الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أجود التقريرات - السيد الخوئى ج 2

أجود التقريرات

السيد الخوئى ج 2


[ 1 ]

اجود التقريرات باسمه تعالى هذا هو الجزء الثاني من تقريرات أبحاث شيخنا الاستاذ الاعظم ومولانا المعلم الاكبر وملجأ الامم ومرجع العرب والعجم خاتمة الفقهاء والمجتهدين وحجة الاسلام والمسلمين آية الله تعالى في العالمين حضرة المولى الميرزا محمد حسين الغروي النائيني متع الله الاسلام والمسلمين بطول بقائه ومن عليهم بدوام ظله وأيام افاداته والبحث فيه إنما هو في الادلة العقلية وقد جادت بها يد مؤلفه العالم العامل التقي والفاضل الكامل المهذب الصفي حجة الاسلام وباب الاحكام السيد السند والحبر المعتمد سيدنا حضرة السيد أبي القاسم الخوئي النجفي أدام الله بركات وجوده ونفع المسلمين بفضله وجوده وأقر الله أعين كافة الاخيار من أهل العلم بل كافة أهل الدين باطالة عمره وتكثير أمثاله كما أقر أعين حضرة آية الله المعظم له استاذه بشريف وجوده على ما ترى بيان ذلك بخطه وخاتمه الشريف في صدر الصفحة الاولى من هذا الجزء زيادة على ما كتبه تقريظا وبيانا لبعض مراتب هذا المؤلف العالم الجليل في الصفحة الاولى من الجزء الاول ايضا بخطه وخاتمه الشريف آمين اللهم آمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


1352 مطبعة العرفان صيدا 1933 [ * ]

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الآن إلى يوم الدين وبعد فهذا هو * (المقصد السادس) * والكلام فيه إنما هو في الامارات التي تقع أو قيل بوقوعها في طريق الاستنباط عقلا أو نقلا وقبل الخوض في ذلك لا بد من التكلم في القطع وما يترتب عليه من الاحكام فنقول اعلم ان البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت في مقام الاستنباط إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك أما القطع فهو حجة من قبل نفسه من غير أن يكون

[ 3 ]

يجعل جاعل أو اعتبار معتبر واما الشك فهو غير قابل للحجية والكاشفية أصلا والوجه فيه ظاهر واما الظن فهو متوسط بينهما فإن قام دليل على اعتباره فيلحق بالقطع ويكون قطعا تنزيليا وإلا فيلحق بالشك فيجري في مورده احد الاصول الاربعة العملية التي لابد من الرجوع إليها في موارد عدم حصول القطع أو الامارة المعتبرة ومما ذكرناه ظهر ان جعل التقسيم ثلاثيا كما فعله العلامة الانصاري (قده) إنما هو باعتبار انقسام حالات المكلف في حد ذاتها إلى ذلك وتمييز احكام بعضها عن بعض فما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من الاشكال عليه بأنه مستلزم لتداخل الاقسام فإن الظن المعتبر يلحق بالقطع وغير المعتبر منه يلحق بالشك من الغرائب بداهة ان التقسيم إنما هو باعتبار ذلك وبيان ان الظن ليس كالقطع والشك بل يلحق بأحدهما مرة وبالآخر أخرى (ثم) ان الاصول الجارية في مورد الشك وإن كانت كثيرة إلا ان الاصول التي تستعمل في مقام الاستنباط وتكون جارية في تمام الابواب منحصرة بحكم الاستقراء في الاربعة واما موارد جريانها فانحصارها في الاربعة عقلي دائر بين النفي والاثبات والاولى في تقريبه بحيث يسلم عن الاشكال ان يقال ان الشك اما ان يكون مسبوقا بالحالة السابقة أم لا وعلى الثاني اما ان يكون جنس الالزام معلوما أم لا وعلى الاول اما ان يكون الامر فيه دائرا بين المحذورين أم لا فالاول مورد الاستصحاب والثاني مورد البراءة والثالث مورد التخيير والرابع مورد الاحتياط والغرض من التعرض لموارد الاصول في المقام إنما هو بيان تلك الموارد بنحو الموجبة الجزئية للاشارة الاجمالية إلى المباحث الآتية واما شرائط جريان الاصول فبيانها موكول إلى مباحثها ان شاء الله تعالى ومن ذلك يظهر انه لا وقع لا يراد المحقق المذكور على تقسيم العلامة الانصاري قدس سرهما بأن الشك في البقاء مع تحقق الحالة السابقة إن لم يكن من جهة الشك في الرافع لا يكون مجرى للاستصحاب على ما يراه الشيخ قدس سره من عدم جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضي إذ هو نظير ان يورد على تقسيمنا بأن مورد العلم بالالزام في الجملة في غير موارد دوران الامير بين المحذورين لا يكون مجرى للاحتياط مطلقا بل عند عدم انحلال العلم الاجمالي (ثم) انه إذا قيدنا مورد الاستصحاب بما إذا لوحظ فيه الحالة السابقة كما فعله العلامة الانصاري (قده) هنا وفي أول البراءة فلا يكون الاشكال المذكور واردا من أصله حتى يحتاج إلى تكلف الجواب عنه بما ذكرناه إذ ما لم يلحظ فيه الحالة السابقة الذي هو مورد جريان الاصول الثلاثة الاخيرة يكون أعم مما لا يكون فيه

[ 4 ]

حالة سابقة أو كانت ولم تلحظ كما في موارد الشك في المقتضي على ما هو التحقيق عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) من عدم حجية الاستصحاب عند الشك في المقتضي على ما سيأتي تفصيله في محله إن شاء الله تعالى. (ثم) ان انحصار الاصول الجارية في الاحكام الكلية وإن لم يكن انحصارها في الاربعة عقليا كما أشرنا إليه إلا ان انحصار غير الاستصحاب في الثلاثة عقلي دائر بين النفي والاثبات وتقريبه ان يقال ان في موارد عدم مراعاة الحالة السابقة اما ان يراعى احد طرفي الاحتمال وجودا أو عدما أو لا يعتبر شئ منهما بل يكون التخيير بيد المكلف وعلى الاول فإما أن يراعى وجود التكليف أو عدمه فهذه اقسام ثلاثة وهي اصالة التخيير والاحتياط والبراءة ليس إلا (ثم) انه لا اشكال في كون مباحث الامارات والاصول العملية من المباحث الاصولية واما مباحث القطع ففيها ما يكون كذلك وتقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي كمباحث العلم الاجمالي من جهة وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية ومنها ما لا يكون كذلك كالبحث عن عدم قابلية حجية القطع لتعلق الجعل بها اثباتا ونفيا ونحو ذلك (وكيف كان) فبيان احكام القطع إنما هو في ضمن أمور (الاول) انه لا اشكال في ان القطع إذا تعلق بكل شئ يكون طريقا إليه لا محالة كما انه لا اشكال في وجوب متابعته فيما إذا تعلق بتكليف أو موضوع تعلق به التكليف والتعبير بوجوب متابعته وإن كان يوهم كون القطع بنفسه شيئا حكم عليه بوجوب المتابعة وهذا لا يتحقق في القطع الطريقي فإن حيثية ذاته هي الطريقية الكاشفية لا أمر زائد عليها إلا ان ذلك من باب ضيق التعبير والمراد وجوب متابعة المقطوع به عند تعلق القطع به (ثم) ان الحجية والطريقية وإن كانت مجعولة في غير القطع على خلاف بيننا وبين العلامة الانصاري (قده) في انها مجعولة بنفسها أو تتبع منشأ انتزاعها إلا انها في القطع غير قابلة للجعل التشريعي بداهة ان الجعل التشريعي إنما يتعلق بشئ يكون تكوينه بعين تشريعه بعد قابلية المحل له كالوجوب للصلاة والطريقية للامارات الظنية ونحوهما من المجعولات التشريعية واما الموجودات الخارجية من الجواهر والاعراض فهي لا تكون مجعولة للشارع بما هو شارع وحيث ان الطريقية والانكشاف إنما هو ذات القطع وحقيقته كما هو الصحيح أو من لوازمه الذاتية فيستحيل تعلق الجعل التشريعي بها لا محالة ومن ذلك يظهر استحالة تعلق الجعل بنفي طريقيتها ايضا إذ ما لا يكون قابلا لتعلق الجعل به اثباتا لا يكون قابلا لتعلق الجعل به نفيا بالضرورة (ثم) ان القطع كما يمكن ان يكون طريقيا محضا كذلك يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم

[ 5 ]

شرعي مغاير لمتعلقه أو لحكم متعلقه كما إذا أخذ القطع بالملكية في موضوع جواز الشهادة وهذا يكون على قسمين (الاول) أن يؤخذ القطع في الموضوع بما انه صفة خاصة ومعلوم بالذات ونور لنفسه من دون ملاحظة جهة اراءته وكشفه عن المعلوم بالعرض وحينئذ فإما ان يكون تمام الموضوع هو وجود هذه الصفة في النفس ولا يكون للواقع فيه دخل أصلا كما هو الظاهر في باب الشهادة فيعبر عن القطع بانه تمام الموضوع واما ان يكون للواقع دخل في الموضوع ايضا فيكون الموضوع مركبا من وجوه الصفة النفسانية ومطابقتها للواقع وعند انكشاف الخلاف ينكشف عدم الموضوع من أول الامر وفي هذا القسم يكون القطع جزءا للموضوع ومقوما له (الثاني) ان يؤخذ القطع في الموضوع بما انه كاشف من الواقع وطريق إليه ومنور لغيره الذي هو المعلوم بالعرض وعليه فلا يمكن اخذ القطع إلا جزءا للموضوع ومقوما له ويستحيل كونه تمام الموضوع حينئذ بداهة ان معنى كونه تمام الموضوع هو دوران الحكم مداره أصاب الواقع أم اخطأ وأخذه مع ذلك طريقا إلى الواقع وكاشفا عنه مما لا يجتمعان فتحصل ان اقسام القطع اربعة (الاول) القطع الطريقي المحض (الثاني) ما يكون مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية مع كونه تمام الموضوع (الثالث) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الصفتية (الرابع) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الكاشفية والطريقية (ثم) ان القطع باقسامه لا يمكن ان يطلق عليه الحجة في باب الادلة واما الحجة في باب الاقيسة فلا يمكن اطلاقها على القطع الطريقي فقط (وتوضيح ذلك) هو ان الحجة تارة تطلق ويراد منها معناها اللغوي وهو ما يحتج به في مقام الاحتجاج وأخرى تطلق ويراد منها معناها المصطلح عليه عند المنطقي المعبر عنه بالحجة في باب الاقيسة وثالثة تطلق ويراد معناها المصطلح عليه عند الاصولي المعبر عنه بالحجة في باب الادلة اما الحجة بالمعنى الاول فلا اشكال في كون القطع الطريقي من اظهر افراده ومصاديقه بل ينتهي إلى حجيته حجية كل حجة إذ بالقطع يحكم المولى أو بقيام ما يقطع بحجيته عليه يحتج المولى على عبده العاصي فيكون قاطعا للعذر كما ان العبد في فرض موافقته لقطعه بالحكم أو بما قطع بحجيته يحتج على مولاه إذا كان القطع أو الطريق مخالفا للواقع فيكون معذرا له وأما الحجة في باب الاقيسة فهي عبارة عن الوسط الذي يكون واسطة لاثبات الاكبر للاصغر في الشكل الاول سواء كان علة لوجوده أو معلولا له أو كانا متلازمين من جهة معلوليتهما لعلة ثالثة وحيث ان لا علية ولا معلولية بين القطع الطريقي ومتعلقه فلا يمكن جعله وسطا في الشكل

[ 6 ]

الاول فلا يطلق عليه الحجة في اصطلاح المنطقي واما القطع الموضوعي فحيث ان نسبته إلى حكمه الثابت له كنسبة العلة إلى معلولها ويمكن تشكيل قياس من ضم صغرى وجدانية إلى كبرى مجعولة شرعية بحيث يكون عنوان المقطوع وسطا في القياس كقولك هذا مما قطع بملكيته لزيد وكل ما كان كذلك فيجوز الشهادة عليه فيطلق عليه الحجة في باب الاقيسة (وبالجملة) حال القطع الموضوعي في ترتب جواز الشهادة عليه مثلا كحال الخمر في ترتب حرمة الشرب عليه شرعا فكما يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان الخمر ويكون الاكبر هو الحرمة المترتبة عليه نظير ترتب الحدوث على التغير فكذلك يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان المقطوع ويكون الاكبر هو الحكم المترتب عليه شرعا وأما الحجة في باب الادلة أعني بها ما يكون مثبتا لمتعلقه بحيث يمكن عند قيامها تشكيل قياس ولو على نحو المسامحة كما تقول هذا مما قامت البينة على خمريته وكل ما كان كذلك فهو خمر فلا يمكن اطلاقها على القطع مطلقا طريقيا كان أو موضوعيا أما عدم جواز اطلاقها على القطع الطريقي فلعدم جواز وقوعه وسطا في الشكل الاول مطلقا حتى يثبت الاكبر للاوسط وأما عدم اطلاقها على القطع الموضوعي فلانه وإن امكن كونه وسطا لاثبات الاحكام المتعلقة به إلا انه لا يمكن كونه وسطا لاثبات متعلقه حتى يمكن اطلاق الحجة في باب الاقيسة عليه وإنما قلنا ان تشكيل القياس فيما يكون حجة في باب الادلة مبني على المسامحة فلان المجعول الشرعي عند قيام البينة مثلا ليس هي الكبرى الكلية بنفسها كمجعولية الكبرى الكلية في القطع الموضوعي بل المجعول في الحقيقة كما سيتضح فيما بعد ان شاء الله تعالى انما هو نفس طريقية البينة ونحوها (فتحصل) ان الحجة في باب الادلة لايراد منها إلا ما يكون مثبتا للمتعلق سواء لم يكن هناك علية ومعلولية أصلا أو كان الحجة كالمعلول بالاضافة إلى الاكبر المحمول في الكبرى كالظواهر فإنها حجة على المراد الواقعي ونسبتها إلى الارادة الواقعية نسبة المعلول إلى العلة فانها هي الموجبة والداعية إلى القاء كلام كاشف عنها وبهذه الملاحظة يكون هذا القسم من الحجة حجة في باب الاقيسة أيضا (وبالجملة) القطع الطريقي لا يمكن اطلاق الحجة عليه الا بالمعنى الاول اللغوي والقطع الموضوعي لا يكون حجة الا في الاصطلاح المنطقي والبينة وأمثالها حجة في باب الادلة فقط والظواهر يطلق عليها الحجة بكلا الاصطلاحين باعتبارين (ثم) ان القطع الطريقي لا يفرق فيه بين افراده ولا يمكن التصرف فيه اصلا لا من جهة الاشخاص ولا من جهة الازمنة

[ 7 ]

والاسباب لما عرفت من ان طريقيته ذاتية غير قابلة لتعلق الجعل بها اثباتا ونفيا ولا يفرق ايضا بين تعلقه بنفس الحكم الشرعي أو بمتعلقه أو موضوعه واما القطع الموضوعي فحاله في السعة والضيق يتبع دلالة الدليل الدال على اخذه في الموضوع نظير بقية الموضوعات المأخوذة في ادلة الاحكام فربما يدل الدليل على اخذ خصوص قطع من جهة القاطع أو السبب أو غيرهما في الموضوع وربما يدل على اخذه في الموضوع مرسلا غير مقيد بخصوصية خاصة (وتوضيح ذلك) ان متعلق القطع اما ان يكون موضوعا من الموضوعات الخارجية أو حكما من الاحكام الشرعية وعلى الاول فيمكن ان يكون الحكم الشرعي مترتبا على نفس الموضوع الذي تعلق به العلم من دون مدخلية للعلم في ترتبه اصلا فيكون القطع حينئذ طريقا محضا إلى حكم متعلقه ويمكن ان يكون مترتبا على الموضوع المعلوم دون نفسه فيكون العلم تمام الموضوع أو جزئه على التفصيل المتقدم وعلى الثاني فتارة يقع الكلام في الحكم المقطوع به واخرى في حكم آخر مترتب عليه أما التكلم في الحكم الآخر فحاله حال القسم الاول بعينه فان الحكم الآخر تارة يترتب على نفس الحكم المقطوع من دون مدخلية لتعلق القطع به فيكون القطع بالاضافة إليه طريقا محضا لا محالة واخرى يكون مترتبا على الحكم المقطوع بما انه كذلك فيكون القطع مأخوذا في موضوعه على نحو يكون تمام الموضوع أو جزئه ويجوز تخصيص القطع حينئذ ببعض الافراد دون بعض كما انه اخذ قطع المجتهد بالاحكام من الطرق المتعارفة موضوعا لجواز تقليده دون القطع الحاصل من مثل الجفر والرمل ونحوهما وأما التكلم في الحكم المقطوع به فملخصه ان القطع ان كان متعلقا بالحكم فلا محالة يكون طريقا إليه ويستحيل كونه مأخوذا في موضوعه لان اخذه في الموضوع يستلزم تقدمه على حكمه تقدم كل موضوع على ما يترتب عليه من الحكم وفرض تعلقه به وكونه طريقا إليه كونه متأخرا عنه وتقدم الحكم عليه ففرض تعلقه بحكم اخذ في موضوعه القطع به يستلزم تقدم الشئ على نفسه ولكن استحالة تقييد موضوع الحكم بالقطع به لا يوجب كونه مطلقا بالاضافة إلى حالتي العلم والجهل لما بيناه في بحث المطلق والمقيد وغيره وان استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ايضا فكل تكليف بالاضافة إلى الانقسامات الثانوية الناشئة من نفس الخطاب لا يعقل فيه إلا الاهمال ولا يمكن اتصافه لا بالتقييد ولا بالاطلاق اللحاظيين وإنما المتصور هو نتيجة الاطلاق أو التقييد المستفادة من دليل آخر متمم للجعل الاول باعتبار تقيد الغرض وعدمه ففي متل قصد القربة قد علم تقييد العبادات به بنتيجة التقييد لاجل تقيد

[ 8 ]

الغرض به كما انه قد علم من ادلة اشتراك التكليف المدعى تواتر اخبارها في كلمات العلامة الانصاري (قده) عدم اختصاص الاحكام بخصوص العالمين بها بل يعم الجاهلين ايضا ولكن ثبت من الادلة الاختصاص في باب القصر والتمام والجهر والاخفات وان الجاهل بوجوب القصر لا يجب في حقه القصر كما ان الجاهل بوجوب الجهر أو الاخفات كذلك فيكون الدليل المستفاد من الدليل المتمم للجعل الاول هو اشتراط وجوب القصر أو الجهر أو الاخفات بالعلم بالوجوب من باب نتيجة التقييد وإذا امكن اخذ القطع بالحكم في موضوعه بدليل آخر فيمكن أخذ القطع بالحكم من سبب خاص مانعا عنه ايضا وهذا كما في القطع القياسي فإن المستفاد من رواية ابان عدم اعتبار القطع الحاصل من القياس وهذا انما يكون باعتبار تقيد الاحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من طريق القياس من باب نتيجة التقييد ففي الحقيقة موضوع تلك الاحكام من لا يكون عالما بها من طريق القياس وهذا ليس تصرفا في ناحية القطع حتى يقال بأن طريقيته ذاتية غير قابلة لان تنالها يد الجعل نفيا واثباتا بل تصرف في ناحية المقطوع وتخصيصه بموضوع خاص دون آخر بل لا يبعد أن يكون القطع الحاصل من الجفر والرمل ونحوهما ايضا كذلك بأن تكون الاحكام الواقعية مختصة من باب نتيجة التقييد بغير العالمين بها من تلك الطرق الغير المتعارفة فإن دعوى الاجماع على ذلك ليست بكل البعيد (وبالجملة) فأخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه بنحو الشرطية أو المانعية وإن لم يمكن بالنظر إلى الجعل الاول الغير الممكن فيه إلا الاهمال إلا ان ذلك بالنظر إلى متمم الجعل الناشئ من تقيد الاغراض أو اطلاقها بمكان من الامكان (والغرض) من جميع ذلك هو دفع ما ربما يورد على شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في تمثيله للقطع الخاص المأخوذ في الموضوع بالقطع الحاصل من الكتاب والسنة عند الاخباري وحاصل الايراد هو ان القطع المتعلق بالحكم الشرعي لا محالة يكون طريقيا محضا ولا وجه لعده من اقسام القطع الموضوعي وحاصل الجواب هو انه يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطا أو مانعا لكن لا من باب تقييد الجعل الاول المستحيل بل من باب نتيجة التقييد المستفادة من المتمم للجعل الاول فإذا امكن للاخباري اقامة الدليل على تقييد الاحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من غير الكتاب والسنة فلا مناص عن تصديقه لما عرفت من عدم المحذور في التقييد بالجعل الثاني أصلا (ثم) ان في قيام الامارات والاصول المحرزة مقام القطع وجوها بل اقوالا (الاول) قيامها مقام القطع الطريقي المحض دون غيره من

[ 9 ]

الاقسام مطلقا (الثاني) قيامها مقام القطع باقسامه (الثالث) قيامها مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية وهذا هو الذي اختاره شيخنا العلامة الانصاري وسيد اساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سرهما وهو الحق عندنا ولتوضيح ذلك نقدم مقدمات (الاولى) ان العلم وان اختلف في كونه من مقولة الفعل أو الانفعال أو الكيف أو الاضافة الا ان الحق ان فيه جهات كل منها إذا اول مراتبه هو استعداد النفس وتأثره من المعدات لايجاد صورة في صقعها وهذا هو جهة الانفعال ثم بعد ذلك توجد تلك الصورة في عالم الذهن وهذا هو جهة الفعل ثم تتصف النفس بكونها واجدة لتلك الصورة والكيفية التي لم تكن واجدة لها قبل ذلك وهذا هو جهة الكيفية ثم بعد ذلك تكون تلك الصورة المعلومة بالذات للنفس اضافة بينها وبين الموجود الخارجي الذي هو معلوم بالعرض وهذا هو جهة الاضافة وهذه المراتب وان لم يكن بينهما تقدم وتأخر خارجي إلا ان كل مرتبة منها متأخرة عن مرتبة سابقة عليها بالرتبة (ثم) ان المرتبة الاخيرة لها جهتان احدهما انكشاف المعلوم الخارجي لدى النفس وحضوره لديها وثانيهما البناء على وجوده وعقد القلب عليه المترتب عليه الترغبة إليه أو الهرب عنه وربما تختلف الجهة الثانية عن الاولى كما في موارد التشريع والبناء على عدم المعلوم المعبر عنه في الآية المباركة بالجحود مع اليقين ثم ان ما عدا المرتبة الرابعة التي هي مرتبة تحقق المعلوم بالعرض أمور تكوينية غير قابلة لان تنالها يد الجعل واما المرتبة الرابعة فهي في القطع ذاتية غير قابلة للمجعولية وأما في غيره فجعلها بمكان من الامكان على خلاف بيننا وبين شيخنا العلامة الانصاري (قده) في ان مجعوليتها هل هي بنفسها أم بتبع الاحكام التكليفية وستعرف في بحث الاستصحاب امكان مجعوليتها بنفسها واستحالة كونها منتزعة من الاحكام التكليفية ففي مثل الامارات والطرق الناظرة إلى الواقع يكون المجعول الشرعي هي الجهة الاولى من المرتبة الرابعة فتكون هي طريقة إلى الواقع كما ان القطع طريق إليه غاية الامر ان طريقية القطع ذاتية له وطريقية الامارات مجعولة لها بجعل الشارع ابتداء أو امضاء وفي مثل الاصول المحررة التي أخذ الشك في موضوعها وليس لها نظر إلى الواقع ولكن حكم الشارع مع فرض الشك بالبناء على الواقع وبعدم الاعتناء بوجوده كالاستصحاب يكون المجعول الشرعي هي الجهة الثانية من المرتبة الرابعة وفي كل منهما يكون لادلة اعتبارهما حكومة على الادلة الواقعية حكومة ظاهرية لا واقعية توضيح ذلك ان الحكومة عبارة عن دلالة لعد الدليلين على توسعة موضوع الدليل الآخر

[ 10 ]

أو تضييقه وقد يكون دالا على تضييق حكمه ايضا (والتوسعة) أو التضييق تارة يكونان في مقام الثبوت والواقع وأخرى في مقام الاثبات والظاهر ففي مثل أدلة لا ضرر ولا حرج المفيدة لاختصاص الا حكام الشرعية بغير مواردهما تكون الحكومة واقعية ويستفاد منها ان الا حكام الشرعية لم تجعل في موارد الضرر والحرج واقعا وهذا تضييق بحسب الا حكام الواقعية كما ان المستفاد من قوله (ع) لا شك لكثير الشك هو اختصاص الشك المأخوذ في أدلة الشكوك بغير شك من يكثر شكه فيكون موضوع تلك الادلة ضيقا بحسب الواقع وتكون الحكومة ايضا واقعية وكذلك قوله صلى الله عليه وآله الطواف بالبيت صلاة وقوله صلى الله عليه وآله الفقاع خمر استصغره الناس يفيد أن تعميما في أدلة حرمة الخمر وأدلة اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة الموضوع واقعا وهذا بخلاف أدلة حجيه الامارات والاصول فإنها لا تفيد تعميما أو تضييقا في الواقعيات بأن تدل على ان ما قامت البينة على خمريته أو المستصحب الخمرية مثلا حرام واقعا كيف وحجية الامارات في ظرف الجهل بالواقع والاصول أخذ في موضوعها الجهل به فهي في طول الواقع فكيف يمكن أن تكون مفيدة للتعميم أو التضييق بحسبه ومن ذلك ظهر ان المناط في الحكومة الواقعية هو كون الدليل الحاكم في عرض الدليل المحكوم حتى يكون متعمما له أو مضيقا له في مرتبته وهذا بخلاف ما إذا كان الدليل الحاكم في طول الواقع وفي مرتبة متأخرة عنه فإنه يستحيل حينئذ كون الحكومة واقعية وتتمحض في كونها ظاهرية كما في حكومة الامارات والاصول بعضها على بعض أو الامارات بتمامها على الاصول أو الامارات والاصول على الادلة الواقعية فإن الحكومة في جميع ذلك ظاهرية والتعميم أو التضيق إنما هو بحسب مقام الاثبات ليس إلا وبالجملة فحكم الشارع على المكلف بأنه عند قيام الامارة محرز للواقع وفي موارد الاصول المحرزة بوجوب البناء على كون مواردها هو الواقع يستلزم تعميما أو تضييقا في الادلة الواقعية في مقام الاثبات (فإن قلت) تشترك أدلة الشكوك في الصلاة مع أدلة الاصول في كون الشك مأخوذا في موضوعها فما الفارق بينهما حتى تكون الحكومة في أدلة الاصول ظاهرية وفي أدلة الشكوك واقعية (قلت) الفرق بينهما هو ان الشك المأخوذ في أدلة الشكوك إنما أخذ في الموضوع لا من جهة الحيرة في الواقع بل من جهة كونه صفة من الصفات النفسانية نظير أخذ القطع في الموضوع بما هو صفة ولا ريب ان المكلف باعتبار وجود تلك الصفة وعدمه ينقسم إلى قسمين وبمقتضى أدلة الشكوك ينقلب الحكم الواقعي ويكون واجد تلك الصفة مكلفا

[ 11 ]

باتيان الركعة المفصولة مثلا وإذا كان الحكم الثابت في حقه واقعيا لا ظاهريا فلا محالة تكون حكومة الدليل الدال على الغاء شك كثير الشك عليها حكومة واقعية وموجبا لتضييق الموضوع واقعا وهذا بخلاف أدلة الاصول فإن الشك لم يؤخذ في موضوعها بما هي صفة بل من جهة التخير في متعلقه فإذا فرض حكم الشارع على شئ بالمحرزية في مورد الاصل فلا محالة يكون رافعا للتحير من جهة احراز الحكم الواقعي بحكم الشارع ومنه يظهر ان حكومة الاصول بعضها على بعض وحكومة الامارات عليها أو بعضها على بعض ليست إلا من جهة حكومتها على الا حكام الواقعية وكون الحكومة فيها ظاهرية إنما هو بهذا الاعتبار لا ان حكم الاصول يكون محفوظا في الواقع مع حكومة الامارات عليها كيف وقد ذكرنا في بحث الاجزاء وسيجئ إن شاء الله تعالى ان الا حكام الظاهرية أعني بها حكم الشارع بمحرزية شئ لا يمكن فعليتها إلا مع وصولها إلى المكلف موضوعا وحكما فإذا فرضنا حكم الشارع بمحرزية الامارة في مورد الاستصحاب مثلا فيستحيل مع ذلك بقاء الاستصحاب على صفة المحرزية ولا مناص عن الغاء صفة المحرزية عنه حينئذ ومع ذلك تكون الحكومة ظاهرية فإن حكومتها عليها ليست إلا من جهة كونها محرزة للواقع ليس إلا وقد عرفت ان هذه الحكومة ظاهرية لا واقعية (الثانية) ان تنجيز الواقع عند مصادفة الامارة أو الاصل للواقع أو المعذرية عند المخالفة ليسا بمجعولين بأنفسهما بل هما من لوازم جعل الحجية والطريقية فإن استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الواصل إنما هو من اللوازم العقلية لها كما ان عدم استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الغير الواصل ايضا كذلك فهما غير قابلين لان تنالهما يد الجعل أصلا فالمجعول في الحقيقة هو الكاشفية والطريقية للامارة أو الاصل المحرز للواقع وعند تحققهما يكون الواقع واصلا بنفسه ويكون المخالفة عليها حينئذ مخالفة للتكليف الواصل بنفسه فيترتب عليها استحقاق العقوبة (نعم) في الاصول الغير المحرزة كاصالة الاحتياط في الاموال والنفوس والاعراض أو في الشبهة التحريمية على القول بها لا يكون الواقع واصلا بنفسه إذ هو على مجهوليته بعد إيجاب الاحتياط ايضا إلا ان وجوب الاحتياط لكونه وجوبا طريقيا ناشئا عن اهتمام الشارع بالواقع ومتمما للجعل الاول يكون وصوله كافيا في استحقاق العقوبة على الواقع إذ الواقع بعد إيجابه يكون واصلا بطريقه فيصح العقوبة على مخالفته وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان متمم الجعل الاول الناشئ من عدم وفاء الجعل الاول بالغرض تارة يكون واقعيا وفي عرض الجعل

[ 12 ]

الاول وأخرى يكون طريقيا وفي طوله وعلى كل تقدير فالعقاب على مخالفته هو العقاب على مخالفة الواقع عينا لكون الداعي إلى جعلهما غرضا واحدا فيكونان في حكم تكليف واحد وبالجملة ما يمكن للشارع جعله في باب الامارات أو الاصول المحرزة ابتداء أو امضاء إنما هو الطريقية والكاشفية حتى يكونان موجبين لوصول الواقع على ما عرفت من الفرق بينهما وأما استحقاق العقاب أو المعذرية فهما من اللوازم العقلية للوصول وعدمه وغير قابلين للمجعولية اصلا (الثالثة) انه ليس معنى حجية الطريق مثلا تنزيل مؤداه منزلة الواقع ولا تنزيله منزلة القطع حتى يكون المؤدي واقعا تعبدا أو يكون الامارة علما تعبدا بداهة ان دليل الحجية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلا وإنما نظره إلى اعطاء صفة الطريقية والكاشفية للامارة وجعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزا تشريعيا (نعم) لابد وان يكون المورد قابلا لذلك بأن يكون له كاشفية عن الواقع في الجملة ولو نوعا إذ ليس كل موضوع قابلا لاعطاء صفة الطريقية والمحرزية له فما يجري على الالسنة بأن ما قامت البينة على خمريته مثلا خمر تعبدا أو ان نفس البينة علم تعبدا فمما لا محصل له وليس له معنى معقول إذ الخمرية أو العلم من الامور التكوينية الواقعية التي لا تنالها يد الجعل تشريعا مضافا إلى انه لم يرد في آية ولا رواية ان ما قامت البينة على خمريته خمرا وان الامارة علم حتى يصح دعوى كون المجعول هو الخمرية أو كون البينة علما ولو بنحو المسامحة من باب والضيق في التعبير وبالجملة ما يكون قابلا لتعلق الجعل التشريعي به كبقية المجعولات التشريعية هو نفس صفة الكاشفية والطريقية لما ليس كذلك بحسب ذاته من دون تنزيل للمؤدي منزلة الواقع ولا لتنزيل نفسه منزلة العلم إذا عرفت هذه المقدمات فنقول ان عمدة ما يتصور أن يكون مانعا عن قيام الامارات والاصول منزلة العلم الطريقي المحض والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية هو ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) وهو الذي كان يدور على السنة تلامذة شيخنا العلامة الانصاري (قده) منذ سنين وحاصله ان في كل تنزيل لابد من ملاحظة المنزل والمنزل عليه لا محالة وتنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي إنما هو بتنزيل المؤدي منزلة الواقع في الحقيقة إذ المفروض عدم ترتب أثر شرعي على نفس القطع فيكون لحاظ الامارة والقطع في هذا التنزيل آليا وفانيا في الواقع والمؤدي كما ان تنزيل الامارة منزلة القطع الموضوعي لابد فيه من لحاظهما استقلالا وباعتبار آثار نفس القطع ولا ريب ان هذين اللحاظين مع قطع النظر عن عدم امكان تصور الجامع بينهما متنافيان كمال المنافاة ولا

[ 13 ]

يمكن الجمع بينهما في دليل واحد فلا مناص من كون دليل الحجية متكفلا للتنزيل بذاك اللحاظ الآلي فلا يكون دليلا على قيام الامارات مقام القطع الموضوعي أو بذلك اللحاظ الاستقلالي فلا يكون دليلا على قيامها مقام القطع الطريقي (ولا يخفى) ان بناء هذا الاشكال على عدم التفرقة بين الحكومة الظاهرية والواقعية وتخيل ان دليل الاعتبار إنما يتكفل لاثبات احكام الواقع للمؤدي أو أحكام القطع للامارة فيكون تعميما في الموضوعات الواقعية أو في العلم المأخوذ في الموضوع واقعا وأما إذا بنينا على عدم تكفل دليل الحجة والاعتبار للتنزيل أصلا بل غاية شانه هو اعطاء صفة الطريقية والكاشفية للامارة وجعل ما ليس بمحرز للواقع حقيقة محرزا له تشريعا فليس هناك تنزيل حتى يترتب عليه الجمع بين اللحاظين المتنافيين والحاصل إذا فرضنا ان الشارع حكم بوجوب الاجتناب عن الخمر الواقعي وحكم بنجاسته حين ما كان محرزا عند المكلف فعند قيام البينة على خمرية شئ والمفروض ان الشارع جعل لها صفة المحرزية والكاشفية فكما انه يترتب عليه وجوب الاجتناب للكون المكلف محرزا للخمر الواقعي فكذلك يترتب عليه النجاسة ايضا إذا المفروض أن الموضوع لها هو الخمر المحرز وما قامت البينة على خمريته بعد حكم الشارع بمحرزيتها وطريقيتها يكون كذلك لا محالة غاية الامر ان موضوع الحكم في القطع الطريقي هو نفس الواقع وهو محرز بحكم الشارع وفي القطع الموضوعي مركب من جزئين طوليين بحيث يكون تحقق احدهما كافيا في تحقق الآخر ايضا فإن الاحراز الذي هو جزء الموضوع محرز بنفسه والواقع الذي هو الجزء الآخر محرز به ومما ذكرناه يظهر انه لا معنى للحكم الظاهري إلا الحكم الواقعي المحرز بحكم الشارع وإلا فليس هناك بعث وزجر آخر في قبال الواقع حتى يكون حقيقة الحكم منقسمة إلى واقعي وظاهري (ثم) لا يخفى ان مرادنا من القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية ليس كون لفظ القطع مستعملا في مطلق الكاشف على نحو عموم المجاز ولا كون كاشفيته علة مستنبطة حتى يورد علينا بأن استعمال العلم في مطلق الكاشف يحتاج إلى قرينة في الكلام وبأن العلة المستنبطة ما لم تكن قطعية لا توجب سراية الحكم إلى غير الموضوع في القضية ودون اثبات القطع يكون الملاك والعلة هو الكاشفية خرط القتاد بل المراد منه هو كونه بنفسه مأخوذا في الموضوع بما انه منور لغيره موجب لكون الموجود الخارجي معلوما بالعرض كما ان الموضوع في القطع الطريقي هو نفس الخمر الواقعي ولكن الامارة إنما تقوم مقامها لاجل الحكومة الظاهرية وتحقق موضوع الحكم في كلا المقامين في

[ 14 ]

حكم الشارع وبجعله وبعبارة أخرى كما ان ما قامت البينة على خمريته لا يكون حقيقة من افراد الموضوع لوجوب الاجتناب ولا يكون دليل الاعتبار كاشفا عن عموم موضوع الحكم له واقعا بناء على عدم كون الحكومة واقعية كما هو الصحيح ومع ذلك يترتب عليه الاحكام ظاهرا لكونها محرزة للخمر الواقعي بحكم الشارع فكذلك لا يكون نفس البينة من افراد القطع الموضوعي حقيقة بأن يكون دليل الاعتبار كاشفا عن توسعة الاحكام الثابتة للقطع الموضوعي واقعا ومع ذلك فحيث ان موضوع الحكم بعد حكم الشارع بالكاشفية والطريقية يكون محرزا بجعل الشارع فيترتب عليه احكامه ايضا وبالجملة حال تحقق موضوع الحكم في القطع الموضوعي على وجه الطريقية بعينها حال تحققه في القطع الطريقي فكما ان الموجب له هو حكم الشارع بطريقية الامارة وكاشفيتها فكذلك الموجب له هو ذلك ايضا (والحاصل) ان تحقق الواقع بعد قيام البينة مثلا إنما هو من جهة اعطاء الشارع صفة المحرزية والكاشفية البينة التي هي ليست بمحرزة تامة للواقع فصفة المحرزية إنما هي المجعولة أولا بالذات وكون الواقع محرزا إنما هو بتبعها فقيامها بعد اتصافها بهذه الصفة المجعولة مقام القطع الوجداني في كونه جزء للموضوع أولى من قيام المؤدي منزلة الواقع (هذا كله) في القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية والكاشفية وأما ما أخذ فيه على وجه الصفتية فلا يمكن قيام الامارات أو الاصول مقامه بالنظر إلى دليل اعتبارها فإن دليل الاعتبار كما عرفت إنما يتكفل لاعطاء صفة الكاشفية والمحرزية فقط والمفروض ان القطع لم يؤخذ بهذه الجهة موضوعا للحكم والجهة التي بها أخذ في الموضوع لا يكون دليل الاعتبار ناظرا إليها ومثبتا لها وبعبارة أخرى حال القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية حال بقية الصفات المأخوذة فيه فكما لا معنى لقيام الامارة مقامها بدليل اعتبارها فكذلك لا معنى لقيامها مقامه وهذا واضح بأدنى التفات وتأمل ولا يحتاج إلى مزيد توضيح وبيان (ثم) ان القطع المأخوذ في الموضوع بتلك الجهة الظاهر عدم وجوده في الشرعيات وتوهم كون القطع المأخوذ في موضوع جواز الشهادة أو في الركعتين الاوليين من هذا القبيل فاسد فإن قوله صلى الله عليه وآله في باب الشهادة بمثل هذا فاشهد أودع ظاهر في كون القطع مأخوذا بجهة كشفه عن الواقع كانكشاف الشمس في النهار ولا بما انه من صفات الشاهد وأما أدلة اعتبار اليقين في الركعتين الاوليين فبعضها وإن كان مشتملا على لفظ اليقين إلا ان الموجود في البقية هو لفظ الاثبات والاحراز ومن الواضح ان ظاهرهما هو كونه مأخوذا فيه بما انه كاشف

[ 15 ]

لا بما انه صفة خاصة ثم انه إذ فرضنا قيام دليل خاص على قيام امارة أو اصل مقام القطع الصفتي كما هو مقتضى رواية حفص الدالة على جواز الشهادة من جهة اليد بناء على كون القطع المأخوذ في موضوعه مأخوذا فيه على وجه الصفتية فليس قيامهما مقامه من قبيل قيامهما مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقية لما عرفت من ان قيامهما مقامه إنما هو من جهة الحكومة الظاهرية المقتضية لترتيب الآثار في مقام الظاهر وأما قيامها مقام القطع الصفتي فهو أجنبي عن جهة الكاشفية بل هو من باب التعميم في الموضوع واقعا واسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر الكاشف عن عدم اختصاص الحكم بالموضوع الاول وعن اشتراك الآخر معه نظير قوله صلى الله عليه وآله الطواف بالبيت صلاة الكاشف عن اشتراط الطواف كالصلاة بالطهارة الحدثية والخبثية فتكون الحكومة واقعية فالاحكام الثابتة للمقطوع بعد قيام الدليل على تنزيل الظن منزلته وقيامه مقامه ينكشف ثبوتها للاعم من المقطوع والمظنون واقعا هذا ولكن الظاهر من عبارة شيخنا العلامة الانصاري (قده) ان قيام الامارات مقام القطع الصفتي إنما هو من باب قيامها مقام القطع الطريقي وإنما الفرق بينهما انما هو في ان الثاني يثبت بنفس دليل الاعتبار بخلاف الاول فإنه يحتاج إلى دليل بالخصوص ولا يكفي فيه قيام الدليل على اعتبارها بقي الكلام فيما استدل به على قيام الامارات والاصول مقام القطع بتمام اقسامه وعمدة ما يستدل به على ذلك هو ان دليل الاعتبار إنما يفيد تنزيل المؤدي منزلة الواقع وبعد قيام الامارة يقطع بكون مؤداها واقعا تعبديا جعليا فأحد جزئي الموضوع وهو القطع يكون محرزا بالوجدان والجزء الآخر وهو الواقع يكون محرزا بالتعبد فكما يترتب على آثار الخمر الواقعي على ما قامت البينة على خمريته بالتعبد على خمريته فكذلك يترتب عليه آثار مقطوع الخمرية بنفس هذا التعبد ايضا وهذا هو الوجه الذي تشبث به المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقه على الرسائل في اثبات قيام الامارات مقام القطع الطريقي والموضوعي بنفس دليل الحجية ثم انه (قده) بعد ما أورد على نفسه بما حاصله ان القطع المأخوذ جزء للموضوع هو القطع المتعلق بالموضوع الواقعي فلا يكون تنزيل المؤدي منزلة الواقع كافيا في تحقق تمام الموضوع بضميمة الوجدان إلى التنزيل التزم باستلزام تنزيل المؤدي منزلة الواقع حتى بلحاظ كونه جزء للموضوع لتنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي وبالآخرة قد تمسك باطلاق الدليل للتنزيل من هذه الجهة ايضا وهو (قده) وان عدل عن

[ 16 ]

هذا التقريب في الكفاية إلا انه لا يخفى ما فيه من الاشكالات الكثيرة إذ يرد عليه أولا ان هذا التقريب على تقدير تماميته إنما يتوقف على كون مفاد أدلة الاعتبار هو تنزيل المؤدي منزلة الواقع وقد عرفت ان أدلة الاعتبار لا تتكفل إلا اعطاء صفة الطريقية والمحرزية للامارة فيكون حال الامارة حال القطع الوجداني غاية الامر ان الطريقية فيه ذاتية وفي الامارة جعلية واما تنزيل المؤدي منزلة الواقع فلازمة كما عرفت هي الحكومة الواقعية وهي مستلزمة للتصويب وكون مؤديات الامارات محكومة بالاحكام الواقعية وعليه فلا يكون لجملة من المباحث كمبحث الاجزاء ونحوه مجال أصلا إذ بعد كون المؤدي محكوما بالحكم الواقعي فما معنى انكشاف الخلاف بعد ذلك حتى يتكلم في كونه مجزيا عن الواقع وعدمه (ثانيا) ان تنزيل المؤدي منزلة الواقع في كونه جزء للموضوع باعتبار الحكم الثابت للمركب يتوقف على كون الجزء الآخر منزلا في عرضه أو محرزا بالوجدان كذلك مع ان الجزء الآخر وهو القطع بالواقع الجعلي وتنزيله منزلة القطع بالواقع الحقيقي يتوقف على تنزيل المؤدي منزلة الواقع على الفرض فيلزم الدور المصرح وبهذا الوجه أشار هو قدس سره في الكفاية ايضا (وثالثا) ان موضوع الحكم في القضية الحقيقية التي حكم فيها بثبوت الحكم على مفروض الوجود إذا كان مركبا من جزئين لا يكون أحدهما احرازا فيمكن حينئذ أن يكون احد الجزئين محرزا في زمان والجزء الآخر محرزا بعد ذلك بزمان كالكرية والمائية وأما إذا كان أحد الجزئين هو الواقع والجزء الآخر احرازه فلا يمكن احراز أحد الجزئين أولا واحراز الجزء الآخر بعده ويستحيل كون الاحراز المتأخر جزء من هذا الموضوع وحيث ان المفروض في المقام هو تركب الموضوع من الاحراز ومتعلقه فلو كان الجزء الآخر منزلا في عرض الجزء الاول بأن يكون مشكوك الخمرية منزلا منزلة الخمر الواقعي وكان احراز الخمر الواقعي بالامارة منزلا منزلة القطع بالواقع فيتم الموضوع حينئذ وأما إذا كان الاحراز المتأخر عن التنزيل وهو القطع بالواقع الجعلي الذي لامساس له بالواقع الحقيقي منزلا منزلة القطع بالواقع فيستحيل التئامه مع الجزء الاول حتى يتحقق المركب الذي هو الموضوع للحكم وليت شعري ما الذي دعا هذا المحقق إلى جعل الجزء الآخر المنزل منزلة القطع بالواقع هو القطع بالواقع الجعلي حتى يرد عليه ذلك ولم لم يلتزم إلى كون الجزء الآخر المنزل منزلته بالملازمة هو الاحراز الناقص المتعلق بنفس الواقع حتى يسلم من ذلك (ورابعا) ان تمسكه بالاطلاق لاثبات التنزيل بلحاظ كون المؤدي

[ 17 ]

جزء للموضوع حتى يترتب عليه تنزيل الجزء الآخر عجيب وأعجب منه قياسه ذلك بورود الدليل الخاص على التنزيل بهذا اللحاظ والوجه في ذلك هو ان الدليل الخاص الوارد في مقام التنزيل بلحاظ جزء الموضوع لا محالة يكون دليلا ومثبتا للتنزيل بلحاظ الجزء الآخر ايضا صونا لكلام الحكيم عن اللغوية إذ المفروض عدم ترتب الاثر على جزء الموضوع بنفسه وهذا كما إذا ورد الدليل بالخصوص على استصحاب الحياة مع عدم اثر مترتب على نفسها بل كان الاثر مترتبا على لازمها العقلي والعادي فإنه لا مناص حينئذ عن الالتزام بكون التعبد بلحاظ أثر اللازم لئلا يلزم اللغوية في كلام الحكيم واين ذلك من اثبات هذا الاثر باطلاق لا تنقض اليقين بالشك فإن شموله بلحاظ أثر اللازم اول الكلام وكذلك في المقام فإن شمول اطلاق دليل التنزيل لجزء الموضوع حتى يترتب عليه تنزيل آخر أول الدعوى وبالجملة التمسك بالاطلاق إنما يصح فيما إذا لم يكن شموله لمقام محتاجا إلى عناية أخرى وأما فيما إذا احتيج إلى ذلك في الشمول فلا يمكن اثبات تلك العناية به وإلا فلا بد من القول بحجية كل أصل مثبت ومن الغريب انه (قده) مع عدم ذهابه إلى حجية الاصل المثبت قد صدر منه ما ينافي مبناه في المقام وفي القول بمحصلية الاقل بجريان حديث الرفع فيما شك في جزئيته أو شرطيته وفيما إذا نسي الجزء أو الشرط وخامسا إذا اغمضنا عن جميع ما يرد عليه فغاية ما يدل عليه دليل التنزيل هو كون المؤدي منزلا منزلة الواقع في كونه منكشفا للمكلف وغاية ما يقتضيه الملازمة بين التنزيلين هو كون الجزء الآخر منزلا منزلة القطع في انكشاف الواقع به واين ذلك من تنزيل الجزء الآخر منزلة القطع المأخوذ على وجه الصفتية وهذا يحتاج إلى عناية أخرى لا يتكفل لها دليل الحجية أصلا بقي هناك شئ وهو ان موضوع الحكم إذا كان مرسلا وغير مقيد بكونه معلوما فهل يمكن أخذ القطع به في موضوع حكم آخر مثله أو ضده أم لا أما بالنسبة إلى الضد فلا اشكال في عدم جوازه لما فيه من اجتماع الضدين وامتناع امتثال المكلف في الخارج واما بالنسبة إلى إلى الحكم المماثل فربما يقال فيه بالجواز نظرا إلى عدم ترتب محذور على ذلك إلا ما يتوهم من استلزامه لاجتماع المثلين وهو لا يكون بمحذور في امثال المقام أصلا فإن اجتماع عنوانين في شئ واحد يوجب تأكد الطلب واين ذلك من اجتماع الحكمين المتماثلين وقد وقع نظير ذلك في جملة من الموارد كما في موارد النذر على الواجب وامثاله ولكن التحقيق هو استحالة ذلك ايضا فإن القاطع بالخمرية مثلا إنما يرى الخمر الواقعي ولا يرى الزجر عما قطع بخمريته إلا

[ 18 ]

زجرا عن الواقع فليس عنوان مقطوع الخمرية عنده عنوانا آخر منفكا عن الخمر الواقعي ومجتمعا معه أحيانا حتى يمكن تعلق حكم آخر عليه في قبال الواقع كما في موارد اجتماع وجوب الشئ في حد نفسه مع وجوب الوفاء بالنذر وأمثاله ومع عدم قابلية هذا العنوان لعروض حكم عليه في نظر القاطع لا يمكن جعله له حتى يلتزم بالتأكد في موارد الاجتماع هذا كله في اقسام القطع وقد عرفت ان اقسامه الممكنة اربعة والواقع منها في الشريعة قسمان القطع الطريقي المحض وما أخذ في الموضوع على جهة الطريقية وقد عرفت ان الصحيح هو قيام الامارات مقام كل من القسمين بنفس دليل الاعتبار والمفيد لحكومتها على الادلة الواقعية بالحكومة الظاهرية وأما الظن فحيث ان طريقيته ليست ذاتية بل لا بد وان تكون بجعل جاعل كما عرفت فهو ينقسم إلى قسمين ما يكون حجة مجعولة وما لا يكون كذلك (وتوهم) وجود قسم ثالث فيه وهو ما يكون حجة من جعلة كالظن الانسدادي على الحكومة بتوهم ان الظن في هذا الحال كالقطع حال الانفتاح في كون الطريقية من لوازم ذاته وكونه حجة من جعلة بحكم العقل ولا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه بقاعدة الملازمة ايضا كما أفاده العلامة الانصاري قدس سره فاسد فإن حقيقة الظن إذا لم يكن الطريقية من لوازمها فكيف يمكن كونها كذلك بمقدمات الانسداد وهل يوجب ترتيب مقدمات الانسداد انقلاب الظن عن حقيقته إلى حقيقة أخرى والمراد من كون الظن حجة على الحكومة ليس هو كونه طريقا منجعلا بل المراد هو ان بطلان الاحتياط إذا لم يستلزم جعل الشارع طريقا كما يدعيه القائل بالحكومة فلا بد وان تنزل من الامتثال القطعي الاجمالي إلى الامتثال الظني وبعبارة أخرى لا بد من الاحتياط في خصوص المظنونات وطرح المشكوكات والموهومات كما انه إذا لم يمكن الامتثال الظني في اطراف العلم الاجمالي فلا بد وان نتنزل إلى الاحتمالي لا ان الظن والاحتمال يكونان طريقين إلى متعلقيهما عقلا في هذا الحال واما عدم استكشاف حكم شرعي بقاعدة الملازمة فليس من جهة كون الطريقية فيه ذاتية بل من جهة استقلال العقل بالحكم في باب الاطاعة والمعصية من دون ان يكون مستتبعا لحكم شرعي ثم ان حال الظن في أخذه في الموضوع كحال القطع بعينها في انه قد يكون تمام الموضوع وأخرى يكون جزء له وعلى الثاني فإما ان يؤخذ فيه على وجه الطريقية أو على وجه الصفتية واما على الاول فقد عرفت استحالة كونه موضوعا على وجه الطريقية ثم ان الظن المأخوذ في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة اما ان يكون ظنا معتبرا أو يكون ظنا غير

[ 19 ]

معتبر فيكون الاقسام ستة وتوهم استحالة أخذ الظن الغير المعتبر جزء للموضوع بتقريب انه إذا لم يكن حجة وطريقا إلى متعلقه فكيف يلتئم منه الموضوع في الخارج فإن الجزء الآخر له وهو الواقع اما ان يكون محرزا بالظن أو بالقطع اما احرازه بالظن فهو بعد فرض عدم حجيته غير معقول واما احرازه بالقطع فهو إن كان ممكنا إلا ان اجتماعه مع الظن ليتحقق تمام الموضوع ويلتئم الجزءان في الخارج مستحيل فإذا لم يمكن القيام الظن الغير المعتبر مع الجزء الآخر فجعله جزء للموضوع غير معقول مدفوع بعدم انحصار المحرز للجزء الآخر بالقطع وبهذا الظن الغير المعتبر المأخوذ في الموضوع حتى لا يمكن التئام الجزئين في الخارج بل يمكن احراز الجزء الآخر بأصل أو امارة خارجية ويلتئم الموضوع حينئذ بضم الوجدان إلى التعبد ويترتب عليه الآثار المجعولة (ثم) انك قد عرفت سابقا ان أخذ القطع في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة إنما هو باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي عن حكم متعلقه واما الظن فهو ان كان معتبرا وطريقا مجعولا إلى متعلقه فحاله حال القطع بعينها فإن متعلقه إذا كان حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم فيستحيل أخذه في موضوع حكم آخر يضاد حكم المتعلق أو يماثله بيان ذلك ان الشارع إذا حكم بحرمة الخمر فيكون تلك الحرمة شاملة لصورة الظن بها بنتيجة الاطلاق كما انها تشمل الخمر المظنون خمريته بالاطلاق اللحاظي فإن انقسام الخمر إلى كونه مظنونا ومشكوكا ومقطوعا من الانقسامات الاولية التي يمكن لحاظها في مقام الحكم ومع شمول الحرمة للحرمة المظنونة أو الخمر المظنون خمريته فيستحيل جعل حرمة أخرى أو جعل الوثوب مثلا لمظنون الحرمة أو لمظنون الخمرية لامتناع اجتماع المثلين والضدين هذا مضافا إلى ان جعل الحكم المضاد يستلزم تحير المكلف في مقام الامتثال بداهة ان لازم تعلق الظن المعبر بالحرمة أو الحرام هو لزوم الاجتناب ولازم أخذه موضوعا للوجوب هو الارتكاب والجمع بينهما غير ممكن فيبقى المكلف متحيرا في مقام الطاعة أو الحرام (وتوهم) امكان الاخذ في موضوع حكم مماثل باعتبار كون الظن بالحرمة أو الحرام عنوانا آخر فيمكن الحكم لهذا العنوان بنفسه ويكون لازما ذلك هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع قد ظهر فساده مما بيناه في استحالة كون القطع بالحكم موجبا لحدوث عنوان آخر يكون متعلقا لحكم مماثل وموجبا لتأكد الحكم في مورد الاجتماع وجه الظهور وهو ان الظن بالحكم أو بموضوع ذي حكم بعد فرض كونه طريقا ومحرز المتعلقة يكون حاله حال القطع فيما ذكرناه في وجه الاستحالة من ان المحرز للشئ ليس حقيقته إلا

[ 20 ]

ما به ينكشف ذلك الشئ وليس انكشاف الشئ أمر آخر في قبال المنكشف وموجبا لتعنونه بعنوان آخر بل الظن اسوأ حالا من القطع في بعض الجهات فإن القطع يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم متعلقه من باب نتيجة التقيد والتصرف في الحكم المقطوع دون نفسه لعدم كون طريقته قابلة للتصرف وهذا بخلاف الظن المعتبر لانه لا يعقل فيه ذلك إذ المفروض ان طريقيته جعلية وانها قابلة للتصرف ومع اعطاء الطريقية له كيف يمكن ان يتصرف في الحكم المظنون بتقييده بعدم كونه مؤدى لهذا الطريق والحاصل انه يمكن للشارع أن لا يعطي صفة الطريقية للظن القياسي مثلا ولكن مع اعطائها له لا يمكن تقييد حكمه بأن لا يحصل من الظن القياسي واما في القطع فحيث كان التصرف فيه والغاء الطريقية عنه مستحيلا فلم يكن هناك مناص عن تقييد الحكم كما عرفته هذا كله في الظن المعتبر وأما الظن الغير المعتبر فيظهر استحالة أخذه في موضوع الحكم المضاد مما ذكرناه في وجه الاستحالة في اخذ الظن المعتبر موضوعا له فإن الحكم الواقعي بعد شموله لمورد الظن بالاطلاق الذاتي واللحاظي فيستحيل جعل حكم آخر مضاد له لا محالة وأما أخذه في موضوع الحكم المماثل تمام الموضوع أو جزء له فلا محذور فيه أصلا بداهة امكان كون تعلق الظن بالخمر أو كون عنوان مظنون الخمرية بنفسه وإن لم يكن هناك خمر واقعي موجبا لحرمة أخرى فيما إذا لم يتصف الظن بالمحرزية والطريقية كما هو المفروض في المقام ومع امكانه فلا مانع من جعلها الموجب للتأكد في مورد الاجتماع لا محالة بالخمرية (فإن قلت) إذا فرض شمول الخمر الواقعي المفروض حرمته لصورة الظن به ايضا كما مر آنفا فلا محالة بكون جعل حرمة أخرى له لغوا محضا لا يترتب عليه أثر قلت إذا كان الظن بالخمرية مثلا تمام الموضوع للحرمة فلا محالة يكون النسبة بينه وبين الخمر الواقعي هو العموم من وجه ويكون كل من العنوانين بنفسه موجبا لتعلق الحكم به كما في عنواني العالم والهاشمي الموجب كل منهما لجعل وجوب الاكرام له غاية الامر هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع كما أشرنا إليه وأين ذلك من اللغوية واما إذا كان الظن بها جزءا لموضوع الحرمة فلكون النسبة بين الموضوعين هو العموم والخصوص المطلق ربما يتوهم استحالة جعل الحكم للخاص مرة ثانية بعد جعله للعام كما إذا حكم بوجوب اكرام الفقهاء بعد الحكم بوجوب اكرام العلماء مطلقا إلا انه توهم فاسد فإن عنوان الفقيه في المثال وعنوان كون الخمر الواقعي مظنونا في المقام إذا كان فيهما ما يوجب جعل الحكم لهما بالخصوص فلا مانع عن الجعل الموجب لتأكد الطلب فيهما ويكون فائدة

[ 21 ]

التشريع هو ان المكلف ربما لا يكون له داع إلى امتثال الاحكام الغير المؤكدة الصادرة من المولى ولكنه لا يتجاسر على مخالفة التكاليف المؤكدة فإذا لم يجعل الوجوب لخصوص اكرام الفقهاء أو الحرمة لخصوص الخمر المظنون فلا يكون التكليف الاول الشامل لهما بالعموم موجبا لاطاعته وهذا المقدار يكفي في فائدة التشريع واخراجه عن اللغوية فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الممكن من اقسام الظن المأخوذ في الموضوع ثمانية فإنه اما ان يكون حجة أولا وعلى كلا التقديرين فإما ان يكون تمام الموضوع أو جزءه وعلى الثاني فإما ان يكون مأخوذا على وجه الصفتية أو مأخوذا على وجه الطريقية فهذه اقسام ستة ممكنة باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي واما أخذه فيه في موضوع حكم مماثل لحكم المتعلق أو مضاد له فقد عرفت ان الممكن من اقسامه قسمان لا غير (أحدهما) أخذ الظن الغير المعتبر تمام الموضوع للحكم المماثل والثاني أخذه جزء له وفيما ذكرناه من قيام الامارات والاصول مقام القطع وعدمه غنى عن اعادة الكلام في اقسام الظن هذا وفي عبارة العلامة الانصاري قدس سره في المقام تشويش لا يخفى على من راجعها وقد نقل الاستاذ دام ظله من استاذ أساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره تصحيحه لعبارة الكتاب بما يرتفع به التشويش (ثم) لا يخفى أن أخذ الظن في موضوع حكم من الاحكام الشرعية ليس له عين ولا أثر وإنما كان تعرضنا لاقسامه المعقولة تشريحا للذهن تبعا للعلامة الانصاري (قده) فإن قلت اليس اعتبار الوثوق بالعدالة في موضوع جواز الائتمام من باب أخذ الظن في موضوع الحكم الشرعي ثم ان الظاهر ان اعتباره فيه من باب أخذه تمام الموضوع وعلى وجه الصفتية ولذا لا يجب اعادة الصلاة عند انكشاف عدم العدالة بالفسق أو الكفر بعدها فلا بد وان لا يقوم البينة أو الاستصحاب مقامه مع عدم حصول الوثوق منهما بناء على ما ذكرت من عدم قيام الامارات والاصول مقام ما أخذ في الموضوع على جهة الصفتية والكاشفية (قلت) الوثوق المأخوذ موضوعا لجواز الائتمام إنما هو الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي فأخذه في الموضوع أجنبي عن أخذ الظن فيه وأما حديث قيام الامارات والاصول مقامه فهو على القاعدة إذ الظاهر أن أخذه فيه من جهة الكاشفية والطريقية إلى متعلقه وليس في حكم الشارع بالاجزاء عند كشف الخلاف دلالة على ان الموضوع هو نفس الاحراز كما توهم ذلك في اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة حكم الشارع بالاجزاء عند انكشاف

[ 22 ]

وقوعها في الثوب المتنجس بل الصحيح هو ان الحكم بالاجزاء إنما هو لاكتفاء الشارع عن المأمور به بالمأتي به لمصلحة التسهيل أو غيرها وقد ذكرنا في بحث الاجزاء ما ينفع في المقام فراجع بقي أمور (الاول) في بيان ان التجري والمخالفة الاعتقادية يترتب عليه ما يترتب على المعصية والمخالفة الواقعية أم لا وقبل التكلم في ذلك لا بد من التنبيه على أمر وهو انه توهم بعضهم ان النزاع في المقام إنما يجري في خصوص مخالفة القطع بالواقع المفروض عدم اصابته وأما مخالفة الطرق الشرعية فلا يجري فيها النزاع لعدم الاشكال والريب في استحقاق العقاب على مخالفتها وإن كانت غير مصيبة للواقع ومنشأ هذا التوهم هو تخيل ان مخالفة الطرق الشرعية إنما هي مخالفة للاحكام الظاهرية المجعولة من قبل المولى فلا محالة يترتب عليها استحقاق العقاب وإن لم يكن هناك أحكام واقعية في مواردها وهذا بخلاف القطع فإن مخالفته في صورة عدم المصادفة لا يكون مخالفة لحكم واقعي ولا ظاهري فيقع النزاع في ان المخالفة الاعتقادية التخيلية يترتب عليها ما يترتب على المخالفة الواقعية أم لا (وأنت) بعد ما عرفت ان المجعول في موارد الطرق الشرعية ليس هي الاحكام البعثية أو الزجرية وإنما هو نفس صفة الطريقية والكاشفية من دون استتباعها لحكم شرعي تعرف ان حال مخالفة الطريق الوجداني حال الطريق الجعلي بعينها من دون فرق بينهما أصلا وعليه يكون محل النزاع في المقام أعم من مخالفة القطع الوجداني والامارات أو الاصول حتى اصالة الاحتياط في موارد العلم الاجمالي أو غيرها وبالجملة مخالفة مطلق المنجز للحكم على تقدير انكشاف عدم ثبوته في الواقع يكون محل الكلام في المقام إذا عرفت ذلك فاعلم انه ربما يحرر المسألة في محل الكلام فرعية وأخرى أصولية وثالثة كلامية (اما) تحريرها فرعية فباعتبار أن يقع الكلام في اتصاف المخالفة القطعية ولو كان القطع غير مصادف للواقع بالحرمة وعدمه وأنت بعد ما عرفت ان انكشاف الواقع لا يزيد بنظر القاطع على الواقع بشئ ويستحيل أن يكون بهذا العنوان محكوما بحكم آخر تعرف بطلان تحريرها فقهية (واما) تحريرها أصولية فهو من وجهين (الاول) أن يقع النزافي شمول الخطاب الواقعي فيما كان له موضوع خارج عن الاختيار كما في لا تشرب الخمر وامثاله لمقطوع الخمريه مثلا فيكون مقطوع الخمرية محرما بنفس الدليل الواقعي (الثاني) أن يكون النزاع في ان عنوان المقطوعية وتعلق صفة القطع بشئ هل يمكن أن يكون من العناوين التي بها يتأكد الحكم أو يتبدل أم لا (اما) الكلام من الجهة الاولى وابطال توهم شمول الاطلاقات الاولية

[ 23 ]

لعنوان المقطوع يتوقف على بيان مستند الخصم في توهم شمول الاطلاق لذلك فنقول ان من ذهب إلى شمول الاطلاقات الاولية للمقطوع وإن كان القطع غير مصادف للواقع قد اعتمد في اثبات مطلوبه إلى مقدمات ثلاث (الاولى) ان الخطابات التي لها موضوع خارجي لا محالة يكون الحكم فيها بعد فرض وجود الموضوع خارجا كما هو شأن القضايا الحقيقية ويكون متعلق الحكم حينئذ هي القطعة الاختيارية التي لم تأخذ مفروض الوجود مثلا خمرية المائع الخارجي في قضية لا تشرب الخمر وصدق الخمر عليه لا بد وان يكون مفروض الوجود في الخطاب حتى يكون المتعلق له هو الشرب الاختياري بداهة ان الامور الغير الاختيارية كخمرية المايع غير قابلة لتعلق الخطاب بها وعلى ذلك فرعنا بطلان الواجب المعلق وذكرنا ان الزمان لكونه خارجا عن الاختيار يستحيل كونه قيدا للمطلوب بل لا مناص عن كونه مفروض الوجود حين الخطاب وتعلق الخطاب بالقطعة الاختيارية ولازم ذلك هو الالتزام باشتراط الوجوب فإن كل قضية حقيقة ترجع إلى قضية شرطية كما ان كل قضية شرطية ترجع إلى قضية حقيقية (الثانية) ان العلم وحضور صورة الموجود الخارجي في النفس هو الموضوع والعلة لتحقق الارادة التكوينية ضرورة استحالة الانبعاث أو الانزجار عن الموجود الخارجي ما لم يتصف بصفة المعلومية بداهة أن العطشان لا يعقل تحركه نحو الماء الخارجي ما لم يعلم بوجوده بل ربما يموت عطشا مع وجود الماء عنده كما ان الانسان لا يفر عن الاسد الخارجي ما لم يعلم بوجوده ولو ترتب على عدم الفرار افتراسه له وهذا بخلاف القاطع بوجود الماء أو الاسد فإنه يتحرك نحو الماء ويفر من الاسد وان لم يكن هناك ماء أو اسد في الخارج وكان القطع غير مصيب للواقع فتحصل ان الموجب للحركة أو الهرب إنما هو نفس صفة العلم ليس إلا ولها موضوعية في تحقق الارادة من دون فرق بين ان يكون للصورة النفسانية واقع يطابقها أو لم يكن (الثالثة) ان الارادة التكوينية واختيار العبد في الخارج هي التي يكون ارادة المولى محركة لها فكان المولى عند طلبه يفرض أعضاء العبد اعضاء نفسه ويحرك ارادة العبد نحوها فطلب المولى وارادته التشريعية هو الموجب لتحقق ارادة العبد واختياره ويترتب على هذه المقدمات ان التكليف بحسب مقام التعلق وإن كان يتعلق بنفس الموضوع الخارجي إلا انه في مقام التحريك إنما يحرك ارادة العبد واختياره في فرض العلم وللصورة النفسانية موضوعية لتحقق الارادة والمقدار الممكن من العبد وما هو باختياره إنما هو ترك شرب ما قطع بخمريته والاصابة وعدمها وخمرية

[ 24 ]

المايع الخارجي وعدمها أجنبيتان عن اختيار العبد وارادته فكما ان العاصي اختار شرب الخمر لقطعه بخمرية المايع الخارجي فكذلك المتجري اختار ذلك ايضا لقطعه بها والجهة الاختيارية مشتركة بينهما فيكون تحريك التكليف الواقعي مشتركا بينهما لا محالة وهذا معنى ما ذكرناه من شمول الاطلاقات الواقعية لعنوان المقطوع ولو كان القطع غير مصادف للواقع هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب مستند هذا التوهم (وجوابه) ان المقدمة الاولى وإن كانت صحيحة ولا مناص عن الالتزام بها كما أوضحناها في بحث الواجب المشروط إلا ان المقدمة الثانية والثالثة ممنوعتان اما منع المقدمة الثانية فلان الارادة إنما تنشأ من العلم بالموجود الخارجي بما انه طريق إليه لا بما ان له موضوعية ضرورة ان القاطع بوجود الماء أو الاسد إنما يتحرك أو يهرب لا من جهة وجود صفة نفسانية بما هي صفة بل من جهة انكشاف الموجود الخارجي بها والمحرك لها إنما هو الموجود الخارجي لكن لا مطلقا بل بعد الانكشاف وبالجملة القاطع حيث انه يرى الواقع يتحرك نحوه لا ان الرؤية بنفسها محركة له وهذا ظاهر وجداني لا يحتاج إلى زيادة بيان (ثم) ان كون العلم موضوعا للارادة بحيث يقيد متعلقها ممنوع ايضا بل انكشاف الواقع عند الشخص داع للحركة الخارجية من دون كونها متقيدة بمتعلق الانكشاف فالعلم بعداوة زيد بما انه طريق إليها يكون داعيا إلى ضربه وقد يتخلف الداعي عن العمل لا ان العلم بها يوجب وقوع الضرب على عنوان العدو ضرورة ان الضرب لا يقبل لان يقع على العنوان وإنما يقع على الموجود الخارجي ليس إلا كما أن العلم بوجود الخمر خارجا يكون داعيا للخمار لشربه المايع الخارجي وعند انكشاف الخلاف يكون التخلف من قبيل تخلف الداعي (وأما) منع المقدمة الثالثة فلان الارادة التشريعية وإن كانت محركة للارادة التكوينية ونسبتها إليها نسبة حركة المفتاح إلى حركة اليد إلا ان كون حركتها مرادة بنحو المعنى الاسمى الاستقلالي ممنوع بل المراد إنما هو الفعل الصادر بالارادة والاختيار لانه هو الذي يترتب عليه المصلحة أو المفسدة والارادة تكون مرادة بنحو المعنى الحرفي الغير الاستقلالي (ثم) لا يخفى أن منع كل واحدة من المقدمتين يكفي في بطلان ما أراد الخصم اثباته ضرورة أنه إذا منعنا المقدمة الثانية وهي دعوى كون الصورة النفسانية لها موضوعية في تحقق الارادة وأثبتنا أن العلم بما هو طريق إلى الواقع يكون داعيا إلى الحركة فبانكشاف الخلاف وتبين عدم كون الموضوع الخارجي خمرا ينكشف انه لم يكن هناك محرك وانما كان هناك تخيل الحركة

[ 25 ]

فلو سلمنا ان الارادة التكوينية هي التي يتعلق بها الارادة التشريعية بنحو المعنى الاسمى إلا ان المحرك هو نفس التكليف الواقعي المشروط بوجود موضوعه واقعا وهو مفقود في المتجري على الفرض كما انا لو سلمنا هذه المقدمة ولكن التزمنا بكون متعلق الارادة التشريعية هو الفعل الارادي دون نفس الارادة والاختيار بنحو المعنى الاسمى كما عرفت فلا يكون المتجري مشتركا مع العاصي ضرورة انه بانكشاف الخلاف في فرض التجري ينكشف ان متعلق الارادة التكوينية وهو شرب المايع الخارجي لم يكن متعلقا للارادة التشريعية إذ المفروض تعلقها بنفس شرب الخمر الواقعي وهو غير متحقق والمتحقق إنما هو ارادة الشرب واختياره المفروض عدم كونها متعلقة للارادة التشريعية (والحاصل) ان دعوى اشتراك المتجري والعاصي في كون التكليف الواقعي شاملا لهما في مقام التحريك الخارجي تتوقف على اثبات كون العلم هو العلة التامة والموضوع لتحقق الارادة بما هو صفة نفسانية وعلى اثبات كون الارادة التكوينية بنفسها متعلقة للارادة التشريعية بنحو المعنى الاسمى دون الفعل الارادي وقد عرفت فسادهما بما لا مزيد عليه فلا يبقى للدعوى المذكورة مجال أصلا (وأما) التكلم من الجهة الثانية فملخصه ان يقال انه بعد الفراغ عن عدم الاشكال في ان العناوين الطارئة على شئ ربما توجب تأكد حكمه أو تبدله في الجملة وقع النزاع والكلام في أن تعلق القطع بشئ هل هو من تلك العناوين بأن يكون تعلق القطع بخمرية شئ مثلا موجبا لتحقق مفسدة فيه يترتب عليها حكم شرعي أم لا والتحقيق في المقام ان يقال انه لا اشكال في عدم تغير الموضوع عما هو عليه بتعلق القطع بخلافه ضرورة انه لا يخرج الماء الخارجي عما هو عليه في الخارج ولا يكون ذا مفسدة بتعلق القطع بكونه خمرا كما انه لا اشكال في عدم تغير الشرب الخارجي عما هو عليه ولا يكون متصفا بالقبح بمجرد القطع المذكور لما ذكرنا من ان انكشاف الشئ لا يزيد عليه بشئ فشرب الماء الخارجي على ما هو عليه من الاباحة الواقعية وعدم القبح في فعله وفي تركه بعد تعلق القطع بخمريته ايضا كما انه لا اشكال في ان تعلق القطع بخمرية المايع الخارجي يوجب القبح الفاعلي بارادة شربه والا لخرج المتجري عن كونه متجريا على المولى وكونه في مقام معصيته انما الاشكال في ان القبح الفاعلي هل يستتبع خطابا شرعيا مولويا بترك هذا الشرب ام لا ويقع الكلام في ذلك تارة من جهة استتباع القبح الفاعلي لسراية الحرمة الثابتة للخمر الواقعي إلى مقطوع الخمرية ايضا واخرى من جهة استتباعه لحكم آخر ثابت لنفس هذا

[ 26 ]

العنوان أما استتباعه لسراية الحكم الاولي الثابت لنفس الخمر إلى مورده فهو غير معقول فإن القبح الفاعلي في مرتبة متأخرة عن التكاليف الواقعية ضرورة ان ثبوت الحرمة للخمر الواقعي هو الموجب للقبح الفاعلي في شرب مقطوع الخمرية ولو كان القطع بها مخالفا للواقع وما كان في مرتبة متأخرة عن التكليف الواقعي لا يمكن استتباعه له وتوهم امكان استتباعه له بنتيجة الاطلاق قياسا باستتباعه التضييق في الحكم الواقعي من باب نتيجة التقييد كما في موارد اجتماع الامر والنهي بناء على الجواز وكون التركب بينهما انضماميا فإنا قد ذكرنا في ذلك المبحث ان متعلقي الامر والنهي وان كانا مختلفين خارجا الا ان ذلك لا يوجب صحة المأمور به إذا كان عبادة في صورة العلم بجهة الحرمة فإن القبح الفاعلي الناشي عن اتحاد وجود المأمور به مع المنهي عنه في مقام الايجاد والتأثير يوجب عدم امكان التقرب بهذا الفرد فيكون الفرد المتصف بالقبح الفاعلي خارجا عن اطلاق المأمور به بنتيجة التقييد فإذا أمكن كون القبح الفاعلي موجبا للتضييق من باب نتيجة التقييد فيمكن كونه موجبا للتوسعة من باب نتيجة الاطلاق ايضا مدفوع بوجود الفارق بين المقامين فإن التضييق في باب اجتماع الامر والنهي إنما هو لاجل منافاة القبح الفاعلي مع قصد التقرب فلا محالة يتقيد المأمور به بغير صورة وجود القبح الفاعلي من باب نتيجة التقييد واما القبح الفاعلي في المقام فهو امر آخر مباين للقبح الفعلي الموجب للحرمة في مرتبة سابقة عليه والمفروض عدم تحقق ذلك الموجب في مورد التجري فلو كان القبح الفاعلي ايضا موجبا لخطاب مولوي فلا بد وان يكون موجبا لخطاب آخر غير الخطاب الاولي الناشئ عن القبح الفعلي الغير المتحقق في مورد التجري والتحقيق امتناع ذلك ايضا فإنا قد ذكرنا سابقا ان تعلق القطع بشئ ذي حكم يستحيل ان يكون موجبا لجعل حكم آخر على هذا العنوان لاستلزامه اجتماع المثلين بنظر القاطع فلا يمكن ان يكون هذا الحكم المستلزم للحال بنظر القاطع محركا له إلى الامتثال وما كان كذلك يستحيل جعله فعنوان المقطوعية وان كان من العناوين الطارئة على الشئ إلا ان العنوان الطارئ إذا كان هو الانكشاف فهو لا يزيد عن المنكشف في نظر المكلف حتى يوجب جعل حكم آخر له في قبال الحكم الاولي ليترتب على ذلك تأكد الحكم في مورد الاجتماع ولو أغمضنا عن هذا المحذور فلا مانع من استتباع القبح الفاعلي لحكم آخر ثابت لنفس عنوان المقطوع في قبال الحكم الواقعي الثابت لنفس الموضوع الواقعي وأما ما افيد في وجه الاستحالة من ان القطع حيث انه لا يكون ملحوظا استقلاليا في

[ 27 ]

نظر القاطع ولا يكون الفعل صادرا عن المكلف الا بعنوانه الاولي الاستقلالي دون عنوانه الطاري الآلي ضرورة ان القاطع بخمرية المايع الخارجي انما يشربه بما انه خمر لا بما انه مقطوع الخمرية بل يكون هذا العنوان مغفولا عنه وغير ملتفت إليه غالبا فلا يمكن ان يكون متعلقا لحكم شرعي إذ المتعلق له لابد وان يكون من الافعال الاختيارية فمدفوع بأن الموضوع الخارجي انما يكون ملتفتا إليه بالقطع فصفة القطع حاضرة للنفس بذاتها والموضوع الخارجي يكون حاضرا لها بها ولا ريب ان صدور الفعل بهذا العنوان اختياري وملتفت إليه غاية الامر انه بالارتكاز لا بالتفصيل وهذا لا ضير فيه والا لما كان عنوان المقطوع قابلا لتعلق الحكم به اصلا ولو كان ذلك حكما آخر اجنبيا عن حكم متعلقه مع انه لا اشكال فيه ولا ريب وانكاره يستلزم هدم جميع ما ذكرناه في القطع الموضوعي مع ان هذا القائل ملتزم بها ايضا (ثم) انه ظهر مما ذكرناه فساد توهم ان ملاك استحالة جعل الحكم لعنوان الناسي وهو ان الحكم الثابت لهذا العنوان يستحيل فعليته فإنه مع عدم الالتفات إلى الموضوع يستحيل فعلية الحكم ومحركيته له ومع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده جار في المقام ايضا فإن من لم يلتفت إلى القبح الفاعلي وكون قطعه مخالفا للواقع يستحيل فعلية الحكم في حقه ومع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده وجه الظهور ان المدعى إذا كان هو استتباع القبح الفاعلي في خصوص المتجري لخطاب متعلق به بخصوصه فيرد عليه ما ذكر ويصبح القياس بالناسي في استحالة جعل الحكم له لكنه خلاف الواقع والمفروض فإن القبح الفاعلي مشترك بين العاصى والمتجري وعلى تقرير استتباعه لحكم آخر يكون هذا الحكم ثابتا في حق كل منهما وإذا كان القبح الفاعلي مشتركا بينهما فلا محالة يكون الحكم التابع له ثابتا لكلي عنوان المقطوع به كان القطع مصادفا للواقع ام لم يكن ولا ريب ان هذا العنوان مما يلتفت إليه المتجري وعلى تقدير استتباعه لحكم آخر يمكن له الانبعاث عنه مع الالتفات إلى موضوعه واين ذلك من النسيان المستحيل ان يلتفت إليه مع بقائه على حاله وبالجملة القبح الفاعلي الموجود في التجري ان كان صالحا للاستتباع لخطاب شرعي فالقبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان يكون صالحا له بالاولية والاولوية فلا يكون الخطاب مختصا بخصوص المتجري حتى يلزم من الالتفات إلى موضوعه انقلابه إلى ضده (وأما) التكلم من الجهة الثالثة وهي الجهة الكلامية فحاصله انه ذهب جماعة إلى ان المتجري يستحق العقاب بعين ذاك الملاك الذي يوجب استحقاق العاصي

[ 28 ]

واما توهم كون المتجري مستحقا له بملاك آخر يختص به فلم يذهب إليه احد ودون اثباته خرط القتاد وعمدة ما يستدل به على كون المتجري مستحقا للعقاب بملاك استحقاق العاصي له هو ما اعتمد عليه سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره واوضح مرامه في ضمن مقدمات اربع * (الاولى) * انه لا اشكال في ان وظيفة المولى هو جعل الاحكام وايصالها إلى المكلفين بالطرق المتعارفة من انزال الكتب وارسال الرسل وامرهم بتبليغها إلى اوصيائهم وامرهم بالتبليغ إلى الرواة وهكذا إلى ان ينتهي الاحكام إلى المكلفين بها وبالوصول إليهم ينتهي سلسلة البعث ويحكم العقل بوجوب الانبعاث عنها وحكم العقل بذلك اعني حكمه بوجوب الطاعة وحسنها وقبح المعصية وحرمتها حكم استقلالي يستحيل وجود حكم شرعي في مورده إذ المفروض ان مرتبة حكمه هي مرتبة الانبعاث ففرض البعث في هذه المرتبة خلف محال فوجوب الانبعاث عن تكاليف المولى المنحل إلى وجوب الطاعة وحرمة المعصية هو الوجوب الذاتي الذي ينتهي إليه وجوب كل واجب كما ان طريقية القطع كانت ذاتية واليها كانت تنتهي طريقية كل طريق والوجه في ذلك هو ان هذا الوجوب لو لم يكن ذاتيا لما وجب امتثال حكم من الاحكام الالهية ضرورة ان وجوب الانبعاث عنها لو كان مجعولا غير ذاتي لكان وجوب الانبعاث عن هذا الوجوب محتاجا إلى جعل آخر وهكذا فيدور أو يتسلسل وهذا بخلاف ما إذا كان غير مجعول وكان ذاتيا فيكون وجوب كل واجب شرعي بعد وصوله إلى المكلف داخلا في هذه الكبرى العقلية ويجب اطاعته بحكم العقل * (الثانية) * انه قد ظهر مما ذكرناه ان حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية يغاير الاحكام العقلية الاخر مثل حكمه بقبح التشريع وقبح التصرف في مال الغير ونحو هما في ان مرتبة هذا الحكم العقلي هي مرتبة المعلول من الحكم الشرعي ضرورة ان مرتبة الانبعاث من البعث هي مرتبة المعلول من العلة واما مرتبة بقية الاحكام العقلية فمرتبتها من الاحكام الشرعية مرتبة العلة من معلولها فإن حكم العقل بقبح التشريع وقبح التصرف في مال الغير بضميمة قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع يكونان مثبتان للحكم الشرعي فيكونان في مرتبة العلة للحكم الشرعي بحرمة التشريع وحرمة التصرف في مال الغير (ثم) ان هناك فرقا بين هذا الحكم العقلي الذي هو في مرتبة المعلول وبين بقية الاحكام العقلية التي هي في مرتبة العلة من جهة أخرى وحاصل هذا الفرق هو ان هذا الحكم العقلي لا يكون ثابتا إلا في مورد احراز الحكم الشرعي بطريق عقلي أو شرعي واما في

[ 29 ]

موارد الشك أو الظن الغير المعتبر فلا يكون بل يكون تلك الموارد محكومة بحكم عقلي آخر وهو حكمه بقبح العقاب بلا بيان وهذا بخلاف بقية الاحكام العقلية فإنها كما تثبت في موارد الظن والشك ايضا فإن العقل لا يفرق بين مورد العلم بعدم صدور التكليف من المولى وبين مورد الشك في صدوره في حكمه بقبح التشريع فيهما كما انه لا يفرق بين موارد العلم بكون المال مالا للغير وبين موارد الشك في ذلك في حكمه بقبح التصرف فيه (نعم) بين حكمه بقبح التشريع في موارد عدم العلم بعدم الصدور وبين حكمه بقبح التصرف عند الشك في كون المال مالا للمتصرف فرق ايضا فان حكمه بقبح التشريع في موارد الشك حكم واقعي ناشئ عن الملاك الذي به حكم العقل بالقبح في موارد العلم بعدم الصدور فإن قبح التشريع إنما هو لكونه تصرفا في سلطان المولى بغير اذنه وهو مشترك بين موارد العلم والشك فحكمه بالقبح في الموردين بملاك واحد مشترك بينهما وأما حكمه بقبح التصرف في موارد الشك في كون التصرف فيه مالا للمتصرف فهو حكم طريقي ناشئ عن الاهتمام بالواقعيات فالملاك فيه غير الملاك في حكمه بالقبح عند احراز كونه مالا للغير والفرق بين المقامين بذلك يستتبع ثمرات تظهر لك فيما بعد ذلك ان شاء الله تعالى * (الثالثة) * ان العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية لا بد وان يكون هو تمام الموضوع صادف الواقع ام لا ضرورة انه لو كان موضوعه هو العلم المصادف لكان احراز المصادفة الذي هو الجزء الآخر للموضوع لازما في حكمه بالوجوب وعليه فلا يجب امتثال تكليف واصل من قبل المولى اصلا لاحتمال ان لا يكون هذا الاحراز مورد الحكمة لاحتمال انكشاف الخلاف فيه وهذا يستلزم سد باب حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية بالكلية وبالجملة فما يمكن ان يكون موضوعا للحكم العقلي هو نفس الاحراز ليس الا واما تخصيصه بفرد دون فرد فغير معقول وموجب للمحذور المذكور * (الرابعة) * ان الملاك لحكمه بوجوب الطاعة إذا استحال كونه هو القبح الفعلي والا لزم استحقاق العقاب في موارد الجهل ايضا فلا بد وان يكون الملاك له هو القبح الفاعلي لانحصار الملاك في احدهما وعدم قابلية شئ آخر للملاكية وإذا كان هو الملاك فلا بد من الالتزام باستحقاق المتجري للعقاب كالعاصي لثبوت القبح الفاعلي في كليهما وما يختص بالعاصي من القبح الفعلي قد عرفت كونه اجنبيا عن الملاك واستحالة كونه موجبا لاستحقاق العقاب ولا يخفى عليك ان لازم هذه المقدمات وإن كان هو استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق

[ 30 ]

العاصي له الا ان المقدمة الثالثة والرابعة منها محل نظر بل منع (اما) المقدمة الثالثة فلان العلم وانكشاف الواقع وان كان هو الموضوع في هذا الحكم العقلي كما عرفت في المقدمة الثانية الا انه غير متحقق في باب التجري والمتحقق في مورده هو الجهل المركب وانى لهم باثبات سراية أحكام العلم للجهل ولسنا ندعي ان احكام العلم ثابت لفرد دون فرد بل ندعي عدم ثبوت احكام العلم لغيره وبالجملة ان ما يقتضيه وظيفة العبودية هو لزوم انبعاث العبد عن البعث الواصل إليه واما لزوم انبعاثه عن البعث التخيلي فلا يحكم به العقل أصلا لعدم كون ترك هذا الانبعاث ظلما للمولى وحركة على خلاف ارادته ورضاه والمتجري في حال كونه متجريا وان كان يرى مخالفته محكومة بالقبح العقلي إلا ان من جهة عدم احتماله لعدم المصادقة وتخيله انه يخالف البعث الواصل من المولى وبعد انكشاف الخلاف ينكشف انه لم يكن هذا المخالفة محكومة بالقبح لعدم كونه معصية ومخالفة للبعث الواصل والحاصل ان حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية انما هو بملاك العبودية والمولوية وان العبد لا بد وان ينبعث عن البعث الواصل من المولى وينزجر عن زجره الواصل وهذا الملاك غير متحقق في موارد التجري قطعا ووجود ملاك آخر في مورد التجري يوجب استحقاق العقاب مع انه خلاف المدعى قد عرفت ان دون اثباته خرط القتاد (واما المقدمة الرابعة) فلان ملاك استحقاق العقاب وان لم يكن هو القبح الفعلي كما افاده قدس سره الا ان ذلك لا يستلزم كون القبح الفاعلي الموجود في صورة التجري ملاكا له ايضا بيان ذلك ان القبح الفاعلي المتحقق في فرض العصيان ليس امر مغاير للقبح الفاعلي الواصل إلى المكلف بل نفس القبح الفعلي بعدم فرض علم المكلف به يوجب اتصاف الفعل بالقبح الفاعلي وهذا هو الملاك في استحقاق العقاب واما القبح الفاعلي الموجود في التجري فهو مغاير لهذا المعنى من القبح الفاعلي وإنما هو مجرد كشف الفعل عن سوء السريرة وشقاوة الفاعل واين ذلك من القبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان واثبات كونه ملاكا لاستحقاق العقاب ايضا يحتاج إلى مؤونة أخرى وامامه برهان آخر وقد عرفت ان دون اثباته خرط القتاد فتحصل من جميع ما ذكرناه ان التجري لا يكون مستتبعا للقبح الفعلي ولا يكون القبح الفاعلي الموجود في مورده مستتبعا لخطاب مولوي ولا موجبا لكون التجري في حكم المعصية في استحقاق العقاب وبعد ذلك لا يبقى مجال للبحث عن كونه محكوما بالحرمة الشرعية فقهيا وهل يمكن اثبات الحرمة لموضوع آخر اعم من التجري المبحوث عنه في المقام ومن اتيان مقدمات الحرام بقصد

[ 31 ]

التوصل إليه ومن ايجاد بعض المقدمات لصدور الحرام من الغير أم لا (ربما) يقال بأن نية السوء التي يكون لها مظهر عملي في الخارج تكون محرمة شرعا ويستدل على ذلك بالاجماع وبالاخبار ولا يخفى عدم تمامية هذه الدعوى لوضوح عدم قيام الاجماع على هذه الكبرى الكلية (نعم) لا يبعد قيامه على بعض المسائل الجزئية لكن كونها من قبيل المقام ممنوعة (منها) حكمهم بحرمة تأخير الصلاة لمن ظن تضيق الوقت ولو انكشف بعد ذلك سعته ومنها حكمهم بوجوب اتمام الصلاة لمن ظن بالخطر في السفر لكون السفر معصية ولو انكشف بعد ذلك كون الطريق مأمونا وجه المنع هو ان حكمهم في المسألة الاولى بتحقق المعصية ليس من جهة حرمة التجري وإنما هو لاجل ان خوف تضيق الوقت ولو لم يكن هناك ظن بالضيق ايضا هو تمام الموضوع لوجوب البدار واين ذلك من التجري المبحوث عنه في المقام وأما حكمهم بوجوب الاتمام لمن ظن الخطر في الطريق فهو مبني على وجوب دفع الضرر المظنون عقلا وتوضيح الحال فيه هو ان الظن قد يتعلق بالضرر الاخروي وأخرى بالضرر الدنيوي لا اشكال في انه إذا تعلق بالضرر الاخروي يكون العقل حاكما بوجوب دفعه ارشادا إلى عدم الوقوع فيه ولا يكون هذا الحكم مستتبعا لخطاب مولوي فإنه من فروع حكمه بوجوب الطاعة وحرمة المعصية لان الملاك في حكمه بذلك هو دفع العقاب ولا يفرق في ذلك بين كونه مقطوعا أو مظنونا أو مشكوكا وأما حكمه بوجوب دفع الضرر الدنيوي المظنون بل المشكوك فلا مانع من استتباعه لخطاب مولوي شرعي إلا ان كون مخالفته معصية حكمية ليكون داخلا في باب التجري يتوقف على كون حكمه بذلك طريقيا مغايرا لحكمه بوجوب دفع الضرر المقطوع وهذا غير مسلم بل الظاهر ان حكمه بوجوب دفع الضرر المقطوع وغيره بملاك واحد وهو قبح القاء النفس فيما لا يؤمن من ضرره كما ربما يدعى كون ذلك هو الظاهر من قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وعليه فلا يتصور هنا انكشاف خلاف في موضوع هذا الحكم إذ تمام الموضوع له هو نفس عدم الامن من الضرر واين ذلك من باب التجري وبالجملة فساد توهم قيام الاجماع على تلك الكبرى الكلية المنطبقة على موارد التجري ايضا الناشئ من حكمهم في هذين الفرعين من الموضوع بمكان ولا يحتاج إلى ازيد من ذلك من البيان (واما) الاخبار الدالة على ثبوت العقاب بنية السوء فهي متعارضة باخبار أخر دلت على العفو عنها والجمع بينهما بحمل الطائفة الثانية على النية المجردة وحمل الطائفة الاولى على النية مع الاظهار وإن كان

[ 32 ]

جمعا حسنا الا انه يتوقف على وجود شاهد من الاخبار وعمل جمع من الاصحاب على طبقه والا فهو جمع تبرعي لا يمكن كونه منشأ للفتوى نعم يمكن ان تكون الرواية الواردة في دخول القاتل والمقتول كليهما في النار من جهة تحقق القتل من احدهما والارادة من الآخر التي هي العمدة في اخبار الباب دالة على حرمة نية السوء إذا وقعت الحركة على طبقها لكن لا مطلقا بل في خصوص ما إذا كان المانع عن عدم تحقق المعصية أمرا خارجيا حائلا بين الشخص وبين المعصية وبها يخصص اخبار العفو عن نية المعصية وتحمل على غير تلك الصورة ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بحرمة التجري إذ المتجري وان كان ناويا للسوء إلا انه لم يقع منه في الخارج قصد نحوه بل كان ما فعله تصديا خياليا وغاية ما امكننا ان نحكم بحرمته هو ما إذا كان التصدي حقيقيا كما هو مورد الرواية الدالة على الحرمة لا ما إذا كان خياليا كما في المقام وينبغي التنبيه على امور (الاول) انه ربما يشكل على الاخبار الدالة على العفو عن نية السوء بأنها تنافي قاعدة اللطف فإنها تقتضي تبعيد المكلف عن المعصية وتقريبه إلى الطاعة والعفو اللازم ينافي ذلك إذ لا يكون بعده رادع للمكلف عن نية المعصية وبمثله يشكل على ما دل على العفو عن الصغاير في فرض الاجتناب عن الكبائر ولكنه لا يخفى فساد الاشكال في كلا المقامين أما في المقام فلان الناوي للمعصية لا يتحقق منه النية بما انها نية بنحو المعنى الاسمي حتى تكون الاخبار الدالة على العفو عنها موجبة لتحققها من المكلف بل تحقق النية منه إنما يكون باعتبار كونها فانية في المنوي وبنحو المعنى الحرفي الالتفات إلى قبح المعصية وإلى ترتب العقاب عليها يكفي في الرادعية عن تحقق النية ولو مع القطع بعدم ترتب العقاب على نفسها وبعبارة اخرى جعل العقاب على المنوي وما يصدر من المكلف خارجا كما انه يكفي في كونه رادعا عن تحقق نفسه في الخارج كذلك يكفي في كونه رادعا عن تحقق نيته فإن الملتفت إلى قبح المنوي مع التزامه بعدم ارتكاب القبيح لا يتحقق منه نية لا محالة وأما في مسألة العفو عن الصغائر فلان العفو عنها إذا كان مطلقا وغير متعلق على شئ لكان للاشكال المذكور من كونه منافيا لقاعدة اللطف مجال واسع وأما إذا كان معلقا على الاجتناب عن الكبائر فكونه منافيا لها يتوقف على امكان الوثوق من المرتكب لها بأنه لا يرتكب كبيرة اصلا حتى يكون مأمونا من العقاب حين ارتكابها وحصول هذا الوثوق من البعد بمكان يليق بالمستحيل العادي ومع عدم حصوله لا يمكن ان يكون العفو المعلق مؤمنا له حين الارتكاب حتى يكون منافيا لقاعدة

[ 33 ]

اللصف (الثاني) انا قد ذكرنا في صدر المبحث ان التكلم في التجري لا يختص بخصوص مورد القطع بل يجري في موارد الاصول والامارات مطلقا محرزة كانت أو غير محرزة ولكنه لا يخفى ان حجية الامارات أو الاصول إذا كانت من باب السببية فيمكن تحقق التجري من جهتين (الاولى) من جهة الواقع (الثانية) من جهة المخالفة للحكم الظاهري وتوضيح ذلك انه إذا دامت البينة على خمرية مايع خارجي فالشارب له تارة يشربه من جهة عدم مبالاته بشرب الخمر وأخرى لعدم مبالاته بمخالفة البينة من جهة عدم بنائه على كونها حجه وإلا فلو كانت الخمرية مقطوعة عنده لما تحقق منه الشرب خارجا اما التجري من الجهة الاولى فلا يكون إلا بالاضافة إلى الحكم الواقعي واما بالاضافة إلى الجهة الثانية فكونه تجريا يتوقف على انكشاف عدم جعل الشارع للبينة حجة وإلا فيكون الشرب معصية حقيقية ويخرج بذلك عن مبحث التجري والحاصل ان شرب المايع الذي قامت الحجة على خمريته عند المكلف كما يكون تجريا بالاضافة إلى الواقع فيما إذا انكشف عدم الخمرية بعد الارتكاب كذلك يكون تجريا بالاضافة إلى الحكم الظاهري المقطوع جعله من قبل الشارع المنكشف خلافه بعد ذلك بانكشاف عدم اعطاء الشارع لها صفة الحجية واما بناء على كون الحجية من باب الطريقية كما هو المختار عندنا فليس هناك حكم ظاهري مجهول في موارد قيام الحجة الشرعية اصلا حتى يمكن فرض التجرى بالاضافة إليه في قبال الواقع فيتمحض التجري عند قيام الحجة عند المكلف على خمرية مايع مثلا في التجري بالاضافة إلى الواقع ليس الا (ثم) لا يخفى ان في موارد الاصول والامارات النافية للتكليف وان امكن الاحتياط وكان حسنا ما على ما سيجئ ان شاء الله تعالى من عدم منافاة وجود الحجة على العدم مع حسن الاحتياط الا ان من لم يحيط واقتحم فيها إذا كان في اقتحامه مستند إلى الحجه الموجودة فيها فلا يتحقق منه التجري ويكون معذورا ولو انكشف وقوعه في المخالفة الواقعية واما إذا لم يكن الاقتحام استنادا إلى الحجة الشرعية بل لرجاء تحقق المعصية منه كمن شرب المايع المحكوم بعدم الخمرية برجاء كونه خمرا فلا ريب في حسن مؤاخذته إذا كان الاقتحام موجبا لتحقق المخالفة الواقعية فان المخالفة الواقعية انما يقبح العقاب عليها إذا كانت مستندة إلى حجة شرعية أو عقلية واما في غير ذلك فلا موجب لقبحه وسيجئ تفصيل الكلام في ذلك في مبحث البراءة ان شاء الله تعالى بل لو بينا على استحقاق المتجري للعقاب فلا ريب في حسن المؤاخذة في المقام ولو لم يكن الاقتحام موجبا لتحقق

[ 34 ]

المخالفة الواقعية (وبالجملة) حال من لا يستند في اقتحامه إلى حجة شرعية أو عقلية حال من لم يكن عنده حجة اصلا في انه مع وجود المخالفة الواقعية يستحق عقاب العاصي ومع عدمها يستحق عقاب المتجري وصرف وجود الحجة مع عدم الاستناد عليها لا يوجب رفع العقاب عن المرتكب بل يمكن ان يقال باشدية العصيان أو التجري عند قيام الحجه النافية مع عدم الاستناد إليها من العصيان أو التجري في موارد القطع بالمخالفة فان الاقدام على مخالفة المولى وعصيانه حتى في الموارد المحتملة رجاء لتحقق المعصية لا ينشأ الا عن سوء سريرة اقوى من سوء السريرة الموجودة في موارد القطع بالمخالفة فالعقاب عليه في فرض المصادفة وعدمها يكون اولى من العقاب على المعصية أو التجري الموجودين في موارد القطع (الثالث) ان صاحب الفصول (قده) بعد ما ذهب إلى قبح التجري في حد ذاته التزم بانقسامه إلى الاحكام الخمسة باعتبار مزاحمة قبحه في بعض الموارد بالمصلحة الواقعية ففي مثل ما إذا تجرى العبد بعدم قتل من قطع بعداوته للمولى التزم بعدم القبح بل بالحسن فيما إذا انكشف كونه ابنا للمولى (ثم) انه ذكر في بعض كلماته انه إذا صادف التجري المعصية الواقعية تداخل عقابهما وحاصل ما ذكره فيحل إلى دعاو ثلاث (الاولى) ان قبح التجري يمكن زواله بعروض عنوان آخر موجب لحسنه فيختلف حاله في الحسن والقبح باختلاف الوجوه من الاعتبارات (الثانية) ان مصادفة مورد التجري لمحبوب المولى واقعا من جملة الوجوه التي بها يرتفع قبح التجري (الثالثة) ان في صورة مصادفة التجري للمعصية الواقعية يتداخل عقابهما وكل هذه الدعاوي فاسدة اما الدعوى الاولى فيبطلها ان الافعال باعتبار كونها حسنة أو قبيحة بحكم العقل على اقامة ثلاثة فان منها ما ليس فيه اقتضاء الحسن والقبح اصلا ويحتاج في اتصافه بهما إلى عروض عنوان خارجي عليه وهذا كالمباحات فانها لا تتصف بالحسن والقبح في حد ذواتها (نعم) إذا عرض لها عنوان محسن أو مقبح فهي تتصف بالحسن أو القبح (ومنها) ما يكون فيه اقتضاء الحسن أو القبح لكن لا يمتنع ان يعرض له عنوان آخر يغيره عما هو عليه وهذا كالصدق والكذب فان الاول مقتض للحسن وما لم يكن هناك جهة اخرى كالاضرار بمؤمن مثلا فيتصف بالحسن كما ان الثاني فيه اقتضاء القبح وما لم يعرض له جهة محسنة كانجاء مؤمن أو دفع فتنة مثلا فيتصف بالقبح فالصدق مع بقاء عنوانه يمكن ان يتصف بالقبح لعروض عنوان آخر كما ان الكذب مع كونه كذبا يمكن ان يتصف بالحسن لامر خارجي (ومنها) ما يكون علة تامة للحسن أو

[ 35 ]

القبح ولا يمكن فيه الانفكاك اصلا وهذا كالعدل والظلم فانهما مع بقائهما على عنوانهما يستحيل ان يتغيرا عما هما عليه (نعم) يمكن ان يكون بعض العناوين مخرجا للشئ عن كونه عدلا أو ظلما كما في ضرب اليتيم فانه إذا كان بعنوان التأديب يخرج عن كونه ظلما ويكون عدلا في حقه لا انه يتصف بالحسن مع بقائه على كونه ظلما وكما في حكم الشارع بأخذ المال من الكافر الحربي فان الشارع بعد الغائه مالكيته وجعل ما يملكه هنيئا للمسلمين لا يكون الاخذ منه بالغلبة والقهر ظلما في حقه (ولا يخفى) ان عنوان التجري على المولى وكشفه عن سوء سريرة العبد لا يمكن ان يعرض له جهة اخرى محسنة فانه كالمعصية الحقيقة في كونه ظلما على المولى فكما انه لا يمكن اتصاف المعصية الحقيقية بالحسن اصلا فكذلك يكون التجري ايضا (وبالجملة) القبح الفاعلي الموجود في التجري انما هو من لوازم ذاته ويستحيل انفكاكه عنه ابدا (واما) الدعوى الثانية فيبطلها انا ولو سلمنا امكان عروض عنوان موجب لارتفاع قبح التجرى الا ان المصادفة مع محبوب المولى واقعا لا يمكن ان يكون من هذا القبيل فان الامور الغير الاختيارية كما لا يمكن ان تكون معروضة للحسن أو القبح فكذلك لا يمكن ان تكون من العناوين المزيلة للحسن أو القبح ضرورة ان ضرب اليتيم لا للتأديب لا يمكن ان يقع حسنا ولو ترتب عليه الادب خارجا كما ان الكذب لا يرتفع عنه قبحه بمجرد مصادفته لانجاء مؤمن أو دفع فتنة واقعا ومصادفة مورد التجري مع ما هو محبوب المولى واقعا لكونها خارجة عن الاختيار يستحيل كونها دافعة لقبح التجري وموجبة لحسنه ولذا اعترف (قده) بمعذورية من لم يتحر على مولاه وبعدم فعله القبح لو اتى بما هو مبغوض للمولى واقعا فكما ان المبغوضية الواقعية لا توجب قبحا في ترك التجري على المولى فكذلك لا توجب المحبوبية الواقعية حسنا في التجري فان (قلت) إذا كان دخل الامور الواقعية الخارجة عن الاختيار في اتصاف الفعل بالحسن أو القبح محالا فلما ذا انكرت استحقاق المتجري للعقاب مع ان المصادفة الواقعية في العاصي وعدم المصادفة في المتجري خارجان عن الاختيار فكما امكن دخل المصادفة الواقعية في استحقاق العقاب وفي صدور القبيح منه خارجا فكذلك يمكن دخل المصادفة مع محبوب المولى رافعا للقبيح عن التجري (قلت) المستحيل انما هو دخل الامور الغير الاختيارية في اتصاف شئ بالحسن أو القبح وكونها مزيلة ورافعة لهما كما في المقام واما كونها موجبة لعدم تحقق القبيح فلا محذور فيه اصلا وما التزمناه هناك انما هو من هذا القبيل لا القسم الاول فانا قد ذكرنا

[ 36 ]

هناك ان الموجب للعقاب هو القبح الفعلي مع كونه محرزا عند الفاعل ومن المعلوم ان عدم المصادفة الواقعية توجب عدم تحقق القبيح من المكلف لا انها توجب ارتفاع القبح عما هو متصف به في حد نفسه وكم فرق بين كون الامر الغير الاختياري رافعا للقبح وكونه مانعا عن تحقق القبيح خارجا وما انكرناه في المقام هو الاول دون الثاني (واما الدعوى) الثالثة فيرد عليها انا إذا بنينا على استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق العاصي له فليس في مورد العصيان الا ملاك واحد للعقاب فاين عقابان حتى يتداخلان وإذا بنينا على استحقاق المتجري له بملاك اخر يحض به في قبال ملاك استحقاق العاصي له فكيف يمكن فرض المصادفة في صورة التجري حتى يكون هناك ملاكان لاستحقاق العقاب فيلتزم بتداخلهما وكيف كان فلا نعقل معنى محصلا لتداخل العقابين في فرض المصادفة الا ان يريد من المصادفة مورد التجرد لحرام آخر كما إذا قطع المتجري بخمرية مايع فشربه فظهر كونه مغصوبا وحينئذ فان بنينا على جواز العقاب على جنس الحرام المعلوم وان كان المكلف مخطئا في فصله كما هو المختار عندنا على ما سيجئ تفصيله في بحث الاشتغال أو بنينا على جواز العقاب على نفس الحرام الواقعي وهو الغصب في الفرض المزبور بعد معلومية حرمة الفعل الخارجي ولو بعنوان آخر فلا محالة يتحقق المعصية بالاضافة إلى جنس الحرام المعلوم أو بالاضافة إلى الحرام الواقعي ويتحقق التجري بالاضافة إلى خصوصية الخمر المعلوم للمكلف فيجتمع المعصية والتجري في محل واحد باعتبارين واما إذا بنينا على عدم صحة العقاب على جنس الحرام المعلوم ولا على الفرد الواقع الموجود في ظرف القطع بفرد آخر خطأ لما اجتمع المعصية والتجري حتى في الفرض المزبور (الامر الثاني) في تحقيق قاعدة الملازمة وما ذهب إليه الاخباريون من عدم اعتبار الدليل العقلي في الاحكام الشرعية وهذه المسألة وان وقع فيها ما وقع من الاضراب وكثرة النقض والابرام في كلماتهم الا انه لا حاجة لنا إلى ذكرها وتمييز الصحيح منها من سقيمها فان روح المراد وحقيقة المطلب انما تتضح بالبحث عن جهات اربع (الجهة الاولى) في بيان ان الاحكام الشرعية هل هي تابعة للمصالح والمفاسد ام لا والمخالف في هذه المسألة هم الاشعرية ولهم في ذلك قولان (الاول) ان الاحكام باجمعها جزافية والشارع له ان يامر بكل ما يريد وينهي عن كل ما يريد وليس هناك مصلحة ومفسدة اصلا وهذه الطائفة انكروا وجود الحسن والقبح بالكلية والتزموا بعدم قبح الترجيح بلا مرجح ولا ريب ان هذا القول مناف لضرورة العقل والوجدان لكن

[ 37 ]

الالتزام به ممن لا يلتزم بالعقل وينكر كل بديهي ليس بعزيز (الثاني) ان الاحكام انما جعلت لمصلحة اقتضت التشريع وحفظا لتلك المصلحة لا بد من ايجاب امور وتحريم امور وحيث ان الافعال بعضها مشتملة على المصلحة وبعضها الآخر على المفسدة فهما صارتا مرجحتين في ايجاب ما فيه المصلحة وتحريم ما فيه المفسدة والا فليست المصلحة أو المفسدة بنفسهما مناطين لجعل الواجب أو الحرمة وهذا القول ربما مال إليه بعض العدلية تبعا لهم ولا يخفى اشتراك هذا القول مع القول الاول في الفساد فان الضرورة قاضية بعدم المصلحة في جعل المكلفين في الكلفة الا إيصال المصالح إليهم وتبعيد المفاسد عنهم والا فاي مصلحة تقتضي جعلهم في الكلفة مع عدم رجوع المنفعة إليهم هذا وقد تواترت الاخبار معنى بمضمون قوله صلى الله عليه وآله ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار الا وقد امرتكم به وما من شئ يقربكم إلى النار ويبعدكم عن الجنة الا وقد نهيتكم عنه الصريح في انبعاث الاحكام عن المصالح والمفاسد في الافعال وكيف كان فلا ريب في ان مناطية المصالح والمفاسد للاحكام ضرورية لا يمكن انكارها وسيجئء ان شاء الله تعالى في الجهة الرابعة بعض المغالطات الواقعة في هذا المقام والكشف عنها (ثم) لا يخفى ان انكار قبح الترجيح بلا مرجح المختص بالاشاعرة انما هو مع عدم وجود المرجح اصلا وعليه بنوا انكار تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد كما عرفت انفا واما الترجيح في الفرد مع وجود المصلحة في النوع من دون مرجح في خصوص ذلك الفرد فهو ليس تقبيح ضرورة ان العاقل لا يفوت المصلحة الثابتة في النوع بعدم وجود المرجح في خصوص فرد من افراده وقد بينا تفصيل هذا المطلب ونقلنا عن الفخر الرازي كلاما لطيفا في هذا المقام في بحث الطلب والارادة فراجع (الجهة الثانيه) في بيان ان العقل هل يدرك الحسن والقبح بعد الفراغ عن اثبات انفسهما ام لا والتحقيق ان يقال ان العقل وان لم يكن له ادراك جميع المصالح والمفاسد الا ان انكار ادراكه لهما في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية مناف للضرورة ايضا ولولا ذلك لما ثبت اصل الديانة ولزم افحام الانبياء إذ اثبات النبوة العامة فرع ادراك العقل لقاعدة وجوب اللطف كما ان اثبات النبوة الخاصة بظهو المعجزة على يد مدعيها فرع ادراك العقل قبح اظهار المعجزة على يد الكاذب ومع انكار ادراك العقل للحسن والقبح بنحو السالبة الكلية كيف يمكن اثبات اصل الشريعة فضلا عن فروعها (الجهة الثالثة) في بيان ان حكم العقل بعد تسليم ادراكه للحسن أو القبح بنحو الموجبة الجزئية هل يكون ملازما لثبوت

[ 38 ]

الحكم الشرعي ام لا (ربما) يقال بعدم الملازمه فان ادراك العقل لمناط الحكم من الحسن أو القبح لا يلزم عدم وجود ما يكون مزاحما له في مورده إذ يحتمل ان يكون هناك جهة اخرى خفيت على العقل والشارع الحكيم على الاطلاق لاطلاعه على الجهة المخفية على العقل لم يحكم على طبق حكمه ومع هذا الاحتمال كيف يمكن القول بملازمة الحكمين دائما وانت خبير بفساده فان محل الكلام انما هو فيما إذا استقل العقل بحكم ووجود هذا الاحتمال في مورد حكمه خلف واضح ضرورة عدم امكان الاستقلال بحكم مع احتمال وجود المزاحم ومحل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق هذا الاحتمال ومع عدم تطرقه الا ريب في استكشاف الحكم الشرعي بعد فرض تبعيته للمصلحة أو المفسدة بحكم العقل فيكون الملازمة ثابتة من الطرفين (ثم) ان صاحب الفصول (قده) ذهب إلى انكار الملازمة من الطرفين واستدل عليه بوجوه يرجع بعضها إلى دعوى وجود الحكم الشرعي مع عدم وجود الملاك في مورده وبعضها إلى دعوى وجود الملاك مع عدم وجود الحكم الشرعي في مورده منها وجود الاوامر الامتحانية في الشريعة مع عدم وجود الملاك في متعلقاتها (وفيه) ان المأمور به في الاوامر الامتحانية انما هو فعل بعض المقدمات وهو مشتمل على المصلحة واما توجيه الامر إلى ذي المقدمة فهو من جهة الايهام لمصلحة فيه والا فهو ليس بمأمور به حقيقة (ومنها) انه ثبت لنا في الشريعة موارد لم يحكم الشارع فيها على طبق الملاكات الموجودة فيها كما هو مقتضى قوله صلى الله عليه وآله لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك بل امرنا بالسكوت فيما سكت الله عنه في قوله صلى الله عليه وآله اسكتوا عما سكت الله عنه فان الله لم يسكت عنها نسيانا الخ فإذا امكن تخلف الحكم الشرعي عن الملاك ولو في مورد واحد فبمجرد ادراك العقل لحسن شئ أو قبحه لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي في ذلك المورد بل لا بد من السكوت فيه (وفيه) ان محل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق فيه احتمال المزاحم مثل المشقة ونحوها إذ معه لا يمكن استقلال العقل حتى يستكشف به الحكم الشرعي (ومنه) يظهر فساد توهم دخول المقام في موارد الامر بالسكوت فان في موارد الاستقلال يكون الحكم الشرعي واصلا بطريق الرسول الباطني ولا فرق في وصول الحكم بين ان يكون بتوسط الرسول الظاهري أو الباطني بل الوصول بتوسط الثاني لكونه قطعيا يكون اقوى من الوصول بتوسط الرسول الظاهري فانه في غالب الموارد لا يكون إلا ظنيا وبالجملة السكوت انما يتحقق في موارد عدم وصول الحكم واما موارد الوصول فلا معنى لتوهم

[ 39 ]

دخولها في الاخبار الآمرة بالسكوت اصلا (ومنها) انه لا اشكال في النهي عن العمل ببعض الطرق كالظن القياسي كما انه لا اشكال في الامر بالعمل ببعضهما الاخر مع ان الاول ربما يكون مصادفا للواقع فيكون في مورده ملاك الحكم بوجوب العمل به والثاني ربما لا يكون مصادفا للواقع فلا يكون في مورده الملاك وعلى التقديرين يلزم تخلف الحكم عن الملاك (وجوابه) يظهر مما ذكرناه من ان المدعي عدم امكان تخلف الحكم عن الملاك التام واما تخلفه في فرض مزاحمة الملاك بملاك آخر اقوى كما في موارد القياس فما لا ينكر واما توهم وجود الحكم في موارد الامارات المعتبرة الغير المصادفة للواقع مع عدم وجود الملاك فيها فيدفعه ان الملاك المفقود فيها انما هو ملاك جعل الحكم الواقعي واما الملاك لجعل الحكم الظاهري واعطاء صفة الطريقية لها فهو موجود في فرض عدم المصادفة ايضا (ومنها) انه لا ريب في ان الملاك والمصلحة في العبادات انما يترتب على اتيانها بقصد قربى لا على مجرد وجوداتها في الخارج ومن المعلوم ان الاوامر فيها لا تتعلق الا بانفسها من دون اعتبار قصد القربة فيها فما فيه الملاك يستحيل تعلق الامر به وما تعلق به الامر لا يكون واجدا للملاك على الفرض (وجوابه) إن المأمور به فيها إنما هو الفعل المأتي به بداعي القربة لكنه لا بامر واحد بل بامرين فإن ما لا يمكن فيه استيفاء الغرض بامر واحد لا بد من استيفائه بامرين واين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك ومن اراد الاطلاع على تفصيل الكلام فليراجع ما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي (ومنها) انه لا ريب في ان الملاك ربما يكون في بعض الافراد دون بعض ومع ذلك يجعل الحكم على كلي يشملهما وهذا كما في باب العدة فان مصلحة حفظ الانساب وعدم اختلاف المياه اقتضت تشريع حكم العدة مطلقا حتى فيما لا يلزم فيه من عدم العدة اختلاف المياه فقد تخلف الحكم في تلك الموارد عن الملاك (وفيه) ان الالتزام يجعل الحكم الكلي لمصلحة في بعض الافراد الغير الممتازة عن الافراد الاخر عين الالتزام بوجوب تبعية الحكم للملاك غاية الامر ان المصلحة الداعية إلى الجعل ربما تكون مصلحة نوعية وأخرى شخصية واين ذلك من الالتزام بعدم تبعية الحكم للملاك كما هو المدعى (ومنها) ان التقية إذا كانت في نفس الحكم دون المتعلق كما إذا أمر الامام عليه السلام بشئ لحفظ دم نفسه سلام الله عليه بنفس الامر من دون أن يكون هناك مصلحة في المأمور به فقد تخلف الحكم عن الملاك (وفيه) ان المصلحة إذا كانت في نفس الانشاء بان يكون التقية في نفس الامر لا ان تكون

[ 40 ]

التقية مأمورا بها فهو لا يكون بامر حقيقة بل هو مجرد تكلم بلفظ المصلحة في نفس التكلم وأين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك (وبالجملة) فما ذهب إليه قدس سره من امكان إنفكاك الحكم عن الملاك وبالعكس واستدلاله على ذلك بهذه الوجوه الضعيفة لم يكن مترقبا منه قدس سره وكيفكان فلا ريب بعد اثبات تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد وبعد اثبات امكان ادراك العقل لهما في الجملة في ثبوت الملازمة من الطرفين (الجهة الرابعة) فيما ذهب إليه الاخباريون في المقام والجواب عنه ولا يخفى أن كلماتهم فيه وان كانت مختلفة جدا إذ ظاهر كلام بعضهم انكار الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي وظاهر بعض آخر منهم عدم جواز الاستدلال بالادلة العقلية الظنية على الاحكام الشرعية مع دعوى عدم امكان حصول القطع بها من غير الطرق الشرعية ومظاهر جماعة اخرى منهم عدم حجية القطع بالحكم الحاصل من غير الطرق الشرعية الا ان الذي يجتمع عليه كلماتهم هو دعوى لزوم توسط الاوصياء سلام الله عليهم في التبليغ فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلا إلى مرتبة الفعلية والباعثية وان كان ذلك الحكم واصلا إلى المكلف بطريق آخر وهذا الذي يدعونه من كون التبليغ بوساطة حجج الله تعالى مأخوذة في موضوع الاحكام وان كان امرا ممكنا من باب نتيجة التقييد على ما بينا توضيح ذلك في نظائر المقام مرارا الا أن الكلام معهم في ذلك في مقام الاثبات واقامة الدليل على المدعي وما يمكن ان يستدل لهم على ذلك امران (الأول) هو احتمال مدخلية وساطتهم عليهم السلام في فعلية الاحكام والعقل بعد احتمال ذلك يستحيل أن يستقل على وجه الجزم بشئ حتى يحكم بملازمة الحكم الشرعي له ويرد هذا الوجه أن العقل بعد ما ادرك المصلحة الملزمة في شئ كالكذب المنجي للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلا وادرك عدم مزاحمة شئ آخر لها وادرك الاحكام الشرعية ليست جزافية وانما هي لاجل ايصال العباد إلى المصالح وتبعيدهم عن المفاسد كيف يعقل ان يتوقف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه ويحتمل مدخلية وساطتهم صلوات الله وسلامه عليهم بل لا محالة يستقل بحسن هذا الكذب ويحكم بمحبوبيته والحاصل ان المدعي هو تبعية الحكم الشرعي لما استقل به العقل من الحسن أو القبح وبعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال اصلا (الثاني) الاخبار الكثيرة التي لا يبعد تواترها معنى الدالة على وجوب الرجوع إلى الائمة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ووجوب الاعتقاد بهم وعدم الاعتناء بالعقل في الاحكام الشرعية ولا يخفي ان هذه

[ 41 ]

الاخبار على كثرتها على طائفتين (الاولى) الاخبار الدالة على عدم قبول الاعمال بل على عدم صحتها ممن لا يعتقد بامامتهم صلوات الله عليهم وكون هذه الاخبار اجنبية عما هو محل الكلام في المقام ظاهر لا يحتاج إلى البيان (الثانية) الاخبار الدالة على وجوب اخذ الاحكام منهم (ع) وعدم الاعتناء على الادراكات العقلية وظاهر هذه الطائفة انها في مقام الردع عما يفعله أئمة النفاق والكفر عليهم لعائن الله من الاستقلال في الفتوى بآرائهم الفاسدة المبنية على العمل بالاقيسة والاستحسانات الظنية من دون الرجوع إلى ائمة الهدى صلوات الله عليهم بل ربما كانوا يعارضونهم واين ذلك ممن يعتقد بامامتهم ويرجع في مقام الفتوى إلى كلماتهم والاخبار الصادرة عنهم صلوات الله عليهم وربما يتفق له استقلال عقله بحسن شئ أو متجه ويستكشف من ذلك ادائهم صلوات الله عليهم بطريق الآن لما ثبت عنده من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد وعدم كونها جزافية كما يدعيها الاشاعرة من دون شعور فإذا لم يكن هناك دليل من الشرع على تقييد الاحكام الواقعية بكونها مبلغة تبليغهم صلوات الله عليهم من باب نتيجة التقييد ولم يكن هو محملا في حد ذاته فلا يبقى ما يمنع عن استقلال العقل بشئ وعن ملازمة حكم الشرع له لا عقلا ولا نقلا * (الامر الثالث) * ذهب بعض الاساطين في كشف غطائه إلى عدم الاعتبار بقطع كثير القطع كعدم الاعتبار بظن كثير الظن وشك كثير الشك والتحقيق ان يقال ان الشك المأخوذ في موضوع ادلة الشكوك من جهة انصرافه إلى الشك المتعارف لا يكون شاملا للشك الغير المتعارف ومقتضى القاعدة الاولية عند حصول الشك الغير المتعارف هو بطلان العمل لاستلزامه الشك في انطباق المأمور به على المأتي به خارجا الا ان الادلة الدالة على عدم اعتبار شك من يكثر شكه قد دلت على اكتفاء الشارع عن المأمور به بما يؤتى به في الخارج مع الشك المذكور وبها خرجنا عن مقتضى القاعدة الاوليه (واما) الظن المأخوذ في لسان الدليل فهو ينصرف إلى الظن المتعارف وعليه يكون الظن الغير المتعارف الحاصل مما لا ينبغي حصول الظن منه محكوما باحكام الشك لا محالة فيختلف حاله باختلاف الموارد فيفرق بين الظن المتعلق بالركعتين الاخيرتين وبين المتعلق بالاوليين وكذا ان يفرق بين حالتي تعلقه بالافعال قبل تجاوز المحل وبعده واما القطع فهو ان كان مأخوذا في الموضوع فلا ريب انه ينصرف إلى القطع المتعارف ولا يترتب على القطع الحاصل مما لا ينبغي حصول القطع منه الا الاحكام الثابتة له الا ان القاطع لا يلتفت إلى كون قطعه غير متعارف والا لزال قطعه

[ 42 ]

لا محالة بل الظان لا يلتفت بذلك فلا يكون الانصراف الثابت في الدليل مفيدا لهما اصلا وإذا كان هذا حال القطع المأخوذ في الموضوع مع فرض انصرافه إلى المتعارف فكيف يعقل عدم اعتبار القطع الطريقي مع عدم جريان دعوى الانصراف فيه لان المفروض ان طريقيته ذاتية وليست ثابتة له بجعل شرعي حتى يمكن فيه دعوى الانصراف إلى خصوص قسم دون قسم آخر * (الامر الرابع) * لا ريب في ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في انكشاف متعلقه به في الجمله الا انه من جهة كونه مثوبا بالجهل وقع الكلام في انه هل هو مثله في اثبات التكليف وتخبيره أو في اسقاطه والفراغ عنه ام لا ولا يخفى ان البحث في مرحلة الاثبات وان كان سابقا في الرتبة على البحث في مرحلة الاسقاط الا ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث قدم البحث عن الاسقاط على البحث عن الاثبات لنكتة تظهر لك فيما بعد ان شاء الله تعالى فنحن نقتفي اثره في ذلك فنقول لا ريب في صحة الاكتفاء بالامتثال الاجمالي ولو مع التمكن عن الامتثال التوصيلي في التوصيليات إذ المفروض سقوط الامر فيهما بمجرد وجود المأمور به خارجا من دون ان يعتبر فيه شئ اخر فإذا فرض تحققه في الخارج ولو في ضمن امور متعددة فيسقط الامر لا محالة ومن ذلك يظهر ان الامر في باب العقود والايقاعات ايضا كذلك فإذا اوجد المكلف في ضمن امور متعددة ما هو سبب للملكية عند الشارع فيترتب الملكية عليه لا محالة وتوهم ان التردد في السبب ينافي قصد الانشاء المعتبر في تحقق الملكية فساده غني عن البيان (واما) الامتثال الاجمالي في العبادات فقد يكون مع التكرار فيهما وقد يكون بدونه اما ما لا يحتاج فيه إلى التكرار فلا ينبغي الاشكال في جوازه ولو مع التمكن عن الامتثال القطعي التفصيلي فانه لا مانع عنه الا توهم لزوم قصد الوجه ومعرفتة في صحة العبادة الغير المتحققين في فرض الامتثال الاجمالي (ولا يخفى) ان اعتبارهما في صحة العبادة وان كان هو مختار جملة من المتكلمين بل اعتبر بعضهم امور اخر في صحتهما ايضا الا ان ذلك لا بد وان يكون بدليل عقلي أو نقلي وكلاهما مفقودان (اما العقل) فهو لا يحكم الا بلزوم الاطاعة والانبعاث عن بعث المولى خارجا ولا يحكم بلزوم ازيد من ذلك في مقام الاطاعة جزما (واما الدليل) النقلي فهو بعد عدم وجدانه مع كثرة الابتلاء بالعبادات من الصدر الاول إلى زماننا مقطوع العدم إذ عدم الوجدان مع كون الواقعة في محل الابتلاء لاسيما بهذه الشدة من الابتلاء وعدم وجود داع إلى الاخفاء عادة بل مع وجود (الداعي) إلى الاظهار كما

[ 43 ]

في المقام دليل قطعي على عدم الوجود فحيث انه ليس من اعتبار قصد الوجه ومعرفته في الاخبار والاثار عين ولا اثر فيحصل لنا القطع بعدم اعتبارهما شرعا ومع عدم اعتبارهما في صحة العبادة لا عقلا ولا شرعا لا يكون هناك مانع آخر عن جواز الامتثال الاجمالي (فان) قلت اعتبارهما في صحة العبادة وان لم يدل عليه من الكتاب والسنة شئ الا انه ادعى عليه الاجماع في كلمات جملة من الاكابر ولا ريب ان دعواهم الاجماع في مسألة يكون دليلا عليها وان لم نقل بحجته الاجماع المنقول في حد نفسه (قلت) نعم الا انه لم يظهر لنا دعواهم الاجماع على اعتبارهما من جهة كونهم فقهاء حتى ينكشف بها رأي المعصوم عليه السلام ومن المحتمل قويا ان دعواهم على الاجماع اعتبارهما من جهة كونهم من اهل الكلام ومستندهم في ذلك هو العقل وإذا كان المستند هو العقل فقد عرفت انه لا يحكم بازيد من وجوب اطاعة المولى والانبعاث عن بعثه ولا يبقى حينئذ لدعوى الاجماع في المسألة اثر اصلا (بل) عدم العثور على دليل شرعي يدل على اعتبارهما في صحة العبادة مع كثرة الابتلاء بها كما عرفت يكون دليلا قطعيا على ان دعواهم الاجماع مستندة إلى ذهابهم على اعتبارهما فيها عقلا وليست مستندة إلى جهة فقاهتهم (ثم) انا لو تنزلنا عن دعوى القطع بعدم الاعتبار فغاية ما هناك هو احتمال اعتبارهما فيها شرعا (وعلى) ما هو المختار عندنا من جريان البراءة في غير الشك فيما يعبر في الطاعة عقلا سواء كان الشك في اعتبار اصل قصد القربة واعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره يكون المورد مجرى لها (نعم) لو بنينا على ما بنى عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) من لزوم الرجوع إلى الاشتغال عند الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتبار قصد القربة وكون المأتي به عبادة لم يمكن الرجوع إلى البراءة في المقام ولكنا ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي وسيجئ في مبحث البراءة ان شاء الله تعالى عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة بين كون الشك في اصل اعتبار قصد القربة وبين الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره (ثم لا يخفى) ان القائلين باعتبار قصد الوجه ومعرفته مع الاختلاف بينهم في ان المعتبر هل هو احدهما أو كلاهما معا اتفقوا على ان الاعتبار انما هو في فرض التمكن واما في صورة عدم التمكن فلا ريب في عدم الاعتبار والا لا نسد باب الاحتياط في العبادات مطلقا وهذا ما لا (يلزم) احد من القائلين باعتبارهما فضلا عن غيرهم (ثم ان) الامتثال الاجمالي في مورد دون ان الامر بين الاقل والاكثر يتصور على انحاء ثلاثة الاول ان يكون مطلوبيته ما

[ 44 ]

يشك في جزئيته مفروغا عنها وكان الشك في الالزام به لكونه جزء للعبادة وعدمه (الثاني) ان يكون الشك في اصل المطلوبية ومع ذلك يشك في كونه جزء للعبادة الواجبة (الثالث) ان يكون الجزء المعلوم جزئيته مرددا بين المتباينين كان يشك في ان الجزء المعلوم جزئيته هل يعتبر فيه الجهر أو الاخفات (اما القسم) الاول فقد عرفت انه لا مانع عن الاحتياط فيه ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي الا توهم اعتبار معرفة الوجه أو نيته في صحة العبادة وحيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبارهما فيها فلا يبقى اشكال في جوازه (واما القسم) الثاني فلا اشكال في جواز الاحتياط فيه مع التمكن من الامتثال التفصيلي ايضا إذ الامتثال الاحتمالي وان كان في طول الامتثال التفصيلي على ما ستعرف ان شاء الله تعالى الا ان ذلك في غير مورد دوران الامر بين الاقل والاكثر فان المحرك للمكلف في موارد الدوران المذكور انما هو شخص الارادة المتعلقة بالعبادة وللمكلف ان يأتي بما يشتمل على المشكوك جزئيته بداعي امتثال شخص تلك الارادة سواء كان الامتثال في الواقع بمجموع الاجزاء المأتي بها في الخارج أو بغير هذا المشكوك جزئية وعلى كل تقدير فالامتثال انما هو بداعي الامر المتعلق بشخص العبادة (واما) القسم الثالث فيجوز الاحتياط فيه بتكرار الجزء في العبادة فيقصد بهذا العمل المشتمل على الجزء الواقع امتثال شخص الارادة المتعلقة بالعبادة ويكون الجزء الزائد ذكرا مطلقا لا يضر بها (واما) الاحتياط في العبادة فيما يحتاج إلى التكرار كما إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة يوم الجمعة فلا اشكال في حسنه مع عدم التمكن من الامتثال التفصيلي (واما) مع التمكن منه فالحق عدم جوازه لا لما افاده المحقق العلامة الانصاري (قده) من كون التكرار في مقام الاطاعة لغوا ولعبا بأمر المولى حتى يورد عليه بانه غالبا يكون بداع عقلائي بل لان الاطاعة بالمعنى الاخص المعتبر في العبادات فقط وهو الانبعاث عن بعث المولى والتحرك عن تحريكه خارجا لا يتحقق مع الامتثال الاجمالي بداهة ان المحرك لخصوص صلاة الظهر أو الجمعة يستحيل ان يكون هو إرادة المولى وبعثه فإن المفروض الشك في تعلقها بكل منهما بل المحرك انما هو احتمال تعلق الارادة بكل منهما ومع التمكن من التحرك عن نفس الارادة يستقل العقل بعدم حسن التحرك عن احتمالها فإن مرتبة الاثر متأخرة عن مرتبة العين فكل ما امكن التحرك عن نفس الارادة في مقام الاطاعة فلا حسن في التحرك عن احتمالها (وبالجملة) فالاطاعة بالمعنى الاعم المشترك بين العباديات

[ 45 ]

والتوصليات وهو ايجاد المأمور به خارجا وان علم بتحققها بعد الاتيان بالصلاتين الا ان الاطاعة بالمعنى الاخص المعتبر في العبادات لا تتحقق مع التمكن من التحرك عن نفس الارادة بالتحرك عن احتمالها والعقل يستقل بعدم حسن الاحتياط والتحرك عن الاحتمال مع التمكن عن الانبعاث عن نفس الارادة ولو تنزلنا عن ذلك فحيث ان كون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيلي لم يقم عليه دليل فلا محالة نشك في كونه في عرضه ومقتضى القاعدة حينئذ هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي ولا مجال للتمسك بحديث الرفع في رفع هذا الشك لان مورد جريانه هو ما إذا كان المشكوك من الامور التي وضعها ورفعها بيد الشارع امضاء أو تأسيسا واما الامور المشكوك اعتبارها في الطاعة العقليه فلا يكون حديث الرفع متكفلا لرفعها (وبالجملة) الامور التي اعتبرها العقل في الطاعة أو يحتمل اعتبارها فيها عقلا وان كانت قابلة للتصرف شرعا كان يحكم الشارع بدليل مخصوص بكون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيلي وليس وزان ذلك وزان ما لا يقبل للتصرف الشرعي اصلا كطريقية القطع وامثالها إلا ان حديث الرفع ليس ناظرا الا على رفع الاحكام المجعولة شرعا امضاء أو تأسيسا فيكون قاصرا عن الشمول لما يحتمل اعتباره في الطاعة عقلا وبذلك يفرق بين المقام وبين الشك في اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحة العبادة فان الشك هناك لرجوعه إلى الشك في اعتبار امر زائد على ما هو معتبر عند العقل شرعا يكون مورد الحديث الرفع بخلاف المقام فإن الشك فيه راجع إلى اعتبار امر في الطاعة العقليه ضرورة ان حسن الاحتياط من الاحكام التي يستقل العقل بها ومع الشك في تحققه لا يمكن التمسك بحديث الرفع الناظر إلى رفع الاحكام المجعولة الشرعية امضاء أو تأسيسا وإذا لم يمكن التمسك بحديث الرفع فمقتضى قاعدة الاشتغال هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي ولا يفرق في ذلك بين كون الشبهة حكمية كما في المثال الذي ذكرناه وبين كونها موضوعية كما إذا تردد الماء بين مايعين يعلم كون احدهما ماء ورد فمع التمكن من تعيين الماء خارجا والتوضي به لا يجوز الامتثال الاجمالي والوضوء منهما إذ ما لم يعلم وجود الماء متميزا عن غيره لما امكن الانبعاث عن شخص الارادة المتعلقة بالتوضي من الماء بل لا محالة يكون الانبعاث عن احتمالها وقد عرفت ان الانبعاث عن الاحتمال انما هو في طول الانبعاث عن شخص الارادة وانه مع الشك في ذلك لا مجال للتمسك بالبراءة ولا بد من القول

[ 46 ]

بالاشتغال (ثم) انه قد ظهر مما ذكرناه عدم جواز الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص في خصوص العبادات ايضا (وتوضيح) ذلك ان الشك في التكليف في الشبهة البدوية اما ان يكون قبل الفحص أو بعده وعلى كل تقدير فإما ان تكون الشبهة حكمية أو موضوعية وفي تمام الاقسام اما ان يكون المشكوك عباديا أو توصليا لا اشكال في جواز الاحتياط في التوصليات مطلقا لما عرفت من ان الغرض فيها انما هو وجود المأمور به خارجا ولا ريب ان الاحتياط محرز له فيكون التكليف به ساقطا لا محالة واما في العبادات فان لم يكن الشك فيها منجزا للتكليف كما إذا كان بعد الفحص في خصوص الشبهة الحكمية أو مطلقا في الشبهة الموضوعية فلا ريب في حسن الاحتياط والاتيان برجاء المطلوبية عقلا واما إذا كان الشك منجزا له على تقدير وجوده واقعا كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص فالحق فيه عدم جواز الاحتياط ولزوم الفحص لما عرفت من ان الامتثال التفصيلي والتحرك عن نفس ارادة المولى متقدم رتبة على الامتثال الاحتمالي وان حسن الاحتياط في العبادات انما هو في فرض عدم التمكن من الامتثال التفصلي فمع الشك في امكان الانبعاث عن نفس الارادة لاحتمال الوصول إليها بالفحص فلا محالة يكون حسن الاحتياط مشكوكا ايضا وقد عرفت ان مقتضى القاعدة عند الشك في حسن الاحتياط هو الاشتغال لا البراءة ومعه فلا بد من الفحص والتحرك عن نفس الارادة على تقدير الوصول إليها والتحرك عن احتمالها على تقدير عدمه (نعم) إذا كان الشك في خصوص التكليف الالزامي بعد الفراغ عن اصل المطلوبية فلا ريب في حسن الاحتياط قبل الفحص ايضا والوجه فيه ظاهر بعد ما عرفت من ان الصحيح هو عدم اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحة العبادة إذ المانع عن حسن الاحتياط على هذا التقدير منحصر بتوهم اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحتها وحيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبارهما فيها فلا يكون هناك مانع آخر عن حسنه (هذا) كله فيما إذا تمكن المكلف من الامتثال التفصيلي القطعي واما إذا لم يتمكن الا من الامتثال التفصيلي الظني فإن كان الظن مما ثبت اعتباره بدليل خاص فحاله حال القطع الوجداني ضرورة انه في مرتبته في جواز العمل به إذ لا ريب في جواز العمل بالظن الخاص مع انفتاح باب العلم ايضا فإذا كان هو في مرتبته والمفروض تأخر مرتبة الامتثال الاجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيلي القطعي فلا محالة يتأخر مرتبة الامتثال الاجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيلي الظني الثابت اعتباره بدليل خاص ايضا هذا مضافا إلى ان الظن إذا كان معتبرا من قبل الشارع باعطاء صفة الكاشفية والطريقية

[ 47 ]

له فهو يكون قطعا بالجعل فيستقل العقل بتقدم الامتثال التفصيلي بهذا القطع الجعلي على الامتثال الاجمالي وقد عرفت ان مقتضى القاعدة على تقدير الشك ايضا هو الاشتغال دون البراءة وعليه فلا يجوز الاحتياط مع التمكن من الامتثال الظني التفصيلي ايضا (نعم) إذا عمل المكلف على طبق الظن فلا بأس باتيان الطرف الآخر المحتمل رجاء مثلا إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة في يوم الجمعة فالاحتياط باتيان الصلاتين وان كان لا يحسن قبل الامتثال التفصيلي مع التمكن منه الا انه إذا تفحص عن الادلة بنى على وجود خصوص صلاة الظهر مثلا واتى بها فيحسن في حقه الاحتياط باتيان صلاة الجمعة رجاء لادراك الواقع فإن الدليل الظني لا يوجب رفع موضوع الاحتياط وهو الاحتمال الوجداني كما كان في القطع الوجداني كذلك فغاية ما يقتضيه دليل الحجية هو الغاء احتمال الخلاف والعمل على طبقه في قبال الامارة من دون اعتناء بها واما الغاء احتماله مطلقا حتى بعد العمل على طبق الامارة وسقوط مقتضاها فلا يتكفل له الامارة اصلا وهذا هو السر في احتياط العلامة الانصاري قدس سره في بعض موارد الاحتياط بالجمع بين القصر والاتمام بتقديم الاتمام على القصر واحتياط تلميذه العلامة الشيرازي قدس سره في تلك الموارد بتقديم القصر على الاتمام فإن الشيخ قدس سره من جهة رجحان الاتمام في نظره في تلك الموارد احتياط بتقديمه على القصر ولكن العلامة الشيرازي (قده) من جهة رجحان القصر في نظره احتاط بتقديمه على الاتمام (واما) إذا كان الظن مما لم يثبت اعتباره الا بدليل الانسداد ففي تقديم العمل به على الامتثال الاجمالي وعدمه تفصيل وتوضيح ذلك هو أن الاختلاف في كون نتيجة الانسداد على نحو الكشف أو الحكومة إنما نشأ عن الاختلاف في كيفية ترتيب مقدماته وإلا فكيف يعقل ان يترتب على مقدمات معينة الكشف مرة والحكومة اخرى وسيتضح في محله انشاء الله تعالى انا إذا اخذنا في مقدماته بطلان العمل بالاحتياط وعدم جواز الامتثال الاجمالي فيكون النتيجة هو الكشف لا محالة بمعنى ان العقل يكشف عن ان الشارع جعل الظن حجة عند تمامية هذه المقدمات واما إذا اخذنا في مقدماته عدم وجوب الاحتياط فلا محالة بحكم العقل بأنه عند تعذر الامتثال التفصيلي وعدم وجوب الامتثال الاجمالي لابد من الامتثال الظني ولا يجوز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي فحكم العقل على الكشف يكون علة ومثبتا للحكم الشرعي وكاشفا عنه نظير آية النبأ الكاشفة عن حجية خير الواحد وعلى الحكومة يكون واقعا في سلسلة المعلول للحكم الشرعي وفي مرتبة الامتثال وحيث فرضنا

[ 48 ]

من مقدماته بطلان الامتثال الاجمالي لقيام الاجماع عليه أو غيره على الكشف وعدم وجوبه على الحكومة فلا محالة يتقدم الامتثال الظني التفصيلي على الامتثال الاجمالي على الكشف واما على الحكومة فيكون كلاهما في عرض واحد في مقام الامتثال بحكم العقل (فإن) قلت قد ذكرت سابقا ان الملاك في تقديم العمل بالظن الخاص على الامتثال الاجمالي هو ان العمل بالظن الخاص في عرض العمل بالعلم والمفروض تقديم الامتثال التفصيلي العلمي على الامتثال الاجمالي فيكون العمل بالظن الخاص مقدما عليه ايضا وعليه فحيث ان العمل بالظن المطلق على الكشف ليس في عرض العمل بالعلم بل هو مترتب على عدم التمكن منه فلا بد من كون العمل به في عرض الامتثال الاجمالي فلا وجه للتفصيل بين الكشف والحكومة في ذلك قلت ما ذكرناه في وجه تقدم العمل بالظن الخاص على الامتثال الاجمالي من كونه في عرض العمل بالعلم التفصيلي انما كان برهانا صوريا والا فروح البرهان على ذلك هو ان الشارع بعد اعطائه صفة الكاشفية والطريقية للظن وامره بالغاء احتمال الخلاف يكون حال الظن هو حال العلم في حكم العقل بعدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به ولا اقل من الشك في ذلك الموجب لعدم جواز الاحتياط وهذا الملاك جار في الظن المطلق على الكشف ايضا فيكون حكمه حكم الظن الخاص في عدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به فقد ظهر مما ذكرناه انه لا وجه لتعجب العلامة الانصاري (قده) من ذهاب المحقق القمي قدس سرهما إلى تقدم العمل بالظن على الامتثال الاجمالي مع انه (قده) ممن ذهب إلى حجية الظن من باب الانسداد فإن المحقق القمي (قده) وان كان يرى حجية الظن من باب الانسداد الا انه من القائلين بالكشف بل من المصرين عليه وقد عرفت ان مقتضى القاعدة على هذا القول هو تقدم العمل بالظن على الامتثال الاجمالي (هذا كله) في المقام الاول وهو جواز الامتثال بالعلم الاجمالي واما المقام الثاني وهو كون العلم الاجمالي مثبتا للتكليف ومنجزا له فيقع الكلام فيه تارة من جهة لزوم الموافقة القطعية واخرى من جهة حرمة المخالفة القطعية (اما الجهة) الاولى فالمتكلف للبحث عنها هو مبحث البراءة والاشتغال فلا بد من عقد البحث في المقام من الجهة الثانية فنقول البحث عن هذه الجهة وان كنا ترددنا فيه في الدورة السابقة في كونه اصوليا أو كلاميا الا ان الحق هو كون هذه المسألة ذات جهتين وكون الجهة الكلامية من مبادي الجهة الاصولية فان البحث عن الجهة الكلامية انما هو في ان العلم الاجمالي إذا تعلق بحكم فهل هو كالعلم التفصيلي

[ 49 ]

في كونه مقتضيا لاستحقاق العقوبة على المخالفة أو حاله حال الشك البدوي في ان العقاب معه على المخالفة عقاب بلا بيان الثابت قبحه بحكم العقل واما البحث عن الجهة الاصولية فهو في انحفاظ مرتبة جعل الحكم الظاهري وعدمه معه إذا عرفت ذلك (فنقول) اما الجهة الكلامية فالحق فيها هو كون العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في كونه موجبا لاستحقاق العقوبة على المخالفة (واما) ما ربما يقال من انه لا محذور في ارتكاب تمام الاطراف تدريجا لعدم علم المكلف بالمخالفة والعصيان عند ارتكابه لكل واحد من الاطراف والعلم بحصول المخالفة بعد ارتكاب تمام الاطراف لم يقم دليل على محذور فيه إذ العقل إنما يحكم بقبح المعصية وهو عبارة عن المخالفة المعلومة فالعلم له دخل في موضوع حكم العقل بالقبح وهذا مفقود في ارتكاب تمام اطراف المعلوم بالعلم الاجمالي وليس هناك موجب آخر للقبح (ففيه) ان القائل بعدم جواز ارتكاب تمام الاطراف لا يدعى وجود المحذور فيه من جهة العلم بالمخالفة الطارئ بعد ارتكاب تمام الاطراف بل هو يدعي ان العلم الاجمالي بوجود التكليف موجب لوصول التكليف إلى العبد ومخرج للعقاب على مخالفته عن كونه عقابا بلا بيان ضرورة ان اصل التكليف بما هو واصل إلى المكلف تفصيلا والمشكوك إنما هو كل واحد من خصوصية الاطراف والعقاب إنما هو على مخالفة ذلك التكليف الواصل لا على خصوصية كل واحد من اطراف العلم وإذا كان اصل التكليف واصلا إلى المكلف فلا محالة يجب اتيان كل واحد من الاطراف أو تركها من باب المقدمة ولا يبقى مجال للقول بان الجهل بكل واحد من خصوصية الاطراف موجب لكون العقاب على المخالفة عقابا بلا بيان إذ المصحح للعقاب على ما بيناه هو مخالفة أصل التكليف الجامع بين الاطراف المعلوم للمكلف تفصيلا لا الخصوصية المجهولة والذي يدلك على كفاية معلومية هذا المقدار من التكليف في استحقاق العقوبة وفي امكان الانبعاث عنه هو ان لا اشكال في توجيه الخطاب على المكلف بنحو لا يقتضي ازيد من هذا المقدار من الوصول إلى المكلف وفي صحة العقاب على مخالفته وفي امكان الانبعاث عنه كما إذا حكم الشارع بوجوب صلاة الظهر أو العصر تخييرا أو بحرمة احد الفعلين كذلك أو بوجوب احد الفعلين وحرمة الآخر تخييرا بينهما ايضا وهذا هو الميزان في تنجيز العلم الاجمالي ولزوم الانبعاث عنه كما سيتضح انشاء الله تعالى (واما الجهة) الاصولية فالحق فيها عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي بالنسبة إلى المخالفة القطعية وغاية ما يمكن ان يقرب به انحفاظ مرتبة جعل الحكم

[ 50 ]

الظاهري مع العلم الاجمالي هو ان يقال ان العلم في موارد العلم الاجمالي إنما تعلق بالجامع وهذا المقدار هو الذي لا يمكن جعل الحكم الظاهري على خلافه وأما كل واحد من الاطراف فهو بعد على المجهولية والجهل هو الموضوع لجعل الحكم الظاهري فإذا علم بوقوع قطرة من البول في احد انائين المقطوع طهارة كل منهما سابقا فيستصحب طهارة كل واحد واحد منهما وان كان اصل خطاب لا تشرب الجامع بينهما معلوما ولكن فساد هذا التقريب من الوضوح بمكان فإن الكلام يقع تارة في تقييد الاحكام الواقعية والالتزام باختصاصها بموارد العلم التفصيلي حتى لا يكون في موارد العلم الاجمالي فضلا عن المشكوك البدوي حكم واقعي أصلا واخرى في صحة جعل الحكم الظاهري مع عدم التصرف في الحكم الواقعي اصلا (أما) تقييد الاحكام الواقعية بموارد العلم التفصيلي بها فهو وان كان ممكنا في حد نفسه من باب نتيجة التقييد على ما عرفت تفصيله سابقا إلا ان الشان في قيام الدليل على ذلك ولم يقم الدليل على التقييد إلا في موارد الجهر والاخفات والقصر والاتمام ويمكن ان يكون الاخبار الدالة على جواز اخذ المال المشتبه ممن عنده الحلال والحرام في غير الخراج والمقاسمة الثابت حليتهما ولو مع العلم التفصيلي دالة على تقييد حرمة التصرف في اموال الغير إذا كان يد احد عليها بما إذا كانت معلومة تفصيلا ففي موارد الشبهة المحصورة وان كان مقتضى القاعدة الاولية هو لزوم الاجتناب الا ان هذه الاخبار دلت على جواز التصرف فيها لمن يعطيها الجائر ما لم يعلم حرمتها تفصيلا ولا منافاة بين الالتزام بذلك في خصوص تلك الاموال وبين وجوب الاحتياط في موارد الشبهة البدوية في الاموال كما هو ظاهر ولكن الشأن في عمل المشهور بهذه الاخبار وعدمه والمسألة محررة في الفقه تفصيلا وأما صحة جعل الحكم الظاهري في مورد العلم الاجمالي مع عدم التصرف في الواقع أصلا فالحق عدمها في الاصول التنزيلية مطلقا وفي غيرها إذا لزم من جريان الاصول المخالفة العملية فالمحذور في جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي أحد امرين على سبيل منع الخلو أحدهما لزوم التناقض من جريانه وهذا لا يتحقق إلا في موارد الاصول التنزيلية (ثانيهما) لزوم المخالفة القطعية وهذا لا يتحقق الا في موارد العلم بثبوت التكليف لا نفيه (وتوضح) ذلك ان الاصل الجاري في اطراف العلم الاجمالي اما أن يكون من الاصول المحرزة ومتكفلا للتنزيل ام لا وعلى كل من التقديرين فاما ان يكون العلم الموجود المخالف لمؤدى الاصل مثبتا للتكليف أو نافيا له فالصور اربع أما الصورة الواحدة منها وهي ما إذا كان العلم نافيا للتكليف مع كون

[ 51 ]

الاصل غير متكفل للتنزيل فلا مانع من جريان الاصل فيها وهذا كما إذا علم اجمالا بملكية احد المالين له أو بزوجية احدى الامرأتين له أو بمهدورية دم أحد الشخصين فان الاصول الجارية في تلك الموارد وهي اصالة حرمة التصرف في الاموال واصالة حرمة ترتيب آثار الزوجية واصالة حرمة القتل غير متكلفة للتنزيل حتى يلزم من جريانها المناقضة للمعلوم بالاجمال الموجود في مواردها ولا العلم الاجمالي مثبت للتكليف فيها حتى يلزم من الاصول الجارية المخالفة له مخالفة عملية فكلا المحذورين المذكورين مرتفعان في هذه الصورة واما بقية الصور فالمحذور من جريان الاصل في بعضها لزوم المخالفة العملية فقط وفي بعضها خصوص لزوم التناقض وفي بعضها كلاهما معا ففيما كان الاصول الجارية في اطراف العلم الاجمالي من الاصول النافية ولكنها لم تكن من الاصول المحرزة كما إذا علم بوقوع قطرة من البول في احد الانائين الغير المعلوم حالتهما السابقة فيلزم من اجرائها تجويز المخالفة القطعية ليس الا إذ المفروض ان الاصل القابل للجريان في اطراف العلم في المثال ليس إلا اصالة الطهارة وحيث انها ليست من الاصول المحرزة فلا تكون مناقضة للنجاسة المعلومة اجمالا إلا انه يلزم من جريانها في كل من الطرفين تجويز المخالفة القطعية للنجاسة المعلومة في البين اجمالا وفيما إذا كانت الاصول من الاصول المثبتة وكانت من الاصول المحرزة ايضا فيلزم من اجرائها في اطراف العلم الاجمالي التناقض ليس الا كما إذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم نجاستها سابقا فان الحكم ببقاء نجاسة كل من الانائين وان لم يلزم منه مخالفة عملية لتكليف معلوم إلا انه يناقض الحكم بالطهارة المعلومة في البين اجمالا فلا يكون قابلا للتعبد في نظر المكلف فلا يمكن جعله وفيما إذا كانت من الاصول المحرزة النافية للتكليف كما إذا علم بنجاسة احد الانائين المعلوم طهارتهما سابقا فيلزم من جريانها في الاطراف المناقضة وتجويز المخالفة القطعية معا ثم ان ترتب تجويز المخالفة القطعية على جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي فيما إذا كان نافيا للتكليف المعلوم في البين وبطلان هذا اللازم من الوضوح بمكان لا يحتاج معه إلى بيان واما لزوم التناقض من جريان الاصول المحرزة في أطراف العلم الاجمالي فربما يقال بعدمه نظرا إلى ان مجرى الاصل إنما هو كل واحد واحد من الاطراف المفروض عدم العلم بتحقق المعلوم بالاجمال فيه فمرتبة جعل الحكم الظاهري محفوظة والمناقضة اللازمة من مخالفة مفاد الاصول للمعلوم بالاجمال هي المناقضة المتحققة في موارد الشبهات البدوية ايضا نعم لو كان كل واحد من الاطراف بحيث علم تحقق

[ 52 ]

المعلوم بالاجمال فيه لما كان هناك مجال لجريان الاصل وكان مناقضة مفاد الاصل للمعلوم من باب مناقضة الترخيص مع العلم التفصيلي لكن اين ذلك من المقام الغير المعلوم وجود المعلوم بالاجمال في كل من الاطراف مثلا إذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم بنجاسة كل منهما سابقا فان كان مفاد استصحاب النجاسة فيهما هو النبأ على عدم وقوع النجاسة فيهما رأسا فلا اشكال في مناقضة ذلك للطهارة المعلومة في البين اجمالا ولكنه ليس كذلك بل مفاد الاصل هو الحكم بنجاسة كل واحد واحد من الانائين مع قطع النظر عن الآخر واين ذلك من المتناقضة المذكورة (ولكنه) لا يخفى فساد ذلك إذ الاصل الجاري في كل واحد واحد من الاطراف وان لم يكن ناظرا إلى الاصل الجاري في الطرف الآخر إلا انه كيف يمكن الجمع بين مؤدى الاصلين في حكم الشارع والبناء على طهارة كل منهما في زمان واحد مع العلم بحكمه بنجاسة احدهما واقعا مع انه ليس الجمع بين المؤديين الا عين نفي الحكم للمعلوم بالاجمال في البين والحاصل ان مؤدى كل من الاصلين وان لم يكن مناقضا للمعلوم بالاجمال بنفسه إلا انه مع ضم مؤدى الاصل الآخر إليه في حكم الشارع يكون مناقضا له لا محالة (وبهذا) يظهر ان المانع ليس منحصرا بقصور أدلة الاصول عن شمولها لاطراف العلم الاجمالي بحسب مقام الاثبات والدلالة نظرا إلى ان العلم بمخالفة احد الاصلين للواقع يكون مانعا عن شمول دليل الاصل لمورديهما نظير قصور الدليل اللفظي كالعموم عن الشمول مع العلم بالتخصيص في الجملة بل مناقضة مؤدى الاصلين للحكم المعلوم في البين في مقام التشريع بنفسها مانعة عن جريان الاصل في الطرفين مع قطع النظر عن مقام الدلالة والاثبات (بقى) هناك شئ وهو ان عدم جريان الاصل في تمام اطراف العلم الاجمالي هل هو من جهة عدم المقتضى له أو من جهة وجود المانع مع تمامية المقتضى يمكن ان يقال ان مفاد الاصول إذا كان هو الحكم الظاهري الطبعي الاقتضائي الغير المنافي لحكم فعلي آخر في خلافه نظير حلية لحم الغنم في حد ذاته بالقياس إلى لحم الارنب الغير المنافية للحرمة من جهة اخرى كما إذا كان الغنم مغصوبا أو موطوءا فلا ريب في وجود المقتضى حينئذ في تمام اطراف العلم الاجمالي إلا أن وجود العلم بالخلاف يكون مانعا عن فعليته (واما) إذا كان مفاده هو الحكم الفعلي العملي كان عدم الجريان لعدم تمامية المقتضى مع العلم بالخلاف (ولكن) التحقيق فساد هذا الترديد (إذ) من الظاهر ان مفاد الاصول إنما يكون حكما فعليا موجبا لمعذورية المكلف أو تنجز الواقع عليه

[ 53 ]

وليس من الحكم الاقتضائي في مفادها عين ولا اثر أصلا بل الظاهر هو الفرق بين الاصول التزيلية وغيرها بان يلتزم بعدم تمامية المقتضى في الاصول التنزيلية نظرا إلى ما عرفت من عدم تمامية موضوع الاصل في مجموعها مع وجود العلم بالخلاف بالتقريب المتقدم وهذا بخلاف الاصل الغير التنزيلي فإن العلم الاجمالي لا ينافي جريانه في تمام الاطراف وإلا يكون جاريا مع العلم بالخلاف حتى في مورد الاصل المثبت للتكليف على خلاف المعلوم بالاجمال بل المانع من الجريان هو لزوم المخالفة القطعية في موارد الاصول النافية ومع قطع النظر عن هذا المانع لم يكن بأس في جريانها أصلا (ثم) انه قد أشرنا سابقا إلى أن الميزان في تنجيز العلم الاجمالي وعدم جواز الرجوع إلى الاصول انما هو قابلية نفس التكليف بالمعلوم بالاجمال بما هو كذلك مع قطع النظر عن خصوصيات اطرافه للبعث حتى يجب مراعاته في تمام الاطراف من باب المقدمة وإلا فقد عرفت ان العقاب على مخالفة التكليف المتخصص بخصوصية طرف لا يخرج عن كونه عقابا بلا بيان وعلى ذلك فيختص تنجيز العلم الاجمالي بما إذا أمكن المخالفة القطعية ولو كان بفعل أحد الطرفين وترك الآخر ومع عدم امكانها كما في دوران الامر بين المحذورين يستحيل تنجيز العلم الاجمالي للحكم المعلوم بالاجمال إذ الالزام المتعلق بالجامع بين الفعل والترك الذي هو المعلوم للمكلف يستحيل ان يكون قابلا للباعثية لان احدهما بنفسه حاصل لاستحالة اجتماع النقصين وارتفاعهما فلا يمكن البعث نحوه ولا يترتب على مثل هذا العلم أثر أصلا ولا يمكن للشارع أو العقل الحكم بالتخيير ايضا إذا الحكم بالتخيير انما مقصور فيما إذا لم يكن في مرتبة سابقة عليه تخيير تكويني قهري على ما هو مقتضى المناقضة بينهما ومعه لا معنى للحكم به كما هو ظاهر (ولكن) لا يخفى ان الميزان المذكور إنما هو بالقياس إلى طرف المخالفة القطعية (واما) عدم امكان الموافقة القطعية فلا يكون مانعا عن تنجيز العلم الاجمالي لامكان الانبعاث بترك المخالفة القطعية وان لم يمكن الموافقة كذلك وقوام هذا الميزان إنما هو بوجود شرطين (الاول) ان يكون الواقعة المعلوم فيها وجود الالزام في الجملة واقعة واحدة غير متكررة وإلا فلو كانت الواقعة متكررة كما إذا حلف على وطئ امرأة معينة وحلف على ترك الاخرى فيها فاشتبهت الامرأتان فإن كلا منهما وان دار أمره بين الوجوب والحرمة إلا انه يتمكن المكلف من المخالفة القطعية حينئذ بالجمع بينهما فعلا أو تركا فلا بد حينئذ من الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية رعاية للعلم الاجمالي وهكذا الامر فيما إذا تعلق الحلف بامرأة معينة في ليلتين

[ 54 ]

ولكن شك في تعلقه بالفعل أو الترك فإن الفعل حينئذ في ليلة والترك في الاخرى مخالفة قطعية للمعلوم بالاجمال (الثاني) ان لا يكون احد التكليفين معينا تعبديا وإلا فلو كان الوجوب أو الحرمة على تقدير وجود كل منهما تعبديا لكان الفعل بلا قصد القربة في الاول والترك كذلك في الثاني مخالفة قطعية (وربما) يقال بتأثير العلم الاجمالي في دوران الامرين المحذورين من جهة الالتزام حيث ان في الاخذ بالفعل أو الترك من دون الالتزام بالوجوب أو الحرمة مخالفة للتكليف المعلوم اجمالا التزاما (وانت) خبير بفساد هذا القول فإن المراد من الموافقة الالتزامية ان كان هو التصديق والتدين بما جاء النبي صلى الله عليه وآله من الاحكام الفرعية فمرجع ذلك إلى تصديق نبوته صلى الله عليه وآله وان كان من جاء به فهو من عند الله وهو لا يستلزم الالتزام بكل واحد واحد من الاحكام تفصيلا (وان) كان المراد منها هو الالتزام بكل واحد واحد من الاحكام على التفصيل فان اراد القائل بلزومه حرمة التشريع والالتزام بخلاف الحكم الواقعي مسندا له إلى الشارع فهو حق (لكنه) اجنبي عن لزوم الالتزام بكل حكم على التفصيل (وان) اراد لزومه بنفسه بحيث يكون لكل واجب مثلا اطاعتان ومعصيتان احداهما من حيث العمل والاخرى من حيث الالتزام (فلا) دليل عليه لا عقلا ولا نقلا (وان) كان المراد من لزومها هو وجوب الاتيان بالعبادات بقصد التعمد والامتثال بأن يؤتى بها بداعي الامر مثلا فهو وان كان حقا (الا) اجنبي عن محل الكلام ايضا (وبالجملة) لا دليل على لزوم الموافقة الالتزامية بالمعنى الذي يكون مربوطا بالمقام ويمكن جعل العلم الاجمالي فيه مؤثرا من تلك الجهة مع انه على تقدير وجود الدليل عليه لا يكون بمثمر في خصوص المقام إذ وجوب الالتزام على تقدير تسليمه لا محالة يكون مشروطا بالامكان ومع عدمه كما في المقام فلا محالة يكون ساقطا (توضيح) ذلك ان الالتزام بما هو حكم الله واقعا على ما هو عليه من الوجوب أو الحرمة وان كان ممكنا الا انه لا ينافي عدم تأثير العلم الاجمالي من حيث العمل رأسا وكون المكلف على تخييره التكويني القهري اللازم لاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما واما الالتزام بخصوص الوجوب أو الحرمة فمع انه لا دليل عليه يكون تشريعا محرما شرعا وقبيحا عقلا فما هو الممكن في المقام غير مفيد وغيره ساقط لا محالة (بقي هناك) جهات ينبغي التعرض لها (الاولى) انه قد ظهر مما ذكرناه عن عدم تأثير العلم الاجمالي في موارد دوران الامر بين المحذورين حتى في التخيير عقلا وشرعا انه لا مجال لجريان الاصول النافية فيها إذ لا

[ 55 ]

يترتب عليها اثر في مقام العمل غير التخيير العملي الحاصل بنفسه مع قطع النظر عن جريانها ومع عدم ترتب اثر عملي عليها لا معنى لجريانها كما هو ظاهر (الثانية) انه قد ظهر مما ذكرناه في بيان عدم انحفاظ الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي وان العلم بوجود التكليف الجامع بين الاطراف يمنع من جريان الاصول فيها ان عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري انما هو بالقياس إلى المخالفة القطعية إذ الاصل المصادم للمعلوم بالاجمال انما هو الاصل الجاري في تمام الاطراف (واما) الاصل الجاري في بعض الاطراف معينا أو غير معين فهو غير مصادم للمعلوم بالاجمال بالضرورة ومرتبة الحكم الظاهري معه موجودة فعدم جريان الاصل فيه انما هو بضميمة بطلان الترجيح بلا مرجح فحكم العقل بلزوم الموافقة القطعية بالاتيان بتمام الاطراف في الشبهة الوجوبية واجتناب كلها في الشبهة التحريمية متوقفة على مقدمتين (احداهما) عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إلى المعلوم الجامع بين الاطراف مع قطع النظر عن الخصوصيات (الثانية) بطلان الترجيح بلا مرجح والا فمع قطع النظر عن المقدمة الثانية لا يحكم العقل الا بعدم جريان الاصول في مجموعها الا في كل واحد منها ويترتب على ذلك انه لو وجد رافع للمقدمة الثانية من جهة حكم الشارع بالترخيص في بعض الاطراف لما كان هناك موضوع لحكم العقل لا انه يكون تخصيصا في حكم العقل (والحاصل) ان هم العقل بعد ثبوت التكليف بالعلم الوجداني انما هو الفراغ عن عهدته بنحو لا خصوص الاتيان بمتعلقه الواقعي فكما ان الاتيان بتمام الاطراف في الشبهة الوجوبية وتركها في الشبهة التحريمية موجب له فكذلك رعاية العلم الاجمالي في بقية الاطراف التي لم يرخص الشارع فيها تركا أو فعلا موجب له فإن حكم الشارع في مقام الامتثال في بعض الاطراف بانه ليس هو المحرم الواقعي أو ان المحرم الواقعي غيره أو بانه يجوز الاكتفاء في مقام الامتثال بالامتثال الاحتمالي كما في موارد قاعدتي التجاوز والفراغ يوجب قطع العقل بالفراغ في هذا المقام ومعذوريته عن مخالفة التكليف الواقعي لو كانت نظير ما إذا كان احد أطراف العلم الاجمالي لا بعينه مضطرا فيه فإنه لا يوجب ارتفاع أثر العلم الاجمالي الا في خصوص ما تختاره المكلف خارجا ومع رعاية العلم الاجمالي في الطرف الآخر يقطع العقل بعدم العقوبة ولو كان التكليف في محل اختياره (نعم) بين المقام ومورد الاضطرار إلى احد الاطراف لا بعينه فرق من جهة أخرى وهي ان الاضطرار حيث انه رافع للتكليف الواقعي في نفس الامر فلا محالة يكون التكليف الواقعي

[ 56 ]

في مورد الاضطرار المذكور متوسطا في الفعلية بحسب نفس الامر بمعنى أن التكليف لو كان في غير ما يختاره في مقام الاضطرار يكون فعليا ومنجزا على المكلف (واما) إذا كان في الطرف المختار فيكون ساقطا من اصله بالاضطرار وهذا بخلاف المقام فإن الاصل الجاري في بعض الاطراف لا يوجب ارتفاع الحكم عنه واقعا على تقدير وجوده بل غايته اثبات حكم ظاهري في مورده موجب لمعذورية المكلف من مخالفته فيكون التوسط في مقام الامتثال الموجب للتوسعة في مرحلة الفراغ بجواز الاكتفاء بما لم يرد فيه ترخيص في مقام الامتثال (نعم) الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال كاصالة البراءة ونحوها لا تكون جارية حتى في بعض الاطراف لفرض ثبوت الاشتغال بالمعلوم بالاجمال على ما هو عليه فلا محل لجريان الاصل في رفعه (فتلخص) ان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال لا تجري في اطراف العلم الاجمالي ولو في بعضها والاصول الجارية في مرحلة الفراغ محرزة كانت أم غير محرزة لا تجري في تمام الاطراف لمصادمتها مع المعلوم اجمالا وعدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري معه وتجري في بعض الاطراف دون بعض فقد صح ما أفاده العلامة الانصاري (قده) من كون العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضيا لوجوب الموافقة كذلك فإن مراده (قده) من كونه علة تامة بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية هو ما ذكرناه من عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري معه في تمام الاطراف ومن كونه مقتضيا بالاضافة إلى وجوب المواثقة القطعية هو انحفاظه معه في بعضها بجعل اصل جار في مرحلة الفراغ والامتثال وإن لم يمكن جعل الاصل الجاري في مقام الاشتغال فيه ايضا نعم ظاهر عبارته (قده) حيث قال يجوز للشارع ترخيص بعض الاطراف بجعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع تخصيص الاصل الجاري في بعض الاطراف بالاصل المحرز وقد عرفت انه لا تختص به بل مطلق الاصول الجارية في مرحلة الامتثال والفراغ تكون جارية فيه كما عرفت (ومن جميع) ما ذكرناه تعرف فساد ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي فرتب عليه تجويز الشارع في مورده للمخالفة الاحتمالية بل القطعية وان العلم الاجمالي بالقياس إلى حرمة المخالفة القطعية مقتض يتوقف تأثيره على عدم المانع عقلا كما في موارد الشبهة الغير المحصورة أو شرعا كما في موارد الشبهة المحصورة على ما هو ظاهر قوله (ع) كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه إلى ان قال وأما احتمال انه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى الموافقة

[ 57 ]

القطعية وبنحو العلية بالنسبة إلى المواثقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية فضعيف جدا ضرورة ان احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة إلى آخر ما أفاده (قده) إذ قد ظهر لك ان العلم الاجمالي بالاضافة إلى متعلقه الجامع بين الاطراف حكمه حكم التفصيلي بل هو هو بعينه إذ العلم الاجمالي ليس الا ضم علم بشك والا فلا ترديد في متعلق العلم بما هو كذلك فكما انه لا مجال لتوهم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم التفصيلي فكذلك لا مجال لتوهمه مع العلم الاجمالي فيما هو معلوم به وكما ان حكم العقل بالاشتغال مع العلم التفصيلي لم يكن مقتضيا لايجاد ما هو متعلق العلم بخصوصه لما عرفت من ان هم العقل هو الفراغ عن عهدة التكليف بإيجاد ما هو متعلقه واقعا أو في حكم الشارع كما في موارد قاعدة الفراغ فكذلك حكمه به مع العلم الاجمالي ايضا كذلك فيجوز للشارع الترخيص في بعض اطرافه والاكتفاء في مقام الامتثال بغيره ومع ذلك كيف يمكن انكار علية العلم الاجمالي بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية والقول بأنه مقتض حتى بالاضافة إليها وأما ما افاده بعد ذلك من قياس جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي بجريانها في اطراف الشبهة الغير المحصورة والشبهات البدوية ثم اعتراضه على نفسه والجواب عنه على ما في بعض النسخ بقوله لا يقال التكليف فيهما ليس بفعلي فإنه يقال كيف المقال في موارد ثبوته في اطراف غير محصورة أو في الشبهات البدوية ففي غاية السقوط إذ فعلية التكليف كما مر منا مرارا إنما هو بوجود موضوعه مع تمام قيوده وخصوصياته وفي مقابلة الحكم الانشائي المجعول على نهج القضايا الحقيقية كان في الخارج له موضوع أو لم يكن ومن الضروري ان العلم اجماليا كان أو تفصيليا إذا تعلق بنفس الحكم الشرعي مع قطع النظر عن وجود موضوعه وتعلقه بالمكلف لا يترتب عليه اثر اصلا بل المؤثر إنما هو العلم المتعلق بالحكم الفعلي بالمعنى الذي ذكرناه وهو موجود في الشبهة المحصورة دون غيرها بدوبة كانت أو غير محصورة وتوهم مناقضة نفس الحكم الواقعي مع قطع النظر عن تعلق العلم به مع الحكم الظاهري سنتعرض لدفعه في محله ان شاء الله تعالى (الثالثة) قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان تأثير العلم الاجمالي يتوقف على سقوط الاصل في أطرافه بالمعارضة إذ لو جرى الاصل في بعض الاطراف بلا معارض كما إذا علم أو قام امارة على نجاسة احد الانائين بالخصوص ثم علم اجمالا بوقوع قطرة من النجس في احدهما على الاجمال لما كان هذا العلم مؤثرا في شئ إذ وقوع النجاسة في الطرف الثابت نجاسته بالخصوص لا يترتب عليه اثر ووقوعه في الطرف الآخر

[ 58 ]

مشكوك يجري فيه الاصل بلا معارض فمرجع هذا الاشتراط إلى اعتبار كون العلم الاجمالي علما بالحكم على كل تقدير ومع قيام الحجة على ثبوت ما هو من سنخ العلوم بالاجمال لا يكون هناك علم بالتكليف الزائد من دون فرق بين ان يكون المثبت للتكليف علما وجدانيا تفصيلا أو إمارة معتبرة أو أصلا شرعيا أو علما اجماليا آخر كما إذا علم بنجاسة احد الانائين لا بعينه ثم علم اجمالا بوقوع قطرة اخرى مرددة بين وقوعه في احد هذين الانائين أو في اناء آخر فإن الاصل بالاضافة إلى الاناء الآخر بلا معارض لعدم العلم الاجمالي بتكليف آخر غير المعلوم اولا (الرابعة) يعتبر في تأثير العلم الاجمالي ان يكون التكليف المعلوم متعلقا بشخص واحد على كل تقدير حتى يكون جريان الاصل بالقياس إليه في احد الطرفين معارضا بجريانه في الطرف الآخر فلو علم بتكليف مردد بين تعلقه بأحد الشخصين لما ترتب عليه اثر اصلا إذ الحكم المتعلق بشخص آخر أجنبي من غيره فيكون مرجع هذا العلم إلى الشك في ثبوت التكليف لكل منهما فيجري الاصل بالقياس إلى كل منهما بلا معارض نعم لو كان ثبوت التكليف لشخص آخر موضوعا لخطاب متعلق به لكان العلم الاجمالي بتعلق التكليف اما بنفسه أو بغيره المفروض موضوعيته لخطاب متعلق به لكان العلم مؤثرا لا محالة هذا بحسب الكبرى واما بحسب الصغرى فهو مثل ما إذا علم أحد الشخصين بجنابة نفسه أو صاحبه لوجدان المني في الثوب المشترك بينهما خاصة فبالنسبة إلى وجوب الغسل لا أثر للعلم الاجمالي إذ وجوب الغسل على كل منهما أجنبي عن الآخر فكل منهما شاك في وجوبه عليه ويجري الاصل فيه بلا معارض واما بالنسبة إلى تكميل عدد المصلين في صلاة الجمعة فحيث ان اللازم على كل منهم احراز صحة صلاته وصلاة الباقين ولو بالاصل حتى يتم العدد المعتبر فيها فعلم واحد منهم بجنابة نفسه أو جنابة صاحبه المكمل العدد يكون موجبا لبطلان الصلاة لا محالة لان اصالة عدم جنابة نفسه في مثل الفرض معارضة بإصالة عدمها في صاحبه نعم يجوز لكل منهما استيجار صاحبه لكنس المسجد ونحوه مما يحرم على الجنب مع دخول نفسه ايضا كما انه يجوز لغيرهما استيجارهما لذلك مع علمه بجنابة احدهما إذ المدار في بطلان الاجارة هو كون العمل محرما على الاجير منجزا حتى يخرج العمل عن قدرته وملكه تشريعا ومع عدم تنجز الحرمة عليه وبقاء العمل تحت قدرته كما هو المفروض في المقام فلا مانع من صحة اجارته بل لو علم تفصيلا جنابة شخص يجوز اجارته لذلك مع جهله بها لعدم تنجز الحرمة عليه مع الجهل (واما) ايتمام احدهما بالآخر أو الثالث

[ 59 ]

بهما في صلاة واحدة أو صلاتين فإن بنينا على اعتبار احراز المأموم صحة صلاة إمامه كما هو الظاهر فلا يجوز شئ من ذلك واما إذا بنينا على ان المعتبر هو احراز نفس الامام صحة صلاة نفسه وإن كان باعتقاد المأموم باطلا فلا يترتب على مثل هذا العلم الاجمالي أثر أصلا والوجه فيهما ظاهر ونظير ذلك هو استيجارهما لما يكون مشروطا بالطهارة كالصلاة والطواف فانه إذا بنينا في صحة الاجارة على اعتبار صحة العمل عند الاجير فلا يكون العلم الاجمالي مانعا عن صحة الاجارة واما إذا بنينا على اعتبار احراز الصحة لدى المستأجر ولو بالاصل فيكون العلم الاجمالي منجزا لا محالة (الخامسة) يعتبر في تأثير العلم الاجمالي أن لا يكون موضوع الحكم المتعلق به العلم مقيدا بالتميز الخارجي والمعلومية التفصيلية ضرورة انه لو كان كذلك لما كان العلم الاجمالي المتعلق به علما بالحكم إذ المفروض عدم تمامية موضوعه في الخارج وعليه فإذا جعل مالان من جنس واحد عند ودعي فإما ان يكون كل منهما مفروزا متميزا في الخارج عن غيره أو لا وعلى الاول فلا ريب في انه إذا تلف احدهما وتردد صاحبه بين مالكيهما يرجع إلى القرعة إذ المفروض اختصاص التألف بأحدهما وغيره بالآخر فلا بد في التعيين من الرجوع إليها واما على الثاني بأن فرضنا الاختلاط بينهما اتفاقا فحيث ان موضوع المالية عند العرف مقيد بالتميز ولذا يحكمون بالشركة عند اختلاط احد الجنسين بالآخر اختيارا أو قهرا كما في اختلاط اللبن باللبن والحنطة بالحنطة فتلف مقدار منهما عند الودعي يحسب عليهما ويقسم الباقي بالنسبة وكل منهما يكون مالكا لما في يده حقيقة فلو اجتمعا عند ثالث يجوز جعلهما ثمنا لجارية مثلا ولا معنى لدعوى ان يقال انا نعلم تفصيلا بعدم انتقال الجارية إليه للعلم الاجمالي بعدم انتقال تمام الثمن إليه من مالكه لما عرفت من ان عدم تميز مال كل منهما خارجا الغير المنافي لتميز اجزائه بحسب نفس الامر يوجب زوال الملكية الشخصية ويبدلها إلى الاشاعة فكل مقدار وقع في يد كل منهما يكون مالكا له في نفس الامر فأين علم اجمالي بعدم الانتقال المذكور (ومن) هنا يظهر ان الرواية الواردة في مسألة الودعي من تنصيف الدرهم على صاحب الدرهم والدرهمين ليس على خلاف مقتضى قواعد العلم الاجمالي حتى نحتاج إلى اعمال ما تكلفه شيخنا العلامة الانصاري (قده) من الالتزام بالصلح القهري بل الظاهر ان اختلاط الدراهم وعدم تميزها خارجا وان كانت متميزة في نفس الامر أوجب زوال الملكية الشخصية عن كل من المالكين وانقلابها إلى الاشاعة فالتقسيم على القاعدة وكل منهما يكون مالكا لما يأخذه بعد

[ 60 ]

تلف احد الدراهم واقعا فاجتماعهما عند شخص لا يوجب علمه بعدم انتقال مجموع المال إليه من مالكه حتى يتولد منه علم تفصيلي في بعض الموارد ولكن التحقيق ان الرواية لا تنطبق على هذه الجهة إذ المفروض فيها تقسيم الدرهم نصفين واعطاء نصف إلى صاحب الدرهمين حتى يكون عنده درهم ونصف واعطاء النصف الآخر إلى صاحب الدرهم الواحد مع ان مقتضى الاشاعة وتبدل الملكية الشخصية هو تقسيم الدرهمين الباقيين اثلاثا لا ارباعا إذ التقسيم لا بد وان يكون بنسبة أصل المال لا غيرها وسيتضح تطبيقها على القاعدة في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى (السادسة) يشترط في تنجيز العلم الاجمالي أن لا يكون الاجمال والاشتباه موجبا لتعقب أمر يستلزم تبدل المعلوم بالاجمال عما هو عليه إلى ما يرتفع معه العلم الاجمالي كحكم الحاكم والحلف والاقرار على ما سيتضح إن شاء الله تعالى والفرق بين هذا الشرط وسابقه هو أن نفس الاجمال قد يكون موجبا لارتفاع المعلوم بالاجمال وزوال العلم وقد لا يكون بنفسه موجبا لذلك بل يكون أمر آخر في مورده موجبا له والجامع هو زوال العلم الاجمالي وتبدل المعلوم عما هو عليه اما بنفس الاجمال أو لامر آخر في مورده ومعه لا يبقى موضوع لتوهم جواز المخالفة القطعية كما هو واضح ثم ان ما يوجب تبدل المعلوم في طرف الاجمال قد يكون حكم الحاكم كما في موارد التداعي في تعيين الثمن أو المثمن مع تعارض البينتين أو مع عدم البينة أصلا فإنه بعد التحالف ينفسخ العقد ويرجع كل مال إلى صاحبه الاول فإذا كان البايع يدعي بأن المبيع كان هو العبد والمشتري يدعي كونه الجارية فالعلم الاجمالي بخروج العبد أو الجارية عن ملك البايع إلى ملك المشتري وان كان موجودا إلى آن حكم الحاكم الموجب لانفساخ العقد إلا انه يرتفع بعده بتبدل معلومه إذ بعد الانفساخ يكون كل من العبد والجارية ملكا للبايع حقيقة فليس هناك مخالفة للعلم التفصيلي ولا الاجمالي أصلا وكذلك الامر في صورة التداعي في الثمن ايضا ومن هذا القبيل ما إذا كان التداعي في عين خارجي مع العلم الاجمالي بكونها لاحدهما مع عدم اختصاص احدهما باليد أو البينة فإن حكم الحاكم بالتنصيف يوجب ملكية كل منهما للنصف حقيقة فيرتفع العلم الاجمالي بأن تمام العين الخارجي اما لهذا أو لذاك إذ حكم الحاكم وان كان له جهة طريقية إلا انه ما لم ينقض يكون له جهة موضوعية ايضا فيحصل به حكم واقعي ثانوي في ظرف عدم النقض واما حكم الامام عليه السلام بالتنصيف في مورد تلف احد الدراهم عند الودعي فإن قلنا بأنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم كما إذا حملناه على صورة الخلط بين

[ 61 ]

الدراهم التي قد عرفت ان مقتضى القاعدة فيها هو حصول الشركة بين مالك الدرهمين ومالك درهم واحد فيكون الحكم على خلاف القاعدة والموجب لتبدل المعلوم بالاجمال حينئذ هو حكم الشارع بالصلح القهري بينهما ومن هذه الجهة لم يعمل بها جماعة وضعفوها بالسكوني وان قلنا بالاحتياج إليه وحملناه على صورة عدم الخلط وتداعي كل من المالكين بالنسبة إلى الموجود مع عدم البينة لكل منهما فيكون التنصيف حينئذ على القاعدة اعمالا لكل من الدعويين بالنسبة إلى نصف المدعي فيكون الموجب للتبدل هو حكم الحاكم وعلى كل حال لا يكون الرواية موجبة لمخالفة علم تفصيلي ولا اجمالي (وقد يكون) الموجب للتبدل هو الاقرار كما إذا أقر بعين خارجي لزيد ثم اقر بها لعمرو فإن الحكم بأخذ العين لزيد وقيمتها لعمرو وان كان مخالفة للعلم بكذب احد الاقرارين إلا ان الاقرار مع اشتماله على جهة الطريقية لكونه اخبارا عن حق سابق لا إنشاء له مشتمل على جهة الموضوعية ايضا من جهة وجوب انفاذ اقرار كل احد عليه فيثبت الملكية الثانوية مع عدم انكشاف الخلاف تفصيلا نظير القول بالسببية في باب الطرق المستلزمة لجعل الاحكام الثانوية على طبقها في ظرف عدم انكشاف الخلاف تفصيلا ومع ثبوت الملكية الثانوية يتبدل المعلوم بالاجمال ويرتفع العلم الاجمالي من البين (وقد يكون) الموجب للتبدل هو الحلف كما في العين الموجودة في يد اثنين يدعي كل منها تمامها له فبالتحالف يكون كل منهما مالكا لنصفها حقيقة فيرتفع العلم الاجمالي فتلخص مما ذكرناه ان الفروع التي ذكروها نقضا في المقام ليس شئ منها صالحا لذلك وان المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال غير قابل لترخيص الشارع فيها اصلا واما ذهاب بعض إلى الرجوع إلى الاصل في مسألة اختلاف الامة على قولين ولم يكن مع احدهما دليل ولو كان مخالفا لهما المفروض موافقة احدهما للواقع أو التخيير الواقعي على ما استظهر من كلام القائل به المعلوم مخالفته للواقع ايضا فلا يكون نقضا في المقام ايضا إذ لعل القائل بهما لا يرى بأسا في مخالفة العلم الاجمالي فكيف يجعل ذلك نقضا على من يقول بذلك ويرى استحالة تجويز المخالفة القطعية (بقي هناك) شئ وهو ان المعلوم بالاجمال قد يدور أمره بين ان يكون مانعا بوجوده الواقعي أو بوجوده التنجزي الواصل كما إذا علمنا بنجاسة ثوب أو غصبيته فعلى تقدير نجاسته واقعا يكون عدم وقوع الصلاة فيه معتبرا واقعا وعلى تقدير غصبيته فإن قلنا بامتناع اجتماع الامر والنهي وسراية كل منهما إلى متعلق الآخر فالامر يكون كذلك ايضا على ما حققنا في محله من ان لازم ذلك هو التقييد الواقعي

[ 62 ]

فيكون خارجا عن محل الفرض وإن قلنا بالجواز من هذه الحيثية فلا محالة يكون اعتبار عدم الغصبية من جهة المزاحمة المشروطة بالعلم والوصول ويكون الصلاة صحيحة مع الجهل بالغصبية على القاعدة كما هو المختار عندنا فهل القاعدة في مثل ذلك تقتضي تأثير العلم الاجمالي من تمام الجهات أو يختص تأثيره بمقدار المزاحمة ويكون الاصل جاريا بالنسبة إلى المقدار الزائد ففي مثل المثال يكون عدم جواز الصلاة في الثوب المفروض عامدا متيقنا واما بطلانها فيه ناسيا فيبتني على تأثير العلم الاجمالي حتى في غير جهة المزاحمة الحق هو عدم تأثيره إلا بمقدار المزاحمة فلو صلى فيه ناسيا صحت صلاته ولو انكشف نجاسته بعد ذلك واقعا وذلك لان غاية ما يتوهم كونه مانعا عن الرجوع إلى الاصل بالنسبة إلى المقدار الزائد على المزاحمة هو توهم ان العلم الاجمالي إذا تعلق بأحد الحكمين فيكون كل واحد منهما ثابتا في الواقع منجزا بهذا العلم ولازم ذلك هو تنجز النجاسة الواقعية على تقدير وجودها في مثل الفرض ولازمه عدم جواز الرجوع إلى اصالة الطهارة بالنسبة إلى المقدار الزائد وبطلان الصلاة الواقعة فيه ولو نسيانا وجوابه ان تنجز كل من الحكمين على تقدير وجوده إنما يكون إذا لم يشتركا في اثر وكان احدهما مختصا بالاثر الآخر إذ في مثل ذلك يكون الاثر المشترك متيقنا في البين والاثر الآخر مشكوكا بدويا فيكون من دوران الامر بين الاقل والاكثر وفي مثله لا بد من الرجوع إلى الاصل في المقدار المشكوك لا محالة وفي مثل فرض المقام حيث ان أثر المزاحمة مشترك بين النجاسة والغصبية وإنما يزيد النجاسة على أثر زائد وهو بطلان الصلاة في ظرف النسيان وذلك الاثر مشكوك بدوي يجري الاصل بالقياس إليه بلا معارض وبذلك ظهر انه يشترط في تأثير العلم الاجمالي أمر آخر زائد على ما ذكر وهو ان لا يكون المعلوم بالاجمال مرددا بين ان يكون مانعيته لاجل المزاحمة وبين أن يكون لاجل اعتبار عدمه واقعا وإلا فينحصر تأثيره بمقدار المزاحمة فقط (هذا تمام) الكلام في احكام القطع فلنرجع إلى البحث عن الامارات المعتبرة عقلا أو شرعا أو التي قيل باعتبارها كذلك والكلام فيه يقع في مقامين (الاول) في امكان التعبد بالامارة الغير العلمية (الثاني) في وقوعه والمراد من الامكان المبحوث عنه في المقام هو الامكان التشريعي بمعنى ان التعبد بالامارة هل يلزم منه محذور في عالم التشريع أم لا وليس المراد منه الامكان التكويني المختص بالامور الخارجية حتى يبحث في ان الاصل العقلائي هل هو الحكم بالامكان حتى يثبت الامتناع أم لا كما هو واضح (اما المقام الاول) فلم ينسب

[ 63 ]

الخلاف فيه إلا إلى ابن قبة القائل باستحالة التعبد بالامارة الغير العلمية ولم ينقل عنه في كتب الاصول والكلام إلا ذلك (فاعلم) ان القائل بالاستحالة اما ان يكون نظره إلى لزوم المحذور من التعبد بالامارة الغير العلمية من ناحية الملاك واما ان يكون نظره إلى لزومه من ناحية الخطاب (أما) توهم المحذور من ناحية الملاك فغاية ما يمكن أن يقال في تقريبه هو ان الاحكام الشرعية لا محالة تكون تابعة لملاكاتها نظير تبعية المعاليل لعللها على ما أوضحنا الحال في ذلك سابقا وحيث ان الامارة الغير العلمية ربما تكون مصيبة وأخرى مخطئة فإذا قامت على حكم غير الزامي وفرضنا كون الحكم الواقعي الزاميا وجوبيا كان أو تحريميا فيلزم من التعبد بها وجعلها حجة تفويت الملاك الواقعي الملزم إذ لو لم يكن ملزما لما أمكن استتباعه لحكم الزامي كما هو واضح ومع فرض كونه ملزما كيف يمكن للشارع تفويته بجعل امارة على خلافه وبالجملة فرض جعل الامارة حجة مع فرض كون الحكم الواقعي الزاميا ناشئا عن ملاك ملزم نقض للغرض وهو قبيح بالضرورة والى هذا يشير ما نقل عن الخصم من ان التعبد بالامارة الغير العلمية مستلزم لتحليل الحرام وهو قبيح كما ان الامارة إذا قامت على حكم الزامي وجوبي أو تحريمي وفرضنا الحكم الواقعي غير الزامي يلزم من التعبد بها وإيجاب العمل على طبقها كون الحكم الالزامي من دون ملاك يقتضيه إذ المفروض ان الفعل الذي أدى الامارة إلى وجوبه أو تحريمه عار عن الملاك الملزم فجعل الحكم الالزامي له بجعل الامارة حجة يستلزم عدم تبعية الاحكام للمصالح أو المفاسد وهذا غير معقول كما عرفت واليه يشير ما نقل عنه من ان التعبد بالامارة الغير العلمية مستلزم لتحريم الحلال وهو قبيح (والحاصل) ان الامارة إذا كانت مخالفة للحكم الواقعي يلزم من جعلها حجة يجب العمل على طبقها اما كون الحكم الالزامي مجعولا من دون ملاك واما تفويت الملاك الملزم وكلاهما قبيحان (والجواب) عن ذلك ان المانع عن حجية الامارة الغير العلمية ان أراد امتناعها حتى في صورة انسداد باب العلم وعدم امكان الوصول إلى الواقعيات وان أمكن تحصيل القطع بها ولو كان مخالفا للواقع فإن ذلك يرجع إلى انسداد باب العلم كما هو ظاهر فلا ريب انه مع تعذر العلم وبقاء التكاليف الواقعية وبطلان الاحتياط لعدم ابتناء أساس الشرع عليه فلا مناص عن العمل بالطرق الظنية حفظا للواقعيات لكونها اقرب إلى العلم من غيرها ضرورة دوران الامر حينئذ بين العمل بها وادراك الواقعيات في الجملة وبين الغائها بالكلية أو العمل بما يكون خطأه اكثر من الطرق الظنية ولا

[ 64 ]

اشكال في تعين الاول وكون ادراك الواقعيات ولو ظنا ملاكا ملزما لجعل الطرق الظنية حجة ولو لم تكن مصيبة للواقع دائما لكن الظاهر ان القائل بالاستحالة لم يرد صورة الانسداد وإنما أراد استحالة التعبد بها في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات (وعليه) فنقول ان استحالة التعبد بها في فرض الانفتاح تتوقف على ان يكون اصابة العلوم الحاصلة للمكلف للواقعيات اكثر من اصابة الطرق الغير العلمية لها واما إذا كانت الاصابة والخطأ فيهما على حد سواء أو كان اصابة الطرق العلمية لها اكثر فلا يلزم من التعبد بها محذور اصلا ضرورة انه لا يلزم منه حينئذ تفويت ملاك من قبل الشارع أزيد مما يكون فائتا في صورة تحصيل العلم حتى يكون قبيحا وحيث انه لم يثبت كثرة خطأ الطرق الغير العلمية بالاضافة إلى العلوم الوجدانية الحاصلة للمكلف فلا يمكن الحكم بالاستحالة ومعه فلا اشكال في وجوب الاخذ بظاهر كل دليل دل على حجية امارة غير علمية (فإن قلت) اليس القائل بالاستحالة يدعيها في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات ومعه كيف يمكن احتمال كون خطأ العلوم الوجدانية مساويا لخطأ الطرق الغير العلمية فضلا عن احتمال اكثريته إذ فرض كون العلوم الوجدانية مخالفة للواقع فرض الانسداد كما أفاده العلامة الانصاري قدس سره والتزم لاجله بالقبح في فرض الانفتاح (قلت) معنى فرض الانفتاح هو فرض امكان الوصول إلى الواقعيات وهذا أعم من أن يتحقق فعلية الوصول إليها فإذا فرضنا ان المكلف يتمكن من أخذ الاحكام من نفس الامام عليه السلام مشافهة ولكنه لا يفعل ذلك وإنما يعتمد كثيرا على السؤال من جماعة يحصل له القطع بالحكم من اخبارهم فيعمل به فإذا علم الشارع بخطأ كثير من علومه وقلة خطأ طريق غير علمي بالاضافة إليها فله أن يجعل ذلك الطريق حجة عليه ويحكم برجوعه إليه مع فرض انفتاح باب العلم وامكان الوصول إلى الواقعيات فلا موجب للالتزام برجوع هذا الفرض إلى الانسداد ولا للالتزام بالقبح في فرض الانفتاح (فإن قلت) ايجاب التعبد بالامارة الغير العلمية في الفرض الذي ذكرته وان لم يكن قبيحا إلا ان ذلك يرجع إلى ان الشارع في ايجابه التعبد بها اعمل جهة علمه بالغيب وهو علمه بكثرة خطأ العلوم المتعارفة الحاصلة للمكلف عن الخطأ الموجود في مورد الامارة ومن المعلوم ان اعمال جهة العلم بالغيب خارج عن الوظيفة الشارعية وكلامنا في المقام متمحض في الامكان والاستحالة في تشريع التعبد بها من حيث الشارعية ليس إلا فلا بد من الاعتراف بالقبح من

[ 65 ]

تلك الحيثية لا محالة (قلت قد ذكرنا مرارا ان العلم بالملاكات إنما هو وظيفة الشارع فكما ان احراز الملاك في التعبديات يختص بالشارع دون غيره فليكن العلم بكثرة خطأ العلوم الوجدانية في المقام الذي هو من قبيل العلم بالملاكات مختصا به ايضا واين ذلك من اعمال جهة العلم بالغيب الخارج عن وظيفته بل نقول هذا الاشكال على تقدير تسليمه إنما يختص بخصوص ما إذا جعل الشارع حجية امارة ابتداء وهذا فرض غير واقع في الشريعة واما إذا كان جعله عبارة عن امضائه لما جعله العقلاء حجة معتبره عندهم في عرض الطرق العلمية لما يرون ان اصابته للواقع ليست بأقل من اصابتها فالاشكال مندفع من أصله (وتوهم) ان الطرق غير العلمية وان سلمنا ان خطأها ليس بأكثر من الخطأ المتحقق في موارد الطرق العلمية إلا انه لا ريب في كون الطرق العلمية اقرب منها إلى الواقع وأبعد خطأ فلا يعقل جعلها حجة مع التمكن منها (مدفوع) بأن اقربية الطرق العلمية بالاضافة إلى غيرها على تقدير تسليمها لا توجب ردع العقلاء عن ما جرى عليه بناؤهم العملي ما لم يكن مخالفة الطرق الغير العلمية اكثر من مخالفة الطرق العلمية فإن مجرد الاقربية من دون لزوم تفويت الملاكات الواقعية لا يقتضي الردع كما هو ظاهر (ثم) انه إذا سلمنا اقربية الطرق العلمية عن غيرها وقلة خطاها بالاضافة إليها لكن ذلك لا يوجب ردع العقلاء عما جرى عليه طريقتهم من العمل بالطرق الغير العلمية ما لم يكن الخطأ فيها بمرتبة توجب تفويت الواقعيات كثيرا كما في القياس واما إذا كان الخطأ الزائد فيها قليلا بأن يكون نسبة الخطأ الثابت في موارد الامارة إلى الخطأ الموجود في موارد الطرق العلمية نسبة العشرة إلى التسعة فهو لا يوجب الردع وإلزام المكلفين بتحصيل الطرق العلمية فإن مصلحة التسهيل يزاحم بها ما في امضاء طريقة العقلاء من تفويت الواقع احيانا فإنها من المصالح النوعية المهمة التي يكون رعايتها مقدمة على رعاية المصالح الشخصية التي تفوت احيانا عند العمل بالامارة وتقديم المصالح النوعية على المصالح الشخصية لا مانع عنه بل هو واقع في الشرع كثيرا كما في حكم الشارع بجواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الكفار في الحرب فإن حكمه بجواز قتلهم وان كان فيه تفويت المصلحة الشخصية إلا انه لا يزاحم بالمصلحة النوعية الثابتة في اعلاء كلمة الاسلام وغلبة المسلمين (فإن قلت) ان كان المراد من مصلحة التسهيل الثابتة في امضاء الطريقة العقلائية المصلحة التي يكون تفويتها والزام المكلفين بتحصيل العلم الوجداني موجبا للعسر والحرج عليهم فلا اشكال في تقدم ذلك على المصالح الشخصية

[ 66 ]

وجواز امضاء الشارع لطريقتهم لكن هذا خارج عن المفروض في المقام فإن ذلك يرجع إلى دعوى الانسداد فإن المراد منه انسداد باب العلم على المكلفين من دون لزوم عسر وحرج في تحصيله وان كان المراد منها ما لا يكون تفويتها موجبا لهما فكيف يكون رعايتها متقدمة على رعاية المصالح الشخصية والحاصل ان مجرد التسهيل على المكلفين من دون لزوم الحرج في تركه لا يمكن أن يكون داعيا لتفويت المصالح الشخصية وأما التسهيل الموجب تركه للحرج فرعايته وان كانت مقدمة على رعاية المصالح الشخصية إلا ان فرضه في المقام خلف إذ المفروض في محل الكلام هو امكان جعل الطرق في حال الانفتاح قلت التسهيل المدعى في المقام وإن لم يكن ما يوجب تركه للعسر والحرج إلا انه لا مانع من كون مصلحته داعية للمولى لامضاء الطرق العقلائية (ودعوى) عدم قابليتها للمزاحمة مع فوت المصالح الشخصية مع كون الدين مبنيا على السماحة والسهولة ممنوعة فإن مثل هذه المصلحة العامة ربما يكون في نظر الشارع أهم من المصالح الشخصية كما في غيرها وفرق واضح بين العسر المأخوذ موضوعا لرفع التكاليف الثابتة لمتعلقاتها وبين المشقة الداعية للمولى إلى جعل حكم من الاحكام (وبالجملة) فرق بين كون الحرج علة للتشريع وبين كونه موضوعا للحكم المجعول والملاك في الاول هو لزوم العسر ولو نوعا وفي الثاني لزوم الحرج في كل شخص وقد مر في بعض المباحث السابقة توضيح ذلك فراجع (فإن قلت) سلمنا عدم المحذور في التعبد بالامارة الغير العلمية من ناحية تفويت الملاك الملزم ولو في فرض الانفتاح ولكن اشكال لزوم تحريم الحلال الراجع إلى لزوم جعل الحكم من دون ملاك يقتضيه باق بحاله فإن الامارة إذا أدت إلى حرمة شئ أو وجوبه وفرض كون الحكم الواقعي هي الاباحة فجعلها حجة حينئذ لم ينشأ من ملاك ملزم بناء على الطريقية المحضة التي بناء الاشكال والحكم بالاستحالة عليها واما بناء على السببية والموضوعية فالاشكال غير وارد من راسه حتى يحتاج إلى تكلف الجواب عنه (قلت) لو كان حكم الشارع بوجوب ما أدت الامارة إلى وجوبه أو بحرمة ما أدت إلى حرمته حكما واقعيا فلا بد وان ينشأ عن ملاك ملزم يقتضيه كما هو الحال في بقية الاحكام الالزامية على ما هو التحقيق عندنا من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات واما إذا كان حكما ظاهريا ناشئا من تحفظ الشارع على احكامه الواقعية الموجودة في جملة من موارد الطرق الغير العلمية الغير الممتازة عن موارد خطئها فلا يلزم كونه ناشئا عن ملاك ملزم في كل مورد مورد بل يكفي وجود الملاك في جعل نوعها حجة وهذا

[ 67 ]

نظير ما ذكرناه سابقا من ان مصلحة حفظ الانساب وعدم اختلاط المياه اقتضت جعل العدة ولكنا نعلم من الخارج عدم توقفه في بعض الموارد عليها إلا ان اشتباه الموارد وعدم تميز بعضها عن بعض أوجب إيجاب العدة على الجميع وهذا أجنبي عن كون الحكم مجعولا بلا ملاك هذا كله بناء على الطريقية المحضة واما بناء على الموضوعية والسببية وان المصالح الفائتة في صورة خطأ الامارة يتدارك بمصلحة في العمل بها فالامر اوضح وتوضيح ذلك ان السببية يتصور على وجوه ثلاثة (الاول) ان يكون قيام الامارة سببا لحصول مصلحة في المؤدى موجبة لجعل الحكم على طبقه ولا يكون للفعل مع قطع النظر من قيام الامارة حكم أصلا فيكون الاحكام الواقعية مختصة بالعالمين ولا يكون للجاهل حكم واقعا وظاهرا غير الحكم الناشئ من قبل الامارة والقول بمثل هذه السببية مستلزم للتصويب الاشعري الذي دل الاجماع والاخبار الدالة على وجود الاحكام المشتركة بين العالم والجاهل على بطلانه (الثاني) ان يكون الاحكام الواقعية تابعة لمصالح ومفاسد في نفس الافعال مع قطع النظر عن قيام الامارة وعدمه إلا ان قيام الامارة على الخلاف كان موجبا لحدوث مصلحة في المؤدى غالبة على مصلحة الواقع فيكون الحكم الفعلي مختصا بغير من قام عنده الامارة على الخلاف كما يختص الاحكام الواقعية بغير موارد الضرر والحرج وهذا القول وان لم يستلزم عدم وجود الحكم المشترك من اول الامر إلا أنه يوجب تقييد الاحكام الواقعية واختصاصها بمن لم يقم الامارة عنده على الخلاف بالآخرة وهذا هو التصويب المعتزلي المشترك مع الاول في البطلان وإن لم يكن مثله في الشناعة فإن الاجماع والاخبار كما يدلان على وجود الاحكام المشتركة من أول الامر فكذلك يدلان على بقائها بحالها وفعليتها وعدم تغيرها عما هي عليها لقيام الامارة على خلافها (الثالث) أن لا يكون قيام الامارة سببا لتغيير في الاحكام الواقعية أصلا إلا انه كان هناك مصلحة في سلوك الامارة والعمل على طبقها يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع عند الخطأ وهذا القسم من السببية هي التي قال بها جماعة من العدلية وهي لا تستلزم التصويب أصلا فلا مانع من الالتزام بالسببية بهذا المعنى وتدارك المصالح الفائتة من جعل الامارة حجة في ظرف الانفتاح حتى لا يلزم قبح من تفويتها (فإن قلت) إذا بنينا على قبح التفويت مع عدم التدارك فلا يمكن الالتزام بتداركها بالمصلحة السلوكية على تقدير المخالفة ايضا مثلا إذا فرضنا ان الواجب الواقعي هو صلاة الجمعة يوم الجمعة وقامت الامارة على وجوب صلاة الظهر

[ 68 ]

يومها وكان هناك مصلحة في سلوك تلك الامارة فاما ان لا يكون مصلحة السلوك غالبة على مصلحة صلاة الجمعة وموجبة لاضمحلالها أو يكون غالبة عليها كذلك وعلى الثاني فإما ان يبقى الحكم الواقعي على حاله أو يزول بقيام الامارة على الخلاف والاول من الشقوق الثلاثة مستلزم لكون الحكم الواقعي هو التخيير بين وجوب صلاة الجمعة والظهر لفرض اشتمال كل منهما على مقدار من المصلحة الداعية إلى الايجاب والشق الثاني مستلزم لبقاء الحكم الواقعي من دون ملاك يقتضيه والشق الثالث مستلزم للتصويب والتوالي الثلاثة كلها فاسدة (قلت) لو كانت المصلحة السلوكية قائمة بفعل صلاة الظهر وفي عرض مصلحة الواقع كما كان الامر في السببية المعتزلية كذلك لكان للترديد بين الشقوق الثلاثة مجال واسع واما إذا كان تلك المصلحة في نفس السلوك من دون ان يؤثر في نفس الفعل شيئا وفي طول المصلحة الواقعية من دون أن يكون لها مساس بها أو بالحكم الناشئ من قبلها فلا مجال للترديد المذكور أصلا بيان ذلك ان المصلحة السلوكية ليس المراد منها هو اعطاء المولى للعبد شيئا من كيسه مجانا عند فوات الواقع بالعمل بالامارة كما انه ليس المراد منها هو حصول مصلحة في نفس الفعل بعد قيام الامارة على وجوبه بل المراد منها ان في نفس السلوك واستناد العبد في العمل بها مصلحة تختلف باختلاف مقدار السلوك المستلزم لفوات مصلحة الواقع مثلا إذا كان الواجب الواقعي الفائت بالعمل بالامارة فوريا مضيقا ولم يشرع فيه القضاء فسلوك الامارة المؤدية إلى خلافه موجب لفواته على المكلف بالكلية فلا بد من كون السلوك مشتملا على مقدار من المصلحة الموجبة لتدارك جميع ما فات من مصلحة الواجب الواقعي وأما إذا كان مما شرع فيه القضاء وانكشف الخلاف بعد ذلك فسلوك الامارة ينتهي إلى هذا الحد وهو لا يوجب إلا فوات المصلحة الوقتية دون أصلها فيكون المتدارك هي ايضا كما انه إذا كان الواجب موسعا وانكشف الخلاف في الوقت فحيث ان سلوك الامارة محدود بهذا المقدار فيكون اشتماله على المصلحة التداركية بمقدار فوت الفضيلة فقط دون المصلحة القائمة بأصل الواجب (وبالجملة) كما ان مقدار سلوك الامارة يختلف باختلاف الموارد بانكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه مع مشروعية القضاء أو عدمها أو لا ينكشف إلى آخر العمر أصلا فكذلك يختلف المصلحة القائمة به ايضا وبذلك يظهر فساد ما أورد على شيخنا العلامة الانصاري (قده) من عدم تعقل اختلاف المصلحة القائمة بالسلوك باختلاف انكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه أو عدم انكشافه أصلا وان الالتزام

[ 69 ]

بذلك يرجع إلى دعوى اعطاء الشارع من كيسه بدل الفائت مجانا وجزافا فإنك قد عرفت أن اختلاف المصلحة إنما نشأ من اختلاف نفس السلوك بحسب المقدار وكل مقدار منه يشتمل على مقدار من المصلحة المغايرة لما يشتمل عليه الآخر وأين ذلك من دعوى التدارك المجاني الجزافي وقد ذكرنا في بحث الاجزاء معنى المصلحة السلوكية وعدم ترتب القول بالاجزاء على القول بالسببية مطلقا بل لازم القول بمثل هذه السببية هو عدم الاجزاء كما في القول بالطريقية بعينه نعم السببية بالمعنى الملازم للتصويب تستلزم القول بالاجزاء لا محالة كما أفاد الشهيد (قده) من أن القول بالاجزاء في موارد الطرق من فروع القول بالتصويب فراجع ذلك المبحث حتى يظهر لك حقيقة الامر (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان الامر بالعمل على طبق الامارة وسلوكها والبناء على ان مؤداها هو الواقع مع كونها طريقا محضا إليه من دون استتباعها لمصلحة في الفعل غالبة على مصلحة الواقع أو مساوية لها ناشئا عن مصلحة في نفس السلوك وتطبيق العمل على طبق الامارة على ان مؤداها هو الواقع فليست المصلحتان في مرتبة واحدة حتى يقع بينهما الكسر والانكسار فيترتب عليه المحاذير الثلاثة المذكورة بل المصلحة السلوكية مترتبة على وجود حكم واقعي اخبر الامارة عنه وفي مرتبة متأخرة عنه فضلا عن المصلحة الداعية إلى جعله فكيف يمكن ان تكون هي مزاحمة لتأثير المصلحة الواقعية في جعل الحكم الواقعي وليست الامارة خالية عن المصلحة بالكلية حتى يلزم من جعلها حجة تفويت الواقع بلا تدارك بل هناك مصلحة في السلوك والعمل على طبق الامارة على ان مؤداها هو الواقع يتدارك بها مصلحة الواقع عند فواتها على تفصيل قد عرفت فلو اغمضنا عن حل الاشكال بناء على الطريقية المحضة فلنا ان نلتزم بالسببية بهذا المعنى بلا محذور فيه اصلا (فإن قلت) ان المصلحة السلوكية إذا لم تكن قائمة بنفس الفعل حتى يقع المزاحمة بينها وبين مصلحة الحكم الواقعي الملازم للتصويب المجمع على بطلانه فاما ان تكون هي قائمة بالامر على تطبيق العمل على الامارة أو بنفس التطبيق المتفرع على حجيتها ضرورة انها ما لم تكن حجة يكون تطبيق العمل عليها تشريعا محرما فكيف يمكن ان يكون مشتملا على مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع والالتزام بالاول منهما ينافي ما مر من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات والالتزام بالثاني مستلزم للدور فإن الامر بالتطبيق يتوقف على وجود مصلحة فيه والمفروض ان وجود المصلحة فيه يتوقف على الامر ايضا فيدور (قلت)

[ 70 ]

نختار الشق الثاني قولك انه مستلزم للدور نجيب عنه تارة بالنقض بباب العبادات فإن الالتزام بكون المصالح فيها ثابتة لنفس الاوامر ينافي مذهب العدلية والالتزام بكونها في الافعال يستلزم الدور فإن الفعل فيها من دون الامر يقع تشريعا محرما فكيف يمكن ان يكون مشتملا على مصلحة ملزمة بل المصلحة الملزمة متفرعة على نفس الامر فتوقف الامر عليها كما هو مقتضى مذهب العدلية مستلزم للدور فما يكون التفصي به هناك يتفصى به في المقام ايضا واخرى بالحل في كلا المقامين وتوضيح ذلك انما هو ببيان مقدمة وهي ان الحجية لها مراتب ثلاث (الاولى) مرتبة جعلها وصرف انشائها لشئ وهذه المرتبة من الحجية كانشاء بقية الاحكام لا تتوقف على علم واحراز من المكلف اصلا (الثانية) مرتبة احرازها ووصولها إلى المكلف موضوعا وحكما التي بها يكون الاحكام الواقعية واصلة إلى المكلف ويكون الحجة وسطا لاثبات متعلقها (الثالثة) مرتبة الاستناد إليها في مقام العمل وهذه المرتبة هي التي توجب معذورية المكلف عند مخالفته للاحكام الواقعية وسيأتي في بحث البراءة والاشتغال ان مجرد وجود طريق معتبر على خلاف الحكم الواقعي مع عدم احراز المكلف أو مع عدم الاستناد إليه لا يوجب المعذورية فلو احتمل التكليف واقتحم في الشبهة قبل الفحص وصادف احتماله للواقع لعوقب على مخالفته وان كان هناك طريق دل على اباحة الفعل بحيث لو تفحص المكلف عنه لظفر به وكذلك لو كان ذلك الطريق واصلا إلى المكلف ولكن لم يستند المكلف إليه في مقام العمل بل اقتحم الشبهة لعدم مبالاته بمخالفة التكليف الواقعي فإذا كانت المعذورية دائرة مدار المرتبة الثالثة فلا بأس بكون المصلحة السلوكية قائمة بهذه المرتبة ايضا دون نفس الفعل حتى يلزم التصويب ودون الامر حتى ينافي مذهب العدلية (إذا عرفت) ذلك فنقول كما ان معنى توقف الاوامر العبادية على وجود المصلحة في متعلقاتها على مذهب العدلية ليس كون الفعل في حد ذاته مشتملا على مصلحة ملزمة من قطع النظر عن الامر ضرورة انه يقع حينئذ تشريعا محرما كما عرفت بل معناه ان في ذوات الافعال مصالح ملزمة هي مقتضيات نفس الافعال لكنها لا تتحقق في الخارج إلا بعد ورود الامر وصدورها بداع قربي فهي في مرتبة الاقتضاء علل للاوامر وداعية إلى جعلها وفي مرتبة فعليتها وتحققها متوقفة عليها فلا دور فكذلك المصلحة السلوكية القائمة بالمرتبة الثالثة من الحجة هي علة لجعل الطريق في مرتبة الاقتضاء ومتوقفة عليه خارجا في مرتبة التحقق والفعلية فجهة التوقف في كل منهما مغايرة لجهة التوقف في

[ 71 ]

الآخر والموجب للزوم الدور هو توقف كل من الطرفين على الآخر من جهة واحدة كما هو واضح (وبالجملة) فالاشكال الوارد في المقام هو بعينه الاشكال الوارد في باب العبادات والجواب مشترك بين المقامين (ثم) لا يخفى ان عبارة العلامة الانصاري (قده) بحسب النسخ الاولية كان مفادها كون المصلحة السلوكية قائمة بنفس السلوك وتطبيق العمل على الامارة والعدول إلى جعل المصلحة في الامر إنما هو لاجل اشكال اورده بعض تلامذته قدس سرهما عليه فأمر (قده) بتصحيح العبارة فصححوه بزيادة لفظ الامر في العبادة والاشكال الذي اورد عليه وان لم ينقل لنا بشخصه الا انه لا يبعد ان يكون الاشكال الذي تعرضنا له آنفا واجبنا عنه بحمد الله تعالى وبينا ان الالتزام بالمصلحة السلوكية المختلفة باختلاف انكشاف الخلاف لا يمكن الا بالالتزام بكونها قائمة بنفس السلوك حتى تختلف باختلافه وان الالتزام بالمصلحة في نفس الامر ينافي مذهب التحقيق من تبعية الاحكام لمصالح ومفاسد في متعلقاتها ولكنه مع ذلك يمكن توجيه المراد من العبارة بأن لا يكون المراد منها ما هو ظاهرها من كون المصلحة في نفس الامر بل يكون المراد منها هو كون المصلحة في نفس السلوك كما اخترناه ولكن المصلحة السلوكية حيث انها تتوقف على كون الطريق حجة حتى يصح الاستناد إليه والحجية عنده قدس سره منتزعة عن الحكم التكليفي وهو ايجاب العمل على طبق الامارة فعبر بكون المصلحة السلوكية في الامر مسامحة وكيف كان فقد اتضح عدم المحذور من جعل الطريق من ناحية الملاك على الطريقية المحضة والسببية (واما توهم) المحذور من ناحية الخطاب فقد قيل في تقريبه ان الامارة إذا قامت على وجوب شئ في الواقع وفرضنا ايجاب الشارع العمل على طبقه فاما ان تكون موافقة للواقع أو مخالفة له ولازم الاول هو اجتماع المثلين كما ان لازم الثاني هو اجتماع الضدين ولكنه لا يخفى ان اشكال اجتماع المثلين كما اشرنا إليه مرارا لا يكون اشكالا في شئ من المقامات ضرورة ان لازم كون الفعل الواحد واجبا من جهتين بل مستحبا من جهة وواجبا من جهة اخرى هو تأكد الطلب وكونه ناشئا عن ملاك اقوى من الملاك الموجود في كل واحدة من الجهتين واين ذلك من اجتماع المثلين المشترك مع اجتماع الضدين في الاستحالة واما اشكال لزوم اجتماع الضدين في فرض المخالفة فقد اجيب عنه بوجوه (الاول) ما يظهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) في باب التعادل والترجيح وهو المنقول عن جماعة أخرى من اختلاف موضوعي الحكم الظاهري

[ 72 ]

والواقعي فإن موضوع الاول منهما هو الشئ بعنوان كونه مشكوكا وهذا بخلاف موضوع الحكم الواقعي فإن موضوعه نفس الفعل وذاته واشتراط وحدة الموضوع في التضاد كما في التناقض ربما يكون من الواضحات (وفيه) أولا ان هذا الجواب على تقدير تماميته إنما يختص بخصوص موارد الاصول من جهة اخذ الشك في موضوعها وأما الامارات فموضوعها نفس الفعل من غير تقييد بالجهل بالحكم الواقعي وكونها حجة حال الجهل غير اخذ الجهل في موضوعها والا لما بقي فرق بين الامارة والاصل ولا يكون لها حكومة عليه كما هو ظاهر (وثانيا) ان الاحكام الواقعية وان كانت ثابتة لنفس الافعال من دون تقييدها بحال الجهل الا انها لا تخلو في نفس الامر من اختصاصها بخصوص العالمين من باب نتيجة التقييد أو ثبوتها للجاهلين ايضا بنتيجة الاطلاق وحيث ان الاول منهما مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه فلا محالة يتعين الثاني ويلزم منه كون الجاهل محكوما بحكمين متضادين (الوجه الثاني) ان الحكم الواقعي وان كان ثابتا لعين ما ثبت له الحكم الظاهري الا انه لا منافاة بينهما فان اختلاف المحمول يوجب ارتفاع التضاد كما في التناقض فالوجوب الواقعي إنما يضاد الحرمة الواقعية دون الظاهرية وبالعكس وهذا الوجه أفسد من سابقه إذ بعد فرض كون الحكم الظاهري حكما حقيقيا بعثيا أو زجريا كيف يمكن اجتماعه مع حكم آخر على خلافه ومجرد تسميته احدهما بالواقعي والآخر بالظاهري لا يوجب رفع التنافي بين الحكمين المتخالفين (الوجه الثالث) ما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقته على الرسائل من حمل الاحكام الواقعية على الاحكام الشأنية والاحكام الظاهرية على الاحكام الفعلية وربما عبر عن الاحكام الواقعية بالاحكام الانشائية وصرح بأن المنافاة انما تكون بين الحكمين الفعليين ليس الا (وفيه) ان المراد من الحكم الشاني ما هو فهل هو عبارة عن ثبوت الحكم في مرتبة ثبوت ملاكه ومقتضيه بحيث لا يكون الحكم الواقعي حكما حقيقة وإنما الموجود في الواقع هو ملاكه أو انه عبارة عن سنخ حكم موجود في الواقع ولكنه ليس بحكم فعلي بل اقتضائي فإن كان المراد منه هو الاول فلازمه عدم وجود حكم واقعي مشترك بين العالم والجاهل وهذا عين القول بالتصويب المجمع على بطلانه وان كان المراد هو الثاني فلا نتعقل له معنى محصلا إلا بأن يراد من الاحكام الشانية الاحكام المجعولة على طبق المقتضيات الغير المنافي لعروض عنوان آخر موجب لزوالها كما في موارد الضرر أو الحرج أو يراد منها الاحكام المجعولة الغير الملحوظ فيه عروض العناوين الطارية بنحو

[ 73 ]

الاهمال والاول منهما يقتضي زوال الحكم الواقعي بطرق المانع وهو قيام الامارة على الخلاف فيكون الحكم الواقعي بحسب النتيجة مختصا بغير من قام عنده الامارة على الخلاف وهذا عين القول بالتصويب والثاني منهما غير معقول في حد نفسه فإن الاهمال إنما يعقل في مرحلة الاثبات ومقام البيان دون مقام الثبوت والجعل من الملتفت إلى الانقسامات الاولية أو الثانوية فالحكم الواقعي بحسب مقام الثبوت اما ان يكون ثابتا لكل مكلف اعم من ان يقوم عنده الامارة على الخلاف من باب نتيجة الاطلاق أو يختص بغيره من باب نتيجة التقييد لازم الاول منهما هو اجتماع الحكمين المتخالفين في موضوع واحد ولازم الثاني هو التصويب المجمع على بطلانه (وبالجملة) الالتزام بالحكم الشأني في المقام بالمعنى المعقول مستلزم التصويب وبمعنى آخر غير مستلزم له غير معقول ولا يبعد ان يكون مراده (قده) من الحكم الشأني هو الانشائي حتى يرجع التعبيران إلى مفاد واحد وعليه (فنقول) ان الاحكام المجعولة في الشريعة على ما حققناه في بحث الواجب المشروط ليست الا احكاما فعلية حقيقية على موضوعاتها المقدر وجوداتها فهي قبل وجود موضوعاتها يستحيل أن تكون فعلية كما انها بعد وجود موضوعاتها يستحيل ان لا تكون كذلك (وبالجملة) حال الموضوعات بالاضافة إلى احكامها حال العلل بالاضافة إلى معاليلها فكما يستحيل وجود المعلول من دون وجود علته وبالعكس فكذلك يستحيل وجود الموضوع من دون فعلية حكمه وبالعكس إذ بعد فرض كون الحكم المجعول حكما لموضوع خاص فتحقق احدهما من دون وجود الآخر يرجع إلى الخلف والمناقضة وإن شئت توضيح الحال في هذا المقام فارجع إلى المبحث المذكور وعلى ذلك فلا يخلو الحال من ان موضوع الحكم الواقعي اما ان يكون مقيدا بغير من قامت عنده الامارة على الخلاف أو يكون مطلقا إليه والالتزام بالاول منهما وان كان يوجب عدم فعلية المجعول في حقه إذ المفروض تقييد موضوعه بقيد مفقود عند قيام الامارة على الخلاف إلا ان لازم ذلك هو القول بالتصويب واختصاص الاحكام الواقعية بغيره والالتزام بالثاني يقتضي الالتزام بفعلية الحكم الواقعي ايضا لما عرفت من ان فعلية الحكم يستحيل أن يتخلف عن فعلية موضوعه بتمام قيوده فالالتزام بعدم تقيد الاحكام الواقعية بغير من قام عنده الامارة على الخلاف مع القول بعدم فعليتها عند قيام الامارة أو الاصل على الخلاف يرجع إلى الخلف والمناقضة وان لا يكون ما فرضناه موضوعا تام للحكم موضوعا تاما له (وحاصل) الكلام ان فعلية الحكم لا بد وأن تكون على طبق

[ 74 ]

إنشائه ليس إلا فإن كان عدم قيام الامارة أو الاصل على الخلاف مأخوذا في الموضوع في مقام الانشاء والجعل فلا بد وان يكون له دخل في فعليتها لا محالة إلا ان لازم ذلك هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه وإلا فيستحيل عدم فعلية الحكم الواقعي مع قيام الامارة على الخلاف حتى إذا بنينا على ان الاحكام المجعولة في الشريعة من قبيل القضايا الخارجية بأن يكون القضايا المتكفلة لبيان الاحكام اخبارات عن انشائات عديدة عند وجود كل واحد واحد من الموضوعات الخارجية فإن قيام الامارة على الخلاف حينئذ اما أن تكون مانعة عن جعل الحكم في حق من قامت الامارة عنده أم لا فعلى الاول يلزم التصويب وعلى الثاني يلزم اجتماع الحكمين المتنافيين وبالجملة فعلية الحكم الواقعي لا تنفك عن تحققه فلا بد من الالتزام أما بخلو الواقع عن الحكم في حق من قام عنده الامارة على الخلاف أو بفعليته والاول مستلزم للتصويب والثاني يوجب اجتماع الحكمين المتضادين فإن أراد قدس سره من الحكم الانشائي الحكم الفعلي ومن الحكم الفعلي الحكم المنجز حتى يرجع ملخص دعواه إلى عدم المنافاة بين الحكم الفعلي الغير المنجز وبين الحكم المنجز فيرد عليه ان مرتبة التنجز ليست نفسها قابلة للجعل ولا من مراتب الحكم المجعول وإنما هي مرتبة وصول الحكم المجعول وتنجزه إنما هو من احكام العقل فالحكم المجعول هو الذي بوصوله يكون منجزا على المكلف أي مما يستحق العقاب على مخالفته والتنافي إنما هو بين نفس الحكمين الفعليين بحسب جعل الشارع سواء كان كلاهما واصلين إلى المكلف أو كان الواصل احدهما فقط أو لم يصل شئ منهما أصلا فتحصل مما ذكرناه أن مقتضى مذهب العدلية هو كون الاحكام الواقعية فعلية في حق الجاهلين بها كالعالمين لعدم تقيد موضوعاتها بالعلم ولا بالجهل ومعه فالالتزام بحكم فعلي آخر في مورد الامارة أو الاصل على خلافه مستلزم لاجتماع الحكمين المتضادين فالتحقيق في الجواب ان يقال ان موارد الاحكام الظاهرية التي توهم مناقضتها مع الاحكام الواقعية على اقسام ثلاثة * (القسم الاول) * موارد الامارات والطرق المؤدية إلى مخالفة الاحكام الواقعية التي في مواردها * (القسم الثاني) * موارد الاصول التنزيلية كالاستصحاب ونحوه التي يكون مقتضاها منافيا للحكم الواقعي كما إذا فرضنا كون الحكم الواقعي في مورد استحصاب الحلية الوجوب أو الحرمة * (القسم الثالث) * موارد مخالفة الاصول الغير التنزيلية كالبراءة الشرعية ونحوها للواقع والتخلص عن الاشكال في كل واحد من الاقسام يتوقف على معرفة المجعول الشرعي فيه حتى يظهر عدم مضادته للحكم

[ 75 ]

الواقعي الثابت في مورده (فنقول) ان مقتضى التحقيق ان المجعول في باب الامارات والطرق كما أشرنا إليه في بعض مباحث القطع انما هو المرتبة الثانية من العلم الطريقي وهي المحرزية والوسطية في الاثبات دون الاحكام التكليفية البعثية أو الزجرية على ما سيجئ في بحث الاستصحاب من كون الاحكام الوضعية في غير الجزئية والشرطية والسببية والمانعية مما تنالها بأنفسها يد الجعل تشريعا وليست هي منتزعة من الاحكام التكليفية وسيتضح هناك ان شاء الله تعالى ان بعض الاحكام الوضعية وإن أمكن لنا تصوير ما يكون منشأ لانشراعه إلا ان بعضها الآخر مما لا يمكن فيه تصوير ذلك أبدا فإذا كان الحكم الوضعي بنفسه قابلا للجعل كالحكم التكليفي ولم يكن هناك مقتض لتخصيص المجعول الشرعي بخصوص الحكم التكليفي فلا مانع من كون المجعول باب الطرق والامارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات إذ هي نظير الملكية والزوجية والرقية وغيرها في كونها قابلا للاعتبار ممن بيده الاعتبار فكما ان اعتبار الملكية من الشارع اعتبار صحيح يترتب عليه آثار كثيرة فكذلك اعتبار المحرزية للطريق فيترتب عليه ما يترتب على الاحراز الوجداني من كونه منجزا للواقع ومن كونه قائما قامه فيما إذا أخذ جزأ للموضوع على جهة الطريقية على ما فصلنا الكلام في ذلك سابقا ومما يدل على ان المجعول في باب الطرق محض صفة المحرزية ليس إلا انه ليس في الشريعة طريق مجعول ابتدائي ابدا وإنما الطرق الشرعية هي التي يعتمد عليها العقلاء في أمور معاشهم ومعادهم لما يرونها طرقا متقنة نظير العلم الوجداني ولا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع بل يفرضون هذا الاحتمال كالعدم حتى فيما إذا كان في احتمال مخالفة الطريق خطر مالي أو عرضي أو نفسي فاحتمال ان عملهم بها لعله من جهة حصول العلم لهم منها كاحتمال ان عملهم بها من باب الرجاء واحتمال ادراك الواقع مخالف للوجدان وإذا كانت الطرق المجعولة طرقا عقلائية ولم يكن للشارع بالاضافة إليها تصرف إلا امضائها فلا بد وان يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية ضرورة ان جعل الاحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية بل شأنهم إنما هو الغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالعدم والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية فلو سلمنا ان لاحتمال كون الحجية منتزعة من الحكم التكليفي مجالا واسعا على تقدير كون الطرق مجعولات شرعية ابتدائية لكنه ليس له مجال على تقدير كونها مجعولات امضائية كما هو الواقع وعلى ذلك يكون حال الامارات حال العلم الوجداني بعينه في انه ليس في مواردها

[ 76 ]

احكام تكليفية غير الاحكام الواقعية حتى يتحقق المضادة بينهما فكما لا موجب لتوهم المضادة في صورة تخلف العلوم الوجدانية وخطئها فكذلك لا موجب لتوهمها في صورة مخالفة الامارات ولا فرق بينهما إلا في ان الامارات محرزة للواقع بحكم الشارع والعلوم الوجدانية محرزة لها تكوينا وهذا لا يكون فارقا فيما هو المهم في المقام كما هو ظاهر (وبالجملة) الاشكال إنما يتوجه على من ذهب إلى عدم استقلال الحجية بالمجعولية وإنما هي تنتزع في الحكم التكليفي وبعد البناء على كونها بنفسها قابلة للجعل من دون أن يكون في موردها حكم تكليفي غير الاحكام الواقعية يندفع الاشكال ويكون انتفاء التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري من باب السالبة بانتفاء الموضوع ومما ذكرناه من ان المجعول في باب الامارات إنما هي نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات وحالها حال العلم في انها على تقدير المصادفة توجب تنجز الحكم الواقعي وصحة العقاب على مخالفته لكونه من الاحكام العقلية لوصول الحكم الفعلي وعلى تقدير المخالفة تكون معذرة للعبد في مخالفته للتكليف الواقعي يظهر لك فساد ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من كون المجعول نفس المنجزية والمعذرية من دون اعتبار صفة أخرى في البين فإن المنجزية والمعذرية من الاحكام العقلية الصرفة المترتبة على وصول الحكم وعدمه فمن دون اعتبار صفة المحرزية والوسطية في الاثبات كيف يمكن ترتبها على وجود الامارة ومع اعتبارها يكون ترتبها قهريا غير قابل للجعل الشرعي (تتميم) لا يخفى ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) وإن ذهب إلى كون الاحكام الوضعية مطلقا منتزعة من الاحكام التكليفية إلا انه قد أشرنا سابقا إلى ان بعض الاحكام الوضعية وإن كان يمكن القول بانتزاعيته تصورا نظرا إلى وجود حكم تكليفي في مورده غير قابل الانفكاك عنه كما في اللزوم الملازم لوجوب الوفاء بالعقد فيمكن القول بكونه منتزعا من وجوب الوفاء بالعقد الشامل لما بعد الفسخ ايضا كما أفاده قدس سره في بحث الخيارات إلا ان بعضها الآخر مما لا يتطرق فيه هذا الاحتمال رأسا ومن هذا القبيل الحجية فان أي حكم تكليفي فرض في مورد الحجة الشرعية فلا محالة يكون ساقطا بالعصيان ولا يكون له اطلاق بالاضافة إليه ولازم ذلك أن يكون الحجية المنتزعة منه مرتفعة بسقوطه ضرورة ان كل أمر انتزاعي يدور مدار منشأ انتزاعه ومن الضروري ان الحجية لا تدور مدار اطاعة العبد ولا تسقط بعصيانه فالمكلف عمل بمقتضى الامارة أو لم يعمل بنى على كون مؤدى الامارة هو الواقع أو لم يبن تكون الامارة حجة في حقه فيستكشف من ذلك انها مجعولة

[ 77 ]

بالاستقلال وغير منتزعة من حكم تكليفي أصلا وأحسن ما قيل في بيان ما يمكن أن يكون منشأ لانتزاعها هو ما أفاده (قده) في بحث الانسداد في مقام الرد على المحقق صاحب الحاشية القائل باختصاص حجية الظن الثابتة بدليل الانسداد بخصوص الظن بالطريق حيث قال وفيه ان تفريغ الذمة عما اشتغلت به اما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الاوامر الواقعية واما بفعل ما حكم حكما جعليا بأنه نفس المراد وهو مضمون الطرق المجعولة فتفريغ الذمة بهذا على مذهب المخطئة من حيث انه نفس المراد الواقعي بجعل الشارع لا من حيث انه شئ مستقل في مقابل المراد الواقعي فضلا عن ان يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم واليقين والحاصل ان مضمون الاوامر الواقعية المتعلقة بأفعال المكلفين مراد واقعي حقيقي ومضمون الاوامر الظاهرية المتعلقة بالعمل بالطرق المقررة ذلك المراد الواقعي لكن على سبيل الجعل لا الحقيقة انتهى محل الحاجة من كلامه قدس سره وحاصل ما يستفاد من كلامه زيد في علو مقامه هو ان الحجية إنما تنتزع من حكم الشارع بكون مؤدي الطريق هو الواقع والمجعول بالاستقلال هو حكمه بالهوهوية والحجية متنزعة عنه وعليه فليس هناك حكم آخر في قبال الواقع يكون مضادا له في صورة المخالفة ولكن ما افاده قدس سره خال من التحصيل ايضا فإن الواجب الواقعي إذا كان هو صلاة الجمعة مثلا وقامت الامارة على وجوب صلاة الظهر فحكم الشارع بكون الظهر هو الواجب الواقعي اما ان يكون اخبارا محضا وهو غير معقول واما أن يكون انشاء وعليه فاما أن يكون حكمه بذلك لاجل تنزيله صلاة الظهر منزلة صلاة الجمعة واثبات الوجوب الواقعي لها فهو عين القول بالتصويب وانقلاب الواقع عما هو عليه بقيام الامارة على خلافه أو لاجل حكمه بوجوب الجري العملي على طبق الامارة فينتفي الفرق حينئذ بين الاصول والامارات لاشتراك الاصول معها في هذا الحكم لا محالة (وبالجملة) ان الحكم بكون صلاة الظهر هو الواجب الواقعي لا بد وان يكون بلحاظ أثر فإن كان ذلك الاثر ثبوت الوجوب الواقعي لها فهو مسلتزم للقول بالتصويب المعتزلي وان كان لزوم الجري على طبقها عملا في ظرف الجهل بالواقع فلا يبقى فرق بين الامارة والاصل حتى يحكم بحكومة الاولى على الثاني بل يكونان حينئذ في عرض واحد من دون حكومة في البين وحاصل الكلام أنا لا نتعقل حكما تكليفيا قابلا لانتزاع صفة الحجية منه أو لا وعلى تقدير تعقله فهو بعيد عن الاذهان العرفية فلا يمكن كونها منتزعة منه وعلى فرض عدم بعده عنها لا داعي إلى الالتزام بذلك بعد كون الطرق

[ 78 ]

بنفسها كاشفة عن الواقع كشفا غير تام وقابلة لان تنالها يد الجعل بتتميم جهة كشفها وجعلها محرزة للواقع وواسطة لاثبات متعلقاتها كما كان هذا المعنى في العلم الوجداني تكوينا والالتزام بانحصار المجعول في خصوص الاحكام التكليفية لا ملزم له أصلا وسيجئ لذلك زيادة توضيح في محله إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الامارات والطرق ومنه يظهر الحال في الاصول التنزيلية ايضا فانا قد ذكرنا في بعض مباحث القطع ان المرتبة الرابعة من القطع الطريقي التي هي مرتبة الاحراز لها جهتان (احديهما) انكشاف الواقع (وثانيهما) الجري العملي على طبق المنكشف والمجعول في باب الامارات هي الجهة الاولى من تلك المرتبة والمجعول في باب الاصول الجهة الثانية منها فالاصول المحرزة تشترك مع الامارات في ان المجعول في مواردها ليست هي الاحكام التكليفية البعثية والزجرية حتى يتوهم لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين وانما المجعول هي الوسطية في الاثبات من حيث انكشاف الواقع في الامارات ومن حيث الجري العملي في الاصول التنزيلية المترتب عليه تنجز الواقع عند الاصابة والمعذرية عنه عند الخطأ فالاصول التنزيلية وسط بين الامارات والاصول الغير التنزيلية فمن حيث اشتراكها مع الامارات في ان المجعول فيها هي الوسطية في الاثبات على ما عرفت تقوم مقام العلم الطريقي والمأخوذ في الموضوع على الوجه الطريقية ومن حيث اشتراكها مع الاصول الغير التنزيلية في أخذ الشك في موضوعها لا يكون مثبتاتها حجة على ما سيجئ توضيحه في محله إن شاء الله تعالى (والحاصل) انه لا فرق بين الاصول التنزيلية والامارات إلا في ان الشك أخذ موضوعا للاولى دون الثانية وإلا فمن حيث كون المجعول فيها هي المرتبة الرابعة من العلم الطريقي وهي مرتبة الاحراز فهما على حد سواء نعم بين الامارات والاصول فرق آخر من حيث عدم تعقل كون الحجية في الامارات منتزعة من الحكم التكليفي في مواردها كما عرفت وامكان تعقل ذلك في الاصول بأن يقال بانتزاعية الحجية عن حكم الشارع بجعل مورد الاصل هو الواقع من حيث الجري العملي لكن الصحيح كما عرفت ان المجعول فيها ايضا هي الوسطية في الاثبات وكون الاصل محرزا للواقع من حيث الجري العملي بل يمكن أن يقال باستحالة كون الحجية فيها منتزعة من الحكم التكليفي ايضا فانا إذا فرضنا مخالفة مؤدى الاصل للواقع فحكم الشارع بجعل مؤداه هو الواقع ليس له معنى معقول إلا اعطاء الحكم الواقعي للمؤدى وهذا يرجع إلى التصويب المعتزلي المجمع على بطلانه فإذا كان مؤدى الاصل وجوب صلاة الجمعة

[ 79 ]

وكان الواجب الواقعي صلاة الظهر فهل هناك معنى معقول لحكم الشارع بجعل صلاة الجمعة هو الواجب الواقعي إلا اعطاء الوجوب الواقعي له المستلزم للتصويب الباطل فما هو الموجب لاستحالة كون الحجية في الامارات منتزعة عن الحكم التكليفي يكون موجبا لاستحالته في الاصول التنزيلية ايضا فتحصل مما ذكرناه ان حال الاصول التنزيلية حال العلم الوجداني بعينه في انه مع المصادفة يكون مؤداه نفس الواقع ومع الخطأ لا يكون حكم شرعي أصلا إلا تخيلا واعتقادا (وأما الاصول) الغير التنزيلية فحيث انها ليست ناظرة إلى الواقع أصلا فلا يمكن أن يكون المجعول فيها الوسطية في الاثبات ونفس صفة الطريقية بل لا بد من الالتزام بكونه فيها هي الاحكام التكليفية تحريمية كانت كما في موارد النفوس والاعراض بل الاموال في الجملة أو لا كما في موارد اصالة الاباحة في الشبهات البدوية وعليه فلتوهم لزوم اجتماع الضدين عند مخالفة الاصل للواقع مجال واسع فلا بد في دفعه من بيان ان الاحكام التكليفية في مواردها متأخرة رتبة عن التكاليف الواقعية وليس بينهما منافات أصلا فنقول ان التضاد بين الحكمين إنما يعقل إذا كانا متحدين في الرتبة حتى يلزم من فرض وجود احدهما عدم الآخر ومن فرضهما معا اجتماع النقيضين وأما إذا فرض ان جعل احد الحكمين متفرع على جعل الآخر وعند فرض وجوده فيستحيل التضاد بينهما ضرورة عدم استلزام وجود احدهما حينئذ عدم الآخر وانتفائه وهذا هو مراد سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره من عدم كون الحكم الظاهري منافيا للحكم الواقعي لترتبه عليه لا ما يتوهم من ان موضوع الحكم الظاهري وهو الشك متأخر عن الحكم الواقعي فيكون الحكم الظاهري متأخرا من الواقعي بمرتبتين وبهذا يرتفع المنافاة بين الحكمين كما يرتفع التنافي بين الطلبين المتعلقين بالمتضادين بأخذ عصيان احدهما في موضوع الاخر الموجب لتأخرهما في الرتبة فإن فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان إذ تجويز الترتب لم يكن مبتنيا على ذلك بل على ان طلب الاهم يستحيل ان يكون متعرضا لحال عصيانه لا بالاطلاق اللحاظي ولا بالاطلاق الذاتي وإنما كان انحفاظه فيها باعتبار هدم ذلك الخطاب لتقدير العصيان من دون تعرضه لشئ على هذا التقدير وطلب المهم ليس فيه اقتضاء عصيان الاهم حتى يتنافيا وإنما هو يقتضي شيئا آخر على هذا التقدير فما يقتضيه كل من الخطابين يكون الآخر أجنبيا عنه بالكلية وأين ذلك من مثل المقام فإن المفروض فيه هو اطلاق الحكم الواقعي لحال الشك فيه نتيجة الاطلاق والمفروض وجود الحكم الظاهري في حال الشك فيلزم اجتماع الحكمين

[ 80 ]

المتنافيين والحاصل ان مرادنا من الترتب في المقام هو ترتب نفس الحكم الظاهري على الواقعي الرافع للتنافي بين الحكمين ولتوضيح ذلك نقدم مقدمات (الاولى) ان الاحكام الواقعية وان كانت عامة لحال الشك فيها من باب نتيجة الاطلاق إلا انها تكون كذلك بما ان الشك صفة من الصفات وحالة من حالات المكلف وهو من هذه الجهة لم يؤخذ في موضوع أصل من الاصول وإنما أخذ فيها بما انه موجب لتحير المكلف من حيث العمل وهذا واضح جدا (الثانيه) ان كل تكليف كان قاصرا عن القيام بالملاك الموجب لجعله لابد فيه من جعل المتمم وهذا على اقسام إذ قد يكون التكليف المجعول متمما في عرض التكليف الاول وهذا كوجوب قصد القربة على ما عرفت تفصيل الحال فيه في محله وأخرى يكون النتيجة المترتبة على جعل المتمم متحدة مع الوجوب المقدمي وهذا كإيجاب المقدمات المفوتة قبل وقت الواجب كما في وجوب الغسل قبل الفجر لمن يجب عليه صوم الغد (وثالثة) يكون نتيجته الوجوب الطريقي الموجب لتنجز التكليف الواقعي عند الاصابة وهذا كإيجاب الاحتياط الموجب لتنجز الواقع في ظرف الشك (ورابعة) يكون ثمرته وجوب الفحص كما في موارد الشك في القدرة والجامع بين الجميع هو قصور الجعل الاول عن القيام بالملاك والاحتياج إلى جعل آخر (الثالثة) ان حكم العقل والشرع بالبراءة والاحتياط ليس على نحو واحد إذ العقل ليس من شأنه إلا إدراك حسن العقاب المترتب عليه وجوب الاحتياط أو قبحه المترتب عليه الترخيص . إلا فليس من شأنه الترخيص أو التحريم وهذا بخلاف الشارع فإنه الحاكم بالترخيص أو التحريم ابتداء إذ الحكم إنما هو من شأنه ويترتب على حكمه بالاباحة والحرمة قبح العقاب وحسنه (والحاصل) ان قبح العقاب والترخيص أو حسن العقاب والحرمة أو إيجاب الاحتياط وإن كانا متلازمين إلا انهما يختلفان بالاصالة والتبعية بحسب حكم العقل والشرع (إذا عرفت) ذلك فنقول لا ريب في مضادة الاحكام الواقعية بعضها مع بعض وفي مضادة إيجاب الاحتياط مع رفع المجهول شرعا وفي مضادة الاباحة الظاهرية مع الحرمة كذلك وفي مضادة حكم العقل بقبح العقاب مع حكمه بصحة العقاب وحسنه وأما إيجاب الاحتياط مع الاباحة الظاهرية أو رفع المجهول شرعا مع الحرمة الظاهرية فتضادهما باعتبار استلزام إصالة الاباحة لرفع المجهول أو استلزام الحرمة الظاهرية لعدم رفعه فالتضاد بينهما بالعرض لا بالذات كما لا ريب في عدم مضادة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مع الحرمة الواقعية أو حكمه بحسن العقاب مع الاباحة الواقعية إنما الاشكال

[ 81 ]

في مضادة اصالة الاباحة أو الحكم برفع المجهول مع الحرمة الواقعية أو إيجاب الاحتياط مع الاباحة الواقعية والحق عدم المضادة بينهما إذ الاحكام الواقعية الشاملة لصورة الشك فيها من باب نتيجة الاطلاق حيث انها بنفسها لا تكون قابلة للمحركية والباعثية في حال الشك إذ المحركية والباعثية تتوقفان على وصول الحكم بنحو من انحاء الوصول ومع عدمه يكون المكلف في حيرة وضلال (فتارة) تكون ملاكاتها من الاهمية بمرتبة تقتضي جعلا آخر في ظرف الشك يوجب كون الحكم الواقعي واصلا بطريقه ومتنجزا ولو مع الجهل به كما في موارد إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة (وأخرى) لا تكون تلك الملاكات مقتضية إلا لجعل نفس الاحكام الواقعية من دون أن تستتبع لجعل آخر في ظرف الجهل أما في القسم الاول فلا ريب ان حكم الشارع بوجوب الاحتياط أو إصالة الحرمة كما في موارد الفروج والدماء والاموال في الجملة الراجعة إلى إيجاب الاحتياط بالدقة إذا الحكم بها ايضا ينشأ من الاهتمام بالاحكام الواقعية في مواردها يوجب تنجز الواقع في ظرف الاصابة وصحة العقوبة على مخالفته إذ الحكم الواقعي وإن لم يكن واصلا بنفسه بعلم أو امارة أو أصل محرز إلا انه واصل بطريقه وهو إيجاب الاحتياط فيتم موضوع صحة العقاب وهي مخالفة الحكم الواصل وفي موارد عدم الاصابة يكون حكما صوريا لا يترتب على مخالفته شئ إلا على القول باستحقاق العقاب على التجري (وبالجملة) مرتبة اصالة الحرمة أو إيجاب الاحتياط هي مرتبة تنجز الاحكام الواقعية وهي مترتبة ومتفرعة على مرتبة جعل نفس الاحكام فيستحيل أن يكون الحكم المجعول في هذه المرتبة مضادا للحكم الواقعي المترتب عليه هذا الجعل (وأما) في القسم الثاني فللشارع أن لا يجعل حكما في هذه المرتبة أصلا بل يوكل المكلف إلى استقلال عقله بقبح العقاب بلا بيان المستلزم للترخيص العملي وله أن يحكم بالاباحة الظاهرية أو رفع المجهول سواء كان المورد بحيث لو لم يحكم الشارع بذلك لحكم العقل بقبح العقاب أو كان بحيث لو لم يكن حكم من الشارع لحكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني كما في موارد الشك بين الاقل والاكثر الارتباطيين على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله فكما ان حكم العقل بقبح العقاب لا يكون مضادا مع الحرمة الواقعية فكذلك حكم الشارع بالاباحة لا يكون مضادا له إذ مرتبة هذا الحكم مرتبة المعذر عن الحكم الواقعي وهي مرتبة على رتبة أصل الجعل الواقعي فكيف يعقل مضادتهما والحاصل ان مرتبة جعل الاحكام في موارد الاصول الغير التنزيلية لكونها في مرتبة التنجز أو المعذرية

[ 82 ]

المتفرعة على جعل الاحكام الواقعية تأبى عن تحقق التضاد بينهما ولسنا ندعي ان المجعول في تلك الموارد انما هو نفس صفة المنجزية والمعذرية حتى يقال ان التنجز والمعذرية المساوقين لصحة العقاب وعدمها من الامور الغير القابلة لتعلق الجعل الشرعي به بل نقول ان المجعول الشرعي إنما هو إصالة الاباحة أو إيجاب الاحتياط الواقعين في مرتبة التنجز والمعذرية من حيث تفرعهما على أصل جعل الاحكام الواقعية وقد ذكرنا سابقا ان حكم العقل بصحة العقاب المترتب عليه المنع العملي المرادف لايجاب الاحتياط أو بقبح العقاب المترتب عليه الترخيص العملي مع حكم الشارع بإيجاب الاحتياط أو الترخيص متعاكسان فإن الحكم بالاباحة أو الاحتياط إنما هو من شؤون الشارع ليس إلا وصحة العقاب أو قبحه يترتبان عليهما وهذا بخلاف حكم العقل فإنه ليس إلا بمعنى الادراك المتعلق بحسن العقاب أو قبحه والمنع أو الترخيص العمليان يترتبان عليه فتحصل مما ذكرناه ان حكم الشارع بالاباحة الظاهرية إنما تنافي حكمه بالحرمة كذلك المساوقة لايجاب الاحتياط وأما الاباحة الظاهرية مع الحرمة الواقعية أو إيجاب الاحتياط مع الحلية الواقعية فلا منافاة بينهما أصلا (فإن قلت) ان ما ذكرت من عدم تضاد الاحكام الواقعية مع الظاهرية في الاصول الغير التنزيلية لتعدد مرتبتهما إنما ينفع في خصوص الاحكام التكليفية واما في مثل الاحكام الوضعية كالطهارة والنجاسة فلا محالة يتحقق المنافات بينهما مثلا إذا حكم الشارع بالطهارة ظاهرا مع كون الشئ محكوما بالنجاسة واقعا أو بالعكس كما إذا قلنا بإصالة النجاسة في الدماء وفرضنا طهارة المشكوك واقعا فلا محالة يكون الحكمان متنافيين (قلت) ان ذلك انما يرد على مذهب من يرى كون النجاسة والطهارة من الامور الواقعية التي كشف الشارع عنها كما يظهر ذلك من بعض عبارات العلامة الانصاري قدس سره وأما بناء على ما اخترناه من كونهما من الاحكام المجعولة وان مجرد كون النظافة والقذارة العرفية من الامور الواقعية لا يقتضي كون الطهارة والنجاسة ايضا من هذا القبيل بل هما قابلان لتعلق الجعل الشرعي بهما كالاحكام التكليفية فحالها حال الاحكام التكليفية بعينها مثلا النجاسة الواقعية وان كانت فعلية بوجود موضوعها الا انها ما لم تحرز في الخارج لا تكون متنجزة باعتبار آثارها التكليفية فللشارع أن يجعل المنجز أو المعذر في هذه المرتبة فلا مضادة بين الحكمين لتعدد مرتبتهما ومنه يظهر حال الحكم بالنجاسة مع الطهارة الواقعية هذا تمام الكلام في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية ولا بأس بتنقيح أمرين يتضح بهما ارتفاع اشكال التضاد والتناقض من أصله (الاول) انه

[ 83 ]

وقع الكلام في ان استحقاق العقاب عند مخالفة إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة هل هو مترتب على مخالفة هذا الخطاب الطريقي أو على مخالفة نفس التكليف الواقعي (الثاني) انه مع فرض كون استحقاق العقاب على مخالفة نفس الخطاب الطريقي فهل هو يترتب على مخالفته مطلقا أو عند مصادفة الواقع فقط أما الامر الاول فالحق فيه ان استحقاق العقاب إنما يترتب على مخالفة الحكم الطريقي دون الحكم الواقعي وذلك لان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان غير قابل للتخصيص بمورد دون آخر فمع الجهل بالحكم الواقعي وعدم وصوله إلى المكلف لا وجدانا ولا بحكم الشارع كما في موارد الامارات والاصول التنزيلية فلا محالة يحكم العقل بقبح العقاب على مخالفته ومن الواضح ان الحكم الواقعي في موارد إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة لا يكون واصلا ومحرزا عند المكلف بل هو بعد على مجهوليته فكيف يصح العقاب على مخالفته نعم نفس إيجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة يكون محرزا عنده فيصح العقاب على مخالفته (فإن قلت) إذا كان ايجاب الاحتياط مثلا ناشئا عن ملاك الحكم الواقعي ومتمما لجعله فلا محالة يكون وصوله وصولا للحكم الواقعي ولا يفرق في نظر العقل بين وصول الشئ بنفسه أو بطريقه (قلت) ايجاب الاحتياط وان كان ناشئا عن الملاك الواقعي ومتمما للجعل الاول إلا ان صحة العقاب كما عرفت مرارا تدور مدار مخالفة التكليف الواصل ومع الشك في وجود التكليف الواقعي ولو علم بوجوب الاحتياط كيف يعقل وصول الحكم الواقعي بل الواصل انما هو نفس الطريق ليس إلا وهذا معنى قولنا الحكم الواقعي واصل بطريقه واتصاف الواقع بالوصول من باب وصف الشئ بحال متعلقه وإلا فالحكم الواقعي الموجود في مورد ايجاب الاحتياط غير متصف بالوصول أصلا وبالجملة ايجاب الاحتياط ليس كالامارات أو الاصول المحرزة حتى يكون الحكم الواقعي الموجود في مورده واصلا بنفسه من جهة اعطاء الشارع صفة المحرزية للامارة أو الاصل بل هو باق على مجهوليته من دون فرق بين حال قبل إيجاب الاحتياط وبين حال بعده وانما الواصل هو نفس هذا الحكم الطريقي ليس إلا فلا بد وان يكون العقاب على مخالفته (وأما الامر الثاني) فهو انه وقع النزاع بعد البناء على ترتب استحقاق العقاب على مخالفة الطريق الواصل دون الواقع في ترتبه عليها مطلقا أو في خصوص ما إذا كان الطريق مصادفا للواقع واما في صورة عدم المصادفة فاستحقاق العقاب على المخالفة يتوقف على استحقاق المتجري للعقاب فإن قلنا به فيوجب مخالفة الطريق استحقاق العقاب

[ 84 ]

مطلقا اما على المعصية أو على التجري وإلا ففي صورة الاصابة خاصة الحق هو الثاني وان استحقاق العقاب إنما هو على مخالفة الطريق الواصل لا مطلقا وتوضيح ذلك انما يتوقف على رسم مقدمة أشرنا إليها فيما تقدم وهي ان كل تكليف لا يكون وافيا بنفسه للملاك والغرض الداعي إلى تشريعه فلا بد معه من جعل المتمم إلا أن النتيجة المترتبة على جعله على اقسام (الاول) أن يكون النتيجة المترتبة عليه تقييد المأمور به بقيد من جزء أو شرط فيكون جعل المتمم في عرض التكليف الواقعي ويتحد معه في الحقيقة وهذا كما في قصد القربة فإن الغرض المترتب على فعل العبادة بقصد القربة لما لم يمكن استيفائه بأمر واحد فلا بد هناك من جعلين احدهما يتعلق بذات العبادة والآخر بإتيانها بقصد القربة فيكون نتيجة الامرين ومفادهما تقيد المأمور به بقصد القربة جزءا أو شرطا فيكون عصيان احدهما متحدا مع عصيان الآخر (الثاني) أن يكون النتيجة المترتبة عليه هو إيجاب المقدمات التي لا يمكن أن تتصف بالوجوب المقدمي من قبل وجوب ذيها وهذا كما في المقدمات المفوته كالاغتسال قبل الفجر فيما وجب صوم الغد فانا قد ذكرنا في محله ان التكليف بالصوم حيث انه قاصر عن ايجاب مقدمته قبل الوقت ولا يمكن للمولى استيفاء عرضه بأمر واحد فلا بد له من جعلين احديهما يتعلق بالمقدمة والآخر بذيها فيكون نتيجة جعل المتمم هو ايجاب المقدمة فلا يترتب على مخالفته عقاب سوى ما يترتب على مخالفة ذي المقدمة بترك مقدمته (الثالث) أن يكون النتيجة المترتبة عليه هو جعل الطريق وايصال الواقع بطريقه فيما لا يمكن محركية الحكم الواقعي وباعثيته للمكلف في الخارج وهذا يكون في عدة موارد (منها) ايجاب الفحص في الشبهات الحكمية وبعض الشبهات الموضوعية (ومنها) ايجاب الفحص عن القدرة فيما إذا شك فيها (ومنها) ايجاب التعلم قبل وقت الواجب المشروط به (ومنها) ايجاب الاحتياط واصالة الحرمة في الاعراض والدماء والاموال في الجملة والجامع في هذا القسم من متمم الجعل هو كون المتمم خطابا طريقيا لرعاية الحكم الواقعي المشكوك من جهة عدم امكان استيفاء نفسه بما هو الغرض منه فالملاك في جعل المتمم في هذا القسم ليس هو الملاك لجعل الحكم الواقعي بل احدهما في طول الآخر فان الملاك قبل الحكم الواقعي انما هو نفس المصلحة أو المفسدة الموجودتين في متعلقه وهذا بخلاف ملاك جعل المتمم فانه ليس إلا رعاية التكليف الواقعي وايصاله إلى المكلف بطريقه من جهة اهتمام الشارع بعدم تحقق مخالفته حتى حال الشك فيه وعدم قابليته للمحركية ولاجل

[ 85 ]

ذلك قد بنينا على ان الحكم الطريقي انما هو في طول الواقعي وليس في مرتبته حتى يلزم اجتماع الضدين في صورة عدم المصادفة (وأما) ملاك جعل المتمم في القسمين الاولين فهو عين الملاك الباعث للجعل الاولي كما هو ظاهر (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان الغرض من ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة هو حفظ الاحكام الواقعية الموجودة في مواردهما وايصالها إلى المكلف بطريقها من باب تتميم الجعل فلا محالة لا يكون مثل هذين الحكمين حكما حقيقة الا في صورة الاصابة مع الواقع واما في فرض المخالفة فليس هناك الا صورة يتخيل كونها حكما (فان قلت) قد مر فيما سبق ان اخصية ملاك الجعل لا توجب اختصاص الحكم المجعول على موارد وجود الملاك فيها بل يعم الحكم لصورتي وجود الملاك وعدمه لما مر مرارا من ان المعصية والطاعة انما تدوران مدار التكليف لا الملاك فوجود الملاك وعدمه أجنبيان عن تحقق المعصية أو الطاعة وهذا كما في باب العدة فان ملاك تشريعها وان كان حفظا الانساب وعدم اختلاط المياه الا انه لعدم تميز الافراد التي يتحقق فيها هذا الملاك عن الافراد الاخر الفاقدة له خارجا جعل حكم العدة على نحو العموم لاهتمام الشارع بهذا الملاك حتى لا يفوت في شئ من الموارد وعلى ذلك يترتب ان الغرض من ايجاب الاحتياط وان كان هو حفظ الواقعيات الموجودة في موارده وهو أخص من المجعول ضرورة انه لا يتحقق الا في صورة المصادفة الا ان ذلك لا يوجب اختصاص الحكم المجعول بموارد وجود الملاك فكما انه يكون حكما حقيقة في صورة المصادفة فكذلك في فرض المخالفة (قلت) إذا كان الغرض أخص من الحكم المجعول فإن كان الغرض من قبيل الملاكات أعني المصالح والمفاسد كما في باب العدة فلا محالة لا يوجب أخصية الغرض قصر المجعول بموارد وجود الملاك مع عدم تميزه خارجا ضرورة ان الملاك الاخص حينئذ يكون موجبا لجعل الحكم بنحو العموم حفظا للغرض الواقعي المتحقق في بعض الموارد واما إذا كان الغرض منه هو حفظ التكاليف الواقعية ورعايتهما تتميما للجعل وايصالا لها بطريقها حتى يكون التكليف الواقعي متحدا مع التكليف الطريقي في مقام الباعثية والمحركية فلا محالة ينحصر الحكم المجعول بموارد الاصابة دون الخطأ بداهة انه مع عدم التكليف الواقعي كيف يعقل جعل المتمم وإيصال الواقع ففرض المتممية والايصال يتوقف على وجود الواقع وهو لا يكون الا مع الاصابة ويترتب على ذلك أمران (الاول) عدم استحقاق العقاب على مخالفة الطريق الا في فرض المصادفة وهو الذي أردنا اثباته في المقام

[ 86 ]

(الثاني) عدم ثبوت حكم حقيقي في فرض عدم المصادفة حتى يتوهم مناقضته للحكم الواقعي المفروض عدم اصابته له فيكون حال ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة حال الاصول المحرزة في عدم تحقق علم شرعي مجعول في فرض عدم الاصابة واما اصالة الاباحة أو البراءة الشرعية فهما وإن لم يكن حالهما حال إيجاب الاحتياط في تتميم الجعل وإيصال الواقع بالطريق الا انه قد عرفت ان مرتبتهما من الحكم الواقعي مرتبة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فإن مرجع اصالة الاباحة إلى عدم جعل المنجز للحكم الواقعي في مرتبة الشك على تقدير وجوده الواقعي الغير القابل للمحركية وجعل ما يكون معذرا على هذا التقدير وقد عرفت ان هذه المرتبة متأخرة عن مرتبة الحكم الواقعي ويستحيل تحقق التضاد أو التناقض مع اختلاف المرتبتين (المقام الثاني) في وقوع التعبد بالامارات الغير العلمية وقبل الخوض في ذلك لا بد من تأسيس الاصل في المقام حتى يكون هو المعول في ظرف الشك (فنقول) ان الحجية وان كانت من الاحكام المجعولة كالوجوب والحرمة وأمثالهما وتشترك معها في استحالة أخذ العلم بها في موضوعها في مرحلة الانشاء والجعل الا أنها تفارقها في انها ما لم تصل إلى المكلف لما يترتب عليها أثر اصلا لما عرفت من انه ليس معنى الحجية إلا الوسطية في الاثبات أو ما في حكمها ومن المعلوم ان فعلية هذا المعنى وترتب الاثر عليه لا يكون الا في ظرف الاحراز ومقام الاثبات وإلا فصرف إنشاء الحجية لشئ مع عدم وصوله إلى العبد لا يوجب وقوعه وسطا في الاثبات وهذا بخلاف بقية الاحكام المجعولة فانها بوجوداتها الواقعية ولو لم تصل إلى المكلف ربما يترتب عليها آثار كثيرة ولاجل ذلك يكون الشك في انشاء الحجية لامارة خاصة موجبا للقطع بعدم وقوعه وسطا في الاثبات وعدم استناد مؤداه إلى الشارع ومن ذلك يظهر ان محل الكلام في المقام ليس هو العمل بالظن في العاديات التي لا مساس لها بالشارع كما ان العمل بمتعلق الظن بما انه مظنون كذلك فإنه نحو من الاحتياط ولا اشكال في حسنه لو لم يكن هناك مانع عنه بل محل الكلام هو الاتيان بمتعلق الظن بإلغاء جهة الظن واسناده إلى الله تبارك وتعالى بأن يؤتى بالفعل بما انه واجب أو يترك بما انه حرام حتى يكون الظن متمخضا في الوسطية في الاثبات ليس إلا إذا عرفت ذلك فاعلم ان المثبت لعدم جعل الحجية الواقعية إذا كانت مشكوكة لابد وان يكون أمرا ناظرا إلى الواقع وهو منحصر في الادلة الخاصة الدالة على الغاء الشارع لبعض الامارات وعدم اعطاء صفة الحجية له وفي الادلة العامة الدالة على عدم حجية الظن والامارة

[ 87 ]

الغير العلمية وفي استصحاب عدم الحجية (أما) الادلة الخاصة فلا اشكال في جواز التمسك بها لذلك في مواردهها كالادلة الدالة على عدم حجية القياس في الاحكام الشرعية (أما الادلة) العامة ففي جواز التمسك بها لاثبات عدم حجية أي امارة غير علمية شك في حجيتها اشكال وجه الاشكال ان موضوع تلك الادلة انما هو الظنون التي لم يعتبر الشارع لها صفة الحجية والوسطية في الاثبات وأما هي فخارجة عن موضوعها على نحو الحكومة على ما سيجئ بيانه في محله ان شاء الله تعالى فإذا شك في اعتبار الحجية لامارة خاصة فيكون التمسك بها لاثبات عدم حجيتها تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وهو غير جائز على ما أوضحناه سابقا وأما التمسك بالاستصحاب فإن بنينا على عدم جريانه في الاحكام الكلية المشكوك حدوثها في الشريعة فلا ريب في عدم جريانه في المقام واما إذا بنينا على جريانه فيها فلا يمكن التمسك به لاثبات عدم الحجية في مورد الشك ايضا لا لان العقل يحكم بعدم الحجية في ظرف الشك فلا يكون فائدة في اجراء الاستصحاب كما ربما ينسب ذلك إلى شيخنا العلامة الانصاري قدس سره إذ حكم العقل بذلك انما هو في مرتبة متأخرة عن الحكم الشرعي وحكم الشرع بعدم الحجية يكون رافعا لموضوع حكم العقل فكيف يمكن أن يكون الحكم العقلي مانعا عن الحكم الشرعي بل لان الحجية وان كانت من الاحكام الشرعية إلا ان مفاد الاستصحاب لكونه جريا عمليا على طبق اليقين السابق يحتاج إلى أثر عملي في مورده حتى يمكن الجري على طبقه والذي يمكن أن يكون أثرا عمليا لعدم الحجية أحد شيئين على سبيل منع الخلو (الاول) عدم استناد مؤدى الامارة إلى الشارع وبعبارة أخرى عدم كون الامارة وسطا في الاثبات (الثاني) حرمة اسناده إليه لغير التشريع الثابت حرمته بالادلة الاربعة اما جريان الاستصحاب لاثبات عدم الاستناد وعدم كون الامارة وسطا في الاثبات فهو غير ممكن فإن عدم وقوع الامارة وسطا لاثبات متعلقه في ظرف الشك يكون محرزا بالوجدان لما عرفت من ان معنى الحجية معنى يتقوم بالوصول والاحراز ومع عدم الوصول إلى المكلف يكون الوسطية في الاثبات مقطوع العدم ومعه يكون التمسك بالاستصحاب لاثبات ذلك بالتعبد تحصيلا للحاصل بل من أردء انحائه فإنه من قبيل تحصيل الحاصل الوجداني بالتعبد وهو غير معقول واما التمسك به لاثبات حرمة الاسناد إلى الشارع فهو غير ممكن ايضا فانا إذا بنينا على ان حكم العقل بقبح التشريع من قبيل الاحكام العقلية الثابتة للمقطوع والمشكوك بملاك واحد كما هو كذلك

[ 88 ]

فإن قبح التشريع إنما هو لكونه تصرفا في سلطان المولى بغير إذنه وهو مشترك بين صورتي القطع بعدم الحكم والشك فيه فلا يكون حرمة الاسناد من آثار عدم الحجية حتى يمكن جريان الاستصحاب فيها لاثباتها ولا من آثار احراز عدم الحجية حتى يبتني جريان الاستصحاب في المقام على جواز قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ جزء للموضوع بل من آثار نفس عدم احراز الحجية الموجود وجدانا وأما إذا بنينا على ان حكم العقل بقبحه من قبيل الاحكام العقلية الثابتة للواقع وللمشكوك بملاكين نظير حكم العقل بقبح التصرف في مال الغير من باب الظلم وحكمه بقبح التصرف فيما شك في كونه مال الغير رعاية لعدم الوقوع في القبيح الواقعي فلا محالة يكون المشكوك بما هو موضوعا للقبح في عرض الواقع ومعه يكون التمسك بالاستصحاب لاثبات الحرمة من قبيل تحصيل الحاصل ايضا فإن القبح الواقعي إذا كان محرزا بوجود موضوعه وهو الشك وجدانا فالتمسك بالاستصحاب لاثباته تعبدا تحصيل الحاصل بل من أردء انحائه كما عرفت والحاصل ان التمسك بالاستصحاب إنما يصح فيما إذا كان الاثر المرغوب مترتبا على الواقع حتى يثبت بالاستصحاب تعبدا وأما إذا كان مترتبا على نفس الشك أو عليه وعلى الواقع فلا يمكن جريان الاستصحاب قطعا وبما ذكرناه نمنع عن جريان استصحاب البراءة حال الصغر والجنون واستصحاب التكليف عند الاتيان ببعض اطراف العلم الاجمالي كما سنوضحه في محله ان شاء الله تعالى (فإن قلت) إذا لم يجر الاستصحاب لاثبات عدم الحجية لعدم ترتب ثمر عملي على جريانه فلا يكون الدليل الخاص مثبتا لعدم الحجية ايضا بداهة ان وجود الاثر العملي مما يحتاج إليه في حجية الامارات ايضا (قلت) الفارق بين الاصل والامارة هو ان الشك مأخوذ في موضوع الاول ومفروض الوجود في جريانه بخلاف الثاني فان موضوعه هو الموضوع للاحكام الواقعية وهو ذات المكلف مع قطع النظر عن كونه واجدا لصفة الشك نعم الشك مورد لا انه موضوع لها وايضا الجري العملي هو المجعول في الاصل وأما المجعول فيها فهو المحرزية ويتبعها الجري العملي ولذا يكون مثبتات الامارة حجة دون الاصول وعلى هذين الفرقين يتفرع ان قيام الامارة على عدم حجية امارة يعدم موضوع الشك في الحجية ويكون عدم تحقق الاستناد إلى المولى لعدم الجعل واقعا بمقتضى الامارة لا لاجل الشك فيه حتى يكون التعبد بالامارة لاثبات عدم الحجية تحصيلا للحاصل (وبالجملة) عدم تحقق الاستناد المسبب عن الشك في رتبة متأخرة عن عدم تحقق الاستناد المسبب عن عدم

[ 89 ]

الجعل والامارة يكون مثبتا لعدم الجعل ورافعا لموضوع الشك فكيف يقاس بالاستصحاب المترتب على الشك وجاريا مع فرض وجوده مع انه لا أثر له إلا الجري العملي الحاصل بنفس الشك على ما عرفت (دفع وهم) ربما يقال بأن معنى الحجية إذا كان أمرا يتقوم بالوصول كما بنينا عليه المنع عن جريان استصحاب عدم الحجية فلا بد وان يكون العلم بها مأخوذا في موضوعها ولو من باب نتيجة التقييد ولازم ذلك هو القطع بعدم الحجية عند عدم العلم بها ولقد أجبنا عن هذا الاشكال في الدورة السابقة باستلزامه للدور فإنه يرجع بالاخرة إلى توقف الحجية على العلم بها المتوقف عليها فكما لا يمكن تقييد الحجية بالعلم بها لحاظا فكذلك لا يمكن تقييدها به من باب نتيجة التقيد ايضا وملاك الاستحالة مشترك بين التقييدين ولكن التحقيق يقتضي بطلان هذا الجواب فإن المتوقف على العلم بالحجية انما هو حقيقة الحجية والوسطية في الاثبات والعلم بالحجية لا يتوقف على ذلك بل على انشائها لموضوعها ومن المعلوم ان الحجية المنشأة ليست بحقيقة الوسطية في الاثبات المترتبة على العلم فيتغاير الموقوف والموقوف عليه ونظير ذلك ما ربما يقال من ان تمامية البيع يتوقف على القبول والشراء مع ان القبول فرع تحقق البيع فيدور والجواب عنه ايضا بمثل ما ذكرناه فان المتوقف على القبول هو حقيقة البيع والقبول لا يتوقف عليها بل على البيع الانشائي الصادر عن البايع فالموقوف غير الموقوف عليه وهذا الذي ذكرناه في بطلان الجواب يصلح لدفع التوهم ايضا لان تقوم حقيقة الحجية بالوصول ملازم للقطع بعدمها عند الشك لا لتقيد موضوع الحجية الانشائية الواقعية بالعلم حتى يقطع بعدمها في ظرف الشك فيها وما ذكرناه من حجية الامارة الخاصة الدالة على عدم الحجية الواقعية مبني على عدم تقيد الحجية الواقعية بالعلم بها لا مع عدم تقيد حقيقة الحجية بالوصول فالمغالطة انما نشأت من تسرية أحكام الحجية الحقيقية بالحجية الانشائية وتخيل أن توقف الاولى بالوصول يستلزم تقيد موضوع الثانية به من باب نتيجة التقييد كما هو المتوهم (بقي هناك) أمران لا بأس بالاشارة اليهما (الاول) ان حكم العقل بقبح التشريع ليس كحكمه بحسن الطاعة وبقبح المعصية مما يقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي كي لا يمكن استتباعه للحرمة الشرعية بل هو واقع في سلسلة العلل للحكم الشرعي وفي مرتبة ادراكه للمصالح والمفاسد فلا محالة يترتب عليه الحرمة الشرعية وقد ذكرنا سابقا ان الملاك في استتباع الاحكام العقلية للاحكام الشرعية وعدمه إنما هو وقوعه في سلسلة علله أو معلولاته (الثاني) انا قد ذكرنا في بحث النهي عن العبادة ان الحرمة

[ 90 ]

التشريعية من عوارض الفعل الخارجي وما يصدر من المكلف خارجا لا من عوارض البناء القلبي من دون مساس لها بالافعال الخارجية فالفعل الصادر بعنوان التشريع أو الافتاء بهذا العنوان يقع مبغوضا وقبيحا وان لم يكن ذات الفعل كذلك واختلاف الافعال في الحسن والقبح باختلاف الدواعي لصدورها من الوضوح بمكان لا يحتاج معه إلى اقامة برهان ومزيد بيان فليس حال الدواعي حال العلم بالمبغوضية أو المحبوبية في عدم اختلاف حال الفعل الخارجي به في الحسن والقبح على ما أوضحناه في بحث التجري (إذا عرفت) ذلك فاعلم ان ما قيل باعتباره بالخصوص من الامارات الغير العلمية وان كانت كثيرة وسنتكلم في كل واحد منها مستقلا إن شاء الله تعالى إلا ان عمدة ما يهمنا اثباته من الامارات الغير العلمية هي حجية الظواهر وسند الاخبار فإن عمدة ما يتوقف عليه استنباط معظم الاحكام الشرعية هو إثبات حجية سند الاخبار والظواهر والمنع عن حجية احديهما هو الاساس لمقدمات الانسداد والمحقق القمي قدس سره حيث منع عن حجية سند الاخبار وظواهرها بنى على حجية الظن الانسدادي فالكلام فعلا يقع في حجية الظواهر بالخصوص وقبل الخوض في ذلك لا بد من تمهيد مقدمة وهي ان البحث في الظواهر تارة يكون في الصغرى وأخرى في الكبرى أما البحث عن الكبرى فلا ريب في انه بحث أصولي إذ الميزان في ذلك كما ذكرناه في أول الكتاب هو أن يكون نتيجة البحث كبرى كلية إذا انضم إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية ولا ريب ان البحث عن حجية الظواهر كذلك فإنه بعد الفراغ عن حجيتها إذا انضم إليها صغرى من صغرياتها تكون النتيجة مسألة فقهية وتوهم ان المسألة الاصولية لا بد وأن تكون باحثة عن احوال الادلة بعد الفراغ عن دليليتها والبحث عن حجية الظواهر بحث عن الدليلية فيكون من المبادي قد عرفت ما فيه في أول الكتاب فانا قد ذكرنا هناك ان الالتزام بكون موضوع علم الاصول هي ذوات الادلة فضلا عن الالتزام بكونه هي الادلة بوصف كونها كذلك بلا ملزم بل كل مسألة تكون بحيث تنتج نتيجة فقهية بضم صغريها إليها فهي من المسائل الاصولية سواء كان البحث فيها عن أحوال الادلة أو لم تكن (وأما البحث) عن الصغرى فهو على قسمين فإنه تارة يكون من جهة المفاهيم الافرادية لاجل تعيين وضع الواضع وأخرى من جهة المفاهيم التركيبية لاجل القرائن العامة كالبحث عن ظهور الامر الواقع عقيب الحظر في الوجوب وعدمه ونظائره (وأما البحث) في القسم الاول فهو من شأن اللغوي ليس إلا نعم البحث عن حجية قول

[ 91 ]

اللغوي في تعيين الاوضاع كالبحث عن الرجال لتعيين الصغرى في باب السند من المبادي لكن حيث ان البحث عن الرجال له علم مخصوص فلا يتكلم عنه في علم الاصول (وأما البحث) عن حجية قول اللغوي فلم يكن معنونا في محل آخر فيبحث عنه في علم الاصول وسيجئ الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى (وأما البحث) في القسم الثاني فما كان منه مذكورا في علم آخر كما ذكر البحث عن جملة مما يفيد الحصر في علم المعاني فهو والا فيذكر في علم الاصول لكونه من المبادي ايضا وقد أشبعنا الكلام في هذا القسم في الجزء الاول من هذا الكتاب فراجع ثم ان ظهور لفظ في معنى قد يكون باعتبار دلالته على معناه الافرادي المسماة بالدلالة التصورية (وأخرى) باعتبار الدلالة على المعنى التركيبي المسماة بالدلالة التصديقية (أما) الدلالة التصورية فلا ريب في انها تابعة للعلم بالوضع وليس لعدم القرينة في الكلام دخل فيها أصلا فالعالم بوضع لفظ خاص لمعنى مخصوص ينتقل عند سماعه إلى ذلك المعنى ولو نصب المتكلم قرينة على عدم ارادته (وأما) الدلالة التصديقية فهي بمعنيين فانها تارة بمعنى ظهورا للفظ فيما قاله المتكلم بحيث لو أراد السامع النقل بالمعنى لفعل وأخرى بمعنى ظهور الكلام فيما أراده بحيث يكون حجة قاطعة للعذر أما الدلالة التصديقية بالمعنى الاول فلا ريب في انها تتقوم بعدم ما يكون قرينة في الكلام أو يحتمل قرينيته إذ بوجود القرينة المتصلة ينقلب الظهور التصديقي إلى ما يقتضيه القرينة وبوجود ما يصلح للقرينية لا ينعقد للكلام ظهور أصلا ويكون من المجملات (وأما) القرينة المنفصلة فهي لا تكون هادمة لهذا الظهور بل يهدم المرتبة الثانية من الدلالة التصديقية وهي مرتبة الحجية والكشف عن مراد المتكلم واقعا وقد أوضحنا ذلك في بعض مباحث العموم والخصوص فراجع (إذا تمهد) ذلك فاعلم ان أصل حجية الظهور في الجملة مما هو مسلم بين الكل وعليه يدور المدنية والالتيام بين الانام وإنما وقع الاشكال في بعض جزئياته (فمنهم) من اشكل في حجية ظواهر الكتاب بخصوصها (ومنهم) من قيد حجية الظواهر بمن قصد افهامه دون غيره (ومنهم) من قيدها بوجود الظن بالوفاق أو بعدم الظن بالخلاف فينبغي عقد البحث في مقامات ثلاثة (أما المقام) الاول فالمخالف فيه الاخباريون الذين ادعوا عدم حجية ظواهر الكتاب والسند لهم في ذلك أمران (الاول) الاخبار المتواترة الواردة في المقام وقد انهاها في الوسائل إلى مأتين وخمسين حديثا (الثاني) العلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات وقرائن منفصلة في الاخبار المروية عن الائمة

[ 92 ]

المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ومن المعلوم ان مع هذا العلم الاجمالي لا يمكن العمل بالظهورات الكتابية والحق في المقام هو القول بعدم خروج ظواهر الكتاب عن قاعدة حجية الظواهر بالخصوص فإن الاخبار الواردة في المقام على كثرتها على قسمين (فطائفة) منها في مقام النهي عن التفسير بالرأي والاعتماد في تعيين المرادات من الكتاب على الاستحسانات والآراء الظنية كما كان ذلك مرسوما بين المخالفين (وطائفة) منها في مقام المنع عن العمل بالظواهر والاستقلال في الفتوى من دون مراجعة الائمة صلوات الله عليهم ومن الواضح ان كلتا الطائفتين أجنبيتان عما هو المهم في المقام من جواز العمل بالظهور الكتابي بعد مراجعة التفسير وعدم العثور على ما يكون قرينة على خلاف الظاهر في كلمات الراسخين في العلم صلوات الله عليهم اجمعين (واما) العلم الاجمالي فمقتضاه عدم العمل بتلك الظهورات قبل الفحص عما يكون صارفا لها ونحن نسلم ذلك وإنما المدعى هو جواز العمل بها بعد الفحص بالمقدار اللازم منه وقد تعرضنا لاصل وجوب الفحص ومقداره في بحث العموم والخصوص فراجع ثم على تقدير ظهور تلك الاخبار في عدم جواز العمل بالظهور الكتابي مطلقا فلا بد وان تحمل على ما ذكرناه جمعا بينها وبين الاخبار الكثيرة الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والعمل على طبقه وعرض الاخبار والشروط على الكتاب الصريحة في جواز العمل بالظهور الكتابي فيكون المنهي بعد الجمع بين الاخبار هو الاستقلال في الفتوى وعدم الرجوع إلى كلمات الطاهرين بل المعارضة معهم كما كان يصنعه علماء الجور في تلك الازمنة (وأما المقام الثاني) فالمخالف فيه هو المحقق القمي قدس سره حيث ادعى (قده) اختصاص حجية الظواهر بخصوص من قصد افهامه وعليه بنى انسداد باب العلم نظرا إلى ان الاخبار المروية عن الحجج سلام الله عليهم لم يقصد منها إلا افهام خصوص المشافهين دون غيرهم فيختص حجيتها بهم ايضا وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب ما أفاده هو ما أفاده العلامة الانصاري قدس سره وحاصله ان حجية الظواهر لا مدرك لها إلا اصالة عدم غفلة المتكلم عن بيان تمام مراده وعدم غفلة السامع عن القرائن المذكورة في كلامه لان احتمال إرادة خلاف الظاهر مع كون المتكلم في مقام البيان وخفائها على المخاطب لا بد وأن يستند إلى احدى الغفلتين المدفوعتين بالاصل وهذا لا يجري إلا في خصوص المقصود بالافادة وأما بالنسبة إلى غيره فلاحتمال اراده خلاف الظاهر وخفائها له باب واسع لا يمكن دفعه بالاصل لجريان العادة على الاتكال على قرائن منفصلة أو حالية

[ 93 ]

لا يلتفت إليها غير المقصود بالافادة ثم على تقدير تسليم جريان اصالة عدم القرينة في حق غير المقصود بالافهام ولو كان احتمال ارادة خلاف الظاهر غير مستند إلى احتمال الغفلة إنما يسلم جريانه فيما لم يعلم من حال المتكلم ان ديدنه على الاتكال على قرائن منفصلة وأما مع العلم بذلك فلا يمكن الاخذ بظهور كلامه لغير المقصود بالافهام كما هو ظاهر ومن الواضح ان الائمة صلوات الله عليهم كثيرا ما كانوا يعتمدون على القرائن المنفصلة بل ربما كانوا يؤخرون البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة لمصلحة مقتضية لذلك وعلى تقدير التنزل عن ذلك ايضا فظواهر الاخبار إنما تكون حجة إذا كانت واصلة الينا بمثل ما وردت وحيث انها وصلت الينا مقطعة ونحتمل وجود قرينة في الكلام خفيت علينا بالقطيع فلا يبقى وثوق بارادة هذه الظواهر منها فتسقط عن مرتبة الحجية ولكن لا يخفى ان جعل مدرك اصالة الظهور اصالة عدم الغفلة فيه غفلة واضحة فإن اصالة الظهور إنما هي حجة ببناء العقلاء من جهة كون الالفاظ كواشف عن المرادات الواقعية في قبال اصالة عدم الغفلة وعرضها ولا ربط لاحديهما بالاخرى فضلا عن ان تكون مدركا لها وأما ما ذكره من جريان ديدن الائمة سلام الله عليهم على الاتكال على القرائن المنفصلة والعلم الاجمالي بوجود مخصصات أو مقيدات كثيرة فهو وإن كان صحيحا إلا ان مقتضاه وجوب الفحص عن المعارض لا عدم حجية الظهور بعده كما هو واضح (وأما) ما أفاده من استلزام التقطيع لعدم حجية الظهور فهو على تقدير تسلميه أخص من المدعي لعدم وفائه بعدم حجية الاخبار الغير المقطعة الموجودة في عصرنا وقد نقل شيخنا الاستاذ دام ظله انه كان عبد المحدث الشهير الحاج ميرزا حسين النووي قدس الله نفسه الزكية ما يقرب من خمسين أصلا من الاصول منع ان استلزام التقطيع للخلل في ظهورات الاخبار ممنوع جدا فإن المقطعين هم العلماء الاخيار الملتفتين إلى ذلك ولا محالة يلاحظون في تقطيعاتهم عدم الاخلال بتلك الظواهر نعم لو كان المقطع عاميا أو من لا يوثق بدينه لكان لاحتمال الخلل في تلك الظواهر مجال واسع لكنه لا مجال لهذا الاحتمال إذا كان التقطيع من مثل هؤلاء العلماء الذين حازوا من مراتب العلم والتقى ما هي غاية المنى (هذا كله) مع انا لو سلمنا عدم حجية الظواهر لغير المقصودين بالافهام لما ترتب عليه ما رامه من عدم حجية ظواهر الاخبار بالنسبة الينا وتوضيح ذلك ان الاخبار الصادرة من المعصومين سلام الله عليهم لو كانت منقوشة في جسم وبقيت إلى زماننا لكنا مسلمين بعدم حجيتها بناء على اختصاص الحجية بخصوص المقصود بالافادة لكنها

[ 94 ]

ليست كذلك بل هي نقلت يدا بيد إلى ان انتهت إلى مصنفي جوامع الاخبار قدس الله اسرارهم وعليه فالراوي الاول أما كان مقصودا بالافهام أو كان حاضرا في مجلس الافادة وعل كل حال فنقله للرواية لفظا أو معنا للراوي الثاني مع سكوته وعدم تنبيهه على وجود قرينة على خلاف الظاهر يدل على عدمها وإلا لكان خائنا في نقله والمفروض وثاقة الراوي وكون الراوي الثاني بالاضافة إليه مقصودا بالافهام وننقل الكلام إلى تمام وسايط الرواية إلى أن تنتهي إلى مصنفي الجوامع قدس الله اسرارهم وإذا انتهى الامر إليهم فلا اشكال ان جوامعهم من قبيل تصنيف المصنفين والمقصود بالافهام في امثال ذلك هو كل من ينظر إلى تلك المصنفات فيكون حالنا في الاخذ بتلك الظهورات والاعتماد فيه على اصالة عدم القرينة بعينها هي حال الراوي الاول الذي ينقل عن الامام عليه السلام وعليه فلا يفيد اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه في عدم حجية الاخبار المروية في الجوامع المعتبرة حتى ينتهي الامر إلى حجية مطلق الظن لاجل انسداد باب العلم والعلمي كما ذهب إليه المحقق المذكور قدس سره (وأما المقام) الثالث فتحقيق الحال فيه أن يقال ان الظن القائم على خلاف الظهور ان كان معتبرا فلا ريب في كونه قرينة على الظهور وموجبا لسقوط الظهور عن الحجية وأما إذا كان ظنا غير معتبر فصريح شيخنا العلامة الانصاري قدس سره عدم تقيد حجية الظواهر بعدمه فضلا عن التقييد بالظن بالوفاق واستدل على ذلك بصحة احتجاج المولى على عبده عند عدم أخذه بظاهر كلامه بأنك لم ما أخذت بظاهر كلامي وعدم قبول اعتذاره بأني ما ظننت بالمراد أو بأني ظننت بالخلاف وبصحة احتجاج العبد على مولاه عند أخذه بظاهر الكلام ولو لم يكن ظانا بارادته أو كان ظانا بخلافه بأني أخذت بظاهر كلامك وأنت قلت لي كذا ويسمع إلى قول المولى بأني كنت مريدا لخلاف الظاهر وانت كنت ظانا به وصحة الاحتجاج في كلا المقامين آية عدم تقيد حجية الظهور بالظن بالمراد ولا بعدم الظن بالخلاف ولكن الحق في المقام هو التفصيل بين الظهورات الصادرة من الموالي إلى العبيد كالاخبار الواردة من المعصومين سلام الله عليهم بحيث يكون المقام مقام الاحتجاج من المولى على العبد أو العكس فيلتزم فيها بعدم التقييد كما أفاده (قده) وبين الظهورات التي لا يكون لها ارتباط بمقام الاحتجاج بل يكون الغرض فيها كشف المرادات الواقعية وترتيب الاثر على طبقها كما إذا فرضنا وقوع كتاب من تاجر إلى تاجر آخر بيد ثالث فأراد كشف ما فيه من تعيين الاسعار فإنه إذا احتمل عدم ارادة

[ 95 ]

الكاتب ظواهر مكتوباته لا يترتب عليه الاثر يقينا فالاخذ بالظهور في غير مقام الاحتجاج مقيد بأعلى مراتب الظن وهي مرتبة الاطمينان وبمجرد احتمال ارادة خلاف الظاهر احتمالا عقلائيا يسقط تلك الظهورات عن الكاشفية فضلا عن وجود الظن بالخلاف (فصل) قد عرفت ان الظاهر المفروغ عن ظهوره لا ريب في حجيته وكونه من الظنون الخاصة وأما تشخيص الظهور خارجا وان التفاهم من اللفظ بحسب الفهم العرفي ما هو فلا دليل على حجية الظن المتعلق به نعم نسب إلى المشهور حجية قول اللغوي في تشخيص الاوضاع بالخصوص وقبل الخوض في تحقيق ذلك لا بأس بتمهيد مقدمة وهي ان الظهور قد يضاف إلى المفهوم الافرادي وأخرى إلى المفهوم التركيبي كظهور الجملة الشرطية في المفهوم مثلا وتعيين الظهور في القسم الاول هو الذي توهم فيه حجية قول اللغوي وانه لو لم يكن قول اللغوي حجة فيه لزم انسداد باب العلم في اللغة وهو وإن لم يكن مستلزما للانسداد الكبير في معظم الاحكام إلا انه يجري فيه المقدمات الجارية فيه ايضا واما القسم الثاني فتعيينه أجنبي من كلمات اللغويين ولا بد في اثباته من الرجوع إلى المتفاهم العرفي وعلى تقدير عدم ثبوت الظهور لا يلزم من الاجمال واجراء الاصول في غير المقدار المتيقن أو البناء على الاحتياط في موارده محذور أصلا (ثم) ان الفارق بين باب الشهادة وبين باب الرجوع إلى أهل الخبرة هو ان الخبر عن شئ تارة يكون خبرا عن أمر محسوس مدرك بإحدى الحواس الظاهرة (وأخرى) يكون خبرا عن أمر حدسي يختص ادراكه بطائفة دون طائفة (أما القسم) الاول فهو داخل في باب الشهادة ولا اشكال في اعتبار العدالة في مخبره وأما اعتبار التعدد في غير موارد القضاء ففيه اشكال وخلاف والمسألة محررة في محلها (واما القسم) الثاني فهو داخل في باب الرجوع إلى أهل الخبرة ولا يعتبر في هذا الباب شئ من شرائط باب الشهادة لبناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة في أمورهم وعدم ثبوت ردع شرعي عن ذلك والسيرة المتشرعية وإن كانت على ذلك ايضا إلا ان الظاهر كونها من باب بناء العقلاء لا لاجل اختصاصهم بذلك لدليل شرعي فالعمدة في الباب هو ثبوت بناء العقلاء مع عدم ثبوت ردع شرعي نعم يظهر من بعض اعتبار شرايط الشهادة في الرجوع إلى أهل الخبرة في باب العيب ولعله من جهة كون ذلك الباب من موارد الترافع والتنازع المعتبر فيه البينة بلا اشكال لقوله صلى الله عليه وآله إنما أقضي بينكم بالايمان والبينات لا من جهة اعتبار شرايط الشهادة في الرجوع إلى أهل الخبرة مطلقا فتحصل

[ 96 ]

من جميع ذلك ان الاخبار عن المحسوسات يعتبر في حجيته ما يعتبر في باب الشهادة والاخبار عن الحدسيات وما يحتاج معرفتها وادراكها إلى اعمال نظر وقريحة إن كان في مورد الترافع والتنازع فيعتبر في حجيته شرائط الشهادة ايضا واما في غير ذلك فلا يعتبر فيه شرايطها نعم يعتبر فيه كون الخبر مفيد المرتبة من الوثوق والاطمينان يسكن معها النفس واما مع عدم افادتها فلا دليل على حجية الخبر تعبدا فإن بناء العقلاء من الادلة اللبية وليس لها عموم أو اطلاق يؤخذ بهما فلا بد من الاخذ بالمقدار المتيقن وهو مورد حصول الوثوق والاطمئنان لا مطلقا بل والظاهر عدم ثبوت بناء العقلاء على شئ تعبدا بل لا بد من اعتبار الوثوق في تمام موارد بنائاتهم لانه المتيقن من مواردها (إذا عرفت) ذلك فاعلم ان الرجوع إلى اللغة لتعيين موارد الاستعمالات غير داخل تحت كبرى وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة فإن تمييز موارد الاستعمالات إنما يكون بالحس لا بالحدس فيعتبر فيه شرائط الشهادة وأما تعيين موارد المعنى الحقيقي عن المجازي والظاهر عن غيره التي هي من الامور الحدسية فلا يجوز الرجوع إليهم في تلك الموارد لعدم كونهم أهل خبرة ذلك وإنما وظيفتهم تعيين موارد الاستعمالات وقد عرفت الحال فيه (وتوهم) وجوب الرجوع إليهم في تعيين معاني الالفاظ لانسداد باب العلم في اللغة غالبا كما يجب الرجوع إلى التعديلات والتوثيقات الرجالية لانسداد باب العلم في احوال الرواة غالبا فاسد فإن انسداد باب العلم في اللغة وإن كان مسلما في الجملة إلا انه لا يتم فيه مقدمات الانسداد ما لم يلزم منه انسداد باب العلم في معظم الاحكام لجواز الاحتياط في تلك الموارد أو الاخذ بالمقدار المتيقن والرجوع إلى الاصل في غيره وأين ذلك من انسداد باب العلم في احوال الرواة فإن لازم ذلك هو انسداد باب العلم في معظم الاحكام الشرعية فلو لم يمكن اثبات حجية التوثيقات الرجالية بوجه فلا بد من الاخذ بها لاستلزام انسداد باب العلم في احوال الرواة انسداد باب العلم في معظم الاحكام الشرعية ومما ذكرناه يظهر ان ما أفاده العلامة الانصاري قدس سره من ان الانصاف ان موارد الحاجة إلى قول اللغوي في تفاصيل المعاني اكثر من أن تحصى إلى أن قال ولعل هذا المقدار مع الاتفاقات المستفيضة كاف في المطلب فتأمل خلاف الانصاف فإن كثرة الحاجة ما لم تستلزم انسداد باب العلم في معظم الاحكام لا توجب بطلان الاحتياط أو الاخذ بالمقدار المتيقن واجراء الاصل في غيره ومعه كيف تصل النوبة إلى لزوم الاخذ بقول اللغوي تعبدا واما دعوى الاتفاق على حجية قول

[ 97 ]

اللغوي فهو لا يكشف عن دليل شرعي دل على حجية قوله بعد كون وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة مما ثبت لزومه ببناء العقلاء والاطمينان بأن مدرك المدعي للاتفاق هو ذلك بتوهم خبروية اللغوي في تعيين المعاني الحقيقية عن غيرها فالتحقيق انه لم يقم لنا دليل على حجية قول اللغوي لتعيين المعاني الحقيقية عن غيرها نعم إذا حصل الوثوق بمعنى اللفظ من قوله فلا يبعد كونه بذلك ظاهرا بحيث ينسبق من اللفظ عند سماعه فيشمله أدلة حجية الظهور فقول اللغوي وان لم يكن بنفسه حجه في مقام تعيين الظهور إلا انه ربما يوجب دخول المعنى في موضوع ثبت حجيته من الخارج كما ان قول الرجالي ربما يوجب دخول الرواية في الموثقات فيشملها أدلة حجية الخبر الموثق (والمناقشة) في ذلك بأن الظن الخارجي بالمراد لا يوجب ظهورا في اللفظ ليشمله أدلة حجية الظهور كما إذا حصل الظن بالمراد من لفظ الصعيد في الآية المباركة من فتوى المشهور بجواز التيمم على مطلق وجه الارض مثلا (مدفوعة) بأن الظن الحاصل بالمراد من الفتوى وإن كان لا يوجب ظهورا في اللفظ إلا ان الظن بكون لفظ موضوعا لمعنى الحاصل من قول اللغوي أو اشتهار ذلك ليس كذلك ضرورة ان الوثوق بكون لفظ موضوعا لمعنى لو كان حاصلا قبل الاستعمال فلا ريب في انه يوجب الظهور وانسباق المعنى من اللفظ عند سماعه فيكون الوثوق الحاصل بعد الاستعمال ايضا كذلك لعدم الفرق بينهما كما هو ظاهر فعدم استلزام الظن بالمراد للظهور غير مستلزم لعدم استلزام الوثوق بكون لفظ موضوعا لمعنى للظهور ايضا (فصل) في الاجماع المنقول بخبر الواحد ولا يخفى ان مقتضى الترتيب الطبيعي هو البحث عن حجية الخبر الواحد بعد الفراغ عن مبحث حجية الظواهر ثم ارداف تلك بالبحث عن الاجماع المنقول والشهرة الفتوائية ولكنا نقدم البحث عنهما على البحث عن حجية الخبر تبعا للشيخ العلامة الانصاري قدس سره وقبل التكلم في حال الاجماع المنقول لا بأس ببيان مقدمات (الاولى) قد اشرنا في البحث السابق إلى ان الاخبار عن الامور المحسوسة إذا كان في مقام الترافع والتنازع فلا بد في اعتباره من العدالة والتعدد كما لا اشكال في اعتبار العدالة في باب الخبر الواحد عن الموضوعات الخارجية المحسوسة في غير موارد الترافع والتنازع وفي اعتبار التعدد في هذا الباب وعدمه اشكال وكلام منشأه هو اطلاقات أدلة حجية الخبر الواحد ورواية مصعدة بن صدقة الحاصرة لرافع اصالة الاباحة في الاستبانة وقيام البينة واما الاخبار عن الامور الغير المحسوسة التي لابد فيها من اعمال رأى ونظر فهو

[ 98 ]

خارج عن البابين ولا يعتبر في اعتباره العدالة والتعدد وهذا هو باب الرجوع إلى أهل الخبرة الثابت لزومه ببناء العقلاء وأما أدلة حجية البينة أو الخبر الواحد فهي أجنبية عن هذا الباب ومواردها هي الاخبارات عن الامور المحسوسة (المقدمة الثانية) ان ناقل الاجماع اما ان ينقل السبب والكاشف وهو اتفاق العلماء في عصر أو ازيد واما ان ينقل المسبب والمنكشف وهو قول المعصوم عليه السلام أو الحكم الواقعي أو وجود دليل معتبر في المسألة ولا ريب في ان الاخبار عن الاولى اخبار عن الامور الحسية وعن الثاني اخبار عن الامور الحدسية (المقدمة الثالثة) ان منشأ حجية الاجماع في حد نفسه إما دخول الامام عليه السلام في المجمعين (وإما) كشف قوله صلى الله عليه وآله بقاعدة اللطف (وأما) الحدس وكشف رأي الرئيس من آراء المرئوسين (واما) كشف الاتفاق عن وجود حجة معتبرة لان عدالة المجمعين مانعة عن الفتوى بغير علم (واما) القطع بالحكم الناشئ من تراكم الظنون كما يحصل القطع بالخبر المتواتر والكل لا يخلو عن الاشكال (اما الاول) فهو إن كان محتملا في الصدر الاول كما إذا فرضنا اتفاق الصحابة على حكم وكان فيهم امير المؤمنين عليه السلام إلا انه غير محتمل في الازمنة المتأخرة لاسيما في زمان الغيبة (واما الوجه الثاني) فهو إنما يتم فيما إذا وجب على الامام عليه السلام تبليغ الاحكام ولو على النحو الغير المتعارف واما بناء على عدمه فلو فرضنا انهم عليهم السلام بينوا الاحكام على النحو المتعارف ولكن الحكم الواقعي لم يصل إلى العلماء لاخفاء الظالمين له فأي دليل على وجوب القاء الخلاف له وأي ثمرة مترتب على ذلك نعم الرواية التي ينقلها العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وهي ان الامة لا تجتمع على الخطأ لو ثبت تواترها لامكن القطع بالحكم الواقعي لاجل اجماع الامة على حكم في عصر واحد لكنها ليست كذلك فلا يكون هناك موجب للقطع بالحكم الواقعي (وأما الوجه) الثالث فهو إنما يتم فيما إذا كان اتفاق المرئوسين ناشئا عن تبان وتواطء فيما يرجع إلى الرئيس وأمكن الوصول إلى شخصه عادة فإن اتفاقهم في مثل هذه الصورة يكشف عن رأيه لا محالة وهذا بخلاف ما إذا لم يكن كذلك بل كان الاتفاق اتفاقيا ولم يمكن الوصول إلى شخص الرئيس عادة فإن مثل ذلك لا يكشف عن رأيه قطعا ومن الواضح ان اتفاق العلماء على فتوى من قبيل القسم الثاني دون الاول (واما الوجه الرابع) ففيه تفصيل فإن الاتفاق إذا كان في مورده أصل مسلم أو قاعدة مسلمة أو دليل في المسألة بحيث يمكن اتكال المجمعين عليه فلا يمكن كشف

[ 99 ]

الحجة المعتبرة منه كما هو واضح ولذا ترى ان القدماء اتفقوا على تنجس ماء البئر زعما منهم دلالة الاخبار على ذلك وقد اطبق المتأخرون على خلافه لعدم تمامية دلالة تلك الاخبار عندهم عليه واما إذا لم يكن كذلك فإن كان الاتفاق من المتأخرين والقدماء إلى أن ينتهي إلى اصحاب الائمة عليهم السلام فلا ريب في كشفه عن وجود حجة معتبرة مسلمة عند الكل بل وكذا إذا كان الاتفاق من خصوص ارباب الفتوى من القدماء والمتأخرين واما إذا كان من خصوص أهل عصر أو عصرين فغاية ما يكشف عنه الاتفاق هو وجود حجة معتبرة عندهم وأما كونها حجة مسلمة عند الكل فلا (وأما الوجه الخامس) فهو ان كان مسلما في الخبر عن المحسوسات كما في مورد الخبر المتواتر فإن احتمال التواطي على الكذب مستحيل عادة واحتمال الخطأ في الكل كذلك فلا محالة يترتب على مجموع الاخبار القطع بوجود المخبر به خارجا إلا انه ليس كذلك في موارد الاخبار عن الامور الحدسية التي لا بد فيها من اعمال نظر وفكر فإن احتمال الخطأ إذا كان متمشيا في خبر الواحد منهم فيكون متمشيا في خبر الجميع ايضا (إذا عرفت) هذه المقدمات فنقول ان ناقل الاجماع اما ان يكون من القدماء وهم السابقون على المحقق والعلامة قدس الله اسرارهم أو يكون من المتأخرين اما القدماء فالمعلوم من حالهم انهم يثبتون حجية أصل أو قاعدة بالاجماع ثم يدعون في موارد ذلك الاصل أو تلك القاعدة الاجماع على الحكم في تلك الموارد فلا يترتب على نقلهم الاجماع أثر أصلا واما المتأخرون فلا يدعون الاجماع إلا في موارد الاتفاق على خصوص الحكم في المسألة الفرعية إلا انه لا بد من ملاحظة حال الناقل ومورد النقل فإن كان المتحصل من نقله للفتاوى على نحو الاجمال ولو بضميمة ما حصله المنقول إليه بمقدار يكشف عن وجود حجة معتبرة مسلمة عند الكل فيها وإلا فلا يترتب عليه أثر أصلا (فصل ومما قيل) بحجيتها بالخصوص الشهرة الفتوائية وليعلم اولا ان الشهرة (تارة) تكون في الرواية (وأخرى) في العمل (وثالثة) في الفتوى اما الشهرة في الرواية فهي عبارة عن اشتهارها بين اصحاب الائمة عليهم السلام من حيث الرواية بأن يكون الراوي لها كثيرا والشهرة العملية عبارة عن اشتهار الرواية من حيث العمل بأن يكون العامل بها كثيرا ويعلم ذلك من استناد المفتين إليها في الفتوى فبين الشهرتين عموم من وجه واما الشهرة الفتوائية فهي عبارة عن اشهار الفتوى بين ارباب الفتاوى من قدماء الاصحاب الذين يقرب عصرهم من عصر الائمة عليهم السلام سواء علم استنادهم في ذلك إلى رواية

[ 100 ]

فيه أم لا فبينها وبين الشهرة العملية ايضا عموم من وجه. لا اشكال في كون الشهرة الروائية موجبة لاقوائيتها وترجيحها على الرواية المعارضة لها كما لا اشكال في كون الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية وكاشفة عن احتفافها بالقرينة وكذا لااشكال في كون كل من الشهرة العملية والفتوائية على خلاف الرواية كاسرة للرواية الصحيحة إذا كانت بمرئى ومسمع منهم فإن اعراضهم عنها مع كونها كذلك يوجب وهنا فيها لا محالة نعم إذا كانت الرواية الصحيحة في غير المجاميع المعروفة واحتمل عدم اطلاع المشهور عليها لما كانت الشهرة على خلافها موجبة لوهنها وكسرها إنما الاشكال في حجية نفس الشهرة الفتوائية بما هي واستدل القائلون بحجيتها بأمور كلها ضعيفة (الاول) ان قوله عليه السلام في مرفوعة زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك واترك الشاذ النادر يعم الشهرة الروائية والفتوائية والمورد لها وان كان خصوص الرواية دون الفتوى إلا ان المورد لا يكون مخصصا لعموم العام فإن العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السؤال (وفيه) ان المورد وان لم يكن مخصصا لعموم العام الا انه فرع وجود العموم في الكلام والمقام ليس كذلك فإن لفظة ما من الاسماء المبهمة فكما ان الصلة المذكورة في الكلام معرفة له فكذلك لفظ الخبر المذكور في السؤال معرف له فلا يكون لفظة ما الا كناية عن الخبر لاعن كل شئ فبقرينة السؤال يكون مفاد قوله (ع) انه في مورد المعارضة لا بد من الاخذ بالخبر المشهور وترك الشاذ النادر ليس الا (هذا) مع ان الظاهر من لفظ الشهرة المذكورة في الرواية ليس هو المعنى المصطلح بين الفقهاء والا لما امكن فرض الشهرة في كل من الروايتين بل المراد منه هو المعنى اللغوي وهو ما يكون ظاهرا وبينا فيكون معنى الرواية انه يجب الاخذ بالرواية التي رواها الكل وهي ظاهرة بين الاصحاب وترك الشاذ النادر الذي اختص بنقله اشخاص مخصوصة ومن هنا يظهر الجواب عن التعليل المذكور في المقبولة بعد امره عليه السلام بالاخذ بما هو مجمع عليه بين الاصحاب وترك الشاذ الذي ليس بمشهور بأن المجمع عليه لا ريب فيه فان الظاهر ان المراد بالمجمع عليه ليس هو المشهور المصطلح عليه بين الفقهاء بقرنية جعل مقابله الشاذ الذي ليس بمشهور حتى يدل على وجود الاخذ بكل مشهور بل المراد منه هو ما اتفق الكل على روايته والمراد من المشهور هو معناه اللغوي ولذا جعله الامام عليه السلام من قبيل ما هو بين رشده وجعله مقابله من المشكل الذي يرد علمه إليهم عليهم السلام فالروايتان اجنبيتان عن الشهرة الفتوائية بالمعنى المصطلح بالكلية (الثاني) ان المستفاد من عموم العلة

[ 101 ]

في آية النباء هو ان كل ما لم يكن فيه اصابة القوم بجهالة فلا بد من الاخذ به فكما ان الشهرة الفتوائية توجب خروج العمل بالرواية الضعيفة عن اصابة القوم بجهالة فكذلك يكون العمل على طبق نفس الشهرة خارجا عنها ايضا وهذا الوجه اضعف من سابقه فإن معنى العمل بعموم العلة هي تسرية الحكم المذكور إلى كل مورد تكون فيه العلة كما يستفاد من قضية لا تشرب الخمر فإنه مسكر حرمة كل مسكر لا اثبات نقيض الحكم المذكور فيما لا تتحقق فيه العلة بأن تكون القضية المذكورة دالة على حلية كل ما لم يكن مسكرا وعليه فالمستفاد من قوله (ع) هو ان كل عمل يكون فيه اصابة القوم بجهالة فهو مرغوب عنه لا ان كل ما لا يكون في العمل على طبقه اصابة القوم بجهالة يكون العمل على طبقه واجبا (الثالث) ان الظن الحاصل من الشهرة لكونه اقوى من الظن الحاصل من الخبر الواحد يكون اولى بالحجية منه فإذا ثبت حجية الخبر الواحد فيثبت حجية الشهرة الفتوائية بالاولوية (وفيه) ان مناط حجية الخبر لو كان افادته الظن فللقول بحجية الشهرة بنحو الموجبة الجزئية مجال واسع واما إذا كان حجيته للادلة الخاصة الدالة عليها فلا وجه للتعدي عن موردها إلى مورد آخر لم يعلم فيه تحقق مناطها (فصل) ومما ثبت حجيته بالخصوص الخبر الواحد وخالف في ذلك جماعة من القدماء والمتأخرين وليعلم اولا ان البحث عن حجية الخبر بحث عن المسألة الاصولية بل هو من أهم مسائلها إذ عليها يتوقف الاجتهاد ولولاها يلزم انسداد باب العلم كما اشرنا إليه سابقا (والوجه) في كونه بحثا عن المسألة الاصولية بناء على ما اخترناه من أن الميزان في كون المسألة اصولية هو كون المسألة بحيث إذا انضم إليها صغرياتها لانتجت مسألة فقهية (واضح) فإنه بعد الفراغ عن حجية الخبر الواحد إذا انضم إلى هذه الكبرى ما هو صغرى لها لترتب عليها المسألة الفقهية لا محالة وقد ذكرنا في اول الكتاب انه لا مقتضي لجعل الموضوع خصوص الادلة الاربعة بل كل مسألة تكون كما ذكرناه فهي مسألة اصولية سواء كان البحث فيها عن أحوال الادلة أم لا وأما بناء على كون الموضوع هو خصوص الادلة الاربعة فالوجه فيه هو ما افاده العلامة الانصاري (قده) من ان البحث عن حجية الخبر الحاكي للسنة يرجع في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر فيكون البحث عن احوال السنة وبذلك يدخل في المسائل الاصولية وليس مراده قدس سره هو الثبوت الواقعي الذي هو مفاد كان التامة حتى يرد عليه ان البحث عن مفاد كان التامة ليس بحثا عن المسائل بل عن المبادئ كيف ونقطع بتحقق السنة ووصولها إلى جمع

[ 102 ]

كثير على نحو الاجمال فلا يعقل البحث عن أصل ثبوتها وانما مراده (قده) هو ثبوتها بالخبر ووصولها به إلى المكلف ولا ريب في ان البحث عن وصولها به بحث عن العوارض الذاتية (فان قلت) البحث عن وصول الشئ وانكشافه بشئ ليس من احواله الطارية له فكيف يكون البحث عنه بحثا عن العوارض الذاتية حتى يدخل في المباحث الاصولية (قلت) نعم الا ان الحجية كما ذكرنا سابقا حيث انها متقومة بالوصول فالبحث عن وصول السنة بالخبر بحث عن حجيتها الفعلية لا محالة فيكون البحث لهذه العناية عن عوارضها وبذلك يدخل في المسائل الاصولية وكيف كان فلا ريب في كون هذه المسألة من اهم المسائل الاصولية كان موضوع العلم هو خصوص الادلة الاربعة أو غيرها (واستدل) المانعون بوجوه (الاول) الآيات والاخبار الناهية عن اتباع الظن وهي وان كانت كثيرة الا انها ظاهرة في النهي عن اتباع الظنون المتعلقة بالاصول الاعتقادية وما بحكمها واجنبية عن الظنون المتعلقة بالاحكام الفرعية وغير قابلة للتخصيص بمورد دون مورد ولو فرضنا عمومها لمطلق الظن ولو كان متعلقا بحكم فرعي فالطرق التي جرى عليها بناء العقلاء خارجة عن موضوعها حقيقة إذ الطريق الذي ثبت حجيته ببناء العقلاء أو بدليل تعبدي ولو في غير موارد بنائهم وإن كان هذا فرضا غير واقع يكون خارجا عن موضوعها بالحكومة فإن الطريق إذا كان حجة فلا محالة يكون محرزا للواقع وعلما طريقيا فكيف يمكن أن يعمه الآيات الناهية عن العمل بالظن ومن ذلك يعلم انه لو كان النسبة بين مفاد الآيات والدليل الدال على حجية الطريق بالعموم من وجه القدم الدليل الدال على الحجية عليها كما هو الحال في كل دليل حاكم مع الدليل المحكوم (الثاني) الاخبار الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب باختلاف السنتها وهي وان كانت كثيرة إلا ان الظاهر منها خصوصا بقرينة صدورها في زمان الصادق عليه السلام انها في مقام الامر بطرح الاخبار التي وضعتها جماعة من أهل ذلك العصر الذين ذهبوا إلى ألوهيته (ع) وأنكروا وجوب الصلاة والصوم والزكاة وأولوا الآيات فقالوا ان الصلاة كان رجلا وغيره من الخرافات فصدر هذه الاخبار في مقام انكار اقوالهم وما ينسبونه إليه (ع) (وبالجملة) فلا ريب في صدور احكام كثيرة مخالفة لظاهر الكتاب من مخصصات ومقيدات ونحوهما عنهم عليهم السلام فلا يمكن حمل قوله (ع) ما خالف قول ربنا لم نقله أو زخرف أو باطل على امثال تلك المخالفة حتى يكون دالا على حرمة العمل بالخبر الواحد المخالف لظاهر الكتاب

[ 103 ]

ولو بنحو العموم والخصوص وامثاله (الثالث) الاجماع المدعى في كلمات السيد المرتضى والطبرسي قدس سرهما على عدم حجية الخبر الواحد والتحقيق في هذا المقام ان يقال ان للخبر الواحد عندهم اصطلاحين احدهما الخبر الغير القطعي وما لا يكون محفوفا بالقرينة القطعية أو ما بحكمها وهو الذي ذهب ابن ادريس (قده) إلى عدم حجيته وذهب جماعة من القدماء والمتأخرين إلى حجيته إذا كان الراوي له موثوقا به بل ادعى الشيخ (قده) وجماعة أخرى الاجماع على حجيته (الثاني) الخبر الذي لا يكون متعمدا عليه ويكون راويه غير ثقة وكثير من القدماء كانوا يعبرون عن الخبر الضعيف بأنه خبر واحد ولذا ترى ان الشيخ قدس سره بعد ما يذكر الاخبار التي يفتي بها في كتاب التهذيب يذكر الخبر المعارض له ثم يرده بان اول ما فيه انه خبر واحد مع ان الشيخ هو الذي ادعى الاجماع على حجية الخبر الواحد فالاختلاف بين الاصطلاحين هو الموجب لاسناد المنع إلى الشيخ ايضا فظهر ان الخبر الواحد بالمعنى الاول الذي هو محل الكلام لا يحتمل فيه انعقاد الاجماع على عدم حجيته فضلا عن الظن به وما هو معقد الاجماع اجنبي عنه بالكلية واستدل على المختار بالادلة الاربعة اما الايات فمنها آية النبأ وتقريب الاستدلال بها بوجهين احدهما من باب مفهوم الوصف وثانيهما من باب مفهوم الشرط اما الوجه الاول فصحة الاستدلال به يتوقف على ظهور الوصف في المفهوم وقد عرفت المنع عنه في بحث المفاهيم خصوصا الوصف الغير المعتمد على الموصوف وقد بينا تفصيل ذلك وضابط كون القضية ذات مفهوم في ذلك البحث فلا نعيد واما الوجه الثاني فحاصله ان وجوب التبين في الآية علق على مجئ الفاسق بالنبأ فينتفي بانتفائه وقد اورد عليه بايرادات كثيرة جملة منها واضحة الدفع ولا حاجة إلى التعرض لها والجواب عنها ونذكر هنا ايرادات ثلاثة ونتعرض لجوابها الاول ان ظهور القضية الشرطية في المفهوم يتوقف على عدم كونها مسوقة لبيان تحقق الموضوع بان يكون التالي مما يتوقف على المقدم عقلا كما في قضية ان رزقت ولدا فاختنه والمقام من هذا القبيل فان عدم وجوب التبين عند عدم مجئ الفاسق بنبأ من باب السالبة بانتفاء الموضوع ضرورة ان مجئ العادل بالنبأ ليس من افراد عدم مجئ الفاسق به بل من مقارناته وهو قد يكون وقد لا يكون واجيب عن هذا الاشكال بما حاصله ان الركن الركين في الآية هو تحقق النبأ وقد علق وجوب التبين على كون الجائي به فاسقا فينتفي عند عدمه ولا اشكال في ظهور القضية حينئذ في المفهوم وعدم كونها مسوقة لبيان الموضوع (ولكنه) لا يخفى ان الميزان في ظهور القضية في

[ 104 ]

المفهوم هو ابقاؤها على حالها لا تبديلها بنحو آخر وعليه فحيث ان لفظ النبأ في الآية المباركة إنما اتى به قيدا في الكلام لا ركنا فيه فالمعلق عليه هو اتيان الفاسق بنبأ وانتفاء وجوب التبين عند انتفائه من باب السلب بانتفاء الموضوع نعم لو كان النبأ هو الركن في الآية وكان المعلق عليه كون الجائي به فاسقا لما كان اشكال في ظهورها في المفهوم لكنه خلاف الظاهر من الآية كما هو ظاهر (هذا) ويمكن ان يقال ان ظهور القضية في ركنية النبأ الذي يدور عليها ظهورها في المفهوم لا يفرق فيه بين ان يكون مستفادا من نفس القضية أو من قرينة خارجية والآية المباركة وان لم تكن في حد نفسها ظاهرة في ذلك الا انها بملاحظة ورودها في شأن وليد تكون ظاهرة في ان الركن في الكلام هو تحقق النباء والمعلق عليه فيها هو كون الجائي به فاسقا فان اصل الاخبار في تلك الواقعة كان محققا والمعلق عليه لوجوب التبين هو كونه فاسقا ضرورة ان المناط في وجوب التبين لو كان كون اخباره غير مفيد للعلم الذي هو عنوان ذاتي للخبر الواحد لما كان معنى لتعليق الحكم على كون المخبر به فاسقا الذي هو عنوان عرضي له فبملاحظة شأن النزول في الآية يكون الركن فيها تحقق النبأ وبه تكون الآية ظاهرة في المفهوم (الثاني) ان القضية الشرطية وان كانت في حد نفسها ظاهرة في المفهوم من جهة استفادة العلية المنحصرة من التعليق بالشرط إلا انه إذا كان هناك علة منصوصة مستفادة من اللفظ بالدلالة المطابقية وكأن تلك العلة مشتركة بين خبر الفاسق والعادل لما انعقد ظهور للقضية في المفهوم ويتقدم العموم لا محالة (بيان) ذلك ان خبر العادل وان كان يفارق خبر الفاسق في ان الاول لا يحتمل فيه تعمد الكذب دون الثاني الا انه يشترك معه في احتمال خطأ مخبره في اخباره وعليه فالعلة المذكورة فيها وهو التحرز عن اصابة القوم بجهالة الذي هو عبارة اخرى عن التحرز عن الوقوع في خلاف الواقع تكون مشتركة بين اخبار العادل والفاسق ومقتضاه وجوب التبين عند اخبار العادل ايضا (فان قلت) ان عموم العلة وان كان يقتضي عدم حجية اخبار العادل ايضا الا انه بالعموم والمفهوم اخص منه مطلقا فيقدم عليه وقد مر في بحث المفاهيم ان المفهوم المخالف كالموافق في تقدمه على العام إذا كان اخص منه مطلقا (قلت) الامر وان كان كذلك الا ان تقدم المفهوم فرع ظهور القضية في كونها ذات مفهوم وعموم العلة في الآية يكون مانعا عن الظهور فكيف يمكن ان يتقدم هو عليه بل لو كان عموم العلة في كلام منفصل لكان مقدما على المفهوم ايضا فان استفادة المفهوم فرع استفادة العلية المنحصرة من التعليق

[ 105 ]

بالشرط وإذا كان العلة المشتركة منصوصة ومستفادة من اللفظ بالدلالة المطابقية لقدمت على ظهور القضية في المفهوم وتخصيص العموم بالمفهوم المخالف انما يكون في غير المنصوص العلة واما فيها فلا قوائية العموم يتقدم على المفهوم (هذا) مع انه العلة في المقام لكونها متصلة بالكلام فلا اقل من صلوحها للمنع عن المفهوم فيكون القضية محتفة بما يصلح للقرينية ومعه لا يكون ظاهرا في المفهوم (هذا) غاية ما يمكن ان يقرب به عدم دلالة الآية على المفهوم (ولكنه) يرد عليه أولا بأن اشتراك العلة فرع ان يكون المراد بالجهالة في الآية عدم العلم وللمنع عنه مجال واسع (بل) الظاهر ان المراد منها السفاهة وفعل ما لا يصدر من العقلاء فإن التعليل لا بد وان يكون بأمر ارتكازي لا تعبدي وحيث ان العمل باخبار العادل وترتيب الاثر على قوله مما جرت عليه بناء العقلاء فلا يعمه العلة المذكورة فيها فلا يكون مانع عن ظهورها في المفهوم (فان قلت) ان قبح ارتكاب الافعال السفاهية من جملة الواضحات الاولية فلو كان العمل بقول الوليد في اخباره عن ارتداد بني المصطلق كذلك لما اقدم الصحابة عليه ولما تهيئوا لغزوهم فيعلم من ذلك ان المراد من الجهالة هو عدم العلم دون السفاهة (قلت) ضرورية الكبرى وهي قبح ارتكاب الافعال السفهائية لا يوجب ضرورية الصغرى وانطباقها على المورد والمنافي لعمل الاصحاب هي الثانية دون الاولى والظاهر من عمل الصحابة انهم كانوا معتمدين على الوليد واكانوا واثقين بقوله فنبه الله تعالى على فسقه وان العمل على قوله من دون تبين من الافعال السفهائية الظاهر قبحها لكل عاقل (وثانيا) سلمنا ان المراد من الجهالة ليس هي السفاهة ولكنه لا يوجب ارادة عدم العلم منها حتى يكون التعليل بامر تعبدي بل يكون المراد منها الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه وهذا ايضا أمر ارتكازي عند العقلاء وان لم يكن من العلوم الضرورية وعليه فلا يكون العلة مشتركة بين خبر الفاسق والعادل فان الركون إلى قول العادل وترتيب الاثر عليه مما جرى عليه بناء العقلاء ومع عدم العموم في العلة لا يكون مانع عن انعقاد الظهور في المفهوم كما عرفت (وثالثا) سلمنا ان المراد من الجهالة عدم العلم ولكن المفهوم غير معارض له حتى يتقدم العموم عليه بل يتقدم المفهوم عليه من باب الحكومة فان خبر العادل بعد الفراغ عن حجيته يكون خارجا عن موضوع الجهالة ومحرزا للواقع فدخوله في عموم العلة فرع عدم ظهور القضية في المفهوم فلو كان عدم الظهور مستندا إلى عموم العلة لزم الدور وقد أوضحنا ذلك في بعض المباحث السابقة فراجع (الثالث) ان الآية المباركة وان كانت ظاهرة في حجية خبر

[ 106 ]

العادل الا انها مختصة بالاخبار بلا واسطة واما الاخبار مع الواسطة كما هو محل الابتلاء لنا فالآية ساكتة عن اثبات حجيتها ويمكن تقريب هذا الاشكال بوجوه (الاول) ان الخبر انما يكون مشمولا لدليل الحجية إذا كان ذا أثر شرعي ففي مثل الخبر مع الواسطة ما يترتب عليه الاثر هو الخبر الحاكي لقول الامام عليه السلام وهو غير ثابت وما هو ثابت لنا كخبر الشيخ عن المفيد مثلا لا يترتب عليه أثر شرعي فما هو المحقق من الخبر لا يترتب عليه الاثر وما يترتب عليه الاثر لا يكون بمحقق (وفيه) ان الاثر الشرعي كما يترتب على الخبر الاخير يترتب على غيره من الوسايط غاية الامر ان غير الخبر الاخير لا يكون تمام الموضوع للاثر الشرعي وسيجئ في محله انه لا يشترط في كون شئ مشمولا لدليل الحجية في الامارات بل الاصول أزيد من كونه دخيلا في الحكم الشرعي بنحو من الدخالة وأما لزوم كونه تمام الموضوع له فلا وإذا كان كذلك فكما ان الخبر الاخير الحاكي عن الحكم يكون مشمولا لوجوب التصديق فكذلك غيره من الوسائط فخبر الشيخ يكون مشمولا له أيضا (الثاني) ان كل خبر يكون مثبتا لمؤداه فلا محالة يكون حاكما عليه ولا بد في الحكومة من ان يكون المحكوم حكما واقعيا ثابتا بدليل الحاكم أو منفيا به وهذا انما يتحقق في الخبر الحاكي عن الحاكم بلا واسطة واما في غيره فحيث ان المحكي ليس هو الحكم الواقعي فيستحيل الحكومة فلا يكون مشمولا لدليل الحجية المفيد لحكومة الامارات على الاحكام الواقعية (وفيه) أولا ان اثبات الحكم الواقعي كما عرفت في جواب الاشكال الاول مشترك بين الخبر الاخير وغيره فلكل واحد من الاخبار المترتبة حكومة على الحكم الواقعي غاية الامر ان الخبر الاخير يترتب عليه الحكم بلا واسطة وغيره مثبت لموضوع يترتب عليه الحكم وهذا لا يكون بفارق في شمول دليل الحجية بعد ثبوت دخالة كل واحد منها في الحكم الشرعي وترتبه عليه (وثانيا) ان الدليل الحجية الخبر وان كان مفيدا لكونه مثبتا لمؤداه وحكومته عليه الا ان الالتزام بكون دليل المحكوم حكما واقعيا بلا ملزم فكما يمكن حكومة الامارة على الاحكام الواقعية إذا كان المخبر به حكما واقعيا كذلك يمكن حكومتها على الاحكام الظاهرية إذا كان المخبر به حكما ظاهريا أو موضوعا لحكم ظاهري وعليه فشمول دليل الحجية لخبر الشيخ الحاكي لخبر المفيد يفيد ثبوت موضوع محكوم بوجوب التصديق أيضا وشمول وجوب التصديق لخبر المفيد يفيد ثبوت موضوع آخر محكوم بوجوب التصديق وهكذا إلى أن ينتهي إلى الخبر الاخير المثبت لقول الامام عليه السلام فكل واحد

[ 107 ]

من الاخبار المترتبة مثبت لمؤداه بنحو الحكومة غاية الامر ان الحكومة في غير الاخير باثبات ما هو موضوع لحكم ظاهري وفيه باثبات الحكم الواقعي (الثالث) ان ثبوت حكم لموضوع فرع ثبوت ذلك الموضوع ومرتبة الحكم متأخرة عن مرتبة موضوعه ففي مثل الخبر مع الواسطة حيث ان ثبوت الخبر الثاني انما هو لاجل وجوب تصديق خبر العادل وحجيته فهو متأخر عنه فكيف يمكن ان يكون موضوعا له (وجوابه) ان وجوب التصديق لو كان حكما شخصيا ثابتا لكل واحد من الاخبار لكان للتوهم المذكور مجال واسع لكن الامر ليس كذلك بل هو من قبيل الاحكام الانحلالية وكل فرد من الخبر موضوع لحكم مغاير لحكم آخر عليه فوجوب التصديق الثابت لاخبار الشيخ مما يتوقف عليه خبر المفيد لكن خبر المفيد لا يكون موضوعا لشخص ذاك الوجوب بل بوجوب آخر ثابت له يتوقف عليه ثبوت خبر الصفار وهكذا إلى أن ينتهي إلى الخبر الاخير الموضوع لوجوب التصديق المثبت لقول الامام عليه السلام (الرابع) ان الامارات أو الاصول بعد تسليم كونها حاكمة على الاحكام الظاهرية أيضا فانما يصح حكومتها على دليل آخر فان الحكومة عبارة عن كون احد الدليلين ناظرا إلى بيان كمية ما يراد من الدليل الآخر ففي مثل افراد امارة واحدة كما في الخبر مع الواسطة يستحيل الحكومة إذ المفروض وحدة الدليل فكيف يمكن ان يقال ان وجوب تصديق خبر الشيخ يثبت بالحكومة خبر المفيد الموضوع لوجوب التصديق ايضا (وجوابه) ان الحكومة لا تنحصر فيما ذكر بل لها أقسام ثلاثة (الاول) ان يكون احد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظرا إلى ما اريد من لفظ الدليل الآخر وشارحا له بلفظ اعني واردت وأشباه ذلك وهذا القسم قليل التحقق في الاخبار جدا (الثاني) ان يكون احدهما ناظرا إلى توسعة مدلول الاخر أو تضييقه من دون ان يكون شارحا له ومبينا للمراد من لفظه كما في حكومة أدلة عدم اعتبار شك كثير الشك على أدلة الشكوك فانها لا تتكفل لبيان المراد من لفظ الشك في أدلة الشكوك ولا تخرج الشك المذكور عن كونه شكا وانما تتكفل لا لغاته وعدم موضوعيته للاحكام المجعولة في أدلة الشك فهي مخصصة لتلك الادلة في الحقيقة بلسان الحكومة (الثالث) ان يكون الدليل مثبتا لموضوع الحكم أو نافيا له تشريعا وهذا أقوى أنحاء الحكومة وأمثلتها كثيرة (منها) حكومة الامارات على الاصول فان الامارة بعد كونها محرزة للواقع تكون رفعة للشك تشريعا الذي هو الموضوع للاصول وهذا القسم يتصور في فردين من امارة واحدة أو اصل واحد كما في

[ 108 ]

حكومة الاصل السببي على المسببي فان فردية الشك السببي للشك المأخوذ في لسان الاستصحاب مثلا محرزة وجدانا وبشمول دليل الاستصحاب له يخرج الشك المسببي عن الفردية فلا يكون مشمولا له وهذا بخلاف الشك المسببي فان فرديته له تتوقف على عدم شمول الدليل للشك السببي وعدم شموله له من جهة فردية الشك المسببي له مستلزم للدور والحكومة المدعاة في المقام انما هي من هذا القبيل فان حكومة خبر الشيخ على خبر المفيد مثلا انما هو من جهة اثباته تشريعا فكما يمكن حكومة استصحاب على استصحاب آخر نفيا واخراجا عن الموضوع فكذلك يمكن حكومة خبر على مثله اثباتا وادخالا في الموضوع والملاك في الحكومة مشترك بين القسمين والاشكال انما نشأ من تخيل انحصار الحكومة في القسمين الاولين ليس الا (ثم ان) هنا اشكالا آخر ربما يورد على ظهور الآية في حجية خبر العدل ولا يخلو التعرض له عن الفائدة وحاصله ان مورد الآية لكونه خبرا عن الارتداد لا يعتبر فيه خبر الواحد وان كان عادلا بالاتفاق فيكون المورد خارجا عن العموم ومن المعلوم ان تخصيص العام بالمورد ان كان بعنوان معلوم منطبق عليه فلا محالة يوجب ذلك تقييد مصب العموم وإلا يكون موجبا لاجماله مثلا إذا ورد اكرم العلماء وعلمنا عدم وجوب اكرام زيد العالم فإن كان خروجه عن العام بعنوان معلوم كالفسق مثلا فيقيد العام بغير الفاسق فتكون النتيجة وجوب اكرام العالم الغير الفاسق وإلا فيكون العام مقيدا بعنوان غير معلوم فيكون مجملا وحيث ان خروج المورد عن العام في محل الكلام من جهة كون المخبر بالخبر واحدا فيقيد العام في طرف المفهوم بكون المخبر متعددا فيكون النتيجة هو عدم وجوب التبين عن اخبار العادل إذا كان المخبر متعددا فلا يكون الآية دالة على حجية الخبر الواحد ولو كان المخبر به عادلا (وفيه) اولا ان هذا إنما يتم بناء على كون الانتفاء عند الانتفاء مستفادا من نفس اداة الشرط بأن كانت هي بحسب الوضع دالة على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء إذ عليه يمكن ان يقال ان مفاد القضية منطوقا ومفهوما جملة واحدة موردها الاخبار عن الارتداد فلا بد من التقييد واما إذا كان المفهوم جملة أخرى مستفادة من اطلاق القضية الشرطية كما هو الصحيح فلا موقع للاشكال أصلا ضرورة ان الاخبار عن الارتداد مورد للمنطوق وغير خارج عن حكمه لعدم حجية خبر الفاسق في شئ من الموارد واما المفهوم فالاخبار عن الارتداد ليس موردا له حتى يلزم من خروجه تخصيص المورد المستلزم لتقييد العموم (وثانيا) ان الحكم بوجوب التبين في

[ 109 ]

الآية لم يكن من جهة ردع الصحابة عن الحكم بارتداد بنى المصطلق لاجل اخبار الوليد بذلك بل من جهة ترتيب الاثر على قوله في الجملة فانهم عزموا على الخروج عليهم فإن رأوهم انهم لا يصلون ولا يؤذنون فيعاملون معهم معاملة الارتداد وإلا فيطلبون منهم الصدقة فان منعوا فيحاربوهم على أخذ الصدقة ومن الواضح انه لم يقم اجماع على عدم وجوب ترتيب الاثر على اخبار العادل بهذا المقدار من الاثر فلا يلزم خروج المورد الموجب لتقييد العموم (وثالثا) سلمنا ان المفهوم إنما استفيد من الدلالة اللفظية وان الحكم بوجوب التبين ردع عن ترتب آثار الارتداد بالكلية إلا انه نقول ان الاخبار عن الارتداد ليس قيدا مأخوذا في القضية وإنما هو مورد لها كما اعترف به في الاشكال وعليه فيكون الحكم بعدم وجوب التبين عند اخبار العادل حكما كليا ثبت تخصيصه في قسم مخصوص من النبأ من الخارج ولازم ذلك هو تقيد العام بالقياس إلى هذا القسم من النبأ لا مطلقا ونظير ذلك ما إذا ورد اكرم العلماء وعلم بخروج زيد النحوي عن العموم لكونه فاسقا فإن غاية ما يقتضيه العلم بخروج هذا الفرد هو تقيد وجوب اكرام العالم النحوي بغير الفسق لا مطلقا ونتيجة ذلك أن يبقى عدم وجوب التبين في اخبار العادل على اطلاقه في غير مورده (ثم) انك بعد ما عرفت تمامية دلالة الآية المباركة على حجية خبر العادل بمفهومه يظهر لك تمامية دلالتها على تمام اقسام الخبر التي يستدل بها المتأخرون في الكتب الفقهية من الصحيح والحسن والموثق والضعيف المنجبر بالشهرة أما الصحيح فبالمفهوم واما البقية فبالمنطوق لا باعتبار ان المنطوق لم يمنع عن العمل بخبر الفاسق مطلقا وإنما أناط جواز العمل به على التبين وهو كما يحصل بتحقيق نفس الرواية ومعرفة صدقها كما في الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة في الرواية أو في الاستناد كذلك يحصل بتحقيق حال نفس الراوي من معرفة كونه ثقة متحرزا عن الكذب ولو كان غير امامي أو معرفة كونه اماميا ممدوحا في كتب الرجال وان لم يكن معدلا ضرورة ان التبين في نفس الرواية وإن كان محققا لشرط العمل به إلا ان تبين حال الراوي ومجرد كونه موثوقا به أو ممدوحا لا يكون محققا له بل باعتبار ان المراد من الفسق في الآية بمناسبة الحكم والموضوع ليس هو المرتكب للمعاصي مطلقا حتى يكون اناطة قبول الخبر بالعدالة لاجل احترام العادل وتوهين الفاسق بل خصوص الغير المتحرز عن الكذب لعدم موضوعية للعدالة والفسق في المقام وإنما اعتبارهما لاجل الطريقية من جهة عدم حصول الامن عند اخبار الفاسق دون العادل وعلى ذلك يكون مقابل الفاسق

[ 110 ]

كل من كان متحرزا عن الكذب وان كان فاسقا من جهات أخر فتدل الآية بمفهومها على حجية الخبر الصحيح والموثق والحسن وبمنطوقها على حجية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة كما عرفت فيكون تمام اقسام الخبر حجة بضم المنطوق إلى المفهوم (ومن الآيات) التي استدل بها على حجية الخبر الواحد قوله تعالى فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وتقريب الاستدلال بها بتمهيد مقدمات (الاولى) ان التفقه في الاعصار المتأخرة وإن كان هو استنباط الحكم الشرعي بتنقيح جهات ثلاثة الصدور وجهة الصدور والدلالة ومن المعلوم ان تنقيح الجهتين الاخيرتين مما يحتاج إلى اعمال النظر والدقة إلا ان التفقه في الصدر الاول لم يكن محتاجا إلا إلى اثبات الصدور ليس إلا لكن اختلاف محقق التفقه باختلاف الازمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه فكما ان العارف بالاحكام الشرعية باعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه كذلك العارف بها من دون اعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة (الثانية) ان لفظ الانذار وان كان ينصرف إلى الابتدائي بذكر عوالم البرزخ والنار وامثالها كما هو شأن الوعاظ إلا انه ابتدائي لا يوجب اختصاص اللفظ به فيكون الانذار المذكور في الآية أعم منه ومن الانذار التبعي الضمني الملازم لبيان الواجبات والمحرمات ولو سلم الانصراف الحقيقي فوقوعه متفرعا على التفقه يكون قرينة موجبة لصرفه إلى خصوص الانذار التبعي الموجود في فتوى الفقيه أو اخبار الراوي (الثالثة) ان صدر الآية وهو قوله تعالى فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة وان كان لا يأبى عن حمله على العموم المجموعي إلا أن قوله تعالى ليتفقهوا إلى آخره ظاهر في العموم الاستغراقي وان الانذار إنما يكون بتفقه كل واحد منهم الراجع إلى قومه الذي لا يحصل العلم من قوله غالبا (الرابعة) ان كلمة لعل ليست كما توهم من انها تجرد عن معناها إذا وقعت في كلامه تعالى بل هي تستعمل دائما في القدر المشترك الجامع سواء وقع في كلام الممكن أو الواجب والمبادي القصورية اللازمة عند وقوعها في كلام غيره تعالى أجنبية عن مفادها وما يستعمل فيها (توضيح ذلك) انها إذا وقعت في مقام التعليل فهي إنما تفيد كون ما بعدها علة غائية لما قبلها فإن كان من الامور التكوينية فهو علة للتكوين وإن كان من الامور التشريعية فهو علة للتشريع وعلى الثاني فإن كان ما بعدها غير قابل لتعلق تكليف به لكونه خارجا عن القدرة والاختيار

[ 111 ]

فيتمحض في العلية وإلا فيتعلق به التكليف المتعلق بما قبلها بعينه فيكون مطلوبا بعين طلبه (الخامسة) ان ظاهر الحذر المفروض كونه علة للانذار في الآية هو التحرز الخارجي على ما يستفاد من موارد استعمالاته لا الخوف النفساني الذي لاوعاء له إلا النفس نعم الخوف النفساني موجب للتحرز الخارجي لا انه هو المطلوب والغاية في نفسه فيما إذا كان متعلقا للامر وحينئذ فحيث ان التحرز الخارجي قابل لتعلق التكليف به والمفروض انه غاية للانذار الواجب فلا محالة يكون هو واجبا ايضا ولو كان المنذر واحدا على ما هو مقتضى كون العموم استغراقيا وبهذه المقدمات يظهر دلالة الآية المباركة على حجية كل من فتوى المجتهد واخبار الراوي من دون اختصاص بأحدهما إذ وجوب التحرز الخارجي عند تحقق الانذار ولو لم يكن مفيدا للعلم يستلزم حجية قول المنذر لا محالة بل يمكن ان يقال ان دلالة الآية على حجية الخبر اقوى من دلالة آية النبأ عليها لسلامتها من الايرادات الواردة عليها وان كان قد عرفت الجواب عنها وتمامية دلالة آية النبأ عليها ايضا (فما عن العلامة الانصاري (قده)) من تضعيف دلالتها حتى انه قرر تشبيه الاستدلال بها على حجية الخبر بالاستدلال عليها بالنبوي المشهور من حفظ على أمتي اربعين حديثا إلى آخره (لم يكن مترقبا) منه (قده) (واما) الاشكالات التي أوردها عليها فلا بد لنا من التعرض لكل واحد منها مع جوابها فنقول اما الاشكال الاول فملخصه ان الآية وان دلت على وجوب الحذر عند ثبوت الانذار إلا انه لم يحرز كونها في مقام بيان الاطلاق بالاضافة إلى صورتي حصول العلم وعدمه فيمكن ان يكون وجوب التحذر في تقدير حصول العلم فقط فلا تدل الآية على حجية قول المنذر تعبدا وان لم يكن مفيدا للعلم (وفيه) اولا ان الخبر الواحد بما هو يستحيل افادته العلم وحصوله احيانا عند الاخبار لا بد وان يكون لقرائن خارجية أجنبية عن نفس الخبر فحمل الآية على صورة حصول العلم الغاء لحجية قول المنذر بالكلية وتعليق للحكم بوجوب التحذر على حصول العلم بالاحكام الشرعية وهذا ينافي ترتب وجوب التحذر على الانذار كما هو ظاهر الآية (وثانيا) سلمنا ان التقييد بصورة حصول العلم لا يوجب إلا اختصاص الحكم ببعض افراد المطلق وهو الخبر المفيد للعلم إلا انه لا موجب لهذا التقييد مع كونه من الافراد النادرة للخبر ولو كان كونه القدر المتيقن موجبا للاختصاص لما جاز التمسك بمطلق في شئ من الابواب إذ ما من مطلق إلا وله متيقن في الجملة (وبالجملة) فاحتمال الاختصاص بصورة حصول العلم في غاية الضعف والوهن

[ 112 ]

(وأما) الاشكال الثاني فملخصه ان وجوب الحذر المستفاد منه حجية قول المنذر إنما يثبت فيما إذا أحرز ان الانذار انما هو بما تفقه في الدين ومع الشك في صدق الراوي وكذبه لا يحرز ذلك ومعه يكون التمسك بالآية لاثبات حجية قول المنذر تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وجوابه ان احراز كون الانذار بما تفقه في الدين اي بنفس الاحكام الشرعية انما يثبت بنفس وجوب التحذر الدال على الحجية لا مع قطع النظر عنه وهذه المغالطة انما نشأت من اخذ عقد الحمل في عقد الوضع ولو بني عليها لما أمكن التمسك بدليل ومن الغريب انه (قده) بنفسه تعرض لهذه المغالطة في مباحث الاقل والاكثر وتصدى للجواب عنها بما لا مزيد عليه ومع ذلك فقد وقع فيها في المقام ونحن قد تعرضنا لها مفصلا في بحث الصحيح والاعم حيث ذكرنا شبهة المانعين عن التمسك بعموم اوفوا بالعقود لاثبات صحة عقد مخصوص بان الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد الصحيح لا غير وما لم يحرز ذلك لا يمكن التمسك به (واجبنا) بأن الصحة انما تثبت بنفس الحكم بوجوب الوفاء لا في مرتبة سابقة عليه فراجع (وبالجملة) الاعتناء بهذه المغالطة يوجب سد باب التمسك بكل دليل ولا اختصاص لها بخصوص المقام (واما) الاشكال الثالث فحاصله ان الاآية لاشتمالها على لفظ الانذار الظاهر في الابلاغ مع التخويف لا يكون شاملة لاخبار الراوي إذ ليس في اخباره بما هو راو تخويف وايعاد فلا محالة تختص بانذار الوعاظ والمجتهد بنقل فتواه فيكون الاستدلال بها على وجوب الاجتهاد كفاية ووجوب التقليد على العوام أولى من الاستدلال بها على حجية الخبر وفيه ما عرفت من ان الانذار ان اخذ بما ينصرف إليه انصرافا بدويا وهو الانذار الابتدائي الاستقلالي فيكون فتوى المجتهد كإخبار الراوي خارجة عن مدلول الآية وان اخذ بما هو ظاهر فيه ولو بمعونة ترفعه على التفقه وهو الانذار التبعي الضمني الحاصل ببيان الحكم الشرعي فكما ان فتوى المجتهد تكون مشمولة لها فكذلك يكون اخبار الراوي أيضا فالتفكيك بين الفتوى والرواية في مشمولية الآية غير معقول وأما بقية الآيات التي استدل بها على حجية الخبر كآية الكتمان والسؤال والايمان فعدم دلالتها على حجية الخبر في غاية الوضوح فلا حاجة إلى التعرض لها أصلا وأما الاخبار فالاستدلال بها على حجية الخبر يتوقف على ان تكون قطعية من جهة التواتر والاحتفاف بالقرينة والا فالاستدلال بها على حجيته مستلزم لتوقف الشئ على نفسه (ثم) ان التواتر المفيد لقطعية الخبر اما أن يكون لفظيا أو معنويا أو اجماليا (والمراد) من الاول أن يكون الخبر

[ 113 ]

بلفظه منقولا بكثرة يمتنع معها تواطؤ الناقلين على الكذب (ومن الثاني) ان يكون معنى واحد منقولا بألفاظ متعددة من الناقلين من باب النقل بالمعنى بتلك الكثرة أو يكون ملزوما لما نقل بتلك الكثرة كما يثبت شجاعة احد من نقل جماعة حروبه في مواقع كثيرة يمتنع تواطئهم على الكذب عادة وان لم يكن كل واحد من مواقع حروبه ثابتا بالتواتر وربما يجعل القسم الاول من الثاني من التواتر اللفظي ولا مشاحة في الاصطلاح وأما التواتر الاجمالي فهو على ما قيل عبارة عن نقل أخبار كثيرة غير متفقة على لفظ ولا على معنى واحد الا انه يعلم بصدق واحد منها لامتناع كذب الجميع عادة (ولكنه) لا يخفى ان الاخبار إذا بلغت من الكثرة ما بلغت فان كان بينها جامع يكون الكل متفقا على نقله فهو راجع إلى التواتر المعنوي والا فلا وجه لحصول القطع بصدق واحد منها بعد جواز كذب كل واحد منها في حد نفسه وعدم ارتباط بعضه ببعض فالحق هو انحصار التواتر في القسمين الاولين لاغير (إذا عرفت) ذلك فنقول الاخبار الدالة على حجية الخبر الواحد في الجملة طوائف اربعة على ما صنعها شيخ مشايخنا العلامة الانصاري (قده) ولا يبعد تواتر كل واحد من هذه الطوائف بخصوصها (الطائفة الاولى) هي الاخبار الواردة في مقام تعارض الاخبار المسماة بالاخبار العلاجية ولا ريب في حصول القطع من هذه الاخبار بأنه صدر من الائمة سلام الله عليهم علاج الاخبار المتعارضة الغير القطعية إذ لا يمكن المعارضة بين الخبرين القطعيين والاشكال في تقدم الخبر القطعي على غيره المعارض له فيكون العلم بصدور العلاج منه كاشفا عن حجية الخبر الظني في الجملة بحيث لو لم يكن له معارض لوجب الاخذ به (الطائفة الثانية) هي الاخبار الواردة في مقام أمرهم عليهم السلام شيعتهم بأخذ معالم دينهم من اصحابهم كزرارة وغيره من ثقاتهم ويفيد تلك الاخبار العلم بصدور الامر المذكور منهم عليهم السلام من غير فرق بين الرجوع إلى الاصحاب لاخذ الفتوى أو الرواية ومن المعلوم ان الرجوع إليهم لا يوجب القطع بالحكم الواقعي الصادر من الامام عليه السلام فيستكشف حجية الخبر الغير المفيد للعلم في الجملة (الطائفة الثالثة) هي الاخبار الدالة على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقاة والعلماء وهي ايضا كثيرة ودلالتها على المطلوب ظاهرة (الطائفة الرابعة) هي الاخبار المتفرقة الدالة بمجموعها على جواز العمل بخبر الواحد بحيث يعلم ان جواز العمل بالخبر الظني ولو في الجملة كان مفروغا عنه وان كان دلالة كل واحد منها على المطلوب لا يخلو عن نظر (ولا يخفى) ان

[ 114 ]

أخص تلك الاخبار مضمونا هو الاخبار الدالة على جواز العمل بخبر الثقة كما صرح بذلك في جملة من اخبار الطائفة الثانية وبعض الاخبار من الطائفة الثالثة بل يمكن أن يقال ان خصوص الاخبار الدالة على جواز العمل بخبر الثقة متواترة مضافا إلى احتفاف بعضها بالقرينة القطعية من جهة اعتماد الاصحاب عليها فيكون جواز العمل به مقطوعا لا محالة بل قد عرفت ان تعليق وجوب التبين على كون الجائي بالنبأ فاسقا كما في آية النبأ انما هو من جهة عدم تحرز الفاسق عن الكذب لما عرفت من اقتضاء مناسبة الحكم والموضوع ذلك وعليه فخبر الثقة الذي يتحرز عن الكذب وان لم يكن اماميا هو القدر المتيقن من أدلة حجية الخبر (ثم) ان هذه الاخبار وان كان لا يستفاد منها حجية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة كما كانت تستفاد من آية النبأ إلا أن الخطب في ذلك هين بعد عدم كون هذه الاخبار في مقام اثبات حكم ابتدائي تأسيسي وانما هي بصدد امضاء ما جرت عليه السيرة العقلائية ولا ريب ان سيرتهم جرت على العمل بالخبر الموثق الاعم من كون الرواية بنفسها أو كون راويها موثوقا به وبذلك يثبت حجية الخبر الصحيح القدمائي مطلقا واحتمال حجية خصوص الخبر الصحيح بين المتأخرين كما عليه جماعة من المتأخرين ضعيف لا يمكن القول به اصلا (وأما الاجماع) على حجية الخبر الواحد فيمكن تقريبه بأحد وجوه (الاول) دعوى الاجماع القولي على حجيته في مقابل السيد واتباعه المحصل لنا من تتبع أقوالهم بحجيته من زماننا إلى زمان الشيخين أو من نقلهم الاجماع على حجيته (الثاني) دعوى الاجماع حتى من السيد واتباعه على وجوب العمل بالخبر الغير العلمي في زماننا هذا مما انسد فيه باب القرينة الموجبة للقطع بصدور الخبر (ويرد) على هذين الوجهين انه لم يحصل لنا ظن في هذين الاجماعين بكون وجوب العمل بالخبر ثابتا للمجمعين بدليل لم يصل الينا (إذ) يمكن أن يكون مدركهم في ذلك هي الاخبار المذكورة أو يكون فتواهم به من جهة قيام السيرة العقلائية على ذلك فلا يكون اتفاقهم على ذلك كاشفا عن دليل تعبدي كما هو ظاهر (الثالث) دعوى الاجماع العملي من الصحابة على العمل بالاخبار الموجودة فيما بأيدينا من الكتب المعتبرة (وفيه) ان ذلك وان كان مسلما الا ان اجماعهم على ذلك تقييدي فإن كل واحد منهم انما يعمل بها لوجه خاص يخص به وليس مثل هذا الاجماع دليلا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم كما هو اوضح من أن يخفى (الرابع) دعوى جريان سيرة العلماء خلفا عن سلف من غير نكير (الخامس) دعوى جريان

[ 115 ]

سيرة المتشرعة على ذلك ويرد على هذين الوجهين ما اوردناه على الوجهين الاولين من عدم الظن بكون ذلك سيرة العلماء أو المسلمين بما هم كذلك بل الظاهر انهم يعملون بالاخبار الموثوق بما انهم عقلاء فيرجع إلى (سادس) الوجوه وهو دعوى جريان سيرة العقلاء على العمل بالاخبار المفيدة للوثوق في عادياتهم وما يرجع إلى أمور دنياهم أو أخراهم وغاية ما يقتضيه الايمان هو كون الاعتماد والاعتناء بالامور الراجعة إلى باب الاطاعه والمعصية في عرض الاعتناء بالامور الراجعة إلى نظام المعيشة (ولا يخفى) صحة هذه الدعوى وان العمل بالخبر الموثوق به يجري عند العقلاء مجرى العمل بالظواهر ووجوب العمل بكل منهما انما يثبت بالسيرة القطعية العقلائية فلو لم يكن الشارع راضيا بما جرت عليه سيرتهم القطعية لكان عليه الردع عن ذلك كما في باب القياس وحيث لم يردع عنه فيثبت رضاه وامضائه ومن هذا البيان ظهر انه لانحتاج في اثبات حجية السيرة العقلائية إلى أزيد من عدم الردع وأما احتمال الاحتياج إلى الامضاء وعدم كفاية عدم الردع فضعيف لا يعبأ به الا ان يراد من الامضاء مطلق الرضا حتى المستكشف من عدم الردع فيرجع النزاع لفظيا (فان قلت) اليست الآيات الناهية عن العمل بالظن كافية في ردع الطريقة العقلائية ومعها كيف يمكن استكشاف امضاء الشارع لها (قلت) كلا فإن النهي عن العمل بالظن فرع تحقق الظن خارجا كما هو الشأن في كل قضية خارجية أو حقيقية والظن يتقوم باحتمال الخلاف لا محالة ومع وجود دليل تعبدي على حجية امارة أو قيام سيرة العقلاء على العمل بها يكون احتمال الخلاف ملغى بالضرورة ولذا تقوم مقام القطع الطريقي أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية كما اوضحنا بيانه في مباحث القطع ومعه يكون الخبر الموثوق بصدوره خارجا عن موضوع الآيات بالحكومة كما انه بدليل الحجية يكون حاكما على أدلة الاصول فالملاك في تقدم الامارات على الاصول بعينه موجود في تقدم السيرة العقلائية على الآيات الناهية عن العمل بالظن ايضا فلا بد في مقام الردع من ورود أدلة خاصة ناهية عن العمل بالسيرة كما وردت في باب القياس والمفروض انتفائها في المقام واما ما ذكره العلامة الانصاري (قده) في مقام الجواب عن هذه الشبهة وحاصله ان الآيات الناهية عن العمل بالظن اما في مقام النهي عن التشريع أو عن العمل به في مقابل الاصول اللفظية أو العملية وكلا الوجهين غير قابلين للرادعية عن العمل بالسيرة فان حرمة التشريع والعمل بالاصول اللفظية والعملية مما ارتكزت في أذهان العقلاء ومع ذلك يعملون بالاخبار

[ 116 ]

الموثوق بها في مقابل تلك الاصول ولا يرون ذلك تشريعا فهو اشبه بالخطابة من البرهان مع قطع النظر عما ذكرناه من عدم الموضوع للآيات مع قيام السيرة القطعية أو دليل تعبدي على وجوب العمل بالخبر الموثوق به ولعل عدم تمامية ما ذكره (قده) في مقام الجواب في حد نفسه هو السبب في أمره بالتأمل في آخر عبارته (وأما) ما ذكره بعض المحققين (قده) في الجواب عن ذلك بأن السيرة القطعية عن وجوب العمل بالخبر الموثوق به تكون مخصصة لعمومات الآيات الناهية عن العمل بالظن (فغير قابل) للتوجيه فإن الالتزام بالتخصيص يستلزم الالتزام بتحقق موضوع الآيات ولو مع قيام السيرة القطعية ومعه فلا يعقل الحكومة ويلزم من تقدم السيرة على الآيات توقف الشئ على نفسه فإن تقدمها عليها يتوقف على عدم كون الآيات رادعة لها وعدم ردعها لها يتوقف على تقدمها عليها وإلا كانت مردوعة بها لا محالة فيتوقف تقدمها عليها على نفسه وهو غير معقول (واما الوجوه) العقلية التي استدل بها على حجية الخبر الواحد فهي كثيرة (الاول) دعوى جريان مقدمات الانسداد في خصوص الاخبار بأن يقال انه لا اشكال في صدور كثير من الاخبار الموجودة في المجاميع المعتبرة والقرائن على ذلك الناشئة من شدة اهتمام العلماء رضوان الله تعالى عليهم وتهذيب الاخبار عن الاخبار المدسوسة كثيرة قد تعرض لها العلامة الانصاري (قده) تفصيلا ولا اشكال ايضا في عدم امكان تميز الاخبار الصادرة عن غيرها كما انه لا ريب في عدم جواز اهمالها وعدم التعرض لها رأسا فيدور الامر بين الاحتياط في تمام الاخبار بالعمل بجميعها أو العمل بالقرعة في تشخيص الصادر عن غيره أو الرجوع إلى كل ما يقتضيه الاصل في خصوص كل مورد أو العمل بخصوص ما ظن بصدوره وطرح المشكوك أو الموهوم ولا اشكال في تعين الاخير من هذه الاحتمالات إذ العمل بالاحتياط مع القطع بوجود اخبار مخالفة للاحكام الصادرة عن الائمة سلام الله عليهم غير ممكن والرجوع إلى القرعة أو إلى كل ما يقتضيه الاصل في خصوص كل مورد مقطوع العدم فيتعين العمل بالمظنون الصدور من الاخبار والغاء غيرها وهذا الوجه هو حاصل ما اعتمد عليه العلامة الانصاري (قده) سابقا ولكنه عدل عنه اخيرا واورد عليه بايرادات ثلاثة (اما الاول) فحاصله بتحرير منا ان حجية الاخبار اما ان تكون من باب الطريقية المحضة أو من باب السببية المعتزلية بان يكون في الامارات مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على ما اوضحنا بيانه سابقا واما احتمال كون الحجية من باب السببية الاشعرية الملازمة للتصويب فمقطوع العدم ولا ينبغي

[ 117 ]

التكلم عليه وحينئذ فان قلنا بالطريقية المحضة فلا ريب في عدم موضوعية لخصوص الاخبار وانما يجب التعرض لها لاجل كاشفيتها عن الاحكام الواقعية وحيث ان الاحكام الواقعية المعلومة لا يختص اطرافها بخصوص الاخبار بل يعم كل امارة متقنة كالشهرة والاجماع المنقول وغيرها فلا بد من الاحتياط في تمام اطراف الامارات أو العمل بالمظنون مطابقته منها من دون اختصاص بخصوص الاخبار وكذلك الامر ولو بنينا على السببية المعتزلية فان فيها جهتين الاولى هي الطريقية وكون وجوب العمل بالاخبار لاجل كشفها عن الاحكام الواقعية (الثانية) تدارك ما يفوت من مصلحة الواقع بتطبيق العمل على طبق الامارة وسلوكها وحيث ان الجهة الثانية في المقام متعذرة إذ المفروض عدم امكان تشخيص ما يجب العمل به عن غيره فيكون القول بالمصلحة السلوكية مشاركا مع القول بالطريقية المحضة وقد عرفت ان لازمه هو الاحتياط في تمام اطراف الامارات أو العمل بما ظن مطابقته من كل امارة من دون اختصاص بخصوص الاخبار (وتوضيح) ذلك انما هو برسم مقدمتين الاولى ان لنا مدارك ثلاثة للعلم الاجمالي بالاحكام ويختلف اطراف العلم سعة وضيقا باختلاف مداركه (الاول) قيام الاجماع والضرورة على وجود تكاليف الزامية في الشريعة المقدسة الاسلامية وكل ما يحتمل فيه التكليف سواء كان من المظنونات أو المشكوكات أو الموهومات لا محالة يكون من اطراف هذا العلم (الثاني) هو العلم الاجمالي الناشئ من تراكم الامارات الكثيرة المتقنة كالاخبار والشهرات والاجماعات المنقولة وغيرها ولا ريب ان دائرة اطراف هذا العلم هو خصوص ما قامت الامارة عليه دون المشكوكات والموهومات (الثالث) العلم الاجمالي بصدور كثير من الاخبار الناشئ من كثيرة الاهتمام بتنقيحها ودائرة هذا العلم الاجمالي اضيق من الكل لخروج مواد بقية الامارات عن اطرافه فضلا عن المشكوكات والموهومات (الثانية) ان انحلال العلم الاجمالي عبارة عن انقلاب قضية شرطية مانعة الخلو المركبة من قضيتين جمليتين مشكوكتين إلى قضية متيقنة والاخرى مشكوكة وكما يمكن انحلال العلم الاجمالي وانقلاب القضية الشرطية بالعلم التفصيلي فكذلك يمكن بالعلم الاجمالي ايضا ووجه الانحلال فيهما واحد والفرق بين الانحلال وعدم تأثير العلم الاجمالي هو ان العلم إذا تعلق بما لا يكون في بعض الاطراف موجبا لحدوث حكم جديد كما إذا علم بوقوع قطرة من البول في أحد الاناءين المسبوق احدهما بالنجاسة سواء علم ذلك حين العلم الاجمالي أو بعده فلا يكون العلم

[ 118 ]

الاجمالي مؤثرا لا محالة لعدم تعلقه بالحكم الحادث على كل تقدير الذي هو شرط تأثير العلم الاجمالي واما إذا كان العلم مؤثرا ومتعلقا بالتكليف على كل تقدير ولكنه انقلب إلى معلوم تفصيلي بمقدار المعلوم بالاجمال ومشكوك بدوي فهو المراد من انحلال العلم الاجمالي (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا فرضنا انحلال العلم الاجمالي الاول المسمى بالكبير بالعلم الاجمالي الثاني المتوسط وانحلاله بالثالث الصغير فلا محالة يتم الاستدلال بهذا الوجه على حجية الخبر الواحد إذ لا يجب معه التعرض لامتثال الاحكام إلا في خصوص الاخبار دون غيرها وأما إذا منعنا عن الانحلال فيكون الاخبار من جملة اطراف العلم الاجمالي ولا ينحصر وجوب التعرض بخصوصها والذي يستفاد من تضاعيف كلمات العلامة الانصاري (قده) هو الالتزام بانحلال العلم الاول بالثاني دون انحلال الثاني بالثالث وهذا هو الحق والضابط الكلي لانحلال العلم الاجمالي أحد أمرين متلازمين الاول انه إذا زيد على اطراف العلم من بقية المحتملات فإن زاد عدد المعلوم بالاجمال على الاول فيعلم من ذلك عدم الانحلال وعدم كون المعلوم الثاني بمقدار المعلوم الاول وإلا فلا (الثاني) انه إذا نقصنا من اطراف العلم الثاني مقدارا فلا محالة ينقص مقدار المعلوم في الباقي فإذا ضممنا إليه بقية المحتملات فإن رجع العلم الثاني بحاله فيستكشف عدم الانحلال وإلا فلا ومن هذين الضابطين يعلم صحة ما ادعيناه فانا إذا زدنا على موارد الامارات المعلوم وجود مقدار من التكاليف فيها بقية المحتملات من المشكوكات أو الموهومات فهي لا توجب زيادة مقدار المعلوم بالاجمال بالضرورة فإن ضم المحتمل لا يوجب ازيد من الاحتمال كما انا إذا نقصنا مقدارا من الامارات الموجب لنقصان المقدار المعلوم بالاجمال ثم ضممنا إلى الباقي بقية المحتملات فالعلم الاول قبل التنقيص لا يرجع بحاله فنستكشف من ذلك ان مقدار المعلوم بالاجمال في اطراف الامارات بمقدار المعلوم بالاجمال في تمام اطراف المحتملات وهو موجب للانحلال بالضرورة وهذا بخلاف العلم بخصوص التكاليف الموجودة في موارد الاخبار فإنه إذا ضممنا إلى الاخبار بقية الامارات المتقنة فلا محالة يزيد عدد المعلوم بالاجمال على الاول كما انه إذا نقصنا مقدارا معينا من الاخبار وضممنا إلى الباقي بقية الامارات فلا محالة يرجع العلم الاول إلى حاله ويستكشف من ذلك ان لنا مقدارا معلوما من التكاليف مرددا بين ان يكون في الاخبار وغيرها وهذا المقدار غير المقدار المعلوم في خصوص الاخبار ومع ذلك كيف يمكن دعوى الانحلال والقول بوجوب التعرض لخصوص

[ 119 ]

الاخبار (هذا) كله على تقدير الاغماض عن دعوى وجود العلم الاجمالي في خصوص بقية الامارات ايضا إذ مع هذه الدعوى التي لا تخلو عن بعد يكون عدم الانحلال من الواضحات الغير المحتاجة إلى البيان والحاصل انا وإن لم ندع العلم بالتكليف في خصوص بقية الامارات إلا ان وجود العلم بمقدار من التكاليف التي يدور أمرها بين ان تكون في الاخبار أو في غيرها غير قابل للانكار ومع ذلك لا موجب لدعوى انحلال العلم الاجمالي المتوسط بالعلم بوجود التكاليف في خصوص الاخبار (فإن قلت) إذا سلمت خلو بقية الامارات عن العلم الاجمالي بالتكاليف في خصوصها فالعلم بوجود تكاليف أخر غير التكاليف المعلومة في خصوص الاخبار المرددة بين ان تكون في موارد الاخبار أو غيرها من الامارات لا أثر له إذ العلم الاجمالي المختص بموارد الاخبار أوجب سقوط الاصول فيها فالتكاليف الموجودة فيها تنجزت مع قطع النظر عن العلم الاجمالي الثاني فلا يكون العلم الثاني منجز المتعلقة على كل تقدير وقد ذكرنا اشتراط منجزية العلم الاجمالي بذلك وهذا نظير ما إذا علم بوقوع قطرة من النجس اما في احد الانائين المعلوم نجاسة أحدهما اجمالا أو في اناء ثالث فانه لا ريب في عدم ترتب أثر على هذا العلم وعدم المانع عن جريان الاصل في الاناء الثالث (قلت) ليس المقام من قبيل المثال الذي ذكرته فإن المفروض عدم تأخر العلم بوجود التكاليف المرددة بين موارد الاخبار وبقية الامارات عن العلم بوجود التكاليف في خصوص موارد الاخبار فنسبة العلمين الاجماليين إلى تنجيز ما تعلق بهما واحدة وهذا نظير ما إذا علمنا بوقوع قطرتين من النجاسة في مجموع اناءات ثلاثة بحيث علم وقوع احديهما في احد الانائين وتردد الآخر بين ان تكون واقعة في الاناء الآخر أو في واحد من الانائين ايضا فانه لا ريب حينئذ في وجوب الاجتناب عن الجميع لتساوي نسبة العلمين إلى التنجيز وعدم تقدم أحدهما على الآخر بل لو فرضنا تقدم احد العلمين على الآخر أيضا لما كان العلم السابق مانعا عن تنجيز اللاحق إذا لم يكن المعلوم سابقا على المعلوم الآخر فان الميزان في عدم تأثير العلم الثاني تأخر المعلوم لا تأخر نفسه ومن الواضح عدم تأخر المعلوم بالعلم الثاني عن المعلوم الاجمالي في خصوص الاخبار وإذا كان كذلك فلا موجب لعدم تأثير العلم بالتكاليف المرددة بين الاخبار وغيرها وانحلاله بخصوص العلم الاجمالي في موارد الاخبار (وثانيا) سلمنا انحلال العلم الاجمالي الثاني بالثالث لكن ليس مقتضى ذلك هو وجوب الاخذ بكل خبر ظن

[ 120 ]

صدوره بل اللازم منه هو وجوب الاخذ بكل خبر ظن بمطابقة مؤداه للواقع وذلك لما عرفت من ان وجوب العمل بالاخبار انما هو لاجل اشتمالها على الاحكام الواقعية الصادرة عنهم عليهم السلام وعليه فإذا حصل الظن بمطابقة خبر للواقع ولو من جهة الشهرة فيجب الاخذ به وما لم يكن كذلك فلا يجب الاخذ به ولو كان مظنون الصدور ولا يخفى ان الذي ذكرناه في الجواب الثاني انما هو ملخص ما افاده الشيخ الانصاري (قده) في المقام وكان ظاهر كلام الاستاذ العلامه دام ظله انه بصدد تقريب ما افاده الشيخ في المقام ولكن ظاهر تقريبه كان يفيد معنى آخر (وحاصله) انا وان سلمنا اختصاص الحجية بالاخبار التي ظن بصدورها ولكنه إذا حصل الظن من الشهرة بكون الحكم الواقعي هو وجوب صلاة الجمعة مثلا فلا محالة يظن بصدور ذلك من الائمة سلام الله عليهم فلا بد من العمل بمقتضى تلك الشهرة ايضا ولعله دام ظله اراد ما ذكرناه في تفسير عبارة الشيخ قدس سره والا فظاهر ما أفاده لا يستقيم فان الظن بصدور الحكم من الامام عليه السلام لا دليل على اتباعه على الفرض إذ المفروض اختصاص الحجية بخصوص الاخبار المظنون صدورها فلا بد من وجود خبر يقيني ظن صدوره وبالشهرة المذكورة لا يمكن استكشاف وجود خبر كذلك كما هو واضح (وثالثا) ان لزوم العمل بالاخبار ان كان لاجل الانسداد فلازمه انحصار حجيتها بخصوص الاحكام الالزامية ولا يمكن اثبات الاباحة والاستحباب ولا تقييد المطلقات أو تخصيص العمومات بها وهذا بناء على تقدير تقريب مقدمات الانسداد من باب الحكومة واضح وكذا بناء على الكشف كما سيظهر ان شاء الله تعالى (الوجه الثاني) انا نعلم بصدور أقوال كثيرة من المعصومين عليهم السلام الموجودة فيما بأيدينا من الاخبار فتكون مؤدياتها بعد تنزيل ظهوراتها منزلة الواقع واثبات جهة صدورها بمقتضى الاصل العقلائي احكاما ظاهرية وإذا ثبت في موارد الاخبار احكاما ظاهرية بمقدار المعلوم الاجمالي المتوسط أو ازيد فلا محالة يكون منحلا بذلك ولا يوجب ضم بقية الامارات إلى الاخبار زيادة في المعلوم بالاجمال أصلا لان وجود الاحكام الظاهرية مخصوص بالاخبار فضم غيرها إليها لا يوجب زيادة في هذا المعلوم كما كان يوجب في التقريب الاول والحاصل ان منشأ دعوى الانحلال لو كان العلم بوجود الاحكام الواقعية في الاخبار الناشئة من تراكم الظنون لكان ضم بقية الامارات إليها موجبا لزيادة المعلوم لا محالة وأما إذا كان منشأه وجود الاحكام الظاهرية بمقدار المعلوم بالاجمال أو أزيد في خصوص

[ 121 ]

الاخبار فلا يوجب ضم البقية إليها زيادة في المعلوم فيكون المقام نظير ما إذا علم بوجود عشرين موطوءة من الغنم في قطيع غنم ثم علم بوجود عشرين في خصوص طائفة خاصة منها الموجب لانحلال العلم الاول ثم قام البينة على وجود عشرين أو ازيد موطوءة في خصوص البيض من الطائفة الخاصة فكما لا ريب في ان قيام البينة الموجب لجعل الحكم الظاهري يستلزم انحلال العلم الاجمالي فكذلك ثبوت الاحكام الظاهرية في خصوص الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو الازيد موجب لانحلال العلم الاجمالي المتوسط ويرد على هذا التقرير (اولا) ما يرد على ما افاده المحقق صاحب الحاشية وصاحب الفصول (قدهما) في تقريب حجية الظن بالطريق من العلم الاجمالي بجعل طرق مخصوصة غير متميزة لنا بخصوصهما إذ لا فارق بين مقامنا وبين ما افاداه الا في ان الشبهة في المقام مصداقية إذ المفروض العلم بصدور اخبار كثيرة غير متميزة باشخاصها فيعمل في تعيينها بالظن واما الشبهة على ما افاداه فحكمية وانما يعمل بالظن في تعيين كلي الحجية من غيرها وحاصل الايراد المشترك هو انا قد ذكرنا مرارا ان الحجية والطريقية وان كانتا تشتركان مع بقية الاحكام في استحالة اخذ العلم بهما في موضوعهما الا انهما تفترقان عنها بان الحجية حيث ان معناها الوسطية في الاثبات فلا يترتب على وجودها الانشائي أثر اصلا بل لا بد في ترتب الاثر عليها من وصولها إلى المكلف موضوعا وحكما وهذا بخلاف بقية الاحكام فان محركيتها وباعثيتها وان كانت تتوقف على الوصول الا انه ربما يترتب الاثر على وجوداتها الواقعية ولو مع عدم الوصول كالاعادة والقضاء فالتعبد بالظهور الموجب لجعل الحكم الظاهري انما يكون عند ثبوت الصدور ووصول الحجة ويستحيل التعبد بظهور ما لم يصل وحيث ان الاخبار الصادرة من المعصومين عليهم السلام غير واصلة لنا اشخاصها كما هو المفروض فلا يمكن ان تتصف بالحجية ومعه لا يمكن التعبد بظهوراتها حتى يكون هناك احكام ظاهرية موجبة لانحلال المعلوم بالاجمال ومما ذكرناه يظهر وجه عدم جريان اصالة عدم الصدور تقية ايضا (وثانيا) انا وان سلمنا ثبوت الاحكام الظاهرية في موارد الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد الا انه انما يوجب الانحلال إذا وجب الاحتياط في تلك الموارد مطلقا واما إذا رخص في تركه في الموهومات والمشكوكات للزوم العسر فلا يصير العلم الاجمالي الصغير موجبا لانحلال العلم المتوسط ضروة احتمال وجود الاحكام الواقعية في المشكوكات والموهومات من الاخبار (فإن قلت) الميزان في الانحلال انما هو العلم بوجود الاحكام الظاهرية في موارد

[ 122 ]

الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد لا بوجوب امتثال هذا العلم والاحتياط في اطرافه فعدم وجوب الاحتياط في اطرافه لا يضر بانحلال العلم الاجمالي اصلا (قلت) قد ذكرنا ان من شرائط تأثير العلم الاجمالي ان يكون موجبا لتنجز التكليف على كل تقدير وهذا انما يتحقق مع وجوب الاحتياط ليس الا فإذا لم يجب الاحتياط فلا يكون العلم الاجمالي مؤثرا ومعه لا يكون وجه للانحلال ابدا (فإن قلت) سلمنا ان الانحلال انما يتفرع على وجوب الاحتياط وتأثير العلم الاجمالي في تمام اطرافه الا ان ذلك انما يتم على تقدير تقريب مقدمات الانسداد على نحو الحكومة دون الكشف كما هو المختار إذ بناء عليه يكون الظن طريقا معتبرا من قبل الشرع وإذا كان المظنونات بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد فلا محالة ينحل العلم الاجمالي ويكون غير موارد المظنونات من الاخبار موردا لجريان الاصول (قلت) حجية الظن من باب الكشف انما تترتب على جريان مقدمات الانسداد ومنها انحلال العلم المتوسط بالعلم الاجمالي الصغير ضرورة انه لو لا ذلك لما كان لجريان الانسداد في خصوص الاخبار مجال اصلا بل يكون المرجع هو الانسداد الكبير فلو كان انحلال العلم الاجمالي المتوسط بالعلم الاجمالي الصغير متوقفا على جريان مقدمات الانسداد حتى ينتج حجية الظن من باب الكشف لزم الدور فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم صحة الاستدلال على حجية الخبر باجراء مقدمات الانسداد في خصوص موارد الاخبار على كل من الوجهين (الوجه الثالث) ما ذكره في الوافية مستدلا به على حجية الاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة للشيعة وحاصله دعوى القطع ببقاء التكليف سيما بالاصول الضرورية كالصوم والصلاة وكذا المتاجر والانكحة مع ان جل اجزائها وشرائطها انما تثبت بالخبر الغير القطعي بحيث نقطع بخروج هذه الامور عن حقائقها عند ترك العمل بخبر الواحد (وفيه) أولا ان دائرة العلم الاجمالي لا تنحصر بخصوص الاخبار المشروطة بما ذكر بل تعم مطلق الاخبار فاللازم هو الاحتياط أو العمل بكل خبر ظن صدوره مما دل على الجزئية أو الشرطية (وثانيا) ان مقتضى ذلك هو وجوب العمل بخصوص الاخبار المثبتة للتكليف ليس الا فلا يثبت حجية الاخبار حتى النافية منها بحيث يمكن تقييد المطلقات أو تخصيص العمومات بها كما هو المدعى (الوجه الرابع) ما ذكره المحقق صاحب الحاشية (قده) وهو ان الرجوع إلى الكتاب والسنة ثابت بالاجماع والضرورة فإن امكن الرجوع اليهما على وجه يحصل العلم فهو والا فالمتبع هو الظن وفيه اولا ان ما ذكره بعض مقدمات الانسداد

[ 123 ]

فإن ضم إليه بقية المقدمات فهو والا فلا يترتب عليه بخصوصه شئ اصلا (وثانيا) ان مراده من السنة ان كان هي السنة الواقعية اعني بها قول المعصوم وفعله وتقريره عليه السلام فالمحذور الذي يلزم من اهمالها انما هو بعينه المحذور المترتب على اهمال الاحكام الواقعية فيرجع هذا الوجه إلى الانسداد الكبير ولا يكون لخصوص الاخبار خصوصية اصلا وان كان مراده (قده) منها هي السنة الحاكية لقول المعصوم أو فعله أو تقريره فمحذور اهمالها انما هو المحذور المذكور في الوجه الاول من الادلة العقلية على حجية الخبر الواحد بعد فرض كون حجية الاخبار من باب الطريقية فيرد عليه الايرادات المذكورة على كل من التقريبين اللذين ذكرناهما فيه (هذا كله) في الوجوه التي ذكروها على حجية خصوص الخبر واما الوجوه المذكورة لحجية مطلق الظن فهي اربعة ولا بأس قبل الشروع في ذلك من بيان اصطلاح وهو ان المراد من الظن الخاص هو الظن الثابت حجيته بغير دليل الانسداد ولو كان مفاد ذلك الدليل هو حجية مطلق الظن كما ان المراد من الظن المطلق هو الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد ولو كان مقتضاه حجية طائفة خاصة من الظنون كالظن الاطمئناني مثلا دون غيرها إذا عرفت ذلك فنقول الوجه الاول الذي استدل به على حجية مطلق الظن هو ان في مخالفة المجتهد لما ظنه من الوجوب أو الحرمة ظن بالضرر وهو العقاب أو المفسدة في الترك أو الفعل ودفع الضرر المظنون لازم بحكم العقل فيجب العمل بكل مظنون (وقد) اورد على هذه القاعدة بوجوه منها ما عن الحاجبي من منع الكبرى بتقريب ان دفع الضرر المظنون بناء على التحسين والتقبيح العقليين امر مستحسن لا انه واجب عقلا (وفيه) ان حكم العقل بوجوب دفع العقاب المظنون بل المحتمل ليس مبتنيا على قاعدة التحسين والتقبيح وكل منهما اجنبي عن الآخر رأسا فإن حكمه بوجوب دفع العقاب انما هو بعد تمامية الحكم من قبل المولى ومرتبته مرتبة الامتثال فهو حكم في سلسلة المعلولات وحكم الشارع في هذا المقام ارشادي ليس الا وهذا بخلاف حكمه بالتحسين والتقبيح فإن حكمه بذلك انما هو في سلسلة العلل المترتبة عليها حكم مولوي شرعي بناء على ثبوت قاعدة الملازمة فأين احد الحكمين من الآخر (وثانيا) ان حكم العقل بلزوم دفع العقاب المظنون أو المحتمل مما اطبق عليه العقلاء وعليه يتفرع لزوم الفحص عن اصل الدين واحكامه ولو لا ذلك لما وجب النظر في المعجزة فيلزم افحام الانبياء وابطال الشرائع مطلقا ومع ذلك كيف يمكن ان يقال ان دفع العقاب المظنون امر مستحسن لا انه واجب عقلا

[ 124 ]

(ومنها) ما عن العدة والغنية من ان الحكم المذكور مختص بالامور الدنيوية دون الاخروية كالعقاب (وفيه) أن الضرر الاخروي اعظم بمراتب من الضرر الدنيوي فكيف يمكن الالتزام بوجوب الدفع في الثاني دون الاول إلا انه يمكن أن يكون مرادهما أن حكم العقل بوجوب الدفع من باب التحسين والتقبيح يختص بخصوص الامور الدنيوية دون الاخروية لما عرفت من أن حكم العقل فيها اجنبي عن حكمه بالتحسين والتقبيح راسا (ومنها) النقض بالامارات التي قام الدليل القطعي على عدم اعتبارها كالقياس ونحوه فلو كان دفع الضرر المظنون لازما بحكم العقل لما كان قابلا للتخصيص فمن عدم اللزوم ولو في مورد واحد يستكشف عدم اللزوم مطلقا (وفيه) أن حكم العقل إنما هو فرع تحقق موضوعه وهو الظن بالعقاب ومع القطع يكون العمل بالقياس منهيا عنه لما كان هناك احتمال ضرر في تركه فضلا عن الظن به (هذا) وقد اورد على هذا النقض بوجهين آخرين (الاول) الالتزام بعدم حرمة العمل بها في حال الانسداد ودعوى اختصاص النهي بحال الانفتاح وفيه أن ذلك مخالف للاجماع بل الضرورة (الثاني) ان الممنوع إنما هو العمل بهذه الامارات من باب التعبد والتدين لا من باب الرجاء والاحتياط كما في المقام (وفيه) أن من المقطوع الغاء الشارع لهذه الامارات مطلقا بحيث لا يرضى للاعتناء بشأنها ولو كان من باب الاحتياط والرجاء (فالتحقيق) في الجواب هو منع الصغرى بدعوى أن الظن بالوجوب أو الحرمة لا يستلزم الظن بالمفسدة ولا الظن بالعقاب اصلا (وتوضيح) ذلك إنما هو برسم مقدمات (الاولى) أنا قد ذكرنا مرارا ان العقل المستقل بالحكم في باب الاطاعة والعصيان كما يحكم على العبد بلزوم فحصه عن احكام مولاه واستعلامها من مظانها بحيث لو أخل بذلك لكان موردا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كذلك يحكم على المولى بلزوم إرساله الرسل وانزاله الكتب وايصال الاحكام على العبيد وعدم صحة عقابه على المخالفة من دون ذلك فحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل انما يتحقق عند اخلال العبد بوظيفته كما ان حكمه بقبح العقاب بلا بيان انما يتحقق فيما إذا كان القصور من طرف المولى فقاعدة القبح تكون حاكمة على قاعدة وجوب دفع الضرر ورافعة لموضوعها ويستحيل ورودهما على مورد واحد ولو شك في مورد انه داخل في اي القاعدتين فيحكم بدخوله في مورد قاعدة وجوب دفع الضرر لاحتمال الضرر مع عدم الجزم بجريان قاعدة القبح وجدانا (الثاني) ان مناطات الاحكام التي لا سبيل للعقل إلى ادراكها تنقسم إلى قسمين فمنها ما لا يرضى

[ 125 ]

الشارع بفواتها حتى عند الجهل كالدماء والفروج والاعراض (ومنها) ما لا تكون بهذا المثابة من الاهمية وليس فيها اقتضاء اهتمام الشارع بها حتى في تلك الحال اما القسم الاول فالاحكام الواقعية الناشئة منها حيث انها قاصرة عن الباعثية حال الجهل فلا محالة يلزم على الشارع جعل متمم لها حفظا لاغراضها بايجاب الاحتياط في مواردها وأما القسم الثاني فالاحكام الواقعية في مواردها أن وصلت فبها وإلا فلا يكون مجال لايجاب الاحتياط اصلا وطريق استكشاف كل من القسمين عن الآخر إنما هو جعل الاحتياط وعدمه فلو شككنا في مورد أن المناط من أي القسمين فمن نفس عدم ايجاب الاحتياط نستكشف كون المناط من قبيل الثاني دون الاول كما أنه لو شككنا في ايجاب الاحتياط وعدمه نتمسك بإصالة البراءة فإن جعل الاحتياط الذي هو متمم للجعل الاول من شؤون المولى ووظيفته فالعقاب على المخالفة مع عدم وصول هذا الحكم من قبله عقاب بلا بيان والحاصل أن حال ايجاب الاحتياط حال نفس الاحكام الواقعية في جريان إصالة البراءة عند الشك فيها فتحصل أن مقتضى الشك في الامر الثاني على خلاف مقتضاه في الامر الاول (الثالثة) ان المناطات التي تكون الاحكام تابعة لها إما أن تكون في موارد الاحكام الوجوبية أو التحريمية والاحكام الوجوبية اما أن تكون عبادية أو غيرها اما الاحكام العبادية ففوت الملاكات عند الجهل بها لاجل قصور في أنفسها وعدم تمكن المكلف من ادراكها بعد اشتراطها بقصد القربة الغير المتمشي من الجاهل واما في غير العباديات فالفائت عند الجهل إنما هي مصالح الزامية نوعية أو شخصية وليس في ترك المصلحة ضرر اصلا فلا يكون الظن بالوجوب ظنا بالمفسدة والضرر في المخالفة وأما الاحكام التحريمية فإن كان المناط فيها مفاسد نوعية فلا يلزم من اقتحامها ضرر على المكلف وإن كان مفاسد شخصية فحيث ان الشارع لم يوجب الاحتياط في موارد الظن بها فمن ذلك نستكشف عدم الاهتمام بها وعدم قابليتها للملاكية في مقام الثبوت والواقع فلا يكون في مخالفة الحكم المظنون ظن بالوقوع في الضرر وهو المفسدة اصلا ومما ذكرناه يظهر عدم لزوم التدارك من الشارع المرخص في الموارد المشتبهة فإن ترخيصه وعدم ايجابه الاحتياط إنما هو لاجل عدم اقتضاء المناطات لذلك الجعل وقصورها في انفسها فلا يستند الفوت إلى الشارع حتى يجب عليه تداركها هذا مضافا إلى انا قد ذكرنا سابقا أن لزوم التدارك إنما يتصور في زمان الانفتاح في صورة واحدة وهي ما إذا كان المناط شخصيا وكان الحكم تحريميا حتى يلزم من جعل الطريق القاء المكلف في

[ 126 ]

المفسدة فيحكم بلزوم التدارك بالالتزام بالمصلحة السلوكية واما إذا فرض انسداد باب العلم كما في محل الكلام فلا يكون في فوت المناطات محذور اصلا حتى يحتاج إلى التدارك هذا كله في بيان عدم استلزام الظن بالحكم للظن بالمفسدة واما بيان عدم استلزامه الظن بالعقاب فتوضيحه ان العقاب إذا كان من لوازم مخالفة نفس الحكم الواقعي فلا ريب ان الظن به يكون ملازما للظن بالعقاب لا محالة وأما إذا كان العقاب متفرعا على المعصية ومخالفة الحكم المنجز فلا وحيث ان المفروض عدم قيام الدليل على حجية مطلق الظن ومنجزيته فلا يكون هناك ظن بالعقاب اصلا (ثم) ان في كلمات شيخنا العلامة الانصاري (قده) مواقع للنظر لا بأس بالاشارة إليها (الاول) ما افاده بقوله اللهم (الخ) من احتمال عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع الظن بالوجوب والحرمة وتبعه على ذلك المحقق صاحب الكفاية (قده) وفيه ان الظن ما لم يثبت حجيته وطريقته كما هو المفروض لا يكون بيانا ومع عدم بيانيته لا يكون مانع عن جريان القاعدة اصلا (وبالجملة) موضوع القاعدة ليس هو الشك بل كل ما لا يكون حجة وبيانا فالظن الذي لا يكون حجة يجري عليه حكم الشك ويحكم معه العقل بقبح العقاب بلا بيان (الثاني) ما افاده بقوله فالاولى أن يقال إلى (الخ) فإنه التزم (قده) بملازمة الظن بالحكم مع الظن بالمفسدة لكنه (قده) التزم بالتدارك وجريان الاصل في مورده وفيه ما عرفت من عدم الملازمة بين الظنين وعدم الاحتياج إلى الالتزام بالتدارك اصلا (الثالث) ما افاده في آخر كلامه من ان الضرر المظنون يتدارك بالادلة الظنية الدالة على البراءة أو الاستصحاب (وفيه) انه لا يعقل الجمع بين قاعدة وجوب دفع الضرر المظنون وبين التدارك اللازم من جريان الاصول النافية فانه مع تسليم كون المورد من موارد القاعدة وحصول الظن بالعقاب لا يمكن جريان الاصول حتى يترتب عليها التدارك كما انه مع عدم تسليم كونه من مواردها لا وجه للالتزام بالتدارك فالالتزام بهما مستلزم للجمع بين النقيضين (الوجه الثاني) انه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح وفيه انه احد مقدمات دليل الانسداد ولا يترتب عليه اثر إلا بعد ضم بقية المقدمات إليه فلا يكون وجها آخر في قباله (الوجه الثالث) انا نعلم اجمالا باحكام كثيرة ومقتضى ذلك وان كان هو الاحتياط الا ان استلزامه العسر المرفوع في الشريعه اوجب التنزل إلى الظن (وفيه) ان ذلك ايضا بعض مقدمات دليل الانسداد ولا يترتب عليه بخصوصه مع عدم ضم بقية المقدمات إليه اثر اصلا (الوجه الرابع) هو الدليل المعروف

[ 127 ]

بدليل الانسداد وهو مؤلف من مقدمات يترتب عليها حكم العقل بلزوم كون الظن حجة شرعية الذي هو معنى الكشف أو حكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية الذي هو من صغريات كلي حكم العقل بوجوب الاطاعة الواقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي وهذا معنى الحكومة والاختلاف بين الكشف والحكومة انما هو من جهة الاختلاف في تقرير المقدمات كما سيتضح ان شاء الله تعالى (المقدمة) الاولى دعوى انسداد باب العلم والعلمي في معظم الاحكام الشرعية وهذه هي عمدة مقدماته وتصديق هذه المقدمة وتكذيبها انما يعلم بالرجوع إلى ما ذكرناه سابقا في وجه حجية الظواهر وسند الاخبار الموثوق بها فإن تم ذلك فلا تصل النوبة إلى مقدمات الانسداد فجريان مقدمات الانسداد فرع المنع عن حجية الظهور أو عن حجية سند الاخبار على سبيل منع الخلو ومع تسليمها كما هو المختار لا تصل النوبة إلى حجية الظن المطلق بدليل الانسداد والعجب من المحقق القمي (قده) وبعض من تبعه حيث ذهبوا إلى حجية الظن المطلق بدليل الانسداد ولو مع تسليم حجية الظواهر وسند الاخبار مدعيا بأن حجيتهما انما هي لاجل كونهما ظنا لا لخصوصية فيهما وفيه (اولا) ان هذا احتمال لا يعتمد عليه في قبال ظواهر الادلة (وثانيا) ان لازم ذلك هو دعوى ان الدليل الدال على حجية الخبر يدل على حجية كل ظن واين ذلك من دليل الانسداد ثم لا يخفى ان المحقق صاحب الكفاية (قده) زاد في المقدمات مقدمة اخرى وجعلها المقدمة الاولى وهي العلم ببقاء التكاليف حال الانسداد زعما منه ان الترتيب الطبيعي يقتضي ذلك إذ لولا العلم ببقاء التكاليف لما كان مجال لدعوى الانسداد ابدا وهذا منه (قده) عجيب فإنه ان اراد من العلم ببقاء التكاليف عدم نسخ الشريعة وبقاء احكامها إلى يوم القيامة فهو من ضروريات الدين ومن الامور المسلمة في المقام فلا معنى لجعلها من المقدمات والا فليجعل اثبات الصانع والنبوة من المقدمات ايضا وان اراد منه لزوم التعرض لها في فرض الانسداد وعدم جواز إهمالها فهي عين المقدمة الثانية وليست في قبالها مقدمة اخرى (فالاولى) جعل المقدمات اربع كما صنعه العلامة الانصاري (قده) (المقدمة الثانية) انه يجب التعرض لامتثال الاحكام الواقعية وعدم جواز اهمالها وهذه المقدمة لها مدارك ثلاثة (الاول) الاجماع القطعي من العلماء على ان المرجع على تقدير إنسداد باب العلم ليس هو الرجوع إلى اصالة البراءة أو اصالة العدم وليس دعوى الاجماع في المقام مبنية على مشاهدة كلماتهم في هذا المقام ضرورة ان مسألة الانسداد من

[ 128 ]

المسائل الحادثة وقل من تعرض لها وانما هي مبتنية على فهم ذلك من مطاوي كلماتهم ومعلومية مذاقهم وقد تعرض شيخنا العلامة الانصاري (قده) لاستفادة ذلك من موارد كلماتهم فراجع (فإن قلت) سلمنا قيام الاجماع على عدم جواز اهمال الوقائع المشتبهة على تقدير الانسداد لكن ذلك ليس إلا اجماعا تقديريا واي فائدة تترتب على الاجماع التقديري (قلت) الاجماع ليس تقديريا وإنما التقدير في المجمع عليه وهو عدم جواز الاقتصار على القطعيات واهمال الوقائع المشتبهة في فرض الانسداد وليس التقدير في هذا الحكم إلا كالتقدير في تمام الاحكام الشرعية المعلقة على وجود موضوعاتها كما هو شأن القضايا الحقيقية فحال الاجماع في المقام في كونه كاشفا قطعيا عن الحكم الشرعي كحال بقية الاجماعات من دون خصوصية في المقام اصلا (الثاني) لزوم الخروج من الدين من الاهمال ولا نعني بذلك الارتداد بل المراد منه ان من لا يتعرض لامتثال الاحكام الشرعية بوجه يعد في نظر اهل الديانة غير مبال بالدين وخارجا عن ربقته وهذا المحذور محذور شرعي لا يدور مدار حرمة المخالفة القطعية (الثالث) لزوم المخالفة القطعية من الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام المعلومة وهذا الوجه يبتنى على القول بمنجزية العلم الاجمالي اما مطلقا أو بالقياس إلى حرمة المخالفة القطعية فقط ولا يخفى انا لو استندنا في ابطال الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام بوجه إلى احد الوجهين السابقين الذين مدركهما حكم الشرع بذلك فيكون ذلك اساسا للكشف فإن حكم الشارع بذلك يوجب جعل الطريق لا محالة واما إذا كان المستند هو حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية للعلم الاجمالي فيكون ذلك اساسا للحكومة وحكم العقل بوجوب الاطاعة الظنية عند عدم التمكن من الاطاعة القطعية نعم إذا كان المستند هو حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية فقط من دون بناء على وجوب الموافقة القطعية ايضا كما هو احد الاقوال في مسألة العلم الاجمالي فلا يكون لهذه المقدمة ارتباط خاص بخصوص الكشف أو الحكومة وتجتمع مع كل واحد منهما * (المقدمة الثالثة) * عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررة للجاهل من التقليد أو الرجوع إلى احد الاصول الاربعة اما عدم جواز التقليد فواضح ضرورة انه من شأن الجاهل والمفروض ان القائل بالانسداد ربما يكون في اعلى مراتب الاجتهاد ويرى خطاء من ذهب إلى انفتاح باب العلم أو العلمي وليس الحكم بوجوب رجوعه إلى الغير إلا من باب الحكم برجوع العالم إلى الجاهل في نظره واما عدم جواز الرجوع إلي البراءة فقد ظهر من المقدمة

[ 129 ]

الثانية وهو عدم جواز اهمال الوقائع المشتبهة واما الرجوع إلى الاستصحابات المثبتة للتكليف فهو مع انه على تقدير صحته لا يترتب عليه فائدة في المقام ضرورة قلة الاستصحابات المثبتة في الفروع الفقهية جدا فلا يكون ضمها إلى القطعيات موجبا لانحلال العلم الاجمالي غير صحيح في نفسه لما مرت إليه الاشارة وسيجئ في محله ان شاء الله تعالى من ان الاصول التنزيلية كالاستصحاب لا يمكن اجراءها في مورد العلم الاجمالي بخلافها وان لم يلزم منه مخالفة عملية وليس المحذور من الجريان هو لزوم التناقض في المدلول المختص بخصوص الاستصحاب كما افاده العلامة الانصاري (قده) بل المحذور ما ذكرناه من منافاة التنزيل مع العلم الوجداني بالخلاف فإذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم نجاستهما سابقا فلا يمكن الحكم بالبناء على بقاء نجاستهما ولو لم يكن هناك مخالفة عملية ومن ذلك يظهر عدم جواز الرجوع إلى الاستصحابات النافية للتكليف ايضا مع انه فيها محذور لزوم المخالفة القطعية ايضا وللمحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام كلام يرجع حاصله إلى المنع عن مانعية العلم الاجمالي عن جريان الاستصحاب في الاطراف ما لم يلزم المخالفة القطعية منه اولا ولو سلم مانعيته عنه في غير المقام فيمنع عن مانعيته في المقام ثانيا بتقريب ان العلم الاجمالي بمخالفة بعض الاصول المثبتة للواقع انما هو باعتبار مجموع الاحكام ومن الضروري ان شك المجتهد بالاضافة إليها ليس فعليا وانما يكون الشك كذلك في كل مسألة مسألة وليس في خصوصه علم بالمخالفة حتى يكون مانعا عن جريان الاستصحاب ثم افاد بعد ذلك ان ضم الاصول المثبتة إلى القطعيات ربما يوجب انحلال العلم الاجمالي فلا يكون مانع من جريان الاصول النافية ايضا ولا يخفى ان ما ذكره اولا يبتنى على ان يكون المانع من جريان الاصول في الاطراف ما ذكره العلامة الانصاري (قده) من ان شمول ادلة الاصول لاطراف المعلوم بالاجمال يستلزم التناقض في مدلولها ضرورة ان الشك المذكور في صدر رواية الاستصحاب كما يعم الشك المقرون بالعلم الاجمالي كذلك اليقين المذكور في ذيلها المعلق عليه ناقضية اليقين السابق يعم اليقين الاجمالي فيلزم من ذلك الحكم بجريان الاستصحاب في كل من الاطراف مع الحكم بعدم الجريان في الواحد لا بعينه وهذا هو محذور لزوم التناقض في المدلول (واورد) عليه في الكفاية بما حاصله ان عدم شمول الرواية المشتملة على الذيل المذكور لاطراف العلم الاجمالي لما ذكر من المحذور لا يستلزم عدم شمول بقية الروايات الغير المشتملة عليه ضرورة ان اجمال احد الدليلين لا يوجب سرايته إلى الادلة الاخر فبمقتضى الروايات العارية عنه يحكم

[ 130 ]

بجريان الاستصحاب في الاطراف ما لم يلزم منه مخالفة عملية وانت خبير بأن ما افاده العلامة الانصاري (قده) من المحذور مع اختصاصه بخصوص الاستصحاب وعدم جريانه في غيره من الاصول التنزيلية غير تام في نفسه فإن الظاهر أن اليقين الناقض لا بد وان يرد على مورد اليقين السابق ومن الواضح ان اليقين الاجمالي ليس كذلك فان متعلق اليقين السابق هو كل واحد من الاطراف ومتعلق اليقين اللاحق الاجمالي هو الواحد لا بعينه فلا يكون مثل هذا ناقضا لكل واحد من الايقان المتعلق كل منها بكل واحد من الاطراف بل المحذور من عدم الشمول هو ما عرفت من ان الاصول التنزيلية حيث انها منزلة منزلة العلم الطريقي فلا يمكن التعبد بها مع العلم الوجداني بالخلاف فكيف يمكن البناء على نجاسة كل من الاناءين المعلوم طهارة أحدهما لا بعينه وهذا لا يفرق فيه بين الاستصحاب وغيره من الاصول المتكفلة للتنزيل (وأما) ما أفاده قدس سره ثانيا من عدم المانع من جريان الاصول المثبتة في المقام لعدم فعلية الشك في تمام الاطراف حتى يكون العلم الاجمالي بمخالفة بعضها للواقع موجبا لسقوط الجميع (فتوضيح) بطلانه يتوقف على بيان امر وهو ان الاستصحاب (تارة) يجري في الشبهات الموضوعية (واخرى) في الشبهات الحكمية من جهة احتمال النسخ (وثالثة) في الشبهات الحكمية من جهة تغيير بعض حالات الموضوع كما في الماء المتغير الزائل تغيره من قبل نفسه المحكوم بالنجاسة من جهة الاستصحاب أما الاستصحاب في (القسم الاول) فجريانه لا يتوقف على شك المجتهد وإنما يدور مدار فعلية الشك من المقلد مع وجود الموضوع الخارجي مثلا لا بد ان يكون في الخارج ماء يقطع المكلف بنجاسته ثم يشك في نجاسته حتى يحكم بنجاسته للاستصحاب وليس شأن المجتهد في امثال تلك الشبهات الا الحكم بجريان الاستصحاب عند فعلية الشك من المكلفين واما جريان الاستصحاب في (القسم الثاني) فمداره هو شك المجتهد ليس الا وليس من شأنه عند الشك في النسخ الا الحكم بالبقاء من دون حاجة إلى وجود موضوع في الخارج أو فرض وجوده فيه وجريان هذا القسم من الاستصحابات كالقسم الاول خارج عما هو محل الكلام في المقام من جريان الاصول المثبتة واما (القسم الثالث) فلا ريب ان جريان الاستصحاب فيه والحكم بنجاسته الماء المذكور مثلا فرع فعلية الشك من المجتهد وفرض وجود ماء خارجي متغير زال عنه تغيره من قبل نفسه من دون توقف على وجود ماء كذلك في الخارج أو شك المقلد فيه (والوجه) في ذلك ان شأن المجتهد انما هو الافتاء بما استنبطه من الاحكام وشأن المقلد هو اتباع

[ 131 ]

رأيه وفتواه فكما انه عند الشك في ارادة خلاف الظاهر يفتى على طبق الظاهر ويجب على المقلد ابتاعها وان لم يحصل له شك في ذلك بل كان غافلا محضا فكذلك عند الشك في بقاء الحكم الكلي مع تبدل بعض الحالات يفتى ببقاء الحالة السابقة ويجب على المقلد اتباعها فشك المجتهد في بقاء مثل هذا الحكم يساوق شك عموم المكلفين في ذلك إذ شكه في ذلك موجب لا فتائه بالبقاء الواجب اتباعها عليهم وما يقال من ان المجتهد نائب عن المقلدين في الشك المذكور وفي جريان الاستصحاب في حقه كلام لا معنى له بل الوجه في الجريان هو ما ذكرناه ليس إلا " إذا عرفت ذلك فنقول " لا ريب أن حكم المجتهد بنجاسة الماء المذكور يتوقف على فعلية شكه كما عرفت واما علمه بان هناك احكام كلية ثابتة على موضوعاتها المقدر وجوداتها وعلمه بان بعض تلك الموضوعات ربما يتغير بعض حالاتها وان وظيفته هو اجراء الاستصحاب في تلك الموارد فهو لا يتوقف على وجود شك وفعلية استنباط اصلا بل هو حاصل للمجتهد من اول الامر وفي عرض هذا العلم يعلم علما اجماليا ايضا بان جملة من تلك الموارد التي لا بد وان يفتى فيها بالاستصحاب مخالفة للواقع أو ان هناك امارات معتبرة قائمة على خلافها وإذا كان كذلك فحيث ان الاحكام الشرعية كلها في عرض واحد والتدريجية انما هي في الاستنباط فاول مسألة يشك المجتهد فيها لا يمكن له ان يفتي فيها بالحكم بمقتضى الاستصحاب إذ نسبة العلم الاجمالي إلى الجميع على حد واحد وان لم يكن الشك في الجميع فعليا (وباجملة) تدريجية الاستنباط واستفادة الحكم الشرعي من الادلة لا ربط لها بتدريجية نفس الاحكام الشرعية ومع علم المجتهد بان جملة من استنباطاته تكون مخالفة للواقع أو للدليل المعتبر على خلافها لا يمكن له الفتوى في اول مسألة يقوم فيها مقام الاستنباط (هذا) مع انه لو لم يكن هذا العلم الاجمالي مانعا عن اجراء الاصول المثبتة لما كان مانعا عن اجراء الاصول النافية ايضا فان المخالفة القطعية المانعة عن جريانها انما تكون كذلك فيما إذا كان الشك في تمام الاطراف فعليا ومع عدمه لا مانع من اجرائها كما هو المفروض فلا وجه للتفكيك بين الاصول المثبتة والنافية كما هو واضح " ثم " ان ما افاده قده من احتمال انحلال العلم الاجمالي بضم الاصول المثبتة إلى القطعيات يرد عليه (اولا) ما اشرنا إليه من ان الاصول المثبتة في غاية القلة والندرة فيكف يمكن ان يكون ضمها إلى القطعيات موجبا لانحلال العلم الاجمالي (وثانيا) لو سلمنا انحلال العلم الاجمالي بالاحكام الواقعية بضمها إلى القطعيات لكونها بقدرها لكن العلم الاجمالي بوجود احكام كثيرة في الامارات الموجودة بايدينا يستحيل انحلاله

[ 132 ]

بضم الاصول المثبتة إلى القطعيات ضرورة وجود هذا العلم الاجمالي بعد اجراء الاصول المثبتة ايضا واما الاحتياط فله مراتب ثلاث (الاولى) الاحتياط الموجب لاختلال النظام (الثانية) الاحتياط الموجب للعسر والحرج (الثالثة) الاحتياط الغير الموجب لشئ منهما ويختلف الحال باختلاف المدرك في ابطال الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام الشرعية راسا فانا إذا بنينا على بطلان ذلك من جهة الاجماع أو لزوم الخروج من الدين حتى يكون البطلان مستند إلى الدليل الشرعي فلا محالة يكون الاحتياط على تقدير وجوبه واجبا شرعيا بحكم العقل إذ هو الطريق الواصل بنفسه اولا والمحرز للواقعيات من دون احتياج إلى معين آخر لكن من المعلوم ان العقل لا يستقل بوجوبه شرعا فيما إذا لزم منه اختلال نظام وهو الاحتياط الكلي في المظنونات والمشكوكات والموهومات واما المرتبة النازلة منه الموجبة للعسر والحرج فادلة نفي الحرج وان لم تكن رافعة لوجوب تلك المرتبة شرعا لما اشرنا إليه في بعض المباحث السابقة من ان ادلة الحرج انما تكون حاكمة على الاحكام المجعولة ويرفعها عن الموارد الحرجية وهي غير متكفلة لاثبات عدم جعل حكم حرجي في الشريعة كليا والحاصل ان مفاد تلك الادلة تضييق دائرة الاحكام المجعولة لا نفي جعل الحكم الحرجي راسا الا ان هذه المرتبة أو ما دونها الغير الموجب للعسر والحرج ايضا ليس طريقا واصلا بنفسه لتردد العقل بين وجوب هذه المرتبة من الاحتياط أو حجية الظن شرعا فلا يستقل العقل بشئ من الامرين من دون معين خارجي واما إذا بنينا على بطلان الاهمال من جهة العلم الاجمالي ووجوب الموافقة القطعية عقلا فمن الضروري عدم استقلال العقل بذلك مع استلزامه للاختلال (وهل) يستقل به مع استلزامه العسر والحرج أم لا الذي يظهر من المحقق صاحب الكفاية (قده) تفرع ذلك على الاختلاف في معنى لا حرج فإنه إذا كان معناه نفي الحكم الحرجي بمعنى ان كل حكم ينشأ من قبله الحرج غير مجعول في الشريعة فالاحكام الموجودة في أطراف العلم الاجمالي حيث أن الحرج ناشئ من قبلها فلا محالة تكون مرفوعة ولا يجب الاحتياط مراعاة لها وأما إذا كان معناه نفي الحكم بنفي الموضوع كما هو مختاره (قده) فلا يكون لادلة الحرج حكومة في المقام فإن الموجب للحرج هو الجمع بين المحتملات وهذا غير محكوم بحكم شرعي حتى يكون مرفوعا والمحكوم بالحكم الشرعي انما هي الموضوعات المشتبهة المرددة بين الاطراف وهي ليست بحرجية حتى تكون أحكامها مرتفعة (وبالجملة) أدلة نفي الحرج انما تكون حاكمة على الاحكام الشرعية دون الاحكام العقلية

[ 133 ]

والموجب للعسر في المقام هو موضوع الحكم العقلي دون الشرعي (وأنت خبير) بفساد ذلك أما (أولا) فلان مفاد أدلة نفي الحرج وان سلمنا أنه نفي الحكم بنفي موضوعه الا أنه لا اشكال في حكومتها على الاحكام الشرعية وأنها تنفي كل حكم شرعي يكون موضوعه حرجيا بل لو لم نقل بالحكومة لقدمت عليها أيضا بالاظهرية وحينئذ فمقتضى تلك الادلة ان الموارد المحتملة التي يلزم من الاحتياط فيها حرج يكون الحكم الشرعي في تلك الموارد على تقدير وجوده فيها مرفوعا ويكون نتيجة ذلك هو التكليف المتوسط باتيان مقدار من المحتملات وترك المقدار الزائد الموجب للعسر والحرج (وتوضيح ذلك) ان حال الحرج في رفعه للاحكام الشرعية حال الاضطرار في رفعه لها من دون فرق بينهما الا في أن الحرج لكونه رافعا شرعيا يمكن أن يكون رافعا لملاك الحكم أيضا وهذا بخلاف الاضطرار فإنه لا يرفع الانفس الحكم دون ملاكه وسيجئ في مسألة الاضطرار إلى بعض اطراف العلم الاجمالي أن الاضطرار إذا كان إلى بعض معين من الاطراف فإن كان قبل العلم الاجمالي بوجود التكليف بين الاطراف فلا أثر للعلم الاجمالي أصلا وأما إذا كان بعده فيكون حال الاضطرار حال الفقدان في لزوم الاجتناب عن الطرف الغير المضطر إليه ضرورة ان مقتضى الاضطرار هو ارتفاع الحكم عما اضطر إليه على تقدير وجود الحكم فيه لا مطلقا وأما الاضطرار إلى الغير المعين فلا يفرق فيه بين سبقه على العلم الاجمالي أو تأخره عنه في أن مقتضاه هو المعذورية في مخالفة الحكم الواقعي إذا صادف مورده للطرف المختار لا مطلقا مثلا إذا علم بوجود النجاسة بين أحد الانائين وفرض اضطرار المكلف إلى شرب واحد منهما فمقتضى الاضطرار أن الاناء الذي يختار المكلف شربه خارجا إذا كان في الواقع هو الاناء النجس فلا محالة يكون المكلف معذورا في مخالفته وأما إذا كان النجس هو الاناء الآخر فلا موجب لمعذورية المكلف في ارتكابه ضرورة أنه لا يحتمل اضطرار المكلف إلى شرب النجس في المثال وانما يحتمل مصادفة ما يختاره في الخارج مع الاناء المتنجس ولازم ذلك هو المعذورية في فرض المصادفة لا مطلقا وهذا هو التكليف المتوسط من حيث التنجز وكذلك الحال في الحرج فإذا كان رعاية المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف حرجيا فلازم ذلك هو معذورية المكلف عن مخالفة الاحكام الموجودة في تلك الموارد لا مطلقا مثلا إذا علم بوجود تكاليف بين الموارد المظنونة والمشكوكة والموهومة والمفروض أن رعاية العلم الاجمالي في تمام تلك الاطراف مستلزمة للوقوع في العسر والحرج فلازم ذلك هو ترك مقدار

[ 134 ]

يرتفع به الحرج ليس الا إذ لو كان التكاليف في تلك الموارد لكان المكلف معذورا في مخالفتها وأما إذا كانت في غيرها فلا موجب للمعذورية كما في الاضطرار بعينه وهل لزوم الحرج في المقام من رعاية العلم الاجمالي مطلقا من قبيل الاضطرار إلى الواحد لا بعينه أو من قبيل الاضطرار إلى المعين نظرا إلى ضعف الاحتمال في طرف الموهومات فيه كلام علمي لكنه لا يترتب عليه اثر في المقام ضروة انه لو كان من قبيل الاضطرار إلى المعين ايضا لا بد من رعاية العلم الاجمالي في الجملة فان الحرج غير سابق على العلم الاجمالي حتى يكون مانعا عن تأثيره كما في الاضطرار بعينه نعم يختلف رافعية الحرج للتكليف في الجملة بين كون بعض معين من الاطراف حرجيا وبين غيره في ان رافعيته في الصورة الاولى رافعية واقعية وموجبة لارتفاع الحكم الواقعي عن مورد الحرج والاضطرار وهذا بخلاف الصورة الثانية فان الرافعية في تلك الصورة رافعية ظاهرية وموجبة لمعذورية المكلف في مخالفة التكليف الواقعي الموجود في الطرف المختار فوجود التكليف المتوسط وان كان مشتركا بين الصورتين الا أن ارتفاع الحكم في احديهما واقعي وفي الاخرى ظاهري فتحصل أن ادلة الحرج وان لم تكن لها حكومة على الحكم العقلي بوجوب الاحتياط الا أنها تكفي حكومتها على الاحكام الشرعية إذا صادفت مواردها لموارد الحرج (وثانيا) ان عدم حكومة أدلة الحرج على الاحكام العقلية مطلقا ممنوع فان الحكم العقلي إذا كان لرعاية الحكم الشرعي ومن جهة احتمال الوجوب أو الحرمة في كل طرف مع عدم المؤمن من هذا الاحتمال فأي مانع من مؤمنية أدلة الحرج في الموارد الحرجية ورافعيتها للحكم العقلي بوجوب الاحتياط في تلك الموارد حتى يكون لازم ذلك هو التفكيك في وجوب الاحتياط بين الموارد الحرجية وغيرها (والحاصل) انه لا مانع من حكومة أدلة الحرج على نفس الحكم العقلي المعلق على عدم وجود المؤمن أولا وكفاية حكومتها على الاحكام الشرعية الموجودة في تلك الموارد ثانيا ولازم ذلك كله هو التكليف المتوسط في التنجز فما افاده (قده) من أن شمول أدلة الحرج للمقام لا يكون الا برفع الاحكام الواقعية المعلومة بالاجمال الناشئ من قبلها الحرج ولازم ذلك سقوط الاحتياط رأسا شعر بلا ضرورة بل لازم شمولها هو ارتفاع الاحكام بمقدار الحرج لا أزيد فتلخص من جميع ما ذكرناه ان الاحتياط إذا بنينا على وجوبه شرعا بناء على كون المدرك لعدم جواز الاهمال هو الاجماع أو لزوم الخروج من الدين فالمرتبة الواصلة بنفسها منه وهو الاحتياط الكلي المخل بالنظام غير واجب يقينا وغيرها من المراتب غير واصل بنفسه بل يحتاج

[ 135 ]

إلى معين آخر فيدور الامر بين التبعيض في الاحتياط وبين العمل بالظن فلا يستقل العقل بواحد منهما من دون معين خارجي وأما إذا بنينا على وجوب الاحتياط عقلا من جهة حكمه بوجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الاجمالي فالاحتياط الكلي المخل بالنظام لا يكون واجبا يقينا والمرتبة النازلة منها الموجبة للعسر والحرج لا تجب من جهة أدلة نفي الحرج بالتقريب المتقدم فيتعين التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يكون حرجيا ولا تصل النوبة إلى حجية الظن أصلا (ثم) إذا فرضنا قيام الاجماع على عدم جواز الاحتياط في المشكوكات أيضا فيمكن فرضه بمعنى أن الشارع كما لم يوجب الاحتياط في طائفة الموهومات لم يوجبه في طائفة المشكوكات أيضا فهاتان الطائفتان تكونان خارجتين عن أطراف ما يجب الاحتياط فيه ولا يترتب عليه حكم العقل بتعين العمل بالظن كشفا وحكومة ويمكن فرضه بمعنى أن الاجماع قام على أن بناء الشارع في امتثالات أحكامه حال الانسداد ليس على الامتثال الاحتمالي مطلقا حتى في المظنونات فيكون لازم ذلك هو كشف العقل عن حجية الظن حال الانسداد لا محالة (وتوضيح) ذلك انما هو ببيان معنى الكشف والحكومة أما معنى الكشف فلا اشكال في انه عبارة عن كشف العقل عن جعل الشارع الظن حجة وطريقا إلى احكامه بحيث يترتب عليه ما يترتب على غيره من الحجج الشرعية وأما معنى الحكومة فليس ما تخيله جملة من الاعلام من كونه عبارة عن حكم العقل بكون الظن حال الانسداد كالقطع حال الانفتاح موجبا لتنجز ما تعلق به ويكون حجة منجعلة في هذا الحال ضرورة أن ما لا يكون كذلك في حد ذاته يستحيل أن يكون كذلك في حال من الاحوال فإن احتمال الخلاف المنافي للطريقة الذاتية المنجعلة من مقومات الظن فكيف يمكن أن ينخلع عنه بل الحكومة عبارة عن حكم العقل عن التنزل عن الامتثال القطعي إلى الامتثال الظني وتوضيحه أن العقل يحكم أولا بوجوب امتثال الاحكام على وجه القطع تفصيلا ومع تعذره يتنزل إلى الحكم بوجوبه قطعيا اجماليا ومع تعذره أيضا فيحكم بوجوبه ظنيا ومع تعذره فيحكم بوجوبه احتماليا مثلا إذا تمكن المكلف من امتثال التكليف بوجوب الصلاة إلى القبلة قطعيا تفصيلا فيحكم بتعينه ولا يتنزل معه إلى بقية مراتب الامتثال وعند تعذره يتنزل إلى الامتثال القطعي الاجمالي بالصلاة إلى أربع جوانب ومع تعذره أيضا يحكم بوجوب الصلاة إلى الطرف المظنون كونه قبلة ومع تعذره يحكم بوجوب الامتثال احتماليا وحيث أن حكم العقل في مرتبة الامتثال حكم ارشادي محض وواقع في سلسلة المعلولات فيستحيل كونه مستتبعا

[ 136 ]

لحكم شرعي بقاعدة الملازمة لما أشرنا إليه مرارا من أن حكم العقل المستتبع لحكم شرعي انما هو الحكم الواقع في سلسلة علل الاحكام الشرعية دون الواقع في سلسلة معلولاته كما في المقام (وبالجملة) ليس معنى حكومة العقل في المقام الا حكمه بوجوب الامتثال الظني عند تعذر الامتثال القطعي بقسميه بحيث يكون المكلف بعد الاتيان ظانا بفراغ ذمته عن التكليف المعلوم ولكن هذا لا يتحقق الا في حكم واحد كوجوب الصلاة إلى القبلة أو ما يكون في حكمه كما إذا علم المكلف بفوات صلوات متعددة فإن الواجب عليه بحكم العقل بعد تعذر القطع بالفراغ الاتيان بمقدار يظن معه بفراغ ذمته عن التكاليف المعلومة اجمالا وأما في مثل المقام الذي يدور أمر التكاليف بين أن تكون في طائفة مظنونة أو طائفة أخرى مشكوكة أو في طائفة ثالثة موهومة فلا معنى لان يكون حكم العقل بوجوب الاتيان بالمظنونات من باب حكمه بتعين الامتثال الظني عند تعذر القطعي منه بل هو من باب حكمه بتنجز التكاليف المعلومة اجمالا في مقدار من أطراف العلم وعدم تنجزه في مقدار آخر واين ذلك من حكم العقل بلزوم امتثال التكليف المنجز بالظن عند تعذر القطع وعلى ذلك فإذا تعذر الامتثال القطعي بقسميه كما هو المفروض فلا مناص من تبعيض الاحتياط باخراج الموهومات والعمل بمقتضى العلم الاجمالي في المشكوكات والمظنونات فإذا فرضنا قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فإن كان بمعنى إخراج المشكوكات من دائرة حكم العقل بوجوب الاحتياط كما كان كذلك في الموهومات فلا مناص من العمل بالمظنونات وتبعيض الاحتياط باخراج المشكوكات والموهومات ولا يفرق في ذلك بين كون المدرك لعدم جواز الاهمال هو العلم الاجمالي وبين كونه الاجماع أو لزوم الخروج من الدين أما إذا كان المدرك له هو العلم الاجمالي فلان مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط التام حتى في المشكوكات والموهومات فإذا فرض سقوطه فيهما فيتعين العمل على طبقه في خصوص المظنونات على ما بينا الملاك فيه سابقا وأما إذا كان المدرك هو الاجماع أو لزوم الخروج من الدين من الاهمال فلانا وان ذكرنا في الدورة السابقة واشرنا إليه فيما مر من أن لازم ذلك هو تردد الامر بين العمل بالمظنونات بما هي مظنونات التكليف وبين كون الظن حجة شرعية الا أن الصحيح عدم التردد في ذلك لان الحجة الشرعية على الكشف لا بد وأن تكون واصلة بنفسها أو بطريقها وحيث أن حجية الظن غير واصلة والاحتياط في المظنونات طريق واصل بنفسه فلا محالة يكون الثاني متعينا وبالجملة مقتضى قيام الاجماع على عدم وجوب

[ 137 ]

الاحتياط في المشكوكات والموهومات هو تعين تبعيض الاحتياط برعاية التكليف في خصوص المظنونات والغاء المشكوكات والموهومات وهذا المعنى اجنبي عن اتباع الظن حال الانسداد كشفا أو حكومة واما إذا كان الاجماع بمعنى عدم اعتناء الشارع في حال الانسداد بالامتثال الاحتمالي مطلقا على ما يستفاد من بعض كلمات العلامة الانصاري (قده) فلا محالة يكون مثل هذا الاجماع كاشفا عن ثبوت حجة شرعية في هذا الحال ضرورة ان لزوم رعاية التكاليف المعلومة وعدم جواز اهمالها رأسا مع عدم وجوب الاحتياط ولو بنحو التبعيض لا يمكن انفكاكه عن ذلك وإلا لكان الحكم بلزوم رعاية التكاليف المعلومة بنحو من الرعاية من باب التكليف بما لا يطاق (والحاصل) أنه إذا بنينا على ثبوت الاجماع على عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي في حال الانسداد كما هو الظاهر فلا مناص عن القول بالكشف وحكم العقل بحجية الظن في هذا الحال وبدونه فلا بد من تبعيض الاحتياط برعاية الاحتياط في المظنونات والغاء المشكوكات والموهومات وعلى كل تقدير فلا معنى لدعوى الحكومة وان العقل يتنزل من حكمه بلزوم الامتثال القطعي إلى الامتثال الظني في المقام اصلا (ثم) أن العلامة الانصاري (قده) بعد ما بنى على عدم لزوم الاحتياط في الموهومات وحكم بتبعيض الاحتياط في المظنونات والمشكوكات ذكر أن الاجماع على تقدير قيامه على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات بمعنى كشفه عن عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي كلا أو بعضا فلا محالة يحكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية ليس إلا لكنه (قده) لم يجزم بتحقق الاجماع على ذلك وإن افاد كونه مظنونا بالظن القوي ثم أورد على نفسه بما حاصله ان التنزل إلى لزوم الاطاعة الظنية لا يدور مدار القطع بالاجماع المذكور بل يكفي كونه مظنونا ايضا ضرورة ان لازم ذلك هو الظن بجريان الاصول في موارد المشكوكات وسيجئ أنه لا فرق في اعتبار الظن بين كونه متعلقا بالحكم لواقعي أو بحجية الطريق وعليه فينحصر مورد الاحتياط بخصوص المظنونات واجاب عن ذلك بما ملخصه ان التسوية بين اعتبار الظن المتعلق بالحكم الواقعي أو المتعلق بحجية الطريق يتوقف على تمامية مقدمات الانسداد التي منها بطلان الاحتياط في المشكوكات والموهومات فلو توقف تمامية المقدمات على التسوية المذكورة لزم الدور (وحيث) ان الجواب المذكور في كلامه (قده) لم يكن خاليا عن الخدشة الواضحة وهي أن الاصول الجارية في الشبهات المشكوكة المظنون اعتبارها اما ان تكون مثبتة للتكاليف أو نافية لها والمفروض قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الموهومات

[ 138 ]

فالتكاليف في موارد الاصول النافية بكون موهوم التنجز على تقدير وجودها وجدانا كما انها في موارد الاصول المثبتة يكون مظنون التنجز على تقدير وجودها كذلك فالمشكوكات اما ان تكون ملحقة بالمظنونات أو بالموهومات من دون توقف على تمامية مقدمات الانسداد وتعميم الظن من جهة تعلقه بالواقع أو بالطريق ضرب سيد اساتيذنا العلامه الشيرازي (قده) على الجواب المذكور وعدل عنه إلى جواب آخر كتبه (قده) بخطه في هامش الكتاب واراه لشيخه العلامة الانصاري (قده) فامضاه وحاصل ذلك الجواب انكار كفاية الظن بالاجماع المذكور في وصول النوبة إلى الاطاعة الظنية وان لازم الاجماع سواء كان قطعيا أو ظنيا هو وجود الحجة الكافية في الفقه قطعا أو ظنا وعلى كل تقدير لا تصل النوبة إلى لزوم الاطاعة الظنية وتوضيح ما افاده (قده) في الجواب هو ان الظن إذا كان متعلقه هو اعتبار اصل في حد نفسه فنسلم كفاية ذلك في لحوق التكاليف المشكوكة التي هي موارد الاصول المثبتة أو النافية بالمظنونات أو بالموهومات وأما إذا كان حجية الاصل في حد ذاته مفروغا عنها كالاستصحاب أو اصالة البراءة ولكن كان المانع من جريانه هو العلم الاجمالي كما هو المفروض في المقام فمجرد الظن بجريانه في مورد الشك الملازم للظن بوجود الحجة المعتبرة لا يترتب عليه إلا الظن بانحلال العلم الاجمالي ومن المعلوم عدم كفاية الظن لاثبات الانحلال ضرورة أن جواز الاقتحام في بعض اطراف العلم الموجب لسقوط الاصول يتوقف على وجود مؤمن قطعي (وبعبارة اخرى) قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الموهومات معناه عدم لزوم رعاية العلم الاجمالي في تمام اطرافه فإذا ظن بعدم الوجوب اوبحجية اصل يكون مفاده عدم تنجز الوجوب فمقتضى الاجماع المذكور عدم وجوب رعاية العلم الاجمالي في موردهما وأما إذا كان مفاد الاجماع هو انحلال العلم الاجمالي الموجب لجريان الاصول في الموارد المشكوكة المفروض سقوطها بالعلم الاجمالي فإن كان هذا الاجماع قطعيا فلا اشكال وأما إذا كان ظنيا فلا يترتب عليه أثر اصلا ضرورة ان التكاليف الموجودة في المشكوكات وان كانت موهوم التنجز لفرض الظن بانحلال العلم الاجمالي الموجب للظن بجريان الاصول في المشكوكات الا أن الاجماع القطعي على عدم لزوم رعاية العلم الاجمالي في الموهومات مورده ما إذا كان متعلق الوهم بعض اطراف العلم الاجمالي وجودا أو تنجزا لا إذا ما كان متعلقه هو انحلال هذا العلم وعدم تنجزه اما مطلقا أو في بعض الاطراف وحينئذ فلا يبقى في المقام الا الظن بوجود المؤمن ومن المعلوم عدم كفايته في الانحلال " ثم " انه (قده) حيث كان مبناه في مقدمات

[ 139 ]

الانسداد مخالفا لمبنى شيخه العلامة (قدهما) حيث انه كان يرى ان نتيجة مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها هو الكشف دون الحكومة فادرج ما كان يراه في الجواب المذكور حيث افاد ان لازم الاجماع على عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي هو وجود الحجة المعتبرة فان كان قطعيا فلا تصل النوبة إلى حكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية والا فمقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط حتى في المشكوكات وعلى كل حال فلا موقع لحكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية ونحن قد ذكرنا ان قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في خصوص المشكوكات ايضا لا يستلزم الا التبعيض في الاحتياط برعاية التكاليف في خصوص المظنونات واين ذلك من حكم العقل بلزوم التنزل إلى الاطاعة الظنية (ثم) ان العلامة الانصاري (قده) حيث امضى الجواب المذكور المبني على القول بالكشف فيمكن ان يكون ذلك منه (قده) عدولا من القول بالحكومة إلى الكشف وعلى كل حال فقد عرفت أن القول بالحكومة لا اساس له في المقام اصلا " ثم " انا قد اوردنا في الدورة السابقة اشكالا على ما افاده العلامة الانصاري (قده) من كون العمل بالمظنونات اطاعة ظنية للتكاليف المعلومة بالاجمال على تقدير قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات ايضا بأن رعاية التكاليف المعلومة في المظنونات واهمالها في المشكوكات لعدم وجوب الاحتياط فيها لا يوجب الظن بالامتثال فإنا إذا احتملنا وجود تكاليف في المشكوكات وجدانا فلا محالة يكون الامتثال برعاية التكاليف في المظنونات مشكوكا ايضا ضرورة تبعية النتيجة لاخس المقدمات ومع ذلك كيف يمكن ان يكون رعاية التكاليف في خصوص المظنونات موجبة للظن بالامتثال (ولكنه) لا يخفى فساد هذا الاشكال فإنه (قده) فرض قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فكل تكليف كان في مواردها لا يكون متنجزا لا محالة وعليه يكون رعاية التكاليف المعلومة بالاجمال بالعمل بالمظنونات موجبة للظن بالامتثال كما افاده (قده) (هذا) تمام الكلام في مقدمات الانسداد وقد عرفت انها على تقدير تماميتها لا تفيد الا حجية الظن على الكشف أو التبعيض في الاحتياط على تفصيل ذكرناه ولا موقع للقول بالحكومة ابدا * (وينبغي التنبيه على امور) * (الاول) انه وقع الخلاف في انه على القول بحجية الظن على الكشف أو الحكومة فهل مقتضاه حجية الظن المذكور مطلقا أو تختص بما إذا كان متعلقه من الاحكام الفرعية كما ذهب إليه جملة من تلامذة المحقق شريف العلماء قدس الله تعالى اسرارهم ولا يبعد أن يكون هو (قده) قائلا به ايضا أو تختص بما إذا تعلق بحجية طريق أو اصل كما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية

[ 140 ]

وصاحب الفصول (قدهما) الاقوى وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري ومن تأخر عنه من المحققين (قدهم) هو الاول ولا يخفى أن هذا التنبيه كان من حقه ان يؤخر عن التنبيه الثاني وهو بيان أن نتيجة المقدمات هو الاهمال أو التعميم لكل ظن فيقال انه بعد البناء على التعميم فهل يقيد حجية الظن بكون متعلقه حكما اصوليا أو فرعيا أو لا يختص بشئ منهما ولكن شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث قدم هذا التنبية فتبعناه في ذلك ايضا " واستدل للقول الثالث بوجوه " يرجع بعضها إلى دعوى الانسداد الصغير في خصوص الطريق وترتيب حجية الظن بالطريق عليها وبعضها إلى ترتب حجية الظن بالطريق على دعوى الانسداد الكبير في الاحكام الشرعية ونحن لا نتعرض إلا لوجهين من تلك الوجوه يرجع الاول منهما إلى دعوى الانسداد الصغير والثاني إلى دعوى الانسداد الكبير واما بقية الوجوه فيرجع إلى هذين الوجهين (الوجه الاول) هو الذي افاده صاحب الفصول (قده) واقتصر عليه وحاصله انا كما نقطع بوجود احكام كثيرة انسد فيها باب العلم كذلك نقطع بانا مكلفون بالعمل بطرق مخصوصة ومرجع القطعين إلى القطع بوجوب العمل بمؤدى تلك الطرق وحيث لا طريق لنا غالبا إلى تعيين تلك الطرق بالقطع فلا بد من تعيين ذلك بالظن والعمل على طبقه (ولا يخفى) أن كلامه هذا لا يبتنى على دعوى تقييد الاحكام الواقعية بكونها مؤديات الطرق الشرعية ولا على دعوى انقلاب التكليف بالواقعيات إلى التكليف بالعمل بمؤدى الطرق الشرعية ولا على دعوى التصويب المجمع على بطلانه بل هو مبتن على دعوى انحلال العلم بالتكاليف الواقعية بالعلم بجعل طرق خاصة وافية بمعظم الفقه وإن لم تكن تلك الطرق واصلة الينا ومتميزة تفصيلا وعلى ذلك كان يبتنى الدليل العقلي السابق المذكور لحجية الخبر بدعوى الانسداد الصغير في تمييز الاخبار الصادرة عن المعصومين صلوات الله عليهم وقد اشرنا هناك إلى ان تلك الدعوى لا تفترق عن دعوى صاحب الفصول الا في ان المعلوم بالاجمال هناك كان خصوص الخبر والانسداد انما كان في التطبيق وهذا بخلاف المقام فإن المعلوم بالاجمال هنا وجود طرق في الجملة والانسداد انما هو باعتبار عدم التمييز لطريقية الطريق (وبعبارة اخرى) الشبهة في المقام حكمية وهناك موضوعية ولاجل توهم الانحلال المذكور ذهب جماعة إلى ان الموجب للعقاب انما هو مخالفة الحجة ولو لم تكن واصلة واما مخالفة الاحكام الواقعية التي ليس على طبقها حجة ولو كانت غير واصلة فلا توجب عقابا وحيث قد ذكرنا هناك ان انحلال العلم الاجمالي لا يمكن الا بوصول الحجة حكما وموضوعا إذ الطريق الغير الواصل

[ 141 ]

في حكم العدم ولا يترتب عليه اثر اصلا فيظهر منه بطلان دعوى الانحلال في المقام ايضا فلا حاجة إلى تطويل الكلام في الجواب وهذا الجواب الذي ذكرناه هو الذي جعله العلامة الانصاري (قده) خامس اجوبته وهذا هو الجواب المتين واما بقية الا جوبة المذكورة في كلامه (قده) فكلها لا يخلو من الاشكال اما ما افاده اولا من منع نصب جعل الشارع طرقا مخصوصة لامتثال تكاليفه وامكان ايكال ذلك إلى ما هو المتعارف بين العقلاء في امتثال الاحكام العرفية (ففيه) ان غرض صاحب الفصول من دعوى القطع بكوننا مكلفين بالرجوع إلى طرق مخصوصة لو كان دعوى القطع بجعل طرق مخصوصة من الشارع ابتداء لصح المنع عن ذلك بامكان ايكال الشارع العباد إلى ما هو المتعارف بينهم كما افاده (قده) واما إذا كان غرضه دعوى القطع بوجوب الرجوع في امتثال الاحكام إلى طرق مخصوصة وإن كانت حجية تلك الطرق امضائية من الشارع ولم تكن مجعولة له ابتداء فدون اثبات المنع من تلك الدعوى خرط القتاد (واما ما افاده) ثانيا من عدم العلم ببقاء تلك الطرق إلى زماننا هذا حتى يجب تعيينها بالظن عند تعذر القطع بها فيعلم جوابه مما ذكرناه آنفا فإن الطرق التي يجب الرجوع إليها إذا كانت طرقا عقلائية ولم تكن مجعولة للشارع ابتداء كظواهر الالفاظ والاخبار الموثوق بها فالمنع عن بقاء تلك الطرق إلى زماننا في غاية الضعف والوهن نعم لو كان الدعوى هو القطع بجعل الشارع طرقا ابتدائية للامتثال فللمنع عن بقاء تلك الطرق إلى زماننا مجال واسع لكنها اجنبية عن دعوى صاحب الفصول كما عرفت واما ما افاده (ثالثا) من وجوب الاخذ بالقدر المتيقن على تقدير تسليم العلم ببقاء تلك الطرق فيرد عليه ان القدر المتيقن من الطرق ما افاده (قده) في بعض المقامات هو الخبر الصحيح الواجد للقيود الخمسة المذكورة في كلامه ومثل ذلك لا يكون وافيا بمعظم الاحكام بالضرورة واما غير ذلك من الطرق فليس فيها ما يكون قدرا متيقنا فلا بد في التعيين من الرجوع إلى الظن (واما ما افاده رابعا) من لزوم الرجوع إلى الاحتياط في الطرق إذ هو مقدم على العمل بالظن (ففيه) ان الاحتياط في الطرق انما هو بالعمل بمؤدى كل طريق فيؤول الامر إلى الاحتياط في الاحكام الواقعية وقد فرضنا استلزامه للعسر المنفي في الشريعة (وبالجملة) لايرد على ما افاده في الفصول إلا الوجه الخامس المذكور في كلامه (قده) وحاصله منع انحلال العلم الاجمالي بالاحكام الشرعية بالعلم الاجمالي بوجود الطرق الواقعية ما لم تكن تلك الطرق معلومة بالتفصيل حكما وموضوعا

[ 142 ]

وبدونه لا مجال لدعوى الانحلال كما اوضحنا ذلك سابقا (ثم) انه على تقدير تسليم دعوى الانحلال المذكور فغاية ما تقتضيه هو اعتبار الظن بكون شئ مؤدى طريق معتبر ولو لم يكن هناك الظن باعتبار طريق مخصوص اصلا وقلما ينفك ذلك عن الظن بالحكم الواقعي فيما يعم به البلوى ومعه كيف يمكن ان يقال ان نتيجة الانسداد انما هو حجية الظن بالطريق ليس الا كما هو مدعى صاحب الفصول (قده) (واما الوجه) الثاني فهو الذي افاده المحقق صاحب الحاشية (قده) مع الوجه الاول وجملة من الوجوه التي سبق بعضها في ادلة حجية الخبر الواحد ويأتي بعضها الآخر في وجه القول بحجية الظن المظنون الاعتبار وحاصل ما افاده (قده) دعوى ان جريان الانسداد في نفس الاحكام لازمه هو اعتبار الظن بالطريق دون الظن بالواقع وملخص ما افاده في وجه ذلك ينحل إلى مقدمات (الاولى) ان الواجب على المكلف اولا بعد اشتغال ذمته بتكاليف من قبل المولى هو تحصيل العلم بحكم المولى بفراغ ذمته من تلك التكاليف ومع عدم التمكن من تحصيل العلم بذلك فلا بد من تحصيل الظن به إذ هو الاقرب إليه بعد تعذره (الثانية) ان العلم بالفراغ في حكم المولى وان كان قد يكون بالعلم بامتثال تكليفه وجدانا إلا انه طريق عقلي إلى حكمه بالفراغ والمناط في تحصيل العلم بالفراغ في حكمه هو اتباع الطرق التي جعلها طرقا إلى احكامه ضرورة انه مع اتباعها يحصل العلم بالفراغ في حكمه سواء كانت تلك الطرق مصيبة للواقع ام لا ومن تأمل في احوال السلف يقطع بأن بناءهم في الامتثال لم يكن على تحصيل العلم الوجداني بل كان المناط عندهم هو اتباع الطرق المجعولة لهم من قبل الشارع (الثالثة) ان تحصيل العلم بالفراغ في حكم المولى إذا كان له طريقان عقلي وشرعي فإذا كان المكلف متمكنا منهما فلا محالة يكون في مقام الامتثال مخيرا بين الامرين واما إذا تعذر احدهما كما هو المفروض في المقام إذ المفروض انسداد باب العلم بالاحكام الشرعية فلا محالة يتعين الطريق الآخر الذي كان هو المناط في الامتثال كما عرفت وحيث ان الطرق الشرعية لا يمكن تعيينها بالقطع فلا محالة يكتفى في تعيينها بالظن واما الطريق الآخر وهو العلم فعند تعذره لا معنى للتنزل منه إلى الظن لعدم تعقل الظن بالعلم وهذا بخلاف الطرق الشرعية فانها قابلة لتعلق الظن بها كما هو اوضح من ان يخفى والحاصل ان تحصيل العلم بالفراغ انما يكون باتباع احد الطريقين المذكورين والمفروض تعذر الطريق العقلي بالكلية وتعذر الطرق الشرعية بوصف كونها معلومة فيتعين الظن بها في مقام الامتثال

[ 143 ]

فتكون النتيجة هو اعتبار الظن بالطريق دون الظن بالواقع ولكن التأمل الصادق يشهد بفساد هذه المقدمات كلها (اما الاولى) فلما ذكرناه مرارا من انه لا حكم للمولى في مرحلة الامتثال والفراغ اصلا وحكمه في هذا المقام لا يكون الا ارشاديا والحاكم بالاستقلال في هذه المرحلة هو العقل الحاكم بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية وقد مر توضيح ذلك في جملة من المباحث المتقدمة نعم عند الشك في حصول امتثال التكليف من جهة الشك في انطباق المأمور به على المأتي به لا مانع عن حكم الشارع بالانطباق تعبدا كما في موارد قاعدة الفراغ أو التجاوز لكن ذلك اجنبي عما هو محل الكلام في المقام من وجوب تحصيل العلم بالفراغ في حكم المولى بالقياس إلى التكاليف الواقعية (واما الثانية) فلان تطبيق العمل على طبق الامارات وان كان كافيا في حصول الامتثال إلا انه ليس لاجل كون مؤدى الامارات امورا أخر في قبال الواقعيات حتى تكون في عرضها فضلا عن ان يكون مناط الامتثال تطبيق العمل عليها بل ذلك لاجل حكم الشارع حكما جعليا بأن مودياتها هي الاحكام الواقعية بجعل الهوهوية والوسطية في الاثبات فالمناط في حصول الامتثال إنما هو تطبيق العمل على نفس الاحكام الواقعية اما وجدانا أو لاجل حكم الشارع بكون مؤديات الطرق هي الاحكام الواقعية (واما الثالثة) فلان الطرق الشرعية بوجوداتها الواقعية لا تتصف بالطريقية حتى تكون هي في عرض العلم كافيا في حصول الامتثال وذلك لما ذكرناه مرارا من ان الحجة الواقعية قبل وصولها إلى المكلف حكما وموضوعا لا تتصف بالحجية والوسطية في الاثبات وإنما تكون كذلك بالوصول وحينئذ فما هو في عرض العلم بالواقع في كفايته في الامتثال إنما هو العلم بالطريق لا نفس الطريق فكما انه عند تعذر العلم بالطريق يتنزل إلى الظن به على ما هو المفروض في كلامه فكذلك عند تعذر العلم بالواقع يتنزل إلى الظن به ضرورة ان كلما كان العلم به كافيا في فرض الانفتاح يكون الظن به كافيا في فرض الانسداد لا محالة وحيث ان اللازم في فرض الانفتاح كان هو العلم بالواقع أو بالطريق على ما هو المصرح به في كلامه فيكون اللازم في فرض الانسداد هو الظن بأحدهما ايضا فيكون التخصيص بخصوص الظن بالطريق خلفا واضحا (بقي) الكلام في وجه القول باختصاص اعتبار الطريق بما إذا كان متعلقة حكما من الاحكام الواقعية وملخصه ان الظن ان اعتبر من باب الحكومة فلا اشكال في عدم الاختصاص بخصوص الظن بالواقع ضرورة ان هم العقل على ذلك هو الامن من العقاب المترتب على

[ 144 ]

مخالفة الاحكام المعلومة بالاجمال وحيث ان العمل على طبق الطريق كالعمل على طبق الواقع في كونه مؤمنا فلا محالة يكون الظن بكل منهما موجبا للامن عند انسداد العلم بالواقع وبالطريق واما بناء على الكشف كما هو الصحيح فدعوى حجية الظن بالطريق تتوقف اما على دعوى الانسداد الصغير في نفس الطرق المبنية على دعوى انحلال العلم الاجمالي بالاحكام التي قد عرفت فسادها وأما على دعوى أن نتيجة انسداد العلم في نفس الاحكام تعم الظن بالطريق ايضا وحيث ان النتيجة على الكشف مرددة بين أن تكون حجية خصوص الظن بالواقع أو الاعم منه ومن الظن بالطريق فيكون الامر في الحجة دائرا بين الاقل والاكثر ومن المعلوم ان لازم ذلك هو الاقتصار على المتيقن ليس الا (ولكنه لا يخفى) انه لا موجب لدوران الامر في المقام بين الاقل والاكثر وذلك لما ذكرناه من ان كل ما كان تحصيل العلم به لازما حال الانفتاح كان الظن به كافيا حال الانسداد ايضا وحيث ان العلم بالواقع أو بالطريق لم يكن بينهما فرق حال الانفتاح لم يكن بين الظنين فرق ايضا حال الانسداد والوجه في ذلك هو ان الاحكام التي هي مؤديات الطرق بعد جعل الشارع صفة الحجية واعطائه الوسطية في الاثبات لها بعينها احكام واقعية فإن مقتضى جعل الهوهوية هو ذلك لا غير وحينئذ فلا فرق بين الظن بالواقع أو بالطريق في ان متعلق كل منهما هو الحكم الواقعي غاية الامر ان متعلق الظن الاول هو الحكم الواقعي من دون توقف على جعل شرعي ومتعلق الظن الثاني هو الحكم الواقعي بعد جعل الشارع الهوهوية واعطائه صفة الحجية للطريق (التنبيه الثاني) في بيان ان نتيجة دليل الانسداد مهملة أو كلية وليعلم قبل ذلك ان الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد لا بد ان يكون واصلا بنفسه أو بطريقه ضرورة انه لا معنى لجعل الوسطية والحجية لظن لا يكون واصلا ابدا ونعني بالواصل بنفسه ان يكون تعيين ذلك بنفس جريان مقدمات الانسداد كأن تكون النتيجة حجية كل ظن في كل مسألة وبالواصل بطريقه هو ان يكون تعين ذلك الظن محتاجا إلى امر آخر وهذا الامر ربما يكون مقدمة يكتنف بها مقدمات الانسداد فيثبت حجية مطلق الظن أو ظن مخصوص واخرى يكون اجراء مقدمات الانسداد مرة اخرى بل مرات لتعيين الظن الثابت حجيته وسيتضح تفصيل ذلك ان شاء الله تعالى (إذا عرفت ذلك) فنقول ان مبنى دعوى الكلية أو الاهمال على ان مقدمات الانسداد التي عمدتها بطلان الرجوع إلى البراءة وعدم لزوم الاحتياط هل تجري في كل مسألة

[ 145 ]

مسألة بنحو العام الاصولي أو تجري في مجموع المسائل بنحو العام المجموعي فإنا إذا بنينا على أن بطلان الرجوع إلى البراءة مدركه هو لزوم الموافقة القطعية عقلا أو الاجماع على بطلانه من جهة كون الشبهة قبل الفحص وسيجئ في تلك المسألة أن عدم جواز الرجوع إلى البراءة اجماعي فلا محالة يكون مقتضى ذلك هو بطلان الرجوع إليها في كل مسألة وحينئذ فإذا بنينا على أن عدم لزوم الاحتياط كلا أو بعضا لاجل قيام الاجماع على عدم إرادة الشارع للامتثال الاحتمالي فإنه يريد حركة المكلف في الخارج على طبق احكامها بعناوينها فلا محيص عن الالتزام بكلية النتيجة من حيث الموارد والاسباب إذ بعد فرض سقوط الرجوع إلى البراءة والاحتياط في كل مسألة الكاشف عن جعل حجة معتبرة فلا محالة يكون الظن المطلق هو الطريق الواصل بنفسه فلا يفرق بين ابواب الفقه ولا بين كون الظن مثبتا للتكليف أو نافيا له ولا بين كون الاصل الجاري في المسألة مع قطع النظر عن حجية الظن من الاصول المثبتة أو النافقية ولا بين كون الحكم المظنون من الاحكام الوضعية أو التكليفية فإن المفروض أن الشارع لم يهمل احكامها كلية ويريد الحركة على طبقها بعناوينها فيكون حال الظن المطلق على ذلك حال الظن الخاص الغير المختص حجيته بمورد مخصوص واما بحسب المراتب ففيه اهمال فإن الظن الاطمئناني إذا كان وافيا بمعظم الفقه بحيث يكون الباقي داخلا في الشبهات البدوية فلا موجب لكشف حجة غيره كما لا يبعد ان يكون الامر كذلك فإن عمدة ما يعتمد عليه في الفقه هو الخبر الواحد الصحيح القدمائي والظهور والظن الحاصل منهما ظن اطمئناني وهما وافيان بمعظم الفقه وأما الظنون الحاصلة من بقية الامارات كالشهرة والاجماع المنقول وغيرهما فمن جهة عدم بلوغها لمرتبة الاطمئنان لا يمكن استكشاف حجيتها نعم إذا كان مدعي الاجماع ممن يحصل الوثوق من قوله فلا بأس بحجيته ايضا لكنه قليل جدا ولا يثبت به حجية الاجماع المنقول مطلقا واما إذا فرضنا عدم كفاية الظن الاطمئناني بمعظم الفقه فلا بد من التعميم لمطلق الظن إذ التنزل إلى ما دونه من المراتب الاقرب فالاقرب فيه عسر واضح ضرورة ان تمييز الظن الاطمئناني عن غيره وإن كان واضحا الا ان التمييز بين غيره من المراتب عسر جدا فبعد البناء على عدم الاقتصار على الظن الاطمئناني لا بد من التعميم لمطلق الظن (فإن قلت) إذا بنيت على بطلان الرجوع إلى البراءة في كل مسألة وعدم ارادة الشارع للامتثال الاحتمالي الكاشف عن جعل حجة معتبرة فلا بد وأن يكون الحجة

[ 146 ]

المعتبرة موجودة في كل مسألة سواء كان فيها ظن اطمئناني ام لا ومع ذلك فتخصيص الحجة بخصوص الظن الاطمئناني إذا كان وافيا بالفقه بلا موجب (قلت) بطلان البراءة في كل مسألة وعدم ارادة الشارع الامتثال الاحتمالي فيها لا يقتضي جعل الحجة في تمام تلك المسائل وإنما مقتضاهما هو جعل الحجية الكافية باحكامه وفي موارد عدمها لا مانع عن الرجوع إلى الاصل الجاري في تلك المسألة ضرورة أن بطلان الرجوع إلى البراءة وعدم ارادة الشارع للاحتياط إنما هو مع عدم الحجة الوافية ومع وجودها وانحلال العلم الاجمالي لا مانع عن ذلك كما إذا ثبت حجية ظن بالخصوص ولكن الانصاف أن مبنى حجية الظن حال الانسداد إذا كان هو الاجماع على بطلان الاحتياط فإذا فرضنا قيامه على ذلك في كل مسألة فلا بد من كون المحرز للحكم الشرعي في كل مسألة هو الحجة الشرعية في تلك المسألة ومع ذلك فالتخصيص بخصوص مرتبة الاطمئناني من الظن يحتاج إلى دليل مفقود في المقام فالتحقيق ان يقال أن قيام الاجماع على عدم إرادة الشارع للامتثال الاحتمالي الكاشف عن وجود حجة معتبرة إنما يكون مفيدا مع وجود تلك الحجة في المسألة ومع تعذرها فلا بد من الرجوع إلى الاصل في تلك المسألة لا محالة من دون فرق بين كون الحجة المعتبرة خصوص الظن الاطمئناني أو مطلق الظن وحينئذ فالمتبع إنما هو مقدار معقد الاجماع سعة وضيقا فإن كان معقد الاجماع هو عدم ارادة الشارع للامتثال الاحتمالي مطلقا بنحو العام الاصولي فلا مناص عن القول بحجية مطلق الظن والرجوع إلى الاصل مع عدمه لكن اثبات الاجماع بهذا النحو في غاية الاشكال (وان قلنا) ان معقد الاجماع هو بطلان الاحتياط في الجملة بنحو العام المجموعي كما هو الظاهر (فغاية) ما يترتب عليه هو حجية الظن في الجملة فلا يكون دليل على حجية غير الاطمئنان من الظن فيكون العقل مستقلا بحجية الظن الاطمئناني من اول الامر إذا كان وافيا بالفقه وعلى كل حال فلا تكون النتيجة مهملة بل يستقل العقل بحجية مطلق الظن على تقدير و بحجية خصوص الظن الاطمئناني على تقدير آخر وأما بيان الملاك في الوفاء بمعظم الاحكام وعدمه فسيجئ عن قريب إن شاء الله تعالى (فاتضح) أنه مع البناء على بطلان الرجوع إلى البراءة في كل مسألة وفرض قيام الاجماع على عدم الاحتياط لا مناص عن القول بكلية النتيجة من غير جهة المرتبة وأما من جهتها فلا بد من الالتزام بحجية خصوص المرتبة الاطمئناني من الظن مع كونه وافيا والا فيتعدى إلى مطلق الظن (كما اتضح) أن مبنى بطلان الرجوع إلى البراءة

[ 147 ]

هو لزوم الموافقة القطعية كما هو المختار عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) أو الاجماع على ذلك من جهة الاجماع على وجوب الفحص عدم جواز اجراء البراءة قبله لا ما افاده المحقق القمي (قده) من عدم الدليل على البراءة مع الظن بالخلاف فإن الظن الغير الثابت حجيته في حكم الشك ويجري البراءة في مورده ايضا فما افاده (قده) انما يتم بعد جريان مقدمات الانسداد واثبات حجية الظن ولا يصح اخذه في مقدمات الانسداد لاثبات حجية الظن وكيف كان فاثبات الكلية يتوقف على الامرين المذكورين وأما إذا بنينا على أن بطلان الرجوع إلى البراءة لاجل لزوم الخروج عن الدين الغير الجاري في كل مسألة أو على أن بطلان الاحتياط لاجل لزوم الحرج فمقتضى ذلك وإن لم يكن اعتبار الظن لا بنحو الحكومة ولا بنحو الكشف لما عرفت من ان لازمه تبعيض الاحتياط ليس إلا لكنه إذا بنينا على انتاج تلك المقدمات لحجية الظن محالا فهل النتيجة تكون مهملة أو مطلقة (فنقول) اما من حيث المرتبة فلا اشكال في استقلال العقل باعتبار خصوص الظن الاطمئناني دون غيره بناء على الحكومة ضرورة أن العقل لا يتنزل عند تعذر القطع بالامتثال إلى مطلق الظن مع التمكن من تحصيل الاطمئنان وأما على الكشف فالنتيجة مهملة ولا يمكن للعقل استكشاف حجية غيره مع كونه وافيا بمعظم الفقه وسيظهر حال الوفاء وعدمه عند التعرض لبيان الملاك فيه إن شاء الله تعالى (وأما) من حيث الاسباب فلا ريب في عدم الفرق بينها على الحكومة لعدم خصوصية لسبب مخصوص عنده وإنما همه تحصيل الفراغ الظني من أي سبب كان وأما على الكشف ففيها اهمال لا محالة فيقع الكلام في المعمم أو المعين (فنقول) قد ذكروا من وجوه التعميم قبح الترجيح بلا مرجح وحيث أن تمامية ذلك يحتاج إلى معرفة الوجوه المذكورة للتعيين وعدم تماميتها فلا بد من ذكرها اولا والتعرض لما يمكن ان يقال عليها ثانيا (الوجه الاول) ان بعض افراد الظنون متيقن الحجية بالقياس إلى بعضها الآخر من جهة الاسباب ونعنى بالقدر المتيقن ما يكون حجيته مقطوعة على تقدير حجية ظن في الجملة وان لم يكن حجيته في حد نفسه كذلك فبعد اثبات حجية الظن بمقدمات الانسداد في الجملة يثبت حجية ذلك المقدار بالقطع ويبقى حجية غيره مشكوكا فيه (واورد) عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) بان القدر المتيقن حجيته من الاسباب هو الخبر الذي زكي جميع رواته بعدلين ولم يعمل في تصحيح رواته ولا في تمييز مشتركاته بظن اضعف نوعا من سائر الامارات الاخر ولم يوهن لمعارضة شئ منها

[ 148 ]

وكان معمولا به عند الاصحاب كلا اوجلا وكان مفيدا للظن الاطمئناني بالصدور ومن المعلوم ندرة مثل هذا الخبر وعدم وفائه بالفقه حتى يقتصر على حجيته وعلى تقدير وفائه ايضا فالعلم الاجمالي بارادة خلاف الظاهر منها بتخصيص أو تقييد في بقية الامارات يكون مانعا عن جواز التمسك بها مع قطع النظر عن غيرها ولكنه لا يخفى أن اخذ القيود المذكورة في كون الخبر متيقن الحجية انما يتم فيما إذا اخذ بالقدر المتيقن من حجية الخبر بالخصوص فإن الاقوال في حجيته كثيرة والقدر المتفق عليه هو ما ذكره (قده) فلو فرضنا الاجمال في دليل حجيته لكونه دليلا لبيا أو لغير ذلك فالخبر المشتمل على القيود المذكورة يكون متيقن الحجية دون غيره وأما إذا كان المراد من القدر المتيقن هو القدر المتيقن باعتبار ثبوت حجية ظن في الجملة فلا ريب في ان القدر المتيقن من الاسباب بحيث لا يحتمل أن يكون غيره حجة دونه هو مطلق الخبر الصحيح القدمائي ضرورة انه لا يحتمل كون غيره كالشهرة مثلا حجة دونه فالخلط بين القدر المتيقن في المقامين هو الموجب لما ذكره (قده) وإذا كان القدر المتيقن في المقام هو مطلق الخبر الصحيح والمفروض وفاءه بمعظم الاحكام الشرعية فلا يمكن استكشاف حجية غيره على الكشف وبالجملة كما أن العقل عند دوران الامر بين حجية غير الظن الاطمئناني وبين حجية مطلق الظن لا يمكن له استكشاف حجية الظن الاطمئناني إذا كان الاطمئناني وافيا بالفقه فكذلك إذا كان الامر دائرا بين حجية الاسباب المتقنة وبين حجية مطلق الاسباب لا يستقل بحجية المطلق مع كون الاسباب المتقنة وافية به إذ الاسباب المتقنة متيقنة الحجية بالاضافة إلى غيرها فتكون هي حجة دون غيرها ولازم ذلك حجية خصوص الصحيح القدمائي دون غيره من الامارات كالشهرة والاجماع المنقول إذا لم يكن مدعي الاجماع ممن يحصل الوثوق من قوله كالشهيد الاول (قده) ومن يحذو حذوه (ثم) لا يخفى أن الخبر الصحيح القدمائي حيث انه مفيد للظن الاطمئناني من حيث الصدور والظهورات مفيدة للاطمئنان من حيث الدلالة فلا محالة ينطبق المعين من حيث المرتبة وهو كون الظن موجبا للوثوق على المعين من حيث الاسباب طبق النعل بالنعل نعم الاقتصار في الظنون الرجالية على خصوص الاطمئناني غير ممكن لقلة الظنون الاطمئنانية في ذلك الباب جدا فلا بد من التعدي فيها إلى مطلق الظن فتحصل ان المتيقن من الاسباب هو مطلق الخبر الصحيح القدمائي دون المقيد بالقيود المذكورة وعلى تقدير تسليم كون المقيد بها قدرا متيقنا فلا بد من التعدي إلى مطلق الخبر

[ 149 ]

الصحيح ايضا لعدم وفاء المقيد بالفقه ضرورة ندرة مثل ذلك الخبر في الفقه (فإن قلت) ان المقيد إذا كان غير واف بالفقه فليس هناك قدر متيقن بالاضافة لاحتمال كون الحجة خصوص المزكى بعدلين وان لم يكن مفيدا للوثوق كما انه يحتمل كون المفيد للوثوق حجة وان لم تكن رواته مذكاة بعدلين وهكذا يحتمل كون الخبر المشهور حجة وان كان فاقدا للقيدين (وبالجملة) بانتفاء القيود الخمسة جمعا يقع التعارض بين القيود بعضها مع بعض فلا يكون هناك قدر متيقن بالاضافة ولعل إلى ذلك اشار العلامة الانصاري (قده) بقوله فتأمل بعد ما افاده (قده) من لزوم الاخذ بالقدر المتيقن بالاضافة على تقدير عدم وفاء المقيد بالقيود المذكورة بالفقه (قلت) الركن الركين في تلك القيود المذكورة انما هو افادة الخبر للوثوق مع عدم اعراض المشهور عنه ولا ريب في كونه القدر المتيقن ولو لم يكن رواية معدلة بعد لين إذ اعتبار التعديل بعد لين انما يكون بدليل خاص تعبدا في مثل البينة ولا يمكن ان يجعل احتمال اعتباره معارضا لافادة الخبر للوثوق والاطمئنان فإذا كان الخبر مفيدا للوثوق والاطمئنان ولم يكن مما اعرض عنه المشهور فلا محالة يكون متيقن الحجية عند دوران الامر بينه وبين غيره وعلى تقدير تسليم عدم وجود قدر متيقن بالاضافة فلا بد من التعدي الي كل خبر يوثق به إذ حجية الخبر المقيد بالقيود المذكورة متيقنة على الفرض وفي ادلة حجية الخبر الموثوق به ما يكون واجدا لتلك القيود كخبر يحيى بن زكريا وغيره وقد دل على حجية كل خبر يوثق به فيكون حجية الخبر الموثوق به متيقنا ايضا (ثم) ان ميزان الوفاء بالفقه وعدمه هو ان العلم الاجمالي المانع من الرجوع إلى الاصول العملية أو اللفظية إذا كان منحلا بالظفر بمقدار من الحجة المثبتة للاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد بحيث لا يكون هناك مانع عن الرجوع إليها بعد الفحص فذلك معنى الوفاء بالفقه وإذا لم يكن منحلا لعدم الظفر بذلك المقدار فلا محالة لا يكون الحجج التي ظفر بها وافية به ولا يجوز عند عدمها الرجوع إلى الاصول بل لا بد من اثبات حجة غيرها حتى يكون العلم منحلا إذا عرفت ذلك تعرف ان المناط في باب الاصول اللفظية المعلوم وجود مخصصات أو مقيدات لها هو الظفر بالمخصصات أو المقيدات في الكتب التي بايدينا فإن موجب العلم بارادة خلاف الظاهر منها انما هو وجود الاخبار المخالفة لها في تلك الكتب وبعد الفحص فيها عما يوجب ارادة خلاف الظاهر وعدم الظفر به لا يكون مانع عن العمل بها واما المناط في الاصول العملية فانما هو اثبات حجية مقدار من الادلة التي عليها يدور الاستنباط يكون بمقدار المعلوم

[ 150 ]

بالاجمال من الاحكام الواقعية أو ازيد سواء كان حجية ذلك المقدار ثابتا بدليل مخصوص أو بمقدمات الانسداد فكما ان الخبر الصحيح القدمائي إذا كان حجيته ثابتة بالادلة الخاصة لا يكون مانع من الرجوع إلى الاصل بعد عدم الظفر به في المسألة فكذلك إذا كانت حجيته ثابتة بدليل الانسداد فمن ذلك يظهر ان منع شيخنا العلامة الانصاري (قده) من كفاية الظن الاطمئناني بالفقه بعد كون الخبر الصحيح القدمائي مفيدا لذلك كما عرفت في غير محله (الوجه الثاني) ان الاسباب المفيدة للظن تنقسم في حد أنفسها إلى مظنون الحجية ومشكوك الحجية وموهوم الحجية فالسبب المظنون حجيته كالخبر الواحد بناء على عدم افادة الادلة التي اقيمت على حجيتها للقطع بها يكون متعينا في الحجية ولا تصل النوبة معه إلى غيره والوجه في تعينه احد امور ثلاثة (الاول) كونه اقرب إلى الحجية من غيره للظن بحجيته في نفسه والقطع بكونه من اطراف ما ثبت حجيته بدليل الانسداد واما غيره فليس فيه الا كونه من اطراف ما ثبتت حجيته ومعلوم ان الاقرب إلى الحجية يكون متعينا ويكون حجية غيره مشكوكا فيه (ويرد عليه) ان الاقربية إلى الحجية لا توجب استقلال العقل بتعينه فيها ضرورة ان الترجيح في الامور الاختيارية وان كان يصح بادنى مرجح في الفعل أو الترك بحيث يخرج احدهما عن كونه مساويا للآخر إلا ان الترجيح في الحكم بالحجية من قبل الشارع لا بد وان يكون بأمر يقيني ومجرد كون ظن مظنون الاعتبار مع عدم حجية هذا الظن في نفسه في حكم العدم خصوصا إذا كان الظن الذي لم يظن اعتباره أقوى منه وإذا كان كذلك فلا يمكن استقلال العقل بكونه مرجحا في نظر الشارع وموجبا لاختصاص الحجية به دون غيره هذا (وقد) اورد شيخنا العلامة الانصاري (قده) على هذا الوجه بما هذه عبارته هذا مع ان الظن المفروض انما قام على حجية بعض الظنون في الواقع من حيث الخصوص لا على تعيين الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد (فتأمل) انتهى وحاصله ان الظن باعتبار ظن بالخصوص لاربط له بالحجية الثابتة بمقدمات الانسداد والغرض اثبات مرجح بلحاظ حال الانسداد وان الظن الثابت حجيته به هل لبعض افراده مرجح على الآخر ام لا وكون الظن مظنونا اعتباره في حد نفسه اجنبي عن المرجحية بلحاظ هذا الحال ثم ان امره بالتأمل يمكن ان يكون إشارة إلى ان ذلك لا يتم بناء على الكشف الذي هو مبنى التكلم في المقام ضرورة ان ما ظن حجيته من قبل الشارع في نفسه يكون مظنون الحجية بلحاظ دليل الانسداد الكاشف عن جعل حجة معتبرة ايضا فيثبت الترجيح بلحاظ الانسداد

[ 151 ]

لبعض الافراد لا محالة أو إلى ان الالتزام بكون المرجح بلحاظ هذا الحال لا ملزم له بل اللازم هو عدم كون بعض الظنون في عرض غيره بنظر العقل فإذا كان بعضها مظنون الحجية في نفسه دون بعض آخر فيكفي كونه مرجحا ومعينا له في الحجية بعد ثبوت حجية في الجملة حال الانسداد وكيف كان فلا موقع لما افاده (قده) (الثاني) ان الظن الذي ظن باعتباره اقرب إلى ادراك مصلحة الواقع من غيره وهذا الوجه يبتني على كون الامارة موجبة لتدارك مصلحة الواقع عند الخطأ إذ حينئذ يكون مظنون الحجية موجبا للظن بادراك مصلحة الواقع على تقديري الخطا والاصابة وهذا بخلاف الظن الذي لم يظن حجيته فإنه موجب للظن بادراك المصلحة عند الاصابة فقط (واورد) عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) اولا بأن هذا الوجه لا يوجب الا اولوية الظن المظنون حجيته للحجية لا تعينه وكلامه هذا مبني على ان المصالح الواقعية ليست بحيث يجب على المكلف تحصيلها وانما هي دواع لجعل الاحكام والمكلف اجنبي عنها بالكلية فغاية ما يوجبه الاقربية إلى احراز المصلحة كون الاخذ به اولى ولا يوجب ذلك تعينه للحجية وهذا الذي افاده وان كان للنظر فيه مجال إلا ان الخطب هين بعد عدم التزامنا بالمصلحة السلوكية وكون الامارة موجبة لتدارك المصلحة عند الخطأ الا في بعض الفروض حال الانفتاح وقد تقدم الكلام في ذلك في بحث الطرق فراجع (ثم اورد ثانيا) فان اللازم على هذا ان لا يعمل بكل مظنون الحجية بل بما ظن حجيته بظن قد ظن حجيته لانه ابعد عن مخالفة الواقع وبدله (وفيه) اولا ان هذا مستلزم للتسلسل إذ حينئذ ينقل الكلام إلى الظن الثالث ايضا وهكذا (وثانيا) إذا فرضنا قيام الظن على اعتبار ظن فقد ظن ادراك مصلحة الواقع على تقديري الاصابة والخطأ من اول الامر واي حاجة بعد ذلك إلى اعتبار كون الظن الثاني مظنون الحجية ايضا فإن المناط انما هو الظن بادراك مصلحة الواقع على كل حال وهو حاصل من الاول (الثالث) ان الظن الثابت حجيته إذا كان غير متعين لا بنحو الكلية ولا بنحو التخصيص فيجري فيه مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين ذلك الظن فيتعين في الظن المظنون اعتباره فكما ان مقدمات الانسداد توجب التنزل إلى الظن بعد تعذر القطع اولا كذلك توجب التنزل إلى تعيين ذلك الظن بالظن ايضا (واورد) عليه العلامة الانصاري (قده) بما حاصله بتوضيح منا ان مقدمات الانسداد إذا فرضنا ان اول مقدمة منها كان هو انسداد باب العلم والعلمي فلا بد وأن يكون نتيجتها حجية طريق واصل بنفسه أو بطريقه إذ لو كانت النتيجة حجية ظن غير واصل بنفسه ولا بضم مقدمة عقلية

[ 152 ]

تكتنف بها المقدمات فتلك الحجة غير معلومة وباب العلم بها منسد والمقدمة الاولى كانت مشتملة على ذلك فلم يترتب على مقدمات الانسداد شئ اصلا (وتوهم) أن الوصول لا مانع من أن يكون بمقدمات الانسداد مرة ثانية (مدفوع) بأن مقدمات الانسداد ليست بنفسها طريقا إلى الواقع ولا إلى الطريق وإنما هي منتجة لطريقية الطريق ففرض الاحتجاج إلى مقدمات الانسداد مرة ثانية فرض عدم وصول الحجة لا بنفسه ولا بطريقه وهذا خلف (وبالجملة) إذا فرضنا عدم استقلال العقل بكون مظنونية الطريق مرجحا ومعينا للحجة فلا محالة يستقل العقل بحجية كل ظن من باب قبح الترجيح بلا مرجح فيتعين الحجة بنحو الكلية وقد عرفت انه مع تعين الحجة في الكل أو في البعض لا يبقى مجال لاجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية اصلا (ثم انك) قد عرفت فيما سبق ان كلية النتيجة تدور مدار قيام الاجماع على ان الشارع يريد امتثال احكامه بعناوينها المحرزة حتى يكون نتيجة ذلك حجية كل محرز كما ان الاهمال يدور مدار عدم قيام الاجماع الا على ان بناء الشريعة ليست على الامتثال الاحتمالي ومقتضى ذلك ليس الا العلم بارادة الشارع لامتثال احكامه محرزة في الجملة لا مطلقا وقد ذكرنا ايضا انه لا يفرق في ارادة الشارع للحركة على طبق احكامه محرزة بين الاحكام الالزامية وغيرها ولابين الاحكام الوضعية والتكليفية كما انه لا فرق بين الاحكام الظاهرية والواقعية والمناط في الجميع هو كون الحركة على طبق الحكم المحرز إذا تبين ذلك (فنقول) ان العلامة الانصاري (قده) بعد ما بنى على عدم جريان مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين الظن الثابت حجيته بمقدمات الانسداد سلم الترجيح بالظن في عدة موارد (الاول) ان يكون الظن القائم على حجيته امارة بالخصوص ظنا واحدا لا تعدد فيه أو كان مفاد الجميع واحدا على تقدير التعدد (الثاني) ان يكون هناك ظنون متعددة وكان كل واحد منها قائما على حجية امارة مغايرة لما قام الآخر على حجيته ولكن لم يكن كل واحد من تلك الامارات وافية بالفقه في حد نفسه (الثالث) ان تكون الظنون متعددة وكان كل واحدة من الامارات التي قام الظن على حجيتها وافية بالفقه ولكن كانت تلك الظنون متساوية ولم تكن مختلفة من حيث تعين بعضها بالقياس إلى الآخر أو كونه مظنون الاعتبار ففي مثل هذه الموارد افاده (قده) وجوب الاخذ بالظنونات والغاء غيرها فهل ذلك مبني على اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد كما هو ظاهر عبارته (قده) حتى يلزم من ذلك المناقضة لما افاده (قده) من عدم امكان وصول النوبة إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية

[ 153 ]

أو انه اجنبي عن ذلك الذي يمكن ان يقال في توجيه كلامه (قده) هو انا بعد ما لم نلتزم بقيام الاجماع على ان الشارع يريد امتثال احكامه محرزة بنحو الكلية حتى لا يمكن الفرق بين ظن وظن بل قلنا ان النتيجة مهملة لا محالة وذكرنا انه لا يفرق في ارادة الشارع ذلك ولو في الجملة بين احكامه باقسامها ومنها كون الحكم ظاهريا أو واقعيا فإذا فرضنا اتحاد الظن القائم على حجية امارة مخصوصة أو تعددها بشرط الاتحاد في المضمون فلا محالة يكون مثل تلك الامارة محرزة الحجية بحكم الشارع وقد فرضنا وفاءها بالفقة فلا يكون دليل على حجية غيرها فيكون الظن باعتبار ظن مخصوص معينا للنتيجة من اول الامر من دون احتياج إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية كما أن الامر كذلك في الفرض الثاني من تلك الفروض فإن الظنون المظنون اعتبارها وإن كانت كثيرة لكن لا يحتمل العقل حجية بعض تلك الظنون دون بعض لفرض عدم وفائه بالفقه فلا محالة يكون الجميع في حكم امارة مخصوصة قام ظن واحد أو ظنون متعددة على اعتبارها فيكون تمام تلك الظنون متعينة في الحجية ايضا من اول الامر وأما الفرض الثالث فالامر فيه ليس على حذو الفرضين السابقين فإن المفروض هو اهمال النتيجة ووفاء كل واحدة من تلك الامارات بالفقه فلا يستقل العقل بحجية جميعها من اول الامر لاحتمال حجية بعضها دون بعض بل يحتاج إلى ضميمة حكمه بقبح الترجيح بلا مرجح وبمعونة حكمه بذلك يستقل بحجية مطلق الظن من أول الامر وعلى كل حال لا تصل النوبة إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية بل يكون الظن بالاعتبار بنفسه أو بضميمة حكم العقل بقبح الترجيح بلا مرجح موجبا لتعين الحجة (ثم انك) عرفت فيما تقدم انطباق المرجح بحسب المرتبة على المرجح بحسب الاسباب وأن نتيجة كل منهما حجية الخبر الصحيح القدمائي وحيث أن الادلة الموجبة للظن بالاعتبار من الشهرة والاجماع المنقول وغير ذلك من الادلة إنما تفيد الظن بحجية الخبر الصحيح القدمائي لو سلمنا عدم كونها مفيدة للقطع بها فيكون مثل ذلك الخبر امارة قامت ظنون متعددة على اعتبارها فيتعين في الحجية وعليه فينطبق المرجحات الثلاثة كلها على الخبر المذكور (الوجه الثاني) من وجوه التعميم ان العقل وإن كان يستقل بحجية الظن الذي ظن اعتباره أولا إلا أن العلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات لها في الظنون المشكوك اعتبارها يوجب وجوب العمل على طبق المشكوكات ايضا ومقتضى هذا العلم الاجمالي وان كان وجوب العمل على طبق الظنون الموجبة للتخصيص أو التقييد ليس إلا إلا أن

[ 154 ]

الاجماع القائم على عدم الفرق بين الظنون المشكوك اعتبارها يوجب التعدي إلى غيرها فإنه إذا وجب العمل على طبق الظن المعارض لامارة ظن اعتبارها وجب العمل على طبق غير المعارض بطريق اولى (ثم) انا نعلم بوجود مقيدات ومخصصات للظنون المشكوك اعتبارها في ضمن الظنون الموهوم اعتبارها وبمثل البيان المتقدم يتعدى إلى كل ظن ظن عدم اعتباره ايضا فيجب العمل بمطلق الظن (ولا يخفى) ما في هذا الوجه من الفساد اما (اولا) فلان تقسيم الظنون إلى اقسام مع عدم وجود ظن موهوم الاعتبار فاسد ضرورة أن وجود الظن الموهوم الاعتبار فرع أن يكون هناك دليل دل على عدم حجية ظن بالخصوص ولكنه لا يكون مفيدا لغير الظن ومن المعلوم عدم وجود ذلك فإن الخبر الواحد قد فرض انه مظنون الاعتبار والشهرة والاجماع المنقول بناء على عدم دخوله في الخبر الواحد مشكوك الاعتبار والقياس وما يتبعه من الاستحسانات والاستقراءات الظنية والاولوية الظنية لو لم تدخل في الدلالة اللفظية مقطوع عدم اعتبارها نعم لو كانت الاولوية الظنية بحيث تدخل في الدلالة اللفظية لكانت من الظواهر المقطوع اعتبارها ففرض وجود ظن موهوم الاعتبار فرض غير واقع (وأما ثانيا) فلان دعوى العلم الاجمالي بوجود المخصصات والمقيدات في الظنون المشكوك أو الموهوم اعتبارها لا مدرك لها أصلا بعد ما اثبتناه من كفاية الخبر الصحيح القدمائي بالفقه المظنون اعتباره فلا موجب للتعدي أصلا (وأما ثالثا) فلان التعدي إلى مقدار من الظنون المشكوك أو الموهوم اعتبارها لاجل العلم الاجمالي بوجود التخصيص والتقييد غير موجب للتعدي إلى غير ذلك المقدار أصلا ودعوى الاجماع على عدم الفرق مع كون المدرك للرجوع إليها هو ما ذكرناه ممنوعة وكيف كان فالتمسك للتعميم بهذا الوجه ضعيف جدا (الوجه الثالث) من وجوه التعميم التمسك بقاعدة الاشتغال فإنه إذا ثبت وجوب العمل بالظن في الجملة فيجب العمل بمطلق الظن من باب الاحتياط (وفيه) أن متعلق الظن إن كان من الاحكام الالزامية فليس الاحتياط حينئذ إلا احتياطا في المسألة الفرعية وان كان متعلقه من الاحكام الغير الالزامية فليس معنى الاحتياط حينئذ الا عدم جواز الاتيان بذاك الفعل المظنون اباحته بعنوان الوجوب كما أنه لا يجوز تركه بعنوان الحرمة ومن المعلوم أن هذا ليس احتياطا في المسألة الاصولية بل عدم جواز الاتيان بعنوان الوجوب أو الحرمة من آثار عدم احراز الوجوب أو الحرمة وقد ذكرنا سابقا انه بمجرد الشك في الحجية يترتب هذا الاثر لا محالة وكيف كان فلا نتعقل للاحتياط في المسألة الاصولية

[ 155 ]

معنى اصلا وقد نقل الاستاذ دام ظله ان استاذه السيد العلامة الشيرازي ضرب على جملة من عبارات شيخه العلامة الانصاري قدس سرهما في المقام * (التنبيه الثالث) * في خروج القياس عن حكم العقل بحجيته الظن حال الانسداد والكلام فيه يقع في مقامين (الاول) في امكان النهي عن العمل بامارة ظنية كالقياس في حد ذاتها (الثاني) في امكان النهي عنه بلحاظ حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد (اما المقام الاول) فنقول في توضيحه أنه لا ريب في أن الادلة الدالة على حرمة العمل بالقياس من الاخبار والاجماع كما تشمل صورة التمكن من الوصول إلى الاحكام الواقعية كذلك تشمل صورة عدم التمكن منه ايضا واحتمال الاختصاص بالصورة الاولى باطل قطعا وهذا بناء على كون العمل بالقياس مشتملا على مفسدة غالبة على فوات مصلحة الواقع عند الاصابة لما في العمل به من اتباع العامة ومقابلة امام العصر عليه السلام واضح واما بناء على كون النهي لاجل الطريقية حيث أن العقلاء يعملون به في امورهم العادية المبنية على اساس واحد لكن الشارع نهى عن العمل به لان الاحكام الشرعية تتبع المصالح والمفاسد البعيد ادراكها عن العقول وهي غير مبتنية على اساس واحد كما يظهر من رواية أبان وغيرها فربما يقع الاشكال في امكان النهي عنه فيما إذا اتفقت اصابته للواقع فإن النهي عن العمل به موجب لفوات مصلحة الواقع من دون تدارك وهذا الاشكال نظير الاشكال الوارد في جعل الطرق والفرق بينهما ان الاشكال في الامر إنما هو في صورة الخطأ والاشكال في النهي إنما هو في صورة الاصابة (والتحقيق) في المقام ان يقال أنه لا وجه للالتزام بالمصلحة السلوكية التي ربما نحتاج إلى الالتزام بها في طرف الامر كما مر الكلام فيه مفصلا في المقام اصلا فإن النهي عن العمل بالقياس في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات لا اشكال فيه اصلا ضرورة عدم ترتب فوت مصلحة على النهي عنه ابدا وأما في فرض الانسداد فالوجه في النهي عنه مع اصابته للواقع احيانا غلبة مخالفته له في نظر المولى فيقع المزاحمة بين الامر والنهي لا محالة ضرورة أن المخالفة وعدم الاصابة تقتضي النهي عن العمل به كما ان اصابته احيانا تقتضي الامر بالعمل على طبقه وحيث أن المفروض غلبة المخالفة وعدم الاصابة فلا محالة يتقدم النهي من دون احتياج إلى التدارك في فرض الاصابة أصلا (وأما المقام الثاني) فحاصل الاشكال فيه هو أن العقل بعد ما استقل بحجية الظن حال الانسداد فإن كان حكمه بذلك من باب الكشف فقد عرفت أنه لا يحكم بذلك إلا بنحو الاهمال ويحتاج في التعيين

[ 156 ]

أو التعميم إلى وجود دليل يدل عليه ومع القطع بكون العمل بالقياس منهيا عنه فلا محالة لا يكشف العقل عن حجيته في هذا الحال ويكون موضوع حكمه مقيدا بعدمه وأما إذا كان حكمه بذلك من باب الحكومة من جهة قبح ارادة الشارع ما عدا الظن وقبح اقتصار المكلف على ما دونه فيكون حال الظن بلحاظ حال الانسداد كحال القطع فكما لا يمكن المنع عن العمل على طبق القطع فكذلك لا يمكن المنع عن العمل بخصوص ظن بلحاظ الانسداد مع حكم العقل بكونه مناط الاطاعة في هذا الحال (وبالجملة) حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد كسائر الاحكام العقلية غير قابل للتخصيص بمورد دون مورد إذ لو امكن المنع عن العمل بظن حال الانسداد لاحتمل المنع في كل واحد واحد من الظنون ومع هذا الاحتمال لا يستقل العقل بحجية ظن اصلا ولا رافع لهذا الاحتمال الا قبح المنع ومعه لا يصح المنع مطلقا (والجواب) عن ذلك أن حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد يستحيل ان يكون على وزان حكمه بحجية القطع ضرورة ان غير الكاشف التام يستحيل ان ينقلب عما هو عليه فيكون كاشفا تاما حتى لا يمكن التصرف فيه وضعا أو رفعا بل حكمه بذلك معلق على عدم وصول طريق من الشارع جعلا أو نفيا ضرورة أن استقلاله بالقبح المذكور ليس لاجل خصوصية خارجية بل من جهة عدم وصول طريق من الشارع وكون الظن اقرب الطرق إلى الواقع ومع فرض وصول المنع عن طريق مخصوص كيف يحكم العقل بحجيته وقبح مخالفة العبد له (والحاصل) ان موضوع حكم العقل مقيد من اول الامر بعدم وصول الجعل أو المنع من الشارع ومعه لا موضوع لحكم العقل اصلا فالمنع عن القياس يوجب خروج الظن القياسي عن الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد لا عن حكمه (هذا) مضافا إلى ان حكم العقل بالحجية وإن لم يكن مقيدا بعدم المنع من الشارع إلا أنه مقيد بكون الظن حاصلا من الطرق المتعارفة لا محالة فلا يشمل مثل الظن الحاصل من الرؤيا وامثاله والظن القياسي وإن كان ظنا حاصلا من الطريق المتعارف في حد ذاته لما بينا من أن العقلاء يعتمدون عليه في أمورهم العادية المبنية على اساس واحد إلا انه بعد منع الشارع عنه وبيان أن الاحكام الشرعية لا تبتني على اساس واحد بل هي مبتنية على مصالح ومفاسد لا تصل إليها عقول الناس فيكون الاعتماد عليه في الاحكام الشرعية اعتمادا على الظن الحاصل من الطريق الغير المتعارف فيكون حال القياس حال الرؤيا المفيد للظن بعد المنع المذكور ويكون خروجه عن دليل الانسداد خروجا موضوعيا لا حكميا (وأما) ما اجاب به في الكفاية عن

[ 157 ]

الاشكال من ان النهي عن العمل بالظن القياسي يرجع إلى جعل الاصول حجة في مورده وحكم العقل بحجية الظن معلق على عدم وصول الحجة من الشارع ومع وصول حجية الاصل في مورده لا اشكال في صحة المنع عنه (فيرد عليه) ان المنع عن العمل به وإن كان ملازما لجعل الاصل حجة في مورده إلا ان الاشكال في امكان جعل الاصل حجة في مورد الظن حال الانسداد مع استقلال العقل بكون الظن اقرب الطرق في تلك الحال ولو امكن جعل الاصل حجة في مورد القياس لامكن جعله حجة في مواد بقية الظنون ايضا ومع احتمال ذلك لا يستقل العقل بحجية ظن اصلا كما ذكرناه في تقرير الاشكال وعلى كل حال فالاشكال المذكور ضعيف غايته ولا ينبغي التعرض له ولما يرد عليه ازيد من ذلك * (التنبيه الرابع) * إذا قام ظن على عدم اعتبار ظن بالخصوص وبنينا على تعميم نتيجة الانسداد للظن المتعلق بالمسألة الاصولية أو الفرعية فهل مقتضى القاعدة دخول الظن المانع في النتيجة أو دخول الظن الممنوع فيها أو ملاحظة الترجيح بينهما (الحق) هو الاول لان الظن المانع إذا كان حجة فيكون حاكما على الظن الممنوع ومخرجا له عن الموضوع وهذا بخلاف الظن الممنوع فإنه لا يوجب خروج الظن المانع عن ذلك غاية الامر ان لازم حجيته خروج الظن المانع عن الحكم بالملازمة فيدور الامر بين التخصيص والتخصص ولا اشكال في تقدم الثاني كما في كل حاكم بالملازمة فيدور الامر بين التخصيص والتخصص ولا اشكال في تقدم الثاني كما في كل حاكم ومحكوم (توضيح) ذلك ان حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد قد عرفت انه حكم تعليقي على عدم ثبوت منع الشارع عن العمل بظن مخصوص إذ مع ثبوت المنع عن ذلك يكون مثل ذلك الظن خارجا عن الموضوع لا عن الحكم (ثم) ان الحكومة كما سيجئ لا تتوقف على كون الدليلين مما ثبت اعتبار كل منهما بدليل بل تجري فيما إذا ثبت حجيتهما بدليل واحد ايضا فكما ان الامارات تكون حاكمة على الاصول والاستصحاب يكون حاكما على اصالة البراءة فكذلك الظهورات يكون بعضها حاكما على البعض والاستصحاب يكون حاكما على استصحاب آخر إذ المدار في الحكومة هو كون احد الدليلين رافعا لموضوع الآخر دون العكس وهذا مشترك في الجميع (ثم ان) رفع احد الدليلين لموضوع الآخر تارة يكون برفع موضوعه بالكلية كما في استصحاب طهارة الماء الرافع للشك عن نجاسة الثوب المغسول به واخرى يكون برفع جزء موضوعه وان كان الجزء الآخر محرزا بالوجدان ولا يفرق في الحكومة بين القسمين إذ ثبوت الحكم فرع تحقق تمام الموضوع خارجا فلا فرق بين انعدام جزء من الموضوع أو تمامه في ان عدم ثبوت الحكم

[ 158 ]

لاجل التخصص دون التخصيص (إذا عرفت) ذلك فنقول ان الظن المانع حيث انه ظن لم يثبت عدم اعتباره شرعا فإذا كان حجة فلا محالة يكون النص الممنوع ظنا ثبت عدم اعتباره بدليل قاطع فيخرج بذلك عن موضوع نتيجة الانسداد باعتبار ثبوت المنع وانتفاء القيد المعتبر فيه فيكون عدم الشمول لاجل التخصص دون التخصيص وهذا بخلاف الظن الممنوع فان حجيته لا تقتضي ممنوعية الظن المانع وعدم اعتباره الا من باب الملازمة فإن كلا الظنين لا يمكن اعتبارهما معا فلازم حجية الظن الممنوع عدم اعتبار الظن المانع لا محالة ومن الواضح ان ثبوت اللازم فرع ثبوت ملزومه والظن المانع لا يبقى مجالا له حتى يترتب عليه لازمه كما في كل حاكم ومحكوم (والحاصل) ان فردية الظن المانع لموضوع النتيجة وجدانية لا مانع من دخوله تحته ودخوله يوجب خروج الظن الممنوع عن الفردية وهذا بخلاف الظن الممنوع فإن فرديته له حتى يعمه الحكم تتوقف على خروج الظن المانع عن الحكم وخروجه عنه جزافا لا يعقل ومن جهة فردية الظن الممنوع وشمول الحكم له المتوقفين على الخروج مستلزم للدور (وبالجملة) ما هو المناط في تقدم كل دليل حاكم على الدليل المحكوم موجود في المقام بعينه ولا فرق الا في ان الرفع في المقام باعتبار جزء الموضوع لاتمامه وهذا لا يكون فارقا في المناط كما عرفته (ومن ذلك) يظهر ان ما افاده العلامة الانصاري (قده) وحاصله ان نسبة الظنين إلى موضوع نتيجة الانسداد نسبة واحدة فلا يمكن حكومة احدهما على الآخر (لا يمكن) المساعدة عليه اصلا (واما) ما افاده في مقام الجواب عن الحكومة بأنه لا يتم فيما إذا كان الظن المانع والممنوع من جنس واحد كان يقوم الشهرة على عدم حجية الشهرة (الخ) (ففيه) ان ذلك لا يضر بدعوى الحكومة اصلا ضرورة ان الحكومة انما تتصور في الدليلين لا في دليل واحد بالقياس إلى نفسه فإن لازم حجيته (حينئذ) عدم حجيته وما يلزم من وجوده عدمه محال والمدعى انما هي الحكومة في غير هذه الموارد كما هو واضح (واما) ما افاده ثانيا وملخصه ان حكم العقل بحجية الظن الممنوع حال الانسداد يمنع من حصول الظن بعدم اعتباره فان القطع بالاعتبار ينافي الظن بعدمه (فمن الغرائب) فإن الظن بعدم الاعتبار بالخصوص لا ينافي القطع بالاعتبار من جهة دليل الانسداد وعليه فإذا كان الظن الممنوع داخلا في موضوع النتيجة فلازم ذلك ليس هو انقلاب الظن المانع إلى القطع بالعدم بل لازمه عدم اعتباره وخروجه عن الحكم كما عرفت وهذا بخلاف الظن المانع فإن لازم دخوله هو خروج الظن الممنوع عن الموضوع رأسا (هذا تمام الكلام) في بحث الانسداد ولا موجب للتعرض لبقية الامور

[ 159 ]

التي تعرض لها شيخنا العلامة الانصاري (قده) ولا بأس بتتميم مباحث الظن بخاتمة يذكر فيها امور (الاول) انه بعد ما ثبت حجية الظواهر من حيث الدلالة وحجية الخبر الصحيح القدمائي من حيث السند فلا اشكال فيما إذا ثبتا بالقطع وهل يثبتان بالظن الغير الثابت حجيته كقول اللغوي أو الرجالي ام لا الحق هو التفصيل في المقام (بيان ذلك) ان الحجة من حيث السند ليس الا الخبر الموثوق بصدوره فكما انه يحصل الوثوق بالصدور فيما إذا اثبت وثاقة الراوي بالقطع فيدخل بذلك في موضوع الحجية (فكذلك) يحصل الوثوق به من التعديلات الرجالية ايضا فيدخل الخبر بذلك في موضوع الحجية وجدانا فالعمل به ليس من جهة حجية قول الرجالي إذ المفروض عدم ثبوت حجيته بل من جهة اندراج الخبر به في موضوع الحجية واما الحجية من حيث الدلالة فموضوعها كون اللفظ ظاهرا في المعنى ومن الواضح ان قول اللغوي المفروض عدم حجيته لا يوجب ظهورا في اللفظ حتى يدخل بذلك في موضوع الحجية وما لم يوجب ظهورا في اللفظ لا يكون به اعتبار اصلا (الامر الثاني) ان الشهرة هل يجبر بها ضعف الدلالة أو السند حتى يكون بها ما لم يكن متصفا بصفة الحجية في حد ذاته متصفا بها ام لا الحق هو التفصيل ايضا وتوضيح ذلك ان الشهرة اما روائية أو عملية استنادية أو فتوائية مطابقية ونعني بالشهرة الروائية اشتهار روايتها بين اصحاب الائمة عليهم السلام وبالاستنادية استناد الفقهاء القدماء القريب عصرهم من عصر الائمة عليهم السلام في فتواهم إلى رواية معينة وبالمطابقية صرف مطابقة فتواهم مع مضمون الرواية من دون استناد اما الشهرة الروائية فلا ريب ان كثرة رواية اصحاب الائمة عليهم السلام لرواية معينة ولو كان في سندها من لا يوثق به يوجب الظن الاطمئناني باحتفافها بقرينة اوجبت اشتهارها بين الاصحاب لقرب عهدهم من زمان صدورها فيكشف ذلك عن تثبتهم فيما ووقوفهم على ما يوجب اطمئنان النفس بصدورها وحينئذ فالشهرة الروائية توجب دخول الخبر الضعيف الغير الموثوق بصدوره في نفسه في الخبر الموثوق بصدوره فيكون بذلك حجة نعم شهرة الرواية بين المتأخرين البعيدين عن عصر الصدور لا يكشف عن ذلك ولا يدخل الرواية بها في موضوع الحجية ولذا قيدنا الشهرة الجابرة بكونها بين قدماء الاصحاب واما الشهرة الاستنادية بين القدماء مع كون الرواية ضعيفة في نفسها فيكشف بحسب العادة عن اطلاعهم على قرائن فيها اوجبت اطمئنانهم بصدورها حتى صارت مدركا لفتواهم فلا محالة تكون الرواية بذلك داخلة فيما يوثق بصدوره فيشملها دليل

[ 160 ]

الحجية نعم الشهرة المطابقية ولو كانت من القدماء أو الشهرة الاستنادية من المتأخرين البعيد عصرهم عن عصر الصدور بحيث يبعد عادة اطلاعهم على قرائن موجبة للاطمئنان بالصدور وإن كانوا بحسب النظر ادق من القدماء خصوصا الطبقة الوسطى منهم قدس الله تعالى اسرارهم لا توجب دخول الرواية فيما يوثق بصدوره حتى يشملها دليل الحجية إذ غاية ما يحصل من الشهرة هو الظن بمطابقة مضمون الرواية للحكم الواقعي واين ذلك من الوثوق بصدور الرواية الذي هو موضوع دليل الحجية هذا بحسب السند واما بحسب الدلالة فحيث ان موضوع الحجية من هذه الحيثية هو كون اللفظ بنفسه ظاهرا في المعنى وملقيا له في الخارج فيستحيل تحقق ذلك بالشهرة الخارجية إذ غاية ما يحصل من الشهرة هو الظن بكون الحكم الذي افتى المشهور به مرادا من الرواية وهذا ظن خارجي بالمراد واجنبي عن ظهور اللفظ في المعنى الذي هو موضوع الحجية (وبالجملة) الشهرة وان لم تكن في حد نفسها حجة الا انها توجب دخول الخبر من حيث السند في موضوع ثبت حجيته على التفصيل المذكور ولا توجب دخوله في موضوع الحجة من حيث الدلالة ابدا - * (كشف قناع) * - ربما يقال ان الشهرة بين المتأخرين إذا لم تكن جابرة لضعف السند ولو كانت استنادية فاين يتحقق جابرية الشهرة لضعف الرواية فإن الشهرة الاستنادية لا تعلم الا من كتب الاستدلال ومن المعلوم ندرة الاستدلال في كتب القدماء جدا وانما حدثت الكتب الاستدلالية بين المتأخرين فما هو الجابر غير متحقق وما هو متحقق غير جابر نعم ربما يظهر الاستناد من كتب الاخبار كالكافي حيث يذكر عنوان الباب الذي عليه فتواه ثم يذكر الروايات بعد ذلك فيعلم من ذلك استناده في الفتوى بتلك الروايات المذكورة فيه ولكن اثبات الشهرة الاستنادية بين القدماء مع عدم وجود الكتب الاستدلالية بينهم غير ممكن عادة ولكنه لا يخفى انه إذا علم فتوى القدماء من كتبهم الفتوائية ولم تكن الفتوى موافقة لاصل أو قاعدة ولم يكن عليها دليل واضح في كتب الاخبار غير الرواية التي يحتمل استنادهم إليها فلا محالة تطمئن النفس باستنادهم فيها إليها ضرورة ان تقواهم مانعة عن الفتوى بغير مدرك والمفروض عدم ما يصلح ان يكون مدركا لهم فيتعين المدرك في هذه الرواية ويثبت بذلك استنادهم إليها واحتمال عدم استنادهم إليها في الفتوى مع ذلك احتمال سفسطي ينافي مقتضى

[ 161 ]

الفطرة فالاصل الاولي في الشهرة المطابقية فيما لم يكن هناك أصل أو قاعدة على طبق الفتوى ان تكون شهرة استنادية فافهم هذا واغتنم حتى ينفعك في الفروع الفقهية إن شاء الله تعالى * (الامر الثالث) * ان اشتهار الفتوى بخلاف ما هو حجة في نفسه يوجب وهنا في السند أو الدلالة ام لا اما بحسب السند فلا ريب في ان اعراض المشهور عن رواية صحيحة في نفسها وفتواهم بخلافها يوجب الوثوق باطلاعهم على خلل في الرواية من حيث الصدور أو جهته فيخرج الخبر بذلك عن ما يوثق بصدوره لبيان الحكم الواقعي فلا يكون حجة لكن ذلك مشروط بكون الشهرة قدمائية اولا وبكون الرواية بمرأى ومسمع منهم حتى يثبت اعراضهم عنها ثانيا فمثل الاخبار الاشعثيات واخبار دعائم الاسلام والفقه الرضوي ونحوها مما لم تصل إليها ايدي القدماء إذا كان فيها خبر صحيح وقد افتى المشهور من القدماء على خلافه لا يسقط عن الحجية لان فتواهم بالخلاف مع عدم وصول الخبر إليهم لا يوجب الاعراض عنه كما هو واضح وبأن لا يكون فتواهم على الخلاف من جهة عدم وثاقة الرواية عندهم ثالثا إذ لو كان مستندا إعراضهم هو ذلك وقد علمنا خطأهم فيه وكون الرواية موثوقا بها فلا يكون فتواهم بالخلاف موجبة لعدم الوثوق بالصدور كما لا يخفى فالميزان في الموهنية هو ارتفاع الوثوق بالصدور كما ان الميزان في الجابرية هو وجوده واما من حيث الدلالة فالذي اخترناه سابقا هو عدم موهنية اشتهار الخلاف للظهور فإن موضوع الحجية من جهة الدلالة هو الظهور وهذا لا ينثلم باشتهار الخلاف إذ غاية ما يوجبه الاشتهار هو الظن الخارجي بعدم ارادة الظهور وذلك اجنبي عن موضوع الحجية بالكلية ولكن الانصاف عدم استقامة ذلك إذ كون الظهور بمرأى ومسمع من القدماء وعدم اعتمادهم عليه بل فتواهم بخلافه يوجب الظن الاطمئناني باطلاعهم على قرينة توجب ارادة خلاف الظاهر إذ لو لا ذلك لما كان لاعراضهم عن الظهور وجه اصلا فالشهرة وإن لم تكن حجة على الحكم الابتدائي لاحتمال استناد المشهور إلى ما لا نعتمد عليه إلا انها إذا كانت على خلاف الظهور الذي هو بمرأى منهم ومسمع توجب حمل الظاهر على خلافه ولا اقل من ان توجب عدم حجية الظاهر في مورد الشهرة لكون حجيته حينئذ مشكوكة وعلى كل حال لا يكون حجة مع الشهرة على الخلاف (وبالجملة) ليس حال الشهرة حال غيرها من الظنون إذا كانت على خلاف الظاهر فإن الاولوية الظنية مثلا إذا حصل منها ظن على خلاف الظاهر فلا يكون ذلك إلا ظنا بعدم ارادة الظهور واقعا وهذا لا يوجب سقوط الظهور عن الحجية على ما هو المحقق

[ 162 ]

عندنا من عدم اشتراط حجيته بعدم الظن بالخلاف وهذا بخلاف الشهرة على الخلاف فإنها توجب الاطمئنان باطلاع المشهور على ما يوجب ارادة خلاف الظاهر لا محالة ولم يثبت بناء عن العقلاء على حجية الظهور حينئذ ان لم يثبت عدمه وهذا نظير ما إذا صدر من المولى العرفي خطاب عام ورأينا ان المشهور بين اصحابه عدم العمل بهذا العموم مع اطلاعهم عليه ومبالاتهم بأحكام مولاهم فإنه يكشف عند العقلاء عن اطلاعهم على ما يوجب إرادة الخصوص ولا يعملون حينئذ على طبق العموم جزما فتحصل انه لا فرق في كاسرية الشهرة للحجية بين السند والدلالة * (المقصد السابع) * في الاصول العملية الجارية عند الشك وقد بينا في مبحث القطع انها تنقسم باعتبار مواردها إلى اربعة البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب فإن الشك اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة ام لا وعلى الثاني اما ان يكون جنس الالزام معلوما ام لا وعلى الاول اما ان يكون الاحتياط ممكنا ام لا فهاهنا اربعة مباحث * (المبحث الاول) * البراءة وموردها عدم العلم بجنس التكليف مع عدم لحاظ الحالة السابقة وقبل التكلم في ذلك لا بأس بتقديم مقدمة يذكر فيها الفارق بين التخصص والورود والحكومة والتخصيص (فنقول) اما التخصص فهو عبارة عن خروج شئ عن موضوع دليل بخروج وجداني تكويني كخروج العلم الوجداني بالحكم عن ادلة الاصول والامارات واما التخصيص فهو عبارة عن اخراج بعض افراد الموضوع عن الحكم من دون تصرف لا في عقد الوضع ولا في عقد الحمل كما إذا ورد اكرم العلماء وقام الدليل على عدم وجوب اكرام زيد العالم فإنه يوجب خروج زيد عن حكم وجوب الاكرام من دون تصرف لا في موضوع اكرم العلماء بنفي العالمية عن زيد ولا في عقد الحمل باعطاء خصوصية للوجوب غير متحققة في اكرام زيد (واما) الورود فهو عبارة عن الخروج الوجداني ايضا لكن بالتعبد بمعنى ان يكون نفس التعبد مع قطع النظر عن ثبوت ما يتعبد به بحكم الشارع موجبا لخروج مورده عن الموضوع وهذا كورود الادلة التعبدية على الاصول العقلية التي اخذ في موضوعها عدم البيان أو عدم المؤمن أو تحير المكلف من حيث العمل كاصالة البراءة أو الاحتياط أو التخيير فإن نفس وجود التعبد الشرعي كاف في البيان والمؤمنية ورفع التحير عن المكلف فهو وان شارك التخصص في ارتفاع الموضوع في موردهما وجدانا إلا انه يفارقه في ان الارتفاع في مورد الاول تكويني خارجي وفي الثاني تشريعي تعبدي ومن هنا يعلم ان في اطلاق الوارد على الادلة العلمية بالقياس إلى

[ 163 ]

أدلة الامارات والاصول مسامحة واضحة (واما) الحكومة فهي تارة تكون باعتبار رفع احد الدليلين لموضوع الآخر وأخرى باعتبار رفعه للحكم والجامع بين القسمين ان لا يكون الرفع وجدانيا كما في الورود والتخصص بل باعتبار ثبوت ما يتعبد به تشريعا (وتوضيح) ذلك ان الحكومة تارة تكون واقعية فيوجب دليل الحاكم ارتفاع دليل المحكوم بحسب الواقع وهذا كحكومة ادلة عدم اعتبار شك كثير الشك على ادلة الشكوك فانها توجب اختصاص الاحكام الثابتة للشكوك بغير كثير الشك واقعا لكن لا بلسان ان كثير الشك لا اعتبار بشكه حتى يرجع إلى التخصيص بل بلسان أن شكه ليس بشك فهو خارج عن الموضوع بالتعبد وكحكومة ادلة نفي الحرج والضرر على الاحكام الواقعية فانها توجب تصرفا في عقد الحمل واختصاص الاحكام بغير الموارد الحرجية أو الضررية لكن لا بلسان ان المتضرر مثلا ليس بمكلف أو ان الوضوء الضرري مثلا ليس بوضوء حتى يكون رفعا لموضوع الاحكام الثابتة على المكلفين ولا بلسان انه لا يجب الوضوء على المتضرر مثلا حتى يرجع إلى التخصيص بل بلسان ان الاحكام الثابتة في الشريعة ليست بضررية ولا حرجية ولازم ذلك هو تلون الاحكام الثابتة بلون مخصوص ويترتب عليه ارتفاعها عن موارد الحرج والضرر قهرا والفرق بين ذلك وبين القسم الاول بعد اشتراكهما في انهما يوجبان ارتفاع دليل المحكوم واقعا ان الدليل الحاكم في القسم الاول كان بالتصرف في الموضوع وموجبا لرفعه بخلافه في هذا القسم فإنه يوجب التصرف في المحمول ورفعه من دون التصرف في عقد الوضع وأخرى تكون الحكومة ظاهرية وهذا انما يتحقق في موارد الاحكام الظاهرية كحكومة الامارات على الاصول الشرعية وحكومة بعض الامارات أو بعض الاصول على بعض اما حكومة الامارات على الاصول فانها توجب ثبوت ما اخذ الشك فيه موضوعا في ادلة الاصول فيرتفع موضوعها بذلك وليس نفس التعبد بما هو مع قطع النظر عن ثبوت ما تعبد به موجبا لرفع الموضوع كما في الورود لاشتراك دليل المحكوم مع الحاكم في ذلك إذ المفروض ثبوت التعبد في كليهما بل الموجب لذلك هو ثبوت ما تعبد به بحكم الشارع مثلا إذا فرضنا قيام الدليل التعبدي على حرمة شئ أو نجاسته فلا محالة يوجب ذلك الدليل ثبوت الحرمة والنجاسة بحكم الشارع ويرتفع بذلك موضوع اصالة البراءة أو الطهارة أعني الشك في الحرمة أو النجاسة وهكذا الحال في حكومة بعض الاصول على بعض كحكومة الاصل السببي على المسببي فإن جريان الاصل السببي ولو لم يكن من الاصول المحرزة كاصالة

[ 164 ]

الطهارة يوجب ثبوت مجراه الذي اخذ الشك فيه موضوعا في الاصل المسببي ولو كان من الاصول المحرزة مثلا إذا غسل ثوب متيقن النجاسة بماء مشكوك النجاسة فاصالة الطهارة في الماء يوجب ارتفاع الشك في بقاء النجاسة في الثوب الذي اخذ موضوعا لاستصحاب النجاسة ومن ذلك تعلم ان الاصل الجاري في ناحية السبب إذا لم يكن رافعا للشك في ناحية المسبب فلا محالة لا يكون حاكما عليه وهذا كما في موارد الشك في كون شئ من اجزاء مأكول اللحم أو غيره فان اجراء اصالة الحلية في اللحم لا يوجب ارتفاع الشك في جواز الصلاة وعدمه معه فان جواز الصلاة مترتب على الحلية الذاتية للحيوان كما في الغنم وغيره مما يؤكل لحمه في قبال الحرمة الذاتية كما في الارنب ونحوه ومن المعلوم انه لا يثبت ذلك اصالة الحلية حتى يرتفع الشك في الجواز بها واما حكومة بعض الامارات على بعض فليست باعتبار رفع نفس موضوعها بالتعبد بل باعتبار رفع قيد الموضوع ولا فرق في ارتفاع موضوع الدليل المحكوم بين ارتفاعه بنفسه وبين ارتفاعه بقيده مثلا إذا قامت البينة على ان المال الذي في يد زيد ملك لعمرو فموضوع قاعدة اليد وان لم يرتفع بقيامها الا انه يوجب ارتفاع قيده إذ الموضوع فيها اليد التى لم يعلم حالها والبينة توجب معلومية حالها فيكون رافعا لموضوعها وهكذا الحال في حكومة الاقرار على غيره من الامارات وحكومة حكم الحاكم على غير الاقرار منها (وملخص) الكلام ان الحكومة سواء كانت واقعية أو ظاهرية لا محالة توجب ارتفاع موضوع الدليل المحكوم بثبوت ما تعبد به شرعا في غير موارد التصرف في عقد الحمل كما في ادلة نفي الضرر والحرج فتفرق عن الورود بان الارتفاع في مورده ليس باعتبار ثبوت ما تعبد به بل باعتبار نفس التعبد وقد ظهر من جميع ذلك ان ما توهمه جماعة من ان الحكومة لا بد وان تكون باعتبار شارحية الدليل الحاكم للدليل المحكوم بمثل كلمة اعني واردت واشباهها اغترارا بظاهر كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) في جملة كلام له في باب التعادل والتراجيح في غير محله ضرورة ان الحكومة بهذا المعنى نادرة التحقق في الفقه جدا والالتزام باعتبار هذا المعنى في الحكومة شعر بلا ضرورة (والحاصل) ان الدليل إذا ورد عليه قرينة موجبة لارادة المعنى المجازي من اللفظ أو ارادة المخصوص أو المقيد واقعا وان لم يكن مجازا في الكلمة كما في موارد التخصيص والتقييد على ما هو الحق عندنا من عدم استلزامهما للمجازية فلا محالة يحكم العقل بعد ذلك بارادة خلاف الظاهر لفظا أو واقعا جمعا بين الدليلين فإذا كان هذا المعنى المتحصل

[ 165 ]

من حكم العقل بعد الجمح المذكور مفادا لفظيا ومعلولا لنفس اللفظ من دون احتياج إلى حكم العقل فيكون الدليل المتكفل لذلك حاكما على الدليل الآخر وهذا هو الجامع بين تمام اقسام الحكومة التي مر بيانها فالفرق بين الحكومة والتخصيص بعد اشتراكهما في عدم ارتفاع الموضوع وجدانا ان دليل الحاكم يوجب التصرف في عقد الوضع أو في عقد الحمل فيترتب عليه رفع الحكم وهذا بخلاف التخصيص فانه يوجب ارتفاع الحكم عن الموضوع من دون تصرف اصلا (وقد ظهر) من جميع ما ذكرناه ان تقدم الامارات على الاصول ليس من جهة ورودها عليها ولا من جهة تخصيص ادلة الاصول بها بل من جهة الحكومة الموجبة لارتفاع موضوعها بثبوت ما اخذ الشك فيه موضوعا في ادلة الاصول وسيأتي لذلك مزيد توضيح في بحث التعادل والتراجيح ان شاء الله تعالى (إذا عرفت ذلك) فنقول الشبهة التي يكون الاصل فيها جاريا اما ان تكون شبهة حكمية أو موضوعية والغرض من التكلم في هذا المقصد انما هو بيان حكم الشبهة الحكمية التي يختص اجراء الاصل فيها بالمجتهد والبحث عن الاصل الجاري في الشبهة الموضوعية المسماة عند القدماء بالشبهة في طريق الحكم من جهة الاستطراد (ثم) ان الشبهة الحكمية التي هي محل البحث في المقام وهو الشك في التكليف مع عدم لحاظ الحالة السابقة اما ان تكون تحريمية أو وجوبية فهنا مقامان ومنشأ الشبهة في كل منهما اما ان يكون فقدان النص أو اجماله أو تعارضه (اما المقام الاول) ففيه مسائل (المسألة الاولى) ما إذا كانت الشبهة تحريمية من جهة فقدان النص والنزاع فيها بين الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط فيها والاصوليين القائلين باصالة البراءة وقبل بيان ادلة الطرفين لا بد من بيان امرين (الاول) أن الفرق بين مسألة البراءة والاحتياط ومسألة كون الاشياء على الحظر أو الاباحة من جهتين (الاولى) أن موضوع هذه المسألة هو مطلق الفعل الصادر من المكلف سواء لم يكن له تعلق بموضوع خارجي أو كان له تعلق به اعم من ان يكون ذلك الفعل المتعلق به انتفاعا من ذلك العين ام لا وهذا بخلاف موضوع مسألة الحظر أو الاباحة فانه مختص بالانتفاع المتعلق بالموضوع الخارجي في غير ما يتوقف عليه المعاش الضروري فموضوع مسألتنا اعم من موضوع تلك المسألة من وجهين (الثانية) ان المبحوث عنه في مسألتنا هو حكم العقل من حيث كونه مشكوك الحكم وهذا بخلاف المبحوث عنه في تلك المسألة فانه حكم العقل من حيث هو وبعبارة اخرى المبحوث عنه في المقام هو البراءة أو الاحتياط من حيث كونهما مقتضى الاصل العملي (واما) المبحوث عنه في تلك المسألة فهو الحظر أو الاباحة

[ 166 ]

من حيث كونهما مقتضى الدليل الاجتهادي (وتوضيح) ذلك انه يبحث اولا عن حكم العقل بالحظر أو الاباحة للاشياء مع قطع النظر عن الدليل الشرعي وبعد اثبات حكمه بالحظر أو توقفه في الحكم يبحث عن قيام الدليل الشرعي على اباحة الاشياء على العموم حتى يثبت المخرج نظير قوله تعالى واحل لكم ما في الارض جميعا ثم انه إذا بنينا على ثبوت العموم ولكن لم يمكن التمسك به لمانع في خصوص مورد أو بنينا على عدم الثبوت ولكن شك في شمول حكم العقل فتصل النوبة إلى البحث عن البراءة أو الاحتياط فتحصل ان الافعال الغير المتعلقة بالموضوعات الخارجية أو المتعلقة بها إذا لم تكن من قبل الانتفاعات داخلة في مبحث البراءة والاحتياط من اول الامر واما الانتفاع بالموضوعات الخارجية فيتوقف دخوله فيه على عدم شمول حكم الشرع باباحة الاشياء بنحو العموم وعدم حكم العقل بالحظر (ثم ان جماعة) من الاصحاب فرقوا بين المسألتين بأن مسألة الحظر أو الاباحة انما هي بلحاظ حال هي قبل ورود الشرع وأما مسألة البراءة والاحتياط فهي بلحاظ حال هي بعد ورود الشرع وقد اوردنا على ذلك سابقا بأن البحث عن حكم ما قبل الشرع المفروض كونه زمان الفترة عن الرسل وانه هل هو الحظر أو الاباحة نزاع لا محصل له فكيف يمكن ان يكون مطرحا للانظار ولكنه يمكن ان يكون مرادهم من القبلية هي القبلية الرتبية دون الزمانية فيرجع كلامهم إلى ما ذكرناه من ان النزاع في تلك المسألة اولا في حكم العقل مع قطع النظر عن حكم الشرع فلا اشكال * (الامر الثاني) * ان المبحوث عنه في المقام انما هو الحكم بالبراءة أو الاحتياط بعد الفحص واما قبله فلا اشكال في عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند الاصوليين والاخباريين ولكنه لا يخفى ان ذلك لا يستلزم ان يكون المجتهد هو المكلف باقامة الدليل على البراءة بعد الفحص بل الاخباري لا بد له من اقامة الدليل على الاحتياط بعد الفحص ايضا لان ملاك حكم العقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص يستحيل بقاؤه إلى ما بعد الفحص (وتوضيح) ذلك ان حكم العقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص له منشآن (احدهما) حكمه بوجوب الفحص عن احكام المولى بمجرد احتمال حكم من قبله فإن العقل يستقل بأن وظيفة المولى هو ايصال احكامه إلى عبده بجعل طرق إليها يتمكن العبد من الوصول إليها عادة والعقاب على مخالفتها من دون ذلك عقاب لا بيان وبأن وظيفة العبد هو الفحص عن احكام مولاه حتى لا يقع في مخالفتها وحكمه هذا من فروع حكمه بوجوب النظر إلى المعجزة ولولا

[ 167 ]

حكمه بذلك يلزم افحام الانبياء عليهم السلام في دعواهم وقد سبق توضيح ذلك في بعض المباحث السابقة وسيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى وموضوع حكمه بذلك انما هو مجرد احتمال البيان حتى يكون هذا الحكم العقلي بيانا لما هو بيان الحكم الواقعي فيكون الحكم الواقعي واصلا بطريقة الواصل بالطريق ايضا ومن البديهي ان موضوع هذا الحكم يرتفع بعد الفحص فلو لم يجز الرجوع بعده إلى البراءة فلا بد وان يكون بملاك آخر غير وجوب الفحص (وثانيهما) حكمه بوجوب الاحتياط من جهة العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة فما دام هذا العلم الاجمالي موجودا يوجب تنجز الاحكام الواقعية ولو لم يكن عليها بيان في الشريعة وعلى ذلك بنينا صحة عقاب تارك الطريقين إذا اقتحم في الشبهة وصادف مخالفته للحكم الواقعي ولو كان الحكم بحيث إذا تفحص عنه لما كان يصل إليه ابدا وحينئذ فإذا أثبتنا انحلال هذا العلم الاجمالي بالفحص والظفر بمقدار المعلوم بالاجمال كما سنبينه ان شاء الله تعالى فلا محالة لا يترتب عليه اثر بعد الفحص فلا بد للاخباري القائل بوجوب الاحتياط من اقامة الدليل عليه غير هذا العلم الاجمالي المترتب عليه وجوب الاحتياط في خصوص ما قبل الفحص فيكون حاله حال الاصولي في وجوب اقامه الدليل على مدعاه (إذا عرفت ذلك) فقد استدل للقول المختار وهو الحكم بعدم وجوب الاحتياط بالادلة الاربعة (اما الآيات) فمنها قوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها بتقريب ان المراد من لفظة ما الموصولة هو التكليف فيكون المراد من الايتاء المتعلق به هو الاعلام فتدل على ان الله تبارك وتعالى لا يكلف بالتكليف الغير الواصل إلى المكلف (وقد) ادعى بعض ان دلالة الآية على ذلك ظاهرة بتقريب ان لفظة ما ظاهرة في ان المراد منه هو الحكم وايتاء الحكم عبارة عن اعلامه كما في قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه فتدل على ان الحكم قبل وصوله لا يكلف به العبد بل يكون هو في سعة واشكل عليه بأن ارادة خصوص الحكم منها ينافيها صدر الآية وهو قوله ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله (والتحقيق) ان يقال ان لفظة ما في حد ذاته يحتمل معان ثلاثه (الاول) خصوص الحكم فيكون المراد من الايتاء الذي هو بمعنى الاعطاء الاعلام (الثاني) خصوص المال فيكون المراد من الايتاء اعطاء السلطنة (الثالث) مطلق الفعل فيكون المراد من الايتاء الاقدار عليه فتدل على عدم جواز التكليف بغير المقدر فيشمل مورد الآية وغيره (ثم انه) لاريب في عدم جواز ارادة خصوص الحكم منها لمنافاته لمورد الآية كما انه لاريب في عدم جواز ارادة خصوص المال منها

[ 168 ]

وإلا لزم التكرار في مدلول الآية بل الظاهر كون الفقرة الثانية بمنزلة الكبرى الكلية للفقرة الاولى مضافا إلى ما في رواية عبد الاعلى من الاستدلال بعدم وجوب المعرفة على الناس قبل البيان بهذه الآية فلا بد من كونها بمنزلة الكبرى الكلية في المقامين والالتزام بارادة معنى جامع ينطبق على مورد الآية والرواية والذي يظهر من العلامة الانصاري (قده) هو ارادة الاقدار من الايتاء فيكون شاملا لموردي الآية والرواية فإن تحصيل معرفة الصانع اجمالا وان كان فطريا لكل مدرك التفت إلى نفس وجوده وحدوثه فضلا عن غيره الا ان المعرفة التفصيلية تتوقف على البيان لا محالة ومن دفعه تكون تحصيلها غير مقدور عليه يكون الآية اجنبية عن الدلالة على عدم التكليف في ظرف عدم الوصول (وبعبارة اخرى) البيان في مورد الرواية وهو المعرفة ليس مثل البيان في الاحكام الفرعية حتى يلزم من شمول الآية للاول شمولها للثاني إذ البيان في المعرفة شرط مقدوريتها للمكلف إذ بدونه لا تكون مقدورة وهذا بخلاف البيان في الاحكام الفرعية فإن الاتيان بمتعلقاتها لا يتوقف عليه اصلا (والحاصل) ان استدلال الامام عليه السلام بعدم وجوب المعرفة قبل البيان لا دلالة فيه على ارادة الاعلام من الايتاء حتى يصح الاستدلال بها في المقام بل يصح ذلك مع عدمها وارادة الاقدار من الايتاء وعليها يكون مدلول الآية اجنبيا عن المقام بل رأسا هذا (ولكنه لا يخفى) ان المعرفة التفصيلية قبل البيان وان كانت غير مقدورة الا ان الظاهر ان استدلال الامام عليه السلام ليس من هذه الجهة بل من جهة ان التكليف لا يكون قبل البيان فانه سلام الله عليه رتب الاستدلال بالآية على قوله لا على الله البيان فيكون الظاهر من الرواية ان كون مورد السؤال من صغريات الآية لاجل عدم البيان لا لاجل عدم القدرة قبل البيان وعليه فيدل الآية على نفي التكليف في مطلق موارد عدم البيان فلابد من ارادة الجامع بين مورد الآية والرواية (ودعوى) انه لا جامع بين التكليف ومتعلقه فإن ايتاء التكليف عبارة عن اعلامه وايتاء المال عبارة عن التسليط عليه ولا جامع بينهما (مدفوعة) بأن الايتاء عبارة عن الاتيان بالشئ وهذا معنى واحد لا يختلف باختلاف موارده فيكون المراد من الايتاء معنى واحد وانما الاختلاف في مصاديقه فإن الاتيان بالتكليف كما عرفت انما يكون باعلامه والاتيان بالمال انما يكون باعطائه والتسليط عليه والاتيان بالفعل انما يكون بالاقدار عليه فاختلاف مصاديق المعنى الواحد لا يضر بوحدة المعنى اصلا وما توهم ان شمول الآية للتكليف ومتعلقه يستلزم استعمال اللفظ وهو كلمة الموصول

[ 169 ]

في اكثر من معنى واحد إذ ارادة التكليف منه تستلزم كونه مفعولا مطلقا لقوله تعالى لا يكلف وارادة متعلق التكليف تستلزم كونه مفعولا به ولا جامع بين المفعولين فمدفوع بأن التكليف بالمعنى المصدري وان كان لا بد من كونه مفعولا مطلقا لا غير إلا انه بالمعنى الاسم المصدري المعبر عنه بالحكم المجعول يكون مفعولا به إذ هو الذي يصدر من الجاعل اولا فلا موجب للاستعمال في اكثر من معنى واحد فيكون معنى الآية ان الله تبارك وتعالى لا يكلف بحكم ولا بمتعلقه إلا بعد الاتيان به ومن ذلك يظهر ان ما توهمه بعض في قوله تعالى وهو الذي خلق السموات والارض ومن ان السموات مفعول مطلق فإن الخلق عين المخلوق غير صحيح فإن السموات وإن كان عين الخلق إلا انه الخلق بالمعنى الاسم المصدري وهو اول مفعول به يقع عليه فعل الفاعل فيكون مفعولا به لا غير ومنه يظهر ايضا ان ما عد من المفعول المطلق المفعول المطلق العددي أو النوعي غير صحيح ايضا فإن المصدر فيهما إنما يكون مستعملا في المعنى الاسم المصدري فيكون مفعولا به فيتمحض المفعول المطلق في ما إذا أتي به للتأكيد لا غير فظهر من جميع ما ذكرناه صحة إرادة الجامع بين التكليف ومتعلقه ولا يلزم منه محذور أصلا بل لابد من ارادته حتى ينطبق على موردي الآية والرواية بالتقريب الذي ذكرناه ولكنه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بها على الاخباري فإن محل الكلام بينهم وبين الاصوليين هو ما إذا شك في ثبوت حكم في الشريعة بعد صدور الاحكام وتبليغها إلى المكلفين لاجل احتمال صدور هذا الحكم واختفائه بسبب العوارض وأين ذلك من مفاد الآية وهو عدم التكليف قبل الاتيان بالحكم وقبل صدوره من جهة سكوت الله تعالى عنه ومن ذلك يظهر عدم دلالة بقية الآيات على تقدير تمامية دلالتها في حد أنفسها على محل الكلام بل غاية ما يستفاد منها هو عدم التكليف والمؤاخذ على مخالفة الحكم الغير الصادر وهذا أجنبي عن المقام كما عرفت بل ان قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي الآية وكذا قوله تعالى ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم عليه الآية لا يدل على ذلك ايضا فإن عدم الوجدان في مورد الآيتين يكشف عن عدم الوجود واقعا فلا يصح الاستدلال بهما لحكم مورد الشك أصلا وأما الروايات فهي كثيرة " منها " النبوي المروي بسند صحيح رفع عن أمتي تسعة اشياء الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والطيره والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفتيه ولا بد من التكلم في الرواية من جهات " الاولى "

[ 170 ]

ربما يتوهم ان رفع الخطأ وغيره حيث لا يمكن حقيقته فلا بد من التقدير من باب دلالة الاقتضاء وقد اختلف في بحث دلالة الاقتضاء في ان المقدر إذا دار أمره بين الخصوص أو العموم فهل مقتضى القاعدة هو الاخذ بالخصوص أو العموم أو الاخذ بأظهر الخواص أو الحكم بالاجمال وعليه فيقع النزاع في ان المقدر في المقام ما هو فهل هو خصوص العقاب أو تمام الآثار أو أظهرها أو يحكم بالاجمال ولكنه لا يخفى فساد هذا التوهم فإنه يبتنى على كون المراد من الرفع هو الرفع الخارجي حتى يتوقف صحة الكلام على التقدير وأما إذا كان المراد منه الرفع في عالم التشريع فلا يحتاج إلى تقدير شئ أصلا نعم يقع الكلام في ان مقتضى رفع الخطأ مثلا في عالم التشريع وجعله كعدمه ما هو فهل رفعه عبارة عن رفع تمام الآثار أو خصوص العقاب أو رفع أظهر الآثار أو لا ظهور له في شئ من ذلك فيكون مجملا ويتضح لك الحال في ذلك إن شاء الله تعالى " الثانية " ان اتصاف الشئ بالرافعية أو الدافعية لا يكون إلا بعد وجود المقتضي ومنزلتها منزلة المانعية فما لم يكن هناك مقتض لوجود الشئ فلا دافع ولا رافع بل يستند العدم إلى عدم المقتضي ولا يخفى ان كل رافع فهو دافع في الحقيقة إذ الرافع إنما يكون مزاحما لتأثير مقتضى البقاء ومانعا عن تحقق مقتضاه حينه ووجود المقتضي قبل ذلك أجنبي عن مزاحمته بقاء فالرافع في الحقيقة مانع عن تحقق الاثر كما في الدافع فإن المعلول كما يحتاج إلى المؤثر في حدوثه فكذلك يحتاج إليه في بقائه فكل من الرافع والدافع يكون مزاحما للمقتضي في تأثيره نعم لو قلنا بأن الحادث لا يحتاج في بقائه إلى المؤثر لما كان الرافع مزاحما لتأثير المقتضي بل دافعا لاثره الحادث ولكن هذا القول فاسد لا يمكن المصير إليه وعليه فلا فرق حقيقة بين الدافع والرافع ويصح استعمال كل منهما في مورد الآخر بلا عناية فلا وقع للاشكال على الرواية بعدم صحة اطلاق الرفع في جملة من التسعة المذكورة فيها التي هي من قبيل الدفع " الثالثة " ان رفع الخطأ والنسيان في الرواية ليس المراد منه هو دفع نفس هذه العناوين تشريعا وفرضها كأن لم يكن كما توهم فإن ذلك يستلزم اجراء احكام العامد والملتفت على الخاطئ والناسي وهذا ينافي ورود الرواية مورد الامتنان بل المراد منه هو رفع الفعل الصادر حال الخطأ أو النسيان كرفع الفعل المكره عليه أو المضطر إليه أو مالا يطاق بمعنى أن الاحكام الثابتة لنفس الافعال من دون تقييدها بحال العمد أو الخطأ مثلا ترتفع حال الخطأ فتكون الرواية حاكمة على الادلة المثبتة للاحكام لنفس عناوين الافعال من دون قيد ومخصصا لها بحال العمد واما الاحكام الثابتة على الافعال بقيد كونها

[ 171 ]

عمدية فهي ترتفع في مورد الخطأ بنفس أدلتها من دون احتياج إلى حديث الرفع كما ان الاحكام الثابتة للفعل الخطأي يستحيل ارتفاعها بسبب الخطأ كما هو واضح " إذا عرفت " ذلك فاعلم انه ربما يشكل على الرواية بأن أرتفاع الاحكام في الثلاثة الاخيرة رفع واقعي من أول الامر من دون ثبوت لها بنحو من الثبوت إلا ثبوتا اقتضائيا بثبوت مقتضياتها وأما ارتفاعها في بقية الموارد غير مورد الجهل فهو رفع واقعي ايضا لكنه بعنوان الحكومة الموجبة لتخصيص الادلة المثبتة لها بغير تلك الموارد وأما الارتفاع في مورد الجهل فهو ليس إلا ارتفاعا ظاهريا غير موجب لتغير الواقع عن حاله فما هو الجامع بين اسناد الرفع إلى التسعة المذكورة في الرواية مع هذا الاختلاف بينها وبعبارة اخرى الارتفاع في غير مالا يعلمون لا يمكن أن يتعلق بنفس المذكورات في الرواية وإنما يتعلق بها باعتبار تعلق الحكم بها وأما فيه فيتعلق بنفسه لكن ارتفاعا ظاهريا فيلزم اختلاف السياق باختلاف جهة الرفع في التسعة المذكورة فيها (والجواب) عن ذلك ان صدق الرفع في تمام التسعة باعتبار ثبوت المقتضي للجعل ومن المعلوم ان المراد منه هو الرفع التشريعي دون التكويني فرفع الثلاثة الاخيرة تشريعا إنما هو باعتبار وجود المقتضي لجعل الحرمة فيها فلم يجعل الحرمة امتنانا " وأما " بالنسبة إلى غير مالا يعلمون فباعتبار وجود المقتضي لعموم الحكم واقعا حتى بالنسبة إلى حال الخطأ والنسيان وغيرهما وأن لا يختص بغير مواردها ووجود الاطلاق أو العموم ظاهرا مع عدم كونهما مرادا واقعا أجنبي عن صدق الرفع فما هو الملاك في صدق الرفع في الثلاثة الاخيرة هو الملاك في صدقه فيها بعينه من دون فرق بينهما أصلا وأما بالنسبة إلى مالا يعلمون فالرفع التشريعي فيه إنما هو برفع نفسه حيث ان المجهول إنما هو نفس الحكم وهو بنفسه قابل للارتفاع وهذا بخلاف غيره فإن ارتفاع غيره تشريعا إنما هو بعدم جعله موضوعا للحكم وأما ارتفاع الحكم المجهول كذلك فهو بعدم جعل نفسه وهذا لا ربط له باختلاف السياق أصلا ضرورة ان المراد من الرفع في الجميع هو الرفع التشريعي والاختلاف إنما هو في متعلق الرفع باعتبار تعلقه بالحكم مرة وبالموضوع أخرى وأما المصحح لصدق الرفع فيما لا يعلمون فتوضيحه ان الحكم الواقعي الناشئ عن الملاك حيث انه لا محركية له حال الجهل به فيمكن للشارع أن يجعل له متمما موجبا لوصوله بطريقه بلسان إيجاب الاحتياط أو يجعل اصالة الحرمة كما في موارد الدماء والفروج والاموال حفظا للاغراض الواقعية ويمكن له أن يرفع الحكم الواقعي حال الجهل ولا يعتني بوجود المقتضي لا يصاله إما بجعل إصالة.

[ 172 ]

الاباحة المقابلة لا صالة الحرمة أو بلسان حديث الرفع النافي لايجاب الاحتياط ويمكن له ان لا يجعل شيئا في هذا الحال لا وضعا ولا رفعا ويوكل العبد إلى حكم عقله بقبح العقاب بلا بيان والفرق بين حكم الشرع بالاباحة أو برفع المجهول وبين حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ان ما يحكم به الشرع اولا هو رفع الحكم وترتب عدم العقاب عليه قهري وهذا بخلاف حكم العقل فإن حكمه ابتداء إنما هو بقبح العقاب وليس له الحكم بالترخيص ابدا فإن وظيفة العقل هو الادراك ليس الانعم يترتب على حكمه بقبح العقاب اللاحرجية في الفعل أو الترك لا محالة (وبالجملة) المقتضي لوضع الحكم الواقعي حال الجهل موجود والرفع إنما هو باعتبار عدم اعتناء الشارع بوجوده بعدم ترتيب الاثر عليه من ايجاب الاحتياط أو جعل اصالة الحرمة امتنانا فكما ان صدق الرفع في غير مالا يعلمون إنما هو باعتبار وجود المقتضي للجعل فكذلك صدقه فيه باعتبار وجود المقتضي له ايضا بل صدق الرفع فيه اولى من غيره فإن الارتفاع في غيره غير مقترن بالثبوت بنحو من انحائه غير ثبوت المقتضي بثبوت مقتضيه وأما فيه فالارتفاع مقترن بالثبوت الواقعي المشترك بين الكل فظهر أن متعلق الرفع فيما لا يعلمون إنما هو نفس الحكم الواقعي ظاهرا وهذا ضد لوضعه بايجاب الاحتياط لا ان المرفوع هو ايجاب الاحتياط كما يوهمه ظاهر عبارة العلامة الانصاري (قده) كما اتضح أن صدق الرفع في الجميع بملاك واحد وهو وجود المقتضي للجعل وكون الرفع ظاهريا تارة وواقعيا اخرى وكونه مقترنا بوجود عموم أو اطلاق في البعض وغير مقترن به في البعض الاخر اجنبي عما هو الملاك في صدق الرفع المشترك في الجميع (فإن قلت) إذا كان المراد من الموصول فيما لا يعلمون هو الحكم فكيف يعقل ارادة الفعل المجهول منه حتى يكون شاملا للشبهة الموضوعية المسلم جريان البراءة فيها بين الاصولي والاخباري وبعبارة اخرى إذا كان رفع الحكم تشريعا عبارة عن رفع نفسه ورفع الموضوع كذلك عبارة عن عدم جعله موضوعا للحكم الراجع إلى رفع حكمه فكيف يمكن شمول الرواية للشبهة الحكمية والموضوعية معا حتى يكون الرفع المتعلق بشئ واحد رفعا له بنفسه ورفعا لحكمه (قلت) الرفع فيه متعلق بالحكم المجهول مطلقا وهو المرتفع بنفسه غاية الامران الجهل في الشبهة الحكمية إنما هو بنفسه والجهل في الشبهة الموضوعية ناشئ عن الجهل بالموضوع وهذا لا يوجب ارادة الفعل والحكم من الموصول حتى يتوجه ما ذكر من الاشكال وهذا نظير ما سيأتي في باب الاستصحاب من ان مقتضى ادلته هو جعل الحكم المماثل حال الشك اعم من ان

[ 173 ]

يكون المتيقن حكما فيجعل مثله أو موضوعا فيجعل مثل حكمه وعلى كل حال فالمجعول هو الحكم ليس إلا كما ان المرفوع في المقام ايضا هو الحكم المجهول مطلقا اعم من ان يكون الجهل به ناشئا من الجهل بالموضوع اولا (الرابعة) في بيان ان مقتضي الرفع التشريعي في التسعة المذكورة في الرواية ما هو اما بالنسبة إلى الثلاثة الاخيرة فقد عرفت ان المرفوع فيها هو الحرمة باعتبار وجود المقتضي لجعلها وأما فيما لا يعلمون فقد ظهر ايضا ان المرفوع هو جعل الحكم حال الجهل وايصاله إلى المكلف بجعل ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة كما في بعض الموارد ومنه ظهر ان توهم كون المرفوع العقاب في غير محله ضرورة ان رفع العقاب بما هو ليس من وظيفة الشارع بما هو وإنما وظيفته رفع الحكم المترتب عليه رفع العقاب قهرا هذا مضافا إلى أن حديث الرفع لو كان مفاده الاخبار عن الرفع الخارجي لما كان لتقدير خصوص العقاب مجال ايضا لعدم كونه اظهر الآثار اولا والمنع عن تقدير خصوص الظهر ثانيا فإن الظاهر من تقدير شئ وجعل ما يضاف إليه المقدر مكانه هو عموم المقدر ورفع تمام آثاره إلا أن يكون هناك ظهور عرفي في تقدير بعض الآثار حتى يكون تقدير العموم خلاف الظاهر (واما) بالنسبة إلى الخمسة الباقية فيقع الاشكال فيها لا سيما في خصوص الخطاء والنسيان باعتبار ان الخطا والنسيان وغيرهما قد تكون في موارد الاحكام التكليفية واخرى في موارد الاحكام الوضعية وعلى الاول فاما ان تتعلق بموضوعات الاحكام واخرى بمتعلقاتهما وعلى تقدير تعلقها بالمتعلقات فإما ان يكون الحكم التكليفي المتعلق بها انحلاليا كما في موارد الحرمة أو متعلقا بصرف الوجود كما في الاحكام الايجابية فنقول في توضيح ذلك بعون الله تعالى وحسن تأييده ان الخطأ والنسيان وغيرهما إذا تعلقت بموضوعات الاحكام التي قد عرفت سابقا ان مرتبتها من الاحكام المترتبة عليها مرتبة العلة من المعلول فمعنى ارتفاعها تشريعا هو عدم جعل تلك الموضوعات موضوعات للاحكام حالها فالفعل الخطأي كالارتماس مثلا حيث كان فيه اقتضاء بطلان الصوم ووجوب القضاء وجعل الكفارة كما إذا وقع عمدا فارتفع اثره بعدم جعل تلك الاحكام عند تحققه وهذا هو القدر المتيقن من دخوله تحت دليل الرفع (واما) بالنسبة إلى المتعلقات فإن كان الحكم التكليفي المتعلق بها انحلاليا كالحرمة المتعلقة بشرب كل فرد من افراد الخمر فربما يتوهم ان رفع المتعلق في عالم التشريع ليس عبارة عن رفع حكمه فإن الحكم لا يترتب على المتعلق ترتب المقتضي على مقتضيه كما كان كذلك في الموضوعات إذا الحكم في مرتبة سابقة على وجود

[ 174 ]

متعلقه لا محالة فإنه المقتضي لوجوده كما في الواجبات أو لعدمه كما في المحرمات فكيف يمكن ان يكون رفع المتعلق في عالم التشريع عبارة عن رفع الحكم السابق عليه من حيث المرتبة (ولكن) فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان فإن نسبة الحكم إلى متعلقه وإن لم يكن من سنخ نسبة المعلول إلى علته إلا انها من سنخ نسبة العرض إلى محله فكما ان ارتفاع المعروض يوجب ارتفاع عرضه خارجا لا ستحالة وجود العرض من دون وجود معروضه فكذلك ارتفاع المتعلق في عالم التشريع يوجب ارتفاع الحكم المتعلق به لا محالة مثلا إذا كان شرب الخمر صادرا عن نسيان أو اكراه أو غيرهما ففرضه في عالم التشريع كأن لم يكن ليس إلا عبارة عن فرض عدم تعلق التحريم به (والحاصل) أن رفع الموضوع في عالم التشريع كما انه كان عبارة عن رفع الحكم المترتب عليه فكذلك رفع المتعلق في ذلك العالم عبارة عن رفع الحكم المتعلق به ايضا من دون فرق بينهما اصلا إلا في كون القسم الاول اظهر من الثاني وبالجملة ان كل فعل وجودي أو عدمي اخذ موضوعا لحكم شرعي أو كان متعلقا له بنحو الانحلال كما في موارد الحرمة فرفعه في عالم التشريع عبارة عن رفع الحكم المترتب عليه أو المتعلق به وأما إذا كان الحكم التكليفي متعلقا بصرف الوجود فالحق عدم شمول حديث الرفع لمثل ذلك ابدا لما عرفت من ان شمول حديث الرفع يتوقف على كون المرفوع في عالم التشريع ذا أثر شرعي حتى يكون المرفوع في الحقيقة ذاك الاثر المترتب عليه أو المتعلق به فإذا فرضنا تعلق الحكم بصرف الوجود وكان فرد واحد من الطبيعة المأمور بها متعلقا للنسيان أو الاكراه فلا يعقل شمول حديث الرفع له اصلا إذ المفروض ان ما هو متعلق الحكم وهو صرف الوجود لم يتعلق به النسيان أو الاكراه وما تعلق به النسيان أو الاكراه وهو الفرد الخاص الخارجي لم يتعلق به الحكم حتى يكون رفعه في عالم التشريع رفعا لحكمه (ومن) هنا يظهر ان الصلاة التي نسي فيها بعض الاجزاء أو الشرائط إذا لم يكن النسيان مستوعبا لتمام الوقت لا تكون مشموله لحديث الرفع فإن السورة المأمور بها في ضمن الامر بالصلاة انما يطلب صرف وجودها فخصوص الصلاة الصادرة من المكلف لم يتعلق بها حكم شرعي حتى يكون مرفوعا حال النسيان فيقال ان السورة المنسية لا امر بها إذا تركت نسيانا واما الصلاة الصادرة من المكلف فإن كان لها حكم فإنما هو حكم عقلي وهو اجزاؤها عن المأمور به والحكم العقلي مع انه لا يقبل لان يكون مرفوعا بحديث الرفع يلزم من ارتفاعه خلاف الامتنان ولا ريب في ان شمول الحديث لمورد يتفرع

[ 175 ]

على كون الرفع فيه موجبا للامتنان لا مخالفا له بل الامر كذلك ولو كان النسيان مستوعبا لتمام الوقت ايضا فإنك قد عرفت ان شمول حديث الرفع يتوقف على كون الفعل الصادر عن النسيان مثلا ذا حكم شرعي يرتفع حال النسيان وليس ترك الصلاة المشتملة على السورة في تمام الوقت إلا ذا حكم متعلق به وحكم مترتب عليه اما الحكم المتعلق به وهو الحرمة فلا ريب في ارتفاعه حال النسيان لكنه لا يثبت كون بقية الاجزاء مأمورا بها لاحتمال سقوط الامر بالكلية وأما الحكم المترتب عليه وهو وجوب القضاء خارج الوقت فهو غير قابل لان يرتفع عند قوات الصلاة عن نسيان لان وجوب القضاء إنما ثبت لمطلق الفوت حتى ما كان لنسيان أو نوم أو غيرهما فلو لم يمكن تصحيح الصلاة بمثل لا تعاد كما إذا كان الجزء المنسي من الاركان مثلا فلا ريب في ثبوت القضاء وعدم ارتفاعه بحديث الرفع (وتوهم) ان حديث الرفع يوجب رفع الجزئية الثابتة للجزء المنسي فيكون الاتيان بغيره موافقا للمأمور به كما يرتفع جزئية الجزء المجهول به ويثبت الامر بغيره من الاجزاء (مدفوع) بأن المجهول في ذاك المقام إنما هو نفس الجزئية والمفروض ثبوت العلم بجزئية غيره فيجب الاتيان بها وهذا بخلاف المقام فإن المنسي فيه هو الجزء دون الجزئية وليس ترك الجزء موضوعا لحكم شرعي حتى يرتفع برفعه في عالم التشريع (نعم) لو ورد دليل بالخصوص على ان ترك السورة المنسية مثلا في حكم العدم فلا بد من حمله على رفع جزئيته حال النسيان ولكن اين ذلك من حديث الرفع الغير المختص بخصوص مورد (وقد) اشرنا في بعض المباحث السابقة إلى أن الحكم الثابت بنحو العموم إذا كان شموله لمورد محتاجا إلى عناية زائدة فمقتضى القاعدة عدم شمول العموم له لا الحكم بالعموم واثبات تلك العناية وسيأتي في بحث الاصل المثبت توضيح ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى فظهر مما ذكرناه انه لا وجه للتمسك بحديث الرفع لموارد نسيان الاجزاء أو الشرائط مطلقا بل التمسك به في تلك الموارد موجب لهدم القواعد المذكورة في باب الخلل في احكام النسيان قبل تجاوز المحل أو بعده وكون المنسي ركنا أو غير ركن وكيف كان فشمول حديث الرفع لموارد الاحكام التكليفية إنما يكون إذا كان المورد لها في الخمسة المذكورة فيه موضوعا لذلك الحكم أو متعلقا له بنحو الانحلال ومع ذلك كان في رفعه منة ايضا واما إذا كانت الاحكام وضعية ففيها تفصيل باعتبار أن موارد هذه الخمسة قد تكون من قبيل المسببات في العقود والايقاعات أو من قبيل الطهارة والنجاسة أو من قبيل الاسباب اما المسببات العقدية

[ 176 ]

أو الايقاعية فالظاهر انه لا يمكن تعلق الخطأ والنسيان بها لانها أمور إيجادية انشائية فإما أن لا تتحقق في الخارج أو تتحقق مع التفات وعمد إليها وكذلك لا يمكن أن تكون موارد لما لا يطيقون والوجه فيه ظاهر وأما الاضطرار فيجزي فيها لكن ارتفاع أثارها يكون منافيا للامتنان فمن اضطر إلى بيع داره مثلا لو حكم فيه بفساد البيع لوقع في محذور الضطرار وهذا ينافي الامتنان (وأما) الاكراه فلا اشكال في جريانه فيها وكونه موجبا لعدم امضاء المسببات في نظر الشارع ويدل عليه استشهاد الامام عليه السلام لرفع أثر الحلف بالعتاق والطلاق وصدقة ما يملك مع الاكراه عليه بحديث الرفع فإن الحلف المذكور وإن كان باطلا عندنا ولو مع عدم الاكراه إلا ان استشهاده عليه السلام بحديث الرفع يدل على شمول الحديث لآثار المسببات ايضا وان كان التطبيق على الصغرى المذكورة في الرواية لاجل التقيه وأما المسببات في باب الطهارة والنجاسة فهي غير قابلة للارتفاع ولو كانت عن اكراه أو نسيان أو غيرهما فلو اكره على تنجيس بدنه فلا محالة يتنجس البدن بذلك ولا يمكن رفع هذا الاثر بالاكراه أو غيره ولو لم يكن الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية التى كشف عنها الشارع بل كانتا من الاحكام المجعولة كما هو مقتضى التحقيق ضرورة ان الحكم بالنجاسة أو الطهارة وان كان لا بد فيه من ملاك واقعي يكون داعيا إلى جعله كما في بقية الاحكام الا أن ذلك أجنبي عن كون نفس الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية كما ذهب إليه بعض وذلك فإن النجاسة بحسب الادلة مترتبة على وجود اسبابها الواقعية من دون مدخلية شئ في ذلك وجودا وعدما فيكون حاله حال وجوب القضاء المترتب على فوت الفريضة الغير المرتفع قي صورة النسيان أو غيره كما عرفت (وأما) الاسباب فالتحقيق عدم جريان حديث الرفع فيها ايضا لما عرفت من ان شمول الحديث لمورد يتوقف على كون ذلك المورد ذا حكم شرعي يكون رفعه في عالم التشريع برفعه فمثل تقدم القبول على الايجاب أو عدم الموالاة في العقد وامثال ذلك لا أثر له شرعا حتى إذا وقع عن اكراه أو نسيان يكون ذلك الاثر مرتفعا عنه فعند ذلك لا بد من الالتزام بالبطلان الذي هو من آثار عدم صدور العقد التام من حديث الاجزاء والشرايط ثم انك قد عرفت ان مقتضى رفع مالا يعلمون في عالم التشريع إنما هو عدم جعل نفسه حال الجهل بايجاب الاحتياط أو بجعل اصالة الحرمة فنقول في توضيح ذلك ان شمول حديث الرفع لموارد الجهل يتوقف على أمور ثلاثة (الاول) ان يكون المجهول مجعولا شرعيا

[ 177 ]

حتى يكون قابلا لتعلق الرفع به شرعا (الثاني) كون المجهول بحيث يترتب العقاب على مخالفته لولا الرفع حتى يكون لرفعه أثر خارجا (الثالث) أن يكون في الرفع امتنان على المكلف فلو كان ارتفاع حكم موجبا لخلاف الامتنان عليه فلا يمكن أن يشمله حديث الرفع لا محالة (إذا عرفت) ذلك فنقول ان الجهل بالحكم الشرعي ربما يكون في موارد التكاليف الاستقلالية سواء كانت الشبهة حكمية كالشك في حرمة شرب التتن لعدم النص في المسألة أو كانت موضوعية كالشك في حرمة مائع خارجي لاحتمال كونه خمرا وأخرى يكون في موارد الاحكام الضمنية كالشك بين الاقل والاكثر اما من جهة الشبهة الحكمية كالشك في شرطية شئ للمأمور به أو جزئيته له أو مانعيته عنه أو من جهة الشك في وجود المحصلات الشرعية كالشك في حصول الطهارة عند الغسل بالماء مرة أو الشك في حصول الطهارة الحدثية بالوضوء مع المسح منكوسا بناء على أن يكون المأمور به هو تحصيل الطهارة الحدثية وكون الطهارات الثلاث محصلة لها على ما هو خلاف التحقيق عندنا من كون نفس الطهارات مأمورا بها وان حصول الطهارة داع للامر بها كما يظهر من قوله (ع) في رواية فضل بن شاذان انما أمر بالوضوة وبدئ به ليكون العبد طاهرا بين يدي المولى (الخبر) أو من جهة الشك في وجود المحصلات الخارجية كما إذا شك في تحقق القتل الواجب بالضرب مرة واحدة اما الجهل في موارد التكاليف الاستقلالية فلا اشكال في ايجابه لارتفاع الاحكام التي تعلق بها من دون فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية لما عرفت من ان الملاك الجامع هو كون الحكم مجهولا وهذا متحقق في القسمين غاية الامر ان سبب الجهل في الشبهة الحكمية يغاير سببه في الشبهة الموضوعية وهذا اجنبي عما هو ملاك الرفع بالكيلة (واما) الجهل في موارد الاحكام الضمنية فهو موجب لارتفاعها ايضا عند كون الشبهة حكمية فإن انبساط التكليف على غير ما شك في جزئيته أو شرطيته أو مانعيته معلوم وإنما الشك في انبساطه على وجود ما يشك في جزئيته أو شرطيته أو عدم ما يحتمل مانعيته فمقتضى حديث الرفع ارتفاع الانبساط على المشكوك وعدم تعلقه به فيحكم بذلك بعدم جزئية المشكوك أو شرطيته أو مانعيته ظاهرا كما كان يحكم بعدم حرمة شرب التتن كذلك ومن هذا البيان يظهر ان المرفوع بحديث الرفع عند الشك بين الاقل والاكثر هو الامر النفسي من حيث تعلقه بالمشكوك لا الامر الغيري المشكوك تعلقه به كما يظهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه لما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب من ان

[ 178 ]

المقدمات الداخلية انما تجب بنفس الوجوب النفسي المتعلق بالكل لا بوجوب آخر غيري فراجع (وأما) إذا كانت الشبهة موضوعية فيفرق فيها بين الشك في الجزئية والشرطية وبين الشك في المانعية فإن الشك إذا كان في تحقق ما علم كونه شرطا أو جزء كالشك في تحقق قراءة السورة الواجبة بقراءة سورة لايلاف فقط مثلا فلا محالة يرجع الشك إلى الشك في الامتثال بعد العلم بالاشتغال فلا بد من الحكم فيه بقاعدة الاشتغال دون البراءة واما إذا كان الشك في تحقق ما علم ما نعيته فالشك في الحقيقة يرجع إلى الشك في التكليف وذلك لان الحكم بمانعية شئ كالحكم بمانعية غير المأكول في الصلاة إنما يكون حكما انحلاليا فكل فرد من افراد غير المأكول له مانعية مستقلة فما علم كونه من غير المأكول يعلم بتقيد الصلاة بعدمه وما شك فيه يشك في التقيد فيرفع بحديث الرفع وبالجملة لا فرق في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية بين كون الحرمة استقلالية أو ضمنية والملاك هو الانحلالية وهو مشترك بينهما (وأما الجهل) من جهة الشك في وجود المحصل فلا يمكن كونه مورد الحديث الرفع فإن تعلق الامر بالمسببات معلوم بالفرض وغير قابل اللارتفاع بحديث الرفع كما هو واضح وتحققها عند حصول ما يشك في محصليته وإن كان مشكوكا إلا انه غير مجعول في غير المحصلات الشرعية حتى يكون قابلا للرفع التشريعي ولا امتنان في رفعها مطلقا إذ معنى ارتفاع المشكوك حينئذ الحكم بعدم محصلية المشكوك محصليته للمسببات المأمور بها ومن المعلوم أن هذا ينافي الامتنان فكيف يمكن ان يكون مشمولا لحديث الرفع الوارد في مقام الامتنان (وبالجملة) دوران الامر بين الاقل والاكثر في باب التكاليف وفي باب المسببات على طرفي النقيض فإن تعلق التكليف بالاقل في باب التكاليف معلوم وجدانا والشك إنما هو في تعلقه بالاكثر فيرفع بحديث الرفع وهذا بخلاف باب المسببات فإن ترتب المسبب على الاكثر كالغسل مرتين معلوم بالفرض والشك انما هو في ترتبه على الاقل وهو الغسل مرة فلو كان حديث الرفع شاملا لمثل هذا المشكوك فلازمه الحكم بعدم ترتب الطهارة على الغسل مرة وهذا خلاف الامتنان كما هو ظاهر (وتوهم) ان دخل الغسل بالمرة الثانية في الطهارة مشكوك لا محالة فيرفع بحديث الرفع ويثبت بذلك عدم وجوبه على المكلف (مدفوع) بأن حديث الرفع إنما يتكلف للرفع ليس الا فالطهارة المفروض كون وجوبها معلوما لا يمكن الحكم بترتبها

[ 179 ]

على الغسلة الواحدة بحديث الرفع من جهة الشك في مدخلية الغسلة الثانية فيها نعم انما يصح ما ذكر لو كان دليل بالخصوص على رفع الغسلة الثانية في المقام أو على رفع الماضوية مثلا في العقد فإنه يدل بالملازمة على محصلية الغسلة الواحدة للطهارة وعلى محصلية العقد الفاقد للماضوية للملكية صونا للكلام عن اللغوية لكن اين ذلك من مثل دليل الرفع الغير المختص بخصوص مقام وسيأتي في بحث الاصل المثبت ومرفي بعض المباحث السابقة أن شمول العموم لمورد إذا توقف على عناية زائدة فمقتضى القاعدة الحكم بعدم شمول العموم لذلك المورد لا الحكم بشموله له واثبات تلك العناية ففي المقام حيث يتوقف شمول الرفع على اثبات محصلية الاقل فمقتضى القاعدة الحكم بعدم شموله لا الحكم بشموله واثبات محصلية الاقل (وبالجملة) البراءة عن وجوب الغسلة الثانية إنما تجري فيما لا يكون الواجب إلا الغسل بما هو فحينئذ يمكن ان يقال أن تعلق التكليف بالغسلة الواحدة معلوم والشك في وجوب الغسلة الثانية يدفع بالاصل وأين ذلك من المقام الذي تعلق التكليف فيه بالطهارة والشك إنما هو في تحققها بالغسل مرة (والحاصل) أن الشك في سببية شئ إن كان من قبيل الشك في ترتب التكليف على شئ كما إذا شك في وجوب الحج عند وجود الاستطاعة مع فقدان قيد يحتمل دخله في الموضوع فلا ريب في صحة التمسك بحديث الرفع حينئذ لرفع التكليف المشكوك ولكن هذا يرجع إلى القسم الاول وهو الجهل في موارد التكاليف الاستقلالية واما إذا كان الشك في ترتب امر خارچي على سببه كالشك في ترتب القتل المعلوم وجوبه على الضرب مرة واحدة أو في ترتب حكم وضعي مجعول امضاء كما في باب العقود والايقاعات أو ابتداء كما في باب الطهارة فلا يمكن التمسك فيه بحديث الرفع اصلا اما الشك في ترتب الامر الخارجي المعلوم وجوبه على ما يشك في سببته له فخروجه عن مورد الرواية ظاهر واما الشك في ترتب الحكم الوضعي بقسميه على ما يشك في سببيته له فبناء على عدم مجعولية السببية للحكم الشرعي وكون المجعول هو الحكم الشرعي عند تحقق ما يسمى بالاسباب كما هو مقتضى التحقيق عندنا على ما اشرنا إليه في بعض المباحث السابقة وسيجئ توضيحه مفصلا فعدم شمول حديث الرفع لموارده في غاية الوضوح لما عرفت من ان ترتب الحكم الشرعي كالملكية مثلا على المركب من تام الاجزاء والشرائط معلوم وترتبه على ما يشك في سببيته وإن كان مشكوكا إلا انه لا يمكن ارتفاعه به لمنافاته للامتنان ولا يمكن اثبات محصليته بحديث الرفع كما عرفت بل الامر كذلك ولو بنينا

[ 180 ]

على مجعوليه السببية بنفسها فإن سببية الاكثر معلومة لا يمكن رفعها بحديث الرفع وسببية الاقل وإن كانت مشكوكة إلا انه يلزم من ارتفاعها بحديث الرفع خلاف الامتنان وليست السببية كالتكليف حتى يقال بأن الاقل هو القدر المتيقن والشك في سببية الزائد بدفع بالاصل فإن التكليف كما عرفت ينبسط على الاجزاء ويكون كل جزء مطلوبا بنفس الطلب النفسي المتعلق بالمركب فيكون وجوب الاقل هو القدر المتيقن ووجوب الجزء المشكوك مرفوعا بحديث الرفع وهذا بخلاف السببية فإنها قائمة بالمجموع بما هو وليست ثابتة لكل جزء جزء حتى يكون سببية الاقل متيقنة وسببية الجزء المشكوك مشكوكة فترتفع بحديث الرفع نعم لو بنينا مع ذلك على ان الجزئية للسبب مجعولة تشريعا وليست متنزعة من جعل السببية للمجوع كما ينتزع الجزئية للمأمور به من الامر بالمركب لكان لرفع الجزئية المشكوكة بحديث الرفع وجه ولكن الالتزام بذلك مستحيل في مستحيل فإن الالتزام بمجعولية السببية وعدم تعلق الجعل بالمسببات عند وجود اسبابها واضح الاستحالة ضرورة ان الحكم الشرعي يستحيل ان يترشح من الموجود الخارجي والا لزم انقلاب ما هو مجعول تشريعي وزمان اختياره بيد الشارع إلى المجعول التكويني فالمجعول التشريعي مطلقا هو نفس الحكم وما يسمى بالسبب شرط له غاية الامر انهم اصطلحوا باطلاق الاسباب على شرائط الاحكام الوضعية دون التكليفية وإلا فمرجع السبب والشرط إلى شئ واحد وقد ذكرنا مرارا ان موضوعات الاحكام شرائط لها في الحقيقة كما ان شرائطها وموضوعات لها فكل من الموضوع والشرط والسبب يرجع بعضها إلى الآخر ثم على تقدير جعل السببية فغاية ذلك ان يكون جعلها كجعل الوجوب فكما ان الوجوب المتعلق بمركب ينتزع منه جزئية المأمور به لكل جزء جزء ويستحيل جعل الجزئية من دون تعلق الامر بما هو جزء وبعد تعلقه به فلا محالة ينتزع منه الجزئية فكذلك جعل السببية لمركب يستتبع انتزاع الجزئية من كل واحد واحد من اجزائه ويستحيل جعل الجزئية لها بالاستقلال فكما ان الموجودات الخارجية تنقسم إلى موجودات متأصلة وموجودات انتزاعية فكذلك موجودات عالم التشريع تنقسم إلى موجودات متأصلة في ذلك العالم كالاحكام التكليفية وجملة من الاحكام الوضعية كالملكية والزوجية ونحوهما والى موجودات انتزاعية كالجزئية والشرطية والمانعية فالالتزام بكون السببية مجعولة مع الالتزام بكون الجزئية مجعولة ايضا مستحيل في مستحيل ثم انه قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان نسبة

[ 181 ]

العبادات إلى اغراضها لو كانت نسبة الاسباب إلى مسبباتها كأن يكون النهي عن الفحشاء المترتب على الصلاة فعلا توليديا للمكلف ومتعلقا للتكليف فعند الشك في الاقل والاكثر لابد من القول بالاشتغال فإن تعلق التكليف بالاكثر وان كان مشكوكا ويكون الاتيان به من هذه الجهة موردا للبراءة إلا ان كون المسبب متعلقا للتكليف والشك في ترتبه على الاقل موجب للحكم بالاشتغال وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث التعبدي والتوصلي فراجع (ومن الاخبار) التي استدل بها على البراءة قوله عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم بتقريب ان الحكم المجهول مما حجب الله علمه عن العبد فهو موضوع عنه وفيه ان الظاهر من الرواية من جهة اسناد الحجب إلى الله تعالى كون الحكم مما لم يؤمر السفراء بتبليغه فيكون مفاده بعينة مفادا سكتوا عما سكت الله فيكون أجنبيا عما هو محل الكلام بين الاصوليين والاخباريين من صدور الاحكام منهم صلوات الله عليهم ووصولها إلى جماعة ولكن عرض لها الاختفاء من جهة الامور الخارجية (ومنها) قوله (ع) الناس في سعة مالا يعلمون أو في سعة مالا يعلمون فعلى الاول يكون مفاده ان الناس من جهة الجهل بالحكم الشرعي يكونون في سعة فيعارض به اخبار الاحتياط الدالة على كون الناس في الضيق من جهة الحكم الشرعي المجهول وعلى الثاني يكون مفاده ان الناس ما دام لا يعلمون يكونون في سعة فيكون اخبار الاحتياط. حاكمة عليه على تقدير تمامية دلالتها وعلى تقدير معارضته لها كما في الوجه الاول فيقدم اخبار الاحتياط عليه لكون هذه الرواية عامة لمطلق الشبهة واختصاص تلك الاخبار بخصوص الشبهة التحريمية فتدبر (ومنها) رواية عبد الاعلى عن الصادق عليه السلام قال سألته عمن لم يعرف شيئا قال (ع) لابناء على ان لا يكون المراد من لفظ الشئ المفروض كونه مجهولا هو العموم ولكن مع ذلك لا يكون مربوطا بالمقام فإن ظاهر الرواية حينئذ هو عدم العقاب في فرض الجهل فيكون مفاده مفاد قبح العقاب بلا بيان ليس إلا (ومنها) قوله (ع) أيما امرء ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه فإن الظاهر من الجهالة المذكورة هي مقابل العلم لمناسبة الحكم والموضوع والجهالة بمعنى فعل مالا ينبغي صدوره وان كانت مستعملة أحيانا كما استظهرنا ذلك في آية النبأ الا ان هذا المعنى خلاف الظاهر في الرواية وإذا كان المراد منها خلاف العلم فلا وجه للتخصيص بخصوص الجهل المركب بل يراد منها الاعم منه ومن الجهل البسيط ولا بد من تخصيص كل منهما بغير الجاهل المقصر إذ كما ان الجاهل البسيط لا يكون معذورا إذا كان مقصرا فكذلك الجاهل

[ 182 ]

المركب فتوهم لزوم ارادة خصوص الجاهل المركب منها نظرا إلى ان تعميمها للجاهل البسيط يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاك الغير المقصر وسياق الرواية آب عن التخصيص في غير محله فإن التخصيص بغير المقصر كما عرفت لازم على كل حال ولا شئ في الرواية يوجب إباءها للتخصيص فظهر ان دلالة الرواية على البراءة وان ارتكاب الشئ مع عدم العلم لا يوجب شيئا في غاية الظهور فلا محالة يعارض بها اخبار الاحتياط الدالة على ثبوت شئ في صورة الارتكاب مع الجهالة بل دلالة هذه الرواية أظهر من دلالة قوله (ع) الناس في سعة ما لا يعلمون فانها كانت متوقفة على كون ما موصولة لا زمانية والظاهر منها الزمانية وكون لفظ السعة منونة لا مضافة وبالجملة مفاد الرواية ليس اخبارا عن عدم العقاب عند ارتكاب الشئ بجهالة حتى يقال ان أدلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها تكون واردة عليها كما تكون واردة على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بل مفاده هو الترخيص الشرعي بلسان نفي العقاب فهي تدل على البراءة الشرعية اما بالمطابقة أو بالالتزام فيعارض بها اخبار الاحتياط في الشبهة التحريمية من جهة ان مورد هذه الرواية هو خصوص الشبهة التحريمية ايضا فإن ظاهر الارتكاب هو إيجاد الفعل لا تركه فينحصر مورده بالشبهة التحريمية فقط فيعارض بها تلك الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط فتكون هذه الرواية أقوى الروايات في الباب (ومنها) قوله (ع) ان الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم ومفاد ذلك هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما هو ظاهر (ومنها) قوله (ع) في مرسلة الفقيه كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي والاستدلال به يتوقف على كون المراد من لفظ الشئ الشئ المجهول ومن الورود الوصول ولفظ الورود وان كان ظاهرا في الوصول إلا ان الظاهر ان المراد من لفظ الشئ هو الشئ بعنوانه الاولي فيكون دليلا على كون الاصل في الاشياء في الشريعة الاباحة حتى يثبت الحظر وعليه يكون مفاد الرواية أجنبيا عن محل الكلام بالكلية ومن الغريب ان العلامة الانصاري (قده) جعل هذه الرواية أظهر دلالة من الكل مع انه لا دلالة فيها أصلا نعم على تقدير تمامية دلالتها يعرض بها اخبار الاحتياط من وجهة ورودها في خصوص الشبهة التحريمية فلا يمكن القول بتخصيصها لها كما قلنا ذلك في بعض الروايات السابقة على تقدير تمامية دلالتها (ومنها) صحيحة عبد الرحمن بن حجاج فيمن تزوج امرأة في عدتها قال (ع) إذا كان بجهالة فيتزوجها بعد ما تنقضي عدتها فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو اعظم من ذلك قلت بأي الجهالتين اعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه أم

[ 183 ]

بجهالته انها في العدة قال احدى الجهالتين أهون من الاخرى الجهالة بأن الله حرم عليه ذلك وذلك لانه لا يقدر معها على الاحتياط قلت فهو في الاخرى معذور قال نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور فله أن يتزوجها (وفيه) ان الظاهر منها هو كون الجاهل معذورا من حيث الحكم الوضعي بمعنى ان العاقد في العدة مع الجهل يكون معذورا من حيث جواز التزويج بعد انقضاء العدة وهذا المعنى أجنبي عما هو محل الكلام في المقام من كون الجهل بالحكم أو الموضوع محكوما بالبراءة أو الاحتياط (ثم ان) هنا اشكالا ربما يورد على الرواية وحاصله انه أي فرق بين الجهالة بالحرمة وبين الجهالة بالعدة حيث حكم الامام عليه السلام بكون احداهما أهون من الاخرى معللا انه لا يقدر معها على الاحتياط فإن الجهالة بالحرمة كما يمكن أن تكون مركبة لا يتمكن الجاهل معها من الاحتياط فكذلك يمكن ان يكون الجهالة بالعدة ايضا كذلك وكما ان الجهالة بالعدة يمكن أن تكون بسيطة يقدر معها الجاهل على الاحتياط فكذلك الجهل بالحرمة يمكن أن يكون كذلك فما الفرق بين الجهالتين في تعين احداهما في التركب والاخرى في البساطة ويندفع هذا الاشكال بأن الجهل بالحرمة وان كان يمكن أن يكون بسيطا إلا ان الغالب في ذلك هو الجهل المركب من جهة اعتقاد الحلية الناشئ عن مخالفة العامة وعدم وضوح الحكم بين المسلمين بحيث لا يخفى على أحد وهذا بخلاف الجهل بالعدة فإنه بحسب الغالب يكون بسيطا إذ العالم بكون المرأة ثيبا ومسبوقة بالزوج مع وضوح تشريع العدة بين المسلمين يكون شاكا في كونها في العدة لا محالة فالتفرقة بين الجهالتين لاجل الغلبة الخارجية فلا اشكال وقد ظهر من جميع ما ذكرناه ان جملة من الروايات التي استدل بها على البراءة الشرعية لا دلالة فيها عليها وجملة منها وإن كانت لها دلالة إلا انها بالعموم فتخصص باخبار وجوب الاحتياط في خصوص الشبهة التحريمية الحكمية بناء على تمامية دلالتها نعم لا يبعد ان يكون حديث الرفع آبيا عند التخصيص في الجملة من جهة وروده في مقام الامتنان لكن اثبات ذلك في خصوص كل واحد واحد من فقراتها ومنها مالا يعلمون لا يخلو عن الصعوبة واما الاباحة الشرعية فقد استدل عليها بروايات ثلاث (الاولى) موثقة مصعدة بن صدقة كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعله سرقة إلى ان قال عليه السلام والاشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة وسياق صدر الرواية وان كان سياق قوله عليه السلام كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر فيشمل الشبهة الحكمية والموضوعية

[ 184 ]

ولا يصغى إلى ما ربما يقال من انه لا يمكن ارادة العموم بحيث يكون شاملا للانواع كما في الشبهة الحكمية وللافراد الخارجية كما في الشبهة الموضوعية فإن افراد هذا العام هو كل مشكوك وشرب التتن المشكوك حرمته فرد واحد من هذا العموم وكون هذا الفرد من جهة اخرى ذا افراد كثيرة اجنبي عن كونه فردا واحد لهذا العموم (والحاصل) انه لا فرق بين شرب التتن المشكوك حرمته وبين شرب المايع الخارجي المشكوك خمريته في ان كل واحد منهما فرد واحد من هذا العموم فيشمله الحكم إلا ان الاشكال في شمولها للشبهة الحكمية من جهات (الاولى) تقييد الغاية بقوله (ع) بعينه فإنه ظاهر في اختصاص الحكم المذكور بالشبهات الموضوعية ولو سلمنا عدم الظهور لكون القيد جئ به للاهتمام هذا لا ينافي مع كون الشبهة حكمية ايضا فلا اشكال في احتمال قرينيته لان معنى المعرفة بعينه هو معرفة الشئ متميزا عن غيره في مقابل المعرفة برؤية الشبح مثلا وهذا المعنى يناسب الشبهة الموضوعية فيكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية فلا يكون له ظهور في العموم (الثانية) ان الامثلة التي ذكرها الامام عليه السلام في الرواية كلها من قبيل الشبهة الموضوعية وهو ايضا لو لم يكن قرينة على عدم ارادة العموم فلا اقل من احتمال قرينيته فيمنع عن انعقاد الظهور في العموم (الثالثة) ان قوله (ع) في ذيل الرواية أو تقوم به البينة ظاهر في ارادة الشبهة الموضوعية واحتمال ان يكون قوله (ع) حتى يستبين غاية للشبهات الحكمية والموضوعية وهذا لا ينافي اختصاص الشبهة الموضوعية بأن يكون لها غاية اخرى وهو قيام البينة وإن كان ممكنا إلا ان غاية ذلك هو عدم الجزم بالقرينية فلا ينافي عدم الظهور في العموم لا حتفاف الكلام بما يحتمل قرينيته فتحصل ان الرواية من جهة احتفافها بما يصلح للقرينية من جهات ثلاث لا يكون لها الظهور في العموم (الرواية الثانية) صحيحة عبد الله بن سليمان حيث قال فيها الباقر عليه السلام سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وهذه الرواية من جهة اشتمالها على قيد بعينه مشتركة مع سابقتها في الاشكال وتختص هذه باشكال آخر وهو ان عموم الموصول إنما هو باعتبار صلته والصلة المذكورة تختص بالشبهات الموضوعية فإنه عليه السلام في مقام بيان حكم الجبن وغيره والظاهر من لفظ الغير هو غير الجبن من الشبهات الموضوعية فالمورد وإن لم يكن موجبا للتخصيص إلا انه فيما ثبت هناك عموم وليس في المقام ما يكون عاما إلا كلمة الموصول وقد عرفت ان عمومه يتبع صلته المختصة بالشبهات الموضوعية (وبالجملة) فالرواية إن لم تكن

[ 185 ]

ظاهرة في الشبهات الموضوعية فلا اقل من عدم ظهوره في العموم لاحتفافها بما يصلح للقرينية (الرواية الثالثة) صحيحة عبد الله بن سنان كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وهذه الرواية من جهة عدم اشتمالها على ما كان الروايتان السابقتان مشتملتين عليه من جهة الصدر أو الذيل وإن كانت تعم الشبهة الحكمية إلا انها من جهة اشتمالها على قيد بعينه لا تكون لها ظهور في العموم كما عرفت هذا مضافا إلى أن ذيلها نقل بوجه آخر وهو حتى تعرف الحرام منه بعينه وعلى ذلك فظهورها في الشبهة الموضوعية في غاية الوضوح وحيث ان الرواية نقلت بوجهين فيحتمل وجود كلمة منه فيها وعليه فلا يكون الرواية محرز الظهور في العموم فاتضح ان اصالة الحلية في الشبهات الحكمية لا يدل عليها شئ من الروايات المذكورة وليس هناك دليل آخر يدل عليها (ثم ان) العلامة الانصاري (قده) ذكر في الرواية ان لفظ الشئ اما ان يراد منه النوع الكلي فيكون التقسيم إلى الحلال والحرام باعتبار وجود النوعين فيه بالفعل واما ان يراد منه الشخصي الخارجي فلا بد من الالتزام بالاستخدام في الضمير بأن يكون المراد كل شخص كان في نوعه حلال وحرام وعلى كل تقدير يكون الرواية ظاهرة في الشبهات الموضوعية لان الانقسام الفعلي لا يكون إلا فيها واما الشبهة الحكمية فليس فيها إلا احتمال الحلية والحرمة وهذا خلاف ظاهر الرواية ويمكن ان يقال ان الشيئية حيث انها تساوق الوجود فظاهر لفظ الشئ هو الموجود الخارجي فيدور الامر بين ارادة احتمال الحلية والحرمة من قوله " ع " فيه حلال وحرام وبين الالتزام بالاستخدام وحمله على الانقسام الفعلي والاول وإن كان في نفسه خلاف الظاهر إلا ان الالتزام به اهون من الالتزام بالاستخدام وعلى ذلك فلا مانع من شمول الرواية للشبهة الحكمية لولا ما ذكرناه من الجهتين (واما) الاجماع فإن كان المراد منه هو الاجماع على البراءة الشرعية في الشبهة التحريمية فلا اشكال في عدم ثبوته لذهاب الاخباريين وفيهم اساطين الفقهاء على وجوب الاحتياط فكيف يمكن دعوى الاجماع على البراءة وإن كان المراد منه الاجماع على البراءة العقلية التي مرجعها إلى قبح العقاب بلا بيان من جهة تسليم الاخباريين ان الحكم هي البراءة على تقدير عدم تمامية ادلة وجوب الاحتياط فهو غير مفيد فإن الاجماع لا بد وأن يكون مورده هو الحكم الشرعي الظاهري أو الواقعي ولا معنى لدعوى الاجماع في المسألة العقلية واما الدليل العقلي وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فإنما يصح الاستدلال به على تقدير عدم تمامية

[ 186 ]

اخبار الاحتياط والا فورود تلك الاخبار على الحكم العقلي ورفعها لموضوعه في غاية الوضوح (ثم ان) حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان إنما هو لاجل ان الاحكام الواقعية بعد وضوح انها لا يكون محركة للعبد الا بالارادة لا يعقل محركيتها إلا بعد الوصول ضرورة عدم امكان الانبعاث إلا عن البعث بوجوده العلمي دون الخارجي فكما ان الاسد الخارجي لا يوجب التحرز والفرار عنه إلا بعد محرزية وجوده فكذلك الحمرمة المجعولة من الشارع لا يترتب عليها الانزجار الا بعد وصولها وقبله لا اقتضاء له للمحركية ابدا وانما يتم محركيته بالارادة وفي فرض الانقياد بالوصول واحرازه واما الحكم المحتمل فهو بنفسه غير قابل للمحركية ايضا لتساوي احتمال الوجود مع احتمال عدمه نعم يصح كونه محركا بضميمة خارجية مثل كون العبد في مقام الاحتياط ونحو لك وإذا كان الحكم بوجوده الواقعي غير قابل للمحركية اصلا ووجوده الاحتمالي غير قابل لها بنفسه فالعقاب على مخالفته عند عدم وصوله عقاب على مخالفة حكم لا اقتضاء له للمحركية ولا ريب في قبح ذلك كما يظهر ذلك بأدنى تأمل في احوال العبيد مع مواليهم العرفية (ثم انه) ربما يدعي ان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي في موارد احتمال الحرمة ومعه لا موضوع لحكمة بالقبح عند المخالفة ولكن فساد هذا الدعوى من الوضوح بمكان فإنه إن اريد من الضرر المحتمل الضرر الاخروي اعني به العقاب فالعقل وإن كان مستقلا بوجوب دفعه ارشاديا وغير مستتبع لحكم شرعي لما ذكرنا سابقا من ان كل حكم عقلي يقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي لا يكون إلا حكما ارشاديا غير مستتبع لحكم شرعي ولا يترتب على مخالفته الا ما يترتب على نفس المرشد إليه إلا أن حكمه بذلك فرع احتمال الضرر وهو متفرع على كون الحكم منجزا على تقدير وجوده وحكم العقل بقبح العقاب عند عدم البيان رافع لموضوع ذلك فإنه يرفع تنجز الحكم الواقعي في ظرف عدم الوصول فلا يكون هناك احتمال للعقاب حتى يتحقق موضوع حكمه بوجوب الدفع (وتوهم) ان قاعدة دفع الضرر المحتمل كما ان جريانها يتوقف على احتمال الضرر المتوقف على تنجز الحكم الواقعي على تقدير وجوده وقاعدة قبح العقاب بلا بيان يصلح أن تكون رافعة للاحتمال فكذلك جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان يتوقف على كون المورد بلا بيان فإن كل حكم شرعي أو عقلي يتوقف فعليته على وجود موضوعه وقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل يصلح أن يكون بيانا ورافعا لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان فما الموجب لتقدم حكمه بالقبح على حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل

[ 187 ]

(مدفوع) بأن اي حكم عقلي لا يعقل أن يكون منافيا لحكم عقلي آخر بل لا مناص إلا عن كون احدهما واردا على الآخر وحينئذ فمع قطع النظر عن ملاحظة الاحكام العقلية لا محالة يكون احتمال الحرمة ملازما لاحتمال العقاب لاحتمال ملازمة العقاب مع مخالفة الحكم الواقعي فيستقل العقل بوجوب الدفع إلا أن حكم العقل بذلك لا يوجب وصول الحكم الواقعي بنفسه كما في موارد العلم الوجداني أو الامارة أو الاصل المحرز وهو ظاهر ولا يوجب وصوله بطريقة كما في موارد ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة ضرورة ان ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة إنما هو ناش عن ملاك الحكم الواقعي ومتمم للجعل كما اوضحنا ذلك في بعض المباحث السابقة فوصول ايجاب الاحتياط الناشئ عن ملاك جعل الحكم الواقعي هو وصول الحكم الواقعي وهذا بخلاف حكم العقل بوجوب الدفع فإنه لم ينشأ عن ملاك الحرمة الواقعية على تقدير وجودها واقعا حتى يكون متمما لجعل الحرمة بل هو ناش عن ملاك آخر واحتمال الضرر هو تمام الموضوع له وحينئذ فحكم العقل بوجوب الدفع يستحيل ان يكون بيانا للحكم الواقعي وموجبا لوصوله بنفسه أو بطريقه وإذا كان كذلك فيستحيل ان يكون واردا على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ورافعا الموضوعه ومع وجود موضوعه يستقل بقبح العقاب فيرتفع احتماله الناشئ عن احتمال ملازمة العقاب مع مخالفة التكليف الواقعي مع قطع النظر عن ملاحظة الاحكام العقلية فلا محالة يكون واردا على حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ورافعا لموضوعه ومبينا لعدم الملازمة بين العقاب ومخالفة الحكم الواقعي ما لم يكن واصلا بنفسه ولا بطريقه وهذا هو المراد مما افاده العلامة الانصاري (قده) من أن الحكم بوجوب الدفع على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه وأنما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية وإن لم يكن في مورده تكليف في الواقع فلو تمت عوقب على مخالفتها وان لم يكن تكليف في الواقع لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده فلا يرد عليه ما قيل من أن حكم العقل بوجوب الدفع نظير حكم الشرع بوجوب الاحتياط فكما انه يصحح العقاب عند مخالفة التكليف الواقعي فكذلك حكم العقل بوجوب الدفع يكون مصححا للعقاب على تقدير المخالفة ايضا وذلك لما عرفت من ان وجوب الاحتياط حكم طريقي متمم للجعل الاول وناش عن ملاك الحكم الواقعي بعينه فيكون الحكم الواقعي على تقدير وجوده واصلا بطريقة فيصح العقاب على مخالفته وهذا بخلاف حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الغير الناشئ عن ملاك الحرمة الواقعية على تقدير

[ 188 ]

وجودها فإنه لا يوجب وصول الحكم الواقعي لا بنفسه ولا بطريقه فلا كون بيانا له فلا يكون واردا على حكم العقل بقبح العقاب على مخالفة الحكم الواقعي من دون بيان بل هو يكون واردا عليه ورافعا لاحتمال الضرر عند عدم تنجز الحكم الواقعي بمنجز واما إذا اريد من الضرر المحتمل الضرر الدنيوي فلوا استقل العقل بوجوب دفعه لحكم الشارع على طبقه بقاعدة الملازمة فإن حكم العقل بذلك واقع في مرتبة علل الاحكام الشرعية دون معلولاتها وما كان كذلك يكون مستتبعا للحكم الشرعي كما اوضحناه في بعض مباحث القطع إلا ان استقلال العقل بذلك في غير الاعراض والنفوس والاموال في الجملة ممنوع ثم ان احتمال الحرمة وإن كان مستلزما لاحتمال المفسدة بناء على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد فإنه عليها يكون الحرمة ملازمة للمفسدة قطعا وظنا واحتمالا إلا انه ليس كل مفسدة واقعية تكون ملاكا لجعل المتمم حال الجهل بإيجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة بل تختلف باختلاف مواردها ففي مثل موارد لاموال والاعراض والنفوس حكم الشارع بوجوب الاحتياط تتميما للجعل الاول كما ان في الشبهات الموضوعية التحريمية ثبت عدم وجوب الاحتياط فيشك في الشبهات الحكمية التحريمية في ان المفاسد الواقعية على تقدير ثبوت الحرمة واقعا هل لها الملاكية لتتميم الجعل ام لا فلا محالة يكون جعل الاحتياط مشكوكا وحيث انه لم يقم عليه دليل عقلي أو شرعي فيكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان واما الملاكات الواقعية فقد ذكرنا في جملة من المباحث السابقة انها خارجة عن متعلقات التكاليف وانها دواعي الجعل ليس إلا فتحصيل الملاكات اجنبي عن المكلف رأسا وعلى تقدير وجوب تحصيلها عليه فحيث انها في المقام مشكوكة والشبهة من هذه الجهة موضوعية فيكون موردا للبراءة باتفاق الاصولين والاخباريين فتحصل ان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو المحكم ولو لم يتم ادلة وجوب الاحتياط وإلا لكان تلك الادلة واردة على الحكم العقلي ومثبتا للبيان على الحكم الواقعي ثم انه ربما توهم بعض ان حكم العقل بالقبح إنما هو في فرض عدم البيان من الشارع وأما لو فرض صدور البيان منه واختفاؤه لبعض الامور الخارجية فلا نسلم حكمه بقبح العقاب على مخالفته فإذا احتمل المكلف حرمة شرب التتن مثلا واحتمل صدور بيانها من الشارع كما هو محل الكلام في المقام فلا يستقل العقل بقبح العقاب على تقدير وجود الحرمة واقعا وصدور بيانها من الشارع ولكن فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان فإن لفظ البيان ليس المراد منه ما هو ظاهره بل المراد منه هو وصول الحكم على المكلف من حيث

[ 189 ]

الكبرى والصغرى فإن احراز الحكم الكلي كحرمة شرب التتن مثلا مع عدم احراز الموضوع الخارجي كاحراز الموضوع الخارجي مع عدم احراز الحكم الكلي يستحيل ان يكون محركا فالحكم المحرك بالارادة لا بد وان يكون واصلا من حيث نفسه وموضوعه ومن دون ذلك يستحيل محركيته فيقبح العقاب على مخالفته والذي اوقع المتوهم في الغلط هو ظهور لفظ البيان في ذلك مع غفلته عن ملاك حكم العقل بالقبح بل ان عدم العقاب في فرض عدم البيان من الشارع بالمعنى الذي ذكره المتوهم خارج عن محل الكلام فانه من باب السالبة بانتفاء الموضوع ضرورة انه ما لم يصدر الحكم من الشارع لكان داخلا في عموم ما سكت الله عنه ومعه لا حكم حقيقة حتى يتحقق المخالفة فيحكم العقل بقبح العقاب عليها (تتميم) ربما تمسك بعضهم على البراءة في المقام بادلة الاستصاحب الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك فإن حرمة شرب التتن قبل البلوغ لم يكن ثابتة يقينا وشك في حدوثها بعده فمقتضى الاستصحاب هو البناء على بقاء عدم الحرمة بعد البلوغ وربما يتوهم من عبارة الشيخ الانصاري (قده) في المقام وفي بحث الاستصحاب ان نظره (قده) في منع التمسك بالاستصحاب في المقام إلى المنع عن جريان الاستصحاب فيما إذا كان المستصحب عدم الحكم مطلقا ولكن الامر ليس كذلك فإن صريح بعض عباراته في بحث الاستصحاب هو تسليم جريان استصحاب عدم الحكم في الجملة وانما منع عن الاستدلال به في المقام لخصوصية فيه والحق معه قدس سره وتوضيح ذلك ان الشك في حدوث الحكم اما ان يكون من جهة الشك في حدوث موضوعه وشرطه واما ان يكون من جهة الشك في اصل الجعل الشرعي اما القسم الاول فلا اشكال في جريان استصحاب العدم في ناحية الشرط والموضوع ويترتب عليه عدم الحكم فيما إذا كان عدم الشرط معلوما سابقا واما إذا لم يكن كذلك فلا يمكن استصحاب عدم الشرط وهو معلوم ولا استصحاب عدم الحكم لعدم احراز موضوعه المشروط به الاستصحاب الحكمي كما سنوضحه في محله ان شاء الله تعالى واما إذا كان الشك من جهة الشك في اصل الجعل الشرعي فربما يقال بعدم جريان الاستصحاب مطلقا نظرا إلى ان المستصحب لا بد وان يكون حكما مجعولا أو موضوعا ذا حكم مجعول ايضا وعدم الحكم من جهة كون الاعدام ازلية يستحيل ان يكون مجعولا وليس له اثر مجعول فلا يمكن ان يقع موردا للتعبد الاستصحابي ونظير هذا

[ 190 ]

قد سبق في مبحث النواهي حيث ذكر بعضهم ان متعلق النواهي لا بد وان يكون هو الكف دون الترك لان الاعدام ازلية وغير قابلة لتعلق القدرة بها ومتعلق النهي لا بد وان يكون مقدورا لا محالة والجواب عن ذلك هو ما ذكرناه هناك من ان الاعدام وان لم تكن مقدورة في الازل الا انها مقدورة بقاء واستمرارا فكما ان التحريم بيد الشارع فكذلك عدمه بيده وما هو اللازم في الاستصحاب هو كون المستصحب أو اثره تحت اختيار الشارع فكما ان الجعل بيده فكذلك عدمه والالتزام بكونه حكما مجعولا أو ذا حكم مجعول شعر بلا ضرورة بل اللازم هو كونه قابلا للتعبد الشرعي اما من جهة كون وضعه أو رفعه بيد الشارع واما من جهة كون اثره كذلك هذا مع ان عدم الحكم وان لم يكن قابلا للتصرف الشرعي الا ان لزوم البناء عليه حكم شرعي يترتب عليه الاثر العملي وهذا المقدار يكفي في جريان الاستصحاب فإن ترتب الاثر على نفس الاستصحاب اولى في جريان الاستصحاب من ترتب الاثر على المستصحب ولا ريب في ترتب الرخصة في الترك على حكم الشارع بالبناء على عدم الوجوب أو الحرمة وكيف كان فلا ريب في صحة جريان الاستصحاب في الاعدام في الجملة الا ان الاشكال في صحة جريان استصحاب حال الصغر ونحوه والحق فيه العدم فإن عدم الحرمة الثابت حاله ليس الا بمعني اللاحرجية العقلية وهذا قد ارتفع يقينا اما بجعل الترخيص أو الحرمة بعد البلوغ فهو غير محتمل البقاء حتى يمكن استصحابه هذا مع أن عدم الحرمة إذا كان باقيا بعد البلوغ ايضا فهو حينئذ عدم مستند إلى الشارع ومضاف إليه لما ذكرناه من ان عدم الحكم كنفس الحكم بيده وبتصرفه وهذا بخلاف العدم والسابق فانه اجنبي عن الشارع بالكلية فاستصحاب العدم السابق واثبات اضافته إلى الشارع داخل في الاصول المثبتة الممنوع جريانها بناء على كون الاستصحاب حجة من باب الاخبار كما هو كذلك (والحاصل) ان العدم السابق لكونه غير مستند إلى الشارع غير محتمل البقاء وما هو محتمل بعد البلوغ وهو العدم المضاف مشكوك الحدوث ولم يكن متيقنا سابقا (وتوهم) امكان جريان الاستصحاب في الجامع بين العدمين على ما سيجئ من جريان الاستصحاب في القسم الثالث من استصحاب الكلي في الافراد التبدليه (مدفوع) بأن الجامع بين العدمين ليس بنفسه ما يكون وضعه ورفعه بيد الشارع وليس له اثر كذلك إذا الترخيص الشرعي انما هو من لوازم العدم المضاف دون المطلق فليس في البين ما يترتب على العدم المطلق الا عدم العقاب وهو مع كونه اثرا عقليا لا يكفي ترتبه على

[ 191 ]

المستصحب في جريان الاستصحاب إذ هو مترتب على نفس الشك وعدم الاحراز فموضوعه محرز في ظرف الشك بالوجدان فيكون الحكم محرزا كذلك فيرجع احرازه بالتعبد الاستصحابي إلى تحصيل الحاصل بل إلى اردء اقسامه وهو تحصيل المحرز الوجداني بالاصل (فتحصل) عدم صحة التمسك باستصحاب عدم الحكم في المقام وان صح التمسك به في غيره من الموارد في الجملة كما سيجئ بيانه في بحث الاستصحاب مفصلا ان شاء الله تعالى واستدل الاخباريون بوجوه (منها) الآيات والاخبار الآمرة بالتقوى والجواب عنها انها انما تدل على حسن التقوى ارشادا إلى ما في نفسها من المصلحة ولا يترتب على مثل تلك الاوامر امر زايد على ما في متعلقة ولا ريب ان ترك المشكوكات بل المكروهات بل المباحات موافق للتقوى ومما يستقل العقل بحسنه واين ذلك من ثبوت الامر المولوي بلزوم ترك ما يحتمل حرمته هذا مضافا إلى انها لو سلمت كونها مولوية ما تدل على ازيد من مطلوبية التقوى ورجحانها كما استدل بها الشهيد (قده) على مشروعية الاحتياط في قضاء ما يأتي بها من الصلوات المحتملة للفساد ولو كانت الاصول في مواردها مقتضية للصحة فلا تدل على وجوب الاحتياط فيما احتمل حرمته كما هو مدعى الاخباريين (ومنها) الآيات والاخبار الناهية عن ايقاع النفس في الهلكة (والجواب) عنها انه ليس في موارد احتمال الحرمة احتمال الهلكة كما تقدم بيانه في ادلة المذهب المختار فهي مختصة بموارد الشبهة المحصورة أو الشبهة قبل الفحص ولا تعم موارد الشبهة البدوية بعد الفحص كما هي محل الكلام بين الاصوليين والاخباريين (ومنها) اخبار التثليث الدالة على ان من اخذ بالشبهات وقع في المحرمات من حيث لا يعلم ودلالة هذه الاخبار تتوقف على ان يكون المراد من الوقوع في المحرمات هو الوقوع في المحرمات التي في موارد الشبهة والظاهر منها هو الوقوع في المحرمات المعلومة لاجل ان ارتكاب الشبهات يوجب وهن المحرمات وعدم الاعتناء بها فيقع الانسان فيها من حيث لا يعلم واما إذا كان المراد منه هو الوقوع في المحرمات التي في موارد الشبهة فهو ليس من حيث لا يعلم بل من حيث العلم بوجوب الاحتياط وعلى ذلك فيكون مفاد تلك الروايات اجنبية عن محل الكلام بالكلية ويكون مفادها مفاد قوله (ع) من حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه وغيره من الاخبار الواردة بهذا المضمون وبالجملة الاخباريون استدلوا لوجوب الكف عن محتمل الحرمة بكل خبر مشتمل على لفظ التحرز والتوقف والاحتياط وليس لواحد منها دلالة على مدعاهم اصلا فالصفح عن التعرض لها وبيان عدم دلالتها وايكال

[ 192 ]

ذلك إلى ما افاده العلامة الانصاري (قده) في هذا المقام اولى واحسن والمهم في المقام هو التعرض للدليل العقلي الذي استدل به على وجوب الاحتياط وهو العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة فكل ما يحتمل حرمته يجب الاحتياط فيه لكونه من اطراف العلم الاجمالي وقد اجاب عنه العلامة الانصاري (قده) بجوابين الاول منهما هو ما ذكره صاحب الفصول (قده) في اختصاص الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد بخصوص الظن بالطريق من ان مرجع القطع بثبوت تكاليف واقعية والقطع بثبوت طرق شرعية مثبتة للاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد إلى قطع واحد هو القطع بارادة الشارع الامتثال تكاليفه من هذا الطرق وقد ذكرنا سابقا ان ما افاده (قده) يرجع إلى دعوى انحلال العلم الاجمالي بثبوت التكاليف بالعلم بثبوت الطرق من قبل الشارع ولا يرجع إلى دعوى التصويب أو التقييد فما افاده العلامة الانصاري (قده) من كون هذا الوجه في قبال الوجه الثاني المدعى فيه الانحلال حتى لا يكون مرجعه إلى التصويب والتقييد أو الانحلال لا نعقله اصلا (والثاني) منهما يرجع إلى دعوى انحلال العلم الاجمالي بالعلم بثبوت احكام كثيرة في موارد الامارات بمقدار المعلوم بالاجمال أو اكثر وتوضيح ذلك بعد النقض بالتكاليف الوجوبية المعلومة في الشريعة فإن العلم بها لو لم يكن منحلا بثبوت تكاليف وجوبية بمقدار المعلوم بالاجمال أو اكثر لوجب لاحتياط في الشبهات الوجوبية ايضا مع اتفاق الاخباريين الامن شذ منهم على البراءة فيها ان المجعول في باب الحجج كما ذكرناه اما الوسطية في الاثبات أو الهوهوية وعلى كال تقدير لو كان العلم والاجمالي متأخرا عنها لما كان موثرا في التنجيز كما انها لو كانت متأخرة عنه لاوجب انحلاله فإن العلم الاجمالي ليس إلا ناشئا من ضم قضية مشكوكة إلى قضية متيقنة ومع قيام الحجة على احد طرفي العلم الاجمالي يكون مؤداه هو الحكم الواقعي بحكم الشارع أو يكون الحجة علما كذلك وعلى كل حال يكون القضية المتيقنة ممتازة من القضية المشكوكة وهو الميزان في انحلال العلم الاجمالي كما مرت الاشارة إليه في بحث الانسداد وسيجئ توضيحه في بحث الشبهة المحصورة ان شاء الله تعالى ومنه يظهر ان الاصول مطلقا محرزة كانت أو غير محرزة إذا كانت جارية في بعض الاطراف لكانت موجبة لانحلال العلم الاجمالي أو عدم تأثيره من اول الامر كما كان الامر كذلك في الامارات بعينها وعلى ذلك فحيث ان التكاليف الوجوبية أو التحريمية الثابية في موارد الحجج الشرعية تزيد بمراتب على مقدار المعلوم بالاجمال فلا محالة ينحل العلم.

[ 193 ]

الاجمالي ويكون احتمال التكليف في غير مواردها مشكوكا بالشبهة البدوية ومقتضى الاصل فيها كما حررناه هو البراءة دون الاحتياط نعم لو بنينا على ان المجعول في باب الطرق هو المنجزية والمعذرية واغمضنا عما ذكرناه سابقا من ان المنجزية والمعذرية من الآثار العقلية المترتبة على الاحراز ويستحيل تعلق الجعل بهما بنفسهما لكان اثبات الانحلال في المقام في غاية الاشكال فإن الانحلال كما عرفت عبارة عن انفصال القضية المشكوكة عن المتيقنة وحكم الشارع بمنجزية الامارة في احد طرفي العلم الاجمالي من دون الحكم بكونها محرزة للواقع لا يترتب عليه ذلك بل العلم الاجمالي باق على حاله بعد قيام الامارة ايضا وليس الانحلال قابلا لان يحكم به الشارع من دون الحكم بمحرزية الامارة للواقع كما هو ظاهر (تنبيه) لا يخفي أن العلامة الانصاري (قده) ذكر في المقام تنبيهات لا يهمنا التعرض لها إلا ما ذكره في التنبيه الخامس وهو ان جريان اصالة الاباحة في مشتبه الحكم يتوقف على عدم وجود اصل موضوعي حاكم عليه فلو شك في حلية أكل حيوان لاجل الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة لاصالة عدم التذكية وتحقيق الحال في المقام إنما يكون ببيان امور (الاول) ان المراد بالاصل الموضوعي الذي افاده هنا ليس هو خصوص الاصل الجاري في الموضوع في الشبهات الحكمية أو في الشبهات الموضوعية في قبال الاصل الجاري في الحكم فيهما بل المراد منه كل اصل جار في السبب رافع لموضوع الشك في المسبب سواء كان ذلك الاصل جاريا في الموضوع كاستصحاب عدم التذكية في المقام الرافع للشك في الحلية عن الحيوان المشكوك قابليته لها واستصحاب الموضوعات الخارجية كالعدالة والفسق الرافع للشك في الاحكام المترتبة عليها أو جاريا في الحكم كاستصحاب نجاسة الماء المتغير الزائل تغيره من قبل نفسه واستصحاب نجاسة الثوب الخارجي المعلوم نجاسته مثلا المانعين عن جريان اصالة الطهارة فيهما ففي كل مورد كان اصل سببي رافع للشك في الحلية والحرمة لما كان يصل الامر إلى اصالتي البراءة أو الاحتياط المتأخرتين رتبة عن تمام الاصول (الثاني) ان عدم التذكية الذي هو جزء من موضوع الحكم الشرعي بالنجاسة أو الحرمة حيث انه من أوصاف الحيوان فلا محالة يكون المراد منه العدم النعتي لا المحمولي فإن كل موضوع كان مركبا العرض ومحله فلا بد وان يؤخذ ذلك العرض بما انه نعت لموضوعه جزء من الوضوع فالمراد من عدم التذكية المستصحب في المقام هو العدم المتحقق حال وجود الحيوان المتصف به لا العدم المحمولي السابق على وجوده

[ 194 ]

كما يظهر من بعض الكلمات فإنه وإن كان متيقنا الا ان استصحابه لاثبات اتصاف الحيوان به الذي هو المأخوذ في الموضوع من الاصول المثبتة وقد ذكرنا توضيح ذلك في بحث العموم والخصوص وسيجئ في بحث الاستصحاب ان شاء الله تعالى (الثالث) أن جريان الاستصحاب في عدم التذكية يتوقف على ان يكون التذكية امرا بسيطا مسببا عن الافعال الخارجية مع قابلية المحل نظير الطهارة الخبيثة المسببة من الغسل فإنها حينئذ تكون مسبوقة بالعدم قبل الذبح الخاص ومشكوكة الحصول بعده لاجل الشك في قابلية المحل لها فإذا لم يكن هناك عموم أو اطلاق مثبت للقابلية أو عدمها ولم يمكن اجراء الاصل في نفس القابلية أو عدمها لعدم ثبوت حالة سابقة متيقنة فلا محالة يجري اصالة عدم تحقق التذكية بفعل الذبح الخاص ويثبت بذلك نجاسة اللحم وحرمته ولا يبقى معه مجال للرجوع إلى اصالتي الحل والبراءة واما إذا لم يكن التذكية من قبيل المسببات التوليدية لعدم مساعدة فهم العرف على كونها كذلك بل لا يبعد ان يكون الروايات ظاهرة في انها ليست إلا نفس فعل الذابح مع الشرائط الخاصة فقابلية المحل لها تكون خارجة عن حقيقتها وغير دخيلة في تحققها بل تكون دخلية في تأثيرها في الحلية والطهارة وحينئذ فيرجع الشك في قابلية الحيوان للتذكية وعدمها إلى الشك في أن التذكية المعلوم تحققها اثرت في الطهارة والحيلة ام لا فيرجع إلى اصالة الحل والطهارة لعدم اصل موضوعي حاكم عليهما فإن التذكية بمعنى فعل الذابح مع الشرائط معلوم تحققها والقابلية لها لا تكون مجرى الاصل لعدم العلم بثبوت حالة سابقة على الشك فيها فتصل النوبة إلى اصالة الحل والطهارة ومن الغريب أن هذا الاحتمال مع كونه اقوى من احتمال كون التذكية امرا بسيطا مترتبا على الافعال الخارجية لم يلتفت إليه العلامة الانصاري قدس سره اصلا بل جعل محط كلامه ومورد نقضه وإبرامه هو الاحتمال الاول ليس إلا (الامر الرابع) أن جريان اصالة عدم التذكية بناء على كونها امرا بسيطا مترتبا على الافعال الخارجية يتوقف على الشك في قابلية المحل لها وأما مع احرازها فلا يكون الشك في الحلية والحرمة إلا موردا للبراءة ولا يخفى ان الشك في القابلية لها يختلف باختلاف الاقوال في قبول الحيوان للتذكية فإن قلنا بأن القبول للتذكية يختص بكل حيوان يؤكل لحمه كما ذهب إليه بعض فكل حيوان شك في حليته وحرمته يكون داخلا فيما شك في قبوله للتذكية فيكون موردا لاصالة عدمها وإن قلنا بأن السباع تقبل

[ 195 ]

التذكية ايضا فإذا شك في ان حيوانا يحل أكله أو هو من السباع فلا يكون مجرى لاصالة عدم التذكية لفرض العلم بقبوله لها على التقديرين بل يرجع حينئذ إلى اصالتي الحل والبراءة نعم إذا شككنا في كونه من اقسام ما يحل اكله أو من المسوخ فيجري اصالة عدم التذكية بعد الذبح ويثبت بذلك الحرمة والنجاسة وأما إذا قلنا بما هو المختار عندنا من أن كل حيوان غير الحشرات قابل للتذكية حتى المسوخات لما يظهر من الادلة جواز قبول الارانب والثعالب للتذكية مع كونها من المسوخ كما ورد به روايات كثيرة فينحصر مورد جريان اصالة عدم التذكية بما إذا احتمل كون الحيوان من الحشرات ومع احراز عدمه والشك في الحلية والحرمة يكون قابلية المحل للتذكية مفروغا عنها فيجري اصالتي الحل والبراءة واما احتمال قبول الحشرات للتذكية ايضا حتى ينحصر عدم القابلية لها بالكلب والخنزير فضعيف غايته بل لا يوجد به قول من الامامية قدس الله تعالى اسرارهم فتحصل من جميع ما ذكرناه انه لا مجال لجريان اصالة عدم التذكية في مطلق ما يشك في حلية حيوان وحرمته سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية بناء على عدم كون التذكية من المسببات التوليدية المترتبة على الافعال الخارجية كما هو الظاهر وعلى تقدير تسليم كونها كذلك فيختص مورد جريانها بما إذا احتمل كون الحيوان من الحشرات وفي غير ذلك يرجع إلى اصالتي الحل والبراءة ثم ان الشهيد الثاني (قده) ذكر في بعض كلماته ان الاصل في المطعومات هو الطهارة والحرمة ويمكن أن يكون نظره (قده) في ذلك إلى ان الحلية حيث انها مترتبة على كون الشئ طيبا كما هو مفاد قوله تعالى احل لكم الطيبات فلا بد من احرازه في الحكم بالحلية على ما هو الاصل في تعليق كل حكم على عنوان وجودي حيث أن العرف يستفيدون منه ثبوت الحكم الطريقي عند عدم احرازه ضرورة ان المولى إذا قال لعبده لاتأدن في دخول داري الا لاصدقائي أو قسم هذا المال في الفقراء فإنه يفهم من هذا التعليق عدم جواز الاذن عند عدم احراز الصداقة وعدم جواز الاعطاء إلا عند احراز الفقر وعليه يبتني حرمة التصرف في اموال الغير عند الشك في طيب نفسه لان جواز التصرف علق على طيب النفس فلا يترتب الا عند احرازه بل مطلق وجوب الاحتياط في الاموال والانفس والاعراض مبتن عليه فإن جواز التصرف في كل منها مترتب على العناوين الوجودية فينتفي عند الشك فيها وعلى ذلك بنينا اصالة الانفعال في الماء حتى يحرز كونه كرا لترتب عدم الانفعال والعاصمية على عنوان وجودي وهو بلوغ الماء كرا وذكرنا في محله أن

[ 196 ]

الحكم بالانفعال مع الشك في الكرية ليس من جهة قاعدة المقتضي والمانع الغير الثابت حجيتها ولا من جهة التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية المختار عدم جوازه بل لاجل ما ذكرناه من استفادة الحكم الطريقي من تعليق الحكم على عنوان وجودي ولكنه لا يخفى ان الكبرى المذكورة وإن كانت مسلمة عندنا إلا انه لا يترتب عليها ما أفاده (قده) من الحاق المطعومات بالاموال والانفس والاعراض حتى يكون مقتضى الاصل فيها هي الحرمة وذلك لان كون الطيب امرا وجوديا ممنوع اولا بل لا يبعد أن يكون الطيب ما لا قذارة فيه كما ان الطاهر عبارة عما لا نجاسة فيه وعلى تقدير تسليمه فاستفادة الحكم الطريقي إنما يتم إذا لم يكن الحرمة معلقة على كون الشئ خبيثا ايضا ومعه لا مجال لاستفادة الحكم الطريقي في طرف الحلية بالخصوص ففي مورد الشك في كون الشئ طيبا أو خبيثا لا مناص عن الرجوع إلى اصالتي الحل والبراءة (ثم انه) ربما يتمسك لاصالة الحرمة في خصوص اللحم باستصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح فيقال ان لحم الحيوان المشكوك حليته بالشبهة الحكمية أو الموضوعية كان محرما قبل ذبحه فيحكم ببقائها بعد الذبح كما يحكم ببقاء طهارته بعده ايضا ولكنه لا يخفى فساد ذلك فإن جريان الاستصحاب كما سيجئ في محله إن شاء الله تعالى مشروط ببقاء موضوعه والمرجع في ذلك هو فهم العرف لمناسبة الحكم والموضوع ففي مثل استصحاب الطهارة حيث يرى العرف انها من قبيل الاعراض الخارجية الثابتة للاجسام الخارجية من دون مدخلية عنوان فيكون الموضوع باقيا بعد موت الحيوان وذبحه فيصح استصحابها فإن الموضوع الثابت له الطهارة قبل خروج روحه هو بعينه باقى بعده بحكم فيحكم ببقائها ما لم يقطع بارتفاعها وهذا بخلاف الحرمة فإنها كانت ثابتة لما لم يخرج عنه الروح البخاري القائم بالدم الجارى في الاعصاب ومع خروج الدم الحامل للروح البخاري يتبدل الموضوع لا محالة فلا يكون مجرى للاستصحاب وبعبارة اخرى حرمة اللحم قبل الذبح إنما كانت ثابتة له بعنوان انه غير مذكى وهذا الموضوع قد ارتفع بوقوع التذكية عليه يقينا فلا يمكن استصحاب الحرمة الثابتة له بالعنوان المعلوم ارتفاعه وهذا نظير وجوب التقليد الثابت لعنوان المجتهد حيث ان عنوان الاجتهاد له موضوعية في ثبوت هذا الحكم فلا يمكن استصحابه بعد زوال اجتهاده ولو تنزلنا عن دعوى القطع بارتفاع الموضوع في محل الكلام فلا اقل من احتماله لاحتمال دخل الحياة في موضوع الحكم السابق فلا يصح اجراء الاستصحاب ايضا لاشتراطه باحراز بقاء الموضوع الغير المجتمع

[ 197 ]

مع احتمال عدم بقائه (المسألة الثانية) ما إذا كان الشبهة التحريمية من جهة اجمال النص كما إذا شك في حرمة الصوت المشتمل على الترجيع من دون ان يكون مطربا لاجمال لفظ الغناء واحتمال اشتراط صدقه على كون الصوت مطربا والحكم فيه بعينه الحكم في المسألة السابقة والادلة المذكورة فيها للطرفين جارية في المقام ايضا الا انه ربما يتوهم عدم الملازمة بين القول بالبراءة في المسألة السابقة وبين القول بها في المقام لوجهين الاول انه إذا دل الدليل على حرمة الغناء مثلا فكل ما يصدق عليه مفهوم الغناء بحسب الواقع يكون محكوما عليه بالحرمة والدليل الدال على حرمته بيان لها من الشرع فلا يكون مورد الشك في صدقه محكوما بالبراءة فيفرق بينه وبين ما لانص فيه المحكوم بالبراءة لعدم البيان وفيه ان الحرمة انما يثبت للحقائق دون المفاهيم بل هي تؤخذ في الموضوعات بما انها معرفات للحقائق فالمحكوم بالحرمة في الحقيقة هو واقع الصوت دون مفهوم الغناء وعليه فالصوت المطرب المشتمل على الترجيع معلوم الحرمة وغيره وهو الصوت المشتمل على الترجيع فقط مشكوك الحرمة ولم يقم عليها بيان لاجمال اللفظ على الفرض فيكون موردا للبراءة (الوجه الثاني) ان البراءة وان كانت ثابتة لكل مشكوك إلا انها لا تجري في مورد الدليل على الحرمة يقينا فيكون حالها مع وجود الدليل حال العام مع وجود المخصص فكما ان المخصص المجمل مفهوما يكون مانعا عن التمسك في مورد فكذلك الدليل المجمل يكون مانعا عن جريان البراءة ايضا (وفيه) اولا ان سريان اجمال المخصص فيما إذا كان منفصلا وكان دائرا بين الاقل والاكثر عن التمسك بالعموم (ممنوع) لما حققناه في محل من ان الدليل العام بعد انعقاد ظهوره التصديقي يكون حجة في كل قسم من الاقسام التي يمكن انقسام العام بالاضافة إليها فقول المولى اكرم العلماء يكون دليلا على وجوب اكرام العالم سواء كان مرتكبا للكبيرة ام لا وسواء كان مرتكبا للصغيرة ام لا وهكذا فإذا ورد لا تكرم فساق العلماء وتردد مفهوم الفاسق بين اختصاصه بخصوص فاعل الكبيرة أو شموله لفاعل الصغيرة (ايضا) فالقدر الثابت الموجب لتضييق العموم هو ارتفاع حجية العام من جهة انقسام العالم إلى فاعل الكبيرة وغيره واما انقسامه إلى فاعل الصغيرة وغيره فلا موجب لرفع اليد عن حجيته بالاضافة إليه لاجمال دليل المخصص وعدم احراز شموله له وقد ذكرنا توضيح ذلك باحسن بيان في مبحث العموم والخصوص فراجع (وثانيا) انا وان سلمنا سريان اجمال الدليل المخصص إلى العام ومنعه عن التمسك به في مورد الشك الا انه لا يجوز قياس الاصل العملي بالاصل اللفظي حتى يكون

[ 198 ]

اجمال الدليل مانعا عن التمسك به ايضا وذلك لان الدليل المخصص كما ذكرناه في محله يوجب تقييد المراد الواقعي فيكشف عن ان المولى لم يبين من مراده الواقعي الا بعضه واخر بيان بعضه الآخر لحكمة مقتضية له أو لغفلته كما في الموالي العرفية وعليه فربما يتوهم ان دليل التقييد إذا كان مجملا (فلا محالة) يكون المراد الواقعي المقيد به مجملا ايضا لكون دليل في عرض الدليل العام في كشفه عن المراد الواقعي مثلا إذا قال المولى اكرم العلماء ثم ورد في الدليل المنفصل لا تكرم فساق العلماء فلا محالة يستكشف تقييد موضوع وجوب الاكرام بعدم كونه فاسقا فإذا تردد امر الفاسق بين شموله لفاعل الصغيرة وبين اختصاصه بخصوص فاعل الكبيرة فلا محالة يتردد موضوع وجوب الاكرام ويكون هذا مانعا عن التمسك بالعموم وهذا بخلاف الدليل بالاضافة إلى الاصل العملي فإن الدليل الدال على حرمة الغناء مثلا يوجب تقييدا في موضوع الاصل وانما يوجب ارتفاعه فهو من حيث المرتبة واقع في طوله لا في عرضه (وحينئذ) فحيث ان مورد جريان الاصل هو الشك والمفروض تحققه عند اجمال الدليل فلا يكون هناك مانع عن جريانه اصلا وقد ذكرنا في بحث العموم والخصوص ما ينفعك في المقام فراجع (المسألة الثالثة) مااذا كانت الشبهة التحريمة من جهة تعارض النصين هذه المسألة وان كانت خارجة عن محل الكلام من جهة ان مورد الاصل هو عدم وجود الدليل على الحكم من قبل الشارع والمفروض فيها وجود الدليل على الاباحة وعلى الحرمة والحكم فيها هو الاخذ باحد الدليلين تعيينا أو تخييرا لا الرجوع إلى الاصل الا ان الغرض من التعرض لها في المقام هو ابطال ما ربما قيل فيها بالاحتياط وبتأخر الاخذ باحدى الروايتين تخييرا عن الاخذ بما هو موافق له نظرا إلى ما في رواية غوالي اللئالى من الامر بالاخذ بالحائطة بعد عدم وجود المرجح لاحديهما ثم الامر بالتخير بينهما ولكنه لا يخفى ان اختصاص غوالي اللئالي بنقل الرواية مع ما قيل في صاحبه من تساهله في نقل الاخبار يمنع من صلاحيتها لان يعرض بها اخبار التخيير الواردة في مقام المعارضة مع كثرة تلك الاخبار ونقلها في الكتب المعتبرة هذا مع انه يمكن حمل هذه الرواية بصورة التمكن من الوصول إلى خدمة الامام عليه السلام فتكون خارجة عن محل الكلام بالكلية كما احتمل ذلك شيخنا العلامة الانصاري (قده) (المسألة الرابعة) ما إذا كانت الشبهة التحريمية من جهة اشتباه الامور الخارجية كما إذا شك في حرمة مائع خارجي لاحتمال كونه خمرا مثلا والكلام فيها يقع تارة من حيث

[ 199 ]

البراءة العقلية واخرى من حيث البراءة الشرعية وثالثة من جهة اصالة الحل اما الكلام من الجهة الاولى فربما يتوهم ان مقتضى حكم العقل فيها هو الاشتغال فإن حكم العقل بقبح العقاب يختص بصورة عدم البيان ومن المعلوم انه لا يصدق فيما إذا بين الشارع الحكم الكلي وكان الاشتباه من جهة الامور الخارجية فإذا لم يستقل العقل بقبح العقاب فلا (محالة) يحكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل وتوضيح جواب هذا التوهم يحتاج إلى بسط في القام فنقول (اولا) لفظ البيان لغة موضوع للظهور وهو مصدر لبان بمعنى ظهر واطلاقه على الكلام الصادر من المولى باعتبار ظهور مراده الواقعي به فما دام كان الحكم الشرعي مشكوكا ولو من جهة الامور الخارجية فهو بلا بيان فيحكم العقل بقبح العقاب على مخالفته (وثانيا) ان حكم العقل بالقبح ليس مستفادا من دليل لفظي تابع لما يفهم منه عرفا حتى يدعى ان لفظ البيان ظاهر في معنى لا يصدق مع الشك في الحكم الشرعي في محل الكلام فلو سلم ظهور لفظ البيان في ذلك فلا بد من ملاحظة ملاك حكم العقل بالقبح وانه متحقق فيما هو محل الكلام ام لا وعليه لا بد من التكلم في ان مجرد العلم بالكبرى الكلية الشرعية كحرمة شرب الخمر مثلا هل يكفي في تنجز التكليف على المكف ولو مع عدم احراز موضوعه الخارجي أو لا بد في تنجزه من العلم بالكبرى والصغرى معا ومع الجهل باحديهما يحكم العقل بقبح العقاب على مخالفة التكليف الواقعي فنقول ان الاحكام الشرعية على قسمين (منها) ما يكون متعلقا بفعل المكلف من دون تعلقه بموضوع خارجي كحرمة الكذب مثلا (ومنها) ما يتعلق متعلقه بموضوع خارجي كحرمة شرب الخمر فإن الحرمة وان كانت متعلقة بالشرب الا ان الشرب على اطلاقه غير محرم بل خصوص ما كان منه متعلقا بالخمر مثلا (اما القسم الاول) فلا اشكال في ان المكلف بعد علمه بالكبرى الكلية وقدرته على امتثال التكليف وعلى عصيانه يتنجز عليه التكليف لان المفروض عدم كون التكليف مشروطا بأمر آخر يتوقف فعليته فإذا كان التكليف الفعلي متنجزا بالعلم به فكلما شك المكلف في الخارج في تحقق متعلق التكليف فيرجع شكه إلى الشك في الامتثال بعد العلم بالاشتغال ومقتضى حكم العقل في مثله هو الاشتغال ليس الا واما القسم الثاني فهو ينقسم ايضا إلى قسمين (الاول) ان يكون الحكم متعلقا بصرف الوجود سواء كان الموضوع دخيلا في ملاك الحكم بحيث لو كان امرا اختياريا ايضا لما امر الشارع بايجاده كما في مثل اوفوا بالعقود ويجب الوفاء بالنذر وامثالهما أو يكون دخيلا في الخطاب دون الملاك وانما لم يؤخذ في

[ 200 ]

متعلق الخطاب ولم يؤمر بايجاده لعدم القدرة عليه وهذا القسم يختص بالتكاليف الوجوبية الخارجة عن محل كلامنا فعلا (الثاني) ان يكون متعلقا بمطلق الوجود يحيث يكون كل فرد فرد من الموضوعات الخارجية محكوما بحكم مستقل كما يختص كل مكلف بحكم اجنبي عن حكم مكلف آخر وفى هذا القسم يكون الحكم الشرعي الثابت لكل فرد مشروطا بوجوده لا محالة كما هو الشأن في تمام القضايا الحقيقية فإنا قد ذكرنا مرارا واوضحناه في بحث الواجب المشروط ان كل قضية حقيقية خبرية كانت أو انشائية ترجع إلى قضية مشروطة مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له فمعنى قولنا كل خمر حرام ان كل ما وجد في الخارج وصدق عليه انه خمر فهو محكوم بالحرمة وقد ذكرنا هناك ايضا ان المجعول في القضايا الحقيقية الانشائية هي اشخاص الاحكام لاشخاص الموضوعات والا لما كان الحكم انحلاليا كما هو المفروض ويترتب على ذلك ان فعلية الحكم تتوقف على امرين احدهما وجود الموضوع الخارجي المشتمل على ملاك الجعل وثانيهما جعل الكبرى الكلية ومع فقدان احدهما ينتفي الحكم الفعلي بالضرورة اما مع فقدان جعل الكبرى الكلية فواضح واما مع فقدان الموضوع الخارجي فلفرض اشتراط فعلية الحكم بوجوده اللازم لكون القضية حقيقية فإذا كان الحكم الشرعي متوقفا على تحققهما فلا محالة يتوقف العلم به على العلم بتحققهما فمع الشك في وجود احديهما يكون الحكم الشرعي مجهولا وغير قابل للمحركية على ما أوضحنا مناطيته في حكم العقل بقبح العقاب على مخالفته والحاصل ان العلم بتحقق الصغرى خارجا مع الجهل بالكبرى كما انه لا يكفي في محركية الحكم الواقعي على تقدير وجوده فيستقل العقل بقبح العقاب على مخالفته فكذلك العلم باكبرى مع الجهل بالصغرى بعد فرض كون الحكم انحلاليا لا يكفي في المحركية بالاضافة إلى الفرد المشكوك فيستقل العقل بقبح العقاب على المخالفة لاتحاد الملاك فيهما هذا كله فيما إذا كان النهي متعلقا بكل فرد فرد على نحو القضايا الحقيقية وأما إذا كان الحكم التحريمي بمعنى مطلوبية مجموع التروك بنحو العام المجموعي بحيث لو اخل بواحد منها لما امتثل اصلا كما في حرمة شرب ماء الدجلة لاجل تعلق النذر بترك شربه وشك في حرمة شرب ماء خارجي لاحتمال كونه من مائها فيبتنى الحكم بجوازه وعدمه على النزاع في جريان البراءة عند دوران الامر بين الاقل والاكثر وحيث ان المختار عندنا هناك الحكم البراءة فالحكم في المقام يكون هو البراءة ايضا إذ لا فرق بين المقام وبينه فيما هو الملاك في جريان البراءة كما هو ظاهر فمن الغريب ما صدر من المحقق

[ 201 ]

صاحب الكفاية (قده) من حكمه في المقام بالاشتغال مع ذهابه إلى البراءة في مسألة الاقل والاكثر نعم لو كان الحكم متعلقا بعنوان بسيط خارجي مقدور للمكلف وكان التروك الخارجية محصلة له كما إذا قال المولى كن لا شارب الخمر بنحو القضية المعدولة المحمول لكان الحكم في موارد الشك هو الاشتغال أو لم يكن فيها اصل آخر حاكم عليه ضرورة ان التروك الخارجية في هذا الفرض لم تؤخذ متعلقة للتكليف لا بنحو يكون كل واحد واحد مطلوبا للمولى ولا بنحو يكون كل ترك مقوما للمطلوب وجزء منه حتى يحكم بالبراءة عند الشك بل المطلوب فيه عنوان وجودي يمكن للمكلف تحصيله في الخارج بمحصلية التروك الخارجية فعند الشك في حصوله من جهة الشك في محصله لا يعقل الحكم بالبراءة لما عرفت سابقا من ان موارد الشك في المحصل خصوصا إذا كان الشك في المحصل الخارجي الغير الشرعي اجنبية عن موارد الحكم بالبراءة رأسا إذا الحكم بالبراءة انما يكون عند الشك في التكليف واما الشك في وجود المكلف به بعد العلم بتعلق التكليف به من جهة الشك في محصله فهو مورد لحكم العقل بتحصيل الفراغ اليقيني والى هذا نظر من ذهب إلى عدم جواز الصلاة فيما شك في كونه من غير المأكول فإنه نظر إلى اشتراط الصلاة بكونها في غير المأكول فهذا العنوان الوجودي هو المأخوذ قيدا فيها وتحصيلة مقدور للمكلف وعند الشك في حصوله لا بد من الحكم بالاشتغال دون البراءة ثم انا ذكرنا مرارا ان الاستصحاب في الاعدام المأخوذة وصفا لموضوعاتها لا يجري الا إذا كانت تلك الاعدام مسبوقة بالتحقق في موضوعاتها والا لكان اثبات انصاف الموضوع بها باستصحاب العدم الازلي مستلزما للقول بحجية الاصول المثبتة وعلى ذلك فيختلف الحال باختلاف اعتبار غير المأكول شرطا فإنه إذا كان شرطا في الصلاة فليس لها حالة سابقا يمكن استصحابها إذا هي من اول وجودها يشك في اقترانها بالقيد المعلوم قيديته واما إذا كان شرطا للمصلي فيجري استصحاب عدم كونه لابسا لغير المأكول وعدم كونه مسصحبا لاجزاء غير المأكول لتحقق هذين العدمين قبل لبسه للمشكوك وقبل وقوع الجزء المشكوك في لباسه أو بدنه وإذا كان ذلك شرطا في اللباس فيفرق بين الشك في كون نفس اللباس من غير المأكول وبين كون الاجزاء الواقعة عليه منه فلا يجري الاستصحاب في الاول ويجري في الثاني والوجه فيهما واضح وبالجملة إذا كان عنوان وجودي اخذ متعلقا للتكليف سواء كان متعلقا للتكليف الاستقلالي أو متعلقا للتكليف الضمني وشك في تحققه خارجا من جهة الشك في محصله فلا مناص عن الحكم

[ 202 ]

بالاشتغال في غير موارد وجود الاصل الحاكم عليه واما اصالة البراءة فلا تكون جارية مطلقا (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان التروك الخارجية وان كانت تستلزم عنوانا وجوديا وهو اتصاف المكلف بكونه غير فاعل دائما الا انه يختلف الحال باعتبار تعلق الحكم بها فقد يكون نفس التروك متعلقة للحكم من حيث المجموع بنحو العام المجموعي فيرجع الشك في مطلوبية ترك من جهة احتمال كونه مقوما للمطلوب إلى الشك بين الاقل والاكثر واخرى تكون متعلقة للحكم بنحو العام الاستغراقي فيكون كل ترك مع قطع النظر عن الترك الآخر مطلوبا للمولى فالشك في تعلق حكم بترك يكون شكا في حكم استقلالي نفسي فيكون مجرى للبراءة وثالثة يكون الحكم متعلقا بالعنوان المتحصل من التروك الخارجية فتكون التروك محصلة لها خارجا من دون ان يتعلق بنفسها تكليف فعند الشك في تحقق ذلك العنوان في الخارج لا بد من الحكم بالاشتغال ان لم يكن هناك استصحاب حاكم عليه فمورد الحكم بالبراءة اجنبي عن مورد جريان الاستصحاب بالكلية (ومن جميع) ما ذكرناه يظهر الحال فيما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام فراجع (ثم انه) يظهر مما بيناه في الجهة الاولى حال الجهة الثانية ايضا وانه لا مانع من جريان البراءة الشرعية ايضا إذ العلم بالكبرى الكلية بعد فرض كونها انحلالية لا يوجب كون الحكم الشرعي معلوما للمكلف مع الشك في وجود الموضوع خارجا فيجري ادلة البراءة التي اخذ في موضوعها عدم العلم بالحكم وعلى تقدير الاغماض عن عدم كون العلم بالكبرى الكلية علما بالحكم مع عدم احراز الموضوع الخارجي فلا اشكال في الحكم بالحلية من جهة الاخبار الدالة على حلية المشكوك وقد ذكرنا هذه الاخبار عند التعرض لحكم المشكوك بالشبهة الحكمية فإن تلك الاخبار لو لم تكن ظاهرة في بيان حكم الشبهة الموضوعية فلا اقل من كونه مرادا منها يقينا فالحكم بالبراءة في الشبهة الموضوعية خال عن الاشكال بالكلية (تبصرة) لا يخفي ان القائلين بجريان البراءة في الشبهات التحريمية حكمية أو موضوعية لا يمنعون عن حكم العقل بحسن الاحتياط للتحرز عن الوقوع في المفاسد الواقعية التي لا تدور مدار العلم والجهل بل لا يبعد الحكم باستحباب الاحتياط من جهة كون الاجتناب مرتبة من التقوى الموجبة لكمال النفس فإن حكم العقل بحسن الاحتياط الناشئ عن مراعاة الواقع وان كان واقعا في مرتبة معلولات الحكم الشرعي ومثل هذا الحكم قد عرفت انه لا يمكن ان يكون مستتبعا للحكم الشرعي الا انه لا مانع من استحباب الاحتياط والتحرز عن الشبهات بملاك آخر

[ 203 ]

وهو كون الاحتياط موجبا للتقوى الموجبة لكمال النفس وفي اخبار الاحتياط ما يدل على الاستحباب الشرعي فإن قوله (ع) اورع الناس من وقف عند الشبهة وقوله (ع) لاورع كالوقوف عند الشبهة وقوله (ع) من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك وغيرها من الاخبار ظاهرة في الاستحباب الشرعي ومع كون الحكم بالاستحباب ممكنا في حد نفسه وظهور الاخبار فيه لا بد من الحكم والفتوى على طبقها هذا تمام الكلام في المقام الاول واما المقام الثاني وهو ما إذا كانت الشبهة الحكمية التي لم يعلم فيها جنس التكليف ولم يلاحظ فيها الحالة السابقة وجوبية ففيها مسائل ايضا ولا يهمنا التعرض لكل واحد منها بخصوصها فإن فيما ذكرناه في الشبهة التحريمية من الادلة على جريان البراءة في تمام صور المسألة غير مسألة تعارض الخبرين التي ذكرنا ان الحكم فيها هو الاخذ بأحد الخبرين تعيينا أو تخييرا كفاية والملاك بين المقامين. مشترك فيه هذا مع ان اغلب الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية وافقوا الاصوليين في الحكم بالبراءة في الشبهة الوجوبية بل لم يوجد خلاف فيها الا من صاحب الحدائق والمحدث الامين الاستربادي في خصوص الشبهة الحكمية فالمهم في المقام هو التعرض لمطالب (المطلب الاول) في تحقيق الحال في جريان الاحتياط في العبادات فنقول قد ظهر مما ذكرناه في الشبهة التحريمية من حسن الاحتياط عقلا وشرعا حسن الاحتياط في الشبهة الوجوبية ايضا وذلك لعدم اختصاص ادلته بخصوصها وهذا في التوصليات في غاية الوضوح واما في غيرها فإن علم المحبوبية المطلقة ودار الامر بين الوجوب والاستحباب فالامر كذلك إذ لا مانع من اتيان العبادة بقصد امرها الدائر بين الوجوب والاستحباب (وتوهم) عدم امكان الاحتياط فيها لعدم التمكن من قصد الوجه المعتبر في العبادة (مدفوع) بان قصد الوجه على تقدير اعتباره انما يعتبر عند التمكن منه وعند تعذره لعدم العلم بالوجوب والاستحباب فلا يعتبر قطعا واما إذا لم يعلم المحبوبية ودار الامر بين الوجوب وبين ان يكون لغوا فربما يقال بعدم امكان الاحتياط نظرا إلى ان قصد القربة مما لا بد منه في وقوع العمل عبادة وحيث انه لا يمكن مع الشك في المحبوبية فلا يمكن الاحتياط في العبادة معه ولكن هذا الاشكال نظير سابقه في الوهن فإن محركية نفس الامر وان كانت معتبرة في وقوع العمل عبادة ومع امكان محركية نفسه ووقوع العمل بداعية لما يحكم العقل بكفاية داعوية الاحتمالية في الاطاعة الا ان ذلك في صورة التمكن من جعل نفس الامر محركا ومع تعذره فالعقل يتنزل إلى الاكتفاء

[ 204 ]

بالامتثال الاحتمال وجعل احتمال الامر داعيا إلى العمل وما ابعد ما بين هذا التوهم وتوهم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي حتى مع التمكن من الامتثال القطعي والحق فساد كلا التوهمين وكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال القطعي وقد اشبعنا الكلام في ذلك عند التعرض لحال العلم الاجمالي في مباحث القطع فراجع ثم انه بعد ثبوت حسن الاحتياط عقلا وجريانه في العبادات ايضا فهل يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه حتى يكون مستحبا شرعا ام لا فيكون الاوامر الواردة في هذا المقام ارشادية الحق هو الثاني لما ذكرناه مرارا من ان الاحكام العقلية إن كانت واقعة في مرتبة العلة للحكم الشرعي بان كان الحكم الشرعي متأخرا عنها في الرتبة فقاعدة الملازمة بين الحكمين يثبت الحكم الشرعي لا محالة واما إذا كان الحكم العقلي واقعا في مرتبة الامتثال التي هي متأخرة عن جعل الحكم الشرعي ومترتبة عليه فلا يمكن الاستكشاف وذلك كحكم العقل بحسن الامتثال المترتب على جعل الحكم الشرعي وتحققه وحينئذ فحكم العقل في المقام بحسن الاحتياط لا يمكن ان يستكشف به الحكم الشرعي بملاكه فإن حكم العقل في هذه المرتبة حكم مترتب على جعل الاحكام ضرورة انه مترتب على احتمال الحكم المتأخر عن جعله بالرتبة نعم لا مضايقة في استحباب الاحتياط شرعا بملاك آخر غير ما هو الملاك في حكم العقل بالحسن مثل كون الاحتياط موجبا لقوة ملكة النفس على التحرز عن المعصية كما هو المستفاد من قوله (ع) من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك ولاجل ذلك استظهرنا فيما مر استحباب الاحتياط شرعا زائد على ما هو عليه من حسنه العقلي ثم انه بعد ثبوت استحبابه الشرعي فهل الامر الاستحبابي يتعلق بذات العمل المأتي به بداعي احتمال الامر فيكون متعلق الامر الاستحبابي مغايرا لمتعلق الحسن العقلي المعتبر فيه اتيان الفعل بداعي احتمال المحبوبية أو يتعلق بعين ما تعلق به الحسن فيكون المستحب الشرعي هو اتيان العمل بداعي احتمال الامر ايضا ظاهر المشهور هو الاول حيث تراهم يفتون باستحباب اعادة الصلاة فيما احتمل فسادها باحتمال غير منجز من دون تقييد منهم بلزوم اعادتها برجاء المحبوبية واحتمال الامر وهذا الحكم منهم يبتنى على امرين الاول أن يكون اوامر الاحتياط الدالة على استحبابه متعلقة بذات العمل كما استظهرنا ذلك في الامر الناشئ من قبل النذر حيث ذكرنا في بعض المباحث السابقة انه ليس كالامر الناشئ من قبل الاجارة المتعلق باتيان العمل بداعي امره بل

[ 205 ]

هو يتعلق بنقس العمل الذي هو متعلق الامر الاستحبابي ففي مثل النذر المتعلق بصلاة الليل مثلا يكون الامر الناشئ من قبل النذر متحدا مع الامر الاستحبابي فيكتسب الامر النذري جهة التعبدية من الامر الاستحبابي ويكتسب الامر الاستحبابي جهة الالزام من الامر النذري فيكون المتحصل من الامرين أمرا واحد الزاميا عباديا لا يسقط إلا بقصد التقرب وأما لو قلنا بان الامر الاحتياطي تعلق بإتيان العمل رجاء وبداعي احتمال المحبوبية فلا يكون وجه للفتوى باستحباب نفس العمل المحتمل مطلوبيته اصلا (الثاني) ان يكون الاوامر الاحتياطية منحلة باختلاف مواردها إلى اوامر توصلية وتعبدية نظير الامر بالاطاعة المنحل في موارد التوصليات إلى امر توصلي وفي موارد التعبديات إلى أمر تعبدي إذا لو كان الامر بالاحتياط في تمام موارده على نسق واحد فلا محالة يكون توصليا ومعه لا يصح ان يكون هو الموجب لعبادية ما يشك في كونه مأمورا به والمفروض عدم ثبوت امر آخر متعلق به حتى يكون هو الموجب للعبادية فلا يمكن اثبات استحباب المأتي به احتياطا إذا كان عباديا (وبالجملة) الفتوى باستحباب اعادة الصلاة مثلا يتوقف على كون الامر الاحتياطي متعلقا بذات العمل وكونه عباديا ومع انتفاء احد الامرين لا يمكن الحكم باستحباب الاعادة عبادة والذي يظهر من العلامة الانصاري (قده) في المقام هو اختيار مذهب المشهور على خلاف ما اختاره في رسائله العملية فإنه (قده) بعد ما اشكل في جريان الاحتياط في العبادات اولا ووجه جريانه فيها بكفاية الاتيان بداعي احتمال الامر بالعبادية والمقربية ثانيا سلك مسلكا آخر ومحصل ما افاده بتحرير منا هو الالتزام بتعلق الاوامر الشرعية المفيدة للاستحباب بذات العمل من دون التقيد بالاتيان برجاء المحبوبية فيكون المستحب الشرعي هو ذات العمل ومع ذلك يكون الامر الاحتياطي عباديا إذا كان متعلقه عبادة وتوصليا إذا كان متعلقه غيرها نظير انحلال الامر بالوفاء في باب النذر واخويه إلى التعبدي والتوصلي باختلاف متعلق النذر خارجا وعلى ذلك يكون الموجب لعبادية الاحتياط هو نفس الامر الاحتياطي فيجري فيها ولو اعتبرنا في العبادية احراز الامر ولم نكتف فيها بالاتيان بداعي الاحتمال ورجاء المحبوبية وقد ذكرنا في مقام النقض على من توهم عدم امكان كون العبادية ناشئة من هذا الامر مع كون متعلقه هو الاحتياط بورود مثل هذا الاشكال بعينه على الاوامر الواقعية المتعلقة بالعبادات فإنه لا ريب في أن متعلقاتها امور عبادية مع ان العبادية ناشئة عن تلك الاوامر ايضا بناء على استحالة اخذ قصد القربة في متعلقاتها

[ 206 ]

فما به يكون التفصي هناك يتفصى به في المقام ايضا وبذلك وجه فتوى المشهور باستحباب نفس العمل المحتمل تعلق الامر به واقعا وحاصل ما افاده في المقام يرجع إلى دعوى ان الاوامر الواقعية متعلقة بذات العمل من غير اخذ قصد القربة فيها وأن الاحتياط عبارة عن الاتيان بمتعلق الامر الواقعي في ظرف الجهل على وجه قربي وهو غير مشروط باتيانه برجاء المحبوبية فكما ان الامر الواقعي بذات العمل هو الموجب لعباديته فكذلك يكون الامر الاحتياطي ايضا بناء على استفادة الاستحباب منه وانحلاله إلى تعبدي وتوصلي باختلاف موارده ولكن الحق في المقام هو ما ذهب إليه سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) موافقا لما اختاره شيخه العلامة (قده) في رسائله العملية من استحباب العمل المقيد بما إذا اتي به برجاء المحبوبية وباحتمال الامر فإن ما أفاده (قده) في وجه استحباب ذات العمل وكون العبادية ناشئة من قبل الامر الاستحبابي لا يمكن المساعدة علية اصلا فإن ما افاده من تعلق الاوامر الواقعية بذات العمل من دون اخذ قصد القربة فيه ممنوع بل التحقيق هو كونه مأخوذا فيه الا انه حيث لا يمكن اخذه فيه بالجعل الاول فلا بد من الاحتياج إلى جعل آخر يكون متمما للجعل الاول وقد اشبعنا الكلام فيه في محله فراجع ثم انه على تقدير تسليم عدم اخذ القربة في متعلق الامر الواقعي فلا نسلم عدم اخذه في متعلق الامر الاحتياطي وذلك فإن متعلق الامر الاحتياطي هو عنوان الاحتياط وما به يمكن ادراك الواقع ويحكم العقل بحسنه ولا ريب ان ذلك لا يكون الا مع الاتيان بالعمل على وجه قربي مع قطع النظر عن تعلق الامر الاحتياطي به فكيف يمكن ان يقال ان الامر الاحتياطي متعلق بذات ما تعلق به الامر الواقعي هذا مع قياس الامر الاحتياطي بالاوامر الواقعية في عدم اخذ جهة القربية في متعلقهما فاسد من اصله فإن عدم الاخذ في الاوامر الواقعية من جهة استحالة التقييد الموجب لاستحالة الاطلاق ايضا فلا مناص من الاهمال كما مر توضيحه في محله وهذا بخلاف الامر الاحتياطي فإن اخذ داعوية الاحتمال وجعل رجاء المحبوبية دخيلا في متعلقه حتى يكون المستحب هو الاتيان المقيد بما إذا اتى به برجاء المحبوبية بمكان من الامكان ومع امكان التقييد لا مناص عن الاطلاق أو التقييد من الحاكم الملتفت إلى الانقسام وحينئذ فإما ان يكون متعلق الامر الاحتياطي مقيدا به أو يكون مطلقا من هذه الجهة لا سبيل إلى الثاني بعد عدم صدق عنوان الاحتياط عليه حقيقة مع ان العقل لا يستقل الا بحسنه والشرع لا يندب الا إليه فيتعين الثاني (فتحصل) مما ذكرناه ان

[ 207 ]

الاحتياط المحكوم بكونه حسنا عند العقل ومحبوبا مولويا عند الشرع ويجري في العبادات كما يجري في غيرها لما عرفت من كون الاتيان برجاء المحبوبية من وجوه المقربية والتعبد عند عدم التمكن من جعل الامر الواقعي بنفسه داعيا من دون احتياج إلى تكلف الالتزام باستحباب نفس العمل الموافق لمتعلق الامر الواقعي مع انه غير صحيح في نفسه كما عرفت (هذا كله) فيما إذا لم يكن المنشأ لاحتمال الوجوب هذه الرواية الضعيفة واما في موردها فربما يقال باستحباب نفس العمل ولو لم يؤت به برجاء المحبوبية وبداعي احتمال الامر نظرا إلى دلالة الاخبار التي دلت على ان من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له اجر ذلك وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله على ذلك وهذه الاخبار مستفيضة بل لا يبعد دعوى تواترها معنى وان كان بينها اختلاف في الجملة وكيف كان فلا اشكال في اعتبار الروايات من حيث السند مع انها متلقاة بالقبول عند الاصحاب بل التكلم عنها يقع من جهات اخرى (الاولى) في ان مساق هذه الروايات هل هو جهة اصولية أو فقهية أو كلامية بمعنى ان تلك الاخبار هل هي ناظرة إلى ان الشرايط المعتبرة في حجية الخبر انما يختص اعتبارها بما إذا كان مدلول الخبر حكما الزاميا واما إذا كان حكما غير الزامي فيكفي في ثبوته مجرد مجئ الخبر به وعلى ذلك يكون مطلق الخبر حجة لاثبات متعلقه فيكون هذه الادلة مخصصة لادلة اعتبار الشروط في حجية الخبر مطلقا وموجبة لاختصاصها بمورد الاحكام الالزامية فيكون البحث (حينئذ) عن الجهة الاصولية أو هي ناظرة إلى ان فعل المكلف بعد طروء عنوان ثانوي عليه وهو الاخبار عن ترتب الثواب عليه وكونه محبوبا عند المولى يكون ذا مصلحة غير الزامية موجبة للحكم باستحبابه شرعا وان لم يكن مطابقا للواقع نظير ما قيل في موارد الطرق والامارات من انها توجب جعل الاحكام على طبق مؤدياتها ولو في فرض عدم مصادفتها للواقع وعلى ذلك يكون البحث في المقام عن استحباب العمل البالغ عليه الثواب فيكون بحثا فقهيا أو انها ناظرة إلى حكم ما بعد العمل واجنبية عن جعل الداعي إليه بجعل الحجية للخبر الضعيف أو الاستحباب للعمل البالغ عليه الثوب فيكون مفادها ان من بلغه ثواب على عمل ببلوغ صحيح ثابت الحجية بدليلها ومحرك له في نفسه فتحرك المكلف في الخارج وعمل على طبقه ولكن اتفق عدم مصادفة الخبر للواقع وعدم ترتب الثواب عليه في نفسه يؤتي له ذلك الثواب لاجل انقياده لحكم الشرع وكونه في مقام امتثاله فيكون البحث عن جهة كلامية (وبالجملة) يكون مفاد الروايات هو ثبوت الثواب عند خطأ

[ 208 ]

الامارة للواقع ليس إلا لا ريب في ان ظاهر الروايات في حد ذاتها وبمدلولها المطابقي وإن كان ثبوت الثواب فقط من دون تعرض فيها لاثبات الحجية أو الاستحباب الا انها بمدلولها السياقي بما انها بصدد بيان جعل الداعي إلى العمل نظير ما ورد من الثواب على اعمال اخر مثل قولهم عليهم السلام من زار الحسين عليه السلام فله كذا وكذا ينعقد لها ظهور ثانوي في احدى الجهتين الاوليتين ويتقدم الظهور الثانوي على الظهور الاولي المطابقي ويكون صارفا عنه لما بيناه غير مرة من أن الظهور في القرينة يتقدم على الظهور في ذي القرينة وعليه يدور الامر بين احدى الجهتين السابقتين والمستفاد من ظاهر عنوان المشهور هذه المسألة بمسألة التسامح في ادلة السنن وان كان يعطي كون البحث عن جهة اصولية وان الخبر الوارد في باب المستحبات لا يشترط فيه ما يشترط فيما دل على الحكم الالزامي وحينئذ فيقع المعارضة بينها وبين مادل على اشتراط العدالة والوثوق مثلا في حجية الخبر ولكنه مع ذلك لا بد من تقديم هذه الاخبار ورفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها أما ما كان من ادلة الاشتراط من قبيل قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أو غيره المفيد لاشتراط العدالة مطلقا فوجه تقديمها عليه واضح فإن هذه الاخبار اخص من تلك الادلة فيقدم عليها بالاظهرية وأما ما كان منها دالا على اشتراط شرط مخصوص في خصوص مواردها وهي الاحكام الغير الالزامية حتى يكون النسبة بينهما التباين فلان هذه الاخبار معمول بها عند الاصحاب فلا محالة يكون ما هو المعارض لها على تقدير وجوده معرضا عنه عندهم فيسقط عن قابلية المعارضة لها إلا ان التحقيق ان استفادة الجهة الاصولية منها في غاية الاشكال بل لا يمكن اصلا وذلك فأن ظاهر الروايات هو ترتب الثواب مع احتمال عدم المصادفة للواقع كما هو صريح قوله عليه السلام وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله مع ان الحجية سواء كانت بمعنى جعل الوسطية في مقام الاثبات كما هو المختار عندنا أو بمعنى جعل الهوهوية لا بد وأن تكون متكفلة لالغاء احتمال الخلاف واثبات الواقع بعد قيام الحجة عليه فكيف يجتمع مع فرض بقاء احتمال عدم المصادفة على حاله وبالجملة دليل حجية الامارة لا بد وأن يكون ناظرا إلى الواقع ومثبتا له بالغاء احتمال خلافه والرواية صريحة في اثبات ترتب الثواب مع عدم تعرض فيها لالغاء هذا الاحتمال بل مقررة لبقائه وحينئذ فتكون الروايات اجنبية عن المسألة الاصولية ايضا وتكون متمحضة في الحكم بالاستحباب لاجل طرو عنوان ثانوي كما قيل بنظيره في مطلق الامارات وانها توجب حدوث عنوان في مؤدياتها

[ 209 ]

يوجب جعل الاحكام على طبقها على ما اوضحنا الحال في ذلك في محله ثم ان العلامة الانصاري قدس سره نسب هذا الوجه الذي اخترناه من كون مفاد الاخبار هو الاستحباب الشرعي فيكون جهة البحث فقهية إلى بعض مشايخه المعاصرين له قدس الله تعالى اسرارهم واطال الكلام في ارجاعه إلى الجهة الاصولية وان النتيجة بالآخرة ترجع إلى الغاء شرطية ما اعتبر في حجية الخبر في المقام وانت بعد ما عرفت جهة الفرق بين الجهتين وان النظر في اثبات الاستحباب الشرعي ليس الا حجية الخبر بل لا يكون هناك نظر إلى الواقع اصلا تعرف فساد ما افاده ولم يكن صدور مثله مترقبا منه قدس سره (الجهة الثانية) في بيان انه بعد ما ثبت استحباب العمل البالغ عليه الثواب فهل المحكوم بالاستحباب هو ذات العمل ولو لم يؤت به برجاء المحبوبية والمحكوم به هو العمل المقيد به كما اخترنا ذلك في متعلق الاوامر الاحتياطية ظاهر جملة من الاخبار ترتب الثواب على نفس العمل منها مصححة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال من بلغه شئ من الثواب فعمله كان اجر ذلك له وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله وظاهر بعضها التقييد بصورة الاتيان طلبا لقول النبي صلى الله عليه وآله كما في خبر محمد بن مروان عن الصادق (ع) أو بصورة الاتيان لالتماس الثواب الموعود كما في خبره الآخر عن الباقر عليه السلام فيقع الكلام في ان مقتضى القاعدة هو حمل المطلقات على المقيدات فينحصر الثواب بما إذا كان الاتيان برجاء المحبوبية أو لا مقتضي له اما لمنع دلالة الروايات المذكورة فيها القيد على التقييد واما لمنع اقتضاء القاعدة حمل المطلق على المقيد في المقام الحق هو الثاني ودلالة الاخبار على ثبوت الاستحباب لنفس العمل إذ لا مقتضي لرفع اليد عن المطلقات اصلا اما اولا فلانه لا ظهور في الاخبار المشتملة على القيد في انه مأخوذ في العمل عنوانا وقيدا بان يكون الثواب مترتبا على العمل المأتي به بعنوان انه محتمل الثواب بل هي ظاهرة في كون طلب الثواب داعيا إلى العمل فإنه إلى الداعوية امس من القيدية (والوجه) في اقتصار الامام عليه السلام على ذكر هذا الداعي بالخصوص مع تعدد الدواعي القريبة هو ان الداعي للعمل غالبا انما هو الفرار عن العقاب أو تحصيل الثواب وبقية الدواعي لا تكون داعية غالبا وحيث انه لا احتمال للعقاب في موارد المستحبات فينحصر الداعي بخصوص طلب الثواب بحسب الغلبة ومع عدم ظهور الروايات في تقييد العمل بما إذا اتى به برجاء المحبوبية فلا موجب لرفع اليد عن المطلقات فيثبت بها استحباب نفس العمل بعنوانه الثانوي الطارئ وان لم يكن محبوبا

[ 210 ]

واقعا واما ثانيا فلما عرفت في بحث المطلق والمقيد من عدم الموجب لحمل المطلق على المقيد في باب المستحبات رأسا وان الحمل المذكور مختص بموارد الاحكام الالزامية (واما) ثالثا فلان الحمل المزبور يشترط فيه كون الحكم المجعول متعلقا بصرف الوجود حتى يتحقق التنافي بين المطلق والمقيد واما لو كان الحكم انحلاليا ومتعلقا بمطلق الوجود فلا موجب للحمل ولو كان الحكم المجعول ايجابيا وحيث ان المفروض في المقام هو مطلوبية العمل البالغ عليه الثواب بمطلق وجوده واين ما تحقق فلا موجب لحمل المطلق على المقيد فيه اصلا هذا بحسب الصناعة العلمية ولكن الانصاف انه مع قطع النظر عن الوجه الاول وهو المنع عن ظهور الاخبار في التقييد لو لم ندع ظهورها في عدمه فلا مناص عن الحمل المزبور وذلك فإن الشرطين المذكورين لحمل المطلق على المقيد وان كان مما لا ريب في اشتراطهما الا انه مع عدم معلومية وحدة التكليف من الخارج والا فلا محالة يتحقق المنافاة بين المطلق والمقيد مطلقا ومن الظاهر في المقام ان الاخبار كلها بصدد بيان حكم واحد مجعول في الشريعة فيدور الامر بين كونه على نحو الاطلاق أو التقييد فيتحقق التعارض الموجب للحمل الا انه يسهل الخطب انا في غنى عن ذلك لما عرفت من عدم ظهور الاخبار في التقييد من رأس فيثبت استحباب نفس العمل البالغ عليه الثواب على خلاف ما اخترناه في باب الاوامر الاحتياطية وإذا ثبت استحباب نفس العمل المشترك بين العبادي وغيره فلا محالة ينحل باختلاف الموارد إلى تعبدي وتوصلي كما مر بيانه في تقريب فتوى المشهور باستحباب نفس العمل في موارد الاحتياط وانما منعنا عن ذلك هناك لعدم كون الامر فيها متعلقا بذات العمل بل اخترنا تعلقه بالفعل المأتي به بداعي احتمال الامر فلا محالة يكون مثل هذا الامر توصليا وغير موجب للعبادية مطلقا لعدم نشؤه من المصلحة الكامنة في العمل وانما نشأ من المصلحة الثابتة في نفس الاحتياط المشتركة بين موارده بل العبادية في موارد الاحتياط في العبادة تتحقق في مرتبة سابقة على الامر من جهة كفاية الامتثال الاحتمالي فيها بحكم العقل كما عرفت (الجهة الثالثة) في التعرض لما يرد على الاستدلال بالاخبار في المقام وهي كثيرة لا يهمنا التعرض لها وقد تعرض لها العلامة الانصاري (قده) في رسالته المعمولة للتسامح في ادلة السنن وانما نتعرض لما هو اهمها وهو منافاة مدلولها لما دل على عدم الاعتناء بالاخبار الغير الصحيحة كآية النبأ وغيرها مما دل على اشتراط الوثوق أو العدالة في جوار العمل بالخبر (وجوابه) ان هذه الاخبار كما عرفت اجنبية عن افادة جواز العمل بالخبر الضعيف حتى يتحقق بينهما المنافاة

[ 211 ]

لما عرفت من انها ليست ناظرة إلى الجهة الاصولية اصلا وانما هي ناظرة إلى اثبات الاستحباب للعمل البالغ عليه الثواب بعنوانه الثانوي واين ذلك من جواز العمل بالخبر واثبات الواقع به وعلى تقدير تسليم المنافاة بينهما بأن يكون مفادها اثبات الحجية للخبر الضعيف فلا بد من تخصيص ادلة الاشتراط بها لكون هذه الاخبار اخص منها مطلقا وعلى تقدير وجود دليل فيها يكون النسبة بينهما التباين فيقدم هذه الاخبار عليه لكونها معمولا بها بين الاصحاب فيكون معارضها معرضا عنه لا محالة (وينبغي التنبيه) على امور الاول انا قد ذكرنا في صدر المسألة ان المختار عندنا هو كون مفاد الاخبار هو اثبات الاستحباب الشرعي فيكون مفادها من المسائل الفقهية لكن الغرض من ذلك لم يكن كونه كبقية المسائل الفقهية المشتركة بين المجتهد والمقلد بل الغرض منه كان اثبات انه ليس من المباحث الاصولية الباحثة عن الحجية بل هو داخل في القواعد الكلية الفقهية (توضيح) ذلك ان الاحكام المجعولة الشرعية اما ان لا يكون لها تعلق بعمل المكلف بل يتمحض في وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي فهو حكم اصولي بلا ريب والمسألة الباحثة عنه مسألة اصولية واما ان يكون لها تعلق بالعمل مع ايكال تطبيق الكبرى على صغرياتها بنظر آحاد المكلفين كاغلب المسائل الفقهية فلا اشكال في كونه حكما فرعيا وكون المسألة الباحثة عنه مسألة فقهية واما ان يكون له تعلق بالعمل لكن مع عدم ايكال التطبيق المذكور على نظر الآحاد بل يكون التطبيق موكولا بنظر المجتهد خاصة كقاعدة مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده وقاعدة اليد ونحوهما فيقع الاشكال في كون هذه المسائل اصولية أو فقهية وما نحن فيه من هذا القبيل فإن تطبيق الكبرى في المقام على صغرياته وتشخيص أن الرواية الدالة على الاستحباب يحتمل في موردها الحرمة أولا أو أن هناك ما يعارضها اولا انما هو وظيفة المجتهد خاصة ولا حظ للمقلد فيه اصلا فلا بدلنا من بيان الضابط بين المسئلتين اجمالا حتى يظهر حال تلك القواعد الكلية فنقول مقتضى ما ذكرناه في صدر الكتاب من ان الميزان في المسألة الاصولية هو استنتاج الحكم الكلي الفرعي من ضم الصغرى إلى نتيجتها كمباحث حجية الخبر ونحوه كون هذه القواعد داخلة في المسائل الفقهية ضرورة ان مفادها بانفسها احكام فقهية مستنبطة لا انها تقع في طريق استنباط حكم فرعي ولكن التحقيق عدم صحة هذا الميزان فإن المسألة الفقهية لا بد وان تكون بحيث يلقى نتيجتها بنفسها إلى المكلفين ويوكل التطبيق إلى نظرهم كما جرى عليه دأب المجتهدين بضبط فتاويهم في رسائلهم العملية واعطائها إلى المقلدين ومن

[ 212 ]

الضروري ان نتائج تلك القواعد ليست كذلك ضرورة ان غير المجتهد لا يمكن له ان يطبق صغريات تلك القواعد إليها فالميزان في كون المسألة اصولية هو ان يكون تطبيق صغرى المسألة على كبراها موكولا بنظر العرف وان كان البحث فيها عن الحكم الشرعي المتعلق بالعمل بلا واسطة وعليه يكون البحث عن ثبوت الاستحباب الشرعي للعمل البالغ عليه الثواب من الابحاث الاصولية (الثاني) انه ربما يقال بشمول الاخبار المذكورة للخبر الضعيف الدال على الكراهة والاخبار المروية في باب القصص والحكايات كاخبار الطف ونحوها مما تضمن لفضائل اهل البيت ومصائبهم عليهم السلام ولكن التحقيق ان شمولها للخبر الضعيف الدال على الكراهة وان كان قريبا غايته باعتبار ان الذوق الفقهي يساعد على كون الملاك في هذه الاخبار هو المسامحة في مطلق الاحكام الغير الالزاميه من دون أن يكون لخصوص الاستحباب خصوصية خاصة وعليه يثبت الكراهة بالخبر الضعيف كما كان يثبت الاستحباب به الا انه مع ذلك يشكل الفتوى بالكراهة بمجرد دلالة خبر ضعيف عليه وذلك لعدم ثبوت الملاك القطعي واختصاص الاخبار بموارد بلوغ الثواب الظاهرة في المستحبات واما بالنسبة إلى الاخبار الحاكية لغير الاحكام من الفضائل والمصائب وغيرها فلا مقتضي لتوهم الشمول اصلا وان كان يظهر من الشهيد (قده) جزمه به بل نسبته إلى الكثير من أهل العلم على وجه يظهر كونه من المسلمات بينهم وقريب منه ما نقل عن الشهيد الثاني (قده) في الدراية وعن غيره في غيرها وذلك فإن الكذب كما بينا في بعض المباحث السابقة وان كان بحسب الوضع اللغوي دائرا مدار مخالفة الواقع الا ان ما يحكم العقل بقبحه ليس هو ذلك بل القول الغير المحرز مطابقته للواقع سواء كان مطابقا للواقع ام لم يكن فالاخبار عما لم يثبت بطريق صحيح يكون قبيحا عقلا واي موجب لثبوت المسامحة فيه خصوصا فيما إذا كان الخبر متضمنا لاسناد شئ إلى المعصوم عليه السلام وبالجملة ان تم اجماع على حجية الخبر الضعيف في باب القصص والحكايات فهو والا فلا مقتضي للتسامح اصلا (الثالث) هل تعم الاخبار لموارد افتاء الفقيه بالاستحباب ام تختص بخصوص موارد الاخبار الضعيفة لا اشكال في الشمول فيما إذا كان الافتاء بعين متن الرواية كفتاوى الشيخ في النهاية وعلي بن بابويه قدس الله تعالى اسرارهم واما الفتاوي الناشئة عن حدس ونظر فيشكل شمولها لها من وجهين (الاول) ان ظاهر بعض الاخبار هو ان يكون البالغ هو الثواب ومن الضروري ان الفقيه لا يخبر

[ 213 ]

عنه وإنما يخبر عن الاستحباب ولكن هذا الاشكال ضعيف لا يلتفت إليه فإن المراد من المذكور فيها هو العمل المترتب عليه الصواب اعني به مطلق العمل الراجح بقرينة اسناد العمل إليه في قوله (ع) فعمله ولا يعتبر في شمولها كون البالغ هو خصوص الثواب ولذا لا ريب في شمولها لموارد الاخبار الضعيفة الدالة على الاستحباب فيكون فتوى الفقيه مشاركة للخبر الضعيف من هذه الجهة (الثاني) أن الظاهر من بلوغ الثواب هو ان يكون الاخبار عن الثواب بما انه مسند إلى النبي صلى الله عليه وآله فيكون ظاهرا في الاخبار المتعارفة المبنية على الحس وفتوى الفقيه ليست اخبارا عن الحس فالتعدي من مواردها والحكم بالاستحباب الشرعي بمجرد الفتوى مشكل جدا نعم لا بأس بالعمل في موارد الفتوى من باب الرجاء والاحتياط لكنه خارج عما هو محط كلامنا في المقام (الرابع) لا ريب في شمول الاخبار لما إذا ورد خبر ضعيف على الاستحباب مع احتمال كونه حراما في الواقع فإن احتمال الحرمة يندفع بإصالة البراءة ويحكم باستحبابه بمقتضى الاخبار المتقدمة وهذا فيما إذا لم يكن احتمال الحرمة ناشئا عن ورود الخبر الضعيف به في غاية الوضوح واما في مورده فيمكن دعوى الانصراف عنه ولو قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك عند ورود الخبر الضعيف بالحرمة لقوة احتمال أن يكون مورد الاخبار هو بلوغ الثواب غير معارض ببلوع العقاب فلا يثبت الاستحباب في فرض المعارضة وعلى تقدير عدم الانصراف فإن قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك نظرا إلى اختصاص مورد الاخبار المتقدمة ببلوغ الثواب دون العقاب فلا اشكال في ثبوت الاستحباب مع وجود الرواية الضعيقة على الحرمة فإن الرواية الضعيفة إذا لم تؤثر في ثبوت الكراهة وكان احتمال الحرمة مندفعا بالاصل فيحكم بالاستحباب كما إذا لم يكن رواية على الحرمة وأما إذا قلنا بشمول الاخبار للاخبار الدالة على الحرمة ايضا فإن قلنا بثبوت الكراهة بها فلا ريب في تحقق المنافاة. بين الخبر الدال على الاستحباب والخبر الدال على الحرمة لتنافي مقتضاهما وإن قلنا بثبوت استحباب الترك في مواردها فربما يقال باستحباب الفعل والترك عملا بالخبرين وعدم المنافاة بين رجحان الشئ فعلا وتركا كما ادعي ذلك في بعض العبادات المكروهة كالصوم يوم عاشورا لكنك قد عرفت عند البحث عن كراهة العبادة عدم تعقل ذلك وأن استحباب الفعل لا يجتمع مع رجحان الترك فلا محالة يتحقق المنافاة بين الخبرين كما إذا قلنا بكراهة الفعل لكن الانصاف انصراف الاخبار عن هذه الموارد بالكلية (الخامس) الظاهر شمول الاخبار لما إذا

[ 214 ]

ورد رواية ضعيفة على الوجوب فإن دعوى اختصاصها بما إذا بلغ الثواب على الفعل فقط من دون الاشتمال على العقاب على الترك لا شاهد لها اصلا بل اطلاق الاخبار يقتضي عدم الاختصاص فيثبت الاستحباب في موردها وإن كان الوجوب مندفعا بالاصل ثم انه إذا بنينا على دلالة الاخبار على اثبات الكراهة ايضا فلا محالة يتحقق التنافي بين روايتين احداهما تدل على الوجوب والاخرى على الحرمة وظاهر شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في المقام هو العمل بكلتا الروايتين من باب التسامح والحكم باستحباب الفعل والترك وقد اشرنا آنفا إلى عدم تعقل ذلك وان شئت توضيح ذلك فراجع إلى البحث المذكور (المطلب الثاني) في دوران الواجب بين التعيين والتخيير ولا بد لتوضيح الحال فيه من تقديم امور (الاول) انه لا ريب في عدم اختصاص جريان البراءة عقلا ونقلا بما إذا شك في الوجوب التعييني بل يعم ما إذا شك في الوجوب التخييري أو المردد بينه وبين التعييني فإذا شككنا في وجوب احدى الكفارات تخييرا عند القئ عمدا أو في وجوب شئ مرددا بين التعييني والتخييري مع عدم العلم باصل الوجوب اصلا فلا ريب في صحة التمسك بالبراءة فإن الملاك في جريانها مشترك بين جميع تلك الاقسام واما التمسك باصالة عدم الوجوب عند الشك في الوجوب مطلقا فغير صحيح كما عرفت وجهه مفصلا (الثاني) ان محل الكلام في المقام انما هو فيما إذا لم يكن اصل لفظي يقتضي التعيينية كما إذا ورد الامر بشئ مطلقا من دون بيان عدل له في مقام البيان فإنه يقتضي التعيينية كما مر توضيحه في بحث الاوامر ومعه لا تصل النوبة لا البحث عن جريان الاصل العملي (الثالث) انه قد تقرر في محله انه كلما كان الشك راجعا إلى اصل ثبوت التكليف ومرتبة الجعل فالمرجع فيه هو البراءة وكلما رجع الشك إلى سقوط التكليف ومرحلة الامتثال بعد العلم باصل التكليف فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال وهذان اصلان موضوعيان في هذا المقام (الرابع) ان ما يحتمل كونه عدلا للواجب المعلوم وجوبه في الجملة المردد بين كونه تعيينيا أو تخييريا قد يعلم مسقطيته له ويشك في كونه عدلا له في الوجوب كالائتمام المسقط للقراءة الواجبة في الصلاة مع الشك في عدليته لها في الوجوب وقد يعلم وجوبه ولكن يشك في المسقطية من جهة احتمال كون كل من الوجوبين تعيينيا كما إذا علم وجوب شيئين في الجملة واحتمل أن يكون الوجوب في كل منهما تعيينيا أو تخييريا وقد يشك في الوجوب والمسقطية معا كما إذا علم بوجوب العتق في الجملة وشك في كون الصوم عدلا له في الوجوب ومسقطا له ويشترك هذه

[ 215 ]

الاقسام من حيث الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال كما سيظهر وجهه ان شاء الله تعالى إذا عرفت ذلك فنقول إذا علم وجوب شئ في الجملة ودار الامر بين تعيينيته وتخييريته كما هو محل الكلام فلا مناص فيه عن الرجوع إلى قاعدة الاشتغال والحكم بالتعيينية عملا إذ الواجب التعييني غير محتاج في عالم الثبوت الا إلى قيد عدمي بأن لا يكون له عدل في مرحلة الطلب كما انه في عالم الاثبات كذلك بل اثبات التعيينية في عالم الاثبات بعدم التقييد بمثل العطف بكلمة أو انما هو لكشفه عن العدم في عالم الثبوت فإذا كان اصل الوجوب معلوما وشك في تخييريته من جهة احتمال تقيده بوجود العدل له فلا محالة يحكم بالتعيينية بمقتضى ضم الوجدان إلى الاصل لعدم ثبوت التقييد مع حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الثابت يقينا واما توهم اثبات التعيينية باجراء البراءة عن وجوب ما يحتمل بدليته للواجب المعلوم فغير صحيح إذا البراءة العقلية انما تجري فيما إذا كان مخالفة التكليف المحتمل موجبة للعقاب على تقدير تنجزه ولا ريب ان ترك الطرف المحتمل وجوبه في المقام لا يترتب عليه عقاب اصلا واما البراءة الشرعية فلا مورد لجريانها لما ذكرناه مرارا من انه مشروط بان يكون فيه امتنان على الامة فلو لزم منه خلاف الامتنان لما كان مجال له وحيث ان لازم الجريان في المقام هو ثبوت التعيينية التي هي كلفة زائدة مخالفة للامتنان فلا تكون جارية (فإن قلت) إذا سلمت ان في التعيينية كلفة زائدة على الكلفة الثابتة في اصل الوجوب فلماذا لا تجري البراءة منها ويثبت بذلك التخيير (قلت) مجرد كون شئ موجبا للكلفة والضيق لا يوجب جريان البراءة عنه عند احتماله فإن البراءة الشرعية يتوقف جريانها على كون المحتمل امرا منحازا في الجعل ولا تجري في الامور التحليلية كما سيتضح في محله فلا يصح ان يقال ان اصل الوجوب معلوم وخصوصية التعيينية مجهولة تدفع بالبراءة مع ان هذه الخصوصية ليست من الامور القابلة للجعل بنفسها بل هي من خصوصيات المجعول وتوابعه (واما) البراءة العقلية فلانها انما تجري فيما إذا كان الشك متعلقا بمرحلة الجعل والاشتغال دون السقوط والامتثال والمقام من قبيل الثاني فإنه إذا علم وجوب شئ في الجملة فمرجع الشك في تعيينيته وتخييريته إلى الشك في ان الشارع جعل له مسقطا آخر غير الاتيان بمتعقله ام لا والا فحقيقة الوجوب ليس له قسمان تعييني وتخييري فإذا رجع الشك إلى مرحلة الاسقاط والامتثال فلا محالة يحكم العقل بالاشتغال دون البراءة (وبالجملة) الشك في التعيينية والتخييرية مع العلم باصل الوجوب في الجملة يترتب عليه امران (الاول)

[ 216 ]

احتمال تعين ما احتمل عدليته للواجب المعلوم في الوجوب عند تعذر ما هو معلوم الوجوب في مرحلة الامتثال ولا ريب ان الشك من هذه الجهة مورد للبراءة عقلا ونقلا (الثاني) احتمال سقوط الواجب المعلوم مع التمكن منه باتيان المحتمل وجوبه تخييرا والشك من هذه الجهة مورد لقاعدة الاشتغال ولا محل لجريان البراءة عقلا ونقلا لا من اصل وجوب المحتمل ولا من جهة التعيينية المحتملة بعد ما عرفت من ان التعيينية ليست قيدا زائدا في اصل الوجوب مجعولا بنفسه وانما هي منتزعة من قيد عدمي وهو عدم جعل العدل للواجب المعلوم وجوبه فمرجع الشك في التعيينية إلى الشك في جعل العدل الراجع إلى الشك في سقوط الواجب المعلوم بإتيان محتمل العدلية ومن المعلوم ان الشك في مرحلة السقوط مورد لقاعدة الاشتغال ليس الا (ومما ذكرناه) في بعض المباحث السابقة يظهر ما في كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث تمسك في المقام باصالة عدم وجوب الطرف المحتمل من النظر فإنه قد بينا سابقا ان استصحاب عدم الجعل وان كان واجدا لاركان الاستصحاب من اليقين والشك الا انه لا يترتب عليه عدم المجعول الاعلى القول بالاصول المثبتة واما استصحاب عدم المجعول فلا حالة سابقة له إذ العدم المقوم للتعيينية هو العدم المقابل للوجود تقابل العدم والملكة ومن الضروري ان مثل هذا العدم ليس له حالة سابقة في مثل الفرض إذا متى كان هناك وجوب ثابت لم يكن لمتعلقه عدل حتى يستصحب ذلك العدم نعم العدم الازلي لوجوب الطرف المحتمل كان معلوما سابقا لكن اثبات العدم والملكة باستصحابه يتوقف على القول بالاصول المثبتة نعم إذا علم وجوب شئ سابقا بنحو التعيينية وعدم كون شئ آخر عدلا لمتعلقه ثم شك في عروض التخيير وكون ذلك الشئ عدلا له فلا مناص من الرجوع فيه إلى اصالة عدم وجوبه وبقاء التعيينية في الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لكن هذا الفرض اجنبي عن محل كلامه (قده) فقد ظهر مما ذكرناه انه لا مجال لجريان اصل في مفروض الكلام الا اصالة الاشتغال (ثم انه) قد تبين مما ذكرناه حال كل من القسمين الآخرين الا انه لا بأس بالتكلم في كل منهما مستقلا تكثيرا للفائدة (فنقول) اما القسم الاول وهوما إذا علم المسقطية وشك في الوجوب فحكمه الرجوع إلى البراءة عند تعذر الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في وجوبه التعييني بالعرض ومن هذا القبيل الائتمام المردد امره بين كونه واجبا تخييرا للقراءة الواجبة وبين كونه مسقطا لها كما مثل به فخر المحققين (قده) فإذا تعذرت القراءة يجب الائتمام على الاول لتعين احد

[ 217 ]

فردي الواجب التخييري عند تعذر الآخر دون الثاني فإذا شك في تعينه عند تعذر القراءة فيرجع إلى البراءة عن وجوبه (ثم انه) في مسألة الائتمام نزاعين آخرين اجنبيين عن محل الكلام في المقام (الاول) في ان التخيير الثابت بين الصلاة فرادى وجماعة هل هو عقلي أو شرعي فإن قلنا بالثاني وان ماهية الصلاة فرادى مغايرة لماهية الصلاة جماعة ثبت التخيير بينهما شرعا فيترتب عليه عدم جواز العدول عن الجماعة إلى الفرادى الا فيما ثبت فيه العدول بالخصوص واما إذا قلنا بالاول وكونهما فردين من مهية واحدة فمقتضى القاعدة هو جواز العدول عن كل منهما إلى الآخر مطلقا كما في جواز العدول من الصلاة في المسجد إلى غيرها وبالعكس الا انه قام الدليل على عدم جواز العدول من الفرادى إلى الجماعة واما عكسه فيبقى على ما يقتضيه القاعدة من الجواز وعلى كل من القولين يجري النزاع المتقدم في ان الايتمام بدل أو مسقط (الثاني) في ان قراءة الامام هل هي بدل عن قراءة المأموم ومنزل منزلتها كما هو مقتضى جملة من الاخبار الدالة على ان من صلى خلف إمام عادل فقراءته قراءته ام لا ويترتب على البدلية انه لو عدل المأموم بعد القراءة وقبل الركوع عن الجماعة إلى الفرادى لا يجب عليه القراءة ثانيا لان المفروض تحقق قراءة الامام التى هي بدل عن قراءته وهذه البدلية اجنبية عما هو محل الكلام في المقام إذا مع فرض البدلية بهذا المعنى يقع الكلام في ان الائتمام فرد آخر من الواجب التخييري حتى يتعين عند تعذر القراءة أو الواجب هو خصوص القراءة فيسقط عند تعذرها ولا يجب الائتمام عنده وان كانت قراءة الامام بدلا عنها ولو اختيارا بالمعنى المزبور (فإن قلت) لا ريب في بدلية الائتمام عن الصلاة فرادى وكونه عدلا له في الوجوب بل هو افضل فردي الواجب فلا محالة يتعين عند تعذر الفرد الآخر بتعذر القراءة (قلت) تعذر القراءة الصحيحة لا يوجب تعذر الصلاة فرادى وذلك لعدم تعين القراءة الصحيحة في كونها جزاء للواجب بل لها ابدال طولية في الشريعة ومجرد كون الائتمام بدلا عن الصلاة فرادى لا يثبت كونه بدلا عن المرتبة العالية عن القراءة حتى يكون المرتبة الثانية من القراءة مترتبة على تعذر المرتبة الاولى والائتمام معا بل القدر المسلم من البدلية هو بدليته عن تمام مراتب القراءة بسلسلتها الطولية وهو لا ينافي الخلاف في بدليته عن المرتبة العالية أو مسقطيته عنها كما افاده المحقق المذكور بل نقول ان ترتب المرتبة الثانية على تعذر المرتبة الاولى في بعض الروايات كما ورد من ان سين بلال شين يدل على عدم بدلية الائتمام عن المرتبة العالية والا لكان تنزيل سين بلال شينا مترتبا عل تعذر الائتمام ايضا فمن

[ 218 ]

عدم التقييد في الرواية بتعذر الائتمام يستكشف عدم ثبوت البدلية عن المرتبة العالية (والحاصل) ان ما هو المسلم عند الفقهاء من بدلية الائتمام عن القراءة وكونه افضل فردي الواجب لا يدل على ازيد من البدلية عن مجموع مراتب القراءة واما بدليته عن خصوص المرتبة العالية فهى مشكوكة لو لم نقل بقيام الدليل على خلافها ومن ذلك يظهر ان تنزيل قراءة الامام منزلة قراءة المأموم كما في جملة من الاخبار اجنبي عن اثبات البدلية التي هي محل كلام المحقق المتقدم ذكره فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان تلك الاخبار لا تدل على وجوب الائتمام بدلا عن القراءة اصلا بل غاية ما يستفاد منها هو ثبوت البدلية في فرض الائتمام المتفرع عليها عدم وجوب القراءة إذا عدل المأموم قبل الركوع واين ذلك من اثبات الوجوب له لا يمكن اثبات التنزيل بهذه الاخبار بالقياس إلى خصوص المرتبة العالية ولذا لا يصح الاستدلال بها على جوزا ائتمام من يحسن القراءة بمن لا يحسنها نظرا إلى ان قراءة الامام منزلة منزلة القراءة الصحيحة منه المنزلة منزلة القراءة الصحيحة من المأموم فإن التنزيل ليس بلحاظ المرتبة العالية حتى يثبت تنزيل القراءة الغير التامة من الامام منزلة القراءة التامة من المأموم بل القدر المتيقن منه هو تنزيل قراءته منزلة قراءة المأموم بمالها من المراتب وعليه فلا دلالة لها على وجوب الائتمام عند تعذر المرتبة العالية فثبوت البدلية باعتبار اجنبي عن الشك في ثبوت البدلية بالمعنى الذي ذكره المحقق المذكور الموجب للرجوع إلى البراءة معه (فإن قلت) إذا كان تعذر القراءة لامر طار من ضيق الوقت ونحوه فمقتضى القاعدة هو استصحاب كلي الوجوب المردد تعلقه بخصوص القراءة حتى يكون ساقطا بالتعذر أو بالاعم منه ومن الائتمام حتى يكون باقيا بالتمكن من الفرد الآخر (قلت) اثبات وجوب الائتمام باستصحاب الوجوب المردد كاثبات وجوب احد طرفي المعلوم بالاجمال بعد سقوط التكليف في الطرف الآخر بالامتثال أو بغيره مبتن على القول بالاصول المثبتة فإن الزوم الائتمام ليس من آثار بقاء الوجوب المردد وانما هو من آثار وجوبه بالخصوص واثبات وجوبه بالخصوص باستصحاب بقاء كلي الوجوب ليس الا من باب الملازمة العقلية بل لو بنينا على حجية الاصل المثبت لا نلتزم به في امثال المقام إذ الاستصحاب لابد وان يكون ناظرا إلى ظرف الشك ولا يمكن اثبات الحدوث به فكيف يمكن ان يثبت به ان الواجب كان تخييريا من اول الامر كما في المقام وان الواجب كان من الاول هو خصوص الباقي كما في مورد دوران الامر بين المتباينين (واما القسم الثاني) وهو ما إذا علم الوجوب

[ 219 ]

في كل منهما في الجملة وشك في التعيينية والتخييرية فقد ظهر مما ذكرناه ان مقتضى حكم العقل فيه هو الاشتغال وعدم سقوط كل منهما بفعل الآخر الا ان التعرض له ثانيا انما هو لبيان ان الشك في التخيير والتعيين قد يكون في الاحكام الواقعية وقد يكون في الاحكام الطريقية وعلى الاول قد يكون الشك من جهة الشك في اصل الجعل وقد يكون من جهة التزاحم فهناك اقسام ثلاثة والمختار عندنا وان كان هو الاشتغال في تمام الاقسام الا ان ملاك القول به في القسم الثاني وهو الشك في التخيير والتعيين من جهة التزاحم اقوى منه في القسم الاول بحيث لو التزمنا بالرجوع إلى البراءة في القسم الاول لما كنا نلتزم به في الثاني كما انه لو التزمنا بالبراءة فيه ايضا محالا لا نلتزم به في القسم الثالث وهو دوران الامر بين التعيين والتخيير في الطرق وتحقيق الحال في المقام انما يكون بالتكلم في كل واحد من الاقسام الثلاثة مستقلا فنقول (اما القسم الاول) وهو ما إذا ثبت وجوب شيئين في الشريعة في الجملة ودار امرهما بين كونهما تعيينيين أو تخييريين فتوضيح الحال فيه يتوقف على بيان مقدمة وهي انه قد ذكرنا في بحث الواجب التخييري ان الوجوه في تصويره كثيرة الا انها خالية عن التحصيل وما يمكن ان يلتزم به في عالم الثبوت وجهان (الاول) ان يكون هناك مصلحتان متضادتان لا يمكن الجمع بينهما في الخارج مع كون كل منهما ملزمة في نفسها (الثاني) ان يكون مصلحة واحدة ملزمة مترتبة على كل واحد من الفعلين وعلى كل تقدير لا بد من جعل الايجاب على نحو التخيير لا محالة (وتوهم) ان الواجب في القسم الثاني يكون هو الجامع بين الفعلين فان وحدة الاثر يكشف عن وحدة المؤثر فيكون التخيير بين الفعلين عقليا لا شرعيا (مدفوع) بان وجود الجامع بين الفعلين لوحدة الملاك المترتب على كل منهما وان كان مسلما الا انه ليس بجامع عرفي بقع في حيز الخطاب حتى يكون التخيير بين افراده بحكم العقل فلا بد للشارع من ايجاب كل منهما تخييرا فيكون تخيير شرعيا (ثم ان) مقتضى كل من القسمين يختلف في عالم الاثبات فانه على تقدير كون التخيير ناشئا عن تضاد المصلحتين وتزاحمهما في مقام التأثير يكون الواجب هو كل من الفعلين تعيينا على وجه الاشتراط بعدم الاتيان بالآخر ومقتضى ذلك هو تقييد اطلاق كل منهما باداة الشرط وهذا بخلاف ما إذا كان هناك مصلحة واحدة مترتبة على كل من الفعلين فانه لا يوجب الا ايجاب احدهما تخييرا فلا بد من تقييد الاطلاق باداة العطف وهذا سنخ من الوجوب يعبر عنه بالوجوب التخييري

[ 220 ]

فالواجب في الحقيقة هو احدهما المردد القابل للانطباق على كل من الفعلين وعلى ذلك فإن كان التقييد في عالم الاثبات باداة العطف فمن جهة تبعية عالم الاثبات لعالم الثبوت يستكشف وحدة الملاك وكون الواجب هو احدهما المردد فيسقط احتمال كون الوجوب التخييري ناشئا عن المصلحتين المتضادتين نعم لو كان هناك دليلان دل كل منهما على وجوب فعل مخصوص كالظهر والجمعة مثلا وقام دليل خارجي على عدم وجوب كليهما معا فلا بد من احد التقييدين اما التقييد باداة الشرط حتى يكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالآخر واما التقييد باداة العطف حتى يكون الواجب هو احدهما على التخيير فيتردد الامر بين القسمين المذكورين الا انه مع ذلك لا بد من الالتزام بالتقييد باداة العطف والغاء احتمال التقييد باداة الشرط فانه على تقدير التقييد باداة العطف فالتقييد يرجع إلى ناحية المطلوب ويبقى اطلاق الطلب على حاله واما على تقدير التقييد باداة الشرط فالتقييد يرجع إلى نتيجة الجملة اعني بها الطلب المستفاد من ايقاع الهيئة على المادة وتقييد الطلب مستلزم لتقييد المطلوب لا محالة وقد ذكرنا في بحث الواجب المشروط انه كلما دار الامر بين تقييد واحد وتقييدين فلا بد من الالتزام بالتقييد الواحد وابقاء اطلاق الآخر على حاله هذا مضافا إلى ان قيام الاجماع ونحوه على عدم تعدد الواجب يستكشف منه عدم تعدد الملاك أيضا لما عرفت من تبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت لا محالة على أن فرض وجود الملاكين وتمانعهما في التحقق فرض نادر موهوم بعيد عن أذهان العامة لا يعبأ به وعلى ذلك يتعين الوجوب التخييري فيما يستلزم التقييد باداة العطف ولا يبقى لاحتمال التقييد باداة الشرط مجال اصلا فإذا شك في تعيينية الوجوب وتخييريته فلا محالة يرجع الشك إلى سقوط كل من الواجبين المعلوم وجوبهما باتيان متعلق الآخر فلا بد من الحكم بالاشتغال وعدم سقوط كل منهما الا باتيان متعلقه فيكون النتيجة هي التعيين نعم لو بنينا محالا على أن الوجوب التخييري عبارة عن وجوب كل من الفعلين تعيينا مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الآخر فلا محالة يكون مرجع الشك إلى الشك في اطلاق الواجب واشتراطه وعليه يكون وجوب كل منهما عند عدم الاتيان بمتعلق الآخر معلوما واما عند الاتيان به فيكون أصل الوجوب مشكوكا يرجع معه إلى البراءة كما هو الحال عند دوران الامر بين الاشتراط والاطلاق في غير المقام فيكون النتيجة عند الشك في التعيين هو التخيير دون التعيين لكنك قد عرفت آنفا ومر في بحث الوجوب التخييري فساد المبنى

[ 221 ]

وانه لا يرجع الوجوب التخييري إلى الوجوب المشروط اصلا (واما القسم) الثاني وهو ما إذا كان الشك في التعيين والتخيير من جهة التزاحم مع احتمال اهمية احد الواجبين فالحكم فيه هو الاشتغال وتعين محتمل الاهمية وان قلنا بالتخيير في القسم الاول والرجوع فيه إلى البراءة وذلك لما بيناه في بحث التزاحم من ان التزاحم بين الخطابين انما ينشأ من اطلاق كل منهما بالاضافة إلى الاتيان بمتعلق الآخر وتركه المستلزم لطلب الجمع بين المتعلقين في الخارج فإذا كان المكلف قادرا على الجمع فيجب عليه ولا يقع المزاحمة بين الخطابين واما مع العجز عنه فيتحقق التنافي بين الاطلاقين ويقع المزاحمة بين الخطابين فإن كان احد الخطابين معلوم الاهمية في نظر الشارع فلا محالة يبقى اطلاقه بحاله ويتعين اطلاق الآخر للسقوط ويرتفع بذلك محذور طلب الجمع بين المتعلقين ويكون النتيجة هو ترتب خطاب المهم على عصيان خطاب الاهم وقد بينا جوازه وامكانه بما لا مزيد عليه في محله ومع عدم العلم بالاهمية فتارة يعلم مساواة كل منهما مع الآخر واخرى يحتمل اهمية احدهما دون الآخر فعلى الاول لابد من سقوط كل من الاطلاقين لعدم الترجيح في البين فيكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالآخر فإن الموجب لعجز المكلف عن الامتثال ليس نفس الخطابين حتى يكون الساقط في فرض العلم باهمية احد الخطابين هو خصوص خطاب المهم وفي هذا الفرض كليهما حتى نحتاج في اثبات التخيير إلى اكتشاف العقل له من جهة وجود الملاك الملزم في البين بل الموجب له انما هو اطلاق الخطابين فيكون الساقط هو خصوص اطلاق خطاب المهم في الفرض الاول وكلا الاطلاقين في هذا الفرض وعلى الثاني لا بد من الحكم بالاشتغال فإن الشك في الاهمية لشبهة موضوعية أو حكمية يرجع إلى الشك في سقوط كلا الاطلاقين بعد العلم بسقوط احدهما ولا ريب ان مقتضى القاعدة هو الحكم بعدم السقوط وبقاؤه على حاله (توضيحه) انه إذا كان هناك غريقان لا يتمكن المكلف الا من انقاذ احدهما فإن كان كل منهما مساويا في الاهمية مع الآخر فلا محالة يكون اطلاق طلب الانقاذ في كل منهما مقيدا بعدم انقاذ الآخر واما إذا احتمل اهمية احدهما معينا فهو وإن كان يوجب الشك في تعيينية طلبه وتخييريته إلا انه مع ذلك لا يمكن الرجوع إلى البراءة ولو قلنا بجريانها في موارد الدوران بينهما في القسم الاول ضرورة ان سقوط اطلاق طلب مالا يحتمل اهميته معلوم على كل تقدير والشك انما هو في سقوط الاطلاق في الطرف المحتمل اهميته ومع عدم احراز سقوطه لا يمكن الحكم

[ 222 ]

بالسقوط كما هو ظاهر (فإن قلت) إذا كان الساقط بالتزاحم هو الاطلاق من الجانبين أو من جانب واحد فقط فلا محالة يكون مرجع الشك عند احتمال الاهمية إلى الشك في اطلاق الخطاب واشتراطه بعد العلم بالاشتراط في الطرف الآخر ومن المقرر في محله ان المرجع عند الشك في الاطلاق والاشتراط هو البراءة فيكون النتيجة مع الاشتراط فيثبت التخيير (قلت) الشك في الاطلاق والاشتراط وان كان المرجع فيه هو البراءة الا انه فيما إذا كان الشك بحسب اصل الجعل لا من جهة التزاحم والسر فيه ان الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة في غير ما إذا كان من جهة الشك في القدرة وأما في موارد العلم بوجود الملاك الملزم والشك في التكليف من جهة الشك في القدرة فلا يجوز العقل تفويت الملاك الملزم بمجرد احتمال العجز عن تحصيله عقلا أو شرعا ومحل الكلام من هذا القبيل فإن وجود الملاك الملزم في طرف المحتمل اهميته معلوم بالفرض والشك في اشتراط خطابه انما نشأ من احتمال كون الاتيان بالطرف الآخر معجزا مولويا عنه فمجرد احتمال العجز عنه لا يوجب جواز تفويته فلا بد من الاحتياط والحكم بعدم سقوطه باتيان الطرف الآخر واما الطرف الآخر الغير المحتمل اهميته فسقوط الاطلاق فيه وكونه مشروطا بعدم الاتيان بما يحتمل اهميته معلوم على كل تقدير فاتضح من جميع ذلك ان القول بالتخيير والرجوع إلى البراءة في القسم الاول غير ملازم للقول بالتخيير في هذا القسم اصلا (هذا كله) على المختار من سقوط الاطلاق في مقام التزاحم وعدم تمكن المكلف من امتثال كلا الخطابين في الخارج واما لو بنينا على ان الساقط عند المزاحمة هو خصوص خطاب المهم في فرض اهميته احدهما وكلا الخطابين عند عدم الاهمية في البين نظرا إلى ان تقييد الاطلاق لا يوجب رفع محذور طلب الجمع إذ مع ترك المكلف لخصوص الاهم في فرض الاهمية ولكلا الواجبين مع التساوي يكون كل من الخطابين فعليا لاطلاق الخطاب في طرف الاهم وحصول شرط الفعلية وهو ترك الاهم بالنسبة إلى الخطاب بالمهم وترك كل منهما بالنسبة إلى خطاب الآخر في فرض عدم الاهمية بل لا بد في رفعه من رفع اليد عن الخطاب بالمهم عند وجود الاهمية وعن كلا الخطابين عند عدمها لكن العقل يستكشف من وجود ملاكين ملزمين لا يمكن استيفاؤهما في الخارج جعل الشارع للخطاب التخييري بين الفعلين حتى لا يفوت على المكلف كلاهما فهل القاعدة تقتضي الحاق الشك في الاهمية الموجب للشك بين التخيير والتعيين بالقسم الاول ام لا بد من القول فيه بالاشتغال وان قلنا بالبراءة في القسم

[ 223 ]

الاول (ربما يقال) بالالحاق بتوهم ان مرجع الشك في الاهمية حينئذ إلى ان الحكم الشرعي الموجود في المقام هو التعيين أو التخيير فيجري فيه ما بنى عليه في القسم الاول (ولكنه منه لا يخفي) فساد هذا التوهم فإن الشك في التعيين والتخيير في القسم الاول كان ناشئا عن الشك في اصل الجعل فيمكن ان يقال فيه بالبراءة عن الكلفة المشكوكة في التعيين واين هذا من المقام فأن الشك فيه ناش من عدم قدرة المكلف على الامتثال خارجا وإلا كان الخطاب في كل من الطرفين فعليا تعينيا بلا مزاحم مع احتمال اشتمال الطرف المشكوك كونه عدلا على الملاك الموجود في الطرف المحتمل اهميته فمرجع الشك بعد احراز اشتمال احد الطرفين على الملاك الملزم إلى احتمال اكتفاء الشارع عن امتثالة باتيان الطرف الآخر وجعله بدلا عنه ولا ريب أن العقل يستقل حينئذ بعدم تجويز تفويت الملاك الملزم المعلوم بمجرد الاحتمال فلا بد من الحكم بالاشتغال فظهر انه لا فرق في القول بالاشتغال في هذا القسم بين القول بسقوط الاطلاق عند التزاحم وبين القول بسقوط اصل الخطاب (هذا) مع أن القول الثاني فاسد من اصله وقد بينا ذلك بما لا مزيد عليه في بحث الترتب فراجع ومن الغريب ما صدر عن العلامة الانصاري (قده) في المقام حيث انه مع التزامه بسقوط اصل الخطاب في فرض المزاحمة وانكاره للخطاب الترتبي لذلك قد التزام في بحث التعادل والتراجيح بأن مقتضى القاعدة عند التزاحم هو سقوط الاطلاقين فإنه نتيجة اشتراط التكاليف بالقدرة لا نفس الخطابين وليت شعري إذا كان الخطاب الترتبي من طرف واحد مستحيلا فكيف يجوز ذلك من الطرفين وقد اشرنا إلى ذلك في بحث الترتب ايضا فظهر مما ذكرناه ان مقتضى القاعدة عند الشك في الاطلاق والاشتراط وإن كان هو البراءة إلا انه مختص بغير موارد الشك في القدرة واما فيها فالعلم بوجود الملاك الملزم في كل من الواجبين مع احتمال الاشتراط في التكليف لعدم القدرة على ايجادهما وتزاحمهما في الملاكية يمنع من من الرجوع إلى البراءة لعدم تجويز العقل تفويت الملاك الملزم باحتمال العجز عن تحصيله (فإن قلت) إن ما ذكرت إن ما يتم فيما إذا علم بالملاك التام القابل للداعوية ولكنه غير متحقق فيما نحن فيه إذ المفروض احتمال تمانع الملاكين وعدم قابليتهما للتأثير في مقام الجعل ومعه كيف يمكن ان يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال (قلت) التمانع في الملاك إن كان لعدم تماميته في حد نفسه كاحتمال مانعية الفسق عن تمامية الملاك الموجود في اكرام العالم المقتضي وجوبه فالامر كما ذكرت لكنه اجنبي عن محل الكلام فإن المفروض هو تمامية الملاك وقابليته

[ 224 ]

للدعوة من غير جهة القدرة فالشك في التكليف في القدرة لا غير ومعه لا يمكن الرجوع إلى البراءة كما عرفت (وأما القسم) الثالث وهو ما إذا دار الامر بين التعيين والتخيير في الطرق فتوضيح الحال فيه انه ان التزمنا في موارد الطرق بالسببية بالمعنى المعقول المغاير للسببية الاشعرية والمعتزلية اعني بها المصلحة السلوكية فيرجع الامر عند تعارض الخبرين إلى التزاحم على اشكال فيه نتعرض له في بحث التعادل والتراجيح إن شاء الله تعالى وعليه يكون التخيير عند تعارضهما على طبق القاعدة فإذا شك في التعيين والتخيير من جهة احتمال التعيين في احدهما فيرجع فيه إلى ما بنينا عليه في القسم الثاني بعينه فإنه يكون من مصاديقه وافراده وأما إذا بنينا على الطريقية المحضة كما هو المختار عندنا فلا محالة يكون مقتضى القاعدة عند التعارض هو التساقط فيكون التخيير مع عدم وجود المرجح والترجيح معه على خلاف القاعدة وثابتا بالدليل التعبدي فإذا شك في التعيين والتخيير لشبهة حكمية أو موضوعية فالتوهم المذكور من كون المورد موردا للبراءة لكون التخيير في موارد التزاحم شرعيا فيكون الشك في التعيين راجعا إلى الشك في الكلفة الزائدة غير جار فيه من اصله إذ بناء على الطريقية المحضة لا موجب لدخول محل التعارض في كبرى التزاحم اصلا وعليه فطريقية ما يحتمل تعينه وكونه موردا لجعل الوسطية في الاثبات تعيينا أو تخييرا معلوم بالفرض واما الطرف الآخر فطريقيته مشكوكة وقد ذكرنا في محله ان الطريقية والوسطية في الاثبات متقومة بالوصول ومع الشك فيها يقطع بعدم الطريقية الفعلية من دون فرق بين أن يكون الشك من جهة اصل الجعل أو من جهة عروض الطوارئ كما في المقام فتحصل ان الحق هو عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند الشك في التعيين في تمام الاقسام ولكنه لو فرض القول بها في القسم الاول محالا لما قلنا به في القسمين الاخيرين كما انه لو قلنا به في القسم الثاني ايضا لما نقول به في الثالث (هذا) تمام الكلام في الشك في التعيين والتخيير واما الشك في كون الوجوب عينيا أو كفائيا فيظهر الحال فيه مما بيناه في دوران الامر بين التعيين والتخيير فإن الوجوب الكفائي إذا كان راجعا إلى الوجوب المشروط بتوهم أن العمل واجب على كل مكلف تعيينا مشروطا بعدم اتيان الآخر له فيرجع الشك في العينية والكفائية إلى الشك في الاطلاق والاشتراط وقد ذكرنا ان الاصل عند دوران الامر بينهما وإن كان هو البراءة فيما إذا كان الشك راجعا إلى اصل الجعل إلا انه لا بد من القول بالاشتغال فيما إذا كان الشك في مرحلة السقوط كما في المقام فإن

[ 225 ]

فإن التكليف الفعلي قبل اتيان أحد بمتعلقه معلوم على الفرض والشك إنما في سقوط هذا الواجب الفعلي بفعل الغير فلا بد من القول بالاشتغال وان كان راجعا إلى إيجاب العمل على كلي المكلف على نحو صرف الوجود كما هو الصحيح فإن المطلوب للمولى وما هو متعلق غرضه فعل واحد والتعدد إنما هو في المكلف فلا معنى لايجابه على كل واحد من المكلفين عينا بشرط عدم اتيان الآخر فالالتزام بالاشتراط هنا أبعد من الالتزام به في الوجوب التخييري فالامر أوضح فإن رجوع الشك إلى مرحلة السقوط عند الشك في الكفائية والعينية بمكان من الوضوح فلا بد من القول فيه بالاشتغال (وبالجملة) النتيجة في الوجوب الكفائي وان كانت واحدة على كلا الوجهين وهي سقوط الوجوب عن الكل باتيان البعض وصحة عقاب الكل عند الترك من الجميع إلا ان الصحيح هو الوجه الثاني وعلى تقدير الالتزام بالوجه الاول فالمرجع هو الاشتغال عند الشك في الكفائية ايضا (المطلب الثالث) في تحقيق الحال في الشبهة الموضوعية الوجوبية ولا اشكال في شمول أدلة البراءة لها عقلية ونقلية ويظهر بيان الاستدلال له مما قدمناه في المباحث السابقة فلا حاجة إلى اطالة الكلام فيه والظاهر ان المسألة مما لم يقع الخلاف فيها من أحد من هذه الجهة وإنما الاشكال في مقامين (الاول) انه بعد الفراع عن وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية وجوبية أو تحريمية قد أفتى جملة من الاعلام بل الظاهر انه المشهور بوجوب الفحص عند الشك في حصول الاستطاعة أو في بلوغ المال إلى حد النصاب مع كون الشبهة موضوعية وسيأتي التعرض لذلك وبيان ما هو الملاك في وجوب الفحص إن شاء الله تعالى (المقام الثاني) انه بعد تسالم الاصحاب على كون الحكم في مورد الشك في الوجوب مع كون الشبهة موضوعية هو البراءة قد أفتى جماعة منهم بل ربما يدعى كونه هو المشهور بوجوب قضاء الفوائت التي لا يعلم مقدارها إلى حد يحصل العلم بالفراغ مع عدم كونه حرجيا وإلا فبمقدار حصول الظن به وهذا لا يجتمع مع التسالم المذكور كما هو ظاهر (والتحقيق) في المقام ان يقال ان الحكم بوجوب تحصيل القطع أو الظن بالفراغ عند عدم التمكن من القطع يبتني على احد أمرين (الاول) توهم ان مقتضى استصحاب عدم الاتيان بالفريضة في وقتها وجوب قضائها فلا بد من الاتيان بمقدار يحصل معه القطع بالفراغ والا فالاستصحاب يكون محكما " وفيه " ان وجوب القضاء لم يترتب على نفس عدم الاتيان بالفريضة حتى يتوهم احراز ذلك بالاستصحاب بل هو مترتب على عنوان الفوت المساوق لذهاب شئ عن الكيس

[ 226 ]

اما بفوات الفريضة الفعلية أو بفوات ملاكها ولو مع عدم فعلية التكليف كما في موارد الفوت حال النوم ونحوه وعنوان الفوت بناء على كونه أمرا وجوديا منتزعا من عدم الاتبان بالواجب إلى آخر وقته ومتولدا عنه فعدم جريان الاستصحاب عند الشك فيه في غاية الوضوح إذ اثبات أمر وجودي ملازم للمستصحب بالاستصحاب من الاصول المثبتة التي لا نقول بها واما بناء على كونه امرا عدميا بأن يكون هو نفس عدم الاتيان بالواجب في الوقت فالامر ايضا كذلك ضرورة انه ليس عبارة عن العدم المحمولي المسبوق بالحالة السابقة لعدم صدق الفوت قبل دخول وقت الفريضة ولا بعد دخوله إلى آخر الوقت بل المصحح لصدقه هو عدم الاتيان بها في مجموع الوقت لما عرفت من ان معنى الفوت مساوق لذهاب شئ عن الكيس وهذا لا يتحقق إلا مع وجود مقتضى الدخول فيه وهو لا يكون إلا في مجموع الوقت وعليه يكون الفوت من قبيل الاعدام والملكات وقد بينا غير مرة ان استصحاب العدم المحمولي لاثبات العدم والملكة من اوضح انحاء المثبت (وبالجملة) نفس عنوان الفوت لكونه من قبيل الاعدام والملكات لا حالة سابقة له حتى يكون قابلا للاستصحاب والعدم المحمولي وان كان له حالة سابقة إلا انه لا يمكن اثبات العدم والملكة باستصحابه بل لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على مساوقة عنوان الفوت لنفس العدم المحمولي المقارن مع الوقت حتى يكون عنوان الفوت مركبا من أمر وجودي وهو دخول الوقت وأمر عدمي وهو عدم الاتيان بالفريضة لا يكون الاستصحاب جاريا لمحكوميته بالادلة الدالة على الغاء الشك في اتيان الفريضة بعد خروج الوقت وكل فريضه لم يعلم بفواتها في وقتها يحكم بعدم وجوب قضائها فيسقط الاستصحاب بالاضافة إليها وعليه يكون العلم الاجمالي المردد بين الاقل والاكثر منحلا إلى اليقين بوجوب قضاء المقدار المتيقن والشك في وجوب المقدار الزائد المحكوم بعدم الاعتناء به في تلك الادلة " ومما ذكرناه " يظهر الحال في الواجبات المالية ايضا فإذا كان الشك في اداء الخمس أو الزكاة مثلا مع بقاء عين المال المتعلق للحق فمقتضى القاعدة هو الحكم بوجوب الاداء لقاعدة الاشتغال وليس في مورد الشك في ادائها قاعدة تقضي بعدم الوجوب نظير قاعدة التجاوز والفراغ الجاريتين في العبادات ومجرد جريان عادة الشخص على الاداء في اول السنة مثلا لا يكون موجبا لعدم الوجوب كما توهم نظير ما إذا كان عادة المكلف على غسل الطرف الايمن قبل الايسر فشك في غسل الايمن حين اشتغاله بالايسر فإنه لا ريب في وجوب غسله وعدم الاعتناء بجريان

[ 227 ]

عادته على غسله قبل الا يسر وأما إذا كان الشك بعد تلف العين فمقتضى القاعدة عدم الوجوب إذ الشك يرجع إلى اشتغال الذمة بالمثل وكونه ضامنا لحصة الفقير وهو امر حادث يندفع بالاصل " الثاني " ما افاده المحقق صاحب الحاشية وحاصله ان الشك في مقدار الفوائت ان لم يكن مسبوقا بعلم في زمان كما إذا برء من مرض فات فيه مقدار من الفرائض فشك في مقدارها فالحكم فيه البراءة في غير المقدار المتيقن واما إذا كان مسبوقا به لكن عرض له الشك فيه لعروض النسيان فالحكم هو الاشتغال إذ العلم السابق بمقدار الفرائض إنما نجزها على ما هي عليها فالشك في مقدارها فعلا يرجع إلى الشك في مقدار المعلوم السابق المتنجز ومن البديهي ان الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة فيما إذا لم يكن شكا في تكليف متنجز على تقدير وجوده وإلا فلا محالة يحكم العقل بوجوب الاحتياط دفعا للضرر المحتمل (وفيه) ان الحكم الواقعي إنما يكون منجزا فيما إذا كان واصلا بنفسه أو بطريقه فدعوى عدم جريان البراءة في المقام لا بد وان يرجع إلى دعوى كفاية تنجيز العلم بحدوثه آناما ولو كان زائلا بعد ذلك أو دعوى قصور جريان ادلة البراءة في المقام فلا محالة يجب الاحتياط لعدم الامن من العقوبة وكلا الدعويين من وضوح الفساد بمكان " اما " الدعوى الاولى فلان العلم بالتكليف إنما ينجز معلومه مع بقائه واما مع انتفائه فيستحيل ان يكون بمجرد حدوثه منجزا للمعلوم مطلقا ولو في ظرف عدم وصوله بنفسه ولا بطريقه وإلا لكان حدوث العلم آناما مع طريان الشك الساري منجزا ايضا وهو " قده " لا يلتزم بذلك " فإن قلت " ألستم تلتزمون بأن العلم الاجمالي ينجز المعلوم في اطرافه ولو مع زواله بفقدان بعض الاطراف أو خروجه عن محل الابتلاء فكيف تنكرون عدم منجزية حدوث العلم آناما ولو مع زواله وهل هناك فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي " قلت " ليس العلم الاجمالي موجبا لتنجز المعلوم في كل واحد واحد من اطرافه لعدم العلم فيه بخصوصه وانما المنجز هو احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد واحد من الاطراف ومن الواضح ان هذا الاحتمال الموجب للتنجز على تقدير المصادفة للواقع باق بحاله قبل طرو الفقدان أو نحوه وبعده والذي نمنعه في المقام هو كون الحكم الواقعي منجزا في ظرف عدم وصوله لا بنفسه ولا بطريقه بمجرد احتمال كونه معلوما سابقا ولو بنينا على ذلك لزم تأسيس فقه جديد ضرورة ان كل حكم تكليفي احتمل تعلقه بالمكلف إذا كان موضوعه من قبيل الافعال الاختيارية كما في الكفارات والعهود ونحوها لا بد من القول بعدم

[ 228 ]

جريان البراءة فيه على هذا القول فمن احتمل صدور فعل اختياري منه موجب لحكم تكليفي لا بد وان يأتي بمتعلقه لان ذلك الحكم التكليفي على تقدير تعلقه فلا محالة كان معلوما له في زمان والمفروض ان احتمال تكليف معلوم ولو في زمان ليس موردا للبراءة لمنجزية العلم السابق له على تقدير وجوده فينحصر جريان البراءة بموارد احتمال التكاليف الغير المترتبة على الافعال الاختيارية وهذا هو اللازم الفاسد الموجب لتأسيس فقه جديد " واما " الدعوي الثانية فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبها هو ان البراءة العقلية وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان موردها المتيقن بنظر العقل هو ما إذا لم يكن هناك بيان أصلا واما مع احتمال البيان من جهة احتمال كون الحكم الواقعي معلوما ولو في زمان فلا يستقل العقل بالقبح فلا بد من الاحتياط دفعا للضرر المحتمل واما البراءة الشرعية فموضوعها بمقتضى دليل الرفع هو ما لا يعلمون وهو ظاهر في عدم المعلومية رأسا فمع احتمال المعلومية ولو في زمان سابق يكون الشبهة مصداقية فلا يمكن التمسك بدليلها (وجوابها) ان العقل وان كان قد يتردد في موضوع حكمه لاجل عدم احراز ملاكه تفصيلا كما إذا تردد العقل في ان ملاك القبح في الكذب هل يختص بالكذب الغير النافع أو يشمل لنافع ايضا فيأخذ بالمقدار المتيقن لكن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس من هذا القبيل لما عرفت سابقا من ان الحكم الواقعي بوجوده النفس الامري يستحيل ان يكون محركا فلا بد في محركيته من وصول الحكم اما بنفسه أو بطريقه كما في موارد الشبهة قبل الفحص وحيث ان المفروض في المقام عدم وصول الحكم بنفسه ولم يقم دليل على وجوب الاحتياط بمجرد الاحتمال فلا محالة يستقل العقل بقبح العقاب فلا يكون أثر لاحتمال وصول الحكم سابقا إذا لا يترتب على الوصول السابق أثر في الزمان اللاحق بل لو فرضنا ترتب أثر شرعي عليه ايضا فهو ايضا يندفع بالبراءة للشك في تحقق موضوعه ومن هنا يظهر الحال في البراءة الشرعية فإن موضوعها وان كان ما لا يعلمون إلا أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع وقرينية حكم العقل بقبح العقاب من دون وصول الحكم بنفسه ولا بطريقه هو دوران الحكم بالبراءة مدار الوصول الفعلي باحد قسميه ومع عدمه كما في المقام لا مناص عن الحكم بالبراءة (فإن قلت) كما لا ريب في أن الواجب الموسع إذا كان مقدورا في بعض الازمان دون بعض يتضيق في الزمان المقدور فيه ولا يبقي على سعته فكذا يتضيق من حيث التنجز إذا كان معلوما في بعض الازمان فقط فكلما تنجز في الزمان المعلوم يكون الاعتبار به لا ببقية الازمنة كما في القدرة طبق النعل بالنعل (قلت) قياس العلم بالقدرة في ذلك مما

[ 229 ]

لا وجه له فإن القدرة شرط واقعي للتكليف يدور مدارها فلا محالة يكون الزمان الغير المقدور فيه الواجب خارجا عن دائرة التكليف واين ذلك من العلم فإن الواجب الواقعي وان كان متنجزا في زمان معلوميته إلا أن تأخيره عن ذلك الزمان لموسعية الواجب لا محذور فيه والمفروض عدم العلم بوجود التكليف في الزمان المتأخر فعدم الاتيان بمتعلقه على تقدير وجوده معذور فيه على كل حال " فإن قلت " هذا إنما يتم إذا كان الزمان قيدا للتكليف وأما إذا كان قيدا للمتعلق وكان الوجوب آنيا غير قابل للاستمرار فلا إذ المفروض ان ذلك التكليف الآني تنجز بالعلم به في زمان فلا بد من الخروج عن عهدته يقينا " قلت " كون القيد ظرفا للواجب أو الوجوب في مثل قوله تعالى أوفوا بالعقود وإن كان فيه كلام ويترتب عليه ثمرة عملية كما سنتعرض له في محله إن شاء الله تعالى إلا أن اسراء ذلك إلى مثل المقام غير صحيح فإن الفعل إنما يقع امتثالا للتكليف الفعلي الموجود في زمانه بداهة انه لا يعقل امتثال تكليف سابق معدوم في زمان العمل فلا بد وأن يكون الامر بقضاء الفوائت في المقام مستمرا إلى زمان الامتثال وحينئذ فإذا شك في وجوب القضاء فعلا فلا محالة يكون الشك راجعا إلى وجود تكليف فعلا وهو يدفع بالبراءة واحتمال كونه معلوما سابقا ومتنجزا بالعلم السابق قد عرفت انه لا يترتب عليه اثر اصلا " هذا كله " بناء على التوسعة وعدم المضايقة في الفوائت " واما " بناء على التضيق ووجوب قضاء الفوائت فورا ففورا فهناك جهتان " الاولى " جهة تنجز الفوائت المعلومة على ما هي عليها بمجرد العلم بها في زمان من جهة فورية القضاء " الثانية " جهة تنجزها كذلك من جهة اصل وجوب القضاء " اما الجهة الثانية " فلا ريب أن لازم هذا المبني هو كون وجوب القضاء في كل زمان مغايرا لوجوب القضاء في زمان آخر فالعلم بمقدار الفوائت في زمان يستحيل ان يكون منجزا لها في زمان آخر بل الميزان في التنجيز هو وجود العلم في كل زمان زمان " واما من الجهة الاولى " فلا ريب في ان حدوث العلم بمقدار الفوائت في زمان يوجب تنجزها واستحقاق العقاب على مخالفتها إذ المفروض وجوب ادائها فورا فتأخيرها إلى زمان آخر عمدا موجب لاستحقاق العقاب لكن هذه الجهة خارجة عما هو محل الكلام في المقام * (المبحث الثاني) * من المقصد السابع فيما إذا علم جنس التكليف ولم يمكن الاحتياط فيه لدوران الامر فيه بين المحذورين وقد قسمنا في صدر المبحث مسائل الشك الغير الملحوظ فيه الحالة السابقة إلى الشبهة التحريمية الغير المحتمل فيها الوجوب والوجوبية

[ 230 ]

الغير المحتمل فيها الحرمة واما ما يحتمل فيه الوجوب والحرمة فهو على قسمين " الاول " ما يكون فيه احتمال حكم غير إلزامي ايضا " الثاني " ما لا يكون فيه غير احتمال الوجوب أو الحرمة " اما القسم الاول " فلا اشكال في كونه موردا للبرائة العقلية والنقلية وقد ظهر الوجه فيه مما ذكرناه في المباحث السابقة * (واما القسم الثاني) * الذي علم فيه الالزام في الجملة ودار الامر فيه بين الوجوب والحرمة وهو الذي عقد لاجله هذا المبحث فالحق فيه ان العلم الاجمالي فيه غير منجز للتكليف ومع ذلك لا يجري فيه شئ من الاصول العملية اما عدم تنجز العلم الاجمالي فلما ذكرنا في محله من انه يشترط في تنجيز العلم الاجمالي ان يكون ذاك الجامع المعلوم بالتفصيل المشكوك خصوصيته مما يقبل تعلق التكليف به بخصوصه كما إذا علم وجوب صلاة الظهر أو الجمعة أو علم نجاسة احد الانائين أو علم وجوب شئ أو حرمة شئ آخر فانه لا مانع من تعلق التكليف بالجامع المعلوم في تمام هذه الموارد ومع انتفاء هذا الشرط يستحيل تنجيز العلم الاجمالي ومحركيته للمكلف في الخارج " الثاني " ان يكون المورد قابلا للمخالفة القطعية فموارد الشبهة الغير المحصورة التي لا يمكن فيها المخالفة القطعية لا يكون العلم فيها منجزا وان كان الجامع المعلوم فيها قابلا لتعلق التكليف به والوجه في هذا الاشتراط ظاهر ايضا إذ تنجيز العلم الاجمالي إنما يكون من جهتين (الاولى) من جهة حرمة المخالفة القطعية (الثانية) من جهة وجوب الموافقة القطعية والجهة الثانية متفرعة على الاولى والاساس في التنجيز إنما هي الجهة الاولى فما لم يمكن فيه المخالفة القطعية يستحيل فيه التنجيز من الجهتين وكلا هذين الشرطين منفيان في محل الكلام ومورد النقض والابرام أما الشرط الاول فلان الجامع المعلوم تعلق الالزام به في المقام هو الجامع بين فعل شئ وتركه ومن الواضح ان الجامع الكذائي يستحيل كونه متعلقا للتكليف فإنه ضروري التحقق أما في ضمن الفعل أو الترك وما كان كذلك يستحيل ان يكون متعلقا له (نعم) لو كان الجامع المعلوم مرددا بين فعل شئ وترك شئ آخر فلم يكن اشكال في منجزية العلم لكنه خارج عما هو محل الكلام (والحاصل) ان الجامع المعلوم في موارد العلم الاجمالي لا بد وان يكون قابلا لتعلق التكليف التخييري به عقلا كما في موارد العلم الاجمالي بخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة أو شرعا كما في موارد العلم بوجوب شئ أو حرمة شئ آخر فإن الجامع المعلوم فيها لكونه الزاما مرددا بين تعلقه بالفعل أو الترك لا يمكن تعلق خطاب شرعي به حتى يكون التخيير عقليا لكنه قابل لتعلق الخطاب التخييري الشرعي به فلا محالة يكون العلم الاجمالي

[ 231 ]

منجزا واما في المقام فحيث ان المعلوم الجامع المردد بين فعل الشئ وترك ذلك بعينه واحدهما لا بعينه حاصل من المكلف لا محالة فلا يكون قابلا للخطاب التخييري العقلي ولا الشرعي فلا يتحقق شرط منجزية العلم الاجمالي واما الشرط الثاني فلان محل الكلام إنما هي القضية الشخصية الواحدة التي لم يكن احد طرفي العلم بعينه تعبديا وعدم امكان المخالفة القطعية في مثل هذا الفرض ظاهر لا سترة فيه بداهة ان المكلف لا يخلو أمره اما من الفعل أو الترك وعلى كل تقدير فكما يحتمل المخالفة يحتمل الموافقة ايضا نعم إذا كان الوجوب المحتمل مثلا على تقدير تحققه تعبديا لامكن المخالفة القطعية بالفعل من دون قصد القربة لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام أيضا (ومما ذكرناه) يظهر ان في موارد دوران الامر بين المحذورين كما لا يمكن تنجيز العلم الاجمالي كذلك لا يمكن الحكم بالتخيير لا واقعيا ولا ظاهريا أما عدم امكان الحكم بالتخيير الواقعي فلما عرفت من ان حصول الفعل أو الترك مما لا بد منه من المكلف فكيف يعقل طلب احدهما تخييرا وهل هو إلا طلب الحاصل واما عدم امكان التخيير الظاهري فلانه فرع منجزية العلم الاجمالي وعدم امكان الموافقة القطعية فلابد من الحكم بالتخيير لعدم الترجيح وقد عرفت استحالة تنجيز العلم الاجمالي فلا تصل النوبة إلى التخيير الظاهري وأما عدم جريان شئ من الاصول فتوضيحه يحتاج إلى بيان مقدمتين (الاولى) ان جريان الاصل يتوقف على وجود أثر عملي مترتب عليه ضرورة ان الاصول بأجمعها إنما جعلت وظيفة عملية في ظرف الشك فما لم يكن هناك اثر عملي لا يمكن جريان شئ منها وعلى أن لا يكون مجرى الاصل مخالفا لنفس المعلوم بالتفصيل المتحقق في موارد العلم الاجمالي وهذان الشرطان يعمان مطلق الاصول العملية وهناك شرط ثالث يختص بالاصول التنزيلية وهو ان لا يلزم من جريان الاصلين مخالفة للمعلوم بالاجمال بحيث يقطع بعدم صدق احدهما وقد أشرنا إلى وجه هذا الاشتراط في مباحث العلم الاجمالي وسيجئ تفصيله في محله ان شاء الله تعالى (الثانية) ان المراد من الاصل المدعى عدم جريانه في المقام هو الاصل الجاري في كل من الطرفين أو الجاري في نفس الجامع المعلوم كاصالة الاباحة وأما الاصل الجاري في احد الطرفين فقط من دون أن يكون معارضا بجريانه في الطرف الآخر كما إذا كان المردد بين الوجوب أو الحرمة مسبوقا بالوجوب مثلا فلا ريب في جريانه وانحلال العلم الاجمالي به وخروج مورده عن دوران الامر بين المحذورين إذا عرفت ذلك (فنقول) الاصل الجاري في المقام اما أن يكون جاريا بالنسبة إلى

[ 232 ]

الجامع المعلوم أو بالنسبة إلى كل من الطرفين وعلى الثاني اما أن يكون الاصل تنزيليا أو لا وعلى الثاني اما ان يكون الاصل شرعيا أو عقليا أما الاصل الجاري بالاضافة إلى الجامع المعلوم فهو منحصر باصالة الاباحة وعدم جريانها في المقام من وجوه (الاول) ان جريانها مختص بالشبهات الموضوعية على ما استظهرناه سابقا من عدم جريانها في الشبهات الحكمية فلا تجري فيما إذا كان الدوران بين الوجوب والتحريم من جهة الشبهة الحكمية (الثاني) انه لا يترتب أثر عملي على جريانها في المقام لان المكلف كما عرفت لا بد له من الفعل أو الترك بالضرورة (الثالثة) انها منافية للمعلوم بالتفصيل إذ المفروض العلم التفصيلي بوجود الزام في الجملة فكيف يمكن الحكم بالاباحة المنافية له ولا يمكن جريان أي أصل فرض في مورد القطع بخلافه وأما الاصل التنزيلي المتوهم جريانه في المقام فينحصر باستصحاب عدم الوجوب واستصحاب عدم الحرمة وجريانهما مع كونهما من الاصول التنزيلية مناف للعلم الاجمالي بالوجوب أو الحرمة هذا مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي على جريانهما بالنسبة إلى ما هو محط الكلام والى عدم جريانهما في الشبهات الحكمية في حد ذاتهما لما ذكرناه سابقا من ان ماله حالة سابقة في الشبهات الحكمية هو عدم الجعل أزلا لكن استصحابه لاثبات عدم المجعول من اوضح انحاء المثبت واما عدم المجعول فليس له حالة سابقة حتى يستصحب واما الاصل الشرعي الغير التنزيلي المتوهم جريانه فينحصر باصالة البراءة عن الوجوب والحرمة وهو مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليه لا يمكن جريانه لان مفاده هو رفع التكليف في مورد يمكن فيه الوضع بإيجاب الاحتياط وحيث انه في المقام غير معقول لعدم امكان الاحتياط فيكون رفعه ايضا كذلك ومنه يظهر عدم جريان البراءة العقلية ايضا فإنها إنما تجري لحكم العقل بالمعذورية ومعذرية الشك من مخالفة التكليف الواقعي الغير الواصل إنما تكون مع امكان الاحتياط فمع عدمه لدوران أمر المكلف بين الفعل والترك لا موقع لجريانها مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليها كما عرفت في نظائرها فتحصل من جميع ما ذكرناه ان العلم الاجمالي في المقام وان لم يكن قابلا للمنجزية إلا ان شيئا من الاصول باقسامها لا محل لجريانها ايضا وحينئذ فلا محالة يكون المكلف مخيرا بين الفعل والترك قهرا من باب اللاحرجية العقلية * (وينبغي التنبية) * على أمور (الاول) انه هل التخيير الثابت في المقام يختص بما إذا لم يكن هناك ترجيح في احدى الطرفين احتمالا بأن يكون احد الاحتمالين اقوى أو محتملا بأن يكون احد الحكمين المحتملين على تقدير وجوده أهم من الحكم الآخر

[ 233 ]

أو لا يختص بشئ من المواد ربما يقال بالاول نظرا إلى ان المقام إذا كان لاحد الطرفين ترجيح يكون داخلا في صغريات دوران الامر بين التعيين والتخيير والمختار فيه هو القول بالتعيين ولكنه لا يخفى ان الحكم بالتعيين في موارد دوران الامر بينه وبين التخيير وإن كان هو الاقوى إلا انه فيما إذا كان فعلية الطلب محرزة لدى المكلف وكان الشك بين التخيير والتعيين راجعا إلى الشك في مرحلة الاسقاط كما في الابتلاء بالغريقين المحتمل اهمية احدهما لا في امثال المقام الذي يكون الحكم المحتمل اهميته في مرتبة غيره بالقياس إلى وصوله فإن نسبة العلم الاجمالي إلى كل من الحكمين على حد سواء ولا يكون اهمية الحكم الواقعي على تقدير وجوده موجبة لوصوله وتنجزه على المكلف ما لم يكن هناك موصل خارجي وبالجملة الحكم بالتعيين إنما يكون فيما إذا وقع التزاحم بين الحكمين واحتمل اهمية احدهما المستلزمة لمعجزيته عن امتثال الحكم الآخر وأما في مثل المقام فحيث ان المفروض ان الحكم الواقعي اما الوجوب أو الحرمة ونسبة العلم الاجمالي اليهما على حد سواء فكيف يكون احتمال الاهمية في احدهما مع عدم احراز فعلية التكليف موجبا لتنجزه هذا فيما إذا كانت الواقعة المبتلى بها واقعة شخصية (واما) إذا كانت متعددة كما إذا علم بحلفه على وطئ احدى زوجتيه وعلى ترك وطئ الاخرى في ليلة معينة حصل الاشتباه بين الزوجتين فتردد امر وطئ كل منهما بين الوجوب والحرمة فربما يقال حينئذ بترجيح محتمل الاهمية نظرا إلى ان المقام حينئذ يكون من صغريات التزاحم بين الحكمين على ما هو الميزان من ان التنافي بين الحكمين ان كان في مرحلة الجعل فهو من باب التعارض وإلا فمن باب التزاحم ومن الضروري ان التنافي في محل الكلام لم ينشأ من جعل اصل الوجوب والحرمة لمحلوف الوطئ وتركه وانما نشأ من الاشتباه الخارجي وعدم تمكن المكلف من الامتثال لاجله وإذا رجع الامر إلى التزاحم بين الحكمين فلا محالة يكون احتمال الاهمية في احدهما موجبا لتعينه وسقوط التخيير ولكنه لا يخفى ان اختصاص الحكم بالتعيين في موارد التزاحم مع احتمال الاهمية في احدهما المعين وان كان صحيحا إلا ان ادراج المقام في كبرى التزاحم إنما نشأ من توهم انحصار التنافي بين الحكمين بالتعارض والتزاحم وان خروج محل الكلام عن كبرى التعارض يستلزم دخوله في كبرى التزاحم ولكنه توهم فاسد إذ لم يقم دليل على الانحصار المذكور بل التحقيق ان المقام خارج عن مورد التعارض والتزاحم اما خروجه عن مورد التعارض فلما ذكر من انه يشترط فيه كون التنافي ناشئا من نفس

[ 234 ]

الجعل والمقام ليس كذلك واما خروجه عن مورد التزاحم فلان التزاحم انما يتحقق بعدم امكان الجمع بين الامتثالين اما لاجل كون احد الحكمين بنفسه رافعا لموضوع الآخر كما في التكاليف المالية الرافعة لموضوع وجوب الحج اعني به الاستطاعة واما لاجل كون امتثال احدهما رافعا لموضوع الآخر كما في مسألة الابتلاء بالغريقين مع عدم التمكن الا من انقاذ احدهما فإن امتثال كل من التكليفين حينئذ يكون معجزا عن امتثال التكليف الآخر ورافعا لموضوعه اعني به القدرة ومن المعلوم ان التكليف الوجوبي في المقام مثلا ليس رافعا بنفسه ولا بامتثاله لموضوع التكليف الآخر وكذلك العكس بل التنافي في المقام انما نشأ من عدم التمكن من الجمع بين طرفي العلمين فإن مقتضى العلم الاجمالي بالوجوب هو الاتيان بكل من الطرفين كما ان مقتضى العلم الاجمالي بالحرمة هو ترك كل منهما والجمع بينهما غير ممكن فالتنافي انما هو بين احراز موافقة كل من التكليفين مع احراز موافقة الآخر لا بين نفس الامتثالين حتى يدخل المقام في كبرى التزاحم وعلى ذلك لا يكون لاحتمال الاهمية في احد الحكمين مع عدم وصول ما يحتمل اهميته وتساوي نسبة العلم الاجمالي بالقياس إليه وإلى غيره اثر اصلا (نعم) يبقى هناك كلام بعد سقوط مراعاة الاهمية المحتملة في ان العقل هل يجوز فعلهما أو تركهما معا مع العلم بالمخالفة الاجمالية ام لا وسيأتي التعرض له في التنبيه الآتي ان شاء الله تعالى (الثاني) ان التخيير الثابت في المقام هل هو بدوي بمعنى انه لا يجوز للمكلف في الواقعة الثانية اختيار غير ما اختاره اولا من الفعل أو الترك أو هو استمراري وله اختيار كل من الفعل والترك في الواقعة الثانية كما كان له ذلك في اول الامر ربما يقال بتعين الاول نظرا إلى ان تجويز التخيير الاستمراري مستلزم لتجويز المخالفة القطعية التدريجية فإنه لو اختار المكلف الفعل في واقعة والترك في واقعة أخرى فيحصل له العلم بالمخالفة في احدى الواقعتين لا محالة (ولكن) التحقيق هو استمرارية التخيير لا لعدم تنجيز العلم الاجمالي في الامور التدريجية كما توهمه بعض نظرا إلى خروج الواقعة الثانية فعلا عن الابتلاء فإذا علم المرأة بتحيضها في ضمن الشهر بثلاثة أيام مثلا فليس لها علم بتعلق تكليف فعلي في حقة على كل تقدير فإنا سنبين فيما سيأتي ان شاء الله تعالى عدم الفرق في تنجيزه بين ما إذا كان متعلقا بالامور التدريجية أو غيرها فإن الامر المتأخر وإن لم يمكن توجيه الخطاب نحوه بناء على استحالة الواجب التعليقي كما هو الحق إلا ان تأخر الواجب لا يمنع من اشتماله على ملاك ملزم في حد نفسه فالمرأة لما علمت بتحقق الحيض منها في ضمن مجموع

[ 235 ]

الشهر فقد علمت بتحقق الملاك الملزم في ظرفه وقد ذكرنا عند البحث عن المقدمات المفوتة ان العقل لا يجوز تفويت الملاك الملزم ولو لم يكن معه خطاب فعلي لتأخر ظرفه وحينئذ فلا بد من الاحتياط تحفظا على الملاك الملزم المعلوم في الجملة في ضمن الشهر بل لان كل واقعة من تلك الوقائع المتكررة واقعة برأسها لم يعلم فيها الملاك الملزم لا بالنسبة إلى طرف الفعل ولا بالنسبة إلى طرف الترك فعند الواقعة الاولى ليس المعلوم إلا الالزام المردد بين الوجوب والترك وكذلك الواقعة الثانية والثالثة وهكذا فليس هناك خطاب معلوم قابل للداعوية ولا ملاك محرز في طرف الفعل أو الترك غاية الامر حصول العلم بالمخالفة عند اختيار المكلف في الواقعة الثانية غير مختارة في الواقعة الاولى وهذا لا اثر له بعد عدم سبق منجز على المخالفة وبالجملة التكليف المردد بين الوجوب والحرمة حيث كان انحلاليا بتعدد موضوعه في الخارج فكل موضوع له حكم مستقل مغاير للحكم الثابت لموضوع آخر ومن المفروض ان كل حكم من تلك الاحكام مردد بين الوجوب والحرمة وحكمه التخيير العقلي الناشئ من حكمه باستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما وضم بعضها إلى بعض لا يوجب العلم بتكليف منجز على كل تقدير أو وجود ملاك ملزم كذلك فحال تكرر الوقائع في كونه محكوما بالتخيير حال الواقعة الواحدة بعينها هذا كله بالنسبة إلى الوقائع المتعددة التدريجية واما بالنسبة إلى الواقعة المتكررة الدفعية كما إذا حلف على ترك وطئ احدى زوجتيه وفعل الاخرى في ليلة معينة ثم اشتبهتا فدار الامر بين الوجوب والحرمة في كل منهما فهل يحكم العقل بالتخيير في كل منهما ولو لزم منه المخالفة القطعية بأن يختار فعلهما أو تركهما أو يجب ان يختار في كل منهما خلاف ما يختاره في الاخرى حذرا من لزوم المخالفة القطعية الاقوى هو الثاني فانا قد ذكرنا مرارا أن للاطاعة مرتبتين احداهما وجوب الموافقة القطعية والثانية حرمة المخالفة القطعية وسقوط المرتبة الاولى منها لا يوجب سقوط المرتبة الثانية والموافقة القطعية في المقام وان لم تكن ممكنة لدوران الامر في كل منهما بين الوجوب والحرمة إلا ان المخالفة القطعية بفعلهما أو تركهما ممكنة يستقل العقل بقبحها وبعبارة أخرى إذا دار الامر بين الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية فلا ريب في استقلال العقل بتعين الاول وان كانت المخالفة القطعية من جهة مستلزمة للموافقة القطعية من جهة أخرى أيضا والسر فيما ذكرنا هو ان الامر في كل من الزوجتين وان كان دائرا بين المحذورين والعلم والاجمالي في كل منهما بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة لا اثر له إلا ان هناك علم ثالث بوجوب وطئ

[ 236 ]

احداهما وحرمة وطئ الاخرى أو العكس وهذا العلم وان كان لا يمكن ان يؤثر في وجوب الموافقة القطعية لعدم امكانها الا انه قابل للتأثير في حرمة المخالفة القطعية فيحكم العقل بترتيب أثره الممكن فيجب اختيار فعل احداهما وترك الاخرى مخيرا (فإن قلت) إذا كان ضم احدى الواقعتين على الاخرى موجبا لحدوث علم ثالث موجب لحرمة المخالفة القطعية فيكون ضم بعض الوقائع إلى بعض في صورة التدريج موجبا لذلك فانه يعلم اجمالا بكون الفعل في هذا الواقعة أو الترك في الواقعة الثانية مخالفا للتكليف المعلوم فيجب فيه الاحتياط ايضا بتحصيل الموافقة الاحتمالية ولازم ذلك هو بدوية التخيير (قلت) التكليف المعلوم في الوقائع التدريجية ليس تكليفا فعليا وإنما هي تكاليف مشروطة بوجود موضوعاتها خطابا وملاكا ففي حال الابتلاء بالواقعة الاولى ليس هناك علم بتوجيه خطاب فعلي على كل تقدير ولا بوجود ملاك ملزم كذلك وهذا بخلاف المقام فانه يعلم فيه بتحقق خطاب فعلي متعلق بفعل احداهما وترك الاخرى أو بالعكس فيجب مراعاته بقدر الامكان نعم إذا كان الواقعة المتكررة الدفعية تدريجية ايضا كما إذا حلف على وطئ احدى زوجتيه في ليلة كل خميس من الشهر وعلى ترك الاخرى كذلك فاشتبهتا فاختار في الواقعة الاولى فعل احداهما وترك الاخرى حذار من المخالفة القطعية لما وجب عليه مراعاة هذا الاختيار في الواقعة الثانية بل يجوز له عكس الاختيار الاول وقد ظهر وجهه مما مر * (الامر الثالث) * ان ما ذكرناه من استمرارية التخيير في موارد دوران الامر بين المحذورين يختص بغير ما إذا كان الدوران من جهة تعارض النصين لما ستعرف في محله من ان التخيير فيه شرعي وفي المسألة الاصولية ومع الاخذ بأحد الخبرين يكون ذلك حجة في حقه ولا دليل على سقوط حجيته باختيار الطرف المعارض له فلا محالة يكون التخيير بدويا نعم لو قلنا ان التخيير في موارده تخيير في المسألة الفرعية من جهة عدم امكان الجمع بين الفعل والترك لجرى فيها ما بنينا عليه في غير موارد التعارض لاتحاد الملاك فيها * (الامر الرابع) * قد بينا في صدر البحث ان محل الكلام في المقام إنما هو فيما إذا لم يتمكن المكلف من المخالفة القطعية فيختص بغير ما إذا كان احدهما المعين تعبديا والا لكان المخالفة القطعية ممكنة فيكون العلم الاجمالي مؤثرا في التنجيز بهذا المقدار فلا بد من تطبيق العلم على احدهما بنحو لا يلزم المخالفة القطعية فإذا كان الوجوب على تقدير وجوده تعبديا مثلا فلا بد من اختيار الفعل واتيانه على وجه قربي أو اختيار الترك إذ لو اتى بالفعل لا على وجه قربى لحصل له العلم بالمخالفة لا محالة

[ 237 ]

وهكذا الامر إذا كان الحرمة المحتملة تعبدية ومن ذلك يظهر انه إذا علم شرطية احد الضدين للواجب كما إذا دار الامر بين وجوب الجهر والاخفات في القراءة أو علم شرطية شئ أو مانعيته فلا مجال للحكم بالتخيير لامكان الموافقة القطعية بتكرار القراءة في الصورة الاولى وتكرار الواجب في الثانية ومعه لا مجال للحكم بالتخيير بل يجب تحصيل الموافقة القطعية كما هو ظاهر * (المبحث الثالث) * فيما إذا علم التكليف في الجملة وأمكن الاحتياط وقبل الشروع في المقصود لابد من تقديم مقدمات (الاولى) في بيان ضابط الشك في المكلف به في قبال الشك في التكليف وقد بينا مرارا ان الاحكام الشرعية المجعولة من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون الموضوع فيها مقدر الوجود فثبوت كل حكم فرع ثبوت موضوعه خارجا وتنجزه على المكلف فرع العلم بجعل الكبرى الكلية والعلم بانطباقها على صغريها خارجا ضرورة انه مع الجهل باحداهما لا يكون هناك علم بالتكليف المتوجه إليه فيكون الشك في نفس التكليف وقد مر تفصيل ذلك عند البحث عن الشبهة الموضوعية (ومن هنا) يعلم ان ضابط الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف هو ان يكون الكبرى المجعولة وصغريها معلومتين عند المكلف ولكن كان الشك في تحقق الفعل أو الترك الاختياريين المطلوبين من المكلف وهذا على قسمين إذ الشك تارة يكون من جهة الشك في الامتثال ابتداء سواء كان الشك في اصل الاتيان بالفعل أو الترك أو في انطباق المأمور به أو المنهي عنه بالمأتي به أو المتروك خارجا أو في تحققهما من جهة الشك في المحصل وهذا القسم لا اشكال فيه انه مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة واخرى من جهة كون الشك ناشئا عن تردد المطلوب وتعينه بخصوصه سواء كان من جهة الترديد في خصوصية التكليف وانه ايجاب شئ أو حرمة غيره أو في متعلق التكليف مع العلم بنوعه تفصيلا كما في مثال الظهر والجمعة أو كان الترديد باعتبار تردد الموضوع بين شيئين أو اشياء والشبهة في الاولين حكمية وفي الثالث موضوعية والجامع بين الكل هو العلم بجنس التكليف وكون الشك راجعا إلى ما هو المكلف به بخصوصه وحيث ان في هذا القسم حيثيتين احداهما حيثية رجوع الشك إلى مرحلة الامتثال مع العلم بالتكليف وثانيتهما حيثية الجهل بالتكليف في خصوص كل من الاطراف فلذا وقع البحث في جريان الاصول وعدمه وبالجملة ضابط الشك في المكلف به هو ان يكون هناك علم تفصيلي متعلق بجامع الالزام مشوب بجهل تفصيلي في خصوص الاطراف ولازم ذلك تشكيل قضية منفصلة مانعة الخلو كما يقال هذا أو ذاك واجب ومرجعه إلى وجود

[ 238 ]

قضية متيقنة وقضيتين أو قضايا مشكوكة (الثانية) ان الاصول الجارية في الاطراف عقلية أو نقلية تنزيلية أو غير تنزيلية اما ان تكون جارية في رتبة اصل ثبوت التكليف ومرحلة الاشتغال كاصالتي البراءة والاباحة أو في رتبة الخروج عن العهدة والفراغ كقاعدتي الصحة والفراغ ونحوهما والاستصحاب قابل للجريان في كلتا المرحلتين ومحل الكلام في المقام هو جريان القسم الاول من الاصول (واما) القسم الثاني فلا ريب في جريانه ضرورة انه لا يزيد العلم الاجمالي على العلم التفصيلي فكما يجري قاعدة الفراغ مع العلم تفصيلا بالتكليف والشك في الخروج عن العهدة فكذلك مع العلم الاجمالي ضرورة انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع الشك في الفراغ مع العلم بوجود التكليف تفصيلا أو اجمالا وانما البحث والاشكال في انحفاظ مرتبة الجعل الظاهري في مرتبة الاشتغال بان يترتب على جريان الاصل نفي التكليف فظهر بذلك ان من انكر منجزية العلم الاجمالي رأسا نظرا إلى امكان جعل الحكم الظاهري في كل من الاطراف لانحفاظ مرتبته فيه إذ المفروض هو الجهل بالتكليف فيه بخصوصه فقد خلط الاصول الجارية في مرحلة الفراغ بالاصول الجارية في مرحلة الاشتغال فإن الجهل في كل من الاطراف بخصوصه لا يرجع إلا إلى الجهل بالخروج عن العهدة المتأخر رتبة عن الجهل باصل الاشتغال فيكون الشك فيه واقعا في مرتبة الشك في الفراغ وقد عرفت أن الاصول تجري في هذه المرتبة ولكنه لا ربط له بما هو محل الكلام من جريان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال وعدمه كما ان من ذهب إلى كون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية نظرا إلى عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم بالتكليف ولو اجمالا فلا يجري في مورده شئ من الاصول قد خلط ايضا بين المقامين بتوهم ان عدم انحفاظ المرتبة بالنسبة إلى مرحلة الاشتغال يقتضي عدم الانحفاظ حتى بالقياس إلى مرحلة الفراغ ايضا وقد عرفت عدم ارتباط احد المقامين بالآخر وان المبحوث عنه في المقام هو جريان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال بعد الفراغ عن جريان الاصول الجارية في مرحلة الفراغ لو كانت (الثالثة) قد مر سابقا ان المانع عن جريان الاصول التنزيلية الناظرة إلى الغاء الشك وفرضه كالعدم هو العلم الوجداني بمخالفتها للواقع سواء كان هناك مخالفة عملية أو لم تكن واما المانع عن جريان غيرها من الاصول فهو منحصر بلزوم الترخيص في المعصية لا غير ومجرد العلم بالمخالفة من ضم بعض الاصول إلى بعض لا يكون مانعا عن جريانها ما لم يلزم الترخيص المذكور وسيأتي له مزيد توضيح إن شاء الله تعالى (الرابعة) ان

[ 239 ]

محل الكلام في المقام من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري وعدمه المترتب عليهما جريان الاصل وعدمه لا ربط له بالبحث عن تقيد الاحكام الواقعية بنتيجة التقييد بصورة العلم التفصيلي بها بل لابد وأن يكون عدم التقييد في محل البحث مفروغا عنه وان جريان الاصول لا يوجب تبدلا في الواقع اصلا لا تصويبا ولا تقييدا وبعبارة اخرى محل الكلام في المقام إنما هو امكان الجعل الظاهري في طول الواقعي المفروغ عن وجوده والبحث متمحض في الجهة العقلية وانه مع وجود العلم الاجمالي هل يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة فتجري الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال ام لا (واما) توهم ان مقتضى ادلة الاصول هو اختصاص الاحكام الواقعية بالعلم بها فهو مع سخافته خارج عما هو محل البحث في المقام إذا عرفت ذلك فنقول ان اقسام الشك في المكلف به وان كانت كثيرة من جهة ان الترديد (تارة) يكون في نفس الخطاب (واخرى) يكون في متعلقه (وثالثة) في موضوعه (ورابعة) من الجهتين أو الجهات والشبهة (تارة) تكون وجوبية (واخرى) تحريمية الا ان المهم في هذا المبحث هي الشبهة التحريمية لعدم خلاف معتد به في الوجوبية كما ان المهم من الشبهة التحريمية هي الموضوعية منها لكثرة جهات البحث فيها كما سيأتي فلذلك نقدم البحث عنها ثم نعقبها بالبحث عن بقية المسائل فنقول: إن الحرام المردد اما ان يكون مرددا بين اطراف محصورة أو غير محصورة فهنا مقامان (الاول) في الشبهة المحصورة (والثاني) في الشبهة الغير المحصورة (اما) المقام الاول ففيه اقوال ثالثها التفصيل بين المخالفة القطعية والموافقة القطعية فيحرم الاولى ولا يجب الثانية ومرجع هذا القول إلى تجويز جريان الاصل في بعض الاطراف دون بعض والحق هو تنجيز العلم الاجمالي من الجهتين فلنا دعويان (الاولى) حرمة المخالفة القطعية (الثانية) وجوب الموافقة القطعية اما الدعوى الاولى فتتضح بعد بيان ما يمكن ان يستدل به للخصم القائل بجواز المخالفة القطعية فنقول ان غاية ما يمكن ان يستدل له هو ان يقال انه لا اشكال في ان المعتبر في جريان أي امارة أو أصل تنزيلي أو غير تنزيلي ان يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة وإلا فلا مورد لشئ منها والمدار في انحفاظ المرتبة في الامارات أو الاصول التنزيلة هو عدم لزوم المناقضة من التعبد بهما للواقع بأن لا يكون مؤدى الامارة أو مفاد الاصل مناقضا لما هو المعلوم ثبوته في موردهما وإلا فلا مجال للجعل الظاهري بعد ما عرفت انه لا يوجب تبدلا في الواقع اصلا لا تصويبا ولا تقييدا واما المدار في انحفاظ المرتبة في غير الاصول التنزيلية فليس إلا عدم لزوم الترخيص

[ 240 ]

في المعصية من جريانها واما مجرد العلم بالمخالفة من دون لزوم ذلك فلا يكون بمانع من الجريان وعليه فنقول المعلوم بالاجمال إذا كان مرددا بين الوجوب والحرمة في شئ واحد كما في دوران الامر بين المحذورين فقد عرفت فيما سبق انه لا مجال لجريان اصالة الاباحة واستصحابها لما عرفت من انه مع العلم المذكور نقطع بثبوت الزام شرعي ومعه لا مجال لجعل الاباحة الظاهرية المناقضة للمعلوم بالمدلول المطابقي واما إذا كان المعلوم من قبيل الحرمة المتعلقة بالخمر المردد بين اطراف متباينة فما هو المعلوم ثبوته من الحكم ليس الا حرمة شرب الخمر الغير المعلوم الا بشرب المجموع ولا اشكال في عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إليه ولكن ذلك لا يقتضي الا سقوط الاصول بالاضافة إلى المجموع وهذا مما لا ريب فيه وإنما المدعى هو جريان الاصل في كل واحد من الاطراف ومن الظاهر ان كل واحد منها لا يكون التكليف فيه معلوما حتى يناقض الاصل الجاري فيه أو يكون ترخيصا في المعصية بالاضافة إليه وعليه يكون مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إلى كل من الاطراف محفوظة من دون فرق بين الاصول التنزيلية وغيرها فتلخص ان ما لا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إنما هو مجموع الاطراف بما هو ولكنه لا يجري فيه أصل آخر غير الاصول الجارية في الاطراف حتى يمنع عنه بعدم انحفاظ المرتبة معه وما يجري فيه الاصل وهو كل واحد من الاطراف يكون مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة (والتحقيق) في الجواب ان يقال انا نمنع عن بقاء مرتبة الحكم الظاهري في كل واحد من الاطراف (أما بالنسبة) إلى الامارات فالامر فيها ظاهر فان الامارات حيث انها حجة في مداليلها الالتزامية ايضا فكل من الامارتين القائمتين على خلاف المعلوم بالاجمال كما انه ينفي المعلوم بالاجمال عن موردها فكذلك يثبته في الطرف الآخر فتكون معارضة للامارة الاخرى النافية للمعلوم بالاجمال بمدلولها المطابقي عن موردها فيتساقطان بالمعارضة وأما بالنسبة إلى الاصول التنزيلية فالحكم الظاهري في كل واحد من الاطراف مع قطع النظر عن الباقي وان كان لا مانع عنه ومرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إلا أنه لا يمكن اجراء الاصل في تمام الاطراف ضرورة ان الاصل التنزيلي مرجعه إلى الغاء الشارع للشك وتعبده بالبناء العملي على احراز الواقع فمع العلم الاجمالي بالخلاف كيف يمكن الغاء الشك والجمع في التعبد بين تمام اطرافه مع مناقضته له كما هو ظاهر (وتوهم) انه لا يلزم من جريان الاصل بين الاطراف التعبد بالجمع بينها حتى يلزم ما ذكر بل غايته هو جعل حكم ظاهري في خصوص كل من

[ 241 ]

الاطراف والمفروض عدم مناقضته للمعلوم بالاجمال نعم بعد ارتكاب الجميع يحصل العلم بالمخالفة لا محالة لكن مثل هذا العلم لا يترتب عليه اثر في نظر العقل حتى يكون مانعا عن جريان الاصل (مدفوع) بان التعبد بالجمع بين الاطراف وان لم يكن لازما لجريان الاصول في الاطراف إلا ان الجمع في التعبد لازم له لا محالة ضرورة ان كلا من الجعلين في عرض الاخر فيكونان في مرتبة واحدة وكما لا يمكن تعلق الجعل بمجموع الاطراف فكذلك لا يمكن الجمع في الجعل أيضا إذ كما يعتبر انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في كل من الاصلين في حد نفسه فكذلك يعتبر انحفاظه مع اقترانه لجعل الآخر ايضا ولازم ذلك هو انحفاظ الرتبة بالقياس إلى مجموع الاصلين في عرض واحد ومن المعلوم انه مع العلم الاجمالي بالخلاف لا يكون الجمع بينهما معقولا للمناقضة المزبورة وهذا أجنبي عن تحقق العلم بالمخالفة بعد الارتكاب حتى لا يكون فيه محذور وأما بالنسبة إلى الاصول الغير التنزيلية فيظهر الوجه في عدم جريانها في اطراف العلم الاجمالي مما تقدم فإنك قد عرفت ان الضابط في سقوطها هو استلزام جريانها للترخيص في معصية الخطاب الشرعي ومن الضروري ان الترخيص في كل واحد من الاطراف في عرض الترخيص في بقية الاطراف يستلزم الترخيص في المعصية للخطاب المعلوم بالاجمال فلا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالاضافة إلى جميع الاطراف محفوظة فتحصل ان المحذور في جريان الاصول في تمام اطراف العلم أحد أمرين على سبيل منع الخلو (الاول) لزوم التناقض من جريانها كما في موارد الاصول التنزيلية مطلقا (الثاني) لزوم الترخيص في المعصية كما في موارد الاصول النافية للتكليف مطلقا وحيث ان هذين المحذورين عقليان فعدم جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي يكون مستندا إلى مانع ثبوتي مع قطع النظر عن مقام الاثبات فما يظهر من بعض كلمات العلامة الانصاري قدس سره من ابتناء عدم الجريان على عدم شمول أدلة الاصول لاطراف العلم في غير محله فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان عدم الجريان مستند إلى المانع الثبوتي ولا تصل النوبة معه إلى المانع الاثباتي نعم لو كان محل البحث هو تقييد الاحكام الواقعية بصورة العلم التفصيلي وعدمه لكان للتكلم في شمول ادلة الاصول لاطراف العلم الاجمالي وافادتها لتقييد الاحكام الواقعية ولو بنتيجة التقييد بالصورة المذكورة مجال واسع لكنك قد عرفت ان الكلام فعلا متمحض في امكان الجعل الظاهري بعد الفراغ عن عدم التقييد في الواقعي يرد عليه انه لا مانع من شمول الادلة لاطراف العلم الاجمالي مع قطع النظر عن المحذور العقلي لما ستعرف

[ 242 ]

في محله وأشرنا إليه في بحث القطع من انها ظاهرة في جعل الحكم الظاهري لكل ما هو مشكوك ولا ريب ان كل واحد من اطراف العلم الاجمالي كذلك ولذا بنى (قده) على جريانها فيما لم يلزم هناك مخالفة عملية للمعلوم اجمالا فلو كان نفس العلم الاجمالي مانعا من جريانها فأي فرق بين ما إذا لزم من جريانها مخالفة عملية وبين ما إذا لم يلزم (وتوهم) ان الغاية في اخبار الاستصحاب مطلقة لليقين الاجمالي والتفصيلي فيلزم من شمول صدرها للشك البدوي والمقرون بالعلم الاجمالي مناقضة بين الصدر والذيل (مدفوع) مضافا إلى ان الظاهر من اليقين المأخوذ غاية هو كونه متعلقا بما تعلق به الشك وهو ليس الا اليقين التفصيلي بأنه على تقدير تسليم ذلك فغاية ما هناك هو سقوط تلك الادلة المشتملة على الذيل عن الدلالة وذلك لا يوجب قصور الدلالة في بقية الادلة الغير المشتملة على الذيل المزبور بل لعل قوله (ع) حتى تعرف انه حرام بعينه في ادلة الاباحة صريح في ان الغاية للحكم بالحلية في المشكوك هو العلم التفصيلي بحرمة الشئ بخصوصه ولا ريب ان كلا من الاطراف يصدق عليه انه ليس كذلك فيكون حلالا فتحصل مما ذكرناه ان عدم جريان الاصول في الاطراف انما هو لاجل المانع الثبوتي والمحذور العقلي وهو عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في الأصول التنزيلية مطلقا وفي غيرها فيما إذا لزم من جريانها مخالفة عملية ومعه فلا يمكن تجويز المخالفة القطعية ولو كانت ادلة الاصول بمدلولاتها اللفظية شاملة لتمام الاطراف ايضا (واما الدعوى الثانية) وهي وجوب الموافقة القطعية فقد عرفت فيما تقدم عدم ابتنائها على علية العلم الاجمالي لوجوبها فانك قد عرفت ان القائل بالعلية التامة قد خلط الاصول الجارية في مرحلة الفراغ بالاصول الجارية في مرحلة الاشتغال بل هي مبنية على دعوى سقوط دليل الاصل في أطراف العلم الاجمالي مطلقا بعد الفراغ عن عدم امكان الجعل في تمام الاطراف كما ان دعوى عدم وجوبها مبنية على دعوى عدم سقوطه إلا في بعض الاطراف دون بعض فنقول الحق هو سقوط الاصول في اطراف العلم الاجمالي مطلقا فيبقى العلم الاجمالي موجبا للزوم تحصيل الفراغ اليقيني مع فرض عدم المؤمن في الارتكاب (توضيح) ذلك ان جريان الاصل في بعض الاطراف لا يخلو من احد وجوه ثلاثة (الاول) ان يكون دليل الاصل شاملا للبعض المعين بخصوصه (الثاني) ان يدعى شمولها للبعض الغير المعين بأن يدعى ان الموضوع في أدلة الاصول أعم من الموضوع الخارجي المعين ومن الفرد الكلي المعبر عنه بعنوان احدهما المردد (الثالث) ان يدعى استفادة الحكم التخييري من

[ 243 ]

ادلتها بأن يدعى ان المحمول في تلك الادلة اعم من الحجية التعيينية كما في موارد الشكوك البدوية ومن التخييرية كما في موارد العلم الاجمالي وهذه الوجوه بأسرها باطلة (اما الاول) فلان دعوى شمول أدلة الاصول لخصوص البعض المعين من الاطراف مستلزمة للترجيح بلا مرجح الظاهر فساده (واما الثاني) فلان كل دليل متكفل لاثبات حكم طريقي أو واقعي لموضوع أخذ مقدر الوجود على ما هو الشان في القضايا الحقيقية إنما يكون دالا على ثبوت الحكم لما هو فرد خارجي من ذلك الموضوع فما يكون محكوما بالحكم الظاهري إنما هو كل واحد من الاطراف لانطباق عنوان المشكوك عليه واما الفرد المردد فهو ليس موجودا آخر منطبقا عليه عنوان المشكوك بل هو امر انتزاعي عما هو متصف بالفردية فلا يكون مشمولا لادلة الاصول في عرض كل واحد من الاطراف (وأما الثالث) فلان الحكم التخييري إذا ثبت في مورد فلا يخلو من حيث المدرك عن احد امور ثلاثة (الاول) ان يقوم دليل بالخصوص عليه سواء كان في الاحكام الواقعية كما في خصال الكفارة أو في الاحكام الطريقية كما في موارد تعارض الروايتين بناء على الطريقية ومن المعلوم انه ليس في موارد العلم الاجمالي دليل بالخصوص دل على جريان الاصل في بعض الاطراف تخييرا (الثاني) ان يكون الدليل مقتضيا لثبوت الحكم التعييني بالنسبة إلى كل فرد ولكن كان التخيير مستفادا من نفس ذلك الدليل بالنظر إلى المنكشف به عند عدم امكان الاخذ بكل واحد واحد من الافراد كما في موارد تزاحم الواجبين عند عدم الاهمية في البين فإن دليل الوجوب في كل منهما وان كان يقتضي الوجوب التعييني ولكنه إذا لم يمكن الاخذ بهما من جهة عدم القدرة على الجمع في الامتثال فلا مناص عن الالتزام بالتخيير اما من جهة سقوط كلا الواجبين واستكشاف العقل للخطاب التخييري الشرعي للعلم بوجود الملاك الملزم في البين كما يراه المنكر للخطاب الترتبي واما من جهة التزاحم لا يقتضي الا سقوط الاطلاقين من الواجبين فإن الضرورات تقدر بقدرها والمنافاة إنما هي بين الاطلاقين دون نفس الخطابين فتكون النتيجة هو ثبوت خطابين المشروط كل منهما بعدم امتثال الآخر كما هو المختار عندنا واوضحنا وجهه في بحث الترتب بما لا مزيد عليه وعلى كل حال تكون النتيجة هو تخيير المكلف في امتثال اي من الواجبين اراد ومن المعلوم عدم انطباق كبرى التزاحم على محل الكلام فإن القول بالتزاحم في موارد الحجج انما يتم بناء على كون الحجية من باب السببية والموضوعية وهو على تقدير تسليمه في الامارات والاغماض

[ 244 ]

عما سيجئ في باب التعادل والترجيح من ان المصلحة السلوكية لا تترتب إلا على ما كان متصفا بالطريقية الفعلية فلا تكون متحققة في مورد التعارض اصلا لا يمكن الالتزام بها في الاصول اما غير التنزيلية منها فواضح لعدم فرض الطريقية فيها كما هو ظاهر واما التنزيلية فلانها وان كانت محرزة للواقع باعتبار المرتبة الثانية من المرتبة الثالثة من العلم الطريقي إلا ان الاحراز العملي اجنبي عن الطريقية بالكلية ولا فرق بين الاصل التنزيلي وغيره في كون كل منهما اصلا عمليا غير ملحوظ فيه الطريقية (هذا) بالنسبة إلى السببية الغير المستلزمة للتصويب واما السببية المستلزمة له فهي باطلة من اصلها كما اوضحنا الحال فيها في بحث الاجزاء فراجع (الثالث) هو الفرض الثاني بعينه الا ان التخيير هنا مستفاد من ذلك الدليل الدال على ثبوت الحكم التعييني بالنظر إلى الكاشف دون المنكشف وذلك كما إذا ورد اكرم العلماء فدل على وجوب اكرام كل فرد من العلماء في تمام الاحول ثم ورد دليل على التخصيص فأخرج منه فردين زيد وعمرو ولكن كان مجملا ومرددا بين ان يكون الخروج على الاطلاق حتى يكون التخصيص افراديا وبين ان يكون احواليا وفي بعض الاحوال بأن يكون الخارج هو زيد في حال اكرام عمرو وبالعكس لا مطلقا فالقدر المتيقن هو الثاني والالتزام بعدم التخصيص إلا بذلك المقدار فعند عدم اكرام زيد مثلا يشك في وجوب اكرام عمرو فيتمسك بالعموم وكذلك العكس فيثبت من ذلك وجوب اكرام كل منهما مخيرا إذ هو المتحصل من ضم الاخذ بالمقدار المتيقن من المخصص إلى العموم المفروض وهذا الوجه غير منطبق على محل الكلام ايضا فان غاية ما يمكن أن يقال في توجيهه هو ان يقال ان دليل الاصل يقتضي ثبوت الرخصة في كل من اطراف العلم ومقتضي اطلاقه هو ثبوت الرخصة مطلقا اي حال ارتكاب الاخر وعدمه وحيث ان هذا الاطلاق لا يمكن الاخذ به لاستلزامه تجويز المخالفة القطعية فلا بد من رفع اليد عنه بهذا المقدار فيكون النتيجة هو جواز الارتكاب في كل من الطرفين تخييرا فإن الامر دائر بين خروج كل واحد من الاطراف عن دليل الاصل بالكلية وبين خروجه عنه عند ارتكاب الآخر والقدر المتيقن هو الثاني فلا موجب للاول (وفيه) ان عدم جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي ليس مستندا إلى دليل مخصوص لعموم دليله مردد بين كونه مخصصا مطلقا أو في بعض الاحوال حتى يندرج في الضابط المذكور بل انما هو من جهة المحذور العقلي وعدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي في عالم الثبوت فإذا لم يمكن الجعل ثبوتا لا ينتهي

[ 245 ]

الامر إلى تقييد الدليل في عالم الاثبات فإن امكان التقييد يستلزم امكان الاطلاق لان التقابل بينهما من قبيل الاعدام والملكات فما لم يمكن الاطلاق فيه ثبوتا كيف يتصور فيه التقييد في عالم الاثبات حتى يقال ان الامر دائر بين التخصيص في المطلق وبين التخصيص في بعض الاحوال ليؤخذ بالمقدار المتيقن (وتوهم) ان التخصيص في المقام عقلي من جهة حكم العقل بعدم امكان الجمع في الجعل الظاهري فيؤخذ بالمقدار المتيقن أيضا (مدفوع) بأن حكم العقل في المقام في مرتبة سابقة على الجعل وفي مقام الثبوت ومعه لا يبقي مجال للاطلاق والتقييد في مقام الاثبات أصلا حتى يؤخذ بالمقدار المتيقن بلحاظ هذا المقام فيندرج في الضابط المزبور (فتلخص) من جميع ما ذكرناه انه لا مجال لاستفادة التخيير في مجاري الاصول في أطراف العلم الاجمالي بوجه اصلا فإذا لم يجر الاصل في شئ من الاطراف لا معينا ولا مخيرا فلابد من القول بوجوب الموافقة القطعية فإنه المترتب على بطلان تجويز المخالفة القطعية من جهة العلم بوجود التكليف الفعلي وعدم وجود المؤمن في شئ من الاطراف ومنه يظهر فساد القول بكون نفس العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية فانك قد عرفت عدم ترتبه عليه بنفسه فكيف يعقل كونه علة له بل ليس فيه اقتضاء لثوبته أيضا إلا معنى كونه من اجزاء علته والخطب فيه سهل بعد ما عرفت من ان القول به مترتب على سقوط الاصول في اطراف العلم بعد البناء على حرمة المخالفة القطعية (ومن هنا يتضح) انه لو كان في بعض أطراف العلم الاجمالي أصل أو امارة بلا معارض لاوجب انحلال العلم أو عدم تأثيره من أول الامر فان تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على تحقق العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير وعدم انحلاله فإذا لم يكن هناك علم بالتكليف كذلك كما إذا كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء أو كان ولكن كان في بعض الاطراف منجز للتكليف بخصوصه كما إذا قامت الامارة على نجاسة بعض الاطراف بخصوصه أو كان مستصحب النجاسة أو كان من اطراف العلم الاجمالي بالنجاسة قبل هذا العلم فلا مانع من الرجوع إلى الاصل النافي في الطرف الآخر ومن هنا يعلم الملازمة العقلية بين سقوط الاصول في أطراف العلم الاجمالي وعدم انحلاله إذ متى كان الاصل جاريا في بعض الاطراف فلا محالة ينحل العلم به ويرجع معه إلى الاصل في الطرف الآخر (فالنزاع) في ان الملاك في وجوب الموافقة القطعية هل هو عدم انحلال العلم الاجمالي أو سقوط الاصول في اطرافه كما نقل عن بعض (فاسد) من اصله (وتوهم) انفكاكهما في مثل الكأسين المعلوم طهارة

[ 246 ]

احدهما سابقا بتخيل ان استصحاب الطهارة فيه يكون معارضا بقاعدة الطهارة في الطرف الآخر فيبقى قاعدة الطهارة في معلوم الطهارة بلا معارض فلو كان الميزان في وجوب الموافقة سقوط الاصول لما وجب الموافقة لفرض جريان الاصل في احد الطرفين بلا معارض وهذا بخلاف ما إذا كان الميزان فيه عدم الانحلال فإن المفروض عدم انحلاله بعد فيظهر الثمرة بين القولين (مدفوع) بأن اصالة الطهارة في طرف معلوم الطهارة سابقا وان كان في طول استصحابها في حد نفسها إلا ان اصالة الطهارة في الطرف الآخر كما تعارض الاستصحاب في هذا الطرف فكذلك تعارض اصالة الطهارة ايضا والسر فيه ان المنشأ لسقوط الاصول في أطراف العلم إنما هو منافاة الجعل الظاهري للتكليف المعلوم في البين فأي حكم ظاهري يكون منافيا مع التكليف المعلوم يكون ساقطا بالمعارضة فلا فرق في سقوط الاصول في اطراف العلم بين الاصول العرضية والطولية والملاك فيه هو منافاة مؤدى الاصل للتكليف المعلوم (فإن قلت) ما الفرق بين المقام والملاقي لبعض اطراف الشبهة المحصورة حيث انكم بنيتم فيه بمعارضة الاصل السببي في طرف الملاقي بالفتح مع الاصل في الطرف الآخر والرجوع إلى الاصل المسببي في الملاقي ولم تجعلوا الاصل المسببي طرفا للمعارضة مع الطرف الآخر ومعه كيف تنكرون في المقام جريان اصالة الطهارة في طرف معلوم الطهارة بدعوى معارضتها مع الاصل في الطرف الآخر (قلت) الفارق هو ان الملاقي موضوع آخر محكوم بحكم مستقل في قبال ما لاقاه والعلم الاجمالي إنما يوجب سقوط الاصول في اطرافه ليس إلا ومعه كيف يمكن سقوط الاصل في طرف الملاقي وهذا بخلاف المقام فإن اصالة الطهارة واستصحابها يثبتان حكما ظاهريا على خلاف المعلوم بالاجمال فيكونان معارضين مع الطرف الآخر في عرض واحد عل انه لو بنينا على الانفكاك وانه مع عدم الانحلال يمكن جريان اصالة الطهارة من دون معارضة فلا مناص عن الاخذ بالاحتياط وطرحها فإن جريان الاصل المحكوم يتوقف على سقوط الاصل الحاكم عليه وهو يتوقف على تنجيز العلم الاجمالي على كل تقدير فلو ترتب عليه عدم التنجيز لزم منه جريان الاصل الحاكم عليه الموجب لعدم جريانه فيلزم من وجوده عدمه وهو محال نعم لو فرض ان الاصل الجاري في بعض الاطراف من دون معارض كان موضوعه وهو الشك في ثبوت التكليف الفعلي متحققا مع قطع النظر عن العلم الاجمالي الموجود في البين ولم يكن الطرف الآخر محكوما بأصل مثبت أو ناف لامكن القول بجريان الاصل فيه وكونه مؤمنا ولزوم الاحتياط عن الطرف

[ 247 ]

الآخر لعدم المؤمن فيثبت الانفكاك بين سقوط الاصول وعدم الانحلال الا انه مع كونه فرضا غير واقع بل لعله مستحيل لا يترتب عليه اثر في محل الكلام على ان جريان الاصل فيه يتوقف على كون الحكم الثابت به من الاحكام الطبعية الحيئيتية إذ لو كان مفاده حكما فعليا لاشكل جريانه من جهة ان موارد جريان الاصول النافية تنحصر بما إذا رجع الشك فيه إلى أصل توجه التكليف لا إلى انطباق التكليف المعلوم توجهه في الجملة وكون الحكم الثابت بالاصل حكما طبعيا مع انه غير تام في نفسه لا يترتب عليه شئ في مورد العلم الاجمالي ضرورة ان الترخيص الطبعي الثابت للمشتبه لا ينافي تنجز التكليف من جهة العلم الاجمالي إذ لا تنافي بين المقتضي واللا مقتضي كما هو ظاهر فتلخص مما ذكرناه ان الاصل المحكوم في بعض الاطراف إذا لم يكن موضوعه مغايرا لموضوع الاصل الحاكم كما في باب الملاقي فلا بد من سقوطه في عرض الاصل الحاكم عليه نعم إذا كان في الطرف الآخر أيضا أصل محكوم مثبت للتكليف فلا مانع من الرجوع إليه فينحل العلم الاجمالي ويرجع إلى الاصل المحكوم في هذا الطرف أيضا وهذا نظير ما إذا علم اجمالا بزيادة ركعة أو الاتيان بما يوجب سجدتي السهو فانه بعد تعارض قاعدة الفراغ مع استصحاب عدم الاتيان بموجب سجدتي السهو يرجع إلى اصالة الاشتغال بالنسبة إلى أصل الصلاة واصالة البراءة عن وجوب السجدتين فينحل العلم الاجمالي فكل مورد لم ينحل العلم فيه لا مجال للرجوع فيه إلى الاصل ابدا " ثم انه يظهر مما ذكرناه " حال الاصول الجارية في مرحلة الفراغ اعني بها اكتفاء الشارع عن امتثال الواقع ببعض محتملاته من دون فرق بين كونها من الاصول الموضوعية أو الحكمية ومن التنزيلية أو غيرها فإن النتيجة في جميع ذلك هو اكتفاء الشارع عن الواقع بالمحتمل وهو المراد من عبارة العلامة الانصاري قدس سره من جعل البدل والا فليس من جعل البدلية عين ولا اثر وانه لا مجال لجريانها الا في بعض الاطراف معينا أو غير معين فيكون النتيجة هو اقتضاء العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية إلا ان الذي يسهل الخطب انه ليس في موارد العلم الاجمالي اصل جار في مرحلة الفراغ لا في الطرف المعين ولا في غيره " تتميم وتوضيح " قد ذكرنا ان تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على سقوط الاصول وعدم انحلاله (فنقول) ان الانحلال تارة يكون بالعلم الوجداني واخرى بالامارة المعتبرة وثالثة بالاصل الشرعي وهذا كله مما لا اشكال فيه وانما الاشكال في انحلاله بالاصل العقلي كما إذا كان احد طرفي المعلوم بالاجمال من اطراف علم اجمالي آخر سابق عليه وكما إذا علم اجمالا بفساد صلاة المغرب

[ 248 ]

أو العصر بعد الفراغ من المغرب (فربما يقال) بعدم الانحلال نظرا إلى ان احد طرفي العلم الاجمالي وان كان يتنجز فيه التكليف بالعلم السابق كما في المثال الاول أو بقاعدة الشك في الوقت بعد تعارض قاعدتي الفراغ كما في المثال الثاني الا انه لا يوجب انحلاله إلى علم تفصيلي وشك بدوي حتى يرجع إلى الاصل في الطرف الآخر فإن المفروض ان المثبت للتكليف والمنجز له في احد الطرفين ليس حكما يقينيا ولو بالتعبد وانما هو حكم عقلي محض ومعه يكون المنجز في احد الطرفين خصوص العلم الاجمالي وفي الطرف الآخر هو وغيره ولكن يدفعه ان الملاك في الانحلال ليس هو العلم بالتكليف الشرعي بل انقلاب العلم عما هو عليه من كونه علما بالتكليف على كل تقدير ومن المعلوم انه مع تنجز التكليف في بعض الاطراف بمنجز سابق واحتمال انطباق المعلوم بالاجمال عليه لا يكون العلم الاجمالي علما بالتكليف على كل تقدير بل مرجعه إلى الشك في حدوث التكليف في الطرف الآخر فيجري عليه الاصل بلا معارض (فإن قلت) سلمنا انحلال العلم الاجمالي فيما إذا كان بعض اطرافه مما تنجز فيه التكليف بمنجز عقلي غير متوقف على وجود العلم الاجمالي نظير ما إذا كان بعض الاطراف من اطراف العلم الاجمالي السابق (واما) إذا كان المنجز العقلي كقاعدة الاشتغال المترتبة على العلم الاجمالي الموجب لتساقط الاصول الحاكمة عليها (فلا) فانها لو كانت موجبة للانحلال لزم من وجودها عدمها إذ جريانها يتوقف على سقوط الاصل الحاكم عليها المتوقف على تنجيز العلم فلو لزم من جريانها الانحلال وعدم تنجيزه فيجري الاصل الحاكم فيسقط المحكوم وهذا هو التالي المحال من استلزام وجود الشئ لعدمه كما تقدم نظيره (قلت) لو كان الوجه في الانحلال في المثال جريان الاصل النافي في الطرف الآخر لتم ما ذكرت كما مر نظيره لكن الامر ليس كذلك بل الموجب له هو جريان الاصل المثبت للتكليف الموافق للعلم الاجمالي فانه يوجب سقوط الاصول المنافية له من الطرفين الطولية والعرضية واما الاصل الموافق له فلا مانع من جريانه ويخرج العلم بذلك عن كونه علما بالتكليف مطلقا فيجري الاصل المحكوم في الطرف الاخر ايضا وبالجملة الملاك في سقوط الاصول من الطرفين هو العلم بالتكليف الفعلي وهو مختص بالنافية دون المثبتة وببركتها يجري الاصل النافي في الطرف الآخر ايضا فكم فرق بين المقام وما تقدم (ثم انه) لا فرق فيما ذكرناه من عدم تنجيز العلم الاجمالي مع وجود المنجز للتكليف في احد الطرفين بين ما إذا كان المنجز سابقا على العلم الاجمالي في الوجود أو لاحقا له بشرط ان

[ 249 ]

يكون الحكم المتنجز به سابقا على المعلوم بالاجمال فلو علم اجمالا بنجاسة أحد الاناءين ثم قامت البينة على نجاسة احدهما المعين قبل زمان العلم أو علم كونه متيقن النجاسة قبل العلم ومشكوك البقاء إلى زمانه فلا محالة ينحل بذلك العلم ويخرج به عن كونه علما بالتكليف على كل تقدير فيجري الاصل في الطرف الآخر والسر فيه ان العلم الاجمالي كما يشترط في تنجيزه كونه علما بالتكليف حدوثا فكذلك يعتبر فيه كونه كذلك بقاء ومع وجود المنجز لحكم سابق عليه يخرج عن كونه علما بالتكليف لا محالة ولا فرق بين القسمين الا في ان قيام المنجز من أول الامر يوجب عدم تأثير العلم من اصله وقيامه بعده يوجب انحلاله والنتيجة واحدة بقاء والفارق هو الاصطلاح ليس الا (ومن هنا) يظهر ان كل ما يوجب بوجوده السابق عدم تأثير العلم الاجمالي يوجب انحلاله بوجوده اللاحق من دون فرق بين العلم الوجداني أو الامارة المعتبرة أو الاصل الشرعي أو العقلي فلو علم بوجود نجاسة سابقة واقعة في الاناء المعين من الاناءين المعلوم نجاسة احدهما اجمالا أو الاناء الثالث فلا محالة يوجب هذا العلم انحلال العلم الاول فيرجع إلى الاصل في الاناء الآخر من الاناءين ويجب الاجتناب عن طرفي العلم الثاني (فإن قلت) كيف يوجب الاصل العقلي في المثال انحلال العلم السابق مع انه فرع منجزية العلم اللاحق وحيث ان أحد طرفيه تنجز بالعلم السابق فلا يكون العلم الثاني علما بالتكليف على كل تقدير ومع عدمه كيف يمكن انحلال العلم الاول وبعبارة أخرى منجزية العلم السابق تمنع عن تأثير العلم اللاحق فكيف يعقل كونه موجبا لانحلاله (قلت) العلم اللاحق وان كان بوجوده متأخرا عن العلم السابق إلا انه لا اعتبار في تنجيز العلم بما انه صفة بل الاعتبار بطريقيته وكاشفيته وحيث ان المنكشف بالعلم اللاحق سابق في الوجود على المنكشف بالعلم السابق فيكون الاعتبار به ويستكشف ان العلم السابق لم يكن علما بالتكليف على كل تقدير وهذا هو معنى الانحلال (ثم) ان الانحلال في تمام موارده حقيقي غاية الامر ان ثبوت الحكم في بعض الاطراف يكون تعبديا وهناك فرق واضح بين كون الانحلال تعبديا وكونه حقيقيا ناشئا من ثبوت الحكم تعبدا ولعل خفاء ذلك على بعض أوجب تعبيره في بعض الموارد بالانحلال التعبدي والصحيح هو ما ذكرناه (وينبغي) التنبيه على أمور (الاول) انه لا يعتبر في تنجيز العلم الاجمالي كون المعلوم المردد داخلا تحت حقيقة واحدة فلو علم نجاسة احد الاناءين أو غصبية الآخر لوجب الاجتناب عنهما تحصيلا للموافقة القطعية والسر في ذلك ان العلم بالالزام الجامع بين الطرفين

[ 250 ]

ولو كان مرددا بين وجوب شئ وحرمة شئ آخر أوجب سقوط الاصل عنهما وعدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري فيهما فيكون التكليف في كل منهما متنجزا على تقدير وجوده ومنه يظهر انه لو كان لاحد العنوانين اثر مختص به ولم يكن للطرف الآخر اثر كذلك لجري الاصل بالنسبة إلى ذلك الاثر بلا معارض إذ المفروض عدم العلم بأزيد من اثر مشترك بين الطرفين واما الاثر الزائد عليه فمشكوك بدوي يدفع بالاصل نعم لو كان للطرف الآخر أثر مختص ايضا لوجب ترتيب كلا الاثرين وقد ظهر وجهه مما تقدم (الثاني) ان وجوب الاحتياط في موارد ثبوته إذا كان عقليا فهو طريقي محض لا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع نعم يتحقق التجري في فرض مخالفته وعدم مخالفة الواقع وقد سبق الكلام فيه في محله واما إذا كان شرعيا فربما يقال بترتب العقاب على مخالفة نفسه مع قطع النظر عن الواقع نظرا إلى ان الحكم الشرعي ظاهريا كان أو واقعيا يوجب مخالفته العقاب ولكنه يرد عليه بأن الحكم الشرعي ولو فرض كونه مولويا غير ارشادي إنما يوجب مخالفته العقاب فيما إذا لم يكن طريقيا محضا ومن جهة رعاية الواقع وإلا فلا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع الا على القول باستحقاق المتجري للعقاب ومن المعلوم ان وجوب الاحتياط على تقدير وجوبه شرعا فإنما يكون واجبا لرعاية الواقع فلا يترتب على مخالفته بما هي مخالفته أثر غير التجري (فإن قلت) ان في ترك الاحتياط على الواجب احتمال الضرر لا محالة ودفع الضرر المحتمل واجب بحكم العقل فيثبت العقاب في مخالفته ولو لم يكن ضرر في الواقع (قلت) حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل والمظنون طريقي ايضا ناش عن مراعاة الواقع وليس من باب حكمه بقبح التشريع المشترك بين موارد العلم بعدم الحكم والشك فيه حتى يكون ثبوته في تمام موارده بملاك واحد فيستكشف منه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة بل ان حكمه في موارد القطع بالضرر ناش عن ملاك واقعي وفي موارد الظن والشك ناش عن ملاك طريقي فلا يترتب على مخالفته غير ما يترتب على مخالفة الواقع هذا ولا يخفى عليك ما في جواب شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في المقام فراجع (الثالث) انه قد ظهر مما ذكرناه انه يعتبر في تأثير العلم الاجمالي ان يكون المعلوم بالاجمال ذا أثر فعلي في تمام اطرافه فلو لم يكن بعض الاطراف كذلك لما كان للعلم اثر ولو في بعض اطرافه ومن هذا القبيل ما إذا كان بعض الاطراف خارجا عن محل ابتلاء المكلف بحيث لا يكون قادرا عليه عادة ولو كان قادرا عليه عقلا والسر في اعتبار ذلك هو ان المطلوب في التكاليف

[ 251 ]

التحريمية حيث انه الترك فلا بد من ان يكون الفعل مقدورا للمكلف وتحت اختياره فإذا كان خارجا عن تحت اختياره عقلا أو عادة فلا محالة يكون الترك حاصلا بنفسه قهرا فلا معنى لطلبه وجعل الداعي إليه فإذا كان احد الاطراف خارجا عن تحت ابتلاء المكلف فيدور أمر التكليف المعلوم بالاجمال بين ان يكون في ذلك الطرف حى يكون النهي الفعلي عنه مشروطا بحصول القدرة أو في غيره من الاطراف حتى يكون التكليف مطلقا فلا يكون هناك علم بالتكليف الفعلي مطلقا وبعبارة أخرى حيث ان المطلوب في باب النواهي هو استمرار العدم وعدم انتقاضه بالوجود فلابد في جعل الداعي إليه من قدرة المكلف على الانتقاض ومع عدمها يكون جعل الداعي إليه لغوا إلا على نحو القضية المشروطة فمع خروج بعض الاطراف عن مورد الابتلاء يكون التكليف المعلوم غير محرز الفعلية على كل تقدير فلا يكون منجزا (ان قلت) إذا كانت القدرة العادية على الفعل معتبرة في فعلية التكاليف التحريمية فلا بد وان يعتبر القدرة على الترك معتبرة في التكاليف الوجوبية ايضا فإذا كان الترك غير مقدور عليه عادة في بعض أطراف العلم بالتكليف الايجابي فلا بد من الالتزام بعدم تنجيز العلم مع انه بعيد عن الذوق الفقهي غايته (قلت) المطلوب في التكاليف الايجابية حيث انه الايجاد الاختياري فمع عدم القدرة على الترك عقلا فلا محالة لا يكون هناك بعث وايجاب لفرض كون الفعل ضروريا وخارجا عن الاختيار وأما مع القدرة عليه عقلا فالفعل مطلقا إذا لم يكن صادرا عن الغفلة ونحوها فلا محالة يصدر بالاختيار والارادة ولو مع عدم القدرة على الترك عادة ومعه يحسن التكليف به وجعل الداعي إليه واين ذلك من التكليف التحريمي المطلوب فيه استمرار العدم فلا بد من وقوع الترك عن ارادة واختيار وهو لا يكون إلا مع القدرة على الفعل عقلا وعادة ومع انتفائها يكون الترك حاصلا بنفسه فلا معنى لطلبه (ثم لا يخفى) ان التكاليف الايجابية والتحريمية وان كانت تشترك في ان القدرة المعتبرة فيها قد تكون شرطا خطابا وملاكا واخرى خطابا فقط بمعنى ان المصلحة والمفسدة قد تترتبان على الفعل من دون مدخلية القدرة فيه اصلا فيكون القدرة شرطا للخطاب من جهة قبح خطاب العاجزة قد لا تترتبان إلا على الفعل بوصف كونه مقدورا ومع انتفاء القدرة لا يكون هناك ملاك للطلب اصلا إلا ان الفرق هو ان في التكاليف التحريمية يكون القدرة على الترك معتبرة في ملاك النهي اعني به مبغوضية الصدور لا محالة ضرورة ان مبغوضية الصدور إنما تتحقق مع القدرة على الصدور خارجا ومع انتفائها كيف يعقل المبغوضية

[ 252 ]

فالمفسدة في الفعل وان لم تكن مشروطة بالقدرة عليه إلا ان مبغوضيته التي هي ملاك النهي والزجر تكون مشروطة بها دائما من دون فرق بين القدرة العقلية والعادية ومن هنا يظهر أن الوجه في عدم صحة التكليف بالخارج عن محل الابتلاء ليس مجرد عدم حسن الخطاب فقط بل هو مع عدم تمامية الملاك في النهي ايضا وانتظر لذلك ثمرة مهمة فيما سيأتي ان شاء الله تعالى (فاتضح) مما ذكرناه صحة ما افاده العلامة الانصاري قدس سره من اعتبار كون تمام الاطراف في محل الابتلاء في تنجيز العلم الاجمالي ولا يرد عليه ما قيل من ان لازم اعتباره هو لغوية التكاليف التحريمية في الموارد التي يكون المكلف بنفسه غير مريد للفعل كما في موارد كشف العورة ونحوها التي يمتنع عنها الطبع البشري مع قطع النظر عن التكليف المولوي مع ان صحة تلك التكاليف بمكان من الوضوح فانا قد ذكرنا مرارا ان المطلوب في باب الاوامر والنواهي هو مجرد الافعال والتروك الغير المقيدة بارادة المكلف ولا بعدمها فضرورة الفعل الناشئة من ارادته كضرورة الترك الناشئة من عدمها لا ينافيان التكليف الفعلي إذ المعتبر فيه هو امكان الفعل في حد نفسه مع قطع النظر عن ارادة المكلف وعدمها فكم فرق بين الترك الارادي الغير المنافي لفعلية النهي وبين الترك الحاصل من غير جهة الارادة الموجب للغوية النهي وجعل الداعي إليه وبعبارة أخرى المعتبر في صحة التكاليف هو امكان الداعوية وجعل المكلف لها داعية إلى الفعل أو الترك وهذا المعنى موجود فيما إذا كان الترك مستندا إلى الارادة دون غيره فالقياس مع الفارق (هذا كله) فيما إذا احرز خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء واما إذا شك في ذلك من جهة الشبهة الحكمية أو المصداقية فهل مقتضى القاعدة لحوقه بما إذا أحرز خروج بعض الاطراف عن بعض الابتلاء أو لا فيه اشكال (ولتوضيح الحال) نقدم مقدمة وهي انا ذكرنا في بحث العموم والخصوص ان المخصصات العقلية قد تكون من باب الحكم العقلي في موارد استكشاف الملاكات الشرعية وأخرى من باب حكمه على العناوين نظير الادلة اللفظية فإذا كان هناك حكم عقلي على خلاف عموم أو اطلاق وارد في الشريعة فإن كان من قبيل الاول فلا بد من الاقتصار فيه على المورد المتيقن والتمسك بالدليل اللفظي في مطلق موارد الشبهة حتى إذا كانت مصداقية وان كان من قبيل الثاني فلا ريب في عدم جواز التمسك به في موارد الشبهة المصداقية نظير المخصص اللفظي فإن موضوع دليل العام في كلا التخصصين يتقيد لا محالة بقيد مشكوك الانطباق على المورد المشكوك واما في موارد الشبهات الحكمية

[ 253 ]

فإن كان الحكم العقلي ضروريا فحاله حال القرينة المتصلة اللفظية في ان اجمالها يسري إلى العام فيكون مانعا عن التمسك به في الشبهة الحكمية مطلقا سواء كان الامر دائرا بين الاقل والاكثر أو المتبائنين فضلا عن الشبهة المصداقية وان كان نظريا فحاله حال القرينة المنفصلة في عدم منعها عن التمسك بالعموم في الشبهات الحكمية فيما إذا كان أمر المخصص دائرا بين الاقل والاكثر وتفصيل الكلام وبيان النقض والابرام في محله والغرض من التعرض في المقام هو بيان ان حكم العقل بعدم الحكم الفعلي في موارد الخروج عن محل الابتلاء من أي القسمين وعلى تقدير كونه من قبيل الثاني فهل هو من قبيل احكامه الضرورية أو النظرية (فنقول) الحق في المقام هو كون حكم العقل من قبيل حكمه في موارد استكشاف الملاكات لا من قبيل حكمه على العناوين وذلك فان الملاك في كون حكم العقل من القسم الاول هو كون الامر المعتبر في فعلية التكليف مما لا يصح للشارع ان يوكل احرازه إلى المكلفين على خلاف الموضوعات المأخوذة في القضايا الحقيقية وحيث ان احراز كون مورد مما يحسن فيه التكليف أولا ليس مما يصح ايكاله إلى المكلف فلا محالة يكون اعتباره من قبيل ما يلزم على الشارع احرازه وجعل التكليف على طبقه نظير المصالح والمفاسد ولا ينحصر حكمه في موارد استكشاف الملاكات بخصوص باب المصالح والمفاسد حتى يتوهم عدم كون محل الكلام من هذا القبيل بل الميزان فيه هو ما عرفت وعليه فإذا احرز العقل خروج مورد عن محل الابتلاء فيقطع بعدم الحكم الفعلي فيه اما للغوية التكليف من دون القدرة العادية على المخالفة واما من جهة عدم تمامية ملاك النهي والزجر في مورد عدم القدرة على الفعل كما عرفت واما إذا شك في ذلك لاجل الشبهة المصداقية أو المفهومية فحسن التكليف الفعلي وان كان مشكوكا في مورده لا محالة الا ان الاطلاقات تكون رافعة للشك وموجبة لثبوت التكليف الفعلي فيه فإن خروج مورد عن تحت الخطاب لاستقلال العقل بعدم الملاك فيه لا يوجب رفع اليد عنها في الموارد المشكوكة (فإن قبل) التمسك بالاطلاق انما يصح فيما إذا شك في فعلية الاطلاق بعد الفراغ عن صحته في مقام الثبوت فإن الاطلاق اللفظي إنما يكشف عن الاطلاق الواقعي فيما امكن الاطلاق واقعا ومع الشك فيه لاحتمال عدم حسن الخطاب في نفس الامر كما في المقام لا يبقى مجال للتمسك به في عالم الاثبات (فانه يقال) إذا فرض ان الشك في حسن الخطاب إنما نشأ من الشك في وجود ما يكون احرازه بيد الشارع وخارجا عما يرجع احرازه إلى المكلف فبنفس الاطلاق في مقام

[ 254 ]

الاثبات وعدم التقييد يحرز حسن الخطاب واطلاقه كبقية موارد الشك في وجود الملاكات أثرى من نفسك انك تتوقف في التمسك بالاطلاق فيما إذا شككت في اشتمال بعض الافراد على المصلحة بل مع احتمال اشتماله على المفسدة أيضا مع انه يحتمل فيه عدم حسن الامر بل قبحه وليس ذلك إلا من جهة حجية ظاهر كلام المولى وكشفه عن مراده الواقعي إلا فيما كان هناك قرينة على خلافه ففي محل الكلام يكون نفس الاطلاق رافعا للشك وموجبا لثبوت الحكم الفعلي في الموارد المشكوك لعدم قيام حجة على خلافه ولازم ذلك هو تنجيز العلم الاجمالي الا فيما ثبت خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء (فإن قلت) أن شرطية كون متعلق التكليف في محل الابتلاء إنما تكون في مرحلة التنجيز دون الجعل ومن المعلوم انه انما يتمسك بالاطلاق لرفع الشك الراجع إلى مرحلة الجعل دون الامتثال (قلت) قد عرفت ان اعتبار الابتلاء في فعلية التكليف إنما هو من فروع اعتبار القدرة فيها ومن الضروري ان شرطية القدرة له اجنبية عن مرحلة التنجيز بالكلية بل شرط التنجيز منحصر بحكم العقل بالوصول فانه بعد ما تمت فعلية التكليف بفعلية شرائطه يحكم العقل بعدم صحة العقاب على مخالفته قبل وصوله واين ذلك من القدرة التي لا يكون التكليف مع عدمها قابلا للفعلية (وبعبارة واضحة) شرط التنجيز لا بد وان يكون انقسام التكليف بالاضافة إليه من الانقسامات الثانوية حتى لا يمكن الاطلاق والتقييد فيه في مرحلة الجعل كالعلم بالتكليف ونحوه ومن المعلوم ان كون المورد محلا للابتلاء وعدمه من الانقسامات الاولية السابقة على التكليف فلا بد فيه من الاطلاق أو التقييد فإذا شك في التقييد فلا محالة يتمسك بالاطلاق في مرحلة الجعل (ثم انه) على تقدير كون الحكم العقلي في المقام من قبيل حكمه على العناوين الموجبة لتقييد موضوعات الاطلاقات المانع عن التمسك بها في الشبهات المصداقية فهل هو من قبيل احكامه الضرورية حتى يكون حاله حال القرينة المتصلة الساري اجمالها إلى العام أو من قبيل احكامه النظرية فيتمسك بها في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر (الحق هو الثاني) لما عرفت من ان اعتبار القدرة العادية على المخالفة في خصوص التكاليف التحريمية يحتاج إلى اعمال نظر واقامة برهان كما برهنا عليه بما لا مزيد عليه وليس ذلك من قبيل احكامه الضرورية الغير المحتاجة إلى اقامة الدليل عليه ومقتضى ذلك هو التمسك باطلاقات ادلة المحرمات في موارد الشك في الخروج عن الابتلاء من جهة الشبهة المفهومية فيقتصر في التقييد على المراتب المتيقنة كما هو الحال في المخصصات اللفظية

[ 255 ]

(وتوهم) عدم جواز التمسك بالعموم أو الاطلاق عند اجمال المخصص المنفصل مطلقا ولو كان دائرا بين الاقل والاكثر نظرا إلى انه يوجب تعنون العام والمطلق لا محالة فيسري اجماله اليهما كما في القرينة المتصلة قد مر دفعه بما لا مزيد عليه في محله فراجع (فتحصل) من جميع ما ذكرناه صحة التمسك بالمطلقات في الموارد المشكوكة في دخوله في محل الابتلاء وعدمه من جهة الشبهة المفهومية مطلقا ومن جهة الشبهة المصداقية على المختار من كون الحكم العقلي في المقام من قبيل حكمه في موارد استكشاف الملاكات دون حكمه على العناوين كما انه ظهر منه فساد ما بنينا عليه في الدورة السابقة من كون تنجيز العلم الاجمالي في موارد الشبهة لاجل وجود الملاك الملزم في البين واستقلال العقل بلزوم تحصيله ما لم يجزم بالعجز كما في موارد الشك في القدرة المعتبرة في التكليف عقلا فإنك قد عرفت ان القدرة على المخالفة عقلية وعادية لابد وان يكون لها دخل في ملاك النهي والزجر فمع الشك فيها يكون الملاك كالخطاب مشكوكا فيه لا محالة (ثم انه) لا ريب في لحوق القدرة الشرعية بالقدرة العقلية في اعتبارها في تنجيز العلم الاجمالي في تمام الاطراف فلو كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء لعدم القدرة الشرعية فيه كما إذا كان ملك الغير ولم يجز التصرف فيه شرعا فعلم بوقوع النجاسة فيه أو فيما هو ملكه وتحت تصرفه فلا اثر لمثل هذا العلم ضرورة ان ملك الغير بعد فرض عدم قدرة المكلف على التصرف فيه خارج على محل ابتلائه فيكون الاصل النافي الجاري في الطرف الآخر بلا معارض (نعم) إذا فرض كونه محلا للابتلاء كما إذا فرض معرضيته للبيع وفرض عدم جواز شرائه مع وصف نجاسته فالعلم الاجمالي بعدم جواز التصرف في ملكه أو حرمة شراء مال الغير يكون منجزا لا محالة (وبالجملة) الميزان في التنجيز هو كون كل من الاطراف بحيث يصح من المولى توجيه الخطاب إليه بخصوصه على تقدير كونه معلوما تفصيلا فلا بد من اعتبار القدرة على ارتكاب كل من الاطراف عقلا وعادة وشرعا (نعم) مجرد انتراك بعض الاطراف للاستغناء عنه مع القدرة على الارتكاب لا يكون بمانع عن التنجيز لما عرفت من ان الترك الارادي لا يوجب جعل الشئ غير مقدور عليه حتى لا يمكن توجه الخطاب إليه (واما الانتراك) لخسة الشئ وحقارته كما إذا علم اجمالا بنجاسة أحد الترابين احدهما معد للتيمم به والآخر معرض عنه بالطبع كالتراب الواقع في الاماكن الخسيسة فهل يمنع عن تأثير العلم الاجمالي كما يظهر من العلامة الانصاري قدس سره أو لا الحق هو الثاني فإن الانتراك لاجل الخسة

[ 256 ]

لا يوجب سلب القدرة عن الارتكاب ولو عادة فيرجع إلى الترك الارادي الذي عرفت عدم مانعيته عن التنجيز * (فرع) * إذا علم اجمالا بوقوع نجاسة في الماء أو التراب مع انحصار الطهور بهما فهل يجب عليه الوضوء فقط نظرا إلى ان وجوب التيمم في مرتبة متأخرة عن وجوب الوضوء ففي المرتبة السابقة عليه لا علم له بتكليف فعلي على كل تقدير فيكون الشك في النجاسة من حيث وجوب الوضوء شكا بدويا يجري فيه الاصل أو لا يجب عليه شئ نظرا إلى انه لا أثر لطولية الحكم بعد كون كل من الماء والتراب موردا لابتلائه وقدرته على ارتكابه فيجب الاجتناب عنهما فيجري عليه حكم فاقد الطهورين أو يجب الجمع بين الوضوء والتيمم للتمكن من تحصيل الطهارة وعدم علمه بتنجس بدنه لاحتمال نجاسة التراب ولم يرد في المقام نص على الاجتناب عنهما كما ورد في الماءين المشتبهين وجوه (أقواها) الاول ثم الاخير وان كان الاحوط هو الجمع * (الامر الرابع) * إذا لاقى بعض اطراف العلم الاجمالي بالنجاسة شيئا فهل القاعدة تقتضي وجوب الاجتناب عنه واجراء احكام الملاقي عليه أم لا وجهان وقبل الخوض في بيان المختار ينبغي تقديم امر وهو ان الميزان في تنجيز العلم الاجمالي كما عرفت هو كونه علما بالتكليف الفعلي على كل تقدير فلا بد في تحققه عند تعلق العلم بموضوع خارجي من كونه تمام الموضوع للحكم أو تحقق ما يتم به الموضوع في الطرفين فإذا علم بوجود الخمر بين الاناءين فلا اثر له إلا بالقياس إلى الآثار المترتبة على نفس الخمر أو المترتبة عليه بضميمة ما هو مفروض الوجود معه فمثل وجوب الحد المترتب على شرب المعلوم خمريته عمدا لا يترتب عند العلم بالخمرية اجمالا لعدم العلم بتحقق موضوعه لا تفصيلا ولا اجمالا (وبالجملة) الميزان هو العلم بتحقيق الموضوع التام على كل تقدير وهذا واضح لا سترة فيه إلا ان الاشكال في بعض صغرياته ومن ثم وقع الاشكال في حكم الملاقي على ما ستعرف الحال فيه ان شاء الله تعالى (ومن هنا توهم) بعضهم عدم وجوب الاجتناب عن الاثمار والمنافع المتجددة لبعض الاطراف نظرا إلى ان الثمرة أو المنفعة المعدومتين فعلا غير محكوم بشئ من الاحكام الوضعية والتكليفية فإذا علم غصبية أحد الدارين ليس لاحدهما بالخصوص منفعة فعلية أو بغصبية إحدى الشجرتين ليست احداهما بمثمرة فعلا فلا اثر للعلم بالقياس إلى المنفعة أو الثمرة المتجددتين لعدم تحقق موضوعهما عند العلم بالغصبية فان غصبية العين لا يترتب عليها إلا الاحكام المترتبة على نفسها واما الاحكام المترتبة على غصبية المنافع أو الاثمار فيتوقف ترتبها على تحقق موضوعها الغير المحرز في المثال على الفرض

[ 257 ]

فيجري فيها اصالة الاباحة بلا معارض ولكنه لا يخفي عليك فساده (أما) بالنسبة إلى الاحكام الوضعية فلما ستعرف في محله من انها مجعولات بأنفسها وغير منتزعة من احكام تكليفية فضمان المنافع والاثمار حكم مجعول فعلى مترتب على غصبية الشجرة والدار فإن تعلق الغصب بشئ كما يوجب دخوله تحت الضمان فكذلك يوجب دخول توابعه ولواحقه ولو لم تكن بموجودة فعلا ففعلية الحكم بالضمان الذي هو الميزان في التنجيز اجنبية عن فعلية المنافع والاثمار (واما) بالنسبة إلى الاحكام التكليفية فلان فعليتها وان كانت تتوقف على فعلية موضوعاتها كما هو ظاهر الا ان المنافع والاثمار لكونها من شؤون الاعيان خارجا فملاك الحكم بحرمة التصرف فيها عند تحقق موضوعاتها يكون تاما من اول الامر فكما يكون العلم الاجمالي موجبا لتنجز الاحكام المترتبة على نفس الاعيان فكذلك يوجب تنجز الاحكام المترتبة على ما يعد من شؤونها التابعة لها خطابا وملاكا ومجرد تأخر وجود الشئ عن ظرف وجود العلم بعد تمامية ملاك حكمه لا يكون مانعا عن تنجيزه ومن هنا يعلم حال الاحكام الوضعية على القول بعدم استقلالها في الجعل ايضا إذا عرفت ذلك (فنقول) ان نجاسة الملاقي للنجاسة اما ان تكون حكما شرعيا تعبديا ثابتا لموضوعه في عرض الحكم بنجاسة ما لاقاه أو تكون من شؤون نجاسته ومن جهة سراية النجاسة من الملاقى إلى الملاقي كما إذا امتزج المايع المتنجس بغيره من جنسه أو من غيره فكما ان الامتزاج يوجب اتساع النجاسة وانبساطها في الاجزاء فكذلك الملاقات توجب الانبساط والاتساع فلا يكون الملاقي فردا آخر من النجس في قبال ما لاقاه بل نجاسته بعينها هي نجاسته فإن قلنا بالاول فلا يجب الاجتناب عن الملاقي لكونه فردا آخر شك في نجاسته وان قلنا بالثاني وجب الاجتناب عنه * (وتحقيق المقام) * انما يكون بتوضيح جهات (الاولى) في بيان ان النجاسة بالسراية أو لا فقد استدل على السراية بوجوه (الاول) ان العرف بعد حكم الشارع بنجاسة الملاقي يفهم سراية النجاسة إليه وانبساطها عليه كما في صورة الامتزاج (وفيه) انه لا طريق للعرف إلى فهم ذلك وعهدة دعوى فهمه على مدعيها بل غاية ما هناك انه حكم الشارع بنجاسة امور في حد ذواتها وحكم بنجاسة امور اخر بملاقاتها لها واين ذلك من السراية (الثاني) قوله تعالى والرجز فاهجر بتقريب ان هجر الشئ لا يتحقق الا مع الاجتناب عن ملاقيه ايضا (وفيه) منع واضح فان الآية لا دلالة فيها على نجاسة الملاقي فضلا عن كون نجاستها من شؤون نجاسة ما لاقاه (الثالث) رواية الكافي عن ابي جعفر عليه السلام انه اتاه رجل فقال وقع فارة

[ 258 ]

في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله فقال ابو جعفر (ع) لا تأكله فقال الرجل الفارة أهون علي من ان اترك طعامي لاجلها فقال له ابو جعفر (ع) انك لم تستخف بالفارة وإنما استخففت بدينك ان الله حرم الميتة من كل شئ (الخ) بتقريب انه عليه السلام جعل عدم الاجتناب عن الطعام الذي وقع فيه الفارة استخفافا بتحريم الميتة ولولا ان حرمة الشئ من جهة النجاسة كما هي المستفادة من الرواية مستلزمة لحرمة ملاقيه وهي من شؤونه لما صح جعله استخفافا بتحريم الميتة بل غايته ان يكون استخفافا بتحريم الطعام الملاقي لها فتدل الرواية على ان وجوب الاجتناب عن الملاقي من شؤون وجوب الاجتناب عن ما لاقاه (وقد) اجاب العلامة الانصاري قدس سره بعد تضعيف الرواية من جهة السند بأن المراد من الحرمة فيها هي النجاسة فإن حرمة الشئ لا تستلزم نجاسته فضلا عن نجاسة ملاقيه (وانت) خبير بأن مبنى الاستدلال على ان المستفاد من الرواية ملازمة حرمة الشئ من جهة نجاسته لحرمة ملاقيه فكأنه جعل من احكام نجاسة الشئ حرمة ملاقيه ونجاسته كحرمة نفسه والمقصود من الاستدلال هو اثبات ذلك لا أن مطلق حرمة الشئ مستلزمة لحرمة الملاقي حتى يلزم تخصيص الاكثر فيرفع اليد عن ظهور الرواية بارادة النجاسة من الحرمة واما تضعيف الرواية فليس في محله بعد ورودها في كتاب الكافي فإن المناقشة في اخبار الكتب الاربعة لا سيما الكافي منها بعد كونها متلقاة بالقبول بين الاصحاب ساقطة من اصلها (فالتحقيق) في الجواب ان يقال ان الظاهر من الرواية ان جعل الامام عليه السلام عدم وجوب الاجتناب عن الطعام استخفافا بتحريم الميتة من جهة ما هو المرتكز في ذهن السائل من ان النجاسة القليلة لا توجب تنجس الطعام الكثير بملاقاتها بل لابد فيه من التأثر والتغير فردعه الامام عليه السلام بأنك ما استخففت بالفارة لصغرها وإنما استخففت بدينك حيث ان الله تبارك وتعالى حرم الميتة من كل شئ من دون فرق بين صغيره وكبيره فما يترتب على الميتة الكبيرة من تنجس الملاقي يترتب على ميتة الفارة ايضا فالرواية اجنبية عن محل الكلام بالكلية (نعم) لا يبعد ان يدعى ان المرتكز في ذهن السائل بل مطلق اهل العرف ان تنجس الملاقي من جهة السراية الا انها غير مسلمة لاحتمال ان يكون تخيل السائل لاعتبار غلبة النجاسة في الحكم بنجاسة الملاقي من جهة شرطية ذلك في التأثر بالملاقاة لا من جهة كون التنجيس من جهة السراية كما هو المستفاد من الادلة الشرعية فان قولهم عليهم السلام إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ ظاهر في ان تأثر الملاقي من جهة الانفعال بالملاقاة فكما ان المتنجس الملاقي

[ 259 ]

للكر يكون فردا آخر من الطاهر من جهة الملاقاة فكذلك الطاهر الملاقي للنجس يكون فردا آخر من النجس بها فيكون موضوع الحكم بالنجاسة مركبا من الملاقاة وتنجس ما لاقاه (فتحصل) ان الالتزام بالتنجيس من جهة السراية مع انه لا يساعد عليه دليل مخالف لظواهر الادلة ايضا (الثانية) في بيان ان التنجيس لو كان من جهة السراية لوجب الاجتناب عن ملاقي طرف الشبهة كنفس الطرف الملاقي له لما عرفت من ان العلم الاجمالي يوجب تنجز معلومه بتمام ما له من الاثر من دون فرق بين الآثار المشتركة بين الطرفين وبين الاثر المختص بكل واحد من الاطراف إذا كان من آثار نفس المعلوم بالاجمال على تقدير وجوده في ذلك الطرف وحيث ان المفروض كون وجوب الاجتناب عن الملاقي من آثار وجود النجاسة فيما لاقاه فمقتضى العلم الاجمالي هو ترتيب تمام ما للنجاسة من الاثر فيجب الاجتناب عن الملاقي ايضا (فما) عن المحقق صاحب الكفاية قدس سره في تعليقته من ان تأخر زمان الملاقاة عن العلم الاجمالي يوجب الشك في حدوث تكليف آخر مختص بأحد الطرفين فيتمسك فيه بالبرائة (مدفوع) بأن تأخر الوجود لا يمنع عن التنجز بالعلم السابق إذا كان من آثار المعلوم إجمالا كما عرفت توضيحه في المقدمة (الثالثة) انه إذا لم نقل بكون التنجيس من جهة السراية فمقتضى القاعدة عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لبعض الاطراف وذلك لان المفروض ان الملاقي على فرض نجاسته فرد آخر من النجس محكوم بحكم مستقل مغاير لحكم ما لاقاه والمعلوم بالاجمال حكم مختص بخصوص الطرفين ولا يسري منهما إلى غيرهما فإذا شك في حدوث حكم آخر من جهة الشك في تحقق موضوعه فلا محالة يجري فيه البراءة (وبعبارة أخرى) اطاعة الحكم الثابت في الملاقي وعصيانه على تقدير وجوده لو فرض مغايرتها لاطاعة الحكم الثابت فيما لاقاه وعصيانه فتنجز احد الحكمين بالعلم الاجمالي يكون اجنبيا عن تنجز الآخر والميزان في تنجز كل تكليف هو تعلق العلم به بخصوصه تفصيلا أو اجمالا (فإن قلت) سلمنا ان العلم الاجمالي بوجود النجاسة في البين لا يقتضي وجوب الاجتناب عن الملاقي إلا ان هناك علمان آخران يقتضي كل منهما وجوب الاجتناب عنه ايضا ضرورة ان العلم باتحاد حكم الملاقي وما لاقاه واقعا أوجب لنا العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر كما فيما لاقاه وان شئت قلت نعلم اجمالا بنجاسة مجموع الامرين الملاقى وما لاقاه أو الطرف الآخر (قلت) العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر انما يكون مؤثرا فيما لو لم يكن الحكم في الطرف الآخر متنجزا بمنجز سابق لما عرفت سابقا

[ 260 ]

من ان تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على كون العلم علما بالتكليف على كل تقدير ومع تنجز التكليف في احد الطرفين بمنجز شرعي أو عقلي لا يكون كذلك بل يكون مرجعه إلى الشك في حدوث تكليف آخر غير المتنجز سابقا وحيث ان المفروض في المقام ذلك لتنجز الحكم في الطرف الآخر على تقدير وجوده بالعلم السابق فلا أثر لهذا العلم الاجمالي واما العلم بنجاسة مجموع الملاقى وما لاقاه أو الطرف الآخر فلا اثر له ايضا فان نجاسة الملاقى ونجاسة ما لاقاه ليستا في مرتبة واحدة بل الشك في احدهما مسبب عن الشك في الآخر فالعلم بخطاب مردد بين الطرفين سابق في الرتبة على الخطاب المشكوك أوجب تنجز المعلوم وسقوط الاصول في اطرافه فلم يبق إلا الشك في خطاب متعلق بخصوص الملاقي ومن الضروري ان الاصول إذا سقطت في ناحية الشك السببي فينتهي الامر إلى الاصل الجاري في الشك المسببي (ومنه يظهر) انه لا فرق في عدم لزوم الاجتناب بين ما إذا كان الملاقاة سابقا على العلم الاجمالي أو لاحقا فان الميزان في خروج الملاقي عن اطراف العلم هو كون خطابه في طول خطاب ما لاقاه من غير دخل للتقدم الزماني فيه اصلا وسيجئ له مزيد بيان ان شاء الله تعالى (فإن قلت) سلمنا ان نجاسة الملاقي مسببة عن نجاسة ما لاقاه إلا ان طهارته ليست مسببة عن طهارته فاصالة الطهارة الجارية في الملاقي تكون في عرض الاصل الجاري فيما لاقاه من دون سببية في البين وعليه يكون كل منهما ساقطا بالمعارضة مع الاصل الجاري في الطرف الآخر (قلت) طهارة الملاقي وان لم تكن مسببة عن طهارة ما لاقاه الا ان الاصلين الجاريين فيهما ليسا في مرتبة واحدة بل الاصل الجاري في الملاقي محكوم للاصل الجاري فيما لاقاه على تقدير جريانه وذلك لما مر مرارا من عدم الفرق في جريان الاصل بين ترتب الاثر على نفس مؤداه أو على نقيضه وحيث ان من آثار طهارة الشئ عدم تنجس ملاقيه فجريان اصالة الطهارة في الطرف لا يبقى مجالا لجريان اصالة الطهارة في ملاقيه فإنه يحكم عليه بعدم النجاسة شرعا فلا يبقى شك فيها حتى يرجع فيه إلى الاصل نعم لو فرضنا سقوط الاصل فيه كما في المقام فينتهي الامر إلى الاصل المسببي كما عرفت (فان قلت) قد ذكرت سابقا ان مقتضى العلم الاجمالي سقوط الاصول الطولية كلها بمعارضة الاصل في الطرف الآخر وانه لا تصل النوبة إلى الاصل المحكوم بعد سقوط الاصل الحاكم فإذا فرضنا ان احد طرفي العلم كان معلوم الطهارة سابقا فلا يمكن جعل المعارضة بين الاستصحاب في طرفه وقاعدة الطهارة في الطرف الآخر حتى يرجع

[ 261 ]

إلى اصالة الطهارة في ذاك الطرف بل يكون الاستصحاب والقاعدة معا طرفا للمعارضة مع الاصل في الطرف الآخر وعلى ذلك كيف يستقيم الرجوع إلى الاصل المحكوم في المقام بعد سقوط الاصل الحاكم (قلت) قد ذكرنا هناك ان سقوط الاصول الطولية يختص بما إذا كانت جارية في موضوع واحد كما في المثال واما فيما إذا جرت في موضوعات متعددة فلا مناص عن الرجوع إلى الاصل المحكوم بعد سقوط الحاكم فراجع (فتحصل) انه بناء على كون التنجيس لا من جهة السراية فلا ريب في عدم وجوب الاجتناب عن ملاقي بعض أطراف العلم بل المرجع فيه هي اصالة الطهارة (الرابعة) إذا شك في ان التنجيس من جهة السراية ام لا فهل القاعدة تقتضي وجوب الاجتناب عن الملاقي ام لا (الحق) هو الثاني ولا بد في توضيحه من تقديم (مقدمة) وهي انه إذا دار الامر بين شرطية ضد ومانعية الآخر فتارة يكونان من قبيل الضدين اللذين ليس لهما ثالث واخرى لا يكونان كذلك وعلى الثاني فلا ريب في جواز الرجوع إلى البراءة عن الشرطية المشكوكة كما إذا دار الامر بين شرطية السورة في الصلاة بشرط لا ومانعية القران فيها فإنه يمكن فرض الصلاة خالية عنهما إذ بطلان الصلاة مع القران معلوم تفصيلا سواء كان من جهة وجود المانع أو لفقدان الشرط وبطلانها خالية عن السورة مشكوك فيرجع فيه إلى البراءة على ما هو الحال في مطلق دوران الامر بين الاقل والاكثر واما على الاول فلا مجال لجريان حديث الرفع بالقياس إلى الشرطية بعد اشتراك المانعية والشرطية في الآثار وعدم اختصاص واحد منهما بخصوص اثر شرعي فإذا علم شرطية الاخفات في الصلاة أو مانعية الجهر فكما يترتب البطلان في فرض الجهر على مانعيته فكذلك يترتب على شرطية الاخفات ايضا فلا اثر مشكوك يترتب على نفس الشرطية فيرجع فيه إلى البراءة وهذا المقدار مما لا شبهة فيه إلا ان الاشكال في جواز الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى الآثار المترتبة على الشك مثلا إذا فرضنا ان شرطية الشئ اقتضت وجوب احرازه عند الشك في وجوده اما شرعا أو عقلا من باب وجوب المقدمة العلمية ولكن مانعية الضد لا تقتضي احراز عدمه بناء على الاكتفاء باصالة عدم المانع عند الشك في وجوده فهل يمكن الرجوع إلى حديث الرفع عند دوران الامر بين شرطية شئ ومانعية ضده في رفع الشرطية بلحاظ هذا الاثر المترتب على الشك ام لا (مقتضى) ما اخترناه في الدورة السابقة (هو العدم) نظرا إلى ان المرفوع بحديث الرفع لا بد وان يكون حكما مجهولا مجعولا شرعيا يكون في رفعه المنة والسعة ومثل هذا الاثر المترتب

[ 262 ]

على الشك اما ان لا يكون حكما شرعيا أو لا يكون حكما واقعيا مجهولا بل هو حكم طريقي مترتب على نفس عنوان الشك فلا يكون قابلا للارتفاع بحديث الرفع ولكن الصحيح هو جواز الرجوع إليه ولو من جهة نفي مثل هذا الاثر فإن الالتزام بلزوم كون المرفوع حكما مجعولا شرعيا بلا ملزم بل اللازم هو كون المجهول تحت اختيار الشارع وضعا أو رفعا وكان في رفعه المنة والتوسعة وحيث ان الشرطية يترتب عليها من التضييق ما لا يترتب على المانعية وهو مجهول على الفرض فلا مانع من الرجوع إلى حديث الرفع من هذه الجهة على انا لو سلمنا لزوم ذلك فلنا ان نرجع إليه في رفع نفس الشرطية التي هي من الاحكام الشرعية لكن بلحاظ خصوص هذا الاثر لا مطلقا فالاثر المترتب على الشك سواء كان من الاحكام الظاهرية أو من الاحكام العقلية يصح التمسك بحديث الرفع في ارتفاعه ولو من جهة رفع سببه ومنشئه فعند الدوران المذكور يحكم بعدم لزوم الاحراز الذي يترتب على الشك في وجود الشرط المفروغ عن شرطيته * (إذا عرفت) * ذلك (فنقول) إذا علم ملاقاة شئ للنجاسة وشك في ان التنجيس من جهة الملاقاة أو السراية فلا ريب في عدم جواز الرجوع إلى اصل يحرز به عدم السراية فإن النجاسة على كلا التقديرين متيقنة وليس لخصوص السراية اثر عملي يتمسك في رفعه بحديث الرفع واما إذا لم يعلم ذلك كما في محل الكلام فإن المفروض تحقق الملاقاة مع بعض الاطراف بالخصوص فلكون النجاسة من جهة السراية اثر ظاهر إذ المفروض وجوب الاجتناب عن الملاقي ايضا على هذا التقدير فالشك في كون النجاسة بالسراية يوجب الشك في وجوب الاجتناب عن الملاقي فيرجع فيه إلى حديث الرفع إما بلحاظ الحكم الظاهري المشكوك المترتب على الشك ولو كان عقليا فضلا عما إذا كان شرعيا واما بلحاظ الحكم الواقعي المجهول من جهة هذا الاثر إذ المفروض هو الجهل بكون لزوم الاجتناب عن الملاقي من آثار نجاسة ما لاقاه وترتب الاثر عليه ولو بلحاظ حال الشك كما في الشك في الشرطية والمانعية بعينه فافهمه واغتنم (فتحصل) ان القائل بلزوم الاجتناب عن الملاقي في المقام لا بد له من اقامة الدليل على السراية وإلا فمقتضى الاصل هو عدم وجوب الاجتناب عنه * (تكملة وتبصرة) * قد ذكرنا سابقا واشرنا إليه في المقام أن الميزان في تنجيز العلم الاجمالي هو كونه علما بتكليف فعلي على كل تقدير فلو لم يكن كذلك بل كان بعض الاطراف مما تنجز التكليف فيه بمنجز سابق عقلي أو شرعي فلا محالة

[ 263 ]

لا يكون للعلم حينئذ تأثير لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على ذلك الطرف فيخرج بذلك عن كونه علما بالتكليف على كل تقدير (ثم) ان الميزان في تنجيز العلم كما عرفت بصفة كاشفيته وطريقيته لا بوجود نفسه بما هي صفة خاصة فلو تعلق العلم بمعلوم سابق فلا بد من ترتيب الاثر من ذلك الزمان دون زمان حدوثه وعليه يترتب انه لو علم نجاسة احد الانائين يوم السبت ثم علم يوم الاحد بوقوع نجاسة مرددة بين اناء ثالث وواحد معين من ذاك الانائين في يوم الجمعة لما وجب الاجتناب إلا عن طرفي العلم الثاني وإن كان متأخرا وجودا إذ به يخرج العلم الاول عن كونه علما بالتكليف مطلقا ويكون موجبا لانحلاله فالميزان في تأثير العلم وعدمه هو سبق المعلوم وعدمه دون نفسه (ومنه يظهر) انه في فرض ملاقاة ما هو طرف للعلم الاول خاصة للاناء الثالث في المثال لا يجب الاجتناب عنه بناء على ما اخترناه من عدم وجوب الاجتناب عن ملاقي بعض الاطراف (نعم) لا يبعد أن يكون لتقدم نفس صفة العلم زمانا دخل في تأثيره فيما إذا لم يكن بين احد المعلومين سبق وتأخر فإذا كان متعلق كل من الانائين في مفروض المثال هو نجاسة احد الطرفين يوم السبت فلا محالة يكون العلم الاول مؤثرا من حينه ولا يكون العلم الثاني قابلا لان ينحل به العلم الاول فيخرج الثاني عن كونه علما بالتكليف مطلقا فالميزان في التأثير بسبق المعلوم ان كان وإلا فبسبق العلم نفسه * (ثم انه) * لا فرق في سبق احد المعلومين على الآخر بين سبقه عليه بالزمان كما في مفروض المثال أو بالرتبة كما إذا فرض الملاقاة سابقا على العلم الاجمالي فإن العلم بنجاسة الملاقى بالفتح وطرفه وإن كان مقارنا مع العلم بنجاسة الملاقي وذاك الطرف زمانا إلا ان الشك في نجاسة الملاقي حيث كان ناشئا عن الشك في نجاسة ما لاقاه ففي مرتبة سابقة على الملاقاة يعلم بنجاسة متنجزة في الطرفين فالتكليف في احد طرفي العلم الثاني يكون منجزا في مرتبة سابقة على العلم فلا يكون علما بالتكليف مطلقا (نعم) لو فرضنا خروج الملاقي عن محل الابتلاء في المثال ولم يكن العلم بنجاسته أو بنجاسة الطرف الآخر منجزا للتكليف المعلوم فلا محالة يكون العلم الثاني مؤثرا ما دام تكون الحال هذه فإذا فرض رجوعه إلى محل الابتلاء فيكون العلم بنجاسته أو الطرف الآخر السابق في الرتبة على العلم الثاني مؤثرا لا محالة ويخرج به العلم الثاني عن التأثير ويكون موجبا لانحلاله * (ومن جميع ما ذكرناه) * يظهر ان ما افاده المحقق صاحب الكافية (قده) من تقسيم الملاقي إلى اقسام والالتزام بوجوب الاجتناب عنه فقط في بعض الصور كما إذا علم اولا نجاسة الملاقي

[ 264 ]

أو الطرف الآخر ثم علم بالملاقاة وبنجاسة ما لاقاه أو الطرف الآخر وان الملاقي على تقدير نجاسته ليس له سبب إلا نجاسة ما لاقاه أو علم الملاقاة ونجاسة مرددة بين الملاقى بالفتح والطرف الآخر ولكن كان الملاقى بالفتح خارجا عن الابتلاء حال العلم ثم عاد إليه أو مع الاجتناب مما لاقاه ايضا كما إذا علم الملاقاة أولا ثم حدث العلم بالنجاسة مع كون كل من الملاقى وما لاقاه في محل الابتلاء (لا يمكن) مساعدته بوجه لما عرفت من عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في شئ من هذه الصور وكان ما افاده (قده) مبني على تخيل كفاية منجزية العلم حدوثا للبقاء ايضا وعلى كون الميزان في تأثير العلم هو سبق نفس صفة العلم زمانا وقد ظهر لك فساد كل منهما وان الميزان هو سبق المعلوم ولو كان بالرتبة فلا موجب للاجتناب عنه في شئ من الصور أو على ما اختاره وأسسه من تصور مراتب للاحكام وان الحكم بعد وجود موضوعه ربما لا يكون فعليا بل يبقي على ما هو عليه من الانشائية ويكون تمامية فعليته بتعلق العلم به فإنه على ذلك لا يكون التكليف فعليا الا ظرف تعلق العلم به فإذا علم نجاسة الملاقي أو الطرف فلا يكون التكليف الفعلي الا بينهما فلو علم بعد ذلك تحقق الملاقاة والعلم بنجاسة مرددة بين الطرف الآخر وما لاقاه سابقة على الملاقاة فلا يكون له اثر إذ المفروض تنجز بعض اطرافه بالعلم السابق والمفروض عدم فعلية التكليف المعلوم به قبل حدوثه فيخرج عن كونه علما بالتكليف مطلقا (ومنه يظهر الحال) في الصورة الثانية وان الملاقى بالفتح إذا عاد إلى محل الابتلاء لا يجب الاجتناب عنه إذ لا يحدث به العلم بالتكليف الفعلي فيجب الاجتناب عن الملاقي والطرف الآخر ليس إلا كما انه إذا كان العلم بالنجاسة بعد العلم بالملاقاة وكون كل من الملاقي وما لاقاه في محل الابتلاء فالتكليف الفعلي يكون مرددا بين ان يكون في الطرف الآخر أو في مجموع الملاقي وما لاقاه فيجب الاجتناب من الجميع لوحدة زمان العلم بالقياس إلى الجميع (لكنك) قد عرفت مرارا فساد ما اسسه وانه لا معنى لفعلية الحكم الا وجود موضوعه خارجا الذي اخذ مفروض الوجود حين انشائه من دون مدخلية لعلم المكلف وجهله وعليه يكون العلم بالتكليف الفعلي بين الملاقى بالفتح والطرف مؤثرا في جميع الصور ولا يبقى للعلم بنجاسة الملاقي والطرف الآخر اثر اصلا تقارن العلمان أو تأخر احدهما عن الآخر لما عرفت من ان المدار على سبق التكليف المعلوم دون نفس صفة العلم * (الامر الخامس) * إذا اضطر إلى ارتكاب بعض اطراف العلم الاجمالي فإما ان يكون الاضطرار إلى البعض المعين أو إلى الغير المعين وعلى التقديرين فإما ان يكون الاضطرار بعد

[ 265 ]

حدوث التكليف وفعليته أو قبله وعلى الاول فإما ان يكون قبل حصول العلم أو بعده أو معه فهنا صور (الصورة الاولى) ما إذا كان الاضطرار إلى البعض العين قبل حدوث التكليف وفعليته كما إذا حصل الاضطرار إلى شرب احد المائعين قبل وقوع النجاسة في احدهما لا بعينه ولا ريب في عدم وجوب الاجتناب عن شئ منهما لعدم كون العلم علما بالتكليف مع احتمال انطباق المعلوم على الطرف المضطر إليه فيبقى احتمال حدوث التكليف في الطرف الآخر فيرجع فيه إلى الاصل (الصورة الثانية) ما إذا كان الاضطرار إلى المعين بعد حدوث التكليف وقبل العلم به كما إذا علم بعد الاضطرار بوقوع النجاسة في احدهما قبل حصول الاضطرار فقد يقال فيه بوجوب الاجتناب عن الآخر كما كان هو المختار لشيخنا الاستاذ دام ظله في بعض دوراته السابقة بتقريب ان العلم بالتكليف كما مر انما يكون مؤثرا في التنجيز من جهة طريقيته وكاشفيته لا بما انه صفة خاصة وحيث ان المفروض في المقام تعلق العلم بثبوت التكليف قبل حصول الاضطرار فلو كان في الطرف المضطر إليه فلا محالة يسقط بحدوث الاضطرار لكونه رافعا له ولو كان في الطرف الآخر فهو باق على حاله من دون عروض مسقط فالشك في انطباقه على الطرفين يرجع إلى الشك في سقوط التكليف المعلوم بعد ثبوته ومن المعلوم ان المرجع فيه هو الاشتغال دون البراءة فلابد من الاجتناب عن الطرف الآخر حتى يقطع بالامتثال وقد اشكل عليه دام ظله في هذه الدورة بوجوه " الاول " ان جعل المقام من قبيل الشك في المسقط انما نشأ من خلط الشك في تحقق الاضطرار المسقط للتكليف الثابت بالشك في ثبوت التكليف وسقوطه بالاضطرار (بيانه) ان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال في المقام على الطرف الغير المضطر إليه وان كان موجبا لاحتمال بقاء التكليف وعدم سقوطه وجدانا الا ان تحقق التكليف فيه مشكوك من اول الامر فكما يحتمل تحققه فيه فكذلك يحتمل تحققه في الطرف الآخر المضطر إليه فليس هناك علم بتكليف فعلي شخصي يحتمل سقوطه وبقاؤه حتى يتمسك بقاعدة الاشتغال بل التكليف مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع فأين هناك تكليف فعلي يشك في سقوطه (وتوهم) ان التكليف المعلوم بالاجمال الجامع بين الطرفين تكليف معلوم شك في سقوطه فيتمسك فيه بقاعدة الاشتغال كما يتمسك بالاستصحاب الكلي فيما هو نظير المقام (مدفوع) بأن التكليف المعلوم بالاجمال إنما هو التكليف الفعلي على كل تقدير وهو مقطوع الارتفاع بعد حدوث الاضطرار إلى احدهما المعين وما يحتمل بقاؤه هو التكليف المردد تعلقه

[ 266 ]

بالطرف المضطر إليه حتى يكون ساقطا أو بالطرف الآخر حتى يكون باقيا فليس هنا تكليف يقيني شك في بقائه فالتمسك بقاعدة الاشتغال هنا كالتمسك باستصحاب الفرد المردد في نظائر المقام فكما لا نقول به فيها فكذلك لا نقول بها في المقام (وبالجملة) الشك في سقوط التكليف بعد ثبوته وان كان موردا لقاعدة الاشتغال لا محالة إلا ان المقام ليس من هذا القبيل بل من قبيل الشك في ثبوت التكليف في غير الطرف المضطر إليه فيرجع فيه إلى البراءة (الثاني) انا قد ذكرنا مرارا أن تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على تعارض الاصول وتساقطها لا محالة وحيث ان الطرف المضطر إليه لم ينجز التكليف فيه في زمان لعدم العلم به قبل الاضطرار وحصول الاضطرار فيه بعد تحققه فلا مانع عن الرجوع إلى الاصل في الطرف الآخر من غير معارض فلا يبقى اثر للعلم الاجمالي (الثالث) ان التقريب المتقدم على تقدير تماميته إنما يجري في الاضطرار العقلي المستحيل معه التكليف واما في الاضطرار العادي العرفي الذي هو الموضوع في حديث الرفع على ما مر بيانه في محله فلا محالة يكون التكليف على تقدير وجوده فيه مرفوعا شرعا في الواقع على ما مر من ان حكومة حديث الرفع على الادلة الواقعية حكومة واقعية في غير ما لا يعلمون وعليه يكون الاضطرار رافعا لاصل التكليف واقعا لا مسقطا له فلا يرجع الشك إلى الشك في المسقط الذي هو مورد لقاعدة الاشتغال فتحصل ان حال الاضطرار إلى المعين قبل العلم كحال تلف بعض الاطراف أو خروجه عن محل الابتلاء قبله فكما لا ريب في عدم تنجيز العلم الاجمالي في موردهما فكذلك في المقام (الصورة الثالثة) ما إذا كان الاضطرار إلى المعين مقارنا مع العلم الاجمالي وحكمها وان كان يظهر من سابقتها لاشتراكهما في عدم العلم بالتكليف الفعلي فيهما إلا انه (ربما يتوهم) فيها وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر نظرا إلى ان وحدة زماني العلم والاضطرار اوجبت الوحدة في زماني التنجيز والمسقطية فيرجع الشك في المقام إلى الشك في وجود المسقط مقارنا مع العلم بوجود التكليف المنجز (ويدفعه) ان الاضطرار إذا كان من حدود التكليف وقيوده فكيف يمكن فرض العلم بالتكليف المنجز على كل تقدير مع مقارنة الاضطرار معه (فإن قلت) الاضطرار وان كان من حدود التكليف وقيوده والتكليف يسقط معه لا محالة إلا ان المسقط له هو الاضطرار بمعناه الماضوي التحققي لا بمعناه التلبسي الفعلي ضرورة ان مسقطية الاضطرار للحكم إنما تكون في مرتبة متأخرة عنه وعليه ففي مرتبة الاضطرار التلبسي المقارن مع العلم نعلم بوجود تكليف فعلي منجز على كل تقدير إذ المفروض

[ 267 ]

ان مرتبة السقوط بعد هذه المرتبة فلا محالة يكون العلم الاجمالي منجزا للتكليف وان لم يتعارض الاصول في مورده فإن تعارض الاصول في مرتبة متأخرة عن العلم وهي مرتبة سقوط التكليف بالاضطرار فلا يتحقق التعارض وهذا من جملة الموارد التي ينفك العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي عن تعارض الاصول وتساقطها (قلت) قد ذكرنا مرارا ان فعلية التكليف تتوقف على امكان الانبعاث عنه في الخارج وحيث ان المفروض في المقام سقوط التكليف المقارن للاضطرار التلبسي في الآن المتصل به فلا يعقل تأثيره في الانبعاث فيستحيل فعليته فكما يستحيل تعارض الاصول وتساقطها في مورده فكذلك يستحيل العلم بالتكليف الفعلي معه (الصورة الرابعة) ما إذا كان الاضطرار إلى المعين بعد العلم الاجمالي والحق فيها وجوب الاجتناب عن غير الطرف المضطر إليه كما في صورتي التلف والخروج عن محل الابتلاء بعد تنجز التكليف في الاطراف فان العلم بالتكليف على الفرض اوجب تنجز التكليف في اي من الاطراف كان من حيث حرمة المخالفة ووجوب الموافقة القطعيتين وحيث انه حصل الامتثال في الطرف المضطر إليه باجتنابه إلى زمان حصول الاضطرار الرافع للتكليف فلا بد من القطع بالامتثال في الطرف الآخر ايضا (وبعبارة اخرى) التكليف المنجز الثابت لا بد من الخروج عن عهدته بتحصيل الاطاعة اليقينية وهو لا يكون إلا باجتناب الطرف المضطر إليه إلى زمان الاضطرار واجتناب الطرف الآخر مطلقا فيكون المقام من قبيل العلم بتكليف مردد بين ان يكون محدودا في طرف وغير محدود في الطرف الآخر كالعلم بوجوب صلاة الجمعة المحدودة بما بعد الزوال بساعة مثلا أو الظهر الغير المحدودة بزمان من جهة اصلها وان كانت محدودة بآخر الوقت من جهة ادائيتها فكما لا ريب في تنجيز العلم الاجمالي للتكليف في مورده ولو بعد ساعة مع عدم العلم في حينه بوجود تكليف فعلي فكذلك في المقام والسر فيه ما عرفت من ان الشك في التكليف انما يكون موردا للبراءة فيما إذا لم يكن متعلقا بتكليف متنجز واما فيه كما في محل الكلام فلا بد من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال تحصيلا للبراءة اليقينية (وبذلك) يظهر ما في كلام المحقق صاحب الكفاية (قده) من تخيل كون المقام من موارد الرجوع إلى البراءة نظرا إلى ان الاضطرار لكونه من حدود التكليف وقيوده فلا محالة يكون التكليف مقيدا من أول الامر فكما ان الاضطرار السابق يمنع عن حدوث العلم بالتكليف فكذلك الاضطرار اللاحق يمنع عن بقائه وبه فرق بين الاضطرار وفقدان بعض الاطراف فحكم بوجوب الاجتناب عن

[ 268 ]

الطرف الباقي في صورة الفقدان لعدم كونه مثل الاضطرار مأخوذا في موضوع التكليف حدا وقيدا (وجه الظهور) ان الاضطرار وان كان كما ذكره من حدود التكليف وقيوده الا انه لا يلزمه عدم وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر بعد حدوثه فإن غاية ذلك هو كون المعلوم بالاجمال مرددا بين التكليف المحدود في طرف والغير المحدود في طرف آخر فلا بد من وجوب الاجتناب عنهما تحصيلا للموافقة القطعية (نعم) لو كان دوران الامر بين المحدودية وعدمها في مورد واحد كان علم حرمة شئ في الجملة ولكن تردد الامر بين كونها محدودة وغير محدودة فيمكن القول بالرجوع إلى البراءة في غير المقدار المتيقن لانحلال العلم الاجمالي إلى قضية متيقنة وأخرى مشكوكة واين ذلك من العلم بالتكليف المردد بين كونه محدودا في موضوع وغير محدود في موضوع آخر (ثم) ان ما افاده من عدم كون فقدان المكلف به من قيود التكليف وحدوده (يظهر فساده) مما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من ان كل تكليف لا بد وان يكون مشروطا بالاضافة إلى وجود موضوعه ويستحيل فيه الاطلاق بالقياس إلى حالتي الوجود والعدم وحينئذ فلا فرق بين الاضطرار والتلف الا في ان الاشتراط في الاول شرعي وفي الثاني عقلي ومن المعلوم انه لا يكون فارقا فيما هو محل الكلام في المقام لكن الذي يسهل الخطب انه (قده) عدل في هامش الكتاب عنه وبنى على لزوم الاحتياط كما اخترناه (الصورة الخامسة) ما إذا اضطر إلى ارتكاب البعض الغير المعين قبل حدوث التكليف فضلا عن تعلق العلم به والحق فيها وجوب الاجتناب عن الزائد عن المقدار الذي يرتفع به الاضطرار وذلك فإن التكليف المتحقق بعد الاضطرار بتحقق موضوعه يكون فعليا لا محالة على ما بيناه في بحث الواجب المشروط من ان فعلية كل تكليف انما هو بتحقق موضوعه لا محالة والمفروض عدم الاضطرار إلى ارتكابه إذ الفرض امكان رفعه بغيره المباح ايضا فلا مانع من فعلية التكليف أصلا غاية الامر ان المكلف من جهة جهله به وجواز رفع اضطراره بما يختاره خارجا يكون مخيرا في التطبيق فيكون مورد اختياره على فرض كونه الحرام واقعا معذورا في ارتكابه واما على فرض كونه مباحا في الواقع المستلزم لكون الحرام غيره فلا مجوز له في ارتكابه إذ المفروض فعلية التكليف فيه وعدم ما يوجب ترخيصه (وبعبارة اخرى) الاضطرار بالواحد لا بعينه إنما يوجب الترخيص في عدم لزوم تحصيل العلم بالموافقة بترك الجميع واما تجويز ارتكاب الجميع بحيث يقطع بارتكاب الحرام الواقعي مع فرض عدم الاضطرار إليه بخصوصه فلا فان الاضطرار إنما يلزمه رفع اليد عن امتثال التكليف بقدره دون الزائد عليه ومن الواضح انه

[ 269 ]

يرتفع برفع اليد عن لزوم الموافقة القطعية فلا موجب لتجويز المخالفة القطعية مع العلم بوجود التكليف وعدم الاضطرار إلى مخالفته كما هو المفروض ونتيجة ذلك هو التكليف المتوسط بين ما يلزم امتثاله مطلقا وبين ما لا يلزم امتثاله اصلا كما في موارد الشبهات البدوية فإنه على تقدير تحققه فيما يختاره المكلف لدفع اضطراره فلا محالة يكون مخالفته معذورا فيها واما على تقدير تحققه في غيره فلا موجب لتجويز مخالفته فيبقى على ما هو عليه من الفعلية والتنجز (ومن هنا يظهر) الفرق بين صورتي الاضطرار إلى المعين وإلى غيره فان في صورة الاضطرار إلى المعين يحتمل انطباق مورد التكليف عليه ولازمه احتمال تعلق الاضطرار بمخالفة نفس التكليف فلا علم بوجود تكليف فعلي إذا كان الاضطرار قبل حدوث التكليف وقبل العلم به وهذا بخلاف الاضطرار إلى غير المعين فإنه يقطع فيه بعدم الاضطرار إلى مخالفة التكليف فإنه على تقدير تميز الحرام لدفع الاضطرار بغيره فالاضطرار بنفسه لا يوجب مخالفة التكليف ولو احتمالا (نعم) حيث ان المفروض الجهل بالحرام فلا محالة يجوز دفع الاضطرار باي من الاطراف اختاره المكلف في الخارج فإن كان هو الحرام فهو غير معاقب على مخالفته وإن كان غيره فلا مجوز له في ارتكابه وهذا معنى ما ذكرناه من التوسط في التكليف (وبذلك ظهر) فساد ما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من عدم تنجيز العلم الاجمالي في هذه الصورة كما في صورة الاضطرار إلى المعين نظرا إلى اشتراط تنجيزه بما إذا كان متعلقا بالحكم الفعلي على كل تقدير وحيث ان الاضطرار مطلقا مانع عن فعلية التكليف على الاطلاق فلا يكون العلم منجزا ولا موجب للتنجيز غيره (وجه الظهور) ان فعلية الحكم كما مر مرارا لا تتوقف على ازيد من وجود موضوعه بحدوده وقيوده وحيث انه في فرض الاضطرار إلى المعين لا يعلم ذلك لاحتمال كون الحرام الواقعي هو المضطر إليه والمفروض كون الاضطرار من القيود فلا علم بوجود التكليف الفعلي على كل تقدير وهذا بخلاف الاضطرار إلى غير المعين فإن وجود موضوع التكليف فيه وعدم تعلق الاضطرار به معلوم فلا مناص عن فعلية التكليف على كل تقدير غاية الامر معذورية المكلف عن مخالفته في بعض التقادير واين ذلك من عدم العلم بالتكليف الفعلي (نعم) فعلية التكليف بالمعنى الذي يلتزم هو (قده) به من كون الحكم بمرتبة يلزم على المولى ايصاله إلى المكلفين ولو بالطرق الغير المتعارفة أو ايجاب الاحتياط عليهم لعدم رضائه بالمخالفة من اي جهة فرضت تنافي مع الترخيص في بعض الاطراف كما في المقام إلا انه

[ 270 ]

لا ملزم بالالتزام به مع عدم وجود حكم فعلي بهذا المعنى في شئ من الاحكام الشرعية بل لازمه الالتزام بكون فعلية الحكم فوق مقام تنجزه (وكيف كان) فقد ظهر ان التحقيق يقتضي الالتزام بالمتوسط في التكليف في موارد الاضطرار إلى غير المعين وإن كان الاضطرار قبل حدوث التكليف ومنه يعلم الحال في باقي صور الاضطرار إلى غير المعين فلا حاجة إلى اطالة الكلام فيه (بقي الكلام) في ان التوسط في التكليف الذي هو المختار عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) في المقام هل هو بمعنى التوسط في نفسه أو في تنجزه (فنقول) معنى التوسط في نفس التكليف هو كون نفس التكليف الواقعي بحيث يكون باقيا على تقدير وساقطا على التقدير الآخر كما في موارد الاضطرار إلى المعين بعد العلم الاجمالي فإن موضوع التكليف على تقدير انطباقه على المضطر إليه يكون ساقطا لا محالة وعلى تقدير انطباقه على غيره يكون باقيا كذلك ومعنى التوسط في التنجيز هو كون الحكم الواقعي باقيا على حاله مطلقا الا انه كان بحيث يصح العقاب على مخالفته على تقدير دون تقدير كما في موارد الاقل والاكثر على القول بالبراءة فإن التكليف الثابت في مورده بحيث يصح العقاب على مخالفته إذا كانت مستندة إلى ترك الاجزاء والشرائط المعلومة واما إذا كانت مستندة إلى ترك غيرها من الاجزاء أو الشرائط المجهولة فلا يصح العقاب على مخالفته مع انه تكليف واحد شخصي على تقدير تعلقه بالاقل أو الاكثر (ويظهر) من العلامة الانصاري (قده) في المقام اختياره التوسط في نفس التكليف كما في الاضطرار إلى المعين واشكل عليه الاستاذ دام ظله في الدورة السابقة بما حاصله ان الترخيص في موارد الاضطرار إلى غير المعين إذا كان مستندا إلى نفس الاضطرار كما في الاضطرار إلى المعين فلا محالة يكون التكليف ساقطا في مورده من اصله لما عرفت من ان الاضطرار من حدود التكليف وقيوده واما إذا لم يكن مستندا إليه فقط بل كان هو المقتضي للترخيص والجزء الاخير للعلة التامة له هو الجهل بوجود الحرام ضرورة انه لو كان معلوما للزم دفع الاضطرار بغيره فالترخيص في ارتكاب اي من الاطراف اختاره المكلف مستند إلى الجهل في مورد الاضطرار لا محالة وعليه فلا يصادم الترخيص بقاء الحكم الواقعي على فعليته على كل تقدير غاية الامر انه يكون معذورا في مخالفته على تقدير انطباقه عل ما اختاره فيكون التوسط في التنجيز لا في التكليف نفسه ولكنه عدل عما اختاره سابقا في الدورة الحاضرة وبنى على كون التوسط في التكليف نفسه (توضيح ذلك) ان الحكم الثابت حال الجهل (تارة) يكون حكما

[ 271 ]

ظاهريا مترتبا على ثبوت الحكم الواقعي وفي طوله كما في موارد الاصول والامارات واخرى حكما واقعيا في عرض الواقعي الاولي ومقيدا له في مرتبته فإنا قد ذكرنا غير مرة ان الاحكام الواقعية بالقياس إلى حالتي العلم والجهل بموضوعاتها وإن كانت قابلة للاطلاق والتقييد اللحاظيين الا أنها غير قابلة لهما بالقياس إلى حالتي العلم والجهل بانفسها فإن تقسيم المكلف إلى العالم والجاهل بالحكم من التقسيمات الثانوية المترتبة على الجعل وقبل جعل الحكم على موضوعه لا معنى للعلم والجهل به ولكنه مع ذلك لا مناص عن الاطلاق أو التقييد بحسب النتيجة بلحاظ الدليل الآخر فإن كان هناك دليل على عدم اختصاص الاحكام بخصوص العالمين فلا محالة يثبت نتيجة الاطلاق وإذا فرض وجود الدليل على الاختصاص في مورد فلا مناص عن ثبوت نتيجة التقييد وحيث ان المفروض في المقام ثبوت الترخيص الواقعي فيما يختاره المكلف خارجا لانه مصداق المضطر إليه ويحمل عليه هذا العنوان بالحمل الشائع فإذا كان موضوع الحرمة الواقعية منطبقا عليه فلا بد من سقوط حرمته في الواقع ونتيجة ذلك تقييد الحكم الواقعي بما إذا لم يكن مصادفا مع مورد الاضطرار فيكون التوسط في نفس التكليف دون تنجزه (فإن قلت) إذا كان الاضطرار إلى غير المعين موجبا للتوسط في نفس التكليف كما في الاضطرار إلى المعين فلازمه عدم تنجيز العلم الاجمالي إذا كان الاضطرار قبل حدوث التكليف أو قبل العلم به لعدم كون العلم حينئذ علما بالتكليف على كل تقدير ضرورة احتمال انطباقه على مورد الاختيار والمفروض عدم التكليف في طرفه في الواقع فما هو الموجب للتفرقة بين الاضطرار إلى المعين والاضطرار إلى غيره (قلت) الفارق هو ان الاضطرار إلى المعين بنفسه رافع للتكليف عن مورده فإذا كان سابقا على العلم فلا محالة يكون مرجع العلم إلى الشك في ثبوت التكليف في الطرف الآخر كما مر توضيحه وهذا بخلاف الاضطرار إلى غير المعين فإن رافع التكليف فيه منحصر باختيار المكلف في مقام التطبيق فإنه على تقدير انطباق الحرام على مورد اختياره يكون التكليف فيه ساقطا فلا مقتضي للسقوط قبله وعليه فالتكليف قبل الاختيار ولو كان الاضطرار سابقا على حدوث التكليف أو العلم به يكون فعليا على كل تقدير ويشك في سقوطه عن الطرف الآخر بعد اختيار المكلف احد الطرفين فلا مناص عن الرجوع إلى الاشتغال (وبالجملة) حال الاضطرار إلى غير المعين في جميع صوره حال الاضطرار إلى المعين بعد العلم الاجمالي في ان التكليف تنجز في زمان على كل تقدير والشك إنما هو في سقوطه

[ 272 ]

بعد ذلك ولا ريب ان المرجع فيه هو الاشتغال دون البراءة فافهمه واغتنم * (الامر السادس) * إذا تعلق العلم بالتكليف المردد بين امرين تدريجيين في الوجود غير مجتمعين في زمان واحد فهل يوجب تنجيزه فيهما كالدفعيين ام لا فيه وجوه بل اقوال وقد ذكر العلامة الانصاري (قده) لذلك امثلة ثلاثة (الاول) ما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بان نسيت وقتها وان حفظت عددها فتعلم اجمالا انها حائض في الشهر ثلاثة ايام مثلا (الثاني) ما إذا علم التاجر بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربوية (الثالث) ما إذا نذر أو حلف على ترك الوطئ في ليلة ثم اشتبهت بين ليلتين أو ازيد واختار في الاول منها عدم تنجيز العلم والرجوع فيه إلى الاصول وفي الثاني وجوب الاحتياط واستظهره في الثالث ايضا ولكنه لم يبين الفرق بين الامثلة ولتحقيق ذلك (نقول) ان الزمان لا يخلو من انه إما ان لا يكون دخيلا في ملاك الحكم وخطابه وإما ان يكون دخيلا فيهما واما ان يكون دخيلا في الخطاب دون الملاك على ما مر تفصيله في بحث الواجب التعليقي (اما القسم الاول) وهو ما إذا لم يكن للزمان دخل في ملاك الحكم وخطابه (فلا ريب) في وجوب الاجتناب عن اطراف العلم فيه كما في مثال الابتلاء بالمعاملة الربوية فإن الملاك في تنجيز العلم هو فعلية الخطاب وامكان الانبعاث عنه ولا ريب في ان حرمة الربا كحرمة الكذب والغيبة ونحوهما حكم فعلي قابل للاطاعة والمعصية ومجرد اختيار المكلف ايقاع متعلقه خارجا في الزمان المتأخر لا يمنع عن فعلية الحكم وتنجزه كما هو ظاهر وهذا هو المراد من عبارته (قده) من فعلية الابتلاء بالاطراف في مثل المثال فإن نظره (قده) إلى ان الحكم فيه فعلي على كل تقدير والتأخير باختيار المكلف لا يكون مانعا عن فعلية الحكم والابتلاء كما هو ظاهر (واما القسم الثالث) وهو ما إذا كان الزمان دخيلا في الخطاب دون الملاك كمثال النذر والحلف حيث ان التكليف فيهما المجعول بنحو القضايا الحقيقية يتبع ما اخذه الناذر والحالف في الموضوع فإذا فرض اخذه الليلة المتأخرة فيه فلا محالة يكون فعلية الخطاب متوقفة على تحققها على ما هو المختار عندنا من استحالة الخطاب التعليقي ولكنه لا يمنع من تمامية الملاك فعلا من جهة انعقاد النذر والحلف بحيث لو كان التكليف بالامر المتأخر ممكنا لكان التكليف في موردهما فعليا لا محالة فالظاهر الحاقه بالقسم الاول فإن فعلية الملاك الملزم على كل تقدير يمنع من الرجوع إلى الاصل في الاطراف ضرورة ان الشك حينئذ يكون في الخروج عن عهدة الامتثال بعد العلم بتحقق ما هو الملاك التام للتكليف فعلا وان

[ 273 ]

احتمل عدم فعلية التكليف لمانع عنها هذا على المختار من استحالة الخطاب التعليقي وأما على القول بجوازه وامكانه فوجوب الاجتناب عن الاطراف بمكان من الوضوح فإنه عليه يكون الخطاب كالملاك التام فعليا فيجب الخروج عن عهدته كما في القسم الاول (واما القسم الثاني) وهو ما إذا كان للزمان دخل في الخطاب والملاك فصريح عبارة شيخنا العلامة الانصاري (قده) هو اختيار عدم تنجيز العلم الاجمالي فيه لعدم الابتلاء بتمام اطراف العلم الاجمالي في زمان فإن الحيض في آخر الشهر مثلا لا يمكن الابتلاء به في اوله كما ان الحيض في اوله لا يمكن الابتلاء به في آخره فلم يبق إلا العلم بمخالفة التكليف الواقعي الغير المنجز بعد الرجوع إلى الاصول النافية وارتكاب المحتملات وقد سبق انه لا محذور في تحقق العلم بالمخالفة لتكليف لم يعلم توجهه إلى المكلف قبل المخالفة ففي المثال يرجع إلى استصحاب عدم الحيض إلى ان يبقى من الشهر ثلاثة ايام وبعده يرجع إلى البراءة (ولكنه) لا يخفى ان العلم بخطاب فعلي في مفروض المثال وان لم يكن متحققا في زمان كما افاده إلا ان العلم بتحقق موضوع التكليف في مجموع الشهر المستلزم للعلم بالتكليف الفعلي الناشئ عن ملاك تام في ظرف تحقق موضوعه كاف في عدم جواز الرجوع إلى الاصول النافية في اطرافه فإن العقل كما يحكم بلزوم حفظ المقدمات أو تحصيلها فيما إذا توقف الاتيان بالواجب التام من حيث الملاك عليهما كما عرفت في بحث المقدمات المفوتة فكذلك يحكم في المقام بعدم جواز تفويت الغرض الملزم من المولى المعلوم تحققه في ضمن مجموع الشهر (وبالجملة) العلم بوجود الغرض الملزم من المولى وتمكن المكلف عن حفظه يمنعان من الرجوع إلى الاصول النافية المستلزم لتفويته ومجرد عدم العلم بالتكليف الفعلي في زمان لا يوجب جواز تفويته (فتحصل) انه لا فرق في تنجيز العلم الاجمالي بين ما إذا كانت اطرافه دفعية أو تدريجية في تمام اقسامه الثلاثة غاية الامر ان ملاك التنجيز في كل قسم غير ملاك التنجيز في القسم الآخر فإن الملاك في القسم الاول هو تحقق العلم بالتكليف الفعلي وفي القسم الثالث هو العلم بتحقق الملاك الملزم فعلا وإن كان الخطاب مرددا بين ما يكون فعليا وغيره وفي القسم الثاني هو العلم بتحقق الملاك الملزم في ظرف وجود موضوعه والحكم بالتنجيز فيه مع عدم الابتلاء به فعلا يحتاج إلى ضميمة حكم العقل بعدم تفويت الملاكات الملزمة (ثم انه) على تقدير البناء على عدم تنجيز العلم الاجمالي في التدريجيات مطلقا أو في بعض اقسامها فلا بد من تجويز المخالفة القطيعة ايضا فإن حرمة المخالفة القطعية إنما هي من جهة تنجيز

[ 274 ]

العلم فلو فرضنا عدمه من جهة تدريجية الاطراف فلا مانع عن الرجوع إلى الاصول وان كانت مستلزمة لها فيرجع في مثال الحيض إلى الاستصحاب وبعده إلى البراءة واما في مسألة الربوا فقد اختار العلامة الانصاري (قده) الرجوع إلى اصالة الاباحة عند كل معاملة من حيث التكليف والى اصالة الفساد وعدم النقل والانتقال من حيث الوضع فإن فساد المعاملة الربوية لا يدور مدار حرمتها ولذا يفسد في موارد الجهل عن قصور والنسيان ونحوهما مما لا يكون التحريم فيه فعليا (ثم ذكر) انه لا يمكن التمسك بالعموم لاثبات الصحة من جهة العلم بخروج بعض الافراد فيسقط العام عن قابلية التمسك به إلا ان يقال ان حال الاصول اللفظية حال الاصول العملية فكما ان العلم الاجمالي بخروج بعض الافراد لا يكون مانعا عن الرجوع إليها فكذلك لا يكون مانعا عن الرجوع إليها ايضا (ثم استظهر) الفرق بينهما من دون بيان الفارق وأمر بالتأمل (ويرد) على ما أفاده (اولا) ان تفكيكه بين الحكم التكليفي وهو الاباحة والوضعي وهو الصحة غير مستقيم على مذهبه (قده) من كون الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية فإن حرمة المعاملة بالمعنى الاسم المصدري أعني به المبادلة بين المالين كما انها تستلزم فساد المعاملة من جهة انها توجب قطع سلطنة المالك في عالم التشريع المتوقف عليها صحة المعاملة فكذلك اباحتها بذلك المعنى بأصل لفظي أو عملي توجب صحتها لا محالة فكيف يمكن ان يحكم بحلية المعاملة بذلك المعنى مع الحكم بفسادها وعلى ذلك يبتني الاستدلال على صحة المعاملة بقوله تعالى (وأحل الله البيع) حتى بناء على ارادة الحلية التكليفية فإنه لو لم يكن الحلية مستلزمة للصحة فكيف يمكن الاستدلال بها عليها (نعم) على المختار من كون الفساد في المعاملات الفاسدة غير مترتب على حرمتها وانه ليس في طولها بل الحرمة والفساد معا متلازمان لامر ثالث فالحلية الواقعية وان كانت ملازمة للصحة فيحكم بها عند ثبوت الحلية بأصل لفظي أو بامارة معتبرة إلا ان اصالة الاباحة لا تثبت بها الآثار المترتبة على الحلية الواقعية (وثانيا) ان قياسه (قده) للاصل اللفظي بالاصل العملي في جواز اجرائه في تمام اطراف العلم إذا لم يكن منجزا للتكليف كما هو المفروض في المقام (في غير محله) فإن العلم انما يكون مانعا عن جريان الاصول العملية بما انه منجز للتكليف وموجب لاستحقاق العقوبة على مخالفته فإذا فرض عدم تنجيزه فلا يكون مانع عن جريانها ولا يلزم هناك ترخيص في المعصية وهذا بخلاف الاصل اللفظي فإن خروج بعض الافراد عن تحت العموم يمنع عن التمسك به في مورد الشك الابتدائي فضلا عما إذا كان من اطراف

[ 275 ]

العلم على ما هو المحقق عندنا وعنده (قده) من عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية مع انا قد ذكرنا في بحث العام والخاص ان حجية الاصل اللفظي إنما هي من جهة الكاشفية والطريقية إلى المراد الواقعي ولذا يسري اجمال المخصص إلى العام وهذا بخلاف الاصل العملي فان حجيته متقومة بالشك ليس إلا فالعلم بخروج بعض الافراد بنفس وجوده يكون مانعا عن التمسك بالعموم ولا يكون مانعا عن التمسك بالاصل العملي الا مع فرض منجزيته إذ مع عدم المنجزية والمفروض كون كل من الاطراف مشكوكا في حد نفسه لا يكون هناك مانع عن التمسك به هذا (ويمكن الخدشة) في هذا الوجه بأن كون حجية الاصول اللفظية من جهة الكاشفية والطريقية لا يضر بجواز التمسك بها مع العلم بخروج بعض الاطراف واقعا إذا كان العلم في حكم الشك من جهة عدم ترتب الاثر عليه فكما ان العلم بوجود قرينة صارفة عن الظهور لا يمنع عن التمسك بظهور الكلام المشتمل على بيان الحكم إذا كان بعض اطراف العلم غير مشتمل على بيانه بل كان واردا لبيان قصة ونحوها فكذلك العلم بخروج بعض الافراد لا يكون مانعا عنه ايضا إذا كان في حكم الشك من حيث عدم ترتب الاثر عليه وعلى ذلك فالمانع عن التمسك بالعموم في المقام هو كون الشبهة مصداقية ومع قطع النظر عنه فلا فرق بين الاصل اللفظي والعملي في جواز التمسك بهما في فرض عدم كون العلم الاجمالي منجزا ولعل نظره (قده) في وجود الفارق إلى هذا الوجه مع جوابه هذا تمام الكلام في المقام الاول مما يهمنا التعرض له * (واما المقام الثاني) * فهو في الشبهة الغير المحصورة والكلام فيه يقع من جهتين (الاولى) في تحقيق الحال في معنى الشبهة الغير المحصورة (الثانية) في بيان حكمها (اما الجهة الاولى) فتحقيق الحال فيها يتضح بعد بيان امر وهو ان الكلام في تنجيز العلم الاجمالي في الشبهة الغير المحصورة وعدمه لا بد وان يقع بعد الفراغ عن وجود بقية شرائط التنجيز بحيث لو كان الشبهة محصورة لكان العلم منجزا بلا كلام ضرورة انه مع فقدان بعض الشرايط يكون عدم التنجيز مستندا إليه لا إلى كون الشبهة غير محصورة (وهذا واضح جدا) وعلى ذلك (فتحديد) عدم حصر الشبهة بما إذا كان الاجتناب عن تمام الاطراف حرجيا أو بما كان بعضها خارجا عن محل الابتلاء (في غير محله) إذ مع خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء أو لزوم الحرج من ارتكاب الجميع لما كان العلم منجزا مع حصر الشبهة ايضا * (فالصحيح) * ان يقال ان عدم حصر الشبهة عبارة عن بلوغ كثرة الاطراف إلى حد لا يمكن للمكلف ارتكاب جميعها عادة ولو كان كل من الاطراف في محل الابتلاء

[ 276 ]

وكان قابلا للارتكاب وعدمه ضرورة عدم الملازمة بين امكان ارتكاب كل واحد من الاطراف في حد نفسه وامكان ارتكاب الجميع (ومنه يظهر) انه ليس المدار فيه هو عدم امكان الجمع في الارتكاب في مجموع مدة العمر حتى يقال بعدم وجود الشبهة الغير المحصورة بهذا المعنى إلا نادرا ولا في زمان معين من الازمنة حتى يقال بأنه ما المحدد لذلك الزمان بل المدار فيه هو عدم امكان الجمع في الارتكاب بحسب العادة وإن كان ممكنا عقلا (وأما) ما افاده العلامة الانصاري (قده) من الضابط وهو ان يكون الكثرة في الاطراف موجبة لموهومية احتمال التكليف في كل من الاطراف (فإن) رجع إلى ما ذكرناه من الضابط (فهو) وإلا فيرد عليه مضافا إلى انه لا ضابط لموهومية الاحتمال الملازمة للكثرة ضرورة ان مراتب الموهومية كثيرة فأي مرتبة من الموهومية يكون هو الميزان في عدم حصر الشبهة (ان مجرد) ضعف الاحتمال لا يوجب عدم تنجيز العلم حتى يجوز مخالفته القطعية ايضا فإن العلم بالتكليف مع القدرة على امتثاله يوجب لزوم تحصيل الفراغ عنه يقينا فكما ان العقل يستقل بوجوب تحصيله مع الاحتمال الغير الموهوم فكذلك يستقل به مع الاحتمال الموهوم ايضا (واما الجهة الثانية) فالحق فيها عدم تنجيز العلم الاجمالي لا من جهة حرمة المخالفة القطعية ولا من جهة وجوب الموافقة القطعية اما من جهة حرمة المخالفة القطعية فلان المفروض عدم التمكن منها لكثرة الاطراف فلا يمكن ان يتصف بالحرمة عقلا أو شرعا واما عدم وجوب الموافقة القطعية فلما عرفت مرارا من انه من فروع حرمة المخالفة القطعية فينتفي مع انتفائها قهرا مضافا إلى الرواية الواردة في الجبن من قوله (ع) أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الارض حيث انها ظاهرة في عدم وجوب الاجتناب عن المحتمل انطباق المعلوم بالاجمال عليه مع كثرة الاطراف بحيث كان الاحتياط موجبا لترك جميع ما في الارض (فإن قيل) ان الرواية غير ظاهرة في بيان حكم الشبهة الغير المحصورة فلعلها في مقام بيان ان جعل الميتة في الجبن في مكان لا يلازم حرمته في بقية الامكنة التي لا يعلم فيها ذلك وعليه يكون الرواية أجنبية عن المقام كما افاده العلامة الانصاري (قده) (قلنا) عدم ملازمة جعل الميتة في الجبن في مكان لحرمته في غير ذلك المكان من الوضوح بمكان لا موقع معه لوقوع السؤال عنه وهذا بخلاف حملها على مورد الشبهة الغير المحصورة فإن صحة السؤال عن حكمها وان العلم الاجمالي بوجود الميتة في اطراف كثيرة هل يوجب وجوب الاجتناب عن الجميع أم لا توجب تعينه كما هو ظاهر (واما) بقية الوجوه التي استدل بها على عدم وجوب الاحتياط

[ 277 ]

فكلها قاصرة أو أجنبية عن محل الكلام (اما) دعوى الاجماع (فلا مسرح) لها مع اتفاق الجميع فضلا عن وقوع الخلاف لاحتمال اعتماد المجميعن على بعض الوجوه المذكورة فلا يكون اتفاقهم كاشفا عن قول المعصوم تعبدا (وأما التمسك) بأدلة نفي الحرج من جهة ان الاجتناب من اطراف الشبهة مع عدم الحصر غالبا يوجب الحرج على افراد المكلفين نوعا فلا يستقيم بناء على المختار من ان الحرج والضرر المنفيين في الشريعة إنما اخذا موضوعين في مقام الجعل فيدور انتفاء الحكم مدار تحققهما خارجا على ما هو الحال في كل حكم بالقياس إلى موضوعه فلا موجب لعدم وجوب الاحتياط فيما إذا لم يلزم منه حرج وعسر (نعم) لو كان الحرج أو الضرر من قبيل الحكمة لجعل الحكم على موضعه كجعل الطهارة للحديد من جهة ان الحكم بالاجتناب كان موجبا للعسر على الامة على ما يستفاد من بعض الروايات وكالحكم بخيار الشفعة لحكمة عدم تصور الشريك لكان الحكم ثابتا في مورد عدم تحققهما ايضا (ضرورة) أن الميزان في فعلية الحكم هو وجود موضوعه لا حكمة تشريعه وقد ذكرنا في بحث الانسداد ما ينفعك في المقام فراجع (واما دعوى) شمول اخبار الحل لاطراف الشبهة (فقد عرفت) فسادها وانها مختصة بموارد الشبهة الغير المقرونة بالعلم الاجمالي ومما ذكرناه يظهر حال الاستدلال على عدم وجوب الاحتياط بخروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء أو بكون الاحتمال في كل من الاطراف موهوما لا يعتني به العقلاء كما افاده العلامة الانصاري (قده) فلا نعيد * (بقي هنا) * أمور (الاول) ان ما ذكرناه من عدم وجوب الاحتياط مطلقا في اطراف الشبهة الغير المحصورة إنما يختص بالشبهات التحريمية فإنها هي التي لا يتمكن المكلف فيها من المخالفة القطعية واما الشبهات الوجوبية فكثرة الاطراف فيها وان كانت توجب عدم وجوب الموافقة القطعية لعدم التمكن منها كما هو المفروض إلا انه لا موجب لجواز المخالفة القطعية مع امكانها فمقتضى القاعدة فيها هي حرمة المخالفة القطعية فلابد من التنزل إلى الموافقة الاحتمالية على ما هو الميزان من لزوم التنزل إليها عند عدم امكان الموافقة القطعية (الثاني) انه بناء على عدم تنجيز العلم في موارد عدم حصر الشبهة (فهل) يفرض العلم فيها كالعدم فيجري فيها حكم الشبهة البدوية (أو) ان المعلوم فيها يفرض كالعدم فيكون الشبهة كعدمها (وجهان) بل قولان وتظهر الثمرة فيما كان وجوب الاحتياط من احكام نفس الشبهة دون العلم فعلى القول بكون العلم كعدمه لا بد من الاحتياط لاقتضاء نفس الشك ذلك وعلى القول بكون الشبهة كالعدم

[ 278 ]

(فلا) مثلا إذا علم بوجود ماء مضاف بين مياه كثيرة غير محصورة فعلى القول الاول لا يجوز الاكتفاء في الوضوء بواحد منها فان الشك في الاطلاق والاضافة بنفسه مقتض للاحتياط تحصيلا للموافقة القطعية واما على القول الثاني فيجوز فإن وجود الماء المضاف مع كثرة الاطراف يفرض كالعدم فيكون كل من الاطراف كأنه غير مشتبه بالمضاف فيجري عليه أحكام المطلق (ظاهر) كلمات الفقهاء قدس الله تعالى أسرارهم في بعض الفروض الفقهية (هو الثاني) وهو المختار فإن ما افاده العلامة الانصاري (قده) من الوجه في عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة من ان موهومية الاحتمال توجب عدم اعتناء العقلاء به وان لم يكن تاما بظاهره كما مر الا انه لا يبعد ان يكون مراده (قده) هو ان التكليف الثابت مع كثرة الاطراف على الضابط الذي بيناه يكون بمنزلة المستهلك والتالف عند العقلاء فلا يعتني العقل باحتمال وجوده اصلا ومن الظاهر ان الشارع ليس له طريقة خاصة في امتثال احكامه غير ما هو الطريقة عند العقلاء وعليه فكلامه (قده) في غاية المتانة والجودة ويترتب عليه كون الشبهة عند عدم حصر الاطراف كلا شبهة كما هو ظاهر (الثالث) مقتضى ما ذكرناه في وجه عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة من عدم التمكن من المخالفة القطعية وتبعية وجوب الموافقة القطعية لحرمتها هو عدم وجوب الاجتناب حتى فيما إذا كان المعلوم بالاجمال بمقدار لو وزع على الاطراف لكان الشبهة محصورة مثلا إذا كان المعلوم بالاجمال مأة في الف فانه مع توزيع المعلوم على الاطراف وان كانت الشبهة تنقلب محصورة إلا انه من جهة عدم امتياز المحرم عن غيره لا يكون المكلف قادرا على المخالفة القطعية فلا تكون محرمة فلا يبقى مقتض لوجوب الموافقة القطعية (نعم) في مثل الفرض لا يكون الشبهة كالعدم إذ المفروض عدم استهلاك المعلوم بالاجمال فيه حتى يكون تالفا بنظر العقلاء فيجري فيه حكم الشبهة البدوية واما على ما افاده العلامة الانصاري (قده) من الوجه في عدم وجوب الاجتناب فينبغي القطع بوجوب الاحتياط كما لا يخفي وجهه (الرابع) إذا شك في وصول كثرة الاطراف إلى حد يكون الشبهة معها غير محصورة (فهل) مقتضى القاعدة هو وجوب الاجتناب إلا فيما علم كون الشبهة غير محصورة (ام لا) (وجهان) بل قولان الاقوى هو الاول وذلك فإن الموجب لعدم وجوب الاحتياط عند عدم حصر الشبهة هو عدم القدرة على المخالفة القطعية ومع الشك في كون الشبهة محصورة تكون القدرة على المخالفة مشكوكا فيها لا محالة وقد مر غير مرة ان الشك في التكليف إذا كان

[ 279 ]

ناشئا عن الشك في القدرة المعتبرة في فعلية التكليف عقلا لا يكون موردا للبراءة بل لا بد فيه من الاحتياط حتى يعلم العجز (واما) ما ربما يقال في وجهه من ان العلم الاجمالي مقتض لوجوب الموافقة وعدم حصر الاطراف مانع عنه فيجري اصالة عدم المانع أو ان العمومات مقتضية لوجوب الاجتناب عن المحرم المردد في الاطراف ما لم يثبت التخصيص (ففيه) انه مبني على تمامية قاعدة المقتضي والمانع وسيجئ في محله ان شاء الله تعالى بطلانها أو على جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وقد عرفت في محله فساده (هذا) تمام الكلام في الشبهة التحريمية الموضوعية ويظهر منه الحال في بقية أقسامها * (المطلب الثاني) * - في الشبهة الوجوبية والامر فيها اما ان يكون دائرا بين المتباينين أو بين الاقل والاكثر فهنا مقامان (المقام الاول) في دوران الواجب بين امرين متباينين والكلام فيه من حيث حرمة المخالفة القطعية أو وجوب الموافقة القطعية يظهر مما ذكرناه في الشبهة التحريمية وانه لا مجال لجعل الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي بالتكليف الفعلي فتسقط الاصول في اطرافه لا محالة وقد نسب الخلاف في المقام إلى المحقق الخوانساري والمحقق القمي قدس سرهما في تجويزهما المخالفة القطعية في غير ما قامت الضرورة والاجماع على عدم جوازها بتوهم قبح التكليف بالمجمل المردد عند المكلف المعلوم عند الشارع لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو قبيح (وفيه) اولا انه لا قبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا كان هناك مصلحة مقتضية له من تقية ونحوها كما أوضحنا الحال فيه في بعض مباحث العام والخاص فإذا كان اطراف التكليف محصورة وكان المكلف قادرا على امتثاله بالاحتياط فأي قبح فيه عند العقلاء (نعم) إذا كان اطرافه غير محصورة ولم يكن المكلف قادرا على تحصيل الواقع لكان دعوى القبح في محلها لكنه اجنبي عن محل الكلام بيننا وبينهما قدس سرهما (وثانيا) انه على فرض تماميته يختص بخصوص ما إذا كان التكليف صادرا من المولى مجملا ولا يعم جميع موارد الشبهة الوجوبية الناشئة من الاجمال الطارئ كما في صورة عدم النص أو الشبهات الموضوعية فإن التكليف في تمام هذه الموارد لا اجمال فيها في حد نفسه حتى يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة بل الاجمال إنما نشأ من الجهات الخارجية التي لا يجب على الشارع رفعها (وكيف كان) فلا ينبغي صرف الوقت لدفع مثل هذه التوهمات في امثال زماننا الذي كان فسادها فيه من الضروريات * (ثم انه) * ربما يستدل على وجوب الموافقة

[ 280 ]

القطعية بعد الاجماع على حرمة المخالفة القطعية بالاستصحاب فيثبت بذلك الوجوب الشرعي لكل من طرفي الشبهة بتوهم ان الاتيان بأحدهما واجب اجماعا فرارا عن لزوم المخالفة القطعية وبعد الاتيان به يشك في سقوط الواجب الواقعي فيستصحب وجوده فيجب الاتيان بالآخر امتثالا للوجوب المستصحب * (وتحقيق الحال) * في دفع هذا الاستدلال يتوقف على بيان أمور (الاول) ان جريان الاستصحاب في مورده يتوقف على كون الشك متعلقا بالبقاء فان حقيقته إنما هو التعبد بجر المتيقن في عمود الزمان فلا يجري فيما كان الشك متعلقا بحدوث ما هو باق أو غيره مثلا إذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الكأسين ففقد احدهما فنجاسة الاناء الباقي وان كان مشكوكا فيها لا محالة إلا انه لا يمكن اثباتها بالاستصحاب لعدم العلم بها في زمان واستصحاب النجاسة المعلومة في البين سابقا لا يترتب عليه نجاسة الباقي حتى يثبت به ان الحادث هو الباقي دون الزائل (ومن هنا) يعلم عدم جواز استصحاب الفرد المردد بين ما هو معلوم البقاء والارتفاع لان الفرد المردد على ما هو عليه من الترديد لا يحتمل بقاؤه من جهة العلم بارتفاعه على تقدير فكيف يمكن الحكم ببقائه على ما هو عليه من الترديد (نعم) لا بأس باستصحاب الكلي الجامع بين الفردين لكنه لا يترتب عليه إلا الآثار المشتركة بينهما دون الاثر المختص بأحد الفردين (وبالجملة) لا ريب في ان الاستصحاب إنما يثبت به التعبد بالبقاء عند معلومية الحدوث وأما التعبد بالحدوث فهو خارج عن موارد الاستصحاب بالكلية (ومما ذكرنا يظهر) انه لا مجال لقياس المقام على ما إذا علم طهارة أحد الاناءين المعلوم نجاستهما سابقا (بدعوى) انه كما يجري استصحاب النجاسة في احدهما مع خروج الآخر عن محل الابتلاء أو فقدانه وان لم يثبت به كون الباقي هو المتنجس سابقا فكذلك لا مانع من جريانه في فرض العلم بنجاسة احدهما ابتداء مع فقدان احدهما وان لم يثبت به كون المتنجس السابق هو الباقي ايضا (ضرورة) ان الاناء الباقي في المثال الاول بعينه كان معلوم النجاسة سابقا ومشكوك البقاء لاحقا فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه حتى قبل فقدان الآخر مع قطع النظر عن معارضة الاستصحابين وهذا بخلاف المثال الثاني فإن معلوم النجاسة فيه ليس شخص الاناء الباقي على الفرض بل المردد بينه وبين المفقود فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه الا اثبات ان حدوث النجاسة كان فيه وقد عرفت ان الاستصحاب لا تعرض فيه لمرحلة الحدوث اصلا (والحاصل) ان اعتبار اليقين بالحدوث والشك في البقاء في جريان الاستصحاب مما لا ريب فيه فكل

[ 281 ]

مورد رجع الشك فيه إلى مرحلة الحدوث لا معنى لجريانه (الثاني) انه يعتبر في جريان الاستصحاب ان يكون الاثر المطلوب ترتيبه مترتبا على الواقع المشكوك فيه حتى يصح التعبد به في ظرف الشك واما إذا كان مترتبا على نفس الشك أو على الاعم من الواقع والشك فلا مجال لجريانه ضرورة انه فيما يكون موضوعه مقطوع الوجود يكون الاثر محرزا وجدانا ولا معنى معه لاحرازه بالتعبد الاستصحابي فإنه يكون من اردء انحاء تحصيل الحاصل وهو احراز المحرز الوجداني بالتعبد (الثالث) انه يعتبر به فيه ان يكون الاثر المذكور مترتبا على الواقع المشكوك فيه بقاء فلو فرضنا كفاية مجرد الحدوث في ترتيبه فلا معنى للتعبد ايضا ضرورة انه يكون متيقنا فلا يبقى مجال لاحرازه بالتعبد (الرابع) ان مجرد وحدة مؤدى الاستصحاب لمؤدى اصل آخر لا يمنع عن جريانه سواء كان ذلك الاصل عقليا أو شرعيا بل مقتضى حكومة الاستصحاب على بقية الاصول منعه عن جريانها فاصالتا البراءة أو الطهارة أو قاعدة الاشتغال إذا كان في مواردها استصحاب لا تكون جارية فإن جريانها متوقفة على كون الواقع مشكوكا فيه والاستصحاب يرفع الشك ويوجب احراز الواقع بالتعبد * (إذا عرفت ذلك فنقول) * ان المتمسك بالاستصحاب في محل الكلام اما ان يريد به استصحاب الواجب الواقعي للشك في اتيانه أو استصحاب الاشتغال به الثابت سابقا والمشكوك لاحقا (فإن أراد الثاني) فيرد عليه (اولا) ان الاشتغال بالتكليف ليس بنفسه ولا بأثره من الامور المجعولة للشارع ضرورة انه من الاحكام العقلية المنتزعة من توجه الخطاب إلى المكلف وترتب لزوم تحصيل الفراغ عليه ليس ترتبا شرعيا بل من الاحكام العقلية المحضة من باب الاطاعة والعصيان من دون ان يكون له مساس بالشارع أصلا (وثانيا) ان حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ ليس من الآثار المترتبة على الاشتغال واقعا بل هو مترتب على نفس الشك فيه وقد عرفت ان في مثله لا يجري الاستصحاب وعلى تقدير ترتبه على الاعم من الواقع والشك فالامر كذلك كما مر (وثالثا) ان حدوث الاشتغال في زمان هو تمام الموضوع للحكم بتحصيل الفراغ منه وقد عرفت اشتراط جريان الاستصحاب على كون الاثر مترتبا على مجرد البقاء (وان اراد الاول) وهو استصحاب بقاء الواجب الواقعي في ظرف الشك (فإن اريد منه) اجراء الاستصحاب في الفرد المردد (فقد عرفت) عدم جريانه فيه في حد نفسه مضافا إلى ان اثبات وجوب الباقي به من اوضح انحاء المثبت (وان اريد منه) استصحاب

[ 282 ]

الوجوب الكلي المعلوم سابقا المشكوك ارتفاعه (ففيه) ان اركان الاستصحاب وان كانت تامة فية الا انه ليس في المقام اثر شرعي مترتب على بقاء الكلي فإن وجوب الفرد الباقي وان كان من لوازمه واقعا إلا انه من الآثار العقلية دون الشرعية (ودعوى) انه مع خفاء الواسطة لا بأس بترتب اللوازم الغير الشرعية ايضا (مع فسادها من اصلها) كما سيتبين في محله ان شاء الله تعالى (غير مفيدة) في امثال المقام مما كانت الواسطة فيه جلية (واما بقاء) الاشتغال المترتب عليه لزوم تحصيل الفراغ (فهو) من الآثار المترتبة على نفس الشك فيه بعد العلم بثبوته لا من آثار الواقع إذ العقل كما كان يحكم بلزوم الفراغ قبل الاتيان بشئ من الامرين المعلوم وجوب احدهما فكذلك يحكم به بعد الاتيان بأحدهما بملاك واحد (فظهر) ان المانع من جريان الاستصحاب في المقام ليس مجرد وجود حكم العقل بالاشتغال كما توهم ذلك من عبارة العلامة الانصاري (قده) على خلاف واقعها حيث انه (قده) صرح بجريان الاستصحاب بعد اسطر فيما إذا شك في الاتيان بصلاة الظهر مثلا بعد العلم بوجوبها مع انه مورد لقاعدة الاشتغال ايضا وقد عرفت ان وحدة مؤدى الاستصحاب لمؤدى اصل آخر لا يمنع من جريانه بل المانع إنما هو عدم تمامية شروط الاستصحاب في حد نفسها إذ يلزم من جريانه اما الالتزام بالاصل المثبت أو تحصيل الحاصل من اردء انحائه على سبيل منع الخلو * (بقي التنبيه) * على أمور (الاول) انه لا يفرق فيما ذكرناه في تنجيز العلم الاجمالي ووجوب الموافقة القطعية بين ما إذا كان الترديد في الواجبات الاستقلالية أو الضمنية كالشروط والاجزاء ولا بين ما إذا كان دليل التقييد مثل قوله (ع) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو التكاليف الغيرية فيجب تكرار الصلاة فيما إذا دار الامر في القبلة أو الساتر أو غيرهما تحصيلا للموافقة القطعية ونسب إلى السرائر تجويز الصلاة عاريا في مسألة اشتباه الساتر وإلى المحقق القمي (قده) عدم تنجيز العلم إذا كان التقييد مستفادا من التكليف (وكان الاول نظر) إلى دوران الامر في محل البحث بين سقوط قصد الوجه مع التكرار وسقوط شرطية الستر مثلا (فرجح الثاني) من جهة احتياج العبادة إلى قصد الوجه (والثاني نظر) إلى قياس المقام بما أفاده المحقق الخونساري (قده) من سقوط التقييد بالعجز إذا كان دليله هو التكليف فتوهم ان الجهل بالتكليف كالعجز عن امتثاله يوجب سقوطه والتحقيق يقتضي فساد كليهما (اما ما نسب) إلى السرائر فلما ذكرناه في بعض المباحث السابقة من ان قصد الوجه على تقدير وجوبه

[ 283 ]

فانما يجب في الواجب المفروغ عن وجوبه فمرتبته متأخرة عن مرتبة بقية الاجزاء والشرائط فالساقط عند الدوران بينه وبين غيره يكون هو بنفسه دون غيره (واما ما نسب) إلى المحقق القمي (قده) فلما سيجئ في بعض تنبيهات الاقل والاكثر من فساد ما هو مبنى له من اختصاص التقييد المستفاد من التكاليف بحال القدرة وعلى تقدير تسليمه فقياس الجهل بالعجز في غير محله ضرورة ان القدرة من شرائط فعلية التكليف فيرتفع بارتفاعها وهذا بخلاف الجهل فإنه لا يمنع من فعلية التكليف اصلا (نعم) يمنع عن تنجزه في بعض الموارد على ما عرفت (الثاني) ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) ذهب إلى اشتراط صحة العبادة فيما إذا كانت مرددة بين أمرين أو أكثر بما إذا كان المكلف قاصدا لامتثاله اليقيني من اول الامر فلو لم يقصد ذلك فضلا عن قصد العلم واتى ببعض الاطراف لاحتمال وجود الواجب فيه لم يصح منه العبادة ولو انكشف مطابقته للواقع (وكأنه) (قده) نظر في ذلك إلى ما مر منا مرارا من ان حكم العقل بجواز الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال اليقيني فكلما امكن الانبعاث عن شخص التكليف لا تصل النوبة إلى الانبعاث عن احتماله ولو انكشف مصادفته للواقع فيما بعد ذلك الا ان الحق عدم كون المقام من صغريات تلك الكبرى المسلمة فإن الانبعاث في محل البحث لا يمكن ان يكون عن شخص الامر على كل تقدير ضرورة ان كل تكليف انما يدعو إلى متعلقه دون غيره فالاتيان بمجموع الاطراف لا يمكن ان يكون بدعوة الامر المعلوم بالضرورة واما الاتيان بكل واحد واحد منها فهو ايضا من جهة عدم العلم بتعلق التكليف به لا يمكن ان يكون بداعويته فلم يبق الا التنزل إلى الانبعاث عن احتماله في كل طرف من دون ان يكون الامتثال في بعض الاطراف مرتبطا به في الطرف الآخر (نعم) عدم قصد الامتثال اليقيني من اول الامر فضلا عن قصد العدم نوع من التجري بعد الفراغ عن تنجيز العلم الاجمالي لكنه اجنبي عما هو محط كلامه (قده) (الثالث) إذا كان الواجب المردد بين امرين من قبيل الواجبين المترتبين شرعا كالظهر والعصر عند اشتباه القبلة (فهل يعتبر) في صحة الاتيان بالثاني حصول الفراغ اليقيني من الاول كان يأتي بمحتملات الظهر أو لا ثم يشرع في محتملات العصر (ام يكفي) فيها الاتيان بنحو يقطع معه بحصول الترتيب بينهما ولو مع عدم احراز الفراغ عن الاول فلا يجوز الاتيان بالعصر إلى طرف لم يصل الظهر إليه ولكن يجوز الاتيان به إلى كل طرف صلى الظهر إليه ولو مع عدم الاتيان ببقية محتملات الظهر (وجهان) ربما قيل (بالثاني) نظرا إلى ان الواجب على المكلف في فرض

[ 284 ]

تردد الواجب كغيره ليس إلا تحصيل الترتيب بينهما وحيث انه يحصل في الفرض المزبور ولو مع عدم تحصيل الفراغ من محتملات الاول فلا موجب لوجوبه (وبعبارة واضحة) إذا صلى الظهر إلى طرف ثم صلى العصر إليه فاما ان يكون ذلك الطرف قبلة في الواقع أم لا (وعلى الاول) فالامر بالعصر من جهة الفراغ عن الظهر وترتبه عليه واقعا حاصل لا محالة (وعلى الثاني) فالذمة وان كانت مشغولة بالظهر وليست صلاة العصر المأتي بها إلى ذلك الطرف مترتبة على الظهر واقعا الا انه لا مانع عنه بعد اختصاص أدلة اعتبار الترتيب بالظهر والعصر الواقعيين دون غيرهما والمفروض تحققه في المقام على كل تقدير (ولكن التحقيق) هو اعتبار حصول الفراغ اليقيني من الظهر في صحة الاتيان بمحتملات العصر وذلك لما هو المختار عندنا من طولية الانبعاث الاحتمالي عن الامتثال القطعي ولو بالمقدار الممكن ومع التمكن من تعيين الساتر الطاهر المشتبه بغيره لا يجوز التكرار ولو مع اشتباه القبلة وعدم المناص من الامتثال الاحتمالي بالقياس إليها ففي مفروض المثال الترتيب الواقعي وان كان محفوظا كما ذكر الا ان الاشتباه قبل الفراغ من الظهر من جهتين الاولى من جهة القبلة والثانية من جهة احتمال عدم الفراغ من الظهر المترتب عليه فعل العصر شرعا (وبعبارة اخرى) إذا صلى الظهر إلى بعض الاطراف ثم صلى العصر إليه قبل الاتيان ببقية محتملات الظهر فهو وان كان يقطع بحصول الترتيب بينهما وفعلية الامر بالعصر على تقدير كون القبلة في ذلك الطرف الا ان ذلك غير محرز عنده حتى يكون الانبعاث عنه (ضرورة) احتمال عدم فعلية الامر بالعصر لاحتمال بقاء الاشتغال بالظهر واقعا فلو فرض كون القبلة في ذلك الطرف واقعا فقد أتى بالمأمور به الواقعي من دون احراز امره مع فرض التمكن منه والمفروض تأخر الامتثال الاحتمالي عن الامتثال القطعي ولو بالمقدار الممكن (الرابع) قد ذكرنا في بحث الشبهة التحريمية ان الساقط ابتداء عند اشتباه الحرام في غير المحصور هو حرمة المخالفة القطعية التي هي الاساس لوجوب الموافقة كذلك وهذا بخلاف الشبهة الوجوبية فان الساقط فيه ابتداء هو وجوب الموافقة القطعية لعدم التمكن منها فيبقى حرمة المخالفة القطعية على حالها ولازم ذلك هو وجوب الامتثال الاحتمالي بالمقدار الممكن من دون فرق بين ان يكون الترديد من جهة تردد نفس الواجب أو موضوعه أو قيوده فلو اشتبه الثوب الطاهر بغيره لوجب تكرار الصلاة بالمقدار الممكن (وهذا) في القيود التي لا بدل لها (في غاية الوضوح) (واما) فيما كان له بدل كالطهارة المائية (فهل) مقتضى

[ 285 ]

القاعدة فيه (هو) الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي (ام لا) مثلا إذا كان الماء الواجد لشرائط الوضوء به مرددا بين امور غير محصورة (فهل) القاعدة تقتضي التنزل إلى التيمم (أو يجب) الاتيان بمحتملات الوضوء (لا ريب) في سقوط الوضوء مع اشتباه الطاهر بغيره بمقتضى الامر بالاراقة في المحصور فضلا عن غيره ولزوم التيمم (واما) مع اشتباه المطلق بغيره (فالمسألة) محل اشكال وان كان مقتضى ما قوينا سابقا من كون غير المحصور كعادم الشبهة هو لزوم التنزل إلى التيمم ايضا الا ان الجمع مع ذلك هو الاحوط (هذا) في القيود الوجودية (واما) القيود العدمية كما إذا تردد غير المأكول أو الماء المتنجس في اطراف غير محصورة فحالها حال تردد الحرام المستقل في غير المحصور في عدم لزوم الاعتناء بالشبهة فيجوز الاكتفاء بصلاة واحدة في ثوب واحد كما يجوز الاكتفاء بوضوء واحد ايضا * (المقام الثاني) * في دوران الواجب بين الاقل والاكثر ولتوضيح الحال يقع البحث في موارد (الاول) فيما إذا دار موضوع التكليف بين الاقل والاكثر وحيث انا قد بينا مرارا ان موضوعات التكاليف هي الشرائط له في الحقيقة فلا محالة يكون التكليف عند وجود الاكثر متيقنا وعند الاقل مشكوكا فيه فيكون موردا للبراءة (الثاني) فيما إذا دار متعلق التكليف التحريمي بين الاقل والاكثر وحيث ان التحريم إذا كان متعلقا بمركب من امور فلا محالة يكون المبغوض هو وجود مجموع الاجزاء من حيث انها كذلك لا كل جزء جزء فلا يحرم ايجاد بعض الاجزاء من دون قصد ايجاد المجموع وعليه يكون حرمة الاكثر متيقنة وحرمة الاقل مجردا مشكوكا فيها فيجري البراءة العقلية والنقلية في مورده (الثالث) فيما إذا دار امر السبب والمحصل بين الاقل والاكثر كما إذا شك في ان القتل الواجب هل يحصل بضربة واحدة ام لا أو في ان الطهارة الخبثية أو الحدثية هل تحصل بالغسل مرة واحدة أو المسح منكوسا ام لا وقد تقدم في مقام البحث عن معنى حديث الرفع عدم امكان اجراء البراءة في باب الاسباب والمسببات مطلقا وأن ما توهم من اجراء البراءة عند الشك في المحصلات الشرعية بين الاقل والاكثر مبتن على محال في محال فراجع (الرابع) فيما إذا دار متعلق التكاليف الوجوبية بين الاقل والاكثر وهو على قسمين إذ ربما يكون الشك في جزئية شئ لواجب معلوم واخرى في شرطية شئ له ويعبر عن الاول بالمركب الخارجي وعن الثاني بالمركب التحليلي (والقسم الثاني) ايضا على قسمين إذ الشك في المركب التحليلي (ربما يكون)

[ 286 ]

في دوران الواجب بين النوع والجنس فيكون الشك في دخالة الفصل في الواجب وعدمها (واخرى) في دوران الواجب بين المطلق والمقيد بوصف خاص (والقسم الثاني) ايضا ينقسم إلى قسمين (إذ ربما) يكون الشك في التقييد بوصف خارجي كما إذا شك في كون الواجب هي الصلاة أو الصلاة المقيدة بالطهارة (واخرى) يكون الشك في التقيد بوصف متحد مع الموصوف في الوجود كما إذا شك في كون الواجب هو عتق الرقبة أو المقيد منها بالايمان (والاقوال) في المسألة على ما هو المعروف ثلاثة (ثالثها) التفصيل بين المركب الخارجي والتحليلي فتجري البراءة في الاول دون الثاني وعلى التفصيل (فهل الشك) في التقيد بوصف خارجي يلحق بالمركب الخارجي حكما (أو لا) فيه قولان والاقوى عندنا هو جريان البراءة في المركب الخارجي دون التحليلي والحاق الشك في التقييد بالوصف الخارجي بالشك في الجزئية فالكلام يقع في جهات (الاولى) في الشك في جزئية شئ لواجب معلوم كما إذا دار امر الصلاة المعلوم وجوبها بين ان يكون السورة جزء لها ام لا وقبل الخوض في الاستدلال لابد من بيان ان موارد الشك في الجزئية (هل هي) داخلة في الشك بين الاقل والاكثر (ام هي) من قبيل الشك بين المتباينين (يظهر) من المحقق صاحب الحاشية والفصول كون المورد من قبيل دوران الامر بين المتباينين وهما (قدهما) وإن اطالا الكلام في هذا المقام إلا ان غاية ما يمكن ان يقال في تحقيق مرامهما هو ان الماهية اللا بشرط القسمي مباينة للماهية المأخوذة بشرط لا أو بشرط شئ بالضرورة وإلا لما كانت اقسام الماهية اللا بشرط المقسمي ثلاثة بل كان بعض الاقسام مقسما لبعض آخر وهو خلف محال وعلى ذلك فإذا دار امر الواجب بين ان تكون الصلاة الغير الملحوظ معها السورة أو الصلاة الملحوظ معها السورة فلا محالة يكون الملحوظ مرددا بين امرين (احدهما) مقيد بشئ والآخر غير مقيد به ومن المعلوم ان ما هو مقيد بشئ مغاير لما هو غير مقيد به مفهوما فكيف يمكن ان يكون احدهما اقل والآخر اكثر (وبعبارة اخرى) الواجب على تقدير كونه الاقل فلا محالة يكون الاقل ملحوظا للآمر استقلالا وعلى تقدير كونه الاكثر فليس الاقل في ضمنه الا ملحوظا تبعيا والتباين بين اللحاظين من الوضوح بمكان لا يخفي ومثل هذا التباين وإن لم يوجب الاحتياط بالتكرار لان الاتيان بالاكثر موجب للفراغ يقينا إلا انه يوجب عدم متيقنية الاقل الموجبة للانحلال المترتب عليه جريان البراءة عن الاكثر (إلا ان التحقيق) ان تباين الماهية اللا بشرط القسمي مع الماهية

[ 287 ]

المأخوذة بشرط شئ أو بشرط لا مفهوما لا يضر بما نحن بصدده من رجوع الشك إلى الاقل والاكثر إذ المفاهيم بما هي لا تكون متعلقة للتكاليف اصلا وإنما يتعلق التكاليف بها بما هي مرآة للحقائق ولا ريب في ان تعلق التكليف بذات الاقل اي الحقيقة الخارجية معلوم على كل تقدير والشك إنما هو في تعلقه بالزائد فكون مفهوم الماهية بشرط لا أو بشرط شئ مباينة مع المهية لا بشرط اجنبي عن دوران حقيقة الواجب بين الاقل والاكثر الذي هو محل الكلام في المقام * (ثم انه) * إذا ظهر كون المقام من دوران الامر بين الاقل والاكثر (فربما) يقع الكلام في انحلال العلم الاجمالي بالعلم بوجوب الاقل الاعم من وجوبه النفسي والمقدمي على ما قربه شيخنا العلامة الانصاري قدس سره (واخرى) من جهة العلم بتعلق شخص الوجوب النفسي بالاقل فإنا قد ذكرنا في بحث مقدمة الواجب ان المقدمات الداخلية لها جهتان جهة المقدمية للواجب النفسي وجهة الاتحاد معه (فتارة) يقع البحث في الانحلال من جهة المقدمية (واخرى) من جهة الاتحاد اما الانحلال من جهة الاولى فالحق عدمه فإن الملاك في الانحلال هو كون المعلوم التفصيلي بحيث يمكن انطباق المعلوم بالاجمال عليه وهذا لا يكون الا مع اتحاد المعلوم بالتفصيل مع المعلوم اجمالا سنخا كما إذا علم بوجود النجاسة في احد الانائين فعلم نجاسة احدهما تفصيلا فإن القضية المنفصلة المانعة الخلو التي بها قوام العلم الاجمالي تنحل إلى قضيتين لا محالة احداهما متيقنة وهي نجاسة احد الانائين والاخرى مشكوكة واما إذا كان المعلوم بالاجمال مغايرا مع المعلوم بالتفصيل فيستحيل الانحلال كما إذا علم نجاسة احد الانائين اجمالا ثم علم حرمة احدهما تفصيلا اما لنجاسته أو غصبيته فإن المعلوم تفصيلا حيث أنه الجامع بين النجاسة والغصب فليس هو مما يمكن انطباق المعلوم بالاجمال الذي هو خصوص النجاسة عليه إلا على تقدير كون الحرمة المعلومة ناشئة عن النجاسة وهي مشكوكة لا مقطوعة فلا ينحل المنفصلة إلى قضيتين احديهما متيقنة والاخرى مشكوكة كما كان الامر كذلك مع الاتحاد في السنخ وما نحن فيه من هذا القبيل فإن المفروض ان المعلوم بالاجمال هو الوجوب النفسي المردد بين تعلقه بالاقل أو الاكثر والمعلوم بالتفصيل هو وجوب الاقل الجامع بين كونه نفسيا أو مقدميا (وحيث) ان الوجوب المقدمي وجوب تبعي قهري لا يترتب على موافقته ومخالفته ثواب وعقاب ولا يمكن قصد التقرب به على ما حققنا جميع ذلك في بحث مقدمة الواجب (فلا محالة) يكون المعلوم بالتفصيل هو الجامع بين ما ينطبق على المعلوم

[ 288 ]

بالاجمال وما لا ينطبق عليه فلا يعقل انحلال العلم الاجمالي به مثلا إذا فرضنا العلم بوجوب نصب السلم تفصيلا ولكن تردد الامر بين كونه مقدمة للكون على السطح الواجب نفسا وكونه بنفسه واجبا نفسيا فلا محالة يكون لنا علم اجمالي بوجوب شئ نقسيا اما الكون على السطح أو نصب السلم وعلم تفصيلي بوجوب نصب السلم الجامع بين الوجوب النفسي والغيري لكن العلم التفصيلي لعدم كونه متعلقا بما هو من سنخ المعلوم بالاجمال يستحيل كونه موجبا لانحلاله والامر في المقدمة الداخلية على تقدير كون دعوى الانحلال من جهة المقدمية يكون كذلك عينا (واما) الانحلال من الجهة الثانية (فلا يرد عليه) ما ذكر إذ المفروض أن المعلوم التفصيلي إنما هو عين المعلوم بالاجمال ونفسه لما ذكرنا في محله ان الوجوب المتعلق بالمركب ينبسط بنفسه على كل واحد واحد من اجزائه فيكون لكل منها حظ من الوجوب النفسي المتعلق بالاكثر وعليه فانبساط الوجوب على الامور المعلومة جزئيتها للواجب النفسي معلوم والشك إنما هو في وجوب الزائد فالمعلوم بالاجمال إنما هو من سنخ الوجوب المعلوم بالتفصيل فلا محالة ينحل القضية المنفصلة المانعة الخلو إلى قضيتين حمليتين احديهما متيقنة والاخرى مشكوكة وهذا هو ميزان الانحلال في موارد العلم الاجمالي (هذا ولكن التحقيق) مع ذلك عدم الانحلال عقلا فإن المعلوم التفصيلي إذا كان بحيث يقطع المكلف بالفراغ من قبله بحيث لا يكون هناك إلا احتمال الاشتغال بالاكثر لكان الانحلال في محله لكن الامر في المقام ليس كذلك (ضرورة) ان الشك في جزئية المشكوك مع فرض الارتباطية يلازم الشك في حصول الفراغ حتى بالنسبة إلى الاقل ومن المعلوم ان العقل يستقل بالاشتغال عند الشك في الامتثال فإن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية فمجرد العلم التفصيلي بوجوب الاقل مع الشك في حصول الامتثال عند الاكتفاء باتيانه كيف يكون موجبا للانحلال مع حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني ولو عن المقدار المعلوم وجوبه وإن شئت قلت ان المقدار المعلوم في المقام هو وجوب الاقل الجامع بين كونه لا بشرط بالقياس إلى المشكوك وكونه بشرط شئ ومن المعلوم أن الجامع بينهما ليس إلا الطبيعة المهملة ولا ينتج ذلك إلا قضية جزئية لا مطلقة ولازم ذلك هو العلم بتحقق الواجب عند اتيان الاكثر ليس إلا ومن المعلوم أن المعلوم بالاجمال لم يكن إلا وجوبا دائرا أمره بين تعلقه بالاقل أي الماهية اللا بشرط القسمي أو الاكثر أي الماهية بشرط شئ والمعلوم التفصيلي ليس إلا نفس الماهية المهملة لا المطلقة فلو كان هناك انحلال للزم ان يكون العلم الاجمالي منحلا بنفسه

[ 289 ]

وهذا غير معقول (والحاصل) ان الانحلال في المعلوم بالاجمال إنما يكون بانقلاب القضية المهملة إلى المطلقة كما في موارد الاقل والاكثر الغير الارتباطيين واما في الموارد الارتباطية فالمعلوم تفصيلا إنما هو عين المعلوم بالاجمال والقضية مهملة إلى الابد فكيف يتصور انحلال العلم الاجمالي مع بقائه على ما هو عليه من التردد والاهمال (هذا) وقد (ذكر المحقق صاحب الكفاية) (قده) في وجه عدم الانحلال ما هو من غرائب الكلام (فانه قده) جعل وجوب الاقل متوقفا على فعلية التكليف وتنجزه ولو كان متعلقا بالاكثر فيلزم من الانحلال المتوقف على وجوب الاقل مطلقا والمستلزم لعدم تنجز الاكثر خلف محال (وايضا) يلزم من الانحلال عدم لزوم الاتيان بالاكثر ولازمه عدم تنجز التكليف مطلقا ولو كان متعلقا بالاكثر ولازمه عدم لزوم الاقل مطلقا ولازمه عدم الانحلال فيلزم من الانحلال عدمه وهو محال (وانت خبير) بأن الانحلال يتبع معلومية التكليف بالاقل على كل حال ومشكوكية التكليف بالاكثر ولا يتوقف تنجز الاقل الثابت بالعلم على تنجز الاكثر أصلا فوجوب الاقل على تقدير كونه جزء للاكثر واقعا وان كان تابعا لوجوبه بل مترشحا منه بناء على الوجوب المقدمي إلا ان معلوميته وجدانية ولا توقف لها على شئ والانحلال متفرع على المعلومية لا على شئ آخر فلا يلزم الخلف ولا من وجود الانحلال عدمه (هذا كله) في الانحلال العقلي (وأما شمول) أدلة البراءة الشرعية للمقام (فالتحقيق) انه لا مانع عنه حتى بناء على كون المقام من قبيل دوران الامر بين المتباينين والسر في ذلك ان الشك في كون الماهية المأمور بها مأخوذة لا بشرط بالاضافة إلى الجزء المشكوك أو بشرط شئ بالقياس إليه عبارة أخرى عن الشك في كون الماهية مطلقة أو مقيدة وقد ذكرنا مرارا ان التقابل بين الاطلاق والتقييد إنما هو تقابل العدم والملكة فشمول حديث الرفع للجزء المشكوك ونفي جزئيته من جهة الشك في انبساط الامر النفسي إليه يثبت الاطلاق الظاهري وان المهية المأمور بها ليست في مقام الظاهر مقيدة وان كانت في الواقع كذلك ومع ثبوت اطلاق المأمور به ولا بشرطيته ولو ظاهرا فلا محالة يتحقق الانحلال ويرتفع الاجمال المانع عنه (فإن قلت) كيف المقال على ما هو المشهور من كون التقابل بين الاطلاق والتقييد تقابل التضاد فهل يكون اثبات الاطلاق بعدم التقييد بالاصل الا مبتنيا على القول بالاصول المثبتة (قلت) مضافا إلى ان عدم الانحلال على ما ينسب إلى المشهور مع عدم صحة النسبة على ما اشرنا إليه في بحث المطلق والمقيد لا يضرنا بعد ما اثبتناه من كون التقابل بينهما تقابل العدم

[ 290 ]

والملكة على ما هو المعروف بين المحققين بعد سلطان العلماء قدس الله اسرارهم ان كون الاطلاق أمرا وجوديا ملازما لعدم التقييد على تقدير صحته فإنما هو من الامور العقلية الدقيقة والعرف لا يرى الاطلاق إلا نفس عدم التقييد فلا يكون بنظر العرف واسطة لثبوت الاطلاق بحديث الرفع وسيأتي في بحث الاستصحاب ان شاء الله تعالى ان دعوى خفاء الواسطة في بعض الموارد مما لا معنى لها أصلا بل العرف اما ان لا يرى الواسطة أو يكون الواسطة جلية ففي المقام حيث ان حديث الرفع يعطي في كل مورد ما هو مناسب له بنظر العرف فلا محالة يكون الثابت في المقام هو الاطلاق المتحد مع عدم التقييد بنظرهم وان كان العقل يرى احدهما لازما للآخر (هذا) وقد (افاد المحقق صاحب الكفاية) (قده) في هامشها ما حاصله ان شمول حديث الرفع للمقام يتوقف على ان لا يكون المعلوم بالاجمال حكما فعليا من تمام الجهات بحيث يكون المولى بصدد تحصيله لا محالة والا فالعقل يستقل بالاشتغال ولزوم تحصيل اليقين بالفراغ ولا يبقى مجال لشمول دليل الرفع (وانت خبير) بأن الحكم الفعلي بالمعنى الذي ذكره (قده) وان كان مانعا عن شمول دليل الرفع بل عن جعل مطلق ما يكون مصيبا للواقع مرة ومخطئا أخرى أصلا كان ام امارة إلا ان فرض مثل ذلك الحكم في الشريعة كفرض انياب الاغوال الملحق بالمستحيلات فليس ما ذكره إلا فرضا غير منطبق على واقع اصلا * (ثم ان العلامة الانصاري) * (قده) بعد ما حكم بالبراءة في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر استثنى من ذلك ما إذا أمر المولى بمركب يعلم ان المقصود منه تحصيل عنوان يشك في حصوله إذا اتى بذلك المركب بدون ذلك الجزء المشكوك كما إذا أمر بمعجون وعلم ان المقصود منه اسهال الصفراء بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة أو علم انه الغرض من المأمور به فان تحصيل العلم باتيان المأمور به لازم (وظاهر) هذه العبارة مغايرة معلومية العنوان للغرض المعلوم من الامر والظاهر ان مراده (قده) من معلومية العنوان هو ما ذكرناه سابقا من عدم جريان البراءة في المسببات التوليدية التي هي عناوين لاسبابها عرفا أو قيود لها عقلا ومراده من الغرض ليس هو ملاكات الاحكام ظاهرا لما سيصرح بعد ذلك بعدم لزوم تحصيل الملاكات بل الظاهر ان مراده هو ما افاده في بحث التعبدي والتوصلي بعد اثبات استحالة أخذ قصد القربة في متعلق الامر وابطال التفرقة بين التعبدي والتوصلي بالجعل الثاني لتوهم ان مرجع الجعل الثاني إلى كون قصد القربة واجبا في واجب وهذا اجنبي عن عبادية الواجب وعدم سقوطه إلا بقصد القربة من ان التفرقة بينهما

[ 291 ]

إنما هي باعتبار اختلاف حقيقة الامر التعبدي والتوصلي ذاتا فان جعل الواجب التوصلي إنما هو لاجل الاتيان به بأي داع كان واما الواجب التعبدي فتشريعه انما هو لاجل التعبد به فهوية الامر التعبدي متكيفة بكيف ومتلونة بلون خاص لا يسقط الا بقصد التقرب فعند الشك في كون الواجب تعبديا أو توصليا لا يمكن الرجوع إلى البراءة لدوران الامر بين المتباينين (وانت خبير) بأن المثال المذكور في كلامه لا ينطبق على شئ من الامرين المذكورين في كلامه (اما عدم) انطباقه على الغرض بالمعنى الذي فسرناه (فظاهر) إذ مصداقه منحصر بقصد القربة كما عرفت (وأما عدم) انطباقه على العنوان (فلان العنوان) المعلوم الموجب لعدم جواز الرجوع إلى البراءة الذي هو المأمور به في الحقيقة لا بد وان يكون أمرا اختياريا لترتبه على فعل اختياري بلا وساطة شئ آخر ومن المعلوم ان اسهال الصفراء بالقياس إلى شرب الدواء ليس كذلك بل الشرب المذكور من علل اعداده فربما يترتب الاسهال عليه وأخرى لا يترتب فكيف يعقل ان يكون اسهال الصفراء الذي هو خارج عن اختيار المكلف عنوانا للمأمور به حتى يكون هو المأمور به في الحقيقة (هذا) بالنسبة إلى المثال (وأما) بالنسبة إلى أصل المطلب فاستثناء صورة معلومية العنوان من موضوع الحكم بالبرائة قد عرفت انه مقتضى التحقيق واما استثناء الغرض عن ذلك فليس بصحيح لما عرفت في بحث التعبدي والتوصلي من ان التفرقة بين الامرين انما هو بالجعل الثاني الموجب لنتيجة التقييد وان الجعل الثاني إذا كان ناشئا عن ملاك الجعل الاول يستحيل ان يكون مفاده إيجاب شئ في واجب آخر بل مورده ما إذا كان كل من الجعلين ناشئا عن ملاك غير ما هو ملاك الآخر فيكون مرجع الشك في التعبدية إلى الشك في جعل آخر وكونه موردا للبراءة في غاية الوضوح مع ان القول بالتفرقة بينهما بالغرض وان الامر التعبدي انما شرع لاجل التعبد به بحيث كان هذا من لوازم ذاته إنما يتم على مذهب صاحب الجواهر (قده) من لزوم الاتيان في العبادة بقصد امرها وهذا خلاف التحقيق حتى عنده (قده) بل اللازم إنما هو لزوم الاتيان بالعمل لله بأي داع كان من قصد الامر أو المحبوبية أو غيرهما من الدواعي القربية (مع انا) لو سلمنا ذلك (فغاية الامر) اتصاف الامر العبادي بوصف زائد على الامر التوصلي بعد اشتراكهما في مطلوبية ما تعلقا به فيكون مرجع الشك إلى اعتبار امر زائد بعد معلومية مطلوبية اصل العمل فيكون من دوران الامر بين الاقل والاكثر فيرجع إلى البراءة واين ذلك من دوران الامر بين المتباينين وأدلة البراءة عامة لكل

[ 292 ]

ما يوجب كلفة على العبد واستحقاق العقاب على تركه على تقدير معلوميته سواء كان مطلوبيته لاجل دخله في المأمور به واخذه فيه أو من جهة كونه من لوازم نفس الامر ومقصودا منه (ثم انه قده أشكل) على نفسه بما حاصله ان لازم استثناء الصورتين المذكورتين يستلزم القول بالاشتغال في تمام موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر على مذهب العدلية من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد ضرورة ان ملاكات الاحكام من قبيل العناوين لمتعلقاتها ولا أقل من كونها اغراضا منها ومع الاتيان بالاقل يشك في حصولها فلابد من القول بالاشتغال ولزوم الاتيان بالاكثر حفظا للغرض (ثم اجاب قده) اولا بان القول بالبراءة أو الاشتغال في محل الكلام لا يبتنى على مذهب العدلية فنحن نتكلم على مذهب الاشاعرة المنكرين للحسن والقبح (وثانيا) بانا نحتمل دخل معرفة الوجه وقصده في حصول الغرض وحيث انه غير ممكن عند دوران الواجب بين الاقل والاكثر فلا يبقى الا التخلص من العقاب وهو يحصل باتيان ما علم بوجوبه وهو الاقل واما الزائد عليه فيستقل العقل بقبح المؤاخذة على تركه على تقدير تركه لعدم البيان (وانت خبير) بما في الجوابين (اما الاول) فلان جريان البراءة على مذهب الاشعري أو على مذهب بعض العدلية الذاهبين إلى كفاية المصلحة في نفس الامر دون المأمور به كيف يجدى لمن يرى تبعية الاحكام للملاكات في المتعلقات ولزوم تحصيلها المانع من الحكم بالبراءة عند الشك (واما الثاني) فلان معرفة الوجه وقصده وان ذهب بعض إلى وجوبهما نظرا إلى بعض البراهين المذكورة في علم الكلام للزومهما الا انه (قده) صرح في مواضع بالقطع بعدم وجوبهما كما هو الصحيح لانهما مما يبتلي بهما عامة المكلفين ولم يرد في الشرع ما يدل على وجوبهما وليس هناك دليل قطعي ضروري عليه وانما ذهب من ذهب إلى الوجوب لبعض البراهين النظرية المخدوشة في محلها وعدم الدليل في مثل ذلك دليل قطعي على العدم إذ لو كان لهما دخل في غرض المولى للزم عليه البيان مع عدم ترتب محذور عليه وعدم كونه من المستقلات العقلية الضرورية حفظا لغرضه ومع عدم البيان يقطع بعدم دخله في الغرض ومع ذلك فكيف يمكن ان يقال بانا نحتمل دخل قصد الوجه ومعرفته في الغرض ومعه لا يمكن القطع بحصوله حتى مع الاتيان بالاكثر (هذا والاولى) في تقرير الاشكال ان يقال ان ملاكات الاحكام وان لم تكن من قبيل العنوانات لمتعلقات التكليف ولا من قبيل الاغراض بالمعنى المذكور وهو ما كان مقصودا من الامر ولم يمكن اخذه في المتعلق الذي عرفت ان مصداقه منحصر بقصد

[ 293 ]

القربة عند الشيخ (قده) الا ان ما هو الموجب لعدم جريان البراءة في صورة الشك في حصول العنوان أو الغرض بذلك المعنى موجب لعدم جريان البراءة عند الشك في حصول الملاك ايضا وحيث ان باتيان الاقل لا يقطع بحصول ملاك الواجب المعلوم المردد بين الاقل والاكثر فلا بد من الاتيان بالاكثر تحصيلا للملاك اللازم تحصيله فإن المقصود الاولي للامر انما هو تحصيل ما يترتب على الفعل من الملاك كما كان المقصود من الامر هو حصول العنوان أو الغرض فيما هو المفروض فكما ان كونهما مقصودا اوجب الحكم بالاشتغال وعدم جواز الرجوع إلى البراءة فكذلك مقصودية الملاك وعليته للوجوب توجب الحكم بالاشتغال عند الشك في حصوله (وبالجملة) الغرض بهذا المعنى وان كان مغايرا للغرض بذاك المعنى الاولي الا ان ما هو الموجب للاحتياط موجب له فيه ايضا (ولا يتوهم) ان جريان البراءة عن الزائد وشمول حديث الرفع له يوجب جواز الاكتفاء بالاقل في هذا الفرض (فإن الملاك) البسيط إذا كان تحصيله لازما وشك في حصوله عند الاتيان بالاقل فلا يمكن اثبات محصلية الاقل له بنفي الزائد وقد ذكرنا غير مرة ان شمول دليل لمورد إذا كان محتاجا إلى مؤنة اخرى فلا يمكن الحكم بشموله له واثبات تلك المؤنة الا إذا كان واردا في مورد خاص بخصوصه فلابد من الحكم بثبوت تلك المؤنة صونا لكلام الحكيم عن اللغوية واين ذلك من مثل حديث الرفع الغير المختص بمورد مخصوص وسيتضح ذلك في بحث الاصل المثبت ان شاء الله تعالى (وتحقيق الجواب) عن هذا الاشكال يتوقف على بيان مقدمات (الاولى) أن ما لا يمكن تعلق الارادة التكوينية به لا يمكن تعلق الارادة التشريعية به ايضا والوجه فيه ظاهر فإن الارادة التشريعية إنما هي لتحريك عضلات العبد وارادته نحو شئ فإذا فرضنا استحالة ذلك في الخارج فيستحيل تعلق الارادة التشريعية به ايضا (الثانية) ان الارادة الداعية المتعلقة بشئ إذا كان متعلقها امرا مقدورا اختياريا فلا محالة يتعلق بها الارادة الفاعلية ايضا فيتحد متعلق الارادتين فيكون المقصود الاولي هو بعينه ما ينبعث إليه الفاعل في الخارج وأما إذا كان امرا غير اختياري نظير كون الزرع سنبلا فلا محالة يتعلق الارادة الفاعلية بمقدماته لكن العلة الداعية إلى تعلقها بها هو تعلق القصد إلى ذي المقدمة والا فنفس المقدمة غير مقصودة بنفسها اصلا (الثالثة) ان الآثار المترتبة على الافعال الاختيارية (اما ان لا يكون) هناك واسطة بينهما من جهة كون الفعل الاختياري علة تامة للاثر المترتب عليه أو جزءا خيرا

[ 294 ]

منها (أو يكون) في البين واسطة غير اختيارية ككون الزرع سنبلا المحتاج في ترتبه على الزرع الذى هو فعل اختياري إلى مقدمات ملكية وملكوتية وحيث ان تعلق الارادة الفاعلية في القسم الثاني بالاثر مستحيل فلا محالة يستحيل تعلق الارادة الآمرية به ايضا وإن كان هناك ارادة آمرية فلا بد وأن تتعلق بالمقدمات ليس إلا (هذا) بحسب مقام الثبوت (واما بحسب مقام الاثبات) فإن كان الاثر مما تناله يد العرف كالطهارة الخبيثة فلا يفرق فيه بين تعلق الامر الشرعي بنفس الاثر أو بمقدماته إذ العرف يستكشف من الامر بالمقدمة تعلق الامر بذي المقدمة ايضا وأما إذا لم يكن كذلك بان لم يكن لهم طريق إلى معرفة كون الاثر من اي القسمين فإن كان الامر الشرعي متعلقا بالاثر فيستكشف منه مقدوريته وأنه من قبيل ما يترتب على الفعل الاختياري بلا واسطة وإلا لما امكن البعث نحوه وإن كان متعلقا بالمقدمة دونه فبتبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت يستكشف ان الاثر المترتب خارج عن تحت القدرة والاختيار وإلا لكان البعث نحو غيره مع انه هو المقصود الاولي على خلاف الحكمة والغرض وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث الصحيح والاعم فراجع (إذا عرفت ذلك) فنقول أن الاحكام الشرعية وإن كانت تابعة للملاكات التي في متعلقاتها على ما هو الصحيح عند العدلية إلا انها من جهة عدم كونها مما تنالها يد العرف لعدم معرفتهم بها بالضرورة فالشارع هو المكلف بايقاع امره على نحو يفي بغرضه وحيث أن المفروض عدم تعلق الامر الشرعي إلا بنفس الافعال فيستكشف منه عدم قابلية الاغراض لتعلق الامر بها لا بنحو الاستقلال ولا بنحو التقيد فالعقل يستقل بعدم لزوم تحصيلها على المكلف فإن الواجب عليه هو تحصيل ما تعلقت به إرادته التشريعية فكل ما تعلقت به ارادته يجب تحصيله عليه وغيره لا يجب عليه تحصيله وإن كان له دخل في الغرض واقعا فإن الشارع في مثل الفرض هو الذي اخل بغرضه بعدم اخذه في متعلق امره دون المكلف فعند احتمال دخل شئ في الغرض الداعي إلى امره مع عدم اخذه في متعلق الامر لا يكون الشك راجعا إلى الشك في الامتثال كما هو ظاهر (فان قلت) ما ذكرت إنما يتم فيما إذا علم عدم تعلق الامر بشئ واحتمل دخله في الغرض فإن في مثله نلتزم بعدم لزوم تحصيل الغرض لما عرفت (واما) إذا احتملنا تعلق الامر به وعدم وصوله الينا لمانع خارجي كما هو المفروض في محل البحث (فلا قصور) في امر الشارع من حيث تطبيق ما تعلق به غرضه على متعلق امره وحيث أن الشك في حصول الغرض حينئذ يرجع إلى

[ 295 ]

الشك في حصول امتثال الامر المعلوم فإن بقاء الامر كحدوثه معلول للغرض فلا مناص من القول بالاشتغال لان الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية (وبعبارة واضحة) الغرض من المأمور به وإن لم يكن بنفسه مأمورا به ولا من قيوده إلا انه لا ريب في تعلق الامر بما هو مقدمة اعدادية لم ويجب تحصيلها من المكلف وحيث انها مرددة بين الاقل والاكثر فلا بد من الاتيان بالاكثر تحصيلا للفراغ اليقيني إذ بدونه يكون سقوط الامر الفعلي مشكوكا فيه لا محالة (قلت) الاغراض الواقعية إذا كانت بحيث يلزم استيفائها حتى حال الجهل فحيث أن الاوامر الواقعية لا تفي بها في تلك الحال فلا بد من جعل المتمم لها وهو ايجاب الاحتياط على ما هو الميزان في كل مورد لا يفي امر المولى بغرضه سواء كان نتيجة جعل المتمم هو الايجاب النفسي أو المقدمي أو الطريقي على ما عرفت تفصيله في بحث وجوب المقدمة فإذا علم عدم جعل الاحتياط في المقام فيستكشف منه عدم كون الغرض الواقعي من ذاك القبيل وإذا شك فيه فيكون ذلك مشكوكا فيه لا محالة ايضا وحيث ان مرجع الشك حينئذ يكون إلى شك في جعل وجوب الاحتياط في ظرف الجهل فيجري فيه البراءة عقلا ونقلا خصوصا على ما هو التحقيق عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) من كون ايجاب الاحتياط هو الموجب لاستحقاق العقاب على مخالفة نفسه عند مصادفة الواقع لا على مخالفة الواقع فإنه مع العلم بايجاب الاحتياط لا يكون الواقع بمحرز لا بنفسه ولا بطريقه فيقبح العقاب على مخالفته فإنه على ذلك يكون جريان البراءة فيه اوضح من جريانها في نفس الجزئية أو الشرطية فإنه وإن منعنا عن جريان البراءة العقلية في موارد الشك في الجزئية أو الشرطية إلا أنه لا نمنع عن جريانها في المقام فإن الشك حينئذ يكون متعلقا بتكليف مجعول استقلالا وإن كان طريقيا بالقياس إلى الواقع (فتحصل) أن التفويت في محل البحث غير مستند إلى المكلف أصلا بل هو مستند إلى الشارع بعدم جعله الاحتياط في ظرف الجهل ولزوم تداركه عليه لاستلزامه القبح بدونه على تقدير الالتزام به اجنبي عن جريان البراءة وعدمه (وبالجملة) لزوم حفظ الغرض مطلقا إنما هو وظيفة المولى وما هو في ذمة المكلف ليس إلا الاتيان بمتعلق امره والتحرك عن تحريكه فكيف يعقل مع ذلك الشك في عدم سقوط الامر حتى يكون موردا لقاعدة الاشتغال * (تتميم) * ربما يتمسك بالاستصحاب في المقام لاثبات الاشتغال بالاكثر تارة وللقول بالبراءة اخرى (اما الاول) فبتقريب أن الوجوب المردد بين تعلقه بالاقل والاكثر

[ 296 ]

معلوم التحقق سابقا ومشكوك البقاء بعد الاتيان بالاقل فيستصحب بقاؤه (ويرد) عليه (مضافا) إلى ما عرفت من عدم جريان الاستصحاب في موارد العلم الاجمالي بالتكليف مطلقا ولو كان بين المتباينين (انه) على تقدير تماميته لا يتم في موارد الدوران بين الاقل والاكثر فإن المعلوم تحققه سابقا بعد الفراغ عن جريان البراءة عن المشكوك هو وجوب الاقل ليس إلا فلا يبقى مورد لجريان الاستصحاب بعد الاتيان به (وبعبارة اخرى) الشك في بقاء الوجوب بعد الاتيان به مسبب عن الشك في وجوب الجزء المشكوك ومع جريان البراءة عنه كما هو المفروض يرتفع الشك في البقاء بالضرورة (واما الثاني) فقد قيل في تقريبه على ما افاده العلامة الانصاري (قده) وجهان (الاول) هو التمسك باستصحاب عدم وجوب الاكثر من جهة انه ماهية مستقلة في اللحاظ يشك في وجوبه (وفيه) ان المستصحب إن كان هو عدم الجعل الازلي لوجوب الاكثر فيرد عليه (اولا) أن استصحاب عدم وجوبه على تقدير جريانه معارض باستصحاب عدم وجوب الاقل فإن وجوبه الاعم من وجوبه الضمني والاستقلالي وإن كان معلوما إلا أن خصوص وجوبه الاستقلالي مشكوك فيه ومبنى اجراء الاستصحاب في عدم وجوب الاكثر على لحاظ الاستقلال وإلا فيرجع الشك إلى وجوب الزائد دون وجوب الاكثر كما هو ظاهر (وثانيا) ان عدم الجعل بنفسه كما عرفت سابقا لا يترتب عليه أثر إلا باعتبار اثبات عدم المجعول به فيكون جريانه حينئذ مبنيا على القول بالاصول المثبتة (وان كان) المستصحب هو عدم المجعول وهو الوجوب الفعلي عند تحقق موضوعه (فيرد عليه) اشكال المعارضة لا غير (الثاني) هو التمسك باستصحاب عدم وجوب ما يشك في جزئيته باعتبار ان وجوبه زائدا على وجوب المقدار المعلوم أمر حادث مشكوك فيه (وفيه) ان المستصحب ان كان هو عدم الجعل فيرد عليه (اولا) ما عرفت من ان اثبات عدم المجعول به يبتنى على القول بالاصل المثبت (وثانيا) ان المعلوم تحققه سابقا هو العدم المحمولي المعلوم ارتفاعه في زمان الجعل اما بتعلق الجعل به على تقدير وجوب الاكثر واما بانقلابه إلى العدم النعتي على تقدير وجوب الاقل فلا يجوز التمسك باستصحابه (وبعبارة أخرى) المشكوك فعلا هو العدم النعتي وهو لا حالة سابقة له قبل الجعل فان ظرف تحققه هو حال الجعل لا غير وما له حالة سابقة هو العدم المحمولي وغير محتمل البقاء والتمسك باستصحاب كلى العدم لاثبات العدم النعتي يكون مبنيا على القول بالاصل المثبت أيضا (وإن كان) هو عدم المجعول

[ 297 ]

(فيرد) عليه الاشكال الثاني من عدم وجود الحالة السابقة أو المثبتية لا غير ولو جعل المستصحب هو عدم لحاظ ما يشك في جزئيته حال الامر بالمركب ولحاظه فالاشكال اوضح * (المقام الثاني) * فيما إذا كان دوران الامر بين الاقل والاكثر من جهة الشك في اعتبار الاجزاء التحليلية اعني بها الشروط والموانع ومسائلها ثلاث (الاولى) فيما إذا شك في اعتبار امر خارجي مغاير للمأمور به في الوجود شرطا فيه كما إذا شككنا في اشتراط صحة عمل المستحاضة باغتسالها ليلا (والحكم فيه) البراءة وقد ظهر وجهه مما ذكرناه في وجه الرجوع إليها عند الشك في الجزئية فلا نعيد (الثانية) فيما إذا شك في اعتبار امر خارجي غير مغاير للمأمور به في الوجود وهذا على قسمين (إذ ربما) يكون القيد المحتمل اعتباره من قبيل الامور المقومة للمأمور به (واخرى) لا يكون كذلك بل يكون اعتباره على تقديره كاعتبار القيود الخارجية من انه يحتاج إلى مؤنة زائدة في عالمي الثبوت والاثبات وهذا كما إذا شك في ان المأمور به هل هو عتق مطلق الرقبة أو خصوص المؤمنة منها فان اعتبار قيد الايمان في المأمور به محتاج في عالم الثبوت إلى لحاظ زائد مغاير للحاظ نفس الرقبة وفي عالم الاثبات إلى دليل دال على اعتباره بالخصوص (فان كان) من قبيل الاول بحيث كان المحتمل اعتباره من قبيل الفصل بالاضافة إلى الجنس فالحق انه مورد لقاعدة الاشتغال وذلك فان الامر المتعلق بالنوع لا ينحل ولو بالدقة إلى الامر بجنسه وفصله فان شيئية الشئ بفصله وصورته لا بجنسه ومادته فالمادة المجردة بما هي يستحيل تعلق الطلب بها بل لابد من اعتبار الفصل معها فإذا شك في اعتبار فصل مخصوص فيرجع الشك إلى ان المعتبر في المأمور به هل هو خصوص فصل معين أو احد الفصول لا بعينها فيكون من موارد دوران الامر بين التخيير والتعيين من دون ان يكون هناك جهة متيقنة وقد عرفت في محله ان القاعدة في مثله تقتضي الاشتغال والالتزام بالتعيين دون التخيير (وان كان) من قبيل الثاني فالتحقيق يقتضي الرجوع فيه إلى البراءة فان القيد المحتمل اعتباره وان لم يكن مغايرا للمأمور به في الوجود الا ان المفروض ان اعتباره محتاج إلى مؤنة زائدة ثبوتا واثباتا فمع الشك في تعلق الطلب زائدا على الطلب المتعلق بالمطلق يرجع إلى البراءة حتى العقلية منها بناء على جريانها عند الشك في الجزئية وذلك لعدم تمامية البيان بالقياس إلى القيد المحتمل اعتباره فلولا الاشكال المتقدم في جريان البراءة العقلية عند الشك في الجزئية من جهة الارتباطية لقلنا بجريانها في المقام ايضا (فما عن) العلامة الانصاري والمحقق صاحب الكفاية (قدهما) من منعهما عن جريان

[ 298 ]

البراءة في مطلق دوران الواجب بين المطلق والمقيد (في غير محله) والصحيح هو ما ذكرناه من التفصيل (ثم لا يخفى) ان التمييز بين القسمين انما هو بالرجوع إلى العرف فكل قيد يوجب تخلفه الخيار في باب المعاملات يكون من القيود الغير المقومة وكل قيد يوجب تخلفه مباينة ما وقع عليه العقد لما هو الموجود خارجا فيوجب البطلان في المعاملة يكون من القيود المقومة وتمام الكلام في محله (الثالثة) فيما إذا شك في اعتبار امر عدمي في الواجب من جهة الشك في المانعية وهو علي قسمين (الاول) ما إذا كان الشك في الاعتبار من جهة احتمال اعتبار المانعية لشئ ابتداء وهذا لا ريب في كونه موردا للبراءة لعدم الفرق بينه وبين الشك في الشرطية اصلا (الثاني) ما إذا كان الشك فيه ناشئا من احتمال الحرمة النفسية وهو ايضا على قسمين فان الحرمة الموجبة لتقييد الواجب بقيد عدمي (قد تكون) موجبة له بوجودها الواقعي ولو لم يكن واصلا إلى المكلف كما إذا بنينا على امتناع اجتماع الامر والنهي من الجهة الاولى على ما عرفت الحال فيه في محله من ان ذلك يوجب وقوع المعارضة بين دليلي الواجب والحرام فتقدم دليل الحرمة كما هو المفروض يوجب خروج مورد الاجتماع عن اطلاق دليل الواجب بالكلية (وقد لا تكون) موجبة له الا مع وصول الحرمة وتنجزه كما إذا بنينا على جواز الاجتماع من تلك الجهة ومغايرة متعلق الامر مع متعلق النهي واقعا فان التنافي بين دليل الواجب والحرمة حينئذ في مقام الفعلية لعدم قدرة المكلف على الامتثالين في مورد الاجتماع فيكون رفع اليد عن دليل الواجب وتقديم الحرمة من جهة المزاحمة لا غير وقد عرفت غير مرة ان كل تكليف مزاحم لتكليف اخر انما يكون مزاحما له بعد تنجزه ووصوله ضرورة ان ما لا يكون شاغلا للمكلف بنفسه من جهة الجهل به كيف يمكن ان يكون معجزا عن الغير حتى يوجب تقييده (اما القسم الثاني) وهو ما إذا كان الحرمة المحتملة موجبة للتقييد في ظرف الوصول (فلا ريب) في ان الشك الموجب لجريان البراءة عنها يوجب القطع بعدم وجود المانع إذ المفروض اختصاص المانعية بصورة تنجزها فمع عدم التنجز يكون المانعية مقطوع العدم فلا معنى للرجوع إلى البراءة من جهتها (واما القسم الاول) فيفرق فيه بين القول بان المانعية مترتبة على الحرمة وفي مرتبة متأخرة عنها والقول بانها مجعولة في عرضها فانه على القول بالعرضية وعدم ترتب المانعية على الحرمة فاي اصل فرضنا جريانه لاثبات الحلية ورفع الحرمة لا يثبت انتفاء ما هو من لوازم الحرمة واقعا كما هو ظاهر فتحتاج في رفع المانعية إلى التمسك بالبراءة من جهتها لا محالة واما على القول بالترتب والطولية فيفرق بين الاصول التنزيلية

[ 299 ]

وغيرها فان المثبت لعدم الحرمة ان كان هو الاستصحاب مثلا فيثبت به لوازمه الواقعية المترتبة عليه فيرتفع الشك في المانعية فلا يبقى مجال للتمسك بالبراءة من جهتها واما إذا كان المثبت له مثل اصالة الاباحة ونحوها من الاصول الغير التنزيلية فلا يترتب عليه الا آثار الحلية ظاهرا فيبقى احتمال المانعية التي هي من لوازم الحرمة واقعا على حاله فلابد في رفعه من التمسك بالبراءة من جهتها ايضا (فقد ظهر) ان عدم تنجز الحرمة لا يكفي عن الرجوع إلى البراءة من جهة احتمال المانعية مطلقا بل هو مختص ببعض الصور دون بعض وقد ذكرنا شطرا من ذلك في بحث النهي عن العبادة فراجع * (تتميم) * قد ظهر مما ذكرناه جواز التمسك بالبراءة عند الشك في دوران المأمور به بين الاقل والاكثر من جهة فقدان النص (واما) إذا كان الشك من جهة اجمال اللفظ كما إذا شك في صدق لفظ الصلاة على فاقدة السورة مثله (فربما يقال) فيه بعدم جريان البراءة نظرا إلى ان وجوب الصلاة إذا كان معلوما فلا بد من تحصيل اليقين باتيانها خارجا لانه مقتضى الاشتغال اليقيني ومع الشك فيه فلا مناص عن الرجوع إلى قاعدة الاشتغال (ويرد عليه) ان المأمور به إذا كان نفس العنوان والمفهوم وكان الماتي به محصلا له في الخارج فلا مناص عن الالتزام بما ذكر لكن الامر ليس كذلك لما بيناه في بحث الصحيح والاعم من ان المفاهيم انما تؤخذ في متعلقات التكاليف بما انها حاكية عن الحقائق وما هو متعلق الامر ليس الا نفس الحقيقة وعليه يكون الماتي به خارجا بعينه هو الذى تعلق به الامر فإذا اتى بالمقدار المتيقن فقد اتى بنفس ما علم تعلق الامر به لا بمحصله والمفروض عدم العلم بوجوب الزائد عليه فيتمسك معه بالبراءة (وبالجملة) جريان البراءة موقوف على انحلال الامر المعلوم بالاجمال إلى مقدار معلوم والى مقدار مشكوك زائد عليه وكون منشأ الشك هو اجمال النص أو فقدانه اجنبي عن ملاك جريانها بالكلية (ومن هنا) يظهر جواز التمسك بها فيها إذا كان الشك ناشئا من تعارض النصين ايضا لولا ورود الاخبار العلاجية بعدم جواز طرح الخبرين ولزوم الاخذ باحدهما تخييرا فان القاعدة الاولية تقتضي سقوط المتعارضين والرجوع إلى الاصل الجاري في البين (نعم) هناك كلام في ان العام أو المطلق الموافق لاحد المتعارضين يكون مرجحا لاحدهما أو يكون مرجعا بعد تساقطهما قد تعرض له العلامة الانصاري (قده) في المقام واختار اخيرا كونه مرجعا على تقدير كون التخيير المستفاد من الادلة تخييرا في المسألة الفقهية المتوقف على

[ 300 ]

عدم حجة فعلية واما على تقدير كون التخيير في المسألة الاصولية فمقتضى ادلته هو جعل كل منهما على البدل حجة فعلية فلا يكون العام مرجحا فضلا عن مرجعيته لجواز الاخذ بالخبر المخالف حينئذ وجعله حجة على خلاف العموم وسيجئ تنقيح المسألة في محله ان شاء الله تعالى (هذا كله) فيما إذا دار الواجب بين الاقل والاكثر من جهة الشبهة الحكمية (واما إذا كان) الدوران من جهة الشبهة الموضوعية (فالتحقيق) فيه وان كان يقتضي الرجوع إلى البراءة ايضا الا ان صريح عبارة شيخنا العلامة الانصاري (قده) الرجوع فيه إلى الاشتغال على عكس الشبهة الحكمية (وتوضيح الحال في المقام) يتوقف على بيان امر وهو ان محل الكلام في المقام لا بد وان يفرض فيما لا يرجع الشك فيه إلى الشك في المحصل بعد احراز المأمور به بكماله ضرورة ان الشك في المحصل لا بد من الرجوع فيه إلى الاشتغال سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية وليس ذلك من مختصات الشبهة الموضوعية وكان تمثيل العلامة الانصاري (قده) بما يرجع الشك في إلى المحصل ناش إما من غفلته (قده) عن ذلك أو تخليه انحصار الشك في الاقل والاكثر بموارد الشك في المحصل ليس الا (والتحقيق) ان الامر ليس على ذلك بل الشبهة الموضوعية قد يكون الشك فيها راجعا إلى الشك في المحصل وقد يكون الشك في متعلق التكليف بنفسه مثلا إذا فرضنا الامر باكرام العلماء (فقد يكون) اكرام كل فرد بنفسه واجبا مستقلا في قبال الفرد الآخر على حسب تعدد افراد العالم (وقد يكون) كل فرد من الاكرام جزءا للواجب بحيث لو فرضنا ترك الواحد من الافراد لما يحصل الامتثال اصلا وعلى كلا التقديرين يكون كثرة افراد العلماء خارجا موجبة لسعة دائرة الواجب كما ان قلتهم توجب ضيقها لكن الفرق هو ان الشك في عالمية فرد خارجي على الاول يوجب الشك في وجوبه الاستقلالي وعلى الثاني يوجب الشك في وجوبه الضمني والشبهة في كلا القسمين وان كانت موضوعية الا ان الاول شبهة في التكليف الاستقلالي وفي الثاني شبهة في التكليف الضمني اعني بها الشك في الجزئية من جهة الشبهة الموضوعية وكذا إذا فرضنا النهي عن لبس غير المأكول فقد يكون النهي نفسيا استقلاليا منحلا إلى النواهي المتعددة حسب تعدد افراد غير المأكول خارجا فيكون الشك في كون لباس متخذا من المأكول وغيره موجبا للشك في حرمة لبسه استقلالا وقد يكون نهيا غيريا من جهة اعتبار عدمه في الصلاة مثلا بحيث يكون كل فرد من افراد غير المأكول له مانعية مستقلة حسب ما في كل فرد من المفسدة الموجبة لجعل المانعية له فإذا شك في فرد انه من

[ 301 ]

غير المأكول فلا محالة يوجب ذلك الشك في مانعيته بعد العلم بمانعية غيره من الافراد المعلومة فيتحقق الشك في المانعية من جهة الشبهة الموضوعية (واما الشك) في الشرطية من جهة الشبهة الموضوعية (فلم نتحصل له) بمثال فانه إذا فرض شرطية شئ كطهارة اللباس للصلاة فليس مرجع ذلك إلى شرطية كل ما فرض فردا من اللباس الطاهر لها بل مرجعه لا محالة إلى اعتبار طبيعة اللباس الطاهر بصرف وجودها فيها فإذا شك في طهارة لباس خارجي فلا يكون شكا في الشرطية فان المفروض عدم شرطية كل فرد بل الشك انما هو في تحقق الشرط المعلوم خارجا ولا بد من الرجوع فيه إلى قاعدة الاشتغال كما هو ظاهر (وكيف كان) فقد تحصل مما ذكر امكان فرض الشك بين الاقل والاكثر في الواجب من جهة الشبهة الموضوعية من دون رجوع الشك فيه إلى الشك في المحصل (إذا عرفت ذلك فنقول) ان العلم بالتكليف بنفسه مع عدم احراز موضوعه مخارجا لا يوجب تنجزه بتوهم ان الشك حينئذ يرجع إلى الشك في الامتثال بعد العلم بنفس التكليف كما اوضحناه في بحث الشبهة الموضوعية في التكاليف الاستقلالية فأن محركية كل تكليف لا يكون الا مع العلم بتحقق الصغرى خارجا بعد العلم بجعل الكبرى الكلية ومع الشك في جعل الكبرى أو انطباقها على ما في الخارج يكون التكليف الفعلي مشكوكا فيه لا محالة ويرجع معه إلى البراءة فتوهم ان العلم بوجوب اكرام العلماء بنحو العموم المجموعي كالعلم بجعل المانعية لغير المأكول يكون مانعا عن الرجوع إلى البراءة فلا بد من تحصيل الفراغ اليقيني بعد ثبوت الاشتغال كذلك ساقط بالكلية إذ لو كان العلم بجعل الكبرى مانعا عن الرجوع إليها في المقام لكان العلم بجعلها في التكاليف الاستقلالية مانعا عنه ايضا والمفروض في المقام تسليم جريان البراءة هناك كما ان كون التكليف ارتباطيا لا يوجب عدم جواز الرجوع إليها في المقدار المشكوك فيه على ما عرفت فان تنجز كل تكليف انما يكون بمقدار وصوله لا اكثر والا فلا بد من القول بالاشتغال في مطلق دوران الامر بين الاقل والاكثر في التكاليف الارتباطية والمفروض في محل الكلام جريان البراءة فيه إذا كانت الشبهة حكمية فإذا لم يكن العلم بجعل التكليف بنفسه وارتباطيته مانعين من الرجوع إليها فلا بد من الرجوع إليها في محل البحث ضرورة انه لا مانع عنه فيه غير العلم بجعل الوجوب أو المانعية في المثالين مع فرض عدم احراز موضوعهما خارجا وكون التكليف ارتباطيا فإذا فرض عدم مانعية شئ منهما فلا موجب للمنع عنه اصلا وعلى ذلك يبتنى جواز الصلاة في اللباس المشكوك اتخاذه

[ 302 ]

من غير المأكول فانه إذا فرض استفادة مانعية لبسه في الصلاة عنها وكونها انحلالية بحيث يكون كل فرد مانعا مستقلا فالشك في فرد خارجي يوجب الشك في تقيد الصلاة بعدم لبسه فيرجع فيه إلى البراءة بل لو تنزلنا عن استفادة الانحلالية والتزمنا بتقيد الصلاة بعدم الطبيعة على نحو يكون مجموع الاعدام معتبرا فيها لكان المرجع هو البراءة ايضا وذلك فان عدم كل فرد حينئذ يكون مقوما لما هو المعتبر فيها لا محالة لكونه جزءا له حينئذ فمرجع الشك حينئذ إلى الشك في جزئيته لما اخذ قيدا في الواجب فكما ان الشك في جزئية شئ للواجب بنفسه يكون موردا للبراءة ولو من جهة الشبهة الموضوعية فكذلك الشك في جزئيته لما هو قيد الواجب ايضا فان المدار في جميع ذلك هو تعلق الشك بالتكليف الفعلي (نعم) لو كان قيد الواجب امرا بسيطا متحصلا من الاعدام الخارجية ككون المصلي غير لابس غير المأكول بنحو القضية المعدولة لا السالبة المحصلة لما امكن الرجوع إلى البراءة لعدم انحلال التكليف المعلوم حينئذ إلى المقدار المعلوم والمشكوك بل المكلف به امر مبين معلوم والشك انما هو في محصله لا في نفسه لكنه مع سقوطه في نفسه ومخالفته لظواهر الادلة الدالة على المنع عن الصلاة في غير المأكول فانها ظاهرة في تعلق النهي الضمني بكل فرد كما إذا كان النهي نفسيا استقلاليا مخالف لمذهب المشهور القائلين بالاشتغال عند الشك في كون اللباس من غير المأكول فانهم اطبقوا بحسب الظاهر على عدم جواز لبس المضطر إلى لبسه في الصلاة زائدا على ما يرتفع به الاضطرار وهذه الفتوى منهم صريحة في مانعية كل فرد مستقلا إذ لو كان المعتبر هو العنوان البسيط المفروض عدم التمكن من تحصيله من جهة الاضطرار فما الموجب للالتزام بلزوم الاقتصار على المقدار المزبور ومن هنا يعلم ان التزامهم بلزوم الاقتصار على ذلك المقدار في فرض الاضطرار مع ذهابهم إلى جريان البراءة في التكاليف الارتباطية في الشبهات الحكمية وفي التكاليف الاستقلالية في الشبهات الموضوعية لا يمكن جمعه مع التزامهم بعدم جريان البراءة في المقام اصلا (وبالجملة) المنع عن جريان البراءة في المقام بعد الفراغ عن جريانها في موارد التكاليف الارتباطية والتكاليف الاستقلالية في الشبهات الموضوعية لا يمكن إلا بالالتزام بكون العنوان البسيط المتحصل من الاعدام الخارجية معتبرا في الصلاة بحيث لو فرض محالا انفكاكه عن مجموع الاعدام الخارجية لكان الامتثال دائرا مدار تحققه واعتبار مثل هذا العنوان البسيط وإن كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة حتى في التكاليف الاستقلالية كما عرفت تفصيله في

[ 303 ]

الشبهات الموضوعية التحريمية إلا انه غير معتبر في الصلاة قطعا ضرورة ان النهي عن لبس غير المأكول فيها كالنهي عن شرب الخمر مثلا فكما ان تعلق التكليف النفسي فيه بنفس عنوان شرب الخمر يكشف عن وجود مفسدة في متعلقة اينما وجد فيكون كل فرد منه حراما مستقلا في قبال الفرد الآخر فكذلك تعلق النهي الضمني التبعي بشئ يكشف عن وجود مفسدة في كل فرد منه موجب لتقيد الصلاة مثلا بعدمه فإذا شك في فردية فرد له فلا محالة يرجع الشك حينئذ إلى الشك في التقييد الزائد على المقدار المعلوم والمرجع فيه هو البراءة كما عرفت ولعمري ان فيما ذكرناه في المقام لمن تأمل وتدبر غنى وكفاية وإن كانت المسألة غير محررة في شئ من الكتب الاصولية فإن محررها ومنقحها هو العلامة الانصاري (قده) وقد عرفت أن تحريره (قده) في المقام في غير محله * (وينبغي التنبيه) * على امور (الاول) انه إذا ثبت تقيد الواجب بشئ في الجملة وبطلانة بتركه عمدا فإنه مقتضى تقيده به فهل القاعدة تقتضي بطلانة بتركه سهوا ايضا أو بزيادته عمدا أو سهوا ام لا والكلام يقع في المقامين (الاول) من جهة النقيصة سهوا (والثاني) من جهة الزيادة عمدا أو سهوا اما المقام الاول فالحق فيه هو البطلان إلا فيما ثبت اختصاص الجزئية أو الشرطية فيه بحال الذكر وقبل التكلم في ذلك لا بأس ببيان امر وهو انه إذا ثبت صحة العبادة المنسي فيها بعض ما اعتبر فيها فهل يكون ذلك من جهة اشتمال ما اتى به في الخارج في هذا الحال بالملاك أو انه من جهة تعلق الامر به ايضا لا ريب في كفاية الاشتمال بالملاك في صحة العبادة عند صدورها في الخارج بقصد قربى ولو لم تكن متعلقة للامر وذلك لما عرفت في بحث التعبدي والتوصلي من انه لا خصوصية في حصول التقرب لقصد الامر بما هو بل الموجب للقرب هو مطلق صدور الفعل في الخارج لوجه الله الجامع بين الوجوه القربية فمتى حصل في الفعل جهة قربية واتى به في الخارج مضافا إلى المولى بوجه كان عبادة لا محالة (وتوهم) ان الاكتفاء بالملاك في العبادية إنما يصح مع الاتيان بها بقصدها لا مع قصد الامر المفروض عدمه فإن ما هو داع ومحرك لا واقعية له في الخارج وما له الواقعية فيه وهو الملاك غير مقصود فلا موجب للصحة مع عدم قصده (مدفوع) بما عرفت من ان المعتبر في عبادية العبادة إنما هو اشتماله على الجهة المحسنة مع صدوره مضافا إلى المولى والمفروض تحقق كليهما في المقام ولا موجب لاعتبار خصوص داعوية الملاك الموجود اصلا واما الامر بما عدى المنسي من

[ 304 ]

الاجزاء والشروط فقد ذكر في تصويره وجوه (الاول) ما عن العلامة الانصاري (قده) على ما في بعض تقريرات بحثه في مباحث الخلل وحاصله ان الامر بعنوان الناسي وان لم يمكن باعثيته وداعويته له في الخارج لعدم التفاته إلى انطباق هذا العنوان عليه إلا انه لما كان قاصدا للامر التام فيصح جعل امر آخر في حقه حتى يكون هو الداعي له حقيقة ويكون قصده للامر التام من باب الخطأ في التطبيق (ويرد) عليه ان الخطأ في التطبيق إنما يتصور فيما إذا امكن جعل كل من الحكمين في حد نفسه كما إذا فرض قصد المكلف للامر الاستحبابي مع انه كان وجوبيا في الواقع واما الامر بعنوان الناسي فإن امكن جعله فلا بأس بصحة عبادته من باب الخطأ في التطبيق لكنه مستحيل في حد نفسه لما عرفت مرارا من ان محركية كل تكليف تتوقف على وجود موضوعه خارجا واحراز المكلف له وحيث يستحيل في المقام احراز المكلف كونه ناسيا فيستحيل محركية التكليف المجعول له خارجا ومن المعلوم ان استحالة فعلية التكليف ومحركيته تستلزم استحالة جعله في حد نفسه (الثاني) ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الامر بعنوان الناسي وإن لم يمكن تصوره إلا انه يمكن الامر بعنوان يلازمه ولا محذور في التفات المكلف إلى هذا العنوان الملازم وفعلية التكليف في حقه وإن لم يلتفت إلى عنوان النسيان اصلا (وفيه) مضافا إلى ان المحذور السابق مترتب عليه بعينه فيما إذا التفت المكلف إلى الملازمة بين العنوانين ان فرض عنوان ملازم للنسيان خارجا خصوصا مع اختلاف متعلقات النسيان حسب اختلاف الازمنة والاشخاص فرض ربما يلحق بالمستحيلات (الثالث) ان يقال ان الركعات كما انها تنقسم إلى فرض الله وفرض النبي صلى الله عليه وآله وقواعد الشك والبناء على الاكثر إنما تجري في فرض النبي إلا في الركعة الثالثة الملحقة بفرض الله فكذلك الاجزاء تنقسم إلى فرضين فما كان من فرض الله وهي الاركان يوجه الامر بها إلى مطلق المكلفين واما غيره فيوجه الخطاب فيه إلى خصوص الذاكرين ولازم ذلك هو اختصاص قيديته بحال الذكر وكون غير المنسي مامورا به بالامر الفعلي من دون محذور (فإن قلت) بعد الفراغ عن ان النبي صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى فما معنى كون الفرض منه في قبال فرض الله ثم على تقدير تسليمه فغايته هو كون غير الاركان واجبا في واجب واين ذلك من الجزئية المبحوث عنها في المقام (قلت) يمكن ان يكون ارادة النبي صلى الله عليه وآله موجبة لوجوب فعل على المكلف بنفسها كما لا يبعد ان يكون ذلك مقتضى تفويض الدين إليه

[ 305 ]

الثابت بالاجماع والضرورة وحينئذ يكون كيفية الوجوب تابعة لارادته فإذا تعلقت ارادته بتقيد الواجب بشئ فلا محالة يكون مقيدا به ومعه كيف يمكن ان يكون نتيجتها الوجوب النفسي كما توهم على انه لو تنزلنا عن ذلك فيمكن ان يقال ان وجوب بقية الاجزاء ناش عن مصلحة لا تتم إلا بارادة النبي صلى الله عليه وآله فجملة من الاجزاء يكون ملاكها ملزما على الاطلاق وجملة أخرى يتوقف تمامية ملاكها على ارادته وكيف كان فلا مناص عن تقيد الواجب عند تعلق ارادته صلى الله عليه وآله سواء كان من جهة موضوعية الارادة له أو من جهة طريقيته فتحصل ان صحة عبادة الناسي كما يمكن ان تكون من جهة الملاك يمكن ان تكون من جهة الامر ايضا (إذا عرفت ذلك فنقول) ان الكلام في محل البحث يقع تارة من جهة الادلة الاجتهادية وأخرى من حيث الاصول العملية * (اما الكلام من الجهة الاولى) * فملخصه انه إذا كان لدليل الواجب اطلاق بالقياس إلى اجزاء الزمان المأخوذ ظرفا للواجب وكان لدليل الجزئية ايضا اطلاق بالقياس إلى حالتي نسيان الجزء وعدمه فلا محالة يقع التعارض بين الاطلاقين فلا بد من رفع اليد عن اطلاق دليل الجزئية حتى يختص بصورة التذكر أو عن اطلاق دليل الواجب حتى يختص الامر بغير القطعة المفروض وقوعه فيها مع نسيان بعض ما اعتبر فيه فان الامر بالمركب من المنسي وغيره مستحيل بالضرورة وفي مثله لا شبهة في تقدم اطلاق دليل الجزئية ورفع اليد عن اطلاق دليل الواجب نعم لو لم يكن لدليل الجزئية اطلاق كما إذا كان اجماعا أو كان دليلا لفظيا ولكن لم يكن له اطلاق من هذه الجهة فلا بد من التمسك باطلاق دليل الواجب فيلزمه اختصاص الجزئية بحال الذكر دون غيره (وربما يتوهم) انه من هذا القبيل ما إذا كان دليل الجزئية هو الامر بتخيل ان الامر بالشئ سواء كان نفسيا أو غيريا فلا محالة يكون مشروطا بالقدرة وحيث ان المنسي غير مقدور للمكلف حال نسيانه فيختص جزئيته بغير تلك الحال (نعم) لو كان دليل الجزئية مثل قوله (ع) لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب الدال على انتفاء المهية عند فقدها لكان مفادها هي الجزئية المطلقة لا محالة (وانت خبير) بفساد ذلك فان دليل الجزئية إذا كان هو الامر فحيث انه يستحيل كونه نفسيا ضرورة عدم تعقل استتباعه للتقييد بل غايته هو كون متعلقه واجبا في واجب فلا محالة يتمحض في كونه غيريا وعليه فحيث ان سياق الاوامر والنواهي الواردة في العبادات متحد مع سياقها في باب المعاملات فالظاهر من وحدة السياق كونها ارشادية إلى بيان الجزئية والشرطية والمانعية

[ 306 ]

ومنسلخة عن الطلب بالكلية فلا موجب لاختصاصها بحال القدرة بل يكون مفادها هي الجزئية المطلقة (هذا مضافا) إلى ان الامر المتعلق بالجزء أو الشرط حيث انه لا يكون بأمر استقلالي بل هو قطعة من الامر النفسي المتعلق بالمركب فاشتراطه بالقدرة على متعلقه سواء كان الاشتراط من جهة تقبيح العقل بقبح خطاب العاجز أو من جهة اقتضاء نفس الطلب ذلك على ما عرفت تفصيله في بحث الاوامر بعينه متحد مع اشتراط الامر بالمركب بها ولازم ذلك هو سقوط الامر بالمركب حين العجز عن بعض اجزائه وهذا مما لا ريب فيه واين ذلك من اختصاص الجزئية بحال القدرة الموجبة لتعلق الامر ببقية الاجزاء والشرائط نعم لو كان الاشتراط بالقدرة من لوازم نفس الخطاب لامكن ان يقال ان الخطاب المتعلق بالجزء حيث ان لازمه اشتراطه بالقدرة عليه فمع عدم القدرة لا يكون هناك خطاب فلا يكون دليل على الجزئية ولكن الامر على خلافه ضرورة ان المشروط بالقدرة انما هو مدلول الخطاب وهو الطلب سواء كان مدركه هو قبح خطاب العاجز أو اقتضاء نفس الطلب ذلك وعليه فحيث ان مدلول الخطاب بالجزء متحد مع مدلول الخطاب بالمركب فاشتراطه بشئ هو بعينه اشتراطه به بعد فرض الارتباطية في الواجب فيكون لازمه سقوط الامر بالمركب لا خصوص الامر بالجزء (ثم) لا يخفى ان دليل التقييد إذا كان نهيا نفسيا سواء كان من موارد النهي عن العبادات أو من موارد اجتماع النهي والامر على تقدير القول بامتناع الاجتماع عن الجهة الاولى وتقديم جانب النهي فربما يقال فيه بأن النهي النفسي من جهة اختصاصه بحال القدرة يكون التقييد المرتب عليه مختصا بتلك الحال أيضا وقد ذكرنا في بحث اجتماع الامر والنهي انه إنما يصح بناء على القول بتوقف عدم احد الضدين علي وجود الآخر إذ حينئذ يكون عدم الامر في فرض النهي من متفرعات وجوده فيرتفع بارتفاعه واما على القول بعد التوقف كما هو الصحيح فغاية الامر هو كون عدم الامر ووجود النهي لازمين لملزم ثالث وهو المبغوضية الناشئة عن المفسدة الموجودة في الفعل ومن الواضح ان سقوط احد اللازمين لخصوصية موجبة له لا يوجب سقوط الآخر فسقوط النهي في المقام لعدم القدرة لا يوجب سقوط التقييد الناشئ عن المفسدة الغير المختصة بحال القدرة فتلخص ان مقتضى دليل التقييد هي القيدية المطلقة في غير ما إذا لم يكن له اطلاق كما إذا كان اجماعا ونحوه فيما لم يكن معقده القيدية المطلقة أو لفظ مطلق بحيث علم بصدوره من المعصوم عليه السلام (واما الكلام) من جهة الاصول العملية فربما

[ 307 ]

يتمسك في المقام بحديث الرفع نظرا إلى ان جزئية شئ كالسورة للصلاة مثلا وان كانت معلومة في الجملة إلا انها مجهولة في حال نسيانها فيرتفع به وبضميمته إلى ادلة وجوب بقية الاجزاء يثبت وجوب الباقي واختصاص الواجب به كما كان الامر كذلك فيما إذا شك في اصل الجزئية مثلا (هذا) وقد ذكرنا عند التعرض لمفاد الحديث المبارك ان جريانه مختص بموارد الاحكام الانحلالية ولا يعم موارد الاحكام التي يكون المطلوب فيها صرف الوجود وتعلق النسيان ببعض افراده فان خصوص السورة المنسية في الصلاة في جزء من الوقت لم يتعلق به طلب حتى يرتفع به وصرف الوجود المطلوب قيدا لم يتعلق به النسيان على الفرض بل قد ذكرنا هناك ان النسيان المستوعب لتمام الوقت لا يكون موردا لحديث الرفع ايضا إلا من جهة رفع العقاب المترتب على ترك الصلاة في مجموع الوقت واما من جهة نفي القضاء فلا وقد مر تفصيل ذلك هناك فراجع فمقتضى الاصل العملي هو وجوب الاعادة والقضاء عند نسيان بعض القيود المعتبرة في الواجب إذا احتمل قيديتها المطلقة الغير المختصة بحال التذكر (نعم) قوله (ع) لا تعاد الصلاة إلا من خمس يكون دليلا على عدم بطلان خصوص الصلاة عند نسيان غير الخمس مما اعتبر فيها وسيجئ البحث عن مقدار دلالته في البحث الآتي ان شاء الله تعالى (واما المقام الثاني) فيقع الكلام فيه تارة من حيث الاصول العملية واخرى من جهة الادلة الخاصة الواردة في المقام وقبل الخوض في ذلك لابد من تنقيح مفهوم الزيادة وانها متصورة في الاجزاء ام لا وعلى تقدير تصورها فهل يتوقف صدقها على قصد الجزئية ايضا ام لا (فنقول) ربما يقال لعدم امكان تصور الزيادة في الجزء فانه على تقدير اعتباره في الواجب بشرط لا من انضمام فرد آخر إليه فيكون انضمامه إليه موجبا لنقصان المركب وعدم الاتيان بجزئه من جهة انتفاء قيده لا لزيادة الجزء وهو ظاهر وعلى تقدير اعتباره لا بشرط بالاضافة إليه فكلما اتى به في الخارج من تلك الطبيعة يتصف بالجزئية سواء كان المأتى به فردا واحدا ام متعددا فما معنى الزيادة في الجزء (ويرد عليه أولا) انه يمكن ان يؤخذ طبيعة السورة مثلا بنحو صرف الوجود جزء للواجب بحيث يكون الفرد الاول الناقض للعدم هو المتصف بالجزئية لا غير فيكون الوجود الثاني زائدة عليه لا محالة فلا ينحصر التشقيق بما ذكر (وثانيا) ان الجزء المأخوذ في الواجب إذا اخذ فيه العدد الخاص كالركوع والسجود مع عدم اخذه بشرط لا بالاضافة إلى انضمام فرد آخر إليه فلا ريب في صدق الزيادة حينئذ إذا اضيف إليه ذلك

[ 308 ]

ضرورة ان الموجود في الخارج حينئذ يكون زائدا على العدد المأخوذ لا محالة (وثالثا) ان اخذ الطبيعة بشرط لا وان كان موجبا للنقصان مع الضميمة عقلا كما ذكر إلا انه لا ريب في صدق الزيادة معه عرفا وموضوع البحث في المقام إنما هو ما يصدق مع الزيادة عرفا وان لم يكن كذلك عقلا بالدقة الفلسفية وكيف كان فلا ريب في امكان تصور الزيادة في الجزء (واما) ما يعتبر في صدقها ففيه خلاف واقوال ثالثها التفصيل بين ما إذا كان الزائد من جنس المزيد عليه وغيره فيعتبر قصد الجزئية في صدقها في الثاني دون الاول والتحقيق ان يقال ان المأتي به في اثناء العبادة إذا لم يكن من سنخ اجزاء العمل لا من الاقوال ولا من الافعال فلا ريب في عدم تحقق الزيادة بمجرد الاتيان به لا مع قصد الجزئية لكونه امرا مباينا اجنبيا عنها فلا معنى لكونه زيادة فيها نعم لو اتي به بعنوان الجزئية فلا محالة يصدق عليه الزيادة فان المركب الاعتباري يصدق زيادة شئ فيه بقصد كونه جزء منه كما هو ظاهر فعلى تقدير كونه الزيادة مبطلة لها كما في الصلاة يكون الاتيان به بقصد الجزئية مبطلا للعمل لا من جهة التشريع حتى يقال بأنه لا دليل على ابطاله فيما إذا لم يرجع إلى عدم قصد الامر كما هو محل الكلام بل من جهة صدق الزيادة الموجبة للبطلان على الفرض وكذلك الحال فيما إذا كان المأتى به من سنخ الاقوال فانه مع قصد الجزئية يكون مبطلا للعبادة من جهة صدق الزيادة لا مع عدمه فان العبادة بالقياس إلى بقية الاذكار مأخوذة لا بشرط فلا يتحقق عنوان الزيادة الموجبة للبطلان واما إذا كان المأتي به من سنخ الافعال كالركوع والسجود فلا يفرق الحال في صدق عنوان الزيادة بين قصد الجزئية وعدمه ضرورة ان الافعال المعتبرة فيها اما ان يكون اعتبارها بشرط لا بالقياس إلى الفرد الآخر أو ان العدد الخاص مأخوذ فيها لا محالة وعلى كل حال لا ريب في صدق عنوان الزيادة بمجرد وجودها ثانيا كما هو ظاهر (نعم) قصد الخلاف يوجب المباينة بينه وبين العبادة المانعة عن صدق الزيادة فلو اتى بالسجدة في الصلاة شكرا مثلا فلا يصدق عليها انها زيادة في المكتوبة ولكنه ربما يستفاد من تعليل النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة الموجبة للسجدة بأنها زيادة في المكتوبة صدق عنوان الزيادة على مطلق ما يؤتى به من سنخ الافعال وان قصد به الخلاف الا انه في غير محله وذلك لان السجدة الواجبة من جهة قراءة العزيمة حيث انها من توابع القراءة فيمكن ان يقال ان قصد الجزئية في القراءة اوجب صدق الزيادة عليها ايضا واين ذلك من مثل سجدة الشكر ونحوها مما لا يؤتى به بقصد

[ 309 ]

الجزئية ولا هو من توابع ما اتي به كذلك أو يقال ان السجدة الواحدة حيث انها لا استقلال لها بنفسها فلا حافظ لها إلا الصورة الصلاتية فيصدق على مجرد وجودها ولو مع قصد عدم الجزئية انها زيادة فيها فلا يشمل مثل سجدتي السهو المشتملة على التشهد والسلام ونحوهما مما له جهة استقلالية وحافظ صورة غير الصورة الصلاتية وكيف كان فلا يستفاد من الرواية كون مطلق المأتي به من سنخ الافعال داخلا في عنوان الزيادة ولو مع قصد الخلاف ومن هنا افتى جماعة بجواز الاتيان بصلاة الايات في اثناء الفريضة اليومية إذا ضاق وقتها كما يجوز الاتيان بالفريضة اليومية في اثناء صلاة الآيات عند التضيق بمقتضى النص الوارد فيه نظرا إلى ان ورود النص ليس من جهة التعبد الخاص حتى يقتصر على مورده بل من جهة عدم صدق الزيادة حينئذ فيكون الحكم على القاعدة بل المحكي عن العلامة (قده) هو التعدي إلى كل واجب مضيق فيجوز الاتيان به في ضمن واجب آخر ولو مع فوات الموالاة نظرا إلى وقوع المزاحمة بين فوات الموالات وبين فوت الواجب المضيق فيسقط وجوب الموالاة من جهة الاهمية في الطرف المزاحم ولكنه مشكل و المسألة محررة في الفقه والغرض من التعرض في المقام هو بيان عدم صدق الزيادة مع كون المأتي به مقصودا به عنوان آخر مغاير لما أتى به فيه (إذا عرفت ذلك) فنقول مرجع الشك في بطلان العبادة بالزيادة العمدية بل السهوية أيضا إلى الشك في اعتبار عدمها في العبادة جزءا أو شرطا وقد تبين مما ذكرناه كون الشك في الجزئية والشرطية موردا للبراءة فمقتضى الاصل العملي هو صحة العبادة مع الزيادة العمدية فضلا عن السهوية وقد يتمسك لاثبات الصحة بعد تحقق الزيادة باستصحاب الصحة وسيجئ التعرض لفساده في تنبيهات الاستصحاب ان شاء الله تعالى (واما) من جهة الادلة الاجتهادية فقد ورد في خصوص باب الصلاة اخبار دلت على بطلانها بتحقق الزيادة وهي على طوائف (فإن منها) ما دلت على البطلان بمطلق الزيادة سواء كانت عمدية أو سهوية وسواء كانت في الاركان أو غيرها كقوله (ع) من زاد في صلاته فعليه الاعادة (ومنها) ما دلت على المبطلية في خصوص السهو والنسيان ولكنه مطلق من جهة الاركان وغيرها كقوله (ع) وإذا استيقن انه زاد في المكتوبة فليستقبل صلاته فإنه ظاهر في ان اليقين إنما حصل بعد العمل فلا يشمل الزيادة العمدية (ومنها) ما دل على وجوب الاعادة في صورة السهو في خصوص الاركان دون غيرها كقوله (ع) لا تعاد الصلاة الا من خمس بناء على اختصاصه بخصوص السهو دون

[ 310 ]

العمد كما هو الظاهر ولا يخفى عدم المعارضة بين الطائفتين الاوليتين ضرورة عدم منافاة وجوب الاعادة في خصوص السهو الذي هو مفاد الطائفة الثانية مع وجوب الاعادة مطلقا وإنما المنافات بين الطائفة الثالثة وبينهما والنسبة بينها وبين كل منهما هو العموم من وجه فان الطائفة الاولى مختصة بخصوص الزيادة وعامة من حيث العمد والسهو والاركان وغيرها والطائفة الثالثة الدالة على عدم البطلان مختصة بغير الاركان ولكنها عامة من جهة الزيادة والنقصان فالزيادة السهوية في غير الاركان يكون موردا للتعارض بينهما كما ان الطائفة الثانية مختصة بالزيادة السهوية ولكنها مطلقة من حيث الاركان وغيرها والطائفة الثالثة مختصة بغير الاركان ولكنها مطلقة من حيث الزيادة والنقيصة فيقع المعارضة في خصوص الزيادة السهوية في غير الاركان ولكنه مع ذلك لابد من تقديم الطائفة الثالثة عليهما فإن لسانها لسان الحكومة بالنسبة إلى ادلة الاجزاء والشرائط وان كل ما هو معتبر في الصلاة شرطا أو جزء انما يكون الاخلال السهوي به بالزيادة أو النقصان موجبا للبطلان في خصوص الخمسة لا في غيرها ولا ريب في تقدم كل دليل حاكم على الدليل المحكوم ولو كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه فإن ملاحظة النسبة بين الدليلين انما تختص بغير باب الحكومة كما هو ظاهر (هذا مضافا) إلى ما ورد فيمن ذكر انه زاد سجدة انه لا يعيد الصلاة من سجدة ويعيده من ركعة والنسبة بينه وبين الطائفتين الاوليين هو العموم والخصوص المطلق فيقدم عليهما لا محالة فتلخص ان مقتضى الجمع بين الروايات هو مبطلية الزيادة العمدية مطلقا والزيادة السهوية في خصوص الاركان دون غيرها * (التنبيه الثاني) * إذا تعذر بعض ما اعتبر في الواجب من جزئه أو شرطه فهل القاعدة تقتضي سقوطه رأسا أو لزوم الاتيان بغيره وجهان مبنيان على ان مقتضى القاعدة عند ثبوت قيدية شئ للواجب هي القيدية المطلقة أو القيدية في خصوص حال التمكن ويقع الكلام في جهات ثلاثة (الاولى) فيما يقتضيه نفس ادلة الاجزاء والشرائط (الثانية) فيما يقتضيه الاصول العملية (الثالثة) فيما يقتضيه الادلة الخارجية (اما الجهة الاولى) فقد ظهر الحال فيها مما ذكرناه غير مرة من ان دليل الجزئية أو الشرطية إذا لم يكن اجماعا أو غيره مما لم يكن له اطلاق فمقتضى القاعدة فيه هو اطلاق القيدية لحال التمكن وعدمها ولازمه سقوط التكليف بأصل الواجب عند تعذر قيده مطلقا توضيح ذلك ان التقييد اما ان يستفاد من الدليل الدال عليه بعنوانه كقوله (ع) لا صلاة إلا بطهور ونحوه واما ان يستفاد من الامر الغيري المتعلق بالاجزاء

[ 311 ]

والشرائط واما ان يستفاد من التكليف النفسي (اما الشق الاول) وهو ما إذا كان التقييد مستفادا من الدليل الدال عليه بعنوانه فلا ريب في اطلاقه لحالتي التعذر والتمكن ومقتضاه سقوط التكليف من اصله عند تعذره (واما الشق الثاني) فربما يقال فيه بأن مقتضاه اختصاص التقييد بحال التمكن فان التكليف الغيري كالتكليف النفسي يكون مشروطا بالقدرة لا محالة فإن الاشتراط بالقدرة من لوازم التكليف مطلقا نفسيا كان أو غيريا ولازم ذلك هو تعلق الامر بغير المتعذر وسقوط التقييد حال التعذر (ويرد عليه) ان الامر وان كان ظاهرا في افادة الطلب المولوي الا ان هناك صارف عنه في خصوص الاوامر المتعلقة بالاجزاء والشرائط فإن الظاهر فيها كونها للارشاد وبيان دخل متعلقاتها في الواجب جزء أو شرطا كما في الاوامر المتعلقة بالاجزاء والشرائط في باب المعاملات فالظهور الاولي في دلالة الامر على الطلب يكون منسلخا في باب الاوامر المتعلقة بالاجزاء والشرائط في باب العبادات والمعاملات وعليه فلا موجب للتقييد بحال التمكن بل يكون حال الاوامر الغيرية كحال الادلة الدالة على التقييد بعنوانه في استفادة القيدية المطلقة منها مع انا لو سلمنا دلالة الاوامر الغيرية في خصوص باب العبادات على الطلب فلا يترتب عليها ما توهم من اختصاص التقييد المستفاد منها بحال القدرة وذلك فان الطلب المتعلق بالجزء أو الشرط حيث انه متحد مع الطلب المتعلق باصل الواجب وليس طلبا آخر مغايرا معه وإلا استحال كون متعلقه قيدا للواجب كما هو ظاهر فاشتراطه بالقدرة على متعلقة بعينه هو اشتراط الامر بالمركب بها ونتيجة ذلك هو سقوط أصل الواجب مع عدم القدرة عليه لا سقوط التقييد وبقاء الامر متعلقا بغيره وقد مر بيان ذلك في التنبيه الاول فراجع (واما الشق الثالث) وهو ما إذا كان التقييد مستفادا من التكليف النفسي فهو مستحيل التحقق في باب الاجزاء والشرائط فان الامر النفسي بشئ يستحيل كونه منشأ لانتزاع الشرطية أو الجزئية من متعلقه بل غاية الامر كون متعلقه واجبا في واجب نعم يمكن تصويره في المانعية فإن حرمة شئ توجب تقييد دليل الواجب بغيره فيتقيد الامر بالصلاة مثلا المطلق من حيث ايقاعها في لباس الحرير وغيره بغيره لحرمته وهل القاعدة فيه تقتضي اختصاص القيدية بحال فعلية الحرمة أو يكون القيدية فيه مطلقة ايضا يظهر من المحقق الخونساري (قده) الاول وان القيدية الناشئة من التكليف سواء كان نهيا أو امرا تختص بصورة فعلية التكليف فتكون ساقطة بسقوطه وارتضاه المحقق القمي (قده) لكنه الحق صورة عدم تنجز التكليف بعدم فعليته ايضا فالتزم

[ 312 ]

بعدم ثبوت القيدية عند عدم تنجز التكليف ومن ثم ذهب إلى صحة الصلاة في غير المأكول في صورة عدم العلم به ولو انكشف بعد ذلك وقوعها فيه نظرا إلى عدم تنجز الحرمة حينئذ والتقييد من لوازم تنجز الحرمة لا من لوازم اصل وجودها والتحقيق ان يقال ان النهي المستفاد منه الحرمة اما ان يكون من قبيل النهي عن العبادة أو من قبيل ما تصادق متعلقه مع متعلق الامر في مورد كما في باب اجتماع الامر والنهي وعلى الثاني فاما ان نقول بجواز اجتماع الامر والنهي وعدم سراية احدهما إلى متعلق الآخر أو بامتناعه وعلى القول بالجواز فاما ان نقول بامتناع وقوع العبادة صحيحا في الخارج مع صدوره منه مبغوضا مع العلم بالحرمة نظرا إلى اشتراط صحة العبادة بعدم وقوعها منه قبيحا أو نقول بصحتها مع ذلك ايضا وعلى القول بالامتناع والسراية فاما ان نقول بتقديم جانب الحرمة أو بتقديم جانب الوجوب فهناك شقوق واحتمالات (الاول) ما إذا كان النهي من قبيل النهي عن العبادة والحق فيه ان يكون النهي موجبا للتقييد الواقعي ولو مع سقوط الحرمة بالتعذر ونحوه فان الحرمة الواقعية انما توجب رفع اليد عن اطلاق دليل الواجب من جهة المضادة بينهما وقد بين في محله عدم الترتب والطولية بين احد الضدين وعدم الآخر فهما في مرتبة واحدة معلولان لعلة ثالثة وهي المبغوضية الواقعية الثابتة في المتعلق فكما انها توجب حرمته فكذلك توجب تقييد دليل الواجب واختصاصه بغيره ومن المعلوم ان سقوط احد المتلازمين لامر يخصه لا يوجب سقوط الملازم الآخر فسقوط الحرمة بالاضطرار ونحوه لا يوجب سقوط التقييد المستكشف من دليلها نعم بناء على كون عدم احد الضدين معلولا للآخر يتم ما توهم من اختصاص التقييد بحال القدرة فان عدم شمول دليل الواجب إذا كان معلولا للحرمة وفي طولها فلا محالة يختص بموارد تحققها وفعليتها فإذا فرض سقوطها بمسقط من اضطرار ونحوه فلا موجب للتقييد اصلا لكن المبنى فاسد من اصله كما يظهر مما بينا في محله (الثاني) ما إذا كان النهي في موارد اجتماعه مع الامر وقلنا بالامتناع وسراية كل منهما إلى متعلق الآخر واللازم على هذا التقدير هو وقوع التعارض بين اطلاقي دليلي الوجوب والحرمة فان قدم دليل الوجوب فيرتفع الحرمة عن مورد الاجتماع بالكلية كما انه لو قلنا بتقديم دليل الحرمة فلازمه ارتفاع الوجوب عن مورد الاجتماع واختصاصه بغيره فيكون حاله بعينها حال النهي المتعلق بالعبادة ابتداء فيجري فيه ما يجري فيه بلا تفاوت حينئذ (ثم انه) على تقدير تسليم الترتب والطولية بين الحرمة وعدم الوجوب في هذين القسمين حتى يترتب عليه شمول الاطلاق

[ 313 ]

لصورة ارتفاع الحرمة برافع فغاية ما هناك هو الحكم بعدم التقييد في فرض سقوط الحرمة واقعا كما في صورة الاضطرار ونحوه واما في صورة عدم تنجزها على المكلف لجهله مع فعليتها واقعا فلا موجب لتوهم سقوط التقييد اصلا ضرورة ان المنافاة والمضادة بين نفس الحرمة والوجوب لا بين تنجزهما فما عن المحقق القمي (قده) من الحاق صورة عدم تنجز الحرمة بصورة عدم فعليتها في غير محله وبذلك اشكلنا على المشهور القائلين بالامتناع وصحة العبادة في الدار الغصبية في حال الجهل بان لازم تقديم دليل الحرمة خروج مورد الاجتماع عن اطلاق دليل الواجب واقعا فكيف يمكن الحكم بصحته مع الجهل وهل يوجب الجهل تغييرا في الواقع وجعل ما لم يتعلق به الامر في الواقع مأمورا به واقعا وقد بينا توضيح ذلك في بحث اجتماع الامر والنهي فراجع (الثالث) الصورة بحالها مع القول بجواز الاجتماع وعدم السراية فان قلنا فيها بصحة العبادة حتى مع العلم بالتحريم لاختلاف متعلقي الوجوب والتحريم في الخارج فلا موجب للتقييد اصلا وان قلنا فيها بالفساد مع العلم كما هو المختار عندنا نظرا إلى ان الحرمة تكون معجزا مولويا عن ايجاد الطبيعة المأمور بها في ضمن الفرد المحرم فلا محالة يكون التقييد منحصرا بصورة تنجز الحرمة ليس الا فان الموجب لعجز المكلف عن الامتثال في مورد الاجتماع واتصافه بالقبح هو التكليف الواصل ومع فرض عدم تنجزه فضلا عن عدم فعليته لا يكون هناك موجب للتقييد وعلى ذلك يبتنى صحة عبادة الجاهل بالغصب في الشبهات الموضوعية أو الحكمية إذا لم يكن عن تقصير (فتحصل) من جميع ذلك ان مقتضى القاعدة هو اطلاق التقييد لصورتي العجز والتمكن على اختلاف ادلته الا في خصوص المانعية في بعض الصور لا مطلقا ومن ذلك يظهر انه لو فرض لدليل الواجب اطلاق ايضا فلا محالة يتقدم اطلاق دليل التقييد عليه ويثبت به ارتفاع الوجوب في مورد تعذر القيد بالكلية وذلك فان اطلاق دليل التقييد يتقدم على اطلاق دليل المطلق لما ذكرناه في محله من ان ظهور القرينة سواء كانت متصلة أو منفصلة يتقدم على ظهور ذي القرينة مطلقا من دون فرق بين قرينة المجاز أو التخصيص أو التقييد نعم لو يكن له اطلاق بالقياس إلى حالتي التعذر والتمكن كما إذا كان اجماعا ونحوه وكان لدليل الواجب اطلاق بالقياس إلى وجود القيد وعدمه فالقدر المتيقن من دليل التقييد هو الاختصاص بحال التمكن فيتمسك باطلاق دليل الواجب في صورة تعذره فيثبت به وجوب الباقي وتعين التقييد في السقوط (هذا كله) بالنظر إلى ما يقتضيه الادلة الدالة على التقييد واما ما يقتضيه الاصل لو لم يكن في البين اطلاق

[ 314 ]

من الطرفين وهي (الجهة الثانية) التي لا بد من التكلم فيها في المقام فهو عدم وجوب الاتيان بالباقي للشك في حدوث الوجوب له بعد تعذر الواجب المركب منه ومن التعذر فيرجع إلى البراءة إلا ان التحقيق عدم صحة الرجوع إليها بعد فرض العلم بوجوبه سابقا ولو في ضمن المركب بل لا بد من الرجوع إلى الاستصحاب على تفصيل يأتي في بعض تنبيهات الاستصحاب ان شاء الله تعالى (واما الجهة الثالث) فهي بالنسبة إلى خصوص الصلاة ظاهرة فان كل جزء أو قيد يكون معتبرا فيها فانما يكون اعتباره مشروطا بالقدرة ويسقط عند تعذره فيكون الامر الفعلي متعلقا بغيره على ما هو مقتضى قوله (ع) الصلاة لا تسقط بحال نعم اختار المشهور في خصوص الطهور قيديته المطلقة فأفتوا بسقوط اصل الصلاة عند تعذره واما في بقية الواجبات فقد استدل على عدم السقوط ووجوب الاتيان بالباقي بروايات نبوية معتمد عليها بين الاصحاب وهي قوله صلى الله عليه وآله إذا امرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وقوله صلى الله عليه وآله ما لا يدرك كله لا يترك كله وقوله صلى الله عليه وآله الميسور لا يسقط بالمعسور ولا بد لنا من التكلم في دلالة كل واحدة منها مستقلا فنقول (اما الرواية الاولى) فدلالتها في حد ذاتها وان كانت ظاهرة لظهور كلمة من في التبعيض واحتمال كونها بيانية أو بمعنى الباء خلاف الظاهر الا ان حملها على التبعيض من جهة الاجزاء حتى يكون معناها انه إذا امرتكم بشئ ذي أجزاء فأتوا من اجزائه ما استطعتم خلاف ظاهرها من حيث محل ورودها فانها وردت في مورد السؤال عن وجوب الحج وانه يجب مرة أو في كل سنة فقال صلى الله عليه وآله بعد ما كرر السائل سؤاله مرات ويحك وما يؤمنك ان اقول نعم ولو قلت نعم لوجب إلى ان قال إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم فالظاهر منها ان التبعيض من جهة الافراد فالمعنى (والله العالم) انه إذا امرتكم بطبيعة ذات افراد فأتوا من افرادها ما استطعتم وعليه يكون مفادها اجنبيا عن محل الكلام بالكلية (واما الرواية الثانية) فظهورها في عدم سقوط الممكن من الكل بماله من الحكم الاستحبابي أو الوجوبي بتعذر بعضه في غاية القوة واحتمال اختصاصها بموارد العام المجموعي حتى يكون مفادها عدم سقوط الافراد الممكنة بتعذر غيرها في غاية البعد بل شمولها لها انما هو باعتبار تعلق الحكم بالمركب ايضا فان المفروض ان متعلق الحكم فيها هو المجموع المركب من الافراد المتعددة (ومن هنا يظهر دلالة الرواية الثالثة) ايضا فان الظاهر منها ان الميسور من الشئ لا يسقط بما له من الحكم وجوبيا أو استحبابيا بتعسر غيره فيدل على وجوب الباقي بل الظاهر منها الشمول للواجب البسيط ايضا

[ 315 ]

إذا كان له مراتب وان تعسر المرتبة العالية منه لا يوجب سقوط غيرها من المراتب التي تعد ميسورة منه وكيف كان فدلالة الروايتين على وجوب الاتيان بما هو الميسور من اجزاء المركب وعدم سقوطه بتعذر بعضها في غاية القوة وعلى ذلك فيكون مقتضى القاعدة الثانوية هو اختصاص قيدية كل قيد للواجب بصورة التمكن فستقط عند تعذره حتى لو فرض هناك اطلاق في دليل قيديته لحالتي التمكن والتعذر فان قاعدة الميسور من جهة حكومتها على الادلة الاولية توجب تقييد ذلك الدليل واختصاصه بصورة التمكن من دون ملاحظة النسبة بينهما كما في كل دليل حاكم بالقياس إلى الدليل المحكوم الا ان الاشكال في ان التمسك بها يحتاج إلى احراز صدق الميسور على الباقي وهذا لا يكون الا مع عدم ركنية الجزء المتعذر للواجب والا كان الباقي مبانيا معه لا ميسورا منه واحراز ذلك في الموضوعات العرفية وان كان ممكنا في الجملة الا ان موارد الشك في كون المتعذر ركنا أو غيره كثيرة لا سيما في الموضوعات الشرعية التى لا طريق للعرف إلى تشخيص الجزء الركني من غيره ومن ثم اشترط جواز التمسك بها بعمل المشهور ولا يخفى ان عملهم بها في مورد إذا كان بحيث يكشف عن عمل من تقدمهم بها في ذلك المورد إلى ان ينتهي إلى زمان الائمة عليهم السلام فيستكشف عدم ركنية المتعذر شرعا فلا ريب في صحة التمسك بها حينئذ واما إذا لم يكن كذلك بل غاية الامر هو حصول الظن من عمل المشهور بصدق الميسور على الباقي فيشكل التمسك بها لوجوبه لما مر في بحث حجية الظواهر من عدم حجية الظن الخارجي بالمراد الا على القول بحجية مطلق الظن من باب الانسداد وعليه يكون الظن الحاصل من عمل المشهور كالظن الحاصل من قول اللغوى وغيره في عدم الدليل على اعتباره بالخصوص وبالجملة التمسك بالقاعدة يتوقف على احراز صدق الميسور على الباقي ومع عدمه يكون الشبهة مصداقية ولا يجوز التمسك معها بالعموم (وهل يجوز) التمسك حينئذ باستصحاب وجوب الباقي إذا لم يكن هناك اطلاق يقتضي القيدية المطلقة ام لا وجهان اقواهما عدم الجواز وذلك لما سيجئ من اشتراط جوازه ببقاء الموضوع اعني به اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة فإذا فرضنا كون المتعذر مما يحتمل ركنيته فلا يصدق على الباقي انه كان واجبا سابقا عند التمكن من الجزء المتعذر فعلا وشك في بقاء وجوبه إذ من المحتمل مغايرة الباقي له من جهة انتفاء ما اعتبر فيه المحتمل ركنيته (وبالجملة) ان احرز عدم ركنية المتعذر وصدق الميسور على الباقي فالاستصحاب في حد ذاته وان كان جاريا الا انه لا يجري من

[ 316 ]

جهة جريان القاعدة الحاكمة عليه لكونها دليلا اجتهاديا وان لم يحرز ذلك فلا يمكن التمسك بشئ منهما كما عرفت وسيأتي لذلك مزيد بيان في بحث الاستصحاب ان شاء الله تعالى (ثم ان العلامة الانصاري قده) ذكر في المقام فرعين لابد لنا من التعرض لهما (الاول) لو دار الامر بين ترك الجزء وترك الشرط فالظاهر تقديم ترك الشرط لان فوات الوصف اولى من فوات الموصوف ويحتمل التخيير (ويرد عليه) ان الشرط وان كان وصفا معتبرا في الواجب الا ان مجرد ذلك لا يوجب تعينه في السقوط بعد كونه متعلقا للطلب كالجزء فلا محالة يقع المزاحمة بينهما فيسقط المهم مع اهمية الاخر والا فلا مناص عن التخيير (الثاني) لو جعل الشارع للكل بدلا اضطراريا كالتيمم ففي تقديمه على الناقص وجهان من ان مقتضى البدلية كونه بدلا عن التام فيقدم على الناقص كالمبدل ومن ان الناقص حال الاضطرار تام لانتفاء جزئية المفقود فيقدم على البدل كالتام والتحقيق ان قاعدة الميسور وان كانت تقتضي سقوط قيدية المتعذر فيقدم على البدل الا ان جريانها في كثير من موارد الانتقال إلى الجبيرة لولا الادلة الخاصة مشكل فانها لا تقتضي سقوط قيدية المباشرة وبقاء الامر متعلقا باصل المسح أو الغسل كما هو ظاهر * (التنبيه الثالث) * إذا دار الامر بين شرطية شئ ومانعيته أو بين جزئيته ومبطلية زيادته فلا بد من الاتيان بالواجب مقترنا به تارة ومع عدمه اخرى تحصيلا للموافقة القطعية وذلك فإن الامر في شخص الصلاة المأتي بها وان كان دائرا بين المحذورين الا ان الامر لم يتعلق بها بالخصوص بل المتعلق له هي طبيعة الصلاة بما لها من الاجزاء والشرائط والمفروض تمكن المكلف من ايجادها كذلك وحيث ان انطباقها على احدى الصلاتين معلوم اجمالا وعلى منهما مشكوك فلابد من الجمع بينهما كما في اشتباه الثوب الطاهر بغيره أو القبلة بين الاطراف فما افاده العلامة الانصاري (قده) من كون التخيير وجها في المسألة فضلا عن اختياره له بناء على عدم وجوب الاحتياط في الشك في الجزئية والشرطية لم يكن مترقبا منه (قده) (هذا تمام الكلام) في اقسام الشك في المكلف به مع امكان الاحتياط واما فيما لا يمكن كما إذا علم بوجوب شئ معين وحرمة الآخر فاشتبها فمقتضى القاعدة هو التخيير بين فعل احدهما لا على التعيين وترك الآخر كذلك لما مر غير مرة من ان سقوط احدى مرتبتي الاطاعة وهي الموافقة القطعية لعدم التمكن منها لا يستلزم سقوط الاخرى وهو ترك المخالفة القطعية إذا كانت ممكنة وحيث ان المفروض في المقام امكانها بفعلهما أو تركهما معا فالعقل لا يجوزها اختيارا بل يلزم

[ 317 ]

على تحصيل الموافقة الاحتمالية بفعل احدهما وترك الآخر هذا إذا لم يكن لاحد التكليفين اهمية بالقياس إلى الآخر واما معها فحكم العقل بلزوم الجمع بين محتملاته يكون معجزا عن امتثال الآخر ولو احتمالا فكما انه إذا دار الامر بين امتثال التكليف بالاهم أو التكليف بالمهم يكون الاول معجزا مولويا عن الثاني فكذلك فيما إذا دار الامر بين تحصيل القطع بامتثال الاهم وتحصيل القطع بامتثال المهم ضرورة ان التكليف المقتضي لاتيان متعلقه في الخارج مقتض للجمع بين محتملاته ايضا فلا محالة يقع التزاحم حينئذ بينهما فيتقدم الاهم ويكون موجبا للتعجيز بالاضافة إلى المهم والالتزام بانحصار التزاحم بخصوص ما إذا لم يكن الجمع بين الامتثالين بنفسهما بلا ملزم بعد ما عرفت من ان الجمع بين المحتملات من مقتضيات نفس التكليف كالاتيان بمتعلقه خارجا فكما ان عدم التمكن من الجمع بين الامتثالين يوجب التزاحم بين الخطابين فكذلك عدم التكمن من الجمع بين المحتملات في الطرفين يوجبه ايضا (هذا) وقد افاد شيخنا الاستاذ العلامة دام ظله في التنبيه الاول من تنبيهات دوران الامر بين المحذورين ما يناقض ذلك فراجع * (خاتمة) * في شرائط الاصول بمعنى ما به يتحقق مجاريها وإلا فجريان الاصل غير مشروط بامر خارجي مطلقا اما الاحتياط فلا يشترط في حسنه شئ فكلما صدق عليه عنوان الاحتياط يكون حسنا من دون فرق بين ما يكون احتياطا حقيقيا يوجب ادراك الواقع على كل تقدير وما يكون احتياطا بالاضافة كما إذا احتاط المقلد بين فتاوى جميع اهل عصره فإنه وإن لم يحصل معه ادراك الواقع قطعا لاحتمال خطاء الجميع إلا انه اقرب إلى ادراك الواقع من الاخذ بفتوى واحد معين منهم (إذا عرفت) ذلك فاعلم انه لا اشكال في صدق الاحتياط وحسنه في غير العبادات مطلقا بما يحصل معه ادراك الواقع وأما فيها فإن لم يتمكن المكلف من الاجتهاد أو التقليد فلا اشكال ايضا واما مع التمكن منهما ففيه اقوال (ثالثها) عدم الحسن مع العلم بالتكليف اجمالا (رابعها) عدم الحسن مع استلزامه التكرار ونحن وان أشبعنا الكلام في ذلك في بعض مباحث القطع الا انه لا بأس بالاعادة اجمالا لعدم كونها بلا فائدة (فنقول) استدل القائلون بعدم الحسن مطلقا مع التمكن مع الاجتهاد أو التقليد بان الاحتياط والاتيان بالواجب بداعي الاحتمال يكون مخلا بمعرفة الوجه ونيته والعقل على تقدير عدم استقلاله باعتبارهما أو باعتبار خصوص معرفة الوجه فلا محالة لا يكون مستقلا بعدم الاعتبار فيكون العمل الفاقد له مما يشك في تحقق الطاعة به عقلا فيكون من موارد

[ 318 ]

حكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني عن التكليف المعلوم (فإن قلت) على هذا لا يكون الاحتياط في العبادة حسنا حتى مع عدم التمكن من الاجتهاد أو التقليد لاتحاد الملاك وهو الاخلال بهما أو بخصوص معرفة الوجه (قلت) كلا إذ اعتبارهما أو اعتبار خصوص معرفة الوجه قطعا أو احتمالا إنما يكون مع التمكن منهما ومع التعذر يدور الامر بين الترك المطلق وبين تركهما والاتيان بذات العبادة ولا ريب في استقلال العقل بتعين الثاني وكونه احتياطا في هذا الحال والحاصل ان اعتبارهما على تقدير الثبوت ليس على نحو الركنية للعبادة حتى يرتفع التكليف بتعذرهما من رأس بل هو مختص بحال التمكن فمع التعذر يكون الاتيان بذات العبادة احتياطا لا محالة (هذا) ولكن يرد عليه (اولا) انا نقطع بعدم اعتبار شئ منهما في تحقق الطاعة إذ مع كثرة الابتلاء بهما وغفلة العامة عنهما لعدم كون اعتبارهما من المستقلات العقلية البديهية وانما ذهب إلى اعتباره من اعتبره بوجوه عقلية نظرية لابد من الاشارة اليهما في الادلة حفظا للغرض وحيث انه ليس فيها ما يدل على ذلك فنقطع بالعدم لان عدم الدليل في مثل ذلك دليل العدم (وثانيا) ان ما دل من الاخبار على كفاية مطلق قصد القربة في مقام الامتثال كقوله عليه السلام إذا كان بنية صالحة يريد بها ربه يدل باطلاقه على عدم اعتبار شئ آخر في العبادية غير قصد القربة فيكون مخصصا لما اعتبره العقل في الطاعة من القيود (وثالثا) لو سلمنا عدم القطع بعدم الاعتبار وعدم قيام الدليل عليه فحيث ان ادلة اعتباره غير قطعية فلا محالة يكون الاعتبار مشكوكا فيستقل العقل بالبراءة وعدم استحقاق العقاب بتركهما وما ذكر من ان الشك إذا كان راجعا إلى اعتبار شئ في الاطاعة عقلا لا يكون مجرى للبراءة والمقام من هذا القبيل مغالطة نشأت من الخلط بين الطاعة التي يستقل العقل بلزومها مطلقا وبين الطاعة المعتبرة في خصوص العبادات فإن الطاعة بالمعنى الاول عبارة عن لزوم انبعاث العبد عن بعث المولى وانزجاره عن زجره وهو لا شبهة في عدم كونه قابلا لحكم مولوي وإذا فرض من الشارع امر به فلا محالة يكون ارشاديا محضا وعليه فإذا شك في اعتبار شئ فيها فلا محالة يكون الشك راجعا إلى مرحلة امتثال التكليف المعلوم فيكون موردا للاشتغال دون البراءة وهذا بخلاف الطاعة بالمعنى الثاني الذي هو عبارة عن جعل امر المولى داعيا إلى الفعل فإن اعتباره سواء كان بالجعل الثاني أو من ناحية الغرض يكون من قبل الشرع ليس إلا ضرورة ان العقل ليس بنبي مشرع بل يستقل بلزوم الاتيان بكل ما تعلق به ارادة المولى فإذا شك في اصل اعتبار قصد القربة أو

[ 319 ]

في اعتبار امر زائد عليه فيرجع الشك إلى اعتبار امر زائد على المقدار المعلوم في المأمور به وهو مورد البراءة ولا ريب ان الشك في اعتبار معرفة الوجه ونيته في العبادات بعد الفراغ عن اعتبار قصد القربة فيها من هذا القبيل وعليه فلا اشكال في صدق الاحتياط وحسنه حتى مع التمكن من الاجتهاد والتقليد لكن بشرط ان لا يكون الاحتياط مستلزما للتكرار سواء كان هناك علم بالتكليف اجمالا كما إذا علم اجمالا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة في يوم الجمعة فاراد المكلف الاحتياط بفعلهما قبل الفحص بالاجتهاد أو التقليد أو لم يكن كما إذا احتمل في الفرض عدم الوجوب رأسا والوجه في ذلك هو ان العقل الحاكم بالاستقلال في باب الاطاعة والعصيان إنما يحكم بحسن الاحتياط بالتكرار فيما إذا لم يتمكن من امتثال شخص التكليف وجعل نفسه داعيا وذلك لان المحرك في الخارج إلى كل من الفعلين ليس إلا احتمال تعلق التكليف به إذ المفروض عدم العلم بوجوب كل منهما بالخصوص حتى يكون هو بشخصه محركا ولا ريب ان العقل بعد فرض كون الواجب عباديا وان تشريعه لاجل التعبد به يستقل بعدم الحسن في التحرك عن احتمال ارادة المولى مع التمكن من التحرك عن نفسها فيكون الاطاعة الاحتمالية في طول الاطاعة القطعية نعم لو لم يتمكن من الاطاعة القطعية لعدم التمكن من الفحص فلا محالة يكون الاحتياط بالتكرار حسنا وإن كان الداعي إلى اتيان كل من الفعلين هو احتمال الامر لا نفسه إذ هذا غاية ما يتمكن المكلف من اتيانه في هذا الحال ولعل نظر شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث حكم بكون التكرار في العبادة مع التمكن من الطريق الشرعي لعبا وعبثا إلى ما ذكرناه من حكم العقل بعدم الحسن فيه وكونه في طول الاطاعة القطعية فيكون التكرار لعبا وعبثا في مقام الطاعة بحكم العقل لا ان التكرار بنفسه لعب وعبث حتى يورد عليه بأنه ربما يكون بداع عقلائي فلا يكون كذلك هذا ولو تنزلنا عن استقلال العقل بعدم الحسن مع التمكن من الامتثال القطعي فلا محالة لا يكون مستقلا بالحسن وكون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال القطعي فيكون الحسن حينئذ مشكوكا فيه فيشك في كفاية الامتثال الاحتمالي حينئذ فيستقل العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني (وتوهم) انه يرجع معه إلى البراءة كما في صورة الشك في اعتبار معرفة الوجه ونيته (مدفوع) بان الرجوع إلى البراءة إنما يكون في موارد الشك في اعتبار امر زائد على الحسن العقلي الموجود في الاطاعة كما كان الامر كذلك عند الشك في اعتبار معرفة الوجه ونيته واما إذا كان الشك في اعتبار شئ في الحسن العقلي بعد الفراغ عن اعتباره في المأمور

[ 320 ]

به كما في المقام فلا (توضيح) ذلك ان الواجب في محل الكلام حيث فرض كونه عباديا وان تشريعه لاجل التعبد به بان يكون الاتيان به مضافا إلى المولى بوجه حتى يكون حسنا في مقام العبودية فلا محالة يكون المأمور به هو العمل المأتي به عبادة فإن قلنا بان العبادية مسبب توليدي عن الدواعي القربية من قصد الامر وغيره فيكون الشك في حصولها بالاتيان بداعي احتمال الامر الموجود في موارد التكرار شكا في المحصل ومقتضى القاعدة فيه هو الاشتغال وإن قلنا انها كلي منطبق على الدواعي القربية والجامع بينها كون العمل بنية صالحة كما في بعض الروايات وهو الظاهر فلا محالة يكون الشك في انطباقه على الاتيان بداعي احتمال الامر مع التمكن من الاتيان بداعي نفس الامر شكا في التعيين والتخيير وان الواجب على المكلف حينئذ هو خصوص قصد الامر أو الاعم منه ومن الاتيان بداعي الاحتمال والمرجع فيه على ما هو المختار عندنا هو الاشتغال وعلى كل حال فلا يقاس الشك في محل الكلام بالشك في اعتبار قصد الوجه أو معرفته الراجع إلى اعتبار امر زائد في المأمور به على اعتبار قصد القربة شرعا الذي هو مورد للبراءة عقلا ونقلا (هذا كله) فيما إذا كان الاحتياط مستلزما لتكرار جملة العمل وأما إذا كان مستلزما لتكرار الجزء كما إذا دار الامر في الصلاة بين القراءة الجهرية أو الاخفاتية فاراد المكلف الجمع بينهما احتياطا فالظاهر عدم الاشكال فيه ولو قبل الفحص وذلك لانه إذا جاز للمكلف الاتيان بالقراءة التي ليست جزء للصلاة في ضمنها بقصد القرآنية كما هو المفروض في المقام فلا محالة يصح له الاتيان بالامرين ويقصد كون ما هو المأمور به في ضمن الصلاة جزء لها وكون الآخر قرآنا في ضمنها غاية الامر انه لا يميز الجزء من غيره ولا بأس به بعد حصول القربة والعبادية والحاصل ان ما يعتبره العقل أو يحتمل اعتباره هو التحرك عن شخص ارادة المولى مع التمكن منه وهذا حاصل في المقام واما احتمال صدور كل جزء جزء من شخص الامر مميزا عن غيره فلا فإذا فرض تحرك المكلف عن شخص ارادة الصلاة المتعلقة بها ولكن لم يميز كون القراءة المقومة لها جهرية لو اخفاتية فاتى بهما احتياطا فقد حصل ما يعتبره العقل أو يحتمل اعتباره في مقام الطاعة قطعا ومعه فلا اشكال في الصحة اصلا (فتحصل من جميع ذلك) ان الاحتياط في العبادة إذا لم يكن مستلزما للتكرار فلا اشكال في حسنه واغنائه عن الفحص في مورد وجوبه واما فيما يستلزمه فان كان المورد مما يجب الفحص فيه كموارد العلم الاجمالي أو الشبهات البدوية الحكمية فيما إذا احتمل الالزام فلا ريب في عدم حسنه قبل الفحص لانه

[ 321 ]

ليس من وجوه الطاعة حينئذ قطعا أو احتمالا واما إذا كان المورد مما لا يجب فيه الفحص كالشبهات الموضوعية أو الحكمية الغير المحتملة فيها الالزام فهل يجوز للمكلف الاحتياط بالتكرار قبل الفحص أم لا وجهان من عدم الملزم للمكلف على الفحص فان له ترك الشبهة وعدم التعرض لها اصلا كما هو المفروض فيحسن منه الاحتياط في هذا الحال ولو كان بالتكرار ومن استقلال العقل أو احتماله لعدم كون التكرار مع التمكن من جعل شخص الامر داعيا على تقدير وجوده من وجوه الطاعة فلا يستقل بحسنه العقل ومع عدم استقلاله به لا يمكن المكلف الاكتفاء به في مقام الطاعة بل لا يبعد ان يكون ذلك تشريعا محرما بعد عدم احراز الحسن (ودعوى) ان العقل وان لم يستقل بالحسن إلا انه لا يستقل بعدمه ايضا فيجوز الاحتياط بالتكرار احتياطا (مدفوعة) بان الاتيان بالفعل بداعي احتمال الامر مع التمكن من الفحص إذا فرض عدم استقلال العقل بحسنه لعدم احراز كونه من وجوه الطاعة فكيف يمكن استقلاله بحسنه بداعي احتمال الحسن ضرورة ان احتمال الحسن وكون الشئ من وجوه الطاعة لا يوجب كون الشئ كذلك قطعا ومع عدم القطع به يبقى الشك فيه على حاله ويكون الاتيان به في مقام العبادة تشريعا محرما وعدم وجوب الفحص على المكلف وجواز ترك تعرضه للشبهة رأسا كما هو المفروض لا يوجب انقلاب ما لم يحرز حسنه وكونه من وجوه الطاعة عما هو عليه وكفايته في مقام الطاعة والعبودية وهذا هو الاقوى (هذا) (والتحقيق) عدم جواز الاحتياط في العبادة مطلقا في موارد وجوب الفحص ولو لم يكن الاحتياط مستلزما للتكرار وذلك لان الانبعات عن احتمال التكليف إذا كان متأخرا عن الانبعاث عن شخصه بحكم العقل ولا اقل من احتماله فلا محالة يكون سقوط التكليف بالعبادة على تقدير وجوده متيقن العدم أو مشكوكا فيه فيستقل العقل بوجوب الفحص وعدم جواز الاحتياط وذلك لان التكليف الواقعي على تقدير وجوده لابد من جعل شخصه داعيا ومحركا بحكم العقل فالاقتصار بجعل احتماله داعيا قبل الفحص مع التمكن من الاول لا يكون مسقطا للتكليف بحكم العقل واما في موارد عدم وجوب الفحص كما في الشبهات الحكمية الغير الالزامية أو في الشبهات الموضوعية فمقتضى حكم العقل بعدم حسن الامتثال الاحتمالي مع التمكن من القطعي أو شكه فيه وان كان عدم تحقق الامتثال بالاحتياط قبل الفحص فيها ايضا كما عرفت إلا ان الانصاف ان الوجدان يأبى عن ذلك بل يحكم بحصول الامتثال وكون الامتثال الاحتمالي حينئذ اطاعة في فرض المصادفة

[ 322 ]

وانقيادا للمولى مع عدمها وعلى ذلك يختص حكم العقل بعدم تحقق الامتثال بموارد وجوب الفحص ليس إلا (هذا كله) فيما إذا كان المكلف متمكنا من تحصيل القطع أو الظن الخاص واما فيما إذا لم يكن متمكنا إلا من تحصيل الظن المطلق الثابت حجيته بمقدمات الانسداد (فهل يجوز الاحتياط فيه بالتكرار أم لا) صريح كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) هو الاول لان حجية الظن الانسدادي متفرعة على عدم وجوب الاحتياط لا على عدم جوازه فكيف يعقل أن يكون التمكن من تحصيله موجبا لبطلان الاحتياط ولذا تعجب من المحقق القمي (قده) حيث ذهب إلى بطلان عمل تارك طريقي التقليد والاجتهاد مع ذهابه إلى حجية الظن بمقدمات الانسداد والتحقيق ان يقال ان الظن في حال الانسداد إن كان طريقيته ثابتة من باب الحكومة واستقلال العقل بكفاية الامتثال الظني فيها فالامر كما ذهب إليه (قده) لكن المحقق القمي لا يقول بالحكومة بل هو مصر على الكشف وأما إذا كانت طريقيته ثابتة بحكم الشرع وان كان الكاشف عنه هو العقل فحيث ان من مقدماته بطلان الاحتياط وعدم ابتناء اساس الشرع عليه فلا محالة يكون حاله حال الظن الخاص في عدم اغناء الاحتياط عن وجوب تحصيله وعدم جواز الاكتفاء به في مقام الطاعة (ثم لا يخفى) ان حسن الاحتياط في موارد ثبوته إنما يكون لاحتمال ادراك الواقع وعدم فوته عن المكلف من دون فرق بين ما إذا كان هناك حجة على النفي أو لم يكن وهذا في موارد عدم التكرار واضح واما في موارد التكرار فهل يجوز الاتيان بغير ما قامت الحجة على وجوبه فيما إذا دار الامر بين وجوب شيئين قامت الحجة على وجوب احدهما مطلقا أو لا يجوز كذلك أو يجوز الاتيان به بعد الاتيان بما قامت الحجة على وجوبه لا قبله فيه وجوه بل اقوال اقواها الاخير اما جوازه بعد الاتيان بمتعلق مؤدى الحجة فلان غاية ما دل عليه دليل الحجية هو الغاء احتمال الخلاف وعدم ترتيب الامر عليه واما نفس الاحتمال فهو لا يمكن ارتفاعه بدليل الحجية ومعه يستقل العقل بحسن اتيان المحتمل رجاء لادراك الواقع (وبعبارة أخرى) دليل الحجية لا يوجب تغير الواقع عما هو عليه بل غايته هو جعل الطريق عليه تعبدا ومع احتمال الخطأ فيه وبقاء الواقع على حاله يحسن الاحتياط لئلا يقع المكلف في محذور المخالفة الواقعية واما عدم الجواز قيل اسقاط التكليف الثابت بمقتضى الطريق فلان العمل على خلافه قبل اسقاطه اعتناء باحتمال الخلاف وموجب لعدم ترتيب الاثر على حجيته والمفروض ان دليل الحجية الغى هذا الاحتمال فلا يجوز الاعتناء به قبل فراغ الذمة

[ 323 ]

عما اشتغلت به بحكمه وهذا الذي اخترناه هو المختار عند العلامة الانصاري وتلميذه العلامة الشيرازي (قدهما) ولذا ترى ان في بعض موارد دوران الامر بين القصر والتمام يحتاط الشيخ (قده) بتقديم التمام على القصر لاقوائية التمام عنده ويحتاط السيد (قده) بتقديم القصر على التمام لاقوائية القصر عنده * (بقي هناك) * أمران (الاول) انه قد ذكرنا سابقا انه إذا دار الامر بين ترك الجزء أو الشرط فلا بد من ملاحظة الاهمية بينهما ولا يكون تأخر مرتبة الشرط عن مرتبة الجزء في عالم اللحاظ والتصور موجبا لتمحض الشرط في السقوط وذلك لما عرفت من ان تعلق الامر بهما في عرض واحد من دون تقدم وتأخر فكما يصلح ان يكون وجوب الجزء معجزا مولويا عن الشرط فكذلك يصلح وجوب الشرط لذلك إلا ان ذلك مختص بغير موارد دوران الامر بين سقوط قصد القربة أو غيره جزء كان أو شرطا وذلك لان قصد القربة وان كان وجوبه شرعيا عندنا إلا انه بأمر آخر وفي مرتبة متأخرة عن الامر بقية الاجزاء والشرايط ضرورة ان الواجب بالامر الثاني هو اتيان المأمور به الاولي بداعي أمره ومن المعلوم ان هذا الوجوب مشروط بالقدرة ولا محالة يسقط بالتعذر فإذا دار الامر بين سقوطه وسقوط شرط آخر كما في موارد تردد القبلة أو الساتر الطاهر بين أمور الموجب لسقوط قصد القربة في شخص المأمور به بتكرار العبادة أو لسقوط شرطية القبلة أو طهارة اللباس حتى يؤتى بصلاة واحدة بداعي أمرها فلا محالة يكون الساقط هو الاول دون الثاني لان سقوط الشرطية من القبلة أو طهارة اللباس بعد فرض التمكن منهما في حد ذاتهما يتوقف على لزوم قصد القربة حتى في هذا الحال ليكون وجوب ذلك موجبا لتعذر الشرط ومن المعلوم ان لزومه يتوقف على التمكن منه المتوقف على سقوط الشرطية إذ مع عدم السقوط يكون المكلف عاجزا عن قصد القربة لا محالة فيلزم توقف كل من السقوط ولزوم قصد القربة على نفسه وهذا دور واضح (وبعبارة أخرى) بقاء شرطية الشرط حيث انها في مرتبة سابقة على قصد القربة يصلح أن يكون معجزا مولويا عن قصد القربة فيسقط وهذا بخلاف لزوم قصد القربة فإنه معتبر في المأمور به بما انه كذلك فيستحيل ان يكون متعرضا لحاله وموجبا لتضييق دائرته واختصاص الامر ببعض متعلقه دون بعض فيتمحض قصد القربة في السقوط ويجب احراز الشرط أو الجزء بتكرار العمل (الثاني) انه إذا عرض في اثناء العمل ما لا يمكن معه إتمام العمل مع الامتثال القطعي لعدم العلم معه بما يجب على المكلف في هذا الحال فهل الواجب عليه قطع العمل واستينافه تحصيلا

[ 324 ]

للامتثال القطعي وتقديما له على الامتثال الاحتمالي مع التمكن من القطعي أو لا يجب عليه ذلك بل يجوز له اتمام العمل مع اختيار ما يحتمل معه الصحة ثم يجب عليه تعلم حكمه فإن طابق ما أتى به للواقع فهو والا وجب عليه الاعادة وجوه بل اقوال (ثالثها) التفصيل بين ما يكون من المسائل التي يبتلي بها العامة فيجب عليه القطع لتنجز الحكم الواقعي عليه قبل الشروع في العمل لوجوب التعلم حينئذ وبين ما لا يكون كذلك فيقتصر على الامتثال الاحتمالي إذا انكشف مطابقته للواقع بعد العمل وهو الذي اختاره شيخنا العلامة الانصاري (قده) وليعلم قبل تحقيق المسألة ان محل البحث في المقام أجنبي عما سيجئ تحقيقه إن شاء الله تعالى في الموارد التي تمسك فيها باستصحاب الصحة إذ محل الكلام هناك فيما إذا عرض للمكلف في اثناء العمل ما يحتمل معه بطلان العمل وسقوط الاجزاء اللاحقة عن قابلية الالتحاق بالسابقة وهذا بخلاف المقام فإن المفروض فيه عدم البطلان وعدم سقوطها عن قابلية الالتحاق لكن المكلف لعدم علمه بما هو وظيفته لا يتمكن من الامتثال القطعي وعلى تقدير علمه به لكان متمكنا منه من دون احتمال البطلان رأسا (إذا عرفت ذلك فنقول) ان القائل بوجوب الاتمام مكتفيا بالامتثال الاحتمالي إنما نظر إلى أن حرمة ابطال العمل بعد الشروع فيه يكون موجبا لتعذر الامتثال القطعي على المكلف تشريعا وتمكن المكلف منه المتفرع على الابطال لا يترتب عليه أثر مع فرض حرمة الابطال ونظر شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث فصل في المقام إلى ان الاحكام المجعولة في محل الابتلاء حيث انها يجب على المكلف تعلمها فهي كانت منجزة قبل الشروع والمفروض تمكن المكلف قبل الشروع من امتثالها تفصيلا للتمكن من تعلمها والتعذر الطارئ لكونه منتهيا إلى الاختيار لا يكون مسقطا لوجوب الامتثال التفصيلي فإن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار كما في موارد التوسط في الارض المغصوبة فلا بد من ابطال العمل والاتيان بالعمل المقترن بالامتثال التفصيلي وهذا بخلاف ما إذا كان الشبهة مما لا يبتلي بها عامة الناس فإن مثل تلك الشبهة لا يجب على المكلف تعلم حكمها قبل الابتلاء بها والمفروض عدم التمكن منه بعد الشروع في العمل والابتلاء المحقق لتعذر الامتثال التفصيلي الموجب لسقوطه وكفاية الامتثال الاحتمالي (وانت خبير) بأن ما أفاده (قده) مضافا إلى ابتنائه على جريان حكم الامتناع بالاختيار في الاحكام الوضعية وعدم اختصاصه بخصوص الاحكام التكليفية حتى يقال ببقاء شرطية قصد الامتثال التفصيلي ولو كان متعذرا بالاختيار مع ان الظاهر اختصاص تلك القاعدة بخصوص الاحكام التكليفية

[ 325 ]

(يرد عليه اولا) انه (قده) يرى سقوط التكليف حتى بالتعذر الاختياري ولذا التزم (قده) بوجوب الخروج من الارض المغصوبة وعدم اتصافه لا بالحرمة الفعلية ولا بالحرمة السابقة فلا بد من التزامه في المقام ايضا بسقوط وجوب الامتثال التفصيلي ولو كان تعذر منتهيا إلى اختياره (وثانيا) ان لازم عدم السقوط بالتعذر المنتهي إلى الاختيار هو صحة عقابه على تركه وأين ذلك من وجوب الابطال والاتيان بالعمل المقترن به بل غاية الامر هو الالتزام بوجوب الاتمام مع الاحتمال وصحة العقاب على مخالفة المتعذر بالاختيار كما كان الامر كذلك في التوسط في الارض المغصوبة (والتحقيق في المقام) أن يقال انه لا اشكال في وجوب الاتمام مطلقا فيما إذا كان الوقت مضيقا ولم يتمكن المكلف من الامتثال التفصيلي ولو بابطال العمل الذي بيده واما مع سعة الوقت فلا بد من ابطاله وتحصيل الامتثال التفصيلي فإن المانع عنه لا يكون في المقام غير حرمة الابطال وهي لا تكون بمانعة لاختصاصها بما إذا تمكن المكلف من إتمام العمل على ما هو عليه من الحال والمفروض في المقام عدمه لعدم تمكنه من إتمامه مع الامتثال التفصيلي وإذا لم يكن الابطال محرما والمفروض تمكن المكلف من الاتيان بالعمل المقترن به ولو بالابطال فلا محالة يكون واجبا لما ذكرناه من ان حسن الاطاعة الاحتمالية في طول الاطاعة القطعية لا في عرضها (فان قلت) إذا دار الامر بين الاتمام مع الاحتمال والابطال وتحصيل الامتثال التفصيلي فكما يمكن ان يكون وجوب الامتثال التفصيلي موجبا لتعذر إتمام العمل على ما هو عليه فلا يكون الابطال بمحرم فكذلك يمكن أن يكون حرمة الابطال موجبة لتعذر الامتثال التفصيلي فيسقط ويكتفى بالامتثال الاحتمالي (قلت) كلا إذ حرمة الابطال تتوقف على التمكن من إتمام العمل على ما هو عليه وهو متوقف على سقوط الامتثال التفصيلي اما بنفسه أو لحرمة الابطال والاول خلاف المفروض والثاني مستلزم للدور ولا يمكن أن يقال ان وجوب الامتثال التفصيلي يتوقف على عدم حرمة الابطال إذ معها يكون متعذرا فيسقط فلو توقف عدم الحرمة على وجوب قصد الامتثال لزم الدور وذلك فإن كل دليلين متعارضين أو حكمين متزاحمين إذا فرض كون احدهما رافعا لموضوع الاخر بنفس وجوده دون العكس فلا محالة يتقدم على الآخر ففي المقام حيثان المفروض تقيد موضوع حرمة الابطال بما إذا تمكن المكلف من إتمام العمل على ما هو عليه في حد ذاته فمرتبتها متأخرة عن مرتبة الاجزاء والشرايط ولا يمكن ان يرتفع بها جزئية جزء أو شرطية شرط فإذا فرضنا عدم سقوط الامتثال التفصيلي من قبل نفسه فيستحيل ان يكون حرمة

[ 326 ]

الابطال المتأخرة عنه رتبة موجبة لسقوطه وهذا لا ينافي الالتزام بسقوطه على تقدير العلم بثبوت الحرمة الفعلية الملازمة لعدم وجوب قصد الامتثال التفصيلي على ما هو مقتضى المنافاة بينهما كما في كل دليلين متزاحمين أو متعارضين (وببيان اوضح) التمكن من اتيان العمل مقترنا بالامتثال التفصيلي موجود بالنسبة إلى طبيعة الصلاة وحرمة ابطال شخص الصلاة لا توجب عدم التمكن بالقياس إلى الطبيعة حتى تكون موجبة للسقوط بل غايتها عدم جواز ابطال هذا الشخص من العبادة ومن المعلوم عدم تعلق الامر بذلك الشخص بخصوصه بل الامتثال انما هو باعتبار انطباق الطبيعة المأمور بها على المأتي به خارجا وحيث ان انطباقها عليه الموجب لحرمة الابطال يتوقف على سقوط الامتثال التفصيلي بالقياس إلى نفس الطبيعة فلا يعقل توقف السقوط على الحرمة المتوقفة على الانطباق وإذا لم يسقط الامتثال التفصيلي المفروض تمكن المكلف منه فلا محالة لا يكون المأمور به منطبقا على المأتي به خارجا فلابد من الابطال واستئناف العمل من رأس تحفظا على تحصيل شرط الطاعة مع الامكان (ومما ذكرناه) ظهر بطلان ما افاده بعضهم في المقام من الالتزام بالتخيير بين ابطال العمل واستئنافه تحفظا على تحصيل الشرط وبين اتمامه برجاء المطلوبية والاكتفاء بالامتثال الاحتمالي نظرا إلى مزاحمة حرمة الابطال مع وجوب الطاعة التفصيلية مع الغفلة عن ان التخيير بين الحكمين المتزاحمين إنما يكون مع كونهما في مرتبة واحدة لا في مثل المقام على ما عرفت تفصيله (كما انه ظهر فساد) ما قيل من وجوب الجمع بين الامتثال الاحتمالي باتمام العمل والتفصيلي باستئنافه بعد الفراغ نظرا إلى العلم الاجمالي بوجوب احدهما على المكلف مع الغفلة عن ان إتمام العمل مع الاحتمال يوجب تعذر الامتثال التفصيلي إلى الابد ضرورة انه مع احتمال سقوط التكليف بالامتثال الاحتمالي كيف يمكن الامتثال التفصيلي بعد ذلك فالامر يدور بين الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي باتمام العمل وابطال العمل واستئنافه تحصيلا للامتثال التفصيلي وقد عرفت تعين الثاني بما لا مزيد عليه (هذا كله) فيما يعتبر في الاخذ بالاحتياط واما ما يعتبر في الرجوع إلى البراءة فتوضيح الحال فيه إنما يكون بالبحث في جهات (الاولى) لا ريب في عدم اعتبار الفحص في الشبهات الموضوعية في الجملة واعتباره في الشبهات الحكمية (اما الاول) فقد استدل عليه بالاجماع وباطلاق ادلتها ولا يخفى ان موضوع التكليف ربما يكون بحيث يكون العلم به في العادة غير متوقف على نظر كما في غالب الموضوعات وحينئذ فلا ريب في جواز الرجوع إلى البراءة من دون اعتبار شي آخر واخرى لا يكون

[ 327 ]

كذلك بل انكشافه للمكلف لا يكون بحسب العادة الا باعمال نظر ولولاه لوقع المكلف في مخالفة الواقع كثيرا وهنا يختلف باختلاف الموارد فربما يتوقف العلم به على مجرد النظر وعدم إيجاد المانع عن فعلية الانكشاف مع حصول بقية مقدماته وهذا كما في موارد احتمال طلوع الفجر لمن كان على السطح بحيث لا يكون هناك مؤنة أخرى في فعلية حصول الانكشاف إلا مجرد النظر إلى الافق وأخرى يتوقف العلم به على مراجعة الدفتر والحساب وهذا كما في موارد الشك في حصول الاستطاعة أو البلوغ إلى النصاب فإن العلم بهما غالبا لا يكون إلا بالمراجعة وحساب ما عنده ففي مثل هذه الموارد لا يمكن الرجوع إلى البرائة إلا بعد النظر لقصور الادلة عن الشمول لها إذ نفس أدلة التكليف في تلك الموارد بعد الفراغ عن توقف فعلية انكشاف موضوعاتها على النظر في العادة تدل بالدلالة الالتزامية على وجوب النظر وتنجز التكليف على تقدير وجوده مع المسامحة بعدم النظر وان شئت قلت ان أدلة البرائة قاصرة عن الشمول لمثل هذا الجاهل الذي كان مقدمات العلم كلها متحققة عنده بحيث لا يكون هناك مؤنة أخرى غير النظر لانصرافها إلى غيره ممن لا يكون مقدمات العلم حاضرة عنده وكان محتاجا إلى تحصيله (ومما ذكرناه) يظهر ان الموضوعات التي يتوقف فعلية الانكشاف فيها على السؤال بحسب العادة كما في مواضع الشك في بلوغ المقصد إلى حد المسافة يجب السؤال فيها ايضا ولا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب مع عدمه (وبالجملة) كل ما توقف الانكشاف عليه بحسب العادة بحيث لزم من تركه الوقوع في المخالفة كثيرا يجب مراعاته ثم الرجوع إلى الاصل نعم الفحص عن تلك الموضوعات بأزيد من ذلك مما لا يكون توقف فعلية الانكشاف عليه عاديا لا يكون بواجب ويجوز الرجوع مع تركه إلى البراءة واما (الثاني) وهو عدم جواز الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكمية إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل فقد استدل عليه بالادلة الاربعة والعمدة في ذلك هو الاخبار الدالة على وجوب التعلم واستحقاق العقاب مع تركه وحكم العقل بوجوب الفحص عن احكامه المولى بعد فرض المولوية والعبودية وذلك لما بيناه في بحث العموم والخصوص من ان العقل يستقل بأن الوظيفة الربوبية إنما تقتضي تشريع الاحكام وبيانها بحيث لو تفحص العبد عنها لوصل إليها ولا يجوز له المطالبة بأزيد من ذلك كما ان الوظيفة العبودية تقتضي الفحص عن احكام مولاه التي يمكن الوصول إليها فكما ان عقاب المولى بعد فحص العبد وعدم الظفر بحكم المولى على مخالفة تكاليفه الواقعية

[ 328 ]

ظلم منه على عبده فكذلك عدم فحص العبد عن احكام مولاه بعد التفاته إلى العبودية والمولوية ظلم منه على مولاه فلزوم الفحص في المقام مع لزوم النظر في المعجزة داخلان تحت كبرى واحدة وناشئان عن ملاك واحد وربما يقرب حكم العقل بوجوب الفحص في الشبهات الحكمية بالعلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات كثيرة بحيث لو تفحص عنها لظفر بها ولازم ذلك وجوب الاحتياط أو الفحص عن تلك الاحكام حتى يظفر بها (وربما يشكل) على هذا التقريب بأنه أعم من المدعى من وجه واخص من وجه (اما) الاول فلان المدعى إنما هو وجوب الفحص عما في ايدينا من الكتب المعتبرة المعتمد عليها في مقام الفتوى ومن الواضح ان العلم الاجمالي إنما تعلق بوجود احكام الزامية في الشريعة لا بخصوص ما في هذه الكتب فأثر العلم الاجمالي لا يرتفع بالفحص كما هو المدعى (واما الثاني) فلان لازم هذا التقريب انه متى تفحص المكلف وظفر بالاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد ان لا يجب الفحص بعد ذلك ويرجع إلى البراءة من دون فحص مع ان المدعى والمسلم بين العلماء هو وجوب الفحص حتى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال ولكن التحقيق عدم الفرق بين التقريبين في ذلك وان النتيجة على كل حال واحدة ضرورة ان توهم بقاء اثر العلم الاجمالي بعد الفحص عما في الكتب المعتبرة انما يصح إذا لم ينحل المعلوم بالاجمال بالعلم بوجود احكام كثيرة في هذه الكتب بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد واما مع انحلاله بذلك فلا محالة يرتفع اثر العلم الاجمالي بعد الفحص عما في الكتب ويرجع إلى البراءة مع عدم وجدان الدليل فيها (واما توهم) اخصية المدعى وان مقتضى التمسك بالعلم الاجمالي هو عدم وجوب الفحص بعد الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال وان احتمل وجود الدليل على الحكم في الكتب المعتبرة (فيدفعه) ان الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال انما يوجب انحلال العلم الاجمالي فيما إذا لم يكن المعلوم بالاجمال ذا علامة بحيث لا يكون المعلوم بالاجمال الا مقدارا معينا من العدد واما إذا كان ذا علامة فكل ما كان بهذه العلامة قليلا كان أو كثيرا فلا محالة يكون منجزا بهذا العلم حتى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال مثلا إذا علم التاجر بدين له على صاحبه مردد بين الاقل والاكثر ولكن يعلم بان تمام دينه موجود في دفتره فهل يحتمل انه إذا راجع دفتره وظفر بمقدار المعلوم بالاجمال فله ان لا يراجع بقية الدفتر ويقتصر على هذا المقدار المتيقن مع علمه بان كل ما هو دين له موجود في الدفتر ومكتوب فيه أو انه بعلمه الاجمالي بوجود تمام دينه في الدفتر يتنجز عليه كل ما كان عليه ولا بد من الفحص حتى

[ 329 ]

بعد الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال والسر فيه هو ما ذكرناه من ان المعلوم بالاجمال حيث انه معلم بعلامة وجوده في الدفتر فكل ما فيه يكون منجزا بنفس هذا العلم قل أو كثر والانحلال إنما يكون فيما إذا كان العلم متمحضا في تعلقه بعدد مردد بين الاقل والاكثر وحيث ان المعلوم بالاجمال في محل الكلام هي الاحكام الموجودة في هذه الكتب بحيث لو تفحص عنها لظفر بها والعلم الاجمالي بمطلق الاحكام في الشريعة قد عرفت انحلالها بهذا العلم فلا محالة يكون كل ما في هذه الكتب من الاحكام منجزا بهذا العلم فلا يكون الظفر بمقدار المعلوم بالاجمال موجبا لانحلاله (فتلخص) انه لا فرق بين التقريبين في ان الواجب هو الفحص عن الاحكام الموجودة في هذه الكتب ليس الا ولو بعد الفحص والظفر بمقدار المعلوم بالاجمال أو الاكثر (الثانية) في انه بعد الفراغ عن استحقاق عقاب تارك الفحص في الجملة وقع الكلام في ان العقاب على ترك الفحص مطلقا أو فيما لزم منه ومن الاخذ بالبراءة مخالفة التكليف الواقعي وعلى الثاني فهل الموجب للعقاب هو مخالفة نفس الواقع مع حكم العقل بلزوم الفحص أو مخالفة وجوب الفحص المستلزم لمخالفة الواقع وجوه نسب (الاول) منها إلى صاحب المدارك والمحقق الاردبيلي (قده) (والثاني) إلى المشهور والمختار عندنا هو الثالث وقبل الخوض في المقام لابد من تمهيد مقدمة يتضح بها الحال ان شاء الله تعالى (وهي) ان الواجب ينقسم إلى نفسي وغيره والمراد من الاول هو ما كان وجوبه لا لاجل خطاب آخر سواء كان هو بنفسه غرضا اوليا كما في معرفة الله تعالى أو كان سببا توليديا للغرض كما في الالقاء الواجب لاجل الاحراق أو كان علة معدة له فيما إذا لم يمكن تعلق التكليف بنفس الغرض كالمصالح المترتبة على جل الواجبات الشرعية على ما اوضحنا الحال فيه في غير المقام والجامع بين الكل هو ان يكون الغرض من الايجاب التوصل إلى ايجاد متعلقه خارجا من دون ان يكون هناك نظر إلى خطاب آخر ويقابل هذا المعنى من النفسي كل خطاب يكون لاجل خطاب آخر سواء كان ذلك الخطاب مقتضيا له بنفسه من دون احتياج إلى انشاء آخر كما في الخطابات الغيرية المتعلقة بالمقدمات المترشحة من الواجبات النفسية أم لم يكن كذلك بل كان محتاجا إلى جعل آخر كما في موارد الاحتياج إلى جعل المتمم على اختلافها نتيجة (فان) منها ما يكون خطاب المتمم لاجل عدم امكان استيفاء الخطاب لتمام اجزاء الواجب أو شروطه كما في مورد قصد القربة والغسل قبل الفجر في شهر رمضان فإن قصد القربة الذي هو جزء لما يترتب عليه غرض المولى في العبادات

[ 330 ]

أو الطهارة التي هي شرط لصحة الصوم حيث لا يمكن الامر بهما في ضمن الامر بالعبادة أو الصوم فلا بد من الامر بهما بالخصوص تتميما للجعل الاول فالخطاب بهما وان لم يكن خطابا غيريا مترشحا من الخطاب الآخر إلا انه لاجل رعاية الخطاب الآخر وهو الامر بالعبادة أو الصوم فلا محالة لا يكون خطابا نفسيا ناشئا عن تعلق غرض بمتعلقه (ومنها) ما يكون لاجل انه لولاه لزم فوات الواجب لاجل توقفه على مقدمات خارجية دخيلة في القدرة عليه نظير السير في الحج فان زمان الواجب لتأخره وعدم امكان ايجابه فعلا حتى يترشح منه وجوب مقدماته لا بد من ايجاب مقدماته ليتمكن المكلف من ايجاده في ظرفه فلو لم يجب السير قبل وجوب الحج لما وصل المولى إلى غرضه لجواز ترك المقدمة فعلا وعدم تمكن المكلف من امتثال الواجب في ظرفه فيجب السير لا محالة رعاية للتكليف بالحج فيكون واجبا لاجل واجب آخر (ومنها) ما يكون لاجل انه لولاه لما وصل المكلف إلى خطاب المولى حتى ينبعث عنه من دون مدخلية له في القدرة على متعلقه وهذا كوجوب الفحص فإنه لاجل رعاية التكاليف الواقعية وايصالها إلى المكلف من دون مدخلية له في القدرة على متعلقاتها ويلحق بذلك وجوب الاحتياط بل مطلق الطرق والاصول المحرزة ويسمى هذا القسم من المتمم للجعل بالوجوب الطريقي وقد ذكرنا تفصيل الكلام في اقسام المتمم للجعل في مبحث مقدمة الواجب فراجع والغرض من التعرض في المقام انما هو بيان الفارق بينها على اختلافها وبين الواجب النفسي كما عرفت (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان توهم ترتب العقاب على مخالفة وجوب الفحص والتعلم ناشئا عن توهم وجوبهما نفسا كما نسب إلى المحققين المذكورين (قدهما) فقد ظهر فساده وان وجوبهما ليس إلا طريقيا لاجل رعاية الواقع والوصول إليه وان كان لتوهم ان وجوبهما، وان كان طريقيا الا ان مخالفة الخطاب الطريقي توجب العقاب كمخالفة الخطاب النفسي كما نسب إلى المشهور أو الاشهر ففساده اوضح لان الايجاب الطريقي ان كان في موارد الامارات والاصول المحرزة فقد عرفت في بعض مباحث القطع انه ليس المجعول فيها الا جعل الوسطية في الاثبات ونفس صفة المحرزية فحالها حال العلم في انه لا يترتب على مخالفتها عقاب الا عند مصادفتها للواقع على المختار عندنا من عدم استحقاق المتجري للعقاب وان كان في موارد ايجاب الاحتياط أو وجوب الفحص التي لا يخرج الواقع عن مجهوليته في تلك الموارد بايجابهما بل هو على ما هو عليه من المجهولية وغير متصف بصفة

[ 331 ]

المحرزية فمخالفة مثل هذا التكليف الطريقي ما لم يكن مستلزما لمخالفة الواقع لا معنى لكونه موجبا لاستحقاق العقاب ايضا وذلك لما عرفت من ان الغرض من هذا الجعل انما هو تتميم الجعل الاول ورعايته وليس للمولى الا غرض واحد قائم بالواقع فكيف يعقل ان يكون مخالفة ما جعل بعنوان المتممية موجبة لاستحقاق العقاب من دون استلزامها لمخالفة الخطاب الاصلي نعم لو قلنا في موارد الامارات والاصول المحرزة بالسببية والموضوعية لكان للتوهم المذكور مجال واسع لكنك عرفت في محله عدم الدليل عليها مع بعد الالتزام بها في نفسه وعلى تقدير الالتزام بها في موارد الطرق المحرزة فالالتزام في موارد ايجاب الاحتياط أو التعلم ابعد (فإن قلت) أليس مفاد قوله (ع) في الرواية هلا تعلمت ان ترك التعلم هو الذي يوجب استحقاق العقاب بنفسه (قلت) كلا فان مورده هو ما إذا لزم ترك الواقع من ترك التعلم لقوله (ع) أولا هلا علمت فيكون الرواية دليلا على ان العقاب مختص بصورة اداء ترك التعلم إلى ترك الواقع ليس إلا بل يستشم منها ان الموجب للعقاب هو ترك التعلم لكن عند مصادفته لترك الواقع فيكون دليلا على المختار بكلا جزئيه ومع الاغماض عن ذلك فقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان العقاب لا يمكن ان يكون على ترك الواقع لان الواقع على مجهوليته بعد ايجاب الاحتياط فيقبح العقاب على مخالفته لكونه بلا بيان واما ايجاب الاحتياط فهو معلوم للمكلف وواصل إليه فيصح العقاب على مخالفته فيما إذا لزم منه تفويت غرض المولى القائم بالواقع الموجب لجعل المتمم وبعبارة واضحة ايجاب الاحتياط أو التعلم في مورد مصادفتهما للواقع لكونهما مجعولين تتميما له يتحدان معه فالخطاب بهما عين الخطاب بصل وزك فالعقاب على مخالفتهما عين العقاب على مخالفة الواقع ايضا فان شئت قلت العقاب على الواقع بمصححية وجوب التعلم أو الاحتياط وان شئت قلت العقاب على مخالفة الامر الطريقي عند استلزامها لمخالفة الواقع (ثم لا يخفى) عليك الفرق بين وجوب الفحص وبين وجوب المقدمات المفوتة بعد اشتراكهما في كونهما مجعولين تتميما للجعل الاول بأن زمان استحقاق العقاب في المقدمات المفوتة انما هو زمان ترك المقدمة إذ به يكون المكلف عاجزا عن الاتيان بالمأمور به فيسقط التكليف عنه لا محالة فاول زمان يجعل المكلف نفسه عاجزا عن الاتيان بالمأمور به هو اول زمان العصيان وهذا بخلاف ترك الفحص فانه لا يوجب عجز المكلف عن الاتيان بمتعلق التكليف الواقعي في ظرفه بل المكلف على قدرته وربما يتفق له الاتيان به جاهلا بحكمه من باب الاتفاق فلا محالة يكون

[ 332 ]

ظرف العصيان فيه هو زمان ترك الواجب في ظرفه وبدونه لا موجب لتحقق العصيان الموجب لاستحقاق العقاب بناء على المختار من عدم استلزام ترك الفحص بنفسه للعقاب وهذا هو الوجه فيما ذهب إليه المشهور من الفرق بين من صلى في المكان المغصوب جاهلا بحكم الغصب وبين من توسط الارض المغصوبة فصلى في حال الخروج فحكموا ببطلان صلاة الاول معللين بأن الجاهل بالحكم عن تقصير كالعالم به وبصحة صلاة الثاني مع انه كان مقصرا بدخوله فيها ايضا فإنه مبني على ما ذكرناه من ان زمان العصيان في الجاهل هو زمان فوت الواقع إذ عليه يكون زمان صلاته هو زمان فعلية النهي عن الغصب فيبطل الصلاة وهذا بخلاف المتوسط فإن زمان عصيانه إنما هو زمان دخوله وبعده صار عاجزا عن ترك الغصب فيسقط النهي عنه فكانت الصلاة لوقوعها في زمان سقوط النهي وعدم فعليته صحيحة (الثالثة) في ان المناط في عمل الجاهل المقصر من حيث الصحة والفساد هل هو موافقته للواقع ومخالفته له مع قطع النظر عن الموافقة والمخالفة للطريق الذي كان من حقه الرجوع إليه على تقدير الفحص أو المناط فيه هو موافقة ذلك الطريق ومخالفته مع قطع النظر عن الواقع موافقة ومخالفة أو الصحة تدور مدار موافقتهما معا وجوه اقواها وأنسبها بأصول المخطئة هو الاول وذلك لما عرفت في بحث حجية الطرق من انها لا توجب انقلابا في الواقعيات أصلا وان معنى الحجية ليس إلا جعل مرتبة من العلم الطريقي الموجب لتنجز الواقع عند الاصابة والعذر عنه عند الخطأ مع استناد المكلف إليه فلو كان لموافقة الطريق ومخالفته دخل في صحة العمل وفساده للزم من ذلك انقلاب الواقع عما هو عليه إلى مؤدى ذلك الطريق وهو مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه ويترتب على ذلك ان الميزان في صحة عمل الجاهل عبادة كانت مع تمشي قصد القربة أم غير عبادي إنما هو موافقته للطريق الذي يجب عليه الرجوع إليه فعلا من اجتهاد أو تقليد سواء وافق الطريق الذي كان يجب عليه الرجوع إليه حال عمله أم خالفه لا لان موافقة الطريق الفعلي لها موضوعية في الصحة بل لان المدار في الصحة على موافقة الواقع والطريق الفعلي محرز للواقع وطريق إليه فمن حيث ان موافقته موافقة الواقع يكون المدار على موافقته بل قد عرفت في بحث الاجزاء ان مقتضى القاعدة الاولية هو لزوم اعادة كل عمل خالف الطريق اللاحق اجتهادا كان أو تقليدا ولزوم البناء عليه في المعاملات والعبادات إلا ان الاجماع قام على عدم وجوب الاعادة والقضاء في خصوص الواجبات التكليفية فثبت فيها الاجزاء على خلاف القاعدة ويبقى غيرها تحت

[ 333 ]

القاعدة الاولية من لزوم مراعاة الواقع وعدم افادة الموافقة للطريق السابق إلا المعذورية مع الاستناد إليه لا مطلقا حتى إذا كانت اتفاقية كما في موارد موافقة عمل الجاهل المقصر له مع فرض مخالفة الواقع والحاصل ان مقتضى القاعدة الاولية هو رعاية الطريق الفعلي والغاء موافقة الطريق السابق مطلقا إلا ان الاجماع قام على عدم وجوب الاعادة والقضاء مع الاستناد إلى طريق شرعي سابقا فيما كان مخالفا للطريق الفعلي فيخرج معقده عن عموم القاعدة ويبقى بقية الموارد منها عمل الجاهل المقصر تحتها وقد ذكرنا في بحث الاجزاء ما ينفعك في المقام فراجع (ثم ان العقاب في الجاهل المقصر) هل هو كصحة عمله يدور مدار الواقع ولو لم يكن هناك طريق يوصل إليه لو تفحص عنه أم يدور مدار مخالفة ذلك الطريق أو على مخالفة احدهما ولو لم يخالف الآخر أو على مخالفتهما معا وجوه والظاهر هو الاول فلو خالف عمله للواقع لاستحق العقاب ولو مع موافقته للطريق الذي لو تفحص عنه لظفر به كما انه لو وافق الواقع لما استحق العقاب ولو مع مخالفته للطريق كذلك إلا على القول باستحقاق المتجري له لنا على الاول انه خالف الواقع من دون مؤمن ومجرد مطابقة العمل لطريق قام على خلاف الواقع لا يكون مؤمنا من دون استناد إليه كما هو ظاهر (فان قلت) نعم إلا ان الواقع الذي لا يصل إليه العبد ولو بالفحص كما هو المفروض كيف يكون منجزا عليه مع ان وجوب الفحص لم يكن إلا طريقيا لايصال الواقع ومع فرض عدم امكان الوصول إليه لا يكون مخالفة مثل هذا الحكم الطريقي موجبة لاستحقاق العقاب كما هو ظاهر وعلى ذلك لا بد وان يكون الملاك في استحقاق العقاب هو مخالفة الواقع مع وجود طريق موصل إليه على تقدير الفحص فيكون المدار على مخالفتهما (قلت) لو كان المنجز للاحكام الواقعية منحصرا بأدلة وجوب الفحص لكان للتوهم المذكور مجال واسع ولكن الامر ليس كذلك إذ العلم الاجمالي بوجود تكاليف وجوبية أو تحريمية أوجب تنجز الاحكام الواقعية ولزوم الاحتياط فيها غاية الامر ان الفحص وعدم الظفر بدليل الحكم فضلا عن الظفر بدليل دل على عدمه كان موجبا لمعذورية المكلف في مخالفته وسقوط اثر العلم الاجمالي في ذلك المورد فمقتضى العلم الاجمالي لم يكن هو الفحص ابتداء حتى يتوهم اختصاصه بما إذا أمكن للمكلف الوصول إلى الحكم الواقعي لوجود دليل عليه في الكتب المعتبرة بل مقتضاه هو الاحتياط وتنجز تمام الاحكام الواقعية ولكن إذا تفحص المكلف عنها ولم يظفر بدليل أو ظفر بما يدل على العدم فاستند في الارتكاب إلى حكم عقلي أو دليل شرعي يكون

[ 334 ]

معذورا في مخالفة الواقع وأين ذلك من فرض عدم الاستناد كما هو محل الكلام في المقام (فإن قلت) ان ما ذكرت من استحقاق العقاب ولو في فرض موافقته الطريق اتفاقا إنما يتم على القول بالطريقية المحضة واما على القول بالمصلحة السلوكية في موارد الطرق كما التزمتم بها في مباحث حجية الطريق فالمصلحة الفائتة بترك الواقع إذا كانت متداركة بموافقة الطريق فلا موجب لاستحقاق العقاب كما هو ظاهر (قلت) المصحلة السلوكية على ما عرفت متقومة بسلوك الطريق وتطبيق العمل عليه على انه هو الواقع وهذا لا يتحقق إلا مع العلم بالطريق والاستناد إليه وإلا فوجود الطريق في الواقع لا يوجب حدوث مصلحة في الفعل حتى يتدارك بها المصلحة الفائتة إلا على القول بالتصويب المجمع على بطلانه ولنا على الثاني انه مع موافقة الواقع وعدم انقلابه عما هو عليه وعدم حدوث ما يغير حكمه بقيام الامارة على خلافه لا موجب لاستحقاق العقاب إلا على القول باستحقاق المتجري له وهو ممنوع كما عرفت في محله (وتوهم) ان مخالفة الطريق مستلزمة لفوات المصلحة السلوكية الثابتة في موارد الطرق فتكون موجبة لاستحقاق العقاب ولو مع موافقة الواقع مدفوع اولا بما عرفت من ان المصلحة السلوكية إنما هي متقومة بالسلوك المتقوم بالعلم وتطبيق العمل على طبق الطريق بما انه هو الواقع وإلا فليس في نفس مؤدي الامارة مصلحة فائتة من الجاهل حتى يصح العقاب بفوتها (وثانيا) ان محل الكلام هو صورة موافقة الواقع ومخالفة الطريق والمصلحة السلوكية التي نلتزم بها انما تتصور فيما إذا وافق الطريق وخالف الواقع واما في فرض المقام فأي مصلحة في الواقع فائتة حتى يتدارك بموافقة الطريق فتلخص مما ذكرناه ان كون المدار في صحة العقاب على مخالفة الطريق الذي لو تفحص عنه لظفر به لا يصلح على مذهب المخطئة أصلا واما كون المدار فيها على مخالفتهما معا فقد ظهر وجهه مما ذكرناه من توهم عدم تنجز الواقع مع عدم قيام طريق موصل إليه وقد عرفت جوابه وانه إنما يصح بناء على انحصار المنجز في حكم العقل أو الشرع بوجوب الفحص واما بناء على كون المنجز هو العلم الاجمالي فلا وأما كون المدار فيها على مخالفة الواقع أو الطريق فهو مبني على ان مخالفة الواقع بنفسه توجب استحقاق العقاب ما لم يتدارك بسلوك الطريق القائم على مخالفتة كما ان مخالفة الطريق بنفسه لاشتماله على المصلحة السلوكية توجب استحقاق العقوبة لفوات تلك المصلحة على المكلف وقد عرفت جواب ذلك آنفا فتحصل ان المناط في العقاب بعينه هو المناط في الصحة في دورانها مدار الواقع وعدمه (الرابعة) انه بعد ما ثبت دوران العقاب وعدمه كالصحة والفساد

[ 335 ]

مدار مخالفة الواقع وعدمها فربما يقع الاشكال في بعض المسائل الفقهية المسلمة بين الفقهاء (منها) مسألة الجهر والاخفات حيث افتى الفقهاء بصحة كل منهما في موضع الآخر جهلا كما هو المنصوص في بعض الروايات مع انه لا اشكال عندهم في استحقاق العقاب مع المخالفة فكيف يجتمع استحقاق العقاب المتوقف على مخالفة الواقع مع الصحة المتوقفة على موافقته (ومنها) صحة الاتمام في موضع القصر مطلقا على ما هو المسلم عليه بينهم والاتمام في موضع القصر في بعض الفروع كما إذا صلى المقيم عشرا قصرا جهلا منه بالحكم على ما افتى به بعضهم فكيف يمكن القول بصحة العمل وعدم وجوب الاعادة كما هو المسلم عندهم في الفرض الاول مع الالتزام باستحقاق العقاب وقد اجيب عن الاشكال بوجوه (منها) ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) (وحاصله) انه يمكن ان يكون بحسب مقام الثبوت كل من الجهر والاخفات حين الجهل بوجوب الآخر مشتملا على مصلحة ملزمة في حد ذاته مضادة في الاستيفاء للمصلحة الثابتة الكاملة اللازمة في الآخر فحيث ان الجهر مثلا مشتمل على زيادة لازمة الاستيفاء فيستحق تاركه العقاب بتفويته حال الجهل عن تقصير وحيث ان الاخفات مثلا مشتمل على المصلحة الملزمة حال الجهل في حد نفسه فقد حكم بصحته في هذا الحال (وفيه اولا) ان المصلحة الزائدة الكائنة في الجهر مثلا على المصحلة الثابتة في الاخفات الموجبة لاختصاص الامر به مع صحة الاخفات ايضا كما هو مفروض كلامه اما ان تكون مصلحة ملزمة وبالغة إلى مرتبة اللزوم بحيث كانت بنفسها صالحة لان تكون ملاك الوجوب واما لا تكون كذلك بل تكون مزية زائدة في ملاك الوجوب فعلى الاول ينحصر الامر بكونه حينئذ واجبا في واجب الفروض في المقام خلافه إذ المفروض قيدية الجهر للواجب ملاكا وخطابا والا فلا بد من القول بتعدد العقاب على تقدير ترك الصلاة رأسا كما إذا نذر المكلف ايقاع صلاته الواجبة في المسجد وفرضنا تركه لاصل الصلاة رأسا وعلى الثاني فلا موجب لاختصاص الامر الوجوبي بمورده بل غايته كون المشتمل عليه من قبيل الفرد الكامل وافضل الافراد فلا موجب للعقاب عند مخالفته (وثانيا) ان ما افاده في وجه استحقاق العقاب مع التمكن من الاعادة من عدم القدرة على استيفاء الملاك الاهم لتضاد الملاكين غير سديد فإنه انما يتم بناء على كون الجهر واجبا في واجب وقد عرفت انه خلاف المفروض مع انه ينافيه قوله (ع) تمت صلاته إذ مع عدم اشتماله الصلاة الاخفاتي على تمام الملاك الملزم كيف يصح القول بانه تمت صلاته (والحاصل)

[ 336 ]

ان ما افاده (قده) انما يتم على تقدير كون الجهر واجبا في واجب وهو خلاف المفروض من انه قيد في اصل الواجب (ثم ان ما افاده العلامة الانصاري) (قده) في المقام حيث ان عبارته غير سليمة عن الاشكال فان اراد به ما يرجع إليه جواب المحقق المذكور (قده) فيرد عليه ما اوردنا عليه بعينه وان اراد غيره فلا نتعقل له معنى محصلا حتى نتعرض لصحته وسقمه (وربما يجاب عن الاشكال) بالالتزام بالترتب وان الصلاة الجهرية أو الاخفاتية تكون مأمورا بها مع عصيان الامر الآخر في ظرف الجهل وكذلك الامر في الاتمام في موضع القصر فالعقاب من جهة عصيان المأمور به واقعا والصحة من جهة الامر بما اتى به في ظرف العصيان نظير صحة الصلاة مع عصيان الامر بالازالة وهذا الجواب منسوب إلى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قده) وقد اشكل عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) بما حاصله بانا لا نعقل الترتب الا بان يكون احد الامرين بعد عصيان الامر الآخر بالمعنى المضي حتى يكون الامر الاول ساقطا في زمان حدوثه كما في الامر بالتيمم الحادث بعد عصيان الامر بالوضوء باراقة الماء اختيارا في الوقت مع العلم بعدم التمكن من تحصيله واما مع بقاء الامر الاول وعدم سقوطه فلا يعقل الامر الثاني المترتب عليه عصيانه وكأنه (قده) يرى لزوم كون الشرائط سابقة على المشروط بحسب الزمان وهذا بظاهره غير صحيح إذ كثيرا ما يكون الشرط سواء كان هو العصيان أو غيره مقارنا للمشروط خارجا وان كان متقدما عليه في الرتبة (والتحقيق في المقام) ان يقال ان صحة ترتب احد الامرين على عصيان الآخر وان كان بمكان من الوضوح كما بيناه في محله إلا انه لا يمكن تصحيح العبادة في المقام به فان ترتب احد الخطابين على عصيان الآخر انما يعقل في مقام فعلية الخطابين وتزاحمهما من حيث عدم القدرة على ايجاد متعلقهما وهذا هو الغالب أو من حيث عدم امكان استيفاء ملاكيهما مع القدرة على ايجاد نفس المتعلقين كما إذا كان المالك للابل مالكا لخمسة وعشرين ابلا ستة اشهر ثم ملك ابلا آخر فبعد اكمال السنة يكون خطاب وجوب اداء خمسة شياة التي هي زكاة خمسة وعشرين متزاحما مع وجوب اداء زكاة ستة وعشرين مشروطا بمضي ستة اشهر اخرى بعد الاجماع على ان المال الواحد لا يزكى في السنة مرتين واما بحسب مقام التشريع وجعل احد الخطابين مترتبا على عصيان الآخر ولو جهلا فهو غير معقول إذ الخطاب المأخوذ في موضوعه العصيان الناشئ عن الجهل يستحيل ان يكون محركا وباعثا للمكلف على العمل لان الباعثية والمحركية فرع الالتفات إلى دخول المكلف

[ 337 ]

في موضوع التكليف وهو في المقام مستحيل إذ الالتفات إلى ذلك يوجب انقلاب الموضوع وعلم المكلف بما هو وظيفته الفعلية وهذا نظير ما ذكرناه من استحالة توجيه الخطاب إلى الناسي الموجب لارتفاع الموضوع بالالتفات إليه هذا مع ان عصيان الخطاب في المقام لكونه وجوبا موسعا انما يكون بانقضاء تمام الوقت وترك الواجب فيه فتركه في جزء منه لا يكون عصيانا له حتى يؤخذ في موضوع خطاب آخر فينحصر الجواب على ذلك بما إذا صلى جهرا مثلا في اخر الوقت مع كون تكليفه الاخفات مع ان المشهور المتسالم عليه هو صحة الصلاة مطلقا حتى إذا كان في اول الوقت أو في اثنائه فيكون التوجيه اخص من المدعى على انا ذكرنا محله ان الخطاب الترتبي وان كان ممكنا الا انه نحتاج في اثبات وقوعه إلى دليل يدل عليه الا في خصوص موارد التزاحم الناشئ عن عدم القدرة على ايجاد متعلقي الامرين فان اطلاق الدليل هناك كاف في وقوع الترتب كما اوضحناه في محله ففي مثل المقام لو فرض كون الترتب ممكنا الا انه لا دليل عليه في مقام الاثبات والادلة الدالة على صحة الصلاة لا تدل على ان الصحة لاجل الترتب واخذ عنوان عصيان احد الخطابين موضوعا للخطاب الآخر فاتضح عدم صحة الالتزام بالترتب في مقام الثبوت من جهتين وفي مقام الاثبات من جهة واحدة والتحقيق في الجواب يستدعي بسطا في الكلام (فنقول) ان الاشكال في المقام يبتني على مقدمتين (احديهما) صحة ما اتى به من الجهر في موضع الاخفات أو العكس أو الاتمام في موضع القصر حتى يستكشف بنحو الان عن تعلق الامر به في هذا الحال (وثانيهما) استحقاق العقاب على ترك الامر الكاشف عن عصيان امره اما المقدمة الاولى فلا مناص عن الالتزام بها على ما هو المتسالم عليه بين الاصحاب وقد دلت عليه الروايات واما المقدمة الثانية فللمنع عنها مجال واسع ضرورة ان استحقاق العقاب في المقام ليس مما استقل به العقل والاجماع المدعى في كلام جماعة لا يكون حجة في المقام ما لم يكشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم عليه السلام ضرورة انه لو فرضنا كونه اتفاقيا ومتسالما عليه بينهم لا يكون بكاشف عن رأي المعصوم لان استحقاق العقاب ليس من الامور التعبدية التي يكتفى فيها بالاجماع بل هو من الامور العقلية فمن الممكن استناد المجمعين فيه إلى امر غير مسلم عندنا ومن الواضح انه مع انكار هذه المقدمة لا يبقى للاشكال المذكور موضوع اصلا ثم على تقدير تسليم استحقاق العقاب الكاشف عن عصيان الامر فلا بد من افراد كل واحد من موارد الاشكال بحياله والتعرض لجوابه (فنقول) موارد

[ 338 ]

الاشكال على ما عرفت ثلاثة (الاول) الجهر في موضع الاخفات وبالعكس المتسالم على صحته بين الاصحاب (الثاني) القصر فيما إذا كان المكلف قاصدا للاقامة وكان جاهلا بوجوب الاتمام عليه على ما ورد في رواية صحيحة من صحة صلاته وعدم وجوب الاعادة عليه لكنها غير معمول بها عند الاصحاب (الثالث) الاتمام في موضع القصر لمن لم يبلغه حكم وجوب القصر على ما هو المتسالم عليه بينهم ايضا (اما المورد الاول) فتحقيق الجواب فيه ان يقال ان وجوب الجهر أو الاخفات في الصلاة يمكن ان يكون في مقام الثبوت بنحو التقييد بحيث لا يكون هناك الا ملاك واحد ملزم مترتب على المقيد بما هو كذلك ويمكن ان يكون بنحو الواجب في واجب بان يكون اصل الصلاة واجبة واجهارها أو اخفاتها يكون واجبا اخر نظير الصلاة الواجبة المنذور ايقاعها في المسجد مثلا ويمكن ان يكون فيه كلا الجهتين جهة التقييد وجهة الواجب في واجب الموجب لاندكاك الجهة الثانية في الاولى فانه متى كان هناك جهة التقيد فلا محالة يكون التكليف الفعلي على طبقها ويندك الجهة الاخرى فيها نظير اندكاك جهة الاستحباب في الوجوب هذا بحسب مقام الثبوت واما بحسب مقام الاثبات فحيث فرض صحة الصلاة الجهرية مثلا مع الجهل بوجوب الاخفات فلا محالة يكشف ذلك عن مطلوبيتها من غير تقيد بكونها اخفاتية في هذا الحال وحيث فرض استحقاق العقاب على ترك الاخفات فيكشف ذلك عن مطلوبيته لا محالة بنحو الواجب في الواجب وحيث فرض عدم الصحة مع العلم بوجوب الاخفات فيكشف ذلك عن وجود ملاك التقييد في حال العلم الموجب لاند كاك جهة الواجب في الواجب فيه واما (المورد الثاني) وهو القصر في موضع وجوب الاتمام فعلى تقدير القول به فهو لاجل ان الركعتين الاخيرتين اللتين هما من فرض النبي صلى الله عليه وآله يمكن ان يكون بنحو الواجب في الواجب مع وجود ملاك التقييد حال العلم بوجوبها فيكون نظير المورد الاول في الجواب من ان صحة القصر حال الجهل لكونه واجبا في هذا الحال بنفسه والعصيان لوجوب الركعتين الاخيرتين كذلك وعدم الصحة حال العلم لوجود ملاك التقييد الموجب لاندكاك ملاك الواجب في الواجب فيه وتوضيح ذلك ان الركعتين الاخيرتين حيث انهما بفرض النبي صلى الله عليه وآله كما هو المستفاد من روايات كثيرة فلا بد وان يكون بملاك اخر والاصل في كل ما كان كذلك ان يكون بنحو الواجب في الواجب كما إذا نذر ايقاع الصلاة الواجبة في المسجد حيث ان الوجوب الناشئ من قبل النذر لا يوجب تقيد الواجب بكونه في المسجد بحيث لا يصح

[ 339 ]

في غيرها وانما غايته ان يكون الايقاع في المسجد واجبا آخر نعم ربما يكون الواجب بملاك اخر موجبا للتقييد ايضا كوجوب الجمعة تعيينا يوم الجمعة إذا عقدها من له الولاية على ذلك فان المستفاد من الاخبار الكثيرة ان الواجب يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة تخييرا الا انه إذا عقدها من له الولاية على ذلك يجب تعيينا بملاك عارضي موجب للتقييد بحيث لا يصح صلاة الظهر الا إذا تمت الجمعة أو خرج وقتها فإذا كان الاصل في الركعتين الاخيرتين ان يكون بنحو الواجب في الواجب فمقتضى القاعدة هو صحة صلاة القصر حتى في حال العلم بوجوب لاتمام الا ان الاجماع قام على كون الركعتين الاخيرتين في حال العلم بنحو التقييد فيكون صحة القصر وصحة العقاب على ترك الركعتين حال الجهل وعدم صحتها حال العلم بوجوب الاتمام على القاعدة ولا مانع من كون الواجب بملاك اخر في حال موجبا للتقييد وفي حال آخر غير موجب لذلك (واما المورد الثالث) وهو الاتمام في موضع القصر المتسالم على صحته بين الاصحاب فان قلنا فيه بصحة القصر مع الجهل إذا وقع غفلة أو اشتباها ممن يعتقد وجوب الاتمام كما هو الظاهر إذ من البعيد غايته ايجاب اعادة الصلاة عليه تماما لو لم نقل باستحالته لاجل استحالة خطاب الجاهل بالحكم بهذا العنوان كما في خطاب الناسي بل يبعد الاعادة بعد انكشاف الحال والعلم بالحكم ايضا إذ لا معنى لايجاب اعادة الصلاة قصرا لمن صلاها كذلك مع تمشي قصد القربة منه فلا ريب ان صحة كل من صلاة القصر والتمام حال الجهل يكشف عن كونه مأمورا به في هذا الحال فلا محالة يكون الامر بكل منهما تخييريا ونستكشف من صحة العقاب ان عدم ضم فرض النبي صلى الله عليه وآله إلى فرض الله وان شئت قلت وقوع التسليمة في الركعة الثانية واجب آخر يصح العقاب على تركه وينقلب هذا الواجب حال العلم بالحكم إلى كونه قيدا للواجب للاجماع على عدم صحة الاتمام حال العلم بالحكم وعلى ذلك يتحد المسائل الثلاث في الجواب من جهة وهو الالتزام بكون الجهر أو الاخفات أو ضم فرض النبي صلى الله عليه وآله إلى فرض الله أو وقوع التسليمة في الركعة الثانية واجبا مستقلا حال الجهل وقيدا للواجب حال العلم بالحكم الا انه يفترق مسألة الجهر والاخفات من غيرها بامكان تصوير التكليف بالقدر المشترك بين الجهر والاخفات فيها دون غيرها والا فملاك الجواب واحد في الجميع هذا كله إذا قلنا بصحة الصلاة قصرا عن الجاهل غفلة أو اشتباها مع تمشي قصد القربة منه واما لو لم نقل بذلك فلا محالة يكشف ذلك عن تعين الامر بالتمام حال الجهل ولدعوى عدم استحقاق العقاب في هذا

[ 340 ]

الفرض وان سلم في غيره مجال واسع هذا تمام الكلام فيما اردنا التعرض له في هذا المقام * (بقي هناك امور) * (الاول) انك قد عرفت فيما مر ان الشبهات الموضوعية تحريمية كانت أو وجوبية لا يجب فيها الفحص في الجملة ويظهر من كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) عدم وجوب الفحص في الشبهات التحريمية مطلقا ولكن الظاهر عدم التزام الاصحاب بذلك في تمام الموارد بل التزموا بوجوبه في بعض الموارد كما في موارد الشبهة في تحريم النكاح من جهة النسب أو الرضاع وقد عرفت ايضا ان المراد من الفحص الساقط وجوبه هو تحصيل مقدمات العلم واما اعمال القوة المدركة مع حصول المقدمات بنفسها بحيث لا يحتاج فعلية العلم الا على النظر فالظاهر وجوبه بل قد عرفت انه كلما يتوقف فعلية العلم بالتكليف في العادة عليه فلا محالة يكون واجبا وان كان داخلا في الفحص وكان خارجا عن عنوان النظر ومن هنا يظهر وجه فتوى الاصحاب بوجوب الحساب على من يحتمل بلوغ ماله النصاب أو الاستطاعة اما لان ذلك خارج عن عنوان الفحص وداخل في موضوع النظر الواجب في تمام الموارد واما لان طبع التكليف في هذه الموارد يقتضى هذا المقدار من الفحص فيجب لا محالة بل لو انكرنا وجوب الفحص في الشبهات الحكمية لكان القول بوجوب الرجوع إلى مدرك الحكم في كتابي الوسائل والوافي الجامعين لاخبار كل مسألة مسألة بعنوانها بمكان من القوة إذ لا يبعد ان يكون ذلك داخلا في عنوان اعمال القوة المدركة بعد حضور المقدمات لا في عنوان الفحص وكيف كان فقد عرفت انه لا ريب في وجوب الرجوع إلى المدرك في الشبهات الحكمية (الثاني) ان مقدار الفحص اللازم في الشبهات الحكمية انما هو ما يحصل عنه الاطمئنان وسكون النفس بعدم الدليل على الحكم كما هو الميزان في باب الفحص عن المخصصات والمقيدات بل مطلق المعارضات ايضا واما مجرد الظن من دون حصول اليأس فلا دليل على الاكتفاء به كما انه لا دليل على اعتبار خصوص القطع بعد ما كانت هذه المرتبة من الاطمينان حجة عقلائية ما لم يثبت اعتبار امارة خاصة من بينة وغيرها في خصوص مورد مخصوص ولا يبعد ان يكون مراد من اعتبر خصوص العلم ما يشمل هذه المرتبة من الاطمئنان إذ يطلق عليها العلم في العادة ولا يعتنى باحتمال الخلاف الموجود في بعض اصقاع النفس مع عدم الالتفات إليه الموجب لسكون النفس في غير النفوس الوسواسية وكيف كان فلا اشكال في الاكتفاء باطمئنان العدم في مقدار الفحص اللازم كما انه لا اشكال في حصوله بمراجعة الباب المعد للمسألة المبحوث عنها كما في كتابي

[ 341 ]

الوسائل والوافي إذا كانت المسألة معنونة في كتاب الشرائع فان عناوين كتاب الوسائل على طبق المسائل المذكورة فيه واما إذا لم تكن المسألة معنونة فيه فتحصيل الاطمئنان بالعدم لا يخلو من اشكال وربما يختلف حصوله باختلاف الموارد والمتبع في ذلك هو نظر الفقيه (الثالث) انه ذكر الفاضل التوني (قده) لاصالة البراءة شرطين آخرين (احدهما) ان لا يكون جريانه مستلزما لتضرر مسلم (الثاني) ان لا يكون مثبتا لحكم آخر (اما الشرط الاول) فلم نعرف لاعتباره وجها في المقام إذ دليل نفي الضرر يتقدم بالحكومة على اقوى الامارات فضلا عن الاصول لا سيما مثل اصالة البراءة التي هي من الاصول الغير المحرزة واما (الشرط الثاني) فتفصيل الكلام فيه هو ان اصالة البراءة عقلية وشرعية كما عرفت سابقا لا يترتب عليها الا المعذورية وعدم تنجز الحكم الواقعي لو كان في موردها وان كان بين العقلية والشرعية فرق من جهة اخرى وهي ان الوظيفة الشرعية انما هو الترخيص لا الحكم بعدم استحقاق العقاب وانما يثبت عدم الاستحقاق بالتبع والملازمة وهذا بخلاف حكم العقل فان ادراكه انما يتعلق بعدم الاستحقاق وهو الذي يستقل به ويلزمه الترخيص في العمل بالتبع والا فالترخيص ليس من شأن العقل ومدركاته وعلى ذلك فنقول ان الحكم الشرعي الممنوع ثبوته بجريان اصالة البراءة اما ان يكون بنحو الملازمة بينه وبين عدم الحكم في مورد الاصل كوجوب صلاة الجمعة الملازم لعدم وجوب الظهر واما ان يكون بنحو دخل عدم ذاك الحكم في ثبوته اما من جهة مزاحمتها في مقام الفعلية كعدم وجوب الازالة الدخيل في وجوب الصلاة مثلا واما من جهة دخله فيه شرعا وعلى الثاني فاما ان يكون العدم الدخيل هو العدم الواقعي أو العدم في مقام التنجز بان يكون عدم تنجز حكم دخيلا شرعا في ثبوت حكم اخر كما إذا فرضنا ان عدم التكليف المالي بالنحو الاول أو الثاني دخيل في وجوب الحج شرعا لتوقفه على الاستطاعة المتوقف عليه فهذه شقوق اربعة (اما الشق الاول) فلا ريب فيه ان جريان اصالة البراءة في مورد لا يثبت حكما آخر ملازما لعدم الحكم في مورده إذ الثابت باصالة البراءة ليس الا المعذورية فقط فكيف يثبت بها ما يلازم عدم الحكم واقعا بل ستعرف في بحث الاستصحاب انشاء الله تعالى انه مع كونه اقوى الاصول وله جهة نظر إلى الواقع ولذا كان من الاصول المحرزة لا يثبت به اللوازم والملزومات فكيف بالاصل الغير المحرز (واما الشق الثاني) فلا اشكال في جواز الاكتفاء باصالة البراءة فيه فان كان حكم يكون مزاحما للاخر وشاغلا مولويا عنه انما هو

[ 342 ]

باعتبار شاغليته لمتعلقه فإذا فرضنا عدم تنجزه للمكلف لعدم وصوله ومعذوريته في مخالفته فكيف يمنع عن فعلية الحكم الآخر ويكون مزاحما له مثلا إذا شككنا في تنجس المسجد فعدم تنجز التكليف بازالة النجاسة يوجب فعلية التكليف بالصلاة لمقدوريته حينئذ فكيف يمكن ان يقال ان جريان البراءة في المقام مشروط بعدم اثباته لحكم آخر (واما الشق الثالث) فيفرق فيه بين الاصول التنزيلية وغيرها فان كان الاصل النافي من الاصول المحرزة كالاستصحاب فحيث انه يحرز به العدم حال الشك فلا محالة يترتب عليه احكامه الشرعية ولو من جهة احراز بعض الموضوع بالاصل والآخر بالوجدان وان لم يكن كذلك بل كان اصلا غير محرز كاصالة البراءة الغير المترتب عليها الا المعذورية وعدم تنجز التكليف فحيث انه لا يحرز بها الواقع حتى في ظرف الشك فلا محالة لا يترتب عليه احكامه (واما الشق الرابع) فالاصل الغير المحرز يشترك فيه مع المحرز في جواز الاكتفاء به في ثبوت حكم آخر إذ المفروض احراز الموضوع وهو عدم الحكم بوجوده التنجزي بكل منهما على حد سواء * (المبحث الرابع في الاستصحاب) * ولا بد لنا في تنقيحه من تقديم مقدمات (الاولى) في بيان تعريفه وقد عرف بتعاريف كثيرة لا ينبغي التعرض لها ولما يرد عليها إلا بنحو الاشارة إذ قل ما يوجد في الكتب العلمية تعريف حقيقي يكون جامعا ومانعا من كل الجهات وليعلم قبل ذلك ان البحث عن الحجية قد يكون بمعنى ان موضوع الحجية أمر موجود خارجي مفروغ عن وجوده فيبحث عن حجيته كالبحث عن حجية خبر الواحد والشهرة ونحوهما وقد يكون بمعنى ان موضوع الحجية أمر لو كان موجودا لكان حجة لا محالة فالبحث عن حجيته بحث عن اصل وجوده لعدم امكان التفكيك بينهما خارجا وهذا كالبحث عن حجية المفاهيم ونحوها فان المفهوم على تقدير وجوده ودلالة اللفظ عليه يكون حجة كالمنطوق لا محالة فالبحث عن حجيته بحث عن اصل وجوده في الحقيقة واما البحث عن حجية الاصل العلمي كالاستصحاب فلا يكون ملحقا لا بالقسم الاول وهو واضح ضرورة ان الاصل العلمي ليس الا عبارة عن تعبد الشارع باحد طرفي الشك تعيينا أو تخيير أو هو ليس مفروض الوجود في ظرف الشك حتى يبحث عن حجيته ولا بالقسم الثاني وان كان اقرب إليه إذ موضوع الحجية فيه كدلالة اللفظ على المفهوم امر مغاير للحجية مصداقا وان كان لا ينفك عنها خارجا وان امكن التفكيك بينهما عقلا وهذا بخلاف البحث عن الحجية في الاصول العملية فان الحجية فيها عين التعبد الشرعي وغير قابل للتفكيك عنه ولو عقلا

[ 343 ]

(إذا عرفت) ذلك (فنقول) الظاهر ان الاستصحاب إلى زمان والد الشيخ البهائي (قدهما) كان معدودا من جملة الامارات الكاشفة عن الواقع وعليه فتعريفه بكون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق من احسن التعاريف إذ ما هو موجب للظن بالبقاء وكاشف عنه هو ذلك ولا يرد عليه ما اورده شيخنا العلامة الانصاري (قده) من انه مورد للاستصحاب لا نفسه ضرورة انه بناء على اماريته ليس هناك ما يكون كاشفا عن الواقع غير ذلك والظاهر ان ايراده (قده) مبني على جعل الاستصحاب من الاصول العملية كما هو الصحيح ولكن التعريف المذكور مبني على جعله من الامارات (واما ما اورده قده) عليه بعد توجيهه بما حاصله ان الاستصحاب اما ان يؤخذ من العقل أو من السنة وعلى كل حال ليس الاستصحاب الا حكم العقل أو الشرع ببقاء ما كان وكون الشئ متيقنا سابقا مشكوكا لاحقا مورد للاستصحاب لا نفسه (فيرد عليه) ان كون الاستصحاب بنفسه من الاحكام العقلية لا معنى له بل غاية الامر حكم العقل بحجية الظن الحاصل من الاستصحاب أو كونه مفيدا للظن وعلى كل حال لا يكون الاستصحاب الا ما يفيد الظن ليس الا وقد عرفت انه ليس الا كون شئ متيقنا سابقا ومشكوكا لاحقا واما ما جعله (قده) اخصر التعاريف وأسدها وهو ابقاء ما كان فهو وان كان اخصرها الا انه ليس بسديد لان ظاهر الابقاء انه فعل اختياري للمكلف ومن الواضح ان الاستصحاب حكم شرعي اجنبي عن فعل المكلف بالكلية ولو سلمنا ان الابقاء عبارة عن حكم الشارع بالبقاء لا فعل المكلف لكن ظاهره هو حكم الشارع ببقاء نفس ما كان وهذا ايضا اجنبي عن الاستصحاب لان الحكم الشرعي في باب الاستصحاب متعلق ببقاء الاحراز السابق وعدم نقضه من حيث الجري العملي على ما هو مقتضى كونه اصلا عمليا واين ذلك من حكمه ببقاء نفس ما كان واقعا ولو في ظرف الشك الذي هو مفاد الامارة لا الاصل وعلى ذلك فالاحسن تعريفه على المختار من اخذه من الاخبار بالحكم الشرعي ببقاء الاحراز السابق من حيث اثره وهو الجري العملي على طبقه فيكون في التعريف اشارة إلى افتراقه عن بقية الاصول العملية بكونه محرزا دونها والى افتراقه عن الامارت فان المجعول فيها هو المحرزية للواقع بمعنى جعل فرد آخر للقطع تشريعا وهذا بخلافه فيه فان المجعول فيه هو المحرزية من حيث الجري العملي لا من حيث ثبوت الواقع وقد اشرنا إلى ذلك في اوائل مباحث القطع وسيأتي التعرض له في بحث الاصل المثبت ان شاء الله تعالى وسيأتي التعرض

[ 344 ]

لخروج قاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع بل موارد الشك في المقتضي التي لا نقول بجريان الاستصحاب فيها عن التعريف المذكور ان شاء الله تعالى (الثانية) في بيان ان الاستصحاب هل هو من المسائل الاصولية أو الفقهية أو القواعد الفقهية أو التفصيل بين البحث عن جريانه في الشبهات الحكمية والبحث عن جريانه في الشبهات الموضوعية (لا اشكال) في ان الملاك في كون المسألة فقهية سواء كان من مسائلها الشخصية أو قواعدها هو كون محمول المسألة من عوارض فعل المكلف بلا واسطة بحيث لو ضم إليها صغراها انتج نتيجة شخصية اما بقياس واحد كما في المسائل الشخصية كما نقول الآن دخل الوقت وكلما دخل الوقت وجب الطهور والصلاة فينتج الآن يجب الطهور والصلاة واما بقياسين كما في القواعد الفقهية التي هي في الحقيقة مجمع مسائل متعددة كما نقول البيع مما يضمن بصحيحه وكلما كان كذلك يضمن بفاسده فالبيع يضمن بفاسده ثم نحتاج في استنتاج النتيجة الشخصية إلى قياس آخر وهو ان المعاملة الصادرة الفلانية الفاسدة انما هي بيع والبيع يضمن بفاسده فتلك المعاملة يضمن بفاسده وهكذا الامر في بقية القواعد الفقهية الجامعة لعدة مسائل فقهية واما الملاك في كون المسألة اصولية فقد ظهر لك في اول الكتاب واشرنا إليه غير مرة أنه وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط بمعنى كونها كبرى كلية بحيث إذا انضم إليها صغراها لانتجت نتيجة فقهية ومن ذلك يعلم ان مسائل بقية العلوم المتوقفة عليها الاستنباط وان كان لها دخل في الاستنباط الا انها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط بل لا محالة تكون صغرى له حتى مسائل علم الرجال الذي هو اقرب تلك العلوم إليه إذ فيها يعلم وثاقة الراوي مثلا فتقع صغرى وينضم إليها كبرى حجية قول الثقة فينتج مسألة فقهية ولاجل ذلك يمكن ان يقال ان مباحث الالفاظ كالبحث عن ظهور الامر في الوجوب مثلا داخل في المبادي إذ بها ينقح موضوع البحث عن حجية الظواهر الذي هو من المباحث الاصولية كما ان في علم الرجال ينقح موضوع البحث عن حجية خبر الثقة غاية الامر انها من المبادئ التي لم تتحقق في علم آخر فذكرت في علم الاصول ويمكن الفرق بينهما بان نتيجة البحث الرجالي حيث انها ليست الا معرفة حال راو معين فلا تصلح ان تقع كبرى لقياس الاستنباط فلا محالة يتمحض البحث المذكور في كونه من المبادئ وهذا بخلاف البحث عن ظهور صيغة افعل في الوجوب مثلا فانه وان كان يشترك مع البحث الرجالي في كونه بحثا عن موضوع الحجة الا انه يفترق عنه في انه بحث عن كبرى كلي إذا انضم إليها صغراها انتجت نتيجة فقهية ولو بعد الفراغ عن حجية

[ 345 ]

الظواهر وعلى ذلك فيدخل مباحث الالفاظ كلها في المباحث الاصولية وكيف كان فالملاك في كون المسألة اصولية هو ما عرفت وعلى ذلك يكون البحث عن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من المباحث الاصولية إذ بعد تنقيح جريانه فيها وضم صغرى ان الماء المتغير بالنجاسة الزائل تغيره من قبل نفسه متيقن النجاسة سابقا المشكوك البقاء لاحقا إليها يستنتج مسألة فقهية وهي نجاسة الماء المذكور وهذا بخلاف البحث عن جريانه في الشبهات الموضوعية فانه بحث عن قاعدة فقهية لا يترتب عليها إلا معرفة الاحكام الجزئية في الموارد الشخصية التي يشترك فيها المجتهد والمقلد نظير بقية القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعية ونحوها والذي يدلك على ما ذكرناه هو ان نتيجة المسألة الفقهية قاعدة كانت أو غيرها بنفسها يلقى إلى العامي الغير المتمكن من الاستنباط فيقال له كلما دخل الظهر وكنت واجدا للشرائط وجبت الصلاة فيذكر في الموضوع جميع قيود الحكم الواقعي أو يقال كلما فرغت من عمل وشككت في صحته وفساده فلا يجب عليك الاعتناء به فيذكر له جميع قيود الحكم الظاهري وهذا بخلاف المسألة الاصولية فإن اعمال نتيجتها مختص بالمجتهد ولا حظ للمقلد فيها ولا معنى لالقائها إليه بل الملقى إليه يكون الحكم المستنبط من تلك المسألة وحيث ان نتيجة البحث عن جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية بنفسها لا بد وان تلقى إلى المقلد فيقال إذا كنت متيقنا بموضوع خارجي أو حكم جزئي وشككت في بقائه وارتفاعه فابن على البقاء ورتب آثاره لدوران جريانه فيها مدار يقين كل احد وشكه ولا معنى لالقاء نفس بقاء الحكم أو الموضوع الخارجي إليه من دون اخذ اعتبار يقينه وشكه فيعلم منه انها من القواعد الفقهية واما نتيجة البحث عن جريانه في الشبهات الحكمية فحيث انه لا معنى لالقائها على المقلد فيقال له إذا كنت متيقنا بنجاسة الماء المتغير وشككت في ارتفاعه بزوال تغيره فابن على النجاسة بل المجتهد هو بنفسه يجري الاستصحاب مع غفلة المقلد عن حقيقة الحال بالكلية ولو مع عدم وجود ماء كذلك في الخارج اصلا بل يفرض وجوده على نحو القضايا الحقيقية فيحكم بالنجاسة ويلقى هذا الحكم إلى المقلد فيعلم منه انها نتيجة المسألة الاصولية الغير القابلة للالقاء إلى المقلد بنفسها بل لا بد من إلقاء الحكم المستنبط منها إليه كبقية المسائل الاصولية وبالجملة المباحث الفقهية سواء كانت من قبيل المسائل الشخصية أو من قبيل القواعد الكلية سواء كانت من القواعد الواقعية الاولية كقاعدة ما لا يضمن ونحوها أو كانت من القواعد الثانوية كقاعدة نفي الضرر ونحوها أو

[ 346 ]

كانت من القواعد الظاهرية كقاعدة الفراغ ونحوها لا بد فيها من كون المحمول مما له تعلق بالعمل بلا واسطة ومن الاحكام الثابتة له وهذا بخلاف المسألة الاصولية فان محمولها لا يتعلق به كذلك بل يقع في طريق استنباط الحكم المتعلق به كذلك ويكون الملقى إلى المقلد ذاك الحكم لا نتيجة المسألة الاصولية فلا يقال له كلما قام الخبر على وجوب شئ يجب بل قيام الخبر عند المجتهد على وجوب شئ يكون سببا لافتائه بوجوب ذاك الشئ على الاطلاق (ومن هنا يظهر لك الفرق) بين جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وبين جريانه في الشبهات الموضوعية بأن الحكم الملقى إلى المقلد في القسم الاول لا يكون اليقين والشك موضوعين له بل يلقى نفس الحكم إليه ويكون يقين المجتهد وشكه علة لثبوت الحكم لموضوعه نظير ثبوت النجاسة للماء المتغير فيفرض المجتهد ماء متغيرا خارجيا زال عنه تغيره بنفسه فيشك في ان الحكم بالنجاسة هل كان ثابتا له مطلقا أو مقيدا ببعض حالاته وهو اتصافه بالتغير وحيث ان مرجع هذا الشك إلى الشك في ارتفاع النجاسة بعد ثبوتها فيحكم بنجاسة الماء المذكور من غير اخذ اليقين والشك في موضوعها بل الموضوع لها هو نفس الماء واليقين والشك علة لثبوتها له وهكذا الحال في استصحاب عدم النسخ في الاحكام الكلية الا في ان الشك في بقائها وارتفاعها لم ينشأ عن تغير الموضوع واختلاف بعض حالاته بل عن احتمال ارتفاع الحكم عن موضوعه بنفسه بانتهاء أمده وزمانه ولذا لا يحتاج المجتهد في استصحابها إلى فرض وجود موضوع خارجي أيضا فضلا عن اعتبار نفس وجوده وعلى كل حال اليقين والشك في الاستصحابات الحكمية واسطتان لثبوت الحكم في موضوعه من دون اخذهما فيه وهذا بخلافهما في الاستصحابات الموضوعية إذ الملقى إلى المقلد فيها هو بيان ان حكم اليقين والشك هو البناء على البقاء والجري على طبقه ولا معنى لالقاء نفس الحكم فيها إليه من دون اخذهما في موضوعه كما في قاعدة الفراغ والتجاوز ونحوهما كما هو واضح (فإن قلت) لا اشكال في اتحاد دليل الاستصحاب في الشبهات الحكمية والموضوعية وعليه كيف يمكن ان يقال ان الحكم بعدم جواز النقض الذي هو حكم واحد تارة يكون حكما فرعيا عمليا واخرى حكما اصوليا واقعا في طريق استنباط الحكم الفرعي وايضا كيف يمكن ان يكون اليقين والشك في قضية واحدة ملحوظين تارة بنحو العلية والوسطية في الاثبات كما في الشبهات الحكمية واخرى بنحو الموضوعية والمقومية كما في الشبهات الموضوعية (قلت) ان قضية لا تنقض وان كانت قضية

[ 347 ]

واحدة في الصورة إلا انها تنحل في قضايا متعددة بحسب تعدد اليقين والشك في الخارج كما هو شأن كل قضية حقيقية ولا بأس بكون الحكم بعدم النقض في مورد باعتبار متعلق اليقين والشك حكما اصوليا وفي مورد آخر باعتبار متعلقهما حكما فرعيا وهذا الاختلاف ناش من اختلاف المتعلق في الموارد كما ان اختلاف اليقين والشك من جهة كونهما مقومين للموضوع أو واسطتين لثبوت الحكم لذلك ولا يلزم من ذلك تعدد في اللحاظ اصلا إذ اليقين والشك انما يؤخذان موضوعين بالنسبة إلى من يجري الاستصحاب في حقه وحيث ان الملاك في الشبهات الموضوعية هو يقين نفس المقلد وشكه فالموضوع للاستصحاب فيها هو يقينه وشكه واما في الشبهات الحكمية فالملاك هو يقين المجتهد وشكه كما عرفت فالموضوع للحكم الاستصحابي فيها هو يقينه وشكه فاليقين والشك دائما يكونان موضوعين للحكم الاستصحابي الثابت بدليله والحكم الذي يكون اليقين والشك خارجين عن موضوعه بل يكونان علة لثبوته على موضوعه هو الحكم الفرعي المستنبط من هذا الحكم وقد عرفت انه لا ضير في كون الحكم في القضية باعتبار انحلاله إلى احكام متعددة فرعيا مرة واصوليا واقعا في طريق الاستنباط اخرى وهذا نظير ما إذا قلنا بحجية الخبر الواحد في الاحكام الكلية والموضوعات الخارجية فان الدليل المتكفل لحجيته وان كان دليلا واحدا إلا ان انحلاله باختلاف موارده يوجب كون الحكم الثابت به فرعيا مرة ويكون الاعتبار بقيام الخبر عند نفس المقلد كما في الموضوعات الخارجية واصوليا أخرى ويكون الاعتبار بقيام الخبر عند المجتهد الموجب لافتائه بنفس الحكم فاختلاف الحكم المنشأ في القضية من حيث الاصولية والفقهية باختلاف موارده لا ضير فيه اصلا (الجهة الثالثة) في بيان الفرق بين الاستصحاب وقاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع حتى يكون توطئة لما سيجئ ان شاء الله تعالى من ان ادلة حرم نقض اليقين بالشك تختص بخصوص موارد الاستصحاب ولا تشمل غيرها من موارد القاعدتين لا بنحو الخصوص ولا بنحو العموم (فنقول) لا ريب ان صدق نقض اليقين بالشك يتوقف على تحقق ارتباط ومناسبة بينهما والا فلا يصدق على كل شك انه ناقض لكل يقين أو ليس بناقض له ضرورة ان اليقين بعدالة زيد والشك في طلوع الفجر اجنبيان كل منهما بالقياس إلى الآخر وحينئذ فإما ان يكون متعلق اليقين مباينا في الحقيقة مع متعلق الشك وان كان بينهما ارتباط محقق لصدق النقض أو يكون متعلقهما شيئا واحدا بحسب الحقيقة وعلى الثاني فحيث ان تعلق اليقين والشك

[ 348 ]

بشئ واحد في زمان واحد غير معقول فلا بد من فرض التعدد في الزمان في الجملة فإما ان يلاحظ الاختلاف في الزمان في ناحية المتعلق مع وحدة زمان نفس اليقين والشك في الجملة سواء كان احدهما سابقا في الحدوث على الآخر أو لم يكن كما سيتضح ذلك ان شاء الله تعالى (والاول) هو مورد قاعدة المقتضي والمانع حيث ان اليقين لم يتعلق فيه بما تعلق به الشك بل متعلق اليقين هو وجود المقتضي ليس إلا كما ان متعلق الشك هو وجود المانع كذلك وصدق النقض فيه باعتبار تركب العلة التامة من وجود المقتضي وعدم المانع وترتب اثر واحد عليهما (والثاني) مورد قاعدة اليقين المعتبر فيه وحدة متعلق اليقين والشك مع اختلاف زمان نفسهما كما إذا علم يوم الجمعة عدالة زيد وشك يوم السبت في عدالته يوم الجمعة ويسمى هذا الشك بالشك الساري لسرايته إلى شخص ما تعلق به اليقين وهو العدالة في يوم الجمعة في مفروض المثال (والثالث) مورد للاستصحاب حيث انه يعتبر فيه اجتماع صفتي اليقين والشك زمانا ولكن متعلق اليقين هو حدوث شئ ومتعلق الشك بقاؤه كما إذا علمنا عدالة زيد يوم الجمعة وشككنا في بقائها إلى يوم السبت فإن اليقين بعدالته يوم الجمعة مجتمع زمانا مع الشك في العدالة يوم السبت إلا ان متعلق اليقين هو وجود العدالة في زمان سابق ومتعلق الشك بقاؤها إلى زمان لاحق فظهر ان الحصر بين القواعد الثلاث عقلي دائر بين النفي والاثبات وان كل واحدة منها مباينة للاخرى من حيث لحاظ صدق نقض اليقين بالشك فلابد وان يكون الدليل الدال على حرمته مختصا باحدها ولا يكون شاملا لاثنين مها فضلا عن شموله لكلها ويأتي توضيح ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى (ثم ان) المقتضي قد يطلق ويراد منه ما يترشح منه الاثر خارجا وتكوينا كالنار بالاضافة إلى الاحراق والمراد من المانع حينئذ هو ما يوجب عدم فعلية اثر المقتضي كوجود الرطوبة الغالبة فيما يلاقيه النار في مفروض المثال (واخرى) يراد منه الموضوع المترتب عليه الاثر الشرعي في عالم التشريع كملاقاة النجاسة المترتب عليها نجاسة الملاقي في الشريعة واطلاق المقتضي عليه مع ان الحكم الشرعي لا يترشح من موضوعه كما أوضحنا ذلك مرارا وسيأتي له مزيد توضيح في بحث الاحكام الوضعية انما هو باعتبار استحالة انفكاك الحكم عن موضوعه التام كما يستحيل انفكاك المعلول عن علته التامة والمراد من المانع حينئذ هو ما اعتبر عدمه قيدا في الموضوع كما اعتبر عدم الكرية قيدا في نجاسة الملاقي فيقال ان ملاقاة النجاسة مقتضية لتنجس ملاقيه والكرية مانعة عنه (وثالثة) يراد منه ما يكون داعيا إلى

[ 349 ]

جعل الحكم على موضوعه اعني به الملاك الموجود في متعلقه واطلاق المقتضي عيله دون رتبة اطلاقه على كل من القسمين الاولين ضرورة ان اطلاقه عليه انما هو باعتبار مرجحيته للجعل والا فجعل المولى وتشريعه الذي هو من افعاله الاختيارية تابعة وناشئة عن ارادته والمراد من المانع حينئذ هو الجهة المزاحمة الموجودة في المتعلق المانعة عن جعل الحكم على طبق الملاك الموجود فيه مثلا إذا فرضنا ان اكرام العالم الفاسق مشتمل على جهة مصلحة وجهة مفسدة فالجهة الاولى مقتضية لجعل الوجوب كما ان الجهة الثانية مانعة عنه وسيأتي انه لا دليل على حجية قاعدة المقتضي والمانع في شئ من تلك الموارد وان لم يعلم ان القائل بها هل يخصصها بالقسم الاول أو أنه يقول بشمولها للقسم الثاني بل الثالث ايضا وهناك معنى رابع للمقتضي اجنبي عن المعاني المذكورة وهو الذي اشترط شيخنا العلامة الانصاري (قده) العلم بوجوده في حجية الاستصحاب ومنع عنها عند الشك فيه وتوهم بعض من تأخر عنه ان مراده (قده) منه هو المقتضي الملاكي فاشكل عليه في كثير من الموارد التي تمسك (قده) فيها بالاستصحاب بعدم جريانه فيها على مختاره من عدم حجيته عند الشك في المقتضي وسيأتي توضيح ذلك وبيان المراد من المقتضي في كلامه (قده) ان شاء الله تعالى (الجهة الرابعة) في بيان ما يعتبر في جريان الاستصحاب وهي امور ثلاثة (الاول) اجتماع اليقين والشك في زمان واحد وجودا من دون فرق بين سبق اليقين على الشك وتأخره عنه وتقارنهما حدوثا مثلا إذا علم عدالة زيد يوم الجمعة وشك في عدالته يوم السبت فلا بد من تحقق اليقين بالعدالة يوم الجمعة في زمان الشك في جريان الاستصحاب سواء كان اليقين حادثا أو لا أو كان الشك كذلك أو حدثا معا وبهذا يفترق الاستصحاب عن قاعدة اليقين المعتبر فيها عدم اجتماعهما في الوجود وتقدم اليقين على الشك كما عرفت (الثاني) تقدم المتيقن على المشكوك زمانا بأن يكون الشك في بقاء ما تعلق اليقين بوجوده حتى يصدق نقض اليقين بالشك بعدم الجري العملي على طبق اليقين واما إذا كان المشكوك سابقا في الوجود على المتيقن كما إذا علمنا عدالة زيد يوم الجمعة وشككنا في عدالته يوم الخميس فهذا لا يكون من الاستصحاب في شئ لعدم صدق النقض (ح) اصلا ولو سلمنا صدقه فهو من باب نقض الشك باليقين لا نقض اليقين بالشك المعتبر في جريان الاستصحاب وبالجملة لا دليل على وجوب ترتيب آثار المتيقن اللاحق على المشكوك السابق المسمى بالاستصحاب القهري كما نسب ذلك إلى الاستاذ الشريف أو إلى بعض تلامذته قدس الله اسرارهم سواء قلنا بحجية الاستصحاب

[ 350 ]

من باب الاخبار الخاصة أو من باب الظن اما على الاول فظاهر لان ظهور الاخبار في اعتبار تقدم المتيقن على المشكوك المحقق لصدق النقض مما لا يكاد يخفى واما على الثاني فلان حصول الظن بتحقق المتيقن اللاحق في الزمان السابق المشكوك وجوده فيه ممنوع اشد المنع ولو سلمنا حصول الظن في موارد الاستصحاب المصطلح لكون الغالب فيما يثبت هو الدوام فإن ذلك انما هو في ناحية البقاء لا في ناحية مبدء الحدوث نعم لا يبعد دعوى حصول الظن في بعض موارد الاستصحاب القهقري كما إذا علمنا ظهور لفظ الصعيد مثلا في التراب الخالص ولكن شككنا في مبدء الظهور لاحتمال حدوثه في الازمنة المتأخرة وذلك لان الغالب في اللغات عدم التغيير وبقاؤها على ما كانت اولا فمن ظهور لفظ في معنى في زماننا يحصل الظن بكونه كذلك سابقا ولكن الكلام في حجية هذا الظن اولا وعدم اختصاص دعوى المدعي لحجيته بهذه الموارد ثانيا فلابد له من اقامة دليل آخر عليها (الثالث) فعلية اليقين والشك بمعنى ان يكون المكلف فعلا مرددا في بقاء ما هو متيقن الثبوت ولا يكفي فيه اليقين والشك التقديريان بمعنى ان الملكف يكون حاله بحيث لو كان ملتفتا لحصل له الشك في البقاء والبرهان عليه من طريقين (الاول) ان اليقين والشك اخذا موضوعين لحرمة النقض في ادلة الاستصحاب وقد ذكرنا غير مرة ان فعلية كل حكم يتوقف على فعلية موضوعه المأخوذ مفروض الوجود على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية فكما ان كل حكم مترتب على اي موضوع يتوقف فعليته على فعلية موضوعه فكذلك يتوقف فعلية الحكم الاستصحابي على فعلية اليقين والشك (الثاني) انا قد ذكرنا في مباحث الظن ان الحكم الظاهري المجعول في باب الادلة الاجتهادية أو الاصول العملية محرزة كانت أو غير محرزة لا يترتب عليه الاثر العملي من المنجزية أو المعذرية الا مع العلم بتحقق موضوعه خارجا والعلم بجعل الحجية له فما لم يعلم جعل الحجية لخبر الواحد مثلا أو لم يعلم وجود الخبر خارجا لا معنى لفعلية الحجية وترتب الاثر المرغوب منها عليه فالعلم بالحكم وان لم يمكن اخذه في موضوعه في مقام الجعل والانشاء سواء في ذلك الاحكام الظاهرية والواقعية الا ان الاحكام الواقعية تفترق من الظاهرية بان فعليتها تكون بمجرد وجود موضوعاتها خارجا وربما يترتب عليها آثار بنفس فعليتها وان لم يكن المكلف عالما بها لعدم العلم بجعلها أو بتحقق موضوعها المانع عن قابليتها للبعث والتحريك وهذا بخلاف الاحكام الظاهرية فان الاثر المرغوب منها وهو تنجيز الواقع أو المعذرية عن مخالفته لا يمكن ان يترتب الا مع

[ 351 ]

العلم بالجعل وتحقق موضوعه إذ لا معنى لكون الغير الواصل إلى المكلف منجزا للواقع وواسطة في اثباته أو معذرا عن مخالفته مع عدم الاستناد إليه في مقام العمل وعلى ذلك فجريان الاستصحاب الذي هو من الاصول المحرزة يتوقف على العلم بالجعل وتحقق موضوعه فمع الغفلة وعدم الالتفات حتى يحصل الشك في البقاء لا معنى لفعلية الحكم الاستصحابي وقد ذكرنا توضيح ذلك في محله فراجع ويترتب على ذلك انه لو كان المكلف متيقنا بالحدث ثم غفل عنه وصلى ثم احتمل تطهره قبل الصلاة يحكم بصحة صلاته وذلك لان قاعدة الفراغ تقتضي صحتها وهي حاكمة على استصحاب بقاء الحدث المقتضي لبطلانها ولو كان الشك التقديري كافيا في جريانه لكان المكلف محكوما بالحدث قبل الصلاة المانع من جريان قاعدة الفراغ ولذا لو فرضنا فعلية الشك قبلها المحققة لجريان الاستصحاب لكان ذلك مانعا عن جريان القاعدة إذ موضوع القاعدة هو احتمال صحة العمل وفساده بعد العمل ومع جريان الاستصحاب قبله وكون العمل محكوما بالفساد شرعا لا يكون فيه احتمال الصحة المقوم لموضوعها (الجهة الخامسة) ان الاستصحاب حيث انه يتقوم باليقين بالحدوث والشك في البقاء فينقسم باعتبار متعلق اليقين والشك تارة إلى ما يكون امرا وجوديا أو عدميا واخرى إلى ما يكون حكما شرعيا تكليفيا أو وضعيا كليا أو جزئيا أو موضوعا ذا حكم كما انه ينقسم باعتبار منشأ اليقين وهو الذي يعبر عنه بدليل الحكم إلى ما يكون دليلا شرعيا كالكتاب والسنة والاجماع أو عقليا وباعتبار منشأ الشك إلى ما يكون الشك من جهة الشك في وجود المقتضي أو من جهة الشك في الرافع أو من جهة الشك في الغاية على ما يظهر لك من الفرق بين الغاية والرافع وقد وقع الكلام في حجية الاستصحاب في كل واحد من الاقسام والمختار عندنا هو حجية الاستصحاب مطلقا الا عند الشك في وجود المقتضي وما يلحق به من بعض شقوق الشك في الغاية على ما يظهر لك الحال ان شاء الله وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري (قده) لكنه (قده) فصل تفصيلا آخر باعتبار دليل الحكم فذهب إلى عدم حجية الاستصحاب فيما إذا كان مدرك الحكم السابق هو العقل وحاصل ما افاده (قده) في وجه ذلك يتركب من مقدمتين (الاولى) ان العقل إذا حكم بحسن شئ أو قبحه فلا بد وان يكون موضوع حكمه بتمامه وكماله مبينا عنه إذ لا يعقل الاهمال أو الاجمال في موضوع الحكم عند الحاكم به عقلا كان أو غيره فما لم يتغير موضوع الحكم بتغير ما يستحيل ارتفاع الحكم العقلي عنه ومع تغيره وتبدل الموضوع عما هو عليه يرتفع الحكم العقلي

[ 352 ]

بارتفاع موضوعه لا محالة (الثانية) ان الحكم الشرعي المستكشف بالدليل العقلي حيث ان المفروض تبعيته للحكم العقلي فكل قيد اعتبر في موضوعه يكون معتبرا في موضوعه لا محالة والا لزم عدم تبعيته له وحينئذ فإذا تغير موضوع الحكم العقلي وتبدل بعض خصوصياته فلا محالة يكون موضوع الحكم الشرعي متبدلا ايضا ويرتفع الحكم الشرعي بتبع ارتفاع الحكم العقلي والشك في كونه محكوما بمثل الحكم السابق شرعا انما يكون شكا في الحدوث لا في البقاء لعدم اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة على الفرض (والحق) فساد هذا التفصيل وعدم التفاوت في جريان الاستصحاب بذلك فإن ما افاده في المقدمة الاولى من لزوم كون موضوع حكم العقل مبينا بتمامه عنده انما يصح فيما إذا كان حكم العقل بقبح شئ منحلا إلى حكمين (احدهما) الحكم بقبحه (وثانيهما) الحكم بعدم قبح غيره نظير القضية الشرطية الدالة على المفهوم ومن الضروري ان الامر ليس كذلك إذ هو فرع ان يكون العقل محيطا بتمام الجهات الواقعية المحسنة والمقبحة وكثيرا ما يستقل العقل بحسن شئ أو قبحه باعتبار كونه القدر المتيقن في ذلك وان كان يحتمل بقاء ملاك حكمه مع انتفاء بعض الخصوصيات ايضا فإذا فرضنا الشك في بقاء الحكم العقلي مع انتفاء بعض الخصوصيات الغير المقوم للموضوع بنظر العرف فلا محالة يشك في بقاء الحكم الشرعي ايضا ويجري الاستصحاب لاتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة سلمنا ان موضوع حكم العقل لا بد من كونه مبينا عنده بتمامه والقطع بانتفائه عند انتفاء بعض خصوصياته إلا ان ما افاده من ارتفاع الحكم الشرعي بارتفاعه كما افيد في المقدمة الثانية ممنوع فإن الحكم الشرعي انما يتبع الحكم العقلي في مقام الاستكشاف والاثبات لا في مقام الثبوت والواقع فربما يكون قيد له دخل في استقلال العقل بشئ الا انه غير دخيل فيما هو الملاك عند الشارع اصلا فإن الحكم الشرعي تابع للمصالح والمفاسد النفس الامرية كانت مستكشفة عند العقل أو لم تكن فإذا فرضنا ارتفاع الحكم العقلي التابع لاستكشافه الملاك الواقعي فلا يلزم من ذلك ارتفاع الحكم الشرعي التابع لنفس الملاك الواقعي المحتمل بقاؤه لاحتمال عدم دخل تلك الخصوصية فيه حدوثا وبقاء أو بقاء فقط فلا محالة يشك في بقاء الحكم الشرعي ومع عدم كون تلك الخصوصية مقومة للموضوع بنظر العرف بل من حالاته الواسطة في ثبوت الحكم للموضوع تكون القضية المشكوكة متحدة مع القضية المتيقنة فيجري الاستصحاب لا محالة ونظير ذلك ما سيجئ من جريان الاستصحاب عند تغير بعض الخصوصيات المأخوذة في الدليل اللفظي كما إذا قال المولى الماء

[ 353 ]

المتغير نجس أو الماء إذا تغير ينجس أو المتغير بالنجاسة ينجس فإن التغير حيث انه لا يعرضه النجاسة التي هي من قبيل الاعراض الخارجية القائمة بالجسم في نظر العرف فلا محالة يكون التغير علة لثبوت النجاسة للماء الخارجي فإذا زال التغير عن الماء بنفسه وشك في بقاء نجاسته فالمشكوك في نجاسته فعلا وهو الماء هو الذي كان متيقن النجاسة سابقا فلو بني على المسامحة في الموضوع واتباع نظر العرف فيه من جهة مناسبات الاحكام مع موضوعاتها فلا فرق في ذلك بين ما إذا كان دليل المستصحب عقليا أو شرعيا والا فلا يجري الاستصحاب في مطلق ما إذا كان الشك في البقاء ناشئا عن تغير بعض خصوصيات الموضوع من دون فرق بين الدليل اللفظي والعقلي (الجهة السادسة) في بيان المراد من الشك في المقتضي والرافع وقد ذكرنا ان المختار عندنا وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري (قده) هو التفصيل بينهما إلا ان الغرض من التعرض في المقام ليس هو الاستدلال على ذلك بل بيان نفس المدعى وتوضيحه حتى يتضح ان كثيرا من الموارد التي اشكل على تمسك العلامة الانصاري (قده) فيها بالاستصحاب بان الشك فيها من الشك في المقتضي ولا يجري الاستصحاب فيه على مذهبه ليست كذلك والاشكال في غير محله (فنقول) ان المقتضي قد يطلق ويراد منه ما يترشح منه الاثر وما يتوقف عليه التأثير في الخارج اي يتوقف فعلية الاثر عليه يسمى بالشرط مثلا النار فيه اقتضاء الاحراق بمعنى ان الحرقة تنشأ من ذاته ولكن فعلية هذا الاثر وتحققه في الخارج تتوقف على وجود المحاذاة ويبوسة المحل ونحوهما وهذه كلها تسمى بالشرائط وقد يراد من المقتضي ما يكون واجدا للشرائط ايضا واما المانع (فقد يطلق) ويراد منه ما يزاحم المقتضي في تأثيره (واخرى) يراد منه مطلق ما يعتبر عدمه في فعلية الاثر ولو باعتبار تقيد اقتضاء المقتضي بعدمه (ثم ان الاقتضاء قد يلاحظ) باعتبار المستصحب (واخرى) باعتبار نفس الاستصحاب والجري العملي في ظرف الشك على طبق اليقين السابق وتوهم ورود الاشكالات الكثيرة إنما نشأ من تخيل ان القائلين باعتبار احراز المقتضي في جريان الاستصحاب إنما ارادوا به احراز مقتضي المستصحب وهو الامر المتيقن والغفلة عن ان مرادهم هو اشتراط احراز المقتضي بالنسبة إلى نفس الاستصحاب والقائلين به وان لم يصرحوا بما ذكرناه إلا انه يظهر ذلك من مراجعة كلماتهم في هذا المقام وتتبع الموارد التي منعوا من اجراء الاستصحاب فيها لكون الشك فيها من الشك في المقتضي وكيف كان فلا ريب في أن الاستصحاب انما يلاحظ بالقياس إلى نفس الزمان واجراء الحكم المتيقن

[ 354 ]

في الزمان السابق إلى الزمان اللاحق واما بالقياس إلى الزمانيات كموت المورث مثلا فلا معنى لاجراء الاستصحاب فيها إلا باعتبار الزمان الذي وقع فيه ذلك الزماني والا فالاستصحاب بنفسه غير متكفل الا لجر المتيقن السابق في عمود الزمان ليس إلا * (إذا عرفت ذلك فنقول) * ان المراد من المقتضي اللازم احرازه في جريان الاستصحاب عند من اعتبره ان كان هو المقتضي بالاضافة إلى نفس المستصحب فلازمه انكار جريان الاستصحاب في مطلق الاحكام الشرعية الكلية والجزئية وذلك لانه لا معنى لاحراز المقتضي للحكم الا احراز ملاكه والملاك مع انه لا اقتضاء فيه بالقياس إلى الحكم لعدم ترشحه منه كما هو ظاهر وإنما هو من قبيل الدواعي للجعل لا يمكن احرازه مع انتفاء بعض الخصوصيات الموجب للشك في البقاء الا لمن انزل عليه الوحي ففي كل مورد يحتمل فيه انتفاء الحكم يحتمل فيه انتفاء الملاك لا محالة فلا يجري الاستصحاب في مورد واحد شك في بقاء الحكم المتيقن من دون فرق بين الاحكام الكلية أو الجزئية إذ الشك في بقاء الحكم لا ينفك عن الشك في بقاء ملاكه لا محالة (فإن قلت) لعل المراد من احراز المقتضي هو احراز سببية الموضوع للحكم المترتب عليه حتى مع الشك في رافعية ما يشك معه في بقائه الملازم مع الشك في الملاك فإذا أحرزنا السببية المطلقة في الاحكام الفعلية نتمسك فيها بالاستصحاب ولو مع الشك في وجود الرافع لها مثلا إذا احرزنا ان الشارع جعل البيع أو النكاح أو ملاقاة النجاسة سببا للملكية أو الزوجية أو النجاسة بنحو الاطلاق بحيث لا يتقيد سببيتها بشئ فإذا شككنا في بقائها من جهة الشك في الرافع من انشاء فسخ أو انشاء ما يحتمل وقوع الطلاق به أو وجود غسل مرة مثلا فيتمسك فيها بالاستصحاب نعم إذا احتملنا دخل عدم شئ في سببيتها فلا يجوز استصحاب تلك الاحكام بعد العلم بوجوده لاحتمال عدم بقاء المقتضي معه فلا يلزم من اعتبار احراز المقتضي حينئذ الغاء الاستصحاب في الاحكام مطلقا (قلت) مضافا إلى ان ذلك فرع امكان جعل السببية وسيجئ ان شاء الله تعالى امتناعه ان احراز بقاء المقتضي بهذا المعنى كاحراز بقاء الملاك في عدم امكانه لغير من نزل عليه الوحي ضرورة ان كل ما يحتمل رافعيته للحكم الشرعي يحتمل دخل عدمه في موضوعه فكما يحتمل ان يكون العقد مثلا سببا للملكية بنحو الاطلاق حتى يكون الشك في ارتفاعها بالفسخ من قبيل الشك في الرافع كذلك يحتمل ان يكون سببيته للملكية مقيدة بعدم الفسخ ومع وجوده تكون السببية مشكوكة لا محالة فاعتبار احراز المقتضي بهذا المعنى مستلزم لالغاء الاستصحاب في الاحكام بالكلية ايضا (هذا مع انه)

[ 355 ]

لا دليل على اعتبار احراز المقتضي بهذين المعنيين اصلا إذ اعتبار ذلك انما هو باعتبار لفظ النقض الوارد في الاخبار المقتضي لاعتبار الاستمرار والاستحكام ومن المعلوم عدم اسناده في الكلام إلى المتيقن حتى يلزم احراز وجود مقتضيه في جريانه بل النقض اسند إلى نفس اليقين المقتضي للجري العملي فلا بد من اعتبار احراز المقتضي بالقياس إلى نفس الجري العملي ليس الا (بيان ذلك) ان اليقين الذي هو المقتضي للجري العملي اما ان يتعلق بالقياس إلى عمود الزمن الذي قد عرفت ان جريان الاستصحاب بلحاظه بأمر مقيد بزمان معين أو بامر مرسل أو مهمل (اما على الاول) فلا اشكال في عدم جريان الاستصحاب بعد انقضاء الزمان الذي اخذ قيدا في متعلق اليقين (وأما على الثاني) فلا ريب في جريان الاستصحاب ما لم يعلم بارتفاع المتيقن برافع زماني إذ المفروض ان اليقين لارسال متعلقه من حيث عمود الزمان يقتضي الجري العملي بنحو الاطلاق اي غير محدود إلى زمان معين ومقتضى ادلة الاستصحاب ان لا يرفع اليد عنه الا مع العلم بارتفاعه ومن المعلوم ان ارتفاعه لا يكون بنفسه لعدم تقيده بزمان فلا بد وان يكون بزماني فالشك في بقائه ناش عن الشك في تحقق ذاك الزماني وهذا هو معنى الشك في الرافع (واما على الثالث) فحيث ان متعلق اليقين مردد بين ان يكون مرسلا أو مقيدا كخيار الغبن المردد بين كونه فوريا أو استمراريا فلا محالة المقدار المتيقن هو ثبوت الخيار في الآن الاول ولا يكون ازيد من ذلك متيقنا فالجري العملي الذي يقتضيه اليقين السابق يختص بالمقدار المتيقن وبالنسبة إلى المقدار الزائد لا يكون رفع اليد نقضا لليقين بالشك بل هو منتقض بنفسه والحاصل ان متعلق اليقين إذا كان مرسلا في عمود الزمان لا مهملا ولا مقيدا فلا محالة يكون مقتضى اليقين هو الجري العملي غير محدود في عمود الزمان بشئ فالمقتضي للجري العملي موجود مستمرا فلا محالة يكون رفع اليد عنه للشك في وجود الرافع له من الامور الزمانية بحيث لولا الشك في وجوده لم يكن وجه لرفع اليد عنه اصلا وهذا بخلاف ما إذا كان متعلق اليقين محدودا أو مهملا فانه بنفسه لا يقتضي الجري العملي ازيد من المقدار المتيقن ولو مع قطع النظر عن الشك في تحقق امر زماني ولقد احسن المحقق الخونساري واجاد في التعبير من الشك في المقتضي بما يقرب مما ذكرناه من عدم اقتضاء اليقين للجري حتى مع قطع النظر عن الشك وهذا بخلاف الشك في الرافع فإن رفع اليد فيه عن المتيقن انما هو مستند إلى الشك بحيث لو لم يكن هناك شك لم يكن وجه لرفع اليد عنه اصلا (فتحصل مما ذكرناه) ان المراد من احراز

[ 356 ]

المقتضي في المقام هو احراز ان المتيقن في نفسه قابل للبقاء في عمود الزمان مع قطع النظر عن حدوث امر زماني فإن الاحكام الشرعية كالموضوعات الخارجية يختلف حالها من هذه الحيثية فقد يعلم كونها بحيث تكون قابلة للبقاء في عمود الزمان مع قطع النظر عن حدوث زماني كالملكية والطهارة ونحوهما وقد يعلم كونها بحيث تنعدم وترتفع ولو لم يكن هناك حادث زماني كوجوب الصوم المحدود بوجود النهار وقد يشك في ذلك كما في الخيار المشكوك كونه فوريا أو استمراريا فكما ان الموضوعات الخارجية يختلف استعداداتها في البقاء في عمود الزمان بأنفسها مع قطع النظر عن الحوادث الخارجية فكذلك الاحكام الشرعية فاحراز المقتضي بهذا المعنى اعني به احراز المقتضي بالقياس إلى نفس الجري العملي هو الذي نعتبره في جريان الاستصحاب وهو اجنبي عن احراز المقتضي بالقياس إلى المستصحب بالكلية نعم احراز المقتضي بالمعنى المذكور يلازم احراز المقتضي بالقياس إلى المستصحب في الموضوعات الخارجية غالبا أو دائما فان اليقين بثبوت موضوع خارجي واستمراره في عمود الزمان بنفسه لا يكون الا مع احراز تحقق مقتضي وجوده مطلقا حتى في ظرف الشك لكن كلا من المقتضيين ينفك عن الآخر في الاحكام الشرعية كما عرفت وقد عرفت ان اعتبار احراز المقتضي للمستصحب في ظرف الشك يساوق انكار حجية الاستصحاب في الاحكام مطلقا وكأن المتوهم من القائلين باعتبار احراز المقتضي توهم اعتبارهم احرازه بالقياس إلى المستصحب والمتوهم انما وقع في التوهم من جهة الشبهات الموضوعية لما عرفت من ان احراز المقتضي فيها بالمعنى المقصود يلازم احراز المقتضي بالمعنى الآخر وغفل عن ان اعتبار ذلك يفضي إلى انكار حجية الاستصحاب في الاحكام مطلقا (ثم لا يخفى) انه إذا علم عدم استمرار حكم في عمود الزمان وكونه مغيى بغاية فإما ان يكون الشك في تحقق الغاية من جهة الشبهة المفهومية كما إذا علمنا بأن غاية وجوب الظهرين هو دخول المغرب ولكن شك في كونه عبارة عن استتار القرص أو عن ذهاب الحمرة المشرقية أو من جهة الشبهة الحكمية كما إذا شككنا في ان غاية وجوب صلاة العشاء هو نصف الليل أو طلوع الفجر ومن جهة الشبهة المصداقية كما إذا شككنا في انتصاف الليل مثلا بعد العلم بكونه غاية لا ريب في ان الشك في الغاية باقسامه قسم آخر يغاير الشك في المقتضي المعتبر فيه اهمال المتيقن من حيث عمود الزمان والشك في الرافع المعتبر فيه ارساله والمفروض فيه انتقاء كل من الامرين وتقييد الحكم بالقياس إلى عمود الزمان الا انه يلحق بالشك في المقتضي تارة وبالشك في الرافع اخرى فان الشك في الغاية ان

[ 357 ]

كان من جهة الشبهة المفهومية أو الحكمية يلحق بالشك في المقتضي لعدم اقتضاء اليقين الجري العملي حينئذ إلا في المقدار المتيقن وهو ما قبل استتار القرص في الشبهة المفهومية وما قبل انتصاف الليل في الشبهة الحكمية واليقين في ما بعده بنفسه منتقض مع قطع النظر عن كل شئ في العالم وأما إذا كان من جهة الشك في تحقق الغاية فهو ملحق بالشك في الرافع فإن اليقين فيه يقتضي الجري العملي لولا الشك فإن اليقين بوجوب الصلاة إلى انتصاف الليل مثلا يقتضي الجري العملي إلى هذه الغاية بحيث لولا الشك في تحققها كان هناك مقتض للجري فالشك في تحققه وإن لم يكن شكا في تحقق أمر زماني إلا انه ملحق به من حيث الملاك وهو اقتضاء اليقين السابق للجري لولا الشك إذا عرفت ذلك (فنقول) ان المختار عندنا هو حجية الاستصحاب في تمام الاقسام المذكورة في غير ما إذا كان الشك في المقتضي أو ما يلحق به من الشك في الغاية من جهة الشبهة المفهومية أو الحكمية * (فلنشرع بذكر الادلة) * التي استدل بها على حجية الاستصحاب حتى يتضح الحال وهي كثيرة (الاول) دعوى بناء العقلاء على الاخذ بالحالة السابقة فإنهم كما ترى يعتمدون على الامور التي تيقنوا ببقائها ويرتبون عليها الآثار ما لم يحصل لهم القطع بارتفاعها ولا يخفى ان بناء العقلاء على ذلك وان كان غير قابل للانكار في الجملة إلا انه لم يعلم ان ذلك من جهة التعبد بالشك والاصل العملي أو من جهة الا مارية والكشف عن الواقع إذ يبعد الاول عدم تعقل بناء من العقلاء على صرف التعبد بالشك من دون امارية وكاشفية غاية الامر ان الامضاء الشرعي ربما يكون مع الغاء الكاشفية والامارية كما لا يبعد ان يكون امضاء قاعدة الفراغ الثابتة عند العقلاء من هذا القبيل فإن الشارع امضاها ملغيا لجهة الكاشفية والاستصحاب بناء على اماريته يكون من هذا القبيل كما انه يبعد الثاني عدم وجود شئ في المقام يكون كاشفا عن الواقع في ظرف الشك إذ اليقين السابق لا امارية له في ظرف الشك ونفس الشك لا امارية له ايضا كما هو ظاهر إلا ان يقال ان التعبد بالشك من العقلاء وإن لم يكن في نفسه معقولا إلا انه يمكن ان يكون ذلك بإلهام من الله تعالى حتى لا يختل أمور معاشهم ومعادهم فإن لزوم اختلال النظام مع التوقف عن الجري على الحالة السابقة مع الشك واضح فلاجله جعل الله الجري على طبقها من المرتكزات في أنفسهم مع عدم وجود كاشف عن تحققها اصلا وعلى كل حال فلا مجال لانكار دعوى بناء العقلاء على ذلك في الجملة واما دعوى بنائهم عليه مطلقا حتى في مورد الشك في المقتضي بالمعنى

[ 358 ]

الذي عرفته فغير معلوم بل معلوم العدم فبناء العقلاء بضميمة امضاء الشارع يكون دليلا على المختار من حجية الاستصحاب في غير صورة الشك في وجود المقتضي وتوهم ان الآيات المانعة عن العمل بالظن تكون رادعة عن بناء العقلاء فلا يكون هناك دليل على الامضاء كما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) فاسد إذ ما جرى عليه السيرة العقلائية منذ قديم لا يمكن ردع الآيات عنه لخروجه عن موضوعها وهو العمل بالظن عندهم فيحتاج الردع عنه إلى نص خاص ودليل مخصوص كما في القياس إذ لولاه لما كان العمل بالقياس الثابت بالسيرة العقلائية عملا بالظن عند العقلاء ولم يكن الآيات شاملة له أصلا وقد ذكرنا توضيح ذلك في بحث حجية الخبر عند التمسك لها بالسيرة ومن الغريب انه (قده) اعترف في ذلك المبحث بعدم معقولية رادعية الآيات عن السيرة العقلائية مع انه التزم بها في المقام (الثاني) دعوى الاجماع على حجيته من العلماء ولا يخفى ان تحصيل الاجماع في مثل المسألة مما لها مدارك متعددة ومبان مختلفة صعب جدا ولو مع الاتفاق فكيف مع الاختلاف الفاحش من المعظم حتى ذهب جماعة إلى عدم حجيته مطلقا ونقل الاجماع موهون لذلك وان قلنا بحجيته لولا ذلك نعم لا يبعد أن يكون المشهور هو حجية الاستصحاب في الجملة (الثالث) الاخبار المستفيضة وهي كثيرة وهي العمدة في الباب (منها) صحيحة زرارة قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء قال (ع) يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن فقد وجب الوضوء قلت فإن حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم قال (ع) لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك أبدا ولكن ينقضه بيقين آخر والرواية الشريفة وإن كانت مضمرة إلا كون مضمرها مثل زرارة يوجب القطع بكون المسؤول هو الامام (ع) لا سيما مع هذا الاهتمام فيها والاضمار إنما نشأ من تقطيع الاخبار على الابواب والاستدلال بها على حجية الاستصحاب مطلقا حتى في غير مورد الشك في الوضوء يتوقف على الغاء خصوصية المورد حتى يكون حرمة النقض غير مختصة بباب الوضوء بل تكون عامة لكل مورد وقد أفاد الشيخ العلامة الانصاري (قده) في وجه ذلك ان الجزاء في قوله (ع) والا محذوف وان قوله (ع) فإنه على يقين من وضوئه علة للجزاء أقيمت مقامه كما في قوله تعالى فإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وعليه فيكون العلة مفيدة لعدم الاختصاص إذ لو كان الحكم مختصا بالمورد لزم التكرار

[ 359 ]

من التعليل من غير فائدة فيستكشف من ذلك عموم الحكم وعدم اختصاصه بالمورد (وانت خبير) بان دلالة الصحيحة على الاستصحاب مطلقا لو كانت متوقفة على حذف الجزاء وكون مدخول الفاء علة اقيمت مقام الجزاء كما في الآيات المذكورة في كلامه لسقطت الصحيحة عن الدلالة بالكلية إذ لا دليل على حذف الجزاء في الرواية بعد قابلية قوله (ع) فإنه على يقين (الخ) للجزائية بنفسه كما ستعرف ومجرد حذف الجزاء في بعض الموارد كما في مورد الآيات التي ذكرها لعدم صلاحية ما يكون فيها جزاء غير المحذوف لا يكون قرينة على الحذف في المورد القابل على انه لو سلم حذفه فغاية ما هناك أن يستفاد من التعليل عدم الاختصاص بخصوص الشك في النوم والتعميم لكل مورد شك فيه في بقاء الوضوء وارتفاعه واما التعميم لغير باب الوضوء فهو يحتاج إلى الغاء خصوصية المورد وجعل موضوع حرمة النقض هو مطلق اليقين والشك سواء جعلنا الجزاء محذوفا أم لا فما يبتنى عليه الاستدلال هو ذلك لا حذف الجزاء وجعل العلة مقامه وبعبارة واضحة يتوقف الاستدلال بالرواية على عدم ظهور كلمة من وضوئه في القيدية حتى يختص بخصوص موارد الشك في الوضوء ومع ارتفاعه وظهوره في الموردية المحضة يكون الموضوع لحرمة النقض هو مطلق اليقين والشك لا محالة فكأنه قال عليه السلام فإنه من وضوئه على يقين ولا ينقض اليقين بالشك ابدا فالمتحصل من ضم الصغرى إلى الكبرى وهو عدم جواز نقض اليقين بالوضوء بالشك فيه في المورد يكون جزاء ولا يكون الحكم حينئذ مختصا بالمورد ولعل مراد شيخنا العلامة الانصاري (قده) هو ذلك وان كان بعيدا عن ظاهر كلامه وكيف كان ففي الرواية جهات ثلاث موجبة لظهورها في كون لفظ من وضوئه إنما أتي به لاجل الموردية دون إفادة القيدية (الاولى) ان اليقين حيث انها من الصفات التي لا تتقوم ولا تتحقق إلا مضافا إلى شئ ضرورة ان اليقين المطلق لا يوجد فذكر المتعلق فيه كعدم ذكره في عدم قابليته لتقييد الموضوع في قوله (ع) فإن اليقين لا ينقض بالشك بخصوص اليقين بالوضوء حتى يتقيد الحكم الاستصحابي بخصوصه فكما لا ريب في عدم التقييد والاختصاص إذا كان كلمة من وضوئه سابقا على اليقين وكانت القضية فإنه من وضوئه على يقين فكذلك في صورة التأخير وإنما أتي بها لذكر الوضوء في الرواية وكونه موردا للسؤال ولو تنزلنا عن ذلك وتردد الامر بين التقييد والموردية فلا ريب في عدم الموجب للتقييد بالقياس إلى قوله (ع) ولا ينقض اليقين بالشك (وتوهم) ان الكلام حينئذ يكون من باب المحفوف بما يحتمل قرينيته

[ 360 ]

فيسقط عن الظهور (مدفوع) بما ذكرناه في محله من ان الملاك في ذلك إنما هو كون ما احتف به الكلام بحيث لو كان المولى اعتمد عليه في مقام التخاطب لصح ذلك منه كما في صورة تعقب الجمل المتعددة للاستثناء المحتمل رجوعها إلى الجميع واما في مثل المقام فلا ريب في ان التقييد محتاج إلى مؤنة زائدة ولا يصلح ذكر كلمة من وضوئه لافادته على تقدير إرادة المولى له واقعا بعد تعارف ذكر متعلق اليقين في المحاورات لاجل بيان مورد اليقين فقط من دون كون موضوع الحكم مقيدا به ومع عدم صلاحيته لها لا يكون لتوهم احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية مجال أصلا (الثانية) ان الحكم بالحرمة حيث تعلق بعنوان النقض المعتبر فيه الدوام والاستحكام كما أشرنا إليه وسيأتي بيانه مفصلا فمناسبة الحكم والموضوع تكون شاهدة على ان الملاك فيه هو ما في نفس اليقين من الاستحكام ولابد من الجري على طبقه وعدم رفع اليد عنه بمجرد الشك الذي ليس فيه استحكام أصلا ومن المعلوم انه لا يختلف حال اليقين والشك في ذلك بين صورتي تعلقهما بالوضوء وعدم تعلقهما به فلا يختص الحكم بخصوص باب دون باب (الثالثة) ان قضية حرمة نقض اليقين بالشك لو كانت قضية ابتدائية لامكن القول باختصاصها بخصوص باب الوضوء مع قطع النظر عن الجهتين السابقتين إلا انها ليست كذلك بل هي قضية ارتكازية لجميع العقلاء كما مر بيانها ومن الضروري عدم اختصاص تلك القضية عندهم بخصوص باب وإنما كان جريهم على اليقين السابق لما فيه من الابرام والاستحكام من دون فرق بين موارد تعلقه ولا ريب ان الظاهر من الرواية ورودها في مقام التقرير لما بنى عليه العقلاء منذ قديم الزمن لا تأسيس حكم ابتدائي تعبدي (وبالجملة) ظهور الرواية في ان موضوع الحرمة هو نقض مطلق اليقين بالشك مما لا ينكر وعليه فالاستدلال بها على حجية الاستصحاب مطلقا إلا في خصوص موارد الشك في المقتضي بالبيان المتقدم على ما سيجئ توضيحه إنما هو في محله * (بقي في المقام) * شئ لا بأس بالتعرض له وهو انه ربما يتوهم ان النفي أو النهي الواردين على النكرة أو الطبيعة وإن كانا مفيدين للعموم لان عدم الطبيعة في الخارج لا يكون إلا بعدم جميع افراده إلا انه لا دلالة فيهما على كون العموم بنحو عموم السلب حتى يثبت الحكم لكل فرد بل من الجائز ان يكون ذلك بنحو سلب العموم وثبوت الحكم لمجموع الافراد بما هو كذلك فلا يكون هناك دلالة على شيوعه لكل فرد فرد وعلى ذلك فغاية ما يستفاد من الرواية حرمة نقض مجموع افراد اليقين بالشك ولا يستفاد منها حرمة نقض كل فرد منه كما هو المدعى ولكن هذا التوهم من

[ 361 ]

السقوط بمكان (وتوضيحه) ان العموم إما ان يستفاد من سياق الكلام من دون أن يكون هناك لفظ موضوع له كما في وقوع النكرة أو الطبيعة في سياق النهي أو النفي وإما ان يستفاد من لفظ دال عليه اسما كان أو حرفا وعلى كل حال فلا ريب ان سلب العموم ولحاظ ورود السلب على نفسه يتوقف على لحاظه مستقلا وطرفا للربط الكلامي الذي يتقوم بالطرفين والا فلا يعقل وروده عليه لانه لو لم يلاحظ كذلك لكان معنى حرفيا ونسبة بين الطرفين و يستحيل ورود المعنى الحرفي على معنى حرفي آخر غير ملحوظ في نفسه وإنما لوحظ نسبة بين الطرفين وعلى ذلك فإن كان العموم مدلولا سياقيا غير مستفاد من اللفظ أو كان مستفادا من معنى حرفي كما في الجمع المحلي باللام لا يعقل ورود السلب على العموم (اما في الاول) فلان افادة العموم تتوقف على ورود النهي أو النفي على النكرة أو الطبيعة حتى يحكم العقل بالعموم بضميمة ان عدم الطبيعة لا يكون إلا بعدم جميع افرادها فإفادة العموم في مرتبة لاحقة على ورود النهي أو النفي ومعه كيف يعقل أن يكون العموم هو الذي ورد عليه النهي أو النفي على ما هو مقتضى سلب العموم من تعلق السلب بنفسه دون الافراد (واما في الثاني) فلان ملاحظة العموم بنحو المعنى الحرفي ونسبة كلامية تنافي ورود السلب عليه بل لابد حينئذ من ورود النسبة السلبية العمومية على الافراد نعم يصح ارادة سلب العموم بالعناية واخراج الكلام عما هو عليه من لحاظ العموم معنى حرفيا لكنه خروج عن الفرض ومحتاج إلى قرينة خارجية واما إذا كان العموم مستفادا من اللفظ الموضوع لمفهوم استقلالي اسمي كلفظة كل وجميع ونحوهما فاللفظ بنفسه قابل لارادة عموم السلب وسلب العموم فإن لفظ الكل إذا لوحظ مرآة للافراد الخارجية وتصحيحا لايراد السلب عليها فلا ريب في عدم امكان ارادة سلب العموم حينئذ واما إذا لوحظ مستقلا وبنفسه فلابد من ورود السلب على نفسه فيكون مفاده سلب العموم ليس الا (فتحصل) ان ارادة سلب العموم تتوقف على ان يكون الدال على العموم لفظا ولا يكون من الادوات ولا يلحظ مرآة للمصاديق الخارجية ومع ارتفاع قيد منهما لا يمكن إلا ارادة عموم السلب لا محالة بل لا يبعد ظهور الكلام في ذلك حتى فيما إذا كان الكلام قابلا لارادة سلب العموم منه كما إذا كان الدال عليه من الاسماء إذ الظاهر منها هو لحاظها بنحو المرآتية ويحتاج لحاظها في انفسها إلى عناية زائدة وقرينة خارجية وكيف كان فلا ريب في ظهور الصحيحة في ارادة عموم السلب منها بل لا يمكن ارادة غير ذلك منه كما عرفت وجهه (ومنها) صحيحة

[ 362 ]

اخرى لزرارة قال قلت له اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني فعلمت اثره إلى ان اصيب له الماء فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت ثم اني ذكرت بعد ذلك قال (ع) تعيد الصلاة وتغسله قلت فإن لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه اصابه فطلبته ولم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال (ع) تغسله وتعيد قلت فإن ظننت انه اصابه ولم اتيقن فنظرت ولم ار شيئا فصليت فيه فرأيت فيه قال (ع) تغسله ولا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال (ع) لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا قلت فإني قد علمت انه قد اصابه ولم ادر اين هو فاغسله قال (ع) تغسل من ثوبك الناحية التي ترى تريد ان تذهب بالشك الذي وقع من نفسك قلت ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة قال (ع) تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك (الخبر) وهذه الرواية الشريفة اشتملت على جملة من الاحكام الشرعية (منها) وجوب اعادة الصلاة إذا وقعت في الثوب المتنجس مع النسيان (ومنها) بطلان الصلاة الواقعة في الثوب المعلوم نجاسته ولو مع عدم معلومية محل النجاسة تفصيلا ووجوب غسل الثوب في الفرض المذكور بمقدار يحصل معه العلم بالطهارة (ومنها) صحة الصلاة الواقعة في الثوب المتنجس مع عدم العلم بالنجاسة سابقا وكفاية احراز الطهارة قبل الصلاة في صحتها (ومنها) عدم وجوب الفحص والنظر عند احتمال النجاسة في الثوب (ومنها) صحة الصلاة عند رؤية النجاسة في الصلاة مع احتمال حدوثها في اثنائها ووجوب اعادتها وقطعها مع العلم بتحققها من اول الامر كما هو ظاهر الرواية ولا يخفى عليك انه اتفق الاخبار وكلمات الاصحاب على صحة الصلاة الواقعة مع نجاسة الثوب أو البدن مع عدم العلم بالنجاسة من اول الامر ويدل عليها الصحيحة المذكورة ايضا واما مع رؤية النجاسة في اثناء الصلاة مع عدم العلم بها من اول الامر والقطع بتحققها مع النجاسة فقد اختلف فيه الاخبار وكلماتهم فذهب جماعة منهم وهو المشهور إلى صحة الصلاة ووجوب تبديل الثوب أو غسله بما لا ينافي الصلاة والبناء عليها ومع عدم امكانهما فإن كان الوقت ضيقا فيجب المضي وإلا فيجب القطع والاعادة وذهب جماعة اخرى إلى البطلان في سعة الوقت ووجوب الاعادة حتى مع التمكن من التبديل والغسل الغير المنافيين لها والمختار عندنا هو القول الاول وان كانت الصحيحة دالة على الثاني

[ 363 ]

والمسألة محررة في الفقه (ومنها) حجية الاستصحاب وحرمة نقض اليقين بالشك في الموردين لكن الاستدلال بها عليها بالفقرة الاولى يتوقف على كون المراد من اليقين المذكور فيها هو اليقين السابق على احتمال اصابة النجاسة إذ لو كان المراد منه اليقين الحاصل بعد الفحص والنظر الزائل بعد الصلاة لتعين حملها على قاعدة اليقين دون الاستصحاب كما هو ظاهر (والتحقيق) تعين هذا الاحتمال وعدم امكان حملها على قاعدة اليقين إذ لم يفرض في الرواية حصول اليقين بعد النظر والفحص ولا حصول الشك الساري بعد هذا اليقين كما هو اللازم في القاعدة فيتعين حملها على قاعدة الاستصحاب ليس إلا * (ثم انه) * ربما يشكل على الصحيحة بعدم صحة التعليل المذكور فيها على عدم وجوب اعادة الصلاة بانه لا ينبغي نقض اليقين بالشك فان الاعادة بعد العلم بوقوعها مع النجاسة من باب نقض اليقين باليقين لا بالشك ولاجله اشكل في دلالة الفقرة الاولى على حجية الاستصحاب وتوضيح حل الاشكال يتوقف على بيان امور (الاول) انه لا ريب بحسب الفتوى في صحة الصلاة الواقعة في الثوب المتنجس في حال الغفلة مع عدم العلم بنجاستها سابقا كما لا ريب في صحتها في حال الالتفات مع الاستناد إلى طريق عقلي أو شرعي ولو كان اصالة الطهارة فصحة الصلاة مع وقوعها مع النجاسة الواقعية في هاتين الصورتين مقطوعة ولا ريب ايضا في وجوب احراز الطهارة مع الالتفات ولو بالاصل الغير المحرز وعدم جواز الدخول فيها بمجرد عدم العلم بالنجاسة من دون فرق في ذلك بين القول باشتراط الصلاة بالطهارة والقول بكون النجاسة مانعة إذ الواجب على المكلف احراز وقوع المأمور به في الخارج على وجهه فكما يجب احراز وقوعه مع الشرائط ولو بالاصل فكذلك يجب احراز وقوعه غير مقترن بالمانع ولو به ايضا (الثاني) انه حيث ظهر لك صحة الصلاة في حال الغفلة وعدم الالتفات إلى طهارة الثوب أو نجاسته ولو وقعت في النجاسة يظهر لك انه لو قلنا بشرطية الطهارة أو مانعية النجاسة فلا محالة يختص ذلك بخصوص حال الالتفات واما مع الغفلة فلا الطهارة تكون شرطا في صحة الصلاة ولا النجاسة مانعة عنها ولكن الظاهر من الادلة هو اشتراطها بالطهارة لا مانعية النجاسة عنها غاية الامر ان صحة الصلاة مع احراز الطهارة في حال الالتفات ولو بالاصل ولو انكشف وقوعها مع النجاسة تكشف عن ان الشرط اعم من الطهارة الواقعية أو احرازها ويكفي تحقق احدهما في صحة الصلاة مع الالتفات ولو بنينا على مانعية النجاسة لما ترتب عليها اثر في المقام إذ كما يصح احراز الشرط بالاصل كذلك

[ 364 ]

يحرز عدم المانع به فباصالة الطهارة يترتب آثار عدم النجاسة إذ لا فرق في جريان الاصل بين ترتب الاثر المجعول على نفس مورده أو على نقيضه فباصالة الطهارة يحكم بجواز الدخول في الصلاة وعدم اقترانها بالمانع لكن الظاهر كما عرفت هو شرطية الطهارة لا مانعية النجاسة (الثالث) انه إذا تحقق اعمية الشرط من نفس الطهارة أو احرازها فلا ينبغي الاشكال في صحة الصلاة مع احراز الطهارة وجدانا أو بإمارة أو أصل محرز بناء على ما ذكرناه من قيام الامارات والاصول المحرزة مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية واما مع احرازها باصل غير محرز كاصالة الطهارة فربما يقع الاشكال من حيث عدم امكان قيامه مقامه مع انه من القطعي صحة الصلاة معه ولو مع انكشاف وقوعها مع النجاسة كما عرفت (والتحقيق في حله) ان يقال ان القطع كما يمكن ان يؤخذ في الموضوع بما هو صفة خاصة وبما هو طريق إليه وكاشف عنه فلا يقوم مقامه شئ من الامارات والاصول مطلقا على الاول ويقوم مقامه الامارات والاصول المحرزة على الثاني كذلك يمكن ان يؤخذ فيه بما انه منجز أو معذر مع قطع النظر عن كشفه وطريقيته وحينئذ فكما يقوم مقامه الامارات والاصول المحرزة كذلك يقوم مقامه الاصل الغير المحرز ايضا لاشتراكه معهما في المنجزية والمعذرية وليجعل هذا قسما آخر من القطع المأخوذ في الموضوع لم نتعرض له في بحث القطع وحيث ثبت لنا صحة الصلاة الواقعة في النجاسة مع الاعتماد عند الدخول فيها على اصالة الطهارة فلا محالة يكشف ذلك عن كون الاحراز المأخوذ شرطا في صحتها مأخوذا فيه بما انه منجز أو معذر فلا يكون اشكال في قيامها مقامه (فإن قلت) قد ذكرت سابقا ان صفة المنجزية والمعذرية من توابع صفة الاحراز ولذا بنينا على عدم امكان جعل نفس الصفتين في موارد الاصول والامارات كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) في مقام الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية وان المجعول فيها إنما هو صفة الاحراز ويتبعه التنجيز والتعذير اللازمين له عقلا وعليه كيف يمكن وجود الصفتين مع عدم الاحراز حتى يقوم الاصل الغير المحرز مقام القطع المأخوذ في الموضوع بما انه منجز ومعذر لا بما انه محرز للواقع (قلت) نعم صفة المنجزية والمعذرية وإن كانتا تابعتين لصفة الاحراز ومن لوازمه العقلية إلا ان المجعول الشرعي (ربما يكون) هو الاحراز من تمام الجهات كما في الامارات فيكون مثبتا للواقع كذلك فيقوم مقام القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية ويكون مثبتاتها حجة ايضا (واخرى) يكون المجعول هو الاحراز من

[ 365 ]

حيث الجري العملي كما في موارد الاصول المحرزة فلا يكون مثبتا للواقع إلا بهذا المقدار فيقوم مقام القطع في الصورتين لكن لا يكون مثبتاتها حجة (وثالثة) يكون المجعول هو الاحراز من حيث المنجزية والمعذرية فقط كما في الاصول الغير المحرزة فلا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع إلا إذا كان اخذه فيه من حيث المنجزية والمعذرية ولا تكون مثبتاتها حجة ايضا فالمقصود من عدم كون اصل البراءة أو اصالة الاحتياط ونحوهما من الاصول المحرزة عدم كونها محرزة للواقع كما في موارد الامارات والاصول المحرزة لا عدم كونها محرزة له اصلا كما هو مبنى الاشكال المذكور (الرابع) انه إذا ثبت في مورد صحة العمل وعدم وجوب الاعادة مع المخالفة للواقع فان كانت المخالفة من جهة الخطأ في الحكم الشرعي كما إذا ثبت صحة العمل الفاقد للشرط في ظرف الجهل بشرطيته فلابد وان يكون ذلك من جهة اكتفاء الشارع عن المأمور به بما اتى به أو من جهة اجزاء الامر الظاهري عن الواقعي من دون تصرف في الحكم الواقعي على بعض الوجوه المذكورة في الاجزاء إذ يستحيل تقييد الحكم الواقعي بصورة العلم به فلا محالة يبقى الحكم الواقعي على ما هو عليه وبدليل الصحة في ظرف الجهل يستكشف تقيد الشرطية بعدم صورة الجهل بها من باب نتيجة التقييد على ما اوضحنا الحال فيها مرارا واما إذا كانت المخالفة لاجل الخطأ في متعلق الحكم كما في صورة الجهل بالنجاسة مع الالتفات إلى شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة على الوجهين فكما يمكن ان يكون الصحة لاجل الاكتفاء عن المأمور به بما اتي به أو لاجل افادة الحكم الظاهري للاجزاء كذلك يمكن ان تكون لاجل تعميم الحكم الواقعي من حيث متعلقه فيكون المانع في الفرض هو النجاسة المعلومة لا غيرها أو يكون الشرط اعم من نفس الطهارة أو احرازها فيكون المأتي به حينئذ مطابقا للمأمور به واقعا ولا ريب في انه مع مكان ذلك لا وجه لكون الصحة مستندة إلى الاجزاء أو الاكتفاء المذكور في مقام الاثبات لكونهما محتاجين إلى العناية وإن كان ذلك محتملا ايضا بحسب مقام الثبوت * (إذا تحقق ذلك فنقول) * ان التعليل المذكور في الصحيحة إذا كان بلحاظ حال انكشاف الخلاف بعد الصلاة فالاشكال المذكور من ان الاعادة بعد الصلاة من باب نقض اليقين باليقين لا بالشك وان كان له وجه الا ان الظاهر بل المتيقن هو غير ذلك وان التعليل بلحاظ حال قبل انكشاف الخلاف إذ المفروض في السؤال هو العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة الا انه سأله (ع) عن وجه عدم الاعادة مع ذلك على خلاف الفروض الآخر حيث حكم (ع) فيها بوجوب الغسل مع الاعادة فيكون التعليل ناظرا إلى الفرق

[ 366 ]

بين الصور وان دخول المكلف في الفرض المذكور في الصلاة كان مستندا إلى احرازه للطهارة دون بقيتها ولا ريب ان المكلف حال الدخول فيها كان مكلفا بعد نقض اليقين بالشك وكان محرزا للطهارة بالاستصحاب فعلى تقدير شرطية الطهارة للصلاة كما هو الظاهر تكون الصحيحة دالة على اعمية الشرط من نفس الطهارة واحرازها فيكون حاصل التعليل هو انك كنت واجدا للشرط حال الصلاة واقعا وليس في ذلك انكشاف خلاف فاعادتك الصلاة تكشف عن عدم كونك واجدا له وجواز نقض اليقين بالشك حتى لا تكون محرزا للطهارة الذي هو احد فردي الشرط واقعا (ثم ان العلامة الانصاري) (قده) ذكر وجهين لدفع الاشكال وصحة التعليل ولم يرتضهما (الاول) ان التعليل المذكور إنما هو بملاحظة اقتضاء الحكم الظاهري للاجزاء فحكمه عليه السلام بعدم وجوب الاعادة مع انكشاف وقوع الصلاة في الثوب المتنجس مبني على اقتضاء الامر الظاهري من جهة الاستصحاب للاجزاء وعدم الاعادة (واورد عليه) بأن ظاهر الصحيحة أن نفس الاعادة نقض لليقين بالشك فينبغي تركها لا انها منافية لعدم جواز نقض اليقين بالشك حيث ان لازمه عدم الاعادة فيكون الاعادة منافية له ولكن الحق انه لو اغمضنا عن الجواب الذي اخترناه عن اصل الاشكال في صحة التعليل من اعمية الشرط الواقعي فلا بأس بالالتزام بهذا الجواب في مقام التفصي عنه وما اورده (قده) عليه يندفع بان التعليل كما ذكرناه إنما هو بلحاظ حال اصلاة فكأنه سلام الله عليه قال حيث انك صليت مع الامر الظاهري فلا يجب عليك الاعادة لاقتضائه الاجزاء فاعادتك تكشف عن عدم ملزوم الاجزاء وهو الامر الظاهري وهو عبارة اخرى عن جواز نقض اليقين بالشك مع انه لا ينبغي لك ذلك ورفع اليد عن اليقين إلا باليقين (والحاصل) ان قوله (ع) لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت صريح في ان التعليل بلحاظ حال اصلاة واين هذا من كون نفس الاعادة نقضا لليقين بالشك كما افاده هو (قده) (الثاني) أن من آثار الطهارة السابقة اجزاء الصلاة معها وعدم وجوب الاعادة لها فوجوب الاعادة نقض لآثار الطهارة السابقة (وملخصه) ان الطهارة السابقة التي هي شرط في الصلاة لها اثران احدهما جواز الدخول فيها والثاني عدم وجوب اعادة الصلاة الواقع معها ولازم التعبد الاستصحابي هو ترتيب ما للمستصحب من الآثار مطلقا فكما انه يترتب عليه جواز الدخول في الصلاة كذلك يترتب عليه عدم وجوب الصلاة الواقعة معه (واورد عليه) بأن الصحة الواقعية وعدم الاعادة للصلاة مع الطهارة المتحققة سابقا من الآثار

[ 367 ]

العقلية الغير المجعولة للطهارة المتحققة لعدم معقولية عدم الاجزاء فيها ولا يترتب على المستصحب إلا الآثار الشرعية لا العقلية (واورد عليه) غير واحد من المحشين بان الاجزاء وعدم وجوب الاعادة كيف لا يكون من الآثار المجعولة مع انه لا ريب في مجعوليته في بعض موارد الشك في الامتثال كما في موارد قاعدة الفراغ ونحوها (وتحقيق الحال في ذلك) ان يقال ان اجزاء الاتيان بكل مأمور به من امره سواء كان واقعيا اوليا أو ثانويا اضطراريا أو ظاهريا عقلي غير قابل للنفي والاثبات شرعا كما ان اجزاء الامر الظاهري عن الواقعي قابل للجعل بنفسه أو انه نتيجة الجعل ففي موارد قاعدة الفراغ يكون الاجزاء بنفسه مجعولا وفي موارد الاصول والامارات يكون الاجزاء نتيجة الجعل بمعنى ان الشارع بعد حكمه بكون المأتي به هو نفس المأمور به بمقتضى الاصل أو الامارة فلا محالة يكون الاجزاء من لوازمه إذ ثبوت الملزوم يستدعي ثبوت لازمه عقلا لكن الحكم المذكور حيث انه مقيد بالشك موضوعا أو موردا فلا محالة ينتفي بانتفائه فالحكم بالهوهوية الملازم للاجزاء يدور مدار الشك ومع عدمه ينتفي الحكم المذكور ويترتب عليه انتفاء لازمه فغرض العلامة الانصاري (قده) في المقام هو ان الصحة الواقعية اي كفاية الاتيان بالمأمور به الواقعي عن امره غير قابل للجعل والصحة الظاهرية أي كفاية المأمور به الظاهري عن الامر الواقعي وان كانت مجعولة أو نتيجة للجعل الا انها مقيدة بعدم كشف الخلاف فلا تنفع بعده فالنقض عليه (قده) بمجعولية الاجزاء في موارد قاعدة الفراغ ونحوها اجنبي عما اراده بالكلية وان اردت الاحاطة بخصوصيات ما ذكرناه في مجعولية الاجزاء وعدمها فراجع بحث الاجزاء فتحصل من جميع ما ذكرناه وضوح دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب وانه لا موقع للاشكال في انطباق التعليل على المورد وعلى تقدير عدم اندفاعه ومنعه عن التمسك بتلك الفقرة عليها ففي الفقرة الثانية كفاية * (تتميم) * لا ريب في وجوب اعادة الصلاة الواقعة في بعض اطراف العلم الاجمالي إذا انكشف نجاسته فيما بعد أو لم ينكشف وذلك لعدم احراز الطهارة حال الصلاة وعدم احراز وقوعها معها ولو بعدها كما لا ريب في عدم وجوب الاعادة مع تمشي قصد القربة وانكشاف وقوعها مع الطهارة وذلك لاقترانها بالشرط الواقعي وان لم يكن المكلف محرزا له حين العمل ولو علم اجمالا بنجاسة احد الثوبين فاتى في كل منهما بصلاة مع تمشي قصد القربة منه ثم انكشف نجاسة كل منهما فهل يبطل كل منهما أو خصوص الاولى دون الثانية وجهان جاريان

[ 368 ]

في كل ما إذا كان الحكم ثابتا في كل من اطراف العلم الاجمالي وإن كان المكلف لم يتعلق علمه الا بواحد مردد بينها (من) أن العلم الاجمالي حيث أنه لم يتعلق إلا بحكم واحد فيكون الواحد منجزا دون غيره (ومن) ان نسبة العلم الاجمالي إلى كل من الحكمين على حد سواء فيكون كل منهما متنجزا به لا محالة (ولكن التحقيق) هو الوجه الاول وذلك لما بيناه مرارا من ان المنجز في باب العلم الاجمالي إنما هو العلم المتعلق بالجامع بين الاطراف أو الطرفين وكل من الخصوصيتين لكونه مجهولا يستحيل أن يتنجز بالعلم ولكن حيث أن نسبة العلم إلى كل من الاطراف متساوية وتخصيص طرف دون آخر بالتنجز ترجيح بلا مرجح فلا محالة حكمنا بوجوب الموافقة القطعية وإلا فالعلم الاجمالي بنفسه لا يقتضي إلا حرمة المخالفة القطعية ليس إلا وعلى ذلك فحيث ان المعلوم بالاجمال في المقام نجاسة واحدة فلا محالة يكون المتنجز هو الواحد ايضا وحيث أن المعلوم هو صرف الوجود فينطبق على اول الوجودات قهرا فالثوب الاول الذي وقع الصلاة فيه ينطبق عليه المعلوم بالاجمال ويكون صلاة الواقعة فيه محكومة بالبطلان واما الثوب الثاني فلم يكن نجاسته معلومة فلذا يصح الصلاة الواقعة فيه وهكذا الامر في استحقاق العقاب فإذا علم بحرمة احد الكأسين فشربهما وانكشف حرمتهما يكون المنجز وما يستحق العقاب عليه هو الشرب الاول لانطباق المعلوم بالاجمال وهو صرف الوجود عليه دون الثاني (فإن قلت) سلمنا عدم تنجز الوجود الثاني لعدم معلوميته بخصوصه وانطباق المعلوم بالاجمال على اول الوجودات إلا أن ذلك لا يكفي في صحة الصلاة الثانية لاشتراطها بالطهارة الواقعية أو احرازها وكل منهما مفروض العدم اما الطهارة الواقعية فواضحة واما احرازها فلمنافاته مع العلم الاجمالي ومع عدم الشرط يكون الصلاة فاسدة لا محالة (قلت) إذا فرضنا عدم تنجيز العلم الاجمالي إلا بمقدار المعلوم وهو الوجود الواحد فلا محالة يكون الوجود الآخر محكوما بالاصل اعني به اصالة الطهارة وحيث ان المفروض انطباق المعلوم بالاجمال على اول الوجودات فيكون المحكوم بالاصل وهو الوجود الثاني فطهارته محرزة بالاصل فالصلاة الواقعة فيه واجدة للشرط الذي هو اعم من نفس الطهارة واحرازها فتأمل (ومنها) صحيحة ثالثة لزرارة قال من لم يدر في اربع هو أو في ثنتين وقد احرز الثنتين قال يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه وإذا لم يدر في ثلاث هو أو اربع وقد احرز الثلاث قام فأضاف إليها اخرى ولا شئ عليه ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في

[ 369 ]

اليقين ولا يخلط احدهما بالآخر ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات (وقد اورد العلامة الانصاري) (قده) على الاستدلال بها بما حاصله ان الاستدلال بها يتوقف على ارادة اليقين بعدم اتيان الركعة الرابعة والشك في اتيانها بعد احراز الثلاث من قوله عليه السلام لا ينقض اليقين بالشك ولازم ذلك هو وجوب الاتيان بالركعة المتصلة وهو مناف لمذهب الاصحاب واخبارهم الدالة على وجوب البناء على الاربع وموافق لمذهب العامة ولابد من حملها حينئذ على التقية وهو مع بعده في نفسه مناف لصدر الرواية المنافي للتقية لظهوره في وجوب الاتيان بركعتين منفصلتين من جهة حكم الامام عليه السلام بتعين فاتحة الكتاب فيهما فلابد من حمل اليقين فيها على وجوب اليقين بالبراءة بالبناء على الاكثر والاتيان بركعة منفصلة وقد سمي هذا بالبناء على اليقين في بعض الاخبار من جهة ان المكلف يكون معه مأمونا من احتمال النقيصة والزيادة اما المأمونية من احتمال الزيادة فواضح وأما المأمونية من احتمال النقيصة فلتداركها بالركعة المنفصلة على تقدير النقصان ثم على تقدير تسليم ظهورها في الاستصحاب وحملها على التقية الذي هو خلاف الاصل فالاستدلال بها على حجيته يتوقف على كون التقية في خصوص المورد وحمل القاعدة المستشهد بها لهذا الحكم المخالف للواقع على بيان الواقع لتكون التقية في اجراء القاعدة في المورد لا في نفسها وفي هذا مخالفة اخرى للظاهر غير ما في نفس الحمل على التقية من المخالفة له * (ويرد عليه) * (اولا) ان الظاهر من قوله (ع) قام فأضاف إليها اخرى بقرينة الفقرة الاولى هو اضافة ركعة اخرى مع فاتحة الكتاب فيكون في نفس هذه الفقرة مع قطع النظر عما في ذيل الصحيحة من قوله (ع) ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط احدهما بالاخر ويتم على اليقين اشعار بوجوب اتيان هذه الركعة منفصلة حيث ان تعيين فاتحة الكتاب لاجل انها تكون متممة للصلاة على تقدير نقصانها ونافلة على تقدير تماميتها فتعيين فاتحة الكتاب لاجل أن تكون الركعة الواحدة قابلة لان تكون نافلة وقد ورد انه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فيكون مفاد الرواية هو وجوب البناء على الاكثر الذي اتفق عليه كلمات الاصحاب والاخبار (وتوهم) ان حمل الصحيحة على ظاهرها وهو الاستصحاب يقتضي حملها على التقية لاقتضائه الاتيان بركعة موصولة ووجوب البناء على الاقل الذي هو مذهب العامة (ناش) من تخيل أن مقتضى البناء على عدم الاتيان بالركعة الرابعة هو ذلك والغفلة عن أن مقتضى الاستصحاب ليس إلا كون المكلف محرزا لعدم الاتيان بها واما أن

[ 370 ]

تكليفه الفعلي هل هو الاتيان بركعة متصلة أو منفصل فالاستصحاب اجنبي عن ذلك وليس مفاد ادلة وجوب البناء على الاكثر منافيا للاستصحاب اصلا (نعم) الجعل الاولي هو وجوب الاتيان بالركعات متصلة وأدلة وجوب البناء على الاكثر مخصصة لها واقعا ولذا حكم بالاجزاء فيها على تقدير انكشاف النقصان فيما بعد ولو كان مفاد تلك الادلة حكما ظاهريا لكان الحكم بالاجزاء على خلاف القاعدة فلولا تلك الادلة وبقاء الجعل الاولي على حاله لكان مقتضى الاستصحاب هو وجوب الاتيان بالركعة الرابعة موصولة ولكن مع وجودها وانقلاب الحكم الواقعي إلى وجوب الاتيان بها مفصولة لم يكن مقتضى الاستصحاب إلا وجوب الاتيان بها كذلك فأدلة وجوب البناء على الاكثر غير منافية لاطلاق دليل الاستصحاب كما توهمها المحقق صاحب الكفاية (قده) فضلا عن المنافاة لاصله ومع عدم المنافاة تبقى الرواية على ظهورها في الاستصحاب من دون مقتض للحمل على التقية اصلا بل قد عرفت ان الصحيحة بنفسها ظاهرة في وجوب الاتيان بالركعة المشكوكة منفصلة فكيف يمكن حملها على التقية على ما افاده هو (قده) من استلزام حمل الرواية على الاستصحاب لذلك وليت شعري اي مخالفة للظاهر في حمل قوله (ع) ولا يدخل الشك في اليقين على وجوب الاتيان بالركعة المشكوكة منفصلة حتى لا يكون المشكوك داخلا في المتيقن حيث افاد (قده) ان فيه من المخالفة لظواهر الفقرات الست أو السبع ما لا يخفى على المتأمل بل في بعض تلك الفقرات ظهور في ذلك كما هو ظاهر (وثانيا) ان التعبير عن وجوب البناء على الاكثر الذي هو موجب لليقين بالبراءة بالبناء على اليقين اي ربط له بالتعبير عنه بنقض اليقين بالشك واي جامع بين القضيتين غير اشتراكهما في لفظ اليقين ولعمري ان حمل هذه القضية على ذلك لارادته من البناء على اليقين من الغرائب التي ما كنا نأمل صدور مثلها عن مثله (قده) (وثالثا) سلمنا ان ظهور الصحيحة في الاستصحاب يقتضي حملها على التقية إلا انه لا اشكال في ان الحمل على التقية الذي هو خلاف الاصل انما يصار إليه ويرفع اليد عن مقتضى الاصل بمقدار الضرورة ولا ريب ان الضرورة انما اقتضت الحمل عليها في خصوص المورد فما الموجب لرفع اليد عن القاعدة المستشهد بها على حكم المورد واي مخالفة اخرى للظاهر في ذلك بل رفع اليد عن القاعدة في غير المورد خلاف الظاهر ونظير ذلك كثير في الفقه (منها) قوله (ع) في ثبوت العيد ووجوب الافطار ذلك إلى امام المسلمين ان افطر افطرنا وان صام صمنا حيث أن التقية في التطبيق لا تنافي

[ 371 ]

كون هذا الحكم واقعيا وان العيد يثبت بحكم الامام العادل (فتحصل) مما ذكرناه تمامية دلالة الصحيحة على حجية الاستصحاب وعدم منافاتها لوجوب البناء على الاكثر بل عرفت أن في نفس الصحيحة دلالة ظاهرة عليه ايضا (ومنها) موثقة عمار عن ابي الحسن عليه السلام قال إذا شككت فابن على اليقين قلت هذا اصل قال نعم وقد جعلها العلامة الانصاري (قده) من ادلة وجوب البناء على الاكثر على ما ادعاه (قده) من أن وجوب البناء على الاقل على ما هو مقتضى الاستصحاب ينافي ما جعله الشارع اصلا في غير واحد من الاخبار فيتعين فيها الحمل على التقية أو على وجوب البناء على الاكثر وهذا منه (قده) مبني على ما زعمه من منافاة ادلة وجوب البناء على الاكثر مع الاستصحاب وان الاستصحاب ساقط في باب الشك في الركعات وقد عرفت ان التحقيق يقتضي خلافه (مضافا) إلى انه ليس في الموثقة ما يدل على تقييد متعلق الشك بخصوص الصلاة فضلا عن التقييد بخصوص الركعات فغاية ما هناك كون هذه الموثقة كبقية روايات الاستصحاب مخصصة بأدلة وجوب البناء على الاكثر في خصوص الشك في الركعات فلا موجب لا للحمل على التقية ولا للحمل على خصوص باب الصلاة بارادة وجوب البناء على الاكثر من وجوب البناء على اليقين (فإن قلت) أن قاعدة الاستصحاب تتوقف على فرض وجود يقين سابق على الشك وليس في الموثقة ما يدل على اعتبار سبقه عليه ولا سبق المتيقن على المشكوك فيحتمل ارادة ايجاب الاحتياط منها كما افاده (قده) (قلت) قد ذكرنا مرارا ان كل قضية حقيقية يتوقف فعلية الحكم فيها على فعلية موضوعه فوجوب البناء على اليقين فرع تحقق اليقين في زمان الشك وهذا لا يتحقق الا في مورد الاستصحاب ومنه يظهر عدم امكان حمل الموثقة على قاعدة اليقين ايضا كما يتضح في الرواية الآتية ان شاء الله تعالى (ومنها) رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال قال امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فإن الشك لا ينقض اليقين وفي معناها رواية اخرى عنه عليه السلام من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه فإن اليقين لا يدفع بالشك وقد جعلها العلامة الانصاري (قده) ظاهرة في قاعدة اليقين من جهة ظهورها في تقدم زمان اليقين على الشك المعتبر في القاعدة وهذا بخلاف الاستصحاب فإن زمان اليقين فيه متحد مع زمان الشك وانما السبق في تقدم زمان المتيقن على المشكوك وحيث أن ظاهر الرواية تقدم نفس صفة اليقين على الشك فلا محالة

[ 372 ]

تكون ظاهرة في القاعدة (وانت خبير) بان تقدم زمان صفة اليقين على الشك حدوثا كما هو ظاهر الرواية لا يختص بالقاعدة بل ربما يتحقق في مورد الاستصحاب ايضا بل لعل هذا هو الغالب في موارده وإنما الفرق بينهما هو اختلاف زماني المتيقن والمشكوك في الاستصحاب دون القاعدة ووحدة زمان الصفتين في باب الاستصحاب في الجملة دونها واما تقدم زمان صفة اليقين على زمان الشك حدوثا فليس من مختصات القاعدة حتى يوجب ظهور الرواية فيها بل إن قوله عليه السلام فليمض على يقينه في غاية الظهور في الاستصحاب لوجود اليقين في زمان الشك فيه المقتضي للجري على طبقه الذي هو معنى المضي عليه وما في مورد القاعدة فالمفروض انقضاء اليقين وتبدله بالشك ولا ريب ان اطلاق اليقين على الصفة المتبدلة بالشك يحتاج إلى عناية كثيرة وليس لفظ اليقين من المشتقات التي وقع الكلام في انها حقيقة في خصوص المتلبس أو الاعم منه ومن المنقضي بل هو من الجوامد التي لا اشكال في كون الاطلاق فيها بلحاظ حال الانقضاء محتاجا إلى عناية ورعاية (والحاصل) ان الرواية مع قطع النظر عن ذيلها وإن كانت قابلة للحمل على القاعدة وعلى الاستصحاب إلا ان ذيلها يعينها في الثاني فيكون الحمل على القاعدة على خلاف الظهور * (ثم ان في رسالة شيخنا العلامة الانصاري) * (قده) في المقام حاشية يحتمل كونها من سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) (وحاصلها) ان ظاهر الرواية تجريد متعلق اليقين والشك عن التقييد بالزمان وهذا إنما يكون في الاستصحاب فتكون الرواية ظاهرة فيه وظاهر هذا الكلام هو لزوم تقيد متعلقي اليقين والشك في القاعدة بالزمان وهذا ليس صحيحا إذ المعتبر فيها كون متعلق اليقين بعينه متعلقا للشك اعم من ان يكون الزمان قيدا فيه أو ظرفا لتحققه ولذا ينقلب مورد الاستصحاب إلى مورد القاعدة في كل ما إذا فرض زوال اليقين وسريان الشك إلى ظرفه مع ان الاستصحاب لا مورد له مع اخذ الزمان قيدا في المتعلق اللهم إلا ان يكون نظره (قده) من كون الزمان قيدا في مورد القاعدة إلى القيدية في مقابل الاطلاق اعم من القيدية المصطلحة والظرفية ويكون الاستدلال حينئذ مبنيا على ان المعتبر في الاستصحاب هو الغاء زمان متعلق اليقين وتجريده عن الزمان حتى يكون قابلا لتعلق اليقين والشك به في زمان وهذا بخلاف القاعدة فإن متعلق اليقين فيه غير مجرد عنه والزمان ملحوظ فيه ولو بنحو الظرفية وحيث ان ظاهر الرواية هو التجريد وعدم التقييد فتكون ظاهرة في الاستصحاب (وكيف كان) ففي ما ذكرناه من ظهور الذيل في

[ 373 ]

الاستصحاب غنى وكفاية (ومنها) مكاتبة علي بن محمد القاساني قال كتبت إليه وانا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام ام لا فكتب عليه السلام اليقين لا يدخله الشك صم للرؤية وافطر للرؤية وقد جعلها العلامة الانصاري (قده) اظهر ما في الباب من الاخبار والانصاف عدم الظهور فيها اصلا لان الاستدلال بها في المقام يتوقف على ارادة اليقين بشعبان أو عدم دخول هلال رمضان والشك في بقائهما من اليقين والشك المذكورين فيها وهكذا الامر بالنسبة إلى الشك في دخول شوال وعدمه حتى يكون المراد من عدم دخوله الشك عدم نقضه به وهذا خلاف ظاهرها لان إرادة النقض من الدخول تحتاج إلى عناية ورعاية بل الظاهر (والله العالم) هو ارادة عدم دخول متعلق الشك في متعلق اليقين بمعنى أن شهر رمضان الذي يجب فيه الصوم وكذا يوم العيد الذي يجب فيه الافطار يعتبر فيهما اليقين ويوم الشك الذي هو متعلق الشك لا يدخل في متعلق اليقين حتى يثبت له حكمه ولا يخفى ان تفريع قوله (ع) صم للرؤية وافطر للرؤية على الاستصحاب وإن كان صحيحا إلا انه على ما ذكرناه امس واولى ومع ذلك كيف يمكن ان يقال انها اظهر في المقام من صحاح زرارة التي هي العمدة في اخبار الباب (ومنها) قوله (ع) كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر وقوله (ع) كل شئ حلال حتى تعرف انه حرام وقوله (ع) الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس وذكر صاحب الفصول (قده) قوله (ع) كل شئ طاهر (الخ) من اخبار الاستصحاب نظرا إلى افادته لحكم القاعدة والاستصحاب معا والظاهر انه يقول بمثل ذلك في اخبار الحل ايضا (وقد ذكر) صاحب الوافية اخبار الحل في المقام والظاهر انه يقول ذلك في الرواية الاولى ايضا واما العلامة الانصاري (قده) فقد خصص الروايتين الاوليين بقاعدة الطهارة والحلية في المشكوك ولكنه سلم دلالة الرواية الثالثة على حكم الاستصحاب مع حكم الماء بعنوانه الاولي فيكون المستفاد منه هو الحكم الواقعي للماء مع الحكم الاستصحابي والتزم بذلك المحقق صاحب الكفاية (قده) فيها في تمام الروايات مدعيا كون الروايات اجنبية عن قاعدة الطهارة والحلية رأسا وأن الصدر منها ظاهر في الحكم الواقعي وذيلها في الحكم الاستصحابي وقد بنى هو (قده) في حاشية الرسائل على استفادة الاحكام الثلاثة من الروايات حكم القاعدة والاستصحاب والحكم الواقعي نظرا إلى أن الصدر منها يشمل المشكوك ايضا فإنه ايضا شئ من الاشياء فيكون متكفلا لحكم الاشياء بعناوينها وبما انه مشكوك والمعروف انه مختصة بقاعدة الحل أو الطهارة واجنبية عن بيان الحكم

[ 374 ]

الاستصحابي والحكم الواقعي والاحتمال في كل واحد من الروايات سبعة اختصاصها بخصوص القاعدة أو بخصوص الاستصحاب أو بخصوص الحكم الواقعي وشمولها لاثنين منها على الاختلاف أو لكلها لكن القول فيها منحصر باربعة الاختصاص بالقاعدة أو الاشتراك بينها وبين الاستصحاب أو بينه وبين الحكم الواقعي أو بين الكل والاقوى منها هو القول الاول (بيان ذلك) ان الشئ الذي حكم عليه بالحلية سواء اريد منها الموضوعات الخارجية كما في قوله (ع) كل شئ طاهر أو الافعال الخارجية حتى لا يكون الحكم مختصا بالافعال التي لها تعلق بالموضوعات الخارجية بل يكون ثابتا لها ولغيرها إما ان يراد منه الشئ بما هو اي بعنوانه الاولي الذاتي أو بعنوانه الثانوي الطارئ عليه من كونه مشكوك الحكم (وعلى الاول) فلا ريب في ان الحكم الثابت له يكون حكما واقعيا يشترك فيه الجاهل والعالم ويكن حينئذ من العمومات المخصصة بما ثبت فيه الحرمة أو النجاسة (وعلى الثاني) يكون الحكم الثابت له حكما ظاهريا لوحظ موضوعه مشكوك الحكم بما هو كذلك (وبالجملة) الشئ بما هو من دون لحاظ كونه مشكوك الحكم لا يمكن فيه الا الحكم بطهارته أو حليته الواقعيتين كما انه بما هو مشكوك الحكم الذي هو فرع ثبوت حكم يشك فيه لا يمكن فيه الا الحكم بالطهارة الظاهرية أو الحلية كذلك فموضوع الحكم الواقعي ونفسه متقدم رتبة على كل من موضوع الحكم الظاهري ونفسه ومع ذلك كيف يمكن ان يكون المراد من الشئ هو الشئ بعنوانه الاولي وبعنوانه الثانوي معا ومن الحكم الثابت له هو الحكم الواقعي والظاهري كذلك لا اقول إن ما شك في طهارته ونجاسته أو حليته وحرمته ليس بشئ من الاشياء بل اقول إن الحكم بطهارته أو حليته لا يمكن ان يكون بلحاظ كونه مشكوكا فانه فرع ثبوت حكم له في نفسه حتى يلحظ كونه مشكوكا فيه ويحكم عليه بشئ وفي ظرف لحاظه في نفسه الذي هو ظرف اثبات الحكم الواقعي له كيف يلحظ كونه مشكوك الحكم حتى يثبت له الحكم الظاهري بل قد ذكرنا في بعض مباحث العموم والخصوص ان الحكم الثابت لاي عنوان عام وان كان يسري إلى كل فرد من افراده العرضية الا ان ثبوت الحكم له بتوسط ذاك العنوان لا بما له من الخصوصية مثلا إذا ثبت وجوب اكرام العامل بنحو العموم فسراية الحكم إلى العالم العادل مثلا لاجل كونه عالما لا لكونه عادلا ففي الحقيقة الحكم ثابت للجامع مع الغاء خصوصية الافراد لا لكل خصوصية خصوية فإذا كان الامر كذلك في العناوين العرضية ففي العنوان الطولي بطريق اولى فغاية ما يقتضيه كون المشكوك شيئا هو ثبوت الحكم له بما هو شئ لا بما

[ 375 ]

هو مشكوك الذي هو موضوع الحكم الظاهري (ثم انه) على تقدير الاغماض عن ذلك كيف يمكن ان يكون قوله (ع) طاهر أو حلال متكفلا للحكم الظاهري والواقعي معا فإن الحكم الواقعي لتأخر الحكم الظاهري عنه بمرتبتين لابد وان يكون مفروض الوجود في ظرف ثبوت الحكم الظاهري كيف يمكن انشاؤهما معا في زمان واحد ومع قطع النظر عن ذلك ايضا كيف يمكن جعل العلم بالحرمة أو القذارة غاية للحكم الظاهري والواقعي مع انه بنفس غاية للاول دون الثاني وانما يحتاج جعله غاية له إلى عناية اخذه طريقا إلى وجود غاية الحكم الواقعي أو رافعه كما سنبينه (وبالجملة) التنافي بين لحاظ الشئ مرسلا وغير ملحوظ فيه الشك الذي هو موضوع الحكم الواقعي وبين لحاظه مقيدا وملحوظا فيه الشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري في القاعدة أو الاستصحاب في غاية الوضوح وعلى ذلك لابد من اختصاص الموضوع باحدهما حتى يكون الحكم الثابت له متمحضا في الواقعية أو الظاهرية ولا ريب ان ظاهر الصدر في نفسه وان كان هو لحاظ الشئ بعنوانه وكون الحكم الثابت له واقعيا الا ان ذيل الرواية وجعل الغاية هو العلم يكون قرينة متصلة على الخلاف فان الحكم الواقعي يكون مغيى بامر واقعي من انقلاب الموضوع كما في انقلاب الخل خمرا أو حدوث امر آخر موجب لارتفاع الحلية والطهارة من ملاقاة نجاسة ونحوها فإن الحكم الواقعي انما يرتفع بوجود غايته أو رافعه والا فالعلم بالنجاسة أو الحرمة لا يكون غاية للحكم الواقعي إلا ان يقال ان العلم في الرواية اخذ غاية بما انه طريق إلى الواقع وتكون النجاسة أو الحرمة اللتان تعلق بهما العلم كناية عن وجود سببهما فمعنى قوله (ع) كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر بعد تخصيصه بغير الاعيان النجسة ان كل شئ غير تلك الاعيان محكوم بالطهارة حتى يعرضه النجاسة بسبب ملاقاة النجاسة أو الغليان مثلا وحينئذ يكون المراد من الطهارة أو الحلية هي الطهارة أو الحلية الواقعيتان ويكون الغاية لهما هو حدوث ما يرفعهما ولا يخفى ان حمل الرواية على ذلك من مخالفة الظهور بمرتبة كاد ان يلحق بالمستحيل وعلى ذلك فتتمحض الروايات في بيان الحكم الظاهري فقط من دون تعرض لها لبيان الحكم الواقعي لا مستقلا ولا منضما إلى الحكم الظاهري وعلى ذلك يقع الكلام في انه هل يمكن ارادة القاعدة والاستصحاب منها معا كما اختاره صاحب الفصول (قده) أو لا وعلى الثاني فهل الظاهر منها خصوص الاستصحاب أو خصوص القاعدة وعلى الثاني فهل هناك مانع عن الشمول للشبهات الحكمية والموضوعية معا أو تختص القاعدة بواحدة منهما كما اختاره المحقق

[ 376 ]

القمي (قده) فهناك جهات ثلاثة (اما الجهة الاولى) فالتحقيق يقتضي عدم امكان ارادة القاعدة والاستصحاب معا منها وذلك لان موضوع الحكم في القاعدة والاستصحاب وان كان هو المشكوك الا ان العناية في القاعدة إنما هو بلحاظ الثبوت لا البقاء فالمشكوك طهارته مثلا يحكم عليه بالطهارة بما هو فهو حكم ابتدائي مجعول لموضوعه من دون لحاظ البقاء كالحكم الواقعي وإنما استمراره باستمرار موضوعه وانقطاعه بانقطاعه فقوله عليه السلام حتى تعلم بناء على ارادة القاعدة من الرواية لبيان تقوم موضوع القاعدة بعدمه وأن عدم العلم داخل في هويته وهذا بخلاف التعبد الاستصحابي فإنه بلحاظ البقاء والاستمرار عند مفروغية الثبوت والعلم فيه غاية الاستمرار فكم فرق بين الحكم بالاستمرار مع عدم التعرض لحال الثبوت بل جعله مفروغا عنه وبين الحكم بالثبوت مع عدم التعرض للاستمرار اصلا والجمع بين هاتين العنايتين في قوله (ع) كل شئ طاهر كالجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في انشاء واحد في عدم الامكان وان كان دونه في الظهور (وتوهم) اختصاص الصدر بالقاعدة وكون الاستصحاب مستفادا من الذيل الدال على الاستمرار فتكون الرواية دالة عليهما معا (غير ممكن) ايضا إذ مع فرض ان الذيل وهو قوله عليه السلام حتى تعلم قيد لموضوع القاعدة وداخل في هويته كيف يمكن جعله غاية لاستمرار الحكم الثابت له (نعم) لو كانت العبارة ان كل شئ مشكوك طاهر وهو مستمر إلى زمان العلم بالنجاسة لامكن استفادة الاستصحاب منها ايضا لكنه غير ما ورد في الرواية (واما الجهة الثانية) فالظاهر عدم امكان حمل الروايات على الاستصحاب فإن قوله عليه السلام حتى تعلم وإن كان ظاهرا في كونه غاية للاستمرار إلا ان ظهور الصدر في انه في مقام إثبات الحكم بالطهارة ابتداء للمشكوك لا انه في مقام الحكم باستمرار ما ثبت طهارته اقوى منه فيكون ظهور الصدر صارفا عن ظهور كلمة حتى في الغائية إلى جعل الذيل مقوما للموضوع وهذا ظاهر بأدنى تأمل (واما الجهة الثالثة) فالحق عدم اختصاص القاعدة بواحدة من الشبهات الحكمية والموضوعية فإن عمدة ما افاده المحقق القمي (قده) في وجه الاختصاص هو ان موضوع الحكم بالطهارة في الشبهات الموضوعية هي الافراد الخارجية واما في الشبهات الحكمية فالموضوع فيها هي العناوين العامة كالحديد وغيره ولا يمكن ان يكون عموم قوله (ع) كل شئ طاهر بلحاظ الافراد والعناوين معا فلابد من الاختصاص باحدهما ويظهر جوابه (قده) مما ذكرناه في بحث العام والخاص من ان العموم في اي دليل فرض كان متكفلا

[ 377 ]

للحكم الواقعي أو الظاهري إنما هو بلحاظ الافراد الخارجية لا العناوين فإنه يحتاج إلى عناية زائدة فعموم قولنا اكرم كل عالم إنما هو بلحاظ افراده لا بلحاظ انواعه من الفاسق والعادل وغيرهما وعلى ذلك فكما ان العموم في الشبهات الموضوعية بلحاظ الافراد كما افاده (قده) فكذلك الامر في الشبهات الحكمية غاية الامر ان منشأ الشك (تارة) يكون هو الجهل بالحكم المجعول الشرعي (واخرى) من جهة الامور الخارجية وهذا لا يوجب اختلافا في ناحية العموم (فتلخص) من جميع ما ذكرناه اختصاص الروايات بخصوص قاعدة الطهارة أو الحلية اعم من الشبهات الحكمية والموضوعية نعم في شمول قوله (ع) كل شئ فيه حلال وحرام للشبهات الحكمية اشكال تعرضنا له في مبحث البراءة فراجع * (ثم ان شيخنا العلامة الانصاري (قده)) * بعد ما منع من دلالة قوله (ع) كل شئ طاهر أو حلال على الاستصحاب وبنى على اختصاص الروايتين بقاعدة الطهارة والحلية سلم دلالة قوله (ع) الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس على الاستصحاب وذلك لان الاشتباه في نجاسة الماء لا يكون إلا من جهة احتمال عروض النجاسة غالبا لان طهارة الماء في حد ذاته مما هو مرتكز في الاذهان وهذا بخلاف الروايتين السابقتين فإن الموضوع فيهما لكونه هو عنوان الشئ فاحتمال نجاسته لا يلازم العلم بالطهارة سابقا كما هو ظاهر (ولا يخفى) ان هذه التفرقة وإن كانت في محلها إلا ان مجرد وجود حالة سابقة للشئ خارجا وكونه مرتكزا في الاذهان لا يوجب حمل الرواية على الاستصحاب إذ الحكم الاستصحابي يحتاج إلى عناية ملاحظة البقاء حتى يكون متعلق الحكم هو استمرار ما ثبت وجوده وإلا فالحكم بنفس الطهارة في ظرف الشك ولو لاجل احتمال عروض النجاسة من دون مراعاة الحالة السابقة بل لاجل نفس الشك لا يكون استصحابا كما هو واضح (ومنها) رواية عبد الله بن سنان فيمن يعير ثوبه الذمي وهو يعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير قال فهل علي أن اغسله قال (ع) لا لانك اعرته اياه وهو طاهر ولا يخفى أن الرواية ظاهرة في ان مدرك الحكم بعدم وجوب الغسل هو العلم بالطهارة سابقا والشك في عروضها لاحقا ومع الغاء خصوصية المقام من كون مورد السؤال هو خصوص الثوب المعار وخصوصية الطهارة التي تعلق بها اليقين والشك يستدل بها على حجية الاستصحاب مطلقا (هذا غاية ما يمكن) ان يستدل به على حجية الاستصحاب ولا يخفى ان الاقوال في حجيته وان كانت كثيرة إلا انه لا ينبغي التعرض لها ولما يرد عليها بعد عموم الادلة وعدم اختصاصها بخصوصية وقد تعرضنا

[ 378 ]

سابقا للتفصيل الذي افاده في المقام شيخنا العلامة الانصاري (قده) من عدم حجية الاستصحاب فيما إذا كان مدرك الحكم المتيقن ثبوته هو العقل دون النقل (ولا بأس) بالتعرض للتفصيل الذي افاده المحقق السبزواري (قده) عند الشك في الرافع (وحاصل) ما افاده هو ان الشك في بقاء الحكم السابق اما ان يستند إلى احتمال وجود الرافع واما ان يستند إلى الشك في رافعية الشئ الموجود المتحقق وعلى الاول يجري الاستصحاب لان رفع اليد عن اليقين السابق انما هو لاجل الشك في تحقق الرافع وهو نقض لليقين به واما الشك في رافعية الموجود كالشك في رافعية المذي للطهارة مثلا فهو لا يعقل ان يكون ناقضا لليقين السابق بداهة انه كان موجودا قبل تحقق المذي ولم يكن موجبا لرفع اليد عن اليقين السابق فرفع اليد عنه مستند إلى اليقين بتحقق ما هو مشكوك الرافعية وهذا ليس من نقض اليقين بالشك (ويرد عليه) ان سبق الشك في الرافعية على اليقين بتحقق ما هو مشكوك الرافعية لا يكون سببا لاستناد النقض إلى اليقين دون الشك بتوهم ان المعلول يستند إلى الجزء الاخير من العلة وذلك لان اليقين بتحقق المذي مثلا يستحيل ان يكون ناقضا لليقين بالطهارة مع قطع النظر عن الشك في رافعيته لعدم الربط بين متعلقي اليقينين كما هو ظاهر فرفع اليد عن اليقين السابق لا محالة يستند إلى الشك المقارن مع القطع بتحقق المذي وهو الشك في رافعيته فيصدق على رفع اليد عن اليقين السابق به انه نقض لليقين بالشك (والحاصل) الناقض لليقين السابق لابد وان يكون يقينا آخر متعلقا بضد الحكم السابق أو نقيضه وبالجملة اليقين بارتفاعه والا فلابد وان يكون كل يقين ناقضا لكل يقين وهو بديهي الفساد (فالحق) هو حجية الاستصحاب في تمام اقسام الشك في الرافع وبعض اقسام الشك في الغاية الملحق به واما الشك في المقتضي وما يلحقه من اقسام الشك في الغاية على ما بيناه سابقا فالتحقيق عدم حجيته فيه وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري والمحقق الخونساري (قدس سرهما) وقد بينا المراد من احراز المقتضي الذي نعتبره في المقام فراجع (فنقول) (وبالله الاستعانة) لا ريب ان المراد من النهي عن نقض اليقين بالشك ليس هو النهي عن نقض صفة اليقين بما هي كذلك بصفة اخرى ضرورة انه خارج عن الاختيار وغير قابل لتعلق التكليف به مع ان صفة اليقين منتقض في باب الاستصحاب بالشك لا محالة فكيف يكون قابلا لتعلق النهي به كما انه ليس المراد منه النهي عن عدم ترتيب آثار نفس صفة اليقين حال الشك وذلك لان صفة اليقين لم يترتب عليها اثر في الشريعة حتى يحكم بترتيبه في ظرف الشك

[ 379 ]

وعلى فرض تحققه فمورد الاخبار آب عن حملها عليه وكذا لا ريب في ان المراد من النهي ليس هو التكليف الالزامي التحريمي وذلك لجريان الاستصحاب في الاحكام الغير الالزامية وفي الاحكام الوضعية فالمراد منه اثبات حكم شرعي بالجري العملي على طبق الحالة السابقة المتيقنة في ظرف الشك نظير ما ذكرناه في بحث البيع من ان مفاد اوفوا بالعقود هو بنفسه لزوم العقد وعدم انفساخه بالفسخ لا انه يفيد حكما الزاميا يترتب عليه اللزوم لا بمعنى ان يراد من اليقين المتيقن كما يوهمه ظاهر كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) حتى يقال ان استعمال لفظ اليقين في المتيقن لو لم يكن من الاغلاط فلا محالة يكون من المجازات البعيدة ولابد في ذلك من قرينة والمفروض انتفاؤها في المقام بل بمعنى ان اليقين بشئ حيث انه يقتضي الجري العملي على طبقه سواء كان موضوعا خارجيا أو حكما شرعيا كليا أو جزئيا تكليفيا أو وضعيا الزاميا أو غير الزامي من جهة الابرام الملحوظ فيه في مقابل العلم الملحوظ فيه نفس الانكشاف فقط أو القطع الملحوظ فيه عدم التردد الموجود في الشك والظن اسند إليه النقض الذي هو عبارة عن حل الامر المبرم كالحبل ونحوه ولعله لذلك لا يسند النقض إلى صفة القطع أو العلم فلا يقال انتقض العلم أو القطع وهذا بخلاف اليقين فإنه يصح اسناد النقض إليه بلا مؤنة (فما يتوهم) من كون هذه الالفاظ مترادفة كتوهم الترادف في جملة اخرى من الالفاظ (ناش) عن عدم التدبر في خصوصيات المعاني التي بها يختلف موارد الاستعمالات وبالجملة لا ريب في ان اليقين انما اسند إليه النقض باعتبار اقتضائه للجري العملي على طبقه بما انه طريق إلى المتيقن لا بما هو هو وانه صفة نفسانية في حد ذاتها وعليه لابد ان يحمل كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) وعلى ذلك فان كان متعلق اليقين غير محدود في عمود الزمان بغاية فلا محالة يكون تعلق اليقين به مقتضيا للجري العملي على طبقه على الاطلاق ولا موجب لرفع اليد عنه حينئذ الا الشك في الرافع فيصدق عليه نقض اليقين بالشك بحسب الجري العملي واما إذا لم يكن كذلك بل احتمل كون المتيقن مغيى بغاية فلا محالة يكون المقدار المتيقن هو ما قبل الغاية المحتمل غائيته وبالنسبة إلى ما بعدها لا مقتضي للجري العملي من اول الامر فعدم الجري بعدها ليس مستندا الا إلى قصور المقتضي وانتقاض اليقين بنفسه بحيث لو فرضنا عدم الشك فعلا لم يكن هناك مقتض للجري (والحاصل) ان اليقين بحكم إذا كان مرسلا في عمود الزمان ولم يحتمل كونه محدودا بزمان فلا محالة يكون رفع اليد عنه في الزمان المتأخر مستندا إلى احتمال تحقق الرافع فيصدق عليه

[ 380 ]

انه من باب نقض اليقين بالشك واما إذا كان مهملا من حيث عمود الزمان لتردد متعلقه بين ان يكون محدودا أو مرسلا فالزائد على المقدار المحدود لم يتعلق به يقين في زمان كي يكون رفع اليد عنه نقضا لليقين بالشك فالاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك لا تشمل موارد الشك في المقتضي بهذا المعنى وتختص بموارد الشك في الرافع وقد اشرنا سابقا إلى ان المراجعة إلى الموارد التي منع العلامة الانصاري (قده) فيها من التمسك بالاستصحاب تورث اليقين بان مراده (قده) ما ذكرنا وتنحل بذلك جملة من الاشكالات التي اوردت عليه (قده) في موارد تمسكه بالاستصحاب من انه من باب الشك في المقتضي (وحاصل ما ذكرناه) هو ان المراد من الشك في المقتضي هو الشك في مقدار عمر المتيقن من حيث عمود الزمان الذي هو عبارة اخرى عن الشك في كونه مرسلا أو مغيى بغاية وقد ذكرنا انه يلحق بذلك حكما ما لو علم كونه مغيى بغاية وشك في حصول الغاية من جهة الشبهة المفهومية أو الحكمية لعدم صدق نقض اليقين بالشك على عدم الجري العملي بعد حصول ما يحتمل غائيته فظهر مما ذكرناه ان ما نسب إلى بعض الاساطين قدس الله اسرارهم من تصحيحه شمول الاخبار لموارد الشك في المقتضي بان المنع عن الشمول مبني على ان يكون اسناد النقض إلى اليقين باعتبار المتيقن نظرا إلى ما يوهمه ظاهر عبارة العلامة الانصاري (قده) وهو ممنوع بل الظاهر ان الاسناد باعتبار ما في نفس اليقين من الابرام والاستحكام فيشمل موارد الشك في المقتضي والشك في الرافع في عرض واحد لا يرجع إلى محصل فإن اسناد النقض إلى اليقين وان كان باعتبار نفسه لما فيه من الابرام المقتضي للجري العملي الا ان صدق النقض فرع تحقق اليقين حتى يكون مقتضيا للجري العملي حتى يكون رفع اليد عنه بالشك نقضا له وقد عرفت ان في موارد الشك في المقتضي لم يتعلق اليقين الا بزمان محدود فكيف يكون رفع اليد عنه بعده من نقضه بالشك فما افاده (قده) من ان الاسناد انما هو بلحاظ نفسه وان كان صحيحا الا انه لا يترتب عليه التعميم الذي اراد اثباته كما عرفته بما لا مزيد عليه (فإن قلت) سلمنا ان الاخبار المشتملة على لفظ النقض لا تشمل موارد الشك في المقتضي ولكنه ما المانع من التمسك بغيرها الغير المشتمل عليه كروايتي محمد بن مسلم وعبد الله بن سنان في تلك الموارد (قلت) اما رواية محمد بن مسلم فاحدى روايتيه وان لم تكن مشتملة على لفظ النقض الا انها مشتملة على لفظ المضي وهو عبارة عن الجري على طبق اليقين وقد عرفت ان الجري على طبق اليقين لا يكون الا في موارد الشك في الرافع واما رواية عبد

[ 381 ]

الله فهي واردة في قضية خاصة خارجية وليس فيها اطلاق حتى يتمسك به فغاية الامر التعدي عن موردها إلى كل ما كان مشتركا معه في كون الشك في الرافع واما التعدي إلى موارد الشك في المقتضي فيحتاج إلى دليل آخر مفقود على الفرض (ثم انه) بعد تنقيح الحال في مفاد الاخبار لا حاجة إلى بيان سائر الاقوال والنقض والابرام فيما ذكر لها من الاستدلال الا انه لا بأس بصرف الكلام إلى تحقيق حال الاحكام الوضعية وانها مجعولة بالاستقلال أو بالتبع أو غير قابلة للجعل اصلا أو ان فيها تفصيلا حتى يظهر الحال فيما ذكر في المقام من التفصيل بين الاحكام التكليفية والوضعية (فنقول) ومن الله التوفيق ان تحقيق المقام يتوقف على تقديم مقدمات (الاولى) انا قد بينا مرارا ان الاحكام الشرعية انما هي من قبيل المحمولات الكلية المجعولة على موضوعاتها المقدر موجوداتها بنحو القضايا الحقيقية ولا ريب في صدور الجعل من الشارع وان الاحكام مجعولات تشريعية ولا يهمنا التكلم في اثبات الارادة التشريعية للمبدأ تعالى أو للمبادئ النازلة بناء على عدمها في المبدأ الاعلى كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) ولا في ان ارادة المبدأ الاعلى جلت عظمته تكوينية كانت أو تشريعية هل هي بمعنى العلم بالنظام الاصلح في الاولى وبالمصالح في الافعال في الثانية كما ذهب إليه جمهور الحكماء ام لا فإن انكار الارادة في المبدأ الاعلى وجعلها بمعنى العلم انما نشأ من تخيل أن ثبوت الارادة بمفهومها له تعالى يستلزم كونه محلا للحوادث والا فلم يقم برهان على ما صاروا إليه ولا على ما التجأوا إليه من تأويل الاحاديث الواردة المصرحة باثبات الارادة الحادثة له سبحانه (والحاصل) ان الاحكام المجعولة في الشريعة انما هي مجعولة على طبق الارادة التشريعية في عالم الظاهر ولها مرتبة عليا في مرتبة اللوح المحفوظ والاخبار المأثورة عنهم صلوات الله عليهم مصرحة بثبوت هذا الجعل وثبوت الارادة التشريعية وبهذا الاعتبار يصح تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي والا فالعلم بالمصلحة ليس الا علما بالمصلحة فلا تكليف ولا وضع (الثانية) ان الموجود اما ان يكون موجودا في العين أو في عالم الاعتبار وعلى كل منهما فاما ان يكون من الموجودات المتأصلة أو الانتزاعية فتكون الاقسام اربعة (الاول) الموجود المتأصل في العين كالجواهر والاعراض القائم بها التي بازائها شئ في الخارج وبهذا الاعتبار يطلق عليها المقولة حيث انها تحمل على شئ في الخارج (الثاني) الموجود الانتزاعي في العين ونعني به ما لا يكون بازائه شئ في الخارج وانما يكون الوجود لمنشأ انتزاعه من دون فرق بين ان يكون الانتزاع

[ 382 ]

من مقام الذات كالعلية ونحوها أو من قيام عرض بموضوعه كالفوقية والتحتية والقبلية والبعدية أو غير ذلك (الثالث) الموجود المتأصل في عالم الاعتبار كالوجوب والحرمة والملكية والزوجية وغيرها من الامور الاعتبارية والفرق بينه وبين القسم الثاني أن هذا القسم موجود بنفسه وبازائه شئ يقال عليه حقيقة غاية الامر أن وعاء وجوده هو عالم الاعتبار دون الخارج وهذا بخلاف القسم الثاني فإن وعاء وجوده هو الخارج دون الاعتبار الا أن نحو وجوده بنحو الانتزاع دون التأصل فكم فرق بين كون الشئ موجودا متأصلا في عالم الاعتبار وكونه موجودا في الخارج غير متأصل (الرابع) الموجود الانتزاعي في عالم الاعتبار كالسببية للملكية ونحوها فإن ماله وجود متأصل في عالم الاعتبار انما هو نفس الملكية واما سببية شئ لها فلا وجود لها بنفسها الا بنحو الانتزاع كالعلية المنتزعة من الموجودات الخارجية فتحصل ان الاحكام الشرعية من قبيل الموجودات الاعتبارية المتأصلة أو الانتزاعية وما (ربما) يقال من ان الطهارة والنجاسة امران واقعيان قد كشف عنهما الشارع لم نعرف له محصلا فان اريد منه ان حكم الشارع بنجاسة شئ أو طهارته اخبار عن الواقع فهو خلاف ظواهر ادلتهما وان اريد منه كونهما امرين عرفيين المعبر عنهما بالنظافة والقذارة وقد امضاهما الشارع فالملكية والزوجية وغيرهما من الاعتبارات العرفية ايضا كذلك وان اريد ان اعتبارهما لاجل ما في موضوعيهما من الخصوصية الموجبة للاعتبار فكل حكم شرعي من هذا القبيل إذ لا يمكن جعل الحكم الا مع وجود الملاك في متعلقه لا محالة (وبالجملة) لا خصوصية لخصوص النجاسة والطهارة من بين بقية الاحكام اصلا (الثالثة) ان المجعولات الشرعية تنقسم إلى احكام تكليفية ووضعية وماهيات اختراعية ولا وجه لارجاع الثالث إلى الثاني فإنه تعسف لا موجب للمصير إليه كما لا وجه للالتزام بان الوضعيات كلها انتزاعية من احكام تكليفية في مواردها كما ذهب إليه العلامة الانصاري (قده) ضرورة ان منها ما يقبل لتعلق الجعل والاعتبار بنفسه كالملكية والزوجية ونحوهما فكما ان الوجوب والحرمة امران جعليان يوجدان بجعل الشارع فكذلك الملكية والزوجية ونحوهما والالتزام بكونها منتزعة من حكم تكليفي مطلقا شعر بلا ضرورة بعد قابلية انفسها للجعل والاعتبار هذا مع ان اي حكم تكليفي فرض يكون مشتركا بين موارد الحكم الوضعي وغيرها فكيف يمكن انتزاعه منه وفرض انتزاعه من مجموع احكام تكليفية تكلف في تكلف مع ان تصور حكم تكليفي يصلح لانتزاع بعض

[ 383 ]

الاحكام الوضعية منه كالحجية والطريقية ربما يلحق بالمستحيل فإن كل حكم تكليفي لا محالة يكون ساقطا في فرض العصيان مع ان الحجية لا تكاد تسقط به وقد ذكرنا بعض ما ينفع في المقام في بحث جعل الطرق فراجع (وبالجملة) الحكم الوضعي لا يغاير التكليفي في استقلاله بالجعل نعم بينهما فرق من جهة وهي ان الاحكام التكليفية تكون مجعولات استقلالية دائما وهذا بخلاف الوضعيات فإنها مجعولات عرفية وجعلها في الشريعة من جهة الامضاء ولم نعثر على حكم وضعي مجعول ابتدائي إلا ان ذلك اجنبي عما نحن فيه من كونها مجعولات استقلالية أو انتزاعية (ثم انه قد ظهر) مما ذكرنا من ان الاحكام المجعولة في الشريعة لابد وان تكون من قبيل القضايا الحقيقية المجعولة على موضوعاتها المقدرة وجوداتها أن الماهيات الجعلية لا تكون من الاحكام الوضعية كما انه ليس منه اعطاء الولاية والقضاوة لشخص خاص في زمان الحضور إذ الجعل فيه ليس بنحو القضية الحقيقية كما هو ظاهر فيكون الحكم الوضعي عبارة عن كل مجعول تشريعي بنحو القضية الحقيقية غير الاحكام الخمسة التكليفية فتوهم اختصاصها بخصوص الجزئية والشرطية والمانعية أو باضافة بعض اخر إليها بلا موجب (ثم ان ما ذكرناه) من كون الاحكام الوضعية كلها امضائية غير تأسيسية إنما هو بالقياس إلى انفسها وأما بالقياس إلى موضوعاتها فقد تكون تأسيسية وقد تكون امضائية مثلا اعتبار الملكية بنفسه امر امضائي ولكن اعتبار الفقير أو السيد موضوعا لها فهو تأسيسي لا امضائي إذ ليس من هذا الاعتبار عند العقلاء عين ولا اثر وهذا بخلاف الملكية في مورد البيع فان اعتبار البيع موضوعا للملكية كاعتبار نفس الملكية امضائي لا تأسيسي غاية الامر تصرف الشارع فيه باضافة قيد وجودي أو عدمي وهذا لا ينافي كون الاعتبار امضائيا كما هو ظاهر (الرابع) انا قد ذكرنا مرارا ان الحكم المجعول على نحو القضية الحقيقية يستحيل فعليته عند عدم فعلية موضوعه بتمام ما له من القيود المعتبرة فيه كما انه يستحيل عدم فعليته مع وجود موضوعه كذلك وإلا لزم الخلف وكون ما فرض كونه موضوعا للحكم غير موضوع له في الفرضين وهذا ظاهر لا سترة فيه وعلى ذلك بنينا رجوع كل موضوع إلى الشرط وكل شرط إلى الموضوع الا انهم اصطلحوا على التعبير عن القيود المأخوذة في الاحكام التكليفية بالشرائط وعن القيود المأخوذة في باب الاحكام الوضعية بالاسباب فتراهم يعبرون عن الزوال بانه شرط الوجوب وعن البيع بأنه سبب الملك وإلا فالبيع كالزوال ليس إلا موضوعا للحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية فالسبب للحكم الشرعي هو عين موضوعه

[ 384 ]

وشرطه وقد ذكرنا في بحث الشرط المتأخر ان الشرط المبحوث عنه إنما هو شرط المجعول اعني به القيد المأخوذ فيه واما شرائط الجعل اعني بها الامور الداعية إلى جعل الحكم على موضوعه فهي اجنبية عن محل البحث ولا بد من مقارنتها مع الجعل حتى تكون مؤثرة فيه وخفاء ذلك على المحقق صاحب الكفاية (قده) اوجب ارجاعه شرائط الحكم إلى الالتزام بشرطية اللحاظ وقوله بجواز الشرط المتأخر وقد ذكرنا توضيح ذلك في محله فراجع (إذا عرفت) ذلك فنقول ان من الاحكام الوضعية ما يكون مستقلا في الجعل والاعتبار كالملكية والزوجية وقد عرفت حديث انتزاعهما من الاحكام التكليفية الثابتة في مواردهما (ومنها) ما يكون منتزعا من مجعول استقلالي اعتباري كالسببية والشرطية والمانعية والجزئية اما الشرطية والمانعية والجزئية فكونها منتزعة من تكليف أو وضع متعلق بما هو مركب من امور ومقيد بقيد وجودي أو عدمي في غاية الوضوح فإذا امر الشارع بالمركب فلا محالة ينتزع من كل جزء من اجزائه انه جزء المأمور به كما انه إذا امر بالمقيد فتنتزع الشرطية من كل ما اعتبر وجوده والمانعية من كل ما اعتبر عدمه وهكذا الامر في الوضعيات فان اعتبار الملكية عند تحقق العقد المركب من الايجاب والقبول يوجب اتصاف كل من القبول والايجاب بانه جزء المملك كما ان تقيده بوجود شئ كماضوية العقد مثلا أو بعدمه كالاكراه يوجب اتصاف الاول بالشرطية والثاني بالمانعية (وبالجملة) الاحكام الشرعية وضعية كانت أو تكليفية متحدة ملاكا مع غيرها في ان الجزئية والشرطية والمانعية تنتزع من نحو تعلقها بمتعلقاتها فما لم يؤخذ شئ في المأمور به مثلا بنحو يستحيل اتصافه بشئ منها ومع اخذه فلا مناص عنه فتكون هي امورا انتزاعية غير مستقلة في الجعل بالضرورة واما السببية فالتحقيق انها منتزعة عن الحكم التكليفي أو الوضعي المستقل في الجعل ايضا أو انها غير قابلة للجعل اصلا (بيان ذلك) ان السببية قد تلاحظ بالنسبة إلى المجعول التشريعي اعني به الحكم المجعول على موضوعه المقدر وجوده سواء كان تكليفيا أو وضعيا مثلا إذا حكم الشارع بوجوب الصلاة عند الدلوك أو بالملكية عند تحقق الايجاب والقبول فيتصف كل من الدلوك أو العقد انه سبب للوجوب أو الملكية وقد تلاحظ بالنسبة إلى نفس الجعل فان جعل الوجوب أو الملكية على شئ مسبب عن سبب لا محالة فيتكلم في ان سببية ذلك السبب للجعل هل هي مجعولة ام لا اما السببية بالقياس إلى الحكم المجعول فهي بمعناها الحقيقي مستحيلة فإنه لو ترشح الوجوب الشرعي مثلا عن امر تكويني لانقلب

[ 385 ]

المجعول التشريعي تكوينيا وهو خلف محال ولو سلمنا امكانها وقابلية ترشح الحكم الشرعي من موجود تكويني فهي لا محالة تكون من لوازم ذات السبب فإن علية العلة من لوازم ذاتها وغير قابلة لتعلق الجعل بها لا تكوينا ولا تشريعا نعم ذات العلة قابلة للجعل التكويني واما وصف عليته فغير قابل لتعلق الجعل به اصلا واما بمعناها المسامحي اعني به مجرد ترتب الحكم على موضوعه خارجا فقد عرفت ان السببية بهذا المعنى عين الشرطية والموضوعية للحكم والاختلاف في التعبير وعليه تكون السببية منتزعة من جعل الحكم على موضوعه كالشرطية بعينها فمتى جعل الوجوب على تقدير الدلوك خارجا أو الملكية على تقدير تحقق العقد فلا محالة ينتزع الشرطية والموضوعية والسببية من الدلوك أو العقد للوجوب أو الملكية وقد ذكرنا سابقا ان القوم اصطلحوا على التعبير عن موضوعات التكاليف بالشرائط وعن موضوعات الوضعيات بالاسباب والا فلا فرق بينهما اصلا وحيث انه خفي ذلك على المحقق صاحب الكفاية (قده) فتخيل ان اطلاق السبب على الدلوك بمعناه الحقيقي التزم بكون السببية له غير قابلة للجعل التشريعي لا استقلالا ولا تبعا وانت بعد ما احطت خبرا بما ذكرناه تعرف ان السببية للدلوك مثلا تكون منتزعة من جعل الحكم على تقدير الدلوك لا محالة (هذا كله) في السببية بالقياس إلى الحكم المجعول واما السببية بالقياس إلى جعل الحكم على موضوعه المقدر وجوده فهي غير قابلة للجعل اصلا وليست من الاحكام الوضعية (توضيح ذلك) ان جعل الحكم على موضوع مقدر الوجود حيث انه فعل اختياري للجاعل فلا محالة يكون صادرا عنه بالاختيار كبقية افعاله الاختيارية والفعل الاختياري لابد فيه من داع مقتض له وذلك الداعي انما يكون مقتضيا لوجوده بوجوده اللحاظي ومترتبا عليه بوجوده الخارجي ومن الضروري ان ما هو تحت اختيار الجاعل هو نفس فعله وجعله واما الامور السابقة عليه فكلها امور تكوينية غير مجعلولة واقتضاؤها للجعل والاختيار من لوازم ذاتها الغير المنفكة عنها فلا يكون قابلا لتعلق الجعل التشريعي أو التكويني به اصلا فكم من فرق بين شرائط الجعل اعني بها ما يقتضي جعل الحكم على موضوعه وبين شرائط المجعول اعني بها القيود المأخوذة في موضوع التكليف فما هو قابل للجعل ومنتزع من التكليف أو الوضع هي الشرطية المتصفة بها شرائط المجعول وما هو من الامور الواقعية التكوينية هي الشرطية المتصفة بها شرائط الجعل وقد اشرنا إلى ان خفاء ذلك على المحقق صاحب الكفاية (قده) اوقعه في الخلط بينهما في كثير من الموارد (فتحصل) مما ذكرناه ان السببية كالشرطية في انهما إذا قيستا إلى الحكم

[ 386 ]

المجعول فهما من الامور الانتزاعية من التكليف أو الوضع وإذا قيستا إلى نفس الجعل فهما من الامور الواقعية اللازمة لذات ما هو سبب أو شرط وحيث ان الكلام في المقام في شرائط المجعول دون الجعل صح ان يقال ان الاحكام الوضعية اما ان تكون مجعولة بنفسها أو منتزعة من المجعول كذلك * (بقي الكلام) * في ان الطهارة والنجاسة والصحة والفساد والرخصة والعزيمة هل هي من احكام الوضعية أو لا (فنقول) اما الطهارة والنجاسة فقد اختار العلامة الانصاري (قده) كونهما من الامور الواقعية التي كشف عنها الشارع وقد عرفت في المقدمة الثالثة عدم استقامة ذلك وان حالهما حال الملكية والزوجية ونحوهما مما هي مستقلة في الجعل واما الصحة والفساد ففي كونهما من الاحكام الوضعية اقوال (ثالثها) التفصيل بين العبادات أو المعاملات (ورابعها) التفصيل بين الصحة الواقعية والظاهرية فيلتزم بالمجعولية في الثانية دون الاولى والحق هو القول الرابع (بيان ذلك) ان الحكم الكلي المجعول على موضوعه المقدر وجوده وضعيا كان أو تكليفيا يستحيل كونه منشأ لاتصاف متعلقه أو موضوعه بالصحة أو الفساد مع قطع النظر عن الوجود الخارجي فالمتصف بالصحة أو الفساد هو الموجود الخارجي كالصلاة أو العقد مثلا باعتبار انطباق موضوع الحكم أو متعلقه عليه وعدم انطباقه وحيث ان الانطباق وعدمه واقعا ليسا من الامور الجعلية بل من الامور الواقعية التكوينية لا محالة لا يكون الصحة والفساد مجعولين تشريعا (وتوهم) ان الصحة انما تنتزع من ترتب الاثر على موضوعه وترتب الاثر في المعاملات جعلي فيكون الصحة كالفساد مجعولة شرعا (مدفوع) بان جعل الاثر على كلي المعاملة وان كان بيد الشارع الا ان الصحة لا تنتزع من الجعل الكلي بل من الانطباق الخارجي وقد عرفت ان الانطباق امر تكويني لا تشريعي ومن هنا يعلم ان الصحة في موارد الاوامر الواقعية الثانوية غير قابلة للجعل التشريعي ايضا فانا قد ذكرنا في بحث الاجزاء ان الامر بغير المقيد مع بقاء قيديته واقعا غير معقول فلا محالة يكشف الامر بالفاقد عن سقوط القيدية في هذا الحال فيكون انطباق المأتي به على المأمور به قهريا ومن الامور التكوينية فالصحة لا تكون مجعولة ابدا هذا كله في موارد الاحكام الواقعية واما في موارد الاحكام الظاهرية فحيث انه يصح للشارع الحكم بانطباق المأمور به الواقعي على المأتي به خارجا بمقتضى اصل أو امارة وبعبارة اخرى اعتباره للموجود الخارجي مصداقا له في هذا الحال لا محالة يكون الصحة كعدمها قابلة لتعلق الجعل الشرعي بها فيكونان من الاحكام المجعولة وقد ذكرنا شطرا من الكلام في ذلك في بحث النهي

[ 387 ]

عن العبادة فراجع واما الرخصة والعزيمة فالظاهر كونهما من الاحكام التكليفية كما لا يخفى وجهه على المتأمل وينبغي التنبيه على امور (الاول) انه يعتبر في جريان الاستصحاب فعلية الشك فلا يجري في فرض الغفلة ولو كان المكلف على نحو لو التفت إلى الحالة السابقة لشك في بقائها وقد تعرضنا لذلك سابقا فلا نعيد (الثاني) لا فرق في جريان الاستصحاب بين ان يكون الحكم الثابت قبل الشك ثابتا بالعلم الوجداني أو بالامارة المعتبرة والطرق الغير العلمية وذلك لما ذكرناه في محله من ان المجعول في باب الطرق والامارات ليس الا صفة المحرزية والوسطية في الاثبات فكما يكون العلم الوجداني محرزا للواقع وجدانا فكذلك يكون الطرق والامارات ايضا بالحكم الشرعي وبعبارة اخرى معنى جعل حجية الطرق ليس الا افاضة العلم تشريعا وجعل ما ليس بمحرز محرزا وقد ذكرنا هناك انه بذلك يقوم الامارات مقام القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية لان آثار الواقع انما تترتب عند قيام الامارة لكون الواقع محرزا بالامارة فآثار نفس الاحراز احق ان تترتب لكون الامارة احرازا وحيث ان اليقين في اخبار الاستصحاب اخذ موضوعا لحرمة النقض بما انه طريق إلى الواقع ومقتض للجري العملي لا محالة يقوم مقامه الطرق والامارات في ذلك (وتوهم) لزوم الجمع بين اللحاظين من قيام الامارات مقام القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية (قد تعرضنا لدفعه) في محله كما انه قد بينا هناك ان (توهم) ان المجعول في باب الامارات والطرق ليس الا صفة المنجزية والمعذرية مع بقاء الواقع على ما هو عليه من المجهولية (فاسد) من اصله فإن صفتي التنجز والمعذرية من اللوازم العقلية لوصول التكليف وعدمه وليستا بقابلتين لتعلق الجعل بهما بانفسهما بل الجعل انما يتعلق بصفة المحرزية فيكون الحكم منجزا على تقدير وجوده ويكون المكلف معذورا عند مخالفته وخطأه لا محالة (والحاصل) ان منشأ الاشكال في جريان الاستصحاب في موارد الطرق والامارات انما هو توهم عدم امكان قيام الامارات بدليل حجيتها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية وبعد اثبات تكفل دليل الحجية لقيامها مقامه يرتفع الاشكال من اصله الا على توهم كون اليقين مأخوذا في اخبار الاستصحاب على جهة الصفتية وهو من البطلان بمكان لا يحتاج إلى البيان هذا كله بالقياس إلى جريان الاستصحاب في موارد الطرق والامارات واما بالقياس إلى موارد الاصول ففي جريان الاصول فيها وعدمه تفصيل إذ الحكم الثابت في موارد الاصول إذا شك في بقائه ولم يكن دليل ذلك الاصل متكفلا

[ 388 ]

لبقائه فيجري فيه الاستصحاب لوجود اركانه واما إذا كان دليل ذلك الاصل متكفلا للبقاء كالحدوث فلا مجال لجريان الاستصحاب اصلا وذلك كالحكم الثابت في موارد الاستصحاب أو قاعدتي الحل والطهارة فإذا كان الشئ محكوما باستصحاب الطهارة ثم شك في عروض النجاسة له فلا مجال لاستصحاب الطهارة الثابتة بالاستصحاب وذلك لان الشك في عروض النجاسة فعلا ليس الا عبارة عن الشك في بقاء الطهارة الواقعية الثابتة قبل الشك الاول ودليل الاستصحاب الملغى للشك في عروض النجاسة يقتضي بقاء الطهارة الواقعية إلى هذا الحال فليس هناك يقين وشك غير اليقين والشك المتعلقين بالواقع حدوثا وبقاء فليس هناك الا استصحاب واحد حدوثا وبقاء غاية الامر ان منشأ الشك في الآن الاول امر واحد وفي الآن الثاني امران وبعبارة واضحة دليل الاستصحاب في أن الشك في عروض النجاسة اولا اقتضى الجري العملي على طبق الطهارة إلى زمان اليقين بالنجاسة كما هو مقتضى قوله (ع) ولكن تنقضه بيقين آخر فما لم يعلم نجاسته محكوم بالجري العملي على طبق الطهارة بنفس الاستصحاب الاول فلا مجال لتوهم جريان استصحاب آخر غيره ومنه يعلم الحال في قاعدتي الطهارة والحلية فإن المشكوك طهارته أو حليته محكوم بالطهارة والحلية شرعا ما لم يعلم نجاسته أو حرمته فنفس الدليل الدال على الحلية والطهارة في الآن الاول دال على بقائهما ايضا إلى زمان العلم بارتفاعهما فليس هناك شك في بقاء الحكم الظاهري حتى يجري الاستصحاب فيه بل شك واحد متعلق بالطهارة أو الحلية الواقعيتين وقد حكم في مورده بالطهارة أو الحلية ما لم يعلم ارتفاعهما (وتوهم) ان الاستصحاب لحكومته على قاعدتي الطهارة والحلية يكون مانعا عن جريانهما ويكون الحكم بالطهارة بعد عروض ما يحتمل رافعيته لهما في الآن الثاني مستندا إلى الاستصحاب دون القاعدتين (مدفوع) بان حكومة الاستصحاب على القاعدتين فرع تحقق اركانه وجريانه والكلام فعلا في ذلك ولا يعقل ان يكون حكومته عليهما موجبة له كما هو واضح فتلخص ان المانع من جريان الاستصحاب في موارد الاصول ليس هو عدم وجود اليقين السابق المعتبر فيه ولذا لا مانع من جريانه في كل مورد لم يكن دليل الاصل متكفلا للبقاء بل كان متمحضا في الحدوث ولذا لو حكمنا بطهارة شئ متنجس مغسول بالماء اما بقاعدة الصحة أو بقاعدة الفراغ ثم شك في عروض النجاسة له فلا مانع من التمسك بالاستصحاب لما ذكرناه سابقا من ان اليقين في باب الاستصحاب انما اخذ في الموضوع من حيث انه مقتض للجري العملي فلا مانع من قيام الاصول

[ 389 ]

فضلا عن الامارات مقامه الا ان ذلك مشروط بوجود اليقين والشك في نفس هذا الحكم الظاهري ففي الموارد التي يكون دليل الاصل متكفلا لحال البقاء كالحدوث لا مجال للتمسك بالاستصحاب في الآن الثاني اصلا * (ثم ان المحقق صاحب الكفاية (قده)) * حيث منع من قيام الامارات والاصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية بدليل حجيتها زعما منه ان تنزيل الامارة مثلا منزلة القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية بدليل واحد مستلزم لتعدد اللحاظ حيث ان تنزيلها منزلة القطع الطريقي يستلزم لحاظ المؤدي والواقع استقلالا المستلزم للحاظهما آليا كما ان تنزيلها منزلة القطع الموضوعي يستلزم لحاظهما استقلالا وبنفسيهما فيلزم من التنزيلين بدليل واحد الجمع بين اللحاظين في آن واحد وحيث التزم في باب حجية الطرق بان المجعول في باب الامارات وجملة من الاصول هي صفة المنجزية والمعذرية من دون كون الامارة أو الاصل محرزا للواقع (فقد وقع) في اشكال جريان الاستصحاب في موارد الامارات والاصول لعدم اليقين فيها بالواقع المعتبر في جريانه بل ولا شك فإنه على تقدير لم يثبت وحيث ان جريانه في تلك الموارد كان ضروريا فقد تمحل لذلك تمحلا لطيفا (وحاصل ما ذكره) هو ان دليل الاستصحاب لا يتكفل الا لحكم البقاء دون الحدوث فهو انما يثبت الملازمة بين الحدوث والبقاء ولذا لو لم يكن الحدوث موضوعا لحكم شرعي ولكنه كان البقاء موضوعا له فلا محالة يجري الاستصحاب فيستكشف من ذلك انه لا نظر لدليل الاستصحاب الا لحال البقاء باثبات الملازمة بينه وبين الثبوت ومن الضروري ان ثبوت الملازمة لا يتفرع على ثبوت طرفيها فكما ان دليل الامارة يوجب ترتيب آثار الواقع وتنجزها بقيامها من دون ثبوت الواقع واحرازه فكذلك دليل الاستصحاب المثبت للملازمة يوجب ترتيب تلك الآثار وتنجزها في ظرف البقاء وان لم يكن الواقع محرزا في ظرف الثبوت (والحاصل) ان دليل الاستصحاب يشترك مع الامارة السابقة في انه ينجز الواقع على تقدير الثبوت غاية الامر ان الامارة تنجزه حدوثا والاستصحاب ينجزه بقاء (هذا ملخص ما افاده) (قده) في المقام (وقد ظهر لك) مما بيناه في المقام وفي باب حجية الطرق ان المجعول في باب الامارات والاصول ليس هي صفتي المنجزية والمعذرية لاستحالة تعلق الجعل بهما بانفسهما لانهما من اللوازم العقلية لوصول التكليف وعدمه بل المجعول انما هي صفة المحرزية والوسطية في الاثبات وبذلك يصح قيامها مقام

[ 390 ]

القطع الطريقي والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية من دن تكفل الدليل للتنزيل حتى يلزم الجمع بين اللحاظين وعلى ذلك لا يتوجه اشكال على جريان الاستصحاب في تلك الموارد حتى يحتاج إلى هذا التمحل والتكلف (هذا مضافا) إلى انه يرد على ما افاده (اولا) ان دليل الاستصحاب لو كان متكفلا لاثبات البقاء على تقدير الحدوث فبماذا يكون الاستصحاب من الاحكام الظاهرية بل هو على ذلك حكم واقعي معلق على ثبوت موضوعه نظير بقية الاحكام الواقعية الثابتة على تقدير وجود موضوعاتها ولذا اشكلنا سابقا على شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث عرفه بابقاء ما كان بان لازمه كون الاستصحاب من الاحكام الواقعية (والحاصل) أنه لو لم يؤخذ الشك في البقاء في موضوع الاستصحاب لما كان حكما ظاهريا ومع اخذه لابد من احراز الحدوث حتى يتحقق الشك المذكور والمفروض على ما افاده عدم احرازه فلا يجري الاستصحاب (وثانيا) ان دليل الاستصحاب اخذ في موضوعه اليقين بالحدوث ولو على نحو الطريقية فإلغائه عن موضوعه وجعل الملازمة بين نفس الواقع حدوثا وبقاء خلاف ما هو ظاهر فيه (وبالجملة) ان ما افاده (قده) لا ينطبق على ادلة الاستصحاب في مقام الثبوت والاثبات (فالحق في المقام) هو ما ذكرناه من كون المجعول في باب الطرق والاصول هي صفة المحرزية والوسطية في الاثبات وصحة قيامها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية * (ثم أنه (قده) نسب إلى المشهور) * في هامش الكفاية ذهابهم إلى جعل أحكام ظاهرية في موارد الامارات والاصول واستظهر ذلك من قولهم إن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم وجعل الالتزام بذلك الراجع إلى السببية موجبا لاندفاع الاشكال المتوهم في المقام (ولا يخفى) أن القول بالسببية وإن كان موجبا لرفع الاشكال من اصله إلا أن المشهور لم يلتزموا بذلك وقد ذكرنا في بحث الاجزاء أن القول بذلك مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه وقد بينا في بحث الطرق أن الحكم الظاهري ليس إلا الحكم بثبوت الواقع في ظرف الشك لا انه حكم آخر في قباله حتى يكون هو متيقن الثبوت دونه وكيف كان ففيما ذكرناه في مقام دفع الاشكال غنى وكفاية من دون احتياج إلى تمحلات وتكلفات اخر * (التنبيه الثالث) * ان المستصحب إما أن يكون فردا خارجيا أو كليا جامعا بين فردين أو افراد متفقة الحقيقة أو مختلفتها سواء كان ذلك الكلي من الكليات الذاتية أو العرضية وعلى تقدير كون المستصحب فردا خارجيا فاما ان يكون فردا معينا شخصيا أو فردا مرددا بين فردين

[ 391 ]

أو افراد وسيظهر لك الفرق بين هذا القسم وبين استصحاب الكلي ان شاء الله تعالى (ثم ان استصحاب الكلي) على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج كما هو المختار عندنا على ما بيناه في بحث تعلق الاوامر بالطبائع أو الافراد (في غاية الوضوح) (واما بناء) على عدم وجوده في الخارج وكونه منتزعا عن افراده (فربما يقع الاشكال) في جريان الاستصحاب فيه نظرا إلى اعتبار اليقين والشك في جريانه والكلي بعد البناء على كونه انتزاعيا لا يكون متعلق اليقين والشك بل المتعلق لهما هو الفرد الخارجي ليس الا فينحصر جريان الاستصحاب بالفرد فقط (ولكنك خبير) بان المعتبر في جريان الاستصحاب هو صدق نقض اليقين بالشك عرفا والنزاع في وجود الكلي الطبيعي وعدمه عقلي فلو فرضنا عدم وجود الكلي الطبيعي في الخارج بالنظر الدقيق العقلي لكنه موجود فيه بالنظر المسامحي العرفي المصحح لصدق نقض اليقين بالشك عرفا وهذا المقدار يكفي في جريان الاستصحاب قطعا (وأما ما ربما يقال) من ان الموجود في الخارج حتى على القول بوجود الكلي الطبيعي هي الحصة اي الطبيعة المقيدة بقيود خارجية واما نفس الكلي فهو غير موجود فيه فلا يجري فيه الاستصحاب (ففي غاية السقوط) إذ معروض التشخيصات الخارجية والوجود هو نفس الطبيعة الكلية وهي ما لم تتشخص لم توجد كما انها ما لم توجد لم تتشخص وعنوان الحصة انما ينتزع بعد التشخص والتقيد الذي هو في مرتبة الوجود والفرق بين الطبيعة والحصة انما هو لحاظ الشئ بما هو موجود أو بما هو معروض الوجود وإلا فلا معنى لكون الموجود هي الحصة دون الطبيعة فظهر ان جريان الاستصحاب في الكلي في الجملة مما لا ينبغي الارتياب فيه واما تفصيل الحال فهو ان الشك في بقاء الكلي اما ان يكون ناشئا من الشك في بقاء الفرد المعين المعلوم تحققه واما ان يكون ناشئا من تردد الفرد الحادث بين ما يكون مقطوع الارتفاع وبين ما هو مقطوع البقاء واما أن يكون ناشئا من احتمال قيام فرد آخر مقام الفرد المتيقن ارتفاعه فهذه اقسام ثلاثة (اما القسم الاول) فلا ينبغي الارتياب في جريان الاستصحاب فيه فإن وجود الفرد الخارجي المعين كما انه كان متيقنا سابقا ومشكوكا فيه لاحقا فكذلك وجود الكلي الموجود في ضمنه فإذا كان كل منهما موضوعا لحكم شرعي فكما يجري الاستصحاب في الفرد لترتيب اثره فكذلك يجري في الكلي ايضا مثلا إذا كان المكلف محدثا بالحدث الاكبر وشك في بقائه وارتفاعه فكما يجوز استصحاب بقاء ذلك الحدث لترتيب عدم جواز المكث في المساجد عليه فكذلك يجوز

[ 392 ]

استصحاب بقاء كلي الحدث لترتيب عدم جواز مس كتابة المصحف والميزان في جريان الاستصحاب هو كون الشئ متعلقا لليقين والشك وكونه بنفسه حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي وهذا لا يفرق فيه بين استصحاب الكلي واستصحاب فرده (واما القسم الثاني) فربما يشكل في جريان الاستصحاب فيه (تارة) من جهة ان امر الكلي دائر بين ان يكون موجودا في ضمن الفرد الطويل أو القصير والمفروض ان الفرد القصير متيقن الارتفاع والفرد الطويل مشكوك الحدوث فلا يكون هناك ما يحتمل بقائه مع اليقين بحدوثه الذي هو معتبر في جريان الاستصحاب (واخرى) بان الكلي وان سلمنا تعلق اليقين والشك به الا ان الشك في بقائه (ناش) من الشك في حدوث الفرد الطويل وعدمه فإذا جرى اصالة عدم حدوث الفرد الطويل فيكون هذا الاصل حاكما على استصحاب الكلي ورافعا لموضوعه (ولا يذهب عليك) فساد كلا الاشكالين (اما الاول) فلان اليقين بارتفاع الفرد القصير وعدم اليقين بارتفاع الفرد الطويل انما يضر باستصحاب كل من الفردين واما استصحاب الكلي الجامع بينهما مع قطع النظر عن خصوصية كل منهما فلا ريب في كونه متيقن الوجود ومشكوك البقاء ودعوى ان الموجود في الخارج ليس الا هو الحصة وامرها دائر بين متيقن الارتفاع ومشكوك الحدوث قد عرفت ما فيها (واما الثاني) فيرد عليه (اولا) ان الشك في بقاء الكلي وارتفاعه (ناش) من الشك في كون الحادث هو الفرد القصير أو الطويل والا فعدم حدوث الفرد الطويل لا يترتب عليه ارتفاع الكلي فإن ارتفاعه مسبب عن ارتفاع الفرد القصير لا عن عدم حدوث الطويل الا من جهة ملازمته لوجود القصير فاصالة عدم حدوث الطويل لا تثبت ارتفاع القدر المشترك الا بعد اثبات حدوث الفرد القصير ولا يثبت ذلك الا على القول بالاصول المثبتة (وثانيا) ان مسببية شك عن شك آخر لا يوجب حكومة الاصل الجاري في السببي على الشك المسببي مطلقا بل يشترط الحكومة بامرين آخرين كلاهما مفقود ان في المقام (الاول) ان يكون ترتب احد المشكوكين على الآخر شرعيا حتى يكون الاصل الجاري في المشكوك السببي رافعا لموضوع الاصل الجاري في المشكوك المسببي كما إذا شك في طهارة الثوب المتيقن نجاسته المغسول بماء مشكوك النجاسة مسبوق بالطهارة فإن معنى استصحاب طهارة الماء هو ترتب تمام الاثار المترتبة على الماء الطاهر شرعا عليه ومن المعلوم ان من جملة آثاره طهارة الثوب المتنجس المغسول به فترتب عليه ويرتفع بذلك الشك في نجاسة الثوب الموضوع

[ 393 ]

لاستصحابها (الثاني) ان يكون جريان الاصل في الشك السببي بنفسه رافعا لموضوع الاصل الآخر مضافا إلى ترتب احد المشكوكين على الآخر شرعا كما في المثال المزبور فلو فرضنا الترتب الشرعي في مورد ولكن لم يكن الاصل الجاري في الشك السببي رافعا لموضوع الآخر بنفسه كما إذا شك في جواز الصلاة في لباس من جهة الشك في كونه متخذا من الحيوان المأكول اللحم فلا يكون اصالة الحلية في الحيوان مثبتة لجواز الصلاة في شعره مثلا وذلك لان جواز الصلاة مترتب في الادلة على كون الحيوان من الاصناف التي يحل لحمها في مقابل الاصناف الاخر واصالة الحلية لا ترفع الشك عن كون اللباس المعين مأخوذا من تلك الاصناف أو من غيرها فهذا الشك الوجب للشك في جواز الصلاة فيه قبل جريان الاصل وبعده على حد سواء ففي المقام لو سلمنا كون الشك في بقاء الكلي مسببا عن الشك في حدوث الفرد الطويل الا ان ترتب ارتفاع الكلي على عدم حدوثه ليس شرعيا بل عقلي محض فإن بقاء الكلي ببقاء فرده وارتفاعه بارتفاعه من الامور النفس الامرية التي لا مدخلية للجعل الشرعي فيها ولو سلمنا كون الترتب شرعيا ايضا لكن الشك في بقاء الكلي لا يرتفع باصالة عدم حدوث الفرد الطويل فإنها معارضة باصالة عدم حدوث القصير فيتعارض الاصلان فيرجع إلى استصحاب الكلي (وتوهم) عدم جريان اصالة عدم حدوث القصير للقطع بارتفاعه على تقدير وجوده في زمان الشك في بقاء الكلي وارتفاعه (مدفوع) بان الميزان في تعارض الاصلين انما هو لحاظ حال حدوثهما لا بقاءهما ففي اول زمان وجد الكلي المردد بين القصير والطويل قد حصل التعارض بين الاصلين وتساقطا فلا تصل النوبة بعد ذلك إلى اصالة عدم حدوث الطويل ابدا وهذا نظير ما إذا خرج احد المعلومين بالاجمال عن مورد الابتلاء بعد تعارض الاصلين وتساقطهما (فتحصل) ان استصحاب الكلي في هذا القسم كالقسم الاول مما لا ينبغي الارتياب فيه لكن بشرط كون الشك في بقاء الكلي مستندا إلى الشك في وجود الرافع فلو شك فيه من جهة الشك في المقتضي كما إذا شك في بقاء الحيوان المردد بين الحيوانين في الدار من جهة الشك في مقدار عمره واستعداده لما يجرى الاستصحاب بناء على ما قدمناه من عدم شمول الادلة لما إذا كان الشك في البقاء من جهة المقتضي وعدم احراز وجوده في عمود الزمان (ثم لا يخفى عليك) فساد ما توهمه بعض الاساطين ممن عاصرناهم قدس الله تعالى اسرارهم من التمسك في هذا القسم باستصحاب الفرد المردد من دون احتياج إلى استصحاب الكلي فإن المراد

[ 394 ]

من استصحاب الفرد المردد ان كان هو استصحاب نفس الموجود الخارجي مع قطع النظر عن كل من الخصوصيتين فهذا بعينه هو استصحاب وجود الكلي الجامع لا امر مغاير معه وان كان المراد منه هو استصحاب الفرد على كل تقدير فهذا باطل قطعا لعدم احتمال بقاء الفرد على كل تقدير قطعا وانما المحتمل هو بقاء الكلي الجامع ببقاء الفرد الطويل ليس الا فكيف يعقل اجراء الاستصحاب في الفرد على كل تقدير (ثم ان استصحاب الكلي) إنما يترتب عليه خصوص ما هو مترتب شرعا على وجود القدر المشترك بين الفردين كعدم جواز مس كتابة القرآن المترتب على كلي الحدث الجامع بين الاصغر والاكبر وعدم جواز الدخول في الصلاة بناء على كون حرمته ذاتية كما ربما يستفاد من بعض الروايات واما الآثار المترتبة على احد الفردين بالخصوص كعدم جواز المكث في المساجد مثلا فغير مترتب على استصحابه بل مقتضى الاصل عدمها (نعم) لو كان لكل من الفردين اثر مترتب عليه بالخصوص لوجب ترتيب كلا الاثرين من جهة العلم الاجمالي وهذا الذي ذكرناه هو الضابط الكلي في جريان استصحاب الكلي (ومنه يظهر) فساد توهم جريان الاستصحاب في جملة من الموارد التي يشك فيها في بقاء الكلي وارتفاعه (منها) ما إذا علم اجمالا بوجوب احد الشيئين ثم اتى باحدهما فقد توهم ان المقتضي لوجوب الاتيان بالآخر هو استصحاب كلي الوجوب الجامع بين الوجوبين (وجه الفساد) ان وجوب كل شئ انما يقتضي الاتيان بخصوص ذاك الشئ ليس الا والوجوب الجامع لا يقتضي شيئا اصلا فكيف يترتب لزوم الاتيان بالآخر على الوجوب الجامع مع انه ليس من مقتضياته وعلى تقدير تسليم كونه كذلك ايضا فنفس الشك في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالاجمال يقتضي لزوم الاتيان فيكون التمسك بالاستصحاب في مورده من باب تحصيل ما هو حاصل بالوجدان بالتعبد وهو من اردء انحاء تحصيل الحاصل (ثم ان في المقام شبهة) تسمى بالشبهة العبائية في لسان بعض المتأخرين وحاصلها انه إذا علم نجاسة احد اطراف العباء فغسل طرفه الاعلى مثلا فلا اشكال في عدم نجاسة ما يلاقي الطرف الاعلى للعلم بطهارته وكذا ما يلاقي الطرف الاسفل بناء على ما هو المعروف والمختار من عدم نجاسة ملاقي بعض اطراف الشبهة المحصورة فلو فرضنا ملاقاة شئ للطرفين معا فلابد من الحكم بالنجاسة لاستصحاب وجود كلي النجاسة الموجودة في العباء المرددة بين مقطوع الارتفاع ومقطوع البقاء (ولكن التحقيق) عدم جريان استصحاب النجاسة في المثال اصلا

[ 395 ]

لعدم اثر شرعي مترتب عليها إذ عدم جواز الدخول في الصلاة وامثاله انما يترتب على نفس الشك بقاعدة الاشتغال ولا يمكن التمسك بالاستصحاب في موردها كما اشرنا إليه واما نجاسة الملاقي فهي مترتبة على امرين (احدهما) احراز الملاقاة (وثانيهما) احراز نجاسة الملاقى بالفتح ومن المعلوم ان استصحاب النجاسة الكلية المرددة بين الطرف الاعلى والاسفل لا يثبت تحقق ملاقاة النجاسة الذي هو الموضوع لنجاسة الملاقي والمفروض ان احد طرفي العباء مقطوع الطهارة والآخر مشكوك الطهارة والنجاسة فلا يحكم بنجاسة ملاقيهما (واما القسم الثالث) فهو على اقسام ثلاثة (الاول) ان يحتمل بقاء الكلي بعد العلم بارتفاع الفرد المتيقن الحدوث لاحتمال مقارنة فرد آخر معه حتى يكون بقاء الكلي ببقائه (الثاني) ان يحتمل بقاءه لاحتمال قيام فرد آخر مقام الفرد الزائل حتى يكون حدوث الكلي مستندا إلى فرد وبقاؤه مستندا إلى فرد آخر من دون تبدل بين الفردين بحيث يكون احد الفردين مرتبة اخرى من مراتب الكلي (الثالث) ان يكون احتمال البقاء لاحتمال التبدل في الفرد الاول فالكلي وان لم يحتمل بقاؤه بتلك المرتبة التي كان عليها إلا انه يحتمل بقاؤه في ضمن مرتبة اخرى منه (اما القسم الثالث) فالحق هو جريان الاستصحاب فيه لان شخص الوجود الذي كان متيقن الحدوث هو الذي يشك في بقائه بعينه فإن اختلاف المراتب بالشدة والضعف لا يوجب تعددا في شخص الوجود فإذا علم وجود السواد مثلا بالمرتبة القوية ثم علم زواله بتلك المرتبة ولكن احتمل بقاؤه ولو في ضمن المرتبة الضعيفة فلا محالة يصدق على رفع اليد عن ترتيب آثار السواد في ظرف الشك انه نقض لليقين بالشك وهذا هو الملاك في جريان الاستصحاب وجودا وعدما (واما القسم الاول) فقد ذهب شيخنا العلامة الانصاري (قده) إلى جريان الاستصحاب فيه نظرا إلى ان العلم بوجود فرد من الكلي وان كان واسطة في الثبوت للعلم بوجود الكلي الا ان نسبة وجود الكلي إلى كل واحد من افراده على حد سواء فلو احتمل وجود فرد آخر منه في الخارج فالمقطوع هو وجود الكلي في الخارج من دون ان يعلم اختصاصه بفرد فلو علم بارتفاع ذلك الفرد فلا محالة يحتمل بقاء الكلي لاحتمال مقارنة فرد آخر معه فيستصحب وجوده ويترتب عليه آثاره (ولكنه لا يخفى) ان ما افاده (قده) لم يكن مترقبا منه (لا) لان الموجود في الخارج ليس نفس الكلي بما هو بل حصصه والحصة المعلوم وجودها مقطوع الارتفاع والحصة الاخرى مشكوكة الحدوث فليس هناك ما يشك بقاؤه حتى يتمسك فيه

[ 396 ]

بالاستصحاب لما عرفت من ان القول بوجود الحصص في الخارج دون نفس الكلي من الموهومات فإن الحصة انما تنتزع بعد اضافة الوجود إلى الكلي لا قبله فذات الموجود هو نفس الكلي وان كان الموجود بما هو كذلك حصة (بل) لان الكلي انما يوجد في الخارج بوجودات متعددة وليس مجموع الوجودات وجودا واحدا شخصيا له بل هو موجود في كل وجود بوجود على حدة فما هو المتيقن من الوجودات متيقن الارتفاع وما هو مشكوك البقاء مشكوك الحدوث ولو تنزلنا عن ذلك وبنينا على وحدة الوجود الشخصي للكلي في الخارج فلا ريب ان ذلك انما هو بالنظر الدقيق العقلي والا فبالنظر العرفي تعدد الوجودات من اوضح البديهيات فعدم ترتيب الاثر على وجود الكلي بعد ارتفاع ما هو متيقن من الوجود لا يكون من باب نقض اليقين بالشك عرفا ومع عدمه لا يجري الاستصحاب كما سيجئ بيانه (واما القسم الثاني) فعدم جريان الاستصحاب فيه اوضح لعدم جريان التوهم الذي كان جاريا في القسم الاول في هذا القسم فلا حاجة إلى اطالة الكلام فيه (ثم انه ربما يتوهم) انه على القول بجريان الاستصحاب في القسم الاول من اقسام القسم الثالث من استصحاب الكلي كما اختاره العلامة الانصاري (قده) لابد من القول بعدم جواز الدخول في الصلاة لمن احتمل الجنابة في حال النوم بعد الوضوء فإنه وان كان الحدث الاصغر الثابت بالنوم مرتفعا بالوضوء الا انه يحتمل مقارنته مع الحدث الاكبر الباقي بعد الوضوء فيستصحب بقاء كلي الحدث فيترتب عليه آثاره (ولكنه لا يخفى) فساد ذلك فإن وجوب الوضوء لم يترتب في الشريعة على نفس الحدث الاصغر بما هو بل عليه مع عدم الجنابة فإن قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق) وان لم يكن دالا على اعتبار عدم الجنابة في وجوب الوضوء الا ان قوله تعالى بعد ذلك (فمن جاء منكم من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) يستفاد منه امران (احدهما) اعتبار وجدان الماء في وجوب الوضوء شرعا فيكون اعتبار القدرة في وجوبه شرعيا (وثانيهما) ان التكليف بالوضوء مختص بغير من كان جنبا وذلك لان التفصيل قاطع للشركة فمن كان مكلفا بغسل الجنابة لا يكون مكلفا بالوضوء لا محالة وكذلك العكس فيكون موضوع وجوب الوضوء مركبا من امرين احدهما وجودي وهو النوم وثانيهما عدمي وهو عدم الجنابة فإذا احرز احد الجزءين بالوجدان والآخر بالاصل فلا محالة يتحقق موضوع وجوب الوضوء شرعا الرافع للحدث والمبيح لكل ما هو مشروط بالطهارة فالشك في بقاء الحدث ناش من الشك عن تحقق

[ 397 ]

الجنابة المأخوذ عدمها في موضوع التكليف بالوضوء فمع احرازه بضم الوجدان إلى الاصل يكون التكليف الفعلي هو وجوب الوضوء الرافع للحدث شرعا فلا يبقى مجال لاستصحابه وهذا هو السر في عدم التزام العلامة الانصاري (قده) بوجوب الغسل في المقام تحصيلا لليقين بالطهارة مع التزامه بجريان الاستصحاب في هذا القسم وليس ذلك الا من جهة اخذ عدم الجنابة في موضوع التكليف بالوضوء كما عرفته * (تفريع) * ان للفاضل التوني (قده) كلاما تعرض له العلامة الانصاري (قده) في المقام بمناسبة ما (وحاصله) المنع من التمسك باصالة عدم التذكية في الحيوان الذي يشك في وقوع التذكية عليه من غير جهة الشك في القابلية لها التي تمسك بها المشهور في اثبات الحرمة والنجاسة وقد تمسك في ذلك بامرين (الاول) ان الحرمة والنجاسة في عنوان الادلة مترتبان على عنوان الميتة الذي هو من العناوين الوجودية فاثباتها باصالة عدم التذكية يكون مبنيا على القول بالاصول المثبتة (مضافا) إلى ان اصالة عدم التذكية معارضة باصالة عدم الموت حتف الانف الذي هو مقوم كون الحيوان ميتة فإن عنوان التذكية كما انه من العناوين الوجودية المسبوقة بالعدم فكذلك عنوان الميتة ايضا (ويرد على هذا الوجه) ان عنوان الميتة ليس من العناوين الوجودية بل الميتة شرعا هو عبارة عن غير المذكى ولذا لو قطعنا بعدم تذكية حيوان لفقد شرط من شرائطه فلا ريب في صدق عنوان الميتة عليه وان لم يكن موته بحتف انفه ولو سلمنا كون عنوان الميتة امرا وجوديا فلم يترتب الحرمة والنجاسة في الشريعة على خصوص ذلك العنوان بل عليه وعلى غير المذكى على ما يستفاد من قوله تعالى (الا ما ذكيتم) فاصالة عدم التذكية يترتب عليها الحرمة والنجاسة بنفسها من دون لزوم اثبات عنوان الميتة كما هو ظاهر (الثاني) ان الموضوع للحرمة والنجاسة وان سلم كونه هو عدم التذكية الا انه على اطلاقه ليس موضوعا له قطعا والا لحكم بالنجاسة في حال الحياة ايضا بل لا محالة يكون الموضوع هو عدم التذكية حال زهوق الروح فما هو موضوع الاثر ليس له حالة سابقة وما هو متيقن سابقا لا يكون بموضوع له فلا يجري الاستصحاب (وبالجملة) عدم التذكية له فردان احدهما حال الحياة والآخر حال زهوق الروح والفرد الاول وان كان متيقن الحدوث الا انه قطعي الارتفاع ولا يترتب عليه الاثر والفرد الآخر الموضوع للاثر مشكوك الحدوث من اول الامر فالتمسك بالاستصحاب في جامع عدم التذكية لاثبات بقائه إلى حال زهوق الروح

[ 398 ]

مبني على القول بجريان الاستصحاب في القسم الثاني من القسم الثالث الذي لا نقول به (ويرد على هذا الوجه) ان عدم التذكية الذي هو موضوع الاثر وان كان هو العدم المقارن لخروج الروح الا انه لا يوجب كون العدم ذا فردين حتى نحتاج إلى استصحاب الكلي بل العدم المضاف إلى التذكية عدم واحد مستمر غاية الامر ان الحياة والممات من حالاته وسيجئ ان شاء الله تعالى ان المعتبر في جريان الاستصحاب هو كون المستصحب ذا اثر في ظرف التعبد الاستصحابي وهو ظرف البقاء دون الحدوث فعدم التذكية في حال الحياة وان لم يكن موضوعا للاثر الشرعي حال حدوثه الا انه موضوع له في ظرف البقاء باعتبار تركب الموضوع من جزئين احدهما وهو زهوق الروح محرز بالوجدان والجزء الآخر وهو عدم التذكية محرز بالاصل فنفس ما هو جرء للموضوع كان محرزا سابقا فيستصحب لا ان موضوع الاثر فرد آخر مغاير معه مشكوك الحدوث حتى نحتاج إلى استصحاب الكلي (فإن قلت) ان الموضع للاثر انما هو العدم النعتي دون المحمولي وقد مر في بعض مباحث العموم والخصوص ان التمسك باستصحاب العدم المحمولي لاثبات العدم النعتي يبتني على القول بالاصول المثبتة فإن العدم النعتي وان لم يكن عدما آخر غير العدم المحمولي المستمر الا انه محقق اضافة إلى الموضوع غير مسبوقه بالحالة السابقة ولذا قلنا ان اصالة عدم القرشية محموليا لا تثبت كون المرأة الخارجية غير قرشية الذي هو موضوع الحكم ففي المقام ما هو متيقن سابقا إنما هو عدم التذكية بعنوان العدم المحمولي وهو لا يثبت كون الحيوان الزائل عنه حياته غير مذكى الذي هو موضوع للحرمة والنجاسة (قلت) ليس الامر كذلك فإن العدم النعتي انما يلاحظ بالاضافة إلى العرض ومحله إذ الموضوع للعرض بعد وجوده يكون متصفا بنعت لا محالة اما وجود العرض فيكون الوجود نعتا له واما عدمه فيكون العدم كذلك ففيما إذا كان الموضوع مركبا من العرض ومحله لا يمكن احرازه بضم الوجدان إلى اصالة العدم الازلي لانها لا تثبت عنوان النعتية واما في غير ذلك من صور التركب فلا محالة يلتئم الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل كما في المقام فإن الموضوع للنجاسة والحرمة هو عدم التذكية المجتمع في الزمان مع زهوق الروح من دون اعتبار نعتية لاحدهما بالقياس إلى الآخر بل كل منهما مأخوذ نعتا لموضوعهما ومن البديهي ان العدم النعتي بالقياس إلى الموضوع وهو الحيوان مسبوق بالحالة السابقة فإنه كان موجودا متصفا بعدم التذكية فيستصحب بقاء هذا العدم النعتي له إلى زمان زهوق الروح المأخوذ نعتا

[ 399 ]

له ايضا فيجتمع كلا جرئي موضوع الاثر في زمان ويترتب عليه الاثر فقياس المقام باصالة عدم القرشية الغير المثبتة للعدم النعتي في غير محله (نعم) إذا كان الموضوع مركبا من غير العرض ومحله ولكن اخذ فيه عنوان وجودي كعنوان الحال مثلا مع قيام الدليل على اعتباره بما هو لا بما أنه مرآة لاجتماع الجزءين في الزمان لما ترتب على ضم الوجدان إلى الاصل احراز ذلك العنوان الا على القول بالاصل المثبت كما لا يبعد ان يكون الموضوع لادراك الجماعة هو ركوع المأموم حال كون الامام راكعا بحيث كان لهذا العنوان البسيط دخل في الموضوع فإذا احرز ركوع نفسه وشك في رفع الامام رأسه من الركوع قبله لما ترتب على استصحاب بقائه في الركوع اثر لعدم احراز عنوان الحال لا بالوجدان ولا بالاصل ولكن من المعلوم انه ليس في الادلة في المقام ما يوهم اعتبار ذلك بل اللازام في الحكم بالنجاسة والحرمة هو نفس اجتماع عدم التذكية مع زهوق الروح في زمان واحد ويكفي في احراز هذا الموضوع ضم الوجدان إلى الاصل فيترتب عليه اثره فالحق هو ما عليه المشهور من الحكم بالنجاسة والحرمة مع الشك في وقوع التذكية خارجا (نعم) إذا كان منشأ الشك في التذكية هو الشك في قابلية المحل لما كان مجال لاصالة عدم التذكية وقد تعرضنا لوجهه في بعض تنبيهات البراءة فراجع * (التنبيه الرابع) * لا فرق في جريان الاستصحاب بين ان يكون المتيقن من الامور القارة أو من الامور التدريجية الغير القارة كالزمان والزمانيات التي لا يجتمع اجزاؤها في زمان واحد كالحركة مثلا فيقع الكلام في مقامين الاول في جريان الاستصحاب في نفس الزمان والثاني في جريانه في الزماني (اما المقام الاول) فربما يقال فيه بعدم جريان الاستصحاب نظرا إلى ان المقدار المتيقن من الزمان قد انصرم وانقضى يقينا والمقدار المشكوك مشكوك الحدوث فليس هناك ما يكون متيقن الوجود مشكوك البقاء ولكنه غير خفي ان الزمان وان كان بنفسه منقضيا ومتصر ما بنفسه الا ان تصرمه مقوم لحقيقته وذاته فإن كل آن من الآنات المنقضية انما هو من اجزاء الامر الواحد الموجود لا جزئيا من جزئياته فكل قطعة من الزمان فرضت يوما أو شهرا أو سنة أو غير ذلك فهي موجود واحد مستمر بقاؤها ببقاء اجرائه فما دام يكون جزء منها باقيا يصدق بقاء تلك القطعة عقلا فإن الزمان وان لم يكن مركبا من المادة والصورة حقيقة الا ان ذوات الآنات المتصلة كأنها مادة لها والهيئة الاتصالية كأنها صورة لها فالهيئة الاتصالية هي حافظ وحدتها عقلا فإذا شك في انقضائها فالشك حقيقة انما هو في بقاء ذاك الامر الواحد

[ 400 ]

المتيقن حدوثه إذ المفروض ان اليوم أو الشهر أو السنة موضوع عرفا لمجموع قطعة من الزمان حادثة ببقاء اول جزء منها وباقية ببقاء آخر جزئها وبعد وحدة هذا المعنى العرفي يكون المشكوك هو بقاء ذاك المتيقن شخصا لا غيره وليس المقام من باب التسامحات العرفية في التطبيقات كتسامحهم في اطلاق لفظ المن على ما كان اقل منه بمثاقيل حتى يقال انه لا اعتبار بمسامحاتهم بل من باب تشخيص المفهوم بالرجوع إليهم ولا ريب في اتباع نظرهم في ذلك وبعد فرض وحدة المفهوم وكون الشك متعلقا بشخص ما تعلق به اليقين فلا ريب في جريان الاستصحاب عند الشك في الوجود حدوثا أو بقاء فيرجع في الاول إلى استصحاب العدم وفي الثاني إلى استصحاب الوجود بنحو مفاد كان أو ليس التامتين فيثبت به وجود النهار أو عدمه واما الجزء المشكوك كونه من الليل أو النهار فلا يمكن ان يثبت بالاستصحاب لعدم الحالة السابقة المتيقنة فيه حتى تستصحب واستصحاب وجود النهار أو عدمه مثلا لا يكاد يثبت به كون الجزء المشكوك من النهار أو عدمه الا على القول بالاصل المثبت (وبالجملة) الاستصحاب لا يجري الا في مفاد كان أو ليس التامتين واثبات مفاد كان وليس الناقصتين به يبتني على القول بالاصل المثبت وعلى ذلك فإن كان الزمان الجاري فيه الاستصحاب متمحضا في كونه شرطا للحكم فقط من دون ان يكون قيدا للواجب اما من جهة كون الواجب موسعا أو من جهة كون وقوع الفعل فيه قهريا ولو كان مضيقا من دون ان يؤخذ الزمان فيه قيدا فلا اشكال في جريان الاستصحاب واثبات الحكم المترتب عليه شرعا واما إذا كان الزمان قيدا للواجب كما في الصلوات اليومية المعتبر وقوعها في زمان مخصوص فيشكل التمسك باستصحاب الزمان في احراز وقوعها في الزمان الذي اخذ قيدا فيها مثلا إذا شككنا في بقاء النهار الملازم للشك في بقاء وجوب الظهرين فغاية ما يترتب على استصحاب بقاء النهار هو اثبات بقاء وجوبهما واما احراز ان الصلاة الواقعة في الخارج واقعة في النهار بضم الوجدان إلى الاصل فغير ممكن إذ غاية الامر هو احراز ذات الصلاة وذات النهار واما احراز وقوعها في النهار اعني احراز التقيد فغير متحقق لا بالاصل ولا بالوجدان وبذلك يشكل في اصل استصحاب وجود النهار المترتب عليه وجوب الصلاة إذ جريان الاستصحاب فرع ترتب الاثر العملي عليه وهو مفقود في المقام على الفرض ولذلك عدل شيخنا العلامة الانصاري (قده) عن اجراء الاستصحاب في الزمان إلى اجرائه في نفس الحكم الشرعي فتمسك في المثال باستصحاب وجوب الصلاة وبقاء التكليف وقد اوردنا عليه في

[ 401 ]

الدورة السابقة بايرادين (الاول) ان التمسك بالاستصحاب الحكمي مع الشك في بقاء موضوعه وهو الزمان في المثال المزبور مما منع عنه (قده) وسنبرهن عليه فيما يأتي ان شاء الله تعالى فإذا لم يمكن اجراء الاستصحاب في نفس الموضوع لا يمكن اجراء الاستصحاب في الحكم ايضا (الثاني) ان استصحاب وجوب الصلاة مثلا ان ترتب عليه احراز وقوعها في النهار الذي اخذ قيدا في الواجب فيكفي في اثباته جريان الاستصحاب في نفس الزمان الذي اخذ شرطا وموضوعا للوجوب وان لم يترتب عليه ذلك فما الفائدة فيه لان المفروض عدم احراز تحقق الامتثال على كل تقدير وعلى ذلك فينحصر موارد جريان الاستصحاب في الزمان بما إذا كان مأخوذا شرطا للحكم من دون ان يكون له دخل في متعلق التكليف اصلا فتقل فائدة جريانه فيه جدا (ولكنه لا يخفى) انه لو اغمضنا عما سنبين في مقام الجواب عن الشبهة المذكورة فلا يرد على الاستصحاب الحكمي شئ من الايرادين المزبورين (اما الاول) فلان الشك في بقاء الموضوع الذي يمنع عن الرجوع إلى الاصل الحكمي هو الشك في بقاء ما يكون نسبة الحكم إليه نسبة العرض إلى محله كوجود المكلف مثلا ومن المعلوم ان الزمان وان كان من قيود الواجب الا ان نسبة الحكم إليه ليس نسبة العرض إلى محله فإذا ثبت الحكم في زمان فشك في بقائه للشك في بقاء الزمان الذي اخذ قيدا فيه فلا مانع من استصحابه والتعبد ظاهرا ببقائه واين هذا من التعبد ببقاء حكم لموضوع مشكوك الوجود الذي هو كالتعبد بوجود العرض من دون احراز موضوعه ويستضح هذا في محله ان شاء الله تعالى (واما الثاني) فلان استصحاب الزمان وان لم يترتب عليه احراز وقوع الفعل في النهار مثلا الا ان استصحاب الوجوب يكفي في ذلك وذلك لان استصحاب الزمان لا يترتب عليه الا ما هو اثره شرعا ومن المفروض ان ليس له اثر الا بقاء وجوب الصلاة واما وقوع الصلاة في النهار فهو من آثار بقائه عقلا لا شرعا وهذا بخلاف استصحاب وجوبها فإن معنى التعبد ببقاء الوجوب فعلا هو التعبد ببقائه بجميع خصوصياته التي كان عليها ومن المفروض ان الوجوب السابق انما كان متعلقا بما إذا اتى به كان واقعا في النهار فالآن يستصحب ذلك الوجوب على النحو الذي كان سابقا (وبالجملة) خصوصية الظرفية انما تنتزع من وقوع العبادة في زمان فإذا ادرجنا منشأ الانتزاع الذي هو متعلق الوجوب في المستصحب فلا نحتاج إلى احراز الظرفية بامر آخر بل يكفي في اثبات التقيد استصحاب نفس الوجوب المتعلق بالعبادة على

[ 402 ]

النحو الذي كان متعلقا بها سابقا (ولكن التحقيق) عدم ورود الاشكال من اصله وصحة جريان الاستصحاب في نفس الزمان (بيان ذلك) انه بعد ما عرفت من ان استصحاب الزمان انما يجري فيما إذا لوحظ الزمان بنحو مفاد كان أو ليس التامتين دون الناقصتين (نقول) ان الزمان إذا كان متمحضا في الشرطية للحكم فلا محالة يكون مأخوذا بنحو مفاد كان التامة إذ اعتبار وقوع العبادة في زمان مخصوص الذي هو مفاد كان الناقصة انما يكون متأخرا عن التكليف وواقعا في مرتبة الامتثال فكيف يعقل ان يكون شرطا للتكليف المتقدم عليه رتبة وعليه فلا اشكال في استصحابه وترتيب اثره الشرعي عليه واما إذا كان مأخوذا في متعلق التكليف فيمكن ان يؤخذ بنحو مفاد كان التامة كما في غيره من الزمانيات التي نعبر فيها عن ذلك باعتبار مجرد اجتماعهما في الزمان من دون اعتبار عنوان آخر من حال ونحوه ولكن لتعبير عنه في الزمان ضيق لعدم كون الزمان واقعا في زمان آخر حتى يعبر عنه باجتماعهما في الزمان فلنعبر عنه باعتبار وقوع العبادة ووجود الزمان في الخارج ويمكن ان يؤخذ بنحو مفاد كان الناقصة بان يعتبر الظرفية وحيثية وقوع العبادة فيه ومن المعلوم ان الاخذ على النحو الثاني غير ملازم لاخذ الزمان قيدا في الواجب بل هو محتاج إلى مؤنة اخرى إذ ليس الزمان والعبادة من قبيل العرض ومحله حتى يقال ان التركيب فيهما لابد وان يرجع إلى مفاد كان الناقصة على ما سيجئ توضيحه واشرنا إليه في مباحث العموم والخصوص فلا يستفاد من التقييد به الا مجرد اجتماعهما في الوجود الذي هو مفاد كان التامة ومن المعلوم ان الاستصحاب بعد ضمه إلى الوجدان يكفي في اثبات ذلك والمفروض من الاول هو اجراء الاستصحاب فيما هو من هذا القبيل فكأن المستشكل خلط بين القيدية والظرفية فاخذ فيما هو المفروض من جريان الاستصحاب في مفاد كان التامة ما يرجع إلى اخذ الزمان بنحو مفاد كان الناقصة وقد ظهر انه غير لازم لاخذه قيدا في الواجب فارتفع الاشكال بحذافيره ضرورة ان الاشكال انما كان لاجل ان استصحاب الزمان لا يترتب عليه احراز وقوع العبادة فيه الا على القول بالاصل المثبت وبعد ما اتضح ان اخذه قيدا غير ملازم لاعتبار وقوع العبادة فيه الذي هو مفاد كان الناقصة بل غاية ما يقتضيه القيدية هو اعتبار اجتماع الزمان مع العبادة في الوجود خارجا وهذا المقدار يثبت بالاستصحاب بعد ضمه إلى الوجدان فلا اشكال من اصله حتى نحتاج إلى الرجوع إلى الاصل الحكمي فتدبره واغتنم * (واما المقام الثاني) * فتوضيح الحال فيه ان الشك في بقاء

[ 403 ]

الزماني الذي تتقوم حقيقته بالانصرام والتقضي كالحركة والتكلم وجريان الماء أو الدم انما ينشأ من امور ثلاثة (الاول) ان يشك في بقائه لاحتمال وجود الرافع بعد احراز المبدأ الذي اقتضى وجوده من اول الامر كما إذا احرز ان المتكلم له داع إلى التكلم مقدار ساعة ولكن شك في بقائه لاحتمال وجود الصارف في البين وكما إذا احرز وجود المبدأ المقتضي لسيلان الماء أو الدم مقدارا ثم احتمل وجود مانع عنه (الثاني) ان يشك في بقائه لعدم احراز مقدار المبدأ المقتضي لوجوده كما إذا شككنا ان المبدء للتكلم أو السيلان اقتضى وجودهما بمقدار ساعة أو ازيد (الثالث) ان يعلم انتهاء اقتضاء المبدأ الاول ولكن احتمل وجود مبدء آخر مقتض للوجود ثانيا كما إذا علم ان المبدء الاول انما اقتضى وجودهما بمقدار ساعة ليس الا ولكن احتمل وجود مبدء آخر مقتض للوجود بعد تلك الساعة (لا اشكال) في جريان الاستصحاب في القسم الاول كجريانه في نفس الزمان شخصيا وان كان بينهما فرق من جهة وهو ان الموجب للوحدة المساوقة للشخصية في الزمان انما كان هو وحدة المفهوم عرفا المستلزمة للبقاء عقلا حيث ان اجزاء الزمان بعد اتحاد المفهوم العرفي انما كانت بمنزلة المادة الهيولائية والهيئة الاستمرارية لها بمنزلة الصورة النوعية لها وهذا المعنى مفقود في الزمانيات وحافظ الوحدة فيها انما هو وحدة المبدأ المقتضي لها وتعدده فإذا كان المقتضي للسيلان أو الحركة أو التكلم واحدا فلا محالة يكون كل ما يوجد في الخارج معلولا له واحدا قصيرا كان ام طويلا واما إذا كان المبدأ المقتضي لها محدودا بزمان فلا محالة يكون الموجود بعده بمبدء اخر مغايرا له وجودا وعلى ذلك فإذا كان الشك في البقاء مستندا إلى الشك في الرافع بعد احراز المقتضي لاستمراره فلا محالة يكون مشمولا للاخبار وموردا للاستصحاب الشخصي (وتوهم) رجوع هذا القسم إلى استصحاب الكلي بعد فرض وحدة الوجود الخارجي (واضح الفساد) (واما القسم الثاني) فجريان الاستصحاب وعدمه فيه مبني على ما تقدم من اعتبار احراز المقتضي في جريانه وعدمه (واما القسم الثالث) فهو من صغريات القسم الثالث من استصحاب الكلي والكلام فيه هو الكلام فيه بعينه (ثم ان الواجب) أو الوجوب (اما ان) لا يعتبر فيه الزمان اصلا فلا اشكال في جريان الاستصحاب فيه (واما ان) يكون معتبرا فيه اما على نحو القيدية المكثرة للطبيعة أو على نحو الظرفية فإن اعتبر على نحو القيدية فلا اشكال في عدم جريان استصحاب المتيقن السابق مثلا إذا وجب الجلوس مقيدا من طلوع الشمس إلى الزوال فلا اشكال في انه فرد مغاير للجلوس فيما بعد الزوال فيكون اثبات الحكم

[ 404 ]

الثابت لما قبله له من باب اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر لا من باب ابقاء الحكم السابق الثابت له فلا معنى للتعبد الاستصحابي فيه واما لو اخذ الزمان بنحو الظرفية فقد افاد شيخنا العلامة الانصاري (قده) صحة التمسك بالاستصحاب فيه ولكنه لا يخلو عن اشكال بل منع بناء على ما اخترناه من عدم جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي فإن الشك في بقاء الحكم السابق فيما بعد ذلك الزمان المأخوذ ظرفا لا قيدا لا ينفك لا محالة عن احتمال كونه مغيى بالجزء الاخير من الزمان المأخوذ ظرفا ومع الشك في كون الحكم الثابت مغيى بغاية أو مرسلا لا يمكن التمسك بالاستصحاب كما عرفت مفصلا فكل حكم اخذ فيه الزمان بنحو القيدية أو الظرفية لا يمكن التمسك فيه بالاستصحاب اما لتعدد متعلقي اليقين والشك واما لرجوع الشك في البقاء إلى الشك في المقتضي الذي عرفت عدم شمول ادلة الاستصحاب لموارده (ومما ذكرناه) يظهر فساد ما حكاه شيخنا العلامة المتقدم عن الفاضل النراقي (قدهما) من تعارض استصحاب الوجود مع استصحاب العدم في امثال المقام قال (قده) انه إذا علم ان الشارع امر بالجلوس يوم الجمعة وعلم انه واجب إلى الزوال ولم يعلم وجوبه فيما بعده فنقول كان عدم التكليف بالجلوس قبل يوم الجمعة وفيه إلى الزوال وبعده معلوما قبل ورود امر الشارع وعلم بقاء ذلك العدم قبل يوم الجمعة وعلم ارتفاعه والتكليف بالجلوس فيه قبل الزوال وصار بعده موضع الشك فهنا شك ويقينان وليس ابقاء حكم احد اليقينين اولى من ابقاء حكم الآخر (فإن قلت) يحكم ببقاء اليقين المتصل بالشك وهو اليقين بالجلوس (قلنا) ان الشك في تكليف ما بعد الزوال حاصل قبل مجئ يوم الجمعة وقت ملاحظة امر الشارع فشك في يوم الخميس مثلا حال ورود الامر في ان الجلوس غدا هل هو مكلف به بعد الزوال ايضا أو لا واليقين المتصل به هو عدم التكليف فيستصحب ويستمر ذلك إلى وقت الزوال (ثم انه) (قده) اجرى تعارض الاستصحابين في مثل ما إذا شك في بقاء الطهارة بعد المذي مثلا فعارض استصحاب الطهارة باستصحاب عدم سببية الوضوء للطهارة بعد المذي (وانت بعدما احطت خبرا) بما ذكرناه يظهر لك فساد ما ذكره (قده) اولا فإن استصحاب الوجود لا يجري فيما اعتبر فيه الزمان ظرفا أو قيدا وستعرف عدم جريان استصحاب العدم ايضا (واما ما ذكره) من حديث اتصال زمان الشك بزمان اليقين بفرض الشك يوم الخميس (فيرد عليه) ان المعتبر هو اتصال زمان المشكوك بزمان المتيقن لا نفس صفة اليقين والشك ففرض الشك يوم

[ 405 ]

الخميس لتصحيح الاتصال من الغرائب (واما ما ذكره اخيرا) من فرض التعارض في مثال الشك في بقاء الطهارة (فيرد عليه) ما اورده شيخنا العلامة الانصاري (قده) وسنتعرض له (ثم ان شيخنا العلامة) (قده) اورد على ما حكاه من الفاضل المتقدم بان الزمان اما ان يؤخذ قيدا للوجوب أو الواجب حتى يكون المقيد فردا مغايرا لغيره فلا ريب في عدم جريان استصحاب الوجود بل لا مناص عن الرجوع إلى استصحاب العدم لان انتقاض عدم وجود المقيد لا يستلزم انتقاض المطلق والاصل عدم الانتقاض واما ان يؤخذ ظرفا فيه حتى لا يكون الواجب والوجوب بعد ذلك الزمان مغايرا لما قبله فليس هناك الا عدم واحد انتقض بالوجود فلا مناص عن الرجوع إلى استصحاب الوجود فكأن الفاضل المتقدم خلط بين الظرفية والقيدية فعند تمسكه باستصحاب الوجود لاحظ الزمان بنحو الظرفية وعند تمسكه باستصحاب العدم لاحظه بنحو القيدية المكثرة للطبيعة فوقع في الالتباس (هذا حاصل) ما افاده (قده) في مقام الجواب اولا (ويرد) على ما ذكره (قده) (اولا) ان ما افاده من التمسك باستصحاب الوجود فيما إذا اخذ الزمان ظرفا غير مستقيم لما عرفت من رجوع الشك فيه إلى الشك في المقتضي نعم لا يجري استصحاب العدم ايضا لما ذكره (قده) من انه ليس هناك الا عدم واحد متيقن انتقض قطعا وليس كل قطعة من الزمان فردا مغايرا للقطعة الاخرى (وثانيا) ان عدم جريان استصحاب الوجود فيما إذا اخذ الزمان قيدا وان كان صحيحا الا ان ما افاده (قده) من الرجوع حينئذ إلى استصحاب العدم ليس بصحيح فان الوجود المشكوك بعد القيد وان كان مسبوقا بالعدم الا ان المتصف بالعدم المستصحب ليس هو الوجود قطعا لاستحالة اتصاف احد النقيضين بالآخر بل المتصف بكل من الوجود والعدم هو نفس الماهية المعراة عن الوجود والعدم والمستصحب انما هو خلو صفحة الوجود عنها ثم ان التقييد بالزمان انما هو بالقياس إلى الوجود والعدم واما نفس الماهية التي هي جامعة بين الموجود والمعدوم فيستحيل ان تتقيد بزمان بل التقيد الناشئ عن اعتبار معتبر لا بد وان يرجع إلى احد الوصفين لا محالة ثم ان المتيقن في المقام انما هو نفس عدم الماهية واما الوجوب المقيد بما بعد الزوال مثلا المغاير للوجوب السابق لتقيد نفسه أو تقيد متعلقة وهو الجلوس مثلا فليس وجوده ولا عدمه متيقنا فإن ظرف وجوده وعدمه هو ما بعد الزوال واما قبله فلا يكون الوجوب المقيد معدوما الا من باب السالبة بانتفاء الموضوع فما هو المتيقن وهو عدم الوجوب المطلق انتقض يقينا وما هو المشكوك

[ 406 ]

وهو الوجوب المقيد بما بعد الزوال ليس له حالة سابقة (نعم) لو كفى في الاستصحاب نفس المسبوقية بالعدم من دون اتصافه به لامكن ان يقال في المقام بجريانه لسبق الوجود المقيد المشكوك بالعدم الازلي لا محالة لكنه بمراحل عن الواقع إذ لابد في جريانه من ابقاء المتيقن ومن المفروض انه عدم الماهية لا عدم الوجود فتدبر ذلك فانه دقيق (نعم) لو قلنا باثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل لامكن التمسك به في المقام ايضا وذلك لانه بعد فرض مغايرة الوجوب لما بعد الزوال للوجوب قبله فالقدر المتيقن هو جعل الثاني دون الاول فيستصحب عدمه ويثبت به عدم الوجوب بعده ولكنه قد ذكرناه مرارا ان اثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل يبتني على القول بالاصول المثبتة (فتلخص) انه سواء كان الزمان اخذ قيدا في الواجب أو ظرفا له فلا يمكن التمسك بعده لا باستصحاب الوجود ولا باستصحاب العدم بل لابد من الرجوع إلى اصل آخر من اشتغال أو براءة (ثم انه قده اورد عليه) ثانيا (بما حاصله) ان ما افاده من تعارض الاستصحابين عند الشك في بقاء الطهارة بعد المذي غير مستقيم فان الشك في بقائها (تارة) يكون لاجل الشك في مقدار المجعول كما إذا شككنا في ان الشارع جعل الوضوء الصادر عن تقية سببا للطهارة مطلقا أو ما دام التقية موجودة (واخرى) يكون لاجل الشك في جعل شئ رافعا لها مع عدم تقيد مقدار سببيته ومورد توهم التعارض هو الاول وان كان الحق فيه هو جريان استصحاب الوجود ليس الا إذ المتيقن السابق بالاضافة إلى المجعول وهي الطهارة الفعلية هو الوجود دون العدم وبالاضافة إلى الجعل وان كان العدم متيقنا الا انه لا يثبت به عدم المجعول واما مورد الشك في الرافع فلا يرجع الشك فيه إلى مقدار السببية اصلا حتى بالاضافة إلى الجعل حتى يتوهم فيه المعارضة بل المتعين فيه هو الرجوع إلى استصحاب الطهارة فقط فجعل هذا من موارد التعارض من الغرائب * (التنبيه الخامس) * قد اشرنا سابقا إلى انه لا فرق في المستصحب بين ان يكون حكما شرعيا مستفادا من دليل العقل أو من غيره والمفصل في ذلك هو العلامة المحقق الانصاري (قده) والظاهر انه لم يسبقه في ذلك احد وقد ذكرنا سابقا ما يمكن ان يستدل به على هذا التفصيل مع جوابه الا انه نزيده توضيحا (فنقول) ان عمدة ما افاده (قده) في المقام هو ان الاحكام العقلية انما تثبت لموضوعاتها بعد احراز جميع خصوصياتها الوجودية والعدمية فكل خصوصية أخذها العقل في موضوع حكمه تكون من مقوماته ويرتفع الموضوع بارتفاعه وحيث ان الحكم

[ 407 ]

الشرعي تابع للحكم العقلي فيكون موضوعه متحدا مع موضوعه فلا يجري الاستصحاب مع انتفاء بعض الخصوصيات التي يشك مع انتفائها في بقاء الحكم الشرعي (وجوابه) ان الاحكام العقلية كما يمكن ان تكون موضوعاتها مبينة من جميع الجهات فيستقل بعدم الملاك مع انتفاء جهة منها كذلك يمكن أن تكون مجملة من بعض الجهات فيأخذ العقل بالمقدار المتيقن ويكون الحكم بقبحه أو حسنه من باب القطع بوجود الملاك فيه دون غيره وإن احتمل فيه فإذا انتفى بعض الخصوصيات الموجبة للشك في الحسن أو القبح وفرضنا ان تلك الخصوصية ليست من مقومات الموضوع عرفا كما هو محل الكلام في المقام إذ لو كانت من مقوماته عرفا أو كان الملاك هو اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة عقلا لما جرى الاستصحاب في حكم من الاحكام الشرعية ولو كانت مستفادة من الدليل الشرعي فلا محالة يكون الحكم المتيقن الثابت لموضوعه بعينه مشكوكا فيه فيجرى فيه الاستصحاب بل لا مانع من جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي من الحسن أو القبح ايضا لعين ما ذكر إلا من جهة انه لا اثر شرعي لهما واثبات الحرمة والوجوب الملازم لهما يبتني على القول بالاصول المثبتة ومع قطع النظر عن ذلك لا مانع من جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي ايضا بل قد ذكرنا سابقا أن الخصوصية المفروض انتفاؤها ولو سلمنا كونها دخيلة في ملاك حكم العقل واقعا إلا أن دخلها في ملاك الحكم الشرعي المستكشف به مشكوك فيه وإلا فلا معنى للشك في بقاء الحكم الشرعي مع انتفائها ومعه لابد من الرجوع إلى استصحابه لوجود اركانه وفيما ذكرناه سابقا في هذا المقام غنى وكفاية وسيجئ بيان أن الاستصحاب في امثال المقام هل هو من قبيل استصحاب الاحكام الكلية أو الشخصية (هذا كله) في استصحاب نفس الحكم الشرعي (واما) استصحاب بقاء موضوعه لاحتمال انتفاء بعض الخصوصيات التي لها دخل في الملاك عقلا وشرعا كما إذا فرضنا أن الحكم العقلي والشرعي ثبتا للكذب الضار وشككنا في بقاء هذا العنوان مع ثبوته سابقا (فربما) يستظهر من كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) المنع عنه ايضا إلا في مثل عنوان الضرر الذي يكفي في ثبوته شرعا مجرد كونه مظنونا على القول بكون الاستصحاب حجة من باب افادته الظن (ولا يخفى) ان كلامه (قده) في المقام في غاية الاضطراب والتشويش ولا يمكننا نسبة شئ إليه إلا ان القدر المعلوم منه هو تجويزه للرجوع إلى الاستصحاب في الصورة المفروضة ولكنه غير سديد صغرى وكبرى (اما الصغرى) فلان الظن بخصوصه لم

[ 408 ]

يؤخذ طريقا شرعيا إلى الضرر في باب من الابواب اصلا بل الموضوع للحكم بالحرمة هو الخوف المجتمع مع الاحتمال الناشئ عن مدرك عقلائي فالتخصيص بخصوص الظن لا وجه له (واما الكبرى) فلان الظن لو سلمنا كونه طريقا إليه فلا ريب في انه مختص بالظن الشخصي ومن المعلوم ان الاستصحاب على تقدير حجيته من باب الظن إنما يكون معتبرا من باب الظن النوعي فلا يكفي في ثبوته جريانه (والتحقيق في المقام) ان يقال ان الاحكام العقلية الثابتة لموضوعاتها اما ان يكون ثبوتها لها بملاك واحد مشترك بين صور العلم والظن والشك والوهم واما ان يكون بملاك متخص بوجودها الواقعي ولابد ان يكون له حكم طريقي آخر في موارد الشك في وجودها على ما سنبين (مثال القسم الاول) حكم العقل بقبح التشريع فان حكمه بذلك إنما هو من جهة انه تصرف في سلطان المولى بغير اذنه وهو ملاك مشترك بين ما لو علم عدم الحكم الشرعي أو شك فيه فتمام الموضوع له هو عدم احراز الحكم الشرعي والوجود الواقعي أو العدم الواقعي اجنبيان عن موضوع حكمه بالكلية ويمكن ان يكون قبح الكذب من هذا القبيل ايضا فلو فرضنا ان المبطل للصوم هو الكذب الذي يحكم العقل بقبحه لكان الاخبار عن الله واوليائه عليهم السلام مع عدم احراز وجود المخبر به مبطلا له ولو كان مصادفا للواقع من باب الاتفاق ولا يخفى ان ذلك اجنبي عن تعيين ما وضع له لفظ الكذب لغة كما هو ظاهر (ومثال الثاني) حكم العقل بقبح التصرف في اموال الغير عدوانا فإن حكمه بذلك ناش من ملاك مختص بصورة تحقق كون المال لغير المتصرف ولكنه يحكم بقبح التصرف في المال المشكوك ايضا حفظا لعدم الوقوع في القبيح الواقعي فحكمه هذا ناش عن ملاك طريقي مغاير لحكمه الاول الناشئ عن الملاك الواقعي وفي كل مورد كان حكم العقل من هذا القبيل فلابد وان يكون له حكم آخر طريقي ايضا في الموارد المشكوكة والوجه في ذلك هو ان حكم العقل بحسن شئ أو قبحه حيث انه ناش عن ملاك واقعي غير مأخوذ في موضوعه العلم (فلا محالة) لابد للعقل من الحكم بقبح الاقتحام فيما لا يؤمن معه من الوقوع فيه بحكم طريقي وهذا بخلاف الاحكام الشرعية الناشئة عن المصالح والمفاسد فإن المصالح أو المفاسد ربما تكون من الاهمية بمكان موجب لجعل المتمم في ظرف الجهل كموارد النفوس والاعراض والاموال في الجملة وربما لا تكون كذلك فيرخص الشارع في اقتحامها كاغلب موارد الشبهات الموضوعية والكاشف عن كون الملاك من القسم الاول أو الثاني هو حكم الشارع بوجوب

[ 409 ]

الاحتياط أو البراءة وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة تفصيل ذلك وان جعل المتمم يترتب عليه (تارة) اثر الوجوب النفسي (واخرى اثر الوجوب الغيري (وثالثة) اثر الوجوب الطريقي (فراجع) والغرض في المقام هو بيان أن الاحكام العقلية إذا كانت من القسم الثاني فليس حالها حال الاحكام الشرعية من هذه الجهة بل لا محالة يحكم العقل في الموارد المشكوكة بحكم آخر طريقي ومنه يظهر انه لا مجال في هذه الموارد للرجوع إلى اصالتي البراءة والحلية فإن الحكم العقلي بالقبح في تلك الموارد المشكوكة طريقيا يكون مخصصا لادلة البراءة والحلية بل يكون حاكما عليها إذ لا يبقى مع حكم العقل بالقبح مجال للشك في الحلية حتى يكون موردا لها وأما عدم جواز الرجوع إليها في موارد القسم الاول من الحكم العقلي فهو اظهر من ان يخفى واما الرجوع إلى الاستصحاب في موضوعات الاحكام العقلية فيفصل فيه بين القسمين فإن القسم الاول لا يجري فيه الاستصحاب ايضا فإن جريان الاستصحاب فرع ان يكون هناك اثر للمتيقن السابق والمفروض انه لا اثر له بل الاثر إنما هو مترتب على نفس عدم الاحراز وهو تمام الموضوع له فما هو الموضوع له باق بعينه وما شك في بقائه ليس بموضوع للاثر اصلا ولو سلمنا ترتب الاثر على نفس الواقع ايضا في عرض عدم الاحراز بان كان للعقل حكمان احدهما ثابت للواقع والآخر لعدم احرازه لما جرى الاستصحاب ايضا فإن ما يترتب على الاستصحاب من الاثر بالتعبد محرز تحققه وجدانا لان المفروض ان موضوعه وهو عدم الاحراز محرز وجدانا فإجراء الاستصحاب لاحرازه بالتعبد تحصيل للحاصل بل من اردء انحائه كما هو واضح فما في افادات بعض المحققين من جريان الاستصحاب فيه وحكومته على الحكم العقلي كما في موارد الشك في الحجية فاسد من جهات ثلاث (الاولى) من جهة أن عدم الحجية واقعا لا اثر له حتى يستصحب (الثانية) من جهة ان احراز عدم الحجية بالاصل تحصيل للحاصل بل من اردء انحائه (الثالثة) من جهة عدم تعقل حكومة الاحراز التعبدي على الاحراز الوجداني (واما القسم الثاني) فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه واحراز الواقع وجودا وعدما فيترتب عليه اثره ولا يبقى معه موضوع للحكم الطريقي العقلي الحاكم على قاعدتي الحلية والبراءة * (التنبيه السادس) * قد يطلق على بعض الاستصحابات التعليقي مرة والتقديري اخرى (وتوضيح الحال) في حجيته وعدمها يتوقف على بيان امور (الاول) ان جريان الاستصحاب مطلقا يتوقف على ثبوت المستصحب في الوعاء المناسب له من وعاء الخارج أو الاعتبار ضرورة

[ 410 ]

ان اعتبار اليقين بالحدوث في جريانه مفروغ عنه في محل الكلام (الثاني) انه ربما ورد في كلماتهم ان الاحكام الشرعية المتعلقة بالموضوعات الخارجية تختلف باختلاف الاسماء والعناوين وربما ورد انها لا تختلف باختلافها فربما يتوهم التناقض بين القضيتين وقد جعل في كتاب العناوين عنوانا مستقلا لتحقيق ذلك وبيان المراد من كل منهما (وتوضيح الحال) في دفع التهافت بينهما هو ان الاحكام المتعلقة بالعناوين تختلف باختلاف القرائن الخارجية والداخلية ومنها مناسبة الاحكام مع موضوعاتها فقد تقتضي القرينة ثبوت الحكم الثابت لعنوان خاص ثبوته لذات المعنون ولو مع زوال عنوانه كما في الحلية الثابتة لعنوان الحنطة مثلا حيث ان العرف يفهم من الدليل الدال عليها حلية الدقيق والخبز من دون التماس دليل آخر فلا يكون الحكم تابعا للعنوان ولا يدور مداره بقاء وقد تقتضي ثبوته للمعنون بما هو كذلك فيحكم بارتفاعه عند ارتفاعه كما في النجاسة الثابتة للعذرة فإن العرف يراها ثابتة لنفس العذرة فلا يحتملون بقاءها عند تبدلها حيوانا وفي مثل ذلك يدور الحكم مدار تحقق عنوان موضوعه وقد يشك في ذلك فلا يعلم بقاء الحكم بعد زوال عنوان موضوعه ولا عدمه بعد الفراغ عن سكوت الدليل الاول عنه اثباتا ونفيا وحينئذ فإن كان العرف يرون الوصف الزائل من مقومات الموضوع حسب نظرهم بحيث لو كان الحكم ثابتا له ايضا بدليل آخر لكانوا يحكمون بحدوث حكم جديد لموضوع كذلك فلا مجال حينئذ للاستصحاب لعدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة وأما ان كانوا يرون ذلك من حالاته واوصافه بحيث لو دل دليل على ثبوته في هذا الحال ليرون ذلك ابقاء للحكم الاول في موضوعه وإن كان الدليل الاول ساكتا عنه فهذا هو مورد الاستصحاب (فتلخص) ان جريان الاستصحاب موقوف على سكوت الدليل الاول عن اثبات الحكم في الحالة الثانية وجودا وعدما وعلى كون القضية المشكوكة في الآن الثاني متحدة مع القضية المتيقنة وسيجئ توضيح ذلك في محله إن شاء الله تعالى (ثم لا يخفى) ان مناسبة الحكم والموضوع ربما تختلف باختلاف الموارد فقد يكون عنوان واحد مأخوذا في موضوعات احكام متعددة لكن العرف يرى دخله في موضوع بعضها فيحكم بارتفاعه عند ارتفاعه ولا يرى دخله في موضوع بعضها الآخر مثلا ورد في خيار العيب جواز رد المعيب إذا كان قائما بعينه وورد في التفليس ان الغريم يرجع إلى ماله إذا كان قائما بعينه وورد في الهبة جواز رجوع الواهب إذا كانت العين قائمة بعينها مع ان الفقهاء كما ترى حكموا في بابي الخيار والهبة ان مجرد تغير العين ولو بادنى تغير يوجب المنع عن الرد والرجوع وهذا

[ 411 ]

بخلاف التفليس فإنهم حكموا فيه بجواز الرجوع ولو مع تغيرها بتلك التغيرات وليس الاختلاف في الابواب إلا من جهة اختلاف مناسبات الاحكام مع موضوعاتها (الثالث) قد ذكرنا مرارا ان جعل الاحكام على موضوعاتها إنما هو من قبيل القضايا الحقيقية المفروض فيها وجودات موضوعاتها فقد يكون الشك في بقائها من جهة الشك في النسخ وانتهاء الحكم بانتهاء أمده وهذا مما لا ريب في صحة الاستصحاب فيه فان للاحكام في مرتبة جعلها ثبوتا انشائيا غير متوقف على وجود موضوع لها في الخارج اصلا فهي متيقنة ثبوتا في الوعاء المناسب لها مشكوكة بقاء كذلك ومن هذ القبيل الشك في لزوم العقود التعليقية كالجعالة ونحوها فإن المنشأ فيها في عالم الاعتبار هي الملكية على تقدير وللمنشأ نحو وجود اعتباري بعد تمام العقد بشرائطه فإذا شككنا في بقائه وارتفاعه من جهة الفسخ (فلا محالة) يكون المتيقن ثبوته مشكوك البقاء فيجري فيه الاستصحاب كما في موارد العقود التنجزية كالبيع ونحوه (وبالجمة) المعيار في صحة الاستصحاب هو كون المشكوك متيقن الثبوت في زمان بنحو من الثبوت واختلاف انحاء الثبوت لا يكون بضائر في جريان الاستصحاب اصلا (ومن الغريب) انكار العلامة الانصاري (قده) جريان الاستصحاب في تلك الموارد في بعض تحقيقاته مع انه يرى صحة الاستصحاب التقديري والامر على خلاف ما اختاره (قده) في المقامين وقد يكون الشك في بقاء الحكم لا من جهة احتمال النسخ بل من جهة تغير ما في الموضوع بزوال بعض ما هو عليه من اوصافه كما إذا شك المجتهد في زوال النجاسة الثابتة للماء المتغير وعدمه عند زوال التغير عنه من قبل نفسه وهذا القسم مما لا ريب في جريان الاستصحاب فيه ايضا فإن الماء المتغير وان لم يكن موجودا في ظرف الشك اصلا فضلا عن زوال تغيره إلا ان المجتهد الناظر إلى استنباط الاحكام يقدر ما هو كذلك فيشك في بقاء حكمه بعد فرض ثبوته فيفتي بالنجاسة من جهة الاستصحاب (وبالجملة) مشكوك البقاء مفروض الثبوت سابقا والاستصحاب إنما هو بلحاظ ظرف فعليته وقد يكون الشك في البقاء لا من جهة احتمال النسخ ولا من جهة تغير بعض حالات الموضوع بل من جهة الامور الخارجية كما إذا كان الحكم فعليا بفعلية موضوعه وشك في ارتفاعه برافع خارجي كالشك في بقاء الطهارة والحدث ونحوهما وهذا القسم مما لا ريب في جريان الاستصحاب فيه ايضا (إنما الاشكال) فيما إذا لم يكن الاستصحاب فيه لا بحسب مقام الجعل والانشاء ولا بحسب مقام الفعلية والتحقق كما إذا رتب الحرمة على العصير

[ 412 ]

المغلي فشك في حرمة الزبيب بعد الغليان فإن الحكم المجعول لا يحتمل نسخه حتى يستصحب كما هو المفروض وليس الشك في ارتفاعه بعد فعليته بتحقق موضوعه إذ المفروض عدم تحقق الغليان حال العنبية كي تكون الحرمة فعلية فتستصحب بعد ذلك بعد الشك في بقائها وحينئذ فكيف يمكن في مثله الاستصحاب (وغاية ما قيل) في صحته في مثل المقام وجهان (الاول) ان يقال ان الحرمة الفعلية وإن لم تكن ثابتة حال العنبية من جهة عدم الغليان المأخوذ في موضوعه إلا ان الحرمة على تقدير الغليان كانت ثابتة في تلك الحال لا محالة وكما ان الاحكام الفعلية قابلة للتعبد ببقائها في ظرف الشك فكذلك الاحكام التقديرية ايضا وحيث ان الحرمة على تقدير الغليان كانت متيقنة حال العنبية مشكوكة حال الزبيبية فيستصحب بقاؤها (ويرد عليه) ان ثبوت الحرمة على تقدير الغليان للعنب ليس ثبوتا شرعيا وحكما على موضوعه بل هو من جهة حكم العقل بأنه متى وجد جزء الموضوع المركب فلا محالة تكون فعلية الحكم متوقفة على ثبوت جزء آخر (توضيح ذلك) انا قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط ان كل شرط يكون لا محالة مأخوذا في موضوع الحكم كما ان كل موضوع يكون شرطا في الحقيقة فقولنا يحرم العنب إذا غلى عبارة اخرى عن قولنا العنب المغلي حرام وبالعكس ولهذا الحكم ثبوتان حقيقيان تشريعا (احدهما) ثبوته في مرحلة الجعل والانشاء مع قطع النظر عن وجود عنب في الخارج اصلا والرافع للحكم في هذه المرحلة هو النسخ ليس إلا (وثانيهما) ثبوته الخارجي بفعلية تمام موضوعه اعني به وجود العنب وغليانه إذ مع انتفاء احد قيود الموضوع يستحيل فعلية الحكم والالزم الخلف وعدم دخل ذلك القيد في موضوعه والمفروض في المقام عدم الشك في بقائه في مرحلة الانشاء وعدم فعلية موضوعه في الخارج فاين الحكم الشرعي المتيقن حتى يستصحب وجوده (نعم) حيث ان الحكم الشرعي مترتب على الموضوع المركب فالعقل يحكم عند وجود جزء منه بكون الحكم متوقفا على ثبوت الجزء الآخر وهذا الثبوت عقلي محض وغير قابل للاستصحاب اصلا (وبالجملة) الاستصحاب لابد وان يكون ناظرا إلى مرحلة البقاء بعد الفراغ عن الثبوت وفي المقام ليس للحكم المشكوك يقين سابق حتى يمكن التعبد ببقائه (الثاني) ان يقال ان الحرمة حال العنبية وان لم تكن فعلية إلا ان ملازمة الحرمة للغليان حالها اعني بها سببية الغليان للحرمة كانت فعلية فان صدق القضية الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها كما هو ظاهر وحيث ان هذه السببية مشكوكة حال الزبيبية فيستصحب وجودها ويترتب عليه الحكم بحرمة الزبيب بعد الغليان (وبهذا

[ 413 ]

الوجه) تمسك العلامة الانصاري (قده) لصحة الاستصحاب التقديري (ويرد عليه) (اولا) ان ذلك مبني على امكان جعل السببية وقد عرفت استحالته وأن المجعول انما هو الحكم على تقدير وجود موضوعه والعجب انه (قده) مع انكاره لجعل السببية كيف تمسك باستصحابها في المقام (وثانيا) ان السببية ولو سلمنا كونها من الاحكام المجعولة إلا ان لها نحوين من الثبوت ايضا (احدهما) الثبوت الانشائي في مقام الجعل وبقائه في المقام غير مشكوك فيه (وثانيهما) الثبوت الفعلي الخارجي وهو متوقف على ثبوت تمام موضوعه في الخارج والمفروض عدم تحققه في المقام وانما المتحقق في الخارج هو جزء السبب والحكم بسببيته للحرمة على تقدير الجزء الآخر انما هو عقلي ليس الا (والحاصل) ان كل حكم مجعول شرعي مترتب على موضوعه إنما يكون فعليته بفعلية موضوعه وأما قبلها فليس له تحقق وثبوت إلا في مرحلة الجعل والانشاء والمفروض في محل الكلام عدم الشك في بقائه بل إنما الشك في سعة دائرة الجعل وضيقها وقد عرفت ان الاستصحاب فرع تحقق الحكم وثبوته حتى يكون الشك في البقاء لا في الحدوث * (تتميم) * لا يخفى ان الاستصحاب التعليقي على تقدير جريانه انما يختص بما إذا كان الموجود في الزمان السابق هو الجزء الركين للموضوع وكان الجزء الآخر الغير المتحقق مما يعد من حالاته حتى يصح ان يقال ان الموجود في الزمان السابق كان محكوما بحكم تقديري فيستصحب واما إذا انعكس الامر وكان الموجود سابقا مما يعد من حالات الموضوع وكان الجزء الركين معدوما فلا موجب لتوهم ثبوت الحكم التقديري اصلا حت يجري فيه الاستصحاب (ومن هنا يظهر) عدم جواز الحكم بصحة الصلاة الواقعة في اللباس المشكوك نظرا إلى استصحاب الصحة التقديرية الثابتة للصلاة على تقدير وجودها قبل لبس المشكوك فإن الموضوع للصحة انما هي الصلاة المقيدة بعدم وقوعها في غير المأكول والركن الركين لهذا الموضوع نفس الصلاة وهي لم تكن موجودة سابقا كي يستصحب صحتها التقديرية واوضح من ذلك عدم جريان الاستصحاب في خصوص مثال العنب إذا صار زبيبا فإن الموضوع للحكم هو العصير العنبي ومن المعلوم انتفاء هذا الموضوع عند تبدله زبيبا فإن الغليان حينئذ لا محالة يكون عارضا لماء خارجي منضم إلى الاجزاء الزبيبية ضرورة ان نفس الرطوبة الزبيبية غير قابلة للغليان فما هو الموضوع للحكم غير باق يقينا وما هو متصف بالغليان فعلا لم يكن الحكم ثابتا له سابقا * (وهم) * و * (دفع) * (ربما يتوهم) ان الاستصحاب التعليقي على تقدير جريانه

[ 414 ]

معارض باستصحاب الحكم الفعلي الثابت قبل حصول المعلق عليه فكما يصح التمسك باستصحاب الحرمة التعليقية قبل الغليان فكذلك يصح التمسك باستصحاب الحلية الفعلية قبله فيسقط بالمعارضة دائما (ولكنه ناش) من الغفلة عن حكومة الاستصحاب في الحكم التعليقي على الاستصحاب في الحكم الفعلي ضرورة ان الشك في الحلية والحرمة بعد حصول المعلق عليه ناش من الشك في اختصاص الحرمة التعليقية بحال مخصوص أو عمومها لغيره ايضا فإذا جرى الاستصحاب وثبت عموم الحكم لما بعد زوال الحال الاول ايضا فلا محالة يرتفع الشك في الحلية الفعلية فلا يبقى موضوع لاستصحابها مثلا الشك في حرمة الزبيب بعد الغليان وحليته انما يكون ناشئا من الشك في ان الحرمة المعلقة على الغليان الثابتة للعنب هل كانت مختصة بخصوص حال العنبية أو كانت عامة لحال الزبيبية ايضا ضرورة انه لا موجب للشك في الحرمة الفعلية غير ذلك وإذا احرز العموم بالاستصحاب فلا محالة يرتفع الشك ويحكم على الحرمة الفعلية بعد الغليان كالعنب بعينه وهذا هو المعيار في حكومة احد الدليلين على الآخر من دون فرق بين كون الاصل الحاكم اصلا حكميا أو موضوعيا * (التنبيه السابع) * لا فرق في جريان استصحاب عدم النسخ بين كون الشاك موجودا في زمان حدوث الخطاب أو معدوما لما عرفت غير مرة من ان الاحكام المجعولة انما هي من قبيل القضايا الحقيقية المفروض فيها وجودات موضوعاتها فلا اختصاص لها بخصوص الموجودين في ذلك وعليه فكل مكلف شك في بقاء حكم من الاحكام فشكه فيه شك في البقاء بعد اليقين بالحدوث (ومنه يظهر) اندفاع ما قيل من عدم صحة جريان الاستصحاب في حق المعدومين لعدم العلم بثبوت الحكم في حقهم فيكون اثبات الحكم في حقهم من باب اسراء الحكم من موضوع إلى آخر لا من باب ابقاء الحكم في الموضوع الثابت له (واما) ما افاده العلامة الانصاري (قده) في المقام من اجراء الاستصحاب في حق المدرك للزمانين واثبات الحكم لغيرهم بقاعدة الاشتراك في التكليف (فيرد عليه) ان جريان الاستصحاب في حق من تم اركانه بالقياس إليه لا يستلزم ثبوت الحكم الظاهري في حق غيره والتفكيك في الاحكام الظاهرية في الشريعة غير عزيز (نعم) مقتضى الاشتراك في التكليف عدم اختصاص جريان الاستصحاب بجماعة مخصوصين بل هو حكم مشترك لكل من وجد فيه اركانه واين ذلك من اثبات الحكم الثابت بالاستصحاب في حق جماعة لغيرهم بقاعدة الاشتراك كما هو

[ 415 ]

محل البحث في المقام (ومما ذكرناه) يظهر جواز استصحاب الاحكام الثابتة في الشريعة السابقة ولو بالنسبة إلى غير المدرك للشريعتين (وما يقال) من ان العلم الاجمالي بنسخ جملة من الاحكام في الشريعة اللاحقة يمنع من التمسك بالاستصحاب في شئ منها لكونه من اطراف العلم الاجمالي (خروج عن محل الكلام) فإنه فيما إذا كان العلم منحلا بالظفر بمقدار المعلوم بالاجمال بل بالاكثر (هذا) (ولكن التحقيق) يقتضي عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الثابتة في الشريعة السابقة (وهذا) بناء على كون كل حكم ثابت في الشريعة اللاحقه مجعولا بجعل جديد (في غاية الوضوح) إذ عليه يكون كل حكم ثابت في الشريعة السابقة منسوخا لا محالة والشك انما يكون راجعا إلى جعل مثل الحكم السابق في الشريعة اللاحقة أو ضده فلا شك في بقاء الحكم السابق حتى يستصحب (واما بناء) على عدمه وكون جملة من الاحكام السابقة ممضاة في شريعتنا (فلان) استصحاب الحكم السابق لاثبات تعلق الامضاء به يكون من الاصول المثبتة التي لا نقول بحجيتها * (التنبيه الثامن) * لا اشكال في ان مقتضى الاخبار الدالة على حجية الاستصحاب هو التعبد بنفس الحكم المستصحب إذا كان المتيقن حكما مجعولا وباحكامه المجعولة له شرعا إذا كان موضوعا انما الاشكال في دلالتها على التعبد باللوازم العادية أو العقلية للمستصحب باعتبار ترتب الآثار الشرعية عليها (والتحقيق) انها لا تدل الا على ما ذكر فاللوازم العقلية أو العادية كالملزومات والملازمات عقلية كانت أو شرعية خارجة عن مورد التعبد بالكلية (ولتوضيح الحال) لابد لنا من تقديم بيان ما به تفترق الامارة عن الاصل (فنقول) ان الامارة تفترق عن الاصول بامور (الاول) ان الامارة من جهة حكايتها عن الحكم الواقعي النفس الامري لا محالة يكون موضوعها متحدا مع موضوع الحكم الواقعي غاية الامر أن التعبد بها حيث أنه لا يمكن في ظرف العلم بالواقع وانكشافه فلا محالة يكون حجيتها في ظرف الشك وهذا بخلاف الاصل فإنه يثبت حكما آخر في طول الواقع ومترتبا عليه ضرورة ان موضوعه وهو الشك في الحكم الواقعي فلا نظر له إلى الواقع اصلا (الثاني) ان كل امارة لا محالة يكون فيها جهة كشف عن الواقع في الجملة غاية الامر حيث انها ناقصة في حد ذاتها فدليل الحجية يكون متمما لها وهذا بخلاف الاصل فانه غير مشتمل على الكشف اصلا كما هو الغالب أو ان دليل الحجية غير ناظر إلى تتميم جهة كشفه كما في قاعده الفراغ بناء على ما سيجئ من ان اعتبارها غير ملحوظ فيه

[ 416 ]

جهة الكشف وانما اعتبرت اصلا لا امارة (الثالث) ان المجعول في الامارة على ما عرفت في بحث جعل الطريق انما هو نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات وبعبارة اخرى جعل فرد تشريعي من العلم وهذا بخلاف الاصل فإن المجعول فيه هو الجري العملي مطلقا غاية الامر انه في الاصول المحرزة انما يكون بمؤنة البناء على احد طرفي الشك وفي غيرها بدونها (إذا عرفت ذلك فنقول) حيث ان المجعول في باب الامارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات فعند قيامها على شئ يكون الوجود الواقعي لذلك الشئ محرزا بالتعبد إذ المفروض انها فرد من العلم الطريقي بجعل الشارع وحيث ان العلم بالشئ واحرازه وجدانا يستتبع العلم بلوازمه وملزوماته مع الالتفات إليها فكذلك يكون العلم التشريعي إذ المفروض عدم الفرق بينهما الا بالوجدانية والتعبدية فإذا كان دليل حجية الامارة متكفلا لحجيتها واعطاء صفة الطريقية لها من غير تقييد بجهة خاصة كما هو المفروض فلا محالة يكون مؤدى الامارة بوجوده الواقعي ثابتا بالتعبد ويلزمه ثبوت لوازمه وملزوماته مطلقا ولو كانت عقلية أو عادية فلو ترتب اثر شرعي على احد لوازمه أو ملزوماته فلا بد من ترتيبه لان المفروض تحقق احراز ما يترتب عليه ببركة الجعل الشرعي وجعل ما ليس بعلم وجدانا علما بالتعبد وهذا بخلاف الاصول فإن المجعول فيها من جهة كونه الجري العملي لا يكون ناظرا إلى الواقع بل الثابت انما هو الجري بالمقدار الثابت من التعبد فإذا فرضنا تعلق اليقين والشك بحياة زيد دون اللوازم وملزوماتها فلابد من الجري العملي بهذا المقدار وترتيب الآثار الشرعية المترتبة على نفس المتيقن واما آثار لوازمه الغير المتيقنة سابقا فهي خارجة عن مورد التعبد إذ المفروض عدم تعلق اليقين والشك المأخوذين موضوعين للجري العملي لا بانفسها ولا بموضوعاتها (ومن هنا يفرق) بين قيام الامارة على حلية لحم وبين ثبوت حليته بالاصل (فإنه في الاول) يكون المحرز هي الحلية الواقعية فيحرز كون الحيوان من الاقسام المحللة فيجوز الصلاة في اجزائها (واما في الثاني) فلا يكاد يثبت الا الجري العملي على طبق الحلية الظاهرية واما جواز الصلاة في اجزاء الحيوان المتخذ منه اللحم فلا فإن جواز الصلاة على الفرض مترتب على كون الحيوان من الاقسام المحللة كالشاة والبقر ونحوهما ومن المعلوم ان الاصل غير ناظر إلى اثبات ذلك اصلا (ولقد اجاد) العلامة الانصاري (قده) فيما افاده من تنظير المقام بباب الرضاع حيث ان الدليل الدال على انه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لا يقتضي الا حرمة العناوين التي حكم عليها

[ 417 ]

بالحرمة ابتداء كالام والاخت ونحوهما واما العناوين الملازمة للعناوين المحرمة فليس في ادلة الرضاع ما يدل على تحريمها مثلا ام الاخ وان كان في النسب ملازما لعنوان الامية أو لعنوان زوجة الاب الا انه لم يدل دليل على تحريم هذا العنوان بما هو بل العنوان المحرم هو العنوان الملازم فإذا ارضعت امرأة احد الاخوين فلا موجب لحرمتها على الاخ الآخر (وبالجملة) المتحصل من دليل الاصل ليس الا الجري العملي بالمقدار الثابت من التعبد فلا يثبت به اللوازمات والملزومات للوجود الواقعي اصلا (نعم) إذا ورد الاصل في مورد بالخصوص ولم يكن له اثر شرعي الا باعتبار لوازمه العقلية مثلا فلابد من ترتيبه بدلالة الاقتضاء صونا لكلام الحكيم عن اللغوية ولكن اين ذلك من العمومات الغير المختصة بمورد دون مورد وقد ذكرنا غير مرة ان شمول الدليل لمورد إذا كان محتاجا إلى مؤنة زائدة فمقتضى القاعدة عدم شمول الدليل لا انه يحكم بالشمول ويثبت به تلك المؤنة (فإن قلت) سلمنا ان الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لم تقع مورد التعبد من جهة الجري العملي من جهة انفسها ولا من جهة موضوعاتها اعني بها نفس اللوازم الا انها من جهة كونها آثارا لما هو موقع للتعبد كالحياة في مفروض المثال فلابد من ترتيبها ايضا فإن أثر الاثر أثر لا محالة فإذا كان معنى التعبد بالحياة لزوم الجري على طبقها بترتيب آثارها فأي فرق بين الآثار بلا واسطة والآثار مع الواسطة (قلت) الاثر المترتب على الاثر إذا كان من سنخه كما إذا كان كلاهما تكوينيين أو تشريعيين فلا ريب في ان الاثر الاخير اثر لما يترتب عليه الاثر الاول ايضا اما في التكوينيات فظاهر من جهة ان معلول المعلول معلول للعلة الاولى لا محالة واما في التشريعيات كما إذا ترتب على ملاقاة البول نجاسة اليد وترتب على ملاقاتها نجاسة الثوب وهكذا فلان هذه الآثار الطولية كلها مترتبة على الملاقاة الاولى ومن احكامها فإذا جرى الاستصحاب وثبت به نجاسة شئ فيترتب عليه نجاسة ملاقيه ولو بألف واسطة فان كل واسطة يكون موضوعا شرعا لنجاسة ملاقيه وهكذا واما إذا لم يكونا من سنخ واحد كما إذا ترتب حكم شرعي على معلول تكويني لشئ فلا يصح ان يقال ان أثر الاثر أثر ضرورة ان الاحكام الشرعية ليس ترتبها على موضوعاتها ترتب المعاليل على عللها فكيف يكون الحكم الثابت للمعلول حكما شرعيا ثابتا لعلته وهذا ظاهر بادنى تأمل (ومن جميع ذلك يظهر) ان الفارق في حجية المثبتات من الامارة دون الاصل هو ما ذكرناه لا ما ربما يتوهم من انه من

[ 418 ]

جهة الاطلاق في ادلة الامارات دون الاصول وذلك فإن الاطلاق وعدم تقييد الحجية بجهة دون جهة وان كان مما لابد منه في حجية الامارة مطلقا الا ان الاطلاق في ادلة الاصول لا يقصر عن الاطلاق في ادلة الامارة وأي اطلاق اقوى من اطلاق قوله (ع) في ادلة الاستصحاب وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك وفي ادلة قاعدة التجاوز بلى قد ركع فلولا ان المجعول في ادلة الاصول قاصر عن شموله للوازم والملزومات فلا قصور من ناحية الاثبات اصلا (واما ما افاده) المحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام بما هذه عبارته (ثم لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الاصول التعبدية وبين الطرق والامارات فإن الطريق والامارة حيث انه كما يحكي عن المؤدى ويشير إليه كذا يحكي عن اطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير إليها كأن مقتضى اطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها وقضيته حجية المثبت منها كما لا يخفى بخلاف مثل دليل الاستصحاب فإنه لابد فيه من الاقتصار مما فيه من الدلالة على التعبد بثبوته) إلى آخر ما افاده (قده) (ففيه) ان الحكاية من الامور القصدية فيختص موردها بما إذا كان الحاكي ملتفتا إلى اللوازم والملزومات كما في موارد اللزوم البين بالمعنى الاخص فلا وجه لحجية المثبت مطلقا (ثم انه) على تقدير حجية الاصل المثبت فهل يعارض به الاصول العدمية الجارية في لوازمها العقلية مثلا ام لا قولان ذهب جماعة تبعا لكاشف الغطاء (قده) إلى الاول فحكم بالتعارض بين استصحاب الحياة في مفروض المثال لترتيب آثار نبات اللحية واستصحاب عدم نبات اللحية المتيقن سابقا (واورد عليه) العلامة الانصاري (قده) بحكومة الاصل الجاري في الملزوم على الاصل الجاري في لازمه (والتحقيق) ان يقال لان حجية الاستصحاب ان كانت من جهة بناء العقلاء وافادته الظن بالبقاء ولو نوعا فلا ريب في ان الظن بالملزوم يلازم الظن باللازم فيمتنع الظن بعدمه فيكون الاستصحاب في طرف الملزوم حاكما على الاستصحاب في طرف اللازم لا محالة نظير حكومة ظهور القرينة على ظهور ذي القرينة من جهة منعه عن تحققه واما إذا كانت من جهة الاخبار (فإن قلنا) بحجية الاصل المثبت من جهة ان الاصل الجاري في الملزوم يثبت لازمه تعبدا كما في الامارات فالامر كما ذكر ايضا فإن استصحاب الملزوم يرفع الشك عن اللازم فلا يجري فيه الاستصحاب (وان قلنا) بحجيته من جهة ان آثار اللوازم تترتب على استصحاب الملزومات من دون احتياج إلى اثبات نفس اللوازم لما توهم

[ 419 ]

من ان الجري العملي يقتضي ترتيب الآثار مطلقا ولو كانت مع الواسطة فالمعارضة بحالها وذلك فإن استصحاب الملزوم كما يقتضي ترتيب الاثر المترتب على الواسطة فكذلك استصحاب عدم اللازم يقتضي عدمه فإن المفروض ان الاثر أثر لهما وليس استصحاب الملزوم مثبتا للازمه حتى يكون رافعا للشك في طرفه * (تتميم) * قد استثنى العلامة الانصاري (قده) من عدم حجية الاصل المثبت ما لو كان الواسطة خفية بنظر العرف بحيث يرى العرف الاثر المترتب على الواسطة مترتبا على ذي الواسطة وتبعه في ذلك جملة من اعاظم تلامذته (بل) ألحق بعض المحققين صورة وضوح الواسطة وجلائها بحيث تكون الملازمة بين الواسطة وذي الواسطة جلية عند العرف بصورة خفاء الواسطة في حجية الاصل المثبت فيها (والحق) عدم حجية الاصل المثبت مطلقا ولا اثر لخفاء الواسطة فضلا عن جلائها (وتحقيق ذلك) ان الحكم الثابت لموضوع (قد يكون) بنظر العرف بحيث يكون الحكم الثابت له ثابتا للاعم منه أو الاخص منه بحسب متفاهمهم من الدليل فيكون الظهور الفعلي التركيبي على خلاف الظهور الوضعي الافرادي وفي هذه الصورة لا ريب في ان المتبع هو الظهور الفعلي في تعيين مفاد الدليل خلافا لجملة من القدماء فيكون الرجوع إلى العرف حينئذ لاجل تعيين مفاد الدليل (واخرى يكون) المدلول العرفي موافقا للمدلول الوضعي لكن العرف بحسب مناسبات الحكم والموضوع يرون بعض خصوصيات الموضوع من مقوماته وبعضها الآخر عن علل الحكم ومن قبيل الواسطة في الثبوت فيكون ثبوت الحكم بعد انتفاء الخصوصية على الاول من باب ثبوت الحكم لموضوع آخر بنظرهم لا من باب بقاء ما ثبت بخلاف الثاني ولا اشكال في اتباع نظر العرف في ذلك ايضا باعتبار رجوع ذلك إلى تعيين مفاد لفظ النقض من ادلة حجية الاستصحاب كما سيتضح ذلك فيما سيأتي ان شاء الله تعالى واما في غير هذين الموردين فلا محالة يرجع نظر العرف إلى مسامحاتهم في التشخيصات والتطبيقات التي لا وجه للرجوع إليهم في ذلك كما ترى مسامحاتهم في المقادير والاوزان الغير المتبعة من دون خلاف ولا اشكال وعلى ذلك فإن كان معنى خفاء الواسطة ان العرف بحسب المستفاد من الدليل أو بحسب ما ارتكز في اذهانهم من مناسبات الحكم والموضوع يفهمون من الدليل ان الحكم ثابت لذي الواسطة ويرون الواسطة من علل الحكم بحيث لا يكون له دخل في قوام الموضوع فهذا يرجع إلى انكار الواسطة حقيقة وثبوت الحكم لنفس ذي الواسطة وإن

[ 420 ]

كان معناه ان الحكم بحسب متفاهمهم ثابت للواسطة ومع ذلك يعتبرون الحكم مترتبا على ذي الواسطة من باب المسامحة فلا ريب ان الرجوع إليهم في ذلك يستلزم اتباع مسامحاتهم في التطبيقات المتسالم عدمه عندهم (وبالجملة) الموضوع بحسب فهم العرف ان كان هو ذو الواسطة ففرض الواسطة ودعوى خفائها خلف واضح وان كان هو الواسطة فدعوى خفائها بحسب الفهم العرفي من الدليل لا بلحاظ مسامحاتهم التي لا اعتبار بها خلف كذلك فدعوى فرض الواسطة بحسب الفهم العرفي وكونها خفية غير معقولة فاما ان لا يكون واسطة في البين أو تكون جلية لا محالة (هذا كله) على تقدير ان يكون عدم حجية الاصل المثبت من جهة القصور في نفس المجعول في باب الاصول كما هو الصحيح على ما عرفت تفصيله (واما) إذا كان ذلك لاجل القصور في الدليل كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) فدعوى قصور الادلة عن الشمول في فرض عدم كون الواسطة خفية وان كانت ممكنة إلا ان عهدة اثباتها على مدعيها (وكيف كان) فقد ظهر بما ذكرناه عدم حجية الاصل المثبت مطلقا ولكنه مع ذلك لا يمكن انكار تمسك القدماء بالاصول المثبتة على الاطلاق اما لاجل ذهاب جملة منهم على كونه حجة من باب الظن لا من باب التعبد بالاخبار واما لاجل عدم عنوان لبحث الاصل المثبت الا عند المتأخرين ولا بأس بالاشارة إلى جملة من الفروع في المقام (منها) مسألة ملاقاة الطاهر مع النجس المسبوق بالرطوبة المشكوك بقاؤها إلى زمان الملاقاة فإن كيفية التنجيس وعنوان الملاقاة وان لم تكن مذكورة في لسان الادلة بل لابد من استفادتها من معاقد الاجماعات أو من الرجوع إلى المرتكزات العرفية من كيفية التقذر من القذارات العرفية إلا انه إذا بنينا على ان الموضوع للتنجيس هو مجرد الملاقاة مع النجس أو المتنجس مع رطوبة احد المتلاقيين فلا ريب في الحكم بالنجاسة مع احراز الملاقاة واستصحاب الرطوبة السابقة فيكون من جملة موارد احراز احد الجزئين بالوجدان والآخر بالاصل واما إذا بنينا على ان الموضوع له هو انتقال الاجزاء المائية من احد المتلاقيين إلى الآخر المعبر عنه بالسراية في كلمات الفقهاء فالحكم بالنجاسة يتوقف على القول بحجية الاصول المثبتة إذ المفروض عدم ترتب الاثر الا على ما هو لازم للمستصحب عقلا لا لنفسه (هذا كله) في غير الحيوان المتلطخ بعض اجزائه بالرطوبة النجسة أو المتنجسة واما فيه فقد يقال بالتفصيل بين ما إذا كان الرطوبة في الملاقي معه كالبدن مثلا أو فيه بناء على القول بتنجس الحيوان بملاقاة النجاسة وان طهر بعد ذلك بالجفاف وزوال العين فيلتزم بنجاسة

[ 421 ]

الملاقي مع الشك في بقاء الرطوبة في الجزء المتنجس من الحيوان في الصورة الاولى دون الثانية ووجه ذلك ان الرطوبة إذا فرضت في الحيوان كالذباب مثلا فلا محالة يكون الحكم بالنجاسة المترتبة على السراية موقوفا على احرازها ومن المعلوم ان استصحاب بقاء الرطوبة فيه أو استصحاب بقاء نجاسته لا يفيد شيئا مع عدم احرازها واما إذا كان الجسم الملاقي له رطبا حال الملاقاة فالسراية وجدانية ويكفي حينئذ استصحاب نجاسة الحيوان المعلوم نجاسته سابقا المشكوك بقاؤه للشك في بقاء رطوبته واما على القول بعدم نجاسة اجزاء الحيوان بالملاقاة مع النجس أو المتنجس وانما المنجس للملاقي هو نفس الرطوبة المتنجسة أو النجسة فيه فاستصحاب الرطوبة لا يترتب عليه اثر شرعي بنفسه فلا يكون جاريا (ولكن يمكن ان يقال) على تقدير عدم تنجس اجزاء الحيوان بجريان الاستصحاب مع فرض تركب الموضوع من الملاقات وبقاء كون احد المتلاقيين رطبا إذ بقاء الرطوبة حينئذ يكون هو الجزء الاخير المتمم للموضوع فيكفي احرازه بالاصل مع احراز الجزء الآخر وهو الملاقاة بالوجدان (نعم) لو قلنا باعتبار السراية في الموضوع لما يكفي استصحاب الرطوبة في احرازها فلا فرق بين ما إذا قلنا بتنجس اجزاء الحيوان وعدمه في الحكم بالنجاسة فيما إذا كان الموضوع مركبا من الملاقاة وبقاء نفس الرطوبة في الجسم الحامل للرطوبة النجسة والحكم بالطهارة فيما إذا كان بسيطا لازما لبقاء الرطوبة عقلا فالمدار على احراز الموضوع ليس الا (ومنها) استصحاب بقاء الشهر السابق وعدم دخول الشهر اللاحق لاثبات الاولية لما بعد اليوم المشكوك كونه من الشهر السابق الثانوية لما بعده وهكذا فإنه إذا قلنا بأن اول الشهر مثلا عبارة عن كون يوم من شهر مع عدم كون سابقه منه حتى يكون من الموضوعات المركبة فلا اشكال في جريان الاستصحاب واحراز جزء من الموضوع بالاصل مع احراز الجزء الآخر بالوجدان وان قلنا بأنه مفهوم بسيط لازم لهذين الامرين كما هو الصحيح لما ذكره مرارا من ان المفاهيم والمدركات العقلية بسيطة في اعلى مراتب البساطة وليس شئ منها مركبا من مفهومين متغايرين فيتوقف اثبات عنوان الاولية أو الثانوية مثلا بالاستصحاب على القول بالاصول المثبتة (ولكن التحقيق) ان الاستصحاب وان لم يكن مثبتا لذلك على ما هو المحقق من عدم حجية الاصول المثبتة إلا ان الادلة الدالة على اعتبار الرؤية في ثبوت الشهر أو مضي ثلثين من الشهر السابق يكفي في اثبات ذلك فإنه إذا لم ير الهلال في اليوم المشكوك كونه من رمضان مثلا فلا محالة يكون مبدء الشهر بحكم الشارع هو اليوم الذي ما بعده.

[ 422 ]

لان المفروض ان ثبوت الشهر مع عدم الرؤية يتوقف بحكم الشارع على مضي ثلاثين يوما من شعبان فهذه الادلة تكون حاكمة على الادلة المثبتة للاحكام على اليوم الاول والثاني والثالث وهكذا ومثبتة لموضوعاتها فالالتزام بهذه الاحكام لا يكشف عن القول باعتبار الاصول المثبتة كما توهم (ومنها) استصحاب عدم الحاجب في موضوع الغسل في اعضاء الوضوء أو الغسل فإنه ربما يدعى السيرة على عدم الاعتناء باحتمال وجوده فيكشف ذلك عن اعتبار الاصل المثبت فان انغسال البشرة ووصول الماء إليه الذي هو المعتبر في مقام امتثال التكليف لازم عقلي لعدم الحاجب فالحكم بتحققه مع الشك في وجود الحاجب لا يستقيم إلا على القول بالاصول المثبتة (ولكن التحقيق) عدم ثبوت سيرة المتدينين على ذلك وانما المسلم هو قيام السيرة على عدم الفحص في مقام الامتثال ولعله لعدم التفاهم إلى احتمال وجوده أو لاطمئنانهم بعدم وجوده (واما دعوى) عدم الاعتناء مع فرض الاحتمال والالتفات (فهي في حيز المنع) وعلى تقدير التسليم فيمنع عن ثبوت حكم شرعي بقيام السيرة عليه في الاعصار المتأخرة الغير المعلوم اتصالها بزمان الائمة عليهم السلام مطلقا وعلى تقدير التسليم فقيام السيرة في مورد خاص يكون دليلا في ذلك المورد كورود النص الخاص في مورد مخصوص على اعتبار اصل مثبت فيه واين ذلك من الاستفادة من عموم لا تنقض اليقين بالشك كما هو محل الكلام في المقام (ومنها) ما في الشرائع والتحرير تبعا للمحكي عن المبسوط من انه لو ادعى الجاني ان المجني عليه شرب سما فمات بالسم وادعى الولي انه مات بالسراية فالاحتمالان فيه سواء وكذا الملفوف في الكساء إذا قده نصفين فادعى الولي انه كان حيا والجاني انه كان ميتا فالاحتمالان متساويان ولا ريب ان اصالة عدم شرب السم في المثال الاول واصالة بقاء الحياة إلى زمان وقوع الجناية في الثاني لا يترتب عليهما الاثر حتى يعارض بهما اصالة عدم موجب الضمان الا على القول باعتبار المثبت من الاصول حتى يثبت بهما عنوان السراية أو القتل اللذين اخذا موضوعين للضمان والمحكي عن المبسوط هو التردد في الترجيح وعن المحقق (قده) ترجيح اصالة عدم الضمان والظاهر من التحرير ترجيح اصالة بقاء الحياة أو عدم شرب السم على استصحاب عدم الضمان من جهة كون الشك في الضمان ناشئا من الشك في وجود سببه فإذا ثبت ذلك بالاستصحاب فلا محالة يكون مقدما على الاستصحاب الحكمي (ومن ذلك يظهر) انه لو كان موضوع الضمان مركبا من نفس الجزئين اللذين هما محقق عنوان السراية أو القتل من دون دخل لهذين العنوانين البسيطين

[ 423 ]

بما هما فلا محالة يندرج المقام في كبرى الموارد التي يحرز فيها الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل فإن الموت في المثال الاول إذا كان محرزا بالوجدان وكان عدم شرب السم محرزا بالاصل أو الجناية كانت محرزة بالوجدان في المثال الثاني وكانت الحياة محرزة بالاصل فلا تصل الدورة إلى الاصل الحكمي وهو اصالة عدم الضمان أبدا لكن الشأن في تركب الموضوع والظاهر ان الموضوع للضمان هو المتولد من الامرين وعليه فيكون الجاري في محققه من الاصول المثبتة وقد أشرنا آنفا إلى انه لا مجال لانكار عمل القدماء بل وجملة من المتأخرين بالاصول المثبتة مطلقا بحيث لا يوجد مورد لا يكون الاصل الذي اعتمدوا عليه من الاصول المثبتة بل يوجد موارد كثيرة اعتمدوا فيها على الاصل مع كونه مثبتا إما لاجل ذهابهم إلى اعتبار الاستصحاب من باب الظن أو من جهة عدم تنقيح بحث الاصل المثبت عندهم ومن راجع كتب الفقه خصوصا موارد التداعي يجد صدق ما ادعيناه (ومنها) موارد دعوى المالك ان اليد على المال كانت يد ضمان ودعوى ذي اليد انها كانت غير مضمنة كما إذا ادعى المالك انه باع العين وادعى الآخر انه وهبه له أو ادعى المالك انه آجره اياها وادعى الآخر انه اعارها والمشهور بينهم هو ان القول قول المالك لان الاصل في اليد كونها مضمنة إلا ان يثبت الخلاف ولم يخالف في المسألة إلا بعض الفروع فقد يتوهم ان هذا التسالم منهم مبني على اعتبار الاصول المثبتة كما توهم ابتناؤه على اعتبار قاعدة المقتضي والمانع وقد توهم بعضهم ابتناءه على جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وقد ذكرنا في بحث العموم والخصوص فساد كل هذه التوهمات وان الموضوع للضمان هو الاستيلاء على الشي مع عدم رضا المالك بالمجانية فاحد جزئي الموضوع وهو اليد محرز بالوجدان والآخر محرز بالاصل فالحكم بالضمان على القاعدة فراجع هناك * (التنبيه التاسع) * لا فرق فيما ذكرناه من جريان الاستصحاب عند الشك في بقاء المتيقن بين ما إذا لم يعلم ارتفاع الحالة السابقة اصلا وبين ما إذا علم ارتفاعه في زمان فإنه يجري الاصل إلى زمان العلم بالارتفاع فإذا علم موت زيد يوم السبت وشك في حدوثه في ذلك اليوم أو اليوم السابق عليه فيستصحب الحياة إلى يوم السبت ولكن لا يثبت بذلك عنوان الحدوث يوم السبت على ما عرفت في التنبيه السابق من ان المستصحب لا يترتب عليه الا اللوازم الشرعية المترتبة على نفسه دون الآثار المترتبة على لوازمه أو ملزوماته عقلا أو عادة

[ 424 ]

(هذا) إذا كان الشك في البقاء بالنسبة إلى اجزاء الزمان (واما) إذا كان بالاضافة إلى حادث آخر كما إذا علم بحدوث موت المورث واسلام وارثه وشك في تقدم احدهما على الآخر أو مقارنتهما (ففي) جريان الاستصحاب في كل منهما أو عدم جريانه كذلك أو التفصيل بين ما إذا علم تاريخ احدهما فلا يجري الاستصحاب فيه ويجري في مجهول التاريخ فيحكم بعدم تحقق موضوع الارث عند معلومية تاريخ الموت والشك في تقدم الاسلام عليه وتأخره وتحققه فيما إذا علم تاريخ الاسلام وشك في تقدم الموت عليه وبين ما إذا جهل تاريخهما معا فلا يجري الاستصحاب فيها بالتعارض وجوه (والحق هو التفصيل) وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري (قده) وقبل الخوص في المقصود لابد من تنقيح محل النزاع حتى يتضح الحال إن شاء الله تعالى (فنقول) قد ذكرنا في بحث العموم والخصوص ان الموضوع المركب من جزءين إما ان يكون مركبا من العرض ومحله أو من عرضين لمحل واحد أو لمحلين أو من جوهرين أو من جوهر وعرض غير قائم به اما في الصورة الاولى فحيث ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه فلا محالة يكون احد الجزءين مأخوذا نعتا للآخر اما بنحو مفاد كان الناقصة أو بنحو مفاد ليس الناقصة والعرض بنفسه وان كان من الموجودات الخارجية ويمكن اعتبار وجوده النفسي موضوعا لحكم إلا انه إذا اخذ جزء لموضوع كان جزؤه الآخر ما هو محل العرض فلابد وان يؤخذ العرض في الموضوع بوجوده النعتي ليس إلا مثلا إذا اخذ العالم وعدالته موضوعا لوجوب الاقتداء به فلا محالة يكون اتصاف العالم بالعدالة هو الدخيل في الموضوع لا نفس العدالة بوجودها النفسي إذ لو كان نفس العدالة دخيلة في الموضوع فجزؤه الآخر وهو محله حيث انه في نفسه ينقسم إلى العادل والفاسق وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان كل موضوع ينقسم إلى قسمين في مرتبة سابقة على ورود الحكم عليه لابد وان يكون اخذه موضوعا لذلك الحكم في مقام الجعل والثبوت بنحو الاطلاق أو بنحو التقييد إذ لا يعقل الاهمال في الواقعيات من الملتفت إلى الانقسام اما ان يؤخذ مقيدا بكونه عادلا أو مقيدا بضده أو مطلقا بالاضافة اليهما والاول هو المطلوب من ان لازم اخذ العرض جزء للموضوع هو اخذه بنحو مفاد كان الناقصة إذا كان الجزء الآخر هو محله والثاني والثالث غير معقول ومناف لاخذ العدالة في الموضوع (واما في بقية الصور) فأخذ احد الجزأين نعتا للآخر غير متصور إذ لا معنى لكون جوهر نعتا لجوهر آخر أو العرض نعتا لعرض آخر متى فيما إذا

[ 425 ]

كانا عرضين لمحل واحد فضلا عما إذا كانا في محلين فاخذ شئ بنحو مفاد كان أو ليس الناقصتين ينحصر في العرض ومحله واما في غير ذلك فلا (نعم يمكن) ان يكون ما هو الموضوع للحكم عنوانا بسيطا منتزعا من الجزأين كعنوان الحال أو القبيلة والبعدية ففي الحقيقة لا يكون الموضوع مركبا من جزأين بل الجزءان محققان للموضوع وإلا فهما اجنبيان عن ترتب الحكم عليهما بالكلية والمتبع في ذلك هو دلالة الدليل مع مساعدة الفهم العرفي ايضا إذ قد يكون اخذ العنوان البسيط في الموضوع معرفا ومرآة لنفس تحقق الجزأين في الخارج كما اختار ذلك في بعض تحقيقاته شيخنا العلامة الانصاري (قده) في مسألة ركوع المأموم والامام راكع حيث ذهب إلى ان محقق الجماعة هو اجتماع ركوع الامام والمأموم في زمان واحد واخذ عنوان الحال في الموضوع إنما هو لمجرد المعرفية ليس إلا (وكيف كان) فلا ريب في ان الموضوع إذا اخذ فيه ما هو مفاد كان أو ليس الناقصتين فلا يمكن احراز الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل فإن جريان الاستصحاب في نفس العرض الذي هو مفاد كان أو ليس التامتين لا يترتب عليه ما هو مترتب على مفاد كان أو ليس الناقصتين وذلك واضح من دون فرق بين العلم بتاريخ احد الحادثين أو الجهل بتاريخهما بالكلية كما انه إذا كان المأخوذ في الموضوع عنوانا بسيطا منتزعا ومتولدا من الامرين فلا يمكن احرازه بضم الوجدان إلى الاصل بناء على ما عرفت في التنبيه السابق من عدم حجية الاصول المثبتة فينحصر مورد جريان الاصل والتيام الموضوع من ضم الوجدان إليه بما إذا كان الموضوع مركبا من نفس الجزأين بلا اعتبار امر بسيط فيه منتزع عنهما إذا عرفت ذلك (فنقول) إذا كان الموضوع مركبا من نفس الجزأين بنحو اجتماعهما في الوجود زمانا الذي هو منشأ انتزاع عنوان المقارنة أو بنحو يكون منشأ لانتزاع عنواني التأخر أو التقدم من دون دخل لاحد هذه العناوين في الموضوع فأما ان يكون كلاهما مجهولي التاريخ أو يكون تاريخ احدهما معلوما والآخر مشكوكا فيحتمل مقارنته معه وجودا وتقدمه عليه أو تأخره عنه كما إذا علمنا بموت المورث واسلام وارثه من دون علم بتاريخ احدهما اصلا أو مع العلم به (وعلى الثاني) فإن كان تاريخ الاسلام معلوما وكان الشك في تقدم الموت عليه وتأخره عنه فباستصحاب عدم الموت إلى زمان تحقق الاسلام يتحقق موضوع الارث الذي هو مركب من اسلام الوارث مع تحقق حياة مورثه كما انه إذا كان تاريخ الموت معلوما فباستصحاب عدم الاسلام إلى ذلك التاريخ يحكم بعدم الارث فإن جريان

[ 426 ]

الاصل لا يعتبر فيه ترتب الاثر على نفس المجرى بل يكفي فيه ترتب الاثر الشرعي على نقيضه ايضا وحيث ان الاثر الشرعي في المثال مترتب على اجتماع حياة الموت واسلام وارثة زمانا فيكفي ذلك في جريان الاصل في طرف العدم ايضا وقد اوضحنا ذلك في بعض المباحث السابقة فراجع (فإن قلت) الاستصحاب في طرف مجهول التاريخ وإن كان جاريا في نفسه لكنه معارض بجريان الاستصحاب في طرف معلوم التاريخ ايضا فإن العلم بالتاريخ انما يمنع عن جريانه بالاضافة إلى عمود الزمان وأما بالاضافة إلى الحادث الآخر فلا مانع عن جريانه لتحقق اركانه مثلا العلم بتاريخ الاسلام وانه تحقق يوم السبت مثلا يمنع عن جريان الاستصحاب فيه من حيث الزمان لعدم الشك بالاضافة إليه الذي هو الموضوع له واما بالنسبة إلى الزمان الواقعي الذي وقع فيه الموت المحتمل تقدمه على الاسلام وتأخره فلا محالة يكون حدوثه مشكوكا فيه فيجري فيه الاستصحاب (وبعبارة اخرى) الاسلام المقارن مع الحياة لم يكن متحققا سابقا يقينا وهو مشكوك الوجود لاحقا وإن كان نفس الاسلام بما هو معلوم التحقق فيجري فيه الاصل ويعارض به اصالة عدم الموت إلى زمان الاسلام (قلت) وجود الاسلام المقارن مع الحياة وإن كان مشكوكا وجدانا وكان مسبوقا بالعدم لا محالة إلا انه عبارة اخرى عن الشك في وجود تمام الموضوع للارث بعد العلم بعدم تحققه في زمان والاصل الجاري فيه لا يمكن ان يعارض به الاصل الجاري في ناحية الجزء الذي هو مجهول التاريخ في المقام فإن الشك في تحقق تمام الموضوع إنما يكون مسببا عن الشك في وجود الجزء وعدمه ضرورة انه لو كان الحياة في زمان الاسلام معلومة لما كان يشك في وجود تمام الموضوع اصلا وحينئذ يكون الاصل الجاري في طرف الجزء بعد ضم الوجدان إليه حاكما على الاصل الجاري في طرف الكل ولولا ذلك لما كان يجري الاصل في الجزء في شئ من الموارد اصلا مثلا إذا كانت الحالة السابقة للمكلف هي الطهارة وشك في بقائها فاستصحب الطهارة وصلى فكما ان مقتضى ضم الوجدان إلى مؤدى الاصل هو تحقق الصلاة المقترنة بالطهارة بمعنى اجتماعهما في الوجود فلا يجري استصحاب عدم الصلاة المقترنة معها فكذلك مقتضى استصحاب عدم الموت إلى زمان الاسلام المعلوم تاريخه هو تحقق موضوع الارث ولا يعارض استصحاب عدمه والملاك فيهما هو ان الشك في تحقق المركب إذا كان منشأة الشك في تحقق احد اجزائه بعد احراز الجزء الآخر فلا محالة يكون الاصل المحرز لتحقق ذلك الجزء حاكما على اصالة عدم تحقق

[ 427 ]

المركب وذلك واضح بأدنى تأمل (فإن قلت) إذا كان زمان حياة المورث عند الاسلام مأخوذا في موضوع الارث على نحو الظرفية فالامر كما ذكرت من حكومة الاصل في ناحية الجزء على الاصل الجاري في ناحية المركب وأما إذا كان اخذه فيه بنحو القيدية فالاصل الجاري في طرف الحياة الذي هو احذ الجزأين معارض بالاصل الجاري في الجزء الآخر لا محالة لا بالاصل الجاري في ناحية المركب حتى يقال بحكومة الاصل الجاري في طرف الجزء عليه وذلك فإن ما هو معلوم الوجود خارجا هو نفس الاسلام واما الاسلام المقيد بكونه في زمان الحياة فهو مشكوك فيه بالضرورة والاصل عدمه حتى بالقياس إلى عمود الزمان (قلت) لا معنى لتقييد جزء الموضوع بشئ إلا اخذه في الموضوع وترتيب الحكم عليه فإن اريد من التقييد اخذ الزمان بنحو يرجع الامر إلى اخذ العنوان البسيط في الموضوع حتى يكون الاسلام وحياة المورث محققين له في الخارج فالاصل لا يجري في شئ من الجزأين حتى تصل النوبة إلى التعارض سواء علم تاريخ واحد منهما ام لم يعلم التاريخ اصلا وذلك لما عرفت من دخول الاصل حينئذ في اقسام الاصول المثبتة التي لا نقول باعتبارها بل مقتضى الاصل حينئذ هو عدم تحقق ذلك العنوان البسيط ليس إلا وان اريد منه اخذ الزمان بنحو لا يكون الموضوع إلا مركبا من نفس الجزأين فلا ريب ان احد جزأيه وهو الاسلام معلوم التحقق والشك في تحقق الموضوع انما هو من جهة الشك في تحقق الجزء الآخر والمفروض احرازه بالاصل فأين اصل آخر جار في طرف الجزء المعلوم تاريخه حتى يعارض به الاصل في الطرف الآخر (وبالجملة) الامر دائر بين عدم جريان الاصل بالكلية ان كان الموضوع عنوانا بسيطا منتزعا من الامرين وبين جريانه في طرف مجهول التاريخ فقط فيما إذا كان مركبا من نفس الجزأين فلا موضوع للتعارض اصلا (هذا كله) مع العلم بتاريخ واحد منهما (واما) مع الجهل بتاريخ كل منهما (فلا محالة يكون الاصل في كل من الجزأين معارضا بمثله في الجزء الآخر وليس الشك في احدهما مسببا عن الشك في الآخر كما هو واضح فيتساقطان بالمعارضة فكما ان استصحاب الحياة إلى زمان اسلام الوارث يقتضي تحقق موضوع الارث فكذلك استصحاب عدم اسلام الوارث إلى زمان موت المورث يقتضي عدمه وقد اشرنا آنفا إلى انه لا يشترط في جريان الاصل ترتب الاثر على نفس مؤداه بل يكفي فيه ترتبه على نقيضه ايضا * (ثم ان هنا كلاما للمحقق صاحب الكفاية) * (قده) حيث منع في المقام عن

[ 428 ]

جريان الاستصحاب لا من جهة المعارضة بل من جهة عدم اتصال زمان اليقين بالشك كما انه منع لذلك عن جريان الاستصحاب في توارد الحالتين كالحدث والطهارة مع الجهل بتاريخهما الا انه فرق بينهما بعدم احراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين في المقام وبعد احراز اتصال زمان اليقين بزمان الشك هناك ولا بد لنا من توضيح مرامه اولا ثم بيان ما يرد عليه ثانيا (فنقول) ان غاية ما يمكن ان يقال في توضيح مرامه (قده) هو انه لا ريب في ان المستفاد من قولهم عليهم السلام لا تنقض اليقين بالشك هو المنع عن ناقضية الشك لليقين المتصل به بحيث يكون احد الزمانين هو زمان اليقين والزمان الذي بعده هو زمان الشك فكما احرز فيه هذا المعنى فلابد فيه من الحكم بجريان الاستصحاب والبناء فيه على الحالة السابقة وكلما شك فيه أو قطع بعدمه فلا يجري الاستصحاب اما على الثاني فواضح واما على الاول فلان الاتصال إذا كان معتبرا في جريانه فلا محالة يكون الشك في تحققه شكا في تحقق موضوعه فالتمسك به حينئذ يكون تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وعلى ذلك لابد في جريان الاستصحاب من احراز اتصال زماني اليقين والشك فإذا علم بتحقق حادثين كالموت واسلام الوارث مثلا مترتبا بان علم ان يوم الجمعة هو زمان تحقق احدهما ويوم السبت هو زمان تحقق الآخر فتحقق الموت والاسلام في يوم السبت معلوم لا محالة الا انه لم يعلم أن كلا منهما حدث في ذلك اليوم أو في اليوم السابق عليه فان كان الاثر مترتبا على عدم واحد منهما في يوم الجمعة أو على وجوده فيه فلا ريب في جريان استصحاب العدم حينئذ في اثبات الاثر الشرعي أو رفعه كما انه إذا كان الاثر مترتبا على وجود كل منهما في يوم الجمعة أو العدم كذلك فلا ريب في سقوط الاصلين بالمعارضة للعلم الاجمالي بتحقق احدهما فيه واما إذا كان الاثر مترتبا على عدم واحد منهما في زمان الآخر فزمان الشك حينئذ هو الزمان الذي وقع فيه الآخر واقعا وفي نفس الامر إذ المفروض انه الموضوع للاثر وهو المشكوك ففي طرف استصحاب عدم الموت يكون زمان الشك هو الزمان الواقعي الذي وقع فيه الاسلام وحيث ان المفروض عدم كل من الحادثين في يوم الخميس الذي هو زمان اليقين فان كان زمان الاسلام واقعا هو يوم الجمعة فقد اتصل زمان الشك الذي هو يوم الجمعة بيوم الخميس الذي هو زمان اليقين واما إذا كان زمانه هو يوم السبت فلا محالة يكون زمان الموت هو يوم الجمعة فقد انفصل زمان الشك الذي هو زمان حدوث الحادث الآخر المفروض كونه يوم السبت

[ 429 ]

من زمان اليقين الذي هو يوم الخميس بزمان وقوع الموت الذي هو يوم الجمعة وحيث انه لم يحرز زمان الحادث الآخر وهو الاسلام الذي هو زمان الشك فلم يحرز اتصال زمان الشك المردد بين كونه يوم الجمعة أو السبت بزمان اليقين الذي هو يوم الخميس واما في توارد الحالتين كالطهارة والحدث مثلا بعد طلوع الشمس مع الشك في تقدم احدهما على الآخر فزمان الشك وإن كان محرزا وجدانا كاول الزوال المردد فيه المكلف بين كونه محدثا أو متطهرا إلا انه غير محرز لاتصاله بزمان اليقين إذ كلما يفرض قبله من الساعات إلى اول الشمس يحتمل كونه زمان اليقين بالطهارة أو زمان اليقين بالحدث فلا الشك في الطهارة محرز الاتصال بزمان يقينها ولا الشك في الحدث فلا يجري الاستصحاب في شئ منهما ولو مع عدم التعارض هذا (ولا يخفى عليك) ان ذلك انما يتم لو كان قضية لا تنقض مسوقة لبيان المنع عن انتقاض المتيقن بالمشكوك حتى يقال في امثال المقام بعدم احراز اتصال زمان المشكوك بزمان المتيقن لما عرفت (واما إذا كان) سوق القضية لبيان المنع عن نقض اليقين حيث انه صفة مبرمة بالشك الذي لا ابرام فيه بل هو مجرد التردد والتحير (فلا يعقل) الشك في الاتصال وعدمه حتى يكون الشبهة مصداقية فإن اليقين والشك لكونهما من الصفات الوجدانية فلابد اما من احراز اتصالهما أو احراز انفصالهما ليس إلا مثلا إذا قطع المكلف بوجوب الجلوس في المسجد قبل طلوع الشمس ثم قطع بعدم وجوبه بعده ثم شك في وجوبه عند الزوال فلا ريب في ان هذا الشك منفصل عن اليقين بالوجوب قبل طلوع الشمس بيقين آخر بعده فلا يكون هذا الشك شكا في بقاء المتيقن السابق بل هو اجنبي عنه وهذا هو الضابط في الاتصال والانفصال بمعنى ان الشك إن كان شكا في بقاء ما هو المتيقن قبله فلا محالة يكون الشك متصلا باليقين والا فلا هذا بالنسبة إلى العلم التفصيلي (وأما) بالنسبة إلى العلم الاجمالي ففيه صور (الاولى) ان يعلم اجمالا بارتفاع احدى الحالتين السابقتين من دون تعين لهما في علم المكلف اصلا كما إذا علم ان احد الاناءين المعلوم نجاستهما قد طهر يقينا من دون تميز وتعين (الثانية) ان يعلم بطهارة خصوص ما هو واقع في خارج السقف لاصابة المطر له مع تميزه في علم المكلف عن الاناء الواقع تحته بمميزات وخصوصيات ولكن اشتبه الاناآن بعد ذلك (الثالثة) الصورة بحالها ولكن مع عدم تميز الاناء الواقع في خارج السقف عن الآخر الا بهذه الاشارة الاجمالية اعني وقوعه في خارج السقف بحيث لو اراد تمييزه خارجا لتمكن منه فتكون هذه الصورة

[ 430 ]

واسطة بين الصورة الاولى التي لا امتياز للمعلوم بالاجمال فيه اصلا وبين الثانية المتميز فيه الطاهر عن غيره بمميزات خارجية قبل الالتباس والاشتباه (اما) في الصورة الاولى (فلا ريب) في اتصال اليقين بنجاسة كل من الاناءين بالشك في طهارته فان العلم الاجمالي وان كان منافيا وناقضا للعلم بعدم الطهارة في البين المتولد من العلم بنجاسة كل منهما إلا انه غير ناقض للعلم بنجاسة كل من الاناءين بل العلم الاجمالي بالطهارة موجب للشك في بقاء نجاسة كل منهما وليس هناك بين زمان اليقين بنجاسة كل منهما وزمان الشك في بقائها زمان آخر فاصل بينهما فانه قبل زمان العلم الاجمالي بالطهارة كان نجاسة كل منهما متيقنة وزمان العلم الاجمالي بالطهارة بعينه هو زمان الشك في البقاء ضرورة ان العلم الاجمالي إنما هو العلة والموجب للشك في بقاء نجاسة كل من الاناءين والعلة وان كانت متقدمة على المعلول بالرتبة الا انها مقارنة معه زمانا فليس هناك فاصل زماني بين اليقين بنجاسة كل من الاناءين والشك في نجاسته فلا محالة يكون كل من الاستصحابين في حد نفسه جاريا ويكون ساقطا بالتعارض اما لاجل لزوم المخالفة القطعية من جريانهما معا كما إذا كانت الحالة السابقة لهما هي الطهارة وعلم اجمالا بنجاسة احدهما أو لاجل كون الاستصحاب من الاصول المحرزة التي يمنع العلم الاجمالي بالخلاف عن جريانهما معا ولو لم يكن هناك مخالفة قطعية على ما اوضحنا الحال فيه في بعض المباحث السابقة ومن هذا القبيل اسلام الوارث وموت المورث المعلوم تحقق احدهما يوم الجمعة والآخر يوم السبت فإن العلم الاجمالي بتحقق احدهما يوم الجمعة هو الموجب للشك في انتقاض كل من الحياة وعدم اسلام الوارث يوم الجمعة وقد ظهر بالبيان المذكور اتصال زمان اليقين بالشك في مثل هذا الفرض وعلى ذلك فالمانع عن جريانهما إلى زمان اليقين بتحقق الموت والاسلام هو التعارض بين الاصلين ليس الا (واما) الصورة الثانية (فلا ريب) فيها ان اليقين بنجاسة الاناء الواقع خارج السقف المتميز عن غيره بمميزات خارجية قد انتقض باليقين بطهارته وسقط فيه الاستصحاب لحصول غايته وإذا اشتبه الاناءان بعد ذلك وحصل الشك في نجاسة كل واحد منهما فلم يحرز اتصال زمان اليقين بالنجاسة فيه بالشك فيها لاحتمال تخلل اليقين بينهما (وبعبارة واضحة) بعد اشتباه الاناءين نعلم اجمالا بسقوط الاستصحاب في احدهما المعين الغير المتميز عندنا المشتبه بالآخر فيكون التمسك به في كل منهما من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية فكم فرق بين هذه الصورة وسابقتها فان العلم الاجمالي في هذه الصورة انما تحقق بعد

[ 431 ]

الاشتباه والعلم التفصيلي بطهارة احدهما المعين القاطع للاستصحاب والناقض لليقين السابق وهذا بخلاف الصورة السابقة التي لم يكن فيها علم تفصيلي وإنما كان المعلوم طهارته هو احدهما لا بعينه وهو بنفسه غير مناقض للعلم بنجاسة كل منهما وإنما يوجب الشك بالاضافة إلى كل منهما المقارن مع العلم الاجمالي زمانا فزمان الشك في كل منهما متصل بزمان يقينه لا محالة (واما) الصورة الثالثة (فهي) وان كانت ذات جهتين فيمكن الحاقها بالصورة الاولى كما يمكن الحاقها بالصورة الثانية الا ان التحقيق هو الالحاق بالثانية إذ المفروض ان القطع بنجاسة ذلك الاناء المعين الشخصي الواقع في خارج السقف قد طهر يقينا باصابة المطر فقد انتقض يقينه السابق بيقين آخر فبعد اشتباهه بالاناء الآخر وان كان نجاسة كل منهما مشكوكا فيه مع العلم بنجاسته سابقا الا انه انفصل زمان في البين بين الشك واليقين بالنجاسة كانت الطهارة في ذلك الزمان في احدهما المعين متيقنة والشك فعلا انما هو في تعين ذلك المعين فلم يحرز اتصال زمان اليقين بالشك في شئ منهما وهذا بخلاف الصورة الاولى فان المفروض فيها عدم تعلق العلم الا بالجامع بين الاطراف وقد عرفت انه لا يوجب انتقاض اليقين في كل واحد واحد من الاطراف بيقين آخر بل يوجب الشك في الانطباق الموجب للشك في البقاء في كل واحد واحد وان تأخر الشك من العلم الاجمالي انما هو بالرتبة لا بالزمان فاليقين بنجاسة كل من الاطراف وان ارتفع بالعلم الاجمالي وجدانا الا انه تبدل في كل واحد منهما بالشك في البقاء الذي هو الموضوع للاستصحاب فلولا معارضة الاستصحاب في كل من الاطراف بجريانه في الطرف الآخر لكان جاريا فيه بلا مانع (فظهر مما ذكرناه) فساد ما افاده فقيه عصره في عروته من جريان استصحاب النجاسة في جميع الصور الثلاث حيث قال إذا علم نجاسة الشيئين وقامت البنية على طهارة احدهما الغير المعين أو المعين فاشتبه عنده أو هو طهر احدهما ثم اشتبه حكم عليهما بالنجاسة عملا بالاستصحاب إذ قد عرفت سقوط الاستصحابين في الصورة الاولى بالمعارضة وعدم جريانهما في الاخيرتين لعدم اتصال زمان اليقين بالشك ويتفرع على ذلك انه إذا تردد امر القطرة الواقعة في الثوب المرددة بين كونها من الدم المتخلف المعلوم طهارته بالذبح بناء على نجاسة مطلق الدم حتى ما كان في الباطن قبل الذبح وكونها من الدم المسفوح المعلوم نجاسته لما جرى فيه استصحاب النجاسة بل لابد من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وذلك فان دم الحيوان المذبوح بعد ذبحه انقسم إلى قسمين فقسم منه حكم بالطهارة

[ 432 ]

اما متميزا عن القسم الاخر بالمميزات الخارجية كما في القسم الثاني من الصورة المتقدمة اولا مع ذلك بل مع تعينه بمعرفية بقائه في الباطن كما في القسم الثالث وعلى كل حال فقد مضى زمان علم تفصيلا بطهارة مقدار خاص من الدم المفروض نجاسة كله سابقا وانما وقع الاشتباه بعد ذلك فقد انفصل زمان اليقين بالنجاسة عن زمان الشك فيها بزمان اليقين بالطهارة في بعض المصاديق المحتمل كون هذه القطرة منها فلم يحرز فيها اتصال زمان اليقين بزمان الشك كما في مثال الاناءين وهكذا الحال فيما إذا دار الامر بين كون الدم من الدم المنتقل إلى جوف البق المعلوم طهارته بالانتقال أو الخارج من بدن الانسان والحكم في جميع ذلك هو الطهارة ولا موقع لجريان استصحاب النجاسة لعدم احراز اتصال زمان اليقين بالشك (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان المانع من جريان الاصل في مجهولي التاريخ انما هو تعارض الاصلين في الطرفين فلو كان الاثر الشرعي مترتبا على احدهما دون الآخر لجرى الاصل فيه بلا معارض إذ المفروض عدم ترتب الاثر على الطرف الآخر حتى يعارض به الاصل الجاري فيما له اثر (فإن قلت) إذا علم بتحقق اسلام الوارث وموت مورثه مع الجهل بتاريخهما فلابد هناك من فرض ازمنة ثلاثة (احدهما) زمان اليقين بعدم تحقق شئ منهما (والثاني) زمان العلم بتحقق احدهما المشكوك فيه حدوث الموت في عمود الزمان وحدوث الاسلام كذلك (والثالث) زمان العلم بحدوث كل منهما الذي هو زمان الشك في حدوث كل منهما عند عدم تحقق الآخر إذ لولا العلم بحدوث كل من الموت والاسلام لما كان الشك في عدم كل منهما في زمان الآخر متحققا إذ المفروض عدم احراز تحقق الاخر حتى يستصحب الحالة السابقة المتيقنة فلولا العلم بوجود الموت مثلا كيف يمكن استصحاب عدم الاسلام إلى زمانه كما انه لولا العلم بتحقق الاسلام كيف يمكن استصحاب عدم الموت إلى زمانه فزمان الشك في عدم كل منهما في زمان حدوث الاخر لا بد وان يكون مع العلم بتحققهما خارجا مع الشك في تقدم احدهما على الآخر وبالجملة الاثر المهم ان كان مترتبا على نفس عدم الموت أو الاسلام فلا محالة يكون ظرف هذا الشك هو زمان العلم بتحقق احدهما الذي هو الزمان الثاني من الازمنة المفروضة وهو متصل بزمان اليقين واما إذا كان مترتبا على العدم في زمان تحقق الامر فلابد من احراز تحقق الآخر حتى يشك في بقاء الحالة السابقة إلى ذلك الزمان فإذا كان زمان الشك هو الزمان الثالث من الازمنة المفروضة والمفروض ان زمان اليقين بعدم حدوث كل منهما انما هو الزمان الاول منهما فقد

[ 433 ]

انفصل زمان اليقين من زمان الشك فاحتمال وجود كل منهما في الزمان الثاني الذي هو زمان العلم بتحقق احدهما مانع عن احراز اتصال زمان اليقين بالعدم في كل منهما الذي هو الزمان الاول بزمان الشك الذي هو الزمان الثالث ولعل هذا هو مراد المحقق صاحب الكفاية (قده) من عدم احراز اتصال زمان اليقين بزمان الشك في مفروض المقام (قلت) قد ذكرنا مرارا انه لا يعتبر في الاستصحاب تقدم زمان اليقين على زمان الشك فلو شك في عدالة زيد يوم الجمعة ثم علم يوم السبت بعدالته يوم الخميس فلا ريب في جريان الاستصحاب كما انه لو حصل اليقين والشك في زمان واحد مع تقدم زمان المتيقن على المشكوك يجري الاستصحاب ايضا فإذا لم يكن تقدم زمان اليقين على الشك معتبرا في جريانه فأي وقع لعدم اتصال زمان حدوث الشك بزمان حدوث اليقين (نعم) عدم انفصال زمان اليقين عن زمان الشك باليقين بانتقاض الحالة السابقة في بعض الازمنة مانع عن جريانه ولكنه غير متحقق في المقام كما عرفت فزمان حدوث الشك في المقام وإن سلمنا كونه هو الزمان الثالث من الازمة المفروضة إلا ان متعلقه هو بقاء عدم الموت مثلا إلى زمان اسلام الوارث المعلوم حدوثه في الزمان الثاني أو الثالث فاحتمال حدوث كل منهما في الزمان الثاني الذي هو زمان العلم بحدوث احدهما هو الموجب لاتصال زمان اليقين بالشك بالمعنى الذي ذكرناه لا انه مانع منه كما توهم (وعلى كل حال) فقد ظهر مما ذكرناه عدم الفرق في جريان الاستصحابين مع قطع النظر عن تعارضهما بين ما إذا علم بتقدم احد الحادثين على الآخر أو لم يعلم ذلك بأن احتمل مقارنتهما فإن وجود كل منهما في ظرف تحقق الآخر يكون مشكوكا فيه لا محالة فيستصحب عدمه ويلتئم الموضوع المركب منه ومن وجود الآخر بضم الوجدان إلى الاصل (هذا كله) في ما إذا شك في بقاء الحالة السابقة على العلم بحدوث كل واحد من جرئي الموضوع المركب (واما) إذا علم حدوث امرين وارتفاع الاول منهما بالثاني وشك في المتقدم والمتأخر منهما كما في الطهارة والنجاسة أو الطهارة والحدث (فهل يلحق ذلك) بالموضوعات المركبة فيجري الاصل في مجهول التاريخ دون معلومه اولا (وجهان) ظاهر كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) هو الالحاق والمختار عندنا عدمه (وتوضيح المقام) هو أن الحادثين المتضادين إما أن يكون تاريخ احدهما معلوما دون الآخر أو يكون تاريخ كليهما مجهولا (اما مع الجهل) بتاريخهما (فربما يقال) بعدم جريان الاستصحاب في شئ منهما نظرا إلى عدم احراز اتصال زمان اليقين بالشك بالتقريب المتقدم

[ 434 ]

وقد عرفت الجواب عنه بما لا مزيد عليه فلا مانع من جريانه في كل منهما في حد نفسه مع قطع النظر عن تساقطهما بالتعارض (واما مع العلم) بتاريخ احدهما (فلا ريب) في جريان الاستصحاب فيه بالقياس إلى المعلوم فإذا شك في بقاء الطهارة المعلوم تاريخها مع العلم بوقوع حدث مردد بين سبقه عليها وتأخره عنها فلا مانع من جريان استصحاب الطهارة في ظرف الشك (وتوهم) جريان استصحاب عدم تحقق الحدث قبل الطهارة فيثبت بذلك تأخره فلا يبقى معه مجال لاستصحاب الطهارة (مدفوع) بأن استصحاب العدم قبل الطهارة لا يترتب عليه تأخر الحدث عنها حق يثبت به كون المكلف في ظرف الشك محدثا الا على القول بالاصل المثبت وقد عرفت أن الشك في المقام إنما هو بلحاظ البقاء دون الحدوث (وأما) بالنسبة إلى المجهول تاريخه وهو الحدث في المثال (فربما يقال) بعدم جريان الاستصحاب فيه تارة من جهة عدم احراز اتصال زمان اليقين بالشك فيه واخرى من جهة ان أمره مردد بين ما هو مقطوع الارتفاع كما إذا كان قبل الطهارة وما هو مشكوك الحدوث من جهة احتمال حدوثه بعدها المحكوم بالعدم بالاصل (ولكنك) قد عرفت حديث شرطية احراز اتصال زمان اليقين بالشك وان دوران امر الحادث بين كونه مقطوع الارتفاع أو مشكوك الحدوث انما يضر باستصحاب الفرد دون الكلي فلا مانع من جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ ايضا بنحو استصحاب الكلي فلا محالة يقع المعارضة بينهما ولابد (حينئذ) من الرجوع إلى اصل آخر (ومن هنا) يظهر الحال في المغسول بمائين مشتبهين بالنجاسة ولو كان الغسل ثانيا بماء قليل فإن نجاسة المغسول عند ملاقاة الماء الثاني وان كانت معلومة تفصيلا اما من جهة تنجسه بملاقاته أو من جهة بقاء نجاسته السابقة من جهة ملاقاة الماء الاول ومشكوك الارتفاع بانفصال الغسالة عنه الا ان غاية ذلك هو جريان الاستصحاب في طرف النجاسة شخصيا وهذا لا ينافي جريان الاستصحاب في طرف الطهارة كليا ضروة ان وجود الطهارة مع قطع النظر عن خصوصية كونه بعد الغسل بالماء الثاني أو قبله معلوم تفصيلا ومشكوك بقاؤه وجدانا فغاية الامر هو وقوع المعارضة بين استصحاب الكلي والشخصي لا انه لا يجري الاستصحاب الا في طرف معلوم التاريخ (وربما يقال) في المقام بوجوب الاخذ بضد الحالة السابقة المعلومة نظرا إلى أن الحالة السابقة قد ارتفعت بحدوث ما يضادها والشك إنما هو في ارتفاعه فيستصحب وجوده مثلا إذا كان الحالة السابقة للمكلف هو الحدث وعلم بوجود حدث ووضوء بعدها وشك في المتأخر منهما فالحدث السابق قد ارتفع بالوضوء

[ 435 ]

بعده قطعا وكلي الحدث وإن كان مشكوك البقاء فعلا الا انه ناش عن وجود فرد آخر له بعد ارتفاع الفرد الاول فلا يكون الاستصحاب جاريا فيه وما نحن فيه من هذا القبيل (ومنه) يعلم حال الغسل بالماءين المشتبهين فيما إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة أو النجاسة (ولكنه ناش) من الخلط بين استصحاب الكلي الجامع بين الفردين وبين استصحاب الكلي بين الزمانين وما هو ممنوع الجريان في المقام إنما هو الاول دون الثاني (توضيح ذلك) ان الحدث السابق في مفروض المثال وان كان قد ارتفع قطعا ولا يمكن اجراء الاستصحاب من جهته لا شخصا ولا كليا الا ان وجود الحدث الاعم من البقاء والحدوث عند تحقق موجبه ثانيا معلوم وجدانا ومشكوك الارتفاع كذلك غاية الامر ان منشأ الشك في بقائه انما هو الشك في تقدمه على الوضوء وتأخره عنه فالمستصحب انما هو شخص الحدث المعلوم وكليته من جهة عدم العلم بزمانه فكم فرق بينه وبين استصحاب الكلي المتوهم (فتحصل) مما ذكرناه ان الوصفين المتضادين إذا علم تحققهما وشك في المتأخر منهما فلا محالة يكون الاستصحاب في كل منهما جاريا من غير جهة التعارض من دون فرق بين العلم بتاريخ احدهما أو الجهل بتاريخهما غاية الامران في صورة العلم بتاريخ احدهما يكون الاستصحاب في طرف المعلوم شخصيا وفي طرف المجهول كليا ومن المعلوم انه لا ينفع ذلك في دفع المعارضة كما هو ظاهر (بقي هناك) قسم اخر قد ظهر حكمه مما ذكرناه في الموضوعات المركبة من ان جريان الاستصحاب فيها في مجهول التاريخ في طرف أو طرفين مشروط بما إذا لم يؤخذ في الموضع امر بسيط ملازم لوجود الجزءين والا فالاصل لا يجري في شئ من معلوم التاريخ ومجهوله وبترتيب على ذلك انه لو علم كرية ماء وملاقاة النجاسة وشك في التقدم والتأخر فلا مجال لجريان استصحاب عدم الملاقاة قبل الكرية مطلقا علم بتاريخه ام لا وذلك فان المستفاد من قوله (ع) (إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي) ان الموضوع لعاصمية الماء هو كريته السابقة على الملاقاة حتى تكون الملاقاة ورادة على الكر ولذا بنينا على عدم كفاية تتميم المتنجس كرا فإذا كان الماء مسبوقا بالقلة وعلم بحدوث الكرية وملاقاته للنجاسة وشك في تقدم احدهما على الاخر فلا يمكن التمسك باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية سواء علم تاريخه ام لا اما مع العلم بتاريخه فلما عرفت من ان الاستصحاب انما هو الحكم بجر المتقين السابق في عمود الزمان فلا معنى له مع عدم الشك فيه بالقياس إلى الزمان واما مع الجهل بتاريخه فلعدم ترتب الاثر عليه ضرورة ان الاثر المطلوب وهو الحكم بعدم

[ 436 ]

تنجس الماء مترتب على ورود الملاقاة على الكر بعد فرض تحققه الملازم عقلا مع عدم الملاقاة قبل الكرية واثبات ذلك بالاصل موقوف على القول بالاصول المثبتة واما استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة فيدور جريانه وعدمه مدار الجهل بتاريخها وعدمه فلو كان تاريخها معلوما فلا يجري فيه لما عرفت من اشترطه بالجهل به واما مع الجهل فلا مانع من جريانه واثبات النجاسة به لاحراز الموضوع حينئذ وهو ملاقاة النجاسة مع القليل أو مع عدم الكرية على الكلام في اشتراط التنجس بالقلة أو مانعية الكرية عنه بضم الوجدان إلى الاصل فظهر انه مع الجهل بتاريخهما لا مناص عن الرجوع إلى استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة والحكم بالنجاسة كالعلم 4 بتاريخ الملاقاة والجهل بتاريخ الكرية واما مع العلم بتاريخ الكرية والشك في تاريخ الملاقاة فلا يجري الاستصحاب في الطرفين اما في طرف الكرية فلعدم الشك فيه في عمود الزمان واما في طرف الملاقاة فلعدم ترتب الاثر الشرعي عليه الا على القول بالاصل المثبت (ولكنه) مع ذلك لا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة بل لابد من الحكم بالنجاسة لما مر في بعض المباحث السابقة من ان تعلق الحكم على امر وجودي كالكرية في المثالث يقتضي لزوم احرازه فإذا قال المولى لا تأذن في دخول داري الا للعلماء يفهم منه عرفا عدم جواز الاذن لخصوص معلوم العالمية ولا يمكن التمسك بالبرائة معه في ظرف الشك فالحكم بالطهارة في المقام لابد وان يكون مع احراز الكرية ومع عدمه فلا مناص عن الحكم بالنجاسة (ومنه يظهر) حال الماء الغير المعلوم حالته السابقة مع العلم بملاقاته للنجاسة واتصافه بالكرية في زمان نعم لو علم كريته سابقا ثم طرأ عليه القلة والملاقاة وشك في التقدم والتأخر فاستصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة يكون محكما لا محالة ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة فإنه لا يثبت بذلك تأخر الملاقاة من القلة حتى يترتب عليه الانفعال (هذا) مع الجهل بتاريخهما أو مع العلم بتاريخ الملاقاة (واما مع) العلم بتاريخ القلة فاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة وإن لم يثبت به تأخره عنها الا أن استصحاب الكرية إلى زمان الملاقاة غير جار ايضا لما عرفت من اشتراط الجريان بكون المتيقن مشكوكا في عمود الزمان والمفروض عدم الشك في الكرية في عمود الزمان في المثال فلا بد من الحكم بالنجاسة بناء على ما قويناه من اقتضاء تعليق الحكم على الامر الوجودي لاحرازه وإلا فلا مناص عن الرجوع إلى قاعدة الطهارة (فتحصل من جميع ما ذكرناه) أن التفصيل في جريان الاستصحاب بين مجهول التاريخ ومعلومه مختص بخصوص الموضوعات المركبة

[ 437 ]

الغير المأخوذ فيها عنوان آخر كاسلام الوارث وموت مورثه واما فيما إذا اخذ عنوان آخر كما اخذ سبق الكرية في موضوع عدم الانفعال فلا يجري فيه الاصل مطلقا كان معلوم التاريخ ام لا كما ان الشك إذا كان راجعا إلى البقاء دون الحدوث كما في الاوصاف المتضادة فالاصل يجري في معلوم التاريخ ومجهوله على حد سواء (التنبيه العاشر) ربما يتمسك باستصحاب الصحة فيما لو عرض في اثناء العمل ما يحتمل معه بطلانه فيقال ان العمل قبل تحقق هذا الامر الطارئ كان صحيحا والاصل بقاؤه على ما كان وبذلك قيل بصحة العمل مع الزيادة العمدية في غير ما دل الدليل على ابطالها له كما في الصلاة (واورد عليه) شيخنا العلامة الانصاري (قده) بما (حاصله) ان احتمال فساد العمل قد ينشأ من وجود ما يحتمل دخل عدمه في الواجب أو عدم ما يحتمل دخل وجوده فيه وقد ينشأ من وجود ما يحتمل معه ارتفاع أمر آخر معتبر فيه قطعا من دون دخل لنفسه في الواجب وجودا وعدما (أما الاول) فلا يجري فيه الاستصحاب فإن الصحة المستصحبة (إن اريد) منها صحة مجموع العمل المتوقفة على اتيان تمام اجزاء الواجب وقيوده فمن الظاهر انها مشكوكة غير متيقنة (وإن اريد) منها صحة الاجزاء السابقة اعني بها قابليتها لانضمام الاجزاء الباقية إليها بحيث لو انضم إليها الباقي لتم فهي وإن كانت متيقنة سابقا الا ان الشك ليس من جهة ارتفاعها بل هي على ما كانت والشئ لا ينقلب عما وقع عليه بل من جهة فعليه الانضمام وعدمها ومن المعلوم انه ليس هذا المشكوك مما له حالة سابقة اصلا فضلا عن كونها معلومة (وبعبارة واضحة) مع الزيادة العمدية مثلا نقطع ببقاء الاجزاء السابقة على ما كانت عليها من انها وقعت بحيث لو ضم إليها بقية الاجزاء والقيود لتم الواجب وكمل الا أن الشك في فعلية الانضمام بعد الزيادة من جهة احتمال دخل عدمها فيه وهذا الشك لا يرتفع ببقاء الصحة وجدانا فضلا عن احرازها بالتعبد (وأما الثاني) فيجري فيه الاستصحاب فإن عدم الطارئ بنفسه غير معتبر في الواجب على الفرض بل احتمال الفساد انما نشأ من ارتفاع الهيئة الاتصالية المعتبرة جزء صوريا للواجب فمع الشك فيه يتعبد ببقائها بالاستصحاب (توضيح ذلك) إن الاعدام المعتبرة في الصلاة مثل على قسمين (منها) ما يكون نفسه معتبرا فيها ولو باعتبار مانعية الوجود وهذا الذي لا يمكن الرجوع فيه مع الشك إلى الاستصحاب بل لا بد من الرجوع إلى أصل آخر من براءة أو اشتغال على الكلام في الاقل والاكثر (ومنها) ما لا يكون نفسه معتبرا فيها بل ان

[ 438 ]

الصلاة حيث انها عبادة خاصة واعتبرت فيها الهيئة الاتصالية على خلاف جملة من الواجبات الغير المعتبر فيها الا ذوات الاجزاء والشرائط لما ورد في جملة من الادلة اطلاق القاطعية على جملة من الامور كاستدبار القبلة ونحوه فتلك الامور القاطعة لها يكون عدمها معتبرا فيها لا محالة لكن لا باعتبار ان نفس العدم معتبر فيها شرطا أو جزء بل من جهة ارتفاع الهيئة الاتصالية مع الوجود فإذا شك في بقاء الهيئة وعدمه من جهة احتمال وجود القاطع أو القاطيعة فلا مانع عن الرجوع إلى الاستصحاب واحراز تحقق الجزء الصوري به كما يجري الاصل في احراز بقية الاجزاء والشرائط (فملخص) ما افاده هو الفرق بين الشك في المانعية والشك في القاطعية فيتمسك بالاستصحاب في الثاني دون الاول (ولكن مقتضى التحقيق) ان يقال انه لم يظهر لنا بعد أن اعتبار المانعية يغاير اعتبار القاطعية بل الظاهر من الادلة هو اعتبار نفس الاعدام في الصلاة مطلقا من جهة مانعية الوجودات (غاية الامر) ان بعض الاعدام معتبر في خصوص الافعال والاذكار وبعضها معتبر فيها مطلقا ولو في حال السكنات وعدم الاشتغال بشئ منها ومجرد تسمية القسم الثاني بالقاطع لا يكشف عن اعتبار الهيئة الاتصالية حتى لا يكون العدم معتبرا الا من جهة الاخلال بها على ان اعتبار الهيئة الاتصالية على تقدير تسليمه لا ينافي تعلق الطلب الغيري بنفس الاعدام ايضا كبقية الاجزاء والشرائط فاستصاحب الهيئة الاتصالية وإن كان يحرز به وجودها الا انه لا يحرز بذلك انضمام بقية القيود التي يحتمل كون عدم هذا الامر الطارئ المحتمل قاطعيته منها إليها فإن بقاء الهيئة الاتصالية لا يرفع به الشك في اعتبار عدم ما يحتمل قاطعيته إلا على القول بالاصل المثبت فلا مناص حينئذ من الرجوع إلى اصل آخر من براءة أو اشتغال (وبالجملة) ان ما افاده (قده) من التفصيل مبنى على أمرين كل منهما في حيز المنع (الاول) اعتبار الهيئة الاتصالية في الواجب زائدا على اعتبار بقية الاجزاء والشرائط (الثاني) عدم تعلق الطلب الا بنفس الهيئة من دون ان يتعلق بتلك الاعدام طلب اصلا (التنبيه الحادي عشر) لا ريب في ان جريان الاستصحاب مشروط بوجود اثر قابل لترتيبه في ظرف الشك سواء كان المستصحب من الاحكام الشرعية أو الموضوعات اللغوية أو الخارجية (ومنه) يعلم عدم جريانه في الامور الاعتقادية المطلوب فيها اليقين والاعتقاد لعدم افادته القطع بل الظن غالبا (ومن ذلك يظهر) عدم جواز تمسك الكتابي بعدم نسخ شريعته بالاستصحاب حيث ان المطلوب في النبوة هو تحصيل الاعتقاد (وعدم) ترتبه على

[ 439 ]

الاستصحاب في غاية الوضوح (هذا مضافا) إلى ان حجيته ليست ضرورية بل لابد من اقامة الدليل عليها (فإن كان) من الشريعة السابقة (فاثباتها) يتوقف على بقائها وهو يستلزم الدور (وإن كان) من الشريعة اللاحقة (فحجيته) تتوقف على نسخ الشريعة السابقة فإثباتها به مستلزم للخلف (وكيف كان) فعدم جواز التمسك به في الامور الاعتقادية (في غاية الوضوح) ولا مقتضي لاتعاب النفس فيه بأزيد من ذلك كما فعله العلامة الانصاري (قده) وقد صدر من قلمه الشريف في المقام لم يصدر منه فراجع (التنبيه الثاني عشر) لا ريب في أن الاصول العملية ومنها الاستصحاب إنما يتوقف جريانها على عدم وجود دليل اجتهادي في مواردها ضرورة انه معه لا يبقى لها الموضوع وهو الشك في الحكم الواقعي فإن الدليل الاجتهادي ولو كان هو العموم يكون رافعا للشك لا محالة فلا يبقى مجال لجريانها من دون فرق بين كون العموم على وفقها أو على خلافها الا انه ربما يشكل في بعض الموارد باعتبار عدم تميز كون المورد من موارد التمسك بالعموم أو الاستصحاب كما إذا خصص العام المفيد للعموم الزماني زائدا على عمومه الا فرادي في بعض الازمنة فيشك فيما بعد ذلك الزمان في أن مقتضى القاعدة هو الرجوع إلى العام أو التمسك باستصحاب حكم المخصص ولابد لتوضيح المرام من تقديم مقدمات (الاولى) ان كل ما هو موجود في عالم الكون والفساد فله اضافة إلى الزمان والمكان وباعتبار اضافته إلى الزمان يكون معروضا لمقولة متى وباعتبار اضافته إلى المكان يكون معروضا لمقولة الاين فالزمان والمكان ظرفان لوقوع الموجود في العالم ومن الضروري ان طبع الزمان لا يقتضي ازيد من ذلك وأما اعتبار الزمان قيدا مكثرا فهو محتاج إلى عناية زائدة ودليل مخصوص وعلى ذلك يبتني جريان الاستصحاب لما عرفت من انه إذا أخذ قيدا مكثرا للوجوب أو الواجب فلا محالة يكون ما هو المتيقن مغايرا مع المشكوك فلا يمكن التمسك بالاستصحاب لعدم اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة (الثانية) ان الزمان حيث أنه مقدر للحركات فلا محالة يكون معتبرا في ناحية أصلا (ثم أن) اعتباره في احدهما إما أن يكون بنحو الظرفية أو القيدية وعلى كل التقديرين (فإما) ان يكون العموم استغراقيا بحيث يكون كل زمان موضوعا للحكم مستقلا (وإما) ان يكون مجموعا بحيث يكون مجموع الازمنة محكوما بحكم واحد فمع العصيان في آن واحد يسقط الحكم بالكلية كما هو الحال في العموم

[ 440 ]

المجموعي في غير الزمان ايضا (ثم أنه) على تقدير أخذه في المتعلق ظرفا أو قيدا استغراقيا أو مجموعيا فيمكن ان يكون الدال على عمومه نفس الدليل المتكفل لجعل الحكم بالمطابقة فإن الحكم كما يرد على المتعلق يرد على جميع القيود المعتبرة فيه ايضا ويمكن ان يكون دليل آخر متصل به أو منفصل عنه وعلى كل حال يكون العموم الزماني في مرتبة سابقة على الحكم وهذا بخلاف ما اخذ في ناحية الحكم فإنه عليه يستحيل كون الدليل المتكفل لجعل الحكم متكفلا لبيان استمراره فإن العموم الوارد على الحكم يكون من قبيل الاحكام الثابتة لموضوعاتها فيكون الحكم في مرتبة سابقة عليه فلابد وأن يكون مفروض الوجود حين الحكم بعمومه فيستحيل كونه مجعولا عند جعله فلابد من كون الدال عليه امرا مغايرا لما يدل على نفس الحكم من مقدمات الحكمة أو الاجماع أو دليل منفصل (الثالثة) قد عرفت ان أخذ الزمان قيدا في الحكم أو المتعلق انما يغاير اخذه ظرفا فيهما في جواز التمسك بالاستصحاب عند الشك وعدمه وأما أخذه في ناحية المتعلق فإنما يفترق عن اخذه في ناحية الحكم في انه متى علم التخصيص في زمان وشك فيما بعده فيتمسك بالعموم على الاول دون الثاني (توضيح ذلك) ان الزمان إذا اخذ في ناحية المتعلق ظرفا أو قيدا استغراقيا أو مجموعيا فقد عرفت أن الحكم يرد عليه والعموم الزماني كالافرادي يكون في مرتبة سابقة عليه فكما ان خروج بعض الافراد لا يضر بالتمسك به في غيره فكذلك خروج بعض الازمنة التي لا يضر بالتمسك به في غيره فإن المفروض ان كل زمان مشمول للحكم كالافراد فإذا خرج بعض الازمنة عن العموم كما في مورد خيار الغبن فلا مانع عن التمسك في غيره بالعموم ولو فرضنا مانعا عن التمسك به فلا يمكن التمسك بالاستصحاب ايضا في الآن الثاني فيما كان الزمان مأخوذا قيدا فإن الشك حينئذ لا يكون في البقاء بل في حدوث حكم لفرد آخر كما هو ظاهر وأما إذا اخذ الزمان في ناحية الحكم فحيث ان العموم ورد على الحكم فلا يمكن ان يكون الدليل المتكفل له متكفلا لاصل ثبوته بل لابد وان يكون ثبوت اصله مفروغا عنه ومفروض الوجود حتى يكون الدليل متكفلا لبيان استمراره وحيث ان اصل الحكم بعد ثبوت تخصيصه في زمان يكون مشكوك الوجود فلا يمكن التمسك بدليل العموم لاثبات استمراره (وبعبارة واضحة) العموم الثابت للحكم من قبيل العرض الثابت للموضوع والدليل المثبت للعرض لموضوعه على تقدير وجوده يستحيل أن يكون متعرضا لحال وجود موضوع وعدمه بل غايته هو اثبات العرض له عند تحققه ووجوده فقوله (ع) (حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة) غير ناظر

[ 441 ]

إلا إلى اثبات استمرار الحلية على تقدير ثبوتها فكما انه لا يثبت حلية الشئ عند الشك فيها مطلقا فكذلك لا يثبت حليته عند الشك فيها بعد التخصص في زمان فلا مناص في امثال هذه الموارد عن التمسك بالاستصحاب (ومنه يظهر) انه لو لم يمكن التمسك به ايضا كما في موارد اخذ الزمان قيدا لما امكن التمسك بالعموم ايضا (فتحصل) ان موارد التمسك بالعموم مغايرة بالذات مع موارد التمسك بالاستصحاب (كما ظهر) ان التفرقة بينهما بأخذ الزمان قيدا أو ظرفا على ما توهم من ظاهر عبارة العلامة الانصاري (قده) في غير محله بل الفارق هو ما ذكرناه من أنه إذا اخذ الزمان في ناحية الحكم فلا مجال للتمسك بالعموم كما أنه إذا اخذ في ناحية المتعلق فلا مناص عن التمسك به وعبارة شيخنا العلامة (قده) في غير محله بل الفارق هو ما ذكرناه من أنه إذا اخذ الزمان في ناحية الحكم فلا مجال للتمسك بالعموم كما أنه إذا اخذ في ناحية المتعلق فلا مناص عن التمسك به وعبارة شيخنا العلامة (قده) وإن كانت قاصرة عن افادة ذلك في المقام إلا ان عبارته في بحث خيار الغبن من المكاسب ظاهرة فيه وبذلك تندفع الاشكالات الكثيرة التي اوردت عليها فراجع وتأمل في فهم مرامه (قده) (هذا فيما علم) أن الزمان اخذ في ناحية الحكم أو المتعلق (وأما) إذا شك في ذلك (فتارة) يكون الشك في اصل اعتباره (وأخرى) في محل اعتباره من الحكم أو متعلقة بعد العلم باصل الاعتبار ومورد الشك إما الاحكام الوضعية أو التكليفية الوجوبية أو التحريمية (أما الاحكام الوضعية) فلا ريب في اصل اعتبار الاستمرار فيها والا لزم اللغوية من تشريعها ضرورة عدم ترتب اثر على تشريع اللزوم في العقد آناما مثلا كما انه لا ريب في اعتباره في نفس الحكم دون متعلقة فإن الاحكام الوضعية كما عرفت امور مستقلة بالجعل وليست متعلقة بافعال المكلفين القابلة لاخذ الزمان فيها بل متعلقاتها امور خارجية غير متقدرة بالزمان فلا مناص بعد العلم بالاستمرار عن اعتباره في نفس الحكم (مضافا) إلى ان اعتباره في ناحية المتعلق على تقدير صحته ايضا يحتاج إلى دليل يدل عليه وإلا فاطلاق المتعلق في مقام الاثبات يستكشف منه عدم التقييد في مقام الثبوت فإن اخذ الاستمرار في ناحية المتعلق قد عرفت انه ممكن بنفس الدليل الدال على التشريع فيدور الامر بين اخذه في ناحية نفس الحكم الغير الموجب لتقييد اطلاقه لما عرفت من عدم امكان لحاظ استمراره عند التشريع وبين اخذه في ناحية المتعلق الموجب لتقييده ولا ريب ان اطلاق المتعلق حينئذ يثبت اخذه في ناحية الحكم نفسه حذرا من اللغوية (ومن هنا يظهر) ان الامر كذلك في كل ما إذا شك في كون الاستمرار مأخوذا في ناحية الحكم أو في ناحية متعلقة من دون اختصاص بخصوص الاحكام الوضعية ولازم ذلك عدم جواز التمسك بالعموم بعد

[ 442 ]

التخصيص في بعض الازمنة بل لابد من الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص ليس الا ويترتب على ذلك انه متى ما شك في كون الخيار فوريا أو استمراريا فلا يمكن التمسك بعموم قوله تعالى (اوفوا بالعقود) كما صدر عن المحقق الثاني (قده) (وأما الاحكام) التكليفية الوجوبية (فما كان) منها متعلقا بالامور الاعتقادية كوجوب معرفة الله ومعرفة اوليائه صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين فلا يمكن الشك في اصل استمراره وكونه راجعا إلى نفس الحكم أو متعلقة ليس له اثر مهم في المقام ضرورة عدم امكان ورود التخصيص إليه حتى يتكلم في جواز التمسك بعده بالعموم وعدمه وعلى فرض امكان وقوعه فعدم جواز التمسك بالعموم وعدمه بعده مفروغ عنه في محل البحث كما عرفت في محل فيتمحض الكلام في جواز التمسك بالعموم وعدمه وقد عرفت عدم جواز التمسك به ما لم يحرز لحاظ الاستمرار في ناحية المتعلق فإن اطلاقه في مقام الاثبات يكشف عن عدم التقييد في مقام الثبوت (وأما ما كان) منها متعلقا بالاعمال الجوارحية فهو على ثلاثة اقسام (الاول) ما لم يكن هناك من نفس الدليل أو من خارجه دليل على اعتبار الاستمرار في الحكم أو متعلقة ومقتضى القاعدة فيه هو الحكم بعدم الاستمرار وعدم ثبوت الحكم إلا بالمقدار المتيقن فلا يبقى موضوع للبحث عن قيدية الاستمرار للحكم أو متعقلة فيكون متعلق الوجوب حينئذ هو صرف الوجود وبعده يسقط الطلب بالكلية (الثاني) ما إذا كان هناك دليل خارج دل على الاستمرار كلزوم اللغوية من تشريعه إذا لم يكن مستمرا مثلا وفي مثله وان كان يرتفع اللغوية باخذه في ناحية الحكم أو المتعلق الا انك قد عرفت ان اطلاق المتعلق في مقام الاثبات يعين اخذه في ناحية الحكم نفس الحكم لا محالة فلا يمكن التمسك بالعموم حينئذ بعد العلم بالتخصيص في بعض الازمنة مثلا إذا قصد المسافر الاقامة عشرا في اثناء سفره ثم خرج إلى ما دون المسافة أو عزم المعصية في الاثناء ثم عدل منه ولم يكن الباقي مسافة فعلى القول بكون الاستمرار مأخوذا في ناحية الحكم فلابد من الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص واما على القول بكونه مأخوذا في ناحية المتعلق فلابد من الرجوع إلى العموم (نعم) لو بينا على كون قصد الاقامة قاطعا لموضوع السفر دون حكمه كما هو المختار لما امكن الرجوع إلى العموم على كل حال كما هو ظاهر والمسألة محررة في الفقه (وقد يقال) ان اعتبار الاستمرار في ناحية الحكم الوجوبي أو متعلقة يستلزم استغراق اوقات المكلف في الاشتغال به وعدم اشتغاله بغيره فلا يكون معتبرا فيه قطعا (ويدفعه) ان الاستمرار في كل واجب بحسبه

[ 443 ]

مثلا استمرار وجوب الحج عبارة عن وجوبه في كل سنة واستمرار وجوب الصلاة عبارة عن وجوبها في كل يوم في وقتها وهكذا فلا يلزم من اعتبار الاستمرار فيه محذور اصلا (الثالث) ما إذا كان الاستمرار إلى زمان معين أو مطلقا مستفاد من نفس الدليل كما في قوله تعالى (واتموا الصيام إلى الليل) واستظهار رجوع القيد في مثله إلى الوجوب أو الواجب موكول بنظر الفقيه وعلى تقدير عدم الظهور فيه واجمال الكلام فلا يمكن فيه التمسك باطلاق المادة لاثبات اعتبار الاستمرار في ناحية نفس الحكم كما هو ظاهر ويترتب على كون الزمان في المثال مأخوذا في ناحية الحكم أو المتعلق ثمرة اخرى قد تعرضنا لها في بحث الواجب التعليقي (وحاصلها) ان الزمان إذا كان ماخوذا في ناحية المتعلق فلا محالة يكون مجموع افراد الامساك عن المفطرات من الفجر إلى الغروب واجبة بوجوب واحد بنحو العموم المجموعي فلو علم المكلف بطرو العذر في الاثناء لما وجب عليه الامساك من الاول الا بدليل خاص فيكون ترتب الكفارة حينئذ على المخالفة على خلاف القاعدة وهذا بخلاف ما إذا كان ماخوذا في نفس الحكم ولم يكن هناك تقييد في المتعلق فان سقوط الحكم في الاثناء لعارض لا ينافي ثبوته واستمراره إلى زمان طروه فيكون ثبوت الحكم والكفارة على مخالفته على القاعدة واما التكاليف التحريمية فلا ريب في اصل اعتبار الاستمرار فيها في الجملة ضرورة لزوم اللغة من عدمه فان ترك اي محرم فرض فهو حاصل قهرا فيكون طلبه طلبا للحاصل الا ان الاشكال انما هو في اعتباره في ناحية الحكم أو في ناحية متعلقه (ربما يقال) ان اطلاق المتعلق فيها كما يقتضي شمول النهي لكل فرد من افراده العرضية كذلك يقتضي شموله لكل فرد من افراده الطولية فيكون الاستمرار مستفادا من اطلاق المتعلق فيكون معتبرا فيه لا محالة (مضافا) إلى ان التحريم في كل فرد انما ينشأ من اشتماله على المفسدة الموجبة له فإذا كانت الافراد الطولية كالعرضية في اشتمالها على المفسدة فلا محالة يكون استمرار الحكم من جهة اعتبار الاستمرار في المتعلق ولحاظ الافراد الطولية كالعرضية عند تشريع الحكم لها (ولكنه لا يخفى) ان الحكم وان كان تابعا لملاك متعلقة ثبوتا إلا ان استفادة اشتمال الافراد الطولية على الملاك فرع استفادة الاستمرار من الحكم والا فالقدر المتيقن هو اشتمال الافراد العرضيه عليه ليس الا (ومنه يظهر) أن اطلاق المتعلق بالنسبة إلى الافراد الطولية فرع استفادة الاستمرار من الحكم ايضا فإن القدر الجامع بين الافراد العرضية والطولية يستحيل ان تكون محكومة بحكم غير مستمر فالظاهر أن الاستمرار في التكاليف التحريمية إنما يعتبر في ناحية نفس الحكم فلا يمكن التمسك بعمومها بعد

[ 444 ]

العلم بالتخصيص في بعض الازمنة وعلى تقدير الشك في ذلك وعدم احراز اعتباره في المتعلق أو الحكم فلا مجال للتمسك بالعموم ايضا كما عرفت (التنبيه الثالث عشر) قد عرفت في بحث الاقل والاكثر أن جزئية شئ للمركب أو شرطيته له إذا كانتا مطلقتين وغير مقيدتين بحال الاختيار فلازم ذلك هو سقوط الامر بالمركب أو المقيد بالكلية عند تعذر الجزء أو الشرط كما انهما إذا كانتا مختصتين بحال الاختيار فبالتعذر تسقط الجزئية أو الشرطية ويبقى الامر متعلقا بغير المتعذر من الاجزاء والشرايط (وإذا شك) في ذلك ولم يكن هناك ما يعين احد الامرين من اطلاق دليل الجزئية أو الشرطية أو اطلاق دليل الواجب مع اجمال دليلهما (فربما) يتمسك باستصحاب وجوب الباقي (وتقريبه) على ما في رسائل شيخنا العلامة الانصاري (قده) بأحد وجوه ثلاثة (الاول) استصحاب الجامع بين الوجوب الغيري والنفسي بتقريب أن الوجوب المتقين للاجزاء الباقية وهو الوجوب الغيري المقدمي وإن كان مترفعا قطعا بارتفاع الوجوب النفسي المتعلق بالمركب بالتعذر والوجوب المشكوك هو الوجوب النفسي المتعلق بخصوص الباقي الا أن الجامع بين الوجوبين كان متيقنا سابقا ومشكوكا لاحقا لا محالة فيجري الاستصحاب فيه (ويرد) عليه (اولا) انه مبني على القول باتصاف المقدمة الداخلية وهي الاجزاء بالوجوب الغيري وقد عرفت في بحث مقدمة الواجب فساده وان الاجزاء إنما تجب بنفس الوجوب المتعلق بالمركب لا بغيره فإن المركب ليس إلا نفس الاجزاء بالاسر لا غيرها (وثانيا) انه مبنى على القول بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من استصحاب الكلي فإن الوجوب الغيري مباين مع الوجوب النفسي حقيقة واثرا فالمتيقن مرتفع قطعا والمشكوك لم يكن متيقنا (وثلثا) أن وجوب الاطاعة وحرمة المعصية إنما يترتبان على خصوص الوجوب النفسي دون الغيري على ما عرفت الحال فيه في بحث وجوب المقدمة فالجامع بين الوجوبين على تقدير جريان الاستصحاب فيه لا يترتب عليه اثر واثبات خصوص الوجوب النفسي باجراء الاستصحاب في الجامع يبتنى على القول بالاصول المثبتة (الثاني) استصحاب بقاء الوجوب النفسي مع قطع النظر عن متعلقه فإن الوجوب النفسي المتعلق بالمركب وإن كان مرتفعا قطعا والوجوب النفسي المتعلق بالباقي مشكوك الحدوث الا ان كلي الوجوب النفسي مع قطع النظر عن متعلقه متعلق اليقين والشك لا محالة فيجري فيه الاستصحاب (وفيه مضافا) إلى ابتنائه على القول بجريان الاستصحاب في القسم

[ 445 ]

الثالث (ان اثبات) وجوب الباقي به من اوضح انحاء المثبت كاثبات كرية الماء الموجود في الحوض باستصحاب بقاء الكر فيه (الثالث) استصحاب خصوص الوجوب النفسي المتعلق بالمركب فيما إذا كان المتعذر من الاجزاء الغير الركنية فيقال كانت الصلاة واجبة عند التمكن من السورة فيستصحب وجوبها مع تعذرها ايضا نظير استصحاب كرية الماء الباقي في الحوض فيما إذا اخذ منه مقدار يكون الموضوع معه باقيا بنظر العرف (وهذا الوجه) وإن كان احسن ما يمكن ان يقال في المقام ولا يحتاج معه إلى اثبات القيدية الاختيارية حتى يقال ان الاستصحاب بالقياس إليه يكون مثبتا فإن المهم في المقام إنما هو اثبات وجوب الباقي ليس الا (إلا انه) إنما يصح التمسك به في الموضوعات العرفية التي يمكن فيها تشخيص الجزء الركني عن غيره وأما في الموضوعات الشرعية كالصلاة فالشك في وجوب الباقي وعدمه بعينه شك في كون الجزء المتعذر جزء ركنيا وعدمه ولا يمكن معه التمسك بالاستصحاب لعدم احراز اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة وهذا نظير الاشكال الذي اوردناه على التمسك بقاعدة الميسور في محله (ولكنه يمكن) أن يقال إذا كان الباقي هو معظم اجزاء العبادة وكان المتعذر غيره فيصدق عرفا ان رفع اليد عن وجوبه نقض لليقين بالشك فيحرم بمقتضى قوله (ع) ولا تنقض اليقين بالشك فيثبت بذلك وجوب الباقي (نعم) لو كان المتعذر معظم الاجزاء وكان الباقي غيره فلا يمكن التمسك بالاستصحاب كما هو ظاهر (ثم انه) على تقدير جريان الاستصحاب لاثبات وجوب الباقي لا يختص بخصوص ما إذا طرأ التعذر في الاثناء بعد التمكن من تمام الاجزاء قبله بل يجري فيما إذا تعذر الجزء أو الشرط من اول الامر ايضا وذلك فإن المستصحب ليس خصوص الحكم الشخصي حتى يقال بعدم الحالة السابقة له بل الحكم الكلي المجعول في الشريعة على نحو القضايا الحقيقية نظير استصحاب نجاسة الماء المتغير الزايل تغيره من قبل نفسه فيفرض المجتهد وجود مكلف بالغ عاقل تعذر عليه بعض اجزاء المركب بعد وجوبه فيستصحب وجوبه ويفتي بذلك بعدم اختصاص الوجوب بخصوص صورة التمكن منه فيثبت الوجوب في فرض التعذر من أول الامر ايضا (ومنه يظهر) أن جريان الاستصحاب في فرض التعذر الابتدائي لا يتوقف على القول بحجية الاستصحاب التعليقي كما لعله يظهر من كلام العلامة الانصاري (قده) في المقام فراجع (التنبيه الرابع عشر) قد عرفت ان حجية الاستصحاب متقومة بالشك في البقاء فلا يجري مع اليقين بالارتفاع أو البقاء وجدانا أو تعبدا كما في موارد الظنون المعتبرة واما الظن الغير

[ 446 ]

المعتبر فهو ملحق بالشك حكما لو لم يكن منه حقيقة وذلك لما عرفت في بحث حجية الطرق من أن الشك إنما يؤخذ في موضوع الاصول بما انه موجب للحيرة لا بما انه صفة خاصة كما اخذ كذلك في باب الصلاة فكلما فرض عدم كونه موجبا لاحراز الواقع ووصوله يكون مورد الجريان الاصل لا محالة (هذا) مع أن صريح الاخبار حصرنا قضية اليقين بخصوص اليقين بالخلاف فيكون صورة عدم اليقين بالخلاف محكومة بحرمة النقض ولو مع الظن بالخلاف ايضا * (خاتمة) * يذكر فيها امور (الاول) يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة ليصدق على رفع اليد عن اليقين السابق انه نقض اليقين بالشك (ضرورة) انه مع اختلافهما موضوعا أو محمولا لا يكون عدم ترتيب الاثر مع الشك نقضا لليقين السابق وهذا هو المراد من اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب فإنه مع عدم بقائه تكون القضيتان متغايرتين لا محالة (ومعه لا وجه) لما اتعب به شيخنا العلامة الانصاري قدست نفسه الزكية من الاستدلال عليه بانه لولا ذلك لزم انتقال العرض أو قيامه بغير موضوع فإنه على تقدير صحته تبعيد للمسافة مع وضوح المطلوب كما عرفت (ثم أن) المحمول المشكوك قد يكون من المحمولات الاولية العارضة لنفس المهية كالوجود والعدم حيث أن المعروض لهما هو نفس الماهية الغير المقيدة بالوجود والعدم (وقد يكون) من المحمولات الثانوية مع واسطة واحدة كالمدركية العارضة على الانسان المتصف بالوجود أو بواسطتين واكثر كاغلب الاعراض اللاحقة له من التعجب والقيام ونحوهما والمحمول المترتب قد يكون من الاحكام الشرعية كجواز التقليد المترتب على اجتهاد الانسان وعدالته وقد يكون من غيرها وعلى الثاني (فإما) إن يكون الشك ناشئا ومسببا عن الشك في بقاء ما يترتب عليه كالشك في العدالة إذا كان ناشئا عن الشك في الحياة (أو لا يكون) ناشئا عنه بل عن الامور الاخر كالشك فيها من جهة احتمال عروض موجب الفسق (أما) المحمولات الاولية (فلا ريب) في جريان الاستصحاب فيها فإن الموضوع فيها ليس إلا نفس المهية فإذا شك في ما يلحقها من الوجود والعدم بعد العلم بتحققه فلا محالة يصدق على رفع اليد من المتيقن السابق في ظرف الشك نقض اليقين بالشك (وأما المحمولات) المترتبة فما كان منها من قبيل الاحكام الشرعية فإن كان الشك فيها لا من جهة الشك في بقاء موضوعها (فجريان) الاستصحاب فيها من جهة اتحاد القضيتين (في غاية الوضوح) وإن كان الشك فيها من جهة الشك في بقاء موضوعها (فتارة) يكون الموضوع امرا مبينا معلوما شك في بقائه كالعدالة المأخوذة في موضوع جواز التقليد

[ 447 ]

(واخرى) أمرا مرددا بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع كالنجاسة المترتبة على الكلب فإنه عند تبدله ملحا تكون النجاسة مشكوكا فيها من جهة الشك في ان الموضوع لها هل هو الجسمية الموجودة حال الكلبية حتى تكون باقية أو الصورة النوعية الكلبية الزائلة بالتبدل إلى الملحية اما (القسم الاول) فلا يجري الاستصحاب فيه حكما فان جريان الاستصحاب في موضوعه لا يبقي مجالا لجريانه في نفسه ضرورة انه مع احراز الموضوع بحكم الشارع لا يبقى الشك في ثبوت الحكم له فيرتفع موضوع الاستصحاب بالتعبد واما (القسم الثاني) فلا يجري الاستصحاب فيه لا حكما ولا موضوعا (اما) الاستصحاب الحكمي فلعدم احراز اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة الذي يدور مداره صدق النقض ومع عدم الاحراز يكون التمسك بعموم حرمة النقض من باب التمسك به في الشبهة المصداقية (واما) الاستصحاب الموضوعي فلعدم معلوميته وتردده بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع (واما) استصحاب بقاء الموضوع بوصف موضوعيته فهو عبارة اخرى عن بقاء الحكم الثابت له (ضرورة) ان ثبوت الحكم للموضوع وكونه موضوعا له متضائفان واستصحاب احدهما عبارة اخرى عن استصحاب الاخر ففي مثله لا بد من الرجوع إلى الاصول الاخر غير الاستصحاب (واما) المحمولات المترتبة في غير الاحكام الشرعية كالعدالة المترتبة على الحياة فجريان الاستصحاب فيها مع احراز موضوعها كوجود الانسان وحياته في مفروض المثال فهو في غاية الوضوح وكذا مع الشك فيه سواء كان الشك في المحمول ناشئا عن الشك في موضوعه ام لا فيستصحب وجود الحي العادل ويترتب عليه اثره الشرعي (والوجه) في ذلك هو ما ذكرناه مرارا من ان الاستصحاب كما يجري في تمام الموضوع فكذلك يجري في كل ما له دخل فيه جزء أو شرطا وحيث ان العدالة لها دخل في موضوع جواز التقليد مثلا كالحياة والمفروض تعلق الشك بكل منهما بعد تعلق اليقين فيجري الاستصحاب ويحرز به موضوع جواز التقليد (وبعبارة واضحة) إذا كان الموضوع لجواز التقليد وجود الحي العادل (فتارة) تكون الحياة محرزة وجدانا فتستصحب العدالة (واخرى) يكون كل منهما مشكوكا سواء كان الشك في احدهما مسببا عن الشك في الاخر ام لا فيجري الاستصحاب في كل منهما في عرض واحد كما في بقية الموضوعات المركبة (والى) ما ذكرناه يرجع كلام شيخنا العلامة الانصاري حيث عبر في مفروض المثال باستصحاب العدالة على تقدير الحياة فان غرضه (قده) هو جريان الاستصحاب

[ 448 ]

في العدالة مع احراز الجزء الآخر بالاستصحاب ايضا فان جزء الموضوع انما يصح التعبد به في ظرف الشك بلحاظ اثر المركب إذا كان الجزء الآخر محرزا بالوجدان أو بالتعبد في عرضه ومعنى التقدير في عبارته هو بعينه التقدير المأخوذ في كل قضية حقيقة (فلا يرد عليه) ما قيل من ان الموضوع لجواز التقليد هو وجود الحي العادل فاي فائدة تترتب على استصحاب العدالة على تقدير الحياة (الثاني) قد عرفت ان اتحاد القضية المتيقنة مع المشكوكة مما لا ريب في اعتباره في جريان الاستصحاب وصحة التعبد بالبقاء وعليه (فربما يشكل) بعدم صحة الاستصحاب في الاحكام الشرعية الكلية مطلقا فان الشك في بقاء الحكم الشرعي انما ينشأ من تغير وتبدل في موضوعه لا محالة والا فكيف يمكن الشك في بقاء الا بنحو البداء المستحيل في حقه تعالى (ولتحقيق) الحال في المقام لا بد من تقديم (مقدمة) وهي ان الاتحاد بين القضيتين قد يكون بنظر العقل فيرى القضية المتيقنة بعينها هي القضية المشكوكة من دون فرق بينهما الا في انها كانت متعلقة لليقين في زمان وصارت متعلقة للشك في زمان آخر وقد يكون بلحاظ الموضوع المأخوذ في لسان الدليل فإذا كان محفوظا في ظرف الشك فيجري الاستصحاب والا فلا مثلا إذا ورد في الدليل ان الماء المتغير ينجس فلا محال يكون الموضوع للنجاسة هو الماء بوصف التغير فإذا زال تغيره فهو موضوع آخر مغاير لما اخذ في الدليل فلا يمكن الحكم بنجاسته بالاستصحاب عند الشك في بقاء نجاسته وعدمه واما إذا ورد فيه ان الماء إذا تغير ينجس فلا محالة يكون الموضوع هو نفس الماء وهو محفوظ في ظرف الشك ايضا وقد يكون بلحاظ نظر العرف فكل قيد لا يكون له دخل في الموضوع بنظرهم فزواله لا يمنع من جريان الاستصحاب والحكم ببقاء الحكم السابق المتيقن وكل قيد يكون له دخل فيه فزواله يوجب تبدل الموضوع وعدم اتحاد القضيتين ففي المثال السابق لا يفرق العرف في بقاء الموضوع بين القضيتين بل لو ورد في لسان الدليل ان المتغير نجس من دون ذكر لفظ الماء ايضا لحكموا بكون الموضوع للنجاسة هو نفس الماء دون وصف التغير فان النجاسة في نظرهم من قبيل الاعراض القائمة بالاجسام فلا تكون قائمة بوصف التغير غاية الامر انه علة لثبوت النجاسة لذات الماء والشك في البقاء من جهة الشك في كونه علة لها حدوثا وبقاء أو حدوثا فقط فيجري الاستصحاب في مفروض المثال على كل تقدير (فاتضح) من ذلك ان الاشكال المزبور مبتن على اعتبار الاتحاد بنظر العقل إذ عليه لا يمكن اجراء الاستصحاب الا في موارد الشك في الرافع بعد احراز بقاء الموضوع بتمامه كما افاده العلامة الانصاري (قده)

[ 449 ]

(ولا يرد عليه) ما قيل من ان عدم حجية الاستصحاب عند الشك في المقتضي مفروغ عنه عنده (قده) على كل حال فما معنى تفريعه له على اعتبار الاتحاد بنظر العقل (فإن) مراده من الرافع في المقام غير الرافع في البحث المتقدم في اختصاص الحجية بموارد الشك في الرافع دون الشك في المقتضي (توضيح ذلك) ان المتيقن السابق (قد يكون) بحيث لا يبقى بنفسه في عمود الزمان مع قطع النظر عن حدوث شئ أو ارتفاعه من الزمانيات كخيار الغبن المردد بين كونه فوريا أو استمراريا فإنه في الآن الثاني من الالتفات إلى الغبن يكون مشكوكا لا محالة بنفسه ولو مع عدم تغير في شئ من الزمانيات اصلا (وقد يكون) بحيث يكون له البقاء بحسبه ولابد في ارتفاعه من حدوث امر معدوم أو انعدام امر موجود وهذا كالنجاسة مثلا فانها متى وجدت لا ترتفع إلا برافع من حدوث مطهر أو زوال ما كان علة لها فالقسم الاول هو الذي منع العلامة الانصاري (قده) عن جريان الاستصحاب فيه وخص جريانه بالقسم الثاني المعبر عنه بالشك في الرافع وأما مراده من الشك في الرافع في المقام فليس ذلك بل خصوص ما إذا كان الشك في بقاء الحكم ناشئا من حدوث امر خارجي غير معتبر في الموضوع كما إذا شك في بقاء النجاسة في مفروض المثال للشك في عروض المطهر من جهة شبهة حكمية أو موضوعية فالشك في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبيل الشك في الرافع المقابل للشك في المقتضي وليس من قبيل الشك في الرافع الذي خص جريان الاستصحاب به بناء على اعتبار الاتحاد بنظر العقل إذا (عرفت) ذلك (فنقول) أما اعتبار الاتحاد بنظر العقل فلا مسرح له بعد وضوح ان المتبع في مقام تعيين المرادات انما هو فهم العرف دون غيره (ومن هنا) ربما يقال انه لا معنى للمقابلة بين الموضوع الدليلي والعرفي فان العرف ليس بنبي مشرع وانما شأنه فهم المرادات من ظواهر الادلة ولو بملاحظة الظهورات التصديقية الناشئة عن ملاحظة مجموع الكلام (فان كان) المراد من الموضوع الدليلي هو ما يفهمه العرف من الكلام ولو باعتبار لحاظ المجموع وضم بعضه إلى بعض فما معنى اعتبار الاتحاد بنظر العرف المقابل للموضوع الدليلي بعد عدم الاعتناء بمسامحاتهم في التطبيقات فان نظر العرف انما يتبع فميا إذا كان الشك في الصدق من جهة عدم احراز سعة المفهوم وضيقه لا في التطبيقات والشبهات المصداقية بعد تبين المفهوم ووضوحه (وان كان) المراد من الموضوع الدليلي هو خصوص ما يستفاد من الكلام باعتبار الظهور التصوري من دون ملاحظة خصوصياته الموجبة لانعقاد الظهور التصديقي على خلافه فلا معنى لاحتمال

[ 450 ]

اعتبار الموضوع الدليلي بعد ما ثبت في محله من تقدم الظهور التصديقي على الظهورات التصورية (وكيف كان) فلم يعرف وجه محصل للتقابل بينهما (هذا) ولكن (التحقيق) ان يقال ان الحكم الثابت على موضوعه سواء كان مدركه العقل أو النقل (تارة) ينظر إليه بلحاظ حدوثه وانه ثابت لاي شئ (فقد يكون) الموضوع له بنظر العرف مبينا ومشخصا بحيث لا يحتمل بقاء الحكم عند تغير بعض خصوصياته كجواز التقليد الثابت للمجتهد فان الموضوع له بنظر العرف إنما هو الرجل المتصف بصفة الاجتهاد فإذا زال الوصف فيرتفع الحكم قطعا ولو فرضنا دلالة دليل على بقائه لكان من قبيل ثبوت الحكم لموضوع آخر لابقاء الحكم الاول (وقد يكون) الموضوع غير مبين عندهم فعند ارتفاع خصوصية من خصوصياته يكون الدليل الاول ساكتا عن ثبوته وعدمه لا محالة فيحتاج في الحكم بالثبوت والعدم إلى دليل اخر (واخرى) ينظر إلى بقائه بعد الفراغ عن عدم شمول الدليل الاول له وهذا على قسمين (إذ ربما تكون) الخصوصية الزائلة بنظرهم من قبيل العلل الموجبة لجعل الحكم على موضوعه فيكون الشك في البقاء من جهة الشك في كون العلة محدثة أو مبقية وهذا كالتغير المأخوذ في لسان دليل نجاسة الماء المتغير حيث ان النجاسة عند العرف من قبيل الاعراض العارضة للاجسام وصفة التغير لا تكون معروضة للنجاسة بل هي علة لعروض النجاسة للماء والشك في بقائها بعد زوالها من جهة احتمال كونها علة مبقية ايضا مع القطع بعدم شمول الدليل لها بعد زوالها (وقد تكون) الخصوصية الزائلة مرددة بين كونها من قيود الموضوع كالاجتهاد أو من قبيل العلة كالتغير فلا محالة يكون الحكم في الآن الثاني مشكوكا ايضا (أما القسم الاول) فهو الذي يرجع فيه إلى الاستصحاب فان رفع اليد عن اليقين السابق يكون نقضا له بالشك (وأما القسم الثاني) فلا لعدم احراز صدق نقض اليقين بالشك بعد احتمال كون الخصوصية الزائلة من مقومات الموضوع الموجب زوالها للتغاير بين الموضوعين (فتحصل) من ذلك ان جريان الاستصحاب يتوقف على احراز صدق نقض اليقين بالشك على رفع اليد عن المتيقن في ظرف الشك وهو لا يكون الا عند احراز كون الخصوصية الزائلة من قبيل العلة لثبوت الحكم على موضوعه لا من قبيل القيود المقومة له فلا يجري مع عدم احراز ذلك فضلا عن احراز عدمه (ومن ذلك) يظهر ان المراد من اعتبار الاتحاد بنظر العرف هو الرجوع إلى ما هو المستفاد من قضية لا تنقض عرفا فانها ايضا قضية متكفلة للحكم بحسب الرجوع في استفادة المراد منها إلى العرف فكلما صدق النقض فيه عندهم يجب التعبد

[ 451 ]

بالبقاء وإلا فلا كما ان المراد من اعتباره بلحاظ موضوع الدليل هو الرجوع إلى ما هو المستفاد من الدليل الاول فان كانت الخصوصية ماخوذة فيه مقومة كما إذا ورد في الدليل ان الماء المتغير أو المتغير ينجس فلا يجري الاستصحاب لتغاير الموضوعين بحسبه وإذا ورد فيه ان الماء ينجس إذا تغير فيجري (لا ما توهم) من ان الرجوع إلى الموضوع العرفي في مقابل الدليلي يستلزم الاعتناء بالمسامحات العرفية بعد تشخيص المفاهيم بنظرهم (وحيث) ظهر لك التقابل بينهما (فيظهر لك) ان الصحيح هو اخذ الموضوع من العرف لما عرفت من ان المرجع في ظرف الشك ليس هو الدليل الاول بل خصوص قضية لا تنقض ولابد في تشخيص موضوعها من الرجوع إلى العرف من دون فرق بين اخذ الخصوصية في الدليل الاول مقوما أو غير مقوم فكلما صدق النقض فيه عندهم يجري الاستصحاب وإلا فلا (ثم لا يخفى) ان التقابل بين الاعتبارين والترديد بينهما إنما هو في الشبهات الحكمية واما في الشبهات الموضوعية فحيث انه لا معنى للرجوع فيها إلى الموضوع الدليلي لعدم كون الدليل ناظرا إلى المصاديق الخارجية (فلا محالة) يكون الترديد بين الاعتبار العقلي والاعتبار بنظر العرف وحيث عرفت ان العقل لا مسرح له في تعيين المفاهيم فالمتبع هو النظر العرفي ليس إلا (الثاني) وقد عرفت فيما مر انه يعتبر في الاستصحاب أن يكون الشك في البقاء مع احراز الحدوث في ظرف الشك فلو شك في الحدوث بعد اليقين به لما كان من الاستصحاب في شئ (وهل يمكن) شمول الاخبار له ايضا ام لا (وجهان) بل قولان اقواهما الثاني لوجوه (منها) ان التعبد في مورد الاستصحاب إنما هو بلحاظ طريقته اليقين من حيث الجري العملي بقاء ووجوب ترتيب الآثار في ظرف الشك وأما التعبد في مورد الشك الساري فهو بلحاظ التعبد بالحدوث وترتيب آثاره من عدم الاعادة وغيره وبين النظرين بون بعيد لا يمكن الجمع بينهما بلحاظ واحد (ومنها) أن لفظ اليقين وان كان عاما في نفسه لكل يقين إلا أن عمومه إنما يكون باعتبار افراده المتعددة بتعدد المتعلقات من قيام زيد وحياة عمرو ووجوب شئ وغيرها (ومن المعلوم) ان اليقين في مورد الاستصحاب ومورد قاعدة اليقين ليس فردين من اليقين فإن اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة فرد واحد من اليقين سواء كان الشك بعده متعلقا بالحدوث كما هو مورد قاعدة اليقين أو بالبقاء كما هو مورد الاستصحاب (فتوهم) ان عموم اليقين في قوله (ع) لا تنقض اليقين يقتضي الشمول لهما (باطل) من اصله (فإن قلت) سلمنا عدم تعدد اليقين في موردي القاعدة والاستصحاب إلا انه لا يمنع من الشمول باعتبار

[ 452 ]

ان اليقين الواحد له حالتان مختلفتان باعتبار عروض الشك فيما بعده فكما يصح التمسك باعتبار عمومه الافرادي يصح التمسك به باعتبار عمومه الاحوالي ايضا فيكون اليقين في مورد القاعدة محكوما بحرمة نقضه بالشك ايضا (قلت) الحكم بحرمة النقض لابد وان يكون في ظرف فعلية الشك لا محالة ومن الضروري انه لا يقين في ظرف الشك في مورد القاعدة حتى يشمله حرمة نقضه بالشك لا حقيقة لان المفروض زواله بالشك ولا مجازا لما مر في بحث المشتق من ان استعماله عند انقضاء المبدأ مجازا إنما يختص بخصوص المشتقات العرضية الغير المنتزعة من مقام الذات كالضارب والقائم ونحوهما وأما ما كان منتزعا عن الذات كالانسان ونحوه فاستعماله في حال الانقضاء من الاغلاط لعدم بقاء المتصف في حال انقضاء الوصف ايضا ومن الضروري أن اليقين من هذا القبيل دون الاول (فإن قلت) سلمنا عدم صحة الاستعمال بلحاظ الانقضاء ولكنه لا يمنع من جوازه بلحاظ حال التلبس فيصح ان يكون قضية لا تنقض ناظرة إلى حال التلبس لا بلحاظ الحال (قلت) نعم إلا انه انما يصح إذا كان اليقين ملحوظا بلحاظ الموضوعية دون الطريقية وحيث ان اليقين في مورد القاعدة ملحوظ ايضا بلحاظ الطريقية إذ التعبد إنما هو بآثار المتيقن دون اليقين والمفروض زوال طريقيته بعد عروض الشك فلا مجوز للاستعمال بلحاظ حال التلبس ايضا (ومنها) ان حرمة النقض حيث انها ملحوظة بالاضافة إلى آثار المتيقن لما عرفت من أن اليقين إنما اخذ طريقيا في الموردين ففي مورد الاستصحاب لابد من أخذ المتيقن مرسلا وغير مقيد بالزمان حتى يكون الاعتناء بالشك في البقاء نقضا له وهذا بخلاف مورد القاعدة فإنه لابد من اخذ المتيقن فيه مقيدا بالزمان حتى يلاحظ النقض بالاضافة إليه ومن الضروري انه لا يمكن الجمع بين اللحاظين في استعمال واحد (ومما ذكرناه) من لزوم اتحاد متعلقي اليقين والشك حتى يصدق نقض اليقين بالشك عند ترتيب آثار المتيقن (تعرف) انه لا مجال لتوهم شمول الاخبار لموارد الشك في قاعدة المقتضي والمانع فإن اليقين في تلك الموارد لم يتعلق إلا بمجرد وجود المقتضي والشك إنما تعلق بوجود المانع عنه فالمتيقن غير مشكوك والمشكوك غير متيقن (فاتضح) من جميع ذلك اختصاص مفاد الاخبار بخصوص موارد الاستصحاب دون غيرها (الثالث) قد مر سابقا صحة جريان الاستصحاب فيما إذا كان المستصحب ثابتا بامارة معتبرة وانه لا يشترط فيه خصوص اليقين السابق بل يكفي فيه مطلق الثبوت ولو كان بالامارة فكذا الحال في طرف النقض

[ 453 ]

بمعنى انه كما يسقط الاستصحاب باليقين على خلاف الحالة السابقة فكذلك يسقط بقيام الامارة على خلافها وهذا مما لا اشكال فيه (إنما الاشكال) في ان تقدم الامارة على الاستصحاب هل هو بالحكومة أو الورود أو التخصيص وقد تقدم في اول بحث البرائة الفرق بين التخصص والورود والحكومة والتخصيص وان الورود يشارك التخصص في ارتفاع الموضوع في مورده واقعا ويمايزه في أن الارتفاع في التخصص وجداني كارتفاع موضوع ادلة الاصول بقيام الدليل القطعي على ثبوت الحكم وفي الورود من جهة ثبوت التعبد بثبوت الحكم كارتفاع موضوع ادلة الاصول العقلية بورود التعبد والبيان من قبل الشارع كما أن الحكومة يشارك التخصيص في انها توجب ارتفاع الحكم عن موضوعه إلا انه يغايره في ان التخصيص يوجب ارتفاع الحكم مع عدم التصرف في عقد الوضع المنحل إلى قضية شرطية كما هو الشأن في تمام القضايا الحقيقية ولا في عقد الحمل وهذا بخلاف الحكومة فإنها في الغالب توجب التصرف في عقد الوضع وقد توجب التصرف في عقد الحمل مثلا إذا ورد الدليل في أن الشاك بين الثلاث والاربع يبني على الاربع فهو ينحل إلى قضية شرطية مقدمها وجود شاك بين الثلاث والاربع وتاليها وجوب البناء على الاربع فإذا ورد في الدليل أن الشاك بين الثلاث والاربع إذا كان مأموما لا يعتني بشكه فنسمي هذا بالتخصيص لانه موجب لرفع الحكم الثابت لموضوعه لولا الدليل الخاص وأما إذا ورد في الدليل انه لا شك لكثير الشك فهو في الحقيقة وان لم يوجب ارتفاع الشك عن كثير الشك وجدانا بل هو رفع للحكم الثابت له لولا هذا الدليل فيكون في الحقيقة تخصيصا إلا انه موجب للتصرف في عقد الوضع بالغاء الشك وفرض كثير الشك انه ليس بشاك والفرق بين الحكومة والورود مع كون كل منهما موجبا للتصرف في عقد الوضع في غير باب الحكومة بالتصرف في عقد الحمل أن الورود يوجب ارتفاع الموضوع بنفس التعبد وجدانا فإن المتعبد به وان كان ثبوته بالتعبد إلا ان ثبوت التعبد وجداني وهو رافع للموضوع في مورد الورود فمثل قيام الامارة بحرمة شئ وثبوت التعبد بة مع قطع النظر عن ثبوت النجاسة بهذا التعبد وان كان لا ينفك عنه عقلا يكون بنفسه رافعا لموضوع الاصول العقلية من عدم البيان وما شابهه لفرض وجود البيان وتحققه ولكنه لا يكون رافعا لموضوع الاصول الشرعية وهو الشك بما انه ماخوذ طريقا اي بما انه موجب للتحير في الواقع إلا بعناية ثبوت الواقع بالتعبد فيشترك كل منهما في رفع الموضوع إلا انه في الاول باعتبار ثبوت نفس التعبد وفي الثاني

[ 454 ]

باعتبار ثبوت المتعبد به وإلا فلا وجه لتقديم الامارات على الاصول ولا لتقدم بعض الاصول على بعض لاشتراك الجميع في ثبوت التعبد في مواردها (فظهر) من جميع ما ذكرناه أن تقدم الادلة القطعية على الاصول مطلقا بالتخصص ومن باب ارتفاع موضوعها بالوجدان من دون عناية تعبد وتقدم الادلة الغير القطعية على الاصول العقلية من جهة الورود ومن باب ارتفاع الموضوع وجدانا بعد ثبوت التعبد وتقدمها على الاصول الشرعية المأخوذ في موضوعها الشك بالحكومة ومن باب ارتفاع الموضوع بثبوت المتعبد به (فان قلت) ان دليل الاصل الشرعي كالاستصحاب مثلا انما حكم فيه بعدم جواز نقض اليقين بالشك ولا ريب في عدم صدق هذا العنوان مع الامارة المعتبرة فان النقض حينئذ يكون بالحجة المعلومة حجيتها لا بالشك فيتحقق الورود (وبتقريب) آخر المراد من اليقين المعلق عليه جواز النقض هو مطلق قيام الحجة على الخلاف ومع وجود الامارة على الخلاف يرتفع هذا الموضوع وجدانا (قلت) اولا ان ظاهر الدليل انحصار الناقض باليقين بخلاف ما تعلق اليقين به سابقا فارادة مطلق الحجة من اليقين أو تعميم متعلقه بما كان حكما واقعيا أو ظاهريا المعبر عنه باليقين بالحجية خلاف الظاهر وقد ذكرنا سابقا ان المراد من الشك في الرواية خلاف اليقين فكلما لم يتحقق يقين بخلاف اليقين فهو داخل في عنوان نقض اليقين بالشك (وثانيا) ان ارتفاع الموضوع إن كان بلحاظ ثبوت خلاف اليقين السابق بالامارة الذى اصطلحنا عليه بثبوت المتعبد به وان نفس ثبوت التعبد لا يكفي في الرفع فهو الذي ذكرنا انه عبارة عن الحكومة في قبال الورود وإن كان بلحاظ ثبوت نفس التعبد مع قطع النظر عن ثبوت المتعبد به فلا ريب في ان الشك في البقاء لا يرتفع به وجدانا فكما يصلح التعبد بالامارة للتقدم عليه فكذلك العكس فلا مناص عن القول بالحكومة وان الامارة من جهة نظرها إلى الواقع يثبت الحكم الواقعي بالتعبد فيرتفع موضوع الشك بما انه موجب للحيرة في الواقع المأخوذ في ادلة الاصول لا بما انه صفة خاصة حتى يقال ببقائها بعد التعبد ايضا (ومن الواضح) ان الاستصحاب لا يصلح لرفع موضوع الامارة فيكون التقدم بالحكومة (ثم ان) الحكومة على قسمين واقعية وظاهرية والفرق بينهما بعد اشتراكهما في رفع الموضوع بالتقريب المتقدم في غير موارد التصرف في عقد الحمل كما في موارد نفي الضرر وغيره على تفصيل قد تقدم في بحث البراءة ان الحكومة الواقعية لا تكون رافعة للموضوع إلا في عالم التشريع والجعل بالتصرف في عقد الوضع وإلا فهو تخصيص حقيقة وموجب لاختصاص الحكم

[ 455 ]

المجعول ببعض افراد الموضوع كما عرفت في مثل لا شك لكثير الشك وهذا بخلاف الحكومة الظاهرية كحكومة الامارات على الاصول فانها موجبة لارتفاع الموضوع وجدانا بعد ثبوت المتعبد به بالتعبد فان موضوع الاصل كما عرفت هو الشك بما انه فاقد للطريقية وموجب للوقفة لا بما انه صفة خاصة ومن المعلوم انه مع ثبوت المتعبد به بحكم الشارع بالامارة لا يبقى هناك تحير وموجب للتوقف (ثم ان) تعبير الحكومة في كلمات بعضهم بما يكون من قبيل الشارح بمثل كلمة اعني واشباهها اغترارا ببعض ظواهر كلمات شيخنا العلامة الانصاري (قده) غلط محض فان الحكومة بهذا المعنى لا مورد له في الاخبار الا القليل جدا فكيف يصح ان يعقد له بحث بهذه الاهمية بل الظاهر ان مراده (قده) هو ما ذكرنا ايضا (فتحصل) مما ذكرناه حكومة الامارات بما انها ناظرة إلى الواقع على الاصول المأخوذ في موضوعها الشك والمقصود في المقام من التعرض لحال الحكومة والورود هو بيان ذلك (وأما) تقدم بعض الامارات على بعض كتقدم الاقرار على حكم الحاكم المقدم على البينة المقدمة على غيرها فسيأتي الكلام فيه في محله إنشاء الله تعالى (ثم أن) إمارية الامارة الموجبة للتقدم متقومة بامرين (الاول) كون الدليل ناظرا إلى الواقع وكاشفا عنه كشفا ناقصا (الثاني) امضاء الشارع له بما هو كذلك بتتميم جهة كشف فلو كان اعتبار الشارع له لا من تلك الجهة بل كان جهة الا مارية ملغاة في نظره فلا يكون حجة بما انه امارة وهذا واضح لا ريب فيه (ثم انه) إذا علم امارية شئ أو اصليته فلا اشكال وان شك في ذلك فمقتضى القاعدة كونه اصلا لا امارة لا بمعنى ترتيب آثار الاصلية عليه بهذا العنوان حتى يقال انه لا أصل لهذا الاصل بل بمعنى نفي آثار الا مارية من حجية لوازمه وملزوماته وتقدمه على الاصول فإن القدر المعلوم الجامع بين الاصلية والامارية هو حجية الشئ في نفسه بالنسبة إلى لوازمه الشرعية واما الزايد عليه فهو مشكوك يرجع فيه إلى اصالة عدم الحجية (ثم ان) ما وقع التكلم في كونه اصلا أو امارة امور لا بأس بالتعرض لها (منها) قاعدة اليد (والحق) كونها إمارة لان الاستيلاء على الشئ حيث انه بالقياس إلى الملكية من لوازمه الطبعية فلا محالة تكون فيها جهة كاشفية ناقصة ولا ريب ان اعتبارها عند العقلاء من جهة كاشفيته لما ذكرناه في بحث الاستصحاب من عدم وجود تعبد لا من جهة الكاشفية عندهم والظاهر من ادلة حجية اليد كرواية حفص وغيرها كون اعتبارها بما له من الشأن عند العقلاء فيكون امارة (فإن قلت) ظاهر رواية حفص ان اعتبار اليد من جهة لزوم اختلال النظام من عدمه كما هو ظاهر قوله (ع) (ولو لا ذلك لما بقي

[ 456 ]

للمسلمين سوق) واين ذلك من اعتبارها بما له من الشأن عند العقلاء فيكون بذلك مشكوك الاعتبار من جهة الا مارية لا محالة (قلت) ذيل الرواية وان لم يكن له دلالة على الا مارية كما ذكرت إلا ان صدرها ظاهر فيها فإنه عليه السلام قرر السائل على ما يفعله بارتكازه من الشراء بمجرد اليد وجعل ذلك مقدمة لحكمه عليه السلام بجواز الشهادة بمجرد اليد وقد عرفت أن بناء العقلاء على اعتباره إنما هو من جهة الا مارية لا غير فالحكمة إنما هي حكمة لما افاده عليه السلام من امضاء جهة الا مارية (هذا مع) ان في بقية ادلتها مثل قوله عليه السلام من استولى على شئ فهو له وغيره كفاية (ثم انه لا ثمرة) مهمة في تحقيق ذلك فان قاعدة اليد لا اشكال في تقدمها على الاستصحاب وعلى ما كان في مرتبة متأخرة عنه سواء كان اعتبارها من جهة الا مارية أو الاصلية أما تقدمها على الاستصحاب فلان النسبة بين دليلها ودليله وان كانت بالعموم من وجه إلا انه يلزم من تقديم دليل الاستصحاب على دليلها عدم بقاء مورد له إلا نادرا بخلاف العكس وسيجئ في محله إنشاء الله تعالى ان هذه من جملة المرجحات في باب المعارضة وعليه فتكون قاعدة اليد مقدمة على الاستصحاب وتتقدم على الاصول المتأخرة عنه رتبه بالاولوية * (ثم أنه) * بعد الفراغ عن تقدم قاعدة اليد على الاستصحاب يقع الكلام من جهات (الاولى) في ان حجية اليد وكاشفيتها عن الملكية (هل تختص) بما إذا لم يعلم الحالة السابقة لها بأن احتمل حدوث اليد في الملك كما هو الغالب أو تكون حجة فيما إذا علم حالها سابقا ايضا بأن علم ان اليد حال حدوثها لم تكن يد ملك كما في موارد اليد العادية أو الاجارة أو العارية ونحوها ولكنه يحتمل تبدلها بقاء وكونها يد ملك (وجهان) بل قولان اقواهما الاول فان اليد المعتبرة إنما اعتبرت بما انها كاشفة عن الملكية نوعا لما عرفت من ان الاستيلاء على الشئ من اللوازم الطبعية المترتبة على الملك ولا ريب ان الكاشفية النوعية انما تتحقق فيما إذا لم يعلم حال اليد من حيث حدوثها ومع العلم بكونها حادثة على غير الملك لا تكون لها هذه الكاشفية قطعا فمجرد احتمال التبدل لا يحدث لها الكاشفية بعد معلومية حالها سابقا (هذا مع) انه على تقدير اماريتها في هذا الحال ايضا انما تكون امارة بما انها مشكوكة الحال واستصحاب عدم تبدل حالها وبقائها على ما كانت عليه يكون حاكما عليها ومثبتا لعدم كونها يد ملك فيخرجها عن كونها مشكوكة الحال (وبالجملة) قاعدة اليد وان كانت حاكمة على الاستصحاب إلا ان حكومتها انما هي فيما إذا كان الاستصحاب جاريا بالقياس إلى مؤدى اليد ومقتضاها فإذا علم عدم كون ما في اليد ملكا لذى اليد سابقا واحتمل حدوث اليد الماليكة عليه فلنا شكان

[ 457 ]

(احدهما) الشك في بقاء الحالة السابقة وعدمه بالقياس إلى عدم الملكية (الثاني) الشك في ان اليد الحادثة هل حدثت على الملك أو لا (ولا ريب) ان استصحاب عدم الملكية قاصر بنفسه عن اثبات عدم حدوث اليد على الملك بل تكون اليد المثبتة للملكية مقدمة على الاستصحاب ورافعة للشك في مورده ضرورة أن الشك في بقاء عدم الملكية ناش عن الشك في كيفية حدوث اليد وانها كانت عادية مثلا اولا فإذا ثبت باليد سواء كانت أصلا أو امارة عدم كونها عادية مثلا فلا محالة يرتفع الشك في بقاء الحالة السابقة بالقياس إلى عدم الملكية وأما إذا كان الاستصحاب متعرضا لحال اليد ومبينا لها فكيف يمكن ان يقال بتقدمها عليه فإذا علمنا كون اليد عادية وشك في انقلابها إلى اليد المالكية بعد ساعة مثلا فلا محالة يكون الشك في الملكية ناشئا عن الشك في حال اليد فإذا جرى استصحاب حال اليد وثبت كون اليد عادية بحكم الشارع فلا يثبت بها الملكية لا محالة فإن (قلت) ألسنا بنينا على امارية اليد وكونها مثبتة للواقع ومحرزة له بحكم الشارع ومعه كيف يقدم عليها الاستصحاب مع كونه من الاصول العملية (قلت) إنما تتقدم الامارة على الاصل فيما إذا كان الاختلاف في المؤدى واثبات كل منهما ما يضاد مؤدى الآخر واما إذا كان الاصل ناظرا إلى موضوع الامارة ومبينا له باخراج مورده عن موضوعها فلا محالة يتقدم الاصل على ما هو الميزان في تقدم الحاكم على المحكوم كلية (فتلخص) مما ذكرناه عدم حجية اليد فيما إذا علم حالها السابق من كونها حادثة على غير الملك باجارة أو عارية ونحوهما لعدم امارتيها على الملك في نظر العقلاء (اولا) وحكومة الاستصحاب عليها (ثانيا) وعلى ذلك جرت سيرة العقلاء في أخذ السجلات من المستأجرين وغيرهم لقبول الاجارة ونحوها وليس ذلك إلا لاجل اسقاط امارية اليد واثبات ان حدوث اليد على المال لم يكن بعنوان المالكية فيحتاج المستأجر مثلا إلى اثبات الملكية إن ادعاها (الثانية) ان حجية اليد هل تختص بما إذا علم قابلية المال للنقل والانتقال وشك في فعلية الانتقال أو تعم ما إذا علم عدم القابلية ايضا ولكن احتمل تبدله إلى القابلية كما في موارد الاوقاف الظاهر هو الاول (بيان ذلك) ان الاموال بحسب طبعها قابلة للسير والتبدل فمالية الحنطة مثلا تكون عند البيع محفوظة في الدراهم أو الدنانير كما ان مالية الدراهم تكون محفوظة عند اشتراء اللحم بها وهكذا فكل مال من الاموال في حد ذاته قابل للسير وللمالك ان يقفها ويمنع عن سيرها فتسقط عن قابلية التبدل والمسير فإذا وجد مال في يد واحد واحتمل حدوثها بعنوان المالكية كما ذكرنا انه المورد لقاعدة اليد (فتارة)

[ 458 ]

تكون الحالة السابقة على اليد معلومة من حيث عدم القابلية للسير كما إذا علم كونه وقفا غير قابل للانتقال في زمان ولكن احتمل عروض عنوان محدث للقابلية بعد عدمها (وأخرى) لا يعلم ذلك كما هو الغالب في موارد اليد (اما القسم الثاني) فهو القدر المتيقن من موارد حجية اليد وثبوت الملكية بها (واما القسم الاول) فلا دليل على حجية اليد فيه فإن القدر المتيقن من دليل حجيتها هو كونها امارة على فعلية الانتقال فيما إذا لم يحرز عدم قابلية متعلقها لعدم الانتقال فإن مجرد امكان القابلية لاحتمال طرؤ ما يوجبها لا يكفي في الحكم بالانقلاب بل استصحاب بقائه على ما كان من عدم القابلية للسير يكون مخرجا له عن موضوع قاعدة اليد فتكون دعوى الملكية حينئذ محتاجة إلى الاثبات ببينة ونحوها (فإن قلت) أليست اليد امارة على الملكية ويثبت بالامارة اللوازم والملزومات ولو كانت عقلية فلم لا يثبت في المقام بحكم اليد عروض القابلية وإن كان ملزوما لحدوث اليد على الملك عقلا (قلت) نعم ان دليل الحجية على تقدير شموله للمقام لا ريب في صحة التمسك به لاثبات اللوازم والملزومات إلا ان الشأن في شموله له فإن عمدة دليل حجية اليد هي رواية حفص ورواية أخرى يقرب منها في الدلالة ولا إطلاق لهما لمثل المقام (ضرورة) ان احتمال الانقلاب ان كان لازما غالبيا لموارد الشك في الملكية أمكن أن يقال ان دليل الحجية ناظر إلى هذه الجهة ايضا واما إذا لم يكن الامر كذلك بل كانت موارد الشك في الملكية غالبا غير مسبوقة بالعلم بعدم القابلية للمسير سابقا فلا يمكن اثبات الحجية في غير تلك الموارد مع عدم ثبوت اطلاق له من تلك الحيثية (نعم) إذا علم انقلاب الحال في الاوقاف بطرؤ ما يجوز نقلها ولكن شك في الملكية الفعلية لذي اليد لاحتمال عدم حدوث النقل عليها فلا ريب في حجية اليد حينئذ واثبات الملكية بها (ومن ذلك) يظهر حال الاراضي المفتوحة عنوة وانها لا تقاس بالاوقاف الغير القابلة للانتقال بحسب طبعها فإن تلك الاراضي قابلة للمسير فعلا وإن كانت ملكا للمسلمين (غاية الامر) ان فعلية النقل فيها مشروطة بتصدي ولي الامر له فإذا وجدت في يد احد واحتمل انتقالها إليه بتصرف من ولي الامر فيحكم عليها بالملكية وأين هذا من الاوقاف الغير القابلة للمسير في حد نفسها (ومما ذكرنا) ظهر بطلان قياس الاوقاف بالانسان الموجود في يد احد بعنوان الرقية مع احتمال كونه حرا فإنه لا اشكال في كون اليد في مورده امارة للملكية على ما هو مقتضى الفتوى والنصوص مع عدم احراز القابلية فيه لاحتمال كونه حرا غير قابل للانتقال رأسا (وجه البطلان) ان الممنوع عن شمول دليل هو

[ 459 ]

ما إذا أحرز عدم القابلية سابقا واحتمل انقلابها إلى القابلية فإن قاعدة اليد في مثله لا تثبت الانقلاب بمجرد الاحتمال بل يكون الاستصحاب جاريا ومخرجا لمورده عن قابلية الملكية وأين هذا من مثل الانسان الغير المعلوم له الحالة السابقة فإن نفس اليد فيه امارة على الملكية ومثبتة للرقية ما لم تثبت الحرية بدليل اقوى (فقد تحصل) مما ذكرناه ان حجية اليد كما انها مقيدة من حيث الكاشف بما احتمل حدوث اليد على الملك فلا تكون حجة مع احتمال الانقلاب بعد العلم بعدم حدوثها على الملك فكذلك مقيدة من حيث المنكشف بما إذا لم يحرز له الحالة السابقة الغير القابلة للمسير مع احتمال الانقلاب بطرو المجوز (الثالثة) انه قد ذكرنا ان قاعدة اليد حاكمة على الاستصحاب الجاري في متعلق اليد وان ثبوت الحالة السابقة في موردها كعدم ثبوتها في اعتبار اليد وكونها امارة على الملكية (وهذا) مما لا اشكال فيه في الجملة (إلا ان الكلام) يقع في بعض الموارد باعتبار مدرك ثبوت الحالة السابقة (وتفصيل الحال) في المقام ان ثبوت الحالة السابقة المخالفة لمقتضى اليد اما ان يكون بالعلم أو بقيام البينة أو من جهة اقرار ذي اليد عليه وعلى كل تقدير فاما أن يكون هناك مدع للخلاف أو لا وعلى الاول فاما أن تكون الحالة السابقة الثابتة هي الملكية المدعاة للمدعي أو الملكية لشخص آخر فهذه اقسام تسعة لا ريب في اعتبار اليد فيما إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بالعلم في غير مورد الترافع والدعوى فإذا رأينا مالا في يد زيد وعلمنا كونه ملكا لآخر قبل حدوث يده عليه فنحكم عليه بالملكية من جهة اليد بل يجوز الشهادة على طبق اليد حينئذ كما هو مقتضى رواية حفص الواردة في المقام وأما في مورد الترافع فإن كانت الملكية السابقة المعلومة ثابتة لغير المدعي فالامر من ترتيب آثار الملكية وكون غير ذي اليد محتاجا إلى الاثبات كذلك بل لا يبعد الحكم بجواز الشهادة في هذا الفرض ايضا عملا باطلاق الرواية المتقدمة واما إذا كانت ثابتة للمدعي كما إذا علم الحاكم بكون المال الثابت في يد زيد ملكا للمدعي سابقا فلا ريب في عدم جواز ترتيب الاثر على علمه بل لا بد من مطالبة البينة من المدعي فإن متعلق علمه إذا كان هي الملكية السابقة على حدوث اليد فلا يفيد ذلك في الحكم بملكيته له بعد حدوث اليد إلا من جهة الاستصحاب الغير الجاري في مورد اليد كما عرفت (واما) إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بالبينة فلا ريب في لحوقه بما إذا ثبت بالعلم في غير مورد الترافع وفيه إذا كانت البينة قائمة على ملكية غير المدعي واما إذا كانت قائمة على ملكيته فالاقوال فيه وان كثرت إلا ان التحقيق لحوقه بالثبوت العلمي ايضا فإن البينة لا تزيد في

[ 460 ]

كشفها عن الواقع على العلم الوجداني فكما ان ثبوت الملكية السابقة للمدعي بالعلم الوجداني لا يوجب قلبه منكرا فكذلك الثبوت بالبينة ايضا (وأما) قوله صلى الله عليه وآله (إنما أحكم بينكم بالايمان والبينات) فهو أجنبي عن محل الكلام إذ البينة إذا كانت قائمة على الملكية الفعلية فلا ريب في تقدمها على اليد والحكم على طبقها ومحل الكلام هو ما إذا كانت البينة قائمة على الملكية السابقة فجرها إلى زمان حدوث اليد لا يكون الا بالاستصحاب الساقط مع اليد بل لو اخبرت البينة عن الملكية الفعلية ولكن علم ان مدركها هو الاستصحاب لكان اليد مقدمة عليها إذ شهادة البينة على الملكية الفعلية من جهة التمسك بالاستصحاب مع وجود امارة على الخلاف وهو اليد غير جائزة فتكون ساقطة فيكون المدعي للملكية محتاجا إلى الاثبات باقامة بينة أخرى على الملكية الفعلية وأما إذا كان ثبوت الحالة السابقة بالاقرار فلا ريب في لحوقه ايضا بالثبوت العلمي في غير مورد الترافع وكذلك في مورده إذا كان الاقرار بملكية غير المدعي فان الاقرار وان كان يوجب ثبوت ملكية المقر له في ظرف اقرار المقر الا ان المفروض انه غير المدعي فليس له الزام ذي اليد على اثبات انتقاله منه إليه بناقل شرعي واما إذا كان الاقرار بملكية المدعي فالحق هو انقلاب الدعوى وكون ذي اليد هو المدعي المحتاج إلى الاثبات أو تسليم المال إلى المقر له وفاقا للمشهور وذلك فان المقر بملكية المدعي قد ادعى باعترافه بالملكية السابقة انتقال المال من المدعي إليه فلابد له من اثبات الانتقال أو تسليم المال (ولا يتوهم) ان سقوط اليد حينئذ من جهة جريان الاستصحاب في موردها وتقدمه عليها بل جريان الاستصحاب انما هو لسقوط اليد عن الحجية حينئذ (بيان ذلك) ان الاقرار بعد نفوذه في حق المقر يكون متبعا في لوازم نفسه وان لم يثبت به المقر به فإذا أقر بفسق الحاكم بملكية المال له في مورد الترافع يؤخذ منه المال ويسقط الحكم في حقه مع احتمال كون المال له واقعا وجواز تصرفه فيه كذلك فان لازم نفس الاقرار هو سقوط الحكم في حقه ففي المقام ملكية المقر له فعلا وان كانت لا تثبت بالاقرار لانه متفرع على جريان الاستصحاب المحكوم لقاعدة اليد الا انه يثبت به كون الانتقال إليه على تقدير ثبوته بناقل شرعي فيكون المقر مدعيا له فتسقط امارية اليد للملكية بالاقرار الملازم لدعوى الانتقال فيكون قول مدعي بقاء الملكية السابقة بعد سقوط اليد على طبق الاصل فيكون منكرا فيحتاج ذو اليد إلى الاثبات أو التسليم (وتوهم) ان الاقرار بملكية المدعي كالاقرار بملكية الاجنبي من جهة ملازمتها لدعوى الانتقال فاما ان يكون ذو اليد في كليهما محتاجا إلى

[ 461 ]

الاثبات فيكون مدعيا أو لا يكون محتاجا إليه في كلا الفرضين فيبقى على منكريته (قد ظهر جواب) مما ذكرناه فإن الاقرار للاجنبي وإن كان لازمه دعوى الانتقال منه إليه إلا ان المدعي ليس له الزام المقر باثبات الانتقال بعد كونه أجنبيا عن المقر له (نعم) إذا كان المدعي وارثا للمقر له وقائما مقامه لكان الاقرار لملكية المورث مفيدا للوارث في ان له الالزام باثبات الانتقال فينقلب المنكر مدعيا ايضا (فتحصل) ان فتوى المشهور بأن اعتراف ذي اليد بملكية المدعي أو مورثه يوجب انقلاب الدعوى ويلزم المعترف بالاثبات أو التسليم مما لا مناص عن الالتزام بها (وهم ودفع) (أما الوهم) فهو ان فتوى المشهور بانقلاب الدعوى باعتراف ذي اليد بملكية المدعي أو مورثه المستلزم لدعوى الانتقال ينافي ما ورد في رواية الاحتجاج من اعتراض امير المؤمنين عليه السلام لابي بكر في قضية فدك حيث طالب البينة من الصديقة سلام الله عليها لاثبات دعواها الانتقال إليها من رسول الله صلى الله عليه وآله نحلة بقوله (ع) تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين قال لا قال (ع) فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت انا فيه من تسأل البينة قال إياك كنت أسأل على ما تدعيه قال (ع) فإذا كان في يدي شئ فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده ولم تسأل المؤمنين على ما ادعوا علي كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم (الخبر) فإنه إذا كان اعتراف ذي اليد بملكية المورث موجبا لانقلاب الدعوى وسقوط اليد عن الا مارية فلا محالة يكون اعتراف الصديقة سلام الله عليها بملكية رسول الله صلى الله عليه وآله الموجبة للانتقال إلى المسلمين بمقتضى الرواية التي ادعى سماعها منه صلى الله عليه وآله من النبي صلى الله عليه وآله (نحن معاشر الانبياء لا نورث) إلى قوله (وما تركناه صدقة) موجبا لانقلاب الدعوى فتحتاج في اثباتها إلى اقامة البينة ومع عدم الاثبات يكون المال منتقلا إلى المسلمين نظير انتقاله من المورث إلى وارثه ويكون لوليهم حق المطالبة من ذي اليد (وأما الدفع) فيحتاج إلى بيان مقدمة يظهر به حال المقام (فنقول) ان الملكية وإن كانت اضافة خاصة قائمة بين طرفين المالك والمملوك إلا انها تختلف في طرف التبدل باعتبار موارده ففي مثل البيع وغيره من العقود المعاوضية يكون التبدل في ناحية المملوك فكأن العلقة الرابطة بين المالك والمال قد حل احد طرفيها وهو الطرف المربوط بالمال وجعل مكانه المال الآخر فالمبادلة بين المالين والاضافة باقية بحالها فكل من المالكين يحفظ علقته الملكية بتبديل طرفها من حيث الخصوصية الموجبة لاختلاف رغبات الناس وفي

[ 462 ]

الارث يكون التبدل في طرف المالك مع بقاء الطرف المربوط بالمال فكأن العلقة المذكورة قد حل طرفها المربوط بالمالك وربط بالوارث فيكون التبدل في طرف المالك وفي مثل الهبة والوصية التمليكية يكون التبدل في نفس العلقة باعدام اضافة إيجاد اضافة من دون تصرف في طرفيها فالواهب يعدم اضافة المال إلى نفسه ويوجد اضافة أخرى للموهوب له والوصية التمليكية الموجبة لانتقال المال إلى الموصى له بعد الموت تكون من هذا القبيل فإن الموصي بوصيته يعدم اضافة نفسه في ظرف موته ويوجد اضافة أخرى للموصى له واما الوصية العهدية الغير الموجبة للانتقال بل غاية الامر هو تعيين المصرف في جهة خاصة فهي خارجة عن تمام الاقسام المذكورة كما هو ظاهر (إذا عرفت ذلك) فنقول ان الاعتراف بملكية المورث حيث انه بنفسه اعترف بملكية الوارث لعدم التبدل فيها كما عرفت فلا محالة يكون كالاعتراف بملكية نفس المدعي ابتداء في انقلاب الدعوى به وكون المقر محتاجا إلى الاثبات (ومن المعلوم) في المقام ان المسلمين لم يكونوا وارثين للنبي صلى الله عليه وآله حتى يكون الانتقال إليهم بسبب الارث بل غاية الامر كون الانتقال إليهم كالانتقال بالوصية الذي عرفت انه بانعدام اضافة وإيجاد اضافة فكيف يكون الاعتراف بثبوت الاضافة الاولية الاجنبية عن المدعي بالكلية موجبا للانقلاب وهل هذا إلا كالاعتراف بملكية الاجنبي الغير الموجب لانقلاب الدعوى كما عرفت (هذا) مع ان كون المقام من قبيل الوصية التمليكية ممنوع ايضا (بل الظاهر) انه من قبيل العهدية فدعوى المسلمين إنما كانت في مصرفيتهم لما تركه النبي صلى الله عليه وآله من غير ان يكون هناك شائبة الملكية لهم فالاعتراف بملكية الموصي المرتفعة يقينا مع عدم الانتقال إلى المدعي كما هو المفروض كيف يعقل كونه موجبا لدعوى الانقلاب وسقوط اليد عن الاعتبار حتى يطالب ذو اليد بالبينة (فتحصل) ان الاعتراف المسقط لليد من الاعتبار يختص بموارد الارث ولا يجري في موارد الوصية لا سيما إذا لم تكن تمليكية كما هو المفروض في مورد الرواية فعلى تقدير تسليم الرواية المجعولة في عدم ثبوت الارث من الانبياء وان ما تركوه صدقة وتسليم كون ابي بكر وليا للمسلمين لم يكن له مطالبة البينة من الصديقة سلام الله عليها ولو مع اعترافها بملكية رسول الله صلى الله عليه وآله بل كان له مطالبة البينة من المسلمين المدعين لها بعد كون المال في يدها واماريتها على الملكية (والعجب) من العلامة الانصاري (قده) في المقام كيف غفل عن ذلك واحتمل كون الرواية الشريفة دليلا على عدم سقوط اليد عن الاعتبار حتى مع الاعتراف بملكية المورث ايضا وقد عرفت ان مورد الرواية اجنبي عن

[ 463 ]

مورد الاعتراف بملكية المورث بالكلية (ومنها) قاعدة الفراغ والتجاوز وقد وقع البحث في كونهما قاعدة واحدة تختص احداهما بالفراغ عن العمل والاخرى بالتجاوز عن محل الجزء أو انها قاعدة واحدة وعلى كل حال فهي إمارة أو أصل (لا يبعد) كونها امارة إلى ان الارادة المتعلقة بالشئ المركب حيث انها هي المحركة لكل واحد واحد من الاجزاء في محله ولو كان الجزء حين الاتيان به مغفولا عنه وغير ملتف إليه تفصيلا فإن الارادة التفصيلية المتعلقة باتيانه وان كانت مشروطة بالالتفات إليه تفصيلا ولا يكاد توجد مع الغفلة الا ان الارادة الاجمالية الكامنة في خزانة النفس تكون محركة له في ظرفه لا محالة الا ترى ان المريد للحركة إلى مكان يصدر منه اجزاء تلك الحركة في الخارج في محالها ولو كان المريد غافلا عن كل جزء حين الاتيان به ومشتغلا بالتفكر في امر آخر دنيوي أو اخروي فلا محالة يكون الشك في تحقق بعض اجزاء المركب بعد الفراغ عنه أو بعد تجاوز محله مع احراز تعلق الارادة باتيانه اجمالا حين الشروع في المركب ملازما للظن بوجوده نوعا وحيث ان الشارع قد اعتبر هذه القاعدة بمالها من الكشف النوعي كما يدل عليه قوله عليه السلام بعد السؤال عن الشك في صحة الوضوء بعد الفراغ (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وقوله (ع) بعد السؤال عن الشك في الركوع بعد الدخول في السجدة (بلى قد ركع) وغيرهما من الاخبار الدالة على اعتبارها امارة على الواقع فلا محالة تتقدم على الاستصحاب بالحكومة كما هو الحال في تقدم بقية الامارات عليه (نعم) لو كان دليل الاعتبار منحصرا بما دل على صحة العمل من دون تعرض له لاثبات المشكوك نظير قوله عليه السلام (كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو) لكان للقول بعدم الا مارية وكونها من الاصول مجال واسع لكنك عرفت عدم انحصار المدرك به بل في بقية الاخبار ما يكون دالا على اعتبارها من جهة الكاشفية فتكون إمارة لا محالة (هذا) مع انه لو قلنا بعدم الا مارية وكون القاعدة من الاصول المعتبرة في ظرف الشك لكانت مقدمة على الاستصحاب من جهتين (الاولى) من جهة ان القاعدة أخص موردا من الاستصحاب أو في حكم الاخص فتتقدم عليه من جهة الاظهرية فإنه ما من مورد تجري فيه القاعدة إلا وهناك استصحاب مخالف وان وجد غيره فهو نادر جدا فيلزم من تقديم الاستصحاب على القاعدة عدم بقاء مورد للقاعدة أو انحصارها بموارد نادرة وهذا بخلاف ما إذا قدمنا القاعدة عليه فيبقى موارد عدم جريان القاعدة تحته (الثانية) من جهة حكومة القاعدة على الاستصحاب وإن سلمنا عدم كونها أخص موردا من الاستصحاب

[ 464 ]

وذلك فإنه ربما يكون أحد الاصلين حاكما على الآخر وإن كانا في مرتبة واحدة كما يستفاد ذلك من بعض كلمات شيخنا العلامة الانصاري (قده) (وتحقيق الحال) في هذا المقام ان يقال كما انه لا ريب في تقدم بعض الامارات وحكومته على البعض مع اتحاد رتبتهما كتقدم الظهور في القرينة على الظهور في ذي القرينة مع كون كل منها امارة كاشفة عن المراد الواقعي فلا بأس في تقدم بعض الاصول على بعضها ايضا ولو مع اتحاد الرتبة لوحدة الملاك فإن تقدم الظهور في القرينة كظهور يرمى في رمي النبال على الظهور في ذي القرينة كظهور الاسد في الحيوان المفترس إنما هو لاجل أن لفظ يرمي بعد فرض كونه فضلة في الكلام جئ به لبيان المراد فهو بمدلوله اللفظي ناظر إلى بيان ان المراد من الاسد هو الرجل الشجاع وهذا بخلاف الظهور في لفظ الاسد فإنه غير ناظر بنفسه إلى بيان المراد من لفظ يرمي بل لازم ارادة الحيوان المفترس منه عقلا هو ارادة رمي التراب منه والامارة وان كانت مثبتة للوازم الا ان اثبات اللازم فرع اثبات ملزومه والقرينة مانعة عن اثباته وبذلك يكون الظهور في القرينة حاكما على الظهور في ذي القرينة وكذلك الحال في المقام فان دليل القاعدة الناظر إلى اثبات حكم مخالف للحالة السابقة بنفسه ينظر إلى سقوط الاستصحاب وعدم بقاء الحالة السابقة وهذا بخلاف الاستصحاب فانه لا ينظر إلى سقوط القاعدة الا بالملازمة فإن الحكم ببقاء الحالة السابقة في مورد القاعدة يلازم عقلا عدم جريان القاعدة والاستصحاب مع قطع النظر عن عدم إثباته للوازم في حد نفسه يكون محكوما للقاعدة فإن اثباته للوازم فرع اثباته لملزومه والقاعدة مانعة عنه باثبات خلافه ففي المرتبة التي تكون القاعدة مانعة عن جريان الاستصحاب لا يكون الاستصحاب مانعا عنها فلا محالة تكون هي حاكمة عليه وهذا هو الميزان الكلي في تقدم الامارات أو الاصول بعضها على بعض كلية فإذا كان أحد الدليلين بنفسه نافيا للدليل الآخر ولم يكن الآخر كذلك وإنما كان نفيه له بالملازمة فلا محالة يكون الاول مقدما عليه بالحكومة (وكيف كان) فلا ريب في تقدم القاعدة على الاستصحاب وإنما الاشكال (في جهات) فقهية ينبغي التعرض لها وتنقيحها (الاولى) هل الكبرى المجعولة في قاعدة الفراغ تغاير الكبرى المجعولة في قاعدة التجاوز بحيث كانتا قاعدتين مجعولتين في الشريعة تتعرض احداهما لحال العمل بعد الفراغ عنه والاخرى لحاله في الاثناء أو انهما قاعدة واحدة مجعولة بجعل واحد والاختلاف بعروض الشك في الاثناء مرة وفي خارج العمل أخرى إنما هو من اختلاف الصغريات (الظاهر) هو الاول وإن كان المتراءى من

[ 465 ]

كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) هو الثاني (ويدل على) ما ذكرناه من تعدد القاعدة وجوه (الاول) ان متعلق الشك في مورد قاعدة التجاوز هو وجود الجزء وعدمه بنحو مفاد كان التامة ومتعلقه في قاعدة الفراغ هو صحة العمل وعدمها بنحو مفاد كان الناقصة فمتعلق التعبد في كل منهما يغاير ما هو المتعلق في الآخر فكيف يمكن جعلهما بلسان واحد في انشاء واحد بل لابد في كل جعل منهما من انشاء مستقل غير ما يكون في الآخر (فإن قلت) نمنع كون المجعول في قاعدة الفراغ هو صحة العمل الموجود بنحو مفاد كان الناقصة بل يمكن كون المجعول فيها هو وجود العمل الصحيح كما هو الظاهر من كلام العلامة الانصاري (قده) إذ لا ريب في ان هم العقل هو الاتيان بما هو متعلق امر المولى وتحققه في الخارج واما احراز صحة الموجود فهو غير لازم في حكمه كما هو ظاهر فإذا كان المجعول فيها ايضا هو التعبد بوجود العمل الصحيح فيمكن جعلهما بلسان واحد من دون الاحتياج إلى جعلين وانشاءين (قلت) اولا ان ظاهر دليل قاعدة الفراغ هو الحكم بصحة الموجود بمقتضى قوله عليه السلام (كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو) فارجاع التعبد فيها إلى التعبد بوجود العمل الصحيح ربما يشبه الاكل من القفا (وثانيا) ان ذلك لو تم فإنما يتم في باب الاحكام التكليفية التي لا هم للعقل فيها إلا احراز وجود الصحيح خارجا ولو فرض الانفكاك محالا بينه وبين صحة الموجود خارجا الا انه لا يتم في باب المعاملات فإن الاثر يترتب فيها على صحة العقد الموجود ومجرد التعبد بوجود عقد صحيح من دون التعبد بصحة العقد الموجود لا يترتب عليه اثر خارجا (الثاني) ان المركب حيث انه مؤلف من الاجزاء بالاسر فلا محالة يكون ملاحظة كل جزء بنفسه سابقا في الرتبة على لحاظ المركب بما هو إذ في مرتبة لحاظ المركب يكون الجزء مندكا فيه في اللحاظ ويكون الملحوظ الاستقلالي هو المركب لا غير فلحاظ كل حرف بنفسه سابق على لحاظ الكلمة بما هي كما ان لحاظ الكلمة في نفسها سابق في الرتبة على لحاظ الآية وهو سابق على لحاظ السورة السابق على لحاظ الصلاة المركبة من السورة وغيرها فإذا كان لحاظ كل من الاجزاء سابقا على لحاظ المركب في الرتبة وكان لحاظه في ضمن المركب اندكاكيا فكيف يمكن ان يريد من لفظ الشئ الواقع في القاعدة الجزء والكل معا بحيث يكون الكل بنفسه ملحوظا حتى يتحقق به مورد قاعدة الفراغ ويكون الجزء بنفسه ملحوظا في عرضه حتى يتحقق به مورد قاعدة التجاوز (الثالث) انه يلزم التدافع بناء على اتحاد الكبرى فيما إذا شك بعد التجاوز عن محل المشكوك فإنه باعتبار

[ 466 ]

لحاظ الجزء بنفسه كما هو مورد قاعدة التجاوز يصدق انه تجاوز عن محله فلا يعتنى بالشك وباعتبار لحاظ المركب بما هو يصدق انه لم يتجاوزه فيجب عليه التدارك فيلزم التدافع من جهة الاعتبارين (فإن قلت) إذا كان كل من قاعدتي التجاوز والفراغ مغايرة للاخرى فيلزم التدافع ايضا إذ بمقتضى قاعدة التجاوز قد تجاوز عن محل الجزء المشكوك وبمقتضى قاعدة الفراغ لم يتجاوز عن المركب فلزوم التدافع من آثار جعل القاعدتين سواء كان بجعل واحد أو بجعلين (قلت) إذا كان جعل قاعدة التجاوز مغايرا لجعل قاعدة الفراغ فلا محالة تكون قاعدة التجاوز حاكمة على قاعدة الفراغ فإن الشك في صحة العمل وفساده في مفروض الكلام مسبب عن الشك في وجود الجزء المشكوك وعدمه فإذا حكم بمقتضى قاعدة التجاوز بوجود الجزء فلا يبقى شك في صحة العمل وفساده فالتدافع بوحدة الجعل ليس إلا (فإن قلت) لا فرق في حكومة احد الاصلين على الآخر بين ما إذا كانا مجعولين كحكومة الاستصحاب على البراءة وبين ما إذا كانا مجعولين بجعل واحد كما في حكومة احد الاستصحابين على الآخر فإذا كان شمول القاعدة لمورد التجاوز عن الجزء موجبا لعدم التدافع من جهة حكومته على قاعدة الفراغ فلا يفرق بين الجعل الواحد والجعلين (قلت) حكومة احد الاصلين المجعولين بجعل واحد على الآخر تتوقف على كون المورد في حد ذاته قابلا لجريان كل منهما وكون فعلية الجريان في احدهما مانعا على الجريان في الآخر لارتفاع موضوعه به كما في موارد الاصل السببي والمسببي ولو كانا من سنخ واحد ومحل الكلام ليس من هذا القبيل إذ جريان قاعدة الفراغ فرع الفراغ عن العمل وهو غير متحقق في مفروض المثال فقبل الفراغ لا موضوع لجريان القاعدة حتى يتكلم في حكومة قاعدة التجاوز عليها بل المتحقق فيه هو عكس القاعدة ولا ريب انه مع اتحاد الكبرى المجعولة ولحاظ الجزء امرا مستقلا عند لحاظ المركب بما هو يندرج مفروض المثال في القاعدة وعكسها باعتبارين واين هذا من حكومة احد الاصلين على الآخر (وبالجملة) حكومة بعض افراد الاصل على البعض الآخر وإن كانت مما لا ينكر إلا انه ليس في المقام فردان من الاصل بل اعتباران في مورد واحد يكون المورد داخلا في نفس القاعدة باعتبار وفي عكسه بالاعتبار الآخر ولا معنى لدعوى حكومة احد الاعتبارين على الآخر وهذا بخلاف ما إذا كان هناك قاعدتان مجعولتان على نحو الاستقلال فإن الشك في مفروض المثال داخل في كل من القاعدتين في حد ذاته لكن شمول قاعدة التجاوز له يمنع عن شمول القاعدة الاخرى له باعتبار عكسه بالحكومة

[ 467 ]

فدعوى الحكومة تنحصر بصورة تعدد القاعدتين ليس إلا (الرابع) ان الميزان في جريان قاعدة التجاوز هو التجاوز عن محل الجزء المشكوك كما إذا دخل في التشهد وشك في وجود الجزء السابق عليه كالسجدة والميزان في جريان قاعدة الفراغ هو التجاوز عن نفس المركب فكيف يمكن إرادة التجاوز عن المحل والتجاوز عن نفس الشئ من لفظ التجاوز الوارد في الرواية معا (ولكن التحقيق) ان روايات الباب آبية عن حملها على جعل قاعدتين مستقلتين فإن الرجوع إليها يشرف الفقيه على القطع بكون المجعول فيها امرا واحدا ينطبق على موارد الشك في الاجزاء والشك بعد العمل فإن اتحاد التعبير في موارد الاخبار الواردة في موارد التجاوز عن الاجزاء والفراغ عن العمل يكاد يوجب القطع بوحدة القاعدة المجعولة فالمقصود هو ضرب قاعدة كلية وهو عدم الاعتناء بالشك في تحقق المشكوك بعد تجاوز محله من دون فرق بين كون المشكوك وجود الجزء بعد تجاوز محله أو الكل بعد الفراغ عنه فلا بد من الالتزام بالاتحاد وعدم التغاير بين القاعدتين من حيث المجعول الشرعي (وأما) الاشكالات المتقدمة اللازمة للقول بالاتحاد فعمدتها هو الاشكال الثاني والثالث إذ الاول منها يندفع بان المشكوك بعد التجاوز عنه الذي هو الموضوع للقاعدة اعم من ان يكون وجود الشئ كما في موارد قاعدة التجاوز أو صحته كما في موارد قاعدة الفراغ والجامع بينهما هو عدم الاعتناء بالمشكوك بعد التجاوز عنه فالاختلاف في الصغريات لا في نفس الكبرى المجعولة (وإن شئت قلت) كما ان المشكوك في قاعدة التجاوز هو الموجود بنحو مفاد كان التامة فكذلك المشكوك في قاعدة الفراغ فإن الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ مسبب عن الشك في تحقق ما اعتبر فيه شرطا أو جزء لا محالة فما هو المشكوك بالآخرة هو الوجود بنحو مفاد كان التامة من دون فرق بين موارد الشك في اثناء العمل وبين موارده بعد الفراغ عنه (وكيف كان) لا موقع لهذا الاشكال بعد ظهور الروايات في الاتحاد (وأما) الاشكال الرابع (فيندفع) بأن المراد من التجاوز الوارد فيها هو التجاوز عن نفس الشئ مطلقا غاية الامر ان التجاوز عن محل المشكوك بعد تعين وقوعه فيه يوجب صدق التجاوز عن المشكوك فمحقق التجاوز عن الشئ امران (احدهما) التجاوز عنه بالفراغ عنه (الثاني) التجاوز عنه بتجاوز محله المتعين وقوعه فيه كما في موارد قاعدة التجاوز (وأما) الاشكال الثاني والثالث (فالذي) يسهل الخطب فيهما هو ان الشك في الاجزاء لو كان ملحوظا في جعل القاعدة مثل ما لوحظ نفس العمل فيه لكان لهما مجال واسع (لكن) الامر ليس

[ 468 ]

كذلك بل المجعول ابتداء هو عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز عن العمل فلو كنا نحن وهذه الاطلاقات لقلنا باختصاصهما بموارد الشك بعد الفراغ ولم نقل بجريانها في شئ من موارد الشك في موارد قاعدة التجاوز لكن الادلة الخاصة دلت على اعتبارها في موارد الشك في الاجزاء ايضا فهي دالة بالحكومة على لحاظ الجزء سابقا على لحاظ التركيب امرا مستقلا بنفسه فإن قوله (ع) في رواية زرارة بعد حكمه عليه السلام بالمضي عند الشك في الاذان مع الدخول في الاقامة وعند الشك فيهما مع الدخول في التكبير وعند الشك في القراءة مع الدخول في الركوع وعند الشك في الركوع مع الدخول في السجود (يا زرارة إذا خرجت عن شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) اقوى شاهد على أن المراد هو اعطاء ضابطة كلية (غاية الامر) أن الاجزاء الغير الملحوظة بانفسها اشياء مستقلة قد اعتبرت في خصوص باب الصلاة ملحوظة بما هي امور مستقلة فيصدق على الشك في بعضها بعد الدخول في الآخرة انه شك بعد الدخول في غيره (والحاصل) ان المراد من لفظ الشئ الوارد في الروايات ليس هو العمل واجزاؤه حتى يرد ما ذكر بل المراد منه هو خصوص العمل المشكوك فيه بعد التجاوز عنه فيستفاد منها قاعدة كلية تجري في ابواب العبادات والمعاملات وغيرها ولا تشمل شيئا من موارد الشك بعد تجاوز محل الجزء المشكوك فيه لكن الروايات الخاصة حكمت على تلك الادلة بإدخال اجزاء الصلاة في موضوعها بعد ما لم تكن كذلك فلا يلزم الجمع بين اللحاظين ولا التدافع في الشمول بعد حكومة الادلة الخاصة عليها (ومما ذكرنا) من اختصاص القاعدة باجزاء الصلاة من جهة الادلة الخاصة التي لم ترد إلا فيها يظهر ما في كلام العلامة الانصاري (قده) من الحكم بخروج الطهارات الثلاث من تحت القاعدة للاخبار أو للاجماع فإنها لم تكن داخلة تحتها حتى يحكم بخروجها بالتخصيص بل الداخل هي اجزاء الصلاة من جهة الادلة الخاصة ليس إلا (فإن قلت) سلمنا ان دخول اجزاء الصلاة في عموم قوله (ع) (إنما الشك إذا كنت في شئ ولم تجزه) إنما هو بالحكومة (لكنه) مع ذلك لا يمكن شمول العموم المذكور لها في مقام الاثبات إذ لحاظ الاجزاء في مرتبة سابقة على التركيب كما هو مقتضى الادلة الخاصة الواردة في باب الصلاة إنما يخرج شمول القاعدة لها عن حد الاستحالة إلى الامكان ولكن ملاحظة الاجزاء مستقلة في عرض ملاحظة المركب من لفظ الشئ الوارد في الرواية يترتب عليها محذور الجمع بين اللحاظين لا محالة فلا يفرق في عدم امكان فعلية الشمول لكلا الموردين بجعل واحد بين ما إذا كان دخول الاجزاء غير محتاج

[ 469 ]

إلى ورود أدلة خاصة وبين ما إذا كان محتاجا إليه (قلت) لو كان جعل الحكم في القاعدة من قبيل الجعل الثابت في موارد القضايا الخارجية التي يثبت الحكم فيها ابتداء نفس الافراد الخارجية لكان للاشكال المزبور مجال واسع فإنه كيف يعقل ارادة الجزء مستقلا من لفظ الشئ مع إرادة المركب منه المستلزمة للحاظ الجزء مندكا فيه في عرض واحد لكنا قد ذكرنا مرارا ان القضايا المتكفلة لجعل الاحكام في الشريعة كلها من قبيل القضايا الحقيقية الغير الناظرة إلى الافراد اصلا وانما المجعول فيها هو ثبوت الحكم للموضوع المفروض وجوده بنحو الكبرى الكلية من دون نظر إلى الانطباق إلى فرد من الافراد الخارجية اصلا فقوله (ع) (انما الشك إذا كنت في شئ ولم تجزه) يثبت حكما كليا على عنوان الشئ من دون نظر إلى افراده حتى يكون لازم لحاظ اندراج الجزء فيه في عرض اندراج المركب فيه مستلزما للجمع بين اللحاظين فالانطباق على الافراد خارج عن جعل الحكم في القضية بالكلية (وعليه) فالاشكال المذكور مندفع عن اصله إذ حكومة الادلة الخاصة انما تقع في مرتبة الانطباق وجعل ما ليس بفرد للعام في حد نفسه فردا له بالتعبد والتنزيل فيكون لقاعدة الفراغ فرد تكويني خارجي وهو الشك في صحة العمل بعد الفراغ عنه حقيقة وفرد جعلي تنزيلي وهو الشك في وجود الجزء بعد التجاوز عن محله (وبالجملة) اشكال الجمع بين اللحاظين انما يتوجه إذا كان الجزء المركب ملحوظين في عرض واحد عند جعل القاعدة وهذا انما يكون مع كون القضية خارجية واما إذا كانت حقيقة فالافراد الخارجية لا تكون ملحوظة في جعل الحكم اصلا فاين الجمع بين اللحاظين (ومما ذكرنا) يظهر اندفاع اشكال التدافع ايضا فانه إذا كان انطباق الكبرى المجعولة على مواردها اجنبيا عن جعل الحكم في الكبرى وكانت الادلة الخاصة الواردة في باب الصلاة ناظرة إلى مرحلة الانطباق وتنزيل الاجزاء منزلة العمل المركب فلا محالة يكون الحال كما إذا كانت هناك قاعدتان مجعولتان في ان شمول القاعدة من جهة صدق التجاوز عن الجزء يكون موجبا لعدم شمول العكس من جهة كون الشك في اثناء العمل فانه بعد حكم الشارع في مقام الانطباق بأن هذا الشك شك في العمل بعد التجاوز كيف يمكن انطباق عكس القاعدة عليه المأخوذ في موضوعه عدم كون الشك بعد التجاوز فلا فرق في الحكومة بين كون القاعدتين قاعدة واحدة وبين كونهما قاعدتين بعد كون الحكومة في مقام الانطباق (الثانية) قد ظهر مما ذكرناه ان محقق التجاوز في مورد قاعدة التجاوز انما هو التجاوز عن محل

[ 470 ]

الشئ وفي مورد قاعدة الفراغ هو التجاوز عن نفس الشئ وبذلك يشكل على اتحاد القاعدتين من حيث الكبرى المجعولة وقد اجبنا عنه آنفا بان المراد من التجاوز هو التجاوز عن نفس الشئ مطلقا (غاية الامر) ان التجاوز عن محل الجزء يوجب صدق التجاوز عن نفس الجزء ومحصل ما ذكرناه يرجع إلى ان التجاوز عن محل الجزء يوجب صحة اسناد التجاوز إلى نفس الجزء من باب المسامحة واسناد الشئ إلى غير ما هو له فلا محالة يكون المراد من لفظ التجاوز الوارد في القاعدة هو التجاوز عن نفس الشئ اعم من ان يكون الاسناد حقيقيا أو مجازيا ولولا ورود الادلة الخاصة على الحاق التجاوز عن المحل بالتجاوز عن نفس الشئ لم يكن لنا دليل على ارادة العموم ولكنها بعد ما وردت تكون كاشفة عن ارادة الاعم لا محالة (ومنه) يظهر ان تعميم المحل للمحل العادي في قاعدة التجاوز لا وجه له فان الدليل الوارد فيها الموجب لارادة التعميم من جهة الاسناد المجازي مختص بالتجاوز عن المحل الشرعي فالحاق التجاوز عن المحل العادي به يحتاج إلى ورود دليل خاص مفقود في المقام (ولكن التحقيق) ان تصوير الجامع بين القاعدتين غير محتاج إليه أصلا بل غير ممكن لما ذكرناه من ان جعل القاعدة الكلية إنما هو من باب جعل الحكم في القضايا الحقيقية التي لا نظر فيها إلى خصوصية الافراد الخارجية فلو لم يكن هناك دليل التنزيل كانت القاعدة مختصة بموارد قاعدة الفراغ إلا ان ورود الادلة الخاصة وتطبيق القاعدة على موارد الشك في الاجزاء أيضا أوجب جريان القاعدة فيها بالحكومة فالحكومة إنما هي في مقام التطبيق وتحقق الصغرى ومعه كيف يمكن تصوير الجامع في مقام الجعل (وبعبارة واضحة) تصوير الجامع إنما يمكن فيما إذا كان دخول احد الفردين في الكبرى المجعولة في عرض دخول الفرد الآخر ولكنه خلاف المفروض فإن دخول موارد قاعدة التجاوز في طول دخول موارد قاعدة الفراغ وبالحكومة فلا معنى لتصوير الجامع حينئذ بل هو خلف فرض الطولية (وكيف كان) فلا ريب في اعتبار الدخول في الغير في قاعدة التجاوز فان مقتضى الدليل الحاكم هو اعتبار التجاوز عن المحل فيها ومن المعلوم انه لا يتحقق إلا مع الدخول في الغير المترتب عليه كما هو مورد النصوص (وهل) يعتبر الدخول في الغير في قاعدة الفراغ أيضا أم لا (وجهان) الحق هو الاول لا لما قيل من ان لازم الاعتبار في مورد قاعدة التجاوز هو الاعتبار في مورد قاعدة الفراغ ايضا بناء على اتحاد القاعدتين في الكبرى المجعولة فإنه إذا اعتبر ذلك في احد الفردين كشف ذلك عن الاعتبار في نفس الكبرى المنطبقة عليه (ولكنه) قد

[ 471 ]

عرفت آنفا ان وحدة الكبرى لا تستلزم دخول موارد قاعدة التجاوز فيها في عرض موارد قاعدة الفراغ بل ذلك مستحيل ودخول موارد قاعدة التجاوز فيها من جهة وجود الدليل الحاكم وعليه فلا ملازمة بين اعتباره في دليل الحاكم وبين الاعتبار في نفس الكبرى المجعولة إذ من الجائز أن يكون الشك في الجزء منزلا منزلة الشك في المركب في حالة خاصة وهي حالة الدخول في الغير لا مطلقا فالاعتبار في المنزل غير ملازم للاعتبار في المنزل عليه بل لان في الادلة الدالة على حجية القاعدة ما أخذ فيه ذلك كقوله (ع) في رواية زرارة (إذا شككت في شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) وفيها ما لم يعتبر فيه إلا التجاوز والمضي كقوله (ع) في موثقة ابن بكير (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وقوله (ع) في موثقة ابن ابي يعفور (إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) فيدور الامر بين حمل المطلق على الفرد الغالب لكون الغالب في موارد الشك هو الدخول في الغير وبين كون القيد في الروايات المقيدة لوروده مورد الغالب فلا يكون ظاهرا في وروده مورد الاحتراز ولا ريب في ان الاول هو المتعين لا من جهة اقتضاء الدليل المأخوذ فيه القيد للمفهوم أو لحمل المطلق عليه بل من جهة انصراف المطلق في حد ذاته إلى الفرد الغالب فإن غلبة الوجود وإن لم توجب الانصراف كما حققناه في محله إلا انها فيما إذا كانت الغلبة لامر خارجي وأما إذا كانت من جهة قصور الماهية ونقصها في الفرد النادر وكانت المهية تشكيكة بحيث كان شمول الطبيعة له خفيا في نظر العرف فلا محالة يوجب ذلك انصراف المطلق إليه ولا اقل من كونه القدر المتيقن في مقام التخاطب ومحل الكلام من هذا القبيل فإن صدق التجاوز عن الشئ مع الدخول في الغير اظهر من صدقه مع عدم الدخول فالمطلق في حد ذاته قاصر عن الشمول مع عدم الدخول في الغير ولو لم يكن هناك دليل المقيد ايضا (الثالثة) ان الغير المعتبر دخول الشاك فيه في مورد قاعدة الفراغ لا يعتبر فيه شئ إلا كونه مباينا للعمل المشكوك فيه لاطلاق ادلته واما في مورد قاعدة التجاوز فلا بد فيه من كونه مرتبا شرعيا على المشكوك لاختصاص ادلته بذلك وعليه فان شك في الجزء الاخير من العمل كالتسلمية فاما ان يكون الشك مع عدم الدخول في الغير أو معه وعلى الاول لا ريب في وجوب التسليمة لكون الشك حينئذ في المحل وعلى الثاني فاما ان يكون الدخول في التعقيب المترتب على الصلاة شرعا أو في أمر مباح أو مستحب غير مرتب عليه ولا مناف للصلاة أو في أمر مناف من منافياتها سواء كانت من المنافيات المطلقة أو المنافيات العمدية ويدخل في هذا

[ 472 ]

القسم الشك الحادث بعد السكوت الطويل الماحي لصورة الصلاة فإنه من المنافيات أيضا اما الدخول في التعقيب فلا ينبغي الريب في جريان قاعدة التجاوز معه إذ بعد الحاق الامام عليه السلام الاذان والاقامة بأجزاء الصلاة في جريان القاعدة فيهما فربما يحصل القطع للفقيه بعدم اختصاص الحكم بهما بل يجري في كل ما كان ملحقا بالصلاة سواء كان من المقدمات أو من التوابع كالتعقيب فالتعقيب من جهة كونه مرتبا شرعا على الصلاة يصدق مع الدخول فيه انه تجاوز عن محل التسليم واما الدخول في غيره من الامور الغير المنافية فلا ريب في عدم صدق قاعدة التجاوز معه لعدم كونه من الامور المرتبة على التسليم وقد عرفت اختصاص القاعدة بموارد الشك مع الدخول في الغير المرتب (وأما) الدخول في المنافي بقسميه (فربما يقال) بجريان القاعدة معه نظرا إلى ترتب المنافي على التسليمة شرعا من جهة كونها محللة لما كانت التكبيرة محرمة له فمن جهة ترتب المحلل بالفتح على المحلل بالكسر يصدق التجاوز عنه مع الدخول فيه (وهذا الوجه) هو الذي بنينا عليه في الدورة السابقة ولكن الحق فساده فان القدر المتيقن من ادلة قاعدة التجاوز هو الدخول في الغير المرتب الذي هو من اجزاء المركب أو من ملحقاته وأما الدخول في مطلق الغير المرتب فلا نظن بشمول الغير المأخوذ في دليل الحاكم فضلا عن القطع به (وبالجملة) ان قاعدة التجاوز بعد ما ظهر كونها ثابتة بدليل الحاكم الوارد في موارد خاصة فلا بد من الاقتصار بتلك الموارد والتعميم عنها إلى غيرها يحتاج إلى دليل مفقود في المقام لكن الذي يسهل الخطب هو عدم الاحتياج في تلك الموارد بقاعدة التجاوز فإنه يكفي فيها جريان قاعدة الفراغ الموجبة للحكم بصحة العمل (بيان ذلك) ان المعتبر في قاعدة الفراغ على ما عرفت في الجهة الثانية أمران (احدهما) التجاوز عن الشئ والفراغ عنه (وثانيهما) الدخول في الغير المباين معه وكلا الامرين متحققان في تلك الموارد أما تحقق الدخول في الغير فظاهر حتى في صورة الدخول في الامر المستحب والمباح الغير المنافي للصلاة فضلا عن صورة الدخول في المنافي وأما تحقق التجاوز عن الشئ فالظاهر انه يكفي فيه تحقق معظم الاجزاء وليس لاحراز الجزء الاخير مدخلية فيه أصلا وحيث أن المفروض في المقام تحقق معظم الاجزاء ولو مع الشك في الجزء الاخير فيكون مقتضى قاعدة الفراغ هو عدم الاعتناء بالشك المذكور (ومن هذا البيان) يظهر انه لا فرق في جريان قاعدة الفراغ بين ما إذا كان الشك في الجزء الاخير موجبا للشك في بطلان العمل كالشك في الجزء الاخير من

[ 473 ]

الوضوء مع فوات الموالاة وبين ما لم يوجب ذلك كالشك في غسل الجانب الايسر من الغسل مع جريان العادة بغسل جميع الاجزاء مرة واحدة فإن جريان العادة بغسل الجميع في زمان واحد يوجب صدق التجاوز عن العمل عند الشك في الجزء الاخير مع القطع بتحقق معظم الاجزاء فيكون مورد الجريان القاعدة (لا اقول) ان القاعدة تجري في موارد التجاوز عن المحل العادي فإنه (مضافا) إلى عدم الدليل عليه إذ الادلة الدالة على اعتبارها دلت على اعتبار تحقق التجاوز عن نفس الشئ لا عن محله ولو كان شرعيا فضلا عما إذا كان عاديا (يلزم) من اجراء القاعدة في موارد التجاوز عن المحل العادي تأسيس فقه جديد كما هو ظاهر (بل أقول) ان التجاوز من المحل العادي مع تحقق معظم الاجزاء يوجب صدق التجاوز عن نفس الشئ إذ لا فرق في صدق مفهوم التجاوز في نظر العرف بين تعلق الشك بالجزء الاخير أو بغيره من اجزاء العمل المركب بعد الفراغ عنه والدخول في غيره فمن اغتسل في أول النهار وكان من عادته غسل تمام الاعضاء في مجلس واحد واتفق انه شك في غسل الجانب الايسر عند الغروب يصدق عليه انه شك في العمل بعد التجاوز عنه (هذا كله) فيما إذا كان الشك في التسليمة الذي هو الجزء الاخير للصلاة (وأما الشك) في غيرها من الاجزاء (فقد وقع) الخلاف فيما يعتبر الدخول فيه فبعضهم عممه إلى المقدمات واجزاء الاجزاء ايضا فبنى على جريان القاعدة عند الشك في السجود مع الدخول في النهوض الذي هو من مقدمات القيام وعند الشك في الآية مع الدخول في آية اخرى بل يظهر من بعضهم التعميم بالنسبة إلى الكلمات واعتبر بعضهم الدخول في الاجزاء دون المقدمات ولكن عمم الاجزاء إلى اجزاء الاجزاء ايضا واختار جملة من المحققين منهم الشهيد الثاني (قده) اعتبار الدخول في الاجزاء المستقلة المعنونة فمنعوا عن جريانها عند الدخول في اجزاء الاجزاء فضلا عن المقدمات وهو الاقوى اما عدم كفاية الدخول في المقدمات فإن قوله (ع) في رواية اسماعيل (فإن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) قد اسقط كفاية الدخول في المقدمات من الهوي والنهوض فإنه لو كان الدخول فيها كافيا في جريان القاعدة لما كان وجه لاعتبار الدخول فيما بعدهما من السجود والقيام فتحديد جريان القاعدة بما إذا تحقق الدخول في السجود أو القيام مع كونهما متأخرين عن الهوي والنهوض زمانا يدل على عدم الاعتبار بالدخول في المقدمات (وتوهم) شمول ذيل الرواية للدخول في كل غير

[ 474 ]

يكون مباينا مع المشكوك غاية الامر يلتزم بتخصيصه بغير موارد الشك في الركوع والسجود (فاسد) فإن ذيل الرواية الوارد في مقام بيان الكبرى الكلية قد ورد في مقام التطبيق على ما بينه الامام عليه السلام من المضي عند الشك في الركوع بعد ما سجد وعند الشك في السجود بعد ما قام فكيف يمكن الالتزام بالتخصيص وخروج المورد (وبعبارة واضحة) لو كان المراد من الغير الذي يعتبر الدخول فيه هو مطلق الغير الشامل للمقدمات فلابد من الاكتفاء بالدخول في الهوي والنهوض عند الشك في الركوع والسجود الذي هو مورد الرواية إذ لا يمكن اخراج المورد عن القاعدة الواردة فيه وحيث لا يكتفى فيهما به بل لابد من الدخول في القيام والسجود فلا محالة يكشف ذلك عن ان المراد من الغير هو خصوص الاجزاء دون مطلق الغير الشامل للمقدمات (فإن قلت) ان الرواية المذكورة معارضة برواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله الدالة على كفاية الدخول في الهوي حيث قال قلت لابي عبد الله عليه السلام (رجل اهوى إلى السجود فلم يدر أركع ام لم يركع قال (ع) قد ركع) ومع معارضتها بها لا يبقى لها حجية بالنسبة إلى الغاء الدخول في المقدمات فيرجع إلى اطلاق قوله (ع) في رواية زرارة (إذا شككت في شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) قلت ان رواية عبد الرحمن ليست ظاهرة في كفاية مطلق الدخول في الهوي الا بالاطلاق فهي قابلة للحمل على الهوي المنتهي إلى السجود بمقتضى رواية اسماعيل الدالة على اعتبار الدخول في السجود فلا معارضة بينهما (هذا) إذا قلنا ان السجود والركوع الواجبين في الصلاة من الهيئات وأما إذا قلنا بانهما من الافعال كما هو المختار عندنا فلابد من اعتبار آخر مرتبة الهوي المتصل بالهيئة الساجدية في حقيقة السجود كما انه لابد من اعتبار آخر المرتبة المتصلة بالهيئة الراكعية أو تمام الهوي المتصل بالقيام بعد الركوع في حقيقة الركوع ايضا وعليه يكون الدخول في بعض مراتب الهوي محققا للدخول في السجود حقيقة المعتبر في رواية اسماعيل فيحمل رواية عبد الرحمن المكتفية بالدخول في الهوي على هذه المرتبة من دون لزوم الدخول في الهيئة الساجدية ويترتب على ذلك انه لو شك في القراءة بعد الهوي وقبل الوصول إلى الهيئة الراكعية فلا يعتني بالشك لانه بذلك يتحقق الدخول في الركوع الواجب حقيقة (نعم) لو كان الركوع الواجب هيئة وكان الهوي من مقدماته لوجب العود لتداركها لعدم تحقق الدخول في الغير الواجب والمسألة محررة في الفقه وأما عدم كفاية الدخول في جزء الجزء في جريان القاعدة عند الشك في جزئه الآخر كما إذا شك في الآية الاولى من الحمد وهو داخل في الآية الثانية فلما عرفت

[ 475 ]

من ان مقتضى القاعدة الاولية هو اختصاص الكبرى المجعولة بموارد الشك بعد الفراغ وانها لا تشمل شيئا من موارد الشك في الاثناء إلا انه خرجنا عن ذلك بمقتضى الادلة الواردة في خصوص موارد الشك في الاثناء فصارت حاكمة على الادلة الاولية بتنزيل الخروج عن محل الجزء الواجب منزلة الخروج عن أصل الواجب فإن كان في الادلة الحاكمة ما يدل على كفاية الدخول في جزء الجزء ايضا فهو والا فمقتضى القاعدة عدمها وليس في تلك الادلة ما يوهم كفاية ذلك إلا ذيل روايتي زرارة واسماعيل المتقدمتين المتوهم شمولهما للشك في بعض السورة مع الدخول في بعضها الآخر ولكنه غير خفي انه لا عموم فيهما بعد سبق الامثلة المذكورة فيهما بالقياس إلى ما لا يكون من قبيل تلك الامثلة فإن الظاهر انه عليه السلام بصدد بيان الكبرى الكلية المنطبقة على ما ذكر فيهما من الامثلة وعلى غيرها مما يكون نظيرها في ان الشك يكون متعلقا بجزء مستقل بعد الدخول في جزء آخر مثله فالقدر المتيقن من الروايتين هو جريان القاعدة عند الشك في تحقق جزء بعد الدخول في غيره من الاجزاء المبوبة كالركوع والسجود والقراءة ونحوها ولم يقم في غير ذلك دليل يحكم على الادلة الاولية ويدل على الجريان عند الدخول في جزء الجزء ايضا (ويؤيد) ذلك انه لو بني على العموم وكفاية مطلق الدخول في الغير لاكتفي بالدخول في بعض اجزاء الكلمة مع الشك في بعضها المتقدم والظاهر انه مما لم يلتزم احد بجريان القاعدة فيه فيستكشف منه انه لا عموم في القاعدة إلا بالقياس إلى الامثلة المذكورة في الروايتين وما يكون من قبيلها فلا يكون لمطلق الدخول في الغير اثر في الجريان (ثم أن) مقتضى ما ذكرناه جريان القاعدة فيما إذا شك في القراءة وهو مشتغل بالسورة فإن القراءة والسورة جزآن مستقلان في الاعتبار لكن الظاهر من رواية زرارة المتقدمة هو اعتبار الدخول في الركوع في عدم الاعتناء بالشك في القراءة إلا ان يقال بأن مفروض السؤال في الرواية هو الشك في مجموع القراءة المركب من الحمد والسورة ولا ريب ان المعتبر حينئذ في عدم الاعتناء هو الدخول في الركوع وفرض الشك في خصوص الحمد خارج عن مفروض السؤال فيبقى داخلا في عموم قوله (ع) (إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) وهذا هو الاقوى (ثم انه) قد يقال بعدم شمول القاعدة للشك في السجدة حال التشهد نظرا إلى اعتبار الدخول في القيام في عدم الاعتناء بالشك في السجود في رواية اسماعيل (ولكنه لا يخفى) بعد التخصيص في عموم القاعدة المذكورة مع كون التشهد من الاجزاء المستقلة المبوبة فالظاهر انه عليه السلام فرض الشك في السجدة في الركعة الاولى

[ 476 ]

ولا ريب ان المعتبر فيه هو الدخول في القيام المتأخر عنه وأما الشك في السجدة في الركعة الثانية فهو خارج عن مورد المثال فيبقى تحت القاعدة من عدم الاعتناء بالشك فيها بعد الدخول في التشهد الذي هو الجزء الآخر من الصلاة المترتب عليها (ومنه يظهر) الحال في عدم الاعتناء بالشك في القراءة عند الدخول في القنوت المترتب عليها وإن كان من الاجزاء المستحبة فان الظاهر من رواية زرارة التي اعتبر الدخول في الركوع في عدم الاعتناء بالشك في القراءة هو فرض الشك في الركعة الاولى فلا يبقى لها دلالة على الغاء الدخول في القنوت في الركعة الثانية فيبقى تحت العموم المذكور (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان الشك في بعض أجزاء الصلاة بعد الفراغ عنها يكون موردا لقاعدة التجاوز مطلقا في غير ما إذا كان الشك في الجزء الاخير منها وإذا كان الشك في الجزء الاخير فيجري القاعدة بعد الدخول في التعقيب المرتب عليه شرعا لا في غيره من الافعال الغير المرتبة عليه (نعم) يجري في تلك الموارد قاعدة الفراغ كما عرفت واما الشك في الاثناء فيعتبر في عدم الاعتناء به الدخول في الجزء الآخر المستقل المرتب عليه (الرابعة) لا إشكال في جريان قاعدة الفراغ عند الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ عنه من جهة احتمال فقدانه لما أخذ فيه بنحو الشرطية وأما إذا كان الشك في صحة العمل وفساده من تلك الجهة في اثناء العمل كما إذا شك في أثناء الصلاة في انه تطهر قبل الصلاة أم لم يتطهر ففي جريان قاعدة التجاوز حينئذ وعدمه وجهان بل قولان (وتفصيل الكلام) في هذا المقام ان يقال ان الشرط المشكوك تحققه في اثناء الصلاة اما ان يكون شرطا للصلاة واما ان يكون شرطا لنفس الجزء والاول (تارة) يكون من قبيل الافعال (واخرى) من قبيل الكيفيات أما ما كان شرطا للصلاة وكان من قبيل الكيفيات والهيئات كالتوجه إلى القبلة وكون المصلي متسترا فلا ريب في عدم جريان قاعدة التجاوز بالقياس إليه (ضرورة) ان معنى اعتبار شئ شرطا للصلاة مع عدم كونه من قبيل الافعال هو اشتراط مجموع العمل به مع عدم جعل محل له شرعا غاية الامر انه لابد من احرازه قبل العمل عقلا حتى يكون مجموع العمل مقترنا بالشرط فالشك فيه في الاثناء يكون شكا قبل تجاوز المحل (وبعبارة واضحة) لا يجري في مثل الفرض قاعدة التجاوز لا بالاضافة إلى نفس الشرط ولا بالاضافة إلى المشروط به (اما الثاني) فلعدم تجاوز محله الذي هو مجموع الصلاة (وأما الاول) فلعدم جعل محل له شرعا مع ما عرفت من اشتراط جريان القاعدة بالتجاوز عن المحل الشرعي وأما ما كان شرطا للصلاة وكان من

[ 477 ]

قبيل الافعال كالوضوء بالقياس إلى الصلاة الذي محله الشرعي قبل العمل بمقتضى قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوههم وأيديكم إلى المرافق) فلا ريب في عدم جريان القاعدة فيه بالاضافة إلى المشروط لما عرفت وأما جريانه بالاضافة إلى الشرط ففيه خلاف ينشأ من ان الشرط للصلاة هو الحالة الحاصلة من الوضوء مثلا المعبر عنه بالطهارة حتى كون من قبيل الكيفيات المعتبرة في مجموع العمل وليس لها محل معين شرعا والامر به قبل الصلاة من جهة التوقف العقلي بعد اعتبار تلك الحالة شرطا لها أو ان الشرط حقيقة هو نفس الفعل المأمور به قبل العمل (فعلى الاول) لا تجري القاعدة لعدم محل شرعي لها حتى يكون الشك في الاثناء بعد التجاوز عن المحل الشرعي (وعلى الثاني) تجري لا محالة ويثبت بذلك تحقق الشرط في ظرفه وهو قبل العمل وحيث ان الظاهر من الآية المباركة هو شرطية نفس الوضوء دون الحالة الحاصلة منه فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز بالقياس إليه (ويظهر من ذلك) جريان القاعدة فيما إذا شك في وجود صلاة الظهر في اثناء صلاة العصر فانه لا ريب في ان الشرط في صحة صلاة العصر ليس إلا نفس صلاة الظهر وحيث ان محلها المقرر له الشرعي هو قبل صلاة العصر فيكون الشك فيه في اثناء صلاة العصر شكا بعد التجاوز (وهل) يترتب على الجريان خصوص صحة العمل الواقع فيه الشك فيجب الوضوء في المثال الاول بعد الفراغ لكل ما يشترط بالطهارة ويجب الاتيان بصلاة الظهر بعد الفراغ من العصر في المثال الثاني أو يترتب عليه جميع ما يترتب على وجود الشرط واقعا فلا يجب الوضوء بعد الفراغ لصلاة أخرى ولا يجب الاتيان بصلاة الظهر بعد الفراغ عن العصر (وجهان) الاقوى هو الثاني لما عرفت من امارية القاعدة وكونها محرزة للواقع لما ذكرنا من ان الارادة المتعلقة بايجاد المركب تقتضي تعلق ارادات جزئية بكل واحد واحد مما اعتبر فيه في ظرفه فعدم الاتيان بجزء أو شرط في محله يكون على خلاف مقتضى الطبيعة من تعلق الارادة بإيجاده بجميع ما اعتبر فيه وقد ذكرنا ان الظاهر من أدلتها هو اعتبارها بما لها من الكاشفية فتكون امارة وعلى تقدير التنزل فلا اقل من كونها من الاصول المحرزة فيترتب على جريانها من جهة الشك في وجود الشرط جميع ما له من الاثر الشرعي (وتوهم) ان القاعدة من الاصول الغير المحرزة فلا يترتب عليها إلا صحة العمل الواقع فيه الشك (لا مجال له) بعد ما عرفت (هذا) مع انه على تقدير كونها من الاصول الغير المحرزة لا موجب لعدم ترتيب بقية الآثار على وجود الشرط بعد كونه مجرى

[ 478 ]

الاصل ولو كان غير محرز فكما انه إذا احرز طهارة الماء باصالة الطهارة يترتب عليها جميع ما رتب على الطهارة شرعا فلذلك إذا احرز وجود الشرط وهو الوضوء أو صلاة الظهر في محل الكلام يترتب عليه جميع ما رتب عليها شرعا (نعم) إذا جرى القاعدة بالاضافة إلى المشروط واحرز بها ان العمل وقع مع الشرط من دون تعرض له لوجود نفس الشرط في حد ذاته فلا يثبت به إلا صحة العمل الواقع فيه الشك ليس إلا فإنه على تقدير إماريته أيضا لم يثبت اماريته إلا بالقياس إلى صحة العمل المشكوك لا غير (ومن هنا) يفرق بين ما إذا جرت قاعدة الفراغ بالاضافة إلى نفس الوضوء فيترتب حينئذ جميع آثار الطهارة بعد حكم الشارع بصحته وبين ما إذا جرت بالاضافة إلى الصلاة المشروطة به بعد الفراغ عنها فإنه لا يحرز حينئذ إلا صحة الصلاة ويحتاج في صحة صلاة أخرى إلى احراز الطهارة بتجديدها (فتحصل) انه لا فرق في ترتيب جميع الآثار وعدمه بين قاعدتي الفراغ والتجاوز في انهما ان جرتا في نفس الشرط فلا بد من ترتيب الآثار وإن جرتا في المشروط فلا يترتب عليه إلا صحة العمل المشكوك فيه لا غير وحيث ان المفروض في المثالين المتقدمين هو جريان القاعدة بالاضافة إلى نفس الشرط وهو الوضوء وصلاة الظهر فلابد من ترتيب جميع الآثار فلا يجب الاتيان بصلاة الظهر بعد الفراغ عن العصر كما انه لا يجب تجديد الطهارة لصلاة أخرى بعد الفراغ عما بيده (اللهم إلا ان يقال) ان أدلة قاعدة التجاوز قاصرة عن الشمول لامثال المقام فإنها إنما تجري فيما إذا كانت الارادة المتعلقة بالمركب هي الباعثة على إرادة المشكوك كالاجزاء المؤتلف منها المركب وأما صلاة الظهر فهي وإن كانت شرطا لصحة صلاة العصر لترتبها عليها إلا ان إرادة صلاة الظهر لا تنشأ عن إرادة صلاة العصر ضرورة كونها بنفسها واجبة بوجوب مستقل فمجرد اشتراط واجب آخر بها لا يوجب جريان قاعدة التجاوز بالاضافة إليها ما لم تكن الارادة المتعلقة بها ناشئة عن إرادة المشروط بها وأما الوضوء المشروط به الصلاة فإرادته وإن كانت قابلة لان تنشأ عن إرادة الصلاة إلا أنها لا تتمحض لذلك بل كثيرا ما يقع في الخارج قبل الوقت أو بعده لا بداعي الصلاة فلا تكون إرادته ناشئة عن إرادتها والظاهر من الادلة هو كون إرادة المشكوك ناشئة عن إرادة الواجب حتى يكون التحرك له من قبل التحرك لنفس الواجب وعلى ذلك فمقتضى القاعدة عند الشك في فعل الظهر في أثناء العصر هو العدول إلى الظهر وعند الشك في الوضوء في اثناء الصلاة هو قطع الصلاة وتحصيل الطهارة (فان قلت) إذا لم يكن

[ 479 ]

الشك فيما لا يلزم نش ء ارادته من ارادة الواجب موردا لقاعدة التجاوز فلا بد وان لا يكون موردا لقاعدة الفراغ بعد العمل أيضا فإذا شككنا في صحة الصلاة بعد الفراغ عنها من جهة الشك في اقترانها بالطهارة فلا بد من الحكم باعادة الصلاة ووجوب الاعتناء بالشك وذلك لما ذكرت من اختصاص القاعدة بما إذا كانت ارادة المشكوك ناشئة عن ارادة الواجب وعدم عمومها لغيرها (قلت) اختصاص قاعدة التجاوز بذلك لا يوجب اختصاص قاعدة الفراغ به فان ادلة قاعدة الفراغ لم يعتبر فيها الا التجاوز عن العمل والدخول في غيره على ما عرفت ومقتضى اطلاق أدلتها هو عدم اعتبار كون الشك في العمل ناشئا عن الشك في تحقق ما تكون ارادته ناشئة من ارادته (وأما) أدلة قاعدة التجاوز فقد عرفت انها لا عموم فيها الا بالقياس إلى ما يكون من قبيل الموارد التي ورد الدليل فيها بالخصوص وذلك لما عرفت من ان جريان القاعدة في غير مجموع العمل على خلاف القاعدة ومن جهة الادلة الخاصة الحاكمة على العناوين العامة فلابد من الاقتصار فيها على مواردها وما يكون من قبيلها ولذلك منعنا عن جريانها بالقياس إلى أجزاء الاجزاء أيضا وعليه فيبقى الشك في الاثناء من جهة الشك في الطهارة أو من جهة الشك في فعل الظهر على طبق القاعدة الاولية من لزوم الاعتناء بالشك بقطع الصلاة وتحصيل الطهارة وبالعدول إلى صلاة الظهر (هذا) فيما إذا كان الشك في الاثناء في شرط الصلاة سواء كان اعتباره في مجموع حالات الصلاة كالاستقبال والتستر أو كان اعتباره في حال الاشتغال بشئ من اجزائها كالاستقرار وسواء كان له محل مقرر شرعي ام لا وأما إذا كان الشك في شرط الجزء كما إذا شك في الموالاة على تقدير اعتبارها بين الكلمات أو الآيات فيجري فيه قاعدة التجاوز بعد تجاوز المحل الشرعي بلا اشكال (توضيح ذلك) ان الموالاة قد تلاحظ بالاضافة إلى أجزاء الكلمة الواحدة وقد تلاحظ بالاضافة إلى الكلمات وقد تلاحظ بالاضافة إلى الآيات وقد تلاحظ بالقياس إلى أجزاء الصلاة بعضها إلى بعض كالموالاة بين التكبيرة والقراءة وبين القراءة والركوع وهكذا أما الموالاة بين الاجزاء فهي من شرائط الصلاة دون الاجزاء كما هو ظاهر وأما الموالاة بين أبعاض الكلمة الواحدة فهي معتبرة عقلا وتخلفها يوجب عدم تحقق الكلمة الواحدة رأسا وأما الموالاة بين الكلمات أو الآيات فهي بمرتبة يوجب تخلفها عدم صدق الآية أو السورة على الغير المتوالى وبعبارة واضحة ما يوجب تخلفها محو الصورة فلا اشكال في كون اعتبارها عقليا ايضا (وأما) الزائد على ذلك فعلى تقدير اعتباره

[ 480 ]

يكون شرعيا وهو وان لم يكن ثابتا بحسب الادلة الا انه على تقدير الاعتبار لا مانع من جريان القاعدة فيه بعد التجاوز والدخول في الغير الذي اعتبرنا الدخول فيه عند الشك في نفس الجزء من دون فرق بين ما كان اعتباره عقليا أو شرعيا إذ مرجع الشك في وجود شرط الجزء إلى الشك في وجود الجزء الصحيح فتشمله الادلة الدالة على الغائه بعد التجاوز عن محله (فتوهم) اختصاص القاعدة بما إذا كان الشرط شرعيا دون غيره (في غير محله) ولشيخنا العلامة الانصاري (قده) في المقام كلام لا يخلو عن تشويش واضطراب فراجع لعلك تقف على حقيقة مرامه (الخامسة) ان الشك المحكوم في القاعدة بعد الاعتناء به إنما هو الشك الحاصل بعد العمل من جهة الشك في انطباق المأتي به على المأمور به وأما إذا كان الشك في انطباق المأمور به على المأتي به بأن كانت صورة العمل محفوظ خارجا ولكنه يشك في كونه مصداقا للمأمور به وعدمه فلا موقع لجريان القاعدة اصلا (توضيح ذلك) ان الشك في صحة العمل وفساده تارة يكون بعد الفراغ عنه واخرى قبل الشروع فيه (وعلى الثاني) فاما ان يكون هناك مصحح للدخول في العمل شرعا أو لا يكون فإن كان هناك مصحح له كما إذا قامت البينة على كون القبلة في طرف معين من الجهات فصلى نحوها ثم ظهر له بعد العمل فسق الشاهدين مثلا فلا تجري قاعدة الفراغ لان المفروض علم المصلي بوقوع صلاته إلى طرف معين مخصوص ولا حجة له فعلا على كونه قبلة فإن حجية البينة بالنسبة إلى عدم وجوب الاعادة سقطت بظهور الفسق وقاعدة الفراغ لا تثبت كون هذا الطرف قبلة فإن الشك ليس في وقوع الصلاة إلى القبلة بعد احرازها حتى تكون القاعدة مثبتة للانطباق على المأمور به بل في كون الطرف المعين المعلوم وقوع الصلاة إليه قبلة وهي غير متكفلة لالغاء هذا الشك واثبات تعلق الامر بها بل غاية ما يستفاد من ادلتها الغاء الشك في الانطباق عند الشك فيه كما هو ظاهر وان لم يكن هناك مصحح له قبل العمل كما إذا كان مستصحب الحدث قبل الصلاة فغفل ودخل فيها فان لم يكن صورة العمل محفوظة عنده بأن احتمل بعد العمل تحقق الوضوء منه قبله حتى تكون صلاته قد وقعت عن طهارة سابقة عليه فلا مانع عن جريان القاعدة لما سنبين من جريان القاعدة في فرض الغفلة مع احتمال المطابقة حتى مع القطع بكونه محدثا قبل الصلاة إذ لا يزيد الدخول في الصلاة غفلة مع كونه قبلة بزمان محكوما بالحدث من جهة الاستصحاب على الدخول فيها كذلك مع قطعه بكونه محدثا قبله بزمان قطعا فإذا جرت القاعدة فيه وثبت انطباق المأتي به على المأمور به فيجرى فيه ايضا وان لم يحتمل ذلك بعد

[ 481 ]

العمل بل قطع بعدم ارتفاع حدثه الاستصحابي إلى حال الصلاة فلا مجال لجريان القاعدة إذ القاعدة إنما تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري بعد العمل وأما الاستصحاب السابق عليه المثبت لفساد العمل من حين الاشتغال به من جهة سبق الشك عليه وكونه محكوما بوجوب التطهير فلا تكون القاعدة حاكمة عليه وقد تعرضنا لذلك سابقا (وأما) الشك الحادث بعد العمل فاما ان تكون صورة العمل محفوظة معه أو لا وعلى الثاني اما ان تكون لشبهة حكمية أو موضوعية فهناك صور (الاولى) ان لا تكون صورة العمل محفوظة في ظرف الشك مع كون الشبهة موضوعية (والتحقيق) جريان قاعدة الفراغ فيها سواء كان المكلف عالما بكونه محرزا للمأمور به قبل العمل من تمام الجهات أو شاكا في ذلك أو عالما بغفلته عنه اما في فرض العلم بالاحراز حتى يكون الشك في الاختلال متمحضا في كونه من جهة الغفلة حين الاشتغال فإنه القدر المتيقن من مواردها وأما مع الشك في الاحراز كما إذا صلى إلى ناحية وشك بعد العمل في كونها قبلة مع عدم تعينها في نظره فعلا واحتمال كونه محرزا للقبلة قبل العمل وكما إذا شك بعد الوضوء في وصول الماء إلى تحت الخاتم مع احتمال الالتفات إليه حين العمل وتحريكه له فلشمول الادلة له ايضا حتى بالنظر إلى قوله (ع) (فإنه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) وأما في فرض العلم بالغفلة قبل العمل كما إذا صلى غافلا عن الطهارة أو القبلة واحتمل بعد الصلاة وقوع صلاته إلى القبلة مع عدم احراز تلك الجهة التي صلى إليها فعلا أو كونه متطهرا قبلها فإن مقتضى قوله (ع) (كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو) هو الاعتبار ولا ينافيه التعليل المذكور في بعض الروايات بقوله (ع) (فإنه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) فإنه اقرب إلى كونه حكمة غالبية من كونه علة واقعة موقع الكبرى الكلية (الثانية) الصورة بحالها ولكن كان الشك من جهة الشبهة الحكمية كما إذا شك الجاهل بالحكم بعد مضي برهة من الزمان في مطابقة اعماله لمقتضى تكليفه من جهة عدم انحفاظ صورة عمله وفي هذه الصورة ان كان الشك في مطابقة اعماله لفتوى مجتهده الذي تحقق منه تقليده فالظاهر هو جريان القاعدة ايضا لان الشك إنما هو في مطابقة العمل لما تعين كونه مأمورا به من جهة انحلال علمه الاجمالي بثبوت احكام واقعية له بالتقليد فالشك إنما هو في الانطباق بالنسبة إلى المأمور به المعين بالتقليد فيكون الحال فيه كما في الشبهة الموضوعية وان كان الشك من جهة احتمال الانطباق على الواقع مع عدم صدور تقليد فالظاهر هو عدم الجريان فإن التكاليف الواقعية مع عدم انحلالها بالتلقيد تكون منجزة في

[ 482 ]

حقه على ما هي عليها والمفروض انه شاك في انطباق عمله على الواقع الغير المحرز عنده والمنجز عليه على واقعه فيجب الخروج عن عهدته اما باحراز اتيانه أو باتيان ما هو بدل عنه في الظاهر كما في صورة الانحلال بالتقليد وقاعدة الفراغ لا تثبت انطباق الامر الغير المحرز ولو بوجه على المأتي به في الخارج وان لم تكن صورته محفوظة (الثالثة) ما إذا كانت صورة العمل محفوظة وفي هذه الصورة لا تجري القاعدة في شئ من الموارد سواء كانت الشبهة حكمية كما إذا صلى بلا سورة واحتمل بعد الصلاة مطابقته للواقع لاحتمال عدم كون السورة جزء بفتوى مقلده أو كانت موضوعية كما إذا صلى إلى جهة خاصة محرزا لكونها قبلة أو غافلا عنه فشك بعد الصلاة في كونها قبلة مع تعين تلك الجهة فعلا في نظره وكما إذا شك بعد الوضوء في وصول الماء إلى تحت الخاتم مع القطع بعدم التفاته له حين العمل وعدم تحريكه له فإن الشك في جميع ذلك ليس متمحضا في انطباق المأتي به على المأمور به الذي هو مورد الروايات بل الشك إنما هو في كون هذا الموجود الخارجي مأمورا به والروايات اجنبية عن اثبات الامر بما هو الموجود خارجا بالكلية (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان الشك في صحة العمل وفساده بعده يكون ملغى فيما إذا كانت صورة العمل غير محفوظة إلا فيما إذا كان الشك من جهة الشبهة الحكمية قبل انحلال التكاليف الواقعية بالتقليد واما إذا كانت محفوظة فلا يكون الشك ملغى مطلقا بل لابد من الاعتناء به واحراز صحة العمل بالاعادة أو بطريق آخر غير قاعدة الفراغ (ثم لا يخفى) اختصاص ادلة القاعدة بما إذا كان احتمال البطلان غير مستند إلى احتمال ترك جزء أو شرط عن عمد لانصراف الادلة إلى غير صورة احتمال الترك العمدي خصوصا قوله (ع) فانه حين ما يتوضا اذكر منه حين يشك) فانه وان لم يكن ظاهرا في التعليل بل الظاهر كون حكمة غالبية الا انه يستظهر منه الاختصاص لغير صورة الترك العمدي (ومنها) اصالة الصحة ويقع الكلام فيها في جهات (الاولى) انه لا اشكال في اعتبارها في الجملة وتقدمها على الاستصحاب الجاري في موردها سواء كان اعتبارها من جهة كونها امارة أو اصلا كما انه لا ريب في اختصاصها بفعل الغير واما بالنسبة إلى فعل نفس الشخص فالمتبع فيه هو قاعدة الفراغ فليس هناك اصل آخر يسمى باصالة الصحة غير تلك القاعدة وقد استدل على اعتبارها بوجوه غير خالية عن النظر بل المنع والاخبار الدالة على حمل فعل المسلم على الصحيح ظاهرة في الحمل على الصحيح من حيث الحكم التكليفي ولا ربط لها بما هو محل البحث في المقام

[ 483 ]

فالعمدة في المقام انما هو ثبوت الاجماع التحقيقي وسيأتي بيان معقد الاجماع من حيث العموم والخصوص (الثانية) ان الثابت باصالة الصحة ليس هي الصحة باعتقاد الفاعل إذ لا يترتب عليها فائدة مهمة مع انها خلاف ظواهر كلمات المجمعين بل هي الصحة الواقعية المشكوكة في موارد العبادات والمعاملات من العقود والايقاعات وحيث ان المعاملات التي تجري فيها اصالة الصحة قد اختلف فيها من حيث السعة والضيق فلابد من تحقيق ذلك وبيان الوجوه المحتملة فيه وهي ثلاثة (الاول) ان يكون الموضوع لاصالة الصحة هو صورة العقد الصادر من المتعاملين سواء كان الشك في صحته من جهة الشك في تحقق شرايط الصيغة أو شرايط العوضين أو شرايط المتعاقدين (وهذا الوجه) يبعد الالتزام به غايته فان الموضوع في كلمات المجمعين انما هو العقد فلا يشمل صورة الشك في تحقق ما يكون قوامه به (الثاني) ان يكون الموضوع هو العقد العرفي فكلما رجع الشك إلى تحقق ما يعتبر في العقد عرفا كالشك في قابلية العوضين للعوضية من جهة الشك في ماليته العرفية لا يكون اصالة الصحة جارية وإذا رجع الشك إلى تحقق الشرايط الشرعية بعد العلم بتحقق العقد العرفي فيرجع إلى إصالة الصحة (وبعبارة واضحة) الموضوع لاصالة الصحة في الشبهات الموضوعية هو الموضوع للحكم بالصحة من جهة الشبهة الحكمية لاجل الشك في اعتبار شئ فيها شرعا فكما انه إذا شك في صحة عقد لاحتمال شرطية شئ لها شرعا فيحكم بالصحة بدونه وعدم شرطيته تمسكا بإطلاق وجوب الوفاء بالعقد فكذلك يحكم بصحة العقد العرفي الخارجي عند الشك في تحقق ما اعتبر فيها شرعا زائدا على الشرائط العرفية والموضوعية في كلا المقامين هو العقد العرفي لا غير ولعل هذا هو مراد المحقق الثاني (قده) من جعل جريان اصالة الصحة مشروطا بتحقق أركان العقد وان كان يحتمل إرادته الوجه الثالث أيضا وهذا الوجه وإن كان وجيها بالقياس إلى الوجه الاول إلا انه لا يصح الاعتماد عليه من جهة ان عقد الوضع في كلمات المجمعين عبارة عن العقد المشكوك في صحته وفساده فلابد وان يكون متعلق الشك هو الصحة والفساد ابتداء من جهة نفس العقد فمع عدم احراز تمامية العقد في حد نفسه ولو من جهة الشك في تحقق الشرائط الشرعية المعتبرة في العوضين أو المتعاقدين لا يكون متعلق الشك هو صحة العقد وفساده ابتداء بل الشك يتعلق اولا وبالذات بأمر آخر وإن كان لازم الشك فيه هو الشك في صحة العقد إلا انه من باب الوصف بحال متعلق الموصوف وإلا فالعقد بما هو لا قصور فيه بل القصور من جهة المتعلق أو العاقد وقياس المقام بباب التمسك

[ 484 ]

بالاطلاق مع الفارق فان موضوع الحكم هناك ليس إلا العقد العرفي الذي يطلق عليه لفظ العقد في مقام التخاطب واين ذلك من وقوعه في كلمات المجمعين الظاهرة في اعتبار لزوم كون الشك في صحة العقد وفساده من حيث هو عقد لا من جهة اخرى (لا أقول) ان الاجماع دليل لبي لا يمكن التمسك به إلا في الموارد المتيقنة فإنه إنما يتم في غير المقام مما لم يكن الاجماع على لفظ مطلق وإلا فلا مانع من التمسك باطلاقه كما في الادلة اللفظية (بل أقول) انه لا اطلاق في معقد الاجماع بالنسبة إلى ما لم يحرز الجهات الاخر الاجنبية عن صحة العقد وفساده بما هو عقد فيقتصر في جريان اصالة الصحة على صورة احراز بقية الجهات ولا يمكن التمسك بها مع الشك في تحققها وعلى ذلك فلابد من احراز تمام شرائط العوضين والمتعاقدين عند التمسك بها فينحصر التمسك بها بموارد الشك في تحقق شرائط الصيغة (نعم) ما كان من شرائط العوضين أو المتعاقدين راجعا إلى اعتباره في صحة العقد بما هو لا إلى اعتباره في مالية المال أو قابلية المتعاقدين للتصرف يصح التمسك عند الشك في تحققه بإصالة الصحة فإذا شك في كون منشئ الصيغة بالغا مع احراز كون المتعاقدين بالغين يصح التمسك بها فان اعتبار البلوغ في المنشئ يرجع إلى اعتبار خصوصية في الصيغة (نعم) اعتبار البلوغ في المتعاقدين اجنبي عن اعتبار امر في العقد بما هو بل هو نظير اعتبار المالية في العوضين في كونه مأخوذا في عقد الوضع ولابد من احرازه عند الشك في الصحة كما انه إذا شك في جهالة العوضين في كون المعاملة ربوية يصح التمسك بها فإن اعتبار معلومية العوضين أو عدم كون أحدهما زائدا على الآخر إنما اعتبر في صحة العقد لا في مالية المال وإلا لما صح المعاملة مع الجهالة أو الزيادة ولو في غير البيع من العقود المعاوضية مع انه يصح الصلح مع الجهالة بلا اشكال ومع الزيادة على قول فيستكشف من ذلك ان اعتبار المعلومية وعدم الزيادة من شرائط العقد ليس إلا (فتحصل) من جميع ما ذكرناه صحة الوجه الثالث وهو اعتبار احراز تمام ما يعتبر في العوضين والمتعاقدين فيما لا يرجع اعتباره فيهما إلى الاعتبار في العقد بما هو في الحكم بالصحة عند الشك فلو شك في قابلية المبيع للملكية وعدمها سواء كانت عرفية أو شرعية أو في قابلية المتعاقدين للعاقدية وعدمها لا يمكن التمسك باصالة الصحة في اثبات تلك القابلية (ومن هنا يظهر) انه لا وقع للتمسك باصالة الصحة عند الشك في عروض ما يجوز معه بيع الوقف لاثبات صحة بيع المتولي له فإنها غير متكفلة لاثبات قابلية الوقف للبيع وخروجه عما هو عليه من عدم قبوله للسير بالنقل والانتقال

[ 485 ]

فلا يحكم بملكية المشتري له من جهة اصالة الصحة (وتوهم) جواز الحكم بها من جهة قاعدة اليد (مدفوع) بان قاعدة اليد واصالة الصحة من هذه الجهة متساويتان فإنه كما لا يمكن التمسك باصالة الصحة عند الشك في قابلية المحل للنقل والانتقال كذلك لا يمكن التمسك بالقاعدة عنده وذلك لما بيناه عند البحث عن القاعدة من انها انما تتكفل للحكم بالملكية الفعلية بعد الفراغ عن احراز قابليتها فمورد الشك في القابلية خارج عن تحت القاعدة والاصل كليهما (ثم انه يظهر) من شيخنا العلامة الانصاري (قدس سره) في المقام الفرق بين ما إذا كان الشك في بلوغ العاقد مع احراز صدور فعل من البالغ وبين غيره فحكم بجريان اصالة الصحة في الاول دون الثاني فإذا شك في كون الموجب أو القابل بالغا مع احراز كون الآخر بالغا حكم بصحة العقد نظرا إلى ان اصالة الصحة في فعل البالغ يثبت بها صحة العقد بتمامه فيثبت بلوغ الآخر ايضا واما إذا لم يحرز بلوغهما فلا يمكن التمسك بها لعدم احراز صدور فعل من البالغ حتى يحكم بصحته ولاجله فرق فيما إذا شك في بلوغ الضامن وعدمه بين ما إذا وقع التماس من بالغ للضمان وعدمه فحكم بصحة الضمان في الاول دون الثاني (وانت خبير) بأن معنى صحة الايجاب شرعا ليس إلا كونه بحيث لو تعقبه قبول صحيح لترتب عليه الاثر كما ان معنى صحة القبول كونه بحيث لو تقدمه ايجاب صحيح لكان مؤثرا وهذا المعنى من الصحة لا يلزمه تحقق قبول في الفرض الاول وتحقق ايجاب في الثاني اصلا وعلى تقدير تسليم اللزوم فغاية ما يثبت باصالة الصحة هو الحكم بصحة الموجود من حيث نفسه اعني بها الصحة التأهلية واما اثبات اللوازم والملزومات فلا وقد اعترف هو (قده) ايضا بذلك في الامر الرابع في هذا المقام فراجع (ومما ذكرناه) يظهر الحال عند الشك في بلوغ الضامن الموصي أو المبرئ ايضا وان اصالة الصحة لا تجري في شئ من هذه الموارد اصلا (الجهة الثالثة) ان الثابت باصالة الصحة ليس إلا ترتب الاثر المقصود منه بما هو فصحة الايجاب عبارة عن كونه بحيث إذا تعقبه القبول يترتب عليه النقل والانتقال وليس صحة الايجاب ملازمة لترتب النقل والانتقال بما هي وكذا صحة القبول عبارة عن كونه بحيث لو كان تقدمه ايجاب صحيح ترتب عليه النقل والانتقال إذ ليس النقل والانتقال من آثار خصوص القبول أو الايجاب فلا يمكن الحكم بتحقهما بمجرد العلم بتحقق الايجاب أو القبول مع الشك في تحقق الآخر (ومن ذلك يظهر) انه لا معنى للتمسك باصالة الصحة لاثبات النقل والانتقال عند الشك في تحقق الاجازة في البيع الفضولي والقبض في المجلس

[ 486 ]

في بيع الصرف والسلم فإن صحة العقد بمعنى كونه بحيث إذا تعقب بالاجازة أو القبض هي التي تترتب عليه باصالة الصحة عند الشك في تحقق بعض شرايطه وأما فعليه النقل والانتقال فهي ليست من آثار نفس الصحة بهذا المعنى بل من آثار الصحة وامر آخر لا يكفي اصالة الصحة في اثباته وهذا المعنى ما ذكرناه من انه لا يثبت باصالة الصحة إلا الصحة التأهلية فلو علم صدور الاذن من المرتهن في بيع الراهن ورجوعه عنه وشك في تقدم البيع على الرجوع وتأخره عنه فلا يمكن التمسك باصالة الصحة في الاذن واثبات تحقق البيع قبل الرجوع كما انه لا يمكن التمسك بها في الرجوع واثبات تحققه قبل البيع فإن معنى صحة الاذن كونه بحيث إذا كان البيع وقع بعده لكان مؤثرا كما انه معنى صحة الرجوع انه بحيث لو لم يكن البيع واقعا قبله لما كان مؤثرا بعده واما وقوع البيع خارجا وعدمه فاجنبي عن صحة الاذن والرجوع بمعنى المتقدم (وتوهم) جواز الرجوع إلى اصالة الصحة في نفس البيع (قد عرفت) ما فيه في الجهة الثانية من عدم جريانها عند الشك في الصحة من غير جهة الشك في تحقق شرايط الصيغة والمفروض ان الشك في المقام ليس من هذه الجهة بل من جهة اهلية البايع وعدمها فلابد من الرجوع إلى اصالة عدم تحقق النقل والانتقال في تمام هذه الموارد ولا يمكن التمسك باصالة الصحة في شئ منها (الجهة الرابعة) قد ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي ان الافعال التي تكون متعلقات التكاليف على قسمين (الاول) ما يكون عنوانا لا يتوقف تحققه في الخارج على قصده كالضرب والقتل ونحوهما (الثاني) ما يتوقف حصوله على القصد بدونه لا يتحقق في الخارج كالتعظيم والتوهين ونحوهما وهذا القصد المعتبر في تحقق العنوان غير قصد التقرب المعتبر في خصوص العبادات كما هو واضح ويترتب على ذلك انه إذا كان المشكوك في صحته وفساده من العناوين القصدية فلابد من احراز تحقق القصد في الخارج (ضرورة) انه لابد من احراز العمل في الخارج حتى يحكم بصحته باصالة الصحة فإذا شك في صحة الصلاة على الميت المتحققة من الغير فيحكم بصحتها بمجرد العلم بتحققها واما إذا شك في صحة صلاة النائب عن الميت فلابد في الحكم بالصحة من احراز قصد النيابة عن الميت فإن النيابة من الامور القصدية التي لا تتحقق الا بالقصد فاجراء اصالة الصحة في نفس الصلوة لا يوجب الحكم بفراغ ذمة الميت لعدم احراز الموضوع وهو تحقق النيابة (نعم) لو علم تحقق قصد النيابة من النائب وشك في صحة العمل وفساده فيحكم بالصحة وفراغ ذمة المنوب عنه باصالة الصحة (هذا)

[ 487 ]

(وقد افاد) شيخنا العلامة الانصاري (قده) في المقام ما عبارته ان لفعل النائب عنوانين احدهما من حيث انه فعل من افعال النائب ولذا يجب عليه مراعاة الاجزاء والشروط وبهذا الاعتبار يترتب عليه جميع آثار صدور الفعل الصحيح منه مثل استحقاق الاجرة وجواز استيجاره ثانيا بناء على اشتراط فراغ ذمة الاجير في صحة استيجاره ثانيا والثاني من حيث انه فعل للمنوب عنه حيث انه بمنزلة الفاعل بالتسبيب أو الآلة وكان الفعل بعد قصد النيابة والبدلية قائما بالمنوب عنه وبهذا الاعتبار يراعى فيه القصر والاتمام في الصلوة والتمتع والقران في الحج والترتيب في الفوائت والصحة من الحيثية الاولى لا يثبت الصحة من هذه الحيثية الثانية بل لابد من احراز صدور الفعل الصحيح عنه على وجه التسبيب (انتهى) وهذا الذي افاده (قده) لا يرجع إلى محصل فانه مضافا إلى ما ذكرناه في بحث التعدي والتوصلي من عدم رجوع حقيقة النيابة إلى الفعل التسبيبي بل هي عبارة عن الفعل بقصد فراغ ذمة الغير سواء كانت تبرعية أو معاوضية أنه إذا احرز قصد النائب فراغ ذمة الغير من عمله فالفعل بهذا العنوان امر مشكوك في صحته وفساده فيحكم بالصحة من جهة اصالة الصحة وان لم يحرز ذلك فلا موضوع لها حتى يحكم بصحته (فما افاده) قده من التفكيك بين الآثار والحكم باستحقاق النائب للاجرة وعدم فراغ ذمة المنوب عنه عند الشك في صحة العمل وفساده (من الغرائب) إذ مع احراز قصد النيابة في العمل يحكم بصحة العمل بالاصل ويترتب عليه استحقاق الاجرة وفراغ ذمة المنوب عنه لان موضوع الفراغ كموضوع الاستحقاق ليس الا صدور الفعل الصحيح من النائب بما هو كذلك ومع عدم احرازه لا يحكم بشئ من الاستحقاق والفراغ لعدم احراز موضوعهما حتى يحكم بصحته بالاصل (ثم لا يخفى) انه وان صح الاعتماد على اخبار النائب عن قصده بل عن مطلق فعله بلا اشكال ولا خلاف إلا انه وقع الاشكال في انه مشروط بالوثوق أو بالعدالة أو غير مشروط بشئ بل يصح الاعتماد على خبره مطلقا (الذي ينبغي) ان يقال هو انه لا دليل على حجية قول النائب على اطلاقه كما انه لا دليل على اعتبار خصوص العدالة من حيث موضوعيتها بل لم يثبت اعتبارها في شئ من الموارد الا من حيث الطريق في غير البينة ولذا اكتفينا بالوثوق في الاخبار الحاكية عن الاحكام الكلية ايضا فيكون المدار على تحقق الوثوق سواء كان المخبر متصفا بصفة العدالة ام لم يكن فإذا احرز اصل العمل وقصد النائب بالاخبار وشك في صحته من جهات اخرى فيحكم بالصحة من جهة الاصل (الجهة الخامسة) في بيان ان اصالة الصحة هل هي من الامارات أو من الاصول

[ 488 ]

وعلى الثاني فهل هي من الاصول المحرزة أو لا (ربما يقال) بان اصالة الصحة في فعل الغير بازاء قاعدة الفراغ في عمل الشخص فكما ان قاعدة الفراغ قد استظهر اماريتها من بعض ادلتها على ما تقدم فكذلك تكون اصالة الصحة (وانت خبير) بان الشك في الصحة في مورد القاعدة انما كان من جهة الشك في تحقق الارادات الجزئية على طبق الارادة الكلية المتعلقة بالعمل حين الشروع (وقد ذكرنا) ان مقتضى تعلق الارادة بشئ هو تعلق الارادة الجزئية بكل من اجزائه في ظرفه وهذا هو جهة اماريتها واما اصالة الصحة فليس في موردها ما يوجب اماريتها إلا ظهور حال المسلم في انه لا يأتي بالفاسد (ومن الواضح) ان غاية ما يترتب على هذا الظهور هو احراز الصحة عند الفاعل دون الصحة الواقعية التي هي محط البحث في المقام فتكون متمحضة في الاصلية واما بالنسبة إلى كونها محرزة أو غير محرزة فسيأتي التكلم فيها انشاء الله تعالى (فظهر بذلك) انه لا يترتب باصال