الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إفاضة العوائد - السيد الگلپايگاني ج 1

إفاضة العوائد

السيد الگلپايگاني ج 1


[ 1 ]

افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد تأليف المرحوم المبرور مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي قدس سره بقلم سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلمية الحاج السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله الجزء الاول

[ 2 ]

دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه الحوزة العلمية ايران - قم هوية الكتاب: * الكتاب: افاضة العوائد تعليق على درر الفوائد * المؤلف: سماحة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني مد ظله * الناشر: دار القرآن الكريم * الطبعة: الاولى * طبع منه: 3000 نسخه * المطبعة: مهر * التاريخ: ربيع الثاني 1410 - * ايران: قم - شارع ارم - دار القرآن الكريم صندوق البريد 151 - رقم الهاتف 33078

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علمنا معالم الدين ومعارج اليقين، وانار قلوبنا بلوامع السنة والكتاب المبين، ووفقنا لتمهيد القواعد والقوانين لاستنباط احكام سيد المرسلين، والصلاة والسلام على اشرف سفرائه المقربين محمد خاتم النبيين وعلى اله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. أما بعد فيقول العبد المذنب المستجير برحمة ربه الكريم، عبد الكريم الحائري غفر ذنوبه وستر عيوبه لما صنفت في سالف الزمان تصنيفا شريفا وتأليفا منيفا في علم الاصول، وأودعت فيه غالب مسائلها المهمة، مراعيا فيه غاية الايجاز والاختصار، مع التوضيح والتنقيح ببيانات شافية وعبارات وافية، بحيث يكون سهل التناول لطالبه مجتنبا عن ذكر ما لا ثمرة فيه، وسميته ب‍ (درر الفوائد) فجددت النظر فيه فالحقت به ما خطر ببالى الفاتر وفكري القاصر اخيرا مما اختلف فيه رايى، وارجو من الله ان يكون نافعا لاخواني من اهل العلم وان يجعله خير الزاد ليوم المعاد.

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي فقهنا في الدين، وفرض علينا معرفة اصوله وكلفنا بالعمل بفروعه ووفقنا لاستنباط احكام شريعته من كتابه وسنة نبيه واوصيائه الائمة الغر الميامين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين. وبعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الغنى محمد رضا بن محمد باقر الموسوي الگلپايگاني قد طلب الي جمع من افاضل الطلاب تدريسهم كتاب (درر الفوائد) تأليف المرحوم المبرور المغفور له شيخنا واستاذنا مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة العلامة الفقيه والاصولي الشهير آية الله العظمى وحجته الكبرى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي تغمده الله برحمته فاجبت الطلب وعلقت عليه ما خطر ببالى ابان الدرس وكان القسم الكثير منه في حياته والجزء الاخير منه بعد وفاته. وكنت قد دونته عندي لمراجعتي لدى الحاجة فرغب جمع في طبع المدونات فنزلت عند رغبتهم وذيلت المتن بها واسميتها (افاضة العوائد في التعليق على درر الفوائد) والله تبارك وتعالى أسأل واياه ارجو أن ينفعني بها يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

[ 5 ]

[ (تعريف علم الاصول) إعلم ان علم الاصول هو العلم [ 1 ] بالقواعد الممهدة لكشف حال الاحكام الواقعية المتعلقة بافعال المكلفين، سواء وقعت في طريق العلم بها، كما في بعض القواعد العقلية، أو كانت موجبة للعلم بتنجزها ] تعريف العلم [ 1 ] المراد بالعلم في المقام هو اما مطلق الادراك واما خصوص الادراك الراسخ المعبر عنه بالملكة، ولذا صح تعديته إلى (القواعد) بالباء. وليس المراد منه نفس (القواعد) قطعا بتلك القرينة. وهو وإن كان يطلق على نفس القواعد في كثير من الاحيان، لكن ما لم يضف إلى الاسم الموضوع لذلك العلم، كالنحو والصرف والاصول ونحوها فان النحو والصرف والاصول وامثالها اسماء وضعت للقواعد المبحوث عنها في تلك العلوم، ولها واقعيات في نفس الامر، سواء علم بها احدام لم يعلم، ولذا يقال: فلان (عالم بالنحو) أو (ليس بعالم به). وقد يطلق العلم ويراد به ما هو معنى (النحو والصرف والاصول) مثلا، لكن ما لم يضف الى تلك العلوم، وأما مع اضافته إليها، فلا يراد به الا الادراك قطعا. وذلك واضح لاسترة فيه. والاستاذ دام ظله في المقام قال في تعريف علم الاصول: (هو العلم بالقواعد) =

[ 6 ]

[ على تقدير الثبوت، أو كانت موجبة للعلم بسقوط العقاب كذلك. ولعل هذا احسن مما هو المعروف من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية، لا ستلزامه الالتزام بالاستطراد في بعض المسائل المهمة، مثل مسائل الاصول العملية، [ 2 ] ومسألة حجية الظن في حال ] = لا في تعريف الاصول، فمن اراد تعريف الاصول يقول: (هو القواعد الممهدة...) كما عبر صاحب الكفاية (قدس سره) في مقام تعريف الاصول: بأنه (صناعة...) وان اسند إلى القوم تعريف الاصول ب‍ (العلم بالقواعد الممهدة) لكن لا يخلو ذلك عن مسامحة لابد لها من بعض التوجيهات إلى لا داعى لها. كما أن تعريف العلوم بالصناعة باعتبار أنها حرفة وشغل، ثم توصيف الصناعة ب‍ (تعرف بها القواعد) الظاهر في كون الباء للسببية، ومغايرة الصناعة للمعرفة - مع أنها عينها - ايضا لا يخلو عن مسامحة والامر سهل. [ 2 ] - أما العقلية منها مثل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو وجوب رفع الضرر المحتمل، والتخيير في دوران الامر بين المحذورين فلوضوح عدم استنتاج حال الاحكام منها لا واقعيا ولا ظاهريا، وليست هي الا أحكاما عفلية محضة لا يستكشف منها حكم شرعي حتى بقاعدة الملازمة، لان مجرى القاعدة - على القول بها - هو ما إذا كان للعقل في نفس الواقعة حكم يستقل به كالظلم حيث يستقل بقبحه، والاحسان حيث يستقل بحسنه، أما ما لا حكم له في نفس الواقعة ويجوز كونها ذات مفسدة ومصلحة لكن لعدم الحجة على العقاب يستقل بقبحه، فلا يستكشف من ذلك الحكم حكم شرعي لنفس الواقعة، وفي الحقيقة لاحكم للعقل في الواقعة حتى يستكشف منه حكم الشرع. وأما الشرعية منها، فان قلنا بأنها ليست الا أعذارا للمكلف فحالها حال العقلية، وان قلنا بأنها أحكام شرعية ظاهرية فالظاهر دخولها في التعريف - بناء على أن (الاحكام الواقعية) في التعريف أعم من الظاهرية كما هو كذلك - لان الاصول المقررة في الاحكام الكلية يبحث فيها لتمهيد قاعدة تستنبط منها الاحكام الكلية الفرعية، =

[ 7 ]

[ الانسداد، بنائا على الحكومة، [ 3 ] لعدم تمهدها لاستنباط. الاحكام كما هو واضح وانما قيدنا القواعد بكونها الممهدة لكشف ] كما صرح به في الكفاية في مبحث الاستصحاب. نعم قد يقال: ان الظاهر لزوم مغايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، والقاعدة المستنبط منها الاحكام الظاهرية مثل: (لا تنقض) و (كل شئ حلال). لا يغاير المستنبط - أعنى وجوب صلاة الجمعة المستصحب، أو حلية المشكوك - إلا بالاجمال والتفصيل، لان المستنبط مصداق من مصاديق الكبرى المستنبط منها تلك الاحكام، فلم يشمل التعريف تلك الاصول لكن سيأتي ما فيه في الفرق بين المسائل الاصولية و الفقهية. [ 3 ] وبما ذكرنا في الاصول العملية ظهر حال الظن في حال الانسداد بناء على الحكومة، فان العقل في تلك الحالة لا يحكم إلا بقبح العقاب على المتثل ظنا، واستحقاق العقاب لتاركه على تقدير تحقق الحكم في الواقع، وكذلل الثواب، وأما على تقدير عدم التحقق، فالممتثل منقاد والتارك متجر، فلا يستفاد منها حكم شرعي. وأما الملازمة فقد عرفت أنها في مورد حكم العقل مستقلا في الواقعة بحكم، كالظلم حيث يحكم العقل بقبحه، والاحسان حيث يحكم بحسنه، وأما في أمثال المقام - التي لم يستقل بحكم نفس الواقعة، بل يحكم مع فرض الجهل به بحكم - فلا يستكشف بها الا نفس ما أسند إلى الشارع في ذلك التقدير، وهو عدم العقاب على تقدير المخالفة الواقعية، وأما تحقق التقدير فمجهول بالفرض. وأما التعريف المذكور في المتن فيدخل فيه جميع مسائل الاصول، لان البحث عن القواعد العقلية (كمقدمة الواجب، أو الملازمة، أو الضدين، أو اجتماع الامر والنهي، أو النهي في العبادات، أو القطع) يستكشف منها حال الحكم من حيث الثبوت أو العدم. وأما بحث الحجية مطلقا، سواء تعلق بتشخيص موضوعها (كالبحث في الظواهر في مباجث الالفاظ، والبحث عما تثبت به الظواهر) أو تعلق باثباتها =

[ 8 ]

[... ] = (كالبحث عن حجية خبر الواحد وأشباهه مما يبحث عن حجية) فيستكشف منها حال تنجز الحكم الواقعي لو أدى أحدها إليه على تقدير تحققه واقعا، وعدم تنجزه فيما لو أدى الطريق إلى خلافه. وكذلك الاصول، فان الاوصول الجارية على خلاف الاحكام الواقعية - كاصل البراءة أو استصحاب العدم أو التخيير - يستكشف منها حال الاحكام من حيث عدم تنجزها، الاصول الجارية في وفاقها - كالاحتياط أو الاستصحاب الموافق - يستكشف منها تنجزها. قظهر شموله لجميع مباحث الاصول من أول مباحث الالفاظ إلى آخر مباحث الاصول العملية. لكن مع ذلك في شمول ذلك التعريف لمباحث الاجتهاد والتقليد ما لا يخفي، لان البحث عن وجوب التقليد على العامي أو تقليد الاعلم عليه، واشتراط العدالة والا علمية وغير ذلك في المجتهد، لا يستكشف منها حكم شرعي كما في تعريف القوم ولا وصف المجتهد كما في ذلك التعريف، نعم يستكشف منها الحكم وحال المقلد على تقدير رجوعه إلى المجتهد، ويكون البحث فيها حقيقة بحثا في حجية قول المجتهد أو خصوص الاعلم مع الشرائط المعتبرة في المقلد. وبذلك وجه بعض المشايخ في رسالته في تقليد الاعلم دخوله في الاصول على تعريف القوم. وقد تفطنت له، لكنه أيضا لا يخلو عن شئ، لان مراد القوم من (القواعد الممهدة لاستنباط الاحكام) هي: القواعد الممهدة لاستنباط الاحكام للمجتهد لا للمقلد، بل يمكن نفي الاستنباط عن فعل المقلد كما يشهد بذلك تعريفهم للاجتهاد والاستنباط وجعلهم المجتهد والمستنبط متردافين. واما على هذا التعريف وان كان يصدق أن حال الحكم يستكشف للمقلد، لكن هذا خلاف ظاهر المقام. ولو فرض التزام من بصدد التعريف بأن المراد من كشف الحال هو الاعم من كشفه للمقلد والمجتهد، لا لخصوص المجتهد كما هو ظاهر، لا يتأتى ذلك التوجيه في بعض =

[ 9 ]

[ حال الاحكام، لخروج مثل علم النحو والصرف وامثالهما [ 4 ] مما احتيج إليها في طريق كشف حال الاحكام، وعلم الفقة أما الاول، فلان مسائله ليست ممهدة لخصوص ذلك. وأما الثاني، فلان مسائله هي ] = مسائله المهمة مثل البحث عن وجوب الاجتهاد، وكونه عينيا أو كفائيا، والبحث عن أصل وجوب التقليد، فان المقلد لا يستكشف من ذلك الحكم وجوب التقليد، فانه لو لم يكن بحسب طبعه مجبولا على التقليد لا يؤثر حكم المجتهد عليه بوجوب التقليد في وجوب التقليد عليه، لان وجوب التقليد في ذلك الحكم عليه أيضا يحتاج إلى التقليد إلى أن يتسلسل. [ 4 ] كالمنطق والمعاني والبيان مثلا، فان لها أو لبعضها مدخلية تامة في استنباط الاحكام وقد تقع في طريق الاستنباط لكنها لم تمهد لذلك، وبذلك يظهر ما في تعريف الاصول بانها (صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستكشاف) من عدم الانعكاس، لشموله لتلك العلوم. وقد تفصى عن الاشكال بأن المراد بالقواعد هي: (الكبريات الواقعة في طريق الاستكشاف) والمسائل النحوية والصرفية وغير ذلك تقع صغرى لتلك الكبريات، مثلا علم الصرف واللغة يبحث فيهما عن تشخيص الظاهر، وفي الاصول يبحث عن حجية كل ظاهر، وفي علم الرجال يبحث عن تشخيص حال الرواة وفي الاصول يبحث عن حجية خبر الثقة، فيقال في الفقه: (هذا المخبر عن قول الامام عليه السلام بوجوب صلاة الجمعة ثقة، وكل ثقة يجب الاخذ بخبره فهذا الخبر يجب الاخذ بخبره، فتجب صلاة الجمعة) وقس على ذلك. لكن ذلك يستلزم استطراد مباحث الالفاظ من اول الوضع إلى احر العام والخاص والمطلق والمقيد، الا بعض المباحث العقلية منها كاجتماع الامر والنهي والضدين وأمثال ذلك، ولا وجه لاستطراد ذلك. ويمكن أن يقال: ان ذلك التعريف أيضا لا ينعكس حيث يشمل علم الرجال، لانه لم يمهد الالكشف حال رواة الاحكام الشرعية. = - >

[ 10 ]

[ الاحكام الواقعية الاولية، وليس ما وراءها احكام اخر تستكشف حالها بتلك المسائل [ 5 ]. إذا حفظت ما ذكرنا، تقدر على دفع ما ربما يتوهم من دخول بعض مسائل الاصول في الفقه كمسألة الاستصحاب [ 6 ] بناءا على اخذه من الاخبار وما يشابهها، تقريره أن الاستصحاب على هذا ليس الا ] = وفيه - مع عدم اختصاص الغرض في الرجال بكشف حال رواة الاحكام الشرعية، بل لكشف حال جميع ما تضمنته الاخبار من التواريخ والاحكام الراجعة الى الاصول والفروع وغير ذلك - أن المراد بالقواعد هي القواعد الكلية، وعلم الرجال يبحث فيه عن احوال كل واحد من افراد الرجال، وليست قواعده أحكاما كلية كما هو واضح. [ 5 ] - المراد بالاحكام المستكشف حالها بقواعد الاصول هي الاحكام الكلية الفقهية، كوجوب الصلاة كل يوم على كل مكلف، وحرمة كل فرد من افراد الخمر على كل فرد من أفراد المكلفين، وأمثال ذلك، فيخرج بذلك الاصول الجارية في الموضوعات كالاستصحاب وقاعدة الطهارة فيها، وقاعدة الشك بعد العمل، وبعض قواعد الشكوك، فانها وان كان يستكشف منها حال الاحكام الواقعية من حيث التنجز وعدمه، لكن لا يستكشف منها الا حال حكم جزئي جرت فيه احدى القواعد المذكورة. نعم قاعدة الطهارة الجارية في الاحكام داخلة في التعريف، فانه يستكشف منها حال احكام كلية، كطهارة خرء الخفاش مثلا إذا شككنا في طهارته، وقد التزم الاستاذ في مجلس البحث بكونها أصولية، ثم اعتذر عن عدم تعرضهم لها في الاصول بعدم كونها مسألة نظرية تحتاج إلى بحث مستقل، وقد التزم به في الكفاية ايضا. [ 6 ] المراد هو الاستصحاب الجارى في الاحكام، وأما الجاري في الموضوعات فقد مر أنه من القواعد الفقهية. = - >

[ 11 ]

[ وجوب البناء على طبق الحالة السابقة، بل يمكن هذا التوهم فيه حتى بناءا على اعتباره من باب الظن، فيسرى الاشكال في جل مسائل الاصول: كجحية الخبر والشهرة وظاهر الكتاب وما اشبه ذلك، بناءا على أن الحجية ليست إلا وجوب العمل بالمؤدى. ] = وتوضيح الاشكال: ان الفقه على ما عرفوه هو: (العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية) وموضوعه: (أفعال المكلفين) والاستصحاب حقيقته ليس الا وجوب العمل على طبق الاحالة السابقة، وهو حكم فرعي موضوعه عمل المكلف، وكذلك كل ما يبحث فيه عن الحجية، لان الحجية ليست الا وجوب العمل بمؤدى الحجة. وحاصل الجواب: ان المستنبط في المسائل الفقهية هي الاحكام التي تطلب نفسها للعمل، وليس وراءها احكام كلية اخر يستكشف حالها منها. لكن لا يخفى أن ذلك الفارق ايضا لايتم، لان قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و (ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده) و (كل ما يصح بيعه تصح اجارته) وأمثال ذلك قواعد كلية، ولا يبحث فيها لمطلوبية نفسها بل لاستكشاف احكام كلية اخر، مثل: (كل بيع يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) و (كل هبة لا يضمن بصحيحها لا يضمن بفاسدها) و (كل مجهول لا يصح بيعه مثلا لا تصح اجارته). وقد أجيب عنه: بأن الظاهر من لفظ الاستنباط مقايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، وفي مثل تلك القضايا لا مغايرة بينهما الا بالاجمال والتفصيل، كما مر في الحاشية الراجعة إلى الاصول العملية فراجع. لكن فيه: ان الالتزام بذلك يستلزم خروج مثل البحث عن (مقدمة الواجب) والبحث عن (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) وأمثال ذلك، عن مسائل الاصول فان الكليات المستكشفة من تلك القواعد لا مغايرة ذاتية بينها وبين =

[ 12 ]

[ وحاصل الجواب أن مسائل الفقه ليست عبارة عن كل حكم شرعي متعلق بفعل المكلف، بل هي عبارة عن الاحكام الواقعية الاولية، التي تطلب من حيث نفسها، فكل ما يطلب من جهة كونه مقدمة لاحراز حال الحكم الواقعي، فهو خارج عن مسائل الفقه ولا اشكال في ان تمام مسائل الاصول من قبيل الثاني. ] = تلك القواعد، ولم يلتزم أحد بخروج مثل ذلك عن الاصول. ان قلت: في بحث المقدمة والملازمة يبحث عن الملازمة بين وجوب شئ ووجوب مقدمته، وعن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع والحكم المستنبط منها (وهو وجوب الوضوء أو حرمة الظلم) يغاير الملازمة ذاتا. قلت: في قاعدة (كل ما يضمن...) ايضا يبحث عن الملازمة بين الضمانين، وفي قاعدة (كل ما يصح بيعه..) يبحث عن الملازمة بين الصحتين، وهي غير الحكم بالضمان في البيع والحكم بعدمه في الهبة، أو الحكم بصحة اجارة الاعيان وعدم صحة اجارة غيرها مثلا. والحاصل ان بعض مسائل الاصول وان كان يغاير ما استنبط منه ذاتا، لكن ليس كلها كذلك. وقد يقال: بأن تطبيق الكبرى على الصغرى لا يسمى استنباطا، بل الاستنباط يحتاج إلى اعمال نظر واجتهاد، فلا يصدق على مثل المقام. قلنا: اولا: فيه منع، فان ذلك يستلزم خروج البحث عن الملازمة عن الاصول، لان العقل يحكم بقبح الظلم، بلا اعمال للنظر وينطبق عليه (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) ولا يحتاج إلى اعمال نظر الا تطبيق الكبرى على الصغرى. وثانيا: لو قلنا بلزوم الاعمال للنظر في صدق الاستنباط فانه يكفي فيه أن يكون بعض مقدماته نظرية، ولو كان صغراه، بان كان موضوع القضية ماخوذا فيه حكم يحتاج إلى اعمال نظر، مثل مقدمة الواجب واجبة، فان تشخيص مقدمة الواجب يحتاج إلى اعمال النظر لتشخيص الواجب فكذلك في المقام، فان تشخيص ضمان =

[ 13 ]

[ ولا يخفى عليك أن ما ذكرنا من الميزان أسلم مما ذكر: من أن مسائل الفقه عبارة عن كل حكم، يقدر المقلد على العمل به بعد ما افتى به المجتهد، كحرمة الخمر مثلا ونظائرها. بخلاف مسائل الاصول، فانه لا يقدر على العمل بها، وان افتى بها المجتهد، كحجية خبر الواحد وامثال ذلك، فان هذا مخدوش بان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وبالعكس من القواعد الفقهية [ 7 ]. ومن المعلوم عدم تمكن المقلد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بتلك القاعدة، بل يحتاج إلى تعيين ما هو صغرى لتلك القاعدة. ] = صحيح البيع يحتاج إلى نظر واجتهاد فبمؤنته نستكشف حكم الفاسد منها مع ضميمة الكبرى. والحاصل انه لا اشكال في صدق الاستنباط في المقام. وبذلك يظهر عدم انعكاس ما في الكفاية، حيث يشمل تلك القواعد التي ذكرت، فانها تقع في طريق استنباط الاحكام، ولا يندفع بمجرد تقييد الاحكام المستكشفة بالكلية - كما عن بعض - لان الاحكام المستكشفة منها ايضا كلية كما لا يخفى. [ 7 ] بل مخدوش بمثل (الصلاة واجبة) ايضا، حيث ان المقلد لا يقدر على العمل به ما لم يعلم بموضوعه، ومعلوم ان موضوعه الواجد للاجزاء والشرائط من المستنبطات ويحتاج إلى اعمال نظر واجتهاد زائدا على وجوبه، وكذلك بمثل (كل مالا يؤكل لحمه لا يجوز استصحاب أجزائه في الصلاة)، وكل حكم شرعي يتعلق بموضوع يحتاج إلى النظر والاجتهاد، أو إلى موضوع ذي حكم شرعي توقف استنباط حكمه على الاجتهاد واعمال النظر، وكذلك ما كان ناظرا إلى الادلة لتعميم حكمها أو تخصيصه بلسان الحكومة، مثلا (لا ضرر) و (لا حرج) و (لاشك لكثير الشك) وغير ذلك، فانها ناظرة إلى الادلة ولا حظ للمقلد فيها قبل المراجعة إلى المجتهد.

[ 14 ]

[ (موضوع علم الاصول) ثم اعلم ان موضوع هذا العلم [ 8 ] عبارة عن اشياء متنه تعرضها تلك المسائل كخبر الواحد والشهرة والشك في الشئ مع العلم بالحالة السابقة والشك في التكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة وامثال ذلك مما يبحث عن عوارضه في هذا العلم ولا يجمعها الادلة لا بعنوانها ولا بذواتها. ] موضوع علم الاصول [ 8 ] لما كان حقيقة موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله مثل الصلاة والصوم والزكاة في الفقه، والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر في النحو، وما ذكر في المتن في الاصول، وامثال ذلك، عبر الاستاذ - دام بقاه - عن الموضوع بأشياء متشتتة الخ. وأما الجامع فليس بما هو اولا وبالذات موضوع العلم، بل ان كان بين تلك الموضوعات جامع ذاتي ومعلوم، كالكلمة والكلام في النحو، أو فعل المكلف في الفقه مثلا فيؤخذ به ويشار به إلى موضوعات المسائل تارة ويقال: (موضوع علم النحو الكلمة والكلام) و (موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين). ويسند الموضوعية إلى نفس ذلك الجامع أخرى إذا أخذ لا بشرط، باعتبار أن العارض لفرد من افراد الطبيعة عارض على نفس الطبيعة، مثلا: لو كان فرد من أفراد =

[ 15 ]

[ اما الاول فللزوم خروج مسائل حجية الخبر والشهرة والظواهر [ 9 ] ]. = الانسان عالما يصح أن يقال: (الانسان عالم) ولا يصح ان يقال: (الانسان ليس بعالم) وان صح أن يقال: (الانسان جاهل) باعتبار فرد آخر منه، وأما طبيعة الجامع من حيث هي طبيعة الجامع فلم تكن موضوعا في مسألة من مسائل العلوم، فان الصلاة في الفقه بما هي صلاة واجبة لا بما هي فعل المكلف، وكذا الفاعل في النحو بما هو فاعل مرفوع لا بما هو كلمة وأمثال ذلك، فالموضوع في الحقيقة اشخاص تلك الموضوعات، والاسناد إلى ذلك الجامع أو الاشارة به إلى ذلك انما هو لتسهيل الامر. وان لم يكن بينهما جامع ذاتي معلوم فنعبر عنه بجامع عرضي، ولو بعنوان أنه: (ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية) كما يعرفون موضوع كل علم بذلك. والمراد بالعرض الذاتي في المقام ما يعرض الشئ بلا واسطة في العروض - كما في الكفاية - وان لم يكن ذاتيا باصطلاح المنطق أو المعقول، لان الوجوب للصلاة ما يعرض فعل المكلف لذاته، كادراك الكليات العارض للناطق، لا لجزئه المساوي أو الاعم منه كالادراك العارض للانسان بتوسط الناطق، أو التحرك بالارادة العارض له بتوسط الحيوان، ولا لامر مساوله كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب، بل أمر مجعول من قبل الشارع يعرضه من جهة أمر خارج أخص، وهو كونه ذا مصلحة ملزمة، وقس على ذلك حجية خبر الواحد في الاصول، وغير ذلك من موضوعات مسائل العلوم. وحيث علم عدم الدخل للجامع في الموضوعية، يعلم عدم لزوم العلم بعنوان الجامع لو قلنا بتحققه قطعا، لاشتراك جميع القضايا في تحصيل غرض خاص باعث على تدوين العلم، مع تسليم أن الواحد لا يصدر الا من الواحد، بل لانحتاج إلى العنوان المذكور. ومن ذلك يعلم عدم لزوم الالتزام بأن موضوع علم الاصول هي الادلة بعنوانها أو ذاتها حتى يورد عليه ما أورد. [ 9 ] وذلك لوضوح أن البحث عن الحجية بحث عن اثبات عنوان الدليل لا عن عوارضه، فيدخل في المبادي، وكذا يلزم عليه خروج الاصول العملية ايضا، لان =

[ 16 ]

[ وامثال ذلك مما يبحث فيه عن الحجية في علم الاصول ودخولها في المبادى بل للزوم ذلك في مسألة التعادل والتراجيح لان الحالة جايز. واما الثاني فلعدم تماميته في تمام المسائل كالاصول العملية [ 10 ] والالتزام بكونها استطرادا كما ترى وقد تكلف شيخنا المرتضى ره في ارجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن الدليل حيث قال (قده) ان البحث فيها راجع إلى ان السنة الواقعية هل تثبت بخبر الواحد ام لا [ 11 ] وانت خبير بان هذا على فرض تماميته في مسألة ] = البحث فيها ليس بحثا عن ذات الدليل فضلا عن عارضه، لان الشكوك ليست من الادلة الاربعة، وانما لم يتعرض لها لوضوحها، خصوصا بعد ما تعرض لخروجها على الثاني. [ 10 ] ولعدم تماميته ايضا في مثل مباحث الالفاظ، مثل ان الامر للوجوب أو للندب، والنهي للحرمة أو الكراهة، والفور أو التراخي، والمرة أو التكرار وامثال تلك المباحث، وكذلك البحث في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والبحث عن حجية الظاهر، فان موضوع تلك المباحث ليس ذوات الادلة أيضا، لان البحث فيها لا ينحصر بخصوص أوامر الكتاب والسنة، والعموم والخصوص والمطلق والمقيد الوارد فيها، وكذلك البحث عن حجية الظاهر لا ينحصر بخصوص ظواهر الكتاب والسنة، وان كان الغرض في جميعها معرفة احوال الكلمات الواردة في الكتاب والسنة، لكن الكلام في الموضوع لا في الغرض وخروج جميع المسائل المذكورة - مع تمام مسائل الاصول العملية عن علم الاصول - مما لم يلتزم به أحد. [ 11 ] قد أورد شيخنا الاستاذ - دام بقاه - على ما أفاده الشيخ - رحمه الله - بان اللازم علينا ملاحظة ان الموضوع والمحمول في القضية المبحوث عنها عند الاصولي ماذا ؟ ولا اشكال في أن المبحوث عنه في الاصول والموضوع في القضية هو: خبر =

[ 17 ]

[... ] = الواحد والمحمول حجة أو ليس بحجة وذلك خارج عن البحث عن الادلة وأما إمكان إرجاع البحث إلى السنة حتى يدخل في البحث عنها فلا داعى له بعد ما عرفت من عدم الحاجة إلى الجامع المعلوم، مع ان ما يمكن ارجاعه إليه ليس مناطا في تعيين البحث، بل المناط فعلية البحث، مثلا يمكن ارجاع البحث في الصلاة واجبة إلى ان وجوب الصلاة ثابت ام لا أو ايجاب الله تعالى للصلاة ثابت ام لا حتى يصير البحث كلاميا، ولكن ذلك ليس مناطا في تعيين البحث. وأورد عليه صاحب الكفاية - فيها وفي الحاشية - بما حاصله: ان المراد بالثبوت ان كان الثبوت الواقعي فالبحث عنه بحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التامة، والبحث في ذلك داخل في مبادئ العلم - ان لم ينقح في علم آخر سابق عليه رتبة - ولا يعد من مسائل العلم، لان المسائل لابد أن يبحث فيها عن مفاد كان الناقصة، واثبات عرض للموضوع أو نفيه وان كان المراد الثبوت التعبدى (وهو وجوب العمل على طبقها) فهو وان كان من العوارض ولكنه من عوارض الخبر الحاكي لا السنة الواقعية، لان وجوب العمل على السنة الواقعية ايضا وان كان من العوارض لها، لكن محل بحثه علم الكلام، لا الاصول. وأورد عليه شيخنا الاستاذ - دام بقاه - على تقدير الشق الاول: بعدم لزوم كون البحث في المسائل بحثا عن العوارض ومفاد كان الناقصة، بل يمكن تدوين علم يبحث في جميع مسائله أو بعضها عن وجود شئ أو اشياء في العالم، ولا مانع لذلك من عقل ولا غيره، بل لا يبعد وقوعه في علم الكلام، فان عمدة البحث فيه عن وجود الصانع ووجود المعاد بمفاد كان التامة، وارجاع البحث إلى ان: من الوجود: الواجب اولا ؟ ومن الوجود: المعاد اولا ؟ لا داعي له، وان التزموا به لم يكن مناطا كما مر آنفا. أقول: وان كان ذلك مصححا للبحث عن العوارض، فنقول في المقام: هل من السنة: الخبر المحكى بقول زراة اولا ؟ وعلى الشق الثاني: ان وجوب العمل وان كان من عوارض الخبر الحاكي، ولكن يمكن جعله من عوارض السنة بمعنى ان نقول: =

[ 18 ]

[... ] = ماهية الخبر هل يجب العمل عليه ولو كان مشكوكا ؟ مثل ما لو اخبر العادل برؤية الهلال يمكن ان يقال: هل الهلال يثبت بقول العادل ؟ ويمكن ان يقال: هل قول زيد حجة اولا ؟ ومعنى الثبوت والحجية على التقديرين وجوب العمل على طبق ثبوت الهلال واقعا وان لم يكن محرزا. أقول: اما كان مراد الشيخ - رحمه الله - بالثبوت الثبوت الواقعي بمفاد كان التامة فمما لا يرضى احد ان ينسب الى الشيخ، وهل يمكن أن ينسب إلى الاصولي ان حقيقة قول المعصوم - عليه السلام - غير منوط بقول زرارة، واما الثبوت التعبدي وان امكن ان يوجه كما ذكرنا، لكنه خلاف ظاهر كلامه. والذي يقوى في النظر هو: أن المراد بالثبوت الثبوت في مرحلة الظاهر. وبعبارة أوضح: البحث في اثبات قول المعصوم - عليه السلام - لا في ثبوته، والمقصود بالثبوت هو الثبوت عندنا لا في نفس الامر، كما يقول الحاكم: ثبت ان المال لزيد ومعلوم ان هذا البحث بحث عن مفاد كان الناقصة، لان ثبوت السنة عند تحققه واقعا من عوارضها. فان قلت: كما أن الاصولي لا يرضى بالبحث عن ثبوت السنة بمفاد كان التامة لوضوح عدم ارتباطها بالخبر الحاكي، كذلك لا يرضى بالبحث عن ثبوتها عندنا ايضا، لان من الواضح عدم ثبوت السنة الواقعية بالخبر الحاكي بذلك، لان الفرض انها بعد مشكوكة. قلت: نعم، نفس القول مشكوك صدوره عن الامام - عليه السلام - لكن رأيه - عليه السلام - يتضح لنا على تقدير تحققه. بيان ذلك: ان الامام - عليه السلام - لو امرنا باتيان صلاة الجمعة واقعا، ثم منع مانع عن وصول ذلك الخطاب الينا، فأمرنا بمتابعة قول زيد، وقال زيد: قال الامام - عليه السلام -: صلاة الجمعة واجبة وخالفنا قول زيد، فيصح أن يؤاخذنا بترك صلاة الجمعة، فان قلنا: ما كنا عالمين بذلك، فيصح ان يقول: ألم تسمعوا مني وجوب متابعة زيد ؟ فان قلنا: بلى، فقد اعترفنا بكوننا عالمين بوجوب صلاة الجمعة، =

[ 19 ]

[ حجية خبر الواحد وامثالها لا يتم في الاصول العلمية [ 12 ] فالا وفق بالصواب ان يقال: لا نلتزم بكون الجامع بين شتات الموضوعات هو الادلة ولا بلزوم ان يكون للجامع بينها اسم خاص يعبر عنه. فتلخص مما ذكرنا ان وحدة العلم ليست بوحدة الموضوع ولا ] = لانه مصداق متابعة زيد، وبالفرض كنا عالمين بوجوب متابعته، فيصح ان يقال: لو كان خبر الواحد حجة (يعنى لو ثبت وجوب العمل به من المعصوم) يثبت نفس رأيه الواقعي. لا يقال: وجوب المتابعة غير وجوب الجمعة، وما هو معلوم وجوبها لا وجوب الجمعة وان كانا متحدين مصداقا، كما إذا علم بوجوب اكرام العالم الهاشمي لكونه عالما لا لكونه هاشميا، فيصح ان يقال: وجوب اكرام العالم معلوم ووجوب اكرام الهاشمي غير معلوم، وان كان وجوب اكرام المصداق معلوما. لانا نقول: نعم، لو كان الوجوبان حكمين مستقلين جعل كل منهما في موضوع في عرض الاخر صح ما ذكر. واما لو كان احدهما طريقا وعلامة إلى الاخر، فعلى تقدير المطابقة لم يكن الا نفس الواقع، وقد علم بذلك ولو لم يكن في الواقع فليس الحكم الطريقي الا صوريا لا واقع له - كما صرح بذلك في الكفاية - وذلك معنى ما قلنا من ثبوت السنة الواقعية عندنا. نعم، يمكن ان يقال بأن السنة هي قول الحجة أو فعله أو تقريره - على ما قربه الشيخ رحمه الله - ومعلوم ان قول الحجة لا يثبت بالخبر الحاكي، لما مر من أنه بعد مشكوك فيه، وانما يثبت به رأيه - عليه السلام - لو كان الطريق موافقا، فالسنة لم تثبت، والثابت ليس بسنة. الا ان يوجه بأن رأى الامام - عليه السلام - ايضا دليل باعتبار كونه كاشفا عن حكم الله تبارك وتعالى، فبذلك يتم التوجيه، والظاهر ان ما قلنا احسن حمل لكلامه، زيد في علو مقامه. [ 12 ] وكذلك لا يتم فيما ذكرنا عند قوله: واما الثاني، فراجع.

[ 20 ]

[ بوحدة المحمول [ 13 ] بل انما هي بوحدة الغرض المتعلق بتدوينه ولذلك يمكن ان يكون بعض المسائل مذكورا في علمين لكنه منشأ لفائدتين صار كل منهما سببا لتدوينه في علم. هذا إذا عرفت ما ذكرنا فلنشرع فيما هو المقصود وقد رتبته على مقدمات ومقاصد. اما المقدمات (حقيقه الوضع) فمنها ان الالفاظ ليست لها علاقة مع معانيها مع قطع النظر عن الوضع وبه يوجد نحو ارتباط بينهما وهل الارتباط المذكور مجعول ابتدائى للواضع ] [ 13 ] بعد ما التزم بعد لزوم ان يكون للجامع بين شتات الموضوعات اسم خاص، فلازم ذلك عدم صلاحية الموضوع لتمايز العلوم، لان ما هو غير معلوم بعنوانه كيف يميز به العلم، وكذلك المحمول، بل هو اسوأ حالا من الموضوع، ولذا لم يعرف الالتزام به من احد. وحيث نفى التمايز بالموضوع والمحمول اثبت كونه بالغرض، وجعل برهان ذلك امكان ذكر بعض المسائل في علمين، والمقصود ذكره فيهما مع اتحاد الموضوع والمحمول والحيثية، مثل: قاعدتي التحسين والتقبيح العقليين في الاصول والكلام، وقبح العقاب بلا بيان على الشارع فيهما، وامثال ذلك، مثل كثير من مسائل النحو والبيان والاصول، مثلا حقيقة معاني الحروف والاسماء يبحث عنها في الاصول والنحو والبيان، وشطر من مباحث الاوضاع مما يذكر في البيان بعينها يذكر في الاصول بلا تغيير حيثية، والالتزام بكونها مبادئ الاصول - كما عن بعض - مما لا وجه له، فامكان ذلك وقوعه دليل مستقل على بطلان كون التمايز بالحيثيات كالموضوع والمحمول، وان كان ذكر لبطلانه وجوه عقلية أخر لا مجال لذكرها.

[ 21 ]

[ بحيث كان فعله ايجاد ذلك الارتباط وتكوينه ام لا [ 14 ] أو فعل امرا اخر والارتباط المذكور صار نتيجه لفعله لا يعقل جعل العلاقه بين الامرين الذين لا علاقه بينهما اصلا والذى يمكن تعقله ان يلتزم الواضع انه متى اراد معنى وتعقله واراد افهام الغير تكلم بلفظ كذا فإذا التفت المخاطب بهذا الالتزام ينتقل إلى ذلك المعنى عند استماع ذلك اللفظ منه فالعلاقة بين ] حقيقة الوضع [ 14 ] وتحقيق ذلك يحتاج إلى مقدمة وهي: ان الارتباط بين اللفظ والمعنى هل هو من الامور الاعتبارية التي لا حقيقة لها الا البناء والاعتبار، كالارتباط بين المالك والمملوك والزوج والزوجة، حتى تناله يد الجعل ؟ فان مثل الملكية والزوجية، وان لم تكن من الامور الفرضية الصرفة، التي لا واقعية لها في الخارج، ولا في الذهن الا بفرض وجودها، كأنياب الاغوال (كأن نفرض أغوالا ونفرض لها أنيابا، ونعبر عنها بذلك التعبير). ولكن ليس أيضا من الامور الواقعية التي لها تحقق، في الخارج كالجواهر والاعراض، ولا من الامور المتأصلة في الواقع ونفس الامر، وان لم يكن لها وجود في الخارج كالارتباط بين العلة والمعلول، بل لها وجود بنائي واعتباري حقيقة لا فرضا ولا ريب أن تلك الامور قابلة للجعل ابتداءا على القول بتأصلها، لان الوجودات البنائية توجد بالبناء ولا تحتاج في وجودها إلى أزيد منه، وتتبع في الضيق والسعة والشرائط والموانع أيضا ذلك البناء، فلو بنى العرف على وجود الملكية عند قول البايع: بعت باللفظ العربي مقدما على القبول قاصدا ايجاد ذلك تتحقق الملكية العرفية بتلك الشرائط، وان لم يشترطوا فيها اللفظ أو العربية أو التقدم تتحقق الملكية العرفية مع فقدها أيضا. أو من الامور الواقعية التى لها تأصل في نفس الامر، كالملازمة بين العلة والمعلول، التي لها تحقق وواقعية في الواقع ونفس الامر، وان لم يكن معتبر يعتبرها ولا حظ يلاحظها، ولا ريب أن مثل ذلك الارتباط غير قابل للجعل، بل ان كان الشئ بحسب خلقته الذاتية علة لشئ كان ذلك الارتباط بينهما موجودا، والا فلا يمكن جعله، =

[ 22 ]

[... ] = كالملكية والزوجية، وذلك واضح، فان الجمد بعد ما لم يكن علة للاحراق كيف يمكن جعله علة له، وكيف يمكن جعل الملازمة بينه وبين الاحراق. والارتباط بين اللفظ والمعنى من قبيل الثاني لا من قبيل الاول. ولا يخفى أن المقصود من الارتباط ليس الارتباط بين اللفظ وذات المعنى الخارجي، فان ذات المعنى حالها بعد الوضع حالها قبل الوضع، ولا ارتباط بين لفظ زيد وذاته في الخارج - وهو واضح - ولا في الذهن، لانه قد يتصور ذات المسمى بلا تصور اللفظ، وقد يتصور اللفظ من دون تصور معناه كما تقول: لفظ زيد - مثلا - ساكن الوسط بل المقصود الملازمة بين وجود اللفظ وارادة المتكلم لمعناه - وسيأتي انشاء الله توضيح ذلك في البحث عن كون الالفاظ موضوعة لمعاني مرادة لا لذات المعاني - لكن فيما إذا كانت شرائط التكلم موجودة مثل كون المتكلم عاقلا في مقام الافادة مع مراعاة متابعة الواضع، فانه مع تلك الشرائط واقعا لا يمكن تخلف اللفظ عن ارادة المعنى. لا يقال: بناءا على ذلك تكون دلالة الالفاظ على ارادة معانيها مقطوعة بحكم العقل، وذلك ينافي ما هو واضح من أن الالفاظ غالبا لا تفيد الا الظن، مع ما هو المصطلح المشهور من كون دلالتها على معانيها وضعية، فلو كانت بينهما ملازمة عقلا خرجت عن كونها وضعية. فانه يقال: ما قلنا من عدم امكان التخلف انما هو بعد احراز الشرائط من عدم كون المتكلم غافلا وكونه في مقام التفهيم ومقام متابعة الواضع، وأما احراز تلك الشرائط غالبا فلا يكون الا بأصول عقلائية، ووظيفة اللفظ هو الكشف عن المراد بعد احراز ما ذكر، ومعلوم أن النتيجة تابعة لاخس المقدمتين، ولذا يكون المراد ظنيا، وأما مع احراز جميع ذلك فهو موجب للقطع بالمراد، كما هو واضح. وأما كونها وضيعة فباعتبار أن اللفظ والمعنى قبل الوضع لم تكن بينهما تلك الملازمة العقلية، وانما حدثت بعد الوضع كما يقال في دلالة سرعة النبض على الحمى أنها طبعية، لاقتضاء الطبع ذلك، مع أن العقل يحكم بوجود الحمى عند السرعة، =

[ 23 ]

[ اللفظ والمعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام وليكن على ذكر منك ينفعك في بعض المباحث الايته انشاء الله وكيف كان الدال على التعهد تارة ] = لكن هذا الحكم باقتضاء الطبع ذلك ويكون احرازه بالتجربة، ففي المقام يحكم العقل بوجود ارادة المعنى عند ارادة اللفظ وان كان منشأ ذلك جعل الواضع. إذا عرفت ذلك تعرف: ان الملازمة المذكورة بين اللفظ والمعنى غير قابلة للجعل ابتداءا بعد ما لم تكن بينهما قطعا، حيث أنها ليست مما لا واقعية لها - كما مر في الملكية - ولذا لا يمكن للعالم بالوضع بعد سماع اللفظ عدم الانتقال إلى ارادة المعنى، بخلاف الملكية، فانه يمكن لبعض الناس أن يبني على خلاف ما بنى عليه العقلاء نعم يمكن جعل شئ هو علة عقلية للانتقال عند الانتقال، بأن تيعهد الواضع ويبنى على ذكر اللفظ عند ارادة المعنى، وذلك البناء علة لارادة المعنى عند ذكر اللفظ، لان ما في نفس الغير مجهول ولا يعلم به غيره، فإذا تعهد بذكر لفظ خاص عند تحقق معنى خاص لبيان اغراضه، فلا محالة يفهم ارادته له عند ذكره مع اجتماع ما ذكر من الشرائط، وبعد حفظ تلك المباني يحكم العقل بوجود ارادة المعنى عند ذكر اللفظ. ولا يرد على ذلك ما عن بعض في بعض ما كتبه. وحاصله: ان ارادة المعنى من اللفظ فرع الدلالة، والدلالة على هذا فرع للعلم بالتعهد، وهو متأخر عن نفس التعهد، وكيف يمكن الالتزام بالارادة المتأخرة عن الوضع بمرتبتين قبل الوضع ؟ ومحصل الدفع: ان الواضع بعد ما أخبر بحالة خاصة في نفسه، حين ذكر اللفظ الفلاني يفهم المخاطب بعد ذلك من ذلك اللفظ تلك الحالة، وان لم يكن يفهم قبله، فلا يتأخر الالتزام بارادة الافهام عن الدلالة مع قطع النظر عن ذلك التعهد، بل بذلك توجد الدلالة، وهذا التعهد للعالم به علة للانتقال عند الانتقال، ففي الحقيقة فعل الواضع ايجاد للعلة لا للعلية حتى يستحيل، ومعلوم أن المراد بالتعهد ليس التعهد تفصيلا بل: سميته كذا متضمن لذلك بالاجمال. وأنت إذا قرأت ما تلوناه عليك من اوله إلى آخره تعرف معنى قوله دام ظله: لا يمكن جعل العلاقة إلى قوله: والذى يمكن تعقله....

[ 24 ]

[ يكون تصريح الواضع واخرى كثرة الاستعمال ولا مشاحة في تسمية الاول وضعا تعيينا والثانى تعينا [ 15 ]. (اقسام الوضع) ثم ان الملحوظ حال الوضع اما ان يكون معنى عاما كليا واما ان يكون خاصا وعلى الاول اما ان يوضع اللفظ بازاء ذلك المعنى العام واما ان يوضع بازاء جزئياته وعلى الثاني لا يمكن ان يوضع الا بازاء الخاص الملحوظ فالاقسام ثلاثة لان الخاص الملحوظ ان لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع فالموضوع له لا يكون الا خاصا وان جرد عن الخصوصية فهو يرجع إلى تصور العام هكذا قال بعض الاساطين دام بقاه. اقول يمكن ان يتصور هذا القسم اعني ما يكون الوضع فيه خاصا والموضوع له عاما فيما إذا تصور شخصا وجزئيا خارجيا من دون ان يعلم تفصيلا بالقدر المشترك بينه وبين سائر الافراد، ولكنه يعلم اجمالا باشتماله على جامع مشترك بينه وبين باقى الافراد (مثلا) كما إذا رأى جسما من بعيد ولم يعلم بانه حيوان أو جماد وعلى أي حال لم يعلم انه داخل في أي نوع فوضع لفظا بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ اجمالا وبالوجه، وليس الوجه عند هذا ] [ 15 ] بل لا يخلو عن مناسبة، حيث أن التعهد المذكور لما كان سببا لتعيين اللفظ للمعنى، فان كان الدال عليه التصريح فيكون الوضع تعيينيا، لانه عين بذلك تلك اللفظة لذلك المعنى، وان كان باعثه كثرة الاستعمال، بمعنى عدم تعهد شخص خاص، بل استعمل فيه حتى حصل تعهد قهري لجميع أهل اللسان، فيصح أن يقال تعين اللفظ للمعنى من دون تعيين أحد، فيكون التعهد قهريا ووضعا تعينيا.

[ 25 ]

[ الشخص الا الجزئي المتصور، لان المفروض ان الجامع ليس متعقلا عنده الا بعنوان ما هو متحد مع هذا الشخص [ 16 ]. ] اقسام الوضع: [ 16 ] وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان القسم الثالث وهو يتوقف على ذكر أمور: الاول: ان وضع اللفظ للمعنى حيث أنه حكم من الاحكام، يتوقف على تصور موضوعه اما تفصيلا واما اجمالا، لكي لا يكون اختصاص اللفظ به تصديقا بلا تصور. الثاني: ان ما يتوقف عليه الحكم هو تصور نفس الموضوع المجعول له الحكم، عاما كان أو خاصا، مثلا لا يمكن جعل حكم لزيد بشخصه الا بتصور ذاته الشخصية ولو اجمالا وكذا الانسان. الثالث: ان العام والخاص وان كانا متحدين ذاتا ولكنهما متباينان صورة، وصورة العام ليست بصورة الخاص لا تفصيلا ولا اجمالا، فلا يمكن وضع اللفظ للخاص بمجرد تصور العام، لما قلنا من أن الوضع حكم ويحتاج إلى تصور نفس الموضوع، وتصور العام غير تصور الخاص، نعم يمكن بعد تصور العام أن يشار اشارة اجمالية إلى افراده بعنوان ما هو متحد مع هذا العام، وبتلك الاشارة الاجمالية نجعل الافراد موضوعا للحكم، فبتصور العام نتصور الخاص اجمالا، لا أن تصوره تصور له من وجه، فانهما متباينان كما ذكر، ولذا يحتاج في الاستغراق إلى لفظ كل أو غيره من دوال الاستغراق، فانها في الحقيقة تشير إلى ذلك، وذلك معنى مرآتية العام. إذا عرفت ذلك فنقول: ان ذلك المعنى بعينه موجود في طرف الخاص، بمعنى أن الواضع بعد ما يتصور الفرد يشير اجمالا إلى ما هو متحد معه من الجامع، ويضع اللفظ له كما في العام، هذا هو التحقيق في المقام. ولو قيل في مرآتية العام: أن تصوره وان كان مباينا لتصور الخاص، لكن اتحادهما ذاتا يكفي لجعل الحكم للخاص بتصور العام، لان ذات الخاص صار مرئيا =

[ 26 ]

[ والحاصل انه كما يمكن ان يكون العام وجها لملاحظة الخاص لمكان الاتحاد في الخارج، كذلك يمكن ان يكون الخاص وجها ومرآتا لملاحظة العام لعين تلك الجهة. نعم فيما إذا علم بالجامع تفصيلا لا يمكن ان يكون الخاص. وجهاله، لتحقق الجامع في ذهنه تفصيلا بنفسه لا بوجهه فليتدبر. ثم انه لا ريب في ثبوت القسمين اعني ما يكون الوضع فيه خاصا والموضوع له كذلك كوضع الاعلام الشخصية وما يكون الوضع فيه عاما والموضوع له كذلك كوضع اسماء الاجناس. واما الاخير فهو - على تقدير امكانه كما مر - غير ثابت واما الوضع العام والموضوع له الخاص فقد يتوهم وضع الحروف وما اشبهها كاسماء الاشارة ونحوها ومما يمكن ان يكون منشأ التوهم امران (احدهما) ان معاني الحروف مفاهيم لوحظت في الذهن آلة لملاحظة حال الغير، مثلا لفظة من موضوعة للابتداء الذى لوحظ في الذهن آلة ومرآة لملاحظة حال الغير. ولا اشكال في ان مفهوم الابتداء وان كان بحسب ذاته كليا ولكن بعد تقيده بالوجود الذهنى يصير جزئيا حقيقيا، كما ان المفهوم بعد تقيده بالوجود الخارجي يصير جزئيا كذلك (ثانيهما) - انه لما كان المأخوذ فيها كونها آلة لتعرف متعلقاتها الخاصة فهى ] = تحت العام وان لم تتحقق صورته الشخصية في الذهن، وهذا المقدار يكفى لجعل الحكم له، نظير أن يتصور أحد عنواني ذي عنوانين، ويجعل ذاته موضوعا للحكم، فان تصور وجه الشئ تصوره بوجه. قلنا: ذلك الملاك أيضا بعينه موجود في طرف الخاص، فانه بعد اتحاده مع العام يمكن أن يقال: تصور أحد المتحدين تصور لذات الآخر وان لم يتصور عنوانه، فبعد ما رأى الواضع شيئا لم يعلم حقيقته يتصور ذلك الفرد ويضع اللفظ لما هو متحد معه، من دون تصور له الا بعنوان متحد معه وهو الفرد، وهذا معنى قوله: والحاصل.

[ 27 ]

[ تصير جزءها، إذ لا تعقل لها بدونها، مثلا لا يمكن تعقل معنى لفظة من الابعد ارتباطه بالسير والبصرة ونظيرهما فلهما ولنظائرهما من العناوين الخاصة دخل في مفهوم معنى لفظة من [ 17 ] وهكذا غيرها من الالفاظ الاخر التى وضعت لمعنى حرفي. هذا والحق ان معاني الحروف كلها كليات وضعت الفاظها لها وتستعمل فيها، ولا تحتاج هذه الدعوى بعد تعقل المدعى إلى دليل آخر إذ من المعلوم انه ما ادعى القائل بجزئية المعنى الحرفى الاعدم تعقل كونه كليا [ 18 ]. ] [ 17 ] لا يخفى أنه على الفرض يصير معنى الحروف جزئيا اضافيا، لان عنوان السير والبصرة وأمثالها لا يخرجه عن الكلية، حيث أن ابتداء السير المتعلق بالبصرة له أفراد كثيرة، نعم لو أخذ فيه كل جزئي من جزئيات متعلقاته الخاصة ليكون شخص السير الخارجي ونقطة المبدأ منه من البصرة مأخوذا فيها يكون جزئيا خارجيا وكذا لو كان الموضوع له للفظة من مثلا كل جزئي من الابتداءات الخارجية المأخوذة آلة ومرآة لحال متعلقاتها الخاصة - كما احتملها صاحب الفصول - والفرق بينها وبين ما ذكره الاستاذ - دام علاه - أولا أن الاول جزئي حقيقي ذهني، وان كان في الخارج له أفراد كثيرة مع قطع النظر عن الوجود الذهني، بخلافه على القسمين فانه جزئي خارجي. [ 18 ] لعله - دام ظله - اراد نفى الدعوى الصحيحة المطابقة للوجدان، والا فصريح الفصول دعوى تبادر المعنى الجزئي، وان شئت فراجع، نعم الانصاف أن المتبادر من لفظة من في سرت من البصرة إلى الكوفة عين المتبادر منه في: سرت من البصرة إلى الشام والخصوصيات الاخر تفهم من دوال أخر - كما سيتضح انشاء الله في طي البحث - فالتبادر يشهد بكلية الموضوع له فيها خلافا للفصول كما مر، فيصح أن يقال: لا مانع من دعوى الكلية الا عدم تعقلها بتقريب ما قلنا، لا بما هو ظاهر المتن، فافهم.

[ 28 ]

[ فنقول انه لا اشكال في ان بعض المفاهيم نحو وجودها في الخارج هو الوجود التبعى، فهى موجودة بالغير لا بنفسها. وهذا واضح لا يحتاج إلى البيان. وايضا لا اشكال في ان تلك المفاهيم قد تتصور في الذهن مستقلة أي من دون قيامها بالغير، كما ان الانسان يلاحظ لفظ الضرب في الذهن مستقلا، وهذا المفهوم بهذا النحو من الوجود ليس في الخارج، إذ لا يوجد في الخارج الا تبعا للغير. وقد يتصور تلك المفاهيم على نحو ما تتحقق في الخارج، فكما انها باللحاظ الاول كليات، كذلك باللحاظ الثاني، إذ حقيقتها لم تتغير باختلاف اللحاظين. وكما ان قيد الوجود الذهنى ملغى في الاول وينتزع الكلية منها، كذلك في الثاني. نعم تصورها على النحو الثاني في الذهن يتوقف على وجود مفهوم آخر في الذهن يرتبط به، كما ان وجودها في الخارج يتوقف على محل يقوم به. ولا يوجب مجرد احتياج الوجود الذهنى لتلك المفاهيم إلى شئ آخر يرتبط به كون ذلك جزءا منها، كما ان مجرد احتياج الوجود الخارجي منها إلى محل خاص لا يوجب كونه جزءا منها. مثلا حقيقة الابتداء تتحقق لها ثلاثة انحاء من الوجود: (الاول) - الوجود النفس الامرى الواقعي القائم بالغير. (الثاني) - الوجود الذهنى المستقل بالتصور. (الثالث) - الوجود الذهنى على نحو الوجود النفس الامرى وهو الوجود الالى وارتباطى. وكما ان تصور مفهوم الابتداء على الاول من الاخيرين لا يوجب صيرورته جزئيا، بل تنتزع منه الكلية بعد تعريته عن الوجود الذهنى، كذلك تصورره على الثاني منهما اذلا يعقل الاختلاف في المتصور باختلاف انحاء التصور. فهذا المفهوم باللحاظ الاول هو معنى لفظ الابتداء وباللحاظ الثاني معنى لفظة من، ]

[ 29 ]

[ فمعنى لفظة من مثلا حقيقة الابتداء الالى والربطي [ 19 ] ولا شك انه كلى كحقيقة الابتداء الاستقلالي. نعم تحقق الاول في الذهن يحتاج إلى محل يرتبط به، كما ان تحققه في الخارج يحتاج إلى محل يقوم به. وكما ان ] [ 19 ] فالموضوع له للفظة من على هذا التقرير هو المفهوم المنتزع من القدر المشترك بين الافراد الخارجية للابتداء، معراة عن التقيد بالوجود الذهنى، كمفهوم لفظ الابتداء، فانه أيضا شئ موجود في الذهن منتزع من الافراد الخارجية من دون تقييد بوجوده الذهنى، الا أن الاول هو الموجود في الذهن بنحو الآلية، والثاني هو الموجود في الذهن بنحو الاستقلالية، ومعلوم أن ذلك المفهوم لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، فلا يكون جزئيا ذهنيا لعدم تقيده بالوجود الذهنى، ولا خارجيا لكونه جامعا بين الخارجيات، ولا اضافيا لعدم كون المتعلقات قيدا أو جزءا للموضوع له، وان كان لا يتحقق في الذهن الا تبعا لها، لما بين من أن الاحتياج عند الوجود إلى شئ لا يستلزم كونه جزءا للموضوع له كالاعراض، ولا فرق في ذلك بين تحققه في ضمن تحقق مفهوم متعلق يصلح للتعدد كابتداء السير من البصرة، أو غير صالح كابتداء السير من نقطة خاصة خارجية، فان كلا منهما خارج عن مفهوم من ومدلول بدال آخر، فالحصة للفظة من ليست الا أصل الابتداء الملحوظ آلة، لكن لا بنحو يكون اللحاظ قيدا له، وأما السير والبصرة وسائر الخصوصيات فمدلولة بدوال أخر. وبذلك اتضح صحة انطباقه على الخارج مثل سائر الكليات، فان مفهوم الانسان أو الابتداء ما لم يتعر عن المفهومية وكونه في الذهن لا ينطبق على الخارج. وبذلك أيضا اتضح عدم احتياج تصور المعنى الحرفي إلى تصور التصور، فانه لو احتاج تصور ذلك الموضوع له إلى تصور التصور، لكان تصور الموضوع له للفظ الانسان محتاجا إلى ذلك أيضا، فانك تقول انه مفهوم منتزع من القدر المشترك بين الخارجيات، وتصور المفهوم يحتاج إلى تصور التصور ان كان وصف المفهومية قيدا له، غاية الامر أن في المقام لابد من التصور الاستقلالي، لا التصور الآلي كما في المعنى الحرفي. وأيضا علم صحة انطباقه على الخارج كسائر المفاهيم، لان المانع له ليس الا التقييد بالوجود الذهني، وقد عرفت عدم دخله في الموضوع له.

[ 30 ]

[ احتياجه في الخارج إلى محل خاص خارجي لا يوجب جعل ذلك المحل جزءا لمعنى اللفظ كذلك احتياجه في الوجود الذهنى إلى محل لا يوجب كونه جزءا لمعنى اللفظ ايضا. وانت إذا احطت بما تلوناه عليك تعرف بطلان كلا الامرين اللذين اوجبا توهم جزئية معاني الحروف. اما تقييدها بالوجود الذهنى فلما مرفى طى البيان من ان المقصود كونها كليات مع قطع النظر عن التشخص الذهنى، إذ بملاحظة ذلك التشخص ليست معاني اسماء الاجناس ايضا كليات، إذ المفهوم المقيد بالوجود الذهنى الاستقلالي بقيد انه كذلك ايضا جزئي لا ينطبق على كثيرين فكما ان الوجود الاستقلالي في الذهن في معاني اسماء الاجناس لا يخرجها عن الكلية لكون الوجود الذهنى ملغى عند اعتبار المعنى كذلك الوجود الالى في الذهن في معاني الحروف. واما احتياجها إلى محال في الذهن ترتبط به فلما مر ايضا من ان الاحتياج في التحقق إلى شيئ لا يوجب كون ذلك الشئ جزءا للمعنى. ومن هنا تعرف ان الحروف التى معانيها انشاءات ايضا لا تخرج معانيها بما هي معانيها عن كونها كليات وانما التشخص جاء من قبل احتياج تحقق تلك المعاني، مثلا لفظة يا النداء موضوعة لحقيقة النداء المتحقق في الخارج [ 20 ] وهو يحتاج إلى المنادى الخاص بالكسر والمنادى الخاص بالفتح والدال على تلك الخصوصيات امور اخر غير هذه اللفظة. ] [ 20 ] ربما يتوهم جزئية المعاني الانشائية ولو فرض تسليم كلية المعاني التصورية للحروف، وذلك حيث أن الكلية في الحروف باعتبار أنها وضعت لكلي صادق على الذهن والخارج، وان كان تبعا لغيره في الوجود كما مر، بخلاف المعاني الانشائية فان الموضوع له فيها هو نفس الموجود الخارجي، كالنداء الخارجي والطلب الانشائي =

[ 31 ]

[ وما يكون مستندا إلى لفظة يا ليس الا حقيقة النداء الخارجي. ولا اشكال في ان هذا - مع قطع النظر عما جاء من قبل امور اخر - كلى. وبعبارة اخرى ينتقل السامع من لفظة يا زيد الصادر من المتكلم إلى ان خصوص زيد منادى بنداء هذا المتكلم وهذا المعنى ينحل إلى اجزاء (الاول) - وقوع حقيقة النداء (الثاني) - كون المنادي بالكسر هذا المتكلم الخاص (الثالث) - كون المنادى بالفتح زيدا، والذى افادته لفظة يا هو الجزء الاول والباقى جاء من قبل غيره. نعم يحتاج تحقق هذا المعنى - اعني حقيقة النداء الخارجي - إلى باقى الخصوصيات. وهكذا الكلام في هيئة افعل ونظائرها مما يتضمن معنى ] = الموجود في موطن الذهن وهو خارجة، ولو لم يتحقق النداء والطلب في الخارج لم يكن للفظهما معنى، ومعلوم أن طبيعة النداء والطلب وان كانت كلية لكن بعد تقيدهما بالوجود الخارجي ليست الا جزئية، لان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد. ولكنه فاسد: لان الموضوع له في الحروف وان كان مقيدا بالوجود بل نفس الموجود بحيث يكون الخارج ظرفا لنفسه لا ظرفا لوجوده كما في خصوص الانشاءات منها، الا أن المأخوذ فيها أيضا ليس الوجود الخاص بل طبيعة الوجود، وهو كلي يصدق على جميع أفراد الوجودات. وما يقال من أن الوجود مطلقا مساوق للجزئية، فهو خلاف الوجدان. لامكان تصور الجامع بين الموجودات بما هي موجودات، والشاهد على ذلك امكان تعلق العلم الاجمالي بأصل وجود الطبيعة في الخارج مع الجهل بشخص الموجود، فلو لم يكن بين الموجودات جامع يلزم كون ذلك العلم جهلا مركبا، لعدم تعلقه بالفرد المعين بالفرض، وعدم الواقعية للفرد المنتشر بالوجدان كي يدعى تعلقه به، فالموضوع له في الانشائيات أيضا كلي، وهو أصل الطبيعة الموجودة، وسائر الخصوصيات من مدلول دوال اخر، كما أوضح ذلك في المتن.

[ 32 ]

[ الانشاء [ 21 ] مثلا يقال ان هيئة افعل موضوعة لحقيقة الطلب الايقاعى، من دون ان يكون لمشخصات اخر دخل في معنى الهيئة. ولا اشكال في ان تلك الحقيقة لا تتحقق الا مع وجود الطالب الخاص والمطلوب منه كذلك والمطلوب كذلك. ولكن بعد تحقق الطلب المشخص بهذه المشخصات ما يستند فهمه إلى الهيئة هو حقيقة الطلب. واما المشخصات الاخر فلها دوال اخر غيرها، فمدلول الهيئة كلى وان صار جزئيا بواسطة تلك الخصوصيات التى جاءت من قبل غيرها. ثم لا يخفى عليك ان المعنى الاسمى والحرفي مختلفان بحسب كيفية المفهوم [ 22 ] بحيث لو استعمل اللفظ الموضوع للمعنى الحرفى في المعنى الاسمى أو بالعكس يكون مجازا أو غلطا، فان مفهوم الابتداء الملحوظ في الذهن استقلالا يغاير الابتداء الملحوظ في الذهن تبعا للغير، والتقييد بالوجود الذهنى وان كان ملغى في كليهما، لكن المتعقل في مفاد لفظ الابتداء غيره في مفاد لفظة من. ] [ 21 ] كاسماء الاشارة مثلا، فانها وضعت لمعنى مركب من معنى حرفي انشائي ومعنى اسمي، بحيث يستفاد منه ابتداءا المركب منهما، بخلاف الانشائيات فانها موضوعة للبسيط المنحل عند التحليل إلى الطبيعة والوجود، مثلا كلمة هذا وضعت لكلي المفرد المذكر المقيد بكونه مشارا إليه بالاشارة الموجودة في الذهن، وهو نحو توجه له إلى الخارج، لكن لا بنحو يكون شخصي وجود الاشارة الخارجية جزءا لمعناها، بل طبيعة الاشارة الموجودة الصادقة على الكثيرين، وسائر الخصوصيات اللازمة لوجودها خارجة عن مدلول لفظة هذا ومستفادة من دوال أخر كما مر مرارا. [ 22 ] ربما يقال: ان المستفاد مما مر عدم الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، إلا في أن الاول يوجد في الذهن بالوجود الاستقلالي والثاني بالوجود الآلي، والآلية والاستقلالية من أطوار اللحاظ وخصوصياته، وهو الذي يصح أن يتصف بهما =

[ 33 ]

[ وبعبارة اخرى المقامان مشتركان في تعرية المفهوم من حيث كونه متعقلا في الذهن، لكن يختلف ذات المتعقل في مفاد لفظ الابتداء معها في مفاد لفظة من، فلا يحتاج إلى الالتزام بان المعنى والموضوع له في كليهما ] = لا المتصور، وأوصاف اللحاظ والارادة لا تسرى إلى الملحوظ والمتصور بل لا يمكن، وبالفرض يكون قيد اللحاظ في المقام ملغى في المعنيين، ولم يبق في البين الا حقيقة المعنى، فلا محيص عن الالتزام باتحاد المعنى فيهما، والتفصي عن لزوم الترادف وصحة استعمال كل منهما في موضع الاخر باشتراط الواضع على المستعملين ان لا يستعمل الاول الا عند تصوره مستقلا، والثاني عند تصوره آلة. وفيه: ان الآلية والاستقلالية وان كانتا من اطوار اللحاظ وخصوصياته، لكن لا نسلم كلية عدم سراية أوصاف اللحاظ إلى الملحوظ، فان بين الطبيعة الملحوظة لا بشرط وبشرط لا شئ لا ميز إلا من قبل اللحاظ، ومع ذلك تختلف الاقسام بحيث لا يصح استعمال اللفظ الموضوع لاحدها في الاخر، فلا يصح استعمال لفظ المقيد في المطلق ولا المطلق في المقيد بما هو مقيد الا مجازا، وأيضا: ما يحمل عليه كلي بالحمل الشايع وهي الطبيعة المعراة عن خصوصيات الوجود، والمجردة عن جميع القيود حتى قيد التجرد، إذ هو مع لحاظه جزئي خارجا أو ذهنا، والتجريد والتعرية ليسا الا من صفات اللحاظ، ومع ذلك يمتاز الملحوظ المجرد عن المقيد، وأحدهما كلي والآخر جزئي. ولعل ذلك الايراد نشأ من توهم: أن اللحاظ من عوارض الملحوظ فلو نشأ اختلاف في الملحوظ من اختلاف اللحاظ لزم كون اللحاظ دخيلا في تحققه، وذلك يستلزم الدور، لان اللحاظ يتوقف على الملحوظ والملحوظ بالفرض يتوقف على اللحاظ وهو دور صريح. وهو توهم فاسد، لان عروض اللحاظ على الملحوظ ليس من قبيل عروض سائر العوارض بحيث يتوقف وجوده على وجودها، بل من قبيل عروض الوجود على الماهية، لا يتوقف عروضه على وجوده من قبل بل به يوجد، ولا فرق في ذلك بين الوجودات الذهنية والخارجية، فتحصل من جميع ذلك أن نفس الموجود في الذهن آلة غير الموجود استقلالا، ولو كان اللحاظ فيهما ملغى.

[ 34 ]

[ واحد [ 23 ] وانما الاختلاف في كيفية الاستعمال بان الواضع بعد ما وضع لفظ الابتداء ولفظة من لمعنى واحد، وهو حقيقة الابتداء جعل على المستعملين ان لا يستعملوا لفظ الابتداء الاعلى نحو ارادة المعنى مستقلا، ولفظة من الاعلى نحو ارادة المعنى تبعا. هذا وقد اطلنا الكلام لكون المقام من مزال الاقدام. استعمال اللفظ في ما يناسبه ومنها انه لا اشكال في انه قد يحسن استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له اما لمناسبة بين المعنيين واما لمناسبة بين اللفظ والمستعمل فيه كاستعمال اللفظ في اللفظ فانه يصح وان لم يكن له معنى وضع له كاستعمال لفظة ديز في نوعه. ومن هنا يظهر ان استعمال اللفظ في غير معناه لا يحتاج إلى ترخيص الواضع بل هو بالطبع، إذ لولا ذلك لم يصح استعمال اللفظ المهمل في اللفظ اذلا وضع له بالفرض. ثم ان استعمال اللفظ في اللفظ على انحاء تارة يستعمل في نوعه واخرى في صنفه وثالثة في شخص مثله. ومثال كل منها واضح. وهل يصح استعماله في شخصه ام لا ؟ قيل لا لاستلزامه اتحاد الدال والمدلول أو تركيب القضية من جزءين. بيان ذلك انه ان اعتبرت دلالته على نفسه حينئذ لزم الاتحاد والالزم تركب القضية من جزئين فان القضية اللفظية حينئذ حاكية عن المحمول والنسبة لا الموضوع، مع امتناع تركب القضية ] [ 23 ] وفيه: - مع عدم الحاجة إليه - ان لازم ذلك أن يكون السامع في فسحة من الشرط المذكور ويكون الملقى إليه مجردا عن القيدين، لان الفرض أن الشرط شرط كيفية الالقاء والاستعمال، لا قيد المستعمل فيه والملقى، نعم يلتفت بعد العلم بالشرط ان السامع لاحظهما كذلك، وهذا غير كون المستفاد منه كذلك، وذلك خلاف الوجدان.

[ 35 ]

[ الا من ثلاثة اجزاء، ضرورة امتناع النسبة بدون الطرفين. اقول ينبغى للمستدل ان يقتصر على قوله لا ستلزامه اتحاد الدال والمدلول لان عدم اعتبار دلالته على نفسه حتى يلزم تركب القضية من جزءين خلاف الفرض، لان المفروض اطلاق اللفظ وارادة شخصه والانصاف عدم جواز استعمال اللفظ في شخص نفسه. لما ذكره المستدل من الاتحاد، فان قضية الاستعمال ان يتعقل معنى ويجعل اللفظ حاكيا ومرآتا له. وهذا لا يتحقق الا بالا ثنينية والتعدد. لا يقال: يكفى التعدد الاعتباري بان يقال ان لفظ زيد - مثلا من حيث انه لفظ صدر من المتكلم - دال ومن حيث ان شخصه ونفسه مراد مدلول. لانا نقول: هذا النحو من الاعتبار يطرأ بعد الاستعمال، فلو اردنا تصحيح الاستعمال بهذا النحو من التعدد يلزم الدور [ 24 ] لكن يمكن مع ذلك القول بصحة قولنا زيد لفظ أو ثلاثى، مع كون الموضوع في القضية ] استعمال اللفظ في ما يناسبه [ 24 ] ربما يقال بجواز استعمال اللفظ في شخصه بلا لزوم الدور والاتحاد، إذا جعل اللفظ فانيا في تصور ايجاده، من حيث أنه فعل اختياري، ولابد له قبل الايجاد من التصور، ومعلوم أن تصور التلفظ غير نفس اللفظ، والاستعمال لا يحتاج إلى أكثر من شيئين: احدهما من الالفاظ والاصوات. والثاني من التصورات الذهنية، مع كون الاول فانيا في الثاني. لا يقال بأن ذلك خروج عن الفرض، لان الكلام في استعمال اللفظ في شخصه لا في شئ آخر غيره، سواء كان ذلك تصوره أو غيره. لانا نقول بلزوم ذلك المحذور، فيما إذا كان التصور بما هو مرئيا ومستعملا فيه، وأما إذا كان بوجوده السرابي والمرآني فيكون المرئي والمستعمل فيه في الحقيقة هو المرئي، وهو شخص اللفظ. = [... ]

[ 36 ]

= وفيه أولا: ان ذلك كر على مافر، لان التصور لو لم يجعل بحياله واستقلاله مستعملا فيه لم ير اللافظ حين تصوره الا اللفظ، وهو مع قطع النظر عن الافناء لا تعدد فيه ولو اعتبارا. وثانيا: ان دلالة اللفظ الصادر عن اختيار على تصور لافظه ليس من دلالة الالفاظ، بل يحسب من الدلالة العقلية، وليس هذا الا كايجاد الدخان لا فهام الغير بوجود النار، واعلاء الصوت للاعلام بوجود صاحبه، ومعلوم أن مثل ذلك لا يعد استعمالا للفظ في المعنى. وربما يقال بكفاية التعدد الاعتباري، مثل اعتبار الايجاد والوجود، بأن يجعل الحاكي حيثية كونه ايجادا والمحكي حيثية كونه وجودا. وفيه أولا: ان ذلك التعدد يطرأ بعد الايجاد وهو الاستعمال، ولابد في الاستعمال من التعدد مع قطع النظر عنه كما مر نظيره. وثانيا: ان الايجاد لولو حظ مستقلا في قبال الوجود (بأن يرى كل منهما شيئا) خرج أيضا عن استعمال اللفظ في شخصه، ولو الغى التعدد الاعتباري لم يبق دال ولا مدلول في البين، لان اللفظ مع قطع النظر عن الاعبتار ليس الا نفسه. وثالثا: ان الايجاد لودل على الوجود لم تكن دلالته من دلالة الالفاظ بل من الدلالة العقلية، وهي دلالة كل فعل على نتيجته، كدلالة القيام المصدري على اسم المصدر. هذا كله مع قطع النظر عن أن لحاظ الشئ لايجاد غير لحاظه للاستعمال، لان الثاني هو لحاظ الشى المفروغ عن ايجاده للاخطار عند المخاطب، وأما أن المتكلم لما كان قاطعا بالوجود يمكن لحاظه الفراغى للشئ قبل وجوده، كالقضايا الحقيقية، فانها حكم على الموضوع قبل وجوده لكن على تقدير الوجود، فلا يغني في دفع الاشكال، لان القاطع المفروض لو نظر إليه الفراغي لا يمكن ان يكون بصدد الايجاد في هذا النظر، والا فلا يمكن ان يكون بصدد الاحضار. والحاصل: ان الاحضار يتوقف على الفراغ من الوجود، والايجاد على عدمه، =

[ 37 ]

[ شخص اللفظ الموجود، بان يكون المتكلم بلفظ زيد بصدد ايجاد الموضوع لا بصدد الحكاية عن الموضوع، حتى يلزم اتحاد الدال والمدلول [ 25 ] فيخرج حينئذ من باب استعمال اللفظ. فتحصل ان زيدا في قولنا زيد لفظ أو ثلاثى يمكن ان يراد منه نوعه فيكون هناك لفظ ومعنى، وان يقصد المتكلم ايجاد الموضوع فلا يكون من باب استعمال اللفظ. هذا في المحمولات التى يمكن ان تحمل على الشخص المذكور في القضية. واما في المحمولات التى لا تعم هذا الشخص كقولنا ضرب فعل ماض، فلا يمكن الا ان يكون من باب الاستعمال. (هل ان الالفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعانى المرادة) ومنها هل ان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني من حيث هي أو بازائه من حيث انها مرادة للافظها ؟ قد اسلفنا سابقا انه لا يتعقل ابتداءا جعل علقة بين اللفظ والمعنى. وما يتعقل في المقام بناء الواضع والتزامه بانه متى ] = والمفروض في المقام كون الاحضار والايجاد واحدا، والجمع بين النظرين محال، فافهم وتدبر جيدا. [ 25 ] لا يخفى أن الحمل أيضا يحتاج إلى تصور الموضوع بعد الفراغ عن وجوده، وهو في المقام مفقود، فلا يمكن الحمل أيضا كالاستعمال، وما هو موجود في المقام هو تصور الشئ مقدمة لايجاده، وهذا لا يكفي في الحمل كما هو واضح. لا يقال: ان التصور في المقام وان كان حادثا قبل الفراغ، لكنه باق بعد ولم يذهب بمجرد الايجاد، وهذا المقدار كاف لصحة الحمل. =

[ 38 ]

[ اراد المعنى الخاص وتعلق غرضه بافهام الغير ما في ضميره، تكلم باللفظ الكذائي [ 26 ] فبعد هذا الالتزام يصير اللفظ المخصوص دليلا على ارادة المعنى المخصوص عند الملتفت إلى هذا البناء والالتزام. وكذا الحال لو صدر ذلك اللفظ من كل من يتبع الواضع، فان اراد القائل - بكون الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث انها مرادة - هذا الذى ذكرناه فهو حق، بل لا يعقل غيره. وان اراد ان معانيها مقيدة بالارادة بحيث لو حظت الارادة بالمعنى ] = لانه يقال: ان الباقي ايضا لم يكن الا مالا يكفي في تصور الشئ للايجاد، و قدمر عدم كفايته. هل ان الالفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعاني المرادة [ 26 ] بل يمكن - على القول بامكان جعل العلقة ابتداءا بين اللفظ والمعنى - أن يقال: ان المجعول هي العلقة بين اللفظ وارادة المعنى، لان العلقة والاختصاص ان كانا بين اللفظ وذات المعنى فاللازم كون اللفظ دالا عليهما، بلا صحة اسناد الارادة والتصور الى اللافظ، كالحس الواقع على الشئ الخارجي، وذلك لان مجرد احضار المعنى في ذهن المخاطب والانتقال من اللفظ إليه لا يستلزم صحة الاسناد، ولذا لو قال: ما وضعت لفظ زيد لهذا الرجل فبعد ما يسمع الانسان اللفظ المذكور ينتقل إلى زيد بلا صحة الاسناد. والظاهر ان الدلالة التصديقية التى اعترف المنكر بكونها موقوفة على الارادة في معنى كلام الشيخ هي نتيجة الوضع، لا التصورية فقط، فانها قد تحصل بلا وضع كما في المثال. نعم يبقى على هذا القول أن مجرد كون العلقة بين اللفظ وارادة المعنى لا يوجب الا كون اللفظ موجبا لانتقال السامع إلى الارادة والتصور المضافين إلى المتكلم، وأما التصديق بوجودهما وصحة الاسناد إلى المتكلم فلا محيص له عن القول بكون الوضع عبارة عن التزام الواضع بالتكلم بلفظ خاص عند ارادة معنى مخصوص، فتدبر جيدا.

[ 39 ]

[ الاسمى قيدا لها حتى يكون مفاد قولنا زيد هو الشخص المتصف بكونه مرادا ومتعقلا في الذهن، فهو بمعزل عن الصواب. والحاصل انه فرق بين القول بان لفظ زيد مثلا موضوع لان يدل على تصور الشخص المخصوص [ 27 ] بحيث يكون التصور معنى حرفيا ومرآة صرفا للمتصور عند المتكلم والسامع، وبين القول بانه موضوع لان يدل على الشخص المقيد بالتصور الذهنى، على ان يكون القيد المذكور ملحوظا بعنوانه وبمعناه الاسمى. والاول لا يرد عليه اشكال اصلا، بل. لا يتعقل غيره. والثانى ترد عليه الاشكالات التى سنذكرها. قال شييخنا الاستاذ دام بقاه في الكفاية في مقام الرد على هذا القول ان قصد المعنى على انحائه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه. هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل والاسناد في الجملة بلا تصرف في الفاظ الاطراف، مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة ان المحمول على زيد في زيد قائم والمسند إليه في ضرب زيد مثلا هما نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان، مع انه يلزم كون وضع ] [ 27 ] لا يقال: فاللازم على هذا تغاير الملحوظ عند السامع مع الملحوظ عند المتكلم، وكون المتصور عند الثاني ذات المعنى، وعند الاول المعنى بوصف كونه متصورا ومرادا عند السامع، وهو خلاف الوجدان. لانا نقول: نحن نلتزم بذلك، وان شئت توضيح ذلك فانظر إلى قضية زيد قائم الصادرة من المتكلم، فان السامع لا يتصور ولا يصدق الا النسبة الجزمية المضافة إلى المتكلم، وليس حاله في هذه النسبة كالمتكلم، ولذا لا يصح اسناد الكذب والصدق إليه، وكذلك بالنسبة إلى موضوع القضية ومحمولها، فان السامع يصدق بالنسبة المضافة إلى المتكلم من المحمول الملحوظ عنده على الموضوع الملحوظ عنده، وكذلك الحال في سائر القضايا من الاخباريات والانشائيات.

[ 40 ]

[ عامة الالفاظ عاما والموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم اخذ مفهوم الارادة فيه كما لا يخفى. وهكذا الحال في طرف الموضوع. انتهى كلامه ادام الله ايامه. اقول ليس الاستعمال على ما ذكرنا الا الاتيان باللفظ الخاص لافادة ارادة المعنى الخاص. وهذا لا محذور فيه اصلا [ 28 ]. واما ما ذكره ثانيا فلا يرد على ما قررناه، فانه بعد اعتبار التصور الذى هو مدلول الالفاظ طريقا إلى ملاحظة ذات المتصور، يصح الاسناد والحمل في مداليل الالفاظ بلا مؤنة وعناية. نعم هذا الاشكال وارد على الطريق الاخر الذى قررناه. واما ما ذكره ثالثا ففيه ان كل لفظ يدل على ارادة المعنى العام بواسطة الوضع [ 29 ] جعلوه مما يكون الموضوع له فيه عاما في مقابل الالفاظ التى تدل على ارادة المعنى الخاص. ولا مشاحة في ذلك. ومن هنا تعرف ] [ 28 ] اقول: فإذا كان الاستعمال ذلك كان اللفظ كاشفا والارادة منكشفة بلا لزوم محذور الدور، وكأنه توهم أن الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ مع ارادة المعنى، بحيث تكون الارادة من اللوازم العقلية للاستعمال، فيكون مدلول اللفظ بالجعل غيرها، فيورد بأن ما هو من الشرائط العقلية للاستعمال كيف يمكن أخذه في المستعمل فيه ؟ وبعد التأمل فيما ذكر يندفع الاشكال، نعم ما لا يمكن أخذه في المستعمل فيه هو تصور نفس ذلك الاستعمال الذي هو عبارة عن ذكر اللفظ وارادة المعنى. [ 29 ] وان شئت قلت: ان الموجود في الذهن والمتصور إذا كان بحيث لم يمتنع انطباقه على كثيرين فهو عام ومعلوم أن ذات المعنى إذا كان قابلا للانطباق المذكور لم يكن التصور بالمعنى الحرفى مانعا عنه كما هو واضح، وسنوضحه في طي الجواب الآتي انشاء الله، إذا عرفت ذلك فقد عرفت عدم ورود الاشكالات المذكورة. نعم، قد يشكل تعقل ما قاله - دام ظله - بأن معنى التصور المرآتي أن لا يرى المتصور الا ذات المتصور والملحوظ، وحينئذ لم تكن في الذهن الا صورة واحدة وهي =

[ 41 ]

[ صحة القول بان الدلالة تابعة للارادة [ 30 ] وما يرى من الانتقال إلى المعنى من الالفاظ وان صدرت من غير الشاعر، فهو من باب انس الذهن وليس من باب الدلالة، الا ترى انه لو صرح واحد بانى ما وضعت اللفظ الكذائي بازاء المعنى الكذائي، وسمع منه الناس هذه القضية ينتقلون إلى ] = صورة ذات الملحوظ، وأما نفس تلك الصورة فغير متصورة ولا ملتفت إليها لا بتصور آخر، للزوم انقلاب الآلي إلى الاستقلالي، ولا بنفس ذلك التصور، للزوم تأخر الشئ عن نفسه، فإذا كان التصور المذكور مغفولا عنه فكيف جعله الواضع مع غفلته عنه جزءا أو قيدا للموضوع له ؟ وكيف يجعل تابعوا الواضع اللفظ الصادر منه كاشفا للمعنى. مع كونهم غافلين عنه ؟ والالتفات إلى التصور المذكور بالنحوة المرآتية بالتفات آخر - كالالتفات إلى المرآة بتلك النحوة، بحيث يحكم عليه بنقصان حكايته أو تماميتها - وان كان ممكنا ولا نمنعه بنحو الايجاب الجزئي، لكن ذلك لا يكفي لمدعي الكلية، الا إذا ادعى الملازمة بين الالتفات إلى الشئ والالتفات إلى التفاته، وهو ينجر إلى التسلسل. ولكن فيه: ان مجرد عدم كون التصور متصورا بتصور آخر غير ملازم لكونه مغفولا عنه، بحيث لم يمكن للواضع جعله جزءا للموضوع له أو جزءا للمكشوف لتابعيه، بل يكون حضور المتصور عند النفس بحضور صورته وحضور الصورة بحضور نفسها، ولذا يقال: لحاظ الشئ على قسمين: آلي واستقلالي، ولو كان عن اللحاظ الآلي غفلة لما صح تقسيم اللحاظ اليهما، فمعنى التصور الآلي انه ملحوظ بالمعنى الحرفي، وهو خلاف الاستقلالي بأن توجد صورة الصورة في الذهن مستقلا، لا أنه غير ملحوظ وغير ملتفت إليه أصلا، مثلا: الناظر إلى المرآة آلة غير غافل عن آليتها والا لسقطت لو كانت في يده، ولترتب عليه آثار نفس المرئي بلا توسط كونه في المراة، وهو خلاف الوجدان. [ 30 ] أي - بعد ما عرفت من كون مدلول اللفظ ارادة المعنى والمعنى المراد بنحو ما مر - تعرف أن الارادة لو لم تكن لم يكن ذلك بدلالة، بل جهالة وضلالة - كما عبر بها في الكفاية في مقام الدلالة التصديقية - وقد مر أنها عين دلالة اللفظ فراجع.

[ 42 ]

[ ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ، مع ان هذا ليس من باب الدلالة قطعا. وضع المركبات ومنها أنه اختلف في أن المركبات اعني القضايا التامة هل لها وضع آخر غير وضع المفردات، أو ليس لها وضع سوى وضع المفردات اقول ان كن غرض مدعى وضع آخر للمركبات انها بموادها الشخصية لها وضع آخر غير وضع المفردات بمعنى ان لقضية زيد قائم وضعا آخر يكون لفظ زيد بمنزلة جزء الكلمة في ذلك الوضع، فهو في غاية الفساد، إذ وجدان كل احد يشهد ببطلان هذا الكلام، مضافا إلى لغويته. وان كان الغرض ان وضع مفردات القضية لا يفي بصدق القضية التامة التى يصح السكوت عليها لان معاني المفردات معان تصورية، وتعدد المعاني التصورية لا يستلزم القضية التامة التى يصح السكوت عليها، فلا بد ان تكون القضية المستفادة من قولنا زيد قائم مسببة من وضع آخر غير وضع المفردات، وهو الوضع النوعى لهذه الهيئة، فهو صحيح فيما لم تشتمل المفردات على وضع تتم به القضية، كالقضايا الخبريه في لسان العرب، فان وضع زيد ووضع قائم مادة وهيئة لا يفي با فادة نسبة تامة يصح السكوت عليها. واما في مثل القضية الانشائية كاضرب زيدا لا وجه للالتزام بذلك [ 31 ] فليتدبر. ] وضع المركبات [ 31 ] منشأ الفرق: ان مثل اضرب وضع بالهيئة والمادة لانشاء وجوب صدور الضرب من المكلف ووقوعه على المضروب، فنفس تلك اللفظة بمنزلة هيئة =

[ 43 ]

[ علامات الحقيقة والمجاز ومنها انهم ذكروا لتشخيص الحقيقة عن المجاز امارات: كالتبادر وعدم صحة السلب. واستشكل في كونهما علامة بالدور، واجابوا عنه بالاجمال والتفصيل. ولا بحث لنا في ذلك انما الكلام في انهم ذكروا في جملتها ] = المبتدأ والخبر الموضوعة لايجاد النسبة بين موضوع ما ومحمول ما، وأما لفظة زيد فبمنزلة زيد في زيد قائم حيث يعين ذلك الموضوع، فالنبسة التامة تستفاد منها من دون احتياج إلى الهيئة. لكن مع ذلك يمكن أن يقال: ان دلالة اضرب على ما ذكر أيضا موقوفة على عدم وقوعها بعد القول وأمثاله، مثل قولك: هل سمعت اضرب زيدا وقولك: ان قال اضرب زيدا فاضربه فان اضرب في أمثال المقام لا تستفاد منه النسبة، فتختلف باختلاف الهيئة، وهذا بخلاف مثل زيد فتأمل. هذا حال اضرب وأمثاله، وأما النهي فحاله بعينه حال اضرب، وأما النفي والجحد والاستفهام فليس حالها الاكحال أدوات الشرط، حيث تدل على مجرد التعليق وتختلف معاني مدخولاتها باختلاف هيئاتها، فالمذكورات أيضا موجدة لنفس معانيها البسيطة من النفي والاستفهام والجحد، وأما مدخولاتها فتختلف معانيها باختلاف هيئاتها. ومما ذكر يظهر الجواب عما توهم من عدم احتياج وضع الهيئة في مثل ضرب زيد أيضا، حيث أنها وضعت بالمادة والهيئة لايجاد الاسناد الى فاعل ما كما مر في اضرب، وذلك لان استفادة ذلك منها أيضا مشروط بما ذكر في اضرب، وبعدم وقوعه بعد الشرط، كما تقول: ان ضرب زيد فاضربه.

[ 44 ]

[ الاطراد [ 32 ] قال شيخنا الاستاذ في الكفاية ولعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها، والا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة وزيادة قيد من غير تأويل، أو على وجه الحقيقة، وان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة، الا انه حينئذ لا يكون علامة لها الاعلى وجه دائر ولا يتأتى التفصى عن الدور بما ذكر في التبادر هنا، ضرورة أنه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره انتهى. ] علامات الحقيقة والمجاز [ 32 ] اقول: قد ذكر للحقيقة علائم، منها: الاطراد. وأورد عليه بأن المجاز أيضا مطرد، وزيادة قيد من غير تأويل دور واضح، ولذا احتمل في الكفاية كونه بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها. قال قدس سره: والا فمبلاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة انتهى. ومعلوم: أن الاحتمال المذكور لا يرفع الاشكال عن القول، لان ما يصح معه الاستعمال مطرد، وما لا يطرد لا يصح معه الاستعمال، إذ العلاقة ليس نوع المشابهة مثلا، بل مع خصوصيات أخر يصح معها الاستعمال، ويطرد حينئذ كما لا يخفى. ويمكن أن يقال: ان المجازات وان كان استعمالها كثيرا في حد نفسه لكن لا يطرد مع ذلك في جميع المقامات، بخلاف الحقيقة، توضيح ذلك: ان الواضع - كما مر - يجعل اللفظ كاشفا ومرآة للمعنى من دون خصوصية أخرى، فإذا أراد المتكلم احضار ذات المعنى يتكلم بذلك الكاشف عنه، وأما إذا أراد افهام شئ آخر غير مجرد ذات المعنى، بل يكون في مقام اظهار البلاغة والفصاحة مثل مقام الاشعار والخطب، فيعبر عن الرجل الشجاع بالاسد، وعن الوجه الحسن بالقمر أو الشمس وأمثال ذلك، فيصح أن يقال: ان اطراد الاستعمال بغير تأويل علامة للحقيقة، =

[ 45 ]

[ اقول يمكن توجيه كونه علامة بدون لزوم الدور، بان يقال ان المراد من الاطراد حسن استعمال اللفظ في كل موقع. من غير اختصاص له بمواقع خاصة، كالخطب والاشعار مما يطلب فيها اعمال محاسن الكلام ورعاية الفصاحة والبلاغة، بخلاف المجاز، فانه انما يحسن في تلك المواقع خاصة، والا ففى مورد كان المقصود ممحضا في افادة المدلول لا يكون له حسن، كما لا يخفى. وهذا كما ترى يمكن حصوله لغير اهل اللسان ايضا إذا شاهد استعمال اهل اللسان. (الحقيقة الشرعية) ومنها أنه اختلف في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه. اقول لا مجال ظاهرا لانكار ان الفاظ العبادات كانت في زمن النبي صلى الله عليه وآله بحيث يفهم منها عند الاطلاق المعاني المستحدثة، وهل كان ذلك من جهة الوضع التعييني أو التعينى، أو كانت موضوعة لتلك المعاني في الشرائع السابقة ايضا ؟ لا طريق لنا لا ثبات احد الامور. نعم الوضع التعييني بمعنى تصريح النبي صلى الله عليه وآله بالوضع لتلك المعاني بعيد غاية البعد. لكن يمكن الوضع التعييني بنحو آخر بان استعمل صلى الله عليه وآله تلك الالفاظ في المعاني المستحدثة بقصد انها معانيها. ] والدور يرتفع بالاجمال والتفصيل، بأن يقال: ان ما هو المرتكز في الذهن اجمالا استعماله لمجرد افهام المعنى، فيعلم تفصيلا أنه حقيقة، وما لا يجوز الا في أمثال ما قلنا فهو مجاز. فتأمل تعرف.

[ 46 ]

[ وهذا ايضا نحو من الوضع التعييني [ 33 ] فانك لواردت تسمية ابنك زيدا، فتارة تصرح بانى جعلت اسم هذا زيدا، واخرى تطلق هذا اللفظ عليه بحيث يفهم بالقرينة أنك تريد ان يكون هذا اللفظ اسما له. وهذا القسم من الوضع التعييني ليس بمستبعد في الشرع. وقد يستدل ببعض الآيات من قبيل قوله تعالى: (واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (1) وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (2) وقوله تعالى: (واذن في الناس بالحج) (3) على كون هذه الالفاظ حقائق لغوية لا شرعية. تقريب الاستدلال ان هذه الايات تدل على وجود معاني هذه الالفاظ في الشرائع السابقة ويثبت وضع هذه الالفاظ لها فيها بضم مقدمة اخرى، وهى ان العرب المتدينين بتلك الاديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو اما انهم ما فهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن ] الحقيقة الشرعية [ 33 ] وكون الاستعمال صحيحا حقيقيا موقوف على كون الوضع عبارة عن مجرد التعهد في النفس، وكون اللفظ كاشفا عنه، لا عبارة عن المنتزع عن مرتبة اظهار التعهد كما ذكره - دام ظله - في حاشية منه.


(1) سورة مريم 19 الآية 31 (2) سورة البقرة 2 الآية 183 (3) سورة الحج 22 الآية 27 (*)

[ 47 ]

[ الموجودة في البين. أو فهموها من حاق اللفظ والاول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به [ 34 ] وكذلك الثاني، إذ من البيعد جدا احتفاف جميع تلك الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا الالتزام بانهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ وهو المطلوب. ولعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الايات، لا ما يتوهم من ان المراد ] [ 34 ] عدم تمامية الاستدلال المذكور لاثبات كون الالفاظ المتدوالة في لساننا حقايق لغوية واضح، نعم يمكن أن يستدل بها لاثبات أصل تلك الحقائق في رد من جزم بعدم كونها حقايق لغوية لكونها مستحدثة، إذ بعد اثباتها لا يصح الجزم بذلك بل تبقى الاحتمالات بحالها ولعل ذلك أيضا مراد المستدل، لاما رد عليه في المتن: لكن الانصاف ان ظاهر عبارة الكفاية يوهم المعنى الاول، فتأمل. تقريب الاستدلال: ان هذه الآيات تدل على وجود معاني هذه الالفاظ في الشرائع السابقة، ويثبت وضع هذه الالفاظ لها فيها بضم مقدمة اخرى، وهي ان العرب المتدينين بتلك الاديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو إما أنهم لم يفهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن الموجودة في البين أو فهموها من حاق اللفظ. والاول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به، وكذلك الثاني، إذ من البعيد جدا احتفاف جميع تلك الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا الالتزام بأنهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ. وهو المطلوب. ولعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الآيات، لا ما يتوهم من أن المراد اثبات تداول هذه الالفاظ في الشرائع السابقة. قلت: انا نلتزم بالشق الثاني، ولا بعد في احتفاف الالفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة كقوله صلى الله عليه وآله صلوا كما رأيتموني أصلي (1) بالنسبة إلى الصلاة، على أن هذه الالفاظ لم تكن بهذه الصورة في الشرائع السابقة لاختلاف لغتها عن لغة شرعنا، فلا مناص من الالتزام بوجود قرائن كانوا يفهمون بها تلك المعاني من هذه الالفاظ العربية. * (هامش *) (1) عوالي اللئالي 3 / 85 (*)

[ 48 ]

[ اثبات تداول هذه الالفاظ في الشرايع السابقة. ثم انه تظهر الثمرة بين القولين في حمل الالفاظ الصادرة من الشارع بلا قرينة على معانيها الشرعية، بناءا على بثوت الوضع والعلم بتأخر الاستعمال [ 35 ]. عنه وعلى معانيها اللغوية، بناءا على عدمه. ولو شك في تأخر الاستعمال وتقدمه اما بجهل التاريخ في احدهما أو كليهما فالتمسك - باصالة عدم الاستعمال إلى ما بعد زمان الوضع فيثبت بها تأخر الاستعمال - مشكل، فانه مبنى على القول بالاصول المثبتة إما مطلقا أو في خصصوص المقام [ 36 ] مضافا إلى معارضتها بالمثل في القسم الثاني [ 37 ] نعم يمكن اجراء اصالة عدم النقل فيما إذا جهل تاريخه وعلم تاريخ الاستعمال، بناءا على ان خصوص هذا الاصل من الاصول العقلائية، فيثبت به تأخر النقل عن الاستعمال. ولا معارض له. أما على عدم القول بالاصل المثبت في الطرف الاخر فواضح. وأما على القول به، فلان تاريخه معلوم بالفرض واحتمال ان يكون بناء العقلاء على عدم النقل - في خصوص ما جهل ] [ 35 ] لا يخفى أن الحمل على المعنى الشرعي بمجرد العلم بالوضع وتأخر الاستعمال يصح لو لم تكن الالفاظ المذكورة منقولة، بل كانت مستحدثة بألفاظها ومعانيها، والا فلابد من مقدمة أخرى وهي كون معانيها الاولى مهجورة، وقد اشار إليه في حاشية منه. [ 36 ] بادعاء كون الاصل الجاري في باب الالفاظ من الاصول العقلائية، كي يكون المثبت منها أيضا حجة، لكن الكلام في صحتها. [ 37 ] بناءا على جريان الاصل في مجهولي التاريخ، وسيأتي منه - دام ظله - في مباحث الاستصحاب عدم جريانها فيهما من جهة الشبهة المصداقية ل‍ لا تنقض لاحتمال نقض اليقين باليقين، وبناءا على ذلك لو لم يكن معارض في البين، بأن كان أحدهما بلا أثر شرعي لا يجري الاستصحاب أيضا لما ذكر، لا للمعارضة.

[ 49 ]

[ رأسا لا فيما إذا علم اجمالا وشك في تاريخه - بعيد لظهور أن بناءهم على هذا من جهة ان الوضع السابق عندهم حجة، فلا يرفعون اليد عنها الابعد اللعلم بالوضع الثاني. (الصحيح والاعم) ومنها أنهم قد اختلفوا في أن الفاظ العبادات هل هي موضوعة بازاء خصوص الصحيحة أو الاعم منها ومن الفاسدة ؟ اعلم ان جريان النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية واضح وأما على القول بالعدم فيمكن جريانه ايضا، بان يقال هل الاصل في استعمال الشارع بعد العلم بعدم ارادة المعنى اللغوى [ 38 ] هو المعاني الشرعية الصحيحة إلى ان يعلم خلافها ام لا ؟ فمن يدعى الاول يذهب إلى ان العلاقة بينها وبين المعاني اللغوية اشد، فحملها بعد العلم بعدم ارادة المعاني الحقيقية على المعاني الشرعية الصحيحة اولى وأسد وكيف كان يتم هذا المبحث بذكر امور: (الاول) - أنه لا اشكال في ان الصحيحى إن قال بان الصلاة الصحيحة على اختلافها اجزاءا وشرائط كلها افراد للمعنى الجامع الواحد الذى هو الموضوع له للفظ الصلاة، فلا بدله من تصور معنى واحد جامع ] الصحيح والاعم [ 38 ] هذا على القول بكونها مجازات لغوية، وأما على القول بكونها حقايق لغوية، وكون الاستعمال فيها من تطبيق الكلي بنحو تعدد الدال، فيمكن النزاع في أن اللفظ شاع في أي المعينين في لسان الشارع أو المتشرعة، بحيث ينصرف إليه حتى يحتاج استعماله في غيره إلى قرينة أزيد من ذلك.

[ 50 ]

[ لشتات تلك الحقائق المختلفة، كما ان الاعمى ايضا لا بدله من تصور جامع يكون اوسع دائرة من الاول نعم لو ادعى كل واحد منهما ما ادعاه على نحو الاشتراك اللفظى، يمكن هذه الدعوى مع عدم القدر الجامع بين تلك الحقايق، لكن هذه المقالة مع كونها بعيدة في نفسها لا تناسب كلماتهم، كما لا يخفى [ 39 ]. إذا عرفت هذا، فنقول لا يتعقل اخذ القدر الجامع بين ذوات تلك الحقائق المختلفة المتصفة بالصحة [ 40 ] مع قطع النظر عن اعتبار امر خارج عنها، لان معنى اخذ القدر الجامع الغاء الخصوصيات واخذ ما هو مشترك سار في جميع الافراد، والمفروض ان لتلك الخصوصيات دخلا في الصحة. مثلا الصلاة التى يأتي بها القادر قائما يتقوم صحتها بالقيام، فلو اعتبر القيام مثلا في الموضوع له، فلا يصدق على الصلاة التى يأتي بها المريض جالسا، وإن لم يعتبر فيلزم صدقها على الصلاة التى يأتي ] [ 39 ] وذلك، لان المتبادر من تلك الالفاظ عند استعمالها في معاني مختلفة الاجزاء والشرائط شئ واحد، ولا فرق في ذلك بين القولين، والشاهد هو الوجدان. [ 40 ] وبعبارة أخرى: المركب الاعتباري عبارة عن مفهوم واحد يؤخذ ويشار به إلى الاجزاء والشرائط بالاشارة الاجمالية، كالصلاة مثلا، فانه يشار بها اجمالا إلى أجزاء متعددة وشرائط متكثرة من التكبير إلى التسليم، وكذلك الحج يشار به اجمالا إلى ما أوله التحريم وآخره التحليل، فإذا كان بين شرطين أو جزءين من صلاتين مثلا مناقضة أو مضادة بحيث لم يمكن أخذ الجامع، مثل القيام واللاقيام أو القعو، والجهر والاخفات في محل واحد من الصلاتين، والركعة الرابعة وعدمها، والثالثة وعدمها، وأمثال ذلك من الشرائط والاجزاء المختلفة للصلوات المختلفة فلا يمكن أخذ مفهوم واحد يشار به إلى ذلك الجامع المحال وسائر الاجزاء والشرائط بالاشارة الاجمالية، لان المركب من المحال محال.

[ 51 ]

[ بها القادر جالسا، وكلاهما خلاف مذهب الصحيحى. والذى يمكن ان يقال في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ان كل واحد من تلك الحقائق المختلفة إذا اضيفت إلى فاعل خاص، يتحقق لها جامع بسيط، يتحد مع هذه المركبات، اتحاد الكلى مع افراده. مثلا قيام الشخص القادر لتعظيم الوارد وايماء الشخص المريض له يشتركان في معنى واحد، وهو اظهار عظمة الوارد يقدر الامكان، وهذا المعنى يتحد مع قيام القادر، كما أنه يتحد مع ايماء المريض وعلى هذا فالصلاة بحسب المفهوم ليست هي التكبيرة والقراءة والركوع والسجود وكذا وكذا، بل هي بحسب المفهوم المعنى الواحد البسيط الذى يتحد مع تمام المذكورات (تارة) ومع بعضها (اخرى) ومع ما قيد بكيفية خاصة (تارة) وبنقيضها (اخرى) وهذا المعنى وان كان امرا متعقلا، بل لا محيص عن الالتزام به بعد ما يعلم أن لتلك الحقائق المختلفة فائدة واحدة، وهى النهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يكاد أن تؤثر الحقائق المتباينة في الشئ الواحد، من دون رجوعها إلى جهة واحدة، ولكن كون هذا المعنى مفاد لفظ الصلاة محل اشكال من وجهين: (احدهما) أن الظاهر مما ارتكز في اذهان المتشرعة هو أن الصلاة عبارة عن نفس تلك الاجزاء المعهودة التى اولها التكبير واخرها التسليم. [ 41 ] (ثانيهما) أن مقتضى ما ذكر من الجامع ان الصحيحى لابد ان ] [ 41 ] هذا على تقدير كون الموضوع له البسيط الخارج عن الاجزاء المنطبق معها، وأما لو كان نفس تلك الاجزاء مع تحديدها بافادة القرب أو النهي عن الفحشاء أو غير ذلك مما يلازم الصحة، فلم يكن خلاف المرتكز في الاذهان. =

[ 52 ]

[ يلتزم بالاشتغال في موارد الشك في الجزئية أو الشرطية، وإن بنى في الاقل والاكثر على البراءة عقلا، لانه مكلف باتيان ذلك المعنى الواحد، فمتى شك في جزئية شيئ أو شرطيته، يرجع شكه إلى ان ذلك المعنى الواحد هل يتحقق بدون الاتيان بالمشكوك ام لا، مع أن القائلين بالصحيح قائلون بالبراءة فيهما. وقد تصدى لدفع هذا الاشكال شيخنا الاستاذ في الكفاية بأن الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع من هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة، بحسب اختلاف الحالات، يتحد معها نحو اتحاد وفي مثله تجرى البراءة، وانما لا تجرى فيما إذا كان المأمور به امرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الاقل والاكثر، كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في اجزائهما (انتهى كلامه). اقول: لا اشكال في أنه إذا كان الشئ مجمعا ومصداقا لعناوين عديدة، فكل عنوان منها وقع في حيز التكليف، كان المكلف ما خوذا بذلك العنوان والعناوين الاخر وان كانت متحققة مع العنوان الواقع في حيز التكليف، ولكن ليس لوجودها ولا لعدمها دخل في براءة ذمة المكلف واشتغاله وهذا واضح جدا، فحينئذ ان قلنا بان الواقع في ] = (لا يقال): ان الموضوع له ان كان العنوان العرضي، أي مفهوم الاجزاء المفيدة للقرب، فيلزم كون الصلاة مثلا مردافة لهذا العنوان، وان كان مصداق الاجزاء المقيدة بهذا القيد، فهو كر على ما فر من عدم تصوير الجامع. (لانا نقول): الموضوع له على هذا ليس المفهوم المذكور، ولا الجامع بين الخارجيات، بل نفس الاجزاء الخارجية كما قلنا مقيدة بذلك القيد، فيكون الجامع لشتات المتفرقات ذلك القيد، وذلك لا ينافي عدم الجامع لها بغير هذا العنوان، وهذا التقرير وان سلم عن مخالفة المرتكزات لكن يبقى اشكال الاشتغال الآتي على حاله.

[ 53 ]

[ حيز التكليف هو هذا المركب من التكبيرة والحمد وكذا وكذا، يصح للقائل بالبراءة ان يقول ان ما علم انه متعلق للتكليف من هذه الاجزاء يؤتى به، وما يشك فيه يدفع بالبراءة. وأما إن قلنا بان ما وقع في حيز التكليف ليس هذا المركب بهذا العنوان، بل هو عنوان بسيط ينطبق على قسم من هذا المركب في بعض الحالات، فلا يتصور معلوم ومشكوك [ 42 ] حتى يقال: إن المعلوم قد اتي به والمشكوك فيه يدفع بالاصل، بل في ما نحن فيه معلوم شك في وقوعه. ولا شبهة في انه مورد للاشتغال. ] [ 42 ] هذا على مبناه - من كون متعلق الامر والنهي هي الطبيعة - صحيح وأما على مبنى الكفاية من تعلقهما بالمصاديق حقيقة وكون العنوان عبرة لها - كما صرح بذلك في اجتماع الامر والنهي - فيكون حقيقة المتعلق منحلا، وان كان المرآة بسيطا. لا يقال: ان الخارج بما هو داخل تحت هذا المفهوم متعلق للامر وملزوم به بحكم العقل. لانا نقول: على الفرض ليس المفهوم الا عبرة لافهام المصداق وكونه متعلقا للارادة، وليس له مدخلية في المحبوبية والمبغوضية. وأما ما أفاده من أن المكلف لا يؤاخذ الا بالعنوان الواقع في حيز التكليف، فلان ذلك العنوان طريق وواسطة لاثبات الارادة إلى المصداق، لا لدخله في متعلق الارادة، ولذا يؤاخذ المكلف بعنوان هؤلاء بقوله: ألم أقل لك أكرم هؤلاء، فلم لم تكرم زيدا مع كونه منهم ؟ وحينئذ لو كان المفهوم مبينا أو كان المصداق مرددا بين المتباينين يؤاخذ بحقيقة المأمور به ويكون حجة لها، والا فلا يكون حجة الا في المقدار المتيقن. نعم قد يقال: على فرض كون موطن الامر الطبيعة أيضا يسري إلى الفرد لمكان الاتحاد، فيكون الفرد مأمورا به ولولا بالارادة التبعية، وهو أيضا واجب الامتثال، ولذا قلتم في المطلق والمقيد بالانحلال، فصح أن يقال: ان الاقل. اما عين المأمور به بالامر =

[ 54 ]

[ (الثاني) أنه قد يستشكل في تصوير القدر الجامع بين افراد الصلاة الصحيحة والفاسدة بحيث ينطبق عليها انطباق الكلى على الافراد. وحاصل الاشكال أن أجزاء الصلاة ان كان لكل منها دخل في الموضوع له، فلا تطلق تلك اللفظة الاعلى ما اشتمل على الكل، وان كان لبعضها دخل دون الاخر، فيلزم ان لا يحمل مفهوم لفظ الصلاة الاعلى الابعاض المأخوذة في الموضوع له، فيكون المركب من تلك الابعاض وغيرها بعضها صلاة وبعضها خارجا عنها وكل منهما مما لا يقول به المدعى للاعم. وقد قيل في تصوير الجامع وجوه لا يهمنا ذكرها. والحق أن يقال إن القدر المشترك بين افراد الصلاة الموجودة في الخارج امر متعقل (بيان ذلك) أن الوحدة كما انها قد تكون لشئ حقيقة كذلك قد تكون لشئ اعتبارا (مثال الاول): مفاد الاعلام الشخصية، فانه لا تنثلم وحدة معانيها على اختلاف حالاتها المختلفة العارضة لها. (ومثال الثاني): الاشياء العديدة التى يوجدها الموجد بقصد واحد، فان تلك الاشياء وان كانت وجودات مختلفة متعددة، لكن عرضت لها وحدة اعتبارية بملاحظة وحدة الغرض والقصد، يطلق على كل منها عنوان الجزء بتلك الملاحظة. ] = التبعي واما مقدمة له، فيكون معلوم الوجوب، والاكثر مشكوك الوجوب، فتجري فيه البراءة. وفيه: أن الفرد وإن تعلقت به الارادة التبعية إن لم يتعلق الامر بصرف الوجود وينحل العلم بها كما ذكر، لكن ذلك لا ينفع في انحلال متعلق الارادة الاصلية، والعقل من اجماله يحكم بالاحتياط، وأما اجراء البراءة با دعاء كون الجامع ذا مراتب، وكون كل من اجزاء المركب محققا لمرتبة منه، فهو خلاف فرض الصحيحي، وان لم يكن في اجزاء البراءة عليه اشكال.

[ 55 ]

[ إذا عرفت هذا، فنقول: يصح للاعمى أن يقول: ان الواضع لا حظ جميع اجزاء الصلاة المأتي بها بقصد واحد، وقد قلنا بان الاشياء المتعددة بهذه الملاحظة واحدة اعتبارا، وبعد طرو الوحدة الاعتبارية، حال تلك الاشياء باجمعها حال الواحد الحقيقي، فكما أن الواحد الحقيقي يمكن اخذه في الموضوع له على نحو لا تنثلم وحدته باختلا ف الحالات الطارئة عليه [ 43 ] كذلك الواحد الاعتباري قد يعتبر على نحو ليس فيه حد خاص. ولازم ذلك أنه متى ما وجد مقدار من ذلك المركب مقيدا بما يوجب وحدة الاجزاء اعتبارا وهو وحدة القصد، يصدق عليه ذلك المعنى، سواء وجد في حد التام أو الناقص، فالذي وضع له اللفظ هو ] [ 43 ] لا يخفى أن للموضوع له للفظ الصلاة على هذا وحدة إعتبارية من جهتين. (احداهما): كونه جامعا لشتات الاجزاء المختلفة، كالتكبير والقراءة والسورة والركوع والسجود وأمثال ذلك، فانها أشياء متعددة حقيقة، يعتبرها المعتبر واحدة ويعبر عنها بالصلاة. (ثانيتهما): كونه جامعا منتزعا من أفراد متعددة مختلفة الاجزاء، فان مقدارا ما من الاجزاء والشرائط - محاطا بقصد اتيان الصلاة لله اولاراءة الناس - ليست له وحدة كلية حقيقية، كالوحدة الكلية لمفهوم الخط، وهو مقدار ما من طرف السطح يقبل القسمة طولا، حيث لا تنثلم وحدته الكلية باختلاف الخطوط طولا وقصرا، بل له وحدة اعتبارية يعتبرها المعتبر من جهة كون تلك الاشياء المتعددة في جميع الافراد محاطة بالقصد المذكور. والمقصود في المقام تشبيه تلك الوحدة الكلية الاعتبارية بالوحدة الحقيقية الشخصية أو الكلية، فكما لا تنثلم الوحدة الشخصية باختلاف الحالات والوحدة الكلية الحقيقية باختلاف الافراد، كذلك لا تنثلم تلك الوحدة الاعتبارية الكلية، فكما لا تنثلم وحدة حقيقة الماء باختلاف أفراده زيادة ونقيصة، وحقيقة مفهوم البيت =

[ 56 ]

مقدار من تلك الاشياء الملحوظة على سبيل الاهمال أو تعيين ما، مثل أن يلا حظ عدم كونه اقل من ثلاثة اجزاء أو اربعة اجزاء، وهكذا على اختلاف نظر الواضع، فإذا وجد في الخارج غير زائد على مقدار ما وضع له، فلا اشكال في صدق معنى اللفظ عليه، وإذا وجد زائدا على ذلك المقدار، فلكون الزائد جزا ومتحدا مع ما يقوم به المعنى، يصدق عليه المعنى ايضا، فالزائد في الفرض الثاني جزء للفرد لا جزء لمقوم المعنى ولا خارج عنه، فافهم وتدبر. (الثالث) أنه بعد ما عرفت ما ذكرنا من تصور الجامع على كلا القولين فاعلم ان طريق احراز المعنى وتصديق احد القائلين، ليس الا التبادر وصحة السلب وعدمهما، فان قطعنا بالمعنى بالتبادر القطعي فهو، والا فمقتضى القاعدة التوقف. والوجوه الاخر التى استدل بها كل من الفريقين لا تخلو عن شئ، كما سننبه عليه. والانصاف انا لا نفهم من الصلاة ونظائرها الا الحقيقة التى تنطبق على الصحيح والفاسد، ونرى ان لفظ الصلاة في قولنا الصلاة اما صحيحة أو فاسدة ليس فيه تجوز، وملاحظة علاقة صورية بين ما اردنا من اللفظ وبين المعنى الحقيقي له. وهذا ظاهر عند من راجع وجدانه ] = باختلاف أفراده سعة وضيقا وغير ذلك من المشككات الحقيقية، كذلك لا تنثلم الوحدة الاعتبارية مما ذكر من مفهوم الصلاة باختلاف الافراد، من حيث كونها واجدة لجميع الاجزاء أو فاقدة لبعضها، مع اختلاف الاجزاء الفاقدة والواجدة، وكما تضاف الزيادة والنقيصة في تلك المشككات إلى الفرد لا إلى الحقيقة، كذلك في الصلاة. هذا، ويمكن أن يستشهد لوجود الجامع بين الصحيح والفاسد بما هو المرتكز في ذهن الخواص والعوام، من صحة تقسيم الصلاة إلى الصحيح والفاسد ولو مجازا، وارادة المسمى بلفظ الصلاة خلاف الواقع قطعا.

[ 57 ]

[ وانصف، وكذا نرى من انفسنا ان من صلى صلاة فاسدة لا يصح سلب معنى لفظ الصلاة عما فعله في الخارج، ولو قلنا احيانا بان ما فعله ليس بصلاة، فليس نفى الصلاة عن فعله كنفى الصلاة عن الصوم وغيره من موضوع آخر كالحجر والانسان، إذ يصح الثاني بلا عناية اصلا بخلاف الاول. واستدل ايضا للمذهب الاعمى بان الصلاة استعملت في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، كقوله: (بنى الاسلام على خمس الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، ولم يناد احد بشئ كما نودى بالولاية، فاخذ الناس بالاربع وتركوا هذه، فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة) (01 *) ومحل الاشتسهاد قوله: (فاخذ الناس بالاربع) وقوله: (فلو ان احدا صام نهاره وقام ليله الخ) وكقوله (ع): (دعى الصلاة ايام اقرائك) حيث أن المراد لو كان الصحيحة لم تكن بقادرة عليها، فلا يجوز نهيها عنها. والجواب ان الاطلاق اعم من الحقيقة مضافا إلى ان لفظ الصلاة في الخبر الثاني استعمل في المعنى المجازى، حتى على مذهب الاعمى، لان المنهى عنه من الحائض ليس كلما يطلق عليه معنى لفظ الصلاة، فان الحائض لواتت بالصلاة فاقدة لبعض الشرائط أو الاجزاء المعتبرة فيها من غير جهة الحيض، لم يكن ما فعلته محرما [ 44 ] فالصلاة في قوله (ع): (دعى الصلاة) استعملت في الفرد الخاص اعني المستجمع لجميع الاجزاء والشرائط، ما عدا كونها حائضا واستعمال العام في الخاص مجاز، ] [ 44 ] لا اشكال في حرمته التشريعية وان قلنا نحز وجه عن مفاد الرواية للانصراف.

[ 58 ]

[ إلا أن يقول بارادة الخاص هنا من غير اللفظ. هذا واستدل لهم ايضا بانه لا شبهة في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة، لا يحصل بها الحنث، لان الصلاة المأتي بها فاسدة لاجل النهى عنها، بل يلزم أن يكون فسادها موجبا لصحتها، لانها لو كانت فاسدة لم تكن مخالفة للنهى. ولا وجه لعدم كونها صحيحة الا كونها مخالفة للنهى. وهذا بخلاف ما لو كانت الصحة خارجة عن معناها، فانه على هذا لا يلزم محذور. والجواب ان مدعى الوضع للصحيح لا يدعى انها موضوعة للصحيح من جميع الجهات، حتى من الجهات الطارئة، كالنذر وشبهه، بل يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الجهات الراجعة إلى نفسها [ 45 ] ولو فرض انه يدعى ان الموضوع هو الصحيح الفعلى حتى من الجهات الطارئة، فله ان يجيب بان نذر الناذر في المقام قرينة على عدم ارادة هذا المعنى، إذ ليس المعنى المأخوذ فيه الصحة من جميع الجهات قابلا للنهى ولو فرضنا أن الناذر قصد هذا المعنى في نذره، نلتزم بعدم انعقاده لعدم صحة تعلق النهى بالفعل المذكور. واستدل للصحيحى - مضافا إلى دعوى التبادر وصحة السلب من الفاسد - بالاخبار الظاهرة في اثبات بعض الخواص والاثار لحقيقة الصلاة والصوم، مثل قوله (ع): (الصلاة عمود الدين، أو انها معراج ] [ 45 ] الانصاف: أن الدعوى المذكورة خلاف الواقع، والا فيمكن أن يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الاجزاء والشرائط لا من حيث الموانع، أو التفصيل بين الجزاء والشرائط أيضا.

[ 59 ]

[ المؤمن، وان الصوم جنة من النار) أو نفى الطبيعة بفقدان بعض الشروط والاجزاء مثل قوله (ع): (لا صلاة الا بطهور)، وكذا (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) وأمثال ذلك. والجواب عن الاول ان الاستدلال بها مبنى على افادة تلك الاخبار أن الاثار المذكورة لتلك الطبائع على اطلاقها، إذ بذلك يستكشف أن الفرد الذى ليس فيه تلك الخواص ليس فردا لتلك الطبائع، لكن الاخبار المذكورة واردة في بيان خاصية تلك الطبايع من حيث نفسها، في مقابل اشياء اخر. ولا ينافى أن تكون لظهور تلك الخواص في تلك الطبايع شرائط اخر زائدة عليها، كما يظهر من المراجعة إلى امثال هذه العبارات. وعن الثاني أن استعمال هذا التركيب في نفى الصحة شايع في الشرع [ 46 ] بحيث لم يبق له ظهور عرفى في نفى الماهية واستدلوا ايضا بان طريقة الواضعين وديدنهم وضع الالفاظ للمركبات التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، وان مست الحاجة إلى استعمالها في غيرها، فلا يقتضى أن يكون على نحو الحقيقة، بل ولو كان مسامحة، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد. والظاهر عدم التخطي من الشارع عن هذه الطريقة. هذا ولا يخفى ما فيه لان دعوى القطع مجازفة، والظن بعد إمكان المنع لا يغنى عن الحق شيئا. ] [ 46 ] الظاهر: ان ذلك مصادرة، لان الشيوع المذكور موقوف على الوضع للاعم، والصحيحي يدعي أن تلك القضية ظاهرة في عدم الوضع له أصله، ونفي الصحة عنده ملازم لنفي الحقيقة، نعم لوادعى ان استعماله في نفي الكمال أيضا شايع بحيث لم يبق له ظهور في الحقيقة فيلزم عليه.

[ 60 ]

[ (الرابع) أنه تظهر الثمرة بين القولين في صحة الاخذ بالاطلاق وعدمه، إذ على القول بكون الفاظ العبادات موضوعة للصحيح لا يمكن الاخذ بالاطلاق فيها، إذ مورده بعد الاخذ بمدلول اللفظ الموجود في القضية والشك في القيود الزائدة. والمفروض اجمال مدلول اللفظ، وكلما احتمل اعتباره قيدا يرجع إلى مدخليته في مفهوم اللفظ. وأما بناءا على القول الآخر فيصح التمسك بالاطلاق على تقدير تمامية باقى المقدمات، إذ القيد المشكوك فيه مما لا مدخلية له في تحقق الحقيقة التى جعلت موضوعة في القضية. وكذا تظهر الثمرة بين القولين في الاصل العملي، إذ على القول بالصحيح على نحو ما بيناه في اول البحث لا محيص عن القول بالاحتياط ظاهرا، لكن على القول الاخر يبتنى القول بالبراءة والاحتياط فيه على مسألة الشك في الاقل والاكثر. (الخامس) أن اسامى المعاملات ان قلنا بانها موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها اسامى للصحيحة منها أو الاعم، لان الامر فيها دائر بين الوجود والعدم لا الصحة والفساد كما لا يخفى [ 47 ] وان قلنا بانها موضوعة للاسباب، فيأتي النزاع في انها موضوعة للاعم مما يترتب عليه الاثر أو لخصوص الصحيح اعني ما يترتب عليه الاثر. وعلى كل حال فلا مانع من الاخذ بالاطلاق فيها. أما بناءا على كونها موضوعة للاسباب من ] [ 47 ] هذا على ما عليه المحققون من أن الموضوع له في المعاملات عند العرف والشرع واحد، وامضاء الشارع تصويب لهم، ورده تخطئة، وأما لو قيل بأن الموضوع له عند العرف هو المسبب عندهم، مثلا لفظ البيع موضوع للنقل والانتقال الحاصل ببنائهم سواء أمضاه الشارع أو رده، وليس له واقعية غير البناء المذكور حتى يخطئهم الشارع، فيمكن النزاع في أن الموضوع له عند الشارع هل المسبب عنده أو الاعم منه ومن المسبب عند العرف وان لم يوجد عنده، فيشبه نزاع الصحيح والاعم.

[ 61 ]

[ دون ملاحظة حصول الاثر، فواضح، وأما على القول بكونها موضوعة لخصوص الاسباب المؤثرة للاثر، أو موضوعة لنفس المسبب، فلان لمفاهيمها مصاديق عرفية والاحكام المتعلقة بالعناوين - في القضية اللفظية التى وردت لبيان تفهيم المراد - تحمل على المصاديق العرفية لها. وبعد تعلق الحكم في القضية اللفظية بالمصاديق العرفية، يستكشف ان الشئ الذى يحكم العرف بانه مصداق يراه الشارع مصداقا ايضا، ولذا تراهم يتمسكون في ابواب المعاملات باطلاقات ادلتها، مع ذهابهم إلى كونها موضوعة للصحيح. نعم لو شك في الصدق العرفي. فلا مجال للاخذ بالاطلاق فليتدبر في المقام. استعمال اللفظ في اكثر من معنى و (منها) أنه اختلف - في جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد بان يراد كل واحد مستقلا [ 48 ] كما إذا استعمل فيه وحده - على اقوال لا يهمنا ذكرها بعد ما تطلع على ما هو الحق في هذا الباب والحق الجواز بل لعله يعد في بعض الاوقات من محسنات الكلام، لان ما وضع له ] (الاستعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد) [ 48 ] لا يخفى أن ارادة المعنى مستقلا على قسمين: الاول: أن يتصور ويراد منفردا، والثاني: أن يتصور ويراد مع الغير، لكن لا بنحو يكون المنظور شيئا واحدا وكان كل واحد منهما جزءا له، أو كان المنظور أحدهما وكان الاخر قيدا له، فيكون كل منهما مرادا ومتصورا بحياله واستقلاله، بنحو تكون ا لارادة والتصور واحدا والمراد والمتصور متعددا، مثلا. لو نظرت بعينك إلى شخصين بنظرة بنظرة واحدة ونظرت اليهما بنظرتين، فلا تفاوت في القسمين من حيث أن كل واحد من الشخصين منظور إليه =

[ 62 ]

[ اللفظ هو ذوات المعاني باوضاع عديدة، وليس في كل وضع تقييد المعنى بكونه مع قيد الوحدة بالوجدان ولا يكون منع من جهة الواضع ايضا، ضرورة ان كل احد لو راجع نفسه حين كونه واضعا للفظ زيد بازاء ولده ] = مستقلا في كلا النظرين، ووحدة النظر في الاولى وتعدده في الثانية غير مؤثر في احاطة الذهن بكل منهما بحياله، والشاهد على امكان ذلك وقوعه بالوجدان. إذا عرفت ذلك فنقول: ان كان الاستعمال عبارة عن افناء اللفظ في المعنى وذكر اللفظ وارادة المعنى مستقلا بالمعنى الاول، فلا اشكال في عدم جواز الاستعمال في أكثر من معنى، بل هو بديهي كالضرورية بشرط المحمول، وان كان عبارة عن افناء اللفظ في المعنى وارادته بنحو لم يكن اللافظ حين ذكر اللفظ ملتفتا الا إلى المعنى - وكأنه يلقي المعنى إلى المخاطب - لكن لا بحيث يكون ذلك المعنى تبعا لغيره في اللحاظ والارادة فلا اشكال في جوازه، لان المانع ان كان عدم امكان تعقل الشيئين مستقلا على نحو ما ذكرنا فالوجدان حاكم بامكانه، وان كان عدم تحقق معنى الافناء فلا نتعقل للافناء زائدا على ما ذكر من كون اللافظ حين ايجاد اللفظ غير ملتفت إلى اللفظ، ملقيا للمعنى إلى المخاطب، ولا فرق في ذلك بين أن يجعله فانيا في الواحد أو المعتدد مع عدم التفاته إلى اللفظ أصلا. وقد ذكر اشكال على أصل الاشتراك لا بأس بالاشارة إليه لمناسبة المقام، وهو: ان الوضع ان كان قصر اللفظ في المعنى فوضع الثاني مخالف للاول، وان كان قصر المعنى على اللفظ فينسد باب الاستفادة الا بالقرينة حتى في غير المشترك، لان معنى الوضع على هذا التزام ارادة المعنى من اللفظ لا عنده، وهو كما ترى. والظاهر: ان الوضع عبارة عن قصر اللفظ على المعنى بالتخصيص أو بالتعهد أو غيرهما من معانيه، ولا نتحاشى عن مخالفة الوضع الثاني للاول بهذا المقدار، فان مقتضى الاول عدم ارادة غير المعنى الاول من اللفظ الا بالقرينة الصارفة، ومقتضى الثاني ارادة المعنى الثاني أيضا بدون قرينة، وكذا الثالث والرابع إلى ما شاء الله، ولذا يحتاج إلى القرينة المعينة ولا يتعين شئ منها عند المخاطب الا بها، فيصير مقتضى الاوضاع المتعددة جواز ارادة تلك المعاني من ذلك اللفظ من دون قرينة صارفة، لكن

[ 63 ]

[ ليس مانعا من استعمال ذلك اللفظ في غيره [ 49 ] ولا يتصور مانع عقلي في المقام، فالمجوز للاستعمال موجود، وهو الوضع، وليس هناك ما يقبل المنع. وذهب شيخنا الاستاذ دام بقاه إلى الاستحالة العقلية، قال في الكفاية ان حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى، بل وجها وعنوانا له، كانه يلقى إليه نفس المعنى ولذا يسرى إليه قبحه وحسنه ولا يمكن جعل اللفظ كذلك الا لمعنى واحد، ضرورة ان لحاظه هكذا في ارادة معنى، ينافى لحاظه كذلك في ارادة الاخر، حيث ان لحاظه كذلك، لا يكاد يكون الا بتبع لحاظ المعنى، فانيا فيه فناء الوجه في ذى الوجه، والعنوان في المعنون. ومعه كيف يمكن ارادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذه الحال (انتهى). اقول يمكن ان يكون حاصل مرامه دام بقاه أنه بعد ما يكون ] = لا تقيد بوحدتها ولا تعددها، فكما يجوز ارادة الواحد يجوز ارادة المتعدد بتفصيل ما مر، وكما يحتاج تعيين المراد وتشخيصه إلى القرينة المعينة فكذلك يتوقف تعيين الوحدة والتعدد ايضا إليها. [ 49 ] قد يقال - كما قيل -: ان الاوضاع توقيفية لا يجوز التعدي عن متابعة الواضع، والواضع حين الوضع لم يلاحظ الا ذات المعنى في حال الوحدة، فلابد لتابعيه أن يستعملوه كذك. فان قلت: هذا لو كان حال الوحدة قيدا له. وأما لو لم يكن له دخل في الموضوع له فلا يجب مراعاته قطعا، كالاعلام الموضوعة للاشخاص في حا الصغر ولم تخرج بالكبر والهرم عن قيد الموضوع له، ومن المعلوم أن الواضع لم يضع اللفظ للمعنى مع قيد الوحدة =.

[ 64 ]

[ اللفظ وجها واشارة إلى ذات المعنى، فاللفظ من حيث كونه اشارة إلى معناه ليس اشارة إلى آخر لتباين المعنيين، وبالعكس. ولو جعل اشارة واحدة ووجها واحدا لكلا المعنيين، فهو من باب استعمال واحد في معنى واحد، لان المعنيين بهذا اللحاظ يكونان معنى واحدا في هذا الاستعمال، نظير استعمال لفظ اثنين في معناه، فاستعمال اللفظ في المعنيين غير معقول. قلت لا اشكال في امكان ارادة شيئين من لفظ واحد على نحو بقائهما على صفة التعدد، كما انه لا اشكال في امكان ارادتهما على نحو الوحدة الاعتبارية، فلو استعمل لفظ في المتعدد على النحو الثاني، فلا اشكال في انه من باب استعمال اللفظ في المعنى الواحد، فان كان ذلك المعنى موضوعا له اللفظ، يكون الاستعمال حقيقيا، والا يكون مجازيا. وان استعمل في المتعدد على النحو الاول، يكون من باب استعمال اللفظ الواحد في المعنيين. وحينئذ ان كان الملحوظ في هذا الاستعمال هو الوضعين، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنيين ] = قلت: لا يلزم من عدم ملاحظة القيدية لها عدم دخلها في الموضوع له فرب وصف لم يلحظ قيدا في الموضوع لكنه دخيل في الحكم، بمعنى عدم الحكم مع عدمه، مثلا موضوع الكلية لم يقيد بحال التجرد عن كل قيد حتى قيد التجرد، لكن المحمول لم يحمل عليه الا في ذلك الحال كما هو واضح، فما المانع من ان يكون حال الوحدة في الوضع مثل التجرد في الكلية وبذلك يمكن حمل كلام المحقق القمي - رحمه الله - عليه، فراجع. فأجاب عنه - دام ظله - بأنا وان لم ننكر امكان الدخل بنحو ما قيل لكن نجد من أنفسنا حين وضع لفظ لولدنا عدم المنع من استعماله في غيره وعدم دخل حالة الوحدة بنحو من الانحاء. ولا يجدي الامكان في شئ نرى الوجدان بخلافه.

[ 65 ]

[ الحقيقيين وان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في كل منهما، فيكون من باب استعمال اللفظ في المجازيين، وان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في احدهما، والوضع في الاخر، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي. (ليت شعرى) أن دعوى الاستحالة هل هي راجعة إلى ارادة الانسان الذوات المتعددة من دون ملاحظة عنوان الاجتماع، أو راجعة إلى امر آخر ؟ فان كانت راجعة إلى الاول، فيرده وقوع هذا الامر في العام الاستغراقي، فانه انما صار كذلك لعدم ملاحظة الامر هيئة الاجتماع في مرتبة تعلق الحكم، بل لاحظ الاحاد كلامنها اجمالا على انفرادها، غاية الامر هذه الملاحظة في العام الاستغراقي انما هي في مرتبة تعلق الحكم دون الاستعمال [ 50 ] فإذا صار هذا النحو من الملاحظة - اعني ملاحظة الاحاد على انفرادها ممكنا في مرتببة تعلق الحكم - فليكن ممكنا في مرحلة الاستعمال ايضا، فكما أن كل واحد في الاول يكون موردا للحكم مستقلا، كذلك في الثاني يصير مستعملا فيه. و (ليت شعرى): أي فرق بين ملاحظة الاحاد بذواتها في مرتبة ] [ 50 ] لا يقال: فرق بين الاستعمال وتعلق الحكم، فان الاول افناء اللفظ في المعنى، ولا يمكن افناء الواحد في المتعدد، بخلاف تعلق الحكم فانه يتوقف على لحاظ موضوعه بأي نحو كان، من دون لزوم افناء الواحد في الاثنين، ولا تقوم الواحد باللحاظين. لانه يقال: أولا: قد أوضحنا جواز افناء الواحد في الاثنين مع عدم لزوم تقوم الواحد باللحاظين. وثانيا: ان انشاء الحكم أيضا افناء، فان من يقول: اكرم زيدا يوجد بذلك الوجوب، ونفس ذلك الايجاد استعمال على رأي، واظهار ارادة الاكرام =

[ 66 ]

[ تعلق الحكم، وبين ملاحظتها كذلك في مرتبة الاستعمال ؟ وايضا من المعلوم إمكان الوضع عاما والموضوع له خاصا، وهو بان يلاحظ الواضع معنى عاما ويضع اللفظ بازاء خصوصياته، فيكون كل من الجزئيات موضوعا له، ولو عامل الشخص هذه المعاملة في مرحلة الاستعمال، بأن لا حظ معنى عاما مرآة للخصوصيات، واستعمل اللفظ في تلك الخصوصيات، يصير كل واحد منها مستعملا فيه، كما أنه صار في الصورة الاولى موضوعا له، وان كانت الدعوى راجعة إلى امر آخر فلا نعقل وجها آخر للاستحالة. ولا استبعد كون ذلك من قصوري لا دراكها. واما ادلة القائلين بالمنع من قبل الوضع، فموهونة جدا، فان اعتبار قيد الوحدة في المعنى مما يقطع بخلافه، وكون الموضوع له في حال الوحدة لا يقتضى الاعدم كون المعنى الاخر موضوعا له بهذا الوضع، ويتبعه عدم صحة الاستعمال فيه بملاحظة هذا الوضع، ولا يوجب ذلك عدم وضع آخر له ولا عدم صحة استعماله بملاحظة ذلك الوضع الآخر فيه. وأما تجويز البعض ذلك في التثنية والجمع بملاحظة وضعهما لافادة التعدد بخلاف المفرد، فمد فوع بان علامة التثنية والجمع تدل على تكرار ما افاده المفرد، لا على حقيقة اخرى في قبال الحقيقة التى دل عليها المفرد. كيف ؟ ولو كانت كذلك لما دلت علامة التثنية على التعدد، لان ] = والقاؤها إلى المخاطب على رأي آخر، وعلى كلا التقديرين فايجاد احكام عديدة ب‍ اكرم أو اظهار ارادات متكثرة به عين افناء الواحد في المتعدد، فان كلا من الارادات المذكورة المتعلقة بكل واحد من الموضوعات بحيالها واستقلالها موجدة أو مظهرة وملقاة إلى المخاطب، مع أن قضية عدم امكان تصور أشياء عديدة مستقلا لو كانت صادقة فلا اختصاص لها بمقام الافناء كما هو واضح.

[ 67 ]

[ المفرد الذى دخلت عليه تلك العلامة أفاد معنى واحدا، فالعلامة ايضا افادت معنى واحدا، فاين التعدد المستفاد من علامة التثنية. المشتق و (منها) أنهم اختلفوا في معاني بعض المشتقات من قبيل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وامثال ذلك، مما يجرى على الذوات، ويحمل عليها على نحو من الحمل، هل هي ما يطلق على الذوات في خصوص حال التلبس أو أن معانيها اعم من ذلك، بمعنى أنها موضوعة لمعان تحمل على الذوات، وان انقضى عنها التلبس، بعد الاتفاق على ان اطلاقها - على الذوات التى لم تتلبس بعد بملاحظة الزمن الاتى - مجاز. وتنقيح المرام يستدعى رسم امور: (الاول) أن النزاع ليس في جميع المشتقات، لان الماضي والمضارع والامر والنهى خارجة عن محل النزاع قطعا، وكذا المصادر - وان قلنا بانها مشتقات ايضا - وكذا ليس النزاع مختصا بالمشتقات الجارية على الذوات: من قبيل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وامثال ذلك، بل يجرى في كل لفظ موضوع بازاء مفهوم منتزع من الذوات، باعتبار عروض امر خارج عنها، مثل الزوج والعبد والحر وامثال ذلك، وان كان من الجوامد. فالنزاع في المقام راجع إلى ان الالفاظ الموضوعة بازاء المفاهيم المنتزعة من الذوات باعتبار الامور الخارجة عنها، هل هي موضوعة للمتلبس الفعلى بذلك العارض، أو لما يعمه وما انقضى عنه ذلك العارض، سواءأ كان من المشتقات ام من الجوامد. نعم الالفاظ الموضوعة ]

[ 68 ]

[ بازاء المفاهيم المنتزعة. من الذاتيات - من دون ملاحظة امر خارج عنها - ليست محلا للنزاع، إذ لا شبهة لاحد في أن لفظ الانسان والحجر والماء والنار وامثالها لا تطلق على ما كان كذلك، ثم انخلعت عنه تلك الصور النوعية. والدليل على ما ذكرنا من دخول مثل الزوج وامثاله في محل النزاع، ما عن الايضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان ارضعتا زوجته الصغيرة، قال: (تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين، وأما المرضعة الاخرى، ففى تحريمها خلاف، فاختار والدى المصنف وابن ادريس تحريمها، لان هذه يصدق عليها ام زوجته، لانه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه). وعن المسالك (في هذه المسألة ابتناء الحكم على الخلاف في مسألة المشتق). (الثاني) أنه اتفق اهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان، ومنه الصفات الجارية على الذوات، بخلاف الافعال، فقد اشتهر بينهم دلالتها على الزمان، حتى جعلوا الاقتران باحد الازمنة من اجزاء معرفها. والحق في المقام أن يقال: إن الامر والنهى لايد لان على الزمان اصلا [ 51 ] بداهة أن قول القائل اضرب لا يدل الا على ارادة وقوع الفعل من الفاعل إما في الان الحاضر أو المتأخر، فلا دلالة له على واحد منهما. نعم زمان الحال ظرف لانشاء المنشئ، كما أنه ظرف لاخبار المخبر في القضية الخبرية. وكذا الكلام في النهى. ] المشتق: [ 51 ] ولو قلنا بحمل اطلاقه على الزمان المتصل العرفي، لان ارادة المولى تقتضي اتيان الفعل من دون تقيد بالزمان، والعقل حاكم بأن المؤثر في شئ يؤثر أثره =

[ 69 ]

[ وأما الفعل الماضي، فالظاهر أن دلالته على مضى صدور الفعل عن الفاعل مما لا يقبل الانكار [ 52 ] والمقصود من المضى المضى بالنسبة إلى حال الاطلاق، حتى يشمل مثل يجئ زيد غدا، وقد ضرب غلامه في الساعة التى قبل مجيئه. ولا يخفى أن المعنى الذى ذكرناه غير اعتبار الزمان في الفعل، لان المضى قد ينسب إلى نفس الزمان ويقال مضى الزمان، فمن انكر اعتبار الزمان في الفعل الماضي ان كان مقصوده ما ذكرنا، فمرحبا بالوفاق. وان انكر دلالته على المضى الذى ذكرنا فالتبادر حجة عليه. ] = حين وجوده، كالعلة المؤثرة لايجاد المعلول الخارجي، نعم لو كان المطلق مقيدا بالزمان المتأخر فالارادة علة لايجاده متأخرا، هذا ولكنه غير كون الحال مدلول الهيئة. لا يقال: اللغات توقيفية، وانكار دلالة الفعل على الزمان اجتهاد في مقابل نص علماء العربية. لانه يقال: ان مرجعيتهم انما هي في تعيين معاني المواد وتخصيص بعض الهيئات ببعض المواد كفعل يفعل على مادة ع، ل، م مثلا أو غيرها. واما تعيين معاني هيئات المواد بعد العلم بأنها وضعت لما وضعت لها بالهيئات الفارسية فمرجعه وجداننا بما نحن من اهل الفن، فكل ما يتبادر من لفظ بزن في لغة الفرس نقطع بأنه معنى اضرب في لغة العرب، ولا نبالي بمخالفتنا في ذلك لعلماء اهل العربية. ونحن نرى بالوجدان أن لفظ بزن لا يدل الا على طلب الضرب، وأما في أي زمان فخارج عن مدلوله. [ 52 ] ليس المراد بيان دخل المضى أو الصدور في مدلوله حتى يقال: علم الله أو كان الله تجوز، بل المراد نفس دلالته على الزمان ودلالته على أصل التحقق، فان كان صدوريا زمانيا فلا محالة كان صادرا في الماضي، والا فلا، ولا يفهم منه الا أصل التحقق فمثل كان الله وأمثال ذلك ايضا حقيقة كما سيصرح به.

[ 70 ]

[ واما المضارع فقد اشتهر انه يدل على نسبة الفعل إلى الفاعل في زمان اعم من الحال والاستقبال [ 53 ] فان اريد من الحال الحال الذى يعتبر في مثل قائم وقاعد وامثالهما عند من اعتبره، فالوجد ان شاهد على خلافه، لظهور عدم صحة اطلاق قولك يقوم على من كان متلبسا بالقيام فعلا، وكذلك قولك يقعد على من كان متلبسا بالعقود. وأما إطلاق يصلى ويذكر ويقرأ ويتكلم وامثال ما ذكر على المتلبس بتلك المبادئ، فانما هو بملاحظة الاجزاء اللاحقة التى لم توجد بعد، كما انه يصح الاطلاق بنحو المضى بملاحظة الاجزاء الماضية السابقة. وكذا يصح التعبير بنحو الوصف نحو ذاكر ومصل وقارئ ومتكلم بلحاظ أن المجموع وجود واحد متلبس به فعلا. ] [ 53 ] لا يبعد أن يكون المضارع موضوعا لاظهار وقوع ما لم يكن واقعا قبل النسبة، ولازم الزماني وقوعه في الحال أو الاستقبال، فيكون في عدم الدلالة على الزمان بمدلوله كالماضي. وأما ما أفاده - دام بقاه - من عدم صدق يقوم ويجلس على المتلبس بهما في الحال كصدق القائم والجالس فلعله لكون الافعال موضوعة للمعاني الحدثية، والمعنى الحدثي فيهما نفس احداتهما وقد مضى عن المتلبس بهما فعلا، وأما بقاؤهما فيشبه الاوصاف ولا يعد من الافعال، ولذا لا يقال يقوم ويقعد حتى لاظهار القيام الواقع بعد هذا القيام ما لم تنثلم وحدته: نعم ابقاؤهما يعد من الافعال، ولذا يقال يبقى قيامه بلحاظ الحال والاستقبال إلى أن ينتهي، ومعنى يقعد إلى كذا أي يبقى قعوده إلى كذا. وأما الافعال التي توجد آنا فآنا ويعد وجودها في كل ان فعلا على حدة وان اطلق على مجموعها أيضا أنها فعل واحد مسامحة بنحو من الاعتبار، فتستعمل وتجري على المتلبس في الحال كالاستقبال بلا تأمل ولا اشكال، فهل ترى أن اطلاق يأكل ويشرب وينظر ويمشي ويركض ويضرب ويخيط ويغسل وينظف ويكتب وأمثال =

[ 71 ]

[ والحاصل ان اطلاق صيغ المضارع إنما يصح فيما إذا لم يكن الفاعل حين الاطلاق متلبسا بالفعل وان أراد من الحال الحال العرفي - أعنى الزمان المتصل بحال الاطلاق - فهو مرتبة من مراتب الاستقبال، وليس فعل المضارع دالا الا على الاستقبال. نعم لما لم يدل على مرتبة خاصة من الاستقبال، يصح اطلاقه على أي مرتبة منه، ولو اطلق الحال على هذه المرتبة من الاستقبال، يمكن اطلاقه على هذه المرتبة من الماضي ايضا، فهلا قيل بان فعل الماضي يدل على الماضي والحال. وكيفكان تحصل من جميع ما ذكرنا أن الماضي يدل على استناد المبدأ إلى الفاعل على نحو المضى بالنسبة إلى حال الاطلاق، والمضارع يدل على اسناده إليه حال الاطلاق ومما ذكرنا يعلم أن نسبة بعض الصيغ ] = ذلك إلى ما شاء الله من الافعال على المتلبس في الحال مجاز، أو يلاحظ فيها الاجزاء الآتية في الاستقبال ؟ كلا. وبذلك يعرف عدم احتياج صحة اطلاق يصلي ويذكر ويقرأ وامثال ذلك إلى لحاظ الاستقبال، وأيضا هل يصح أن يدعي أحد أن يعلم ويظن ويشك وأمثال ذلك لا يطلق على من يطلق عليه العالم بالفعل ؟ وهل ادعاء ذلك الا مخالفة لوجدانه إذا قال: أعلم و.. ؟ بل يمكن ادعاء انصراف امثال ذلك إلى خصوص الحال، ولذا يحتاج الاخبار بها عن الاستقبال إلى السين أو سوف وتقول: سيعلم أو سوف يعلم. فان قيل: ما الفرق بين بقاء العلم وأمثاله مع بقاء القيام والقعود ؟ وكيف لا يصح اطلاق يقوم لمن يبقى قيامه ويصح يعلم لمن يبقى علمه مع ان كالقيام يشبه الاوصاف ؟ قلت: الفرق أن بقاء العلم وأمثاله من أفعال القلوب ليس الا بتوجه النفس في كل آن كتوجهها حين حدوث الفعل أو الصفة المذكورة، ولذا يسند إليه في الآن الثاني كاسناده في الاول، بخلاف القيام فقد ذكرنا أنه لا يعد بقاؤه فعلا على حدة فافهم واغتنم.

[ 72 ]

[ الماضية إلى الباري جل ذكره من قبيل علم الله أو إلى نفس الزمان ليس فيه تجوزو تجريد فليتدبر. (الثالث) أن المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال الاطلاق والاجراء، لا حال النطق، ضرورة عدم تطرق التوهم إلى أن مثل (زيد كان ضاربا بالامس، أو يكون ضاربا غدا) مجاز وما قيل - من الاتفاق على ان مثل (زيد ضارب غدا) مجاز - لعله فيما إذا كان الغد قيدا للتلبس بالمبدأ، مع فعلية الاطلاق، لا فيما إذا كان ظرفا للاطلاق. وبالجملة لا ينبغى الاشكال في كون المشتق حقيقة فيما تلبس بالمبدأ في ظرف الحمل والاطلاق، وان كان ماضيا أو مستقبلا بالنسبة إلى زمان النطق. وإنما الاشكال في أنه هل يختص معناه بذلك أو يعمه وما انقضى عنه المبدأ في ظرف الحمل والاطلاق ؟ (الرابع) أن المشتقات الدالة على الحرفة والملكة والصنعة، كسائر المشتقات في مفاد الهيئة من دون تفاوت اصلا وصحة اطلاقها على من ليس متلبسا بالمبدأ فعلا بل كان متلبسا قبل ذلك، من دون اشكال، من جهة احد أمرين: إما استعمال اللفظ الدال على المبدأ في ملكة ذلك أو حرفته أو صنعته، وإما من جهة تنزيل الشخص منزلة المتصف بالمبدأ دائما، لا شتغاله به غالبا، بحيث يعد زمان فراغه كالعدم، أو لكونه ذاقوة قريبة بالفعل، بحيث يتمكن من تحصيله بسهولة، فيصح أن يدعى أنه واجد له. والظاهر هو الثاني. وعلى أي حال هيئة المشتق استعملت في المعنى الذى استعملت فيه في باقى الموارد. (الخامس) أنه لا اصل في المسألة يرجع إليه في تعيين المعنى الموضوع له، كما هو واضح، بل المتعين الرجوع إلى الاصل العملي، وهو يختلف باختلاف المقامات، فإذا وجب اكرام العالم في حال اتصافه

[ 73 ]

بالعلم ثم زالت عنه تلك الصفة، فمقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب، وإذا وجب في حال زوال تلك الصفة، فمقتضى الاصل البراءة عن التكليف. إذا عرفت ما ذكرنا فنقول اختلف في المسألة، وقيل فيها أقوال عديدة لا يهمنا ذكرها، خوفا من الاطالة. والحق انها موضوعة لمعنى يعتبر فيه التلبس الفعلى، ولا يطلق حقيقة الا على من كان متصفا بالمبدأ فعلا. والدليل على ذلك انك عرفت عدم اعتبار المضى والاستقبال والحال في معاني الاسماء وبعد ما فرضنا عدم اعتبار ما ذكر في مثل ضارب وامثاله من المشتقات، فلم تكن مفاهيمها الا ما اخذ من الذوات مع اعتبار تلبسها بالمبادئ الخاصة، إما على نحو التقييد والتركيب، وإما على نحو انتزاع المعنى، كما سيأتي. وعلى أي حال المعنى المتحقق بالذات والمبدأ - من دون اعتبار امر زائد - لا يصدق الاعلى الذات مع المبدأ لدخالة المبدأ في تحقق المعنى بنحو من الدخالة [ 54 ]. وبعبارة اخرى كما أن العناوين المأخوذة من الذاتيات لا تصدق الا على ما كان واجدا لها، كالانسان والحجر والماء والنار، كذلك العناوين التى تتحقق بواسطة عروض العوارض، إذ وجه عدم صدق ] [ 54 ] وذلك لان معنى المشتق إما عين المبدأ الملحوظ لا بشرط - كما هو ظاهر عبارة أهل المعقول - وإما مفهوم بسيط منتزع من الذات والمبدأ بنحو يصح حمله على الذات - كما فسر به كلام المعقوليين في الكفاية على الظاهر - وإما منتزع عن الذات بلحاظ قيام المبدأ بها، فيكون الفرق بينه وبين المبدأ الفرق بين الشئ وذى الشئ - كما في الفصول - وإما مركب من الذات والصفة بنحو يكون كل منهما جزءا لمعناه أو كان أحدهما قيدا له. أما على العينية فمعلوم أن المبدأ بأي نحو لوحظ لم يصدق الا على نفسه، مثلا: =

[ 74 ]

[... ] = مفهوم الضرب لم يصدق الا على الضرب، كمفاهيم سائر الالفاظ الموضوعة للاشياء، والمفروض أن الضارب عين الضرب الملحوظ لا بشرط، فما ليس بضرب فعلا لم يصدق عليه الضرب ولا الضارب. وأما على التركيب والانتزاع، فمن الواضح أن الواضع إذا لاحظ حقيقة مركبة عند التحليل من شيئين، وانتزع مفهوما واحدا منهما، ووضع له لفظا كالانسان الموضوع لما هو منحل عند العقل إلى الجنس والفصل، أو لاحظ الشيئين واحدا ووضع لهما لفظا على أن يكون كل منهما جزءا للموضوع له كاسماء الاعداد مثلا، فلا يصدق المفهوم المنتزع من الجزءين أو المركب منهما الا على ما كان واجدا للجزءين فعلا، وذلك واضح، والظاهر أن وضع اللفظ للمركب من شيئين أو المنتزع منهما سواء كان أحدهما موجودا أو غير موجود غير معقول وخلف، كوضع لوضع لفظ زيد مثلا لزيد سواء كان شخصه أو غيره أو لم يكن شئ أصلا. ان قلت: هذا إذا كان الموضوع مركبا أو منتزعا من جزءين فعليين، وأما لو كان مركبا من الذات والصفة سواء تحقق في الماضي أو الحال فلا مجال للاشكال كما هو واضح، وبذلك يمكن الجواب حتى على العينية، لانه وضع للمبدأ الملحوظ لا بشرط سواء تحقق في الماضي أو الحال. قلت: نعم، بناءا على ذلك يرتفع ما ذكرنا من الخلف، لكن يلزم أن يكون معنى المشتق مقترنا بأحد الزمانين كالاستقبال على زعم القوم، وقدأ جمع الكل على عدم دلالته على الزمان أصلا، وانما أوردنا ما أوردنا مبنيا على هذا الاصل المسلم المجمع عليه، ومعلوم أنه لو لم يلحظ في معناه الا ذات امركب منهما أو المنتزع منهما من دون لحاظ الزمان فلا مناص مما ذكرنا. ولا يخفى أن التقريب المذكور وان أغنانا عن التبادر، لكن الوجدان أيضا شاهد على تبادر المتلبس بالمبدأ وصحة السلب عمن انقضى عنه، فنقول لمن لم يتلبس فعلا بالضرب: ليس بضارب بلا عناية واعتبار وان كان ضاربا قبل، وصحة سلب ذلك بلا عناية دليل على كون التبادر مستندا إلى حاق اللفظ. =

[ 75 ]

[ العناوين المأخوذة من الذاتيات - الاعلى ما كان واجدا لها - انها لم تؤخذ الا من الوجودات الخاصة من جهة كيفياتها الفعلية، من دون اعتبار المضى والاستقبال، والا كان من الممكن ان يوضع لفظ الانسان لمفهوم يصدق حتى بعد صيرورته ترابا، كأن يوضع لمن كان له الحيوانية والنطق في زمان ما مثلا، أو يوضع لفظ الماء لما كان جسما سيالا في زمن ما. والحاصل أن العناوين المأخوذة من الموجودات - بملاحظة بعض الخصوصيات إذا لم يلاحظ شئ زائد عليها - لا تطلق الا على تلك الموجودات، مع تلك الخصوصيات، سواء كانت تلك الخصوصيات من ذاتيات الشئ أو من العوارض. ولعل هذا بمكان من الوضوح. ولعمري إن ملاحظة ما ذكرنا في المقام تكفى المتأمل. حجة من ذهب إلى ان المشتق موضوع للاعم من المتلبس ومن انقضى عنه المبدأ امور مذكورة في الكتب المفصلة. والجواب عنها يظهر لك بادنى تأمل ومن جملتها استدلال الامام عليه السلام بقول تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) على عدم لياقة من عبدالصنم لمنصب الامامة تعريضا بمن تصدى لها بعد عبادته الاوثان مدة. ومن المعلوم أن صحة الاستدلال المذكور تتوقف على كون المشتق موضوعا للاعم، إذ الظاهر أن حال الاطلاق ] وأما ما استند إليه في الكفاية للاستناد المذكور ودفع احتمال كونه مستندا إلى كثرة الاستعمال من قوله: قلت:.. الخ فالظاهر أنه لا يتم الا بأخذ الانقضاء في قوله: لكثرة الاستعمال في موارد الانقضاء لو لم يكن بأكثر.. على الانقضاء من زمان النطق، حتى يصح ترديد الامر بين المجاز والحقيقة بلحاظ حال النسبة على ما يذكر بعد في دفع الشبهة الثانية، إذ لو كان المقطوع كثرة استعماله في موارد الانقضاء من زمان النسبة لم يكن لا حتمال اطلاقه بلحاظ حال النسبة وجه، وعلى ذلك لم ترتفع شبهة المورد من احتمال استناد تبادر المتلبس إلى كثرة الاستعمال فيه. في موارد الانقضاء من زمان النسبة فالاولى في الجواب ما ذكرنا.

[ 76 ]

[ متحد مع حال عدم نيل العهد [ 55 ] فلو لم يكن حقيقة فيما يصح اطلاقه حال الانقضاء، لما صح التمسك بالاية، لعدم قابلية الجماعة المعهودين الذين تصدوا الامامة. والجواب ان الظلم على قسمين قسم له دوام واستمرار مثل الكفر والشرك، وقسم ليس له الا وجود آنى من قبيل الضرب والقتل وامثال ذلك، وهو بمقتضى الاطلاق - بكلا قسميه - موضوع للقضية، والحكم المرتب على ذلك الموضوع امر له استمرار، إذ لا معنى لعدم نيل الخلافة في الآن العقلي، فإذا جعل الموضوع الذى ليس له الا وجود آنى موضوعا لامر مستمر، يعلم ان الموضوع لذلك الامر ليس الا نفس ذلك الوجود الانى، وليس لبقائه ذخل، إذ لا بقاء له بمقتضى الفرض. فمقتضى الآية - والله اعلم - ان من تصدى للظلم في زمن، غير قابل لمنصب الامامة، وإن انقضى عنه الظلم. ولا يتفاوت في حمل الاية ] [ 55 ] هذا الظهور مع قطع النظر عن القرينة الصارفة لا اشكال فيه، مثل: لا يجوز الاقتداء بالفاسق فانه ظاهر في عدم جواز الاقتداء في حال فسقه لا بعده، ولذا لو قيل في رد الاستدلال بامكان اطلاق الظالم بلحاظ حال التلبس حتى يكون معنى الآية: من كان ظالما ولوآنا ما في الزمان السابق لا يناله عهدي ابدا لا يصح لانه خلاف ذلك الظاهر، كما أن القول بأن عظم شأن الولاية قرينة على خلاف ذلك الظاهر، أو على ارادة المجاز من الظالم مخالف لمقام الاستدلال في قبال من لا يقول بذلك ولا يتعبد بقول المعصوم بما يتعبد به الشيعة. فالظاهر أن ما في المتن أسلم، لآن آنية المبدأ ولو في بعض أقسامه مما لا مجوز لخروجه عن الموضوع قرينة واضحة على عدم اتحاد زمان الحكم والتلبس، كاقتل القاتل واجلد الزاني واقطع يد السارق، فتلك القرينة كاشفة عن المراد، سواء كان حقيقة أو مجازا، كان المشتق للاعم أو لخصوص المتلبس. =

[ 77 ]

[ الشريفة على المعنى الذى ذكرنا، بين أن نقول بان المشتق حقيقة في الاخص، أو في الاعم، إذ الحكم المذكور في القضية ليس قابلا لان يترتب إلا على من انقضى عنه المبدأ، فاختلاف المبنى في المشتق لا يوجب اختلاف معنى الآية، فلا يصير احتجاج الامام عليه السلام بها دليلا لا حدى الطائفتين، كما لا يخفى. بساطة مفهوم المشتق أو تركبه (تتمة) هل المشتقات موضوعة لمفاهيم بسيطة تنطبق على الذوات، أو هي موضوعة للمعانى المركبة ؟ وعلى الاول هل يكون ذلك المفهوم البسيط الذى فرضناه معنى للمشتق قابلا للانحلال إلى أجزاء أو لا يكون كذلك ؟ قد يقال إنها موضوعة للمعانى البسيطة التى لا يكون لها جزء حتى ] = هذا كله على تقدير كون الامام عليه السلام في مقام الاستدلال بظاهر الآية، لكن الناظر في أخبار الباب يجدها بكثرتها صادرة عن النبي والائمة صلى الله عليه وعليهم أجمعين في بيان المراد الواقعي لا الاستدلال بظاهرها، ويكفيك شاهدا قول النبي صلى الله عليه وآله ناقلا عن ابراهيم عليه السلام قال: ومن الظالم من ولدي الذى لا ينال عهدك ؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله اماما ابدا ولا يصلح ان يكون اماما 1. والحاصل: ان الجميع ظاهر في كشف المراد الواقعي الذي لا يفهمه غير من خوطب به، سواء فهم من الظاهر أم لا، وعلى ذلك يسقط الاستدلال ويقل القيل والقال، ومع ذلك فعليك بمراجعتها لعلك تعثر على ما لم اعثر عليه، أو تفهم منها ما فهموا رضوان الله عليهم.


(1) عوالي اللئالي 3 / 85 (*)

[ 78 ]

[ عند التحليل، نظرا إلى ما يستفاد مما نقل عن اهل المعقول من أن الفرق بين المشتق ومبدأه هو الفرق بين الشيئ لا بشرط والشيئ بشرط لا [ 56 ] وظاهر هذا الكلام بل صريحه أن المشتق والمبدأ يشتركان في اصل المعنى، ويختلفان بملاحظة الاعتبار. وتحقيق المقام هو ان الاعراص وإن كان لها وجود، ولكن ليس وجودها الا مند كافى وجود المحل، بحيث يعد من اطوار المحل وكيفياته وهذا النحو من الوجود التبعى الاندكاكى قابل لان يلا حظ في الذهن على قسمين (تارة) يلاحظ على نحو يحكى عن الوجود التبعى المندك في الغير، وهو المراد من قولهم: (ملاحظته على نحو اللابشرط) و (اخرى) يلاحظ على نحو الاستقلال ويتصور بحياله في قبال وجود المحل، ] بساطة مفهوم المشتق أو تركبه ؟: [ 56 ] ظاهر كلام أهل المعقول ما استظهره في المتن من أن الفرق بين المشتق ومبدإه ليس الا باللحاظ والاعتبار، وان الحقيقة فيهما واحدة، وأن المشتق عين المبدأ الملحوظ لا بشرط، وبذلك الظاهر أخذ الفصول، وأورد عليه ما أورد من عدم صحة حمل العلم والحركة على الذات وان لوحظا لا بشرط، والظاهر أن عدم صحة الحمل المذكور بديهي يصدقه الوجدان، ومعه لا حاجة إلى تكلف البرهان. ودفع الاشكال المذكور في الكفاية بتوجيه الكلام المزبور بأن: المقصود من بشرط لا ولا بشرط اباء الحمل على الذات وعدمه، فيكون المشتق موضوعا لمفهوم لا يأبى عن الحمل على الذات، بخلاف المبدأ واصل ذلك المعنى وان كان صحيحا لا مناص منه، حيث أن المبدأ آب عن الحمل على الذات والمشتق يحمل عليه بالوجدان، لكن اسناده إلى أهل المعقول لا يخلو من تأمل، لعدم ملائمة كلماتهم لذلك، مع عدم كونه شيئا دقيقا يسند إليهم بما هم أهل المعقول، لان كل مدرك للمشتق يدرك صحة الحمل. =

[ 79 ]

[... ] = والاستاذ دام بقاه لما رأى ذلك خلاف شأنهم وكلماتهم وكون المعنى الاول خلاف الوجدان وجه كلامهم بما في المتن، وهو وان كان أيضا مخالفا لظاهر كلمات الاكثر منهم لكنه موافق لما نقل عن بعض أهل الفن، ويكون معنى اللا بشرط على هذا: ان الذهن إذا توجه إلى المبدأ الخارجي بلا زيادة شرط عليه ولا تصرف فيه فلا يراه شيئا في قبال الذات، بل لا يرى غير الذات، والمبدأ من اطواره وكيفياته، لان تصور كيف الشئ بنحوه الكيفي لا يمكن الا بتصور ذات المكيف، كما مر نظيره في المعنى الحرفي من أن تصوره بمعناه الحرفي غير ممكن الا بتصور السير المتكيف بكون ابتدائه البصرة مثلا، ومعلوم أن العرض في هذا اللحاظ لم يكن شيئا في قبال المعروض، بل من مراتب ظهوره وحد وجوده وتشخصاته، وهذا الملحوظ الكذائي يكون موضوعا له للمشتق: وكذلك ملاحظة القطرة المندكة في البحر بنحو اندكاكها لا يمكن اللا بملاحظة البحر، وحينئذ لا يرى اللاحظ غير وجود البحر شيئا، فيكون لحاظ العرض لا بشرط عين لحاظ المعروض، ولحاظ الجزء لا بشرط عين لحاظ الكل. وهذا المفهوم الذى يحمل عليه العرضية والجزئية مفهوم بشرط لا يشار به إلى حقيقتها، كمفهوم الابتداء المندك الذى يشار به إلى المعنى الحرفي مع كونه في نفسه مفهوما اسميا، ومعنى بشرط لا أن يتوجه إليه الذهن بشرط عدم الا ندكاك، لا بمعنى انفكاكه عن المحل، بل بمعنى تصوره شيئا في قبال المحل وان كان موجودا بوجوده وهذا الملحوظ الكذائي يكون موضوعا له للمبدأ وللفظ الجزء، وبهذا المعنى يقال للاول انه عرض غير المحل، وللثاني انه مقدمة للكل، بخلاف اللحاظ الاول، فان الاول عليه عين المحل والثاني عين الكل، ولذا يصح الحمل. لكن الانصاف: ان هذين اللحاظين وان كانا حقا في العرض والجزء، ويكون العرض في اللحاظ الاول متحدا مع المعروض، وكذلك الجزء مع الكل، الا أن ذلك الاتحاد غير مفيد في صحة الحمل، لان معنى الاتحاد المذكور ان العرض لم يكن موجودا بوجود منفك عن المعروض محدود بحدود خاصة، وكذلك الجزء لم يكن له وجود منحاز في قبال الكل حتى يلزم فعلا وجود اجزاء لا تتجزا مثلا عند وجود =

[ 80 ]

[ وهو المراد من قولهم: (ملاحظته على نحو بشرط لا) فإذا لوحظ على النحو الاول، يكون عين المحل، لانه من كيفيات وجود المحل واطواره، وليس وجودا مستقلا في قباله وإذا لوحظ على النحو الثاني، فهو وجود مستقل في قبال المحل. وعلى النحو الاول يصح أن يقال باتحاده مع المحل، وهو مفاد هيئة المشتق، كضارب وقاتل وقاعد وامثالها مما يحمل على الذوات. وعلى النحو الثاني هو مفاد الالفاظ الدالة على المواد كضرب وقعود ونحوهما. ونظير ما ذكرنا هنا من الاعتبارين ذكروا في اجزاء المركب من انها - بملاحظتها لا بشرط - عين الكل، وبملاحظتها بشرط لا غيره ومقدمة لوجوده. والانصاف أن الاتحاد المستفاد من هيئة المشتقات مع الذوات غير الاتحاد الملحوظ في العرض، باعتبار قيامه بالمحل، فان معنى اتحاد العرض مع المحل عدم كونه محدودا بحد مستقل، لانه متحد بحيث لم يكن له ميز بنحو من الانحاء، كيف وقد يشار إلى العرض في حال قيامه بالمحل في الخارج، ويحكم عليه بحكم يخصه ولا يعم المحل [ 57 ] كقولك ] = الكل، ومع ذلك تمتاز حقيقة العرض عن المعروض وحقيقة الجزء عن الكل، بحيث يمكن أن يشار إلى حقيقة العرض، ويقال انها غير المعروض، والى حقيقة الجزء ويقال انها غير الكل، ويحمل عليهما غير ما يحمل على المعروض ومع العلم بالحقيقة. وبالاختلاف الواقعي لا يجوز الحمل والكل، وبالعكس، وهذا بخلاف المشتق، فان المستفاد منه ما لا ميز له مع الذات واقعا ويحمل عليه ما يحمل على الذات وبالعكس، ويحمل على الذات بنحو الاتحاد والهوهوية ولذا قال - دام ظله والانصاف ان الاتحاد المستفاد من هيئة.. [ 57 ] المقصود: ان العرض بوصف اتحاده مع المعروض في الوجوده وفي هذا اللحاظ يحمل عليه غير ما يحمل على المعروض، فلا يقاس بالكلية والجزئية العارضتان على الانسان وزيد، مع صحة الحمل فيهما كى يقال: مجرد اختلاف المحمول لا يدل على =

[ 81 ]

[ - مشيرا إلى السواد القائم بجسم - بان هذا لون. والحاصل ان هذا الاتحاد نظير اتحاد اجزاء المركب، فان معنى اتحادها أنها محدودة بحد واحد، وان كان كل منها ممتازا عن الاخر من وجوه اخر، بل يمكن أن يكون كل منها معروضا لعرض مضاد لعرض الاخر. والمعنى المستفاد - من لفظ ضارب مثلا الذى يحمل على الذات في الخارج - هو معنى يتحد مع الذات، بحيث لا يكون بينهما ميز في الخارج بوجه. ولعل هذا واضح بعد أدنى تأمل. وتظهر الثمرة بين هذا المعنى الذى ادعيناه للفظ المشتقات، وبين ما يقوله اهل المعقول أنه لو قال الامر جئني بالضارب، ولا تجئنى بالقاعد، فلا بد من تعيين أحد الخطابين في مورد الاجتماع، بناءا على عدم جواز اجتماع الامر والنهى وبناءا على ما ذكرنا للمشتق من المدلول، فان معنى القائم والضارب انطبقا في الخارج ] = الاثنينية ولا يوجب عدم الحمل، حيث أن القياس مع الفارق، لان الكلية لا تعرض الانسان الا في لحاظ التجرد عن جميع القيود حتى قيد التجرد، وأما في لحاظ اتحاده مع زيد فلا يحمل عليه الا ما يحمل على زيد من الجزئية، ولعمري أن الفرق بينهما واضح. لا يقال: ان حمل لون على السواد المتحد مع الجسسم ايضا لا يكون الا بعد لحاظ بشرط لا، وأما في لحاظه لا بشرط فغير قابل لحمل الشئ عليه، لانه كما فصل في الحاشية السابقة ليس شيئا مستقلا في اللحاظ يقبل الحمل، بل من أطوار الملحوظ وكيفياته كالمعنى الحرفي. لانا نقول: نعم وان كان المعنى المذكور غير قابل للحمل عليه مستقلا، لكن قد مرت الاشارة إلى امكان أن يشار إلى حقيقته بذلك المفهوم المستقل الملحوظ بشرط لا، ويخبر عنه بما يختص به، دون المعروض ولو مع لحاظه بوجوده الكيفي. ومعلوم أن الاختلاف المذكور كاشف عن عدم اتحادهما حقيقة بنحو مصحح للحمل، فان محمول أحد المتحدين كذلك لا ينفك عن الآخر في ذلك اللحاظ.

[ 82 ]

[ على الوجود الشخصي. وأما على ما ذكره اهل المعقول فلا تنافي بينهما، لان مورد الامر هو الهيئة الخاصة المرتبطة بالمحل، ومورد النهى هيئة اخرى كذلك ونفس المحل خارج عن مورد الامر والنهى. والحاصل ان مقتضى ما ذكرنا أن مفهوم المشتق هو مفهوم آخر مباين لمفهوم المبدأ، لا أنهما متحدان ذاتا مختلفان بالاعتبار. وهل يكون هذا المفهوم مركبا من الذات وغيرها، كما اشتهر في السنتهم: من أن معنى الضارب مثلا ذات ثبت لها الضرب، وكذا باقى المشتقات، أو لا يكون كذلك بل هو مفهوم واحد من دون اعتبار تركيب فيه، وإن جاز التحليل في مقام شرح المفهوم، كما يصح أن يقال في مقام شرح مفهوم الحجر أنه شئ أو ذات ثبت لها الحجرية ؟ الحق هو الثاني [ 58 ] لانا بعد المراجعة إلى انفسنا، لا نفهم من لفظ ضارب مثلا إلا معنى يعبر عنه بالفارسية (بزننده) وبعبارة اخرى (داراى ضرب) ولا اشكال في وحدة هذا المفهوم الذى ذكرنا، وان جاز في مقام الشرح ان يقال شيئ أو ذات ثبت لها الضرب. وليس في باب ] [ 58 ] الظاهر أن العقل كما ينتزع من ذوات أفراد الانسان مع قطع النظر عن خصوصية فيها مثلا جامعا بسيطا هو قدر مشترك بين جميع أفراده، ويحكم بأنه شئ في قبال الافراد الخارجية، بل يحكم بأنه انسان، والخارجيات افراده، بمعنى أنه يحمل عليه الانسان بالحمل الاولي، وعلى الافراد بالحمل الشايع الصناعي، كذلك يمكن أن ينتزع من أفراد الانسان فظ حال اتصافها بصفة كالضحك مثلا جامعا بسيطا هو قدر مشترك بينها، مع وصف كونها واجدة لتلك الصفة، ويعده شيئا في قبال الافراد الخارجية، ويحكم بأن الخارجيات أفراده، ويحمله عليها بالحمل الشايع الصناعي، وكما وضع لفظ الانسان للجامع المنتزع من افراده الخارجية، كذلك لفظة ضاحك مثلا وضعت للجامع بين =

[ 83 ]

[... ] = افرادها المنتزع منها، وكما أن انحلال الاول عند العقل إلى الجنس والفصل، أو إلى شئ له الانسانية مثلا لا يضر ببساطته، كذلك انحلال الثاني إلى ذات لها الصفة. فالموضوع له في المشتقات هو المنتزع من بين مصاديق الذات والاشياء، بلحاظ كونها واجدة لصفة، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أو عرضية، من قبيل الافعال أم غيرها، اعتبارية كانت أم متأصلة، بل كانت تلك الصفة عين الذات أم غيرها كما تأتى الاشارة إليه ان شاء الله تعالى. وحينئذ تحمل المشتقات على مصاديق الذوات المتلبسة بالمبدأ حمل المفهوم على المصداق، كحمل الانسان على افراده، بلا حاجة إلى شئ غير الموضوع والمحمول. ولا فرق من حيث صحة الحمل بين (زيد انسان) و (زيد ضارب)، والفرق بين كلى المشتق والجامد هو أن الثاني وضع للمنتزع من نفس الذوات، بلا ملاحظة صفة فيها، بخلاف الاول فانه لوحظ فيه كونها واجدة للصفة كما ذكرنا. ولا يتوهم ان منشأ اشكال السيد الشريف، كون الذات مأخوذة في المشتق، ولا فرق في ذلك بين كون الموضوع له مركبا أو بسيطا. وقد جعلت الذات دخيلة في حقيقة الموضوع، فيأتي السؤال المذكور. لانه يدفع بأنه لو سئل أن الموضوع له في الانسان هل هو مفهوم الحيوان الناطق، أو مصداقه ؟ اجيب: بأنه ليس شيئا منهما، بل الموضوع له مهفوم منتزع من افراد، حقيقتها ينحل إلى كذا، كما لو سئل أن الموضوع له في المشتقات هل هو مفهوم الذات أو مصداقه ؟ وقد علم من ذلك امران: (احدهما) أن ملاك الحمل هو الاتحاد الحقيقي والهوهوية، بنحو لا يبقى ميزبين الموضوع والمحمول في ذلك النظر، ولا يمكن حمل محمولين مختلفين عليهما كما ذكر في العرض والمعروض والاجزاء مع المركب فما في الفصول من وجه صحة حمل المتغايرين بالحقيقة، والمتحدين بالاعتبار باعتبار مجموعهما شيئا واحدا، وصحة الحمل في هذا اللحاظ =

[ 84 ]

[ فهم معاني الالفاظ شيئ امتن من الرجوع إلى الوجدان. وقد استدل على اعتبار الذات في مفهوم المشتق بما لا يخلو عن اشكال. قال السيد الشريف - في وجه عدم اعتبار الذات في مفهوم المشتقات على ما. حكى عنه - انها لو كانت ماخوذة فيها بمفومها، لزم دخول العرض العام في الفصل، فان لفظ الناظق - الذى يؤتى به في مقام ذكر فصل الانسان - من المشتقات، فلو اعتبر فيه مفهوم الذات، لزم ما ذكر من دخول العرض العام في الفصل، ولو كانت معتبرة بمصداقها، لزم انقلاب مادة الامكان الخاص ضرورة، فان الشئ الذى له الضحك هو ] = لا يستقيم، لان اللحاظ المذكور يستلزم لحاظ الجزئية والكلية. وقد عرفت عدم صحة حمل الكل على الكل في اي لحاظ، وان اتحادهما غير الاتحاد المصحح للحمل. واما ما ذكر في النفس والبدن بقوله: (فان الانسان مركب في الخارج حقيقة من بدن ونفس، لكن اللفظ انما وضع بازاء المجموع من حيث كونه شيئا واحدا ولو بالاعتبار، فان اخذ الجزء ان بشرط لا كما هو مفاد لفظ البدن والنفس امتنع حمل احدهما على الآخر، وحملهما على الانسان، لانتفاء الاتحاد بينهما) فانه ايضا غير مستقيم، لانه مع لحاظ البشرط لائية لا يصح حمل العرض المحمول على البدن كالطول والعرض على النفس. (ثانيهما) ان عينية الصفات مع الذات في وجوده تبارك وتعالى لا ينافي اطلاق المشتقات عليه تبارك وتعالى، وذلك لما مرت الاشارة إليه من كون المشتقات موضوعة للذات مع وصف كونها واجدة للصفة، وأما كون تلك الصفة عينها أو زائدة عليها، فلم يشترط فيه شئ منها. فالفرق بين لفظة الجلالة والمشتقات الجارية عليه جل وعلا هو أن الاولى حاكية عن نفس الذات، من غير نظر إلى كونها واجدة لتلك الصفات بوجدان نفسها، وان كانت حقيقة مستجمعة لجميعها، وأما الثانية، فانها كما مر حاكية عنها مع لحاظ كونها واجدة لها. واما كونه عين الذات فيه عزوجل وغيرها في غيره، فخارج عن مدلولها. =

[ 85 ]

الانسان، وثبوت الشئ لنفسه ضروري. هذا ملخص ما افاده. وفيه امكان اختيار الشق الاول، والالتزام بأن ما هو مفهوم لفظ الناطق ليس بفصل حقيقة، إما بتجريد المفهوم عن الذات، ثم جعله فصلا للانسان وإما بأن ما هو فصل حقيقة غير معلوم وإنما جعل هذا مكان الفصل. لكونه من خواص الانسان، فعلى هذا لا بأس باخذ مفهوم الشئ مجردا عن الوصف، بل هو مقيد بالوصف وعليه فلا يلزم انقلاب مادة الامكان الخاص ضرورة، ضرورة أن كون زيد زيدا المتصف بالضرب ليس ضروريا، غاية ما يمكن ان يقال في توجيه هذا الكلام أن القضايا المشتملة على الاوصاف تدل على الاخبار بوقوع تلك الاوصاف، وإن لم تكن الاوصاف المذكورة محمولة في القضية مثلا لو قلت اكرمت اليوم زيدا العالم تدل القضية على حكايتين: (احداهما) حكاية أن زيدا عالم و (الاخرى) حكاية إكرامك اياه. وعلى هذا فقولك: زيد ضارب لو كان معناه زيد زيد المتصف بالضرب، فيدل هذا القول على اخبار اتصاف زيد بالضرب، وعلى أن زيدا المتصف بالضرب زيد. ولا اشكال في أن الاخبار الثاني بديهى، وان كان الاول ليس كذلك فالقضية بناءا على هذا تشتمل على قضية ضرورية، وقضية ممكنة، مع أنه لا شبهة لاحد في أن قولنا زيد ضارب لا يفيد امرا ضروريا. وفيه ان اشتمال القضية المشتملة على الاوصاف على حكايتها انما هو بانحلال النسبة التامة الموجودة فيها، لا انها مركبة من قضيتين أو قضايا، وتلك النسبة الواحدة ينظر فيها، فان كانت مثبتة لامر ضروري، ] = وبعبارة أخرى: المغايرة المعتبرة بين الذات والمبدأ هي المغايرة المفهومية للمصداقية.

[ 86 ]

[ تعد القضية من الضرورية، وان كانت مثبتة لامر ممكن، تعد من الممكنة ولا شبهة في أن النسبة التامة الواقعة بين الذات المقيدة بقيد ممكن، والذات المجردة لا تحكى امرا ضروريا وهذا واضح. (فائدة) لا اشكال في الفاظ المشتقات الجارية عليه سبحانه، ولا حاجة إلى ارتكاب النقل أو التجوز فيها، بملاحظة أن المعتبر في معنى المشتق ذات ثبت لها المبدأ، فلا يتمشى في صفاته تعالى، بناءا على المذهب الحق من عينيتها مع ذاته سبحانه. وجه عدم الاشكال انه كما أن الذهن يلاحظ القطرة تارة بحد ماء الحوض مثلا، واخرى بحد مستقل وفي كل منهما يعتبر الملحوظ امرا خارجيا، كذلك لا مانع في صفاته تعالى من أن يعتبر الذهن ذاتا ومبدأا وعروضا للثاني على الاول، وينتزع من الذات المعروضة مفهوما يعبر عنه بالمشتق، ومن المبدأ العارض مفهوما آخر يعبر عنه بالمبدأ ولا ينافى ذلك اعتقاد العينية، كما ان ملاحظة القطرة بحد الاستقلال، لا ينافى اعتقاد عينيتها مع ماء الحوض ومن هنا تظهر الخدشة فيما تفصى به في الكفاية عن الاشكال، من كفاية التعدد المفهومى بين الذات والمبدأ مع وجود العينية الخارجية في صحة الحمل، فان هذا المعنى موجود بعينه في مبدأ المشتقات المذكورة مع ذاته سبحانه، مع عدم صحة الحمل. هنا تمت المقدمات فلنشرع في المقاصد:

[ 87 ]

(المقصد الاول - في الاوامر) وتمام الكلام فيه في طى فصول: (الفصل الاول) (في تحقيق معنى صيغة افعل) (وما في معناها وتميز معناها عن معنى الجملة الخبرية) فنقول: قد يقال في الفرقق بينهما: أن الجمل الخبرية موضوعة للحكاية عن مداليلها في نفس الامر وفي ظرف ثبوتها، سواء كان المحكى بها مما كان موطنه في الخارج، كقيام زيد أم كان موطنه من النفس، كعلمه. والمستفاد من هيئة افعل ليس حكاية عن تحقق الطللب في موطنه، بل هو معنى يوجد بنفس القول، بعد ما لم يكن قبل هذا القول له عين ولا اثر. وقيل في توضيح ذلك ان مفهوم الطلب له مصداق واقعى يوجد في النفس، ويحمل عليه ذلك المفهوم بالحمل الشايع الصناعي، وله مصداق اعتباري، وهو أن يقصد المتكلم - بقوله اضرب - ايقاعه بهذا الكلام. وهو نحو من الوجود، وربما يكون منشأ لانتزاع اعتبار مرتب عليه شرعا وعرفا آثار، وهكذا الحال في سائر الالفاظ الدالة على المعاني

[ 88 ]

الانشائية، كليت ولعل وامثال ذلك. والحاصل - في الفرق بين الجمل الخبرية والانشائية على ما ذهب إليه بعض - ان مداليل تلك الالفاظ توجد بنفس تلك الالفاظ اعتبارا، ولا يعتبر في تحقق مداليلها سوى قصد وقوعها بتلك الالفاظ، سواء كان مع تلك المداليل ما يعد مصداقا واقعيا وفردا حقيقيا ام لا. نعم الغالب كون انشاء تلك المداليل ملازما للمصاديق الواقعية، بمعنى ان الغالب أن المريد لضرب زيد واقعا يبعث المخاطب نحوه، وكذا المتمنى واقعا، وكذا المترجى كذا يتكلم بكلمة ليت ولعل. هذا ولى فيما ذكر نظر أما كون الجمل الخبرية موضوعة لان تحكى عن مداليلها في موطنها، ففيه ان مجرد حكاية اللفظ عن المعنى في الموطن لا يوجب اطلاق الجمل الخبرية عليه ولا يصير بذلك قابلا للصدق والكذب [ 59 ] فان قولنا قيام زيد في الخارج يحكى عن معنى قيام زيد ] (الاوامر) [ 59 ] المستفاد من المحقق الخراساني (ره) كون معنى الهيئة في الجمل الخبرية هو النسبة الثابتة المتحققة بين الموضوع والمحمول في موطنه خارجا، كما في (زيد قائم) أو ذهنا، كما في (الانسان كلى)، وحيث أن الواضع اشترط على المستعملين جعل الالفاظ حاكية عن ثبوت معانيها، بخلاف الهيئة الانشائية، كما سيأتي، فانها تحكى عن ثبوت النسبة في موطنه. فاستشكل عليه الاستاذ - دام بقاه - بأن مجرد حكاية اللفظ عن المعنى - يعنى مجرد حكاية اللفظ عن النسبة التي هي معناه - لا يكون مناطا للخبرية، ولا موجبا لصحة اطلاق اسم الخبر عليه، والا لزم أن تكون جملة (قيام زيد) ونظائرها أيضا خبرا، لان هيئتها تحكي عن النسبة بين زيد والقيام، من حيث أنها معناها، وشأن اللفظ الحكاية عن المعنى، ومعلوم أنها ليست بخبر، إذ لا تحتمل الصدق =

[ 89 ]

[ في الخارج، ضرورة كونه معنى اللفظ المذكور، واللفظ يحكى عن معناه بالضرورة ومع ذلك لا يكون جملة خبرية فالتحقيق انه لا بد من اعتبار امر ] = والكذب. (لا يقال): إن القياس مع الفارق، حيث أنها تحكي عن النسبة الناقصة، بخلاف الجمة الخبرية، فانها تحكى عن النسبة التامة. (لانا نقول): نعم، ولكن لو كان المعنى والموضوع له في الاخبار مجرد النسبة الواقعية، فلم صارت الاولى ناقصة والثانية تامة، مع أن كلتيهما حاكيتان عنها ؟ (لا يقال): إن الاولى تحكي عن النسبة التقييدية، بنحو الاخبار عن النسبة بين الموضوع الملحوظ شيئا مستقلا في قبال المحمول قبل النسبة. والمحمول كذلك، بخلاف الثانية فانها تحكى عن النسبة بينهما كذلك. (لانه يقال): فما تقول في قول القائل (زيد - المتصف بالقيام - شيئ) في قبال القيام الذى هو صفة له، والقيام الموصوف به زيد شيئ في قبال زيد المتصف به، فانه يحكي عما ذكر بعينه. ومع ذلك ليس بخبر ؟ فبذلك يستكشف أن معنى الهيئة الخبرية غير مجرد النسبة الثابتة في موطنه. (اقول): مبنى الاشكال هو أن يستفاد من كلامه (ره) أن معنى الهيئة ذات النسبة الواقعية القابلة لحمل (موجودة) أو (معدومة) عليها، كما في جملة (قيام زيد) وحينئذ فلا محيص عما ذكر من الاشكال. ولكن الظاهر أن معنى الاخبار - كما صرح به في غير مورد هو ثبوت النسبة، بنحو، تكون آبية عن حمل (موجودة) أو (معدومة) عليها. وهذا هو الفارق بين المعاني المفردة والجمل الخبرية، بمعنى أن الواضع اشترط في الاخبار جعل الهيئة حاكية عن ثبوت النسبة، لانفسها. وأما المفردات فهي حاكية عن ذات الموضوع له لا ثبوتها، وكذلك هيئة (قيام زيد) وأمثالها، فانها لا تحكي عن الثبوت بل عن أصل النسبة.

[ 90 ]

[ زائد على ما ذكر، حتى تصير الجملة به جملة يصح السكوت عندها [ 60 ] وهو وجود النسبة التامة. ولا شبهة في أن النسب المتحققة في الخارج ليست على قسمين، قسم منها (تامة) وقسم منها (ناقصة) بل النقص والتمام إنما هما باعتبار الذهن، فكل نسبة ليس فيها الا مجرد التصور، تسمى نسبة ناقصة، وكل نسبة تشتمل على الاذعان بالوقوع، تسمى نسبة تامة. ثم إن الاذعان بالوقوع المأخوذ في الجمل الخبرية، ليس هو العلم الواقعي بوقوع النسبة، ضرورة أنه قد يخبر المتكلم وهو شاك، بل قد يخبر وهو عالم بعدم الوقوع، بل المراد منه هو عقد القلب على الوقوع جعلا، على نحو لا يكون القاطع معتقدا. وكان سيدنا الاستاذ (نور الله ضريحه) يعبر عن هذا المعنى بالتجزم. ] [ 60 ] توضيح ذلك يحتاج إلى مقدمات: (الاولى) أنه لا اشكال في أن المتبادر من هيئة الجملة الخبرية (كزيد قائم) النسبة التامة، والمتبادر من الجملة التقييدية (كزيد القائم) و (قيام زيد) النسبة الناقصة. (الثانية): أنه لا اشكال في أن النسب الواقعية، والارتباطات النفس الامرية، كارتباط القيام بزيد في الخارج - بنحو يوجب صحة حمل القائم عليه - لا يطرأ عليها التمامية والنقصان، باختلاف القضايا الحاكية عنها، بل التمامية والنقصان صفتان للموجود في الذهن في القضيتين. (الثالثة): أنه لا اشكال في أن كلتا القضيتين مشتركتان في الحكاية عن النسبة الواقعية في موطنها. إذا عرفت هذه، تعرف أن مجرد النسبة الخارجية - المحكية للجملة الخبرية بحكم المقدمة الثالثة - ليست معنى للهيئة في الاخبار، لعدم قابلية اتصافها =

[ 91 ]

[... ] = بالتمامية بحكم المقدمة الثانية. والمفروض أن المتبادر منها التمامية بحكم الاولى، بل معناها شئ يوجد في الذهن، ويتصف بالتمامية، وليس ذلك الا اذعانا بالوقوع، فان النسبة الخارجية ان وجدت في الذهن مجردة عن الاذعان فتصور، وتسمى نسبة ناقصة، وان وجدت مع الاذعان فتصديق، وتسمى تامة، لكن المقصود من الاذعان المذكور ليس هو العمل البسيط، كالعلم بوجود القيام لزيد، لمن يرى زيدا قائما، فان مجرد ذلك ليس تصديقا ولا مدلولا للقضية، بل التصديق هو الاذعان والاعتقاد بوجود النسبة الملحوظة بين الموضوع والمحمول كل واحد منهما شيئا مستقلا في قبال الآخر، منفكا عنه قبل الحمل والنسبة. وأيضا ليس المقصود هو الاذعان الحقيقي والاعتقاد بوقوع النسبة واقعا ولو في نظر المتكلم، بحيث لا يجتمع مع الكذب، بل المقصود عقد القلب وبناء النفس على وجود النسبة والتجزم عليه، وهو كما يوجد بعد العلم الحقيقي والاعتقاد الواقعي للنسبة المذكورة، كذلك قد يوجد بخلق النفس تلك الحالة مع القطع بالخلاف أو الشك، كما ترى في القضايا الكاذبة، فان الموجود من مدلول القضية فيها ليس بأنقص من الصادقة بالوجدان. وأيضا: ليس المقصود هو التجزم بمعناه الاسمي المستفاد من لفظ التجزم وعقد القلب، حتى يرد عليه أنه معنى اسمى مستقل، ومعنى الهيئة معنى حرفي غير مستقل، فلا يمكن أن يكون ذلك معناها - كما اورد عليه بعض في حاشية الكفاية - بل المقصود التجزم بمعناه الحرفي غير المستقل باللحاظ، الموجود في النفس مرآة للخارج بلا التفات تفصيلي إليه، كما مر نظيره في بيان كون الالفاظ موضوعة للمعاني المرادة. وان شئت فراجع، ومعنى صدق القضية وكذبها ليس الا مطابقة التجزم المذكور للخارج المحكي وعدمها، لا عبارة عن وجود التجزم المذكور في نفس المتكلم وعدمه - كما توهم - لانه موجود في نفس الكاذب ايضا - كما ذكرنا - بل لو لم تكن تلك الحالة في نفس المتكلم موجودة لم يكن مستعملا، للفظ في معناه، بل هو اما لاغ واما مستعمل له في غير ما وضع له. ولا يتوهم وجود =

[ 92 ]

[ وحاصل الكلام أنه كما أن العلم قد يتحقق في النفس بوجود اسبابه، كذلك قد يخلق في النفس حالة وصفة على نحو العلم حاكية عن الخارج، فإذا تحقق هذا المعنى في الكلام، يصير جملة يصح السكوت عليها، لان تلك الصفة الموجودة تحكى جزما عن تحقق النسبة في الخارج، ويتصف الكلام بالقابلية للصدق والكذب بالمطابقة والمخالفة. هذا في الجمل الخبرية. وأما الانشائيات، فكون الالفاظ فيها علة لتحقق معانيها مما لم أفهم له معنى محصلا [ 61 ] ضرورة عدم كون تلك العلية من ذاتيات ] = التجزم المذكور في الجمل التقييدية أيضا، لان المقصود هو البناء على ثبوت النسبه بحيث يأبى عن جعل العدم محمولا لها، والموجود في ما ذكر لا يأبى عنه كما هو واضح، ولذا لا يتصف بالصدق والكذب، لعدم بناء جزمي من النفس حتى يقال إنه مطابق للخارج أو غير مطابق، ولم يتعهد المتكلم بشئ من وجود النسبة وعدمها حتى يكذب أو يصدق. واما ما توهم - من وجود التجزم في (زيد العالم جاءني) ولذا لو لم يكن بعالم يكذب المتكلم، كما لو لم يجئ - ففاسد لان اتصاف القضية بالصدق والكذب في المقام ليس الا ببركة المحمول الواقع على الموضوع المتصف، فان عدم تطابق التجزم للنسبة بين الموضوع والمحمول قد يتحقق بعدم الموضوع أو قيوده وصفاته، وقد يتحقق بعدم المحمول كذلك، فليس لنفس زيد العالم تجزم ولا صدق ولا كذب. والظاهر أن التجزم المذكور ثابت عند من يقول بتركب القضية من ثلاثة أجزاء، غاية الامر هو يجعل التجزم من كيفيات النسبة، لا أنه شئ في قبالها، بخلاف القائل بتركبه من أربعة اجزاء، فانه يجعله في قبالها ويعبر عنه بالحكم بالوقوع واللاوقوع. [ 61 ] لا بأس بالاشارة إلى مقصود المحقق الخراساني (قدس سره) ثم بيان =

[ 93 ]

[ اللفظ وما ليس علة ذاتا لا يمكن جعله علة، لما تقرر في محله من عدم قابلية العلية وامثالها للجعل. ] = ما افاده الاستاذ - دام بقاه - في مقام النظر إليه، فأقول وعليه التكلان: إن مقصوده - كما يستفاد من كلماته في موارد متعددة - أن صيغة إفعل وما في معناها وضعت لمفهوم الطلب، لكن الواضع اشترط على المستعملين ان لا يستعملوها الا في مقام ايجاد المعنى، بأن يقصد وابها ايجاده، بلا قصد حكاية له، بخلاف الاخبار حيث اشترط عليهم جعلها حاكية عن ثبوت معناها في موطنه، كما مر تفصيله، وهو الفرق بين الجمل الخبرية والانشائية، والا فالموضوع له في (اضرب) و (أطلب منك الضرب) مثلا واحد، وهو مفهوم الطلب، ولكن في الثاني تكون الهيئة كاشفة عن ثبوت الطلب في موطنه، وفي الاول تكون الهيئة مع قصد الايجاد موجدة له، بلا كشف فيه. وليس المراد كون الموجود بوصف الموجودية موضوعا له، حتى يرد عليه أن الاستعمال يتوقف على المعنى، فلو كان المعنى موجودا ومعلولا للاستعمال للزم الدور، بل المقصود أن المعنى هو المفهوم، واستعماله ايجاده، فمدلول الصيغة ذات الموجود، وخصوصياته المشخصة خارجة عنه ومن لوازم وجوده. وبعبارة اخرى: ليس المصداق معنى للهيئة حتى يرد ما ذكر، بل المعنى هو المفهوم، وبايجاده يصير مصداقا، وليس المقصود من كون الاستعمال موجدا جعل اللفظ اولا حاكيا عن المفهوم، ثم يقصد الايجاد بالكاشف، بل المقصود أن الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ بلا حكاية عن شئ وقصد ايجاد المعنى به، وبنفس ذكر اللفظ وقصد الايجاد يوجد عند العقلاء نحو وجود للطلب، هو وجوده الانشائي، ويكون منشأ لاثار عند العقلاء: منها عدم معذورية العبد مع العلم به لو ترك الامتثال، وكذلك في انشاء الملكية وأمثالها، فانه يقصد ب‍ بعت ايجاد معناه وهو تمليك ما له لغيره بعوض معين، فيوجد بذلك اللفظ والقصد ذلك المعنى عند العقلاء، ويكون منشأ لحصول الملكية وتترتب آثارها عليه، لكن بشرائط معلومة عندهم كتمول العوضين وامثال ذلك. وأما ايجاد تلك المفاهيم بما ذكر من اللفظ والقصد فليس ببعيد، لانها =

[ 94 ]

= أمور اعتبارية انتزاعية ليس منشأ اعتبارها غير اعتبار معتبر خاص بكيفية خاصة، ونظيرها مفهوم التعظيم حيث انه يتحقق بالقيام بقصد التعظيم، وبدون القصد لا يتحقق، فكما أن منشأ التعظيم هو القيام بقصد التعظيم - وغير القيام عند قوم كرفع القلنسوة مثلا - كذلك انشاء الطلب وذكر اللفظ مع قصد ايجاده، وليس وجوده الانشائي، وكذلك سائر الانشائيات، كالاعيان الثابتة والاعراض المتأصلة، والانتزاعيات التي لها منشأ حقيقي، كالفوقية والتحتية، وكلية مقولات الاضافات، حتى لا يمكن جعلها بالاعتبار، لعدم كونها من الانتزاعيات أو عدم انتزاعها الا من منشأ حقيقي، وذلك معنى قوله: ان الانشاء خفيف المؤنة، لعدم حقيقة له الا الاعتبار والبناء على وجوده من العقلاء كالتشريع. ولا يخفى - مع ذلك - الفرق بينه وبين الفرضيات المحضة، كفرض الانسان جمادا وفرض الجماد انسانا، فانه ليس الا مجرد فرض، بخلاف البنائيات، فانها وان لم يكن بحذائها شئ في الخارج، وليست الا البناء، لكن نفس ذلك البناء له حقيقة وواقعية. هذا مجمل مرامه زيد في علو مقامه. لكن اورد عليه الاستاذ - دام بقاه - بأن المفاهيم الاعتبارية والانتزاعية كالمقابلة بين العينين والفوقية والتحتية، وجميع مقولة الاضافات، بل وكذلك الارتباطات التي اشتهر أنها اعتبارية صرفة، ومنشأها اعتبار من بيده الاعتبار، وان لم تكن في التحقق كالاعيان الثابتة والاعراض المتأصلة - لها تحقق خاص بحيث يمكن أن يشار إليها، وذلك معنى انتزاعها، لا أن النفس تخلق شيئا بلا حقيقة له ولا واقعية، كالتخيلات الصرفة، فحقيقة الفوقية شئ واقعي يتحقق في نفس الامر عند تحقق منشأها، ولو لم يكن في العالم لا حظ يلحظها، ويدركها العقل عند تحققها، ولذا لا ينتزعها من غير منشأها، وكذا المكلية فانها اولوية واقعية للمالك بالتصرف في ملكه كيف ما شاء، ولو لم يكن لا حظ يلحظها ومعتبر يعتبرها، وكذلك الزوجية هي أمر في نفس الامر والارتباط معنوي يستتبع الحسن والقبح، حتى ادعي وجودها في الحيوانات لمشاهدة آثارها، وكيف يدعى ان امثال ذلك مما اجتمع العقلاء =

[ 95 ]

[ والذى اتعقل من الانشائيات انها موضوعة لان تحكى عن حقائق موجودة في النفس [ 62 ] مثلا هيئة إفعل موضوعة لتحكي عن حقيقة الارادة الموجودة في النفس، فإذا قال المتكلم (اضرب زيدا) وكان في نفسه مريدا لذلك، فقد اعطت الهيئة المذكورة معناها. وإذا قال ذلك، ولم يكن مريدا واقعا، فالهيئة المذكورة ما استعملت في معناها. نعم بملاحظة حكايتها عن معناها، ينتزع عنوان آخر لم يكن متحققا قبل ذلك، وهو عنوان يسمى بالوجوب، وليس هذا العنوان المتأخر معنى للهيئة، إذ ] = على تخيله عند منشئه، وكذلك التعظيم فهو عبارة عن اظهار تأثر النفس من المعظم للمعظم وافشاء وقعه وعظمته عنده، ولا باس باختلاف المظهر وضعا أو طبعا، مثلا انحناء القامة وانخفاض الرأس وامثال ذلك تدل على التعظيم بالطبع، وبعض الافعال والاقوال بالوضع، ولا يختلف في الازمنة والا مكنة، وعلى هذا يكون التمليك عبارة عن سلخ الاولوية المذكورة عن نفسه واعطائها للغير، فانها قابلة لذلك، وكذلك التزويج فانه عبارة عن ايجاد الارتباط الواقعي وهكذا. إذا عرفت ذلك فنقول: ان كان المراد من قصد ايجاد المعنى باللفظ تخيل أمر بلا واقعية عند ذكر اللفظ، فذلك ممكن، لكنه خلاف الواقع لما عرفت. وان كان المراد قصد ايجاد شئ له واقعية، فيرد عليه: انه بعد ما لم يكن اللفظ موجدا للمعنى قبل الوضع، كيف صار بالوضع موجدا ؟ مع ان العلية لا بدلها من سنخية كما ثبت في محله، وما لم يكن لها تلك السنخية لا يمكن جعلها له، والظاهر أن عدم امكان جعل ما ليس بعلة علة من الواضحات ومستغن عن الدليل، وليس شأن اللفظ الا الكشف واظهار المعنى، فلو تحقق مفهوم باظهار معنى أمكن أن يكون اللفظ موجدا لمنشأه وقد تقدم تفصيل ذلك عند تحقق الوضع فراجع، والا فلا يمكن جعل شئ بمجرد أداء لفظ بلا معنى ومحكي. [ 62 ] بيان ذلك يحتاج إلى مقدمتين، (الاولى): ما مر تفصيله من عدم إمكان جعل ما ليس علة ذاتا علة لشئ. ولا نعيده =

[ 96 ]

[ هو منتزع من كشف اللفظ عن معناه، ولا يعقل أن يكون عين معناه. (ان قلت): قد يؤتى بالالفاظ الدالة على المعاني الانشائية، وليس في نفس المريد معانيها، مثلا قد تصدر من المتكلم صيغة افعل كذا في مقام امتحان العبد، أو في مقام التعجيز وامثال ذلك، وقد يتكلم ] = (الثانية) - أن إظهار بعض الاشياء قد يورث شيئا لا يورثه نفسه، ما لم يبلغ مرتبة الظهور. وذلك إما بنحو العلية لشئ خارجي، كاظهار المحبة المورث للمحبة، وإظهار البغض المورث للبغض، واظهار التألم الموجب لتألم الغير، وأمثال ذلك، لمناسبة ذاتية بينهما، كسائر العلل والمعلولات وإما بنحو الموضوعية والعلية للحكم إما من الشارع، كاظهار الشهادتين، حيث أنه يورث الطهارة وحقن الدم وحل النكاح وغيرها من الاحكام، وإظهار الشرك من المسلم حيث انه يورث النجاسة ووجوب القتل وغيرهما من أحكامه، وإما من العقلاء، كاظهار الطغيان الموجب للحكم باستحقاق الذم وانحطاط الدرجة أكثر ممن لم يظهره، وإن كان في الباطن غير منقاد. وامثال ذلك كثير، وهذا في مرحلة الثبوت لا اشكال فيه، وأما في مرحلة الاثبات في الاحكام الشرعية فموقوف على دلالة الدليل، وفي احكام العقلاء موقوف على تحقق بنائهم وحكمهم عليه. إذا عرفت هذا فنقول: إن شأن الالفاظ دائما هو الكاشفية والحكاية عن المعاني ببركة الوضع وتعهد الواضع لا رادتها عند التلفظ بها - كما فصل في مقامه - ولا يكون الاستعمال ابدا الا ذكر اللفظ وارادة المعنى، أي ارادة افهامه للمخاطب. وبعبارة اخرى: كأن المستعمل يلقي بذكر اللفظ نفس المعنى إلى المخاطب، ولا نتعقل موجدية اللفظ للمعنى - كما ذكر في المقدمة الاولى - سواء في ذلك الانشاء والاخبار، فهيئة افعل مثلا كاشفة عن ارادة المتكلم للفعل من المأمور وتلك معناها، ومعنى الاستفهام حقيقة طلب العلم والفهم في النفس، ومعنى حرف التمنى حقيقة الميل النفساني لوقوع ذلك الشئ، ومعنى حرف الترجي حقيقة الرجاء المكنون في نفس المتكلم، وجملة (بعت) الانشائية كاشفة =

[ 97 ]

[... ] = عن قطع المالك علقته عن الملك واعطائه للغير، وقس على ذلك باقي الانشائيات. ثم إنه كشف الالفاظ المذكورة بموادها أو بهيئاتها عما ذكر من المعاني تنتزع - من مرحلة اظهارها مع شرائطها عند العقلاء - عناوين الامور الانشائية، كالوجوب من اظهار ارادة المولى مع علوه أو مع استعلائه - لو قيل إنه من شرائط الانتزاع عند العقلاء - والاستفهام عند اظهار طلب الفهم في النفس، والترجي والتمني عند اظهار الرجاء القلبي والميل الباطني، والتمليك الخاصة بين الزوجين، حيث أن الملكية والزوجية قابلتان للقطع والايجاد، وذلك الاظهار موضوع لحكم العقلاء بحصول العقلة المذكورة مع شرط اظهارها، وكذلك لحكم الشارع مع وجود الشرائط المعتبرة عنده. وهذا ما قلناه في المقدمة الثانية: من كون الاظهار موضوعا لحكم العقلاء أو الشارع، ومعلوم أن مجرد ذلك لا يوجب كون اللفظ موجدا للمعنى، وان كان موجدا لشئ آخر بهذا المعنى، لكن الموجود ليس بمعناه، بل في طول كشف اللفظ عن المعنى، ورتبة متأخرة عنه، ولو كان اللفظ بهذا يستحق اسم الموجدية للمعنى، لكان الاخبار ايضا موجدا، لما قلنا من أن اظهار بعض الاشياء موضوع لا حكام شرعية وعقلائية ولو كان بالاخبار، كما مر تفصيله. بقي في المقام شئ، وهو سؤال الفرق بين الجمل الانشائية والاخبارية، حيث أن الجمل الانشائية - على هذا - حاكية وكاشفة كالاخبارية عن المعنى، ولازمه اتصافها بالصدق والكذب أيضا، وهو كما ترى. لكنه يجاب - بعد التصديق بكونهما حاكيتين عما في الضمير، وعدم الفرق بين اضرب واطلب، أو اريد منك الضرب الاخباري مثلا، من حيث حكايتهما عن معناهما في موطنه - بالفرق، بأن الهيئة في الثانية كاشفة عن وجود التجزم في نفس المتكلم بما اخبر به، بخلافها في الاولى، فانها كاشفة عن حقيقة ما يتجزم به =

[ 98 ]

[... ] = لو كانت الجملة خبرية، فهيئة اضرب في المثال كاشفة عن حقيقة الارادة النفسانية، بحيث لو لم تكن موجودة في النفس لم تكن مستعملة في معناها، بل تكون إما مهملة وإما مستعملة في غير ما وضعت له، واما في المثال الثاني فهي كاشفة عن التجزم بثيوب الارادة في النفس، فلو لم يكن التجزم موجودا لما استعملت الهيئة في معناها، ولا دخل للارادة في الموضوع له. نعم لما اخذ التجزم المذكور بمعناه الحرفي مع كاشفيته عن ثبوت ما يتجزم به في الموضوع له - كما اشرنا إليه في معنى الاخبار - فلو لم تكن حقيقة الارادة في المثال متحققة في نفس المتكلم كانت القضية كاذبة، لعدم مطابقة معناها لما تحكى عنه، وتلك المطابقة مع الخارج المحكى عنه وعدمها مناط للصدق والكذب في القضايا الخبرية، لا وجود المعنى وعدمه، فانه مناط في كون القضية مهملة أو مستعملة، ولذا قلنا بانه لو كان معنى الاخبار حقيقة النسبة الثابته في موطنه يلزم كون القضية مهملة عند عدمها في موطنه، وهذا بخلاف الارادة في المثال الاول، فانها عين ما وضع له اللفظ، بحيث لو لم تكن كانت القضية مهملة، لكن لو لم يكن لها كشف عن شئ آخر وراء نفسها حتى تتصف القضية بالصدق والكذب، فأمرها دائر بين كونها مستعملة أو مهملة. (ان قلت): وان سلم أن المستفاد من هيئة اضرب والموضوع لها حقيقة الارادة الكامنة في نفس المتكلم، لكن لا يلزم من عدم تحققها اهمال القضية، وهل يلتزم أحد بأن لوجود زيد في الخارج دخلا في كون لفظ زيد مستعملا ؟ (قلت): فرق بينهما، فان الالفاظ المفردة وضعت للذوات عارية عن الوجود والعدم، بحيث لا تأبى عن حمل العدم عليها، ولذا تقول زيد موجود أو معدوم، وأما الجمل الانشائية فوضعت للارادة الموجودة، بحيث يكون لوجودها أيضا دخل في الموضوع له، لكن بجامع الوجود لا شخص الوجود الخاص، حتى ينافي كلية المعنى - وسيأتى تحقيق ذلك في مقامه إنشاء الله تعالى. والجمل الخبرية موضوعة للتجزم الموجود في النفس، بحيث يكون وصف =

[ 99 ]

[ بلفظة ليت ولعل، ولا معنى في النفسس يطلق عليه التمنى أو الترجي، فيلزم مما ذكرت أن تكون الالفاظ في الموارد المذكورة غير مستعملة اصلا، أو مستعملة في غير ما وضعت له والالتزام - بكل منهما لا سيما الاول - خلاف الوجدان (قلت) تحقق صفة الارادة أو التمنى أو الترجي في النفس، قد يكون لتحقق مباديها في متعلقاتها [ 63 ]، كمن اعتقد المنفعة في ضرب زيد، فتحققت في نفسه ارادته، أو اعتقد المنفعة في شئ مع الاعتقاد بعدم ] = الموجودية دخيلا فيه، لكن بنحو لا ينافي الكلية، ومعلوم انه لو كان للموجود دخل فيما وضع له، فعند العدم تكون القضية مهمة، ولا يخفى أنه كما قلنا بأن التجزم أخذ في الاخبار بمعناه الحرفي الآلي من دون التفات المتكلم والمخاطب إليه تفصيلا، بل مندكا في ما يخبر به، كذلك الارادة في هيئة الانشاء اخذت بمعناها الحرفى الموجودة في نفس المتكلم متعلقة بالمراد، من دون استقلالها بالمفهومية، فلا يتوهم متوهم لزوم كون (اضرب) مرادفا لارادة الضرب، لان الاول كاشف عن الارادة الموجودة الخارجية، التابع وجودها للغير، والثانية كاشفة عن مفهوم مستقل بالوجود، بحيث لا يكون لها في الخارج هذا النحو من الوجود، فالفرق بينهما هو الفرق بين المعنى الاسمي والحرفي. فتأمل تعرف. [ 63 ] لا يخفى أن ما ذكره - دام ظله - يستلزم أن لا تكون الارادة عبارة عن العلم بالنفع أو الشوق المؤكد - كما هو المعروف - لانها لو كانت كذلك لكان تحققها - من دون ادراك نفع في المتعلق أو تعلق حب وشوق إليه - محالا، فالوجدان الحاكم بتحققها من دون ذلك - كما في المثال - شاهد على عدم كونها عبارة عما ذكر، بل هي عبارة عن حالة نفسانية يتعقبها تحريك العضلات نحو الفعل في الارادة الفاعلية ونحو الجعل في التشريعية، وهى كما تحدث غالبا بتصور المراد وادراك الغاية، كذلك قد توجد مع العلم بعدم نفع المراد والانزجار عنه، لمصلحة قوية في ذات الارادة بمقدار يصلح لمزاحمة حزازة نفس المراد، كما قد =

[ 100 ]

[ وقوعه، فتحققت في نفسه حالة تسمى بالتمني، أو اعتقد النفع في شئ مع احتمال وقوعه، فتحققت في نفسه حالة تسمى بالترجى، وقد يكون تحقق تلك الصفات في النفس لا من جهة متعلقاتها، بل توجد النفس تلك الصفات من جهة مصلحة في نفسها، كما نشاهد ذلك وجدانا في الارادة التكوينية التى قد توجدها النفس لمنفعة فيها، مع القطع بعدم منفعة في متعلقها، ويترتب عليها الاثر. مثال ذلك إن إتمام الصلاة من المسافر يتوقف على قصد الاقامة عشرة ايام في بلد، من دون دخل لبقائه في ذلك البلد بذلك المقدار وجودا وعدما، ولذا لو بقي في بلد بالمقدار المذكور من دون قصد لايتم، وكذا لو لم يبق بذلك المقدار، ولكن قصد من اول الامر البقاء بذلك ] = يتفق في المسافر المفروض في المتن. ولا يخفى انه على ذلك تكون الارادة اختيارية مطلقا، أما لو تحققت من العلم بالمنفعة في ذاتها فواضح، لانها على ذلك تصير كسائر الامور الاختيارية مسبوقة بالارادة الناشئة عن العلم بالنفع. (لا يقال): إن العلم بالنفع في ارادة شئ لا ينفك عن العلم بالنفع في ذلك الشئ، لانه يكفي في نافعية الشئ نافعية الارادة المتعلقة به، ولذا لم تكن في الارادة المتعلقة بغيرها تلك المنفعة. (لانه يقال): لا يكفي ذلك في العلم بالنفع في ذات الشئ مع قطع النظر عن الارادة، حتى تحدث الارادة عن ذلك العلم، أو يكون هو نفس الارادة، للزوم الدور. ولو كان ذلك ممكنا لكان حب المبغوض وبغض المحبوب لمصلحة في نفس الحب والبغض ممكنا، وهو كما ترى. واما لو تحققت من العلم بالنفع في المراد، فلانها وان كانت معلولة لذلك العلم، لكن كون المريد متمكنا من التأمل في أن ذلك النفع هل هو مزاحم بالمفسدة في ذات الارادة ام لا ؟ حتى يمنع عن =

[ 101 ]

[ المقدار يتم ومع ذلك يتمشى قصد البقاء من المكلف، مع علمه بان ما هو المقصود ليس منشأ للاثر المهم، وانما يترتب الاثر على نفس القصد، ومنع تمشي القصد منه - مع هذا الحال - خلاف ما نشاهد من الوجدان، كما هو واضح فتعين ان الارادة قد توجدها النفس لمنفعة فيها لافى المراد، فإذا صح ذلك في الارادة التكوينية صح في التشريعية ايضا، لانها ليست با زيد مؤنة منها. وكذا الحال في باقى الصفات، من قبيل التمنى والترجى. ] = حدوث الشوق، والعلم بالنفع - السالم عن المزاحم عند المزاحمة بما هو اقوى - كاف في الاختيارية، فانه لافرق - في كون الشئ تحت القدرة والاختيار - بين كون المقتضى مقدورا أو المانع. ولذا يصح النهي عن ايجاد شخص آخر فعلا في الخارج مع قدرته على المنع. ثم إنه بعد ما علم المقصود من اختيارية الارادة على كلا التقديرين يظهر حال رد اختيارية الارادة بالتسلسل، بزعم أن المقصود كونها مسبوقة بالارادة مطلقا. وقد عرفت أنه على الثاني لم تكن مسبوقة بالارادة اصلا، وعلى الاول وإن كانت ارادة الشئ مسبوقة بالارادة، لكن ارادتها ليست مسبوقة بارادة اخرى، بل ناشئة عن العلم بالمصلحة فيها، كباقي الاختياريات. هذا ولكن لا يخفى أن ذلك فيما لا يكون المراد محالا، والا فلا يمكن تحقق ارادة المحال لمصلحة في نفسها، لان ارادة المحال مع العلم بالاستحالة محال، فحينئذ لابد - في تصحيح الامر التعجيزي مع العلم باستحالته الذاتية أو العادية كقوله تعالى: (فائتوا بسورة من مثله) - من ارتكاب المجازية، باستعمال الهيئة في العجز النفس الامري، فتكون الهيئة كاشفة عن العجز لا عن ارادة شئ. وأما في غيره مما يكون المراد ممكنا فيمكن ايجاد الارادة لمصلحة في نفسها، واستعمال الهيئة في الارادة. ومعلوم أن ما ذكرنا من اختيارية الارادة لا فرق فيه بين الارادة التكوينية والتشريعية، فكما أن الارادة التكوينية لا فرق في تأثيرها بين تولدها من العلم بالمصلحة في المراد أو العلم بالمصلحة في ذات الارادة، كذلك الارادة التشريعية =

[ 102 ]

[ إذا عرفت هذا فنقول: إن المتكلم - بالالفاظ الدالة على الصفات الخاصة الموجودة في النفس - لو تكلم بها ولم تكن مقارنة لوجود تلك الصفات اصلا، نلتزم بعدم كونها مستعملة في معانيها. وأما إن كانت مقارنة لوجود تلك الصفات، فهذا استعمال في معانيها، وإن لم يكن تحقق تلك الصفات بواسطة تحقق المبدأ في متعلقاتها فتأمل جيدا. (الفصل الثاني) (في الطلب والارادة) قد اشتهر النزاع بين العدلية والاشاعرة في أن الطلب هل هو عين الارادة أو غيرها ؟ وذهب الاول إلى الاول والثانى إلى الثاني. وملخص الكلام في المقام أن يقال: إن اراد الاشاعرة ] = لا فرق في تأثيرها بين تحققها من مصلحة المراد أو مصلحة ذاتها، فكما ان في الاولى تجب الاطاعة وتحرم المخالفة، كذلك في الثانية تجب الاطاعة وتحرم المخالفة، ويترتب عليها جميع ما يترتب على الارادة الناشئة عن العلم بالمصلحة في المراد. هذا في الاوامر والنواهي الصادرة لغير مصلحة في الفعل من الامتحان والتعجيز والتهديد والسخرية وامثال ذلك. وأما التمني والترجي فهما كاشفان عن حالة نفسانية ناشئة (تارة) عن الميل النفساني بوقوع الفعل مع العلم باستحالته أو رجاء وقوعه، و (تارة) عن العلم بالنفع في ايجاد تلك الحالة مع العلم بوقوعه، أو عدم الميل إلى وقوعه وكذا الاستفهام كاشف عن حالة نفسانية تحصل بعد الجهل بالواقع، مع اشتياق التعلم والسؤال (تارة)، ومن العلم بالمصلحة في ايجادها (اخرى) ولو مع العلم بكيفية الحال.

[ 103 ]

[ أنه في النفس صفة اخرى غير الارادة تسمى بالطلب، فهو واضح الفساد، ضرورة أنا إذ نطلب شيئا لم نجد في انفسنا غير الارادة ومباديها [ 64 ] وإن ارادوا ان الطلب معنى ينتزع من الارادة في مرتبة ] (الطلب والارادة) [ 64 ] توضيح ذلك: أنه كما أن الفاعل المختار بعد تحقق مبادئ الارادة تحدث في نفسه صفة نفسانية توجب تحريك عضلاته نحو الفعل، كذلك في الآمر بعد تحقق المبادي تحدث في نفسه حالة نفسانية تحركه نحو الجعل. ولا فرق بينهما، إلا أن في الاولى لما تعلق الغرض بصدور الفعل من جوارحه توجب تلك الحالة تحريك عضلات نفسه نحو الفعل، وفي الثانية لما تحقق الغرض بصدور الفعل من جوارح الغير ويرى الآمر جعل الوجوب من مقدمات صدوره، فالا محالة يتحرك نحو الجعل والامر، ولذا لا تنفك الاولى عن المراد بخلاف الثانية، فانها - حيث احتاجت في ايجاد المراد إلى الجعل وموافقة المكلف - قد تتخلف عن المراد، كما إذا منع مانع عن الامر أو عصى المأمور، ولذلك ينقدح مع ارادة الآمر الاذن في الترك في المستحبات، حيث لا يرى الآمر تلك الارادة علة تامة للفعل، بخلافها في الارادة الفاعلية، فانها علة تامة. ولا يتصور فيها الاستحباب، وكيف كان فليس في النفس حالة وصفة اخرى عند الآمر غير ما ذكرنا حتى يقال انها طلب. هذا ولكن يمكن النزاع بأن يقال: هل الموجود - في نفس الفاعل والآمر المحرك لهما نحو الفعل والجعل - هو العلم بالنفع والحب والشوق النفساني لا غيرها، حتى لا يبقى مجال للتعدد، أو حالة نفسانية أخرى يعبر عنها مثلا بتجمع النفس، وهي الطلب الباعث للتحريك دائما، دون العلم بالنفع والشوق المؤكد المجرد عنه، وتلك الحالة وان كانت تحدث غالبا بعد العلم بالنفع والشوق المؤكد، لكن قد تنفك عنهما، كما ذكرنا في الارادة الاختيارية. والامر في الحقيقة كاشف عن تلك الحالة، ويكون اظهارها موضوعا لحكم العقل بوجوب =

[ 104 ]

[ الاظهار والكشف [ 65 ] دون الارادة المجردة، فهما متغايران مفهوما وان اتحدا ذاتا، فهو كلام معقول، ولكن لا ينبغى أن يذكر في عداد المسائل العقلية، فان انتزاع مفهوم آخر من مرتبة ظهور الا رادة مما لا ينكر، كما اشرنا إليه سابقا، فالكلام المذكور يرجع إلى دعوى ان لفظ الطلب موضوع ] = الاطاعة، سواء نشأت من العلم بالنفع في المراد أو من العلم بالمصلحة في ايجاد تلك الحالة. نعم لو علم بانها نشأت من داعي التهديد والتعجيز والسخرية وامثال ذلك، لم تكن منشأ لوجوب الاطاعة، وكذلك انشاء البيع قد يكون بداعي الجد فيترتب عليه الاثر، وقد يكون صوريا فلا يترتب عليه اثر. [ 65 ] بمعنى أن الموجود في النفس ليس الا الارادة ومبادئها المعروفة، لكن لفظ الطلب وضع للارادة المظهرة، فيكون الطلب والارادة من قبيل المطلق والمقيد. ولا اشكال في امكان النزاع هكذا، إذا لا اشكال في صيرورة الارادة بعد استعمال الهيئة فيها معنونة بعنوان المظهرية، واللفظ بعنوان المظهرية، والاستعمال بعنوان الاظهار، مع عدم كونها معنونة بالعناوين المذكورة قبل الوضع والاستعمال، فيدعي أحد أنهما موضوعان لصفة واحدة، بلا تقيد بشئ، والآخر بأن الطلب وضع لها مقيدة بظهورها، بخلاف الارادة فانها وضعت لها من دون قيد فيصير النزاع لفظيا. ويمكن أن يمكن النزاع معنويا مع التصديق بعدم صفة في النفس غير الصفات المعروفة، بأن يقال: هل يمكن ايجاد مفهوم ابتداءا باللفظ ولو كان من مقولة الاعتبار - كما ادعاه المحقق الخراساني - أم لا ؟ وليس شأن اللفظ الا الاظهار، كما فصلناه في مقامه - فراجع، فالقائل بامكان ذلك يلتزم بتعددهما، وكون معنى الطلب ذلك المفهوم الاعتباري، بمعنى أن الجامع بين المفاهيم الاعتبارية شئ غير الصفة النفسانية، ويجعلها موضوعا له للطلب، ولا وجه لجعله مفهوما اعتباريا لشئ آخر، كما جعله المحقق الخراساني (ره). واورد عليه الاستاذ - ذام ظله - واوضح برهانه، والقائل بعدم امكان الايجاد المذكور يجعل الموضوع له فيهما شيئا واحدا وهى الصفة النفسانية.

[ 105 ]

[ لهذا المعنى، بخلاف لفظ الارادة، فانه موضوع للصفة الخاصة النفسانية، سواء تحقق لها كاشف ام لا. قال شيخنا الاستاذ - دام بقاه في الكفاية في توضيح عينية الطلب مع الارادة - ما لفظه إن الحق - كما عليه اهله وفاقا للمعتزلة، وخلافا للاشاعرة - هو اتحاد الطلب والارادة، بمعنى ان لفظهما موضوعان بازاء مفهوم واحد، وما بازاء احدهما في الخارج يكون بازاء الآخر. والطلب المنشأ بلفظ أو بغيره عين الارادة الانشائية. وبالجملة هما متحدان مفهوما وانشاءا وخارجا، لا ان الطلب الانشائى الذى هو المنصرف إليه اطلاقه كما عرفت متحد مع الارادة الحقيقية التى ينصرف إليها اطلاقها ايضا، ضرورة أن المغايرة بينهما اظهر من الشمس وابين من الامس. إذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ففى مراجعة الوجدان عند طلب شئ والامر به كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان واقامة برهان، فان الانسان لا يجد غير الارادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها تكون هي الطلب غيرها (انتهى). اقول: ما افاده - من أن الانسان لا يجد من نفسه غير الارادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها عند طلبه شيئا - حق لا محيص عنه. وأما التزامه بأن المفهوم الذى هو بازاء لفظ الارادة أو الطلب له نحوان من التحقق (احدهما) التحقق الخارجي و (الاخر) التحقق الاعتباري، فهو مبنى على ما حققه من أن معاني الهيئة امور اعتبارية توجد باللفظ بقصد الايقاع. وفيه - مضافا إلى ما عرفت سابقا من عدم تعقل كون اللفظ موجدا لمعناه - أن الامور الاعتبارية التى فرضناها متحققة بواسطة الهيئة

[ 106 ]

(الفصل الثالث معنى الصيغة) في الموارد الجزئية، يؤخذ منها جامع، تكون تلك الجزئيات مصداقا حقيقيا له. وهذا كما في الفوقية، فانها وان كانت من الامور الاعتبارية، ولكن يؤخذ من جزئياتها جامع يحمل على تلك الجزئيات، كحمل باقى المفاهيم على مصاديقها ولا معنى لجعل تلك الامور مصاديق اعتبارية لمفهوم آخر لا ينطبق عليها. والحاصل أنه ليس للمفهوم سوى الوجود الذهنى والخارجى نحو آخر من التحقق يسمى وجودا اعتباريا له. هل الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب أو فيهما على سبيل الاشتراك اللفظى أو المعنوي ؟ وجوه اقواها الاخير، [ 66 ] ولكنها عند الاطلاق تحمل على الاول [ 67 ]. ولعل السرفى ذلك أن الارادة المتوجهة إلى الفعل تقتضي وجوده ليس الا، والندب انما ياتي من قبل الاذن في الترك، منضما إلى الارادة المذكورة، فاحتاج الندب إلى قيد زائد، بخلاف ] معنى الصيغة [ 66 ] والشاهد على ذلك هو الوجدان، فان الآمر مع الاذن في الترك لم يعد عند العرف خارجا عن تعهد الواضع، ولا عن مقتضى الوضع ولو لقرينة، كمن قال: رأيت اسدا يرمي، وايضا نرى بالوجدان ان المفهوم من الهيئة في الواجب والمستحب شئ واحد ولا تباين بينهما، وهذا شاهد صدق على وحدة المعنى فيهما وان كانت المصاديق مختلفة. [ 67 ] ويشهد بذلك ان اهل العرف لا يعدون المأمور معذورا في المخالفة باحتمال ارادة الندب. =

[ 107 ]

[ الوجوب، فانه يكفى فيه تحقق الارادة، وعدم انضمام الرخصة في الترك إليها. وهل الحمل على الوجوب عند الاطلاق يحتاج إلى مقدمات الحكمة [ 68 ]، و حيثما اختلت لزم التوقف ام لا، بل يحمل على الوجوب عند تجرد القضية اللفظية من القيد المذكور ؟ الا قوى الثاني لشهادة العرف ] [ 68 ] وتقريب التمسك بها - على تقدير الحاجة إليها، بناء على ما اسلفنا - من كون الارادة التشريعية حالة نفسانية متعلقة بفعل الغير، ويمكن التعبير عنها بتجمع النفس وبنائها على صدور الفعل المراد من المأمور وهي الباعثة لتحريك الآمر نحو الجعل والبعث - بأن يقال: ان الحالة المذكورة لو خليت ونفسها مقتضية لا يجاد الفعل وصدوره من المكلف، وينتزع - من اظهارها مجردة بدون قيد - الوجوب، كما ان الارادة التكوينية مقتضية لا يجاد المراد وصدوره من نفس المريد بلا توسط الغير، بل لا ينفك عن تحريك عضلات المريد نحو المراد، ولذا لا يتصور فيها الندب اصلا. وان انضم إلى اظهارها الاذن في الترك ينتزع عنها الندب، لكن لا بنحو يكون الاذن في الترك عدولا عما أظهر اولا، بل بحيث يكون كل من اظهار الارادة والاذن في الترك جزءا لمنشأ انتزاع عنوان الندب، وجزءا لهذا المقدار من التأثير المشوب بجواز الترك في المأمور، والفرق بينها وبين التكوينية هو أن التكوينية لا تنفك عن تحريك العضلات بعد تحققها، بخلاف التشريعية فانها بعد التحقق تحتاج في تأثيرها إلى الجعل وموافقة المكلف، ولذا لا تنافي بينها وبين الاذن في الترك، حيث ان الآمر لا يراها علة تامة للفعل حتى لا تنفك عنه، فله أن يكتفي باظهارها مجردة عن الاذن في الترك حتى ينتزع منه الوجوب، وله ان يظهرها مع الاذن حتى ينتزع منه الندب، لنقصان في مصلحة المراد ولمصلحة في الاذن اقوى من مصلحته - وقد مر نظيره في اختيارية الارادة - فلا يتوهم أن لازم ما ذكرنا كون تلك الحالة الموجودة في نفس المريد علة تامة للفعل مع قطع النظر عن معصية المكلف، لما ذكر من احتياج تأثيرها إلى وسائط منها الامر والبعث باظهار الارادة مجردا أو مع الاذن، فعند كل منهما تؤثر نحوا من الاثر. =

[ 108 ]

[... ] = وعلى هذا يكون باب الايجاب والندب باب الزائد والناقص، وقضية مقدمات الحكمة عند تردد المجعول بين الزائد والناقص تعين الناقص، لكونه اخف مؤنة وهو الوجوب. واما ما يقال: من ان الفرق بينهما بالشدة والضعف وان الوجوب عبارة عن ارادة شديدة متعلقة بالفعل فتحتاج إلى بيان حد الشدة، سواء قلنا بأن الندب ايضا يحتاج إلى بيان حد الضعف أو قلنا بعدم احتياجه، لعدم احتياج عدم القوة إلى مؤنة زائدة حتى ينتج عدم كون الوجوب أخف مؤنة. فمدفوع: بأن الحالة النفسانية على ما ذكرنا أمرها دائر بين الوجود والعدم، ولا نتعقل فيها الضعف والشدة، فان من يتصور فعلا ويعلم منافعه ومضاره فإما أن يكون الجزم والتصميم والبناء على اتيانه أو اتيان عبده موجودا في نفسه أو لا يكون، ويمكن ان يكون في نفسه تصميم ضعيف تارة وقوي اخرى، نعم الشدة والضعف يتصور في الداعي الباعث لهذا البناء والتصميم، وهو المصلحة الموجودة في الفعل، وهذا الاختلاف في الدواعي فارق بين الارادة التى لا يزيلها بعض الموانع الضعيفة والارادة التى يزيلها، فلا تكون الشدة والضعف في نفس الحالة الموجودة. وما ذكرنا من انتزاع الوجوب عن اظهار الارادة بدون الاذن في الترك والندب منه مع الاذن، لا فرق فيه بين احكام الموالي العرفية واحكام الله - تبارك وتعالى - سواء قلنا بانقداح الارادة فيها في نفس النبي والولي، واحداث تلك الحالة النفسانية لهما - عليهما السلام - ام لا، لان اختلاف الارادة فيهما ذاتا لا يوجب اختلاف المظهر، فان اظهار الارادة منه - تبارك وتعالى - بلا اذن منه في الترك منشأ لانتزاع الوجوب، وموضوع لحكم العقل بوجوب الاطاعة واستحقاق العقاب بالمخالفة، ومع الاذن في الترك منشأ لانتزاع الندب وموضوع لحكم العقل برجحان الفعل مع الترخيص في الترك، وذلك لعدم اختصاص الشرع بلسان غير لسان اهل العرف في مقام اظهار مراداتهم وافهام مقاصدهم، بل أحكم طريقتهم =

[ 109 ]

[... ] = وامضاها بقوله - عز من قائل - وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه (1). وكما أن باب الوجوب والاستحباب باب الزائد والناقص ثبوتا واثباتا، - أما ثبوتا فلانه ليس في نفس الآمر في الوجوب الا ارادة الفعل، وفي الاستحباب هي مع الرضا بالترك، واما اثباتا فقد تبين مما مضى، وعند الشك يتعين الوجوب بمقتضى الاطلاق - كذلك باب النفسي والغيري، والعيني والكفائي، والتعييني والتخييري ايضا باب الزائد والناقص، وقضية الاطلاق هو الوجوب النفسي العينى التعييني ثبوتا واثباتا، اما ثبوتا فلان تلك الحالة الموجودة والارادة المتعلقة بشئ متوجهة إلى شخص بلا قيد يقتضي اتيانه معينا نفسا من هذا الشخص، ومع انضمام الغير إليه يصير غيريا، ومع انضمام البدل إلى الفعل يصير تخييريا، والى المكلف يصير كفائيا، وأما اثباتا فلان الاول ينتزع من صرف اظهار الارادة المتعلقة بشئ من مكلف، واما غيره فيحتاج إلى اظهار القيد من الغير والبدل. ثم ان هذا كله على ما بينا من معنى الارادة والوجوب والهيئة على مختار الاستاذ - دام بقاه - واما على مختار صاحب الكفاية من ايجاد مفهوم الطلب اعتبارا بالصيغة، فيمكن ان يقال ايضا ان باب ايجاد مفهوم الوجوب والندب باب الزائد والناقص، لان الوجوب ينتزع من نفس ايجاد مفهوم الطلب اعتبارا، والندبية مع الاذن في الترك، وهذا معنى التمسك بالاطلاق على مبناه، واما الشدة والضعف في الارادة الحقيقية - لو قلنا بهما على المبنى - فلا دخل لهما بمدلول الصيغة وهو الارادة الانشائية، ولو فرض التشكيك فيه بأن قيل المفهوم الاعتباري للارادة الضعيفة مثلا الضعف من المفهوم الاعتباري للارادة القوية، لم يكن امر الاستحباب أخف مؤنة من الوجوب، بل اما يتساويان في الاحتياج إلى المؤنة، واما يحتاج إليها الوجوب دون الندب، فلا يستقيم الاخذ بالاطلاق وتعيين الوجوب بهذا المعنى. هذا كله على تقدير عدم ظهور في البين والحاجة إلى مقدمات الاطلاق، =


(1) سورة ابراهيم 14 الآية 4 (*)

[ 110 ]

[... ] = لكن الظاهر ان نفس الهيئة ظاهرة بالظهور اللفظي في الوجوب النفسي العينى التعييني بلا احتياج إلى المقدمات، نظير الكل الظاهر في الاستيعاب بلا احتياج إليها، بل الظهور ناف لاحتمال ما لولاه ينفيه الاطلاق. ثم إنه لو كان في المقام ظاهر أو اطلاق اخذنا به، واما مع عدمهما فهل يحكم العقل بالبراءة - عند الشك في احد القيود المذكورة - أو الاشتغال ؟ الظاهر الثاني، بمعنى ان العقل يحكم بصحة المؤاخذة على تقدير العينية والنفسية والتعيينية، لا للعلم الاجمالي بين وجوب شئ أو شيئين في النفسي والغيريي، وانحلاله إلى العلم بوجوب الاقل والشك في وجوب الاكثر حتى يلزم على القائلين بعدم الانحلال الاتيان بهما، ولا يجري التقريب المذكور في الشك في الكفائية والتخييرية، بل لان الانسان يجد من نفسه المأخوذية بالنسبة إلى ما سمع وعلم بتوجه ارادة المولى إليه قبل الالتفات إلى العلم الاجمالي، فالعلم بتلك الحالة التي يعبر عنها بالارادة كاف في صحة المؤاخذة، الا إذا علم كونها بحيث لا يجب موافقتها ولا تورث العقاب مخالفتها، إما مطلقا كما في الغيرية الغير المنجز ذيها لعدم العلم أو لعدم القدرة، وإما على تقدير قيام الغير كما في الكفائي، ومع اتيان بد له كما في التخييري. وأما احتمال كونها بحيث لا يجب موافقتها فلا ينهض لرفع اليد عن تلك الحجة العقلية، وليس المناط في الحجة على التكليف العلم بالعقاب حتى يقال بعدم العلم به في المقام على الفرض، بل يكفي العلم بالتكليف مع احتمال العقاب، والا فاللازم عدم حجية الطرق، لانتفاء العلم بالعقاب فيها كما هو واضح. ويمكن أن يلتزم في المقام بكون العلم بالارادة المرددة طريقا إلى الارادة النفسية العينية التعيينية كالاوامر الطريقية، والفرق بين التقريبين هو أن العلم - بالارادة المرددة مع احتمال العقاب على الاول - موضوع لوجوب الاطاعة واستحقاق العقاب من دون لحاظ الطريقية، وعلى الثاني طريق إلى ما يورث العلم أو الطريق إليه =

[ 111 ]

[ بعدم صحة اعتذار العبد عن المخالفة، باحتمال الندب، وعدم كون الآمر في مقام بيان القيد الدال على الرخصة في الترك. ونظير ما ذكرنا هنا - من استقرار الظهور العرفي بمجرد عدم ذكر القيد في الكلام، وان لم يحرز كون المتكلم في مقام البيان - القضايا المسورة بلفظ الكل وامثالها، فان تلك الالفاظ موضوعة لبيان عموم افراد مدخولها، سواء كان مطلقا ام مقيدا، ففي قضية (اكرم كل رجل عالم)، و (اكرم كل رجل) لفظ الكل مفيد لمعنى واحد، وهو عموم افراد ما تعلق به وما دخل عليه، غاية الامر مدخوله في الاولى الطبيعة المقيدة، وفي الثانية المطلقة، فالتقيد في الرجل الذى هو مدخول الكل ليس تصرفا في لفظ الكل. وهذا واضح، لكنه مع ذلك لو سمعنا من المتكلم (اكرم كل رجل) لا نرى من انفسنا في الحكم بالعموم في افراد الرجل الاحتياج إلى مقدمات الحكمة في لفظ الرجل، بحيث لولاها نتوقف في أن المراد من القضية المذكورة اكرام جميع افراد الرجل، أو جميع افراد الصنف الخاص منه، ولا يبعد أن يكون نظير ذلك حمل الوجوب على النفسي والتعييني عند احتمال كونه غيريا أو تخييريا، فان عدم اشتمال القضية على ما يفيد كون وجوبه لملاحظة الغير، وكذا على ما يكون طرفا للفعل الواجب، يوجب استقرار ظهورها في كون الوجوب نفسيا تعيينيا، فلا يحتاج إلى ] = العقاب، هذا على المختار من تحقق الحالة الموجودة في النفس في جميع الاقسام واحتياج بعض الاقسام إلى قيد، واما على الفرق بين الوجوب والندب بالشدة والضعف واحتياج الوجوب إلى الحجة على الارادة الشديدة، فالعلم بالارادة المرددة بين الضعيفة والشديدة ليس حجة على خصوص الشديدة منها، ومقتضى الاصل البراءة، لكن المبنى غير سديد.

[ 112 ]

[ احراز مقدمات الحكمة. والشاهد على ذلك كله المراجعة إلى فهم العرف، إذ لا دليل في امثال ذلك امتن مما ذكر. ويحتمل أن يكون حمل الارادة على الوجوب التعييني النفسي - عند عدم الدليل على الخلاف - من باب كونها حجة على ذلك عند العقلاء، لو كان الواقع كذلك، نظير حجية الاوامر الظاهرية على الواقعيات على تقدير التطابق، من دون أن يستقر الظهور اللفظى فيما ذكرنا، فافهم [ 69 ]. (الفصل الرابع) (الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب) الجمل الخبرية - التى يؤتى بها في مقام الطلب - ظاهرة في الوجوب، سواء قلنا بانها مستعملة في الطلب مجازا، أم قلنا بانها مستعملة في معانيها من الحكاية الجزمية عن الواقع بداعي الطلب، كما هو الظاهر. أما على الاول فلما مر من ان الندب يحتاج إلى مؤنة زائدة [ 70 ] وأما على الثاني فلان الاخبار بوقوع المطلوب في الخارج يدل على عدم تطرق نقيضه عند الامر، فيكون هذا ابلغ في افادة الوجوب من صيغة افعل وامثالها. ] [ 69 ] لعله اشارة إلى استقرار الظهور في المقامين من دون حاجة إلى التقريب المذكور. الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب [ 70 ] بل يجري الوجه الثاني فيه أيضا، لان استعمال الهيئة الموضوعة في الطلب لابد له من نكتة، كاستعمال اللفظ الموضوع للحيوان المفترس في الانسان، والنكتة في المقام عدم تطرق نقيضه عند الامر، نعم لعل الثاني أبلغ في ذلك =

[ 113 ]

[ (لا يقال): لازم حمل الجمل الخبرية في مقام الطلب على الاخبار وقوع الكذب فيما لم يات المكلف بالمطلوب (لانا نقول): الصدق والكذب يلاحظان بالنسبة إلى النسبة الحكمية المقصودة بالاصالة، دون النسبة التى جئ بها توطئة لافادة امر آخر. ولذا لا يستند الكذب إلى القائل بان زيدا كثير الرماد، توطئة لا فادة جوده، وإن لم يكن له رماد، أو كان ولم يكن كثيرا وانما يسند إليه الكذب لو لم يكن زيد جوادا. (الفصل الخامس) (مفاد هيئة افعل) هيئة افعل تدل بوضع المادة على الطبيعة اللابشرط من جميع الاعتبارات، حتى الوجود والعدم، وحتى الاعتبار الذى به صار مفادا للمصدر [ 71 ] ضرورة أن المعنى المذكور آب عن الحمل على الذات، فيمتنع وجوده في الهيئة التى تحمل على الذات. هذا وضع المادة، وتدل ] = المعنى ولا يخفى وجهه، كما لا يخفى أن النكتة المذكورة توجب ظهورها في الوجوب، لا كونها بحيث تأبى عن الحمل على الاستحباب، بل قد يؤتى بها لبيان تأكد الاستحباب. مفاد هيئة افعل: [ 71 ] المادة عبارة عن اصوات خاصة غير مقيدة بهيئة خاصة لا يمكن التلفظ بها وحدها، بل لابد لتلفظها من احدى الهيئات. نعم يمكن افهامها بالاشارة إليها بأن يقال (ض، ر، ب) مثلا لمادة ضرب وهكذا غيرها. ومعناها ايضا مجرد عن جميع القيود حتى الوجود والعدم، ولا يمكن ايجاده في الذهن مستقلا ومنفكا عن الهيئة، نعم يشار إليه بما هو موجود في جميع الهيئات. والهيئة عبارة عن كيفية =

[ 114 ]

[ بواسطة وضع الهيئة على الطلب القائم بالنفس، فالمركب من الوضعين يفيد الطلب المتعلق بتلك الطبيعة اللابشرط. وحيث أن الطبيعة اللابشرط حتى من حيث الوجود والعدم لا يمكن ان تكون محلا للارادة عقلا يجب اعتبار وجود ما زائدا على ما يقتضيه وضع المادة والهيئة [ 72 ]، والوجود المذكور الذى يجب إعتباره عقلا على انحاء: (احدها) الوجود السارى في كل فرد كما في قوله تعالى احل الله البيع (ثانيها) الوجود المقيد بقيد خاص، ومن القيود المرة والتكرار، والفور أو الوجود الاول وامثال ذلك (ثالثها) أن يعتبر صرف الوجود مقابل العدم الازلي، من دون امر آخر وراء ذلك. وبعبارة اخرى كان المطلوب انتقاض العدم الازلي ] = اداء الحروف، ولا يمكن تحققها مجردة عن المادة، نعم يمكن افهامها ايضا بالاشارة ويقال: ما لا يمكن تحققه الا في ضمن صيغة من الصيغ، ومعناها الطلب المتعق بالمادة المتحقق في نفس المتكلم. [ 72 ] لا يخفى ان اعتبار واحد من الوجود أو العدم في متعلق الطلب عقلي، لعدم امكان تعلق الطلب بنفس معنى المادة، وهو المفهوم المجرد عن جميع الطواري حتى الوجود والعدم كما هو الفرض، لعدم قابلية الماهية المجردة لان تقع معروضا لشئ من العوارض، ولذا يقال: الماهية من حيث هي هي ليست الاهي، وأما اعتبار خصوص الوجود دون العدم فليس بحكم العقل، لا مكان تعلق الطلب بترك الطبيعة، نعم يمكن ادعاء تبادره إلى الذهن في مقام الطلب بعد كونه والعدم سيان بحكم العقل، مثلا لو قيل: الطهارة شرط أو النجاسة مانع، أمكن عقلا أن يكون عدم النجاسة شرطا وأن يكون عدم الطهارة مانعا، لكن يتبادر من تلك القضايا بعد الحكم العقلي المذكور - كون الوجود معتبرا دون العدم، الا إذا صرح المتكلم باعتبار العدم في القضية.

[ 115 ]

[ بالوجود [ 73 ]، من دون ملاحظة شئ آخر، وحيثما لا يدل الدليل على احد الاعتبارات، يتعين الثالث لانه المتيقن من بينها، وغيره يشتمل على هذا المعنى وأمر زايد فيحتاج إلى مؤنة اخرى زائدة مدفوعة بمقتضى الاطلاق. ومما ذكرنا يظهر ان الفور والتراخى والمرة والتكرار وغيرها كلها خارجة عن متفاهم اللفظ. نعم لو دل الدليل على احدها، لم يكن منافيا لوضع الصيغة لا بمادتها ولا بهيئتها. ولازم ما ذكرنا الاكتفاء بالمرة سواء اتى بفرد واحد من الطبيعة ام ازيد منه، لا نطباق الطبيعة المعتبرة فيها حقيقة الوجود، من دون اعتبار شئ آخر على ما وجد اولا، فيسقط الامر، إذ بعد وجود مقتضاه في الخارج لو بقى على حاله لزم طلب الحاصل، وهو محال. نعم يمكن أن يقال في بعض الموارد بجواز ابطال ما اتى به اولا، وتبديله بالفرد الذى ياتي به ثانيا، كما ياتي بيانه في محله. (الفصل السادس) (في الاجزاء) لا اشكال في ان الا تيان بالمأمور به بجميع ما اعتبر فيه شرطا وشطرا، يوجب الاجزاء عنه، بمعنى عدم وجوب الاتيان به ثانيا، باقتضاء ذلك الامر، لا اداءا ولا قضاءا، لسقوط الامر بايجاد متعلقه، ] [ 73 ] هذا على مختاره سابقا، لكنه - دام بقاه - رجع عنه ورده بأن وجود الطبيعة المجردة عن جميع الطواري غير مقيد بالناقضية للعدم، وان كان ناقضا له في الخارج، لكن لا بنحو التقيد بحيث لو اجتمع اكثر من سبب واحد لا يجابه لم يكن =

[ 116 ]

[ ضرورة أنه لو كان باقيا بعد فرض حصول متعلقه لزم طلب الحاصل، وهو محال. ولا فرق في ذلك بين الواجبات التعبدية والتوصلية. وما قد يتوهم في التعبديات: من أنه قد يؤتى بالواجب بجميع ما اعتبر فيه، ومع ذلك لم يسقط الامر، لفقد التقرب الذى اعتبر في الغرض، فهو بمعزل عن الصواب، لما ذكرنا من استحالة بقاء الامر مع وجود عين ما اقتضاه في الخارج. وأما وجوب الاتيان ثانيا في التعبديات لو اخل بقصد القربة، فاما من جهة اعتبار ذلك في المأمور به، وإما من جهة تعلق الامر بالاتيان بالفعل ثانيا، بعد سقوط الامر الاول، لعدم حصول الغرض الاصلى. وستطلع على تفصيل ذلك عند البحث عن وجوب مقدمة الواجب ان شاء الله. والحاصل ان الامر إذا اتى بما اقتضاه بجميع ما اعتبر فيه لا اقتضاء له ثانيا. نعم يتصور امر آخر يتعلق بايجاد الفعل ثانيا. وهذا غير عدم الاجزاء عن الامر الاول. ولعمري إن هذا من الوضوح بمكان. وكذا لافرق فيما ذكرنا بين الا وامر المتعلقة بالعناوين الاولية، وبين الا وامر الملحوظ فيها الحالات الطارية، من قبيل العجز والاضطرار والشك وامثال ذلك، لوجود الملاك الذى ذكرنا في الجميع. وانما الاشكال ] = قابلا للتكرار، فقيد الناقضية ايضا قيد يدفعه الاطلاق، وتمام الكلام مع بيان الثمرة في باب تداخل الاسباب انشاء الله تعالى إذ لا ثمرة بين القولين في ما لم تكن اسباب متعددة ويكتفى بالمرة في الامتثال، نعم بناء على الناقضية لا يعقل التكرار، وبناء على عدمها يعقل التكرار لكن لا مقتضى له، لان الامر الاول لم يكن الا مقتضيا لاصل الطبيعة وقد تحققت ولا امر آخر بالفرض.

[ 117 ]

[ والكلام في أن الاوامر المتعلقة بالمكلف بملاحظة العناوين الطارية [ 74 ] لو اتى المكلف بمتعلقاتها، هل تجزى عن الواقعيات الاولية، بحيث لو ارتفعت تلك الحالة الطارية في الوقت أو خارجه، لا يجب عليه الاتيان بما اقتضت الاوامر الواقعية الاولية أو لا يكون كذلك ؟ إذا عرفت ذلك فنقول: إن العناوين الطارية التى توجب التكليف على قسمين (احدهما) ما يوجب حكما واقعيا في تلك الحالة مثل الاضطرار (ثانيهما) ما يوجب حكما ظاهريا، مثل الشك، فها هنا مقامان يجب التكلم في كل منهما. ] الاجزاء: [ 74 ] المراد بالعنوان الطاري هو العنوان المأخوذ في طول الواقعيات غير المقيدة بحال، سواء كان ظاهريا مجعولا في مرتبة الشك في الواقع، أو واقعيا ثانويا مجعولا في مرتبة العجز عن الواقعي الاولى، مثل ان لم تجدوا ماءا فتيمموا فان وجوب التيمم على الفاقد وان كان حكما واقعيا ليس وارءه حكم آخر في اللوح المحفوظ كالاحكام الظاهرية، لكن لما كان في مرتبة العجز عن الواقع الاولى وفقدان الماء يقال له الواقعي الثانوي، وكذا جميع ما جعل بلحاظ العجز عن الواقعيات الاولية، فيخرج مثل السفر والحضر، فان أحد العنوانين لم يؤخذ مع العجز عن الآخر، بل هما ملحوظان في عرض واحد، بمعنى ان الآمر قسم المكلف إلى صنفين: الحاضر والمسافر، واوجب على الاول التمام، وعلى الثاني القصر، من دون تقدم لاحدهما على الاخر. فليس المحكوم باحد الحكمين محكوما بالحكم الاخر ايضا، حتى يقال هل الامتثال لاحدهما مجز عن الاخر أم لا ؟ بل لا موضوع لاحدهما مع تحقق الاخر.

[ 118 ]

[ 1 - (اجزاء الاضطراري عن الاختياري) اما القسم الاول فينبغي التكلم فيه (تارة) في انحاء ما يمكن أن يقع عليه و (اخرى) فيما وقع عليه. أما الاول فنقول: يمكن أن يكون التكليف بشئ في حال عدم التمكن من شئ آخر، والاضطرار العرفي بتركه، من جهة أن ذلك الشئ مشتمل على عين المصلحة التى تقوم بالفعل الاختياري، من دون تفاوت اصلا، مثلا الصلاة مع الطهارة المائية في حق واجد الماء، والترابية في حق فاقده سيان في ترتب الاثر الواحد المطلوب الموجب للامر [ 75 ] ويمكن أن يكون الفعل في حق المضطر مشتملا على مصلحة وجوبية، لكن من غير سنخ تلك المصلحة القائمة بالفعل الاختياري، وان كانت مثلها في كونها متعلقة لغرض الآمر في الحالة التى يكون المكلف عليها [ 76 ]. ويمكن أن يكون مشتملا على مرتبة ادنى من المصلحة القائمة بالفعل الاختياري. على هذا يمكن بلوغ الزائد حدا يجب استيفاؤه ويمكن عدم بلوغه إلى هذه المرتبة. وعلى الاول يمكن كون الزائد مما يمكن استيفاؤه بعد زوال العذر، ويمكن عدم كونه كذلك. هذه أنحاء الصور في التكاليف الاضطرارية [ 77 ]. ] اجزاء الاضطراري عن الاختياري: [ 75 ] كما في ايماء المريض وقيام القادر للتعظيم، فان الظاهر اتحاد اثرهما عينا. [ 76 ] بحيث لو اجتمع العنوانان في مكلف واحد لا وجبهما عليه. [ 77 ] وجميع الانحاء المذكورة في المكلف به متصورة في نفس التكليف ايضا، بأن =

[ 119 ]

[ ولازم الاول من الاقسام المذكورة الاجزاء، بداهة مساواة الفعل الاضطراري للفعل الاختياري في تحصيل الغرض على الفرض المذكور، فكما أن الفعل الاختياري يوجب الاجزاء كذلك الاضطراري. ولازم الثاني منها عدم الاجزاء، إذا لفعل الاضطراري - وإن كان مشتملا على المصلحة التامة كالاختياري - لكن المصلحة القائمة بكل منهما تغاير الاخرى، فلا يكون احد الفعلين مجزيا عن الاخر. نعم يمكن أن يكون احد الفعلين في الخارج موجبا لعدم امكان استيفاء مصلحة الاخر. ولا يخفى أن لازم كلا القسمين المذكورين جواز تحصيل الاضطرار اختيارا [ 78 ]. ولازم الثالث عدم الاجزاء [ 79 ]. مع اتصاف الزائد بوجوب الاستيفاء وامكانه معا، وفى غيره الاجزاء. ثم إنه إن كانت المصلحة الزائدة بمرتبة اللزوم، ولا يمكن الاستيفاء بعد اتيان الفعل الاضطراري، لا يجوز للامر الايجاب والبعث إلى الاضطرار في الوقت، إن علم بزوال عذره قبل زوال الوقت، لانه تفويت للمصلحة اللازمة. وفي غير الصورة المذكورة يجوز الايجاب، وإن علم بزوال عذره في الوقت. ووجهه ظاهر. ولازم الصورة الاولى عدم جواز البدار إلى الفعل الاضطراري، إلا إذا علم باستيعاب العذر لتمام الوقت، كما ان لازم الثانية جواز ذلك، وان علم ] = لا يكون في نفس الفعل فائدة، ولكن كان في الايجاب والبعث به أحد الفوائد المذكورة. [ 78 ] وكذا جواز البدار للمكلف، وجواز الايجاب للآمر مع العلم بانقطاع العذر في الاثناء. [ 79 ] بشرط عدم تداركه بمصلحة في التكليف.

[ 120 ]

[ بانقطاع العذر. والقول بعدم جواز البعث للامر والبدار للمكلف في الصورة الاولى، إنما هو فيما لم تكن للتكليف مصلحة تتدارك بها المصلحة الزائدة الفائتة، والاجاز. وتنتفي الثمرة بين الصورتين. هذه انحاء التصور في التكاليف الاضطرارية. واما ما وقع بمقتضى النظر في ادلتها، فالظاهر أن المأتى به في حال الاضطرار لو وقع مطابقا لمقتضى الامر، يسقط الاعادة ثانيا، فان ظاهر ادلتها ان المعنى الواحد يحصل من المختار باتيان التام، ومن المضطر باتيان الناقص [ 80 ]. نعم في كون موضوع تكليف المضطر هو الاضطرار ] [ 80 ] وذلك لظهور الادلة في تقسيم المكلفين بصرف الوجود إلى القادر والعاجز والواجد والفاقد مثل ان لم تجدوا.. والتراب احد الطهورين ورب الماء ورب التراب واحد ويكفيك التراب عشر سنين واذكروا الله قياما وقعودا بناءا على ما فسر في الاخبار من وجوب الصلاة على القادرين قياما، وعلى العاجزين قعودا وغير ذلك من ادلة الباب، فانها ظاهرة في ان التكليف واحد، ويأتى به كل بحسب حاله، ولا يجب على مكلف واحد الاتيان بوظيفتين، لكن لا يخفى أنها وان كانت ظاهرة في عدم الوجوب ثانيا بعد ارتفاع الاضطرار، إما ان ذلك لحصول تلك المصلحة بتمامها حتى يجوز تحصيل الاضطرار للقادر والبدار للعاجز العالم بزوال عذره في الوقت، وإما لتفويت محلها حتى يحرما، ولذا يشكل الحكم بجواز تحصيل الاضطرار على من تنجز عليه تكليف التمام لتمكنه من اتيانه، لان العقل لا يجوز مخالفة التكليف المنجز، ولو بتفويت المحل بمجرد احتمال التدارك، بل يحتاج إلى المؤمن من قبل الشارع والمفروض انتفاؤه، نعم لو اجترأ وصار مضطرا يجب عليه اتيان الناقص لتحقق موضوعه، اللهم الا أن يكون في الادلة اطلاق يشمل العجز في بعض الوقت ليرخص البدار، فيستكشف منه عدم التفويت، لا ستلزامه الالقاء في المفسدة، فيجوز تحصيل الاضطرار، لكن استكشاف ذلك منها مبنى على ان لا يكون التجويز لمصلحة في الجعل فتأمل.

[ 121 ]

[ الحالى أو الاضطرار المستوعب لتمام الوقت كلام، لابد في تنقيح ذلك من النظر في الادلة [ 81 ] وللكلام فيه محل آخر. ويتفرع على الاول سقوط الاعادة لو انقطع العذر في الاثناء، وعلى الثاني عدم السقوط، لا لعدم اجزاء امتثال الامر في حال الاضطرار، بل لكشف انقطاع العذر عن عدم كون المأتى به متعلقا للامر. وأما القضاء فيما إذا استوعب العذر مجموع الوقت وانقطع بعده، فيسقط عنه على كلا التقديرين. ثم انه لو فرضنا الشك في ظواهر الادلة، فاصالة البراءة محكمة، لرجوع المقام إلى الشك في التكليف [ 82 ] ولا فرق في ذلك بين الاعادة والقضاء. (لا يقال): مقتضى وجوب قضاء ما فات وجوب العمل التام عليه، لصدق فوت العمل التام عنه. (لانا نقول): يعتبر في صدق الفوت اشتمال العمل على المصلحة المقتضية للايجاب عليه، ولم يستوفها المكلف. والمفروض احتمال استيفاء المكلف العاجز تلك المصلحة باتيان الناقص. ومع هذا الاحتمال يشك في صدق الفوت الذى هو موضوع ادلة القضاء هذا حال التكليف الاضطراري. ] [ 81 ] لا يبعد استفادة الاول منها، فان من لم يتمكن من تحصيل الماء بحسب الاسباب يصدق عليه انه لم يجد الماء فيجب عليه التيمم، وان علم أنه يصير بعد ساعة واجدا للماء، لنزول المطر أو غيره من الامور غير الاختيارية، نعم لو كان عدم التمكن فعلا من جهة احتياجه إلى مقدمات اختيارية ولو بمشي مقدار من المسافة لم يصدق عليه فاقد الماء، وتمام الكلام في محله. [ 82 ] في غير الاضطرار الطاري بعد التمكن من اتيان التمام في الوقت، وأما فيه =

[ 122 ]

[... ] = فالظاهر أن العقل يحكم بالاشتغال لما مضى في تحريم تحصيل الاضطرار عليه، من أن العقاب المنجز على التمام لا يرتفع باحتمال التدارك، ومع التكرار ثانيا وان لم يحصل القطع بالبراءة أيضا، لا حتمال التفويت بفعل الناقص، لكن يجب بحكم العقل تقليل الاحتمال، كمن اشتبهت عليه القبلة وعجز عن الصلاة إلى أربع جهات، فان العقل يحكم باتيانها إلى ثلاث جهات وان لم يقطع بالبراءة معها. ان قلت: ان كانت في المقام اطلاق يدل على أن المضطر في ساعة يجب عليه الناقص، حتى يجوز البدار وتحصيل الاضطرار، فقد مر - في الحاشية السابقة - أنه يستكشف منه عدم التفويت، وان لم يكن اطلاق يشمل ذلك الاضطرار المرتفع بعد ساعة، فموضوع الحكم بالناقص بعد غير محرز حتى يقال هل الاتيان به مجز عن التام ام لا ؟ بل الامر بالتام معلوم والشك في ارتفاعه، والظاهر ان القائل بالبراءة لا يقصد المقام قطعا، لان المقام مقام استصحاب الحكم بالتام لا البراءة عنه. قلت: اولا: هذا اشكال آخر على القائل بالبراءة، لانه مع الاطلاق لا مجال للبراءة، ومع عدمه يستصحب وجوب التام. واما ثانيا: فبما قلنا في الحاشية السابقة من ان الاطلاق لا ينهض دليلا على عدم التفويت لاحتمال المصلحة في الجعل، وهي ملازمة للاذن في البدار لا في تحصيل الاضطرار، فيمكن في خصوص الفرض الحكم بالاشتغال، وان كان الاطلاق موجودا، وان فرض في المتن محل النزاع خصوص المورد الخالي عن الاطلاق، بل قد يقال في غير الفرض أيضا بوجوب التام، يعنى أن من كان عاجزا في اول الوقت وأتى بالناقص يجب عليه الاتيان بالتام عند حصول القدرة ايضا بمقتضى الاستصحاب التعليقي، فانه لو كان قادرا لكان يجب عليه التام، فيستصحب الملازمة بين القدرة ووجوب التام، للعلم بوجودها قبل فعل الناقص والشك فيها بعده، ولا تنقض اليقين.. ومقتضى ذلك ايجاب التام عند حصول القدرة، وهو مقدم عى استصحاب عدم وجوبه الفعلي، كما حقق في محله.

[ 123 ]

[... ] = ولكنه مخدوش، بيان ذلك: ان الحكم المعلق على شئ قد يعلق عليه بلا لحاظ زمان فيهما، بل يتحقق الحكم عند تحقق الشرط، لكن لا مقيدا بخصوص زمانه بل يبقى الحكم وان انقضى زمان الشرط، كتعليق حرمة العصير على غليانه، وقد يلاحظ فيه زمان خاص ولو كان ذلك نفس زمان المعلق عليه، كتعليق وجوب الوضوء على وجدان الماء، ووجوب التيمم على فقدانه وجواز الاقتداء على العدالة وعدمه على الفسق، فوجوب الوضوء في خصوص حال الوجدان معلق على الوجدان لا وجوبه ولو بعد الوجدان، وكذا التيمم في خصوص حال الفقدان، والاقتداء في خصوص حال العدالة، وعدمه في حال عدمها ولا اشكال في جريان الاستصحاب التعليقي في القسم الاول. لان الملازمة الشرعية بين الغليان والحرمة كانت متيقنة في حال العنبية فإذا شككنا بعد الزبيبية في بقائها فلا مانع من إبقائها مع اتحاد الموضوع عرفا. واما في القسم الثاني فحيث علق وجوب الوضوء في خصوص زمان الوجدان على تقدير تحققه، فقبل مضي كل زمان يصح ان يقال ان تحقق الوجدان في هذا الزمان يجب الوضوء في هذا الزمان، واما بعد فوت الزمان فلم تبق تلك القضية الشرعية بحالها، لان حكم الموقت ينتفى بانتفاء وقته، نعم يصح ان يقال لو كان واجدا لكان يجب عليه الوضوء، لكنها قضية عقلية منتزعة من الاولى انتفت بانتفاء وقتها، ومثل تلك القضية العقلية لا تكون منشأ للاثار الشرعية وهي فرضية عقلية، كقولنا المايع الفلاني لو كان خمرا لحرم شربه، ولكان ماء الجاز شربه، ولو كان دما لوجب اجتنابه، وامثال هذه مما لا تحصى كثرة، هذا بالنسبة إلى الزمان الماضي، واما بالنسبة إلى الزمان الآتى فتصدق قضية شرعية اخرى وهي ان واجد الماء يجب عليه الوضوء في خصوص ذلك الزمان، ولا ربط لهذا القضية بالسابقة حتى يستصحب، فان كانت في نفسها متيقنة فهو، والا فالمرجع فيها البراءة. وفي المقام وجوب التمام مسلم على من لم يصل الناقص، واما من صلى الناقص فوجوب التمام عليه في خصوص الزمان المذكور مشكوك فيه من أول الامر.

[ 124 ]

[ 2 - (اجزاء الظاهرى عن الواقعي) واما التكاليف المتعلقة بالمكلف في حال الشك في التكليف الواقعي، فملخص الكلام فيها أنه إن قلنا باشتمال متعلقاتها في تلك الحالة على المصالح، فحالها حال التكاليف المتعلقة بالافعال في حال الاضطرار [ 83 ]، من دون تفاوت. وإن قلنا بانها تكاليف جعلت لرفع تحير المكلف عن الواقعيات في مقام العمل، فلازم ذلك عدم الاجزاء، ] = والحاصل: ان في المقام قضيتين احداهما: أنه لو كان قادرا لوجب عليه التمام في الزمان الماضي، والثانية: أنه ان قدر في الزمان اللاحق يجب عليه التمام في تلك الحالة. أما في الاولى: فمعلوم أنها لم تكن شرعية ولو كانت لم تكن مفيدة لوجوب التمام في الآن اللاحق، لانهما حكمان غير مرتبط أحدهما بالآخر. واما الثانية: فهي متيقنة في حق غير مصلى الناقص، وأما في حقه فمشكوك من رأس، وهذا بخلاف (إذا غلا ينجس أو يحرم) فان فيها حيث لم يقيد الحكم بزمان خاص، فلا محالة يصدق في كل زمان قضيتان، احداهما حلال وطاهر فعلا، والاخرى إذا غلا ينجس ويحرم وهى قضية واحدة باقية تستصحب عند الشك. اجزاء الظاهري عن الواقعي: [ 83 ] اما ثبوتا، فلا مكان كون مصلحة العمل بالحكم الظاهري عين المصلحة الواقعية في ذلك الموضوع، وكونها سنخا آخر، وكونها أنقص منها بمقدار لازم الاستيفاء مع امكان استيفائه أو بدونه أو بمقدار مستحب. وأما اثباتا، فلظهور أدلتها في أن العمل المذكور لمن قامت عليه الامارة هو المكلف به واقعا وان كان موضوعها خاصا، فمن قامت امارة له في كيفية صلاته فما دام موضوعا لها تكون تلك الصلاة له صلاة حقيقة لا تعبدا وتنزيلا، ومعلوم ان الصلاة لا تطلب من مكلف مرتين.

[ 125 ]

[ لعدم حصول الغرض الموجب للتكليف بالواقع على هذا الفرض. غاية الامر كون الامتثال لتلك التكاليف عذرا عن الواقع المختلف عنه، وحد امكان العذر عن الشئ كونه مشكوكا فيه، فإذا علم لا يمكن عقلا ان يكون معذورا فيه، لوجوب امتثال الحكم المعلوم وحرمة مخالفته. ولا فرق فيما ذكرنا بين ان يكون مورد الاحكام الظاهرية الشبهات الموضوعية أو الحكمية [ 84 ]. وحاصل الكلام: أن الغرض الموجب للحكم حدوثا موجب له بقاءا ما لم يحصل. وبعد ما فرضنا أن متعلقات الاحكام الظاهرية ليست مشتملة على مصالح، حتى يتوهم حصول تلك الاغراض الموجبة للتكليف بالواقعيات باتيانها، وانما فائدتها تنجيز الواقعيات في مورد ثبوتها، وكونها عذرا عنها في صورة التخلف، فلا وجه لتوهم الاجزاء، لانه ان كان المراد ] = واما عند الشك في ظواهر الادلة فنحكم بالبراءة، الا فيما حكمنا فيه في السابق بالاشتغال لعين ما قلناه آنفا، نعم قد يقال: مقتضى اطلاق الادلة الدالة على حجية الامارة مع امكان تحصيل العلم عدم تفويت الواقع بلا تدارك، لاستلزامه المحال. وهو صحيح لولا احتمال المصلحة في الجعل كما مر. [ 84 ] وتوهم الفرق بامكان تقييد الاحكام الواقعية بالعلم في الاول بخلاف الثاني مندفع، بأن مجرد امكان التقييد في الاول في مرحلة الثبوت غير موجب للحكم به في مرحلة الاثبات، مع أن لسان الادلة فيهما واحد فكل شئ مطلق وكل شئ حلال يرخص ترك الواقعيات في الشبهات الحكمية والموضوعية على نسق واحد، وجعل الحكم في بعض أفراده واقعيا وفي بعضها ظاهريا كما ترى، وكذا ادلة الامارات والطرق، ولو فرض اختصاص دليل بالشبهات الموضوعية فيدور الامر بين تقييد كل من دليلى الحكمين بالعلم والجعل، وبين الجمع بينهما بجعل احدهما واقعيا والثاني ظاهريا من دون تقييد لاحدهما، ومعلوم أن الجمع أولى.

[ 126 ]

[ سقوط الامر بالواقعيات بمجرد امتثال الامر الظاهرى، فلا يعقل مع بقاء الغرض الذى اوجب الامر، وإن كان المراد كونه معذورا فيها مع بقاء الامر بها وارتفاع الشك، فلا يعقل ايضا، لاستقلال العقل بعدم معذورية من علم بتكليف المولى. نعم يمكن ان يوجب امتثال الامر الظاهرى عدم القابلية لا ستدراك المصلحة القائمة بالواقع، فيسقط الامر به من هذه الجهة. وهذا الاحتمال - مع كونه بعيدا في حد نفسه - لا يصير منشأ للتوقف، إذ غايته الشك في السقوط، وهو بعد العلم بالثبوت مورد للاشتغال. هذا إذا علم ان جعل الاحكام الظاهرية من باب الطريقية ولو شك في أنه كذلك أو من باب السببية، أو علم انه من باب السببية، ولكن شك في ان الاتيان بالمشكوك فيه هل هو واف بتمام الغرض الموجب للامر بالواقع، أو بمقدار يجب استيفاؤه أو لم يكن كذلك، فهل الاصل في تمام ما ذكرنا يقتضى الاجزاء أو عدمه، أو التفصيل بين ما إذا كان منشأ الشك في الاجزاء وعدمه الشك في أن جعل الاحكام الظاهرية من باب السببية أو الطريقية، وما إذا كان منشأ الشك فيه الشك في كيفية المصلحة القائمة بالفعل المشكوك فيه المتعلق للامر، بعد احراز أن الجعل من باب السببية ؟ الحق أن يقال: ان مقتضى الاصل عدم الاجزاء مطلقا. بيان ذلك أن الاحكام الواردة على الشك - سواء قلنا بانها جعلت لمصحلة في متعلقاتها، أو قلنا بانها جعلت من جهة الطريقية - إنما جعلت في طول الاحكام الواقعية، لان موضوعها الشك في الواقعيات بعد الفراغ عن جعلها، فلا يمكن أن تكون رافعة لها، غاية الامر أن الاتيان

[ 127 ]

بمتعلقاتها - ان قلنا بان الجعل فيها من باب السببية، وانها وافية بمصالح الواقعيات - مجزئ عنها. وهذا غير ارتفاع الاحكام الواقعية، وانحصار الحكم الفعلى بمؤدى الطريق. إذا عرفت ذلك فنقول: لواتى المكلف بما يؤدى إليه الطريق، فان قطع باشتمال ما أتى به على المصلحة المتحققة في الواقع فهو، والا فبعد انكشاف الخلاف يجب عليه اتيان الواقع، سواء كان الشك في السقوط وعدمه مستندا إلى الشك في جهة الحكم الظاهرى، أو في وفاء المصلحة المتحققة في متعلق الحكم الظاهرى لتدارك ما في الواقع، بعد إحراز أن الجعل انما يكون من جهة المصلحة الموجودة في المتعلق، إذ يشترك الجميع في أن المكلف يعلم - حين انكشاف الخلاف - بثبوت تكليف عليه في الجملة، ويشك في سقوطه عنه. وهذا الشك مورد للاشتغال العقلي [ 85 ]. ومما ذكرنا يظهر لك الفرق بين المقام والمقام السابق الذى قلنا فيه بالبراءة من الاعادة والقضاء، بعد اتيان ما اقتضاه التكليف في حال الاضطرار. توضيح الفرق أن المكلف في حال الاضطرار، ليس عليه الا ] [ 85 ] هذا انما يصح بناءا على فعلية الاحكام الواقعية كما هو مختار الاستاذ - دام ظله - لان المكلف يعلم فعلا بالوجوب الفعلي قبل ذلك الآن ولكن يشك في سقوطه، وأما بناءا على انشائية الاحكام فلا يستقيم، لان المكلف لا يعلم بتكليف فعلي في آن من الآنات، أما حين الجهل فانشائي بالفرض، وأما بعده فيحتمل السقوط، الا أن يقال بحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة تكليف كان - مع قطع النظر عن احتمال سقوط ما كان - فعليا. ولا يخفى أن القاطع بالخلاف خارج عن مسألة الاجزاء، لعدم جعل حكم في حقه حتى يقال بأن الامتثال على طبقه مجزا وغير مجز.

[ 128 ]

[ الفعل الناقص الذى اقتضاه تكليفه في تلك الحال، فلو كلف بعد ارتفاع العذر بالفعل التام، فهو تكليف ابتدائى جديد، فالشك فيه مورد للبراءة، بخلاف حال الشك، فان ما وراء هذا التكليف - الذى اقتضاه الدليل في حال الشك - واقع محفوظ، فإذا ارتفع الشك يتبين له ذلك الواقع الثابت، ويشك في سقوطه عنه. هذا ما ادى إليه نظرى القاصر في المقام وعليك بالتأمل التام. ]

[ 129 ]

[ المقصد الثاني في مقدمة الواجب إعلم أن الواجب في الاصطلاح عبارة عن الفعل المتعلق للارادة الحتمية المانعة عن النقيض، فلا يشمل ترك الحرام، وان كان ينتزع - من مبغوضية الفعل وعدم الرضا به - كون تركه متعلقا للارادة الحتمية المانعة عن النقيض، إلا أنه لا يسمى واجبا في الاصطلاح فلو اقتصر في العنوان المبحوث عنه هنا بمقدمة الواجب - كما فعله الاصوليون - فاللازم جعل الحرام عنوانا مستقلا يتكلم فيه، فالاولى جعل البحث هكذا (هل الا راذات الحتمية للمريد - سواء كانت متعلقة بالفعل ابتداءا أو بالترك من جهة مبغوضية الفعل - تقتضي ارادة ما يحتاج ذلك المراد إليه ام لا) ؟ حتى يشمل مقدمة الفعل الواجب والترك الواجب. ثم انه على القول بالاقتضاء يحكم بوجوب جميع مقدمات الفعل الواجب من المعد، والمقتضى، والشرط، وعدم المانع، ومقدمات المقدمات. وأما الترك الواجب، فلا يجب بوجوبه الا ترك احدى مقدمات وجود الفعل. والسر في ذلك أن الفعل في طرف الوجود يحتاج إلى جميع المقدمات، ولا يوجد الا بايجاد تمامها، ولكن الترك يتحقق بترك احداها [ 86 ]، المقصد الثاني في مقدمة الواجب [ 86 ] لو قلنا بوجوب ترك مقدمة الحرام لكونه مقدمة للواجب اعني ترك =

[ 130 ]

[... ] = الحرام فلا فرق بين الفعل والترك. ومحصل الكلام: ان كلا من الفعل والترك إذا كان واجبا، فاما ان تكون له مقدمات طولية بحيث يكون بعضها مقمة لبعضها الاخر، وهكذا الا ان تنتهي إلى مقدمة المقدمات، فلا اشكال في وجوب الجميع تعينا على الملازمة لتوقف الواجب عليها، وكذا الحال في الاجزاء المنحصرة لما يتوقف عليه الفعل منحصرا، واما ان تكون له مقدمات عرضية بحيث يتوقف الفعل أو الترك على احداها لا على الجميع كالعلل الكثيرة لفعل واحد، فيجب كل منها تخييرا لا تعيينا. وبعبارة اخرى: كل مقدمة منحصرة للفعل أو لاحد مقدماتها المنحصرة واجب تعيينا، وكل مقدمة غير منحصرة له أو لاحد مقدماته واجب تخييرا، من غير فرق بين الفعل والترك، لكن إذا كان للفعل مقدمات طولية منحصرة فعند وجوبه تجب لتوقف المطلوب عليها، وأما عند وجوب تركه فلما كان ترك كل منها علة لتركه يكون ترك كل من المقدمات واجبا تخييرا، لتوقف الواجب على أحد هذه التروك لاعلى الجميع، وإذا كان للفعل مقدمات عرضية كالعلل الكثيرة، فعند وجوب الفعل لا تجب المقدمات الا تخييرا، لعدم توقف الواجب الا على احداها، وأما إذا وجب تركه فيجب ترك جميع العلل تعيينا، توقف حصول الواجب علهيا كما هو واضح، فالمناط في التعيين والتخيير في وجوب المقدمات في الفعل الواجب أو الترك تابع لكيفية التوقف، ولا خصوصية للفعل أو الترك. هذا لو لم نجعل لمقدمات الحرام عنوانا مستقلا واما عليه فنقول: هل يسرى بغض الشئ إلى جميع مقدماته مطلقا، أو بشرط الايصال، اوالى بعض منها، أو الى الاخير فقط، اولا يسرى إلى شئ منها اصلا ؟ والظاهر عدم السراية الا إلى ما يستلزم المبغوض ولا ينفك عنه، وهو مجموعها بوصف المجموع، فيما إذا كان للمبغوض مقدمات منحصرة طولية، بحيث يتوقف وجوده على الجميع، أو عرضية ولكن كان كل منها جزاء منحصرا للعلة المنحصرة، فاتيان المجموع مبغوض من حيث انه ملازم للمبغوض، واما كل واحدة منها فلا مناط للمبغوضية فيه، ولا بأس باتيان الجميع إذا ترك منها واحدة مخيرا في أيتها شاء، نعم إذا قصد بواحدة منها التوصل إلى =

[ 131 ]

فلا يحتاج إلى تروك متعددة، حتى تجب تلك التروك بوجوب ذلك الترك. ومن هنا ظهر أنه إن لم يبق الا مقدمة مقدورة واحدة إما بوجود الباقي، وإما بخروجه عن حيز القدرة، فحرمة ذلك الفعل تقتضي حرمة تلك المقدمة المقدور عليها عينا، كما هو الشأن في كل تكليف تخييري امتنع اطرافه الا واحدا، فانه يقتضى إرادة الطرف الباقي تحت القدرة معينا. وهذا واضح، فلو فرض أن صب الماء على الوجه مثلا يترتب عليه التصرف في المحل المغصوب قطعا، بحيث لا يقدر بعد الصب على ايجاد المانع أو رفع المحل عن تحت الماء، فحرمة الغصب ووجوب تركه تقتضي حرمة صب الماء على الوجه عينا. وعلى هذا بنى سيد أسايتذنا الميرزا الشيرازي (قدس سره) في حكمه ببطلان الوضوء، وإن لم يكن المصب منحصرا في المغصوب [ 87 ]، إذا كانت الطهارة بحيث يترتب عليها التصرف، فلا يرد عليه (قدس سره) ] = الحرام فيدخل تحت عنوان التجري - ان لم نقل بصدق الاشتغال بالحرام عليه كما ادعاه الشيخ (ره) - فتتحد النتيجة مع العنوان السابق. واما في العلل المتعددة فلما كان كل منها مستلزما للحرام يسرى البغض إلى المجموع. [ 87 ] هذا في قبال من قال ببطلان الوضوء في خصوص ما إذا كان المصب منحصرا في المغصوب، لا ستلزامه التصرف في المغصوب فيتحقق فقدان الشرط شرعا، واما إذا لم يكن منحصرا فالطبيعة لا تستلزمه، وان استلزمه فرد منها، ويكفي للامر بالطبيعة وجود فرد مباح، واما على ما ذكر - من عدم القدرة على ترك الحرام الا بترك الصب - فيحرم الصب الخاص، ويتعين الواجب التخييري قهرا في غيره، ولا يصح الاتيان بالفرد المذكور بداعي اتيان الطبيعة، لان حرمته ومبغوضيته مانعة عن حصول القرب به، فلا فرق بين الانحصار وعدمه في بطلان الوضوء.

[ 132 ]

[ ان صب الماء ليس علة تامة للغصب حتى يحرم بحرمته، بل هو من المقدمات. وما هو كذلك لا يجب تركه شخصا، حتى ينافى الوجوب. وحاصل الجواب: أن صب الماء وان لم يكن علة، إلا أنه بعد انحصار المقدمات المقدورة فيه - كما هو المفروض - يجب تركه عينا. (فان قلت): ليس المقدور منحصرا في الصب، بل الكون في المكان المخصوص ايضا من المقدمات، وهو باق تحت قدرة المكلف، فلم تثبت حرمة صب الماء عينا. (قلت): ليس الكون المذكور من مقدمات تحقق الغصب في عرض صب الماء، بل هو مقدمة لتحقق الصب الخاص الذى هو مقدمة لتحقق الغصب. والنهى عن الشئ يقتضي النهى عن احد الافعال التى هي بمجموعها علة لذلك الشى، فإذا انحصر المقدور من هذه الافعال في واحد يقتضى حرمته عينا. هذا واذ قد عرفت أن حرمة مقدمات الحرام إنما تكون على سبيل التخيير، بمعنى ان الواجب ترك احدى المقدمات، منها يتبين لك أنه إذا اقتضت جهة من الخارج وجوب احدى تلك المقدمات عينا، فلا تزاحمه الحرمة التخييرية التى جاءت من قبل النهى، لان الاول ليس له بدل، بخلاف الثاني، فلا وجه لرفع اليد عن احدا لغرضين الفعليين إذا أمكن الجمع بينهما، فاللازم بحكم العقل قصر اطراف الحرام التخييري على غير ما اقتضت المصلحة وجوبه عينا. وهكذا الكلام في الواجب التخييري بالنسبة إلى الحرام التعييني، فان اللازم بحكم العقل تقييد مورد الوجوب بغير الحرام، ولا يلاحظ هنا الاهم وغيره، فان هذه الملاحظة إنما تكون فيها إذا كان فوت احد الغرضين مما لابد منه. وأما فيما يمكن الجمع بينهما، فلا وجه لغيره.

[ 133 ]

ومن هنا ظهر أنه بناءا على عدم جواز اجتماع الامر والنهى، يجب الحكم بكون الصلاة في الدار المعصوبة محرمة، وتقييد مورد الصلاة بغير هذا الفرد، وان كانت الصلاة اهم من الغصب بمراتب، ولو كان الواجب تخييريا. وكذلك الحرام، فهل يمكن اجتماعهما في محل واحد، بناءا على عدم جواز اجتماعهما في غير هذا المورد، أم لا ؟ مثاله: لو كان صب الماء على الوجه مقدورا، وهكذا اخذه على تقدير الصب، بحيث لا يقع في المحل المغصوب، فهل يمكن أن يكون ترك هذا الصب واجبا، بدلا لكونه مما يترتب عليه ترك الحرام ؟ وكذلك فعله، لكونه أحد افراد غسل الوجه في الوضوء أم لا ؟ قد يقال بالعدم، لان كون الشئ طرفا للوجوب التخييري، يقتضى أن يكون تركه مع ترك باقى الافراد مبغوضا للمولى [ 88 ]، وكونه طرفا للحرمة التخييرية، يقتضى أن يكون الترك المفروض مطلوبا له. ] [ 88 ] فوجوب الصب تخييرا - مع كون المصب مغصوبا وكون المكلف قادرا على ايجاد المانع - يقتضي تعيينه عند ترك الصب في باقي الامكنة، وحرمته تخييرا تقتضي تعيين تركه عند اختيار سائر مقدمات الغصب، ومنها ترك ايجاد المانع، فيجتمع الحرام والواجب العينيان في موضوع واحد. وفيه: ان المرجع في الخطاب التخييري ان كان إلى خطابين تعيينيين أو اكثر على كل من الطرفين أو الاطراف بشرط ترك غيره من الاطراف في الواجب، أو اختيار غيره في الحرام، فما ذكر من اقتضائهما اجتماع الواجب والحرام التعيينيين حق على المبنى، لكن من المعلوم خلاف ذلك، فان التكليف التخييري نحو وجود من التكليف يمكن انشاؤه ويتعلق إما بهذه وإما بهذا، والواحد المردد وان لم تكن له حقيقة خارجية، لكن له اعتبار عقلائي، وهو يكفي في تعلق الوجوب به، كما يكون مورد تعلق العلم الاجمالي، وكذلك يمكن الاخبار عنه مثل أن تقول: إما زيد جاء واما =

[ 134 ]

[ والذى يقوى في النفس أن يقال: إن فعل ذلك الشئ المفروض - على تقدير قصد ترك احد الاطراف الذى هو بدل له في الحرمة - لا مانع من تحقق العبادة به، لانه على هذا التقدير ليس قبيحا عقلا، بل على تقدير عدم قصد التوصل به إلى الحرام. نعم على غير هذين التقديرين - وهو ما إذا كان الآتى بذلك الفعل قاصدا إلى ايجاد فعل الحرام - لا يمكن ان يكون ذلك الفعل عبادة، فحينئذ نقول في المثال: إن صاب الماء على الوجه، إن لم يقصد به ايجاد فعل الغصب، فلا مانع من صحة وضوئه، والا فالحكم بالبطلان متجه [ 89 ]. وستطلع على زيادة توضيح لا مثال هذا المقام في مسألة اجتماع الامر والنهى. ثم إن هذه المسألة هل هي داخلة في المسائل الاصولية أو الفقهية ؟ أقول مسألتنا هذه ان كان البحث فيها راجعا إلى الملازمة العقلية، فهى من المسائل الاصولية، وان كان عن وجوب المقدمة، فهى من المسائل الفقهية. وقد تقدم في اول الكتاب ما يوضح ذلك. والظاهر ] = عمرو، وهو اخبار واحد عن مجيئ أحدهما، ولا ينحل إلى خبرين أحدهما مجيئ زيد عند عدم مجيئ عمرو، والثاني مجيئ عمرو عند عدم مجيئ زيد، حتى يسند إليه كذبان عند مجيئهما أو عدمه، وعلى هذا لا منافاة بين الخطابين وان اجتمعا في جميع الاطراف كافعل أحدهما ولا تفعل أحدهما، فضلا عن مثل المثال الذي اتفق الاجتماع في بعض الاطراف فيه. [ 89 ] لا لكون الصب المذكور حراما تخييريا، فانه غير مانع كما أشار إليه - دام ظله - وذكرنا وجهه، بل لان الاشتغال بمقدمة بقصد التوصل إلى الحرام اما حرام رأسا لصدق العصيان عليه عرفا، واما لكونه تجريا، وبطلان الوضوء على الاول واضح، لعدم صلاحية المبغوض للمقربية، واما على الثاني فلعدم الحسن الفاعلي ولو لم يكن بحرام، وهو مما تحتاج إليه العبادة وتبطل بفقدانه.

[ 135 ]

[ الاول. وكيف كان فتمام الكلام في هذا المقام في ضمن امور: (الاول (ان الواجب (تارة) يلا حظ فيه اضافته إلى الفاعل [ 90 ] و (اخرى) لم يلاحظ فيه ذلك، بل المطلوب ايجاد الفعل ولو بتسبيب منه وعلى الاول قد يلا حظ فيه مباشرة الفاعل بيده، وقد يكون المقصود اعم من ذلك ومن ان يأتي به نائبه. وايضا قد لا يحصل الغرض الا باعمال اختياره في العفل، ولو بايجاد سببه، وقد لا يكون كذلك بمعنى عدم دخل الاختيار في الغرض. وايضا قد يكون لقصد عنوان المطلوب دخل في تحصيل الغرض، وقد يكون الغرض اعم من ذلك. والمقصود في هذا البحث بيان انه هل الامر بنفسه ظاهر في تشخيص المقدمة اولا ظهور له ] [ 90 ] وهي أعم من المباشرة، لان فعل الوكيل والنائب ومن يتحرك بتحريك المكلف يصح اضافته إليه، ولذا يحترز عنه بقيد المباشرة استقلالا. ثم ان تقسيم الواجب إلى ما يعتبر فيه الاضافة أو المباشرة وما لا يعتبر فيه شئ منهما في عرض تقسيمه إلى التوصلي والتعبدي، لانه يمكن اعتبارهما في التوصلي بحيث لم يسقط عن المكلف لو صدر من غيره بلا تأثير منه ولو تسبيبا، أو من دون المباشرة ولكن لم يسقط عنه لو أتى بالتسبيب أو بمباشرة غيره، بل يتوقف على المباشرة ولو بلا قصد القربة، كما لو آجر لبعض الاعمال كذلك، وكأداء بعض الحقوق الواجبة القائمة بالشخص، ويمكن عدم اعتبارهما ولو في التعبدي كما في تجهيز الميت، حيث لا تعتبر فيه الاضافة إلى شخص المخاطب، وكالزكاة حيث لا تعتبر فيه المباشرة، ولا الاضافة أيضا، ولذا يتصدى الحاكم عن الممتنع، وأما تقسيمه إلى ما اعتبر فيه الاختيار وغيره فلا يجري في العبادة، لعدم تحقق العبادة بلا اختيار، وكذا قصد العنوان الا إذا تمشى منه قصد القربة بدونه، كمن قصد عنوانا آخر غير المأمور به، لكن بنحو لا تكون الخصوصية بما هي موردا للقصد، ويرجع ذلك أيضا إلى كفاية القصد الاجمالي لا عدم القصد أصلا.

[ 136 ]

[ فيه مطلقا، أو يفصل بين تلك الوجوه ؟ وعلى تقدير عدم الظهور، الاصل ماذا ؟. فنقول وبالله الاستعانة: القيد على ضربين (الاول) ما يحتاج إليه الطلب بحكم العقل (الثاني) غيره، والاول إما أن يكون مذكورا في القضية اولا، أما ما كان من هذا القبيل ولم يذكر في القضية، فالظاهر أن المطلوب غير مقيد بالنسبة إليه، ولذا نفهم من دليل وجوب الصلاة أنها مطلوبة حتى من النائم الذى لا يقدر عليها. ومن هنا يقال بوجوب القضاء، مع انه تابع لصدق الفوت الذى لا يصدق الا مع بقاء المقتضى في حقه. والدليل على ذلك أن الامر المتصدي لبيان غرضه لا بدان يبين جميع ماله دخل فيه [ 91 ] فليستكشف إذا من عدم التنبيه عليه عدم دخله في غرضه، وان كان له دخل في تعلق الطلب مثل القدرة، فعلى هذا ] [ 91 ] هذا تمسك باطلاق المادة وعدم تقييدها لا ثبات مطلوبية الطبيعة حتى من العاجز والنائم، لكن لا يخفى انه يتوقف على اثبات قابلية الهيئة في مقام الثبوت، لشمول مثل العاجز والنائم، حتى يستدل بعدم تقييد المادة لا ثبات الحكم لجميع حالات المادة، واما مع عدم القابلية فلا مجال للتمسك المذكور، لان مقام الاثبات فرع للثبوت. بيان ذلك: أن الهيئة تارة تستعمل في الطلب الحيثي وبيان مطلوبية الفعل من قبل الآمر، مع قطع النظر عن الامور التي يشترطها العقل في تنجز الخطاب، وأخرى تستعمل في الطلب الفعلي من جميع الجهات حتى الجهات الراجعة إلى العقل، بحيث لم تبق - بعد مثل هذا الامر للانبعاث والامتثال - حالة منتظرة، فان كانت من قبيل الاولى فلا مانع من شمولها لمثل العاجز، لان المولى ليس الا بصدد بيان الجهات الراجعة إلى نفسه مع قطع النظر عن العجز وأمثاله، ولا مانع عقلا من كون الفعل مطلوبا بهذا المعنى من العاجز، فمع تمامية المقدمات نستكشف من عدم تقييد المادة كونها مطلوبة كذلك في جميع الاحوال، ومع عدم التمامية نحكم بالاهمال والاجمال، ومقتضى تلك المطلوبية لزوم الامتثال بعد فعلية الطلب وتمامية الجهات العقلية، وعدم اللزوم عند =

[ 137 ]

[ نقول: قوله (انقذ الغريق) مثلا يستكشف منه ان الانقاذ في كل فرد مطلوب له، حتى فيما إذا وجد غريقان ولم يقدر على انقاذهما. هذا حال القيود التى يتوقف عليها حسن الطلب ولم تذكر في القضية. واما إذا ذكر مثل تلك القيود فيها، كما إذا قال (اضرب زيدا ان قدرت عليه) فالظاهر اجمال المادة به [ 92 ]. من حيث ان ذكر هذا القيد يمكن ان يكون لتقييد المطلوب، وان يكون لتوقف الطلب عليه، فلا يحكم بتقييد ] = عدم التمامية، وأما ان كانت من قبيل الثاني فلا يمكن شمولها للعاجز عقلا، لانه يرجع إلى التكليف بالمحال ومع ذلك كيف يمكن استكشاف المطلوبية بهذا المعنى حتى من المعاجز. والمطلوبية بالمعنى الاول وان كانت ممكنة، لكن الهيئة لم تكن في مقام بيانها بالفرض ومعلوم أن اطلاق المادة لا يثبت الا شمول الحكم المجعول في القضية لحالات الموضوع، ولا يثبت به ما هو غير مجعول بالهيئة كما في المقام، فحقيقة الاطلاق في الهيئة كان أو في المادة عبارة عن شمول الحكم، الا انه اصطلح لعدم التقييد بتقييد المادة باطلاق المادة في قبال عدم تقييد الحكم بتقييد الهيئة كالقضايا المشروطة. فثبت ان التمسك باطلاق المادة على المطلوبية المطلقة يتوقف على اثبات كون المجعول في القضية من قبيل الاول، ولا يبعد دعوى ظهور الاوامر - المجعولة في مقام جعل القوانين الكلية المجردة عن ذكر القيود العقلية - في أن الآمر ليس الا بصدد بيان الامور الراجعة إلى نفسه لا جميع الجهات، وان كان الامر في القضايا الشخصية ظاهرا في الفعلية، وذلك لكثرة اختلاف حالات المكلفين في الاوامر الكلية بالنسبة إلى الامور الراجعة إلى العقل، مع ظهور توجه الخطاب الحيثي إلى شخص إلى عامة المكلفين، وأما الشخصية فللغوية توجه الخطاب مع العلم بعدم قدرته. والحاصل: انه مع احراز امكان الشمول باي نحو كان يمكن التمسك باطلاق المادة والا فلا. [ 92 ] وذلك لانه ان كان الآمر بصدد جعل الحكم الحيثي، فالقيد المذكور راجع إلى المادة، لعدم احتياج الهيئة إليه، وان كان بصدد الحكم الفعلي فالهيئة لا محالة محتاجة إليه، سواء كان دخيلا في المادة أيضا أم لا، وقد مر الكلام في عدم جواز =

[ 138 ]

[ المطلوب ولا باطلاقه، بل يعمل فيه بمقتضى الاصول العملية. وأما إذا كان القيد مما لا يتوقف حسن الطلب عليه، كتقييد الرقبة المأمور بعتقها بالمؤمنة ونظائره، فلا اشكال في انه متى لم يذكر في الكلام نتمسك ] = التمسك باطلاق المادة على هذا التقدير في الحاشية السابقة، ولا ظهور في المقام لتعيين الحيثي، لان ما ذكرنا من ان الاوامر الكلية ظاهرة فيها مختص بما إذا لم يذكر القيد واما معه فلا ظهور، ولا يتوهم أن ارجاع القيد إلى الهيئة يستلزم ارشادية الحكم، وهو خلاف ظاهر حال المولى الذي هو بصدد جعل الحكم، لان الارشادية فرع لثبوت حكم العقل قبل حكم الشرع. والمفروض عدمه، بل الامر دائر بين حكمين مولويين احدهما موضوع لحكم العقل بلزوم القيد المذكور ولا ظهور في المقام لتعيين احدهما، ومن هنا يعلم دفع توهم ان ظاهر القيد الاحتراز، لانه أيضا فيما امكن الاحتراز مع كون الحكم في القضية معلوما، واما لتعيين الحكم المجعول فلا ظهور له. ثم لا يخفى: ان العلم كالقدرة في عدم امكان فعلية التكليف مع عدمه، لكن لا يمكن تقييد التكليف به من الشارع، فلذا اشتهر أنه من شرائط التنجز، وفي الغالب تكون القدرة أيضا قيدا للتنجز واستحقاق العقاب، كالعلم وساير الشرائط العقلية، وليس للحكم الشرعي بالنسبة إليها اطلاق ولا تقييد، فيكون حال العلم في جميع القضايا كحال ساير الشرائط في الغالب. وكيف كان فلا خطاب فعلى مع انتفاء كل منهما، ولذا لا منافاة بين ذلك الحكم وبين الاحكام المجعولة عند انتفاء أحد الشروط المذكورة من غير فرق بين انتفاء القدرة والعلم، الا في عدم امكان تقييد الحكم الاولى في العلم وامكانه في غيره، والمقصود من الفعلية التي قلنا بانتفائها عند فقد الشرائط العقلية هي الفعلية من جميع الجهات، حتى الجهات الراجعة إلى العقل، بحيث لم يبق عقيب الامر حالة منتظرة للانبعاث والتحرك، لا ما يقابل الحكم الانشائى، فانه بهذا المعنى فعلى حتى عند الفقدان، فيصح ان يقال ان العاجز كالجاهل له حكم فعلي معذور في تركه، الا فيما كان مقيدا كما إذا انشأ الحكم الفعلي من جميع الجهات، فيخرج العاجز عن تحت الحكم دون الجاهل، فيمتاز العلم عن ساير الشرائط في خصوص تلك الجهة.

[ 139 ]

[ باطلاقه، ونحكم بعدم دخله ان وجدت هناك شرائط الاخذ بالاطلاق، والا فبمقتضى الاصول، كما انه لا اشكال في انه متى ذكر في القضية، فالظاهر ان له دخلا في المطلوب، إلا إذا استظهر من الخارج الغاؤه. إذا عرفت هذا فنقول: إن شككنا في اعتبار اضافة الفعل إلى المأمور، [ 93 ] فان كان اللفظ مفيدا لهذا القيد، فنحكم باعتباره في المطلوب، لانه ليس مما يتوقف عليه الطلب، لانه من الممكن ان يأمر بتحقق هذا الفعل على سبيل الاطلاق، بان يقول: اريد منك تحقق هذا الفعل مطلقا، سواء توجده بنفسك، أو تبعث غيرك عليه فلو قال: اضرب زيدا مثلا الظاهر في أن المطلوب الضرب المضاف إلى المأمور، فاللازم بمقتضى هذا الظهور الحكم بتقييد المطلوب، وأن الغرض لا يحصل بضرب غيره اياه، إلا ان يستظهر من الخارج عدم دخل هذه الاضافة في الغرض، مثل أن يكون الغالب في اوامر الشارع عدم اعتبار الاضافة ] [ 93 ] الظاهر أن حال القيد المذكور في إمكان تعلق التكليف بدونه وعدم امكانه حال الاختيار، لعدم امكان تعلق التكليف بخصوص الفعل الصادر من غير اضافة إلى المأمور به، فعلى القول بسراية التكليف إلى الافراد ذكر القيد يوجب الاجمال، لحكم العقل باحتياج الطلب إليه، وقد مر التفصيل فيه، واما على القول بعدم السراية فيؤخذ بالقيد من دون اجمال، لكفاية وجود فرد يحسن الخطاب إليه في توجه الخطاب إلى الطبيعة من دون تقييد - كما يأتي في المتن - وأما ما ذكر من المثال لصحة الاطلاق فهو مثال لالغاء قيد المباشرة لا الاضافة، فلا يخفى، نعم لو لم يكن ظهور في البين يكون حكم الشك في اعتبار الاضافة حكم الشك في اعتبار المباشرة في عدم جواز التمسك بالبراءة، لان توجه الخطاب عند العقل حجة عقلية توجب صحة المؤاخذة على تقدير مطلوبية الاضافة واقعا - وقد مر نظيره في الشك في التعيين والتخيير - دون حكم الشك في اعتبار الاختيار، حيث ان الحكم فيه بالبراءة كما سيجيئ.

[ 140 ]

[ المذكورة، كما ادعى اوان يكون الغالب في الاوامر العرفية عدم اعتبارها [ 94 ] ولم يتحقق في الاوامر الشرعية ما يوهن الغلبة العرفية. واما الاختيار وقصد العنوان، فملخص الكلام فيهما أنه لا اشكال في عدم امكان تعلق التكليف بخصوص الفعل الصادر من غير اختيار المكلف، ولا بخصوص ما لم يكن عنوانه مقصودا، ولو كان ملتفتا إليه أما الاول فواضح وأما الثاني فلعدم امكان بعث الامر إلى غير العنوان المطلوب [ 95 ]، وهذا واضح بعد ادنى تأمل فانحصر الفعل القابل لتعلق التكليف في الاختياري الذى قصد عنوانه، فحينئذ إن قلنا بان التكاليف المتعلقة بالطبيعة تسرى إلى افرادها وقد عرفت أن الفرد القابل للحكم منحصر في الاخير، فالقيدان المذكوران - اعني الاختيارية وقصد العنوان - من القيود التى يحكم العقل باحتياج الطلب إليها. وقد عرفت حكمها. وأما إن قلنا بعدم السراية كما هو التحقيق فيكفى في حسن الخطاب بنفس الطبيعة من دون تقييد وجود فرد لها يحسن الخطاب بالنسبة إليه. وعلى هذا فلو فرض تكليف متعلق بفعل مع قيد صدوره عن اختيار المكلف، أو مع قصد العنوان، يستكشف به تقييد الغرض، ] [ 94 ] الغلبة المذكورة محل منع، بل الظاهر أنهم يلومون من بادر إلى امتثال أمر توجه إلى غيره بأنه لم فعلت وقد أمر غيرك ؟ وذلك شاهد على اعتبار الاضافة عندهم، الا إذا علم عدمه. [ 95 ] وذلك لان الغرض من الامر التحريك إلى المأمور به، وهو لا يحصل الا با حداث قصد اتيانه للمكلف، فلو قيد بعدم هذا القصد لكان مناقضا لاصل الامر كما لو أخذ فيه عدم تحريك الامر.

[ 141 ]

[ إذ هما من القيود التى يستغنى عنها الطلب عقلا، فذكرهما في الكلام يدل على تقييد الغرض كما عرفت. نعم قدرة المكلف بالنسبة إلى اصل الطبيعة مما يحتاج إليه صحة الطلب عقلا، فلم لم تذكر في القضية، فاطلاق المادة بحاله [ 96 ] وان ذكرت تكون موجبة لاجمالها كما عرفت. واما الشك في ان الفعل هل يجب ان يؤتى به بمباشرة بدنه أو يجتزى باتيان النائب ؟ فالكلام فيه في مقامين (احدهما) في امكان ذلك عقلا في الواجبات التعبدية التى يعتبر فيها تقرب الفاعل، وانه كيف يمكن كون فعل الغير مقربا لآخر حتى يكون مجزيا عنه (ثانيهما) بعد الفراغ عن الامكان في مقتضى القواعد من الاصول اللفظيه والعملية. ] [ 96 ] لكن بشرط كون الحكم المجعول حيثيا حتى يمكن شمول الهيئة للعاجز، ليستكشف باطلاق المادة سريان الحكم إلى جميع الحالات، كما مر تفصيله. ثم إن هذا كله في مقام استكشاف الغرض من اطلاق أو تقييد، واما مع الاجمال وعدم الكاشف، فهل لا يجوز التمسك بالبراءة عند الشك في اعتبار الاختيارية وقصد العنوان - وإن قلنا بها في غير المقام - كما ذكرنا في الشك في اعتبار الاضافة ام لا خصوصية للمقام، فمن يقول بالبراءة في غير المقام يحكم بها فيه ؟ الظاهر الثاني، لان الذات معلوم الوجوب والقيد مشكوك فيه، فالعقاب عليه عقاب بلا بيان كما في الشك في سائر القيود. اللهم إلا أن يقال: بأن البراءة مختصة بما إذا كان الامر بالجامع صالحا للتحريك على تقدير العلم تفصيلا حتى يقوم العلم الاجمالي مقامه، فيقال: الجامع معلوم ولو اجمالا، والقيد الزائد مشكوك فيه، وأما مثل المقام مما لا صلاحية له للتحريك إلى غير المقدور والمقصود، فلا تأثير للعلم بالجامع، حتى يقال يجب علينا اتباع المعلوم دون المشكوك فيه. لكن الظاهر أن مناط البراءة كون العقاب على القيد عقابا بلا بيان، فافهم.

[ 142 ]

[ أما الكلام في المقام الاول، فنقول: ما يصلح أن يكون مانعا عقلا وجهان (احدهما) انه - بعد فرض كون الفعل مطلوبا من المنوب عنه والامر متوجها إليه - كيف يعقل ان يصير ذلك الامر المتوجه إليه داعيا ومحركا للنائب مع انه قد لا يكون امر بالنسبة إلى المنوب عنه ايضا، كما إذا كان ميتا (ثانيهما) أنه بعد فرض صدور الفعل من النائب بعنوان الامر المتعلق بالمنوب عنه، كيف يعقل ان يصير هذا الفعل مقربا له [ 97 ]، مع انه لم يحصل منه اختيار في ايجاد الفعل بوجه من الوجوه في بعض الموارد، كما إذا كان ميتا. والفعل ما لم يتحقق من جهة الارادة والاختيار لا يمكن عقلا أن يصير منشأ للقرب. اما المانع الاول فيندفع بأن مباشرة الفاعل قد تكون لها خصوصية في غرض الامر. وعليه لا يسقط الامر بفعل الغير قطعا، ولو لم يكن تعبديا وهذا واضح، وقد لا يكون لها دخل في غرض الامر. وهكذا الكلام في اختياره، فلو فرضنا تعلق الامر بمثل هذا الفعل الذى ليست المباشرة والاختيار فيه قيد المطلوب، فامكان صيرورة الامر المتعلق بمثل هذا الفعل داعيا لغير المأمور إليه بديهى، لوضوح أنه بعد تعلق الامر بهذا الفعل - الذى لم يقيد حصول الغرض فيه باحد القيدين المذكورين - لا مانع ] [ 97 ] وهذا واضح لان العقل يمنع استحقاق الشخص للمثوبة وصيرورته ذا وجاهة الا بعمل نفسه، واما ما يتراءى من مثوبة الا بن لاجل أبيه فليس من استحقاق نفسه، بل من استحقاق ابيه. ثم ان هذا مختص بالقرب عن استحقاق، وأما مثل المحبة إلى الاشياء النفيسة أو المحبة الحاصلة تكوينا بين شخصين من الرؤف الرحيم كالولد والوالدين أو غيرهما فهو خارج عن محل الكلام كما لا يخفى.

[ 143 ]

[ من صيرورة الامر المتعلق به محركا للغير لايجاد ذلك الفعل، مراعاة لصديقه واستخلاصه من المحذورات المترتبة على ذلك الامر: من العقاب والبعد عن ساحة المولى. وهذا واضح ومنه يظهر عدم الاشكال فيما إذا لم يكن امر في البين، كما في النيابة عن الميت، ضرورة امكان فعل ذلك لحصول اغراض المولى المترتبة على الفعل، ليستريح الميت من العقاب المترتب على فوتها وهذا لا اشكال فيه. انما الاشكال في المانع الثاني، وهو صيرورة هذا الفعل مقربا للغير عقلا، إذ لو لم يكن كذلك لم يسقط غرض الامر، فلم يسقط عنه العقاب. وهذا الاشكال يسرى في المقام الاول ايضا إذ بعد ما لم يكن فعله مقربا للغير ولم يسقط غرض الآمر عنه، لا يعقل كون مراعاته سببا لايجاد ذلك الفعل. ويمكن التفصى عنه بأن يقال إنه بعد فرض انحصار جهة الاشكال في حصول القرب يكفى في حصوله رضا المنوب عنه بحصول الفعل من النائب، كما انه قد يؤيد ذلك ببعض الاخبار الواردة في (أن من رضي بعمل قوم اشرك معهم (1)) وهذا المقدار من القرب يكفى في عبادية العبادة، بل يمكن أن يقال بعدم الفرق عقلا بين الفعل الصادر من الانسان بنفسه، وبين الصادر من نائبه في حصول القرب، لانه بعد حصول هذا الفعل من النائب لابد وان يكون المنوب عنه ممنونا منه ومتواضعا له، من جهة استخلاصه من تبعات الامر المتعلق به وهذه الممنونية تصير منشأ لقربه عند المولى، لان أمره صار سببا لها. وفيه ان الرضا والممنونية يتفرعان على كون الفعل الصادر من النائب مقربا له، إذ لولاه لم يكن وجه لهما، ولو توقف القرب عليهما لزم ]


(1) الوسائل، الباب 5 من ابواب الامر والنهى، ج 11، ص 408. (*)

[ 144 ]

[ الدور [ 98 ]. ويمكن ان يقال ان للقرب مراتب باختلاف الجهات الداعية للمكلف، ادناها اتيان الفعل بداعي الفرار من العقاب، مثل أن يكون حال العبد بحيث لو علم بعدم العقاب لم يأت بالفعل اصلا، فاتيانه به خوفا من المولى مقرب له عند العقل، كما أنا نرى الفرق عند العقلاء بين هذا العبد وبين العبد الذى لم يكن خوف مؤاخذة المولى مؤثرا فيه، وهذا المقدار من القرب - أعنى كون العبد بحيث يكون له جهة امتياز بالنسبة إلى غيره في الجملة - يكفى في العبادة. ونظير هذا المعنى موجود في المقام، إذ لو فرضنا عبدين احدهما لم يأت بالمأمور به بنفسه ولا احد بدله، والثانى لم يأت به، ولكن اتى به نائبه، نرى بالوجدان أن حالهما ليس على حد سواء عند المولى [ 99 ]، بل للثاني عنده جهة خصوصية ليست للاول، وان لم يصل إلى مرتبة من اتى بالمأمور به بنفسه. فنقول: هذه المرتبة الحاصلة له بفعل الغير تكفى في العبادة، ] [ 98 ] لا يخفى ان الرضا والامتنان بشئ لا يتوقف على العلم بالفائدة مع قطع النظر عنهما، بل يكفي العلم بتحققها ولو بهما في تحققهما، وذلك مثل قصد القربة بالفعل، فانه لو توقف على العلم بحصول القرب مع قطع النظر عن القصد يلزم الدور، نعم يرد عليه ان العبادة ما يوجب نفسه القرب ولا يكفي القرب الحاصل من الرضا في العبادية، فان القرب الحاصل بالرضا لو قلنا بتأثير الرضا في النشأة الآخرة غير الحاصل من العمل، والمفروض ان العمل غير مقرب حتى بعد الرضا، ولذا وقع في كلفة الجواب. [ 99 ] لا يخفى ما في هذا الجواب من المصادرة، لان الامتياز عند الولى عين محل النزاع، ومجرد الامتياز الخارجي لا يكفى، والا لصحت عبادة من يأتي بها بلا قصد، لامتيازه في الخارج عمن لا يأتي بها اصلا.

[ 145 ]

[ ويمكن أن يقال: إن تقرب المنوب عنه بتسليمه للفعل المتلقى من النائب إلى الامر بعنوان أنه مولى [ 100 ] ولا فرق في حصول القرب بين أن يسلمه إليه ابتداءا ويسلمه إليه بعد اخذه من نائبه. هذا حاصل الوجوه التى افادها سيدنا الاستاذ طاب ثراه ولكن لم تطمئن بها النفس. اقول: ويمكن أن يقال إن الافعال على وجوه: (منها) ما لا يضاف الا إلى فاعله الحقيقي الصادر منه الفعل مباشرة كالاكل والشرب ونظائرهما. و (منها) ما يضاف إليه وإلى السبب ايضا: كالقتل والا تلاف والضرب ونظائرها و (منها) ما يضاف إلى الغير وان لم يكن فاعلا ولا سببا، ومن ذلك العقود إذا صدرت عن رضا المالك، بل ولو لم يكن عنه ايضا ابتداءا إذا رضى بذلك بعده، كما في الاجازة بناءا على صيرورة العقد بها عقدا للمالك عرفا، كما قيل. ولعل الضابط كل فعل يتوقف تحقق عنوانه في الخارج على القصد، وأوقعه واحد بقصد الغير، وكان ذلك الفعل حقا لذلك الغير ابتداءا مع رضاه بصدوره بدلا عنه، فلو صحت هذه الاضافة العرفية وامضاها الآمر، فلابد من ان يعامل هذا الفعل معاملة الفعل الصادر من شخصه [ 101 ] كما هو واضح. (مثلا) لو فرضنا أن تعظيم زيد عمروا بدلا ] [ 100 ] حصول القرب بسبب التسليم ليس الا كحصوله بالرضا. ويأتي فيه ما مضى فيه ايرادا وجوابا. [ 101 ] توضيح ذلك: ان القرب على قسمين: قسم منهما يحصل عن استحقاق العبد. بالعمل بحيث يكون منع الثواب اللازم لهذه الدرجة ظلما وقبيحا، كالعقاب مع الامتثال، وهذا النحو من القرب أثر قهري للعمل لا ينفك عنه، وبهذه الكيفية لا يترتب على غيره، وقسم منهما يحصل بجعل الآمر، وان لم يكن - مع قطع النظر عن =

[ 146 ]

[... ] = جعله - مرتبا على العمل، وهو من سنخ العفو والاحسان على العبد، مثل العفو عن العقاب مع الاستحقاق واعطاء الثواب تفضلا، فان ذلك أيضا نحو من القرب، لان من كان بعيدا عن ساحة المولى بحيث يستحق العقاب فأكرمه تفضلا ورفع عنه العقاب وأعطاه الثواب، فقد تقرب منه بعد ما كان بعيدا عنه، وهذا النحو من القرب لا يتوقف على العمل أصلا، فضلا عن عمل نفس العبد، بل تابع لجعل المولى، فقد يجعل التوبة رافعة للعقاب، وقد يجعل بعض الحسنات مذهبا للسيئات، وقد يتفضل على من يشاء، فانه مبدل السيئات بالحسنات. وعلى هذا فلا مانع من أن يقول: إذا أتى غيرك بهذا العمل أو من قبلك ارفع عنك العقاب واعطيك ما كنت اعطيك لو كنت أتيت به، والمفروض أنه لا مانع من ذلك عقلا، فحينئذ لو دل دليل على كفاية عبادة النائب المتبرع أو الاجير - سواء عن تسبيب من المكلف أو بلا تسبيب منه اصلا - فلا مانع عقلا من الاخذ به، ومعلوم انه مع عدم دليل لا يصح القول به، وعلى هذا لا اشكال للعامل أن يقصد القربة للمنوب عنه، لانه بهذا المعنى تحصل القربة له. واما الاشكال - بأن قصد القربة يتوقف على كون العمل قربيا، مع قطع النظر عن القربة، وهو لا يكون قربيا الا بالقصد - فمندفع: بكفاية كونه قربيا ولو بالقصد في تحقق القصد، كما في قصد القربة بالنسبة إلى عمل نفسه، وحينئذ لو قصد القرب بهذا المعنى، فلا يحتاج إلى رضا المنوب عنه أو تسليمه، بل يكفيه امضاء الشارع، فلا يتوقف الاعلى الدليل. ويمكن أن يجاب عن الاشكال بوجه آخر وهو أن المسلم في العبادة عدم تحققها بدون قصد القربة من رأس سواء صدرت من نفس المكلف أو ممن يعمل من قبله وأما أن اللازم قصد القربة من الفاعل نائبا أو متبرعا لخصوص المكلف. وان الغى المباشرة واتى به غيره فليس باجماعي، بل يمكن أن يكتفى فيها بقصد القربة من النائب لنفسه، فيكون المطلوب من المكلف هو الجامع بين فلعه وفعل غيره، ولم يطلب من الغير، إما لمانع عن البعث إليه واما لعدم حق عليه في خصوص ذلك الامر. وذلك مثل أداء الدين الثابت على زيد مثلا، فانه وان لم يتوجه الا إليه لكن لم يؤخذ =

[ 147 ]

[... ] = فيه قيد المباشرة، ولذا يسقط باداء الغير، وعلى هذا لا يحتاج إلى قصد تقرب المنوب عنه ولا قصد النيابة وتنزيل النفس منزلة المنوب عنه. ولذا افتى جمع بصحة الزكاة مع قصد القربة من الحاكم لنفسه، إذا ادى زكاة الممتنع، من دون قصد تقرب الممتنع، ولا تنزيل نفسه منزلته، بل يسقط باداء الغير من مال نفسه، نظير ساير الديون من دون حاجة إلى شئ غير قصد اداء دين ذلك الغير، فيمكن ان يكتفى فيها بقصد القربة من السبب في تسبيبه، كما في تجهيز الميت على ما قيل، فان دل دليل من عقل أو نقل على لزوم الاول جرى ما ذكر من الاشكال، ولا محيص للجواب عنه الا بما ذكر، والا فلا يحتاج إلى قصد القربة للمنوب عنه حتى يلزم المحذور، بل على الثالث لا يحتاج إلى قصد القربة من النائب اصلا، ويصح صدوره من الكافر الا إذا كان اسلام المباشر شرطا في العمل كالطهارة من الخبث. نعم يمكن أن يستشكل في استيجار العبادة على الاولين، حيث اشترط فيها كون الداعي خالصا في حصول القرب، إما للفاعل أو للمنوب عنه وهو لا يجتمع مع قصد الاجرة. وأما تصحيحه بأن قصد الاجرة داع إلى قصد القرب بنحو الداعي على الداعي فليس بصحيح، لان اللازم في العبادة أن يكون الداعي الاول - وهو داعي الدواعي - حسنا، فلا تصح صلاة من صلى ركعتين بقصد القربة وكان داعيه في ذلك تمكنه من الوصول إلى أحد المحرمات. ولا يتوهم على ذلك بطلان عبادة يأتي بها خوفا من النار وطمعا في الجنة، لرجوعها إلى الدواعي النفسانية، لان الداعي في الحقيقة حب النفس، لانه ايضا يرجع إلى كون نظر العبد إلى المولى، وكون رجائه وخوفه منه، وهو شئ مطلوب للمولى حسن عند العقل. ويمكن أن يجاب عنه بأن أخذ الاجرة ان كان فظ نفسه راجحا، كما إذا أراد صرفها في النفقة الواجبة أو المستحبة، فلا اشكال، لان الداعي إلى الداعي أيضا حسن، وأما في غيره فيمكن ان يؤجر نفسه ابتداءا بداعي تملك مال الاجارة، ثم بعد الاجارة يتوجه إليه الامر بوجوب الوفاء بما التزم به في الاجارة، فيقصد الوفاء بأمرها، ولذا يأتي بالعبادة مع قصد القربة، فيكون الداعي إلى داعيه ايضا راجحا.

[ 148 ]

[ عن بكر إذا كان عن رضا بكر، وتقبل عمر والذى هو المعظم بالفتح، يحسب تعظيما لبكر عنده، فاللازم على أن يرتب على هذا التعظيم اثر التعظيم الصادر من شخص بكر، فلو فرضنا حصول القرب من هذا الفعل للمعظم بالكسر عند المعظم بالفتح، فاللازم حصوله للمنوب عنه. هذا ما امكن لى من التصور في المقام ولعل الله يحدث بعد ذلك امرا. إذا عرفت هذا، فنقول: لا اشكال في ان مقتضى القواعد عدم الاكتفاء بالفعل الصادر عن الغير في الاجزاء، لان الظاهر من الامر المتوجه إلى المكلف ارادة خصوص الفعل ] = ثم ان هذا كله في مقام الثبوت وتصوير الوجوه الممكنة في تصوير القربة بعد الغاء قيد المباشرة، وأما في مقام الاثبات والاستظهار من الادلة فيمكن استظهار الثاني من رواية الخثعمية، حيث شبه الحج -. فيها بعد إلغاء قيد المباشرة وطرو العجز - بدين الناس، وحكم بانه احق ان يقضى، ومن عامة ادلة صحة عبادة المتبرع أو الولي عن الميت، مع عدم ذكر تنزيل النفس منزلة الميت ولا قصد تقرب المنوب عنه، با دعاء ان المرتكز في اذها المتشرعة عدم تنزيل نفوسهم منزلة الميت، ولا قصد تقربه، بل لا يقصدون الا الاتيان بعمل الميت. ثم انا إن استظهرنا من الادلة لزوم قصد القربة باحد الانحاء المذكورة فهو، والا فهل الاصل في المقام الاحتياط بأن يجمع بين قصد تقرب المنوب عنه والفاعل، وكذا السبب في تسبيبه يقصد القرب للمنوب عنه ونفسه، أو البراءة بمعنى كفاية أي نحو من انحاء القصد حصل ؟ الظاهر هو الثاني لان احتياج العبادة المذكورة - بعد الغاء قيد المباشرة - إلى قصد التقرب معلوم، والخصوصية الزائدة مشكوك فيها، فالعقاب عليها عقاب بلا بيان. لا يقال: ان الشك شك في سقوط الدين، والعقل يحكم بالاشتغال في مثله. لانه يقال: نعم، ان الشك فيه مسبب. لولا كون الدين مرددا بين الاقل والاكثر، كما في المقام فتأمل.

[ 149 ]

[ الصادر منه [ 102 ]، نعم لو دل دليل من الخارج على الاكتفاء بما يصدر من النائب، وانه عند الامر بمنزلة ما يصدر عن نفسه، ناخذ به والا فلا. (الامر الثاني) (في التعبدي والتوصلي) لااشكال في ان الواجب في الشريعة على قسمين: تعبدي وتوصلى، ولو شك في كون الواجب توصليا أو تعبديا فهل يحمل على الاول أو الثاني ؟ وتوضيح المقام يتوقف على تصور الواجبات التعبدية وشرح حقيقتها، حتى يتضح الحال في صورة الشك، فنقول وبالله الاستعانة: أنه قد اشتهر في ألسنة العلماء انها عبارة عما يعتبر فيه اتيانه بقصد إطاعة الامر المتوجه إليه. واورد على ذلك بلزوم الدور، فان ] [ 102 ] هذا الظاهر مما لا ينكر، وحيث ان المباشرة ليست من قيود الطلب عقلا، فلا يوجب ذكرها الاجمال، بل يوجب تقييد المادة نعم لو احتمل سقوط الامر باتيان الغير من دون اضافة للمكلف اصلا، فبيان دخل اصل الاضافة يوجب الاجمال. وقد مر تفصيله في اعتبار الاضافة فراجع. ثم انه لو فرض عدم الدليل، فهل العقل يحكم بالبراءة عند الشك في اعتبار المباشرة أو الاشتغال ؟ الظاهر هو عدم جريان البراءة فيه، لما مر - في الشك في اعتبار الاضافة - من ان توجه الامر إلى المكلف حجة عقلية يصح الاحتجاج به عند الشك، وان لم يكن كاشفا عن المراد. وليس احتمال كفاية فعل الغير كاحتمال كفاية الفعل الصادر من نفسه بلا اختيار ولا قصد العنوان، حيث لا حجة للثاني، فتجري البراءة بخلاف الاول، وقد مرت الاشارة إليه في ما تقدم.

[ 150 ]

[ الموضوع مقدم على الحكم رتبة، لانه معروض له. ولا اشكال في تقدمه على العرض بحسب الرتبة. وهذا الموضوع يتوقف على الامر، لما اخذ فيه من خصوصية وقوعه بداعي الامر التي لاتتحقق الا بعد الامر، فالامر يتوقف على الموضوع لكونه عرضا له، والموضوع يتوقف على الامر لانه لا يتحقق بدونه. وفيه ان توقف الموضوع على الامر فيما نحن فيه مسلم، لكونه مقيدا به، والمقيد لا يتحقق في الخارج بدون القيد. واما توقف الامر على الموضوع، فان اردت توقفه عليه في الخارج فهو باطل، ضرورة ان الامر لا يتعلق بالموضوع الا قبل الوجود. واما بعده فيستحيل تعلقه به، لامتناع طلب الحاصل. وان اردت توقفة عليه تصورا فمسلم، ولكن لا يلزم الدور اصلا، فان غاية الامر ان الموضوع هنا بحسب وجوده الخارجي يتوقف على الامر والامر يتوقف على الوجود الذهني له [ 103 ]. وقد يقرر الدور بان القدرة على الموضوع الذي اعتبر وقوعه بداعي الامر لا يتحقق الا بعد الامر، والامر لا يتعلق بشئ الا بعد تحقق القدرة، فتوقف الامر على القدرة بالبداهة العقلية، وتوقف القدرة على الامر بالفرض. ] في التعبدي والتوصلي: [ 103 ] وذلك واضح، لان الارادة المتعلقة بالافعال مثل الطلب العارض للافعال، من قبيل عوارض الوجود كالحرارة والبرودة والبياض والسواد وأمثال ذلك العارضة للاجسام بحيث يتوقف وجودها في الخارج على وجود المراد في الخارج، لان ارادة الفعل - كما مر - عبارة عن الشوق المؤكد بايجاده في الخارج، أو تجمع النفس به، ومعلوم انهما لا يتحققان الا قبل وجود الفعل، فانه بعد التحقق لا يعقل ارادة الايجاد =

[ 151 ]

[ وفيه ان الممتنع بحكم العقل تعلق الامر بشئ يعجز عن اتيانه في وقت الامتثال واما انه يجب ان تكون القدرة سابقة على الامر حتى يصح الامر فلا، ضرورة انه لا يمتنع عند العقل ان يحكم المولى بشئ يعجز عنه المأمور في مرتبة الحكم [ 104 ]. ولكن تحصل له القدرة عليه بنفس ذلك الحكم، فحينئذ نقول: ان توقف القدرة على الامر مسلم، واما توقف ] = إذ هو ليس الا طلب الحاصل، فلا مورد لتنظيره بالشدة للضرب المنتفية بانتفائه، ففي الحقيقة يشترط في تحقق الارادة عدم وجود المراد في الخارج، لكن لا بنحو يكون العدم قيدا للمراد، بل بتحقق الارادة في حال عدم المراد ايضا ولا يكون من قبيل عوارض الماهية كالزوجية للاربعة، بحيث لا ينفك عنها في جميع العوالم، حيث انها زوج في عالم التقرر والذهن والخارج، فان الانفكاك الخارجي قد مر بيانه، وفي عالم التقرر ليست الصلاة محكومة بحكم اصلا لا الوجوب ولا عدمه، بل الارادة عارضة للوجود الذهني للافعال، لكن لا بما هو وجود تصوري، بل بما هو حاك عن الخارج، كالكلية العارضة للانسان. فتحصل: ان موضوع الامر هو الوجود التصورى لا الخارجي، فلا دور من هذه الجهة، انما الكلام في ان دخل قصد الامر في الموضوع لا يمكن الا بعد فرض وجود الامر، وتحققه في الخارج عند لحاظ الموضوع، وفي حال لحاظ وجود الامر الخارجي لا يمكن ايجاده، لان ايجاد الشئ يلازم بل يتوقف على لحاظه معدوما فيوجده، فلا يتصور الموضوع الا في لحاظ لا يمكن جعل الحكم فيه، الا ان يقال: ان الامر المفروض الوجود ان كان شخص الامر المجعول في القضية يلزم المحذور المذكور، واما ان كان طبيعة الامر فلا، لعدم الملازمة بين لحاظ وجود الطبيعة وعدم لحاظ وجود شخص الامر المجعول كما هو واضح. [ 104 ] وذلك لان القدرة لم تكن دخيلة في الموضوع، حتى يلزم من تأخرها عن الامر رتبة تأخر الموضوع عن الحكم، بل العقل يحكم بقبح العقاب على ما لا يطاق، ويكفي في رفع القبح تحقق القدرة حين العمل وان كان بنفس الامر.

[ 152 ]

[ الامر على القدرة بمعنى لزوم كونها قبله رتبة فلا، لما عرفت من جواز حصولها بنفس الامر. وههنا كذلك، لانه بنفس الامر تحصل القدرة على اتيان الفعل بداعية. وقد يقال ان الامر باتيان الفعل بداعي الامر وان لم يكن مسلتزما للدور، الا انه مستحيل من جهة عدم قدرة المكلف على ايجاد هذا المقيد اصلا، حتى بعد الامر بذلك المقيد، فان القدرة - على ايجاد الصلاة بداعي الامر بها مثلا - تتوقف على الامر بذات الصلاة، والامر بها - مقيدة بكونها بداعي الامر - ليس امرا بها مجردة عنه، لان الامر بالمقيد ليس امرا بالجرد عن القيد، فالتمكن من ايجاد الفعل مقيدا بحصوله بداعي الامر لا يحصل الا بعد تعلق الامر بذات الفعل. (وفيه) ان الامر المتعلق بالمقيد ينسب إلى الطبيعة المهملة حقيقة، لانها تتحد مع المقيد، فهذا الامر - المتعلق بالمقيد بملاحظة تعلقه بالطبيعة المهملة - يوجب قدرة المكلف على ايجادها بداعية [ 105 ] نعم لو اوجدها فيما هو مباين للمطلوب الاصلى، لا يمكن ان يكون هذا الايجاد ] [ 105 ] لا يقال: ان الامر المذكور وان كان نسب إلى المهملة لكن ليس مؤثرا في نفسه ومحركا لا يجاد المهملة ليصح جعله داعيا لها، بل هو امر انتزاعي لا اثر له مستقلا. لانا نقول: ان لم يكن لهذا الامر الانتزاعي أثر، فكيف يحكم بالبراءة فيما دار الامر بين المطلق والمقيد في غير المقام ؟ وهل مبنى البراءة فيه أن الامر بالمهملة معلوم والقيد مشكوك فيه ؟ فلو كان الامر بالمهملة غير مؤثر لاستشكل بأن ما هو المعلوم غير مؤثر والمؤثر مردد فيجب الاحتياط. لا يقال: نعم لو لم يعلم القيد فالمعلوم مؤثر، لانه بعد الجهل بالقيد يكون بمنزلة المطلق، لان المناط في التأثير عند العقل هو المقدار المعلوم، والمفروض ان المقدار المعلوم =

[ 153 ]

[ بداعي ذلك الامر، كما لو أمر بعتق رقبة مؤمنة، فاعتق رقبة كافرة، لان الموجود في الخارج ليس تمام المطلوب، بل يشتمل على جزء عقلي منه. أما لو لم ينقص الفعل الماتى به بداعي الامر بالطبيعة المهملة عن حقيقة المطلوب الاصلى اصلا - كما في المقام - فلا مانع من بعث الامر المنسوب إلى المهملة للمكلف. ويمكن ان يقال - في وجه عدم امكان اخذ التعبد بالامر في موضوعه - ان الامر وان كان توصليا يشترط فيه ان يصلح لان يصير داعيا للمكلف نحو الفعل الذى تعلق به، لانه ليس الا ايجاد الداعي للمكلف، والامر المتعلق بالفعل بداعي الامر لا يمكن ان يكون داعيا للمكلف إلى ايجاد متعلقه، لانه اعتبر في متعلقه كونه بداعي الامر، ولا يمكن ان يكون الامر محركا إلى محركية نفسه [ 106 ] فافهم هذا ان قلنا بان العبادات يعتبر فيها قصد اطاعة الامر. ] = ليس المهملة، واما مع العلم بالقيد فلا اثر للامر بالمهملة، ولذا لا يجب امتثاله عند العجز عن القيد. لانه يقال: نعم لو لم يكن اتيان المهملة ملازما للقيد، فالامر بها لا يؤثر في اتيان المهملة منفكا عن القيد، وأما مع الملازمة فذلك الامر موضوع لوجوب الامتثال في حكم العقل، بل لا يمكن الاتيان بالقيد والمقيد الا بذلك. والحاصل: ان القول بالبراءة فيما ذكر يلازم امكان قصد القربة في المقام، نعم على القول بالاشتغال هناك لا محيص عن الاشكال. [ 106 ] لا يخفى أن محركية ما ليس بمحرك ذاتا وان كانت غير قابلة للجعل، كالعلية على ما مر في الوضع، لكن لا مانع من ايجاد ما هو المحرك ذاتا والمتحد عنوانا مع محركية ما ليس بمحرك، فيستنتج منه جعل المحركية. بيان ذلك: ان المحرك الذاتي في الافعال والتروك الموجودة فيها المصالح =

[ 154 ]

[ ويمكن ان يقال: إن المعتبر فيها ليس الا وقوع الفعل على وجه يوجب القرب عند المولى، وهذا لا يتوقف على الامر. (بيان ذلك): أن الفعل الواقع في الخارج على قسمين (احدهما) ما ليس للقصد دخل في تحققه، بل لو صدر من الغافل لصدق عليه عنوانه (ثانيهما) ما يكون قوامه في الخارج بالقصد، كالتعظيم والاهانة وامثالهما. وايضا لا اشكال في ان تعظيم من له اهلية ذلك بما هو اهل له، وكذا شكره ومدحه بما يليق به، حسن عقلا، ومقرب بالذات، ولا يحتاج في تحقق القرب إلى وجود امر بهذه العناوين. نعم قد يشك في أن التعظيم المناسب له أو المدح اللائق بشأنه ماذا ؟ وقد يتخيل كون عمل خاص تعظيما له، أو ان القول الكذائي مدح له. والواقع ليس كذلك، بل هذا الذى يعتقده تعظيما توهين له، ] = والمفاسد بعد العلم بها، وجعل الامر داعيا للفعل ايضا فعل من الافعال، فان علم الانسان أن فيه مصلحة ملزمة وفي تركه مفسدة لازمة الدفع فهذه المصلحة عند العلم بها محرم ذاتي وكذا المفسدة. ومعلوم انه ما لم يجعل تحت الامر ليس فيه مصلحة ولا في تركه مفسدة، واما لو جعل تحت الامر ففي تركه العقاب وفي فعله الثواب، لانه مصداق لامتثال الواجب. والعلم بهما محرك ذاتي، مثلا لو كان امر الوالد بلا مصلحة ذاتية تصلح للمحركية، فأمر الشارع بوجوب اطاعته ووجوب جعل امره محركا في ما امر وعلم به المكلف، علم أن في امتثال أمر الوالد مصلحة وفي تركه مفسدة، لانه مصداق لامتثال أمر الله تبارك وتعالى ولا نتيجة في جعل المحركية الا ذلك. ان قلت: نعم هذا إذا جعلت المحركية تحت امر آخر، والكلام في جعل المحركية بنفس هذا الامر. قلت: نرجع إلى الاشكال الاول، من عدم امكان اخذ جعل الحكم في موضوع نفسه، ويمكن تصحيحه بالقضية الطبيعية، بأن يقال تجب الصلاة مثلا بقصد طبيعة الامر، فمحركية الطبيعة موضوع للامر المذكور، لا محركية نفسه حتى يلزم المحذور.

[ 155 ]

[ وهذا الذى اعتقده مد حاذم بالنسبة إلى مقامه. إذا تمهد هذا فنقول: لا اشكال في أن ذوات الافعال والاقوال الصلاتية مثلا من دون اضافة قصد إليها ليست محبوبة ولا مجزية قطعا، ولكن من الممكن كون صدور هذه الهيئة المركبة من الحمد والثناء والتسبيح والتهليل والدعاء والخضوع والخشوع مثلا مقرونة بقصد نفس هذه العناوين محبوبة للآمر، غاية الامر ان الانسان لقصور ادراكه لا يدرك أن صدور هذه الهيئة منه بهذه العناوين مناسب لمقام الباري عزشانه، ويكون التفاته موقوفا على اعلام الله سبحانه، فلو فرض تمامية العقل واحتواؤه بجميع الخصوصيات والجهات، لم يحتج إلى اعلام الشرع اصلا. والحاصل ان العبادة عبارة عن اظهار عظمة المولى والشكر على نعمائه وثنائه بما يستحق ويليق به، ومن الواضح ان محققات هذه العناوين مختلفة بالنسبة إلى الموارد، فقد يكون تعظيم شخص بان يسلم عليه، وقد يكون بتقبيل يده، وقد يكون بالحضور في مجلسه، وقد يكون بمجرد اذنه بان يحضر في مجلسك أو يجلس عندك، إلى غير ذلك من الاختلافات الناشئة عن خصوصيات المعظم بالكسر والمعظم بالفتح. ولما كان المكلف لا طريق له إلى استكشاف ان المناسب لمقام هذا المولى تبارك وتعالى ما هو الا باعلامه تعالى، لابد ان يعلمه، والا لم يتحقق به تعظيمه، ثم يأمره به. وليس هذا المعنى مما يتوقف تحققه على قصد الامر، حتى يلزم محذور الدور. ويمكن أن يقال بوجه آخر، وهو أن ذوات الافعال مقيدة بعدم صدورها عن الدواعى النفسانية محبوبة عند المولى وتوضيح ذلك يتوقف على مقدمات ثلاث: ]

[ 156 ]

[ (الاولى) ان المعتبر في العبادة يمكن أن يكون اتيان الفعل بداعي امر المولى، بحيث يكون الفعل مستندا إلى خصوص امره وهذا معنى بسيط يتحقق في الخارج بامرين (احدهما) جعل الامر داعيا لنفسه (الثاني) صرف الدواعى النفسانية عن نفسه. ويمكن أن يكون المعتبر اتيان الفعل خاليا عن سائر الدواعى ومستندا إلى داعى الامر، بحيث يكون المطلوب المركب منهما. والظاهر هو الثاني، لانه انسب بالاخلاص المعتبر في العبادات. (الثانية) أن الامر المحلوظ فيه حال الغير (تارة) يكون للغير، و (اخرى) يكون غيريا، مثال الاول الامر بالغسل قبل الفجر على احتمال، فان الامر متعلق بالغسل قبل الامر بالصوم، فليس هذا الامر معلولا لامر آخر، الا أن الامر به إنما يكون لمراعاة حصول الغير في زمانه (الثاني) الاوامر الغيرية المسببة من الاوامر المتعلقة بالعناوين المطلوبة نفسا. (الثالثة) أنه لا إشكال في أن القدرة شرط في تعلق الامر بالمكلف، ولكن هل يشترط ثبوت القدرة سابقا على الامر ولو رتبة، أو يكفى حصول القدرة ولو بنفس الامر ؟ الا قوى الاخير، لعدم وجود مانع عقلا في أن يكلف العبد بفعل يعلم بانه يقدر عليه بنفس الامر. إذا عرفت هذا فنقول: الفعل المقيد بعدم الدواعى النفسانية - وثبوت الداعي الالهى الذى يكون موردا للمصلحة الواقعية - وان لم يكن قابلا لتعلق الامر به بملاحظة الجزء الاخير، للزوم الدور أما من دون ضم القيد الاخير، فلا مانع منه. لا يقال ان هذا الفعل - من دون ملاحظة تمام قيوده التى منها الاخير - لا يكاد يتصف بالمطلوبية، فكيف يمكن تعلق الطلب بالفعل

[ 157 ]

من دون ملاحظة تمام القيود التى يكون بها قوام المصلحة. لانا نقول: عرفت أنه قد يتعلق الطلب بما لا يكون مطلوبا في حد ذاته، بل يكون تعلق الطلب لاجل ملاحظة حصول الغير، والفعل المقيد بعدم الدواعى النفسانية وان لم يكن تمام المطلوب النفسي مفهوما، لكن لما لم يوجد في الخارج الا بداعي الامر، لعدم امكان خلو الفاعل المختار عن كل داع يصح تعلق الطلب به [ 107 ] لانه يتحد في الخارج مع ما هو مطلوب حقيقة، كما لو كان المطلوب الاصلى اكرام الانسان، فانه لا شبهته في جواز الامر باكرام الناطق، لانه لا يوجد في الخارج الا متحدا مع الانسان الذى اكرامه مطلوب اصلى. وكيف كان فهذا الامر ليس امرا صوريا بل هو امر حقيقي وطلب واقعى لكون متعلقه متحدا في الخارج مع المطلوب الاصلى. نعم يبقى الاشكال في أن هذا الفعل - اعني الفعل المقيد بعدم الدواعى النفسانية - مما لا يقدر المكلف على ايجاده في مرتبة الامر، فكيف يتعلق ] [ 107 ] ذكر الفاعل المختار لبيان ان المطلوب هو الفعل الاختياري المقيد بخلو الدواعي الراجعة إلى غير الله تبارك وتعالى فلا ينتقض بالغافل، لانه ان بلغ حدا يسلب عنه الاختيار فهو خارج عن محل الكلام والا فلا محالة لا يخلو عن الداعي الآلهى أو غيره، والفرق بين تقييد المأمور به بخلوه عن الداواعي النفسانية والامر بالذات بلا تقييدها بشئ كما يأتي في المتن مع كون الغرض فيهما اخص وكون الامر فيهما للغير: هو أن الامر على الاول لا يسقط مع عدم قصد القربة لعدم تحقق المأمور به، فلا يحتاج في اثبات بقائه إلى ان الغرض المحدث للامر علة للبقاء ايضا حتى يرد عليه ما أورد عليه في المتن، وايضا: على الاول لا مانع من التمسك بالاطلاق عند الشك في التعبدية وتمامية المقدمات، وايضا: لا اشكال في جريان البراءة مع الاجمال، لان الشك في القيد الزائد.

[ 158 ]

[ الامر به وقد عرفت جوابه في المقدمة الثالثة. هذا وقد يقال في العبادات بان الامر متوجه إلى ذات الفعل، والغرض منه جعل المكلف قادرا على ايجاد الفعل بداعي الامر الذى يكون موردا للمصلحة في نفس الامر. والعقل بعد التفاته إلى اخصية الغرض يحكم بلزوم الاطاعة على نحو يحصل به الغرض. أما توجه الامر إلى ذات الفعل فلعدم امكان اخذ حصوله بداعي الامر في المطلوب من جهة لزوم الدور. وأما أن العقل يحكم بلزوم اتيان الفعل بداعي الامر، فلانه ما لم يسقط الغرض لم يسقط الامر، لان الغرض كما صار سببا لحدوثه كذلك يصير سببا لبقائه، لان البقاء لو لم يكن اخف مؤنة من الحدوث فلا اقل من التساوى. والعقل حاكم بلزوم اسقاط الامر المعلوم. وفيه انه لا يعقل بقاء الامر مع اتيان ما هو مطلوب به على ما هو عليه [ 108 ] لان بقاء الامر مع ذلك مستلزم لطلب الحاصل وهذا واضح ] [ 108 ] وذلك لان المأمور به بالفرض ليس الا الطبيعة بلا اخذ شئ فيها، نعم هي لا تكون مطلوبة في نفسها بل امر بها لتمكن المكلف من إتيانها مع القيد، وحينئذ ان كان بقاء الامر بمعنى لزوم اتيان اصل الطبيعة من دون اخذ شئ فيها حتى الوجود الثاني منها، فهو طلب للحاصل، وان اخذ فيها ذلك فهو غير ما امر بها أولا، نعم يمكن تصحيح ذلك بتقريب يأتي تفصيله في المقدمة الموصلة انشاء الله تعالى وإجمال في المقام أن الامر بالذات لما لم يكن لنفسها، بل يكون لمطلوب آخر وهو الذات مع قصد القربة لم تلاحظ الذات حين الامر الا مقرونة بالقصد، لا بنحو يكون قيدا للمأمور به، بل لا ترى الذات محبوبة الا ملحوظة مع القصد، فيكون للحال المذكور دخل في الحكم، ولازم ذلك عدم سقوط الامر الا باتيان الذات بقصد الامر، لا لعدم حصول قيد المأمور به، بل لعدم اطلاق للحكم يشمل غير الحالة المذكورة، وهي مقارنته للقصد المذكور، وسيجيئ تفصيله انشاء الله تعالى.

[ 159 ]

[ بادنى تأمل. فالاولى ان يقال - في وجه حكم العقل باتيان الفعل على نحو يسقط به الغرض - ان الاتيان به على غير هذا لنحو وان كان يسقط الامر الا ان الغرض المحدث له مادام باقيا يحدث امرا اخر، وهكذا مادام الوقت الصالح لتحصيل ذلك الغرض باقيا، فلواتي بالفعل على نحو يحصل به الغرض فهو، والا يعاقب على تفويت الغرض. لا يقال فوت الغرض الذى لم يدخل تحت التكليف ليس منشأ للعقاب، (لانا نقول) نعم لو لم يكن الآمر بصدد تحصيله. وأما لو تصدى لتحصيله بالامر، ولكن لم يقدر على ان يامر بتمام ما يكون محصلا لغرضه، كما فيما نحن فيه، والمكلف قادر على ايجاد الفعل بنحو يحصل به الغرض الاصلى، فلا اشكال في حكم العقل بلزوم اتيانه كذلك [ 109 ]. ومن هنا يعلم انه لا وجه للالتزام بامرين احدهما بذات الفعل والثانى بالفعل المقيد بداعي الامر، لان الثاني ليس الا لالزام المكلف بالفعل المقيد، وقد عرفت انه ملزم به بحكم العقل، مضافا إلى ما افاده في ] [ 109 ] لا يخفى انه لو قلنا بلزوم مثل ذلك الغرض، فلا وجه للالتزام بان الغرض يحدث أمرا آخر، لانه بعد ما علم أن الامر بالذات نشأ عن غرض خاص، يحكم العقل باستحقاق العقاب في ترك تحصيل الغرض، فلا مناص من الامر المولوي ثانيا،. لا يقال: نعم لكن لو أتى المكلف بالفعل بلا قصد، فلا مناص عن الامر ثانيا، لايجاد الداعي له ثانيا، وتحصيل التمكن من اتيانه، والا فلا داعي للمكلف على ايجاده ثانيا، ولا قدرة له. لانا نقول: أما قدرة المكلف فمحفوظة بعد بامكان تبديل امتثال الامر الاول، فقد حقق في محله امكانه وأما الداعي الملزم، فالعلم بأنه لو لم يتبدل يستحق العقاب في ترك تحصيل الغرض اللازم الحصول، مع التمكن من تحصيله فلا مناط للامر ثانيا.

[ 160 ]

[ بطلانه شيخنا الاستاذ دام بقاه، من ان القول به يوجب اما الالتزام بما قلنا من بقاء الامر الاول ما لم يحصل غرض الآمر.، وإما الالتزام بعدم وصول الآمر إلى غرضه الاصلى، لان المكلف لواتى بذات الفعل من دون داعى الامر لا يخلو اما ان نقول ببقاء الامر الاول، وإما أن نقول بسقوطه، فعلى الاول فاللازم التزامك بما التزمنا، وعليه لا يحتاج إلى الامر الثاني، وعلى الثاني يلزم سقوط الامر الثاني ايضا، لارتفاع موضوعه فيلزم ما ذكرنا من عدم الوصول إلى غرضه الاصلى. هذا ولقائل ان يقول نختار الشق الثاني من سقوط الامر الاول باتيان ذات الفعل، وسقوط الثاني ايضا بارتفاع موضوعه، ولا يلزم محذور اصلا، لان الوقت اما باق بعد واما غير باق، فعلى الاول يوجب الغرض ايجاد امرين آخرين على ما كانا، وعلى الثاني يعاقب المكلف على عدم امتثال الامر الثاني، مع أنه كان قادرا عليه بوجود الامر الاول، لان الامر الثاني لو فرضناه امرا مطلقا فعدم ايجاد متعلقه معصية بحكم العقل، سواء كان برفع المحل، أو كان بنحو آخر وهذا واضح. فاتضح مما ذكرنا من اول العنوان إلى هنا وجوه خمسة في تصوير العبادات [ 110 ] وانت خبير بانه كلما قلنا في الواجبات النفسية العبادية ] [ 110 ] (اولها) اعتبار قصد الامر في العبادة مع كونه مأخوذا فيها شرطا أو شطرا. (ثانيها): عدم اعتباره، بل المعتبر اتيان الفعل بقصد الخضوع للمولى والخشوع له مع كونه ايضا مأخوذا في المأمور به. (ثالثها): اعتبار قصد الامر فيها، مع كون ملازمه مأخوذا في المأمور به. (رابعها): اعتباره فيها مع عدم اخذه، ولا ملازمه فيه، وبقاء الامر ببقاء =

[ 161 ]

[ يجرى مثله في الواجبات المقدمية العبادية [ 111 ]، فلا يحتاج إلى اطالة الكلام بجعل عنوان لها مستقلا ولما كان الغرض في هذا البحث هو التكلم في الاصل اللفظى والعملي فيما لو تردد امر الواجب بين ان يكون عباديا أو توصليا، فلنشرع في المقصود الاصلى. تأسيس الاصل فنقول لو شك في الواجب في انه تعبدي أو توصلي ؟ فعلى ما قدمناه من عدم احتياج العبادة إلى التقييد بصدورها بداعي الامر [ 112 ] لا اشكال في أن احتمال التعبدية احتمال قيد زائد فالشك فيه من جزئيات الشك في المطلق والمقيد، فآن كانت مقدمات الاخذ ] = الغرض أو سقوطه وإحداث الغرض أمرا آخر عند اتيان الفعل بلا قصد للامر. (خامسها): اعتباره فيها مع عدم دخله فظ المأمور به الاول، مع التزام أمر آخر بلزوم اتيان الاول بقصد أمره، وقد عرفت وجها آخر وهو دخل القصد في الحكم لا في المأمور به. [ 111 ] لا يخفى عدم جريان الوجوه الثلاثة الاخيرة من الوجوه الخمسة، لرجوع الجميع إلى جعل امر مستقل متعلق بغير المطلوب، مقدمة لحصول المطلوب، وهو الوجوب للغير، والامر المقدمي الغيري لا يتعلق الا بنفس ما يكون مناط المقدمية فيه موجودا، فلو سلم عدم امكان تعلق الامر بها، فلا طلب غيرى ولا محالة ينشأ الوجوب للغير. تأسيس الاصل: [ 112 ] بل وكذا لو قيل باحتياجها إلى التقيد المذكور، مع إمكان إخذه في المأمور به ولو بعنوان ملازمه.

[ 162 ]

[ بالاطلاق موجودة، يحكم باطلاق الكلام ويرفع القيد المشكوك، والا فالمرجع هو الاصل الجارى في مقام دوران الامر بين المطلق والمقيد. ولما كان المختار فيه بحسب الاصل العملي البراءة، يحكم بعدم لزوم القيد. وأما على ما قيل من لزوم تعلق الطلب على تقدير التعبدية بذات الفعل، مع اخصية الغرض، فقد يقال - كما يظهر من كلمات شيخنا المرتضى قدس سره - بعدم جواز التمسك باطلاق اللفظ لرفع القيد المشكوك كذلك لا يمكن اجراء اصالة البراءة فيه، بل المقام مما يحكم العقل فيه بالاشتغال. وان قلنا بالبراءة في دوران الامر بين المطلق والمقيد. (اما الاول) فلان رفع القيد باصالة الاطلاق انما يكون فيما لو احتملنا دخول القيد في المطلوب. والمفروض عدم هذا الاحتمال، والقطع بعدم اعتباره فيه اصلا. وانما الشك في أن الغرض هل هو مساو للمطلوب أو اخص منه، وحدود المطلوب معلومة لا شك فيها على أي حال. (واما الثاني) فلانه بعد العلم بتمام المطلوب في مرحلة الثبوت لو شك في سقوطه باتيان ذاته، وعدم سقوطه بواسطة بقاء الغرض المحدث للامر، لا مجال الا للاحتياط، لان اشتغال الذمة بالامر الثابت المعلوم متعلقه يقتضى القطع بالبراءة عنه، ولا يكون ذلك الا باتيان جميع ما يحتمل دخله في الغرض. ومما ذكر تعرف الفرق بين المقام وسائر الموارد التى شك في مدخلية قيد في المطلوب. وملخص الفرق أن الشك فيها راجع إلى مرحلة الثبوت، وفي المقام إلى مرحلة السقوط. هذا، والحق عدم التفاوت بين المقام وساير الموارد مطلقا اعني من جهة الاخذ بالاطلاق ومن جهة اجراء اصالة البراءة. ]

[ 163 ]

[ (أما الاول)، فلان القيد المذكور وان لم يحتمل دخله في المطلوب لعدم الامكان، ولكن لو فرضنا وجود مقدمات الاخذ بالاطلاق التى من جملتها كون المتكلم في مقام بيان تمام المقصود وما يحصل به الغرض، يحكم بعدم مدخلية شئ آخر في تحقق غرضه، إذ لو كان لبين ولو ببيان مستقل [ 113 ] وحيث لم يبين يكشف عن كون متعلق الطلب تمام ما يحصل به غرضه. نعم الفرق بين المورد وسائر الموارد ان فيها يحكم - بعد تمامية مقدمات الحكمة - باطلاق متعلق الطلب، وفيه باطلاق الغرض والامر سهل. ويمكن أن يستظهر من الامر التوصلية، من دون حاجة إلى مقدمات الحكمة بوجه آخر اعتمد عليه سيدنا الاستاذ طاب ثراه، وهو ان الهيئة عرفا تدل على ان متعلقها تمام المقصود، إذ لولا ذلك لكان الامر ] [ 113 ] لا يخفى ان التمسك باطلاق الغرض يتوقف على كون القيد مغفولا عنه عند العامة، ليكون ترك البيان نقضا للغرض، مثل قصد الوجه والتمييز، أو على كون حكم الشك فيه البراءة عند العقل، أما لو كان القيد غير مغفول عنه، وكان حكم العقل عند الشك فيه الاشتغال، فللآمر ان يكتفي في تحصيل القيد بحكم العقل، من دون بيان، بلا لزوم نقص الغرض. والظاهر أن قصد الامر ليس مغفولا عنه عند العامة، بل يمكن أن يقال: إنه حاصله غالبا، لان الداعي للمكلفين غالبا ليس الا العلم بالامر، وادراك وجوب اطاعته حتى في التوصليات، ولا نعنى بقصد الامر الا هذا. وأما التفات أحدهم بالتوصلية وقصد غير الامر أو اتيان المأمور به غافلا عن الامر بداعي غيره نادر لا يعبأ به عند الآمر، وهذا بيان آخر لعدم نقض الغرض، واما حكم العقل بالاشتغال أو البراءة فسيأتي الكلام فيه عن قريب انشاء الله تعالى والحاصل: ان الفرق بين الاطلاق في مقام الغرض والاطلاق في مقام الافهام، هو احتياج الاول إلى ما ذكر من القيدين بخلاف الثاني المفروض في الكلام انتفاؤه.

[ 164 ]

[ توطئة وتمهيدا لغرض آخر، وهو خلاف ظاهر الامر. (واما الثاني) فلانه بعد اتيان ذات الفعل لا يعقل بقاء الامر الاول، لما عرفت سابقا من استلزامه لطلب الحاصل، فلا يعقل الشك في سقوط هذا الامر. نعم يحتمل وجود امر آخر من جهة احتمال بقاء الغرض. وظاهر أن هذا شك في ثبوت امر آخر، والاصل عدمه. ولو سلمنا كون الشك في سقوط الامر الاول نقول: إن هذا الشك نشأ من الشك في ثبوت الغرض الاخص. وحينئذ نقول في تقريب جريان اصالة البراءة ان اقتضاء الامر ذات الفعل متيقن. واما الزائد عليه فلا نعلم، فلو عاقبنا المولى من جهة عدم مراعاة الخصوصية المشكوك اعتبارها في الغرض، مع الجهل به، وعدم اقامة دليل يدل عليه، مع ان بيانه كان وظيفة له، لكان هذا العقاب من دون اقامة بيان وحجة، وهو قبيح بحكم العقل. ولو كان الشك في السقوط كافيا في حكم العقل بالاشتغال، للزم الحكم به في دوران الامر بين المطلق والمقيد مطلقا [ 114 ] ضرورة أنه بعد اتيان الطبيعة في ضمن غير الخصوصية التى يحتمل اعتبارها في المطلوب، يشك في سقوط الامر وعدمه. ] [ 114 ] ويمكن الفرق بين المقامين بان الشك في السقوط في المطلق والمقيد ناش عن الشك في حدود المأمور به، فينحل إلى ان الامر بالذات معلوم وبالقيد مشكوك فيه، ولا ملزم لغير المعلوم، وفي المقام حدود المأمور به معلومة والشك في السقوط ناش عن كيفية الامر، فان التعبدي لا يسقط الا بقصد الامر، بخلاف التوصلي. =

[ 165 ]

[ (الامر الثالث) (في الواجب المطلق والمشروط) ينقسم الواجب - ببعض الاعتبارات - إلى مطلق ومشروط، فالاول عبارة عما لا يتوقف وجوبه على شئ والثانى ما يقابله، ولا يهمنا التعرض للتعريفات المنقولة عن القوم، والنقض والابرام المتعلقين بها. وقد يستشكل في تقسيم الواجب باعتبار وجوبه إلى القسمين من جهة امرين: (احدهما) أن مقتضى كون وجوب الشئ مشروطا بكذا عدم تحقق الوجوب قبل تحقق الشرط [ 115 ]. والمفروض ان الآمرقد انشأ ] = والعقل يحكم بلزوم الخروج عن عهدة الامر المعلوم. وبعبارة أخرى: في المطلق والمقيد يتردد الحكم بين الامر بالزائد والناقص، وفي المقام يتردد الامتثال بين الزائد والناقص يحكم فيه بالاشتغال فلا تغفل. الواجب المطلق والمشروط: [ 115 ] ونظير هذا الاشكال جار في الخبر المشروط ايضا، فان مقتضى كون الخبر مشروطا عدم تحقق الخبر قبل تحقق الشرط، ولازمه اما تفكيك الخبر عن الاخبار واما إهمال القضية الخبرية، هذا ان لم يكن القيد راجعا إلى المخبر به، بل كان راجعا إلى الهيئة، واما عليه فيأتي الكلام فيه انشاء ا لله تعالى. وقد يتوهم اختصاص توجه الاشكال على القول بكاشفية الهيئة عن الارادة البتة كما هو مبنى الاستاذ دام بقاه حيث ان الارادة الواقعية المكشوفة لا يخلو امرها عن الوجود والعدم، اما الاول فهو خلاف ما اقتضاه الاشتراط، واما الثاني فمستلم لخلو القضية عن المعنى =

[ 166 ]

[ الوجوب بقوله: (ان جاءك زيد فأكرمه) فان الهيئة قد وضعت لانشاء الطلب. وعلى هذا فالقول بان الوجوب لا يتحقق الا بعد تحقق الشرط مستلزم لتفكيك الايجا عن الوجوب. وان التزم بعدم تحقق الايجاب، لزم اهمال هذه القضية. (ثانيهما) - ان الطلب المستفاد من الهيئة انما يكون معنى حرفيا غير مستقل بالنفس، وليس دخوله في الذهن الا من قبيل وجود العرض في الخارج في كونه متقوما بالغير، والاطلاق والتقييد فرع إمكان ملاحظة المفهوم في الذهن. وايضا قد تقرر في محله أن معاني الحروف معان جزئية بمعنى ان ] = واهماله، واما على القول بكون الهيئة موجدة لمفهوم الطلب انشاء فلا محذور فيه حيث ان الانشاء خفيف المؤنة، فكما يصح الانشاء منجزا وحقيقته ليس الا البناء على وجوده، فكذلك الانشاء على تقدير، ومعناه يصح بالبناء على وجود على ذلك التقدير. ولكن فيه: ان الوجود الانشائى ايضا نحو من الوجود النفس الامري وليس من قبيل أنياب الاغوال بلا تأصل وحقيقة الا الفرض، وهذا النحو من الوجود الانشائى ايضا لا يخلو أمره عن الوجود والعدم فعلا والاول ينفيه الاشتراط، والثاني مستلزم لاهمال القضية فعلا وبذلك يظهر ما في ما التزم به في الكفاية من أن المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصول شئ، فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث والا لتخلف عن انشائه. وجه النظر: أن عدم تفكيك الايجاد عن الوجود لا فرق فيه بين الوجود الانشائي والخارجي، فان الوجود الانشائي لا يمكن تفكيكه عن الايجاد الانشائي كالخارجي، بل الايجاد والوجود الفرضيان أيضا لا ينفكان، فكيف التزم بالتفكيك بينهما ؟ واما ما وجه به بعض المحشين: بأن الهيئة على هذا جزء العلة، ويبقى جزؤها الآخر، وهو القيد فهو خلاف مرام المتن، لان الظاهر منه أن الايجاد والانشاء حاصل، لكن المنشأ أمر استقبالي، ويشهد بذلك تنظيره بالاخبار، فانه لا يلتزم أحد بأن اخبار المشروط جزء العلة للخبر.

[ 167 ]

[ الواضع لاحظ في وضع الحروف عنوانا عاما اجماليا ووضع اللفظ بازاء جزئياته، فالوضع أي آلة الملاحظة فيها عام والموضوع له اعني جزئيات ذلك العام خاص. ومن الواضح أن الجزئي لا يكون مقسما للاطلاق والتقييد [ 116 ]. هذا ومما ذكرنا سابقا في بيان معاني الحروف من أنها كليات كمعاني بعض الاسماء، ظهر لك عدم المانع عن اطلاق الطلب وتقييده من جهة جزئية المعنى المستفاد من الهيئة. أما المانع الآخر وهو كونه مما لا تحصل له في الذهن استقلالا، والاطلاق والتقييد الواردان على المفهوم تابعان لملاحظته في الذهن مستقلا، فالجواب عنه بوجهين. (احدهما) - أن المعنى المستفاد من الهيئة وان كان حين استعمالها فيه لا يلاحظ الا تبعا، لكن بعد استعمالها يمكن أن يلاحظ بنظرة ثانية، ويلاحظ فيه الاطلاق أو التقييد [ 117 ]. ] [ 116 ] قد يقال: لو سلم ذلك، فانما يمنع عن التقييد لو أنشئ اولا غير مقيد، لا ما إذا أنشئ من الاول مقيدا، غاية الامر قد دل عليه بدالين، كما هو عين عبارة الكفاية. لكن الظاهر انه لا محيص عن القول بكون المنشأ بالصيغة أصل الطلب المهمل، والخصوصيات الزائدة عليه تستفاد من دوال اخر، مثل أداة الشرط ونحوها، والا يلزم استعمال الهيئة مجازا في طلب خاص، مع كون أداة الشرط وغيرها مما يدل على الخصوصيات، كرفع الفاعل ونصب المفعول علامة، أو ك‍ (يرمي) قرينة على هذا التجوز. وكلاهما خلاف ما هو التحقيق في التقييد، كما هو خلاف ما التزموا به. [ 117 ] لا يقال: ان الموجود في الذهن سواء كان بالنظرة الاولى أو بالنظرة الثانية إذا كان مستقلا، بحيث يقبل الاطلاق والتقييد، بمعنى انه يوجد في الذهن ويلاحظ أنه قابل للحكم باطلاقه، أو غير قابل له الا بالتقييد ببعض القيود، فهو معنى اسمي غير مربوط بالهيئة، لان معنى الهيئة معنى حرفي لا يكون وجوده في الذهن إلا =

[ 168 ]

[ (ثانيهما) - ورود الاطلاق والتقييد بملاحظة محله، مثلا ضرب زيد إذا تعلق به الطلب المستفاد من الهيئة، يتكيف بكيفية خاصة في الذهن، وهى كيفية المطلوبية، فضرب زيد بهذه الملاحظة قد يلاحظ فيه الاطلاق، ويلزم منه كون الطلب الطارى عليه مطلقا وقد يلاحظ فيه الاشتراط. واللازم من ذلك كون الطلب ايضا مشروطا [ 118 ]. ] = عرضا لموجود آخر فيه، بحيث لا يمكن ارجاع الضمير إليه، ولا الاشارة إليه، كما مر في معاني الحروف، فكيف يمكن ان يلاحظ انه قابل للحكم بنحو الاطلاق أوغير قابل له الا مقيدا ؟، فما هو القابل لهما وهو الملحوظ الثاني غير معنى الهيئة، ومعنى الهيئة وهو الملحوظ اولا غير قابل لهما. لانا نقول: ان الملحوظ ثانيا وان كان معنى اسميا، لكنه أخذ بنحو الحكاية والعبرة عن المعنى الحرفي، فيرى به ما وجد أولا واستعمل فيه، ويحكم بخروج بعض حالاته عن الحكم لبا. ولا اشكال من هذه الجهة، نعم احتياج القضايا المشروطة والمقيدة إلى النظرة الثانية خلاف الوجدان. [ 118 ] بمعنى أن تضييق الموضوع بوصف كونه موضوعا للحكم، يستلزم تضييق الحكم قهرا. ولا ينافي ذلك تعدد الدال والمدلول في الهيئة، والمحل اللازم منه كون مدلولهما في الذهن تدريجيا، لانه بعد تمام اللفظ ودخول المداليل التدريجية في الذهن، يكون الحاضر في الذهن امرا بسيطا، وهو الموضوع المتصف بالحكم، فيقيده، اي يظهر أنه بحسب اللب مقيد ومضيق، وان كان في مقام الاستعمال مطلقا. لكن لا يخفى أن ذلك ايضا يحتاج إلى تعدد لحاظ الموضوع في القضايا المشروطة، لان لحاظ الموضوع المجرد عن الحكم الذي لا محيص عنه قبل الحكم غير لحاظ الموضوع المتصف به الذي لا يمكن الا في ظرف وجود الحكم، وقد مر آنفا: أن الوجدان بخلاف ذلك، فان لحاظ الموضوع في القضايا المشروطة كالمطلقة واحد فلا تغفل. لا يقال: إن هذه الاشكالات على تقدير ارجاع القيد إلى الهيئة. وأما على =

[ 169 ]

[ ولنا في المقام مسلك آخر وهو ان المعنى المستفاد من الهيئة لم يلاحظ فيه الاطلاق في الوجوب المطلق، والاشتراط في الوجوب المشروط، ولكن القيد الماتى به في القضية (تارة) يعتبر على نحو يتوقف تأثير الطلب على وجوده في الخارج، ويقال لهذا الطلب: الطلب المشروط. بمعنى أن تأثيره في المكلف موقوف على شئ و (اخرى) يعتبر على نحو يقتضى الطلب ايجاده، ويقال لهذا الطلب المتعلق بذلك المقيد: الطلب المطلق، أي لا يبتنى تأثيره في المكلف على وجود شئ. وتوضيح ذلك أن الطالب قد يلاحظ الفعل المقيد ويطلبه، أي يطلب المجموع. وهذا الطلب يقتضى ايجاد القيد إن لم يكن موجودا، كما ] = تقدير ارجاعه إلى المادة، بأن يقال: المطلوب هو المادة المقيدة بتقدير خاص، لا المادة المطلقة. واما الطلب فلا تعليق فيه ولا تقييد. لانا نقول: لو كانت المادة المقيدة مطلوبة بنحو الاطلاق، يلزم ان يكون القيد واجب التحصيل فيكون مفاد (ان تطهرت فصل) متحدا مع (صل مع الطهارة) مثلا، وهو خلاف الوجدان وخلاف ما التزموا به في الواجب المشروط. ومعلوم ان محبوبية شئ على تقدير لا ينافي مبغوضية التقدير. ان قلت: هذا لو لم تكن المادة مقيدة ابتداءا، وأما معه فلا يستلزم وجوب تحصيل القيد ولا يقع تحت الهيئة. قلت: مع ذلك يلزم أن يكون الفعل المقيد بأمر اختياري مطلوبا فعلا، بحيث لو لم يفعله المكلف يلزم تفويت الغرض من المولى، لكن لا يعاقب عليه لتقييد المطلوب بأمر اختياري، وهو ايضا خلاف الوجدان وخلاف ما التزموا به. فتأمل جيدا. وكذلك لا يدفع ما ذكر من الاشكال في الاخبار المشروطة، بارجاع القيد إلى المخبر به مع عدم تعليق في الاخبار، وذلك لا يستلزم كون الاخبار بوجود النهار مشروطا بطلوع الشمس اخبارا بوجود النهار فعلا بعد طلوع الشمس، بحيث لو لم تكن الشمس طالعة لم تكن القضية صادقة، كما لو لم تكن ملازمة وهو كما ترى.

[ 170 ]

[ في قوله (صل مع الطهارة) وقد يلاحظ القيد موجودا في الخارج، أي يفرض في الذهن وجوده في الخارج، ثم بعد فرض وجوده في الخارج ينقدح في نفسه الطلب، فيطلب المقيد بذلك القيد المفروض وجوده، فهذا الطلب المتعلق بمثل هذا المقيد المفروض وجود قيده، وان كان متحققا فعلا بنفس الانشاء، لكن تأثيره في المكلف يتوقف على وجود ذلك القيد المفروض وجوده حقيقة. ووجهه ان هذا الطلب انما تحقق مبنيا على فرض وجود الشئ وهذا الفرض في لحاظ الفارض حاك عن حقيقة وجود ذلك الشئ، فكأنه طلب بعد حقيقة وجوده، فكما انه لو طلب بعد وجود ذلك الشئ المفروض وجوده حقيقة لم يؤثر الطلب في المكلف الا بعد وجود ذلك الشئ واقعا، لعدم الطلب قبله، كذلك لو طلب بعد فرض وجوده لم يؤثر الا بعد وجوده الخارجي، وان كان الطلب الانشائى محققا قبله ايضا. فهذا الطلب يقع على نحو يشترط تأثيره في المكلف على شئ في الخارج فتدبر جيدا. ومما ذكرنا يظهر الجواب عن اشكال آخر تقدم في صدر المبحث [ 119 ] وهو ان المعنى الانشائى كيف يعلق على وجود شئ ؟ ] [ 119 ] وكذلك يظهر الجواب عن الاشكال في الجمل الخبرية، وذلك لان الاخبار مطلق ومتحقق فعلا، لكن بعد فرض المخبر تحقق الشرط خارجا، لا يجامع الحكم بعدمه، ومن هذه الجهة يكون اخباره ذا ضيق ذاتي، وان لم يقيد بشئ، كما لو أخبر بعد حصول الشرط بوجود المشروط، والصدق والكذب تابعان للمطابقة وعدمها عند حصول الشرط، فالمخبر بوجود النهار عند طلوع الشمس يكون طلوع الشمس موجودا في فرضه، ثم في هذا الفرض يخبر بوجود النهار، فان كان الخبر بعد تحقق =

[ 171 ]

[ ومحصل الجواب أن المعنى المستفاد من الهيئة والمنشأ بها متحقق فعلا، من دون ابتنائه على شئ، ولكن تأثيره في المكلف موقوف على وجود شئ. الواجب المعلق (الامر الرابع): بعد ما عرفت انقسام الواجب إلى مطلق ومشروط، إعلم ان الناظر في كلمات الاصحاب، يرى أنه عندهم من المسلمات عدم اتصاف مقدمات الواجب المشروط بالوجوب المطلق، ويوضح ذلك اعتراض بعضهم على من جعل عنوان البحث أن الامر بالشئ يقتضى ايجاب مقدماته، بان النزاغ ليس في مطلق الامر، بل هو في الامر المطلق. واعتذار بعضهم بأن إطلاق الامر ينصرف إلى المطلق منه، فلا احتياج في افادته إلى ذكر القيد. واعتذار بعض ردا على المعترض في اصل المبنى، بانه لا وجه لتخصيص محل النزاع بالامر المطلق، بل هو يجرى في المشروط ايضا، غاية الامر أنه لو قلنا بالملازمة بين الامر بالشئ والامر بمقدماته، نقول بثبوت الامر للمقدمة على نحو ما ثبت لذيها، إن مطلقا فمطلق، وان مشروطا فمشروط. ومن مجموع هذه الكمات يظهر أنه من المسلمات عندهم عدم الوجوب المطلق للمقدمة، مع كون ذيها متصفا بالوجوب المشروط. وعليه يقع الاشكال في بعض المقدمات الذى اتصف بالوجوب المطلق، مع عدم اتصاف ذيها به، بل يكون من الواجبات المشروطة. ومن ذلك الغسل ] = الفرض خارجا مطابقا كانت القضية صادقة، كما لو اخبر بوجود النهار بعد طلوع الشمس

[ 172 ]

[ قبل الفجر ليلة رمضان، فانهم حكموا بوجوبه قبل الفجر، مع أنه لم يتعلق الوجوب بالصوم بعد. والذى قيل في جل هذه العويصة امران: (احداهما) - المحكى عن بعض أعاظم المحققين في تعليقاته على المعالم. وملخصه أن الوجوب المتعلق بالغسل قبل الفجر - وامثاله من المقدمات التى يتعلق بها الوجوب قبل ذيها - ليس من الوجوب الغيرى أي الوجوب المعلول من وجوب ذى المقدمة، بل هو وجوب نفسي لوحظ فيه الغير، بمعنى ان الشارع لاحظ في ايجابه النفسي تمكن المكلف من امتثال الواجب النفسي الذى يتحقق وجوبه فيما بعد. (ثانيهما) - ما افاده صاحب الفصول (قدس سره) من الفرق بين الواجب المشروط والمعلق. وحاصل ما افاده أن الواجب ينقسم إلى ثلاثة اقسام: مطلق، ومشروط، والاول على قسمين، منجز ومعلق، والمنجز ما كان زمان الوجوب فيه متحدا مع زمان الواجب، والمعلق ما كان زمان الوجوب فيه منفكا عن زمان الواجب. توضيح ذلك أن نسبة الفعل إلى الزمان والمكان متساوية، ولا ريب في امكان كون الفعل المطلوب مقيدا بوقوعه في مكان خاص، كالصلاة في المسجد، وكذا في امكان كون وجوبه مشروطا بكون المكلف في المكان الخاص، وعلى الاول فاللفظ الكاشف عن ذلك الطلب لا بدأن يكون على وجه الاطلاق، كأن يقول: (صل في المسجد) وعلى الثاني لا بدان يكون على وجه الاشتراط، كان يقول: (إذا دخلت المسجد فصل) وهذان الوجهان بعينهما جاريان في الزمان ايضا، فيمكن أن يلاحظ الآمر الفعل المقيد بوقوعه في زمان خاص، فيطلب على هذا الوجه من المكلف، ولابد أن يكون التعبير عن ذلك المعنى على وجه الاطلاق، كأن يقول: (صل صلاة واقعة في وقت كذا) ويمكن أن يلاحظ الفعل ]

[ 173 ]

[ المطلق لكن وجوبه المتعلق به وطلبه يكون مشروطا بمجيئ وقت كذا، فالوجوب على الاول فعلى، ولا باس باتصاف مقدمات الفعل على هذا الوجه بالوجوب، إذ لا خلف حينئذ لان ذاها ايضا متصف بالوجوب، بخلاف الوجوب على الوجه الثاني، فان الفعلية منتفية في الواجب المشروط، فيمتنع اتصاف مقدماته بالوجوب الفعلى، ففى الموارد التى حكموا فيها بوجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، يلتزم بان الواجب معلق، بمعنى ان المطلوب هو الفعل المقيد بوقت كذا، ووجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، فيمكن ان يكون وقت ايقاعها قبل زمان ايجاده، لان زمان اتصاف الفعل المقيد بالوجوب ليس متأخرا عن زمان اتصاف المقدمة به، بل يقارنه وان كان زمان وقوع الفعل متاخرا عن زمان وقوع المقدمة. ثم تصدى (قدس سره) لما يرد على هذا النحو من الواجب وبيان دفعه. ومحصل ما أورده على نفسه أمران: (احدهما) - أن المكلف قد لا يكون حيا في زمان الفعل، فلا يمكن توجه التكليف بنحو الاطلاق إليه. (ثانيهما) - أن الفعل المقيد بالزمان الغير الموجود بعد ليس مقدورا للمكلف بواسطة قيده، وما لا يكون تحت قدرة المكلف يمتنع ان يكلف به فعلا وعلى نحو الاطلاق. واجاب (قدس سره) عن الاول بان التكليف متوجه إلى من يكون حيا في ذلك الزمان الذى فرض قيدا للمطلوب، وعن الثاني (أولا) بالنقض (تارة) بالتكليف بالمتعلق بالصوم في أول الفجر، فان الصوم عبارة عن الامساك في قطعة خاصة من الزمان، أعنى ما بين الفجر والغروب. ولا اشكال في عدم قدرة المكلف في اول الفجر على الامساك في الجزء الاخير من الوقت، فكيف يلتزم بوجود الوجوب المطلق حين ]

[ 174 ]

[ الفجر، مع عدم تحقق قطعة الزمان التى اخذ في المطلوب إلا جزؤها و (اخرى) بالتكليف بكل ما يحتاج إلى مقدمات لا بد في الايتان بها من مضى زمان، ولا يقدر على الاتيان به في زمان صدور التكليف، كما لو كلفه بأن يكون في مكان كذا، ويحتاج ذلك الكون إلى مشى فرسخ أو فراسخ مثلا، فان من الواضح عدم قدرة المكلف حال التكليف على الكون في ذلك المكان. وانما يقدر عليه بعد مضى ساعتين أو ثلاث ساعات مثلا. و (ثالثة) بالتكليف المتعلق بكل فعل تدريجي كالصلاة، حيث أن القدرة على الجزء الاخير يتوقف على اتيانه بالاجزاء السابقة. و (ثانيا) - بالحل بان القدرة التى تكون شرطا في التكاليف عقلا، هي القدرة في زمان الفعل، لا القدرة حال التكليف، فاندفع الاشكال باسره. هذا حاصل ما افاده قدس سره في هذا المقام. اقول: المهم بيان كيفية الارادات اللبية المتعلقة بالافعال، لكى يتضح حال هذا القسم من الواجب المسمى بالتعليقى، فنقول ان الفعل المقيد المتعلق للارادة (تارة) على نحو تقتضي تلك الارادة تحصيل قيده في الخارج لو لم يكن موجودا، و (اخرى) على نحو لا تقتضي ذلك، كما لو اراده على فرض وجود ذلك القيد، مثلا قد تتعلق الارادة بالصلاة في المسجد على نحو الاطلاق، سواء كان المسجد موجودا في الخارج ام لا، وقد تتعلق بها على فرض وجود المسجد. وعلى الاول تقتضي تلك الارادة بناء المسجد لو لم يكن في الخارج، مقدمة لحصول الصلاة فيه. وعلى الثاني لا تقتضي ذلك، بل اللازم الصلاة لو فرض وجود المسجد، ولا نتعقل قسما آخر من الارادة في النفس خارجا عما ذكرنا، فتقسيم الواجب إلى الاقسام الثلاثة مما لا وجه له، بل ينحصر في القسمين المذكورين عقلا ]

[ 175 ]

[ ومحصل ذلك ان القيد اما خارج عن حيز الارادة واما داخل فيه، ولا ثالث عقلا. وهذا واضح لاسترة عليه. إذا عرفت هذا فنقول القيود الخارجة عن قدرة المكلف من قبيل الاول قطعا [ 120 ] لا ستحالة تعلق الطلب بما ليس تحت قدرة المكلف، فيكون الطلب المتعلق بالفعل المقيد بالزمان من اقسام الطلب المشروط. (فان قلت) على ما ذكرت يلزم أن لا يكون الخطاب في أول ] الواجب المعلق: [ 120 ] اقول: العمدة في انكار الواجب المعلق نفي امكان تعلق الطلب الفعلي بما ليس تحت قدره المكلف فعلا، وان كان مقدورا حين العمل، لا انحصار الارادة في قسمين، لان القائل به لا ينكر ذلك، ويعترف بأن الواجب إما مطلق وإما مشروط، فان تعلقت الارادة بشئ من دون انتظار شئ فهو مطلق، وحينئذ فان تعلقت بما هو مقدور فعلا فمنجز، وإن تعلقت بغير المقدور فمعلق، فان ثبت امتناع تعلقها بغير المقدور فعلا فهو، والا فانحصار الارادة لا يضره. وأما امتناعه وامكانه فقد اختلف فيه، واصر في الكفاية على إمكانه حتى اسند إلى القائلين بامتناعه الغفلة عن معنى الارادة، وقال ما حاصله: (إن الارادة عبارة عن الشوق المؤكد المحرك نحو المراد، اعم من أن يكون نحو مقدماته أو نحو نفس الفعل فيما ليس له مقدمة، والجامع ان يكون محركا نحو المقصود). ثم استدرك ورجع عن ذلك، واختار أن الارادة عبارة عن مرتبة من الشوق تكون محركة للعضلات، لو كان الفعل حاليا أو استقباليا محتاجا إلى المقدمة، وان لم تكن محركة بالفعل أصلا، لكونه استقباليا غير محتاج إلى المقدمة. ومعلوم ان الشوق المتعلق بالاستقبالي قد يكون اشد بمراتب من المتعلق بالحالي. وأورد النقض بالافعال التي لها مقدمات كثيرة، حيث أن تحمل المشاق فيها ليس الا لاجل كونه مريدا (إلى أن قال): مع أن لا يكاد يتعلق البعث الا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن البعث إنما يكون لاحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به (إلى أن قال) ولا يكاد =

[ 176 ]

= يكون هذا الا بعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بزمان، ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة، انتهى ما هو المقصود من كلامه زيد في علو مقامه. لكن الظاهر عدم تمامية شئ مما ذكر من الدعوى والنقض، والحق امتناع تعلق الطلب الفعلي من جميع الجهات بغير المقدور الفعلي، ويتم ذلك ببيان معنى الارادة اجمالا، ثم الجواب عن النقض المذكور في كلامه (ره). فنقول: ان الارادة على ما قررنا عبارة عن حالة نفسانية جزميه، وعبرنا عنها بتجمع النفس على فعل شئ، بنحو لا تنفك تلك الحالة عن تحريك العضلات. ومعلوم ان تلك الحالة في النفس لا تتحقق ما لم تجزم بأنها لو تحركت نحوه تقدر على اتيانه. وتصديق ذلك موكول إلى الوجدان. اترى تحقق تلك الحالة لاحد بالنسبة إلى الطيران إلى السماء، كما تتحقق عند شرب الماء مثلا، ولو كان الشوق إلى الطيران اشد بمراتب من الشرب. ويكفيك ذلك برهانا. وليس الفعل الموقت قبل وقته الا كالطيران فعلا، فلا يمكن تحقق تلك الحالة قبل الوقت. واما على ما اختار في الكفاية: من أن الارادة عبارة عن الشوق المؤكد، فهي ايضا ليست عبارة عن مجرد مرتبة من الشوق، وان كان ساير مقدمات الفعل معدومة أو ممتنعة، ولذا لا يقول احد إنى اريد الطيران مثلا، وإن كان مشتاقا إليه كمال الاشتياق، بل هي عبارة عن مرتبة خاصة من الشوق تحصل بعد العلم بالنفع، والعلم بعدم الضرر والمانع، مع احراز إمكان الفعل، ومعلوم ان تلك المرتبة منه مع ما ذكر من الشرائط ملازمة لتحريك العضلات. ولذا اشتهر أن الارادة جزء اخير للعلة التامة، ولو كانت مجرد ذلك المقدار من الشوق، لكانت ايضا - كسائر ما له دخل في الفعل - أحد الاجزاء لا الجزء الاخير. والحاصل أن كون الارادة عبارة عن مجرد مقدار من الشوق خلاف الوجدان، وخلاف ما اصطلحوا عليه. وأما النقض بالافعال التي لها مقدمات كثيرة، فالجواب (أولا) - بالفرق بين الافعال التى ليس بينها وبين المريد واسطة الا إعمال القدرة، ولو في مقدماتها، بمعنى كونها مقدورة له بالفعل ولو بالواسطة، وبين الافعال التي ليست مقدورة له بوجه من =

[ 177 ]

= الوجوه، ولو لتقيدها بزمان مستقبل، فانها بالفعل خارجة عن حيز القدرة بجميع انحائها، فان تحقق الحالة النفسانية المحركة نحو المقصود الممكن، بمكان من الامكان، فان كان مقدورا بلا واسطة توجب تحريك العضلات نحوه، وان كان مقدورا بالواسطة، توجب التحريك نحو مقدماته. وأما في الخارج عن حيز القدرة، فلا يمكن تحققها. وعلى تقرير آخر: الشوق المنفك عن جميع انحاء القدرة، لا تطلق عليه الارادة، بخلاف المجتمع مع القدرة بالواسطة. و (ثانيا) - بانا نلتزم بعدم تحقق الارادة في الافعال المذكورة، وليس الموجود فيها إلا إرادة المقدمات. ولا ينافي كون الارادة فيها تابعة لارادة ذي المقدمة، فان معنى تبعيتها لها أنها لم تتحقق لولا الشوق إلى ذي المقدمة، فيكون الشوق إلى ذي المقدمة - وإن لم يبلغ حد الارادة، لانتفاء القدرة الفعلية - ملازما لتحقق الارادة في المقدمة المقدورة فعلا. هذا كله في الارادة التكوينية. وأما الارادة التشريعية فهي وإن كانت تخالف التكوينية في أنها تتعلق بالفعل الصادر عن اختيار الغير، لا بفعل نفس المريد كالتكوينية، لكن من حيث الشرائط والموانع لا ميز بينها، فكما أنها لا تتحقق في التكوينية ما لم يكن متعلقها مقدورا، كذلك في التشريعية ما لم ير المريد قدرة المأمور، لا تتحقق الارادة له، حتى تحركه نحو البعث، حيث أن التحريك في التشريعية نحو البعث، لان المريد يرى أن من مقدمات مطلوبه الجعل والبعث نحو المطلوب، ليكون ذلك داعيا ومحرك للمأمور نحو مطلوبه. والحاصل ان تصوير الواجب المعلق بامكان تعلق الارادة الفعلية - تكوينية كانت ام تشريعية - بالمحال دون اثباته خرط القتاد. نعم يمكن أن يقرر بوجه آخر، وهو أن الواجبات التشريعية على قسمين: (احدهما) - الفعلي من جميع الجهات، وينشئه الآمر بداعي تحريك المأمور فعلا، بلا انتظار شئ، ولابد فيه من اجتماع جميع شرائط التكليف التى منها القدرة الفعلية. ولا يمكن تعلق مثل تلك الارادة بغير المقدور الفعلي، ولو من جهة تقيد المراد بأمر استقبالي وان كان نفس الوقت.

[ 178 ]

[ دخول الوقت مطلقا ايضا، ضرورة عدم قدرة المكلف على الامتثال في الجزء الاخير من الوقت مثلا. ومقتضى ما ذكرت سابقا كون الارادة بالنسبة إلى القيود الغير الاختيارية مشروطة، فمتى يصير خطاب الصوم مطلقا ؟ (قلت) نلتزم بعدم صيرورة الخطاب مطلقا، ولكن نقول: إن الواجب المشروط - بعد العلم بتحقق شرطه في محله - يقتضى التأثير في نفس المكلف، بايجاد كل شئ منه ومن مقدماته الخارجية في محله. مثلا لو قال (اكرم زيدا إن جاءك)، فمحل الاكرام بعد مجيئه، ومحل مقدماته إن كان قبل المجئ، فمجرد علم المكلف بالمجئ يقتضى ايجادها ] = (ثانيهما) - ما ينشئه الآمر بعنوان جعل القانون، من دون لحاظ إلى الجهات الفعلية، فالمرجع في هذه الجهات هو العقل، فكلما يراه العقل مانعا من فعلية التكليف بالمعنى الاول، ويحكم بقبح العقوبة، فلا يؤثر في نفس المأمور شيئا، وإذا حكم العقل بعدم المانع من العقوبة، يحكم بالفعلية ويؤثره اثره. ولا مانع من تعلق مثله بذات الفعل، وإن لم تجتمع فيه الشرائط العقلية، بل مبناه على بيان اصل المطلوبية من قبل الآمر، وإيكال تلك الشرائط إلى العقل. وقد مرت الاشارة إليه في مسألة الاطلاق فراجع. فعلى هذا يمكن أن يقال: ان ما ليس وجوبه مشروطا بشئ، ولا بفرض شئ عند وجوبه، بل لا يلحظ عند الجعل الا نفسه إن كان جميع الشرائط العقلية فيه موجودا، فهو منجز، سواء كان الجعل فيه كالقسم الاول أو كالقسم الثاني. وما لم تجتمع فيه الشرائط فهو معلق، لكنه لا يمكن فيه الجعل الا بالنحو الثاني. فالواجب قبل الوقت إن أخذ الوقت فيه مفروض الوجود عند الجعل، فهو مشروط، وإن لم يلحظ فيه إلا الذات المقيدة بالوقت، مع قطع النظر عن لحاظ كونه مقدورا أو غير مقدور، فهو معلق. وأما جعل الوجوب الفعلي من جميع الجهات له قبل الوقت، فغير ممكن - كما مر تفصيله - هذا غاية توجيه الواجب المعلق، فراجع كلام الفصول، فان كان لا يأبى ما ذكرنا فهو، وإلا فهذا تصوير بنفسه.

[ 179 ]

[ قبله. ولو قال: (إن مشى زيد فامش مقارنا مع مشيه)، فمحل المشى زمان مشى زيد، فلو علم تحقق المشى من زيد في زمان خاص، يجب عليه المشى في ذلك الزمان، حتى يصير مشيه مقارنا معه. ولو قال: (ان جاء زيد فاستقبله) فمحل الاستقبال قبل مجيئه، فلو علم بمجيئه غدا مثلا، يجب عليه الاستقبال في اليوم. والحاصل أن طلب الشئ على فرض تحقق شئ لا يقتضى ايجاد ذلك الشئ المفروض وجوده، ولكن بعد العلم بتحقق ذلك الشئ يؤثر في المكلف، ويقتضى منه أن يوجد كلا من الفعل ومقدماته في محله، فقد يكون محل الفعل بعد تحقق ذلك الشئ في الخارج، وقد يكون قبله، وقد يكون مقارنا له، وهكذا محل مقدماته، قد يكون قبله، وقد يتسع زمان اتيان المقدمة، كما لو توقف إكرام زيد غدا على شئ ممكن تحصيله في اليوم وفى الغد. والمقصد أن الوجوب المعلق على شئ بعد الفراغ عن ذلك الشئ، يجب بحكم العقل متابعته. ومن هنا عرفت الجواب عن اصل الاشكال، فلا يحتاج إلى التكلفات السابقة. وانت بعد الاحاطة والتأمل في الامثلة المذكورة لا اظن ان ترتاب فيما ذكرنا. (فان قلت): على ما ذكرت يقتضى ان تكون مقدمات الواجب المشروط - بعد العلم بشرطه - واجبة مطلقا، فما وجه فتوى القوم بعدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت، وايضا فما وجه الفرق بين الليل واليوم السابق بالنسبة إلى الغسل الذى يكون مقدمة للصوم، ولاى جهة افتوا بوجوبه في الليل وعدم وجوبه في النهار السابق ؟ (قلت): بعد فرض وجود الدليل على عدم وجوب الوضوء قبل الوقت، نستكشف منه أن وجوب الصلاة - مضافا إلى ابتنائه على الوقت - مبتن على القدرة فيه، فكأنه قال إذا دخل الوقت، وكنت قادرا

[ 180 ]

[ عنده فصل مع الطهارة. وقد عرفت سابقا أن الوجوب المبنى على فرض وجود شئ لا يقتضى ايجاد ذلك المفروض فحينئذ لو علم المكلف بانه لو لم يتوضأ قبل الوقت، لا يتمكن منه بعده، لا يجب عليه الوضوء، لانه موجب لحصول القدرة في الوقت التى هي شرط وجوب الواجب. وقد عرفت عدم وجوب تحصيله. وهكذا الكلام في غسل الجنابة للصوم في النهار السابق، فانه بعد فرض وجود الدليل على عدم وجوبه، نستكشف اشتراط القدرة في الليل، فلا يجب تحصيلها. (فان قلت): نفرض علم المكلف بكونه قادرا في الوقت على أي حال، بمعنى أنه لا يمكنه سلب قدرته فيه، فعلى هذا يلزم ان يكون الوضوء مثلا عليه واجبا موسعا، فيجوز أن ياتي به بقصد الوجوب، مع أنهم لا يلتزمون به. (قلت): يمكن تصور الواجب على نحو لا يلزمه ذلك، وهو بان يقال: ان الواجب إقدام المكلف على الفعل بقدرته الموجودة في الوقت. ومحصله ان المصلحة (تارة) قائمة باكرام زيد بعد دخول الوقت مطلقا سواء أعمل في ايجاد هذا العنوان قدرته الموجودة قبل الوقت أم بعده. و (اخرى) المصلحة قائمة باعمال القدرة في الوقت في اكرام زيد، ويرجع محصل هذا التكليف إلى انه بعد دخول الوقت وتحقق القدرة على اكرام زيد، يجب إعمال تلك القدرة، فاعمال القدرة في هذا المثال نظير نفس اكرام زيد في المثال السابق [ 121 ]، فكما أنه لا يقتضى الامر باكرام زيد ] [ 121 ] يعني ان المصلحة لما كانت قائمة باعمال القدرة في الوقت، فلا محالة ما لم يفرض الآمر وجود الوقت، ولم يره موجودا، لم تنقدح له الارادة. وهذه الارادة المتحققة - مع فرض وجود الوقت - لا تقتضي ايجاب إعمال القدرة قبله، كما في (ان =

[ 181 ]

[ بعد دخول الوقت إكرامه قبله، كذلك الامر باعمال القدرة في الوقت، لا يقتضى اعمال القدرة قبله. فتحصل من مجموع ما ذكرنا أنه إذا راجعنا وجداننا، نقطع بأن إرادتنا المتعلقة بالافعال الخاصة، لا تخرج عن قسمين (إما) أن تكون على نحو يقتضى ايجاد تمام مقدماتها. و (إما) ان تكون على نحو لا يقتضى ايجاد بعضها. ] = جاءك زيد فأكرمه)، حيث لا يقتضي ايجاب اعمال القدرة في الاكرام قبل المجيئ. لكن يشكل عليه: بأن تقيد المصلحة بخصوص إعمال القدرة في الوقت، يستلزم عدم اجزاء الوضوء قبل الوقت في المثال، ولو قصد فيه الغاية المشروعة قبله، مثلا: من توضأ قبل المغرب لصلاة العصر، لا خلاف في صحة صلاة المغرب معه، وعلى ما قرر لا تصح، لفرض عدم المصلحة فيه لصلاة المغرب. والحاصل: أنه إن كانت المقدمة نفس الوضوء وتحصيل الطهارة، من دون تقيد بكونه في الوقت فيلزم جواز قصد الوجوب قبل الوقت، لانه يكون حينئذ واجبا موسعا على مبنى من يلتزم بوجوب مقدمات الواجب المشروط قبل الوقت، وان كانت خصوص الوضوء الحاصل في الوقت، فيلزم عدم اجزاء الحاصل قبل الوقت. وكلاهما مما لم يلتزم به. ويمكن أن يجاب عنه: بأن ما هو المقدمة اصل الوضوء المحصل للطهارة، وليس المقصود الا الطهارة. ولافرق فيها بين الوضوء الحاصل قبل الوقت أو بعده، ولكن لم يجب الوضوء قبل الوقت، لمانع في وجوبه، لا لعدم المقتضي فيه. نظير ما إذا كان بعض المقدمات محرمة. ان قلت: بعد تسليم وجود المقتضي فيه، فاي مانع يمنع من وجوبه ؟ والمانع في المقدمات المحرمة معلومة. قلت: بعد الاجماع - على عدم الوجوب قبل الوقت، وجواز الاكتفاء به على فرض بقائه بعد دخول الوقت - لا نحتاج إلا إلى اثبات امكانه بأي وجه كان، وما ذكرنا كاف في اثبات امكانه.

[ 182 ]

[ (أما القسم الاول) فواضح و (اما القسم الثاني) فهو يتصور على اقسام كلها راجعة إلى الاختلاف فيما تتعلق به الارادة، لا إلى الاختلاف فيها، لان الآمر قد يريد اكرام زيد على تقدير مجيئه، بحيث لواتى ولم يكرم صار نقضا لغرضه، وإن كان في زمن مجيئه غير قادر على ايجاد الفعل، فان عدم القدرة يوجب سقوط التكليف، ولا ينافى كون ترك الاكرام مبغوضا للآمر ونقضا لغرضه. وقد يريد اكرامه على تقدير كون المكلف قادرا على اكرامه في زمن مجيئه. وحينئذ لو فرض ترك اكرامه مستندا إلى عدم قدرته في زمن مجيئه، لم يكن مبغوضا للامر ونقضا لغرضه. وهذا واضح. وقد يكون المطلوب اكرام زيد بمقدماته الاختيارية الموجودة في زمن المجئ على فرض وجود القدرة في زمن المجئ فحينئذ لا يجب عليه الاتيان بمقدمات الاكرام قبل المجئ [ 122 ]، وان كان في زمن المجئ غير قادر على فرض عدمه، لان المفروض اشتراط القدرة في ذلك الزمان، وكذلك ان كان قادرا في ذلك الوقت، لان المطلوب اعمال القدرة في ذلك الوقت، لا قبله هذا تمام الكلام في المقام وعليك بالتأمل التام. ثم انك قد عرفت أن الواجب التعليقي - عند القائل به - من ] [ 122 ] بل لا يجزى على الثالث، لان الشرط إعمال القدرة في الوقت. ومحصل الكلام: أن القدرة في الوقت إن كانت كنفس الوقت قيدا للطلب، فلازم ذلك جواز الاتيان بالمقدمات قبل الوقت بقصد الوجوب، بعد العلم بتحققه في موطنه، بناءا على القول بوجوب مقدمات الواجب المشروط. وكذلك لو كانت قيدا للمطلوب، فانه بعد العلم بتحققه في موطنه، تكون المقدمة فعلا واجبا موسعا. وأما إن كان المطلوب صرف القدرة في الوقت، فلم يكن الآتي قبل الوقت آتيا بالمطلوب. وأما لو لم يكن للقدرة دخل أصلا - لا في المطلوب ولا في الطلب - فيجب الاتيان بالمقدمات المضيقة قبل الوقت، ولا يجوز تركها، ويجوز الاتيان بالمقدمات الموسعة كسائر =

[ 183 ]

[ اقسام الواجب المطلق. وصحته - مع أن المكلف قد لا يدرك زمن الواجب - مبنية على الالتزام بتوجه الخطاب به مشروطا بالعنوان المنتزع من بلوغ ذلك الزمان. مثلا: التكليف بالصوم في الليل متوجه إلى من يدرك النهار، ويكون حيا في تمام زمان المطلوب في علم الله تعالى. وكذلك التكليف بالحج في زمان خروج الرفقة متوجه إلى من يدرك شهر ذى الحجة. وهكذا وقد عرفت ذلك في طى توضيح كلامه (قدس سره) والمقصود من اعادته هنا التعرض لبعض ما فرع عليه من الفروع: التى منها صحة الوضوء إذا كان الماء منحصرا في الانية المغصوبة، ومنها وجوب الحج مطلقا فيما إذا لم يتمكن منه الا مع الركوب على الدابة المغصوبة. بيانه: أن التكليف في الاول متوجه إلى من يغترف من الانية المغصوبة، وفى الثاني إلى من يركب الدابة المغصوبة عصيانا [ 123 ]. وفيه ] = الواجبات الموسعة، سواء كان الوقت قيدا للطلب أو للمطلوب، على القول بامكان تعلق الطلب بغير الممكن فعلا، أو على ما ذكرنا، من تعلق الطلب الحيثي. ثم إن هذا كله في مقام الثبوت والتصور. وأما في مقام الاثبات، وأن الدليل الدال على قيود المطلوب كيف يستكشف منه أحد الوجوه ؟ فلا يبعد أن يقال: إن الظاهر - من مثل جملة (ان استطعت فحج) الظاهرة في أن الموضوع هو شخص المكلف، والمطلوب اصل الحج، والشرط الاستطاعة المالية - هو عدم لحاظ شئ آخر بعد حصول الاستطاعة المالية، فيجب حفظ القدرة من الجهات الاخر، قبل حصول الاستطاعة من حيث المال، مع العلم بحصوله. والظاهر من مثل جملة (ايها المستطيع حج) هو ايجاد القدرة بعد حصول الاستطاعة، فلا يجب عليه حفظ القدرة من سائر الجهات، وان علم بحصوله قبلا. [ 123 ] محصل الكلام: أن إطلاق تكليف (لا تغصب) لا يشمل عنوان =

[ 184 ]

[ - مع ما عرفت في القول بالواجب التعليقي - أن توجه التكليف المطلق بالوضوء مع انحصار المقدمة في المنهى عنها، وكذلك الحج - تكليف بما لا يطاق. نعم على القول بالترتب - كما يأتي تفصيله في محله انشاء الله - يصح ذلك، ولكن مع ذلك القول بصحة الوضوء محل اشكال، من حيث أن تصحيح التكليفين - المتعلقين بالفعلين اللذين لا يمكن الجمع ] = العاصي حتى ينافي الامر المقدمي المتعلق بعنوان العاصي للنهي. ومحصل الجواب: أن الاطلاق وإن لم يشمل العاصي بعنوانه، لكن الاشكال أيضا في أن النهي لا يسقط بمجرد كونه معنونا في علم الله بعنوان انه يعصي، بل السقوط يترتب على المعصية الخارجية. والمفروض عدم تحققه بعد، فيكون ما هو المأمور به - لصدق العنوان المذكور عليه - هو المنهى عنه فعلا، لعدم سقوط النهي، فيجتمع الامر والنهي في موضوع واحد، ولا يمكن تصحيحه بترتب الامر بالمقدمة على عنوان العصيان في النهي، حتى على القول بالترتب، لان المناط - في تصحيح الامر بالضدين بنحو الترتب - ترتب المهم على المعصية الخارجية للاهم، كما يأتي بيانه إنشاء الله تعالى، فلا يجتمع مقتضاهما، بل المهم يقتضي الايجاد في مرتبة لا يقتضي الا هم شيئا، وذلك بخلاف الترتب على عنوان تحقق عنوان العاصي، فانه يجتمع مع اقتضاء النهي للترك، فلا يصلح للتصحيح. ولا يتوهم أن العنوان المذكور متأخر رتبة عن المعصية الخارجية، لانتزاعه منها، والامر إذا كان متأخرا عنه رتبة، لا يقتضى النهي في تلك المرتبة تركه، فهذا اولى من الترتب في الضدين، لانه يتأخر الامر بالمهم عن الامر بالاهم بمرتبة واحدة. وفي المقام يتأخر الامر المقدمي عن (لا تغصب) بمرتبين، لان تأخر مرتبة العنوان المنتزع عن الخارج مما لا يصدقه الوجدان، فان زيدا مثلا في علم الله معنون بعنوان أنه يعصي، مع أنه ليس منه في الخارج عين ولا اثر، فكيف يمكن أن يكون ذلك معلوما للمعدوم ومتأخرا عنه ؟ بل العنوان المذكور معلوم لعلم الباري جل شأنه. وسيأتي الكلام فيه انشاء الله تعالى في المقدمة الموصلة.

[ 185 ]

[ بينهما الاعلى نحو الترتب - انما هو بعد الفراغ عن وجود المقتضى في كلا الفعلين. أما الوضوء في صورة انحصار الماء في الانية المغصوبة، فيمكن ان يستكشف من الادلة عدم وجود المقتضى فيه، حيث أن المقام مما شرع فيه التيمم، من جهة صدق عدم وجدان الماء، كما في ما إذا كان استعماله مضرا. والحاصل ان عدم وجدان الماء - على ما قالوا - عبارة عن عدم التمكن من استعماله، سواء كان من جهة عدمه أو لمانع عقلي أو شرعى لا يجوز للمكلف استعماله. ومتى كان التيمم مشروعا لا يكون الوضوء مشروعا بالاجماع. ذكره سيدنا الاستاذ طاب ثراه. وعلى تقدير الغض عن الاجماع ايضا، لا طريق لنا لاثبات المشروعية الذاتية الكاشفة عن ثبوت المقتضى، إذ الدليل إنما شرعه في موضوع المتمكن من استعمال الماء، والمكلف - في حال يحرم عليه استعمال الماء من قبل الشارع - ليس متمكنا من استعمال الماء عرفا. ومن هنا يظهر الجواب عن توهم آخر يوشك أن يرد في المقام، وهو أنه هب عدم امكان تعلق التكليف بالوضوء على نحو الترتب، لكن يكفى في الصحة قصد جهة الفعل. المقدمة الموصلة (الامر الخامس) لو بنينا على وجوب المقدمة، فهل الواجب ذاتها أو مع قيد الايصال إلى ذيها، سواء قصد بها الايصال ام لا مع قصد الايصال، سواء ترتب عليها ذوها ام لا ؟. وينبغى أن يعلم (أولا) - انه على تقدير القول بان الواجب

[ 186 ]

ذات المقدمة، لا ينافى الالتزام في بعض الموارد بمدخلية قصد الايصال في موضوع الواجب، لجهة خارجية [ 124 ]، كما لو توقف إنقاذ الغريق على خصوص التصرف في ملك الغير، فحينئذ نقول بأن الواجب من ناحية الانقاذ هو التصرف بقصد الانقاذ، لان إذن الشارع في الغصب - مع كونه مبغوضا في حد ذاته - إنما هو من جهة اهمية الانقاذ، إذ لا يقدر المكلف على ترك الغصب وفعل الانقاذ معا. ولما كان ترك الانقاذ أبغض من فعل الغصب، رضى بفعله. ولا شك أن الاذن في المبغوض - من جهة المزاحمة - إنما هو من الضرورة التى تقدر بقدرها. وحيث تدففع الضرورة بالاذن في الغصب المقصود به الانقاذ، فلا وجه للاذن في قسم آخر، وهو الغصب الغير المقصود به ذلك. هذا، ولنشرع في المقصود، فنقول: ذهب بعض الاساطين قدس سره إلى اعتبار قيد الايصال، وأن المقدمة - مع قطع النظر عن الايصال - لا تتصف بالوجوب. ونحن نذكر الاحتمالات المتصورة في ] المقدمة الموصلة: [ 124 ] توضيح ذلك: أن بعض المقدمات قد لا تتصف بالوجوب الفعلي، لمانع خارجي يمنع عن ذلك، نظير ما إذا كان للواجب مقدمتان على البدل: إحداهما محرمة والاخرى محللة، فلا تتصف المحرمة بالوجوب، لممانعة الحرمة له، مع وجود مقتضي الوجوب فيهما، بلا تفاوت بينهما من حيث الاقتضاء. ومعلوم أن ذلك لا يوجب تقييد الواجب من المقدمة بكونها مباحة. ولذا لم يقيدها أحد بذلك، ففي المقام ايضا حيث أن عدم اتصاف الدخول - بلا قصد الانقاذ - بالوجوب مستند إلى مانع خارجي، وهو حفظ الغرض الآخر المتعلق بترك الغصب حتى الامكان، ما لم يزاحم الاهم، كالدخول مع القصد المذكور، بلا حدوث نقص في اقتضاء الدخول للمقدمية، فلا وجه لتقييد العنوان بمثل الفرض.

[ 187 ]

[ مدخلية هذا القيد، وما يلزم على كل منها، حتى يتضح الحال انشاء الله تعالى. فاعلم أن مراده قدس سره من المقدمة الموصلة إما أن يكون ما يترتب على وجودها ذوها، اعني ما ينطبق عليه الموصل بالحمل الشايع، أو يكون عنوان الموصل. وعلى الثاني إما أن يكون المراد هو الايصال الخارجي، أو العنوان المنتزع منه. وعلى الاول من هذه الاحتمالات إما أن يكون المراد ما يترتب عليه ذوالمقدمة، على وجه يكون هو المؤثر فيه، أو يكون أعم من ذلك. والفرق بينهما: أنه على الاول ينحصر في العلة التامة، وعلى الثاني يعم العلة وما يلازمها وجودا، فان ان المراد المعنى الاول، لزم ان يكون مفصلا بين العلة التامة وغيرها على التقدير الاول، أو مفصلا بين العلة وما يلازمها وبين سائر المقدمات على التقدير الثاني. وهذا - مع عدم التزام القائل المذكور به - غير سديد، لما سنشير إليه فيما بعد: من أن وجوب العلة المركبة من الاجزاء والقيود، مستلزم لوجوب القيود والاجزاء. وإن كان مراده الثاني - اعني كون القيد عنوان الايصال - فقد عرفت ان في هذا احتمالين: (احدهما) كون القيد هو الايصال الخارجي. (ثانيهما) - العنوان المنتزع منه أي كونها بحيث توصل إلى ذى المقدمة. وعلى أي تقدير إما أن يكون القيد راجعا إلى الطلب، واما أن يكون راجعا إلى المطلوب، فهذه اربعة احتمالات: الاول: ان يكون المراد الايصال الانتزاعي، ويكون القيد راجعا إلى الطلب. الثاني: هذا الفرض لكن يكون القيد راجعا إلى المطلوب.

[ 188 ]

الثالث: ان يكون المراد هو الايصال الخارجي، ويكون القيد راجعا إلى الطلب. الرابع: هذا الفرض، ويكون القيد راجعا إلى المطلوب. أما الاحتمال الاول، فان كان المراد أن خطاب المقدمة مشروط بكون المكلف آتيا بذيها في علم الله تعالى، فيكون محصله (إفعل المقدمة إن كنت ممن تفعل ذاها في نفس الامر) فهذا باطل لا ينبغى أن يسند إلى احد، فضلا عن مثل هذا المحقق الجليل، لان هذا الشخص المتصف بالعنوان المذكور ياتي بالمقدمة قطعا. نعم يمكن بأن يوجه هذا الاحتمال على نحو لا يلزمه ذلك، وهو أن يقال على تقدير أن المقدمة لو وجدت يترتب عليها ذوها، أو على تقدير كون الفاعل بحيث لو أتى بالمقدمة ياتي بذيها، تجب عليه المقدمة. وهذا وإن كان خاليا عن الاشكال المتقدم، إلا أنه يرد عليه أمران: (الاول) - التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها من حيث الاطلاق والاشتراط. (الثاني) - عدم تعلق التكليف ببعض العصاة، وهو من لو أتى بالمقدمة لم يأت بذيها عصيانا، وإن كان المراد الثاني، وهو أن يكون القيد في هذا الفرض راجعا إلى المطلوب، فيرد عليه أن تقييد المأمور به بامر خارج عن اختيار المكلف تكليف بما لا يطاق. وهو قبيح. وهذا العنوان ليس في حيز اختيار المكلف. (لا يقال) إنه يكفى في كونه مختارا له، كونه منتزعا من فعله الاختياري، نظير الافعال التوليدية من الاسباب الاختيارية للمكلف، فان الحق أنها اختيارية بواسطة تلك الاسباب، ويصح تعلق التكليف بنفس تلك الافعال، ولا يجب ارجاع التكليف إلى الاسباب كما ياتي انشاء الله

[ 189 ]

تعالى. (لانا نقول) فرق بين الصفات المنتزعة من الافعال الخارجية للمكلف في ظرف وجودها - كعنوان الاتصال والانفصال ونظائرهما، مما ينترع من ايجاد ما هو منشأ لا نتزاعه، فحينئذ يصح أن يكلف بالاتصال والانفصال مثلا، لكونهما في حيز اختياره، بواسطة اختيارية منشأ انتزاعهما - وبين الصفات المنتزعة من الافعال الموجودة في المستقبل، نظير كونه بحيث يضرب أو يجلس في المستقبل وامثالهما من العناوين المنتزعة من الافعال الموجودة في الزمن المتأخر في علم الله، فان ثبوت تلك العناوين أو نقيضها مما ليس باختيار الشخص [ 125 ] كيف ؟ وهى أو نقيضها ثابتة مع غفلته ونومه، بل قبل وجوده في الخارج، فان ماهية زيد توجد في الخارج ويضرب عمروا في علم الله. وهذا - بعد ادنى تأمل - لعله من الواضحات. ] [ 125 ] قد يتوهم أن الوصف إذا كان عبارة عن أنه يفعل بالاختيار، فالاختيارية فيه محفوظة، لكنه مندفع: بأن الاختياري هو نفس الفعل الخارجي. وأما هذا المفهوم بعنوانه الاستقبالي، فخارج عن الاختيار، لعدم تأثير افعاله الاختيارية في وجوده وعدمه، بل لعدم امكان تأثيرها فيه، للزوم تأثير المتأخر في المتقدم، أو المعدوم في الموجود. إن قلت: لا اشكال في أن الفاعل يقدر على طرفي الفعل والترك، وايضا لا اشكال في أنه إن اختار الفعل ينتزع عنوان (يفعل)، وإن اختار الترك ينتزع عنوان (لم يفعل)، ولا تحتاج الاختيارية إلى ازيد من ذلك. قلت: وإن كان ينتزع عنوان (يفعل) إن اختار الفعل في الواقع، و (لم يفعل) إن اختار الترك، لكن ليس ذلك بنحو العلية والمعلولية، بل بنحو الملازمة التى لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا اختار كلا من الفعل والترك، يكشف عن أن المنتزع =

[ 190 ]

[ وإن أراد الثالث، وهو أن يكون المقصود الايصال الخارجي، ويكون القيد راجعا إلى الطلب، فهو ايضا باطل قطعا، لان التكليف راجع إلى طلب المقدمة على فرض وجود ذيها، وهو طلب الحاصل. وايضا يلزم التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها في الاشتراط والاطلاق، وكذا يلزم عدم كون العصاة مكلفين بالمقدمة. وبالجملة هذا الاحتمال ايضا لا ينبغى ان يسند إليه (قدس سره) ولا إلى احد من العقلاء. وإن اراد الرابع، وهو ان يكون القيد في هذا الفرض راجعا إلى المطلوب، فيرد عليه امور: (احدها) - ان لا يكون ممتثلا للامر المقدمى، الا بعد اتيان ذى المقدمة. وقضية الوجدان خلاف ذلك. (ثانيها) - أن لا تحصل الطهارة بالوضوء والغسل، إلا بعد اتيان الصلاة، لان الطهارة لا تحصل الا بعد امتثال الامر المقدمى. والمفروض ] = مطابق لما اختاره، لا أنه إذا اختار أحدهما ينقلب العنوان، ويصير عنوانا آخر. ان قلت: لا يخلو العنوان المذكور من ان يكون إما واجبا غير معلول للغير، وإما ممكنا معلولا لغيره، فعلى الاول يلزم تعدد القدماء، وعلى الثاني هو يكون معلولا لمنشأ انتزاعه لا محالة. قلت (أولا): إن هذه العناوين ليست اشياء موجودة في قبال الموجودات، حتى يلزم بوجودها ازلا تعدد القدماء، بل هي نظير مفهوم الامكان للممكنات، والامتناع للمتنعات و (ثانيا): أن العناوين المذكورة منتزعة من المفاهيم الموجودة في الذهن الكاشفة عن الخارج معلولة لعلم الباري - جل شأنه - وكيف كان لا نتعقل كونها معلولة لما ليس بموجود اصلا. ونظير ذلك كل عنوان ينتزع من موجودات مستقبلة، كقبلية اليوم من الغد وامثاله.

[ 191 ]

[ أنه لا يحصل الا بعد اتيان الصلاة، فلزم تحقق الصلاة من دون تحقق الطهارة، بل يلزم عدم حصول الطهارة بعد الصلاة ايضا، إذ هي بدون الطهارة كعدمها. (ثالثها) - أن هذا القيد لا يخلو إما أن يكون له دخل في مقدمية المقدمة أولا، فعلى الاول يلزم الدور، لان الايصال عنوان ينتزع من تأثير المقدمة في وجود ذيها [ 126 ]، فيتوقف على المقدمية، فلو توقفت المقدمية على الايصال، لزم الدور. وعلى الثاني يلزم صيرورة الطلب نفسيا، لان الامر إذا تعلق بشئ لا تكون له جهة المقدمية، فلا بد من كون ذلك الامر نفسيا. ولا تخلو هذه الوجوه من نظر. (أما الاول) فلان لزوم كون امتثال الامر المقدمى - بعد الاتيان بذى المقدمة - لا مانع له عقلا، وليس ما ذكر الا مجرد استبعاد. ولا يمكن جعل هذا الاستبعاد في قبال الوجدان الذى يدعيه القائل. و (اما الثاني) فلان كون الامتثال منوطا باتيان ذى المقدمة، لا يستلزم كون الطهارة منوطة به، لا مكان ترتب الطهارة على الغسلتين والمسحتين، مع قصد التوصل، ولو لم يتوصل إلى ذى المقدمة، أو يقال أنه يشترط مع القصد المذكور كون الفعل بحيث تترتب عليه الصلاة في علم الله تعالى. ] [ 126 ] قد يقال: إن عنوان الايصال ينتزع من نفس المقدمة، بملاحظة بلوغها إلى حد يترتب عليها ذوها، ولا ينفك عنها، وهو ملازم لذي المقدمة، ولا ينتزع من تأثير المقدمة حتى يلزم التأخر والدور، لكن ذلك لا يؤثر في دفع الاشكال، لان العنوان - على الفرض - ينتزع من ذات المقدمة بما هي مقدمة، بملاحظة بلوغها إلى الحد المذكور، والمفروض توقف المقدمية على العنوان المذكور، فيلزم الدور.

[ 192 ]

[ والحاصل أنه بعد قضاء العقل بكون القيد مأخوذا في موضوع الواجب، وتحقق الاجماع على توقف الصلاة على الطهارة، يستكشف أن الطهارة ليست من أثر امتثال الامر المقدمى للوضوء، بل هي مترتبة على فعل الوضوء، مع قصد الايصال قبل تحققه. و (أما الثالث) فبانا نختار الشق الثاني، أعنى عدم مدخلية هذا القيد في مقدمية المقدمة، ولا يلزم من ذلك محذور اصلا، لشيوع مثل هذا التقييد الذى لا دخل له في المقدمية، بحيث ليس لاحد انكاره، مثل ما إذا كان للواجب مقدمتان احداهما مباحة، والاخرى محرمة، فانه لا اشكال في تعلق الامر الغيرى بالمباح منهما، مع القطع بعدم دخل الخصوصية في المقدمية. (فان قلت): تقييد الموضوع في المثال المذكور إنما يكون من جهة المانع الخارجي وهو كان الفرد الاخير مبغوضا غير قابل لتعلق الامر به. (قلت): بعد ما صار مثل هذا التقييد الذى ليس له دخل في المقدمية ممكنا، لا يرجع الطلب المتعلق به إلى الطلب النفسي، فللمدعى أن يدعى هنا أن المقتضى للطلب الغيرى ليس إلا فيما كان متصفا بقيد الايصال. فالاولى في الجواب أن يقال - بعد بداهة عدم كون مناط الطلب الغيرى إلا التوقف، واحتياج ذى المقدمة إلى غيره - ان تقييد موضوع الطلب بقيد يجب إما أن يكون من جهة دخله في الغرض. وبعبارة اخرى المصلحة المقتضية للطلب لا تحصل الا في المقيد - وإما أن يكون من جهة غرض آخر مع تحقق المناط، والجهة الموجبة للايجاب في ذات الموضوع من دون ذلك القيد ايضا. والاول كتقييد الصلاة بالطهارة، والثانى كتقييدها بوقوعها في المكان المباح، فان هذه الخصوصية لا دخل لها في

[ 193 ]

تحقق الجهة الموجبة للصلاة، بل إنما جاءت من قبل مبغوضية الغصب. وبعبارة اخرى هذا التقييد إنما نشأ من الجمع بين الغرضين، لا من جهة مدخليته في تحقق غرض الصلاة. ولا اشكال في أن هذا القيد ليس من قبيل الثاني، فانحصر في الاول، وهو كونه من جهة دخله في مناط طلب المقدمة. وهذا - بعد بداهة أن المناط ليس الا التوقف - غير معقول، لان الايصال عنوان ينتزع من وجود ذى المقدمة، فهو موقوف عليه، فلو توقف ذو المقدمة على الفعل المقيد بالايصال، لزم الدور. وهذا واضح بادنى تأمل. وايضا يلزم من وجوب المقدمة الموصوفة وجوب ذاتها، مقدمة لتحقق هذا الموصوف. (لا يقال) إن المطلق عين المقيد وجودا في الخارج، وليس مقدمة له، حتى يجب بوجوبه. (لانا نقول) فرق بين القيود المتحدة في الوجود مع المقيد، كما في الفصول اللا حقة للاجناس، والقيود المغايرة في الوجود له، كما إذا امر المولى باتيان زيد المتعقب بعمرو، اعني اتيان زيد المتصف بهذا العنوان، لا اشكال في أن الواجب على الصورة الاولى أمر واحد في الخارج، لا ينفك القيد فيها عن المقيد، ولو أراد المكلف امتثاله. ولا وجه للقول بانه يجب ايجاد المطلق مقدمة لايجاد المجموع، وايجاد القيد مقدمة لايجاده، إذ المفروض وحدة الوجود فيهما. ولا يعقل التفكيك بين امرين متحدين في الوجود بالسبق واللحوق، كما انه لا ينبغى الاشكال في ان الواجب على الثانية ايجاد ذات المطلق، ثم ايجاد القيد ليتصف به المقيد، لان المفروض تغايرهما في الوجود. إذا عرفت هذا فنقول لا إشكال في أن التقييد في المقدمة الموصلة من قبيل الثاني، لان ما يصير منشأ لا نتزاع صفة الايصال هو وجود الغير،

[ 194 ]

فلو وجبت المقدمة المقيدة بوصف ينشأ من وجود الغير، فالواجب عليه من باب المقدمة ايجاد ذات المقدمة، ثم اتيان ما يوجب اتصافها بتلك الصفة، وايضا يلزم من وجوب المقدمة الموصلة وجوب ذى المقدمة من باب المقدمة، لان اتصاف المقدمة بالايصال يتوقف على ايجاد ذى المقدمة، وهو من الغرائب. ويمكن ان يقال ان الطلب متعلق بالمقدمات في لحاظ الايصال، لا مقيدا به حتى تلزم المجذورات السابقة [ 127 ]. والمراد أن الآمر بعد تصور المقدمات باجمعها يريدها بذواتها، لان تلك الذوات بهذه الملاحظة لا تنفك عن المطلوب الاصلى، ولو لاحظ مقدمة منفكة عماعداها ] [ 127 ] وحاصل الكلام أنا نرى بالوجدان عدم مطلوبية المقدمة، وان كانت منكفة عن ذيها، ولا نتعقل التقييد بالبيان الماضي، بل بوجدان سقوط ارادة المقدمة بعد حصولها، وعدم بقاء شئ في النفس بعدها، غير ارادة نفس ذي المقدمة. وأما القول بأن سقوطها مراعى، فمع أنه خلاف الوجدان الوجدان مخالف يحكم به العقل: من أن الايصال إن كان قيدا للمطلوب المقدمي، فيلزم عدم السقوط قطعا، وان لم يكن قيدا له، بحيث يحصل المطلوب المقدمى بدونه فلا وجه لعدم السقوط وكونه مراعى. والذي يسلم من تلك المحاذير، ولا يخالف الوجدان هو أن يقال: إن مطلوبية المقدمة لما كانت بلحاظ مطلوبية ذيها لم ير الآمر ذلك المطلوب مطلوبا الا بعد لحاظ كونه موصلا إلى مطلوبه الآخر، بمعنى أن في هذا اللحاظ يراه مطلوبا، وفي غيره لا يراه مطلوبا، لكن لا بحيث يكون المطلوب أو الطلب المنشأ مقيدا به، بل يرى مطلوبه الاصلي وراء المقدمات، فينشئ الطلب نحوه ويتبعه الطلب نحو مقدماته في هذا اللحاظ، ففي غير هذا اللحاظ لم يكن مطلوبا، بلا لزوم محذور التقييد، وذلك مثل الحكم الواقعي المجعول لذات الموضوع في حاظ تجريدها عن الشك، وسيأتى تفصيل الكلام فيه انشاء الله تعالى في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.

[ 195 ]

[ لا يريدها جزما، فان ذاتها وان كانت موردا للارادة، لكن لما كانت المطلوبية في ظرف ملاحظة باقى المقدمات معها، لم تكن كل واحدة مرادة بنحو الاطلاق، بحيث تسرى الارادة إلى حال انفكاكها عن باقى المقدمات. وهذا الذى ذكرناه مساوق للوجدان. ولا يرد عليه ما ورد على القول باعتبار الايصال قيدا، وإن اتحد معه في الاثر. الامر بالمسبب هل يرجع إلى السبب ؟ (الامر السادس) هل أن الامر المتعلق بالمسبب يجب ارجاعه إلى السبب عقلا، أو هو حقيقة متعلق بنفس المسبب ؟ والسبب إن وجب إنما يجب من باب المقدمة ؟ الوجوه المتصورة في المقام ثلاثة: (الاول) أن يقال: إن الامر بالسبب مطلقا راجع إلى السبب عقلا. (الثاني) أن يقال: إن الامر بالمسبب متعلق بنفسه مطلقا. (الثالث) التفصيل بين ما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلات، مثل انكسار الخشبة المتحقق بايصال الآلة قوة الانسان إليها، وبين ما إذا لم يكن كذلك، كما لو كان في البين فاعل آخر، كما في القاء النفس إلى السبع فيتلفها، أو القاء شخص في النار فتحرقه. احتج للاول بأن متعلق الارادة والتكليف انما هو فعل المكلف، إذ لا معنى للامر بما ليس من فعله، والافعال المترتبة على اسباب خارجية ليست من فعله، بل هي من فعل تلك الاسباب و الوسائط، لانفكاكها عن المكلف في بعض الاحيان، كما إذا رمى سهما فمات، فاصاب زيدا بعد موت الرامى، فلو كان الفاعل هو الرامى لما جاز وجود القتل في ظرف عدم الرامى، لا متناع انفكاك المعلول عن علته زمانا، فيكشف

[ 196 ]

ذلك عن عدم كون الفاعل في المثال هو الرامى، بل هو السهم، غاية الامر أنه لم يكن فاعلا بالطبع، وإنما تكون فاعليته من جهة احداث الرامى القوة فيه. وقس على ذلك سائر الامثلة. واجيب عنه بانا نسلم أن التكليف لا يتعلق الا بما يعد فعلا للمكلف، إلا أنا نقول ان الفعل الصادر عنه، له عنوان أولى، وعناوين ثانوية متحدة معه، بواسطة ترتب الاثار عليه، مثلا حركة اليد المؤثرة في حركة المفتاح لها عنوان اولى، وهو حركة اليد وتحريك اليد، وبملاحظة تأثيرها في حركة المفتاح ينطبق عليها تحريك المفتاح، وبملاحظة تأثيرها في انفتاح الباب ينطبق عليها فتح الباب. ولا إشكال في أن حركة اليد التى هي الفعل الاول للفاعل كما انها فعل له، كذلك العناوين المتحدة معها، لمكان اتحادها مع فعله الاول في الخارج. وحينئذ لو تعلق التكليف بتحريك المفتاح الذى يتحد مع تحريك اليد الذى هو فعل للمكلف، فلا موجب لارجاعه إلى التعلق بتحريك اليد، إذا كما أنه فعل اختياري له كذلك ما يتحد معه. وقد يناقش في هذا الجواب بان تحريك المفتاح في المثال لا يمكن ان ينطبق على تحريك اليد، لانه عين حركة المفتاح في الخارج، لما تقرر من وحدتهما في الخارج. وانما الفرق من حيث الاعتبار، وهى غير حركة اليد المتحدة مع تحريكها، فيجب ان يكون تحريك المفتاح ايضا غير تحريك اليد، وإلالزم كون حركة اليد وحركة المفتاح متحدتين ايضا والمفروض خلافه. والجواب أنا لا نقول بانطباق العنوانين في عرض واحد، بل نقول ان الفعل الذى يكون عنوانه تحريك اليد في الآن الاول، ينقلب عنوانه إلى تحريك المفتاح في الآن الثاني فافهم.

[ 197 ]

هذا ولكن لا يخفى أن هذا إنما يصح فيما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلة. وأما إذا كان هناك فاعل آخر يصدر عنه الفعل، فلا يمكن القول باتحاد الفعل الصادر عنه مع الفعل الصادر عن الفاعل الاول وهذا واضح. وقد يجاب ايضا عن أصل الدليل: بانا لا نسلم لزوم تعلق الارادة بالفعل الصادر عن الفاعل، بل يكفى في قابلية تعلق الحكم بشئ كونه مستندا إلى المكلف بنحو من الاستناد، سواء كان بنحو الفاعلية، ام بنحو تأثير الشرط في وجود المشروط، ام غير ذلك. وبعبارة اخرى الكلام في المقام إنما هو في أن متعلق الارادة بحسب حكم العقل ماذا ؟ فنقول: ما يقطع العقل باعتباره في متعلق الطلب، هو ارتباط المطلوب بالمكلف بنحو من انحاء الارتباط، فخرج به ما ليس للمكلف تأثير فيه بنحو من الانحاء. وأما لو كان له ربط بالمكلف بوجه، بحيث يكون وجوده منوطا باختياره، بحيث لو شاء يوجد ولو لم يشأ لم يوجد، فنمنع استحاله تعلق التكليف به عقلا. وفيه انه لو أراد أن التكليف - فيما ليس بيد المكلف إلا ايجاد شرطه كالاحراق بالنار مثلا - متعلق بما هو شأن الواسطة، كما إذا تعلق التكليف بما هو شأن النار في المثال، فهذا غير معقول، وإن أراد أن التكليف متعلق بما هو شأن المكلف، فهو راجع إلى الامر بايجاد الواسطة. توضيح المقام على وجه يرفع الابهام عن وجه المرام: أن الاعراض باعتبار النسبة إلى محالها تختلف (فتارة) تكون نسبتها إليها بمجرد كونها حالة بها، من دون أن تكون صادرة عن محالها، كالموت والحياة والسواد والبياض، و (اخرى) تكون نسبتها إليها من جهة انها صادرة عنها، كالضرب والقيام. أما ما كان من قبيل الاول، فلا اشكال في عدم قابلية

[ 198 ]

تعلق الطلب به، ضرورة ان الطلب يقتضى صدور الفعل عن الفاعل، وما ليس من مقولة الحركة والفعل لا يمكن تعلق الطلب به [ 128 ] لان ارادة الامر مثل إرادة الفاعل في كونها موجبة لتحريك العضلات، غاية الامر ] الامر بالمسبب هل يرجع إلى السبب ؟: [ 128 ] لكن الظاهر عدم لزوم ذلك، بل قد تتعلق الارادة بما ليس بفعل، كسواد شئ أو بياضه، مع كون مقدماته مقدورة، وكذلك موت شخص وأمثاله. ولا فرق في ذلك بين ارادة الآمر والفاعل، فان ارادة الفاعل ايضا قد تتعلق بوجود شئ من ذلك، ويتحرك نحو مقدماته. وليست مقدماته مرادة له إلا تبعا، فمتى ما كان المراد من قبيل الافعال، توجب الارادة تحريك العضلات نحوه، ومتى ما كان من قبيل ما ذكرنا توجب تحريك العضلات نحو مقدماته، بان تترشح منها إرادة اخرى تبعا نحو المقدمات. فإن قلت: كيف توجد الارادة نحو المراد قبل الاتيان بالمقدمات، وقد مر اشتراط اتصال زمان المراد بزمان الارادة الفعلية ؟ قلت: بعد النفض بالافعال المرادة المحتاجة إلى المقدمات إنه قدمر أيضا عدم المانع من تحقق الارادة لو لم يكن بين المريد إلا إعمال قدرته، ولو كان ذلك محتاجا إلى الزمان ايضا. وما انكرناه هو تحقق الارادة فيما لم يكن الفعل مقدورا اصلا، من جهة تأخر زمانه. والحاصل: أنه يكفي في الارادة مجرد كون المراد حاصلا من فعل المكلف أو مرتبطا به بنحو من الارتباط، بحيث يكون قادرا على ايجاده ولو بوسائط. نعم لو قيل بأن المقدور بالواسطة ليس بمقدور اصلا، صح انكار الامر بالمسبب مطلقا. ثم إنه لو سلم لزوم تعلق الارادة بالمعنى المصدري للمأمور، فاي ملزم لكونه فعلا له بلا واسطة، أو متحدا معه، حتى يحتاج إلى الالتزام بما التزم به في مثل حركة اليد والمتفاح، مع وضوح تعددهما وكون أحدهما معلولا للآخر، وأوضح من ذلك تعدد القتل والرمي، فانه قد يتفق الفصل بينهما بدقائق، فيكف يمكن ادعاء اتحادهما عنوانا ؟

[ 199 ]

[ أن الاولى موجبة لتحريك عضلات المأمور، والثانية موجبة لتحريك عضلات المريد. وظاهر أن ما ليس من قبيل الحركة، لا يمكن تعلق ارادة الفاعل به، فكذلك إرادة الامر فلو تعلق الطلب بحسب الصورة بمثل ما ذكر، يجب ارجاعه إلى ما يرجع إلى فعل المأمور. والحاصل ان متعلق الطلب لابد وان يكون معنى مصدريا صادرا عن المخاطب بالخطاب، فلو لم يكن كذلك، بان لم يكن من معنى الصدر، أو كان ولم يكن صادرا من المأمور، لم يكن تعلق الامر به. أما الاول، فلما عرفت. وأما الثاني، فلما مضى من ان الارادة ما يوجب تحريك عضلات الفاعل إلى الفعل، ولا يمكن تحريكها الا إلى فعل نفسه. فتحصل مما ذكرنا أن الطلب إذا تعلق صورة بما ليس من الفعل الصادر من الفاعل، يجب توجيهه بما يرجع إلى ذلك. ومن هنا يقوى التفصيل بين ما إذا تعلق التكليف بما ليس بينه وبين المكلف إلا آلة توصل قوة الفاعل إلى القابل، وبين ما إذا تعلق بالافعال التى ليست فعلا له، بل هي افعال الواسطة، ففى الاول التكليف متعلق بنفس ذلك الفعل، وفي الثاني يجب ارجاعه إلى السبب، فليتأمل جيدا. المقدمات الداخلية (الامر السابع) أنه لو بنينا على وجوب المقدمة، فهل أجزاء المركب المتصف بالوجوب النفسي تتصف به، أو بالوجوب المقدمى ؟ والحق هو الثاني، فهنا دعويان (احداهما) عدم اتصاف الاجزاء بالوجوب النفسي و (الثانية) اتصافها بالوجوب المقدمى. لنا على الاولى أن الاوامر تتعلق بالامور الموجودة في الذهن باعتبار

[ 200 ]

حكايتها عن الخارج فالشئ ما لم يوجد في الذهن لا يعقل تعلق الامر به [ 129 ] وهذه المقدمة في الوضوح مما يستغنى عن البرهان فحينئذ نقول: إن الاجزاء الموجودة في ذهن الآمر لا تخلو من أنها إما أن يلاحظ كل واحد منها بوجوداتها المستقلة الغير المرتبط بعضها ببعض، نظير العام الافرادى. وإما أن يلاحظ المجموع منها على هيئتها الاجتماعية. فعلى الاول لابد وأن تنحل الارادة إلى إرادات متعددة، كما في العام الافرادى، إذ الارادة أمر قائم بنفس المريد متعلق بالافعال، فكما انها تتعدد بتعدد المريد، كذلك تتعدد بتعدد المراد، إذ لا يعقل وحدة العرض مع تعدد المعروض. وعلى الثاني أي على تقدير كون الملحوظ الاجزاء على نحو الاجتماع، فالملحوظ بهذا الاعتبار امر واحد، ولا يعقل أن يشير اللاحظ في هذا اللحاظ إلى امور متعددة، فوجود الاجزاء - بهذا الاعتبار في ذهن الآمر - نظير وجود المطلق في ذهن من لاحظ المقيد في أنه وإن كان موجودا، إلا أنه لا على وجه يشار إليه، بل هو موجود تبعا للمقيد ومندكا فيه. والحاصل أن الموجود بهذا الاعتبار ليس الا الكل، والا جزاء بوجوداتها الخاصة لا وجود لها، فمتعلق الامر النفسي لا يعقل الا ان يكون الكل الموجود في الذهن مستقلا، والاجزاء - لعدم وجودها في الذهن بهذا اللحاظ - لا يمكن أن تكون متعلقة للامر [ 130 ]. ] المقدمات الداخلية [ 129 ] قدمر التفصيل يفيه في تصوير كيفية تعق الامر بالعبادات فراجع. [ 130 ] وذلك لان جعل الشئ موضوعا لحكم من الاحكام اخبارا كان أو انشاءا يتوقف على تصوره مستقلا، ولا يكفى فيه تصوره مندكا في الغير، كما في =

[ 201 ]

[ نعم يمكن الاستناد الامر إليها بالعرض، نظير استناد الامر المتعلق بالمقيد إلى ذات المطلق، اعني الطبيعة المهملة، وهذا هو المراد من كلام شيخنا المرتضى (قدس سره) في التقريرات: أن الجزء إذا لوحظ لا بشرط، فهو عين الكل، وإذا لوحظ بشرط لا، فهو غيره ومقدمة لوجوده. والمراد من قوله (قد سره) لا بشرط عدم اشتراط أن يكون في ذهن الآمر معه شئ ام لا، وهو الصالح لان يتحد مع الكل. ومن قوله بشرط لا، عدم ملاحظة الامر معه شيئا، اعني ملاحظته مستقلا [ 131 ]. ولا اشكال في أن الجزء بهذا اللحاظ لا يصلح أن يتحد مع الكل، ويحمل عليه، إذ ] = المعاني الحرفية، فانها تتصور كذلك، ولكن لا يمكن جعلها موضوعا لحكم من الاحكام. وقد حقق في محله. ومعلوم أن الجزء لا يتصور بتصور الكل إلا مندكا في الكل، ولا يقاس الكل والجزء بالكلى والفرد، لان كل فرد من الافراد يلاحظ تحت الكلي مستقلا، ولكن اجمالا بوجه الكلي، بخلاف الاجزاء، فان كلا منها باستقلالها مباين مع الكل، فلا يمكن أن يكون الكل مرآة لها. وبذلك ظهر الاشكال على ما في الكفاية من اتصاف الاجزاء بالوجود البسيط، لان ما لا يتصور لا يعقل اتصافه بالوجوب، نعم يصح اسناد الواجب إليه مجازا، ولكن ذلك لا يلائم تعليل عدم اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري بلزوم اجتماع المثلين، كما لا يخفى. لا يقال: إن موضوع الوجوب عنده هي الاجزاء باسرها لا كل واحد منها، ومعلوم انها لا تتصور الا بتصور الكل. لانه يقال: أما (اولا) فالكل عنده الاجزاء بشرط الاجتماع، والاجزاء بدون هذا الشرط لا تلاحظ عند تصورها مع الشرط. واما (ثانيا): فليس موضوع الوجوب البسيط عنده إلا ما هو موضوع للوجوب الغيري، وهو كل واحد من الاجزاء، والا فلا وجه لعدم اتصاف كل منها بالوجوب الغيري فتأمل. [ 131 ] هذا المعنى - من بشرط لا ولا بشرط - وإن كان خلاف ظاهر المصطلح، لكنه اوفق بمراد الشيخ (ره) مما هو ظاهره. وقد مر من الاستاذ - دام بقاه - =

[ 202 ]

[ لا يصدق على الحمد ولا على غيره من اجزاء الصلاة انه صلاة [ 132 ]. ولنا على الثانية أن الآمر - إذا لاحظ الجزء بوجوده الاستقلالي، أي غير ملحوظ معه شئ آخر - يرى أنه مما يحتاج إليه تلك الهيئة الملتئمة ] = عين هذا التوجيه من العبارتين في لسان اهل المعقول في الفرق بين المشتق ومبدأه، فراجع. وحاصل التوجيه في المقام: ان الجزء حيث لا استقلال لوجوده في الخارج، بل وجوده مندك في الكل إن لوحظ وجوده كما في الخارج، من دون تمحل شئ زائد عليه، ولا اشتراط شئ معه، ولا مع لحاظه، ولا اشتراط عدم شئ معه، ولا مع لحاظه، فهو عين وجود الكل، ولحاظه عين لحاظه. ولا يمكن لحاظه كذلك الا بلحاظ الكل مستقلا، ولا يمكن أن يرى اللاحظ في هذا اللحاظ الا الكل مستقلا. وإن لوحظ مستقلا لا مندكا، بان يعريه عما هو عليه في الخارج، ويرى ذات الجزء بشرط ان لا يرى شيئا آخر معه، فهو جزء، لكن لا بشرط الانفكاك عن سائر الاجزاء، فانه مع ذلك الشرط ليس بجزء، بل إن لوحظ الجزء منفكا، وان لم يشترط فيه الانفكاك ايضا لا تنتزع منه الجزئية، بل الجزئية تنتزع من ذات الجزء إذا لوحظ بنفسه في ضمن الكل، كالحمد في الصلاة مثلا، أو القطرة في البحر. ولا يخفى أن ما ذكرنا من اللحاظين لا فرق فيه بين المركب الحقيقي والاعتباري، لان اجزاء المركب الاعتباري وان كان لكل منها وجود مستقل في الخارج، كالحمد والسورة والركوع والسجود، ولكن لا استقلال لشئ منها في هذا الاعتبار الوحداني، ويكون في هذا النظر كالمركب الخارجي. [ 132 ] لا يخفى ان ذلك لا يصدق مع اللحاظ الاول ايضا، ويصح سلب الصلاة عنه. (لا يقال): على اللحاظ الاول لا استقلال للحمد في اللحاظ، حتى يمكن الاخبار عنه بانه صلاة أو ليس بصلاة. (لانا نقول): نعم ولكنه يمكن ان يلاحظ الجزء مستقلا، ويجعل مرآتا لما يلاحظ =

[ 203 ]

[ من اجتماع الاجزاء، فحاله حال سائر المقدمات الخارجية [ 133 ]، من دون تفاوت اصلا. هذه خلاصة الكلام في المقام وعليك بالتأمل التام. ] = مندكا، ويخبر عنه كما في المعنى الحرفي، حيث يقال: المعنى الحرفي لا يخبر عنه، فان الموضوع ليس الا المعنى الاسمي، ولكنه يجعل مرآتا للمعنى الحرفى، كما مر. ومن هذا يعلم أن شيئا من الاجزاء ليس بصلاة، نعم الاجزاء باسرها على هذا المعنى عين الصلاة من دون احتياج إلى قيد شرط الاجتماع. ولكن الكلام في الفرق بين كل جزء إذا لوحظ مستقلا أو مندكا، لا الاجزاء بالاسر مع الكل. والذي يسهل الخطب أن عدم الصدق والحمل غير مضر بالعينية المذكورة، لان التركيب الذي يتحد كل جزء منه مع الكل، بل مع الجزء الآخر ايضا، هو التركيب الحقيقي الذي تكون اجزاؤه موجودة بوجود واحد حقيقة، كالجنس والفصل، فان وجودهما حقيقة واحد، بخلاف مثل القطرة والبحر، والنقطة والخط، فان وجود القطرة وان لم ينفك عن وجود البحر، وكذلك النقطة عن الخط، بمعنى عدم كون وجودهما محدودا بحد على حدة، لكن حقيقة وجود كل من القطرات والنقاط غير الاخرى. ولذا تتصف بأوصاف وجودية متضادة، كالحرارة والبرودة، وبألوان مختلفة، بخلاف الجنس والفصل. والحاصل أن العينية في المقام غير ملازمة للصدق، وعدم الصدق غير ملازم لعدم العينية بهذا المعنى، فتدبر جيدا. [ 133 ] قد يقال: بالفرق بين الجزء وسائر المقدمات، إما بأن اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري يستلزم اجتماع المثلين، كما في الكفاية. وإما بعدم إمكان لحاظ هذه المقدمة في عرض لحاظ ذيها، حتى تجب بوجوبه، لا ستحالة اجتماع لحاظي الاجزاء مندكا ومستقلا. ويرد الاول بمبناه، لعدم اتصاف الاجزاء بالوجوب النفسي، كما مر والثاني بعدم لزوم لحاظ جميع المقدمات تفصيلا في الوجود الغيرى، حتى يستشكل بعدم الامكان في خصوص تلك المقدمة، بل يكفي لحاظها اجمالا بعنوان ما يتوقف عليه =

[ 204 ]

[... ] = الواجب، فتتعلق الارادة بها تبعا لذي المقدمة، وإن لم يكن كل منها ملحوظا تفصيلا. بل لا يلزم ان تكون المقدمة مطلوبة فعلا، ويكفي في المدعى أن يكون الآمر إذا التفت إلى المقدمة يراها مطلوبة كنفس ذيها كما يأتي في المتن. نعم قد يستشكل في اصل المقدمية، بتقريب أن المقدمة انما تلاحظ بالنسبة إلى عنوان الكل والمجموع، وعنوان الكلية كالجزئية من المعقولات الثانوية التي لا واقعية لها في اللحاظ الاول الذي فيه يكون الموضوع مركبا للارادة، فما يتعلق به الوجوب - وهو حقيقه الا جزء بالاسر - لا مقدمة لها وماله المقدمة وهو عنوان الكل والمجموع لم يتعلق به الوجوب. نعم فيه كيفية خاصة يمكن أن تنتزع منها العنوان المذكور، ولذا نرى بالوجدان أن من يريد ايجاد خط، لا يريد ايجاد نقاط متعددة، بل اجزاء غير متناهية، وكذلك من يريد ايجاد عشرة اشياء، لا تتعلق ارادته بايجاد الآحاد مستقلة، بحيث يتولد من ارادة المجموع ارادات عديدة نحو ايجاد الاجزاء، كما في المقدمات الخارجية. لكن فيه أن حقيقة الاجزاء بالاسر وما ينتزع منه عنوان المجموع والكل، لا تتحقق الا بتحقق كل من الاجزاء وإن لم يمكن انتزاع المقدمية إلا في اللحاظ الثاني، ففي اللحاظ الاول وإن لم تكن المقدمية وذو المقدمية متحققتين بعنوانهما، ولكن حقيقتهما وملاكهما متحققان في الواقع ونفس الامر، وملاك الوجوب - على القول بالوجوب - ليس الا ذلك، فيرجع الاشكال أيضا إلى عدم امكان اجتماعهما في اللحاظ وقد مر الجواب عنه. وأما عدم تعدد الارادة في مثال الخط أو ايجاد عشرة أجزاء مثلا، فان أريد عدم الارادة بالنسبة إلى كل نقطة بحدها، أو كل جزء من العشرة كذلك فعلا فمسلم، ولا يلتزم به القائل بالمقدمية. وان أريد انقداح الارادة إلى ذات كل نقطة عند التفات الآمر إليها، من دون نظر إلى احداها، فلا محيص عنه، فهل يلتزم أحد بأن من يقرأ الحمد مثلا في الصلاة - مع الالتفات إليها - لا يريد قراءتها ولو بالارادة الغيرية ؟ بل توجد بنفس ارادة الصلاة، والوجدان في ذلك أقوى شاهد.

[ 205 ]

[ استدلال القائلين بوجوب المقدمة (الامر الثامن) في ذكر حجج القائلين بوجوب المقدمة. أقول ما تمسك به في هذا المقام وجوه، اسدها وامتنها ما احتج به شيخنا المرتضى (قدس سره) من شهادة الوجدان، فان من راجع وجدانه وانصف من نفسه، يقطع بثبوت الملازمة بين الطلب المتعلق بالفعل والمتعلق بمقدماته [ 134 ]. لا نقول بتعلق الطلب الفعلى بها، كيف ؟ والبداهة قاضية بعدمه، لجواز غفلة الطالب عن المقدمة، إذ ليس النزاع منحصرا في الطلب الصادر من الشارع، حتى لا يتصور في حقه ذلك، بل المقصود أن الطالب للشئ إذا التفت إلى مقدمات مطلوبه، يجد من نفسه ] ادلة القائلين بوجوب المقدمة: [ 134 ] لا اشكال في ثبوت الملازمة بين إرادة الشئ وإرادة مقدماته، لان من تعلقت ارادته بالكون على السطح، ويعلم بأنه لا يتمكن منه الا بنصب السلم، فلا محالة توجد ارادة تبعية منه تتعلق بالنصب، ويتحرك نحوه، وإلا ينجر الامر إلى نقض غرضه. وأما في الارادة التشريعية فيمكن نفيها، لان الآمر إذا أراد الكون على السطح من عبده، فليس في نفسه الا ايجاد المحرك التام والداعي للعبد على اتيان مطلوبه، وبعد ما يرى أن تشريع الحكم نحو مطلوبه كاف في محركية العبد وواف في احداث خوف المخالفة في نفسه، بحيث تحركه تلك الارادة النفسية إلى مطلوبه، مع ما يتوقف عليه من المقدمات، فما الملزم بل وما الباعث له في تشريع الحكم نحو المقدمات أو انقداح الارادة نحوها ؟ وهل هذا الا لغو، لان المقدمة بالفرض ليست مطلوبة نفسا، ولا يحتاج البعث إلى ذيها إلى البعث نحوها، فلا ملازمة في البين.

[ 206 ]

[ حالة الارادة على نحو الارادة المتعلقة بذيها، كما قد يتفق هذا النحو من الطلب النفسي ايضا، فيما إذا غرق ابن المولى ولم يلتفت إلى ذلك، أو لم يلتفت إلى كونه ابنه، فان الطلب الفعلى في مثله غير متحقق، لا بتنائه على الالتفات، لكن المعلوم من حاله أنه لو التفت إلى ذلك لاراد من عبده الانقاذ، وهذه الحالة - وان لم تكن طلبا فعليا الا انها - تشترك معه في الآثار. ولهذا نرى بالوجدان - في المثال المذكور - أنه لو لم ينقذ العبد ابن المولى، عد عاصيا ويستحق العقاب. و (منها) - اتفاق أرباب العقول كافة عليه، على وجه يكشف عن ثبوت ذلك عند العقل، نظير الاجماع الذى ادعى في علم الكلام على وجود الصانع، أو على حدوث العالم، فان اتفاق ارباب العقول كاشف قطعي اجمالا عن حكم العقل، فلا يرد على المستدل أن المسألة - لكونها عقلية - لا يجوز التمسك لها بالاجماع، لعدم كشفه عن رأى المعصوم (ع)، لان الايراد متوجه لو اراد من الاجماع المستدل به عليه الاجماع الاصطلاحي. أما على الوجه الذى قررناه، فلا مجال للايراد. هذا ولكن الشان في اثبات مثل هذا الاتفاق. و (منها) أن المقدمة لو لم تكن واجبة، لجاز تركها، فحينئذ إن بقى الواجب على وجوبه، يلزم التكليف بالمحال، والايلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا. وبطلان اللازمين مما لا كلام فيه، فكذا الملزوم. والجواب أن ما اضيف إليه الظرف - في قوله فحينئذ - إن كان الجواز، نختار الشق الاول، اعني بقاء الواجب على وجوبه، ولا يلزم المحذور قطعا، لعدم معقولية تأثير الوجوب في القدرة، وإن كان الترك مع كونه جائزا، فان فرض امكان ايجاد المقدمة عند ذلك، بأن كان الوقت

[ 207 ]

موسعا، فنختار ايضا الشق الاول، ولا يلزم التكليف بالمحال. وهو واضح. وإلا بان انقضى زمان الاتيان بها، فنختار الشق الثاني. وقوله (قدس سره) يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا، إن أراد خروجه من اول الامر عن كونه كذلك - كما هو ظاهر عبارته - فنمنع الملازمة، وإن اراد خروجه بعد ترك المقدمة وانقضاء زمانها، فليس اللازم باطلا، لان الوجوب قد يسقط بالاطاعة، وقد يسقط بالعصيان. و (منها) - ما حكى عن المحقق السبزواري (ره) وهو أنها لو لم تكن واجبة، يلزم عدم كون تارك الواجب المطلق مستحقا للعقاب. (بيان الملازمة) أنه إذا كلف الشارع بالحج، ولم يصرح بايجاب المقدمات، فتارك الحج - بترك قطع المسافة الجالس في بلده - إما أن يكون مستحقا للعقاب في زمان ترك المشى، أو في زمان ترك الحج في موسمه المعلوم، لا سبيل إلى الاول، لانه لم يصدر منه في ذلك الزمان إلا ترك الحركة. والمفروض أنها غير واجبة عليه، ولا إلى الثاني، لان الاتيان بافعال الحج في ذى الحجة ممتنع بالنسبة إليه، فكيف يكون مستحقا للعقاب بما يمتنع صدوره عنه ؟ ألا ترى أن الانسان إذا أمر عبده بفعل معين في زمان معين في بلد بعيد، والعبد ترك المشى إلى ذلك البلد، فان ضربه المولى عند حضور ذلك الزمان معترفا بأنه لم يصدر منه إلى الآن فعل قبيح يستحق به التعذيب، لكن القبيح أنه لم يفعل في هذه الساعة هذا الفعل في ذلك البلد، لنسبه العقلاء إلى سخافة الرأى وركاكة العقل، بل لا تصح العقوبة إلا على الاستحقاق السابق قطعا. ثم نقول: إذا فرصنا أن العبد بعد ترك المقدمات كان نائما في زمان الفعل، فإما أن يكن مستحقا للعقاب، أولا، لا وجه للثاني، لانه ترك

[ 208 ]

المأمور به مع كونه مقدورا، فثبت الاول، فاما أن يحدث استحقاق العقاب في حالة النوم، أو حدث قبل ذلك، لا وجه للاول، لان استحقاق العقاب إنما يكون لفعل القبيح، وفعل النائم والساهى لا يتصف بالحسن والقبح بالاتفاق. ولا وجه للثاني، لان السابق على النوم لم يكن الا ترك المقدمة. والمفروض عدم وجوبها. هذا حاصل ما أفاده (قدس سره) وقد نقلناه ملخصا. والجواب أنه لا محذور في اختيار كل واحد من الشقين، فلنا أن نختار الشق الاول، وهو استحقاق العقاب في زمان ترك المشى، لا على ترك المشى، بل على ترك الحج المستند إلى ترك المقدمة اختيارا، فان طريقة الاطاعة والمعصية ماخوذة من العقلاء، وهم يحكمون بحسن عقاب العبد التارك للمقدمة في زمن تركها، ولا يلزمون المولى بانتظار زمن الفعل، وليس هذا التزاما بترتب العقاب على ترك المقدمة، بل المقصود اثبات العقاب المترتب على ترك ذيها في زمن ترك المقدمة، وامتناع ذيها اختيارا. ولنا ان نختار الشق الثاني، فنقول: إن تارك المقدمة مستحق للعقاب في زمان الحج، وقوله (قدس سره) - ان فعل الحج هناك غير مقدور، فلا يمكن اتصافه بالقبح - غير وجيه، لانا نقول: يكفى في اتصافه بالمقدورية كون المكلف قادرا على اتيان مقدمته في زمانها، فاتصاف مثل هذا الفعل المقدور بواسطة مقدورية مقدماته بالقبح لا مانع له. واى قبح اعظم من ترك الواجب مع الاقتدار عليه ؟ (واما) ما ذكره اخيرا من فرض كون تارك المقدمة نائما في زمن الفعل (فالجواب عنه) أن ما لا يمكن ان يتصف بالحسن والقبح من فعل النائم إنما يكون فيما استند إلى النوم، مثل ما إذا ترك الصلاة مستندا إلى

[ 209 ]

النوم، وليس هذا الترك مما نحن فيه مستندا إلى النوم، حتى لا يمكن اتصافه بالقبح، بل هو مستند إلى ترك المقدمة في زمانها اختيارا. وهذا النوم المفروض وقوعه زمن امتناع الفعل وجوده وعدمه سيان. وهذا واضح. و (منها) - ما حكى عن المحقق المذكور ايضا، وهو أنها لو لم تكن واجبة لزم ان لا يستحق تارك الفعل العقاب اصلا. وبيانه: أن المريد للشئ إذا تصور احوالا مختلفة يمكن وقوع كل واحد منها، فاما أن يريد الاتيان بذلك على أي تقدير من تلك التقادير، أو يريد الاتيان به على بعض تلك التقادير. وهذا مما لا اشكال فيه. وحينئذ نقول إذا امر احد بالاتيان بالواجب في زمانه، وفي ذلك الزمان يمكن وجود المقدمات ويمكن عدمها، فاما ان يريد الاتيان به على أي تقدير من تقديري الوجود والعدم، فيكون في قوة قولنا: ان وجدت المقدمة فافعل، وان عدمت فافعل. وإما أن يريد الاتيان به على تقدير الوجود. والاول محال، لانه يستلزم التكليف بما لا يطاق، فثبت الثاني، فيكون وجوبه مقيدا بحضور المقدمة، فلا يكون تاركه بترك المقدمة مستحقا للعقاب، لفقدان شرط الوجوب. والمفروض عدم وجوب المقدمة، فينتفى استحقاق العقاب رأسا. والجواب (أما اولا) فبانه لوتم ما ذكره هنا، لزم أن لا يقع الكذب في الاخبار المستقبلة [ 135 ]. (بيان الملازمة) أنه لو اخبر المخبر بأنى غدا اشترى اللحم، فعلى تقدير ] [ 135 ] الظاهر عدم لزوم ذلك على القائل بالملازمة، لان القائل بها يلتزم بان الاخبار بذي المقدمة اخبار بالمقدمة، وانما هو اشكال آخر على القائل بعدم الملازمة.

[ 210 ]

[ عدم الشراء لا وجه لتكذيبه، إذله أن يقول: إن الاخبار بشراء اللحم إما أن يكون على تقدير ايجاد جميع المقدمات أو الاعم من ذلك وعدمها، لا سبيل إلى الثاني، لاوله إلى الاخبار عن الممتنع، فثبت الاول، فيؤول إلى الاخبار بشراء اللحم على تقدير وجود جميع المقدمات. والمفروض عدم وجود واحدة منها، إذ لااقل من ذلك، فلا يكون كذبا، إذ عدم تحقق اللازم في صورة عدم تحقق الملزوم ليس كذبا في القضية الشرطية الخبرية. و (أما ثانيا) فبان اللازم - على ما ذكره - عدم استحقاق العقاب على ترك واجب اصلا، لرجوع الواجبات باجمعها إلى الواجب المشروط (بيان ذلك) أن كل واجب لا بدله من مقدمة، ولا اقل من ارادة الفاعل، فحينئذ نقول: إما أن يريد ذلك الفعل في حالتى وجود المقدمة وعدمها، أو في حالة وجودها فقط. والاول مستلزم للتكليف بما لا يطاق، والثانى مستلزم لعدم استحقاق العقاب على ترك واجب من الواجبات، إذ ترك الواجب المشروط بترك شرطه ليس موجبا للعقاب وليت شعرى هل ينفعه وجوب المقدمة في دفع هذا الاشكال [ 136 ]. ] [ 136 ] بيان ذلك: ان وجوب المقدمة لا يؤثر في رفع توقف ذي المقدمة عليها، لانه مستلزم للتكليف بما لا يطاق بالفرض، وحينئذ نقول: ان ترك المأمور المقدمة فلا يستحق العقاب بشئ، أما على ذي المقدمة، فلعدم حصول ما يتوقف عليه، وأما على المقدمة، فلان ترك الواجب الغيري لا يؤثر في العقاب، بل على الفرض لم تكن المقدمة واجبة اصلا، لان وجوبها تابع لوجوب ذي المقدمة، وهو منتف بالفرض، لانتفاء شرطه. وايضا يستلزم ذلك الا شتراط - مع القول بوجوب تلك المقدمة المتوقف عليها ذوها: - إما التفكيك بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها في الاشتراط والاطلاق، إما كون وجوب الشئ متوقفا على وجوده. وبطلانهما واضح.

[ 211 ]

[ و (أما ثالثا) فبان الحالات التى تؤخذ في موضوع الطلب اطلاقا أو تقييدا هي ما يمكن تعلق الطلب بالموضوع معه، ويجوز كونه في تلك الحالة باعثا للمكلف نحو الفعل. وأما ما لم يكن كذلك بان لا يمكن معه أن يكون الطلب باعثا للمكلف نحو الفعل، فلا يعقل تقييد الطلب به ولا إطلاقه. أما الاول، فللزوم لغوية الطلب. وأما الثاني، فلانه تابع لا مكان التقييد. وحالتا وجود المقدمة وعدمها من قبيل الثاني، لانه على الاول يصير الفعل واجبا، فلا يمكن تعلق الطلب به على تقدير وجوبه. وعلى الثاني يصير ممتنعا، فلا يمكن ايضا تعلق الطلب به على هذا التقدير. وبعد عدم إمكان تقييد الطلب باحدهما، لا يمكن ملاحظة الاطلاق ايضا بالنسبة اليهما، بل الطلب متعلق بذات الفعل مع قطع النظر عنهما اطلاقا وتقييدا، وهو يقتضى ايجاد الفعل، ولو لم يوجد يستحق العقاب. وهذا واضح. وقد ذكروا وجوها اخر غير ناهضة على المطلوب طوينا ذكرها، اقتصارا على ما هو الاهم في الباب. وهو الهادى إلى الصواب. مقدمات الحرام (الامر التاسع) في بعض الكلام في مقدمات الحرام، وليعلم (اولا) أن الالتزام بحرمة مقدمة الحرام - بقصد التوصل إليه - ليس قولا بحرمة مقدمة الحرام، لان هذا من جزئيات مسألة التجرى، فعد بعض الاساطين حرمة مقدمات الحرام بقصد التوصل إلى ذيها من باب مقدمة الحرام - واقتضاء النهى المتعلق بذيها لها - مما لم يعرف له وجه، لان الجهة المقبحة الموجودة في اتيان المقدمة بقصد التوصل إلى الحرام، ليست منوطة بوجود محرم واقعى تكون هذه المأتي بها بقصد التوصل مقدمة له، بل

[ 212 ]

هي بعينها موجودة فيما لو اعتقد حرمة شئ، واتى بمقدماته بقصد التوصل إليه، ولم يكن ذلك الشئ محرما في الواقع، أو اعتقد مقدمية شئ لمحرم، واتى به بقصد التوصل إلى ما اعتقد ترتبه عليه. واعجب من ذلك قياسه بباب مقدمة الواجب، فان ما تحقق هناك أن إتيان ذات المقدمة من دون قصد التوصل إلى ذيها لا يعد طاعة، لا ان موضوع الطلب التبعى هو الفعل المقرون بهذا القصد. وكيف كان، فالمهم في هذا الباب بيان ان المقدمات الخارجية للحرام هل تتصف بالحرمة، نظير ما قلنا في المقدمات الخارجية للواجب، ام لا تتصف اصلا، ام يجب التفصيل بينها ؟ فنقول: إن العناوين المحرمة على ضربين: (احدهما) أن يكون العنوان بما هو مبغوضا، من دون تقييده بالاختيار وعدمه من حيث المبغوضية، وان كان له دخل في استحقاق العقاب، إذ لا عقاب الاعلى الفعل الصادر عن اختيار الفاعل. (ثانيهما) ان يكون الفعل الصادر عن ارادة واختيار مبغوضا، بحيث لو صدر عن غير اختيار، لم يكن منافيا لغرض المولى، فعلى الاول علة الحرام هي المقدمات الخارجية، من دون مدخلية الارادة، بل هي علة لوجود علة الحرام. وعلى الثاني تكون الارادة من اجزاء العلة التامة. إذا عرفت هذا فنقول: نحن إذا راجعنا وجداننا، نجد الملازمة بين كراهة الشئ وكراهة العلة التامة له، من دون سائر المقدمات، كما إذا راجعنا الوجدان في طرف ارادة الشئ نجد الملازمة بينها وبين ارادة كل واحدة من مقدماته، وليس في هذا الباب دليل امتن واسد منه. وما سوى ذلك مما اقاموه غير نقى من المناقشة. وعلى هذا ففى القسم الاول إن كانت العلة التامة مركبة من امور يتصف المجموع منها بالحرمة، وتكون احدى المقدمات

[ 213 ]

لا بشخصها محرمة، إلا إذا وجد باقى الاجزاء، وانحصر اختيار المكلف في واحدة منها، فتحرم عليه شخصا، من باب تعين احد افراد الواجب التخييري بالعرض، فيما إذا تعذر الباقي، فان ترك احد الاجزاء واجب على سبيل التخيير، فإذا وجد الباقي وانحصر اختيار المكلف في واحد معين، يجب تركه معينا، واما القسم الثاني - أعنى فيما إذا كان الفعل المقيد بالارادة محرما - فلا تتصف الاجزاء الخارجية بالحرمة، لان العلة التامة للحرام هي المجموع المركب منها ومن الارادة، ولا يصح اسناد الترك الا إلى عدم الارادة. لانه اسبق رتبة من سائر المقدمات الخارجية [ 137 ]. ] مقدمات الحرام [ 137 ] لا يخفى أنه لا وجه لا سبقية رتبة عدم الارادة من عدم سائر المقدمات في المقام، لان علة وجود الحرام مركبة بالفرض من الارادة وسائر المقدمات، وليست ارادة الحرام علة منحصرة لسائر المقدمات، حتى يكون عدمها علة لترك جميع المقدمات، لانه خلاف الفرض من تحقق المقدمة مع عدم ارادة ذيها، بل قد تتولد ارادة المقدمات منها، وقد توجد بداع آخر، ولو لم يكن ذو المقدمة بنظره أصلا، بل ليست الارادة أحد الفردين من العلة التامة لها أيضا، بل هي من أجزاء العلة الغير المنحصرة للمقدمات، فإذا كان هذا حال الوجود، فمن طرف العدم ايضا قد ينعدم الفعل بانعدام مقدماته الاخرى، وقد ينعدم بانعدام الارادة. ولا سبق لعدم شئ منها على الاخرى، لكون كل من المقدمات - على الفرض مع الارادة في عرض واحد - علة للوجود، فبعدم كل منها ينعدم الوجود راسا. نعم، سبق الرتبة يصح - على ما زعم صاحب الفصول - في خصوص مقدمية فعل الضد لترك الضد الآخر، حيث أن الترك إذا استند إلى الصارف، لا يستند إلى فعل الضد، لتقدم عدم المقتضى على وجود المانع، وليس في المقام مقتض ولا مانع، حتى =

[ 214 ]

[ فقد فهم مما ذكرنا أن القول بعدم اتصاف المقدمات الخارجية للحرام بالحرمة - مطلقا لسبق رتبة الصارف، وعدم استناد الترك إلا إليه مطلقا - مما لا وجه له، بل ينبغى التفصيل، لانه في القسم الاول لو فرض وجود باقى المقدمات مع عدم الارادة، تحقق المبغوض قطعا، فعدم احداها علة لعدم المبغوض فعلا. وأما في القسم الثاني، فلو فرضنا وجود باقى المقدمات مع الصارف، لم يتحقق المبغوض، لكونه مقيدا بصدوره عن ] = تكون رتبة عدم المقتضى متقدمة على المانع، بل كل واحدة من المقدمات في عرض واحد علة للترك، كما عرفت، فإذا كان الفعل مبغوضا وقلنا في مقدمات المبغوض انها مبغوضة على البدل، كانت الارادة مع كل واحد من المقدمات منهيا عنها بالنهي التخييري، من غير فرق في ذلك بين ما يكون الاختيار فيه دخيلا وغيره، ولا بين التوليديات وغيرها، مما يكون الاختيار لنفس الفعل بعد المقدمات موجودا أيضا، حيث توهم فيه أيضا عدم اتصاف غير الارادة بالحرمة، لبقاء الاختيار بعد المقدمات أيضا، فان أريد عدم حرمة المقدمات الخارجية تعيينا، فمعلوم. وان أريد عدم حرمتها تخييرا، فلا وجه له، الا على القول بأن المقدمات لا تتصف بالحرمة إلا ما لا تبقى معه القدرة على الحرام. وقد توهم فيه ايضا تقدم رتبة عدم الارادة على سائر المقدمات، لشأنية الارادة لان تكون علة لها في بعض الاوقات، وقد مر بطلانه. ونقول: في توضيح ذلك زيادة على ما مر: أن الارادة لو فرض كونها علة تامة في بعض الاوقات لسائر المقدمات، لكن ليست رتبة عدم المعلول متأخرة عن رتبة كل واحدة من العلل الغير المنحصرة، لان العلة في مثل المقام في الحقيقة ليس الا الجامع بين العلل، فتكون رتبة عدم المعلول متأخرة عن رتبة الجامع. ومعلوم أنه لا ينعدم الا بانعدام جميع افراده لا خصوص فرد منه، بخلاف طرف الوجود فانه يوجد بوجود فرد، فإذا ثبت عدم تأخر رتبة عدم المقدمات عن عدم الارادة، فلا محيص عن القول بالحرمة التخييرية في المقدمات الخارجية، إلا فيما مثل به صاحب الفصول على زعمه، وإن كان هو في نفسه مخدوشا، كما سيجئ انشاء الله تعالى.

[ 215 ]

[ الارادة، فالمقدمات الخارجية - من دون انضمامها إلى الارادة - لا توجد المبغوض، ففى طرف العدم يكفى عدم احدى المقدمات. ولما كان الصارف اسبق رتبة منها، يستند ترك المبغوض إليه دون الباقي، فيتصف بالمحبوبية، دون ترك احدى المقدمات الخارجية، فلا يكون فعلها متصفا بالحرمة. المقصد الثالث في الضد هل الامر بالشئ يقتضى النهى عن ضده الخاص أم لا ؟ اقول لما كانت المسألة مبتنية على مقدمية ترك الضد لفعل ضده [ 138 ]، فاللازم ] مبحث الضد: [ 138 ] يعني عند عمدة القائلين بالاقتضاء، حيث اسندوا حرمة الضد الخاص إلى مقدمية تركه لضده الواجب، والا فقد ادعى أن الامر بالشئ عين النهي عن ضده، أو مركب منه ومن طلب الفعل في مقام الثبوت، ودلالة الامر على النهي عن الضد - بالمطابقة، أو بالتضمن أو بالالتزام - في مقام الاثبات، مع اختلاف أقوالهم في بعض ما ذكر بالنسبة إلى الضد الخاص أو العام، بل يمكن أن يقال في مقام الثبوت بالملازمة العقلية، ولو لم نقل بالمقدمية، بتقريب أن يقال: لا ريب في أن إرادة الفاعل للفعل ملازمة لارادة ترك ضده، وانه يترك ضد مطلوبه عن ارادة إذا التفت إليه، فكذلك الارادة التشريعية لفعل الشئ تلازم الارادة التشريعية لترك ضده، ولو لم تكن مقدمة له، فتكون الارادتان من قبيل المتلازمين في الوجوب. نعم من أنكر الملازمة والمشابهة بين التشريع والتكوين - كما ذكرنا في نفي وجوب المقدمة - ينكرها في المقام ايضا. وايضا يمكن القول بالمقدمية مع عدم حرمة الضد، لاستناد الترك إلى الصارف، كما عليه صاحب الفصول، فالابتناء عند الاكثر لا عند الكل.

[ 216 ]

[ التكلم فيها، فنقول: هل ترك الضد مقدمة لفعل ضده، أو فعله مقدمة لترك ضده، أو كل منهما مقدمة للآخر، أولا توقف في البين ؟ والمعروف من تلك الاحتمالات، هو الاول والاخير، فلا نتعرض لغيرهما. وستطلع على بطلانه في اثناء البحث. والقائل - بتوقف فعل الضد على ترك ضده الآخر - إما أن يقول مطلقا، كما عليه جل أرباب هذا القول، أو يفصل بين الرفع والدفع، بمعنى أنه لو كان الضد موجودا، وأراد ايجاد الآخر، يتوقف ايجاده على رفع ضده، وإن لم يكن موجودا، وأراد ايجاد ضده، لم يكن موقوفا على ترك الضد. ثم إن وجه التوقف يمكن أن يكون أحد امور ثلاثة: (الاول) - أن يقال بان ترك الضد ابتداءا مقدمة لفعل الضد (الثاني) - أن تكون مقدمية الترك من باب مانعية الفعل (الثالث) - أن يكون من جهة عدم قابلية المحل، فان المحل - لما لم يكن قابلا لان يقع فيه كلاهما - صار وجود كل منهما متوقفا على خلو المحل عن الآخر. وكيف كان فلنشرع فيما هو المقصود - وقبل ذكر أدلة الطرفين، لابد وأن يعلم حكم حال الشك، لنرجع إليه إذا عجزنا عن القطع باحد الطرفين. فنقول: لو شك في كون ترك الضد مقدمة، بعد العلم بوجوب مقدمة الواجب، والعلم بوجوب فعل الضد الآخر، فهل الاصل يقتضى الحكم بصحة العمل إن كان من العبادات، أو الفساد ؟ قد يقال بالاول، لان فعلية الخطاب مرتفعة بواسطة الشك، خصوصا في الشبهة الموضوعية التى قد اطبقت - على اجراء البراءة فيها - كلمة العلماء رضوان الله عليهم من الاصوليين والاخباريين، وإذا لم يكن الوجوب فعليا لا مانع من صحة العمل، لان المانع - كما قد تحقق في محله -

[ 217 ]

هو الوجوب الفعلى. ولذا افتى العلماء بصحة الصلاة في الارض المغصوبة في صورة نسيان الغصبية، ولو انكشف الخلاف بعد ذلك لم تجب عليه الاعادة والقضاء. وما نحن فيه من هذا القبيل، واوضح من ذلك صورة القطع بعدم المقدمية [ 139 ] وانكشاف خطأ قطعه بعد ذلك، فان الحكم بفساد صلاته موجب لفعلية الخطاب حين القطع بعدمه. والحق أن الشك في المقام ليس موردا لاصالة البراءة لا عقلا ولا شرعا. أما الاول فلان مقتضاها هو الامن من العقاب على مخالفة ] [ 139 ] لا يخفى أن القطع في المقام لا ينفع كالشك، لان الامر بذي المقدمة معلوم مع كونه مقدورا له، فلو تركه وأتى بالضد إستحق العقاب عليه، وان كان قاطعا بعدم المقدمية، يعنى ما يأتي منه - دام ظله - في الشك. وحاصله: أن العقل يحكم باستحقاق العقاب عند العصيان عن عمد، وان لم يعلم المكلف بأنه مستند إلى أي شئ، أو علم استناده إلى ما ليس بمستند واقعا، بعد ما لم يخرج الفعل بذلك عن العمد والاختيار. فمن صلى وترك الازالة في سعة الوقت، يستحق العقاب على الترك، وإن كان قاطعا بعدم المقدمية، ولذا لو علم بعد ذلك تجب عليه الاعادة أو القضاء، لان تلك الصلاة مبعدة له واقعا، لكونها سببا لترك الواجب المعلوم وإن لم يعلم حين الاتيان، وما يكون مبعدا لا يؤثر في القرب نعم لو قيل بأن العبادة لا تحتاج إلى القرب، بل يكفيها قصد القربة، فلا اعادة ولا قضاء، لكنه خلاف التحقيق. وكذا تجب الاعادة أو القضاء على القاطع بجواز اجتماع الامر والنهي إذا صلى في الدار المغصوبة، ثم انكشف خلافه، وذلك لانه ارتكب الغصب عالما بحرمته، وان لم يعلم باتحاد الصلاة معه، فتكون تلك الحركة الشخصية مبعدة له عن ساحة المولى، ولا تصلح للمقربية، ولا يضر بمبغوضيتها الجهل باتحاد الصلاة وموطن الامر معها، كما مر، نعم من مات ولم ينكشف خطأه، فهو معذور عند الله في كلتا المسألتين.

[ 218 ]

[ التكليف الواقعي على تقدير ثبوته، ولا يمكن جريانها هنا، لان العقاب لا يترتب على مخالفة التكليف المقدمى، ولا يمكن الحكم بسقوط العقاب عن التكليف النفسي، إذا استند تركه إلى هذه المقدمة المشكوك مقدميتها، لان التكليف النفسي معلوم، ويعلم أن الاتيان به ملازم لهذا الترك الذى يحتمل كونه مقدمة. انما الشك في أن هذا الترك - الذى قد علم كونه ملازما لفعل الواجب المعلوم - هل هو مقدمة أولا ؟ وهذا لا يوجب سقوط العقاب عن الواجب النفسي المعلوم كما هو واضح. وأما الثاني، فلانه على تقدير كون الترك مقدمة، فالوجوب المتعلق به بحكم العقل على حد الوجوب المتعلق بفعل ضده، فكما أنه في هذا الحال يكون فعليا منجزا، كذلك مقدمته. وعلى هذا الفرض لا يعقل الترخيص. والمفروض احتمال تحقق الفرض في نظر الشاك، والا لم يكن شاكا. و مع هذا الاحتمال يشك في امكان الترخيص وعدمه عقلا، فلا يمكن القطع بالترخيص ولو في الظاهر. (لا يقال) بعد احتمال كون الترخيص ممكنا، لا مانع من التمسك بعموم الادلة الدالة على اباحة جميع المشكوكات، واستكشاف الامكان بالعموم الدال على الفعلية. (لانا نقول) على هذا يلزم من ثبوت هذا الحكم عدمه، إذ لو بنينا على انكشاف الامكان بعموم الادلة، فاللازم الالتزام بدلالة العموم على عدم كون ترك الضد مقدمة، إذ مع بقاء هذا الشك لا يمكن انكشاف الامكان، فلو علم من عموم الحكم عدم كون ترك الضد مقدمة فلا مجرى له [ 140 ]، لان موضوعه الشك. وبالجملة، فلا ارى وجها ] [ 140 ] وذلك واضح، لان موضوع الحكم بالبراءة هو الشك في الوجوب، =

[ 219 ]

[ لجريان اصالة الاباحة في المقام. هذه خلاصة الكلام في حكم الشك، فلنعد إلى اصل البحث. فنقول: الحق - كما ذهب إليه الاساطين من مشايخنا - هو عدم التوقف والمقدمية، لا من جانب الترك ولا من جانب الفعل. أما عدم كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده، فلان مقتضى مقدميته لزوم ترتب عدم ذى المقدمة على عدمه، لانه معنى المقدمية والتوقف، فعلى هذا يتوقف عدم وجود الضد على عدم ذلك الترك المفروض كونه مقدمة، وهو فعل الضد الآخر. والمفروض أن فعل الضد ايضا يتوقف على ترك ضده الآخر، ففعل الضد يتوقف على ترك ضده، كما هو المفروض، وترك الضد يتوقف على فعل ضده، لانه مقتضى مقدمية تركه. هذا مضافا إلى عدم إمكان تأثير العدم في الوجود [ 141 ]، وهو من الواضحات، والا لامكن انتهاء سلسلة الموجودات إلى العدم. وأما ] = وانكشاف عدم المقدمية ملازم للعلم بعدم الوجوب، ومعه ينتفى موضوعه، واستكشاف - ما ينتفى معه موضوع الحكم من عموم الحكم - محال. ولا يتوهم إمكان جعل الحكم للشك مع قطع النظر عن الحكم، لاستلزامه بقاء الحكم الظاهري، مع العلم بالحكم الواقعي. وهو كما ترى، مع أن ذلك مختص بما إذا احتمل ان يكون الآمر بصدد تشخيص المصاديق، كما لو قال: (اكرم العلماء) مع احتمال العبد أن يكون احدهم عدوا له، فيستكشف العبد من العموم عدم العدو، مع احتمال التشخيص له، لا في مثل الحكم المجعول للشك المفروض إيكال تشخيص الموضوع إلى العبد فافهم. [ 141 ] ان قلت: فكيف اشتهر أن عدم المانع من المقدمات ؟ قلت: ذلك الاطلاق ليس الا مسامحة عرفية، وأما بحسب الدقة، فليس الاثر الا للمقتضى، لان دخل العدم في التأثير إن كان بمعنى أن له شيئا من التأثير ففساده =

[ 220 ]

[ عدم كون فعل الضد علة ومؤثرا في ترك ضده، فلانه لو كان كذلك، لزم - مع عدمه وعدم موجود يصلح لان يكون علة لشئ - إما ارتفاع النقيضين، أو تحقق المعلول بلا علة، أو استناد الوجود إلى العدم [ 142 ]. بيان ذلك أنه لو فرضنا عدم الفعل الذى فرضناه علة لعدم الضد، وعدم كل شئ من السكنات يصلح لان يكون علة لشئ، فلا يخلو الواقع من امور، لانك إما أن تقول بوجود ذلك الفعل الذى كان عدمه معلولا اولا ؟ فعلى الاول يلزم استناد الوجود إلى العدم، إذ المفروض عدم وجود شئ في العالم يصلح لان يكون علة، وعلى الثاني إما أن تقول بعدم تحقق العدم المفروض معلولا اولا ؟ فعلى الثاني يلزم ارتفاع النقيضين، وعلى الاول يلزم تحقق المعلول بلا علة، مضافا إلى أن مقتضى كون الفعل علة لترك ضده كون تركه مقدمة لفعل ضده الآخر، لان عدم المانع شرط فيلزم الدور. ] = واضح، وإن كان بمعنى أنه موجد لقابلية المحل، فيقال: القابلية أيضا أمر وجودي، فان صح تأثير العدم فيها صح تأثيره في كل أمر وجودي، إذ لا خصوصية لها، فيصح أن تكون جميع الموجودات معلولات للاعدام. [ 142 ] لا يخفى أن ذلك إنما يلزم على القول بأن فعل الضد علة منحصرة لترك الضد. وأما على القول بأن ترك الضد قد يستند إلى الصارف وعدم الارادة، وقد يستند إلى الضد فلا تلزم تلك المحاذير، إذ لو فرض عدم شئ في العالم يصلح لعلية الترك، لكفى عدم المقتضي لوجوده. نعم مع وجود المقتضى للضد، لو فرض عدم شئ يصلح لعلية الترك، فلا محالة يوجد لتحقق مقتضيه مع عدم المانع، ومعلوم أن أحدا لا يقول بأن فعل الضد علة منحصرة لترك الضد، حتى يلزم ذلك، ولذا الجئ في تسجيل الدور إلى الالتزام بأن شأنية تقدم الشئ رتبة يكفي في عدم جواز تأخره عنه. فتدبر جيدا.

[ 221 ]

[ (فان قلت) إن الدور الذى اوردته - على القائل بمقدمية ترك الضد لفعل ضده الآخر - انما يتوجه لو التزم بكون الفعل ايضا علة للترك، وهو لا يلتزم به. وإنما يقول بكون ترك الضد مستندا إلى الصارف، لكونه اسبق رتبة من الفعل. ومعلوم أن المعلول إذا كانت له علل، فهو يستند إلى اسبق علله، فحينئذ نقول بان فعل الضد يتوقف على ترك ضده الآخر، ولكن ترك الضد لا يتوقف على فعل ضده الآخر، بل يكفى فيه الصارف، فاندفع بذلك الدور. (قلت) الاسناد الفعلى وان كان إلى الصارف ليس الا، لما ذكر من كونه اسبق العلل، إلا أنه يكفى في البطلان وقوع الفعل في مرتبة علة الترك لا ستلزام ذلك التقدم عليه، مع كون الترك ايضا مقدما على الفعل بمقتضى مقدميته، لان وجه بطلان الدور تقدم الشئ على نفسه، وهذا الوجه موجود هنا بعينه، فان ترك الضد بمقتضى المقدمية مقدم طبعا على فعل ضده، وكذلك فعل الضد بمقتضى شأنيته للعلية يجب أن يكون مقدما على ترك ضده، فترك الضد مقدم على فعل ضده الذى هو مقدم على ذلك الترك، فيجب أن يكون ترك الضد مقدما على نفسه. وكذلك فعل الضد. ومما ذكرنا يظهر عدم الفرق بين الرفع والدفع، لان البرهان الذى ذكرناه على عدم التوقف يجرى فيهما على نهج واحد، وانت إذا تأملت فيما ذكرنا، لم تجد بدا من القول بعدم التوقف، فلا نطيل المقام بذكر ما اوردوه في بيان المقدمية والمناقشة فيه. إنما المهم التعرض للمسألة التى فرعوها على مقدمية ترك الضد وعدمها اعني بطلان فعل الضد لو كان عباديا، وقد وجب ضده على الاول، وصحته على الثاني.

[ 222 ]

فنقول: اما بناءا على كون ترك الضد مقدمة، فلا اشكال في بطلان العمل، بناءا على بطلان اجتماع الامر والنهى، بل قد يقال بالبطلان، حتى على القول بامكان الاجتماع، لان محل النزاع في مسألة جواز اجتماع الامر والنهى فيما إذا كان هناك عنوانان يتفق تحققهما في وجود واحد، وليس المقام من هذا القبيل، لان عنوان المقدمية ليس مما يتوقف عليه المطلوب، بل المطلوب إنما يتوقف على نفس ترك الصلاة مثلا إذا كان ضدها مطلوبا، فلو جاز تعلق الامر بها، لزم اجتماع الامر والنهى في شئ واحد، فيكون ذلك من باب النهى في العبادات [ 143 ]. هذا على القول بكون ترك الضد مقدمة. وأما على القول بعدم مقدميته فان قلنا بكفاية الجهة في صحة العبادة، وإن لم يتعلق به الامر لمانع عقلي - كما هو الحق - فلا اشكال في الصحة. وأما لو لم نقل بكفاية الجهة، فيشكل الامر بان الامر بالضد وان لم يقتض النهى عن ضده لعدم المقدمية، ولكنه يقتضى عدم الامر به، لا متناع الامر بايجاد الضدين في ] [ 143 ] وقد يتوهم كونه من باب الاجتماع، لدخل عنوان المقدمية في الوجوب الغيري. وخلافه واضح، لان المؤثر ذات المقدمة، وعنوان المقدمية منتزع في مرتبة متأخرة عن تأثيرها، كعنوان العلية. ومعلوم أن العقل يحكم بالملازمة بين ارادة الشئ وارادة ما هو مؤثر فيه واقعا، من دون نظر إلى العناوين المنتزعة في المرتبة المتأخرة عن التأثير. هذا ولكن يظهر من تقريرات الشيخ (قدس سره) - في بيان عدم اتصاف المقدمة بالوجوب إلا ما كان منها مأتيا به بقصد الوجوب - دخل العنوان، لكنه خلاف ما صرح به في جواب نفي قيد الايصال. ودفع التهافت في كلامه يحتاج إلى تأمل.

[ 223 ]

[ زمان واحد. وحيث لا أمر فلا يقع صحيحا، لان المفروض عدم كفاية جهة الامر في الصحة. فالمناص حينئذ منحصر في تصحيح تعلق الامر فعلا بالضد، مع كون ضده الآخر مأمورا به. والذى يمكن أن وجها لذلك احد امرين: - (الاول) - ما نقل عن بعض الاساطين من أن الامر بالضد إنما ينافى الامر بضده الآخر لو كانا مضيقين. أما لو كان أحدهما مضيقا والآخر موسعا، فلا مانع من الامر بكليهما، لان المانع ليس الا لزوم التكليف بما لا يطاق. وهذا المانع منحصر فيما إذا كانا مضيقين، إذ لو كان احدهما موسعا، فلا يلزم ذلك قطعا، سواء كان الآخر موسعا ايضا ام لا. وأى مانع من أن يقول المولى لعبده اريد منك من اول الظهر إلى الغروب انقاذ هذين الغريقين، أو يقول اريد منك إنقاذ هذا الغريق فعلا، واريد منك ايضا انقاذ الغريق الآخر في مجموع الوقت الذى يكون اعم من هذا الوقت وغيره ؟ (أقول): تمامية ما افاده (قدس سره) مبتنية على مقدمتين: (الاولى) - أن يكون الوقت المضروب ظرفا للواجب، من قبيل الكلى الصادق على جزئيات الوقت، فيصير المحصل من التكليف بصلاة الظهر ايجاب ايجاد الصلاة في طبيعة الوقت المحدود بحدين، إذ لو كان التكليف راجعا إلى التخيير الشرعي بين الجزئيات من الازمنة، فلا يصح ذلك، لان البعث على غير المقدور قبيح عقلا، وان كان على سبيل التخيير بينه وبين فعل آخر مقدورا، الا ترى قبح الخطاب التخييري بين الطيران إلى السماء واكرام زيد مثلا. (الثانية) - أن الامر بالطبيعة لا يستلزم السراية إلى الافراد، والا لكان اللازم منه المحذور الاول بعينه. وحيث أن عدم السراية إلى الافراد

[ 224 ]

هو المختار - كما سيجئ تحقيقه في مسألة اجتماع الامر والنهى انشأالله تعالى - لا يبعد صحة المقدمة الاولى، فلا باس بالالتزام بتحقق الامر الفعلى بالصلاة في مجموع الوقت، مع ايجاب ضدها في اول الوقت مضيقا، بل يمكن ان يقال لا مانع من الامر حتى على القول بالتخيير الشرعي، أو على القول بسراية حكم الطبيعة إلى الافراد، لان المانع من التكليف بما لا يطاق ليس الا اللغوية، وهى مسلمة فيما إذا كان نفس الفعل غير مقدور كالطيران إلى السماء. واما إذا كان نفسه مقدورا - كما فيما نحن فيه - غاية الامر يجب عليه بحكم العقل امتثال امر آخر من المولى، ولا يقدر مع الامتثال على اتيان فعل آخر، فلا يلزم اللغوية، إذ يكفى في ثمرة وجود الامر - أنه لو اراد المكلف عصيان الواجب المعين - يقدر على اطاعة هذا الامر [ 144 ] ومن ذلك يظهر أن قياس مقامنا هذا بمثال الطيران إلى السماء ليس في محله. مسألة الترتب الوجه الثاني ما أفاده سيد مشايخ عصرنا الميرزا الشيرازي ] [ 144 ] لا يخفى أنه لو لم تكن ثمرة الا مع العصيان، فصحة الامر كذلك تتوقف على اثبات صحة الترتب في التعييني بالبيان الآتي، والا فلا يصح في التخييري أيضا. ثم انه بناءا على التخيير الشرعي أو السراية، بناءا على عدم صحة الترتب، فهل يمكن ايجاد الفرد المزاحم بداعي الامر الموجود في غيره ؟ قد يقال برجوع ذلك إلى قصد الجهة، فان قلنا بكفايته فهو والا فلا يكفي. والظاهر كفايته لتحقق قصد الامر في المقام، وعدمه تحققه في الجهة الخالية عن الامر. وقد مر ما ينفع المقام في تصوير تبديل الامتثال فراجع.

[ 225 ]

[ (قدس سره)، وشيدار كانه واقام برهانه وتلميذه الجليل والنحرير الذى ليس له بديل، سيدنا الاستاذ السيد محمد الاصفهانى جزاهما الله عن الاسلام واهله افضل الجزاء، وهو أن يتعلق الامر أولا بالضد الذى يكون اهم في نظر الآمر مطلقا، من غير تقييد بشئ، ثم يتعلق امر آخر بضده متفرعا على عصيان ذلك الامر الاول. واثبات هذا المطلب يستدعى رسم مقدمات: (الاولى) - ولعلها العمدة في هذه المسألة - توضيح الواجب المشروط، وهو وإن مر ذكره في مبحث مقدمة الواجب مفصلا، إلا أنه لابد من أن نشير إليه ثانيا توضيحا لهذه المسألة التى نحن بصددها، فنقول - وعلى الله التوكل أن الارادة المنقدحة في النفس المتعلقة بالعناوين على ضربين (تارة) تكون على نحو تقتضي ايجاد متعلقها بجميع ما يتوقف عليه، من دون اناطتها بوجود شئ أو عدمه، و (اخرى) على نحو لا تقتضي ايجاد متعلقها ألا بعد تحقق شئ آخر وجودي أو عدمي [ 145 ]. مثلا إرادة اكرام الضيف (تارة) تكون على نحو يوجب تحريك المريد إلى تحصيل الضيف واكرامه، و (اخرى) على نحو لا يوجب ] مسألة الترتب: [ 145 ] لكن لا بحيث يكون الشرط ذلك الشئ بتحققه الخارجي، حتى لا تكون الارادة متحققة قبل تحققه، لان ذلك خلاف الوجدان في الواجب المشروط، لانا نرى تحقق الارادة المشروطة قبل تحقق الشرط بعد فرض تحققه، وان علمنا بعدم حصول الشرط. وأيضا نرى بالوجدان تحقق الارادة مع الجهل المركب بوجود الشرط، كما في صورة العلم الحقيقي، وإن لم تؤثر في نفس المأمور، مع عدم العلم بحصول الشرط كما سيجئ. فلو كان الشرط نفس الشرط، فلا وجه لتحققها في الصورتين.

[ 226 ]

[ تحريكه إلى تحصيل الضيف، بل يقتضى اكرامه على تقدير حصوله. ثم إن الثانية على انحاء (تارة) تقتضي ايجاد متعلقها بعد تحقق ذلك الشئ المفروض وجوده في الخارج، كما في مثال اكرم زيدا ان جاءك و (اخرى) تقتضي ايجاده مقارنا له، كما في ارادة الصوم مقارنا للفجر إلى غروب الشمس، وكما في ارادة الوقوف في عرفات مقارنا لاول الزوال إلى الغروب، وامثال ذلك. و (تارة) تقتضي ايجاده قبل تحقق ذلك الشئ، كما لو اراد استقبال زيد في اليوم على تقدير مجيئه غدا، وهذه الانحاء الثلاثة كلها مشتركة في انها مع عدم العلم بتحقق ذلك المفروض تحققه لا تؤثر في نفس الفاعل [ 146 ]، كما أنها مشتركة في أنه على تقدير العلم بذلك مؤثرة في الجملة. إنما الاختلاف في أنه على التقدير ] = ولا بحيث يكون الشرط علم الآمر أو المأمور بحصول الشرط، فان ذلك ايضا يستلزم لزوم الامتثال حقيقة عند الجهل المركب من أحدهما بحصول الشرط، وبطلانه واضح. بل الشرط هو الخارج لا حقيقة بل فرضا، لكن لا بنحو يكون للفرض موضوعية، بل بحيث يكون طريقا إلى الخارج، فعند الفرض تكون الارادة موجودة، لكن لا واقعية لها عند عدم الشرط واقعا. ونظير ذلك العلم بالتالي عند وجود المقدم في القضية الشرطية، فان شرط القطع بوجود التالي هو فرض المقدم، وإن كان قاطعا بعدم وجوده فعلا، لكن مع حفظ طريقية الفرض في المقام ايضا. وقد يتوهم أن المقطوع به في القضية الشرطية هي الملازمة، ولكنه فاسد، لرجوع القضية حينئذ إلى الحملية، وهي الملازمة - ثابتة أو موجودة - وهو كما ترى. [ 146 ] وذلك لان الارادة - على الفرض - متوقفة على فرض التحقق عند الآمر، ولو علم المأمور بعدم واقعية الفرض المذكور لا تؤثر، لان الفرض - كما مر - أخذ طريقا، والمأمور يعلم بانه لا واقعية له، وكذلك عند الشك فيه، فانه ايضا شاك في كونها ارادة حقيقية، فلا تؤثر الا عند العلم بحصول الشرط.

[ 227 ]

[ الاول العلم بتحقق ذلك في الزمن الآتى لا يوجب تحريك الفاعل نحو المراد، لان المقصود ايجاد الفعل بعد تحقق ذلك الشئ لا قبله. نعم لو توقف الفعل في زمان تحقق ذلك الشئ على مقدمات قبل ذلك، اقتضت الارادة المتعلقة بذلك الفعل - على تقدير وجود شئ خاص - ايجاد تلك المقدمات قبل تحقق ذلك الشئ، كما نرى من أنفسنا أن الانسان إذا أراد اكرام زيد - على تقدير مجيئه، وعلم بمجيئه في الغد، وتوقف اكرامه في الغد على مقدمات قبله - يهيئ تلك المقدمات، وهكذا حال ارادة الآمر، فلو امر المولى باكرام زيد - على تقدير مجيئه، وعلم العبد بتحقق مجيئه غدا، وتوقف اكرامه غدا على ايجاد مقدمات في اليوم - وجب عليه ايجادها، ولا عذر له عند العقل لو ترك تلك المقدمات. وهذا واضح لاسترة عليه. وعلى التقدير الثاني باعثية الارادة - بالنسبة إلى الفاعل - إنما تكون بالعلم بتحقق ذلك الشئ المفروض وجوده في الآن الملاصق للآن الذى هو فيه، كما انه على الثالث تؤثر إذا علم بتحققه في الزمن الآتى. وان شيئت قلت هذه الارادة - المعلقة على وجود شئ إذا انضم إليها العلم بتحقق ذلك الشئ - تقتضي ايجاد كل من الفعل ومقدماته في محله، فحمل الاكرام - في الفرض الاول - بعد تحقق المجئ، ومحل مقدماته قبله، ومحل الفعل في المثال الثاني مقارن للشرط، ومحل مقدماته قبله، كما في الوقوف في عرفات مقارنا للزوال، ومحل الفعل في المثال الثالث قبل تحقق الشرط. والحاصل أنه لانعنى بالواجب المشروط إلا الارادة المتعلقة بالشئ مبتنية على تحقق أمر في الخارج، وهذه الارادة لا يعقل أن تؤثر في نفس الفاعل، إلا بعد الفراغ من حصول ذلك الامر.

[ 228 ]

وبعبارة اخرى هذه الارادة من قبيل جزء العلة لوجود متعلقها، وإذا انضم إليها العلم بتحقق ذلك الشئ تؤثر في كل من الفعل ومقدماته في محله، كما عرفت، فالارادة المبتنية على امر مقدر، سواء علم بتحقق ذلك الامر ام لم يعلم، بل ولو علم بعدمه موجودة، ولكن تأثيرها في الفاعل يتوقف على العلم بتحقق ذلك الامر. (المقدمة الثانية) - أن الارادة المبتنية على تقدير امر في الخارج، لا يعقل ان تقتضي ايجاد متعلقها على الاطلاق، أي سواء تحقق ذلك المقدر ام لا، والا خرجت عن كونها مشروطة بوجود شئ، فمتى ترك الفعل بترك الامر المقدر، لا يوجب مخالفة لمقتضى الارادة. نعم المخالفة إنما تتحقق فيما إذا ترك مع وجود ذلك المقدر، وهذه المقدمة في الوضوح بمثابة لا تحتاج إلى برهان. (المقدمة الثالثة) - أن الارادة المتعلقة بشئ من الاشياء لا يقدح في وجودها كون المأمور بحيث يترك في الواقع أو يفعل [ 147 ]، إذ لا مدخلية لهذين الكونين في قدرة المكلف، فالارادة - مع كل من هذين الكونين - موجودة، ولكن لا يمكن أن يلاحظ الآمر كلا من تقديري الفعل والترك في المأمور به، لا اطلاقا ولا تقييدا. أما الثاني فواضح، لان ارادة الفعل على تقدير الترك طلب المحال، وارادة الفعل على تقدير الفعل طلب الحاصل. وأما الاول، فلان ملاحظة الاطلاق فرع امكان التقييد، وحيث يستحيل الثاني يستحيل الاول، فالارادة تقتضي ايجاد ذات ] [ 147 ] والحاصل أن إرادة الشئ لا تنقدح في لحاظ وجود الشئ أو عدمه، بل يشترط في انقداحها لحاظ الشئ في حال عدمه مجردا عن لحاظ كل واحد من الوجود والعدم، ومثل تلك الارادة غير مؤثرة في امتثال الفعل مع أحد القيدين.

[ 229 ]

[ متعلقها، لا انها تقتضي ايجاده في ظرف عدمه، ولا ايجاده في ظرف وجوده، ولا ايجاده في كلتا الحالتين، لان هذا النحو من الاقتضاء يرجع إلى طلب الشئ مع نقيضه، أو مع حصوله، فظهر ان الامر يقتضى وجود ذات الفعل من دون ملاحظة تقييد الفعل بالنسبة إلى الحالتين المذكورتين، ولا اطلاقه بالنسبة اليهما. نعم الامر المتعلق بذات الفعل موجود، سواء كان المكلف ممن يترك أو يفعل، ولكن هذا الامر الموجود يقتضى عدم تحقق الترك وتحقق الوجود، لا انه يقتضى الوجود على تقدير الترك. وبعبارة اخرى يقتضى عدم تحقق هذا المقدر، لا أنه يقتضى وجود الفعل في فرض وقوعه، لان الثاني يرجع إلى اقتضاء اجتماع النقيضين، دون الاول، فافهم فانه لا يخلو عن دقة. (المقدمة الرابعة) - أنه لم يرد في خبر ولا آية بطلان تعلق امرين بالضدين في زمان واحد، حتى يتمسك باطلاق ذلك الخبر وتلك الآية في بطلانه، إنما المانع حكم العقل بقبح التكليف بما لا يطاق، وهو منحصر فيما إذا كان الطلبان بحيث يقتضى كل واحد منهما سلب قدرة المكلف عن الاتيان بمقتضى الآخر، لو أراد الاتيان بما يقتضيه. أما لو كانا بحيث لا يوجب ذلك، فلا مانع اصلا. إذا عرفت المقدمات المذكورة، فنقول: لو أمر الآمر بايجاد فعل مقارنا لترك ضده الآخر، فهذا الامر باعث في نفس المأمور لو علم بتحقق ذلك الترك في الآن المتصل بالآن الذى هو فيه، إذ لو صبر إلى ان يتحقق ذلك الترك لم يقع المأمور به بالعنوان الذى امر به، وهو المقارنة، فمحل تأثير هذا الامر في نفس المأمور إنما يكون مقارنا لوقوع الترك، فيجب أن يؤثر في ذلك المحل بمقتضى المقدمة الاولى. وهذا الامر المبتنى على ترك

[ 230 ]

الضد لا يوجب التأثير في المتعلق مطلقا، حتى يستلزم لابدية المكلف من ترك الضد بحكم المقدمة الثانية. والامر المتعلق بالضد الآخر - الذى فرضناه مطلقا - لا يقتضى ايجاد المتعلق في ظرف عدمه بحكم المقدمة الثالثة، حتى يلزم منه وجود التكليف بالضدين في ظرف تحقق هذا الفرض، بل الامر بالاهم يقتضى عدم تحقق هذا الفرض، والامر بالمهم يقتضى ايجاده على تقدير تحقق الفرض. ومن هنا يتضح عدم تحقق المانع العقلي في مثل هذين الامرين، لان المانع كما عرفت ليس الا لزوم التكليف بما لا يطاق، لان ذلك إنما يلزم من الخطابين لو كانا بحيث يلزم من امتثال كل منهما معصية الآخر. وقد عرفت أنه لا يلزم منهما فيما نحن فيه ذلك، لان المكلف لو امتثل الامر بالاهم لم يعص الامر الآخر الذى تتعلق بالمهم، إنما ترتب على هذا الامتثال انتفاء ما كان شرطا للامر بالمهم. وقد عرفت أن عدم اتيان الواجب المشروط بترك شرطه ليس مخالفة للواجب. والحاصل أنه لا يقتضى وجود الخطابين بعث المكلف على الجمع بين الضدين ومما يدلك على هذا أنه لو فرضنا محالا صدور الضدين من المكلف، لم يقع كلاهما على صفة المطلوبية، [ 148 ] بل المطلوب هو الاهم لا غير، لعدم تحقق ما هو شرط لوجوب المهم. (فان قلت): سلمنا إمكان الامر بالضدين على النحو الذى فرضته، ولكن بم يستدل على الوقوع فيما إذا وجبت الازالة عن المسجد ] [ 148 ] بل لو فرضنا محالا صدور الضدين مع ترك الاهم ايضا، لم يقع كلاهما على صفة المحبوبية، لان اطاعة الاهم إن حصلت بذلك، فلم يكن شرط المهم موجودا، والا فلم يؤثر الاهم في لحاظ عصيانه.

[ 231 ]

[ مطلقا، وكان في وقت الصلاة، فان حمل دليل الصلاة - على الوجوب المعلق على ترك ازالة النجاسة - يحتاج إلى دليل. (قلت): المفروض أن المقتضى لوجوب الصلاة محقق بقول مطلق [ 149 ] وليس المانع الاحكم العقل بعدم جواز التكليف بما لا يطاق. وبعد ما علمنا عدم كون هذا النحو من التكليف تكليفا بما لا يطاق، يجب بحكم العقل تأثير المقتضى. هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام وعليك بالتأمل التام، فانه من مزال الاقدام. حجة المانع أن الضدين مما لا يمكن ايجادهما في زمان واحد عقلا، وجعلهما في زمان واحد - متعلقين للطلب المطلق - تكليف بما لا يطاق، وهاتان المقدمتان مما لا يقبل الانكار إنما الشان بيان ان تعلق الطلبين بالضدين في زمان واحد - ولو على نحو الترتب - يرجع إلى تعلق الطلب المطلق بهذا والطلب المطلق بذاك في زمان واحد. وبيانه أنه الامر بايجاد الضد مع الامر بايجاد ضده الآخر لا يخلو من أنه إما أمر بايجاده مطلقا في زمان الامر بضده كذلك، وإما أمر بايجاده مشروطا بترك الآخر. والثانى على قسمين، لانه إما أن يجعل الشرط هو الترك الخارجي للضد الآخر، أو يجعل الشرط كون المكلف بحيث يترك في علم الله. أما الاول فلا يلتزم به كل من أحال التكليف بما لا يطاق. وأما ] [ 149 ] لا يقال: هذا مناف لما مر آنفا من أنه مع الجمع على الفرض المحال لم يكن المهم مطلوبا مع طلب الاهم. لانه يقال: إن المراد من عدم المطلوبية نفي فعليتها، فانه يكفى في حكم رفع التكليف بما لا يطاق، فافهم.

[ 232 ]

[ الاول من الاخيرين، فلا مانع منه إلا أنه عليه لا يصير الامر مطلقا إلا بعد تحقق الترك ومضى زمانه. وهذا وإن كان صحيحا، لكنه خارج عن فرض القائل بالترتب، لانه يدعى تحقق الامرين في زمان واحد. وأما الاخير منهما فلازمه القول باطلاق الامر المتعلق بالمهم في ظرف تحقق شرطه. والمفروض وجود الامر بالاهم ايضا، لانه مطلق، ففى زمان تحقق شرط المهم يجتمع الامر ان المتعلقان بالضدين، وكل واحد منهما مطلق، أما الامر المتعلق بالاهم فواضح، واما الامر المتعلق بالمهم، فلان الامر المشروط بعد تحقق شرطه يصير مطلقا. والجواب يظهر مما قدمناه في المقدمات. وحاصله أن الامر بالاهم مطلق، والامر بالمهم مشروط. أما قولك بان الشرط إما هو الترك الخارجي أو العنوان المنتزع منه، فنقول: إنه هو الترك الخارجي، وقولك - إنه على هذا يلزم تأخر الطلب عن زمان الترك - مدفوع بما عرفت من عدم لزوم اقتضاء الطلب المشروط ايجاد متعلقه، بعد تحقق الشرط [ 150 ] بل قد يقتضيه كذلك. وقد يقتضى مقارنة الفعل للشرط كما عرفت ذلك كله مشروحا. ] [ 150 ] لا يخفى عدم نهوض الجواب لدفع الايراد، لان اختلاف انحاء الشرط - من المتقدم والمتأخر والمقارن - لا يؤثر في رفع استحالة تحقق الارادة قبل تحقق شرطها، فلابد في رد ذلك من الالتزام بما التزمنا به، من عدم كون الشرط نفس التحقق الخارجي، بل الخارج بوجوده الفرضى، لكن مع بقاء طريقية الفرض، بحيث لا يرى تفكيك بينه وبين الخارج، وذلك الفرض محقق قبل تحقق الطلب كما مر، فراجع. ان قلت: ما الفرق بين الترك الخارجي بهذا المعنى والعنوان المنتزع، وكيف انحصر دفع الاشكال على الاول دون الثاني ؟

[ 233 ]

[ (فان قلت) سلمنا كون الشرط نفس الترك الخارجي للضد، ولا يلزم من ذلك تأخر الطلب عن مضى زمان الترك، ولكن نقول في ظرف فعلية الطلب المشروط إما ان تقول ببقاء الطلب المطلق أولا. والثانى خلاف الفرض، والاول التزام بالامر بما لا يطاق [ 151 ]. ] = قلت: الفرق هو أن الامر بالاهم لا يؤثر على فرض تركه الخارجي، ولا صلاحية له في التأثير، بخلافه مع العنوان، فانه - مع العلم بانه يعصى ويترك في علم الله - لا يسقط الامر بالاهم، ولا يخرج بذلك العلم عن صلاحية التأثير، وهو لا ينافي الامر بالمهم بالفرض. [ 151 ] وذلك لانه يجب الاهم في هذا الزمان بالفرض، والمهم ايضا واجب، لحصول شرطه، وما ذكر - من تقييد المهم بمعصية الاهم، مع عدم تأثير الاهم في تلك المرتبة - انما يؤثر في رفع التمانع والتضاد بين الارادتين في زمان واحد، لا في اقدار المكلف على ايجاد الضدين، وايضا يستلزم ذلك عقابين على تقدير عدم اتيان المكلف بشئ منهما، ولا يلتزم به القائل بالترتب. وحاصل الجواب: أن الجمع بين التكليفين - على نحو يكون احدهما مقيدا بمعصية الآخر - ليس بمحال، وليس من التكليف بما لا يطاق، وإن لم يكن المكلف قادرا على الجمع، لعدم اقتضائهما الجمع في آن واحد، وعدم مطاردة مقتضى الارادتين. واما تعدد العقاب، فلا مانع من الالتزام به، بعد مساعدة الوجدان، وعدم مخالفته للبرهان. وبعد التأمل لا يكون العقاب عليهما إلا كالعقاب على ترك الفعلين غير الضدين، وان شئت فراجع وجدانك لترى هل لا يمكن تحقق الارادة الآمرية من الآمر على شئ، وبعد العلم بمعصية المأمور تحقق الارادة الفاعلية على ضده، مثل أن تأمر عبدك تبهيئة اسباب السفر ليوم الجمعة مقارنا لطلوع الفجر، ثم بعد العلم بالمعصية بنوم العبد في تلك الساعة مطمئنا، ومع ذلك تعاقب العبد على ترك تهيئة اسباب سفرك، ولا يصح منه الاعتذار بعدم القدرة على امتثال امرك في تلك الساعة للنوم، لان النوم لم يكن الا بعد العلم بتحقق المعصية منه، فافهم واغتنم.

[ 234 ]

[ (قلت) نختار الشق الاول، ولكن لا يقتضى الطلب الموجود حينئذ الا عدم تحقق الترك الذى هو شرط لوجوب الآخر، لا أنه يقتضى ايجاد الفعل في ظرف تحقق هذا الترك، كما أو ضحناه في المقدمات، فليتأمل في المقام فانه مما ينبغى ان تصرف لا جله الليالى والايام.

[ 235 ]

المقصد الرابع امكان اجتماع الامر والنهى وامتناعه وليعلم (أولا) أن النزاع المذكور إنما يكون بعد فرض وجود المندوحة [ 152 ] وتمكن المكلف من ايجاد عنوان المأمور به في غير مورد النهى، والا فالمسلم عند الكل عدم الجواز، لقبح التكليف بما لا يطاق. ] اجتماع الامر والنهي: [ 152 ] لا يقال: قيد المندوحة لغو، لان النزاع - في الجواز والامتناع - حيثي يقع في أن تعدد العنوان والحيثية، هل يكفي في تعدد مركب الامر والنهي، حتى لا يلزم محال ام لا ؟ ولا ربط للنزاع المذكور باجتماع سائر شرائط التنجز من القدرة على الامتثال وغيرها. لانا نقول: إن النزاع - وإن كان حيثيا - لكنه في اجتماع الامر والنهي الموجودين، ولا يكونان الا مع المندوحة. وأما بدونها فلابد من أن يجعل النزاع فرضيا، بان يقال: لو فرضنا محالا صدور الامر والنهى، فهل يجوز اجتماعهما. وهو كما ترى، ولا تقاس تلك الجهة بسائر الجهات، لان فقدان سائر الجهات اتفاقي. ولا يقال: إن المندوحة ايضا لا تثمر، لان المكلف - في مورد الاجتماع ايضا - لا يقدر على الامتثالين. لانا نقول: يكفي في صحة تعلق الامر بالطبيعة كون بعض افرادها مقدورا. =

[ 236 ]

[ نعم ذهب المحقق القمى (قدس سره) إلى التفصيل بين ما كان العجز مستندا إلى سوء اختيار المكلف وعدمه، فخص القبح بالثاني. ومن هنا حكم بأن المتوسط في الارض المغصوبة منهى عن الغصب فعلا، ومأمور بالخروج كذلك. ولكنك خبير بأن هذا التفصيل يابى عنه العقل، بل لعل قبح التكليف بما لا يطاق مطلقا من البديهيات الاولية. وكيف كان فقبل الشروع في المقصود ينبغى رسم امور: (الاول) - أنه قد يتوهم ابتناء المسألة على كون متعلق التكاليف هو الطبيعة أو الفرد، فينبغي التكلم في هذه المسألة على وجه الاختصار، حذرا من فوت المهم، والنظر فيها يقع في مقامات: (احدها) في تشخيص مرادهم (ثانيها) في أنه هل يبتنى النزاع في مسألتنا هذه عليها، بمعنى أنه لو أخذ باحد طرفي النزاع فيها لزم الاخذ باحد طرفي المسألة فيما نحن فيه ام لا ؟ (ثالثها) في ادلة الطرفين. أما المقام الاول، فيمكن أن يكون مرادهم أنه بعد فرض لزوم اعتبار الوجود في متعلق الطلب، فهل الوجود المعتبر هو وجود الطبيعة، أو وجود الفرد ؟ [ 153 ] ويمكن أن يكون مرادهم أنه بعد فرض اعتبار الوجود، هل ] = نعم قد يقال - على القول بكفاية الجهة في صحة العبادة - انه لا وجه لقيد المندوحة، لجريان النزاع في ما لا مندوحة فيه ايضا، من حيث جهة المطلوبية والمبغوضية، وان لم يكن تكليف في البين. وفيه: انه لا تزاحم بين الجهتين حتى على القول بالامتناع، وإنما التزاحم في مقام الارادة، كما سيأتي تفصيله انشاء الله تعالى. والارادتان لا محالة لا تجتمعان في ما لا مندوحة فيه، فيكون النزاع فيه لغوا. [ 153 ] والفرق بين المعنيين اعتباري، وعلى الاول تكون المادة بمعناها =

[ 237 ]

[ المعتبر اشخاص الوجودات الخاصة، أو المعنى الواحد الجامع بين الوجودات ؟. أما المقام الثاني، فالحق عدم ابتناء مسألة جواز اجتماع الامر والنهى وعدمه عليه، إذ يمكن القول بأن متعلق الاحكام هو الطبايع بكلا المعنيين اللذين احتملنا في مرادهم، ومع ذلك يمنع جواز اجتماع الامر والنهى، اما لما ذكره صاحب الفصول (قدس سره): من أن متعلق الطلب إنما يكون الوجودات الخاصة [ 154 ]، لعدم جامع لها في البين وإما لانه - على تقدير تعلق الطلب بالجامع - يلزم سرايته إليها، لمكان الاتحاد والعينية. وكذلك يمكن القول بتعلق الطلب بالفرد بكلا الاحتمالين ] = الاسمي متعلقة للطلب، والوجود المعتبر فيها يكون بمعناه الحرفي، وانما اعتبر فيها، لان المادة - من حيث هي لو لم يعتبر فيها الوجود اصلا - غير قابلة لتعلق الطلب بها، فانها من حيث هي ليست الا هي، وعلى الثاني يكون الوجود - اللازم اخذه فيها بمعناه الاسمى - متعلقا للطلب في حال اضافته إلى المادة، فعلى الاول يقع النزاع في أن متعلق الطلب والمادة هل هو الطبيعة اللا بشرط، باعتبار وجودها أو افرادها ؟ وعلى الثاني في أن الوجود المضاف إلى المادة المأخوذ في متعلق الطلب، هل هو جامع الوجودات أو اشخاصها ؟ هذا والذى يظهر من الكفاية: أن النزاع في أن المتعلق للطلب هل هي الماهية الصرفة، أو هي بلوازمها الوجودية، ويظهر منه انحصار النزاع بمرحلة الاثبات، حيث اكتفى في الاستدلال على مدعاه بمجرد الوجدان. لكن الظاهر من كلمات القوم خلافه، كما يظهر من استدلال الطرفين بعدم معقولية مدعى الآخر. كما سيأتي انشاء الله تعالى. [ 154 ] لا يخفى أن كلام صاحب الفصول - رحمه الله - مناف لكون متعلق التكاليف هو الطبيعة بالمعنى الثاني، لانه على الفرض لا جامع للوجودات، حتى يتعلق الطلب به. وهو واضح بل قيل بمنافاة كلامه له حتى على المعنى الاول، لانه بعد عدم الجامع بين الوجودات فلا محالة يكون متعلق الطلب الطبيعة بوجوداتها الخاصة.

[ 238 ]

[ ايضا، والالتزام بجواز الاجتماع، لان الفرد الموجود في الخارج يمكن تعريته في الذهن عن بعض الخصوصيات، ومع ذلك لا يخرج عن كونه فردا [ 155 ]. (مثلا) الصلاة في الدار المغصوبة - الموجودة بحركة واحدة شخصية - لولو حظت تلك الحركة الشخصية من حيث أنها مصداق للصلاة، وجرد النظر عن كونها واقعة في الدار المغصوبة، لم تخرج عن كونها حركة شخصية، فللمجوز - بعد اختياره أن متعلق التكاليف هو ] = ولكنه مخدوش بعد المنافاة بين كون الطبيعة متعلقة للطلب، وكون الوجودات متباينة، غاية الامر انه عندما يتعلق الطلب بها بلحاظ الوجود، والوجودات متباينة، يكون جميع الافراد متعلقة للحكم، لكن بمرآتية نفس الطبيعة، نظير العام الاستغراقي والوضع العام والموضوع له الخاص، فتأمل، فانه ايضا لا يخلو عن مناقشة. [ 155 ] نعم الحركة الشخصية في المثال لا تخرج عن كونها فردا، بمجرد تعرية الذهن اياها عن بعض الخصوصيات، لان الجزئية والكلية تعرضان المفهوم بلحاظ إباء صدقه على كثيرين وعدم ابائه، ومعلوم أن مفهوم الحركة الشخصية يأبى الصدق عل كثيرين وان جرد عن الخصوصيات، لكن الاشكال في أن متعلق الامر لو كان شخص الوجود الخارجي للحركة - مثلا، كما هو مقتضى القول الاول بالمعنى الثاني - فكلما يعريه الذهن عن الخصوصيات، ويصرف النظر عنها، لا يخرج عن شخص الوجود. وبالفرض يكون متعلق النهي ايضا هذا الشخص، فيكون مورد الامر والنهي وجودا شخصيا واحدا. وهو محال. ولا يعقل تعرية الشخص عن تشخصه، حتى يصير بكلا الاعتبارين موجودين في الذهن أحدهما موطن الامر، والثاني موطن النهي، فجريان النزاع على هذا القول لا يخلو عن اشكال، وكذلك يشكل جريان النزاع على القول بتعلق الحكم بالافراد، على ما فسره في الكفاية من كون المراد أن لوازم الوجود داخلة في المأمور به على تقدير كون المقصود شخصيات اللوازم. نعم على تقدير إرادة ماهيات اللوازم يمكن النزاع، لكنه خلاف ظاهر العبارة.

[ 239 ]

[ الافراد - ان يقول: إن هذه الحركة من حيث كونها مصداقا للصلاة محبوبة ومأمور بها، ومن حيث أنها مصداق للغصب منهى عنها. أما المقام الثالث فالذي يمكن أن يحتج به - على كون متعلق التكاليف هو الافراد على المعنى الاول - امران: (احدهما) - عدم كون الطبيعة موجودة في الخارج، وإنما الوجود مختص بافرادها، وليس لها حظ من الوجود، بناءا على عدم وجود الكلى الطبيعي في الخارج، كما ذهب إليه بعضهم و (ثانيها) - ان المقدور ليس إلا الفرد، ولا يمكن الطلب بغير المقدور. (أما الثاني) فواضح و (أما الاول) فلان الطبيعة - مجردة عن الخصوصيات وانضمام الامور الخارجية - لا يمكن ان تتحقق في الخارج، فلو أراد ايجادها، فاللازم ايجاد الفرد مقدمة، حتى تتحقق الطبيعة في ضمنه [ 156 ]. والجواب عن الاول بالمنع عن الاصل المذكور - اعني امتناع وجود الكلى الطبيعي في الخارج - بل نقول: عند التحقيق يمتنع اضافة الوجود في الخارج الا إليه، بداهة أن الفرد المتشخص الموجود في الخارج - الذى هو مجمع الحيثيات والعناوين - كالجسمية والحيوانية والناطقية، وأنه طويل أو قصير أو ذولون كذا - لو جرد النظر فيه عن هذه الحيثيات، لم يبق شئ حتى يكون الوجود مضافا إليه، فعلم أن فردية الفرد لا تتحقق الا بعد اجتماع هذه الحيثيات المتعددة في الوجود [ 157 ]. ] [ 156 ] لا يخفى مغايرة الدليل للمدعى، لان المدعى انكار وجود الطبيعة في الخارج رأسا، والدليل ينفي استقلال وجودها ويثبتها ضمنا. [ 157 ] وبعبارة اخرى: الفرد هو الطبيعة الموجودة، فلو لم يكن ما يتعلق به الوجود فلا فرد ايضا، هذا على اصالة الماهية واما على اصالة الوجود فلا حقيقة لغير =

[ 240 ]

[ واما الجواب عن الثاني، فبان الممتنع ما إذا قيدت الطبيعة بشرط عدم انضمامها بالخصوصيات. وأما إذا جردت عن هذه الاعتبارات، فلا اشكال في تعلق القدرة بها. وأما وجود الفرد، فليس مقدمة لوجود الطبيعة، لمكان اتحادهما في الخارج، كما هو واضح. حجة من يقول - بأن الطلب يتعلق بوجود الطبيعة - ان الطلب يتوقف على تصور المحل، والفرد لا يمكن أن يتصور الابعد التحقق وحينئذ غير قابل لتعلق الطلب به، أما عدم امكان تصور الفرد قبل تحققه، فلان الصور الذهنية مأخوذة من الخارج، فحيث لم يتحقق الفرد بعد في عالم الخارج، لا يمكن أن يحيط به الذهن وينتقش فيه صورة، فكلما يتصور حينئذ لا يخرج عن كونه كليا، غاية الامر يمكن تقييده في الذهن بقيود عديدة، حتى يصير منحصرا في فرد واحد. ولكنه مع ذلك لا يخرج عن كونه كليا قابلا للصدق على كثيرين. وأما عدم قابليته للطلب، بعد تحققه فواضح. والجواب: أن ما ذكرت - من توقف الطلب على تصور المحل - ان اردت لزوم تصوره تفصيلا، فهذه المقدمة ممنوعة، وان اردت لزوم تصوره ولو بالوجه والعنوان الاجمالي، فهو مسلم، ولكن استحالة تصور الفرد قبل وقوعه بهذا النحو من التصور ممنوعة، ضرورة امكان تصور افراد الطبيعة بعنوان انها افراد لها [ 158 ] والذى يمكن أن يحتج به لتعلق الطلب ] الوجود، من غير فرق بين الطبيعة والفرد، وحينئذ فجريان النزاع - في تعلق الاحكام بالطبايع أو الافراد بالمعنى الثاني - واضح، واما بالمعنى الاول فلا يخلو عن اشكال فافهم. [ 158 ] نعم الظاهر أن النفس - عند تصور الافراد قبل وجودها - توجد للطبيعة أفرادا عرضية في الذهن اجمالا، لكن بوصف حكايتها عن الخارج، وبعد ذلك =

[ 241 ]

[ بالفرد بالمعنى الثاني: أن الوجودات باسرها متباينات بمعنى أنه ليس لها جامع. واستدل القائل بتعلق الطلب بالطبيعة بالمعنى الثاني ايضا بوجهين: (احدهما) أن وجود الشخص لا يدخل في الذهن، والا لا نقلب خارجا و (الثاني) أن إمكان تصور الوجود الشخصي إنما يكون بعد تحققه، وفي ذلك الوقت لا يمكن تعلق الطلب به. والجواب عن حجج الاولين منع عدم الجامع بين الوجودات، كما ترى بالوجدان أنه قد تتعلق الارادة بايجاد الماء لرفع العطش، من دون مدخلية خصوصيات الوجود في الارادة، وستطلع على زيادة توضيح في ذلك انشاء الله تعالى. وعن حجج الآخرين أما عن الاول، فبانه لا يلزم من تعلق الطلب بالموجودات الشخصية كونها - بوصف تحققها في الخارج - متصورة في الذهن، حتى يلزم الانقلاب، بل يكفى انتقاش صورها في الذهن، ويتعلق الطلب بهذه الصور الذهنية حاكية عن الخارجيات. وأما عن الثاني، فبما عرفت مما سبق فلا نعيد [ 159 ]. ] = تعريها عن الوجودات الذهنية، وترى نفس الموجودات، وتشير إليها بعنوان كل ما يمكن أن يكون فردا للطبيعة، وكما مر أن الموجود في الخارج لا يخرج عن الجزئية والفردية بمجرد صرف النظر عن وجوده، ولذا تكون قضية (زيد موجود) قضية جزئية، مع أن الوجود غير ملحوظ في موضوعها، كذلك ما يوجد في الذهن - بعنوان الفردية للطبيعة - لا يخرج عن الفردية الفرضية، بتعرية الوجود عنه ولحاظ نفس الموجود. [ 159 ] من امكان تصور الفرد قبل وجوده وقد عرفت توضيحه. والمحصل من جميع ما افاده - دام ظله - هو إمكان تعلق التكاليف بالافراد والطبايع، بكلا المعنيين =

[ 242 ]

[ (الامر الثاني) أن الموجود الخارجي - من أي طبيعة كان - امر وحداني محدود بحد خاص، سواء قلنا باصالة الوجود أو اصالة المهية، غاية الامر أنه على الاول يكون الثاني منتزعا، وعلى الثاني يكون الاول منتزعا. نعم يمكن أن ينحل في الذهن إلى مهية ووجود، واضافة الوجود إلى المهية. فحينئذ لو قلنا بان الوحدة في الخارج مانعة عن اجتماع الامر والنهى، فاللازم أن نقول بالامتناع، سواء قلنا باصالة الوجود أو المهية، ولو قلنا بعدم كونها مانعة. ويكفى تعدد المتعلق في الذهن، فاللازم القول بالجواز، سواء قلنا ايضا باصالة الوجود أو باصالة المهية. (الامر الثالث) - أن الظاهر - من العنوان الذى جعلوه محلا للنزاع - ان الخلاف في جواز اجتماع الامر والنهى وعدمه. ولا يخفى أنه غير قابل للنزاع، إذ من البديهيات التضاد بين الاحكام وملاكاتها. إنما النزاع في أنه هل يلزم - على القول ببقاء اطلاق دليل وجوب الصلاة مثلا بحاله، وكذا اطلاق دليل الغصب في مورد اجتماعهما - اجتماع ] = في مرحلة الثبوت. وأما في مرحلة الاثبات فقد مر أن الهيئة لا تدل الا على اصل الطلب، والمادة ايضا لا تدل الا على اصل الطبيعة، لكن لما لم تكن الطبيعة من حيث هي قابلة لتعلق الطلب بها يعتبر بحكم العقل أخذ الوجود في متعلقها إما بمعناه الاسمي وإما بمعناه الحرفي، كما ذكرنا في تشريح المعنيين فراجع. وكيف كان لا يدل اصل الهيئة والمادة بضميمة حكم العقل إلا على تعلق الطلب باصل الطبيعة باحد المعنيين، ولا يفهم الفرد لو لم تكن قرينة في البين. وكذلك لو قيل بأن الوجود اخذ في الهيئة وضعا، بمعنى انها وضعت لطلب الوجود في الامر، ولطلب الترك في النهي، فان المأخوذ في الموضوعية - على هذا القول - هو المأخوذ بحكم العقل على القول الآخر، وقد عرفت مقتضياه. وبذلك يظهر وجه استظهار الكفاية خروج لوازم وجود الماهية عن متعلق الطلب.

[ 243 ]

[ الامر والنهى في شئ واحد، حتى يجب عقلا تقييد احدهما بغير مورد الآخر أو لا يلزم ؟ بل يمكن ان يتعقل للامر محل، وللنهى محل آخر ولو اجتمعا في مصداق واحد ؟ فهذا النزاع في الحقيقة راجع إلى الصغرى، نظير النزاع في حجية المفاهيم. (الامر الرابع) أنه لا اشكال في خروج المتباينين عن محل النزاع، بمعنى عدم الاشكال في امكان أن يتعلق الامر باحدهما، والنهى بالآخر إلا على تقدير التلازم بينهما في الوجود، كما لا اشكال في خروج المتساويين في الصدق، لما عرفت من اعتبار وجود المندوحة، كما لا اشكال في دخول العامين من وجه في محل النزاع [ 160 ] انما النزاع في أن العام المطلق والخاص ايضا يمكن ان يجرى فيه النزاع المذكور ام لا، ] [ 160 ] هذا فيما إذا كان متغايرين بحسب المفهوم، كالصلاة والغصب، فلا اشكال فيه، وأما فيما إذا كانا متحدين بحسب المفهوم، كصلاة الصبح والصلاة في الحمام، فالظاهر عدم جريان النزاع المذكور فيه، لعدم جريان ادلة الجواز فيه. توضيح ذلك: ان غاية ما يتمسك به القائل بالجواز هو تعدد موطن الامر والنهي، حيث أن الموضوع فيهما عنده هو الموجود في الذهن، وهو في المفهومين المتغايرين متعدد. وسيأتى تفصيله - انشاء الله تعالى - فلو كان متعلقهما في الذهن أيضا واحدا، لم يلتزم احد بجواز اجتماعهما، للزوم اجتماع الامر والنهي في الواحد ذهنا وخارجا، وهو محال. والظاهر أن العامين من وجه مع اتحادهما مفهوما - كصلاة الصبح والصلاة في الحمام - يكونان كالعام والخاص المطلقين في وحدة موضوع الامر والنهي ذهنا وخارجا، لو فرض اجتماعهما، لان معنى محبوبية صلاة الصبح بنحو الاطلاق، ليس الا محبوبية طبيعة تلك الصلاة بنفسها، من دون دخل قيد وجودي أو عدمي - حتى قيد الاطلاق - فيه كما سيأتي منه - دام ظله - في المطلقين إذا اتحدا من حيث المفهوم، =

[ 244 ]

[... ] = ولازم ذلك أن تكون طبيعة صلاة الصبح في الحمام أيضا مطلوبة بما هي صلاة الصبح، فلو كان متعلق النهى امرا خارجا عن موضوع الامر، مثل اضافة الصلاة إلى الحمام، فلا اشكال. واما إذا كان نفس هذه الصلاة الموجودة في الحمام مبغوضة ومتعلقة للنهي، فينا في ذلك اطلاق محبوبية صلاة الصبح. وفي الحقيقة تكون مطلوبيتها مقيدة بعدم تحققها في الحمام. ولا يمكن أن يقال أن مفهوم صلاة الصبح في الذهن غير مفهوم الصلاة في الحمام، وإنما المتحد هو الفرد كالصلاة والغصب، لان مفوميهما في الذهن وان كانا متعددين، لكن مثل ذلك التعدد لا يكفي في وقوعهما موضوعين لحكمين مختلفين، كتعدد مفهومي المطلق والمقيد، أو كتعدد المفهوم في تصور الشئ مرتين، وذلك لان من يرى صلاة الصبح بلا قيد مطلوبة، ففي الحقيقة يرى صلاة الصبح في الحمام ايضا مطلوبة، لانها ليست الا صلاة الصبح مع الخصوصية الخاصة، وبالفرض لم تكن الخصوصيات دخيلة في المطلوب وجودا وعدما، فإذا كانت تلك الصلاة ايضا مبغوضة ومنهيا عنها، يلزم اتحاد موضوع الامر والنهي ذهنا وخارجا، وهو محال. وبعين هذا التقريب يخرج المطلق والمقيد في متحدي المفهوم عن محل النزاع، لان مفهومهما وان كان متعددا ذهنا، لكن وجودا لا ذاتا، لان المقيد - كما ذكرنا - ليس الا ذات المطلق مع اضافة قيد، فإذا تعلق به الامر لا يمكن تعلق النهى به ولو في نظرة أخرى، سواء أضيف إليه قيد ام لا، لان الذات الموجودة في المقيد ليست الا ذات المطلق حتى في الذهن، فلا تعدد في الذهن، حتى يقال أن موطن الامر والنهي هو الموجود في الذهن. نعم لو كانا متغايرين مفهوما كالحركة والدنو إلى مكان خاص مثلا، امكن أن يقال: إن مفهوم الحركة في الذهن غير مفهوم الدنو إلى ذلك المكان، فلو تعلق الامر بصرف طبيعة الحركة والنهي عن شخص هذه الحركة بما هي دنو، فيقال: إن الموجود في الذهن من هذه الحركة غير الموجود فيه من اصل الحركة، بل كذلك منشأ انتزاع المفهومين ايضا متعدد واقعا، ولذا يمكن اتصاف احدهما بالعلم والآخر بالشك، =

[ 245 ]

[ قال المحقق القمى (قدس سره) ان العام المطلق خارج عن محل النزاع، بل هو مورد للنزاع في النهى في العبادات. اعترض عليه المحقق الجليل صاحب الفصول (قدس سره) بانه ليس بين العامين من وجه والمطلق من حيث هاتين الجهتين فرق، بل الملاك أنه لو كان بين العنوان المأمور به والعنوان المنهى ] = بخلاف المتحدين مفهوما، فانه لا يمكن تحقق المطلق في ذلك المقام مع الشك في ذات المقيد. نعم الشك في المقيد - أو فيه بما هو متصف الراجع إلى القيد، ايضا - ممكن، لكن هذا غير ذات المقيد، ولعل هذا هو السر في حمل المطلق على المقيد المرتكز في الاذهان، والا فلا وجه له لو كان مركب الامرين متعددا. ولا يخفى أنه لا فرق ذكرنا بين التعبدي والتوصلي فلو امر بالخياطة بنحو الاطلاق، لا يمكن النهي عنها في مكان خاص. وأيضا لا فرق بين الحكم الفعلي والحيثي، فلا يمكن الجمع بين اطلاق الحلية الذاتية في الغنم مع حرمة الغنم المغصوب أو الموطوء بما هو مغصوب أو موطوء. نعم يمكن الجمع بين عنوان الموطوء والمغصوب من دون دخل عنوان الغنم فيهما، فيكون من اقسام المسألة، ولا يقاس الاطلاق بالكلية: بأن يقال: كما أن الانسان كلي وزيد جزئي، يمكن أن يكون المطلق محبوبا والمقيد مبغوضا، ولا فرق في المضادة بين العارضين، فما هو الجواب فيها ؟ نجيب بما اجبنا فيها، حيث أن حال تجرد معروض الكلية يكون دخيلا في عروضها، بخلاف الاطلاق، فان معناه عروض الحكم على الذات، بلا قيد في العارض والمعروض والعروض، وذلك واضح. إذا عرفت ما ذكرنا كله تعرف أن الاقوى ما عليه صاحب الفصول من اختصاص مورد نزاع المسألة بما إذا كان مورد الامر والنهي مختلفي المفهومين، من غير فرق بين كون النسبة بينهما عموما وخصوصا من وجه أو مطلقا. نعم في اختصاص النزاع الآتي بما إذا كان الموردان من قبيل المطلق والمقيد ما لا يخفى، لان النزاع في المسألة الآتية جار في جميع الموارد الا في مورد الاجتماع على القول بالجواز، ووجهه واضح.

[ 246 ]

[ عنه مغايرة، يجرى فيه النزاع، وان كان بينهما عموم مطلق، كالحيوان والضاحك، وان اتحد العنوانان، وتغايرا ببعض القيود، لم يجر النزاع فيهما، وان كان بينهما عموم من وجه، نحو (صل الصبح، ولا تصل في الارض المغصوبة). هذا ويشكل بأنه لو اكتفى المجوز بتغاير المفهومين ووجود المندوحة، فلا فرق بين أن يكون بينهما عموم من وجه أو مطلق، وأن يكون العنوان المأخوذ في النهى عين العنوان المأخوذ في الامر، مع زيادة قيد من القيود أو غيره، ضرورة كون المفاهيم متعددة في الذهن في الجميع، ولو لم يكتف بذلك، فليس لتجويز الاجتماع في العامين من وجه ايضا مجال. فاللازم على من يدعى الفرق بيان الفارق. قال شيخنا المرتضى - اعلى الله مقامه - في التقريرات المنسوبة إليه - بعد نقل كلام المحقق القمى وصاحب الفصول - ما هذا لفظه: (اقول إن ظاهر هذه الكلمات يعطى انحصار الفرق بين المسألتين في اختصاص احداهما بمورد دون اختها، وليس كذلك، بل التحقيق ان المسئول عنه في احداهما غير مرتبط بالاخرى. وتوضيحه أن المسئول عنه في هذه المسألة هو امكان اجتماع الطلبين فيما هو الجامع لتلك الماهية المطلوب فعلها والماهية المطلوب تركها، من غير فرق في ذلك بين موارد الامر والنهى، فانه كما يصح السؤال عن هذه القضية فيما إذا كان بين المتعلقين عموم من وجه، فكذا يصح فيما إذا كان عموم مطلق، سواء كان من قبيل قولك (صل ولا تصل في الدار المغصوبة) أو لم يكن كذلك. والمسئول عنه في المسألة الآتية هو أن النهى المتعلق بشئ هل يستفاد منه أن ذلك الشئ مما لا يقع به الامتثال، حيث أن المستفاد من اطلاق الامر حصول الامتثال باى فرد كان، فالمطلوب فيها هو استعلام أن النهى المتعلق بفرد من افراد

[ 247 ]

المأمور به، هل يقتضى دفع ذلك الترخيص المستفاد من اطلاق الامر أولا ؟ ولا ريب أن هذه القضية كما يصح الاستفسار عنها، فيما إذا كان بين المتعلقين اطلاق وتقييد، كذلك يصح فيما إذا كان بينهما عموم من وجه، كما إذا كان بينهما عموم مطلق. وبالجملة، فالظاهر أن اختلاف المورد لا يصير وجها لا ختلاف المسألتين، كما زعموا بل لابد من اختلاف جهة الكلام) انتهى موضع الحاجة من كلامه، قدس سره (1). اقول: والحق ان العنوانين لو كانا بحيث اخذ احدهما في الآخر، وكان بينهما عموم مطلق، ايضا لا يتطرق فيهما هذا النزاع [ 161 ]. وتوضيحه أنه لا اشكال في تغاير المفاهيم بعضها مع بعض في الذهن، سواء كان بينها عموم مطلق أو من وجه أو غيرهما، وسواء كان احدهما ماخوذا في الآخر ام لا، إلا أنه لا يمكن أن يقال فيهما - إذا كان بين المفهومين عموم مطلق، وكان احدهما مشتملا على الآخر - ان المطلق يقتضى الامر، والمقيد يقتضى النهى، لان معنى اقتضاء الاطلاق شيئا ليس الا اقتضاء نفس الطبيعة، إذ لا يعقل الاقتضاء لصفة الاطلاق، والمقيد ليس الا نفس تلك الطبيعة منضمة إلى بعض الاعتبارات، ولو اقتضى المقيد شيئا منافيا للمطلق، لزم أن يقتضى نفس الطبيعة امرين متنافيين. وبعبارة اخرى بعد العلم بأن صفة الاطلاق لا تقتضيى تعلق الحب ] [ 161 ] يعني ان المسألتين وان كانتا مختلفتين من حيث الجهة، كما قال به الشيخ وصاحب الكفاية (قدس سرهما)، لكن تفترقان بحسب المورد ايضا، باختصاص الاولى بغير مثل المطلق والمقيد إذا كانا متحدي المفهوم، وقد مر تفصيله في الحاشية السابقة. ولعل نظر الفاضلين (قدس سرهما) ايضا إلى ذلك، لا إلى عدم الفرق الا من حيث المورد، فانهما اجل شأنا من أن يخفى عليهما اختلاف جهة المسألتين.


(1) مطارح الانظار، الهداية الثانية من بحث اجتماع الامر والنهى، ص 128 (*)

[ 248 ]

[ بالطبيعة، فالمقتضى له نفسها، وهى متحدة في عالم الذهن مع المقيد، لانها مقسم له وللمطلق، فلو اقتضى المقيد الكراهة، لزم أن يكون المحبوب والمبغوض شيئا واحدا حتى في الذهن. وهذا غير معقول، بخلاف مثل مفهوم الصلاة والغصب مثلا، لعدم الاتحاد في الذهن اصلا. (الامر الخامس) قد يتراءى تهافت بين الكلمات، حيث عنونوا مسألة جواز اجتماع الامر والنهى ومثلوا له بالعامين من وجه، واختار جمع منهم الجواز، وأنه لا تعارض بين الامر والنهى في مورد الاجتماع، وفي باب تعارض الادلة جعلوا احد وجوه التعارض التعارض بالعموم من وجه، وجعلوا علاج التعارض الاخذ بالاظهر إن كان في البين، والا فالتوقف أو الرجوع إلى المرجحات السندية على الخلاف. وكيف كان لم يتمسك احد لدفع المنافاة بجواز اجتماع الامر والنهى. والجواب ان النزاع في مسألتنا هذه مبنى على احراز وجود الجهة والمناط في كلا العنوانين [ 162 ]، وان المناطين هل هما متكاسران عند العقل إذا اجتمع العنوانان في مورد واحد - كما يقوله المانع - اولا، كما يقوله المجوز. ولا اشكال في ان الحاكم في هذا المقام ليس الا العقل. ] [ 162 ] لكن الظاهر عدم تمامية الجواب المذكور، وكأنه من المسلم عندهم عدم عد المثال من مسائل الاجتماع، حتى مع احراز الجهة، وصرح بعض بالتعارض ايضا مع احراز الجهة، لو كان الدليلان بصدد الحكم الفعلي، وبالتزاحم لو كانا لاثبات مجرد الاقتضاء، من دون ابتناء على الاجتماع والامتناع على ما هو ببالي، فلابد من جواب آخر يلتئم مع كلماتهم. واجاب الاستاذ - دام بقاه - بامكان الفرق بين ما إذا كان بين نفس موضوع التكليفين عموم من وجه، كالصلاة والغصب، وما إذا كان بين متعلق التكليفين تلك النسبة، كاكرم العالم ولا تكرم الفاسق، حيث أن موضوع الحكم ومتعلقه في =

[ 249 ]

[... ] = الاول عند القائل بالاجتماع ليس الا الوجود الذهني، وفي الذهن وجود الغصب مباين لوجود الصلاة فيه، وإن اتحدا مصداقا، بخلاف الثاني، فانه لما تعلق الوجوب باكرام كل عالم، والعالم لا محالة اخذ في تلك القضية مفروض الوجود في الخارج، وكذلك الحرمة في لا تكرم الفاسق، فيرجع الامر إلى أن ذلك العالم الخارجي، يجب اكرامه بما هو عالم، ويحرم اكرامه بما هو فاسق، فيجتمع الوجوب والحرمة في الواحد الخارجي، وهو محال، ولو اخذ الصلاة والغصب ايضا مفروض الوجود، مثل أن يقول إن غصبت فتصدق مثلا، وان صليت فلا تخرج من جيبك درهما، فيأتي فيه الاشكال المذكور، ولابد من التعارض أو التزاحم بين وجوب التصدق وحرمة الاخراج، على تقدير تحقق ذلك الواحد الشخصي بايجاد الصلاة في المكان الغصبي. لكن الظاهر عدم تمامية ذلك ايضا، لان حقيقة لا تغصب ليس الا النهي عن التصرف في الملك المفروض وجوده وملكيته للغير، وكذلك امر اسجد على الارض في ضمن الصلاة توجه إلى وضع الجبهة على الارض المفروض الوجود، وكذلك الحال بالنسبة إلى سائر اكوان الصلاة، ومع ذلك لم ينقدح التعارض بينهما عند الاجتماعي. وأما في المثال، فان صلى في الدار المغصوبة، فيجب عليه التصدق بغير درهم ويحرم عليه اخراج الدرهم، ولو تصدق بالدرهم لسوء الاختيار فهو مورد لاجتماع الامر والنهي، وعاص ومطيع على القول بالاجتماع، من غير فرق بينه وبين سائر موارده. والذي يخطر ببالي: أن السرفي ذلك ليس الا ما ذكرنا من عدم جريان نزاع الاجتماع والامتناع في العامين من وجه إذا اتحدا مفهوما، وقد مر تفصيله فراجع. واجماله في المقام: ان محبوبية اكرام العالم - بنحو الاطلاق، من دون دخل قيد وجودي ولا عدمي - لا تجتمع مع مبغوضية اكرام الفاسق كذلك، لان معنى محبوبية الاكرام كذلك محبوبيته ولو في ضمن اكرام الفاسق، ومع فرض مبغوضية اكرام الفاسق المتحد مع العالم، يلزم اتحاد موطن الامر والنهي ذهنا وخارجا، وهو محال، ولذا لو قال: أكرم العلماء، ولا تبتسم في وجه الفساق، فاكرم المخاطب عالما فاسقا بنفس التبسم في وجهه، فهو من موارد الاجتماع، فالمنشأ اتحاد مفهوم موضوع الامر =

[ 250 ]

[ وباب تعارض الدليلين مبنى على وحدة المناط والملاك في الواقع، ولكن لا يعلم أن الملاك الموجود في البين هل هو ملاك الامر أو النهى مثلا، فلا بد ان يستكشف ذلك من الشارع بواسطة الاظهرية، إن كان احد الدليلين اظهر، والا فالتوقف أو الرجوع إلى المرجحات السندية حسبما قرر في محله. نعم يبقى سؤال وهو أن طريق استكشاف ما هو من قبيل الاول وما هو من قبيل الثاني ماذا ؟ وهذا خارج عن المقام. إذا عرفت ذلك فلنشرع فيما هو المقصود من ذكر حجج المجوزين والمانعين، فنقول وعلى الله التوكل: احسن ما قيل في تقريب احتجاج المجوزين، هو أن المقتضى موجود والمانع مفقود. أما الاول فلما عرفت من أن فرض الكلام ليس الا فيما يكون المقتضى موجودا. وأما الثاني، فلان المانع ليس الا ما تخيله الخصم، من لزوم اجتماع المتضادين من الحكمين، والحب والبغض والمصلحة والمفسدة في شئ واحد، وليس كما زعمه. وتوضيحه يحتاج إلى مقدمة، وهى أن الاعراض على ثلاثة اقسام: (منها) ما يكون عروضه واتصاف المحل به في الخارج كالحرارة العارضة للنار، والبرودة العارضة للماء، وامثالهما من الاعراض القائمة بالمحال في الخارج. و (منها) ما يكون عروضه في الذهن واتصاف المحل به في الخارج، كالابوة والبنوة والفوقية والتحتية وامثالها [ 163 ]. ] = والنهى وهو الاكرام، لا اخذ العالم مفروض الوجود فيهما. ولا فرق فيما ذكرنا بين (اكرم العالم ولا تكرم الفساق) أو (اكرم العلماء ولا تكرم الفساق) لان الاكرام المحبوب بذاته لا يمكن ان يتصف بالمبغوضية، مع قيد من القيود، من غير فرق بين أخذه بنحو الاستغراق أو العام البدلي فتأمل. [ 163 ] يعني أن أصل الصفة شئ يدركه العقل، وليس بازائه في الخارج =

[ 251 ]

[ و (منها) ما يكون عروضه في الذهن واتصاف المحل به فيه ايضا، كالكلية العارضة للانسان، حيث أن الانسان لا يصير متصفا بالكلية في الخارج قطعا، فالعروض في الذهن، لان الكلية إنما تنتزع من الماهية المتصورة في الذهن، واتصاف الماهية بها ايضا فيه، لانها لا تقبل الكلية في الخارج. فنقول حينئذ لا إشكال في أن عروض الطلب - سواء كان امرا ام نهيا - لمتعلقه ليس من قبيل الاول، والالزم أن لا يتعلق الا بعد وجود متعلقه [ 164 ]، كما أن الحرارة والبرودة لا تتحققان الا بعد تحقق النار والماء، فيلزم البعث على الفعل الحاصل والزجر عنه، وهو غير معقول. ولا من قبيل الثاني، لان متعلق الطلب إذا وجد في الخارج مسقط للطلب ومعدم له، ولا يعقل ان يتصف في الخارج بما هو ينعدم بسببه، فانحصر الامر في الثالث، فيكون عروض الامر والنهى لمتعلقاتهما كعروض الكلية للماهيات. إذا عرفت ذلك فنقول: إن طبيعة الصلاة والغصب وان كانتا ] = شئ، نعم له منشأ انتزاع في الخارج، ومعلوم أن الصفة التى موطن وجودها العقل، لا يكون عروضها الا في الذهن لكن المتصف بهذه الصفة هو الشئ الخارجي، بخلاف الثالث، فان الشئ المتصف بها ايضا لا وجود له إلا في الذهن. [ 164 ] وايضا: لا يمكن القول بأن المتعلق هو الوجود الخارجي بنحو كان التامة، لانه إن اريد به تعلق الطلب به قبل تحققه، بلا توسط لحاظه وتحقق صورته في الذهن، فهو ايضا كالسابق في الاستحالة واستلزام تحقق العرض قبل تحقق العرض قبل تحقق صورة الوجود بنحو كان التامة، أو صورة الماهية بلحاظ الوجود كذلك في الذهن، قبل تحقق الخارج، لكن بنحو تكون حاكية عن الخارج وغير متلفت إليها، فهذا عين ما قصدناه من العروض والاتصاف في الذهن.

[ 252 ]

[ موجودتين بوجود واحد، وهى الحركة الشخصية المتحققة في الدار المغصوبة، إلا أنه ليس متعلق الامر والنهى الطبائع الموجودة في الخارج، لما عرفت من لزوم تحصيل الحاصل، بل هي بوجوداتها الذهنية. ولا شك أن طبيعة الصلاة في الذهن غير طبيعة الغصب كذلك، فلا يلزم من وجود الامر والنهى حينئذ اجتماعهما في محل واحد. فان قلت: لا معنى لتعلق الطلب بالطبايع الموجودة في الذهن، لانها ان قيدت بما هي في ذهن الآمر، فلا يتمكن المكلف من الامتثال، وان قيدت بما هي في ذهن المأمور، لزم حصول الامتثال بتصورها في الذهن، ولا يجب ايجادها في الخارج. وهو معلوم البطلان. قلت: نظير هذا الاشكال يجرى في عروض الكلية للمهيات، لانه بعد ما فرضنا أن الماهية الخارجية لا تقبل ان تتصف بالكلية، وكذا المهية من حيث هي، لانها ليست إلا هي، فينحصر معروض الكلية في الماهية الموجودة في الذهن، فيتوجه الاشكال بانه كيف يمكن أن تتصف بالكلية، مع انها من الجزئيات، ولا تنطبق على الافراد الخارجية، ضرورة اعتبار الاتحاد في الحمل. ولا اتحاد بين الماهية المقيدة بالوجود الذهنى وبين الافراد الخارجية. وحل هذا الاشكال في كلا المقامين أنه بعد ما فرضنا أن الماهية - من حيث هي مع قطع النظر عن اعتبار الوجود - ليست الا هي، ولا تتصف بالكلية والجزئية ولا بشئ من الاشياء، فلابد من القول بأن اتصافها بوصف من الاوصاف يتوقف على الوجود، وذلك الوجود قد يكون وجودا خارجيا، كما في اتصاف الماء والنار بالبرودة والحرارة، وقد يكون وجودا ذهنيا، لكن لامن حيث ملاحظة كونه كذلك، بل من حيث كونه حاكيا عن الخارج، مثلا ماهية الانسان تلاحظ في الذهن،

[ 253 ]

[ ويعتبر لها وجود مجرد عن الخصوصيات حاك عن الخارج، فيحكم عليها بالكلية، فمورد الكلية في نفس الامر ليس الا الماهية الموجودة في الذهن، لكن لا بملاحظة كونها كذلك، بل باعتبار حكايتها عن الخارج. فنقول موضوع الكلية وموضوع التكاليف المتعلقة بالطبائع شئ واحد [ 165 ]، بمعنى أن الطبيعة - بالاعتبار الذى صار موردا لعروض ] [ 165 ] لا يخفى أن موضوع الكلية والتكاليف وإن كانا سيان في أن العروض والاتصاف في كليهما في الذهن، لكنه فرق بينهما من حيث أن حال التجرد من جميع القيود دخيل في عروض الكلية، حتى أنه لو لوحظت الماهية في الذهن متحدة مع الافراد لا تعرض عليها، ولا يصح أن يقال كل انسان كلي مثلا - ولو قبل وجود الافراد في الخارج - وهذا بخلاف الامر والنهي، فانهما قد يتعلقان بالطبيعة قبل وجودها، مع لحاظ اتحادها مع الخارجيات. وبعبارة اخرى: قد تكون الطبيعة بوجودها الساري محبوبة أو مبغوضة، بل الغالب في المبغوضية ذلك، بحيث يكون تعلق النهي بصرف الطبيعة - بلا لحاظ السريان - نادرا أو معدوما. نعم قد يتعلقان بالطبيعة الصرفة بما هي، بحيث تكون الافراد خارجة عن تحت الطلب، ويكون حال التجرد عن لحاظ الاتحاد مع الافراد أيضا دخيلا في الحكم وفي المحبوبية، بحيث لا يصدق على فرد من الافراد أنه محبوب أو مبغوض، بل يكون كل فرد مصداقا لما يكون محبوبا كما في الكلية، ولعل الغالب في الاوامر هو ذلك. وحاصل الفرق: انه في الاول يكون كل فرد من افراد المحبوب محبوبا بنفسه، لان المحبوب هو الوجود الساري للطبيعة، ومن الوجودات هذا الفرد، بل يمكن أن يقال ان لوازم وجود كل فرد ايضا محبوبة، غاية الامر بالتبع، وكذلك في المبغوض، بخلاف الثاني فانه لا يصدق على فرد من الافراد أنه محبوب، بل يقال انه شئ ينطبق عليه المحبوب ويتحقق به، ولا يسري إليه الطلب. وليكن هذا الفرق على ذكر منك، لعله ينفعك في مقام النتيجة.

[ 254 ]

[ وصف الكلية - تكون موضوعة للتكاليف من دون تفاوت اصلا. فان قلت سلمنا ذلك كله، لكن مقتضى كون الوجود حاكيا عن الخارج بلحاظ المعتبر أن يحكم باتحاده مع الوجودات الخارجية، فاللازم من تعلق ارادته بهذا الوجود السعي تعلقها أيضا بالوجودات الخارجية، لمكان الاتحاد الذى يحكم به اللاحظ. قلت: الحكم - باتحاد الوجود السعي مع الوجودات الخاصة في الخارج - لابد له من ملاحظة مغايرة بين الموضوع والمحمول، حتى يجعل احدهما موضوعا والآخر محمولا، ولا ينافى ذلك الحكم بالاتحاد، لانه بنظر آخر. وبعبارة اخرى لللاحظ لحاظان احدهما تفصيلي والآخر اجمالي، فهو باللحاظ الاول يرى المغايرة بين الموضوع و المحمول، ولذا يجعل احدهما موضوعا والآخر محمولا، وباللحاظ الثاني يرى الاتحاد، فحينئذ لو عرض المحمول شئ في لحاظه التفصيلي، فلا وجه لسريانه إلى الموضوع، لمكان المغايرة في هذا اللحاظ [ 166 ]، وبهذا اندفع الاشكال عن المقام ونظائره مما لم تسر الاوصاف القائمة بالطبيعة إلى افرادها، من قبيل الكلية العارضة ] [ 166 ] هذا فيما إذا كان لتجرد الموضوع - حتى عن لحاظه متحدا مع الافراد، كما بيناه في الحاشية - دخل في الموضوع، لان المحمول يكون على هذا كالكلية بعينها. وحينئذ موضوع الامر والنهي متعدد، ولا مساس لاحدهما بالآخر. وسيأتي توضيحه انشاء الله تعالى. وأما لو لم يكن للحالة المذكورة دخل، بل كانت الطبيعة بوجودها السارى محبوبة، بأن لا حظها الآمر قبل وجودها وجعلها - بلحاظ وجودها بما هو وجود مع أي شئ اتحد - موضوعا للامر، أو جعل الموضوع في الذهن نفس الوجود كذلك على اختلاف المعنيين - كما مر - فلا يتم التقريب المذكور للاجتماع، لان موضوع الامر - على هذا - يكون متحدا مع كل فرد من الافراد الخارجية في لحاظ =

[ 255 ]

[... ] = اتصافه بالمحمول، وموضوع النهي ايضا كذلك في الغالب - كما مر - فيلزم اتحاد موضوع الامر والنهي في الخارج والذهن، وهو محال. وهذا هو ما اشرنا إليه في السابق من الفرق بين متعلق التكاليف ومعروض الكلية، من امكان أخذ الموضوع في الاول، بحيث يكون متعلقه التكاليف، بخلاف الكلية. والعمدة فيما هو - دام بقاه - بصدده اثبات ما ذكرناه من دخل التجرد في موضوع الاوامر، حتى عن لحاظ الاتحاد، ولا شاهد لها الا الوجدان، فانه قد يتعلق الحب بالطبيعة بما هي، من دون سرايته إلى الافراد، بحيث لو نظر إلى كل فرد لا يراه مطلوبا، بل يراه مصداقا لما تعلق به الحب في حالة تجرده عن اتحاده معه، كما في الكلية. وهذا وجداني، وحينئذ لا تنافي بين محبوبية الصلاة وطبيعة الحركة في ضمنها، مع مبغوضية الحركة الخاصة لكونها غصبا، لان معروض الاول هي الطبيعة بلحاظ التجرد، ولا ربط له مع المتحد كما في المثال. لا يقال: ان طبيعة الصلاة في ضمن الحركة الشخصية الغصبية تصير مبغوضة، لما مر من أن النهي إذا تعلق بالطبيعة بوجودها السارى، كان الخاص مبغوضا حتى بخصوصياته غاية الامر خصوصياته بالتبع، فحيثية الصلاتية أيضا مبغوضة بالتبع، ولا يجتمع ذلك مع المحبوبية. لانه يقال: نعم الخاص مبغوض، والخصوصية الصلاتية المتحدة في الخارج مع الغصب ايضا مبغوضة، لكن مر أن موضوع الامر هي الطبيعة المجردة عن ذلك الاتحاد في لحاظ الآمر، مع دخل تلك الحالة، فلا مورد لهذا الاشكال. ولا يقال: قدمر من الماتن - دام بقاه - أن عوارض الفرد تسري إلى المهملة، بحيث يصح أن يقال: (الانسان موجود إذا وجد فرد منه) وكذلك (عالم أو ابيض) وعلى هذا فإذا اعترفت بأن هذا الفرد من الصلاة المتحد مع الغصب مبغوض، فيصح أن يقال الصلاة مبغوضة، وذلك ينافي محبوبيتها على الاطلاق. لانا نقول: ليست المبغوضية كالعوارض الوجودية، بحيث يصح اسنادها إلى المهملة باتصاف فرد بها، بل هي نظير العدم في أنه ما لم ينعدم جميع الافراد لم يسند =

[ 256 ]

[ للانسان، وكذا وصف التعدد العارض لوجود الانسان بما هو وجود الانسان، مع أن الفرد ليس بكلى ولا متعدد، وكذا الملكية العارضة للصاع الكلى الموجود في الصيعان الموجودة في الصبرة، حيث حكموا بان من اشترى صاعا من الصبرة الموجودة، يصير مالكا للصاع الكلى بين الصيعان، والخصوصيات ليس ملكا له، وفرعوا على هذا لو تلف منها شئ، فالتالف من مال البايع ما بقى مقدار ما اشترى المشترى. فافهم واغتنم. فان قلت: كيف يمكن ان يكون هذا الوجود المجرد عن الخصوصيات محبوبا أو مبغوضا، وليس له في الخارج عين ولا اثر، لان ما في الخارج ليس الا الوجودات الخاصة. ولا شبهة في ان المحبوب والمبغوض لا يمكن أن يكون الا من الامور الخارجية، لان تعلق الحب والبغض بشئ ليس الا من جهة اشتماله على آثار توجب ملائمة طبع الآمر له، أو منافرته له، وليس في الخارج الا الوجودات الخاصة المباين بعضها لبعض. قلت: إن أردت من عدم كون الوجود الجامع في الخارج عدمه ] = العدم إلى المهملة فتأمل. ولا يقال: إن ذلك مناف لما ذكر في مقدمات الحكمة ومورد الاخذ بالاطلاق، من أن الطبيعة إذا صارت معروضة لحكم بلا قيد، فهي معروضة له حيثما تدور مع أي قيد كانت. لانه يقال: نعم، يدور الحكم مدارها مع أي قيد كانت، ولكن لا ينافي ذلك عدم سريانه إلى الفرد، لما ذكر من دخل التجرد في الحكم. والمقصود في مقام الاطلاق عدم خروج الطبيعة من تحت الحكم، بحيث لا يكون الفرد مصداقا لما هو مطلوب ايضا. وذلك لا ينافي ما نحن بصدده في المقام. وذلك واضح.

[ 257 ]

[ مع وصف كونه جامعا ومتحدا مع كثيرين، فهو حق لاشبهة فيه، لان الشئ مع وصف كونه جامعا لا يتحقق الا في الذهن، وإن أردت عدمه في الخارج اصلا، فهو ممنوع، بداهة أن العقل بعد ملاحظة الوجودات الشخصية التى تحويها طبيعة واحدة، يجد حقيقة واحدة في تمام تلك الوجودات. وأقوى ما يدل على ذلك الوجدان، فانا نرى من انفسنا تعلق الحب بشرب الماء مثلا، من دون دخل للخصوصيات الخارجية في ذلك، ولو لم تكن تلك الحقيقة في الخارج، لما امكن تعلق الحب بها [ 167 ]. والذى يدل على تحقق صرف الوجود في الخارج ملاحظة وحدة الاثر من افراد الطبيعة الواحدة، ولو لم يكن ذلك الاثر الواحد من المؤثر الواحد، لزم تأثر الواحد من المتعدد. وهذا محال عقلا. ] [ 167 ] وأيضا: لا اشكال في أنه قد يكون تحقق الجامع في الخارج معلوما، مع الجهل بتحقق كل واحد من الافراد، فلو لم يكن له واقع يلزم كون العلم به جهلا مركبا، لان كل فرد من الافراد المعينة مجهول بالفرض، ولا يمكن اتصافه بالمعلومية مع ذلك، للزوم اتصافه بالضدين. والفرد المنتشر لا واقع له تحقيقا، فينحصر المعلوم في الجامع. وايضا: لا اشكال في أنه قد تترتب خاصيتان على الموجود الخارجي تسند احداهما إلى لجامع والاخرى إلى لفرد، فلو لم يكن في الخارج الا واحد، لزم صدور الاثنين من الواحد، فكما يرتفع اشكال ذلك بقيام واقعين محفوظين، وقيام كل من الاثرين على احدهما، كذلك يرتفع الاشكال عن اتحاد موطن الامر والنهي. وايضا قد يستند الخاص إلى علة وداع، والجامع إلى اخرى، مثل أن يكون اصل الوضوء بداع آلهى، واختيار الخاص بداع نفساني، كالحرارة والبرودة وامثالهما وكل تلك ناش عن التعدد. ولا يخفى أنا لا نقول بتحقق موجودين محسوسين في الخارج، بحيث يمكن الاشارة إلى كل منهما منحازا عن الآخر ومتميزا عنه بالفصل والجنس، كالبقر والانسان، أو بالوجود الشخصي كزيد وعمرو، أو بالذات كالقطرات في البحر مثلا، أو =

[ 258 ]

[ فان قلت: ما ذكرت إنما يتم في الماهيات المتأصلة التى لها حظ من الوجود في الخارج، كالانسان ونحوه. وأما ما كان من العناوين المنتزعة من الوجودات الخارجية كالصلاة والغصب، فلا يصح فيه ذلك، لان هذه العناوين ليس لها وجود في الخارج، حتى يجرد من الخصوصيات ويجعل موردا للتكاليف، بل اللازم في امثالها هو القول بان مورد التكاليف الوجود الخارجي الذى يكون منشأ لانتزاع تلك المفاهيم. ولا ريب في وحدة الوجود الخارجي الذى يكون منشأ للانتزاع. وبعبارة اخرى تعدد العناوين مفهوما لا يجدى، لعدم الحقيقة لها الا في العقل [ 168 ] وما يكون موردا للزجر والبعث ليس الا الوجود ] النقاط في الخط الواحد، حيث يمكن الاشارة إلى كل منها. ويمكن اتصاف كل فرد بعرض خارجي غير عرض الاخر، بل نقول ان الجامع موجود مع الخاص بوجود واحد، ولا ميز في الخارج بين الحيثيات، ولا يمكن الاشارة إلى كل منها حسا، ولا يمكن اتصافها بصفات متباينة، إلا أن العقل عند التحليل يدرك اشياء متعددة واقعا، كما يدرك تعدد الجنس والفصل. ولا يخفى أن التعدد في المقامين واقعي، لكن لا يدركه الا العقل، لا انه اعتباري محض جاء من قبل العقل، ولعل هذا معنى أن الوجود واحد، والحيثيات متعددة، لا أن الحيثيات اعتبارية صرفة. وإذا ثبت التعدد واقعا عند العقل، فلا مانع من تعلق الامر بشئ في الذهن، والنهي بشئ آخر لا اتحاد بينهما في النظر التفصيلي الانحلالي، وان كان الوجود الخارجي لهما واحدا، لان موطنهما - كما مر - هو الذهن لا الخارج. ثم لا يخفى ايضا عدم صحة قياس ارادة الآمر بارادة الفاعل، فان الآمر لو اختار المجمع ينجر إلى نقض غرضه، وهو محال. بخلاف المأمور، فانه يمكن أن يختار المجمع بسوء اختياره. نعم في مقام تعلق الارادة لا فرق بين الارادتين، وموطنهما في النظر التفصيلي. [ 168 ] وحاصل الاشكال أن الامور الانتزاعية ليست كالمتأصلة، بحيث تكون =

[ 259 ]

[ الخارجي الذى تنتزع منه هذه العناوين. ولا شبهة في وحدته. قلت بعد ما حققنا تحقق صرف الوجود في الخارج، لا مجال لهذه الشبهة، لان العناوين المنتزعة لا تنتزع الا من صرف الوجود، من دون ملاحظة الخصوصيات. (مثلا) مفهوم (ضارب) ينتزع من ملاحظة حقيقة وجود الانسان، واتصافه بحقيقة وجود المبدأ، من دون دخل لخصوصيات افراد الانسان أو كيفيات الضرب في ذلك. ] = لها في الخارج حقيقة، حتى يقال إن لها طبيعة وفردا، مثل ما يقال عند وجود زيد أن اصل طبيعة الانسان شئ واقعي غير زيد في النظر التفصيلي، موجود بوجوده متحد معه في النظر الاجمالي، فان الفوقية ليس لها في الخارج الامنشأ الانتزاع. ومعلوم أن المنشأ لها ليس الجامع بين الاجسام المستقر بعضها فوق بعض، بل المنشأ شخص الجسم الخارجي المتهئ بهيئة خاصة، وكذلك منشأ الصلاة والغصب شخص الحركات الخارجية المتكيفة بكيفيات خاصة. والشخص الخارجي غير قابل لتعلق الامر والنهي به، والمفروض ان الامر بهما يرجع إلى الامر بالمنشأ حقيقة. وحاصل الجواب: أن الانتزاع وان كان من الخارج، والامر بالامور المنتزعة راجع إلى اتيان المنشأ، لكن المنشأ ليس الخارج بشخصه، بل هو الطبيعة في حال تجردها عن الاتحاد مع الافراد. فمرجع الامر بالصلاة إلى الامر باتيان الحركات والسكنات والاقوال الخاصة، لكن بجامعها لا بخصوصياتها التي منها كونها تصرفا في ملك الغير، والنهي عن الغصب وان كان متوجها إلى كل واحد من اشخاص الحركات التي منها شخص الحركة الصلاتية، لان المنهي عنه هي الطبيعة بوجودها السارى، لكن لما كان معروض الامر الطبيعة - في لحاظ تجردها عن اتحادها مع الافراد - لا تنافي بين العرضين. نعم لو كان معروض الامر ايضا الوجود السارى، لكان اجتماعهما محالا، كما مر بل لو كان الواجب تخييريا شرعا، لا يمكن اجتماعه مع الحرام ايضا، لان كل واحد من الافراد في هذا الفرض متعلق للامر التخييري. وما كان كذلك لا يمكن أن يتعلق به النهي تعيينا، كما هو واضح.

[ 260 ]

[ إذا عرفت هذا فنقول مفهوم الغصب ينتزع من حقيقة التصرف في ملك الغير، من دون دخل لخصوصيات التصرف من كونه من الافعال الصلاتية أو غيرها في ذلك، ومفهوم الصلاة ينتزع من الحركات والاقوال الخاصة، مع ملاحظة اتصافها ببعض الشرائط، من دون دخل لخصوصية وقوعها في محل خاص. وقد عرفت مما قررنا سابقا قابلية ورود الامر والنهى على الحقيقتين المتعدتين، بملاحظة الوجود الذهنى، المتحدتين بملاحظة الوجود الخارجي. وهنا نقول أن المفاهيم الانتزاعية وإن كانت - حقيقة البعث أو الزجر المتعلق بها ظاهرا - راجعة إلى ما يكون منشأ لانتزاعها، لكن لما كان فيما نحن فيه منشأ انتزاع الصلاة والغصب متعددا، لا باس بورود الامر والنهى وتعلقهما بما هو منشأ لا نتزاعهما. هذا غاية الكلام في المقام، وعليك بالتأمل التام فانه من مزال الاقدام. وينبغي التنبيه على امور: من توسط ارضا مغصوبة (الامر الاول) - أنه لا اشكال في أن من توسط ارضا مغصوبة، لا مناص له من الغصب بمقدار زمن الخروج باسرع وجه يتمكن منه، لانه في غيره يتحقق منه هذا المقدار مع الزائد، وفيه يتحقق منه هذا المقدار ليس الا. وهذا لا شبهة فيه إنما الاشكال في أن الخروج من تلك الدار ما حكمه ؟ والمنقول فيه أقوال: (الاول) - أنه مامور به ومنهى عنه. وهذا القول محكى عن ابى هاشم، واختاره الفاضل القمى (قدس سره) ونسبه إلى اكثر أفاضل المتأخرين، وظاهر الفقهاء. وصحته تبتنى على أمرين (احدهما) كفاية

[ 261 ]

تعدد الجهة في تحقق الامر والنهى، مع كونهما متحدتين في الوجود الخارجي (ثانيهما) جواز التكليف فعلا بامر غير مقدور، إذا كان منشأ عدم القدرة سوء اختيار المكلف. والامر الاول قد فرغنا منه واخترنا صحته [ 169 ] ولكن الثاني في غاية المنع، بداهة قبح التكليف بما لا يقدر عليه، لكونه لغوا وعبثا. واما ما يقال من أن الامتناع أو الايجاب بالاختيار لا ينافى الاختيار، فهو في قبال استدلال الا شاعرة للقول بان الافعال غير اختيارية، بان الشئ ما لم يجب لم يوجد، فكل ما تحققت علته يجب وجوده، وكل ما لم تتحقق علته يستحيل وجوده. وحاصل الجواب ان ما صار واجبا بسبب اختيار المكلف، وكذا ما صار ممتنعا به، لا يخرج عن كونه اختياريا له، فيصح عليه العقاب، لا ان المراد انه بعد ارتفاع القدرة يصح تكليفه بغير المقدور فعلا. القول الثاني أنه مامور به مع جريان حكم المعصية عليه، كما اختاره صاحب الفصول (قدس سره) القول الثالث أنه مامور به بدون ذلك. والحق أن يقال: إن بنينا على كون الخروج مقدمة لترك الغصب الزائد، فالاقوى هو القول الثاني، سواء قلنا بجواز اجتماع الامر والنهى ام لم نقل. وان لم نقل بمقدمية الخروج، بل قلنا بصرف الملازمة بين ترك ] [ 169 ] لكن في غير هذا المورد مما لا يكون للعنوان دخل في المأمور به، وقد مر أن المقدمية ليست مثل الصلاة والغصب وامثالهما، بحيث يكون لها دخل في الحكم، بل الامر المقدمي يتعلق بنفس ما هو مقدمة في الخارج وفي مثله لا تجري ادلة الاجتماع.

[ 262 ]

[ الغصب الزائد والخروج - كما هو الحق، وقد مر برهانه في مبحث الضد - فالاقوى أنه ليس مامورا به ولا منهيا عنه فعلا، ولكن يجرى عليه حكم المعصية. لنا على الاول أنه قبل الدخول ليس للخروج عنوان المقدمية، ضرورة إمكان ترك الغصب بانحائه، ولا يتوقف ترك شئ منه على الخروج، فيتعلق النهى بجميع مراتب الغصب من الدخول في الارض المغصوبة والبقاء والخروج [ 170 ] لكونه قادرا على جميعها، ولكنه بعد الدخول فيها يضطر إلى ارتكاب الغصب مقدار الخروج، فيسقط النهى عنه بهذا المقدار، لكونه غير قادر فعلا على تركه. والتكليف الفعلى قبيح بالنسبة إليه. وهذا واضح. ولكنه يعاقب عليه، لوقوع هذا الغصب بسوء اختياره، ولما توقف عليه بعد الدخول ترك الغصب الزائد، كما هو المفروض. وهذا الترك واجب بالفرض، لكونه قادرا عليه، فيتعلق به الوجوب بحكم العقل الحاكم بالملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمته، فالخروج من الدار المغصوبة منهى عنه قبل الدخول، ولذا يعاقب عليه، ومأمور به بعد الدخول، لكونه بعده مقدمة للواجب المنجز الفعلى. فان قلت ما ذكرت إنما يناسب القول بكفاية تعدد الجهة في الامر والنهى. واما على القول بعدمها، فلا يصح، لان هذا الموجود الشخصي ] [ 170 ] لكن لا يخفى عدم شمول اطلاق النهي للخروج قبل الدخول، لان تركه بوصف وقوعه بعد الدخول خارج عن القدرة، نعم ذات الغصب حرام من دون نظر إلى حال العجز، فمن تعمد في سلب القدرة عن نفسه معاقب من هذه الجهة، والا فلو كان الخروج حراما قبل الدخول وواجبا بعده، لزم أن تكون هذا الحركة الشخصية الواقعة في آن واحد حراما في ساعة، وواجبة في ساعة، من دون نسخ في البين. وهو محال، كاجتماع الحكمين في ساعة واحدة.

[ 263 ]

[ - اعني الحركة الخروجية - مبغوض فعلا، وان سقط عنه النهى لمكان الاضطرار، وكما أن الامر والنهى لا يجتمعان في محل واحد، كذلك الحب والبغض الفعليان، ضرورة كونهما متضادين كالامر والنهى. وقلت اجتماع البغض الذاتي مع الحب الفعلى مما لا ينكر، ألا ترى أنه لو غرقت بنتك أو زوجتك، ولم تقدر على انقاذهما، ترضى بأن ينقذهما الأجنبي، وتريد هذا الفعل منه، مع كمال كراهتك اياه لذاته. فان قلت الكراهة في المثال الذى ذكرته ليست فعلية، بخلاف المقام، فان المفروض فعليتها فلا تجتمع مع الارادة. قلت ليت شعرى ما المراد بعدم فعلية الكراهة في المثال، وفعليتها في المقام فان كان المراد أنه لا يشق عليه هذا الفعل الصادر من الأجنبي، بل حاله حال الصورة التى يصدر هذا الفعل من نفسه، بخلاف المقام، فان الفعل يقع مبغوضا للآمر، فالوجدان شاهد على خلافه. ولا اظن أحدا تخيله. وإن اراد به أن الفعل - وان كان يقع في المثال مبغوضا ومكروها للشخص المفروض - الا ان هذا البغض لا اثر له، بمعنى أنه لا يحدث في نفس الشخص المفروض إرادة ترك الفعل المفروض، لان تركه ينجر إلى هلاك النفس، ومن هذه الجهة هذا البغض المفروض لا ينافى ارادة الفعل، فهو صحيح. ولكنه يجرى بعينه في المقام، فان الحركة الخروجية وان كانت مبغوضة حين الوقوع، لكن هذا البغض لما لم يكن منشأ للاثر وموجبا لزجر الآمر عنها، فلا ينافى ارادة فعلها، لكونه فعلا مقدمة للواجب الفعلى. ومحصل ما ذكرنا في المقام: أن القائل بامتناع اجتماع الامر والنهى إنما يقول بامتناع اجتماعهما واجتماع ملاكيهما إذا كان كل واحد من الملاكين منشأ للاثر وموجبا لاحداث الارادة في النفس. واما إذا

[ 264 ]

سقطت جهة النهى عن الاثر - كما هو المفروض - فلا يعقل أن يتخيل أن الجهة الساقطة عن الاثر تزاحم الجهة الموجودة المؤثرة في الامر، مثلا لو فرضنا أن المولى نهى عبده عن مطلق الكون في المكان الفلاني، فاوقع العبد نفسه في ذلك المكان بسوء اختياره، ثم لم يمكنه الخروج من ذلك المكان ابدا، فلا شك أن الا كوان الصادرة من العبد كلها تقع مبغوضة للمولى، ويستحق عليها العقاب، وان سقط عنها النهى، لعدم تمكن العبد من الترك فعلا. ثم انه لو فرضنا أن خياطة الثوب مطلوبة للمولى من حيث هي، فهل تجد من نفسك أن تقول لا يمكن للمولى ان يامره بخياطة الثوب في ذلك المكان، لان انحاء التصرفات والا كوان المتحققة في ذلك المكان مبغوضة للمولى، ومنها الخياطة، فلا يمكن أن تتعلق ارادته بما يبغضه، وهل ترضى أن تقول ان المولى - بعد عدم وصوله إلى الغرض الذى كان له في ترك الكون في ذلك المكان - يرفع يده من الغرض الآخر من دون مزاحم اصلا ؟ وهل يرضى أحد ان يقول إنه في المثال المذكور تكون انحاء التصرفات في نظر المولى على حد سواء. وبالجملة أظن ان هذا من الوضوح بمكان، بحيث لا ينبغى أن يشتبه على احد، وان صدر خلافه عن بعض اساتيذ العصر دام بقاه فلا تغفل. والحاصل أن جهة النهى انما تزاحم جهة الامر إذا امكن للمكلف بعث المكلف إلى ترك الفعل. وأما إذا لم يمكنه ذلك، لكون الفعل صادرا قهرا من غير اختيار المكلف، فلو وجدت فيه جهة الامر ولم يأمر به، لزم رفع اليد عن مطلوبه وغرضه من دون جهة ومزاحم [ 171 ]. ] [ 171 ] وايضا يلزم عدم صحة صلاة من وقع في ملك الغير اختيارا، وان لم.

[ 265 ]

[ هذا إذا اخترنا اول شقى الترديد، وهو كون الخروج مقدمة لترك الغصب الزائد. واما على ثانيهما، فعدم كون الخروج موردا للحكم الشرعي واضح، لعدم كونه مقدمة للواجب، حتى يصير واجبا كما هو المفروض، وعدم قدرة المكلف على ترك الغصب بمقدار الخروج، حتى يصير حراما. ولكن لو طبق تلك الحركة الخروجية على عبادة كأن صلى في تلك الحالة نافلة، بحيث لا يستلزم غصبا زائدا على المقدار المضطر إليه، اوصلى المكتوبة كذلك في ضيق الوقت، كانت تلك العبادة صحيحة، لما ذكرنا من الوجه، وهو عدم قابلية الجهة الغير المؤثرة في نفس المريد، للمزاحمة مع الجهة المؤثرة. فان قلت: هب صحة الامر التوصلى في امثال المقام، ولكن نمنع صحة الامر التعبدى. والسر في ذلك أن الغرض في الاوامر التوصلية وقوع الفعل في الخارج كيف ما كان، لترتب الغرض عليه، وان اتحد مع مبغوض آخر. وأما الغرض في التعبديات، فليس كذلك، بل الغرض وقوع العبادة على وجه يحصل به القرب، ولا يحصل القرب بما هو مبغوض فعلا، لانه موجب لاستحقاق العقوبة والبعد عن ساحة المولى. قلت: بعد وجود جهة القرب في الفعل - كما هو المفروض، وعدم مزاحمة شئ للامر كما عرفت - لا وقع لهذا الاشكال، لانه لا نعنى بالقرب المعتبر في العبادات الا صيرورة العبد بتلك العبادة ذا مرتبة لم تكن له على تقدير عدمها، ولا إشكال في أن العبد - بعد اضطراره إلى ] = يمكنه الخروج إلى آخر عمره، والظاهر أنهم لا يلتزمون بذلك، بل وكذلك من وقع بغير اختيار، لان المانع من الامر ملاك النهي، وهو لا يرتقع بالمعذورية، فيرد على هذا القائل عدم الوجه للتفصيل.

[ 266 ]

[ مخالفة المولى بمقدار ساعة مثلا - لو عمد إلى اتيان مقصود آخر له، يكون اقرب - إلى المولى بحكم العقل - منه لو لم يفعل ذلك. وهذا واضح جدا. وعلى هذا نقول: لا منافاة بين كون هذا الفعل موجبا للبعد والعقوبة، من جهة اختياره السابق، وموجبا للقرب إذا طبقه على عبادة من العبادات، بمعنى أنه في الحال التى يقع منه هذا المقدار من الغصب قطعا، لو طبقه على عبادة من العبادات التى فيها جهة حسن، أحسن من أن يوجده مبغوضا صرفا. وهذا المقدار من القرب يكفى في العبادة. وبعبارة اخرى لو فرضنا عبدين أوقعا نفسهما في المكان المغصوب بسوء اختيارهما، فاضطرا إلى ارتكاب الغصب بمقدار الخروج، فاوجد احدهما في حال الخروج عملا راجحا في حد ذاته، طلبا لمرضاة الله دون الاخر، فالعبدان مشتركان في استحقاق العقاب على الدخول في المكان المغصوب، والخروج، ويختص الاول بما ليس للثاني. ولا نعنى بالقرب إلا هذا المعنى. ومما ذكرنا يظهر أن الحكم - بصحة العبادة المتحدة مع الحركات الخروجية - لا يحتاج إلى احراز أن في تلك العبادة مصلحة راجحة على مفسدة الغصب، وانها أهم عند الشارع من ترك الغصب، لان ملاحظة الاهم وتقديمه على غيره، إنما يكون فيما إذا كان كل منهما تحت اختيار العبد، فيجب عليه اختيار الاهم وترك غيره. واما إذا لم يكن الملكف مختارا على ترك الغصب اصلا، فلا يكون مجرد المفسدة الخالية عن الاثر مانعا للامر بعنوان آخر متحد مع فعل الغصب، وان كان ترك الغصب اهم من فعل ذلك بمراتب، فلا تغفل. (الامر الثاني) ومما استدل به المجوزون أنه لو لم يجز، لما وقع نظيره

[ 267 ]

وقد وقع كما في العبادات المكروهة، كالصلاة في الحمام ومواضع التهمة وامثال ما ذكرنا مما لا يحصى. بيان الملازمة أنه ليس المانع الا التضاد بين الوجوب والحرمة، وعدم كفاية تعدد الجهة مع وحدة الوجود في الخارج، وهو موجود بعينه في اجتماع الوجوب مع الكراهة، واجتماع الوجوب مع الاستحباب، إذ الاحكام متضادة باسرها. والتالى باطل لوقوع الاجتماع في موارد كثيرة، فيكشف عن بطلان المقدم، وهو عدم جواز اجتماع الوجوب والحرمة. واجيب عنه باجوبة كثيرة لا نطيل الكلام بذكرها. والتحقيق - في الجواب عن النقض بالعبادات المكروهة - أنها على ثلاثة اصناف (احدها) ما تعلق النهى بعنوان آخر يكون بينه وبين العبادة عموم من وجه، كالصلاة في موارد التهمة بناءا على ان تكون كراهتها من جهة النهى عن الكون فيها المجامع للصلاة (ثانيها) ما تعلق النهى بتلك العبادة مع تقيدها بخصوصية، وهو على قسمين: (الاول) - ما يكون للفرد المكروه بدل كالصلاة في الحكام. (الثاني) - ما ليس كذلك، كالصوم يوم عاشوراء والنوافل المبتدأة في بعض الاوقات. اما القسم الاول: فمحصل الكلام فيه: أنه بعد دلالة الدليل على وجوب الصلاة - من حيث هي - أعنى مع قطع النظر عن اجتماعها في الوجود مع الحرام التعييني أو مع المكروه كذلك، فكما أن اللازم بحكم العقل عدم فعلية الامر بالصلاة في صورة الاجتماع مع الحرام التعييني، بناءا على عدم جواز اجتماع الامر والنهى كذلك اللازم على هذا القول عدم فعلية وصف الكراهة في صورة الاجتماع مع العنوان المكروه. والوجه في ذلك أن الحرمة التعيينية تقتضي عدم وجود كل

[ 268 ]

شخص من افراد الطبيعة المنهى عنها، ومنها الفرد المجتمع مع عنوان الواجب، والوجوب - المتعلق بالطبيعة التى قد يتفق اجتماعها مع الحرام - لا يتقضى خصوص ذلك الفرد المجتمع مع الحرام، بل أي فرد وجد وطبقت عليه تلك الطبيعة يحصل الغرض الداعي إلى الامر بها، فعلى هذا مقتضى الجمع بين الغرضين أن يقيد الآمر مورد بغير الفرد الذى اجتمع مع الحرام. ومن هنا ظهر أن تقيد عنوان المأمور به - واخراج الفرد المنهى عنه عن موضوع الوجوب - لا يبتنى على احراز ان مصلحة ترك الحرام اعظم واهم عند الشارع من مصلحة ايجاد المأمور به، لان هذا الكلام إنما يصح فيما إذا كان بينهما تزاحم، بحيث لا يمكن الجمع بينهما. وأما بعد فرض امكان الجمع بينهما - كما فيما نحن فيه - فالواجب بحكم العقل تقييد مورد الوجوب، ولو كان من حيث المصلحة اهم واعظم من ترك الحرام. والحاصل أنه إذا اجتمع عنوانان احدهما فيه جهة الوجوب، والآخر فيه جهة الحرمة، والاولى تقتضي فردا اما، والثانية ترك كل فرد تعيينا، وقلنا بعدم كفاية تعدد الجهة في تعلق الامر والنهى، فاللازم بحكم العقل تقييد مورد الوجوب. وهذا لاشبهة فيه بعد ادنى تأمل. واما إذا اجتمع عنوان الواجب مع المكروه، فالامر بالعكس [ 172 ]، لان جهة الكراهة وإن كانت تقتضي عدم تحقق كل ] [ 172 ] يعني بعد البناء على الامتناع، لا محالة يحكم العقل بتقييد احد الحكمين، وكما أن في صورة اجتماع الوجوب المتعلق بالطبيعة مع النهي يقيد الوجوب بحكم العقل من احراز الاهمية، كذلك في صورة اجتماع الوجوب مع الكراهة تقيد =

[ 269 ]

[ فرد تعيينا، بخلاف جهة الوجوب، كما في الواجب والحرام، إلا ان الكراهة لما لم تكن مانعة للفعل على وجه اللزوم، فلا تقاوم جهة الوجوب الملزمة للفعل، فعلى هذا إذا اجتمع عنوان الواجب مع المكروه، فاللازم بحكم العقل انتفاء وصف الكراهة فعلا، ولكن لما كان الفرد الموجود الخارجي مشتملا على جهة الكراهة، توجد فيه حزازة، فيكون امتثال الواجب في هذا الفرد اقل فضلا وثوابا من امتثاله في غيره، لمكان تلك الحزازة. فان قلت: ما معنى الكراهة، مع أن الفعل المفروض مصداق للواجب، ويعتبر في صدق الكراهة رجحان الترك ؟ قلت: الاحكام الشرعية التى تدل عليها الادلة على قسمين (تارة) يستظهر من الادلة أنها احكام فعلية تعلقت بالموضوعات، بملاحظة جميع الخصوصيات والضمائم، و (اخرى) يستظهر منها احكام حيثية تعلقت بموضوعاتها من حيث هي، اعني مع قطع النظر عن الضمائم الخارجية، وما يكون من قبيل الثاني تتوقف فعليته على عدم عروض مانع للعنوان يقتضى خلاف ذلك الحكم الجارى عليه، نظير قوله: (الغنم حلال) فان الحلية وان كانت مجعولة، إلا أن هذا الجعل لا يلازم الفعلية في جميع افراد الغنم، فان الغنم الموطوءة أو المغصوبة حرام، مع كون الغنم من حيث الطبع ] = الكراهة، لعدم كونها مانعة من لزوم الفعل أو ترخيصه. وبتقريب آخر: كما قد يكون ملاك الحكم موجودا، ومع ذلك لا يؤثر في انشاء الارادة - كما مر في المبغوض مع عدم القدرة - كذلك قد تكون حزازة الفعل موجودة ومحفوظة في حد نفسها، لكن لما كان ملاك الوجوب ايضا تاما لا تؤثر الحزازة في انشاء الارادة الكراهية، وان كان يصح النهي ارشادا إلى ما ليست فيه.

[ 270 ]

[ حلالا، وليس اطلاق الحلال على طبيعة الغنم - مع كون بعض افرادها حراما - جاريا على خلاف الاصطلاح، بل يصح اطلاق الحلال بالمعنى المذكور على خصوص الفرد الحرام ايضا، إذ المعنى أن هذا الفرد مع قطع النظر عن كونه مغصوبا مثلا حلال. إذا عرفت ما ذكرنا فنقول إطلاق المكروه على الوجود الذى يكون فعلا مصداقا للواجب لاتحاده معه، نظير اطلاق الحلال على الفرد المجامع للحرام من الغنم [ 173 ] بمعنى أن هذا الوجود مع قطع النظر عن اتحاده مع الواجب يكون مكروها. هذا واما اول القسمين، من الثاني - اعني ما إذا تعلق النهى بالعبادة مع خصوصية زائدة كالصلاة في الحمام - فمحصل الكلام فيه أن النهى المتعلق بتلك العبادة الخاصة، لابد وان يرجع إلى نفس الخصوصية، اعني كونها في الحمام. وقد مربيانه في مقدمات المبحث [ 174 ] فحينئذ نقول: هذا النهى إما أن يكون لبيان الكراهة ] [ 173 ] ولا يخفى ان الفرد المذكور - على ما ذكر - ليس باقل ثوابا من سائر الافراد، ولا تنافي الحزازة الثواب المترتب، حتى يقال ان الفرد المذكور اقل ثوابا، فلا محالة يكون مكروها فعلا بهذا المعنى. [ 174 ] يعني مران الاجتماعي ايضا لا يقول بالاجتماع، فيما إذا كان عنوان المأمور به والمنهي عنه متحدي المفهوم، وكان بينهما عموم وخصوص مطلق، ففي مثل (صل ولا تصل في الحمام) لا يجوز الاجتماع عند الاجتماعي، حتى يجعل وقوعه دليلا على امكانه، فلا بد للفريقين من علاج، فنلتزم بان المنهي عنه ايقاع الصلاة في الحمام لا الصلاة فيه، ولا الكون فيه حال الصلاة، فما هو مأمور به ليس بمبغوض، والمبغوض لم يؤمر به ولا مانع منه حتى عند الامتناعي، ولذا يصح النهي عنه مولويا فعلا، بخلاف هذا القسم كما عرفت، نعم لا يصح الامر بذات الفرد شخصا أو في ضمن العام =

[ 271 ]

[ الذاتية لهذه الخصوصية، وان لم يكن وصف الكراهة الفعلية موجودا، نظير ما قدمنا، فيكون اللازم كون هذا الفرد اقل ثوابا من سائر الافراد. وعلى هذا يكون هذا النهى مولويا تستفاد منه الكراهة الشرعية. وإما أن يحمل على الارشاد وترغيب المكلف إلى اتيان فرد آخر من الطبيعة يكون خاليا عن المنقصة، وتستكشف الكراهة الذاتية منه بطريق الان. واما ثانى القسمين، وهو ما إذا تعلق النهى بالعبادة ولا بدل لها، كالصوم في يوم عاشوراء وامثاله - فيشكل الامر فيه، من حيث ان حمل النهى - فيه على بيان الكراهة الذاتية مع الالتزام بكونه راجحا ومستحبا فعليا - ينافى التزام الائمة (عليهم السلام) بتركه، وامر هم شيعتهم بالترك ايضا، وحمله على الارشاد يستلزم الارشاد إلى ترك المستحب الفعلى من دون بدل، والقول بكونه مكروها فعلا ينافى كونه عبادة. والذى يمكن أن يقال في حل الاشكال امران: (الاول) ما افاده سيدنا الاستاذ نور الله مضجعه، وهو أن يقال برجحان الفعل من حيث أنه عبادة، ورجحان الترك من حيث انطباق عنوان راجح عليه، ولكون رجحان الترك اشد من رجحان الفعل، غلب جانب الكراهة، وزال وصف الاستحباب. ولكن الفعل لما كان مشتملا على الجهة الراجحة لواتى به يكون عبادة، إذ لا يشترط في صيرورة العمل عبادة وجود الامر، بل يكفى تحقق الجهة فيه على ما هو التحقيق، فهذا الفعل مكروه فعلا لكون تركه ارجح من فعله، وإذا اتى به يقع عبادة، لا شتماله على الجهة. ] الاستغراقي، مع كون الخصوصية منهيا عنها، لانه تكليف بالمحال وبالجمع بين الضدين، وأما إذا تعلق الامر بالطبيعة من دون نظر إلى وجوداتها الخاصة، فلا اشكال، ولا يحتاج إلى التقييد بالمقدور، لانه مع القدرة على فرد يصح الامر بالطبيعة.

[ 272 ]

[ ويشكل بأن العنوان الوجودى لا يمكن ان ينطبق على العدم، لان معنى الانطباق هو الاتحاد في الوجود الخارجي، والعدم ليس له وجود. (الثاني) ان يقال: إن فعل الصوم راجح، وتركه مرجوح، وارجح منه تحقق عنوان آخر لا يمكن ان يجتمع مع الصوم ويلازم عدمه. ولما كان الشارع عالما بتلازم ذلك العنوان الارجح مع عدم الصوم، نهى عن الصوم للوصلة إلى ذلك العنوان، فالنهى على هذا ليس الا للارشاد ولا يكون للكراهة، إذ مجرد كون الضد ارجح لا يوجب تعلق النهى بضده الآخر، بناءا على عدم كون ترك الضد مقدمة، كما هو التحقيق. ولعل السر - في الاكتفاء بالنهي عن الصوم بدلا عن الامر بذلك العنوان الارجح - عدم امكان اظهار استحباب ذلك العنوان. هذا ومما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض بالواجبات التى تعرض عليها جهة الاستحباب، كالصلاة في المسجد ونحوها. هذا تمام الكلام في المقام، وعليك بالتأمل التام. تداخل الاسباب والمسببات ثم انه نسب إلى بعض أن إجزاء غسل واحد عن الجنابة والجمعة إنما هو بواسطة اجتماع الواجب والمندوب في فرد واحد، فيكون من موارد ] [ 175 ] الظاهر عدم الاشكال في تطبيق بعض العناوين الوجودية على العدميات، مثلا يصدق اجابة المؤمن على عدم الصوم إذا استدعى المؤمن تركه، والاطاعة على عدم معصية العبد، وكذا المخالفة لبني امية على ترك صوم العاشور والامر سهل.

[ 273 ]

[ اجتماع حكمين متضادين. ومثله ما عن البعض من عد مطلق تداخل الاسباب - كما في منزوحات البئر ونحوها - من هذا القبيل، ولا بأس بتحقيق مسألة الاسباب والمسببات في الجملة، ليعرف أن الاستدلال بما ذكر مما لا وجه له. اقول إذا جعل الشارع طبيعة شيئ سببا، فلا يخلو هذا في نفس الامر من وجوه: (احدها) - أن يكون السبب صرف الوجود لتلك الطبيعة، اعني حقيقته التى هي في مقابل العدم الكلى [ 176 ]، وكذلك المسبب، مثل أن يقول إذا انتقض عدم النوم بالوجود، يوجب انتقاض عدم الوضوء بالوجود. (ثانيها) - أن تكون الطبيعة باعتبار مراتب الوجود سببا لوجود طبيعة اخرى كذلك، مثل قولك (النار سبب للحرارة) والمراد أن النار ] تداخل الاسباب والمسببات: [ 176 ] المقصود من صرف الوجود في الاقسام المذكورة في الحقيقة - هو المقيد بالوجود الاول، وما لا يمكن تعدده. ولعله خلاف الاصطلاح في صرف الوجود، فان الصرف عبارة عن اصل الطبيعة الصادقة على القليل والكثير القابلة للتكرار بشخصها ووجودها، نعم لا تكرار بالنوع والطبيعة، وكيف كان لو فرض الاخذ في طرف السبب أو المسبب على احد الوجوه المذكورة، فالحكم كما ذكر، بمعنى أنه لو اخذ في احد الطرفين بنحو لا يمكن تكرره، فمعلوم ان السبب والمسبب واحد، ولا ربط له باجتماع الحكمين، ولو اخذ بحيث يمكن تكراره في الطرفين، فكل سبب يحتاج إلى مسبب خاص من دون اجتماع حكمين. نعم يمكن جعل كل من الاسباب سببا لنوع من المسببات المختلفة نوعا، مع اتحادها مصداقا، فتدخل تحت النزاع لو لم يؤكد الوجوب فتأمل.

[ 274 ]

[ باعتبار مراتب الوجود سبب للحرارة كذلك، بمعنى أن كل وجود ثبت للنار يؤثر في حرارة خاصة. (ثالثها) - ان يعتبر في طرف السبب صرف الوجود، وفي طرف المسبب مراتبه. (رابعها) - العكس. ولا اشكال في ما إذا ثبت احد الوجوه، لانه على الاول لا يكون السبب ولا المسبب قابلا للتكرار، بداهة أن ناقض العدم لا ينطبق إلا على أول الوجودات ان وجدت مرتبة، وعلى المجموع إن وجدت دفعة. وعلى هذا لا يكون السبب الا واحدا، وكذا المسبب، كما أنه على الثاني يتكرر السبب بلا اشكال. وعلى الثالث لا تؤثر الافراد الموجودة من طبيعة واحدة آثارا متعددة، لان المفروض وحدة السبب. نعم لو اختلف السبب نوعا ووجد من كل من النوعين فرد. يجب ان يتعدد المسبب، لان المفروض قابلية التعدد في طرف المسبب. وعلى الرابع لا يتكرر المسبب وان تكرر السبب، سواء كان التكرر من جهة فردين من طبيعة واحدة ام من طبيعتين مختلفتين، لعدم قابلية المسبب للتكرار. ولا اشكال في شئ مما ذكرنا ظاهرا إنما الاشكال في الاستظهار من القضايا الملقاة من الشارع، وانها ظاهرة في أي شئ ليكون هو الاصل المعول عليه، إلى أن يثبت خلافه. والذى يظهر من مجموع الكلمات المتفرقة في مصنفات شيخنا العلامة المرتضى (قدس سره) ان مقتضى اطلاق ادلة السببية كون كل واحد من افراد الطبيعة - سواء وجدت دفعة ام بالتفاوت - سببا مستقلا، مثلا لو قال الشارع (ان نمت فتوضأ) فالنوم اللاحق إذا أثر في وضوء آخر فهو المطلوب. وأما إذا لم يؤثر، فاللازم تقييد موضوع الشرط بالنوم الخاص، وهو النوم الاول أو الغير

[ 275 ]

المسبوق بمثله. فان قلت: ظاهر القضية وحدة المسبب، وهو حقيقة الوضوء في القضية المفروضة، فلم لا يكون هذا صارفا عن ظهور اطلاق السبب لو سلم ؟ مع أنه لنا ان نمنع اقتضاء اطلاق السببية كون كل فرد سببا مستقلا، ألا ترى أنه لو جعلت الطبيعة معروضة للامر، لا يقتضى اطلاقها كون كل واحد من افرادها واجبا مستقلا، واى فرق بين كون الشئ معروضا للامر وبين كونه معروضا للسببية ؟ قلت: قد حقق في محله أن الالفاظ الدالة على المفاهيم، لا تدل بحسب الوضع الاعلى الطبيعة المهملة المعراة عن اعتبار الاطلاق والتقييد والوجود والعدم [ 177 ] لكنها بهذا النحو لا يمكن أن تكون معروضة لحكم من الاحكام، فاللازم بحكم العقل اعتبار الوجود حتى يصح بهذا الاعتبار كونها موضوعة للحكم. والوجود اللازم اعتباره بحكم العقل اعم من أن يكون وجودا خاصا مقيدا بقيد وجودي أو عدمي، أو كل واحد من الوجودات الخاصة، أو صرف الوجود في مقابل العدم الكلى. فلو دل دليل ] [ 177 ] لا يخفى ان هذا الجواب لا يستفاد من كلمات الشيخ (قدس سره) فيما عثرت عليها في كتاب الطهارة في منزوحات البئر، والتقريرات في ذلك المبحث، بل المستفاد منها أن الوحدة المتبادرة من المسبب هي الوحدة النوعية لا الشخصية، وتعدد الواحد بالنوع شخصا بسبب تعدد علل وجوده أمر عقلي، وليس تصرفا في ظاهر اللفظ، ولا تقييدا في اطلاقه، حتى نرفع اليد بسببه عن مقتضى دليل سببية كل نوع أو كل شخص مثلا، ويحسن نقل عين عبارته في رد من تمسك لنفي التعدد بظهور الدليل في اتحاد المسبب وهي هذه: (ويضعف بأن تعدد الواحد النوعي شخصا بسبب تعدد علل وجوده ليس تصرفا في اللفظ، فان كان مقتضى إطلاق الادلة سببية جميع مصاديق السبب من غير =

[ 276 ]

[ على اعتبار الوجود بوجه من الوجوه المذكورة، فهو المتبع، والا فاللازم هو الاخذ بصرف الوجود، لانه ثابت على كل حال، وهو المتيقن. ] = فرق بين المسبوق بسبب آخر وغيره، لزم عقلا تعدد الحكم الواحد بالنوع في الخارج، بخلاف صرف الدليل عن التأثير المستقل) انتهى كلامه زيد في علو مقامه (1). والظاهر أن العبارة المذكورة كالصريحة فيما ذكرنا، ولا مساس لها بما في المتن من مزاحمة مقتضى اطلاق المسبب مع ظاهر دليل السبب. وانما يرفع اليد عن اطلاق المسبب، لانه يؤخذ من باب القدر المتيقن مثل ذلك، ولا يصلح لمعارضة الظواهر، فانه على ما صرح به لا منافاة اصلا بين الوحدة النوعية والتعدد الشخصي، حتى نحتاج إلى الترجيح بهذا التوجيه، والظاهر أنه - دام ظله - التزم بهذا التوجيه إذا كان في سالف الزمان عليه: من عدم قابلية صرف الوجود الذي هو اخف مؤنة للتكرار. وأما على ما هو الحق واختاره اخيرا من أن الاخف مؤنة هي الطبيعة القابلة للتكرار. فالجواب ما ذكره (قدس سره). والفرق بين الاسباب والا وامر أن الامر الواحد - بمعونة الاطاعة - علة واحدة لايجاد الطبيعة، ومعلوم أن العلة الواحدة - لوجود الطبيعة المعراة عن جميع القيود - لا توجد الا وجودا واحدا منها. واما المستفاد من ادلة السبب أن كل وجود شخصي من الاسباب أو نوعي علة لاصل الطبيعة. والعقل يحكم باقتضاء ايجاد كل علة معلولا على حدة، إلا مع عدم قابلية المعلول للتكرار والمفروض ان المسبب قابل له، لانه أخذ عاريا عن جميع القيود، ومنها الوجود الاول. بل نقول بناءا على ما ذكرنا لا نحتاج في استفادة تعدد السبب إلى كون القضايا العرفية كذلك، بل حتى لو كانت جميع القضايا العرفية بعكس ذلك، لكن لو علمنا بان الشئ الفلاني سبب لطبيعة - من غير تقييد في الطرفين - لا قتضى ذلك التكرار في الطرفين، لان الاسباب بوجودها تؤثر، والوجودات متكثرة، والمسبب قابل للتكرار نعم لو علمنا أن السبب بماهيته يؤثر، فلا يتكرر الا بتكرار النوع.


(1) مصارح الانظار تقريرات العلامة الانصاري للعلامة الشيخ ابو القاسم الكلانترى / 141 قريبا من ذلك. (*)

[ 277 ]

[ إذا عرفت هذا فنقول: السر - في الاخذ بصرف الوجود في موضوع الامر، والاكتفاء في مقام الامتثال بفرد واحد - هو كونه متيقنا، وعدم دلالة دليل على ازيد منه، فلو دل دليل على اعتبار ازيد، فلا تعارض بينهما، لما عرفت من أن الاخذ به انما هو من باب القدر المتيقن، وعدم ما يبين الزائد. وحينئذ نقول: لو قال الشارع (إذا نمت فتوضأ) فمقتضى الجزاء - مع قطع النظر عن الشرط - كون موضوع الامر صرف الوجود، لما عرفت آنفا. ومقتضى السببية الفعلية المستفادة من القضية الشرطية، كون كل فرد من افراد النوم سببا فعليا، لان الاسباب العادية والمؤثرات الخارجية تكون بهذه المثابة، بمعنى أن كل طبيعة تكون في الخارج مؤثرة، يؤثر كل فرد منها. ومن هذه الجهة تحمل السببية - المستفادة من القضية الملقاة من الشارع - على ما هو المتعارف من الاسباب. وبعبارة اخرى يفهم من القضية الشرطية أمران (احدهما) يكون مدلولا لاداة الشرط، وهو العلية الفعلية لما جعل شرطا في القضية (ثانيهما) يكون مفهوما من القضية، من جهة ما ارتكز في اذهان اهل العرف، من الامر المتعارف، وهو كون كل وجود لهذا الشرط علة فعلية. وعلى هذا فاللازم هو الحكم بتعدد التأثير عند تعدد تلك الافراد، لانه لو حكمنا به لم نرتكب خلافا لظاهر القضية، لما عرفت من أن الاخذ بصرف الوجود في موضوع الامر إنما كان من جهة عدم البيان، وهذا الظهور العرفي للقضية يصير بيانا له، بخلاف ما لو حكمنا بعدم تعدد التأثير، فانه لابد حينئذ من التصرف إما في الظاهر المستفاد من اداة الشرط، بحملها على إفادة كون تاليها مقتضيا لا علة تامة، وإما في الظاهر الآخر المستفاد من العرف من غير دليل.

[ 278 ]

فان قلت: سلمنا ذلك كله، ولكن المسبب ليس فعل المكلف حتى يقتضى تعدد افراد السبب الفعلى تعدده، بل المسبب هو الوجوب، ولا يقتضيى تعدد اسباب الوجوب تعدده، بل يتأكد بتعدد اسبابه. قلت: ظاهر القضية أن السبب الشرعي يقتضى نفس الفعل، وامر الشارع إنما جاء من قبل هذا الاقتضاء، بمعنى أن الشارع امرنا باعطاء كل ذى حق حقه، فافهم فانه دقيق. فان قلت: يمكن أن يكون السببان مؤثرين في عنوانين مجتمعين في فرد واحد، فلا يقتضى تعدد السبب تعدد الوجود، كما لو قال الآمر: (إن جاءك عالم فأكرمه، وان جاءك هاشمى فأكرمه) فجاءك عالم هاشمى، فلا شبهة في أنه لو اكرمت ذلك العالم الهاشمي امتثلت كلا الامرين. قلت: أما (اولا) فظاهر القضية وحدة عنوان المسبب [ 178 ]، ولا شك في انه مع وحدة عنوان المسبب لا يمكن القول بتعدد التأثير، الا بالتزام تعدد الوجود، لعدم معقولية تداخل الوجودين من طبيعة واحدة. وأما (ثانيا) فنقول - بعد الاغماض عن هذا الظهور - لااقل من الشك في أن المفهومين المتأثرين من السببين هل يجتمعان في مصداق واحد أم لا ؟ ومقتضى القاعدة الاشتغال، لان الاشتغال بالتكليفين ثابت، ولا يعلم ] [ 178 ] خصوصا مع وحدة عنوان السبب، حيث أن الظاهر أن المؤثر حينئذ هو الجامع، ولا يحصل من الواحد بالنوع إلا الواحد بالنوع. واما مع اختلاف الاسباب نوعا، فالتعدد في المسبب النوع - وان كان موافقا للقاعدة - لكن حيث لم نعلم بحدود ماهيته، فاجتماعهما على فرض التعدد مشكوك فيه، فيرجع إلى الشك في الامتثال بعد اليقين بالاشتغال، ومعلوم انه يستدعى البراءة اليقينية.

[ 279 ]

[ الفراغ الا من ايجادين. هذا محصل ما استفدناه من كلمات شيخنا الاجل المرتضى (قدس سره) مع تنقيح منا. اقول: والتحقيق عندي أن القضايا الشرطية لا يستفاد منها كون الشرط - اعني ما جعل تلو إن وأخواتها - علة تامة، بل إنما يستفاد منها أن الجزاء يوجد في ظرف وجود الشرط، مع ارتباط بين الشرط والجزاء على نحو الترتب [ 179 ]، سواء كان الشرط علة تامة للجزاء أم كان احد اجزاء العلة التامة، بعد الفراغ من باقيها. وما قيل - في بيان دلالة أدوات الشرط على كون تاليها أعنى مدخولها علة تامة للجزاء - مخدوش. وسيأتى توضيح ذلك في بحث المفاهيم انشاء الله تعالى. إذا عرفت هذا فنقول: يكفى في صدق القضايا الشرطية المتعددة - التى جزاؤها حقيقة واحدة - تحقق تلك الحقيقة مرة واحدة، ولو تعدد ما جعل شرطا في الخارج. وكذا في صورة تعدد افراد الطبيعة الواحدة التى جعلت شرطا. نعم لو وجد الجزاء، ثم تحقق فرد من افراد ما جعل شرطا، يجب إتيان الجزاء ثانيا، لان مقتضى القضية الشرطية تحقق الجزاء في ظرف وجود الشرط، فالفعل الموجود قبل تحقق الشرط لا يكفى. ومما ذكرنا يظهر أن الاصل - في باب الاسباب - كفاية المسبب الواحد في صورة تعدد السبب، وعدم تخلل المسبب وأما في صورة التخلل، فيجب الاتيان بفعل آخر للوجود اللاحق. فتدبر جيدا. ] [ 179 ] لا يخفى أن الظاهر - من قولك: إن تكلمت في الصلاة فاسجد سجدتي السهو مثلا - ان التكلم موجب للسجدة، سواء وقع قبله شئ ام لا، ولازم ذلك تكرار المسبب من غير فرق بين جز العلة وتمامها، ولا يبقى الا ما مر من ان عدم قابلية المسبب قرينة على ارادة خلاف الظاهر في السبب، وقد مر جوابه.

[ 280 ]

[ هذا، وأنت بعد الاحاطة بما ذكرنا، تعرف أن استدلال المجوز - باجتماع المثلين أو الضدين في باب الاسباب - مما لا وجه له اصلا. وتوضيحه أنه في صورة تعدد الافراد من الطبيعة الواحدة، إن قلنا بان السبب ليس الا صرف الوجود، وكذا المسبب، فلا يكون هناك الا سبب واحد ومسبب واحد، وليس من مورد اجتماع المثلين اصلا. وكذا إن قلنا بصرف الوجود في طرف المسبب فقط، أو السبب كذلك. وان قلنا بكون السبب مراتب، الوجود، وكذلك المسبب فالاسباب متعددة وكذلك المسببات، فلا اجتماع للمثلين ايضا. وهكذا الامر في صورة تعدد الفردين من طبيعتين [ 180 ] لانه ان جعلنا المسبب صرف الوجود، فالواجب واحد بوجوب واحد، وان جعلناه مراتب الوجود، فالواجب متعدد بتعدد السبب. والوجوب ايضا كذلك، فلا اجتماع للمثلين ايضا. واما قضية اجتماع الضدين كالوجوب والاستحباب في غسل الجمعة والجنابة، فنقول إن قلنا بتعدد الحقيقة في الغسلين، فلا يكون من مورد اجتماع الضدين، لانه على هذا يكون من قبيل وجوب اكرام العالم، واستحباب اكرام الهاشمي. وإن قلنا بوحدتهما حقيقة، فان بنينا على عدم كفاية غسل واحد عنهما، فلا شبهة ايضا في عدم اجتماع الضدين، وإن ] [ 180 ] لا يخفى انه لو كان المسبب عن كل سبب عنوانا غير المسبب عن الآخر، ولم يؤخذ فيهما قيد عدم اجتماعهما في الوجود، فلا مانع من اجتماع الحكمين، بتقريب مر من الاجتماعي، فلو كان مثل غسل الحيض والجنابة نوعين مختلفين، فقصد المكلف ايتانهما بحركة واحدة، فلا مانع من أن يقال بأنها مصداق لواجبين من دون محذور في البين. وكذا في مثل الجمعة والجنابة بالنسبة إلى الوجوب والاستحباب. نعم في مثل (اكرم عالما وهاشميا) لابد من الالتزام بتأكد الحكم، لما مر من عدم جريان دليل المجوز في مثله.

[ 281 ]

[ بنينا على كفاية غسل واحد، فالموجود في الخارج من قبيل الصلاة في المسجد، في كونه مصداقا للواجب فقط، مع افضليته من ساير المصاديق، من جهة اشتماله على جهة الوجوب وجهة الاستحباب. هذا تمام الكلام في حجج المجوزين وقد عرفت ان امتنها ما ذكر اولا. بيان حجة المانعين إعلم أن احسن ما قرر في هذا المقام ما افاده شيخنا الاستاذ دام بقاه في فوائده، ونحن نذكر عباراته لئلا يسقط شيئ مما اراده، قال بعد اختيار القول المشهور - وهو الامتناع - ما هذا لفظه: (وتحقيقه على وجه يتضح فساد ما قيل أو يمكن ان يقال للقول بالجواز من وجوه الاستدلال يتوقف على بيان امور: (احدها) - أنه لا اشكال في تضاد الاحكام الخمسة باسرها في مقام فعليتها ومرتبة واقعيتها، لا بوجوداتها الانشائية، من دون انقداح البعث والزجر والترخيص فعلا، نحو ما انشأ وجوبه أو حرمته أو ترخيصه، فلا امتناع في اجتماع الايجاب والتحريم في فعل واحد انشاءا، من دون بعث نحوه وزجر عنه، مع وضوح الامتناع معهما. ومن هنا ظهر أنه لا تزاحم بين الجهات المقتضية لها إلا في مرتبة فعليتها وواقعيتها، وأنه يمكن انشاء حكمين اقتضائيين لفعل واحد، وإن لم يمكن ان يصير فعليا إلا أحدهما. ومما ذكرنا ظهر أن تعلق الامر والنهى الفعليين بشئ واحد محال، ولا يتوقف امتناعه على استحالة التكليف بالمحال. (ثانيها) - انه لا ريب في أن متعلق الاحكام إنما هو الافعال بهويتها وحقيقتها، لا باسمائها وعناوينها المنتزعة عنها. وإنما يكون اخذ

[ 282 ]

اسم أو عنوان خاص في متعلق الامر والنهى، لاجل تحديد ما يتعلق به احدهما منها وتعيين مقداره، فلا تنثلم وحدة المتعلق بحسب الهوية والحقيقة واقعا بتعدد الاسم أو العنوان، ولا تعدده كذلك بوحدتهما، فالحركة - الخاصة الكذائية المحدودة بحدود معينة - لاتتعدد إذا سميت باسمين، أو انتزع منها عنوانان من وجهين، كما أن الحركتين - الخاصتين اللتين يكون كل منهما محدودة بحدود معينة - لا تصير ان واحدة إذا سميتا باسم واحد، وانتزع منهما مفهوم واحد. وهذا من اوائل البديهيات. وبالجملة إنما تتعلق الاحكام في الادلة بالاسامي والعناوين - بما هي حاكية عن المسميات والمعنونات وفانية فيها - لا بما هي بنفسها. ومن الواضح أنه لا يتكثر المحكى والمرئي الواحد بتكثر الحاكى والمرءاة، ولا يتحد المتكثر بوحدتها. (ثالثها) - ان الطبيعتين - اللتين يتعلق باحداهما الامر، وبالاخرى النهى - إذا تصادقتا في مورد، يكشف عن أنهما ليستا بحاكيتين عن هويتين وحقيقتين مطلقا، بل في غير مورد التصادق، والا يلزم أن تكون له هويتان وماهيتان، ولا يكون لوجود واحد الا ماهية وحقيقة واحدة، ولا عن موجودين متغايرين في الخارج، ولو كانا متحدين بحسب الحقيقة والماهية، كالضرب الواقع في الخارج (تارة) ظلما و (اخرى) تأديبا إلا في غير المورد. وبالجملة تعدد الوجه واختلاف الجهة المأخوذ في اصل عنوان المسألة لا يجدي شيئا في مورد الاجتماع، لا تعدده بحسب الحقيقة والماهية، ولا بحسب الوجود في الخارج، بل هو واحد ماهية ووجودا. نعم يجدى تعدد ما يحكيه ويريه، وهو لا يجدى مع وحدة المرئى والمحكى ذاتا ووجودا، لما عرفت من أن متعلقات الاحكام نفس الافعال الخاصة

[ 283 ]

المسماة باسماء أو المعنونات بعناوين متباينات أو متصادقات مطلقا أو في الجملة، من غير تفاوت في ذلك بين القول باصالة الوجود والقول باصالة الماهية، لوحدة المورد ماهية ووجودا. واما الطبيعة المأمور بها والطبيعة المنهى عنها، فان كان كل منها عنوانا للفعل الذى تعلق به الامر والنهى، فهما مفهومان اعتباريان انتزعا عن الفعل المعنون بهما، ولو قلنا باصالة المهية، والا فخصوص ما كان عنوانا منهما، بداهة اعتبارية المفاهيم التى ليست بازائها شئ في الخارج، ولا وجود لها الا بوجود ما انتزعت عنه، ولا موطن لها الا الذهن. واختصاص الاصالة - على القول باصالة الماهية - بالحقايق الخارجية التى يكون بازائها شئ في الخارج، ويكون لها موطنان الذهن والخارج، غاية الامر تلزمها الجزئية في الخارج، وتعرضها الكلية تارة والجزئية اخرى في الذهن. ومن هنا ظهر عدم ابتناء المسألة على القول باصالة الوجود والماهية اصلا، كما تخيله الفصول، وان الاصيل في مورد الاجتماع واحد وجودا كان أو مهية. فظهر مما بيناه أن مورد الاجتماع - لوحدته ذاتا ووجودا لما حقق في هذا الامر، وكونه بنفسه متعلقا للحكم واقعا وحقيقة، وإن اخذ في الدليل اسمه أو عنوانه، لما حقق في سابقه - لا يمكن أن يكون بالفعل واجبا وحراما يبعث نحوه ويزجر عنه فعلا، للتضاد بين الاحكام في هذا المقام، وان لم يكن بينها تضاد بحسب وجوداتها الانشائية، كما عرفت في الامر الاول. ولا يخفى ان تعلق الاحكام بالطبائع لا الافراد لا يرفع غائلة هذا التضاد في مورد الاجتماع، فان غاية تقريبه أن يقال: ان الطبايع من حيث هي وان كانت ليست الا هي، ولا تصلح لان تتعلق بها الاحكام الشرعية كالآثار العادية والعقلية، إلا انها - مقيدة بالوجود، بحيث كان

[ 284 ]

الوجود خارجا والتقييد به داخلا - صالحة لتعلق الاحكام بها. ومن الواضح أن متعلقي الامر والنهى على هذا ليسا بمتحدين اصلا، لا في مقام تعلق البعث والزجر بهما، ولا في مقام الامتثال لاحدهما وعصيان الآخر باتيان المورد بسوء الاختيار. أما في المقام الاول فلبداهة تعددهما ومباينة احدهما عن الآخر بما هو متعقل الامر أو النهى، وان اتحدا فيما هو خارج عنهما بما هما كذلك. وأما في المقام الثاني، فلسقوط احدهما بالاطاعة والآخر بالعصيان بمجرد الاتيان، فاين اجتماعهما في واحد ؟ وانتزاع المأمور بهية والمنهى عنهية عنه إنما هو لمجرد كونه مما ينطبق عليه ما امر به ونهى عنه، من دون ان يتعلق به بنفسه البعث والزجر. وهذا لا يجدي بعد ما عرفت - بما لا مزيد عليه - أن تعدد ما يؤخذ في دليلهما من الاسم أو العنوان لا يوجب تعدد ما هو المتعلق لهما في مورد الاجتماع، لا مهية ولا وجودا، بل الاسمان أو العنوانان حاكيان في هذا المورد عن واحد يكون متعلقا لهما حسب توسعة متعلقهما واقعا، بحيث يعمانه. وتوهم الجدوى في ذلك إما لتخيل أن تعدد العنوان حاك عن تعدد المحكى ماهية وذاتا مطلق ولو فيما اتحدا وجودا، كما في مورد التصادق، أو ان تعدده كاف بان يكون بنفسه متعلقا للبعث أو الزجر لا بما هو حاك وفان. وقد عرفت - بما لا مزيد عليه - فسادهما، وان المورد الواحد واحد وجودا وماهية، وأن العنوان بما هو هو ليس إلا أمرا انتزاعيا لا وجود له إلا بوجود منشأ الانتزاع، ولا واقعية له إلا بواقعيته، وليس ما يوجب البعث والطلب - من الآثار المطلوبة والمبغوضة والصفات الحسنة والذميمة - إلا في المنشأ دونه، فليس بما هو كذلك محكوما بالامر أو النهى، بل بما هو حاك، فيكون المأمور به أو المنهى عنه والمحكى. وهذا

[ 285 ]

- فيما إذا كان المأخوذ في الدليلين أو احدهما من قبيل اسامى الماهيات - اوضح من ان يخفى على عاقل، فضلا عن فاضل. هذا مضافا إلى أن هذا التقريب يقتضى الجواز مطلقا ولو كان العنوانان متساويين، لتعددهما في مقام البعث وسقوطهما بالاطاعة والعصيان باتيان واحد من مصاديقهما، ولا يقول به أيضا إلا أن يدعى أنه إنما لا يقول به لاجل انه طلب المحال حينئذ لا من اجل ان الطلب محال، فتدبر جيدا. ومما حققناه - من كون العناوين بمعنوناتها تكون متعلقة للاحكام كما في الاسماء بلا اشكال ولا كلام - ظهر أن غائلة التضاد في مورد الاجتماع في نفس الطلب على حالها، سواء قلنا بتعلق الاحكام بالطبايع أو بالافراد. - وقد عرفت بما لا مزيد عليه - أو بالاختلاف، فانه على هذا تكون افراد حقيقة واحدة متعلقة للبعثين، إذ تكون الطبيعة المأمور بها - على سعتها بحسب الوجود، بحيث لا يشذ عنها فرد - متعلقة للامر، وان كانت خصوصيات الافراد ومشخصاتها خارجة عنها بما هي مامور بها، ولازمة لها، وكان بعض ما يسعها من الافراد التى تكون بالفعل مبعوثا إليها، حسب قضية البعث إليها على سعتها الذى لازمه عقلا التخيير فيها، بما هي منهى عنها، فيكون هذا البعض - بوجوده الشخصي بما هو وجود تلك الحقيقة والمهية، من دون ملاحظة خصوصية - مبعوثا إليه، وبما هو وجودها مع ملاحظة الخصوصية - ممنوعا فعلا. وملاحظة الخصوصية وعدم ملاحظتها لا توجب تعدده، بل هو واحد حقيقة وماهية ووجودا، كما لا يخفى على من له ادنى التفات. انتهى كلامه (1). اقول: وأنت - بعد الاحاطة بتمام ما قدمناه - تعرف موارد الاشكال في كلامه، فان ما افاده في المقدمة الثانية - من كون متعلق ]


(1) الفوائد المطبوعة ضميمة تعليقة الفرائد الفائدة الآخرة، ص 7 - 335. (*)

[ 286 ]

[ الاوامر والنواهي إنما هي الافعال بهوياتها وحقايقها - غير معقول، للزوم طلب الحاصل إن تعلق الطلب بنفس الحقيقة الخارجية. ولا دافع لهذه الغائلة الا الالتزام بكون متعلق التكاليف صورا ذهنية من حيث حكايتها عن الخارج. وأما ما افاده في طى كلماته من عدم تعلق التكاليف بالاسماء، فهو من الواضحات، ولا يتوهم احد تعلق التكاليف بصرف الاسماء، لانها ليست الا الفاظا كاشفة عن معانيها، بل القائل يدعى تعلقها بالمفاهيم المتعلقة في الذهن، باعتبار حكايتها عن الخارج، ما حققناه. وأما ما افاده في المقدمة الثالثة من وحدة مورد تصادق العناوين، فان أراد عدم كونها موجودات متميزا بعضها عن بعض في الخارج، فهو من البديهيات، وإن أراد عدم تحقق لها في نفس الامر، بمعنى كونها صورا ذهنية لا واقعية لها، فهو مقطوع البطلان. ويكفى في تعلق التكاليف بتلك العناوين تحققها في نفس الامر. وبالجملة أظن أن التأمل التام - فيما ذكرنا من دليل المجوزين - يوجب القطع بصحة هذا القول، فتدبر جيدا. العبادة المنطبق عليها عنوان محرم تذييل لا اشكال في بطلان العبادة على تقدير القول بعدم جواز الاجتماع إذا علم حرمة الفرد المنطبق عليه عنوان العبادة [ 181 ] وذلك ] [ 181 ] قد يقال: بصحة العبادة - حتى على الامتناع - وتغليب جانب النهي بوجهين: (الاول): بالالتزام بكفاية الجهة في صحتها، من دون حاجة إلى الامر، =

[ 287 ]

[... ] = والجهة موجودة بالفرض، والا لم يكن موردا لاجتماع الحكمين. الثاني: بالالتزام بالترتب وتحقق الامر مشروطا ومرتبا على معصية النهي، فان المحال اجتماعهما في مرتبة واحدة. وأما في مرتبتين فلا استحالة، كما مر مشروحا في الامر بالضدين. ويرد الاول: بان العبادة لابد فيها من جهتين لا تتم الا بهما، إحداهما الحسن الفعلى، والثانية الحسن الفاعلي. والجهة الاولى وإن كانت موجودة بالفرض، لكن الفاعل إذا علم بغلبة جهة المبغوضية في شئ، وأتى به تقربا إلى المولى لم يكن في صدور ذلك الفعل منه حسن، ولم يستحق بذلك مدحا. والجهة الثانية مختلة. ولا يقاس المقام بالعبادة المتحدة مع المبغوض الذي سلبت القدرة عن تركه، حيث اختار الماتن صحته، لانه - مع العجز عن ترك المبغوض، وعدم تأثير الارادة، وتحقق جهة المحبوبية فيه - لواتى به تقربا إلى المولى، كان ذلك غاية الانقياد يستحق المدح بحسن اختياره، بخلاف القادر على ترك المبغوض واتيان المحبوب في غير مورد الاجتماع، فلواتي به لم يكن الفاعل فيه ممدوحا ولا حسن في صدوره منه. ويرد الثاني: بالفرق بين المقامين، فان الامر بشئ بشرط ترك شئ آخر بمكان من الامكان، بخلاف الامر بشئ مشروطا بتركه، فانه محال. ومعلوم أن الامر بشئ بشرط معصية نهيه يرجع إلى شرط تركه. فتحصل أنه لاوجه للتصحيح على الامتناع مع كون ملاك النهى غالبا. واما فيما إذا كان ملاك الامر غالبا، فقد يقال بصحة العبادة وعدم محذور لصحتها، إلا مزاحمتها للصلاة في غير الدار المغصوبة، فعلى القول باقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده تبطل، لاهمية الصلاة في غير المكان الغصبي، لكن على القول بعدم الاقتضاء، فهي صحيحة وإن لم تكن مأمورا بها للمضادة. وقد التزم بذلك في الكفاية صريحا. لكن فيه: أن التزاحكم في المقام ليس في الجهتين، بحيث لم يبق للنهي مع غلبة =

[ 288 ]

[... ] = ملاك الامر ملاك اصلا، حتى يلزم عدم المؤاخذة عليه اصلا، ويلزم مع غلبة ملاك النهي بطلان العبادة واقعا ولو مع الجهل. وقد صرح في الكفاية والحاشية بخلافه، بل التزاحم لم يكن في مثل المقام الا في انقداح الارادة، بمعنى أن قوة الملاك في احدهما تمنع عن انقداح الارادة في الآخر. وعلى هذا لا وجه لرفع ارادة الترك عن مورد النهي، لقوة ملاك الامر إلا فيما إذا كان حفظ الغرض المطلوب مع بقاء المنع محالا. ومعلوم أنه لا استحالة في ذلك إذا كان المطلوب صرف الطبيعة، لانه إذا قيد مورد الامر بغير مورد الاجتماع، فيكون ذلك جمعا بين الغرضين. نعم لو كان المطلوب في طرف الامر ايضا كل واحد من وجودات الطبيعة، كما في طرف المبغوض لكان العلاج منحصرا في رفع المنع. وعلى هذا فالقول ببطلان الصلاة - وان كانت اقوى مناطا من المنهي عنه بمراتب - متعين. والعقل بعد حفظ المقدمتين - اعني عدم تقييد الواقع وتعلق الامر بالطبيعة والنهي بكل فرد منها - يحكم بذلك جزما. ولا يتوهم لزوم التقييد حتى على الاجتماع بذلك التقريب ايضا، لانه عليه لا مزاحمة اصلا، حتى يحتاج إلى التقييد. ثم إنه على فرض التزاحم في الجهتين، يبتني ما في الكفاية على احراز كون مصلحة الصلاة في الدار المغصوبة اقوى من مصلحة ترك الغصب بمقدار ملزم، ليبقى وجوبها - بعد التزاحم لجهة الغصب - مزاحما لوجوب الصلاة في غير المغصوب، بشرط سلامة مقدار من المصلحة الملزمة فيها عن المزاحم، لتحقق الاهمية الملزمة. واستكشاف الاول وإن كان ممكنا، خصوصا مع لزوم الصلاة عند الاضطرار إلى الغصب، لكن أهمية الصلاة في المكان المباح بمقدار اللزوم لا دليل عليها. هذا كله على الامتناع. واما على الاجتماع، فلا مانع من الصحة بعد فرض وجود الامر، والجهة في مورد الامتثال لا تتحقق الا بالفرد، لكن بعد ما حققناه سابقا: من أن في الخارج شيئين واقعا، وان لم يكونا موجودين الا بوجود واحد - كما مر مفصلا - فالظاهر عدم المانع من حصول القرب بايجاد أحد العنوانين والبعد بالآخر. هذا كله مع قطع النظر عن اخبار قد يستدل بها على بطلان العبادة المجتمعة مع عنوان محرم. أما في خصوص الصلاة، فمثل ما روي عن امير المؤمنين (ع): (يا كميل =

[ 289 ]

[ حاصل من العلم بفردية هذا الموجود للعنوان المحرم، والعلم بكون ذلك العنوان محرما ايضا. ولو لم يكن له علم بالصغرى أو بالكبرى، فهل يحكم بصحة العبادة أو البطلان على القول المذكور ؟ تحقيق المقام أن الفرض المذكور (تارة) يتحقق بالنسيان لاحداهما و (اخرى) بالجهل، وهو إما أن يكون بسيطا أو مركبا. وجملة القول في المجموع أنه لا يخلو محل الكلام من أنه إما أن يكون قد ورد فيه ترخيص من جانب الشارع أولا، وعلى الثاني إما أن يكون المكلف معذورا بحكم العقل أولا (اما القسم الاول) فلا ينبغى الاشكال في صحة العبادة، ضرورة عدم الفرق بين الترخيص والامر، فإذا صح الترخيص في ذلك المحل، مع كونه في نفس الامر محرما، كذلك يصح ] = انظر فيم تصلي وعلى م تصليي، فان لم يكن على وجه حله لم يقبل ذلك) (1) بناءا على كون المراد ب‍ (على م) المكان وب‍ فيم اللباس. والمراد ب‍ (لم يقبل) عدم القبول حتى ظاهرا، لامثل ما ورد من عدم قبول العبادة من البخيل ونظائره. وأما في مطلق العبادات فمثل ماروي من أنه: (لا يطاع الله من حيث يعصى) وما روي ما تعليل اباحتهم (ع) الخمس لشيعتهم بتصحيح عباداتهم (2). لكن الظاهر أن الاخبار المذكورة لو تمت دلالتها، لم يلتزم مشايخنا بجميع لوازمها من اشتراط العبادات شرعا بعدم اجتماعها مع الحرام واقعا ليلزم بطلانها حتى مع الجهل بذلك. أللهم إلا أن لا يستفاد منها ازيد من اشتراطها بعدم العلم، لكنه خلاف الظاهر خصوصا في القسم الثاني.


(1) الوسائل، الجزء 3 الباب (2) من ابواب مكان المصلى - الحديث (2). (2) الوسائل، الجزء 6، الباب 4 من ابواب الانفال وما يختص بالامام وفيه روايات ندل على ذلك (*)

[ 290 ]

[ الامر، لعدم الفرق بين الترخيص والامر في كون كل واحد منهما ضدا للنهى. وبعبارة اخرى إما أن يجمع بين النهى الواقعي والاباحة الظاهرية، بحمل النهى الواقعي على النهى الشأنى الذى لا ينافى جعل حكم فعلى على خلافه، أو يقال بعدم التنافى بينهما، لترتب موضوعهما. وعلى أي حال لا تفاوت بين الترخيص والامر [ 182 ]. وهذا واضح جدا (وأما القسم الثاني) فالاقرب فيه صحة العبادة أيضا لوجهين: (احدهما) - أن يقال إن الامر وإن امتنع تعلقه بهذا الفرد - لكونه منهيا عنه في الواقع - إلا انه لا تتوقف صحة العبادة على الامر، بل يكفى فيها وجود الجهة، كما مر في باب الضد. ولا اشكال في وجود الجهة، لان النزاع مبنى على الفراغ منها. إن قلت فعلى هذا ينبغى أن يحكم بالصحة في مورد العلم بالحرمة ايضا، لان الجهة موجودة فيه. قلت: الوجه - في عدم الحكم بالصحة فيما إذا علم بالحرمة - هو ان الجهة لا تؤثر في قرب الفاعل، لوجود الجهة المبعدة، بخلاف ما نحن ] [ 182 ] لا يقال: إنه وإن لم يكن تفاوت بينهما من حيث التزاحم والتضاد، لكن من أين يستكشف الامر، حيث لا اطلاق له يشمل صورة التزاحم، لانها من حالات الحكم، والاطلاق لا يتعرض الا لحالات الموضوع. ولا فرق في ذلك بين كون المزاحم فعليا أو شأنيا ؟ فانه يقال: إن الاطلاق وان لم يشمل تلك الحالة، لكن العقل - بعد العلم بتحقق الجهة وعدم المانع للامر - يحكم بفعليته، والجهة موجودة بالفرض، والمانع ليس الا النهي، وهو ليس بفعلي، فاستكشاف الامر في المقام نظير استكشافه في الواحد المخير بين الضدين، مع عدم الاهمية، أو خصوص الاهم معها، من دون إطلاق في البين.

[ 291 ]

[ فيه، فان الجهة المقبحة لا تؤثر في البعد، لمعذورية المكلف، فلا مانع من تأثير الجهة المحسنة. فان قلت: إن الجهة المقبحة وان لم تؤثر في الفاعل، إلا أنها منافية للجهة المحسنة في نفس الامر ومزاحمة لها، فلا يبقى للفعل الخارجي حسن في نفس الامر، حتى يتقرب به الفاعل في اتيانه. قلت: ليست الجهتان متضادتين من حيث ذاتهما، ألا ترى وجود الخاصية الموافقة للطبع والمنافرة له في شرب دواء خاص واحد، بل التزاحم في رتبة تأثير كل منهما فيما تقتضية من ارادة الشرب وعدمه، وكذلك في مرحلة مدح العقلاء مرتكب ذلك الفعل المشتمل على جهتين أو ذمهم اياه، وكما أن الجهة الملائمة للطبع لا تزاحم الجهة المنافرة له في الواقع، كذلك الجهة الملائمة للقوة العاقلة والمنافرة لها. وعلى هذا لو لم تؤثر الجهة المنافرة للعقل في استحقاق الفاعل للذم، فلا مانع من تأثير الجهة الملائمة له في استحقاقه للمدح. (الوجه الثاني) أن العناوين الطارئة على التكاليف - مما لا تشملها ادلتها - يمكن ان تجعل موردا لحكم آخر غير ما تعلق بنفس الواقع [ 183 ]، وبهذا يجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، ومن العناوين الطارئة على التكليف كون المكلف معذورا من ذلك التكليف المتوجه إليه. ] [ 183 ] لا يخفى أن مجرد امكان جعل الحكم في مورد لا يكفي في الحكم بالفعلية، ما لم يستكشف ان المزاحم انشائي، أو ان حال التجرد عن الشك دخيل فيه، فانه قد تكون مبغوضية الفعل في حالة الجهل محفوظة بلا نقصان فيها، ولكن لا يمكن اعلام المكلف بها. ومعلوم أن المبغوضية الفعلية من جميع الجهات لا تجتمع مع =

[ 292 ]

[ وأما القسم الثالث فالحق فيه بطلان العبادة [ 184 ]، فان الجهة المقبحة موثرة فعلا في تبعيد العبد عن ساحة المولى، فلا يمكن أن تكون الجهة المحسنة مؤثرة في القرب. وبه يعلم عدم امكان تعلق الامر به ايضا، لان العنوان الطارئ لو كان بحيث لا يوجب عذرا للمكلف، فحاله حال العلم بالحرمة، فكما أنه في مورد العلم بالحرمة لا يمكن بقاء الامر وصحة العبادة، كذلك في حال لا يعذر فيها عقلا. فتأمل جيدا. فصل في النهى عن العبادة هل النهى عن الشئ يقتضى فساده أولا، ولنقدم امورا: (الاول) - أن الفرق - بين هذه المسألة والمسألة السابقة - ان ] = الارادة الفعلية، ولا يمكن استكشاف عدم الفعلية لمبغوض الا باعلامه، كما في موارد الترخيص. واما في غيرها فلا طريق للاستكشاف. نعم لو قلنا بدلالة حديث الرفع على الترخيص في موارد النسيان والجهل حتى المركب منه، فيستكشف منه عدم الفعلية، لكن المستفاد منه في مثل تلك الموارد رفع المؤاخذة لا الترخيص. واما تصحيح الامر به بالترتب، بان يأمر على تقدير العذر، ففيه (اولا): ما مر من عدم امكان الامر بشئ مترتبا على تركه، ولو عن عذر. و (ثانيا): لغوية هذا الامر، لانه مادام معذورا لا يلتفت إلى هذا العنوان، حتى يؤثر الامر فيه، ويشترط في الامر صلاحيته للداعوية. [ 184 ] ان قلت: ما الفرق بين الغافل والعاجز، حيث اختار المصنف - دام ظله - امكان انقداح الارادة في الاول دون الثاني ؟ فان كان المناط عدم تأثير ملاك النهي في الفعل مع العجز، فلا تنقدح ارادة المنع، فليكن في الغافل ايضا كذلك. قلت: الفرق بينهما واضح، بامكان ارادة الترك في حال الغفلة لا بوصفها، غاية الامر هو معذور مع القصور، وعند التقصير معاقب.

[ 293 ]

[ المسئول عنه في السابقة جواز بقاء الامر والنهى فيما كان موردهما متحدا بحسب المصداق ومتعددا بحسب المفهوم وعدمه، وفي هذه المسألة ملازمة النهى المتعلق بالشئ لفساده. قال المحقق القمى (قدس سره) في بيان الفرق: أن مورد المسألة السابقة هو ما كان بين المأمور به والمنهى عنه عموم من وجه، ومورد المسألة ما كان بينهما عموم مطلق. ورد عليه في الفصول بأن هذا الفرق ليس بسديد، بل الفرق: أنه إذا كان العنوانان بحيث لم يؤخذ احدهما في الآخر، فهو من المسألة السابقة، سواء كان بينهما عموم من وجه ام مطلق. (الاول) مثل صل ولا تغصب، والثانى مثل جئني بحيوان ولا تجئنى بضاحك. وان كان احد العنوانين ماخوذا في الآخر فهو من المسألة سواء كان بينهما عموم من وجه ام مطلق ايضا (الاول) مثل (صل ولا تصل في الحمام) والثانى مثل (صل الصبح ولا تصل في الحمام). اقول: إن كان مرادهما أن المسألتين متحدتان من جهة المسئول عنه، وليس الفرق بينهما إلا في اختلاف المورد، ففيه أن مجرد اختلاف المورد لا يوجب تعددهما وصيرورتهما مسألتين، وإن كان المراد بيان اختصاص كل من النزاعين بمورد، بمعنى ان النزاع في المسألة السابقة له مورد خاص لا يجرى فيه النزاع في هذه المسألة وبالعكس، ففيه أن ما محضه كل من الفاضلين للنزاع الثاني يجرى فيه النزاع الاول، لان جهة كلام المجوز في المسألة السابقة هي تعدد العنوان، كما ان جهة كلام المانع هناك الاتحاد في الوجود، وكلاهما متحققان فيما فرضه الفاضلان مختصا بهذه المسألة، كما هو واضح. نعم في مثل (صل ولا تصل في الحمام) لو احرز ان النهى تعلق بالمقيد لا بخصوصية ايجاده في المكان الخاص لا يمكن فيه النزاع

[ 294 ]

السابق [ 185 ] والسر فيه أن المطلق والمقيد وإن كانا متغايرين بحسب المفهوم، إلا ان مغايرة الاول للثاني إنما هو بملاحظة الاطلاق، إذ لو جرد النظر عن ذلك، يكون المقسم المتحد مع المطلق والمقيد في الذهن. ولا اشكال في ان الجهة - التى بها يغاير المقيد، ويصير في قباله في الذهن، وهى جهة الاطلاق - لا دخل لها في المطلوبية، لان هذه الجهة عبارة عن عدم مدخلية شئ في المطلوب، سوى اصل الطبيعة، ففى الحقيقة جهة المطلوبية قائمة باصل الحقيقة التى تكون مقسما بين المطلق والمقيد، ومع كون المطلوب ما ذكر يمتنع تعلق النهى بالمقيد، لا تحاد مورد الامر والنهى حتى في الذهن، فليتدبر. (الثاني) - أن النزاع في المسألة يمكن أن يكون عقليا فقط، ويمكن ان يرجع إلى اللفظ، ويمكن أن لا يكون ممحضا في أحدهما. اما الاول فبان يكون في صحة العبادة، بعد الفراغ عن كون النهى متعلقا بالخصوصية، ووجود الجهة الموجبة للامر في الطبيعة [ 186 ]، فيرجع محصل النزاع إلى ان وجود الجهة في الطبيعة هل يكفى في كونها عبادة ومحصلة للقرب، وان كان المأتى به الفرد المشتمل على الخصوصية المبغوضة فعلا اولا. ] فصل في النهي عن العبادة: [ 185 ] قد مر في مبحث اجتماع الامر والنهي توجيه كلام الفاضلين (قدس سرهما)، وأن في مثل (صل الصبح ولا تصل في الحمام) أيضا لا يجري ذلك النزاع، فراجع. [ 186 ] وبعبارة اخرى: يقع النزاع في نفس مضادة النهي لتحقق العبادة، بعد تحقق جميع شرائط العبادة شرعا، مع قطع النظر عن موانعها العقلية.

[ 295 ]

[ واما الثاني فبان يكون النزاع في أن القضايا الدالة على حرمة عبادة خاصة - بعد كون اصلها مامورا بها - هل تدل عرفا على فساد تلك العبادة اولا ؟ واما الثالث فبان يكون المدعى في هذه المسألة صحة العبادة وبطلانها، سواء كان طريق الاثبات في ذلك اللفظ ام العقل. والظاهر كون النزاع هنا راجعا إلى المسألة العقلية كالسابقة، والدليل على ذلك أنهم يعنونون النهى في العبادات، ويتمسك القائل بالبطلان بعدم امكان صيرورة المبغوض عبادة، وهذا يكشف عن أن مورد الكلام ما إذا فهم ثبوت المقتضى للطبيعة، وإنما النزاع في أن اتحادها مع المبغوض هل هو مانع من القرب اولا ؟ ولو كان النزاع راجعا إلى اللفظ لما احتاج المانع إلى هذا الكلام، ولا اختص ما ادعاه بالعبادة، إذ كما يمكن ان يدعي أن النواهي الواردة في العبادة تدل على الفساد، كذلك يمكن أن يدعي ان النواهي الواردة في المعاملات ايضا كذلك. (الثالث) أنه لا فرق بين النهى النفسي والغيري والاصلي والتبعى، لوجود الملاك في الجميع. نعم يختص النزاع بالنواهي التحريمية، لعدم قابلية النهى التنزيهى الوارد على الخصوصية لا سقاط الامر بالطبيعة. والوجه في ذلك أن الكراهة - لعدم منعها من النقيض - لا تمنع الوجوب المانع عنه، فإذا اجتمعت جهة الوجوب مع الكراهة، فلا بد من صيرورة الوجوب فعليا والكراهة شأنية، فيكون الفرد المشتمل على الخصوصية الموجبة للكراهة مجزيا عن الواجب. ولكنه أقل ثوابا من باقى الافراد. وقد مر تفصيل ذلك في البحث السابق: (الرابع) أن محل النزاع انما هو في غير النواهي المستفاد منها الوضع ابتداءا، كالنهي المتعلق بالصلاة في اجزاء مالا يؤكل لحمه وامثال ذلك،

[ 296 ]

لان تلك النواهي تنبئ عن عدم المصلحة في العمل الخاص، فلا يتطرق إليه احتمال الصحة بعد ذلك، وليس الفساد مرتبا على النهى، بل النهى جاء قبل الفساد. (الخامس) أنه لو شك في اقتضاء النهى للبطلان، فلا اشكال في عدم وجود اصل في هذا العنوان يعين احد طرفي الترديد [ 187 ] فيجب الرجوع إلى القواعد الجارية في نفس المسألة الفرعية، فنقول: لو تعلق نهى بالصلاة في محل خاص مثلا، وشككنا في ايجابه لبطلان العمل، فلو اتى المكلف بتلك الصلاة المنهى عنها، فهل الاصل يقتضى البطلان أو الصحة ؟ يمكن ابتناء ذلك على كون النزاع في المسألة لفظيا أو عقليا. فعلى الاول يرجع الشك في المسألة إلى الشك في التقييد، فان القائل - بان الخطاب المشتمل على النهى يدل على فساد العمل عرفا - يرجع قوله إلى دعوى أن مورد الوجوب مقيد بغير الخصوصية المنهى عنها، فالصلاة الماتى بها في محل ورد النهى عن اتيانها فيه باطلة، لفقدان الشرط الشرعي على مذهب هذا القائل، فلو شك في ذلك يرجع الشك إلى أن ] [ 187 ] وذلك لان الشك إن كان في حكم العقل، بمعنى عدم جزمه بالامتناع والامكان، لكون المطلب نظريا، فلا اصل يعين ذلك. نعم اشتهر: (كل ما قرع سمعك..) لكنه في مجرد الاحتمال، لا في تعيين الامكان واقعا، كما هو واضح، وان كان في دلالة اللفظ، فلا اصل ايضا ليعين احد الطرفين، بل يمكن منع الشك فيها، بمعنى أن الشك فيها مساوق لعدمها، كالشك في العلم أو الحجية. نعم يمكن الشك في وجود القرينة الدالة على الفساد في مورد خاص، وتجري فيه اصالة عدمها. وكذلك يمكن الشك في اطلاق دليل العبادة، لكن النزاع فيها نزاع في المسألة الفرعية.

[ 297 ]

[ المأمور به هل هو مقيد شرعا بان لا يؤتي به في المحل المخصوص اولا [ 188 ]. وعلى الثاني أعنى على تقدير كون النزاع عقليا، فمقتضى الاصل فساد العمل، لان المأمور به معلوم من حيث القيود والشروط، بحيث لو كان توصليا لكان مجزيا. وإنما الشك في أن القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بايجاد العمل في ضمن فرد محرم ام لا ؟ ولا اشكال في لزوم الاتيان ثانيا، حتى يقطع بفراغ ذمته. إذا عرفت ذلك كله فنقول: إن الافعال المتعلقة للنهى على قسمين: قسم اعتبر في صحته قصد القربة، وهو الذى يسمى بالعبادة، وقسم لم يعتبر فيه ذلك، فان جعلنا النزاع في المقام راجعا إلى الامر العقلي وهو أنه - بعد الفراغ عن وجود الجهة في الطبيعة - هل تقتضي مبغوضية ايجادها في ضمن خصوص فرد فساد العمل لو أتى به في الفرد المحرم ام لا ؟ ] [ 188 ] وحينئذ إن كان لدليل العبادة اطلاق مع انفصال النهي - كما هو المفروض - نأخذ بالاطلاق فيما إذا كانت الحرمة التكليفية معلومة، وكان الشك في الوضعية فقط. وأما إذا كان النهي مرددا بين الوضعي والتكليفي، فلا يجوز التمسك بالاطلاق، لدوران الامر بين تقييد الهيئة والمادة. ولا ترجيح. نعم على القول بترجيح تقييد الهيئة، فاطلاق المادة محفوظ. ثم إنه لو لم يكن اطلاق أو كان ولم يكن بحجة - لدوران الامر بين احد التقييدين - فالمرجع الاصول العملية، وهي البراءة في المقام، للشك بين الاقل والاكثر. ثم إنه لو قلنا بامكان اجتماع النهي التحريمي مع العبادة، وتردد النهي بين الوضعي والتكليفي، فيتعارض الاصلان في الطرفين فيتساقطان. نعم لو قيل في الاقل والاكثر بالاشتغال، فلا مانع من اجراء الاصل في الطرفين، إلا انهما عقليان. والاصل العقلي لا يوجب انحلال العلم الاجمالي، كما يوجبه الاصل الشرعي.

[ 298 ]

[ فالحق أنه لا يقتضى الفساد مطلقا. أما في العبادات، فلان ما يتوهم كونه مانعا عن الصحة كون العمل مبغوضا، فلا يحصل القرب المعتبر في العبادات به. وفيه أنه من الممكن ان يكون العمل المشتمل على الخصوصية موجبا للقرب من حيث ذات العمل [ 189 ] وان كان ايجاده في تلك الخصوصية مبغوضا للمولى. ] [ 189 ] ان قلت: لا يخرج النهي المتصور في المقام عن قسمين، لانه اما أن يتعلق بذات المقيد في مقابل العدم، واما أن يتعلق بالاضافة والخصوصية. اما الاول: فقد مر منه - دام ظله - مفصلا امتناع الاجتماع فيه، وخروجه عن محل نزاع الاجتماع والامتناع، كما اعترف به في المقام أيضا. واما الثاني: فقد مر منه - دام ظله - في العبادات المكروهة عدم الاشكال فيه، حتى عند الامتناعي، لتعدد موطن الحكمين، إذ لا منافاة بين محبوبية الخاص ومبغوضية الخصوصية، فما معنى ابتناء الصحة والفساد على الاجتماع والامتناع ؟ قلت: يمكن تصوير قسم ثالث يصح الابتناء المذكور فيه، بان يتعلق النهي بعنوان متحد مع الذات مصداقا، مع التغاير المفهومي، مثل ايقاع الصلاة في الحمام مثلا، فانه عنوان متحد مع الصلاة في الحمام، ولكنه غير الذات مفهوما وغير الخصوصية مفهوما ومصداقا، بل منتزع من الذات والخصوصية، وقد مر في بحث الاجتماع أن موطن الحكمين إذا كانا مختلفي المفهوم يجري النزاع، وان كان احدهما اخص مطلقا فالمنهي عنه والمبغوض عنوان الايقاع، والمأمور به عنوان الصلاة، ولا مانع من الحكمين الا الاتحاد المصداقي على الامتناع، هذا غايه التوجيه لمرامه - دام ظله -. لكن فيه: ان عنوان ايقاع الصلاة في الحمام مفهوم انتزاعي، وقد مر ان الامر بمثله راجع إلى الامر بمنشأه، ومنشأ الانتزاع ليس الا نفس الصلاة مع الخصوصية، فيرجع النهي عن ايقاعها إلى النهي عنها مع الخصوصية، فتكون الصلاة في الحمام بما هي منشأ للمبغوض مبغوضة وبما هي صلاة محبوبة، فيرجع الامر إلى اجتماع الحكمين =

[ 299 ]

[ وبعبارة اخرى فكما أنا قلنا في مسألة اجتماع الامر والنهى بامكان أن يتحد العنوان المبغوض مع العنوان المقرب، كذلك هنا من دون تفاوت، فان اصل الصلاة شيئ، وخصوصية ايقاعها في مكان مخصوص مثلا شيئ آخر مفهوما، وإن كانا متحدين في الخارج. نعم لو تعلق النهى بنفس المقيد وهى الصلاة المخصوصة، فلازمه الفساد من جهة عدم امكان كون الطبيعة - من دون تقييد - ذات مصلحة توجب المطلوبية، والطبيعة المقيدة بقيد خاص ذات مفسدة توجب المبغوضية. والحاصل أنه كلما تعلق النهى بامر آخر يتحد مع الطبيعة المأمور بها، فالصحة والفساد فيه يبتنيان على كفاية تعدد الجهة في تعدد الامر والنهى ولوازمهما من القرب والبعد والاطاعة والعصيان والمثوبة والعقوبة، وحيث اخترنا كفاية تعدد الجهة في ذلك، فالحق في المقام الصحة، وكلما تعلق النهى بنفس المقيد لا يمكن كون الفعل صحيحا، وإن قلنا بكفايه تعدد الجهة، فان الجهة الموجبة للمبغوضية ليست مباينة لاصل الطبيعة، حتى في عالم الذهن، فلا يمكن أن تكون مبغوضة، ويكون اصل الطبيعة محبوبة من دون تقييد. [ وبعبارة اخرى لو بقيت المحبوبية التى هي ملاك الصحة في العبادة في المثال، يلزم كون الشئ الواحد خارجا وجهة محبوبا ومبغوضا، وهو مستحيل. هذا حال العبادات وأما غيرها، فلا ينافى النهى فيها الصحة ] = في الواحد ذهنا وخارجا ولا يقاس الايقاع بالغصب، لان منشأ الغصب كما مر طبيعة الحركة في حال عدم اتحادها مع الخصوصيات، بخلاف ايقاع الصلاة فان منشأه نفس الصلاة كما هو واضح.

[ 300 ]

[ مطلقا، لوضوح امكان أن تكون الطبيعة مشتملة على غرض من اغراض الامر مطلقا، فيحصل ذلك الغرض في الفرد المبغوض. ولا نعنى بالصحة الا ذلك. هذا في غير العقود والايقاعات. وأما فيهما فالنهى يدل على الصحة إذا تعلق بهما بلحاظ الاثار [ 190 ]، إذ لولا ذلك لزم التكليف بالمحال، كما هو واضح. نعم لو تعلق بنفس الاسباب مع قطع النظر عن ترتب المسببات، فليس النهى دليلا على الصحة ولكنه لا ينافيها ايضا، لوضوح امكان ترتب الآثار المتوقعة من تلك الاسباب على ما يكون مبغوضا منها. نعم قد يستفاد من بعض النواهي أن ورودها ارشاد إلى فساد متعلقها. ] [ 190 ] واجمال القول فيهما ان النهي إما أن يتعلق بالسبب أو المسبب أو التسبيب في نظر العرف في كل منهما: وإما ان يتعلق بكل منهما بلحاظ الواقع، وفي كل منها إما أن يكون الردع والاجازة من الشارع بعنوان الردع والاجازة من المالك، حيث انه - تعالى شأنه - مالك الملوك، وإما أن يكون بعنوان التشريع والجعل الالزامي امرا كان أو نهيا أو الترخيص عند التحليل والاجازة. أما النهي التشريعي إذا تعلق بكل واحد من السبب أو المسبب أو التسبيب مقيدا بالنظر العرفي، فلا يلازم الصحة ولا الفساد ووجهه واضح. واما إذا تعلق بواحد منها مقيدا بالواقعي، فهو لا محالة دال على الصحة، لانه لو لم يصح يلزم تعلق النهي بغير المقدور وهو محال. واما النهي المالكى إذا تعلق بالمسبب، فواضح أنه يوجب الفساد، وكذا التسبيب من غير فرق فيهما بين العرفي وغيره. وأما إذا تعلق بالسبب، فالظاهر فيه أيضا الفساد، لظهوره في عدم الامضاء كما في المالك المجازي إذا قال لا ارضى بذلك العقد، نعم يمكن عقلا رضاه بالمسبب على تقدير وقوع السبب، لكنه خلاف الظاهر.

[ 301 ]

[ وهذا لوجود قرائن في المقام، ولولاه لزم حمله على ما هو ظاهر فيه من التحريم الغير المنافى للصحة [ 191 ]، بل موجب لها في بعض المقامات، كما عرفت. هذا، وقد يقال إن مقتضى القواعد وان كان كذلك الا ان في الاخبار ما يدل على أن التحريم ملازم للفساد شررعا، مثل ما رواه في الكافي والفقيه عن زرارة عن الباقر عليه السلام سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده ان شاء اجازه وان شاء فرق بينهما، قلنا اصلحك الله تعالى إن حكم بن عيينة وابراهيم النخعي واصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا يحل اجازة السيد له، فقال ابو جعفر عليه السلام إنه لم يعص الله وانما عصى سيده، فإذا اجاز فهو له جائز (1). حيث أنه يدل على انه لو كان النكاح محرما شرعا لبطل، بل يشعر بان الملازمة بين المعصية والفساد من المسلمات بين الاصحاب، وإنما اشتبه من قال بفساد النكاح في الفرض، من جهة تخيل ان التحريم المستلزم للفساد أعم من أن يكون متعلقا بعنوان المعاملة باصل الشرع، أو يكون من جهة وجوب متابعة السيد. ويمكن أن يقال ليس المراد من المعصية في الرواية مخالفة النهى التحريمي، بل مخالفة النهى الوضعي، إذ من المتعارف إطلاق المعصية عرفا ] [ 191 ] لكن الظاهر أن النواهي المتعلقة بعنوان المعاملات - دون امر خارج عنها كالبيع وقت النداء - ظاهرة في الوضعي كما لا يخفى. ولعله الوجه في الاجماع المدعى على ذلك.


(1) وسائل الشيعه الجزء (14) الباب (24) من أبواب نكاح العبيد والاماء، الحديث (1). (*)

[ 302 ]

[ على عقد لم يشرعه الشارع ولم يمضه [ 192 ] ومن المعلوم أن العصيان بهذا المعنى ملازم للفساد، فتأمل. ] [ 192 ] لكن الانصاف أنه خلاف الظاهر، فان اطلاق المعصية على مثل بيع الهواء كما ترى، ولعله لذلك أو بعض ما يأتي امر بالتأمل. ان قلت: إن المعصية في مورد الرواية - اعني معصية العبد للسيد - لم تكن تكليفية كما هو الظاهر من قول السائل (تزوج بغير اذن مولاه) وإلا كان الا نسب أن يقول (مع نهي مولاه) فحمل المعصية على التكليفي يستلزم خروج المورد. قلت: اولا: أنه يحتمل قريبا أن يكون المراد من التزويج بغير الاذن هو التزويج مع النهي، فان اطلاق تلك العبارة في هذا المعنى شايع، وحملها عليه اظهر من حمل المعصية على مخالفة النهي الوضعي. وثانيا: أنه لو سلم ظهور المورد فيما ذكر، نقول: خصوصية المورد لا تخصص عموم العلة، والمعصية التي جعلت في الرواية علة للبطلان أعم من معصية الحكم الوضعي والتكليفي، فاطلاقها يقتضي بطلان المعاملة المنهي عنها، ولو بالنهي التكليفي. نعم لا يستفاد منها الافساد ما كان بذاته منهيا عنه، لا بعنوان آخر، بل يستفاد منها الصحة فيه كما هو واضح. والحاصل: أن دلالة الرواية على الفساد غير قابلة للانكار. ويمكن أن يستدل له ايضا برواية تحف العقول، حيث قال (ع): (واما وجوه الحرام من البيع والشراء، فكل امر يكون فيه مما هو منهي عنه من جهة اكله وشربه - إلى قوله - فجيمع تقلبه في ذلك حرام) (1) فانه (ع) ذكر في عداد ما فيه وجه من وجوه الفساد البيع بالربا الذي لا فساد في متعلقه، وإنما يكون الفساد في نفسه، فكأن الرواية صريحة في أن المعاملة المحرمة في نفسها ايضا من وجوه الحرام. والظاهر أن المقصود من وجوه الحرام هو الفاسد من المعاملات، ويكون وجوه الحرام ووجوه الحلال هما الوضعيان أو ما يشملهما، لا خصوص التكليفي، نظير (أحل الله البيع) ويشهد له قوله (ع): (وجميع


(1) وسائل الشيعه الجزء (12) الباب (2) من أبواب ما يكتسب الحديث (1) (*)

[ 303 ]

[ فصل في المفاهيم والمراد من المفهوم هو القضية الغير المذكورة التابعة للمذكورة لخصوصية مستفادة منها [ 193 ]. واعلم ان النزاع في باب المفاهيم راجع ] = التقلب فيه إلا في حال الضرورة) (1) فانه لا معنى لحرمة جميع التقلبات في المأخوذ بالمعاملة المحرمة إلا البطلان. والحاصل: أن الروايتين ظاهرتان في المقصود، مع أنه نقل الاستاذ - دام بقاه - في مجلس الدرس عن سيده الاستاذ: تحقق الاجماع على بطلان المعاملة المنهي عنها بذاتها، ولعله والخبرين يغنيان عن كلفة الاستدلال بشئ آخر. لا يقال: إن الظهار محرم، ومع ذلك تترتب عليه الآثار. لانا نقول: إن الظهار بمعناه المتداول بين اهل الجاهلية باطل لا يترتب عليه اثر في شرعنا، لانهم كانوا يعاملون معه معاملة الطلاق، وتلك الآثار المترتبة عليه في شرعنا مترتبة على فاسده والمنفي بالرواية أو الاجماع هو الآثار المترتبة على المعاملة، مع قطع النظر عن النهي. ثم إنه نقل عن ابي حنيفة التمسك لصحة العبادة بالنهي عنها، كما استدل به غيره في المعاملات. والظاهر أن من لا يرى منافاة بين النهي وصحة العبادة، بان يقول باجتماع الامر والنهي، وبعدم لزوم القرب، وكفاية الجهة، فيمكن ان يستدل به على الصحة بالتقريب الذى مر، واما القائل بالمنافاة عقلا، فلا مجال له للاستدلال لها به، لان الصحة مع النهي محال بالفرض، فلابد أن يحمل النهى على ما لولا النهي لكان عبادة أو على الارشاد على عدم الامر، فتكون الحرمة تشريعية لا مولوية. فصل في المفاهيم [ 193 ] شرطية كانت أو غيرها، موافقة للمنطوق كانت أو مخالفة، خبرية كانت أو


(1) وسائل الشيعه الجزء (12) الباب (2) من أبواب ما يكتسب به الحديث (1) (*)

[ 304 ]

[ إلى الصغرى وان القضية الكذائية هل لها مفهوم اولا فلو احرز المفهوم فلا اشكال في حجيته. 1 - مفهوم الشرط ومن المفاهيم مفهوم الشرط، واختلف في الجلمة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء، كما تدل على الثبوت عند الثبوت إما بالوضع وإما بقرينة عامة يظهر منها ذلك، بحيث لو أراد المتكلم غيره، فلا بد له من اقامة قرينة خاصة ام لا ؟ إذا عرفت هذا فنقول ما يحتمل ان يكون مدلولا للقضيية امور: (احدها) - أن يكون مدلولها مجرد الثبوت عند الثبوت على أي نحو كان، ولو من باب المقارنات الاتفاقية، من دون دلالة على الارتباط واللزوم اصلا، فضلا عن أن تكون دالة على الحصر. (ثانيها) - ان يكون مفادها ما ذكر مع زيادة ارتباط ولزوم بين المقدم والتالى، باى نحو من اللزوم، سواء كان الاول علة للثاني أو الجزء الاخير لها، ام كان الثاني علة للاول، ام كانا معلولين لثالثة ونحو ذلك. (ثالثها) - ان يكون اللزوم المستفاد منها تأثير المقدم في الجزاء، سواء ] = انشائية والظاهر أن تعريف المفهوم بذلك أولى من التعريف بأنه حكم لغير مذكور، لان الظاهر منه عدم اتحاد موضوع القضيتين، وسيجئ اشتراط اتحادهما، ويظهر من التعريف المذكور كون المفهوم من المداليل الالتزامية، يحكم بها العقل لخصوصية مستفادة من اللفظ. وبهذا الاعتبار يعد من دلالة الفاظ. ثم إنه هل يطلق المفهوم على كل مدلول التزامي، ويجري فيه النزاع كلوازم الامارات مثلا ؟ الظاهر عدم التزامهم بذلك، وتحقيقه يحتاج إلى تأمل.

[ 305 ]

[ كان علة تامة ام كان احد اجزائها. (رابعها) - ذلك مع زيادة أن المقدم علة تامة للتالى. (خامسها) - احد الاخيرين مع زيادة دلالتها على الحصر. والانصاف ان الاحتمال الاول ليس مفادا للقضية، ولا يبعد دعوى ظهورها في ترتب التالى على المقدم [ 194 ] واما كون المقدم من قبيل العلة المنحصرة أو جزئها المنحصر، فلا نجزم به بعد مراجعة الوجدان مرارا، اترى أنه لو قال المتكلم (إن جاءك زيد فأكرمه) فسأل المخاطب إن لم يجئ، ولكنه اكرمني هل اكرمه أولا، فأجاب اكرمه هل يكون كلاما منافيا للظهور المنعقد لكلامه الاول [ 195 ]. لا اظنك تجزم بذلك بعد التأمل. واما الادلة التى يستدل بها في المقام فكلها مخدوش. (منها) - ان القضية المشتملة على كلمة (لو) تدل على امتناع التالى لامتناع المقدم بالاتفاق، وبشهادة التبادر والوجدان. وليس ذلك الا لدلالتها على حصر العلة [ 196 ]، إذ لولا ذلك فمجرد امتناع العلة التى ] 1 - مفهوم الشرط [ 194 ] الظاهر عدم ظهورها في الترتب ايضا، بل المتيقن أنه يستفاد منها الملازمة بين المقدم والتالي، وإن كانا معلولين لعلة ثالثة. ولذا يصح قولنا (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) مع عدم الترتب، نعم لا يبعد ظهورها في ذلك ابتداءا في الانشائيات. لكن الظاهر أن ذلك ايضا بدوي. [ 195 ] الظاهر عدم المنافاة حتى بنحو يستلزم التخصيص، مع انه لو استفيدت العلية المنحصرة لكان ذكر علة اخرى منافيا لها بنحو التباين، فانه فرق بين تخصيص العام وبيان علة اخرى بعد اظهار انحصارها كما لا يخفى. [ 196 ] الظاهر ان كلمة (لو) قد تستعمل لاثبات عدم العلة بعدم تحقق المعلول وجدانا، كما في قوله - تبارك وتعالى - (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) =

[ 306 ]

[ جعلت مدخولة لكلمة لو، لا يستلزم انتفاء المعلول، فعلم ان كلمة (لو) تدل على أن مدخولها علة منحصرة للجزاء. ومن البعيد التفكيك بينها وبين سائر ادوات الشرط. وفيه انه من الممكن أن يقال إن امتناع التالى يستفاد من مفاد كلمة (لو) كامتناع المقدم في عرض واحد [ 197 ] لا أنه مستفاد من حصر العلة. هذا مضافا إلى أن مجرد الاستبعاد لا يعد دليلا يعتمد عليه. و (منها) - انه بعد فهم اللزوم بين المقدم والتالى، يحمل على العلية المنحصرة، لكونها اكمل افراد اللزوم [ 198 ]. ] وفي هذا المقام لا تستفاد العلية المنحصرة، كما لا يتوقف اثبات مثل ذلك المقصود عليها، لان عدم المعلول كاشف عن عدم وجود العلة منحصرة كانت ام متعددة، فان عدم الفساد يدل على عدم التعدد، سواء كان للفساد علة اخرى معدومة مثل التعدد أم كانت منحصرة. وقد تستعمل لبيان انتفاء المعلول الموجود على تقدير انتفاء العلة الخاصة مثلا، مثل (لولاك لما خلقت الا فلاك)، أو (لولا على لهلك عمر) وفي هذا المقام وإن كان يستفاد عدم علة فعلا للمعلول المذكور غير ما ذكر بعد (لو) بحيث لو لم يكن، لم يكن هذا المعلول موجودا، وكانت القضية مسوقة لذلك، لكن هل ذلك من عدم العلة اصلا ومن رأس، أو عدمها فعلا وان كانت متعددة بالذات ؟ فلا دلالة لها على أحدهما، فانها تستعمل في الثاني ايضا بلا تمحل، كما تقول (لولا احسانك لمت) فكيف كان لا يستفاد من القضية المشتملة على (لو) انحصار العلة ذاتا فتأمل. [ 197 ] الظاهر ان امتناع الثاني فيما يستفاد انما يستفاد من حصر العلة ولو فعلا، لا انه يستفاد من كلمة (لو) ابتداءا، والدليل على ذلك الوجدان، فان قضية لولا علي (ع) لهلك عمر يستفاد منها أن العلة لعدم هلاك عمر منحصرة ولو فعلا بوجود على - سلام الله عليه - وذلك واضح. [ 198 ] قد يجاب عن ذلك بعدم امكان طرو التقييد في المعنى المستفاد من =

[ 307 ]

[ وفيه (أولا) ان انحصار العلية في شئ لا يوجب اكمليتها، إذ بعد كون شئ علة، فوجود شئ آخر مثله في العلية لا يوجب نقصا فيه، كما أن عدمه ليس كما لا له، كما هو واضح. و (ثانيا) إنصراف الشئ إلى الفرد الكامل ممنوع، لانه ليس منشأ للانصراف، وهل ترى من نفسك أن الانسان ينصرف إلى خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله ؟ والحاصل أن ميزان الانصراف انس اللفظ إلى معنى خاص، بحيث يفهم العرف منه ذلك المعنى، واكملية الشئ لا ربط لها بهذا المقام. و (منها) - ان اللزوم المستفاد من الجملة يحمل على العلية المنحصرة بمقدمات الحكمة، كما أن الطلب يحمل على النفسي عند الاطلاق دون الغيرى، كما أنه يحمل على التعييني دون التخييري. وفيه (أولا) انه ليس حمل الطلب على النفسي والتعييني من جهة الاطلاق، بل يحمل على النفسي عند الشك في كونه نفسيا أو غيريا، وعلى التعييني عند الشك في كونه تعيينيا أو تخييريا، إما من جهة ظهوره عرفا فيها عند خلو اللفظ عما يدل على غيرهما، وإما من جهة أن الطلب المتعلق بشئ حجة عقلا على كونه واجبا نفسيا تعيينيا، بمعنى أنه لو كان كذلك في الواقع لصحت العقوبة على مخالفته، ولا يجوز عند العقل الاتيان بما يحتمل أن يكون بدلا له. ] = أداة الشرط، لانه معنى حرفي، ولا اطلاق فيه اصلا، حتى يقال بعدمه في مورد بالانصراف. وفيه: أنه قد مر في المعاني الحرفية إمكان طرو التقييد فيها، فراجع والعمدة في الجواب ما في المتن.

[ 308 ]

[ (ثانيا) أنه لو سلم أن حمله عليهما إنما يكون من جهة مقدمات الاطلاق، فقياس ما نحن فيه عليه قياس مع الفارق، فان حمل الطلب على النفسي والتعييني عند الاطلاق، إنما هو من جهة أنهما قسمان من الطلب في قبال قسمين آخرين منه، ولكل من الاقسام أثر خاص، فلو لم يحمل على قسم خاص، فلابد من الالتزام بالاهمال. والمفروض كونه في مقام البيان، فيجب أن يحمل على ما هو اخف مؤنة من الاقسام، والنفسي أخف مؤنة من الغيرى، فان الغيرى يحتاج إلى لحاظ الغير، وكذا التعييني اخف مؤنة من التخييري، لانه يحتاج إلى ذلك البدل. وهذا بخلاف انحصار العلة، فانه عنوان منتزع من عدم علة اخرى. ومن المعلوم أن وجود علة اخرى وعدمها ليسا موجبين لتفاوت العلة اصلا، فلو اراد بيان الانحصار يحتاج إلى دال مستقل آخر، كما أنه لو اراد بيان عدمه، يحتاج إلى مبين آخر فافهم [ 199 ]. ومما استدل به المثبتون إطلاق ترتب الجزاء على الشرط. وتقريب الاستدلال به أن مقتضى إطلاق ذلك أن يكون الجزاء مستندا إلى خصوص الشرط دائما، سواء وجد شئ آخر سابقا عليه أو مقارنا له ام لا. وهذا لا ينطبق إلا على العلة المنحصرة، فانه لو تعددت العلة، فلو كانت سابقة على ما ذكر في القضية، يكون الجزاء مستندا إليها، وإن كانت مقارنة له، يكون الجزاء مستندا إلى مجموع العلتين. والجواب أنه لو تكرر المسبب بتعدد الاسباب، يلزم اهمال السبب ] [ 199 ] لعله اشارة إلى ان المتكلم إذا كان بصدد بيان تمام العلل، واقتصر على ذكر واحدة أو اثنتين، يستفاد منه الانحصار لكن لا يخفى أن ذلك منحصر في مثل المقام، وهو قرينة خارجية غير مدلول اداة الشرط، بما هو، كما هو مورد النزاع.

[ 309 ]

[ أو استناد المسبب إلى مجموع السببين، فيحفظ الاطلاق المستفاد من القضية، وهو أنه متى يوجد الشرط يترتب عليه الجزاء، من دون لزوم القول بالحصر. واما لو فرضنا أن الجزاء واحد على كل حال، فاللازم على تقدير تعدد الاسباب وإن كان عدم ترتبه على الشرط اصلا احيانا، وعدم كونه مستقلا كذلك لكنك عرفت مما تقدم أنا لم نسلم دلالة القضية على كون الشرط علة تامة، بل المقدار المسلم وقوع الجزاء عقيب الشرط مع ربط بينهما، ويكفى في الربط كونه صالحا للتأثير فيه [ 200 ]، وان منع من تأثيره سبق علة اخرى. ] [ 200 ] الظاهر أنه فيما تستفاد العلية تستفاد العلية الفعلية لا مجرد الصلاحية، نعم لو احرز عدم قابلية المحل في مورد، فذلك قرينة قطعية على ارادة خلاف الظاهر، فاللازم الحمل على الظاهر ما لم يكشف الخلاف. وقرر الطلاق في الفصول بتقريب آخر، وهو ان ظاهر اللفظ في مثل (ان جاءك زيد فأكرمه) ان المجئ بنفسه علة لوجوب الاكرام، لا ان العلة هي القدر المشترك بينه وبين شئ أو اشياء اخر. وانما ذكر المجئ من باب ذكر احد الافراد، نظير ما يأتي من الاستاذ - دام بقاه - في تقريب عدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة في المطلق: من أن ظاهر اسناد الحكم إلى المطلق أنه بنفسه موضوع للحكم، لا ان الموضوع هو الخاص، واسند إلى المطلق من باب اتحاده مع الخاص. وقد اجيب عنه: بأن الظاهر من القضية المذكورة ليس إلا أن ذات زيد بما هي ليست موضوعا للقضية، من دون قيد خارج وأما أن القيد خصوص المجئ أوجئ به من باب المثال، أو أنه احد الافراد، فلا ظهور لها فيه. لكن الظاهر عدم تماميته: لان الظاهر من القضية أن المجئ بنفسه مؤثر في الاكرام ودخيل فيه، فالاولى في الجواب أن يقال: إن ظهور القضية في تأثير خصوص المجئ مما لا ينكر، لكن الطبيعة إذا كانت بوجودها السارى مؤثرة في شئ، فيصح إسناد المؤثرية إلى كل فرد منها بالخصوص، كما يصح الاسناد إلى اصل الطبيعة. فكما =

[ 310 ]

[ ثم إن كل من استدل على ثبوت المفهوم بالاطلاق المستفاد من الحكمة، فكلامه - على فرض تماميته - خارج عن المدعى، لان المدعى ثبوت المفهوم للقضية الشرطية دائما، وأن القضية الشرطية تنحل إلى عقد ايجابي وسلبي، والاطلاق المستفاد من المقدمات ليس دائميا، لانه تابع لوجود المقدمات. حجة المنكرين امور: (الاول): أن ما استدل به السيد (قدس سره) من أن تأثير الشرط هو تعليق الحكم عليه، وليس يمتنع ان يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجرى مجراه، ولا يخرج عن كونه شرطا، فان قوله تعالى: (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم) (1) يمنع عن قبول الشاهد الواحد حتى ينضم إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الاول شرط في القبول. ثم علمنا أن ضم اليمين يقوم مقامه ايضا، فنيابة بعض الشروط عن بعض اكثر من أن تحصى، مثل الشمس فان انتفاءها لا يستلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار مقامها. والامثلة لذلك كثيرة عقلا وشرعا انتهى) والظاهر انه (قدس سره) قد استظهر من كلام القائلين بالمفهوم أن ذلك من جهة الشرطية، وأن لازمها انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، فورود ما افاده على هذا الكلام واضح لا اشكال فيه. ولكن المدعين لم ] = يصح أن يقال: (النار محرقة) كذلك يصح أن يقال (هذه النار المخصوصة محرقة). نعم لو كان المؤثر صرف الطبيعة بحيث لا يسري التأثير إلى الخارجيات، فلا يكون الاسناد إلى الافراد الا من باب الاتحاد. إذا عرفت ذلك تعلم أن استظهار العلية لخصوص الشرط من القضية، لا يلازم الانحصار، ومن دونه لا تدل على المفهوم.


(1) سورة البقرة، الآية 282. (*)

[ 311 ]

[ يتشبثوا بمجرد اطلاق الشرط، بل يدعون ظهور الجملة في كون مدخول اداة الشرط علة منحصرة للجزاء، فلا يصح التقابل معهم الا بنفى هذا الظهور. (الثاني) - أنه لو دل لكان باحدى الدلالات، والملازمة كبطلان التالى واضحة. واجيب بمنع بطلان التالى، وأن الالتزام ثابت. وقد عرفت الكلام في ذلك. (الثالث) - قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) وفيه أن القائل بالمفهوم يشترط أن لا يكون الشرط محققا للموضوع، والشرط في القضية المذكورة محقق للموضوع، فان الاكراه لا يتحقق الا مع ارادة التحصن. هذا مضافا إلى ان استعمال القضية الشرطية فيما لا مفهوم له احيانا مما لا ينكر، إنما الكلام في ظهورها فيما له مفهوم وضعا أو بقرينة عامة وعدمه، والمدعى يقول بالاول. ومجرد الاستعمال بقرائن خارجية في بعض المقامات لا ينافى دعواه. ينبغى التنبيه على امور (الاول) - أن المفهوم لو قلنا به هو انتفاء سنخ الحكم عن الموضوع المذكور في القضية في غير مورد الشرط لا شخصه، ضرورة أن ارتفاع شخص الحكم بارتفاع بعض قيود الموضوع عقلي. وهذا ليس من المفهوم المتنازع فيه، وهكذا مفهوم الوصف وباقى المفاهيم التى وقعت موردا للنزاع، فيكون مورد النزاع منحصرا فيما كان الحكم بسنخه قابلا للثبوت وعدمه في غير مورد الشرط. ومن هنا ظهر انه ليس من باب المفهوم الحكم بالانتفاء عند

[ 312 ]

الانتفاء في باب الوصايا والاوقاف ونظائرهما، فانه لو اوصى بثلث ما له مثلا للعلماء فمن كان خارجا عن العنوان لا يكون موردا لهذه الوصية قطعا، ولا يمكن ان يكون المال - بعد انتقاله إلى العلماء بموت الموصى، وكونه ملكا لهم - مالا لغيرهم. وهكذا حال الوقف وامثاله، فعدم كون المال لغير المتصف في مثال الوصية، وكذا عدمه لغير المتصف بعنوان الموقوف عليه، فيما لو وقف على عنوان خاص ليس من باب مفهوم اللفظ. هذا وقد خالف فيما ذكرنا - من أن المناط في باب المفهوم انتفاء سنخ الحكم - بعض اساطين الفن، وجعل المفهوم في قولنا (اكرم زيدا ان جاءك) انتفاء شخص الوجوب المتحقق في هذه القضية، على تقدير انتفاء الشرط، ولعل نظره إلى أن هيئة افعل موضوعة بالوضوع العام والموضوع له الخاص بازاء جزئيات الطلب، فما هو جزاء في القضية المذكورة هو الوجود الجزئي الشخصي المتعلق باكرام زيد، دون حقيقة الوجوب المتعلق باكرام زيد، ولم تحضرني عبارته حتى اتأمل في مراده (قدس سره). اقول: لو كان الوجه ما ذكرنا، ففيه (اولا) ما عرفت في تحقيق معنى الحروف، وانها موضوعة كاسماء الاجناس للمعنى العام، ومستعملة فيه حينئذ لا مورد لهذا الكلام. و (ثانيا) ان الشرط - في قولنا إن جاءك زيد فأكرمه - يستدعى حقيقة ايجاب الاكرام، لا الايجاب الجزئي الشخصي المتحقق بجميع الخصوصيات، إذ ليس لنا شرط في القضايا الشرطية يكون كذلك، غاية الامر حقيقة الايجاب لا تتحقق الا في ضمن الايجاب الخاص، ونسلم منك أنه ليس لتلك الحقيقة لفظ موضوع، ولكنا نفهم أن الايجاب الجزئي المدلول عليه باللفظ الخاص ليس معلولا للشرط المذكور في

[ 313 ]

القضية، بل المعلول هو الحقيقة الموجودة في ضمنه. وحينئذ فبعد فهم حصر السبب من القضية لازمه ارتفاع حقيقة وجوب اكرام زيد في مورد عدم الشرط. (الثاني) أنه لابد - في مفهوم القضية الشرطية على القول به - من حفظ الموضوع مع تمام ما اعتبر قيدا في الموضوع أو الشرط أو في طرف الجزاء، وينحصر اختلافه مع المنطوق في امرين: - (احدهما) - انتفاء الشرط في المفهوم وثبوته في المنطوق. (ثانيهما) - ان يكون الحكم الثابت في المفهوم نقيض ما ثبت في المنطوق، فمفهوم قولك: إن جاءك زيد راكبا يوم الجمعة فاضربه ضربا شديدا - إن لم يجئك زيد راكبا يوم الجمعة، فلا يجب عليك أن تضربه ضربا شديدا. ومن الاعتبارات الراجعة إلى القضية الشرطية الكل المجموعى، فلو قال: إن جاءك زيد فتصدق بكل مالك، على نحو الكل المجموعى، فمفهومه عدم وجوب التصدق بمجموع المال على تقدير عدم الشرط. وهذا مما لا اشكال فيه. أما لو وقع العموم الاستغراقي في موضوع الجزاء، فهل تقتضي القاعدة مراعاته في طرف المفهوم، فيكون المفهوم من قولنا: - (ان جاءك زيد فاكرم كل عالم على نحو الاستغراق الافرادى - عدم وجوب اكرام الكل على تقدير عدم الشرط، حتى لا ينافى وجوب اكرام البعض أو عدم مراعاته، حتى يكون المفهوم من القضية المذكورة السالبة الكلية. ومن هنا وقع النزاع بين امامى الفن الشيخ محمد تقى وشيخنا المرتضى قدس سرهما في حديث إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ، فادعى الاول بداهة أن المفهوم هو الايجاب الكلى واستدل - في الطهارة على ما هو ببالى - بان العموم لوحظ مرآة وآلة لملاحظة الافراد،

[ 314 ]

فكأنه لم يذكر في القضية الا الاحكام الجزئية المتعلقة بالافراد، فيكون تعليق هذا الحكم - المنحل إلى احكام جزئية عديدة على بلوغ الكرية - منحلا إلى تعليقات عديدة، ولازم حصر العلة كما هو المفروض أنه في صورة انتفاء الكرية ينقلب كلى نفى إلى الاثبات. ويمكن أن يستدل لهذا المطلب بوجه آخر، وهو أنه بعد فرض حصر العلة في الكرية يلزم ان لا يكون لبعض افراد العام علة اخرى إذ لو كان لبعض الافراد علة اخرى يتحصل المجموع من علتين وهذا خلف ولازم ذلك في القضية المذكورة الايجاب الكلى في صورة عدم الكرية وهذا واضح. والحق أن القضية المذكورة وامثالها ظاهرة في أن عمومها ملحوظ وأن المفهوم في القضية المذكورة هو الايجاب الجزئي، والدليل على ذلك التبادر [ 201 ] ولا ينافى دعوى التبادر المذكور ما تقدم سابقا من إنكار اصل المفهوم في القضايا الشرطية، فان هذا التبادر المدعى هنا يكون في ] [ 201 ] قد يقال: باستحالة ما ادعى التبادر عليه في المتن، بتقريب أن المنشأ إذا كان هو الحكم على كل واحد من الافراد استغراقا، فلا يكون الملحوظ والمجعول في القضية إلا كل واحد من الاحكام، ومعلوم أن النسبة المحلوظ هي التي علقت على الشرط، ولم يلحظ شئ واحد حتى يقال: انه معلق على الشرط، وبانتفاء الشرط ينتفي هذا الواحد، والجامع بين الافراد وإن كان واحدا لكن لم يلحظ في المقام إلا مرآتا لملاحظة الافراد. ومعلوم أن الملحوظ كذلك غير قابل للحمل والاسناد استقلالا، حتى تعلق النسبة إليه على الشرط، فلا يكون المعلق على الكرية في المثال إلاعدم انفعال الماء بملاقاة كل فرد من افراد النجاسات، ولازمه على القول بالمفهوم كون الكرية علة منحصرة لعدم انفعال الماء بملاقاة كل فرد من افراد النجاسات. وفيه: أن لازم تعليق الحكم كذلك وان كان ما ذكر، لكن يمكن التعليق =

[ 315 ]

[... ] = بنحو يكون المعلق على الشرط أمرا واحدا، وذلك لانه لا إشكال في ان النسبة في العام الاستغراقي وان كانت متعددة انحلالا، لكنها شي واحد ابتداءا، ضرورة انه فرق بين اكرم زيدا، واكرم عمروا، واكرم خالدا، واكرم كل واحد منهم، فان الانشاء في الثاني واحد بخلاف الاول. إذا عرفت فنقول: تعليق الحكم وارتباطه في العام الاستغراقي يتصور على وجهين: (أحدهما): - تعليقه وارتباطه على نحو المرآتية، بحيث يكون المرتبط والمعلق انحلالا جميع الاحكام، ومقتضاه على المفهوم الدلالة على الحصر كما مر. (ثانيهما): تعليقه وارتباطه بنحو الموضوعية، بحيث تكون نفس تلك النسبة - المنشأة الواحدة ابتداءا - منظورا إليها بالنظرة الثانية مستقلا عند التعليق، وتكون هي المعلقة على الشرط بلا لحاظ المرآتية. ومقتضاه انتفاء تلك النسبة الواحدة عند انتفاء الشرط، وهو اعم من انتفاء جميع الاحكام، ولا يستفاد من المهفوم الايجاب الجزئي. وأما كون تلك النسبة غير ملحوظة في مقام الجعل استقلالا، فلا يضر بامكان تعليقها بنحو الموضوعية، لان خصوصية تلك النسبة ليست الا كنفسها في عدم لحاظها باللحاظ الاستقلالي، فكما يمكن لحاظها ثانيا وارتباطها بالشرط مع أنها معنى حرفي غير مستقل في اللحاظ، كذلك يمكن تعليق تلك النسبة المتخصصة بهذه الخصوصية، التي يكون طرفها شيئا واحدا ابتداءا، ومتعددا بالانحلال بلحاظها ثانيا عند التعليق، إن قلنا بان التعليق يحتاج إلى النظرة الثانوية. وأما إن قلنا بان التعليق في القضايا الشرطية عبارة عن فرض وجود الشرط اولا، ثم انشاء الحكم في هذا الفرض، فلعل الامر اسهل، لان النسبة الواحدة المنشأة بعد فرض الشرط، يمكن أن تكون منظورا إليها بما هي واحدة، ويمكن أن تكون منظورا إليها بما هي متعددة انحلالا. هذا غاية التقريب في اثبات الامكان لما ادعي التبادر عليه، ومع ذلك يحتاج إلى مزيد تأمل، خصوصا على التقريب الثاني، لان معنى العام الاستغراقي عدم كون الجامع ملحوظا الا مرآتا، بلا لحاظ وحدتها الذاتية، وهو مناف للحاظ الوحدة فافهم. =

[ 316 ]

[... ] = ثم ان الظاهر عدم ثمرة عملية للنزاع في المثال، لعدم كون فرد من النجاسات مشكوكا فيه من حيث المنجسية، حتى يستفاد حكمه من المفهوم على الايجاب الكلي، بل المعلوم من الخارج - مع قطع النظر عن ذلك المفهوم - أن كل نجس منجس للماء القليل على القول بانفعاله. نعم اطلاق الحكم بحيث يشمل ورود الماء على النجاسة محل الكلام، وكذلك منجسية خصوص الدم الغير المستبين، فلو جرى مثل ذلك النزاع في الاطلاق، يمكن التمسك بالمفهوم لرفع الشك في المثالين، على القول باستفادة ايجاب الكلي عند انتفاء الشرط، مثل أن يقال هل كما يستفاد من منطوق (إذا بلغ الماء قدر كر..) عدم نجاسة الكر مطلقا باي نحو لاقاه النجس، كذلك يستفاد من المفهوم النجاسة مع عدم الكرية باي نحو لاقاه النجس، ام لا يستفاد منه الاعدم العصمة بنحو الاطلاق ؟ وبعبارة اخرى: هل المفهوم يفيد اطلاق السلب عند عدم الشرط، ام لا يفيد الا سلب الاطلاق ؟ والثمرة على كل منهما واضحة، لكن الظاهر عدم جريان النزاع في الاطلاق، لانه ليس من قيود الكلام حتى يصح الاكتفاء بسلبه في المفهوم، بل الاطلاق في المفهوم والمنطوق يعرض على الحكم بنهج واحد، لان معناه ليس الالحاظ الذات، بلا لحاظ قيد معها حتى السريان، سواء احرزنا ذلك بالمقدمات ام بالظهور اللفظي، كما سيجئ في بيان الاطلاق انشاء الله تعالى. ومعلوم أن تعليق الحكم على الذات بلا لحاظ شئ، لا يدل إلا على انتقاء الحكم عن تلك الذات عند عدم الشرط، من دون نظرالى نفي الاطلاق ولا إلى غيره من القيود. ومقدمات الحكمة على تماميتها تجرى في المنطوق والمفهوم، وكذلك الاستظهار اللفظي لو تم يجري فيما. نعم لو كان الاطلاق في قضية من قيود الكلام، أو كان معناه لحاظ الشمول والسريان - كما نسب إلى مشهور المتقدمين - لكان المفهوم أعم من نفي الحكم ونفي الاطلاق، كما مر في العموم على الخلاف. وأما على المختار فلا مانع من اطلاق المفهوم. ولعل ما نقل عن السيد (قدس سره) - من عدم نجاسة الماء القليل إذا ورد على النجاسة - مبني على المشهور في معنى الاطلاق، أو على انكا المفهوم، أو عدم =

[ 317 ]

[ كيفية مفهوم القضية، وفائدته أنه لو علمنا من الخارج أن القضية المشتملة على الكل الاستغراقي جئ بها لبيان المفهوم، وبنينا على الاخذ بالمفهوم في قضية شخصية من جهة وجود القرائن الخارجية، ناخذ به على نحو ما ذكرنا فلا تغفل. وأما الاستدلال الاول فجوابه أن العموم وإن لوحظ مرآة في الحكم الذى اسند إلى موضوعه، إلا انه لا منافاة بين هذا وبين ملاحظة هذا العموم الاستغراقي امرا وحدانيا، بملاحظة التعليق على الشرط. وهذا أمر واضح لا يحتاج امكانه في مرحلة الثبوت إلى مزيد برهان. وأما الدليل عليه في مرحلة الاثبات، فهو التبادر، فان مفهوم قولنا لو كان معك الامير، فلا تخفف احدا ليس انه في صورة عدم كون الامير يجب الخوف من كل احد [ 202 ]. وأما الاستدلال الثاني، فهو مبنى على الالتزام بان تالى الادوات علة، وهذا غير مسلم حتى بناءا على القول بالمفهوم، إذ يكفى في المعنى المستفاد من تعليق الجزاء كون تالى الادوات جزءا اخيرا للعلة، إما ] = استفادة الايجاب الكلي منه، أو على عدم كون قضية (إذا بلغ..) في مقام البيان، بان تكون في مقام بيان المانع من الانفعال في موارد تمامية المقتضى، لا في مقام تعداد المقتضى، فلا اطلاق لها. لكن الظاهر من مثل تلك القضايا - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - أن المتقضي نفس الملاقاة بأي نحو كان، كما يقال السكين يقطع اليد، فانه معلوم انه يقطع بالامرار. [ 202 ] لا يخفى أن عدم الدلالة على عموم السلب في المثال مستند إلى القرينة، فان الامر بعدم الخوف مع الامير، لا يكون إلا ممن يكون مقتضى الخوف فيه موجودا، لكن لا يبعد تبادر ما استظهر ولو مع عدم القرينة، مثل قولك (إن رزقت ولدا فاعتق كل عبيدك) فانه لا يفهم منه الا عدم اعتاق كل العبيد إن لم ترزق الولد لا بعضهم.

[ 318 ]

[ منحصرا بناءا على القول بالمفهوم، أو اعم من ذلك بناءا على عدمه [ 203 ]. (الثالث) أنه لو تعددت القضايا وكان الجزاء واحدا، فلا يمكن الجمع بين مداليلها الاولية، ضرورة وقوع التعارض بين مفهوم كل منها مع منطوق الاخرى، فلابد من التصرف اما بتخصيص مفهوم كل منها بمنطوق الاخرى، وإما بحملها على بيان مجرد الوجود عند الوجود. واتفرق بينهما أنه على الاول يؤخذ بالمفهوم في غير مورد المنطوق، بخلاف الثاني، وإما بحمل الشرط في كل من القضايا على جزء السبب، واخذ المفهوم من المجموع. واما بالالتزام بأن المذكور في القضايا مصداق للسبب، وما هو سبب هو الجامع بين ما ذكر. ولعل الاظهر هو الوجه الثاني عرفا [ 204 ]. ] [ 203 ] لا يخفى أنه إن دلت القضية على انحصار العلة في تالي الادوات، ولو كان جزء العلة، وقلنا بدلالة القضية على أن المعلق على الشرط كل واحد من الاحكام المنشأة، لا النسبة الواحدة - التي سبق ذكرها في الحاشية السابقة - فتدل القضية على عموم السلب، كما هو واضح، ولا وجه لا نكاره. نعم لو استظهر من القضية أن المعلق على الشرط تلك النسبة الواحدة، فلا تدل الا على سلب العموم، ولو مع استفادة انحصار العلة والتمامية، لعدم المنافاة بين انتفاء تلك النسبة الواحدة، مع عدم انتفاء بعض الاحكام المندرجة تحته مستندة إلى علة اخرى، بان تكون علة المجموع منحصرة، لكن في بعض الافراد علة اخرى تؤثر عند عدم علة المجموع مثلا. فالاولى في الجواب الاحالة إلى ما استظهره أولا، من كون العلة علة للنسبة، لا لكل واحد من المندرجات تحتها، ولا إلى عدم استفادة تمامية العلة من القضية، نعم لو كان المراد من جزء العلة العلة لبعض الاحكام لا تمامها، وإنما اسند العلية في الكل، لانها متممة للكل، لصح الجواب، لكنه خلاف الظاهر جدا. [ 204 ] قد يقال باظهرية الاول لشيوع التقييد والتخصيص، حتى قيل ما من =

[ 319 ]

[ وأما احتمال أخذ إحدى القضايا منطوقا ومفهوما، فلاوجه له اصلا، فانه يوجب طرح غيرها كما لا يخفى. 2 - مفهوم الوصف ومن جملة المفاهيم التى قد وقع النزاع في ثبوتها مفهوم الوصف [ 205 ]. والحق عدم دلالة القضية المشتملة على ذكر الوصف على عدم سنخ الحكم في غير مورده، لا وضعا ولا من جهة قرينة عامة. والتحقيق عدم دلالتها على كون الوصف المذكور في القضية علة للحكم، ] = عام الا وقد خص، فكيف يرفع اليد عن ظهور القضية الشرطية في المفهوم، لعدم لزوم التقييد أو التخصيص في المفهوم ؟ لكنه مخدوش بالفرق بين تخصيص العام المستفاد عمومه من ظاهر اللفظ، أو تقييد المطلق المستفاد اطلاقه من مقدمات الحكمة، أو الظهور على خلاف فيه، فانهما شايعان كما ذكر، وبين تخصيص العام المستفاد عمومه ببركة ظهور القضية في حصر العلة، أو تقييد المطلق المستفاد اطلاقه من ذلك الظهور، فان التخصيص والتقييد في المقامين كاشف عن عدم حصر العلة، وهو مناف للدلالة على الحصر، فلابد في مثل المقام من رفع اليد عن استفادة الحصر لخصوصية المقام، لو لم نقل بعدم الدلالة عليه رأسا. نعم لو كان مستند المفهوم اطلاق ترتب الجزاء على الشرط، فالاولى تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر، لكن تقريبه غير تام كما مر في المتن. 2 - مفهوم الوصف: [ 205 ] قد يتمسك لمفهوم الوصف بما مر من الفصول التمسك به في مفهوم الشرط، وهو ظهور القضية في أن الموضوع - بما هو متصف بشخص هذا الوصف - موضوع للحكم لا بما هو جامع بينه وبين وصف آخر.

[ 320 ]

[ فضلا عن كونه علة منحصرة، لا حتمال كون ذكره في القضية من جهة وجود مانع من تعلق الحكم بالمطلق في مرحلة الاثبات، وإن كان ثابتا له في مرحلة الثبوت، أو لكون الاهتمام بشأنه، أو لعدم احتياج غيره إلى الذكر، وغير ذلك من النكات. نعم قد تستظهر العلية من جهة المناسبة بين الحكم والموضوع، كوجوب الاكرام المتعلق بالعالم، أو وجوب التبين المتعلق بخبر الفاسق، ولا فرق في ما ذكرنا بين الوصف المعتمد على الموصوف وغيره. نعم لازم التقييد بالوصف عدم شمول الحكم في تلك القضية لغير مورد الوصف، وهذا غير المفهوم المتنازع فيه، كما عرفت. ومن هنا يظهر أن بعض الكلمات التى تنقل عن الاعلام في الاستدلال على المقام ليس في محله، مثل ما قيل: (إنه لو لم يكن للوصف مفهوم لما صح القول بالتخصيص في مثل قولنا اكرم العلماء الطوال)، ولما صح حمل المطلق على المقيد، إذ لا تنافى بينهما إلا من جهة دلالة المقيد على سلب الحكم من غيره، إذ هذه الكلمات اجنبية عما نحن بصدده، ضرورة أن نفى وجوب اكرام القصار ليس من جهة أن تقييد العلماء بالوصف دل على عدم الحكم في غير مورده، حتى يكون من باب المفهوم، بل من حيث أن وجوب الاكرام في غير المنصوص يحتاج إلى دليل، والنص لا يشمله. ] = وفيه - مضافا إلى عدم الدلالة على دخل الوصف اصلا - أنه على فرض الدلالة لا تدل القضية الا على كون هذا الوصف بشخصه موضوعا للحكم لا بجامعة. وأما أنه منحصر فلا دلالة لها عليه، فانه يصح اسناد الحكم إلى كل واحد من الافراد، إذا كانت الطبيعة بوجودها السارى موضوعا للحكم، كما إذا كان بشخصه موضوعا للحكم. وقد مر مفصلا في مفهوم الشرط.

[ 321 ]

[ وكذا حمل المطلق على المقيد في مورد نقول به، وهو في صورة احراز وحدة التكليف المتعلق بهما، واظهرية دليل المقيد - في اعتبار القيد من دليل المطلق في الاطلاق - إنما هو من جهة تضييق دائرة الحكم الثابت في القضية، فكأنه من اول الامر ورد الحكم على المقيد. واين هذا من المفهوم المدعى في المقام ؟ ونظير ما ذكر الاستدلال بقولهم (الاصل في القيودان تكون احترازية)، فانه بعد تسليم ظهور كل قيد في ذلك، يوجب تضييق دائرة الموضوع، ولا يفيد انتفاء سنخ الحكم من غير مورد القيد، كما هو واضح. وما استدل به على مفهوم الوصف أن ابا عبيدة - مع كونه من اهل اللسان الذين ينبغى الرجوع إليهم في تشخيص المعاني - قد فهم من قوله عليه السلام (لى الواجد يحل عقوبته) أن لى غيره لا يحل. وفيه أنه ليس ابو عبيدة وغيره باولى منافى فهم هذا المعنى من القضية، بعد القطع بوضع مفرادتها، والقطع بعدم وضع آخر للمجموع. وإنما يفهم المفهوم من خصوص هذه القضية، لان الوصف المأخوذ فيها مناسب لعلية الحكم، مع العلم بعدم علة اخرى كما لا يخفى. (تنبيهان) (الاول) - أنه مما تقرر عند القائل بثبوت المفهوم للوصف أنه يشترط أن لا يكون الوصف واردا مورد الغالب، كما في قوله تعالى: (وربائبكم اللاتى في حجوركم) (1) ويمكن توجيهه بان المفهوم - بعد غلبة وجوده في افراد - ينصرف إليها ولا يحتاج في ذلك إلى ذكر القيد، فذكر القيد وعدمه سيان فهو بمنزلة القيد المساوى، وسيجئ خروجه عن محل النزاع. ]


(1) سورة النساء، الآية 23. (*)

[ 322 ]

[ وفيه منع انصراف المفهوم إلى الافراد الغالبة [ 206 ]، فان ميزان الانصراف انس اللفظ عرفا بالنسبة إلى المعنى الخاص، وليس دائرا مدار الغلبة في الوجود، ويمكن ان يكون وجهه ن الورود مورد الغالب يخرج القيد عن اللغوية، فلا يكون حينئذ دليلا على إرادة المفهوم. وفيه أنه لو كان القول بالمفهوم من جهة الخروج عن اللغوية، لما صح القول به في كثير من الموارد، لوجود احتمال نكتة في ذكر القيد. وهذا في الحقيقة انكار للمفهوم للقضية، واثباته لها في بعض المقامات لقرينة خاصة، مع أن خروج القيد عن اللغوية يكفى فيه كونه دخيلا في الحكم، ولا يدل على الانحصار حتى يلزم منه العدم عند العدم. (الثاني) - أن محل النزاع في المقام هو ما لو كان هناك موضوع محفوظ في كلتا الحالتين. اعني حالة وجود الوصف وعدمه، فيدعي مدعى المفهوم دلالة القضية على عدم سنخ الحكم المتعلق بالموضوع المفروض، فينحصر مورد النزاع فيما تخلف الموصوف عن الصوف، وهو في الاوصاف التى تكون أخص من الموصوف، أو اعم من وجه في مورد تخلف الموصوف،. ما اشرنا في المبحث السابق إلى ان الموارد - التى يكون الشرط محققا للموضوع - ليست محلا للبحث، ففى مثل قولنا: (في الغنم السائمة زكاة) لو قلنا بالمفهوم نقول بدلالته على نفى الزكاة في المعلوفة. واما الابل، فان قلنا بأن في سائمتها زكاة، فمن جهة فهم المناط، وأن العلة لاصل الزاة السوم، فيجرى المعلول في غير المذكور، تبعا للعلة. وإن قلنا بدلالة ] [ 206 ] وايضا لازم الانصراف تقييد الموضوع وتضييقه، وإن لم يكن للقضية مفهوم، والبناء في القيد الوارد مورد الغالب على عدم التقييد. والانصاف عدم صحة التمسك معه، لا بالاطلاق ولا بالقيد للتضييق أو للمفهوم، ووجه يظهر بالتأمل.

[ 323 ]

[ القضية المذكورة على عدم الزكاة في معلوفة الابل، فمن جهة حصر مناط اصل الزكاة في السوم. ولا دخل لشئ مما ذكر بمفهوم الوصف المدعى، كما لا يخفى. 3 - مفهوم الغاية ومن المفاهيم التى وقع الاختلاف فيها مفهوم الغاية. والمنسوب إلى المشهور دلالة الغاية المذكورة في القضية على ارتفاع الحكم، وإلى جماعة - منهم الشيخ والسيد قدس سرهما - عدم الدلالة. والحق ان يقال إن الغاية بحسب القواعد العربية (تارة) تكون غاية للموضوع، و (اخرى) تكون غاية للحكم (الاول) مثل سرمن البصرة إلى الكوفة (والثانى) مثل اجلس من الصبح إلى الزوال، ففى الاول حالها حال الوصف في عدم الدلالة، وان كان تحديد الموضوع بها يوجب انتفاء الحكم المذكور في القضية عند حصولها، لكن قد مر ان هذا ليس قولا بالمفهوم. وفي الثاني الظاهر الدلالة، فان الغاية جعلت - بحسب مدلول القضية - غاية للحكم المستفاد من قوله اجلس. وقد حققنا في محله ان مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب لا الطلب الجزئي الخارجي، فتكون الغاية في القضية غاية لحقيقة الطلب المتعلق بالجلوس. ولازم ذلك ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها. نعم لو قلنا ان مفاد الهيئة هو الطلب الجزئي الخارجي، فالغاية لا تدل على ارتفاع سنخ الوجوب. وبعبارة اخرى لا إشكال في ظهور قولنا (اجلس من الصبح إلى الزوال) في ان الزوال غاية للطلب المستفاد من قولنا اجلس، فان جعلنا

[ 324 ]

مفاد الهيئة حقيقة الطلب المتعلق بالجلوس، فمقتضى جعل الغاية لها ارتفاعها عند تحقق الغاية، وان جعلنا مفادها هو الطلب الجزئي، فلازم ذلك ارتفاع ذلك الطلب الجزئي. ولا ينافى وجود جزئي آخر بعد الغاية. وحيث أن التحقيق هو الاول، تكون القضية ظاهرة في ارتفاع سنخ الحكم عن الجلوس في المثال [ 207 ]. هذا وفي المقام نزاع آخر، وهو أن الغاية هل هي داخلة في المغيى أو خارجة عنها والتحقيق في هذا المقام أن الغاية التى جعلت محلا للكلام في هذا النزاع، لو كان المراد منها هو الغاية عقلا، أعنى انتهاء الشئ، فهذا مبنى على بطلان الجزء الغير القابل للتقسيم وصحته، فان قلنا بالثاني فالغاية داخلة في المغيى يقينا، فان انتهاء الشيئ على هذا عبارة عن جزئه الاخير، فكما أن باقى الاجزاء داخلة في الشئ، كذلك الجزء الاخير، وان قلنا بالاول، فالغاية غير داخلة، لانها حينئذ عبارة عن النقطة الموهومة ] 3 - مفهوم الغاية [ 207 ] الظاهر أن الامثلة مختلفة، فمثل (إن جاءك زيد فاجلس إلى الزوال) لا يتسفاد منه الا انتفاء شخص الحكم المسبب عن مجيئ زيد، ولا تنافي بينه وبين الحكم بوجوب الجلوس إلى الغروب عند مجيئ عمرو. فان قلت: إن كان الموضوع له والمستعمل فيه في الهيئة كليا، فكيف يمكن جعل المغيى شخص الحكم، وهو غير المستعمل فيه. قلت: المستعمل فيه والمنشأ وان كان كليا قبل الانشاء، لكن الانشاء ملازم للتشخص والجزئية بنفس الانشاء. والمتكلم عند جعل الغاية - كما يمكن له النظر بعد الانشاء إلى سنخ الحكم المنشأ وتحديده - كذلك يمكن له النظر إلى شخص المنشأ بعد الانشاء، وتحديده بالغاية، نجعل الغاية له بشخصه، فإذا صح جعل الغاية بكلا النحوين، فاستفادة كل منهما تابع لظهور القضية. وقد عرفت أنه يختلف.

[ 325 ]

[ التى لا وجود لها في الخارج. وان كان محل النزاع هو مدخول حتى وإلى وان لم يكن غاية حقيقة، فانه قد يكون شيئا له اجزاء متصلة، كالكوفة، في قولنا سرمن البصرة إلى الكوفة، والليل في قولنا صم من الفجرر إلى الليل. فالحق التفصيل بين كون الغاية قيدا للفعل، كالمثال الاول، وبين كونها غاية للحكم كالمثال الثاني، ففى الاول داخلة في المغيى، فان الظاهر من المثال المذكور دخول جزء من السير المختص بالكوفة في المطلوب، كما أن الظاهر منه دخول السير المختص بالبصرة ايضا في المطلوب. وفي الثاني خارجة عنه، فان المفروض انها موجبة لرفع الحكم، فلا يمكن بعثه إلى الفعل المختص بها، كما لا يخفى. ومن جملة ما يستفاد منه الحصر الجملة الملحوقة باداة الاستثناء، ولا شبهة في أنها تدل على اختصاص الحكم بالمستثنى منه، وثبوت نقيضه للمستثنى. ولذا يكون الاستثناء من الاثبات نفيا، ومن النفى اثباتا. وذلك للانسباق والتبادر القطعي. ونسب الخلاف إلى ابى حنيفة ولعله يدعى أن الاستثناء لا يدل إلا على أن المستثنى لا يكون مشمولا للحكم المنشأ في القضية. وأما ثبوت نقيضه له في الواقع، فلا. ويقرب هذا المدعى القول بأن الاسناد إنما يكون بعد الاخراج [ 208 ]، إذ على هذا حاله حال التقييد. وقد عرفت أن التقييد ] [ 208 ] لا يخفى أن التقريب المذكور يؤيد المفهوم، لانه على ذلك يصير نظير مفهوم الغاية، إذا كانت غاية للحكم، لان الموضوع بالفرض لا ضيق فيه، وإنما أخرجه عن سنخ الحكم، ولازم ذلك القول بالمفهوم، نعم لو كان الموضوع مقيدا فالامر كما ذكر، فافهم.

[ 326 ]

[ لا يدل الا على تضيق دائرة الموضوع في القضية. وكيف كان يدل - على خلاف ما ذهب إليه - التبادر القطعي. واحتج على مذهبه بقوله (ع) (لا صلاة الا بطهور) إذ لو كان الاستثناء من النفى اثباتا، للزم كفاية الطهور في صدق الصلاة، وان كانت فاقدة لباقي الشرائط. وفيه (أولا) أن الملحوظ في القضية هو المركب المشتمل على تمام ما اعتبر فيه، سوى الطهور [ 209 ]، ونفيت حقيقة الصلاة أو هي بقيد التمام عنه، إلا في مورد تحقق الطهور. و (ثانيا) أنه على فرض التجوز في مثل التركيب المزبور لا يضرنا، بعد شهادة الوجدان القطعي على ما ادعيناه. ومما استدل به على ما ذكرنا من المعنى قبول رسول الله صلى الله عليه وآله اسلام من قال كلمة (لا اله الا الله) إذ لو لم يدل الاستثناء من النفى على الاثبات في المستثنى، لما كانت هذه الكلمة بمدلولها دالة على الاعتراف بوجود الباري عز شانه. والقول - بان هذه الدلالة في كل مورد كانت مستندة إلى قرينة خاصة - بعيد غاية البعد، بل المقطوع به خلافه، كالقطع بخلاف أن هذه الكلمة كانت سببا لقبول الاسلام شرعا، مع قطع النظر عن مدلولها. هذا وهذا الاستدلال، وان كان حسنا، لكن لا يحتاج إليه بعد ] [ 209 ] وذلك لظهور القضية في أن الصلاة غير الطهور، وبه تتحقق، لمكان الباء، فلا محالة يكون المقصود نفي الحقيقة عن جميع الاجزاء والشرائط بلا تحقق الطهور وإرادة الطهور من الصلاة واطلاقها - عليه تجوزا لبيان اهمية الطهور على فرض صحته في مقامه - لا يصح في المقام، لمكان الباء، كما هو واضح.

[ 327 ]

[ كون المعنى الذى ذكرنا متبادرا قطعيا من القضية. وهنا اشكال آخر معروف، وهو أن الخبر المقدر للفظة لا النافية للجنس إما موجود، وإما ممكن وعلى أي حال لا يدل الاستثناء على التوحيد الذى هو عبارة عن الاعتقاد بوجود الباري، ونفى إمكان الشريك له عزشانه، فانه على الاول الاستثناء يدل على حصر وجود الالهة في الباري جل وعلا، ولا يدل على نفى امكان الشريك له جل شانه. وعلى الثاني يدل على اثبات الامكان لوجوده تعالى شانه، لا على وجوده تعالى ولا يدفع هذا الاشكال جعل إلا تامة غير محتاجة إلى الخبر، فانه على هذا ايضا تدل القضية على نفى الالهة واثبات الباري جل اسمه، ولا تدل على عدم امكان غيره. ويمكن ان يجاب بان المراد بالالة المنفى هو خالق تمام الموجودات [ 210 ]، وبعد نفى هذا المعنى مطلقا واثباته في الذات المقدسة، يلزم ان يكون كل موجود سواه جل جلاله مخلوقا له، ولا يمكن مع كونه مخلوقا أن يكون خالقا، فحصر وجود الاله في الباري جل وعلا يدل - بالالتزام البين - على عدم امكان غيره تعالى، فافهم. ] [ 210 ] الظاهر عدم ارتفاع الاشكال بذلك المعنى ايضا، لان الخبر المقدر إن كان (ممكن) فلا تدل القضية على وجود الخالق لتمام الموجودات، وان كان (موجود) فلا تدل على نفي امكان خالق غير الخالق بالفعل. نعم بحسب الملازمة العقلية انحصار الخالق - لجيمع الموجودات وجودا في الله تبارك وتعالى - ملازم لعدم إمكان غيره، وكذلك عدم إمكان غيره ملازم لوجوده جل وعلا، لكن المقصود دلالة اللفظ مع قطع النظر عن الملازمة العقلية، وأما مع الملازمة العقلية الخارجية، فلا فرق بين تقدير واجب الوجود، ومستحق العبادة، والمستجمع لجميع الصفات الكمالية، والمعبود بالحق، فان وجود كل منها ملازم عقلا لعدم امكان غيره وكذلك عدم إمكان غيره ملازم لوجوده، بل لوجوب وجوده. والظاهر من لفظ الاله هو المعبود بالحق، حيث أن =

[ 328 ]

[ بقى هنا شئ، وهو أن الدلالة التى اشرنا إليها، هل هي داخلة في المنطوق أو المفهوم ؟ وهذا وان كان خاليا عن الفائدة، إذ ليسا بعنوانهما موردا لحكم من الاحكام، إلا انه لا باس بذكر ذلك. فنقول قولنا واكرم العلماء الا زيدا) يشتمل على عقد ايجابي وسلبي، ودلالة العقد الايجابي - بعد خروج زيد - على وجوب اكرام باقى العلماء دلالة المنطوق، ودلالة العقد السلبي على اثبات نقيض ذلك الحكم في المستثنى دلالة المفهوم [ 211 ]، إذ هي لازمة لخروج المستثنى عن تحت الحكم المتعلق بالمستثنى منه، كما أن دلالته - على حصر مورد وجوب الاكرام في الباقي، وحصر مورد نقيضه في المستثنى ايضا - داخلة في المفهوم، فان ذلك كله لازم المعنى المستفاد من اداة الاستثناء بالمطابقة، ] = الشهادة بهذا النحو في قبال عبدة الاوثان لانهم يعبدونها، من دون نظر إلى خالقيتها، أو كونها واجبة الوجود أو غير ذلك من المعاني المذكورة. وكيف كان لو كان اللازم في الشهادة دلالة الكلام، من دون ضم مقدمة عقلية على وجود الخالق، وعدم امكان غيره، فلا تدل القضية عليهما، وإن قدر ما قدر، وان كانت الدلالة ولو بلحاظ العقل كافية فكل من هذه الوجوه كاف، ويمكن جعل المقدر (ممكن) مع الشهادة على الوجود ايضا، بجعل الاسم الاله المفروض الوجود، فتتم الدلالة بلا انضمام شئ خارج. [ 211 ] لا يبعد أن تكون دلالة العقد السلبي أيضا منطوقا، فان أداة الاستثناء آلة للاخراج، وما يستفاد منها يحسب من المنطوق، كما يحسب من المنطوق ما يستفاد من سائر الادوات، من غير فرق في ذلك بين أن يكون معناه حرفيا أو فعليا، كما قد يقال بالتفصيل، وإن أبيت عن ذلك فنقول: إن الدلالة على حصر المنطوق وحصر المفهوم يستفاد من الهيئة التركيبية، مع الاقتصار على اخراج ما ذكر، مع كونه في مقام اخراج ما خرج وبيان خروجه، فيكون الحصر فيهما منطوقا للجملة لا للمفردات.

[ 329 ]

[ وهو خروج المستثنى عن تحت الحكم السابق على وجه الحصر. وإن جعلنا كلمة إلا زيدا قرينة على ارادة وجوب اكرام الباقي على وجه الحصر من العقد الايجابي، فتكون دلالة العقد الايجابي - للقضية على حصر مورد وجوب الاكرام في الباقي - داخلة في المنطوق، ودلالته - على ثبوت نقيضه للمستثنى - داخلة في المفهوم المستفاد من حصر وجوب الاكرام في غيره. ويحتمل بعيدا أن يكون الحصر مستفادا من تركيب العقد الايجابي مع السلبي، بمعنى أن حصر مورد وجوب الاكرام في الباقي يستفاد من نفى وجوب اكرام زيد المستفاد من الاستثناء، وكذا حصر مورد نفى الوجوب في زيد يستفاد من نفى وجوب اكرام باقى العلماء المستفاد من قوله اكرم كل عالم فتدبر. ومن جملة ما ذكروه في عداد ما يفيد الحصر كلمة (انما)، وقد ارسلها النحاة ارسال المسلمات في كلماتهم، وقالوا إن ذلك - أعنى افادتها الحصر - جواز انفصال الضمير في مثل قول الفرزدق: (أنا الذائد الحامى الذمار وانما، يدافع عن احسابهم انا أو مثلى) كما جاز في قولنا ما يدافع عن احسابهم الا انا أو مثلى. ونقل تصريح اهل اللغة ايضا بافادته الحصر. والانصاف - كما اعترف به في التقريرات - عدم حصول الجزم بذلك. أما (أولا) فلعدم وجود ما يرادفه في عرفنا، حتى يستكشف الحال منه بمراجعة الوجدان. وأما (ثانيا) فنحن كلما راجعنا مواقع استعمال هذه الكلمة في كلمات الفصحاء، لم نجد موضعا إلا ويمكن المناقشة في استفادة الحصر من هذه الكلمة، لا جل قيام القرينة المقامية على الحصر أو غيرها. من تقديم ما حقه التاخير أو غير ذلك، بحيث لو حذفت لفظة انما

[ 330 ]

من الكلام لدلت القرائن على الحصر أيضا، ولذا يستفاد الحصر من قولنا (يدافع عن احسابهم انا أو مثلى) بقرينة عطف أو مثلى. وهذا هو المجوز لانفصال الضمير، ألا ترى أنه لو فرض مورد خال عن جميع تلك القرائن - كما في قولك إنما زيد قائم - لا يفهم منه الحصر، وإنما المستفاد هو التأكيد وأما إرساله في كلمات النحاة أرسال المسلمات، وكذا تصريح أهل اللغة، فلا يجدي شيئ منهما في افادة القطع، خصوصا مع ذكر التعليلات العليلة في كلامهم. نعم الذى يمكن الجزم به أن مفاد تلك الجملة المصدرة بانما - حصرا كان أو غيره - يصير آكد بواسطة تصديرها بهذه اللفظة واين هذا من افادة الحصر ؟

[ 331 ]

(المقصد الخامس) (في العام والخاص) إعلم ان العموم قد يستفاد من جهة وضع اللفظ، كلفظة (كل) وما يرادفها، وقد يستفاد من القضية عقلا، كالنكرة الواقعة في سياق النفى، أو اسم الجنس الواقع في سياق النفى، حيث أن نفى الطبيعة مستلزم لنفى افرادها عقلا. وقد يستفاد من جهة الاطلاق، مع وجود مقدماته، كالنكرة في سياق الاثبات أو اسم الجنس كذلك والعموم المستفاد من الاطلاق قد يكون بدليا، وقد يكون استغراقيا حسب اختلاف المقامات. (اشكال ودفع) أما الاشكال فهو انه ليس لنا لفظ يدل على العموم، بحيث يستغنى عن التشبث بمقدمات الحكمة، فان الالفاظ الدالة على العموم كلفظة (كل) وامثالها تابعة لمدخولها، فان اخذ مطلقا فالكل يدل على تمام افراد المطلق، وإن اخذ مقيدا فهو يدل على تمام افراد المقيد. والمفروض أن مدخول (كل) ليس موضوعا للمعنى المطلق، كما أنه ليس موضوعا للمعنى المقيد، بل هو موضوع للطبيعة المهملة الغير الآبية عن

[ 332 ]

الاطلاق والتقييد فحينئذ قول المتكلم (كل عالم) لا يدل على تمام افراد العالم، إلا إذا احرز كون العالم الذى دخلت عليه لفظة (كل) مطلقا، ومع عدم احرازه يمكن أن يكون المدخول هو العالم العادل مثلا، فتكون لفظة (كل) دالة على تمام افراد ذلك المقيد. ولذا لو صرح بهذا القيد لم يكن تجوز اصلا، لا في لفظ العالم ولا في لفظة (كل) وهو واضح. واما النكرة في سياق النفى وما في حكمها، فلا يقتضى وضع اللفظ إلا نفى الطبيعة المهملة، وهى تجامع المقيدة، كما أنها تجامع المطلقة، والمحرز - لكون الطبيعة المدخولة للنفي هي المطلقة لا المقيدة - ليس الا مقدمات الحكمة، كما أن المحرز - لكون الطبيعة المدخولة للفظة (كل) مطلقة - ليس الا تلك المقدمات، إذ بدونها يتردد الامر بين أن يكون النفى واردا على المطلق، وان يكون واردا على المقيد. وأما الدفع فهو أن الظاهر - من جعل مفهوم موردا للنفي، أو اللفظ الدال على العموم - كون ذلك المفهوم بنفسه موردا لاحدهما، لا أنه اخذ معرفا لما يكون هو المورد. ولا اشكال في أن ورود الكل على نفس مفهوم لفظ العالم (مثلا) يقتضى استيعاب تمام الافراد [ 212 ] كما أنه ] العام والخاص: [ 212 ] والحصال: أن الطبيعة إذا جعلت موضوعا لحكم من الاحكام بلا دخل قيد فيها، فالظاهر من ذلك أنها بنفسها موضوع للحكم، لا أنها جعلت بنحو المعرفية لفرد من افرادها موضوعا، ولا بنحو الجزئية للموضوع، حتى يكون الجزء الآخر مضمرا أو مقدرا من دون دال لفظي عليه. وهذا ظهور لفظي يقتضيه الاسناد. لا يقال: يمكن اسناد الحكم إلى الطبيعة بلحاظ كون فرد منها موضوعا، لان العرض الوجودي يسري من الفرد إلى الطبيعة ويصح اسناده إليها من دون تجوز =

[ 333 ]

[ لا إشكال في أن ورود النفى عليه يقتضى نفى تمام الافراد [ 213 ]. نعم يمكن كون الرجل في قولنا لا رجل في الدار معرفا لفرد خاص منه، ويكون ] واعتبار. لانه يقال: هذا في غير الاستيعاب لان استيعاب حكم لقسم خاص من الطبيعة، لا يوجب صحة إسناد الاستيعاب إلى الطبيعة بلا قيد، وكذلك لا يصح الانشاء بنحو الاستيعاب للطبيعة، ما لم يستوعب واقعا. وذلك واضح. نعم يصح الاسناد إليها بنحو الاطلاق أي بلا دخل قيد فيه مع كون الموضوع حقيقة قسما خاصا من الطبيعة، لكن سيأتي أنه ايضا خلاف الظاهر. وحيث أن الظاهر من الاسناد المذكور أن الطبيعة بنفسها موضوع، والمعرفية أو الجزئية للموضوع أو التجوز بنحو آخر خلاف الظاهر واصلا، ولا يصح الاسناد بنحو الاستيعاب إلى الطبيعة، الا مع استيعاب الحكم واقعا، فلازم ذلك شمول الحكم لجميع الافراد، من دون خروج فرد. هذا غاية التقريب في اثبات العموم. لكن فيه: أن المقصود من ذلك كله إن كان شمول العام للافراد، بحيث لا يخرج منها فرد، فهو صحيح لا مجال لانكاره، وإن كان المقصود اثبات الشمول للحالات، بحيث لا تخرج عنها حالة، فذلك غير تام، لان الصيغة لم توضع لذلك، وألفاظ العموم غير متعرضة للاحوال. غاية الامر أن العام يكون بمنزلة تكرار ألفاظ الافراد، فاكرم العلماء يكون بمنزلة اكرم زيدا وعمروا وبكرا. ومعلوم أن سريان الحكم المستفاد من اكرم زيدا إلى جميع حالاته يحتاج إلى مقدمات الحكمة، أو تقريب آخر، فكذلك الحكم المستفاد من العموم. والحاصل: أن العموم - وإن كان في عرض الاطلاق - لا يعرض إلا على الذات، كما لا يحتاج الاطلاق العارض على الطبيعة إلى مقدمات أخر، حتى ينجر إلى التسلسل، لكن كل منهما موضوع لشمول الحكم من جهة، ولا يغني أحدهما عن الآخر فتأمل. [ 213 ] قد يقال: بأن ذلك فيما اخذ المفهوم بنحو السريان والاطلاق، أما إذا أخذ مقيدا أو بنحو الاهمال - بمعنى عدم اخذ قيد فيه - فنفيه لا يقتضي إلا نفي هذا =

[ 334 ]

[ النفى واردا عليه. ولكن هذا خلاف ظاهر القضية، فان الظاهر أن مفهوم لفظ الرجل بنفسه مورد للنفي. ] = المقيد أو المهمل الذي يصدق بنفي فرد، فلابد - في اثبات نفي تمام الافراد - من اثبات الاطلاق بمقدمات الحكمة. لكن الظاهر أن الامر ليس كذلك، بل المفهوم إذا لوحظ ولم يلحظ معه قيد من القيود، فلا يصح الحكم بانعدامه، إلا مع انعدام جميع الافراد. نعم يصح الحكم بوجوده من دون تقييد، بمجرد وجود فرد من افراده، وهذا مراد القائل بأن المهملة في قوة الجزئية، بمعنى أن الطبيعة إذا اخذت بلا قيد، وأخبر عنها بحكم وجودي، يكفي في صحة الاسناد المذكور اتصاف جزئي من جزئياتها، ولذا لا يكون دليل ذلك دليلا على الزائد على الحكم الجزئي وليس المقصود من ذلك الاحكام العدمية. لا يقال: هذا لو اسند النفي إلى الجامع بين المطلق والمقيد، لكن الفرض أنه لم يوجد حتى في الذهن كذلك، حتى يصح الاسناد إليه، بل الموجود في الذهن ابدا إما مطلق وإما مقيد. وتعيين أحدهما ليس الا بمقدمات الحكمة. لانه يقال: وان لم يوجد الجامع في الذهن مستقلا بوصف الجامعية، لكن المفهوم إذ وجد في الذهن ولم يلحظ معه شئ حتى صفة الاطلاق، ثم جعل كذلك موضوعا للحكم، فتشخص وجوده الذهني خارج عن الموضوع. وقد قلنا إن إسناد العدم كذلك إلى الطبيعة لا يصح إلا مع عدم جميع أفرادها، فذلك قرينة عقلية ودليل قطعي، من دون حاجة إلى المقدمات. وأما أنه لم يلحظ مع المفهوم شئ، فلانه منفي بالاصول المعتبرة، كاصالة عدم التقدير وعدم القرينة، واصالة ظهور القضية في أن الاسناد إلى المفهوم إسناد إلى من هو له، وبنفسه موضوع أولا وبالذات لا ثانيا وبالعرض، كما مر شرحه في طرف الاثبات. وهذا هو الفارق بين النكرة في سياق النفي والاثبات، فان اسناد النفي إلى الرجل من دون قيد، لا يصح الا مع نفي جميع الافراد، بخلاف الاثبات، وهكذا الكلام بالنسبة إلى الحالات، بمعنى أنه لا يصح نفي صفة عن شئ بلا تقيده بحالة خاصة، الا إذا لم يتصف بها في حالة من الحالات، بخلاف اثباتها له، لانه يصح اسناد الاتصاف إليه باتصافه في بعض الاحوال.

[ 335 ]

[ ولا يرد أنه - بناءا على هذا الظهور - يلزم عدم الاحتياج إلى مقدمات الحكمة في الحكم الايجابي ايضا. توضيح الاشكال: أن ظاهر القضية الحاكية لتعلق الايجاب بالطبيعة أنها بنفسها مورد للحكم، لا بما هي معرفة لصنف خاص منها، لعين ما ذكر في القضية المنفية، ولازم تعلق الحكم بالطبيعة بنفسها سريانه في كل فرد، فلا يحتاج فهم العموم من القضية إلى مقدمات الحكمة. وبيان دفعه ان المهملة تصدق على وجود خاص حقيقة، فان كان الثابت في نفس الامر الحكم المتعلق بوجود خاص منها، يصح نسبة الحكم إليها حقيقة، فاسراء الحكم إلى تمام الافراد لا يقتضيه وضع اللفظ، بل يحتاج إلى المقدمات. وهذا بخلاف النفى المتعلق بالطبيعة المهملة، فانه لا يصح إلا إذا لم تكن متحققة اصلا، إذ لو صح نفى الطبيعة مع وجود فرد خاص منها، لزم اجتماع النقيضين. ومحصل الكلام أنه لا شك في أن قولنا (كل رجل، وقولنا لا رجل) يفيدان العموم، من دون حاجة إلى مقدمات الحكمة. والسر في ذلك ما قلناه، ولو لا ذلك لما دل قولنا اكرم العالم مطلقا أيضا على الاطلاق، إذ الاطلاق ايضا أمر وارد على مفهوم لفظ العالم. والمفروض أنها مهملة تجتمع مع المقيد، ولذا لو قال (اكرم العالم العادل مطلقا) لم يكن تجوزا قطعا، كما ذكرنا في تقرير الشبهة في مدخول لفظ الكل والنفى، ولا شبهة في أن العرف والعقلاء لا يقفون عند سماع هذا الكلام، ولا يطلبون مقدمات الحكمة في مفهوم لفظ العالم الذى ورد الاطلاق عليه. ولعل هذا من شدة وضوحه خفي على بعض الاستاتيذ فتدبر فيما ذكرناه.

[ 336 ]

(فصل في حجية العام المخصص في الباقي) لاشبهة أن العام المخصص - سواء كان بالتخصيص المتصل ام المنفل - حجة في الباقي، وان كان قد يفرق بينهما من بعض جهات اخر كما يأتي انشاء الله تعالى. والدليل على ذلك أن التخصيص لا يستلزم التجوز في العموم، حتى يبحث في أنه بعد رفع اليد عن معناه الحقيقي هل الباقي اقرب المجازات أو هو مساو مع سائر المراتب إلى ان تنتهى إلى مرتبة لا يجوز التخصيص إليها، لان التخصيص ان كان متصلا، فان كان من قبيل القيود والاوصاف، فهو تضييق لدائرة الموضوع [ 214 ]، وان كان من قبيل الاستثناء، فهو إما إخراج عن الموضوع قبل الحكم، وإما إخراج عن الحكم [ 215 ]، فيستكشف أن شمول العام له من باب التوطئة والارادة الصورية الانشائية لا الجدية [ 216 ]. وعلى كل حال ليس حمل العام ] حجية العام المخصص في الباقي [ 214 ] ولا إشكال حينئذ في شمول الحكم لجميع افراد المقيد، ولا تخصيص في ذلك حقيقة، حيث لا اخراج في البين، بل جعل الحكم ابتداءا لموضوع خاص. [ 215 ] وهذا ايضا في حكم تقييد الموضوع، ولا إشكال في بسط الحكم لتمام أفراد الموضوع، وهو العلماء غير زيد مثلا، وكذلك إذا كان الاخراج عن الحكم، فان الظاهر أن المخرج منحصر بزيد مثلا، ولا ترديد فيه بحسب الظاهر. والفرق بين القسمين هو: أن الاستثناء في الاول قرينة على تضييق الموضوع، وفي الثاني على قصور. الحكم. [ 216 ] يمكن أن يجعل ذلك في قبال القسمين، لعدم اخراج شئ عن الموضوع =

[ 337 ]

[ على باقى الافراد تجوزا فيه [ 217 ] بل ظهوره انعقد واستقر في الباقي من أول الامر. وإن كان التخصيص منفصلا، فالظاهر أنه يشكف عن عدم كون الخاص مرادا في اللب، مع استعمال لفظ العام عن عمومه في مرحلة الاستعمال باحد الوجهين الذين ذكرا في المتصل. ولا يخفى أن هذا الظهور الذى يتمسك به لحمل العام على الباقي ليس راجعا إلى تعيين المراد من اللفظ في مرحلة الاستعمال، بل هو راجع إلى تعيين الموضوع للحكم جدا، فان جعلنا المخصص كاشفا عن عدم كون الخاص موضوعا للحكم في القضية، فنقول مقتضى الاصل العقلائي كون المعنى الذى القى إلى ] = ولا عن الحكم، بل انشاء للجميع، ولم يكن بعضها مطابقا للارادة اللبية. [ 217 ] قد يقال: بان عدم التجوز ليس إلا بأن يكون استعمال العام في الجميع محفوظا بجعل موضوع الحكم غير المستعمل فيه، وذلك يستلزم أن يكون الموضوع غير المتصور، لان المتصور بالفرض ليس الا مجموع الافراد. وموضوع الحكم بعضها. ومعلوم أن التصديق بلا تصور الموضوع محال. لكن فيه: أن المتصور حين الاستعمال وإن كان جميع الافراد، لكن لا بنحو تكون صفة الاجتماع دخيلة في المتصور - كما في العام المجموعى - حتى يقال: إن المحلوظ بوصف الاجتماع غير كل واحد من الافراد، بل الملحوظ في العام الاستغراقي كل واحد من الافراد استقلالا، غاية الامر بمرآة واحدة ولا يحتاج الحكم إلى ازيد من ذلك، ولذا يجعل كل واحد تحت حكم مستقل، ولولا ذلك، لما صح جعل أحكام عديدة لمتصور واحد خصص العام أم لم يخصص، فلا محذور في جعل بعض ما لوحظ مستقلا موضوعا للحكم، واخراج البعض الآخر عنه. ثم انه لو قلنا بأن الاستثناء قرينة على ارادة الباقي تجوزا، لا يبعد ايضا القول بعدم الاجمال في المتصل، لان الظاهر - من اقتصار المتكلم على بعض الافراد عند التخصيص - انحصار المخرج بالمذكور. نعم لا ظهور للمنفصل في ذلك.

[ 338 ]

[ المخاطب موردا للحكم في القضية بتمامه، وإذا علمنا عدم دخول جزء منه تحت الحكم، فمقتضى الاصل دخول الباقي. وإن جعلناه كاشفا عن عدم كونه موردا للحكم الجدى، بعد شمول الحكم الانشائى المجعول في القضية له، فنقول مقتضى الاصل كون الارادة المنشأة في القضية مطابقة مع اللب، وخرج عن تحت هذا الاصل الارادة المنشأة في القضية المتعلقة بالخاص، فبقى الباقي. هذا لكن لا يخفى انما يجرى في العام الاستغراقي، حيث أنه ينحل إلى ارادات عديدة متعلقة بموضوعات كذلك، فخروج واحدة منها عن تحت الاصل المذكور لا يضر بالباقي. وأما المجموعى فحيث أن الارادة فيه واحدة، فينحصر وجه حمله على الباقي بعد خروج البعض في الاول فتدبر فيه. احتج النافي لحجية العام في الباقي بالاجمال، لتعدد المجازات حسب مراتب العام، وتعيين مرتبة خاصة تعيين بلا معين. وقد اجيب بأن الباقي اقرب المجازات. وفيه ان المدار ليس على الاقربية بحسب الكم والمقدار، بل المعيار الاقربية بحسب زيادة الانس الناشئة عن المناسبة الخاصة بين المعنيين. وفي تقريرات شيخنا المرتضى (قدس سره) ما محصله أن دلالة العام على كل فرد عير منوطة بدلالته على الآخر. ولو فرض كون دلالة العام على الباقي دلالة مجازية، فمجازيته انما هي بملاحظة عدم شموله للافراد المخصوصة، لشموله لباقي الافراد، فالمقتضي لحمله على الباقي موجود، والمانع مفقود، لاختصاص المخصص بغيره إنتهى ملخص كلامه (قدس سره). ولا يخفى ما فيه، إذ الدلالة - المستفادة من القضية المشتملة على

[ 339 ]

لفظ الكل مثلا على كل فرد - إنما هي من جهة السور المحيط بتمام الافراد الدال عليه لفظ الكل حقيقة، وبعد فرض صرف اللفظ عن هذا المعنى واستعماله في معنى آخر، لا يعلم أن ذلك المعنى المجازى هل هو معنى محيط بالباقي أو الاقل. وبعبارة اخرى ليس كل فرد مستقلا مدلولا ابتدائيا للفظ الكل، حتى تكون له مداليل متعددة، فيجب حفظ ما لم يعلم خلافه، بل الانتقال إلى كل فرد مستقلا إنما هو ببركة ذلك المعنى الواحد الذى جعل مرآة لملاحظة الافراد وبعد رفع اليد عن ذلك المعنى، من أين لنا طريق إلى الباقي. والاولى في الجواب ما قررناه. (فصل) إذا خص العام بمخصص، وكان مرددا بين متباينين، يسقط عن الاعتبار في كليهما، سواء كان المخصص متصلا أم منفصلا، وسواء كان الترديد من جهة الشبهة في المفهوم أم في المصداق. وأما إذا خصصص بشئ مردد بين الاقل والاكثر، فان كان من جهة الشبهة في المصداق، فسيأتي الكلام فيه، وإن كان من جهة الشبهة في المفهوم، فلا إشكال في سراية اجماله إلى العام لو كان المخصص متصلا، لان المجموع كلام واحد، ولا يتم ظهوره إلا بعد تماميته وخلوه عن الصارف، إما بالقطع وإما باصالة عدمه. وليس أحدهما في المقام. أما الاول فواضح. واما الثاني فلعدم بناء العقلاء على التشبث بها، بعد وجود ما يصلح لان يكون صارفا. وأما إذا كان منفصلا فقد استقر بناء مشايخنا على التمسك بالعموم في

[ 340 ]

الفرد المشكوك انطباق عنوان المخصص عليه. واستدلوا على ذلك بان العموم قد تم واستقر ظهوره في كل فرد، إما بالقطع بعدم المخصص المتصل، وإما بواسطة الاصل، حيث أنه شك في أصل وجوده، فهو حجة في نفسه، ولا يرفع اليد عنها الا بحجة اخرى اقوى منها. والمخصص المجمل - المردد بين الاقل والاكثر بحسب المفهوم - ليس حجة إلا في القدر المتيقن، وفي هذا المقدار يرفع اليد عن ظهور العام قطعا. وأما الزائد فليس المخصص حجة فيه، فرفع اليد عن العموم فيه طرح للحجة المستقرة، من دون معارض. وفيه نظر، لا مكان أن يقال: إنه بعد ما جرت عادة المتكلم على ذكر التخصيص منفصلا عن كلامه، فحال المنفصل في كلامه حال المتصل في كلام غيره، فكما أنه يحتاج في التمسك بعموم كلام سائر المتكلمين إلى احراز عدم المخصص المتصل إما بالقطع وإما بالاصل، كذلك يحتاج - في التمسك بعموم كلام المتكلم المفروض - إلى إحراز عدم المخصص المنفصل ايضا كذلك، فإذا احتاج العمل بالعام إلى احراز عدم التخصيص بالمنفصل، فاللازم الاجمال فيما نحن فيه، لعدم احراز عدمه لا بالقطع ولا بالاصل. أما الاول فواضح وأما الثاني فلما مضى من أن جريانه مختص بمورد لم يوجد ما يصلح لان يكون مخصصا. والمسألة محتاجة إلى التأمل [ 218 ]. ] [ 218 ] الظاهر أن العادة المذكورة لا تضر بظهور الكلام وحجيته، وفي الحقيقة تستقر العادة من ذلك المتكلم على اتيان حجة اقوى من الاولى، وذلك غير مضر بحجية الاولى وان كثر، كما اشتهر انه ما من عام الا وقد خص، ومع ذلك لا يمنع عن حجية العام عندهم، نعم فيما علم التخصيص اجمالا في الشبهة المحصورة لا يجوز التمسك بالعام مطلقا أو مع شرائط العلم وهو كلام آخر.

[ 341 ]

[ (الشبهة المصداقية) لو كان المخصص مجملا بحسب المصداق، بان كان المشتبه فردا للعام، وتردد بين أن يكون فردا للعنوان الخاص أو باقيا تحت عموم العام، فلا اشكال في عدم جواز التمسك بالعام فيما إذا كان المخصص متصلا بالكلام، لعدم انعقاد ظهور العام من اول الامر، إلا في غير مورد العنوان الخاص. وأما إذا كان المخصص منفصلا، فقد يتوهم جواز التمسك به فيما شك انطباق العنوان الخاص عليه، بعد انطباق العنوان العام عليه قطعا. وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب ذلك أن قول القائل - اكرم العلماء - يدل بعمومه الافرادى على وجوب اكرام كل واحد من العلماء، وباطلاقه على سراية الحكم إلى كل حالة من الحالات التى تفرض للموضوع. ومن جملة حالاته كونه مشكوك الفسق والعدالة، كما انه من جملة حالاته كونه معلوم العدالة أو معلوم الفسق، وبقوله لا تكرم الفساق من العلماء قد علم خروج معلوم الفسق منهم، ولا يعلم خروج الباقي، فمقتضى اصالة العموم والاطلاق بقاء المشكوك تحت الحكم. لا يقال إن قوله لا تكرم الفساق من العلماء قد اخرج الفاسق الواقعي من الحكم، لا الفاسق المعلوم، فالفرد المردد لو صدق عليه عنوان الخاص محكوم بحكمه واقعا، فكيف يجتمع هذا الحكم مع الحكم الذى اتى من قبل العام ؟ لانا نقول حال الحكم الواقعي - المفروض مع الحكم الذى اتى من قبل العام - حال الاحكام الواقعية مع الاحكام المتعلقة بالشئ في

[ 342 ]

حال الشك، فالكلام في المقام هو الكلام فيها اشكالا ودفعا [ 219 ]. وفيه أن الجمع بين الحكم الظاهرى والواقعي إنما هو من جهة أن الشك في احدهما ماخوذ في موضوع الحكم الاخر، وليس شمول العام للفرد - حال كونه مشكوك العدالة والفسق - بلحاظ كونه مشكوك الحكم، لعدم إمكان ملاحظة الشك في حكم المخصص موضوعا في الدليل المتكفل لجعل الحكم الواقعي، للزوم ملاحظة حال الشك اطلاقا وقيدا [ 220 ] وهما ملاحظتان متباينتان، فحينئذ لا يمكن الجمع بين كون ] [ 219 ] وايضا يمكن أن يقال: إن حال الشبهة في المصداق حال الشبهة في المفهوم إشكالا وجوابا، فان اقتصر في الثانية على القدر المتيقن من المخرج، وهو المقدار الذي يكون الخاص فيه حجة فكذلك في الاولى. فان قيل: إن المخرج في الاولى هو المعنون بعنوان الخاص واقعا، فيصير العام معنونا بعنوان غير الخاص، فإذا اشتبه ذلك العنوان، فعنوان العام ايضا غير محرز، فلا يجوز التمسك بالعام. قلنا: المخرج في الثانية ايضا نفس المراد الواقعي من الخاص، ولازم ذلك ايضا التوقف. والجواب عن اصل الاشكال أن الكلام (تارة) في الجمع بين دليلين، وتعيين مدلولهما بحسب الواقع ونفس الامر. و (اخرى) في الجمع بين حجتين. أما في المقام الاول فنقول: المخرج هو المعنون بعنوان الخاص واقعا، بلا دخل للعلم فيه، من غير فرق في ذلك بين الشبهتين. وأما في المقام الثاني فنقول: الخاص المبين مقيد للعام، فيما يكون ظهوره فيه مستحكما، وهو نفس العنوان الواقعي، فيكون كالمتصل، ولازمه عدم حجية العام في المصداق المردد بين العام والخاص، بخلاف الخاص المجمل، فانه لا يقيد العام إلا فيما يكون ظهوره فيه مستحكما، وهو المقدار المتيقن، ولا يكون له ظهور في الزائد، حتى يقال بتقييد العام بذلك في الواقع. [ 220 ] قد يقال: إن الحكم الظاهري غير ملازم لجعل الشك قيدا للموضوع، =

[ 343 ]

[ الفرد المشكوك الفسق واجب الاكرام، ولو كان فاسقا في الواقع، وبين عدم وجوب اكرام كل فاسق في الواقع، كما هو مفاد المخصص، فالفرد المشكوك - لو كان عادلا - يجب اكرامه بحكم العموم، ولو كان فاسقا لا يجب بحكم المخصص. وتعيين أن الفرد المذكور هل هو عادل أو فاسق ليس على عهدة احد الدليلين، بل قد يكون المتكلم بكلا الدليلين ايضا شاكا، فلا معنى للتمسك باصالة العموم لتعيين مراده، كما هو واضح. ] = بل يمكن جعل الحكم في حال الشك، كما في الامارات، فإذا كان ذات الخاص بحسب الواقع موضوعا لحكم بمقتضى دليله، وفي حال الشك في ذلك الحكم محكوما بحكم آخر بمقتضى دليل العام، فذلك حكم ظاهري مجعول في حال الجهل بالواقع، لا بمعنى اخذ موضوع العام العنوان الشامل له، مع وصف كونه مشكوك الحكم، حتى يقال باستحالة لحاظ المتصف بالشك في الحكم في عرض الذات، لانه مرتب على حكمها، بل الموضوع في العام والملحوظ فيه ليس الا ذات المعنون بعنوان العام. واطلاقه يقتضي سريانه إلى جميع حالاتها، ومنها حال الشك في شمول حكم آخر لبعض افرادها مثلا. لكنه مخدوش: بأن الاطلاق يقتضي سريان الحكم إلى حالات الموضوع، مع قطع النظر عن الحكم المجعول. واما الحالات الطارئة عليه - بلحاظ ذلك الحكم - فلا يشملها الاطلاق. ومعلوم أن الشك في شمول حكم المخصص لفرد شك في كونه محكوما بحكم العام، وهو غير مشمول للاطلاق. وأما جواز التمسك بالعام في المجمل المفهومي، فلان العام بمدلوله وإن لم يشمل حال الشك في نفسه، لكن اصالة العموم اصل موضوعها ليس الا الشك في خروج فرد منه وعدمه، وبها يجعل حكم ظاهري للفرد المشكوك فيه. وأما في الشبهة المصداقية فليس شك باطلاقه الاصولي، إلا أن يقال إن شمول العام - لحالات الافراد في مقام الظهور والدلالة - وإن كان تابعا لشموله لذات الفرد، لكن في مقام الحجية لا تبعية له، ويمكن التفكيك. وفيه ما لا يخفى.

[ 344 ]

[ وبعبارة اخرى بعد خروج الفساق في الواقع من قوله اكرم العلماء، تبقى حجية العام بالنسبة إلى العلماء الغير الفساق، فكأنه ورد من أول الامر كذلك، فكما أنه لو ورد من أول الامر مقيدا بعدم الفسق - إذا شككنا في عدالة فرد من العلماء وفسقه - لم يكن للتمسك بالعموم مجال، كذلك لو ورد المخصص بعد صدور العام بصورة العموم. نعم لو ظهر - من حال المتكلم أن تكلمه بالعموم مبنى على الفحص عن حال افراده، ووضوح أنه ليس من بينها ما ينطق عليه عنوان الخاص - صح التمسك بالعموم، واستكشاف أن الفرد المشكوك فيه ليس داخلا في الخاص. وهذا في المخصصات اللبية غالبا. وقد يتحقق في اللفظية أيضا، لكن بشرط كون النسبة بين الدليلين عموما من وجه، نظير الدليل على جواز لعن بنى امية، والادلة الدالة على حرمة سب المؤمن. وأما إذا كان المخصص أخص مطلقا، فلا مجال لما ذكرنا قطعا، ضرورة أنه لو كان حال افراد العام مكشوفة لدى المتكلم، وانه لا ينطبق على احد منها عنوان المخصص، لكان التكلم بالدليل الخاص لغوا. ومما ذكرنا يظهر أنه ليس المعيار في عدم جواز التمسك كون المخصص لفظيا، كما أنه ليس المعيار في الجواز كونه لبيا، بل المعيار ما ذكر فتأمل فيه. (تنبيه) بعد ما عرفت سقوط العام عن الاعتبار، فيما شك في انطباق عنوان المخصص، من جهة الشبهة في المصداق، فالمرجع في الفرد المشكوك فيه إلى الاصل المنقح للموضوع - لو كان - والا فاحدى القواعد الاخر:

[ 345 ]

من البراءة أو الاحتياط أو التخيير، حسب اختلاف المقامات وهذا لا اشكال فيه، كما أنه لا اشكال في أنه لو كانت له حالة سابقة مع حفظ وجوده، وشك في بقائها، يحكم بواسطة الاستصحاب بكونه محكوما بحكم العام أو الخاص [ 221 ] وإنما الكلام في أنه لو لم تكن له حالة سابقة مع حفظ وجوده، فهل يكفى استصحاب العدم الازلي المتحقق بعدم الموضوع، في جعله محكوما بحكم العام اولا ؟ مثلا إذا شك في امرأة انها قرشية أولا، فهل يصح استصحاب عدم قرشيتها، والحكم بان الدم الذى تراه بعد الخمسين محكوم بالاستحاضة اولا ؟ قد يقال بالصحة نظرا إلى ان الباقي تحت العام لم يكن معنونا بعنوان خاص، بل يكفى فيه عدم تحقق العنوان، وعدم الوصف لا يحتاج إلى الموضوع الخارجي. ولذا قالوا إن السالبة لا تحتاج إلى وجود الموضوع، بخلاف الموجبة فالمرأة الموجودة لم تكن بقرشية قطعا، فان النسبة بينها وبين قريش تتوقف على تحقق الطرفين. وعلى هذا كان احراز المشتبه بالاصل الموضوعي - في غالب الموارد إلا ما شذ - ممكنا. وفيه ان الاثر الشرعي لو كان مترتبا على عدم تحقق النسبة، أو على عدم وجود الذات المتصفة، أو على عدم الوصف للذات - مع تجريدها عن ملاحظة الوجود والعدم - لصح الاستصحاب، لتحقق الموضوع المعتبر في باب الاستصحاب. وأما لو كان الاثر مترتبا على عدم الوصف للموضوع، مع عناية الوجود الخارجي، فلا يمكن الاستصحاب الا ] [ 221 ] مثل ان يكون الفرد قبل ورود العام والخاص محكوما بحكم العام بدليل آخر، فيستصحب حكم العام، أو محكوما بحكم الخاص كذلك، فيستصحب حكم الخاص.

[ 346 ]

[ بعد العلم بان الموضوع - مع كونه موجودا في السابق - لم يكن متصفا بذلك الوصف [ 222 ]. واستصحاب عدم النسبة إلى حين وجود الموضوع - أو استصحاب عدم تحقق الموضوع المتصف كذلك، أو استصحاب عدم الوصف للذات، مع عدم ملاحظة الوجود والعدم كذلك - لا يثمر في اثبات السالبة التى فرضناها موضوعة للاثر إلا بالاصل المثبت. ولا يبعد كون المثال من قبيل الاول. (تذنيبات) (الاول) أنه لو اخذ في موضوع حكم رجحانه واستحبابه، أو جوازه من حيث هو، كموضوع وجوب الوفاء بالنذر، وكاطاعة الوالدين ] [ 222 ] الظاهر أنه لا اشكال في عدم جريان الاستصحاب لو كان الاثر مترتبا على العدم، بنحو ليس الناقصة، لعدم اليقين بوجود الموضوع وعدم المحمول في السابق، إنما الاشكال فيما إذا كان مترتبا على الوجود بنحو كان الناقصة، وأردنا نفيه باستصحاب العدم، كما في مثال القرشية، على تقدير كون الاثر لقرشية المرأة الموجودة، فانه قد يقال بجواز استصحاب العدم الازلي لنفي أثر الوجود، حيث أن نفي المحمول المترتب على الموضوع الموجود - كما يصح مع وجود الموضوع - كذلك يصح مع نفي الموضوع ايضا. لكن الظاهر عدم الجريان فيه ايضا، لان النفي وإن كان صادقا بنفي الموضوع، لكن اللازم في الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة. والسالبة بانتفاء الموضوع التي هي المتيقنة، غير السالبة بانتفاء المحمول التي هي المشكوكة. نعم مقتضى بقاء نفي المحمول - مع العلم بوجود الموضوع - نفي المحمول فقط. لكن ذلك بحكم العقل، ولا يثبت إلا على القول بالاصل المثبت، لان الموضوع موجود بالوجدان والمحمول مستصحب من الازل، فتثبت السالبة بانتفاء الموضوع لو كان المثبت حجة.

[ 347 ]

[ وامثال ذلك، فلابد - في الاستدلال بدليل ذلك الحكم - من اثبات رجحان ذلك الموضوع أو جوازه، ولا يمكن أن يستكشف ذلك من عموم الدليل المذكور، فان التمسك بالعام يتوقف على احراز موضوعه. وهذا واضح، لكنه نسب إلى بعض التمسك بعموم دليل وجوب الوفاء بالنذر، للحكم بصحة الوضوء والغسل المنذورين بمايع مضاف لو شك في صحته وبطلانه. وربما يؤيد ذلك ما ورد من صحة الاحرام قبل الميقات، والصيام في السفر إذا تعلق بهما النذر، ويؤيد ايضا حكمهم بصحة النافلة في وقت الفريضة إذا تعلق بها النذر. والحق أنه لا يجوز التمسك بالعام فيما شك من غير جهة تخصيصه، والوضوء والغسل بالمايع المضاف لو كانا باطلين، لم يلزم تخصيص في دليل النذر، فكيف يستكشف صحتهما من عموم دليل النذر ؟ وأما صحة الصوم في السفر بعد النذر، والاحرام قبل الميقات كذلك بعد وجود الدليل على ذلك، فبالجمع بين الدليل المفروض ودليل الوفاء بالنذر إما باستكشاف رجحانهما الذاتي [ 223 ]، وإنما المانع في تعلق الامر الاستحبابى أو الوجوبى بالعنوان الاولى، وإما بصيرورتهما راجحين بنفس النذر، بعد ما لم يكونا كذلك، لكشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح ملازم لتعلق النذر بهما، وإما بالالتزام بالتخصيص في عموم دليل النذر المقتضى لعدم انعقاده إلا فيما أذا كان المنذور راجحا. وعلى الاخير يقصد التقرب بامتثال امر النذر، ولا يضر تحقق القدرة بنفس الامر، كما حقق في محله. ] [ 223 ] هذا على القول بكفاية الرجحان الذاتي في صحة النذر، ولو كان بالعرض مرجوحا، لكن الظاهر أنه خلاف الواقع، بل يشترط الرجحان الفعلي.

[ 348 ]

[ وأما صحة النافلة في وقت الفريضة بالنذر - وإن قلنا بكونها محرمة بدونه - فلان النذر مخرج لها عن موضوع الحرمة، فلا مانع لرجحانها حينئذ فيعمها دليل الوفاء بالنذر. ان قلت خروج النافلة المفروضة عن كونها محرمة يتوقف على تعلق الوجوب بها، وهو يتوقف على خروجها عن كونها محرمة. وهذا دور. قلت خروجها عن موضوع الحرمة لا يتوقف على تعلق الوجوب الفعلى بها، بل يكفى كونها بحيث لولا جهة عروض الحرمة لكانت واجبة، وهذه القضية التعليقية متحققة بالنذر قطعا [ 224 ] ووجه خروجها - بعد صدق هذه القضية التعليقية - عن موضوع الحرمة هو ان النافلة المحرمة هي النافلة التى - لولا عروض جهة الحرمة - لكانت متصفة بالنفل الفعلى، فتدبر فيه جيدا. (الثاني) انه لو ورد عام، وعلمنا بعدم كون فرد محكوما بحكم العام، وشككنا في كونه فردا له حتى يكون تخصيصا، أو ليس بفرد ] [ 224 ] لا يخفى أنه لولا حكم النذر ووجوب الوفاء به، لما كانت هذه القضية التعليقية متحققة بنفس النذر قطعا، فيرجع الامر بالاخرة إلى توقف الموضوع على الحكم، ويعود المحذور، إلا أن يقال بعدم توقف الموضوع على شخص الحكم المجعول في القضية، بل يكفي في تحقق تلك القضية جعل الحكم لطبيعة النذر. ولا اشكال في تحقق فرد من أفراد الموضوع ببركة جعل الحكم لطبيعة الموضوع، كما في شمول الحكم للخبر مع الواسطة. وقد فصل شيخنا المرتضى (قدس سره) في صلاته بين نذر طبيعة النافلة في الوقت، فحكم بالصحة في الاول دون الثاني. والظاهر عدم الفرق بين القسمين، فان قلنا بامكان تحقق الموضوع بالنذر، صح في كليهما، والا فلا يصح في الاول ايضا، وإن شئت فراجع.

[ 349 ]

[ له، (مثلا) لو علمنا بعدم وجوب اكرام يد، وشككنا في أنه عالم حتى يكون تحصيصا في العام المقتضى لوجوب اكرام العلماء، أو ليس بعالم، فهل يحكم بواسطة عموم العام بعدم دخول ذلك الفرد المعلوم الحكم في افراد العام اولا ؟ يظهر من كلماتهم التمسك باصالة عموم العام، واستكشاف ان الفرد المفروض ليس فردا له، إذ بعد ورود الدليل على وجوب اكرام كل عالم، يصح أن يقال كل عالم يجب اكرامه، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل من لا يجب اكرامه ليس بعالم، وهو المطلوب. ومن ذلك استدلالهم على طهارة الغسالة بانها لا تنجس المحل [ 225 ]، فان كانت نجسة غير منجسة، لزم التخصيص في قضية كل نجس ينجس. وامثال ذلك غير عزيز في كلماتهم وكلمات شيخنا المرتضى (قدس سره) هذا ولكن للتأمل فيه مجال، لا مكان أن يقال: إن التمسك - باصالة عدم التخصيص عند العقلاء - مختص بحال الشك في ارادة المتكلم، فلو كان المراد معلوما، وشك في كيفية استعمال اللفظ، لم نعلم من بناء العقلاء التمسك بها، وهذا نظير ما يقال من أن الاصل في ] [ 225 ] كما استدل به السيد (قدس سره) واستدل الشيخ الانصاري (قدس سره) لنجاستها بعدم الرافعية للحدث، لان كل طاهر رافع للحدث، وهذه غير رافعة، فليست بطاهرة. وايضا استدل في المكاسب لملكية المأخوذ بالمعاطاة بعموم عدم جواز التصرف في ملك الغير، حيث يجوز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة. وكيف كان فرق بين المقام وبين التمسك باصالة الحقيقة، مع القطع بالمراد والشك في الوضع، فان المقام يمكن إرجاع الشك فيه إلى الشك في المقصود من العام ولولبا.

[ 350 ]

[ الاستعمال الحقيقة عند تمييز المعنى الحقيقي من المجازى، والشك في ارادة المعنى الحقيقي. وأما لو علمنا بمراد المتكلم، ولم نعلم بأنه معنى حقيقي للفظ أو مجازى، فبناء المشهور على عدم التمسك باصالة الحقيقة. وبالجملة يمكن التفكيك بين الموردين في التمسك، وبعد إمكان ذلك يكفى في عدم جواز التمسك الشك في بناء العقلاء. (الثالث) أن الحكم المتعلق بالعام إذا علل بعلة، لو علم بعدم العلة في بعض افراد العام، يقيد مورد الحكم بغيره. وأما لو شك في ذلك، فيتمسك بظاهر العموم، ويستكشف وجود العلة في الافراد المشكوك فيها. ومن هنا علم أن تقييد مورد الحكم بواسطة العلة المنصوصة ليس بمثابة ورود موضوع الحكم مقيدا من اول الامر، فلو قال اكرم العلماء العدول، لم يصح لنا التمسك به في مشكوك العدالة والفسق. وأما لو قال اكرم العلماء فانهم عدول، فلو شككنا في عدالة فرد، نحكم بعدالته بحكم القضية، فان الظاهر منها تحقق العدالة في كل فرد من العام. (فصل في التمسك بالعام) (قبل الفحص عن المخصص) هل يجوز التمسك بالعام قبل الفحص عن مخصصه ؟ فيه خلاف، الا قوى عدم الجواز، لعدم سيرة العقلاء على التمسك، مادام العموم في معرض أن يكون له مخصص، بحيث لو تفحص عنه لظفر به، ولا اقل من الشك. ويكفى ذلك في عدم الحجية نعم العمومات التى ليست في معرض ذلك - كغالب العمومات الواقعة في ألسنة اهل المحاورة - لا شبهة

[ 351 ]

في أن السيرة على التمسك بها بلا فحص عن المخصص، وهذا مما لا ينبغى الاشكال فيه. إنما الاشكال في أن بناءهم على الفحص في القسم الاول هل هو من قبيل الفحص عن المعارض، كما يجب الفحص عن معارض الخبر الجامع لشرائط الحجية، أو من جهة احراز شرط الحجية ؟ لا يبعد أن يكون الفحص من قبيل الثاني [ 226 ]، فانه بعد ما يرى من حال المتكلم ذكر قرائن كلامه غير متصلة به غير مرة، فحال المخصص المنفصل في كلامه كحال المتصل في كلام غيره، فكما أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل احراز عدم المخصص المتصل إما بالعلم أو بالاصل، فكذلك لا يجوز التمسك به قبل احراز عدم المخصص المنفصل في كلام المتكلم المفروض. فلما كان الاصل غير جار الا بعد الفحص عن مظان الوجود، يجب الفحص عن المخصص. وتظهر الثمرة فيما أذا اطلع على مخصص مردد بين الاقل والاكثر، فعلى الاول يؤخذ بالمتيقن من التخصيص، ويرجع إلى عموم العام في غيره، وعلى الثاني يسرى اجماله إلى العام. وقد تقدم بعض الكلام في ذلك. ] التمسك بالعام قبل الفصح عن المخصص [ 226 ] قد مر أن الاقوى كونه من قبيل الاول، وأن البناء - على اتيان حجة اقوى على خلاف ما أقام عليه الحجة اولا - لا يخرج العام عن الحجية.

[ 352 ]

[ (فصل في الخطاب الشفهي) هل الخطابات الشفهية من قبيل (يا ايها الذين آمنوا) تختص بالمشافهين والحاضرين لمجلس الخطاب، أو تعم الغائبين والمعدومين ؟ والذى يمكن أن يكون محلا للكلام وموردا للبحث بين الاعلام امور: (الاول) انه هل يصح خطاب المعدومين والغائبين بالالفاظ الدالة عليه، وتوجيه الكلام نحوهم ام لا ؟ (الثاني) انه هل يصح تعلق الحكم بالمعدومين، كما يصح تعلقه بالموجودين أم لا ؟ (الثالث) أنه هل الالفاظ المشتملة على الخطاب تعم غير المشافهين، بعد الفراغ عن الامكان ام لا ؟ والنزاع على الاولين عقلي، وعلى الثالث لفظي. إذا عرفت ذلك فنقول: لا اشكال في عدم صحة تكليف المعدوم فعلا على نحو الاطلاق، كما أنه لا اشكال في عدم صحة توجيه الكلام نحوه بداعي التفهيم فعلا، سواء كان بالاداة الدالة على الخطاب أم بغيرها. وهذا مما لا يحتاج إلى بيان وبرهان. وأما إنشاء التكاليف فعلا لمن يوجد بملاحظة زمان وجوده واستجماعه لساير شرائط التكليف، فهو بمكان من الامكان [ 227 ]، نظير إنشاء الوقف فعلا للطبقات الموجودة بعد ذلك في الازمنة اللاحقة، بملاحظة ظرف وجودها، كما أن توجيه الخطاب نحو ] [ 227 ] بمعنى أن يكون وجود المأمور وشرائط التكليف مفروض الوجود عند الانشاء كما مر في الواجب المشروط. ولا يخفى أنه على ما اختاره في الكفاية من أن =

[ 353 ]

[ المعدوم - لا لغرض التفهيم، بل لا غراض اخر بعد تنزيله منزلة الموجود - خال عن الاشكال، كمن يخاطب ولده الميت أو أباه الميت تأسفا وتحسرا، ولا يوجب التجوز اللغوى في الاداة الدالة على الخطاب، كما لا يخفى. والظاهر أن توجيه الخطاب نحو المعدوم - حين الخطاب، بملاحظة ظرف وجوده، وصيرورته قابلا للمخاطبة - لا اشكال فيه، فيكون حال النداء المشروط بوجود المنادى بالفتح، حال الوجوب المشروط بوجود من يجب عليه. نعم نفس هذا النداء - الصادر في زمان عدم وجود المنادى بالفتح - لا يمكن أن يكون موجبا لتفهيمه حتى في زمان وجوده، لعدم ثباته وبقائه في الخارج إلى ذلك الزمان، بل يحتاج إلى شئ آخر يحكى عنه، كالكناية التى تبقى إلى حال وجوده، ومثل ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الكلام في تكليف المعدوم على نحو الاطلاق، وكذا خطابه بغرض التفهيم فعلا، فلا اشكال في عدم ] = الارادة عبارة عن مرتبة خاصة من الشوق، فيمكن تعلقها فعلا بامر استقبالي. واختار ذلك في الواجب المعلق. ولا فرق بين أن يكون الفعل استقباليا من قبل المكلف، أو من جهات اخر مع وجود المكلف، فان المناط في الاستحالة - على القول به - عدم إمكان تحقق المراد فعلا، من غير فرق في منشأ ذلك. فما اختاره في المقام من الاستحالة لا يلائم مختاره في الواجب المعلق فراجع. نعم لا يبعد عدم انتزاع الوجوب إذا كان المكلف معدوما إلا بعد وجوده، كما في ملك الوقف، فانه وإن انشأ الواقف فعلا الملك لجميع البطون اللاحقة، لكن لم تنتزع الملكية لكل بطن الا بعد وجوده. ولذا لا تنافي بين مالكية البطن الموجود وبين مالكية البطون اللاحقة، فافهم.

[ 354 ]

[ إمكانه عقلا. وان كان على نحو آخر مر بيانه، فالظاهر أيضا عدم الاشكال في إمكانه. وأما دلالة الفاظ الكتاب العزيز على شمول التكليف والخطابات للمعدومين أيضا على نحو ما تصورنا، فلا يبعد دعواها، حيث انزل لانتفاع عامة الناس إلى يوم القيمة، وما كان هذا شانه بعيد جدا أن تكون خطاباته - والتكاليف المشتمل هو عليها - مختصة بطائفة خاصة، ثم علم من الخارج اشتراك سائر الطوائف معها في التكليف، فتدبر. ثم إنهم ذكر والعموم الخطابات الشفهية ثمرتين: (الاولى) حجية ظهور خطابات الكتاب لنا ايضا، كما انها حجة للمشافهين. وفيه (اولا) أن هذا مبنى على اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه، كما يظهر من المحقق القمى قدس سره وقد ذكر في محله عدم صحة المبنى. و (ثانيا) أنه لا ملازمة بين كون المشافهين مخصوصين بالخطاب وكونهم مخصوصين بالافهام، بل الناس كلهم مقصودون بالافهام إلى يوم القيمة، وان قلنا بعدم شمول الخطاب إلا لخصوص المشافهين. (الثانية) صحة التمسك باطلاق الكتاب لمن وجد وبلغ منا، وان كان مخالفا في الصنف لجميع المشافهين. وتقريب ذلك أنه لو خصصنا الخطابات الواردة في القرآن العزيز بهم، فلابد - في اثبات التكاليف الواردة فيه لنا - من التمسك بدليل الاشتراك، وهو لا ينفع الا بعد احراز كل ماله دخل في التكليف المتوجه إليهم، فإذا احتملنا ان التكليف المتوجه إليهم كان مشروطا بشرط. كانوا واجدين له دوننا، فلا يثمر دليل الاشتراك في التكليف.

[ 355 ]

(فان قلت) يدفع الشرط المحتمل باصالة الاطلاق، لان المفروض عموم حجيتها بالنسبة الينا، فيثبت التكليف بضميمة دليل الاشتراك. (قلت) اصالة الاطلاق لا تجرى بالنسبة إلى الامر الموجود الذى يحتمل دخله في التكليف. والسر في ذلك أنه على تقدير شرطيته لا يحتاج إلى البيان، إذ لا يوجب عدم بيان شرطيته، على تقدير كونه شرطا نقضا للغرض. وفيه أنه ليس في الخارج امر يشترك فيه جميع المشافهين إلى آخر عمرهم. ولا يوجد عندنا [ 228 ]. وحينئذ لو احتملنا اشتراط شئ يوجد في بعضهم دون آخر، أو في بعض الحالات دون اخرى، يدفعه اصالة الاطلاق والله اعلم بالصواب. (فصل في العام المتعقب بالضمير) هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض افراده يوجب تخصيصه به ام لا ؟ فيه خلاف ولابد من أن يكون محل الخلاف ما إذا كان هناك ] [ 228 ] لا يقال: نفس التمكن من الحضور عند الامام (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله) وصف لو احتملنا دخله في حكم لا يصح التمسك لنا بالاطلاق كما في صلاة الجمعة. لانا نقول: لا اشكال في عدم تمكن الحاضرين عند الخطاب من التشرف بالحضور في جميع الحالات وفي كل جمعة مثلا، فيصح التمسك بالاطلاق ايضا، نعم لو احتمل كون الوصف نفس وقوع المكلف في زمان بسط يد النبي صلى الله عليه وآله أو الامام (ع) فلا يصح لنا التمسك بالاطلاق، لكن عدم دخله مقطوع به فافهم.

[ 356 ]

[ قضيتان إحداهما ذكر فيها اللفظ الدال على العموم، والاخرى ذكر فيها ضمير يرجع إليه، مع إمكان شمول الحكم في القضية الاولى لجميع افراد العام، والعلم بعدم شموله لها في الثانية. مثال ذلك قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروه ء - إلى قوله تعالى - وبعولتهن احق بردهن) حيث ان الحكم في القضية المشتملة على الضمير متعلق بخصوص الرجعيات، فيدور الامر بين التصرف في العام بحمله على البعض، أو التصرف في الضمير بارجاعه إلى بعض مدلول ما ذكر سابقا [ 229 ]، مع كون الظاهر منه ان يرجع إلى ما هو المراد من اللفظ الاول. والحق أن يقال لودار الامر بين احد التصرفين في الكلام، تصير القضية المذكورة أولا مجملة، لان القضيتين لاشتمال الثانية على الضمير الراجع إلى الموضوع في الاولى - في حكم كلام متصل واحد. وقد ذكر في محله: أنه لو ذكر في الكلام الواحد ما يصلح لصرف سابقه عن ظاهره يصيره مجملا. ولكن يمكن أن يقال: إن مجرد القطع - باختصاص الحكم المذكور في الثانية ببعض افراد العام - لا يوجب التصرف في احدى ] فصل في العام المتعقب بالضمير [ 229 ] لا يقال: إن الاصل في طرف العموم سليم عن المعارض، لعدم جريانه في طرف الضمير، حيث أن المراد منه معلوم، وإنما الشك في كيفية الاستعمال، واصالة الحقيقة لا تجري الا في الشك في المراد. لانا نقول: لا يجري في كيفية المراد إذا كان الموضوع له ايضا مشكوكا فيه، وأما إذا كان المعنى الحقيقي معلوما وكذلك المجازي، فالظاهر جواز التمسك به، كما لو قال: (اكرم هذا العالم) وكان المخاطب شاكا في عالميته، فيتمسك باصالة الحقيقة لاثبات عالميته، وترتب آثاره عليه.

[ 357 ]

[ القضيتين في مدلولها اللفظى، بل يصح حمل كلتا القضيتين على إرادة معناهما اللغوى في مرحلة الاستعمال، مع الالتزام بخروج بعض افراد العام في الثانية عن الارادة الجدية، كما أنه لو كان في القضية الثانية الاسم الظاهر مكان الضمير، مثل (وبعولة المطلقات) فان مجرد العلم - بخروج بعض الافراد من القضية الثانية - لا يوجب الاجمال في الاولى، فكذلك حال الضمير من دون تفاوت [ 230 ] فتدبر جيدا. (فصل في تخصيص العام بالمفهوم المخالف) اختلف في جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف، بعد الاتفاق على الجواز في المفهوم الموافق. ومجمل الكلام فيه أن أظهر ما قيل فيه بالمفهوم القضية الشرطية، وقد قلنا في محله أن ظهورها في مدخلية الشرط لثبوت الحكم مما لا يقبل الانكار. وأما دلالتها على الحصر، فهى قابلة للانكار. والمدعي للمفهوم لابد له من ادعاء دلالتها على الحصر، وإن سلمت هذه الدلالة، فلا اشكال في أنها ليست بالمرتبة التى لا يصلح رفع اليد عنها بواسطة عموم وإطلاق ونحوهما إذا عرفت ذلك فنقول: إذا ورد عام وقضية شرطية دالة بمفهومها على خلاف الحكم الثابت في العام لبعض افراده، فان كان المفهوم اخص ] [ 230 ] نعم لو قيل بلزوم رجوع الضمير إلى ما هو المقصود من المرجع لبا، فيجري فيه النزاع. ويمكن أن يقال بالاجمال، لكن الظاهر أنه لو اريد منه ذلك دون المراد الاستعمالي، فذاك سنخ من الاستخدام، لان الضمير بمنزلة تكرار اللفظ كما صرح به دام ظله.

[ 358 ]

[ مطلقا فالحق تخصيص العام به، فان التعارض وقع بين عموم العام ودلالة القضية على اناطة الحكم بالشرط، ولو لم نقل بالحصر، فان العام يدل على ان الحكم لكل فرد من دون إناطة بشئ، ومقتضى القضية اناطته به، وظهور القضية في ذلك اقوى من ظهور العام كقوله عليه السلام (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ) وقوله عليه السلام (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ) وأما إن كان بينهما عموم من وجه، كالدليل على عدم انفعال الجارى مطلقا وما دل على توقف عدم الانفعال على الكرية، فاللحق رفع اليد عن المفهوم، لان العام المذكور يعارض حصر الشرط لا اصل الاشتراط، لعدم المنافاة بين كون الكرية شرطا، وكون الجريان شرطا آخر. وقد عرفت أن دلالة القضية الشرطية على حصر العلة، على فرض الثبوت، ليست قوية. وحينئذ فهل يرفع اليد عن المفهوم مطلقا، بحيث لو احتملنا سببا ثالثا لعدم الانفعال لا تكون القضية الشرطية دالة على نفيه، أو يرفع اليد في خصوص ما ورد الدليل وجهان. (فصل في تخصيص الكتاب بخبر الواحد) هل يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر ام لا ؟ مقتضى القاعدة هو الاول، لان الخاص بواسطة دليل اعتباره يصلح لان يكون قرينة على التصرف في العام، بخلاف العكس. وكون العام قطعي الصدور لا ينافى جواز رفع اليد عن عمومه، بعد ورود الخاص المعتبر، لان هذا الجمع مما يشهد بصحته العرف. وقد ادعوا سيرة الاصحاب على العمل باخبار الآحاد في قبال العمومات الكتابية إلى زمن الائمة عليهم السلام. هذا ولكن العمدة في المقام الاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على أن

[ 359 ]

الاخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها أو ضربها على الجدار، أو انها زخرف، أو انها مما لم يقل به الامام عليه السلام. والجواب عنها - بعد القطع بورود اخبار كثيرة مخالفة لعمومات الكتاب واطلاقه منهم عليهم السلام - بحمل الاخبار المانعة من الاخذ بمخالف الكتاب على غير المخالفة على نحو العموم والخصوص ومثله. كما إذا ورد الخبر في مقابل الكتاب بحيث لا يكون بينهما جمع عرفى وعدم وجود مثله - في الاخبار التى بايدينا - لا ينافى وجوده في ذلك الزمان، وما وصل بايدينا إنما يكون بعد تهذيبه مما يخالف الكتاب بالمعنى الذى ذكرنا. ويمكن حمل مورد الاخبار المانعة على ما لا يشمله دليل الحجية، مثل ما ورد في اصول العقايد أو خبر غير الثقة [ 231 ]. (فصل في حمل العام على الخاص) العام والخاص إما أن يكونا متقارنين، واما ان يكونا مختلفين بحسب التاريخ. وعلى الثاني إما ان يكون العام مقدما على الخاص أو بالعكس. لا اشكال في التخصيص في الصورة الاولى، كما أن الظاهر كذلك في الصورتين الاخيرتين لو كان ورود الثاني قبل حضور وقت العمل بالاول، فان الالتزام بالنسخ قبل حضور وقت العمل - وإن لم يكن بمستحيل بناءا على امكان وجود المصلحة في جعل حكم، ونسخه ] [ 231 ] الظاهر من الاخبار الناهية التحاشي عن أصل صدور الخبر المخالف مضمونا للكتاب، لا الخدشه في سنده، وبذلك يقطع بأن مخالفة العام والخاص خارج عن مدلولها، وان كان المراد بها غير معلوم.

[ 360 ]

[ قبل زمان العمل به - لكنه بعيد، بخلاف التخصيص، فانه شائع متعارف، فيحمل الكلام عليه. وأما لو كان ورود احدهما بعد مضى زمان العمل بالاول، فان كان المقدم خاصا، فالعام المتأخر يمكن ان يكون ناسخا له، ويمكن أن يكون الخاص المقدم مخصصا للعام. وتظهر الثمرة في العمل بعد ورود العام، فانه على الاول على العام، وعلى الثاني على الخاص. والظاهر أيضا البناء على التخصيص لشيوعه وندرة النسخ. وأما لو كان المقدم عاما والمؤخر خاصا، فيشكل الحمل على التخصيص من حيث استلزام ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو وإن لم يكن محالا من جهة امكان وجود مصلحة في ذلك، لكنه بعيد نظير النسخ قبل حضور وقت العمل. واشكل من ذلك حمل الخاص الوارد - في اخبار الائمة عليهم السلام - المتأخر عن العام على النسخ مع كثرته. وكذلك حال المقيدات الواردة في كلامهم عليهم السلام بالنسبة المطلقات، فان الالتزام بالنسخ في جميع هذه الموارد الكثيرة في غاية الاشكال [ 232 ]. نعم حمل الخاص المتأخر عن العام - في كلام النبي صلى الله عليه وآله - على النسخ ليس ببعيد، فيرجح على التخصيص، لا ستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا محيص عن حمل الخاص المتأخر - في كلام ] [ 232 ] بل الظاهر أن النسخ كان عند الائمة (سلام الله عليهم) شيئا منكرا يستوحشون منه، ولذا قال (سلام الله عليه): فهل سنة غيرتها أم شريعة ؟ وأيضا لو كان النسخ عند البعض منهم جائزا، لكان عند الكل جائزا. وهذا لا يصح اسناده إليهم عليهم السلام.

[ 361 ]

[ الائمة عليهم السلام - على التخصيص أيضا، ولو كان واردا بعد مضى زمان العمل بالعام والالتزام - بان حكم العام إلى زمان صدور الخاص كان حكما ظاهريا للمكلفين، إقتضت المصلحة أن يجعل لهم لك، ولا يكشف لهم الواقع إلى حين صدور الخاص - غير بعيد، بعد العلم بانه في الشرع احكام واقعية وظاهرية فتدبر جيدا. ثم إنه لو بنينا على تقديم التخصيص على النسخ في تمام الصور المذكورة، فلا اشكال في مجهولي التاريخ. وأما لو بنينا على النسخ في الخاص المتأخر بعد مضى زمان العمل بالعام، فلو شك في تاريخهما أو علم تأخر الخاص في الجملة، لكنه لم يعلم أنه ورد بعد حضور وقت العمل بالعام أو قبله، فالوجه الرجوع إلى الاصول العملية، لان الشرط في الحمل على التخصيص عدم مضى زمان العمل بالعام، كما أن الشرط في النسخ مضى زمان العمل به. وما لم يحرز أحد الشرطين لا يجوز الحمل على احدهما. ومجردا غلبية التخصيص وندرة النسخ، وان كان يوجب الظن بالاول دون الثاني، لكنه لا دليل على اعتبار هذا الظن [ 232 ] والله العالم. ] [ 233 ] ولا يثمر استصحاب عدم المجهول إلى ما بعد زمان المعلوم، لان ذلك لا يثبت عنوان التأخر. اللهم إلا أن يقال بعدم الحاجة إلى العنوان، بل يكفي في النسخ عدم ورود الخاص قبل زمان العمل بالعام، مع وجوده بعد فافهم.

[ 362 ]

[ (المطلق والمقيد) فصل فيما وضع له بعض الالفاظ (فمنها) اسم الجنس كالانسان والبقر والفرس والضرب والضارب وغير ذلك مما هو نظيرها. إعلم أن المفهوم العام قد ينقسم إلى إلى اقسام خارجية [ 234 ] كقولنا الانسان اما ابيض واما اسود، وقد ينقسم إلى اقسام ذهنية، كقولنا الانسان إما مطلق أي غير مشروط بشئ، أو مقيد بشئ، أو مقيد بعدم شئ. والمقسم وان كان في الواقع القسم الاول من هذه الاقسام [ 235 ] ] المطلق والمقيد: [ 234 ] لا يقال: إن التقسيم إلى الخارجية إنما يرد على ما هو موجود في الذهن وهذا محال، وأما لزوم ذلك، فلان المقسم إن كان في عرض الاقسام موجودا في الخارج، كان قسما منها. لانه يقال: إن الموجود في الذهن - بعد إلغاه وجوده الذهني ولحاظه مرآتا - ليس الا عين ما يتحد مع الخارج، كما أنه متحد مع الذهن ايضا. نعم لو كان وجوده الذهنى ملحوظا استقلالا، فتقسيمه إلى اقسام خارجية محال. [ 235 ] يعني آلة ملاحظة الاقسام، والا فنفس المقسم بما هو مقسم لا وجود =

[ 363 ]

[ إلا أنه لم تلاحظ كيفية ثبوته في ذهن اللاحظ، بل اخذ مرآة لما يتحقق في ذهن آخر. وقد ينقسم إلى موجود ومعدوم، والموجود أعم من أن يكون في ] = له في قبال الاقسام، بل وجوده بوجودها، سواء في ذلك الذهن والخارج، فكما أن الجامع بين الخارجيات لا وجود له في الخارج الا بوجودها، كذلك الجامع بين الاقسام الذهنية. غاية الامر ان الجامع بين الافراد الخارجية موجود في الذهن، لكن بحيث لا يلحظ وجوده، بل هو ملحوظ آلة ومرآتا للخارج. وأما الاقسام الذهنية، فلا بد - في انتزاع الجامع منها، - من أن يتصور الانسان الاقسام الذهنية ويوجدها في ذهن فوق الذهن الاولي، فيرى أن في البين شئ يتحقق مع الجميع ويتحد معها. وهذا الموجود في ذلك الذهن وإن كان في نفسه قسما من الاقسام، وهو الذي يعبر عنه بالمطلق، لان الطبيعة وجدت في الذهن بلا لحاظ شئ معها. وهذا معنى الاطلاق، إلا أنه لما لم يلحظ وجوده، بل تجرد عنه وعن الخصوصية الشخصية، فلا يرى به الا اصل الحقيقة الصادقة على جميع الاقسام الذهنية والخارجية. لا يقال: إن ذلك الموجود في الذهن إن كان قسما من هذه الاقسام، فكيف يكون مقسما لها ؟ وان كان غيرها فهو قسيم لها، ولا بد لجامع آخر بينه وبينها. وهكذا إلى ما لا نهاية له. فانه يقال: إن المقسم لا وجود له منفكا عن الاقسام مستقلا بل وجوده عين وجود الاقسام، لكن يشار إليه بتوسط قسم منها، كالمعنى الحرفي، حيث لا استقلال له ولكن يمكن الاشارة إليه بالمعنى الاسمي. ولا يقال: إنه على هذا يلزم أن يكون معنى اسماء الاجناس غير مستقل كالمعنى الحرفي، حيث لا يمكن تصوره مستقلا. لانه يقال: ما ذكرنا في المقسم لا ينافي استقلال وجوده في الذهن، لان الحاجة الى الحد يخرج الجامع عن الاستقلال، فهل يقال: الانسان لا استقلال له في الخارج ؟ مع أنه لا يمكن وجوده فيه بدون الحد، وكذلك في الذهن.

[ 364 ]

[ الذهن أو في الخارج، وكذلك المعدوم، كما تقول الانسان إما موجود وإما معدوم، والموجود إما موجود في الذهن أو في الخارج، والموجود في الذهن إما كذا وإما كذا، والموجود في الخارج إما كذاو اما كذا. إذا عرفت هذا فنقول الموضوع له في اسماء الاجناس هو المفهوم المعرى عن الوجود والعدم والذهن والخارج، فضلا عن كيفية الوجود في الذهن من الاطلاق والتقييد، وكيفية الوجود في الخارج من الطول والقصر والسواد والبياض ونحو ذلك. والشاهد على ذلك هو الوجدان الحاكم بصحة تقسيم مفاد لفظ الانسان بنحو ما قسمناه أخيرا، من دون عناية والله اعلم بالصواب. و (منها) - علم الجنس كاسامة والمشهور انه موضوع للطبيعة لا بما هي هي، بل بما هي متعينة بالتعيين الذهنى. ولذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون اداة التعريف. واستشكل على هذه المقالة شيخنا الاستاذ قدس سره بما محصله: (أنه لو كان كذلك لما صح حمله على الافراد بلا تصرف وتجريد، ضرورة أن المفهوم - مع ملاحظة وجوده في الذهن - كلى عقلي لا ينطبق على الخارج، مع أنا نرى صحة الحمل بلا عناية وتصرف اصلا. على أن وضعه - لمعنى يحتاج إلى تجريده عن الخصوصية عند الاستعمال - لا يصدر عن جاهل، فضلا عن الحكيم انتهى). اقول: فيما افاده نظر، لامكان دخل الوجود الذهنى على نحو المرآتية في نظر اللاحظ، كما انه تنتزع الكلية من المفاهيم الموجودة في الذهن، لكن لا على نحو يكون الوجود الذهنى ملحوظا للمتصور بالمعنى الاسمى إذ هي بهذه الملاحظة مباينة مع الخارج، ولا تنطبق على ] [ 236 ] وايضا لو لا ذلك لم يمكن الحكم بأن هذا الذي في نظرك أو تحبه =

[ 365 ]

[ شئ، ولا معنى لكلية شئ لا ينطبق على الخارج اصلا. إذا عرفت هذا فنقول: إن لفظ اسامة موضوع للاسد بشرط تعينه في الذهن على نحو الحكاية عن الخارج، ويكون استعمال ذلك اللفظ في معناه بملاحظة القيد المذكور، كاستعمال الالفاظ الدالة على المعاني الحرفية فافهم وتدبر. و (منها) - النكرة نحو رجل في قوله تعالى: (وجاء رجل) أو قولنا (جئني برجل) وقد يقال بجزئية الاول وكلية الثاني. أما جزئية الاول فواضحة، وأما كلية الثاني، فلان المادة تدل على الطبيعة الكلية، والتنوين على مفهوم الوحدة، وهو ايضا كلى، وضم الكلى إلى الكلى لا يصيره جزئيا، فمعنى رجل على هذا طبيعة الرجل مع قيد الوحدة، وهذا يصدق على افراد الطبيعة المقيدة في عرض واحد. وعدم صدقه على اثنين فصاعدا إنما هو لعدم المصداقية، كما ان مفهوم الانسان لا يصدق على البقر مثلا. هذا ولكن يمكن دعوى كون النكرة مستعملة في كلا الموردين بمعنى واحد، وأنه في كليهما جزئي حقيقي. بيانه أنه لا اشكال في أن الجزئية والكلية من صفات المعقول في الذهن، وهو إن امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي والا فكلى، وجزئية المعنى في الذهن لا تتوقف على تصوره بتمام تشخصاته الواقعية [ 237 ]، ولذا لو رأى الانسان شبحا من بعيد، وتردد في أنه زيد أو ] = (مثلا) عالم الا مع التجريد، ونرى بالوجدان عدم الحاجة إلى التجريد، ولا يكون ذلك الا بكون القيد مأخوذا في الموضوع مرآتا. [ 237 ] لا يقال: الشئ ما لم تلحظ معه الخصوصيات الخارجية أو الذهنية =

[ 366 ]

[ عمرو، بل انسان أو غيره، لا يخرجه هذا التردد عن الجزئية. وكون أحد الاشياء ثابتا في الواقع لا دخل له بالصورة المنتقشة في الذهن، فإذا كانت هذه الصورة جزئية كما في القضية الاولى، فكذلك الصورة المتصورة في القضية الثانية، إذ لا فرق بينهما إلا في أن التعيين في الاولى واقعى، وفي الثانية بيد المكلف، وعدم إمكان وجود الفرد المردد في الخارج، بداهة أن عدم معقولية كون الشئ مرددا بين نفسه وغيره - لا ينافى اعتبار وجوده في الذهن، كما يعتبر الكسر المشاع مع عدم وجوده بوصف الاشاعة في الخارج. و (منها) - المعرف باللام والمعروف بين اهل الادب أن اللام - أو الهيئة الحاصلة منها ومن المدخول - موضوعة لتعريف الجنس وللعهد باقسامه - من الذهنى والذكرى والحضوري - وللاستغراق. والظاهر أن اقسام العهد راجعة إلى معنى واحد، وهو المعهودية في الذهن، غاية الامر أن منشأ العهد قد يكون هو الذكر، وقد يكون الحضور، وقد يكون غيرهما. ] = التي بلحاظها يمتنع فرض صدقه على كثيرين، لا يصح الحكم عليه بانه جزئي، ولا خصوصية يصح لحاظها في الفرد المردد حتى يصح الحكم بجزئيته، لان الخصوصية الملحوظة ان كانت هي الخارجية، فبالعرض لا واقعية له في الخارج، وإن كانت هي الخصوصية الذهنية، فلازم ذلك ان يكون وجوده الذهني ملحوظا فيه باللحاظ الاستقلالي، وهو كما ترى. لانا نقول: إن الخصوصية الملحوظة هي الخصوصية الذهنية، لكن لا يلازم دخل الوجود الذهني ولحاظه مستقلا في الملحوظ، لان نفس الموجود في الذهن والمخلوق فيه - وإن لم يكن له خارج كالفرضيات، مع قطع النظر عن وجوده - شئ قد يمتنع عند العقل صدقه على كثيرين، وقد لا يمتنع. والفرد المردد من قبيل الاول، وقد مر نظيره في تصوير الجزئي قبل وجوده، وقلنا بان الذهن يخلق شيئا قبل وجوده، ويجرده =

[ 367 ]

[ بل يمكن أن يقال إن مرجع الجنس والاستغراق ايضا إلى ذلك [ 238 ] وتوهم - أن المعهود الذهنى كلى عقلي، ولا موطن له إلا الذهن، ولا ينطبق على الخارج - مدفوع، لما مر آنفا في علم الجنس. ثم إنه قد ظهر أن اسم الجنس وضع للمقسم بين المطلق والمقيد، وكذا النكرة. وان قلنا بجزئيتها، إنما الكلام في المقام في أنه - عند عدم قرينة على احدى الخصوصيتين من الاطلاق والتقييد - هل يحتاج إلى مقدمات في الحمل على الاطلاق أم لا ؟ قد يقال بالاول. (بيانه) أنه لا اشكال في أن الاصل - في كل كلام صادر عن كل متكلم - صدوره بغرض الافادة وتفهيم المعنى، ولا يكفى هذا المقدار لتعيين الاطلاق في المقام، إذ لا يثبت بهذا إلا ارادة الطبيعة المهملة. وقد فرضنا أنها قابلة للاطلاق والتقييد، فاللازم في المقام إحراز كون المتكلم بصدد بيان تمام مراده الجدى. وبعد احراز هذه الحالة للمتكلم نقول لو كان للمراد الجدى قيد لكان اللازم ذكره، فحيث لم يذكر القيد، يعلم ان المراد بحسب الجد هو المطلق الخالى عن القيد. وعلى هذا فالحمل على الاطلاق بعد الفراغ عن الاصل المتقدم يتوقف على امور: (منها) كونه في مقام بيان تمام مراده الجدى. (ومنها) عدم ذكر قيد في الكلام. ] = عن الوجود الذهني، ومع ذلك يراه جزئيا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، كالموجود الخارجي إذا تجرد عن الوجود، ولا يلحظ الا نفس الموجود فتدبر جيدا. [ 238 ] لا ما توهم من أن معنى تعريف وضع اللفظ بازاء الجنس مع تعينه وامتيازه في الخارج عما عداه من سائر الاجناس، وذلك، لان الجنس كيف كان ممتاز عما عداه من الاجناس، من غير فرق بين المعرف وغيره، فلا معنى للتعريف الا ما ذكرنا.

[ 368 ]

[ (ومنها) انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب على قول يأتي. وتأتى الخدشة فيه انشاء الله تعالى. هذا ويمكن أن يقال بعدم الحاجة إلى احراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد في الحمل على الاطلاق عند عدم القرينة، بيانه أن المهملة مرددة بين المطلق والمقيد، ولا ثالث. ولا إشكال أنه لو كان المراد المقيد، تكون الارادة متعلقة به بالاصالة، وإنما ينسب إلى الطبيعة بالتبع. لمكان الاتحاد، فنقول لو قال القائل جئني بالرجل أو برجل، ويكون ظاهرا في أن الارادة أولا وبالذات متعلقة بالطبيعة، لا أن المراد هو المقيد. ثم اضاف إرادته إلى الطبيعة لمكان الاتحاد. وبعد تسليم هذا الظهور تسرى الارادة إلى تمام الافراد. وهذا معنى الاطلاق. إن قلت ان المهملة ليست قابلة لتعلق الارادة الجدية بها، كيف ؟ وقد فرضناها مرددة بين المطلق والمقيد. ولا يعقل كون موضوع الحكم مرددا عند الحاكم، فنسبة الارادة إلى المهملة عرضية في كل حال، فيبقى تعيين الاطلاق بلا دليل. قلت عروض الاطلاق للمهملة ليس كعروض القيد لها في الاحتياج إلى الملاحظة، والالزم عدم الحمل على الاطلاق حتى بعد احراز كونه في مقام البيان، لعدم الترجيح بعد كونه بمثابة سائر القيود، فإذا فرضنا عدم دخل شئ سوى المهملة في تعلق الحكم، يحصل وصف الاطلاق قهرا، وان لم يكن ملحوظا بنفسه. إن قلت سلمنا أنه من الممكن تقدير القيد أو جعل الطبيعة مرآة للمقيد لكنه يحتاج في نفى هذين ايضا إلى احراز كونه بصدد البيان. قلت يمكن نفى كل من الامرين بالظهور اللفظى ولو لم يحرز كونه

[ 369 ]

بصدد البيان [ 239 ] كما لا يخفى على المتأمل. ثم إن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يضر بالحمل على الاطلاق، ما لم يصل إلى حد الانصراف، سواء قلنا بعدم الاحتياج إلى احراز كون المتكلم بصدد البيان - كما مر بيانه - أو قلنا بالاحتياج إليه. أما على الاول، فواضح وأما على ] [ 239 ] اما الاحتمال الاول فمدفوع: باصالة عدم التقدير، وهي من الاصول اللفظية. واما الاحتمال الثاني، فمدفوع باصالة الحقيقة في الاسناد، وكل منهما غير محتاج إلى احراز كون المتكلم بصدد البيان. لا يقال: على هذا البيان ايضا يحتاج إلى احرازه ولو بالاصل، ولولاه لما بقي لدلالة الالفاظ مقام. لانه يقال: نعم فرق بين احراز كون المتكلم بصدد ارادة المعنى من اللفظ وبين احراز كونه بصدد بيان تمام مراده اللبي بهذا اللفظ، فان الاول يحتاج إليه في جميع الالفاظ، ولو لم يحرز - ولو بالاصل - لا يصح اسناد ارادة المعنى إلى المتكلم اصلا، بخلاف الثاني، فانه - بعد ما ذكرنا من اصالة عدم القرينة واصالة الحقيقة - لا يحتاج إلى شئ آخر، لان مقتضى الاصلين ان الذات بما هي معروضة للحكم، من دون دخل شئ. ولازم ذلك شمول الحكم لجميع الافراد بمناط تحقق الذات، ولا نعني بالاطلاق الا ذلك، فلا يتوهم دخل وصف الاطلاق في الموضوع له على هذا المبنى. وحاصل الكلام: ان الموضوع له في المطلق نفس الذات المتحققة في المطلق والمقيد بلا دخل شئ حتى وصف الاطلاق، وسراية الحكم - إلى جميع الافراد بنحو الاطلاق - مستفادة من اسناد الحكم إلى الذات، من دون دخل شئ في المطلوب، ففرق بين كون الموضوع له مقيدا بوصف الاطلاق، حتى يكون استعمال اللفظ في المقيد، حتى بنحو تعدد الدال والمدلول، واستفادة الاطلاق من كيفية الاسناد عند عدم ذكر قيد في المطلوب، مع كون الموضوع له والمستعمل فيه في المطلق والمقيد غير الذات. غاية الامر يستفاد القيد من دال آخر.

[ 370 ]

[ الثاني، فلانه بعد فرض كونه كذلك [ 240 ] فاللازم ان يكون اللفظ الملقى إلى المخاطب كاشفا عن تمام مراده. وهذا ملازم لصحة حكم المخاطب بان هذا تمام مراده، والمفروض عدم صحة حكم المخاطب بكون القدر المتيقن تمام مراده، فيقال لو كان مراده مقصورا على المتيقن لبينه، لكونه في مقام البيان كما هو المفروض، وحيث لم يبينه يكشف أن مراده نفس الطبيعة مطلقا ويشهد لذلك أنه لم يعهد من أحد من اهل اللسان التوقف في حمل المطلقات الواردة في الموارد الخاصة على الاطلاق والاقتصار عليها فقط، لانها المتيقن، بل يتجاوزون عنها، حتى انه قد اشتهر أن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المورد. ] [ 240 ] اي بعد فرض كون المتكلم في مقام بيان مراده. نعم لو كان المتكلم بصدد تحصيل غرضه في الخارج، من دون افهام المخاطب أي ما افاده اللفظ تمام ما تعلق به الغرض أو بعضه، كأن يقول في الشتاء جئني بالماء من دون تقييد بالبارد، للعلم بان القيد حاصل من غير حاجة إلى افهام المخاطب، فلا يمكن التمسك بالاطلاق، لعدم احراز كون المتكلم في مقام بيان المراد، وإن لم يكن متيقن في مقام التخاطب. وأما إذا كان بصدد بيان المراد باللفظ، ومع ذلك لم يذكر القيد الواقعي، فذلك نقض لغرضه وإن حصل غرضه في الخارج. لا يقال: هذا إذا لم يكن بصدد أن هذا المتيقن مراده لا تمام مراده. لانه يقال: ذلك ايضا يرجع إلى انتفاء المقدمة الاولى، وهو كونه في مقام بيان المراد. والحاصل: أنه يؤخذ باطلاق كلام المتكلم في مقدار يكون بصدد بيانه وافهامه، من دون دخل للقدر المتيقن وعدمه في ذلك، إلا إذا صلح للقرينية. وعند ذلك تنتفى المقدمة الاخرى.

[ 371 ]

[ (اشكال ودفع) (أما الاول) فخو أنه إذا كان الحمل على الاطلاق بمعونة المقدمات على كلا الطريقين، فليزم بطلانها فيما إذا ورد بعد المطلق مقيد منفصل - موافقا كان أو مخالفا - وعدم امكان دفع ما سواه من القيود المحتملة بالاطلاق. بيانه أما على طريقة المشهور فهو أن من جملة المقدمات عندهم كون المتكلم في مقام البيان، وبعد ظهور المقيد منفصلا يعلم أنه لم يكن بصدده. وأما على ما ذكرنا، فلانه بعد ما علم بصدور القيد المنفصل ينكشف أحد الامرين. اما تبعية ارادته المتعلقة بالطبيعة، وإما أخذ الطبيعة مرآة ومعرفا للمقيد. (واما الثاني) فهو أن الاطلاق - سواء على طريقة القوم أم على طريقتنا - إنما يلاحظ بالنسبة إلى المراد الاستعمالى. وأما تطبيق الاستعمالى مع الجدى، فانما يحرز باصل عقلائي آخر، وظهور القيد إنما ينكشف به عدم التطابق في هذا المورد مع بقاء الاستعمالى مطلقا والاصل العقلائي في غير هذا المورد بحاله. (فصل في حمل المطلق على المقيد) إذا ورد مطلق ومقيد، فاما ان يكونا متخالفين في الايجاب والسلب، وإما أن يكونا متوافقين، لا محيص عن التقييد في الاول (كاعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة) سواء كان النهى بعنوان الكراهة أو الحرمة،

[ 372 ]

لان الظاهر من قوله (اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة). مثلا تعلق النهى بالطبيعة المقيدة، لا باضافتها إلى القيد، فلو كان مورد الامر هو المطلق لزم اجتماع الراجحية والمرجوحية في مورد واحد. نعم لو احرز ان الطبيعة الموجودة في المقيد مطلوبة - كما في العبادة المكروهة - فاللازم صرف النهى إلى الاضافة بحكم العقل، وإن كان خلاف الظاهر. واما الثاني فان لم تحرز وحدة التكليف [ 241 ] فالمتعين حمل كل منهما على التكليف المستقل أخذا بظاهر الامرين، وان احرزت وحدة [ 242 ]، فان كان الاحراز من غير جهة وحدة السبب، فيدور الامر بين حمل الامر المتعلق بالمطلق على ظاهره من الوجوب والاطلاق، والتصرف في الامر المتعلق بالمقيد إما هيئة بحملها على الاستحباب، وإما مادة برفع اليد عن ظاهر القيد من دخله في موضوع الوجوب، وجعله إشارة إلى الفضيلة الكائنة في المقيد، وبين حمل المطلق على المقيد. وحيث لا ترجيح لاحدها لا شتراك الكل في مخالفة الظاهر، فيتحقق الاجمال، وإن كان الاحراز من جهة وحدة السبب، فيتعين التقييد. ولا وجه للتصرف في المقيد باحد النحوين، فانه إذا فرض كون الشئ علة لوجوب المطلق، فوجود القيد اجنبي عن تأثير تلك العلة، فلا يمكن أن يقال إن وجوب المقيد معلول لتلك العلة فلا بد له من علة واحدة اخرى. والمفروض وحدتها. وكذا كون الشئ علة لوجوب المطلق ينافى كونه ] (حمل المطلق على المفيد) [ 241 ] هذا كله لو لم نقل بالمفهوم والا رجع إلى المتخالفين وقد ذكر حكمه. [ 242 ] المقصود احراز وحدة التكليف اللزومي من الايجاب أو التحريم، فلا ينافي ما يأتي من حمل المقيد على الاستحباب.

[ 373 ]

[ علة الاستحباب للفرد الخاص، إذ استناد المتباينين إلى علة واحدة غير معقول. هذا وقد عرفت مما ذكرنا أنه لابد في حمل المطلق على المقيد من احراز وحدة السبب، ولا يكفى احراز وحدة التلكيف مع عدم احراز وحدة السبب، كما ذهب إليه المشهور ولعل وجهه ما ذكره شيخنا المرتضى طاب ثراه في باب التعادل والترجيح من أنه إذا دار الامر بين التقييد ومخالفة ظاهر آخر، فالتقييد اولى، لان ظهور المطلق متقوم بعدم البيان فبورود ما يصلح للبيانية يصير موهونا. وفيه ما لا يخفى نعم يتم ما ذكروه بناءا على ما احتملناه سابقا من المعاملة مع القيود المنفصلة في كلام الشارع معاملة القيود المتصلة في كلام غيره، لكن اللازم منه سراية الاجمال من المقيد المنفصل المردد بين الاقل والاكثر مفهوما إلى المطلق، ولا يلتزمون به [ 243 ]. * تم بالخير * ] [ 243 ] هذا كله في المثبتين. واما المنفيان فيمكن أن يقال فيهما بالاجمال، وان قيل بحمل المطلق على المقيد في المثبتين، نظرا إلى اقوائية ظهور هيئة المقيد في الوجوب التعييني من ظهور المطلق في الاطلاق، كما قيل، لضعف احتمال الوجوب التخييري أو الاستحباب في المقيد، وكون الاطلاق بمقدمات الحكمة المحكومة بادنى ظهور في البين. وأما في المنفيين فلا محالة يستعمل المقيد في الحرام التعييني، غاية الامر مع حفظ الاطلاق، فذكر المقيد بمنزلة تكرار اللفظ للاهمية، كما يقال: (لا تضرب لا تضرب) وهذا ليس بمجاز، وحمله على التقييد وإن كان أولى من التأسيس، لكن ليس بمثابة يعارض الاطلاق. ولا اقل من مساواته، وهذا معنى الاجمال. هذا في الواجبات والمحرمات، وأما المستحبات فحكمها حكم الواجبات، ففيما احرز اتحاد المطلوب يحمل المطلق على المقيد، لكن الغالب لما لم يحرز ذلك، فالعمل =

[ 374 ]

[... ] = عليهما. ولعل المكروهات من هذا القبيل ايضا. نعم قد يتمسك لاثبات استحباب المطلق ايضا بحديث (من بلغ). لكن فيه - مع الخدشة - في اصل الاستدلال به للاستحباب، لاحتمال كون ذلك المضمون ارشادا لحكم العقل - بان صدق البلوغ على المطلق الذي ورد في قباله مقيد - مشكل، لقيام الحجة على خلافه. ثم إن الكلام في الوضعي هو الكلام في التكليفي حرفا بحرف، فلو ورد أن العقد الكذائي سبب لشئ مخصوص من الملكية أو الزوجية أو غيرهما من المسببات، ثم ورد سببيته مقيدا بقيد، فالاحتمالات ايضا ثلاثة (1): إرادة المقيد من المطلق (2) ذكر المقيد من باب انه احد الافراد (3) ذكره من جهة مزية فيه. والاقوى منها ايضا الاول. تتميم لا يخفى أن المقدمات لا تقتضي إلا أن المطلوب نفس الطبيعة بلا دخل قيد من القيود فيه، وكذلك الظهور والانصراف الذي قال به الاستاذ - دام ظله - في قبال المقدمات. وأما الوجود الذي لا ميحص عن أخذه في الطبيعة المطلوبة - كما مر بيانه في محله - فهل هو الوجود بلا شئ زائد عليه أو الوجود الساري أو الذي ينطبق مع أول الوجودات الذي يعبر عنه لناقض العدم ؟ الظاهر أن لازم تعلق الطلب بالطبيعة ولازم وجوب اخذ الوجوب في المطلوب مع عدم اخذ قيد في المقامين ليس إلا محبوبية وجود الطبيعة، واقتضاء تحققه في الخارج. وحيث أن الامر بضميمة الاطاعة علة للتحقق الخارجي، والعلة الواحدة لا تقتضي الا ايجاد معلول واحد، فكيفيه امتثال واحد، كما انه لو كانت الطبيعة منهيا عنها فالامر بالعكس، يعني أن النهي المتعلق بالطبيعة يقتضي أن يكون وجوده مبغوضا، ولازم ذلك سريان المبغوضية إلى جميع الوجودات. وقد يستفاد سريان الحكم إلى جميع افراد الطبيعة المأخوذة في الموضوع بقرائن اخرى كما يقال البيع مثلا علة وسبب للملك، فان لازم سببية وجود شئ من دون دخل شئ

[ 375 ]

[... ] آخر في سببية تكرار المسبب فيما يمكن تكراره، فلو استفدنا من قوله - تبارك وتعالى - (احل الله البيع) الحكم الوضعي، فلا نحتاج في بيان السراية إلى تقريب أن الواحد لا بعينه غير موجود، ومعين عند الله مجهول عندنا، اغراء بالجهل وخلاف المنة، فتعين [... ] آخر في سببية تكرار المسبب فيما يمكن تكراره، فلو استفدنا من قوله - تبارك وتعالى - (احل الله البيع) الحكم الوضعي، فلا نحتاج في بيان السراية إلى تقريب أن الواحد لا بعينه غير موجود، ومعين عند الله مجهول عندنا، اغراء بالجهل وخلاف المنة، فتعين الساري، بل ويمكن القول بذلك. ولو استفدنا الحكم التكليفي، حيث نفهم أن وجود البيع يقتضي الوفاء. كذلك في تواضع للعالم مثل حديث يستفاد منه أن وجود العالم يقتضى التواضع فتدبر جيدا. والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على خير خلقه محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين.

[ 376 ]

كلمة المصحح بسم الله الرحمن الرحيم لقد اولانى سماحة آية الله العظمى فقيه العصر ووحيد الدهر السيد الگلپايگانى مد ظله العالي المعلق على هذا الكتاب ثقته وشرفني بذلك فأمرني بمقابلة الكتاب وتعليق سماحته عليه فقرأتها على سماحته وباذن منه وخدمة للماتن اعلى الله مقامه صححت بعض الكلمات وتصرف في العبارة من الجهة الادبية وبعد اتمام المقابلة امرني بالاشراف على طبعه وتصحيحه فامتثلت امره المطاع وبذلت غاية الجهد في ذلك ووضعت فهرسته. (والعصمة لاهلها) فجاء بحمد الله كما يرى ويرام والله تبارك وتعالى ارجو واياه اسأل أن ينفع به طلاب العلم و رواده وأن يلحظوا ما زاغ عنه البصر بعين الرضا إنه ولى التوفيق - محمد الكاظم الخوانساري 1 رمضان المبارك 1410

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية