء كان الشك في القيام وحده أو فيه مع المحل، وسواء كان الشك في القيام ناشئا عن الشك في وجود المحل أم لا، لان جميع تلك الصور شك في قيام زيد. والمفروض أن موضوع الحكم تحققه في الخارج، فيحكم بالاستصحاب بتحققه. وإن كان موضوع الحكم الشرعي ثبوت القيام لزيد على النحو الثاني، فلو شك في القيام مع اليقين بوجود زيد، فاستصحاب القيام لا اشكال فيه، لوحدة موضوع القضية المتيقنة والمشكوكة، وهو زيد مع الفراغ عن وجوده. واما لو شك في قيام زيد مع الشك في وجوده، سواء كان الشك في قيامه مستندا الى الشك في وجوده ام لا، فلا يمكن استصحاب القيام لعدم احراز موضوعه. نعم لو كان الاثر مترتبا على وجوده وقيامه على تقدير الوجود، أمكن اجراء استصحابين، لاحراز جزئي الموضوع، فيما كان كل منهما مشكوكا مستقلا. ولا يكفى استصحاب وجود المحل، فيما إذا كان الشك في القيام مسببا عن الشك فيه، فان احراز المسبب بواسطة اجراء الاصل في طرف السبب يكون فيما كان المسبب من الآثار الشرعية، دون مثل القيام وامثاله. هذا حاصل مرادنا من بقاء الموضوع في الاستصحاب. ويظهر من كلام شيخنا الاستاذ دام بقاه جواز استصحاب قيام زيد، وان كان الشك فيه مسببا عن الشك في وجود زيد مطلقا على أي نحو فرض موضوع الحكم الشرعي. وانت خبير بان الموضوع لو كان قيام زيد بعد ملاحظة الوجود، لم يكن

[ 282 ]

في المثال مشكوكا حتى يستصحب. والذى هو مشكوك لم يكن له اثر شرعى كما هو المفروض. وكيف كان دليلنا - على اعتبار بقاء الموضوع على النحو الذى قلنا - ان الملاك في شمول ادلة الاستصحاب الشك في بقاء ما كان متحققا سابقا، بشرط أن يكون هذا المشكوك - على تقدير بقائه - إما حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعى، فلو كان المشكوك قيام عمرو، والمتيقن سابقا قيام زيد، فليس هذا الشك شكا في البقاء، ولو كان المشكوك قيام زيد، وكان الشك مستندا الى الشك في وجود زيد، فان كان موضوع الحكم الشرعي تحقق هذا المفهوم، اعني قيام زيد، يصدق أنه شك في بقاء ما هو موضوع لحكم الشارع، وان كان في هذه الصورة موضوع الحكم الشرعي ثبوت القيام لزيد بعد تحققه، فهذا المعنى ليس مشكوكا فيه، للعلم بقيامه بعد تحققه. والمعنى المشكوك فيه اعني قيام زيد - ليس بموضوع للحكم الشرعي. وأنت إذا أمعنت النظر فيما ذكرنا، تعرف أن المدعى لا يحتاج في اثباته الى مزيد برهان، وان تكلف له شيخنا المرتضى قدس سره قال في هذا المقام: (الدليل على اعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب واضح، لانه لو لم يعلم تحققه لاحقا، فإذا اريد ابقاء المستصحب العارض له المتقوم به، فاما أن يبقى في غير محل موضوع، وهو محال. واما أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق. ومن المعلوم أن هذا ليس ابقاءا لنفس ذلك العارض، وإنما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد، فيخرج عن الاستصحاب، بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم، فهو المستصحب دون وجوده. وبعبارة اخرى بقاء المستصحب لا في موضوع محال، وكذا في موضوع آخر، إما لاستحالة انتقال العرض، وإما لان المتيقن سابقا وجوده في الموضوع السابق، والحكم - بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد - ليس نقضا للمتيقن السابق). انتهى كلامه قدس سره.

[ 283 ]

واعترض عليه شيخنا الاستاذ دام بقاه (بأن المحال إنما هو الانتقال والكون في الخارج بلا موضوع بحسب وجود العرض حقيقة، لا بحسب وجوده تعبدا، كما هو قضية الاستصحاب. ولا حقيقة لوجوده كذلك إلا ترتيب آثاره الشرعية واحكامه العملية. ومن المعلوم أن مؤنة هذا الوجود خفيفة، مع أنه اخص من المدعى، فان المستصحب ليس دائما من مقولات الاعراض، بل ربما يكون هو الوجود، وليس هو من المقولات العشر، فلا جوهر بالذات ولا عرض وان كان بالعرض. (ان قلت): نعم لكنه مما يعرض على الماهية كالعرض. (قلت) نعم إلا ان تشخصه ليس بمعروضه، فيستحيل بقاؤه مع تبدله، بل تكون القضية بالعكس، ويكون تشخص معروضه به، كما حقق في محله، بحيث لا تنثلم وحدته وتشخصه بتعدد الموجود وتبدله من نوع الى نوع آخر، فلينتزع من وجود واحد شخصي ماهيات مختلفة، حسب اختلافه نقصا وكمالا وضعفا وشدة، فيصح استصحاب هذا الوجود عند الشك في بقائه وارتفاعه، ولو مع القطع بتبدل ما انتزع عنه سابقا من المهية إلى غير ما ينتزع عنه، الآن لو كان) انتهى كلامه دام بقاه. اقول: ظاهر كلام الشيخ وإن كان يوهم ما يرد عليه الاعتراض، إلا أنه يمكن توجيه كلامه على نحو يسلم من المناقشة (114). وتوضيح ذلك يحتاج الى (114) لا يخفى أن التوجيه المذكور مبني على حمل الابقاء في كلام الشيخ (قدس سره) على الحكم بالبقاء من طرف الشارع، وهذا - مع أنه ليس بمراده كما سيأتي بيانه - مخدوش في نفسه على مبناه - دام ظله -، لان الموضوع في الحكم الظاهري يغاير الواقعي، خصوصا على مبناه، فانه - دام بقاه - صحح الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي بتعدد الموضوع، فان موضوع الواقع هو ذاته، وموضوع الحكم الظاهري هو الذات مع التقيد بالشك في حكمها، ومع ذلك كيف يمكن أن يقال إن موضوع ذلك الحكم عين موضوع الاول ؟ وكيف يصح أن يقال: إنه ابقاء

[ 284 ]

بيان مقدمة، وهى أن القضايا الصادرة من المتكلم - سواء كانت من سنخ انشاء الاحكام ام من الاخبار - مشتملة على نسب ربطية متقومة بالموضعات الخاصة، (مثلا) قولنا أكرم زيدا مشتمل على ارادة ايقاعية مرتبطة باكرام زيد، وكذا قولنا زيد قائم مشتمل على نسبة تصديقية حاكية متقومة بهذا المحل الخاص. والموضوع كذلك. وحال هذه النسب في الذهن حال الاعراض في الخارج في الحاجة الى الغير في التحقق، وكذا في عدم إمكان انتقالها من محل إلى آخر. وهذا واضح إذا عرفت ما بيناه لك، فنقول: لو فرضنا ان المتيقن في السابق هو وجوب الصلاة، فالجاعل للحكم في الزمان الثاني إما أن يجعل الوجوب للصلاة، وهو المطلوب هنا من لزوم اتحاد الموضوع، وإما أن ينشئ هذه الارادة الحتمية الربطية من دون موضوع، وهو محال، ضرورة تقومها في النفس بموضوع خاص. وإما أن ينشئ لغير الصلاة. وحينئذ إما ان ينشئ تلك الارادة المتقومة بموضوع الصلاة لغيرها، وإما أن ينشئ إرادة مستقلة. والاول محال ايضا، لاستحالة انتقال العرض. وقد عرفت أن حالها في النفس حال الاعراض في الخارج. والثانى ممكن، لكنه ليس بابقاء لما سبق. هذا في الشبهة الحكمية.


= للحكم الاول حتى ينطبق عليه مثاله - دام بقاه - في الشبهة الحكمية ؟، ويقال إن الواجب هو الصلاة كما كانت قبل ذلك كذلك، موضوع الحكم الاول ذات الصلاة، وموضع الحكم الثاني الصلاة بوصف كونها مشكوكة الحكم، وكذلك في الشبهة الموضوعية موضوع الخمرية في الاول ذات هذا المايع، وفي الثاني هي بوصف كونها مشكوكة الخمرية، فلا يصح أن يكون ذلك مراد الشيخ (قدس سره)، بل الظاهر أن مراد الشيخ هو أن المشكوك فيه بمنزلة الواقع في الاستصحاب، وجعل ذلك الحكم الثانوي فيه ليس الا بلسان عدم نقض اليقين السابق وابقائه على حاله، ومعلوم أن ذلك التنزيل لا يصح مع القطع بالنقض وعدم بقائه، ومعلوم أن الموضوع في القضية السابقة لو لم يكن باقيا، لا يعقل بقاؤها، ويقطع بارتفاعها، لدوران الامر بين

[ 285 ]

وأما تقريب هذا الكلام في الشبهة الموضوعية، فلنفرض أن المتيقن في السابق خمرية هذا المايع الخاص، ففى الثاني لو اوقع تلك النسبة التصديقية المرتبطة بالخمرية وهذا المايع تعبدا، فان كان طرف النسبة المذكورة هذا المايع، فقد ثبت المطلوب، والا فان لم يكن لها طرف، يلزم تحقق العرض أعنى هذه النسبة الربطية في النفس من دون محل، وهو محال، وان كان لها طرف، فان أوقع تلك النسبة المتقومة بطرف خاص لمحل آخر، فهو محال ايضا، للزوم انتقال العرض، وإن أوقعها لمحل آخر، فهو ممكن، ولكنه ليس بابقاء للحالة السابقة كما هو واضح. وعلى هذا ينبغى أن يحمل كلام شيخنا المرتضى قدس سره. ومما ذكرنا تعرف عدم الفرق بين كون المستصحب عرضا خارجيا أو وجودا. وأما ما افاده دام بقاه في ذيل كلامه من عدم انثلام وحدة الوجود، مع انتزاع ماهيات مختلفة بحسب المراتب ضعفا وشدة، لعدم تشخصه بها، بل الامر بالعكس، فيصح استصحاب هذا الوجود إذا شك في بقائه وارتفاعه، مع القطع بتبدل ما انتزع عنه سابقا إلى غيره. ففيه ان الوجود وإن لم يتشخص بالماهية، ولكنه يتشخص بحدوده = بقاء الحكم بلا موضوع، أو انتقاله بوصف كونه حكما له، وهو مع تحفظ عينية الحكم، والا فلا يكون ذلك الحكم ولا ربط له بالاستصحاب، وكذلك في العوارض الخارجية، فان قيام زيد مع عدمه مقطوع العدم، والا يلزم إما تحققه بلا موضوع، وإما انتقاله إلى الغير، وإما تحقق قيام آخر غير قيام زيد. ومع) هذا كيف يمكن التعبد ببقائه ؟، فانه لو كان الموضوع مقطوع الانتفاء، فالحكم أو العرض مقطوع الارتفاع. وأما لو كان محتمل البقاء، فالحكم أو العرض وان كان محتملا، لكنه مشكوك الامكان، ومع الشك في الامكان لا يمكن التعبد بالبقاء، كما هو واضح. وعلى ما ذكرنا من التوجيه لا يرد عليه ما أورد عليه المحقق الخراساني (رحمه الله) لان ايراده ايضا مبني على كون المقصود من الابقاء هو الحكم الاستصحابي. وقد عرفت خلافه بما لا مزيد عليه، فتأمل في المقام فانه حري به..

[ 286 ]

الخاصة، لان وجود زيد ووجود عمرو وجودان متعددان قطعا. وحينئذ لو انتزع عنوان السواد الضعيف من حد خاص من وجود السواد، وعنوان السواد الشديد من حد خاص من وجود السواد، وعنوان السواد الشديد من حده الآخر، يكشف ذلك عن اختلاف الوجودين اللذين انتزع العنوانان المختلفان منهما، إذ لا يعقل اختلاف العنوان المنتزع من دون الاختلاف في منشأ الانتزاع. (فان قلت) كيف ينتزع من وجود زيد مثلا ضارب (تارة) وغير ضارب (اخرى) وجالس (تارة) وقائم (اخرى) مع بقائه على الوحدة ؟ (قلت) العناوين المذكورة لا تنتزع من مرتبة الذات، بل هي منتزعة من امر خارج عنها، وثبوت ذلك الامر الخارج عن الذات يختلف، قد تكون الذات متصفة بعرض، وقد تكون متصفة بضده، بخلاف مثل السواد الضعيف والشديد، فانهما منتزعان من حد خاص من الوجود، من دون دخل امر خارجي. فحينئذ لو لم يتعدد الوجود الذى هو منشأ لانتزاع كل من المفهومين، فكيف يختلف المعنى المنتزع ؟ ومن هنا ظهر أن استصحاب بقاء السواد فيما قطع بتبدله على تقدير البقاء مبنى على احد أمرين: إما جواز استصحاب الكلى الذى يكون من القسم الثالث، وإما القول بوحدة هذين الوجودين بنظر العرف، وان كانا متعددين في نظر العقل، فاحفظ ذلك. ثم: انك بعد ما علمت من لزوم اتحاد الموضوع في القضية المتيقنة والمشكوكة، هل الحاكم بالاتحاد هو العقل والدليل، أو العرف ؟ والفرق بين الاول والأخيرين غير محتاج الى البيان. والفرق بين الثاني والثالث أنه بناءا على الثاني ينظر فيما جعل موضوعا للقضية عند العرف، فان اخذ فيها الشئ المقيد، فبارتفاع القيد يختلف ذلك الشئ ويصير موضوعا آخر، وان اخذ فيها ذات الشئ وجعل حصوله شرطا للحكم، فالموضوع هو تلك الذات، ولا يختلف بارتفاع ذلك الامر الذى جعل شرطا فيها للحكم مثلا، فالموضوع في قضية (الماء المتغير نجس) هو الماء المتغير، دون قضية (الماء نجس إذا تغير)، فان الموضوع بفهم العرف

[ 287 ]

[ هو الماء، والتغير علة لثبوت النجاسة للماء. فإذا زال التغير، وشك في ارتفاع النجاسة أو بقائها من جهة الشك في أن حدوثه علة للنجاسة حدوثا وبقاءا، أو ان الحكم دائر مداره، فلا مانع لاستصحابه. وأما بناءا على الاخير فنلاحظ المناسبة بين الحكم الوارد من الشارع وموضوعه، فربما يكون الموضوع في القضية اللفظية هو المقيد، كالماء المتغير، لكن العرف - بواسطة المناسبة بين الحكم والموضوع - يرى أن موضوع النجاسة هو الماء، وأن التغير خارج عنه، وعلة لثبوت الحكم. وربما يكون الامر بالعكس. وكيف كان فالحق هو الاخير، لان الاحكام المتعلقة بالعناوين تتعلق بها بلحاظ مصاديقها العرفية، لان الشارع إنما يتكلم بلسان العرف، وهو حين التكلم كاحد من العرف، فإذا قال أحد من اهل العرف لآخر لا تنقض اليقين بالشك، يحمل كلامه على ما هو نقض عند اهل العرف، وكذلك حال الشارع في التكلم مع اهل العرف. وحينئذ بعد كون الموضوع في قضية (الماء المتغير نجس) هو الماء فلو زال التغير يحكم العرف بان هذا الماء إن كان نجسا فقد بقيت نجاسته السابقة، والافقد ارتفعت، فمعاملة النجاسة مع هذا الماء ابقاء للحالة السابقة عملا، وعدمها نقض لها كذلك. ومن هنا ظهر أن توهم عدم جواز كون العرف مرجعا عند العلم بخطأه ناش عن الغفلة، إذ بناءا على ما قلنا ليس موضوع الحكم - واقعا وبالدقة العقلية - إلا ما هو مصداق للعناوين بنظر العرف. وهذا واضح جدا. ثم انك بعد ما علمت أن موضوع الحكم مأخوذ من العرف. فاعلم أنه قد يرد الحكم في الدليل على عنوان، ولكن العرف يحكم بان الموضوع اعم مما يصدق عليه ذلك العنوان، بحيث لو زال العنوان عنه، واطلق عليه عنوان آخر يحكم بان هذا الباقي في كلا الحالين هو الذى كان موضوعا للحكم، وقد يحكم بان زوال العنوان موجب لزوال الموضوع الاول وحدوث موضوع آخر. والاول على قسمين: (احدهما) - أنه لا يحتاج في حكمه ببقاء الحكم الاول إلى وجود دليل آخر، مثل الاستصحاب، بل يحكم بالبقاء بمقتضى نفس الدليل الاول.

[ 288 ]

و (الثاني) - أنه يحتاج في ذلك إلى دليل آخر، ووجه الاحتياج - مع فرض أنه ليس موضوعا آخر، وأن الموضوع هو الموجود في الحالين - احتمال أن يكون الحكم في القضية دائرا مدار وجود اسم العنوان، بحيث يكون هو الواسطة في ثبوت حكمها لموضوعها حدوثا وبقاءا، فلا ينافى بقاء الموضع عدم الحكم. وغالب الاحكام المستفادة من القضايا من قبيل الثاني، أعنى أنه لو زال العنوان الذى كان الموضوع متصفا به، لم يكن الدليل الاول كافيا في اثبات الحكم. ولعل ما اشتهر في السنتهم - من أن الاحكام تدور مدار الاسماء - محمول على الغالب لمقام الاثبات، بمعنى أن الادلة المثبتة لحكم المسمى باسم يجوز التمسك بها لاثبات ذلك الحكم مادام الاسم باقيا، وبعد زواله لا يجوز التمسك بها. فائدة تناسب المقام وهى انه حكى عن بعض المتأخرين: انه فرق بين استحالة نجس العين والمتنجس، فحكم بطهارة الاول لزوال الموضوع، دون الثاني، لان موضوع النجاسة فيه ليس عنوان المتسحيل اعني الخبث مثلا، وانما هو الجسم، ولم يزل بالاستحالة. قال شيخنا المرتضى قدس سره بعد نقل هذا الكلام - (وهو حسن في بادى النظر، إلا أن دقيق النظر يقتضى خلافه، إذ لم يعلم أن النجاسة في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية وهى الجسم، وإن اشتهر في الفتاوى ومعاقد الاجماعات أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة احدهما فهو نجس، إلا أنه لا يخفى على المتأمل أن التعبير بالجسم لالقاء عموم الحكم لجميع الاجسام الملاقية من حيث سببية الملاقاة للتنجس، لا لبيان إناطة الحكم بالجسمية. وبتقدير آخر الحكم ثابت لاشخاص الجسم، فلا ينافى ثبوته لكل واحد منها من حيث نوعه أو صنفه المتقوم به عند الملاقاة، فقولهم - كل جسم لاقى نجسا فهو نجس - لبيان حدوث النجاسة في الجسم بسبب الملاقاة، من غير تعرض للمحل الذى يتقوم به، كما إذا قال القائل: إن كل جسم له خاصية وتأثير، مع

[ 289 ]

كون الخواص والتأثيرات من عوارض الانواع. وإن أبيت إلا عن ظهور معقد الاجماع في تقوم النجاسة بالجسم. فنقول: لا شك في أن مستند هذا العموم هي الادلة الخاصة الواردة في الاشخاص الخاصة، مثل الثوب والبدن والماء وغير ذلك، فاستنباط القضية الكلية المذكورة منها ليس إلا من حيث عنوان حدوث النجاسة لا ما يتقوم به، وإلا فاللازم اناطة النجاسة في كل مورد بالعنوان المذكور في دليله. ودعوى - أن ثبوت الحكم لكل عنوان جائز من حيث كونه جسما - ليست اولى من دعوى كون التعبير بالجسم في القضية العامة من حيث عموم ما يحدث فيه النجاسة بالملاقاة، لا من حيث تقوم النجاسة بالجسم) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. أقول: الظاهر من الادلة في الموارد الخاصة ان الخصوصيات النوعية والصنفية لا دخل لها في التنجس بالملاقاة، كيف ؟ ولو لم يكن كذلك لما صح الحكم بنجاسة ما لاقى نجسا، ولم يذكر في الادلة، لاحتمال اختصاص الحكم بالمذكورت في الادلة، فاستكشاف قضية عامة - وهى قولهم كل جسم لاقى نجسا فهو نجس - مبنى على العلم بالغاء الخصوصيات في الموارد الخصوصية. فالاولى في الجواب أن يقال إنه إن اراد القائل ببقاء النجاسة - في المتنجسات بعد الاستحالة - الحكم ببقائها من دون حاجة إلى التمسك بالاستصحاب، فهو باطل، لان الدليل الدال على نجاسة، شئ بالملاقاة لا يدل على عدم تطهره بعد ذلك، فإذا احتملنا ان عروض صورة اخرى على ذلك الشئ أوجب تطهره، فلا يرفع هذا الاحتمال بالدليل الاول الدال على حدوث النجاسة فيه بالملاقاة، وان اراد الحكم ببقاء النجاسة فيها بضميمة الاستصحاب، فهو تابع لبقاء الموضوع عند العرف، اعني موضوع المستصحب، ولا ينافى كون موضوع النجاسة هو الجسم عدم بقائه عند العرف، لان حكم الجسم - لتشخصه في نوع خاص قبل الاستحالة - سرى في ذلك النوع. وبعد استحالته وصيرورته عند العرف موضوعا آخر لا يصح الاستصحاب، لانه لو كان نجسا لم تكن تلك النجاسة بقاء النجاسة السابقة. ويظهر ذلك لو فرضنا تعلق حكم بالحيوان من

[ 290 ]

دون دخل لخصوصية، فانه يسرى الى جميع انواعه، وكل نوع منه يتعلق به حكم مستقل غير الحكم الذى تعلق بنوع آخر، وان كان اصل الحكم من حيث تعلقه بالحيوان واحد هذا. الفرق بين قاعدة اليقين والاستصحاب الحاد يعشر أن المعتبر في الاستصحاب أن يكون المكلف شاكا في البقآء، بعد الفراغ عن اصل وجود المستصحب حين الشك في بقائه، فلو شك في اصل وجوده - وهو الذى يعبرون عنه بالشك السارى - لا يكون موردا للاستصحاب. نعم لو ورد دليل على عدم الاعتناء بالشك في اصل الحدوث، اخذنا به، ويصير هذا قاعدة اخرى. وقد تخيل إمكان شمول الادلة المذكورة في باب الاستصحاب للقاعدتين. وتقريب ذلك على نحو أتم: هو أن يقال: إنه في قولهم (عليهم السلام): (من كان على يقين فشك) جعل الزمان السابق ظرفا لليقين والزمان اللاحق ظرفا للشك. وأما المتيقن والمشكوك لوحظا مجردين عن اعتبار الزمان، لا على نحو القيدية ولا على نحو الظرفية، فالمراد باليقين بالشئ حينئذ هو اليقين بذات الشئ مهملة عن اعتبار الزمان، والمراد بالشك ايضا كذلك. ولا شك في أن الشك في ذات الشئ يصدق على الشك في اصل وجوده، وعلى الشك في بقائه، لان بقاء الشى ليس امرا آخر وراء ذلك الشئ، فإذا اشتمل على كلا الشكين، فوجوب المضى على اليقين يوجب الغاء كليهما. والغاء كل شك بحسبه، فالغاء الشك في اصل الوجود وهو الحكم باصل الوجود الغاء، والشك في البقاء هو الحكم بالبقاء. هذا غاية تقريب كلام المتخيل. اقول: والذى يخطر بالبال في دفع هذا المقال هو أن: يقال: إن المتيقن بعدالة زيد في يوم الجمعة مثلا، يصح أن يقال في حقه أنه متيقن بالعدالة مقيدة بكونها يوم الجمعة، وأن يقال: إنه متيقن بالعدالة بملاحظة اعتبار ذلك الزمان ظرفا لها، وان يقال: إنه متيقن بعدالة زيد مع اهمال الزمان قيدا وظرفا، فان

[ 291 ]

المتيقن بالمقيد متيقن بالمهملة. إذا عرفت هذا فنقول: المتكلم بقضية (إذا تيقنت بشئ، ثم شككت فيه..) اما لاحظ الشئ المتيقن مقيدا بالزمان، وإما لاخط الزمان ظرفا للمتيقن، وإما اهمل ملاحظة الزمان راسا، ولا تخلو القضية عن هذه الحالات الثلاث. اما على الاول، فلا بد أن يكون المراد من قوله (شككت فيه) الشك في نفس ذلك الشئ مقيدا بالزمان السابق، ولا يكون هذا الا الشك السارى. وكذا على الثالث، لان المراد من قوله (شككت فيه) على هذا - هو الشك في تحقق ذات ذلك الشئ مهملة عن الزمان، ولا يصدق هذا الشك الاعلى الشك في وجوده من رأس، إذ على تقدير اليقين بوجوده في زمان لا يصدق أنه مشكوك تحققه مجردا عن الزمان، فان الشى إذا كان له انحاء من الوجود، يصدق أنه مشكوك الوجود، إلا إذا شك في تمام انحاء وجوده. واما على الثاني فيمكن تطبيقه على الاستصحاب، بان يلاحظه الشئ الواحد باعتبار الزمان السابق متيقنا، وباعتبار الزمان اللاحق مشكوكا فيه، فعلم أن تطبيق القضية على الاستصحاب يتوقف على ملاحظة الزمان السابق ظرفا للمتيقن، واللاحق ظرفا للمشكوك فيه. وهذه الملاحظة لا تجتمع مع ملاحظة الزمان الاول قيدا، كما في الصورة الاولى وعدم ملاحظة الزمان اصلا، كما في الصورة الثالثة، هذا. واعلم أن تخيل شمول عموم الاخبار للقاعدتين من جهتين (احداههما) ما مر الكلام فيه، و (الثانية) أن المراد من قوله (ع): (تيقنت بشئ) الشئ المقيد بالزمان، والمراد من قوله (ع) (ثم شككت فيه) الشك في حدوث ذلك الشئ من اول الامر، إلا أن المراد من قوله (ع) (فليمض على يقينه، اولا تنقض اليقين الا بيقين مثله) هو البناء على ذلك الشئ حدوثا وبقاءا، وهذا التخيل نظير ما وقع عن بعض - في قوله (ع)، (كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر) - أنه يشمل الاستصحاب وقاعدة طهارة الاشياء. وقد وافق شيخنا الاستاذ دام بقاه هذا المتخيل، واصر في الاعتراض على

[ 292 ]

من انكر ذلك. ونحن قد بينا هناك - عدم امكان الجمع بين القاعدتين في تلك القضية - على نحو لا اظن ان يشتبه على احد، بعد المراجعة. ومن اراد فليراجع. وزاد دام بقاه في المقام: أنه لا يبعد أن يكون الامر ههنا اوضح، فان الشك المتعلق بما كان اليقين متعلقا به على قسمين: (احدهما) - ما يتعلق بعدالة زيد يوم الجمعة مثلا، وكان اليقين متعلقا بها، مع القطع بعدالته بعد اليوم أو فسقه. (ثانيهما) - ما يتعلق بعدالته فيه وفيما بعده، فالنهى عن نقض اليقين بالشك يعم باطلاقه النقض بكل من الشكين، وقضية عدم نقضه بالثاني: المعاملة مع مشكوكه معاملة المتيقن بترتيب آثار العدالة عليه. وربما ايد ذلك بالاستدراك بقوله (ع): (ولكن تنقضه بيقين آخر) انتهى. وفيه أن الشك في الحدوث والشك في البقاء شكان مستقلان، ومعاملة اليقين مع احدهما لا تلازم معاملة اليقين مع الآخر، والاستدراك - بقوله (ع): (ولكن تنقضه بيقين آخر) بعد تسليم أن القضية متعرضة للشك في الحدوث - لا يدل الا على عدم رفع اليد عن اليقين بالحدوث الذى كان في الزمان الاول، إلا بيقين آخر بعدم الحدوث كذلك، ولا يدل على الحكم بالبقاء، كما لا يخفى. هذا وقال شيخنا المرتضى قدس سره هذا المقام: (ثم لو سلمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين، لزم حصول التعارض في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية، لانه إذا شك فيما تيقن به سابقا (أعنى عدالة زيد في يوم الجمعة) فهذا الشك معارض لفردين من اليقين: (أحدهما) - اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة (الثاني) - اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة، فتدل بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة، باحتمال انتفائها في ذلك الزمان، وبمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة، باحتمال حدوثها

[ 293 ]

في الجمعة. فكل من طرفي الشك معارض لفرد من اليقين. (ودعوى) أن اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة، والقاعدة الثانية تثبت وجوب اعتبار هذا اليقين الناقض لليقين السابق (مدفوعة) بأن الشك - الطارئ في عدالة زيد يوم الجمعة وعدمها - عين الشك في انتقاض ذلك اليقين السابق. واحتمال انتقاضه وعدمه معارضان لليقين بالعدالة وعدمها، فلا يجوز لنا الحكم بالانتقاض، ولا بالعدم. انتهى كلامه رفع مقامه. أقول: الظاهر من كلامه قدس سره ان هذه المعارضة دائمية، وليس كذلك، (115) لامكان عدم احراز الحالة السابقة قبل يوم الجمعة. نعم العدم الازلي متيقن، لكن انما يصح أن يكون مجرى للاستصحاب إن كان له اثر شرعى. وأما إن كان موضوع الاثر عدم العدالة للمحل المفروض وجوده، فلا يلزم أن يكون ذلك العدم ميتقنا دائما، حتى يلزم التعارض بين الاستصحاب والقاعدة، كما لا يخفى. واعترض شيخنا الاستاذ دام بقاه، بأن التعارض إنما يلزم لو كان كل واحد - من نقض اليقين بعدم العدالة قبل يوم الجمعة بشك، ونقض اليقين بالعدالة المقيدة ثبوتها بذلك في مثل المثال - في عرض الآخر، ولم يكن بينهما السبية والمسبية، والا فلا يعم العام إلا ما هو السبب منهما، كما سيأتي الكلام فيه انشاء الله تعالى. وليس كذلك، فان كون نقض اليقين بعدم العدالة مع هذا الشك نقضا بالشك، يتوقف على عدم شمول النهى لنقض اليقين بالعدالة المقيدة. وهذا بخلاف نقض اليقين بالعدالة المقيدة مع هذا الشك، فانه نقض (115) نعم وإن لم يكن فيما مثل به - دام ظله - معارضة، وكذا فيما إذا علم بتحقق ملكة العدالة وصدور فسق منه، وشك في المتقدم والمتأخر منهما، حيث استصحاب في المقام، حتى يعارض القاعدة، لكن مع ذلك الغاء مثل تينك القاعدتين لخصوص مثل ذلك المورد النادر كما ترى، لان وجود مورد نادر لم تتحقق فيه المعارضة لا تخرج احدى القاعدتين المتعارضتين الاخرى عن اللغوية.

[ 294 ]

بالشك على كل حال، من غير توقف على عدم شمول النهى لنقض اليقين بعدم العدالة المطلقة، بل ولو شمله، غاية الامر معه لا يمكن أن يشمله ايضا، وكان نقض اليقين بهذا الشك جائزا، فان النهى عن نقض اليقين بعدم العدالة بهذا الشك يلازم تجويز نقض اليقين بالعدالة المقيدة بالشك، لا أنه موجب لكونه نقضا بغير شك، انتهى (1). أقول: لا يخفى أن في المثال لنا شكا واحدا، وهو الشك في عدالة زيد يوم الجمعة، ويقينين أحدهما اليقين بعدم عدالته قبل يوم الجمعة، والثانى اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة، ومقتضى الاخذ بالاستصحاب تنزيل الشك في العدالة يوم الجمعة منزلة العلم بعدمها، ومقتضى إجراء حكم القاعدة تنزيل هذا الشك منزلة العلم بثبوتها، فاين حكومة القاعدة على الاستصحاب ؟ ولعل نظره دام بقاه في هذا الكلام إلى أن اليقين المتحقق في يوم الجمعة صار ناقضا لليقين بعدم العدالة قبل يوم الجمعة، ومقتضى عدم جواز نقض هذا اليقين بالشك الطارى أن يجعل ذلك الشك بمنزلة اليقين، حتى في كونه ناقضا لليقين بعدم العدالة السابقة، فيكون اجراء القاعدة دليلا على أن ننقض اليقين بعدم العدالة بهذا الشك بمنزلة نقضه باليقين، لأن هذا الشك بمنزلة اليقين بالعدالة الذى كان ناقضا لليقين بعدمها. وهذا بخلاف الاستصحاب، فان اليقين فيه وهو اليقين بعدم العدالة سابقا لم يكن ناقضا لليقين الآخر، حتى يترتب على الشك اللاحق هذا الاثر. (وانت خبير) بأن ناقضية اليقين السابق ليست من اللوازم الشرعية، حتى يترتب على الشك اللاحق المنزل منزلته، وإنما هي من آثاره العقلية، سواء لوحظ طريقا ام صفة، لان العقل يحكم بان قيام الطريق - حجة على خلاف الحالة السابقة أو خصوص العلم كذلك - يوجب رفع اليد عنها، والشك اللاحق منزل منزلة العلم في الآثار المترتبة على المعلوم، لا في لوازم العلم بحكم العقل، سواء في ذلك الاستصحاب والقاعدة. ومن المعلوم عدم حكومة احدهما على الآخر في هذا المدلول، كما هو واضح.

