اجود التقريرات باسمه تعالى هذا هو الجزء الثاني من تقريرات أبحاث شيخنا الاستاذ الاعظم ومولانا المعلم الاكبر وملجأ الامم ومرجع العرب والعجم خاتمة الفقهاء والمجتهدين وحجة الاسلام والمسلمين آية الله تعالى في العالمين حضرة المولى الميرزا محمد حسين الغروي النائيني متع الله الاسلام والمسلمين بطول بقائه ومن عليهم بدوام ظله وأيام افاداته والبحث فيه إنما هو في الادلة العقلية وقد جادت بها يد مؤلفه العالم العامل التقي والفاضل الكامل المهذب الصفي حجة الاسلام وباب الاحكام السيد السند والحبر المعتمد سيدنا حضرة السيد أبي القاسم الخوئي النجفي أدام الله بركات وجوده ونفع المسلمين بفضله وجوده وأقر الله أعين كافة الاخيار من أهل العلم بل كافة أهل الدين باطالة عمره وتكثير أمثاله كما أقر أعين حضرة آية الله المعظم له استاذه بشريف وجوده على ما ترى بيان ذلك بخطه وخاتمه الشريف في صدر الصفحة الاولى من هذا الجزء زيادة على ما كتبه تقريظا وبيانا لبعض مراتب هذا المؤلف العالم الجليل في الصفحة الاولى من الجزء الاول ايضا بخطه وخاتمه الشريف آمين اللهم آمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
1352 مطبعة العرفان صيدا 1933 [ * ]
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم اجمعين من الآن إلى يوم الدين وبعد فهذا هو * (المقصد السادس) * والكلام فيه إنما هو في الامارات التي تقع أو قيل بوقوعها في طريق الاستنباط عقلا أو نقلا وقبل الخوض في ذلك لا بد من التكلم في القطع وما يترتب عليه من الاحكام فنقول اعلم ان البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت في مقام الاستنباط إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك أما القطع فهو حجة من قبل نفسه من غير أن يكون
[ 3 ]
يجعل جاعل أو اعتبار معتبر واما الشك فهو غير قابل للحجية والكاشفية أصلا والوجه فيه ظاهر واما الظن فهو متوسط بينهما فإن قام دليل على اعتباره فيلحق بالقطع ويكون قطعا تنزيليا وإلا فيلحق بالشك فيجري في مورده احد الاصول الاربعة العملية التي لابد من الرجوع إليها في موارد عدم حصول القطع أو الامارة المعتبرة ومما ذكرناه ظهر ان جعل التقسيم ثلاثيا كما فعله العلامة الانصاري (قده) إنما هو باعتبار انقسام حالات المكلف في حد ذاتها إلى ذلك وتمييز احكام بعضها عن بعض فما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من الاشكال عليه بأنه مستلزم لتداخل الاقسام فإن الظن المعتبر يلحق بالقطع وغير المعتبر منه يلحق بالشك من الغرائب بداهة ان التقسيم إنما هو باعتبار ذلك وبيان ان الظن ليس كالقطع والشك بل يلحق بأحدهما مرة وبالآخر أخرى (ثم) ان الاصول الجارية في مورد الشك وإن كانت كثيرة إلا ان الاصول التي تستعمل في مقام الاستنباط وتكون جارية في تمام الابواب منحصرة بحكم الاستقراء في الاربعة واما موارد جريانها فانحصارها في الاربعة عقلي دائر بين النفي والاثبات والاولى في تقريبه بحيث يسلم عن الاشكال ان يقال ان الشك اما ان يكون مسبوقا بالحالة السابقة أم لا وعلى الثاني اما ان يكون جنس الالزام معلوما أم لا وعلى الاول اما ان يكون الامر فيه دائرا بين المحذورين أم لا فالاول مورد الاستصحاب والثاني مورد البراءة والثالث مورد
التخيير والرابع مورد الاحتياط والغرض من التعرض لموارد الاصول في المقام إنما هو بيان تلك الموارد بنحو الموجبة الجزئية للاشارة الاجمالية إلى المباحث الآتية واما شرائط جريان الاصول فبيانها موكول إلى مباحثها ان شاء الله تعالى ومن ذلك يظهر انه لا وقع لا يراد المحقق المذكور على تقسيم العلامة الانصاري قدس سرهما بأن الشك في البقاء مع تحقق الحالة السابقة إن لم يكن من جهة الشك في الرافع لا يكون مجرى للاستصحاب على ما يراه الشيخ قدس سره من عدم جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضي إذ هو نظير ان يورد على تقسيمنا بأن مورد العلم بالالزام في الجملة في غير موارد دوران الامير بين المحذورين لا يكون مجرى للاحتياط مطلقا بل عند عدم انحلال العلم الاجمالي (ثم) انه إذا قيدنا مورد الاستصحاب بما إذا لوحظ فيه الحالة السابقة كما فعله العلامة الانصاري (قده) هنا وفي أول البراءة فلا يكون الاشكال المذكور واردا من أصله حتى يحتاج إلى تكلف الجواب عنه بما ذكرناه إذ ما لم يلحظ فيه الحالة السابقة الذي هو مورد جريان الاصول الثلاثة الاخيرة يكون أعم مما لا يكون فيه
[ 4 ]
حالة سابقة أو كانت ولم تلحظ كما في موارد الشك في المقتضي على ما هو التحقيق عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) من عدم حجية الاستصحاب عند الشك في المقتضي على ما سيأتي تفصيله في محله إن شاء الله تعالى. (ثم) ان انحصار الاصول الجارية في الاحكام الكلية وإن لم يكن انحصارها في الاربعة عقليا كما أشرنا إليه إلا ان انحصار غير الاستصحاب في الثلاثة عقلي دائر بين النفي والاثبات وتقريبه ان يقال ان في موارد عدم مراعاة الحالة السابقة اما ان يراعى احد طرفي الاحتمال وجودا أو عدما أو لا يعتبر شئ منهما بل يكون التخيير بيد المكلف وعلى الاول فإما أن يراعى وجود التكليف أو عدمه فهذه اقسام ثلاثة وهي اصالة التخيير والاحتياط والبراءة ليس إلا (ثم) انه لا اشكال في كون مباحث الامارات والاصول العملية من المباحث الاصولية واما مباحث القطع ففيها ما يكون كذلك وتقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي كمباحث العلم الاجمالي من جهة وجوب الموافقة القطعية أو حرمة المخالفة القطعية ومنها
ما لا يكون كذلك كالبحث عن عدم قابلية حجية القطع لتعلق الجعل بها اثباتا ونفيا ونحو ذلك (وكيف كان) فبيان احكام القطع إنما هو في ضمن أمور (الاول) انه لا اشكال في ان القطع إذا تعلق بكل شئ يكون طريقا إليه لا محالة كما انه لا اشكال في وجوب متابعته فيما إذا تعلق بتكليف أو موضوع تعلق به التكليف والتعبير بوجوب متابعته وإن كان يوهم كون القطع بنفسه شيئا حكم عليه بوجوب المتابعة وهذا لا يتحقق في القطع الطريقي فإن حيثية ذاته هي الطريقية الكاشفية لا أمر زائد عليها إلا ان ذلك من باب ضيق التعبير والمراد وجوب متابعة المقطوع به عند تعلق القطع به (ثم) ان الحجية والطريقية وإن كانت مجعولة في غير القطع على خلاف بيننا وبين العلامة الانصاري (قده) في انها مجعولة بنفسها أو تتبع منشأ انتزاعها إلا انها في القطع غير قابلة للجعل التشريعي بداهة ان الجعل التشريعي إنما يتعلق بشئ يكون تكوينه بعين تشريعه بعد قابلية المحل له كالوجوب للصلاة والطريقية للامارات الظنية ونحوهما من المجعولات التشريعية واما الموجودات الخارجية من الجواهر والاعراض فهي لا تكون مجعولة للشارع بما هو شارع وحيث ان الطريقية والانكشاف إنما هو ذات القطع وحقيقته كما هو الصحيح أو من لوازمه الذاتية فيستحيل تعلق الجعل التشريعي بها لا محالة ومن ذلك يظهر استحالة تعلق الجعل بنفي طريقيتها ايضا إذ ما لا يكون قابلا لتعلق الجعل به اثباتا لا يكون قابلا لتعلق الجعل به نفيا بالضرورة (ثم) ان القطع كما يمكن ان يكون طريقيا محضا كذلك يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم
[ 5 ]
شرعي مغاير لمتعلقه أو لحكم متعلقه كما إذا أخذ القطع بالملكية في موضوع جواز الشهادة وهذا يكون على قسمين (الاول) أن يؤخذ القطع في الموضوع بما انه صفة خاصة ومعلوم بالذات ونور لنفسه من دون ملاحظة جهة اراءته وكشفه عن المعلوم بالعرض وحينئذ فإما ان يكون تمام الموضوع هو وجود هذه الصفة في النفس ولا يكون للواقع فيه دخل أصلا كما هو الظاهر في باب الشهادة فيعبر عن القطع بانه تمام الموضوع واما ان يكون للواقع دخل في الموضوع ايضا فيكون الموضوع مركبا من وجوه الصفة النفسانية ومطابقتها للواقع وعند انكشاف الخلاف
ينكشف عدم الموضوع من أول الامر وفي هذا القسم يكون القطع جزءا للموضوع ومقوما له (الثاني) ان يؤخذ القطع في الموضوع بما انه كاشف من الواقع وطريق إليه ومنور لغيره الذي هو المعلوم بالعرض وعليه فلا يمكن اخذ القطع إلا جزءا للموضوع ومقوما له ويستحيل كونه تمام الموضوع حينئذ بداهة ان معنى كونه تمام الموضوع هو دوران الحكم مداره أصاب الواقع أم اخطأ وأخذه مع ذلك طريقا إلى الواقع وكاشفا عنه مما لا يجتمعان فتحصل ان اقسام القطع اربعة (الاول) القطع الطريقي المحض (الثاني) ما يكون مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية مع كونه تمام الموضوع (الثالث) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الصفتية (الرابع) ما يؤخذ جزءا للموضوع على نحو الكاشفية والطريقية (ثم) ان القطع باقسامه لا يمكن ان يطلق عليه الحجة في باب الادلة واما الحجة في باب الاقيسة فلا يمكن اطلاقها على القطع الطريقي فقط (وتوضيح ذلك) هو ان الحجة تارة تطلق ويراد منها معناها اللغوي وهو ما يحتج به في مقام الاحتجاج وأخرى تطلق ويراد منها معناها المصطلح عليه عند المنطقي المعبر عنه بالحجة في باب الاقيسة وثالثة تطلق ويراد معناها المصطلح عليه عند الاصولي المعبر عنه بالحجة في باب الادلة اما الحجة بالمعنى الاول فلا اشكال في كون القطع الطريقي من اظهر افراده ومصاديقه بل ينتهي إلى حجيته حجية كل حجة إذ بالقطع يحكم المولى أو بقيام ما يقطع بحجيته عليه يحتج المولى على عبده العاصي فيكون قاطعا للعذر كما ان العبد في فرض موافقته لقطعه بالحكم أو بما قطع بحجيته يحتج على مولاه إذا كان القطع أو الطريق مخالفا للواقع فيكون معذرا له وأما الحجة في باب الاقيسة فهي عبارة عن الوسط الذي يكون واسطة لاثبات الاكبر للاصغر في الشكل الاول سواء كان علة لوجوده أو معلولا له أو كانا متلازمين من جهة معلوليتهما لعلة ثالثة وحيث ان لا علية ولا معلولية بين القطع الطريقي ومتعلقه فلا يمكن جعله وسطا في الشكل
[ 6 ]
الاول فلا يطلق عليه الحجة في اصطلاح المنطقي واما القطع الموضوعي فحيث ان نسبته إلى حكمه الثابت له كنسبة العلة إلى معلولها ويمكن تشكيل قياس من ضم صغرى وجدانية إلى كبرى
مجعولة شرعية بحيث يكون عنوان المقطوع وسطا في القياس كقولك هذا مما قطع بملكيته لزيد وكل ما كان كذلك فيجوز الشهادة عليه فيطلق عليه الحجة في باب الاقيسة (وبالجملة) حال القطع الموضوعي في ترتب جواز الشهادة عليه مثلا كحال الخمر في ترتب حرمة الشرب عليه شرعا فكما يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان الخمر ويكون الاكبر هو الحرمة المترتبة عليه نظير ترتب الحدوث على التغير فكذلك يمكن ترتيب قياس يكون الوسط فيه هو عنوان المقطوع ويكون الاكبر هو الحكم المترتب عليه شرعا وأما الحجة في باب الادلة أعني بها ما يكون مثبتا لمتعلقه بحيث يمكن عند قيامها تشكيل قياس ولو على نحو المسامحة كما تقول هذا مما قامت البينة على خمريته وكل ما كان كذلك فهو خمر فلا يمكن اطلاقها على القطع مطلقا طريقيا كان أو موضوعيا أما عدم جواز اطلاقها على القطع الطريقي فلعدم جواز وقوعه وسطا في الشكل الاول مطلقا حتى يثبت الاكبر للاوسط وأما عدم اطلاقها على القطع الموضوعي فلانه وإن امكن كونه وسطا لاثبات الاحكام المتعلقة به إلا انه لا يمكن كونه وسطا لاثبات متعلقه حتى يمكن اطلاق الحجة في باب الاقيسة عليه وإنما قلنا ان تشكيل القياس فيما يكون حجة في باب الادلة مبني على المسامحة فلان المجعول الشرعي عند قيام البينة مثلا ليس هي الكبرى الكلية بنفسها كمجعولية الكبرى الكلية في القطع الموضوعي بل المجعول في الحقيقة كما سيتضح فيما بعد ان شاء الله تعالى انما هو نفس طريقية البينة ونحوها (فتحصل) ان الحجة في باب الادلة لايراد منها إلا ما يكون مثبتا للمتعلق سواء لم يكن هناك علية ومعلولية أصلا أو كان الحجة كالمعلول بالاضافة إلى الاكبر المحمول في الكبرى كالظواهر فإنها حجة على المراد الواقعي ونسبتها إلى الارادة الواقعية نسبة المعلول إلى العلة فانها هي الموجبة والداعية إلى القاء كلام كاشف عنها وبهذه الملاحظة يكون هذا القسم من الحجة حجة في باب الاقيسة أيضا (وبالجملة) القطع الطريقي لا يمكن اطلاق الحجة عليه الا بالمعنى الاول اللغوي والقطع الموضوعي لا يكون حجة الا في الاصطلاح المنطقي والبينة وأمثالها حجة في باب الادلة فقط والظواهر يطلق عليها الحجة بكلا الاصطلاحين باعتبارين (ثم) ان القطع الطريقي لا يفرق
فيه بين افراده ولا يمكن التصرف فيه اصلا لا من جهة الاشخاص ولا من جهة الازمنة
[ 7 ]
والاسباب لما عرفت من ان طريقيته ذاتية غير قابلة لتعلق الجعل بها اثباتا ونفيا ولا يفرق ايضا بين تعلقه بنفس الحكم الشرعي أو بمتعلقه أو موضوعه واما القطع الموضوعي فحاله في السعة والضيق يتبع دلالة الدليل الدال على اخذه في الموضوع نظير بقية الموضوعات المأخوذة في ادلة الاحكام فربما يدل الدليل على اخذ خصوص قطع من جهة القاطع أو السبب أو غيرهما في الموضوع وربما يدل على اخذه في الموضوع مرسلا غير مقيد بخصوصية خاصة (وتوضيح ذلك) ان متعلق القطع اما ان يكون موضوعا من الموضوعات الخارجية أو حكما من الاحكام الشرعية وعلى الاول فيمكن ان يكون الحكم الشرعي مترتبا على نفس الموضوع الذي تعلق به العلم من دون مدخلية للعلم في ترتبه اصلا فيكون القطع حينئذ طريقا محضا إلى حكم متعلقه ويمكن ان يكون مترتبا على الموضوع المعلوم دون نفسه فيكون العلم تمام الموضوع أو جزئه على التفصيل المتقدم وعلى الثاني فتارة يقع الكلام في الحكم المقطوع به واخرى في حكم آخر مترتب عليه أما التكلم في الحكم الآخر فحاله حال القسم الاول بعينه فان الحكم الآخر تارة يترتب على نفس الحكم المقطوع من دون مدخلية لتعلق القطع به فيكون القطع بالاضافة إليه طريقا محضا لا محالة واخرى يكون مترتبا على الحكم المقطوع بما انه كذلك فيكون القطع مأخوذا في موضوعه على نحو يكون تمام الموضوع أو جزئه ويجوز تخصيص القطع حينئذ ببعض الافراد دون بعض كما انه اخذ قطع المجتهد بالاحكام من الطرق المتعارفة موضوعا لجواز تقليده دون القطع الحاصل من مثل الجفر والرمل ونحوهما وأما التكلم في الحكم المقطوع به فملخصه ان القطع ان كان متعلقا بالحكم فلا محالة يكون طريقا إليه ويستحيل كونه مأخوذا في موضوعه لان اخذه في الموضوع يستلزم تقدمه على حكمه تقدم كل موضوع على ما يترتب عليه من الحكم وفرض تعلقه به وكونه طريقا إليه كونه متأخرا عنه وتقدم الحكم عليه ففرض تعلقه بحكم اخذ في موضوعه القطع به يستلزم تقدم الشئ على نفسه ولكن استحالة تقييد موضوع الحكم بالقطع به لا يوجب كونه
مطلقا بالاضافة إلى حالتي العلم والجهل لما بيناه في بحث المطلق والمقيد وغيره وان استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ايضا فكل تكليف بالاضافة إلى الانقسامات الثانوية الناشئة من نفس الخطاب لا يعقل فيه إلا الاهمال ولا يمكن اتصافه لا بالتقييد ولا بالاطلاق اللحاظيين وإنما المتصور هو نتيجة الاطلاق أو التقييد المستفادة من دليل آخر متمم للجعل الاول باعتبار تقيد الغرض وعدمه ففي متل قصد القربة قد علم تقييد العبادات به بنتيجة التقييد لاجل تقيد
[ 8 ]
الغرض به كما انه قد علم من ادلة اشتراك التكليف المدعى تواتر اخبارها في كلمات العلامة الانصاري (قده) عدم اختصاص الاحكام بخصوص العالمين بها بل يعم الجاهلين ايضا ولكن ثبت من الادلة الاختصاص في باب القصر والتمام والجهر والاخفات وان الجاهل بوجوب القصر لا يجب في حقه القصر كما ان الجاهل بوجوب الجهر أو الاخفات كذلك فيكون الدليل المستفاد من الدليل المتمم للجعل الاول هو اشتراط وجوب القصر أو الجهر أو الاخفات بالعلم بالوجوب من باب نتيجة التقييد وإذا امكن اخذ القطع بالحكم في موضوعه بدليل آخر فيمكن أخذ القطع بالحكم من سبب خاص مانعا عنه ايضا وهذا كما في القطع القياسي فإن المستفاد من رواية ابان عدم اعتبار القطع الحاصل من القياس وهذا انما يكون باعتبار تقيد الاحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من طريق القياس من باب نتيجة التقييد ففي الحقيقة موضوع تلك الاحكام من لا يكون عالما بها من طريق القياس وهذا ليس تصرفا في ناحية القطع حتى يقال بأن طريقيته ذاتية غير قابلة لان تنالها يد الجعل نفيا واثباتا بل تصرف في ناحية المقطوع وتخصيصه بموضوع خاص دون آخر بل لا يبعد أن يكون القطع الحاصل من الجفر والرمل ونحوهما ايضا كذلك بأن تكون الاحكام الواقعية مختصة من باب نتيجة التقييد بغير العالمين بها من تلك الطرق الغير المتعارفة فإن دعوى الاجماع على ذلك ليست بكل البعيد (وبالجملة) فأخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه بنحو الشرطية أو المانعية وإن لم يمكن بالنظر إلى الجعل الاول الغير الممكن فيه إلا الاهمال إلا ان ذلك بالنظر إلى متمم الجعل الناشئ من تقيد الاغراض
أو اطلاقها بمكان من الامكان (والغرض) من جميع ذلك هو دفع ما ربما يورد على شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في تمثيله للقطع الخاص المأخوذ في الموضوع بالقطع الحاصل من الكتاب والسنة عند الاخباري وحاصل الايراد هو ان القطع المتعلق بالحكم الشرعي لا محالة يكون طريقيا محضا ولا وجه لعده من اقسام القطع الموضوعي وحاصل الجواب هو انه يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطا أو مانعا لكن لا من باب تقييد الجعل الاول المستحيل بل من باب نتيجة التقييد المستفادة من المتمم للجعل الاول فإذا امكن للاخباري اقامة الدليل على تقييد الاحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة من غير الكتاب والسنة فلا مناص عن تصديقه لما عرفت من عدم المحذور في التقييد بالجعل الثاني أصلا (ثم) ان في قيام الامارات والاصول المحرزة مقام القطع وجوها بل اقوالا (الاول) قيامها مقام القطع الطريقي المحض دون غيره من
[ 9 ]
الاقسام مطلقا (الثاني) قيامها مقام القطع باقسامه (الثالث) قيامها مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية وهذا هو الذي اختاره شيخنا العلامة الانصاري وسيد اساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سرهما وهو الحق عندنا ولتوضيح ذلك نقدم مقدمات (الاولى) ان العلم وان اختلف في كونه من مقولة الفعل أو الانفعال أو الكيف أو الاضافة الا ان الحق ان فيه جهات كل منها إذا اول مراتبه هو استعداد النفس وتأثره من المعدات لايجاد صورة في صقعها وهذا هو جهة الانفعال ثم بعد ذلك توجد تلك الصورة في عالم الذهن وهذا هو جهة الفعل ثم تتصف النفس بكونها واجدة لتلك الصورة والكيفية التي لم تكن واجدة لها قبل ذلك وهذا هو جهة الكيفية ثم بعد ذلك تكون تلك الصورة المعلومة بالذات للنفس اضافة بينها وبين الموجود الخارجي الذي هو معلوم بالعرض وهذا هو جهة الاضافة وهذه المراتب وان لم يكن بينهما تقدم وتأخر خارجي إلا ان كل مرتبة منها متأخرة عن مرتبة سابقة عليها بالرتبة (ثم) ان المرتبة الاخيرة لها جهتان احدهما انكشاف المعلوم الخارجي لدى النفس وحضوره لديها وثانيهما البناء على وجوده وعقد القلب عليه المترتب عليه الترغبة إليه أو الهرب عنه وربما
تختلف الجهة الثانية عن الاولى كما في موارد التشريع والبناء على عدم المعلوم المعبر عنه في الآية المباركة بالجحود مع اليقين ثم ان ما عدا المرتبة الرابعة التي هي مرتبة تحقق المعلوم بالعرض أمور تكوينية غير قابلة لان تنالها يد الجعل واما المرتبة الرابعة فهي في القطع ذاتية غير قابلة للمجعولية وأما في غيره فجعلها بمكان من الامكان على خلاف بيننا وبين شيخنا العلامة الانصاري (قده) في ان مجعوليتها هل هي بنفسها أم بتبع الاحكام التكليفية وستعرف في بحث الاستصحاب امكان مجعوليتها بنفسها واستحالة كونها منتزعة من الاحكام التكليفية ففي مثل الامارات والطرق الناظرة إلى الواقع يكون المجعول الشرعي هي الجهة الاولى من المرتبة الرابعة فتكون هي طريقة إلى الواقع كما ان القطع طريق إليه غاية الامر ان طريقية القطع ذاتية له وطريقية الامارات مجعولة لها بجعل الشارع ابتداء أو امضاء وفي مثل الاصول المحررة التي أخذ الشك في موضوعها وليس لها نظر إلى الواقع ولكن حكم الشارع مع فرض الشك بالبناء على الواقع وبعدم الاعتناء بوجوده كالاستصحاب يكون المجعول الشرعي هي الجهة الثانية من المرتبة الرابعة وفي كل منهما يكون لادلة اعتبارهما حكومة على الادلة الواقعية حكومة ظاهرية لا واقعية توضيح ذلك ان الحكومة عبارة عن دلالة لعد الدليلين على توسعة موضوع الدليل الآخر
[ 10 ]
أو تضييقه وقد يكون دالا على تضييق حكمه ايضا (والتوسعة) أو التضييق تارة يكونان في مقام الثبوت والواقع وأخرى في مقام الاثبات والظاهر ففي مثل أدلة لا ضرر ولا حرج المفيدة لاختصاص الا حكام الشرعية بغير مواردهما تكون الحكومة واقعية ويستفاد منها ان الا حكام الشرعية لم تجعل في موارد الضرر والحرج واقعا وهذا تضييق بحسب الا حكام الواقعية كما ان المستفاد من قوله (ع) لا شك لكثير الشك هو اختصاص الشك المأخوذ في أدلة الشكوك بغير شك من يكثر شكه فيكون موضوع تلك الادلة ضيقا بحسب الواقع وتكون الحكومة ايضا واقعية وكذلك قوله صلى الله عليه وآله الطواف بالبيت صلاة وقوله صلى الله عليه وآله الفقاع خمر استصغره الناس يفيد أن تعميما في أدلة حرمة الخمر وأدلة اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة الموضوع واقعا
وهذا بخلاف أدلة حجيه الامارات والاصول فإنها لا تفيد تعميما أو تضييقا في الواقعيات بأن تدل على ان ما قامت البينة على خمريته أو المستصحب الخمرية مثلا حرام واقعا كيف وحجية الامارات في ظرف الجهل بالواقع والاصول أخذ في موضوعها الجهل به فهي في طول الواقع فكيف يمكن أن تكون مفيدة للتعميم أو التضييق بحسبه ومن ذلك ظهر ان المناط في الحكومة الواقعية هو كون الدليل الحاكم في عرض الدليل المحكوم حتى يكون متعمما له أو مضيقا له في مرتبته وهذا بخلاف ما إذا كان الدليل الحاكم في طول الواقع وفي مرتبة متأخرة عنه فإنه يستحيل حينئذ كون الحكومة واقعية وتتمحض في كونها ظاهرية كما في حكومة الامارات والاصول بعضها على بعض أو الامارات بتمامها على الاصول أو الامارات والاصول على الادلة الواقعية فإن الحكومة في جميع ذلك ظاهرية والتعميم أو التضيق إنما هو بحسب مقام الاثبات ليس إلا وبالجملة فحكم الشارع على المكلف بأنه عند قيام الامارة محرز للواقع وفي موارد الاصول المحرزة بوجوب البناء على كون مواردها هو الواقع يستلزم تعميما أو تضييقا في الادلة الواقعية في مقام الاثبات (فإن قلت) تشترك أدلة الشكوك في الصلاة مع أدلة الاصول في كون الشك مأخوذا في موضوعها فما الفارق بينهما حتى تكون الحكومة في أدلة الاصول ظاهرية وفي أدلة الشكوك واقعية (قلت) الفرق بينهما هو ان الشك المأخوذ في أدلة الشكوك إنما أخذ في الموضوع لا من جهة الحيرة في الواقع بل من جهة كونه صفة من الصفات النفسانية نظير أخذ القطع في الموضوع بما هو صفة ولا ريب ان المكلف باعتبار وجود تلك الصفة وعدمه ينقسم إلى قسمين وبمقتضى أدلة الشكوك ينقلب الحكم الواقعي ويكون واجد تلك الصفة مكلفا
[ 11 ]
باتيان الركعة المفصولة مثلا وإذا كان الحكم الثابت في حقه واقعيا لا ظاهريا فلا محالة تكون حكومة الدليل الدال على الغاء شك كثير الشك عليها حكومة واقعية وموجبا لتضييق الموضوع واقعا وهذا بخلاف أدلة الاصول فإن الشك لم يؤخذ في موضوعها بما هي صفة بل من جهة التخير في متعلقه فإذا فرض حكم الشارع على شئ بالمحرزية في مورد الاصل فلا محالة يكون
رافعا للتحير من جهة احراز الحكم الواقعي بحكم الشارع ومنه يظهر ان حكومة الاصول بعضها على بعض وحكومة الامارات عليها أو بعضها على بعض ليست إلا من جهة حكومتها على الا حكام الواقعية وكون الحكومة فيها ظاهرية إنما هو بهذا الاعتبار لا ان حكم الاصول يكون محفوظا في الواقع مع حكومة الامارات عليها كيف وقد ذكرنا في بحث الاجزاء وسيجئ إن شاء الله تعالى ان الا حكام الظاهرية أعني بها حكم الشارع بمحرزية شئ لا يمكن فعليتها إلا مع وصولها إلى المكلف موضوعا وحكما فإذا فرضنا حكم الشارع بمحرزية الامارة في مورد الاستصحاب مثلا فيستحيل مع ذلك بقاء الاستصحاب على صفة المحرزية ولا مناص عن الغاء صفة المحرزية عنه حينئذ ومع ذلك تكون الحكومة ظاهرية فإن حكومتها عليها ليست إلا من جهة كونها محرزة للواقع ليس إلا وقد عرفت ان هذه الحكومة ظاهرية لا واقعية (الثانية) ان تنجيز الواقع عند مصادفة الامارة أو الاصل للواقع أو المعذرية عند المخالفة ليسا بمجعولين بأنفسهما بل هما من لوازم جعل الحجية والطريقية فإن استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الواصل إنما هو من اللوازم العقلية لها كما ان عدم استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الغير الواصل ايضا كذلك فهما غير قابلين لان تنالهما يد الجعل أصلا فالمجعول في الحقيقة هو الكاشفية والطريقية للامارة أو الاصل المحرز للواقع وعند تحققهما يكون الواقع واصلا بنفسه ويكون المخالفة عليها حينئذ مخالفة للتكليف الواصل بنفسه فيترتب عليها استحقاق العقوبة (نعم) في الاصول الغير المحرزة كاصالة الاحتياط في الاموال والنفوس والاعراض أو في الشبهة التحريمية على القول بها لا يكون الواقع واصلا بنفسه إذ هو على مجهوليته بعد إيجاب الاحتياط ايضا إلا ان وجوب الاحتياط لكونه وجوبا طريقيا ناشئا عن اهتمام الشارع بالواقع ومتمما للجعل الاول يكون وصوله كافيا في استحقاق العقوبة على الواقع إذ الواقع بعد إيجابه يكون واصلا بطريقه فيصح العقوبة على مخالفته وقد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان متمم الجعل الاول الناشئ من عدم وفاء الجعل الاول بالغرض تارة يكون واقعيا وفي عرض الجعل
[ 12 ]
الاول وأخرى يكون طريقيا وفي طوله وعلى كل تقدير فالعقاب على مخالفته هو العقاب على مخالفة الواقع عينا لكون الداعي إلى جعلهما غرضا واحدا فيكونان في حكم تكليف واحد وبالجملة ما يمكن للشارع جعله في باب الامارات أو الاصول المحرزة ابتداء أو امضاء إنما هو الطريقية والكاشفية حتى يكونان موجبين لوصول الواقع على ما عرفت من الفرق بينهما وأما استحقاق العقاب أو المعذرية فهما من اللوازم العقلية للوصول وعدمه وغير قابلين للمجعولية اصلا (الثالثة) انه ليس معنى حجية الطريق مثلا تنزيل مؤداه منزلة الواقع ولا تنزيله منزلة القطع حتى يكون المؤدي واقعا تعبدا أو يكون الامارة علما تعبدا بداهة ان دليل الحجية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلا وإنما نظره إلى اعطاء صفة الطريقية والكاشفية للامارة وجعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزا تشريعيا (نعم) لابد وان يكون المورد قابلا لذلك بأن يكون له كاشفية عن الواقع في الجملة ولو نوعا إذ ليس كل موضوع قابلا لاعطاء صفة الطريقية والمحرزية له فما يجري على الالسنة بأن ما قامت البينة على خمريته مثلا خمر تعبدا أو ان نفس البينة علم تعبدا فمما لا محصل له وليس له معنى معقول إذ الخمرية أو العلم من الامور التكوينية الواقعية التي لا تنالها يد الجعل تشريعا مضافا إلى انه لم يرد في آية ولا رواية ان ما قامت البينة على خمريته خمرا وان الامارة علم حتى يصح دعوى كون المجعول هو الخمرية أو كون البينة علما ولو بنحو المسامحة من باب والضيق في التعبير وبالجملة ما يكون قابلا لتعلق الجعل التشريعي به كبقية المجعولات التشريعية هو نفس صفة الكاشفية والطريقية لما ليس كذلك بحسب ذاته من دون تنزيل للمؤدي منزلة الواقع ولا لتنزيل نفسه منزلة العلم إذا عرفت هذه المقدمات فنقول ان عمدة ما يتصور أن يكون مانعا عن قيام الامارات والاصول منزلة العلم الطريقي المحض والمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية هو ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) وهو الذي كان يدور على السنة تلامذة شيخنا العلامة الانصاري (قده) منذ سنين وحاصله ان في كل تنزيل لابد من ملاحظة المنزل والمنزل عليه لا محالة وتنزيل الامارة منزلة القطع الطريقي إنما هو بتنزيل المؤدي منزلة الواقع في الحقيقة إذ المفروض عدم ترتب أثر شرعي على نفس القطع
فيكون لحاظ الامارة والقطع في هذا التنزيل آليا وفانيا في الواقع والمؤدي كما ان تنزيل الامارة منزلة القطع الموضوعي لابد فيه من لحاظهما استقلالا وباعتبار آثار نفس القطع ولا ريب ان هذين اللحاظين مع قطع النظر عن عدم امكان تصور الجامع بينهما متنافيان كمال المنافاة ولا
[ 13 ]
يمكن الجمع بينهما في دليل واحد فلا مناص من كون دليل الحجية متكفلا للتنزيل بذاك اللحاظ الآلي فلا يكون دليلا على قيام الامارات مقام القطع الموضوعي أو بذلك اللحاظ الاستقلالي فلا يكون دليلا على قيامها مقام القطع الطريقي (ولا يخفى) ان بناء هذا الاشكال على عدم التفرقة بين الحكومة الظاهرية والواقعية وتخيل ان دليل الاعتبار إنما يتكفل لاثبات احكام الواقع للمؤدي أو أحكام القطع للامارة فيكون تعميما في الموضوعات الواقعية أو في العلم المأخوذ في الموضوع واقعا وأما إذا بنينا على عدم تكفل دليل الحجة والاعتبار للتنزيل أصلا بل غاية شانه هو اعطاء صفة الطريقية والكاشفية للامارة وجعل ما ليس بمحرز للواقع حقيقة محرزا له تشريعا فليس هناك تنزيل حتى يترتب عليه الجمع بين اللحاظين المتنافيين والحاصل إذا فرضنا ان الشارع حكم بوجوب الاجتناب عن الخمر الواقعي وحكم بنجاسته حين ما كان محرزا عند المكلف فعند قيام البينة على خمرية شئ والمفروض ان الشارع جعل لها صفة المحرزية والكاشفية فكما انه يترتب عليه وجوب الاجتناب للكون المكلف محرزا للخمر الواقعي فكذلك يترتب عليه النجاسة ايضا إذا المفروض أن الموضوع لها هو الخمر المحرز وما قامت البينة على خمريته بعد حكم الشارع بمحرزيتها وطريقيتها يكون كذلك لا محالة غاية الامر ان موضوع الحكم في القطع الطريقي هو نفس الواقع وهو محرز بحكم الشارع وفي القطع الموضوعي مركب من جزئين طوليين بحيث يكون تحقق احدهما كافيا في تحقق الآخر ايضا فإن الاحراز الذي هو جزء الموضوع محرز بنفسه والواقع الذي هو الجزء الآخر محرز به ومما ذكرناه يظهر انه لا معنى للحكم الظاهري إلا الحكم الواقعي المحرز بحكم الشارع وإلا فليس هناك بعث وزجر آخر في قبال الواقع حتى يكون حقيقة الحكم منقسمة إلى واقعي وظاهري (ثم) لا يخفى ان مرادنا
من القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية ليس كون لفظ القطع مستعملا في مطلق الكاشف على نحو عموم المجاز ولا كون كاشفيته علة مستنبطة حتى يورد علينا بأن استعمال العلم في مطلق الكاشف يحتاج إلى قرينة في الكلام وبأن العلة المستنبطة ما لم تكن قطعية لا توجب سراية الحكم إلى غير الموضوع في القضية ودون اثبات القطع يكون الملاك والعلة هو الكاشفية خرط القتاد بل المراد منه هو كونه بنفسه مأخوذا في الموضوع بما انه منور لغيره موجب لكون الموجود الخارجي معلوما بالعرض كما ان الموضوع في القطع الطريقي هو نفس الخمر الواقعي ولكن الامارة إنما تقوم مقامها لاجل الحكومة الظاهرية وتحقق موضوع الحكم في كلا المقامين في
[ 14 ]
حكم الشارع وبجعله وبعبارة أخرى كما ان ما قامت البينة على خمريته لا يكون حقيقة من افراد الموضوع لوجوب الاجتناب ولا يكون دليل الاعتبار كاشفا عن عموم موضوع الحكم له واقعا بناء على عدم كون الحكومة واقعية كما هو الصحيح ومع ذلك يترتب عليه الاحكام ظاهرا لكونها محرزة للخمر الواقعي بحكم الشارع فكذلك لا يكون نفس البينة من افراد القطع الموضوعي حقيقة بأن يكون دليل الاعتبار كاشفا عن توسعة الاحكام الثابتة للقطع الموضوعي واقعا ومع ذلك فحيث ان موضوع الحكم بعد حكم الشارع بالكاشفية والطريقية يكون محرزا بجعل الشارع فيترتب عليه احكامه ايضا وبالجملة حال تحقق موضوع الحكم في القطع الموضوعي على وجه الطريقية بعينها حال تحققه في القطع الطريقي فكما ان الموجب له هو حكم الشارع بطريقية الامارة وكاشفيتها فكذلك الموجب له هو ذلك ايضا (والحاصل) ان تحقق الواقع بعد قيام البينة مثلا إنما هو من جهة اعطاء الشارع صفة المحرزية والكاشفية البينة التي هي ليست بمحرزة تامة للواقع فصفة المحرزية إنما هي المجعولة أولا بالذات وكون الواقع محرزا إنما هو بتبعها فقيامها بعد اتصافها بهذه الصفة المجعولة مقام القطع الوجداني في كونه جزء للموضوع أولى من قيام المؤدي منزلة الواقع (هذا كله) في القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية والكاشفية وأما ما أخذ فيه على وجه الصفتية فلا يمكن قيام الامارات أو الاصول مقامه بالنظر
إلى دليل اعتبارها فإن دليل الاعتبار كما عرفت إنما يتكفل لاعطاء صفة الكاشفية والمحرزية فقط والمفروض ان القطع لم يؤخذ بهذه الجهة موضوعا للحكم والجهة التي بها أخذ في الموضوع لا يكون دليل الاعتبار ناظرا إليها ومثبتا لها وبعبارة أخرى حال القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية حال بقية الصفات المأخوذة فيه فكما لا معنى لقيام الامارة مقامها بدليل اعتبارها فكذلك لا معنى لقيامها مقامه وهذا واضح بأدنى التفات وتأمل ولا يحتاج إلى مزيد توضيح وبيان (ثم) ان القطع المأخوذ في الموضوع بتلك الجهة الظاهر عدم وجوده في الشرعيات وتوهم كون القطع المأخوذ في موضوع جواز الشهادة أو في الركعتين الاوليين من هذا القبيل فاسد فإن قوله صلى الله عليه وآله في باب الشهادة بمثل هذا فاشهد أودع ظاهر في كون القطع مأخوذا بجهة كشفه عن الواقع كانكشاف الشمس في النهار ولا بما انه من صفات الشاهد وأما أدلة اعتبار اليقين في الركعتين الاوليين فبعضها وإن كان مشتملا على لفظ اليقين إلا ان الموجود في البقية هو لفظ الاثبات والاحراز ومن الواضح ان ظاهرهما هو كونه مأخوذا فيه بما انه كاشف
[ 15 ]
لا بما انه صفة خاصة ثم انه إذ فرضنا قيام دليل خاص على قيام امارة أو اصل مقام القطع الصفتي كما هو مقتضى رواية حفص الدالة على جواز الشهادة من جهة اليد بناء على كون القطع المأخوذ في موضوعه مأخوذا فيه على وجه الصفتية فليس قيامهما مقامه من قبيل قيامهما مقام القطع الطريقي المحض أو المأخوذ في موضوع الحكم على وجه الطريقية لما عرفت من ان قيامهما مقامه إنما هو من جهة الحكومة الظاهرية المقتضية لترتيب الآثار في مقام الظاهر وأما قيامها مقام القطع الصفتي فهو أجنبي عن جهة الكاشفية بل هو من باب التعميم في الموضوع واقعا واسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر الكاشف عن عدم اختصاص الحكم بالموضوع الاول وعن اشتراك الآخر معه نظير قوله صلى الله عليه وآله الطواف بالبيت صلاة الكاشف عن اشتراط الطواف كالصلاة بالطهارة الحدثية والخبثية فتكون الحكومة واقعية فالاحكام الثابتة للمقطوع بعد قيام الدليل على تنزيل الظن منزلته وقيامه مقامه ينكشف ثبوتها للاعم من المقطوع والمظنون
واقعا هذا ولكن الظاهر من عبارة شيخنا العلامة الانصاري (قده) ان قيام الامارات مقام القطع الصفتي إنما هو من باب قيامها مقام القطع الطريقي وإنما الفرق بينهما انما هو في ان الثاني يثبت بنفس دليل الاعتبار بخلاف الاول فإنه يحتاج إلى دليل بالخصوص ولا يكفي فيه قيام الدليل على اعتبارها بقي الكلام فيما استدل به على قيام الامارات والاصول مقام القطع بتمام اقسامه وعمدة ما يستدل به على ذلك هو ان دليل الاعتبار إنما يفيد تنزيل المؤدي منزلة الواقع وبعد قيام الامارة يقطع بكون مؤداها واقعا تعبديا جعليا فأحد جزئي الموضوع وهو القطع يكون محرزا بالوجدان والجزء الآخر وهو الواقع يكون محرزا بالتعبد فكما يترتب على آثار الخمر الواقعي على ما قامت البينة على خمريته بالتعبد على خمريته فكذلك يترتب عليه آثار مقطوع الخمرية بنفس هذا التعبد ايضا وهذا هو الوجه الذي تشبث به المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقه على الرسائل في اثبات قيام الامارات مقام القطع الطريقي والموضوعي بنفس دليل الحجية ثم انه (قده) بعد ما أورد على نفسه بما حاصله ان القطع المأخوذ جزء للموضوع هو القطع المتعلق بالموضوع الواقعي فلا يكون تنزيل المؤدي منزلة الواقع كافيا في تحقق تمام الموضوع بضميمة الوجدان إلى التنزيل التزم باستلزام تنزيل المؤدي منزلة الواقع حتى بلحاظ كونه جزء للموضوع لتنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي وبالآخرة قد تمسك باطلاق الدليل للتنزيل من هذه الجهة ايضا وهو (قده) وان عدل عن
[ 16 ]
هذا التقريب في الكفاية إلا انه لا يخفى ما فيه من الاشكالات الكثيرة إذ يرد عليه أولا ان هذا التقريب على تقدير تماميته إنما يتوقف على كون مفاد أدلة الاعتبار هو تنزيل المؤدي منزلة الواقع وقد عرفت ان أدلة الاعتبار لا تتكفل إلا اعطاء صفة الطريقية والمحرزية للامارة فيكون حال الامارة حال القطع الوجداني غاية الامر ان الطريقية فيه ذاتية وفي الامارة جعلية واما تنزيل المؤدي منزلة الواقع فلازمة كما عرفت هي الحكومة الواقعية وهي مستلزمة للتصويب وكون مؤديات الامارات محكومة بالاحكام الواقعية وعليه فلا يكون لجملة من المباحث
كمبحث الاجزاء ونحوه مجال أصلا إذ بعد كون المؤدي محكوما بالحكم الواقعي فما معنى انكشاف الخلاف بعد ذلك حتى يتكلم في كونه مجزيا عن الواقع وعدمه (ثانيا) ان تنزيل المؤدي منزلة الواقع في كونه جزء للموضوع باعتبار الحكم الثابت للمركب يتوقف على كون الجزء الآخر منزلا في عرضه أو محرزا بالوجدان كذلك مع ان الجزء الآخر وهو القطع بالواقع الجعلي وتنزيله منزلة القطع بالواقع الحقيقي يتوقف على تنزيل المؤدي منزلة الواقع على الفرض فيلزم الدور المصرح وبهذا الوجه أشار هو قدس سره في الكفاية ايضا (وثالثا) ان موضوع الحكم في القضية الحقيقية التي حكم فيها بثبوت الحكم على مفروض الوجود إذا كان مركبا من جزئين لا يكون أحدهما احرازا فيمكن حينئذ أن يكون احد الجزئين محرزا في زمان والجزء الآخر محرزا بعد ذلك بزمان كالكرية والمائية وأما إذا كان أحد الجزئين هو الواقع والجزء الآخر احرازه فلا يمكن احراز أحد الجزئين أولا واحراز الجزء الآخر بعده ويستحيل كون الاحراز المتأخر جزء من هذا الموضوع وحيث ان المفروض في المقام هو تركب الموضوع من الاحراز ومتعلقه فلو كان الجزء الآخر منزلا في عرض الجزء الاول بأن يكون مشكوك الخمرية منزلا منزلة الخمر الواقعي وكان احراز الخمر الواقعي بالامارة منزلا منزلة القطع بالواقع فيتم الموضوع حينئذ وأما إذا كان الاحراز المتأخر عن التنزيل وهو القطع بالواقع الجعلي الذي لامساس له بالواقع الحقيقي منزلا منزلة القطع بالواقع فيستحيل التئامه مع الجزء الاول حتى يتحقق المركب الذي هو الموضوع للحكم وليت شعري ما الذي دعا هذا المحقق إلى جعل الجزء الآخر المنزل منزلة القطع بالواقع هو القطع بالواقع الجعلي حتى يرد عليه ذلك ولم لم يلتزم إلى كون الجزء الآخر المنزل منزلته بالملازمة هو الاحراز الناقص المتعلق بنفس الواقع حتى يسلم من ذلك (ورابعا) ان تمسكه بالاطلاق لاثبات التنزيل بلحاظ كون المؤدي
[ 17 ]
جزء للموضوع حتى يترتب عليه تنزيل الجزء الآخر عجيب وأعجب منه قياسه ذلك بورود الدليل الخاص على التنزيل بهذا اللحاظ والوجه في ذلك هو ان الدليل الخاص الوارد في مقام
التنزيل بلحاظ جزء الموضوع لا محالة يكون دليلا ومثبتا للتنزيل بلحاظ الجزء الآخر ايضا صونا لكلام الحكيم عن اللغوية إذ المفروض عدم ترتب الاثر على جزء الموضوع بنفسه وهذا كما إذا ورد الدليل بالخصوص على استصحاب الحياة مع عدم اثر مترتب على نفسها بل كان الاثر مترتبا على لازمها العقلي والعادي فإنه لا مناص حينئذ عن الالتزام بكون التعبد بلحاظ أثر اللازم لئلا يلزم اللغوية في كلام الحكيم واين ذلك من اثبات هذا الاثر باطلاق لا تنقض اليقين بالشك فإن شموله بلحاظ أثر اللازم اول الكلام وكذلك في المقام فإن شمول اطلاق دليل التنزيل لجزء الموضوع حتى يترتب عليه تنزيل آخر أول الدعوى وبالجملة التمسك بالاطلاق إنما يصح فيما إذا لم يكن شموله لمقام محتاجا إلى عناية أخرى وأما فيما إذا احتيج إلى ذلك في الشمول فلا يمكن اثبات تلك العناية به وإلا فلا بد من القول بحجية كل أصل مثبت ومن الغريب انه (قده) مع عدم ذهابه إلى حجية الاصل المثبت قد صدر منه ما ينافي مبناه في المقام وفي القول بمحصلية الاقل بجريان حديث الرفع فيما شك في جزئيته أو شرطيته وفيما إذا نسي الجزء أو الشرط وخامسا إذا اغمضنا عن جميع ما يرد عليه فغاية ما يدل عليه دليل التنزيل هو كون المؤدي منزلا منزلة الواقع في كونه منكشفا للمكلف وغاية ما يقتضيه الملازمة بين التنزيلين هو كون الجزء الآخر منزلا منزلة القطع في انكشاف الواقع به واين ذلك من تنزيل الجزء الآخر منزلة القطع المأخوذ على وجه الصفتية وهذا يحتاج إلى عناية أخرى لا يتكفل لها دليل الحجية أصلا بقي هناك شئ وهو ان موضوع الحكم إذا كان مرسلا وغير مقيد بكونه معلوما فهل يمكن أخذ القطع به في موضوع حكم آخر مثله أو ضده أم لا أما بالنسبة إلى الضد فلا اشكال في عدم جوازه لما فيه من اجتماع الضدين وامتناع امتثال المكلف في الخارج واما بالنسبة إلى إلى الحكم المماثل فربما يقال فيه بالجواز نظرا إلى عدم ترتب محذور على ذلك إلا ما يتوهم من استلزامه لاجتماع المثلين وهو لا يكون بمحذور في امثال المقام أصلا فإن اجتماع عنوانين في شئ واحد يوجب تأكد الطلب واين ذلك من اجتماع الحكمين المتماثلين وقد وقع نظير ذلك في جملة من الموارد كما في موارد النذر على الواجب وامثاله ولكن التحقيق هو استحالة ذلك
ايضا فإن القاطع بالخمرية مثلا إنما يرى الخمر الواقعي ولا يرى الزجر عما قطع بخمريته إلا
[ 18 ]
زجرا عن الواقع فليس عنوان مقطوع الخمرية عنده عنوانا آخر منفكا عن الخمر الواقعي ومجتمعا معه أحيانا حتى يمكن تعلق حكم آخر عليه في قبال الواقع كما في موارد اجتماع وجوب الشئ في حد نفسه مع وجوب الوفاء بالنذر وأمثاله ومع عدم قابلية هذا العنوان لعروض حكم عليه في نظر القاطع لا يمكن جعله له حتى يلتزم بالتأكد في موارد الاجتماع هذا كله في اقسام القطع وقد عرفت ان اقسامه الممكنة اربعة والواقع منها في الشريعة قسمان القطع الطريقي المحض وما أخذ في الموضوع على جهة الطريقية وقد عرفت ان الصحيح هو قيام الامارات مقام كل من القسمين بنفس دليل الاعتبار والمفيد لحكومتها على الادلة الواقعية بالحكومة الظاهرية وأما الظن فحيث ان طريقيته ليست ذاتية بل لا بد وان تكون بجعل جاعل كما عرفت فهو ينقسم إلى قسمين ما يكون حجة مجعولة وما لا يكون كذلك (وتوهم) وجود قسم ثالث فيه وهو ما يكون حجة من جعلة كالظن الانسدادي على الحكومة بتوهم ان الظن في هذا الحال كالقطع حال الانفتاح في كون الطريقية من لوازم ذاته وكونه حجة من جعلة بحكم العقل ولا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه بقاعدة الملازمة ايضا كما أفاده العلامة الانصاري قدس سره فاسد فإن حقيقة الظن إذا لم يكن الطريقية من لوازمها فكيف يمكن كونها كذلك بمقدمات الانسداد وهل يوجب ترتيب مقدمات الانسداد انقلاب الظن عن حقيقته إلى حقيقة أخرى والمراد من كون الظن حجة على الحكومة ليس هو كونه طريقا منجعلا بل المراد هو ان بطلان الاحتياط إذا لم يستلزم جعل الشارع طريقا كما يدعيه القائل بالحكومة فلا بد وان تنزل من الامتثال القطعي الاجمالي إلى الامتثال الظني وبعبارة أخرى لا بد من الاحتياط في خصوص المظنونات وطرح المشكوكات والموهومات كما انه إذا لم يمكن الامتثال الظني في اطراف العلم الاجمالي فلا بد وان نتنزل إلى الاحتمالي لا ان الظن والاحتمال يكونان طريقين إلى متعلقيهما عقلا في هذا الحال واما عدم استكشاف حكم شرعي بقاعدة الملازمة فليس من جهة كون الطريقية
فيه ذاتية بل من جهة استقلال العقل بالحكم في باب الاطاعة والمعصية من دون ان يكون مستتبعا لحكم شرعي ثم ان حال الظن في أخذه في الموضوع كحال القطع بعينها في انه قد يكون تمام الموضوع وأخرى يكون جزء له وعلى الثاني فإما ان يؤخذ فيه على وجه الطريقية أو على وجه الصفتية واما على الاول فقد عرفت استحالة كونه موضوعا على وجه الطريقية ثم ان الظن المأخوذ في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة اما ان يكون ظنا معتبرا أو يكون ظنا غير
[ 19 ]
معتبر فيكون الاقسام ستة وتوهم استحالة أخذ الظن الغير المعتبر جزء للموضوع بتقريب انه إذا لم يكن حجة وطريقا إلى متعلقه فكيف يلتئم منه الموضوع في الخارج فإن الجزء الآخر له وهو الواقع اما ان يكون محرزا بالظن أو بالقطع اما احرازه بالظن فهو بعد فرض عدم حجيته غير معقول واما احرازه بالقطع فهو إن كان ممكنا إلا ان اجتماعه مع الظن ليتحقق تمام الموضوع ويلتئم الجزءان في الخارج مستحيل فإذا لم يمكن القيام الظن الغير المعتبر مع الجزء الآخر فجعله جزء للموضوع غير معقول مدفوع بعدم انحصار المحرز للجزء الآخر بالقطع وبهذا الظن الغير المعتبر المأخوذ في الموضوع حتى لا يمكن التئام الجزئين في الخارج بل يمكن احراز الجزء الآخر بأصل أو امارة خارجية ويلتئم الموضوع حينئذ بضم الوجدان إلى التعبد ويترتب عليه الآثار المجعولة (ثم) انك قد عرفت سابقا ان أخذ القطع في الموضوع في تمام اقسامه الثلاثة الممكنة إنما هو باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي عن حكم متعلقه واما الظن فهو ان كان معتبرا وطريقا مجعولا إلى متعلقه فحاله حال القطع بعينها فإن متعلقه إذا كان حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم فيستحيل أخذه في موضوع حكم آخر يضاد حكم المتعلق أو يماثله بيان ذلك ان الشارع إذا حكم بحرمة الخمر فيكون تلك الحرمة شاملة لصورة الظن بها بنتيجة الاطلاق كما انها تشمل الخمر المظنون خمريته بالاطلاق اللحاظي فإن انقسام الخمر إلى كونه مظنونا ومشكوكا ومقطوعا من الانقسامات الاولية التي يمكن لحاظها في مقام الحكم ومع شمول الحرمة للحرمة المظنونة أو الخمر المظنون خمريته فيستحيل جعل حرمة أخرى أو جعل الوثوب مثلا
لمظنون الحرمة أو لمظنون الخمرية لامتناع اجتماع المثلين والضدين هذا مضافا إلى ان جعل الحكم المضاد يستلزم تحير المكلف في مقام الامتثال بداهة ان لازم تعلق الظن المعبر بالحرمة أو الحرام هو لزوم الاجتناب ولازم أخذه موضوعا للوجوب هو الارتكاب والجمع بينهما غير ممكن فيبقى المكلف متحيرا في مقام الطاعة أو الحرام (وتوهم) امكان الاخذ في موضوع حكم مماثل باعتبار كون الظن بالحرمة أو الحرام عنوانا آخر فيمكن الحكم لهذا العنوان بنفسه ويكون لازما ذلك هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع قد ظهر فساده مما بيناه في استحالة كون القطع بالحكم موجبا لحدوث عنوان آخر يكون متعلقا لحكم مماثل وموجبا لتأكد الحكم في مورد الاجتماع وجه الظهور وهو ان الظن بالحكم أو بموضوع ذي حكم بعد فرض كونه طريقا ومحرز المتعلقة يكون حاله حال القطع فيما ذكرناه في وجه الاستحالة من ان المحرز للشئ ليس حقيقته إلا
[ 20 ]
ما به ينكشف ذلك الشئ وليس انكشاف الشئ أمر آخر في قبال المنكشف وموجبا لتعنونه بعنوان آخر بل الظن اسوأ حالا من القطع في بعض الجهات فإن القطع يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم متعلقه من باب نتيجة التقيد والتصرف في الحكم المقطوع دون نفسه لعدم كون طريقته قابلة للتصرف وهذا بخلاف الظن المعتبر لانه لا يعقل فيه ذلك إذ المفروض ان طريقيته جعلية وانها قابلة للتصرف ومع اعطاء الطريقية له كيف يمكن ان يتصرف في الحكم المظنون بتقييده بعدم كونه مؤدى لهذا الطريق والحاصل انه يمكن للشارع أن لا يعطي صفة الطريقية للظن القياسي مثلا ولكن مع اعطائها له لا يمكن تقييد حكمه بأن لا يحصل من الظن القياسي واما في القطع فحيث كان التصرف فيه والغاء الطريقية عنه مستحيلا فلم يكن هناك مناص عن تقييد الحكم كما عرفته هذا كله في الظن المعتبر وأما الظن الغير المعتبر فيظهر استحالة أخذه في موضوع الحكم المضاد مما ذكرناه في وجه الاستحالة في اخذ الظن المعتبر موضوعا له فإن الحكم الواقعي بعد شموله لمورد الظن بالاطلاق الذاتي واللحاظي فيستحيل جعل حكم آخر مضاد له لا محالة وأما أخذه في موضوع الحكم المماثل تمام الموضوع أو جزء له فلا محذور فيه أصلا
بداهة امكان كون تعلق الظن بالخمر أو كون عنوان مظنون الخمرية بنفسه وإن لم يكن هناك خمر واقعي موجبا لحرمة أخرى فيما إذا لم يتصف الظن بالمحرزية والطريقية كما هو المفروض في المقام ومع امكانه فلا مانع من جعلها الموجب للتأكد في مورد الاجتماع لا محالة بالخمرية (فإن قلت) إذا فرض شمول الخمر الواقعي المفروض حرمته لصورة الظن به ايضا كما مر آنفا فلا محالة بكون جعل حرمة أخرى له لغوا محضا لا يترتب عليه أثر قلت إذا كان الظن بالخمرية مثلا تمام الموضوع للحرمة فلا محالة يكون النسبة بينه وبين الخمر الواقعي هو العموم من وجه ويكون كل من العنوانين بنفسه موجبا لتعلق الحكم به كما في عنواني العالم والهاشمي الموجب كل منهما لجعل وجوب الاكرام له غاية الامر هو تأكد الحكم في مورد الاجتماع كما أشرنا إليه وأين ذلك من اللغوية واما إذا كان الظن بها جزءا لموضوع الحرمة فلكون النسبة بين الموضوعين هو العموم والخصوص المطلق ربما يتوهم استحالة جعل الحكم للخاص مرة ثانية بعد جعله للعام كما إذا حكم بوجوب اكرام الفقهاء بعد الحكم بوجوب اكرام العلماء مطلقا إلا انه توهم فاسد فإن عنوان الفقيه في المثال وعنوان كون الخمر الواقعي مظنونا في المقام إذا كان فيهما ما يوجب جعل الحكم لهما بالخصوص فلا مانع عن الجعل الموجب لتأكد الطلب فيهما ويكون فائدة
[ 21 ]
التشريع هو ان المكلف ربما لا يكون له داع إلى امتثال الاحكام الغير المؤكدة الصادرة من المولى ولكنه لا يتجاسر على مخالفة التكاليف المؤكدة فإذا لم يجعل الوجوب لخصوص اكرام الفقهاء أو الحرمة لخصوص الخمر المظنون فلا يكون التكليف الاول الشامل لهما بالعموم موجبا لاطاعته وهذا المقدار يكفي في فائدة التشريع واخراجه عن اللغوية فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الممكن من اقسام الظن المأخوذ في الموضوع ثمانية فإنه اما ان يكون حجة أولا وعلى كلا التقديرين فإما ان يكون تمام الموضوع أو جزءه وعلى الثاني فإما ان يكون مأخوذا على وجه الصفتية أو مأخوذا على وجه الطريقية فهذه اقسام ستة ممكنة باعتبار أخذه في موضوع حكم آخر أجنبي واما أخذه فيه في موضوع حكم مماثل لحكم المتعلق أو مضاد له فقد عرفت ان الممكن
من اقسامه قسمان لا غير (أحدهما) أخذ الظن الغير المعتبر تمام الموضوع للحكم المماثل والثاني أخذه جزء له وفيما ذكرناه من قيام الامارات والاصول مقام القطع وعدمه غنى عن اعادة الكلام في اقسام الظن هذا وفي عبارة العلامة الانصاري قدس سره في المقام تشويش لا يخفى على من راجعها وقد نقل الاستاذ دام ظله من استاذ أساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره تصحيحه لعبارة الكتاب بما يرتفع به التشويش (ثم) لا يخفى أن أخذ الظن في موضوع حكم من الاحكام الشرعية ليس له عين ولا أثر وإنما كان تعرضنا لاقسامه المعقولة تشريحا للذهن تبعا للعلامة الانصاري (قده) فإن قلت اليس اعتبار الوثوق بالعدالة في موضوع جواز الائتمام من باب أخذ الظن في موضوع الحكم الشرعي ثم ان الظاهر ان اعتباره فيه من باب أخذه تمام الموضوع وعلى وجه الصفتية ولذا لا يجب اعادة الصلاة عند انكشاف عدم العدالة بالفسق أو الكفر بعدها فلا بد وان لا يقوم البينة أو الاستصحاب مقامه مع عدم حصول الوثوق منهما بناء على ما ذكرت من عدم قيام الامارات والاصول مقام ما أخذ في الموضوع على جهة الصفتية والكاشفية (قلت) الوثوق المأخوذ موضوعا لجواز الائتمام إنما هو الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي فأخذه في الموضوع أجنبي عن أخذ الظن فيه وأما حديث قيام الامارات والاصول مقامه فهو على القاعدة إذ الظاهر أن أخذه فيه من جهة الكاشفية والطريقية إلى متعلقه وليس في حكم الشارع بالاجزاء عند كشف الخلاف دلالة على ان الموضوع هو نفس الاحراز كما توهم ذلك في اشتراط الصلاة بالطهارة من جهة حكم الشارع بالاجزاء عند انكشاف
[ 22 ]
وقوعها في الثوب المتنجس بل الصحيح هو ان الحكم بالاجزاء إنما هو لاكتفاء الشارع عن المأمور به بالمأتي به لمصلحة التسهيل أو غيرها وقد ذكرنا في بحث الاجزاء ما ينفع في المقام فراجع بقي أمور (الاول) في بيان ان التجري والمخالفة الاعتقادية يترتب عليه ما يترتب على المعصية والمخالفة الواقعية أم لا وقبل التكلم في ذلك لا بد من التنبيه على أمر وهو انه توهم بعضهم ان النزاع في المقام إنما يجري في خصوص مخالفة القطع بالواقع المفروض عدم اصابته
وأما مخالفة الطرق الشرعية فلا يجري فيها النزاع لعدم الاشكال والريب في استحقاق العقاب على مخالفتها وإن كانت غير مصيبة للواقع ومنشأ هذا التوهم هو تخيل ان مخالفة الطرق الشرعية إنما هي مخالفة للاحكام الظاهرية المجعولة من قبل المولى فلا محالة يترتب عليها استحقاق العقاب وإن لم يكن هناك أحكام واقعية في مواردها وهذا بخلاف القطع فإن مخالفته في صورة عدم المصادفة لا يكون مخالفة لحكم واقعي ولا ظاهري فيقع النزاع في ان المخالفة الاعتقادية التخيلية يترتب عليها ما يترتب على المخالفة الواقعية أم لا (وأنت) بعد ما عرفت ان المجعول في موارد الطرق الشرعية ليس هي الاحكام البعثية أو الزجرية وإنما هو نفس صفة الطريقية والكاشفية من دون استتباعها لحكم شرعي تعرف ان حال مخالفة الطريق الوجداني حال الطريق الجعلي بعينها من دون فرق بينهما أصلا وعليه يكون محل النزاع في المقام أعم من مخالفة القطع الوجداني والامارات أو الاصول حتى اصالة الاحتياط في موارد العلم الاجمالي أو غيرها وبالجملة مخالفة مطلق المنجز للحكم على تقدير انكشاف عدم ثبوته في الواقع يكون محل الكلام في المقام إذا عرفت ذلك فاعلم انه ربما يحرر المسألة في محل الكلام فرعية وأخرى أصولية وثالثة كلامية (اما) تحريرها فرعية فباعتبار أن يقع الكلام في اتصاف المخالفة القطعية ولو كان القطع غير مصادف للواقع بالحرمة وعدمه وأنت بعد ما عرفت ان انكشاف الواقع لا يزيد بنظر القاطع على الواقع بشئ ويستحيل أن يكون بهذا العنوان محكوما بحكم آخر تعرف بطلان تحريرها فقهية (واما) تحريرها أصولية فهو من وجهين (الاول) أن يقع النزافي شمول الخطاب الواقعي فيما كان له موضوع خارج عن الاختيار كما في لا تشرب الخمر وامثاله لمقطوع الخمريه مثلا فيكون مقطوع الخمرية محرما بنفس الدليل الواقعي (الثاني) أن يكون النزاع في ان عنوان المقطوعية وتعلق صفة القطع بشئ هل يمكن أن يكون من العناوين التي بها يتأكد الحكم أو يتبدل أم لا (اما) الكلام من الجهة الاولى وابطال توهم شمول الاطلاقات الاولية
[ 23 ]
لعنوان المقطوع يتوقف على بيان مستند الخصم في توهم شمول الاطلاق لذلك فنقول ان من
ذهب إلى شمول الاطلاقات الاولية للمقطوع وإن كان القطع غير مصادف للواقع قد اعتمد في اثبات مطلوبه إلى مقدمات ثلاث (الاولى) ان الخطابات التي لها موضوع خارجي لا محالة يكون الحكم فيها بعد فرض وجود الموضوع خارجا كما هو شأن القضايا الحقيقية ويكون متعلق الحكم حينئذ هي القطعة الاختيارية التي لم تأخذ مفروض الوجود مثلا خمرية المائع الخارجي في قضية لا تشرب الخمر وصدق الخمر عليه لا بد وان يكون مفروض الوجود في الخطاب حتى يكون المتعلق له هو الشرب الاختياري بداهة ان الامور الغير الاختيارية كخمرية المايع غير قابلة لتعلق الخطاب بها وعلى ذلك فرعنا بطلان الواجب المعلق وذكرنا ان الزمان لكونه خارجا عن الاختيار يستحيل كونه قيدا للمطلوب بل لا مناص عن كونه مفروض الوجود حين الخطاب وتعلق الخطاب بالقطعة الاختيارية ولازم ذلك هو الالتزام باشتراط الوجوب فإن كل قضية حقيقة ترجع إلى قضية شرطية كما ان كل قضية شرطية ترجع إلى قضية حقيقية (الثانية) ان العلم وحضور صورة الموجود الخارجي في النفس هو الموضوع والعلة لتحقق الارادة التكوينية ضرورة استحالة الانبعاث أو الانزجار عن الموجود الخارجي ما لم يتصف بصفة المعلومية بداهة أن العطشان لا يعقل تحركه نحو الماء الخارجي ما لم يعلم بوجوده بل ربما يموت عطشا مع وجود الماء عنده كما ان الانسان لا يفر عن الاسد الخارجي ما لم يعلم بوجوده ولو ترتب على عدم الفرار افتراسه له وهذا بخلاف القاطع بوجود الماء أو الاسد فإنه يتحرك نحو الماء ويفر من الاسد وان لم يكن هناك ماء أو اسد في الخارج وكان القطع غير مصيب للواقع فتحصل ان الموجب للحركة أو الهرب إنما هو نفس صفة العلم ليس إلا ولها موضوعية في تحقق الارادة من دون فرق بين ان يكون للصورة النفسانية واقع يطابقها أو لم يكن (الثالثة) ان الارادة التكوينية واختيار العبد في الخارج هي التي يكون ارادة المولى محركة لها فكان المولى عند طلبه يفرض أعضاء العبد اعضاء نفسه ويحرك ارادة العبد نحوها فطلب المولى وارادته التشريعية هو الموجب لتحقق ارادة العبد واختياره ويترتب على هذه المقدمات ان التكليف بحسب مقام التعلق وإن كان يتعلق بنفس الموضوع الخارجي إلا انه في مقام التحريك إنما يحرك
ارادة العبد واختياره في فرض العلم وللصورة النفسانية موضوعية لتحقق الارادة والمقدار الممكن من العبد وما هو باختياره إنما هو ترك شرب ما قطع بخمريته والاصابة وعدمها وخمرية
[ 24 ]
المايع الخارجي وعدمها أجنبيتان عن اختيار العبد وارادته فكما ان العاصي اختار شرب الخمر لقطعه بخمرية المايع الخارجي فكذلك المتجري اختار ذلك ايضا لقطعه بها والجهة الاختيارية مشتركة بينهما فيكون تحريك التكليف الواقعي مشتركا بينهما لا محالة وهذا معنى ما ذكرناه من شمول الاطلاقات الواقعية لعنوان المقطوع ولو كان القطع غير مصادف للواقع هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب مستند هذا التوهم (وجوابه) ان المقدمة الاولى وإن كانت صحيحة ولا مناص عن الالتزام بها كما أوضحناها في بحث الواجب المشروط إلا ان المقدمة الثانية والثالثة ممنوعتان اما منع المقدمة الثانية فلان الارادة إنما تنشأ من العلم بالموجود الخارجي بما انه طريق إليه لا بما ان له موضوعية ضرورة ان القاطع بوجود الماء أو الاسد إنما يتحرك أو يهرب لا من جهة وجود صفة نفسانية بما هي صفة بل من جهة انكشاف الموجود الخارجي بها والمحرك لها إنما هو الموجود الخارجي لكن لا مطلقا بل بعد الانكشاف وبالجملة القاطع حيث انه يرى الواقع يتحرك نحوه لا ان الرؤية بنفسها محركة له وهذا ظاهر وجداني لا يحتاج إلى زيادة بيان (ثم) ان كون العلم موضوعا للارادة بحيث يقيد متعلقها ممنوع ايضا بل انكشاف الواقع عند الشخص داع للحركة الخارجية من دون كونها متقيدة بمتعلق الانكشاف فالعلم بعداوة زيد بما انه طريق إليها يكون داعيا إلى ضربه وقد يتخلف الداعي عن العمل لا ان العلم بها يوجب وقوع الضرب على عنوان العدو ضرورة ان الضرب لا يقبل لان يقع على العنوان وإنما يقع على الموجود الخارجي ليس إلا كما أن العلم بوجود الخمر خارجا يكون داعيا للخمار لشربه المايع الخارجي وعند انكشاف الخلاف يكون التخلف من قبيل تخلف الداعي (وأما) منع المقدمة الثالثة فلان الارادة التشريعية وإن كانت محركة للارادة التكوينية ونسبتها إليها نسبة حركة المفتاح إلى حركة اليد إلا ان كون حركتها مرادة بنحو المعنى الاسمى
الاستقلالي ممنوع بل المراد إنما هو الفعل الصادر بالارادة والاختيار لانه هو الذي يترتب عليه المصلحة أو المفسدة والارادة تكون مرادة بنحو المعنى الحرفي الغير الاستقلالي (ثم) لا يخفى أن منع كل واحدة من المقدمتين يكفي في بطلان ما أراد الخصم اثباته ضرورة أنه إذا منعنا المقدمة الثانية وهي دعوى كون الصورة النفسانية لها موضوعية في تحقق الارادة وأثبتنا أن العلم بما هو طريق إلى الواقع يكون داعيا إلى الحركة فبانكشاف الخلاف وتبين عدم كون الموضوع الخارجي خمرا ينكشف انه لم يكن هناك محرك وانما كان هناك تخيل الحركة
[ 25 ]
فلو سلمنا ان الارادة التكوينية هي التي يتعلق بها الارادة التشريعية بنحو المعنى الاسمى إلا ان المحرك هو نفس التكليف الواقعي المشروط بوجود موضوعه واقعا وهو مفقود في المتجري على الفرض كما انا لو سلمنا هذه المقدمة ولكن التزمنا بكون متعلق الارادة التشريعية هو الفعل الارادي دون نفس الارادة والاختيار بنحو المعنى الاسمى كما عرفت فلا يكون المتجري مشتركا مع العاصي ضرورة انه بانكشاف الخلاف في فرض التجري ينكشف ان متعلق الارادة التكوينية وهو شرب المايع الخارجي لم يكن متعلقا للارادة التشريعية إذ المفروض تعلقها بنفس شرب الخمر الواقعي وهو غير متحقق والمتحقق إنما هو ارادة الشرب واختياره المفروض عدم كونها متعلقة للارادة التشريعية (والحاصل) ان دعوى اشتراك المتجري والعاصي في كون التكليف الواقعي شاملا لهما في مقام التحريك الخارجي تتوقف على اثبات كون العلم هو العلة التامة والموضوع لتحقق الارادة بما هو صفة نفسانية وعلى اثبات كون الارادة التكوينية بنفسها متعلقة للارادة التشريعية بنحو المعنى الاسمى دون الفعل الارادي وقد عرفت فسادهما بما لا مزيد عليه فلا يبقى للدعوى المذكورة مجال أصلا (وأما) التكلم من الجهة الثانية فملخصه ان يقال انه بعد الفراغ عن عدم الاشكال في ان العناوين الطارئة على شئ ربما توجب تأكد حكمه أو تبدله في الجملة وقع النزاع والكلام في أن تعلق القطع بشئ هل هو من تلك العناوين بأن يكون تعلق القطع بخمرية شئ مثلا موجبا لتحقق مفسدة فيه يترتب
عليها حكم شرعي أم لا والتحقيق في المقام ان يقال انه لا اشكال في عدم تغير الموضوع عما هو عليه بتعلق القطع بخلافه ضرورة انه لا يخرج الماء الخارجي عما هو عليه في الخارج ولا يكون ذا مفسدة بتعلق القطع بكونه خمرا كما انه لا اشكال في عدم تغير الشرب الخارجي عما هو عليه ولا يكون متصفا بالقبح بمجرد القطع المذكور لما ذكرنا من ان انكشاف الشئ لا يزيد عليه بشئ فشرب الماء الخارجي على ما هو عليه من الاباحة الواقعية وعدم القبح في فعله وفي تركه بعد تعلق القطع بخمريته ايضا كما انه لا اشكال في ان تعلق القطع بخمرية المايع الخارجي يوجب القبح الفاعلي بارادة شربه والا لخرج المتجري عن كونه متجريا على المولى وكونه في مقام معصيته انما الاشكال في ان القبح الفاعلي هل يستتبع خطابا شرعيا مولويا بترك هذا الشرب ام لا ويقع الكلام في ذلك تارة من جهة استتباع القبح الفاعلي لسراية الحرمة الثابتة للخمر الواقعي إلى مقطوع الخمرية ايضا واخرى من جهة استتباعه لحكم آخر ثابت لنفس هذا
[ 26 ]
العنوان أما استتباعه لسراية الحكم الاولي الثابت لنفس الخمر إلى مورده فهو غير معقول فإن القبح الفاعلي في مرتبة متأخرة عن التكاليف الواقعية ضرورة ان ثبوت الحرمة للخمر الواقعي هو الموجب للقبح الفاعلي في شرب مقطوع الخمرية ولو كان القطع بها مخالفا للواقع وما كان في مرتبة متأخرة عن التكليف الواقعي لا يمكن استتباعه له وتوهم امكان استتباعه له بنتيجة الاطلاق قياسا باستتباعه التضييق في الحكم الواقعي من باب نتيجة التقييد كما في موارد اجتماع الامر والنهي بناء على الجواز وكون التركب بينهما انضماميا فإنا قد ذكرنا في ذلك المبحث ان متعلقي الامر والنهي وان كانا مختلفين خارجا الا ان ذلك لا يوجب صحة المأمور به إذا كان عبادة في صورة العلم بجهة الحرمة فإن القبح الفاعلي الناشي عن اتحاد وجود المأمور به مع المنهي عنه في مقام الايجاد والتأثير يوجب عدم امكان التقرب بهذا الفرد فيكون الفرد المتصف بالقبح الفاعلي خارجا عن اطلاق المأمور به بنتيجة التقييد فإذا أمكن كون القبح الفاعلي موجبا للتضييق من باب نتيجة التقييد فيمكن كونه موجبا للتوسعة من باب نتيجة الاطلاق ايضا
مدفوع بوجود الفارق بين المقامين فإن التضييق في باب اجتماع الامر والنهي إنما هو لاجل منافاة القبح الفاعلي مع قصد التقرب فلا محالة يتقيد المأمور به بغير صورة وجود القبح الفاعلي من باب نتيجة التقييد واما القبح الفاعلي في المقام فهو امر آخر مباين للقبح الفعلي الموجب للحرمة في مرتبة سابقة عليه والمفروض عدم تحقق ذلك الموجب في مورد التجري فلو كان القبح الفاعلي ايضا موجبا لخطاب مولوي فلا بد وان يكون موجبا لخطاب آخر غير الخطاب الاولي الناشئ عن القبح الفعلي الغير المتحقق في مورد التجري والتحقيق امتناع ذلك ايضا فإنا قد ذكرنا سابقا ان تعلق القطع بشئ ذي حكم يستحيل ان يكون موجبا لجعل حكم آخر على هذا العنوان لاستلزامه اجتماع المثلين بنظر القاطع فلا يمكن ان يكون هذا الحكم المستلزم للحال بنظر القاطع محركا له إلى الامتثال وما كان كذلك يستحيل جعله فعنوان المقطوعية وان كان من العناوين الطارئة على الشئ إلا ان العنوان الطارئ إذا كان هو الانكشاف فهو لا يزيد عن المنكشف في نظر المكلف حتى يوجب جعل حكم آخر له في قبال الحكم الاولي ليترتب على ذلك تأكد الحكم في مورد الاجتماع ولو أغمضنا عن هذا المحذور فلا مانع من استتباع القبح الفاعلي لحكم آخر ثابت لنفس عنوان المقطوع في قبال الحكم الواقعي الثابت لنفس الموضوع الواقعي وأما ما افيد في وجه الاستحالة من ان القطع حيث انه لا يكون ملحوظا استقلاليا في
[ 27 ]
نظر القاطع ولا يكون الفعل صادرا عن المكلف الا بعنوانه الاولي الاستقلالي دون عنوانه الطاري الآلي ضرورة ان القاطع بخمرية المايع الخارجي انما يشربه بما انه خمر لا بما انه مقطوع الخمرية بل يكون هذا العنوان مغفولا عنه وغير ملتفت إليه غالبا فلا يمكن ان يكون متعلقا لحكم شرعي إذ المتعلق له لابد وان يكون من الافعال الاختيارية فمدفوع بأن الموضوع الخارجي انما يكون ملتفتا إليه بالقطع فصفة القطع حاضرة للنفس بذاتها والموضوع الخارجي يكون حاضرا لها بها ولا ريب ان صدور الفعل بهذا العنوان اختياري وملتفت إليه غاية الامر انه بالارتكاز لا بالتفصيل وهذا لا ضير فيه والا لما كان عنوان المقطوع قابلا لتعلق
الحكم به اصلا ولو كان ذلك حكما آخر اجنبيا عن حكم متعلقه مع انه لا اشكال فيه ولا ريب وانكاره يستلزم هدم جميع ما ذكرناه في القطع الموضوعي مع ان هذا القائل ملتزم بها ايضا (ثم) انه ظهر مما ذكرناه فساد توهم ان ملاك استحالة جعل الحكم لعنوان الناسي وهو ان الحكم الثابت لهذا العنوان يستحيل فعليته فإنه مع عدم الالتفات إلى الموضوع يستحيل فعلية الحكم ومحركيته له ومع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده جار في المقام ايضا فإن من لم يلتفت إلى القبح الفاعلي وكون قطعه مخالفا للواقع يستحيل فعلية الحكم في حقه ومع الالتفات إليه ينقلب الموضوع إلى ضده وجه الظهور ان المدعى إذا كان هو استتباع القبح الفاعلي في خصوص المتجري لخطاب متعلق به بخصوصه فيرد عليه ما ذكر ويصبح القياس بالناسي في استحالة جعل الحكم له لكنه خلاف الواقع والمفروض فإن القبح الفاعلي مشترك بين العاصى والمتجري وعلى تقرير استتباعه لحكم آخر يكون هذا الحكم ثابتا في حق كل منهما وإذا كان القبح الفاعلي مشتركا بينهما فلا محالة يكون الحكم التابع له ثابتا لكلي عنوان المقطوع به كان القطع مصادفا للواقع ام لم يكن ولا ريب ان هذا العنوان مما يلتفت إليه المتجري وعلى تقدير استتباعه لحكم آخر يمكن له الانبعاث عنه مع الالتفات إلى موضوعه واين ذلك من النسيان المستحيل ان يلتفت إليه مع بقائه على حاله وبالجملة القبح الفاعلي الموجود في التجري ان كان صالحا للاستتباع لخطاب شرعي فالقبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان يكون صالحا له بالاولية والاولوية فلا يكون الخطاب مختصا بخصوص المتجري حتى يلزم من الالتفات إلى موضوعه انقلابه إلى ضده (وأما) التكلم من الجهة الثالثة وهي الجهة الكلامية فحاصله انه ذهب جماعة إلى ان المتجري يستحق العقاب بعين ذاك الملاك الذي يوجب استحقاق العاصي
[ 28 ]
واما توهم كون المتجري مستحقا له بملاك آخر يختص به فلم يذهب إليه احد ودون اثباته خرط القتاد وعمدة ما يستدل به على كون المتجري مستحقا للعقاب بملاك استحقاق العاصي له هو ما اعتمد عليه سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره واوضح مرامه في ضمن مقدمات اربع
* (الاولى) * انه لا اشكال في ان وظيفة المولى هو جعل الاحكام وايصالها إلى المكلفين بالطرق المتعارفة من انزال الكتب وارسال الرسل وامرهم بتبليغها إلى اوصيائهم وامرهم بالتبليغ إلى الرواة وهكذا إلى ان ينتهي الاحكام إلى المكلفين بها وبالوصول إليهم ينتهي سلسلة البعث ويحكم العقل بوجوب الانبعاث عنها وحكم العقل بذلك اعني حكمه بوجوب الطاعة وحسنها وقبح المعصية وحرمتها حكم استقلالي يستحيل وجود حكم شرعي في مورده إذ المفروض ان مرتبة حكمه هي مرتبة الانبعاث ففرض البعث في هذه المرتبة خلف محال فوجوب الانبعاث عن تكاليف المولى المنحل إلى وجوب الطاعة وحرمة المعصية هو الوجوب الذاتي الذي ينتهي إليه وجوب كل واجب كما ان طريقية القطع كانت ذاتية واليها كانت تنتهي طريقية كل طريق والوجه في ذلك هو ان هذا الوجوب لو لم يكن ذاتيا لما وجب امتثال حكم من الاحكام الالهية ضرورة ان وجوب الانبعاث عنها لو كان مجعولا غير ذاتي لكان وجوب الانبعاث عن هذا الوجوب محتاجا إلى جعل آخر وهكذا فيدور أو يتسلسل وهذا بخلاف ما إذا كان غير مجعول وكان ذاتيا فيكون وجوب كل واجب شرعي بعد وصوله إلى المكلف داخلا في هذه الكبرى العقلية ويجب اطاعته بحكم العقل * (الثانية) * انه قد ظهر مما ذكرناه ان حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية يغاير الاحكام العقلية الاخر مثل حكمه بقبح التشريع وقبح التصرف في مال الغير ونحو هما في ان مرتبة هذا الحكم العقلي هي مرتبة المعلول من الحكم الشرعي ضرورة ان مرتبة الانبعاث من البعث هي مرتبة المعلول من العلة واما مرتبة بقية الاحكام العقلية فمرتبتها من الاحكام الشرعية مرتبة العلة من معلولها فإن حكم العقل بقبح التشريع وقبح التصرف في مال الغير بضميمة قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع يكونان مثبتان للحكم الشرعي فيكونان في مرتبة العلة للحكم الشرعي بحرمة التشريع وحرمة التصرف في مال الغير (ثم) ان هناك فرقا بين هذا الحكم العقلي الذي هو في مرتبة المعلول وبين بقية الاحكام العقلية التي هي في مرتبة العلة من جهة أخرى وحاصل هذا الفرق هو ان هذا الحكم العقلي لا يكون ثابتا إلا في مورد احراز الحكم الشرعي بطريق عقلي أو شرعي واما في
[ 29 ]
موارد الشك أو الظن الغير المعتبر فلا يكون بل يكون تلك الموارد محكومة بحكم عقلي آخر وهو حكمه بقبح العقاب بلا بيان وهذا بخلاف بقية الاحكام العقلية فإنها كما تثبت في موارد الظن والشك ايضا فإن العقل لا يفرق بين مورد العلم بعدم صدور التكليف من المولى وبين مورد الشك في صدوره في حكمه بقبح التشريع فيهما كما انه لا يفرق بين موارد العلم بكون المال مالا للغير وبين موارد الشك في ذلك في حكمه بقبح التصرف فيه (نعم) بين حكمه بقبح التشريع في موارد عدم العلم بعدم الصدور وبين حكمه بقبح التصرف عند الشك في كون المال مالا للمتصرف فرق ايضا فان حكمه بقبح التشريع في موارد الشك حكم واقعي ناشئ عن الملاك الذي به حكم العقل بالقبح في موارد العلم بعدم الصدور فإن قبح التشريع إنما هو لكونه تصرفا في سلطان المولى بغير اذنه وهو مشترك بين موارد العلم والشك فحكمه بالقبح في الموردين بملاك واحد مشترك بينهما وأما حكمه بقبح التصرف في موارد الشك في كون التصرف فيه مالا للمتصرف فهو حكم طريقي ناشئ عن الاهتمام بالواقعيات فالملاك فيه غير الملاك في حكمه بالقبح عند احراز كونه مالا للغير والفرق بين المقامين بذلك يستتبع ثمرات تظهر لك فيما بعد ذلك ان شاء الله تعالى * (الثالثة) * ان العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية لا بد وان يكون هو تمام الموضوع صادف الواقع ام لا ضرورة انه لو كان موضوعه هو العلم المصادف لكان احراز المصادفة الذي هو الجزء الآخر للموضوع لازما في حكمه بالوجوب وعليه فلا يجب امتثال تكليف واصل من قبل المولى اصلا لاحتمال ان لا يكون هذا الاحراز مورد الحكمة لاحتمال انكشاف الخلاف فيه وهذا يستلزم سد باب حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية بالكلية وبالجملة فما يمكن ان يكون موضوعا للحكم العقلي هو نفس الاحراز ليس الا واما تخصيصه بفرد دون فرد فغير معقول وموجب للمحذور المذكور * (الرابعة) * ان الملاك لحكمه بوجوب الطاعة إذا استحال كونه هو القبح الفعلي والا لزم استحقاق العقاب في موارد الجهل ايضا فلا بد وان يكون الملاك له هو القبح الفاعلي لانحصار
الملاك في احدهما وعدم قابلية شئ آخر للملاكية وإذا كان هو الملاك فلا بد من الالتزام باستحقاق المتجري للعقاب كالعاصي لثبوت القبح الفاعلي في كليهما وما يختص بالعاصي من القبح الفعلي قد عرفت كونه اجنبيا عن الملاك واستحالة كونه موجبا لاستحقاق العقاب ولا يخفى عليك ان لازم هذه المقدمات وإن كان هو استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق
[ 30 ]
العاصي له الا ان المقدمة الثالثة والرابعة منها محل نظر بل منع (اما) المقدمة الثالثة فلان العلم وانكشاف الواقع وان كان هو الموضوع في هذا الحكم العقلي كما عرفت في المقدمة الثانية الا انه غير متحقق في باب التجري والمتحقق في مورده هو الجهل المركب وانى لهم باثبات سراية أحكام العلم للجهل ولسنا ندعي ان احكام العلم ثابت لفرد دون فرد بل ندعي عدم ثبوت احكام العلم لغيره وبالجملة ان ما يقتضيه وظيفة العبودية هو لزوم انبعاث العبد عن البعث الواصل إليه واما لزوم انبعاثه عن البعث التخيلي فلا يحكم به العقل أصلا لعدم كون ترك هذا الانبعاث ظلما للمولى وحركة على خلاف ارادته ورضاه والمتجري في حال كونه متجريا وان كان يرى مخالفته محكومة بالقبح العقلي إلا ان من جهة عدم احتماله لعدم المصادقة وتخيله انه يخالف البعث الواصل من المولى وبعد انكشاف الخلاف ينكشف انه لم يكن هذا المخالفة محكومة بالقبح لعدم كونه معصية ومخالفة للبعث الواصل والحاصل ان حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية انما هو بملاك العبودية والمولوية وان العبد لا بد وان ينبعث عن البعث الواصل من المولى وينزجر عن زجره الواصل وهذا الملاك غير متحقق في موارد التجري قطعا ووجود ملاك آخر في مورد التجري يوجب استحقاق العقاب مع انه خلاف المدعى قد عرفت ان دون اثباته خرط القتاد (واما المقدمة الرابعة) فلان ملاك استحقاق العقاب وان لم يكن هو القبح الفعلي كما افاده قدس سره الا ان ذلك لا يستلزم كون القبح الفاعلي الموجود في صورة التجري ملاكا له ايضا بيان ذلك ان القبح الفاعلي المتحقق في فرض العصيان ليس امر مغاير للقبح الفاعلي الواصل إلى المكلف بل نفس القبح الفعلي بعدم فرض علم المكلف به يوجب اتصاف
الفعل بالقبح الفاعلي وهذا هو الملاك في استحقاق العقاب واما القبح الفاعلي الموجود في التجري فهو مغاير لهذا المعنى من القبح الفاعلي وإنما هو مجرد كشف الفعل عن سوء السريرة وشقاوة الفاعل واين ذلك من القبح الفاعلي الموجود في فرض العصيان واثبات كونه ملاكا لاستحقاق العقاب ايضا يحتاج إلى مؤونة أخرى وامامه برهان آخر وقد عرفت ان دون اثباته خرط القتاد فتحصل من جميع ما ذكرناه ان التجري لا يكون مستتبعا للقبح الفعلي ولا يكون القبح الفاعلي الموجود في مورده مستتبعا لخطاب مولوي ولا موجبا لكون التجري في حكم المعصية في استحقاق العقاب وبعد ذلك لا يبقى مجال للبحث عن كونه محكوما بالحرمة الشرعية فقهيا وهل يمكن اثبات الحرمة لموضوع آخر اعم من التجري المبحوث عنه في المقام ومن اتيان مقدمات الحرام بقصد
[ 31 ]
التوصل إليه ومن ايجاد بعض المقدمات لصدور الحرام من الغير أم لا (ربما) يقال بأن نية السوء التي يكون لها مظهر عملي في الخارج تكون محرمة شرعا ويستدل على ذلك بالاجماع وبالاخبار ولا يخفى عدم تمامية هذه الدعوى لوضوح عدم قيام الاجماع على هذه الكبرى الكلية (نعم) لا يبعد قيامه على بعض المسائل الجزئية لكن كونها من قبيل المقام ممنوعة (منها) حكمهم بحرمة تأخير الصلاة لمن ظن تضيق الوقت ولو انكشف بعد ذلك سعته ومنها حكمهم بوجوب اتمام الصلاة لمن ظن بالخطر في السفر لكون السفر معصية ولو انكشف بعد ذلك كون الطريق مأمونا وجه المنع هو ان حكمهم في المسألة الاولى بتحقق المعصية ليس من جهة حرمة التجري وإنما هو لاجل ان خوف تضيق الوقت ولو لم يكن هناك ظن بالضيق ايضا هو تمام الموضوع لوجوب البدار واين ذلك من التجري المبحوث عنه في المقام وأما حكمهم بوجوب الاتمام لمن ظن الخطر في الطريق فهو مبني على وجوب دفع الضرر المظنون عقلا وتوضيح الحال فيه هو ان الظن قد يتعلق بالضرر الاخروي وأخرى بالضرر الدنيوي لا اشكال في انه إذا تعلق بالضرر الاخروي يكون العقل حاكما بوجوب دفعه ارشادا إلى عدم الوقوع فيه ولا يكون هذا الحكم مستتبعا لخطاب مولوي فإنه من فروع حكمه بوجوب الطاعة
وحرمة المعصية لان الملاك في حكمه بذلك هو دفع العقاب ولا يفرق في ذلك بين كونه مقطوعا أو مظنونا أو مشكوكا وأما حكمه بوجوب دفع الضرر الدنيوي المظنون بل المشكوك فلا مانع من استتباعه لخطاب مولوي شرعي إلا ان كون مخالفته معصية حكمية ليكون داخلا في باب التجري يتوقف على كون حكمه بذلك طريقيا مغايرا لحكمه بوجوب دفع الضرر المقطوع وهذا غير مسلم بل الظاهر ان حكمه بوجوب دفع الضرر المقطوع وغيره بملاك واحد وهو قبح القاء النفس فيما لا يؤمن من ضرره كما ربما يدعى كون ذلك هو الظاهر من قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وعليه فلا يتصور هنا انكشاف خلاف في موضوع هذا الحكم إذ تمام الموضوع له هو نفس عدم الامن من الضرر واين ذلك من باب التجري وبالجملة فساد توهم قيام الاجماع على تلك الكبرى الكلية المنطبقة على موارد التجري ايضا الناشئ من حكمهم في هذين الفرعين من الموضوع بمكان ولا يحتاج إلى ازيد من ذلك من البيان (واما) الاخبار الدالة على ثبوت العقاب بنية السوء فهي متعارضة باخبار أخر دلت على العفو عنها والجمع بينهما بحمل الطائفة الثانية على النية المجردة وحمل الطائفة الاولى على النية مع الاظهار وإن كان
[ 32 ]
جمعا حسنا الا انه يتوقف على وجود شاهد من الاخبار وعمل جمع من الاصحاب على طبقه والا فهو جمع تبرعي لا يمكن كونه منشأ للفتوى نعم يمكن ان تكون الرواية الواردة في دخول القاتل والمقتول كليهما في النار من جهة تحقق القتل من احدهما والارادة من الآخر التي هي العمدة في اخبار الباب دالة على حرمة نية السوء إذا وقعت الحركة على طبقها لكن لا مطلقا بل في خصوص ما إذا كان المانع عن عدم تحقق المعصية أمرا خارجيا حائلا بين الشخص وبين المعصية وبها يخصص اخبار العفو عن نية المعصية وتحمل على غير تلك الصورة ولكن مع ذلك لا يمكن الحكم بحرمة التجري إذ المتجري وان كان ناويا للسوء إلا انه لم يقع منه في الخارج قصد نحوه بل كان ما فعله تصديا خياليا وغاية ما امكننا ان نحكم بحرمته هو ما إذا كان التصدي حقيقيا كما هو مورد الرواية الدالة على الحرمة لا ما إذا كان خياليا كما في المقام وينبغي التنبيه على
امور (الاول) انه ربما يشكل على الاخبار الدالة على العفو عن نية السوء بأنها تنافي قاعدة اللطف فإنها تقتضي تبعيد المكلف عن المعصية وتقريبه إلى الطاعة والعفو اللازم ينافي ذلك إذ لا يكون بعده رادع للمكلف عن نية المعصية وبمثله يشكل على ما دل على العفو عن الصغاير في فرض الاجتناب عن الكبائر ولكنه لا يخفى فساد الاشكال في كلا المقامين أما في المقام فلان الناوي للمعصية لا يتحقق منه النية بما انها نية بنحو المعنى الاسمي حتى تكون الاخبار الدالة على العفو عنها موجبة لتحققها من المكلف بل تحقق النية منه إنما يكون باعتبار كونها فانية في المنوي وبنحو المعنى الحرفي الالتفات إلى قبح المعصية وإلى ترتب العقاب عليها يكفي في الرادعية عن تحقق النية ولو مع القطع بعدم ترتب العقاب على نفسها وبعبارة اخرى جعل العقاب على المنوي وما يصدر من المكلف خارجا كما انه يكفي في كونه رادعا عن تحقق نفسه في الخارج كذلك يكفي في كونه رادعا عن تحقق نيته فإن الملتفت إلى قبح المنوي مع التزامه بعدم ارتكاب القبيح لا يتحقق منه نية لا محالة وأما في مسألة العفو عن الصغائر فلان العفو عنها إذا كان مطلقا وغير متعلق على شئ لكان للاشكال المذكور من كونه منافيا لقاعدة اللطف مجال واسع وأما إذا كان معلقا على الاجتناب عن الكبائر فكونه منافيا لها يتوقف على امكان الوثوق من المرتكب لها بأنه لا يرتكب كبيرة اصلا حتى يكون مأمونا من العقاب حين ارتكابها وحصول هذا الوثوق من البعد بمكان يليق بالمستحيل العادي ومع عدم حصوله لا يمكن ان يكون العفو المعلق مؤمنا له حين الارتكاب حتى يكون منافيا لقاعدة
[ 33 ]
اللصف (الثاني) انا قد ذكرنا في صدر المبحث ان التكلم في التجري لا يختص بخصوص مورد القطع بل يجري في موارد الاصول والامارات مطلقا محرزة كانت أو غير محرزة ولكنه لا يخفى ان حجية الامارات أو الاصول إذا كانت من باب السببية فيمكن تحقق التجري من جهتين (الاولى) من جهة الواقع (الثانية) من جهة المخالفة للحكم الظاهري وتوضيح ذلك انه إذا دامت البينة على خمرية مايع خارجي فالشارب له تارة يشربه من جهة عدم مبالاته
بشرب الخمر وأخرى لعدم مبالاته بمخالفة البينة من جهة عدم بنائه على كونها حجه وإلا فلو كانت الخمرية مقطوعة عنده لما تحقق منه الشرب خارجا اما التجري من الجهة الاولى فلا يكون إلا بالاضافة إلى الحكم الواقعي واما بالاضافة إلى الجهة الثانية فكونه تجريا يتوقف على انكشاف عدم جعل الشارع للبينة حجة وإلا فيكون الشرب معصية حقيقية ويخرج بذلك عن مبحث التجري والحاصل ان شرب المايع الذي قامت الحجة على خمريته عند المكلف كما يكون تجريا بالاضافة إلى الواقع فيما إذا انكشف عدم الخمرية بعد الارتكاب كذلك يكون تجريا بالاضافة إلى الحكم الظاهري المقطوع جعله من قبل الشارع المنكشف خلافه بعد ذلك بانكشاف عدم اعطاء الشارع لها صفة الحجية واما بناء على كون الحجية من باب الطريقية كما هو المختار عندنا فليس هناك حكم ظاهري مجهول في موارد قيام الحجة الشرعية اصلا حتى يمكن فرض التجرى بالاضافة إليه في قبال الواقع فيتمحض التجري عند قيام الحجة عند المكلف على خمرية مايع مثلا في التجري بالاضافة إلى الواقع ليس الا (ثم) لا يخفى ان في موارد الاصول والامارات النافية للتكليف وان امكن الاحتياط وكان حسنا ما على ما سيجئ ان شاء الله تعالى من عدم منافاة وجود الحجة على العدم مع حسن الاحتياط الا ان من لم يحيط واقتحم فيها إذا كان في اقتحامه مستند إلى الحجه الموجودة فيها فلا يتحقق منه التجري ويكون معذورا ولو انكشف وقوعه في المخالفة الواقعية واما إذا لم يكن الاقتحام استنادا إلى الحجة الشرعية بل لرجاء تحقق المعصية منه كمن شرب المايع المحكوم بعدم الخمرية برجاء كونه خمرا فلا ريب في حسن مؤاخذته إذا كان الاقتحام موجبا لتحقق المخالفة الواقعية فان المخالفة الواقعية انما يقبح العقاب عليها إذا كانت مستندة إلى حجة شرعية أو عقلية واما في غير ذلك فلا موجب لقبحه وسيجئ تفصيل الكلام في ذلك في مبحث البراءة ان شاء الله تعالى بل لو بينا على استحقاق المتجري للعقاب فلا ريب في حسن المؤاخذة في المقام ولو لم يكن الاقتحام موجبا لتحقق
[ 34 ]
المخالفة الواقعية (وبالجملة) حال من لا يستند في اقتحامه إلى حجة شرعية أو عقلية حال من لم
يكن عنده حجة اصلا في انه مع وجود المخالفة الواقعية يستحق عقاب العاصي ومع عدمها يستحق عقاب المتجري وصرف وجود الحجة مع عدم الاستناد عليها لا يوجب رفع العقاب عن المرتكب بل يمكن ان يقال باشدية العصيان أو التجري عند قيام الحجه النافية مع عدم الاستناد إليها من العصيان أو التجري في موارد القطع بالمخالفة فان الاقدام على مخالفة المولى وعصيانه حتى في الموارد المحتملة رجاء لتحقق المعصية لا ينشأ الا عن سوء سريرة اقوى من سوء السريرة الموجودة في موارد القطع بالمخالفة فالعقاب عليه في فرض المصادفة وعدمها يكون اولى من العقاب على المعصية أو التجري الموجودين في موارد القطع (الثالث) ان صاحب الفصول (قده) بعد ما ذهب إلى قبح التجري في حد ذاته التزم بانقسامه إلى الاحكام الخمسة باعتبار مزاحمة قبحه في بعض الموارد بالمصلحة الواقعية ففي مثل ما إذا تجرى العبد بعدم قتل من قطع بعداوته للمولى التزم بعدم القبح بل بالحسن فيما إذا انكشف كونه ابنا للمولى (ثم) انه ذكر في بعض كلماته انه إذا صادف التجري المعصية الواقعية تداخل عقابهما وحاصل ما ذكره فيحل إلى دعاو ثلاث (الاولى) ان قبح التجري يمكن زواله بعروض عنوان آخر موجب لحسنه فيختلف حاله في الحسن والقبح باختلاف الوجوه من الاعتبارات (الثانية) ان مصادفة مورد التجري لمحبوب المولى واقعا من جملة الوجوه التي بها يرتفع قبح التجري (الثالثة) ان في صورة مصادفة التجري للمعصية الواقعية يتداخل عقابهما وكل هذه الدعاوي فاسدة اما الدعوى الاولى فيبطلها ان الافعال باعتبار كونها حسنة أو قبيحة بحكم العقل على اقامة ثلاثة فان منها ما ليس فيه اقتضاء الحسن والقبح اصلا ويحتاج في اتصافه بهما إلى عروض عنوان خارجي عليه وهذا كالمباحات فانها لا تتصف بالحسن والقبح في حد ذواتها (نعم) إذا عرض لها عنوان محسن أو مقبح فهي تتصف بالحسن أو القبح (ومنها) ما يكون فيه اقتضاء الحسن أو القبح لكن لا يمتنع ان يعرض له عنوان آخر يغيره عما هو عليه وهذا كالصدق والكذب فان الاول مقتض للحسن وما لم يكن هناك جهة اخرى كالاضرار بمؤمن مثلا فيتصف بالحسن كما ان الثاني فيه اقتضاء القبح وما لم يعرض له جهة محسنة كانجاء مؤمن أو دفع فتنة مثلا
فيتصف بالقبح فالصدق مع بقاء عنوانه يمكن ان يتصف بالقبح لعروض عنوان آخر كما ان الكذب مع كونه كذبا يمكن ان يتصف بالحسن لامر خارجي (ومنها) ما يكون علة تامة للحسن أو
[ 35 ]
القبح ولا يمكن فيه الانفكاك اصلا وهذا كالعدل والظلم فانهما مع بقائهما على عنوانهما يستحيل ان يتغيرا عما هما عليه (نعم) يمكن ان يكون بعض العناوين مخرجا للشئ عن كونه عدلا أو ظلما كما في ضرب اليتيم فانه إذا كان بعنوان التأديب يخرج عن كونه ظلما ويكون عدلا في حقه لا انه يتصف بالحسن مع بقائه على كونه ظلما وكما في حكم الشارع بأخذ المال من الكافر الحربي فان الشارع بعد الغائه مالكيته وجعل ما يملكه هنيئا للمسلمين لا يكون الاخذ منه بالغلبة والقهر ظلما في حقه (ولا يخفى) ان عنوان التجري على المولى وكشفه عن سوء سريرة العبد لا يمكن ان يعرض له جهة اخرى محسنة فانه كالمعصية الحقيقة في كونه ظلما على المولى فكما انه لا يمكن اتصاف المعصية الحقيقية بالحسن اصلا فكذلك يكون التجري ايضا (وبالجملة) القبح الفاعلي الموجود في التجري انما هو من لوازم ذاته ويستحيل انفكاكه عنه ابدا (واما) الدعوى الثانية فيبطلها انا ولو سلمنا امكان عروض عنوان موجب لارتفاع قبح التجرى الا ان المصادفة مع محبوب المولى واقعا لا يمكن ان يكون من هذا القبيل فان الامور الغير الاختيارية كما لا يمكن ان تكون معروضة للحسن أو القبح فكذلك لا يمكن ان تكون من العناوين المزيلة للحسن أو القبح ضرورة ان ضرب اليتيم لا للتأديب لا يمكن ان يقع حسنا ولو ترتب عليه الادب خارجا كما ان الكذب لا يرتفع عنه قبحه بمجرد مصادفته لانجاء مؤمن أو دفع فتنة واقعا ومصادفة مورد التجري مع ما هو محبوب المولى واقعا لكونها خارجة عن الاختيار يستحيل كونها دافعة لقبح التجري وموجبة لحسنه ولذا اعترف (قده) بمعذورية من لم يتحر على مولاه وبعدم فعله القبح لو اتى بما هو مبغوض للمولى واقعا فكما ان المبغوضية الواقعية لا توجب قبحا في ترك التجري على المولى فكذلك لا توجب المحبوبية الواقعية حسنا في التجري فان (قلت) إذا كان دخل الامور الواقعية الخارجة عن الاختيار في اتصاف
الفعل بالحسن أو القبح محالا فلما ذا انكرت استحقاق المتجري للعقاب مع ان المصادفة الواقعية في العاصي وعدم المصادفة في المتجري خارجان عن الاختيار فكما امكن دخل المصادفة الواقعية في استحقاق العقاب وفي صدور القبيح منه خارجا فكذلك يمكن دخل المصادفة مع محبوب المولى رافعا للقبيح عن التجري (قلت) المستحيل انما هو دخل الامور الغير الاختيارية في اتصاف شئ بالحسن أو القبح وكونها مزيلة ورافعة لهما كما في المقام واما كونها موجبة لعدم تحقق القبيح فلا محذور فيه اصلا وما التزمناه هناك انما هو من هذا القبيل لا القسم الاول فانا قد ذكرنا
[ 36 ]
هناك ان الموجب للعقاب هو القبح الفعلي مع كونه محرزا عند الفاعل ومن المعلوم ان عدم المصادفة الواقعية توجب عدم تحقق القبيح من المكلف لا انها توجب ارتفاع القبح عما هو متصف به في حد نفسه وكم فرق بين كون الامر الغير الاختياري رافعا للقبح وكونه مانعا عن تحقق القبيح خارجا وما انكرناه في المقام هو الاول دون الثاني (واما الدعوى) الثالثة فيرد عليها انا إذا بنينا على استحقاق المتجري للعقاب بملاك استحقاق العاصي له فليس في مورد العصيان الا ملاك واحد للعقاب فاين عقابان حتى يتداخلان وإذا بنينا على استحقاق المتجري له بملاك اخر يحض به في قبال ملاك استحقاق العاصي له فكيف يمكن فرض المصادفة في صورة التجري حتى يكون هناك ملاكان لاستحقاق العقاب فيلتزم بتداخلهما وكيف كان فلا نعقل معنى محصلا لتداخل العقابين في فرض المصادفة الا ان يريد من المصادفة مورد التجرد لحرام آخر كما إذا قطع المتجري بخمرية مايع فشربه فظهر كونه مغصوبا وحينئذ فان بنينا على جواز العقاب على جنس الحرام المعلوم وان كان المكلف مخطئا في فصله كما هو المختار عندنا على ما سيجئ تفصيله في بحث الاشتغال أو بنينا على جواز العقاب على نفس الحرام الواقعي وهو الغصب في الفرض المزبور بعد معلومية حرمة الفعل الخارجي ولو بعنوان آخر فلا محالة يتحقق المعصية بالاضافة إلى جنس الحرام المعلوم أو بالاضافة إلى الحرام الواقعي ويتحقق التجري بالاضافة إلى خصوصية الخمر المعلوم للمكلف فيجتمع المعصية والتجري في محل واحد باعتبارين
واما إذا بنينا على عدم صحة العقاب على جنس الحرام المعلوم ولا على الفرد الواقع الموجود في ظرف القطع بفرد آخر خطأ لما اجتمع المعصية والتجري حتى في الفرض المزبور (الامر الثاني) في تحقيق قاعدة الملازمة وما ذهب إليه الاخباريون من عدم اعتبار الدليل العقلي في الاحكام الشرعية وهذه المسألة وان وقع فيها ما وقع من الاضراب وكثرة النقض والابرام في كلماتهم الا انه لا حاجة لنا إلى ذكرها وتمييز الصحيح منها من سقيمها فان روح المراد وحقيقة المطلب انما تتضح بالبحث عن جهات اربع (الجهة الاولى) في بيان ان الاحكام الشرعية هل هي تابعة للمصالح والمفاسد ام لا والمخالف في هذه المسألة هم الاشعرية ولهم في ذلك قولان (الاول) ان الاحكام باجمعها جزافية والشارع له ان يامر بكل ما يريد وينهي عن كل ما يريد وليس هناك مصلحة ومفسدة اصلا وهذه الطائفة انكروا وجود الحسن والقبح بالكلية والتزموا بعدم قبح الترجيح بلا مرجح ولا ريب ان هذا القول مناف لضرورة العقل والوجدان لكن
[ 37 ]
الالتزام به ممن لا يلتزم بالعقل وينكر كل بديهي ليس بعزيز (الثاني) ان الاحكام انما جعلت لمصلحة اقتضت التشريع وحفظا لتلك المصلحة لا بد من ايجاب امور وتحريم امور وحيث ان الافعال بعضها مشتملة على المصلحة وبعضها الآخر على المفسدة فهما صارتا مرجحتين في ايجاب ما فيه المصلحة وتحريم ما فيه المفسدة والا فليست المصلحة أو المفسدة بنفسهما مناطين لجعل الواجب أو الحرمة وهذا القول ربما مال إليه بعض العدلية تبعا لهم ولا يخفى اشتراك هذا القول مع القول الاول في الفساد فان الضرورة قاضية بعدم المصلحة في جعل المكلفين في الكلفة الا إيصال المصالح إليهم وتبعيد المفاسد عنهم والا فاي مصلحة تقتضي جعلهم في الكلفة مع عدم رجوع المنفعة إليهم هذا وقد تواترت الاخبار معنى بمضمون قوله صلى الله عليه وآله ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار الا وقد امرتكم به وما من شئ يقربكم إلى النار ويبعدكم عن الجنة الا وقد نهيتكم عنه الصريح في انبعاث الاحكام عن المصالح والمفاسد في الافعال وكيف كان فلا ريب في ان مناطية المصالح والمفاسد للاحكام ضرورية لا يمكن انكارها
وسيجئء ان شاء الله تعالى في الجهة الرابعة بعض المغالطات الواقعة في هذا المقام والكشف عنها (ثم) لا يخفى ان انكار قبح الترجيح بلا مرجح المختص بالاشاعرة انما هو مع عدم وجود المرجح اصلا وعليه بنوا انكار تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد كما عرفت انفا واما الترجيح في الفرد مع وجود المصلحة في النوع من دون مرجح في خصوص ذلك الفرد فهو ليس تقبيح ضرورة ان العاقل لا يفوت المصلحة الثابتة في النوع بعدم وجود المرجح في خصوص فرد من افراده وقد بينا تفصيل هذا المطلب ونقلنا عن الفخر الرازي كلاما لطيفا في هذا المقام في بحث الطلب والارادة فراجع (الجهة الثانيه) في بيان ان العقل هل يدرك الحسن والقبح بعد الفراغ عن اثبات انفسهما ام لا والتحقيق ان يقال ان العقل وان لم يكن له ادراك جميع المصالح والمفاسد الا ان انكار ادراكه لهما في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية مناف للضرورة ايضا ولولا ذلك لما ثبت اصل الديانة ولزم افحام الانبياء إذ اثبات النبوة العامة فرع ادراك العقل لقاعدة وجوب اللطف كما ان اثبات النبوة الخاصة بظهو المعجزة على يد مدعيها فرع ادراك العقل قبح اظهار المعجزة على يد الكاذب ومع انكار ادراك العقل للحسن والقبح بنحو السالبة الكلية كيف يمكن اثبات اصل الشريعة فضلا عن فروعها (الجهة الثالثة) في بيان ان حكم العقل بعد تسليم ادراكه للحسن أو القبح بنحو الموجبة الجزئية هل يكون ملازما لثبوت
[ 38 ]
الحكم الشرعي ام لا (ربما) يقال بعدم الملازمه فان ادراك العقل لمناط الحكم من الحسن أو القبح لا يلزم عدم وجود ما يكون مزاحما له في مورده إذ يحتمل ان يكون هناك جهة اخرى خفيت على العقل والشارع الحكيم على الاطلاق لاطلاعه على الجهة المخفية على العقل لم يحكم على طبق حكمه ومع هذا الاحتمال كيف يمكن القول بملازمة الحكمين دائما وانت خبير بفساده فان محل الكلام انما هو فيما إذا استقل العقل بحكم ووجود هذا الاحتمال في مورد حكمه خلف واضح ضرورة عدم امكان الاستقلال بحكم مع احتمال وجود المزاحم ومحل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق هذا الاحتمال ومع عدم تطرقه الا ريب في استكشاف الحكم الشرعي
بعد فرض تبعيته للمصلحة أو المفسدة بحكم العقل فيكون الملازمة ثابتة من الطرفين (ثم) ان صاحب الفصول (قده) ذهب إلى انكار الملازمة من الطرفين واستدل عليه بوجوه يرجع بعضها إلى دعوى وجود الحكم الشرعي مع عدم وجود الملاك في مورده وبعضها إلى دعوى وجود الملاك مع عدم وجود الحكم الشرعي في مورده منها وجود الاوامر الامتحانية في الشريعة مع عدم وجود الملاك في متعلقاتها (وفيه) ان المأمور به في الاوامر الامتحانية انما هو فعل بعض المقدمات وهو مشتمل على المصلحة واما توجيه الامر إلى ذي المقدمة فهو من جهة الايهام لمصلحة فيه والا فهو ليس بمأمور به حقيقة (ومنها) انه ثبت لنا في الشريعة موارد لم يحكم الشارع فيها على طبق الملاكات الموجودة فيها كما هو مقتضى قوله صلى الله عليه وآله لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك بل امرنا بالسكوت فيما سكت الله عنه في قوله صلى الله عليه وآله اسكتوا عما سكت الله عنه فان الله لم يسكت عنها نسيانا الخ فإذا امكن تخلف الحكم الشرعي عن الملاك ولو في مورد واحد فبمجرد ادراك العقل لحسن شئ أو قبحه لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي في ذلك المورد بل لا بد من السكوت فيه (وفيه) ان محل الكلام انما هو في مورد لا يتطرق فيه احتمال المزاحم مثل المشقة ونحوها إذ معه لا يمكن استقلال العقل حتى يستكشف به الحكم الشرعي (ومنه) يظهر فساد توهم دخول المقام في موارد الامر بالسكوت فان في موارد الاستقلال يكون الحكم الشرعي واصلا بطريق الرسول الباطني ولا فرق في وصول الحكم بين ان يكون بتوسط الرسول الظاهري أو الباطني بل الوصول بتوسط الثاني لكونه قطعيا يكون اقوى من الوصول بتوسط الرسول الظاهري فانه في غالب الموارد لا يكون إلا ظنيا وبالجملة السكوت انما يتحقق في موارد عدم وصول الحكم واما موارد الوصول فلا معنى لتوهم
[ 39 ]
دخولها في الاخبار الآمرة بالسكوت اصلا (ومنها) انه لا اشكال في النهي عن العمل ببعض الطرق كالظن القياسي كما انه لا اشكال في الامر بالعمل ببعضهما الاخر مع ان الاول ربما يكون مصادفا للواقع فيكون في مورده ملاك الحكم بوجوب العمل به والثاني ربما لا يكون
مصادفا للواقع فلا يكون في مورده الملاك وعلى التقديرين يلزم تخلف الحكم عن الملاك (وجوابه) يظهر مما ذكرناه من ان المدعي عدم امكان تخلف الحكم عن الملاك التام واما تخلفه في فرض مزاحمة الملاك بملاك آخر اقوى كما في موارد القياس فما لا ينكر واما توهم وجود الحكم في موارد الامارات المعتبرة الغير المصادفة للواقع مع عدم وجود الملاك فيها فيدفعه ان الملاك المفقود فيها انما هو ملاك جعل الحكم الواقعي واما الملاك لجعل الحكم الظاهري واعطاء صفة الطريقية لها فهو موجود في فرض عدم المصادفة ايضا (ومنها) انه لا ريب في ان الملاك والمصلحة في العبادات انما يترتب على اتيانها بقصد قربى لا على مجرد وجوداتها في الخارج ومن المعلوم ان الاوامر فيها لا تتعلق الا بانفسها من دون اعتبار قصد القربة فيها فما فيه الملاك يستحيل تعلق الامر به وما تعلق به الامر لا يكون واجدا للملاك على الفرض (وجوابه) إن المأمور به فيها إنما هو الفعل المأتي به بداعي القربة لكنه لا بامر واحد بل بامرين فإن ما لا يمكن فيه استيفاء الغرض بامر واحد لا بد من استيفائه بامرين واين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك ومن اراد الاطلاع على تفصيل الكلام فليراجع ما ذكرناه في بحث التعبدي والتوصلي (ومنها) انه لا ريب في ان الملاك ربما يكون في بعض الافراد دون بعض ومع ذلك يجعل الحكم على كلي يشملهما وهذا كما في باب العدة فان مصلحة حفظ الانساب وعدم اختلاف المياه اقتضت تشريع حكم العدة مطلقا حتى فيما لا يلزم فيه من عدم العدة اختلاف المياه فقد تخلف الحكم في تلك الموارد عن الملاك (وفيه) ان الالتزام يجعل الحكم الكلي لمصلحة في بعض الافراد الغير الممتازة عن الافراد الاخر عين الالتزام بوجوب تبعية الحكم للملاك غاية الامر ان المصلحة الداعية إلى الجعل ربما تكون مصلحة نوعية وأخرى شخصية واين ذلك من الالتزام بعدم تبعية الحكم للملاك كما هو المدعى (ومنها) ان التقية إذا كانت في نفس الحكم دون المتعلق كما إذا أمر الامام عليه السلام بشئ لحفظ دم نفسه سلام الله عليه بنفس الامر من دون أن يكون هناك مصلحة في المأمور به فقد تخلف الحكم عن الملاك (وفيه) ان المصلحة إذا كانت في نفس الانشاء بان يكون التقية في نفس الامر لا ان تكون
[ 40 ]
التقية مأمورا بها فهو لا يكون بامر حقيقة بل هو مجرد تكلم بلفظ المصلحة في نفس التكلم وأين ذلك من تخلف الحكم عن الملاك (وبالجملة) فما ذهب إليه قدس سره من امكان إنفكاك الحكم عن الملاك وبالعكس واستدلاله على ذلك بهذه الوجوه الضعيفة لم يكن مترقبا منه قدس سره وكيفكان فلا ريب بعد اثبات تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد وبعد اثبات امكان ادراك العقل لهما في الجملة في ثبوت الملازمة من الطرفين (الجهة الرابعة) فيما ذهب إليه الاخباريون في المقام والجواب عنه ولا يخفى أن كلماتهم فيه وان كانت مختلفة جدا إذ ظاهر كلام بعضهم انكار الملازمة بين الحكم العقلي والشرعي وظاهر بعض آخر منهم عدم جواز الاستدلال بالادلة العقلية الظنية على الاحكام الشرعية مع دعوى عدم امكان حصول القطع بها من غير الطرق الشرعية ومظاهر جماعة اخرى منهم عدم حجية القطع بالحكم الحاصل من غير الطرق الشرعية الا ان الذي يجتمع عليه كلماتهم هو دعوى لزوم توسط الاوصياء سلام الله عليهم في التبليغ فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلا إلى مرتبة الفعلية والباعثية وان كان ذلك الحكم واصلا إلى المكلف بطريق آخر وهذا الذي يدعونه من كون التبليغ بوساطة حجج الله تعالى مأخوذة في موضوع الاحكام وان كان امرا ممكنا من باب نتيجة التقييد على ما بينا توضيح ذلك في نظائر المقام مرارا الا أن الكلام معهم في ذلك في مقام الاثبات واقامة الدليل على المدعي وما يمكن ان يستدل لهم على ذلك امران (الأول) هو احتمال مدخلية وساطتهم عليهم السلام في فعلية الاحكام والعقل بعد احتمال ذلك يستحيل أن يستقل على وجه الجزم بشئ حتى يحكم بملازمة الحكم الشرعي له ويرد هذا الوجه أن العقل بعد ما ادرك المصلحة الملزمة في شئ كالكذب المنجي للنبي أو لجماعة من المؤمنين مثلا وادرك عدم مزاحمة شئ آخر لها وادرك الاحكام الشرعية ليست جزافية وانما هي لاجل ايصال العباد إلى المصالح وتبعيدهم عن المفاسد كيف يعقل ان يتوقف في استكشاف الحكم الشرعي بوجوبه ويحتمل مدخلية وساطتهم صلوات الله وسلامه عليهم بل لا محالة يستقل بحسن هذا
الكذب ويحكم بمحبوبيته والحاصل ان المدعي هو تبعية الحكم الشرعي لما استقل به العقل من الحسن أو القبح وبعد الاستقلال لا يبقى مجال لهذا الاحتمال اصلا (الثاني) الاخبار الكثيرة التي لا يبعد تواترها معنى الدالة على وجوب الرجوع إلى الائمة صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ووجوب الاعتقاد بهم وعدم الاعتناء بالعقل في الاحكام الشرعية ولا يخفي ان هذه
[ 41 ]
الاخبار على كثرتها على طائفتين (الاولى) الاخبار الدالة على عدم قبول الاعمال بل على عدم صحتها ممن لا يعتقد بامامتهم صلوات الله عليهم وكون هذه الاخبار اجنبية عما هو محل الكلام في المقام ظاهر لا يحتاج إلى البيان (الثانية) الاخبار الدالة على وجوب اخذ الاحكام منهم (ع) وعدم الاعتناء على الادراكات العقلية وظاهر هذه الطائفة انها في مقام الردع عما يفعله أئمة النفاق والكفر عليهم لعائن الله من الاستقلال في الفتوى بآرائهم الفاسدة المبنية على العمل بالاقيسة والاستحسانات الظنية من دون الرجوع إلى ائمة الهدى صلوات الله عليهم بل ربما كانوا يعارضونهم واين ذلك ممن يعتقد بامامتهم ويرجع في مقام الفتوى إلى كلماتهم والاخبار الصادرة عنهم صلوات الله عليهم وربما يتفق له استقلال عقله بحسن شئ أو متجه ويستكشف من ذلك ادائهم صلوات الله عليهم بطريق الآن لما ثبت عنده من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد وعدم كونها جزافية كما يدعيها الاشاعرة من دون شعور فإذا لم يكن هناك دليل من الشرع على تقييد الاحكام الواقعية بكونها مبلغة تبليغهم صلوات الله عليهم من باب نتيجة التقييد ولم يكن هو محملا في حد ذاته فلا يبقى ما يمنع عن استقلال العقل بشئ وعن ملازمة حكم الشرع له لا عقلا ولا نقلا * (الامر الثالث) * ذهب بعض الاساطين في كشف غطائه إلى عدم الاعتبار بقطع كثير القطع كعدم الاعتبار بظن كثير الظن وشك كثير الشك والتحقيق ان يقال ان الشك المأخوذ في موضوع ادلة الشكوك من جهة انصرافه إلى الشك المتعارف لا يكون شاملا للشك الغير المتعارف ومقتضى القاعدة الاولية عند حصول الشك الغير المتعارف هو بطلان العمل لاستلزامه الشك في انطباق المأمور به على المأتي به خارجا الا ان الادلة الدالة على
عدم اعتبار شك من يكثر شكه قد دلت على اكتفاء الشارع عن المأمور به بما يؤتى به في الخارج مع الشك المذكور وبها خرجنا عن مقتضى القاعدة الاوليه (واما) الظن المأخوذ في لسان الدليل فهو ينصرف إلى الظن المتعارف وعليه يكون الظن الغير المتعارف الحاصل مما لا ينبغي حصول الظن منه محكوما باحكام الشك لا محالة فيختلف حاله باختلاف الموارد فيفرق بين الظن المتعلق بالركعتين الاخيرتين وبين المتعلق بالاوليين وكذا ان يفرق بين حالتي تعلقه بالافعال قبل تجاوز المحل وبعده واما القطع فهو ان كان مأخوذا في الموضوع فلا ريب انه ينصرف إلى القطع المتعارف ولا يترتب على القطع الحاصل مما لا ينبغي حصول القطع منه الا الاحكام الثابتة له الا ان القاطع لا يلتفت إلى كون قطعه غير متعارف والا لزال قطعه
[ 42 ]
لا محالة بل الظان لا يلتفت بذلك فلا يكون الانصراف الثابت في الدليل مفيدا لهما اصلا وإذا كان هذا حال القطع المأخوذ في الموضوع مع فرض انصرافه إلى المتعارف فكيف يعقل عدم اعتبار القطع الطريقي مع عدم جريان دعوى الانصراف فيه لان المفروض ان طريقيته ذاتية وليست ثابتة له بجعل شرعي حتى يمكن فيه دعوى الانصراف إلى خصوص قسم دون قسم آخر * (الامر الرابع) * لا ريب في ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في انكشاف متعلقه به في الجمله الا انه من جهة كونه مثوبا بالجهل وقع الكلام في انه هل هو مثله في اثبات التكليف وتخبيره أو في اسقاطه والفراغ عنه ام لا ولا يخفى ان البحث في مرحلة الاثبات وان كان سابقا في الرتبة على البحث في مرحلة الاسقاط الا ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث قدم البحث عن الاسقاط على البحث عن الاثبات لنكتة تظهر لك فيما بعد ان شاء الله تعالى فنحن نقتفي اثره في ذلك فنقول لا ريب في صحة الاكتفاء بالامتثال الاجمالي ولو مع التمكن عن الامتثال التوصيلي في التوصيليات إذ المفروض سقوط الامر فيهما بمجرد وجود المأمور به خارجا من دون ان يعتبر فيه شئ اخر فإذا فرض تحققه في الخارج ولو في ضمن امور متعددة فيسقط الامر لا محالة ومن ذلك يظهر ان الامر في باب العقود والايقاعات ايضا كذلك
فإذا اوجد المكلف في ضمن امور متعددة ما هو سبب للملكية عند الشارع فيترتب الملكية عليه لا محالة وتوهم ان التردد في السبب ينافي قصد الانشاء المعتبر في تحقق الملكية فساده غني عن البيان (واما) الامتثال الاجمالي في العبادات فقد يكون مع التكرار فيهما وقد يكون بدونه اما ما لا يحتاج فيه إلى التكرار فلا ينبغي الاشكال في جوازه ولو مع التمكن عن الامتثال القطعي التفصيلي فانه لا مانع عنه الا توهم لزوم قصد الوجه ومعرفتة في صحة العبادة الغير المتحققين في فرض الامتثال الاجمالي (ولا يخفى) ان اعتبارهما في صحة العبادة وان كان هو مختار جملة من المتكلمين بل اعتبر بعضهم امور اخر في صحتهما ايضا الا ان ذلك لا بد وان يكون بدليل عقلي أو نقلي وكلاهما مفقودان (اما العقل) فهو لا يحكم الا بلزوم الاطاعة والانبعاث عن بعث المولى خارجا ولا يحكم بلزوم ازيد من ذلك في مقام الاطاعة جزما (واما الدليل) النقلي فهو بعد عدم وجدانه مع كثرة الابتلاء بالعبادات من الصدر الاول إلى زماننا مقطوع العدم إذ عدم الوجدان مع كون الواقعة في محل الابتلاء لاسيما بهذه الشدة من الابتلاء وعدم وجود داع إلى الاخفاء عادة بل مع وجود (الداعي) إلى الاظهار كما
[ 43 ]
في المقام دليل قطعي على عدم الوجود فحيث انه ليس من اعتبار قصد الوجه ومعرفته في الاخبار والاثار عين ولا اثر فيحصل لنا القطع بعدم اعتبارهما شرعا ومع عدم اعتبارهما في صحة العبادة لا عقلا ولا شرعا لا يكون هناك مانع آخر عن جواز الامتثال الاجمالي (فان) قلت اعتبارهما في صحة العبادة وان لم يدل عليه من الكتاب والسنة شئ الا انه ادعى عليه الاجماع في كلمات جملة من الاكابر ولا ريب ان دعواهم الاجماع في مسألة يكون دليلا عليها وان لم نقل بحجته الاجماع المنقول في حد نفسه (قلت) نعم الا انه لم يظهر لنا دعواهم الاجماع على اعتبارهما من جهة كونهم فقهاء حتى ينكشف بها رأي المعصوم عليه السلام ومن المحتمل قويا ان دعواهم على الاجماع اعتبارهما من جهة كونهم من اهل الكلام ومستندهم في ذلك هو العقل وإذا كان المستند هو العقل فقد عرفت انه لا يحكم بازيد من وجوب اطاعة المولى
والانبعاث عن بعثه ولا يبقى حينئذ لدعوى الاجماع في المسألة اثر اصلا (بل) عدم العثور على دليل شرعي يدل على اعتبارهما في صحة العبادة مع كثرة الابتلاء بها كما عرفت يكون دليلا قطعيا على ان دعواهم الاجماع مستندة إلى ذهابهم على اعتبارهما فيها عقلا وليست مستندة إلى جهة فقاهتهم (ثم) انا لو تنزلنا عن دعوى القطع بعدم الاعتبار فغاية ما هناك هو احتمال اعتبارهما فيها شرعا (وعلى) ما هو المختار عندنا من جريان البراءة في غير الشك فيما يعبر في الطاعة عقلا سواء كان الشك في اعتبار اصل قصد القربة واعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره يكون المورد مجرى لها (نعم) لو بنينا على ما بنى عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) من لزوم الرجوع إلى الاشتغال عند الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتبار قصد القربة وكون المأتي به عبادة لم يمكن الرجوع إلى البراءة في المقام ولكنا ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي وسيجئ في مبحث البراءة ان شاء الله تعالى عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة بين كون الشك في اصل اعتبار قصد القربة وبين الشك في اعتبار امر آخر بعد الفراغ عن اعتباره (ثم لا يخفى) ان القائلين باعتبار قصد الوجه ومعرفته مع الاختلاف بينهم في ان المعتبر هل هو احدهما أو كلاهما معا اتفقوا على ان الاعتبار انما هو في فرض التمكن واما في صورة عدم التمكن فلا ريب في عدم الاعتبار والا لا نسد باب الاحتياط في العبادات مطلقا وهذا ما لا (يلزم) احد من القائلين باعتبارهما فضلا عن غيرهم (ثم ان) الامتثال الاجمالي في مورد دون ان الامر بين الاقل والاكثر يتصور على انحاء ثلاثة الاول ان يكون مطلوبيته ما
[ 44 ]
يشك في جزئيته مفروغا عنها وكان الشك في الالزام به لكونه جزء للعبادة وعدمه (الثاني) ان يكون الشك في اصل المطلوبية ومع ذلك يشك في كونه جزء للعبادة الواجبة (الثالث) ان يكون الجزء المعلوم جزئيته مرددا بين المتباينين كان يشك في ان الجزء المعلوم جزئيته هل يعتبر فيه الجهر أو الاخفات (اما القسم) الاول فقد عرفت انه لا مانع عن الاحتياط فيه ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي الا توهم اعتبار معرفة الوجه أو نيته في صحة العبادة
وحيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبارهما فيها فلا يبقى اشكال في جوازه (واما القسم) الثاني فلا اشكال في جواز الاحتياط فيه مع التمكن من الامتثال التفصيلي ايضا إذ الامتثال الاحتمالي وان كان في طول الامتثال التفصيلي على ما ستعرف ان شاء الله تعالى الا ان ذلك في غير مورد دوران الامر بين الاقل والاكثر فان المحرك للمكلف في موارد الدوران المذكور انما هو شخص الارادة المتعلقة بالعبادة وللمكلف ان يأتي بما يشتمل على المشكوك جزئيته بداعي امتثال شخص تلك الارادة سواء كان الامتثال في الواقع بمجموع الاجزاء المأتي بها في الخارج أو بغير هذا المشكوك جزئية وعلى كل تقدير فالامتثال انما هو بداعي الامر المتعلق بشخص العبادة (واما) القسم الثالث فيجوز الاحتياط فيه بتكرار الجزء في العبادة فيقصد بهذا العمل المشتمل على الجزء الواقع امتثال شخص الارادة المتعلقة بالعبادة ويكون الجزء الزائد ذكرا مطلقا لا يضر بها (واما) الاحتياط في العبادة فيما يحتاج إلى التكرار كما إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة يوم الجمعة فلا اشكال في حسنه مع عدم التمكن من الامتثال التفصيلي (واما) مع التمكن منه فالحق عدم جوازه لا لما افاده المحقق العلامة الانصاري (قده) من كون التكرار في مقام الاطاعة لغوا ولعبا بأمر المولى حتى يورد عليه بانه غالبا يكون بداع عقلائي بل لان الاطاعة بالمعنى الاخص المعتبر في العبادات فقط وهو الانبعاث عن بعث المولى والتحرك عن تحريكه خارجا لا يتحقق مع الامتثال الاجمالي بداهة ان المحرك لخصوص صلاة الظهر أو الجمعة يستحيل ان يكون هو إرادة المولى وبعثه فإن المفروض الشك في تعلقها بكل منهما بل المحرك انما هو احتمال تعلق الارادة بكل منهما ومع التمكن من التحرك عن نفس الارادة يستقل العقل بعدم حسن التحرك عن احتمالها فإن مرتبة الاثر متأخرة عن مرتبة العين فكل ما امكن التحرك عن نفس الارادة في مقام الاطاعة فلا حسن في التحرك عن احتمالها (وبالجملة) فالاطاعة بالمعنى الاعم المشترك بين العباديات
[ 45 ]
والتوصليات وهو ايجاد المأمور به خارجا وان علم بتحققها بعد الاتيان بالصلاتين الا ان
الاطاعة بالمعنى الاخص المعتبر في العبادات لا تتحقق مع التمكن من التحرك عن نفس الارادة بالتحرك عن احتمالها والعقل يستقل بعدم حسن الاحتياط والتحرك عن الاحتمال مع التمكن عن الانبعاث عن نفس الارادة ولو تنزلنا عن ذلك فحيث ان كون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيلي لم يقم عليه دليل فلا محالة نشك في كونه في عرضه ومقتضى القاعدة حينئذ هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي ولا مجال للتمسك بحديث الرفع في رفع هذا الشك لان مورد جريانه هو ما إذا كان المشكوك من الامور التي وضعها ورفعها بيد الشارع امضاء أو تأسيسا واما الامور المشكوك اعتبارها في الطاعة العقليه فلا يكون حديث الرفع متكفلا لرفعها (وبالجملة) الامور التي اعتبرها العقل في الطاعة أو يحتمل اعتبارها فيها عقلا وان كانت قابلة للتصرف شرعا كان يحكم الشارع بدليل مخصوص بكون الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال التفصيلي وليس وزان ذلك وزان ما لا يقبل للتصرف الشرعي اصلا كطريقية القطع وامثالها إلا ان حديث الرفع ليس ناظرا الا على رفع الاحكام المجعولة شرعا امضاء أو تأسيسا فيكون قاصرا عن الشمول لما يحتمل اعتباره في الطاعة عقلا وبذلك يفرق بين المقام وبين الشك في اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحة العبادة فان الشك هناك لرجوعه إلى الشك في اعتبار امر زائد على ما هو معتبر عند العقل شرعا يكون مورد الحديث الرفع بخلاف المقام فإن الشك فيه راجع إلى اعتبار امر في الطاعة العقليه ضرورة ان حسن الاحتياط من الاحكام التي يستقل العقل بها ومع الشك في تحققه لا يمكن التمسك بحديث الرفع الناظر إلى رفع الاحكام المجعولة الشرعية امضاء أو تأسيسا وإذا لم يمكن التمسك بحديث الرفع فمقتضى قاعدة الاشتغال هو عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي ولا يفرق في ذلك بين كون الشبهة حكمية كما في المثال الذي ذكرناه وبين كونها موضوعية كما إذا تردد الماء بين مايعين يعلم كون احدهما ماء ورد فمع التمكن من تعيين الماء خارجا والتوضي به لا يجوز الامتثال الاجمالي والوضوء منهما إذ ما لم يعلم وجود الماء متميزا عن غيره لما امكن الانبعاث عن شخص الارادة المتعلقة بالتوضي من الماء بل لا محالة
يكون الانبعاث عن احتمالها وقد عرفت ان الانبعاث عن الاحتمال انما هو في طول الانبعاث عن شخص الارادة وانه مع الشك في ذلك لا مجال للتمسك بالبراءة ولا بد من القول
[ 46 ]
بالاشتغال (ثم) انه قد ظهر مما ذكرناه عدم جواز الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص في خصوص العبادات ايضا (وتوضيح) ذلك ان الشك في التكليف في الشبهة البدوية اما ان يكون قبل الفحص أو بعده وعلى كل تقدير فإما ان تكون الشبهة حكمية أو موضوعية وفي تمام الاقسام اما ان يكون المشكوك عباديا أو توصليا لا اشكال في جواز الاحتياط في التوصليات مطلقا لما عرفت من ان الغرض فيها انما هو وجود المأمور به خارجا ولا ريب ان الاحتياط محرز له فيكون التكليف به ساقطا لا محالة واما في العبادات فان لم يكن الشك فيها منجزا للتكليف كما إذا كان بعد الفحص في خصوص الشبهة الحكمية أو مطلقا في الشبهة الموضوعية فلا ريب في حسن الاحتياط والاتيان برجاء المطلوبية عقلا واما إذا كان الشك منجزا له على تقدير وجوده واقعا كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص فالحق فيه عدم جواز الاحتياط ولزوم الفحص لما عرفت من ان الامتثال التفصيلي والتحرك عن نفس ارادة المولى متقدم رتبة على الامتثال الاحتمالي وان حسن الاحتياط في العبادات انما هو في فرض عدم التمكن من الامتثال التفصلي فمع الشك في امكان الانبعاث عن نفس الارادة لاحتمال الوصول إليها بالفحص فلا محالة يكون حسن الاحتياط مشكوكا ايضا وقد عرفت ان مقتضى القاعدة عند الشك في حسن الاحتياط هو الاشتغال لا البراءة ومعه فلا بد من الفحص والتحرك عن نفس الارادة على تقدير الوصول إليها والتحرك عن احتمالها على تقدير عدمه (نعم) إذا كان الشك في خصوص التكليف الالزامي بعد الفراغ عن اصل المطلوبية فلا ريب في حسن الاحتياط قبل الفحص ايضا والوجه فيه ظاهر بعد ما عرفت من ان الصحيح هو عدم اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحة العبادة إذ المانع عن حسن الاحتياط على هذا التقدير منحصر بتوهم اعتبار نية الوجه ومعرفته في صحتها وحيث عرفت ان الصحيح هو عدم اعتبارهما فيها فلا يكون هناك مانع آخر
عن حسنه (هذا) كله فيما إذا تمكن المكلف من الامتثال التفصيلي القطعي واما إذا لم يتمكن الا من الامتثال التفصيلي الظني فإن كان الظن مما ثبت اعتباره بدليل خاص فحاله حال القطع الوجداني ضرورة انه في مرتبته في جواز العمل به إذ لا ريب في جواز العمل بالظن الخاص مع انفتاح باب العلم ايضا فإذا كان هو في مرتبته والمفروض تأخر مرتبة الامتثال الاجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيلي القطعي فلا محالة يتأخر مرتبة الامتثال الاجمالي عن مرتبة الامتثال التفصيلي الظني الثابت اعتباره بدليل خاص ايضا هذا مضافا إلى ان الظن إذا كان معتبرا من قبل الشارع باعطاء صفة الكاشفية والطريقية
[ 47 ]
له فهو يكون قطعا بالجعل فيستقل العقل بتقدم الامتثال التفصيلي بهذا القطع الجعلي على الامتثال الاجمالي وقد عرفت ان مقتضى القاعدة على تقدير الشك ايضا هو الاشتغال دون البراءة وعليه فلا يجوز الاحتياط مع التمكن من الامتثال الظني التفصيلي ايضا (نعم) إذا عمل المكلف على طبق الظن فلا بأس باتيان الطرف الآخر المحتمل رجاء مثلا إذا علم المكلف بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة في يوم الجمعة فالاحتياط باتيان الصلاتين وان كان لا يحسن قبل الامتثال التفصيلي مع التمكن منه الا انه إذا تفحص عن الادلة بنى على وجود خصوص صلاة الظهر مثلا واتى بها فيحسن في حقه الاحتياط باتيان صلاة الجمعة رجاء لادراك الواقع فإن الدليل الظني لا يوجب رفع موضوع الاحتياط وهو الاحتمال الوجداني كما كان في القطع الوجداني كذلك فغاية ما يقتضيه دليل الحجية هو الغاء احتمال الخلاف والعمل على طبقه في قبال الامارة من دون اعتناء بها واما الغاء احتماله مطلقا حتى بعد العمل على طبق الامارة وسقوط مقتضاها فلا يتكفل له الامارة اصلا وهذا هو السر في احتياط العلامة الانصاري قدس سره في بعض موارد الاحتياط بالجمع بين القصر والاتمام بتقديم الاتمام على القصر واحتياط تلميذه العلامة الشيرازي قدس سره في تلك الموارد بتقديم القصر على الاتمام فإن الشيخ قدس سره من جهة رجحان الاتمام في نظره في تلك الموارد احتياط بتقديمه على القصر ولكن العلامة الشيرازي (قده) من جهة رجحان القصر في نظره احتاط بتقديمه على الاتمام (واما) إذا كان الظن مما
لم يثبت اعتباره الا بدليل الانسداد ففي تقديم العمل به على الامتثال الاجمالي وعدمه تفصيل وتوضيح ذلك هو أن الاختلاف في كون نتيجة الانسداد على نحو الكشف أو الحكومة إنما نشأ عن الاختلاف في كيفية ترتيب مقدماته وإلا فكيف يعقل ان يترتب على مقدمات معينة الكشف مرة والحكومة اخرى وسيتضح في محله انشاء الله تعالى انا إذا اخذنا في مقدماته بطلان العمل بالاحتياط وعدم جواز الامتثال الاجمالي فيكون النتيجة هو الكشف لا محالة بمعنى ان العقل يكشف عن ان الشارع جعل الظن حجة عند تمامية هذه المقدمات واما إذا اخذنا في مقدماته عدم وجوب الاحتياط فلا محالة بحكم العقل بأنه عند تعذر الامتثال التفصيلي وعدم وجوب الامتثال الاجمالي لابد من الامتثال الظني ولا يجوز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي فحكم العقل على الكشف يكون علة ومثبتا للحكم الشرعي وكاشفا عنه نظير آية النبأ الكاشفة عن حجية خير الواحد وعلى الحكومة يكون واقعا في سلسلة المعلول للحكم الشرعي وفي مرتبة الامتثال وحيث فرضنا
[ 48 ]
من مقدماته بطلان الامتثال الاجمالي لقيام الاجماع عليه أو غيره على الكشف وعدم وجوبه على الحكومة فلا محالة يتقدم الامتثال الظني التفصيلي على الامتثال الاجمالي على الكشف واما على الحكومة فيكون كلاهما في عرض واحد في مقام الامتثال بحكم العقل (فإن) قلت قد ذكرت سابقا ان الملاك في تقديم العمل بالظن الخاص على الامتثال الاجمالي هو ان العمل بالظن الخاص في عرض العمل بالعلم والمفروض تقديم الامتثال التفصيلي العلمي على الامتثال الاجمالي فيكون العمل بالظن الخاص مقدما عليه ايضا وعليه فحيث ان العمل بالظن المطلق على الكشف ليس في عرض العمل بالعلم بل هو مترتب على عدم التمكن منه فلا بد من كون العمل به في عرض الامتثال الاجمالي فلا وجه للتفصيل بين الكشف والحكومة في ذلك قلت ما ذكرناه في وجه تقدم العمل بالظن الخاص على الامتثال الاجمالي من كونه في عرض العمل بالعلم التفصيلي انما كان برهانا صوريا والا فروح البرهان على ذلك هو ان الشارع بعد اعطائه صفة الكاشفية والطريقية للظن وامره بالغاء احتمال الخلاف يكون حال الظن هو حال العلم في حكم
العقل بعدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به ولا اقل من الشك في ذلك الموجب لعدم جواز الاحتياط وهذا الملاك جار في الظن المطلق على الكشف ايضا فيكون حكمه حكم الظن الخاص في عدم حسن الاحتياط مع التمكن من العمل به فقد ظهر مما ذكرناه انه لا وجه لتعجب العلامة الانصاري (قده) من ذهاب المحقق القمي قدس سرهما إلى تقدم العمل بالظن على الامتثال الاجمالي مع انه (قده) ممن ذهب إلى حجية الظن من باب الانسداد فإن المحقق القمي (قده) وان كان يرى حجية الظن من باب الانسداد الا انه من القائلين بالكشف بل من المصرين عليه وقد عرفت ان مقتضى القاعدة على هذا القول هو تقدم العمل بالظن على الامتثال الاجمالي (هذا كله) في المقام الاول وهو جواز الامتثال بالعلم الاجمالي واما المقام الثاني وهو كون العلم الاجمالي مثبتا للتكليف ومنجزا له فيقع الكلام فيه تارة من جهة لزوم الموافقة القطعية واخرى من جهة حرمة المخالفة القطعية (اما الجهة) الاولى فالمتكلف للبحث عنها هو مبحث البراءة والاشتغال فلا بد من عقد البحث في المقام من الجهة الثانية فنقول البحث عن هذه الجهة وان كنا ترددنا فيه في الدورة السابقة في كونه اصوليا أو كلاميا الا ان الحق هو كون هذه المسألة ذات جهتين وكون الجهة الكلامية من مبادي الجهة الاصولية فان البحث عن الجهة الكلامية انما هو في ان العلم الاجمالي إذا تعلق بحكم فهل هو كالعلم التفصيلي
[ 49 ]
في كونه مقتضيا لاستحقاق العقوبة على المخالفة أو حاله حال الشك البدوي في ان العقاب معه على المخالفة عقاب بلا بيان الثابت قبحه بحكم العقل واما البحث عن الجهة الاصولية فهو في انحفاظ مرتبة جعل الحكم الظاهري وعدمه معه إذا عرفت ذلك (فنقول) اما الجهة الكلامية فالحق فيها هو كون العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في كونه موجبا لاستحقاق العقوبة على المخالفة (واما) ما ربما يقال من انه لا محذور في ارتكاب تمام الاطراف تدريجا لعدم علم المكلف بالمخالفة والعصيان عند ارتكابه لكل واحد من الاطراف والعلم بحصول المخالفة بعد ارتكاب تمام الاطراف لم يقم دليل على محذور فيه إذ العقل إنما يحكم بقبح المعصية
وهو عبارة عن المخالفة المعلومة فالعلم له دخل في موضوع حكم العقل بالقبح وهذا مفقود في ارتكاب تمام اطراف المعلوم بالعلم الاجمالي وليس هناك موجب آخر للقبح (ففيه) ان القائل بعدم جواز ارتكاب تمام الاطراف لا يدعى وجود المحذور فيه من جهة العلم بالمخالفة الطارئ بعد ارتكاب تمام الاطراف بل هو يدعي ان العلم الاجمالي بوجود التكليف موجب لوصول التكليف إلى العبد ومخرج للعقاب على مخالفته عن كونه عقابا بلا بيان ضرورة ان اصل التكليف بما هو واصل إلى المكلف تفصيلا والمشكوك إنما هو كل واحد من خصوصية الاطراف والعقاب إنما هو على مخالفة ذلك التكليف الواصل لا على خصوصية كل واحد من اطراف العلم وإذا كان اصل التكليف واصلا إلى المكلف فلا محالة يجب اتيان كل واحد من الاطراف أو تركها من باب المقدمة ولا يبقى مجال للقول بان الجهل بكل واحد من خصوصية الاطراف موجب لكون العقاب على المخالفة عقابا بلا بيان إذ المصحح للعقاب على ما بيناه هو مخالفة أصل التكليف الجامع بين الاطراف المعلوم للمكلف تفصيلا لا الخصوصية المجهولة والذي يدلك على كفاية معلومية هذا المقدار من التكليف في استحقاق العقوبة وفي امكان الانبعاث عنه هو ان لا اشكال في توجيه الخطاب على المكلف بنحو لا يقتضي ازيد من هذا المقدار من الوصول إلى المكلف وفي صحة العقاب على مخالفته وفي امكان الانبعاث عنه كما إذا حكم الشارع بوجوب صلاة الظهر أو العصر تخييرا أو بحرمة احد الفعلين كذلك أو بوجوب احد الفعلين وحرمة الآخر تخييرا بينهما ايضا وهذا هو الميزان في تنجيز العلم الاجمالي ولزوم الانبعاث عنه كما سيتضح انشاء الله تعالى (واما الجهة) الاصولية فالحق فيها عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي بالنسبة إلى المخالفة القطعية وغاية ما يمكن ان يقرب به انحفاظ مرتبة جعل الحكم
[ 50 ]
الظاهري مع العلم الاجمالي هو ان يقال ان العلم في موارد العلم الاجمالي إنما تعلق بالجامع وهذا المقدار هو الذي لا يمكن جعل الحكم الظاهري على خلافه وأما كل واحد من الاطراف فهو بعد على المجهولية والجهل هو الموضوع لجعل الحكم الظاهري فإذا علم بوقوع قطرة من البول في احد انائين
المقطوع طهارة كل منهما سابقا فيستصحب طهارة كل واحد واحد منهما وان كان اصل خطاب لا تشرب الجامع بينهما معلوما ولكن فساد هذا التقريب من الوضوح بمكان فإن الكلام يقع تارة في تقييد الاحكام الواقعية والالتزام باختصاصها بموارد العلم التفصيلي حتى لا يكون في موارد العلم الاجمالي فضلا عن المشكوك البدوي حكم واقعي أصلا واخرى في صحة جعل الحكم الظاهري مع عدم التصرف في الحكم الواقعي اصلا (أما) تقييد الاحكام الواقعية بموارد العلم التفصيلي بها فهو وان كان ممكنا في حد نفسه من باب نتيجة التقييد على ما عرفت تفصيله سابقا إلا ان الشان في قيام الدليل على ذلك ولم يقم الدليل على التقييد إلا في موارد الجهر والاخفات والقصر والاتمام ويمكن ان يكون الاخبار الدالة على جواز اخذ المال المشتبه ممن عنده الحلال والحرام في غير الخراج والمقاسمة الثابت حليتهما ولو مع العلم التفصيلي دالة على تقييد حرمة التصرف في اموال الغير إذا كان يد احد عليها بما إذا كانت معلومة تفصيلا ففي موارد الشبهة المحصورة وان كان مقتضى القاعدة الاولية هو لزوم الاجتناب الا ان هذه الاخبار دلت على جواز التصرف فيها لمن يعطيها الجائر ما لم يعلم حرمتها تفصيلا ولا منافاة بين الالتزام بذلك في خصوص تلك الاموال وبين وجوب الاحتياط في موارد الشبهة البدوية في الاموال كما هو ظاهر ولكن الشأن في عمل المشهور بهذه الاخبار وعدمه والمسألة محررة في الفقه تفصيلا وأما صحة جعل الحكم الظاهري في مورد العلم الاجمالي مع عدم التصرف في الواقع أصلا فالحق عدمها في الاصول التنزيلية مطلقا وفي غيرها إذا لزم من جريان الاصول المخالفة العملية فالمحذور في جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي أحد امرين على سبيل منع الخلو أحدهما لزوم التناقض من جريانه وهذا لا يتحقق إلا في موارد الاصول التنزيلية (ثانيهما) لزوم المخالفة القطعية وهذا لا يتحقق الا في موارد العلم بثبوت التكليف لا نفيه (وتوضح) ذلك ان الاصل الجاري في اطراف العلم الاجمالي اما أن يكون من الاصول المحرزة ومتكفلا للتنزيل ام لا وعلى كل من التقديرين فاما ان يكون العلم الموجود المخالف لمؤدى الاصل مثبتا للتكليف أو نافيا له فالصور اربع أما الصورة الواحدة منها وهي ما إذا كان العلم نافيا للتكليف مع كون
[ 51 ]
الاصل غير متكفل للتنزيل فلا مانع من جريان الاصل فيها وهذا كما إذا علم اجمالا بملكية احد المالين له أو بزوجية احدى الامرأتين له أو بمهدورية دم أحد الشخصين فان الاصول الجارية في تلك الموارد وهي اصالة حرمة التصرف في الاموال واصالة حرمة ترتيب آثار الزوجية واصالة حرمة القتل غير متكلفة للتنزيل حتى يلزم من جريانها المناقضة للمعلوم بالاجمال الموجود في مواردها ولا العلم الاجمالي مثبت للتكليف فيها حتى يلزم من الاصول الجارية المخالفة له مخالفة عملية فكلا المحذورين المذكورين مرتفعان في هذه الصورة واما بقية الصور فالمحذور من جريان الاصل في بعضها لزوم المخالفة العملية فقط وفي بعضها خصوص لزوم التناقض وفي بعضها كلاهما معا ففيما كان الاصول الجارية في اطراف العلم الاجمالي من الاصول النافية ولكنها لم تكن من الاصول المحرزة كما إذا علم بوقوع قطرة من البول في احد الانائين الغير المعلوم حالتهما السابقة فيلزم من اجرائها تجويز المخالفة القطعية ليس الا إذ المفروض ان الاصل القابل للجريان في اطراف العلم في المثال ليس إلا اصالة الطهارة وحيث انها ليست من الاصول المحرزة فلا تكون مناقضة للنجاسة المعلومة اجمالا إلا انه يلزم من جريانها في كل من الطرفين تجويز المخالفة القطعية للنجاسة المعلومة في البين اجمالا وفيما إذا كانت الاصول من الاصول المثبتة وكانت من الاصول المحرزة ايضا فيلزم من اجرائها في اطراف العلم الاجمالي التناقض ليس الا كما إذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم نجاستها سابقا فان الحكم ببقاء نجاسة كل من الانائين وان لم يلزم منه مخالفة عملية لتكليف معلوم إلا انه يناقض الحكم بالطهارة المعلومة في البين اجمالا فلا يكون قابلا للتعبد في نظر المكلف فلا يمكن جعله وفيما إذا كانت من الاصول المحرزة النافية للتكليف كما إذا علم بنجاسة احد الانائين المعلوم طهارتهما سابقا فيلزم من جريانها في الاطراف المناقضة وتجويز المخالفة القطعية معا ثم ان ترتب تجويز المخالفة القطعية على جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي فيما إذا كان نافيا للتكليف المعلوم في البين وبطلان هذا اللازم من الوضوح بمكان لا يحتاج معه إلى بيان واما لزوم التناقض من جريان الاصول
المحرزة في أطراف العلم الاجمالي فربما يقال بعدمه نظرا إلى ان مجرى الاصل إنما هو كل واحد واحد من الاطراف المفروض عدم العلم بتحقق المعلوم بالاجمال فيه فمرتبة جعل الحكم الظاهري محفوظة والمناقضة اللازمة من مخالفة مفاد الاصول للمعلوم بالاجمال هي المناقضة المتحققة في موارد الشبهات البدوية ايضا نعم لو كان كل واحد من الاطراف بحيث علم تحقق
[ 52 ]
المعلوم بالاجمال فيه لما كان هناك مجال لجريان الاصل وكان مناقضة مفاد الاصل للمعلوم من باب مناقضة الترخيص مع العلم التفصيلي لكن اين ذلك من المقام الغير المعلوم وجود المعلوم بالاجمال في كل من الاطراف مثلا إذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم بنجاسة كل منهما سابقا فان كان مفاد استصحاب النجاسة فيهما هو النبأ على عدم وقوع النجاسة فيهما رأسا فلا اشكال في مناقضة ذلك للطهارة المعلومة في البين اجمالا ولكنه ليس كذلك بل مفاد الاصل هو الحكم بنجاسة كل واحد واحد من الانائين مع قطع النظر عن الآخر واين ذلك من المتناقضة المذكورة (ولكنه) لا يخفى فساد ذلك إذ الاصل الجاري في كل واحد واحد من الاطراف وان لم يكن ناظرا إلى الاصل الجاري في الطرف الآخر إلا انه كيف يمكن الجمع بين مؤدى الاصلين في حكم الشارع والبناء على طهارة كل منهما في زمان واحد مع العلم بحكمه بنجاسة احدهما واقعا مع انه ليس الجمع بين المؤديين الا عين نفي الحكم للمعلوم بالاجمال في البين والحاصل ان مؤدى كل من الاصلين وان لم يكن مناقضا للمعلوم بالاجمال بنفسه إلا انه مع ضم مؤدى الاصل الآخر إليه في حكم الشارع يكون مناقضا له لا محالة (وبهذا) يظهر ان المانع ليس منحصرا بقصور أدلة الاصول عن شمولها لاطراف العلم الاجمالي بحسب مقام الاثبات والدلالة نظرا إلى ان العلم بمخالفة احد الاصلين للواقع يكون مانعا عن شمول دليل الاصل لمورديهما نظير قصور الدليل اللفظي كالعموم عن الشمول مع العلم بالتخصيص في الجملة بل مناقضة مؤدى الاصلين للحكم المعلوم في البين في مقام التشريع بنفسها مانعة عن جريان الاصل في الطرفين مع قطع النظر عن مقام الدلالة والاثبات (بقى) هناك شئ وهو
ان عدم جريان الاصل في تمام اطراف العلم الاجمالي هل هو من جهة عدم المقتضى له أو من جهة وجود المانع مع تمامية المقتضى يمكن ان يقال ان مفاد الاصول إذا كان هو الحكم الظاهري الطبعي الاقتضائي الغير المنافي لحكم فعلي آخر في خلافه نظير حلية لحم الغنم في حد ذاته بالقياس إلى لحم الارنب الغير المنافية للحرمة من جهة اخرى كما إذا كان الغنم مغصوبا أو موطوءا فلا ريب في وجود المقتضى حينئذ في تمام اطراف العلم الاجمالي إلا أن وجود العلم بالخلاف يكون مانعا عن فعليته (واما) إذا كان مفاده هو الحكم الفعلي العملي كان عدم الجريان لعدم تمامية المقتضى مع العلم بالخلاف (ولكن) التحقيق فساد هذا الترديد (إذ) من الظاهر ان مفاد الاصول إنما يكون حكما فعليا موجبا لمعذورية المكلف أو تنجز الواقع عليه
[ 53 ]
وليس من الحكم الاقتضائي في مفادها عين ولا اثر أصلا بل الظاهر هو الفرق بين الاصول التزيلية وغيرها بان يلتزم بعدم تمامية المقتضى في الاصول التنزيلية نظرا إلى ما عرفت من عدم تمامية موضوع الاصل في مجموعها مع وجود العلم بالخلاف بالتقريب المتقدم وهذا بخلاف الاصل الغير التنزيلي فإن العلم الاجمالي لا ينافي جريانه في تمام الاطراف وإلا يكون جاريا مع العلم بالخلاف حتى في مورد الاصل المثبت للتكليف على خلاف المعلوم بالاجمال بل المانع من الجريان هو لزوم المخالفة القطعية في موارد الاصول النافية ومع قطع النظر عن هذا المانع لم يكن بأس في جريانها أصلا (ثم) انه قد أشرنا سابقا إلى أن الميزان في تنجيز العلم الاجمالي وعدم جواز الرجوع إلى الاصول انما هو قابلية نفس التكليف بالمعلوم بالاجمال بما هو كذلك مع قطع النظر عن خصوصيات اطرافه للبعث حتى يجب مراعاته في تمام الاطراف من باب المقدمة وإلا فقد عرفت ان العقاب على مخالفة التكليف المتخصص بخصوصية طرف لا يخرج عن كونه عقابا بلا بيان وعلى ذلك فيختص تنجيز العلم الاجمالي بما إذا أمكن المخالفة القطعية ولو كان بفعل أحد الطرفين وترك الآخر ومع عدم امكانها كما في دوران الامر بين المحذورين يستحيل تنجيز العلم الاجمالي للحكم المعلوم بالاجمال إذ الالزام المتعلق بالجامع بين الفعل
والترك الذي هو المعلوم للمكلف يستحيل ان يكون قابلا للباعثية لان احدهما بنفسه حاصل لاستحالة اجتماع النقصين وارتفاعهما فلا يمكن البعث نحوه ولا يترتب على مثل هذا العلم أثر أصلا ولا يمكن للشارع أو العقل الحكم بالتخيير ايضا إذا الحكم بالتخيير انما مقصور فيما إذا لم يكن في مرتبة سابقة عليه تخيير تكويني قهري على ما هو مقتضى المناقضة بينهما ومعه لا معنى للحكم به كما هو ظاهر (ولكن) لا يخفى ان الميزان المذكور إنما هو بالقياس إلى طرف المخالفة القطعية (واما) عدم امكان الموافقة القطعية فلا يكون مانعا عن تنجيز العلم الاجمالي لامكان الانبعاث بترك المخالفة القطعية وان لم يمكن الموافقة كذلك وقوام هذا الميزان إنما هو بوجود شرطين (الاول) ان يكون الواقعة المعلوم فيها وجود الالزام في الجملة واقعة واحدة غير متكررة وإلا فلو كانت الواقعة متكررة كما إذا حلف على وطئ امرأة معينة وحلف على ترك الاخرى فيها فاشتبهت الامرأتان فإن كلا منهما وان دار أمره بين الوجوب والحرمة إلا انه يتمكن المكلف من المخالفة القطعية حينئذ بالجمع بينهما فعلا أو تركا فلا بد حينئذ من الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية رعاية للعلم الاجمالي وهكذا الامر فيما إذا تعلق الحلف بامرأة معينة في ليلتين
[ 54 ]
ولكن شك في تعلقه بالفعل أو الترك فإن الفعل حينئذ في ليلة والترك في الاخرى مخالفة قطعية للمعلوم بالاجمال (الثاني) ان لا يكون احد التكليفين معينا تعبديا وإلا فلو كان الوجوب أو الحرمة على تقدير وجود كل منهما تعبديا لكان الفعل بلا قصد القربة في الاول والترك كذلك في الثاني مخالفة قطعية (وربما) يقال بتأثير العلم الاجمالي في دوران الامرين المحذورين من جهة الالتزام حيث ان في الاخذ بالفعل أو الترك من دون الالتزام بالوجوب أو الحرمة مخالفة للتكليف المعلوم اجمالا التزاما (وانت) خبير بفساد هذا القول فإن المراد من الموافقة الالتزامية ان كان هو التصديق والتدين بما جاء النبي صلى الله عليه وآله من الاحكام الفرعية فمرجع ذلك إلى تصديق نبوته صلى الله عليه وآله وان كان من جاء به فهو من عند الله وهو لا يستلزم الالتزام بكل واحد واحد من الاحكام تفصيلا (وان) كان المراد منها هو الالتزام بكل واحد واحد من الاحكام
على التفصيل فان اراد القائل بلزومه حرمة التشريع والالتزام بخلاف الحكم الواقعي مسندا له إلى الشارع فهو حق (لكنه) اجنبي عن لزوم الالتزام بكل حكم على التفصيل (وان) اراد لزومه بنفسه بحيث يكون لكل واجب مثلا اطاعتان ومعصيتان احداهما من حيث العمل والاخرى من حيث الالتزام (فلا) دليل عليه لا عقلا ولا نقلا (وان) كان المراد من لزومها هو وجوب الاتيان بالعبادات بقصد التعمد والامتثال بأن يؤتى بها بداعي الامر مثلا فهو وان كان حقا (الا) اجنبي عن محل الكلام ايضا (وبالجملة) لا دليل على لزوم الموافقة الالتزامية بالمعنى الذي يكون مربوطا بالمقام ويمكن جعل العلم الاجمالي فيه مؤثرا من تلك الجهة مع انه على تقدير وجود الدليل عليه لا يكون بمثمر في خصوص المقام إذ وجوب الالتزام على تقدير تسليمه لا محالة يكون مشروطا بالامكان ومع عدمه كما في المقام فلا محالة يكون ساقطا (توضيح) ذلك ان الالتزام بما هو حكم الله واقعا على ما هو عليه من الوجوب أو الحرمة وان كان ممكنا الا انه لا ينافي عدم تأثير العلم الاجمالي من حيث العمل رأسا وكون المكلف على تخييره التكويني القهري اللازم لاستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما واما الالتزام بخصوص الوجوب أو الحرمة فمع انه لا دليل عليه يكون تشريعا محرما شرعا وقبيحا عقلا فما هو الممكن في المقام غير مفيد وغيره ساقط لا محالة (بقي هناك) جهات ينبغي التعرض لها (الاولى) انه قد ظهر مما ذكرناه عن عدم تأثير العلم الاجمالي في موارد دوران الامر بين المحذورين حتى في التخيير عقلا وشرعا انه لا مجال لجريان الاصول النافية فيها إذ لا
[ 55 ]
يترتب عليها اثر في مقام العمل غير التخيير العملي الحاصل بنفسه مع قطع النظر عن جريانها ومع عدم ترتب اثر عملي عليها لا معنى لجريانها كما هو ظاهر (الثانية) انه قد ظهر مما ذكرناه في بيان عدم انحفاظ الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي وان العلم بوجود التكليف الجامع بين الاطراف يمنع من جريان الاصول فيها ان عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري انما هو بالقياس إلى المخالفة القطعية إذ الاصل المصادم للمعلوم بالاجمال انما هو الاصل الجاري في
تمام الاطراف (واما) الاصل الجاري في بعض الاطراف معينا أو غير معين فهو غير مصادم للمعلوم بالاجمال بالضرورة ومرتبة الحكم الظاهري معه موجودة فعدم جريان الاصل فيه انما هو بضميمة بطلان الترجيح بلا مرجح فحكم العقل بلزوم الموافقة القطعية بالاتيان بتمام الاطراف في الشبهة الوجوبية واجتناب كلها في الشبهة التحريمية متوقفة على مقدمتين (احداهما) عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إلى المعلوم الجامع بين الاطراف مع قطع النظر عن الخصوصيات (الثانية) بطلان الترجيح بلا مرجح والا فمع قطع النظر عن المقدمة الثانية لا يحكم العقل الا بعدم جريان الاصول في مجموعها الا في كل واحد منها ويترتب على ذلك انه لو وجد رافع للمقدمة الثانية من جهة حكم الشارع بالترخيص في بعض الاطراف لما كان هناك موضوع لحكم العقل لا انه يكون تخصيصا في حكم العقل (والحاصل) ان هم العقل بعد ثبوت التكليف بالعلم الوجداني انما هو الفراغ عن عهدته بنحو لا خصوص الاتيان بمتعلقه الواقعي فكما ان الاتيان بتمام الاطراف في الشبهة الوجوبية وتركها في الشبهة التحريمية موجب له فكذلك رعاية العلم الاجمالي في بقية الاطراف التي لم يرخص الشارع فيها تركا أو فعلا موجب له فإن حكم الشارع في مقام الامتثال في بعض الاطراف بانه ليس هو المحرم الواقعي أو ان المحرم الواقعي غيره أو بانه يجوز الاكتفاء في مقام الامتثال بالامتثال الاحتمالي كما في موارد قاعدتي التجاوز والفراغ يوجب قطع العقل بالفراغ في هذا المقام ومعذوريته عن مخالفة التكليف الواقعي لو كانت نظير ما إذا كان احد أطراف العلم الاجمالي لا بعينه مضطرا فيه فإنه لا يوجب ارتفاع أثر العلم الاجمالي الا في خصوص ما تختاره المكلف خارجا ومع رعاية العلم الاجمالي في الطرف الآخر يقطع العقل بعدم العقوبة ولو كان التكليف في محل اختياره (نعم) بين المقام ومورد الاضطرار إلى احد الاطراف لا بعينه فرق من جهة أخرى وهي ان الاضطرار حيث انه رافع للتكليف الواقعي في نفس الامر فلا محالة يكون التكليف الواقعي
[ 56 ]
في مورد الاضطرار المذكور متوسطا في الفعلية بحسب نفس الامر بمعنى أن التكليف لو كان
في غير ما يختاره في مقام الاضطرار يكون فعليا ومنجزا على المكلف (واما) إذا كان في الطرف المختار فيكون ساقطا من اصله بالاضطرار وهذا بخلاف المقام فإن الاصل الجاري في بعض الاطراف لا يوجب ارتفاع الحكم عنه واقعا على تقدير وجوده بل غايته اثبات حكم ظاهري في مورده موجب لمعذورية المكلف من مخالفته فيكون التوسط في مقام الامتثال الموجب للتوسعة في مرحلة الفراغ بجواز الاكتفاء بما لم يرد فيه ترخيص في مقام الامتثال (نعم) الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال كاصالة البراءة ونحوها لا تكون جارية حتى في بعض الاطراف لفرض ثبوت الاشتغال بالمعلوم بالاجمال على ما هو عليه فلا محل لجريان الاصل في رفعه (فتلخص) ان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال لا تجري في اطراف العلم الاجمالي ولو في بعضها والاصول الجارية في مرحلة الفراغ محرزة كانت أم غير محرزة لا تجري في تمام الاطراف لمصادمتها مع المعلوم اجمالا وعدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري معه وتجري في بعض الاطراف دون بعض فقد صح ما أفاده العلامة الانصاري (قده) من كون العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضيا لوجوب الموافقة كذلك فإن مراده (قده) من كونه علة تامة بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية هو ما ذكرناه من عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري معه في تمام الاطراف ومن كونه مقتضيا بالاضافة إلى وجوب المواثقة القطعية هو انحفاظه معه في بعضها بجعل اصل جار في مرحلة الفراغ والامتثال وإن لم يمكن جعل الاصل الجاري في مقام الاشتغال فيه ايضا نعم ظاهر عبارته (قده) حيث قال يجوز للشارع ترخيص بعض الاطراف بجعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع تخصيص الاصل الجاري في بعض الاطراف بالاصل المحرز وقد عرفت انه لا تختص به بل مطلق الاصول الجارية في مرحلة الامتثال والفراغ تكون جارية فيه كما عرفت (ومن جميع) ما ذكرناه تعرف فساد ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم الاجمالي فرتب عليه تجويز الشارع في مورده للمخالفة الاحتمالية بل القطعية وان العلم الاجمالي بالقياس إلى حرمة المخالفة القطعية مقتض يتوقف تأثيره على عدم المانع عقلا كما في موارد الشبهة الغير المحصورة أو شرعا
كما في موارد الشبهة المحصورة على ما هو ظاهر قوله (ع) كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه إلى ان قال وأما احتمال انه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى الموافقة
[ 57 ]
القطعية وبنحو العلية بالنسبة إلى المواثقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية فضعيف جدا ضرورة ان احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة إلى آخر ما أفاده (قده) إذ قد ظهر لك ان العلم الاجمالي بالاضافة إلى متعلقه الجامع بين الاطراف حكمه حكم التفصيلي بل هو هو بعينه إذ العلم الاجمالي ليس الا ضم علم بشك والا فلا ترديد في متعلق العلم بما هو كذلك فكما انه لا مجال لتوهم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم التفصيلي فكذلك لا مجال لتوهمه مع العلم الاجمالي فيما هو معلوم به وكما ان حكم العقل بالاشتغال مع العلم التفصيلي لم يكن مقتضيا لايجاد ما هو متعلق العلم بخصوصه لما عرفت من ان هم العقل هو الفراغ عن عهدة التكليف بإيجاد ما هو متعلقه واقعا أو في حكم الشارع كما في موارد قاعدة الفراغ فكذلك حكمه به مع العلم الاجمالي ايضا كذلك فيجوز للشارع الترخيص في بعض اطرافه والاكتفاء في مقام الامتثال بغيره ومع ذلك كيف يمكن انكار علية العلم الاجمالي بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية والقول بأنه مقتض حتى بالاضافة إليها وأما ما افاده بعد ذلك من قياس جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي بجريانها في اطراف الشبهة الغير المحصورة والشبهات البدوية ثم اعتراضه على نفسه والجواب عنه على ما في بعض النسخ بقوله لا يقال التكليف فيهما ليس بفعلي فإنه يقال كيف المقال في موارد ثبوته في اطراف غير محصورة أو في الشبهات البدوية ففي غاية السقوط إذ فعلية التكليف كما مر منا مرارا إنما هو بوجود موضوعه مع تمام قيوده وخصوصياته وفي مقابلة الحكم الانشائي المجعول على نهج القضايا الحقيقية كان في الخارج له موضوع أو لم يكن ومن الضروري ان العلم اجماليا كان أو تفصيليا إذا تعلق بنفس الحكم الشرعي مع قطع النظر عن وجود موضوعه وتعلقه بالمكلف لا يترتب عليه اثر اصلا بل المؤثر إنما هو العلم المتعلق بالحكم الفعلي بالمعنى الذي ذكرناه وهو موجود في الشبهة المحصورة دون غيرها بدوبة كانت أو غير
محصورة وتوهم مناقضة نفس الحكم الواقعي مع قطع النظر عن تعلق العلم به مع الحكم الظاهري سنتعرض لدفعه في محله ان شاء الله تعالى (الثالثة) قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه ان تأثير العلم الاجمالي يتوقف على سقوط الاصل في أطرافه بالمعارضة إذ لو جرى الاصل في بعض الاطراف بلا معارض كما إذا علم أو قام امارة على نجاسة احد الانائين بالخصوص ثم علم اجمالا بوقوع قطرة من النجس في احدهما على الاجمال لما كان هذا العلم مؤثرا في شئ إذ وقوع النجاسة في الطرف الثابت نجاسته بالخصوص لا يترتب عليه اثر ووقوعه في الطرف الآخر
[ 58 ]
مشكوك يجري فيه الاصل بلا معارض فمرجع هذا الاشتراط إلى اعتبار كون العلم الاجمالي علما بالحكم على كل تقدير ومع قيام الحجة على ثبوت ما هو من سنخ العلوم بالاجمال لا يكون هناك علم بالتكليف الزائد من دون فرق بين ان يكون المثبت للتكليف علما وجدانيا تفصيلا أو إمارة معتبرة أو أصلا شرعيا أو علما اجماليا آخر كما إذا علم بنجاسة احد الانائين لا بعينه ثم علم اجمالا بوقوع قطرة اخرى مرددة بين وقوعه في احد هذين الانائين أو في اناء آخر فإن الاصل بالاضافة إلى الاناء الآخر بلا معارض لعدم العلم الاجمالي بتكليف آخر غير المعلوم اولا (الرابعة) يعتبر في تأثير العلم الاجمالي ان يكون التكليف المعلوم متعلقا بشخص واحد على كل تقدير حتى يكون جريان الاصل بالقياس إليه في احد الطرفين معارضا بجريانه في الطرف الآخر فلو علم بتكليف مردد بين تعلقه بأحد الشخصين لما ترتب عليه اثر اصلا إذ الحكم المتعلق بشخص آخر أجنبي من غيره فيكون مرجع هذا العلم إلى الشك في ثبوت التكليف لكل منهما فيجري الاصل بالقياس إلى كل منهما بلا معارض نعم لو كان ثبوت التكليف لشخص آخر موضوعا لخطاب متعلق به لكان العلم الاجمالي بتعلق التكليف اما بنفسه أو بغيره المفروض موضوعيته لخطاب متعلق به لكان العلم مؤثرا لا محالة هذا بحسب الكبرى واما بحسب الصغرى فهو مثل ما إذا علم أحد الشخصين بجنابة نفسه أو صاحبه لوجدان المني في الثوب المشترك بينهما خاصة فبالنسبة إلى وجوب الغسل لا أثر للعلم الاجمالي إذ وجوب الغسل على كل منهما أجنبي
عن الآخر فكل منهما شاك في وجوبه عليه ويجري الاصل فيه بلا معارض واما بالنسبة إلى تكميل عدد المصلين في صلاة الجمعة فحيث ان اللازم على كل منهم احراز صحة صلاته وصلاة الباقين ولو بالاصل حتى يتم العدد المعتبر فيها فعلم واحد منهم بجنابة نفسه أو جنابة صاحبه المكمل العدد يكون موجبا لبطلان الصلاة لا محالة لان اصالة عدم جنابة نفسه في مثل الفرض معارضة بإصالة عدمها في صاحبه نعم يجوز لكل منهما استيجار صاحبه لكنس المسجد ونحوه مما يحرم على الجنب مع دخول نفسه ايضا كما انه يجوز لغيرهما استيجارهما لذلك مع علمه بجنابة احدهما إذ المدار في بطلان الاجارة هو كون العمل محرما على الاجير منجزا حتى يخرج العمل عن قدرته وملكه تشريعا ومع عدم تنجز الحرمة عليه وبقاء العمل تحت قدرته كما هو المفروض في المقام فلا مانع من صحة اجارته بل لو علم تفصيلا جنابة شخص يجوز اجارته لذلك مع جهله بها لعدم تنجز الحرمة عليه مع الجهل (واما) ايتمام احدهما بالآخر أو الثالث
[ 59 ]
بهما في صلاة واحدة أو صلاتين فإن بنينا على اعتبار احراز المأموم صحة صلاة إمامه كما هو الظاهر فلا يجوز شئ من ذلك واما إذا بنينا على ان المعتبر هو احراز نفس الامام صحة صلاة نفسه وإن كان باعتقاد المأموم باطلا فلا يترتب على مثل هذا العلم الاجمالي أثر أصلا والوجه فيهما ظاهر ونظير ذلك هو استيجارهما لما يكون مشروطا بالطهارة كالصلاة والطواف فانه إذا بنينا في صحة الاجارة على اعتبار صحة العمل عند الاجير فلا يكون العلم الاجمالي مانعا عن صحة الاجارة واما إذا بنينا على اعتبار احراز الصحة لدى المستأجر ولو بالاصل فيكون العلم الاجمالي منجزا لا محالة (الخامسة) يعتبر في تأثير العلم الاجمالي أن لا يكون موضوع الحكم المتعلق به العلم مقيدا بالتميز الخارجي والمعلومية التفصيلية ضرورة انه لو كان كذلك لما كان العلم الاجمالي المتعلق به علما بالحكم إذ المفروض عدم تمامية موضوعه في الخارج وعليه فإذا جعل مالان من جنس واحد عند ودعي فإما ان يكون كل منهما مفروزا متميزا في الخارج عن غيره أو لا وعلى الاول فلا ريب في انه إذا تلف احدهما وتردد صاحبه بين
مالكيهما يرجع إلى القرعة إذ المفروض اختصاص التألف بأحدهما وغيره بالآخر فلا بد في التعيين من الرجوع إليها واما على الثاني بأن فرضنا الاختلاط بينهما اتفاقا فحيث ان موضوع المالية عند العرف مقيد بالتميز ولذا يحكمون بالشركة عند اختلاط احد الجنسين بالآخر اختيارا أو قهرا كما في اختلاط اللبن باللبن والحنطة بالحنطة فتلف مقدار منهما عند الودعي يحسب عليهما ويقسم الباقي بالنسبة وكل منهما يكون مالكا لما في يده حقيقة فلو اجتمعا عند ثالث يجوز جعلهما ثمنا لجارية مثلا ولا معنى لدعوى ان يقال انا نعلم تفصيلا بعدم انتقال الجارية إليه للعلم الاجمالي بعدم انتقال تمام الثمن إليه من مالكه لما عرفت من ان عدم تميز مال كل منهما خارجا الغير المنافي لتميز اجزائه بحسب نفس الامر يوجب زوال الملكية الشخصية ويبدلها إلى الاشاعة فكل مقدار وقع في يد كل منهما يكون مالكا له في نفس الامر فأين علم اجمالي بعدم الانتقال المذكور (ومن) هنا يظهر ان الرواية الواردة في مسألة الودعي من تنصيف الدرهم على صاحب الدرهم والدرهمين ليس على خلاف مقتضى قواعد العلم الاجمالي حتى نحتاج إلى اعمال ما تكلفه شيخنا العلامة الانصاري (قده) من الالتزام بالصلح القهري بل الظاهر ان اختلاط الدراهم وعدم تميزها خارجا وان كانت متميزة في نفس الامر أوجب زوال الملكية الشخصية عن كل من المالكين وانقلابها إلى الاشاعة فالتقسيم على القاعدة وكل منهما يكون مالكا لما يأخذه بعد
[ 60 ]
تلف احد الدراهم واقعا فاجتماعهما عند شخص لا يوجب علمه بعدم انتقال مجموع المال إليه من مالكه حتى يتولد منه علم تفصيلي في بعض الموارد ولكن التحقيق ان الرواية لا تنطبق على هذه الجهة إذ المفروض فيها تقسيم الدرهم نصفين واعطاء نصف إلى صاحب الدرهمين حتى يكون عنده درهم ونصف واعطاء النصف الآخر إلى صاحب الدرهم الواحد مع ان مقتضى الاشاعة وتبدل الملكية الشخصية هو تقسيم الدرهمين الباقيين اثلاثا لا ارباعا إذ التقسيم لا بد وان يكون بنسبة أصل المال لا غيرها وسيتضح تطبيقها على القاعدة في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى (السادسة) يشترط في تنجيز العلم الاجمالي أن لا يكون الاجمال والاشتباه موجبا لتعقب
أمر يستلزم تبدل المعلوم بالاجمال عما هو عليه إلى ما يرتفع معه العلم الاجمالي كحكم الحاكم والحلف والاقرار على ما سيتضح إن شاء الله تعالى والفرق بين هذا الشرط وسابقه هو أن نفس الاجمال قد يكون موجبا لارتفاع المعلوم بالاجمال وزوال العلم وقد لا يكون بنفسه موجبا لذلك بل يكون أمر آخر في مورده موجبا له والجامع هو زوال العلم الاجمالي وتبدل المعلوم عما هو عليه اما بنفس الاجمال أو لامر آخر في مورده ومعه لا يبقى موضوع لتوهم جواز المخالفة القطعية كما هو واضح ثم ان ما يوجب تبدل المعلوم في طرف الاجمال قد يكون حكم الحاكم كما في موارد التداعي في تعيين الثمن أو المثمن مع تعارض البينتين أو مع عدم البينة أصلا فإنه بعد التحالف ينفسخ العقد ويرجع كل مال إلى صاحبه الاول فإذا كان البايع يدعي بأن المبيع كان هو العبد والمشتري يدعي كونه الجارية فالعلم الاجمالي بخروج العبد أو الجارية عن ملك البايع إلى ملك المشتري وان كان موجودا إلى آن حكم الحاكم الموجب لانفساخ العقد إلا انه يرتفع بعده بتبدل معلومه إذ بعد الانفساخ يكون كل من العبد والجارية ملكا للبايع حقيقة فليس هناك مخالفة للعلم التفصيلي ولا الاجمالي أصلا وكذلك الامر في صورة التداعي في الثمن ايضا ومن هذا القبيل ما إذا كان التداعي في عين خارجي مع العلم الاجمالي بكونها لاحدهما مع عدم اختصاص احدهما باليد أو البينة فإن حكم الحاكم بالتنصيف يوجب ملكية كل منهما للنصف حقيقة فيرتفع العلم الاجمالي بأن تمام العين الخارجي اما لهذا أو لذاك إذ حكم الحاكم وان كان له جهة طريقية إلا انه ما لم ينقض يكون له جهة موضوعية ايضا فيحصل به حكم واقعي ثانوي في ظرف عدم النقض واما حكم الامام عليه السلام بالتنصيف في مورد تلف احد الدراهم عند الودعي فإن قلنا بأنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم كما إذا حملناه على صورة الخلط بين
[ 61 ]
الدراهم التي قد عرفت ان مقتضى القاعدة فيها هو حصول الشركة بين مالك الدرهمين ومالك درهم واحد فيكون الحكم على خلاف القاعدة والموجب لتبدل المعلوم بالاجمال حينئذ هو حكم الشارع بالصلح القهري بينهما ومن هذه الجهة لم يعمل بها جماعة وضعفوها بالسكوني وان قلنا
بالاحتياج إليه وحملناه على صورة عدم الخلط وتداعي كل من المالكين بالنسبة إلى الموجود مع عدم البينة لكل منهما فيكون التنصيف حينئذ على القاعدة اعمالا لكل من الدعويين بالنسبة إلى نصف المدعي فيكون الموجب للتبدل هو حكم الحاكم وعلى كل حال لا يكون الرواية موجبة لمخالفة علم تفصيلي ولا اجمالي (وقد يكون) الموجب للتبدل هو الاقرار كما إذا أقر بعين خارجي لزيد ثم اقر بها لعمرو فإن الحكم بأخذ العين لزيد وقيمتها لعمرو وان كان مخالفة للعلم بكذب احد الاقرارين إلا ان الاقرار مع اشتماله على جهة الطريقية لكونه اخبارا عن حق سابق لا إنشاء له مشتمل على جهة الموضوعية ايضا من جهة وجوب انفاذ اقرار كل احد عليه فيثبت الملكية الثانوية مع عدم انكشاف الخلاف تفصيلا نظير القول بالسببية في باب الطرق المستلزمة لجعل الاحكام الثانوية على طبقها في ظرف عدم انكشاف الخلاف تفصيلا ومع ثبوت الملكية الثانوية يتبدل المعلوم بالاجمال ويرتفع العلم الاجمالي من البين (وقد يكون) الموجب للتبدل هو الحلف كما في العين الموجودة في يد اثنين يدعي كل منها تمامها له فبالتحالف يكون كل منهما مالكا لنصفها حقيقة فيرتفع العلم الاجمالي فتلخص مما ذكرناه ان الفروع التي ذكروها نقضا في المقام ليس شئ منها صالحا لذلك وان المخالفة القطعية للمعلوم بالاجمال غير قابل لترخيص الشارع فيها اصلا واما ذهاب بعض إلى الرجوع إلى الاصل في مسألة اختلاف الامة على قولين ولم يكن مع احدهما دليل ولو كان مخالفا لهما المفروض موافقة احدهما للواقع أو التخيير الواقعي على ما استظهر من كلام القائل به المعلوم مخالفته للواقع ايضا فلا يكون نقضا في المقام ايضا إذ لعل القائل بهما لا يرى بأسا في مخالفة العلم الاجمالي فكيف يجعل ذلك نقضا على من يقول بذلك ويرى استحالة تجويز المخالفة القطعية (بقي هناك) شئ وهو ان المعلوم بالاجمال قد يدور أمره بين ان يكون مانعا بوجوده الواقعي أو بوجوده التنجزي الواصل كما إذا علمنا بنجاسة ثوب أو غصبيته فعلى تقدير نجاسته واقعا يكون عدم وقوع الصلاة فيه معتبرا واقعا وعلى تقدير غصبيته فإن قلنا بامتناع اجتماع الامر والنهي وسراية كل منهما إلى متعلق الآخر فالامر يكون كذلك ايضا على ما حققنا في محله من ان لازم ذلك هو التقييد الواقعي
[ 62 ]
فيكون خارجا عن محل الفرض وإن قلنا بالجواز من هذه الحيثية فلا محالة يكون اعتبار عدم الغصبية من جهة المزاحمة المشروطة بالعلم والوصول ويكون الصلاة صحيحة مع الجهل بالغصبية على القاعدة كما هو المختار عندنا فهل القاعدة في مثل ذلك تقتضي تأثير العلم الاجمالي من تمام الجهات أو يختص تأثيره بمقدار المزاحمة ويكون الاصل جاريا بالنسبة إلى المقدار الزائد ففي مثل المثال يكون عدم جواز الصلاة في الثوب المفروض عامدا متيقنا واما بطلانها فيه ناسيا فيبتني على تأثير العلم الاجمالي حتى في غير جهة المزاحمة الحق هو عدم تأثيره إلا بمقدار المزاحمة فلو صلى فيه ناسيا صحت صلاته ولو انكشف نجاسته بعد ذلك واقعا وذلك لان غاية ما يتوهم كونه مانعا عن الرجوع إلى الاصل بالنسبة إلى المقدار الزائد على المزاحمة هو توهم ان العلم الاجمالي إذا تعلق بأحد الحكمين فيكون كل واحد منهما ثابتا في الواقع منجزا بهذا العلم ولازم ذلك هو تنجز النجاسة الواقعية على تقدير وجودها في مثل الفرض ولازمه عدم جواز الرجوع إلى اصالة الطهارة بالنسبة إلى المقدار الزائد وبطلان الصلاة الواقعة فيه ولو نسيانا وجوابه ان تنجز كل من الحكمين على تقدير وجوده إنما يكون إذا لم يشتركا في اثر وكان احدهما مختصا بالاثر الآخر إذ في مثل ذلك يكون الاثر المشترك متيقنا في البين والاثر الآخر مشكوكا بدويا فيكون من دوران الامر بين الاقل والاكثر وفي مثله لا بد من الرجوع إلى الاصل في المقدار المشكوك لا محالة وفي مثل فرض المقام حيث ان أثر المزاحمة مشترك بين النجاسة والغصبية وإنما يزيد النجاسة على أثر زائد وهو بطلان الصلاة في ظرف النسيان وذلك الاثر مشكوك بدوي يجري الاصل بالقياس إليه بلا معارض وبذلك ظهر انه يشترط في تأثير العلم الاجمالي أمر آخر زائد على ما ذكر وهو ان لا يكون المعلوم بالاجمال مرددا بين ان يكون مانعيته لاجل المزاحمة وبين أن يكون لاجل اعتبار عدمه واقعا وإلا فينحصر تأثيره بمقدار المزاحمة فقط (هذا تمام) الكلام في احكام القطع فلنرجع إلى البحث عن الامارات المعتبرة عقلا أو شرعا أو التي قيل باعتبارها كذلك والكلام فيه يقع في مقامين (الاول) في امكان التعبد بالامارة
الغير العلمية (الثاني) في وقوعه والمراد من الامكان المبحوث عنه في المقام هو الامكان التشريعي بمعنى ان التعبد بالامارة هل يلزم منه محذور في عالم التشريع أم لا وليس المراد منه الامكان التكويني المختص بالامور الخارجية حتى يبحث في ان الاصل العقلائي هل هو الحكم بالامكان حتى يثبت الامتناع أم لا كما هو واضح (اما المقام الاول) فلم ينسب
[ 63 ]
الخلاف فيه إلا إلى ابن قبة القائل باستحالة التعبد بالامارة الغير العلمية ولم ينقل عنه في كتب الاصول والكلام إلا ذلك (فاعلم) ان القائل بالاستحالة اما ان يكون نظره إلى لزوم المحذور من التعبد بالامارة الغير العلمية من ناحية الملاك واما ان يكون نظره إلى لزومه من ناحية الخطاب (أما) توهم المحذور من ناحية الملاك فغاية ما يمكن أن يقال في تقريبه هو ان الاحكام الشرعية لا محالة تكون تابعة لملاكاتها نظير تبعية المعاليل لعللها على ما أوضحنا الحال في ذلك سابقا وحيث ان الامارة الغير العلمية ربما تكون مصيبة وأخرى مخطئة فإذا قامت على حكم غير الزامي وفرضنا كون الحكم الواقعي الزاميا وجوبيا كان أو تحريميا فيلزم من التعبد بها وجعلها حجة تفويت الملاك الواقعي الملزم إذ لو لم يكن ملزما لما أمكن استتباعه لحكم الزامي كما هو واضح ومع فرض كونه ملزما كيف يمكن للشارع تفويته بجعل امارة على خلافه وبالجملة فرض جعل الامارة حجة مع فرض كون الحكم الواقعي الزاميا ناشئا عن ملاك ملزم نقض للغرض وهو قبيح بالضرورة والى هذا يشير ما نقل عن الخصم من ان التعبد بالامارة الغير العلمية مستلزم لتحليل الحرام وهو قبيح كما ان الامارة إذا قامت على حكم الزامي وجوبي أو تحريمي وفرضنا الحكم الواقعي غير الزامي يلزم من التعبد بها وإيجاب العمل على طبقها كون الحكم الالزامي من دون ملاك يقتضيه إذ المفروض ان الفعل الذي أدى الامارة إلى وجوبه أو تحريمه عار عن الملاك الملزم فجعل الحكم الالزامي له بجعل الامارة حجة يستلزم عدم تبعية الاحكام للمصالح أو المفاسد وهذا غير معقول كما عرفت واليه يشير ما نقل عنه من ان التعبد بالامارة الغير العلمية مستلزم لتحريم الحلال وهو قبيح (والحاصل) ان الامارة إذا كانت
مخالفة للحكم الواقعي يلزم من جعلها حجة يجب العمل على طبقها اما كون الحكم الالزامي مجعولا من دون ملاك واما تفويت الملاك الملزم وكلاهما قبيحان (والجواب) عن ذلك ان المانع عن حجية الامارة الغير العلمية ان أراد امتناعها حتى في صورة انسداد باب العلم وعدم امكان الوصول إلى الواقعيات وان أمكن تحصيل القطع بها ولو كان مخالفا للواقع فإن ذلك يرجع إلى انسداد باب العلم كما هو ظاهر فلا ريب انه مع تعذر العلم وبقاء التكاليف الواقعية وبطلان الاحتياط لعدم ابتناء أساس الشرع عليه فلا مناص عن العمل بالطرق الظنية حفظا للواقعيات لكونها اقرب إلى العلم من غيرها ضرورة دوران الامر حينئذ بين العمل بها وادراك الواقعيات في الجملة وبين الغائها بالكلية أو العمل بما يكون خطأه اكثر من الطرق الظنية ولا
[ 64 ]
اشكال في تعين الاول وكون ادراك الواقعيات ولو ظنا ملاكا ملزما لجعل الطرق الظنية حجة ولو لم تكن مصيبة للواقع دائما لكن الظاهر ان القائل بالاستحالة لم يرد صورة الانسداد وإنما أراد استحالة التعبد بها في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات (وعليه) فنقول ان استحالة التعبد بها في فرض الانفتاح تتوقف على ان يكون اصابة العلوم الحاصلة للمكلف للواقعيات اكثر من اصابة الطرق الغير العلمية لها واما إذا كانت الاصابة والخطأ فيهما على حد سواء أو كان اصابة الطرق العلمية لها اكثر فلا يلزم من التعبد بها محذور اصلا ضرورة انه لا يلزم منه حينئذ تفويت ملاك من قبل الشارع أزيد مما يكون فائتا في صورة تحصيل العلم حتى يكون قبيحا وحيث انه لم يثبت كثرة خطأ الطرق الغير العلمية بالاضافة إلى العلوم الوجدانية الحاصلة للمكلف فلا يمكن الحكم بالاستحالة ومعه فلا اشكال في وجوب الاخذ بظاهر كل دليل دل على حجية امارة غير علمية (فإن قلت) اليس القائل بالاستحالة يدعيها في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات ومعه كيف يمكن احتمال كون خطأ العلوم الوجدانية مساويا لخطأ الطرق الغير العلمية فضلا عن احتمال اكثريته إذ فرض كون العلوم الوجدانية مخالفة للواقع فرض الانسداد كما أفاده العلامة الانصاري قدس سره والتزم
لاجله بالقبح في فرض الانفتاح (قلت) معنى فرض الانفتاح هو فرض امكان الوصول إلى الواقعيات وهذا أعم من أن يتحقق فعلية الوصول إليها فإذا فرضنا ان المكلف يتمكن من أخذ الاحكام من نفس الامام عليه السلام مشافهة ولكنه لا يفعل ذلك وإنما يعتمد كثيرا على السؤال من جماعة يحصل له القطع بالحكم من اخبارهم فيعمل به فإذا علم الشارع بخطأ كثير من علومه وقلة خطأ طريق غير علمي بالاضافة إليها فله أن يجعل ذلك الطريق حجة عليه ويحكم برجوعه إليه مع فرض انفتاح باب العلم وامكان الوصول إلى الواقعيات فلا موجب للالتزام برجوع هذا الفرض إلى الانسداد ولا للالتزام بالقبح في فرض الانفتاح (فإن قلت) ايجاب التعبد بالامارة الغير العلمية في الفرض الذي ذكرته وان لم يكن قبيحا إلا ان ذلك يرجع إلى ان الشارع في ايجابه التعبد بها اعمل جهة علمه بالغيب وهو علمه بكثرة خطأ العلوم المتعارفة الحاصلة للمكلف عن الخطأ الموجود في مورد الامارة ومن المعلوم ان اعمال جهة العلم بالغيب خارج عن الوظيفة الشارعية وكلامنا في المقام متمحض في الامكان والاستحالة في تشريع التعبد بها من حيث الشارعية ليس إلا فلا بد من الاعتراف بالقبح من
[ 65 ]
تلك الحيثية لا محالة (قلت قد ذكرنا مرارا ان العلم بالملاكات إنما هو وظيفة الشارع فكما ان احراز الملاك في التعبديات يختص بالشارع دون غيره فليكن العلم بكثرة خطأ العلوم الوجدانية في المقام الذي هو من قبيل العلم بالملاكات مختصا به ايضا واين ذلك من اعمال جهة العلم بالغيب الخارج عن وظيفته بل نقول هذا الاشكال على تقدير تسليمه إنما يختص بخصوص ما إذا جعل الشارع حجية امارة ابتداء وهذا فرض غير واقع في الشريعة واما إذا كان جعله عبارة عن امضائه لما جعله العقلاء حجة معتبره عندهم في عرض الطرق العلمية لما يرون ان اصابته للواقع ليست بأقل من اصابتها فالاشكال مندفع من أصله (وتوهم) ان الطرق غير العلمية وان سلمنا ان خطأها ليس بأكثر من الخطأ المتحقق في موارد الطرق العلمية إلا انه لا ريب في كون الطرق العلمية اقرب منها إلى الواقع وأبعد خطأ فلا يعقل جعلها حجة مع التمكن منها
(مدفوع) بأن اقربية الطرق العلمية بالاضافة إلى غيرها على تقدير تسليمها لا توجب ردع العقلاء عن ما جرى عليه بناؤهم العملي ما لم يكن مخالفة الطرق الغير العلمية اكثر من مخالفة الطرق العلمية فإن مجرد الاقربية من دون لزوم تفويت الملاكات الواقعية لا يقتضي الردع كما هو ظاهر (ثم) انه إذا سلمنا اقربية الطرق العلمية عن غيرها وقلة خطاها بالاضافة إليها لكن ذلك لا يوجب ردع العقلاء عما جرى عليه طريقتهم من العمل بالطرق الغير العلمية ما لم يكن الخطأ فيها بمرتبة توجب تفويت الواقعيات كثيرا كما في القياس واما إذا كان الخطأ الزائد فيها قليلا بأن يكون نسبة الخطأ الثابت في موارد الامارة إلى الخطأ الموجود في موارد الطرق العلمية نسبة العشرة إلى التسعة فهو لا يوجب الردع وإلزام المكلفين بتحصيل الطرق العلمية فإن مصلحة التسهيل يزاحم بها ما في امضاء طريقة العقلاء من تفويت الواقع احيانا فإنها من المصالح النوعية المهمة التي يكون رعايتها مقدمة على رعاية المصالح الشخصية التي تفوت احيانا عند العمل بالامارة وتقديم المصالح النوعية على المصالح الشخصية لا مانع عنه بل هو واقع في الشرع كثيرا كما في حكم الشارع بجواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الكفار في الحرب فإن حكمه بجواز قتلهم وان كان فيه تفويت المصلحة الشخصية إلا انه لا يزاحم بالمصلحة النوعية الثابتة في اعلاء كلمة الاسلام وغلبة المسلمين (فإن قلت) ان كان المراد من مصلحة التسهيل الثابتة في امضاء الطريقة العقلائية المصلحة التي يكون تفويتها والزام المكلفين بتحصيل العلم الوجداني موجبا للعسر والحرج عليهم فلا اشكال في تقدم ذلك على المصالح الشخصية
[ 66 ]
وجواز امضاء الشارع لطريقتهم لكن هذا خارج عن المفروض في المقام فإن ذلك يرجع إلى دعوى الانسداد فإن المراد منه انسداد باب العلم على المكلفين من دون لزوم عسر وحرج في تحصيله وان كان المراد منها ما لا يكون تفويتها موجبا لهما فكيف يكون رعايتها متقدمة على رعاية المصالح الشخصية والحاصل ان مجرد التسهيل على المكلفين من دون لزوم الحرج في تركه لا يمكن أن يكون داعيا لتفويت المصالح الشخصية وأما التسهيل الموجب تركه للحرج فرعايته
وان كانت مقدمة على رعاية المصالح الشخصية إلا ان فرضه في المقام خلف إذ المفروض في محل الكلام هو امكان جعل الطرق في حال الانفتاح قلت التسهيل المدعى في المقام وإن لم يكن ما يوجب تركه للعسر والحرج إلا انه لا مانع من كون مصلحته داعية للمولى لامضاء الطرق العقلائية (ودعوى) عدم قابليتها للمزاحمة مع فوت المصالح الشخصية مع كون الدين مبنيا على السماحة والسهولة ممنوعة فإن مثل هذه المصلحة العامة ربما يكون في نظر الشارع أهم من المصالح الشخصية كما في غيرها وفرق واضح بين العسر المأخوذ موضوعا لرفع التكاليف الثابتة لمتعلقاتها وبين المشقة الداعية للمولى إلى جعل حكم من الاحكام (وبالجملة) فرق بين كون الحرج علة للتشريع وبين كونه موضوعا للحكم المجعول والملاك في الاول هو لزوم العسر ولو نوعا وفي الثاني لزوم الحرج في كل شخص وقد مر في بعض المباحث السابقة توضيح ذلك فراجع (فإن قلت) سلمنا عدم المحذور في التعبد بالامارة الغير العلمية من ناحية تفويت الملاك الملزم ولو في فرض الانفتاح ولكن اشكال لزوم تحريم الحلال الراجع إلى لزوم جعل الحكم من دون ملاك يقتضيه باق بحاله فإن الامارة إذا أدت إلى حرمة شئ أو وجوبه وفرض كون الحكم الواقعي هي الاباحة فجعلها حجة حينئذ لم ينشأ من ملاك ملزم بناء على الطريقية المحضة التي بناء الاشكال والحكم بالاستحالة عليها واما بناء على السببية والموضوعية فالاشكال غير وارد من راسه حتى يحتاج إلى تكلف الجواب عنه (قلت) لو كان حكم الشارع بوجوب ما أدت الامارة إلى وجوبه أو بحرمة ما أدت إلى حرمته حكما واقعيا فلا بد وان ينشأ عن ملاك ملزم يقتضيه كما هو الحال في بقية الاحكام الالزامية على ما هو التحقيق عندنا من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات واما إذا كان حكما ظاهريا ناشئا من تحفظ الشارع على احكامه الواقعية الموجودة في جملة من موارد الطرق الغير العلمية الغير الممتازة عن موارد خطئها فلا يلزم كونه ناشئا عن ملاك ملزم في كل مورد مورد بل يكفي وجود الملاك في جعل نوعها حجة وهذا
[ 67 ]
نظير ما ذكرناه سابقا من ان مصلحة حفظ الانساب وعدم اختلاط المياه اقتضت جعل العدة
ولكنا نعلم من الخارج عدم توقفه في بعض الموارد عليها إلا ان اشتباه الموارد وعدم تميز بعضها عن بعض أوجب إيجاب العدة على الجميع وهذا أجنبي عن كون الحكم مجعولا بلا ملاك هذا كله بناء على الطريقية المحضة واما بناء على الموضوعية والسببية وان المصالح الفائتة في صورة خطأ الامارة يتدارك بمصلحة في العمل بها فالامر اوضح وتوضيح ذلك ان السببية يتصور على وجوه ثلاثة (الاول) ان يكون قيام الامارة سببا لحصول مصلحة في المؤدى موجبة لجعل الحكم على طبقه ولا يكون للفعل مع قطع النظر من قيام الامارة حكم أصلا فيكون الاحكام الواقعية مختصة بالعالمين ولا يكون للجاهل حكم واقعا وظاهرا غير الحكم الناشئ من قبل الامارة والقول بمثل هذه السببية مستلزم للتصويب الاشعري الذي دل الاجماع والاخبار الدالة على وجود الاحكام المشتركة بين العالم والجاهل على بطلانه (الثاني) ان يكون الاحكام الواقعية تابعة لمصالح ومفاسد في نفس الافعال مع قطع النظر عن قيام الامارة وعدمه إلا ان قيام الامارة على الخلاف كان موجبا لحدوث مصلحة في المؤدى غالبة على مصلحة الواقع فيكون الحكم الفعلي مختصا بغير من قام عنده الامارة على الخلاف كما يختص الاحكام الواقعية بغير موارد الضرر والحرج وهذا القول وان لم يستلزم عدم وجود الحكم المشترك من اول الامر إلا أنه يوجب تقييد الاحكام الواقعية واختصاصها بمن لم يقم الامارة عنده على الخلاف بالآخرة وهذا هو التصويب المعتزلي المشترك مع الاول في البطلان وإن لم يكن مثله في الشناعة فإن الاجماع والاخبار كما يدلان على وجود الاحكام المشتركة من أول الامر فكذلك يدلان على بقائها بحالها وفعليتها وعدم تغيرها عما هي عليها لقيام الامارة على خلافها (الثالث) أن لا يكون قيام الامارة سببا لتغيير في الاحكام الواقعية أصلا إلا انه كان هناك مصلحة في سلوك الامارة والعمل على طبقها يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع عند الخطأ وهذا القسم من السببية هي التي قال بها جماعة من العدلية وهي لا تستلزم التصويب أصلا فلا مانع من الالتزام بالسببية بهذا المعنى وتدارك المصالح الفائتة من جعل الامارة حجة في ظرف الانفتاح حتى لا يلزم قبح من تفويتها (فإن قلت) إذا بنينا على قبح التفويت مع
عدم التدارك فلا يمكن الالتزام بتداركها بالمصلحة السلوكية على تقدير المخالفة ايضا مثلا إذا فرضنا ان الواجب الواقعي هو صلاة الجمعة يوم الجمعة وقامت الامارة على وجوب صلاة الظهر
[ 68 ]
يومها وكان هناك مصلحة في سلوك تلك الامارة فاما ان لا يكون مصلحة السلوك غالبة على مصلحة صلاة الجمعة وموجبة لاضمحلالها أو يكون غالبة عليها كذلك وعلى الثاني فإما ان يبقى الحكم الواقعي على حاله أو يزول بقيام الامارة على الخلاف والاول من الشقوق الثلاثة مستلزم لكون الحكم الواقعي هو التخيير بين وجوب صلاة الجمعة والظهر لفرض اشتمال كل منهما على مقدار من المصلحة الداعية إلى الايجاب والشق الثاني مستلزم لبقاء الحكم الواقعي من دون ملاك يقتضيه والشق الثالث مستلزم للتصويب والتوالي الثلاثة كلها فاسدة (قلت) لو كانت المصلحة السلوكية قائمة بفعل صلاة الظهر وفي عرض مصلحة الواقع كما كان الامر في السببية المعتزلية كذلك لكان للترديد بين الشقوق الثلاثة مجال واسع واما إذا كان تلك المصلحة في نفس السلوك من دون ان يؤثر في نفس الفعل شيئا وفي طول المصلحة الواقعية من دون أن يكون لها مساس بها أو بالحكم الناشئ من قبلها فلا مجال للترديد المذكور أصلا بيان ذلك ان المصلحة السلوكية ليس المراد منها هو اعطاء المولى للعبد شيئا من كيسه مجانا عند فوات الواقع بالعمل بالامارة كما انه ليس المراد منها هو حصول مصلحة في نفس الفعل بعد قيام الامارة على وجوبه بل المراد منها ان في نفس السلوك واستناد العبد في العمل بها مصلحة تختلف باختلاف مقدار السلوك المستلزم لفوات مصلحة الواقع مثلا إذا كان الواجب الواقعي الفائت بالعمل بالامارة فوريا مضيقا ولم يشرع فيه القضاء فسلوك الامارة المؤدية إلى خلافه موجب لفواته على المكلف بالكلية فلا بد من كون السلوك مشتملا على مقدار من المصلحة الموجبة لتدارك جميع ما فات من مصلحة الواجب الواقعي وأما إذا كان مما شرع فيه القضاء وانكشف الخلاف بعد ذلك فسلوك الامارة ينتهي إلى هذا الحد وهو لا يوجب إلا فوات المصلحة الوقتية دون أصلها فيكون المتدارك هي ايضا كما انه إذا كان الواجب موسعا وانكشف الخلاف في
الوقت فحيث ان سلوك الامارة محدود بهذا المقدار فيكون اشتماله على المصلحة التداركية بمقدار فوت الفضيلة فقط دون المصلحة القائمة بأصل الواجب (وبالجملة) كما ان مقدار سلوك الامارة يختلف باختلاف الموارد بانكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه مع مشروعية القضاء أو عدمها أو لا ينكشف إلى آخر العمر أصلا فكذلك يختلف المصلحة القائمة به ايضا وبذلك يظهر فساد ما أورد على شيخنا العلامة الانصاري (قده) من عدم تعقل اختلاف المصلحة القائمة بالسلوك باختلاف انكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه أو عدم انكشافه أصلا وان الالتزام
[ 69 ]
بذلك يرجع إلى دعوى اعطاء الشارع من كيسه بدل الفائت مجانا وجزافا فإنك قد عرفت أن اختلاف المصلحة إنما نشأ من اختلاف نفس السلوك بحسب المقدار وكل مقدار منه يشتمل على مقدار من المصلحة المغايرة لما يشتمل عليه الآخر وأين ذلك من دعوى التدارك المجاني الجزافي وقد ذكرنا في بحث الاجزاء معنى المصلحة السلوكية وعدم ترتب القول بالاجزاء على القول بالسببية مطلقا بل لازم القول بمثل هذه السببية هو عدم الاجزاء كما في القول بالطريقية بعينه نعم السببية بالمعنى الملازم للتصويب تستلزم القول بالاجزاء لا محالة كما أفاد الشهيد (قده) من أن القول بالاجزاء في موارد الطرق من فروع القول بالتصويب فراجع ذلك المبحث حتى يظهر لك حقيقة الامر (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان الامر بالعمل على طبق الامارة وسلوكها والبناء على ان مؤداها هو الواقع مع كونها طريقا محضا إليه من دون استتباعها لمصلحة في الفعل غالبة على مصلحة الواقع أو مساوية لها ناشئا عن مصلحة في نفس السلوك وتطبيق العمل على طبق الامارة على ان مؤداها هو الواقع فليست المصلحتان في مرتبة واحدة حتى يقع بينهما الكسر والانكسار فيترتب عليه المحاذير الثلاثة المذكورة بل المصلحة السلوكية مترتبة على وجود حكم واقعي اخبر الامارة عنه وفي مرتبة متأخرة عنه فضلا عن المصلحة الداعية إلى جعله فكيف يمكن ان تكون هي مزاحمة لتأثير المصلحة الواقعية في جعل الحكم الواقعي وليست الامارة خالية عن المصلحة بالكلية حتى
يلزم من جعلها حجة تفويت الواقع بلا تدارك بل هناك مصلحة في السلوك والعمل على طبق الامارة على ان مؤداها هو الواقع يتدارك بها مصلحة الواقع عند فواتها على تفصيل قد عرفت فلو اغمضنا عن حل الاشكال بناء على الطريقية المحضة فلنا ان نلتزم بالسببية بهذا المعنى بلا محذور فيه اصلا (فإن قلت) ان المصلحة السلوكية إذا لم تكن قائمة بنفس الفعل حتى يقع المزاحمة بينها وبين مصلحة الحكم الواقعي الملازم للتصويب المجمع على بطلانه فاما ان تكون هي قائمة بالامر على تطبيق العمل على الامارة أو بنفس التطبيق المتفرع على حجيتها ضرورة انها ما لم تكن حجة يكون تطبيق العمل عليها تشريعا محرما فكيف يمكن ان يكون مشتملا على مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع والالتزام بالاول منهما ينافي ما مر من تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد في المتعلقات والالتزام بالثاني مستلزم للدور فإن الامر بالتطبيق يتوقف على وجود مصلحة فيه والمفروض ان وجود المصلحة فيه يتوقف على الامر ايضا فيدور (قلت)
[ 70 ]
نختار الشق الثاني قولك انه مستلزم للدور نجيب عنه تارة بالنقض بباب العبادات فإن الالتزام بكون المصالح فيها ثابتة لنفس الاوامر ينافي مذهب العدلية والالتزام بكونها في الافعال يستلزم الدور فإن الفعل فيها من دون الامر يقع تشريعا محرما فكيف يمكن ان يكون مشتملا على مصلحة ملزمة بل المصلحة الملزمة متفرعة على نفس الامر فتوقف الامر عليها كما هو مقتضى مذهب العدلية مستلزم للدور فما يكون التفصي به هناك يتفصى به في المقام ايضا واخرى بالحل في كلا المقامين وتوضيح ذلك انما هو ببيان مقدمة وهي ان الحجية لها مراتب ثلاث (الاولى) مرتبة جعلها وصرف انشائها لشئ وهذه المرتبة من الحجية كانشاء بقية الاحكام لا تتوقف على علم واحراز من المكلف اصلا (الثانية) مرتبة احرازها ووصولها إلى المكلف موضوعا وحكما التي بها يكون الاحكام الواقعية واصلة إلى المكلف ويكون الحجة وسطا لاثبات متعلقها (الثالثة) مرتبة الاستناد إليها في مقام العمل وهذه المرتبة هي التي توجب معذورية المكلف عند مخالفته للاحكام الواقعية وسيأتي في بحث البراءة والاشتغال ان مجرد وجود طريق معتبر
على خلاف الحكم الواقعي مع عدم احراز المكلف أو مع عدم الاستناد إليه لا يوجب المعذورية فلو احتمل التكليف واقتحم في الشبهة قبل الفحص وصادف احتماله للواقع لعوقب على مخالفته وان كان هناك طريق دل على اباحة الفعل بحيث لو تفحص المكلف عنه لظفر به وكذلك لو كان ذلك الطريق واصلا إلى المكلف ولكن لم يستند المكلف إليه في مقام العمل بل اقتحم الشبهة لعدم مبالاته بمخالفة التكليف الواقعي فإذا كانت المعذورية دائرة مدار المرتبة الثالثة فلا بأس بكون المصلحة السلوكية قائمة بهذه المرتبة ايضا دون نفس الفعل حتى يلزم التصويب ودون الامر حتى ينافي مذهب العدلية (إذا عرفت) ذلك فنقول كما ان معنى توقف الاوامر العبادية على وجود المصلحة في متعلقاتها على مذهب العدلية ليس كون الفعل في حد ذاته مشتملا على مصلحة ملزمة من قطع النظر عن الامر ضرورة انه يقع حينئذ تشريعا محرما كما عرفت بل معناه ان في ذوات الافعال مصالح ملزمة هي مقتضيات نفس الافعال لكنها لا تتحقق في الخارج إلا بعد ورود الامر وصدورها بداع قربي فهي في مرتبة الاقتضاء علل للاوامر وداعية إلى جعلها وفي مرتبة فعليتها وتحققها متوقفة عليها فلا دور فكذلك المصلحة السلوكية القائمة بالمرتبة الثالثة من الحجة هي علة لجعل الطريق في مرتبة الاقتضاء ومتوقفة عليه خارجا في مرتبة التحقق والفعلية فجهة التوقف في كل منهما مغايرة لجهة التوقف في
[ 71 ]
الآخر والموجب للزوم الدور هو توقف كل من الطرفين على الآخر من جهة واحدة كما هو واضح (وبالجملة) فالاشكال الوارد في المقام هو بعينه الاشكال الوارد في باب العبادات والجواب مشترك بين المقامين (ثم) لا يخفى ان عبارة العلامة الانصاري (قده) بحسب النسخ الاولية كان مفادها كون المصلحة السلوكية قائمة بنفس السلوك وتطبيق العمل على الامارة والعدول إلى جعل المصلحة في الامر إنما هو لاجل اشكال اورده بعض تلامذته قدس سرهما عليه فأمر (قده) بتصحيح العبارة فصححوه بزيادة لفظ الامر في العبادة والاشكال الذي اورد عليه وان لم ينقل لنا بشخصه الا انه لا يبعد ان يكون الاشكال الذي تعرضنا
له آنفا واجبنا عنه بحمد الله تعالى وبينا ان الالتزام بالمصلحة السلوكية المختلفة باختلاف انكشاف الخلاف لا يمكن الا بالالتزام بكونها قائمة بنفس السلوك حتى تختلف باختلافه وان الالتزام بالمصلحة في نفس الامر ينافي مذهب التحقيق من تبعية الاحكام لمصالح ومفاسد في متعلقاتها ولكنه مع ذلك يمكن توجيه المراد من العبارة بأن لا يكون المراد منها ما هو ظاهرها من كون المصلحة في نفس الامر بل يكون المراد منها هو كون المصلحة في نفس السلوك كما اخترناه ولكن المصلحة السلوكية حيث انها تتوقف على كون الطريق حجة حتى يصح الاستناد إليه والحجية عنده قدس سره منتزعة عن الحكم التكليفي وهو ايجاب العمل على طبق الامارة فعبر بكون المصلحة السلوكية في الامر مسامحة وكيف كان فقد اتضح عدم المحذور من جعل الطريق من ناحية الملاك على الطريقية المحضة والسببية (واما توهم) المحذور من ناحية الخطاب فقد قيل في تقريبه ان الامارة إذا قامت على وجوب شئ في الواقع وفرضنا ايجاب الشارع العمل على طبقه فاما ان تكون موافقة للواقع أو مخالفة له ولازم الاول هو اجتماع المثلين كما ان لازم الثاني هو اجتماع الضدين ولكنه لا يخفى ان اشكال اجتماع المثلين كما اشرنا إليه مرارا لا يكون اشكالا في شئ من المقامات ضرورة ان لازم كون الفعل الواحد واجبا من جهتين بل مستحبا من جهة وواجبا من جهة اخرى هو تأكد الطلب وكونه ناشئا عن ملاك اقوى من الملاك الموجود في كل واحدة من الجهتين واين ذلك من اجتماع المثلين المشترك مع اجتماع الضدين في الاستحالة واما اشكال لزوم اجتماع الضدين في فرض المخالفة فقد اجيب عنه بوجوه (الاول) ما يظهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) في باب التعادل والترجيح وهو المنقول عن جماعة أخرى من اختلاف موضوعي الحكم الظاهري
[ 72 ]
والواقعي فإن موضوع الاول منهما هو الشئ بعنوان كونه مشكوكا وهذا بخلاف موضوع الحكم الواقعي فإن موضوعه نفس الفعل وذاته واشتراط وحدة الموضوع في التضاد كما في التناقض ربما يكون من الواضحات (وفيه) أولا ان هذا الجواب على تقدير تماميته إنما
يختص بخصوص موارد الاصول من جهة اخذ الشك في موضوعها وأما الامارات فموضوعها نفس الفعل من غير تقييد بالجهل بالحكم الواقعي وكونها حجة حال الجهل غير اخذ الجهل في موضوعها والا لما بقي فرق بين الامارة والاصل ولا يكون لها حكومة عليه كما هو ظاهر (وثانيا) ان الاحكام الواقعية وان كانت ثابتة لنفس الافعال من دون تقييدها بحال الجهل الا انها لا تخلو في نفس الامر من اختصاصها بخصوص العالمين من باب نتيجة التقييد أو ثبوتها للجاهلين ايضا بنتيجة الاطلاق وحيث ان الاول منهما مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه فلا محالة يتعين الثاني ويلزم منه كون الجاهل محكوما بحكمين متضادين (الوجه الثاني) ان الحكم الواقعي وان كان ثابتا لعين ما ثبت له الحكم الظاهري الا انه لا منافاة بينهما فان اختلاف المحمول يوجب ارتفاع التضاد كما في التناقض فالوجوب الواقعي إنما يضاد الحرمة الواقعية دون الظاهرية وبالعكس وهذا الوجه أفسد من سابقه إذ بعد فرض كون الحكم الظاهري حكما حقيقيا بعثيا أو زجريا كيف يمكن اجتماعه مع حكم آخر على خلافه ومجرد تسميته احدهما بالواقعي والآخر بالظاهري لا يوجب رفع التنافي بين الحكمين المتخالفين (الوجه الثالث) ما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقته على الرسائل من حمل الاحكام الواقعية على الاحكام الشأنية والاحكام الظاهرية على الاحكام الفعلية وربما عبر عن الاحكام الواقعية بالاحكام الانشائية وصرح بأن المنافاة انما تكون بين الحكمين الفعليين ليس الا (وفيه) ان المراد من الحكم الشاني ما هو فهل هو عبارة عن ثبوت الحكم في مرتبة ثبوت ملاكه ومقتضيه بحيث لا يكون الحكم الواقعي حكما حقيقة وإنما الموجود في الواقع هو ملاكه أو انه عبارة عن سنخ حكم موجود في الواقع ولكنه ليس بحكم فعلي بل اقتضائي فإن كان المراد منه هو الاول فلازمه عدم وجود حكم واقعي مشترك بين العالم والجاهل وهذا عين القول بالتصويب المجمع على بطلانه وان كان المراد هو الثاني فلا نتعقل له معنى محصلا إلا بأن يراد من الاحكام الشانية الاحكام المجعولة على طبق المقتضيات الغير المنافي لعروض عنوان آخر موجب لزوالها كما في موارد الضرر أو الحرج أو يراد منها الاحكام المجعولة الغير الملحوظ فيه عروض العناوين الطارية بنحو
[ 73 ]
الاهمال والاول منهما يقتضي زوال الحكم الواقعي بطرق المانع وهو قيام الامارة على الخلاف فيكون الحكم الواقعي بحسب النتيجة مختصا بغير من قام عنده الامارة على الخلاف وهذا عين القول بالتصويب والثاني منهما غير معقول في حد نفسه فإن الاهمال إنما يعقل في مرحلة الاثبات ومقام البيان دون مقام الثبوت والجعل من الملتفت إلى الانقسامات الاولية أو الثانوية فالحكم الواقعي بحسب مقام الثبوت اما ان يكون ثابتا لكل مكلف اعم من ان يقوم عنده الامارة على الخلاف من باب نتيجة الاطلاق أو يختص بغيره من باب نتيجة التقييد لازم الاول منهما هو اجتماع الحكمين المتخالفين في موضوع واحد ولازم الثاني هو التصويب المجمع على بطلانه (وبالجملة) الالتزام بالحكم الشأني في المقام بالمعنى المعقول مستلزم التصويب وبمعنى آخر غير مستلزم له غير معقول ولا يبعد ان يكون مراده (قده) من الحكم الشأني هو الانشائي حتى يرجع التعبيران إلى مفاد واحد وعليه (فنقول) ان الاحكام المجعولة في الشريعة على ما حققناه في بحث الواجب المشروط ليست الا احكاما فعلية حقيقية على موضوعاتها المقدر وجوداتها فهي قبل وجود موضوعاتها يستحيل أن تكون فعلية كما انها بعد وجود موضوعاتها يستحيل ان لا تكون كذلك (وبالجملة) حال الموضوعات بالاضافة إلى احكامها حال العلل بالاضافة إلى معاليلها فكما يستحيل وجود المعلول من دون وجود علته وبالعكس فكذلك يستحيل وجود الموضوع من دون فعلية حكمه وبالعكس إذ بعد فرض كون الحكم المجعول حكما لموضوع خاص فتحقق احدهما من دون وجود الآخر يرجع إلى الخلف والمناقضة وإن شئت توضيح الحال في هذا المقام فارجع إلى المبحث المذكور وعلى ذلك فلا يخلو الحال من ان موضوع الحكم الواقعي اما ان يكون مقيدا بغير من قامت عنده الامارة على الخلاف أو يكون مطلقا إليه والالتزام بالاول منهما وان كان يوجب عدم فعلية المجعول في حقه إذ المفروض تقييد موضوعه بقيد مفقود عند قيام الامارة على الخلاف إلا ان لازم ذلك هو القول بالتصويب واختصاص الاحكام الواقعية بغيره والالتزام بالثاني يقتضي الالتزام بفعلية الحكم الواقعي ايضا
لما عرفت من ان فعلية الحكم يستحيل أن يتخلف عن فعلية موضوعه بتمام قيوده فالالتزام بعدم تقيد الاحكام الواقعية بغير من قام عنده الامارة على الخلاف مع القول بعدم فعليتها عند قيام الامارة أو الاصل على الخلاف يرجع إلى الخلف والمناقضة وان لا يكون ما فرضناه موضوعا تام للحكم موضوعا تاما له (وحاصل) الكلام ان فعلية الحكم لا بد وأن تكون على طبق
[ 74 ]
إنشائه ليس إلا فإن كان عدم قيام الامارة أو الاصل على الخلاف مأخوذا في الموضوع في مقام الانشاء والجعل فلا بد وان يكون له دخل في فعليتها لا محالة إلا ان لازم ذلك هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه وإلا فيستحيل عدم فعلية الحكم الواقعي مع قيام الامارة على الخلاف حتى إذا بنينا على ان الاحكام المجعولة في الشريعة من قبيل القضايا الخارجية بأن يكون القضايا المتكفلة لبيان الاحكام اخبارات عن انشائات عديدة عند وجود كل واحد واحد من الموضوعات الخارجية فإن قيام الامارة على الخلاف حينئذ اما أن تكون مانعة عن جعل الحكم في حق من قامت الامارة عنده أم لا فعلى الاول يلزم التصويب وعلى الثاني يلزم اجتماع الحكمين المتنافيين وبالجملة فعلية الحكم الواقعي لا تنفك عن تحققه فلا بد من الالتزام أما بخلو الواقع عن الحكم في حق من قام عنده الامارة على الخلاف أو بفعليته والاول مستلزم للتصويب والثاني يوجب اجتماع الحكمين المتضادين فإن أراد قدس سره من الحكم الانشائي الحكم الفعلي ومن الحكم الفعلي الحكم المنجز حتى يرجع ملخص دعواه إلى عدم المنافاة بين الحكم الفعلي الغير المنجز وبين الحكم المنجز فيرد عليه ان مرتبة التنجز ليست نفسها قابلة للجعل ولا من مراتب الحكم المجعول وإنما هي مرتبة وصول الحكم المجعول وتنجزه إنما هو من احكام العقل فالحكم المجعول هو الذي بوصوله يكون منجزا على المكلف أي مما يستحق العقاب على مخالفته والتنافي إنما هو بين نفس الحكمين الفعليين بحسب جعل الشارع سواء كان كلاهما واصلين إلى المكلف أو كان الواصل احدهما فقط أو لم يصل شئ منهما أصلا فتحصل مما ذكرناه أن مقتضى مذهب العدلية هو كون الاحكام الواقعية فعلية في حق الجاهلين بها كالعالمين لعدم تقيد
موضوعاتها بالعلم ولا بالجهل ومعه فالالتزام بحكم فعلي آخر في مورد الامارة أو الاصل على خلافه مستلزم لاجتماع الحكمين المتضادين فالتحقيق في الجواب ان يقال ان موارد الاحكام الظاهرية التي توهم مناقضتها مع الاحكام الواقعية على اقسام ثلاثة * (القسم الاول) * موارد الامارات والطرق المؤدية إلى مخالفة الاحكام الواقعية التي في مواردها * (القسم الثاني) * موارد الاصول التنزيلية كالاستصحاب ونحوه التي يكون مقتضاها منافيا للحكم الواقعي كما إذا فرضنا كون الحكم الواقعي في مورد استحصاب الحلية الوجوب أو الحرمة * (القسم الثالث) * موارد مخالفة الاصول الغير التنزيلية كالبراءة الشرعية ونحوها للواقع والتخلص عن الاشكال في كل واحد من الاقسام يتوقف على معرفة المجعول الشرعي فيه حتى يظهر عدم مضادته للحكم
[ 75 ]
الواقعي الثابت في مورده (فنقول) ان مقتضى التحقيق ان المجعول في باب الامارات والطرق كما أشرنا إليه في بعض مباحث القطع انما هو المرتبة الثانية من العلم الطريقي وهي المحرزية والوسطية في الاثبات دون الاحكام التكليفية البعثية أو الزجرية على ما سيجئ في بحث الاستصحاب من كون الاحكام الوضعية في غير الجزئية والشرطية والسببية والمانعية مما تنالها بأنفسها يد الجعل تشريعا وليست هي منتزعة من الاحكام التكليفية وسيتضح هناك ان شاء الله تعالى ان بعض الاحكام الوضعية وإن أمكن لنا تصوير ما يكون منشأ لانشراعه إلا ان بعضها الآخر مما لا يمكن فيه تصوير ذلك أبدا فإذا كان الحكم الوضعي بنفسه قابلا للجعل كالحكم التكليفي ولم يكن هناك مقتض لتخصيص المجعول الشرعي بخصوص الحكم التكليفي فلا مانع من كون المجعول باب الطرق والامارات نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات إذ هي نظير الملكية والزوجية والرقية وغيرها في كونها قابلا للاعتبار ممن بيده الاعتبار فكما ان اعتبار الملكية من الشارع اعتبار صحيح يترتب عليه آثار كثيرة فكذلك اعتبار المحرزية للطريق فيترتب عليه ما يترتب على الاحراز الوجداني من كونه منجزا للواقع ومن كونه قائما قامه فيما إذا أخذ جزأ للموضوع على جهة الطريقية على ما فصلنا الكلام في ذلك سابقا ومما يدل على ان
المجعول في باب الطرق محض صفة المحرزية ليس إلا انه ليس في الشريعة طريق مجعول ابتدائي ابدا وإنما الطرق الشرعية هي التي يعتمد عليها العقلاء في أمور معاشهم ومعادهم لما يرونها طرقا متقنة نظير العلم الوجداني ولا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع بل يفرضون هذا الاحتمال كالعدم حتى فيما إذا كان في احتمال مخالفة الطريق خطر مالي أو عرضي أو نفسي فاحتمال ان عملهم بها لعله من جهة حصول العلم لهم منها كاحتمال ان عملهم بها من باب الرجاء واحتمال ادراك الواقع مخالف للوجدان وإذا كانت الطرق المجعولة طرقا عقلائية ولم يكن للشارع بالاضافة إليها تصرف إلا امضائها فلا بد وان يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية ضرورة ان جعل الاحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية بل شأنهم إنما هو الغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالعدم والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية فلو سلمنا ان لاحتمال كون الحجية منتزعة من الحكم التكليفي مجالا واسعا على تقدير كون الطرق مجعولات شرعية ابتدائية لكنه ليس له مجال على تقدير كونها مجعولات امضائية كما هو الواقع وعلى ذلك يكون حال الامارات حال العلم الوجداني بعينه في انه ليس في مواردها
[ 76 ]
احكام تكليفية غير الاحكام الواقعية حتى يتحقق المضادة بينهما فكما لا موجب لتوهم المضادة في صورة تخلف العلوم الوجدانية وخطئها فكذلك لا موجب لتوهمها في صورة مخالفة الامارات ولا فرق بينهما إلا في ان الامارات محرزة للواقع بحكم الشارع والعلوم الوجدانية محرزة لها تكوينا وهذا لا يكون فارقا فيما هو المهم في المقام كما هو ظاهر (وبالجملة) الاشكال إنما يتوجه على من ذهب إلى عدم استقلال الحجية بالمجعولية وإنما هي تنتزع في الحكم التكليفي وبعد البناء على كونها بنفسها قابلة للجعل من دون أن يكون في موردها حكم تكليفي غير الاحكام الواقعية يندفع الاشكال ويكون انتفاء التضاد بين الحكم الواقعي والظاهري من باب السالبة بانتفاء الموضوع ومما ذكرناه من ان المجعول في باب الامارات إنما هي نفس صفة المحرزية والوسطية في الاثبات وحالها حال العلم في انها على تقدير المصادفة توجب تنجز الحكم الواقعي
وصحة العقاب على مخالفته لكونه من الاحكام العقلية لوصول الحكم الفعلي وعلى تقدير المخالفة تكون معذرة للعبد في مخالفته للتكليف الواقعي يظهر لك فساد ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من كون المجعول نفس المنجزية والمعذرية من دون اعتبار صفة أخرى في البين فإن المنجزية والمعذرية من الاحكام العقلية الصرفة المترتبة على وصول الحكم وعدمه فمن دون اعتبار صفة المحرزية والوسطية في الاثبات كيف يمكن ترتبها على وجود الامارة ومع اعتبارها يكون ترتبها قهريا غير قابل للجعل الشرعي (تتميم) لا يخفى ان شيخنا العلامة الانصاري (قده) وإن ذهب إلى كون الاحكام الوضعية مطلقا منتزعة من الاحكام التكليفية إلا انه قد أشرنا سابقا إلى ان بعض الاحكام الوضعية وإن كان يمكن القول بانتزاعيته تصورا نظرا إلى وجود حكم تكليفي في مورده غير قابل الانفكاك عنه كما في اللزوم الملازم لوجوب الوفاء بالعقد فيمكن القول بكونه منتزعا من وجوب الوفاء بالعقد الشامل لما بعد الفسخ ايضا كما أفاده قدس سره في بحث الخيارات إلا ان بعضها الآخر مما لا يتطرق فيه هذا الاحتمال رأسا ومن هذا القبيل الحجية فان أي حكم تكليفي فرض في مورد الحجة الشرعية فلا محالة يكون ساقطا بالعصيان ولا يكون له اطلاق بالاضافة إليه ولازم ذلك أن يكون الحجية المنتزعة منه مرتفعة بسقوطه ضرورة ان كل أمر انتزاعي يدور مدار منشأ انتزاعه ومن الضروري ان الحجية لا تدور مدار اطاعة العبد ولا تسقط بعصيانه فالمكلف عمل بمقتضى الامارة أو لم يعمل بنى على كون مؤدى الامارة هو الواقع أو لم يبن تكون الامارة حجة في حقه فيستكشف من ذلك انها مجعولة
[ 77 ]
بالاستقلال وغير منتزعة من حكم تكليفي أصلا وأحسن ما قيل في بيان ما يمكن أن يكون منشأ لانتزاعها هو ما أفاده (قده) في بحث الانسداد في مقام الرد على المحقق صاحب الحاشية القائل باختصاص حجية الظن الثابتة بدليل الانسداد بخصوص الظن بالطريق حيث قال وفيه ان تفريغ الذمة عما اشتغلت به اما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الاوامر الواقعية واما بفعل ما حكم حكما جعليا بأنه نفس المراد وهو مضمون الطرق المجعولة فتفريغ الذمة بهذا
على مذهب المخطئة من حيث انه نفس المراد الواقعي بجعل الشارع لا من حيث انه شئ مستقل في مقابل المراد الواقعي فضلا عن ان يكون هو المناط في لزوم تحصيل العلم واليقين والحاصل ان مضمون الاوامر الواقعية المتعلقة بأفعال المكلفين مراد واقعي حقيقي ومضمون الاوامر الظاهرية المتعلقة بالعمل بالطرق المقررة ذلك المراد الواقعي لكن على سبيل الجعل لا الحقيقة انتهى محل الحاجة من كلامه قدس سره وحاصل ما يستفاد من كلامه زيد في علو مقامه هو ان الحجية إنما تنتزع من حكم الشارع بكون مؤدي الطريق هو الواقع والمجعول بالاستقلال هو حكمه بالهوهوية والحجية متنزعة عنه وعليه فليس هناك حكم آخر في قبال الواقع يكون مضادا له في صورة المخالفة ولكن ما افاده قدس سره خال من التحصيل ايضا فإن الواجب الواقعي إذا كان هو صلاة الجمعة مثلا وقامت الامارة على وجوب صلاة الظهر فحكم الشارع بكون الظهر هو الواجب الواقعي اما ان يكون اخبارا محضا وهو غير معقول واما أن يكون انشاء وعليه فاما أن يكون حكمه بذلك لاجل تنزيله صلاة الظهر منزلة صلاة الجمعة واثبات الوجوب الواقعي لها فهو عين القول بالتصويب وانقلاب الواقع عما هو عليه بقيام الامارة على خلافه أو لاجل حكمه بوجوب الجري العملي على طبق الامارة فينتفي الفرق حينئذ بين الاصول والامارات لاشتراك الاصول معها في هذا الحكم لا محالة (وبالجملة) ان الحكم بكون صلاة الظهر هو الواجب الواقعي لا بد وان يكون بلحاظ أثر فإن كان ذلك الاثر ثبوت الوجوب الواقعي لها فهو مسلتزم للقول بالتصويب المعتزلي وان كان لزوم الجري على طبقها عملا في ظرف الجهل بالواقع فلا يبقى فرق بين الامارة والاصل حتى يحكم بحكومة الاولى على الثاني بل يكونان حينئذ في عرض واحد من دون حكومة في البين وحاصل الكلام أنا لا نتعقل حكما تكليفيا قابلا لانتزاع صفة الحجية منه أو لا وعلى تقدير تعقله فهو بعيد عن الاذهان العرفية فلا يمكن كونها منتزعة منه وعلى فرض عدم بعده عنها لا داعي إلى الالتزام بذلك بعد كون الطرق
[ 78 ]
بنفسها كاشفة عن الواقع كشفا غير تام وقابلة لان تنالها يد الجعل بتتميم جهة كشفها وجعلها
محرزة للواقع وواسطة لاثبات متعلقاتها كما كان هذا المعنى في العلم الوجداني تكوينا والالتزام بانحصار المجعول في خصوص الاحكام التكليفية لا ملزم له أصلا وسيجئ لذلك زيادة توضيح في محله إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الامارات والطرق ومنه يظهر الحال في الاصول التنزيلية ايضا فانا قد ذكرنا في بعض مباحث القطع ان المرتبة الرابعة من القطع الطريقي التي هي مرتبة الاحراز لها جهتان (احديهما) انكشاف الواقع (وثانيهما) الجري العملي على طبق المنكشف والمجعول في باب الامارات هي الجهة الاولى من تلك المرتبة والمجعول في باب الاصول الجهة الثانية منها فالاصول المحرزة تشترك مع الامارات في ان المجعول في مواردها ليست هي الاحكام التكليفية البعثية والزجرية حتى يتوهم لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين وانما المجعول هي الوسطية في الاثبات من حيث انكشاف الواقع في الامارات ومن حيث الجري العملي في الاصول التنزيلية المترتب عليه تنجز الواقع عند الاصابة والمعذرية عنه عند الخطأ فالاصول التنزيلية وسط بين الامارات والاصول الغير التنزيلية فمن حيث اشتراكها مع الامارات في ان المجعول فيها هي الوسطية في الاثبات على ما عرفت تقوم مقام العلم الطريقي والمأخوذ في الموضوع على الوجه الطريقية ومن حيث اشتراكها مع الاصول الغير التنزيلية في أخذ الشك في موضوعها لا يكون مثبتاتها حجة على ما سيجئ توضيحه في محله إن شاء الله تعالى (والحاصل) انه لا فرق بين الاصول التنزيلية والامارات إلا في ان الشك أخذ موضوعا للاولى دون الثانية وإلا فمن حيث كون المجعول فيها هي المرتبة الرابعة من العلم الطريقي وهي مرتبة الاحراز فهما على حد سواء نعم بين الامارات والاصول فرق آخر من حيث عدم تعقل كون الحجية في الامارات منتزعة من الحكم التكليفي في مواردها كما عرفت وامكان تعقل ذلك في الاصول بأن يقال بانتزاعية الحجية عن حكم الشارع بجعل مورد الاصل هو الواقع من حيث الجري العملي لكن الصحيح كما عرفت ان المجعول فيها ايضا هي الوسطية في الاثبات وكون الاصل محرزا للواقع من حيث الجري العملي بل يمكن أن يقال باستحالة كون الحجية فيها منتزعة من الحكم التكليفي ايضا فانا إذا فرضنا مخالفة مؤدى الاصل للواقع فحكم
الشارع بجعل مؤداه هو الواقع ليس له معنى معقول إلا اعطاء الحكم الواقعي للمؤدى وهذا يرجع إلى التصويب المعتزلي المجمع على بطلانه فإذا كان مؤدى الاصل وجوب صلاة الجمعة
[ 79 ]
وكان الواجب الواقعي صلاة الظهر فهل هناك معنى معقول لحكم الشارع بجعل صلاة الجمعة هو الواجب الواقعي إلا اعطاء الوجوب الواقعي له المستلزم للتصويب الباطل فما هو الموجب لاستحالة كون الحجية في الامارات منتزعة عن الحكم التكليفي يكون موجبا لاستحالته في الاصول التنزيلية ايضا فتحصل مما ذكرناه ان حال الاصول التنزيلية حال العلم الوجداني بعينه في انه مع المصادفة يكون مؤداه نفس الواقع ومع الخطأ لا يكون حكم شرعي أصلا إلا تخيلا واعتقادا (وأما الاصول) الغير التنزيلية فحيث انها ليست ناظرة إلى الواقع أصلا فلا يمكن أن يكون المجعول فيها الوسطية في الاثبات ونفس صفة الطريقية بل لا بد من الالتزام بكونه فيها هي الاحكام التكليفية تحريمية كانت كما في موارد النفوس والاعراض بل الاموال في الجملة أو لا كما في موارد اصالة الاباحة في الشبهات البدوية وعليه فلتوهم لزوم اجتماع الضدين عند مخالفة الاصل للواقع مجال واسع فلا بد في دفعه من بيان ان الاحكام التكليفية في مواردها متأخرة رتبة عن التكاليف الواقعية وليس بينهما منافات أصلا فنقول ان التضاد بين الحكمين إنما يعقل إذا كانا متحدين في الرتبة حتى يلزم من فرض وجود احدهما عدم الآخر ومن فرضهما معا اجتماع النقيضين وأما إذا فرض ان جعل احد الحكمين متفرع على جعل الآخر وعند فرض وجوده فيستحيل التضاد بينهما ضرورة عدم استلزام وجود احدهما حينئذ عدم الآخر وانتفائه وهذا هو مراد سيد أساتيذنا العلامة الشيرازي قدس سره من عدم كون الحكم الظاهري منافيا للحكم الواقعي لترتبه عليه لا ما يتوهم من ان موضوع الحكم الظاهري وهو الشك متأخر عن الحكم الواقعي فيكون الحكم الظاهري متأخرا من الواقعي بمرتبتين وبهذا يرتفع المنافاة بين الحكمين كما يرتفع التنافي بين الطلبين المتعلقين بالمتضادين بأخذ عصيان احدهما في موضوع الاخر الموجب لتأخرهما في الرتبة فإن فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان إذ تجويز الترتب لم
يكن مبتنيا على ذلك بل على ان طلب الاهم يستحيل ان يكون متعرضا لحال عصيانه لا بالاطلاق اللحاظي ولا بالاطلاق الذاتي وإنما كان انحفاظه فيها باعتبار هدم ذلك الخطاب لتقدير العصيان من دون تعرضه لشئ على هذا التقدير وطلب المهم ليس فيه اقتضاء عصيان الاهم حتى يتنافيا وإنما هو يقتضي شيئا آخر على هذا التقدير فما يقتضيه كل من الخطابين يكون الآخر أجنبيا عنه بالكلية وأين ذلك من مثل المقام فإن المفروض فيه هو اطلاق الحكم الواقعي لحال الشك فيه نتيجة الاطلاق والمفروض وجود الحكم الظاهري في حال الشك فيلزم اجتماع الحكمين
[ 80 ]
المتنافيين والحاصل ان مرادنا من الترتب في المقام هو ترتب نفس الحكم الظاهري على الواقعي الرافع للتنافي بين الحكمين ولتوضيح ذلك نقدم مقدمات (الاولى) ان الاحكام الواقعية وان كانت عامة لحال الشك فيها من باب نتيجة الاطلاق إلا انها تكون كذلك بما ان الشك صفة من الصفات وحالة من حالات المكلف وهو من هذه الجهة لم يؤخذ في موضوع أصل من الاصول وإنما أخذ فيها بما انه موجب لتحير المكلف من حيث العمل وهذا واضح جدا (الثانيه) ان كل تكليف كان قاصرا عن القيام بالملاك الموجب لجعله لابد فيه من جعل المتمم وهذا على اقسام إذ قد يكون التكليف المجعول متمما في عرض التكليف الاول وهذا كوجوب قصد القربة على ما عرفت تفصيل الحال فيه في محله وأخرى يكون النتيجة المترتبة على جعل المتمم متحدة مع الوجوب المقدمي وهذا كإيجاب المقدمات المفوتة قبل وقت الواجب كما في وجوب الغسل قبل الفجر لمن يجب عليه صوم الغد (وثالثة) يكون نتيجته الوجوب الطريقي الموجب لتنجز التكليف الواقعي عند الاصابة وهذا كإيجاب الاحتياط الموجب لتنجز الواقع في ظرف الشك (ورابعة) يكون ثمرته وجوب الفحص كما في موارد الشك في القدرة والجامع بين الجميع هو قصور الجعل الاول عن القيام بالملاك والاحتياج إلى جعل آخر (الثالثة) ان حكم العقل والشرع بالبراءة والاحتياط ليس على نحو واحد إذ العقل ليس من شأنه إلا إدراك حسن العقاب المترتب عليه وجوب الاحتياط أو قبحه المترتب عليه الترخيص
. إلا فليس من شأنه الترخيص أو التحريم وهذا بخلاف الشارع فإنه الحاكم بالترخيص أو التحريم ابتداء إذ الحكم إنما هو من شأنه ويترتب على حكمه بالاباحة والحرمة قبح العقاب وحسنه (والحاصل) ان قبح العقاب والترخيص أو حسن العقاب والحرمة أو إيجاب الاحتياط وإن كانا متلازمين إلا انهما يختلفان بالاصالة والتبعية بحسب حكم العقل والشرع (إذا عرفت) ذلك فنقول لا ريب في مضادة الاحكام الواقعية بعضها مع بعض وفي مضادة إيجاب الاحتياط مع رفع المجهول شرعا وفي مضادة الاباحة الظاهرية مع الحرمة كذلك وفي مضادة حكم العقل بقبح العقاب مع حكمه بصحة العقاب وحسنه وأما إيجاب الاحتياط مع الاباحة الظاهرية أو رفع المجهول شرعا مع الحرمة الظاهرية فتضادهما باعتبار استلزام إصالة الاباحة لرفع المجهول أو استلزام الحرمة الظاهرية لعدم رفعه فالتضاد بينهما بالعرض لا بالذات كما لا ريب في عدم مضادة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مع الحرمة الواقعية أو حكمه بحسن العقاب مع الاباحة الواقعية إنما الاشكال
[ 81 ]
في مضادة اصالة الاباحة أو الحكم برفع المجهول مع الحرمة الواقعية أو إيجاب الاحتياط مع الاباحة الواقعية والحق عدم المضادة بينهما إذ الاحكام الواقعية الشاملة لصورة الشك فيها من باب نتيجة الاطلاق حيث انها بنفسها لا تكون قابلة للمحركية والباعثية في حال الشك إذ المحركية والباعثية تتوقفان على وصول الحكم بنحو من انحاء الوصول ومع عدمه يكون المكلف في حيرة وضلال (فتارة) تكون ملاكاتها من الاهمية بمرتبة تقتضي جعلا آخر في ظرف الشك يوجب كون الحكم الواقعي واصلا بطريقه ومتنجزا ولو مع الجهل به كما في موارد إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة (وأخرى) لا تكون تلك الملاكات مقتضية إلا لجعل نفس الاحكام الواقعية من دون أن تستتبع لجعل آخر في ظرف الجهل أما في القسم الاول فلا ريب ان حكم الشارع بوجوب الاحتياط أو إصالة الحرمة كما في موارد الفروج والدماء والاموال في الجملة الراجعة إلى إيجاب الاحتياط بالدقة إذا الحكم بها ايضا ينشأ من الاهتمام بالاحكام الواقعية في مواردها يوجب تنجز الواقع في ظرف الاصابة وصحة العقوبة على مخالفته إذ
الحكم الواقعي وإن لم يكن واصلا بنفسه بعلم أو امارة أو أصل محرز إلا انه واصل بطريقه وهو إيجاب الاحتياط فيتم موضوع صحة العقاب وهي مخالفة الحكم الواصل وفي موارد عدم الاصابة يكون حكما صوريا لا يترتب على مخالفته شئ إلا على القول باستحقاق العقاب على التجري (وبالجملة) مرتبة اصالة الحرمة أو إيجاب الاحتياط هي مرتبة تنجز الاحكام الواقعية وهي مترتبة ومتفرعة على مرتبة جعل نفس الاحكام فيستحيل أن يكون الحكم المجعول في هذه المرتبة مضادا للحكم الواقعي المترتب عليه هذا الجعل (وأما) في القسم الثاني فللشارع أن لا يجعل حكما في هذه المرتبة أصلا بل يوكل المكلف إلى استقلال عقله بقبح العقاب بلا بيان المستلزم للترخيص العملي وله أن يحكم بالاباحة الظاهرية أو رفع المجهول سواء كان المورد بحيث لو لم يحكم الشارع بذلك لحكم العقل بقبح العقاب أو كان بحيث لو لم يكن حكم من الشارع لحكم العقل بلزوم تحصيل الفراغ اليقيني كما في موارد الشك بين الاقل والاكثر الارتباطيين على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله فكما ان حكم العقل بقبح العقاب لا يكون مضادا مع الحرمة الواقعية فكذلك حكم الشارع بالاباحة لا يكون مضادا له إذ مرتبة هذا الحكم مرتبة المعذر عن الحكم الواقعي وهي مرتبة على رتبة أصل الجعل الواقعي فكيف يعقل مضادتهما والحاصل ان مرتبة جعل الاحكام في موارد الاصول الغير التنزيلية لكونها في مرتبة التنجز أو المعذرية
[ 82 ]
المتفرعة على جعل الاحكام الواقعية تأبى عن تحقق التضاد بينهما ولسنا ندعي ان المجعول في تلك الموارد انما هو نفس صفة المنجزية والمعذرية حتى يقال ان التنجز والمعذرية المساوقين لصحة العقاب وعدمها من الامور الغير القابلة لتعلق الجعل الشرعي به بل نقول ان المجعول الشرعي إنما هو إصالة الاباحة أو إيجاب الاحتياط الواقعين في مرتبة التنجز والمعذرية من حيث تفرعهما على أصل جعل الاحكام الواقعية وقد ذكرنا سابقا ان حكم العقل بصحة العقاب المترتب عليه المنع العملي المرادف لايجاب الاحتياط أو بقبح العقاب المترتب عليه الترخيص العملي مع حكم الشارع بإيجاب الاحتياط أو الترخيص متعاكسان فإن الحكم بالاباحة أو الاحتياط إنما هو من شؤون
الشارع ليس إلا وصحة العقاب أو قبحه يترتبان عليهما وهذا بخلاف حكم العقل فإنه ليس إلا بمعنى الادراك المتعلق بحسن العقاب أو قبحه والمنع أو الترخيص العمليان يترتبان عليه فتحصل مما ذكرناه ان حكم الشارع بالاباحة الظاهرية إنما تنافي حكمه بالحرمة كذلك المساوقة لايجاب الاحتياط وأما الاباحة الظاهرية مع الحرمة الواقعية أو إيجاب الاحتياط مع الحلية الواقعية فلا منافاة بينهما أصلا (فإن قلت) ان ما ذكرت من عدم تضاد الاحكام الواقعية مع الظاهرية في الاصول الغير التنزيلية لتعدد مرتبتهما إنما ينفع في خصوص الاحكام التكليفية واما في مثل الاحكام الوضعية كالطهارة والنجاسة فلا محالة يتحقق المنافات بينهما مثلا إذا حكم الشارع بالطهارة ظاهرا مع كون الشئ محكوما بالنجاسة واقعا أو بالعكس كما إذا قلنا بإصالة النجاسة في الدماء وفرضنا طهارة المشكوك واقعا فلا محالة يكون الحكمان متنافيين (قلت) ان ذلك انما يرد على مذهب من يرى كون النجاسة والطهارة من الامور الواقعية التي كشف الشارع عنها كما يظهر ذلك من بعض عبارات العلامة الانصاري قدس سره وأما بناء على ما اخترناه من كونهما من الاحكام المجعولة وان مجرد كون النظافة والقذارة العرفية من الامور الواقعية لا يقتضي كون الطهارة والنجاسة ايضا من هذا القبيل بل هما قابلان لتعلق الجعل الشرعي بهما كالاحكام التكليفية فحالها حال الاحكام التكليفية بعينها مثلا النجاسة الواقعية وان كانت فعلية بوجود موضوعها الا انها ما لم تحرز في الخارج لا تكون متنجزة باعتبار آثارها التكليفية فللشارع أن يجعل المنجز أو المعذر في هذه المرتبة فلا مضادة بين الحكمين لتعدد مرتبتهما ومنه يظهر حال الحكم بالنجاسة مع الطهارة الواقعية هذا تمام الكلام في الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعية ولا بأس بتنقيح أمرين يتضح بهما ارتفاع اشكال التضاد والتناقض من أصله (الاول) انه
[ 83 ]
وقع الكلام في ان استحقاق العقاب عند مخالفة إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة هل هو مترتب على مخالفة هذا الخطاب الطريقي أو على مخالفة نفس التكليف الواقعي (الثاني) انه مع فرض كون استحقاق العقاب على مخالفة نفس الخطاب الطريقي فهل هو يترتب على
مخالفته مطلقا أو عند مصادفة الواقع فقط أما الامر الاول فالحق فيه ان استحقاق العقاب إنما يترتب على مخالفة الحكم الطريقي دون الحكم الواقعي وذلك لان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان غير قابل للتخصيص بمورد دون آخر فمع الجهل بالحكم الواقعي وعدم وصوله إلى المكلف لا وجدانا ولا بحكم الشارع كما في موارد الامارات والاصول التنزيلية فلا محالة يحكم العقل بقبح العقاب على مخالفته ومن الواضح ان الحكم الواقعي في موارد إيجاب الاحتياط أو إصالة الحرمة لا يكون واصلا ومحرزا عند المكلف بل هو بعد على مجهوليته فكيف يصح العقاب على مخالفته نعم نفس إيجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة يكون محرزا عنده فيصح العقاب على مخالفته (فإن قلت) إذا كان ايجاب الاحتياط مثلا ناشئا عن ملاك الحكم الواقعي ومتمما لجعله فلا محالة يكون وصوله وصولا للحكم الواقعي ولا يفرق في نظر العقل بين وصول الشئ بنفسه أو بطريقه (قلت) ايجاب الاحتياط وان كان ناشئا عن الملاك الواقعي ومتمما للجعل الاول إلا ان صحة العقاب كما عرفت مرارا تدور مدار مخالفة التكليف الواصل ومع الشك في وجود التكليف الواقعي ولو علم بوجوب الاحتياط كيف يعقل وصول الحكم الواقعي بل الواصل انما هو نفس الطريق ليس إلا وهذا معنى قولنا الحكم الواقعي واصل بطريقه واتصاف الواقع بالوصول من باب وصف الشئ بحال متعلقه وإلا فالحكم الواقعي الموجود في مورد ايجاب الاحتياط غير متصف بالوصول أصلا وبالجملة ايجاب الاحتياط ليس كالامارات أو الاصول المحرزة حتى يكون الحكم الواقعي الموجود في مورده واصلا بنفسه من جهة اعطاء الشارع صفة المحرزية للامارة أو الاصل بل هو باق على مجهوليته من دون فرق بين حال قبل إيجاب الاحتياط وبين حال بعده وانما الواصل هو نفس هذا الحكم الطريقي ليس إلا فلا بد وان يكون العقاب على مخالفته (وأما الامر الثاني) فهو انه وقع النزاع بعد البناء على ترتب استحقاق العقاب على مخالفة الطريق الواصل دون الواقع في ترتبه عليها مطلقا أو في خصوص ما إذا كان الطريق مصادفا للواقع واما في صورة عدم المصادفة فاستحقاق العقاب على المخالفة يتوقف على استحقاق المتجري للعقاب فإن قلنا به فيوجب مخالفة الطريق استحقاق العقاب
[ 84 ]
مطلقا اما على المعصية أو على التجري وإلا ففي صورة الاصابة خاصة الحق هو الثاني وان استحقاق العقاب إنما هو على مخالفة الطريق الواصل لا مطلقا وتوضيح ذلك انما يتوقف على رسم مقدمة أشرنا إليها فيما تقدم وهي ان كل تكليف لا يكون وافيا بنفسه للملاك والغرض الداعي إلى تشريعه فلا بد معه من جعل المتمم إلا أن النتيجة المترتبة على جعله على اقسام (الاول) أن يكون النتيجة المترتبة عليه تقييد المأمور به بقيد من جزء أو شرط فيكون جعل المتمم في عرض التكليف الواقعي ويتحد معه في الحقيقة وهذا كما في قصد القربة فإن الغرض المترتب على فعل العبادة بقصد القربة لما لم يمكن استيفائه بأمر واحد فلا بد هناك من جعلين احدهما يتعلق بذات العبادة والآخر بإتيانها بقصد القربة فيكون نتيجة الامرين ومفادهما تقيد المأمور به بقصد القربة جزءا أو شرطا فيكون عصيان احدهما متحدا مع عصيان الآخر (الثاني) أن يكون النتيجة المترتبة عليه هو إيجاب المقدمات التي لا يمكن أن تتصف بالوجوب المقدمي من قبل وجوب ذيها وهذا كما في المقدمات المفوته كالاغتسال قبل الفجر فيما وجب صوم الغد فانا قد ذكرنا في محله ان التكليف بالصوم حيث انه قاصر عن ايجاب مقدمته قبل الوقت ولا يمكن للمولى استيفاء عرضه بأمر واحد فلا بد له من جعلين احديهما يتعلق بالمقدمة والآخر بذيها فيكون نتيجة جعل المتمم هو ايجاب المقدمة فلا يترتب على مخالفته عقاب سوى ما يترتب على مخالفة ذي المقدمة بترك مقدمته (الثالث) أن يكون النتيجة المترتبة عليه هو جعل الطريق وايصال الواقع بطريقه فيما لا يمكن محركية الحكم الواقعي وباعثيته للمكلف في الخارج وهذا يكون في عدة موارد (منها) ايجاب الفحص في الشبهات الحكمية وبعض الشبهات الموضوعية (ومنها) ايجاب الفحص عن القدرة فيما إذا شك فيها (ومنها) ايجاب التعلم قبل وقت الواجب المشروط به (ومنها) ايجاب الاحتياط واصالة الحرمة في الاعراض والدماء والاموال في الجملة والجامع في هذا القسم من متمم الجعل هو كون المتمم خطابا طريقيا لرعاية الحكم الواقعي المشكوك من جهة عدم امكان استيفاء نفسه بما هو الغرض منه
فالملاك في جعل المتمم في هذا القسم ليس هو الملاك لجعل الحكم الواقعي بل احدهما في طول الآخر فان الملاك قبل الحكم الواقعي انما هو نفس المصلحة أو المفسدة الموجودتين في متعلقه وهذا بخلاف ملاك جعل المتمم فانه ليس إلا رعاية التكليف الواقعي وايصاله إلى المكلف بطريقه من جهة اهتمام الشارع بعدم تحقق مخالفته حتى حال الشك فيه وعدم قابليته للمحركية ولاجل
[ 85 ]
ذلك قد بنينا على ان الحكم الطريقي انما هو في طول الواقعي وليس في مرتبته حتى يلزم اجتماع الضدين في صورة عدم المصادفة (وأما) ملاك جعل المتمم في القسمين الاولين فهو عين الملاك الباعث للجعل الاولي كما هو ظاهر (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا كان الغرض من ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة هو حفظ الاحكام الواقعية الموجودة في مواردهما وايصالها إلى المكلف بطريقها من باب تتميم الجعل فلا محالة لا يكون مثل هذين الحكمين حكما حقيقة الا في صورة الاصابة مع الواقع واما في فرض المخالفة فليس هناك الا صورة يتخيل كونها حكما (فان قلت) قد مر فيما سبق ان اخصية ملاك الجعل لا توجب اختصاص الحكم المجعول على موارد وجود الملاك فيها بل يعم الحكم لصورتي وجود الملاك وعدمه لما مر مرارا من ان المعصية والطاعة انما تدوران مدار التكليف لا الملاك فوجود الملاك وعدمه أجنبيان عن تحقق المعصية أو الطاعة وهذا كما في باب العدة فان ملاك تشريعها وان كان حفظا الانساب وعدم اختلاط المياه الا انه لعدم تميز الافراد التي يتحقق فيها هذا الملاك عن الافراد الاخر الفاقدة له خارجا جعل حكم العدة على نحو العموم لاهتمام الشارع بهذا الملاك حتى لا يفوت في شئ من الموارد وعلى ذلك يترتب ان الغرض من ايجاب الاحتياط وان كان هو حفظ الواقعيات الموجودة في موارده وهو أخص من المجعول ضرورة انه لا يتحقق الا في صورة المصادفة الا ان ذلك لا يوجب اختصاص الحكم المجعول بموارد وجود الملاك فكما انه يكون حكما حقيقة في صورة المصادفة فكذلك في فرض المخالفة (قلت) إذا كان الغرض أخص من الحكم المجعول فإن كان الغرض من قبيل الملاكات أعني المصالح والمفاسد كما في باب
العدة فلا محالة لا يوجب أخصية الغرض قصر المجعول بموارد وجود الملاك مع عدم تميزه خارجا ضرورة ان الملاك الاخص حينئذ يكون موجبا لجعل الحكم بنحو العموم حفظا للغرض الواقعي المتحقق في بعض الموارد واما إذا كان الغرض منه هو حفظ التكاليف الواقعية ورعايتهما تتميما للجعل وايصالا لها بطريقها حتى يكون التكليف الواقعي متحدا مع التكليف الطريقي في مقام الباعثية والمحركية فلا محالة ينحصر الحكم المجعول بموارد الاصابة دون الخطأ بداهة انه مع عدم التكليف الواقعي كيف يعقل جعل المتمم وإيصال الواقع ففرض المتممية والايصال يتوقف على وجود الواقع وهو لا يكون الا مع الاصابة ويترتب على ذلك أمران (الاول) عدم استحقاق العقاب على مخالفة الطريق الا في فرض المصادفة وهو الذي أردنا اثباته في المقام
[ 86 ]
(الثاني) عدم ثبوت حكم حقيقي في فرض عدم المصادفة حتى يتوهم مناقضته للحكم الواقعي المفروض عدم اصابته له فيكون حال ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة حال الاصول المحرزة في عدم تحقق علم شرعي مجعول في فرض عدم الاصابة واما اصالة الاباحة أو البراءة الشرعية فهما وإن لم يكن حالهما حال إيجاب الاحتياط في تتميم الجعل وإيصال الواقع بالطريق الا انه قد عرفت ان مرتبتهما من الحكم الواقعي مرتبة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فإن مرجع اصالة الاباحة إلى عدم جعل المنجز للحكم الواقعي في مرتبة الشك على تقدير وجوده الواقعي الغير القابل للمحركية وجعل ما يكون معذرا على هذا التقدير وقد عرفت ان هذه المرتبة متأخرة عن مرتبة الحكم الواقعي ويستحيل تحقق التضاد أو التناقض مع اختلاف المرتبتين (المقام الثاني) في وقوع التعبد بالامارات الغير العلمية وقبل الخوض في ذلك لا بد من تأسيس الاصل في المقام حتى يكون هو المعول في ظرف الشك (فنقول) ان الحجية وان كانت من الاحكام المجعولة كالوجوب والحرمة وأمثالهما وتشترك معها في استحالة أخذ العلم بها في موضوعها في مرحلة الانشاء والجعل الا أنها تفارقها في انها ما لم تصل إلى المكلف لما يترتب عليها أثر اصلا لما عرفت من انه ليس معنى الحجية إلا الوسطية في الاثبات أو ما في حكمها ومن المعلوم ان
فعلية هذا المعنى وترتب الاثر عليه لا يكون الا في ظرف الاحراز ومقام الاثبات وإلا فصرف إنشاء الحجية لشئ مع عدم وصوله إلى العبد لا يوجب وقوعه وسطا في الاثبات وهذا بخلاف بقية الاحكام المجعولة فانها بوجوداتها الواقعية ولو لم تصل إلى المكلف ربما يترتب عليها آثار كثيرة ولاجل ذلك يكون الشك في انشاء الحجية لامارة خاصة موجبا للقطع بعدم وقوعه وسطا في الاثبات وعدم استناد مؤداه إلى الشارع ومن ذلك يظهر ان محل الكلام في المقام ليس هو العمل بالظن في العاديات التي لا مساس لها بالشارع كما ان العمل بمتعلق الظن بما انه مظنون كذلك فإنه نحو من الاحتياط ولا اشكال في حسنه لو لم يكن هناك مانع عنه بل محل الكلام هو الاتيان بمتعلق الظن بإلغاء جهة الظن واسناده إلى الله تبارك وتعالى بأن يؤتى بالفعل بما انه واجب أو يترك بما انه حرام حتى يكون الظن متمخضا في الوسطية في الاثبات ليس إلا إذا عرفت ذلك فاعلم ان المثبت لعدم جعل الحجية الواقعية إذا كانت مشكوكة لابد وان يكون أمرا ناظرا إلى الواقع وهو منحصر في الادلة الخاصة الدالة على الغاء الشارع لبعض الامارات وعدم اعطاء صفة الحجية له وفي الادلة العامة الدالة على عدم حجية الظن والامارة
[ 87 ]
الغير العلمية وفي استصحاب عدم الحجية (أما) الادلة الخاصة فلا اشكال في جواز التمسك بها لذلك في مواردهها كالادلة الدالة على عدم حجية القياس في الاحكام الشرعية (أما الادلة) العامة ففي جواز التمسك بها لاثبات عدم حجية أي امارة غير علمية شك في حجيتها اشكال وجه الاشكال ان موضوع تلك الادلة انما هو الظنون التي لم يعتبر الشارع لها صفة الحجية والوسطية في الاثبات وأما هي فخارجة عن موضوعها على نحو الحكومة على ما سيجئ بيانه في محله ان شاء الله تعالى فإذا شك في اعتبار الحجية لامارة خاصة فيكون التمسك بها لاثبات عدم حجيتها تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وهو غير جائز على ما أوضحناه سابقا وأما التمسك بالاستصحاب فإن بنينا على عدم جريانه في الاحكام الكلية المشكوك حدوثها في الشريعة فلا ريب في عدم جريانه في المقام واما إذا بنينا على جريانه فيها فلا يمكن التمسك به
لاثبات عدم الحجية في مورد الشك ايضا لا لان العقل يحكم بعدم الحجية في ظرف الشك فلا يكون فائدة في اجراء الاستصحاب كما ربما ينسب ذلك إلى شيخنا العلامة الانصاري قدس سره إذ حكم العقل بذلك انما هو في مرتبة متأخرة عن الحكم الشرعي وحكم الشرع بعدم الحجية يكون رافعا لموضوع حكم العقل فكيف يمكن أن يكون الحكم العقلي مانعا عن الحكم الشرعي بل لان الحجية وان كانت من الاحكام الشرعية إلا ان مفاد الاستصحاب لكونه جريا عمليا على طبق اليقين السابق يحتاج إلى أثر عملي في مورده حتى يمكن الجري على طبقه والذي يمكن أن يكون أثرا عمليا لعدم الحجية أحد شيئين على سبيل منع الخلو (الاول) عدم استناد مؤدى الامارة إلى الشارع وبعبارة أخرى عدم كون الامارة وسطا في الاثبات (الثاني) حرمة اسناده إليه لغير التشريع الثابت حرمته بالادلة الاربعة اما جريان الاستصحاب لاثبات عدم الاستناد وعدم كون الامارة وسطا في الاثبات فهو غير ممكن فإن عدم وقوع الامارة وسطا لاثبات متعلقه في ظرف الشك يكون محرزا بالوجدان لما عرفت من ان معنى الحجية معنى يتقوم بالوصول والاحراز ومع عدم الوصول إلى المكلف يكون الوسطية في الاثبات مقطوع العدم ومعه يكون التمسك بالاستصحاب لاثبات ذلك بالتعبد تحصيلا للحاصل بل من أردء انحائه فإنه من قبيل تحصيل الحاصل الوجداني بالتعبد وهو غير معقول واما التمسك به لاثبات حرمة الاسناد إلى الشارع فهو غير ممكن ايضا فانا إذا بنينا على ان حكم العقل بقبح التشريع من قبيل الاحكام العقلية الثابتة للمقطوع والمشكوك بملاك واحد كما هو كذلك
[ 88 ]
فإن قبح التشريع إنما هو لكونه تصرفا في سلطان المولى بغير إذنه وهو مشترك بين صورتي القطع بعدم الحكم والشك فيه فلا يكون حرمة الاسناد من آثار عدم الحجية حتى يمكن جريان الاستصحاب فيها لاثباتها ولا من آثار احراز عدم الحجية حتى يبتني جريان الاستصحاب في المقام على جواز قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ جزء للموضوع بل من آثار نفس عدم احراز الحجية الموجود وجدانا وأما إذا بنينا على ان حكم العقل بقبحه من قبيل الاحكام العقلية
الثابتة للواقع وللمشكوك بملاكين نظير حكم العقل بقبح التصرف في مال الغير من باب الظلم وحكمه بقبح التصرف فيما شك في كونه مال الغير رعاية لعدم الوقوع في القبيح الواقعي فلا محالة يكون المشكوك بما هو موضوعا للقبح في عرض الواقع ومعه يكون التمسك بالاستصحاب لاثبات الحرمة من قبيل تحصيل الحاصل ايضا فإن القبح الواقعي إذا كان محرزا بوجود موضوعه وهو الشك وجدانا فالتمسك بالاستصحاب لاثباته تعبدا تحصيل الحاصل بل من أردء انحائه كما عرفت والحاصل ان التمسك بالاستصحاب إنما يصح فيما إذا كان الاثر المرغوب مترتبا على الواقع حتى يثبت بالاستصحاب تعبدا وأما إذا كان مترتبا على نفس الشك أو عليه وعلى الواقع فلا يمكن جريان الاستصحاب قطعا وبما ذكرناه نمنع عن جريان استصحاب البراءة حال الصغر والجنون واستصحاب التكليف عند الاتيان ببعض اطراف العلم الاجمالي كما سنوضحه في محله ان شاء الله تعالى (فإن قلت) إذا لم يجر الاستصحاب لاثبات عدم الحجية لعدم ترتب ثمر عملي على جريانه فلا يكون الدليل الخاص مثبتا لعدم الحجية ايضا بداهة ان وجود الاثر العملي مما يحتاج إليه في حجية الامارات ايضا (قلت) الفارق بين الاصل والامارة هو ان الشك مأخوذ في موضوع الاول ومفروض الوجود في جريانه بخلاف الثاني فان موضوعه هو الموضوع للاحكام الواقعية وهو ذات المكلف مع قطع النظر عن كونه واجدا لصفة الشك نعم الشك مورد لا انه موضوع لها وايضا الجري العملي هو المجعول في الاصل وأما المجعول فيها فهو المحرزية ويتبعها الجري العملي ولذا يكون مثبتات الامارة حجة دون الاصول وعلى هذين الفرقين يتفرع ان قيام الامارة على عدم حجية امارة يعدم موضوع الشك في الحجية ويكون عدم تحقق الاستناد إلى المولى لعدم الجعل واقعا بمقتضى الامارة لا لاجل الشك فيه حتى يكون التعبد بالامارة لاثبات عدم الحجية تحصيلا للحاصل (وبالجملة) عدم تحقق الاستناد المسبب عن الشك في رتبة متأخرة عن عدم تحقق الاستناد المسبب عن عدم
[ 89 ]
الجعل والامارة يكون مثبتا لعدم الجعل ورافعا لموضوع الشك فكيف يقاس بالاستصحاب
المترتب على الشك وجاريا مع فرض وجوده مع انه لا أثر له إلا الجري العملي الحاصل بنفس الشك على ما عرفت (دفع وهم) ربما يقال بأن معنى الحجية إذا كان أمرا يتقوم بالوصول كما بنينا عليه المنع عن جريان استصحاب عدم الحجية فلا بد وان يكون العلم بها مأخوذا في موضوعها ولو من باب نتيجة التقييد ولازم ذلك هو القطع بعدم الحجية عند عدم العلم بها ولقد أجبنا عن هذا الاشكال في الدورة السابقة باستلزامه للدور فإنه يرجع بالاخرة إلى توقف الحجية على العلم بها المتوقف عليها فكما لا يمكن تقييد الحجية بالعلم بها لحاظا فكذلك لا يمكن تقييدها به من باب نتيجة التقيد ايضا وملاك الاستحالة مشترك بين التقييدين ولكن التحقيق يقتضي بطلان هذا الجواب فإن المتوقف على العلم بالحجية انما هو حقيقة الحجية والوسطية في الاثبات والعلم بالحجية لا يتوقف على ذلك بل على انشائها لموضوعها ومن المعلوم ان الحجية المنشأة ليست بحقيقة الوسطية في الاثبات المترتبة على العلم فيتغاير الموقوف والموقوف عليه ونظير ذلك ما ربما يقال من ان تمامية البيع يتوقف على القبول والشراء مع ان القبول فرع تحقق البيع فيدور والجواب عنه ايضا بمثل ما ذكرناه فان المتوقف على القبول هو حقيقة البيع والقبول لا يتوقف عليها بل على البيع الانشائي الصادر عن البايع فالموقوف غير الموقوف عليه وهذا الذي ذكرناه في بطلان الجواب يصلح لدفع التوهم ايضا لان تقوم حقيقة الحجية بالوصول ملازم للقطع بعدمها عند الشك لا لتقيد موضوع الحجية الانشائية الواقعية بالعلم حتى يقطع بعدمها في ظرف الشك فيها وما ذكرناه من حجية الامارة الخاصة الدالة على عدم الحجية الواقعية مبني على عدم تقيد الحجية الواقعية بالعلم بها لا مع عدم تقيد حقيقة الحجية بالوصول فالمغالطة انما نشأت من تسرية أحكام الحجية الحقيقية بالحجية الانشائية وتخيل أن توقف الاولى بالوصول يستلزم تقيد موضوع الثانية به من باب نتيجة التقييد كما هو المتوهم (بقي هناك) أمران لا بأس بالاشارة اليهما (الاول) ان حكم العقل بقبح التشريع ليس كحكمه بحسن الطاعة وبقبح المعصية مما يقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي كي لا يمكن استتباعه للحرمة الشرعية بل هو واقع في سلسلة العلل للحكم الشرعي وفي مرتبة ادراكه للمصالح والمفاسد فلا محالة يترتب عليه الحرمة الشرعية
وقد ذكرنا سابقا ان الملاك في استتباع الاحكام العقلية للاحكام الشرعية وعدمه إنما هو وقوعه في سلسلة علله أو معلولاته (الثاني) انا قد ذكرنا في بحث النهي عن العبادة ان الحرمة
[ 90 ]
التشريعية من عوارض الفعل الخارجي وما يصدر من المكلف خارجا لا من عوارض البناء القلبي من دون مساس لها بالافعال الخارجية فالفعل الصادر بعنوان التشريع أو الافتاء بهذا العنوان يقع مبغوضا وقبيحا وان لم يكن ذات الفعل كذلك واختلاف الافعال في الحسن والقبح باختلاف الدواعي لصدورها من الوضوح بمكان لا يحتاج معه إلى اقامة برهان ومزيد بيان فليس حال الدواعي حال العلم بالمبغوضية أو المحبوبية في عدم اختلاف حال الفعل الخارجي به في الحسن والقبح على ما أوضحناه في بحث التجري (إذا عرفت) ذلك فاعلم ان ما قيل باعتباره بالخصوص من الامارات الغير العلمية وان كانت كثيرة وسنتكلم في كل واحد منها مستقلا إن شاء الله تعالى إلا ان عمدة ما يهمنا اثباته من الامارات الغير العلمية هي حجية الظواهر وسند الاخبار فإن عمدة ما يتوقف عليه استنباط معظم الاحكام الشرعية هو إثبات حجية سند الاخبار والظواهر والمنع عن حجية احديهما هو الاساس لمقدمات الانسداد والمحقق القمي قدس سره حيث منع عن حجية سند الاخبار وظواهرها بنى على حجية الظن الانسدادي فالكلام فعلا يقع في حجية الظواهر بالخصوص وقبل الخوض في ذلك لا بد من تمهيد مقدمة وهي ان البحث في الظواهر تارة يكون في الصغرى وأخرى في الكبرى أما البحث عن الكبرى فلا ريب في انه بحث أصولي إذ الميزان في ذلك كما ذكرناه في أول الكتاب هو أن يكون نتيجة البحث كبرى كلية إذا انضم إليها صغرياتها أنتجت نتيجة فقهية ولا ريب ان البحث عن حجية الظواهر كذلك فإنه بعد الفراغ عن حجيتها إذا انضم إليها صغرى من صغرياتها تكون النتيجة مسألة فقهية وتوهم ان المسألة الاصولية لا بد وأن تكون باحثة عن احوال الادلة بعد الفراغ عن دليليتها والبحث عن حجية الظواهر بحث عن الدليلية فيكون من المبادي قد عرفت ما فيه في أول الكتاب فانا قد ذكرنا هناك ان الالتزام بكون موضوع علم الاصول هي ذوات
الادلة فضلا عن الالتزام بكونه هي الادلة بوصف كونها كذلك بلا ملزم بل كل مسألة تكون بحيث تنتج نتيجة فقهية بضم صغريها إليها فهي من المسائل الاصولية سواء كان البحث فيها عن أحوال الادلة أو لم تكن (وأما البحث) عن الصغرى فهو على قسمين فإنه تارة يكون من جهة المفاهيم الافرادية لاجل تعيين وضع الواضع وأخرى من جهة المفاهيم التركيبية لاجل القرائن العامة كالبحث عن ظهور الامر الواقع عقيب الحظر في الوجوب وعدمه ونظائره (وأما البحث) في القسم الاول فهو من شأن اللغوي ليس إلا نعم البحث عن حجية قول
[ 91 ]
اللغوي في تعيين الاوضاع كالبحث عن الرجال لتعيين الصغرى في باب السند من المبادي لكن حيث ان البحث عن الرجال له علم مخصوص فلا يتكلم عنه في علم الاصول (وأما البحث) عن حجية قول اللغوي فلم يكن معنونا في محل آخر فيبحث عنه في علم الاصول وسيجئ الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى (وأما البحث) في القسم الثاني فما كان منه مذكورا في علم آخر كما ذكر البحث عن جملة مما يفيد الحصر في علم المعاني فهو والا فيذكر في علم الاصول لكونه من المبادي ايضا وقد أشبعنا الكلام في هذا القسم في الجزء الاول من هذا الكتاب فراجع ثم ان ظهور لفظ في معنى قد يكون باعتبار دلالته على معناه الافرادي المسماة بالدلالة التصورية (وأخرى) باعتبار الدلالة على المعنى التركيبي المسماة بالدلالة التصديقية (أما) الدلالة التصورية فلا ريب في انها تابعة للعلم بالوضع وليس لعدم القرينة في الكلام دخل فيها أصلا فالعالم بوضع لفظ خاص لمعنى مخصوص ينتقل عند سماعه إلى ذلك المعنى ولو نصب المتكلم قرينة على عدم ارادته (وأما) الدلالة التصديقية فهي بمعنيين فانها تارة بمعنى ظهورا للفظ فيما قاله المتكلم بحيث لو أراد السامع النقل بالمعنى لفعل وأخرى بمعنى ظهور الكلام فيما أراده بحيث يكون حجة قاطعة للعذر أما الدلالة التصديقية بالمعنى الاول فلا ريب في انها تتقوم بعدم ما يكون قرينة في الكلام أو يحتمل قرينيته إذ بوجود القرينة المتصلة ينقلب الظهور التصديقي إلى ما يقتضيه القرينة وبوجود ما يصلح للقرينية لا ينعقد للكلام ظهور أصلا ويكون من
المجملات (وأما) القرينة المنفصلة فهي لا تكون هادمة لهذا الظهور بل يهدم المرتبة الثانية من الدلالة التصديقية وهي مرتبة الحجية والكشف عن مراد المتكلم واقعا وقد أوضحنا ذلك في بعض مباحث العموم والخصوص فراجع (إذا تمهد) ذلك فاعلم ان أصل حجية الظهور في الجملة مما هو مسلم بين الكل وعليه يدور المدنية والالتيام بين الانام وإنما وقع الاشكال في بعض جزئياته (فمنهم) من اشكل في حجية ظواهر الكتاب بخصوصها (ومنهم) من قيد حجية الظواهر بمن قصد افهامه دون غيره (ومنهم) من قيدها بوجود الظن بالوفاق أو بعدم الظن بالخلاف فينبغي عقد البحث في مقامات ثلاثة (أما المقام) الاول فالمخالف فيه الاخباريون الذين ادعوا عدم حجية ظواهر الكتاب والسند لهم في ذلك أمران (الاول) الاخبار المتواترة الواردة في المقام وقد انهاها في الوسائل إلى مأتين وخمسين حديثا (الثاني) العلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات وقرائن منفصلة في الاخبار المروية عن الائمة
[ 92 ]
المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ومن المعلوم ان مع هذا العلم الاجمالي لا يمكن العمل بالظهورات الكتابية والحق في المقام هو القول بعدم خروج ظواهر الكتاب عن قاعدة حجية الظواهر بالخصوص فإن الاخبار الواردة في المقام على كثرتها على قسمين (فطائفة) منها في مقام النهي عن التفسير بالرأي والاعتماد في تعيين المرادات من الكتاب على الاستحسانات والآراء الظنية كما كان ذلك مرسوما بين المخالفين (وطائفة) منها في مقام المنع عن العمل بالظواهر والاستقلال في الفتوى من دون مراجعة الائمة صلوات الله عليهم ومن الواضح ان كلتا الطائفتين أجنبيتان عما هو المهم في المقام من جواز العمل بالظهور الكتابي بعد مراجعة التفسير وعدم العثور على ما يكون قرينة على خلاف الظاهر في كلمات الراسخين في العلم صلوات الله عليهم اجمعين (واما) العلم الاجمالي فمقتضاه عدم العمل بتلك الظهورات قبل الفحص عما يكون صارفا لها ونحن نسلم ذلك وإنما المدعى هو جواز العمل بها بعد الفحص بالمقدار اللازم منه وقد تعرضنا لاصل وجوب الفحص ومقداره في بحث العموم والخصوص فراجع
ثم على تقدير ظهور تلك الاخبار في عدم جواز العمل بالظهور الكتابي مطلقا فلا بد وان تحمل على ما ذكرناه جمعا بينها وبين الاخبار الكثيرة الدالة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والعمل على طبقه وعرض الاخبار والشروط على الكتاب الصريحة في جواز العمل بالظهور الكتابي فيكون المنهي بعد الجمع بين الاخبار هو الاستقلال في الفتوى وعدم الرجوع إلى كلمات الطاهرين بل المعارضة معهم كما كان يصنعه علماء الجور في تلك الازمنة (وأما المقام الثاني) فالمخالف فيه هو المحقق القمي قدس سره حيث ادعى (قده) اختصاص حجية الظواهر بخصوص من قصد افهامه وعليه بنى انسداد باب العلم نظرا إلى ان الاخبار المروية عن الحجج سلام الله عليهم لم يقصد منها إلا افهام خصوص المشافهين دون غيرهم فيختص حجيتها بهم ايضا وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب ما أفاده هو ما أفاده العلامة الانصاري قدس سره وحاصله ان حجية الظواهر لا مدرك لها إلا اصالة عدم غفلة المتكلم عن بيان تمام مراده وعدم غفلة السامع عن القرائن المذكورة في كلامه لان احتمال إرادة خلاف الظاهر مع كون المتكلم في مقام البيان وخفائها على المخاطب لا بد وأن يستند إلى احدى الغفلتين المدفوعتين بالاصل وهذا لا يجري إلا في خصوص المقصود بالافادة وأما بالنسبة إلى غيره فلاحتمال اراده خلاف الظاهر وخفائها له باب واسع لا يمكن دفعه بالاصل لجريان العادة على الاتكال على قرائن منفصلة أو حالية
[ 93 ]
لا يلتفت إليها غير المقصود بالافادة ثم على تقدير تسليم جريان اصالة عدم القرينة في حق غير المقصود بالافهام ولو كان احتمال ارادة خلاف الظاهر غير مستند إلى احتمال الغفلة إنما يسلم جريانه فيما لم يعلم من حال المتكلم ان ديدنه على الاتكال على قرائن منفصلة وأما مع العلم بذلك فلا يمكن الاخذ بظهور كلامه لغير المقصود بالافهام كما هو ظاهر ومن الواضح ان الائمة صلوات الله عليهم كثيرا ما كانوا يعتمدون على القرائن المنفصلة بل ربما كانوا يؤخرون البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة لمصلحة مقتضية لذلك وعلى تقدير التنزل عن ذلك ايضا فظواهر الاخبار إنما تكون حجة إذا كانت واصلة الينا بمثل ما وردت وحيث انها وصلت الينا مقطعة ونحتمل
وجود قرينة في الكلام خفيت علينا بالقطيع فلا يبقى وثوق بارادة هذه الظواهر منها فتسقط عن مرتبة الحجية ولكن لا يخفى ان جعل مدرك اصالة الظهور اصالة عدم الغفلة فيه غفلة واضحة فإن اصالة الظهور إنما هي حجة ببناء العقلاء من جهة كون الالفاظ كواشف عن المرادات الواقعية في قبال اصالة عدم الغفلة وعرضها ولا ربط لاحديهما بالاخرى فضلا عن ان تكون مدركا لها وأما ما ذكره من جريان ديدن الائمة سلام الله عليهم على الاتكال على القرائن المنفصلة والعلم الاجمالي بوجود مخصصات أو مقيدات كثيرة فهو وإن كان صحيحا إلا ان مقتضاه وجوب الفحص عن المعارض لا عدم حجية الظهور بعده كما هو واضح (وأما) ما أفاده من استلزام التقطيع لعدم حجية الظهور فهو على تقدير تسلميه أخص من المدعي لعدم وفائه بعدم حجية الاخبار الغير المقطعة الموجودة في عصرنا وقد نقل شيخنا الاستاذ دام ظله انه كان عبد المحدث الشهير الحاج ميرزا حسين النووي قدس الله نفسه الزكية ما يقرب من خمسين أصلا من الاصول منع ان استلزام التقطيع للخلل في ظهورات الاخبار ممنوع جدا فإن المقطعين هم العلماء الاخيار الملتفتين إلى ذلك ولا محالة يلاحظون في تقطيعاتهم عدم الاخلال بتلك الظواهر نعم لو كان المقطع عاميا أو من لا يوثق بدينه لكان لاحتمال الخلل في تلك الظواهر مجال واسع لكنه لا مجال لهذا الاحتمال إذا كان التقطيع من مثل هؤلاء العلماء الذين حازوا من مراتب العلم والتقى ما هي غاية المنى (هذا كله) مع انا لو سلمنا عدم حجية الظواهر لغير المقصودين بالافهام لما ترتب عليه ما رامه من عدم حجية ظواهر الاخبار بالنسبة الينا وتوضيح ذلك ان الاخبار الصادرة من المعصومين سلام الله عليهم لو كانت منقوشة في جسم وبقيت إلى زماننا لكنا مسلمين بعدم حجيتها بناء على اختصاص الحجية بخصوص المقصود بالافادة لكنها
[ 94 ]
ليست كذلك بل هي نقلت يدا بيد إلى ان انتهت إلى مصنفي جوامع الاخبار قدس الله اسرارهم وعليه فالراوي الاول أما كان مقصودا بالافهام أو كان حاضرا في مجلس الافادة وعل كل حال فنقله للرواية لفظا أو معنا للراوي الثاني مع سكوته وعدم تنبيهه على وجود قرينة
على خلاف الظاهر يدل على عدمها وإلا لكان خائنا في نقله والمفروض وثاقة الراوي وكون الراوي الثاني بالاضافة إليه مقصودا بالافهام وننقل الكلام إلى تمام وسايط الرواية إلى أن تنتهي إلى مصنفي الجوامع قدس الله اسرارهم وإذا انتهى الامر إليهم فلا اشكال ان جوامعهم من قبيل تصنيف المصنفين والمقصود بالافهام في امثال ذلك هو كل من ينظر إلى تلك المصنفات فيكون حالنا في الاخذ بتلك الظهورات والاعتماد فيه على اصالة عدم القرينة بعينها هي حال الراوي الاول الذي ينقل عن الامام عليه السلام وعليه فلا يفيد اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه في عدم حجية الاخبار المروية في الجوامع المعتبرة حتى ينتهي الامر إلى حجية مطلق الظن لاجل انسداد باب العلم والعلمي كما ذهب إليه المحقق المذكور قدس سره (وأما المقام) الثالث فتحقيق الحال فيه أن يقال ان الظن القائم على خلاف الظهور ان كان معتبرا فلا ريب في كونه قرينة على الظهور وموجبا لسقوط الظهور عن الحجية وأما إذا كان ظنا غير معتبر فصريح شيخنا العلامة الانصاري قدس سره عدم تقيد حجية الظواهر بعدمه فضلا عن التقييد بالظن بالوفاق واستدل على ذلك بصحة احتجاج المولى على عبده عند عدم أخذه بظاهر كلامه بأنك لم ما أخذت بظاهر كلامي وعدم قبول اعتذاره بأني ما ظننت بالمراد أو بأني ظننت بالخلاف وبصحة احتجاج العبد على مولاه عند أخذه بظاهر الكلام ولو لم يكن ظانا بارادته أو كان ظانا بخلافه بأني أخذت بظاهر كلامك وأنت قلت لي كذا ويسمع إلى قول المولى بأني كنت مريدا لخلاف الظاهر وانت كنت ظانا به وصحة الاحتجاج في كلا المقامين آية عدم تقيد حجية الظهور بالظن بالمراد ولا بعدم الظن بالخلاف ولكن الحق في المقام هو التفصيل بين الظهورات الصادرة من الموالي إلى العبيد كالاخبار الواردة من المعصومين سلام الله عليهم بحيث يكون المقام مقام الاحتجاج من المولى على العبد أو العكس فيلتزم فيها بعدم التقييد كما أفاده (قده) وبين الظهورات التي لا يكون لها ارتباط بمقام الاحتجاج بل يكون الغرض فيها كشف المرادات الواقعية وترتيب الاثر على طبقها كما إذا فرضنا وقوع كتاب من تاجر إلى تاجر آخر بيد ثالث فأراد كشف ما فيه من تعيين الاسعار فإنه إذا احتمل عدم ارادة
[ 95 ]
الكاتب ظواهر مكتوباته لا يترتب عليه الاثر يقينا فالاخذ بالظهور في غير مقام الاحتجاج مقيد بأعلى مراتب الظن وهي مرتبة الاطمينان وبمجرد احتمال ارادة خلاف الظاهر احتمالا عقلائيا يسقط تلك الظهورات عن الكاشفية فضلا عن وجود الظن بالخلاف (فصل) قد عرفت ان الظاهر المفروغ عن ظهوره لا ريب في حجيته وكونه من الظنون الخاصة وأما تشخيص الظهور خارجا وان التفاهم من اللفظ بحسب الفهم العرفي ما هو فلا دليل على حجية الظن المتعلق به نعم نسب إلى المشهور حجية قول اللغوي في تشخيص الاوضاع بالخصوص وقبل الخوض في تحقيق ذلك لا بأس بتمهيد مقدمة وهي ان الظهور قد يضاف إلى المفهوم الافرادي وأخرى إلى المفهوم التركيبي كظهور الجملة الشرطية في المفهوم مثلا وتعيين الظهور في القسم الاول هو الذي توهم فيه حجية قول اللغوي وانه لو لم يكن قول اللغوي حجة فيه لزم انسداد باب العلم في اللغة وهو وإن لم يكن مستلزما للانسداد الكبير في معظم الاحكام إلا انه يجري فيه المقدمات الجارية فيه ايضا واما القسم الثاني فتعيينه أجنبي من كلمات اللغويين ولا بد في اثباته من الرجوع إلى المتفاهم العرفي وعلى تقدير عدم ثبوت الظهور لا يلزم من الاجمال واجراء الاصول في غير المقدار المتيقن أو البناء على الاحتياط في موارده محذور أصلا (ثم) ان الفارق بين باب الشهادة وبين باب الرجوع إلى أهل الخبرة هو ان الخبر عن شئ تارة يكون خبرا عن أمر محسوس مدرك بإحدى الحواس الظاهرة (وأخرى) يكون خبرا عن أمر حدسي يختص ادراكه بطائفة دون طائفة (أما القسم) الاول فهو داخل في باب الشهادة ولا اشكال في اعتبار العدالة في مخبره وأما اعتبار التعدد في غير موارد القضاء ففيه اشكال وخلاف والمسألة محررة في محلها (واما القسم) الثاني فهو داخل في باب الرجوع إلى أهل الخبرة ولا يعتبر في هذا الباب شئ من شرائط باب الشهادة لبناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة في أمورهم وعدم ثبوت ردع شرعي عن ذلك والسيرة المتشرعية وإن كانت على ذلك ايضا إلا ان الظاهر كونها من باب بناء العقلاء لا لاجل اختصاصهم بذلك لدليل شرعي
فالعمدة في الباب هو ثبوت بناء العقلاء مع عدم ثبوت ردع شرعي نعم يظهر من بعض اعتبار شرايط الشهادة في الرجوع إلى أهل الخبرة في باب العيب ولعله من جهة كون ذلك الباب من موارد الترافع والتنازع المعتبر فيه البينة بلا اشكال لقوله صلى الله عليه وآله إنما أقضي بينكم بالايمان والبينات لا من جهة اعتبار شرايط الشهادة في الرجوع إلى أهل الخبرة مطلقا فتحصل
[ 96 ]
من جميع ذلك ان الاخبار عن المحسوسات يعتبر في حجيته ما يعتبر في باب الشهادة والاخبار عن الحدسيات وما يحتاج معرفتها وادراكها إلى اعمال نظر وقريحة إن كان في مورد الترافع والتنازع فيعتبر في حجيته شرائط الشهادة ايضا واما في غير ذلك فلا يعتبر فيه شرايطها نعم يعتبر فيه كون الخبر مفيد المرتبة من الوثوق والاطمينان يسكن معها النفس واما مع عدم افادتها فلا دليل على حجية الخبر تعبدا فإن بناء العقلاء من الادلة اللبية وليس لها عموم أو اطلاق يؤخذ بهما فلا بد من الاخذ بالمقدار المتيقن وهو مورد حصول الوثوق والاطمئنان لا مطلقا بل والظاهر عدم ثبوت بناء العقلاء على شئ تعبدا بل لا بد من اعتبار الوثوق في تمام موارد بنائاتهم لانه المتيقن من مواردها (إذا عرفت) ذلك فاعلم ان الرجوع إلى اللغة لتعيين موارد الاستعمالات غير داخل تحت كبرى وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة فإن تمييز موارد الاستعمالات إنما يكون بالحس لا بالحدس فيعتبر فيه شرائط الشهادة وأما تعيين موارد المعنى الحقيقي عن المجازي والظاهر عن غيره التي هي من الامور الحدسية فلا يجوز الرجوع إليهم في تلك الموارد لعدم كونهم أهل خبرة ذلك وإنما وظيفتهم تعيين موارد الاستعمالات وقد عرفت الحال فيه (وتوهم) وجوب الرجوع إليهم في تعيين معاني الالفاظ لانسداد باب العلم في اللغة غالبا كما يجب الرجوع إلى التعديلات والتوثيقات الرجالية لانسداد باب العلم في احوال الرواة غالبا فاسد فإن انسداد باب العلم في اللغة وإن كان مسلما في الجملة إلا انه لا يتم فيه مقدمات الانسداد ما لم يلزم منه انسداد باب العلم في معظم الاحكام لجواز الاحتياط في تلك الموارد أو الاخذ بالمقدار المتيقن والرجوع إلى الاصل في غيره وأين ذلك من انسداد باب
العلم في احوال الرواة فإن لازم ذلك هو انسداد باب العلم في معظم الاحكام الشرعية فلو لم يمكن اثبات حجية التوثيقات الرجالية بوجه فلا بد من الاخذ بها لاستلزام انسداد باب العلم في احوال الرواة انسداد باب العلم في معظم الاحكام الشرعية ومما ذكرناه يظهر ان ما أفاده العلامة الانصاري قدس سره من ان الانصاف ان موارد الحاجة إلى قول اللغوي في تفاصيل المعاني اكثر من أن تحصى إلى أن قال ولعل هذا المقدار مع الاتفاقات المستفيضة كاف في المطلب فتأمل خلاف الانصاف فإن كثرة الحاجة ما لم تستلزم انسداد باب العلم في معظم الاحكام لا توجب بطلان الاحتياط أو الاخذ بالمقدار المتيقن واجراء الاصل في غيره ومعه كيف تصل النوبة إلى لزوم الاخذ بقول اللغوي تعبدا واما دعوى الاتفاق على حجية قول
[ 97 ]
اللغوي فهو لا يكشف عن دليل شرعي دل على حجية قوله بعد كون وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة مما ثبت لزومه ببناء العقلاء والاطمينان بأن مدرك المدعي للاتفاق هو ذلك بتوهم خبروية اللغوي في تعيين المعاني الحقيقية عن غيرها فالتحقيق انه لم يقم لنا دليل على حجية قول اللغوي لتعيين المعاني الحقيقية عن غيرها نعم إذا حصل الوثوق بمعنى اللفظ من قوله فلا يبعد كونه بذلك ظاهرا بحيث ينسبق من اللفظ عند سماعه فيشمله أدلة حجية الظهور فقول اللغوي وان لم يكن بنفسه حجه في مقام تعيين الظهور إلا انه ربما يوجب دخول المعنى في موضوع ثبت حجيته من الخارج كما ان قول الرجالي ربما يوجب دخول الرواية في الموثقات فيشملها أدلة حجية الخبر الموثق (والمناقشة) في ذلك بأن الظن الخارجي بالمراد لا يوجب ظهورا في اللفظ ليشمله أدلة حجية الظهور كما إذا حصل الظن بالمراد من لفظ الصعيد في الآية المباركة من فتوى المشهور بجواز التيمم على مطلق وجه الارض مثلا (مدفوعة) بأن الظن الحاصل بالمراد من الفتوى وإن كان لا يوجب ظهورا في اللفظ إلا ان الظن بكون لفظ موضوعا لمعنى الحاصل من قول اللغوي أو اشتهار ذلك ليس كذلك ضرورة ان الوثوق بكون لفظ موضوعا لمعنى لو كان حاصلا قبل الاستعمال فلا ريب في انه يوجب الظهور وانسباق
المعنى من اللفظ عند سماعه فيكون الوثوق الحاصل بعد الاستعمال ايضا كذلك لعدم الفرق بينهما كما هو ظاهر فعدم استلزام الظن بالمراد للظهور غير مستلزم لعدم استلزام الوثوق بكون لفظ موضوعا لمعنى للظهور ايضا (فصل) في الاجماع المنقول بخبر الواحد ولا يخفى ان مقتضى الترتيب الطبيعي هو البحث عن حجية الخبر الواحد بعد الفراغ عن مبحث حجية الظواهر ثم ارداف تلك بالبحث عن الاجماع المنقول والشهرة الفتوائية ولكنا نقدم البحث عنهما على البحث عن حجية الخبر تبعا للشيخ العلامة الانصاري قدس سره وقبل التكلم في حال الاجماع المنقول لا بأس ببيان مقدمات (الاولى) قد اشرنا في البحث السابق إلى ان الاخبار عن الامور المحسوسة إذا كان في مقام الترافع والتنازع فلا بد في اعتباره من العدالة والتعدد كما لا اشكال في اعتبار العدالة في باب الخبر الواحد عن الموضوعات الخارجية المحسوسة في غير موارد الترافع والتنازع وفي اعتبار التعدد في هذا الباب وعدمه اشكال وكلام منشأه هو اطلاقات أدلة حجية الخبر الواحد ورواية مصعدة بن صدقة الحاصرة لرافع اصالة الاباحة في الاستبانة وقيام البينة واما الاخبار عن الامور الغير المحسوسة التي لابد فيها من اعمال رأى ونظر فهو
[ 98 ]
خارج عن البابين ولا يعتبر في اعتباره العدالة والتعدد وهذا هو باب الرجوع إلى أهل الخبرة الثابت لزومه ببناء العقلاء وأما أدلة حجية البينة أو الخبر الواحد فهي أجنبية عن هذا الباب ومواردها هي الاخبارات عن الامور المحسوسة (المقدمة الثانية) ان ناقل الاجماع اما ان ينقل السبب والكاشف وهو اتفاق العلماء في عصر أو ازيد واما ان ينقل المسبب والمنكشف وهو قول المعصوم عليه السلام أو الحكم الواقعي أو وجود دليل معتبر في المسألة ولا ريب في ان الاخبار عن الاولى اخبار عن الامور الحسية وعن الثاني اخبار عن الامور الحدسية (المقدمة الثالثة) ان منشأ حجية الاجماع في حد نفسه إما دخول الامام عليه السلام في المجمعين (وإما) كشف قوله صلى الله عليه وآله بقاعدة اللطف (وأما) الحدس وكشف رأي الرئيس من آراء المرئوسين (واما) كشف الاتفاق عن وجود حجة معتبرة لان عدالة المجمعين مانعة عن
الفتوى بغير علم (واما) القطع بالحكم الناشئ من تراكم الظنون كما يحصل القطع بالخبر المتواتر والكل لا يخلو عن الاشكال (اما الاول) فهو إن كان محتملا في الصدر الاول كما إذا فرضنا اتفاق الصحابة على حكم وكان فيهم امير المؤمنين عليه السلام إلا انه غير محتمل في الازمنة المتأخرة لاسيما في زمان الغيبة (واما الوجه الثاني) فهو إنما يتم فيما إذا وجب على الامام عليه السلام تبليغ الاحكام ولو على النحو الغير المتعارف واما بناء على عدمه فلو فرضنا انهم عليهم السلام بينوا الاحكام على النحو المتعارف ولكن الحكم الواقعي لم يصل إلى العلماء لاخفاء الظالمين له فأي دليل على وجوب القاء الخلاف له وأي ثمرة مترتب على ذلك نعم الرواية التي ينقلها العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وهي ان الامة لا تجتمع على الخطأ لو ثبت تواترها لامكن القطع بالحكم الواقعي لاجل اجماع الامة على حكم في عصر واحد لكنها ليست كذلك فلا يكون هناك موجب للقطع بالحكم الواقعي (وأما الوجه) الثالث فهو إنما يتم فيما إذا كان اتفاق المرئوسين ناشئا عن تبان وتواطء فيما يرجع إلى الرئيس وأمكن الوصول إلى شخصه عادة فإن اتفاقهم في مثل هذه الصورة يكشف عن رأيه لا محالة وهذا بخلاف ما إذا لم يكن كذلك بل كان الاتفاق اتفاقيا ولم يمكن الوصول إلى شخص الرئيس عادة فإن مثل ذلك لا يكشف عن رأيه قطعا ومن الواضح ان اتفاق العلماء على فتوى من قبيل القسم الثاني دون الاول (واما الوجه الرابع) ففيه تفصيل فإن الاتفاق إذا كان في مورده أصل مسلم أو قاعدة مسلمة أو دليل في المسألة بحيث يمكن اتكال المجمعين عليه فلا يمكن كشف
[ 99 ]
الحجة المعتبرة منه كما هو واضح ولذا ترى ان القدماء اتفقوا على تنجس ماء البئر زعما منهم دلالة الاخبار على ذلك وقد اطبق المتأخرون على خلافه لعدم تمامية دلالة تلك الاخبار عندهم عليه واما إذا لم يكن كذلك فإن كان الاتفاق من المتأخرين والقدماء إلى أن ينتهي إلى اصحاب الائمة عليهم السلام فلا ريب في كشفه عن وجود حجة معتبرة مسلمة عند الكل بل وكذا إذا كان الاتفاق من خصوص ارباب الفتوى من القدماء والمتأخرين واما إذا
كان من خصوص أهل عصر أو عصرين فغاية ما يكشف عنه الاتفاق هو وجود حجة معتبرة عندهم وأما كونها حجة مسلمة عند الكل فلا (وأما الوجه الخامس) فهو ان كان مسلما في الخبر عن المحسوسات كما في مورد الخبر المتواتر فإن احتمال التواطي على الكذب مستحيل عادة واحتمال الخطأ في الكل كذلك فلا محالة يترتب على مجموع الاخبار القطع بوجود المخبر به خارجا إلا انه ليس كذلك في موارد الاخبار عن الامور الحدسية التي لا بد فيها من اعمال نظر وفكر فإن احتمال الخطأ إذا كان متمشيا في خبر الواحد منهم فيكون متمشيا في خبر الجميع ايضا (إذا عرفت) هذه المقدمات فنقول ان ناقل الاجماع اما ان يكون من القدماء وهم السابقون على المحقق والعلامة قدس الله اسرارهم أو يكون من المتأخرين اما القدماء فالمعلوم من حالهم انهم يثبتون حجية أصل أو قاعدة بالاجماع ثم يدعون في موارد ذلك الاصل أو تلك القاعدة الاجماع على الحكم في تلك الموارد فلا يترتب على نقلهم الاجماع أثر أصلا واما المتأخرون فلا يدعون الاجماع إلا في موارد الاتفاق على خصوص الحكم في المسألة الفرعية إلا انه لا بد من ملاحظة حال الناقل ومورد النقل فإن كان المتحصل من نقله للفتاوى على نحو الاجمال ولو بضميمة ما حصله المنقول إليه بمقدار يكشف عن وجود حجة معتبرة مسلمة عند الكل فيها وإلا فلا يترتب عليه أثر أصلا (فصل ومما قيل) بحجيتها بالخصوص الشهرة الفتوائية وليعلم اولا ان الشهرة (تارة) تكون في الرواية (وأخرى) في العمل (وثالثة) في الفتوى اما الشهرة في الرواية فهي عبارة عن اشتهارها بين اصحاب الائمة عليهم السلام من حيث الرواية بأن يكون الراوي لها كثيرا والشهرة العملية عبارة عن اشتهار الرواية من حيث العمل بأن يكون العامل بها كثيرا ويعلم ذلك من استناد المفتين إليها في الفتوى فبين الشهرتين عموم من وجه واما الشهرة الفتوائية فهي عبارة عن اشهار الفتوى بين ارباب الفتاوى من قدماء الاصحاب الذين يقرب عصرهم من عصر الائمة عليهم السلام سواء علم استنادهم في ذلك إلى رواية
[ 100 ]
فيه أم لا فبينها وبين الشهرة العملية ايضا عموم من وجه. لا اشكال في كون الشهرة الروائية
موجبة لاقوائيتها وترجيحها على الرواية المعارضة لها كما لا اشكال في كون الشهرة العملية جابرة لضعف الرواية وكاشفة عن احتفافها بالقرينة وكذا لااشكال في كون كل من الشهرة العملية والفتوائية على خلاف الرواية كاسرة للرواية الصحيحة إذا كانت بمرئى ومسمع منهم فإن اعراضهم عنها مع كونها كذلك يوجب وهنا فيها لا محالة نعم إذا كانت الرواية الصحيحة في غير المجاميع المعروفة واحتمل عدم اطلاع المشهور عليها لما كانت الشهرة على خلافها موجبة لوهنها وكسرها إنما الاشكال في حجية نفس الشهرة الفتوائية بما هي واستدل القائلون بحجيتها بأمور كلها ضعيفة (الاول) ان قوله عليه السلام في مرفوعة زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك واترك الشاذ النادر يعم الشهرة الروائية والفتوائية والمورد لها وان كان خصوص الرواية دون الفتوى إلا ان المورد لا يكون مخصصا لعموم العام فإن العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السؤال (وفيه) ان المورد وان لم يكن مخصصا لعموم العام الا انه فرع وجود العموم في الكلام والمقام ليس كذلك فإن لفظة ما من الاسماء المبهمة فكما ان الصلة المذكورة في الكلام معرفة له فكذلك لفظ الخبر المذكور في السؤال معرف له فلا يكون لفظة ما الا كناية عن الخبر لاعن كل شئ فبقرينة السؤال يكون مفاد قوله (ع) انه في مورد المعارضة لا بد من الاخذ بالخبر المشهور وترك الشاذ النادر ليس الا (هذا) مع ان الظاهر من لفظ الشهرة المذكورة في الرواية ليس هو المعنى المصطلح بين الفقهاء والا لما امكن فرض الشهرة في كل من الروايتين بل المراد منه هو المعنى اللغوي وهو ما يكون ظاهرا وبينا فيكون معنى الرواية انه يجب الاخذ بالرواية التي رواها الكل وهي ظاهرة بين الاصحاب وترك الشاذ النادر الذي اختص بنقله اشخاص مخصوصة ومن هنا يظهر الجواب عن التعليل المذكور في المقبولة بعد امره عليه السلام بالاخذ بما هو مجمع عليه بين الاصحاب وترك الشاذ الذي ليس بمشهور بأن المجمع عليه لا ريب فيه فان الظاهر ان المراد بالمجمع عليه ليس هو المشهور المصطلح عليه بين الفقهاء بقرنية جعل مقابله الشاذ الذي ليس بمشهور حتى يدل على وجود الاخذ بكل مشهور بل المراد منه هو ما اتفق الكل على روايته والمراد من المشهور هو معناه اللغوي ولذا جعله الامام عليه السلام من قبيل
ما هو بين رشده وجعله مقابله من المشكل الذي يرد علمه إليهم عليهم السلام فالروايتان اجنبيتان عن الشهرة الفتوائية بالمعنى المصطلح بالكلية (الثاني) ان المستفاد من عموم العلة
[ 101 ]
في آية النباء هو ان كل ما لم يكن فيه اصابة القوم بجهالة فلا بد من الاخذ به فكما ان الشهرة الفتوائية توجب خروج العمل بالرواية الضعيفة عن اصابة القوم بجهالة فكذلك يكون العمل على طبق نفس الشهرة خارجا عنها ايضا وهذا الوجه اضعف من سابقه فإن معنى العمل بعموم العلة هي تسرية الحكم المذكور إلى كل مورد تكون فيه العلة كما يستفاد من قضية لا تشرب الخمر فإنه مسكر حرمة كل مسكر لا اثبات نقيض الحكم المذكور فيما لا تتحقق فيه العلة بأن تكون القضية المذكورة دالة على حلية كل ما لم يكن مسكرا وعليه فالمستفاد من قوله (ع) هو ان كل عمل يكون فيه اصابة القوم بجهالة فهو مرغوب عنه لا ان كل ما لا يكون في العمل على طبقه اصابة القوم بجهالة يكون العمل على طبقه واجبا (الثالث) ان الظن الحاصل من الشهرة لكونه اقوى من الظن الحاصل من الخبر الواحد يكون اولى بالحجية منه فإذا ثبت حجية الخبر الواحد فيثبت حجية الشهرة الفتوائية بالاولوية (وفيه) ان مناط حجية الخبر لو كان افادته الظن فللقول بحجية الشهرة بنحو الموجبة الجزئية مجال واسع واما إذا كان حجيته للادلة الخاصة الدالة عليها فلا وجه للتعدي عن موردها إلى مورد آخر لم يعلم فيه تحقق مناطها (فصل) ومما ثبت حجيته بالخصوص الخبر الواحد وخالف في ذلك جماعة من القدماء والمتأخرين وليعلم اولا ان البحث عن حجية الخبر بحث عن المسألة الاصولية بل هو من أهم مسائلها إذ عليها يتوقف الاجتهاد ولولاها يلزم انسداد باب العلم كما اشرنا إليه سابقا (والوجه) في كونه بحثا عن المسألة الاصولية بناء على ما اخترناه من أن الميزان في كون المسألة اصولية هو كون المسألة بحيث إذا انضم إليها صغرياتها لانتجت مسألة فقهية (واضح) فإنه بعد الفراغ عن حجية الخبر الواحد إذا انضم إلى هذه الكبرى ما هو صغرى لها لترتب عليها المسألة الفقهية لا محالة وقد ذكرنا في اول الكتاب انه لا مقتضي لجعل الموضوع خصوص الادلة الاربعة بل كل مسألة
تكون كما ذكرناه فهي مسألة اصولية سواء كان البحث فيها عن أحوال الادلة أم لا وأما بناء على كون الموضوع هو خصوص الادلة الاربعة فالوجه فيه هو ما افاده العلامة الانصاري (قده) من ان البحث عن حجية الخبر الحاكي للسنة يرجع في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر فيكون البحث عن احوال السنة وبذلك يدخل في المسائل الاصولية وليس مراده قدس سره هو الثبوت الواقعي الذي هو مفاد كان التامة حتى يرد عليه ان البحث عن مفاد كان التامة ليس بحثا عن المسائل بل عن المبادئ كيف ونقطع بتحقق السنة ووصولها إلى جمع
[ 102 ]
كثير على نحو الاجمال فلا يعقل البحث عن أصل ثبوتها وانما مراده (قده) هو ثبوتها بالخبر ووصولها به إلى المكلف ولا ريب في ان البحث عن وصولها به بحث عن العوارض الذاتية (فان قلت) البحث عن وصول الشئ وانكشافه بشئ ليس من احواله الطارية له فكيف يكون البحث عنه بحثا عن العوارض الذاتية حتى يدخل في المباحث الاصولية (قلت) نعم الا ان الحجية كما ذكرنا سابقا حيث انها متقومة بالوصول فالبحث عن وصول السنة بالخبر بحث عن حجيتها الفعلية لا محالة فيكون البحث لهذه العناية عن عوارضها وبذلك يدخل في المسائل الاصولية وكيف كان فلا ريب في كون هذه المسألة من اهم المسائل الاصولية كان موضوع العلم هو خصوص الادلة الاربعة أو غيرها (واستدل) المانعون بوجوه (الاول) الآيات والاخبار الناهية عن اتباع الظن وهي وان كانت كثيرة الا انها ظاهرة في النهي عن اتباع الظنون المتعلقة بالاصول الاعتقادية وما بحكمها واجنبية عن الظنون المتعلقة بالاحكام الفرعية وغير قابلة للتخصيص بمورد دون مورد ولو فرضنا عمومها لمطلق الظن ولو كان متعلقا بحكم فرعي فالطرق التي جرى عليها بناء العقلاء خارجة عن موضوعها حقيقة إذ الطريق الذي ثبت حجيته ببناء العقلاء أو بدليل تعبدي ولو في غير موارد بنائهم وإن كان هذا فرضا غير واقع يكون خارجا عن موضوعها بالحكومة فإن الطريق إذا كان حجة فلا محالة يكون محرزا للواقع وعلما طريقيا فكيف يمكن أن يعمه الآيات الناهية عن
العمل بالظن ومن ذلك يعلم انه لو كان النسبة بين مفاد الآيات والدليل الدال على حجية الطريق بالعموم من وجه القدم الدليل الدال على الحجية عليها كما هو الحال في كل دليل حاكم مع الدليل المحكوم (الثاني) الاخبار الدالة على طرح الاخبار المخالفة للكتاب باختلاف السنتها وهي وان كانت كثيرة إلا ان الظاهر منها خصوصا بقرينة صدورها في زمان الصادق عليه السلام انها في مقام الامر بطرح الاخبار التي وضعتها جماعة من أهل ذلك العصر الذين ذهبوا إلى ألوهيته (ع) وأنكروا وجوب الصلاة والصوم والزكاة وأولوا الآيات فقالوا ان الصلاة كان رجلا وغيره من الخرافات فصدر هذه الاخبار في مقام انكار اقوالهم وما ينسبونه إليه (ع) (وبالجملة) فلا ريب في صدور احكام كثيرة مخالفة لظاهر الكتاب من مخصصات ومقيدات ونحوهما عنهم عليهم السلام فلا يمكن حمل قوله (ع) ما خالف قول ربنا لم نقله أو زخرف أو باطل على امثال تلك المخالفة حتى يكون دالا على حرمة العمل بالخبر الواحد المخالف لظاهر الكتاب
[ 103 ]
ولو بنحو العموم والخصوص وامثاله (الثالث) الاجماع المدعى في كلمات السيد المرتضى والطبرسي قدس سرهما على عدم حجية الخبر الواحد والتحقيق في هذا المقام ان يقال ان للخبر الواحد عندهم اصطلاحين احدهما الخبر الغير القطعي وما لا يكون محفوفا بالقرينة القطعية أو ما بحكمها وهو الذي ذهب ابن ادريس (قده) إلى عدم حجيته وذهب جماعة من القدماء والمتأخرين إلى حجيته إذا كان الراوي له موثوقا به بل ادعى الشيخ (قده) وجماعة أخرى الاجماع على حجيته (الثاني) الخبر الذي لا يكون متعمدا عليه ويكون راويه غير ثقة وكثير من القدماء كانوا يعبرون عن الخبر الضعيف بأنه خبر واحد ولذا ترى ان الشيخ قدس سره بعد ما يذكر الاخبار التي يفتي بها في كتاب التهذيب يذكر الخبر المعارض له ثم يرده بان اول ما فيه انه خبر واحد مع ان الشيخ هو الذي ادعى الاجماع على حجية الخبر الواحد فالاختلاف بين الاصطلاحين هو الموجب لاسناد المنع إلى الشيخ ايضا فظهر ان الخبر الواحد بالمعنى الاول الذي هو محل الكلام لا يحتمل فيه انعقاد الاجماع على عدم حجيته فضلا عن الظن به وما هو
معقد الاجماع اجنبي عنه بالكلية واستدل على المختار بالادلة الاربعة اما الايات فمنها آية النبأ وتقريب الاستدلال بها بوجهين احدهما من باب مفهوم الوصف وثانيهما من باب مفهوم الشرط اما الوجه الاول فصحة الاستدلال به يتوقف على ظهور الوصف في المفهوم وقد عرفت المنع عنه في بحث المفاهيم خصوصا الوصف الغير المعتمد على الموصوف وقد بينا تفصيل ذلك وضابط كون القضية ذات مفهوم في ذلك البحث فلا نعيد واما الوجه الثاني فحاصله ان وجوب التبين في الآية علق على مجئ الفاسق بالنبأ فينتفي بانتفائه وقد اورد عليه بايرادات كثيرة جملة منها واضحة الدفع ولا حاجة إلى التعرض لها والجواب عنها ونذكر هنا ايرادات ثلاثة ونتعرض لجوابها الاول ان ظهور القضية الشرطية في المفهوم يتوقف على عدم كونها مسوقة لبيان تحقق الموضوع بان يكون التالي مما يتوقف على المقدم عقلا كما في قضية ان رزقت ولدا فاختنه والمقام من هذا القبيل فان عدم وجوب التبين عند عدم مجئ الفاسق بنبأ من باب السالبة بانتفاء الموضوع ضرورة ان مجئ العادل بالنبأ ليس من افراد عدم مجئ الفاسق به بل من مقارناته وهو قد يكون وقد لا يكون واجيب عن هذا الاشكال بما حاصله ان الركن الركين في الآية هو تحقق النبأ وقد علق وجوب التبين على كون الجائي به فاسقا فينتفي عند عدمه ولا اشكال في ظهور القضية حينئذ في المفهوم وعدم كونها مسوقة لبيان الموضوع (ولكنه) لا يخفى ان الميزان في ظهور القضية في
[ 104 ]
المفهوم هو ابقاؤها على حالها لا تبديلها بنحو آخر وعليه فحيث ان لفظ النبأ في الآية المباركة إنما اتى به قيدا في الكلام لا ركنا فيه فالمعلق عليه هو اتيان الفاسق بنبأ وانتفاء وجوب التبين عند انتفائه من باب السلب بانتفاء الموضوع نعم لو كان النبأ هو الركن في الآية وكان المعلق عليه كون الجائي به فاسقا لما كان اشكال في ظهورها في المفهوم لكنه خلاف الظاهر من الآية كما هو ظاهر (هذا) ويمكن ان يقال ان ظهور القضية في ركنية النبأ الذي يدور عليها ظهورها في المفهوم لا يفرق فيه بين ان يكون مستفادا من نفس القضية أو من قرينة خارجية والآية المباركة وان لم تكن في حد نفسها ظاهرة في ذلك الا انها بملاحظة ورودها
في شأن وليد تكون ظاهرة في ان الركن في الكلام هو تحقق النباء والمعلق عليه فيها هو كون الجائي به فاسقا فان اصل الاخبار في تلك الواقعة كان محققا والمعلق عليه لوجوب التبين هو كونه فاسقا ضرورة ان المناط في وجوب التبين لو كان كون اخباره غير مفيد للعلم الذي هو عنوان ذاتي للخبر الواحد لما كان معنى لتعليق الحكم على كون المخبر به فاسقا الذي هو عنوان عرضي له فبملاحظة شأن النزول في الآية يكون الركن فيها تحقق النبأ وبه تكون الآية ظاهرة في المفهوم (الثاني) ان القضية الشرطية وان كانت في حد نفسها ظاهرة في المفهوم من جهة استفادة العلية المنحصرة من التعليق بالشرط إلا انه إذا كان هناك علة منصوصة مستفادة من اللفظ بالدلالة المطابقية وكأن تلك العلة مشتركة بين خبر الفاسق والعادل لما انعقد ظهور للقضية في المفهوم ويتقدم العموم لا محالة (بيان) ذلك ان خبر العادل وان كان يفارق خبر الفاسق في ان الاول لا يحتمل فيه تعمد الكذب دون الثاني الا انه يشترك معه في احتمال خطأ مخبره في اخباره وعليه فالعلة المذكورة فيها وهو التحرز عن اصابة القوم بجهالة الذي هو عبارة اخرى عن التحرز عن الوقوع في خلاف الواقع تكون مشتركة بين اخبار العادل والفاسق ومقتضاه وجوب التبين عند اخبار العادل ايضا (فان قلت) ان عموم العلة وان كان يقتضي عدم حجية اخبار العادل ايضا الا انه بالعموم والمفهوم اخص منه مطلقا فيقدم عليه وقد مر في بحث المفاهيم ان المفهوم المخالف كالموافق في تقدمه على العام إذا كان اخص منه مطلقا (قلت) الامر وان كان كذلك الا ان تقدم المفهوم فرع ظهور القضية في كونها ذات مفهوم وعموم العلة في الآية يكون مانعا عن الظهور فكيف يمكن ان يتقدم هو عليه بل لو كان عموم العلة في كلام منفصل لكان مقدما على المفهوم ايضا فان استفادة المفهوم فرع استفادة العلية المنحصرة من التعليق
[ 105 ]
بالشرط وإذا كان العلة المشتركة منصوصة ومستفادة من اللفظ بالدلالة المطابقية لقدمت على ظهور القضية في المفهوم وتخصيص العموم بالمفهوم المخالف انما يكون في غير المنصوص العلة واما فيها فلا قوائية العموم يتقدم على المفهوم (هذا) مع انه العلة في المقام لكونها متصلة بالكلام فلا اقل من صلوحها
للمنع عن المفهوم فيكون القضية محتفة بما يصلح للقرينية ومعه لا يكون ظاهرا في المفهوم (هذا) غاية ما يمكن ان يقرب به عدم دلالة الآية على المفهوم (ولكنه) يرد عليه أولا بأن اشتراك العلة فرع ان يكون المراد بالجهالة في الآية عدم العلم وللمنع عنه مجال واسع (بل) الظاهر ان المراد منها السفاهة وفعل ما لا يصدر من العقلاء فإن التعليل لا بد وان يكون بأمر ارتكازي لا تعبدي وحيث ان العمل باخبار العادل وترتيب الاثر على قوله مما جرت عليه بناء العقلاء فلا يعمه العلة المذكورة فيها فلا يكون مانع عن ظهورها في المفهوم (فان قلت) ان قبح ارتكاب الافعال السفاهية من جملة الواضحات الاولية فلو كان العمل بقول الوليد في اخباره عن ارتداد بني المصطلق كذلك لما اقدم الصحابة عليه ولما تهيئوا لغزوهم فيعلم من ذلك ان المراد من الجهالة هو عدم العلم دون السفاهة (قلت) ضرورية الكبرى وهي قبح ارتكاب الافعال السفهائية لا يوجب ضرورية الصغرى وانطباقها على المورد والمنافي لعمل الاصحاب هي الثانية دون الاولى والظاهر من عمل الصحابة انهم كانوا معتمدين على الوليد واكانوا واثقين بقوله فنبه الله تعالى على فسقه وان العمل على قوله من دون تبين من الافعال السفهائية الظاهر قبحها لكل عاقل (وثانيا) سلمنا ان المراد من الجهالة ليس هي السفاهة ولكنه لا يوجب ارادة عدم العلم منها حتى يكون التعليل بامر تعبدي بل يكون المراد منها الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه وهذا ايضا أمر ارتكازي عند العقلاء وان لم يكن من العلوم الضرورية وعليه فلا يكون العلة مشتركة بين خبر الفاسق والعادل فان الركون إلى قول العادل وترتيب الاثر عليه مما جرى عليه بناء العقلاء ومع عدم العموم في العلة لا يكون مانع عن انعقاد الظهور في المفهوم كما عرفت (وثالثا) سلمنا ان المراد من الجهالة عدم العلم ولكن المفهوم غير معارض له حتى يتقدم العموم عليه بل يتقدم المفهوم عليه من باب الحكومة فان خبر العادل بعد الفراغ عن حجيته يكون خارجا عن موضوع الجهالة ومحرزا للواقع فدخوله في عموم العلة فرع عدم ظهور القضية في المفهوم فلو كان عدم الظهور مستندا إلى عموم العلة لزم الدور وقد أوضحنا ذلك في بعض المباحث السابقة فراجع (الثالث) ان الآية المباركة وان كانت ظاهرة في حجية خبر
[ 106 ]
العادل الا انها مختصة بالاخبار بلا واسطة واما الاخبار مع الواسطة كما هو محل الابتلاء لنا فالآية ساكتة عن اثبات حجيتها ويمكن تقريب هذا الاشكال بوجوه (الاول) ان الخبر انما يكون مشمولا لدليل الحجية إذا كان ذا أثر شرعي ففي مثل الخبر مع الواسطة ما يترتب عليه الاثر هو الخبر الحاكي لقول الامام عليه السلام وهو غير ثابت وما هو ثابت لنا كخبر الشيخ عن المفيد مثلا لا يترتب عليه أثر شرعي فما هو المحقق من الخبر لا يترتب عليه الاثر وما يترتب عليه الاثر لا يكون بمحقق (وفيه) ان الاثر الشرعي كما يترتب على الخبر الاخير يترتب على غيره من الوسايط غاية الامر ان غير الخبر الاخير لا يكون تمام الموضوع للاثر الشرعي وسيجئ في محله انه لا يشترط في كون شئ مشمولا لدليل الحجية في الامارات بل الاصول أزيد من كونه دخيلا في الحكم الشرعي بنحو من الدخالة وأما لزوم كونه تمام الموضوع له فلا وإذا كان كذلك فكما ان الخبر الاخير الحاكي عن الحكم يكون مشمولا لوجوب التصديق فكذلك غيره من الوسائط فخبر الشيخ يكون مشمولا له أيضا (الثاني) ان كل خبر يكون مثبتا لمؤداه فلا محالة يكون حاكما عليه ولا بد في الحكومة من ان يكون المحكوم حكما واقعيا ثابتا بدليل الحاكم أو منفيا به وهذا انما يتحقق في الخبر الحاكي عن الحاكم بلا واسطة واما في غيره فحيث ان المحكي ليس هو الحكم الواقعي فيستحيل الحكومة فلا يكون مشمولا لدليل الحجية المفيد لحكومة الامارات على الاحكام الواقعية (وفيه) أولا ان اثبات الحكم الواقعي كما عرفت في جواب الاشكال الاول مشترك بين الخبر الاخير وغيره فلكل واحد من الاخبار المترتبة حكومة على الحكم الواقعي غاية الامر ان الخبر الاخير يترتب عليه الحكم بلا واسطة وغيره مثبت لموضوع يترتب عليه الحكم وهذا لا يكون بفارق في شمول دليل الحجية بعد ثبوت دخالة كل واحد منها في الحكم الشرعي وترتبه عليه (وثانيا) ان الدليل الحجية الخبر وان كان مفيدا لكونه مثبتا لمؤداه وحكومته عليه الا ان الالتزام بكون دليل المحكوم حكما واقعيا بلا ملزم فكما يمكن حكومة الامارة على الاحكام الواقعية إذا كان المخبر به حكما واقعيا كذلك يمكن
حكومتها على الاحكام الظاهرية إذا كان المخبر به حكما ظاهريا أو موضوعا لحكم ظاهري وعليه فشمول دليل الحجية لخبر الشيخ الحاكي لخبر المفيد يفيد ثبوت موضوع محكوم بوجوب التصديق أيضا وشمول وجوب التصديق لخبر المفيد يفيد ثبوت موضوع آخر محكوم بوجوب التصديق وهكذا إلى أن ينتهي إلى الخبر الاخير المثبت لقول الامام عليه السلام فكل واحد
[ 107 ]
من الاخبار المترتبة مثبت لمؤداه بنحو الحكومة غاية الامر ان الحكومة في غير الاخير باثبات ما هو موضوع لحكم ظاهري وفيه باثبات الحكم الواقعي (الثالث) ان ثبوت حكم لموضوع فرع ثبوت ذلك الموضوع ومرتبة الحكم متأخرة عن مرتبة موضوعه ففي مثل الخبر مع الواسطة حيث ان ثبوت الخبر الثاني انما هو لاجل وجوب تصديق خبر العادل وحجيته فهو متأخر عنه فكيف يمكن ان يكون موضوعا له (وجوابه) ان وجوب التصديق لو كان حكما شخصيا ثابتا لكل واحد من الاخبار لكان للتوهم المذكور مجال واسع لكن الامر ليس كذلك بل هو من قبيل الاحكام الانحلالية وكل فرد من الخبر موضوع لحكم مغاير لحكم آخر عليه فوجوب التصديق الثابت لاخبار الشيخ مما يتوقف عليه خبر المفيد لكن خبر المفيد لا يكون موضوعا لشخص ذاك الوجوب بل بوجوب آخر ثابت له يتوقف عليه ثبوت خبر الصفار وهكذا إلى أن ينتهي إلى الخبر الاخير الموضوع لوجوب التصديق المثبت لقول الامام عليه السلام (الرابع) ان الامارات أو الاصول بعد تسليم كونها حاكمة على الاحكام الظاهرية أيضا فانما يصح حكومتها على دليل آخر فان الحكومة عبارة عن كون احد الدليلين ناظرا إلى بيان كمية ما يراد من الدليل الآخر ففي مثل افراد امارة واحدة كما في الخبر مع الواسطة يستحيل الحكومة إذ المفروض وحدة الدليل فكيف يمكن ان يقال ان وجوب تصديق خبر الشيخ يثبت بالحكومة خبر المفيد الموضوع لوجوب التصديق ايضا (وجوابه) ان الحكومة لا تنحصر فيما ذكر بل لها أقسام ثلاثة (الاول) ان يكون احد الدليلين بمدلوله اللفظي ناظرا إلى ما اريد من لفظ الدليل الآخر وشارحا له بلفظ اعني واردت وأشباه ذلك وهذا القسم قليل التحقق في الاخبار جدا
(الثاني) ان يكون احدهما ناظرا إلى توسعة مدلول الاخر أو تضييقه من دون ان يكون شارحا له ومبينا للمراد من لفظه كما في حكومة أدلة عدم اعتبار شك كثير الشك على أدلة الشكوك فانها لا تتكفل لبيان المراد من لفظ الشك في أدلة الشكوك ولا تخرج الشك المذكور عن كونه شكا وانما تتكفل لا لغاته وعدم موضوعيته للاحكام المجعولة في أدلة الشك فهي مخصصة لتلك الادلة في الحقيقة بلسان الحكومة (الثالث) ان يكون الدليل مثبتا لموضوع الحكم أو نافيا له تشريعا وهذا أقوى أنحاء الحكومة وأمثلتها كثيرة (منها) حكومة الامارات على الاصول فان الامارة بعد كونها محرزة للواقع تكون رفعة للشك تشريعا الذي هو الموضوع للاصول وهذا القسم يتصور في فردين من امارة واحدة أو اصل واحد كما في
[ 108 ]
حكومة الاصل السببي على المسببي فان فردية الشك السببي للشك المأخوذ في لسان الاستصحاب مثلا محرزة وجدانا وبشمول دليل الاستصحاب له يخرج الشك المسببي عن الفردية فلا يكون مشمولا له وهذا بخلاف الشك المسببي فان فرديته له تتوقف على عدم شمول الدليل للشك السببي وعدم شموله له من جهة فردية الشك المسببي له مستلزم للدور والحكومة المدعاة في المقام انما هي من هذا القبيل فان حكومة خبر الشيخ على خبر المفيد مثلا انما هو من جهة اثباته تشريعا فكما يمكن حكومة استصحاب على استصحاب آخر نفيا واخراجا عن الموضوع فكذلك يمكن حكومة خبر على مثله اثباتا وادخالا في الموضوع والملاك في الحكومة مشترك بين القسمين والاشكال انما نشأ من تخيل انحصار الحكومة في القسمين الاولين ليس الا (ثم ان) هنا اشكالا آخر ربما يورد على ظهور الآية في حجية خبر العدل ولا يخلو التعرض له عن الفائدة وحاصله ان مورد الآية لكونه خبرا عن الارتداد لا يعتبر فيه خبر الواحد وان كان عادلا بالاتفاق فيكون المورد خارجا عن العموم ومن المعلوم ان تخصيص العام بالمورد ان كان بعنوان معلوم منطبق عليه فلا محالة يوجب ذلك تقييد مصب العموم وإلا يكون موجبا لاجماله مثلا إذا ورد اكرم العلماء وعلمنا عدم وجوب اكرام زيد العالم فإن كان خروجه عن العام بعنوان معلوم كالفسق
مثلا فيقيد العام بغير الفاسق فتكون النتيجة وجوب اكرام العالم الغير الفاسق وإلا فيكون العام مقيدا بعنوان غير معلوم فيكون مجملا وحيث ان خروج المورد عن العام في محل الكلام من جهة كون المخبر بالخبر واحدا فيقيد العام في طرف المفهوم بكون المخبر متعددا فيكون النتيجة هو عدم وجوب التبين عن اخبار العادل إذا كان المخبر متعددا فلا يكون الآية دالة على حجية الخبر الواحد ولو كان المخبر به عادلا (وفيه) اولا ان هذا إنما يتم بناء على كون الانتفاء عند الانتفاء مستفادا من نفس اداة الشرط بأن كانت هي بحسب الوضع دالة على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء إذ عليه يمكن ان يقال ان مفاد القضية منطوقا ومفهوما جملة واحدة موردها الاخبار عن الارتداد فلا بد من التقييد واما إذا كان المفهوم جملة أخرى مستفادة من اطلاق القضية الشرطية كما هو الصحيح فلا موقع للاشكال أصلا ضرورة ان الاخبار عن الارتداد مورد للمنطوق وغير خارج عن حكمه لعدم حجية خبر الفاسق في شئ من الموارد واما المفهوم فالاخبار عن الارتداد ليس موردا له حتى يلزم من خروجه تخصيص المورد المستلزم لتقييد العموم (وثانيا) ان الحكم بوجوب التبين في
[ 109 ]
الآية لم يكن من جهة ردع الصحابة عن الحكم بارتداد بنى المصطلق لاجل اخبار الوليد بذلك بل من جهة ترتيب الاثر على قوله في الجملة فانهم عزموا على الخروج عليهم فإن رأوهم انهم لا يصلون ولا يؤذنون فيعاملون معهم معاملة الارتداد وإلا فيطلبون منهم الصدقة فان منعوا فيحاربوهم على أخذ الصدقة ومن الواضح انه لم يقم اجماع على عدم وجوب ترتيب الاثر على اخبار العادل بهذا المقدار من الاثر فلا يلزم خروج المورد الموجب لتقييد العموم (وثالثا) سلمنا ان المفهوم إنما استفيد من الدلالة اللفظية وان الحكم بوجوب التبين ردع عن ترتب آثار الارتداد بالكلية إلا انه نقول ان الاخبار عن الارتداد ليس قيدا مأخوذا في القضية وإنما هو مورد لها كما اعترف به في الاشكال وعليه فيكون الحكم بعدم وجوب التبين عند اخبار العادل حكما كليا ثبت تخصيصه في قسم مخصوص من النبأ من الخارج ولازم ذلك هو تقيد
العام بالقياس إلى هذا القسم من النبأ لا مطلقا ونظير ذلك ما إذا ورد اكرم العلماء وعلم بخروج زيد النحوي عن العموم لكونه فاسقا فإن غاية ما يقتضيه العلم بخروج هذا الفرد هو تقيد وجوب اكرام العالم النحوي بغير الفسق لا مطلقا ونتيجة ذلك أن يبقى عدم وجوب التبين في اخبار العادل على اطلاقه في غير مورده (ثم) انك بعد ما عرفت تمامية دلالة الآية المباركة على حجية خبر العادل بمفهومه يظهر لك تمامية دلالتها على تمام اقسام الخبر التي يستدل بها المتأخرون في الكتب الفقهية من الصحيح والحسن والموثق والضعيف المنجبر بالشهرة أما الصحيح فبالمفهوم واما البقية فبالمنطوق لا باعتبار ان المنطوق لم يمنع عن العمل بخبر الفاسق مطلقا وإنما أناط جواز العمل به على التبين وهو كما يحصل بتحقيق نفس الرواية ومعرفة صدقها كما في الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة في الرواية أو في الاستناد كذلك يحصل بتحقيق حال نفس الراوي من معرفة كونه ثقة متحرزا عن الكذب ولو كان غير امامي أو معرفة كونه اماميا ممدوحا في كتب الرجال وان لم يكن معدلا ضرورة ان التبين في نفس الرواية وإن كان محققا لشرط العمل به إلا ان تبين حال الراوي ومجرد كونه موثوقا به أو ممدوحا لا يكون محققا له بل باعتبار ان المراد من الفسق في الآية بمناسبة الحكم والموضوع ليس هو المرتكب للمعاصي مطلقا حتى يكون اناطة قبول الخبر بالعدالة لاجل احترام العادل وتوهين الفاسق بل خصوص الغير المتحرز عن الكذب لعدم موضوعية للعدالة والفسق في المقام وإنما اعتبارهما لاجل الطريقية من جهة عدم حصول الامن عند اخبار الفاسق دون العادل وعلى ذلك يكون مقابل الفاسق
[ 110 ]
كل من كان متحرزا عن الكذب وان كان فاسقا من جهات أخر فتدل الآية بمفهومها على حجية الخبر الصحيح والموثق والحسن وبمنطوقها على حجية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة كما عرفت فيكون تمام اقسام الخبر حجة بضم المنطوق إلى المفهوم (ومن الآيات) التي استدل بها على حجية الخبر الواحد قوله تعالى فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وتقريب الاستدلال بها بتمهيد مقدمات
(الاولى) ان التفقه في الاعصار المتأخرة وإن كان هو استنباط الحكم الشرعي بتنقيح جهات ثلاثة الصدور وجهة الصدور والدلالة ومن المعلوم ان تنقيح الجهتين الاخيرتين مما يحتاج إلى اعمال النظر والدقة إلا ان التفقه في الصدر الاول لم يكن محتاجا إلا إلى اثبات الصدور ليس إلا لكن اختلاف محقق التفقه باختلاف الازمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه فكما ان العارف بالاحكام الشرعية باعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه كذلك العارف بها من دون اعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة (الثانية) ان لفظ الانذار وان كان ينصرف إلى الابتدائي بذكر عوالم البرزخ والنار وامثالها كما هو شأن الوعاظ إلا انه ابتدائي لا يوجب اختصاص اللفظ به فيكون الانذار المذكور في الآية أعم منه ومن الانذار التبعي الضمني الملازم لبيان الواجبات والمحرمات ولو سلم الانصراف الحقيقي فوقوعه متفرعا على التفقه يكون قرينة موجبة لصرفه إلى خصوص الانذار التبعي الموجود في فتوى الفقيه أو اخبار الراوي (الثالثة) ان صدر الآية وهو قوله تعالى فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة وان كان لا يأبى عن حمله على العموم المجموعي إلا أن قوله تعالى ليتفقهوا إلى آخره ظاهر في العموم الاستغراقي وان الانذار إنما يكون بتفقه كل واحد منهم الراجع إلى قومه الذي لا يحصل العلم من قوله غالبا (الرابعة) ان كلمة لعل ليست كما توهم من انها تجرد عن معناها إذا وقعت في كلامه تعالى بل هي تستعمل دائما في القدر المشترك الجامع سواء وقع في كلام الممكن أو الواجب والمبادي القصورية اللازمة عند وقوعها في كلام غيره تعالى أجنبية عن مفادها وما يستعمل فيها (توضيح ذلك) انها إذا وقعت في مقام التعليل فهي إنما تفيد كون ما بعدها علة غائية لما قبلها فإن كان من الامور التكوينية فهو علة للتكوين وإن كان من الامور التشريعية فهو علة للتشريع وعلى الثاني فإن كان ما بعدها غير قابل لتعلق تكليف به لكونه خارجا عن القدرة والاختيار
[ 111 ]
فيتمحض في العلية وإلا فيتعلق به التكليف المتعلق بما قبلها بعينه فيكون مطلوبا بعين طلبه (الخامسة) ان ظاهر الحذر المفروض كونه علة للانذار في الآية هو التحرز الخارجي على
ما يستفاد من موارد استعمالاته لا الخوف النفساني الذي لاوعاء له إلا النفس نعم الخوف النفساني موجب للتحرز الخارجي لا انه هو المطلوب والغاية في نفسه فيما إذا كان متعلقا للامر وحينئذ فحيث ان التحرز الخارجي قابل لتعلق التكليف به والمفروض انه غاية للانذار الواجب فلا محالة يكون هو واجبا ايضا ولو كان المنذر واحدا على ما هو مقتضى كون العموم استغراقيا وبهذه المقدمات يظهر دلالة الآية المباركة على حجية كل من فتوى المجتهد واخبار الراوي من دون اختصاص بأحدهما إذ وجوب التحرز الخارجي عند تحقق الانذار ولو لم يكن مفيدا للعلم يستلزم حجية قول المنذر لا محالة بل يمكن ان يقال ان دلالة الآية على حجية الخبر اقوى من دلالة آية النبأ عليها لسلامتها من الايرادات الواردة عليها وان كان قد عرفت الجواب عنها وتمامية دلالة آية النبأ عليها ايضا (فما عن العلامة الانصاري (قده)) من تضعيف دلالتها حتى انه قرر تشبيه الاستدلال بها على حجية الخبر بالاستدلال عليها بالنبوي المشهور من حفظ على أمتي اربعين حديثا إلى آخره (لم يكن مترقبا) منه (قده) (واما) الاشكالات التي أوردها عليها فلا بد لنا من التعرض لكل واحد منها مع جوابها فنقول اما الاشكال الاول فملخصه ان الآية وان دلت على وجوب الحذر عند ثبوت الانذار إلا انه لم يحرز كونها في مقام بيان الاطلاق بالاضافة إلى صورتي حصول العلم وعدمه فيمكن ان يكون وجوب التحذر في تقدير حصول العلم فقط فلا تدل الآية على حجية قول المنذر تعبدا وان لم يكن مفيدا للعلم (وفيه) اولا ان الخبر الواحد بما هو يستحيل افادته العلم وحصوله احيانا عند الاخبار لا بد وان يكون لقرائن خارجية أجنبية عن نفس الخبر فحمل الآية على صورة حصول العلم الغاء لحجية قول المنذر بالكلية وتعليق للحكم بوجوب التحذر على حصول العلم بالاحكام الشرعية وهذا ينافي ترتب وجوب التحذر على الانذار كما هو ظاهر الآية (وثانيا) سلمنا ان التقييد بصورة حصول العلم لا يوجب إلا اختصاص الحكم ببعض افراد المطلق وهو الخبر المفيد للعلم إلا انه لا موجب لهذا التقييد مع كونه من الافراد النادرة للخبر ولو كان كونه القدر المتيقن موجبا للاختصاص لما جاز التمسك بمطلق في شئ من الابواب إذ ما من مطلق إلا وله
متيقن في الجملة (وبالجملة) فاحتمال الاختصاص بصورة حصول العلم في غاية الضعف والوهن
[ 112 ]
(وأما) الاشكال الثاني فملخصه ان وجوب الحذر المستفاد منه حجية قول المنذر إنما يثبت فيما إذا أحرز ان الانذار انما هو بما تفقه في الدين ومع الشك في صدق الراوي وكذبه لا يحرز ذلك ومعه يكون التمسك بالآية لاثبات حجية قول المنذر تمسكا بالعموم في الشبهة المصداقية وجوابه ان احراز كون الانذار بما تفقه في الدين اي بنفس الاحكام الشرعية انما يثبت بنفس وجوب التحذر الدال على الحجية لا مع قطع النظر عنه وهذه المغالطة انما نشأت من اخذ عقد الحمل في عقد الوضع ولو بني عليها لما أمكن التمسك بدليل ومن الغريب انه (قده) بنفسه تعرض لهذه المغالطة في مباحث الاقل والاكثر وتصدى للجواب عنها بما لا مزيد عليه ومع ذلك فقد وقع فيها في المقام ونحن قد تعرضنا لها مفصلا في بحث الصحيح والاعم حيث ذكرنا شبهة المانعين عن التمسك بعموم اوفوا بالعقود لاثبات صحة عقد مخصوص بان الموضوع لوجوب الوفاء هو العقد الصحيح لا غير وما لم يحرز ذلك لا يمكن التمسك به (واجبنا) بأن الصحة انما تثبت بنفس الحكم بوجوب الوفاء لا في مرتبة سابقة عليه فراجع (وبالجملة) الاعتناء بهذه المغالطة يوجب سد باب التمسك بكل دليل ولا اختصاص لها بخصوص المقام (واما) الاشكال الثالث فحاصله ان الاآية لاشتمالها على لفظ الانذار الظاهر في الابلاغ مع التخويف لا يكون شاملة لاخبار الراوي إذ ليس في اخباره بما هو راو تخويف وايعاد فلا محالة تختص بانذار الوعاظ والمجتهد بنقل فتواه فيكون الاستدلال بها على وجوب الاجتهاد كفاية ووجوب التقليد على العوام أولى من الاستدلال بها على حجية الخبر وفيه ما عرفت من ان الانذار ان اخذ بما ينصرف إليه انصرافا بدويا وهو الانذار الابتدائي الاستقلالي فيكون فتوى المجتهد كإخبار الراوي خارجة عن مدلول الآية وان اخذ بما هو ظاهر فيه ولو بمعونة ترفعه على التفقه وهو الانذار التبعي الضمني الحاصل ببيان الحكم الشرعي فكما ان فتوى المجتهد تكون مشمولة لها فكذلك يكون اخبار الراوي أيضا فالتفكيك بين الفتوى والرواية في مشمولية الآية غير
معقول وأما بقية الآيات التي استدل بها على حجية الخبر كآية الكتمان والسؤال والايمان فعدم دلالتها على حجية الخبر في غاية الوضوح فلا حاجة إلى التعرض لها أصلا وأما الاخبار فالاستدلال بها على حجية الخبر يتوقف على ان تكون قطعية من جهة التواتر والاحتفاف بالقرينة والا فالاستدلال بها على حجيته مستلزم لتوقف الشئ على نفسه (ثم) ان التواتر المفيد لقطعية الخبر اما أن يكون لفظيا أو معنويا أو اجماليا (والمراد) من الاول أن يكون الخبر
[ 113 ]
بلفظه منقولا بكثرة يمتنع معها تواطؤ الناقلين على الكذب (ومن الثاني) ان يكون معنى واحد منقولا بألفاظ متعددة من الناقلين من باب النقل بالمعنى بتلك الكثرة أو يكون ملزوما لما نقل بتلك الكثرة كما يثبت شجاعة احد من نقل جماعة حروبه في مواقع كثيرة يمتنع تواطئهم على الكذب عادة وان لم يكن كل واحد من مواقع حروبه ثابتا بالتواتر وربما يجعل القسم الاول من الثاني من التواتر اللفظي ولا مشاحة في الاصطلاح وأما التواتر الاجمالي فهو على ما قيل عبارة عن نقل أخبار كثيرة غير متفقة على لفظ ولا على معنى واحد الا انه يعلم بصدق واحد منها لامتناع كذب الجميع عادة (ولكنه) لا يخفى ان الاخبار إذا بلغت من الكثرة ما بلغت فان كان بينها جامع يكون الكل متفقا على نقله فهو راجع إلى التواتر المعنوي والا فلا وجه لحصول القطع بصدق واحد منها بعد جواز كذب كل واحد منها في حد نفسه وعدم ارتباط بعضه ببعض فالحق هو انحصار التواتر في القسمين الاولين لاغير (إذا عرفت) ذلك فنقول الاخبار الدالة على حجية الخبر الواحد في الجملة طوائف اربعة على ما صنعها شيخ مشايخنا العلامة الانصاري (قده) ولا يبعد تواتر كل واحد من هذه الطوائف بخصوصها (الطائفة الاولى) هي الاخبار الواردة في مقام تعارض الاخبار المسماة بالاخبار العلاجية ولا ريب في حصول القطع من هذه الاخبار بأنه صدر من الائمة سلام الله عليهم علاج الاخبار المتعارضة الغير القطعية إذ لا يمكن المعارضة بين الخبرين القطعيين والاشكال في تقدم الخبر القطعي على غيره المعارض له فيكون العلم بصدور العلاج منه كاشفا عن حجية الخبر
الظني في الجملة بحيث لو لم يكن له معارض لوجب الاخذ به (الطائفة الثانية) هي الاخبار الواردة في مقام أمرهم عليهم السلام شيعتهم بأخذ معالم دينهم من اصحابهم كزرارة وغيره من ثقاتهم ويفيد تلك الاخبار العلم بصدور الامر المذكور منهم عليهم السلام من غير فرق بين الرجوع إلى الاصحاب لاخذ الفتوى أو الرواية ومن المعلوم ان الرجوع إليهم لا يوجب القطع بالحكم الواقعي الصادر من الامام عليه السلام فيستكشف حجية الخبر الغير المفيد للعلم في الجملة (الطائفة الثالثة) هي الاخبار الدالة على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقاة والعلماء وهي ايضا كثيرة ودلالتها على المطلوب ظاهرة (الطائفة الرابعة) هي الاخبار المتفرقة الدالة بمجموعها على جواز العمل بخبر الواحد بحيث يعلم ان جواز العمل بالخبر الظني ولو في الجملة كان مفروغا عنه وان كان دلالة كل واحد منها على المطلوب لا يخلو عن نظر (ولا يخفى) ان
[ 114 ]
أخص تلك الاخبار مضمونا هو الاخبار الدالة على جواز العمل بخبر الثقة كما صرح بذلك في جملة من اخبار الطائفة الثانية وبعض الاخبار من الطائفة الثالثة بل يمكن أن يقال ان خصوص الاخبار الدالة على جواز العمل بخبر الثقة متواترة مضافا إلى احتفاف بعضها بالقرينة القطعية من جهة اعتماد الاصحاب عليها فيكون جواز العمل به مقطوعا لا محالة بل قد عرفت ان تعليق وجوب التبين على كون الجائي بالنبأ فاسقا كما في آية النبأ انما هو من جهة عدم تحرز الفاسق عن الكذب لما عرفت من اقتضاء مناسبة الحكم والموضوع ذلك وعليه فخبر الثقة الذي يتحرز عن الكذب وان لم يكن اماميا هو القدر المتيقن من أدلة حجية الخبر (ثم) ان هذه الاخبار وان كان لا يستفاد منها حجية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة كما كانت تستفاد من آية النبأ إلا أن الخطب في ذلك هين بعد عدم كون هذه الاخبار في مقام اثبات حكم ابتدائي تأسيسي وانما هي بصدد امضاء ما جرت عليه السيرة العقلائية ولا ريب ان سيرتهم جرت على العمل بالخبر الموثق الاعم من كون الرواية بنفسها أو كون راويها موثوقا به وبذلك يثبت حجية الخبر الصحيح القدمائي مطلقا واحتمال حجية خصوص الخبر الصحيح بين المتأخرين كما عليه
جماعة من المتأخرين ضعيف لا يمكن القول به اصلا (وأما الاجماع) على حجية الخبر الواحد فيمكن تقريبه بأحد وجوه (الاول) دعوى الاجماع القولي على حجيته في مقابل السيد واتباعه المحصل لنا من تتبع أقوالهم بحجيته من زماننا إلى زمان الشيخين أو من نقلهم الاجماع على حجيته (الثاني) دعوى الاجماع حتى من السيد واتباعه على وجوب العمل بالخبر الغير العلمي في زماننا هذا مما انسد فيه باب القرينة الموجبة للقطع بصدور الخبر (ويرد) على هذين الوجهين انه لم يحصل لنا ظن في هذين الاجماعين بكون وجوب العمل بالخبر ثابتا للمجمعين بدليل لم يصل الينا (إذ) يمكن أن يكون مدركهم في ذلك هي الاخبار المذكورة أو يكون فتواهم به من جهة قيام السيرة العقلائية على ذلك فلا يكون اتفاقهم على ذلك كاشفا عن دليل تعبدي كما هو ظاهر (الثالث) دعوى الاجماع العملي من الصحابة على العمل بالاخبار الموجودة فيما بأيدينا من الكتب المعتبرة (وفيه) ان ذلك وان كان مسلما الا ان اجماعهم على ذلك تقييدي فإن كل واحد منهم انما يعمل بها لوجه خاص يخص به وليس مثل هذا الاجماع دليلا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم كما هو اوضح من أن يخفى (الرابع) دعوى جريان سيرة العلماء خلفا عن سلف من غير نكير (الخامس) دعوى جريان
[ 115 ]
سيرة المتشرعة على ذلك ويرد على هذين الوجهين ما اوردناه على الوجهين الاولين من عدم الظن بكون ذلك سيرة العلماء أو المسلمين بما هم كذلك بل الظاهر انهم يعملون بالاخبار الموثوق بما انهم عقلاء فيرجع إلى (سادس) الوجوه وهو دعوى جريان سيرة العقلاء على العمل بالاخبار المفيدة للوثوق في عادياتهم وما يرجع إلى أمور دنياهم أو أخراهم وغاية ما يقتضيه الايمان هو كون الاعتماد والاعتناء بالامور الراجعة إلى باب الاطاعه والمعصية في عرض الاعتناء بالامور الراجعة إلى نظام المعيشة (ولا يخفى) صحة هذه الدعوى وان العمل بالخبر الموثوق به يجري عند العقلاء مجرى العمل بالظواهر ووجوب العمل بكل منهما انما يثبت بالسيرة القطعية العقلائية فلو لم يكن الشارع راضيا بما جرت عليه سيرتهم القطعية لكان عليه الردع عن ذلك
كما في باب القياس وحيث لم يردع عنه فيثبت رضاه وامضائه ومن هذا البيان ظهر انه لانحتاج في اثبات حجية السيرة العقلائية إلى أزيد من عدم الردع وأما احتمال الاحتياج إلى الامضاء وعدم كفاية عدم الردع فضعيف لا يعبأ به الا ان يراد من الامضاء مطلق الرضا حتى المستكشف من عدم الردع فيرجع النزاع لفظيا (فان قلت) اليست الآيات الناهية عن العمل بالظن كافية في ردع الطريقة العقلائية ومعها كيف يمكن استكشاف امضاء الشارع لها (قلت) كلا فإن النهي عن العمل بالظن فرع تحقق الظن خارجا كما هو الشأن في كل قضية خارجية أو حقيقية والظن يتقوم باحتمال الخلاف لا محالة ومع وجود دليل تعبدي على حجية امارة أو قيام سيرة العقلاء على العمل بها يكون احتمال الخلاف ملغى بالضرورة ولذا تقوم مقام القطع الطريقي أو المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية كما اوضحنا بيانه في مباحث القطع ومعه يكون الخبر الموثوق بصدوره خارجا عن موضوع الآيات بالحكومة كما انه بدليل الحجية يكون حاكما على أدلة الاصول فالملاك في تقدم الامارات على الاصول بعينه موجود في تقدم السيرة العقلائية على الآيات الناهية عن العمل بالظن ايضا فلا بد في مقام الردع من ورود أدلة خاصة ناهية عن العمل بالسيرة كما وردت في باب القياس والمفروض انتفائها في المقام واما ما ذكره العلامة الانصاري (قده) في مقام الجواب عن هذه الشبهة وحاصله ان الآيات الناهية عن العمل بالظن اما في مقام النهي عن التشريع أو عن العمل به في مقابل الاصول اللفظية أو العملية وكلا الوجهين غير قابلين للرادعية عن العمل بالسيرة فان حرمة التشريع والعمل بالاصول اللفظية والعملية مما ارتكزت في أذهان العقلاء ومع ذلك يعملون بالاخبار
[ 116 ]
الموثوق بها في مقابل تلك الاصول ولا يرون ذلك تشريعا فهو اشبه بالخطابة من البرهان مع قطع النظر عما ذكرناه من عدم الموضوع للآيات مع قيام السيرة القطعية أو دليل تعبدي على وجوب العمل بالخبر الموثوق به ولعل عدم تمامية ما ذكره (قده) في مقام الجواب في حد نفسه هو السبب في أمره بالتأمل في آخر عبارته (وأما) ما ذكره بعض المحققين (قده) في الجواب
عن ذلك بأن السيرة القطعية عن وجوب العمل بالخبر الموثوق به تكون مخصصة لعمومات الآيات الناهية عن العمل بالظن (فغير قابل) للتوجيه فإن الالتزام بالتخصيص يستلزم الالتزام بتحقق موضوع الآيات ولو مع قيام السيرة القطعية ومعه فلا يعقل الحكومة ويلزم من تقدم السيرة على الآيات توقف الشئ على نفسه فإن تقدمها عليها يتوقف على عدم كون الآيات رادعة لها وعدم ردعها لها يتوقف على تقدمها عليها وإلا كانت مردوعة بها لا محالة فيتوقف تقدمها عليها على نفسه وهو غير معقول (واما الوجوه) العقلية التي استدل بها على حجية الخبر الواحد فهي كثيرة (الاول) دعوى جريان مقدمات الانسداد في خصوص الاخبار بأن يقال انه لا اشكال في صدور كثير من الاخبار الموجودة في المجاميع المعتبرة والقرائن على ذلك الناشئة من شدة اهتمام العلماء رضوان الله تعالى عليهم وتهذيب الاخبار عن الاخبار المدسوسة كثيرة قد تعرض لها العلامة الانصاري (قده) تفصيلا ولا اشكال ايضا في عدم امكان تميز الاخبار الصادرة عن غيرها كما انه لا ريب في عدم جواز اهمالها وعدم التعرض لها رأسا فيدور الامر بين الاحتياط في تمام الاخبار بالعمل بجميعها أو العمل بالقرعة في تشخيص الصادر عن غيره أو الرجوع إلى كل ما يقتضيه الاصل في خصوص كل مورد أو العمل بخصوص ما ظن بصدوره وطرح المشكوك أو الموهوم ولا اشكال في تعين الاخير من هذه الاحتمالات إذ العمل بالاحتياط مع القطع بوجود اخبار مخالفة للاحكام الصادرة عن الائمة سلام الله عليهم غير ممكن والرجوع إلى القرعة أو إلى كل ما يقتضيه الاصل في خصوص كل مورد مقطوع العدم فيتعين العمل بالمظنون الصدور من الاخبار والغاء غيرها وهذا الوجه هو حاصل ما اعتمد عليه العلامة الانصاري (قده) سابقا ولكنه عدل عنه اخيرا واورد عليه بايرادات ثلاثة (اما الاول) فحاصله بتحرير منا ان حجية الاخبار اما ان تكون من باب الطريقية المحضة أو من باب السببية المعتزلية بان يكون في الامارات مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على ما اوضحنا بيانه سابقا واما احتمال كون الحجية من باب السببية الاشعرية الملازمة للتصويب فمقطوع العدم ولا ينبغي
[ 117 ]
التكلم عليه وحينئذ فان قلنا بالطريقية المحضة فلا ريب في عدم موضوعية لخصوص الاخبار وانما يجب التعرض لها لاجل كاشفيتها عن الاحكام الواقعية وحيث ان الاحكام الواقعية المعلومة لا يختص اطرافها بخصوص الاخبار بل يعم كل امارة متقنة كالشهرة والاجماع المنقول وغيرها فلا بد من الاحتياط في تمام اطراف الامارات أو العمل بالمظنون مطابقته منها من دون اختصاص بخصوص الاخبار وكذلك الامر ولو بنينا على السببية المعتزلية فان فيها جهتين الاولى هي الطريقية وكون وجوب العمل بالاخبار لاجل كشفها عن الاحكام الواقعية (الثانية) تدارك ما يفوت من مصلحة الواقع بتطبيق العمل على طبق الامارة وسلوكها وحيث ان الجهة الثانية في المقام متعذرة إذ المفروض عدم امكان تشخيص ما يجب العمل به عن غيره فيكون القول بالمصلحة السلوكية مشاركا مع القول بالطريقية المحضة وقد عرفت ان لازمه هو الاحتياط في تمام اطراف الامارات أو العمل بما ظن مطابقته من كل امارة من دون اختصاص بخصوص الاخبار (وتوضيح) ذلك انما هو برسم مقدمتين الاولى ان لنا مدارك ثلاثة للعلم الاجمالي بالاحكام ويختلف اطراف العلم سعة وضيقا باختلاف مداركه (الاول) قيام الاجماع والضرورة على وجود تكاليف الزامية في الشريعة المقدسة الاسلامية وكل ما يحتمل فيه التكليف سواء كان من المظنونات أو المشكوكات أو الموهومات لا محالة يكون من اطراف هذا العلم (الثاني) هو العلم الاجمالي الناشئ من تراكم الامارات الكثيرة المتقنة كالاخبار والشهرات والاجماعات المنقولة وغيرها ولا ريب ان دائرة اطراف هذا العلم هو خصوص ما قامت الامارة عليه دون المشكوكات والموهومات (الثالث) العلم الاجمالي بصدور كثير من الاخبار الناشئ من كثيرة الاهتمام بتنقيحها ودائرة هذا العلم الاجمالي اضيق من الكل لخروج مواد بقية الامارات عن اطرافه فضلا عن المشكوكات والموهومات (الثانية) ان انحلال العلم الاجمالي عبارة عن انقلاب قضية شرطية مانعة الخلو المركبة من قضيتين جمليتين مشكوكتين إلى قضية متيقنة والاخرى مشكوكة وكما يمكن انحلال العلم الاجمالي وانقلاب القضية الشرطية بالعلم التفصيلي فكذلك يمكن بالعلم الاجمالي ايضا ووجه الانحلال
فيهما واحد والفرق بين الانحلال وعدم تأثير العلم الاجمالي هو ان العلم إذا تعلق بما لا يكون في بعض الاطراف موجبا لحدوث حكم جديد كما إذا علم بوقوع قطرة من البول في أحد الاناءين المسبوق احدهما بالنجاسة سواء علم ذلك حين العلم الاجمالي أو بعده فلا يكون العلم
[ 118 ]
الاجمالي مؤثرا لا محالة لعدم تعلقه بالحكم الحادث على كل تقدير الذي هو شرط تأثير العلم الاجمالي واما إذا كان العلم مؤثرا ومتعلقا بالتكليف على كل تقدير ولكنه انقلب إلى معلوم تفصيلي بمقدار المعلوم بالاجمال ومشكوك بدوي فهو المراد من انحلال العلم الاجمالي (إذا عرفت) ذلك فنقول إذا فرضنا انحلال العلم الاجمالي الاول المسمى بالكبير بالعلم الاجمالي الثاني المتوسط وانحلاله بالثالث الصغير فلا محالة يتم الاستدلال بهذا الوجه على حجية الخبر الواحد إذ لا يجب معه التعرض لامتثال الاحكام إلا في خصوص الاخبار دون غيرها وأما إذا منعنا عن الانحلال فيكون الاخبار من جملة اطراف العلم الاجمالي ولا ينحصر وجوب التعرض بخصوصها والذي يستفاد من تضاعيف كلمات العلامة الانصاري (قده) هو الالتزام بانحلال العلم الاول بالثاني دون انحلال الثاني بالثالث وهذا هو الحق والضابط الكلي لانحلال العلم الاجمالي أحد أمرين متلازمين الاول انه إذا زيد على اطراف العلم من بقية المحتملات فإن زاد عدد المعلوم بالاجمال على الاول فيعلم من ذلك عدم الانحلال وعدم كون المعلوم الثاني بمقدار المعلوم الاول وإلا فلا (الثاني) انه إذا نقصنا من اطراف العلم الثاني مقدارا فلا محالة ينقص مقدار المعلوم في الباقي فإذا ضممنا إليه بقية المحتملات فإن رجع العلم الثاني بحاله فيستكشف عدم الانحلال وإلا فلا ومن هذين الضابطين يعلم صحة ما ادعيناه فانا إذا زدنا على موارد الامارات المعلوم وجود مقدار من التكاليف فيها بقية المحتملات من المشكوكات أو الموهومات فهي لا توجب زيادة مقدار المعلوم بالاجمال بالضرورة فإن ضم المحتمل لا يوجب ازيد من الاحتمال كما انا إذا نقصنا مقدارا من الامارات الموجب لنقصان المقدار المعلوم بالاجمال ثم ضممنا إلى الباقي بقية المحتملات فالعلم الاول قبل التنقيص لا يرجع بحاله
فنستكشف من ذلك ان مقدار المعلوم بالاجمال في اطراف الامارات بمقدار المعلوم بالاجمال في تمام اطراف المحتملات وهو موجب للانحلال بالضرورة وهذا بخلاف العلم بخصوص التكاليف الموجودة في موارد الاخبار فإنه إذا ضممنا إلى الاخبار بقية الامارات المتقنة فلا محالة يزيد عدد المعلوم بالاجمال على الاول كما انه إذا نقصنا مقدارا معينا من الاخبار وضممنا إلى الباقي بقية الامارات فلا محالة يرجع العلم الاول إلى حاله ويستكشف من ذلك ان لنا مقدارا معلوما من التكاليف مرددا بين ان يكون في الاخبار وغيرها وهذا المقدار غير المقدار المعلوم في خصوص الاخبار ومع ذلك كيف يمكن دعوى الانحلال والقول بوجوب التعرض لخصوص
[ 119 ]
الاخبار (هذا) كله على تقدير الاغماض عن دعوى وجود العلم الاجمالي في خصوص بقية الامارات ايضا إذ مع هذه الدعوى التي لا تخلو عن بعد يكون عدم الانحلال من الواضحات الغير المحتاجة إلى البيان والحاصل انا وإن لم ندع العلم بالتكليف في خصوص بقية الامارات إلا ان وجود العلم بمقدار من التكاليف التي يدور أمرها بين ان تكون في الاخبار أو في غيرها غير قابل للانكار ومع ذلك لا موجب لدعوى انحلال العلم الاجمالي المتوسط بالعلم بوجود التكاليف في خصوص الاخبار (فإن قلت) إذا سلمت خلو بقية الامارات عن العلم الاجمالي بالتكاليف في خصوصها فالعلم بوجود تكاليف أخر غير التكاليف المعلومة في خصوص الاخبار المرددة بين ان تكون في موارد الاخبار أو غيرها من الامارات لا أثر له إذ العلم الاجمالي المختص بموارد الاخبار أوجب سقوط الاصول فيها فالتكاليف الموجودة فيها تنجزت مع قطع النظر عن العلم الاجمالي الثاني فلا يكون العلم الثاني منجز المتعلقة على كل تقدير وقد ذكرنا اشتراط منجزية العلم الاجمالي بذلك وهذا نظير ما إذا علم بوقوع قطرة من النجس اما في احد الانائين المعلوم نجاسة أحدهما اجمالا أو في اناء ثالث فانه لا ريب في عدم ترتب أثر على هذا العلم وعدم المانع عن جريان الاصل في الاناء الثالث (قلت) ليس المقام من قبيل المثال الذي ذكرته فإن المفروض عدم تأخر العلم بوجود التكاليف المرددة بين
موارد الاخبار وبقية الامارات عن العلم بوجود التكاليف في خصوص موارد الاخبار فنسبة العلمين الاجماليين إلى تنجيز ما تعلق بهما واحدة وهذا نظير ما إذا علمنا بوقوع قطرتين من النجاسة في مجموع اناءات ثلاثة بحيث علم وقوع احديهما في احد الانائين وتردد الآخر بين ان تكون واقعة في الاناء الآخر أو في واحد من الانائين ايضا فانه لا ريب حينئذ في وجوب الاجتناب عن الجميع لتساوي نسبة العلمين إلى التنجيز وعدم تقدم أحدهما على الآخر بل لو فرضنا تقدم احد العلمين على الآخر أيضا لما كان العلم السابق مانعا عن تنجيز اللاحق إذا لم يكن المعلوم سابقا على المعلوم الآخر فان الميزان في عدم تأثير العلم الثاني تأخر المعلوم لا تأخر نفسه ومن الواضح عدم تأخر المعلوم بالعلم الثاني عن المعلوم الاجمالي في خصوص الاخبار وإذا كان كذلك فلا موجب لعدم تأثير العلم بالتكاليف المرددة بين الاخبار وغيرها وانحلاله بخصوص العلم الاجمالي في موارد الاخبار (وثانيا) سلمنا انحلال العلم الاجمالي الثاني بالثالث لكن ليس مقتضى ذلك هو وجوب الاخذ بكل خبر ظن
[ 120 ]
صدوره بل اللازم منه هو وجوب الاخذ بكل خبر ظن بمطابقة مؤداه للواقع وذلك لما عرفت من ان وجوب العمل بالاخبار انما هو لاجل اشتمالها على الاحكام الواقعية الصادرة عنهم عليهم السلام وعليه فإذا حصل الظن بمطابقة خبر للواقع ولو من جهة الشهرة فيجب الاخذ به وما لم يكن كذلك فلا يجب الاخذ به ولو كان مظنون الصدور ولا يخفى ان الذي ذكرناه في الجواب الثاني انما هو ملخص ما افاده الشيخ الانصاري (قده) في المقام وكان ظاهر كلام الاستاذ العلامه دام ظله انه بصدد تقريب ما افاده الشيخ في المقام ولكن ظاهر تقريبه كان يفيد معنى آخر (وحاصله) انا وان سلمنا اختصاص الحجية بالاخبار التي ظن بصدورها ولكنه إذا حصل الظن من الشهرة بكون الحكم الواقعي هو وجوب صلاة الجمعة مثلا فلا محالة يظن بصدور ذلك من الائمة سلام الله عليهم فلا بد من العمل بمقتضى تلك الشهرة ايضا ولعله دام ظله اراد ما ذكرناه في تفسير عبارة الشيخ قدس سره والا فظاهر ما أفاده
لا يستقيم فان الظن بصدور الحكم من الامام عليه السلام لا دليل على اتباعه على الفرض إذ المفروض اختصاص الحجية بخصوص الاخبار المظنون صدورها فلا بد من وجود خبر يقيني ظن صدوره وبالشهرة المذكورة لا يمكن استكشاف وجود خبر كذلك كما هو واضح (وثالثا) ان لزوم العمل بالاخبار ان كان لاجل الانسداد فلازمه انحصار حجيتها بخصوص الاحكام الالزامية ولا يمكن اثبات الاباحة والاستحباب ولا تقييد المطلقات أو تخصيص العمومات بها وهذا بناء على تقدير تقريب مقدمات الانسداد من باب الحكومة واضح وكذا بناء على الكشف كما سيظهر ان شاء الله تعالى (الوجه الثاني) انا نعلم بصدور أقوال كثيرة من المعصومين عليهم السلام الموجودة فيما بأيدينا من الاخبار فتكون مؤدياتها بعد تنزيل ظهوراتها منزلة الواقع واثبات جهة صدورها بمقتضى الاصل العقلائي احكاما ظاهرية وإذا ثبت في موارد الاخبار احكاما ظاهرية بمقدار المعلوم الاجمالي المتوسط أو ازيد فلا محالة يكون منحلا بذلك ولا يوجب ضم بقية الامارات إلى الاخبار زيادة في المعلوم بالاجمال أصلا لان وجود الاحكام الظاهرية مخصوص بالاخبار فضم غيرها إليها لا يوجب زيادة في هذا المعلوم كما كان يوجب في التقريب الاول والحاصل ان منشأ دعوى الانحلال لو كان العلم بوجود الاحكام الواقعية في الاخبار الناشئة من تراكم الظنون لكان ضم بقية الامارات إليها موجبا لزيادة المعلوم لا محالة وأما إذا كان منشأه وجود الاحكام الظاهرية بمقدار المعلوم بالاجمال أو أزيد في خصوص
[ 121 ]
الاخبار فلا يوجب ضم البقية إليها زيادة في المعلوم فيكون المقام نظير ما إذا علم بوجود عشرين موطوءة من الغنم في قطيع غنم ثم علم بوجود عشرين في خصوص طائفة خاصة منها الموجب لانحلال العلم الاول ثم قام البينة على وجود عشرين أو ازيد موطوءة في خصوص البيض من الطائفة الخاصة فكما لا ريب في ان قيام البينة الموجب لجعل الحكم الظاهري يستلزم انحلال العلم الاجمالي فكذلك ثبوت الاحكام الظاهرية في خصوص الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو الازيد موجب لانحلال العلم الاجمالي المتوسط ويرد على هذا التقرير (اولا) ما يرد على
ما افاده المحقق صاحب الحاشية وصاحب الفصول (قدهما) في تقريب حجية الظن بالطريق من العلم الاجمالي بجعل طرق مخصوصة غير متميزة لنا بخصوصهما إذ لا فارق بين مقامنا وبين ما افاداه الا في ان الشبهة في المقام مصداقية إذ المفروض العلم بصدور اخبار كثيرة غير متميزة باشخاصها فيعمل في تعيينها بالظن واما الشبهة على ما افاداه فحكمية وانما يعمل بالظن في تعيين كلي الحجية من غيرها وحاصل الايراد المشترك هو انا قد ذكرنا مرارا ان الحجية والطريقية وان كانتا تشتركان مع بقية الاحكام في استحالة اخذ العلم بهما في موضوعهما الا انهما تفترقان عنها بان الحجية حيث ان معناها الوسطية في الاثبات فلا يترتب على وجودها الانشائي أثر اصلا بل لا بد في ترتب الاثر عليها من وصولها إلى المكلف موضوعا وحكما وهذا بخلاف بقية الاحكام فان محركيتها وباعثيتها وان كانت تتوقف على الوصول الا انه ربما يترتب الاثر على وجوداتها الواقعية ولو مع عدم الوصول كالاعادة والقضاء فالتعبد بالظهور الموجب لجعل الحكم الظاهري انما يكون عند ثبوت الصدور ووصول الحجة ويستحيل التعبد بظهور ما لم يصل وحيث ان الاخبار الصادرة من المعصومين عليهم السلام غير واصلة لنا اشخاصها كما هو المفروض فلا يمكن ان تتصف بالحجية ومعه لا يمكن التعبد بظهوراتها حتى يكون هناك احكام ظاهرية موجبة لانحلال المعلوم بالاجمال ومما ذكرناه يظهر وجه عدم جريان اصالة عدم الصدور تقية ايضا (وثانيا) انا وان سلمنا ثبوت الاحكام الظاهرية في موارد الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد الا انه انما يوجب الانحلال إذا وجب الاحتياط في تلك الموارد مطلقا واما إذا رخص في تركه في الموهومات والمشكوكات للزوم العسر فلا يصير العلم الاجمالي الصغير موجبا لانحلال العلم المتوسط ضروة احتمال وجود الاحكام الواقعية في المشكوكات والموهومات من الاخبار (فإن قلت) الميزان في الانحلال انما هو العلم بوجود الاحكام الظاهرية في موارد
[ 122 ]
الاخبار بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد لا بوجوب امتثال هذا العلم والاحتياط في اطرافه فعدم وجوب الاحتياط في اطرافه لا يضر بانحلال العلم الاجمالي اصلا (قلت) قد ذكرنا
ان من شرائط تأثير العلم الاجمالي ان يكون موجبا لتنجز التكليف على كل تقدير وهذا انما يتحقق مع وجوب الاحتياط ليس الا فإذا لم يجب الاحتياط فلا يكون العلم الاجمالي مؤثرا ومعه لا يكون وجه للانحلال ابدا (فإن قلت) سلمنا ان الانحلال انما يتفرع على وجوب الاحتياط وتأثير العلم الاجمالي في تمام اطرافه الا ان ذلك انما يتم على تقدير تقريب مقدمات الانسداد على نحو الحكومة دون الكشف كما هو المختار إذ بناء عليه يكون الظن طريقا معتبرا من قبل الشرع وإذا كان المظنونات بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد فلا محالة ينحل العلم الاجمالي ويكون غير موارد المظنونات من الاخبار موردا لجريان الاصول (قلت) حجية الظن من باب الكشف انما تترتب على جريان مقدمات الانسداد ومنها انحلال العلم المتوسط بالعلم الاجمالي الصغير ضرورة انه لو لا ذلك لما كان لجريان الانسداد في خصوص الاخبار مجال اصلا بل يكون المرجع هو الانسداد الكبير فلو كان انحلال العلم الاجمالي المتوسط بالعلم الاجمالي الصغير متوقفا على جريان مقدمات الانسداد حتى ينتج حجية الظن من باب الكشف لزم الدور فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم صحة الاستدلال على حجية الخبر باجراء مقدمات الانسداد في خصوص موارد الاخبار على كل من الوجهين (الوجه الثالث) ما ذكره في الوافية مستدلا به على حجية الاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة للشيعة وحاصله دعوى القطع ببقاء التكليف سيما بالاصول الضرورية كالصوم والصلاة وكذا المتاجر والانكحة مع ان جل اجزائها وشرائطها انما تثبت بالخبر الغير القطعي بحيث نقطع بخروج هذه الامور عن حقائقها عند ترك العمل بخبر الواحد (وفيه) أولا ان دائرة العلم الاجمالي لا تنحصر بخصوص الاخبار المشروطة بما ذكر بل تعم مطلق الاخبار فاللازم هو الاحتياط أو العمل بكل خبر ظن صدوره مما دل على الجزئية أو الشرطية (وثانيا) ان مقتضى ذلك هو وجوب العمل بخصوص الاخبار المثبتة للتكليف ليس الا فلا يثبت حجية الاخبار حتى النافية منها بحيث يمكن تقييد المطلقات أو تخصيص العمومات بها كما هو المدعى (الوجه الرابع) ما ذكره المحقق صاحب الحاشية (قده) وهو ان الرجوع إلى الكتاب والسنة ثابت بالاجماع والضرورة فإن امكن الرجوع اليهما على وجه
يحصل العلم فهو والا فالمتبع هو الظن وفيه اولا ان ما ذكره بعض مقدمات الانسداد
[ 123 ]
فإن ضم إليه بقية المقدمات فهو والا فلا يترتب عليه بخصوصه شئ اصلا (وثانيا) ان مراده من السنة ان كان هي السنة الواقعية اعني بها قول المعصوم وفعله وتقريره عليه السلام فالمحذور الذي يلزم من اهمالها انما هو بعينه المحذور المترتب على اهمال الاحكام الواقعية فيرجع هذا الوجه إلى الانسداد الكبير ولا يكون لخصوص الاخبار خصوصية اصلا وان كان مراده (قده) منها هي السنة الحاكية لقول المعصوم أو فعله أو تقريره فمحذور اهمالها انما هو المحذور المذكور في الوجه الاول من الادلة العقلية على حجية الخبر الواحد بعد فرض كون حجية الاخبار من باب الطريقية فيرد عليه الايرادات المذكورة على كل من التقريبين اللذين ذكرناهما فيه (هذا كله) في الوجوه التي ذكروها على حجية خصوص الخبر واما الوجوه المذكورة لحجية مطلق الظن فهي اربعة ولا بأس قبل الشروع في ذلك من بيان اصطلاح وهو ان المراد من الظن الخاص هو الظن الثابت حجيته بغير دليل الانسداد ولو كان مفاد ذلك الدليل هو حجية مطلق الظن كما ان المراد من الظن المطلق هو الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد ولو كان مقتضاه حجية طائفة خاصة من الظنون كالظن الاطمئناني مثلا دون غيرها إذا عرفت ذلك فنقول الوجه الاول الذي استدل به على حجية مطلق الظن هو ان في مخالفة المجتهد لما ظنه من الوجوب أو الحرمة ظن بالضرر وهو العقاب أو المفسدة في الترك أو الفعل ودفع الضرر المظنون لازم بحكم العقل فيجب العمل بكل مظنون (وقد) اورد على هذه القاعدة بوجوه منها ما عن الحاجبي من منع الكبرى بتقريب ان دفع الضرر المظنون بناء على التحسين والتقبيح العقليين امر مستحسن لا انه واجب عقلا (وفيه) ان حكم العقل بوجوب دفع العقاب المظنون بل المحتمل ليس مبتنيا على قاعدة التحسين والتقبيح وكل منهما اجنبي عن الآخر رأسا فإن حكمه بوجوب دفع العقاب انما هو بعد تمامية الحكم من قبل المولى ومرتبته مرتبة الامتثال فهو حكم في سلسلة المعلولات وحكم الشارع في هذا المقام ارشادي ليس الا وهذا بخلاف
حكمه بالتحسين والتقبيح فإن حكمه بذلك انما هو في سلسلة العلل المترتبة عليها حكم مولوي شرعي بناء على ثبوت قاعدة الملازمة فأين احد الحكمين من الآخر (وثانيا) ان حكم العقل بلزوم دفع العقاب المظنون أو المحتمل مما اطبق عليه العقلاء وعليه يتفرع لزوم الفحص عن اصل الدين واحكامه ولو لا ذلك لما وجب النظر في المعجزة فيلزم افحام الانبياء وابطال الشرائع مطلقا ومع ذلك كيف يمكن ان يقال ان دفع العقاب المظنون امر مستحسن لا انه واجب عقلا
[ 124 ]
(ومنها) ما عن العدة والغنية من ان الحكم المذكور مختص بالامور الدنيوية دون الاخروية كالعقاب (وفيه) أن الضرر الاخروي اعظم بمراتب من الضرر الدنيوي فكيف يمكن الالتزام بوجوب الدفع في الثاني دون الاول إلا انه يمكن أن يكون مرادهما أن حكم العقل بوجوب الدفع من باب التحسين والتقبيح يختص بخصوص الامور الدنيوية دون الاخروية لما عرفت من أن حكم العقل فيها اجنبي عن حكمه بالتحسين والتقبيح راسا (ومنها) النقض بالامارات التي قام الدليل القطعي على عدم اعتبارها كالقياس ونحوه فلو كان دفع الضرر المظنون لازما بحكم العقل لما كان قابلا للتخصيص فمن عدم اللزوم ولو في مورد واحد يستكشف عدم اللزوم مطلقا (وفيه) أن حكم العقل إنما هو فرع تحقق موضوعه وهو الظن بالعقاب ومع القطع يكون العمل بالقياس منهيا عنه لما كان هناك احتمال ضرر في تركه فضلا عن الظن به (هذا) وقد اورد على هذا النقض بوجهين آخرين (الاول) الالتزام بعدم حرمة العمل بها في حال الانسداد ودعوى اختصاص النهي بحال الانفتاح وفيه أن ذلك مخالف للاجماع بل الضرورة (الثاني) ان الممنوع إنما هو العمل بهذه الامارات من باب التعبد والتدين لا من باب الرجاء والاحتياط كما في المقام (وفيه) أن من المقطوع الغاء الشارع لهذه الامارات مطلقا بحيث لا يرضى للاعتناء بشأنها ولو كان من باب الاحتياط والرجاء (فالتحقيق) في الجواب هو منع الصغرى بدعوى أن الظن بالوجوب أو الحرمة لا يستلزم الظن بالمفسدة ولا الظن بالعقاب اصلا (وتوضيح) ذلك إنما هو برسم مقدمات (الاولى) أنا قد ذكرنا مرارا ان العقل المستقل بالحكم في باب
الاطاعة والعصيان كما يحكم على العبد بلزوم فحصه عن احكام مولاه واستعلامها من مظانها بحيث لو أخل بذلك لكان موردا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كذلك يحكم على المولى بلزوم إرساله الرسل وانزاله الكتب وايصال الاحكام على العبيد وعدم صحة عقابه على المخالفة من دون ذلك فحكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل انما يتحقق عند اخلال العبد بوظيفته كما ان حكمه بقبح العقاب بلا بيان انما يتحقق فيما إذا كان القصور من طرف المولى فقاعدة القبح تكون حاكمة على قاعدة وجوب دفع الضرر ورافعة لموضوعها ويستحيل ورودهما على مورد واحد ولو شك في مورد انه داخل في اي القاعدتين فيحكم بدخوله في مورد قاعدة وجوب دفع الضرر لاحتمال الضرر مع عدم الجزم بجريان قاعدة القبح وجدانا (الثاني) ان مناطات الاحكام التي لا سبيل للعقل إلى ادراكها تنقسم إلى قسمين فمنها ما لا يرضى
[ 125 ]
الشارع بفواتها حتى عند الجهل كالدماء والفروج والاعراض (ومنها) ما لا تكون بهذا المثابة من الاهمية وليس فيها اقتضاء اهتمام الشارع بها حتى في تلك الحال اما القسم الاول فالاحكام الواقعية الناشئة منها حيث انها قاصرة عن الباعثية حال الجهل فلا محالة يلزم على الشارع جعل متمم لها حفظا لاغراضها بايجاب الاحتياط في مواردها وأما القسم الثاني فالاحكام الواقعية في مواردها أن وصلت فبها وإلا فلا يكون مجال لايجاب الاحتياط اصلا وطريق استكشاف كل من القسمين عن الآخر إنما هو جعل الاحتياط وعدمه فلو شككنا في مورد أن المناط من أي القسمين فمن نفس عدم ايجاب الاحتياط نستكشف كون المناط من قبيل الثاني دون الاول كما أنه لو شككنا في ايجاب الاحتياط وعدمه نتمسك بإصالة البراءة فإن جعل الاحتياط الذي هو متمم للجعل الاول من شؤون المولى ووظيفته فالعقاب على المخالفة مع عدم وصول هذا الحكم من قبله عقاب بلا بيان والحاصل أن حال ايجاب الاحتياط حال نفس الاحكام الواقعية في جريان إصالة البراءة عند الشك فيها فتحصل أن مقتضى الشك في الامر الثاني على خلاف مقتضاه في الامر الاول (الثالثة) ان المناطات التي تكون الاحكام تابعة لها إما أن تكون في موارد
الاحكام الوجوبية أو التحريمية والاحكام الوجوبية اما أن تكون عبادية أو غيرها اما الاحكام العبادية ففوت الملاكات عند الجهل بها لاجل قصور في أنفسها وعدم تمكن المكلف من ادراكها بعد اشتراطها بقصد القربة الغير المتمشي من الجاهل واما في غير العباديات فالفائت عند الجهل إنما هي مصالح الزامية نوعية أو شخصية وليس في ترك المصلحة ضرر اصلا فلا يكون الظن بالوجوب ظنا بالمفسدة والضرر في المخالفة وأما الاحكام التحريمية فإن كان المناط فيها مفاسد نوعية فلا يلزم من اقتحامها ضرر على المكلف وإن كان مفاسد شخصية فحيث ان الشارع لم يوجب الاحتياط في موارد الظن بها فمن ذلك نستكشف عدم الاهتمام بها وعدم قابليتها للملاكية في مقام الثبوت والواقع فلا يكون في مخالفة الحكم المظنون ظن بالوقوع في الضرر وهو المفسدة اصلا ومما ذكرناه يظهر عدم لزوم التدارك من الشارع المرخص في الموارد المشتبهة فإن ترخيصه وعدم ايجابه الاحتياط إنما هو لاجل عدم اقتضاء المناطات لذلك الجعل وقصورها في انفسها فلا يستند الفوت إلى الشارع حتى يجب عليه تداركها هذا مضافا إلى انا قد ذكرنا سابقا أن لزوم التدارك إنما يتصور في زمان الانفتاح في صورة واحدة وهي ما إذا كان المناط شخصيا وكان الحكم تحريميا حتى يلزم من جعل الطريق القاء المكلف في
[ 126 ]
المفسدة فيحكم بلزوم التدارك بالالتزام بالمصلحة السلوكية واما إذا فرض انسداد باب العلم كما في محل الكلام فلا يكون في فوت المناطات محذور اصلا حتى يحتاج إلى التدارك هذا كله في بيان عدم استلزام الظن بالحكم للظن بالمفسدة واما بيان عدم استلزامه الظن بالعقاب فتوضيحه ان العقاب إذا كان من لوازم مخالفة نفس الحكم الواقعي فلا ريب ان الظن به يكون ملازما للظن بالعقاب لا محالة وأما إذا كان العقاب متفرعا على المعصية ومخالفة الحكم المنجز فلا وحيث ان المفروض عدم قيام الدليل على حجية مطلق الظن ومنجزيته فلا يكون هناك ظن بالعقاب اصلا (ثم) ان في كلمات شيخنا العلامة الانصاري (قده) مواقع للنظر لا بأس بالاشارة إليها (الاول) ما افاده بقوله اللهم (الخ) من احتمال عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع
الظن بالوجوب والحرمة وتبعه على ذلك المحقق صاحب الكفاية (قده) وفيه ان الظن ما لم يثبت حجيته وطريقته كما هو المفروض لا يكون بيانا ومع عدم بيانيته لا يكون مانع عن جريان القاعدة اصلا (وبالجملة) موضوع القاعدة ليس هو الشك بل كل ما لا يكون حجة وبيانا فالظن الذي لا يكون حجة يجري عليه حكم الشك ويحكم معه العقل بقبح العقاب بلا بيان (الثاني) ما افاده بقوله فالاولى أن يقال إلى (الخ) فإنه التزم (قده) بملازمة الظن بالحكم مع الظن بالمفسدة لكنه (قده) التزم بالتدارك وجريان الاصل في مورده وفيه ما عرفت من عدم الملازمة بين الظنين وعدم الاحتياج إلى الالتزام بالتدارك اصلا (الثالث) ما افاده في آخر كلامه من ان الضرر المظنون يتدارك بالادلة الظنية الدالة على البراءة أو الاستصحاب (وفيه) انه لا يعقل الجمع بين قاعدة وجوب دفع الضرر المظنون وبين التدارك اللازم من جريان الاصول النافية فانه مع تسليم كون المورد من موارد القاعدة وحصول الظن بالعقاب لا يمكن جريان الاصول حتى يترتب عليها التدارك كما انه مع عدم تسليم كونه من مواردها لا وجه للالتزام بالتدارك فالالتزام بهما مستلزم للجمع بين النقيضين (الوجه الثاني) انه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح وفيه انه احد مقدمات دليل الانسداد ولا يترتب عليه اثر إلا بعد ضم بقية المقدمات إليه فلا يكون وجها آخر في قباله (الوجه الثالث) انا نعلم اجمالا باحكام كثيرة ومقتضى ذلك وان كان هو الاحتياط الا ان استلزامه العسر المرفوع في الشريعه اوجب التنزل إلى الظن (وفيه) ان ذلك ايضا بعض مقدمات دليل الانسداد ولا يترتب عليه بخصوصه مع عدم ضم بقية المقدمات إليه اثر اصلا (الوجه الرابع) هو الدليل المعروف
[ 127 ]
بدليل الانسداد وهو مؤلف من مقدمات يترتب عليها حكم العقل بلزوم كون الظن حجة شرعية الذي هو معنى الكشف أو حكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية الذي هو من صغريات كلي حكم العقل بوجوب الاطاعة الواقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي وهذا معنى الحكومة والاختلاف بين الكشف والحكومة انما هو من جهة الاختلاف في
تقرير المقدمات كما سيتضح ان شاء الله تعالى (المقدمة) الاولى دعوى انسداد باب العلم والعلمي في معظم الاحكام الشرعية وهذه هي عمدة مقدماته وتصديق هذه المقدمة وتكذيبها انما يعلم بالرجوع إلى ما ذكرناه سابقا في وجه حجية الظواهر وسند الاخبار الموثوق بها فإن تم ذلك فلا تصل النوبة إلى مقدمات الانسداد فجريان مقدمات الانسداد فرع المنع عن حجية الظهور أو عن حجية سند الاخبار على سبيل منع الخلو ومع تسليمها كما هو المختار لا تصل النوبة إلى حجية الظن المطلق بدليل الانسداد والعجب من المحقق القمي (قده) وبعض من تبعه حيث ذهبوا إلى حجية الظن المطلق بدليل الانسداد ولو مع تسليم حجية الظواهر وسند الاخبار مدعيا بأن حجيتهما انما هي لاجل كونهما ظنا لا لخصوصية فيهما وفيه (اولا) ان هذا احتمال لا يعتمد عليه في قبال ظواهر الادلة (وثانيا) ان لازم ذلك هو دعوى ان الدليل الدال على حجية الخبر يدل على حجية كل ظن واين ذلك من دليل الانسداد ثم لا يخفى ان المحقق صاحب الكفاية (قده) زاد في المقدمات مقدمة اخرى وجعلها المقدمة الاولى وهي العلم ببقاء التكاليف حال الانسداد زعما منه ان الترتيب الطبيعي يقتضي ذلك إذ لولا العلم ببقاء التكاليف لما كان مجال لدعوى الانسداد ابدا وهذا منه (قده) عجيب فإنه ان اراد من العلم ببقاء التكاليف عدم نسخ الشريعة وبقاء احكامها إلى يوم القيامة فهو من ضروريات الدين ومن الامور المسلمة في المقام فلا معنى لجعلها من المقدمات والا فليجعل اثبات الصانع والنبوة من المقدمات ايضا وان اراد منه لزوم التعرض لها في فرض الانسداد وعدم جواز إهمالها فهي عين المقدمة الثانية وليست في قبالها مقدمة اخرى (فالاولى) جعل المقدمات اربع كما صنعه العلامة الانصاري (قده) (المقدمة الثانية) انه يجب التعرض لامتثال الاحكام الواقعية وعدم جواز اهمالها وهذه المقدمة لها مدارك ثلاثة (الاول) الاجماع القطعي من العلماء على ان المرجع على تقدير إنسداد باب العلم ليس هو الرجوع إلى اصالة البراءة أو اصالة العدم وليس دعوى الاجماع في المقام مبنية على مشاهدة كلماتهم في هذا المقام ضرورة ان مسألة الانسداد من
[ 128 ]
المسائل الحادثة وقل من تعرض لها وانما هي مبتنية على فهم ذلك من مطاوي كلماتهم ومعلومية مذاقهم وقد تعرض شيخنا العلامة الانصاري (قده) لاستفادة ذلك من موارد كلماتهم فراجع (فإن قلت) سلمنا قيام الاجماع على عدم جواز اهمال الوقائع المشتبهة على تقدير الانسداد لكن ذلك ليس إلا اجماعا تقديريا واي فائدة تترتب على الاجماع التقديري (قلت) الاجماع ليس تقديريا وإنما التقدير في المجمع عليه وهو عدم جواز الاقتصار على القطعيات واهمال الوقائع المشتبهة في فرض الانسداد وليس التقدير في هذا الحكم إلا كالتقدير في تمام الاحكام الشرعية المعلقة على وجود موضوعاتها كما هو شأن القضايا الحقيقية فحال الاجماع في المقام في كونه كاشفا قطعيا عن الحكم الشرعي كحال بقية الاجماعات من دون خصوصية في المقام اصلا (الثاني) لزوم الخروج من الدين من الاهمال ولا نعني بذلك الارتداد بل المراد منه ان من لا يتعرض لامتثال الاحكام الشرعية بوجه يعد في نظر اهل الديانة غير مبال بالدين وخارجا عن ربقته وهذا المحذور محذور شرعي لا يدور مدار حرمة المخالفة القطعية (الثالث) لزوم المخالفة القطعية من الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام المعلومة وهذا الوجه يبتنى على القول بمنجزية العلم الاجمالي اما مطلقا أو بالقياس إلى حرمة المخالفة القطعية فقط ولا يخفى انا لو استندنا في ابطال الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام بوجه إلى احد الوجهين السابقين الذين مدركهما حكم الشرع بذلك فيكون ذلك اساسا للكشف فإن حكم الشارع بذلك يوجب جعل الطريق لا محالة واما إذا كان المستند هو حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية للعلم الاجمالي فيكون ذلك اساسا للحكومة وحكم العقل بوجوب الاطاعة الظنية عند عدم التمكن من الاطاعة القطعية نعم إذا كان المستند هو حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية فقط من دون بناء على وجوب الموافقة القطعية ايضا كما هو احد الاقوال في مسألة العلم الاجمالي فلا يكون لهذه المقدمة ارتباط خاص بخصوص الكشف أو الحكومة وتجتمع مع كل واحد منهما * (المقدمة الثالثة) * عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقررة للجاهل من التقليد أو الرجوع إلى احد الاصول الاربعة اما عدم جواز التقليد فواضح ضرورة انه من
شأن الجاهل والمفروض ان القائل بالانسداد ربما يكون في اعلى مراتب الاجتهاد ويرى خطاء من ذهب إلى انفتاح باب العلم أو العلمي وليس الحكم بوجوب رجوعه إلى الغير إلا من باب الحكم برجوع العالم إلى الجاهل في نظره واما عدم جواز الرجوع إلي البراءة فقد ظهر من المقدمة
[ 129 ]
الثانية وهو عدم جواز اهمال الوقائع المشتبهة واما الرجوع إلى الاستصحابات المثبتة للتكليف فهو مع انه على تقدير صحته لا يترتب عليه فائدة في المقام ضرورة قلة الاستصحابات المثبتة في الفروع الفقهية جدا فلا يكون ضمها إلى القطعيات موجبا لانحلال العلم الاجمالي غير صحيح في نفسه لما مرت إليه الاشارة وسيجئ في محله ان شاء الله تعالى من ان الاصول التنزيلية كالاستصحاب لا يمكن اجراءها في مورد العلم الاجمالي بخلافها وان لم يلزم منه مخالفة عملية وليس المحذور من الجريان هو لزوم التناقض في المدلول المختص بخصوص الاستصحاب كما افاده العلامة الانصاري (قده) بل المحذور ما ذكرناه من منافاة التنزيل مع العلم الوجداني بالخلاف فإذا علم بطهارة احد الانائين المعلوم نجاستهما سابقا فلا يمكن الحكم بالبناء على بقاء نجاستهما ولو لم يكن هناك مخالفة عملية ومن ذلك يظهر عدم جواز الرجوع إلى الاستصحابات النافية للتكليف ايضا مع انه فيها محذور لزوم المخالفة القطعية ايضا وللمحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام كلام يرجع حاصله إلى المنع عن مانعية العلم الاجمالي عن جريان الاستصحاب في الاطراف ما لم يلزم المخالفة القطعية منه اولا ولو سلم مانعيته عنه في غير المقام فيمنع عن مانعيته في المقام ثانيا بتقريب ان العلم الاجمالي بمخالفة بعض الاصول المثبتة للواقع انما هو باعتبار مجموع الاحكام ومن الضروري ان شك المجتهد بالاضافة إليها ليس فعليا وانما يكون الشك كذلك في كل مسألة مسألة وليس في خصوصه علم بالمخالفة حتى يكون مانعا عن جريان الاستصحاب ثم افاد بعد ذلك ان ضم الاصول المثبتة إلى القطعيات ربما يوجب انحلال العلم الاجمالي فلا يكون مانع من جريان الاصول النافية ايضا ولا يخفى ان ما ذكره اولا يبتنى على ان يكون المانع من جريان الاصول في الاطراف ما ذكره العلامة الانصاري (قده) من ان شمول ادلة الاصول
لاطراف المعلوم بالاجمال يستلزم التناقض في مدلولها ضرورة ان الشك المذكور في صدر رواية الاستصحاب كما يعم الشك المقرون بالعلم الاجمالي كذلك اليقين المذكور في ذيلها المعلق عليه ناقضية اليقين السابق يعم اليقين الاجمالي فيلزم من ذلك الحكم بجريان الاستصحاب في كل من الاطراف مع الحكم بعدم الجريان في الواحد لا بعينه وهذا هو محذور لزوم التناقض في المدلول (واورد) عليه في الكفاية بما حاصله ان عدم شمول الرواية المشتملة على الذيل المذكور لاطراف العلم الاجمالي لما ذكر من المحذور لا يستلزم عدم شمول بقية الروايات الغير المشتملة عليه ضرورة ان اجمال احد الدليلين لا يوجب سرايته إلى الادلة الاخر فبمقتضى الروايات العارية عنه يحكم
[ 130 ]
بجريان الاستصحاب في الاطراف ما لم يلزم منه مخالفة عملية وانت خبير بأن ما افاده العلامة الانصاري (قده) من المحذور مع اختصاصه بخصوص الاستصحاب وعدم جريانه في غيره من الاصول التنزيلية غير تام في نفسه فإن الظاهر أن اليقين الناقض لا بد وان يرد على مورد اليقين السابق ومن الواضح ان اليقين الاجمالي ليس كذلك فان متعلق اليقين السابق هو كل واحد من الاطراف ومتعلق اليقين اللاحق الاجمالي هو الواحد لا بعينه فلا يكون مثل هذا ناقضا لكل واحد من الايقان المتعلق كل منها بكل واحد من الاطراف بل المحذور من عدم الشمول هو ما عرفت من ان الاصول التنزيلية حيث انها منزلة منزلة العلم الطريقي فلا يمكن التعبد بها مع العلم الوجداني بالخلاف فكيف يمكن البناء على نجاسة كل من الاناءين المعلوم طهارة أحدهما لا بعينه وهذا لا يفرق فيه بين الاستصحاب وغيره من الاصول المتكفلة للتنزيل (وأما) ما أفاده قدس سره ثانيا من عدم المانع من جريان الاصول المثبتة في المقام لعدم فعلية الشك في تمام الاطراف حتى يكون العلم الاجمالي بمخالفة بعضها للواقع موجبا لسقوط الجميع (فتوضيح) بطلانه يتوقف على بيان امر وهو ان الاستصحاب (تارة) يجري في الشبهات الموضوعية (واخرى) في الشبهات الحكمية من جهة احتمال النسخ (وثالثة) في الشبهات الحكمية من جهة تغيير بعض حالات الموضوع كما في الماء المتغير الزائل تغيره من قبل نفسه المحكوم بالنجاسة من جهة
الاستصحاب أما الاستصحاب في (القسم الاول) فجريانه لا يتوقف على شك المجتهد وإنما يدور مدار فعلية الشك من المقلد مع وجود الموضوع الخارجي مثلا لا بد ان يكون في الخارج ماء يقطع المكلف بنجاسته ثم يشك في نجاسته حتى يحكم بنجاسته للاستصحاب وليس شأن المجتهد في امثال تلك الشبهات الا الحكم بجريان الاستصحاب عند فعلية الشك من المكلفين واما جريان الاستصحاب في (القسم الثاني) فمداره هو شك المجتهد ليس الا وليس من شأنه عند الشك في النسخ الا الحكم بالبقاء من دون حاجة إلى وجود موضوع في الخارج أو فرض وجوده فيه وجريان هذا القسم من الاستصحابات كالقسم الاول خارج عما هو محل الكلام في المقام من جريان الاصول المثبتة واما (القسم الثالث) فلا ريب ان جريان الاستصحاب فيه والحكم بنجاسته الماء المذكور مثلا فرع فعلية الشك من المجتهد وفرض وجود ماء خارجي متغير زال عنه تغيره من قبل نفسه من دون توقف على وجود ماء كذلك في الخارج أو شك المقلد فيه (والوجه) في ذلك ان شأن المجتهد انما هو الافتاء بما استنبطه من الاحكام وشأن المقلد هو اتباع
[ 131 ]
رأيه وفتواه فكما انه عند الشك في ارادة خلاف الظاهر يفتى على طبق الظاهر ويجب على المقلد ابتاعها وان لم يحصل له شك في ذلك بل كان غافلا محضا فكذلك عند الشك في بقاء الحكم الكلي مع تبدل بعض الحالات يفتى ببقاء الحالة السابقة ويجب على المقلد اتباعها فشك المجتهد في بقاء مثل هذا الحكم يساوق شك عموم المكلفين في ذلك إذ شكه في ذلك موجب لا فتائه بالبقاء الواجب اتباعها عليهم وما يقال من ان المجتهد نائب عن المقلدين في الشك المذكور وفي جريان الاستصحاب في حقه كلام لا معنى له بل الوجه في الجريان هو ما ذكرناه ليس إلا " إذا عرفت ذلك فنقول " لا ريب أن حكم المجتهد بنجاسة الماء المذكور يتوقف على فعلية شكه كما عرفت واما علمه بان هناك احكام كلية ثابتة على موضوعاتها المقدر وجوداتها وعلمه بان بعض تلك الموضوعات ربما يتغير بعض حالاتها وان وظيفته هو اجراء الاستصحاب في تلك الموارد فهو لا يتوقف على وجود شك وفعلية استنباط اصلا بل هو حاصل للمجتهد من اول الامر وفي
عرض هذا العلم يعلم علما اجماليا ايضا بان جملة من تلك الموارد التي لا بد وان يفتى فيها بالاستصحاب مخالفة للواقع أو ان هناك امارات معتبرة قائمة على خلافها وإذا كان كذلك فحيث ان الاحكام الشرعية كلها في عرض واحد والتدريجية انما هي في الاستنباط فاول مسألة يشك المجتهد فيها لا يمكن له ان يفتي فيها بالحكم بمقتضى الاستصحاب إذ نسبة العلم الاجمالي إلى الجميع على حد واحد وان لم يكن الشك في الجميع فعليا (وباجملة) تدريجية الاستنباط واستفادة الحكم الشرعي من الادلة لا ربط لها بتدريجية نفس الاحكام الشرعية ومع علم المجتهد بان جملة من استنباطاته تكون مخالفة للواقع أو للدليل المعتبر على خلافها لا يمكن له الفتوى في اول مسألة يقوم فيها مقام الاستنباط (هذا) مع انه لو لم يكن هذا العلم الاجمالي مانعا عن اجراء الاصول المثبتة لما كان مانعا عن اجراء الاصول النافية ايضا فان المخالفة القطعية المانعة عن جريانها انما تكون كذلك فيما إذا كان الشك في تمام الاطراف فعليا ومع عدمه لا مانع من اجرائها كما هو المفروض فلا وجه للتفكيك بين الاصول المثبتة والنافية كما هو واضح " ثم " ان ما افاده قده من احتمال انحلال العلم الاجمالي بضم الاصول المثبتة إلى القطعيات يرد عليه (اولا) ما اشرنا إليه من ان الاصول المثبتة في غاية القلة والندرة فيكف يمكن ان يكون ضمها إلى القطعيات موجبا لانحلال العلم الاجمالي (وثانيا) لو سلمنا انحلال العلم الاجمالي بالاحكام الواقعية بضمها إلى القطعيات لكونها بقدرها لكن العلم الاجمالي بوجود احكام كثيرة في الامارات الموجودة بايدينا يستحيل انحلاله
[ 132 ]
بضم الاصول المثبتة إلى القطعيات ضرورة وجود هذا العلم الاجمالي بعد اجراء الاصول المثبتة ايضا واما الاحتياط فله مراتب ثلاث (الاولى) الاحتياط الموجب لاختلال النظام (الثانية) الاحتياط الموجب للعسر والحرج (الثالثة) الاحتياط الغير الموجب لشئ منهما ويختلف الحال باختلاف المدرك في ابطال الاهمال وعدم التعرض لامتثال الاحكام الشرعية راسا فانا إذا بنينا على بطلان ذلك من جهة الاجماع أو لزوم الخروج من الدين حتى يكون البطلان مستند إلى الدليل الشرعي فلا محالة يكون الاحتياط على تقدير وجوبه واجبا شرعيا بحكم العقل إذ هو الطريق الواصل
بنفسه اولا والمحرز للواقعيات من دون احتياج إلى معين آخر لكن من المعلوم ان العقل لا يستقل بوجوبه شرعا فيما إذا لزم منه اختلال نظام وهو الاحتياط الكلي في المظنونات والمشكوكات والموهومات واما المرتبة النازلة منه الموجبة للعسر والحرج فادلة نفي الحرج وان لم تكن رافعة لوجوب تلك المرتبة شرعا لما اشرنا إليه في بعض المباحث السابقة من ان ادلة الحرج انما تكون حاكمة على الاحكام المجعولة ويرفعها عن الموارد الحرجية وهي غير متكفلة لاثبات عدم جعل حكم حرجي في الشريعة كليا والحاصل ان مفاد تلك الادلة تضييق دائرة الاحكام المجعولة لا نفي جعل الحكم الحرجي راسا الا ان هذه المرتبة أو ما دونها الغير الموجب للعسر والحرج ايضا ليس طريقا واصلا بنفسه لتردد العقل بين وجوب هذه المرتبة من الاحتياط أو حجية الظن شرعا فلا يستقل العقل بشئ من الامرين من دون معين خارجي واما إذا بنينا على بطلان الاهمال من جهة العلم الاجمالي ووجوب الموافقة القطعية عقلا فمن الضروري عدم استقلال العقل بذلك مع استلزامه للاختلال (وهل) يستقل به مع استلزامه العسر والحرج أم لا الذي يظهر من المحقق صاحب الكفاية (قده) تفرع ذلك على الاختلاف في معنى لا حرج فإنه إذا كان معناه نفي الحكم الحرجي بمعنى ان كل حكم ينشأ من قبله الحرج غير مجعول في الشريعة فالاحكام الموجودة في أطراف العلم الاجمالي حيث أن الحرج ناشئ من قبلها فلا محالة تكون مرفوعة ولا يجب الاحتياط مراعاة لها وأما إذا كان معناه نفي الحكم بنفي الموضوع كما هو مختاره (قده) فلا يكون لادلة الحرج حكومة في المقام فإن الموجب للحرج هو الجمع بين المحتملات وهذا غير محكوم بحكم شرعي حتى يكون مرفوعا والمحكوم بالحكم الشرعي انما هي الموضوعات المشتبهة المرددة بين الاطراف وهي ليست بحرجية حتى تكون أحكامها مرتفعة (وبالجملة) أدلة نفي الحرج انما تكون حاكمة على الاحكام الشرعية دون الاحكام العقلية
[ 133 ]
والموجب للعسر في المقام هو موضوع الحكم العقلي دون الشرعي (وأنت خبير) بفساد ذلك أما (أولا) فلان مفاد أدلة نفي الحرج وان سلمنا أنه نفي الحكم بنفي موضوعه الا أنه لا اشكال في
حكومتها على الاحكام الشرعية وأنها تنفي كل حكم شرعي يكون موضوعه حرجيا بل لو لم نقل بالحكومة لقدمت عليها أيضا بالاظهرية وحينئذ فمقتضى تلك الادلة ان الموارد المحتملة التي يلزم من الاحتياط فيها حرج يكون الحكم الشرعي في تلك الموارد على تقدير وجوده فيها مرفوعا ويكون نتيجة ذلك هو التكليف المتوسط باتيان مقدار من المحتملات وترك المقدار الزائد الموجب للعسر والحرج (وتوضيح ذلك) ان حال الحرج في رفعه للاحكام الشرعية حال الاضطرار في رفعه لها من دون فرق بينهما الا في أن الحرج لكونه رافعا شرعيا يمكن أن يكون رافعا لملاك الحكم أيضا وهذا بخلاف الاضطرار فإنه لا يرفع الانفس الحكم دون ملاكه وسيجئ في مسألة الاضطرار إلى بعض اطراف العلم الاجمالي أن الاضطرار إذا كان إلى بعض معين من الاطراف فإن كان قبل العلم الاجمالي بوجود التكليف بين الاطراف فلا أثر للعلم الاجمالي أصلا وأما إذا كان بعده فيكون حال الاضطرار حال الفقدان في لزوم الاجتناب عن الطرف الغير المضطر إليه ضرورة ان مقتضى الاضطرار هو ارتفاع الحكم عما اضطر إليه على تقدير وجود الحكم فيه لا مطلقا وأما الاضطرار إلى الغير المعين فلا يفرق فيه بين سبقه على العلم الاجمالي أو تأخره عنه في أن مقتضاه هو المعذورية في مخالفة الحكم الواقعي إذا صادف مورده للطرف المختار لا مطلقا مثلا إذا علم بوجود النجاسة بين أحد الانائين وفرض اضطرار المكلف إلى شرب واحد منهما فمقتضى الاضطرار أن الاناء الذي يختار المكلف شربه خارجا إذا كان في الواقع هو الاناء النجس فلا محالة يكون المكلف معذورا في مخالفته وأما إذا كان النجس هو الاناء الآخر فلا موجب لمعذورية المكلف في ارتكابه ضرورة أنه لا يحتمل اضطرار المكلف إلى شرب النجس في المثال وانما يحتمل مصادفة ما يختاره في الخارج مع الاناء المتنجس ولازم ذلك هو المعذورية في فرض المصادفة لا مطلقا وهذا هو التكليف المتوسط من حيث التنجز وكذلك الحال في الحرج فإذا كان رعاية المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف حرجيا فلازم ذلك هو معذورية المكلف عن مخالفة الاحكام الموجودة في تلك الموارد لا مطلقا مثلا إذا علم بوجود تكاليف بين الموارد المظنونة والمشكوكة والموهومة والمفروض أن رعاية
العلم الاجمالي في تمام تلك الاطراف مستلزمة للوقوع في العسر والحرج فلازم ذلك هو ترك مقدار
[ 134 ]
يرتفع به الحرج ليس الا إذ لو كان التكاليف في تلك الموارد لكان المكلف معذورا في مخالفتها وأما إذا كانت في غيرها فلا موجب للمعذورية كما في الاضطرار بعينه وهل لزوم الحرج في المقام من رعاية العلم الاجمالي مطلقا من قبيل الاضطرار إلى الواحد لا بعينه أو من قبيل الاضطرار إلى المعين نظرا إلى ضعف الاحتمال في طرف الموهومات فيه كلام علمي لكنه لا يترتب عليه اثر في المقام ضروة انه لو كان من قبيل الاضطرار إلى المعين ايضا لا بد من رعاية العلم الاجمالي في الجملة فان الحرج غير سابق على العلم الاجمالي حتى يكون مانعا عن تأثيره كما في الاضطرار بعينه نعم يختلف رافعية الحرج للتكليف في الجملة بين كون بعض معين من الاطراف حرجيا وبين غيره في ان رافعيته في الصورة الاولى رافعية واقعية وموجبة لارتفاع الحكم الواقعي عن مورد الحرج والاضطرار وهذا بخلاف الصورة الثانية فان الرافعية في تلك الصورة رافعية ظاهرية وموجبة لمعذورية المكلف في مخالفة التكليف الواقعي الموجود في الطرف المختار فوجود التكليف المتوسط وان كان مشتركا بين الصورتين الا أن ارتفاع الحكم في احديهما واقعي وفي الاخرى ظاهري فتحصل أن ادلة الحرج وان لم تكن لها حكومة على الحكم العقلي بوجوب الاحتياط الا أنها تكفي حكومتها على الاحكام الشرعية إذا صادفت مواردها لموارد الحرج (وثانيا) ان عدم حكومة أدلة الحرج على الاحكام العقلية مطلقا ممنوع فان الحكم العقلي إذا كان لرعاية الحكم الشرعي ومن جهة احتمال الوجوب أو الحرمة في كل طرف مع عدم المؤمن من هذا الاحتمال فأي مانع من مؤمنية أدلة الحرج في الموارد الحرجية ورافعيتها للحكم العقلي بوجوب الاحتياط في تلك الموارد حتى يكون لازم ذلك هو التفكيك في وجوب الاحتياط بين الموارد الحرجية وغيرها (والحاصل) انه لا مانع من حكومة أدلة الحرج على نفس الحكم العقلي المعلق على عدم وجود المؤمن أولا وكفاية حكومتها على الاحكام الشرعية الموجودة في تلك الموارد ثانيا ولازم ذلك كله هو التكليف المتوسط في التنجز فما افاده (قده) من أن شمول أدلة
الحرج للمقام لا يكون الا برفع الاحكام الواقعية المعلومة بالاجمال الناشئ من قبلها الحرج ولازم ذلك سقوط الاحتياط رأسا شعر بلا ضرورة بل لازم شمولها هو ارتفاع الاحكام بمقدار الحرج لا أزيد فتلخص من جميع ما ذكرناه ان الاحتياط إذا بنينا على وجوبه شرعا بناء على كون المدرك لعدم جواز الاهمال هو الاجماع أو لزوم الخروج من الدين فالمرتبة الواصلة بنفسها منه وهو الاحتياط الكلي المخل بالنظام غير واجب يقينا وغيرها من المراتب غير واصل بنفسه بل يحتاج
[ 135 ]
إلى معين آخر فيدور الامر بين التبعيض في الاحتياط وبين العمل بالظن فلا يستقل العقل بواحد منهما من دون معين خارجي وأما إذا بنينا على وجوب الاحتياط عقلا من جهة حكمه بوجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الاجمالي فالاحتياط الكلي المخل بالنظام لا يكون واجبا يقينا والمرتبة النازلة منها الموجبة للعسر والحرج لا تجب من جهة أدلة نفي الحرج بالتقريب المتقدم فيتعين التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يكون حرجيا ولا تصل النوبة إلى حجية الظن أصلا (ثم) إذا فرضنا قيام الاجماع على عدم جواز الاحتياط في المشكوكات أيضا فيمكن فرضه بمعنى أن الشارع كما لم يوجب الاحتياط في طائفة الموهومات لم يوجبه في طائفة المشكوكات أيضا فهاتان الطائفتان تكونان خارجتين عن أطراف ما يجب الاحتياط فيه ولا يترتب عليه حكم العقل بتعين العمل بالظن كشفا وحكومة ويمكن فرضه بمعنى أن الاجماع قام على أن بناء الشارع في امتثالات أحكامه حال الانسداد ليس على الامتثال الاحتمالي مطلقا حتى في المظنونات فيكون لازم ذلك هو كشف العقل عن حجية الظن حال الانسداد لا محالة (وتوضيح) ذلك انما هو ببيان معنى الكشف والحكومة أما معنى الكشف فلا اشكال في انه عبارة عن كشف العقل عن جعل الشارع الظن حجة وطريقا إلى احكامه بحيث يترتب عليه ما يترتب على غيره من الحجج الشرعية وأما معنى الحكومة فليس ما تخيله جملة من الاعلام من كونه عبارة عن حكم العقل بكون الظن حال الانسداد كالقطع حال الانفتاح موجبا لتنجز ما تعلق به ويكون حجة منجعلة في هذا الحال ضرورة أن ما لا يكون كذلك في حد ذاته يستحيل أن يكون كذلك
في حال من الاحوال فإن احتمال الخلاف المنافي للطريقة الذاتية المنجعلة من مقومات الظن فكيف يمكن أن ينخلع عنه بل الحكومة عبارة عن حكم العقل عن التنزل عن الامتثال القطعي إلى الامتثال الظني وتوضيحه أن العقل يحكم أولا بوجوب امتثال الاحكام على وجه القطع تفصيلا ومع تعذره يتنزل إلى الحكم بوجوبه قطعيا اجماليا ومع تعذره أيضا فيحكم بوجوبه ظنيا ومع تعذره فيحكم بوجوبه احتماليا مثلا إذا تمكن المكلف من امتثال التكليف بوجوب الصلاة إلى القبلة قطعيا تفصيلا فيحكم بتعينه ولا يتنزل معه إلى بقية مراتب الامتثال وعند تعذره يتنزل إلى الامتثال القطعي الاجمالي بالصلاة إلى أربع جوانب ومع تعذره أيضا يحكم بوجوب الصلاة إلى الطرف المظنون كونه قبلة ومع تعذره يحكم بوجوب الامتثال احتماليا وحيث أن حكم العقل في مرتبة الامتثال حكم ارشادي محض وواقع في سلسلة المعلولات فيستحيل كونه مستتبعا
[ 136 ]
لحكم شرعي بقاعدة الملازمة لما أشرنا إليه مرارا من أن حكم العقل المستتبع لحكم شرعي انما هو الحكم الواقع في سلسلة علل الاحكام الشرعية دون الواقع في سلسلة معلولاته كما في المقام (وبالجملة) ليس معنى حكومة العقل في المقام الا حكمه بوجوب الامتثال الظني عند تعذر الامتثال القطعي بقسميه بحيث يكون المكلف بعد الاتيان ظانا بفراغ ذمته عن التكليف المعلوم ولكن هذا لا يتحقق الا في حكم واحد كوجوب الصلاة إلى القبلة أو ما يكون في حكمه كما إذا علم المكلف بفوات صلوات متعددة فإن الواجب عليه بحكم العقل بعد تعذر القطع بالفراغ الاتيان بمقدار يظن معه بفراغ ذمته عن التكاليف المعلومة اجمالا وأما في مثل المقام الذي يدور أمر التكاليف بين أن تكون في طائفة مظنونة أو طائفة أخرى مشكوكة أو في طائفة ثالثة موهومة فلا معنى لان يكون حكم العقل بوجوب الاتيان بالمظنونات من باب حكمه بتعين الامتثال الظني عند تعذر القطعي منه بل هو من باب حكمه بتنجز التكاليف المعلومة اجمالا في مقدار من أطراف العلم وعدم تنجزه في مقدار آخر واين ذلك من حكم العقل بلزوم امتثال التكليف المنجز بالظن عند تعذر القطع وعلى ذلك فإذا تعذر الامتثال القطعي بقسميه كما هو المفروض فلا
مناص من تبعيض الاحتياط باخراج الموهومات والعمل بمقتضى العلم الاجمالي في المشكوكات والمظنونات فإذا فرضنا قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فإن كان بمعنى إخراج المشكوكات من دائرة حكم العقل بوجوب الاحتياط كما كان كذلك في الموهومات فلا مناص من العمل بالمظنونات وتبعيض الاحتياط باخراج المشكوكات والموهومات ولا يفرق في ذلك بين كون المدرك لعدم جواز الاهمال هو العلم الاجمالي وبين كونه الاجماع أو لزوم الخروج من الدين أما إذا كان المدرك له هو العلم الاجمالي فلان مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط التام حتى في المشكوكات والموهومات فإذا فرض سقوطه فيهما فيتعين العمل على طبقه في خصوص المظنونات على ما بينا الملاك فيه سابقا وأما إذا كان المدرك هو الاجماع أو لزوم الخروج من الدين من الاهمال فلانا وان ذكرنا في الدورة السابقة واشرنا إليه فيما مر من أن لازم ذلك هو تردد الامر بين العمل بالمظنونات بما هي مظنونات التكليف وبين كون الظن حجة شرعية الا أن الصحيح عدم التردد في ذلك لان الحجة الشرعية على الكشف لا بد وأن تكون واصلة بنفسها أو بطريقها وحيث أن حجية الظن غير واصلة والاحتياط في المظنونات طريق واصل بنفسه فلا محالة يكون الثاني متعينا وبالجملة مقتضى قيام الاجماع على عدم وجوب
[ 137 ]
الاحتياط في المشكوكات والموهومات هو تعين تبعيض الاحتياط برعاية التكليف في خصوص المظنونات والغاء المشكوكات والموهومات وهذا المعنى اجنبي عن اتباع الظن حال الانسداد كشفا أو حكومة واما إذا كان الاجماع بمعنى عدم اعتناء الشارع في حال الانسداد بالامتثال الاحتمالي مطلقا على ما يستفاد من بعض كلمات العلامة الانصاري (قده) فلا محالة يكون مثل هذا الاجماع كاشفا عن ثبوت حجة شرعية في هذا الحال ضرورة ان لزوم رعاية التكاليف المعلومة وعدم جواز اهمالها رأسا مع عدم وجوب الاحتياط ولو بنحو التبعيض لا يمكن انفكاكه عن ذلك وإلا لكان الحكم بلزوم رعاية التكاليف المعلومة بنحو من الرعاية من باب التكليف بما لا يطاق (والحاصل) أنه إذا بنينا على ثبوت الاجماع على عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي
في حال الانسداد كما هو الظاهر فلا مناص عن القول بالكشف وحكم العقل بحجية الظن في هذا الحال وبدونه فلا بد من تبعيض الاحتياط برعاية الاحتياط في المظنونات والغاء المشكوكات والموهومات وعلى كل تقدير فلا معنى لدعوى الحكومة وان العقل يتنزل من حكمه بلزوم الامتثال القطعي إلى الامتثال الظني في المقام اصلا (ثم) أن العلامة الانصاري (قده) بعد ما بنى على عدم لزوم الاحتياط في الموهومات وحكم بتبعيض الاحتياط في المظنونات والمشكوكات ذكر أن الاجماع على تقدير قيامه على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات بمعنى كشفه عن عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي كلا أو بعضا فلا محالة يحكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية ليس إلا لكنه (قده) لم يجزم بتحقق الاجماع على ذلك وإن افاد كونه مظنونا بالظن القوي ثم أورد على نفسه بما حاصله ان التنزل إلى لزوم الاطاعة الظنية لا يدور مدار القطع بالاجماع المذكور بل يكفي كونه مظنونا ايضا ضرورة ان لازم ذلك هو الظن بجريان الاصول في موارد المشكوكات وسيجئ أنه لا فرق في اعتبار الظن بين كونه متعلقا بالحكم لواقعي أو بحجية الطريق وعليه فينحصر مورد الاحتياط بخصوص المظنونات واجاب عن ذلك بما ملخصه ان التسوية بين اعتبار الظن المتعلق بالحكم الواقعي أو المتعلق بحجية الطريق يتوقف على تمامية مقدمات الانسداد التي منها بطلان الاحتياط في المشكوكات والموهومات فلو توقف تمامية المقدمات على التسوية المذكورة لزم الدور (وحيث) ان الجواب المذكور في كلامه (قده) لم يكن خاليا عن الخدشة الواضحة وهي أن الاصول الجارية في الشبهات المشكوكة المظنون اعتبارها اما ان تكون مثبتة للتكاليف أو نافية لها والمفروض قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الموهومات
[ 138 ]
فالتكاليف في موارد الاصول النافية بكون موهوم التنجز على تقدير وجودها وجدانا كما انها في موارد الاصول المثبتة يكون مظنون التنجز على تقدير وجودها كذلك فالمشكوكات اما ان تكون ملحقة بالمظنونات أو بالموهومات من دون توقف على تمامية مقدمات الانسداد وتعميم الظن من جهة تعلقه بالواقع أو بالطريق ضرب سيد اساتيذنا العلامه الشيرازي (قده)
على الجواب المذكور وعدل عنه إلى جواب آخر كتبه (قده) بخطه في هامش الكتاب واراه لشيخه العلامة الانصاري (قده) فامضاه وحاصل ذلك الجواب انكار كفاية الظن بالاجماع المذكور في وصول النوبة إلى الاطاعة الظنية وان لازم الاجماع سواء كان قطعيا أو ظنيا هو وجود الحجة الكافية في الفقه قطعا أو ظنا وعلى كل تقدير لا تصل النوبة إلى لزوم الاطاعة الظنية وتوضيح ما افاده (قده) في الجواب هو ان الظن إذا كان متعلقه هو اعتبار اصل في حد نفسه فنسلم كفاية ذلك في لحوق التكاليف المشكوكة التي هي موارد الاصول المثبتة أو النافية بالمظنونات أو بالموهومات وأما إذا كان حجية الاصل في حد ذاته مفروغا عنها كالاستصحاب أو اصالة البراءة ولكن كان المانع من جريانه هو العلم الاجمالي كما هو المفروض في المقام فمجرد الظن بجريانه في مورد الشك الملازم للظن بوجود الحجة المعتبرة لا يترتب عليه إلا الظن بانحلال العلم الاجمالي ومن المعلوم عدم كفاية الظن لاثبات الانحلال ضرورة أن جواز الاقتحام في بعض اطراف العلم الموجب لسقوط الاصول يتوقف على وجود مؤمن قطعي (وبعبارة اخرى) قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في الموهومات معناه عدم لزوم رعاية العلم الاجمالي في تمام اطرافه فإذا ظن بعدم الوجوب اوبحجية اصل يكون مفاده عدم تنجز الوجوب فمقتضى الاجماع المذكور عدم وجوب رعاية العلم الاجمالي في موردهما وأما إذا كان مفاد الاجماع هو انحلال العلم الاجمالي الموجب لجريان الاصول في الموارد المشكوكة المفروض سقوطها بالعلم الاجمالي فإن كان هذا الاجماع قطعيا فلا اشكال وأما إذا كان ظنيا فلا يترتب عليه أثر اصلا ضرورة ان التكاليف الموجودة في المشكوكات وان كانت موهوم التنجز لفرض الظن بانحلال العلم الاجمالي الموجب للظن بجريان الاصول في المشكوكات الا أن الاجماع القطعي على عدم لزوم رعاية العلم الاجمالي في الموهومات مورده ما إذا كان متعلق الوهم بعض اطراف العلم الاجمالي وجودا أو تنجزا لا إذا ما كان متعلقه هو انحلال هذا العلم وعدم تنجزه اما مطلقا أو في بعض الاطراف وحينئذ فلا يبقى في المقام الا الظن بوجود المؤمن ومن المعلوم عدم كفايته في الانحلال " ثم " انه (قده) حيث كان مبناه في مقدمات
[ 139 ]
الانسداد مخالفا لمبنى شيخه العلامة (قدهما) حيث انه كان يرى ان نتيجة مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها هو الكشف دون الحكومة فادرج ما كان يراه في الجواب المذكور حيث افاد ان لازم الاجماع على عدم اعتناء الشارع بالامتثال الاحتمالي هو وجود الحجة المعتبرة فان كان قطعيا فلا تصل النوبة إلى حكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية والا فمقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط حتى في المشكوكات وعلى كل حال فلا موقع لحكم العقل بلزوم الاطاعة الظنية ونحن قد ذكرنا ان قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في خصوص المشكوكات ايضا لا يستلزم الا التبعيض في الاحتياط برعاية التكاليف في خصوص المظنونات واين ذلك من حكم العقل بلزوم التنزل إلى الاطاعة الظنية (ثم) ان العلامة الانصاري (قده) حيث امضى الجواب المذكور المبني على القول بالكشف فيمكن ان يكون ذلك منه (قده) عدولا من القول بالحكومة إلى الكشف وعلى كل حال فقد عرفت أن القول بالحكومة لا اساس له في المقام اصلا " ثم " انا قد اوردنا في الدورة السابقة اشكالا على ما افاده العلامة الانصاري (قده) من كون العمل بالمظنونات اطاعة ظنية للتكاليف المعلومة بالاجمال على تقدير قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات ايضا بأن رعاية التكاليف المعلومة في المظنونات واهمالها في المشكوكات لعدم وجوب الاحتياط فيها لا يوجب الظن بالامتثال فإنا إذا احتملنا وجود تكاليف في المشكوكات وجدانا فلا محالة يكون الامتثال برعاية التكاليف في المظنونات مشكوكا ايضا ضرورة تبعية النتيجة لاخس المقدمات ومع ذلك كيف يمكن ان يكون رعاية التكاليف في خصوص المظنونات موجبة للظن بالامتثال (ولكنه) لا يخفى فساد هذا الاشكال فإنه (قده) فرض قيام الاجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات فكل تكليف كان في مواردها لا يكون متنجزا لا محالة وعليه يكون رعاية التكاليف المعلومة بالاجمال بالعمل بالمظنونات موجبة للظن بالامتثال كما افاده (قده) (هذا) تمام الكلام في مقدمات الانسداد وقد عرفت انها على تقدير تماميتها لا تفيد الا حجية الظن على الكشف أو التبعيض في الاحتياط على تفصيل ذكرناه ولا موقع للقول بالحكومة ابدا * (وينبغي التنبيه على امور) * (الاول) انه وقع الخلاف في انه على القول بحجية الظن على الكشف
أو الحكومة فهل مقتضاه حجية الظن المذكور مطلقا أو تختص بما إذا كان متعلقه من الاحكام الفرعية كما ذهب إليه جملة من تلامذة المحقق شريف العلماء قدس الله تعالى اسرارهم ولا يبعد أن يكون هو (قده) قائلا به ايضا أو تختص بما إذا تعلق بحجية طريق أو اصل كما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية
[ 140 ]
وصاحب الفصول (قدهما) الاقوى وفاقا لشيخنا العلامة الانصاري ومن تأخر عنه من المحققين (قدهم) هو الاول ولا يخفى أن هذا التنبيه كان من حقه ان يؤخر عن التنبيه الثاني وهو بيان أن نتيجة المقدمات هو الاهمال أو التعميم لكل ظن فيقال انه بعد البناء على التعميم فهل يقيد حجية الظن بكون متعلقه حكما اصوليا أو فرعيا أو لا يختص بشئ منهما ولكن شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث قدم هذا التنبية فتبعناه في ذلك ايضا " واستدل للقول الثالث بوجوه " يرجع بعضها إلى دعوى الانسداد الصغير في خصوص الطريق وترتيب حجية الظن بالطريق عليها وبعضها إلى ترتب حجية الظن بالطريق على دعوى الانسداد الكبير في الاحكام الشرعية ونحن لا نتعرض إلا لوجهين من تلك الوجوه يرجع الاول منهما إلى دعوى الانسداد الصغير والثاني إلى دعوى الانسداد الكبير واما بقية الوجوه فيرجع إلى هذين الوجهين (الوجه الاول) هو الذي افاده صاحب الفصول (قده) واقتصر عليه وحاصله انا كما نقطع بوجود احكام كثيرة انسد فيها باب العلم كذلك نقطع بانا مكلفون بالعمل بطرق مخصوصة ومرجع القطعين إلى القطع بوجوب العمل بمؤدى تلك الطرق وحيث لا طريق لنا غالبا إلى تعيين تلك الطرق بالقطع فلا بد من تعيين ذلك بالظن والعمل على طبقه (ولا يخفى) أن كلامه هذا لا يبتنى على دعوى تقييد الاحكام الواقعية بكونها مؤديات الطرق الشرعية ولا على دعوى انقلاب التكليف بالواقعيات إلى التكليف بالعمل بمؤدى الطرق الشرعية ولا على دعوى التصويب المجمع على بطلانه بل هو مبتن على دعوى انحلال العلم بالتكاليف الواقعية بالعلم بجعل طرق خاصة وافية بمعظم الفقه وإن لم تكن تلك الطرق واصلة الينا ومتميزة تفصيلا وعلى ذلك كان يبتنى الدليل العقلي السابق المذكور لحجية الخبر بدعوى الانسداد الصغير في تمييز الاخبار الصادرة عن المعصومين صلوات الله
عليهم وقد اشرنا هناك إلى ان تلك الدعوى لا تفترق عن دعوى صاحب الفصول الا في ان المعلوم بالاجمال هناك كان خصوص الخبر والانسداد انما كان في التطبيق وهذا بخلاف المقام فإن المعلوم بالاجمال هنا وجود طرق في الجملة والانسداد انما هو باعتبار عدم التمييز لطريقية الطريق (وبعبارة اخرى) الشبهة في المقام حكمية وهناك موضوعية ولاجل توهم الانحلال المذكور ذهب جماعة إلى ان الموجب للعقاب انما هو مخالفة الحجة ولو لم تكن واصلة واما مخالفة الاحكام الواقعية التي ليس على طبقها حجة ولو كانت غير واصلة فلا توجب عقابا وحيث قد ذكرنا هناك ان انحلال العلم الاجمالي لا يمكن الا بوصول الحجة حكما وموضوعا إذ الطريق الغير الواصل
[ 141 ]
في حكم العدم ولا يترتب عليه اثر اصلا فيظهر منه بطلان دعوى الانحلال في المقام ايضا فلا حاجة إلى تطويل الكلام في الجواب وهذا الجواب الذي ذكرناه هو الذي جعله العلامة الانصاري (قده) خامس اجوبته وهذا هو الجواب المتين واما بقية الا جوبة المذكورة في كلامه (قده) فكلها لا يخلو من الاشكال اما ما افاده اولا من منع نصب جعل الشارع طرقا مخصوصة لامتثال تكاليفه وامكان ايكال ذلك إلى ما هو المتعارف بين العقلاء في امتثال الاحكام العرفية (ففيه) ان غرض صاحب الفصول من دعوى القطع بكوننا مكلفين بالرجوع إلى طرق مخصوصة لو كان دعوى القطع بجعل طرق مخصوصة من الشارع ابتداء لصح المنع عن ذلك بامكان ايكال الشارع العباد إلى ما هو المتعارف بينهم كما افاده (قده) واما إذا كان غرضه دعوى القطع بوجوب الرجوع في امتثال الاحكام إلى طرق مخصوصة وإن كانت حجية تلك الطرق امضائية من الشارع ولم تكن مجعولة له ابتداء فدون اثبات المنع من تلك الدعوى خرط القتاد (واما ما افاده) ثانيا من عدم العلم ببقاء تلك الطرق إلى زماننا هذا حتى يجب تعيينها بالظن عند تعذر القطع بها فيعلم جوابه مما ذكرناه آنفا فإن الطرق التي يجب الرجوع إليها إذا كانت طرقا عقلائية ولم تكن مجعولة للشارع ابتداء كظواهر الالفاظ والاخبار الموثوق بها فالمنع عن بقاء تلك الطرق إلى زماننا في غاية الضعف والوهن نعم لو كان الدعوى
هو القطع بجعل الشارع طرقا ابتدائية للامتثال فللمنع عن بقاء تلك الطرق إلى زماننا مجال واسع لكنها اجنبية عن دعوى صاحب الفصول كما عرفت واما ما افاده (ثالثا) من وجوب الاخذ بالقدر المتيقن على تقدير تسليم العلم ببقاء تلك الطرق فيرد عليه ان القدر المتيقن من الطرق ما افاده (قده) في بعض المقامات هو الخبر الصحيح الواجد للقيود الخمسة المذكورة في كلامه ومثل ذلك لا يكون وافيا بمعظم الاحكام بالضرورة واما غير ذلك من الطرق فليس فيها ما يكون قدرا متيقنا فلا بد في التعيين من الرجوع إلى الظن (واما ما افاده رابعا) من لزوم الرجوع إلى الاحتياط في الطرق إذ هو مقدم على العمل بالظن (ففيه) ان الاحتياط في الطرق انما هو بالعمل بمؤدى كل طريق فيؤول الامر إلى الاحتياط في الاحكام الواقعية وقد فرضنا استلزامه للعسر المنفي في الشريعة (وبالجملة) لايرد على ما افاده في الفصول إلا الوجه الخامس المذكور في كلامه (قده) وحاصله منع انحلال العلم الاجمالي بالاحكام الشرعية بالعلم الاجمالي بوجود الطرق الواقعية ما لم تكن تلك الطرق معلومة بالتفصيل حكما وموضوعا
[ 142 ]
وبدونه لا مجال لدعوى الانحلال كما اوضحنا ذلك سابقا (ثم) انه على تقدير تسليم دعوى الانحلال المذكور فغاية ما تقتضيه هو اعتبار الظن بكون شئ مؤدى طريق معتبر ولو لم يكن هناك الظن باعتبار طريق مخصوص اصلا وقلما ينفك ذلك عن الظن بالحكم الواقعي فيما يعم به البلوى ومعه كيف يمكن ان يقال ان نتيجة الانسداد انما هو حجية الظن بالطريق ليس الا كما هو مدعى صاحب الفصول (قده) (واما الوجه) الثاني فهو الذي افاده المحقق صاحب الحاشية (قده) مع الوجه الاول وجملة من الوجوه التي سبق بعضها في ادلة حجية الخبر الواحد ويأتي بعضها الآخر في وجه القول بحجية الظن المظنون الاعتبار وحاصل ما افاده (قده) دعوى ان جريان الانسداد في نفس الاحكام لازمه هو اعتبار الظن بالطريق دون الظن بالواقع وملخص ما افاده في وجه ذلك ينحل إلى مقدمات (الاولى) ان الواجب على المكلف اولا بعد اشتغال ذمته بتكاليف من قبل المولى هو تحصيل العلم بحكم المولى بفراغ ذمته من تلك التكاليف
ومع عدم التمكن من تحصيل العلم بذلك فلا بد من تحصيل الظن به إذ هو الاقرب إليه بعد تعذره (الثانية) ان العلم بالفراغ في حكم المولى وان كان قد يكون بالعلم بامتثال تكليفه وجدانا إلا انه طريق عقلي إلى حكمه بالفراغ والمناط في تحصيل العلم بالفراغ في حكمه هو اتباع الطرق التي جعلها طرقا إلى احكامه ضرورة انه مع اتباعها يحصل العلم بالفراغ في حكمه سواء كانت تلك الطرق مصيبة للواقع ام لا ومن تأمل في احوال السلف يقطع بأن بناءهم في الامتثال لم يكن على تحصيل العلم الوجداني بل كان المناط عندهم هو اتباع الطرق المجعولة لهم من قبل الشارع (الثالثة) ان تحصيل العلم بالفراغ في حكم المولى إذا كان له طريقان عقلي وشرعي فإذا كان المكلف متمكنا منهما فلا محالة يكون في مقام الامتثال مخيرا بين الامرين واما إذا تعذر احدهما كما هو المفروض في المقام إذ المفروض انسداد باب العلم بالاحكام الشرعية فلا محالة يتعين الطريق الآخر الذي كان هو المناط في الامتثال كما عرفت وحيث ان الطرق الشرعية لا يمكن تعيينها بالقطع فلا محالة يكتفى في تعيينها بالظن واما الطريق الآخر وهو العلم فعند تعذره لا معنى للتنزل منه إلى الظن لعدم تعقل الظن بالعلم وهذا بخلاف الطرق الشرعية فانها قابلة لتعلق الظن بها كما هو اوضح من ان يخفى والحاصل ان تحصيل العلم بالفراغ انما يكون باتباع احد الطريقين المذكورين والمفروض تعذر الطريق العقلي بالكلية وتعذر الطرق الشرعية بوصف كونها معلومة فيتعين الظن بها في مقام الامتثال
[ 143 ]
فتكون النتيجة هو اعتبار الظن بالطريق دون الظن بالواقع ولكن التأمل الصادق يشهد بفساد هذه المقدمات كلها (اما الاولى) فلما ذكرناه مرارا من انه لا حكم للمولى في مرحلة الامتثال والفراغ اصلا وحكمه في هذا المقام لا يكون الا ارشاديا والحاكم بالاستقلال في هذه المرحلة هو العقل الحاكم بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية وقد مر توضيح ذلك في جملة من المباحث المتقدمة نعم عند الشك في حصول امتثال التكليف من جهة الشك في انطباق المأمور به على المأتي به لا مانع عن حكم الشارع بالانطباق تعبدا كما في موارد قاعدة الفراغ أو التجاوز لكن
ذلك اجنبي عما هو محل الكلام في المقام من وجوب تحصيل العلم بالفراغ في حكم المولى بالقياس إلى التكاليف الواقعية (واما الثانية) فلان تطبيق العمل على طبق الامارات وان كان كافيا في حصول الامتثال إلا انه ليس لاجل كون مؤدى الامارات امورا أخر في قبال الواقعيات حتى تكون في عرضها فضلا عن ان يكون مناط الامتثال تطبيق العمل عليها بل ذلك لاجل حكم الشارع حكما جعليا بأن مودياتها هي الاحكام الواقعية بجعل الهوهوية والوسطية في الاثبات فالمناط في حصول الامتثال إنما هو تطبيق العمل على نفس الاحكام الواقعية اما وجدانا أو لاجل حكم الشارع بكون مؤديات الطرق هي الاحكام الواقعية (واما الثالثة) فلان الطرق الشرعية بوجوداتها الواقعية لا تتصف بالطريقية حتى تكون هي في عرض العلم كافيا في حصول الامتثال وذلك لما ذكرناه مرارا من ان الحجة الواقعية قبل وصولها إلى المكلف حكما وموضوعا لا تتصف بالحجية والوسطية في الاثبات وإنما تكون كذلك بالوصول وحينئذ فما هو في عرض العلم بالواقع في كفايته في الامتثال إنما هو العلم بالطريق لا نفس الطريق فكما انه عند تعذر العلم بالطريق يتنزل إلى الظن به على ما هو المفروض في كلامه فكذلك عند تعذر العلم بالواقع يتنزل إلى الظن به ضرورة ان كلما كان العلم به كافيا في فرض الانفتاح يكون الظن به كافيا في فرض الانسداد لا محالة وحيث ان اللازم في فرض الانفتاح كان هو العلم بالواقع أو بالطريق على ما هو المصرح به في كلامه فيكون اللازم في فرض الانسداد هو الظن بأحدهما ايضا فيكون التخصيص بخصوص الظن بالطريق خلفا واضحا (بقي) الكلام في وجه القول باختصاص اعتبار الطريق بما إذا كان متعلقة حكما من الاحكام الواقعية وملخصه ان الظن ان اعتبر من باب الحكومة فلا اشكال في عدم الاختصاص بخصوص الظن بالواقع ضرورة ان هم العقل على ذلك هو الامن من العقاب المترتب على
[ 144 ]
مخالفة الاحكام المعلومة بالاجمال وحيث ان العمل على طبق الطريق كالعمل على طبق الواقع في كونه مؤمنا فلا محالة يكون الظن بكل منهما موجبا للامن عند انسداد العلم بالواقع
وبالطريق واما بناء على الكشف كما هو الصحيح فدعوى حجية الظن بالطريق تتوقف اما على دعوى الانسداد الصغير في نفس الطرق المبنية على دعوى انحلال العلم الاجمالي بالاحكام التي قد عرفت فسادها وأما على دعوى أن نتيجة انسداد العلم في نفس الاحكام تعم الظن بالطريق ايضا وحيث ان النتيجة على الكشف مرددة بين أن تكون حجية خصوص الظن بالواقع أو الاعم منه ومن الظن بالطريق فيكون الامر في الحجة دائرا بين الاقل والاكثر ومن المعلوم ان لازم ذلك هو الاقتصار على المتيقن ليس الا (ولكنه لا يخفى) انه لا موجب لدوران الامر في المقام بين الاقل والاكثر وذلك لما ذكرناه من ان كل ما كان تحصيل العلم به لازما حال الانفتاح كان الظن به كافيا حال الانسداد ايضا وحيث ان العلم بالواقع أو بالطريق لم يكن بينهما فرق حال الانفتاح لم يكن بين الظنين فرق ايضا حال الانسداد والوجه في ذلك هو ان الاحكام التي هي مؤديات الطرق بعد جعل الشارع صفة الحجية واعطائه الوسطية في الاثبات لها بعينها احكام واقعية فإن مقتضى جعل الهوهوية هو ذلك لا غير وحينئذ فلا فرق بين الظن بالواقع أو بالطريق في ان متعلق كل منهما هو الحكم الواقعي غاية الامر ان متعلق الظن الاول هو الحكم الواقعي من دون توقف على جعل شرعي ومتعلق الظن الثاني هو الحكم الواقعي بعد جعل الشارع الهوهوية واعطائه صفة الحجية للطريق (التنبيه الثاني) في بيان ان نتيجة دليل الانسداد مهملة أو كلية وليعلم قبل ذلك ان الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد لا بد ان يكون واصلا بنفسه أو بطريقه ضرورة انه لا معنى لجعل الوسطية والحجية لظن لا يكون واصلا ابدا ونعني بالواصل بنفسه ان يكون تعيين ذلك بنفس جريان مقدمات الانسداد كأن تكون النتيجة حجية كل ظن في كل مسألة وبالواصل بطريقه هو ان يكون تعين ذلك الظن محتاجا إلى امر آخر وهذا الامر ربما يكون مقدمة يكتنف بها مقدمات الانسداد فيثبت حجية مطلق الظن أو ظن مخصوص واخرى يكون اجراء مقدمات الانسداد مرة اخرى بل مرات لتعيين الظن الثابت حجيته وسيتضح تفصيل ذلك ان شاء الله تعالى (إذا عرفت ذلك) فنقول ان مبنى دعوى الكلية أو الاهمال على ان مقدمات
الانسداد التي عمدتها بطلان الرجوع إلى البراءة وعدم لزوم الاحتياط هل تجري في كل مسألة
[ 145 ]
مسألة بنحو العام الاصولي أو تجري في مجموع المسائل بنحو العام المجموعي فإنا إذا بنينا على أن بطلان الرجوع إلى البراءة مدركه هو لزوم الموافقة القطعية عقلا أو الاجماع على بطلانه من جهة كون الشبهة قبل الفحص وسيجئ في تلك المسألة أن عدم جواز الرجوع إلى البراءة اجماعي فلا محالة يكون مقتضى ذلك هو بطلان الرجوع إليها في كل مسألة وحينئذ فإذا بنينا على أن عدم لزوم الاحتياط كلا أو بعضا لاجل قيام الاجماع على عدم إرادة الشارع للامتثال الاحتمالي فإنه يريد حركة المكلف في الخارج على طبق احكامها بعناوينها فلا محيص عن الالتزام بكلية النتيجة من حيث الموارد والاسباب إذ بعد فرض سقوط الرجوع إلى البراءة والاحتياط في كل مسألة الكاشف عن جعل حجة معتبرة فلا محالة يكون الظن المطلق هو الطريق الواصل بنفسه فلا يفرق بين ابواب الفقه ولا بين كون الظن مثبتا للتكليف أو نافيا له ولا بين كون الاصل الجاري في المسألة مع قطع النظر عن حجية الظن من الاصول المثبتة أو النافقية ولا بين كون الحكم المظنون من الاحكام الوضعية أو التكليفية فإن المفروض أن الشارع لم يهمل احكامها كلية ويريد الحركة على طبقها بعناوينها فيكون حال الظن المطلق على ذلك حال الظن الخاص الغير المختص حجيته بمورد مخصوص واما بحسب المراتب ففيه اهمال فإن الظن الاطمئناني إذا كان وافيا بمعظم الفقه بحيث يكون الباقي داخلا في الشبهات البدوية فلا موجب لكشف حجة غيره كما لا يبعد ان يكون الامر كذلك فإن عمدة ما يعتمد عليه في الفقه هو الخبر الواحد الصحيح القدمائي والظهور والظن الحاصل منهما ظن اطمئناني وهما وافيان بمعظم الفقه وأما الظنون الحاصلة من بقية الامارات كالشهرة والاجماع المنقول وغيرهما فمن جهة عدم بلوغها لمرتبة الاطمئنان لا يمكن استكشاف حجيتها نعم إذا كان مدعي الاجماع ممن يحصل الوثوق من قوله فلا بأس بحجيته ايضا لكنه قليل جدا ولا يثبت به حجية الاجماع المنقول مطلقا واما إذا فرضنا عدم كفاية الظن الاطمئناني بمعظم
الفقه فلا بد من التعميم لمطلق الظن إذ التنزل إلى ما دونه من المراتب الاقرب فالاقرب فيه عسر واضح ضرورة ان تمييز الظن الاطمئناني عن غيره وإن كان واضحا الا ان التمييز بين غيره من المراتب عسر جدا فبعد البناء على عدم الاقتصار على الظن الاطمئناني لا بد من التعميم لمطلق الظن (فإن قلت) إذا بنيت على بطلان الرجوع إلى البراءة في كل مسألة وعدم ارادة الشارع للامتثال الاحتمالي الكاشف عن جعل حجة معتبرة فلا بد وأن يكون الحجة
[ 146 ]
المعتبرة موجودة في كل مسألة سواء كان فيها ظن اطمئناني ام لا ومع ذلك فتخصيص الحجة بخصوص الظن الاطمئناني إذا كان وافيا بالفقه بلا موجب (قلت) بطلان البراءة في كل مسألة وعدم ارادة الشارع الامتثال الاحتمالي فيها لا يقتضي جعل الحجة في تمام تلك المسائل وإنما مقتضاهما هو جعل الحجية الكافية باحكامه وفي موارد عدمها لا مانع عن الرجوع إلى الاصل الجاري في تلك المسألة ضرورة أن بطلان الرجوع إلى البراءة وعدم ارادة الشارع للاحتياط إنما هو مع عدم الحجة الوافية ومع وجودها وانحلال العلم الاجمالي لا مانع عن ذلك كما إذا ثبت حجية ظن بالخصوص ولكن الانصاف أن مبنى حجية الظن حال الانسداد إذا كان هو الاجماع على بطلان الاحتياط فإذا فرضنا قيامه على ذلك في كل مسألة فلا بد من كون المحرز للحكم الشرعي في كل مسألة هو الحجة الشرعية في تلك المسألة ومع ذلك فالتخصيص بخصوص مرتبة الاطمئناني من الظن يحتاج إلى دليل مفقود في المقام فالتحقيق ان يقال أن قيام الاجماع على عدم إرادة الشارع للامتثال الاحتمالي الكاشف عن وجود حجة معتبرة إنما يكون مفيدا مع وجود تلك الحجة في المسألة ومع تعذرها فلا بد من الرجوع إلى الاصل في تلك المسألة لا محالة من دون فرق بين كون الحجة المعتبرة خصوص الظن الاطمئناني أو مطلق الظن وحينئذ فالمتبع إنما هو مقدار معقد الاجماع سعة وضيقا فإن كان معقد الاجماع هو عدم ارادة الشارع للامتثال الاحتمالي مطلقا بنحو العام الاصولي فلا مناص عن القول بحجية مطلق الظن والرجوع إلى الاصل مع عدمه لكن اثبات الاجماع بهذا النحو في غاية الاشكال
(وان قلنا) ان معقد الاجماع هو بطلان الاحتياط في الجملة بنحو العام المجموعي كما هو الظاهر (فغاية) ما يترتب عليه هو حجية الظن في الجملة فلا يكون دليل على حجية غير الاطمئنان من الظن فيكون العقل مستقلا بحجية الظن الاطمئناني من اول الامر إذا كان وافيا بالفقه وعلى كل حال فلا تكون النتيجة مهملة بل يستقل العقل بحجية مطلق الظن على تقدير و بحجية خصوص الظن الاطمئناني على تقدير آخر وأما بيان الملاك في الوفاء بمعظم الاحكام وعدمه فسيجئ عن قريب إن شاء الله تعالى (فاتضح) أنه مع البناء على بطلان الرجوع إلى البراءة في كل مسألة وفرض قيام الاجماع على عدم الاحتياط لا مناص عن القول بكلية النتيجة من غير جهة المرتبة وأما من جهتها فلا بد من الالتزام بحجية خصوص المرتبة الاطمئناني من الظن مع كونه وافيا والا فيتعدى إلى مطلق الظن (كما اتضح) أن مبنى بطلان الرجوع إلى البراءة
[ 147 ]
هو لزوم الموافقة القطعية كما هو المختار عندنا وعند العلامة الانصاري (قده) أو الاجماع على ذلك من جهة الاجماع على وجوب الفحص عدم جواز اجراء البراءة قبله لا ما افاده المحقق القمي (قده) من عدم الدليل على البراءة مع الظن بالخلاف فإن الظن الغير الثابت حجيته في حكم الشك ويجري البراءة في مورده ايضا فما افاده (قده) انما يتم بعد جريان مقدمات الانسداد واثبات حجية الظن ولا يصح اخذه في مقدمات الانسداد لاثبات حجية الظن وكيف كان فاثبات الكلية يتوقف على الامرين المذكورين وأما إذا بنينا على أن بطلان الرجوع إلى البراءة لاجل لزوم الخروج عن الدين الغير الجاري في كل مسألة أو على أن بطلان الاحتياط لاجل لزوم الحرج فمقتضى ذلك وإن لم يكن اعتبار الظن لا بنحو الحكومة ولا بنحو الكشف لما عرفت من ان لازمه تبعيض الاحتياط ليس إلا لكنه إذا بنينا على انتاج تلك المقدمات لحجية الظن محالا فهل النتيجة تكون مهملة أو مطلقة (فنقول) اما من حيث المرتبة فلا اشكال في استقلال العقل باعتبار خصوص الظن الاطمئناني دون غيره بناء على الحكومة ضرورة أن العقل لا يتنزل عند تعذر القطع بالامتثال إلى مطلق الظن مع التمكن
من تحصيل الاطمئنان وأما على الكشف فالنتيجة مهملة ولا يمكن للعقل استكشاف حجية غيره مع كونه وافيا بمعظم الفقه وسيظهر حال الوفاء وعدمه عند التعرض لبيان الملاك فيه إن شاء الله تعالى (وأما) من حيث الاسباب فلا ريب في عدم الفرق بينها على الحكومة لعدم خصوصية لسبب مخصوص عنده وإنما همه تحصيل الفراغ الظني من أي سبب كان وأما على الكشف ففيها اهمال لا محالة فيقع الكلام في المعمم أو المعين (فنقول) قد ذكروا من وجوه التعميم قبح الترجيح بلا مرجح وحيث أن تمامية ذلك يحتاج إلى معرفة الوجوه المذكورة للتعيين وعدم تماميتها فلا بد من ذكرها اولا والتعرض لما يمكن ان يقال عليها ثانيا (الوجه الاول) ان بعض افراد الظنون متيقن الحجية بالقياس إلى بعضها الآخر من جهة الاسباب ونعنى بالقدر المتيقن ما يكون حجيته مقطوعة على تقدير حجية ظن في الجملة وان لم يكن حجيته في حد نفسه كذلك فبعد اثبات حجية الظن بمقدمات الانسداد في الجملة يثبت حجية ذلك المقدار بالقطع ويبقى حجية غيره مشكوكا فيه (واورد) عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) بان القدر المتيقن حجيته من الاسباب هو الخبر الذي زكي جميع رواته بعدلين ولم يعمل في تصحيح رواته ولا في تمييز مشتركاته بظن اضعف نوعا من سائر الامارات الاخر ولم يوهن لمعارضة شئ منها
[ 148 ]
وكان معمولا به عند الاصحاب كلا اوجلا وكان مفيدا للظن الاطمئناني بالصدور ومن المعلوم ندرة مثل هذا الخبر وعدم وفائه بالفقه حتى يقتصر على حجيته وعلى تقدير وفائه ايضا فالعلم الاجمالي بارادة خلاف الظاهر منها بتخصيص أو تقييد في بقية الامارات يكون مانعا عن جواز التمسك بها مع قطع النظر عن غيرها ولكنه لا يخفى أن اخذ القيود المذكورة في كون الخبر متيقن الحجية انما يتم فيما إذا اخذ بالقدر المتيقن من حجية الخبر بالخصوص فإن الاقوال في حجيته كثيرة والقدر المتفق عليه هو ما ذكره (قده) فلو فرضنا الاجمال في دليل حجيته لكونه دليلا لبيا أو لغير ذلك فالخبر المشتمل على القيود المذكورة يكون متيقن الحجية دون غيره وأما إذا كان المراد من القدر المتيقن هو القدر المتيقن باعتبار ثبوت حجية ظن في
الجملة فلا ريب في ان القدر المتيقن من الاسباب بحيث لا يحتمل أن يكون غيره حجة دونه هو مطلق الخبر الصحيح القدمائي ضرورة انه لا يحتمل كون غيره كالشهرة مثلا حجة دونه فالخلط بين القدر المتيقن في المقامين هو الموجب لما ذكره (قده) وإذا كان القدر المتيقن في المقام هو مطلق الخبر الصحيح والمفروض وفاءه بمعظم الاحكام الشرعية فلا يمكن استكشاف حجية غيره على الكشف وبالجملة كما أن العقل عند دوران الامر بين حجية غير الظن الاطمئناني وبين حجية مطلق الظن لا يمكن له استكشاف حجية الظن الاطمئناني إذا كان الاطمئناني وافيا بالفقه فكذلك إذا كان الامر دائرا بين حجية الاسباب المتقنة وبين حجية مطلق الاسباب لا يستقل بحجية المطلق مع كون الاسباب المتقنة وافية به إذ الاسباب المتقنة متيقنة الحجية بالاضافة إلى غيرها فتكون هي حجة دون غيرها ولازم ذلك حجية خصوص الصحيح القدمائي دون غيره من الامارات كالشهرة والاجماع المنقول إذا لم يكن مدعي الاجماع ممن يحصل الوثوق من قوله كالشهيد الاول (قده) ومن يحذو حذوه (ثم) لا يخفى أن الخبر الصحيح القدمائي حيث انه مفيد للظن الاطمئناني من حيث الصدور والظهورات مفيدة للاطمئنان من حيث الدلالة فلا محالة ينطبق المعين من حيث المرتبة وهو كون الظن موجبا للوثوق على المعين من حيث الاسباب طبق النعل بالنعل نعم الاقتصار في الظنون الرجالية على خصوص الاطمئناني غير ممكن لقلة الظنون الاطمئنانية في ذلك الباب جدا فلا بد من التعدي فيها إلى مطلق الظن فتحصل ان المتيقن من الاسباب هو مطلق الخبر الصحيح القدمائي دون المقيد بالقيود المذكورة وعلى تقدير تسليم كون المقيد بها قدرا متيقنا فلا بد من التعدي إلى مطلق الخبر
[ 149 ]
الصحيح ايضا لعدم وفاء المقيد بالفقه ضرورة ندرة مثل ذلك الخبر في الفقه (فإن قلت) ان المقيد إذا كان غير واف بالفقه فليس هناك قدر متيقن بالاضافة لاحتمال كون الحجة خصوص المزكى بعدلين وان لم يكن مفيدا للوثوق كما انه يحتمل كون المفيد للوثوق حجة وان لم تكن رواته مذكاة بعدلين وهكذا يحتمل كون الخبر المشهور حجة وان كان فاقدا للقيدين (وبالجملة)
بانتفاء القيود الخمسة جمعا يقع التعارض بين القيود بعضها مع بعض فلا يكون هناك قدر متيقن بالاضافة ولعل إلى ذلك اشار العلامة الانصاري (قده) بقوله فتأمل بعد ما افاده (قده) من لزوم الاخذ بالقدر المتيقن بالاضافة على تقدير عدم وفاء المقيد بالقيود المذكورة بالفقه (قلت) الركن الركين في تلك القيود المذكورة انما هو افادة الخبر للوثوق مع عدم اعراض المشهور عنه ولا ريب في كونه القدر المتيقن ولو لم يكن رواية معدلة بعد لين إذ اعتبار التعديل بعد لين انما يكون بدليل خاص تعبدا في مثل البينة ولا يمكن ان يجعل احتمال اعتباره معارضا لافادة الخبر للوثوق والاطمئنان فإذا كان الخبر مفيدا للوثوق والاطمئنان ولم يكن مما اعرض عنه المشهور فلا محالة يكون متيقن الحجية عند دوران الامر بينه وبين غيره وعلى تقدير تسليم عدم وجود قدر متيقن بالاضافة فلا بد من التعدي الي كل خبر يوثق به إذ حجية الخبر المقيد بالقيود المذكورة متيقنة على الفرض وفي ادلة حجية الخبر الموثوق به ما يكون واجدا لتلك القيود كخبر يحيى بن زكريا وغيره وقد دل على حجية كل خبر يوثق به فيكون حجية الخبر الموثوق به متيقنا ايضا (ثم) ان ميزان الوفاء بالفقه وعدمه هو ان العلم الاجمالي المانع من الرجوع إلى الاصول العملية أو اللفظية إذا كان منحلا بالظفر بمقدار من الحجة المثبتة للاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد بحيث لا يكون هناك مانع عن الرجوع إليها بعد الفحص فذلك معنى الوفاء بالفقه وإذا لم يكن منحلا لعدم الظفر بذلك المقدار فلا محالة لا يكون الحجج التي ظفر بها وافية به ولا يجوز عند عدمها الرجوع إلى الاصول بل لا بد من اثبات حجة غيرها حتى يكون العلم منحلا إذا عرفت ذلك تعرف ان المناط في باب الاصول اللفظية المعلوم وجود مخصصات أو مقيدات لها هو الظفر بالمخصصات أو المقيدات في الكتب التي بايدينا فإن موجب العلم بارادة خلاف الظاهر منها انما هو وجود الاخبار المخالفة لها في تلك الكتب وبعد الفحص فيها عما يوجب ارادة خلاف الظاهر وعدم الظفر به لا يكون مانع عن العمل بها واما المناط في الاصول العملية فانما هو اثبات حجية مقدار من الادلة التي عليها يدور الاستنباط يكون بمقدار المعلوم
[ 150 ]
بالاجمال من الاحكام الواقعية أو ازيد سواء كان حجية ذلك المقدار ثابتا بدليل مخصوص أو بمقدمات الانسداد فكما ان الخبر الصحيح القدمائي إذا كان حجيته ثابتة بالادلة الخاصة لا يكون مانع من الرجوع إلى الاصل بعد عدم الظفر به في المسألة فكذلك إذا كانت حجيته ثابتة بدليل الانسداد فمن ذلك يظهر ان منع شيخنا العلامة الانصاري (قده) من كفاية الظن الاطمئناني بالفقه بعد كون الخبر الصحيح القدمائي مفيدا لذلك كما عرفت في غير محله (الوجه الثاني) ان الاسباب المفيدة للظن تنقسم في حد أنفسها إلى مظنون الحجية ومشكوك الحجية وموهوم الحجية فالسبب المظنون حجيته كالخبر الواحد بناء على عدم افادة الادلة التي اقيمت على حجيتها للقطع بها يكون متعينا في الحجية ولا تصل النوبة معه إلى غيره والوجه في تعينه احد امور ثلاثة (الاول) كونه اقرب إلى الحجية من غيره للظن بحجيته في نفسه والقطع بكونه من اطراف ما ثبت حجيته بدليل الانسداد واما غيره فليس فيه الا كونه من اطراف ما ثبتت حجيته ومعلوم ان الاقرب إلى الحجية يكون متعينا ويكون حجية غيره مشكوكا فيه (ويرد عليه) ان الاقربية إلى الحجية لا توجب استقلال العقل بتعينه فيها ضرورة ان الترجيح في الامور الاختيارية وان كان يصح بادنى مرجح في الفعل أو الترك بحيث يخرج احدهما عن كونه مساويا للآخر إلا ان الترجيح في الحكم بالحجية من قبل الشارع لا بد وان يكون بأمر يقيني ومجرد كون ظن مظنون الاعتبار مع عدم حجية هذا الظن في نفسه في حكم العدم خصوصا إذا كان الظن الذي لم يظن اعتباره أقوى منه وإذا كان كذلك فلا يمكن استقلال العقل بكونه مرجحا في نظر الشارع وموجبا لاختصاص الحجية به دون غيره هذا (وقد) اورد شيخنا العلامة الانصاري (قده) على هذا الوجه بما هذه عبارته هذا مع ان الظن المفروض انما قام على حجية بعض الظنون في الواقع من حيث الخصوص لا على تعيين الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد (فتأمل) انتهى وحاصله ان الظن باعتبار ظن بالخصوص لاربط له بالحجية الثابتة بمقدمات الانسداد والغرض اثبات مرجح بلحاظ حال الانسداد وان الظن الثابت حجيته به هل لبعض افراده مرجح على الآخر ام لا وكون الظن مظنونا اعتباره في حد نفسه اجنبي عن المرجحية بلحاظ هذا الحال
ثم ان امره بالتأمل يمكن ان يكون إشارة إلى ان ذلك لا يتم بناء على الكشف الذي هو مبنى التكلم في المقام ضرورة ان ما ظن حجيته من قبل الشارع في نفسه يكون مظنون الحجية بلحاظ دليل الانسداد الكاشف عن جعل حجة معتبرة ايضا فيثبت الترجيح بلحاظ الانسداد
[ 151 ]
لبعض الافراد لا محالة أو إلى ان الالتزام بكون المرجح بلحاظ هذا الحال لا ملزم له بل اللازم هو عدم كون بعض الظنون في عرض غيره بنظر العقل فإذا كان بعضها مظنون الحجية في نفسه دون بعض آخر فيكفي كونه مرجحا ومعينا له في الحجية بعد ثبوت حجية في الجملة حال الانسداد وكيف كان فلا موقع لما افاده (قده) (الثاني) ان الظن الذي ظن باعتباره اقرب إلى ادراك مصلحة الواقع من غيره وهذا الوجه يبتني على كون الامارة موجبة لتدارك مصلحة الواقع عند الخطأ إذ حينئذ يكون مظنون الحجية موجبا للظن بادراك مصلحة الواقع على تقديري الخطا والاصابة وهذا بخلاف الظن الذي لم يظن حجيته فإنه موجب للظن بادراك المصلحة عند الاصابة فقط (واورد) عليه شيخنا العلامة الانصاري (قده) اولا بأن هذا الوجه لا يوجب الا اولوية الظن المظنون حجيته للحجية لا تعينه وكلامه هذا مبني على ان المصالح الواقعية ليست بحيث يجب على المكلف تحصيلها وانما هي دواع لجعل الاحكام والمكلف اجنبي عنها بالكلية فغاية ما يوجبه الاقربية إلى احراز المصلحة كون الاخذ به اولى ولا يوجب ذلك تعينه للحجية وهذا الذي افاده وان كان للنظر فيه مجال إلا ان الخطب هين بعد عدم التزامنا بالمصلحة السلوكية وكون الامارة موجبة لتدارك المصلحة عند الخطأ الا في بعض الفروض حال الانفتاح وقد تقدم الكلام في ذلك في بحث الطرق فراجع (ثم اورد ثانيا) فان اللازم على هذا ان لا يعمل بكل مظنون الحجية بل بما ظن حجيته بظن قد ظن حجيته لانه ابعد عن مخالفة الواقع وبدله (وفيه) اولا ان هذا مستلزم للتسلسل إذ حينئذ ينقل الكلام إلى الظن الثالث ايضا وهكذا (وثانيا) إذا فرضنا قيام الظن على اعتبار ظن فقد ظن ادراك مصلحة الواقع على تقديري الاصابة والخطأ من اول الامر واي حاجة بعد ذلك إلى اعتبار كون الظن الثاني مظنون الحجية ايضا فإن المناط انما
هو الظن بادراك مصلحة الواقع على كل حال وهو حاصل من الاول (الثالث) ان الظن الثابت حجيته إذا كان غير متعين لا بنحو الكلية ولا بنحو التخصيص فيجري فيه مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين ذلك الظن فيتعين في الظن المظنون اعتباره فكما ان مقدمات الانسداد توجب التنزل إلى الظن بعد تعذر القطع اولا كذلك توجب التنزل إلى تعيين ذلك الظن بالظن ايضا (واورد) عليه العلامة الانصاري (قده) بما حاصله بتوضيح منا ان مقدمات الانسداد إذا فرضنا ان اول مقدمة منها كان هو انسداد باب العلم والعلمي فلا بد وأن يكون نتيجتها حجية طريق واصل بنفسه أو بطريقه إذ لو كانت النتيجة حجية ظن غير واصل بنفسه ولا بضم مقدمة عقلية
[ 152 ]
تكتنف بها المقدمات فتلك الحجة غير معلومة وباب العلم بها منسد والمقدمة الاولى كانت مشتملة على ذلك فلم يترتب على مقدمات الانسداد شئ اصلا (وتوهم) أن الوصول لا مانع من أن يكون بمقدمات الانسداد مرة ثانية (مدفوع) بأن مقدمات الانسداد ليست بنفسها طريقا إلى الواقع ولا إلى الطريق وإنما هي منتجة لطريقية الطريق ففرض الاحتجاج إلى مقدمات الانسداد مرة ثانية فرض عدم وصول الحجة لا بنفسه ولا بطريقه وهذا خلف (وبالجملة) إذا فرضنا عدم استقلال العقل بكون مظنونية الطريق مرجحا ومعينا للحجة فلا محالة يستقل العقل بحجية كل ظن من باب قبح الترجيح بلا مرجح فيتعين الحجة بنحو الكلية وقد عرفت انه مع تعين الحجة في الكل أو في البعض لا يبقى مجال لاجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية اصلا (ثم انك) قد عرفت فيما سبق ان كلية النتيجة تدور مدار قيام الاجماع على ان الشارع يريد امتثال احكامه بعناوينها المحرزة حتى يكون نتيجة ذلك حجية كل محرز كما ان الاهمال يدور مدار عدم قيام الاجماع الا على ان بناء الشريعة ليست على الامتثال الاحتمالي ومقتضى ذلك ليس الا العلم بارادة الشارع لامتثال احكامه محرزة في الجملة لا مطلقا وقد ذكرنا ايضا انه لا يفرق في ارادة الشارع للحركة على طبق احكامه محرزة بين الاحكام الالزامية وغيرها ولابين الاحكام الوضعية والتكليفية كما انه لا فرق بين الاحكام الظاهرية والواقعية والمناط في الجميع هو كون الحركة على طبق الحكم المحرز إذا تبين ذلك (فنقول)
ان العلامة الانصاري (قده) بعد ما بنى على عدم جريان مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين الظن الثابت حجيته بمقدمات الانسداد سلم الترجيح بالظن في عدة موارد (الاول) ان يكون الظن القائم على حجيته امارة بالخصوص ظنا واحدا لا تعدد فيه أو كان مفاد الجميع واحدا على تقدير التعدد (الثاني) ان يكون هناك ظنون متعددة وكان كل واحد منها قائما على حجية امارة مغايرة لما قام الآخر على حجيته ولكن لم يكن كل واحد من تلك الامارات وافية بالفقه في حد نفسه (الثالث) ان تكون الظنون متعددة وكان كل واحدة من الامارات التي قام الظن على حجيتها وافية بالفقه ولكن كانت تلك الظنون متساوية ولم تكن مختلفة من حيث تعين بعضها بالقياس إلى الآخر أو كونه مظنون الاعتبار ففي مثل هذه الموارد افاده (قده) وجوب الاخذ بالظنونات والغاء غيرها فهل ذلك مبني على اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية لتعيين الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد كما هو ظاهر عبارته (قده) حتى يلزم من ذلك المناقضة لما افاده (قده) من عدم امكان وصول النوبة إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية
[ 153 ]
أو انه اجنبي عن ذلك الذي يمكن ان يقال في توجيه كلامه (قده) هو انا بعد ما لم نلتزم بقيام الاجماع على ان الشارع يريد امتثال احكامه محرزة بنحو الكلية حتى لا يمكن الفرق بين ظن وظن بل قلنا ان النتيجة مهملة لا محالة وذكرنا انه لا يفرق في ارادة الشارع ذلك ولو في الجملة بين احكامه باقسامها ومنها كون الحكم ظاهريا أو واقعيا فإذا فرضنا اتحاد الظن القائم على حجية امارة مخصوصة أو تعددها بشرط الاتحاد في المضمون فلا محالة يكون مثل تلك الامارة محرزة الحجية بحكم الشارع وقد فرضنا وفاءها بالفقة فلا يكون دليل على حجية غيرها فيكون الظن باعتبار ظن مخصوص معينا للنتيجة من اول الامر من دون احتياج إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية كما أن الامر كذلك في الفرض الثاني من تلك الفروض فإن الظنون المظنون اعتبارها وإن كانت كثيرة لكن لا يحتمل العقل حجية بعض تلك الظنون دون بعض لفرض عدم وفائه بالفقه فلا محالة يكون الجميع في حكم امارة مخصوصة
قام ظن واحد أو ظنون متعددة على اعتبارها فيكون تمام تلك الظنون متعينة في الحجية ايضا من اول الامر وأما الفرض الثالث فالامر فيه ليس على حذو الفرضين السابقين فإن المفروض هو اهمال النتيجة ووفاء كل واحدة من تلك الامارات بالفقه فلا يستقل العقل بحجية جميعها من اول الامر لاحتمال حجية بعضها دون بعض بل يحتاج إلى ضميمة حكمه بقبح الترجيح بلا مرجح وبمعونة حكمه بذلك يستقل بحجية مطلق الظن من أول الامر وعلى كل حال لا تصل النوبة إلى اجراء مقدمات الانسداد مرة ثانية بل يكون الظن بالاعتبار بنفسه أو بضميمة حكم العقل بقبح الترجيح بلا مرجح موجبا لتعين الحجة (ثم انك) عرفت فيما تقدم انطباق المرجح بحسب المرتبة على المرجح بحسب الاسباب وأن نتيجة كل منهما حجية الخبر الصحيح القدمائي وحيث أن الادلة الموجبة للظن بالاعتبار من الشهرة والاجماع المنقول وغير ذلك من الادلة إنما تفيد الظن بحجية الخبر الصحيح القدمائي لو سلمنا عدم كونها مفيدة للقطع بها فيكون مثل ذلك الخبر امارة قامت ظنون متعددة على اعتبارها فيتعين في الحجية وعليه فينطبق المرجحات الثلاثة كلها على الخبر المذكور (الوجه الثاني) من وجوه التعميم ان العقل وإن كان يستقل بحجية الظن الذي ظن اعتباره أولا إلا أن العلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات لها في الظنون المشكوك اعتبارها يوجب وجوب العمل على طبق المشكوكات ايضا ومقتضى هذا العلم الاجمالي وان كان وجوب العمل على طبق الظنون الموجبة للتخصيص أو التقييد ليس إلا إلا أن
[ 154 ]
الاجماع القائم على عدم الفرق بين الظنون المشكوك اعتبارها يوجب التعدي إلى غيرها فإنه إذا وجب العمل على طبق الظن المعارض لامارة ظن اعتبارها وجب العمل على طبق غير المعارض بطريق اولى (ثم) انا نعلم بوجود مقيدات ومخصصات للظنون المشكوك اعتبارها في ضمن الظنون الموهوم اعتبارها وبمثل البيان المتقدم يتعدى إلى كل ظن ظن عدم اعتباره ايضا فيجب العمل بمطلق الظن (ولا يخفى) ما في هذا الوجه من الفساد اما (اولا) فلان تقسيم الظنون إلى اقسام مع عدم وجود ظن موهوم الاعتبار فاسد ضرورة أن وجود الظن الموهوم الاعتبار
فرع أن يكون هناك دليل دل على عدم حجية ظن بالخصوص ولكنه لا يكون مفيدا لغير الظن ومن المعلوم عدم وجود ذلك فإن الخبر الواحد قد فرض انه مظنون الاعتبار والشهرة والاجماع المنقول بناء على عدم دخوله في الخبر الواحد مشكوك الاعتبار والقياس وما يتبعه من الاستحسانات والاستقراءات الظنية والاولوية الظنية لو لم تدخل في الدلالة اللفظية مقطوع عدم اعتبارها نعم لو كانت الاولوية الظنية بحيث تدخل في الدلالة اللفظية لكانت من الظواهر المقطوع اعتبارها ففرض وجود ظن موهوم الاعتبار فرض غير واقع (وأما ثانيا) فلان دعوى العلم الاجمالي بوجود المخصصات والمقيدات في الظنون المشكوك أو الموهوم اعتبارها لا مدرك لها أصلا بعد ما اثبتناه من كفاية الخبر الصحيح القدمائي بالفقه المظنون اعتباره فلا موجب للتعدي أصلا (وأما ثالثا) فلان التعدي إلى مقدار من الظنون المشكوك أو الموهوم اعتبارها لاجل العلم الاجمالي بوجود التخصيص والتقييد غير موجب للتعدي إلى غير ذلك المقدار أصلا ودعوى الاجماع على عدم الفرق مع كون المدرك للرجوع إليها هو ما ذكرناه ممنوعة وكيف كان فالتمسك للتعميم بهذا الوجه ضعيف جدا (الوجه الثالث) من وجوه التعميم التمسك بقاعدة الاشتغال فإنه إذا ثبت وجوب العمل بالظن في الجملة فيجب العمل بمطلق الظن من باب الاحتياط (وفيه) أن متعلق الظن إن كان من الاحكام الالزامية فليس الاحتياط حينئذ إلا احتياطا في المسألة الفرعية وان كان متعلقه من الاحكام الغير الالزامية فليس معنى الاحتياط حينئذ الا عدم جواز الاتيان بذاك الفعل المظنون اباحته بعنوان الوجوب كما أنه لا يجوز تركه بعنوان الحرمة ومن المعلوم أن هذا ليس احتياطا في المسألة الاصولية بل عدم جواز الاتيان بعنوان الوجوب أو الحرمة من آثار عدم احراز الوجوب أو الحرمة وقد ذكرنا سابقا انه بمجرد الشك في الحجية يترتب هذا الاثر لا محالة وكيف كان فلا نتعقل للاحتياط في المسألة الاصولية
[ 155 ]
معنى اصلا وقد نقل الاستاذ دام ظله ان استاذه السيد العلامة الشيرازي ضرب على جملة من عبارات شيخه العلامة الانصاري قدس سرهما في المقام
* (التنبيه الثالث) * في خروج القياس عن حكم العقل بحجيته الظن حال الانسداد والكلام فيه يقع في مقامين (الاول) في امكان النهي عن العمل بامارة ظنية كالقياس في حد ذاتها (الثاني) في امكان النهي عنه بلحاظ حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد (اما المقام الاول) فنقول في توضيحه أنه لا ريب في أن الادلة الدالة على حرمة العمل بالقياس من الاخبار والاجماع كما تشمل صورة التمكن من الوصول إلى الاحكام الواقعية كذلك تشمل صورة عدم التمكن منه ايضا واحتمال الاختصاص بالصورة الاولى باطل قطعا وهذا بناء على كون العمل بالقياس مشتملا على مفسدة غالبة على فوات مصلحة الواقع عند الاصابة لما في العمل به من اتباع العامة ومقابلة امام العصر عليه السلام واضح واما بناء على كون النهي لاجل الطريقية حيث أن العقلاء يعملون به في امورهم العادية المبنية على اساس واحد لكن الشارع نهى عن العمل به لان الاحكام الشرعية تتبع المصالح والمفاسد البعيد ادراكها عن العقول وهي غير مبتنية على اساس واحد كما يظهر من رواية أبان وغيرها فربما يقع الاشكال في امكان النهي عنه فيما إذا اتفقت اصابته للواقع فإن النهي عن العمل به موجب لفوات مصلحة الواقع من دون تدارك وهذا الاشكال نظير الاشكال الوارد في جعل الطرق والفرق بينهما ان الاشكال في الامر إنما هو في صورة الخطأ والاشكال في النهي إنما هو في صورة الاصابة (والتحقيق) في المقام ان يقال أنه لا وجه للالتزام بالمصلحة السلوكية التي ربما نحتاج إلى الالتزام بها في طرف الامر كما مر الكلام فيه مفصلا في المقام اصلا فإن النهي عن العمل بالقياس في فرض الانفتاح وامكان الوصول إلى الواقعيات لا اشكال فيه اصلا ضرورة عدم ترتب فوت مصلحة على النهي عنه ابدا وأما في فرض الانسداد فالوجه في النهي عنه مع اصابته للواقع احيانا غلبة مخالفته له في نظر المولى فيقع المزاحمة بين الامر والنهي لا محالة ضرورة أن المخالفة وعدم الاصابة تقتضي النهي عن العمل به كما ان اصابته احيانا تقتضي الامر بالعمل على طبقه وحيث أن المفروض غلبة المخالفة وعدم الاصابة فلا محالة يتقدم النهي من دون احتياج إلى التدارك في فرض الاصابة أصلا (وأما المقام الثاني) فحاصل الاشكال فيه هو أن العقل بعد ما استقل بحجية الظن حال الانسداد فإن كان حكمه
بذلك من باب الكشف فقد عرفت أنه لا يحكم بذلك إلا بنحو الاهمال ويحتاج في التعيين
[ 156 ]
أو التعميم إلى وجود دليل يدل عليه ومع القطع بكون العمل بالقياس منهيا عنه فلا محالة لا يكشف العقل عن حجيته في هذا الحال ويكون موضوع حكمه مقيدا بعدمه وأما إذا كان حكمه بذلك من باب الحكومة من جهة قبح ارادة الشارع ما عدا الظن وقبح اقتصار المكلف على ما دونه فيكون حال الظن بلحاظ حال الانسداد كحال القطع فكما لا يمكن المنع عن العمل على طبق القطع فكذلك لا يمكن المنع عن العمل بخصوص ظن بلحاظ الانسداد مع حكم العقل بكونه مناط الاطاعة في هذا الحال (وبالجملة) حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد كسائر الاحكام العقلية غير قابل للتخصيص بمورد دون مورد إذ لو امكن المنع عن العمل بظن حال الانسداد لاحتمل المنع في كل واحد واحد من الظنون ومع هذا الاحتمال لا يستقل العقل بحجية ظن اصلا ولا رافع لهذا الاحتمال الا قبح المنع ومعه لا يصح المنع مطلقا (والجواب) عن ذلك أن حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد يستحيل ان يكون على وزان حكمه بحجية القطع ضرورة ان غير الكاشف التام يستحيل ان ينقلب عما هو عليه فيكون كاشفا تاما حتى لا يمكن التصرف فيه وضعا أو رفعا بل حكمه بذلك معلق على عدم وصول طريق من الشارع جعلا أو نفيا ضرورة أن استقلاله بالقبح المذكور ليس لاجل خصوصية خارجية بل من جهة عدم وصول طريق من الشارع وكون الظن اقرب الطرق إلى الواقع ومع فرض وصول المنع عن طريق مخصوص كيف يحكم العقل بحجيته وقبح مخالفة العبد له (والحاصل) ان موضوع حكم العقل مقيد من اول الامر بعدم وصول الجعل أو المنع من الشارع ومعه لا موضوع لحكم العقل اصلا فالمنع عن القياس يوجب خروج الظن القياسي عن الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد لا عن حكمه (هذا) مضافا إلى ان حكم العقل بالحجية وإن لم يكن مقيدا بعدم المنع من الشارع إلا أنه مقيد بكون الظن حاصلا من الطرق المتعارفة لا محالة فلا يشمل مثل الظن الحاصل من الرؤيا وامثاله والظن القياسي وإن كان ظنا حاصلا من الطريق المتعارف في حد ذاته لما بينا
من أن العقلاء يعتمدون عليه في أمورهم العادية المبنية على اساس واحد إلا انه بعد منع الشارع عنه وبيان أن الاحكام الشرعية لا تبتني على اساس واحد بل هي مبتنية على مصالح ومفاسد لا تصل إليها عقول الناس فيكون الاعتماد عليه في الاحكام الشرعية اعتمادا على الظن الحاصل من الطريق الغير المتعارف فيكون حال القياس حال الرؤيا المفيد للظن بعد المنع المذكور ويكون خروجه عن دليل الانسداد خروجا موضوعيا لا حكميا (وأما) ما اجاب به في الكفاية عن
[ 157 ]
الاشكال من ان النهي عن العمل بالظن القياسي يرجع إلى جعل الاصول حجة في مورده وحكم العقل بحجية الظن معلق على عدم وصول الحجة من الشارع ومع وصول حجية الاصل في مورده لا اشكال في صحة المنع عنه (فيرد عليه) ان المنع عن العمل به وإن كان ملازما لجعل الاصل حجة في مورده إلا ان الاشكال في امكان جعل الاصل حجة في مورد الظن حال الانسداد مع استقلال العقل بكون الظن اقرب الطرق في تلك الحال ولو امكن جعل الاصل حجة في مورد القياس لامكن جعله حجة في مواد بقية الظنون ايضا ومع احتمال ذلك لا يستقل العقل بحجية ظن اصلا كما ذكرناه في تقرير الاشكال وعلى كل حال فالاشكال المذكور ضعيف غايته ولا ينبغي التعرض له ولما يرد عليه ازيد من ذلك * (التنبيه الرابع) * إذا قام ظن على عدم اعتبار ظن بالخصوص وبنينا على تعميم نتيجة الانسداد للظن المتعلق بالمسألة الاصولية أو الفرعية فهل مقتضى القاعدة دخول الظن المانع في النتيجة أو دخول الظن الممنوع فيها أو ملاحظة الترجيح بينهما (الحق) هو الاول لان الظن المانع إذا كان حجة فيكون حاكما على الظن الممنوع ومخرجا له عن الموضوع وهذا بخلاف الظن الممنوع فإنه لا يوجب خروج الظن المانع عن ذلك غاية الامر ان لازم حجيته خروج الظن المانع عن الحكم بالملازمة فيدور الامر بين التخصيص والتخصص ولا اشكال في تقدم الثاني كما في كل حاكم بالملازمة فيدور الامر بين التخصيص والتخصص ولا اشكال في تقدم الثاني كما في كل حاكم ومحكوم (توضيح) ذلك ان حكم العقل بحجية الظن حال الانسداد قد عرفت انه حكم
تعليقي على عدم ثبوت منع الشارع عن العمل بظن مخصوص إذ مع ثبوت المنع عن ذلك يكون مثل ذلك الظن خارجا عن الموضوع لا عن الحكم (ثم) ان الحكومة كما سيجئ لا تتوقف على كون الدليلين مما ثبت اعتبار كل منهما بدليل بل تجري فيما إذا ثبت حجيتهما بدليل واحد ايضا فكما ان الامارات تكون حاكمة على الاصول والاستصحاب يكون حاكما على اصالة البراءة فكذلك الظهورات يكون بعضها حاكما على البعض والاستصحاب يكون حاكما على استصحاب آخر إذ المدار في الحكومة هو كون احد الدليلين رافعا لموضوع الآخر دون العكس وهذا مشترك في الجميع (ثم ان) رفع احد الدليلين لموضوع الآخر تارة يكون برفع موضوعه بالكلية كما في استصحاب طهارة الماء الرافع للشك عن نجاسة الثوب المغسول به واخرى يكون برفع جزء موضوعه وان كان الجزء الآخر محرزا بالوجدان ولا يفرق في الحكومة بين القسمين إذ ثبوت الحكم فرع تحقق تمام الموضوع خارجا فلا فرق بين انعدام جزء من الموضوع أو تمامه في ان عدم ثبوت الحكم
[ 158 ]
لاجل التخصص دون التخصيص (إذا عرفت) ذلك فنقول ان الظن المانع حيث انه ظن لم يثبت عدم اعتباره شرعا فإذا كان حجة فلا محالة يكون النص الممنوع ظنا ثبت عدم اعتباره بدليل قاطع فيخرج بذلك عن موضوع نتيجة الانسداد باعتبار ثبوت المنع وانتفاء القيد المعتبر فيه فيكون عدم الشمول لاجل التخصص دون التخصيص وهذا بخلاف الظن الممنوع فان حجيته لا تقتضي ممنوعية الظن المانع وعدم اعتباره الا من باب الملازمة فإن كلا الظنين لا يمكن اعتبارهما معا فلازم حجية الظن الممنوع عدم اعتبار الظن المانع لا محالة ومن الواضح ان ثبوت اللازم فرع ثبوت ملزومه والظن المانع لا يبقى مجالا له حتى يترتب عليه لازمه كما في كل حاكم ومحكوم (والحاصل) ان فردية الظن المانع لموضوع النتيجة وجدانية لا مانع من دخوله تحته ودخوله يوجب خروج الظن الممنوع عن الفردية وهذا بخلاف الظن الممنوع فإن فرديته له حتى يعمه الحكم تتوقف على خروج الظن المانع عن الحكم وخروجه عنه جزافا لا يعقل ومن جهة فردية الظن الممنوع وشمول الحكم له المتوقفين على الخروج مستلزم للدور (وبالجملة) ما هو المناط في تقدم
كل دليل حاكم على الدليل المحكوم موجود في المقام بعينه ولا فرق الا في ان الرفع في المقام باعتبار جزء الموضوع لاتمامه وهذا لا يكون فارقا في المناط كما عرفته (ومن ذلك) يظهر ان ما افاده العلامة الانصاري (قده) وحاصله ان نسبة الظنين إلى موضوع نتيجة الانسداد نسبة واحدة فلا يمكن حكومة احدهما على الآخر (لا يمكن) المساعدة عليه اصلا (واما) ما افاده في مقام الجواب عن الحكومة بأنه لا يتم فيما إذا كان الظن المانع والممنوع من جنس واحد كان يقوم الشهرة على عدم حجية الشهرة (الخ) (ففيه) ان ذلك لا يضر بدعوى الحكومة اصلا ضرورة ان الحكومة انما تتصور في الدليلين لا في دليل واحد بالقياس إلى نفسه فإن لازم حجيته (حينئذ) عدم حجيته وما يلزم من وجوده عدمه محال والمدعى انما هي الحكومة في غير هذه الموارد كما هو واضح (واما) ما افاده ثانيا وملخصه ان حكم العقل بحجية الظن الممنوع حال الانسداد يمنع من حصول الظن بعدم اعتباره فان القطع بالاعتبار ينافي الظن بعدمه (فمن الغرائب) فإن الظن بعدم الاعتبار بالخصوص لا ينافي القطع بالاعتبار من جهة دليل الانسداد وعليه فإذا كان الظن الممنوع داخلا في موضوع النتيجة فلازم ذلك ليس هو انقلاب الظن المانع إلى القطع بالعدم بل لازمه عدم اعتباره وخروجه عن الحكم كما عرفت وهذا بخلاف الظن المانع فإن لازم دخوله هو خروج الظن الممنوع عن الموضوع رأسا (هذا تمام الكلام) في بحث الانسداد ولا موجب للتعرض لبقية الامور
[ 159 ]
التي تعرض لها شيخنا العلامة الانصاري (قده) ولا بأس بتتميم مباحث الظن بخاتمة يذكر فيها امور (الاول) انه بعد ما ثبت حجية الظواهر من حيث الدلالة وحجية الخبر الصحيح القدمائي من حيث السند فلا اشكال فيما إذا ثبتا بالقطع وهل يثبتان بالظن الغير الثابت حجيته كقول اللغوي أو الرجالي ام لا الحق هو التفصيل في المقام (بيان ذلك) ان الحجة من حيث السند ليس الا الخبر الموثوق بصدوره فكما انه يحصل الوثوق بالصدور فيما إذا اثبت وثاقة الراوي بالقطع فيدخل بذلك في موضوع الحجية (فكذلك) يحصل الوثوق به من التعديلات الرجالية ايضا فيدخل الخبر بذلك في موضوع الحجية وجدانا فالعمل به ليس من جهة حجية قول
الرجالي إذ المفروض عدم ثبوت حجيته بل من جهة اندراج الخبر به في موضوع الحجية واما الحجية من حيث الدلالة فموضوعها كون اللفظ ظاهرا في المعنى ومن الواضح ان قول اللغوي المفروض عدم حجيته لا يوجب ظهورا في اللفظ حتى يدخل بذلك في موضوع الحجية وما لم يوجب ظهورا في اللفظ لا يكون به اعتبار اصلا (الامر الثاني) ان الشهرة هل يجبر بها ضعف الدلالة أو السند حتى يكون بها ما لم يكن متصفا بصفة الحجية في حد ذاته متصفا بها ام لا الحق هو التفصيل ايضا وتوضيح ذلك ان الشهرة اما روائية أو عملية استنادية أو فتوائية مطابقية ونعني بالشهرة الروائية اشتهار روايتها بين اصحاب الائمة عليهم السلام وبالاستنادية استناد الفقهاء القدماء القريب عصرهم من عصر الائمة عليهم السلام في فتواهم إلى رواية معينة وبالمطابقية صرف مطابقة فتواهم مع مضمون الرواية من دون استناد اما الشهرة الروائية فلا ريب ان كثرة رواية اصحاب الائمة عليهم السلام لرواية معينة ولو كان في سندها من لا يوثق به يوجب الظن الاطمئناني باحتفافها بقرينة اوجبت اشتهارها بين الاصحاب لقرب عهدهم من زمان صدورها فيكشف ذلك عن تثبتهم فيما ووقوفهم على ما يوجب اطمئنان النفس بصدورها وحينئذ فالشهرة الروائية توجب دخول الخبر الضعيف الغير الموثوق بصدوره في نفسه في الخبر الموثوق بصدوره فيكون بذلك حجة نعم شهرة الرواية بين المتأخرين البعيدين عن عصر الصدور لا يكشف عن ذلك ولا يدخل الرواية بها في موضوع الحجية ولذا قيدنا الشهرة الجابرة بكونها بين قدماء الاصحاب واما الشهرة الاستنادية بين القدماء مع كون الرواية ضعيفة في نفسها فيكشف بحسب العادة عن اطلاعهم على قرائن فيها اوجبت اطمئنانهم بصدورها حتى صارت مدركا لفتواهم فلا محالة تكون الرواية بذلك داخلة فيما يوثق بصدوره فيشملها دليل
[ 160 ]
الحجية نعم الشهرة المطابقية ولو كانت من القدماء أو الشهرة الاستنادية من المتأخرين البعيد عصرهم عن عصر الصدور بحيث يبعد عادة اطلاعهم على قرائن موجبة للاطمئنان بالصدور وإن كانوا بحسب النظر ادق من القدماء خصوصا الطبقة الوسطى منهم قدس الله تعالى اسرارهم
لا توجب دخول الرواية فيما يوثق بصدوره حتى يشملها دليل الحجية إذ غاية ما يحصل من الشهرة هو الظن بمطابقة مضمون الرواية للحكم الواقعي واين ذلك من الوثوق بصدور الرواية الذي هو موضوع دليل الحجية هذا بحسب السند واما بحسب الدلالة فحيث ان موضوع الحجية من هذه الحيثية هو كون اللفظ بنفسه ظاهرا في المعنى وملقيا له في الخارج فيستحيل تحقق ذلك بالشهرة الخارجية إذ غاية ما يحصل من الشهرة هو الظن بكون الحكم الذي افتى المشهور به مرادا من الرواية وهذا ظن خارجي بالمراد واجنبي عن ظهور اللفظ في المعنى الذي هو موضوع الحجية (وبالجملة) الشهرة وان لم تكن في حد نفسها حجة الا انها توجب دخول الخبر من حيث السند في موضوع ثبت حجيته على التفصيل المذكور ولا توجب دخوله في موضوع الحجة من حيث الدلالة ابدا - * (كشف قناع) * - ربما يقال ان الشهرة بين المتأخرين إذا لم تكن جابرة لضعف السند ولو كانت استنادية فاين يتحقق جابرية الشهرة لضعف الرواية فإن الشهرة الاستنادية لا تعلم الا من كتب الاستدلال ومن المعلوم ندرة الاستدلال في كتب القدماء جدا وانما حدثت الكتب الاستدلالية بين المتأخرين فما هو الجابر غير متحقق وما هو متحقق غير جابر نعم ربما يظهر الاستناد من كتب الاخبار كالكافي حيث يذكر عنوان الباب الذي عليه فتواه ثم يذكر الروايات بعد ذلك فيعلم من ذلك استناده في الفتوى بتلك الروايات المذكورة فيه ولكن اثبات الشهرة الاستنادية بين القدماء مع عدم وجود الكتب الاستدلالية بينهم غير ممكن عادة ولكنه لا يخفى انه إذا علم فتوى القدماء من كتبهم الفتوائية ولم تكن الفتوى موافقة لاصل أو قاعدة ولم يكن عليها دليل واضح في كتب الاخبار غير الرواية التي يحتمل استنادهم إليها فلا محالة تطمئن النفس باستنادهم فيها إليها ضرورة ان تقواهم مانعة عن الفتوى بغير مدرك والمفروض عدم ما يصلح ان يكون مدركا لهم فيتعين المدرك في هذه الرواية ويثبت بذلك استنادهم إليها واحتمال عدم استنادهم إليها في الفتوى مع ذلك احتمال سفسطي ينافي مقتضى
[ 161 ]
الفطرة فالاصل الاولي في الشهرة المطابقية فيما لم يكن هناك أصل أو قاعدة على طبق الفتوى ان تكون شهرة استنادية فافهم هذا واغتنم حتى ينفعك في الفروع الفقهية إن شاء الله تعالى * (الامر الثالث) * ان اشتهار الفتوى بخلاف ما هو حجة في نفسه يوجب وهنا في السند أو الدلالة ام لا اما بحسب السند فلا ريب في ان اعراض المشهور عن رواية صحيحة في نفسها وفتواهم بخلافها يوجب الوثوق باطلاعهم على خلل في الرواية من حيث الصدور أو جهته فيخرج الخبر بذلك عن ما يوثق بصدوره لبيان الحكم الواقعي فلا يكون حجة لكن ذلك مشروط بكون الشهرة قدمائية اولا وبكون الرواية بمرأى ومسمع منهم حتى يثبت اعراضهم عنها ثانيا فمثل الاخبار الاشعثيات واخبار دعائم الاسلام والفقه الرضوي ونحوها مما لم تصل إليها ايدي القدماء إذا كان فيها خبر صحيح وقد افتى المشهور من القدماء على خلافه لا يسقط عن الحجية لان فتواهم بالخلاف مع عدم وصول الخبر إليهم لا يوجب الاعراض عنه كما هو واضح وبأن لا يكون فتواهم على الخلاف من جهة عدم وثاقة الرواية عندهم ثالثا إذ لو كان مستندا إعراضهم هو ذلك وقد علمنا خطأهم فيه وكون الرواية موثوقا بها فلا يكون فتواهم بالخلاف موجبة لعدم الوثوق بالصدور كما لا يخفى فالميزان في الموهنية هو ارتفاع الوثوق بالصدور كما ان الميزان في الجابرية هو وجوده واما من حيث الدلالة فالذي اخترناه سابقا هو عدم موهنية اشتهار الخلاف للظهور فإن موضوع الحجية من جهة الدلالة هو الظهور وهذا لا ينثلم باشتهار الخلاف إذ غاية ما يوجبه الاشتهار هو الظن الخارجي بعدم ارادة الظهور وذلك اجنبي عن موضوع الحجية بالكلية ولكن الانصاف عدم استقامة ذلك إذ كون الظهور بمرأى ومسمع من القدماء وعدم اعتمادهم عليه بل فتواهم بخلافه يوجب الظن الاطمئناني باطلاعهم على قرينة توجب ارادة خلاف الظاهر إذ لو لا ذلك لما كان لاعراضهم عن الظهور وجه اصلا فالشهرة وإن لم تكن حجة على الحكم الابتدائي لاحتمال استناد المشهور إلى ما لا نعتمد عليه إلا انها إذا كانت على خلاف الظهور الذي هو بمرأى منهم ومسمع توجب حمل الظاهر على خلافه ولا اقل من ان توجب
عدم حجية الظاهر في مورد الشهرة لكون حجيته حينئذ مشكوكة وعلى كل حال لا يكون حجة مع الشهرة على الخلاف (وبالجملة) ليس حال الشهرة حال غيرها من الظنون إذا كانت على خلاف الظاهر فإن الاولوية الظنية مثلا إذا حصل منها ظن على خلاف الظاهر فلا يكون ذلك إلا ظنا بعدم ارادة الظهور واقعا وهذا لا يوجب سقوط الظهور عن الحجية على ما هو المحقق
[ 162 ]
عندنا من عدم اشتراط حجيته بعدم الظن بالخلاف وهذا بخلاف الشهرة على الخلاف فإنها توجب الاطمئنان باطلاع المشهور على ما يوجب ارادة خلاف الظاهر لا محالة ولم يثبت بناء عن العقلاء على حجية الظهور حينئذ ان لم يثبت عدمه وهذا نظير ما إذا صدر من المولى العرفي خطاب عام ورأينا ان المشهور بين اصحابه عدم العمل بهذا العموم مع اطلاعهم عليه ومبالاتهم بأحكام مولاهم فإنه يكشف عند العقلاء عن اطلاعهم على ما يوجب إرادة الخصوص ولا يعملون حينئذ على طبق العموم جزما فتحصل انه لا فرق في كاسرية الشهرة للحجية بين السند والدلالة * (المقصد السابع) * في الاصول العملية الجارية عند الشك وقد بينا في مبحث القطع انها تنقسم باعتبار مواردها إلى اربعة البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب فإن الشك اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة ام لا وعلى الثاني اما ان يكون جنس الالزام معلوما ام لا وعلى الاول اما ان يكون الاحتياط ممكنا ام لا فهاهنا اربعة مباحث * (المبحث الاول) * البراءة وموردها عدم العلم بجنس التكليف مع عدم لحاظ الحالة السابقة وقبل التكلم في ذلك لا بأس بتقديم مقدمة يذكر فيها الفارق بين التخصص والورود والحكومة والتخصيص (فنقول) اما التخصص فهو عبارة عن خروج شئ عن موضوع دليل بخروج وجداني تكويني كخروج العلم الوجداني بالحكم عن ادلة الاصول والامارات واما التخصيص فهو عبارة عن اخراج بعض افراد الموضوع عن الحكم من دون تصرف لا في عقد الوضع ولا في عقد الحمل كما إذا ورد اكرم العلماء وقام الدليل على عدم وجوب اكرام زيد العالم فإنه يوجب خروج زيد عن حكم وجوب الاكرام من دون تصرف لا في موضوع اكرم العلماء
بنفي العالمية عن زيد ولا في عقد الحمل باعطاء خصوصية للوجوب غير متحققة في اكرام زيد (واما) الورود فهو عبارة عن الخروج الوجداني ايضا لكن بالتعبد بمعنى ان يكون نفس التعبد مع قطع النظر عن ثبوت ما يتعبد به بحكم الشارع موجبا لخروج مورده عن الموضوع وهذا كورود الادلة التعبدية على الاصول العقلية التي اخذ في موضوعها عدم البيان أو عدم المؤمن أو تحير المكلف من حيث العمل كاصالة البراءة أو الاحتياط أو التخيير فإن نفس وجود التعبد الشرعي كاف في البيان والمؤمنية ورفع التحير عن المكلف فهو وان شارك التخصص في ارتفاع الموضوع في موردهما وجدانا إلا انه يفارقه في ان الارتفاع في مورد الاول تكويني خارجي وفي الثاني تشريعي تعبدي ومن هنا يعلم ان في اطلاق الوارد على الادلة العلمية بالقياس إلى
[ 163 ]
أدلة الامارات والاصول مسامحة واضحة (واما) الحكومة فهي تارة تكون باعتبار رفع احد الدليلين لموضوع الآخر وأخرى باعتبار رفعه للحكم والجامع بين القسمين ان لا يكون الرفع وجدانيا كما في الورود والتخصص بل باعتبار ثبوت ما يتعبد به تشريعا (وتوضيح) ذلك ان الحكومة تارة تكون واقعية فيوجب دليل الحاكم ارتفاع دليل المحكوم بحسب الواقع وهذا كحكومة ادلة عدم اعتبار شك كثير الشك على ادلة الشكوك فانها توجب اختصاص الاحكام الثابتة للشكوك بغير كثير الشك واقعا لكن لا بلسان ان كثير الشك لا اعتبار بشكه حتى يرجع إلى التخصيص بل بلسان أن شكه ليس بشك فهو خارج عن الموضوع بالتعبد وكحكومة ادلة نفي الحرج والضرر على الاحكام الواقعية فانها توجب تصرفا في عقد الحمل واختصاص الاحكام بغير الموارد الحرجية أو الضررية لكن لا بلسان ان المتضرر مثلا ليس بمكلف أو ان الوضوء الضرري مثلا ليس بوضوء حتى يكون رفعا لموضوع الاحكام الثابتة على المكلفين ولا بلسان انه لا يجب الوضوء على المتضرر مثلا حتى يرجع إلى التخصيص بل بلسان ان الاحكام الثابتة في الشريعة ليست بضررية ولا حرجية ولازم ذلك هو تلون الاحكام الثابتة بلون مخصوص ويترتب عليه ارتفاعها عن موارد الحرج والضرر قهرا والفرق بين ذلك وبين القسم الاول بعد
اشتراكهما في انهما يوجبان ارتفاع دليل المحكوم واقعا ان الدليل الحاكم في القسم الاول كان بالتصرف في الموضوع وموجبا لرفعه بخلافه في هذا القسم فإنه يوجب التصرف في المحمول ورفعه من دون التصرف في عقد الوضع وأخرى تكون الحكومة ظاهرية وهذا انما يتحقق في موارد الاحكام الظاهرية كحكومة الامارات على الاصول الشرعية وحكومة بعض الامارات أو بعض الاصول على بعض اما حكومة الامارات على الاصول فانها توجب ثبوت ما اخذ الشك فيه موضوعا في ادلة الاصول فيرتفع موضوعها بذلك وليس نفس التعبد بما هو مع قطع النظر عن ثبوت ما تعبد به موجبا لرفع الموضوع كما في الورود لاشتراك دليل المحكوم مع الحاكم في ذلك إذ المفروض ثبوت التعبد في كليهما بل الموجب لذلك هو ثبوت ما تعبد به بحكم الشارع مثلا إذا فرضنا قيام الدليل التعبدي على حرمة شئ أو نجاسته فلا محالة يوجب ذلك الدليل ثبوت الحرمة والنجاسة بحكم الشارع ويرتفع بذلك موضوع اصالة البراءة أو الطهارة أعني الشك في الحرمة أو النجاسة وهكذا الحال في حكومة بعض الاصول على بعض كحكومة الاصل السببي على المسببي فإن جريان الاصل السببي ولو لم يكن من الاصول المحرزة كاصالة
[ 164 ]
الطهارة يوجب ثبوت مجراه الذي اخذ الشك فيه موضوعا في الاصل المسببي ولو كان من الاصول المحرزة مثلا إذا غسل ثوب متيقن النجاسة بماء مشكوك النجاسة فاصالة الطهارة في الماء يوجب ارتفاع الشك في بقاء النجاسة في الثوب الذي اخذ موضوعا لاستصحاب النجاسة ومن ذلك تعلم ان الاصل الجاري في ناحية السبب إذا لم يكن رافعا للشك في ناحية المسبب فلا محالة لا يكون حاكما عليه وهذا كما في موارد الشك في كون شئ من اجزاء مأكول اللحم أو غيره فان اجراء اصالة الحلية في اللحم لا يوجب ارتفاع الشك في جواز الصلاة وعدمه معه فان جواز الصلاة مترتب على الحلية الذاتية للحيوان كما في الغنم وغيره مما يؤكل لحمه في قبال الحرمة الذاتية كما في الارنب ونحوه ومن المعلوم انه لا يثبت ذلك اصالة الحلية حتى يرتفع الشك في الجواز بها واما حكومة بعض الامارات على بعض فليست باعتبار رفع نفس
موضوعها بالتعبد بل باعتبار رفع قيد الموضوع ولا فرق في ارتفاع موضوع الدليل المحكوم بين ارتفاعه بنفسه وبين ارتفاعه بقيده مثلا إذا قامت البينة على ان المال الذي في يد زيد ملك لعمرو فموضوع قاعدة اليد وان لم يرتفع بقيامها الا انه يوجب ارتفاع قيده إذ الموضوع فيها اليد التى لم يعلم حالها والبينة توجب معلومية حالها فيكون رافعا لموضوعها وهكذا الحال في حكومة الاقرار على غيره من الامارات وحكومة حكم الحاكم على غير الاقرار منها (وملخص) الكلام ان الحكومة سواء كانت واقعية أو ظاهرية لا محالة توجب ارتفاع موضوع الدليل المحكوم بثبوت ما تعبد به شرعا في غير موارد التصرف في عقد الحمل كما في ادلة نفي الضرر والحرج فتفرق عن الورود بان الارتفاع في مورده ليس باعتبار ثبوت ما تعبد به بل باعتبار نفس التعبد وقد ظهر من جميع ذلك ان ما توهمه جماعة من ان الحكومة لا بد وان تكون باعتبار شارحية الدليل الحاكم للدليل المحكوم بمثل كلمة اعني واردت واشباهها اغترارا بظاهر كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) في جملة كلام له في باب التعادل والتراجيح في غير محله ضرورة ان الحكومة بهذا المعنى نادرة التحقق في الفقه جدا والالتزام باعتبار هذا المعنى في الحكومة شعر بلا ضرورة (والحاصل) ان الدليل إذا ورد عليه قرينة موجبة لارادة المعنى المجازي من اللفظ أو ارادة المخصوص أو المقيد واقعا وان لم يكن مجازا في الكلمة كما في موارد التخصيص والتقييد على ما هو الحق عندنا من عدم استلزامهما للمجازية فلا محالة يحكم العقل بعد ذلك بارادة خلاف الظاهر لفظا أو واقعا جمعا بين الدليلين فإذا كان هذا المعنى المتحصل
[ 165 ]
من حكم العقل بعد الجمح المذكور مفادا لفظيا ومعلولا لنفس اللفظ من دون احتياج إلى حكم العقل فيكون الدليل المتكفل لذلك حاكما على الدليل الآخر وهذا هو الجامع بين تمام اقسام الحكومة التي مر بيانها فالفرق بين الحكومة والتخصيص بعد اشتراكهما في عدم ارتفاع الموضوع وجدانا ان دليل الحاكم يوجب التصرف في عقد الوضع أو في عقد الحمل فيترتب عليه رفع الحكم وهذا بخلاف التخصيص فانه يوجب ارتفاع الحكم عن الموضوع من دون تصرف اصلا (وقد ظهر) من جميع
ما ذكرناه ان تقدم الامارات على الاصول ليس من جهة ورودها عليها ولا من جهة تخصيص ادلة الاصول بها بل من جهة الحكومة الموجبة لارتفاع موضوعها بثبوت ما اخذ الشك فيه موضوعا في ادلة الاصول وسيأتي لذلك مزيد توضيح في بحث التعادل والتراجيح ان شاء الله تعالى (إذا عرفت ذلك) فنقول الشبهة التي يكون الاصل فيها جاريا اما ان تكون شبهة حكمية أو موضوعية والغرض من التكلم في هذا المقصد انما هو بيان حكم الشبهة الحكمية التي يختص اجراء الاصل فيها بالمجتهد والبحث عن الاصل الجاري في الشبهة الموضوعية المسماة عند القدماء بالشبهة في طريق الحكم من جهة الاستطراد (ثم) ان الشبهة الحكمية التي هي محل البحث في المقام وهو الشك في التكليف مع عدم لحاظ الحالة السابقة اما ان تكون تحريمية أو وجوبية فهنا مقامان ومنشأ الشبهة في كل منهما اما ان يكون فقدان النص أو اجماله أو تعارضه (اما المقام الاول) ففيه مسائل (المسألة الاولى) ما إذا كانت الشبهة تحريمية من جهة فقدان النص والنزاع فيها بين الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط فيها والاصوليين القائلين باصالة البراءة وقبل بيان ادلة الطرفين لا بد من بيان امرين (الاول) أن الفرق بين مسألة البراءة والاحتياط ومسألة كون الاشياء على الحظر أو الاباحة من جهتين (الاولى) أن موضوع هذه المسألة هو مطلق الفعل الصادر من المكلف سواء لم يكن له تعلق بموضوع خارجي أو كان له تعلق به اعم من ان يكون ذلك الفعل المتعلق به انتفاعا من ذلك العين ام لا وهذا بخلاف موضوع مسألة الحظر أو الاباحة فانه مختص بالانتفاع المتعلق بالموضوع الخارجي في غير ما يتوقف عليه المعاش الضروري فموضوع مسألتنا اعم من موضوع تلك المسألة من وجهين (الثانية) ان المبحوث عنه في مسألتنا هو حكم العقل من حيث كونه مشكوك الحكم وهذا بخلاف المبحوث عنه في تلك المسألة فانه حكم العقل من حيث هو وبعبارة اخرى المبحوث عنه في المقام هو البراءة أو الاحتياط من حيث كونهما مقتضى الاصل العملي (واما) المبحوث عنه في تلك المسألة فهو الحظر أو الاباحة
[ 166 ]
من حيث كونهما مقتضى الدليل الاجتهادي (وتوضيح) ذلك انه يبحث اولا عن حكم العقل
بالحظر أو الاباحة للاشياء مع قطع النظر عن الدليل الشرعي وبعد اثبات حكمه بالحظر أو توقفه في الحكم يبحث عن قيام الدليل الشرعي على اباحة الاشياء على العموم حتى يثبت المخرج نظير قوله تعالى واحل لكم ما في الارض جميعا ثم انه إذا بنينا على ثبوت العموم ولكن لم يمكن التمسك به لمانع في خصوص مورد أو بنينا على عدم الثبوت ولكن شك في شمول حكم العقل فتصل النوبة إلى البحث عن البراءة أو الاحتياط فتحصل ان الافعال الغير المتعلقة بالموضوعات الخارجية أو المتعلقة بها إذا لم تكن من قبل الانتفاعات داخلة في مبحث البراءة والاحتياط من اول الامر واما الانتفاع بالموضوعات الخارجية فيتوقف دخوله فيه على عدم شمول حكم الشرع باباحة الاشياء بنحو العموم وعدم حكم العقل بالحظر (ثم ان جماعة) من الاصحاب فرقوا بين المسألتين بأن مسألة الحظر أو الاباحة انما هي بلحاظ حال هي قبل ورود الشرع وأما مسألة البراءة والاحتياط فهي بلحاظ حال هي بعد ورود الشرع وقد اوردنا على ذلك سابقا بأن البحث عن حكم ما قبل الشرع المفروض كونه زمان الفترة عن الرسل وانه هل هو الحظر أو الاباحة نزاع لا محصل له فكيف يمكن ان يكون مطرحا للانظار ولكنه يمكن ان يكون مرادهم من القبلية هي القبلية الرتبية دون الزمانية فيرجع كلامهم إلى ما ذكرناه من ان النزاع في تلك المسألة اولا في حكم العقل مع قطع النظر عن حكم الشرع فلا اشكال * (الامر الثاني) * ان المبحوث عنه في المقام انما هو الحكم بالبراءة أو الاحتياط بعد الفحص واما قبله فلا اشكال في عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند الاصوليين والاخباريين ولكنه لا يخفى ان ذلك لا يستلزم ان يكون المجتهد هو المكلف باقامة الدليل على البراءة بعد الفحص بل الاخباري لا بد له من اقامة الدليل على الاحتياط بعد الفحص ايضا لان ملاك حكم العقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص يستحيل بقاؤه إلى ما بعد الفحص (وتوضيح) ذلك ان حكم العقل بعدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص له منشآن (احدهما) حكمه بوجوب الفحص عن احكام المولى بمجرد احتمال حكم من قبله فإن العقل يستقل بأن وظيفة المولى هو ايصال احكامه إلى عبده بجعل طرق إليها يتمكن العبد من الوصول إليها عادة
والعقاب على مخالفتها من دون ذلك عقاب لا بيان وبأن وظيفة العبد هو الفحص عن احكام مولاه حتى لا يقع في مخالفتها وحكمه هذا من فروع حكمه بوجوب النظر إلى المعجزة ولولا
[ 167 ]
حكمه بذلك يلزم افحام الانبياء عليهم السلام في دعواهم وقد سبق توضيح ذلك في بعض المباحث السابقة وسيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى وموضوع حكمه بذلك انما هو مجرد احتمال البيان حتى يكون هذا الحكم العقلي بيانا لما هو بيان الحكم الواقعي فيكون الحكم الواقعي واصلا بطريقة الواصل بالطريق ايضا ومن البديهي ان موضوع هذا الحكم يرتفع بعد الفحص فلو لم يجز الرجوع بعده إلى البراءة فلا بد وان يكون بملاك آخر غير وجوب الفحص (وثانيهما) حكمه بوجوب الاحتياط من جهة العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة فما دام هذا العلم الاجمالي موجودا يوجب تنجز الاحكام الواقعية ولو لم يكن عليها بيان في الشريعة وعلى ذلك بنينا صحة عقاب تارك الطريقين إذا اقتحم في الشبهة وصادف مخالفته للحكم الواقعي ولو كان الحكم بحيث إذا تفحص عنه لما كان يصل إليه ابدا وحينئذ فإذا أثبتنا انحلال هذا العلم الاجمالي بالفحص والظفر بمقدار المعلوم بالاجمال كما سنبينه ان شاء الله تعالى فلا محالة لا يترتب عليه اثر بعد الفحص فلا بد للاخباري القائل بوجوب الاحتياط من اقامة الدليل عليه غير هذا العلم الاجمالي المترتب عليه وجوب الاحتياط في خصوص ما قبل الفحص فيكون حاله حال الاصولي في وجوب اقامه الدليل على مدعاه (إذا عرفت ذلك) فقد استدل للقول المختار وهو الحكم بعدم وجوب الاحتياط بالادلة الاربعة (اما الآيات) فمنها قوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها بتقريب ان المراد من لفظة ما الموصولة هو التكليف فيكون المراد من الايتاء المتعلق به هو الاعلام فتدل على ان الله تبارك وتعالى لا يكلف بالتكليف الغير الواصل إلى المكلف (وقد) ادعى بعض ان دلالة الآية على ذلك ظاهرة بتقريب ان لفظة ما ظاهرة في ان المراد منه هو الحكم وايتاء الحكم عبارة عن اعلامه كما في قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه فتدل على ان الحكم قبل وصوله لا يكلف به العبد بل يكون هو في سعة واشكل عليه بأن ارادة خصوص
الحكم منها ينافيها صدر الآية وهو قوله ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله (والتحقيق) ان يقال ان لفظة ما في حد ذاته يحتمل معان ثلاثه (الاول) خصوص الحكم فيكون المراد من الايتاء الذي هو بمعنى الاعطاء الاعلام (الثاني) خصوص المال فيكون المراد من الايتاء اعطاء السلطنة (الثالث) مطلق الفعل فيكون المراد من الايتاء الاقدار عليه فتدل على عدم جواز التكليف بغير المقدر فيشمل مورد الآية وغيره (ثم انه) لاريب في عدم جواز ارادة خصوص الحكم منها لمنافاته لمورد الآية كما انه لاريب في عدم جواز ارادة خصوص المال منها
[ 168 ]
وإلا لزم التكرار في مدلول الآية بل الظاهر كون الفقرة الثانية بمنزلة الكبرى الكلية للفقرة الاولى مضافا إلى ما في رواية عبد الاعلى من الاستدلال بعدم وجوب المعرفة على الناس قبل البيان بهذه الآية فلا بد من كونها بمنزلة الكبرى الكلية في المقامين والالتزام بارادة معنى جامع ينطبق على مورد الآية والرواية والذي يظهر من العلامة الانصاري (قده) هو ارادة الاقدار من الايتاء فيكون شاملا لموردي الآية والرواية فإن تحصيل معرفة الصانع اجمالا وان كان فطريا لكل مدرك التفت إلى نفس وجوده وحدوثه فضلا عن غيره الا ان المعرفة التفصيلية تتوقف على البيان لا محالة ومن دفعه تكون تحصيلها غير مقدور عليه يكون الآية اجنبية عن الدلالة على عدم التكليف في ظرف عدم الوصول (وبعبارة اخرى) البيان في مورد الرواية وهو المعرفة ليس مثل البيان في الاحكام الفرعية حتى يلزم من شمول الآية للاول شمولها للثاني إذ البيان في المعرفة شرط مقدوريتها للمكلف إذ بدونه لا تكون مقدورة وهذا بخلاف البيان في الاحكام الفرعية فإن الاتيان بمتعلقاتها لا يتوقف عليه اصلا (والحاصل) ان استدلال الامام عليه السلام بعدم وجوب المعرفة قبل البيان لا دلالة فيه على ارادة الاعلام من الايتاء حتى يصح الاستدلال بها في المقام بل يصح ذلك مع عدمها وارادة الاقدار من الايتاء وعليها يكون مدلول الآية اجنبيا عن المقام بل رأسا هذا (ولكنه لا يخفى) ان المعرفة التفصيلية قبل البيان وان كانت غير مقدورة الا ان الظاهر ان استدلال الامام عليه
السلام ليس من هذه الجهة بل من جهة ان التكليف لا يكون قبل البيان فانه سلام الله عليه رتب الاستدلال بالآية على قوله لا على الله البيان فيكون الظاهر من الرواية ان كون مورد السؤال من صغريات الآية لاجل عدم البيان لا لاجل عدم القدرة قبل البيان وعليه فيدل الآية على نفي التكليف في مطلق موارد عدم البيان فلابد من ارادة الجامع بين مورد الآية والرواية (ودعوى) انه لا جامع بين التكليف ومتعلقه فإن ايتاء التكليف عبارة عن اعلامه وايتاء المال عبارة عن التسليط عليه ولا جامع بينهما (مدفوعة) بأن الايتاء عبارة عن الاتيان بالشئ وهذا معنى واحد لا يختلف باختلاف موارده فيكون المراد من الايتاء معنى واحد وانما الاختلاف في مصاديقه فإن الاتيان بالتكليف كما عرفت انما يكون باعلامه والاتيان بالمال انما يكون باعطائه والتسليط عليه والاتيان بالفعل انما يكون بالاقدار عليه فاختلاف مصاديق المعنى الواحد لا يضر بوحدة المعنى اصلا وما توهم ان شمول الآية للتكليف ومتعلقه يستلزم استعمال اللفظ وهو كلمة الموصول
[ 169 ]
في اكثر من معنى واحد إذ ارادة التكليف منه تستلزم كونه مفعولا مطلقا لقوله تعالى لا يكلف وارادة متعلق التكليف تستلزم كونه مفعولا به ولا جامع بين المفعولين فمدفوع بأن التكليف بالمعنى المصدري وان كان لا بد من كونه مفعولا مطلقا لا غير إلا انه بالمعنى الاسم المصدري المعبر عنه بالحكم المجعول يكون مفعولا به إذ هو الذي يصدر من الجاعل اولا فلا موجب للاستعمال في اكثر من معنى واحد فيكون معنى الآية ان الله تبارك وتعالى لا يكلف بحكم ولا بمتعلقه إلا بعد الاتيان به ومن ذلك يظهر ان ما توهمه بعض في قوله تعالى وهو الذي خلق السموات والارض ومن ان السموات مفعول مطلق فإن الخلق عين المخلوق غير صحيح فإن السموات وإن كان عين الخلق إلا انه الخلق بالمعنى الاسم المصدري وهو اول مفعول به يقع عليه فعل الفاعل فيكون مفعولا به لا غير ومنه يظهر ايضا ان ما عد من المفعول المطلق المفعول المطلق العددي أو النوعي غير صحيح ايضا فإن المصدر فيهما إنما يكون مستعملا في المعنى الاسم المصدري فيكون مفعولا به فيتمحض المفعول المطلق في ما إذا أتي به
للتأكيد لا غير فظهر من جميع ما ذكرناه صحة إرادة الجامع بين التكليف ومتعلقه ولا يلزم منه محذور أصلا بل لابد من ارادته حتى ينطبق على موردي الآية والرواية بالتقريب الذي ذكرناه ولكنه مع ذلك لا يمكن الاستدلال بها على الاخباري فإن محل الكلام بينهم وبين الاصوليين هو ما إذا شك في ثبوت حكم في الشريعة بعد صدور الاحكام وتبليغها إلى المكلفين لاجل احتمال صدور هذا الحكم واختفائه بسبب العوارض وأين ذلك من مفاد الآية وهو عدم التكليف قبل الاتيان بالحكم وقبل صدوره من جهة سكوت الله تعالى عنه ومن ذلك يظهر عدم دلالة بقية الآيات على تقدير تمامية دلالتها في حد أنفسها على محل الكلام بل غاية ما يستفاد منها هو عدم التكليف والمؤاخذ على مخالفة الحكم الغير الصادر وهذا أجنبي عن المقام كما عرفت بل ان قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي الآية وكذا قوله تعالى ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم عليه الآية لا يدل على ذلك ايضا فإن عدم الوجدان في مورد الآيتين يكشف عن عدم الوجود واقعا فلا يصح الاستدلال بهما لحكم مورد الشك أصلا وأما الروايات فهي كثيرة " منها " النبوي المروي بسند صحيح رفع عن أمتي تسعة اشياء الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والطيره والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفتيه ولا بد من التكلم في الرواية من جهات " الاولى "
[ 170 ]
ربما يتوهم ان رفع الخطأ وغيره حيث لا يمكن حقيقته فلا بد من التقدير من باب دلالة الاقتضاء وقد اختلف في بحث دلالة الاقتضاء في ان المقدر إذا دار أمره بين الخصوص أو العموم فهل مقتضى القاعدة هو الاخذ بالخصوص أو العموم أو الاخذ بأظهر الخواص أو الحكم بالاجمال وعليه فيقع النزاع في ان المقدر في المقام ما هو فهل هو خصوص العقاب أو تمام الآثار أو أظهرها أو يحكم بالاجمال ولكنه لا يخفى فساد هذا التوهم فإنه يبتنى على كون المراد من الرفع هو الرفع الخارجي حتى يتوقف صحة الكلام على التقدير وأما إذا كان المراد منه الرفع في عالم التشريع فلا يحتاج إلى تقدير شئ أصلا نعم يقع الكلام في ان مقتضى رفع الخطأ مثلا في عالم التشريع
وجعله كعدمه ما هو فهل رفعه عبارة عن رفع تمام الآثار أو خصوص العقاب أو رفع أظهر الآثار أو لا ظهور له في شئ من ذلك فيكون مجملا ويتضح لك الحال في ذلك إن شاء الله تعالى " الثانية " ان اتصاف الشئ بالرافعية أو الدافعية لا يكون إلا بعد وجود المقتضي ومنزلتها منزلة المانعية فما لم يكن هناك مقتض لوجود الشئ فلا دافع ولا رافع بل يستند العدم إلى عدم المقتضي ولا يخفى ان كل رافع فهو دافع في الحقيقة إذ الرافع إنما يكون مزاحما لتأثير مقتضى البقاء ومانعا عن تحقق مقتضاه حينه ووجود المقتضي قبل ذلك أجنبي عن مزاحمته بقاء فالرافع في الحقيقة مانع عن تحقق الاثر كما في الدافع فإن المعلول كما يحتاج إلى المؤثر في حدوثه فكذلك يحتاج إليه في بقائه فكل من الرافع والدافع يكون مزاحما للمقتضي في تأثيره نعم لو قلنا بأن الحادث لا يحتاج في بقائه إلى المؤثر لما كان الرافع مزاحما لتأثير المقتضي بل دافعا لاثره الحادث ولكن هذا القول فاسد لا يمكن المصير إليه وعليه فلا فرق حقيقة بين الدافع والرافع ويصح استعمال كل منهما في مورد الآخر بلا عناية فلا وقع للاشكال على الرواية بعدم صحة اطلاق الرفع في جملة من التسعة المذكورة فيها التي هي من قبيل الدفع " الثالثة " ان رفع الخطأ والنسيان في الرواية ليس المراد منه هو دفع نفس هذه العناوين تشريعا وفرضها كأن لم يكن كما توهم فإن ذلك يستلزم اجراء احكام العامد والملتفت على الخاطئ والناسي وهذا ينافي ورود الرواية مورد الامتنان بل المراد منه هو رفع الفعل الصادر حال الخطأ أو النسيان كرفع الفعل المكره عليه أو المضطر إليه أو مالا يطاق بمعنى أن الاحكام الثابتة لنفس الافعال من دون تقييدها بحال العمد أو الخطأ مثلا ترتفع حال الخطأ فتكون الرواية حاكمة على الادلة المثبتة للاحكام لنفس عناوين الافعال من دون قيد ومخصصا لها بحال العمد واما الاحكام الثابتة على الافعال بقيد كونها
[ 171 ]
عمدية فهي ترتفع في مورد الخطأ بنفس أدلتها من دون احتياج إلى حديث الرفع كما ان الاحكام الثابتة للفعل الخطأي يستحيل ارتفاعها بسبب الخطأ كما هو واضح " إذا عرفت " ذلك فاعلم انه ربما يشكل على الرواية بأن أرتفاع الاحكام في الثلاثة الاخيرة رفع واقعي من أول الامر
من دون ثبوت لها بنحو من الثبوت إلا ثبوتا اقتضائيا بثبوت مقتضياتها وأما ارتفاعها في بقية الموارد غير مورد الجهل فهو رفع واقعي ايضا لكنه بعنوان الحكومة الموجبة لتخصيص الادلة المثبتة لها بغير تلك الموارد وأما الارتفاع في مورد الجهل فهو ليس إلا ارتفاعا ظاهريا غير موجب لتغير الواقع عن حاله فما هو الجامع بين اسناد الرفع إلى التسعة المذكورة في الرواية مع هذا الاختلاف بينها وبعبارة اخرى الارتفاع في غير مالا يعلمون لا يمكن أن يتعلق بنفس المذكورات في الرواية وإنما يتعلق بها باعتبار تعلق الحكم بها وأما فيه فيتعلق بنفسه لكن ارتفاعا ظاهريا فيلزم اختلاف السياق باختلاف جهة الرفع في التسعة المذكورة فيها (والجواب) عن ذلك ان صدق الرفع في تمام التسعة باعتبار ثبوت المقتضي للجعل ومن المعلوم ان المراد منه هو الرفع التشريعي دون التكويني فرفع الثلاثة الاخيرة تشريعا إنما هو باعتبار وجود المقتضي لجعل الحرمة فيها فلم يجعل الحرمة امتنانا " وأما " بالنسبة إلى غير مالا يعلمون فباعتبار وجود المقتضي لعموم الحكم واقعا حتى بالنسبة إلى حال الخطأ والنسيان وغيرهما وأن لا يختص بغير مواردها ووجود الاطلاق أو العموم ظاهرا مع عدم كونهما مرادا واقعا أجنبي عن صدق الرفع فما هو الملاك في صدق الرفع في الثلاثة الاخيرة هو الملاك في صدقه فيها بعينه من دون فرق بينهما أصلا وأما بالنسبة إلى مالا يعلمون فالرفع التشريعي فيه إنما هو برفع نفسه حيث ان المجهول إنما هو نفس الحكم وهو بنفسه قابل للارتفاع وهذا بخلاف غيره فإن ارتفاع غيره تشريعا إنما هو بعدم جعله موضوعا للحكم وأما ارتفاع الحكم المجهول كذلك فهو بعدم جعل نفسه وهذا لا ربط له باختلاف السياق أصلا ضرورة ان المراد من الرفع في الجميع هو الرفع التشريعي والاختلاف إنما هو في متعلق الرفع باعتبار تعلقه بالحكم مرة وبالموضوع أخرى وأما المصحح لصدق الرفع فيما لا يعلمون فتوضيحه ان الحكم الواقعي الناشئ عن الملاك حيث انه لا محركية له حال الجهل به فيمكن للشارع أن يجعل له متمما موجبا لوصوله بطريقه بلسان إيجاب الاحتياط أو يجعل اصالة الحرمة كما في موارد الدماء والفروج والاموال حفظا للاغراض الواقعية ويمكن له أن يرفع الحكم الواقعي حال الجهل ولا يعتني بوجود المقتضي لا يصاله إما بجعل إصالة.
[ 172 ]
الاباحة المقابلة لا صالة الحرمة أو بلسان حديث الرفع النافي لايجاب الاحتياط ويمكن له ان لا يجعل شيئا في هذا الحال لا وضعا ولا رفعا ويوكل العبد إلى حكم عقله بقبح العقاب بلا بيان والفرق بين حكم الشرع بالاباحة أو برفع المجهول وبين حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ان ما يحكم به الشرع اولا هو رفع الحكم وترتب عدم العقاب عليه قهري وهذا بخلاف حكم العقل فإن حكمه ابتداء إنما هو بقبح العقاب وليس له الحكم بالترخيص ابدا فإن وظيفة العقل هو الادراك ليس الانعم يترتب على حكمه بقبح العقاب اللاحرجية في الفعل أو الترك لا محالة (وبالجملة) المقتضي لوضع الحكم الواقعي حال الجهل موجود والرفع إنما هو باعتبار عدم اعتناء الشارع بوجوده بعدم ترتيب الاثر عليه من ايجاب الاحتياط أو جعل اصالة الحرمة امتنانا فكما ان صدق الرفع في غير مالا يعلمون إنما هو باعتبار وجود المقتضي للجعل فكذلك صدقه فيه باعتبار وجود المقتضي له ايضا بل صدق الرفع فيه اولى من غيره فإن الارتفاع في غيره غير مقترن بالثبوت بنحو من انحائه غير ثبوت المقتضي بثبوت مقتضيه وأما فيه فالارتفاع مقترن بالثبوت الواقعي المشترك بين الكل فظهر أن متعلق الرفع فيما لا يعلمون إنما هو نفس الحكم الواقعي ظاهرا وهذا ضد لوضعه بايجاب الاحتياط لا ان المرفوع هو ايجاب الاحتياط كما يوهمه ظاهر عبارة العلامة الانصاري (قده) كما اتضح أن صدق الرفع في الجميع بملاك واحد وهو وجود المقتضي للجعل وكون الرفع ظاهريا تارة وواقعيا اخرى وكونه مقترنا بوجود عموم أو اطلاق في البعض وغير مقترن به في البعض الاخر اجنبي عما هو الملاك في صدق الرفع المشترك في الجميع (فإن قلت) إذا كان المراد من الموصول فيما لا يعلمون هو الحكم فكيف يعقل ارادة الفعل المجهول منه حتى يكون شاملا للشبهة الموضوعية المسلم جريان البراءة فيها بين الاصولي والاخباري وبعبارة اخرى إذا كان رفع الحكم تشريعا عبارة عن رفع نفسه ورفع الموضوع كذلك عبارة عن عدم جعله موضوعا للحكم الراجع إلى رفع حكمه فكيف يمكن شمول الرواية للشبهة الحكمية والموضوعية معا حتى يكون الرفع المتعلق بشئ واحد رفعا له بنفسه ورفعا لحكمه
(قلت) الرفع فيه متعلق بالحكم المجهول مطلقا وهو المرتفع بنفسه غاية الامران الجهل في الشبهة الحكمية إنما هو بنفسه والجهل في الشبهة الموضوعية ناشئ عن الجهل بالموضوع وهذا لا يوجب ارادة الفعل والحكم من الموصول حتى يتوجه ما ذكر من الاشكال وهذا نظير ما سيأتي في باب الاستصحاب من ان مقتضى ادلته هو جعل الحكم المماثل حال الشك اعم من ان
[ 173 ]
يكون المتيقن حكما فيجعل مثله أو موضوعا فيجعل مثل حكمه وعلى كل حال فالمجعول هو الحكم ليس إلا كما ان المرفوع في المقام ايضا هو الحكم المجهول مطلقا اعم من ان يكون الجهل به ناشئا من الجهل بالموضوع اولا (الرابعة) في بيان ان مقتضي الرفع التشريعي في التسعة المذكورة في الرواية ما هو اما بالنسبة إلى الثلاثة الاخيرة فقد عرفت ان المرفوع فيها هو الحرمة باعتبار وجود المقتضي لجعلها وأما فيما لا يعلمون فقد ظهر ايضا ان المرفوع هو جعل الحكم حال الجهل وايصاله إلى المكلف بجعل ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة كما في بعض الموارد ومنه ظهر ان توهم كون المرفوع العقاب في غير محله ضرورة ان رفع العقاب بما هو ليس من وظيفة الشارع بما هو وإنما وظيفته رفع الحكم المترتب عليه رفع العقاب قهرا هذا مضافا إلى أن حديث الرفع لو كان مفاده الاخبار عن الرفع الخارجي لما كان لتقدير خصوص العقاب مجال ايضا لعدم كونه اظهر الآثار اولا والمنع عن تقدير خصوص الظهر ثانيا فإن الظاهر من تقدير شئ وجعل ما يضاف إليه المقدر مكانه هو عموم المقدر ورفع تمام آثاره إلا أن يكون هناك ظهور عرفي في تقدير بعض الآثار حتى يكون تقدير العموم خلاف الظاهر (واما) بالنسبة إلى الخمسة الباقية فيقع الاشكال فيها لا سيما في خصوص الخطاء والنسيان باعتبار ان الخطا والنسيان وغيرهما قد تكون في موارد الاحكام التكليفية واخرى في موارد الاحكام الوضعية وعلى الاول فاما ان تتعلق بموضوعات الاحكام واخرى بمتعلقاتهما وعلى تقدير تعلقها بالمتعلقات فإما ان يكون الحكم التكليفي المتعلق بها انحلاليا كما في موارد الحرمة أو متعلقا بصرف الوجود كما في الاحكام الايجابية فنقول في توضيح ذلك بعون الله تعالى وحسن تأييده ان الخطأ والنسيان
وغيرهما إذا تعلقت بموضوعات الاحكام التي قد عرفت سابقا ان مرتبتها من الاحكام المترتبة عليها مرتبة العلة من المعلول فمعنى ارتفاعها تشريعا هو عدم جعل تلك الموضوعات موضوعات للاحكام حالها فالفعل الخطأي كالارتماس مثلا حيث كان فيه اقتضاء بطلان الصوم ووجوب القضاء وجعل الكفارة كما إذا وقع عمدا فارتفع اثره بعدم جعل تلك الاحكام عند تحققه وهذا هو القدر المتيقن من دخوله تحت دليل الرفع (واما) بالنسبة إلى المتعلقات فإن كان الحكم التكليفي المتعلق بها انحلاليا كالحرمة المتعلقة بشرب كل فرد من افراد الخمر فربما يتوهم ان رفع المتعلق في عالم التشريع ليس عبارة عن رفع حكمه فإن الحكم لا يترتب على المتعلق ترتب المقتضي على مقتضيه كما كان كذلك في الموضوعات إذا الحكم في مرتبة سابقة على وجود
[ 174 ]
متعلقه لا محالة فإنه المقتضي لوجوده كما في الواجبات أو لعدمه كما في المحرمات فكيف يمكن ان يكون رفع المتعلق في عالم التشريع عبارة عن رفع الحكم السابق عليه من حيث المرتبة (ولكن) فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان فإن نسبة الحكم إلى متعلقه وإن لم يكن من سنخ نسبة المعلول إلى علته إلا انها من سنخ نسبة العرض إلى محله فكما ان ارتفاع المعروض يوجب ارتفاع عرضه خارجا لا ستحالة وجود العرض من دون وجود معروضه فكذلك ارتفاع المتعلق في عالم التشريع يوجب ارتفاع الحكم المتعلق به لا محالة مثلا إذا كان شرب الخمر صادرا عن نسيان أو اكراه أو غيرهما ففرضه في عالم التشريع كأن لم يكن ليس إلا عبارة عن فرض عدم تعلق التحريم به (والحاصل) أن رفع الموضوع في عالم التشريع كما انه كان عبارة عن رفع الحكم المترتب عليه فكذلك رفع المتعلق في ذلك العالم عبارة عن رفع الحكم المتعلق به ايضا من دون فرق بينهما اصلا إلا في كون القسم الاول اظهر من الثاني وبالجملة ان كل فعل وجودي أو عدمي اخذ موضوعا لحكم شرعي أو كان متعلقا له بنحو الانحلال كما في موارد الحرمة فرفعه في عالم التشريع عبارة عن رفع الحكم المترتب عليه أو المتعلق به وأما إذا كان الحكم التكليفي متعلقا بصرف الوجود فالحق عدم شمول حديث الرفع لمثل ذلك ابدا لما عرفت
من ان شمول حديث الرفع يتوقف على كون المرفوع في عالم التشريع ذا أثر شرعي حتى يكون المرفوع في الحقيقة ذاك الاثر المترتب عليه أو المتعلق به فإذا فرضنا تعلق الحكم بصرف الوجود وكان فرد واحد من الطبيعة المأمور بها متعلقا للنسيان أو الاكراه فلا يعقل شمول حديث الرفع له اصلا إذ المفروض ان ما هو متعلق الحكم وهو صرف الوجود لم يتعلق به النسيان أو الاكراه وما تعلق به النسيان أو الاكراه وهو الفرد الخاص الخارجي لم يتعلق به الحكم حتى يكون رفعه في عالم التشريع رفعا لحكمه (ومن) هنا يظهر ان الصلاة التي نسي فيها بعض الاجزاء أو الشرائط إذا لم يكن النسيان مستوعبا لتمام الوقت لا تكون مشموله لحديث الرفع فإن السورة المأمور بها في ضمن الامر بالصلاة انما يطلب صرف وجودها فخصوص الصلاة الصادرة من المكلف لم يتعلق بها حكم شرعي حتى يكون مرفوعا حال النسيان فيقال ان السورة المنسية لا امر بها إذا تركت نسيانا واما الصلاة الصادرة من المكلف فإن كان لها حكم فإنما هو حكم عقلي وهو اجزاؤها عن المأمور به والحكم العقلي مع انه لا يقبل لان يكون مرفوعا بحديث الرفع يلزم من ارتفاعه خلاف الامتنان ولا ريب في ان شمول الحديث لمورد يتفرع
[ 175 ]
على كون الرفع فيه موجبا للامتنان لا مخالفا له بل الامر كذلك ولو كان النسيان مستوعبا لتمام الوقت ايضا فإنك قد عرفت ان شمول حديث الرفع يتوقف على كون الفعل الصادر عن النسيان مثلا ذا حكم شرعي يرتفع حال النسيان وليس ترك الصلاة المشتملة على السورة في تمام الوقت إلا ذا حكم متعلق به وحكم مترتب عليه اما الحكم المتعلق به وهو الحرمة فلا ريب في ارتفاعه حال النسيان لكنه لا يثبت كون بقية الاجزاء مأمورا بها لاحتمال سقوط الامر بالكلية وأما الحكم المترتب عليه وهو وجوب القضاء خارج الوقت فهو غير قابل لان يرتفع عند قوات الصلاة عن نسيان لان وجوب القضاء إنما ثبت لمطلق الفوت حتى ما كان لنسيان أو نوم أو غيرهما فلو لم يمكن تصحيح الصلاة بمثل لا تعاد كما إذا كان الجزء المنسي من الاركان مثلا فلا ريب في ثبوت القضاء وعدم ارتفاعه بحديث الرفع (وتوهم) ان حديث
الرفع يوجب رفع الجزئية الثابتة للجزء المنسي فيكون الاتيان بغيره موافقا للمأمور به كما يرتفع جزئية الجزء المجهول به ويثبت الامر بغيره من الاجزاء (مدفوع) بأن المجهول في ذاك المقام إنما هو نفس الجزئية والمفروض ثبوت العلم بجزئية غيره فيجب الاتيان بها وهذا بخلاف المقام فإن المنسي فيه هو الجزء دون الجزئية وليس ترك الجزء موضوعا لحكم شرعي حتى يرتفع برفعه في عالم التشريع (نعم) لو ورد دليل بالخصوص على ان ترك السورة المنسية مثلا في حكم العدم فلا بد من حمله على رفع جزئيته حال النسيان ولكن اين ذلك من حديث الرفع الغير المختص بخصوص مورد (وقد) اشرنا في بعض المباحث السابقة إلى أن الحكم الثابت بنحو العموم إذا كان شموله لمورد محتاجا إلى عناية زائدة فمقتضى القاعدة عدم شمول العموم له لا الحكم بالعموم واثبات تلك العناية وسيأتي في بحث الاصل المثبت توضيح ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى فظهر مما ذكرناه انه لا وجه للتمسك بحديث الرفع لموارد نسيان الاجزاء أو الشرائط مطلقا بل التمسك به في تلك الموارد موجب لهدم القواعد المذكورة في باب الخلل في احكام النسيان قبل تجاوز المحل أو بعده وكون المنسي ركنا أو غير ركن وكيف كان فشمول حديث الرفع لموارد الاحكام التكليفية إنما يكون إذا كان المورد لها في الخمسة المذكورة فيه موضوعا لذلك الحكم أو متعلقا له بنحو الانحلال ومع ذلك كان في رفعه منة ايضا واما إذا كانت الاحكام وضعية ففيها تفصيل باعتبار أن موارد هذه الخمسة قد تكون من قبيل المسببات في العقود والايقاعات أو من قبيل الطهارة والنجاسة أو من قبيل الاسباب اما المسببات العقدية
[ 176 ]
أو الايقاعية فالظاهر انه لا يمكن تعلق الخطأ والنسيان بها لانها أمور إيجادية انشائية فإما أن لا تتحقق في الخارج أو تتحقق مع التفات وعمد إليها وكذلك لا يمكن أن تكون موارد لما لا يطيقون والوجه فيه ظاهر وأما الاضطرار فيجزي فيها لكن ارتفاع أثارها يكون منافيا للامتنان فمن اضطر إلى بيع داره مثلا لو حكم فيه بفساد البيع لوقع في محذور الضطرار وهذا ينافي الامتنان (وأما) الاكراه فلا اشكال في جريانه فيها وكونه موجبا لعدم امضاء المسببات
في نظر الشارع ويدل عليه استشهاد الامام عليه السلام لرفع أثر الحلف بالعتاق والطلاق وصدقة ما يملك مع الاكراه عليه بحديث الرفع فإن الحلف المذكور وإن كان باطلا عندنا ولو مع عدم الاكراه إلا ان استشهاده عليه السلام بحديث الرفع يدل على شمول الحديث لآثار المسببات ايضا وان كان التطبيق على الصغرى المذكورة في الرواية لاجل التقيه وأما المسببات في باب الطهارة والنجاسة فهي غير قابلة للارتفاع ولو كانت عن اكراه أو نسيان أو غيرهما فلو اكره على تنجيس بدنه فلا محالة يتنجس البدن بذلك ولا يمكن رفع هذا الاثر بالاكراه أو غيره ولو لم يكن الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية التى كشف عنها الشارع بل كانتا من الاحكام المجعولة كما هو مقتضى التحقيق ضرورة ان الحكم بالنجاسة أو الطهارة وان كان لا بد فيه من ملاك واقعي يكون داعيا إلى جعله كما في بقية الاحكام الا أن ذلك أجنبي عن كون نفس الطهارة والنجاسة من الامور الواقعية كما ذهب إليه بعض وذلك فإن النجاسة بحسب الادلة مترتبة على وجود اسبابها الواقعية من دون مدخلية شئ في ذلك وجودا وعدما فيكون حاله حال وجوب القضاء المترتب على فوت الفريضة الغير المرتفع قي صورة النسيان أو غيره كما عرفت (وأما) الاسباب فالتحقيق عدم جريان حديث الرفع فيها ايضا لما عرفت من ان شمول الحديث لمورد يتوقف على كون ذلك المورد ذا حكم شرعي يكون رفعه في عالم التشريع برفعه فمثل تقدم القبول على الايجاب أو عدم الموالاة في العقد وامثال ذلك لا أثر له شرعا حتى إذا وقع عن اكراه أو نسيان يكون ذلك الاثر مرتفعا عنه فعند ذلك لا بد من الالتزام بالبطلان الذي هو من آثار عدم صدور العقد التام من حديث الاجزاء والشرايط ثم انك قد عرفت ان مقتضى رفع مالا يعلمون في عالم التشريع إنما هو عدم جعل نفسه حال الجهل بايجاب الاحتياط أو بجعل اصالة الحرمة فنقول في توضيح ذلك ان شمول حديث الرفع لموارد الجهل يتوقف على أمور ثلاثة (الاول) ان يكون المجهول مجعولا شرعيا
[ 177 ]
حتى يكون قابلا لتعلق الرفع به شرعا (الثاني) كون المجهول بحيث يترتب العقاب على مخالفته
لولا الرفع حتى يكون لرفعه أثر خارجا (الثالث) أن يكون في الرفع امتنان على المكلف فلو كان ارتفاع حكم موجبا لخلاف الامتنان عليه فلا يمكن أن يشمله حديث الرفع لا محالة (إذا عرفت) ذلك فنقول ان الجهل بالحكم الشرعي ربما يكون في موارد التكاليف الاستقلالية سواء كانت الشبهة حكمية كالشك في حرمة شرب التتن لعدم النص في المسألة أو كانت موضوعية كالشك في حرمة مائع خارجي لاحتمال كونه خمرا وأخرى يكون في موارد الاحكام الضمنية كالشك بين الاقل والاكثر اما من جهة الشبهة الحكمية كالشك في شرطية شئ للمأمور به أو جزئيته له أو مانعيته عنه أو من جهة الشك في وجود المحصلات الشرعية كالشك في حصول الطهارة عند الغسل بالماء مرة أو الشك في حصول الطهارة الحدثية بالوضوء مع المسح منكوسا بناء على أن يكون المأمور به هو تحصيل الطهارة الحدثية وكون الطهارات الثلاث محصلة لها على ما هو خلاف التحقيق عندنا من كون نفس الطهارات مأمورا بها وان حصول الطهارة داع للامر بها كما يظهر من قوله (ع) في رواية فضل بن شاذان انما أمر بالوضوة وبدئ به ليكون العبد طاهرا بين يدي المولى (الخبر) أو من جهة الشك في وجود المحصلات الخارجية كما إذا شك في تحقق القتل الواجب بالضرب مرة واحدة اما الجهل في موارد التكاليف الاستقلالية فلا اشكال في ايجابه لارتفاع الاحكام التي تعلق بها من دون فرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية لما عرفت من ان الملاك الجامع هو كون الحكم مجهولا وهذا متحقق في القسمين غاية الامر ان سبب الجهل في الشبهة الحكمية يغاير سببه في الشبهة الموضوعية وهذا اجنبي عما هو ملاك الرفع بالكيلة (واما) الجهل في موارد الاحكام الضمنية فهو موجب لارتفاعها ايضا عند كون الشبهة حكمية فإن انبساط التكليف على غير ما شك في جزئيته أو شرطيته أو مانعيته معلوم وإنما الشك في انبساطه على وجود ما يشك في جزئيته أو شرطيته أو عدم ما يحتمل مانعيته فمقتضى حديث الرفع ارتفاع الانبساط على المشكوك وعدم تعلقه به فيحكم بذلك بعدم جزئية المشكوك أو شرطيته أو مانعيته ظاهرا كما كان يحكم بعدم حرمة شرب التتن كذلك ومن هذا البيان يظهر ان المرفوع بحديث الرفع عند الشك بين الاقل والاكثر هو الامر النفسي
من حيث تعلقه بالمشكوك لا الامر الغيري المشكوك تعلقه به كما يظهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) وتبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه لما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب من ان
[ 178 ]
المقدمات الداخلية انما تجب بنفس الوجوب النفسي المتعلق بالكل لا بوجوب آخر غيري فراجع (وأما) إذا كانت الشبهة موضوعية فيفرق فيها بين الشك في الجزئية والشرطية وبين الشك في المانعية فإن الشك إذا كان في تحقق ما علم كونه شرطا أو جزء كالشك في تحقق قراءة السورة الواجبة بقراءة سورة لايلاف فقط مثلا فلا محالة يرجع الشك إلى الشك في الامتثال بعد العلم بالاشتغال فلا بد من الحكم فيه بقاعدة الاشتغال دون البراءة واما إذا كان الشك في تحقق ما علم ما نعيته فالشك في الحقيقة يرجع إلى الشك في التكليف وذلك لان الحكم بمانعية شئ كالحكم بمانعية غير المأكول في الصلاة إنما يكون حكما انحلاليا فكل فرد من افراد غير المأكول له مانعية مستقلة فما علم كونه من غير المأكول يعلم بتقيد الصلاة بعدمه وما شك فيه يشك في التقيد فيرفع بحديث الرفع وبالجملة لا فرق في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية بين كون الحرمة استقلالية أو ضمنية والملاك هو الانحلالية وهو مشترك بينهما (وأما الجهل) من جهة الشك في وجود المحصل فلا يمكن كونه مورد الحديث الرفع فإن تعلق الامر بالمسببات معلوم بالفرض وغير قابل اللارتفاع بحديث الرفع كما هو واضح وتحققها عند حصول ما يشك في محصليته وإن كان مشكوكا إلا انه غير مجعول في غير المحصلات الشرعية حتى يكون قابلا للرفع التشريعي ولا امتنان في رفعها مطلقا إذ معنى ارتفاع المشكوك حينئذ الحكم بعدم محصلية المشكوك محصليته للمسببات المأمور بها ومن المعلوم أن هذا ينافي الامتنان فكيف يمكن ان يكون مشمولا لحديث الرفع الوارد في مقام الامتنان (وبالجملة) دوران الامر بين الاقل والاكثر في باب التكاليف وفي باب المسببات على طرفي النقيض فإن تعلق التكليف بالاقل في باب التكاليف معلوم وجدانا والشك إنما هو في تعلقه بالاكثر فيرفع بحديث الرفع وهذا بخلاف باب المسببات فإن ترتب المسبب على
الاكثر كالغسل مرتين معلوم بالفرض والشك انما هو في ترتبه على الاقل وهو الغسل مرة فلو كان حديث الرفع شاملا لمثل هذا المشكوك فلازمه الحكم بعدم ترتب الطهارة على الغسل مرة وهذا خلاف الامتنان كما هو ظاهر (وتوهم) ان دخل الغسل بالمرة الثانية في الطهارة مشكوك لا محالة فيرفع بحديث الرفع ويثبت بذلك عدم وجوبه على المكلف (مدفوع) بأن حديث الرفع إنما يتكلف للرفع ليس الا فالطهارة المفروض كون وجوبها معلوما لا يمكن الحكم بترتبها
[ 179 ]
على الغسلة الواحدة بحديث الرفع من جهة الشك في مدخلية الغسلة الثانية فيها نعم انما يصح ما ذكر لو كان دليل بالخصوص على رفع الغسلة الثانية في المقام أو على رفع الماضوية مثلا في العقد فإنه يدل بالملازمة على محصلية الغسلة الواحدة للطهارة وعلى محصلية العقد الفاقد للماضوية للملكية صونا للكلام عن اللغوية لكن اين ذلك من مثل دليل الرفع الغير المختص بخصوص مقام وسيأتي في بحث الاصل المثبت ومرفي بعض المباحث السابقة أن شمول العموم لمورد إذا توقف على عناية زائدة فمقتضى القاعدة الحكم بعدم شمول العموم لذلك المورد لا الحكم بشموله له واثبات تلك العناية ففي المقام حيث يتوقف شمول الرفع على اثبات محصلية الاقل فمقتضى القاعدة الحكم بعدم شموله لا الحكم بشموله واثبات محصلية الاقل (وبالجملة) البراءة عن وجوب الغسلة الثانية إنما تجري فيما لا يكون الواجب إلا الغسل بما هو فحينئذ يمكن ان يقال أن تعلق التكليف بالغسلة الواحدة معلوم والشك في وجوب الغسلة الثانية يدفع بالاصل وأين ذلك من المقام الذي تعلق التكليف فيه بالطهارة والشك إنما هو في تحققها بالغسل مرة (والحاصل) أن الشك في سببية شئ إن كان من قبيل الشك في ترتب التكليف على شئ كما إذا شك في وجوب الحج عند وجود الاستطاعة مع فقدان قيد يحتمل دخله في الموضوع فلا ريب في صحة التمسك بحديث الرفع حينئذ لرفع التكليف المشكوك ولكن هذا يرجع إلى القسم الاول وهو الجهل في موارد التكاليف الاستقلالية واما إذا كان الشك في ترتب امر خارچي على سببه كالشك في ترتب القتل المعلوم وجوبه على الضرب مرة واحدة
أو في ترتب حكم وضعي مجعول امضاء كما في باب العقود والايقاعات أو ابتداء كما في باب الطهارة فلا يمكن التمسك فيه بحديث الرفع اصلا اما الشك في ترتب الامر الخارجي المعلوم وجوبه على ما يشك في سببته له فخروجه عن مورد الرواية ظاهر واما الشك في ترتب الحكم الوضعي بقسميه على ما يشك في سببيته له فبناء على عدم مجعولية السببية للحكم الشرعي وكون المجعول هو الحكم الشرعي عند تحقق ما يسمى بالاسباب كما هو مقتضى التحقيق عندنا على ما اشرنا إليه في بعض المباحث السابقة وسيجئ توضيحه مفصلا فعدم شمول حديث الرفع لموارده في غاية الوضوح لما عرفت من ان ترتب الحكم الشرعي كالملكية مثلا على المركب من تام الاجزاء والشرائط معلوم وترتبه على ما يشك في سببيته وإن كان مشكوكا إلا انه لا يمكن ارتفاعه به لمنافاته للامتنان ولا يمكن اثبات محصليته بحديث الرفع كما عرفت بل الامر كذلك ولو بنينا
[ 180 ]
على مجعوليه السببية بنفسها فإن سببية الاكثر معلومة لا يمكن رفعها بحديث الرفع وسببية الاقل وإن كانت مشكوكة إلا انه يلزم من ارتفاعها بحديث الرفع خلاف الامتنان وليست السببية كالتكليف حتى يقال بأن الاقل هو القدر المتيقن والشك في سببية الزائد بدفع بالاصل فإن التكليف كما عرفت ينبسط على الاجزاء ويكون كل جزء مطلوبا بنفس الطلب النفسي المتعلق بالمركب فيكون وجوب الاقل هو القدر المتيقن ووجوب الجزء المشكوك مرفوعا بحديث الرفع وهذا بخلاف السببية فإنها قائمة بالمجموع بما هو وليست ثابتة لكل جزء جزء حتى يكون سببية الاقل متيقنة وسببية الجزء المشكوك مشكوكة فترتفع بحديث الرفع نعم لو بنينا مع ذلك على ان الجزئية للسبب مجعولة تشريعا وليست متنزعة من جعل السببية للمجوع كما ينتزع الجزئية للمأمور به من الامر بالمركب لكان لرفع الجزئية المشكوكة بحديث الرفع وجه ولكن الالتزام بذلك مستحيل في مستحيل فإن الالتزام بمجعولية السببية وعدم تعلق الجعل بالمسببات عند وجود اسبابها واضح الاستحالة ضرورة ان الحكم الشرعي يستحيل ان يترشح من الموجود الخارجي والا لزم انقلاب ما هو مجعول تشريعي وزمان اختياره بيد
الشارع إلى المجعول التكويني فالمجعول التشريعي مطلقا هو نفس الحكم وما يسمى بالسبب شرط له غاية الامر انهم اصطلحوا باطلاق الاسباب على شرائط الاحكام الوضعية دون التكليفية وإلا فمرجع السبب والشرط إلى شئ واحد وقد ذكرنا مرارا ان موضوعات الاحكام شرائط لها في الحقيقة كما ان شرائطها وموضوعات لها فكل من الموضوع والشرط والسبب يرجع بعضها إلى الآخر ثم على تقدير جعل السببية فغاية ذلك ان يكون جعلها كجعل الوجوب فكما ان الوجوب المتعلق بمركب ينتزع منه جزئية المأمور به لكل جزء جزء ويستحيل جعل الجزئية من دون تعلق الامر بما هو جزء وبعد تعلقه به فلا محالة ينتزع منه الجزئية فكذلك جعل السببية لمركب يستتبع انتزاع الجزئية من كل واحد واحد من اجزائه ويستحيل جعل الجزئية لها بالاستقلال فكما ان الموجودات الخارجية تنقسم إلى موجودات متأصلة وموجودات انتزاعية فكذلك موجودات عالم التشريع تنقسم إلى موجودات متأصلة في ذلك العالم كالاحكام التكليفية وجملة من الاحكام الوضعية كالملكية والزوجية ونحوهما والى موجودات انتزاعية كالجزئية والشرطية والمانعية فالالتزام بكون السببية مجعولة مع الالتزام بكون الجزئية مجعولة ايضا مستحيل في مستحيل ثم انه قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان نسبة
[ 181 ]
العبادات إلى اغراضها لو كانت نسبة الاسباب إلى مسبباتها كأن يكون النهي عن الفحشاء المترتب على الصلاة فعلا توليديا للمكلف ومتعلقا للتكليف فعند الشك في الاقل والاكثر لابد من القول بالاشتغال فإن تعلق التكليف بالاكثر وان كان مشكوكا ويكون الاتيان به من هذه الجهة موردا للبراءة إلا ان كون المسبب متعلقا للتكليف والشك في ترتبه على الاقل موجب للحكم بالاشتغال وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بحث التعبدي والتوصلي فراجع (ومن الاخبار) التي استدل بها على البراءة قوله عليه السلام ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم بتقريب ان الحكم المجهول مما حجب الله علمه عن العبد فهو موضوع عنه وفيه ان الظاهر من الرواية من جهة اسناد الحجب إلى الله تعالى كون الحكم مما لم يؤمر السفراء بتبليغه
فيكون مفاده بعينة مفادا سكتوا عما سكت الله فيكون أجنبيا عما هو محل الكلام بين الاصوليين والاخباريين من صدور الاحكام منهم صلوات الله عليهم ووصولها إلى جماعة ولكن عرض لها الاختفاء من جهة الامور الخارجية (ومنها) قوله (ع) الناس في سعة مالا يعلمون أو في سعة مالا يعلمون فعلى الاول يكون مفاده ان الناس من جهة الجهل بالحكم الشرعي يكونون في سعة فيعارض به اخبار الاحتياط الدالة على كون الناس في الضيق من جهة الحكم الشرعي المجهول وعلى الثاني يكون مفاده ان الناس ما دام لا يعلمون يكونون في سعة فيكون اخبار الاحتياط. حاكمة عليه على تقدير تمامية دلالتها وعلى تقدير معارضته لها كما في الوجه الاول فيقدم اخبار الاحتياط عليه لكون هذه الرواية عامة لمطلق الشبهة واختصاص تلك الاخبار بخصوص الشبهة التحريمية فتدبر (ومنها) رواية عبد الاعلى عن الصادق عليه السلام قال سألته عمن لم يعرف شيئا قال (ع) لابناء على ان لا يكون المراد من لفظ الشئ المفروض كونه مجهولا هو العموم ولكن مع ذلك لا يكون مربوطا بالمقام فإن ظاهر الرواية حينئذ هو عدم العقاب في فرض الجهل فيكون مفاده مفاد قبح العقاب بلا بيان ليس إلا (ومنها) قوله (ع) أيما امرء ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه فإن الظاهر من الجهالة المذكورة هي مقابل العلم لمناسبة الحكم والموضوع والجهالة بمعنى فعل مالا ينبغي صدوره وان كانت مستعملة أحيانا كما استظهرنا ذلك في آية النبأ الا ان هذا المعنى خلاف الظاهر في الرواية وإذا كان المراد منها خلاف العلم فلا وجه للتخصيص بخصوص الجهل المركب بل يراد منها الاعم منه ومن الجهل البسيط ولا بد من تخصيص كل منهما بغير الجاهل المقصر إذ كما ان الجاهل البسيط لا يكون معذورا إذا كان مقصرا فكذلك الجاهل
[ 182 ]
المركب فتوهم لزوم ارادة خصوص الجاهل المركب منها نظرا إلى ان تعميمها للجاهل البسيط يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاك الغير المقصر وسياق الرواية آب عن التخصيص في غير محله فإن التخصيص بغير المقصر كما عرفت لازم على كل حال ولا شئ في الرواية يوجب إباءها للتخصيص فظهر ان دلالة الرواية على البراءة وان ارتكاب الشئ مع عدم العلم لا يوجب
شيئا في غاية الظهور فلا محالة يعارض بها اخبار الاحتياط الدالة على ثبوت شئ في صورة الارتكاب مع الجهالة بل دلالة هذه الرواية أظهر من دلالة قوله (ع) الناس في سعة ما لا يعلمون فانها كانت متوقفة على كون ما موصولة لا زمانية والظاهر منها الزمانية وكون لفظ السعة منونة لا مضافة وبالجملة مفاد الرواية ليس اخبارا عن عدم العقاب عند ارتكاب الشئ بجهالة حتى يقال ان أدلة وجوب الاحتياط على تقدير تماميتها تكون واردة عليها كما تكون واردة على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بل مفاده هو الترخيص الشرعي بلسان نفي العقاب فهي تدل على البراءة الشرعية اما بالمطابقة أو بالالتزام فيعارض بها اخبار الاحتياط في الشبهة التحريمية من جهة ان مورد هذه الرواية هو خصوص الشبهة التحريمية ايضا فإن ظاهر الارتكاب هو إيجاد الفعل لا تركه فينحصر مورده بالشبهة التحريمية فقط فيعارض بها تلك الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط فتكون هذه الرواية أقوى الروايات في الباب (ومنها) قوله (ع) ان الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم ومفاد ذلك هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما هو ظاهر (ومنها) قوله (ع) في مرسلة الفقيه كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي والاستدلال به يتوقف على كون المراد من لفظ الشئ الشئ المجهول ومن الورود الوصول ولفظ الورود وان كان ظاهرا في الوصول إلا ان الظاهر ان المراد من لفظ الشئ هو الشئ بعنوانه الاولي فيكون دليلا على كون الاصل في الاشياء في الشريعة الاباحة حتى يثبت الحظر وعليه يكون مفاد الرواية أجنبيا عن محل الكلام بالكلية ومن الغريب ان العلامة الانصاري (قده) جعل هذه الرواية أظهر دلالة من الكل مع انه لا دلالة فيها أصلا نعم على تقدير تمامية دلالتها يعرض بها اخبار الاحتياط من وجهة ورودها في خصوص الشبهة التحريمية فلا يمكن القول بتخصيصها لها كما قلنا ذلك في بعض الروايات السابقة على تقدير تمامية دلالتها (ومنها) صحيحة عبد الرحمن بن حجاج فيمن تزوج امرأة في عدتها قال (ع) إذا كان بجهالة فيتزوجها بعد ما تنقضي عدتها فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو اعظم من ذلك قلت بأي الجهالتين اعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه أم
[ 183 ]
بجهالته انها في العدة قال احدى الجهالتين أهون من الاخرى الجهالة بأن الله حرم عليه ذلك وذلك لانه لا يقدر معها على الاحتياط قلت فهو في الاخرى معذور قال نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور فله أن يتزوجها (وفيه) ان الظاهر منها هو كون الجاهل معذورا من حيث الحكم الوضعي بمعنى ان العاقد في العدة مع الجهل يكون معذورا من حيث جواز التزويج بعد انقضاء العدة وهذا المعنى أجنبي عما هو محل الكلام في المقام من كون الجهل بالحكم أو الموضوع محكوما بالبراءة أو الاحتياط (ثم ان) هنا اشكالا ربما يورد على الرواية وحاصله انه أي فرق بين الجهالة بالحرمة وبين الجهالة بالعدة حيث حكم الامام عليه السلام بكون احداهما أهون من الاخرى معللا انه لا يقدر معها على الاحتياط فإن الجهالة بالحرمة كما يمكن أن تكون مركبة لا يتمكن الجاهل معها من الاحتياط فكذلك يمكن ان يكون الجهالة بالعدة ايضا كذلك وكما ان الجهالة بالعدة يمكن أن تكون بسيطة يقدر معها الجاهل على الاحتياط فكذلك الجهل بالحرمة يمكن أن يكون كذلك فما الفرق بين الجهالتين في تعين احداهما في التركب والاخرى في البساطة ويندفع هذا الاشكال بأن الجهل بالحرمة وان كان يمكن أن يكون بسيطا إلا ان الغالب في ذلك هو الجهل المركب من جهة اعتقاد الحلية الناشئ عن مخالفة العامة وعدم وضوح الحكم بين المسلمين بحيث لا يخفى على أحد وهذا بخلاف الجهل بالعدة فإنه بحسب الغالب يكون بسيطا إذ العالم بكون المرأة ثيبا ومسبوقة بالزوج مع وضوح تشريع العدة بين المسلمين يكون شاكا في كونها في العدة لا محالة فالتفرقة بين الجهالتين لاجل الغلبة الخارجية فلا اشكال وقد ظهر من جميع ما ذكرناه ان جملة من الروايات التي استدل بها على البراءة الشرعية لا دلالة فيها عليها وجملة منها وإن كانت لها دلالة إلا انها بالعموم فتخصص باخبار وجوب الاحتياط في خصوص الشبهة التحريمية الحكمية بناء على تمامية دلالتها نعم لا يبعد ان يكون حديث الرفع آبيا عند التخصيص في الجملة من جهة وروده في مقام الامتنان لكن اثبات ذلك في خصوص كل واحد واحد من فقراتها ومنها مالا يعلمون لا يخلو عن الصعوبة واما الاباحة الشرعية فقد استدل عليها بروايات ثلاث (الاولى) موثقة مصعدة بن صدقة كل شئ لك حلال حتى تعلم
انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعله سرقة إلى ان قال عليه السلام والاشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة وسياق صدر الرواية وان كان سياق قوله عليه السلام كل شئ طاهر حتى تعلم انه قذر فيشمل الشبهة الحكمية والموضوعية
[ 184 ]
ولا يصغى إلى ما ربما يقال من انه لا يمكن ارادة العموم بحيث يكون شاملا للانواع كما في الشبهة الحكمية وللافراد الخارجية كما في الشبهة الموضوعية فإن افراد هذا العام هو كل مشكوك وشرب التتن المشكوك حرمته فرد واحد من هذا العموم وكون هذا الفرد من جهة اخرى ذا افراد كثيرة اجنبي عن كونه فردا واحد لهذا العموم (والحاصل) انه لا فرق بين شرب التتن المشكوك حرمته وبين شرب المايع الخارجي المشكوك خمريته في ان كل واحد منهما فرد واحد من هذا العموم فيشمله الحكم إلا ان الاشكال في شمولها للشبهة الحكمية من جهات (الاولى) تقييد الغاية بقوله (ع) بعينه فإنه ظاهر في اختصاص الحكم المذكور بالشبهات الموضوعية ولو سلمنا عدم الظهور لكون القيد جئ به للاهتمام هذا لا ينافي مع كون الشبهة حكمية ايضا فلا اشكال في احتمال قرينيته لان معنى المعرفة بعينه هو معرفة الشئ متميزا عن غيره في مقابل المعرفة برؤية الشبح مثلا وهذا المعنى يناسب الشبهة الموضوعية فيكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية فلا يكون له ظهور في العموم (الثانية) ان الامثلة التي ذكرها الامام عليه السلام في الرواية كلها من قبيل الشبهة الموضوعية وهو ايضا لو لم يكن قرينة على عدم ارادة العموم فلا اقل من احتمال قرينيته فيمنع عن انعقاد الظهور في العموم (الثالثة) ان قوله (ع) في ذيل الرواية أو تقوم به البينة ظاهر في ارادة الشبهة الموضوعية واحتمال ان يكون قوله (ع) حتى يستبين غاية للشبهات الحكمية والموضوعية وهذا لا ينافي اختصاص الشبهة الموضوعية بأن يكون لها غاية اخرى وهو قيام البينة وإن كان ممكنا إلا ان غاية ذلك هو عدم الجزم بالقرينية فلا ينافي عدم الظهور في العموم لا حتفاف الكلام بما يحتمل قرينيته فتحصل ان الرواية من جهة احتفافها بما يصلح للقرينية من جهات ثلاث لا يكون لها الظهور في العموم (الرواية الثانية) صحيحة
عبد الله بن سليمان حيث قال فيها الباقر عليه السلام سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وهذه الرواية من جهة اشتمالها على قيد بعينه مشتركة مع سابقتها في الاشكال وتختص هذه باشكال آخر وهو ان عموم الموصول إنما هو باعتبار صلته والصلة المذكورة تختص بالشبهات الموضوعية فإنه عليه السلام في مقام بيان حكم الجبن وغيره والظاهر من لفظ الغير هو غير الجبن من الشبهات الموضوعية فالمورد وإن لم يكن موجبا للتخصيص إلا انه فيما ثبت هناك عموم وليس في المقام ما يكون عاما إلا كلمة الموصول وقد عرفت ان عمومه يتبع صلته المختصة بالشبهات الموضوعية (وبالجملة) فالرواية إن لم تكن
[ 185 ]
ظاهرة في الشبهات الموضوعية فلا اقل من عدم ظهوره في العموم لاحتفافها بما يصلح للقرينية (الرواية الثالثة) صحيحة عبد الله بن سنان كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه وهذه الرواية من جهة عدم اشتمالها على ما كان الروايتان السابقتان مشتملتين عليه من جهة الصدر أو الذيل وإن كانت تعم الشبهة الحكمية إلا انها من جهة اشتمالها على قيد بعينه لا تكون لها ظهور في العموم كما عرفت هذا مضافا إلى أن ذيلها نقل بوجه آخر وهو حتى تعرف الحرام منه بعينه وعلى ذلك فظهورها في الشبهة الموضوعية في غاية الوضوح وحيث ان الرواية نقلت بوجهين فيحتمل وجود كلمة منه فيها وعليه فلا يكون الرواية محرز الظهور في العموم فاتضح ان اصالة الحلية في الشبهات الحكمية لا يدل عليها شئ من الروايات المذكورة وليس هناك دليل آخر يدل عليها (ثم ان) العلامة الانصاري (قده) ذكر في الرواية ان لفظ الشئ اما ان يراد منه النوع الكلي فيكون التقسيم إلى الحلال والحرام باعتبار وجود النوعين فيه بالفعل واما ان يراد منه الشخصي الخارجي فلا بد من الالتزام بالاستخدام في الضمير بأن يكون المراد كل شخص كان في نوعه حلال وحرام وعلى كل تقدير يكون الرواية ظاهرة في الشبهات الموضوعية لان الانقسام الفعلي لا يكون إلا فيها واما الشبهة الحكمية فليس فيها إلا احتمال الحلية والحرمة وهذا خلاف ظاهر الرواية ويمكن ان يقال ان
الشيئية حيث انها تساوق الوجود فظاهر لفظ الشئ هو الموجود الخارجي فيدور الامر بين ارادة احتمال الحلية والحرمة من قوله " ع " فيه حلال وحرام وبين الالتزام بالاستخدام وحمله على الانقسام الفعلي والاول وإن كان في نفسه خلاف الظاهر إلا ان الالتزام به اهون من الالتزام بالاستخدام وعلى ذلك فلا مانع من شمول الرواية للشبهة الحكمية لولا ما ذكرناه من الجهتين (واما) الاجماع فإن كان المراد منه هو الاجماع على البراءة الشرعية في الشبهة التحريمية فلا اشكال في عدم ثبوته لذهاب الاخباريين وفيهم اساطين الفقهاء على وجوب الاحتياط فكيف يمكن دعوى الاجماع على البراءة وإن كان المراد منه الاجماع على البراءة العقلية التي مرجعها إلى قبح العقاب بلا بيان من جهة تسليم الاخباريين ان الحكم هي البراءة على تقدير عدم تمامية ادلة وجوب الاحتياط فهو غير مفيد فإن الاجماع لا بد وأن يكون مورده هو الحكم الشرعي الظاهري أو الواقعي ولا معنى لدعوى الاجماع في المسألة العقلية واما الدليل العقلي وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فإنما يصح الاستدلال به على تقدير عدم تمامية
[ 186 ]
اخبار الاحتياط والا فورود تلك الاخبار على الحكم العقلي ورفعها لموضوعه في غاية الوضوح (ثم ان) حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان إنما هو لاجل ان الاحكام الواقعية بعد وضوح انها لا يكون محركة للعبد الا بالارادة لا يعقل محركيتها إلا بعد الوصول ضرورة عدم امكان الانبعاث إلا عن البعث بوجوده العلمي دون الخارجي فكما ان الاسد الخارجي لا يوجب التحرز والفرار عنه إلا بعد محرزية وجوده فكذلك الحمرمة المجعولة من الشارع لا يترتب عليها الانزجار الا بعد وصولها وقبله لا اقتضاء له للمحركية ابدا وانما يتم محركيته بالارادة وفي فرض الانقياد بالوصول واحرازه واما الحكم المحتمل فهو بنفسه غير قابل للمحركية ايضا لتساوي احتمال الوجود مع احتمال عدمه نعم يصح كونه محركا بضميمة خارجية مثل كون العبد في مقام الاحتياط ونحو لك وإذا كان الحكم بوجوده الواقعي غير قابل للمحركية اصلا ووجوده الاحتمالي غير قابل لها بنفسه فالعقاب على مخالفته عند عدم وصوله عقاب على مخالفة حكم لا اقتضاء له للمحركية ولا ريب
في قبح ذلك كما يظهر ذلك بأدنى تأمل في احوال العبيد مع مواليهم العرفية (ثم انه) ربما يدعي ان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي في موارد احتمال الحرمة ومعه لا موضوع لحكمة بالقبح عند المخالفة ولكن فساد هذا الدعوى من الوضوح بمكان فإنه إن اريد من الضرر المحتمل الضرر الاخروي اعني به العقاب فالعقل وإن كان مستقلا بوجوب دفعه ارشاديا وغير مستتبع لحكم شرعي لما ذكرنا سابقا من ان كل حكم عقلي يقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي لا يكون إلا حكما ارشاديا غير مستتبع لحكم شرعي ولا يترتب على مخالفته الا ما يترتب على نفس المرشد إليه إلا أن حكمه بذلك فرع احتمال الضرر وهو متفرع على كون الحكم منجزا على تقدير وجوده وحكم العقل بقبح العقاب عند عدم البيان رافع لموضوع ذلك فإنه يرفع تنجز الحكم الواقعي في ظرف عدم الوصول فلا يكون هناك احتمال للعقاب حتى يتحقق موضوع حكمه بوجوب الدفع (وتوهم) ان قاعدة دفع الضرر المحتمل كما ان جريانها يتوقف على احتمال الضرر المتوقف على تنجز الحكم الواقعي على تقدير وجوده وقاعدة قبح العقاب بلا بيان يصلح أن تكون رافعة للاحتمال فكذلك جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان يتوقف على كون المورد بلا بيان فإن كل حكم شرعي أو عقلي يتوقف فعليته على وجود موضوعه وقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل يصلح أن يكون بيانا ورافعا لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان فما الموجب لتقدم حكمه بالقبح على حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل
[ 187 ]
(مدفوع) بأن اي حكم عقلي لا يعقل أن يكون منافيا لحكم عقلي آخر بل لا مناص إلا عن كون احدهما واردا على الآخر وحينئذ فمع قطع النظر عن ملاحظة الاحكام العقلية لا محالة يكون احتمال الحرمة ملازما لاحتمال العقاب لاحتمال ملازمة العقاب مع مخالفة الحكم الواقعي فيستقل العقل بوجوب الدفع إلا أن حكم العقل بذلك لا يوجب وصول الحكم الواقعي بنفسه كما في موارد العلم الوجداني أو الامارة أو الاصل المحرز وهو ظاهر ولا يوجب وصوله بطريقة كما في موارد ايجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة ضرورة ان ايجاب الاحتياط أو اصالة
الحرمة إنما هو ناش عن ملاك الحكم الواقعي ومتمم للجعل كما اوضحنا ذلك في بعض المباحث السابقة فوصول ايجاب الاحتياط الناشئ عن ملاك جعل الحكم الواقعي هو وصول الحكم الواقعي وهذا بخلاف حكم العقل بوجوب الدفع فإنه لم ينشأ عن ملاك الحرمة الواقعية على تقدير وجودها واقعا حتى يكون متمما لجعل الحرمة بل هو ناش عن ملاك آخر واحتمال الضرر هو تمام الموضوع له وحينئذ فحكم العقل بوجوب الدفع يستحيل ان يكون بيانا للحكم الواقعي وموجبا لوصوله بنفسه أو بطريقه وإذا كان كذلك فيستحيل ان يكون واردا على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ورافعا الموضوعه ومع وجود موضوعه يستقل بقبح العقاب فيرتفع احتماله الناشئ عن احتمال ملازمة العقاب مع مخالفة التكليف الواقعي مع قطع النظر عن ملاحظة الاحكام العقلية فلا محالة يكون واردا على حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ورافعا لموضوعه ومبينا لعدم الملازمة بين العقاب ومخالفة الحكم الواقعي ما لم يكن واصلا بنفسه ولا بطريقه وهذا هو المراد مما افاده العلامة الانصاري (قده) من أن الحكم بوجوب الدفع على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه وأنما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية وإن لم يكن في مورده تكليف في الواقع فلو تمت عوقب على مخالفتها وان لم يكن تكليف في الواقع لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده فلا يرد عليه ما قيل من أن حكم العقل بوجوب الدفع نظير حكم الشرع بوجوب الاحتياط فكما انه يصحح العقاب عند مخالفة التكليف الواقعي فكذلك حكم العقل بوجوب الدفع يكون مصححا للعقاب على تقدير المخالفة ايضا وذلك لما عرفت من ان وجوب الاحتياط حكم طريقي متمم للجعل الاول وناش عن ملاك الحكم الواقعي بعينه فيكون الحكم الواقعي على تقدير وجوده واصلا بطريقة فيصح العقاب على مخالفته وهذا بخلاف حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الغير الناشئ عن ملاك الحرمة الواقعية على تقدير
[ 188 ]
وجودها فإنه لا يوجب وصول الحكم الواقعي لا بنفسه ولا بطريقه فلا كون بيانا له فلا يكون واردا على حكم العقل بقبح العقاب على مخالفة الحكم الواقعي من دون بيان بل
هو يكون واردا عليه ورافعا لاحتمال الضرر عند عدم تنجز الحكم الواقعي بمنجز واما إذا اريد من الضرر المحتمل الضرر الدنيوي فلوا استقل العقل بوجوب دفعه لحكم الشارع على طبقه بقاعدة الملازمة فإن حكم العقل بذلك واقع في مرتبة علل الاحكام الشرعية دون معلولاتها وما كان كذلك يكون مستتبعا للحكم الشرعي كما اوضحناه في بعض مباحث القطع إلا ان استقلال العقل بذلك في غير الاعراض والنفوس والاموال في الجملة ممنوع ثم ان احتمال الحرمة وإن كان مستلزما لاحتمال المفسدة بناء على تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد فإنه عليها يكون الحرمة ملازمة للمفسدة قطعا وظنا واحتمالا إلا انه ليس كل مفسدة واقعية تكون ملاكا لجعل المتمم حال الجهل بإيجاب الاحتياط أو اصالة الحرمة بل تختلف باختلاف مواردها ففي مثل موارد لاموال والاعراض والنفوس حكم الشارع بوجوب الاحتياط تتميما للجعل الاول كما ان في الشبهات الموضوعية التحريمية ثبت عدم وجوب الاحتياط فيشك في الشبهات الحكمية التحريمية في ان المفاسد الواقعية على تقدير ثبوت الحرمة واقعا هل لها الملاكية لتتميم الجعل ام لا فلا محالة يكون جعل الاحتياط مشكوكا وحيث انه لم يقم عليه دليل عقلي أو شرعي فيكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان واما الملاكات الواقعية فقد ذكرنا في جملة من المباحث السابقة انها خارجة عن متعلقات التكاليف وانها دواعي الجعل ليس إلا فتحصيل الملاكات اجنبي عن المكلف رأسا وعلى تقدير وجوب تحصيلها عليه فحيث انها في المقام مشكوكة والشبهة من هذه الجهة موضوعية فيكون موردا للبراءة باتفاق الاصولين والاخباريين فتحصل ان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو المحكم ولو لم يتم ادلة وجوب الاحتياط وإلا لكان تلك الادلة واردة على الحكم العقلي ومثبتا للبيان على الحكم الواقعي ثم انه ربما توهم بعض ان حكم العقل بالقبح إنما هو في فرض عدم البيان من الشارع وأما لو فرض صدور البيان منه واختفاؤه لبعض الامور الخارجية فلا نسلم حكمه بقبح العقاب على مخالفته فإذا احتمل المكلف حرمة شرب التتن مثلا واحتمل صدور بيانها من الشارع كما هو محل الكلام في المقام فلا يستقل العقل بقبح العقاب على تقدير وجود الحرمة واقعا وصدور بيانها من الشارع ولكن فساد هذا التوهم من الوضوح بمكان فإن
لفظ البيان ليس المراد منه ما هو ظاهره بل المراد منه هو وصول الحكم على المكلف من حيث
[ 189 ]
الكبرى والصغرى فإن احراز الحكم الكلي كحرمة شرب التتن مثلا مع عدم احراز الموضوع الخارجي كاحراز الموضوع الخارجي مع عدم احراز الحكم الكلي يستحيل ان يكون محركا فالحكم المحرك بالارادة لا بد وان يكون واصلا من حيث نفسه وموضوعه ومن دون ذلك يستحيل محركيته فيقبح العقاب على مخالفته والذي اوقع المتوهم في الغلط هو ظهور لفظ البيان في ذلك مع غفلته عن ملاك حكم العقل بالقبح بل ان عدم العقاب في فرض عدم البيان من الشارع بالمعنى الذي ذكره المتوهم خارج عن محل الكلام فانه من باب السالبة بانتفاء الموضوع ضرورة انه ما لم يصدر الحكم من الشارع لكان داخلا في عموم ما سكت الله عنه ومعه لا حكم حقيقة حتى يتحقق المخالفة فيحكم العقل بقبح العقاب عليها (تتميم) ربما تمسك بعضهم على البراءة في المقام بادلة الاستصاحب الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك فإن حرمة شرب التتن قبل البلوغ لم يكن ثابتة يقينا وشك في حدوثها بعده فمقتضى الاستصحاب هو البناء على بقاء عدم الحرمة بعد البلوغ وربما يتوهم من عبارة الشيخ الانصاري (قده) في المقام وفي بحث الاستصحاب ان نظره (قده) في منع التمسك بالاستصحاب في المقام إلى المنع عن جريان الاستصحاب فيما إذا كان المستصحب عدم الحكم مطلقا ولكن الامر ليس كذلك فإن صريح بعض عباراته في بحث الاستصحاب هو تسليم جريان استصحاب عدم الحكم في الجملة وانما منع عن الاستدلال به في المقام لخصوصية فيه والحق معه قدس سره وتوضيح ذلك ان الشك في حدوث الحكم اما ان يكون من جهة الشك في حدوث موضوعه وشرطه واما ان يكون من جهة الشك في اصل الجعل الشرعي اما القسم الاول فلا اشكال في جريان استصحاب العدم في ناحية الشرط والموضوع ويترتب عليه عدم الحكم فيما إذا كان عدم الشرط معلوما سابقا واما إذا لم يكن كذلك فلا يمكن استصحاب عدم الشرط وهو معلوم
ولا استصحاب عدم الحكم لعدم احراز موضوعه المشروط به الاستصحاب الحكمي كما سنوضحه في محله ان شاء الله تعالى واما إذا كان الشك من جهة الشك في اصل الجعل الشرعي فربما يقال بعدم جريان الاستصحاب مطلقا نظرا إلى ان المستصحب لا بد وان يكون حكما مجعولا أو موضوعا ذا حكم مجعول ايضا وعدم الحكم من جهة كون الاعدام ازلية يستحيل ان يكون مجعولا وليس له اثر مجعول فلا يمكن ان يقع موردا للتعبد الاستصحابي ونظير هذا
[ 190 ]
قد سبق في مبحث النواهي حيث ذكر بعضهم ان متعلق النواهي لا بد وان يكون هو الكف دون الترك لان الاعدام ازلية وغير قابلة لتعلق القدرة بها ومتعلق النهي لا بد وان يكون مقدورا لا محالة والجواب عن ذلك هو ما ذكرناه هناك من ان الاعدام وان لم تكن مقدورة في الازل الا انها مقدورة بقاء واستمرارا فكما ان التحريم بيد الشارع فكذلك عدمه بيده وما هو اللازم في الاستصحاب هو كون المستصحب أو اثره تحت اختيار الشارع فكما ان الجعل بيده فكذلك عدمه والالتزام بكونه حكما مجعولا أو ذا حكم مجعول شعر بلا ضرورة بل اللازم هو كونه قابلا للتعبد الشرعي اما من جهة كون وضعه أو رفعه بيد الشارع واما من جهة كون اثره كذلك هذا مع ان عدم الحكم وان لم يكن قابلا للتصرف الشرعي الا ان لزوم البناء عليه حكم شرعي يترتب عليه الاثر العملي وهذا المقدار يكفي في جريان الاستصحاب فإن ترتب الاثر على نفس الاستصحاب اولى في جريان الاستصحاب من ترتب الاثر على المستصحب ولا ريب في ترتب الرخصة في الترك على حكم الشارع بالبناء على عدم الوجوب أو الحرمة وكيف كان فلا ريب في صحة جريان الاستصحاب في الاعدام في الجملة الا ان الاشكال في صحة جريان استصحاب حال الصغر ونحوه والحق فيه العدم فإن عدم الحرمة الثابت حاله ليس الا بمعني اللاحرجية العقلية وهذا قد ارتفع يقينا اما بجعل الترخيص أو الحرمة بعد البلوغ فهو غير محتمل البقاء حتى يمكن استصحابه هذا مع أن عدم الحرمة إذا كان باقيا بعد البلوغ ايضا فهو حينئذ عدم مستند إلى الشارع ومضاف إليه لما ذكرناه من ان عدم الحكم كنفس الحكم
بيده وبتصرفه وهذا بخلاف العدم والسابق فانه اجنبي عن الشارع بالكلية فاستصحاب العدم السابق واثبات اضافته إلى الشارع داخل في الاصول المثبتة الممنوع جريانها بناء على كون الاستصحاب حجة من باب الاخبار كما هو كذلك (والحاصل) ان العدم السابق لكونه غير مستند إلى الشارع غير محتمل البقاء وما هو محتمل بعد البلوغ وهو العدم المضاف مشكوك الحدوث ولم يكن متيقنا سابقا (وتوهم) امكان جريان الاستصحاب في الجامع بين العدمين على ما سيجئ من جريان الاستصحاب في القسم الثالث من استصحاب الكلي في الافراد التبدليه (مدفوع) بأن الجامع بين العدمين ليس بنفسه ما يكون وضعه ورفعه بيد الشارع وليس له اثر كذلك إذا الترخيص الشرعي انما هو من لوازم العدم المضاف دون المطلق فليس في البين ما يترتب على العدم المطلق الا عدم العقاب وهو مع كونه اثرا عقليا لا يكفي ترتبه على
[ 191 ]
المستصحب في جريان الاستصحاب إذ هو مترتب على نفس الشك وعدم الاحراز فموضوعه محرز في ظرف الشك بالوجدان فيكون الحكم محرزا كذلك فيرجع احرازه بالتعبد الاستصحابي إلى تحصيل الحاصل بل إلى اردء اقسامه وهو تحصيل المحرز الوجداني بالاصل (فتحصل) عدم صحة التمسك باستصحاب عدم الحكم في المقام وان صح التمسك به في غيره من الموارد في الجملة كما سيجئ بيانه في بحث الاستصحاب مفصلا ان شاء الله تعالى واستدل الاخباريون بوجوه (منها) الآيات والاخبار الآمرة بالتقوى والجواب عنها انها انما تدل على حسن التقوى ارشادا إلى ما في نفسها من المصلحة ولا يترتب على مثل تلك الاوامر امر زايد على ما في متعلقة ولا ريب ان ترك المشكوكات بل المكروهات بل المباحات موافق للتقوى ومما يستقل العقل بحسنه واين ذلك من ثبوت الامر المولوي بلزوم ترك ما يحتمل حرمته هذا مضافا إلى انها لو سلمت كونها مولوية ما تدل على ازيد من مطلوبية التقوى ورجحانها كما استدل بها الشهيد (قده) على مشروعية الاحتياط في قضاء ما يأتي بها من الصلوات المحتملة للفساد ولو كانت الاصول في مواردها مقتضية للصحة فلا تدل على وجوب الاحتياط فيما احتمل حرمته كما هو مدعى
الاخباريين (ومنها) الآيات والاخبار الناهية عن ايقاع النفس في الهلكة (والجواب) عنها انه ليس في موارد احتمال الحرمة احتمال الهلكة كما تقدم بيانه في ادلة المذهب المختار فهي مختصة بموارد الشبهة المحصورة أو الشبهة قبل الفحص ولا تعم موارد الشبهة البدوية بعد الفحص كما هي محل الكلام بين الاصوليين والاخباريين (ومنها) اخبار التثليث الدالة على ان من اخذ بالشبهات وقع في المحرمات من حيث لا يعلم ودلالة هذه الاخبار تتوقف على ان يكون المراد من الوقوع في المحرمات هو الوقوع في المحرمات التي في موارد الشبهة والظاهر منها هو الوقوع في المحرمات المعلومة لاجل ان ارتكاب الشبهات يوجب وهن المحرمات وعدم الاعتناء بها فيقع الانسان فيها من حيث لا يعلم واما إذا كان المراد منه هو الوقوع في المحرمات التي في موارد الشبهة فهو ليس من حيث لا يعلم بل من حيث العلم بوجوب الاحتياط وعلى ذلك فيكون مفاد تلك الروايات اجنبية عن محل الكلام بالكلية ويكون مفادها مفاد قوله (ع) من حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه وغيره من الاخبار الواردة بهذا المضمون وبالجملة الاخباريون استدلوا لوجوب الكف عن محتمل الحرمة بكل خبر مشتمل على لفظ التحرز والتوقف والاحتياط وليس لواحد منها دلالة على مدعاهم اصلا فالصفح عن التعرض لها وبيان عدم دلالتها وايكال
[ 192 ]
ذلك إلى ما افاده العلامة الانصاري (قده) في هذا المقام اولى واحسن والمهم في المقام هو التعرض للدليل العقلي الذي استدل به على وجوب الاحتياط وهو العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة فكل ما يحتمل حرمته يجب الاحتياط فيه لكونه من اطراف العلم الاجمالي وقد اجاب عنه العلامة الانصاري (قده) بجوابين الاول منهما هو ما ذكره صاحب الفصول (قده) في اختصاص الظن الثابت حجيته بدليل الانسداد بخصوص الظن بالطريق من ان مرجع القطع بثبوت تكاليف واقعية والقطع بثبوت طرق شرعية مثبتة للاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال أو ازيد إلى قطع واحد هو القطع بارادة الشارع الامتثال تكاليفه من هذا الطرق وقد ذكرنا سابقا ان ما افاده (قده) يرجع إلى دعوى انحلال العلم الاجمالي بثبوت التكاليف بالعلم بثبوت
الطرق من قبل الشارع ولا يرجع إلى دعوى التصويب أو التقييد فما افاده العلامة الانصاري (قده) من كون هذا الوجه في قبال الوجه الثاني المدعى فيه الانحلال حتى لا يكون مرجعه إلى التصويب والتقييد أو الانحلال لا نعقله اصلا (والثاني) منهما يرجع إلى دعوى انحلال العلم الاجمالي بالعلم بثبوت احكام كثيرة في موارد الامارات بمقدار المعلوم بالاجمال أو اكثر وتوضيح ذلك بعد النقض بالتكاليف الوجوبية المعلومة في الشريعة فإن العلم بها لو لم يكن منحلا بثبوت تكاليف وجوبية بمقدار المعلوم بالاجمال أو اكثر لوجب لاحتياط في الشبهات الوجوبية ايضا مع اتفاق الاخباريين الامن شذ منهم على البراءة فيها ان المجعول في باب الحجج كما ذكرناه اما الوسطية في الاثبات أو الهوهوية وعلى كال تقدير لو كان العلم والاجمالي متأخرا عنها لما كان موثرا في التنجيز كما انها لو كانت متأخرة عنه لاوجب انحلاله فإن العلم الاجمالي ليس إلا ناشئا من ضم قضية مشكوكة إلى قضية متيقنة ومع قيام الحجة على احد طرفي العلم الاجمالي يكون مؤداه هو الحكم الواقعي بحكم الشارع أو يكون الحجة علما كذلك وعلى كل حال يكون القضية المتيقنة ممتازة من القضية المشكوكة وهو الميزان في انحلال العلم الاجمالي كما مرت الاشارة إليه في بحث الانسداد وسيجئ توضيحه في بحث الشبهة المحصورة ان شاء الله تعالى ومنه يظهر ان الاصول مطلقا محرزة كانت أو غير محرزة إذا كانت جارية في بعض الاطراف لكانت موجبة لانحلال العلم الاجمالي أو عدم تأثيره من اول الامر كما كان الامر كذلك في الامارات بعينها وعلى ذلك فحيث ان التكاليف الوجوبية أو التحريمية الثابية في موارد الحجج الشرعية تزيد بمراتب على مقدار المعلوم بالاجمال فلا محالة ينحل العلم.
[ 193 ]
الاجمالي ويكون احتمال التكليف في غير مواردها مشكوكا بالشبهة البدوية ومقتضى الاصل فيها كما حررناه هو البراءة دون الاحتياط نعم لو بنينا على ان المجعول في باب الطرق هو المنجزية والمعذرية واغمضنا عما ذكرناه سابقا من ان المنجزية والمعذرية من الآثار العقلية المترتبة على الاحراز ويستحيل تعلق الجعل بهما بنفسهما لكان اثبات الانحلال في المقام في غاية
الاشكال فإن الانحلال كما عرفت عبارة عن انفصال القضية المشكوكة عن المتيقنة وحكم الشارع بمنجزية الامارة في احد طرفي العلم الاجمالي من دون الحكم بكونها محرزة للواقع لا يترتب عليه ذلك بل العلم الاجمالي باق على حاله بعد قيام الامارة ايضا وليس الانحلال قابلا لان يحكم به الشارع من دون الحكم بمحرزية الامارة للواقع كما هو ظاهر (تنبيه) لا يخفي أن العلامة الانصاري (قده) ذكر في المقام تنبيهات لا يهمنا التعرض لها إلا ما ذكره في التنبيه الخامس وهو ان جريان اصالة الاباحة في مشتبه الحكم يتوقف على عدم وجود اصل موضوعي حاكم عليه فلو شك في حلية أكل حيوان لاجل الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة لاصالة عدم التذكية وتحقيق الحال في المقام إنما يكون ببيان امور (الاول) ان المراد بالاصل الموضوعي الذي افاده هنا ليس هو خصوص الاصل الجاري في الموضوع في الشبهات الحكمية أو في الشبهات الموضوعية في قبال الاصل الجاري في الحكم فيهما بل المراد منه كل اصل جار في السبب رافع لموضوع الشك في المسبب سواء كان ذلك الاصل جاريا في الموضوع كاستصحاب عدم التذكية في المقام الرافع للشك في الحلية عن الحيوان المشكوك قابليته لها واستصحاب الموضوعات الخارجية كالعدالة والفسق الرافع للشك في الاحكام المترتبة عليها أو جاريا في الحكم كاستصحاب نجاسة الماء المتغير الزائل تغيره من قبل نفسه واستصحاب نجاسة الثوب الخارجي المعلوم نجاسته مثلا المانعين عن جريان اصالة الطهارة فيهما ففي كل مورد كان اصل سببي رافع للشك في الحلية والحرمة لما كان يصل الامر إلى اصالتي البراءة أو الاحتياط المتأخرتين رتبة عن تمام الاصول (الثاني) ان عدم التذكية الذي هو جزء من موضوع الحكم الشرعي بالنجاسة أو الحرمة حيث انه من أوصاف الحيوان فلا محالة يكون المراد منه العدم النعتي لا المحمولي فإن كل موضوع كان مركبا العرض ومحله فلا بد وان يؤخذ ذلك العرض بما انه نعت لموضوعه جزء من الوضوع فالمراد من عدم التذكية المستصحب في المقام هو العدم المتحقق حال وجود الحيوان المتصف به لا العدم المحمولي السابق على وجوده
[ 194 ]
كما يظهر من بعض الكلمات فإنه وإن كان متيقنا الا ان استصحابه لاثبات اتصاف الحيوان به الذي هو المأخوذ في الموضوع من الاصول المثبتة وقد ذكرنا توضيح ذلك في بحث العموم والخصوص وسيجئ في بحث الاستصحاب ان شاء الله تعالى (الثالث) أن جريان الاستصحاب في عدم التذكية يتوقف على ان يكون التذكية امرا بسيطا مسببا عن الافعال الخارجية مع قابلية المحل نظير الطهارة الخبيثة المسببة من الغسل فإنها حينئذ تكون مسبوقة بالعدم قبل الذبح الخاص ومشكوكة الحصول بعده لاجل الشك في قابلية المحل لها فإذا لم يكن هناك عموم أو اطلاق مثبت للقابلية أو عدمها ولم يمكن اجراء الاصل في نفس القابلية أو عدمها لعدم ثبوت حالة سابقة متيقنة فلا محالة يجري اصالة عدم تحقق التذكية بفعل الذبح الخاص ويثبت بذلك نجاسة اللحم وحرمته ولا يبقى معه مجال للرجوع إلى اصالتي الحل والبراءة واما إذا لم يكن التذكية من قبيل المسببات التوليدية لعدم مساعدة فهم العرف على كونها كذلك بل لا يبعد ان يكون الروايات ظاهرة في انها ليست إلا نفس فعل الذابح مع الشرائط الخاصة فقابلية المحل لها تكون خارجة عن حقيقتها وغير دخيلة في تحققها بل تكون دخلية في تأثيرها في الحلية والطهارة وحينئذ فيرجع الشك في قابلية الحيوان للتذكية وعدمها إلى الشك في أن التذكية المعلوم تحققها اثرت في الطهارة والحيلة ام لا فيرجع إلى اصالة الحل والطهارة لعدم اصل موضوعي حاكم عليهما فإن التذكية بمعنى فعل الذابح مع الشرائط معلوم تحققها والقابلية لها لا تكون مجرى الاصل لعدم العلم بثبوت حالة سابقة على الشك فيها فتصل النوبة إلى اصالة الحل والطهارة ومن الغريب أن هذا الاحتمال مع كونه اقوى من احتمال كون التذكية امرا بسيطا مترتبا على الافعال الخارجية لم يلتفت إليه العلامة الانصاري قدس سره اصلا بل جعل محط كلامه ومورد نقضه وإبرامه هو الاحتمال الاول ليس إلا (الامر الرابع) أن جريان اصالة عدم التذكية بناء على كونها امرا بسيطا مترتبا على الافعال الخارجية يتوقف على الشك في قابلية المحل لها وأما مع احرازها فلا يكون الشك في الحلية والحرمة إلا موردا للبراءة ولا يخفى ان الشك في القابلية لها يختلف باختلاف الاقوال في قبول الحيوان للتذكية فإن قلنا بأن القبول
للتذكية يختص بكل حيوان يؤكل لحمه كما ذهب إليه بعض فكل حيوان شك في حليته وحرمته يكون داخلا فيما شك في قبوله للتذكية فيكون موردا لاصالة عدمها وإن قلنا بأن السباع تقبل
[ 195 ]
التذكية ايضا فإذا شك في ان حيوانا يحل أكله أو هو من السباع فلا يكون مجرى لاصالة عدم التذكية لفرض العلم بقبوله لها على التقديرين بل يرجع حينئذ إلى اصالتي الحل والبراءة نعم إذا شككنا في كونه من اقسام ما يحل اكله أو من المسوخ فيجري اصالة عدم التذكية بعد الذبح ويثبت بذلك الحرمة والنجاسة وأما إذا قلنا بما هو المختار عندنا من أن كل حيوان غير الحشرات قابل للتذكية حتى المسوخات لما يظهر من الادلة جواز قبول الارانب والثعالب للتذكية مع كونها من المسوخ كما ورد به روايات كثيرة فينحصر مورد جريان اصالة عدم التذكية بما إذا احتمل كون الحيوان من الحشرات ومع احراز عدمه والشك في الحلية والحرمة يكون قابلية المحل للتذكية مفروغا عنها فيجري اصالتي الحل والبراءة واما احتمال قبول الحشرات للتذكية ايضا حتى ينحصر عدم القابلية لها بالكلب والخنزير فضعيف غايته بل لا يوجد به قول من الامامية قدس الله تعالى اسرارهم فتحصل من جميع ما ذكرناه انه لا مجال لجريان اصالة عدم التذكية في مطلق ما يشك في حلية حيوان وحرمته سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية بناء على عدم كون التذكية من المسببات التوليدية المترتبة على الافعال الخارجية كما هو الظاهر وعلى تقدير تسليم كونها كذلك فيختص مورد جريانها بما إذا احتمل كون الحيوان من الحشرات وفي غير ذلك يرجع إلى اصالتي الحل والبراءة ثم ان الشهيد الثاني (قده) ذكر في بعض كلماته ان الاصل في المطعومات هو الطهارة والحرمة ويمكن أن يكون نظره (قده) في ذلك إلى ان الحلية حيث انها مترتبة على كون الشئ طيبا كما هو مفاد قوله تعالى احل لكم الطيبات فلا بد من احرازه في الحكم بالحلية على ما هو الاصل في تعليق كل حكم على عنوان وجودي حيث أن العرف يستفيدون منه ثبوت الحكم الطريقي عند عدم احرازه ضرورة ان المولى إذا قال لعبده لاتأدن في دخول داري الا لاصدقائي أو قسم هذا المال في الفقراء
فإنه يفهم من هذا التعليق عدم جواز الاذن عند عدم احراز الصداقة وعدم جواز الاعطاء إلا عند احراز الفقر وعليه يبتني حرمة التصرف في اموال الغير عند الشك في طيب نفسه لان جواز التصرف علق على طيب النفس فلا يترتب الا عند احرازه بل مطلق وجوب الاحتياط في الاموال والانفس والاعراض مبتن عليه فإن جواز التصرف في كل منها مترتب على العناوين الوجودية فينتفي عند الشك فيها وعلى ذلك بنينا اصالة الانفعال في الماء حتى يحرز كونه كرا لترتب عدم الانفعال والعاصمية على عنوان وجودي وهو بلوغ الماء كرا وذكرنا في محله أن
[ 196 ]
الحكم بالانفعال مع الشك في الكرية ليس من جهة قاعدة المقتضي والمانع الغير الثابت حجيتها ولا من جهة التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية المختار عدم جوازه بل لاجل ما ذكرناه من استفادة الحكم الطريقي من تعليق الحكم على عنوان وجودي ولكنه لا يخفى ان الكبرى المذكورة وإن كانت مسلمة عندنا إلا انه لا يترتب عليها ما أفاده (قده) من الحاق المطعومات بالاموال والانفس والاعراض حتى يكون مقتضى الاصل فيها هي الحرمة وذلك لان كون الطيب امرا وجوديا ممنوع اولا بل لا يبعد أن يكون الطيب ما لا قذارة فيه كما ان الطاهر عبارة عما لا نجاسة فيه وعلى تقدير تسليمه فاستفادة الحكم الطريقي إنما يتم إذا لم يكن الحرمة معلقة على كون الشئ خبيثا ايضا ومعه لا مجال لاستفادة الحكم الطريقي في طرف الحلية بالخصوص ففي مورد الشك في كون الشئ طيبا أو خبيثا لا مناص عن الرجوع إلى اصالتي الحل والبراءة (ثم انه) ربما يتمسك لاصالة الحرمة في خصوص اللحم باستصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح فيقال ان لحم الحيوان المشكوك حليته بالشبهة الحكمية أو الموضوعية كان محرما قبل ذبحه فيحكم ببقائها بعد الذبح كما يحكم ببقاء طهارته بعده ايضا ولكنه لا يخفى فساد ذلك فإن جريان الاستصحاب كما سيجئ في محله إن شاء الله تعالى مشروط ببقاء موضوعه والمرجع في ذلك هو فهم العرف لمناسبة الحكم والموضوع ففي مثل استصحاب الطهارة حيث يرى العرف انها من قبيل الاعراض الخارجية الثابتة للاجسام الخارجية من دون مدخلية
عنوان فيكون الموضوع باقيا بعد موت الحيوان وذبحه فيصح استصحابها فإن الموضوع الثابت له الطهارة قبل خروج روحه هو بعينه باقى بعده بحكم فيحكم ببقائها ما لم يقطع بارتفاعها وهذا بخلاف الحرمة فإنها كانت ثابتة لما لم يخرج عنه الروح البخاري القائم بالدم الجارى في الاعصاب ومع خروج الدم الحامل للروح البخاري يتبدل الموضوع لا محالة فلا يكون مجرى للاستصحاب وبعبارة اخرى حرمة اللحم قبل الذبح إنما كانت ثابتة له بعنوان انه غير مذكى وهذا الموضوع قد ارتفع بوقوع التذكية عليه يقينا فلا يمكن استصحاب الحرمة الثابتة له بالعنوان المعلوم ارتفاعه وهذا نظير وجوب التقليد الثابت لعنوان المجتهد حيث ان عنوان الاجتهاد له موضوعية في ثبوت هذا الحكم فلا يمكن استصحابه بعد زوال اجتهاده ولو تنزلنا عن دعوى القطع بارتفاع الموضوع في محل الكلام فلا اقل من احتماله لاحتمال دخل الحياة في موضوع الحكم السابق فلا يصح اجراء الاستصحاب ايضا لاشتراطه باحراز بقاء الموضوع الغير المجتمع
[ 197 ]
مع احتمال عدم بقائه (المسألة الثانية) ما إذا كان الشبهة التحريمية من جهة اجمال النص كما إذا شك في حرمة الصوت المشتمل على الترجيع من دون ان يكون مطربا لاجمال لفظ الغناء واحتمال اشتراط صدقه على كون الصوت مطربا والحكم فيه بعينه الحكم في المسألة السابقة والادلة المذكورة فيها للطرفين جارية في المقام ايضا الا انه ربما يتوهم عدم الملازمة بين القول بالبراءة في المسألة السابقة وبين القول بها في المقام لوجهين الاول انه إذا دل الدليل على حرمة الغناء مثلا فكل ما يصدق عليه مفهوم الغناء بحسب الواقع يكون محكوما عليه بالحرمة والدليل الدال على حرمته بيان لها من الشرع فلا يكون مورد الشك في صدقه محكوما بالبراءة فيفرق بينه وبين ما لانص فيه المحكوم بالبراءة لعدم البيان وفيه ان الحرمة انما يثبت للحقائق دون المفاهيم بل هي تؤخذ في الموضوعات بما انها معرفات للحقائق فالمحكوم بالحرمة في الحقيقة هو واقع الصوت دون مفهوم الغناء وعليه فالصوت المطرب المشتمل على الترجيع معلوم الحرمة وغيره وهو الصوت المشتمل على الترجيع فقط مشكوك الحرمة ولم يقم عليها بيان لاجمال اللفظ
على الفرض فيكون موردا للبراءة (الوجه الثاني) ان البراءة وان كانت ثابتة لكل مشكوك إلا انها لا تجري في مورد الدليل على الحرمة يقينا فيكون حالها مع وجود الدليل حال العام مع وجود المخصص فكما ان المخصص المجمل مفهوما يكون مانعا عن التمسك في مورد فكذلك الدليل المجمل يكون مانعا عن جريان البراءة ايضا (وفيه) اولا ان سريان اجمال المخصص فيما إذا كان منفصلا وكان دائرا بين الاقل والاكثر عن التمسك بالعموم (ممنوع) لما حققناه في محل من ان الدليل العام بعد انعقاد ظهوره التصديقي يكون حجة في كل قسم من الاقسام التي يمكن انقسام العام بالاضافة إليها فقول المولى اكرم العلماء يكون دليلا على وجوب اكرام العالم سواء كان مرتكبا للكبيرة ام لا وسواء كان مرتكبا للصغيرة ام لا وهكذا فإذا ورد لا تكرم فساق العلماء وتردد مفهوم الفاسق بين اختصاصه بخصوص فاعل الكبيرة أو شموله لفاعل الصغيرة (ايضا) فالقدر الثابت الموجب لتضييق العموم هو ارتفاع حجية العام من جهة انقسام العالم إلى فاعل الكبيرة وغيره واما انقسامه إلى فاعل الصغيرة وغيره فلا موجب لرفع اليد عن حجيته بالاضافة إليه لاجمال دليل المخصص وعدم احراز شموله له وقد ذكرنا توضيح ذلك باحسن بيان في مبحث العموم والخصوص فراجع (وثانيا) انا وان سلمنا سريان اجمال الدليل المخصص إلى العام ومنعه عن التمسك به في مورد الشك الا انه لا يجوز قياس الاصل العملي بالاصل اللفظي حتى يكون
[ 198 ]
اجمال الدليل مانعا عن التمسك به ايضا وذلك لان الدليل المخصص كما ذكرناه في محله يوجب تقييد المراد الواقعي فيكشف عن ان المولى لم يبين من مراده الواقعي الا بعضه واخر بيان بعضه الآخر لحكمة مقتضية له أو لغفلته كما في الموالي العرفية وعليه فربما يتوهم ان دليل التقييد إذا كان مجملا (فلا محالة) يكون المراد الواقعي المقيد به مجملا ايضا لكون دليل في عرض الدليل العام في كشفه عن المراد الواقعي مثلا إذا قال المولى اكرم العلماء ثم ورد في الدليل المنفصل لا تكرم فساق العلماء فلا محالة يستكشف تقييد موضوع وجوب الاكرام بعدم كونه فاسقا فإذا تردد امر الفاسق بين شموله لفاعل الصغيرة وبين اختصاصه بخصوص فاعل الكبيرة
فلا محالة يتردد موضوع وجوب الاكرام ويكون هذا مانعا عن التمسك بالعموم وهذا بخلاف الدليل بالاضافة إلى الاصل العملي فإن الدليل الدال على حرمة الغناء مثلا يوجب تقييدا في موضوع الاصل وانما يوجب ارتفاعه فهو من حيث المرتبة واقع في طوله لا في عرضه (وحينئذ) فحيث ان مورد جريان الاصل هو الشك والمفروض تحققه عند اجمال الدليل فلا يكون هناك مانع عن جريانه اصلا وقد ذكرنا في بحث العموم والخصوص ما ينفعك في المقام فراجع (المسألة الثالثة) مااذا كانت الشبهة التحريمة من جهة تعارض النصين هذه المسألة وان كانت خارجة عن محل الكلام من جهة ان مورد الاصل هو عدم وجود الدليل على الحكم من قبل الشارع والمفروض فيها وجود الدليل على الاباحة وعلى الحرمة والحكم فيها هو الاخذ باحد الدليلين تعيينا أو تخييرا لا الرجوع إلى الاصل الا ان الغرض من التعرض لها في المقام هو ابطال ما ربما قيل فيها بالاحتياط وبتأخر الاخذ باحدى الروايتين تخييرا عن الاخذ بما هو موافق له نظرا إلى ما في رواية غوالي اللئالى من الامر بالاخذ بالحائطة بعد عدم وجود المرجح لاحديهما ثم الامر بالتخير بينهما ولكنه لا يخفى ان اختصاص غوالي اللئالي بنقل الرواية مع ما قيل في صاحبه من تساهله في نقل الاخبار يمنع من صلاحيتها لان يعرض بها اخبار التخيير الواردة في مقام المعارضة مع كثرة تلك الاخبار ونقلها في الكتب المعتبرة هذا مع انه يمكن حمل هذه الرواية بصورة التمكن من الوصول إلى خدمة الامام عليه السلام فتكون خارجة عن محل الكلام بالكلية كما احتمل ذلك شيخنا العلامة الانصاري (قده) (المسألة الرابعة) ما إذا كانت الشبهة التحريمية من جهة اشتباه الامور الخارجية كما إذا شك في حرمة مائع خارجي لاحتمال كونه خمرا مثلا والكلام فيها يقع تارة من حيث
[ 199 ]
البراءة العقلية واخرى من حيث البراءة الشرعية وثالثة من جهة اصالة الحل اما الكلام من الجهة الاولى فربما يتوهم ان مقتضى حكم العقل فيها هو الاشتغال فإن حكم العقل بقبح العقاب يختص بصورة عدم البيان ومن المعلوم انه لا يصدق فيما إذا بين الشارع الحكم الكلي وكان
الاشتباه من جهة الامور الخارجية فإذا لم يستقل العقل بقبح العقاب فلا (محالة) يحكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل وتوضيح جواب هذا التوهم يحتاج إلى بسط في القام فنقول (اولا) لفظ البيان لغة موضوع للظهور وهو مصدر لبان بمعنى ظهر واطلاقه على الكلام الصادر من المولى باعتبار ظهور مراده الواقعي به فما دام كان الحكم الشرعي مشكوكا ولو من جهة الامور الخارجية فهو بلا بيان فيحكم العقل بقبح العقاب على مخالفته (وثانيا) ان حكم العقل بالقبح ليس مستفادا من دليل لفظي تابع لما يفهم منه عرفا حتى يدعى ان لفظ البيان ظاهر في معنى لا يصدق مع الشك في الحكم الشرعي في محل الكلام فلو سلم ظهور لفظ البيان في ذلك فلا بد من ملاحظة ملاك حكم العقل بالقبح وانه متحقق فيما هو محل الكلام ام لا وعليه لا بد من التكلم في ان مجرد العلم بالكبرى الكلية الشرعية كحرمة شرب الخمر مثلا هل يكفي في تنجز التكليف على المكف ولو مع عدم احراز موضوعه الخارجي أو لا بد في تنجزه من العلم بالكبرى والصغرى معا ومع الجهل باحديهما يحكم العقل بقبح العقاب على مخالفة التكليف الواقعي فنقول ان الاحكام الشرعية على قسمين (منها) ما يكون متعلقا بفعل المكلف من دون تعلقه بموضوع خارجي كحرمة الكذب مثلا (ومنها) ما يتعلق متعلقه بموضوع خارجي كحرمة شرب الخمر فإن الحرمة وان كانت متعلقة بالشرب الا ان الشرب على اطلاقه غير محرم بل خصوص ما كان منه متعلقا بالخمر مثلا (اما القسم الاول) فلا اشكال في ان المكلف بعد علمه بالكبرى الكلية وقدرته على امتثال التكليف وعلى عصيانه يتنجز عليه التكليف لان المفروض عدم كون التكليف مشروطا بأمر آخر يتوقف فعليته فإذا كان التكليف الفعلي متنجزا بالعلم به فكلما شك المكلف في الخارج في تحقق متعلق التكليف فيرجع شكه إلى الشك في الامتثال بعد العلم بالاشتغال ومقتضى حكم العقل في مثله هو الاشتغال ليس الا واما القسم الثاني فهو ينقسم ايضا إلى قسمين (الاول) ان يكون الحكم متعلقا بصرف الوجود سواء كان الموضوع دخيلا في ملاك الحكم بحيث لو كان امرا اختياريا ايضا لما امر الشارع بايجاده كما في مثل اوفوا بالعقود ويجب الوفاء بالنذر وامثالهما أو يكون دخيلا في الخطاب دون الملاك وانما لم يؤخذ في
[ 200 ]
متعلق الخطاب ولم يؤمر بايجاده لعدم القدرة عليه وهذا القسم يختص بالتكاليف الوجوبية الخارجة عن محل كلامنا فعلا (الثاني) ان يكون متعلقا بمطلق الوجود يحيث يكون كل فرد فرد من الموضوعات الخارجية محكوما بحكم مستقل كما يختص كل مكلف بحكم اجنبي عن حكم مكلف آخر وفى هذا القسم يكون الحكم الشرعي الثابت لكل فرد مشروطا بوجوده لا محالة كما هو الشأن في تمام القضايا الحقيقية فإنا قد ذكرنا مرارا واوضحناه في بحث الواجب المشروط ان كل قضية حقيقية خبرية كانت أو انشائية ترجع إلى قضية مشروطة مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له فمعنى قولنا كل خمر حرام ان كل ما وجد في الخارج وصدق عليه انه خمر فهو محكوم بالحرمة وقد ذكرنا هناك ايضا ان المجعول في القضايا الحقيقية الانشائية هي اشخاص الاحكام لاشخاص الموضوعات والا لما كان الحكم انحلاليا كما هو المفروض ويترتب على ذلك ان فعلية الحكم تتوقف على امرين احدهما وجود الموضوع الخارجي المشتمل على ملاك الجعل وثانيهما جعل الكبرى الكلية ومع فقدان احدهما ينتفي الحكم الفعلي بالضرورة اما مع فقدان جعل الكبرى الكلية فواضح واما مع فقدان الموضوع الخارجي فلفرض اشتراط فعلية الحكم بوجوده اللازم لكون القضية حقيقية فإذا كان الحكم الشرعي متوقفا على تحققهما فلا محالة يتوقف العلم به على العلم بتحققهما فمع الشك في وجود احديهما يكون الحكم الشرعي مجهولا وغير قابل للمحركية على ما أوضحنا مناطيته في حكم العقل بقبح العقاب على مخالفته والحاصل ان العلم بتحقق الصغرى خارجا مع الجهل بالكبرى كما انه لا يكفي في محركية الحكم الواقعي على تقدير وجوده فيستقل العقل بقبح العقاب على مخالفته فكذلك العلم باكبرى مع الجهل بالصغرى بعد فرض كون الحكم انحلاليا لا يكفي في المحركية بالاضافة إلى الفرد المشكوك فيستقل العقل بقبح العقاب على المخالفة لاتحاد الملاك فيهما هذا كله فيما إذا كان النهي متعلقا بكل فرد فرد على نحو القضايا الحقيقية وأما إذا كان الحكم التحريمي بمعنى مطلوبية مجموع التروك بنحو العام المجموعي بحيث لو اخل بواحد منها لما امتثل اصلا كما في حرمة شرب ماء الدجلة لاجل
تعلق النذر بترك شربه وشك في حرمة شرب ماء خارجي لاحتمال كونه من مائها فيبتنى الحكم بجوازه وعدمه على النزاع في جريان البراءة عند دوران الامر بين الاقل والاكثر وحيث ان المختار عندنا هناك الحكم البراءة فالحكم في المقام يكون هو البراءة ايضا إذ لا فرق بين المقام وبينه فيما هو الملاك في جريان البراءة كما هو ظاهر فمن الغريب ما صدر من المحقق
[ 201 ]
صاحب الكفاية (قده) من حكمه في المقام بالاشتغال مع ذهابه إلى البراءة في مسألة الاقل والاكثر نعم لو كان الحكم متعلقا بعنوان بسيط خارجي مقدور للمكلف وكان التروك الخارجية محصلة له كما إذا قال المولى كن لا شارب الخمر بنحو القضية المعدولة المحمول لكان الحكم في موارد الشك هو الاشتغال أو لم يكن فيها اصل آخر حاكم عليه ضرورة ان التروك الخارجية في هذا الفرض لم تؤخذ متعلقة للتكليف لا بنحو يكون كل واحد واحد مطلوبا للمولى ولا بنحو يكون كل ترك مقوما للمطلوب وجزء منه حتى يحكم بالبراءة عند الشك بل المطلوب فيه عنوان وجودي يمكن للمكلف تحصيله في الخارج بمحصلية التروك الخارجية فعند الشك في حصوله من جهة الشك في محصله لا يعقل الحكم بالبراءة لما عرفت سابقا من ان موارد الشك في المحصل خصوصا إذا كان الشك في المحصل الخارجي الغير الشرعي اجنبية عن موارد الحكم بالبراءة رأسا إذا الحكم بالبراءة انما يكون عند الشك في التكليف واما الشك في وجود المكلف به بعد العلم بتعلق التكليف به من جهة الشك في محصله فهو مورد لحكم العقل بتحصيل الفراغ اليقيني والى هذا نظر من ذهب إلى عدم جواز الصلاة فيما شك في كونه من غير المأكول فإنه نظر إلى اشتراط الصلاة بكونها في غير المأكول فهذا العنوان الوجودي هو المأخوذ قيدا فيها وتحصيلة مقدور للمكلف وعند الشك في حصوله لا بد من الحكم بالاشتغال دون البراءة ثم انا ذكرنا مرارا ان الاستصحاب في الاعدام المأخوذة وصفا لموضوعاتها لا يجري الا إذا كانت تلك الاعدام مسبوقة بالتحقق في موضوعاتها والا لكان اثبات انصاف الموضوع بها باستصحاب العدم الازلي مستلزما للقول بحجية الاصول المثبتة وعلى ذلك فيختلف الحال باختلاف اعتبار غير المأكول
شرطا فإنه إذا كان شرطا في الصلاة فليس لها حالة سابقا يمكن استصحابها إذا هي من اول وجودها يشك في اقترانها بالقيد المعلوم قيديته واما إذا كان شرطا للمصلي فيجري استصحاب عدم كونه لابسا لغير المأكول وعدم كونه مسصحبا لاجزاء غير المأكول لتحقق هذين العدمين قبل لبسه للمشكوك وقبل وقوع الجزء المشكوك في لباسه أو بدنه وإذا كان ذلك شرطا في اللباس فيفرق بين الشك في كون نفس اللباس من غير المأكول وبين كون الاجزاء الواقعة عليه منه فلا يجري الاستصحاب في الاول ويجري في الثاني والوجه فيهما واضح وبالجملة إذا كان عنوان وجودي اخذ متعلقا للتكليف سواء كان متعلقا للتكليف الاستقلالي أو متعلقا للتكليف الضمني وشك في تحققه خارجا من جهة الشك في محصله فلا مناص عن الحكم
[ 202 ]
بالاشتغال في غير موارد وجود الاصل الحاكم عليه واما اصالة البراءة فلا تكون جارية مطلقا (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان التروك الخارجية وان كانت تستلزم عنوانا وجوديا وهو اتصاف المكلف بكونه غير فاعل دائما الا انه يختلف الحال باعتبار تعلق الحكم بها فقد يكون نفس التروك متعلقة للحكم من حيث المجموع بنحو العام المجموعي فيرجع الشك في مطلوبية ترك من جهة احتمال كونه مقوما للمطلوب إلى الشك بين الاقل والاكثر واخرى تكون متعلقة للحكم بنحو العام الاستغراقي فيكون كل ترك مع قطع النظر عن الترك الآخر مطلوبا للمولى فالشك في تعلق حكم بترك يكون شكا في حكم استقلالي نفسي فيكون مجرى للبراءة وثالثة يكون الحكم متعلقا بالعنوان المتحصل من التروك الخارجية فتكون التروك محصلة لها خارجا من دون ان يتعلق بنفسها تكليف فعند الشك في تحقق ذلك العنوان في الخارج لا بد من الحكم بالاشتغال ان لم يكن هناك استصحاب حاكم عليه فمورد الحكم بالبراءة اجنبي عن مورد جريان الاستصحاب بالكلية (ومن جميع) ما ذكرناه يظهر الحال فيما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) في المقام فراجع (ثم انه) يظهر مما بيناه في الجهة الاولى حال الجهة الثانية ايضا وانه لا مانع من جريان البراءة الشرعية ايضا إذ العلم بالكبرى الكلية بعد فرض كونها انحلالية
لا يوجب كون الحكم الشرعي معلوما للمكلف مع الشك في وجود الموضوع خارجا فيجري ادلة البراءة التي اخذ في موضوعها عدم العلم بالحكم وعلى تقدير الاغماض عن عدم كون العلم بالكبرى الكلية علما بالحكم مع عدم احراز الموضوع الخارجي فلا اشكال في الحكم بالحلية من جهة الاخبار الدالة على حلية المشكوك وقد ذكرنا هذه الاخبار عند التعرض لحكم المشكوك بالشبهة الحكمية فإن تلك الاخبار لو لم تكن ظاهرة في بيان حكم الشبهة الموضوعية فلا اقل من كونه مرادا منها يقينا فالحكم بالبراءة في الشبهة الموضوعية خال عن الاشكال بالكلية (تبصرة) لا يخفي ان القائلين بجريان البراءة في الشبهات التحريمية حكمية أو موضوعية لا يمنعون عن حكم العقل بحسن الاحتياط للتحرز عن الوقوع في المفاسد الواقعية التي لا تدور مدار العلم والجهل بل لا يبعد الحكم باستحباب الاحتياط من جهة كون الاجتناب مرتبة من التقوى الموجبة لكمال النفس فإن حكم العقل بحسن الاحتياط الناشئ عن مراعاة الواقع وان كان واقعا في مرتبة معلولات الحكم الشرعي ومثل هذا الحكم قد عرفت انه لا يمكن ان يكون مستتبعا للحكم الشرعي الا انه لا مانع من استحباب الاحتياط والتحرز عن الشبهات بملاك آخر
[ 203 ]
وهو كون الاحتياط موجبا للتقوى الموجبة لكمال النفس وفي اخبار الاحتياط ما يدل على الاستحباب الشرعي فإن قوله (ع) اورع الناس من وقف عند الشبهة وقوله (ع) لاورع كالوقوف عند الشبهة وقوله (ع) من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك وغيرها من الاخبار ظاهرة في الاستحباب الشرعي ومع كون الحكم بالاستحباب ممكنا في حد نفسه وظهور الاخبار فيه لا بد من الحكم والفتوى على طبقها هذا تمام الكلام في المقام الاول واما المقام الثاني وهو ما إذا كانت الشبهة الحكمية التي لم يعلم فيها جنس التكليف ولم يلاحظ فيها الحالة السابقة وجوبية ففيها مسائل ايضا ولا يهمنا التعرض لكل واحد منها بخصوصها فإن فيما ذكرناه في الشبهة التحريمية من الادلة على جريان البراءة في تمام صور المسألة غير مسألة تعارض الخبرين التي ذكرنا ان الحكم فيها هو الاخذ بأحد الخبرين تعيينا أو تخييرا كفاية والملاك بين المقامين.
مشترك فيه هذا مع ان اغلب الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية وافقوا الاصوليين في الحكم بالبراءة في الشبهة الوجوبية بل لم يوجد خلاف فيها الا من صاحب الحدائق والمحدث الامين الاستربادي في خصوص الشبهة الحكمية فالمهم في المقام هو التعرض لمطالب (المطلب الاول) في تحقيق الحال في جريان الاحتياط في العبادات فنقول قد ظهر مما ذكرناه في الشبهة التحريمية من حسن الاحتياط عقلا وشرعا حسن الاحتياط في الشبهة الوجوبية ايضا وذلك لعدم اختصاص ادلته بخصوصها وهذا في التوصليات في غاية الوضوح واما في غيرها فإن علم المحبوبية المطلقة ودار الامر بين الوجوب والاستحباب فالامر كذلك إذ لا مانع من اتيان العبادة بقصد امرها الدائر بين الوجوب والاستحباب (وتوهم) عدم امكان الاحتياط فيها لعدم التمكن من قصد الوجه المعتبر في العبادة (مدفوع) بان قصد الوجه على تقدير اعتباره انما يعتبر عند التمكن منه وعند تعذره لعدم العلم بالوجوب والاستحباب فلا يعتبر قطعا واما إذا لم يعلم المحبوبية ودار الامر بين الوجوب وبين ان يكون لغوا فربما يقال بعدم امكان الاحتياط نظرا إلى ان قصد القربة مما لا بد منه في وقوع العمل عبادة وحيث انه لا يمكن مع الشك في المحبوبية فلا يمكن الاحتياط في العبادة معه ولكن هذا الاشكال نظير سابقه في الوهن فإن محركية نفس الامر وان كانت معتبرة في وقوع العمل عبادة ومع امكان محركية نفسه ووقوع العمل بداعية لما يحكم العقل بكفاية داعوية الاحتمالية في الاطاعة الا ان ذلك في صورة التمكن من جعل نفس الامر محركا ومع تعذره فالعقل يتنزل إلى الاكتفاء
[ 204 ]
بالامتثال الاحتمال وجعل احتمال الامر داعيا إلى العمل وما ابعد ما بين هذا التوهم وتوهم جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي حتى مع التمكن من الامتثال القطعي والحق فساد كلا التوهمين وكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال القطعي وقد اشبعنا الكلام في ذلك عند التعرض لحال العلم الاجمالي في مباحث القطع فراجع ثم انه بعد ثبوت حسن الاحتياط عقلا وجريانه في العبادات ايضا فهل يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه حتى يكون مستحبا شرعا
ام لا فيكون الاوامر الواردة في هذا المقام ارشادية الحق هو الثاني لما ذكرناه مرارا من ان الاحكام العقلية إن كانت واقعة في مرتبة العلة للحكم الشرعي بان كان الحكم الشرعي متأخرا عنها في الرتبة فقاعدة الملازمة بين الحكمين يثبت الحكم الشرعي لا محالة واما إذا كان الحكم العقلي واقعا في مرتبة الامتثال التي هي متأخرة عن جعل الحكم الشرعي ومترتبة عليه فلا يمكن الاستكشاف وذلك كحكم العقل بحسن الامتثال المترتب على جعل الحكم الشرعي وتحققه وحينئذ فحكم العقل في المقام بحسن الاحتياط لا يمكن ان يستكشف به الحكم الشرعي بملاكه فإن حكم العقل في هذه المرتبة حكم مترتب على جعل الاحكام ضرورة انه مترتب على احتمال الحكم المتأخر عن جعله بالرتبة نعم لا مضايقة في استحباب الاحتياط شرعا بملاك آخر غير ما هو الملاك في حكم العقل بالحسن مثل كون الاحتياط موجبا لقوة ملكة النفس على التحرز عن المعصية كما هو المستفاد من قوله (ع) من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك ولاجل ذلك استظهرنا فيما مر استحباب الاحتياط شرعا زائد على ما هو عليه من حسنه العقلي ثم انه بعد ثبوت استحبابه الشرعي فهل الامر الاستحبابي يتعلق بذات العمل المأتي به بداعي احتمال الامر فيكون متعلق الامر الاستحبابي مغايرا لمتعلق الحسن العقلي المعتبر فيه اتيان الفعل بداعي احتمال المحبوبية أو يتعلق بعين ما تعلق به الحسن فيكون المستحب الشرعي هو اتيان العمل بداعي احتمال الامر ايضا ظاهر المشهور هو الاول حيث تراهم يفتون باستحباب اعادة الصلاة فيما احتمل فسادها باحتمال غير منجز من دون تقييد منهم بلزوم اعادتها برجاء المحبوبية واحتمال الامر وهذا الحكم منهم يبتنى على امرين الاول أن يكون اوامر الاحتياط الدالة على استحبابه متعلقة بذات العمل كما استظهرنا ذلك في الامر الناشئ من قبل النذر حيث ذكرنا في بعض المباحث السابقة انه ليس كالامر الناشئ من قبل الاجارة المتعلق باتيان العمل بداعي امره بل
[ 205 ]
هو يتعلق بنقس العمل الذي هو متعلق الامر الاستحبابي ففي مثل النذر المتعلق بصلاة الليل مثلا يكون الامر الناشئ من قبل النذر متحدا مع الامر الاستحبابي فيكتسب الامر النذري
جهة التعبدية من الامر الاستحبابي ويكتسب الامر الاستحبابي جهة الالزام من الامر النذري فيكون المتحصل من الامرين أمرا واحد الزاميا عباديا لا يسقط إلا بقصد التقرب وأما لو قلنا بان الامر الاحتياطي تعلق بإتيان العمل رجاء وبداعي احتمال المحبوبية فلا يكون وجه للفتوى باستحباب نفس العمل المحتمل مطلوبيته اصلا (الثاني) ان يكون الاوامر الاحتياطية منحلة باختلاف مواردها إلى اوامر توصلية وتعبدية نظير الامر بالاطاعة المنحل في موارد التوصليات إلى امر توصلي وفي موارد التعبديات إلى أمر تعبدي إذا لو كان الامر بالاحتياط في تمام موارده على نسق واحد فلا محالة يكون توصليا ومعه لا يصح ان يكون هو الموجب لعبادية ما يشك في كونه مأمورا به والمفروض عدم ثبوت امر آخر متعلق به حتى يكون هو الموجب للعبادية فلا يمكن اثبات استحباب المأتي به احتياطا إذا كان عباديا (وبالجملة) الفتوى باستحباب اعادة الصلاة مثلا يتوقف على كون الامر الاحتياطي متعلقا بذات العمل وكونه عباديا ومع انتفاء احد الامرين لا يمكن الحكم باستحباب الاعادة عبادة والذي يظهر من العلامة الانصاري (قده) في المقام هو اختيار مذهب المشهور على خلاف ما اختاره في رسائله العملية فإنه (قده) بعد ما اشكل في جريان الاحتياط في العبادات اولا ووجه جريانه فيها بكفاية الاتيان بداعي احتمال الامر بالعبادية والمقربية ثانيا سلك مسلكا آخر ومحصل ما افاده بتحرير منا هو الالتزام بتعلق الاوامر الشرعية المفيدة للاستحباب بذات العمل من دون التقيد بالاتيان برجاء المحبوبية فيكون المستحب الشرعي هو ذات العمل ومع ذلك يكون الامر الاحتياطي عباديا إذا كان متعلقه عبادة وتوصليا إذا كان متعلقه غيرها نظير انحلال الامر بالوفاء في باب النذر واخويه إلى التعبدي والتوصلي باختلاف متعلق النذر خارجا وعلى ذلك يكون الموجب لعبادية الاحتياط هو نفس الامر الاحتياطي فيجري فيها ولو اعتبرنا في العبادية احراز الامر ولم نكتف فيها بالاتيان بداعي الاحتمال ورجاء المحبوبية وقد ذكرنا في مقام النقض على من توهم عدم امكان كون العبادية ناشئة من هذا الامر مع كون متعلقه هو الاحتياط بورود مثل هذا الاشكال بعينه على الاوامر الواقعية المتعلقة بالعبادات فإنه لا ريب في أن متعلقاتها امور
عبادية مع ان العبادية ناشئة عن تلك الاوامر ايضا بناء على استحالة اخذ قصد القربة في متعلقاتها
[ 206 ]
فما به يكون التفصي هناك يتفصى به في المقام ايضا وبذلك وجه فتوى المشهور باستحباب نفس العمل المحتمل تعلق الامر به واقعا وحاصل ما افاده في المقام يرجع إلى دعوى ان الاوامر الواقعية متعلقة بذات العمل من غير اخذ قصد القربة فيها وأن الاحتياط عبارة عن الاتيان بمتعلق الامر الواقعي في ظرف الجهل على وجه قربي وهو غير مشروط باتيانه برجاء المحبوبية فكما ان الامر الواقعي بذات العمل هو الموجب لعباديته فكذلك يكون الامر الاحتياطي ايضا بناء على استفادة الاستحباب منه وانحلاله إلى تعبدي وتوصلي باختلاف موارده ولكن الحق في المقام هو ما ذهب إليه سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) موافقا لما اختاره شيخه العلامة (قده) في رسائله العملية من استحباب العمل المقيد بما إذا اتي به برجاء المحبوبية وباحتمال الامر فإن ما أفاده (قده) في وجه استحباب ذات العمل وكون العبادية ناشئة من قبل الامر الاستحبابي لا يمكن المساعدة علية اصلا فإن ما افاده من تعلق الاوامر الواقعية بذات العمل من دون اخذ قصد القربة فيه ممنوع بل التحقيق هو كونه مأخوذا فيه الا انه حيث لا يمكن اخذه فيه بالجعل الاول فلا بد من الاحتياج إلى جعل آخر يكون متمما للجعل الاول وقد اشبعنا الكلام فيه في محله فراجع ثم انه على تقدير تسليم عدم اخذ القربة في متعلق الامر الواقعي فلا نسلم عدم اخذه في متعلق الامر الاحتياطي وذلك فإن متعلق الامر الاحتياطي هو عنوان الاحتياط وما به يمكن ادراك الواقع ويحكم العقل بحسنه ولا ريب ان ذلك لا يكون الا مع الاتيان بالعمل على وجه قربي مع قطع النظر عن تعلق الامر الاحتياطي به فكيف يمكن ان يقال ان الامر الاحتياطي متعلق بذات ما تعلق به الامر الواقعي هذا مع قياس الامر الاحتياطي بالاوامر الواقعية في عدم اخذ جهة القربية في متعلقهما فاسد من اصله فإن عدم الاخذ في الاوامر الواقعية من جهة استحالة التقييد الموجب لاستحالة الاطلاق ايضا فلا مناص من الاهمال كما مر توضيحه في محله وهذا بخلاف الامر الاحتياطي فإن اخذ داعوية الاحتمال وجعل رجاء المحبوبية دخيلا
في متعلقه حتى يكون المستحب هو الاتيان المقيد بما إذا اتى به برجاء المحبوبية بمكان من الامكان ومع امكان التقييد لا مناص عن الاطلاق أو التقييد من الحاكم الملتفت إلى الانقسام وحينئذ فإما ان يكون متعلق الامر الاحتياطي مقيدا به أو يكون مطلقا من هذه الجهة لا سبيل إلى الثاني بعد عدم صدق عنوان الاحتياط عليه حقيقة مع ان العقل لا يستقل الا بحسنه والشرع لا يندب الا إليه فيتعين الثاني (فتحصل) مما ذكرناه ان
[ 207 ]
الاحتياط المحكوم بكونه حسنا عند العقل ومحبوبا مولويا عند الشرع ويجري في العبادات كما يجري في غيرها لما عرفت من كون الاتيان برجاء المحبوبية من وجوه المقربية والتعبد عند عدم التمكن من جعل الامر الواقعي بنفسه داعيا من دون احتياج إلى تكلف الالتزام باستحباب نفس العمل الموافق لمتعلق الامر الواقعي مع انه غير صحيح في نفسه كما عرفت (هذا كله) فيما إذا لم يكن المنشأ لاحتمال الوجوب هذه الرواية الضعيفة واما في موردها فربما يقال باستحباب نفس العمل ولو لم يؤت به برجاء المحبوبية وبداعي احتمال الامر نظرا إلى دلالة الاخبار التي دلت على ان من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له اجر ذلك وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله على ذلك وهذه الاخبار مستفيضة بل لا يبعد دعوى تواترها معنى وان كان بينها اختلاف في الجملة وكيف كان فلا اشكال في اعتبار الروايات من حيث السند مع انها متلقاة بالقبول عند الاصحاب بل التكلم عنها يقع من جهات اخرى (الاولى) في ان مساق هذه الروايات هل هو جهة اصولية أو فقهية أو كلامية بمعنى ان تلك الاخبار هل هي ناظرة إلى ان الشرايط المعتبرة في حجية الخبر انما يختص اعتبارها بما إذا كان مدلول الخبر حكما الزاميا واما إذا كان حكما غير الزامي فيكفي في ثبوته مجرد مجئ الخبر به وعلى ذلك يكون مطلق الخبر حجة لاثبات متعلقه فيكون هذه الادلة مخصصة لادلة اعتبار الشروط في حجية الخبر مطلقا وموجبة لاختصاصها بمورد الاحكام الالزامية فيكون البحث (حينئذ) عن الجهة الاصولية أو هي ناظرة إلى ان فعل المكلف بعد طروء عنوان ثانوي عليه وهو الاخبار عن ترتب الثواب
عليه وكونه محبوبا عند المولى يكون ذا مصلحة غير الزامية موجبة للحكم باستحبابه شرعا وان لم يكن مطابقا للواقع نظير ما قيل في موارد الطرق والامارات من انها توجب جعل الاحكام على طبق مؤدياتها ولو في فرض عدم مصادفتها للواقع وعلى ذلك يكون البحث في المقام عن استحباب العمل البالغ عليه الثواب فيكون بحثا فقهيا أو انها ناظرة إلى حكم ما بعد العمل واجنبية عن جعل الداعي إليه بجعل الحجية للخبر الضعيف أو الاستحباب للعمل البالغ عليه الثوب فيكون مفادها ان من بلغه ثواب على عمل ببلوغ صحيح ثابت الحجية بدليلها ومحرك له في نفسه فتحرك المكلف في الخارج وعمل على طبقه ولكن اتفق عدم مصادفة الخبر للواقع وعدم ترتب الثواب عليه في نفسه يؤتي له ذلك الثواب لاجل انقياده لحكم الشرع وكونه في مقام امتثاله فيكون البحث عن جهة كلامية (وبالجملة) يكون مفاد الروايات هو ثبوت الثواب عند خطأ
[ 208 ]
الامارة للواقع ليس إلا لا ريب في ان ظاهر الروايات في حد ذاتها وبمدلولها المطابقي وإن كان ثبوت الثواب فقط من دون تعرض فيها لاثبات الحجية أو الاستحباب الا انها بمدلولها السياقي بما انها بصدد بيان جعل الداعي إلى العمل نظير ما ورد من الثواب على اعمال اخر مثل قولهم عليهم السلام من زار الحسين عليه السلام فله كذا وكذا ينعقد لها ظهور ثانوي في احدى الجهتين الاوليتين ويتقدم الظهور الثانوي على الظهور الاولي المطابقي ويكون صارفا عنه لما بيناه غير مرة من أن الظهور في القرينة يتقدم على الظهور في ذي القرينة وعليه يدور الامر بين احدى الجهتين السابقتين والمستفاد من ظاهر عنوان المشهور هذه المسألة بمسألة التسامح في ادلة السنن وان كان يعطي كون البحث عن جهة اصولية وان الخبر الوارد في باب المستحبات لا يشترط فيه ما يشترط فيما دل على الحكم الالزامي وحينئذ فيقع المعارضة بينها وبين مادل على اشتراط العدالة والوثوق مثلا في حجية الخبر ولكنه مع ذلك لا بد من تقديم هذه الاخبار ورفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها أما ما كان من ادلة الاشتراط من قبيل قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أو غيره المفيد لاشتراط العدالة مطلقا فوجه تقديمها عليه واضح فإن
هذه الاخبار اخص من تلك الادلة فيقدم عليها بالاظهرية وأما ما كان منها دالا على اشتراط شرط مخصوص في خصوص مواردها وهي الاحكام الغير الالزامية حتى يكون النسبة بينهما التباين فلان هذه الاخبار معمول بها عند الاصحاب فلا محالة يكون ما هو المعارض لها على تقدير وجوده معرضا عنه عندهم فيسقط عن قابلية المعارضة لها إلا ان التحقيق ان استفادة الجهة الاصولية منها في غاية الاشكال بل لا يمكن اصلا وذلك فأن ظاهر الروايات هو ترتب الثواب مع احتمال عدم المصادفة للواقع كما هو صريح قوله عليه السلام وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله مع ان الحجية سواء كانت بمعنى جعل الوسطية في مقام الاثبات كما هو المختار عندنا أو بمعنى جعل الهوهوية لا بد وأن تكون متكفلة لالغاء احتمال الخلاف واثبات الواقع بعد قيام الحجة عليه فكيف يجتمع مع فرض بقاء احتمال عدم المصادفة على حاله وبالجملة دليل حجية الامارة لا بد وأن يكون ناظرا إلى الواقع ومثبتا له بالغاء احتمال خلافه والرواية صريحة في اثبات ترتب الثواب مع عدم تعرض فيها لالغاء هذا الاحتمال بل مقررة لبقائه وحينئذ فتكون الروايات اجنبية عن المسألة الاصولية ايضا وتكون متمحضة في الحكم بالاستحباب لاجل طرو عنوان ثانوي كما قيل بنظيره في مطلق الامارات وانها توجب حدوث عنوان في مؤدياتها
[ 209 ]
يوجب جعل الاحكام على طبقها على ما اوضحنا الحال في ذلك في محله ثم ان العلامة الانصاري قدس سره نسب هذا الوجه الذي اخترناه من كون مفاد الاخبار هو الاستحباب الشرعي فيكون جهة البحث فقهية إلى بعض مشايخه المعاصرين له قدس الله تعالى اسرارهم واطال الكلام في ارجاعه إلى الجهة الاصولية وان النتيجة بالآخرة ترجع إلى الغاء شرطية ما اعتبر في حجية الخبر في المقام وانت بعد ما عرفت جهة الفرق بين الجهتين وان النظر في اثبات الاستحباب الشرعي ليس الا حجية الخبر بل لا يكون هناك نظر إلى الواقع اصلا تعرف فساد ما افاده ولم يكن صدور مثله مترقبا منه قدس سره (الجهة الثانية) في بيان انه بعد ما ثبت استحباب العمل البالغ عليه الثواب فهل المحكوم بالاستحباب هو ذات العمل ولو لم يؤت به برجاء المحبوبية
والمحكوم به هو العمل المقيد به كما اخترنا ذلك في متعلق الاوامر الاحتياطية ظاهر جملة من الاخبار ترتب الثواب على نفس العمل منها مصححة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال من بلغه شئ من الثواب فعمله كان اجر ذلك له وان كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله وظاهر بعضها التقييد بصورة الاتيان طلبا لقول النبي صلى الله عليه وآله كما في خبر محمد بن مروان عن الصادق (ع) أو بصورة الاتيان لالتماس الثواب الموعود كما في خبره الآخر عن الباقر عليه السلام فيقع الكلام في ان مقتضى القاعدة هو حمل المطلقات على المقيدات فينحصر الثواب بما إذا كان الاتيان برجاء المحبوبية أو لا مقتضي له اما لمنع دلالة الروايات المذكورة فيها القيد على التقييد واما لمنع اقتضاء القاعدة حمل المطلق على المقيد في المقام الحق هو الثاني ودلالة الاخبار على ثبوت الاستحباب لنفس العمل إذ لا مقتضي لرفع اليد عن المطلقات اصلا اما اولا فلانه لا ظهور في الاخبار المشتملة على القيد في انه مأخوذ في العمل عنوانا وقيدا بان يكون الثواب مترتبا على العمل المأتي به بعنوان انه محتمل الثواب بل هي ظاهرة في كون طلب الثواب داعيا إلى العمل فإنه إلى الداعوية امس من القيدية (والوجه) في اقتصار الامام عليه السلام على ذكر هذا الداعي بالخصوص مع تعدد الدواعي القريبة هو ان الداعي للعمل غالبا انما هو الفرار عن العقاب أو تحصيل الثواب وبقية الدواعي لا تكون داعية غالبا وحيث انه لا احتمال للعقاب في موارد المستحبات فينحصر الداعي بخصوص طلب الثواب بحسب الغلبة ومع عدم ظهور الروايات في تقييد العمل بما إذا اتى به برجاء المحبوبية فلا موجب لرفع اليد عن المطلقات فيثبت بها استحباب نفس العمل بعنوانه الثانوي الطارئ وان لم يكن محبوبا
[ 210 ]
واقعا واما ثانيا فلما عرفت في بحث المطلق والمقيد من عدم الموجب لحمل المطلق على المقيد في باب المستحبات رأسا وان الحمل المذكور مختص بموارد الاحكام الالزامية (واما) ثالثا فلان الحمل المزبور يشترط فيه كون الحكم المجعول متعلقا بصرف الوجود حتى يتحقق التنافي بين المطلق والمقيد واما لو كان الحكم انحلاليا ومتعلقا بمطلق الوجود فلا موجب للحمل ولو كان الحكم
المجعول ايجابيا وحيث ان المفروض في المقام هو مطلوبية العمل البالغ عليه الثواب بمطلق وجوده واين ما تحقق فلا موجب لحمل المطلق على المقيد فيه اصلا هذا بحسب الصناعة العلمية ولكن الانصاف انه مع قطع النظر عن الوجه الاول وهو المنع عن ظهور الاخبار في التقييد لو لم ندع ظهورها في عدمه فلا مناص عن الحمل المزبور وذلك فإن الشرطين المذكورين لحمل المطلق على المقيد وان كان مما لا ريب في اشتراطهما الا انه مع عدم معلومية وحدة التكليف من الخارج والا فلا محالة يتحقق المنافاة بين المطلق والمقيد مطلقا ومن الظاهر في المقام ان الاخبار كلها بصدد بيان حكم واحد مجعول في الشريعة فيدور الامر بين كونه على نحو الاطلاق أو التقييد فيتحقق التعارض الموجب للحمل الا انه يسهل الخطب انا في غنى عن ذلك لما عرفت من عدم ظهور الاخبار في التقييد من رأس فيثبت استحباب نفس العمل البالغ عليه الثواب على خلاف ما اخترناه في باب الاوامر الاحتياطية وإذا ثبت استحباب نفس العمل المشترك بين العبادي وغيره فلا محالة ينحل باختلاف الموارد إلى تعبدي وتوصلي كما مر بيانه في تقريب فتوى المشهور باستحباب نفس العمل في موارد الاحتياط وانما منعنا عن ذلك هناك لعدم كون الامر فيها متعلقا بذات العمل بل اخترنا تعلقه بالفعل المأتي به بداعي احتمال الامر فلا محالة يكون مثل هذا الامر توصليا وغير موجب للعبادية مطلقا لعدم نشؤه من المصلحة الكامنة في العمل وانما نشأ من المصلحة الثابتة في نفس الاحتياط المشتركة بين موارده بل العبادية في موارد الاحتياط في العبادة تتحقق في مرتبة سابقة على الامر من جهة كفاية الامتثال الاحتمالي فيها بحكم العقل كما عرفت (الجهة الثالثة) في التعرض لما يرد على الاستدلال بالاخبار في المقام وهي كثيرة لا يهمنا التعرض لها وقد تعرض لها العلامة الانصاري (قده) في رسالته المعمولة للتسامح في ادلة السنن وانما نتعرض لما هو اهمها وهو منافاة مدلولها لما دل على عدم الاعتناء بالاخبار الغير الصحيحة كآية النبأ وغيرها مما دل على اشتراط الوثوق أو العدالة في جوار العمل بالخبر (وجوابه) ان هذه الاخبار كما عرفت اجنبية عن افادة جواز العمل بالخبر الضعيف حتى يتحقق بينهما المنافاة
[ 211 ]
لما عرفت من انها ليست ناظرة إلى الجهة الاصولية اصلا وانما هي ناظرة إلى اثبات الاستحباب للعمل البالغ عليه الثواب بعنوانه الثانوي واين ذلك من جواز العمل بالخبر واثبات الواقع به وعلى تقدير تسليم المنافاة بينهما بأن يكون مفادها اثبات الحجية للخبر الضعيف فلا بد من تخصيص ادلة الاشتراط بها لكون هذه الاخبار اخص منها مطلقا وعلى تقدير وجود دليل فيها يكون النسبة بينهما التباين فيقدم هذه الاخبار عليه لكونها معمولا بها بين الاصحاب فيكون معارضها معرضا عنه لا محالة (وينبغي التنبيه) على امور الاول انا قد ذكرنا في صدر المسألة ان المختار عندنا هو كون مفاد الاخبار هو اثبات الاستحباب الشرعي فيكون مفادها من المسائل الفقهية لكن الغرض من ذلك لم يكن كونه كبقية المسائل الفقهية المشتركة بين المجتهد والمقلد بل الغرض منه كان اثبات انه ليس من المباحث الاصولية الباحثة عن الحجية بل هو داخل في القواعد الكلية الفقهية (توضيح) ذلك ان الاحكام المجعولة الشرعية اما ان لا يكون لها تعلق بعمل المكلف بل يتمحض في وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي فهو حكم اصولي بلا ريب والمسألة الباحثة عنه مسألة اصولية واما ان يكون لها تعلق بالعمل مع ايكال تطبيق الكبرى على صغرياتها بنظر آحاد المكلفين كاغلب المسائل الفقهية فلا اشكال في كونه حكما فرعيا وكون المسألة الباحثة عنه مسألة فقهية واما ان يكون له تعلق بالعمل لكن مع عدم ايكال التطبيق المذكور على نظر الآحاد بل يكون التطبيق موكولا بنظر المجتهد خاصة كقاعدة مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفساده وقاعدة اليد ونحوهما فيقع الاشكال في كون هذه المسائل اصولية أو فقهية وما نحن فيه من هذا القبيل فإن تطبيق الكبرى في المقام على صغرياته وتشخيص أن الرواية الدالة على الاستحباب يحتمل في موردها الحرمة أولا أو أن هناك ما يعارضها اولا انما هو وظيفة المجتهد خاصة ولا حظ للمقلد فيه اصلا فلا بدلنا من بيان الضابط بين المسئلتين اجمالا حتى يظهر حال تلك القواعد الكلية فنقول مقتضى ما ذكرناه في صدر الكتاب من ان الميزان في المسألة الاصولية هو استنتاج الحكم الكلي الفرعي من ضم الصغرى إلى نتيجتها كمباحث حجية الخبر ونحوه كون هذه القواعد داخلة في المسائل الفقهية ضرورة ان مفادها بانفسها احكام
فقهية مستنبطة لا انها تقع في طريق استنباط حكم فرعي ولكن التحقيق عدم صحة هذا الميزان فإن المسألة الفقهية لا بد وان تكون بحيث يلقى نتيجتها بنفسها إلى المكلفين ويوكل التطبيق إلى نظرهم كما جرى عليه دأب المجتهدين بضبط فتاويهم في رسائلهم العملية واعطائها إلى المقلدين ومن
[ 212 ]
الضروري ان نتائج تلك القواعد ليست كذلك ضرورة ان غير المجتهد لا يمكن له ان يطبق صغريات تلك القواعد إليها فالميزان في كون المسألة اصولية هو ان يكون تطبيق صغرى المسألة على كبراها موكولا بنظر العرف وان كان البحث فيها عن الحكم الشرعي المتعلق بالعمل بلا واسطة وعليه يكون البحث عن ثبوت الاستحباب الشرعي للعمل البالغ عليه الثواب من الابحاث الاصولية (الثاني) انه ربما يقال بشمول الاخبار المذكورة للخبر الضعيف الدال على الكراهة والاخبار المروية في باب القصص والحكايات كاخبار الطف ونحوها مما تضمن لفضائل اهل البيت ومصائبهم عليهم السلام ولكن التحقيق ان شمولها للخبر الضعيف الدال على الكراهة وان كان قريبا غايته باعتبار ان الذوق الفقهي يساعد على كون الملاك في هذه الاخبار هو المسامحة في مطلق الاحكام الغير الالزاميه من دون أن يكون لخصوص الاستحباب خصوصية خاصة وعليه يثبت الكراهة بالخبر الضعيف كما كان يثبت الاستحباب به الا انه مع ذلك يشكل الفتوى بالكراهة بمجرد دلالة خبر ضعيف عليه وذلك لعدم ثبوت الملاك القطعي واختصاص الاخبار بموارد بلوغ الثواب الظاهرة في المستحبات واما بالنسبة إلى الاخبار الحاكية لغير الاحكام من الفضائل والمصائب وغيرها فلا مقتضي لتوهم الشمول اصلا وان كان يظهر من الشهيد (قده) جزمه به بل نسبته إلى الكثير من أهل العلم على وجه يظهر كونه من المسلمات بينهم وقريب منه ما نقل عن الشهيد الثاني (قده) في الدراية وعن غيره في غيرها وذلك فإن الكذب كما بينا في بعض المباحث السابقة وان كان بحسب الوضع اللغوي دائرا مدار مخالفة الواقع الا ان ما يحكم العقل بقبحه ليس هو ذلك بل القول الغير المحرز مطابقته للواقع سواء كان مطابقا للواقع ام لم يكن فالاخبار عما لم يثبت بطريق صحيح
يكون قبيحا عقلا واي موجب لثبوت المسامحة فيه خصوصا فيما إذا كان الخبر متضمنا لاسناد شئ إلى المعصوم عليه السلام وبالجملة ان تم اجماع على حجية الخبر الضعيف في باب القصص والحكايات فهو والا فلا مقتضي للتسامح اصلا (الثالث) هل تعم الاخبار لموارد افتاء الفقيه بالاستحباب ام تختص بخصوص موارد الاخبار الضعيفة لا اشكال في الشمول فيما إذا كان الافتاء بعين متن الرواية كفتاوى الشيخ في النهاية وعلي بن بابويه قدس الله تعالى اسرارهم واما الفتاوي الناشئة عن حدس ونظر فيشكل شمولها لها من وجهين (الاول) ان ظاهر بعض الاخبار هو ان يكون البالغ هو الثواب ومن الضروري ان الفقيه لا يخبر
[ 213 ]
عنه وإنما يخبر عن الاستحباب ولكن هذا الاشكال ضعيف لا يلتفت إليه فإن المراد من المذكور فيها هو العمل المترتب عليه الصواب اعني به مطلق العمل الراجح بقرينة اسناد العمل إليه في قوله (ع) فعمله ولا يعتبر في شمولها كون البالغ هو خصوص الثواب ولذا لا ريب في شمولها لموارد الاخبار الضعيفة الدالة على الاستحباب فيكون فتوى الفقيه مشاركة للخبر الضعيف من هذه الجهة (الثاني) أن الظاهر من بلوغ الثواب هو ان يكون الاخبار عن الثواب بما انه مسند إلى النبي صلى الله عليه وآله فيكون ظاهرا في الاخبار المتعارفة المبنية على الحس وفتوى الفقيه ليست اخبارا عن الحس فالتعدي من مواردها والحكم بالاستحباب الشرعي بمجرد الفتوى مشكل جدا نعم لا بأس بالعمل في موارد الفتوى من باب الرجاء والاحتياط لكنه خارج عما هو محط كلامنا في المقام (الرابع) لا ريب في شمول الاخبار لما إذا ورد خبر ضعيف على الاستحباب مع احتمال كونه حراما في الواقع فإن احتمال الحرمة يندفع بإصالة البراءة ويحكم باستحبابه بمقتضى الاخبار المتقدمة وهذا فيما إذا لم يكن احتمال الحرمة ناشئا عن ورود الخبر الضعيف به في غاية الوضوح واما في مورده فيمكن دعوى الانصراف عنه ولو قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك عند ورود الخبر الضعيف بالحرمة لقوة احتمال أن يكون مورد الاخبار هو بلوغ الثواب غير معارض ببلوع العقاب فلا يثبت الاستحباب في فرض المعارضة
وعلى تقدير عدم الانصراف فإن قلنا بعدم ثبوت الكراهة أو استحباب الترك نظرا إلى اختصاص مورد الاخبار المتقدمة ببلوغ الثواب دون العقاب فلا اشكال في ثبوت الاستحباب مع وجود الرواية الضعيقة على الحرمة فإن الرواية الضعيفة إذا لم تؤثر في ثبوت الكراهة وكان احتمال الحرمة مندفعا بالاصل فيحكم بالاستحباب كما إذا لم يكن رواية على الحرمة وأما إذا قلنا بشمول الاخبار للاخبار الدالة على الحرمة ايضا فإن قلنا بثبوت الكراهة بها فلا ريب في تحقق المنافاة. بين الخبر الدال على الاستحباب والخبر الدال على الحرمة لتنافي مقتضاهما وإن قلنا بثبوت استحباب الترك في مواردها فربما يقال باستحباب الفعل والترك عملا بالخبرين وعدم المنافاة بين رجحان الشئ فعلا وتركا كما ادعي ذلك في بعض العبادات المكروهة كالصوم يوم عاشورا لكنك قد عرفت عند البحث عن كراهة العبادة عدم تعقل ذلك وأن استحباب الفعل لا يجتمع مع رجحان الترك فلا محالة يتحقق المنافاة بين الخبرين كما إذا قلنا بكراهة الفعل لكن الانصاف انصراف الاخبار عن هذه الموارد بالكلية (الخامس) الظاهر شمول الاخبار لما إذا
[ 214 ]
ورد رواية ضعيفة على الوجوب فإن دعوى اختصاصها بما إذا بلغ الثواب على الفعل فقط من دون الاشتمال على العقاب على الترك لا شاهد لها اصلا بل اطلاق الاخبار يقتضي عدم الاختصاص فيثبت الاستحباب في موردها وإن كان الوجوب مندفعا بالاصل ثم انه إذا بنينا على دلالة الاخبار على اثبات الكراهة ايضا فلا محالة يتحقق التنافي بين روايتين احداهما تدل على الوجوب والاخرى على الحرمة وظاهر شيخنا العلامة الانصاري قدس سره في المقام هو العمل بكلتا الروايتين من باب التسامح والحكم باستحباب الفعل والترك وقد اشرنا آنفا إلى عدم تعقل ذلك وان شئت توضيح ذلك فراجع إلى البحث المذكور (المطلب الثاني) في دوران الواجب بين التعيين والتخيير ولا بد لتوضيح الحال فيه من تقديم امور (الاول) انه لا ريب في عدم اختصاص جريان البراءة عقلا ونقلا بما إذا شك في الوجوب التعييني بل يعم ما إذا شك في الوجوب التخييري أو المردد بينه وبين التعييني فإذا شككنا في وجوب احدى
الكفارات تخييرا عند القئ عمدا أو في وجوب شئ مرددا بين التعييني والتخييري مع عدم العلم باصل الوجوب اصلا فلا ريب في صحة التمسك بالبراءة فإن الملاك في جريانها مشترك بين جميع تلك الاقسام واما التمسك باصالة عدم الوجوب عند الشك في الوجوب مطلقا فغير صحيح كما عرفت وجهه مفصلا (الثاني) ان محل الكلام في المقام انما هو فيما إذا لم يكن اصل لفظي يقتضي التعيينية كما إذا ورد الامر بشئ مطلقا من دون بيان عدل له في مقام البيان فإنه يقتضي التعيينية كما مر توضيحه في بحث الاوامر ومعه لا تصل النوبة لا البحث عن جريان الاصل العملي (الثالث) انه قد تقرر في محله انه كلما كان الشك راجعا إلى اصل ثبوت التكليف ومرتبة الجعل فالمرجع فيه هو البراءة وكلما رجع الشك إلى سقوط التكليف ومرحلة الامتثال بعد العلم باصل التكليف فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال وهذان اصلان موضوعيان في هذا المقام (الرابع) ان ما يحتمل كونه عدلا للواجب المعلوم وجوبه في الجملة المردد بين كونه تعيينيا أو تخييريا قد يعلم مسقطيته له ويشك في كونه عدلا له في الوجوب كالائتمام المسقط للقراءة الواجبة في الصلاة مع الشك في عدليته لها في الوجوب وقد يعلم وجوبه ولكن يشك في المسقطية من جهة احتمال كون كل من الوجوبين تعيينيا كما إذا علم وجوب شيئين في الجملة واحتمل أن يكون الوجوب في كل منهما تعيينيا أو تخييريا وقد يشك في الوجوب والمسقطية معا كما إذا علم بوجوب العتق في الجملة وشك في كون الصوم عدلا له في الوجوب ومسقطا له ويشترك هذه
[ 215 ]
الاقسام من حيث الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال كما سيظهر وجهه ان شاء الله تعالى إذا عرفت ذلك فنقول إذا علم وجوب شئ في الجملة ودار الامر بين تعيينيته وتخييريته كما هو محل الكلام فلا مناص فيه عن الرجوع إلى قاعدة الاشتغال والحكم بالتعيينية عملا إذ الواجب التعييني غير محتاج في عالم الثبوت الا إلى قيد عدمي بأن لا يكون له عدل في مرحلة الطلب كما انه في عالم الاثبات كذلك بل اثبات التعيينية في عالم الاثبات بعدم التقييد بمثل العطف بكلمة أو انما هو لكشفه عن العدم في عالم الثبوت فإذا كان اصل الوجوب معلوما
وشك في تخييريته من جهة احتمال تقيده بوجود العدل له فلا محالة يحكم بالتعيينية بمقتضى ضم الوجدان إلى الاصل لعدم ثبوت التقييد مع حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الثابت يقينا واما توهم اثبات التعيينية باجراء البراءة عن وجوب ما يحتمل بدليته للواجب المعلوم فغير صحيح إذا البراءة العقلية انما تجري فيما إذا كان مخالفة التكليف المحتمل موجبة للعقاب على تقدير تنجزه ولا ريب ان ترك الطرف المحتمل وجوبه في المقام لا يترتب عليه عقاب اصلا واما البراءة الشرعية فلا مورد لجريانها لما ذكرناه مرارا من انه مشروط بان يكون فيه امتنان على الامة فلو لزم منه خلاف الامتنان لما كان مجال له وحيث ان لازم الجريان في المقام هو ثبوت التعيينية التي هي كلفة زائدة مخالفة للامتنان فلا تكون جارية (فإن قلت) إذا سلمت ان في التعيينية كلفة زائدة على الكلفة الثابتة في اصل الوجوب فلماذا لا تجري البراءة منها ويثبت بذلك التخيير (قلت) مجرد كون شئ موجبا للكلفة والضيق لا يوجب جريان البراءة عنه عند احتماله فإن البراءة الشرعية يتوقف جريانها على كون المحتمل امرا منحازا في الجعل ولا تجري في الامور التحليلية كما سيتضح في محله فلا يصح ان يقال ان اصل الوجوب معلوم وخصوصية التعيينية مجهولة تدفع بالبراءة مع ان هذه الخصوصية ليست من الامور القابلة للجعل بنفسها بل هي من خصوصيات المجعول وتوابعه (واما) البراءة العقلية فلانها انما تجري فيما إذا كان الشك متعلقا بمرحلة الجعل والاشتغال دون السقوط والامتثال والمقام من قبيل الثاني فإنه إذا علم وجوب شئ في الجملة فمرجع الشك في تعيينيته وتخييريته إلى الشك في ان الشارع جعل له مسقطا آخر غير الاتيان بمتعقله ام لا والا فحقيقة الوجوب ليس له قسمان تعييني وتخييري فإذا رجع الشك إلى مرحلة الاسقاط والامتثال فلا محالة يحكم العقل بالاشتغال دون البراءة (وبالجملة) الشك في التعيينية والتخييرية مع العلم باصل الوجوب في الجملة يترتب عليه امران (الاول)
[ 216 ]
احتمال تعين ما احتمل عدليته للواجب المعلوم في الوجوب عند تعذر ما هو معلوم الوجوب في مرحلة الامتثال ولا ريب ان الشك من هذه الجهة مورد للبراءة عقلا ونقلا (الثاني) احتمال سقوط
الواجب المعلوم مع التمكن منه باتيان المحتمل وجوبه تخييرا والشك من هذه الجهة مورد لقاعدة الاشتغال ولا محل لجريان البراءة عقلا ونقلا لا من اصل وجوب المحتمل ولا من جهة التعيينية المحتملة بعد ما عرفت من ان التعيينية ليست قيدا زائدا في اصل الوجوب مجعولا بنفسه وانما هي منتزعة من قيد عدمي وهو عدم جعل العدل للواجب المعلوم وجوبه فمرجع الشك في التعيينية إلى الشك في جعل العدل الراجع إلى الشك في سقوط الواجب المعلوم بإتيان محتمل العدلية ومن المعلوم ان الشك في مرحلة السقوط مورد لقاعدة الاشتغال ليس الا (ومما ذكرناه) في بعض المباحث السابقة يظهر ما في كلام شيخنا العلامة الانصاري (قده) حيث تمسك في المقام باصالة عدم وجوب الطرف المحتمل من النظر فإنه قد بينا سابقا ان استصحاب عدم الجعل وان كان واجدا لاركان الاستصحاب من اليقين والشك الا انه لا يترتب عليه عدم المجعول الاعلى القول بالاصول المثبتة واما استصحاب عدم المجعول فلا حالة سابقة له إذ العدم المقوم للتعيينية هو العدم المقابل للوجود تقابل العدم والملكة ومن الضروري ان مثل هذا العدم ليس له حالة سابقة في مثل الفرض إذا متى كان هناك وجوب ثابت لم يكن لمتعلقه عدل حتى يستصحب ذلك العدم نعم العدم الازلي لوجوب الطرف المحتمل كان معلوما سابقا لكن اثبات العدم والملكة باستصحابه يتوقف على القول بالاصول المثبتة نعم إذا علم وجوب شئ سابقا بنحو التعيينية وعدم كون شئ آخر عدلا لمتعلقه ثم شك في عروض التخيير وكون ذلك الشئ عدلا له فلا مناص من الرجوع فيه إلى اصالة عدم وجوبه وبقاء التعيينية في الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لكن هذا الفرض اجنبي عن محل كلامه (قده) فقد ظهر مما ذكرناه انه لا مجال لجريان اصل في مفروض الكلام الا اصالة الاشتغال (ثم انه) قد تبين مما ذكرناه حال كل من القسمين الآخرين الا انه لا بأس بالتكلم في كل منهما مستقلا تكثيرا للفائدة (فنقول) اما القسم الاول وهوما إذا علم المسقطية وشك في الوجوب فحكمه الرجوع إلى البراءة عند تعذر الواجب المعلوم وجوبه في الجملة لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في وجوبه التعييني بالعرض ومن هذا القبيل الائتمام المردد امره بين كونه واجبا تخييرا للقراءة الواجبة وبين كونه مسقطا لها كما
مثل به فخر المحققين (قده) فإذا تعذرت القراءة يجب الائتمام على الاول لتعين احد
[ 217 ]
فردي الواجب التخييري عند تعذر الآخر دون الثاني فإذا شك في تعينه عند تعذر القراءة فيرجع إلى البراءة عن وجوبه (ثم انه) في مسألة الائتمام نزاعين آخرين اجنبيين عن محل الكلام في المقام (الاول) في ان التخيير الثابت بين الصلاة فرادى وجماعة هل هو عقلي أو شرعي فإن قلنا بالثاني وان ماهية الصلاة فرادى مغايرة لماهية الصلاة جماعة ثبت التخيير بينهما شرعا فيترتب عليه عدم جواز العدول عن الجماعة إلى الفرادى الا فيما ثبت فيه العدول بالخصوص واما إذا قلنا بالاول وكونهما فردين من مهية واحدة فمقتضى القاعدة هو جواز العدول عن كل منهما إلى الآخر مطلقا كما في جواز العدول من الصلاة في المسجد إلى غيرها وبالعكس الا انه قام الدليل على عدم جواز العدول من الفرادى إلى الجماعة واما عكسه فيبقى على ما يقتضيه القاعدة من الجواز وعلى كل من القولين يجري النزاع المتقدم في ان الايتمام بدل أو مسقط (الثاني) في ان قراءة الامام هل هي بدل عن قراءة المأموم ومنزل منزلتها كما هو مقتضى جملة من الاخبار الدالة على ان من صلى خلف إمام عادل فقراءته قراءته ام لا ويترتب على البدلية انه لو عدل المأموم بعد القراءة وقبل الركوع عن الجماعة إلى الفرادى لا يجب عليه القراءة ثانيا لان المفروض تحقق قراءة الامام التى هي بدل عن قراءته وهذه البدلية اجنبية عما هو محل الكلام في المقام إذا مع فرض البدلية بهذا المعنى يقع الكلام في ان الائتمام فرد آخر من الواجب التخييري حتى يتعين عند تعذر القراءة أو الواجب هو خصوص القراءة فيسقط عند تعذرها ولا يجب الائتمام عنده وان كانت قراءة الامام بدلا عنها ولو اختيارا بالمعنى المزبور (فإن قلت) لا ريب في بدلية الائتمام عن الصلاة فرادى وكونه عدلا له في الوجوب بل هو افضل فردي الواجب فلا محالة يتعين عند تعذر الفرد الآخر بتعذر القراءة (قلت) تعذر القراءة الصحيحة لا يوجب تعذر الصلاة فرادى وذلك لعدم تعين القراءة الصحيحة في كونها جزاء للواجب بل لها ابدال طولية في الشريعة ومجرد كون الائتمام بدلا عن الصلاة فرادى لا يثبت كونه بدلا عن المرتبة العالية
عن القراءة حتى يكون المرتبة الثانية من القراءة مترتبة على تعذر المرتبة الاولى والائتمام معا بل القدر المسلم من البدلية هو بدليته عن تمام مراتب القراءة بسلسلتها الطولية وهو لا ينافي الخلاف في بدليته عن المرتبة العالية أو مسقطيته عنها كما افاده المحقق المذكور بل نقول ان ترتب المرتبة الثانية على تعذر المرتبة الاولى في بعض الروايات كما ورد من ان سين بلال شين يدل على عدم بدلية الائتمام عن المرتبة العالية والا لكان تنزيل سين بلال شينا مترتبا عل تعذر الائتمام ايضا فمن
[ 218 ]
عدم التقييد في الرواية بتعذر الائتمام يستكشف عدم ثبوت البدلية عن المرتبة العالية (والحاصل) ان ما هو المسلم عند الفقهاء من بدلية الائتمام عن القراءة وكونه افضل فردي الواجب لا يدل على ازيد من البدلية عن مجموع مراتب القراءة واما بدليته عن خصوص المرتبة العالية فهى مشكوكة لو لم نقل بقيام الدليل على خلافها ومن ذلك يظهر ان تنزيل قراءة الامام منزلة قراءة المأموم كما في جملة من الاخبار اجنبي عن اثبات البدلية التي هي محل كلام المحقق المتقدم ذكره فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان تلك الاخبار لا تدل على وجوب الائتمام بدلا عن القراءة اصلا بل غاية ما يستفاد منها هو ثبوت البدلية في فرض الائتمام المتفرع عليها عدم وجوب القراءة إذا عدل المأموم قبل الركوع واين ذلك من اثبات الوجوب له لا يمكن اثبات التنزيل بهذه الاخبار بالقياس إلى خصوص المرتبة العالية ولذا لا يصح الاستدلال بها على جوزا ائتمام من يحسن القراءة بمن لا يحسنها نظرا إلى ان قراءة الامام منزلة منزلة القراءة الصحيحة منه المنزلة منزلة القراءة الصحيحة من المأموم فإن التنزيل ليس بلحاظ المرتبة العالية حتى يثبت تنزيل القراءة الغير التامة من الامام منزلة القراءة التامة من المأموم بل القدر المتيقن منه هو تنزيل قراءته منزلة قراءة المأموم بمالها من المراتب وعليه فلا دلالة لها على وجوب الائتمام عند تعذر المرتبة العالية فثبوت البدلية باعتبار اجنبي عن الشك في ثبوت البدلية بالمعنى الذي ذكره المحقق المذكور الموجب للرجوع إلى البراءة معه (فإن قلت) إذا كان تعذر القراءة لامر طار من ضيق الوقت ونحوه فمقتضى القاعدة هو استصحاب كلي الوجوب المردد تعلقه بخصوص
القراءة حتى يكون ساقطا بالتعذر أو بالاعم منه ومن الائتمام حتى يكون باقيا بالتمكن من الفرد الآخر (قلت) اثبات وجوب الائتمام باستصحاب الوجوب المردد كاثبات وجوب احد طرفي المعلوم بالاجمال بعد سقوط التكليف في الطرف الآخر بالامتثال أو بغيره مبتن على القول بالاصول المثبتة فإن الزوم الائتمام ليس من آثار بقاء الوجوب المردد وانما هو من آثار وجوبه بالخصوص واثبات وجوبه بالخصوص باستصحاب بقاء كلي الوجوب ليس الا من باب الملازمة العقلية بل لو بنينا على حجية الاصل المثبت لا نلتزم به في امثال المقام إذ الاستصحاب لابد وان يكون ناظرا إلى ظرف الشك ولا يمكن اثبات الحدوث به فكيف يمكن ان يثبت به ان الواجب كان تخييريا من اول الامر كما في المقام وان الواجب كان من الاول هو خصوص الباقي كما في مورد دوران الامر بين المتباينين (واما القسم الثاني) وهو ما إذا علم الوجوب
[ 219 ]
في كل منهما في الجملة وشك في التعيينية والتخييرية فقد ظهر مما ذكرناه ان مقتضى حكم العقل فيه هو الاشتغال وعدم سقوط كل منهما بفعل الآخر الا ان التعرض له ثانيا انما هو لبيان ان الشك في التخيير والتعيين قد يكون في الاحكام الواقعية وقد يكون في الاحكام الطريقية وعلى الاول قد يكون الشك من جهة الشك في اصل الجعل وقد يكون من جهة التزاحم فهناك اقسام ثلاثة والمختار عندنا وان كان هو الاشتغال في تمام الاقسام الا ان ملاك القول به في القسم الثاني وهو الشك في التخيير والتعيين من جهة التزاحم اقوى منه في القسم الاول بحيث لو التزمنا بالرجوع إلى البراءة في القسم الاول لما كنا نلتزم به في الثاني كما انه لو التزمنا بالبراءة فيه ايضا محالا لا نلتزم به في القسم الثالث وهو دوران الامر بين التعيين والتخيير في الطرق وتحقيق الحال في المقام انما يكون بالتكلم في كل واحد من الاقسام الثلاثة مستقلا فنقول (اما القسم الاول) وهو ما إذا ثبت وجوب شيئين في الشريعة في الجملة ودار امرهما بين كونهما تعيينيين أو تخييريين فتوضيح الحال فيه يتوقف على بيان مقدمة وهي انه قد ذكرنا في بحث الواجب التخييري ان الوجوه في تصويره كثيرة الا انها خالية عن التحصيل
وما يمكن ان يلتزم به في عالم الثبوت وجهان (الاول) ان يكون هناك مصلحتان متضادتان لا يمكن الجمع بينهما في الخارج مع كون كل منهما ملزمة في نفسها (الثاني) ان يكون مصلحة واحدة ملزمة مترتبة على كل واحد من الفعلين وعلى كل تقدير لا بد من جعل الايجاب على نحو التخيير لا محالة (وتوهم) ان الواجب في القسم الثاني يكون هو الجامع بين الفعلين فان وحدة الاثر يكشف عن وحدة المؤثر فيكون التخيير بين الفعلين عقليا لا شرعيا (مدفوع) بان وجود الجامع بين الفعلين لوحدة الملاك المترتب على كل منهما وان كان مسلما الا انه ليس بجامع عرفي بقع في حيز الخطاب حتى يكون التخيير بين افراده بحكم العقل فلا بد للشارع من ايجاب كل منهما تخييرا فيكون تخيير شرعيا (ثم ان) مقتضى كل من القسمين يختلف في عالم الاثبات فانه على تقدير كون التخيير ناشئا عن تضاد المصلحتين وتزاحمهما في مقام التأثير يكون الواجب هو كل من الفعلين تعيينا على وجه الاشتراط بعدم الاتيان بالآخر ومقتضى ذلك هو تقييد اطلاق كل منهما باداة الشرط وهذا بخلاف ما إذا كان هناك مصلحة واحدة مترتبة على كل من الفعلين فانه لا يوجب الا ايجاب احدهما تخييرا فلا بد من تقييد الاطلاق باداة العطف وهذا سنخ من الوجوب يعبر عنه بالوجوب التخييري
[ 220 ]
فالواجب في الحقيقة هو احدهما المردد القابل للانطباق على كل من الفعلين وعلى ذلك فإن كان التقييد في عالم الاثبات باداة العطف فمن جهة تبعية عالم الاثبات لعالم الثبوت يستكشف وحدة الملاك وكون الواجب هو احدهما المردد فيسقط احتمال كون الوجوب التخييري ناشئا عن المصلحتين المتضادتين نعم لو كان هناك دليلان دل كل منهما على وجوب فعل مخصوص كالظهر والجمعة مثلا وقام دليل خارجي على عدم وجوب كليهما معا فلا بد من احد التقييدين اما التقييد باداة الشرط حتى يكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالآخر واما التقييد باداة العطف حتى يكون الواجب هو احدهما على التخيير فيتردد الامر بين القسمين المذكورين الا انه مع ذلك لا بد من الالتزام بالتقييد باداة العطف والغاء احتمال
التقييد باداة الشرط فانه على تقدير التقييد باداة العطف فالتقييد يرجع إلى ناحية المطلوب ويبقى اطلاق الطلب على حاله واما على تقدير التقييد باداة الشرط فالتقييد يرجع إلى نتيجة الجملة اعني بها الطلب المستفاد من ايقاع الهيئة على المادة وتقييد الطلب مستلزم لتقييد المطلوب لا محالة وقد ذكرنا في بحث الواجب المشروط انه كلما دار الامر بين تقييد واحد وتقييدين فلا بد من الالتزام بالتقييد الواحد وابقاء اطلاق الآخر على حاله هذا مضافا إلى ان قيام الاجماع ونحوه على عدم تعدد الواجب يستكشف منه عدم تعدد الملاك أيضا لما عرفت من تبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت لا محالة على أن فرض وجود الملاكين وتمانعهما في التحقق فرض نادر موهوم بعيد عن أذهان العامة لا يعبأ به وعلى ذلك يتعين الوجوب التخييري فيما يستلزم التقييد باداة العطف ولا يبقى لاحتمال التقييد باداة الشرط مجال اصلا فإذا شك في تعيينية الوجوب وتخييريته فلا محالة يرجع الشك إلى سقوط كل من الواجبين المعلوم وجوبهما باتيان متعلق الآخر فلا بد من الحكم بالاشتغال وعدم سقوط كل منهما الا باتيان متعلقه فيكون النتيجة هي التعيين نعم لو بنينا محالا على أن الوجوب التخييري عبارة عن وجوب كل من الفعلين تعيينا مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الآخر فلا محالة يكون مرجع الشك إلى الشك في اطلاق الواجب واشتراطه وعليه يكون وجوب كل منهما عند عدم الاتيان بمتعلق الآخر معلوما واما عند الاتيان به فيكون أصل الوجوب مشكوكا يرجع معه إلى البراءة كما هو الحال عند دوران الامر بين الاشتراط والاطلاق في غير المقام فيكون النتيجة عند الشك في التعيين هو التخيير دون التعيين لكنك قد عرفت آنفا ومر في بحث الوجوب التخييري فساد المبنى
[ 221 ]
وانه لا يرجع الوجوب التخييري إلى الوجوب المشروط اصلا (واما القسم) الثاني وهو ما إذا كان الشك في التعيين والتخيير من جهة التزاحم مع احتمال اهمية احد الواجبين فالحكم فيه هو الاشتغال وتعين محتمل الاهمية وان قلنا بالتخيير في القسم الاول والرجوع فيه إلى البراءة وذلك لما بيناه في بحث التزاحم من ان التزاحم بين الخطابين انما ينشأ من اطلاق كل منهما بالاضافة
إلى الاتيان بمتعلق الآخر وتركه المستلزم لطلب الجمع بين المتعلقين في الخارج فإذا كان المكلف قادرا على الجمع فيجب عليه ولا يقع المزاحمة بين الخطابين واما مع العجز عنه فيتحقق التنافي بين الاطلاقين ويقع المزاحمة بين الخطابين فإن كان احد الخطابين معلوم الاهمية في نظر الشارع فلا محالة يبقى اطلاقه بحاله ويتعين اطلاق الآخر للسقوط ويرتفع بذلك محذور طلب الجمع بين المتعلقين ويكون النتيجة هو ترتب خطاب المهم على عصيان خطاب الاهم وقد بينا جوازه وامكانه بما لا مزيد عليه في محله ومع عدم العلم بالاهمية فتارة يعلم مساواة كل منهما مع الآخر واخرى يحتمل اهمية احدهما دون الآخر فعلى الاول لابد من سقوط كل من الاطلاقين لعدم الترجيح في البين فيكون النتيجة هو وجوب كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالآخر فإن الموجب لعجز المكلف عن الامتثال ليس نفس الخطابين حتى يكون الساقط في فرض العلم باهمية احد الخطابين هو خصوص خطاب المهم وفي هذا الفرض كليهما حتى نحتاج في اثبات التخيير إلى اكتشاف العقل له من جهة وجود الملاك الملزم في البين بل الموجب له انما هو اطلاق الخطابين فيكون الساقط هو خصوص اطلاق خطاب المهم في الفرض الاول وكلا الاطلاقين في هذا الفرض وعلى الثاني لا بد من الحكم بالاشتغال فإن الشك في الاهمية لشبهة موضوعية أو حكمية يرجع إلى الشك في سقوط كلا الاطلاقين بعد العلم بسقوط احدهما ولا ريب ان مقتضى القاعدة هو الحكم بعدم السقوط وبقاؤه على حاله (توضيحه) انه إذا كان هناك غريقان لا يتمكن المكلف الا من انقاذ احدهما فإن كان كل منهما مساويا في الاهمية مع الآخر فلا محالة يكون اطلاق طلب الانقاذ في كل منهما مقيدا بعدم انقاذ الآخر واما إذا احتمل اهمية احدهما معينا فهو وإن كان يوجب الشك في تعيينية طلبه وتخييريته إلا انه مع ذلك لا يمكن الرجوع إلى البراءة ولو قلنا بجريانها في موارد الدوران بينهما في القسم الاول ضرورة ان سقوط اطلاق طلب مالا يحتمل اهميته معلوم على كل تقدير والشك انما هو في سقوط الاطلاق في الطرف المحتمل اهميته ومع عدم احراز سقوطه لا يمكن الحكم
[ 222 ]
بالسقوط كما هو ظاهر (فإن قلت) إذا كان الساقط بالتزاحم هو الاطلاق من الجانبين أو من جانب واحد فقط فلا محالة يكون مرجع الشك عند احتمال الاهمية إلى الشك في اطلاق الخطاب واشتراطه بعد العلم بالاشتراط في الطرف الآخر ومن المقرر في محله ان المرجع عند الشك في الاطلاق والاشتراط هو البراءة فيكون النتيجة مع الاشتراط فيثبت التخيير (قلت) الشك في الاطلاق والاشتراط وان كان المرجع فيه هو البراءة الا انه فيما إذا كان الشك بحسب اصل الجعل لا من جهة التزاحم والسر فيه ان الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة في غير ما إذا كان من جهة الشك في القدرة وأما في موارد العلم بوجود الملاك الملزم والشك في التكليف من جهة الشك في القدرة فلا يجوز العقل تفويت الملاك الملزم بمجرد احتمال العجز عن تحصيله عقلا أو شرعا ومحل الكلام من هذا القبيل فإن وجود الملاك الملزم في طرف المحتمل اهميته معلوم بالفرض والشك في اشتراط خطابه انما نشأ من احتمال كون الاتيان بالطرف الآخر معجزا مولويا عنه فمجرد احتمال العجز عنه لا يوجب جواز تفويته فلا بد من الاحتياط والحكم بعدم سقوطه باتيان الطرف الآخر واما الطرف الآخر الغير المحتمل اهميته فسقوط الاطلاق فيه وكونه مشروطا بعدم الاتيان بما يحتمل اهميته معلوم على كل تقدير فاتضح من جميع ذلك ان القول بالتخيير والرجوع إلى البراءة في القسم الاول غير ملازم للقول بالتخيير في هذا القسم اصلا (هذا كله) على المختار من سقوط الاطلاق في مقام التزاحم وعدم تمكن المكلف من امتثال كلا الخطابين في الخارج واما لو بنينا على ان الساقط عند المزاحمة هو خصوص خطاب المهم في فرض اهميته احدهما وكلا الخطابين عند عدم الاهمية في البين نظرا إلى ان تقييد الاطلاق لا يوجب رفع محذور طلب الجمع إذ مع ترك المكلف لخصوص الاهم في فرض الاهمية ولكلا الواجبين مع التساوي يكون كل من الخطابين فعليا لاطلاق الخطاب في طرف الاهم وحصول شرط الفعلية وهو ترك الاهم بالنسبة إلى الخطاب بالمهم وترك كل منهما بالنسبة إلى خطاب الآخر في فرض عدم الاهمية بل لا بد في رفعه من رفع اليد عن الخطاب بالمهم عند وجود الاهمية وعن كلا الخطابين عند عدمها لكن العقل يستكشف من وجود
ملاكين ملزمين لا يمكن استيفاؤهما في الخارج جعل الشارع للخطاب التخييري بين الفعلين حتى لا يفوت على المكلف كلاهما فهل القاعدة تقتضي الحاق الشك في الاهمية الموجب للشك بين التخيير والتعيين بالقسم الاول ام لا بد من القول فيه بالاشتغال وان قلنا بالبراءة في القسم
[ 223 ]
الاول (ربما يقال) بالالحاق بتوهم ان مرجع الشك في الاهمية حينئذ إلى ان الحكم الشرعي الموجود في المقام هو التعيين أو التخيير فيجري فيه ما بنى عليه في القسم الاول (ولكنه منه لا يخفي) فساد هذا التوهم فإن الشك في التعيين والتخيير في القسم الاول كان ناشئا عن الشك في اصل الجعل فيمكن ان يقال فيه بالبراءة عن الكلفة المشكوكة في التعيين واين هذا من المقام فأن الشك فيه ناش من عدم قدرة المكلف على الامتثال خارجا وإلا كان الخطاب في كل من الطرفين فعليا تعينيا بلا مزاحم مع احتمال اشتمال الطرف المشكوك كونه عدلا على الملاك الموجود في الطرف المحتمل اهميته فمرجع الشك بعد احراز اشتمال احد الطرفين على الملاك الملزم إلى احتمال اكتفاء الشارع عن امتثالة باتيان الطرف الآخر وجعله بدلا عنه ولا ريب أن العقل يستقل حينئذ بعدم تجويز تفويت الملاك الملزم المعلوم بمجرد الاحتمال فلا بد من الحكم بالاشتغال فظهر انه لا فرق في القول بالاشتغال في هذا القسم بين القول بسقوط الاطلاق عند التزاحم وبين القول بسقوط اصل الخطاب (هذا) مع أن القول الثاني فاسد من اصله وقد بينا ذلك بما لا مزيد عليه في بحث الترتب فراجع ومن الغريب ما صدر عن العلامة الانصاري (قده) في المقام حيث انه مع التزامه بسقوط اصل الخطاب في فرض المزاحمة وانكاره للخطاب الترتبي لذلك قد التزام في بحث التعادل والتراجيح بأن مقتضى القاعدة عند التزاحم هو سقوط الاطلاقين فإنه نتيجة اشتراط التكاليف بالقدرة لا نفس الخطابين وليت شعري إذا كان الخطاب الترتبي من طرف واحد مستحيلا فكيف يجوز ذلك من الطرفين وقد اشرنا إلى ذلك في بحث الترتب ايضا فظهر مما ذكرناه ان مقتضى القاعدة عند الشك في الاطلاق والاشتراط وإن كان هو البراءة إلا انه مختص بغير موارد الشك في القدرة واما فيها فالعلم بوجود الملاك
الملزم في كل من الواجبين مع احتمال الاشتراط في التكليف لعدم القدرة على ايجادهما وتزاحمهما في الملاكية يمنع من من الرجوع إلى البراءة لعدم تجويز العقل تفويت الملاك الملزم باحتمال العجز عن تحصيله (فإن قلت) إن ما ذكرت إن ما يتم فيما إذا علم بالملاك التام القابل للداعوية ولكنه غير متحقق فيما نحن فيه إذ المفروض احتمال تمانع الملاكين وعدم قابليتهما للتأثير في مقام الجعل ومعه كيف يمكن ان يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال (قلت) التمانع في الملاك إن كان لعدم تماميته في حد نفسه كاحتمال مانعية الفسق عن تمامية الملاك الموجود في اكرام العالم المقتضي وجوبه فالامر كما ذكرت لكنه اجنبي عن محل الكلام فإن المفروض هو تمامية الملاك وقابليته
[ 224 ]
للدعوة من غير جهة القدرة فالشك في التكليف في القدرة لا غير ومعه لا يمكن الرجوع إلى البراءة كما عرفت (وأما القسم) الثالث وهو ما إذا دار الامر بين التعيين والتخيير في الطرق فتوضيح الحال فيه انه ان التزمنا في موارد الطرق بالسببية بالمعنى المعقول المغاير للسببية الاشعرية والمعتزلية اعني بها المصلحة السلوكية فيرجع الامر عند تعارض الخبرين إلى التزاحم على اشكال فيه نتعرض له في بحث التعادل والتراجيح إن شاء الله تعالى وعليه يكون التخيير عند تعارضهما على طبق القاعدة فإذا شك في التعيين والتخيير من جهة احتمال التعيين في احدهما فيرجع فيه إلى ما بنينا عليه في القسم الثاني بعينه فإنه يكون من مصاديقه وافراده وأما إذا بنينا على الطريقية المحضة كما هو المختار عندنا فلا محالة يكون مقتضى القاعدة عند التعارض هو التساقط فيكون التخيير مع عدم وجود المرجح والترجيح معه على خلاف القاعدة وثابتا بالدليل التعبدي فإذا شك في التعيين والتخيير لشبهة حكمية أو موضوعية فالتوهم المذكور من كون المورد موردا للبراءة لكون التخيير في موارد التزاحم شرعيا فيكون الشك في التعيين راجعا إلى الشك في الكلفة الزائدة غير جار فيه من اصله إذ بناء على الطريقية المحضة لا موجب لدخول محل التعارض في كبرى التزاحم اصلا وعليه فطريقية ما يحتمل تعينه وكونه موردا لجعل الوسطية في الاثبات تعيينا أو تخييرا معلوم بالفرض واما الطرف الآخر فطريقيته
مشكوكة وقد ذكرنا في محله ان الطريقية والوسطية في الاثبات متقومة بالوصول ومع الشك فيها يقطع بعدم الطريقية الفعلية من دون فرق بين أن يكون الشك من جهة اصل الجعل أو من جهة عروض الطوارئ كما في المقام فتحصل ان الحق هو عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند الشك في التعيين في تمام الاقسام ولكنه لو فرض القول بها في القسم الاول محالا لما قلنا به في القسمين الاخيرين كما انه لو قلنا به في القسم الثاني ايضا لما نقول به في الثالث (هذا) تمام الكلام في الشك في التعيين والتخيير واما الشك في كون الوجوب عينيا أو كفائيا فيظهر الحال فيه مما بيناه في دوران الامر بين التعيين والتخيير فإن الوجوب الكفائي إذا كان راجعا إلى الوجوب المشروط بتوهم أن العمل واجب على كل مكلف تعيينا مشروطا بعدم اتيان الآخر له فيرجع الشك في العينية والكفائية إلى الشك في الاطلاق والاشتراط وقد ذكرنا ان الاصل عند دوران الامر بينهما وإن كان هو البراءة فيما إذا كان الشك راجعا إلى اصل الجعل إلا انه لا بد من القول بالاشتغال فيما إذا كان الشك في مرحلة السقوط كما في المقام فإن
[ 225 ]
فإن التكليف الفعلي قبل اتيان أحد بمتعلقه معلوم على الفرض والشك إنما في سقوط هذا الواجب الفعلي بفعل الغير فلا بد من القول بالاشتغال وان كان راجعا إلى إيجاب العمل على كلي المكلف على نحو صرف الوجود كما هو الصحيح فإن المطلوب للمولى وما هو متعلق غرضه فعل واحد والتعدد إنما هو في المكلف فلا معنى لايجابه على كل واحد من المكلفين عينا بشرط عدم اتيان الآخر فالالتزام بالاشتراط هنا أبعد من الالتزام به في الوجوب التخييري فالامر أوضح فإن رجوع الشك إلى مرحلة السقوط عند الشك في الكفائية والعينية بمكان من الوضوح فلا بد من القول فيه بالاشتغال (وبالجملة) النتيجة في الوجوب الكفائي وان كانت واحدة على كلا الوجهين وهي سقوط الوجوب عن الكل باتيان البعض وصحة عقاب الكل عند الترك من الجميع إلا ان الصحيح هو الوجه الثاني وعلى تقدير الالتزام بالوجه الاول فالمرجع هو الاشتغال عند الشك في الكفائية ايضا (المطلب الثالث) في تحقيق الحال في
الشبهة الموضوعية الوجوبية ولا اشكال في شمول أدلة البراءة لها عقلية ونقلية ويظهر بيان الاستدلال له مما قدمناه في المباحث السابقة فلا حاجة إلى اطالة الكلام فيه والظاهر ان المسألة مما لم يقع الخلاف فيها من أحد من هذه الجهة وإنما الاشكال في مقامين (الاول) انه بعد الفراع عن وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية وجوبية أو تحريمية قد أفتى جملة من الاعلام بل الظاهر انه المشهور بوجوب الفحص عند الشك في حصول الاستطاعة أو في بلوغ المال إلى حد النصاب مع كون الشبهة موضوعية وسيأتي التعرض لذلك وبيان ما هو الملاك في وجوب الفحص إن شاء الله تعالى (المقام الثاني) انه بعد تسالم الاصحاب على كون الحكم في مورد الشك في الوجوب مع كون الشبهة موضوعية هو البراءة قد أفتى جماعة منهم بل ربما يدعى كونه هو المشهور بوجوب قضاء الفوائت التي لا يعلم مقدارها إلى حد يحصل العلم بالفراغ مع عدم كونه حرجيا وإلا فبمقدار حصول الظن به وهذا لا يجتمع مع التسالم المذكور كما هو ظاهر (والتحقيق) في المقام ان يقال ان الحكم بوجوب تحصيل القطع أو الظن بالفراغ عند عدم التمكن من القطع يبتني على احد أمرين (الاول) توهم ان مقتضى استصحاب عدم الاتيان بالفريضة في وقتها وجوب قضائها فلا بد من الاتيان بمقدار يحصل معه القطع بالفراغ والا فالاستصحاب يكون محكما " وفيه " ان وجوب القضاء لم يترتب على نفس عدم الاتيان بالفريضة حتى يتوهم احراز ذلك بالاستصحاب بل هو مترتب على عنوان الفوت المساوق لذهاب شئ عن الكيس
[ 226 ]
اما بفوات الفريضة الفعلية أو بفوات ملاكها ولو مع عدم فعلية التكليف كما في موارد الفوت حال النوم ونحوه وعنوان الفوت بناء على كونه أمرا وجوديا منتزعا من عدم الاتبان بالواجب إلى آخر وقته ومتولدا عنه فعدم جريان الاستصحاب عند الشك فيه في غاية الوضوح إذ اثبات أمر وجودي ملازم للمستصحب بالاستصحاب من الاصول المثبتة التي لا نقول بها واما بناء على كونه امرا عدميا بأن يكون هو نفس عدم الاتيان بالواجب في الوقت فالامر ايضا كذلك ضرورة انه ليس عبارة عن العدم المحمولي المسبوق بالحالة السابقة لعدم صدق الفوت قبل
دخول وقت الفريضة ولا بعد دخوله إلى آخر الوقت بل المصحح لصدقه هو عدم الاتيان بها في مجموع الوقت لما عرفت من ان معنى الفوت مساوق لذهاب شئ عن الكيس وهذا لا يتحقق إلا مع وجود مقتضى الدخول فيه وهو لا يكون إلا في مجموع الوقت وعليه يكون الفوت من قبيل الاعدام والملكات وقد بينا غير مرة ان استصحاب العدم المحمولي لاثبات العدم والملكة من اوضح انحاء المثبت (وبالجملة) نفس عنوان الفوت لكونه من قبيل الاعدام والملكات لا حالة سابقة له حتى يكون قابلا للاستصحاب والعدم المحمولي وان كان له حالة سابقة إلا انه لا يمكن اثبات العدم والملكة باستصحابه بل لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على مساوقة عنوان الفوت لنفس العدم المحمولي المقارن مع الوقت حتى يكون عنوان الفوت مركبا من أمر وجودي وهو دخول الوقت وأمر عدمي وهو عدم الاتيان بالفريضة لا يكون الاستصحاب جاريا لمحكوميته بالادلة الدالة على الغاء الشك في اتيان الفريضة بعد خروج الوقت وكل فريضه لم يعلم بفواتها في وقتها يحكم بعدم وجوب قضائها فيسقط الاستصحاب بالاضافة إليها وعليه يكون العلم الاجمالي المردد بين الاقل والاكثر منحلا إلى اليقين بوجوب قضاء المقدار المتيقن والشك في وجوب المقدار الزائد المحكوم بعدم الاعتناء به في تلك الادلة " ومما ذكرناه " يظهر الحال في الواجبات المالية ايضا فإذا كان الشك في اداء الخمس أو الزكاة مثلا مع بقاء عين المال المتعلق للحق فمقتضى القاعدة هو الحكم بوجوب الاداء لقاعدة الاشتغال وليس في مورد الشك في ادائها قاعدة تقضي بعدم الوجوب نظير قاعدة التجاوز والفراغ الجاريتين في العبادات ومجرد جريان عادة الشخص على الاداء في اول السنة مثلا لا يكون موجبا لعدم الوجوب كما توهم نظير ما إذا كان عادة المكلف على غسل الطرف الايمن قبل الايسر فشك في غسل الايمن حين اشتغاله بالايسر فإنه لا ريب في وجوب غسله وعدم الاعتناء بجريان
[ 227 ]
عادته على غسله قبل الا يسر وأما إذا كان الشك بعد تلف العين فمقتضى القاعدة عدم الوجوب إذ الشك يرجع إلى اشتغال الذمة بالمثل وكونه ضامنا لحصة الفقير وهو امر حادث يندفع
بالاصل " الثاني " ما افاده المحقق صاحب الحاشية وحاصله ان الشك في مقدار الفوائت ان لم يكن مسبوقا بعلم في زمان كما إذا برء من مرض فات فيه مقدار من الفرائض فشك في مقدارها فالحكم فيه البراءة في غير المقدار المتيقن واما إذا كان مسبوقا به لكن عرض له الشك فيه لعروض النسيان فالحكم هو الاشتغال إذ العلم السابق بمقدار الفرائض إنما نجزها على ما هي عليها فالشك في مقدارها فعلا يرجع إلى الشك في مقدار المعلوم السابق المتنجز ومن البديهي ان الشك في التكليف إنما يكون موردا للبراءة فيما إذا لم يكن شكا في تكليف متنجز على تقدير وجوده وإلا فلا محالة يحكم العقل بوجوب الاحتياط دفعا للضرر المحتمل (وفيه) ان الحكم الواقعي إنما يكون منجزا فيما إذا كان واصلا بنفسه أو بطريقه فدعوى عدم جريان البراءة في المقام لا بد وان يرجع إلى دعوى كفاية تنجيز العلم بحدوثه آناما ولو كان زائلا بعد ذلك أو دعوى قصور جريان ادلة البراءة في المقام فلا محالة يجب الاحتياط لعدم الامن من العقوبة وكلا الدعويين من وضوح الفساد بمكان " اما " الدعوى الاولى فلان العلم بالتكليف إنما ينجز معلومه مع بقائه واما مع انتفائه فيستحيل ان يكون بمجرد حدوثه منجزا للمعلوم مطلقا ولو في ظرف عدم وصوله بنفسه ولا بطريقه وإلا لكان حدوث العلم آناما مع طريان الشك الساري منجزا ايضا وهو " قده " لا يلتزم بذلك " فإن قلت " ألستم تلتزمون بأن العلم الاجمالي ينجز المعلوم في اطرافه ولو مع زواله بفقدان بعض الاطراف أو خروجه عن محل الابتلاء فكيف تنكرون عدم منجزية حدوث العلم آناما ولو مع زواله وهل هناك فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي " قلت " ليس العلم الاجمالي موجبا لتنجز المعلوم في كل واحد واحد من اطرافه لعدم العلم فيه بخصوصه وانما المنجز هو احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد واحد من الاطراف ومن الواضح ان هذا الاحتمال الموجب للتنجز على تقدير المصادفة للواقع باق بحاله قبل طرو الفقدان أو نحوه وبعده والذي نمنعه في المقام هو كون الحكم الواقعي منجزا في ظرف عدم وصوله لا بنفسه ولا بطريقه بمجرد احتمال كونه معلوما سابقا ولو بنينا على ذلك لزم تأسيس فقه جديد ضرورة ان كل حكم تكليفي احتمل تعلقه بالمكلف إذا كان
موضوعه من قبيل الافعال الاختيارية كما في الكفارات والعهود ونحوها لا بد من القول بعدم
[ 228 ]
جريان البراءة فيه على هذا القول فمن احتمل صدور فعل اختياري منه موجب لحكم تكليفي لا بد وان يأتي بمتعلقه لان ذلك الحكم التكليفي على تقدير تعلقه فلا محالة كان معلوما له في زمان والمفروض ان احتمال تكليف معلوم ولو في زمان ليس موردا للبراءة لمنجزية العلم السابق له على تقدير وجوده فينحصر جريان البراءة بموارد احتمال التكاليف الغير المترتبة على الافعال الاختيارية وهذا هو اللازم الفاسد الموجب لتأسيس فقه جديد " واما " الدعوي الثانية فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبها هو ان البراءة العقلية وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان موردها المتيقن بنظر العقل هو ما إذا لم يكن هناك بيان أصلا واما مع احتمال البيان من جهة احتمال كون الحكم الواقعي معلوما ولو في زمان فلا يستقل العقل بالقبح فلا بد من الاحتياط دفعا للضرر المحتمل واما البراءة الشرعية فموضوعها بمقتضى دليل الرفع هو ما لا يعلمون وهو ظاهر في عدم المعلومية رأسا فمع احتمال المعلومية ولو في زمان سابق يكون الشبهة مصداقية فلا يمكن التمسك بدليلها (وجوابها) ان العقل وان كان قد يتردد في موضوع حكمه لاجل عدم احراز ملاكه تفصيلا كما إذا تردد العقل في ان ملاك القبح في الكذب هل يختص بالكذب الغير النافع أو يشمل لنافع ايضا فيأخذ بالمقدار المتيقن لكن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس من هذا القبيل لما عرفت سابقا من ان الحكم الواقعي بوجوده النفس الامري يستحيل ان يكون محركا فلا بد في محركيته من وصول الحكم اما بنفسه أو بطريقه كما في موارد الشبهة قبل الفحص وحيث ان المفروض في المقام عدم وصول الحكم بنفسه ولم يقم دليل على وجوب الاحتياط بمجرد الاحتمال فلا محالة يستقل العقل بقبح العقاب فلا يكون أثر لاحتمال وصول الحكم سابقا إذا لا يترتب على الوصول السابق أثر في الزمان اللاحق بل لو فرضنا ترتب أثر شرعي عليه ايضا فهو ايضا يندفع بالبراءة للشك في تحقق موضوعه ومن هنا يظهر الحال في البراءة الشرعية فإن موضوعها وان كان ما لا يعلمون إلا أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع وقرينية حكم العقل بقبح العقاب من دون وصول الحكم بنفسه ولا بطريقه هو
دوران الحكم بالبراءة مدار الوصول الفعلي باحد قسميه ومع عدمه كما في المقام لا مناص عن الحكم بالبراءة (فإن قلت) كما لا ريب في أن الواجب الموسع إذا كان مقدورا في بعض الازمان دون بعض يتضيق في الزمان المقدور فيه ولا يبقي على سعته فكذا يتضيق من حيث التنجز إذا كان معلوما في بعض الازمان فقط فكلما تنجز في الزمان المعلوم يكون الاعتبار به لا ببقية الازمنة كما في القدرة طبق النعل بالنعل (قلت) قياس العلم بالقدرة في ذلك مما
[ 229 ]
لا وجه له فإن القدرة شرط واقعي للتكليف يدور مدارها فلا محالة يكون الزمان الغير المقدور فيه الواجب خارجا عن دائرة التكليف واين ذلك من العلم فإن الواجب الواقعي وان كان متنجزا في زمان معلوميته إلا أن تأخيره عن ذلك الزمان لموسعية الواجب لا محذور فيه والمفروض عدم العلم بوجود التكليف في الزمان المتأخر فعدم الاتيان بمتعلقه على تقدير وجوده معذور فيه على كل حال " فإن قلت " هذا إنما يتم إذا كان الزمان قيدا للتكليف وأما إذا كان قيدا للمتعلق وكان الوجوب آنيا غير قابل للاستمرار فلا إذ المفروض ان ذلك التكليف الآني تنجز بالعلم به في زمان فلا بد من الخروج عن عهدته يقينا " قلت " كون القيد ظرفا للواجب أو الوجوب في مثل قوله تعالى أوفوا بالعقود وإن كان فيه كلام ويترتب عليه ثمرة عملية كما سنتعرض له في محله إن شاء الله تعالى إلا أن اسراء ذلك إلى مثل المقام غير صحيح فإن الفعل إنما يقع امتثالا للتكليف الفعلي الموجود في زمانه بداهة انه لا يعقل امتثال تكليف سابق معدوم في زمان العمل فلا بد وأن يكون الامر بقضاء الفوائت في المقام مستمرا إلى زمان الامتثال وحينئذ فإذا شك في وجوب القضاء فعلا فلا محالة يكون الشك راجعا إلى وجود تكليف فعلا وهو يدفع بالبراءة واحتمال كونه معلوما سابقا ومتنجزا بالعلم السابق قد عرفت انه لا يترتب عليه اثر اصلا " هذا كله " بناء على التوسعة وعدم المضايقة في الفوائت " واما " بناء على التضيق ووجوب قضاء الفوائت فورا ففورا فهناك جهتان " الاولى " جهة تنجز الفوائت المعلومة على ما هي عليها بمجرد العلم بها في زمان من جهة فورية القضاء " الثانية "
جهة تنجزها كذلك من جهة اصل وجوب القضاء " اما الجهة الثانية " فلا ريب أن لازم هذا المبني هو كون وجوب القضاء في كل زمان مغايرا لوجوب القضاء في زمان آخر فالعلم بمقدار الفوائت في زمان يستحيل ان يكون منجزا لها في زمان آخر بل الميزان في التنجيز هو وجود العلم في كل زمان زمان " واما من الجهة الاولى " فلا ريب في ان حدوث العلم بمقدار الفوائت في زمان يوجب تنجزها واستحقاق العقاب على مخالفتها إذ المفروض وجوب ادائها فورا فتأخيرها إلى زمان آخر عمدا موجب لاستحقاق العقاب لكن هذه الجهة خارجة عما هو محل الكلام في المقام * (المبحث الثاني) * من المقصد السابع فيما إذا علم جنس التكليف ولم يمكن الاحتياط فيه لدوران الامر فيه بين المحذورين وقد قسمنا في صدر المبحث مسائل الشك الغير الملحوظ فيه الحالة السابقة إلى الشبهة التحريمية الغير المحتمل فيها الوجوب والوجوبية
[ 230 ]
الغير المحتمل فيها الحرمة واما ما يحتمل فيه الوجوب والحرمة فهو على قسمين " الاول " ما يكون فيه احتمال حكم غير إلزامي ايضا " الثاني " ما لا يكون فيه غير احتمال الوجوب أو الحرمة " اما القسم الاول " فلا اشكال في كونه موردا للبرائة العقلية والنقلية وقد ظهر الوجه فيه مما ذكرناه في المباحث السابقة * (واما القسم الثاني) * الذي علم فيه الالزام في الجملة ودار الامر فيه بين الوجوب والحرمة وهو الذي عقد لاجله هذا المبحث فالحق فيه ان العلم الاجمالي فيه غير منجز للتكليف ومع ذلك لا يجري فيه شئ من الاصول العملية اما عدم تنجز العلم الاجمالي فلما ذكرنا في محله من انه يشترط في تنجيز العلم الاجمالي ان يكون ذاك الجامع المعلوم بالتفصيل المشكوك خصوصيته مما يقبل تعلق التكليف به بخصوصه كما إذا علم وجوب صلاة الظهر أو الجمعة أو علم نجاسة احد الانائين أو علم وجوب شئ أو حرمة شئ آخر فانه لا مانع من تعلق التكليف بالجامع المعلوم في تمام هذه الموارد ومع انتفاء هذا الشرط يستحيل تنجيز العلم الاجمالي ومحركيته للمكلف في الخارج " الثاني " ان يكون المورد قابلا للمخالفة القطعية فموارد الشبهة الغير المحصورة التي لا يمكن فيها المخالفة القطعية لا يكون العلم فيها منجزا وان كان الجامع المعلوم فيها قابلا لتعلق التكليف
به والوجه في هذا الاشتراط ظاهر ايضا إذ تنجيز العلم الاجمالي إنما يكون من جهتين (الاولى) من جهة حرمة المخالفة القطعية (الثانية) من جهة وجوب الموافقة القطعية والجهة الثانية متفرعة على الاولى والاساس في التنجيز إنما هي الجهة الاولى فما لم يمكن فيه المخالفة القطعية يستحيل فيه التنجيز من الجهتين وكلا هذين الشرطين منفيان في محل الكلام ومورد النقض والابرام أما الشرط الاول فلان الجامع المعلوم تعلق الالزام به في المقام هو الجامع بين فعل شئ وتركه ومن الواضح ان الجامع الكذائي يستحيل كونه متعلقا للتكليف فإنه ضروري التحقق أما في ضمن الفعل أو الترك وما كان كذلك يستحيل ان يكون متعلقا له (نعم) لو كان الجامع المعلوم مرددا بين فعل شئ وترك شئ آخر فلم يكن اشكال في منجزية العلم لكنه خارج عما هو محل الكلام (والحاصل) ان الجامع المعلوم في موارد العلم الاجمالي لا بد وان يكون قابلا لتعلق التكليف التخييري به عقلا كما في موارد العلم الاجمالي بخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة أو شرعا كما في موارد العلم بوجوب شئ أو حرمة شئ آخر فإن الجامع المعلوم فيها لكونه الزاما مرددا بين تعلقه بالفعل أو الترك لا يمكن تعلق خطاب شرعي به حتى يكون التخيير عقليا لكنه قابل لتعلق الخطاب التخييري الشرعي به فلا محالة يكون العلم الاجمالي
[ 231 ]
منجزا واما في المقام فحيث ان المعلوم الجامع المردد بين فعل الشئ وترك ذلك بعينه واحدهما لا بعينه حاصل من المكلف لا محالة فلا يكون قابلا للخطاب التخييري العقلي ولا الشرعي فلا يتحقق شرط منجزية العلم الاجمالي واما الشرط الثاني فلان محل الكلام إنما هي القضية الشخصية الواحدة التي لم يكن احد طرفي العلم بعينه تعبديا وعدم امكان المخالفة القطعية في مثل هذا الفرض ظاهر لا سترة فيه بداهة ان المكلف لا يخلو أمره اما من الفعل أو الترك وعلى كل تقدير فكما يحتمل المخالفة يحتمل الموافقة ايضا نعم إذا كان الوجوب المحتمل مثلا على تقدير تحققه تعبديا لامكن المخالفة القطعية بالفعل من دون قصد القربة لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام أيضا (ومما ذكرناه) يظهر ان في موارد دوران الامر بين المحذورين كما لا يمكن
تنجيز العلم الاجمالي كذلك لا يمكن الحكم بالتخيير لا واقعيا ولا ظاهريا أما عدم امكان الحكم بالتخيير الواقعي فلما عرفت من ان حصول الفعل أو الترك مما لا بد منه من المكلف فكيف يعقل طلب احدهما تخييرا وهل هو إلا طلب الحاصل واما عدم امكان التخيير الظاهري فلانه فرع منجزية العلم الاجمالي وعدم امكان الموافقة القطعية فلابد من الحكم بالتخيير لعدم الترجيح وقد عرفت استحالة تنجيز العلم الاجمالي فلا تصل النوبة إلى التخيير الظاهري وأما عدم جريان شئ من الاصول فتوضيحه يحتاج إلى بيان مقدمتين (الاولى) ان جريان الاصل يتوقف على وجود أثر عملي مترتب عليه ضرورة ان الاصول بأجمعها إنما جعلت وظيفة عملية في ظرف الشك فما لم يكن هناك اثر عملي لا يمكن جريان شئ منها وعلى أن لا يكون مجرى الاصل مخالفا لنفس المعلوم بالتفصيل المتحقق في موارد العلم الاجمالي وهذان الشرطان يعمان مطلق الاصول العملية وهناك شرط ثالث يختص بالاصول التنزيلية وهو ان لا يلزم من جريان الاصلين مخالفة للمعلوم بالاجمال بحيث يقطع بعدم صدق احدهما وقد أشرنا إلى وجه هذا الاشتراط في مباحث العلم الاجمالي وسيجئ تفصيله في محله ان شاء الله تعالى (الثانية) ان المراد من الاصل المدعى عدم جريانه في المقام هو الاصل الجاري في كل من الطرفين أو الجاري في نفس الجامع المعلوم كاصالة الاباحة وأما الاصل الجاري في احد الطرفين فقط من دون أن يكون معارضا بجريانه في الطرف الآخر كما إذا كان المردد بين الوجوب أو الحرمة مسبوقا بالوجوب مثلا فلا ريب في جريانه وانحلال العلم الاجمالي به وخروج مورده عن دوران الامر بين المحذورين إذا عرفت ذلك (فنقول) الاصل الجاري في المقام اما أن يكون جاريا بالنسبة إلى
[ 232 ]
الجامع المعلوم أو بالنسبة إلى كل من الطرفين وعلى الثاني اما أن يكون الاصل تنزيليا أو لا وعلى الثاني اما ان يكون الاصل شرعيا أو عقليا أما الاصل الجاري بالاضافة إلى الجامع المعلوم فهو منحصر باصالة الاباحة وعدم جريانها في المقام من وجوه (الاول) ان جريانها مختص بالشبهات الموضوعية على ما استظهرناه سابقا من عدم جريانها في الشبهات الحكمية فلا تجري
فيما إذا كان الدوران بين الوجوب والتحريم من جهة الشبهة الحكمية (الثاني) انه لا يترتب أثر عملي على جريانها في المقام لان المكلف كما عرفت لا بد له من الفعل أو الترك بالضرورة (الثالثة) انها منافية للمعلوم بالتفصيل إذ المفروض العلم التفصيلي بوجود الزام في الجملة فكيف يمكن الحكم بالاباحة المنافية له ولا يمكن جريان أي أصل فرض في مورد القطع بخلافه وأما الاصل التنزيلي المتوهم جريانه في المقام فينحصر باستصحاب عدم الوجوب واستصحاب عدم الحرمة وجريانهما مع كونهما من الاصول التنزيلية مناف للعلم الاجمالي بالوجوب أو الحرمة هذا مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي على جريانهما بالنسبة إلى ما هو محط الكلام والى عدم جريانهما في الشبهات الحكمية في حد ذاتهما لما ذكرناه سابقا من ان ماله حالة سابقة في الشبهات الحكمية هو عدم الجعل أزلا لكن استصحابه لاثبات عدم المجعول من اوضح انحاء المثبت واما عدم المجعول فليس له حالة سابقة حتى يستصحب واما الاصل الشرعي الغير التنزيلي المتوهم جريانه فينحصر باصالة البراءة عن الوجوب والحرمة وهو مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليه لا يمكن جريانه لان مفاده هو رفع التكليف في مورد يمكن فيه الوضع بإيجاب الاحتياط وحيث انه في المقام غير معقول لعدم امكان الاحتياط فيكون رفعه ايضا كذلك ومنه يظهر عدم جريان البراءة العقلية ايضا فإنها إنما تجري لحكم العقل بالمعذورية ومعذرية الشك من مخالفة التكليف الواقعي الغير الواصل إنما تكون مع امكان الاحتياط فمع عدمه لدوران أمر المكلف بين الفعل والترك لا موقع لجريانها مضافا إلى عدم ترتب أثر عملي عليها كما عرفت في نظائرها فتحصل من جميع ما ذكرناه ان العلم الاجمالي في المقام وان لم يكن قابلا للمنجزية إلا ان شيئا من الاصول باقسامها لا محل لجريانها ايضا وحينئذ فلا محالة يكون المكلف مخيرا بين الفعل والترك قهرا من باب اللاحرجية العقلية * (وينبغي التنبية) * على أمور (الاول) انه هل التخيير الثابت في المقام يختص بما إذا لم يكن هناك ترجيح في احدى الطرفين احتمالا بأن يكون احد الاحتمالين اقوى أو محتملا بأن يكون احد الحكمين المحتملين على تقدير وجوده أهم من الحكم الآخر
[ 233 ]
أو لا يختص بشئ من المواد ربما يقال بالاول نظرا إلى ان المقام إذا كان لاحد الطرفين ترجيح يكون داخلا في صغريات دوران الامر بين التعيين والتخيير والمختار فيه هو القول بالتعيين ولكنه لا يخفى ان الحكم بالتعيين في موارد دوران الامر بينه وبين التخيير وإن كان هو الاقوى إلا انه فيما إذا كان فعلية الطلب محرزة لدى المكلف وكان الشك بين التخيير والتعيين راجعا إلى الشك في مرحلة الاسقاط كما في الابتلاء بالغريقين المحتمل اهمية احدهما لا في امثال المقام الذي يكون الحكم المحتمل اهميته في مرتبة غيره بالقياس إلى وصوله فإن نسبة العلم الاجمالي إلى كل من الحكمين على حد سواء ولا يكون اهمية الحكم الواقعي على تقدير وجوده موجبة لوصوله وتنجزه على المكلف ما لم يكن هناك موصل خارجي وبالجملة الحكم بالتعيين إنما يكون فيما إذا وقع التزاحم بين الحكمين واحتمل اهمية احدهما المستلزمة لمعجزيته عن امتثال الحكم الآخر وأما في مثل المقام فحيث ان المفروض ان الحكم الواقعي اما الوجوب أو الحرمة ونسبة العلم الاجمالي اليهما على حد سواء فكيف يكون احتمال الاهمية في احدهما مع عدم احراز فعلية التكليف موجبا لتنجزه هذا فيما إذا كانت الواقعة المبتلى بها واقعة شخصية (واما) إذا كانت متعددة كما إذا علم بحلفه على وطئ احدى زوجتيه وعلى ترك وطئ الاخرى في ليلة معينة حصل الاشتباه بين الزوجتين فتردد امر وطئ كل منهما بين الوجوب والحرمة فربما يقال حينئذ بترجيح محتمل الاهمية نظرا إلى ان المقام حينئذ يكون من صغريات التزاحم بين الحكمين على ما هو الميزان من ان التنافي بين الحكمين ان كان في مرحلة الجعل فهو من باب التعارض وإلا فمن باب التزاحم ومن الضروري ان التنافي في محل الكلام لم ينشأ من جعل اصل الوجوب والحرمة لمحلوف الوطئ وتركه وانما نشأ من الاشتباه الخارجي وعدم تمكن المكلف من الامتثال لاجله وإذا رجع الامر إلى التزاحم بين الحكمين فلا محالة يكون احتمال الاهمية في احدهما موجبا لتعينه وسقوط التخيير ولكنه لا يخفى ان اختصاص الحكم بالتعيين في موارد التزاحم مع احتمال الاهمية في احدهما المعين وان كان صحيحا إلا ان ادراج المقام في كبرى التزاحم إنما نشأ من توهم انحصار التنافي بين الحكمين بالتعارض والتزاحم وان خروج
محل الكلام عن كبرى التعارض يستلزم دخوله في كبرى التزاحم ولكنه توهم فاسد إذ لم يقم دليل على الانحصار المذكور بل التحقيق ان المقام خارج عن مورد التعارض والتزاحم اما خروجه عن مورد التعارض فلما ذكر من انه يشترط فيه كون التنافي ناشئا من نفس
[ 234 ]
الجعل والمقام ليس كذلك واما خروجه عن مورد التزاحم فلان التزاحم انما يتحقق بعدم امكان الجمع بين الامتثالين اما لاجل كون احد الحكمين بنفسه رافعا لموضوع الآخر كما في التكاليف المالية الرافعة لموضوع وجوب الحج اعني به الاستطاعة واما لاجل كون امتثال احدهما رافعا لموضوع الآخر كما في مسألة الابتلاء بالغريقين مع عدم التمكن الا من انقاذ احدهما فإن امتثال كل من التكليفين حينئذ يكون معجزا عن امتثال التكليف الآخر ورافعا لموضوعه اعني به القدرة ومن المعلوم ان التكليف الوجوبي في المقام مثلا ليس رافعا بنفسه ولا بامتثاله لموضوع التكليف الآخر وكذلك العكس بل التنافي في المقام انما نشأ من عدم التمكن من الجمع بين طرفي العلمين فإن مقتضى العلم الاجمالي بالوجوب هو الاتيان بكل من الطرفين كما ان مقتضى العلم الاجمالي بالحرمة هو ترك كل منهما والجمع بينهما غير ممكن فالتنافي انما هو بين احراز موافقة كل من التكليفين مع احراز موافقة الآخر لا بين نفس الامتثالين حتى يدخل المقام في كبرى التزاحم وعلى ذلك لا يكون لاحتمال الاهمية في احد الحكمين مع عدم وصول ما يحتمل اهميته وتساوي نسبة العلم الاجمالي بالقياس إليه وإلى غيره اثر اصلا (نعم) يبقى هناك كلام بعد سقوط مراعاة الاهمية المحتملة في ان العقل هل يجوز فعلهما أو تركهما معا مع العلم بالمخالفة الاجمالية ام لا وسيأتي التعرض له في التنبيه الآتي ان شاء الله تعالى (الثاني) ان التخيير الثابت في المقام هل هو بدوي بمعنى انه لا يجوز للمكلف في الواقعة الثانية اختيار غير ما اختاره اولا من الفعل أو الترك أو هو استمراري وله اختيار كل من الفعل والترك في الواقعة الثانية كما كان له ذلك في اول الامر ربما يقال بتعين الاول نظرا إلى ان تجويز التخيير الاستمراري مستلزم لتجويز المخالفة القطعية التدريجية فإنه لو اختار المكلف الفعل في واقعة والترك في واقعة أخرى
فيحصل له العلم بالمخالفة في احدى الواقعتين لا محالة (ولكن) التحقيق هو استمرارية التخيير لا لعدم تنجيز العلم الاجمالي في الامور التدريجية كما توهمه بعض نظرا إلى خروج الواقعة الثانية فعلا عن الابتلاء فإذا علم المرأة بتحيضها في ضمن الشهر بثلاثة أيام مثلا فليس لها علم بتعلق تكليف فعلي في حقة على كل تقدير فإنا سنبين فيما سيأتي ان شاء الله تعالى عدم الفرق في تنجيزه بين ما إذا كان متعلقا بالامور التدريجية أو غيرها فإن الامر المتأخر وإن لم يمكن توجيه الخطاب نحوه بناء على استحالة الواجب التعليقي كما هو الحق إلا ان تأخر الواجب لا يمنع من اشتماله على ملاك ملزم في حد نفسه فالمرأة لما علمت بتحقق الحيض منها في ضمن مجموع
[ 235 ]
الشهر فقد علمت بتحقق الملاك الملزم في ظرفه وقد ذكرنا عند البحث عن المقدمات المفوتة ان العقل لا يجوز تفويت الملاك الملزم ولو لم يكن معه خطاب فعلي لتأخر ظرفه وحينئذ فلا بد من الاحتياط تحفظا على الملاك الملزم المعلوم في الجملة في ضمن الشهر بل لان كل واقعة من تلك الوقائع المتكررة واقعة برأسها لم يعلم فيها الملاك الملزم لا بالنسبة إلى طرف الفعل ولا بالنسبة إلى طرف الترك فعند الواقعة الاولى ليس المعلوم إلا الالزام المردد بين الوجوب والترك وكذلك الواقعة الثانية والثالثة وهكذا فليس هناك خطاب معلوم قابل للداعوية ولا ملاك محرز في طرف الفعل أو الترك غاية الامر حصول العلم بالمخالفة عند اختيار المكلف في الواقعة الثانية غير مختارة في الواقعة الاولى وهذا لا اثر له بعد عدم سبق منجز على المخالفة وبالجملة التكليف المردد بين الوجوب والحرمة حيث كان انحلاليا بتعدد موضوعه في الخارج فكل موضوع له حكم مستقل مغاير للحكم الثابت لموضوع آخر ومن المفروض ان كل حكم من تلك الاحكام مردد بين الوجوب والحرمة وحكمه التخيير العقلي الناشئ من حكمه باستحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما وضم بعضها إلى بعض لا يوجب العلم بتكليف منجز على كل تقدير أو وجود ملاك ملزم كذلك فحال تكرر الوقائع في كونه محكوما بالتخيير حال الواقعة الواحدة بعينها هذا كله بالنسبة إلى الوقائع المتعددة التدريجية واما بالنسبة إلى الواقعة المتكررة الدفعية كما إذا حلف على
ترك وطئ احدى زوجتيه وفعل الاخرى في ليلة معينة ثم اشتبهتا فدار الامر بين الوجوب والحرمة في كل منهما فهل يحكم العقل بالتخيير في كل منهما ولو لزم منه المخالفة القطعية بأن يختار فعلهما أو تركهما أو يجب ان يختار في كل منهما خلاف ما يختاره في الاخرى حذرا من لزوم المخالفة القطعية الاقوى هو الثاني فانا قد ذكرنا مرارا أن للاطاعة مرتبتين احداهما وجوب الموافقة القطعية والثانية حرمة المخالفة القطعية وسقوط المرتبة الاولى منها لا يوجب سقوط المرتبة الثانية والموافقة القطعية في المقام وان لم تكن ممكنة لدوران الامر في كل منهما بين الوجوب والحرمة إلا ان المخالفة القطعية بفعلهما أو تركهما ممكنة يستقل العقل بقبحها وبعبارة أخرى إذا دار الامر بين الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية فلا ريب في استقلال العقل بتعين الاول وان كانت المخالفة القطعية من جهة مستلزمة للموافقة القطعية من جهة أخرى أيضا والسر فيما ذكرنا هو ان الامر في كل من الزوجتين وان كان دائرا بين المحذورين والعلم والاجمالي في كل منهما بالالزام المردد بين الوجوب والحرمة لا اثر له إلا ان هناك علم ثالث بوجوب وطئ
[ 236 ]
احداهما وحرمة وطئ الاخرى أو العكس وهذا العلم وان كان لا يمكن ان يؤثر في وجوب الموافقة القطعية لعدم امكانها الا انه قابل للتأثير في حرمة المخالفة القطعية فيحكم العقل بترتيب أثره الممكن فيجب اختيار فعل احداهما وترك الاخرى مخيرا (فإن قلت) إذا كان ضم احدى الواقعتين على الاخرى موجبا لحدوث علم ثالث موجب لحرمة المخالفة القطعية فيكون ضم بعض الوقائع إلى بعض في صورة التدريج موجبا لذلك فانه يعلم اجمالا بكون الفعل في هذا الواقعة أو الترك في الواقعة الثانية مخالفا للتكليف المعلوم فيجب فيه الاحتياط ايضا بتحصيل الموافقة الاحتمالية ولازم ذلك هو بدوية التخيير (قلت) التكليف المعلوم في الوقائع التدريجية ليس تكليفا فعليا وإنما هي تكاليف مشروطة بوجود موضوعاتها خطابا وملاكا ففي حال الابتلاء بالواقعة الاولى ليس هناك علم بتوجيه خطاب فعلي على كل تقدير ولا بوجود ملاك ملزم كذلك وهذا بخلاف المقام فانه يعلم فيه بتحقق خطاب فعلي متعلق بفعل احداهما وترك الاخرى
أو بالعكس فيجب مراعاته بقدر الامكان نعم إذا كان الواقعة المتكررة الدفعية تدريجية ايضا كما إذا حلف على وطئ احدى زوجتيه في ليلة كل خميس من الشهر وعلى ترك الاخرى كذلك فاشتبهتا فاختار في الواقعة الاولى فعل احداهما وترك الاخرى حذار من المخالفة القطعية لما وجب عليه مراعاة هذا الاختيار في الواقعة الثانية بل يجوز له عكس الاختيار الاول وقد ظهر وجهه مما مر * (الامر الثالث) * ان ما ذكرناه من استمرارية التخيير في موارد دوران الامر بين المحذورين يختص بغير ما إذا كان الدوران من جهة تعارض النصين لما ستعرف في محله من ان التخيير فيه شرعي وفي المسألة الاصولية ومع الاخذ بأحد الخبرين يكون ذلك حجة في حقه ولا دليل على سقوط حجيته باختيار الطرف المعارض له فلا محالة يكون التخيير بدويا نعم لو قلنا ان التخيير في موارده تخيير في المسألة الفرعية من جهة عدم امكان الجمع بين الفعل والترك لجرى فيها ما بنينا عليه في غير موارد التعارض لاتحاد الملاك فيها * (الامر الرابع) * قد بينا في صدر البحث ان محل الكلام في المقام إنما هو فيما إذا لم يتمكن المكلف من المخالفة القطعية فيختص بغير ما إذا كان احدهما المعين تعبديا والا لكان المخالفة القطعية ممكنة فيكون العلم الاجمالي مؤثرا في التنجيز بهذا المقدار فلا بد من تطبيق العلم على احدهما بنحو لا يلزم المخالفة القطعية فإذا كان الوجوب على تقدير وجوده تعبديا مثلا فلا بد من اختيار الفعل واتيانه على وجه قربي أو اختيار الترك إذ لو اتى بالفعل لا على وجه قربى لحصل له العلم بالمخالفة لا محالة
[ 237 ]
وهكذا الامر إذا كان الحرمة المحتملة تعبدية ومن ذلك يظهر انه إذا علم شرطية احد الضدين للواجب كما إذا دار الامر بين وجوب الجهر والاخفات في القراءة أو علم شرطية شئ أو مانعيته فلا مجال للحكم بالتخيير لامكان الموافقة القطعية بتكرار القراءة في الصورة الاولى وتكرار الواجب في الثانية ومعه لا مجال للحكم بالتخيير بل يجب تحصيل الموافقة القطعية كما هو ظاهر * (المبحث الثالث) * فيما إذا علم التكليف في الجملة وأمكن الاحتياط وقبل الشروع في المقصود لابد من تقديم مقدمات (الاولى) في بيان ضابط الشك في المكلف به في قبال
الشك في التكليف وقد بينا مرارا ان الاحكام الشرعية المجعولة من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون الموضوع فيها مقدر الوجود فثبوت كل حكم فرع ثبوت موضوعه خارجا وتنجزه على المكلف فرع العلم بجعل الكبرى الكلية والعلم بانطباقها على صغريها خارجا ضرورة انه مع الجهل باحداهما لا يكون هناك علم بالتكليف المتوجه إليه فيكون الشك في نفس التكليف وقد مر تفصيل ذلك عند البحث عن الشبهة الموضوعية (ومن هنا) يعلم ان ضابط الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف هو ان يكون الكبرى المجعولة وصغريها معلومتين عند المكلف ولكن كان الشك في تحقق الفعل أو الترك الاختياريين المطلوبين من المكلف وهذا على قسمين إذ الشك تارة يكون من جهة الشك في الامتثال ابتداء سواء كان الشك في اصل الاتيان بالفعل أو الترك أو في انطباق المأمور به أو المنهي عنه بالمأتي به أو المتروك خارجا أو في تحققهما من جهة الشك في المحصل وهذا القسم لا اشكال فيه انه مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة واخرى من جهة كون الشك ناشئا عن تردد المطلوب وتعينه بخصوصه سواء كان من جهة الترديد في خصوصية التكليف وانه ايجاب شئ أو حرمة غيره أو في متعلق التكليف مع العلم بنوعه تفصيلا كما في مثال الظهر والجمعة أو كان الترديد باعتبار تردد الموضوع بين شيئين أو اشياء والشبهة في الاولين حكمية وفي الثالث موضوعية والجامع بين الكل هو العلم بجنس التكليف وكون الشك راجعا إلى ما هو المكلف به بخصوصه وحيث ان في هذا القسم حيثيتين احداهما حيثية رجوع الشك إلى مرحلة الامتثال مع العلم بالتكليف وثانيتهما حيثية الجهل بالتكليف في خصوص كل من الاطراف فلذا وقع البحث في جريان الاصول وعدمه وبالجملة ضابط الشك في المكلف به هو ان يكون هناك علم تفصيلي متعلق بجامع الالزام مشوب بجهل تفصيلي في خصوص الاطراف ولازم ذلك تشكيل قضية منفصلة مانعة الخلو كما يقال هذا أو ذاك واجب ومرجعه إلى وجود
[ 238 ]
قضية متيقنة وقضيتين أو قضايا مشكوكة (الثانية) ان الاصول الجارية في الاطراف عقلية أو نقلية تنزيلية أو غير تنزيلية اما ان تكون جارية في رتبة اصل ثبوت التكليف ومرحلة الاشتغال
كاصالتي البراءة والاباحة أو في رتبة الخروج عن العهدة والفراغ كقاعدتي الصحة والفراغ ونحوهما والاستصحاب قابل للجريان في كلتا المرحلتين ومحل الكلام في المقام هو جريان القسم الاول من الاصول (واما) القسم الثاني فلا ريب في جريانه ضرورة انه لا يزيد العلم الاجمالي على العلم التفصيلي فكما يجري قاعدة الفراغ مع العلم تفصيلا بالتكليف والشك في الخروج عن العهدة فكذلك مع العلم الاجمالي ضرورة انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع الشك في الفراغ مع العلم بوجود التكليف تفصيلا أو اجمالا وانما البحث والاشكال في انحفاظ مرتبة الجعل الظاهري في مرتبة الاشتغال بان يترتب على جريان الاصل نفي التكليف فظهر بذلك ان من انكر منجزية العلم الاجمالي رأسا نظرا إلى امكان جعل الحكم الظاهري في كل من الاطراف لانحفاظ مرتبته فيه إذ المفروض هو الجهل بالتكليف فيه بخصوصه فقد خلط الاصول الجارية في مرحلة الفراغ بالاصول الجارية في مرحلة الاشتغال فإن الجهل في كل من الاطراف بخصوصه لا يرجع إلا إلى الجهل بالخروج عن العهدة المتأخر رتبة عن الجهل باصل الاشتغال فيكون الشك فيه واقعا في مرتبة الشك في الفراغ وقد عرفت أن الاصول تجري في هذه المرتبة ولكنه لا ربط له بما هو محل الكلام من جريان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال وعدمه كما ان من ذهب إلى كون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية نظرا إلى عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع العلم بالتكليف ولو اجمالا فلا يجري في مورده شئ من الاصول قد خلط ايضا بين المقامين بتوهم ان عدم انحفاظ المرتبة بالنسبة إلى مرحلة الاشتغال يقتضي عدم الانحفاظ حتى بالقياس إلى مرحلة الفراغ ايضا وقد عرفت عدم ارتباط احد المقامين بالآخر وان المبحوث عنه في المقام هو جريان الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال بعد الفراغ عن جريان الاصول الجارية في مرحلة الفراغ لو كانت (الثالثة) قد مر سابقا ان المانع عن جريان الاصول التنزيلية الناظرة إلى الغاء الشك وفرضه كالعدم هو العلم الوجداني بمخالفتها للواقع سواء كان هناك مخالفة عملية أو لم تكن واما المانع عن جريان غيرها من الاصول فهو منحصر بلزوم الترخيص في المعصية لا غير ومجرد العلم بالمخالفة من ضم بعض الاصول إلى بعض لا يكون مانعا عن
جريانها ما لم يلزم الترخيص المذكور وسيأتي له مزيد توضيح إن شاء الله تعالى (الرابعة) ان
[ 239 ]
محل الكلام في المقام من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري وعدمه المترتب عليهما جريان الاصل وعدمه لا ربط له بالبحث عن تقيد الاحكام الواقعية بنتيجة التقييد بصورة العلم التفصيلي بها بل لابد وأن يكون عدم التقييد في محل البحث مفروغا عنه وان جريان الاصول لا يوجب تبدلا في الواقع اصلا لا تصويبا ولا تقييدا وبعبارة اخرى محل الكلام في المقام إنما هو امكان الجعل الظاهري في طول الواقعي المفروغ عن وجوده والبحث متمحض في الجهة العقلية وانه مع وجود العلم الاجمالي هل يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة فتجري الاصول الجارية في مرحلة الاشتغال ام لا (واما) توهم ان مقتضى ادلة الاصول هو اختصاص الاحكام الواقعية بالعلم بها فهو مع سخافته خارج عما هو محل البحث في المقام إذا عرفت ذلك فنقول ان اقسام الشك في المكلف به وان كانت كثيرة من جهة ان الترديد (تارة) يكون في نفس الخطاب (واخرى) يكون في متعلقه (وثالثة) في موضوعه (ورابعة) من الجهتين أو الجهات والشبهة (تارة) تكون وجوبية (واخرى) تحريمية الا ان المهم في هذا المبحث هي الشبهة التحريمية لعدم خلاف معتد به في الوجوبية كما ان المهم من الشبهة التحريمية هي الموضوعية منها لكثرة جهات البحث فيها كما سيأتي فلذلك نقدم البحث عنها ثم نعقبها بالبحث عن بقية المسائل فنقول: إن الحرام المردد اما ان يكون مرددا بين اطراف محصورة أو غير محصورة فهنا مقامان (الاول) في الشبهة المحصورة (والثاني) في الشبهة الغير المحصورة (اما) المقام الاول ففيه اقوال ثالثها التفصيل بين المخالفة القطعية والموافقة القطعية فيحرم الاولى ولا يجب الثانية ومرجع هذا القول إلى تجويز جريان الاصل في بعض الاطراف دون بعض والحق هو تنجيز العلم الاجمالي من الجهتين فلنا دعويان (الاولى) حرمة المخالفة القطعية (الثانية) وجوب الموافقة القطعية اما الدعوى الاولى فتتضح بعد بيان ما يمكن ان يستدل به للخصم القائل بجواز المخالفة القطعية فنقول ان غاية ما يمكن ان يستدل له هو ان يقال انه لا اشكال في ان المعتبر في جريان أي امارة أو أصل
تنزيلي أو غير تنزيلي ان يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة وإلا فلا مورد لشئ منها والمدار في انحفاظ المرتبة في الامارات أو الاصول التنزيلة هو عدم لزوم المناقضة من التعبد بهما للواقع بأن لا يكون مؤدى الامارة أو مفاد الاصل مناقضا لما هو المعلوم ثبوته في موردهما وإلا فلا مجال للجعل الظاهري بعد ما عرفت انه لا يوجب تبدلا في الواقع اصلا لا تصويبا ولا تقييدا واما المدار في انحفاظ المرتبة في غير الاصول التنزيلية فليس إلا عدم لزوم الترخيص
[ 240 ]
في المعصية من جريانها واما مجرد العلم بالمخالفة من دون لزوم ذلك فلا يكون بمانع من الجريان وعليه فنقول المعلوم بالاجمال إذا كان مرددا بين الوجوب والحرمة في شئ واحد كما في دوران الامر بين المحذورين فقد عرفت فيما سبق انه لا مجال لجريان اصالة الاباحة واستصحابها لما عرفت من انه مع العلم المذكور نقطع بثبوت الزام شرعي ومعه لا مجال لجعل الاباحة الظاهرية المناقضة للمعلوم بالمدلول المطابقي واما إذا كان المعلوم من قبيل الحرمة المتعلقة بالخمر المردد بين اطراف متباينة فما هو المعلوم ثبوته من الحكم ليس الا حرمة شرب الخمر الغير المعلوم الا بشرب المجموع ولا اشكال في عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إليه ولكن ذلك لا يقتضي الا سقوط الاصول بالاضافة إلى المجموع وهذا مما لا ريب فيه وإنما المدعى هو جريان الاصل في كل واحد من الاطراف ومن الظاهر ان كل واحد منها لا يكون التكليف فيه معلوما حتى يناقض الاصل الجاري فيه أو يكون ترخيصا في المعصية بالاضافة إليه وعليه يكون مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إلى كل من الاطراف محفوظة من دون فرق بين الاصول التنزيلية وغيرها فتلخص ان ما لا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إنما هو مجموع الاطراف بما هو ولكنه لا يجري فيه أصل آخر غير الاصول الجارية في الاطراف حتى يمنع عنه بعدم انحفاظ المرتبة معه وما يجري فيه الاصل وهو كل واحد من الاطراف يكون مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة (والتحقيق) في الجواب ان يقال انا نمنع عن بقاء مرتبة الحكم الظاهري في كل واحد من الاطراف (أما بالنسبة) إلى الامارات فالامر فيها ظاهر فان الامارات حيث انها
حجة في مداليلها الالتزامية ايضا فكل من الامارتين القائمتين على خلاف المعلوم بالاجمال كما انه ينفي المعلوم بالاجمال عن موردها فكذلك يثبته في الطرف الآخر فتكون معارضة للامارة الاخرى النافية للمعلوم بالاجمال بمدلولها المطابقي عن موردها فيتساقطان بالمعارضة وأما بالنسبة إلى الاصول التنزيلية فالحكم الظاهري في كل واحد من الاطراف مع قطع النظر عن الباقي وان كان لا مانع عنه ومرتبة الحكم الظاهري بالقياس إليه محفوظة إلا أنه لا يمكن اجراء الاصل في تمام الاطراف ضرورة ان الاصل التنزيلي مرجعه إلى الغاء الشارع للشك وتعبده بالبناء العملي على احراز الواقع فمع العلم الاجمالي بالخلاف كيف يمكن الغاء الشك والجمع في التعبد بين تمام اطرافه مع مناقضته له كما هو ظاهر (وتوهم) انه لا يلزم من جريان الاصل بين الاطراف التعبد بالجمع بينها حتى يلزم ما ذكر بل غايته هو جعل حكم ظاهري في خصوص كل من
[ 241 ]
الاطراف والمفروض عدم مناقضته للمعلوم بالاجمال نعم بعد ارتكاب الجميع يحصل العلم بالمخالفة لا محالة لكن مثل هذا العلم لا يترتب عليه اثر في نظر العقل حتى يكون مانعا عن جريان الاصل (مدفوع) بان التعبد بالجمع بين الاطراف وان لم يكن لازما لجريان الاصول في الاطراف إلا ان الجمع في التعبد لازم له لا محالة ضرورة ان كلا من الجعلين في عرض الاخر فيكونان في مرتبة واحدة وكما لا يمكن تعلق الجعل بمجموع الاطراف فكذلك لا يمكن الجمع في الجعل أيضا إذ كما يعتبر انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في كل من الاصلين في حد نفسه فكذلك يعتبر انحفاظه مع اقترانه لجعل الآخر ايضا ولازم ذلك هو انحفاظ الرتبة بالقياس إلى مجموع الاصلين في عرض واحد ومن المعلوم انه مع العلم الاجمالي بالخلاف لا يكون الجمع بينهما معقولا للمناقضة المزبورة وهذا أجنبي عن تحقق العلم بالمخالفة بعد الارتكاب حتى لا يكون فيه محذور وأما بالنسبة إلى الاصول الغير التنزيلية فيظهر الوجه في عدم جريانها في اطراف العلم الاجمالي مما تقدم فإنك قد عرفت ان الضابط في سقوطها هو استلزام جريانها للترخيص في معصية الخطاب الشرعي ومن الضروري ان الترخيص في كل واحد من الاطراف في عرض الترخيص
في بقية الاطراف يستلزم الترخيص في المعصية للخطاب المعلوم بالاجمال فلا يكون مرتبة الحكم الظاهري بالاضافة إلى جميع الاطراف محفوظة فتحصل ان المحذور في جريان الاصول في تمام اطراف العلم أحد أمرين على سبيل منع الخلو (الاول) لزوم التناقض من جريانها كما في موارد الاصول التنزيلية مطلقا (الثاني) لزوم الترخيص في المعصية كما في موارد الاصول النافية للتكليف مطلقا وحيث ان هذين المحذورين عقليان فعدم جريان الاصول في أطراف العلم الاجمالي يكون مستندا إلى مانع ثبوتي مع قطع النظر عن مقام الاثبات فما يظهر من بعض كلمات العلامة الانصاري قدس سره من ابتناء عدم الجريان على عدم شمول أدلة الاصول لاطراف العلم في غير محله فإنه مضافا إلى ما عرفت من ان عدم الجريان مستند إلى المانع الثبوتي ولا تصل النوبة معه إلى المانع الاثباتي نعم لو كان محل البحث هو تقييد الاحكام الواقعية بصورة العلم التفصيلي وعدمه لكان للتكلم في شمول ادلة الاصول لاطراف العلم الاجمالي وافادتها لتقييد الاحكام الواقعية ولو بنتيجة التقييد بالصورة المذكورة مجال واسع لكنك قد عرفت ان الكلام فعلا متمحض في امكان الجعل الظاهري بعد الفراغ عن عدم التقييد في الواقعي يرد عليه انه لا مانع من شمول الادلة لاطراف العلم الاجمالي مع قطع النظر عن المحذور العقلي لما ستعرف
[ 242 ]
في محله وأشرنا إليه في بحث القطع من انها ظاهرة في جعل الحكم الظاهري لكل ما هو مشكوك ولا ريب ان كل واحد من اطراف العلم الاجمالي كذلك ولذا بنى (قده) على جريانها فيما لم يلزم هناك مخالفة عملية للمعلوم اجمالا فلو كان نفس العلم الاجمالي مانعا من جريانها فأي فرق بين ما إذا لزم من جريانها مخالفة عملية وبين ما إذا لم يلزم (وتوهم) ان الغاية في اخبار الاستصحاب مطلقة لليقين الاجمالي والتفص