[ 295 ]

ثم إنه بعد ما بينا عدم شمول الادلة المذكورة في الباب للقاعدتين، يتعين الاستصحاب، لورود بعضها في الشك في البقاء، وظهور اتحاد مفاد الباقي معه. بقى الكلام في وجود مدرك آخر لقاعدة الشك السارى وعدمه. وما يمكن أن يكون مدركا لها في الجملة هي الاخبار الدالة على عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز عن الشئ، فلا بد من ذكر الاخبار الواردة في المقام، ثم التكلم فيها. قاعدة التجاوز والفراغ فأقول - مستعينا بالله العزيز العلام، ومتوسلا باوليائه الكرم: - أنه روى محمد بن الحسن باسناده عن احمد بن محمد بن ابى نصر، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل شك في الاذان، وقد دخل في الاقامة ؟ قال عليه السلام يمضى، قلت: رجل شك في الاذان والاقامة، وقد كبر ؟ قال عليه السلام: يمضى، قلت: رجل شك في التكبير، وقد قرأ ؟ قال عليه السلام: يمضى، قلت: شك في القراءة، وقد ركع ؟ قال (ع) يمضى، قلت: شك في الركوع، وقد سجد ؟ قال عليه السلام: يمضى على صلاته، ثم قال يا زرارة إذا خرجت من شئ، ثم دخلت في غيره، فشككت، فليس بشئ). وباسناده عن سعد، عن احمد بن محمد، عن عبد الله بن مغيرة، عن اسماعيل بن جابر، قال قال أبو جعفر عليه السلام: (إن شك في الركوع بعد ما سجد، فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام، فليمض، كل شئ شك فيه مما قد = جاوزه ودخل في غيره، فليمض عليه.. الخبر). وعن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله عليه السلام قال: (إذا شككت في شئ من الوضوء، وقد دخلت في غيره، فليس شكك بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه.. الخبر).

[ 296 ]

وفى موثقة اخرى (كما شككت فيه مما قد مضى، فامضه كما هو). والكلام فيها يقع في مقامات: المقام الاول (احدهما) ان مضمون هذه الاخبار هل هو جعل قاعدة واحدة أو قواعد مختلفة ؟ قال شيخنا الاستاذ دام بقاه: إن مقتضى التأمل في الروايات أنها مفيدة لقاعدتين: (إحداهما) القاعدة المضروبة للشك في وجود الشئ بعد التجاوز عن محله مطلقا، أو في خصوص اجزاء الصلاة وما بحكمها من الاذان والاقامة و (ثانيتهما) القاعدة المضروبة للشك في صحة الشئ، لاجل الشك في الاخلال ببعض ما اعتبر فيه شطرا أو شرطا. بعد الفراغ منه، ثم جعل - دام بقاه - الصحيحة الاولى، والرواية الثانية ظاهرتين في القاعدة الاولى، والموثقة الاخيرة - مضافة إلى مؤيدات اخر - ظاهرة في الثانية. ثم قال دام بقاه في تقريب هذا المدعى: (لا يخفى أن ارجاع احدى الطائفيتين الى الاخرى - بحسب المفاد، أو ارجاعهما لى ما يعمها أو ما يعم القاعدتين من كل منهما لا يخلو من تكلف وتعسف بلا وجه موجب له أصلا، مع ما يرد عليه من الاشكال الآتى في خروج افعال الطهارات الثلاث عن القاعدة مع التمحل في اندفاعه، وعدم وروده على ما استفدناه من القاعدتين. ثم استظهر مما جعله دليلا على القاعدة الثانية العموم لجميع موارد الفقه من ابواب العبادات والمعاملات. ومما جعله دليلا على القاعدة الاولى اختصاصه باجزاء الصلاة وما يحسب منها: كالاذان والاقامة، وعلل - اختصاص ذلك باجزاء الصلاة وما بحكمها - بان قوله (عليه السلام): (إذا خرجت من شئ) في صحيحة زرارة، وقوله في رواية ابن جابر: (كل شئ شك فيه) لو لم يكن ظاهرا في خصوص الشئ من افعال الصلاة - بقرينة السؤال عن الشك فيها في صدر كل واحد منهما - فلا اقل من عدم الظهور في العموم لغيرها، فان تكرار

[ 297 ]

السؤال عن خصوص افعال الصلاة يمنع من اطلاق الشئ لغيرها. ثم اعترض على نفسه: بانه لو سلم ذلك فانما هو في الصحيحة، لان العموم فيها بالاطلاق دون الرواية، لان العموم فيها بالوضع، فأجاب بما حاصله: أن لفظ الشئ الذى وقع عقيب الكل - لو لم يكن مطلقا بمقدمات الحكمة - فلا يدل الكل على استيعاب تمام افراده، لانه إنما يدل على استيعاب تمام افراد ما يراد من مدخوله. وقد عرفت أن المتيقن من مدخوله في المقام خصوص افعال للصلاة، فإذا اريد بقوله عليه السلام: (كل شئ شك فيه) كل فعل من افعال الصلاة لا يلزم خلاف اصل في اللفظ الدال على العموم. انتهى كلامه دام بقاه. أقول: وفى كلامه مواقع للنظر: (منها) - استظهار قاعدتين من الاخبار، مع وحدة مضامينها بحسب الصورة، فان المضمون الوارد في الصحيحة - (اعني قوله عليه السلام إذا خرجت من شئ) الى آخره)، وكذا الوارد في الرواية (كل شئ شك فيه وقد جاوز) مما استظهر منه قاعدة الشك بعد المحل - متحد مع ما ورد في الموثقتين. ومن البعيد جدا أن يراد من هذا المضمون في مقام، غير ما اريد به في الآخر، كما يظهر ذلك في قوله (عليه السلام) (لا تنقض اليقين بالشك). و (منها) - ما أفاده: من أنه - بناءا على ما ذكر - لا يرد عليه خروج افعال الطهارات، ولا يحتاج الى ما تكلف به شيخنا المرتضى قدس سره في دفع الاشكال، فان هذا التكلف محتاج إليه على كل حال، سواء جعلنا مفاد الكل واحدا ام لا، فان من شك في غسل المرفق بعد الفراغ من غسل اليد، يصدق أنه شك في صحة شئ بعد الفراغ عنه، وتشمله الكلية المذكورة في ذيل الموثقة، وهى قوله عليه السلام: (انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) مع وجوب الاعتناء بهذا الشك بالاجماع والاخبار، فلا بد من القول بان الوضوء امر واحد في نظر الشارع، حتى يدفع الاشكال، كما أفاده شيخنا المرتضى قدس سره. و (منها) ما أفاده من أن وجود القدر المتيقن في المطلقات مانع عن الاخذ باطلاقها، لان المتكلم إن أحرز كونه في مقام بيان ما هو مراده في اللب، وأظهر

[ 298 ]

في مقام الاظهار لفظا مطلقا، ولم يكن منصرفا الى شئ من الخصوصيات، يحكم العرف بأن مراده في اللب هو المطلق، والا فلم يعلمنا اراداته الواقعية، وهو خلاف كونه في مقام اظهار ذلك. نعم يمكن أن يقال في بعض الموارد: أن المتيقن - من كونه في مقام البيان - هذا المقدار، اعني المقدار المتيقن في مقام التخاطب، لكن ليس هذا في مثل المقام الذى هو بصدد اعطاء القاعدة الكلية، كما لا يخفى. و (منها) - ما أفاده من أن افادة الكل استيعاب تمام افراد الشئ تابعة لوجود مقدمات الحكمة فيه، فان الكل عند العرف يدل على استيعاب افراد ما يتلوه في القضية اللفظية، لا افراد ما يكون مرادا في اللب. وبعبارة اخرى الاطلاق والعموم يردان على الشئ في عرض واحد، لا ان العموم يرد عليه بعد احراز الاطلاق. ولعمري هذا واضح عند العرف والعقلاء. وقد سمعنا ذلك مرارا من سيدنا الاستاذ طاب ثراه. والذى يظهر لى اتحاد مفاد الأخبار، وأن المستفاد منها الاعم من الشك في وجود الشئ بعد انقضاء المحل، والشك في صحته كذلك، فهنا دعويان: لنا للاولى ما سبق من اتحاد القضايا الواردة في هذا الباب بحسب الصورة، والعرف يفهم منها اتحاد المفاد، كما مر نظيره في النهى عن نقض اليقين بالشك. وللثانية عموم الادلة أو اطلاقها، مضافا إلى أن المستفاد أن ملاك عدم الاعتناء هو التجاوز عن المحل، وأن الفاعل حين العمل اذكر. (فان قلت) لا يمكن ان يراد من القضية كلا الشكين من وجهين. (احدهما) أن ارادة الشك في الصحة مبتنية على ملاحظة وجود نفس الشئ، لان هذا الشك إنما يكون بعد الفراغ عن اصل وجود الشئ، وارادة الشك في الوجود إنما تتصور فيما لم يكن وجود الشئ مفروغا عنه، والشئ الذى فرض متعلقا للشك لا يمكن أن يفرض محقق الوجود، ولا يفرض كذلك، لانه من الجمع بين اللحاظين المتنافيين.

[ 299 ]

(ثانيهما) - أنه إن اريد من الشك الشك في الوجود، فلا بد من الالتزام بأن المراد - من الخروج عن الشئ في الاخبار - هو الخروج عن محله، وإن أريد منه الشك في الصحة، لا يلزم منه ذلك، فان التجاوز حينئذ يلاحظ بالنسبة الى نفس ذلك الشئ، فيلزم تقدير المحل وعدم تقديره في قضية واحدة. قلت أما الجواب عن الاول، فبان للشك في وجود الشئ تعلق به، وكذا الشك في صحته، (116) فيمكن أن يلاحظ جامع هذين التعلقين معنى حرفيا، ويعبر عنه بلفظ الشك في الشئ، كما استعمل في بعض الاخبار في معنى جامع بين الظرفية وغيرها، كما في موثقة ابن بكير، (فالصلاة في وبره وشعره وجلده وروثه والبانه... الخبر). واما الجواب عن الثاني فبالالتزام بتقدير المحل، (117) فان من فرغ من نفس الشئ فرغ من محل وجوده الخارجي. نعم المحل بالنسبة الى الشك في الوجود ليس محلا للوجود الخارجي المحقق، لانه غير محرز بالفرض، بل هو (116) لا يخفى ان الشكين وان كان لكل منهما تعلق بالشئ، لكن في الاول منهما لابد من لحاظ الوجود غير متحقق، وفي الثاني لحاظه متحققا، والجمع بين اللحاظين محال. وقد مر نظيره في الجمع بين القاعدة والاستصحاب، فان لكل من الشك في الوجود والشك في البقاء تعلقا بالشئ، لكن في الاول لابد من لحاظه غير متحقق الوجود، وفي الثاني متحققا. والجمع بينهما محال. فلا يقاس بجامع الظرفية في الموثقة، فان الجمع بين لحاظ افراد مدخول الظرف فيها ممكن، كما لا يخفى. (117) لا يخفى ان الالتزام بالقاعدة الثانية أي قاعدة الفراغ خلف الفرض، لان الكلام في امكان الجمع بين قاعدة الشك بعد المحل وبين قاعدة الفراغ التي لم يلحظ فيها مضي المحل، بل لوحظ فيها مضي نفس العمل ليس إلا، فهذا الذي التزم به - دام ظله - قاعدة ثالثة، مع أن الجمع بين محل الوجود الخارجي المتحقق والشرعي الذي لم يلحظ الوجود فيه متحققا - ايضا محال، فتأمل.

[ 300 ]

[ عبارة عن المكان الذى ينبغى أن يوجد فيه، إما شرعا وإما الاعم منه ومن غيره. ولا مانع من تقدير مفهوم جامع يعم المعنيين. هذا بل يمكن أن يقدر المحل بالمعنى الذى يقدر في الشك في الوجود، اعني المحل الذى اعتبر لشئ شرعا، فان محل الحمد مثلا شرعا قبل السورة، سواء اتى به ام لا، فكما أنه لو شك في وجوده بعد الدخول في السورة، يكون من الشك فيه بعد المحل، كذلك لو شك في صحته بعد الدخول في السورة يكون من الشك فيه بعد المحل، لان ما اعتبر مشكوكا هو الحمد مثلا، ومحله قبل السورة، سواء كان الشك في وجوده أو في صحته، فليتدبر. هذا، ولكن الانصاف عدم ظهور الاخبار في المعنى الاعم وان لم تكن ارادته محالا، فالاولى حمل الاخبار على الشك في التحقق، لتشمل الشك في وجود شيئ والشك في صحته، لانه راجع الى الشك في تحقق امر وجودي أو عدمي اعتبر في الشئ شطرا أو شرطا. (وقد يقال) إن الشك في الصحة راجع الى الشك في وجود الشئ الصحيح فتشمله الاخبار من هذه الجهة. والمراد منه ليس هو عنوان الصحيح، حتى يدفع بأن الظاهر أن الشئ كناية عن العناوين الاولية، لا ما يعرضها بملاحظة بعض الامور الخارجية، مثل الصحة، بل المراد ما يصدق عليه الصحيح بالحمل الشايع، كالصلاة مع الطهارة والحمد عن جهر مثلا. وتظهر الثمرة بينه وبين ما ذكرناه أنه لو شك في الكيفية المعتبرة في الفعل بعد تحقق ذلك الفعل، وقبل الدخول في غيره المرتب عليه، فعلى ما ذكرنا لا اعتبار به، لانقضاء محلها، فان محلها نفس ذلك الفعل المأتى به. وعلى ما ذكر ههنا تجب الاعادة، لعدم انقضاء محل المقيد. وفيه أن الظاهر من الشئ - الذى نسب الشك إليه في الاخبار - هو المشكوك الابتدائي، والمشكوك الابتدائي - في الصلاة مع الطهارة - هو الطهارة مثلا، وإن صح من جهة نسبة الشك الى الصلاة المقيدة، لكن لا ينصرف لفظ الشك في الشئ إلا الى ما شك فيه ابتداءا.

[ 301 ]

المقام الثاني هل المحل الذى اعتبر التجاوز عنه في الاخبار، هو خصوص المحل الذى جعل للشئ شرعا، أو يكون أعم من ذلك وما صار محلا للشئ، بمقتضى العادة الشخصية أو النوعية ؟ والذى يظهر في بادى النظر هو الاخير، دون الاول والثانى. (118) أما الاول فلعدم التقييد في دليل من الادلة. وأما الثاني، فلان اضافة المحل الى الشئ بقول مطلق لا تصح بمجرد تحقق العادة لشخص خاص، بخلاف ما لو كانت العادة بملاحظة النوع، مثلا يصح أن يقال: إن محل غسل الطرف الايسر قبل تخلل فصل معتد به بينه وبين غسل الطرف الايمن، لبناء النوع في الغسل الترتبى على الموالاة بين الغسلات، بخلاف العادة الشخصية. (118) اقول: أما دقيق النظر فيقتضى خلافه، لان الظاهر من اخبار الباب أن القاعدة المذكورة إما طريق مجعول من قبل الشارع بلحاظ طريقيتها النوعية، مع قطع النظر عن الجعل، وإما حكم تعبدي مجعول للشك لكن بلحاظ هذه الطريقية كما يشعر به التعليل (بانه حين ما يتوضأ اذكر منه حين ما يشك). ويدل عليه الاعتبار لمناسبة الحكم والموضوع، ومعلوم أن اعتبار العادة النوعية ينافي لحاظ تلك الطريقية، لان مضى محل المعتاد النوعى لا طريقية له للشخص المعتاد على خلاف العادة النوعية أصلا، حتى الطريقية النوعية، اترى من نفسك أن النوع لو كانوا بانين على اتيان الصلاتين متعاقبتين، وأما انت فعادتك الفصل بينهما، فهل تكون تلك العادة طريقا لك إذا شككت يوما في اتيانهما متعاقبتين ؟ كلا، فلا بد إما من الالتزام باعتبار المحل الشرعي، وإما تقييد العادة النوعية بعدم مخالفتها للعادة الشخصية، وحيث أن اعتبار العادة النوعية مع هذا التقييد خلاف ظاهر الادلة، فيتعين المحل الشرعي، وأما الشخصية فهي التي يرد عليها ما أورده الشيخ (قدس سره) من أن التزام الفقيه به مستلزم لفقه جديد.

[ 302 ]

نعم يصح أن يضاف المحل في هذه الصورة الى فعل خصوص ذلك الشخص، لكن ظاهر الاخبار اعتبار مضى محل الشئ من دون اضافة الى شخص، فتدبر جيدا. لكن قال شيخنا المرتضى قدس سره أفتح هذا الباب بالنسبة الى العادة يوجب مخالفة اطلاقات كثيرة، فمن اعتاد الصلاة في أول وقتها أو مع الجماعة، فشك في فعلها بعد ذلك، فلا يجب عليه الفعل، وكذا من اعتاد فعل شئ بعد الفراغ من الصلاة، فرأى نفسه فيه، وشك في فعل الصلاة، وكذا من اعتاد الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتد به، أو قبل دخول الوقت للتهيؤ، فشك بعد ذلك في الوضوء، الى غير ذلك من الفروع التى يبعد التزام الفقيه بها. نعم ذكر جماعة من الاصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شك في الجزء الاخير. انتهى ما اردنا من نقل كلامه قدس سره. وأنت خبير بان ما ذكره - قدس سره - من الامثله كلها من قبيل العادة الشخصية، إلا الاخير. وقد قال جماعة بعدم اعتبار الشك فيه، مستدلين بالاخبار، وهو موافق لما قويناه. ونعم لازم ما ذكرنا. أن من صلى صلاة الظهر أو المغرب، ثم شك - بعد قيامه من مصلاه. أنه هل صلى صلاة العصر أو العشاء ام لا، مع بقاء الوقت، لا يعتنى بشكه، لتحقق العادة نوعا باتيان الصلاتين في مجلس واحد، والالتزام به مشكل جدا. واما ما أفاده من المخالفة للاطلاقات، ففيه أن الاطلاقات لا تدل الا على وجوب اتيان الفعل. وأما لو شك في انه هل وجد ام لا، فلا تدل على عدم الايجاد، كما لا تدل على الايجاد. نعم قاعدة الاشتغال تقتضي وجوب الاتيان، حتى يقطع بالامتثال، وكذا استصحاب عدم الاتيان. وعلى فرض تمامية ادلة الباب، لا تعارض بينها وبين قاعدة الاشتغال، لورودها عليها، كما لا تعارض بينها وبين الاستصحاب، إما من جهة حكومتها عليه، وإما من جهة خلوها عن المورد لو اخذ بالاستصحاب ورفع اليد عنها، كما يأتي انشاء الله تعالى.

[ 303 ]

المقام الثالث الدخول في الغير إن كان محققا للتجاوز، فلا اشكال في اعتباره، والا ففى اعتباره وعدمه وجهان، منشأهما اختلاف اخبار الباب. ويظهر من الصحيحة ورواية ابن جابر اعتباره، ومن بعض الاخبار الاخر عدم اعتباره، فهل اللازم تقييد ذلك البعض بما دل على اعتباره، كما ذهب إليه شيخنا المرتضى قدس سره، أو الاخذ بالاطلاق. كما ذهب إليه بعض ؟ ثم على التقدير الاول، هل الغير الذى اعتبر دخوله فيه يعم كل شيئ أو يكون مختصا باشياء خاصة ؟ والذى يظهر لى هو عدم اعتبار الدخول في الغير مطلقا، لاطلاق الموثقة (كل ما شككت مما قد مضى فأمضه كما هو) وكذا ذيل موثقة ابن ابى يعفور (إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه). فان قلت لا وجه للاخذ بالاطلاق مع وجود الاخبار الدالة على القيد، وايضا الموثقة وإن كان ذيلها مطلقا، ولكن ظاهر صدرها اعتبار الدخول في الغير، فكيف يمكن الاخذ باطلاق الذيل، مع ما ذكر من القيد في الصدر ؟ (قلت) ما ذكر فيه الدخول في الغير ليس ظاهرا في القيدية، لامكان وروده مورد الغالب. والقيد الذى يصح وروده مع الغالب لا يوجب التصرف في ظاهر المطلق الذى استقر ظهوره. نعم لو قلنا بان وجود القدر المتيقن في الخطاب مانع من الاخذ بالاطلاق - كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ دام بقاه - لا يمكن التمسك بموثقة ابن ابى يعفور، لان المتيقن من موردها هو الدخول في الغير، لما ذكر في الصدر. ولكن هذا خلاف التحقيق عندي ما لم يصل إلى حد الانصراف، وعلى فرض القول بذلك يكفينا اطلاق الموثقة السابقة. (فان قلت): إن الظاهر من رواية ابن جابر - (ان شك في الركوع

[ 304 ]

بعد ما سجد، وان شك في السجود بعد ما قام، فليمض) - ان ذكر الدخول في الغير ليس لمجرد كونه محققا للتجاوز غالبا، إذ لو كان من هذه الجهة، لما صح تعيين ذلك الغير في السجود والقيام، لوجود امر آخر يتحقق به التجاوز سابقا عليهما، كالهوى والنهوض للقيام، فالتحديد في الرواية - مضافا الى دلالته على عدم كفاية مجرد التجاوز - يدل على عدم كفاية الدخول في كل امر غير ما هو المشكوك، بل يعتبر كون ذلك الامر مما اعتبر في المركب بعنوانه الخاص، فلا يكفى مثلا الهوي الذى هو مقدمة للسجود، والنهوض الذى هو مقدمة للقيام. (قلت) إن الهوى والنهوض وان كانا يتحقق بهما التجاوز لكن لا يتحقق الشك في الركوع في حال الهوى غالبا، (119) وكذا في السجود في حال النهوض، لقربهما من المشكوك فيه، فيمكن أن يكون ذكر السجود والقيام في الرواية من جهة كونهما أول حال يتحقق فيه الشك للغالب في الجزء السابق، لا أن الحكم منوط بالدخول في مثلها، فتدبر جيدا. (119) لكن الانصاف أن عدم تحقق الشك في المحل المذكور غالبا لا يصحح التقييد بما بعده، لانه عليه السلام في مقام تحديد محل الشك - لا محالة - يذكر أول محل يكون الشك فيه شكا بعد المحل، ولا يضر بذلك ندرة تحقق الشك فيه، لانه بانضمامه الى بقية الازمنة لا ندرة لتحقق الشك، مثل أن يقال (إذا خرج وقت الصلاة فشككت فيها فشكك ليس بشئ) فان ندرة تحقق الشك - في أول آن خروج الوقت - لا يصحح تقييد الحكم في مورد التحديد بالشك بعد دقيقتين من خروج الوقت مثلا، لانه خلاف كونه في مقام التحديد، فالتجاوز عما قاله عليه السلام في خصوص الركوع والسجود يحتاج الى جرأة واطمينان بارادة خلاف الظاهر، بل الظاهر من الخبر المذكور اعتبار الدخول في جزء من الصلاة غير الجزء الاول، وعدم الاعتبار للدخول في المقدمات من الهوي والنهوض وامثالهما، لظهور كونه عليه السلام في مقام بيان القاعدة، لا في مقام بيان تحديد خصوص الركوع والسجود، وكذا النص الذى امر فيه عليه السلام بالسجدة لمن شك فيها قبل أن يستوي قائما، فراجع.

[ 305 ]

المقام الرابع أنه قد خرج عن الكلية المذكورة الشك في بعض افعال الوضوء قبل الفراغ عن اصل العمل، كما لو شك في غسل الوجه، وهو مشغول بغسل اليد اليمنى، أو شك في غسل اليد اليمنى، وهو مشغول باليسرى، وهكذا، وهذا من جهة الاخبار والاجماع، بل وألحق بعضهم بالوضوء الغسل والتيمم. وكيف كان فحكم الوضوء مما لا اشكال فيه، إنما الاشكال في أن موثقة ابن ابى يعفور - وهى قوله (عليه السلام): (إذا شككت في شئ من الوضوء، وقد دخلت في غيره، فشكك ليس بشئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) - تدل على ان الوضوء باق تحت القاعدة المذكورة، بناءا على عود ضمير غيره إلى الوضوء، لئلا يخالف الاجماع. وحينئذ يستشكل بان اجراء حكم القاعدة على الوضوء، ودخوله تحتها ليس منوطا بالدخول في غير الوضوء، لتحقق بعض جزئيات تلك القاعدة قبل الدخول في غير الوضوء أيضا، فمقتضى القاعدة المذكورة في ذيل الموثقة عدم الاعتناء ببعض الشكوك، وان كان قبل الانتقال من الوضوء الى غيره، كما لو شك في غسل جزء من الوجه بعد الدخول وغسل اليد مثلا، أو شك في اصل غسل الوجه بعد الدخول في غسل اليد، لانه شك في الشئ بعد التجاوز. وقد تفصى شيخنا المرتضى قدس سره عما ذكر، بان الوضوء بتمامه في نظر الشارع أمر واحد، بملاحظة وحدة اثره، وهى الطهارة، فلا يلاحظ كل فعل بحياله، فعلى هذا لا يصدق التجاوز الا بالانتقال عن اصل العمل الى غيره، وناقش في ذلك شيخنا الاستاذ دام بقاه، بان وحدة الاثر لو كانت موجبة لذلك للزم أن يكون الشك - في جزء كل عمل قبل الفراغ عنه - شكا فيه قبل التجاوز عن ذلك الجزء.

[ 306 ]

بيان الملازمة ان سائر الاعمال يشارك الطهارات في وحدة الاثر وبساطته، مثل أن اثر الصلاة هو الانتهاء عن الفحشاء، فلو كانت الوحدة في الاثر توجب كون السبب فعلا واحدا في نظر الشرع، فلم لا يوجب في سائر الافعال هذا. أقول الظاهر أنه قدس سره لم يرد أن كل فعل له اثر واحد هو واحد في نظر الشارع، حتى يرد عليه ما افاده دام بقاه، بل المراد أن المكلف به في الوضوء - لكونه هي الطهارة في الحقيقة والافعال الخارجية محصلة لها - صح ان يلاحظ الشارع تلك الافعال امرا واحدا من جهة وحدة ما يراد فيها. وبهذه الملاحظة ليس لها اجزاء حتى يكون الشك في السابق منها - بعد الدخول في اللاحق - من افراد الشك بعد التجاوز. والدليل على هذه الملاحظة تطبيق هذه الكلية في الموثقة على الشك في جزء من اجزاء الوضوء، بعد الفراغ منه. والحاصل أنه بعد الاستفادة من الاخبار - أن الشك في جزء من الوضوء إن كان بعد الوضوء فلا يعتنى به، لكونه من أفراد الشك في الشئ قبل التجاوز - نستكشف أن افعال الوضوء كلها في نظر الشارع بمنزلة فعل واحد، والمصحح لهذه الملاحظة - مع كونها متعددة في الخارج - هو وحدة المسبب، وهى الطهارة التى هي المكلف به في الحقيقة. هذا، ثم تفصى دام بقاه عن اصل الاشكال بما مر سابقا في المقام الاول، وحاصله أن المستفاد من الاخبار قاعدتان: الاولى قاعدة الشك بعد المحل، والثانية قاعدة الشك بعد التجاوز والفراغ، والاولى مختصة باجزاء الصلاة وما بحكمها، والثانية اعم منها ومن سائر الابواب. والمذكورة ذيل الموثقة هي القاعدة الثانية، فلا اشكال. وأما شمول ذيل الموثقة للشك في صحة بعض الاجزاء بعد الفراغ منه - والانتقال إلى جزء آخر، كما إذا شك في غسل جزء من الوجه، بعد الشروع بغسل اليد مثلا - فيلزم التهافت، إذ كما يصح اعتبار أنه شك في الشئ قبل المضى - لانه شك في شئ من الوضوء قبل الانتقال عنه الى حال اخرى، فيجب الالتفات إليه - صح اعتبار أنه شك في الشئ بعد المضى عنه، لانه شك في

[ 307 ]

شئ من عسل الوجه مع التجاوز عنه، فيجب عدم الالتفات إليه. فيجاب عنه (اولا) بأنه لا احتصاص لهذا الاشكال بالطهارات، بل يعم سائر المركبات مما كان له اجزاء مركبة أو مقيدة من العبادات والمعاملات مثل ما إذا شك في جزء من الفاتحة بعد الفراغ منها وقبل الفراغ من الصلاة. والتفصى عن الكل بان المراد من الشئ في ذيل الموثقة وغيرها هو مثل الوضوء والغسل والصلاة مما له عنوان شرعا وعرفا بالاستقلال يقينا وبلا اشكال، كما تشهد به صحيحة زرارة في الوضوء، ومثل خبر كلما مضى من صلاتك وطهورك، وغيرهما من الاخبار. ومعه لا يمكن ان يراد من العموم والاطلاق في الموثقتين الاجزاء المركبة، كى يلزم التهافت. انتهى ما اردنا ذكره من كلامه ملخصا دام بقاه. اقول وانت خبير بان وحدة مضمون الاخبار الواردة في المقام تابى عن الحمل على القاعدتين (120) فانها بين ما رتب عدم الاعتناء فيها على الشك في الشئ بعد الخروج عنه، وما رتب عليه بعد المضى عنه، وما رتب عليه بعد التجاوز. ولا شك في وحدة هذه الالفاظ الثلاثة بحسب المعنى، فيحمل بعضها على الشك في الوجود بعد المحل - والآخر على الشك في الصحة بعد التجاوز عن اعمل - مما لا يساعد عليه فهم العرف. وحيث ان المراد في بعض الاخبار (120) الامجال لانكار اتحاد السياق فيما ذكر لكن ليس ذلك الظهور بمثابة يعارض ظهور كل من الطائفتين في كونها قاعدة مستقلة، فان الظاهر من خبر زرارة واسماعيل بن جابر هو الشك في اصل الشئ، كما هو واضح، والطاهر من الموثقة - (كلما شككت فيه مما قد مضى، فامضه كما هو) - الشك في صحته، مع فرض وجوده، وهذين الظهورين كا لصريحين فيما استظهرناه منهنما، فمجرد اتحاد المضمون لا يكفي لرفع اليد عنهما. ولا يقاس بالجمع بين القاعدة والاستصحاب، فان في تلك الاخبار لم يكن خبر يكافئ ظهوره - في خصوص القاعدة - ظهور اتحاد السياق والعل استفادة القاعدتين من أخبار الباب بمكان من الظهور.

[ 308 ]

هو الشك في الوجود - كما في صحيحة زرارة ورواية ابن جابر من جهة الامثلة المذكورة فيها - تعين حمل الباقي عليه. هذا مضافا إلى ان المشكوك في موثقة ابن ابى يعفور إنما هو شئ من الوضوء لانفسه باعتبار جزء منه أو قيده (121) فالشك المذكور في الكبرى لابد وان يحمل على الشك في الجزء أو القيد، حتى يصير كبرى لما ذكر في الصدر. وحينئذ فيرجع ضمير قوله (عليه السلام) لم تجزه إلى ذلك الشئ المفروض، ولا ينطبق هذا الا على الشك في الشئ بعد المحل، فتدبر. نعم يمكن أن يقال إن قاعدة الشك بعد الفراغ قاعدة اخرى تستفاد من بعض الاخبار في خصوص الوضوء والصلاة، مثل صحيحة زرارة في باب الوضوء، ومثل ما روى محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض) وأمثال ذلك من الروايات. وحينئذ فكل شك تنطبق عليه القاعدتان يلغى من جهتهما، وكلما تنطبق عليه احداهما يلغى (121) لا يخفى أن التأمل في الرواية يقتضي الحكم بكن المشكوك فيه نفس الوضوء، لا شئ منه وبيان ذلك: أن الامام عليه السلام (تارة) يكون في مقام بيان حكم شئ من الوضوء بعد الفراغ منه، و (اخرى) في مقام بيان حكم اصل الوضوء من جهة الشك في شئ منه. وبعبارة اخرى: الشك في صحته من جهة الشك في شئ مما يعتبر فيه. والاول يقتضي أن يكون المشكوك فيه هو شئ من الوضوء كما ذكره - دام بقاه -، لكن الظاهر أنه عليه السلام في مقام اعطاء حكم الشك في اصل الوضوء بعد الفراغ، وانما ذكر الشك في شئ منه مقدمة لبيان سبب الشك فيه، فالمحكوم في الحقيقة هو الشك في اصل الوضوء من جهة الشك في شئ منه. وحينئذ لا مانع من حمل الشك في الكبرى على الشك في المجموع المركب بعد الفراغ منه، وإن أبيت عن ظهور الرواية فيما ذكرنا فلا اقل من اجمالها، لطروا الاحتمالين، فلا تعارض ما ظاهره اعتبار قاعدة الفراغ.

[ 309 ]

أيضا من جهتها، ولا يعارضها مفهوم الاخرى، لان المفهوم في كل من القاعدتين بيان عدم المقتضى لالغاء الشك، وان الرجوع الى الشك من باب القاعدة، مع امكان أن يقال بعدم المفهوم للدليل المفيد لقاعدة الشك بعد الفراغ في باب الصلاة، لانه لم يجعل الموضوع فيه الشك والفراغ شرطا خارجا عنه، كما هو شأن كل قضية شرطية سيقت لبيان المفهوم، بل جعل الشك بعد الفراغ موضوعا للحكم، واداة الشرط الموجودة في بعضها إنما جئ بها لبيان تحقق الموضوع، كما لا يخفى على المتأمل. ولو سلمنا ثبوت المفهوم لكل منهما فلا يقبل المعارضة مع المنطوق، كما لو قال الشارع: إذا بلت فتوضأ مثلا، ثم قال إذا نمت فتوضأ، فانه لا ينبغى توهم أن منطوق احدهما معارض مع لمفهوم الآخر، فتدبر. فان قلت: الشك في المركب بعد الفراغ مسبب عن الشك في الجزء أو القيد، والشك في السبب تشمله الاخبار الدالة على عدم الاعتناء بالشك بعد المحل وقد تحقق أن القاعدة الجارية في الشك السببي مقدمة على القاعدة الجارية في الشك المسببى. وحينئذ لا يبقى للشك بعد الفراغ مورد الا نادرا، (122) كما لو شك في الجزء الاخير وقد فرغ عن العمل بواسطة (122) لا يخفى أن الشك في الجزء الاخير غير مشمول لقاعدة الفراغ أصلا، لتوقفها على تحقق الفراغ، وهو بعد مشكوك فيه، بل هو ايضا مشمول لقاعدة التجاوز، فلو دخل في فعل مناف للصلاة أو مترتب عليه، ثم شك في الجزء الاخير، فيصدق عليه أنه شك فيه، وقد دخل في غيره، والا فيؤتى به، فتكون القاعدة الثانية - أي قاعدة الفراغ المجعولة في خصوص الصلاة والوضوء - لغوا غير محتاج إليها، فان قاعدة التجاوز - على ما ذكرو بما ذكر لها من المعنى - كافية عن تلك القاعدة. وهذا ايضا شاهد على تعدد القاعدة المستفادة من الروايات، وأن القاعدة الاولى لايراد بها الا الشك في الوجود، وبالقاعدة الثانية الشك في الصحة، لان ظهور تينك الروايتين في الشك في الصحة مما لا يخفى، فلو لم تكن القاعدة الاولى مختصة بالشك في الوجود، لزم

[ 310 ]

[ الاشتغال بامر آخر مغاير له، ولا يحسن اعطاء قاعدة كلية لاجل مورد نادر. قلت: هذا إنما يصح إذا اعتبر المشكوك في القاعدة بعد الفراغ عن مجموع العمل، بلحاظ الخلل في بعض ما اعتبر فيه. وأما إذا اعتبر نفس ما اعتبر فيه من القيد أو الجزء، كما في قوله (عليه السلام) (كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك..) فليس هناك شكان، حتى يكون احدهما مسببا عن الآخر، بل علق الحكم في احدى القاعدتين على الشك في الجزء أو القيد، بعد انقضاء المحل، وعلق في الاخرى عليه ايضا، بعد الفراغ عن مجموع العمل. وأما تطبيق القاعدة على الشك في بعض افعال الوضوء كما في الموثقة، فتصحيحه إما بما افاده شيخنا المرتضى قدس سره. وقد عرفت عدم ورود ما اورده عليه شيخنا الاستاذ دام بقاه، وإما بان يقال: إن المستفاد من الموثقة هو ان الشك في شئ من الوضوء بعد الوضوء لا يعتنى به، من جهة انه من افراد الشك في الشئ بعد التجاوز، ولا يستفاد منها ومن غيرها أن الشك في شئ من الوضوء قبل الفراغ عن اصل الوضوء يعتنى به، من جهة انه شك في الشئ قبل التجاوز، بل يمكن أن يكون الشك قبل تمام الوضوء، مع كونه من افراد الشك بعد المحل يعتنى به، لكون هذه القاعدة مختصة به إذلا منافاة بين بقاء فرد من افراد الشك بعد المحل في باب الوضوء تحت القاعدة، وخروج الباقي. وحينئذ نقول ذكر القاعدة في الموثقة إنما هو من جهة الاجراء على الفرد الباقي، لا أنها تدل على أن الشك في باب الوضوء داخل تحت القاعدة من دون تخصيص اصلا. والحاصل أنه لم يظهر من الاخبار أن الاعتناء بالشك في جزء من = لغوية القاعدة الثانية، فانه لو حكم على كل ما شك فيه - مما اعتبر في الصلاة قيدا وجزءا - بأنه لا اعتبار بالشك فيه بعد مضى محله، ولو لم يفرغ من الصلاة، فجعل الحكم له ايضا بعدم اعتبار شكه بعد الفراغ منها مما لا وجه له.

[ 311 ]

الوضوء مادام مشتغلا به من حيث كونه داخلا في افراد الشك قبل التجاوز، وأن الشك بعد التجاوز في باب الوضوء منحصر بالشك بعد تمام العمل (123) حتى يحتاج في التوجيه الى ما افاده شيخنا المرتضى قدس سره، أو الى ما أفاده شيخنا الاستاذ دام بقاه. غاية الأمر أن الموثقة السابقة تدل على ان الشك - في شئ من الوضوء بعد الفراغ عنه - لا يعتنى به، لكونه من جزئيات الشك في الشئ بعد المحل. ولولا الاجماع والاخبار الصحيحة الآمرة بوجوب الاعتناء بالشك مادام مشتغلا بالوضوء، لقلنا - بمقتضى القاعدة ان الشك - في غسل اليد اليمنى بعد الشروع في اليسرى، وكذا الشك في جزء منها بعد الفراغ عنها - لا يعتنى به. لكن الاخبار والاجماع يخصصان القاعدة في الشكوك المتعلقه باجزاء الوضوء بعد المحل، غير الشك الذى يكون كذلك بعد الوضوء. هذا. المقام الخامس قد عرفت - مما ذكرنا سابقا - أن الشك في الشرط حكمه حكم الشك في الجزء، لان الشرط ايضا امر يشك في وجوده، وله محل خاص، فلو تجاوز محله تشمله العمومات. (123) الانصاف ان المستفاد - من مجموع الاخبار الواردة في باب الوضوء - هو كون الشك بعد التجاوز فيه منحصرا بالشك بعد الفراغ منه، فان صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) -. (إذا كنت قاعدا على وضوئك، فلم تدر أغسلت ذراعيك ام لا، فاعد عليهما، وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله مادمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه، وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوءه لا شئ عليك فيه...). بضميمة موثقة ابن ابي يعفور - تدل على أن القاعدة الكلية المذكورة في =

[ 312 ]

والكلام هنا في أنه إن احرز الشرط بهذه القاعدة - بواسطة مضى محله - هل يكفى للمشروط الآخر الذى محله باق بالنسبة إليه ام لا ؟ (مثلا) لو شك بعد صلاة الظهر في انها كانت مقرونة بالطهارة ام لا، فلا شبهة في مضى محل الطهارة بالنسبة إلى صلاة الظهر، فتشمله العمومات، فهل يكون المكلف بمقتضى تلك الادلة واجدا للطهارة، حتى يجوز له الدخول في العصر، من دون تحصيل الطهارة، ام لا تدل الاعلى صحة صلاة الظهر، لان محل الطهارة مضى بالنسبة إليها. واما بالنسبة الى صلاة العصر فمحلها باق، فيدخل بالنسبة إليها في الشك في الشئ قبل انقضاء المحل. ويمكن تفريع هذا المطلب على أن الادلة هل يستفاد منها الطريقية، بمعنى أن الشاك في شئ بعد التجاوز جعل له طريق الى احراز الواقع، اولا يستفاد منها الا حكم الشك كسائر القواعد المقررة للشاك، نظير أصالة البراءة والاستصحاب وغير ذلك. فان قلنا بالاول فيكتفى به لمشروط آخر ايضا، لان الشخص المفروض واجد للشرط واقعا بحكم الطريق الشرعي. والمفروض أنه لم يرتفع، على تقدير وجوده، ويستلزم وجوده أولا بقاءه. ومثل هذا اللازم يؤخذ به في الطرق الشرعية. وأما ان قلنا بالثاني، فلا يكتفى به لمشروط آخر، لان الشرط من هذه الجهة ليس مما تجاوز محله. وهذا ظاهر. ولما كان المطلب متفرعا على طريقية القاعدة وعدمها، فليتكلم في ذلك = الموثقة موردها بعد الفراغ من الوضوء، فلابد لتوجيهه من تطبيقها عليه، إما على ما أفاده الشيخ (قدس سره) وإما على أفاده المحقق الخراساني (قدس سره). وحيث استفدنا من الاخبار قاعدتين إحداهما مختصة بباب الصلاة، والثانية غير مختصة بباب فالظاهر أن ما استفاده الخراساني رحمه الله - في تطبيق القاعدة عليه من أن الظاهر من الشئ وماله استقلال - ولو عند العرف - دون ما لا يعد عندهم إلا جزءا لشئ آخر - هو الحق عندي والله العالم بحقيقة الحال.

[ 313 ]

ونقول: إن ظاهر الاخبار المذكورة في صدر المبحث كونها من القواعد المقررة للشاك، نعم ما يوهم - كونها معتبرة من باب الطريقية تعليل الحكم في بعض الاخبار بكونه حين العمل اذكر، مثل رواية بكير بن اعين (في الرجل يشك بعد ما يتوضأ، قال (ع) هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك)، فان الظاهر منه أن الوجه في الغاء الشك وقوع المشكوك فيه في محل بموجب العادة والغلبة. وفيه منع، إذ فرق واضح بين جعل الظن الحاصل من العادة معتبرا، كما هو مفاد الطريق، أو كونها علة لتشريع الحكم للشاك، ولا يستفاد من الخبر الاول، فيبقى ظهور الاخبار السابقة من كون هذا الحكم من الاحكام المقررة للشاك بحاله، فليتدبر. المقام السادس - قد يتراءى في بادى النظر لزوم التهافت في الاخبار السابقة، إذ لفظ الشئ كما أنه يصدق على جزء المركب كذلك يصدق على مجموعه، فحينئذ لو شك في جزء من المركب بعد الفراغ منه، فذلك الجزء مشكوك فيه، ومجموع المركب ايضا مشكوك فيه، إذ الشك في الجزء يستلزم الشك في الكل، فههنا فردان من الشك: أحدهما الشك في الجزء، والآخر الشك في الكل، والاول داخل في الشك في الشئ بعد تجاوز محله، والثانى داخل في الشك في الشئ قبل تجاوز محله، وبالاعتبار الثاني يجب الاعتناء به دون الاول. والجواب ان الظاهر من الشك في الشئ هو ان يكون الشك متعلقا به ابتداءا (124) لا ان يكون مشكوكا بواسطة امر آخر، وما يشك فيه ابتداءا (124) هذا الجواب غير صحيح على مبناه - دام بقاه - لان المشكوك عنده نفس الجزء أو القيد في قاعدة الفراغ ايضا، لا مجموع المركب، كما صرح به في المقام =

[ 314 ]

هو الجزء وان كان يصدق نسبة الشك إلى الكل من جهة استلزام الاول للثاني. وإن أبيت فنقول لزوم الاعتناء بالشك - إذا كان قبل الخروج المستفاد من الاخبار - ليس حكما تعبديا، حتى يقع التعارض في مدلول الاخبار، بل إنما هو على طبق القاعدة العقلية المقتضية لوجوب اتيان كل ما شك فيه مما اعتبر في المأمور به، غاية الامر خروج ما شك فيه بعد القضاء المحل. وأما المشكوك فيه قبل انقضاء محله، فلزوم الاتيان به من باب القاعدة الاولية. وحينئذ نقول: الشك المفروض - من حيث أنه شك في الجزء - لو شمله الدليل الدال على عدم لزوم الاعتناء به، فليس في البين ما يعارضه، لان الشك في الكل وان كان شكا في الشئ قبل انقضاء محله، لكن عرفت أن الحكم بالاعادة فيه من باب قاعدة الاشتغال، وبعد ما حكم الشارع بالغاء الجزء المشكوك فيه - كما هو مفاد اجزاء الدليل في الشك في الجزء لا يبقى محل لحكم العقل، كما هو ظاهر. المقام السابع لا اشكال في أن المراد بالشك الوارد في الاخبار هو الشك الحادث بعد التجاوز، لا الاعم منه ومن الباقي من اول الامر، فلو شك من حين الدخول في الصلاة في كونه متطهرا، فلا يجوز له الدخول فيها، بملاحظة أن هذا الشك يصير بعد انقضاء العمل شكا في الشئ بعد تجاوز المحل. وهذا واضح. وهذا الشك الحادث بعد العمل على اقسام: = الرابع، فراجع، فلعله اجاب على مذاق غيره، بل الانصاف عدم صحة الجواب الثاني ايضا، لان الظاهر - من تقييد التعبد بخصوص بعد الفراغ - أن هذا التعبد غير متحقق قبله، فلا يرفع التهافت. وهذا ايضا شاهد على اختصاص القاعدة الاولى بالشك في الوجود فقط، كما اشرنا إليه في الحاشية في المقام الرابع فراجع.

[ 315 ]

[ (احدها) - أن يكون المكلف غافلا عن صورة العمل، بمعنى انه لا يعلم الان هل حرك خاتمه حين غسل اليد ام لا، وهذا على قسمين: (أحدهما) - أنه يعلم أنه على تقدير عدم تحريكه الخاتم، كان هذا مستندا الى السهو، والثانى أنه يعلم انه على هذا التقدير كان مستنده العمد، وهنا قسم ثالث وهو أنه على هذا التقدير لا يعلم أنه مستند الى السهو أو العمد، لكن حكم هذا القسم يعلم ببيان القسمين الاولين، والقسم الثالث أن يعلم كيفية العمل، مثل أنه يعلم بان كيفية غسل يده كانت برمس يده في الماء، وانه لم يحرك خاتمه قطعا، وانه كان غافلا حين العمل، ولكن شك الآن في أن ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا ؟ إذا عرفت هذا، فنقول: أما القسم الاول فدخوله في الادلة مما لا اشكال فيه. وأما القسم الثاني فشمول الاخبار المطلقة له مما لا اشكال فيه ايضا. وأما تطبيق ما علل فيه بكونه حين العمل اذكر، فتقريبه أن قوله (ع) (هو حين يتوضأ اذكر) بمنزلة الصغرى للكبرى المطوية، فكأنه قال (ع) هو حين يتوضأ اذكر وكل من كان متذكرا حين العمل فلا يتركه عمدا، فعلى هذا تنفع هذه القضية لمن احتمل ترك الشئ سهوا، وكذا لمن احتمل تركه عمدا، كما لا يخفى. وفيه أن الظاهر من التعليل المذكور عدم الاعتناء بترك الشى سهوا، لكون الانسان متذكرا حين العمل غالبا. وأما عدم تركه عمدا فهو مفروغ عنه في الاسئلة والاجوبة الواردة في الاخبار. ومن هنا يظهر الاشكال في القسم الآخر الذى ذكرنا أنه يعلم حكمه. والحاصل أن قوله (ع) (هو حين يتوضا...) ليس متعرضا لالغاء احتمال التعمد. وأما القسم الثالث ففى شمول الادلة له وعدمه وجهان: من الاطلاق وظهور التعليل المذكور فيما إذا احتمل التذكر حين العمل. ويمكن أن يقال: أن قوله (ع) (هو حين يتوضأ...) ليس من قبيل العلة، بحيث يكون الحكم دائرا مداره، بل هو من قبيل الحكمة لاصل تشريع الحكم

[ 316 ]

للشك بعد الفراغ بنحو الاطلاق. والدليل على ذلك أمران: احدهما - خلو سائر الاخبار المطلقة مع كونها في مقام البيان عن ذكر تلك العلة. والثانى ما رواه ثقة الاسلام، عن العدة، عن احمد بن محمد، عن على بن الحكم، عن الحسين بن ابى العلاء، قال: (سألت ابا عبد الله (ع) عن الخاتم إذا اغتسلت ؟ قال (ع) حوله من مكانه، وقال في الوضوء تديره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة، فلا آمرك ان تعيد الصلاة) واحتمال أن يكون السؤال عن الخاتم الوسيع الذى يصل الماء تحته قطعا - وإنما أمره بالتحويل والادارة استحبابا، أو حمل النسيان على الغفلة بعد العمل عن الادارة وعدمها حينه - بعيد في الغاية. وعلى هذا يمكن قويا الاخذ باطلاقات الاخبار، وحمل التعليل المذكور على الحكمة، والحكم بان الشك الحادث بعد التجاوز مطلقا - سواء كان غافلا عن صورة العمل ام كان ملتفتا إليها، وسواء كان احتمال تركه مستندا الى السهو ام كان مستندا الى العمد - لا اعتبار به. هذا تمام الكلام في المقام وعليك بالتأمل التام. اصالة الصحة بقى الكلام في اصالة الصحة في فعل الغير، وبيان مدركها. وقد استدل عليها بالادلة الاربعة. أما الكتاب فبآيات منه: (منها) قوله تعالى (وقولوا للناس حسنا) ومبنى الاستدلال على أن المراد من القول هو الظن والاعتقاد، ووجه الدلالة على هذا أن التكليف المتعلق بالاعتقاد لكونه امرا غير اختياري راجع الى ترتيب الاثر، فيجب على المكلفين ان يعاملوا الناس في افعالهم معاملة الفعل الصحيح. (لا يقال) تحصيل الاعتقاد امر اختياري إذا كانت مقدماته اختيارية. (لانا نقول) نعم قد يكون كذلك، وقد يحصل قهرا، بل في غالب ]

[ 317 ]

الاحوال يكون كذلك، فلا يمكن جعله موضوعا للالزام بنحو الاطلاق. و (منها) - قوله تعالى (فاجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن اثم) تقريب الاستدلال، أن ظن الخير ليس اثما قطعا، فالظن الذى يكون اثما ومنهيا عنه هو ظن السوء، والنهى عنه راجع في الحقيقة الى النهى عن ترتيب الاثر السيئ حين الظن به، لما مضى من عدم قابلية الظن للالزام، فيجب ترتيب آثار الحسن والصحة، لعدم الواسطة. و (منها) قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) بناءا على ان الخارج من عمومه ليس الا ما علم فساده، لانه المتيقن. و (منها) - قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) بالتقريب المتقدم. وانت خبير بما في المجموع من الضعف. أما الآية الاولى، فلان الظاهر منها مطلوبية القول الحسن في مقام المحاورة، ولا ربط لها بترتيب آثار الصحة على فعل الغير، وهى نظير قوله تعالى في توصية موسى (ع) وهرون (قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى). وأما الثانية فلان عدم الواسطة - بين السوء والحسن أو الصحة والفاسد - لا يلازم عدم الواسطة في المعاملة وترتيب الاثر، اذرب عقد لا يعامله الانسان لا معاملة الصحة، ولا معاملة الفساد، وان كان في الواقع لا يخلو من أحدهما. واما الآيتان الاخيرتان، فمضافا إلى عدم شمولهما لتمام المدعى، إذ هما ليستا في خصوص العقود، فالاستدلال بهما مبنى على جواز التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية، وهو خلاف المشهور. وأما السنة (فمنها) - ما في الكافي عن امير المؤمنين (عليه السلام) (ضع أمر اخيك على أحسنه، حتى ياتيك ما يقلبك عنه، ولا تظنن بكلمة خرجت من اخيك سوءا وانت تجد لها في الخير سبيلا). و (منها) - قوله (عليه السلام) لمحمد بن فضل: (يا محمد كذب سمعك وبصرك عن اخيك، فان شهد عندك خمسون قسامة أنه قال، وقال لم

[ 318 ]

اقل، فصدقه وكذبهم). و (منها) - ما ورد مستفيضا (أن المؤمن لا يتهم اخاه، وأنه إذا اتهم انماث الايمان في قلبه، كانمياث الملح في الماء، وأن من اتهم اخاه، فلا حرمة بينهما، وأن من اتهم اخاه فهو ملعون ملعون) إلى غير ذلك من الاخبار. ولا يخفى ما في الكل، خصوصا رواية ابن الفضل، فان رد شهادة خمسين قسامة - في مقابل انكار الاخ المؤمن وتصديقه فيما يترتب عليه الحكم الشرعي - مما يقطع بخلافه، فان القسامة هي البينة العادلة، والاولى حملها على مورد لم يكن لما تشهد به القسامة اثر شرعى، فتكون هذه الرواية واردة في مقام آداب المعاشرة، ومحصل مفادها - على ما ذكرنا - أنه إذا رأيت أو سمعت - ولو من خمسين قسامة - صدور قول أو فعل من اخيك لا ينبغى صدوره في مقام المعاشرة، فلا ترتب الاثر على ذلك، واجعل المعاملة بينك وبينه كما لم يصدر منه شئ. وأما الاجماع القولى، فيظهر - لمن تصفح فتاوى الفقهاء، - أنهم لم يختلفوا في ان قول مدعى الصحة مطابق للاصل. والاجماع العملي يعرف من أن سيرة المسلمين في جميع الاعصار على حمل الاعمال على الصحيح، وترتيب آثار الصحة في عباداتهم ومعاملاتهم. وهذا واضح من دون سترة. الظاهر أن بناء العقلاء على ذلك من دون اختصاص بالمسلمين. ويستكشف رضا الشارع بضميمة عدم الردع. ويمكن أن يكون هذا ايضا مدركا للفتاوى، لا انهم اطلعوا على ما لم تطلع عليه. وكيف كان فاعتبار اصالة الصحة في فعل الغير اجمالا أظهر من أن يحتاج الى تكلف الاستدلال. ولا يخفى أن بناء العقلاء والسيرة المستمرة على أن المحمول عليه هو الصحة الواقعية، دون الصحة عند الفاعل، وهذا واضح عند من نظر الى حالهم في المعاملات والعبادات، ولكن الحمل على الصحة الواقعية في بعض الصور مشكل. وتفصيل الصور هو أن الشاك في الفعل الصادر من غيره إما أن يعلم بعلم الفاعل بصحيح الفعل وفاسده واقعا، وإما أن يعلم بجهله بذلك، وإما أن

[ 319 ]

لا يعلم حاله اصلا. والصورة الثانية على اقسام: لان إما أن يعلم باستناد جهله الى خطأه في الاجتهاد المعذور فيه أو التقليد كذلك، وإما أن يعلم بكونه عن تقصير. وإما أن يجهل ذلك، وحيث أنه ليس في البين دليل لفظي ينظر فيه من حيث العموم والاطلاق، فلابد من ان يؤخذ بالمقدار المتيقن من السيرة. ولا اشكال في تحققها في الصورة الاولى. والظاهر تحققها في الصورة الاخيرة ايضا. وأما تحققها في الوسطى بتمام اقسامها، ففى غاية الاشكال. وعليك بالتتبع في هذا المجال.

[ 320 ]

تعارض الاستصحاب مع القواعد والادلة) خاتمة في تعارض الاستصحاب مع ساير القواعد المقررة للشاك، وفي تعارض الاستصحابين. ونذكر ذلك في ضمن مقالات: المقالة الاولى) (في تعارضه مع القاعدة المقتضية لعدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز) ومجمل القول في ذلك: أنه إن قلنا باعتبار القاعدة من باب الطريقية، فوجه تقديمها على الاستصحاب واضح، وإن قلنا به من باب التعبد، فمقتضى تقديمه على سائر الاصول وإن كان تقديمه عليه ايضا، إلا أنه لو قلنا به لزم لغوية القاعدة، (125) إذ قل ما يتفق عدم استصحاب في موردها مخالفا كان أو موافقا، ولو بنى على تقديم الاستصحاب على القاعدة، كتقديمه على سائر الاصول، لم يبق لها مورد إلا نادرا غاية الندرة، فاللازم تقديمها عليه من هذه الجهة. (125) وايضا الامام (ع) في مورد الاستصحاب بالعمل على القاعدة، ثم ذكر القاعدة الكلية بعنوان الكبرى، كما في رواية زرارة واسماعيل بن جابر، بل وروايات الوضوء. وهذا أدل على تقديمها من لزوم لغويتها، فانه على هذا تصير القاعدة كالخاص المطلق في لزوم تقدمها عليه، ولو لم تلزم اللغوية ايضا، فتأمل تعرف وجهه.

[ 321 ]

[ (المقالة الثانية) (في تعارضه مع اصالة الصحة في فعل الغير) ومجمل القول في ذلك أن الشك في صحة الفعل الذى وقع في الخارج ناش من الشك في اخلال ما اعتبر فيه شرطا أو شطرا، وهذا على قسمين أحدهما ما يكون مجرى الاستصحاب، كالبلوغ واعتبار المبيع بالرؤية أو الكيل أو الوزن، والثانى مالا يكون كذلك، كما إذا شك في الصحة لاجل الشك في تحقق ما اعتبر قيدا للعقد، كالعربية مثلا، إذ لا يكون له حالة سابقة كما لا يخفى. اما القسم الثاني فمجرى الاستصحاب فيه هو المجموع الملتئم مما اعتبر فيه، إذ هو مسبوق بالعدم، ولكن الشك في بقاء ذلك على العدم مستند الى الشك في أن هذا الموجود هل هو مصداق لما رتب عليه الاثر شرعا ام لا، ومقتضى اصالة الصحة كونه مصداقا له، فهى حاكمة على الاستصحاب. وأما القسم الاول، فان قلنا باعتبار اصالة الصحة من باب الطريقية، فتقدمها عليه واضح. وأما إن قلنا بكونها من الاصول العملية، فتقدمها عليه مشكل، لانه كما أن مقتضاها كون الواقع جامعا لتمام ما اعتبر فيه، كذلك مقتضاه عدم تحقق الشرط الكذائي مثلا. ولا يتوهم أن الاستصحاب حاكم على القاعدة، من حيث ان الشك في الصحة مستند إلى الشك في تحقق ما اعتبر فيه. ومقتضى الاستصحاب عدمه، كما هو المفروض لان ما يصح بالقاعدة ليس عنوان الصحة، حتى يقال: إن الشك فيها ناش من الشك فيما اعتبر في الموضوع، بل مفادها تحقق ما يكون مصداقا للصحيح في الخارج، مثلا لو شك في صحة عقد وقع في الخارج، من جهة الشك في بلوغ العاقد، فمقتضى اصالة الصحة صدوره من البالغ، ومقتضى الاستصحاب عدم بلوغ العاقد. ومن المعلوم عدم حكومة احدهما على الآخر. ويمكن ان يقال: بحكومة الاستصحاب من جهة أن مجراه نفس القيد المشكوك فيه، ومجرى اصالة الصحة هو العقد من حيث تقييده بما اعتبر فيه. ومن

[ 322 ]

الملعوم أن الشك - في تقييد العقد بكونه صادرا من البالغ - ناش من الشك في بلوغ العاقد. وقد يتوهم تقدم القاعدة على الاستصحاب، من جهة أن أصالة عدم بلوغ العاقد لا تثبت إلا أن هذا العقد صدر من غير البالغ، وعدم الاثر إنما هو مستند الى عدم وقوع العقد الصادر من البالغ اصلا. وهذا الاصل لا يثبت ذلك الاعلى القول بالاصل المثبت، إذ المفروض انحصار الكلى في الفرد الموجود الذى حكم عليه بمقتضى الاستصحاب أنه من غير البالغ. وحيث لا نقول بالاصل المثبت، ولا نحكم بعدم صدور العقد الصادر من البالغ مطلقا، فان اقتضت القاعدة وقوع ما هو سبب مؤثر - اعني العقد الصادر من البالغ - فلا يعارضه شئ. وفيه: أن استصحاب عدم البلوغ يقتضى عدم حصول النقل بواسطة العقد الموجود. والمفروض عدم عقد آخر مؤثر في النقل، فيصح الحكم بعدم النقل مطلقا، لان اسبابه بين مقطوع العدم وما هو بمنزلة العدم. لا يقال ترتب عدم الكلى على عدم الافراد ترتب عقلي، فلا يمكن المصير إليه إلا بالاصل المثبت. لانا نقول: لا نحتاج في الحكم بعدم النقل إلى الحكم بعدم الجامع بين الخصوصيات، بل يكفى في ذلك عدم الوجودات الخاصة، إذ ليس المؤثر الا تلك. نعم لو كان المؤثر هو الجامع من دون ملاحظة الخصوصيات لما صح الحكم بعدمه باجراء الاصل في الافراد، إلا على القول بالاصل المثبت. والحاصل أن تنافى مقتضى الاصلين واضح. (126) ومقتضى ما قلناه سابقا حكومة الاستصحاب على القاعدة. إلا أن يقال بتقدم اصالة الصحة من جهة ورودها غالبا في موارد الاستصحاب الموضوعية، ولو لم نقل بذلك تصير كاللغو. (126) وذلك لأن اصالة الصحة لا تثبت الا ما ينفيه الاستصحاب، لان اصالة الصحة تثبت صحة العقد الموجود، لا صحة العقد الكلي. والمفروض أن =

[ 323 ]

[ المقالة الثالثة (في تعارضه مع أدلة القرعة) ومجمل القول في ذلك: أن موضوع القرعة جعل في بعض الاخبار الأمر المشكل، وفي آخر المجهول والمشتبه، فان اخذنا بمفاد الاول، فتقدم الاستصحاب عليها واضح، لارتفاع الاشكال فيما إذا ورد حكم من الشرع ولو ظاهرا. وان أخذنا بالثاني، فنقول بتقدم الاسصتحاب أيضا، لاعمية دليلها منه، فلابد من تخصيص دليلها بدليله. ومن هنا يعرف حالها مع سائر الاصول العملية التى كان مدركها تعبد الشارع بها، إذ ما قلناه في تقديم الاستصحاب عليها جار في الكل نعم ان كان مدركها العقل، فالقرعة واردة عليها، لكن بشرط الانجبار بعمل الاصحاب، لان كثرة التخصيص أوجبت وهنا في عموم ادلتها. (فان قلت) كثرة التخصيص إن وصلت إلى حد الاستهجان، فلا يجوز العمل به اصلا، للعلم بعدم كون العام المفروض على الصورة التى وصلت بايدينا، بل كان محفوفا بقرينة حالية أو مقالية لم يلزم بملاحظتها هذا المحذور، فيصير اللفظ مجملا بالنسبة الينا، لعدم علمنا بتلك القرينة تفصيلا. وان لم تصل الى الحد المذكور، فهى إن لم توجب قوة الظهور لا توجب وهنا فيه يحتاج جبره الى عمل الاصحاب به، بل يحتج به على من لم يعمل به. (قلت) نختار الشق الاول، ونقول إن عمل الاصحاب يكشف عن أن اللفظ المفروض مع تلك الضميمة التى كانت معه يشمل المقام، كما أن إعراضهم عنه - مع كونه نصب اعينهم يكشف عن عدم شموله للمقام ] = الاستصحاب ينفيه.

[ 324 ]

كذلك. ولنا أن نختار الشق الثاني، ونقول: إن كثرة التخصيص على هذا وإن لم تكن موجبة للوهن بنفسها، لكنها لا توجب الوهن إذا علم تفصيلا موارد التخصيص بالمقدار الذى علم اجمالا به. وأما إذا لم يعلم ذلك المقدار، فلا يجوز العمل بالعام، إلا إذا احرز أن مورد العمل ليس من اطراف العلم الاجمالي. وعمل الاصحاب يوجب ذلك، كما لا يخفى. فلو احتملنا تخصيص المورد المفروض ايضا بعد خروجه عن اطراف العلم الاجمالي، كان احتمالا بدويا غير مانع من الاخذ باصالة العموم. المقالة الرابعة (في تعارضه مع قاعدة اليد) إعلم أن مقتضى التأمل أن اعتبار اليد من باب الطريقية، لبناء العرف والعقلاء على معاملة الملكية مع ما في ايدى من يدعى الملكية، ويحتمل في حقه ذلك. ومعلوم أن ذلك ليس من جهه التعبد، كما في سائر الطرق المعمولة فيما بينهم، ولا اختصاص لذلك بيد المسلم ايضا، كما هو ظاهر. ويشهد لما قلنا رواية حفص بن غياث عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال (قال له رجل إذا رأيت) شيئا في يدى رجل، يجوز لى اشهد انه له: قال (عليه السلام) نعم، قال الرجل أشهد انه في يده، ولا اشهد أنه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) افيحل الشراء منه ؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فلعله لغيره، فمن اين لك ان تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك هو لى وتحلف عليه، ولا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) (1) فان الظاهر أن السؤال عن جواز الشهادة على انه مالك واقعا، إذ السائل عالم بالملكية الظاهرية بمقتضى اليد، ولذا قال: نعم في جواب قول الامام (عليه السلام) افيحل الشراء منه، وجواز الشهادة على الملكية واقعا لا يمكن الا مع كون اليد معتبرة على نحو يعامل معها معاملة العلم. ولا ينافى ما

[ 325 ]

قلنا قوله (عليه السلام) - في ذيل الخبر - لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق، فان الظاهر أن هذا المطلب صار سببا لامضاء الشارع ما هو مرسوم بين الناس من جعل اليد طريقا إلى المكلية. وعلى هذا تقدمها على الاستصحاب واضح، كما أنه يقدم كل امارة اعتبرت من جهة كشفها عن الواقع. وسيأتى الوجه في تقديم الامارات على الاستصحاب انشاء الله تعالى. هذا مع أنه لو قلنا باعتبارها من باب التعبد لزم ايضا تقديمها، لورودها موردا يقتضى الاستصحاب خلاف مقتضاها غالبا، فلو بنى على العمل بالاستصحاب في تلك الموارد الكثيرة لما قام للمسلمين سوق. وهذه العلة هي التى صارت موجبة لاعتبار اليد كما في الخبر. (فان قلت) مقتضى كون اليد امارة أنه لو علم بانحصار سبب الملك في امر خاص، حكم بواسطة تلك الامارة بوقوع ذلك السبب، لأن من شأن الامارة الاخذ بلوازمها وملزوماتها وملازماتها، مع ان المشهور حكموا بأنه لو اعترف ذو اليد بكونه سابقا ملكا للمدعى. ينتزع منه العين. وعليه أن يقيم البينة على انتقالها إليه. ومقتضى امارية اليد على الملكية أماريتها على موجبها، وهو الانتقال من الخصم إليه، فدعوى ذى اليد الانتقال مطابقة للامارة، فكيف تنتزع منه العين ويطالب بالبينة ؟ (قلت) الوجه في ذلك أن الشارع جعل في باب المخاصمة اقامة البينة على المدعى والحلف على المنكر، وحصر فصل الخصومة بذلك، وفهم مصاديق هذين المفهومين موكول إلى العرف، إذ ليس لهما حقيقة شرعية، كما هو الحق. وعلى هذا نقول: إن كل من صدق عليه عنوان المدعى عرفا يطالب بالبينة، سوآء طابق قوله ظاهرا من الظواهر واصلا من الاصول أم خالف، وكل من صدق عليه عنوان المنكر، فعليه اليمين كذلك. وتعريف الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم - بان المدعى هو الذى لو ترك ترك، أو الذى يدعى خلاف الاصل، أو الذى يدعى امرا خفيا - محمول على بيان الافراد الغالبية، وتميزه عن المنكر في الجملة.

[ 326 ]

إذا عرفت هذا فنقول: إن كان مال تحت يد احد يعامله معاملة الملكية، فادعى الغير أنه ماله، فهذا الغير مدع عرفا، لانه هو الذى أنشأ الخصومة. وأما لو أقر ذواليد باستناد يده إلى انتقال العين إليه من الخصم، فيصير مصب الدعوى هو الانتقال، ويصير ذو اليد بذلك مدعيا، لانه لا نزاع بينهما إلا دعوى ذى اليد الانتقال، وهذه خصومة انشأها بكلامه، وليس طريق فصل الخصومة إلا اقامة البينة، منه، أو استخلاف من ينكر الانتقال. نعم لو لم تكن في البين خصومة، وادعى ذو اليد ملكية ما فيه يده بسبب خاص، يقبل منه بواسطة اليد. تنبيه إعلم أن ما قلناه - من أن طريق رفع الخصومة في باب القضاء منحصر بالبينة والايمان - انما هو فيما إذا كان المنكر في مقابل المدعى. وأما إذا لم يكن في مقابلة منكر، بان يقول الخصم لا أدرى أصدق ما تقول، أم كذب، كالدعوى على المورث، مع اظهار الورثة الجهل بذلك، وتصديق المدعى لهم، فان كانت البينة للمدعى على ما يقول، أخذ بها، والا فلا مانع من الاخذ بسائر القواعد الموجودة: من قبيل الاستصحاب أو اليد. ويتفرع على ذلك أن العين لو كانت في يد المدعى وادعى انتقالها من الميت في حال حياته إليه، ولا ينكر ذلك الورثة جزما، يحكم بكونها ملكا لذى اليد، إذ لا منكر في قباله، حتى يقال إن طريق توصل المدعى إلى المال منحصر في اقامة البينة، والأدلة الدالة على ذلك موردها وجود المنكر في قباله، وفى غيره يعمل على القواعد. ومما ذكرنا يعلم وجه محاجة امير المؤمنين (عليه السلام) مع أبى بكر المروية في الاحتجاج، فان دعوى سيدة النساء (عليها السلام) بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اعطاها فدكا في حياته، لم ينكرها احد على سبيل الجزم، حتى يلزمها (عليها السلام) اقامة البينة، فانتزاع فدك منها - مع كون يدها ثابتة عليه - ليس له وجه الا العناد.

[ 327 ]

المقالة الخامسة (في حاله مع الطرق المعتبرة شرعا) أعنى ما اعتبر من جهة كشفه عن الواقع، وتسمى في الاحكام ادلة اجتهادية، وفى الموضوعات أمارة فلوورد في مورد الاستصحاب دليل معتبر أو أمارة معتبرة على خلاف الحالة السابقة، فلا إشكال في أنه يترك الاستصحاب، ويعمل بمقتضى ذلك الدليل أو تلك الامارة. إنما الكلام في وجه ذلك. وقد قال شيخنا المرتضى قدس سره في غير مورد من كلامه أن تقديم الادلة أو الامارات على الاستصحاب إنما هو من باب الحكومة لا التخصيص ولا التخصص، وهى - على ما فسرها في مبحث التعادل والترجيح - أن ينظر دليل بمدلوله اللفظى الى دليل آخر، ويكون مبينا لمقدار مدلوله مسوقا لبيان حاله، نظير الدليل على أنه لا حكم لكثير الشك، أو للشك في النافلة وامثال ذلك، بالنسبة الى الادلة الدالة على حكم الشك في عدد ركعات الصلاة. وعلى هذا فبيان حكومة الادلة والامارات على الاستصحاب أنه في هما، وإن كان الشك موجودا ولم يقطع بخلاف الحالة السابقة، وعموم لا تنفض يشمله لفظا، إلا ان دليل اعتبارهما قد جعل مؤداهما واقعا أوليا بالتنزيل. ولازم ذلك جعل الشك فيه ملغى بحسب الآثار، فصار مفاد قول الشارع - صدق العادل فيما اخبرك به، أو صدق الامارة فيما حكمته - ان شكك في المورد المفروض بمنزلة العدم، ومعنى كونه بمنزلة العدم أنه لا يترتب عليه ما يترتب على الشك، نظير ما إذا ورد حكم على عنوان العالم، ودل دليل على عدم كون النحوي عالما، فان مرجع هذا الدليل الى أن ما جعلنا للعالم في ذلك الدليل، لا يترتب على النحوي. هذا، ويشكل بأن الضابط المذكور لا ينطبق على دليل حجية الامارات والادلة، ولا على سائر الموارد التى جعل تقديمها من باب الحكومة، كدليل لا ضرر

[ 328 ]

ولا ضرار، ولا شك لكثير الشك. ودليل نفى الحرج وأمثال ذلك، إذ ليس واحد منها بمدلوله اللفظى ناظرا إلى مدلول دليل آخر، (127) بل يحكى كل واحد منها عن الواقع، ولذا لو لم يكن في البين الا هذه القواعد التى جعلت حاكمة على سائر القواعد، لم يلزم كونها بلا مورد، ولو كانت مبينة لمقدار مدلول قاعدة اخرى، للزم كونها لغوا وبلا مورد عند عدم تلك القاعدة، لان الدليل الحاكم على ما ذكره بمنزلة قول القائل (أعنى)، ولا يكون هذا صحيحا إلا مع كلام آخر يكون هذا شارحاله، ونحن نرى أنه لو لم يكن الشك موضوعا للحكم الشرعي اصلا، وكذا لو لم يدل دليل على حكم الشك في عدد ركعات الصلاة، وكذا لو لم تكن العمومات أو الاطلاقات تقتضي ثبوت الحكم الضررى والحرجى، لما كانت حجية للامارات والادلة، وكذا قول الشارع لا حكم لكثير الشك، ولا ضرر ولا ضرار في الاسلام، وما جعل عليكم في الدين من حرج - كان لغوا وبلا مورد، كما هو واضح. فعلم أن ما ذكر ليس بمدلوله اللفظى متعرضا لحال الدليل الآخر. (ضابط الحكومة) ولنقدم الكلام في بيان ضابط الحكومة بما عندنا، ثم نتعرض لوجه تقديم الامارات والادلة على الاستصحاب وعلى سائر الاصول التعبدية، وانه هل هو من جهة الحكومة أو الورود. وما توفيقي الا بالله. (127) لا يخفى أن لا ضرر، ولا حرج، ولا شك لكثير الشك، وامثالها ناظرة الى الادلة الاولية، ولو لم يجعل حكم من قبل الشارع اصلا، لكانت تلك الادلة لغوا، لان نفي الحكم الضرري - أو الحرجي مع عدم حكم اصلا - معلوم اللغوية، وكذلك نفي حكم كثير الشك مع عدم جعل حكم للشك اصلا. نعم لو لم يكن للشكوك حكم، لم تكن ادلة الامارات لغوا، ويكفي في عدم لغويتها نفس الواقع المجعول المجهول، لكن سيأتي الكلام في بيان حكومتها انشاء الله تعالى.

[ 329 ]

إعلم أن المراد من قولنا دليل كذا حاكم على كذا أنه يقدم عليه، من دون ملاحظة الاخصية والاظهرية، بل يقدم بواسطة ادنى ظهور انعقد له. إذا عرفت هذا، فنقول: إن كل دليل يكون متعرضا للحكم المستفاد من الدليل الآخر، وإن لم يكن بلسان ته نزيل الموضوع، فهو مقدم عليه عند العرف، وان لم يكن أخص، بل كانت النسبة بينهما عموما من وجه، كما إذا قال المتكلم اكرم العلماء، ثم قال في مجلس آخر: لم احكم أولا احكم باكرام الفاسق قط (128) فانا نرى أن اهل العرف يجعلون الكلام الثاني قرينة على الاول، ويحكمون أن المراد من العلماء العدول منهم، مع كون النسبة بين الكلامين عموما من وجه. وان لم يكن الثاني بمدلوله اللفظى شارحا للكلام الاول، ولذا لو لم يكن الاول ايضا، لكان الثاني تاما في مفاده. ولعل السر في ذلك أن مدلول قول المتكلم اكرم العلماء ليس الا جعل ايجاب متعلق باكرام العلماء. وأما أن وجوب اكرام كل فرد منهم مراد للمتكلم، فهو مفهوم آخر غير المفهوم الاول من القضية. نعم يحكم السامع - بملاحظة عموم اللفظ، وعدم صدور شئ من ناحية المتكلم يدل على عدم كون فرد خاص موردا للايجاب - بان وجوب اكرام ذلك الفرد مراد ايضا. وبعد ما صدر من ناحيته لفظ يدل بمدلوله المطابقى على عدم صدور هذا الحكم منه، وإن لم يكن هذا اللفظ شارحا للفظ الاول، بل يكون حاكيا عن نفس الامر، فلا يبقى مجال للاخذ باصالة العموم في الكلام الاول. نعم لو كان الكلام الثاني غير متعرض للحكم بمدلوله الاولى، بل يدل على جعل الحكم المنافى، كقول المتكلم لا تكرم الفساق، فلا بد من التعارض بين الكلامين في مورد الاجتماع، لانه كما أن كون اكرام العالم الفاسق مرادا للمتكلم ليس مدلولا اوليا لقضية اكرم العلماء، بل يحكم السامع بذلك من جهة (128) الظاهر أن ذلك الكلام ايضا ناظر الى الاحكام المجعولة سابقا، أو ما يريد أن يجعلها بعد، فانه لو لم يجعل حكم قبل تلك القضية ولا بعدها، لكان لغوا.

[ 330 ]

القاعدة المسلمة، كذلك كونه مرادا له من قضية لا تكرم الفساق، فيقع التعارض، فيحتاج إلى ملاحظة الاظهرية إن كانت في البين، والا فيحكم بالتساقط، ويرجع الى قاعدة اخرى. وبعبارة اخرى: في القسم الاول لا يقع التعارض بين الكلامين في ذهن العرف، حتى يحتاج إلى الترجيح بالاقوائية. ولذا ققلنا فيه بأنه يكفى انعقاد اول ظهور للكلام، بخلاف القسم الثاني. ويحتمل أن يكون هذا ايضا مراد شيخنا المرتضى، لكنه قد قال في مبحث التعادل والترجيح في ذيل بيان الضابط للحكومة ما ينافى ما ذكرنا. هذا، وأما وجه تقديم الادلة والامارات على الاستصحاب وسائر الاصول العملية، فكونه من باب الحكومة يبتنى على أن يكون دليل حجيتها متعرضا لحكم الشك، بمعنى أن قول الشارع: - صدق العادل، أو اعمل بالبينة - يرجع الى أن هذا الشك ليس شكا عندي، وما جعلت له حكم الشك. والانصاف أنه لم يدل دليل الحجية الا على جعل مدلول الخبر واقعا، وايجاب معاملة الواقع معه. وأما أن حكم الشك لا يترتب على الشك الموجود، فليس بمدلول لدليل الحجية. ونعم لازم حجية الخبر المنافى للاستصحاب أو سائر الاصول عدم ترتب حكم الشك عليه، كما أن لازم ترتب حكم الشك عدم حجية الامارة الدالة على الخلاف. وهذا معنى التعارض. والاقوى وفاقا لسيدنا الاستاذ طاب ثراه ورود الادلة والامارات على الاستصحاب وسائر الاصول التعبدية. (129) ] (129) ما افاده (قدس سره) - من أن اليقين المأخوذ في الاستصحاب وسائر الاصول إنما اخذ طريقا، والشك المأخوذ فيها معناه عدم الطريق - وإن كان حقا، ويدل عليه مع ما ذكر قوله عليه السلام في ذيل ما رواه الشيخ (قدس سره): (أو امرأة تحتك، وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا =

[ 331 ]

[ وتوضيح ذلك: أنك عرفت في مبحث حجية القطع أن العلم إذا اخذ في الموضوع، فتارة يعتبر على نحو الطريقية، واخرى على نحو الصفتية. والمراد من اعتباره على نحو الطريقية أن المعتبر هو الجامع بينه وبين الطرق المعتبرة، كما ان المراد من اعتباره على نحو الصفتية، ملاحظة خصوصيته المختصة به، دون سائر الطرق، وهو الكشف التام المانع عن النقيض. ونقول هنا: إن الشك في مقابل العلم، اعني كما أن العلم المأخوذ في الموضوع تارة يلحظ على وجه الطريقية، واخرى على وجه الصفتية، كذلك الشك قد يلاحظ بمعنى أنه عدم الطريق، وقد يلاحظ بمعنى صفة التردد القائمة ] = أو تقوم به البينة) (1) فان الحلية في محتمل الاختية - رضاعا كان ام نسبا - ليس للاستصحاب، ومع ذلك جعل عليه السلام غايته اعم من العلم وقيام البينة، لكن لا يكون ذلك منشأ لورود الامارات على الاصول، بل لا ينتج الا الحكومة. بيان ذلك: أن العلم السابق المأخوذ في موضوع الاستصحاب وكذا الذي جعل غاية له ولسائر الاصول، لم يؤخذ تمام الموضوع قطعا، وإنما اخذ جزءا للموضوع، ويكون نفس الحدوث للمعلوم ايضا دخيلا، حتى قيل إن الموضوع منحصر به، من دون دخل للعلم، وإنما اخذ العلم فيه لاحراز الحدوث، لكنه خلاف الظاهر، فان ادلة الاستصحاب ظاهرة في دخل العلم في الموضوع ايضا، ولو بنحو الطريقية. وعلى هذا فلو قام الطريق على نقض الحالة السابقة، فجزء الموضوع محقق بالوجدان، وهو الطريق، حيث قلنا بدخل العلم فيه بنحو الطريقية، بمعنى كون الموضوع جامع الطريق. وأما جزؤه الآخر وهو الواقع، فلم يتحقق الا تعبدا ببركة الطريق. وهذا معنى الحكومة، حيث أن جزء الموضوع وغاية الاستصحاب أو الاصول، وإن تحقق وجدانا بقيام الطرق على خلافه، لكن جزؤه الآخر وهو الواقع غير ثابت إلا بالتعبد. = (1) وسائل الشيعة الجزء 12 - الباب 4 من ابواب ما يكتسب به - الحديث 4

[ 332 ]

بالنفس، إذ الشك بمعنى عدم العلم، فان لوحظ العلم طريقا، فمعنى الشك الذى في قباله هو عدم الطريق، وان لوحظ صفة، فكذلك. إذا عرفت هذا، فنقول: إن ظاهر الادلة الدالة على الاستصحاب وسائر الاصول أن العلم المأخوذ فيها اخذ طريقا، وعلى هذا مفاد قولهم (عليهم السلام): لا تنقض اليقين بالشك - أنه في صورة عدم الطريق الى الواقع، يجب ابقاء ما كان ثابتا بطريق، وهكذا كل ما دل على ثبوت الحكم على الشك، فمفاده دوران الحكم المذكور مدار عدم الطريق، فإذا ورد دليل على حجية دليل أو امارة، يرتفع موضوع الحكم الذى كان معلقا على عدم الطريق. والذى يدل على ذلك - مضافا الى أنه لا يبعد دعوى ظهور العلم المأخوذ في الموضوع في كونه على نحو الطريقية عند العرف - ان الاصول العملية والطرق المعتبرة تشتركان في كونها احكاما ظاهرية للشاك في الواقع، إذ لا يعقل جعل الطريق الى الواقع للقاطع به، سواء كان قطعه موافقا لمؤدى الطريق ام مخالفا له، فالاحكام الظاهرية - سواء كانت من سنخ الطرق ام من سنخ الاصول - مجعولة مادام المكلف شاكا. وحينئذ نقول: إن تعليق الشارع الحكم على الشك - وجعله مادام كونه باقيا فيما يسمى بالاصول العملية، وعدمه كذلك فيما يسمى بالطرق، مع كونها ايضا احكاما متعلقة بالشك ودائمة بدوامه - دليل عل يان الشك المذكور = إلا أن يقال: إن العلم السابق المأخوذ في الاستصحاب وان كان جزء الموضوع، لكن العلم المأخوذ غاية فيه وفي سائر الاصول أخذ فيه وفيها بنحو التمامية للموضوع، بحيث لو تحقق الطريق ينتفي حكم الاستصحاب بنفس الطريق، لا بملاحظة الواقع المستكشف بالطريق. وبعبارة اخرى: يكون الموضوع فيها الشك بمعنى التحير لعدم الدليل، حيث لو انتفى ذلك انتفى الموضوع، وان كان الانتهاء بالغفلة من دون احتياج الى الواقع. وفيه: أن ذلك كاشف عن أن الموضوع فيها هو الشك الفعلي لا عدم الطريق، والمسألة بعد محتاجه الى التأمل والتنقيح.

[ 333 ]

في الاصول العملية غير الشك اللازم عقلا في الطرق الشرعية، ومغايرتهما بان يراد من الشك المأخوذ في الاصول عدم الطريق، ويكون الشك اللازم في الطرق الشرعية عقلا، ولم يذكر في الدليل صفة التردد، فليتأمل. (فان قلت) هب ذلك، لكن ورود الطريق على الاصول موقوف على شمول دليل الحجية لمواردها، واى ترجيح لشمول دليل الحجية على شمول ادلة الاصول، مع كون المورد قابلا لهما في اول الامر ؟ (قلت شمول ادلة الطريق لا مانع منه اصلا، لوجود موضوعها مطلقا، وعدم ما يدل على التخصيص، بخلاف شمول ادلة الاصول، فان موضوعها يبتنى على عدم شمول دليل حجية الطرق. ولا وجه له بعد وجود الموضوع مطلقا، وعدم ما يدل على التخصيص. وبعبارة اخرى: الامر دائر بين التخصيص والتخصص، والاول خلاف الاصول دون الثاني. والعجب من شيخنا المرتضى (قدس سره) حيث أنه - بعد ما نقل كون العمل بالادلة في مقابل الاستصحاب من التخصيص، بناءا على ان المراد من الشك عدم الدليل والطريق والتحير في العمل - استشكل بأنه لا يرفع التحير في خصوص مورد الاستصحاب، الا بعد اثبات كون مؤداه حاكما على مؤدى الاستصحاب، والا أمكن أن يقال: إن مؤدى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة، مع عدم اليقين بارتفاعها، سواء كانت هناك الامارة الفلانية ام لا، ومؤدى دليل تلك الامارة وجوب العمل بمؤداها، خالف الحالة السابقة ام لا. ولا تندفع هذه المغالطة الا بما ذكرنا من طريق الحكومة. انتهى. وانت خبير بانه - بعد ما فرض ان المراد من الشك المأخوذ في الاستصحاب هو عدم الدليل والتحير (130) - لا يمكن ان يقال: ان مؤداه وجوب ] (130) لان حجية الامارة القائمة على خلاف مقتضى الاستصحاب إن كانت مقطوعة، فلا مناص عما ذكره (قدس سره)، لانه لا يبقى على الفرض موضوع للاستصحاب، لتحقق غايته، وأما لو احتمل عدم حجيتها في خصوص المورد في =

[ 334 ]

العمل على الحالة السابقة، مع عدم اليقين بارتفاعها، سواء كانت الامارة الفلانية ام لا، إذ مع الامارة الفلانية - المفروض كونها حجة - لا يبقى للاستصحاب موضوع على الفرض المذكور، مع أن هذا الكلام يجرى على تقدير القول بالحكومة ايضا، بان يقال إن مؤدى الاستصحاب وجوب العمل على طبق الحالة السابقة، سوآء كانت الامارة الفلانية ام لا، وكون الامارة على تقدير وجودها حاكمة ليس اقوى من كونها واردة. وكيف كان هو قدس سره اعلم بما افاد. ومما ذكرنا يظهر أنه لا فرق في تقدم الطرق على الاصول العملية، بين ما يكون مخالفا لها أو موافقا، وكذلك لا فرق على ما افاده شيخنا المرتضى قدس سره، لان وجود الطريق موجب لارتفاع موضوع الاصول، بناءا على ما قلنا، وارتفاع حكمه بناءا على ما أفاده قدس سره. ويمكن ان تقرر الحكومة: بأن حجية الخبر والطرق وإن قلنا بانها حكم تعبدي من الشارع، إلا أن ادلة وجوب الاخذ بها تدل عليه بلسان الارشاد إلى الواقع، فكما أن المرشد حقيقة يكون غرضه رفع الشك من المسترشد، كذلك المتعبد بلسان الارشاد يفهم منه العرف أن غرضه رفع الشك تعبدا، وهو راجع الى رفع آثاره. وذهب شيخنا الاستاذ دام بقاه في المقام الى القول بورود الطرق على الاستصحاب وسائر الاصول العملية، بتقريب آخر، قال في مبحث الاستصحاب: إن مجرد الدليل على خلاف الحالة السابقة، وان لم يوجب خروج المورد عن مورد الاستصحاب، إلا أنه يخرجه حقيقة عما تعلق به النهى في اخبار الباب من النقض بالشك، فانه لا يكون معه نقضا بالشك، بل بالدليل، فلا يعمه = علم الله، ولزوم العمل على الاستصحاب، ودفعنا ذلك الاحتمال باصالة العموم، لدليل تلك الامارة، فهى لا تفيد الا تنزيل تلك الامارة بمنزلة المقطوع حجيتها. وهذا معنى الحكومة. ولولا هذا التنزيل لم يكن وجه لتقدم عموم دليل الحجية على عموم دليل الاستصحاب. وهذا مراد الشيخ (قدس سره) فيما افاده.

[ 335 ]

[ النهى فيها. وليس افراد العام ههنا هو افراد الشك واليقين، كى يقال إن الدليل العلمي إنما يكون مزيلا للشك بوجوده، بل افراده افراد نقض اليقين بالشك، والدليل المعتبر - وإن لم يكن علميا - يكون موجبا لئلا يكون النقض بالشك، بل بالدليل - الى ان قال -. لا يقال قضية قوله (عليه السلام) في بعض الاخبار: (ولكن تنقضه بيقين آخر) هو النهى عن النقض بغير اليقين، والدليل المعتبر غير موجب لليقين مطلقا، فكيف يقدم كذلك ؟ لانا نقول: لا محالة يكون الدليل موجبا لليقين، غاية الامر لا بالعناوين الاولية للاشياء، بل بعناوينها الطارئة الثانوية، مثل ان يكون قد دل على وجوبه أو حرمته خبر العدل، أو قامت البينة على ملكيته أو نجاسته بالملاقاة، الى غير ذلك من العناوين المنتزعة. انتهى ما اردنا من نقل كلامه دام بقاه. ولا يخفى أن جعل اليقين الذى جعل غاية للاستصحاب - عبارة عن اليقين بالحكم بوجه من الوجوه، وان كان من الوجوه الظاهرية - يلازم جعل الشك الموضوع فيه عبارة عن عدم العلم بالحكم بوجه من الوجوه كذلك. وعلى هذا فبعد قيام الدليل المعتبر ليس الشك بهذا المعنى موجودا. وحينئذ فلا حاجة الى تسليم ان الدليل المعتبر لا يوجب خروج المورد عن مورد الاستصحاب، ولكن يخرجه عما تعلق به النهى من النقض بالشك. وكيف كان ففى ما افاده دام بقاه مواقع للنظر: (احدها) ان وجود الدليل المعتبر على خلاف الحالة السابقة، بعد ما لم يكن موجبا للعلم، لا يخرج المورد عن صدق نقض اليقين بالشك، لان المفروض بقاء الشك بحالة، ولا نعنى بنقض اليقين بالشك الا رفع اليد عن الحالة السابقة في حال الشك، (131) نعم هو نقض لليقين بالشك بواسطة الدليل. (131) لا يخفى أن الظاهر من تلك القضية رفع اليد عن العمل باليقين في حال الشك بواسطة الشك، كما هو المتعارف، فان المتوضي إذا شك في نقض =

[ 336 ]

[ (ثانيها) - أن جعل اليقين الذى هو غاية للاستصحاب عبارة عن اليقين بالحكم بوجه من الوجوه، حتى يكون العلم بالحكم - بعنوان أنه قام عليه خبر العدل - مصداقا له حقيقة، لا ينفع في البينة القائمة على الموضوع الخارجي على خلاف الاستصحاب في ذلك الموضوع، ضرورة أن البينة لا توجب العلم بمؤادها بوجه، لان الموضوع غير قابل للجعل. وبعبارة اخرى لو قام الدليل على حرمة شرب التتن في قبال استصحاب اباحته مثلا، أمكن أن يقال ان شرب التتن حرام يقينا، بعنوان انه قام على حرمته الدليل المعتبر. وأما إذا قامت البينة على موت زيد في قبال استصحاب حياته، فلا يمكن أن يقال انه ميت يقينا، بعنوان قيام البينة على موته، فحياة زيد في المثال مما علم سابقا، ولم يعلم عدمه لاحقا بوجه من الوجوه، فالعمل على طبق البينة نقض لحياته سابقا بغير يقين بالخلاف. - منها - إن الوجوه المذكورة ليست عناوين للاحكام، بمعنى تعلق الاحكام بها بعناوينها، بل انما لوحظت طريقا إلى الواقع. ومقتضى ذلك اللحاظ أن يجعل الحكم الثانوي للعنوان الذى يكون موضوعا للحكم الاولى، مثلا لو قام الدليل على حرمة شرب التتن، فمقتضى طريقية ذلك الدليل ان يصير شرب التتن بهذا العنوان محرما، إذ لو لوحظ عنوان قيام خبر العدل في موضوع هذا الحكم، كالغصب وسائر العناوين الموضوعة للاحكام، لخرج الدليل عن كونه طريقا معتبرا، من جهة حكايته عن الواقع. وإذا فرض أن مقتضى الدليل كون شرب التتن محرما بالحرمة الثانوية، فنقول إن مقتضى الاستصحاب كونه مباحا بالاباحة الثانوية، فاى مزية له عليه، إلا أن يلتزم بان غاية الاستصحاب هو العلم بالحكم الفعلى، وإن لم يكن متعلقا بوجه من الوجوه، سوى الوجوه الواقعية. ونحن علمنا بحرقة شرب التتن بواسطة الدليل القائم عليها مثلا، فتحقق العلم الذى هو ] = وضوئه، يتوقف بالطبع عن الدخول في الصلاة، فإذا سئل عن سبب التوقف، يعلله بالشك. والظاهر من القضية رفع هذا التوقف والنقض لا النقض بالدليل.

[ 337 ]

غاية للاستصحاب. فإن قلت لم لا تأخذ بمفاد الاستصحاب، ونعلم انه غير حرام فعلا، حتى لا يحتاج إلى الاخذ بالدليل الدال على الحرمة ؟ قلت لان ذلك موجب لرفع اليد عن الدليل من دون موجب، بخلاف العكس، فانه يوجب التخصص في دليل الاستصحاب. والوجه في ذلك أن ايجاب الاخذ بالطرق الشرعية ليس مغيى بالعلم بالحكم الفعلى، حتى يمكن الاخذ بمفاد الاستصحاب وجعله غاية له، كما في العكس، بل الدليل على وجوبه مطلق. نعم لما علم انه حكم ظاهري للتوصل الى الواقع، علم انه ليس مجعولا للعالم باصل الواقع، لا انه مقيد بعدم العلم بالحكم الفعلى، وان كان مدلولا لدليل أو اصل آخر. وبعبارة اخرى دليل الاستصحاب جعل الحكم معلقا على الشك الظاهر في الشك في الحكم الفعلى، واوجب النقض بيقين آخر، وهو ظاهر ايضا في اليقين بالحكم الفعلى، وان كان مستفادا من الادلة المعتبرة، بخلاف دليل اعتبار الطرق، فانه اعتبرها مطلقا، غاية الامر هو مقيد عقلا بما إذا لم يعلم اصل الواقع. وحينئذ فالاخذ بالطرق رافع لموضوع الاستصحاب حقيقة، بخلاف العكس. وكيف كان فلا ارى بدا مما سبق، من أن الشك المأخوذ في الاستصحاب وسائر الاصول، بمعنى عدم الطريق، فيرتفع هذا الموضوع بوجود كل ما اعتبر طريقا على نحو الاطلاق. هذا تنبيه لا ندعى أن لفظ اليقين في الخبر استعمل في معنى الطريق المعتبر مطلقا، ولا ان الشك استعمل في عدم الطريق كذلك، حتى يلزم المجاز في الكلمة، بل نقول إن الظاهر أن الخصوصية المذكورة ملغاة في موضوع الحكم، وهو غير عزيز في القضايا كمالا يخفى.

[ 338 ]

المقالة السادسة (تعارضه مع سائر الاصول العملية) مثل البراءة والاحتياط والتخيير ومحصل الكلام في المقام أن كل ما كان مما ذكر مدركه العقل، فلا اشكال في ورود الاستصحاب عليه، لارتفاع موضوعه بسببه، لان حكم العقل بالبراءة معلق على عدم بيان من جانب الشرع، وحكمه بالاحتياط معلق على عدم وجود المؤمن، وحكمه بالتخيير معلق على عدم ما يرفع به التحير من قبل الشارع. ولا فرق فيما ذكر بين الاحكام الواقعية والظاهرية. وهذا واضح. وأما ما كان منها ماخوذا من الادلة الشرعية كاصالة البراءة المأخوذة من قوله (رفع ما لا يعلمون) وقول (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى) وكذا اصالة الطهارة، ففى تقديم الاستصحاب عليها اشكال، من جهة أن كلا من قاعدة الاستصحاب والقاعدتين المذكورتين حكم مجعول من الشارع في موضوع الشك. ولا وجه لتقديم احدى القاعدتين على الاخرى، سواء جعلنا الشك بالموضوع فيها بمعنى التردد في النفس، أم جعلناه بمعنى عدم الطريق، إذ على الثاني كل ما قدم من القاعدتين يكون رافعا لموضوع صاحبه. واستراح شيخنا الاستاذ دام بقاه في هذا المقام بما افاده سابقا من وجه تقدم الامارات على الاستصحاب. وحاصله أن الشك المأخوذ في الاصول هو الشك من جميع الجهات، فإذا علم الحكم بوجه من الوجوه، ارتفع ذلك الموضوع. وقد علمنا الحكم بعنوان نقض اليقين بالشك، فلا مجال للاخذ بالحكم المعلق على عدم العلم بوجه من الوجوه. اقول ليت شعرى ما الفرق بين البناء على الحالة السابقة الذى هو حكم الشك في باب الاستصحاب، والبناء على الاباحة الذى هو ايضا حكم الشك في باب البراءة، وهكذا البناء على الطهارة الذى هو مفاد قاعدة الطهارة ؟ وما الذى رحج الاستصحاب حتى صار منشأ للحكم بهذا الوجه، وارتفع به موضوع الاصل المخالف له ؟ وقال شيخنا المرتضى قدس سره في وجه تقدم الاستصحاب

[ 339 ]

على اصالة البراءة: ما لفظه (إن دليل الاستصحاب بمنزلة معمم للنهى السابق بالنسبة الى الزمان اللاحق، قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك يدل على أن النهى الوارد لابد من ابقائه، وفرض عمومه، وفرض الشئ في الزمان اللاحق مما ورد فيه النهى ايضا، فمجموع الرواية المذكورة والمراد بها كل شئ مطلق. ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول كل شئ مطلق حتى يرد فيه النهى، وكل نهى ورد في شئ فلا بد من تعميمه لجميع ازمنة احتماله، فتكون الرخصة في الشئ واطلاقه مغياة بورود النهى المحكوم عليه بالدوام وعموم الازمان، فكأن مفاد الاستصحاب نفى ما يقتضيه الاصل الآخر في مورد الشك لولا النهى. وهذا معنى الحكومة، كما سيجئ في باب التعارض. انتهى كلامه رفع مقامه) أقول: لا اشكال في أن التعميم المستفاد من قضية لا تنقض إنما هو الحكم المرتب على الشك، وليست حاكية عن عموم التحريم بحسب الواقع وحينئذ، فما الفرق بين ما يدل على ان الحكم الشرعي في حال الشك من سنخ ما كان موجودا في السابق، وهو التحريم مثلا، أو هو الترخيص. وأى وجه لتقديم الاول. على الثاني. وكيف كان فالذي يمكن ان يقال هو أن مدلول ادلة الاستصحاب هو الحكم بابقاء اليقين والغاء الشك، لا جعل الحكم المطابق للسابق، وان كانت بدلالة الاقتضاء يرجع إلى ذلك، حيث أن اليقين لا يقبل لان يحكم عليه بالابقاء. وحينئذ نقول: إن جعلنا المراد من الشك - الذى هو موضوع الاصول - المعنى الظاهر منه، اعني حالة الترديد في النفس، فقوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك يكون حاكما عليها، لانه يدل على وجوب معاملة اليقين مع هذا الشك، فموضوع اصالة البراءة وسائر الاصول التى في حكمها منتف شرعا، وإن كان باقيا عقلا وان جعلنا المراد منه عدم الطريق - كما اسلفنا سابقا -، والمراد من اليقين الذى هو غاية للاصول ومعتبر في الاستصحاب ابتداءا، وغاية الطريق المعتبر، فوجه تقديم الاستصحاب على اصالة البراءة وما شابهها وروده عليها، لان

[ 340 ]

مفاد ادلته كون المكلف واجدا للطريق في حال الشك، فلا يبقى - لسائر الاصول التى مفادها الحكم لفاقد الطريق - موضوع. فان قلت: إن اردت من الطريق الذى يرتفع به موضوع الاصول ما يحكى عن الواقع الاولى، فلا اشكال في عدم كون الاستصحاب كذلك، وان أردت منه مطلق الاحكام الظاهرية التى جعلت بملاحظة الاحكام الواقعية، من دون ملاحظة انفسها، فلا اشكال في اشتراك الاحكام المجعولة في ساير الاصول معه في ذلك. وحينئذ، فاى واحد من الاستصحاب والاصل الآخر يقدم برفع موضوع صاحبه، إذ كما يصدق بعد مجيئ الحكم بالاستصحاب أنه واجد للطريق إلى الحرمة مثلا بالمعنى الذى ذكرنا، يصدق بعد مجيئ الترخيص بادلة البراءة أنه واجد للطريق الى الترخيص كذلك. قلت: نعم كون المكلف ذا طريق إلى الترخيص بالمعنى الذى ذكرنا إنما هو بعد جعل الترخيص الظاهرى الذى هو مفاد ادلة البراءة، وأما كونه ذا طريق الى الحرمة المحققة - في الزمن السابق بالمدلول الاولى من ادلة الاستصحاب، لانها حاكمة ببقا الطريق في حال الشك ايضا - فواجدية المكلف الطريق الى الحرمة السابقة بمقتضى ادلة الاستصحاب مقدمة على واجديته للطريق الى الترخيص بمقتضى دليل البراءة، إذ هي في مرتبة الترخيص الملزوم لانجعال الطريق. وبعبارة اخرى - بعد تحقق موضو الاستصحاب وأصالة البراءة اولا. (132) واما دليل البراءة فلا يتصدى لذلك أولا، بل هو لازم للحكم المستفاد منه، فموضوع الاستصحاب باق في رتبة الحكم المستفاد من دليل (132) لا يخفى أن تصدى دليل الاستصحاب لرفع دليل اصالة البراءة ليس الا بالامر بالبناء على بقاء نفس الواقع تعبدا، كما كان، وغايته استفادة كونه ذا طريق في حال الشك تعبدا. وهذا ليس إلا ما افاده الشيخ (قدس سره) من الحكومة.

[ 341 ]

البراءة، (133) بخلاف موضوع البراءة فانه بنتفى بورود الحكم المستفاد من دليل الاستصحاب. هذا كله في الاستصحابات الجارية في الاحكام. واما الشبهات الموضوعية، فتقدم الاستصحابات الجارية فيها على اصالة البراءة اوضح، لان الشك فيها في الحكم مسبب عن الشك في الموضوع، ويأتى تقدم الاصل الجارى في السبب على الاصل الجارى في المسبب مطلقا إنشاء الله تعالى. المقالة السابعة (في تعارض الاستصحابين) ومحصل الكلام في المقام أن الشك في أحدهما إما أن يكون مسببا عن الشك في الآخر. وإما أن يكون الشك فيهما مسببا عن ثالث، وأما كون الشك في كل منهما مسببا عن الشك في الآخر، فغير معقول، فالاستصحابان المتعارضان على قسمين: (الاول) - ما إذا كان الشك في احدهما مسببا عن الشك في الآخر، وحكمه تقديم الاستصحاب الجارى في الشك في السبب، ورفع اليد عن الحالة السابقة للمستصحب الآخر، مثاله لو غسل ثوب نجس بماء كان طاهرا قبل، وشك في بقاء طهارته حين غسل الثوب به، فالثوب بعد الغسل بالمآء يشك في طهارته ونجاسته، ولكن هذا الشك إنما نشأ من الشك في طهارة الماء حين غسل الثوب به، إذ لو علم طهارة الماء حين الغسل، لكانت طهارة الثوب قطعية. والوجه في تقدم الاستصحاب الجارى في الشك السببي أمر ان: (احدهما) ما اسلفناه سابقا في وجه تقدم الطرق المعتبرة على الاصول. وحاصله أن الشك المأخوذ في موضعها بمعنى عدم الطريق، فإذا ورد طريق معتبر ] (133) سيجيئ الاشكال في تقديم أحد الادلة على الآخر، من جهة تقدم =

[ 342 ]

يرتفع موضوعها. وفى المقام نقول أيضا إن دليل اعتبار الاستصحاب بملاحظة شموله للشك السببي لم يبق للاستصحاب في المسبب موضوع، لانه بعد حكم الشارع بطهارة الماء الذى غسل به الثوب، (134) يحصل لنا طريق إلى طهارة الثوب ايضا. ولا عكس، بمعنى أنه لو فرض شموله للشك في الثوب لا تترتب عليه نجاسة الماء، لان نجاسة الماء ليست من آثار نجاسة الثوب، لان المفروض العلم بان الماء لم يتنجس بالثوب. نعم لو علم ببقاء نجاسة الثوب، يكشف عن نجاسة الماء. وحينئذ فالامر دائر بين التخصيص والتخصص، والاول مخالف للقاعدة بخلاف الثاني. (الثاني) - تقدم الشك السببي على المسببى طبعا، (135) لان الثاني معلول = الرتبة في تقديم الاستصحاب السببي على المسببى - انشاء الله تعالى -. (134) إن كان المراد الطريق الى الطهارة الواقعية، فمعلوم أن الاستصحاب ليس بطريق وغاية ما يمكن أن يقال: إن اليقين السابق والشك اللاحق نزل، منزلة اليقين بالواقع في جميع الآثار، حتى في نقضه لليقين السابق، وذلك على فرض تسليمه لا يكون إلا مصداقا للحكومة، كما افاده الشيخ (قدس سره). وإن كان المراد قيام حكم الشارع على طهارته - ولو في الظاهر - فهو حق إلا أن (لا تنقض) يثبت حكم الشك، مع قطع النظر عن الحكم المجعول من قبل نفسه، إلا أن يتمسك بتنقيح المناط أو القضية الطبيعية: (135) لا يخفى أن تقدم الرتبة في مقام تحقق الخارج يؤثر ذلك الاثر، بمعنى أنه لا يعارض ما في رتبة المعلول ما هو في رتبة العلة، لعدم المانع للثاني في رتبته، بخلاف الاول، فانه لم يوجد إلا في الرتبة المتأخرة عن الثاني. والمفروض عدم اجتماع الثاني معه، فلا محالة يتحقق ما هو في رتبة العلة، ولا يتحقق ما هو في رتبة المعلول. وأما في مقام استكشاف أن أي الموضوعين محكوم بذلك الحكم عند المتكلم لبا، فلا يؤثر ذلك، فانه يمكن أن يكون الشك المتأخر رتبة موضوعا للحكم، بخلاف =

[ 343 ]

للاول، ففى رتبة وجود الاول لم يكن الثاني موجودا، وإنما هو في رتبة الحكم المرتب على الاول، فالاول في مرتبة وجوده ليس له معارض اصلا، فيحرز الحكم من دون معارض. وإذا ثبت الحكم في الاول، لم يبق للثاني موضوع. وبهذا البيان الثاني تعرف وجه تقدم الاستصحاب الجارى في السبب، وان قلنا بالاصول المثبتة. توضيح المقال أنه بناء على ذلك - وإن كان يترتب على الاستصحاب الجارى في الثوب نجاسة الماء، ويرتفع به موضوع الاستصحاب في الماء، وليس على هذا من قبيل دوران الامر بين التخصيص والتخصص - إلا أن التقدم الطبعى للشك السببي أوجب احراز الحكم وارتفاع موضوع الآخر من دون عكس. ومن هنا يعلم أن الاستصحاب - إن قلنا باعتباره من باب الظن أيضا - لكان المقدم الاستصحاب في السبب. ويظهر أيضا من جميع ما ذكرنا أن هذا الحكم ليس مختصا بالاستصحاب، بل كل اصل جار في الشك السببي مقدم على كل اصل جار في الشك المسببى، حتى أنه في المثال المذكور لو احرزنا طهارة الماء باصالة الطهارة، نحكم بطهارة الثوب، ونرفع اليد عن السابقة فيه، مع أن = المتقدم لبا عند الحاكم، فالكاشف وهو العدم يدل على تحقق الحكم وتعلق الارادة بكلا الموضوعين، لكن العقل - حيث يقطع بعدم امكان اجتماعهما في الواقع، وحيث يمكن دخول كل واحد منهما وخروج الآخر لبا - يتوقف. ولا ترجيح لاحدهما عند العقل. نعم لو اقتضضت احدى القواعد اللفظية خروج احدهما ودخول الآخر، كتقدم التخصص على التخصيص فهو، والا فلا ترجيح. ان قلت: هذا من المسلمات أن الموضوع علة تامة للحكم، والمفروض تقدم رتبة الشك السببي على الشك المسببي، والرتبة المتأخرة عنه التي هي رتبة الشك المسببي تكون في رتبة الحكم السببي، فيصير كالتكوينيات عينا. وقد اعترفت أن تقدم الرتبة فيها مؤثر. =

[ 344 ]

الاستصحاب مقدم على قاعدة الطهارة إذا كانا في مورد واحد. القسم الثاني ما إذا كان الشك في كليهما ناشئا من امر ثالث. ومثاله لو علم اجمالا بنقض الحالة السابقة في احد المستصحبين. ومحصل القول في ذلك أن العمل بالاستصحابين (تارة) يوجب مخالفة عملية قطعية لذلك العلم الاجمالي، و (اخرى) لا يوجب ذلك. (الأول) كما لو علم بنجاسة احد الاناءين الطاهرين في السابق. والثانى، كما لو توضأ غافلا بمايع مردد بين الماء والبول، فان بقاء طهارة البدن والحدث وان كان مخالفا للقطع، ولكن لا يلزم من البنآء عليهما بمقتضى الاستصحابين مخالفة عملية. أما القسم الاول فالتحقيق فيه أن عموم ادلة الاستصحاب يشمل كلا من طرفي العلم الاجمالي، لان الموضوع فيما اليقين بامر في السابق، والشك في بقاء ذلك الامر في اللاحق. وهذا المعنى محقق في كل واحد منهما، لكن لما كان العمل بعموم الدليل المذكور في المقام موجبا لمخالفة قطعية عملية، ولايجوز عند العقل تجويز ذلك، فلا بد من رفع اليد عنه في مجموع الطرفين. نعم الترخيص في البعض لا بأس به، لكن اخراج بعض معين وابقاء الآخر كذلك ترجيح بلا مرجح، إذ نسبة الدليل إلى كلا الطرفين على حد سواء، وإبقاء واحد منهما على نحو التخيير غير مدلول الدليل، لان موضوعه الآحاد المعينة. ومقتضى ذلك التساقط، والرجوع الى مقتضى العلم الاجمالي بالتكليف، وهو موجب للامتثال = قلت: نعم مع العلم بأن الشك السببي موضوع للحكم في لب المتكلم، نعلم بانه علة تامة له، لكن مع الشك في ذلك نشك في عليته ايضا، ونحتمل علية المسببى في لب المتكلم. والمفروض انه ممكن ايضا. وان شئت توضيح ذلك فاليك هذا المثال لو قال احد لشخص: إن هذا ابني، وقال ايضا أنا لا اضرب ابني أبدا، ثم رأيناه أنه يضربه، فنقطع بعدم صدق إحدى القضيتين واقعا، لكن هل يوجب - مجرد كون الاولى محققة لموضوع الثانية - العلم بكذب الثانية، لتقدم رتبة موضعها عليها ؟ فافهم فانه دقيق.

[ 345 ]

القطعي. فان قلت ترخيص احد الطرفين وإن لم يكن مدلول الدليل، الا أنه يجب الحكم بالترخيص من جهة العقل، لان مقتضى الترخيص في كل منهما موجود بمقتضى عموم الادلة، والمانع إنما منع عن الجمع، فالمقتضي في احدهما يكون بلا مانع يجب تأثيره بحكم العقل. ونظير هذا يقال فيما إذا تزاحم الغريقان، ولم يتمكن المكلف من انقاذهما، ولم يكن لاحدهما مرجح. قلت هذا في مثال تزاحم الغريقين صحيح. والوجه فيه أن مقتضى الانقاذ في احدهما موجود، ولا يكون له مانع يقينا، بخلاف ما نحن فيه، لانا نقطع بعدم المانع، إذ لعل العلم الاجمالي الذى يقتضى الاحتياط يمنع عن تأثير مقتضى الترخيص مطلقا في نظر الشارع. اللهم إلا أن يقال بالترخيص في احدهما، لا من جهة ما ذكر، بل من جهة الاخذ باطلاق دليل الترخيص في كل من الطرفين، وتقييد كل منهما بمقدار الضرورة. بيان ذلك أن مقتضى عموم الدليل الترخيص في كل من الاناءين المشتبهين مطلقا، اعني مع ارتكاب الآخر وعدمه، والمانع العقلي إنما يمنع هذا الاطلاق، ولا ينافى بقاء الترخيص في كل واحد منهما بشرط عدم ارتكاب الآخر. فان قلت لازم ذلك أن من لم يرتكب شيئا منهما، يكون مرخصا في ارتكاب كليهما. وهذا إذن في المخالفة القطعية. قلت: الاحكام لا تشمل حال وجود متعلقاتها ولا حال عدمها، (136) (136) لا يخفى أن الاطلاق في المقام لا ربط له باطلاق الحكم وشموله لحال عدم متعلقه، لان المقصود إطلاق الحكم وشموله لكل فرد في حال عدم فرد آخر، وإن كان المقصود أن الحكم المجعول في القضية - حيث جعل لجميع الافراد في عرض واحد - فلا يمكن شمول كل حكم لحال عدم متعلق الآخر، لانه بمنزلة شموله لعدم متعلقه، فهو انما يتم لو قيل بلزوم اللحاظ في الاطلاق، حيث يستلزم لحاظ عدم متعلق =

[ 346 ]

لان الشئ المفروض الوجود ليس قابلا لان يتعلق به حكم من الاحكام، وكذا الشئ المفروض العدم. مثلا بعد فرض الوجود الخارجي لشرب التتن لا يصح الامر به، ولا المنع عنه، ولا الترخيص فيه، لانه بعد هذا الفرض خارج عن تحت قدرة المكلف، وكذا بعد فرض عدمه الخارجي، فالدليل المذكور لا يمكن شموله للترخيص حتى في صورة فرض عدم ارتكاب متعلقه ليكون ترخيصا في المخالفة القطعية. هذا. وقد اشرنا الى ذلك في الشبهة المحصورة، فراجع وتأمل. وأما القسم الثاني فهو على قسمين: أحدهما أن يكون مقتضى الاستصحاب في احد الطرفين ثبوت التكليف وفى الآخر عدمه، ونحن نعلم بعدم التكليف بينهما. والثانى أن يكون مقتضاه في الطرفين ثبوت التكليف. ونحن نعلم بعدمه في احدهما. = فرد آخر لحاظ عدم متعلق نفسه ايضا، لمكان وحدة متعلقهما في نظر الجاعل، وأما لو قيل بعدم احتياج الاطلاق الى اللحاظ. بل يكفيه عدم لحاظ قيد معه، فلا يلزم محذور اصلا، فتأمل، لئلا يختلط. وليكن هذا آخر ما اردنا تحريره من التعليقات على ما صنفه الاستاذ العلامة - اعلى الله في الخلد مقامه - من اول مبحث الالفاظ الى آخر الاستصحاب. ويتلوه الكلام فيما يتعلق بالتعادل والترجيح - انشاء الله تعالى - وقد وقع الفراغ منه في الليلة السادسة عشرة من محرم الحرام السنة السادسة والخمسين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة. وقد توفي (قدس سره الشريف) في ليلة السبت السابع عشر من شهر ذى القعدة الحرام السنة الخامسة والخمسين وثلاثمائة بعد الالف هجرية في بلدة قم الطيبة، ودفن في مدرسه المشهور بدار السيادة المتصل بما هو معروف ب‍ (مسجد بالاسر) في جوار بضعة الاحمد المختار، وحرم الائمة الاطهار، قرب مرقد فاطمة بنت الامام الهمام موسى بن جعفر عليهما الصلاة والسلام. والحمد لله اولا وآخرا.

[ 347 ]

[ أما الاول فلا مانع فيه من الاخذ بمقتضى كلا الاصلين، لعدم المخالفة القطعية العملية التى كانت مانعة في المثال السابق. ومجرد العلم بأن مقتضى أحد الاستصحابين مخالف للواقع لا يؤثر شيئا. نعم لو علمنا بعدم التفكيك حتى في مرحلة الظاهر، يقع التعارض بينهما، كما أنه قد يقال في الماء النجس المتمم كرا بماء طاهر بقيام الاجماع على اتحاد الماءين في الحكم، حتى بملاحظة الظاهر. فحينئذ مقتضى استصحاب نجاسة المتمم بالفتح - بضميمة الاجماع المدعى على الملازمة - نجاسة الكل، ومقتضى استصحاب طهارة المتمم بالكسر - بضميمة الاجماع المذكور - طهارة الكل، فيقع التعارض بينهما، ويحصل التساقط، فاللازم في المثال الرجوع الى قاعدة الطهارة. واما الثاني فالاخذ بالاستصحاب فيه وإن لم يكن مخالفا لتكليف واقعى معلوم، كما هو المفروض، لكن لما كان الاستصحاب حكما ظاهريا - وليس له فائدة الا تنجيز الواقع على تقدير الوجود، فيما إذا كان مثبتا للتكليف، واسقاطه كذلك فيما إذا كان نافيا له - لا يمكن جعل الاستصحابين في المثال، للقطع بعدم ثبوت الواقعين، فيكون احدهما لغوا. نعم لو فرض لهما اثر آخر غير تنجيز الواقع لامكن الاخذ بكل منهما، لترتب ذلك الاثر، كما في استصحاب نجاسة كل من الطرفين لاثبات نجاسة ملاقي كل واحد من المشتبهين، إذ لولا ذلك لكان الملاقى محكوما بالطهارة، إلا إذا حصل العلم الاجمالي في الملاقى، كما إذا لاقى شئ أحد الطرفين، وآخر الطرف الآخر. هذا ما عندنا في هذا المقام وعليك بالتأمل التام. وقد تم الكلام في احكام الشك باسرها، مع مراعاة الاختصار، والاجتناب عن الزوايد والتكرار، ونسأل الله أن يصلح نياتنا ويتجاوز عن زلاتنا، إنه عزيز غفار. ويتلوها الكلام في التعادل والترجيح إنشاء الله تعالى.

[ 348 ]

التعادل والترجيح البحث في تعارض الدليلين وهو عبارة عن تنافى مدلوليهما بحيث لا يمكن صدق كليهما بحسب الواقع. ومن هنا يعلم أنه لا تعارض بين مفاد الدليل الحاكى عن الواقع، والدليل الدال على حكم الشك، وإن كان على خلاف الواقع، لامكان صدق كليهما. مثلا يمكن أن يكون شرب التتن حراما، ومع الشك في حرمته حلالا، لاختلاف رتبتيهما. وقد اوضحنا ذلك في مبحث حجية الظن، عند التعرض لكلام ابن قبة، فلا نطيل الكلام بتكراره، فراجع. ثم إنه لو كان الدليل الدال على الواقع مفيدا للقطع، فلا اشكال، وإلا يقع التعارض بحسب الصورة بين دليل حجية ذلك الدليل، وبين ما يدل على حكم الشك، لان مقتضى دليل حجية الخبر الحاكى عن الواقع وجوب الاخذ بمؤداه في الحال التى عليها المكلف، وهى حال الشك في الواقع. ومفاد ذلك الخبر حرمة شرب التتن مثلا، ومقتضى الدليل الدال على حكم الشك في هذا الحال حليته، وليس بينهما اختلاف الرتبة، كما كان بين الحكم الواقعي والحكم المتعلق بالشك، لان كلا منهما حكم ثانوى مجعول للمكلف في حال الشك في الواقع الاولى. هذا وقد فرغنا فيما تقدم ايضا عن ورود ادلة حجية الطريق على

[ 349 ]

الاصول العملية، فلا نعيد. ومن اراد فليراجع. واما العام والخاص المطلق، فالتعارض بين مدلوليهما واضح، لعدم امكان صدق كليهما. ومحصل الكلام فيهما انهما على اقسام، لانهما إما ان يكونا قطعيى السند، أو يكونا ظنيين، أو يكون العام قطعي السند دون الخاص، أو بالعكس. وعلى أي حال إما أن يكون الخاص قطعيا من حيث الدلالة، ومن حيث جهة الصدور، أو يكون ظنيا من هاتين الجهتين، أو من أحداهما، فهنا اقسام لابد من التعرض لها. (القسم الاول) ما إذا كان العام مقطوع الصدور، والخاص ايضا مقطوع الصدور والجهة والدلالة، فلا اشكال في تقديم الخاص المذكور على هذا العام، لان حجية ظهور العام موقوفة على عدم العلم بالخلاف، والخاص المفروض يوجب العلم بالخلاف، كما هو واضح. (القسم الثاني) ما إذا كان العام مقطوع الصدور والخاص ظنى الصدور فقد اختلف العلماء في ذلك. ومن جملة مصاديق هذا القسم تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهم بين قائل بتخصيص العام به، وقائل بالعكس، ومتوقف، لان لكل منها جهة رجحان. وقال شيخنا المرتضى قدس سره في وجه التخصيص المذكور ما محصله: (إن دليل اعتبار السند حاكم على اصالة العموم إن بنينا على أن اعتبار الظهور إنما هو من حيث اصالة عدم القرينة، فان مقتضى دليل اعتبار السند جعل هذا الخاص المفروض كونه نصا بمنزلة النص الصادر القطعي، فالشك - في تحقق القرينة الذى كان موضوعا للاصل المذكور - بمنزلة العدم، بحكم دليل اعتبار السند. وأما إن قلنا بان اعتباره من جهة الظن النوعى بارادة الحقيقة الحاصل من الغلبة أو غيرها، فالظاهر أن النص وارد عليه مطلقا، وإن كان ظنيا، لان الظاهر أن دليل حجية الظن الحاصل من إرادة الحقيقة الذى هو مستند اصالة الظهور مقيد بصورة عدم وجود ظن معتبر على خلافه. ويكشف عن ذلك أنا لم نجد

[ 350 ]

ولا نجد من انفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاص، وإن فرض كونه اضعف الظنون المعتبرة) انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. اقول وفيما ذكره قدس سره نظر. أما اولا فلانه بناءا على اعتبار العموم من باب اصالة عدم القرينة ايضا لو قدمنا الخاص، فلا يكون وجه تقدمه الا الورود، لعدم تعقل الحكومة في اللبيات، كما لا يمكن القول بالتخصيص، فلا بد ان يلتزم القائل - بتقدم الخاص الظنى السند على العام في هذا الفرض - بان اصالة عدم القرينة معتبرة، ما لم يدل دليل معتبر على القرينة، وان كان غير علمي. وأما ثانيا فلانه قدس سره وان اصاب فيما افاد من انه لا نجد من انفسنا موردا يقدم فيه العام من حيث هو على الخاص، وان كان اضعف الظنون المعتبرة، ولكنا أيضا لا نجد من انفسنا كون حجية الظواهر بحسب الشأن والاقتضاء مقيدة بعدم وجود ظن معتبر على خلافها. نعم نرفع اليد عنها في بعض الموارد، وان لم يعلم بالقرينة، لكن ليس ذلك من جهة قصورها في الحجية، بل من جهة تقديم ما هو اقوى منها. والحاصل أن تقديم الخاص الظنى على العام، وإن كان نجده من انفسنا كما افاده، ولكن وجهه ليس ما أفاده قدس سره، كما أنه مما نجده من انفسنا ايضا. والذى يخظر بالبال في المقام في وجه التقديم هو أن دليل اعتبار السند يجعل ظهور العموم في الخاص بمنزلة معلوم الخلاف، (137) فان الاخذ التعادل و الترجيح (137) لا يخفى أن ذلك التقريب بالاخرة يرجع الى حكومة دليل اعتبار السند على دليل حجية الظواهر، كما يظهر بادنى تأمل وهو ينافي ما افاده (اعلى الله مقامه) آنفا من عدم تعقل الحكومة في اللبيات، فالاولى ما ذكره الشيخ (قدس سره) من تقيد الحجية الفعلية للظواهر في نظر العقلاء بعدم وجود حجة معتبرة اقوى منها من حيث الدلالة، ولو كان سندها أو جهة صدورها مستندا الى غير العلم، وهذا معنى الورود. والظاهر عدم الفرق في ذلك بين استنادهم في ذلك الى اصالة عدم القرينة أو اصالة الظهور، =

[ 351 ]

بسند الخاص - الذى لااحتمال فيه بعد الاخذ بالسند سوى المعنى الخاص الذى هو في مقابل العام - يكون معناه جعل هذا المضمون بمنزلة المعلوم، فتحصل غاية حجية الظواهر بنفس دليل اعتبار السند، بخلاف دليل حجية الظاهر، فانه ليس معناه ابتداءا جعل الغاية لحجية خبر الواحد، بل مقتضاه ابتداءا هو العمل بالظاهر، وأنه مراد من العام. نعم لازم كونه مرادا من العام عدم كون خبر الدال على خلافه صادرا عن الامام (عليه السلام)، إذ المفروض كونه نصا من جميع الجهات، فدليل حجية السند موضوع محقق في رتبة تعلقها به، بخلاف دليل حجية الظاهر، فانه يرد معه ما يرفع موضوع الحجية. ومعلوم أنه إذا كان مع الحكم ما يرتفع به موضوعه، لا يصح تحقق ذلك الحكم. وبعبارة اخرى يرفع دليل حجية السند موضوع حجية الظاهر بنفس وجوده، بخلاف العكس، فان دليل حجية الظاهر لا يرفع موضوع حجية السند بنفس وجوده، إذ من الواضح أنه ليس معنى جعل الظاهر مرادا واقعيا هو عدم صدور ذلك الخاص من الامام (عليه السلام) نعم يرفع موضوع حجية السند في الرتبة المتأخرة عن مجئ الحكم، ففى المرتبة الاولى لا مانع من مجئ دليل اعتبار السند، لتحقق موضوعه في هذه الرتبة، فإذا جاء هذا الدليل لتحقق موضوعه، يرتفع به موضوع ذلك الدليل. فليتدبر جيدا. ومما ذكرنا يظهر وجه تقدم الخاص الذى يكون نصا في المدلول الاستعمالى، ولم يكن مقطوعا به من حيث وجه الصدور، فان ما ذكرنا في تقدم الخاص الظنى السند جار فيه ايضا. نعم لو كان الخاص ظنيا من جهة المدلول الاستعمالى، لم يجر فيه ما قلناه، ضرورة كون اصالة الظهور في كل من العام والخاص في عرض واحد. فتحصل مما ذكرنا أن الخاص إذا كان نصا في مدلوله الاستعمالى، فهو ] = فان التقيد بعدم وجود حجة اقوى حاصل على كلتا الصورتين.

[ 352 ]

مقدم على العام، سواء كان مقطوعا من سائر الجهات أو مظنونا أو مختلفا، وسواء كان العام قطعي الصدور ام لا، فيبقى الكلام في الخاص الظنى بحسب الدلالة اللفظية. فنقول: إن كانا متساويين في الظهور، فلا اشكال في التوقف، لان اصالة ظهور كل منهما معارضة بمثلها، وإن كان احدهما أظهر، ففى تقديم الاظهر - وجعله قرينة على صرف الظاهر أو التوقف كالمتساويين - اشكال. وما يمكن أن يكون وجها للاول احد امرين على سبيل منع الخلو. (احدهما) - ان يدعى أن بناء العرف على تقديم الاقوى عند التعارض، فلا يكون متحيرا عند تعارض الامارتين بعد اقوائية احداهما، خصوصا إذا كان منشأ الاقوائية ما يكون بنفسه حجة، كما فيما نحن فيه، فان منشأ الاقوائية اضافة ظهور هو حجة إلى ظهور آخر: وليس ذلك ببعيد. ولكنه يحتاج الى تأمل. (الثاني) ان يقال انا إذا احرزنا ان المتكلم من عادته ذكر القرائن منفصلة عن كلامه، بمعنى أنه كثيرا ما يفعل كذلك، كما هو كذلك في كلمات الائمة عليهم السلام تصير كلماته المنفصلة المنافى بعضها مع بعض بمنزلة المتصل، (138) فكما أن اللفظ الذى يكون أظهر دلالة على معناه من لفظ آخر إذا وقع متصلا بالكلام يكون قرينة صارفة كما في لفظ يرمى بالنسبة الى الاسد، كذلك هذا اللفظ إذا وقع منفصلا إذا فهمنا بالفرض أن من عادته أن يؤخر ما يكون صالحا للقرينية في الكلام. نعم فرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة من جهة اخرى، وهى أن الاولى تمنع عن انعقاد الظهور، ويسرى اجمالها لو كان في الكلام ] (138) قد مر أن العادة المذكورة لا تضر في ظهور اللفظ، وليس المناط في رفع اليد عن الظهور الاول بالثاني إلا كونه أقوى، وإلا كان مثل الاول أو اضعف، أو كان مجملا يلزم أن يوهن الظهور الاول، مع أنه يعمل بالاول في غير صورة التساوي، وفيهما يعامل معهما معاملة المتعارضين المتساويين. والحاصل: أن صرف الظهور عن جهة تلك العادة مما لا يقبله الوجدان.

[ 353 ]

بخلاف الثانية. هذا وأما الدليلان المتباينان بحسب المدلول فهما على اقسام. (أحدها) - أن يكونا نصين في تمام مدلوليهما. والثانى - أن يكونا ظاهرين، وهو على قسمين: (أحدهما) أن يكون لهما قدر متيقن، بحيث لو فرض صدورهما تعين الاخذ به. و (الثاني): أن لا يكون لهما قدر متيقن في البين اصلا. والاول منهما ايضا على قسمين (أحدهما) - أن القدر المتيقن المفروض إنما فهم من نفس الدليلين. و (الثاني) - أنه علم من الخارج، فهذه اربعة اقسام. لا إشكال في عدم امكان الجمع إذا كانا نصين، كما أنه لا اشكال في عدم امكان الجمع ايضا إذا كانا ظاهرين في تمام مدلولهما، فهذان القسمان داخلان في الخبرين المتعارضين، ويعامل معهما معاملة التعارض، من ملاحظة الترجيح في السند أو التخيير، على التفصيل الذى ياتي انشاء الله. ولو كان كل منهما نصا في مقدار من مدلولهما، وظاهرا في الآخر، فمقتضى ما ذكرنا - في وجه تقديم الخاص المظنون السند على العام هو الاخذ بالنص في كلا الدليلين هنا وإلغاء الظاهر فيهما، تحكيما للنص في كل منهما على الظاهر في الآخر. ولا فرق في ذلك بين كونهما مقطوعي السند، أو مظنوني السند بالظن المعتبر، أو كان احدهما مقطوع السند والآخر مظنونا بالظن المعتبر. أما في الاول فظاهر. وأما في الثالث فلوقوع التعارض بين ظهور الخبر المقطوع الصدور وسند الآخر. وما ذكرناه من الوجه في تقديم الخاص المعتبر على العام جار هنا بعينه. واما في الثاني، فلعدم كون المدلول مشمولا لدليل الاعتبار، إلا بعد الفراغ عن اعتبار السند، فيشمل دليل الاعتبار كلا السندين من دون معارض، لان ما يتوهم أن يكون معارضا للسند دليل اعتبار الظهور في الآخر. وظاهر أنه غير مشمول لدليل الحجية قبل الفراغ من اعتبار سنده. فالواجب أن يفرض السندان مقطوعي الصدور بمقتضى دليل الاعتبار الخالى عن المعارض، كما عرفت، ثم الاخذ بنص كل منهما وتحكيمه على ظاهر الآخر.

[ 354 ]

وبعبارة اخرى قبل الاخذ بالسندين ليس المدلولان مشمولين لدليل الاعتبار، وبعد الاخذ بهما لا مناص إلا الاخذ بنص كل منهما وطرح ظاهر الآخر. وبهذا البيان تعرف الحال في القسم الاخير ايضا، وهو ما إذا كان لكل منهما على فرض الصدور قدر متيقن علم من الخارج، لا بحسب مدلول القضية، فان ما ذكرناه في السابق جار هنا ايضا. والحاصل أن ميزان الجمع هو أن يكون الدليلان - بحيث لو فرض صدروهما - لم يكن تحير في مدلولهما. وقد يقال بالفرق بين القسمين الاخيرين: بالالتزام بالجمع بين المدلولين في الاول، ومعاملة المتعارضين في الثاني، بملاحظة أن ثبوت المتيقن في كل من الدليلين من الخارج لا يخرجهما عن المتعارضين عرفا، إذ ليس هذا الجمع هو الجمع المقبول عند العرف. وفيه أن المراد من الجمع العرفي إن كان ارتفاع التعارض بينهما عرفا، على فرض الصدور، كما هو الحال في المخصص المتصل، فظاهر أن هذا المعنى في القسم الاول أيضا مفقود، بل ليس ذلك في العموم والخصوص المطلق المنفصل أيضا، إذ ليس حال المخصص المنفصل كالمتصل في كونه موجبا لانعقاد ظهور آخر للكلام، وان كان المراد أن العرف - بعد فرض صدور الدليلين - لم يكن متحيرا في الاخذ بمدلولهما، فالقسمان متساويان في ذلك. فثبت مما ذكرنا أن المتباينين - لو كان لكل منهما على فرض الصدور مقدار متيقن، ولو علم ذلك من خارج اللفظ - لزم الاخذ بهما باتباع المتيقن منهما، وطرح غيره في كليهما. وقال شيخ اساتيذنا العظام شيخنا المرتضى قدس سره في رسالة التعادل والترجيح بانحصار الجمع بين الدليلين، فيما إذا كان مستلزما للتصرف في أحدهما، كالعام والخاص والمطلق والمقيد، دون ما كان مستلزما للتصرف في كليهما. وحاصل ما أفاده قدس سره في وجه ذلك: أن أحد الدليلين مقطوع الاعتبار، فيقع التعارض بين ظاهره وبين سند الآخر. ولا ترجيح لاخذ السند وطرح الظاهر.

[ 355 ]

اقول - بعد تسليم كون احد السندين مقطوع الاعتبار - فالوجه في تقديم سند الآخر على ظاهر ما فرض القطع باعتباره ما قلناه في تقديم سند الخاص على ظهور العام، مضافا إلى منع حجية احد السندين، لان حجيته في المدلول التعييني ترجيح بلا مرجح، وحجية الاخذ بالمبهم لا معنى لها، فيما إذا لم يكن هناك ثالث، كما إذا قام الخبران على طرفي نقيض. فان قلت: ان احد الخبرين حجة بالاجماع، لعدم القول بجواز طرحهما بين العلماء قدس سرهم، لانهم بين من يجمع المدلولين، وبين من يأخذ بالترجيح لو كان، والا فالتخيير، وبين من يحكم بالتخيير مطلقا. قلت مدارك الاقوال المذكورة معلومة، فمن اختار احد المدارك المذكورة يلزمه حكمه، فلم يبق له مجال للقول بحجية أحد الخبرين على سبيل الابهام، وتعارض ظهوره مع سند الآخر. ومن لم يختر احد المدارك المذكورة، فلا دليل له على حجية أحد الخبرين في مقام التعارض، لا تعيينا ولا تخييرا، ولا على سبيل الابهام. فان قلت إذا منعت حجية الواحد على سبيل الابهام، فبم يحكم بانتفاء الثالث فيما إذا كان لهما ثالث ؟ قلت نفى الثالث لا يتوقف على حجية احد الخبرين في المدلول المطابقى، إذ كون دلالة اللفظ على اللازم - متفرعة على دلالته على الملزوم - لا يلازم كون حجية حكاية اللفظ عن اللازم متفرعة على حجية حكايته عن الملزوم، إذ هما فردان من الكشف الحاصل من نقل الثقة، فيشملهما دليل الاعتبار في عرض واحد، ولو منع احدهما مانع ليس في الآخر، فلا وجه لسقوط دليل الاعتبار بالنسبة الى ما ليس له مانع. (139) (139) توضيح ذلك: ان دليل الاعتبار معناه حقيقة جعل ايجاب العمل على طبق مضمون الامارة كالواقع، فيجب ترتيب جميع آثار الواقع من المؤدى ولوازمه في عرض واحد، لان جعل الحكم للملزوم ملازم لجعله لللازم، ولا ينفك عنه وجودا =

[ 356 ]

ومما ذكرنا يظهر أن ما اشتهر بينهم - من أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن اولى من الطرح - إن كان المراد الامكان العرفي، فهو صحيح، وينحصر مورده فيما إذا فرض صدور كلا الدليلين ولم يتحير العرف في المراد، سواء كانا من قبيل العموم والخصوص ام غيره، كما عرفت. وإن كان المراد غير ذلك، فلا دليل عليه. ثم إن الشهيد الثاني قدس سره - على ما حكى عنه في تمهيده - فرع على قضية اولية الجمع الحكم بتنصيف دار تداعياها، وهى في يدهما، أو لايد لاحدهما، وأقاما بينة انتهى. وفى كون اول المثالين من فروع القاعدة ما لا يخفى، لان بينة كل منهما إنما هي معتبرة في النصف، سواء حكمنا بتقديم بينة الداخل أو الخارج، فالحكم بالتنصيف مقتضى حجية بينة كل منهما في النصف، لا مقتضى الجمع. نعم يمكن أن يكون الثاني متفرعا على القاعدة، وان كان للنظر فيه أيضا مجال، حيث أنه يمكن أن يقال: إن الحكم بالتنصيف من جهة تساقط البينتين من الطرفين، كما إذا لم تكن بينة في البين، وتحالفا أو تناكلا. وكيف كان فالذي ينبغى أن يقال في المقام: أن الجمع بين الدليلين في الاخبار الحاكية عن قول الامام (عليه السلام) يتصور على وجهين: احدهما - التصرف في أحد الدليلين أو في كليهما على وجه يرتفع التنافى، والثانى الاخذ ببعض المفاد من كل منهما أو من احدهما. وذلك ] = وعدما وأما جعل الحكم لللازم فليس ملازما لجعله للملزوم، ولذا قد ينفك عنه، كما في الاصول. وايضا قد لا يكون في الملزوم أثراصلا، وينحصر اثره في اللازم، كما إذا لم يكن لما اخبر به العادل مطابقة اثر شرعي اصلا، لكن يؤدي إليه بالملازمة، فانه لا اشكال في وجوب العمل عليه، وكذلك فيما يكون في المدلول المطابقي مانع لذلك الجعل من معارضة كانتفاء القدرة، كما في المقام أو شئ آخر مثلا، يبقى الجعل في المدلول الالتزامي بلا مانع.

[ 357 ]

فيما لم يتطرق إليه التوجيه والحمل، كالنصين. وأما الجمع بين مفاد قولى الشاهدين، فينحصر في الثاني. أما إذا كان القولان نصين، فواضح وأما إذا كانا ظاهرين أو أحدهما ظاهرا والآخر نصا، فلان الجمع بهذا المعنى يتجه فيما إذا كان المتكلم واحدا أو في حكم الواحد (140) واما في صورة تعدد المتكلم، فلا وجه للترصف في ظاهر كلام احدهما، لنصوصية كلام الآخر أو أظهريته. إذا عرفت هذا فنقول إن سلمنا كون القاعدة المعروفة موردا للاجماع، فلا محيص في امثال المقام من الاخذ بمفاد بعض قول كل منهما، وطرح البعض الآخر، لان طريق الجمع منحصر في ذلك. ولا بد من الجمع بحكم القاعدة المفروض كونها اجماعية ؟ وان لم نقل بذلك - كما هو الحق، وقلنا بعدم الدليل على ذلك إلا في الدليلين اللذين لم يتحير العرف في استكشاف المراد منهما، بعد فرض صدورهما - فاللازم التمسك بدليل آخر في امثال المقام. والذى يمكن أن يكون وجها للحكم بالتنصيف في المسألة المذكورة ونظائرها، هو أنا نعلم بوجوب فصل الخصومة على الحاكم. ولا وجه لان يحكم لاحدهما على الآخر، فالحكم بالعدل عرفا أن يحكم بالتنصيف. ويمكن أن يستظهر ذلك ايضا من الرواية الواردة في الدرهم، إلا أن يقال ان الحكم الوارد في الدرهم قضية في واقعة، ولا يستكشف منها عموم الحكم لكل مال مردد بين اثنين. والوجه الاول لا بأس به، إذا لم يكن في البين طريق شرعى لتعيين الواقع. وقد جعل الشارع القرعة لكل امر مشكل، والمسألة محتاجة الى مزيد تأمل. ثم إنك قد عرفت مما مضى أن الجمع بين الدليلين - فيما إذا لم يكن (140) وذلك لان المفروض أن الجمع - بين كلامين من متكلم واحد، بحيث يكشفان عما في ضميره - غير ممكن بحسب الارادة، ففي الحقيقة يكون ذلك كالقرينة عند العرف على إرادة بعض مدلول كلامه، بخلاف ما إذا كان الكلام من متكلمين، فانه لا مانع من إرادة كل منهما تمام مدلول كلامه، كما هو واضح.

[ 358 ]

العرف متحيرا في المراد، بعد فرض صدور كليهما - اولى من طرح احدهما والتخيير بينهما. وأما فيما إذا كان متحيرا على فرض الصدور، فلا دليل على الجمع، ولا يصح. وعلى هذا لابد من التكلم فيما إذا تعارض الخبران ولم يمكن الجمع بينهما عرفا على نحو ما ذكرنا. والكلام فيه يقع في مقامين: (الاول) فيما إذا كان الخبران متكافئين، ولا مرجح لاحدهما على الآخر. (الثاني) فيما إذا كان لاحدهما مرجح على الآخر. أما الكلام في المقام الاول، فيقع في مقامين ايضا (احدهما) - فيما تقتضيه القاعدة، مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في الباب. والثانى فيما تقتضيه الاخبار. أما الكلام في الخبرين المتكافئين على حسب ما تقتضيه القاعدة، فمحصله أن حجية الخبر إما أن تكون من باب السببية، وإما من باب الطريقية، فان قلنا بالثاني، فمقتضى القاعدة التوقف فيما يختص كل من الخبرين به من المضمون، والاخذ بما يشتركان فيه. مثلا لو قام دليل على وجوب صلاة الظهر، ودليل آخر على وجوب صلاة الجمعة، فمقتضى القاعدة التوقف في الحكم الخاص المدلول لكل منهما بالخصوص، والحكم بثبوت احد المدلولين واقعا. وفائدته نفى الثالث، فهنا دعويان: احداهما - لزوم التوقف في المدلول المختص لكل منهما. والثانية - لزوم الحكم باحد المدلولين اللازم منه نفى الثالث. والدليل على الاولى منهما أمران (احدهما) بناء العرف والعقلاء، فانا نراهم متوقفين عند تعارض طرقهم المعمول بها عندهم، فان من اراد الذهاب الى بغداد مثلا، واختلف قول الثقات في تعيين الطريق إليه، يتوقف عند ذلك، حتى يتبين له الامر. وهذا واضح من طريقتهم. (الثاني) - أنه قد تحقق أن فائدة سلوك الطرق المجعولة هو تنجيز الواقع فيما لو كان هناك واقع مطابق لمؤداها، واسقاطه فيما لو كان هناك واقع على خلاف

[ 359 ]

مؤداها، ففيما إذا تعارض الخبران، فالخبر الدال على الوجوب يقتضى تنجيزه لو كان، والخبر الدال على الاباحة يقتضى اسقاطه كذلك، وهكذا. ومقتضى ذلك سقوط كليهما عن الاثر. وهذا معنى سقوطهما عن الحجية. هذا على تقدير القول بأن ادلة حجية الخبر تدل على حجيته من حيث هو، مع قطع النظر عن حال التعارض، لا بمعنى تقييده بعدم التعارض، حتى يخرج المقام عن تعارض الحجتين، بل بمعنى عدم ملاحظة حال التعارض لا إطلاقا ولا تقييدا، كما هو الظاهر من الادلة. وأما ان قلنا باطلاق دليل الحجية لحال التعارض، فلا وجه للتوقف، بل الوجه - على هذا - هو التخيير، لان جعل الخبرين حجة حال التعارض لا معنى له إلا التخيير. ولا يتوهم أنه على هذا يلزم استعمال اللفظ في معنيين: حجية الخبر تعيينا في غير مورد التعارض، وتخييرا فيه، لان استفادة التخيير هنا ليست من المدلول اللفظى، بل هي من القرينة الخارجية، فلا تغفل. هذا. ولكن الذى يسهل الخطب عدم ظهور ادلة حجية الخبر في هذا الاطلاق كما لا يخفى. فان قلت على تقدير تسليم عموم دليل الحجية لكل منهما، يستكشف منه وجود المصلحة الطريقية في كل منهما تعيينا، وعلى هذا. فمقتضى القاعدة التخيير لا التوقف، كما هو الحال في الواجبين المتزاحمين اللذين استكشف وجود المصلحة التامة في كل منهما تعيينا. قلت فرق بين المقام وبين تزاحم الواجبين، إذ في الثاني قد علمنا باشتمال كل منهما على غرض من الشارع لازم الحصول، وحيث لا يمكن الجمع، فالعقل يحكم بوجوب تحصيل احدهما، لانه مقدور. وفيما نحن فيه ليس كل من الطريقين مشتملا على غرض مستقل للشارع، بل المقصود الاصلى هو الواقع. وقد علمنا بمخالفة احدهما للواقع الذى هو المقصود الاصلى للامر، فما هو مخالف للواقع قطعا ليس فيه مصلحة الطريقيه اصلا. وحيث أن احدهما المقطوع مخالفته للواقع ليس فيه مصلحة الطريقيه، فلا سبيل الى الحكم بالحجية في المقام، لا تعيينا ولا تخييرا، مع قطع النظر عن الأدلة الأخر المتكفلة لحال

[ 360 ]

الخبرين المتعارضين. أما الاول فواضح، لان حجية كليهما غير ممكن، وحجية أحدهما المعين دون الآخر ترجيح من غير مرجح، إذ المفروض اجتماع شرايط الحجية في كليهما من دون تفاوت. وحجية احدهما على التخيير، تحتاج الى دليل نقلى أو عقلي. أما العقل فحكمه بالتخيير موقوف على وجود المصلحة في كل واحد منهما تعيينا، حتى في حال التعارض. وقد عرفت عدم قابلية ما هو معلوم المخالفة للحجية. وأما النقل فلا يدل على التخيير أيضا، لما عرفت من أن دليل حجية الاخبار متكفل لحجيتها على التعيين في حد ذاته. وأما الادلة الواردة لعلاج المتعارضين، فهى وان كانت تدل على التخيير، لكن الكلام هنا مع قطع النظر عنها. وأما الدليل على الثانية فهو أن حجية الخبر إنما هي من باب كشفه نوعا عن الواقع، فالدليل المثبت لحجيته يوجب الاخذ بالكشف الحاصل منه، لا أن معناه وجوب الاخذ بمؤدى قول العادل مثلا، ولو لم يكن كذلك لكان الواجب الاقتصار على ما كان مدلولا لفظيا له، ولم يكن وجه للاخذ بلوازمه وملزوماته وملازماته، كما كان الامر كذلك في الاصول العملية. والوجه في الاخذ بها ليس إلا ما ذكرنا، وهو أن معنى حجية الطريق جعل الكشف الحاصل منه بمنزلة العلم. ولا ريب أنه إذا قام طريق على ثبوت الملزوم، يحصل به الكشف عن اللازم، كما حصل به الكشف عن ثبوت الملزوم. وكذا العكس، وهكذا إذا قام طريق على احد المتلازمين، فالدليل الدال على حجية ذلك الكشف، يدل على حجية الجميع في عرض واحد، وان كان بعضه مرتبا على بعض في مرحلة الوجود. إذا عرفت ذلك فنقول إن دل خبر على وجوب الظهر مثلا، فقد حصل منه الكشف عما دل عليه بالمطابقة، وهو وجوب صلاة الظهر، وحصل منه الكشف ايضا عن لازمه الاعم، أعنى عدم براءة ذمة المكلف عن تكليف الزامي،

[ 361 ]

وكذا إن دل خبر آخر على وجوب الجمعة، فقد حصل منه كشفان، أحدهما عن مدلوله المطابقى، والثانى عن اللازم الذى ذكرنا، وهما وإن تعارضا في مدلولهما الخاص، وسقطا عن الحجية، ولكن بقى كشفهما عن اللازم المشترك، وهو ايضا كشف حاصل من خبر العادل، وهو وان كان تابعا للكشف الاول في الوجود، ولكنه ليس تابعا له في الحجية، لان دليل حجية الانكشاف الحاصل من خبر العادل يشمل تمام افراد الانكشاف الحاصل منه القابل للاعتبار في عرض واحد. وحجية انكشاف المعلول ليست تابعة لحجية انكشاف العلة، كما مر في محله من وجوب الاخذ بالانكشاف الحاصل من الطرق، وان كان بوسايط لم تكن قابلة للاعتبار، لخروجها عن وظيفة الشارع. وان شئت قلت في تعارض الخبرين كشف احدهما عن الواقع مقطوع الخلاف. أما كشف أحدهما بلا عنوان، فليس بمقطوع الخلاف، فلا مانع من حجيته بعد كونه كشفا حاصلا من الخبر الجامع للشرايط المعتبرة في الحجية. ولازم ذلك نفى الثالث. وحينئذ فلو اقتضى الاصل خلاف مقتضى الخبرين يطرح، لانه في مقابل الدليل، لكن احدهما بلا عنوان ليس قابلا للحجية، لعدم مدلول خاص له حتى يؤخذ به، وحجية مدلوله الالتزامى غير موقوفة على حجيته، لانه من مصاديق الكشف الحاصل من الخبر، فيشمله دليل الحجية من دون البناء على شموله للمدلول المطابقى. وان كان هذا الكشف مرتبا على الكشف عن المدلول المطابقى وجودا، فليتدبر في المقام فانه من مزال الاقدام. هذا ما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في الباب. وأما بالنظر إليها، فسيجئ الكلام في مدلول الاخبار العلاجية والنقض والابرام فيها بعد ذلك انشاء الله. هذا كله على تقدير القول بحجية الاخبار من باب الطريقية. وأما على تقدير اعتبارها من باب السببية، فالذي صرح به شيخنا المرتضى قدس سره هو أن مقتضى الاصل التخيير، لان المطلوبية المانعة عن النقيض في كل منهما موجودة، فيجب الامتثال بقدر الامكان. وحيث لا يمكن الجمع يجب امتثال احد التكليفين بحكم العقل على نحو التخيير، لعدم الاهمية

[ 362 ]

في احدهما، كما هو المفروض. واليه ذهب شيخنا الاستاذ دام بقاه، حيث قال في تعليقته على رسالة التعادل والترجيح ما هذا لفظه: (فاعلم أنه ان قلنا بحجية الاخبار من باب السببية، فيكون حال المتعارضين من قبيل الواجبين المتزاحمين في أن الاصل فيهما هو التخيير، حيث أن كل واحد منهما - حال التزاحم ايضا - على ما كان عليه من المصلحة التامة المقتضية للطلب الحتمى، ولا يصلح التزاحم الا للمنع عن تنجزهما جميعا، لامتناع الجمع لا عن احدهما، لامكانه. وحيث كان تعيينه بلا معين ترجيحا بلا مرجح، كان التخيير متعينا. نعم لو كان أهم أو محتمل الاهمية تعين على ما سنفصله) انتهى ما اردنا من نقل كلامه دام بقاه. وعندي في ذلك نظر، توضيح أن جعل الامارات من باب السببية - كما اوضح ذلك شيخنا المرتضى قدس سره في مبحث حجية الظن - يتصور على وجوه، بعضها باطل عقلا، وبعضها باطل شرعا. والذى يمكن من الوجوه المذكورة وجهان: (احدهما) أن يكون الحكم الفعلى تابعا للامارة، بمعنى أن لله تعالى في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل لولا قيام الامارة على خلافه، بحيث يكون قيام الامارة المخالفة مانعا عن فعلية ذلك الحكم، لكون مصلحة سلوك هذه الامارة غالبة على مصلحة الواقع، فالحكم الواقعي فعلى في حق غير الظان بخلافه، وشأني في حقه بمعنى وجود المقتضى لذلك الحكم لولا الظن بخلافه. والوجه الثاني أن لا يكون للامارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذى تضمنت الامارة حكمه، ولا تحدث فيه مصلحة، إلا أن العمل على طبق تلك الامارة والالتزام به في مقام العمل - على أنه هو الواقع، وترتيب الآثار الشرعية المرتبة عليه واقعا - يشتمل على مصلحة، فاوجبه الشارع. ومعنى ايجاب العمل على الامارة وجوب تطبيق العمل عليها، لا وجوب ايجاد العمل على طبقها. إذا عرفت ذلك فنقول: إن مقتضى السببية بالمعنى الاول: أنه إذا تعارض الخبران، وعلم مطابقة احدهما للواقع، لم يكن للخبر المطابق تأثير

[ 363 ]

اصلا، لما عرفت في الوجه الاول: من أن المانع من الحكم الواقعي إنما هو الظن بالخلاف، دون ما يكون مطابقا للواقع، فالخبر الموافق لم يؤثر شيئا، (141) والمخالف صار سببا لانقلاب الحكم الواقعي، فالواجب هو الاخذ بمؤدى احدى الامارتين في الواقع، وهى الامارة المخالفة للواقع، دون ما هو مطابق له. وحيث لم يتميز المخالف من الموافق، يلزم التوقف والرجوع الى مقتضى الاصل، وهو يختلف بحسب المقامات، لان الخبرين إن كانا مثبتين للتكليف، فان أمكن الاختيار يجب، لان مضمون احدهما مجعول في حقه، بمقتضى سببية الخبر المخالف للواقع، وإلا فالتخيير. وإن لم يكونا مثبتين، بل كان احدهما مثبتا والآخر نافيا، فمقتضى الاصل البراءة، لاحتمال كون النافي مخالفا للواقع وموجبا لانقلاب الواقع إلى مؤداه. هذا في صورة العلم بمطابقة احد الخبرين المتعارضين للواقع. واما في صورة الجهل، فالواقع لا يخلو إما ان يكون كذلك، فالحكم ما عرفت. وإما ان يكون كلاهما مخالفا للواقع، فاللازم سقوط كليهما عن الاثر. مثلا لو كان حكم الواقعة الاباحة، فدل احد الخبرين على الوجوب، والآخر على الحرمة، فما دل على الوجوب يقتضى احداث مصلحة تامة في فعل ذلك الشئ، وما دل على الحرمة يقتضى ذلك في تركه. وحيث لا يمكن الجمع بين ايجاب شئ وتحريمه يلغى السببان. هذا بناءا على السببية بالمعنى الاول. نعم على الوجه الثاني، فالامر كما (141) لا يبعد أن يقال إن الموافق على هذا القول ايضا يؤثر في تنجيز الواقع وعدم انقلابه، ففي مورد التعارض يطارد المخالف حيث أنه يقتضى الانقلاب، وهو يقتضي عدمه، فيسقط كلاهما عن الاثر، فيبقى الواقع سليما، بحيث لو كان معلوما بالاجمال لأثر العلم أثره: من الاحتياط مع الامكان، والتخيير مع عدمه، وإن كان أحد الخبرين نافيا للتكليف. وكذلك لو لم نقل بتأثير الموافق، لكن قلنا بعدم تأثير المخالف، مع وجود الموافق، ولو من جهة تقييد ادلته - كما ادعى - بانصراف ونحوه.

[ 364 ]

افاده قدس سره (142) لان الواقع على هذا لا يتغير عما هو عليه، سواء كانت الامارة مطابقة له ام لا، بل المصلحة في الا التزام والتدين بما دلت عليه. ولما كانت الامارتان في محل الفرض متعارضتين، ولم يمكن الالتزام بمؤدى كلتيهما، وجب ذلك في احداهما على سبيل التخيير، لعدم الاهمية، كما هو المفروض. فان قلت ليس الامر كذلك على الاطلاق في هذا الفرض ايضا، لجواز التدين بمدلول الامارتين في بعض فروض التعارض، كما إذا دل دليل على وجوب الظهر، والآخر على وجوب الجمعة، مع العلم بعدم كليهما، فان الدليلين متعارضان، لعدم جواز صدق كليهما، مع العلم المفروض، مع أنه يمكن الالتزام بمدلول كلا الدليلين. وحينئذ لا سبيل الى التخيير، لانه متفرع على عدم امكان الجمع. والمفروض خلافه. قلت قد حقق في محله أن اعتبار الامارات ليس مخصوصا بمداليلها المطابقية، بل يؤخذ بها وبما يلازمها، سواء كانت الملازمة بين الشئ ومداليلها بحسب الواقع ام لا، بل كانت بملاحظة علم المكلف. ولا يفرق في ذلك بين القول باعتبارها من باب الطريقية والسببية، كما هو واضح. وحينئذ نقول - بعد العلم بانحصار الواجب في احد الفعلين إما الظهر (142) لا يخفى أنه إن قيل بعدم تغير الواقع، ووجود المصلحة في الالتزام بكلا الطرفين، فلازم ذلك عدم التزاحم، مع العلم بالواقع، للعلم بوجود مصحلتين في أحد الطرفين، ومصلحة واحدة في الآخر. ومعلوم أن العقل يحكم بالعمل بما هو مطابق للواقع، لكن لما كان مجهولا يحكم بالتخيير، فيصير نظير المتعارضين، مع العلم بالواقع لا المتزاحمين. نعم لو قيل باختصاص المخالف بالمصلحة، مع بقاء الواقع على ما هو عليه، فالامر كما افاده، لانه مع العلم بالواقع اجمالا يعلم بوجود مصلحة في الاخذ بكل منهما: إما مصلحة الواقع، وإما مصلحة العمل بالطريق، وحيث لا يمكن الجمع ولا ترجيح، فيحكم العقل بالتخيير.

[ 365 ]

وإما الجمعة - إن لخبر الدال على وجوب الظهر مثلا، يدل على عدم وجوب الجمعة، وكذا الخبر الدال على وجوب الجمعة. ومقتضى التدين بالاول الالتزام بوجوب الظهر، وعدم وجوب الجمعة، ومقتضى التدين بالثاني عكس ذلك. ولا يمكن الجمع بينهما فمقتضاه التخيير (143) فافهم. هذا تمام الكلام في مقتضى الاصل، مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في المقام. وأما بالنظر إليها، فهل يحكم بالتخيير، أو التوقف، أو الاخذ بما يوافق الاحتياط، أو التفصيل بين ما لابد فيه من العمل فالتخيير، وبين غيره فالتوقف، كما حكى عن غوالى اللئالى، أو التفصيل بين دوران الامر بين محذورين فالتخيير، وغيره فالتوقف، أو التفصيل بين حق الله فالتخيير، وحق الناس فالتوقف، كما نسب الى الرسائل ؟ وجوه ناشئة من اختلاف الاخبار، واختلاف الانظار في الجمع بينهما. فنقول المشهور - الذى عليه جمهور المجتهدين - هو الاول، للاخبار المستفيضة الدالة عليه، ولكن تعارضها الاخبار الدالة على التوقف، وهى ايضا في الكثرة لا تقصر عن الاخبار الدالة على التخيير، وكذا تعارضها مرفوعة زرارة المحكية عن غوالى اللئالى الآمرة بالاخذ بما فيه الاحتياط، بعد فرض السائل تساوي الخبرين في جميع ما ذكر فيها من المرجحات. أما معارضتها للمرفوعة، فقد اجاب عنها شيخنا المرتضى قدس سره بضعف سند المرفوعة، فانه قد طعن في ذلك التأليف وفى مؤلفه المحدث البحراني قدس سره في مقدمات الحدائق. وفى ما افاده نظر، لان المرفوعة وإن كانت ضعيفة السند، إلا أن ضعفها (143) لعله اشارة إلى أنه لا يرفع اليد عن العمل بالمدلول المطابقي منهما، لعدم القدرة على العمل بالمدلول الالتزامي، مضافا إلى أن الاتيان بالثاني رجاءا لا ينافي العمل بالمدلول الالتزامي للاول، فلو اقتضى العلم الاجمالي لزوم اتيانه، لا ينفيه دليل العمل بالطريق. نعم العمل به بعنوان أنه حكم الله ينافيه ذلك الدليل.

[ 366 ]

منجبر بعمل الاصحاب، حيث استقرت سيرتهم في باب الترجيح على العمل بها، كما اعترف به قدس سره في موضع آخر من الرسالة، فالاولى أن يقال: إن الأخذ بما يوافق الاحتياط في المرفوعة إنما جعل في عداد المرجحات. وحينئذ ان حملنا الادلة الدالة على الاخذ بالمرجحات على الاستحباب، فالامر سهل. والا فالمتعين حمل تلك الفقرة على الاستحباب، لعدم قائل بوجوب الترجيح بالموافقة للاحتياط ظاهرا، فانهم بين قائل بالتوقف مطلقا، وقائل بالتخيير كذلك، ومفصل بين الموارد المذكورة. ولا ينافى ذلك كون المراد في باقى الفقرات الوجوب كما لا يخفى. وأما معارضتها لاخبار التوقف، فقد اجاب عنها شيخنا المرتضى قدس سره ايضا، بانها محمولة على صورة التمكن من الوصول الى الامام (عليه السلام) كما يظهر من بعضها، فيظهر منها أن المراد ترك العمل وارجاع الواقعة إليه. وفيه نظر أما أولا، فلانه كما يوجد - في الاخبار الدالة على التوقف - ما يظهر منه التمكن من الوصول إلى الامام (عليه السلام) من جهة كون الامر بالتوقف فيها مغيى بلقائه (عليه السلام)، كذلك في الاخبار الدالة على التخيير ما يظهر منه ذلك، لعين تلك الجهة، كرواية حارث بن مغيرة عن الصادق (عليه السلام): (إذا سمعت عن اصحابك الحديث، وكلهم ثقة، فموسع عليك، حتى ترى القائم (عليه السلام). وأما ثانيا فلان مجرد دلالة بعض اخبار التوقف على التمكن من الوصول الى الامام (عليه السلام) لا يوجب تقييد سائر الاخبار المطلقة، إذ لا منافاة بين وجوب التوقف مطلقا - سواء تمكن من الوصول الى الامام (عليه السلام) ام لا، كما هو مفاد الاخبار المطلقة - وبين كون غاية التوقف الوصول إليه (عليه السلام)، كما هو مفاد بعض الاخبار الاخر، فلا وجه للحمل كما لا يخفى. قد يقال إن التحديد بلقاء الامام (عليه السلام) اعم من صورة التمكن، لان كلمة حتى - كما تدخل على الغاية الممكنة كذلك - تدخل على الغاية

[ 367 ]

الممتنعة، كما في قوله تعالى: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) فالاخبار المحدودة بلقائه مطلقة من حيث التمكن من الوصول إلى خدمته (عليه السلام)، كما أن اخبار التخيير ايضا مطلقة، فهما متباينتان، فيحتاج الجمع بينهما - بحمل كل منهما على صورة معينة - إلى شاهد خارجي. وفيه أن كلمة حتى وإن كانت كذلك بحسب وضعها اللغوى، لكنها تنصرف عند الاطلاق إلى ان الغاية التى جعلت تلوها من الممكنات. وكيف كان فالذي اظنه - في الجمع بين الاخبار - هو أن اخبار التوقف ليست ناظرة إلى ما يقابل الاخذ باحدهما على سبيل التخيير، ولا على سبيل التعيين، بل هي ناظرة إلى تعيين مدلول الخبرين المتعارضين بالمناسبات الظنية التى لا اعتبار بها شرعا ولا عقلا، فيكون المعنى على هذا أنه ليس له استكشاف الواقع، والحكم بأن الواقع كذا، كما كان له ذلك فيما إذا كان في البين ترجيح. ولا اشكال في أن المتحير من جهة الواقع لابد له من قاعدة يرجع إليها في مقام العمل، فلو جعل التخيير مرجعا له في مقام العمل، لا ينافى وجوب التوقف، كما أنه لو جعل المرجع في مقام العمل الاصل الموافق لاحد الخبرين، لم يكن منافيا لذلك. والشاهد على ذلك في أخبار التوقف امران: (احدهما) - أن التوقف من غير جهة المدلول امر مرتكز في اذهان العرف، أترى ان احدا من العقلاء يبنى - في صورة تعارض الخبرين المتساويين من جميع الجهات - على حجية احدهما المعين، أو على حجية احدهما على سبيل التخيير، من دون دليل ؟ وحيث أن التوقف من هاتين الجهتين مرتكز في اذهانهم، فلا يحتاج إلى تلك الاوامر الكثيرة. وهذا بخلاف تعيين مدلول الخبرين المتعارضين، بل مدلول كل خبر متشابه بالظنون والاعتبارات، فان هذا امر مرسوم عندهم، متعارف بينهم. وقد تصدى الشارع لسد هذا الامر بحكمه بلزوم التوقف عند اشتباه مدلول الخبر إما بالتعارض أو بغيره. والحاصل انا ندعى أن اخبار التوقف - بملاحظة ما قلنا - منصرفة الى

[ 368 ]

حرمة القول بالرأى في تعيين مدلول كلام الشارع، (144) فإذا دل دليل على التخيير في مقام العمل، فلا منافاة بينه وبين تلك الاخبار. والشاهد على ذلك ايضا قولهم (عليهم السلام) - بعد الامر بالتوقف في بعض الاخبار - (ولا تقولوا فيه بآرائكم) وإن ابيت عن الانصراف المذكور، يمكن ان يقال أن مدلول اخبار التوقف اعم مطلقا من مدلول اخبار التخيير، لان الاول يرجع إلى النهى عن امور: (منها) - القول بغير العلم في مدلول الخبرين، و (منها) - الاخذ بخبر خاص حجة، على أنه هو الحجة لا غير. و (منها) - اخذ احدهما حجة على سبيل التخيير. واخبار التخيير تدل على جواز الاخير، فيجب تقييد تلك الادلة بها. ومما ذكرنا ظهر ما فيما افاده شيخنا المرتضى قدس سره في الرسالة من دلالة اخبار التوقف على الاحتياط في العمل بالاستلزام. ووجه ذلك شيخنا الاستاذ دام بقاه: بأن الاحتياط في العمل لا يحتاج الى فتوى بشئ اصلا، بخلاف العمل على البراءة، فانه لابد من الفتوى بها. ثم ناقش في ذلك بمنع الاستلزام، إذ يكفى في العمل بالبراءة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، بلا افتاء (144) هذا الحمل وإن كان غير بعيد بالنسبة الى بعض الاخبار، لكن بعضها غير صالح لذلك الحمل، مثل مقبولة عمر بن حنظلة، حيث أن المسؤول عنه في الرواية العمل بقول الراوي، حيث قال: (قلت فكيف يصنعان ؟ فعين الامام (ع) وظيفته في مقام العمل، إلى أن بلغ كلام الراوي الى قوله: قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ فقال (ع): إذا كان كذلك، فارجه حتى تلقى امامك، فان الوقوف..) (1) ومعلوم أن ذلك لا ربط له بمقام الدلالة وترجيح الاحتمال، وإن شئت فراجع، فان فيها موارد منها خلاف ذلك. (1) وسائل الشيعة الجزء 18 - الباب 9 من الباب صفات القاضي - الحديث 3

[ 369 ]

بالاباجة شرعا، لا ظاهرا ولا واقعا. ثم قال دام بقاه فالاولى التمسك للاحتياط باطلاق اخبار التوقف، إذ هي باطلاقها تدل على وجوب التوقف عن ارتكاب الشبهة مطلقا، وعدم جواز الاقتحام فيها اصلا، عملا كان أو فتوى، بل دلالتها - على وجوب التوقف في الفتوى - ليست الا لانها عمل ايضا، لا بما هي فتوى. انتهى. أقول ومما ذكرنا يظهر النظر فيما افاده بقوله (فالاولى...). لان التعبير عن الاحتياط في العمل بالتوقف إنما يحسن في خصوص الشبهة التحريمية، لانها هي التى يحسن فيها التوقف أعنى السكون وعدم الحركة الى الفعل، دون غيرها، كما لا يخفى. تنبيهات وهنا امور يجب التنبيه عليها (احدها) - ان التعارض إن وقع للحاكم في مدرك حكمه، فهو يختار احد الخبرين، ويحكم على طبقه، لان فصل الخصومة عمل القاضى، فالتخيير له لا للمترافعين، وان وقع للمفتي، ففى عمل نفسه ايضا يختار احدهما، ويعمل على طبقه. وأما في عمل المقلد، فهل يختار احدهما ايضا، أو يجب الافتاء بالتخيير ؟ وجهان: الاقوى الثاني، لان الاحكام الظاهرية كالواقعية مجعولة للمجتهدين والمقلدين، وليس في ادلة الاحكام الظاهرية ما يظهر منه اختصاصها بالمجتهدين. والقول - بان العمل باحد الخبرين عند التعارض أو باقومهما ليس الا وظيفة المستنبط، ولا معنى لثبوت ما يتعلق بالاستنباط من الاحكام للعامي الغير القادر على الاستنباط - مدفوع بأن ما هو وظيفة المستنبط فهم التعارض بين الخبرين وتساويهما، أو كون أحدهما اقوى. وأما العمل على طبق الاقوى أو أحدهما، فلا يختص بالمجتهد، لان هذا العمل ليس الا كالعمل باصل الواقعيات الاولية التى يشترك فيها جميع العباد، وان لم يكن للمقلد طريق إليها إلا فهم مجتهده.

[ 370 ]

والحاصل ان حال المجتهد والمقلد - بالنسبة إلى الاحكام المتعلقة بالموضوعات، (145) سواء كانت واقعية ام ظاهرية - سواء، والذى يختص بالمجتهد - ولاحظ للمقلد فيه - هو فهم تلك الاحكام وتشخيص مواردها من طريق النظر، فلا تغفل. الثاني - ان التخيير هل هو على سبيل الاستمرار، بمعنى انه هل يجوز للحاكم ان يحكم على طبق امارة في واقعة، ثم يحكم على طبق امارة اخرى في واقعة اخرى مثلها ام لا ؟ وكذا هل يجوز للمفتي ان يختار في عمل نفسه امارة ويعمل على طبقها، ثم يختار اخرى ويعمل عليها، وكذا يفتى للمقلد على هذا النحو من الاختيار ام لا ؟ الاقوى هو الاول، لاطلاق ادلة التخيير، خصوصا بعد ملاحظة ما ورد في بعض الاخبار: من ان الاخذ باحد الخبرين انما هو من باب التسليم. ومن المعلوم أن مصلحة ذلك لا تختص بابتداء الحال. وان ابيت عن ذلك وقلت إن الاخبار لم يكن لها تعرض الا لبيان وظيفة المتحير في اول الامر، يكفى في اثبات استمرار التخيير استصحاب ذلك، الحاكم على استصحاب حكم المختار، والقول باختلاف الموضوع مدفوع بما مر في محله من كفاية الوحدة العرفية. الثالث انك عرفت أن الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين انما هو من باب التعبد بالاخبار الواردة في الباب، وان مقتضى القاعدة - بناءا على اعتبار الاخبار من باب الطريقية - هو التوقف. وحينئذ فاللازم الاقتصار في ذلك ] (145) لكن يمكن أن يقال: إن احكام المتعارضين - من التخيير أو الترجيح أو التوقف والاحتياط - مختصة بمن بلغه المتعارضان، وفهم التعارض بينهما، ولذا نقول أحد المجتهدين مخير في العمل بايهما شاء مثلا، والآخر بالجمع، والآخر بأحدهما ما لم يعثر على الآخر، فالمقلد ليس موضوعا لتلك الاحكام، بل هو مكلف بالواقع واقعا، وبما أفتى به المجتهد ظاهرا. وأما المجتهد، فإذا اختار أحد الخبرين يرى مضمونه حكم الله على جميع الناس، فيفتي على طبقه، كما يعمل به.

[ 371 ]

على مورد الاخبار العلاجية، وهو صورة تعارض الخبرين، وحكم تعارض الامارتين - القائمتين في غير الاحكام - التوقف على حسب ما تقتضيه القاعدة، كما هو الظاهر. المقام الثاني فيما إذا كانت لاحد الخبرين مزية على الآخر، والتكلم فيه يقع في امرين: (احدهما) - أنه هل يجب الترجيح بواسطة وجود المزية في أحد الخبرين ام لا ؟ (الثاني) - أنه على فرض ذلك هل يقتصر على مزايا خاصة، أم تيعدى الى كل مزية ؟ أما الامر الاول، فالمشهور وجوب الترجيح. وقبل الشروع في الاستدلال لابد من تأسيس الاصل في المسألة: فنقول قد عرفت مقتضى الاصل الاولى في الخبرين المتعارضين بناءا على الطريقية والسببية، وأنه على الاول التوقف، وإن كان لاحدهما مزية على الآخر، إذ مجرد المزية لاحدهما على الآخر لا يصلح دليلا على الخروج عن مقتضى اصالة عدم الحجية، كما لا يخفى. لكن كلامنا في هذا المقام بعد فرض حجية احد الخرين من جهه التعبد بالاخبار. إنما الاشكال في ان الحجة هل هو خصوص ذى المزية أو احد الخبرين على سبيل التخيير ؟ فالمقام من دوران الامر بين التخيير والتعيين. فنقول - بناءا على اعتبا الاخبار من باب الطريقية - مقتضى الاصل هو التعيين، لان ذا المزية حجة يقينا، وغيره مما لم تعلم حجيته، فيجب الاخذ بما علمت حجيته، ولا يجوز الاخذ بما يشك في حجيته، لانه تشريع. ومن هنا يظهر انه متى دار الامر بين التعيين والتخيير بين الطريقين، فالاصل التعيين. وان قلنا في غير هذا المقام بالتخيير، لان اخذ الشئ طريقا عبارة عن جعله مستندا للحكم الشرعي، ولا يجوز ذلك إلا إذا علم بالحجية. وأما إن قلنا باعتبار الاخبار من باب السببية، فالمقام من قبيل المتزاحمين، مع احتمال اهمية احدهما المعين. والذى يظهر من شيخنا المرتضى قدس سره في مثل ذلك هو التعيين، فان وجوب الاخذ بمحتمل الاهمية قطعي، لانه إما متعين في الواقع، أو انه احد طرفي

[ 372 ]

التخيير، بخلاف الطرف الآخر، فالاخذ بمحتمل الاهمية موجب لبراءة الذمة يقينا، بخلاف الاخذ بالآخر. وفصل شيخنا الاستاذ دام بقاه بين أن يكون منشأ الاهمية المحتملة اشدية المناط، وبين اتحاده مع واجب آخر، فان كان احتمالها ناشئا من الجهة الثانية، فلا وجه لاستقلال العقل بوجوب ما كان منهما محتملا لها، بل العقل يستقل بالتخيير بعد الجزم بعدم العقاب على الواجب الآخر لو كان، فانه عقاب بلا بيان ومواخذة بلا برهان، ولو كان احتمالها ناشئا من الجهة الاولى، فالظاهر استقلال العقل بالاشتغال، وعدم الفراغ عن العهدة على سبيل الجزم إلا باتيان ما فيه الاحتمال، حيث ان التكليف به في الجملة ثابت قطعا. وإنما الشك في تعيينه هل هو على سبيل التخيير أو التعيين، وليست الجهة لو كانت تكليفا آخر، حتى يمكن نفيه باصالة البراءة، بل هي على تقديره من كيفيات ذلك التكليف المعلوم تعلقه، بداهة ان اقوائية جهة وجوب الاهم ليست جهة اخرى منضمة إليها، كما لا يخفى. انتهى كلامه دام بقاه. أقول الاقوى عندي التخيير مطلقا، لان التكليف الشرعي - بمقتضى الدليل الاولى - ثابت في كلا الطرفين، فالمقتضى للامتثال موجود فيهما، وبعد عدم امكان الجمع ووجود المقتضى في كلا الطرفين تاما، يحكم العقل بالتخيير، لان التعيين ترجيح بلا مرجح، فان مقتضى الامتثال انما هو امر المولى، والعلم بان الواقع مطلوب للمولى من حيث هو، واحتمال عدم فعلية الطلب - من جهة احتمال عروض عوارض اقتضت ذلك - موجود في كلا الطرفين من دون تفاوت اصلا. نعم اشدية المناط توجب امرا اخر من قبل المولى على سبيل التعيين، بملاحظة حال التزاحم، وحيث لا سبيل الى العلم به كما هو المفروض، فمقتضى الاصل البراءة. والحاصل أنه فرق بين ما نحن فيه، وبين دوران الامر الصادر من المولى بين التعيين والتخيير، فانه في الثاني لم يثبت امر من المولى متعلقا بالطرف المشكوك، فالاتيان به لا يوجب البراءة من الامر المعلوم على سبيل الجزم، فيجب

[ 373 ]

الاحتياط باتيان الطرف المعلوم، قضاءا لاشتغال الذمة بالتكليف يقينا. وأما فيما نحن فيه فكل طرف اتى به يعلم أنه متعلق للتكليف الثابت عليه اولا. (146) نعم يحتمل ان يكون الامر بواسطة الاهمية يرجح طرفا معينا، وحيث لم يثبت ذلك، فالمؤاخذة عليه مؤاخذة بلا برهان. فليتدبر. وكيف كان فقد عرفت انه بناءا على اعتبار الاخبار من باب الطريقية، فمقتضى الاصل التعيين، لانه مع دوران الامر بين الاخذ بما هو متيقن الحجية، وما هو مشكوك الحجية، فاللازم الاخذ بالاول، فان جعل ما شك في اعتباره فعلا مدركا للحكم الشرعي تشريع محرم. وحيث أن التحقيق اعتبار الاخبار من باب الطريقية، فالاصل في المسألة التعيين. هذا تمام الكلام في مقتضى الاصل في المقام. وأما الادلة التى اقاموها على الترجيح، فامور نذكر بعضها، لعدم الفائدة في ذكر الجميع. (منها) - الاجماع، قال بعض الاساطين قدس سره في طى امور استدل بها على المقصود ما لفظه: (الثاني الاجماع بقسميه، بل باقسامه من القولى والعملي المحقق والمنقول. أما الاجماع المحقق القولى، فطريق تحصيله مراجعة كتبهم، خصوصا الاصولية المعدة لذلك، فانهم ينادون باعلى اصواتهم بوجوب العمل بارجح الدليلين، من غير خلاف محقق إلا خلاف شاذ ممن عرفت، فان الاطلاقات النادرة - والاقوال الشاذة الصادرة عن بعض الآراء والاجتهادات في مقابل جمهور العلماء - مما لا يعبا به، والا لم يبق للاجماع - في غير الضروريات من مسائل (146) هذا لولا احتمال عدم المصلحة في طرف المرجوح اصلا، فيصير المقام نظير الغريقين، مع احتمال الاهمية في أحد الطرفين. وأما مع احتمال ذلك، فلا نعلم بتحقق التكليفين حتى اقتضاءا، لاحتمال أن لا يكون للمرجوح في قبال الراجح مصلحة اصلا، فيصير المقام نظير ما ذكر أولا، فيجيب الاتيان بالراجح. والظاهر تحقق هذا الاحتمال لو لم نقل برجحانه، فتأمل.

[ 374 ]

الفقه - مورد ومحل. والحاصل أن هذا الاجماع كأحد الاجماعات الموجودة في المسائل الفقهية، بل من أعلاها، فان كانت الاقوال الشاذة قادحة في الاجماعات، فخلاف الجماعة قادح في هذا الاجماع وإلا فلا. وأما المنقول فقد ادعاه من اساطين الفن جمع كثير، ففى المفاتيح دعوى الاجماع على ترجيح بعض الاخبار على بعض، وعن النهاية أن الاجماع على العمل بالترجيح والمصير الى الراجح من الدليلين. وعن غاية المبادى اجماع الصحابة على العمل بالترجيح عند التعارض وعن غاية المأمول يجب العمل بالترجيح، لان المعهود - من العلماء كالصحابة ومن خلفهم من التابعين - أنه متى تعارضت الامارات اعتمدوا على الراجح ورفضوا المرجوح. وعن الاحكام أيضا وجوب العمل بالدليل الراجح، لما علم من اجماع الصحابة والسلف في الوقايع المختلفة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وعنه ايضا في موضع آخر من فتش عن احوالهم ونظر في وقايع اجتهاداتهم، علم علما لا يشوبه ريب أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون اضعفهما. وعن المختصر ما يقرب من ذلك. ويمكن استفادة عدم الخلاف من المعالم وامثاله، حيث قال قدس سره: أن التعادل يحصل عن اليأس من الترجيح بكل وجه، لوجوب المصير إليه أولا عند التعارض، وعدم امكان الجمع، وارسله ارسال المسلمات، ولم ينقل فيه خلافا، وظاهره كما ترى اتفاق العلماء على ذلك، خصوصا بعد تعرضه لخلاف بعض اهل الخلاف في التخيير مع التعادل، وعدم تعرضه هنا. والحاصل ان الوقوف - في اثبات الاجماع محققا ومنقولا قولا وفعلا - مبالغة في ايضاح الواضحات، خصوصا العملي منه. نعم ليس في هذه الاجماعات ما يحكى عن فتوى الصحابة والعلماء، لان كلها حاكية عن عملهم، وهو يكفى في المقام، وليس دون الاجماع المنقول الاصطلاحي في الاستدلال هنا. انتهى موضع الحاجة من كلامه، وانما خرجنا من وضع هذا الكتاب تيمنا بنقل كلماته الشريفة جزاه الله عن اهل الاسلام خيرا.

[ 375 ]

اقول قد تحقق في محله أن الاجماع الذى هو أحد الادلة عبارة عن الاتفاق الكاشف عن قول الامام (عليه السلام) أو فعله أو تقريره كشفا قطعيا، فلو حصلنا على اتفاق الكل، ولكن احتملنا ان يكون منشأ هذا القول منهم أمرا لا يصح كونه مستندا عندنا، فلم يتحقق عندنا اجماع محقق، كما لا يخفى. وفي المقام بما أنه يمكن بل يظن أن مدرك فتوى القائلين بوجوب الترجيح بعض الوجوه الآتية، فليس هذا الاتفاق بشئ، بل يرجع إلى تلك الوجوه. هذا حال الاجماع المحصل الذى استدل به، فكيف حال المنقول، مضافا إلى أن الناقلين لم ينقلوا الاجماع على وجوب الترجيح من الصحابة والعلماء، بل نقلوا عملهم على ذلك، وهو لا يكشف عن كونه واجبا عندهم. و (منها) أن العدول عن الراجح إلى المرجوح قبيح عقلا، بل ممتنع قطعا، فيجب العمل بالراجح، لئلا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح. وفيه أنه ان اريد من الراجح ما هو كذلك بملاحظة الدواعى الشخصية للفاعل، فترجيح المرجوح بهذا المعنى عليه محال، لكن ليس العمل بغير ذى المزية اختيارا للمرجوح، ضرورة أنه ما لم يترجح بحسب دواعيه الشخصية، لم يعقل اختياره. وإن اريد منه ما يكون كذلك عقلا، فقد عرفت أنه - مع قطع النظر عن التعبد - يحكم بالتوقف وعدم العمل بواحد منهما بالخصوص، فما دعت الى العمل باحد الخبرين عند التعارض الا الاخبار الواردة في الباب، فلابد أن تلاحظ، فان دلت على التخيير مطلقا، حكم به، وان دلت على الترجيح، حكم به ايضا، وان قصرت دلالتها من هذه الجهة، فلابد من الرجوع إلى الاصل الذى اسسناه. وكيف كان فالتمسك بقبح ترجيح المرجوح على الراجح أو امتناعه مما لا دخل له بالمقام. و (منها) الاخبار الواردة من طرقنا المشتملة على جمع من وجوه الترجيح. وقد ذكرها شيخنا المرتضى قدس سره في رسالة التعادل والترجيح، وهى العمدة في الباب عند مشايخنا قدس الله اسرارهم.

[ 376 ]

أقول الانصاف أن اثبات وجوب الترجيح بهذه الاخبار مشكل من وجوه: (أحدها) اختلاف هذه الاخبار، حيث ذكر في بعضها موافقة الكتاب والسنة، وفي بعضها مخالفة العامة، واطلاق الاول يقتضى وجوب الاخذ بموافق الكتاب، وان كان الآخر مخالفا للعامة، وكذا اطلاق الثاني يقتضى وجوب الترجيح بمخالفة العامة، وإن كان الآخر موافقا للكتاب، فإذا كان احد الخبرين موافقا للكتاب، والآخر مخالفا للعامة، فمقتضى اطلاق الاول الاخذ بالاول، ومقتضى اطلاق الثاني الاخذ بالثاني. ودعوى أن المقصود في المقام هو الايجاب الجزئي - في مقابل السلب الكلى، ويحصل ذلك بواسطة دلالة تلك الاخبار في مورد الافتراق - مدفوعة بأن حمل كلام السائل في تلك الاخبار على خصوص مورد الافتراق في كمال البعد كما لا يخفى. وحمل كلام الامام (عليه السلام) على ذلك - بعد فرض أن السائل لم ينظر خصوص هذا المورد بل سأل عن مطلق تعارض ما ورد عنهم - يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو وان كان جائزا إن اقتضت المصلحة ذلك، لكنه بعيد أيضا. فان قلت هذا الاشكال جار بناءا على حمل اخبار الترجيح على الاستحباب ايضا، فلابد من حمل هذه الاخبار على خصوص مورد الافتراق على أي حال، سواء قلنا بوجوب الترجيح أو باستحبابه. قلت بناءا على الحمل على الاستحباب، يحمل على الحكم الحيثى، كغالب الاحكام المستحبة المتعلقة بالعناوين، من حيث أنها هي، مع قطع النظر عن المزاحمات، بخلاف ما لو حملناها على الوجوب، فانه على هذا يصير كسائر الاحكام الوجوبية المتعلقة بالعمل ظاهرا في الحكم الفعلى، فتأمل. وحملها - على أن المراد مجرد الرجحان من أي وجه حصل - ليس باولى من حملها على ما ذكرنا. و (منها) التعارض بين الخبرين المشتملين على جمع من وجوه الترجيح: أحدهما مقبوله عمر بن حنظله، والآخر مرفوعة زرارة، حيث أنه مقتضى الاول منهما الاخذ برواية الاعدل والافقه، وان كان الآخر أشهر. ومقتضى الثاني

[ 377 ]

منهما عكس ذلك. وايضا بمقتضى الاول - بعد فرض التساوى في الوجوه المذكورة فيه - يجب التوقف، حتى يلقى الامام (عليه السلام) وبمقتضى الثاني يجب الاحتياط إن كان احدهما موافقا له، والا فالتخيير. و (منها) الاطلاقات الكثيرة الحاكمة بالتخيير من دون ذكر الترجيح اصلا، مع كونها في مقام البيان، وغلبة وجود احدى المرحجات في الخبرين المتعارضين، خصوصا إذا تعدينا عن المنصوصة منها الى غيرها. والحاصل أن حمل تلك الاطلاقات الكثيرة على مورد تساوى الخبرين - من جميع الجهات مع كونه نادرا بواسطة الامر بالترجيح في الاخبار الاخر - ليس باولى من حمل الاخبار الدالة على الترجيح على الاستحباب، بل الاولى العكس، إذ ليس فيها الا الامر بالاخذ بذى المزية بصيغة افعل، وهى وإن قلنا أنها حقيقة في الوجوب، لكن استعمالها في الشريعة في الاستحباب وصل إلى حد أنكر بعض اساطين الفن ظهورها في الوجوب لو لم تكن معها قرينة، فكيف تطمئن النفس بتقييد تلك الاطلاقات الواردة في مقام البيان بواسطة هذا الظهور الذى من كثرة خفائه صار مورد الانكار. وان ابيت عن حمل الاخبار الواردة في الترجيح على الاستحباب، فلا اقل من الاجمال، لدوران الامر بين الظهورين: ظهور الاخبار المطلقة في التخيير، وظهور الاخبار الدالة على الترجيح فيه، فيعمل بالاصل في موارد وجود احدى المرجحات المنصوصة. وقد عرفت أن الاصل في المقام الترجيح، بناءا على حجية الاخبار من باب الطريقية، ويؤخذ باطلاق ادلة التخيير في غيرها. فان قلت لا تعارض بين ظهور الاطلاق وظهور الامر، لان الثاني وضعي، والاول مبنى على عدم البيان، وهو مفقود في المقام. قلت انعقاد ظهور الاطلاق موقوف على عدم وجود البيان المتصل بالكلام، لا الاعم منه ومن المنفصل، ولذا لا يسرى اجمال القيد المنفصل الى الاطلاق، بخلاف المتصل، ولو كان عدم القيد - وان كان منفصلا - له دخل في انعقاد ظهور المطلق، لكان اللازم عدم انعقاد ظهور الاطلاق فيما إذا وجد ما يمكن أن

[ 378 ]

يكون قيدا منفصلا عن الكلام. والحاصل أن حكم المقيد المنفصل حكم المعارض للاطلاق، فاللازم الاخذ بما هو اقوى ظهورا. هذا ولكن الانصاف عدم ظهور للاخبار الدالة على التخيير، ولابد من ذكرما وقفنا عليه من تلك الاخبار: (فمنها) - خبر سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه، كلاهما يرويه أحدهما يأمر باخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال يرجه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه). و (منها) - ما عن الحميرى عن الحجة روحي له الفداء إلى ان قال في الجواب عن ذلك حديثان إلى ان قال وبايهما اخذت من باب التسليم كان صوابا. و (منها) - ما عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: (قلت له تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة، فقال (عليه السلام): ما جاءك عنا، فقس على كتاب الله عزوجل واحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا، وان لم يكن يشبههما فليس منا، قلت يجيئنا الرجلان، وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين، ولا نعلم ايهما الحق، قال (عليه السلام): فإذا لم تعلم، فموسع عليك بايهما اخذت). و (منها) - ما عن الحرث بن المغيرة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا سمعت من اصحابك الحديث، وكلهم ثقة، فموسع عليك، حتى ترى القائم فترد إليه). و (منها) - ما عن على بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد الى ابى الحسن (عليه السلام): اختلف اصحابنا في روايتهم عن ابى عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم صلهما في المحمل، وروى بعضهم لا تصلهما إلا على الارض، فوقع عليه السلام موسع عليك باية علمت).

[ 379 ]

و (منها) مرفوعة زرارة، وفيها بعد ذكر المرجحات (إذن فتخير احدهما، فتاخذ به ودع الآخر). هذا ما وقفنا عليه من الاخبار. ولا يخفى عدم ظهور لبعضها في التخيير بين الخبرين اصلا، كخبر سماعة، لقوة احتمال أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) (فهو في سعة...). كون المكلف في سعة من الامر والنهى الواقعيين، حتى يعلم حكم الواقعة، لا أنه في سعة الاخذ باحد الخبرين، كما هو المدعى، وكخبر حرث بن المغيرة، لاحتمال ان يكون المراد حجية قول الثقة من دون ملاحظة حال التعارض، فهو على هذا من الادلة الدالة على حجية قول الثقة، فتأمل. واما التوقيع الشريف وخبر على بن مهزيار فهما وان كانا دالين على التخيير بين الخبرين في الجملة، ولكن لورودهما في المستحبات لا اطلاق لهما، بحيث يشملان موارد الالزاميات، فلو قال قائل باختصاص التخيير بالمستحبات كما هو احد الاحتمالات - فلا يدلان على خلافه، وكذا لورودهما في المورد الخاص اعني تعارض الخبرين المخصوصين. فلا اطلاق لهما بحيث يشمل ثبوت التخيير، حتى في مورد وجود المرجح، إذ لعل الحكم بالتخيير فيهما من جهة عدم وجود المرجح. نعم خبر حسن بن جهم لا اختصاص له بالمستحبات، وان كان يشترك معهما في عدم الدلالة على التخيير، حتى في صورة وجود المرجح. فظهر مما ذكرنا عدم ثبوت اطلاق لادلة التخيير، حتى تشمل صورة وجود المرجح، فلو دل دليل على ثبوت الترجيح يؤخذ به من دون تزاحم اصلا، فلنشرع في بيان ادلة الترجيح: إعلم أن الاخبار - الدالة على تقديم الخبر الموافق للكتاب والمخالف للقوم - بالغة حد الاستفاضة، بل لا يبعد دعوى التواتر فيها، وإن كان في القسم الاول ما يدل على عدم حجية المخالف للكتاب، فالاخذ بموافق الكتاب من جهة حجيته وعدم حجية غيره، ولكن فيه ايضا ما يدل على كون موافقة الكتاب مرجعة

[ 380 ]

فيما إذا تعارض الخبران الجامعان لشرايط الحجية، كما لا يخفى على الناظر في الاخبار. ثم ان الادلة الدالة على الترجيح بهما، وان كان بعضها مقتصرا على خصوص موافقة الكتاب، والآخر مقتصرا على مخالفة القوم، ولكن فيها ما يدل على الترتيب بينهما، وان الترجيح بمخالفة القوم مختص بما إذا لم يكن لاحد الخبرين شاهد من كتاب الله تعالى. فتلخص من جميع ما ذكرنا أن الترجيح بموافقة الكتاب لازم، ثم بمخالفة القوم. وأما الترجيحات الاخر المذكورة في مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة كاعدلية الراوى واوثقيته واصدقيته، وكذا الشهرة بين الاصحاب، فيمكن أن يقال بعدم دلالتها على الترجيح بما ذكر في صورة تعارض الخبرين، كما هو مفروض البحث. اما ما ذكر من الاعدلية ونظائرها في المقبولة، فلانها في مقام تقديم حكم احد الحكمين في مقام رفع الخصومة، (147) ولا تدل على وجوب الترجيح في (147) لا يخفى أن الاعدلية المذكورة في المقبولة وان كانت - كما ذكره (قدس سره) - مذكورة في مقام تقديم حكم أحد الحكمين، بل المراد به اعدلية الحاكم دون الراوي، لكن الاعدلية المذكورة في المرفوعة - التى اعترف قدس سره بانها مجبورة بعمل الاصحاب - فهي مذكورة في مقام ترجيح إحدى الروايتين، وهى - بعد عمل الاصحاب بها - كافية لاثبات الترجيح. وأما الشهرة في الرواية، ففي كلتا الروايتين ذكرت في مقام ترجيح الرواية، أما في المرفوعة فواضح، وأما في المقبولة، فان صدرها وإن كان في مقام ترجيح الحاكم، لكن بعد ذكر الراوى تساويهما في الاعدلية والافقهية، فارجعه الامام (ع) الى النظر في مستندي حكمهما، وترجيح ما هو المشهور منهما. واما احتمال ادراج الخبر المشهور في المقطوعات، فهو خلاف فرض الراوي الشهرة في كلتيهما. والذي يخطر ببالي القاصر في هذا المقام: هو أن المرتكز عند العقلاء - مع =

[ 381 ]

صورة تعارض الخبرين للمجتهد. وأما ما ذكر منها في المرفوعة، فان الظاهر - بقرينة سؤال السائل بعد ذلك هما عدلان مرضيان - أنه ليس المراد من الاعدل من كان هذا الوصف فيه اكثر واشد، بعد اشتراكهما في اصل الصفة، بل المراد هو من كان منهما عادلا، فهو من قبيل اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض، وحاصله يرجع الى وجوب الاخذ بخبر العادل، لكونه حجة، وطرح الآخر لكونه غير حجة. = قطع النظر عن العوارض - حصول الوثوق باخبار العادل، بل الموثق غالبا، وإن لم يكن عادلا، كما قرر ذلك مفصلا في مقام اثبات حجية خبر الواحد بسيرة العقلاء على العمل به. لكن ذلك عند عدم تحقق معارض له، فإذا اخبر موثق بخبر يحصل الوثوق غالبال بصدق مضمونه، وإذا اخبر آخر بضده ينتفي الوثوق به، ويبقى السائل حائرا، وأما إذا كان أحد الخبرين مشهورا والآخر نادرا، يحصل الوثوق بالمشهور، وإن كان غير المشهور أوثق وأعدل، ويعمل العاقل في عمل نفسه على طبقه، فإذا كان كلا الخبرين مشهورين، يتحير السامع بايهما يعمل، فان كان المخبر باحد الخبرين اوثق من الآخر، يعمل العاقل على طبق قول الاوثق والاعدل، فان كانا من هذه الجهة ايضا متساويين فيتخير. نعم بعد الوثوق بكلا المخبرين إذا كانت قرينة على عدم حفظ جهة الصدور في أحدهما، يحكم السائل عليه بانه صدر لغير جهة الافهام حقيقة. إذا عرفت ذلك فنقول: يمكن أن تحمل الاخبار الدالة على الترجيح على ما هو المرتكز عند العقلاء، حيث أخذت الشهرة في كلتا الروايتين من المرجحات، وذكرها في المرفوعة أول المرجحات، وكذا في المقبولة بعد ما تصدى (ع) لترجيح الرواية، وأما صدرها فقد مر أنه في مقام ترجيح الحاكم، وأما عدم التعرض في المقبولة لصفات الراوي، فلعله لما فرض الراوي تساويهما من حيث الصفات قبل ذكر الامام (ع) لها: (فان كان الخبران عنكم مشهورين رواهما الثقات عنكم...) (1). (1) عوالي الليالى المجلد 4 - الصفحة ح 133 - الحديث 231

[ 382 ]

واما الشهرة فالظاهر - بقرينة قوله (عليه السلام) في المقبولة فان المجمع عليه لا ريب فيه، وادراج الخبر المشتهر بين الاصحاب في جملة الامور التى رشدها بين - أن الترجيح بها ليس من الترجيحات الظنية التى تعبدنا الشارع بها، بل تقديم الخبر المشتهر بين الاصحاب من جهة أنه مقطوع به، وان غيره مقطوع الخلاف. وحمل قوله (عليه السلام) (لا ريب فيه) - على عدم الريب بالاضافة الى الآخر، فيجب الاخذ به تعبدا - ركيك جدا من دون داع الى هذا الحمل، لوضوح أن الخبر إذا صار اشتهر بين الشيعة رواية وفتوى وعملا - كما هو الظاهر من الاشتهار بين الاصحاب يوجب القطع بصحته، وان مضمونه هو حكم الائمة (عليهم السلام)، ولازم ذلك صيرورة غيره مقطوع الخلاف، فليس تقديم الخبر المشتهر بين الاصحاب من جهة الترجيح الذى يتكلم فيه. الامر الثاني - أنه إذا بنينا على الترجيح، فهل يقتصر على المرجحات المنصوصة ام لا ؟ ذهب شيخنا المرتضى قدس سره إلى الثاني، واستفاد ذلك من امور: احدها الترجيح بالاصدقية والاوثقية فان اعتبار هاتين الصفتين ليس الا = فتحصل: أن المستفاد من الروايتين هو الترجيح بالشهرة بين الاصحاب أولا، ثم بخصوص الاوثقية والاعدلية في النقل من الصفات ثانيا، ثم بموافقة الكتاب، ثم بمخالفة العامة. والترجيح بغير موافقة الكتاب إرتكازي - لولا ردع الشارع - يعمل عليه العقلاء ايضا، وأما موافقة الكتاب فامر تعبدي. وبذلك ظهر أن المرجحات الغير المنصوصة إن كان الترجيح بها ارتكازيا، يؤخذ بها ويكفيها عدم الردع، ولا يبعد أن تكون قلة النسيان في احد الروايتين وكثرته في الآخر كذلك وأما إذا لم يكن الترجيح به ارتكازيا، كالافقهية مثلا، فلا يجوز التعدي إليه، لان التعدي يحتاج إلى تعبد من الشارع، ولا دليل عليه الا التعليلات الواردة في الروايات، وتعليق الحكم على الاوصاف في بعضها، كما استشهد بهما الشيخ (قدس سره). وحيث ذكرنا أن الترجيح بها إرتكازي، فلا يبعد أن تكون التعليلات والتعليق ايضا على حسب ارتكاز العرف. وعلى هذا لا يجوز التعدي الى غير ما هو كذلك.

[ 383 ]

لترجيح الاقرب إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر، وليس للسبب الخاص دخل فيه. و (منها) - تعليقه (عليه السلام) الاخذ بالمشهور بقوله: فان المجمع عليه لا ريب فيه، فانه - بعد القطع بان ما يرويه المشهور لا يصير مما لا ريب فيه واقعا، والا كان غيره مقطوع الخلاف، ولم يمكن فرضهما مشهورين - يجب ان يكون المراد - من قوله فان المجمع عليه لا ريب فيه - أنه كذلك بالاضافة الى غيره، فيستفاد من التعليل المذكور قاعدة كلية، وهى ان كل خبر يكون مما لا ريب فيه بالاضافة الى معارضه يؤخذ به. و (منها) - تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر المخالف للقوم، بان الحق والرشد في خلافهم، فانه يدل على وجوب ترجيح كل ما كان معه امارة الحق والرشد. هذا وفي الكل نظر، لان الترجيح بالصفات قد عرفت حاله، وكذا الترجيح بالاشهرية. واما الترجيح بمخالفة القوم والتعليل بان الرشد في خلافهم، فلا يدل إلا على أن الخبر الذى يكون معه هذا المرجح يؤخذ به، لكونه معه اقرب الى الواقع واقعا وفي نظر الشارع، لا لكونه اقرب في نظر الناظر، ولو جعل الشارع عند التعارض الخبر الذى يخالف القوم حجة لعلمه بانه غالب الوصول الى الواقع دون غيره، فكيف يصح لنا التعدي منه إلى كل خبر يكون معه شئ يرجح في نظرنا مطابقته للواقع، مع عدم العلم بالغلبة التى صارت موجبة لجعل الشارع هناك ؟ مثلا إذا جعل الشارع خبر الثقة لنا حجة، وان كنا نقطع بأن جهة حجيته كونه طريقا الى الواقع وموصلا إليه في الغالب، لكن لا يصح لنا ان نعمل بكل ما يفيد الظن لنا، لان ملاك حجية خبر الثقة وان كان غلبة الوصول، لكن وجوده في الظن الحاصل لنا من سبب آخر غير معلوم. ومن هنا يظهر ان الاقوى - بناءا على الاخذ بالمرجحات - الرجوع - فيما لم يكن هناك احدى المرجحات المنصوصة - الى اطلاق التخيير إن تمت دلالة الادلة الدالة على التخيير، والا فالى الاصل.

[ 384 ]

بقى في المقام ما يجب التعرض له، وهو بعض الاشكالات الواردة في بادى النظر على مقبولة عمر بن حنظلة. والاولى نقلها بتمامها. ولعله من بركاتها تزول كل شبهة اوردت عليها. اقول روى المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عمر بن حنظلة قال: (سألت أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أيحل ذلك ؟ قال من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له، فانما يأخذه سحتا، وان كان حقه ثابتا، لانه اخذ بحكم الطاغوت، وإنما أمر الله ان يكفر به، قال الله تعالى: (ويريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد امروا ان يكفروا به). قلت فكيف يصنعان ؟ قال: ينظر ان الى من كان منكم، ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف احكامنا، فليرضوا به حكما، فانى قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبل منه، فانما بحكم الله استخف، وعلينا قد رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. قلت فان كان كل رجل يختار رجلا من اصحابنا، فرضيا ان يكونا ناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال عليه السلام الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث واورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قلت فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟ قال (عليه السلام) ينظر الى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذى حكما به المجمع عليه بين اصحابك، فيؤخذ به من حكمهما، ويترك الشاذ النادر الذى ليس بمشهور عند اصحابك، فان المجمع عليه لا ريب فيه، وانما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيجتنب، وامر مشكل يرد حكمه

[ 385 ]

إلى الله: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم. قال قلت فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، فوجدنا احد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا، باى الخبرين يؤخذ ؟ قال (عليه السلام) ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت جعلت فداك فان وافقهم الخبران جميعا ؟ قال (عليه السلام) ينظر الى ما هم اميل إليه حكامهم وقضاتهم ليترك، ويوخذ بالآخر. قلت فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال (عليه السلام) إذا كان ذلك، فارجه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات. هذا واما الاشكالات الواردة فهى من وجوه: (احدها) - أن قطع المخاصمات وفصل الخصومات لا يناسبه تعدد الحاكم والفاصل. (الثاني) - أن مقام الحكومة آب عن الغفلة عن معارض مدرك الحكم، فكيف يصح الحكمان، ويرجح أحدهما على الآخر ؟ (الثالث) - ان اجتهاد المترافعين وتحريهما في مدرك حكم الحاكم لا يجوز اجماعا. (الرابع) - أن اللازم مع التعارض الاخذ باسبق الحكمين، إذ لا يبقى للمتأخر مورد. هذا إن كان احدهما سابقا على الآخر، وان صدرا دفعة،

[ 386 ]

فاللازم التساقط دون الترجيح. (الخامس) - أن الامر في تعيين الحاكم إنما هو بيد المدعى، فينفذ حكم من اختاره في الواقعة. وقد فرض في الرواية الامر بيدهما وتحريهما بعد اختلافهما في الحكم، وحسم مادة الاشكال بأحد وجهين. إما بان تخرج الواقعة عن المخالفة والمخاصمة، وتحمل على السؤال عن المسألة المتعلقة بالاموال التى صارت منشأ للنزاع. (148) والحاصل أن المتنازعين لما كان منشأ نزاعها الشبهة في حكم المسألة، فيجب رجوعهما الى رواة الحديث، ليعلما حكم الواقعة، ويرتفع النزاع بينهما. وحينئذ لا اشكال اصلا. وإما بحملها على مورد التداعي، فيصح أن يختار كل منهما غير من يختاره الآخر، فينفذ حكم كل منهما على من اختاره دون الآخر. نعم يظهر من الرواية أنه لو كان احدهما اعلم وافقة فليس لاحد اختيار غيره ويمضى حكمه على الطرفين. وكيف كان فيرتفع ما ذكر من الاشكالات، أما إشكال تعدد الحاكم، فلما مضى. وأما إشكال غفلة كل منهما عن مدرك حكم الآخر، فلا مكان اطلاع كل منهما على ذلك، ولكن يعتقد عدم صحته، كما هو غير عزيز. وأما اشكال لزوم الاخذ بالاسبق، فلانه فيما لو كان الحكم نافذا على الطرفين. وما نحن فيه ليس كذلك، لان المفروض أن كل واحد اختار حكما غير من اختاره الآخر، فلا ينفذ حكم من اختاره احدهما على الآخر، وان كان سابقا. وأما اجتهاد المترافعين، فلانه بعد ما كانت الشبهة حكمية، ولم ترتفع بالحكومة، أمرهما الامام عليه السلام بالنظر في أدلة نفس الواقعة، واستنباط (148) هذا خلاف ظاهر الرواية بل صريح قوله (ع): (الحكم ما حكم به اعدلهما) وما اختاره (قدس سره) حيث أنكر الترجيح بصفة الراوي بحمل هذه الرواية على الحكمين، فراجع.

[ 387 ]

الحكم منها، حتى يرتفع نزاعهما، والأمر بترجيح احد الحكمين إذا كانت فيه احدى المرجحات المذكورة في الرواية، من جهة أن حكمهم في الصدر الاول كان مطابقا لمضمون الرواية والله العالم. (وينبغى التنبيه على امور) (احدها) - أنه - بناءا على وجوب الترجيح - لو بنينا على التعدي عن المرجحات الخاصة الى غيرها، فهل يعتبر الظن الشخصي، بمعنى أن الخبرين المتعارضين إذا كان مع احدهما أمارة توجب الظن الفعلى بكونه مطابقا للمواقع، نأخذ به ونقدمه على الآخر، والا فحالهما سواء. وإن كان مع أحدهما ما يوجب اقر بيته إلى الواقع نوعا، أو أن المعتبر الظن النوعى وان لم يوجب الظن شخصا، أو أن المعتبر ابعدية احدهما عن الخلاف بحيث لو فرض العلم بصدق احدهما وكذب الآخر، كان احدهما ابعد عن الكذب واقرب الى الصدق ؟ لا ينغبى الاشكال في عدم اعتبار الظن الشخصي، لان المرجحات المنصوصة - في الاخبار كموافقة الكتاب ونظايرها - لا تستلزم الظن الشخصي، مع وجوب الاخذ بها، بناءا على وجوب الترجيح، فالملاك المأخوذ من الاخبار ليس الظن الشخصي، لعدم اعتبار ذلك في الاصل، فيبقى الاخيران. واستظهر شيخنا المرتضى قدس سره - من تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر المخالف للعامة، بان الحق والرشد في خلافهم، ومن تعليلهم (عليهم السلام) لاخذ الخبر الموافق للمشهور بانه لا ريب فيه - ان الملاك في الترجيح هو كون احدهما ابعد عن الباطل من الآخر، وان لم تكن معه امارة المطابقة. وتقريب ذلك أن قولهم (عليهم السلام) ان المجمع عليه لا ريب فيه، - بعد العلم بان المراد ليس نفى الريب عنه حقيقة - يراد منه انه لا ريب فيه بالاضافة الى الآخر، فيتحصل من هذا التعليل أن الملاك في الترجيح كون احد الخبرين بالاضافة الى الآخر اقرب الى الواقع وأبعد عن الباطل. وإن لم يكن

[ 388 ]

معه ما يوجب اقر بيته الى الواقع على نحو الاطلاق، وكذا تعليلهم الاخذ بالخبر المخالف للقوم. بان الحق والرشد في خلافهم. أقول: لا يظهر من الاخبار - بعد فرض جواز التعدي - ان الملاك ما افاده قدس سره، لان قوله فان المجمع عليه لا ريب فيه - بعد تعذر حمله على ظاهره - يجب حمله على الرجحان الفعلى أو النوعى. وكذا قولهم فان الحق والرشد في خلافهم، إذ الظاهر أنه لوحظ كون خلافهم طريقا إلى الواقع، ويؤيد ذلك ما في بعض الاخبار من امرهم بالاستفتاء من فقيه البلد، والعمل بخلاف ما يفتى، ومن أنهم ليسوا من الحقيقة على شئ، وغير ذلك مما يوجد في الاخبار. وكيف كان فبناءا على التعدي لا وجه لترجيح غير ما يكون مؤيدا بما يفيد الظن نوعا. (149) (الثاني) - انك قد عرفت مما ذكرنا سابقا: أن تقديم النص - الظنى السند أو الجهة أو كليهما على الظاهر، وان كان قطعي السند - مما يحكم به العرف، ولازم ذلك عدم التوقف الذى هو الاصل الاولى في تعارض الخبرين، فيما إذا كان احدهما عاما والآخر خاصا، وامثال ذلك من النص والظاهر، وكذا الحكم في الاظهر والظاهر، وهل يكون مورد التخيير والترجيح ايضا غير ما ذكر، أو هو عام ؟ وجهان أقصى ما يقال للاول: أن مورد الاخبار الواردة في العلاج هو الخبران اللذان يتحير العرف فيهما، دون ماله طريق جمع مرتكز في اذهانهم، وجرى عليه ديدنهم. أقول قد ذكرنا سابقا أن العرف يعاملون الخاص الظنى معاملة الخاص القعطى في تقديمه على العام، وتحكيمه عليه، ولكن لا اشكال في أنه لم يكن منشأ لانعقاد ظهور آخر، وصرف ظهور العام كالقرينة المتصلة، حتى لا يبقى تعارض في البين، ولا يحسن السؤال عن حكمها، ولا تشمله الاخبار الواردة في (149) قد مر أن التعدي - عن غير ما يكون الترجيح به إرتكازيا - لا وجه له، على ما بنينا عليه الكلام.

[ 389 ]

تعارض الخبرين. وبعبارة اخرى (تارة) يقال بأن الخاص المنفصل كالمتصل في صرف ظهور العام وانعقاد ظهور آخر لمجموع الكلامين، و (اخرى) يقال بان العام وان لم يصرف عن ظهوره المنعقد له بورود الخاص المنفصل، ولكن العرف - في مقام تعارض الخاص المذكور مع العام - يقدمون الخاص عليه، والاول يكذبه وجدان كل احد. والثانى لا يستلزم حمل الاسئلة الواردة في الاخبار على غير الموارد المذكورة، إذ المرتكزات العرفية لا يلزم أن تكون مشروحة ومفصلة عند كل احد (150) حتى يرى السائل في هذه الاخبار عدم احتياجه الى السؤال عن حكم العام والخاص المنفصل وامثاله، إذ رب نزاع بين العلماء يقع في الاحكام العرفية، مع انهم من اهل العرف. سلمنا التفات كل الناس إلى هذا الحكم حتى لا يحتمل عدم التفات السائلين في تلك الاخبار، فمن الممكن السؤال ايضا، لاحتمال عدم امضاء الشارع هذه الطريقة. وعلى هذا يجب أن يؤخذ باطلاق الاخبار. ويؤيد عموم الاخبار ما ورد في رواية الحميرى عن الحجة (عليه السلام) من قوله، في الجواب عن ذلك حديثان: أما أحدهما (فإذا انتقل من حالة إلى اخرى، فعليه التكبير). وأما الآخر، فانه روى أنه (إذا رفع راسه من السجدة ] (150) لا يخفى أن حمل الاسئلة العرفية على خلاف مرتكزاتهم - من دون قرينة تدل على ذلك - مما لا يصح الالتزام به، ولو فتح باب ذلك، لاختل أمر غالب الاستظهارات التي عليها مدار استفادة الاحكام من عصر النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام إلى زماننا هذا. واما مجرد انعقاد الظهور للعام - مع عدم العمل به قبال الخاص، بل وعدم التوقف - لا ينافي كون تقديم الخاص إرتكازيا، وعدم المعاملة معهما معاملة المتعارضين. وأما الروايتان فحيث لم تنقلا بالفاظهما لا يصح التمسك بهما لكل عام وخاص، لاحتمال أن تكون للمورد خصوصية لا يجوز معها التمسك بالخاص وتخصيص =

[ 390 ]

[ الثانية، وكبر، ثم جلس، ثم قام، فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير...) ولا شك أن الثاني اخص من الاول مطلقا، مع أنه (عليه السلام) امر بالتخيير بقوله في آخر الخبر وبايهما أخذت من باب التسليم كان صوابا. وكذا ما رواه على بن مهزيار قال: (قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى ابى الحسن (عليه السلام) اختلف اصحابنا في رواياتهم عن ابى عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم صلهما في المحمل، وروى بعضهم لاتصلهما الاعلى وجه الارض...). وظاهر أن الروايتين من قبيل النص والظاهر، لان الاولى نص في الجواز، والثانية ظاهرة في عدمه، لامكان حملها على أن ايقاعها على الارض افضل، مع انه (عليه السلام) امر بالتخيير بقوله: موسع عليك باية عملت. ودعوى السيرة القطعية - على التوفيق بين الخاص والعام والمطلق والمقيد من لدن زمان الائمة (عليهم السلام) وعدم رجوع أحد من العلماء الى المرحجات الاخر - يمكن منعها. كيف ؟ ولو كانت لما خفيت على مثل شيخ الطائفة قدس سره، فلا يظن بالسيرة، فضلا عن القطع، بعد ذهاب مثله الى العمل بالمرحجات في تعارض النص والظاهر، كما يظهر من العبارة المحكية عنه في الاستبصار والعدة. وقد نقل العبارتين شيخنا المرتضى قدس سره في رسالة التعادل والترجيح فلاحظ. (الثالث) - أنه لو بنينا على تقديم الاظهر، فمتى علم كون احد الدليلين اظهر من الآخر، فلا اشكال، ومتى اشتبه الحال، فقد ذكروا لتشخيص الاظهر = العام به، بل هما متعارضان، وأما عبارتا الاستبصار والعدة، فليستا بصريحتين في ملاحظة الترجيح بين العام والخاص، وما يشبهما في الظاهرية والاظهرية، لانصراف عبارة الكتابين عنهما، وهى قوله (قدس سره): (فان كان متى عمل باحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه. وضرب من التأويل...)، فان العمل بالخاص في قبال العام غير محتاج الى التأويل عند العرف، فلعل مثل الخاص والعام كان خارجا عن موضوع كلامه، فراجع وتأمل.

[ 391 ]

امورا لا بأس بذكر بعضها: (منها) - أنه لودار الامر بين التخصيص والتقييد، فالثاني مقدم، نظرا الى ان الاطلاق ليس معنى وصعيا للفظ، وانما حكم به من جهة مقدمات: (احداها) - عدم البيان على القيد، ومتى ورد دليل يوجب التقييد - وان كان من الالفاظ الدالة على العموم - يقدم على الاطلاق، لارتفاع موضوعه بذلك. وفيه أن عدم البيان الذى اعتبر في تحقق الاطلاق هو عدم البيان المتصل، لا الاعم منه ومن المنفصل كما لا يخفى. (151) فالاولى في دوران الامر بين التخصيص والتقييد ملاحظة الخصوصيات الموجودة في المقام، إن كانت. و (منها) - إنه لودار الامر بين النسخ والتخصيص، فالثاني مقدم، نظرا الى قلة الاول وشيوع الثاني، حتى اشتهر انه ما من عام الا وقد خص. أقول ندرة الاول وشيوع الثاني إن كانا مرتكزين في ذهن العرف، بحيث يصيران كالقرائن المكتنفة بالكلام فهو، والا فمجرد الظن لا ينفع. ولا دليل على اتباعه. نعم يمكن أن يقال في الخصوصيات الواردة في كلام الائمة (عليهم السلام) بالنسبة الى عمومات الكتاب أو السنة النبوية يتعين التخصيص، لان النسخ وإن امكن وقوعه عقلا، بان كان الناسخ مودعا عندهم، ولكن وقوعه ولو نادرا غير محقق، مضافا الى ما ورد عنهم (عليهم السلام) من ان حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال الى يوم القيامة، وكذا حرامه الظاهر في ان جنس الحكم المودع عنه لا يتغير ولا يتبدل اصلا، كما لا يخفى، مضافا إلى ارتكاز هذا المعنى في ذهن المسلمين. فان قلت كيف يحمل على التخصيص مع حضور وقت العمل بتلك (151) نعم المعتبر في تحقق الاطلاق وإن كان عدم البيان المنفصل، لكن لما كان الاطلاق على هذا المبنى دليلا من جهة السكوت في موارد البيان، يكون اضعف من كل بيان لفظي، ولو كان ذلك دلالة العموم.

[ 392 ]

العمومات، وهل هو الا تأخير البيان عن وقت الحاجة القبيح عقلا ؟ قلت قبح ذلك نظير قبح الكذب، يمكن ان يرفع بالوجوه والاعتبارات، فقد تقتضي المصلحة اخفاء القرينة على الحكم الواقعي، كما أنه قد تقتضي عدم بيانه وايكال الناس إلى العمل بحكم الشك. وبعبارة اخرى تأخير البيان عن وقت العمل ليس علة تامة للقبح، كالظلم، حتى لا يمكن تخلفه عنه، وإذا لم يكن كذلك فقبحه فعلا منوط بعدم جهة محسنة تقتضي ذلك. (الرابع) - تعيين النص والاظهر، فيما لو كان التعارض بين متعارضين، فلا اشكال فيه. وأما إذ كان التعارض بين ازيد منهما، فقد يشكل الامر، من حيث أن ملاحظة علاج التعارض بين اثنين منهما قد توجب انقلاب النسبة مع الآخر، مثلا لو ورد اكرم العلماء، وورد ايضا لا تكرم الفساق من العلماء، وعلمنا من الاجماع ونحوه عدم وجوب اكرام النحويين، فقد يتخيل ان العام - بعلة القطع بخروج النحويين منه - يصير بمنزلة قولنا اكرم العلماء الغير النحويين، والنسبة بينه وبين الخاص الآخر - اعني لا تكرم الفساق من العلماء - تكون عموما من وجه، وهذا فاسد، من جهة أن ورود كل من الخاصين على العام إنما يكون في مرتبة واحدة، وان كان احدهما قطعيا والآخر دليلا لفظيا قطعي الاعتبار. نعم لو كان دليل التخصيص مكتنفا بالكلام، بحيث انعقد للكلام ظهور واحد، ودليل التخصيص الآخر منفصلا عنه، يجب ان تلاحظ نسبة ذلك المخصص المنفصل مع ذلك العام المخصص، لكن مع كونهما منفصلين لا وجه لملاحظة احدهما قبل الآخر، وتخصيص العام به، ثم ملاحظة الخاص الآخر مع العام المخصص. وهذا واضح. وقال شيخنا الاستاذ دام بقاوه في وجه عدم انقلاب النسبة أن النسبة إنما هي بملاحظة الظهورات، وتخصيص العام بمخصص منفصل ولو كان قطعيا لا ينثلم به ظهوره، وان انثلمت به حجيته انتهى.

[ 393 ]

أقول الذى لا ينثلم هو ظهوره في المعنى التصورى أعنى الملقى في ذهن السامع حين سماعه. وأما ظهوره في ارادة المتكلم، فلا شك في اختلافه بعد التخصيص بالمنفصل، إذ قبله ظاهر في ارادة الجميع على حد سواء، وبعده يقطع بعدم ارادة البعض المخرج، ويصير ظهوره في ارادة الباقي اقوى. ولذا قد تصل كثرة التخصيص إلى مرتبة يقطع بارادة الباقي. والعمدة في عدم الانقلاب هو ما ذكرنا، من كون الخصوصات في عرض واحد (152) ولا وجه لملاحظة بعضها قبل الآخر، حتى يوجب انقلاب النسبة. (152) الظاهر انه لا معنى لكون الخاصين في عرض واحد، إلا كون كل منهما - مع قطع النظر عن الآخر - مقدما على العام، والظاهر أن وجه ذلك ليس الا تعارف القاء العام وارادة العموم استعمالا، مع خروج بعض الافراد منه لبا. ومن الواضح أن خروج فرد منه لبا لا ينافى بقاء ظهور العام في العموم استعمالا، ولا يحكم بمجازية التخصيص، بل دليل الخاص ينافي كون ذلك الفرد تحت العام جدا، فيرفع اليد به عن أصالة التطابق بين الجد والاستعمال في هذا الفرد، فلو ورد بعد ذلك أيضا خاص يقد على العام، لعدم انثلام ظهور الارادة الاستعمالية بخروج فرد لبا، فيرفع اليد بذلك أيضا عن الاصل المذكور في خصوص هذا الفرد ايضا، وهكذا الى ان يبلغ درجة يكون القاء اللفظ - مع ارادة المعنى استعمالا وخروجه لبا - خلاف المتعارف ومستهجنا، فيعامل حينئذ مع العام وتلك الخواص معاملة المتعارضين بتفصيل يأتي انشاء الله تعالى. وظهر ما في قوله (قدس سره): (وأما ظهوره في ارادة المتكلم، فلا شك في اختلافه، لان ظهوره في الارادة الاستعمالية لا شك في عدم اختلافه. وأما الارادة الجدية بعدمها غير مضر بتقدم الخاص، وغير مناف لحفظ صورة العام، وغير مناف لظهوره، بل مناف لاصالة التطابق كما مر. نعم يبقى على ذلك سؤال عن الفرق بين المنفصل والمتصل، مع أنه في المقامين =

[ 394 ]

ومن هنا يظهر أنه لو كانت النسبة بين المتعارضين عموما مطلقا، بعد تخصيص احدهما بخاص، يعامل مع ذلك العام المخصص ومقابله معاملة العام والخاص المطلق، (153) وان كان بينهما تباين قبل ذلك التخصيص، كما لو ورد (أن ثمن العذرة سحت، وورد ايضا ثمن العذرة لا بأس به، وورد ايضا ثمن عذرة المأكول اللحم لا باس به) يجب تخصيص الدليل الاول واخراج عذرة المأكول اللحم منه، ثم ملاحظته مع الدليل الثاني أعنى قوله ثمن العذرة لا بأس به. والسر في ذلك انه ليس تعارض المقيد مع المطلق والمطلق الآخر معه على نسق واحد، فيجب تقييد المطلق بذلك المقيد. وبعد التقييد يصير في حكم المقيد، فيقيد الاطلاق الآخر به فليتأمل جيدا. ثم انه في الفرض الاول - اعني صورة تعارض العام مع الخصوصات - = يكون التخصيص قرينة على خروج الفرد من اللب والجد، لا من الارادة الاستعمالية، فيكون ظهور العام في كليهما محفوظا، فلم يعاملوا مع العام المخصص بالمتصل معاملة الخاص. ويمكن الفرق: بأن اصالة التطابق بين الجد والاستعمال لما لم تجر في العام المخصص بالمتصل، فلم يكن لاحراز الواقع والارادة الجدية طرق اصلا، وان كانت الارادة الاستعمالية معلومة، لان تلك الارادة المستكشفه من ظهور اللفظ - مع القرينة على خلافها لبا - غير مؤثرة في شئ عند العقلاء، بخلاف المخصص بالمنفصل، فان الظهور مع ذلك الاصل حجة عقلائية، ويجب العمل عليه ما لم تقم حجة اقوى على خلافه، وبعد ورود المخصص الدال على خلاف الاصل المذكور يعمل به، لكونه اقوى من الاصل المذكور، فافهم. (153) لا يخفى أن تقدم احد العامين بعد التخصيص في المثال، ليس من باب اختلاف ظهوره في الارادة الاستعمالية، بل من باب اختلاف اصل التطابق في القوة والضعف، بمعنى أن اصل التطابق في الباقي - بعد خروج بعض الافراد من العام - يصير اقوى من الاصل المذكور في العام الذي لم يخرج منه شئ فتفطن.

[ 395 ]

إذا بقى من العام بعد خروج تلك الخصوصات مقدار لم تكن إرادته منه بشعة، فالحكم ما ذكرنا. وأما إذا لم يكن كذلك، بان تكون الخصوصات مستوعبة لافراد العام، أو لم يبق بعد اخراجها مقدار يصح حمل العام عليه، فيقع التعارض بين العام ومجموع الخصوصات، وحالهما حال المتباينين. فحينئذ لا يخلو إما أن يكون كل من العام والخصوصات متساويين في السند وإما لا وعلى الثاني إما ان يكون العام ارجح سندا من جميع الخصوصات، وإما بالعكس. وإما أن يكون راجحا بالاضافة الى بعض الخصوصات، ومساويا بالاضافة الى الباقي، أو مرجوحا كذلك. وإما أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى بعض، ومساويا بالنسبة إلى الآخر. ففى الصورة الاولى، يحكم بالتخيير، فان اخذنا بالخصوصات يطرح العام كلية، وان اختير العام، فلا وجه لطرح الخصوصات رأسا، إذا لتباين مع المجموع، لا مع كل واحد، فحينئذ يطرح منها مقدار لم يكن في الاخذ بالباقي محذور ويقع التعارض بين الخصوصات، فيحكم بالتخيير، لعدم الترجيح، كما هو المفروض. وفي الصورة الثانية يؤخذ بالعام بناءا على الاخذ بالترجيح، ويطرح من الخصوصات ما لم يكن في الاخذ بالباقي محذور، ويلاحظ الترجيح في الخصوصات إن كان، والا فالتخيير. وفي الثالثة يؤخذ بجميع الخصوصات ويطرح العام. والصور الباقية متحدة في الحكم مع الصورة التى لم يوجد ترجيح في البين اصلا، (154) إذا لتباين إنما يكون بين العام والبعض المبهم من بين (154) لا يخفى أن العام إن كان راجحا بالاضافة الى بعض، ومرجوحا أو مساويا بالنسبة الى بعض آخر، فان كان العمل على العام فيما يكون راجحا يخرجه عن استهجان تخصيص الاكثر، فلا اشكال في العمل فيما يكون راجحا، والعمل على الخاص في غيره، ووجهه واضح، لان العام لا يعارض كل واحد من الخصوصيات، بل يعارض مقدرا مبهما، فلو لم يكن بين الخصوصيات ترجيح، لا محالة يحكم عند التساوي بالتخيير بين العمل بجميع الخصوصيات وترك العام، أو العمل بالعام =

[ 396 ]

الخصوصات، وترجيح احد هذين المتباينين على الآخر لا يكون الا بترجيح العام على تمام الخصوصات، أو ترجيحها عليه، فليتدبر. (الخامس) - انه لو بنينا على الترجيح، واقتصرنا على المرجحات المنصوصة، مع ملاحظة الترتيب بينها، فلا اشكال في وجوب الاخذ بالمزية الملحوظة سابقة، وعدم الاعتناء بالاخرى الملحوظة لاحقة. وان لم نقتصر عليها، بل تعدينا الى كل ما يوجب الاقربية الى الواقع، أو الابعدية عن الخلاف، أو قلنا بناءا على الاقتصار أن ادلة الترجيح انما تكون في بيان ذكر المرجحات دون الترتيب بينها، فمتى وجدت في أحد المتعارضين احدى المزايا الموجبة لاحد المناطين، بناءا على الاول، ووجدت اخرى في الآخر كذلك، أو وجدت احدى المزايا المنصوصة في احدهما، واخرى في الآخر، يحكم بالتخيير، سواء كانت المزيتان راجعتين الى الصدور، أو إحداهما إليه والاخرى الى جهته. والوجه في ذلك - بناءا على التعدي - ان ملاك الاخذ باحدهما معينا كونه لو فرض كذب احد المتعارضين وصدق الآخر اولى بالمطابقة للواقع، أو كونه منضما الى شئ يوجب اقر بيته الى الواقع، على الاختلاف الذى ذكرناه سابقا في = والتخيير في العمل ببعض الخصوصيات، كما في المتن. وأما مع ترجيح بعض الخصوصيات ابتداءا، فيتعين ترجيحه ابتداءا على العام، وتعيين ذلك المعارض المبهم في غيره، وإما أن لا يخرج العمل على العام فيما ذكر عما هو مستهجن من تخصيص الاكثر، فلا يبعد ما ذكر في المتن، الا أنه بناءا عليه لو عمل بالعام، فحيث يلزم العمل على بعض الخصوصيات، يجب الاخذ بخصوص ما هو راجح أولا، ثم المساوي، وأما إن كان العام مرجوحا بالنسبة الى بعض، فالظاهر عدم الاشكال في تقدم ذلك البعض على العام، لانه لو كان خاصا، كان مقدما عليه، فكيف وهو عام، وحينئذ يعامل مع العام والباقي معاملة المتعارضين، فاما ان يعمل بجميع المخصصات ويترك العام، وإما ان يعمل بالعام في بعض الباقي، مخيرا في تعيين ذلك البعض في أي الافراد، ما لم ينته الى تخصيص الاكثر.

[ 397 ]

[ فهم الملاك من الاخبار. وعلى كل حال مخالفة العامة عدت في الاخبار مما يتحقق به ملاك الترجيح، كالاعدلية وامثالها، فلو كان احد الخبرين موافقا للعامة، والآخر مخالفا لهم، ولو كان رواة المطابق لهم اعدل، يحكم بالتخيير، لان ملاك الترجيح في كل منهما على نهج واحد، لا مزية لاحدهما على الآخر. وهكذا الكلام على القول بالاقتصار على المرجحات المنصوصة، بناءا على أن الاخبار ليست في بيان الترتيب، بل هي في مقام تعداد المرجحات، لانه كما أن الاعدلية عدت في الاخبار من المرجحات، كذلك مخالفة العامة ايضا عدت منها، فلا وجه لترجيح خبر الاعدل المطابق للعامة على غيره المخالف لهم، خلافا لشيخنا المرتضى قدس سره، حيث قدم الخبر الارجح سندا المطابق للعامة على غيره المخالف لهم. قال في باب التعادل والترجيح: ما لفظه (اما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور، بان كان الارجح صدورا موافقا للعامة، فالظاهر تقديمه على غيره، وان كان مخالفا لهم، بناءا على تعليل الترجيح بمخالفة العامة، باحتمال التقية في الموافق، لان هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا، كما في المتواترين، أو تعبدا كما في الخبرين، بعد عدم امكان التعبد بصدور احدهما وترك التعبد بصدور الآخر. وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى ادلة الترجيح من حيث الصدور. فان قلت ان الاصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الخبر الموافق تقية، كما يقتضى ذلك الحكم بارادة خلاف الظاهر في اضعفهما دلالة، فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب ادلالة مقدما على الترجيح بحسب الصدور. قلت لا معنى للتعبد بصدورهما، مع وجوب حمل احدهما المعين على التقية، لانه الغاء لاحدهما في الحقيقة) انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه. أقول قوله (أو تعبدا كما في الخبرين..) إن اراد كونهما حجة فعلا،

[ 398 ]

فلا معنى له بعد وجوب الغاء احدهما المعين، كما صرح به قدس سره في جواب المستشكل، وان اراد تساويهما بملاحظة دليل الحجية من دون ترجيح لاحدهما على الآخر، بحيث تشمله الادلة الواردة في علاج المتعارضين. فما نحن فيه من هذا القبيل، لان الخبر الصادر من الاعدل الموافق لهم مع الخبر الصادر غيره المخالف لهم سيان، بملاحظة دليل الحجية. أما تساويهما بملاحظة الدليل الاول، فواضح، لان المفروض كونهما جامعين للشرايط المعتبرة في دليل الحجية. وأما تساويهما بملاحظة دليل العلاج (155) فلان المفروض اشتمال كل منهما على مزية خاصة موجبة للترجيح هذا. (155) لا يخفى أن الخبر - الدال على الاخذ بقول الاعدل وطرح قول العادل - حاكم على الخبر الدال على الاخذ بما خالف العامة، لان معنى الاخذ بما خالف العامة وطرح ما وافقهم ليس الا حمل صدور الموافق على التقية. ومعلوم أن التقية لا تتصور الا فيما صدر، فلو كان راوي ما هو المخالف من الخبرين عادلا، وراوي الموافق منهما أعدل، فمعنى قوله (ع): (خذ باعدلهما) أنه ابن على صدوره وعدم صدور الآخر، ومعنى قوله (ع): (خذ بما خالف العامة) أنه ابن على كون جهة صدور الموافق هو تقية. ومعلوم أن الدليل النافي لاصل الصدور بمنزلة الرافع لموضوع النافي لجهة الصدور، لان الصدور فيه اخذ محققا بخلاف النافي لجهة الصدور، فانه لم يتعرض لاصل الصدور لسانا، وإنما ينافي العمل به نتيجة للعمل بما يحكم به المصحح للصدور. ولعل مراد الشيخ (قدس سره) ما ذكرنا. هذا على ما ذكروه من كون الادلة الدالة على الترجيح مفيدة لترجيح ذي المزايا المذكورة تعبدا، من غير نظر إلى المرتكزات العرفية، وأما على ما نبينا الكلام عليه من كونها امضاءا لما جرى عليه، فقد مر أن ارتكاز كل احد حصول الاطمينان بقول الثقة ما لم يكن له معارض، وعند المعارضة يتوقف، ما لم يكن احد الراويين اعدل واتقى في نقل الخبر، وأما معه فيبنى على صدوره خاصة، وعند التساوي من حيث الصدور يرجع الى الترجيح في جهة الصدور، والله العالم. هذا آخر ما علقناه على ما صنفه الاستاذ العلامة - اعلى الله في الخلد مقامه - عند الاشتغال به. وقد فرغت من تسويده في الخامس عشر من ربيع الاول =

[ 399 ]

[ والحمد على ما تيسر لى من تحرير هذه المسائل واصلي واسلم على محمد وآله اشرف الاواخر والاوائل. واللعنة الدائمة على اعدائهم ومخالفيهم ومبغضيهم ما مقامه - عند الاشتغال به. وقد فرغت من تسويده في الخامس عشر من ربيع الاول =

[ 399 ]

[ والحمد على ما تيسر لى من تحرير هذه المسائل واصلي واسلم على محمد وآله اشرف الاواخر والاوائل. واللعنة الدائمة على اعدائهم ومخالفيهم ومبغضيهم ما تنافرت الاضداد والاماثل. = من السنة السادسة والخمسين وثلاثمائة بعد الالف هجرية والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله الطاهرين واللعن على اعدائهم الى يوم الدين وانا العبد الاثم الجاني محمد رضا بن محمد باقر الموسوي الگلپايگانى

[ 400 ]

كلمة المصحح بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى وفقني لخدمة سيدى الاستاذ سماحة آيه الله العطمى زعيم الحوزات العلمية في ايران السيد الگلپايگانى امد الله في عمره الشريف في القيام بتصحيح هذا السفر الجليل والاشراف على طبعه ووضع فهرسته على غرار ما قمت به في الجزء الاول وبذلت غاية جهدي فيه الا أن (العصمة لاهلها) وارجو أن يكون خاليا من الخطأ الا ما زاغ عنه البصر والله تبارك وتقدس أسأل أن يجعل هذا الجهد المتواضع ذخيرة لى ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم وأن ينفع به اهل العلم وارباب الفضل وأن لا يضننوا على بصالح دعائهم إنه قريب سميع الدعاء. محمد الكاظم الخوانسارى 27 / جمادى الاولى 1411 29 / 9 / 1369

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية