الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أجود التقريرات - السيد الخوئى ج 1

أجود التقريرات

السيد الخوئى ج 1


[ 1 ]

كتاب اجود التقريرات المجلد الاول في علم الاصول

[ 2 ]

" بسم الله الرحمن الرحيم " وبه نستعين الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم اجمعين إلى قيام يوم الدين. وبعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغنى أبو القاسم بن على اكبر الموسوي الخوئى غفر الله تعالى لهما انى كررت النظر فيما كتبته سابقا من تقريرات بحث شيخنا الاستاد علم التحقيق ومنبع الفضيلة والتدقيق من إليه القت الرياسة العلمية زمامها وبفضل ابحاثه القيمه تم للعلوم الدينية نظامها حضرة المولى الميرزا محمد حسين النائيني قدس الله تعالى اسراره فغيرت بعض عباراته توضيحا للمراد مع التحفظ على عدم الاضلال بالمفاد واضفت إليها بعض المطالب التى خطرت ببالى القاصر بمقدار لا يخرج عن عنوان التعليقة على نحو الاختصار مستمدا من الله ومتوكلا عليه في جميع اموري وهو ولى الامر (وقد رتبت) كتابي هذا على مقدمة ومقاصد وخاتمة فأقول ومنه التوفيق (اما المقدمة) ففيها فصلان. الفصل الاول في تعريف العلم وموضوعه وفائدته ورتبته. (قدم) المحققون قبل الشروع في المقصود امورا سموها بالمبادئ ونشير تبعا لهم إلى ما هو أهمها وهى الاربعة التى تقدم ذكرها أما من حيث المرتبة فلا اشكال في تأخره عن علم المنطق فانه مبدء لكل علم نظرى إذ فيه يعرف كيفية الاستنتاج والطرق الصحيحة من الفاسدة وكذا في تأخره عن العلوم الادبية حيث أن المهم في هذا العلم هو استنباط الاحكام

[ 3 ]

الشرعية (1) وتوقفه على تلك العلوم لا يحتاج إلى بيان وكذا توقفه على مهمات علم الرجال فعلم الاصول متوسط بين علم الفقه وتلك العلوم وجزء اخير للعلة التامة للاستنباط فتكون نسبته إلى تلك العلوم بالتأخر والى الفقه بالتقدم واما تعريفه فقد علم مما سبق اجمالا وتفصيله هو العلم بالقواعد التى إذا انضمت إليها صغرياتها انتجت نتيجة فقهية وهو الحكم الكلى الشرعي الثابت لموضوعه المقدر وجوده على ما هو الشأن في القضاياء الحقيقية وهذا التعريف اسد من تعريف المشهور بانه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي فانه لا يرد عليه ما اورد على تعريف المشهور بانه ان اريد من التمهيدان ينحصر فائدة البحث عن تلك القواعد باستنباط الاحكام الشرعية فقط فقل ان تكون مسألة اصوليه كذلك وان اريد منه ان يكون لتلك القواعد دخل في الاستنباط في الجملة فالعلوم الادبية ايضا كذلك (وجه عدم الورود) ان العلوم الادبية أو غيرها من مبادى الفقه إذا انضمت صغرياتها إليها لا تنتج مسألة فقهية بلا واسطة بخلاف القواعد الاصولية وكذا سميت بأصول الفقه ثم لا يخفى انه إذا اريد من الحكم المأخوذ في التعريف ما هو الاعم من الواقعي والظاهري فمباحث الاصول العلمية تدخل في المسائل التى يستنبط منها الحكم الشرعي واما إذ اخصصناه بالواقعى فلا مناص في ادخالها في المباحث الاصولية من اضافة قيد آخر إلى التعريف وهو قولنا أو التى ينتهى إليها في مقام العمل واما فائدته فقد ظهرت مما تقدم وهو استنباط الاحكام الشرعية الكلية التى تكون قابلة للالقاء على المكلفين فيكون تطبيق موضوعاتها على مصاديقها الجزئية الخارجية مشتركا فيه بين المجتهد وغيره واما موضوعه فمعرفته يتوقف على تمهيد مقدمتين اما المقدمة الاولى فتشتمل على تعريف كلى موضوع العلم وتمييز العوارض الذاتية من الغريبة فنقول (2) موضوع كل علم ما يبحث


1 - لا يخفى ان مقتضى ذلك تأخر علم الفقه عن العلوم الادبية وعن علم الرجال لا تأخر علم الاصول عنها الذى هو محل الكلام في المقام 2 - هذا هو المشهور بينهم وقد التزموا بلزوم وجود الموضوع في كل علم وبلزوم كون البحث عن عوارضه الذاتية والتحقيق ان علمية العلم لا يتوقف على وجود جامع بين موضوعات مسائله بل هو امر قد يكون وقد لا يكون وما قيل في وجه لزومه من ان الغرض من العلم الواحد حيث انه واحد وهو مترتب على مجموع المسائل فلابد من وجود جامع بينها و - (*)

[ 4 ]

فيه عن عوارضه الذاتية (بيان ذلك) ان العارض تارة يعرض بلا وساطة شيئ اصلا كادراك الكليات العارض للنفس الناطقة ونحوه من عوارض البسائط فلا اشكال في كونه من العوارض الذاتية فان المعروض فيها هي نفس الحقيقة من دون دخل لشيئ آخر غير نفسها لغرض بساطتها الحقيقية (وأخرى) بواسطة امر آخر وذلك الامر (تارة) يكون داخليا كالجنس والفصل واخرى خارجيا اما الداخلي فان كان فصلا فلا اشكال في كون عوارضه من العوارض الذاتية ايضا فان فعلية النوع وتحصله بفصله و ان كان جنسا فقد وقع فيه الخلاف والاشكال (من جهة) عدم كونه ما به فعلية النوع فلا يكون عارضه ذاتيا للنوع (ومن جهة) تقوم النوع به ولو كان جزوه بالقوة فيكون عارضه ذاتيا للنوع كما في عوارض الفصل ومن ثم يبحث في بعض العلوم عن عوارض جنس الموضوع ايضا والحق هو الثاني والاشكال عليه (1) بأن عوارض الجنس لو كانت ذاتية لزم تداخل جملة من العلوم في تمام مسائلها


- الا لزم صدور الواحد من الكثير يرد عليه اولا ان الاقتدار على الاستنباط مثلا الذى هو الغرض في علم الاصول وان كان واحدا الا ان وحدته نوعية لا شخصية ضرورة ان القدرة المترتبة على مسألة حجية خبر الواحد مثلا غير القدرة المترتبة على مسألة دلالة الامر على الوجوب والبرهان المزبور على تقدير تماميته فانما يتم في الواحد الشخصي دون النوعى و (ثانيا) ان الغرض على تقدير كونه شخصا واحدا ايضا فانما هو مترتب على مجموع المسائل لا على كل واحدة منها فلا حاجة إلى تصوير الجامع و (ثالثا) ان الغرض مترتب على العلم بثبوت المحمولات لموضوعاتها لا على نفس المسائل فلا بد من غرض الجامع بين العلوم وعلى تقدير التنزل فلا بد من تصوير الجامع بين النسب الخاصة الموجودة في المسائل واين ذلك من تصوير الجامع بين خصوص الموضوعات ورابعا ان موضوع المسألة في علم الفقه مثلا قد يكون امرا وجوديا وقد يكون امرا عدميا كالترك كما انه قد يكون من مقولة الكيف مثلا كالتكلم وقد يكون من مقولة اخرى وقد تحقق في محله امتناع تصوير الجامع الماهوى بين مقولتين فضلا عن الوجود والعدم فكيف يمكن الالتزام في مثله بوجود جامع حقيقي يكون مؤثرا في الغرض الواحد وسيجيئ البحث عن لزوم كون العوارض ذاتية للموضوع على تقدير وجوده فيما بعد انشاء الله تعالى 1 - لا يخفى ان الخلاف انما هو في كون ما يعرض للجنس ذاتيا للنوع أو غير ذاتي لافى - (*)

[ 5 ]

فان الموضوع في علم النحو مثلا هي الكلمة والكلام وموضوع مسائله الفاعل والمفعول وغير ذلك (فلو فرضنا) أن جميع ما يعرض للجنس من العوارض الذاتية (فلابد) أن يبحث في علم النحو من جميع ما يعرض لهما فيلزم ادخال جميع المسائل الادبية في علم النحو وهذا ما ذكرناه من اللازم. مدفوع بأن الموضوع حيث قيد بحيثية الاعراب أو البناء فكل عارض له دخل بالحيثية المذ كورة يبحث عنه في علم النحو لا كل عارض ذاتي فالغرض من التقييد بالذاتي اخراج العوارض الغريبة لا ان كل عارض ذاتي يبحث عنه في العلوم وان لم يكن له دخل بالحيثيات المذكورة واما الخارجي فاما ان يكون مباينا أو اعم أو اخص أو مساويا (لاكلام) في كون عوارض الاولين من العوارض الغريبة وأما عوارض الاخص أو المساوى فيحتاج تحقيق الحال فيهما إلى بسط في المقال فنقول اما عوارض الاخص فالجمهور على انها من العوارض الغريبة (وبذلك) يشكل على كون محمولات العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها (بدعوى) ان المحمولات انما تعرض لموضوعات المسائل اولا وبالذات وبوساطتها تعرض لموضوعات العلوم فلا ينطبق التعريف المذكور لموضوع العلم على موضوع علم من العلوم. وجوابه انا حيث قيدنا الموضوع بالحيثية المذكورة (1) فينطبق موضوع العلم


- كون عارض نوع ذاتيا للنوع الاخر وان فرض كون عوارض النوع ذاتية للجنس ايضا فالاعتراض على القول بكون عوارض الجنس ذاتية للنوع باستلزامه التداخل في جملة من العلوم مندفع من اصله من غير حاجة إلى تقييد الموضوعات بالحيثيات 1 - الحيثيات المأخوذة في تعاريف جملة من العلوم حيثيات راجعة إلى البحث بمعنى ان البحث في علم الفقه مثلا لا يقع عن جميع عوارض فعل المكلف بل يبحث فيه من حيث الاقتضاء والتخيير فالقيد راجع إلى البحث لا إلى الموضوع ضرورة ان الصلوة بما هي صلوة تكون واجبة لا من حيث اقتضائها للوجوب مع انه على تقدير تسليم تقييد الموضوعات بالحيثيات فاما ان يكون موضوع العلم الذى هو عنوان جامع لموضوعات المسائل مأخوذا بنحو المعرفية وبه يشار إلى موضوعات المسائل أو يلحظ هو بنفسه بما انه جامع لها والاول يستلزم انكار وجود الموضوع للعلم حتى يقع البحث عن عوارضه الذاتية والثانى يستلزم عدم كون عوارض موضوعات المسائل ذاتية لموضوع العلم فان انطباق العنوان الانتزاعي على منشأ انتزاعه - (*)

[ 6 ]

عليها بنحو العينية بحيث يحمل عليها بالحمل الشايع الصناعي وبعبارة واضحة المبحوث عنه في علم النحو مثلا ليس عوارض الفاعل بما هو فاعل ككونه متقدما على المفعول بحسب الرتبة بل عوارضه بما هو معرب فيكون عوارضه عوارض ذاتية لموضوع العلم ايضا فان هذه الحيثية حيثية مضيقة للموضوع فانها تقييدية (وحيث) ان موضوعات العلوم بسائط لانها مفاهيم متقيدة بالحيثيات الاعتبارية فيكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز كما في الاعراض ونتيجته الغاء خصوصية الفاعلية والمفعولية وغير ذلك والبحث عنها بما هي معربة ولا نعنى بتلك الحيثية الحيثية اللاحقة الاعرابية حتى يقال ان الكلمة المعربة يستحيل عروض الاعراب عليها بل الحيثية السابقة التى بها يستحق الاعراب الفعلى. ثم لا يخفى أن التقييد بالحيثية المذكورة كما اندفعت به الشبهة الناشئة من اخصية موضوعات المسائل كذلك تندفع به الشبهة الناشئة من أعمية موضوعات المسائل عن موضوع العلم كمباحث الالفاظ بالقياس إلى الادلة الاربعة بناء على ان عوارض الجنس من


- على حددون حد انطباق العناوين الذاتية على مصاديقها فإذا فرضنا ان عوارض النوع غريبة بالقياس إلى الجنس مع انه ينطبق عليه بالذات فعوارض ما يكون منشأ لانتزاع عنوان اولى بالغرابة بالقياس إلى نفس العنوان الانتزاعي وكون ما به الامتياز في العناوين الانتزاعية عين ما به الاشتراك لا ينافى التغاير بين موضوعات المسائل فان موضوع كل مسألة بنفسه مغاير لموضوع مسألة اخرى هذا مع ان كون ما به الاشتراك من الامور الانتزاعية عين ما به الامتياز لا يستلزم كون المقيد بالامر الانتزاعي كذلك ما هو ظاهر والتحقيق في حل الاشكال ان يقال ان الالتزام بكون العوارض المبحوث عنها في العلوم ذاتية بالمعنى الذى ذهب إليه الجمهور بلا ملزم ضرورة انه إذا تعلق الغرض بالبحث عن عدة مسائل يجمع موضوعاتها جامع واحد صح تدوين علم يبحث فيه عن تلك العوارض سواء سميت تلك العوارض بكونها ذاتية لموضوع العلم أو بكونها غريبة بالقياس إليه والذى يمكن ان يقال باعتباره هو ان لا يكون اسناد تلك العوارض إلى موضوع العلم مجازيا واما كونها عارضة له بلا واسطه مطلقا فلا ضرورة تقتضيه بل الصحيح هو ان ترتب الغرض لو توقف على البحث عن العوارض الغريبة التى يكون اسنادها إلى موضوع العلم أو إلى موضوع المسألة مجازيا يصح عقد ذلك المبحث من مباحث العلم فلا موجب للالتزام - (*)

[ 7 ]

العوارض الغريبة فان الموضوعات في المسائل وان كانت اعم بحسب الظاهر الا أن البحث عنها مقيد بحيثية خاصه وهو حيث ورودها في الكتاب والسنة وان لم يكن عروض المحمولات بتلك الحيثية فلا يلزم أعمية الموضوعات من تلك الجهة المبحوث عنها وان كانت اعم من الجهة الاخرى (كما ان الاشكال المعروف) بان تمايز العلوم (1) لو كان بتمايز الموضوعات


- بكون العوارض ذاتية لموضوع العلم اصلا وان ابيت عن ذلك فلا مناص عن الالتزام بكون عوارض الاخص كالنوع مثلا بالقياس إلى الاعم كالجنس من العوارض الذاتية ومما ذكرناه يظهر اندفاع الشبهة الناشئة من قبل اعمية بعض موضوعات المسائل من موضوع العلم ايضا. 1 - ان كان المراد من التمايز هو تمييز كل علم عن الاخر بالاضافة إلى الجاهل حتى يتمكن بمعرفة المميز من تشخيص أي مسألة ترد عليه وانها هل هي داخلة في علم الفقه مثلا أو في علم النحو فلا ريب ان التمييز في هذا المقام كما يمكن ان يكون بالغرض يمكن ان يكون بالموضوع أو بالمحمول أو بذكر فهرست مسائل العلم اجمالا. وان كان المراد من التمايز هو التمييز في مقام التدوين وبيان ما هو السبب لاختيار المدون جملة من المسائل وجعلها علما برأسه دون المسائل الاخر فلا مناص في هذا المقام من كون التمييز بالعرض الداعي إلى التدوين ان كان هناك غرض خارجي يترتب على العلم والمعرفة كما هو الغالب وهو ظاهر واما فيما كان الغرض من التدوين هو نفس العلم والمعرفة فلا بد من كون الامتياز بالموضوع أو بالمحمول مثلا إذا كان غرض المدون هو معرفة احوال الانسان من تمام جهاته فلا مانع من تدوين علم يبحث فيه عن عوارضه النفسانية والجسمانية وعن خصوصيات اقسام اصنافه فيكون تمييز هذا العلم عن غيره بالموضوع كما هو الحال في الفلسفة العالية كما انه إذا كان غرض المدون هو معرفة ما يعرضه الحركة والسكون فلا ضير في تدوين علم يبحث عن كل ما يمكن ان يعرضه الحركة أو السكون ولو كان المعروض من مقولة نارة و ومن مقولة غير المقولة الاولى اخرى فالتمييز يكون حينئذ بالمحمول ومما ذكرناه يظهر ان اطلاق القول بان التمايز بالموضوعات أو بان التمايز بالاغراض ليس في محله ومما ذكرناه يظهر ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره من انكاره كون التمايز بالاغراض فانها ربما لا تترتب على العلوم المدونة فتدبر (*)

[ 8 ]

لزم اتحاد العلوم الادبية (يندفع) بقيد الحيثية ايضا كما هو ظاهر واما الجواب عنه بان تمايز العلوم بتمايز الاغراض لا بالموضوعات فغير صحيح فان العلوم المدونة ربما لا يترتب عليها الاغراض المذكورة فلا يمكن ان يكون التمايز بها (وأما عوارض) الامر الخارجي المساوى المنتهى إلى الذات ولو بوسائط كعروض ادراك الكليات الذى هو لازم الفصل على الانسان المستتبع لعروض التعجب المستتبع لعروض الضحك فقد وقع فيها الخلاف والاشكال. وتحقيقه يحتاج إلى بيان ضابط الوساطة في الثبوت والعروض (فنقول) اما العارض الاول فلا واسطة له حتى يقال انها واسطة في الثبوت أو العروض (واما الثاني) وهو التعجب فله واسطة لكن وساطة ثبوتية لان الواسطة عارضة بلا واسطة واما العارض الثالث وهو الضحك فله واسطة في العروض فان واسطة عروضه تحتاج إلى واسطة اخرى في الثبوت ايضا فالميزان (1) ان العارض ان احتاج إلى واسطة غير محتاجة إلى واسطة اخرى فالواسطة في الثبوت والا ففي العروض. إذا عرفت ذلك فيمكن ان يقال ان هذا العارض مع الواسطة في العروض ايضا من الاعراض الذاتية لانتهائه إلى الذات بالاخرة (ويمكن ان يقال) انه من العوارض الغريبة باعتبار انه لم يعرض لا لنفس الذات ولا بواسطة في الثبوت فيكون من الغريبة لكن الحق هو الاول وعلى تقدير التنزل فيندفع اشكال البحث عنه بقيد الحيثية المذكورة فان العوارض وان كانت مترتبه في حد انفسها الا انه لا ترتب بينها من تلك الحيثية فيكون جميعها في عرض واحد. واما المقدمة الثانية فهى ان ما يذكر في العلوم ينقسم إلى مباد ومسائل (اما المسائل) فقد علم تعريفها مما سبق (واما المبادى) فتنقسم إلى تصورية وتصديقية (اما التصورية) فهى التى توجب معرفة الموضوعات أو المحمولات (وأما التصديقية) فهى الادلة التى توجب التصديق بثبوت المحمولات لموضوعاتها ثم ان لعلم الاصول مبادى خاصة وتسمى بالمبادئ الاحكامية وهى التى يبحث فيها عن حال الاحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية أو انتزاعية ومن حيث


1 - الميزان في الواسطة في الثبوت هو ان يكون الواسطة علة لثبوت العارض لمعروضه سواء كانت الوسائط متعددة ام غير متعدده والتفصيل بين احتياج الواسطة إلى واسطة اخرى وعدمه بلا وجه (*)

[ 9 ]

اشتراطها بشروط عقلية وغير ذلك ومن هذا القبيل مباحث مقدمة الواجب والنهى عن الضد واجتماع الامر والنهى بناء على عدم كونها من المسائل الاصولية على ما يأتي الكلام فيه في محالها انشاء الله تعالى ثم ان المسائل المبحوث عنها في علم الاصول اما مسائل يبحث فيها عن دلالة الالفاظ بما هي أو عن حال الاحكام ولو لم تكن مدلولا عليها بشيئ من الالفاظ أو عن دليلية الدليل كمباحث حجية الخبر الواحد والكتاب وغيرهما من مباحث الحجية إذا تمهد ذلك (قنقول) لو كان موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة بعد الفراغ عن دليليتها كما عليه المحقق القمى (قده) فتخرج مباحث الحجج بالكلية عن مباحث علم الاصول لان البحث فيها عن نفس الدليلية لاعن عوارضها وتدخل في المبادى وكذلك المسائل التى يبحث فيها عن حال الاحكام ولو لم تكن مدلولا عليها بدليل لعدم كون البحث فيها عن الادلة وتدخل في المبادى الاحكامية فينحصر علم الاصول في مباحث الالفاظ بناء على ما ذكرنا من كون عوارض الجنس من العوارض الذاتية اما مطلقا أو مع اخذ قيد الحيثية والا فتلك مباحث استطرادية فلا يبقى لعلم الاصول مسألة اصلا (واما لو بنينا) على ان الموضوع هو ذوات الادلة فيدخل فيها مباحث الالفاظ بالتقريب المتقدم ومباحث حجية الكتاب والعقل واما بقية المباحث فهى خارجة لا محالة اما خروج المباحث التى يتكلم فيها عن حال الاحكام بما هي فواضح واما خروج مباحث حجية الخبر الواحد والشهرة والاستصحاب ونحوها فلعدم البحث فيهها عن ذوات الادلة الاربعة ايضا كما هو ظاهر واما ارجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر (بتقريب) ان السنة باعتبار الحكاية تنقسم إلى قسمين المتواتر والاحاد (اما) المتواتر فلا (اشكال) في ثبوت السنة به (واما الاحاد فهى محل الخلاف والاشكال) فيرجع حاصل النزاع إلى أن السنة المحكية هل هي سنة ام لا (فغير مفيد) فانه على فرض تماميته في مبحث حجية الخبر فلا يكاد يتم في غيره كمباحث حجية الشهرة والاستصحاب وغيرهما مما تقدم خروجها عن المسائل الاصولية على تقدير كون الموضوع هي الادلة الاربعة مع انه (غير تام) في نفسه لان عنوان كون

[ 10 ]

السنة محكية (1) تعرض له بواسطة الخبر الذى هو مباين لها فيكون من العوارض الغريبة فضلا عن الحجية العارضة بوساطته مضافا إلى ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من أن البحث عن الثبوت الذى هو مفاد كان التامة بحث عن المبادى (فالتحقيق ان الالتزام) بكون الموضوع هي الادلة (بلا ملزم) بل هو أمر وسيع أخذ موضوعا للعلم مقيدا بحيثية الاستنباط (2) فيكون جميع المباحث المذكورة داخلة في المسائل لاجل دخلها في الاستنباط. الفصل الثاني في جملة من المباحث اللغوية اختلف العلماء في ان دلالة الالفاظ هل هي ذاتية محضة ام جعلية صرفة أو بهما معا (3)


1 - اتصاف السنة بكونها محكية وان كان بوساطة الخبر الذى هو مباين لها في الوجود الا انه من قبيل الواسطة في الثبوت لا في العروض كما هو ظاهر نعم الحجية التى هي المحمول في المسألة ليست من عوارض السنة ذاتية أو غريبة بل هي من عوارض الخبر ونحوه واما البحث عن ثبوت السنة بالخبر بنحو مفاد كان التامة فهو وان لم يكن صحيحا في نفسه ضرورة عدم علية الخبر للسنة خارجا الا انه على تقدير صحته لا يكون داخلا في المبادى بل يكون البحث بحثا عن العوارض فان المبحوث عنه حينئذ ليس هو نفس الوجود والثبوت بل الثبوت بالخبر الذى هو عبارة اخرى عن معلولية السنة للخبر ولا ريب ان البحث عن المعلولية بحث عن العوارض 2 - قد عرفت فيما تقدم ان اتصاف جملة من المسائل بكونها مسائل علم واحد لا يتوقف على وجود موضوع جامع لموضوعات مسائلها فالالتزام بوجود موضوع وسيع أو ضيق لعلم الاصول بلا موجب بل الظاهر ان كل مسألة يترتب عليها الاستنباط بضم صغرى تلك المسألة إليها فهى من مسائل علم الاصول والا فلا وتمييز مسائل علم الاصول عن غيرها انما هو بالغرض لا بغيره 3 - لا ينبغى الريب في عدم كون الارتباط المتحقق بين طبيعي اللفظ والمعنى من قبيل الامور الواقعية باقسامها اما عدم كونه من قبيل الجواهر والاعراض بعد فرض قيامه بطبيعى اللفظ والمعنى فظاهر واما عدم كونه من قبيل الملازمات المتحققة في نفس الامر مع قطع النظر * (*)

[ 11 ]

(والحق) هو (الثالث) فانا نقطع بحسب التواريخ التى بأيدينا انه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الالفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التى تدل عليها فضلا عن سائر اللغات كما انا نرى وجدانا عدم الدلالة الذاتية بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظا مخصوصا باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا وجعله تبارك وتعالى هذا واسطة بين جعل الاحكام الشرعية المحتاج ايصالها إلى ارسال رسل وانزال كتب وجعل الامور التكوينية التى جبل


* عن اعتبار أي معتبر وفرض أي فارض فلان دعوى الملازمة بين تصور اللفظ والانتقال منه إلى المعنى بطلانها ظاهر والا لما امكن الجهل باللغات اصلا ووقوع الجهل بها من اوضح الواضحات واما ثبوت المناسبة الذاتية بين الالفاظ ومعانيها فهو وان كان ممكنا في الجملة الا انه لا دليل عليه ودعوى انه لولاه لكان تخصيص لفظ خاص بمعنى مخصوص بلا مرجح وهو محال يدفعها اولا انه لا يلزم ان يكون المرجح هي المناسبة الذاتية بل يجوزان يكون المرجح امرا خارجيا كما هو الواقع كثيرا في الاعلام الشخصية وثانيا ان المستحيل انما هو المرجح من دون ترجيح واما الترجيح بلا مرجح فلا استحالة فيه بل ولا قبح فيه ايضا إذا كان هناك مرجح لاختيار طبيعي الفعل مع عدم وجود المرجح في شئ من افراده وحينئذ فالمصلحة الموجودة في طبيعي الوضع كافية في اختيار لفظ خاص وتخصيصه لمعنى مخصوص ولو من دون ربط ومناسبة بينهما اصلا ومن هنا يظهران دعوى كون الوضع وسطا بين الامور التكوينية الواقعية والجعلية لا يمكن المساعدة عليها ضرورة انه لا واسطة بين الامور الواقعية والجعلية والتخصيص وان كان بالهام الهى كما في جملة من افعال العباد ايضا الا ان حقيقته لا تخلو من ان تكون من الواقعيات أو الاعتباريات الجعليات ومن ثم ذهب جمع إلى ان الارتباط المزبور امر اعتباري ووجوده انما هو باعتبار المعتبر وقد افيد في بيان ذلك وجهان الاول ان الوضع الحقيقي كما في وضع العلم على رأس الفرسخ وان لم يكن موجودا في وضع الالفاظ الا انه موجود فيه بنحو الاعتبار فكان اللفظ وضع على معناه للدلالة عليه كما في وضع العلم على رأس الفرسخ وفيه اولا ان هذا المعنى على تقدير صحته في نفسه فهو يعبد عن اذهان الواضعين خصوصا القاصرين منهم كالاطفال وامثالهم مع انا نرى صدور الوضع منهم كثيرا فكيف يمكن ان يكون حقيقته امرا يغفل عنه الخواص فضلا عن غيرهم وثانيا ان لازم هذا البيان كون المعنى موضوعا عليه لا موضوعا له وكم فرق بينهما فان الموضوع عليه * (*)

[ 12 ]

الانسان على ادراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر ولا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبى أو وصى بل يلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كل طائفة بالتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة معنى خاص. ومما يؤكد المطلب انا لو فرضنا جماعة أرادوا احداث الفاظ جديدة بقدر الفاظ أي لغة لما قدروا عليه فما ظنك بشخص واحد (مضافا) إلى كثرة المعاني التى يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة (ومنه) ظهر أن حقيقة الوضع هو التخصيص والجعل الالهى والتعبير عنه بالتعهد والالتزام مما لا محصل له.


في الوضع الحقيقي انما كان هو المكان المخصوص للدلالة على كونه رأس الفرسخ فكونه رأس الفرسخ هو الذى وضع له العلامة وعليه فما هو الموضوع له في المقام إذا كان المعنى هو الموضوع عليه الوجه الثاني ان اللفظ اعتبر وجودا تنزيليا للمعنى فكان وجود اللفظ هو وجود المعنى في عالم الاعتبار والتنزيل ويرد عليه مضافا إلى عدم مناسبة اطلاق لفظ الوضع على مثل هذا الاعتبار ما اوردناه على الوجه الاول اولا من ان امثال هذه التدقيقات بعيده عن اذهان الواضعين هذا مع ان تنزيل وجود منزلة وجود آخر لا بد في صحته من جود ما يكون التنزيل بلحاظه كما في التنزيلات الشرعية أو العرفية ومن الواضح انه لا يترتب شيئ من احكام المعنى وآثاره على وجود اللفظ فما معنى كونه وجودا تنزيليا له فالتحقيق ان ارتباط اللفظ بالمعنى ليس من الامور الواقعية ولا من الامور الاعتبارية وليس هو من حقيقة الوضع في شيئ بل هو من شئون الوضع وتوابعه ومن الامور المنتزعة منه بيان ذلك ان حقيقة الوضع على ما يساعده الوجدان عبارة عن الالتزام النفسي بابراز المعنى الذى تعلق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص فمتعلق الالتزام والتعهد امر اختياري وهو والتكلم بلفظ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيم معنى خاص والارتباط بينهما انما ينتزع من هذا الالتزام وهذا المعنى هو الموافق لمعنى الوضع لغة فانه فيها بمعنى الجعل والاقرار ومنه وضع القانون بمعنى جعله واقراره ومن هنا يظهران اطلاق الواضع على الجاعل الاول انما هو لاسبقيته والا فكل شخص من افراد اهل لغة واضع حقيقة ثم ان التعهد المزبور ربما يكون ابتدائيا فيكون الوضع تعيينيا وقد يكون ناشئا من كثرة الاستعمال فيكون تعينيا وحقيقة الوضع في كلا القسمين على نحو واحد كما هو ظاهر (*)

[ 13 ]

(فائدة استطرادية) الفرق بين المعنى والمفهوم والمدلول (هو) أن المعنى (1) يطلق على نفس المعاني المجردة في العقل التى جردعنها جميع ما يلازمها من المادة ولوازمها فزيد الخارجي الذى يجرد عنه جميع ما يلازمه يعبر عنه بالمعنى سواء وضع له لفظ ام لا استعمل فيه اللفظ ام لا وعند الاستعمال يتنزل هذا المعنى المجرد إلى عالم الوجود الخارجي ايضا بتوسط اللفظ فكأن المتكلم يلقى المعنى في الخارج (ولذا قيل) بأن للشئ انحاء من الوجود وعدمنها الوجود اللفظى فزيد له قوس صعودي من الخارج إلى الحس المشترك ومنه إلى الخيال ومنه إلى عالم العقل قبل الاستعمال وله قوس نزولي حين الاستعمال (وأما المفهوم أو المدلول فيطلقان) عليه باعتبار انفهامه من اللفظ أو دلالة اللفظ عليه " ثم " ان المعنى المتصور في مقام الوضع اما ان يكون عاما أو خاصا (وعلى الاول) اما ان يوضع اللفظ له أو لمصاديقه (وعلى الثاني) فلا سبيل الا لوضع اللفظ له بخصوصه دون العام (بداهة) ان الخاص بما هو لا يكون حاكيا لا عن العام ولاعن الافراد الاخر (نعم) قد يكون تصور الخاص موجبا وعلة لتصور العام بنفسه وهذا غير كون الفرد مراتا وحاكيا عنه كما في عكسه فالاقسام المعقولة ثلثة فقط تبصرة ينقسم الوضع العام والموضوع له الخاص إلى قسمين فان الخصوصية المأخوذة في الموضوع له (تارة) لا توجد من قبل اللفظ بل هي خصوصية خارجية كما إذا وضع لفظ على مثلا لكل من يتولد ليلة الجمعة فان الخصوصية المأخوذة في المعنى لم تنشأ من قبل اللفظ الموضوع له (واخرى) توجد من قبله كوضع اسماء الاشارة فانها موضوعة للمعنى المشار إليه بنفس الفاظ الاشارة (2) فعند


1 - الظاهر ان اطلاق لفظ المعنى على شيئ انما هو باعتبار كونه مقصودا والا فالمدركات المجردة في العقل مع قطع النظر عن استعمال الالفاظ فيها لا تتصف بكونها معاني كما لا تتصف بانها مفاهيم أو مداليل. 2 - اشارة اللفظ إلى المعنى ان كان باعتبار دلالته عليه فلا يختص ذلك باسماء الاشاره وان كان بغير هذا الاعتبار فما هو الغير المأخوذ في الموضع له فالظاهر ان اسماء الاشاره انما * (*)

[ 14 ]

الاستعمال يوجد فرد من افراد الاشارة وكذلك الخطاب والنداء وهذه الخصوصيات كلها ناشئة من قبل نفس تلك الالفاظ لا من الخارج فتدبره لعلك تنتفع به فيما بعد ان شاء الله تعالى. ثم انه لا اشكال في وقوع الوضع الخاص والموضوع له الخاص كالاعلام الشخصية وكذا الوضع العام والموضوع له كذلك كوضع اسماء الاجناس (انما الخلاف) في وقوع الوضع العام والموضوع له الخاص فاختار بعض ان وضع الحروف وتوابعها من الاسماء من هذا القبيل وانكره آخرون وقبل الخوض في ذلك لابد من بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم فهنا مقامان. المقام الاول في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم (والمقام الثاني) في بيان ان الموضوع له خاص أو عام اما المقام الاول فتحقيق الحال فيه يتوقف على بيان الاقوال اولا ثم بيان المختار منها (فاعلم) ان الاقوال في المسألة ثلاثة (الاول) انه لا فرق بين المفهوم الحرفى والاسمى في عالم المفهومية وان الاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى فالمعنى في حد ذاته لا يتصف بالاستقلال ولا بعدمه وانما نشئا من اشتراط الواضع وهذا القول الذى هو في حد الافراط منسوب إلى المحقق (الرضى قده) واختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) (والقول الثاني) الذى هو في حد التفريط (ان الحروف) لم توضع لمعنى اصلا بل وضعت لان تكون قرينة على كيفية ارادة مدخولها نظير الاعراب مثلا معنى كلمة الدار يلاحظ بنحوين (احدهما) بما انه موجود عينى خارجي فيقال دار زيد كذا (واخرى) بما انه موجود اينى أي ظرف مكان لشئ آخر فكلمة في في قولك ضربت في الدار تدل على ان الدار لوحطت بنحو الاينية لا العينية وهذا القول منسوب إلى المحقق الرضى ايضا (والقول الثالث) هوان الحروف لها معان في قبال المعاني الاسمية وهى في حد كونها معاني أي في عالم التجرد العقلاني معان غير مستقلة بخلاف المعاني الاسمية فانها معان استقلالية فكما ان الجوهر لا يحتاج في وجوده الى موضوع بخلاف الاعراض فانها في وجودها لا في حد ذاتها وكونها معاني


وضعت للمعانى الواقعة موقع الاشارة الخارجية أو انها موضوعة بازاء الاشارة الخارجية فهى موجدة لها بالجعل والمواضعة وتحقيق الحال موكول إلى محله (*)

[ 15 ]

تحتاج إلى موضوع فكذلك المفاهيم الاسمية في عالم التجرد العقلاني بجواهرها واعراضها معان مستقله عكس المعاني الحرفية (والصواب) هو القول الثالث وقبل الشروع في توضيحه لابد من ابطال القولين الاولين (فنقول) اما (القول الاول) فيرد عليه ان لازمه جواز استعمال الحروف في موضع الاسماء وبالعكس مع انه من افحش الاغلاط (واما حديث) اشتراط الواضع (فمما لا محصل) له فان الاشتراط المذكور هل هو اشتراط في ضمن الوضع أو في خارجه وما الدليل عليه أو على لزوم اتباعه في اشتراطه ما لم يرجع إلى الجهات الراجعة إلى الموضوع أو الموضوع له ثم على تقدير لزوم الاتباع فليكن كاحد الاحكام الشرعية التى توجد مخالفته استحقاق العقاب فلم لا يصح الاستعمال بحيث يعد من الاغلاط (وغاية) ما افيد في تقريبه ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ارجاع القيد يعنى الاشتراط إلى ناحية الاستعمال بان يكون ذات الموضوع له فيهما واحدة والاختلاف في كيفية الوضع فان الاسم وضع ليستعمل مستقلا بخلاف الحرف فانه وضع لان يستعمل آلة ومراتا فالاستقلال وعدمه خارجان عن الموضوع له مأخوذ ان في مقام الاستعمال (ويرد عليه) ان المعنى يستحيل ان يكون في حد ذاته لا مستقلا ولا غير مستقل وليس هذا الاارتفاع النقيضين (مضافا) إلى ان تقييد الاستعمال في مقام الوضع لا يزيد على تقييد الموضوع له فكما انه يصح الاستعمال في غير الموضوع له مجازا فليكن استعمال الاسم في موضع استعمال الحرف وبالعكس كذلك ثم ان الاستقلال وعدمه (1) هل هما من الفصول أو المنوعة من قبيل الاعراض


1 - إذا كان المراد من الاستقلال وعدمه هو الاستقلال في اللحاظ قبال اللحاظ الالى كما هو مراد صاحب الكفاية قدس سره فالمعنى قبل تعلق اللحاظ به لا يتصف باستقلال ولا بعدمه وليس هو من ارتفاع النقيضين في شيئ كما ان الاستقلال وعدمه على ذلك ليسا من الفصول المنوعه ولا من اعراض المعنى حتى يرد عليه ما في المتن بل هما من كيفيات اللحاظ اللاحق على المعنى في مقام الاستعمال فلا يرد عليه الا ما اورد عليه اولا من ان لازم وحدة المعاني الاسميه والحرفية ذاتا صحة استعمال الاسم في موضع الحرف وبالعكس مع انه من افحش الاغلاط مضافا إلى ان لحاظ المعنى آلة لو كان موجبا لكونه معنى مشرفيا لزم منه كون كل معنى اسمى يؤخذ معرفا لغيره في الكلام وآلة للحاظه كالعناوين الكلية المأخوذة في القضاياء معرفات * (*)

[ 16 ]

وعلى الاول يلزم تركب المعاني وقد بينا تجردها وبساطتها (مع انه) لا معنى لاخذ الجنس في مقام الوضع والفضل في مقام الاستعمال وعلى الثاني فما السبب في وجود هذا العرض (وعلى كل تقدير) فلا معنى لاشتراط الواضع ما لم يكن سنخ المعاني مختلفة كما سنبين انشاء الله تعالى (واما القول الثاني) فيرد عليه ان الظرفية أو غيرها اما ان تؤخذ في مفهوم الدار بحسب الوضع أو يدل عليها كلمة في مثلا والاول باطل على الفرض فيثبت الثاني ومنه يظهر الحال في المقيس عليه وهو الاعراب فانا نلتزم فيه بما نلتزمه في الحروف من دلالتها على معان قائمة بمدخولها واما توضيح المختار فيحتاج إلى بيان مقدمات (الاولى) ان المعاني تنقسم إلى اخطارية وغير اخطارية فان الاسماء بجواهرها واعراضها عند التكلم بها يخطر معانيها في الذهن سواء كانت في ضمن تركيب كلامي ام لم تكن بخلاف الحروف فانها بنفسها لا توجب خطور معانيها في نفس سامعها ما لم تكن في ضمن كلام تركيبي (الثانية) ان المعاني غير الاخطارية تنقسم إلى قسمين ايجادية ونسبية (اما الاولى) فكحروف التشبيه والنداء والتمنى وغيرها فان الحروف الموضوعة لها في مقام الاستعمال يوجد فردا منها في الخارج بحيث يصدق على الموجود خارجا انه فرد من التشبيه أو النداء أو التمنى أو غير ذلك (واما الثانية) فكالنسب الخاصة التى بين الاعراض ومعروضاتها فان الاعراض حيث ان وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها والا لم يكن وجودها لموضوعاتها وجودا رابطيا بل استقلاليا يحتاج إلى رابط آخر وحينئذ فبينها وبين موضوعاتها نسب خاصة على اختلافها والحكيم كما لا بدله من وضع الالفاظ للمفاهيم الاستقلالية كذلك لابد له من وضع الالفاظ لافادة هذه المعاني ايضا (1) (الثالثة) ان


* للموضوعات الواقعية معنى حرفيا كما ان لحاظ المعنى حالة لغيره لو كان موجبا لكونه معنى حرفيا لزم منه كون جميع المصادر معاني حرفية فانها تمتاز عن اسماء المصادر بكونها مأخوذات بما انها اوصاف لمعروضاتها بخلاف اسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما انه شيئ في نفسه مع قطع انظر عن كونه وصفا لغيره وبالجملة لا مناص عن مغايرة المعنى الاسمى للمعنى الحرفى في ذاته كما سيتضح ذلك انشاء الله تعالى 1 - سيتضح لك فيما بعد انشاء الله تعالى ان النسب الخارجية لم توضع لها شيئ اصلا فان وضع * (*)

[ 17 ]

الموضوع للنسب تارة يكون في مقام لفظه مستقلا كلفظة من واخرى غير مستقل حتى في هذا المقام ايضا كما في وضع الهيئات الخاصة (1) فيكون الموضوع كالموضوع له في حد ذاته أمرا غير مستقل وقوام ذاته بأمر آخر ثم ان الهيئات (تارة) تكون في الجملة الاسمية واخرى في الجملة الفعلية اما الجملة الاسمية فالحمل فيها قد يكون ذاتيا كزيد انسان وقد يكون غير ذاتي كزيد قائم (اما القسم الثاني) فوجود النسبة فيه (واضح) (واما القسم الاول) فالنسبة فيه تنزيلية بمعنى انه يلحظ الموضوع عاريا عن ذاته لا بمعنى بشرط لابل بمعنى عدم لحاظ ذاته معه في مقام الفرض ويحمل نفس الذات عليه واما الجملة الفعلية (فهى) تنقسم إلى قسمين (فمنها ما) يدل على النسبة الاولية أي النسبة التى لا تزيد على قيام العرض بمعروضه كما في الفعل المبنى للفاعل (ومنها ما) يدل على النسبة التى بين الفعل وملابساته كالفعل المبنى للمفعول (ومنه) يظهر ان الاصل في المرفوعات هو الفاعل فان الجملة الاسمية كزيد قائم منتزعة من نسبة القيام إلى فاعله المستتبعة لعنوان اشتقاقي محمول على الذات والدال على تلك النسبة الاولية اللازمة لوجود العرض جملة فعلية مشتملة على فعل وفاعل (الرابعة) قد عرفت ان الهيئات منها ما هي مختصة بالنسبة الاولية وما هي مختصة بالنسبة الثانوية (واما) الكلمات الاستقلالية (فمنها) ما هو مشترك بينهما كلفظة في فانها تستعمل (تارة) لافادة قيام العرض اعني مقولة الاين أو متى بموضوعه كزيد في الدار أو في زمان كذا ويسمى بالظرف المستقر فانها لا تدل على از يدمن النسبة الاولية وهو قيام العرض بموضوعه ومنها ما هي مختصة لافادة النسبة الثانوية كما في قولك ضربت في الدار فانها تدل على نسبة الضرب إلى الدار زيادة على نسبته إلى موضوعه ويسمى بالظرف اللغو والوجه في التسمية في كلتيهما ظاهر (ومنها)


اللفظ مطلقا لابد وان يكون بازاء مفهوم مستقل أو غير مستقل والموجود الخارجي بما هو كذلك لا معنى لوضع اللفظ له نعم النسب الخارجية مصاديق لمفهوم النسبة الذى هو معنى اسمى 1 - سيجيئ الكلام في مداليل الهيئات في الجمل الاسمية والفعلية في مقام الفرق بين الفعل وغيره انشاء الله تعالى (*)

[ 18 ]

ما هو مختص بالقسم الثاني فقط كبقية الحروف ولم نجد فيها ما يختص بالقسم الاول كما كان في الهيئات (الخامسة) ان الحروف باجمعها معانيها ايجادية نسبية كانت أو غيرها فانها لم توضع الا لاجل الربط (1) بين مفهومين لاربط بينهما كلفظ زيد والدار فكلمة في هي الرابطة بينهما في الكلام في مقام الاستعمال فالموج للربط الكلامي هو الحرف ولا منافات بين كون للنسبة الحقيقية واقعية وخارجية قد تطابق النسبة الكلامية وقد تخالفها فان المطابقة بينهما ليس كمطابقة الكلى مع فرده بل كمطابقة فرد مع فرد آخر بحيث يكون النسبة بينهما كنسبة الظل مع ذى الظل فالمفهوم الحرفى هو النسبة الظلية الكلامية التى تطابق النسبة الخارجية (تارة) وتخالفها (اخرى فما في كلام المحقق) صاحب الحاشية (قده) من اختصاص الايجادية ببعض الحروف " انما نشأ " من لحاظ النسب الخارجية والغفلة عن انها لم توضع لها الحروف بل الموضوع له فيها هي النسب الكلامية وهى ايجادية مطلقا فظهر ان المعاني الحرفية


1 - لا اشكال في تحقق الربط في الكلام بواسطة الحروف وانه لولاها لما كانت الجملات مربوطة الا ان الربط المزبور انما هو من جهة دلالتها على معانيها التى وضعت لها والكلام فعلا انما هو في تعيين تلك المفاهيم التى بوجود الدال عليها يكون الكلام بعضه مربوطا ببعض فالقول بان الحروف موضوعة لايجاد الربط الكلامي لا يرجع إلى محصل والتحقيق ان يقال ان الحروف باجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية وتقييداتها بقيود خارجة عن حقايقها ومع ذلك لانظر. لها إلى النسب الخارجية بل التضييق انما هو في عالم المفهومية وفى نفس المعنى كان له وجود في الخارج أو لم يكن فمفاهيمها في حد ذاتها متعلقات بغيرها ومتدليات بها قبال مفاهيم الاسماء التى هي مستقلات في انفسها توضيح ذلك ان كل مفهوم اسمى له سعة واطلاق بالاضافة إلى الحصص التى تحته سواء كان الاطلاق بالقياس إلى الخصوصيات المنوعة أو المصنفة أو المشخصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد ومن الضرورى ان غرض المتكلم كما يتعلق بافادة المفهوم على اطلاقه وسعته كذلك قد يتعلق بافادة حصة خاصة منه كما في قولك الصلوة في المسجد حكمها كذا وحيث ان حصص المعنى الواحد فضلا عن المعاني الكثيرة غير متناهية فلابد للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصص المعنى وتفيده وليس ذلك الا الحروف والهيئات الدالة على النسب الناقصة كهيئات المشتقات وهيئة الاضافة أو التوصيف فكلمة في في قولنا الصلوة في المسجد لا (*)

[ 19 ]

والمفاهيم الادوية معان غير مستقلة في انفسها ومتدليه في حد ذواتها بالمفاهيم الاسمية الاستقلالية لا انها اشياء لها الربط (ولقد اجاد) اهل العربية حيث عبروا في مقام التعبير عن مفاهيمها بان في للظرفية ولم يقولوا بان في هو الظرفية كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المعاني الاسمية وان تسامحوا من جهة عدم التصريح بالنسبة بان يقولوا في للنسبة الظرفية. ثم ان الفرق بين المفهوم من لفظ النسبة والربط وغيرهما من المفاهيم الاسمية والمفهوم من الحروف (هو الفرق) بين المفهوم والحقيقة (فكما) ان الانسان قد يحتاج إلى حقيقة الماء مثلا فلا يفيده تصور المفهوم (كذلك) قد يحتاج إلى مفهوم الماء فلا يفيده الحقيقة كما إذا سئل عن الماء الخارجي بما هو فانه لا يفيد السائل


- تدل الا على ان المراد من الصلوة ليس هي الطبيعة السارية إلى كل فرد بل خصوص حصة منها سواء كانت تلك الحصة موجودة في الخارج ام معدومة ممكنة كانت أو ممتنعة ومن هنا يكون استعمال الحروف في الممكن والواجب والممتنع على نسق واحد وبلا عناية في شيئ منها فنقول ثبوت القيام لزيد ممكن وثبوت العلم لله تعالى ضروري وثبوت الجهل له تعالى مستحيل فكلمة اللام في جميع ذلك يوجب تخصص مدخوله فيحكم عليه بالامكان مرة وبالضرورة اخرى وبالاستحالة ثالثة فما يستعمل فيه الحرف ليس الا تضييق المعنى الاسمى من دون لحاظ نسبة خارجية حتى في الموارد الممكنة فضلا عما يستحيل فيه تحقق نسبته كما في الممتنعات وفى اوصاف الواجب تعالى ونحوهما وبذلك يظهران ايجاد الحروف لمعانيها انما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الاثبات والدلالة والا لكان المفهوم متصفا بالاطلاق والسعة لو كان المتكلم في مقام البيان واما باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلق القصد بافادة المعنى الضيق انما هو الحرف وما يحذو حذوه لكن المعنى مع ذلك غير اخطاري لعدم استقلاله ثم لا يخفى ان المعاني الحرفية كثيرا ما يكون اللحاظ الاستقلالي والقصد الاولى متعلقين باغادتها ويكون ذكر الاسم مقدمة لافادة تلك الخصوصية والتحصص فنقول في جواب عن سئلت عن كيفية ركوب زيد مع العلم باصل تحققه انه ركب على الدابة أو مع الامير ونحو ذلك نما هو المشهور من ان المعاني الحرفية ملحوظات آليات لا اصل له نعم نفس المفهوم الحرفى غير متسقل في ذاته كما عرفت هذا ملخص ما اخترناه في المعنى الحرفى وتوضيحا يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المختصر (*)

[ 20 ]

اتيان ماء اخر في الخارج (بل لابد) من الجواب بانه ماء فالمفهوم لا يغنى عن الحقيقة (وكذلك) العكس وفيما نحن فيه ايضا قد نحتاج إلى حقيقة الربط بين كلمتين فلا يفيد قولنا زيد الربط الدار وكذلك قد نحتاج إلى مفهوم الربط كقولنا الربط متقوم بطرفين فلا يفيد قولنا من متقومة بطرفين ولاجل غاية البينونة بينهما لا يصح استعمال احدهما في موضع الاخر ويكون المستعمل خارجا عن طريق المحاورة وحاصل الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية مبتن على اركان اربعة. (الركن الاول) ان المعاني الحرفية بأجمعها ايجادية (1) والا لكانت اخطارية فتكون هناك معان متعددة اخطارية كمفهوم زيد ودار ومفهوم النسبة الظرفية لا حقيقتها فما الرابط لهذه المفاهيم غير المربوط بعضها ببعض ولا فرق في هذا المعنى بين الهيئات الاخبارية والانشائية فان الربط الكلامي في كليهما وجد بالهيئة (غاية الامر) ان المادة في الانشاء (مع كونها) اخطارية بحيث لا يفرق بين انحاء استعمالاته (لها) نحو ايجاد (ايضا) كما يظهر لك في الركن الثالث ان شاء الله تعالى (الركن الثاني) ان لازم كون المعاني الحرفية ايجادية ان لا واقع لها بما هي معان حرفية في غير التراكيب الكلامية (2) بخلاف المفاهيم الاسمية فانها مفاهيم متقررة في عالم مفهوميتها سواء استعمل اللفظ فيه ام لا (نعم) المفاهيم الامتناعية لها تقرر في مرحلة انتزاع العقل لافى مرحلة المفهومية فانه كما يمتنع حقيقة اجتماع النقيضين كذلك يمتنع حضور مفهومه في الذهن ايضا (بداهة) عدم امكان تصور الوجود والعدم في ان واحد بل ينتزع العقل مفهوم الاجتماع من اجتماع زيد وعمر ومثلا ثم يتصور كلامن الوجود والعدم ويضيف مفهوم الاجتماع اليهما (وكذلك) الكلام في مفهوم شريك الباري كما عن الشيخ الرئيس من انه كما يمتنع الممتنعات بحسب الوجود الخارجي كذلك بحسب الوجود الذهنى ايضا.


1 - لا مقابلة بين الايجادية والاخطارية حتى يكون نفى الثانيه مستلزما لاثبات الاولى 2 - قد ظهر ما فيه ما بيناه في تحقيق المعنى الحرفى (*)

[ 21 ]

(الركن الثالث) قد عرفت عدم الفرق بين الهيئات في الاخبار والانشاء في ان معانيها ايجادية (فمنه ظهر) ان الفرق بينها ليس بحسب الوضع (1) (بداهة) عدم وضع لفظ بالخصوص لافادتها بل هما من المدلولات السياقية التى يدل عليها سياق كلام المتكلم (واما) من حيث المادة فهى في كليبما مفهوم اخطاري بمعنى ان لفظ البيع مثلا متى اطلق يفهم منه ذاك المعنى المجرد العقلاني الصادق على كثيرين (غاية الامر) ان في الانشاء يكون دخول الهيئة عليها موجدا لها في ضمن فرده لان الكلى عين الفرد (والفرق) بين هذا النحو من الايجاد والايجاد في الحروف (هو ان) الحروف موجدة لمعان غير استقلالية ربطية بين مفهومين في مقام الاستعمال ولا واقع لبا غير هذا المقام (كما عرفت) بخلاف البيع فان ايجاده بمعونة الهيئة ليس في عالم الاستعمال بل بتوسط الاستعمال يوجد المعنى في نفس الامر في الافق المناسب لوجوده وهو عالم الاعتبار فكم فرق بين ايجاد معنى ربطي في الكلام بما هو كلام وبين ايجاد معنى استقلالي في موطنه المناسب له. (الركن الرابع) ان المعنى الحرفى حاله حال الالفاظ حين استعمالاتها فكما ان المستعمل حين الاستعمال لا يرى الا المعنى وغير ملتفت إلى الالفاظ نظير القطع للقاطع فانها هي المرأة دون المرئى فالملتفت إليه هو الواقع دونها (كذلك) المعنى الحرفى غير متلفت إليه حال الاستعمال (2) بل الملتفت إليه هي المعاني الاسمية الاستقلالية. توضيح ذلك انك (تارة) تخبر عن نفس السير الخاص فتقول سرت من البصرة فالنسبة الابتدائية في هذا المقام مغفول عنها (وأخرى) عن نفس النسبة فتقول النسبة الابتدائية كذا فهى الملتفت إليها (وهذا) الركن هو الركن الوطيد وبانهدامه ينهدم الاركان كلها فان المعاني الحرفية لو كان ملتفتا إليها لكانت اخطارية ولكان لها واقعية سوى التراكيب الكلامية (وبهذا) يفرق بين المعاني النسبية ومواد العقود فانها ملتفت إليها وان كانت النسبة انشائية كسائر النسب الكلامية لا مغفولا عنها (ومنه)


(1) - بل الفرق بينهما من ناحية الوضع كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى (2) - قد ظهر ما في ذلك فلا نعيد (*)

[ 22 ]

ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكل امر غير ملتفت إليه بالمعاني الحرفيه والا فمن حيث الالفاظ فالجميع كذلك. تنبيه لا يخفى ان التعاريف المذكورة في كلمات القوم لم نجد فيها ما يشتمل على الاركان الاربعة التى ذكرناها الا التعريف المذكور في الرواية التى نسبت إلى مولى الكونين امير المؤمنين عليه الصلوة والسلام وهو ان الحرف ما اوجد معنى في غيره فانه من حيث اشتماله على الايجاد وعلى ان الموجد معنى قائم في غيره لافى نفسه قد جمع الاركان كلها واما تبديل بعضهم لكلمة اوجد بكلمه دل فهو خطأ نشأ من توهم كون المعاني الحرفية اخطارية. ثم ان الرواية نقلت بوجهين (احدهما) ما ذكرنا (والثانى) ان الحرف ما انبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ولا يبعد ان يكون هذا التعريف اشتباها من الراوى فان اصل الرواية ليست من طرقنا بل من العامة وانما اخذها الخاصة منهم (مضافا) إلى ان علو المضمون من جملة المرجحات المذكورة في بابها ولاريب في علو مضمون الرواية الاولى ودقته بحيث لم يلتفت إليه الا المحققون من المتأخرين. تذييل وكشف قناع الروية مشتملة على اجزاء ثلاثة تعريف الاسم والفعل والحرف (اما تعريف الاسم) وهو قوله عليه السلام الاسم ما انبأ عن المسمى فقد (ظهر) من مطاوى ما ذكرنا من ان المعاني الاسمية بجواهرها واعراضها معان اخطارية فالاسم هو الذى يوجب خطور معناه في ذهن السامع (واما تعريف الحرف) (فقد بيناه) انفا (انما الاشكال) في الفعل من جهتين (الاولى) في اصل جعل الفعل من اقسام الكلمة مع انه ليس الامر كبا من الاسم وهو جزئه المادى والحرف وهو جزئه الصوري كما ان جملة من الاسماء مشتملة على المعاني الحرفية كأسماء الاشارة والموصولات واسماء الافعال والفرق بوحدة الوضع وتعدده بحسب المادة والهيئة غير مجد في الجهة المذكورة مع ان الوضع متعدد في المشتقات الاسميه ايضا فما هو الفارق بينها

[ 23 ]

وبين الافعال (الثانية) في اخذ الحركة في التعريف وانها باى معنى اخذت فانها ظاهرة في المعنى المقابل للسكون (وعليه) يخرج غالب الافعال عن التعريف. اما الكلام من الجهة الاولى فتحقيقه ان الحروف وضعت بازاء نسب خاصة كلامية ولذا لا تقع محكوما عليها ولا محكوما بها بخلاف الاسماء فانها من جهة استقلالها بالمفهومية قابلة لكليهما والفعل واسطة بينهما بشهادة انه لا يقع مسندا إليه بل يقع مسندا دائما فهو متوسط حقيقة بين الاسم والحرف لا محالة. وتوضيح ذلك يتوقف على بيان (مقدمة) وهى ان مادة المشتقات ليست بمصادر ولا اسمائها (بداهة) ان كلا منهما اخذت فيه خصوصية خاصة وهى ملاحظة العرض بما هو عرض في المصادر وبما هو شيئ من الاشياء في اسمائها وكل من الخصوصيتين بالاضافة إلى الاخرى والى بقية الخصوصيات المأخوذة في باقى المشتقات مباينة فلا يعقل ان يكون بعضها مادة لبعض آخر بل الموادهى المأخوذة لا بشرط من جميع الخصوصيات كما في الهيولى المبهمة بالاضافة إلى صورها فالمادة في حد ذاتها غير متحصلة بتحصل بل يعرضها التحصل من اضافة الهيئات إليها (فتارة) تلحظ عند عروض الهيئة لها بما هي شيئ فتسمى باسم المصدر ويخبر عنه وبه فيكون مفهوما استقلاليا (واخرى) مع خصوصية كونها عرضا فيكون مصدرا (وثالثة) بما هي متحدة مع الذات فيكون مشتقا اسمايا بانحاء الاشتقاق وفى كل ذلك قابل لان يكون طرفا للنسبة بالحكم عليه أو به (ورابعة) بما هي متحصلة من جهة الاسناد فقط وبهذه الملاحظة تكون مادة الافعال فهى بالدقة تكون في التحصل واسطة بين الحروف والاسماء فان المعاني الحر فية من جهة عدم استقلالها غير قابلة للتحصل في نفسها والاسماء قابلة له مطلقا واما الافعال فهى قابلة له من جهة الاسناد فقط فالحروف لا تقبل التحصل اصلا والاسماء قابلة (مطلقا) والافعال من جهة الاسناد فقط. وأما الكلام من الجهة الثانية فتحقيقه (1) ان المراد من الحركة هو الخروج من


1 - ما ذكره قدس الله سره في تحقيق خروج مادة الافعال من قابلية الاستقلال إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها وان كان معنى دقيقا الا انه لا يمكن ان يكون هو المراد من الرواية فان مدلول الرواية هو ان الفعل ينبئ عن حركة المسمى ومن الواضح ان الحركة بالمعنى المزبور هو ما به قوام الفعل وتحققه لا انها مدلوله ولا بدلنا في هذا المقام من توضيح مفاد - (*)

[ 24 ]

العدم إلى الفعلية (وبيانه) ان الاسماء كما ان معانيها معان اخطارية (كذلك) هي بنفسها الفاظ استقلاليه (والحروف) وان لم تكن معانيها مستقلة في حد ذاتها ولا قابلة لعروض الاستقلال لها (الا انها) في غير الهيئات كلمات استقلالية والافعال هيثاتها من جملة الحروف كما بينا واما بحسب المادة فهى كما عرفت لا تحصل له في حد ذاته لا لفظا ولا معنى الا انها قابلة للتحصل بعروض الهيئة عليها فهى من جهة كونها في حد ذاتها غير مستقلة تشبه بالحرف بل هي اردء من الحرف لان الحرف مستقل من جهة اللفظ دونها واما من جهة كونها قابلة للتحصل ولو بعروض الهيئة النسبية عليها بالاسم (غاية الامر) ان الاسماء مستقلات في حد انفسها سواء كانت في ضمن التراكيب الكلامية ام لا


- الهيئات على الاطلاق حتى يتضح مداليل الافعال خبريه وانشائية فنقول قد عرفت ان الحروف انما وضعت لافادة التضييق في المعاني الاسمية من دون ان يكون شيئ منها دالا على النسبة الخارجية ومن هذا القبيل هيئات المشتقات والاضافة والتوصيف وما يلحق به فانه لا يستفاد منها الا التضييق في عالم المفاهيم مع قطع النظر عن الامكان وعدمه فضلا عن الوقوع الخارجي واما هيئة الجملة الاسمية فهى غير موضوعة للنسبة الخارجية كما هو المعروف لعدم وجود النسبة في كثير من الجمل الاسمية كما في قولنا الانسان ممكن أو موجود وشريك الباري ممتنع ونحو ذلك ودعوى اعمال العناية في جميع ذلك خلاف الوجدان هذا مع ان فائدة الوضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى ومن الواضح ان الجملة الخبرية بما هي كذلك لا كاشفية لها عن تحقق النسبة في الخارج ولو ظنا فما معنى كون الهيئة موضوعا لها نعم ان الجملة الاسمية توجب الانتقال إلى ثبوت المحمول للموضوع بنحو التصور لكنه لا يستفاد من الهيئة فان الجملة تصديقية لا تصورية ودعوى ان الهيئات موضوعة للنسب الكلامية كالحروف قد عرفت ما فيها فالصحيح ان مدلول الهيئة في الجمل الاسميه انما هو ابراز قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه فهو مصداق للمبرز خارجا بالجعل والمواضعة بيان ذلك ان اللفظ بما انه فعل اختياري صادر من المتكلم فلا بدوان يكون صدوره عنه بداع من الدواعى ووضع اللفظ للمعنى الذى هو عبارة عن التعهد والالتزام بانه متى قصد تفيهم معنى يجعل مبرزه لفظا مخصوصا يوجب دلالة اللفظ على كون الداعي إلى ايجاده هو قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع مثلا فتكون الجملة بنفسها مصداقا للحكاية كما إذا قصد الاخبار عن قيام زيد بتحريك الراس ونحوه والكلام بما انه دال على معناه لا يتصف بالصدق والكذب فان دلالته على قصد - (*)

[ 25 ]

والافعال لا تكون مستقلة الا بعروض الهيئة النسبية الموضوعة بوضع على حدة (وبهذا) تفترق عن المشتقات فان هيئاتها وان كانت موضوعة بوضع آخر الا ان تلك الهيئات تفيد معاني اسمية غير نسبية فالهيئة مع المادة لا تفيد الا معنى واحدا بسيطا مجردا في عالم العقل فيصح ان يقال ان الافعال تخطر معاني مستقلة بلحاظ حركتها وخروجها عن قابلية الاستقلال إلى الفعلية من جهة عروض الهيئة عليها بخلاف الاسماء التى اشرب فيها معاني الحروف كاسماء الاشارة واسماء الافعال لانها غير مشتملة على مادة وهيئة موضوعتين بوضعين حتى تخرج المادة إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها (واما) المشتقات (فقد عرفت) حالها (وهذا) الذى ذكرناه هو الصحيح (لا ما يقال) من ان الحركة وان كانت بمعنى الخروج من القوة الا ان المراد منها فيما نحن فيه هو الخروج من قوة الوجود إلى الفعلية (فالافعال) تنبئى عن خروج المادة من العدم إلى الوجود فان لازمه ان يكون المراد من


- الحكاية لاننفك عنه ابدا إذا لم تكن قرينة على خلافه حتى ان المتكلم لو لم يكن قاصدا للحكاية في الواقع لكان تكلمه بلا قرينة على خلاف تعهده والتزامه والدلالة موجودة لا محالة اما قطعا واما من جهة الظهور النوعى بل الاتصاف بالصدق والكذب انما هو من ناحية المدلول فان الحكاية والاخبار عن الثبوت أو النفى ان طابق الواقع ونفس الامر فهى صادقة والا فكاذبة واتصاف الكلام بهما انما هو بتبع المدلول وعلى كل من تقديري الصدق والكذب يكون دلالة اللفظ على معناه وهو كون الداعي إلى ايجاده هو قصد الحكاية على نسق واحد فهيئة الجملة الاسمية موجودة للحكاية حقيقة فان الفعل الصادر بداعي الحكاية يكون مصداقا لها لا محالة كما انه لو وقع بداع آخر من الارشاد والسخرية وغيرهما لكان مصداقا له واما الافعال فهيئة الفعل الماضي تدل على قصد الحكاية عن تحقق المبدء سابقا على التكلم كما ان هيئة الفعل المضارع تدل على تلبس الذات بالمبدء في حال التكلم أو بعده ولذا لو استند الفعل الماضي أو المضارع إلى الزمانيات لدل على تحقق الفعل في الزمان الماضي أو في خصوص الحال أو للاستقبال والا فالهينة بما هي كذلك لا تدل على الزمان اصلا على ما سنبين ذلك في محله انشاء الله تعالى و اما الانشائيات فالتحقيق فيها ان حقيقة الانشاء ليست عبارة عن ايجاد معنى كالطلب وغيره باللفظ كما هو المعروف فان الوجودات الحقيقية للمعانى لا يمكن ايجادها الا باسبابها الخارجية واللفظ ليس منها بالضرروة واما الوجودات الاعتبارية فاعتبار نفس المتكلم قائم بنفسه ولا دخل لوجود اللفظ في تحققه اصلا وهو ظاهر - (*)

[ 26 ]

المسمى في تعريف الاسم هو المعنى الاخطاري وفى تعريف الفعل هو المعنى الحدثى القابل للخروج من العدم إلى الوجود والسياق ينافى ذلك (ولكن) ما ذكرنا من التحقيق ايضا (مبنى) على ان يكون ذلك المعنى للحركة معنى عرفيا كما هو ليس ببعيد بل يمكن ان يكون اطلاق الحركة على ما يقابل السكون من جهة كونها احد مصاديق المفهوم العام ولذا يطلق على الامور غير القابلة للحركة الاينية ايضا كالغضب وامثاله واما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلمات القوم على وجوه ثلاثة (الاول) كون كل من الوضع والموضوع له والمستعمل فيه عاما (الثاني) كون الوضع عاما مع كون كل من الموضوع له والمستعمل فيه خاصا (الثالث) كون المستعمل فيه فقط خاصا (اما القول الاول) فقد اختاره المحقق صاحب الحاشية تبعا للمحقق الرضى قدس سرهما ووجدناه في بعض تقريرات استاذ الاساتيذ الانصاري (قده) ولم يعرف المقرر بشخصه (واما القول الثاني) للمحقق الشريف وتبعه صاحب الفصول وجماعة (واما القول الثالث) فقد رفضه المحققون فان وقع اللفظ لمعنى يستحيل استعمال اللفظ فيه ولا بد من استعماله


- واما الاعتبارات العقلائية فالانشائات وان كانت موضوعات لتلك الاعتبارات الا ان تلك الاعتبارات مترتبة على قصد المعاني بها والكلام فعلا في بيان ذلك وانه كيف يوجد باللفظ بل (الصحيح) ان الانشاء حقيقة هو ابراز امر نفساني باللفظ غير قصد الحكاية فالمتكلم بمقتضى تعهده والتزامه يكون اللفظ الصادر منه مبرزا لاعتبار من الاعتبارات القائمة بنفسه وانه هو الداعي لا يجاده فكما ان في الجملة الخبرية كان اللفظ دالا بالدلالة الوضعية على قصد الحكاية وكان مبرزا له عن الخارج فكذلك الجملة الانشائية تكون دالة على اعتبار خاص ويكون مبرزا فهيئة افعل بمقتضى التعهد المزبور تكون مبرزة لاعتبار الوجوب وكون المادة على عهدة المخاطب فالاخبار والانشاء يشتركان في تحقق الابراز بهما والفرق بينهما هو ان المبرز في الاخبار حيث انه عبارة عن قصد الحكاية وهو متصف بالصدق أو الكذب فالجملة تتصف باحدهما ايضا لا محالة بالتبع وهذا بخلاف المبرز في الانشاء فانه اعتبار خاص لا تعلق له بوقوع شيئ ولا بعدمه فلا معنى للاتصاف بالكذب والصدق من ناحية المدلول وقد عرفت ان الدلالة بما هي كذلك لا تتصف بشيئ منهما مطلقا كانت الجملة خبرية أو انشائية ويترتب على ما ذكرناه - (*)

[ 27 ]

ابدا في معنى آخر غير معقول وحديث اشتراط الواضع قد عرفت ما فيه (فالمهم في المقام (بيان) الوجهين الاولين فنقول ليس المراد من الكلية والجزئية في المقام ما هو المتبادر منها في المفاهيم الاسمية من قابلية الصدق على الكثيرين وعدمها كما توهمه المحقق صاحب الكفاية (قده) فاورد على القائلين بكون الموضوع له خاصا بأن ما يستعمل فيه الحروف غالبا لا يكون خاصا كما في مثل سر من البصرة إلى الكوفة فان ما يستعمل فيه الحروف كما عرفت في المقام الاول ليس الا النسب الرابطة في الكلام بحيث إذا اعيد الكلام مرة ثانية تكون النسبة مغايرة للاولى وهذه النسبة يستحيل صدقها على الخارج حتى تتصف بالكلية والجزئية باعتبار الصدق وعدمه. وبعبارة واضحة المفهوم الاسمى والحرفي متعاكسان فان المفهوم الاسمى له خارج يطابقه ولو فرضا فاما ان يكون الوضع لنفس المفهوم أو لمصاديقه بخلاف المفهوم الحرفى فانه متقوم بطرفي الكلام ويستحيل صدقه على موطن آخر غير موطنه الكلامي بل هو من جملة ما ينطبق عليه المفهوم الاسمى كمفهوم النسبة الصادق على النسبة الخارجية والكلامية فالمفاهيم الاسمية مفاهيم منطبقة والمفاهيم الحرفية مما ينطبق غيرها عليها لا


- في بيان الفرق بين الانشاء والاخبار ان الاختلاف بينهما من ناحية الوضع فما هو المعروف من كون المستعمل فيه فيهما واحدا وانما يفترقان من ناحية الدواعى للاستعمال لا يمكن المساعدة عليه مع انه لو كان الامر كذلك لصح استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب كالجملة الفعلية مع انه لا يصح قطعا فيكشف ذلك عن خصوصية خاصة في الافعال دون غيرها إذا عرفت ذلك فنقول ان مادة الافعال في حد ذاتها بما انها لا بشرط ولم يؤخذ فيها التحقق ولا عدمه ولا كونه متعلقا لاعتبار من الاعتبارات ولا عدمه لكنها في نفسها قابلة لفروض شيئ منها عليها والمنبئ عن خروج هذه القابلية إلى الفعلية وكون المادة متعلقة للحكاية عن تحققها في الخارج أو عن عدم تحققها فيه أو متعلقة لاعتبار من الاعتبارات هي هيئات الافعال فهيئة الفعل الماضي مثلا تدل على ان مادة الفعل قد تعلق بها قصد الحكاية عن تحققها في الخارج فهى منبئة عن حركة المسمى لا محاله وهذا المعنى وان كان مشتركا فيه بين الافعال والجمل الاسمية الا ان الجمل الاسمية خارجة عن المقسم في الرواية فانها مركبة من كلمتين فصاعدا والكلام انما هو في تقسيم الكلمة وعليك بالتدبر في اطراف ما ذكرناه لعلك تنتنفع به انشاء الله تعالى (*)

[ 28 ]

هي على غيرها بل المراد من الكلية والجزئية في المعاني الحرفية هو ان ما يتقوم به النسبة الكلامية وهى اطراف الكلام كما انها خارجة عن حريم المعنى الحرفى فهل التقيدات ايضا خارجة حتى يكون الموضوع له واحدا وكليا ام هي داخلة في الموضوع له حتى يكون المعنى متعددا والموضوع له خاصا (وبعبارة اخرى) المفاهيم الحرفية كما عرفت لا محالة معان غير استقلالية بل ايجادية فلا بد في مقام الوضع لها من تصور مفاهيم اسمية عامة كمفهوم النسبة الابتدائية فيكون الوضع لا محالة عاما (ثم ان) الموضوع له (اما ان) يكون تلك المفاهيم الربطية الكلامية بخصوصياتها فيكون الموضوع له خاصا (اولا فيكون عاما وهذا معنى كلام الفصول حيث قال ويحتمل خروج القيد والتقيد (ثم ان) اطلاق الجزئي الا ضافى على المفاهيم الحرفية بلحاظ انها بالاضافة إلى المفهوم الاسمى جزئية واما بالاضافة إلى موارد استعمالاتها فلا محالة تكون كلية (ولكنه) مع ذلك ايضا مما لا محصل له فان المعنى الحرفى كما عرفت ليس بصدقي بل يوجد في مورد الاستعمال بنفس الاستعمال وان كان التقيد خارجا ايضا إذا عرفت ذلك (فالحق) ان الموضوع له فيها كالوضع عام (1) فكما ان المفاهيم العرضية لا تحتاج في مقام ماهياتها إلى موضوع بل في مقام وجودها (فكذلك) المفاهيم الحرفية لا تحتاج في مقام مفهوميتها إلى خصوصية الطرفين بل في مقام استعمالاتها فالموضوع له فيها هو المعنى الواحد بالهوية المشتركة بين جميع موارد الاستعمالات والخصوصية انما نشأت من ناحيتها. وتوضيح ذلك ان المفاهيم الحرفية كما عرفت قائمة بالمفاهيم الاسمية نظير قيام الاعراض بموضوعاتها (فكما) ان الخارجيات لها جواهر واعراض (فكذلك) المفاهيم فالمفاهيم الاسمية بانواعها معان استقلالية جوهرية والمعان الحرفية معان عرضية قائمة


1 - معاني الحروف على ما عرفت ليست الا تقييدات للمعانى الاسمية وتضييقات في ناحيتها وخصوصيات الاطراف وان كانت خارجة عن مداليلها وبهذه الملاحظة يكون الموضوع له كالوضع عاما الا ان واقع التضيق الذى هو المعنى الحرفى حيث انه في كل مورد مغاير للتضيق في مورد آخر فلا مناص في مقام الوضع من تصور مفهوم اسمى كمفهوم التضيق بلحاظ ظرف الشئ مثلا فيوضع اللفظ بازاء واقعه ومن هذه الجهة لابد من كون الموضوع له خاصا وهو ظاهر (*)

[ 29 ]

(بها فكما) ان الاعراض في مقام تحصلها وقوامها لا تحتاج إلى موضوع وان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لبساطتها فهى في كل مرتبة بسيطة (فكذلك) المفاهيم الحرفية ايضا بسائط في مقام مفهوميتها ويحتاج في مقام وجوده في عالم الاستعمال إلى مفاهيم اسمية حتى تتحقق بها ففرق بين التحصل والتحقق (فما يقال) في ان المفاهيم الحرفية حيث انها معان عرضية والعرض لا يتقوم الا بموضوع فلا بد وان تكون الخصوصيات داخلة في حقيقته (قد ظهر جوابه من ان قوام العرض بموضوعه في الوجود لا في التحصل وفى مقام الماهية (واما الاستدلال) على جزئية المعاني الحرفية بأنها ايجادية والشيئ ما لم يتشخص لم يوجد (2) (فهو مبتن) على عدم وجود الكلى الطبيعي في الخارج اصلا وان الموجود في الخارج هي الاشخاص أو على ان الكلى وان كان موجودا الا انه لابد وان يتشخص في رتبة سابقة على الوجود حتى يوجد في الخارج فان بناء عليهما حيث ان المعاني الحرفية ايجادية والايجاد يستحيل تعلقه بالكلى فيستحيل ان يكون الكلى موضوعا له (واما إذا) قلنا بان الكلى موجود في الخارج والتشخص مساوق الوجود في مرتبته كما هو التحقيق لان متعلق الوجود والتشخص شيئ واحد فعليه يكون الموضوع له نفس الكلى وان كان عين وجوده متشخصا بخصوصيات الطرفين الا ان تلك الخصوصيات في لوازم الوجود لا الماهية (ومن الغريب) ان المحقق الرشتى (قده) بنى في مسألة وجود الكلى الطبيعي على ما بنينا عليه ومع ذلك غفل في مسألة الحروف عن ذلك وقال ان ايجادية المعاني الحرفية تستدعى جزئية معانيها فان الشيئ ما لم يتشخص لم يوجد. بقى هناك امور (الاول) في بيان ان استعمال الالفاظ في المعاني المجازية تابع للوضع النوعى ام لا (فنقول) حقيقة الوضع كما عرفت سابقا ليس الا جعل اللفظ بالجعل المتوسط بين التكويني والتشريعي وجودا بالقوة للمعنى (ثم) انه (كما) ينقسم باعتبار الموضوع له إلى كلى وشخصي (فكذلك) ينقسم باعتبار اللفظ إلى كلى وشخصي


2 - قد عرفت معنى الايجاديه في المعاني الحرفيه وانه لا تنافي بينه وبين انباء الحروف عن تضييق المفاهيم الاسميه في عالم مفهوميتها وعليه فلا وجه لدعوى جزئية المعاني الحرفية ببرهان ان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد ولا للجواب عنها بان التشخص من ناحية الوجود والا فنفس الكلى الطبيعي موجود في الخارج (*)

[ 30 ]

فان الموضوع تارة يكون لفظا مستقلا بنفسه فيكون الوضع شخصيا (واخرى) لا يكون كذلك بل امرا لا تحصل له في حد ذاته كمواد المشتقات وهيئاتها على ما عرفت مفصلا فيكون الوضع نوعيا فالمشتقات وضعها عام من جهة الموضوع والموضوع له في المادة والهيئة (ثم) ان الاستعمال ليس الا ايجاد المعنى البسيط العقلاني في الخارج كما اشرنا إليه سابقا فكأنه القاء للمعنى في الخارج واللفظ غير ملتفت إليه الا تبعا نظير الوجوب المقدمى فهذا الالقاء (تارة) يستند إلى الجعل والمواضعة كما في الاستعمالات الحقيقية (واخرى) إلى حسنه بالطبع لاجل غاية المناسبة بين المستعمل فيه والمعنى الحقيقي بحيث يوجب صحة تنزيل احدهما منزلة الاخر في استعمال اللفظ فيه أو جعله فردا ادعائيا له كما ادعاه السكاكى وعلى كل تقدير فبعد وجود المناسبة المذكورة لا يحتاج إلى ترخيص من احد اصلا فالقول بان الاستعمالات المجازية تابعة للترخيص النوعى مما لا محصل له (ثم) ان استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله من هذا القبيل ايضا (1) بمعنى ان حسنه بالطبع والوجدان وحقيقة الاستعمال في الجميع على نحو واحد فان المتكلم يلتفت إلى طبيعة لفظ زيد اولا ثم حين الاستعمال يكون اللفظ الذى هو من افرادها حقيقة مغفولا عنه بحيث لا يرى الانفس الطبيعة ولا يلقى في الخارج الا اياها كالاستعمال في المعاني عينا (غاية) الامر ان المفنى فيه في الاستعمال الحقيقي أو المجازى امور متغايرة لطبيعة الالفاظ وفيما نحن فيه من سنخها وحقيقة الاستعمال في الجميع واحدة والفرق ان مصحح الفناء في الاستعمال الحقيقي جعل الواضع وفى الاستعمال المجازى شدة مناسبة المعنى المجازى مع الحقيقي وفيما نحن فيه كون اللفظ الملقى بنفسه متحدا مع المفنى


1 - قد عرفت سابقا ان الحروف وضعت لتضييق المفاهيم الاسمية فان كان المفهوم لا يمكن احضاره في ذهن المخاطب الا باللفظ فيكون احضار ذات المعنى بالاسم وافادة تضييقه بحرف من الحروف واما إذا امكن احضاره بنفسه من دون دال آخر فلا يحتاج إلى الاستعمال اصلا غاية الامر انه في فرض تعلق القصد بافادة المعنى المضيق يكون الدال على التضييق هو الحرف ايضا فإذا قلت زيد في ضرب زيد فاعل فقد اوجدت طبيعي لفظ زيد في الخارج بناء على وجود الكلى الطبيعي بوجود فرده واحضرته في ذهن المخاطب بنفسه غاية الامر ان قصد اليتكلم تعلق بافادة حصة خاصه من ذلك الطبيعي وقد جعل الدال عليه هو الحرف وعليه لا يبقى لدعوى استعمال اللفظ في النوع أو المثل أو الصنف مبطل اصلا (*)

[ 31 ]

فيه خارجا والارتباط بينهما اشد من الارتباط الجعلى (ومما ذكرنا) تعرف امتناع الاستعمال في شخص نفسه فانه لا اثنينية (ح) حتى يمكن فناء شيئ في شيئ (واما ما ذكره صاحب الفصول) في مقام الامتناع من اتحاد الدال والمدلول من دون تأويل في البين أو تركب القضية من جزئين (فلا وجه له) فان التأويل أو اتحاد الدال والمدلول فرع امكان الاستعمال وهو منتف فيما نحن فيه رأسا (ومع قطمع النظر عما ذكرنا) نمنع تركب القضية من جزئين بل هي مركبة من اجزاء ثلثة غاية الامر ان موضوع القضية هو نفس الموضوع الواقعي (وبالجملة) صحة الاستعمال في مواردها تارة تكون معلولة (للاتحاد الجعلى) الناشئ من الوضع أو من المناسبة بين المستعمل فيه والموضوع له (أو للاتحاد الذاتي) والاخير اقوى من الاولين ووجهه واضح فلا يحتاج إلى جعل وتعيين (مضافا) إلى ان صحة الاستعمال كذلك موجودة في المهملات ايضا وكونها مجعولة وموضوعة ينافى كونها مهملة. الامر الثاني في ان الدلالة تابعة للارادة ام لا (1) (ولبيان موضع النزاع (لابد) من ان يقال ان الدلالة اما تصورية واما تصديقية (اما الاولى) فهى عبارة عن نفس خطور المعنى في الذهن عند تصور اللفظ وهذه مما لا شبهة في عدم كونها تابعة للارادة بل الارادة تابعة للدلالة أي كون اللفظ بحيث إذا سمع ينتقل منه إلى المعنى (واما الثانية فهى عبارة عن الدلالة على كون معاني الالفاظ مما تعلقت بها الارادة الجدية (وكلام العلمين (قدس سرهما) في التبعية (ناظر) إلى المقام الثاني فيخرج بذلك الاستعمال الكنائى من الدلالات


4 - مقتضى ما اخترناه في معنى الوضع هو ان يكون طرف الالتزام هو قصد تفهيم المعنى باللفظ اذلا معنى للالتزام بكون اللفظ دالا على معناه ولو صدر من لافظ من غير شمور واختيار فانه غير اختياري فلا يسقل ان يكون طرفا للالتزام والتعهد وعليه فلا مناص من اللالتزام بكون الدلالة الوضعية مختصة بصورة قصد التفهيم وارادة المعنى من اللفظ سواه كانت الارادة جدية ام استعمالية واما يرى من الانتقال إلى المعنى عند سماع اللفظ ولو كان اللافظ بلا شعور واختيار فهو من جهة الانس الحاصل من الاستعمال كثيرا لا من جهة العلقة الوضعية ومن ثم يتحقق هذا الانتقال حتى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة الوضعية بما ذكرناه هذا مع ان فائدة الوضع هو التفهيم فلا موجب لجعل العلقة الوضعية على الاطلاق وكلام العلمين في بحث الدلالات الثلث صريح فيما ذكرناه فراجع (*)

[ 32 ]

الوضعية فانها تابعة لان تكون المعاني مرادة جدية وليس الامر في الكناية كذلك (و اما لو قلنا) بعدم التبعية (فلا فرق) بين الاستعمال الكنائى وغيره في كون الدلالة اللفظية على المعاني وضعية (غاية الامران) الارادة الجدية أي الغرض من استعمال اللفظ في المعنى (في احدهما) متعلقة بالمعاني الموضوع لها الالفاظ (وفى الاخر) متعلقة بلوازمها (فتدبر) حتى لا تتوهم ان مرادهما تبعية الدلالة التصورية للارادة التى لايتفوه بها عاقل فضلا عن مثلهما الامر الثالث في ان للمركبات وضعا ام لا (والمراد من وضع المركبات (هو) وضع الهيئات التركيبية الاسمية في الكلام العربي (1) كزيد قائم فانه وقع النزاع في ان الموضوع للربط الكلامي (هل هو الاعراب) كما ذهب إليه بعض واورد عليه بان الاعراب مشترك بين هذا النحو من التركيب وبقية التراكيب أو انه هو الضمير المقدر) أي لفظة هو كما اختاره جماعة من اهل الميزان (واورد عليه) بانه موضوع لمفهوم استقلالي اسمى فلا يكون مفيدا للمعنى الحرفى أو انه الهيئة التركيبية كما هو المختار للمحققين " واما الجمل الاخر " كضرب زيد أو كان زيد قائما " فالمفيد " للريط فيها هي هيئة الفعل بانواعها وقد يكون الدال على الربط احد الافعال الناقصة كلفظ كان مثلا ولو كان للهيئة التركيبية في الجمل الفعلية وضع عليحدة " لزم " افادة المعنى الواحد مرتين وهو غير معقول (واما ما يتوهم) من ان المراد من وضع المركبات وضع المركب بما هو مركب (فغير صحيح ولا يمكن ان ينسب إلى احد من العقلاء فضلا عن العلماء (ومنه ظهر) انه لا معنى لكون المجاز في المركب بما هو مركب إذا المجازية فرع وجود الموضوع له وهو في المركب غير موجود (نعم) يجوز التشبيه فيه (اما) من حيث تشبيه المجموع بالمجموع أو من حيث تشبيه كل من اجزاء احدهما بما يقابله من اجزاء الاخر كما في قوله تعالى (مثلهم كمثل الذى استوقد نارا) إلى (آخر الاية) (واما توهم) ان الاية المباركه وما ماثلها من الايات من قبيل المجاز في المركب (كتوهم) ذلك في قولهم اراك تقدم رجلا


1 - لا يختص وضع الهيئة التركيبية بخصوص هيئة الجملة الاسمية بل الخصوصيات المستفادة من الكلام الزائدة على ما يستفاد من هيئة الفعل كصدور الفعل من عيسى في قولك اعان عيسى موسى أو الحصر المستفاد من قوله تعالى اياك نعبد إلى غير ذلك كلها يستفاد من هيئات الجمل فما افاده قدس الله سره في معنى ثبوت الوضع للمركب وان كان وجيها الا ان تخصيصه ذلك بخصوص الجملة الاسمية لاوجه له (*)

[ 33 ]

وتؤخر اخرى (فغير صحيح) لما عرفت من انه غير معقول (بل التحقيق) ان المستعمل فيه في جميع ما ذكر هي المعاني الحقيقية اما على سبيل التشبيه أو الكناية ويمكن ان يكون المثل المتقدم جاريا على نهج كل منهما وعلى كل حال فليس الاستعمال في مثل هذه التراكيب بنحو المجاز الامر الرابع في الحقيقة الشرعية (لا يخفى) ان البحث في هذه المسألة لا يترتب عليه ثمرة اصلا فانه (وان) ذكر بعض ثمرة له وهو حمل الالفاظ المستعملة بلا قرينة على المعنى اللغوى بناء على عدمها وعلى المعنى الشرعي بناء على ثبوتها (الا) ان التحقيق انه ليس لنا مورد نشك فيه في المراد الاستعمالى اصلا (ثم ان) الكلام تارة يقع في الوضع التعييني واخرى في التعينى (اما الاول) فهو مقطوع بعدمه إذ لو كان الشارع المقدس قد وضع هذه الالفاظ لمعانيها الشرعية بنحو التعيين لبينه لاصحابه ولو بينه لهم لنقل الينا لتوفر الدواعى إلى نقله وعدم المانع منه فلا يقاس ذلك بالنص على الخلافة الذى اخفوه مع التصريح به وذلك لثبوت الداعي إلى الكتمان هناك دون المقام (وتوهم) امكان الوضع بنفس الاستعمال (1) كما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) (مدفوع) بان حقيقة الاستعمال كما بيناه القاء المعنى في الخارج بحيث يكون الالفظ مغفولا عنها فالاستعمال يستدعى كون الالفاظ مغفولا عنها وتوجه النظر إليه بتبع المعنى بخلاف الوضع


1 - قد عرفت فيما تقدم ان حقيقة الوضع ليست الا عبارة عن الالتزام والتعهد بابه متى ما تعلق ارادة المتكلم بافادة معنى خاص ان يبرز ذلك بلفظ مخصوص كما هو المختار أو انه اعتبار نفساني قائم بها نظير بقية الاعتبارات القائمة بمعتبرها وعلى كل حال فالوضع سابق على الاستعمال لا محالة وعليه فلا يكون الوضع بنفس الاستعمال حتى يرد عليه استحالة الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في آن واحد بل يكون الاستعمال كاشفا عن الوضع فيما إذا كان هناك قرينة على ذلك ومن هنا يظهران ما افاده المحقق صاحب الكفاية قدس سره من عدم كون هذا الاستعمال بحقيقة ولامجاز لا وجه له والظاهر ان دعوى القطع بثبوت الوضع التعييني بهذا النحو قريبة جدا ومع قطع النظر عن ذلك ايضا فلا ينبغى الريب في ثبوت الموضع التعينى في الالفاظ التى كثر استعمالها في المعاني الشرعية حتى في زمان النبي صلى الله عليه وآله فان منشاء الوضع التعينى لا يختص بخصوص كثرة الاستعمال في لسانه صلى الله عليه وآله بل يكفى في ثبوته كثرة الاستعمال في لسانه ولسان تابعيه بحيث يكون دلالة اللفظ على المعنى الشرعي غير محتاجة إلى القرينة (*)

[ 34 ]

فانه يستدعى كون اللفظ منظورا إليه باستقلاله ومن الواضح انه لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد (واما الوضع التعينى فهو بالنسبة إلى زمان الصادقين (عليهما السلام) (مقطوع به) الا انه لا طريق لنا إلى اثباته في زمان النبي صلى الله عليه وآله حتى تثبت الحقيقة الشرعية وعليه تكون الالفاظ المستعملة في زمانه صلى الله عليه وآله مجملات (واماما يقال) كما عن صاحب الكفاية " قده " ان ثبوت الحقيقة الشرعية فرع كون هذه المعاني مستحدثة وهو خلاف التحقيق على ما يظهر من جملة من الايات " فيرده " ان جملة من المعاني وان كانت ثابتة في الشرايع السابقة ايضا كالحج فانه كان في عصر الخليل عليه السلام الا انها لم تكن يعبر عنها بهذه الالفاظ بل بالفاظ آخر قطعا " واما لفظ الصلاة " فانه وان كان مذكورا في انجيل برنابا الا ان المستعمل فيه في غير عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان هو المعنى اللغوى فان صلاة المسيح لم تكن الامر كبة من ادعية مخصوصة فالالفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية والمعاني الموجودة في الشرايع السابقة لم يكن يعبر عنها بهذه الالفاظ وعليه فلا يكون ثبوتها في الشرايع السابقة مانعا عن ثبوت الحقيقة الشرعية (الامر الخامس في ان الفاظ العبادات (هل هي) اسام للصحيح (أو الاعم) ولنقدم لتحقيق الحال فيها مقدمات (الاولى) ان النزاع المذكور كما انه يجرى على القول بثبوت الحقيقة الشرعية كذلك يجرى على القول بعدمها (اما) على الاول فواضح (واما) على الثاني (فانه) يقع الكلام في ان المعاني الشرعية التى استعمل فيها الالفاظ مجازا ولو حظ العلاقة بينها وبين المعاني اللغوية (هل هي) المعاني الصحيحة (أو) الاعم منها وبعبارة اخرى لا اشكال في ثبوت الحقيقة في لسان المتشرعة في زماننا هذا تبعا للاستعمالات الشرعية بنحو الحقيقة أو المجاز فيقع الكلام في ان المعاني التى يستعمل الالفاظ فيها في عرفنا (هل هي) الصحيحة (أو) الاعم (الثانية) ان الصحة (وان) فسرت بموافقة الشريعة تارة وباسقاط الاعادة والقضاء اخرى (الا انهما) من باب التفسير باللوازم والا فمعنى الصحة واحد وهى التماميه التى يعبر عنها بالفارسية بدرستى (الثالثة) ان التمامية المبحوثة عنها (تارة) تلاحظ بالاضافة إلى الاجزاء وحدها (واخرى)

[ 35 ]

باضافة الشرائط المأخوذة في المأمور به إلى اجزاء العبادة (وثالثة) باضافة عدم المزاحم الموجب لانتفاء الامر فيكون الصحيح هو المركب الجامع للاجزاء والشرايط مع عدم كونه مزاحما بواجب آخر (ورابعة) باضافة عدم النهى إلى ما ذكر (وخامسة) من جهة اضافة قصد التقرب بالعبادة إلى جميع ما تقدم اعتباره في التسمية (والتحقيق) ان يقال انه لا وجه لاختصاص النزاع بالاجزاء قطعا بل يجرى النزاع في دخول الشرايط في المسمى وعدمه ايضا (واما) عدم المزاحم الموجب لعدم الامر (أو عدم) النهى (فكلاهما) خارجان عن محل النزاع (بداهة) انهما فرع المسمى حتى ينهى عنه أو يوجد له مزاحم فينتفى امره (واما) قصد التقرب (فهو) متأخر عن المسمى بمرتبتين فانه متأخر عن الامر المتأخر عن المسمى فلا يعقل اخذه في المسمى (الرابعة) قد عرفت ان الاستعمال هو ايجاد المعنى العقلاني البسيط المجرد الذى هو بازاء الحقايق باللفظ المستعمل فيه فلابد من ان يوضع اللفظ بازاء الحقيقة ولو كانت الحقيقة من الممتنعات فالقول بان لفظ الصلوة موضوع لمفهوم الصحيح أو فريضة الوقت أو المطلوب غير معقول (1) فان المفهوم لابدوان يكون بازاء الحقيقة لا بازاء مفهوم آخر (مضافا) إلى ان عنوان المطلب منتزع من تعلق الطلب بشيئ والطلب متأخر عن المسمى كما عرفت فلا يعقل كون المسمى هو نفس عنوان المطلوب ففيه محذور آخر غير عدم تعقل جعل المفهوم بازاء المفهوم (الخامسة) انه لابد على كلا القولين من وجود حقيقة واحدة يشترك فيها جميع الافراد حتى يكون هو القدر المشترك الذى وضع اللفظ بازائه أو استعمل فيه مجازا في لسان الشارع وعلى نحو الحقيقة في لساننا (وتوهم) عدم لزومه بناء على كون الموضوع له خاصا (مدفوع) بان الموضوع له وان كان خاصا الا انه لا بد من قدر جامع به يشار إلى الموضوع له (فالقدر) المشترك (لازم) على كل خال (مضافا) إلى ان كون الموضوع له خاصا مع عموم الوضع فرع الوضع التعييني وقد ابطلناه فيما مراذا عرفت ذلك فنقول (الكلام) (تارة) يقع في العبادات واخرى في المعاملات (اما الاولى) فتصوير الجامع


1 - لا ينبغى الريب في امكان وضع لفظ الصلوة مثلا لمفهوم الصحيح حتى يكون اللفظان مترادفين ولا استحالة في ذلك اصلا غاية الامر عدم وقوع ذلك خارجا واين ذلك من الاستحالة وعدم الامكان (*)

[ 36 ]

فيها في (غاية الاشكال) على الصحيح فضلا عن الاعم فان مراتب الصحة مراتب متعددة كالصلاة مثلا فان اقل مراتبها صلاة الغرقى واعلى مراتبها صلاة الحاضر المختار وبينهما وسائط كثيرة فتصوير جامع حقيقي يكون متعلق الامر ويجمع تمام تلك المراتب صعب جدا (واما) على الاعم (فاشكل) فان كل صلاة فرضت إذا بدل بعض اجزائه إلى اجزاء آخر فالصدق على حاله (ويمكن) دفع الاشكال عن كلا القولين بالتزام ان الموضوع له اولا هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الاجزاء والشرائط (1) والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحى أو الاعم منها على الاعم من باب الادعاء والتنزيل (والموضوع له) على كلا القولين (هي) المرتبة العليا وبقية المراتب الصحيحة أو الاعم يستعمل فيها الالفاظ ادعاء ومن باب تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة كما في جملة من الاستعمالات أو من باب اكتفاء الشارع به كما في صلاة الغرقى فانه لا يمكن فيه الالتزام بالتنزيل المذكور كما هو واضح (ثم) ان الاستعمال في فاسد صلاة الغرقى ايضا بتنزيل الفاقد منزلة الواجد المنزل منزلة تام الاجزاء والشرائط من باب الاجزاء والاكتفاء فبعد البناء على كون الصحيح فردا للطبيعة من جهة الاجزاء يصح تنزيل الفاقد منزلته ايضا ولا يلزم سبك مجاز عن مجاز (واما القصر والاتمام) فهما وان كانتا في عرض واحد بالقياس إلى المرتبة العليا الا انه يمكن تصوير الجامع بينهما فقط وعلى ما ذكرناه فيبطل نزاع الاعمى والصحيحى رأسا (فان ثمرة النزاع) كما سيجيئ ان شاء الله تعالى (هو التمسك) بالاطلاق على تقدير تمامية مقدمات الحكمة على الاعمى (واجمال الخطاب) على الصحيحى (وهذا) لا يصح على ما ذكرناه لانه لو بنينا على ان الصلوة لخصوص المرتبة العليا واطلاقها على غيرها من باب المسامحة والتنزيل فعلى تقديري وجود المطلق في العبادات ايضا فحيث ان


1 - الالتزام بذلك مع انه على خلاف الوجدان لا يغنى عن تصوير الجامع فان اجزاء المراتب العالية تختلف قلة وكثرة حسب اختلاف اقسام الصلوة فان الصلوة ذات ركعتين فاسدة ممن هو مأمور بازيد منها وبالعكس فما هو الموضوع له لو لم يكن هناك جامع يجمع الاقسام وستعرف ما هو الصحيح في تصوير الجامع فيما سيأتي انشاء الله تعالى (*)

[ 37 ]

اللفظ لم يوضع للجهة الجامعة المشتركة حتى تكون الاجزاء والشرائط المأخوذة في المأمور به من قبيل القيود فلا يمكن التمسك بالاطلاق بل اللفظ يكون مجملا لعدم العلم بالتنزيل والمسامحة في مقام استعمال اللفظ حتى يتمسك باطلاقه (ثم) ان هذا الاحتمال الذى ذكرناه (غير بعيد) في حد ذاته ويساعده الوجدان العرفي وليس في مقام فهم المفاهيم امر آخر اوضح منه (وعلى تقدير) الاغماض والاحتياج إلى تصوير الجامع (فيقع الكلام) (تارة) في الجامع بين الافراد الصحيحة فقط (واخرى) في الجامع بين افراد الاعم (اما الاول) فالتحقيق ان الجامع بحيث يوضع اللفظ له غير معقول إذ تصويره باحد وجوه ثلاثة كلها باطلة (الاول) ان يكون الجامع هو الذى يسقط الاعادة أو ما يوجب ارتفاع اشتغال الذمة إلى غير ذلك مما يترتب على اتيان المأمور به ولم يكن غرضا منه وهذا الامر المترتب واحد وجهة جامعة بين تمام ما يترتب عليه وان كانت كثيرة (وفيه اولا) ان هذه المفاهيم كلها مترتبة على اتيان المأمور به في الخارج بقصد الامر المتأخر عن المسمى فكيف يعقل اخذها في المسمى (ولو سلمنا) ترتب هذه الامور على نفس الفعل الخارجي ولو بلا داعى الامر (الا انه) من اين يستكشف ترتب المعلول الواحد على جميع المراتب فلم لا يكون هناك اوامر متعددة متعلقة بامور متعددة الامر الاول متعلق بحقيقة الصلاة ولكل من المراتب النازلة امر آخر اكتفى الشارع بامتثاله عن امتثال الامر الاول كما لا يبعد ان يكون الامر كذلك بل لا مناص عنه فيما كان الصحة ثابتة بمثل لا تعاد وامثالها (ولو سلمنا) اشتراك الجميع في معلول واحد لاجل تسليم كون الغرض من الجميع واحدا (فغاية ما هناك) انا نستكشف وجود جامع بين جميع المراتب في عالم من العوالم كما في موارد التخيير الشرعي والا فما وقع في حيز الخطاب ليس ذاك الجامع كما في موارد التخيير العقلي والمدعى تصور جامع يكون متعلقا للخطاب الشرعي ومسمى بلفظ الصلوة مثلا لا تصور جامع كيفما كان (وبعبارة اخرى) الكلام في تصور جامع قريب عرفى يقع تحت الخطاب كما في التخيير العقلي لافى الجامع العقلي الملاكى (وثانيا) ان من المسلم في محله ان اجزاء البرائة فرع ان يكون المأمور به هو نفس الاجزاء والشرائط لا مقيدا بامر آخر يشك في حصوله والا لكان مقتضى القاعدة هو الاشتغال فيلزم على القائلين بوضع الالفاظ للصحيح ان لا يقولوا بالبراءة

[ 38 ]

عند الشك في الاجزاء والشرائط لاجل تقيد المأمور به بمعلوله فيكون الشك شكا في المحصل لا محالة ومقتضى القاعدة فيه هو الاشتغال مع ان جلهم قائلون بالبراءة وعلى فرض عدم التقيد فلا يكون جامع في مقام الموضوعية للخطاب وان كان هناك جامع بلحاظ مقام ترتب الاثر (الثاني) ان يكون الجامع هو الذى يترتب عليه النهى عن الفحشاء الذى هو علة التشريع وغرض من المأمور به فان وحدة الغرض تكشف عن وحدة المؤثر (1) وهذا الوجه (اردء) من سابقه وبيانه يتوقف على تمهيد مقدمة شريفة يبتنى عليها مطالب مهمة (وهى) ان الفرق بين الاسباب التوليدية والعلل المعدة (هو) ان الاسباب التوليدية ما يترتب عليها مسبباتها بلا توسط امر آخر بينهما و (هي) على قسمين (فتارة) لا تكون محتاجة في ترتبها عليها إلى امور اخر اصلا كالعلة البسيطة واخرى تكون محتاجة إليها كما في العلل المركبة (نظير) رمى السهم فان الجزء الاخير من الفعل الاختياري وان لم يتوسط بينه وبين معلوله شيئ آخر (الا انه) محتاج إلى سبق امور اخر ايضا كوجود القوة الدافعة في القوس مثلا (وعلى كل حال) فحيث لم يفرض التوسط بين المعلول والفعل الاختياري فيمكن تعلق الارادة التكوينية بكل منهما فيمكن تعلق الارادة التشريعية بهما ايضا لامكان الانبعاث من المكلف (وح) فلا فرق في لسان الدليل بين تعلق الامر بالمسبب أو السبب فان المسبب يكون عنوانا لسببه في الفرض المزبور (فامر) المولى بالاحراق (عبارة) اخرى عن امره بالقاء المترتب عليه الاحراق فالالقاء هو الاحراق عنوانا وهذا هو ملاك الفعل التوليدى وهو الذى بنى صاحب المعالم (قده) على عدم الجدوى في البحث عن وجوبه المقدمى لاتحادهما خارجا والسبب


1 - التحقيق انه لا يعقل وجود الجامع الحقيقي المقولى بين افراد الصلوة حتى يكون الاثر الواحد مترتبا عليه لانه مضافا إلى ان الصلوة مركبة من مقولات متباينة وقد ثبت في محله انها اجناس عالية ولا يمكن الجامع الحقيقي بين فردين منهالا ينبغى الريب في ان الصحة في صلوة الصبح مثلا متوقفة على ايقاع الستليمة في الركعة الثانية وفى صلوة المغرب متوقفة على ايقاعها في الثالثة وعدم ايقاعها في الثانية فكيف يمكن تصوير الجامع بين المشروط بشيئ والمشروط بعدمه وانما يمكن الالتزام بترتب الاثر على الجامع فيما إذا لم يكن للخصوصيات دخل في ترتبه واما ترتب النهى عن الفحشاء على الصلوة فبيان كيفيته يحتاج إلى بسط لا يسعه المجال (*)

[ 39 ]

المبحوث عن وجوبه بمعنى المقتضى لا السبب التوليدى (واما العلل المعدة) (فهى) ما يتوسط بينها وبين المعلول امر اخر سواء كان ذاك الامر اختياريا كصعود الدرج المترتبة أو غير اختياري كما في الزرع والسقى ونحوهما فانهما من العلل المعدة لكون البذر حنطة أو ثمرا (فان) ترتبهما على الزرع والسقى يحتاج إلى امور عديدة غير مقدورة للزراع والساقي (والفرق) بين القسمين هو ان الواسطة إذا كانت اختيارية فحالها حال الاسباب التوليدية في صحة تعلق التكليف بالمعلولات واما إذا كانت غير اختيارية فيستحيل تعلق الارادة التكوينية بها الا ارادة سفهائية فيستحيل تعلق الارادة التشريعية بها ايضا (والسرفيه) (هو) ان الارادة التشريعية بعث إلى ما يتعلق به الارادة التكوينية فلو لم يمكن الثانية يستحيل الاولى ايضا فالتكاليف في هذا القسم لا محالة تتعلق بنفس العلل المعدة لا بما يترتب عليها من الامور غير الاختيارية (وما يقال) من ان المقدور بالواسطة مقدور (انما يتم) فيما كان الواسطة امرا اختياريا لاغير اختياري كما هو واضح (ولذا) افتى الفقهاء بانه لو شرط في ضمن العقد جعل البسر رطبا كان المشروط كشرطه باطلا لعدم كونه تحت القدرة (ثم) ان هذا كله في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات (فتارة) تكون المسببات من الامور العرفية التى يعلم كونها من الافعال التوليدية (فلا فرق) (ح) بين تعلق التكليف بالمسببات أو الاسباب كالطهارات الخبثية إذ لافرق بين امر المولى بالطهارة بقوله وثيابك فطهر (وبين) امره بالغسل بقوله اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه وعلى كلا التقديرين فيكون كل منهما مقيدا بالاخر (واخرى) لا يكون كذلك بل من الامور التى لا يكون للعرف طريق إلى معرفة حقيقتها (وح) فيستكشف ذلك بطريق الان من تعلق الامر (فان) تعلق الامر بالمسبب (فنعلم) انه من قبيل الافعال التوليدية كما قيل ذلك في الطهارة الحدثية من جهة قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (والافلا) (إذا عرفت ذلك فنقول) ان العبادات كلها من قبيل العلل المعدة فان المأمور به فيها هي انفسها لاما يترتب عليها من الاغراض فيعلم ان نسبة العبادات إليها نسبة العلل المعدة إلى معاليلها لانسبة الاسباب التوليدية إلى مسبباتها ويحتاج ترتب الاغراض عليها إلى توسط امور الهية غير اختيارية للمكلف والا لكان تعلق الامر بنفس الغرض مع عدم كونه امرا عرفيا معلوما نظير الطهارة الخبثية اولى من تعلقه بنفس الاجزاء والشرائط

[ 40 ]

فلا يعقل ان يكون هناك جامع يكون عنوانا للمصاديق في مقام التسمية وتعلق الخطاب والغرض تصوير الجامع في هذا المقام (ولو تنزلنا وسلمنا) انها من قبيل الاسباب التوليدية (فلازمه) ان لا يمكن التمسك بالبراءة عند الشك في الاجزاء والشرائط لرجوع الشك إلى الشك في المحصل كما في الوجه السابق الوجه الثالث هو ان يكون الجامع هي المادة الصلاتية الحافظة للصورة الناهية عن الفحشاء والمنكر (والفرق) بين هذا الوجه وسابقه هو انه في الوجه السابق اعتبر النهى عن الفحشاء علة غائية وتصور الجامع من ناحية العلة وفى هذا الوجه اعتبر صورة نوعية حافظة للمادة الصلاتية (ويرد عليه) ان التقيد بهذا العنوان (ان) لم يعتبر (فما) هو الجامع في مقام تعلق الخطاب والمسمى (وان) كان معتبرا (فمرجع) الامر إلى الشك في المحصل الذى لازمه القول بالاشتغال (1) الوجه الرابع ان يفرض الجامع في خصوص الصلاة التى استكشفنا من ادلة القواطع وجود هيئة اتصالية معتبرة فيها كما افاده العلامة الانصاري (قده) فيكون لفظ الصلاة موضوعا لتلك المادة الحافظة لهذه الوحدة الاتصالية (والجواب) عنه (اولا) ان غاية ما نستفيد من ادلة القواطع ابطالها للصلاة ولو بنحو المانعية بأن يكون عدم هذه الامور من شرايط الصلوة (واما) اعتبار صفة وجودية (فلا) وعلى تقدير الاعتبار فمرجع الامر عند الشك هو الاشتغال لكونه شكافى المحصل " 2 " (فالتحقيق) عدم امكان تصوير الجامع اصلا على الصحيح (واما) على الاعم فقيل بتصوير الجامع من وجوه (الاول) ان يكون الموضوع له هي الاركان " 3 " كما ذهب إليها المحقق القمى


1 - مضافا إلى ان الانتهاء عن الفحشاء على تقدير كونه امرا واحدا مترتبا على - الصلوة فهو من قبيل الاثار ولا معنى لكونه صورة نوعية لما هو المركب من مقولات متباينة. 2 - هذا مع ان الكلام انما هو في تصوير الجامع بين الاجزاء التى اعتبر الهيئة الاتصالية بينها مع فرض اختلافها قلة وكثرة بل بحسب الحقيقة والمهية ايضا 3 - التحقيق في هذا المقام ان يقال ان معرفة الموضوع له في كل مركب اعتباري لابد وان تكون من قبل المخترع لذلك المركب سواء كان المخترع هو الشارع أو غيره وعليه فالمستفاد من الروايات الكثيرة ان التكبيرة والتسليمة معتبر تان في الصلوة وان التكبيرة ابتدائها وافتتاحها كما ان التسلمية انتهائها واختتماها كما ان الركوع والسجود والطهارة - (*)

[ 41 ]

(قده) وتكون بقية الاجزاء دخيلة في المأمور به لافى المسمى فيرجع حاصل دعواه إلى دعويين (الاولى) كون الاركان هو الموضوع له (والثانية) خروج بقية الاجزاء عن المسمى والحق فساد كلتا الدعويين (اما الاولى) فلان المراد من الاركان أي مرتبة منها مع اختلافها بحسب الموارد من القادر والعاجز والغريق وامثال ذلك (فلابد) من تصور جامع آخر بين تلك المراتب (فيعود) الاشكال (والقول) بأن الموضوع له هو الاركان بحسب الجعل الاولى والبقية ابدال لها (فاسد) إذ الالتزم بالبدلية انما يمكن في مقام الاجزاء.


- معتبرة فيها وان كلا منها ثلث الصلوة واما غير ذلك من الاجزاء والشرايط فهى خارجة عن حقيقتها ودخيلة في المأمور به على اختلاف الاشخاص والحالات ومن هنا لو كبر المصلى لصلوة الوتر ونسى جميع الاجزاء غير الركوع والسجود حتى سلم لصح صلوته فيعلم من ذلك انه لا يتقوم الصلوة الا بما ذكرناه والمراد من الطهارة المقومة للصلوة اعم من المائية والترابية كما ان المراد من الركوع والسجود اعم مما هو وظيفة المختار ار المضطر ولا بأس بكون مقوم المركب الاعتباري احد الامور على سبيل البدل كما في لفظ الحلوا مثلا فانه موضوع للمركب المطبوخ من شكر وغيره سواء كان ذلك الغير حنطة أو ارزا أو غير ذلك فلا يرد على ذلك ما في المتن من لابدية تصور جامع آخر بين تلك المراتب نعم بناء ما ذكرناه لا يكون صلوة الغرقى بصلوة حقيقة ولا ضير في الالتزام بذلك بل هي كذلك كما يظهر بالوجدان والرجوع إلى المتفاهم العرفي ثم انه لااستحالة في دخول شيئ في مركب اعتباري عند وجوده وخروجه عنه عند عدمه إذا كان ما اخذ مقوما للمركب مأخوذا فيه لا بشرط كما في لفظ الدار مثلا فانه موضوع لما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة فان كان هناك غير ذلك من سرداب وبئر وحوض وغير ذلك فهى من اجزاء الدار والا فلا واعتبار اللا بشرطية كما يمكن ان يكون على نحو لا يضر بالصدق كذلك يمكن ان يكون على نحو يدخل الزائد في المركب ثم ان دخول شيئ في المهيا تارة وخروجه عنها اخرى يستحيل في المهيات الحقيقية لكنها اجنبية عما هو محل الكلام في المقام ومن هنا يظهر انه لا يبتنى ما ذكرناه على كون التشكيك في الوجود أو المهية بل هو امر على طبق الارتكاز العرفي في كثير من المركبات الاعتبارية واما ما في المتن من عدم تصوير التشكيك في الوجود ولزوم كونه في الوجود ففساده غير خفى على اهله وكيف كان فالصحيح في تصوير الجامع هو ما عرفت والتوضيح لا يسمه المجال (*)

[ 42 ]

كما على الصحيح لافى المسمى بلاجهة عناية اصلا (واما) الدعوى (الثانية) فان التزم (قده) بان بقية الاجزاء خارجة دائما (فهو) ينافى الوضع للاعم فان المفروض صدقها على الصحيحة ايضا (وان) اراد خروج بقية الاجزاء عند عدمها (فيلزم) دخول شيئ في الماهية عند وجوده وخروجه عنها عند عدمه وهو محال (فان قلت) الستم تقولون بالتشكيك في الوجود وفى بعض الماهيات كالبياض والسواد وان المعنى الواحد يصدق على الواجد والفاقد فالوجود يصدق على وجود الواجد ووجود الممكن على اختلاف مراتبه (وكذا) السواد يصدق على القوى والضعيف وليكن الصلاة ايضا صادقة على التام من جميع الجهات وعلى الناقص ايضا (قلت اما) التشكيك في الوجود (فلا نفهم) ما معناه وهو امر فوق ادراك العقل وقد صرح اهله بانه لا يعلم الا بالكشف والمجاهدة (واما) التشكيك في الماهيات فهو امر معقول لكن لافى كل ماهية بل في الماهيات البسيطة التى يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الافتراق ولا تكون مركبة من جنس وفصل ولا مادة وصورة نظير البياض والسواد فان المرتبة القوية من السواد لا يزيد على السواد بشيئ والمرتبة الضعيفة لا تنقص عن حقيقة السواد بشيئ بل الكل مشترك في حقيقة بسيطة واحدة (وهذا) بخلاف الصلاة (فانها) على الفرض (مركبة) من اركان واجزاء فكونها بحيث تدخل بقية الاجزاء التى لها وجود مستقل في الخارج (مرة) و تخرج (اخرى) مما لا يعقل (ومنه) علم ان قياسها بالوجود على تقدير تعقل التشكيك فيه وامكان ادراكه افسد من قياسه بالماهيات التشكيكية فان الوجود اشد بساطة من الماهيات البسيطة كما حقق في محله (واما) ما ربما يقال من أخذ الاركان لا بشرط (فكلام) لا معنى له فان اللا بشرطية توجب عدم اضرار بقية الاجزاء بالصدق لا انها توجب دخولها في الماهية. الثاني ان يكون الجامع هو معظم الاجزاء ونسبه شيخ الاساطين العلامة الانصاري (قده) إلى المشهور (ويرد عليه) بعد وضوح انه ليس المراد هو الوضع بازاء مفهوم معظم الاجزاء يقينا والا لترادف اللفظان وصح استعمال كل واحد منهما في موضع الاخر ولا بازاء مفهوم آخر يحكى عن مفهوم معظم الاجزاء لما بينا مرارا ان الوضع لابد وان يكون بازاء مفهوم حاك عن الحقيقة ان الحقيقة متبدلة غاية التبدل فانه يمكننا

[ 43 ]

تصوير حقيقة المعظم على الف وجه فيلزم التردد والتبدل في اجزاء الماهية وهو مستحيل ولا يمكن التصحيح بكون الموضوع له خاصا والوضع عاما لما ذكرنا من ان كون الموضوع له خاصا يبتنى على الوضع التعييني وهو باطل (مضافا) إلى انه يرجع بالاخرة إلى عدم الجامع في مقام تعلق الخطاب (ولكن التحقيق) امكان تصور الجامع من هذا الوجه بأن يكون الجامع هو الكلى في المعين نظير البيع الواقع على صاع من الاصواع المعينة فان المبيع كلى يمكن انطباقه على كل واحد من الاصواع على البدع فالمبيع واحد وانما الاختلاف في التشخص (فالموضوع) له (هو) الكلى المنطبق على اقل مراتب معظم الاجزاء فصاعدا ولم يؤخذ الجامع لا بشرط حتى يورد علينا باستلزام ذلك لدخول بقية الاجزاء في المسمى عند وجودها وخروجها عنه عند عدمها فيكون مبتنيا على جواز التشكيك في الماهيات المركبة التى اوضحنا فساده آنفا (بل) المأخوذ في الموضوع له (هو) عدة من الاجزاء فصاعدا المبهمة من حيث التشخص فيكون كليا منطبقا على الفليل والكثير نظير لفظ الكلام فانه وضع بحسب اللغة لما يتركب من حرفين من الحروف الهجائية فصاعدا فيصدق على كلمة أب واحمد وغير ذلك من الكلمات المركبة من ثمانية وعشرين حرفا (فلفظ) الصلاة ايضا يكون موضوعا لعدة من الاجزاء بنحو الابهام فصاعدا فلا نحتاج إلى التشكيك اصلا (وهذا) بخلاف الاركان (فان) الموضوع له على تقدير الوضع لها (شخصي) فيلزم دخول بقية الاجزاء عند الوجود وخروجها عند العدم (وهذا هو) محذور التشكيك (لكن الانصاف) ان تصوير الجامع بهذا النحو خلاف الوجدان لما ذكرناه من ان الموضوع له هو خصوص المرتبة العليا (واطلاقها) على غيرها (بنحو) من العناية (وعليه فينبغي) ان يحرر النزاع بعد الفراغ عن الوضع لخصوص المرتبة العالية في ان العناية المصححة للتنزيل والاستعمال (هل هو) خصوص اجتزاء الشارع واكتفائه في مقام الامتثال حتى تثبت نتيجة الوضع للصحيح (أو هو) مع المشابهة في الصورة ايضا تنزيلا للفاقد منزلة الواجد حتى يثبت نتيجة الوضع للاعم (الوجه الثالث) ان يكون الجامع هو المعنى الذى يدور مداره التسمية عرفا (فمن صدق اللفظ عرفا (يستكشف) وجود المعنى (ومن) عدمه (عدمه وهذا) الوجه بظاهره

[ 44 ]

" ظاهر الفساد " فان الصدق العرفي تابع لوجود المسمى ووضع اللفظ له فكيف يعقل ان يكون تصوير الجامع والوضع له من توابع الصدق العرفي " الا انه " يمكن ارجاع هذا الوجه إلى الوجه الثاني على النحو الذى صححناه ويكون التعبير بالصدق العرفي من باب المسامحة في التعبير " وينبغى " التنبيه على امور " الاول " ان كان ما يستدل به من الطرفين لكل من القولين باطل لا يمكن الركون إليه ولا يسع المجال للتعرض لها بخصوصياتها وابطالها فلا بد من الاشارة إليها والى ما يرد عليها اجمالا " فنقول اما " الاستدلال على الصحيح بمثل لاصلاة الا بفاتحة الكتاب وامثاله " فغير تام " لان هذه التراكيب كلها في مقام بيان اجزاء المأمور به وشرائطه لافى مقام التسمية " وكذا " الاستدلال بمثل الصلاة معراج المومن أو تنهى عن الفحشاء والمنكر (فان) جميع هذه التراكيب (في مقام) بيان آثار المأمور به ترغيبا وتحريصا إلى امتثال امره لافى مقام بيان آثار المسمى بما هو (واما) الاستدلال على الاعم (بالاستعمال) في الفاسد في كثير من الموارد كقوله عليه السلام دعى الصلاة ايام أقرائك وكقولهم عليهم السلام يعيد الصلاة أو بطلت صلاته إلى غير ذلك من الموارد (ففاسد ايضا) فان الاستعمال في الفاسد اعم من ان يكون على نحو الحقيقة والمجاز وكون الاصل في الاستعمال هي الحقيقة انما هو في مورد الشك في المراد لافى مورد الشك في كيفية الارادة بعد معلومية المراد (هذا) مع امكان منع الاستعمال في الفاسد (بدعوى) ان المستعمل فيه دائما هو الصحيح ولو باعتقاد المصلى أو بتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة (الثاني) ربما يذكر للنزاع المذكور ثمرات (الاولى) ما ذكر في القوانين وفى بعض عبارات الرياض ايضا من ان الصحيحى يتمسك بالاشتغال والاعمى بالبرائة واشكل عليه جملة من المحققين ومنهم استاد الاساطين العلامة الانصاري (قده) بان اجزاء البراءة والاشتغال فرع انحلال العلم الاجمالي وعدمه سواء قلنا بالصحيح أو بالاعم ولذا ذهب المشهور القائلون بالصحيح إلى البرائة (وفيه) ان الوضع للصحيح كما عرفت لا يمكن الا بتقييد المسمى (اما) من ناحية المعلولات (أو) من ناحية العلل (وحيث) انه يؤخذ امر آخر خارج عن المأتى به في المأمور به (فلابد) من القول بالاشتغال

[ 45 ]

(وأما ذهاب المشهور القائلين بالصحيح إلى البرائة (فاما) ان يحمل منهم على الغفلة عن مبناهم " أو " على تخيلهم امكان تصوير الجامع بلا تقيد بامر آخر (نعم) جريان البرائة على الاعم مبتن على الانحلال الذى هو مقتضى التحقيق في محله (فالتحقيق) ان النزاع في مسألة الانحلال وعدمه مبتن على الوضع للاعم حتى يكون المأمور به امرا خارجيا مركبا غير مقيد بامر بسيط آخر (فان) قلنا بالانحلال كما هو التحقيق (فنقول) بالبراءة " والا فبالاشتغال " وهذا بخلاف الوضع للصحيح لما عرفت من انه لا يمكن تصوير الجامع الا بتصور عنوان بسيط خارج عن نفس الاجزاء والشرائط سواء كان ذلك متعلق الامر أو قيده فلا محالة يكون الشك في الاجزاء والشرائط شكا في حصوله فيرجع إلى الشك في المحصل ولا اشكال حينئذ في الاشتغال على كل تقدير " الثانية " التمسك بالاطلاق على القول بالوضع للاعم للقطع بصدق اللفظ على الفاقد فيكون الشك في اعتبار امر زائد عليه شكافى التقييد فيرجع إلى اصالة الاطلاق بخلاف الوضع للصحيح فانه يشك في صدق اللفظ عند الشك في اعتبار امر شرطا أو شطرا " ومن " المعلوم " ان " التمسك بالاطلاق فرع صدق اللفظ والشك في التقييد بامر زائد على المسمى وقد اورد عليه بوجهين " الاول " ان عدم التمسك بالاطلاقات الواردة في الكتاب والسنة لعدم كونها في مقام البيان إذ ليس فيها ما يكون في هذا المقام قطعا بل كلها في مقام التشريع فقط فكما ان الصحيحى لا يمكنه التمسك بالاطلاق فكذلك الاعمى والا فلو فرضنا ان هناك دليلا واردا في مقام البيان كصحيحة حمادا الواردة في مقام بيان الاجزاء والشرائط فالصحيحي ايضا يتمسك بعدم جزئية المشكوك للسكوت عنبا في مقام البيان " وفيه " ان مطلقات الكتاب والسنة وان لم يكن فيها ما يكون في مقام البيان فالاعمى كالصحيحى في عدم جواز التمسك بها في مقام الشك " الا انه " يكفى في الثمرة فرض وجود مطلق في مقام البيان " فان " ثمرة المسألة الاصولية هو ان يمكن وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط ولا يلزم ان يكون ذلك فعليا " واماتوهم " امكان تمسك الصحيحى ايضا بالاطلاق إذا كان واردا في مقام البيان كصحيحة حماد " ففيه " ان الكلام متمحض في جواز التمسك بالاطلاق في مقام البيان لافى جواز التمسك بقاعدة عدم الدليل دليل العدم " فان " التمسك

[ 46 ]

بصحيحة حماد في نفى الاجزاء والشرائط المشكوكة " ليس " من جهة التمسك بالاطلاق " بل " من جهة ان الامام عليه السلام العالم بأجزاء المأمور به وشرائطه لو كان بصدد بيانها وان المؤثر في النهى عن الفحشاء والمنكر ما هو ومع ذلك لم يذكر غير ما ذكره من الاجزاء والشرايط فيستكشف منه عدم دخله (لان عدم الدليل) على دخل ما احتمل دخله دليل العدم إذا كان المتكلم في مقام البيان والا لكان مخلا بغرضه فالتمسك بالصحيحة خارج عما هو محل الكلام وهو التمسك بالاطلاق لا بأمر آخر " و لكن الانصاف " عدم استقامة ذلك بل التمسك بها من قبيل التمسك بالاطلاق ايضا " غاية الامر " ان الاطلاق " قد " يكون في المعاني البسيطة الافرادية " واخرى " في الجمل التركيبة كاطلاق القضية الشرطية المستتبع للمفهوم فاطلاق الصحيحة وان لم يكن من القسم الاول الا انه من قبيل الثاني فالتمسك بها تمسك بالاطلاق " فالتحقيق " ان الصحيحى يتمسك بالاطلاق كالاعمى في المطلقات التركيبية " نعم " تظهر الثمرة في المطلقات الافرادية على تقدير وجودها (ايقاظ) لا يخفى انه لا يجوز التمسك بالصحيحة في اثبات وجوب الاجزاء المذكورة فيها إذا شك في وجوب بعضها فانا نعلم اجمالا باشتمالها على اجزاء مستحبة ايضا فيسقط ظهور الصحيحة في بيان الاجزاء الواجبة (ومن) ذلك يظهر عدم صحة التمسك بقوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما رأيتموني اصلى) فانا نقطع بعدم اكتفاء النبي صلى الله عليه وآله بالاجزاء الواجبة من الصلاة بل لا محالة كان يأتي باجزاء مستحبة فيكون الامر مستعملا في مطلق الطلب جزم فلا يفيد في مقام اثبات الجزئية. (الوجه الثاني) ان الصحيحى (وان) لم يمكن له التمسك بالاطلاقات لما ذكر (الا) ان الاعمى لا يمكنه ذلك ايضا فان المأمور به هو الصحيح قطعا فثبت تقييد المسمى بقيد يشك في تحققه عند الشك في الجزئية والشرطية " فلا " فرق في الشك في الصدق المانع من التمسك بالاطلاق (بين) ان يكون منشأء دخل شيئ في المسمى (أو دخله) في المأمور به قطعا مثلا إذا امر الشارع بعتق رقبة ثم ثبت من الخارج تقييده بالمؤمنة وشككنا في رقبة خاصة انها مؤمنة أو كافرة فلا يكمن التمسك بالاطلاق قطعا (وفيه) ان المأمور به أو قيده البسيط على الصحيح مشكوك

[ 47 ]

الصدق على الفاقد كما عرفت (فلا يمكن معه) التمسك بالاطلاق " بخلافه " على الاعم " فان " المأمور به على هذا " ليس " الا نفس الاجزاء والشرائط والصحة ليست الا امرا منتزعا من كون الشيئ موافقا للمأمور به فالصحة متأخرة عن تعلق الامر ويستحيل اخذها في المأمور به فصدق المأمور به على الماتى به في الخارج " معلوم وجزئية " الجزء المشكوك (تدفع) بالاطلاق " فيثبت " ان المأتى به " هو " الصحيح وموافق للمأمور به وليس غرض القائل بالاعم ان الفاسد مأمور به " بل " غرضه ان الاطلاق يكشف عن ان الصحيح هو الاعم من فاقدة السورة وواجدتها مثلا لان الامر لم يتعلق الا بهذا المقدار ولا نعنى بالصحيح الا ما كان موافقا للمأمور، به وهو المسقط للاعادة والقضاء " فهذه " المغالطة (واضحة) الفساد وان كان شيخ الاساطين العلامة الانصاري " قده " اطال الكلام في هذا المقام واتعب نفسه المقدسة واعتنى بالجواب عن هذه المغالطة فوق ما تستحق ولعله لاجل عدم وضوحه في ذلك الوقت فاراد " قده " بيانه على وجه اوفى واتم " ثم " انك قد عرفت فيما مر " انه " على ما ذكرناه من كون الموضوع له هو خصوص المرتبة العالية التامة من حيث الاجزاء والشرائط وان بقية المراتب كلها افراد تنزيلية " لا يمكن " التمسك بالاطلاق ايضا لعدم العلم بالتنزيل حين الاستعمال " نعم " تجرى البراءة لكون الشك في اجزاء نفس المأمور به أو شرائطه غير متقيد بأمر آخر فيكون القول المختار واسطة بين الصحيحى والاعمى فان الصحيحى لا يمكنه اجراء البرائة على ما حققناه كما لا يمكنه ان يتمسك بالاطلاق والاعمى بخلافه فيهما و نحن نوافق الاعمى في الاول والصحيحى في الثاني " تذييل " ربما يقال بأن الشرائط حيث انها في مرتبة متأخرة عن الاجزاء فانها في مرتبة المقتضى دون الشرائط فلا محالة لا تكون في عرضها فالالفاظ موضوعة للتامة من حيث الاجزاء فقط والشرائط دخيلة في مقام فعلية التأثير كما في تقريرات العلامة الانصاري " قده " ولكنه لا يخفى ان التأخر بحسب مقام لا يوجب التأخر في كل مقام فالتأخر في مقام العلية لا يوجب التأخر في مقام التسمية كما لا تأخر في مقام الامر ايضا

[ 48 ]

* (المقام الثاني في المعاملات) * لا يخفى ان جريان النزاع المذكور في المعاملات يتوقف على كون الفاظها اسامى للاسباب إذ لو كانت اسامى للمسببات فلا تتصف الا بالوجود والعدم دون الصحة والفساد والمتصف بهما هي الاسباب فقط " ثم " ان الشهيد " قده " ذكر ان الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود " حقيقة " في الصحيح " مجاز " في الفاسد الا الحج لوجوب المضى فيه فلو نذران لا يصلى فصلى صحيحا ثم افسدها يحنث ويحتمل عدم الحنث بخلاف ما إذا اتى بها من الاول فاسدة فانه لا يحنث قطعا (واورد) عليه بانه كيف يمكن ان تكون العقود اسامى للصحيح مع انه (قده) كغيره يتمسك باطلاقات المعاملات والصحيحى لا يمكنه التمسك بالاطلاقات لاجمال المعاني ما عرفت سابقا (وتحقيق الجواب) يحتاج إلى بسط في المقال " فنقول " ان المعاملات حيث انها امور عرفية عقلائية فهى ليست بمجعولة للشارع قطعا وانما الشارع قد امضاها وعليه " فتارة " يكون امضاؤه للاسباب التى يتسبب بها الاما ينشأ بها " واخرى " لمسبباتها فإذا كان الاطلاق الوارد في مقام البيان مسوقا لامضاء الاسباب العرفية ومع ذلك لم يزد شيئا على ما هو سبب عندهم " فلا محالة " يتمسك باطلاق كلامه في الغاء كل ما يحتمل دخله كما يتمسك باطلاق اوفوا بالعقود في مقام الشك في اعتبار شيئ زائد على الاسباب العرفية " بخلاف " ما إذا كان امضاؤه للمسببات أي للمعاملات التى هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة مع قطع النظر عن الاسباب التى يتوسل بها إليها كما في قوله تعالى (احل الله البيع وحرم الربا) فانه في مقام ان المعاملة الربوية من دون نظر إلى الاسباب غير ممضاة في الشريعة بخلاف المعاملة البيعية فالاطلاق لو كان واردا في هذا المقام فلا يدل على امضاء الاسباب العرفية اصلا إذا عرفت ذلك فنقول المطلقات الواردة في الكتاب والسنة كلها واردة في مقام امضاء المسببات دون الاسباب الا قوله تعالى (اوفوا بالعقود) فانه يحتمل ان يكون واردا في مقام امضاء الاسباب العرفية (ولكن) التأمل فيه يقتضى ان يكون هو ايضا في مقام امضاء المسببات (فان) لفظ العقود (وان كان) ظاهرا في الاسباب (الا انها) بقرينة تعلق

[ 49 ]

وجوب الوفاء بها تكون ظاهرة في المسببات فان الاسباب آنية الحصول وغير قابلة للبقاء حتى تكون متعلقة لوجوب الوفاء (بل) القابل هي المسببات التى لها نحو بقاء بعد انعدام اسبابها (فعليه) لا يمكن التمسك بمطلقات المعاملات اصلا (واما) ما في كلام صاحب التقريرات من ان العرف حيث يرى حصول المسبب بسبب معين عندهم فامضاء المسبب يستلزم امضاء السبب (فغير تام) فان المتبع هو انظار العرف في تعيين المفاهيم لافى التطبيق فهم وان رأوا حصول المسبب عند وجود امر خاص الا ان امضاء المسبب لا دليل على كونه امضاء لنظره في التطبيق ايضا بل المتبع هو نظر الشارع فان ثبت والا فيتمسك باصالة عدم حصول المسببات فانها تحدث عند وجود اسبابها فإذا شك في حدوثها من جهة الشك في شرطية شيئ أو مانعيته لاسبابها فالاصل عدمها كما انه عند الشك في الاجزاء والشرائط في العبادات على الصحيح نتمسك باصالة الاشتغال للشك في الفراغ (والحاصل) ان المسبب حيث انه موجود آخر في قبال السبب فلا دليل على ان يكون امضاؤه امضاء له فيما إذا كان له سبب متيقن (نعم) إذا لم يكن له سبب متيقن اصلا فلا بدو ان يكون امضاؤه امضاء لاسبابه ايضا والا لكان الامضاء لغوا محضا فان قلت ما الفارق بين ما نحن فيه وما إذا علق عكم على موضوع من الموضوعات فان المعيار في التطبيق هو نظر العرف في الثاني دون الاول قلت الفارق هو ان الموضوعات ليست الا امورا خارجية غير قابلة للجعل وليس للامضاء وعدمه فيها مجال اصلا فيكون المتبع هو نظر العرف فقط بخلاف الاسباب فانها جعلية امضائية فنحتاج إلى دليل الامضاء في اثبات سببيتها ولا يكفى فيه امضاء المسبب فقط والتحقيق (1) في حل الاشكال ان يقال ان نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست


1 - بل التحقيق ان يقال ان المراد من المسبب في المعاملة ليس هو الامضاء الشرعي أو امضاء العقلاء ضرورة ان البيع ونحوه اسم لفعل البايع وهو يصدر منه لا من غيره بل - المراد منه هو الاعتبار الصادر من البايع المظهر باللفظ أو بغيره والاعتبار امر قائم بالمعتبر بالمباشرة بلا احتياج إلى سبب أو آلة وقد عرفت سابقا انه لا اساس لما هو المعروف من كون الانشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ وعلى ما ذكرناه فإذا كان دليل الامضاء واردا (*)

[ 50 ]

نسبة الاسباب إلى مسبباتها حتى يكونا موجودين خارجيين يترتب احدهما على الاخر ترتبا قهريا والارادة تكون متعلقة بالمسبب بتبع تعلقها بالسبب حيث ان اختياريته باختياريته كما هو الحال في جميع الافعال التوليدية بل نسبتها إليها نسبة الالة إلى ديها والارادة متعلقة بنفس المعاملة ابتداء كما في سائر الانشائات (بداهة) ان قول بعت أو اضرب ليس بنفسه موجدا للملكية أو الطلب في الخارج نظير الالقاء الموجد للاحراق (بل) الموجد هو الارادة المتعلقة بايجاده انشاء (فإذا) لم يكن من قبيل الاسباب والمسببات (فليس) هناك موجودان خارجيان حتى لا يكون امضاء احدهما امضاء للاخر بل الموجود واحد (غاية الامر) انه باختلاف الاله ينقسم إلى اقسام عديده (فالبيع) المنشأ باللفظ العربي (قسم) وبغير العربي (قسم آخر) فإذا كان المتكلم في مقام البيان ولم يقيده بنوع دون نوع فيستكشف منه عمومه لجميع الانواع والاصناف كما في سائر المطلقات طبق النعل بالنعل فان قلت حيث ان الفاظ المعاملات موضوعة لمعاني اسماء المصادر التى لم تلحظ فيها نسبة اصلاو هي بهذا الاعتبار تباين معاني المصادر الملحوظة فيها النسبة الناقصة فالجهتان متباينتان وان كانت ذات المعنى فيهما واحدة (فإذا) كان الامضاء امضاء اللمعاملة التى بمعنى اسم المصدر فلا ملازمة بينه وبين الامضاء للمعنى المصدرى فلا يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات امضاء سبب المعاملة قلنا نعم وان كانت الجهتان متباينتين (الا ان) دليل الامضاء حيث انه مثل قوله تعالى (اوفوا بالعقود) أو (احل الله البيع) وامثالهما (فهو) ظاهر في ان الممضاة هي الجهة الصدورية فان ظاهره ان المعاملات الصادرة في الخارج منكم يجب الوفاء بها أو احلها الله تبارك وتعالى في محلها لانفس المعاملات بما هي (بل يمكن) ان يقال ان معاني اسماء المصادر (حيث) انها متحدة وجودا مع المعاني المصدرية (فيكون) امضاؤها ملازما لا مضائها عرفا (فتدبر) (فظهر) انه لا منافاة بين القول بوضع الفاظ المعاملات للصحيحة والتمسك بالاطلاق اصلا وان كان


- في مقام امضاء الاعتبارات الصادرة من المتعاملين فمقتضى اطلاقه وعدم التقييد بمظهر خاص يثبت عموم الامضاء لكل ما يمكن ان يكون مظهرا له وبذلك يستغنى عن جميع ما افيد في المقام في وجه التمسك بالاطلاقات في المعاملات مع عدم تماميتها في انفسها فافهم واغتنم

[ 51 ]

المطلقات في مقام امضاء نفس المعاملات ايضا (ويمكن) توجيه عبارة الشهيد (قده) بوجه آخر ايضا (وهو) انه (قده) ليس في مقام بيان المفاهيم التى وضع لها اسماء المعاملات وانها هي الصحيحة (حتى) يورد عليه بعدم صحة التمسك بالاطلاق (ح) بل في مقام بيان المصاديق التى يتعلق بها قصد الناذر وان الناذر انما يقصد ان لا يصلى صلاة صحيحة وان لا ينقل ماله من آخر بقرينة التفريع الذى ذكره (وحاصله) انه بعد تبين تعلق النذر بالصحيح لا بمجرد مسمى الصلاة أو التلفظ بلفظ الصيغة (ان اتى) بالصلاة فاسدة من اول الامر (فلا اشكال) في عدم الحنث (وان اتى) بها صحيحة إلى آخرها (فلا اشكال) في الحنث (وانما) الاشكال فيما لواتى بها صحيحة من اول الامر وافسدها في الاثناء فانه يشك (ح) في ان هذا المقدار من الصحة يحصل به الحنث ام لا " الامر السادس " لا اشكال في امكان الاشتراك والترادف ووقوعهما في لغة العرب وغيرها ولا يعتنى ببعض التسويلات والمغالطات التى فسادها غنى عن البيان (انما الاشكال) في منشأهما (فالمعروف) انه الوضع تعيينا (لكنه) يظهر من بعض المؤرخين انهما حدثا من خلط بعض اللغات ببعض مثلا كان يعبر عن معنى في لغة الحجاز بلفظ ويعبر عن ذلك المعنى في لغة العراق بلفظ آخر وبذلك اللفظ عن معنى آخر ومن جمعهما أخيرا وجعل الكل لغة واحدة حدث الاشتراك والترادف ولا فائدة مهمة في تحقيق ذلك " الامر السابع " الحق امتناع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد على نحو الاستقلال بحيث يكون الاطلاق الواحد استعمالين حكما بل حقيقة وان كان ذات المستعمل واحدة فان الاستعمال كما عرفت سابقا ليس الا ايجاد المعنى في الخارج والقائه في العين والملحوظ اولا وبالذات هو المعنى واللفظ ملحوظ بتبعه فلازم الاستعمال في المعنيين تعلق اللحاظ الاستعمالى في آن واحد بمعنيين ولازمه الجمع بين اللحاظين في آن واحد وهو ممتنع (1) عقلا (ولافرق) فيما ذكرنا (بين) الاستعمال في المعنيين الحقيقيين


1 - لا استحالة في الجمع بين اللحاظين بل هو واقع كثيرا نعم يستحيل الجمع بين اللحاظين على ملحوظ واحد لكن استعمال اللفظ الواحد في معنيين لا يستلزمه بعدما عرفت من ان - (*)

[ 52 ]

أو المجازيين أو معنى مجازى وحقيقي (ولا بين) المفرد وغيره (ولابين) النفى والاثبات لان الملاك في المنع هو لزوم المحال وهو في الجميع موجود (نعم) إذا كان المستعمل فيه مجموع المعنيين أو الجامع بينهما لكان جائزا وان كان الاستعمال مجازيا " الامر الثامن " - في المشتق وقبل الخوض في المقصود ينبغى تقديم مقدمات (المقدمة الاولى) لا خلاف بينهم في صحة استعمال المشتق في المتلبس بالمبدء فعلا والمنقضى عنه وما لم يتلبس به بعد ولكنه يتلبس به في الاستقبال (وكذا) لا خلاف في كونه مجازا في الاخير (كما انه لا خلاف ايضا في عدم صحة استعمال الجوامد كالانسان والحجر وغير ذلك الا في خصوص المتلبس وان استعماله في غيره يعد من الاغلاط ولو كان مما انقضى عنه المبدء كما سيظهر وجهه ان شاء الله تعالى (انما) الخلاف في كونه حقيقة في خصوص المتلبس أو الاعم منه ومن المنقضى عنه (المقدمة الثانية) المراد بالمشتق في محل الكلام ليس خصوص اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة أو هي مع اضافة بقية المشتقات المصطلحة كأسماء الامكنة والازمنة والالات بل كل مفهوم جار على الذات ولم يكن ذاتيا أو منتزعا عن مقام الذات سواء كان مبدئه من المصادر الحقيقية المتصرفة أو من المصادر الجعيلة غير المتصرفة كالزوجية والرقية وامثالهما (بيان ذلك) ان المحمولات على اقسام (منها) ما يكون مبدء الاشتقاق فيه نفس الذات أو مقوما للذات كالانسان والحيوان والناطق فان مباديها وهى


- حقيقة الوضع هو التعهد والالتزام بانه متى ما اراد المتكلم تفهيم معنى يجعل مبرزه لفظا مخصوصا وعليه فليس شأن اللفظ الا انه علامة للمعنى ولا مانع من جعل علامة واحدة لشيئين كما هو ظاهر نعم ان الاستعمال في اكثر من معنى واحد خلاف الظهور العرفي فلا يحمل اللفظ عليه الا مع القرينة ثم انه إذا قام قرينة على ذلك فان علم كيفية الاستعمال فهو وان دار الامر بين ان يراد من اللفظ مجموع المعنيين على سبيل المجاز أو كل واحد من المعنيين بنحو التعدد في الاستعمال فان قلنا بان الاستعمال في اكثر من معنى حقيقة فلابد من الحمل عليه تقديما لاصالة الحقيقة على المجاز وان قلنا بمجازيته فلا محالة يكون اللفظ من المجملات فينتهى الامر إلى الاصول العملية (*)

[ 53 ]

الانسانية والحيوانية والناطقية داخلة في مقام الذات (ومنها) ما يكون المبدء فيه منتزعا من مقام الذات ولا يحاذيه شيئ في الخارج فيكون خارجا محمولا كعنوان العلة والمعلول والممكن وما يقابلانه فان مباديها لا يحاذيها شيئ في الخارج وتكون العناوين المشتقة منها من قبيل الخارج المحمول (ومنها) ما يكون المبدء فيه احد الاعراض التسعة ويكون العنوان المشتق من قبيل المحمولات بالضميمة سواء كان المبدء من الاعراض المتأصلة كالكم والكيف والفعل والانفعال أو من الاعراض النسبية غير المتأصلة كبقية الاعراض الخمسة (ومنها) ما يكون المبدء عنوانا انتزاعيا من قيام عرض من الاعراض التسعة بموضوعاتها كالسابقية والمسبوقية أو الاشدية والاضعفية فانها منتزعة من قيام احد الاعراض التسعة بموضوعاتها مثلا بياض الجسم من الاعراض التى لها وجود خارجي لكن اشتديته بالاضافة إلى بياض آخر ليست الا امرا انتزاعيا لا يحاذيها شيئ في الخارج فيكون من الخارج المحمول المنتزع من غير مقام الذات (لا اشكال) في خروج القسم الاول عن محل النزاع فان شيئية الشيئ بصورته لا بمادته فإذا فرضنا تبدل الانسان بالتراب فما هو ملاك الانسانية هي الصورة النوعية وقد زالت (واما) المادة المشتركة الباقية التى هو القوة الصرفة لافاضة الصور فهى غير متصفة بالانسانية في حال من الاحوال (وبالجملة) فالمتصف زائل والباقى غير متصف و (هذا) بخلاف المشتقات العرضية كضارب مثلا فانه محمول على نفس الذات وهو المتصف بالضرب فإذا انتفى عنه الضرب فقد بقى ذات المتصف حقيقتا وان زال الاتصاف (فيقع) النزاع في ان الصدق حقيقة أو مجاز (وكذا) " 1 " القسم الثاني فان المحمولات فيه تتبع نفس العناوين الذاتية وقد عرفت خروجها عن محل الكلام و (اما القسم الثالث) فلا اشكال في دخوله في محل الكلام لما بينا آنفا من بقاء ذات المتصف حين زوال الاتصاف " ومنه "


1 - النزاع في المشتق انما هو في خصوص وضع الهيئات وحيث ان الهيئة في مثل لفظ الممكن والمعلول وامثالها لم توضع بوضع عليحدة فلا معنى لخروجها عن محل البحث غاية الامران خصوص المادة في الا مثلة المذكورة غير قابلة للزوال مع بقاء الذات و ذلك لا ينافي وضع الهيئة في نفسها للاعم من المقتضى عنه المبدء إذ لانظر في وضعها إلى خصوص مادة دون مادة كما هو ظاهر فالتحقيق دخول جميع العناوين المحمولة على الذات غير ما ينتزع منها عن مقام الذات سواء كانت من المشتقات الاصطلاحية أو لم تكن (*)

[ 54 ]

يعلم دخول القسم الرابع ايضا في محل الكلام لعدم الفرق اصلا بين المبادى الجعلية غير المتصرفة والحقيقية المتصرفة في ملاك الاشكال والخلاف " إذا عرفت ذلك " تعرف ان ما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من تعميم محل النزاع للعرض والعرضي لا يستقيم بظاهره " فان " محل الكلام " هي " المشتقات العرضية فقط ولعله اراد من العرضى نفس المبادى التى لا يحاذيها شيئ في الخارج ويكون ما يشتق منها من قبيل الخارج المحمول وهو مع كونه خلاف الاصطلاح لا ينطبق على الامثلة المذكورة فيها فان الظاهر ان الزوجية " 1 " وامثالها من مقولة الاضافة المعدودة من الاعراض التسعة فتكون العناوين المنتزعة منها من قبيل المحمولات بالضميمة لا الخارج المحمول ومما يدل على ما ذكرناه من دخول العناوين المنتزعة من المبادى الجعلية في محل النزاع ما ذكره جملة من الاعلام في جملة من المباحث الفقهية " منها " ما ذكره فخر المحققين " قده " في مسألة الرضاع في احكما المصاهرة من ابتناء تحريم المرضعة الثانية على القول بكون المشتق حقيقة في الاعم فانه " قده " ذكر فيمن كان له زوجتان ارضعتا زوجته الصغيرة مع الدخول باحديهما انه لااشكال في تحريم المرضعة الاولى والصغيرة واما المرضعة الثانية ففى تحريمها اشكال واختار والدى المصنف (قده) تحريمها فانه يصدق عليها انها ام زوجته لعدم اشتراط بقاء المبدء في صدق المشتق انتهى وتوضيح ما ذكره (انه تارة) لا يفرض هناك دخول اصلا (واخرى) يفرض الدخول بالمرضعة الاولى (وثالثة) بالثانية (اما في) الفرض الاول (فبمجرد) تحقق الرضاع تتحقق الامية والبنتية بينهما فتبطل زوجيتهما معا لعدم (2) امكان الجمع بين الام والبنت في الزوجية في زمان واحد ولو بقاء فلا محالة ترتفعان معا لعدم المرجح في البين (واما المرضعة) الثانية (فبطلان) زوجيتها يبتنى على النزاع في المشتق وعلى فرض


1 - بل ان الزوجية وامثالها من الاعتبارات الشرعية أو العقلائية ولا يحاذيها في الخارج شيئ كما هو ظاهر ومراد المحقق صاحب الكفاية قدس سره من العرضى هو ذلك كما صرح به في بحث الاستصحاب عند تعرضه لمجعولية الاحكام الوضعية 2 - هذا ببتنى على عدم امكان الجمع بين الام والبنت في الزوجية ولو مع قطع النظر عن حرمة ام الزوجة مؤبدا والا ففى بطلان زوجية البنت نظر واضح ومن ذلك يظهر الحال في بعض الفروض الاتية أيضا فتدبر (*)

[ 55 ]

البطلان تحرم مؤبدا كالمرضعة الاولى لصدق ام الزوجة عليها (واما) البنت (فلا تحرم) لاشتراط تحريم الربيبة بالدخول بأمها والمفروض في المقام عدم التحريم من غير جهة المصاهرة لفرض ان اللبن من غيره (فان قلت) أي دليل على حرمة ام الزوجة الرضاعية مع أن الدليل نزل الرضاع منزلة النسب لا منزلة المصاهرة فلا وجه لتسرية احكام المصاهرة إلى الرضاع كما ذكره المحقق المير داماد (قده) " قلت " نعم لكن بأدلة تنزيل الرضاع منزلة النسب يتحقق موضوع احكام المصاهرة فيترتب أحكامه قهرا مثلا ورد في الدليل حرمة ام الزوجة ودليل الرضاع يثبت كون المرأة ام الزوجة فتحرم بذلك الدليل لا أن دليل التنزيل يجرى في المصاهرة بلا واسطة (واما) في الفرض الثاني فلا اشكال في تحريم الرضيعة وامها وبطلان زوجيتهما لكون الرضيعة بنت الزوجة المدخول بها (1) وكون الام ام الزوجة وتحريم المرضعة لثانية مبتن على النزاع في المشتق (واما) في الفرض الثالث فالرضاع الاول يحرم الام لكونها ام الزوجه (واما) البنت (فلا) تحرم وان بطلت زوجيتها (نعم) بالرضاع التأني نحرم البنت ايضا (واما) الام (فيبتنى) بطلان زوجيتها وحرمتها مؤبدا على كون المشتق حقيقة في الاعم (ثم) أن فخر الدين (قده) استدل على تحريم المرضعة الثانية بوجهين (وحاصل) أحدهما انه يكفى في الحرمة صدق المشتق و تحقق الزوجية في زمان ما فيدخل في عموم قوله تعالى (وامهات نسائكم) وهذا الوجه يمكن ان بريد به اختيار كون المشتق حقيقة في الاعم (ويمكن) ان يكون مراده (قده) ان صدق الزوجة على البنت في زمان ما كاف في تحريم امها ابدا إذ لم تقيد حرمة ام الزوجة في الاية بكونها ام الزوجة الفعلية فيكفى في الحرمة كونها ام الزوجة السابقة فيكون نظير قوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) حيث ان الظالم في زمان ما لا يناله العهد دائما فتحقق الزوجية في زمان موجب لتحريم امها ولو كانت الامية


1 - إذا فرض بطلان زوجية الام والبنت في آن واحد فليس هناك زمان خارجي تتصف الام فيه بانها ام الزوجة أو تتصف البنت فيه بانها بنت الزوجة نعم ان بطلان الزوجتين في طول حصول الامية والبنتية رتبة الا ان الاحكام الشرعية مترتبة على الموجودات الزمانية دون الرتبتية كما هو ظاهر (*)

[ 56 ]

في زمان متأخر عن الزوجية (وحاصل) الدليل الاخر انه (لو فرضنا) زوال الزوجية في مقام ثم تزوجت المرأة من رجل آخر فولدت منه بنتا (فلا اشكال) في حرمة البنت على الزوج الاول مع دخوله بامها فكذا إذ احدثت البنتية بالرضاع فان ما يحرم بالنسب يحرم من الرضاع (فإذا كان) هذا حال حدوث البنتيه بعد زوال الزوجية (فكذلك) حال حدوث الامية فهى ايضا توجب الحرمة وان كانت بعد زوال البنت (وبالجملة) فلا اشكال في عموم النزاع ولا وجه لاختصاصه ببعض المشتقات كما في كلام جماعة من المحققين بعد عموم الاملاك وهو بقاء الذات مع زوال الاتصاف (المقدمة الثالثة) ربما يتوهم خروج اسم الزمان عن حريم النزاع (بداهة) ان الذات فيه وهو الزمان بنفسه ينقضى ويتصرم وليس له بقاء بعد انقضاء عارضه (وقد عرفت) ان بقاء الذات معتبر في محل النزاع ولذا بنينا على خروج المشتقات المنتزعة عن مقام الذات عن محل الكلام (ولكن) هذا التوهم (انما يتم) إذا كان المعروض هو الشخص دون الكلى والا فبقاء الذات فيه اوضح من ان يخفى. " بيان " ذلك انه لا اشكال في ان لفظ السبت واول الشهر وغيرهما من اسماء الازمنة موضوعة لمعان كلية لها افراد تدريجية ولا يمكن اجتماع فردين منها في الوجود (فان كان) اسماء الازمنة المصطلحة كالمقتل والمضرب وغيرهما موضوعة لزمان كلى متصف بالقتل والضرب ككلى يوم العاشر من المحرم مثلا (فلا اشكال) في بقاء الذات ولو مع انقضاء العارض (واما) إذا كان الزمان المأخوذ فيها شخص ذاك اليوم بعينه لاكليه (فللتوهم) المذكور (محال) لكن كون المأخوذ فيها هو الشخص في حيز المنع. (بل الظاهر) انه الكلى (1) كما في بقية اسماء الازمنة غير المصطلحة كأسماء الايام والشهور والسنين (ولا يخفى) ان هذا الذى اخترناه اولى مما اخترناه في الدورة السابقة من ان المعروض هو الشخص ولكنه يجرد عن الخصوصية فيكون باقيا


1 - لا ينبغى الريب في ان الموضوع له في اسماء الازمنة معنى كلى الا ان مصداقه في الخارج والمتصف بالمبدء، انما هو الشخص فمع زوال الوصف وانعدام ذلك الشخص لا معنى لبقاء الذات في ضمن شخص آخر والتحقيق في الجواب ان يقال ان الشبهة المذكورة مبتنية على كون هيئات اسماء الازمنة موضوعة مستقلة في قبال وضع هيئات اسماء الامكنة واما إذا كان الوضع فيها واحدا وبمعنى جامع يطلق على الزمان مرة وعلى المكان اخرى كما هو - (*)

[ 57 ]

بعد زوال الوصف (وكذا) مما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان انصار الكلى في فرد وامتناع فرد آخر لا يوجب الوضع لخصومه كما في لفظ الواجب تعالى فتدبر جيدا. (المقدمة الرابعة) قد ذكرنا في المقدمة الاولى انه لااشكال في كون المشتق حقيقة في المتلبس في الحال (وانما) الكلام في انه موضوع لخصوصه أو للاعم منه و من المقتضى عنه وحيئنذ فيقع الكلام في انه ما المراد من الحال فهل هو زمان النطق أو معنى آخر (فنقول) لفظ الحال يطلق (تارة) ويراد منه الزمان الحاضر في قبال الماضي والمستقبل ولا اشكال في وجوده (ولا يصغى) إلى ما قيل من انحصار الزمان في الماضي والمستقبل وانكار الزمان الحاضر بتوهم ان الزمان حيث انه بنفسه ينقضى ويتصرم فالجزء المتحقق ماض وغير المتحقق مستقبل فاين الزمان الحاضر (بداهة) انه مغالطة محضة ومساوق لانكار اصل وجود الزمان واستصحابه وسيجئ في باب الاستصحاب ان شاء الله تعالى ان الزمان وان كان بنفسه مما يتصرم الا ان له حافظ وحدة جامعة لتمام الانات المتكثرة التى توجد وتنعدم فكل جزء حين وجوده زمان حاضر وبعده ماض وقبله مستقبل (ويطلق اخرى) ويراد منه حال التلبس وليس المراد منه زمان التلبس كما في عبارة كثير من الاعلام ومنهم المحقق صاحب الكفاية (قده) (بداهة) ان لازمه اخذ الزمان في مدلول المشتقات ولانلتزم باخذ الزمان في مداليل الافعال كما سيجئ ان شاء الله تعالى فضلا عن الاسماء مضافا إلى انه مستلزم لاخذ النسبة الناقصة في مدلولها المستلزم لاخذ الذات فيه على ما سيجئ وهو خلاف مذهب التحقيق حتى عنده (قده بل) المراد منه هي فعلية التلبس الملازمة لاحد الازمنة الثلاثة (وعليه) فلا يدخل الحال بالمعنى الثاني الذى هو زماني ملازم للزمان مع المعنى الاول تحت جامع واحد (بل) هما متباينان مفهوما فلاوجه لدعوى العموم من وجه بينهما بتوهم


- الظاهر فلا اشكال اصلا فهيئة مفعل مثلا وضعت لظرف الفعل اعم من كونه زمانا أو مكانا وعليه فيمكن وضع هذه الهيئة لخصوص المتلبس أو للاعم منه ومن المنقضى عنه المبدء غاية الامر انه في خصوص الاطلاق على الزمان لا يمكن فيه الانقضاء وهذا الاضيرفيه اصلا بعد عدم كون الوضع مختصا به وقد تقدم نظير ذلك في مثل لفظ الممكن والمعلول وامثالهما (*)

[ 58 ]

ان المراد منه هو زمان التلبس والعموم من وجه بين الزمانين ظاهر (إذا عرفت ذلك) فنقول المراد من الحال في كلام القوم هو المعنى الثاني لازمان النطق (بداهة) ان قولنا زيد كان ضاربا أو سيكون ضاربا حقيقة عند الكل مع انه لم يصرح احد بخصوص ارادة زمان النطق في محل الكلام (مضافا) إلى استبعاد الوضع لما هو قليل الفائدة إلى الغاية هذا (وربما) يشكل على ما ذكرنا من ان المراد بحال التلبس هو فعلية التلبس والزمان خارج عن مدلول المشتق بوجهين (الاول) انه ينافى ما ذكره علماء النحو من اشتراط عمل اسم الفاعل والمفعول بما إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال فان ظاهره دلالة المشتقات على الزمان (الثاني) انه ينافى النزاع المعروف بين الشيخ والفار ابى في ان اللازم في اتصاف ذات الموضوع بوصفه هل هو كونه بالامكان أو بالفعل وفسر الفعلية في كلام البعض باحد الازمنة الثلاثة (وجه) المنافاة المتوهمة انه (إذا كان) شرط اطلاق المشتق هو فعلية التلبس وخروج الزمان عند مدلوله كما ذكرنا فيكون النزاع المعروف مما لا يترتب عليه ثمرة اصلا إذ بعد الفراغ عما ذكرناه فاى وقع لما اختاره الفارابى من كفاية الاتصاف بالامكان ولابد من الالتزام بمقالة الشيخ بعد ارجاع تفسير كلام الشيخ باحد الازمنة إلى ما ذكرنا بان يكون تفسيرا باللازم فان فعلية التلبس ملازمة للوقوع في احد الازمنة قهرا (بل ان) مختار الفارابى ينافى ما ذكرناه سابقا من خروج الاوصاف الذاتية عن حريم النزاع والاتفاق على اعتبار الفعلية فيها فان ما اختاره الفارابى لا يختص بالمشتقات العرضية ويشمل العناوين الذاتية المشتقة من المبادى الجعلية (ولكن المتأمل) لا يخفى عليه فساد كلا الاشكالين (اما الاول) فلان الاشتراط المذكور ليس من جهة دلالة نفس اللفظ على الزمان كيف والمسلم عندهم عدم دلالة الاسم على الزمان بل من جهة القرينة الخارجية من لفظ امس أو غد وامثال (كما ان) الدلالة على الزمان الحاضر من جهه الانسباق من سياق الجملة (اجنبية) عما نحن بصدده من تعيين المفاهيم الافرادية (واما الثاني) فلان محل كلامنا هو المفاهيم الافرادية (والنزاع) المعروف (انما) هو في القضايا التركيبية بمعنى ان المحمولات فيها (هل) هي ثابتة على الافراد الفعلية (أو على) الافراد الممكنة ولا تنافى بين الالتزام باعتبار فعلية التلبس مع الالتزام بمقالة الفارابى وان معنى قولنا كل انسان كاتب ان كلما يمكن ان يتصف بالانسانية وان

[ 59 ]

لم يتصف بها في احد الازمنة فهو متصف بالكتابة حين اتصافها بالانسانية (وبالجملة) اعتبار فعلية التلبس في المفهوم الافرادى اجنبي عن تعيين موضوعات الاحكام في القضايا التركيبية (نعم) اعتبار فعلية التلبس بالمعنى الاخر وهو كون الاتصاف في الزمان الحاضر ينافى كون الموضوع هو الافراد الممكنة غير المتصفة بالوصف العنوانى في الزمان الحاضر (المقدمة الخامسة) ان النزاع في هذا المبحث كما ذكرنا انما هو في سعة المفهوم وضيقه بمعنى ان الموضوع له هل هو خصوص المتلبس بالمبدء أو الاعم منه ومن المنقضى عنه (وتخيل) بعض ان النزاع ليس في ناحية المفهوم بل في الصدق (وحاصله) ان مفهوم المشتقات مما لم يقع الاشكال لاحد فيه (وانما) النزاع في أن صدقه على المنقضى عنه المبدء (هل) هو باعتبار انه من الافراد التنزيلية (أو من) الافراد الحقيقية (واورد) على القوم بانهم لم يميزوا محل الكلام ومورد النقض والابرام (وكلامه) هذا مأخوذ من السكاكى المنكر للمجاز في الكملة القائل برجوعه إلى المجاز في الاسناد وان المصاديق المجازية أفراد ادعائية للمعنى الحقيقي والتصرف في امر عقلي (ولا بدلنا) اولا من ابطال كلام السكاكى حتى يظهر بطلان كلام التابع له ايضا (فنقول) ان مختاره على تقدير تماميته فانما يتم في القضايا الخارجية الصدقية سواء كان الصدق فيها ملحوظ استقلالا كقولنا زيد اسد أو ضمنا كقولنا رأيت اسدا يرمى (وأما) في القضايا التى لم يلحظ فيها الصدق على موضوع خاص اصلا (بل) هي من القضايا الكلية الحقيقية التى لم يلحظ فيها صدق الموضوع على شخص منقض عنه المبدء حتى يتكلم أن هذا من الافراد الحقيقية أو الادعائية كما في قولنا تحرم ام الزوجة فمثل هذه القضايا خارجة عن موضوع كلامه بالكلية وعمدة ما يكون محل الكلام ومورد النقض والابرام هي هذه القضايا التى لم يلحظ فيها صدق الموضوع على شخص (فانه) إذا كان الصدق مفروضا (فلا اشكال) في شمول الحكم له (غاية الامر) يكون النزاع علميا في انه هل هو من الافراد الادعائية أو الحقيقية (واما) القضايا الصدقية (فهى) على ثلاثة اقسام فان صدق المعنى (تارة) يكون على فرده بلا خفاء ولا عناية كصدق الماء على ماء الفرات مثلا (والحرى) على فرد مع الخفاء لكنه أيضا من افراد المعنى الحقيقي كصدق الماء على ماء الزاج والكبريت فانهما من افراد الماء بحسب المعنى الموضوع له وان كان صدقه عليهما

[ 60 ]

يحتاج إلى تأمل و (ثالثة) يكون صدقه على فرد باعتبار التوسعه في المعنى واستعمال اللفظ في المعنى المجازى كما إذا استعمل لفظ الاسد في مطلق الحيوان الشجاع فيصدق على زيد ايضا وإذا لم يكن احد هذه الوجوه فلا يمكن الحمل قطعا ويكون دعوى الصدق والانطباق من الدعاوى الكاذبة الجزافية (وبعبارة اخرى) حيث أن زيدا ليس من أفراد الحيوان المفترس قطعا فلابد من الادعاء والتنزيل فهو (اما) في الموضوع (اوفى) المحمول (اوفى) النسبة (لااشكال) في عدم الادعاء والتنزيل في الموضوع وهو زيد (فاما) أن يكون في المحمول بتوسعة في المفهوم (فهو) المطلوب وما اختاره المشهور في المجازات (واما) أن يكون في النسبة فيكون من الدعاوى الكاذبة الجزافية (ومنه) يعلم عدم الفرق بين ما إذا كان الصدق ملحوظا ابتداء أو ضمنا في انه لو لم يكن توسعة في ناحية المعنى لكان الدعوى كاذبة لا محالة (واذ ظهر لك) بطلان ما ذهب إليه السكاكى (فيظهر لك) بطلان كلام التابع له ايضا (وجه الظهور) أن مفهوم المشتق (ان كان) اعم من المنقضى عنه والمتلبس سواء كان هذا المعنى حقيقيا أو مجازيا (فلا اشكال) في الصدق (والا) فيستحيل صدقه على المنقضى عنه ويكون دعوى الفردية من الدعاوى الكاذبة " ثم " ان النزاع العلمي لابد وأن يكون في ناحية المعنى والا فالصدق من الامور التكوينية الخارجية ولا معنى للنزاع فيه بعد وضوح المفهوم وعدم الجهل بخصوصيات الفرد الخارجي فكيف يجعل الامر التكويني الخارجي محلا للنزاع بين الاعلام بل لابد وأن يكون نزاعهم في امر علمي نظرى وهو ليس الا أعمية المعنى وأخصيته " المقدمة السادسة " في تعيين مبدء المشتقات ومفاد هيئاتها " اما الاول " فالمعروف بين المتقدمين انه المصدر " وربما " يورد عليه بأنه مشتمل على مادة وصورة من حيث لفظه وحدث ونسبة من حيث المعنى ويستحيل أن يكون مثله مبدء لبقية المشتقات إذ لابد وأن يكون المشتق مشتملا على المبدء والمصدر مباين مع بقية المشتقات لفظا ومعنى ولذلك عدل المتأخرون عنه وجعلوا المبدء اسم المصدر " ولا يخفى " انه كالمصدر في استحالة كونه مبدء لسائر المشتقات فانه مباين معها ايضا كما ستعرف فيستحيل كونه مبدء لها " والتحقيق " ان المبدء للجميع هي المادة الهيولاوية غير المشتملة على خصوصية من خصوصيات المشتقات من هيئاتها ونسبها الخاصة فاللفظ والمعنى الملحوظان بنحو

[ 61 ]

اللا بشرطية هما المبدئان لالفاظ المشتقات ومفاهيمها المشتملتين على خصوصية بها يمتاز بعضها عن بعض كما اشرنا إليه في مبحث المعاني الحرفية (نعم) لا بأس بالتعبير عن المبدء بالمصدر لكن مع الغاء الهيئة المصدرية لعدم امكان التعبير عنه الا في ضمن هيئة من الهيئات والتخصيص بالمصدرية لتقدم رتبته على سائر المشتقات كما ستعرف آنفا (واما الثاني) فتوضيحه (1) ان تلك المادة الهيولاوية التى عرفت انها المبدء للمشتقات بالحقيقة (تارة) لا تلاحظ فيها الانفس نسبتها إلى محلها التى هي ذاتية لها من جهة كونها عرضا له فتكون مدلولة للمصدر الدال على النسبة الناقصة باضافته إلى فاعله كثيرا والى مفعوله احيانا (واخرى) تلاحظ بدون النسبة بما انها شيئ من الاشياء (وبعبارة اخرى) نتيجة المصدر والحاصل عنه فيسمى الدال عليها باسم المصدر ورتبته بالقياس إلى المصدر كأنها رتبة الانفعال من الفعل فيكون متأخرا عنه لا محالة وحيث انه لم تلاحظ فيه النسبة بل لو حظ مدلوله بما هو شيئ من الاشياء فلا يعمل عمل المصدر ولا يبعد ان يكون المفعول المطلق مأخوذا بمعنى اسم المصدر ولا ينافى ذلك اشتراط وقوعه مصدر الاشتراكه معه في الهيئة غالبا (وثالثة) تلاحظ بما هي مخبر بها تحققا فتكون النسبة التقييدية المصدرية تحت الحكاية من حيث التحقق كما في الفعل الماضي فانه متكفل لحكاية تحقق نسبة المبدء إلى موضوعه وبهذه الملاحظة يدل على الزمان الماضي بالملازمة فان تحقق


1 - التحقيق ان كل خصوصية من خصوصيات المعنى التى يدل عليها خصوص هيئته انما هي مباينة مع خصوصية اخرى ولانظر في احديها إلى الاخرى فلا موجب لتقدم بعضها على بعض اصلا والظاهر ان هيئة اسم المصدر موضوعة للدلالة على قصد المعنى بما هو من دون لحاظه منتسبا إلى غيره من ناحية استعمال اللفظ فيه كما ان هيئة المصدر موضوعه للدلالة على ؟ قصد المعنى بما انه منتسب إلى فاعل ما اوالى مفعول ما واما هيئة الفعل الماضي فهى موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن تحقق المبدء سابقا على التكلم ولو آناما وهيئة الفعل المضارع موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن تحقق المبدء حال التكلم أو بعده بزمان والمشتقات الاسمية موضوعة للدلالة على قصد افادة تقييد الذوات بقيام المبادى بها نحو قيام وجميع هذه الخصوصيات تطرء على معنى واحد من دون ان يكون هناك ما يوجب بقدم بعضها على بعض وقد مر ما ينفع في المقام من الكلام في بحث الخبر والانشاء وفى بحث المعاني الحرفية (*)

[ 62 ]

نسبة شيئ إلى محله لا يعقل الا سابقا على التكلم ولو بان ما والا فالزمان الماضي الذى هو معنى اسمى يستحيل لان يوضع له الهيئة قطعا فظهر) ان رتبة الفعل الماضي متأخرة عن رتبة المصدر ايضا (فان قلت) اليس من المسلم في محله أن الاوصاف التى هي النسب التقييدية قبل العلم بها ولو فرضا اخباركما ان الاخبار التى هي النسب التامة بعد العلم بها كذلك اوصاف فلا محالة تكون النسب التقييدية رتبتها متأخرة عن النسب التامة الخبرية ولازم ذلك أن يكون المصدر متأخرا رتبة عن الفعل الماضي كما ذهب إليه جماعة من النحويين (قلت) تأخر النسبة التقييدية في الوصاف عن النسبة التامة الخبرية لا يستلزم تأخر كل نسبة تقييدية عن كل نسبة تامة بل التقدم والتأخر لا بدوان يكونا بملاك وهو في الاوصاف يقتضى التأخر وفيما نحن فيه يقتضى التقدم كما عرفت وجهه (وبالجملة) حيث ان الفعل الماضي لوحظ فيه المادة منتسبة إلى الفاعل بالنسبة التامة التحقيقية فلا محالة يكون متأخرا عمالم يلاحظ فيه التحقق قطعا (ورابعة) تلاحظ المادة بما ان موضوعها منشأ لها كما في الفعل المضارع فانه يحكى عن منشأية الموضوع للحدث فهو وان شارك الفعل الماضي في ان المبدء لوحظ فيه عرضا غير محمول كما في المصدر واسم المصدر الا ان الملحوظ في الماضي الحكاية عن تحقق هذا الحديث المنتسب وفى المضارع الحكاية عن مبدئية الذات للحدث (ومن) يعلم فساد ما عليه المشهور من دلالة الفعل المضارع على الحال أو الاستقبال (لما عرفت) من انه لا يدل الا على خصوص مبدئية الذات للحدث فعلا فلا بدفى دلالته على الاستقبال من الحاق كلمة سين أو سوف وبلحاظ دلالته على مبدئية الذات يكون مضارعا لاسم الفاعل فهو وسط بين الماضي واسم الفاعل (و خامسة) تلاحظ المادة بما هي عرضى محمول على الذات بخلاف المشتقات السابقة كما في اسم الفاعل وما يلحقه من الصفات ورتبة هذا القسم من المشتقات متأخرة عن جميع ما تقدم فما احسن تعبير هم بضرب يضرب فهو ضارب حيث انه للاشارة إلى ان مرتبة الفعل الماضي متقدمة على المضارع وهو متقدم على اسم الفاعل (ولذا) ذكرنا سابقا ان الاصل في المرفوعات هو الفاعل الذى هو في مرتبة الفعل الماضي دون المبتدء الذى هو في مرتبة اسم الفاعل ثم لا يخفى ان ما ذكرناه ما ان المصدر يدل على النسبة الناقصة دون اسم المصدر

[ 63 ]

ليس الغرض منه ان النسبة الناقصة مدلولة للهيئة والا لوجب ان تكون المصادر مبينة (1) لتضمنها للمعنى الحرفى بل الغرض ان المصادر لوحظ فيها المادة بحيث تكون قابلة لو رود النسبة إليها فيضاف إلى الفاعل كثيرا وإلى المفعول نادرا بخلاف اسم المصدر فانه لم يلحظ فيه النسبة اصلا ولا يمكن اضافته إلى شيئ فان الاضافة ملازمة للنسبة وقد بينا كونه معرى عنها (2) وملحوظا بما هي شيئ من الاشياء (والحاصل) ان المصدر موضوع للحدث حال قيامه بالموضوع فيمكن اضافته إلى موضوعه بخلاف اسم المصدر فانه موضوع بازاء الحدث بشرط عدم هذه الملاحظة ثم لا يخفى ان اسم الفاعل متقدم رتبة على سائر المشتقات التى لوحظ المبدء فيها عرضيا محمولا كاسم المفعول واسمى الزمان والمكان وغير ذلك فانه ينتزع من قيام العرض ونسبته الاولية إلى موضوعه بخلاف بقية المشتقات فانها تنتزع من النسبة الثانوية إلى المفعول أو الزمان أو المكان أو غيرهما. بقى الكلام في أن المفاهيم الاشتقاقية هل هي بسيطة لم تؤخذ فيها الذات والنسبة أولا (فتقول) وقع الخلاف بين الاعلام في أنها بسيطة أو مركبة وربما يفصل بين الذات والنسبة بالاعتراف بأخذ الثانية دون الاولى (ولا يخفى) على المتأمل غرابته فان اخذ كل منهما يلازم أخذ الاخر (اما الذات) فلانها لو اخذت في مفهومها والمبدء مأخوذ فيه لا محالة فلا بد من اخذ النسبة ايضا ادلا معنى لدلالة المشتق على الذات والمبدء بحيث يكون كل منها أجنبيا عن الاخر (وأما النسبة) فحيث انها متقومة بالطرفين فيلزم من أخذها فيه أخذ الذات ايضا والا كانت قائمة بطرف واحد وهو محال (3)


1 - دلالة هيئة المصدر التى هي موضوعة بوضع غير وضع المادة على النسبة الناقصة لا توجب كون المصادر مبنية وانما الموجب له تضمن نفس الاسم الموضوع للمعنى الاستقلالي لمعنى حرفي كاسماء الاشارة ونحوها وكم فرق بين الامرين كما هو ظاهر 2 - كون اسم المصدر بنفسه معرى عن النسبة لا ينافى اضافته إلى شيئ ولحاظ النسبة فيه من جهة الاضافة كما في الجوامد ولازم ما ذكر في المتن استحالة الاضافة في الجوامد وهى واضحة البطلان 3 - سيأتي ان الذات المأخوذة في مفاهيم المشتقات أو الجوامد انما هو امر مبهم من (*)

[ 64 ]

وكيف كان فقبل الخوض في الاستدلال لابدلنا من تحرير محل النزاع (وبيانه) أنه لا اشكال في أن في الخارج امورا ثلاثة ذاتا ونسبة ومبدء متحدا معها نحوا من الاتحاد فوقع الكلام في أن الموضوع له (هل هو) المعنى البسيط أعنى خصوص المبدء الملحوظ متحدا مع الذات (أو) المركب منه ومن الذات المنتسب إليها المبدء والغرض من البساطة والتركب هي البساطة والتركب بحسب التحليل العقلي وألا فلا ريب في أن مفهوم المشتق ليس مركبا من مفاهيم تفصيلية وهى مفهوم ذات ثبت له المبدء والقائل بالتركب يسلم وحدة المفهوم (غاية الامر) يدعى أنحلاله إلى امور متعددة في العقل (بداهة) أن لازم التركب المفهومى (1) هو انقلاب الادراك التصورى اللازم في المحمول إلى ادراك تصديقي ولا يلتزم به احد من القائلين بالتركب. ثم انه يظهر من تقريرات أستاذ الاساطين العلامه الانصاري (قده) دخول الجوامد ايضا في محل الكلام حيث أنه استدل بعدم اخذ الذات في مفاهيم الجوامد على عدم الاخذ في مفاهيم المشتقات (واشكل عليه) بأن الجامد كالانسان مثلا موضوع لنفس الذات فلا معنى لاخذها فيه (ويرد عليه) أن مفهوم الانسان مثلا وان لم يكن ذاتا يقوم بها مبدء الانسانية الا أنه لا اشكال في تقدم مراتب سابقة عليه هي مواد للصورة الانسانية كالجوهرية والجسمية ولذا أشرنا سابقا إلى أن الموضوع في زيد انسان هو زيد المنخلع عنه الانسانية الملحوظ فيه الجسمية فقط حتى لا يلزم حمل الشيئ على نفسه فمرتبة الجسمية هي مرتبة الموضوع للصورة الانسانية فيقع الكلام في أن لفظ الانسان موضوع لما ينحل إلى جسم له الانسانية أو لخصوص الصورة الانسانية التى هو الفصل الاخير (وبالجملة) الذات تختلف في الجوامد والمشتقات (فهى في المشتقات) عبارة عن المعروض لكن لا بخصوصيته الخاصة كزيدية زيد وعمروية عمرو (وفى الجوامد) هي المواد السابقة على الصورة النوعية التى بها يكون شيئية


- جميع الجهات الا من جهة قيام المبدء بها وعليه فلا يلزم من اخذ الذات في الجوامد اخذ كل من الجنس والفصل والنوع في غيره كما سيتضح ذلك انشاء الله تعالى 1 - كون النسبة في مقام تحقيقها وتعقلها متقومة بالطرفين اجنبي عن كون الطرفين مدلولين لما يدل عليها والا كانت المداليل الاسمية داخلة في معنى الحروف الدالة على النسب الخاصة وهو واضح البطلان (*)

[ 65 ]

الاشياء (وتوضيح ذلك) أن ملاك الحمل في العناوين الذاتية كالجنس والفصل أوفى العناوين العرضية كالمشتقات الاصطلاحية هو اخذ المحمول لا بشرط بالاضافة إلى ما يحمل عليه كما سيتضح ذلك في المقدمة السابعة ان شاء الله تعالى (وحينئذ) فالذات التى أخذ المحمول الاشتقاقى بالاضافة إليها لا بشرط هو المعروض والذات التى اخذ المحمول الذاتي بالاضافة إليها كذلك هو الفضل (تارة) والجنس (أخرى) والنوع (ثالثة) على اختلاف القضايا باختلاف موضوعاتها (فلازم) تركب مفاهيم الجوامد (هو) اخذ الجنس والفصل والنوع كل منها في الاخر (1) لان كلا منها قائم بالاخر بحسب تركب القضية موضوعا ومحمولا فلقد أحاد (قده) في التسوية بينهما إذ الملاك في الحمل هو اعتبار اللابشرطية المشترك بين المقامين (ان قلت) ان المشتقات لها وضعان من حيث المادة والهيئة فلا يلزم من بساطة المفاهيم غير الاشتقاقية التى ليس لها الا وضع واحد شخصي بساطة المفاهيم الاشتقاقية (قلت) محل الكلام في المشتقات ليس هو وضع موادهها السارية في جميعها اسمية كانت أو فعلية بل خصوص وضع هيئاتها التى بها تكون محمولات في القضايا وهى (وان) كانت تفارق الجوامد في أن وضعها نوعي بخلافها فان وضعها شخصي (الا انه) ليس بفارق في محل الكلام وهو البساطة والتركب فان اللا بشرطية المصصحة لاخذ شيئ محمولا ان كانت مستلزمة لاخذ الذات فيشترك فيه الجميع والا فكذلك وكون الوضع شخصيا أو نوعيا اجنبي عن المقام. (إذا عرفت) ذلك (فاعلم) أن التحقيق (2) وفاقا لاهله بساطة مفاهيم المشتقات وخروج الذات والنسبة عن مداليلها بالكلية فلا تدل الا على المبدء الملحوظ اتحاده مع الذات فقط والبرهان عليه من وجهين (الاول) من طريق الان فانه لو كان المشتق دالا على النسبة التى هي معنى حرفي فلا محالة يكون متضمنا للمعنى الحرفى فيلزم أن


يتعلق بصفحة 64 - 1 - تركب المفاهيم في مداليل المشتقات مع قطع النظر عن التحليل العقلي وان كان على خلاف الوجدان العرفي الا ان لازمه هو انقلاب الادراك التصورى إلى ادراك تصديقي بعد كون المبدء مأخوذا بنحو التقييد كما هو المفروض 2 - بل التحقيق هو تركب المفاهيم الاشتقاقية والبرهان عليه مضافا إلى ضرورة الوجدان - العرفي وان المفهوم من لفظ القائم مثلا ليس الا ما قام به المبدء وهو القيام دون نفس (*)

[ 66 ]

يكون مبنيا (1) فيستكشف من كونه معربا عدم أخذ النسبة فيه وبالملازمة يستكشف عدم أخذ الذات فيه أيضا (الثاني) أن المشتق كما عرفت سابقا ليس الا مالحوظ المبدء فيه بحيث يتحد مع الذات وينطبق عليه (2) والمفروض ان المحمول ليس الانفس المشتق فليس هناك ما يكون منشأ لدعوى اخذ الذات في مفهومه فان مادته موضوعة للمادة الهيولاوية المشتركة بين جميع المشتقات وهيئة موضوعة لافادة اتحاد المبدء مع موضوعه


المبدء هو ان وجود العرض في الخارج في نفسه وان كان عين وجوده لموضوعه الا انه مغاير مع وجود الموضوع الذى هو موجود لنفسه ومعها كيف يمكن الاتحاد بينهما في الوجود الذى هو الملاك في صحة الحمل الشايع وهل اعتبار اللا بشرطية يوجب اتحاد المتغايرين في الوجود وإذا كان هذا حال العرض مع موضوعه في الخارج فكيف حال المبادى الاعتبارية التى لا وجود لها في الخارج فكيف يمكن حملها على الذوات الخارجية مع ان صحة الحمل تتوقف على اتحاد في الوجود هذا مع انك قد عرفت فيما مر ان كل هيئة من هيئات المشتقات موضوعة بوضع علي حده في قبال وضع المواد فلا محالة يكون ما استعمل فيه الهيئة مغايرا لما يستعمل فيه المادة فلا بد من دلالتها على النسبة أو عليها مع الذات وحيث ان المشتق بنفسه من دون ان يكون معتمدا على الموصوف يمكن ان يكون موضوعا في القضية الحملية أو مسندا إليه في غيرها فلا مناص عن دلالته على الذات ايضا والا كانت النسبة الكلامية قائمة بطرف واحد وهو غير معقول ثم لا يخفى ان الذات المأخوذة في مفهوم المشتق حسب التحليل العقلي ليست عبارة عن الذوات الخاصة حسب اختلاف الموارد حتى يكون المشتق من قبيل متكثر المعنى فان ذلك باطل بالضرورة بل هي عبارة عن معنى مبهم من جميع الجهات غير جهة قيام المبدء به كما هو مدلول الاسماء الموصولة ونحوها من المبهمات فيصدق ذلك المعنى تارة على الواجب واخرى على الممكن كما انه تارة يصدق على العرض واخرى على الجوهر وثالثة على مهية من المهيات أو مفهوم من المفاهيم مع قطع النظر عن الوجود الخارجي وبذلك يندفع جملة من الاشكالات التى اورد على تركب المفاهيم الاشتقاقية على ما يظهر ذلك انشاء الله تعالى 1 - قدمران دلالة الهيئة على النسبة اجنبية عن كون الاسم بنفسه متضمنا للمعنى الحرفى كما في اسماء الاشارة وغيرها 2 - قد عرفت ان المبدء يستحيل اتحاده مع ما يقوم به في الخارج في الاعراض فضلا عن غيرها فلا مناص من اخذ الذات في المفهوم تصحيحا للحمل (*)

[ 67 ]

فلم يبق هناك ما يدل على النسبة والذات اصلا (وعدم) امكان وجود المبدء في الخارج الا بالذات (لا يقتضى) اخذها في المفهوم والا لكانت مأخوذة في المصادر ايضا (مع انه) لا اشكال في عدم اخذها فيها (ثم) الغرض من هذا البرهان اثبات عدم اخذ الذات فيه واقعا وان كان لا يفي باثبات ما هو الصحيح من استحالة ذلك الا انه يمكن الاستدلال عليه بان المراد بالذات كما مر هي التى اخذت في مرتبة سابقة على المبدء الحقيقي كما في المشتقات أو الجعلى كما في الجوامد والهيئة لم توضع الا لقلب المبدء عن البشرط لائية العاصية عن الحمل إلى اللابشرطية لما ذكرنا أن كل محمول جامدا أو مشتقا لابدوان يؤخذ لا بشرط حتى يكون قابلا للحمل فأخذ الذات فيه خلف لانه ملازم لاخذه بشرط شيئ وهو ينافى المحمولية الصرفة (1) (مع أنه يلزم) من اخذ الذات فيه محاذير أخر (منها) ان الواضع الحكيم لابد وان يلاحظ في اوضاعه فائدة مترتبة عليها ولا يترتب فائدة على اخذ الذات اصلا (ومنها) انه يلزم منه أخذ المعروض في العرض وكل من الجنس والفصل في الاخر وهو خلف (بل يلزم) انقلاب كل منهما إلى النوع فان النوع ليس الا مركبا من الجنس والفصل وقد أخذ في كل منهما الاخر فيكون كل منهما نوعا (ومنها) أنه يلزم منه التكرار في القضية فلا بد من التجريد وهو خلاف الوجدان (ومنها) أنه يلزم من اخذ الذات فيه أخذ النسبة فيه ايضا فيلزم (اشتمال) الكلام الواحد على نسبتين في عرض واحد (وفرض) النسبة التقييدية مقدمة على التامة الخبرية (انقلاب الادراك التصورى إلى التصديقي إذ لابد من لحاظ النسبة تقييدية أولا (ثم) تامة خبرية في المحمول (ثانيا) ثم تامة خبرية في تمام القضية (ثالثا) وكل هذه الامور مما لا يمكن الالتزام به اصلا (هذا كله) إذا كان المراد بالذات (الذات) الكلية (وأما إذا) اريد منها الذوات الخاصة (فأخذها) فيه أفحش (إذ) يرد عليه (مضافا) إلى ما ذكرنا (أن) لازمه كون المشتقات من قبيل متكثر المعنى مع وضوح كون معانيها امرا واحدا


1 - قد عرفت ان الذات المأخوذة في المفهوم معنى مبهم من تمام الجهات غير جهة قيام المبدء بها فلا يلزم من اخذ الذات فيه اخذ المحمول بشرط شيئ كما هو ظاهر وبما ذكرناه يظهر اندفاع جميع ما ذكر في المتن لابطال اخذ الذات في مفهوم المشتق فلا حاجة إلى اطالة الكلام في هذا المقام (*)

[ 68 ]

صادقا على كثيرين (هذا حاصل) ما أفاده السيد المحقق العلامة الشيرازي (قده) (واورد عليه) بعض من يغوص في بحار الغرور بأن هيئة المشتق موضوعة للربط بين المبدء و الذوات الخاصة وهو من قبيل المتحد المعنى (وتخيل) أن ما ذكره السيد " قده " ناش من عدم تعقل المعنى الحرفى " وهو " مع رعده وبرقه وجسارته " لم يأت " بمطلب معقول " إذ مضافا " إلى ما عرفت من أن لام أخذ النسبة في المشتق أن يكون الكلام الواحد مشتملا على نسبتين وأن يكون النسبة التقييدية متقدمة على التامة الخبرية " يتوجه عليه " سؤال أن العنوان المحمول على هذا ما هو فان المبدء بنفسه غير قابل للحمل وكذلك النسبة التى هي معنى حرفي (فكلام) السيد العلامة " قده " " مبتن " على أن لا يكون الهيئة موضوعة للنسبة بل كانت موضوعة لقلب المبدء المأخوذ بشرط لا إلى اللا بشرطية فقط (واما البرهان) الذى اقامه السيد الشريف على استحالة تركب المشتق (فتوضيحة) ان جماعة عرفوا الفكر بانه ترتيب امور معلومة لتحصيل امر مجهول (وأشكل عليه) بانه لايتم في التعريف بالخاصة أو الفصل فانه ليس هناك ترتيب امور متعددة (واجاب عنه) شارح المطالع (قده) بأنه ليس فيه كثير اشكال فان الخاصة أو الفصل وان كان واحدا بحسب النظر البدوى الا انهما ينحلان بالدقة إلى شيئ له النطق أو الضحك فيكون في الحقيقة ترتيب امور معلومة (واشكل عليه) المحقق الشريف (قده) في الهامش بأن الشيئ لا يعقل أن يؤخذ في المفاهيم الاشتقاقية فان المراد به ان كان مفهوم الشيئ فيلزم دخول العرض العام في الفصل وان كان المراد به ما صدق عليه الشيئ فينقلب مادة الامكان الخاص ضرورة (بداهة) ان ما صدق عليه الشيئ هو الانسان وثبوت الشيئ لنفسه ضروري (واجيب) عن الشق الاول بوجهين (الاول) ان الناطق انما اعتبر فصلا مقوما للانسان مع التجريد عن معناه اللغوى فلا منافاة بين اخذ مفهوم الشيئ فيه بحسب اللغة وتجريده عنه بحسب الاصطلاح (وفيه) ان المقطوع به عدم التصرف في معنى اللفظ بل جعل الناطق بماله من المعنى فصلا للانسان (الثاني) ان الناطق ليس فصلا حقيقيا للانسان بل هو لازم الفصل وجعل مكانه لتعذر معرفته غالبا فلا يلزم من اخذ مفهوم

[ 69 ]

الشيئ فيه الا اخذ العرض العام في الخاصة لا في الفصل (وفيه) ان الناطق بمعنى التكلم أو ادراك الكليات وان كان من عوارض الانسان الا انه بمعنى صاحب النفس الناطقة يكون فصلا حقيقيا (1) فيلزم من اخذ مفهوم الشئ فيه اخذ العرض العام في الفصل " والتحقيق (2) " ان الشيئ ليس من العرض العام في شيئ فان العرض العام ما كان خاصة للجنس القريب أو البعيد كالماشي التحيز مثلا " والشيئية " تعرض لكل ماهية من الماهيات وهى جهة مشتركة بين جميعها وليس ورائبا امر آخر يكون هي الجهة المشتركة وجنس الاجناس حتى يكون الشيئية عارضة وخاصة له " ان قلت اليست الشيئية مساوقة للوجود و من الواضح ان الوجود ليس بجنس للماهيات فكذلك الشيئية " قلت " نعم الا ان معنى المساوقة ليس هو الاتحاد بحسب المفهوم بل الملازمة بحسب الصدق فكل ما لم يتحقق فيه الشيئية فلا يتحقق الوجود لاستحالة وجود اللاشئ فالشيئ هو الموجود لا محالة (واما) وحدتهما مفهوما (فمستحيلة) فان الشيئية من سنخ الماهيات المعروضة للوجود (بداهة) أن شيئية الشيئ بماهيته لا بوجوده (ان قلت) اليست الشيئية من المفاهيم الانتزاعية ومعه كيف لا يكون من الاعراض العامة (قلت) قد ذكرنا سابقا ان المفاهيم الانتزاعية التى لا وجود لها في الخارج الا بتبع منشأ انتزاعها لاحكم لها في حد انفسها بل تتبع حال منشأ الانتزاع فان كان عرضيا فلا محالة تكون هي عرضية أيضا كالسبق واللحوق المنتزعين من قيام العرض بمحله وان كان ذاتيا تكون المفاهيم الانتزاعية ايضا ذاتية كالعلية والمعلولية


1 - لا يخفى ان صاحب النفس الناطقة هو الانسان وهو نوع لافصل فلا مناص عن كون الناطق فصلا مشهوريا قد جعل مكان الفصل الحقيقي لتعذر العلم به غالبا كما صرح به المحقق السبزواري في حاشيته على شرح منظومته وعليه فلا يلزم من اخذ مفهوم الشيئ في مفهوم الناطق الا دخول العرض العام في الخاصة دون الفصل 2 - بل التحقيق ان مفهوم الشيئ من المفاهيم العامة المبهمة الصادقة على الوجود الواجبى والامكانى وعلى الماهيات وعلى المفاهيم الانتزاعية بل على المستحيلات ايضا باعتبار وجود ها بتصورها في عالم الذهن كما تقول هذا شيئ مستحيل فمفهوم الشيئ مساوق لمفهوم الامر ولما يستفاد من الفاظ الموصولات كلفظة ما مثلا ومع ذلك كيف يمكن ان يقال انه جنس عال لتمام الماهيات ثم ان المراد من كون مفهوم الشيئ عرضا عاما انه ليس من الذاتيات و مما يتقوم به الماهية في حذ ذاتها بل هو مما يلحقها ويكون خارجا عن ذاتها ويصدق عليها وعلى غيرها ومن هنا يظهر بطلان جميع ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فلا تغفل (*)

[ 70 ]

فبعض اقسام الخارج المحمول ملحق بالمحمولات الذاتية وبعضها الاخر بالعرضية (و (لهذا) قلنا ان انسانية الانسان ذاتية للانسان وفيما نحن فيه حيث ان منشأ انتزاع الشيئية ليس من الامور العرضيه فلا تكون هي عرضية ايضا (ان قلت) هب ان ما ذكرتم يتم على اصالة الماهية (واما) على اصالة الوجود واعتبارية الماهيات فلا محالة يكون مفهوم الشئ من المفاهيم العرضية (قلت) اعتبارية الماهية لا تستلزم عرضية مفهوم الشئ والا لكان تمام المفاهيم حتى مفهوم الجوهر من المفاهيم العرضية لان كل ممكن ومنها الجواهر لها ماهية ووجود (والمراد) منها ومن اصالة الوجود هو ان الاصل في التأثير والمفاض الاصلى والمجعول الاولى هو الوجود والماهية مجعولة بالتبع و ولذا قيل ما جعل الله المشمشة مشمشة بل اوجدها وهذا لا ينافي تقرر الماهية بنحو من التقرر في الوعاء المناسب له الذى هو مغاير للوجود الذهنى والخارجى فان كلا من الوجودين لاحق لها بعد تقررها (ان قلت) اليس من المسلم عند اهله ان المقولات العشر من الجوهر والاعراض التسعة اجناس عالية لتمام الممكنات ولا جنس فوقها فكيف يكون الشئ جنسا عاليا لتمام الموجودات (قلت) المشهور وان كان ذلك الا انه ممنوع جدا (لما عرفت) ان الشئ جهة مشتركة بين تمام الموجودات فلا محالة يكون جنسا عاليا لها (ان قلت على ذلك يلزم تركب مفاهيم الاعراض من الجنس والفصل مع انه لا اشكال في بساطة مفاهيمها (قلت) ما هو المتسالم عليه في باب الاعراض بساطتها بمعنى ان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لا انه ليس لها ما به الاشتراك اصلا حتى لا تكون هي داخلة تحت جنس واحد (فاتضح) من جميع ما ذكرناه أن اللازم على تقدير أخذ مفهوم الشيئ في المشتق هو دخول الجنس في الفصل لا دخول العرض العام فيه (ولم يظهر) لنا بعد وجه تعبير المحقق الشريف عنه بالعرض العام وان ارتضاه كل من تأخر عنه (الا ان يقال) أن عروض مفهوم الشيئى للماهيات ليس الا باعتبار تقررها في وعاء من الاوعية ومن الواضح أن التقرر عارض للماهيات بما هي هي وليس ذاتيا لها فيكون مفهوم الشيئى ايضا عارضا للمهية وحيث أن المهية جنس لتمام الماهيات فيكون مفهوم الشيئى خاصة للجنس وبهذا الاعتبار يكون عرضا عاما لتمام الموجودات (وكيف كان) فلا اشكال في تماميه

[ 71 ]

مدعى المحقق الشريف وهو خروج مفهوم الشيئ عن مفاهيم المشتقات سواء كان محذور دخوله فيها هو اخذ العرض العام في الفصل أو الجنس فيه و (مما ذكرنا) ظهر بطلان أخذ مفهوم الذات فيها ايضا وان محذوره ذاك المحذور بعينه (غاية الامر) أن محذور اخذ مفهوم الشيئ فيها هو اخذ الجنس البعيد في الفصل ومحذور أخذ مفهوم الذات هو اخذ الجنس القريب فيه ولافرق في الاستحالة بين الامرين اصلا (واجيب) عن الشق الثاني بان ثبوت مصداق الذات وهو الانسان لنفسه وان كان ضروريا (الا أنه) إذا اخذ مطلقا (وأما) إذا أخذ مقيدا بالضحك (فلا يكون) ثبوته له ضروريا لجواز أن لا يكون القيد ضروريا (وفيه أن) المحمول على هذا يكون منحلا إلى شيئين (احدهما) ذات الانسان (والثانى) كونه له الضحك وثبوت الجزء الاول للموضوع حيث أنه نفسه ضروري فيلزم الاءنقلاب ولو باعتبار ثبوت المحمول الاول له وان لم يكن ثبوت المحمول الثاني له ضروريا (وبيانه) أن كلا من الموضوع والمحمول (قد يعتبر) مطلقا وغير مقيد بشيئ كالانسان كاتب على البساطة (واخرى يعتبر) الموضوع مقيدا (وحينئذ) فاما أن يكون مقيدا بغير المحمول فحكمه حكم المطلق كالانسان الكاتب شاعر أو يكون مقيدا بالمحمول فلا محالة ينقلب القضية إلى الضرورية كالانسان الكاتب كاتب وثالثة يعتبر المحمول مقيدا (اما) بامر خارج عن الموضوع فحكمه حكم البساطة كالانسان كاتب ماهر (واما) بالموضوع فلا محالة تنقلب القضية إلى الضرورية (توضيح) ذلك أن المقيد بقيد في غير هما نحن فيه كالمبيع مثلا ان كان كليا فلا محالة يكون التقييد موجبا لتضييق دائرة المبيع بحيث لو أدى في الخارج غير المقيد لما كان منطبقا على المبيع (وان كان) شخصيا فلا يعقل فيه تضييق الدائرة " نعم " عند التخلف يكون موجبا للخيار لاجل تخلف الوصف (واما فيما نحن فيه " فالمأخوذ في المشتق وان كان كليا كالانسان " الا انه " في حكم الشخص في عدم التضيق لكونه عين الموضوع والشيئ لا يتضيق بالقياس إلى نفسه فلا محالة يكون التقييد في حكم محمول آخر اجنبي عن المحمول الاول والمحمول الاول هو نفسه فيلزم الانقلاب المذكور " والحاصل كما أن اعتبار المحمول في الموضوع موجب للانقلاب فكذلك اعتبار الموضوع

[ 72 ]

في المحمول (واما) ما ذكره المجيب " قده " في وجه الانقلاب من ان المحمول وان كان مقيدا بوصف امكاني الا أن الموضوع ان كان مقيدا به واقعا فيصدق الايجاب بالضرورة والا صدق السلب بالضرورة " فغير مفيد " فان الثبوت وعدمه في الواقع مناط الصدق والكذب لا الاءنقلاب إلى ضرورية النسبة سلبا أو ايجابا الا أن يريد به الضرورة بشرط المحمول فيخرج عن محل الكلام بالكلية " ومما ذكرنا " ظهر أن (ما) أفاده ثانيا من كفاية برهان الانقلاب في ابطال أخذ مفهوم الذات أو الشيى " غير صحيح ايضا " فأن مفهوم الذات وان كان ضروري الثبوت باطلاقه لكنه غير ضروري إذا اخذ مقيدا بغير ضروري وقد ذكرنا أن المفاهيم الكلية تتضيق بالتقييد وأن الانقلاب لا يكون الا عند اخذ المحمول في الموضوع أو بالعكس " ثم " ان البرهان المذكور وان كان صحيحا في حد ذاته " الا أنه " مختص بالقضايا الحملية " وحينئذ " فيمكن أن يلتزم بتجريد المحمول عن مفهوم الذات و مصداقة عند الحمل وان كان مأخوذا فيه بحسب الوضع فلا يلزم الاءنقلاب عند الحمل اصلا " كما " أن ما أفاده بعض المحققين من لزوم اخذ النوع في الفصل أو الخاصة في مقام الحمل " يندفع بذلك " ايضا (فالاولى) تقرير البرهان على الامتناع في المفاهيم الافرادية بان يقال لو كان) الذات مفهوما أو مصداقا مأخوذا في المشتقات " لزم " اخذ الجنس في الفصل والفصل في الجنس والنوع في الفصل أو الخاصة وغير ذلك من المحاذير التى لا يمكن الاءلتزام بواحد منها " فثبت " من جميع ما ذكرنا بداهة بساطة المعاني الاشتقاقية وعدم تعقل التركب فيها اصلا المقدمة السابعة قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه أن مفهوم المشتق مأخوذ لا بشرط بخلاف المصدر واسم المصدر فانهما مأخوذان بشرط لاوان افترقا من وجه آخر تقدم الكلام فيه (وتوضيح الحال) في ذلك ان اللا بشرطية والبشرط لائية قد تلاحظان بالاضافة إلى الطوارى والعوارض المنوعة أو المصنفة أو المشخصة ويقع البحث عن ذلك في مبحث المطلق والمقيد وليس المراد منها في المقام هو ذلك واءن كان ظاهر كلام صاحب الفصول قده) انه فهم هذا المعنى من كلام القوم فأورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك (وأخرى) يكون المراد من البشرط لائية هو أخذ الماهية بشرط التعرية

[ 73 ]

عن جميع ما سواها أي بشرط ان لا يكون معها شيئ آخر وبشرط لا بهذا المعنى لا يوجد الا في عالم العقل (بداهة) أن كل ما فرض في الخارج من الاعراض فهو لا محالة يكون مقارنا لوجود موضوعه (وثالثة) يراد منها عدم اتحادها مع غيرها (وتوضيحه) أن وجودات الاعراض كما ثبت في محله في حد انفسها عين وجوداتها لموضوعاتها بمعنى أن العرض غير موجود بوجودين بل وجوده النفسي عين وجوده الرابطى فوجودها في الخارج هو الرابط بين ماهياتها وموضوعاتها والا فالموضوعات في حد ذواتها اجنبية عن ماهيات اعراضها ولا رابط بينهما الا الوجودات العرضية (وحينئذ) (فقد) يلاحظ العرض على واقعه بلا مؤنة اخرى (فحيث) ان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه (فلا محالة) يكون مراتا ومعرفا لموضوعه ونعتا له وفانيا فيه حيث أنه من اطواره وشوؤنه وبهذا الاءعتبار يكون عرضيا ومشتقا (1) (واخرى) يلاحظ لا كذلك بل باسقاط حيثية كونه لموضوعه ويلاحظ بما هو شيئ من الاشياء فيكون عرضا مباينا غير محمول حيث أنه بهذه الملاحظة غير موضوعه فكيف يكون عينه ويعبر عنه بالمصدر أو اسم المصدر مع ما ذكرنا من الفرق بينهما (ومما ذكرنا) علم عدم امكان البشرط شيئية في هذا المقام فانها انما تلحظ بالاضافة إلى الخارجيات (وأما) في غيرها كما فيها نحن فيه (فيكفى) في الاتحاد لحاظ الشيئ على واقعه ولا بشرط (كما أنه ظهر) أن المبدء للمشتقات ليس المصدر ولا اسم المصدر فانهما مأخوذان بشرط لا (وما كان)


1 - لا يخفى عليك ما في هذه الدعوى من وجوه الاول انها على تقدير تماميتها فانما تختص بخصوص المبادى التى هي من سنخ الاعراض حتى تكون وجودانها في انفسها وجودات لموضوعاتها واما في غيرها من المبادى الاعتبارية كالامكان والوجوب والامتناع والوجوب و الحرمة ونحوها فلا مجال فيها لدعوى ان اعتبار اللا بشرطية يوجب اتحادها مع موضوعاتها فان المفروض ان المبادى فيها لا وجود لها في انفسها حتى تكون وجوداتها وجودات لموضوعاتها الثاني ان لحاظ العرض على ما هو عليه وان سلمنا انه يصحح كونه نعتا لموضوعه الا انه لا يصحح كونه نعتا لجميع ملابساته من الزمان والمكان والالة والمفعول وغيرها فلا يبقى مجال لدعوى اللا بشرطية فيها اصلا كما هو ظاهر الثالث ان وجود العرض في نفسه وان كان وجوده لموضوعه الا انه مغاير مع وجود موضوعه لا محاله ومعه كيف يمكن دعوى الاتحاد بينهما خارجا وهل المغايرة الحقيقية ترتفع بلحاظ اللا بشرطية وعليه فلا مناص في مقام الحمل من اخذ مفهوم الذات في المشتق كما عرفت (*)

[ 74 ]

كذلك (يستحيل) أن يكون مبدء لما أخذ لا بشرط بل المبدء شيئ يعرضه الاعتبار ان كلاهما وهو المبهم حتى من حيث اللا بشرطية والبشرط لائية ولا فرق فيما ذكرنا بين أنحاء الاعراض فان الجهة المذكورة وهى كون وجوداتها في حد انفسها وجوداتها لموضوعاتها مشتركة بين الجميع سواء كان قيامها بنحو الصدور أو الحلول كما انه لا فرق في ذلك بين اقسام المشتقات من اسمى الفاعل والمفعول وأسماء الآلة و الازمنة والامكنة فان العرض منتسب إلى الذات وقائم بها في الجميع وان اختلفت النسبة فيها كما اوضحناه في المقدمة السادسة ثم انه يظهر مما ذكرنا حال الجنس والفصل والمادة والصورة فان الفرق بينهما ايضا باللا بشرطية والبشرط لائية وان كان بينهما وبين العرض والعرضي فرق من جهة اخرى (حيث) ان العرض قائم بالموضوع وغير محصل له بخلاف الصورة فانها فعلية المادة ومحصلة لها وحالة فيها (والمادة) بالقياس إليها قوة واستعداد لكنهما مشتركان مع العرض والعرضي من تلك الحيثية فان اخذ ذات الصورة والمادة بشرط لا ولو حظ كل منهما على حياله من القوة والفعلية فلا اتحاد لاحدهما مع الاخر ولا يصح الحمل بينهما ويعبر عنهما بالصورة والمادة كالنفس والبدن للانسان وان اخذتالا بشرط وبما هما عليه من الاتحاد حيث ان المادة مقومة للصورة والصورة محصلة لها فيصح الحمل بينهما ويتحد كل منهما مع الاخر إذا تمهدت هذه المقدمات (فنقول) الاقوال في المسألة وان كثرت الا أنها حدثت بين المتأخرين والاصل في المسألة قولان الوضع مطلقا لخصوص المتلبس أو (للاعم) منه ومن * المنقضى عنه (ويشبه) ان يكون النزاع مبتنيا على البساطة والتركب في مفهوم المشتق (فان قلنا) بالتركب فحيث ان مفهوم المشتق اخذ فيه انتساب المبدء إلى الذات ويكفى في الانتساب التلبس في الجملة (فلا محالة) يكون موضوعا للاعم بخلاف ما إذا قلنا بالبساطة فانه عليها ليس المشتق الانفس المبدء المأخوذ لا بشرط فهو ملازم لصدق نفس المبدء ومع انتفائه ينتفى العنوان الاشتقاقى ايضا ويكون حاله (حينئذ) حال الجوامد بعينها في ان مدار صدق العنوان هو فعلية المبدء وان كان بينهما فرق من جهة (وهى) ان شيئية الشيئ حيث انها بصورته والمادة غير متصفة بالعنوان اصلا فلا يصح الاستعمال

[ 75 ]

في المنقضى عنه وما لم يتلبس بعد اصلا بخلاف المشتقات (فان) المتصف بالعناوين الاشتقاقيه (هي) الذوات وهى باقية بعد زوال التلبس فيصح الاستعمال مجازا (وعليه) فبعدما عرفت بمالا مزيد عليه بساطة العناوين الاشتقاقية (يظهر لك) الحق من القولين وهو الوضع لخصوص المتلبس بالمبادئ على اختلافها ولا فرق في ذلك بين انحاء المشتقات اصلا (واما) الاقوال الاخر (فهى) انما نشأت من اختلاف المبادى تارة من جهة انقسامها إلى الاعراض كما هو الغالب أو الجواهر (والاعراض) تنقسم إلى مقولة الكيف كما هو الغالب وإلى غيرها (والكيف) إلى جسماني ونفساني (والنفساني) إلى حال وملكة باعتبار سرعة الزوال وعدمها (والجسمانى) إلى ما كان من قبيل الافعال العرفية أي ما كان نسبتها إلى موضوعاتها نسبة صدورية كالضرب والقتل وامثالهما أو من قبيل الصفات التى نسبتها إلى موضوعاتها نسبة الحلول كالسواد والبياض وامثالهما (والجواهر) تنقسم إلى ما كان النسبة بينها وبين الذات نسبة المبدئية كالحائض فان نسبة المرءة إلى الدم نسبة المبدئية أو غيرها كالمشمس واللابن وغيرهما (واخرى) من جهة الفعلية و الملكة والصناعة فاختلط ما كان مبدئه ملكة بما كان فعليا (ولذا استدل) على الاعم بصدق المجتهد والبزاز على من لا يشتغل بالبزازية والاستنباط فعلا مع الغفلة عن ان المبدء فيهما ملكة وصناعة فالتلبس بهما فعلى وانقضاء كل شيئ بحسبه (أو من) جهة اختلاف المشتقات بحسب هيئاتها ففصل بين اسماء الفاعلين وما يتبعها وبين اسماء الامكنة والالات ونحوهما (وقد ظهر مما ذكرنا) عدم الفرق اصلا فيما يهمنا باختلاف المبادى أو باختلاف النسب والاضافات (فنسبة العرض) إلى فاعله (وان) كانت اولية والى غيره ثانوية وفضلة (الا) انها لا تتفاوت فيما نحن فيه (واما التفصيل) بين ما إذا كان المشتق محكوما عليه أو به (أو بين) ما إذا كان الذات متصفة بضد المبدء وعدمه (فيظهر) بطلانهما) مما ذكرناه ايضا (فالذي) يليق لان يكون محل الكلام بين الاعلام هو الوضع مطلقا لخصوص المتلبس (أو للاعم وقد عرفت) ان المسألة مبتنية على مسألة البساطة والتركب وتوضيح ذلك انه ان قلنا بالوضع للمركب فلا محالة يكون الركن الوطيد هو الذات وانتساب المبدء إليها كانه جهة تعليلية لصدق المشتق عليها ومن المعلوم ان النسبة الناقصة التقييدية لم يؤخذ فيها زمان دون زمان (كيف) وقد بينا عدم دلالة الافعال

[ 76 ]

على الزمان فالمشتقات لا تدل عليه بالاولوية (واما) من لم يتلبس به بعد فلا يصدق عليه المشتق الا بالعناية ولحاظ علاقة الاول أو المشارفة لعدم تحقق الانتساب فلا ملازمة بين عدم دلالتها على الزمان وصدقها على من لم يتلبس بعد على نحو الحقيقة (لما عرفت) من انها على تقدير التركب تدل على فعلية التلبس المفقودة فيمن لم يتلبس بعد بخلاف المنقضى عنه (فحيث) ان التلبس والانتساب صار فيه فعليا والذات التى هي الركن في صدق المشتق باقية (فلا محالة) يصدق المشتق عليه بحسب اقتضاء طبع المعنى في نفسه " ولابد " في عدم الصدق " من " لحاظ عناية اخرى توجب التخصيص باحد الفردين " ولذا " كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركب " هو " الوضع للاعم " وهذا " بخلاف الوضع لمعنى بسيط فان الركن في صدق المشتق بناء على البساطة " هو " نفس المبدء " غاية الامر " انه ملحوظ بنحو يصح معه الحمل ولايكون مبائنا للذات بحسب الوجود فتقوم الصدق بالمبدء " فإذا " انعدم وانقضى " فلا محالة " لا يصدق العنوان الاشتقاقى الا بالعناية " بل اقول " ان العناوين الاشتقاقية من هذه الجهة اسوء حالا من العناوين الذاتية " بيان ذلك " ان العناوين الذاتية " وان كانت " فعليتها بفعلية صورها والمادة غير متصفة بالعنوان ابدا (الا ان) المادة قبل الاتصاف وبعد موجودة (ولذا) قلنا ان الاستعمال فيها قبل الاتصاف وبعد انقضائه غلط وان العلائق المذكورة في علم البيان من الاول أو المشارفة أو علاقه ما كان كلها مختصة بخصوص المشتقات (وهذا) بخلاف العناوين الاشتقاقية فانها عين مباديها وهى بسيطة فإذا انعدمت المبادى تنعدم العناوين بالكلية ولا يبقى شيئ اصلا (فان قلت) فعلى ما ذكرت لابد وأن لا يصح الاستعمال في المنقضى عنه أو من لم يتلبس بعد في العناوين الاشتقاقية بطريق أولى فأنها كما ذكرت اسوء حالا من العناوين الذاتية (قلنا) نعم (الا ان) المتصف بالعناوين الاشتقاقية حين الاتصاف (هي) الذات (وحيث) أنها موجودة قبل الاتصاف وبعده (فيصح) الاستعمال بخلاف العناوين الذاتية (فانها) كما عرفت (عناوين) لنفس الصورة والمادة غير متصفة بها في حال من الحالات ابدا (وبالجملة) بقاء الموصوف في العناوين الاشتقاقية (هو المصحح) للاستعمال وان لم يكن مأخوذا في المعنى (وحاصل) ما ذكرنا ان البراهين الدالة على بساطة المعنى تدل على الوضع لخصوص المتلبس وفاقا

[ 77 ]

لمتأخري الاصحاب والاشاعرة (ويدل عليها) زيادة على البراهين السابقة التبادر (فانه لا اشكال) ولاريب في أن أهل كل لغة يتبادر إلى اذهانهم من الهيئات الاشتقاقية ركنية المبدء ويلزمها بساطة المعنى وخروج الذات عن المفهوم (ويتفرع) عليه كون المعنى) هو خصوص المتلبس (فكما أن) البراهين العقلية تدلنا على بساطة المعنى (فكذلك) يدل عليها الفهم العرفي والتبادر في الاوضاع النوعية مما يسهل تحصيله في كل لغة لكثرة دوران ما كان موضوعا بهذا الوضع على الا لسنة بحيث لا يخفى معناه على من التفت إليه وان صعب تحصيله في الاوضاع الشخصية غاية الصعوبة (وبالجملة) فلو شككنا في كل تبادر فلا نشك في انفهام ركنية المبدء من المشتقات (1) ويلزمها الوضع لخصوص المتلبس ويتفرع على ذلك صحة السلب عما انقضى عنه المبدء (ودعوى) منافاة صحة السلب مع صحة الحمل مع أنها مفروضة فيما نحن فيه فكيف يعقل أن تكون علامة المجاز (مدفوعة) بأن صحة الحمل بالعناية لا تنافي صحة السلب بلا عناية كما هو واضح (وأما) ما اورد عليها بما حاصله (بأنه ان أردتم) صحة السلب المطلق (فهى) ممنوعة (وان) اردتم صحته مقيدا بكون المبدء فعليا في الحال فهى لا تدل على المجازية فان سلب المقيد اعم من سلب المطلق كما هو ظاهر (فمدفوع) بانه بناء على البساطة كما اثبتناها لا يعقل هناك معنى جامع بين المتلبس والمنقضى عنه فان لم يصح السلب عن المنقضى عنه (2) والحاصل انه بعد اثبات بساطة المعنى لا يعقل عدم صحة السلب عن المنقضى عنه بعد الفراغ عن عدم الاشتراك وعن عدم الوضع له بخصوصه فلا حاجة إلى ما أجاب به الشيخ الانصاري (قده) عن هذا الاشكال بان صحة السلب باعتبار المعنى الوجداني الارتكازي من الفاظ المشتقات وان لم يمكن الزام الخصم بها بدعوى الوجدان كما في كل مقام (فلو ادعى) احدان صحة سلب الاسد عن الرجل الشجاع (ان كان) باعتبار المعنى الجامع (فممنوعة) والا فغير مفيدة (فلا يمكن جوابه) الا بما اجاب به الشيخ الانصاري (قده) وان لم يلزم به الخصم (بخلاف) ما نحن فيه فان الجامع بناء على البساطة غير معقول (حتى يقال) بأن صحة السلب باعتباره ممنوعة والا فغير مفيدة (بل اقول) أنه لا يمكن ان


1 - لا يخفى ان استفادة ركنية المبدء من المشتقات وان كانت ظاهرة الا انه لا ملازمة بينها وبين بساطة المفاهيم الاشتقاقية نعم لازمها هو الوضع لخصوص المتلبس كما هو ظاهر (*)

[ 78 ]

يتصور الجامع حتى بناء على التركيب (وبيانه) أن مفهوم المشتقات بناء على التركيب (ليس) مركبا من مفهوم المبدء ونسبة ناقصة تقييدية حتى يكون المفهوم مركبا من مفهوم اسمى وحرفي (إذ عليه) لا يمكن الحمل على الذات ابدا (ولا يمكن) استمالاتها (لما ذكرنا) سابقا من أن الحروف لا يصح استعمالها الا في طى الكلام حتى تكون رابطة بين المفاهيم الاستقلالية (مع انه) لا اشكال في حمل المشتقات على الذوات وجواز استعمالها منفردة وافادتها لمعانيها وان لم تكن في ضمن تركب كلامي (وتخصيص) الشيخ الانصاررى (قده) محل الكلام (والنزاع) بخصوص المفاهيم الافرادية انما هو (للاشارة) إلى ذلك (ولئلا يدعى) الخصم بأن دلالتها على خصوص المتلبس أو الاعم من جهة وقوعها في ضمن التراكيب الكلامية (بل) القائل بالتركب انما يدعى التركب من الذات والمبدء (غاية الامر) ان المفهوم متضمن لمعنى حرفي كاسماء الاشارة والموصولات وغير ذلك (ولذا قلنا انه) بناء على التركب فالذات هي الركن لكنها لم تؤخذ مطلقة بحيث يكون المفهوم مركبا من المبدء والذات على اطلاقها بل بما هي متضمنة لمعنى حرفي وحينئذ فحيث ان فردية الفردين أي المنقضى عنه والمتلبس بلحاظ الزمان (فلابد) وان يكون هناك زمان جامع بينهما (ومن المعلوم) ان مفاهيم المشتقات عارية عن الزمان (فماذا) يكون جامعا بينهما مع قطع النظر عن الزمان (وبماذا) يكون الفردان فردين مع قطع النظر عنه (فلابد) مع عدم اعتبار الزمان في المفهوم وعدم تعقل جامع آخر بين المتلبس والمنقضى عنه ان يكون المشتق موضوعا لخصوص المتلبس وأن يكون سلبه عن المنقضى عنه صحيحا (بداهة) أن عدم صحة السلب (اما) باعتبار المعنى الجامع (أو من) جهة وضعه لخصوص المنقضى عنه (أوله) بوضع آخر بنحو الاشتراك (والاول) غير معقول " والاخيران " لا يلتزم بهما القائل بالاعم " والحاصل " ان الشبهة المذكورة في صحة السلب " وان لم يمكن " دفعها فيما أمكن تصور الجامع العرفي بين المعنيين الا بدعوى الوجدان غير المفيد في الزام الخصم الا أنه يمكن دفعها في خصوص ما لا يمكن فيه تصور الجامع أبدا " بل التحقيق " انه لو تنزلنا عن عدم اخذ النسبة في مفاهيم المشتقات " وقلنا " بوضع الهيئات للنسبة الناقصة التقييدية التى هي من المعاني الحرفية (لما)

[ 79 ]

أمكن تصور الجامع ايضا (فأن) حال النسبة التقييدية في المقام لا تزيد على ساير النسب التقييدية كغلام زيد أو التامة كزيد انسان فكما لا يتوهم صدق النسبتين المذكورتين في غير المتلبس (كذلك) في المقام بل النسبة الناقصة التقييدية كما عرفت نتيجة النسبة التامة الخبرية فلو لم تكن التامة اعم من المنقضى عنه والمتلبس (فلابد) وأن تكون الناقصة (ايضا) كذلك (فظهر) من جميع ما ذكرناه ان ما بنينا عليه من ملازمة القول بالتركيب للوضع للاعم غير صحيحة (بل الحق) هو الوضع لخصوص المتلبس مطلقا (وربما) يستدل على المطلوب بتضاد المبادى بعضها مع بعض كالقيام والقعود فلا بد وأن يكون مشتقاتها ايضا متضادة وهو يدل على الوضع للمتلبس والا لم يكن بينهما مضادة بل مخالفة لصدقهما فيما إذا كان التلبس باحدهما منقضيا وبالاخر فعليا فيجتمعان في الصدق فلا يكون بينهما مصادة (هذا) خلاف (واورد) عليه بما حاصله بتوضيح منا ان المبادى وان كانت مضادة الا أنه لا يمتنع أن يحصل من ناحية الهيئات فيها خصوصية يرتفع التضاد بها فتضاد المبادى لا يلازم تضاد المشتقات اصلا و (فيه) أن هيئات المشتقات بناء على كون مفادها بسيطا لا تفيد الا اخراج المبدء عن البشرط لائية إلى اللا بشرطية فهى هي بعينها والاختلاف باعتبار (فلا محالة) يكون التضاد باقيا على حاله كما في مباديها (واما) بناء على التركيب فحيث انك عرفت عدم تعقل جامع بين المنقضى عنه والمتلبس (فلا محالة) يكون موضوعا لخصوص المتلبس فيبقى التضاد على حاله (فأن قلت) أن ما ذكرته من مضادة المعاني الاشتقاقية ينافى ما ذهب إليه علماء الميزان من أن نقيض المطلقة العامة الدائمة المطلقة وان لا تنافى بين قضيتي زيد قائم وزيد قاعد الا إذا قيد احدهما بالدوام فينا في صدق الاخر ولو في احد الازمنة بالضرورة (قلت) ان نظر المنطقي إلى البراهين المفيدة للقطع فلا محالة يكون نقيض زيد قائم زيد لبس بقائم دائما (واما) لو لم يقيد بالدوام (فيمكن) ان يكون مراد المتكلم من الاثبات الاثبات في زمان ومن النفى النفى في زمان آخر وان كان على خلاف الظاهر إذ ليس نظره إلى الظواهر اصلا بل إلى البراهين القطعية (وهذا) بخلاف الاصولي فان نظره إلى الظواهر وما يفهم من اللفظ بحسب الانفهام العرفي فإذا فرضنا ان المشتق ظاهر في خصوص المتلبس دون الاعم لوضعه له بخصوصه فلا محالة يكون بين الاثبات والنفى تناف بحسب

[ 80 ]

ظاهر الكلام والمتبع للاصولي ليس الا الظواهر (وبالجملة) المضادة بحسب الفهم العرفي لا تنافي عدمها بحسب الفهم الفلسفي (ونظير) ما نحن فيه (ما توهمه) بعض من ان مفهوم ادلة عدم انفعال الكر انفعال الماء القليل بشيئ في الجملة فان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية لا الكلية مع الغفلة عن (أن) المنافاة القطعية بينهما (وعدم) امكان اجتماعها عقلا كما عليه نظر المنطقي (لا تنافى) أن يكون ظهور القضية في الموجبة الكلية كما عليه نظر الاصولي (فان) قولهم عليهم السلام إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شيئ) ينحل بنظر العرف إلى قضايا متعددة كقولنا (لا) ينجسه بول (ولا) دم (ولا) و (لا) فيكون مفهومه بنظرهم إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه كذا وكذا وكذا والمدار في الاستنباط على الظهور العرفي (1) لا على الدقة الفلسفية فتدبر واستدل القائل بالاعم بوجوه الاول كثرة الاستعمال في موارد الاءنقضاء (فلو) كان حقيقة في خصوص المتلبس (لزم) كثرة الاستعمالات المجازية وهى منافية لحكمة الوضع (وفيه) أن الاءستعمال في موارد الاءنقضاء وان كان كثيرا (الا) أنه لم يعلم ان الاءستعمال بلحاظ حال الانقضاء حتى يكون مجازا بل الظاهر أنه بلحاظ حال التلبس ولاشكال في كونه على هذا حقيقة وتوهم أن الاستعمال لو كان بلحاظ حال التلبس حتى يكون حقيقة فلا يكون فرق في هذا اللحاظ بين المشتقات والجوامد مع أن الاءستعمال في الجوامد في حال الانقضاء ولو بلحاظ حال التلبس في غاية الندرة (مدفوع) بما ذكرناه سابقا من أن المتلبس بالاوصاف الذاتية هي الصور النوعية لا الهيولى المبهمة حتى في حال وجود الصور ايضا " فإذا " زالت الاوصاف الذاتية انعدمت موضوعاتها ايضا (وما) هو باق (ليس) الا الهيولى المبهمة غير المتصفة بالوصف العنوانى اصلا بخلاف العناوين الاشتقاقية " فأن " الموصوف فيها " وهى " الذات باقية بعد انقضاء الوصف فيصح الاءستعمال فيها بلحاظ حال التلبس بلا عناية " فاتضح مما


1 - قد بينا في محله ان المفهوم من تعليق الحكم على الشرط انما هو ارتفاع الحكم المذكور عند ارتفاع الشرط فإذا كانت القضية سالبة كلية فرفع الحكم المذكور فيها ولو عرفا ليس الانفيض الحكم ولو بنحو الموجبة الجزئية واما اثبات الموجبة الكلية فهو يحتاج إلى دليل آخر غير المفهوم (*)

[ 81 ]

ذكرنا أنه لا ملازمة بين كثرة الاستعمال في موارد الانقضاء وبين كثرة المجاز بل الملازمة بينها وبين كثرة الاستعمال بلحاظ حال الانقضاء وكثرة الاستعمال بلحاظ هذا الحال " ممنوعة جدا " بل لم يعلم مورد لا يمكن الاءستعمال فيه بلحاظ حال التلبس فضلا عن كثرته " فان قلت " أن آية السرقة والزنا من هذا القبيل فان الظاهر بل المتعين أن الاستعمال فيهما بلحاظ حال الاءنقضاء " قلت " كلابل يمتنع أن لا يكون بلحاظ حال التلبس فان صدور السرقة هي العلة للحكم والسارق هو تمام الموضوع ويمتنع انفكاك الحكم عن موضوعه كانفكاك المعلول عن علته التامة فالسارق حين صدور السرقة منه محكوم بوجوب جلده " غاية الامر " أن الحكم المذكور لا يسقط مع عدم امتثاله وأين هذا من استعمال المشتق في المنقضى عنه بلحاظ حال الانقضاء بل ان كون الاستعمال في الاية المباركة في حال الانقضاء ممنوع فضلا عن كونه بلحاظ الانقضاء (بل) هي من قبيل القضايا الحقيقية التى فعلية الحكم فيها بفعلية موضوعه فيدور فعلية الحكم مدار فعلية السرقة ويمتنع تخلفها عنها والا فما فرضناه موضوعا تاما للحكم يلزم أن لا يكون كذلك وهو خلف (وبالجملة) الحكم على قسمين " قسم " يدور مدار موضوعه وجودا وعدما فلا يبقى الحكم بعد انقضاء الوصف المأخوذ في الموضوع كحرمة شرب الخمر فانها تدور مدار الخمرية وجودا وعدما (وقسم آخر) يدور مدار وجود موضوعه في الخارج ولايحتاج الى بقاء الموضوع في بقائه فتكون العلة المحدثة علة مبقية ايضا ولا يسقط هذا الحكم الا بالامتثال كحكم السارق والزانى وفى كلا القسمين حدوث الحكم فرع التلبس بالوصف فلابد وأن يكون المشتق مستعملا في المتلبس والايلزم تخلف الحكم عن موضوعه (ومما ذكرناه ظهر فساد الاستدلال للاعم باستدلال الامام عليه السلام على عدم لياقة من كان عابدا للوثن للخلافة بآية (لا ينال عهدي الظالمين) بأنه لو كان المشتق موضوعا للمتلبس لما صح الاستدلال بالاية قطعا لعدم اتصافهم بهذا الوصف ظاهرا حين التصدى للخلافة (وجه الفساد) أن هذه القضية من القضايا الحقيقية التى عرفت أن فعلية الحكم فيها بفعلية موضوعه فمن اتصف بالظلم في زمان ما يشمله الحكم قطعا وهو ان عهد الله لا يناله ابدا " غاية الامر " أن استدلال الامام عليه السلام بالاية مبتن على

[ 82 ]

ان يكون حدوث الظلم ولو آناما علة لعدم نيل الخلافة حدوثا وبقاء واين هذا من استعمال المشتق في الاعم (تبصرة) لا يخفى أنه ليس لاحد ان يمنع عن كون الظلم وهو عبادة الاوثان في مورد الاية علة لامتناع نيل عهد الله ولو بعد زواله وانعدامه فانا " وان " لم نشترط العصمة بالمعنى المعتبر في الامام عليه السلام حين امامته قبل اتصافه بالامامة " الا " أنه لابد من اعتبار كونه خاليا عن الرذائل والاوصاف الذميمة حتى لا يكون مطعوفا فيه بعد امامته بما علم منه سابقا فمنصب الخلافة لعظم قدرها لابد وأن يكون المتلبس بها غير متلبس بما ينافي من الظلم لو في آن ما (فمن الغريب) ان الفخر الرازي لما تعرض لتفسير هذه الاية المباركة ذكرما حاصله أن الشيعة استدلوا بهذه الاية على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الالهية لانهم كانوا عابدين للونن مدة مديدة و (اجاب) عنه بأن استدلالهم انما يتم بناء على كون المشتق حقيقة في الاعم من المنقضى عنه والمتلبس وهو (ممنوع) بل الحق انه موضوع لخصوص المتلبس (ثم) اورد على نفسه بأنهم فيما كانوا متلبسين بالظلم شملهم قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين (فدلت) الاية المباركة على عدم لياقتهم للخلافة ابدا ولقد اجاد فيما افاد وانصف (والحق ينطق منصفا وعنيدا) و (حاصل) ما ذكره يرجع إلى ما ذكرناه من كون القضية قضية حقيقية وأن الظلم ولو آناما علة لعدم نيل الخلافة حدوثا وبقاء وينبغى التنبيه على امور (الاول) ان المراد من الحال ظهر من مطاوى ما ذكرناه هو حال التلبس لا حال النطق لبداهة ان قضية كان زيد ضاربا أو يكون ضاربا حقيقة وان كان الضرب منقضيا في الاول ومما لم يتلبس به زيد في الثاني فاطلاق المشتق بلحاظ حال التلبس حقيقة وان كان الذات غير متصف بالمبدء حين الاستعمال (ثم ان) المشتق (اما) أن يؤخذ في ناحية الموضوع (أو) في ناحية المحمول وعلى تقدير اخذه في الموضوع فاما ان يكون تمام الموضوع أو جزئه كما انه على تقدير اخذه في المحمول اما ان يكون تمام المحمول (أو) جزئه (وما) اخذ في الموضوع (اما) ان يكون معرفا (أو) مما له دخل في الحكم (اما) ما كان من قبيل المعرف كالحكم بعدم جواز استصحاب اجزاء غير مأكول اللحم

[ 83 ]

في الصلوة فان العنوان فيه معرف لما جعل موضوع الحكم حقيقة من الماهيات الخارجية كالاسد والارنب وغير ذلك (فهو) ليس قسما برأسه فان المعرف لا محالة يكون مرآة للموضوع الحقيقي والكلام في اقسامه (واما) ماكان بنفسه موضوعا حقيقة فهو على قسميه من كونه تمام الموضوع أو جزئه (اما) ان يكون علة للحكم حدوثا وبقاء أو يكون علة للحكم حدوثا فقط فبقائه ببقائه وارتفاعه بارتفاعه (وعلى كل تقدير) فلا محالة لا ينفك الحكم عن وجوده فلابد وان يكون مستعملا في خصوص المتلبس والا فيلزم ما ذكرناه سابقا من تخلف الحكم عن موضوعه وهو محال (واما) ما اخذ في المحمول بقسميه ولم يكن في القضية رابطة زمانية (فان) استعمل في المتلبس (فلا اشكال) في انه بلا عناية ولاتكلف (واما) إذا استعمل في المنقضى عنه (فحيث) ان المحمول انما حمل في ظرف الانقضاء وعدم التلبس (والحمل) يقتضى بظاهره التلبس الفعلى (فيقع) التنافى بينهما لا محالة فلابد من تكلف وعناية (اما) بأن يفرض المنقضى عنه متلبسا تنزيلا أو بأن يلحظ الحمل باعتبار تلبسه السابق حتى يكون مفاد القضية أن زيدا هو الذى تلبس بالضرب سابقا (وكلاهما) بعيدان عن الافهام العرفية (فظهر) ان المشتقات إذا كانت مأخوذة في عقد الوضع يستحيل استعمالها في المنقضى عنه (وان) كانت مأخوذة في عقد الحمل فيبعد ذلك (ويترتب) عليه ان الاستعمال في المنقضى مجازا في غاية الندرة بل ملحق بالمعدوم (ودعوى) الكثرة نشأت من خلط موارد الاستعمال في الانقضاء بالاستعمال بلحاظ حال الانقضاء فتدبر جيدا الامر الثاني أن العنوان المذكور في محل النزاع " وان " كان يعم جميع المشتقات " الا " انه لابد من تخصيصه (1) بغير اسم المفعول واسم الالة فان الاول موضوع


1 - لا يخفى ان اسم المفعول انما وضع لمن يكون نسبة المبدء إليه نسبة الوقوع سواء كانت هذه النسبة متحققة في الخارج أو لم تكن فلفظ المضروب مثلا في قولنا زيد مضروب قد استعمل في عين ما استعمل فيه قولنا عمروليس بمضروب ومن هنا يكون اطلاقه بلحاظ ظرف التلبس حقيقة مطلقا ولو في مورد لم يتحقق فيه التلبس بالمبدء بالفعل كما في قولنا زيد يكون مضروبا غدا وعليه فلا مجال لدعوى خروج اسم المفعول عن حريم النزاع بل يكون حاله حال بقية المشتقات بلا فرق بينه وبينها اصلا واما اسم الالة ففرض الانقضاء فيه انما يكون بانقضاء التهيأ والاستعداد كما إذا اخرج المفتاح مثلا عن قابلية الفتح به فهو ايضا بهذا اللحاظ داخلا في محل النزاع فلا موجب لاخراج شيئ من المشتقات عن حريم النزاع اصلا (*)

[ 84 ]

لمن وقع عليه الفعل " وهذا " المعنى ممالا يعقل فيه الانقضاء ابدا " بداهة " ان الشيئ بعد وقوعه لا ينقلب عماهو عليه " فصدق " المشتق حال تلبسه وانقضائه على نحو واحد " واما " اسم الالة فان الهيئة فيه موضوعه لاسناد المبدء إلى ما يقوم به بالتهيأ والاستعداد بمعنى انها موضوعة لافادة صلاحية الموضوع لقيام المبدء به فلا يشترط فيها التلبس بالمبدء اصلا (بداهة) صدق المفتاح مع عدم التلبس بالفتح في زمان من الازمنة (الامر الثالث) انه قد ظهر مما ذكرنا سابقا ان المبادى مأخوذة (1) بشرط لا والمشتقات لا بشرط وهذا انما يتم فيما إذا كان المبدء غير الذات كما في صفات الممكن واما ماكان المبدء فيه عين الذات كما في صفات الواجب فيشكل الامر فيها فلابد من الالتزم بما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من نقل الصفات فيه تبارك وتعالى عن المعاني اللغوية وهو ايضا مما لا يمكن أن يلتزم به لاستلزامه تعطيل العقول عن فهم الاوراد والاذكار بالكلية والتحقيق في الجواب أن يقال ان صفات الله تبارك وتعالى التى مرجعها إلى العلم والقدرة على ما هو المعروف وان كانت عين ذاته وبعضها عين الاخر الا انها بحسب الخارج واما بحسب اللحاظ فقد تؤخذ لا بشرط ويصح حمل بعضها على بعض واخرى بشرط لافلا يكون قابلة للحمل ونمثل لذلك مثالا عرفيا تقريبا للاذهان (فنقول) ان النفس الناطقة الانسانية نسبتها إلى معلوماتها وتصوراتها نسبة الخلق والايجاد فقد تلاحظ التصورات بما انها تحت حيطتها بحيث تفنى بغفلة النفس عنها ولو آناما فيعبر عنها بالقدرة والاحاطة والاستيلاء


1 - قد بينا فيما سبق بطلان التفرقة بين المشتقات ومباديها باعتبار اللابشرطية والبشرط لائية وذكرنا انه لا مناص من اخذ الذات المبهمة من جميع الجهات غير جهة ثبوت المبدء لها في المفهوم الاشتقاقى وعليه فكما يكمن ان يكون المبدء مغايرا في الموجود مع الذات كذلك يمكن ان يكون متحدا معها في الوجود بل في المفهوم ايضا كما في قولنا الضوء مضيئ والوجود موجود وقد ذكرنا ان النسبة المأخوذة في المفهوم الاشتقاقى ليست نسبة خارجية حتى لا يعقل تحققها بين الشيئ ونفسه بل هي عبارة عن تضييق المفهوم مع قطع النظر عن الوجود والعدم كما مر توضيح ذلك في بيان معاني الحروف وعليه فلا موجب للالتزام بالنقل أو التجوز في حمل مثل العالم والقادر عليه تعالى ولكنه لا يخفى انه بناء على النقل أو التجوز فلايراد من العالم الانفس العلم والحضور كما لايراد من القادر الانفس القدرة والاحاطة فلا بكون ذلك مستلزما لتعطيل العقول عن فهم الاوراد والاذكار اصلا (*)

[ 85 ]

(وأخرى) بما انها حاضرة للنفس بنفس ذواتها بحضور ذاتي فيعبر عنها بالعلم اذلا معنى للعلم الا الحضور والانكشاف فقدرة النفس إذا اخذت بشرط لا أي بشرط ان لا يلحظ جهة الحضور والانكشاف فلا يمكن حمل العلم عليها ولا حملها على العلم وإذا اخذت لا بشرط فيصح حمل احدهما على الاخر (هذا) حال النفس التى هي مثال وظل له تبارك وتعالى ويعلم منها كيفية حمل صفاته تعالى بعضها على بعض (ومنه) ظهر وجه حمل صفاته على الذات ايضا (فان) العلم مثلا إذا اخذ بشرط لا (فكما) لا يصح حمله على القدرة (كذلك) لا يصح حمله على الذات المتحدة معها ايضا (واما البحث عن كيفية) اتحاد ذاته تعالى مع صفاته فهو خارج عن محل كلامنا ومن ادق المسائل الكلامية فلا وجه للخوص فيه اصلا (بل الكلام) متمحض في جهة اللا بشرطية والبشرط لائية (فان قلت) ان المفاهيم الاشتقاقية يتبادر منها مغايرة مباديها لما تحمل عليه فلا بد في حملها عليه تعالى من الالتزام بالتجوز أو النقل لفرض اتحاد مباديها مع الذات (قلت) لاشبهة ان المغايرة المذكورة لم تؤخذ في مفاهيم المشتقات (غاية) الامر ان المتعارف في صدق المشتقات (كذلك وعدم) فهم العرف صدقه على المتحد لخفائه (لاربط له) بتعدد المفهوم اصلا فالمفهوم واحد غاية الامر ان التشكيك في صدقه والمتبع هو نظر العرف في فهم المعاني لافى كيفية الصدق على مافى الخارج (بقى هناك) تنبيهان آخر ان اشار اليهما صاحب الكفاية (قده) احدهما انه توهم بعضهم انه لا يشترط في صدق المشتق على شيئ المبدء به ومثل له بصدق الضارب والمولم مع قيام الضرب والالم بالمضروب والمولم (وليت شعرى) ما اراد هذا المتوهم فهل يعقل صدق المشتق الذى بينا انه عبارة عن نفس المبدء المأخوذ لا بشرط مع عدم قيام المبدء بالذات وكيف يعقل حمله عليها أو وصفها به (غاية الامر) انه يختلف كيفية التلبس فتارة يكون القيام حلوليا (واخرى) صدوريا كما في المثالين (وثالثة) غير ذلك (الامر الثاني) انه توهم بعض ان استعمال المشتق في معناه حقيقة أي في المتلبس يشترط فيه ان يكون الاسناد حقيقيا كما في الماء الجارى لا مجازيا كما في الميزاب الجارى (والذى يمكن) ان يقال انه لو بنينا على تركب المشتق (فحيث) انه مشتمل على النسبة الناقصة التقييدية وقد بينا سابقا انها نتيجة النسبة التامة الخبرية

[ 86 ]

فان كانت نسبة حقيقية (كانت) الناقصة ايضا كذلك وان (كانت) مجازية كانت الناقصة مثلها (واما) إذا قلنا ببساطته فحيث انه عار من النسبة فيكون حاله حال المبدء بل هو هو (غاية الامر) ان الاختلاف بينهما باللا بشرطية والبشرط لائية فكما يكون استعمال لفظ الجريان في معناه في قولنا جرى الميزاب حقيقيا كذلك يكون في قولنا الميزاب جار ولا ملازمة بين مجازية الاسناد ومجازية الكلمة اصلا (والتحقيق) ان الامر كذلك ولو بنينا على التركب فان المفهوم كما ذكرناه بسيط في مقام الادراك لا محالة (غاية الامر) انه عند التحليل ينحل إلى ذات ومبدء ملحوظين بنحو خاص أي بما أن احدهما قائم بالاخر فالنسبة بما هي نسبة غير ملحوظة في مفهومه اصلا فلا تكون ملازمة بين مجازية الاسناد في النسبة التامة بل الناقصة كما في الميزاب الجارى وبين مجازية الكلمة فيكون توهم ملازمة مجازية الاسناد لمجازية الكلمة في المفاهيم الاشتقاقية باطلا على كلا القولين. * (المقصد الاول في الاوامر وفيه فصول) * الفصل الاول فيما يتعلق بمادة الامر وقد ذكر لها بحسب اللغة معان متعددة (منها) الشيئ والطلب والحادثة والغرض وغير ذلك (والتحقيق) أنه لا اشكال في كون الطلب المنشأ بأحدى الصيغ الموضوعة له معنى له وأن استعماله فيه بلا عناية وأما بقية المعاني فالظاهر أن كلها راجعة إلى معنى واحد وهى (1) الواقعة التى لها أهمية في الجملة وهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة وقد ينطبق على الغرض وقد يكون غير ذلك (نعم) لابد وأن يكون المستعمل فيه من قبيل الافعال والصفات فلا يطلق على الجوامد (بل يمكن) أن يقال ان الامر بمعنى الطلب ايضا من مصاديق هذا المعنى الواحد (2) فانه أيضا من الامور التى لها اهمية فلا يكون للفظ الامر الا معنى واحد تندرج فيه كل المعاني


1 - الظاهر انه لاوجه لاخذ الاهمية قيدا في مفهوم الامر فانه يصح توصيف الامر بانه لا اهمية له فلو كان التقيد بالاهمية مأخوذا فيه لزم التناقض من توصيفه بذلك 2 - الظاهر ان اطلاق الامر على الطلب وعلى غيره من قبيل الاشتراك اللفظى فانه يجمع الامر بمعنى الطلب على اوامر وبالمعنى الاخر على امور واختلاف الجمع شاهد على اختلاف المعنى (*)

[ 87 ]

المذكورة وتصور الجامع القريب بين الجميع وان كان صعبا الا أنا نرى وجدانا أن الاستعمال في جميع الموارد بمعنى واحد ومعه نيتفى الاشتراك اللفظى. ثم ان صيغة افعل حيث أنها من مصاديق الامر ونسبتها إليه نسبة المصداق إلى المفهوم فيكون (1) الامر في الدلالة على الوجوب كالصيغة في الدلالة عليه واما التفكيك بينهما في ذلك فهو وان كان بالنظر البدوى امرا ممكنا بأن يقال بدلالة الصيغة على الوجوب دون الامر أو بالعكس الا انه خلاف التحقيق لما ستعرف من أن دلالة الصيغة على الوجوب انما هو بوجه يشبه الاءنصراف وان لم يكن انصرافا حقيقة فلا محالة تدل مادة الامر على الوجوب ايضا بتلك الدلالة وان لم يكن الاستعمال في غيره مجازا لعدم أخذ الوجوب في الموضوع له فلا يكون الاءستعمال في خلاف الموضوع له الذى هو ملاك المجازية (ثم لا) يخفى أن الصيغة مطلقا ليست من مصاديق الامر بل خصوص ما صدر من العالي بعنوان المولوية وجوبيا أو استحبابيا دون ما أذا كان بعنوان الشفاعة أو الاءرشاد والا كان من مصاديق الاءرشاد وألشفاعة دون الامر وأما إذا كانت صادرة عن المساوى أو السافل فتكون مصداقا للالتماس أو الدعاء ولا تكون مصداقا للامر وبالجملة يشترط في صدق الامر على الصيغة كونها صادرة من العالي بعنوان المولوية. الثاني فيما يتعلق بصيغة الامر ويقع الكلام في مقامين (الاول) من جهة شرح اللفظ (والثانى) من الجهة الاصولية (أما المقام الاول) فتوضيح الحال فيه أن هيئات الافعال مطلقا كما مر في بحث المشتق موضوعة (2) لنسب خاصة والنسبة تارة تكون اخبارية وأخرى انشائية مثلا هيئة الفعل الماضي موضوعة لافادة تحقق المادة والنسبة المأخوذة فيه نسبة تحققية ولذا قلنا بدلالته على الزمان التزاما فيما إذا كان أخبارا وأما إذا كان انشاء فقد يكون لانشاء تحقق المادة بنفس اللفظ كما في لفظ بعت الموجدة لنفس البيع في عالم الاعتبار وقد يكون لانشاء تحقق المادة في عالم التشريع فيفيد مطلوبية


1 - دلالة لفظ الامر المستعمل في الطلب على الوجوب لعين الوجه الذى يقتضى دلالة الصيغة على الوجوب وان كان صحيحا الا انه ليس لما افاده قدس سره من انه من مقتضيات كون الصيغة من مصاديق الامر ودلالة الصيغة على الوجوب كما هو ظاهر 2 - قد مر الكلام في تحقيق مفاهيم هيئات الافعال وما هو المستفاد من هيئة الامر فراجع (*)

[ 88 ]

المادة من المكلف وهذا وان كان نادر الاستعمال في غير القضايا الشرطية بل لم نجد مورد يكون كذلك الا أنه كثير الاستعمال فيها وبالجملة فمفاد الفعل الماضي في الجميع تحقق المادة سواء كان في الخارج أوفى عالم الاعتبار أو في عالم التشريع (وأما) هيئة الفعل المضارع فهى موضوعة للنسبة التلبسية بمعنى أنه يفيد تلبس الفاعل بالمادة فعلا واما ما ذكره النحويون من كونه مشتركا بين الحال والاستقبال فقد عرفت بطلانه سابقا وان الدلالة على الاستقبال لابد وأن تكون بمعونة كلمة سين أو سوف والنسبة التلبسية تارة تكون اخبارا وأخرى انشاء لافادة تلبس الفاعل بالمادة في عالم الاعتبار بناء على صحته كما هو قول بعض اول اءفادة تلبس الفاعل بها في عالم التشريع كما في الاستعمالات الشايعة المتعارفة فالمستعمل فيه على كل تقدير هي النسبة التلبسية والانشاء والاخبار في الافعال خارجان عن المداليل اللفظة بل هما من المداليل السياقية كما سبق في مباحث الحروف (وأما) صيغة الامر فهى دالة على النسبة الانشائية الايقاعية فقط فما لم تصدر الصيغة لا يتصف المكلف بأنه وقع عليه المادة في عالم التشريع ويكون ايقاعها عليه وجعله في كلفتها بنفس الانشاء فهى موضوعة للنسبة الانشائية الايقاعية ولا تستعمل في غير ذلك ابدا فإذا ظهران ما وضعت له الهيئة ليس الا النسبة الايقاعية الاءنشائية ظهر لك ان القول بكون الموضوع له هو الطلب الانشائى لا معنى له نعم قد بينا في مبحث الحروف انها بعد استعمالها في معانيها تكون من مصاديق المعنى الاسمى كحروف النداء مثلا فانها إذا استعملت في معانيها النسبية تكون من مصاديق النداء الذى هو معنى اسمى وكذلك الهيئة إذا استعملت في معناها يكون من مصاديق الطلب وهذا غير الوضع لمفهوم الطلب كما هو واضح


بقى الكلام في اتحاد الطلب والارادة وعدمه والكلام فيه يقع في موضعين (الاول) في اتحاد مفهومهما وعدمه (والثانى) في ان الموجود في النفس المترتب عليه حركة العضلات هل هو امور ثلثة التصور والتصديق بالفائدة والشوق المؤكد المعبر عنه غالبا بالارادة كما هو المعروف أو هناك امر آخر متوسط بين الارادة والحركة ونسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى فاعله لانسبة الكيف إلى موضوعه كما ذهب إليه جماعة من محققى المتأخرين وقبل الخوض في ذلك لابد من التنبيه على امر وهو ان القائلين (*)

[ 89 ]

بوحدة الطلب والارادة على اجمال المراد منها لم يقيموا برهانا اصلا وانما أحالوها إلى الوجدان وانه لا نرى غير الارادة أمرا آخر يسمى بالطلب وسيتضح لك ان شاء الله تعالى ان الامر على خلاف ما يدعونه إذا عرفت ذلك (فنقول) اما الكلام في الموضع الاول فحاصله ان المدعى للوحدة وجدانا ان اراد أن المفهوم من احدهما هو عين المفهوم من الاخر بأن يكون لفظا الطلب والارادة مترادفين فالانصاف ان الوجدان على خلاف ما ادعوه فان الارادة باتفاق الجميع عبارة عن الكيف النفساني القائم بالنفس واما الطلب فهو عبارة عن التصدى لتحصيل شيئ في الخارج فلا يقال طالب الضالة الا لمن تصدى لتحصيلها في الخارج دون من يشتاق إلى تحصيلها فقط وان لم يتصد لتحصيلها في الخارج واطلاقه على الفعل النفساني بناء على ثبوت مرتبة اخرى غير الارادة فانما هو من باب اخذ الغايات وترك المبادى فانه ايضا يوجد باعمال النفس وان لم يكن محتاجا إلى تعب ومشقة كما في اطلاق الاكل على مجرد البلع من دون مضغ فانه أيضا من هذا القبيل والحاصل ان الطلب في التشريعيات عبارة عن نفس ايجاد الصيغة فانه بها يتصدى الامر لتحصيل مطلوبه في الخارج وفى التكوينيات ليس هناك تصد أصلا بل بمجرد تحريك النفس للعضلات يوجد المطلوب قهرا فليس هناك مطلوب منه حتى يتوقف وجود المطلوب على ارداته وعليه فيكون اطلاق الطلب على تحريك النفس من باب الاخذ بالغاية وترك المبادى (وان اراد) انهما مفهومان متغايران غاية الامر انهما يصدقان على امر واحد باعتبارين كما يصدق النية والعزم والقصد على شيئ واحد باعتبار كونه مضمرا في النفس وباعتبار رفع التردد وباعتبار الاستقامة فهو وان كان وجيها بالنسبة إلى الدعوى الاولى الا انه ايضا فاسد في حد ذاته فان الارادة كما عرفت من مقولة الكيف والطلب من مقولة الفعل (1) ويستحيل صدق المقولتين على امر واحد باعتبارين لتباينهما (فظهر) ان الحق في هذا المقام مع القائلين بالتغاير وفاقا للاشاعرة واما الموضع الثاني فالحق فيه (2) ايضا ان هناك مرتبة اخرى بعد الارادة تسمى


1 - مفهوم الطلب على ما عرفت عبارة عن التصدى لحصول المراد وهو وان لم يكن من مقولة الفعل الاصطلاحية الا انه لاريب في كونه من الافعال العرفية الصادرة عن ارادة واختيار فلا يمكن ان يتحد مع مفهوم الارادة مصداقا 2 - ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في تصوير الامر بين الامرين وكشف الغطاء عما دلت - (*)

[ 90 ]

بالطلب وهو نفس الاختيار وتأثير النفس في حركة العضلات وفاقا لجماعة من محققى المتأخرين ومنهم المحقق صاحب الحاشية (قده) والبرهان عليه أن الصفات القائمة بالنفس من الارادة


- عليه الروايات الواردة عن المعصومين عيلهم السلام هو محض الحق الذى لا ريب فيه بداهة ان الفعل الاختياري بعد تعلق الشوق به لا يخرج عن كونه تحت اختيار المكلف وسلطانه بل هو على ما كان عليه من انه إذا شاء فعله وإذا لم يشألم يفعله ولكنه مع ذلك لا مانع من استناده إلى الله تعالى بوجه من جهة عدم استقلال العبد في ايجاده فان وجود الفعل يتوقف على ان يفيض الله تعالى الوجود والقدرة وغيرهما من مبادى الفعل على العبد آنا فانا على ما هو الصحيح من ان الممكن لا يستغنى في بقائه عن المؤثر ولتوضيح ذلك نمثل مثالا عرفيا يفترق به كل من مذهبي الجبر والتفويض عن المذهب الحق فنقول إذا فرضنا ان المولى اعطى لعبده سيفا مع علمه بانه يقتل به نفسأ فالقتل إذا صدر منه باختياره لا يكون مستندا إلى المولى بوجه فانه حين صدوره يكون اجنبيا عنه بالكلية غاية الامر انه هيأ باعطائه السيف مقدمة اعدادية من مقدمات القتل وبعد ذلك قد خرج امر القتل عن اختياره بحيث لو شاء ان لا يقع في الخارج لما تمكن منه وهذا هو واقع التفويض وحقيقته كما انه إذا شد آلة الجرح بيد العبد مع فرض ارتعاش اليد بغير اختيار العبد فاصابت الالة من جهة الارتعاش نفسا فجرحته فالجرج لا يكون صاردا من العبد بارادته واختياره بل هو مقهور عليه في صدوره منه لا محالة وهذا هو واقع الجبر وحقيقته وإذا فرضنا ان يد العبد مشلولة لا يتمكن من تحريكها الا مع ايصال الحرارة إليها بالقوة الكهربائية أو بغيرها فاوصل المولى القوة إليها بوساطة سلك يكون احد طرفيه بيد المولى فذهب العبد باختياره إلى قتل نفس والمولى يعلم بذك فالفعل بما انه صادر من العبد باختياره فهو اختياري له وليس هو بمقهور عليه وبما ان السلك بيد المولى وهو الذى يعطى القوة للعبد آنا فانا فالفعل مستند إليه وكل من الاسنادين حقيقي من دون ان يكون هناك تكلف أو عناية وهذا هو واقع الامر بين الامرين فالافعال الصادرة من المخلوقين بما انها تصدر منهم بالارادة والاختيار فهم مختارون في افعالهم من دون ان يكون هناك شائبة القهر والاجبار وبما ان فيض الوجود والقدرة والشعور وغيرها من مبادى الفعل يجرى عليهم من قبل الله تعالى آنافانا بحيث لو انقطع عنهم الفيض آنا واحدا لما تمكن العبد فيه من فعل ابدا فالافعال الاختيارية بين الجبر والتفويض ومنتسبه إلى المخلوقين من جهة والى الخالق من جهة اخرى فانهم ذلك واغتنمه (*)

[ 91 ]

والتصور والتصديق كلها غير اختيارية فان كانت حركة العضلات مترتبة عليها من غير تأثير النفس فيها وبلا اختيارها فيلزم أن لا تكون العضلات منقادة للنفس في حركاتها وهو باطل وجدانا فان النفس تامة التأثير في العضلات من دون ان يكون لها مزاحم في سلطانها و ملكها وللزم أن تصدق شبهة امام المشككين في عدم جوار العقاب بان الفعل معلول للارادة والارادة غير اختيارية وان لا يمكن الجواب عنها ولو تظاهر الثقلان كما ادعاه واما الجواب عنها بان استحقاق العقاب مترتب على الفعل الاختياري أي الفعل الصادر عن الارادة وان كانت الارادة غير اختيارية فهو لا يسمن ولا يغنى من جوع بداهة أن المعلول لامر غير اختياري غير اختياري وتسميته اراديا من جهة سبقه بالارادة من غير اختيار لا يوجب عدم كون العقاب ظلما وتعديا في حق العبد المسكين العاجز المقهور في ارداته التى لا تنفك عن الفعل بل يلزم أن يكون الباري جل وعلا مقهورا في افعاله فان الارادة التى هي علة تامة لوجود المعلولات عن ذاته ومن البديهى أن ذاته تعالى وتقدس غير اختيارية له تبارك وتعالى (والحاصل) أن علية الارادة للفعل هادم لاساس الاختيار ومؤسس لمذهب الجبر بخلاف ماذا انكرنا علية الصفات النفسانية من الارادة وغيرها للفعل وقلنا بأن النفس مؤثرة بنفسها في حركات العضلات من غير محرك خارجي وتأثيرها المسمى بالطلب انما هو من ذاتها فلا يلزم محذور اصلا ويثبت الامر بين الامرين كما هو المذهب الوسط وبهذه النظرية الدقيقة المثبتة للامر بين الامرين كما صرحت به روايات اهل البيت عليهم السلام يستدل على الحق فيهم ومعهم فانه مما اعيى ادراكه عقول الفلاسفة وذوى الافكار (فان قلت) ان الامر الرابع الذى بنيت عليه ثبوت الامر بين الامرين ونفى الجبر وجعلته متوسطا بين الارادة وحركة العضلات هل هو ممكن أو واجب لاسبيل إلى الثاني وعلى الاول فهل علته التامة اختيارية أو غير اختيارية وعلى الاول يلزم التسلسل وعلى الثاني يتم مذهب الجبر (قلنا) لااشكال في كونه حادثا وممكنا الا انه نفس الاختيار الذى هو فعل النفس وهى بذاتها تؤثر في وجوده فلا يحتاج إلى علة موجبة لا ينفك عنها اثرها إذا العلية بنحو الايجاب انما هي في غير الافعال الاختيارية نعم لابد في وجوده من فاعل وهو النفس ومرجح وهى الصفات النسانية والاحتياج إلى المرجح

[ 92 ]

انما هو من جهة خروج الفعل عن العبثية والا فيمكن للانسان ايجاد ما هو منافر لطبعه فضلا عن ايجاد مالا يشتاقه لعدم فائدة فيه الا انه لا يفعل ذلك للزوم العبث وهو لا يصدر من الحكيم الملتفت (ثم) ان المرجح المخرج للفعل عن العبثية هي الفائدة الموجودة في نوعه دون شخصه بداهة أن الهارب والجائع يختار أحد الطريقين واحد القرصين مع عدم وجود مرجح في واحد بالخصوص وانكار ذلك مكابرة واضحة ثم ان الفخر الرازي استدل لما ذكرناه بما حاصله ان الاجرام السماوية أجرام بسيطة متساوية النسبة من حيث الاجزاء عند الحكماء والمصلحة الالهية اقتضت وجود الحركة فيها لكن الترجيح بلا مرجح في الشخص لو كان قبيحا فلنا ان نسأل عن ترجيح حركة الشمس والمعدل مثلا في المشرق إلى المغرب دون العكس مع عدم وجود المرجح قطعا على المذهب المذكور وقد ذكر صدر المتألهين (قده) هذا الاستدلال في شرح اصول الكافي الا انه لم يأت في الجواب الا بالشتم واللعن وانه رئيس المشككين اتى بشيئ لا يمكن الجواب عنه (ولكن) الانصاف ان الحق مع الفخر فانه لا يجوز على الحكيم تفويت المصلحة النوعية مع عدم وجود مرجح في الشخص قطعا وهذا ظاهر لاسترة عليه. ثم لا يخفى انه لا يفرق في ما ذكرنا من ان الطلب (1) هو التحريك نحو المطلوب وتأثير النفس في الحركة بين ان يكون الحركات مباشرية كما في الارادة التكوينية أو منزلة منزلة المباشرية كما في التشريعية فان عضلات العبد وحركاتها منزلة منزلة عضلات المولى وحركاتها ولافرق بينهما من وجه اصلا فافهم وتأمل في المقام لئلا تقع فيما وقع فيه غير واحد من الزلل والاوهام والله الهادى إلى سواء السبيل ثم ان هذا الذى ذكرناه من الالتزام بالامر الرابع المسمى بالطلب مرة وبالاختيار اخرى هو الاساس لنفى الجبر الذى التزام به الاشاعرة وارادوا بذلك اثبات السلطنة للبارى


1 - قد عرفت فيما مران الطلب عبارة عن التصدى لحصول المراد ومصداق ذلك في موارد تعلق الارادة بفعل الغير انما هو نفس الانشاء المظهر لاعتبار كون الفعل على ذمة المكلف فلا حاجة إلى ما افيد في المتن من تنزيل عضلات العبد وحركاتها منزلة عضلات المولى و حركاته مع انه مجرد فرض لا دليل عليه بل هو غير واقع قطعا في موارد الا وامر الالهية بل في غير ها ايضا (*)

[ 93 ]

تعالى فوقعوا في محذور آخر وهو نفى العدل عنه جل وعلا (واما) الاساس لنفى التفويض الذى التزم به المعتزلة وارادوا به اثبات العدل فوقعوا في محذور سلب السلطنة فحاصله ان التفويض يتوقف على ان تكون العلة المحدثة مبقية ايضا حتى يكون البقاء مستغنيا عن المؤثر إذ عليه لا يحتاج العبد بعد افاضة الوجود والقدرة والمشية له إلى شيئ اصلا واما بناء على ما هو التحقيق من ان الممكن حيث ان الافتقار والاحتياج من لوازم ذاته فهو مفتقر إلى الواجب دائما ومحتاج إلى افاضة الوجود والقدرة والمشيئة في في كل آن بحيث لو انقطع عنه الفيض لانعدم بنفسه ولايحتاج إلى تسبب لاعدامه فالفعل حيث أنه يصدر عن اختيار العبد فهو منتسب إليه وبما أن فيض الوجود و القدرة وغيرهما من مبادى الفعل يستمر من قبله تبارك وتعالى فالفعل منتسب إليه تعالى ففيه جهتان واقعيتان بكل جهة ينتسب إلى فاعل فيثبت الامر بين الامرين وما هو الحق في البين فلم يلزم نفى العدل ولا السلطنة عنه تبارك وتعالى (وهذا) الذى ذكرناه هو مذهب الاء مامية ومن اسرار العلوم الاء لهية رزقنا الله تعالى الوصول إليها واءن وقع في خلافه جم غفير لاجل شبهة عرضت لهم فهم قائلون بالجبر واقعا واءن لم يعترفوا به لسانا بقى الكلام في دفع الشبهة التى ربما تورد على ما ورد في الحديث القدسي من قوله تبارك وتعالى (يا ابن آدم بمشيئتي كنت انت الذى تشاء فأنت أولى بسيئاتك منى وأنا اولى بحسناتك منك) وحاصل الشبهة أن نسبة الفعل الاءختيارى إلى العبد والبارى جل وعلا في الطاعة والمعصية نسبة واحدة فان الفعل طاعة كان أو معصية من جهة ينتسب إلى العبد ومن جهة إلى الله تعالى فما وجه الاولوية في كل من الطرفين (والجواب) عن الشبهة هو أن الله تبارك وتعالى لما جعل في قبال المرجحات والقوى النفسانية التى هي جنود الجهل والشيطان وهى الغضب والشهوة والطمع و غير ذلك مرجحات رحمانية وهى جنود العقل والرحمان لئلا يكون العبد مجبولا على اطاعة النفس وليتمكن من المجاهدة وتقديم المرجحات الا لهية فهو ان قدم المرجح النفساني فهو أولى بالفعل لمغلوبية الجهة الاءلهية وان قدم المرجح الالهى فهو تبارك وتعالى أولى بالفعل فكون الفعل أمرا بين الامرين مطلقا لا ينافى الاولوية من جهة

[ 94 ]

أخرى (ويمكن أن يقال) (1) ان الاولوية المذكورة في الحديث ناظرة إلى ما ورد في الروايات الكثيرة من ان العبد ربما يكون موفقا بالحسنات والخيرات بواسطة التزامه ببعض الخيرات والحسنات فبعضها يكون معدا للاخر ويعطى القابلية لان يوفقه الله تبارك و تعالى لمرضاته كما انه ربما يكون مخذولا ومحروما من عناية تبارك وتعالى بسبب ارتكابه بعض المعاصي بل بعض المكروهات فان احسن فالله اولى بحسناته فانه الموفق له وان اساء فالعبد اولى بسيئاته لانه اتبع فيها هوى نفسه وشهواته على أي حال فالمهم في المقام اثبات الامر بين الامرين وقد أثبتناه بحمدالله تبارك وتعالى بأحسن وجه و بيان فافهم واغتنم ومن جميع ما ذكرنا ظهر أن ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) من الالتزام بعينية الطلب والارادة والالتزام بالارادة الانشائية وارجاع النزاع بين الاشاعرة والمعتزلة إلى النزاع اللفظى غير صحيح لما عرفت من أن الطلب غير الارادة مفهوما ومصداقا ولا معنى لكون الارادة انشائية وأظن أن الالتزام بالترادف بينهما من مختصاته ومن قال بالاتحاد اراد اتحادهما صدقا لا مفهوما وان كان ذلك فاسدا ايضا كما عرفته وايضا قد ظهر لك ان النزاع معنوى وفى ثبوت امر آخر بعد الارادة وعدمه فكيف يمكن أن يكون النزاع لفظيا واما المقام الثاني ففيه مباحث (الاول) في دلالة الصيغة على الوجوب وعدمها فاعلم أن الاقوال في المسألة وان كثرت الا أن المهم منها قولان احدهما كونها حقيقة في خصوص الوجوب أو ظاهرة فيه بالانصراف لكونه أكمل الافراد الثاني كونها حقيقة في القدر المشترك بينه وبين الاستحباب وقبل الخوض في بيان ما هو الحق في المقام ينبغى تقديم مقدمة وهى أن المتقدمين من الاصحاب ذهبوا إلى تركب الوجوب والاستحباب من جنس وهو طلب الفعل وفصل


1 - الظاهر ان منشأ الاولوية هو ان الله تعالى انما اعطى عبده نعمة الوجود والقدرة و الشعور وغيرها ليشكره ويصرف كل ما انعم الله به عليه في محله فان فعل ذلك فقد عسل بوظيفته وشكر منعمه ومع ذلك فالله هو ولى الاحسان الذى من عليه بتمكينه من ذلك وان لم يفعل ذلك بل صرف النعمة في غير محلها ذلك فقد فعل بسوء اختياره كما قال تعالى شانه وما ظلمهم الله ولكن انفسهم يظلمون (*)

[ 95 ]

وهو المنع من الترك أو الاذن فيه وهذا القول رفضة المحققون من المتأخرين وذهبوا إلى انهما مرتبتان بسيطتان من الطلب والمنع من الترك وعدمه من لوازم شدة الطلب وضعفه لا انهما مقومان لحقيقة الوجوب والاستحباب بداهة عدم خطور المعنى المركب عند استعمال الصيغة في الوجوب أو الاستحباب وفهم الحقيقة والمجاز في الاوضاع النوعية من الامور الظاهرة لكل متكلم في كل لسان كما بيناه في مباحث المشتق والحق عدم صحة هذا القول أيضا فان ما يستعمل فيه الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب ليس الا النسبة الايقاعية ولا شدة ولاضعف فيها واما الطلب القائم بالنفس في الافعال التكوينية فهو ايضا كذلك لانه كما عرفت عين الاختيار وتحريك النفس المعضلات وهو في جميع الافعال على حد سواء واما الاءرادة فهى وان كانت قابلة للشدة والضعف في حد نفسها الا أنها ما لم تشتد بحيث يترتب عليها تحريك النفس للعضلات لا تكون ارادة سواء كان المراد فعلا من الافعال الضرورية أو غيرها (فتحصل) أن الوجوب والاستحباب ليسا من كيفيات المستعمل فيه حتى يكون الصيغة حقيقة في خصوص الوجوب أو منصرفة إليه بال المستعمل فيه واحد بالحقيقة في كلا الموردين والاءختلاف بينهما انما هو في المبادى حيث أن ايقاع المادة على المخاطب تارة ينشأ عن مصلحة لزومية واخرى عن مصلحة غير لزومية. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الصيغة متى صدرت من المولى فالعقل يحكم بلزوم امتثاله باقتضاء العبودية والمولوية ولا يصح الاعتذار عن الترك بمجرد احتمال كون المصلحة غير لزومية الا إذا كانت هناك قرينة متصلة أو منفصلة على كونها غير لزومية. وتوضيح ذلك أن الوجوب لغة بمعنى الثبوت وهو تارة يكون في التكوين واخرى في التشريع فكما أن في التكوينيات يكون ثبوت شيئ تارة بنفسه وأخرى بغيره وما كان بالغير لابد وان ينتهى إلى ما بالذات فكذلك الثبوت في عالم التشريع فما هو ثابت بنفسه نفس اطاعة المولى فانها واجبة بنفسها وغيرها يكون واجبا باعتبار انطباق عنوان الطاعة عليه فإذا صدر بعث من المولى ولم تقم قرينة على كون المصلحة غير لزومية فلا محالة ينطبق عليه اطاعة المولى فيجب بحكم العقل قضاء لحق المولوية والعبودية فالوجوب

[ 96 ]

انما هو بحكم العقل ومن لوازم الصيغة من المولى لا من المداليل اللفظية ولقد أجاد المحقق القمى (قده) في جعل الوجوب من لوازم صدور الصيغة من المولى الا انه أرجعه بالاخرة إلى المدلول اللفظى ومنه يعلم أن الاشكال المعروف في استعمال الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب معا كما في قوله (عليه السلام) اغتسل للجنابة والجمعة (الخ) وهو أن الصيغة الواحدة في استعمال واحد كيف يمكن أن تستعمل في مطلق الطلب من دون أن يتفصل بفصل أو كيف يمكن أن يوجد طلب في الخارج غير محدود بحد الشدة والضعف غير وارد على ما اخترناه رأسا وغير محتاج إلى تكلف جواب أصلا فان المستعمل فيه كما ذكرنا واحد (1) وهو ايقاع المادة على المخاطب والتفاوت انما هو في المبادى الباعثة على الامر بالمادة فقوله (عليه السلام) (اغتسل) استعمل في معنى واحد غاية الامر أن مصلحة غسل الجنابة لزومية ومصلحة غسل الجمعة غير لزومية وقد ذكرنا في المقام الاول صحة استعمال الفعل الماضي والمضارع في مقام الانشاء وطلب شيئ من المكلف وأن المستعمل فيه في الجميع شيئ واحد وهو النسبة التحققية والتلبسية وأن الانشاء والاءخبار من المداليل السياقية ومنه يظهر أن دلالتهما على الوجوب أيضا بحكم العقل ومن لوازم صدور الكلام من المولى ولاربط له بالمداليل اللفظية أصلا (المبحث الثاني في التعبدية والتوصلية) والكلام فيه يقع تارة من جهة الاصل اللفظى وهو اصالة الاطلاق وبيان أن مقتضى الاطلاق هل هو التعبدية أو التوصلية أو انه لا يدل على شيئ منهما اصلا واخرى من جهة الاصل العملي بعد الفراغ عن عدم وجود الاطلاق اما لاستحالته أو لعدم تمامية مقدمات الحكمة في خصوص مقام وتحقيق المقام انما يتم برسم امور (الامر الاول) أن الوظائف العملية في شرعنا أوفى ساير الشرايع تارة يكون تشريعها لاجل التعبد والتقرب بها المعبر عنه في اللغة الفارسية بپرستش وأخرى لاجل


1 - قد عرفت فيما مران ما استعمل فيه صيغة الامر ليس هو ايقاع المادة على المخاطب بل الصيغة انما تستعمل في ابراز اعتبار كون المادة على عهدة المكلف وذمته ولكنه مع ذلك يكون الوجوب والاستحباب خارجين عن حريم المستعمل فيه كما هو ظاهر ومنه يظهر الحال في الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب ايضا (*)

[ 97 ]

مطلق وجودها في الخارج وان أمكن التقرب بها أيضا فالاول يسمى بالتعبدى والثانى بالتوصلى وقد يطلق التوصلى على معنى يعم بعض التعبديات ايضا وهو ما يسقط امره بمطلق وجوده في الخارج ولو كان بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار أو بفعل محرم من المحرمات والتوصلى بالمعنى الاول يجتمع مع المعنى الثاني غالبا كوجوب ازالة النجاسات وغيرها وقد يفترق عنه كما في وجوب رد السلام فانه واجب توصلي بالمعنى الاول ولا يسقط بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار والتوصلى بالمعنى الثاني قد يفترق عن الاول كما في الصلاة الواجبة على ولى الميت فانها تسقط بفعل الغير مع كونها تعبدية شرعت لقصد التقرب بها والتوصلى بالمعنى الاول هو الذى وقع فيه النزاع من الاعلام ولعل المشهور على جواز التمسك بالاطلاق في اثباته وأما بالمعنى الثاني فلم يدع أحد جواز التمسك بالاطلاق لاثباته وبيان ذلك يحتاج إلى بسط الكلام في خصوص كل واحد من الاقسام وهو السقوط بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار أو بفعل المحرم فنقول القسم الاول وهو السقوط بفعل الغير بنقسم (1) إلى السقوط بفعل الغير مع الاستنابة وبدونها (أما) السقوط بالاستنابة فمقتضى الاطلاق عدمه فان تشريع الاءستنابة ليس عبارة عن ايجاب العمل على المكلف أعم من المباشرة والتسبيب بداهة أن عمل الغير ليس عملا تسبيبيا للمستنيب فيما إذا كانت ارادة النائب ارادة مستقلة ولم تكن تحت ارادته نعم فيما إذا كانت كذلك كاءرادة البهائم أو الصبيان يصح ذلك ويستند العمل إلى الغير واما فيما نحن فيه فليس هناك الااجارة واستنابة والعمل حقيقة للنائب ولا تقتضي الاستنابة ان يكون عمل النائب عمل المستنيب والمستاجر كما ان تشريعها


1 - لاوقع لهذا التقسيم فيما هو المقصود في محل الكلام فان اصالة عدم السقوط بفعل الغير من جهة الاطلاق أو من جهة الاصل العملي انما هي في كلا القسمين بملاك واحد وهو ظهور الكلام في مطلوبية المادة الصادرة من المخاطب مثلا فكما ان قولنا صام ريدله ظهور في صدور الصوم من نفس زيد فكذلك قولنا فليصم زيد له ظهور في مطلوبية الصوم الصادر منه وعليه فإذا كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على اشتراط الوجوب بعدم صوم غيره فيتمسك باطلاق كلامه في دفع احتمال الاشتراط المزبور وإذا لم يكن هناك اطلاق فالمرجع هو استصحاب بقاء التكليف ما لم يقم دليل على حصول الغرض بفعل الغير (*)

[ 98 ]

ليس عبارة عن ايجاب العمل على المكلف اعم من كونه ببدنه الحقيقي أو التنزيلى بان يكون النائب منزلا بدنه منزلة بدن المنوب عنه فان التنزيل ممالا يخطر ببال النائب والمنوب عنه اصلا بل حقيقة تشريعها يرجع إلى ايجاب عملين على المكلف على نحو التخيير كما هو الشأن في كل عملين يكون أحدهما مسقطا للاخر من دون أن يكون بينهما جامع عرفى وان كان هناك جامع ملاكي وعليه فيكون الشك في السقوط مع الاءستنابة راجعا إلى الشك في ان وجوب العمل على المكلف هل هو على نحو التعيين أو التخيير ومن المعلوم أن الاءطلاق في المقام يعين التعيينيه فان مقتضى الاءطلاق ان العمل واجب سواء استناب أحدا أم لا وسيجئ ان شاء الله أن مقتضى الاطلاق قد يكون هو التوسعة وقد يكون هو التضييق ولكن التحقيق عدم صحة رجوع الاستنابة إلى الوجوب التخييري أيضا لبداهة عدم فراغ ذمة الولى بمجرد الاستنابة قطعا فلا تكون طرفا للوجوب التخييري شرعا ولجواز التبرع في كل ما تدخله النيابة اجماعا ولا معنى لكون فعل الغير من اطراف الوجوب التخييري فالحق ان حقيقة النيابة عبارة عن تنزيل العمل منزلة عمل المنوب عنه وفرض ان الفعل فعله فيكون العمل الواجب على الولى فيه ثلث جهات (الاولى) الوجوب التعييني من جهة المادة وهو نفس الصلوة مثلا مع قطع النظر عن مصدرها بمعنى أن المولى يريد أصل وجود الصلوة في الخارج ولا تسقط بمجرد الاستنابة (الثانية) التخيير من جهة المصدر بمعنى أن الولى مخير بين اصدارها بالمباشرة واصدارها بالاستنابة (الثالثة) الوجوب المشروط بعدم فعل الغير كما سنبينه في القسم الثاني ان شاء الله تعالى فإذا شك في واجب انه يسقط بفعل الغير مع الاستنابة ام لا فمرجعه إلى الشك في الوجوب التخييري من جهة المصدر ومع الواضح أن نفس توجه الخطاب إلى المكلف من دون تقييد يرفع الشك من هذه الجهة ويجعله ظاهرا في الوجوب التعييني وهذا الظهور أقوى من ظهور الصيغة في التعيين من جهة المادة كما هو واضح (واما) السقوط بفعل الغير من دون الاستنابة فينفيه اطلاق الصيغة ايضا فان مرجعه إلى كون فعل الغير رافعا للموضوع أو لملاكه مثلا ايجاب القضاء على ولى الميت أو ايجاب اداء الدين على المكلف مشروط عقلا ببقاء موضوعه وهو اشتغال ذمة الميت أو المديون فإذا فرضنا سقوط اشتغال الذمة

[ 99 ]

بالصلوة أو الدين بصلوة المتبرع أو ادائه فلا موضوع لايجاب القضاء أو اداء الدين اصلا فلا محالة يكون التكليف بالقضاء أو الاداء مشروطا بعدم فعل الغير فإذا شككنا في السقوط بفعل الغير فمرجع الشك إلى الشك في اشتراط الخطاب وعدمه واطلاق الخطاب ينفى الاشتراط ويثبت كونه مطلقا (فان قلت) على ما ذكرت فالشك في السقوط بفعل الغير يرجع إلى الشك في بقاء الموضوع وعدمه ومن الواضح أنه لا اطلاق للخطاب بالاضافة إلى وجود موضوعه وعدمه بل هو مشروط به عقلا فلا يمكن دفعه بالاطلاق (قلت نعم) ولكن بقاء الموضوع وعدمه يستكشف من السقوط بفعل الغير وعدمه وبقاء الموضوع وعدمه فيما نحن فيه تابع لجعل الشارع وسيجئ ان شاء الله أن كل موضوع شرط وكل شرط موضوع فإذا أثبتنا باطلاق الخطاب أن التكليف غير مشروط بعدم فعل الغير فيستكشف من هذا بقاء الموضوع قهرا وغرضنا من التمسك بالاطلاق هو التمسك به من جهة عدم الاشتراط بعدم فعل الغير الملازم لبقاء الموضوع عقلا لا التمسك به من جهة بقاء الموضوع وعدمه بهذا العنوان (فتحصل) من جميع ما ذكرنا أن مقتضى الاصل اللفظى فيما إذا شك في سقوط واجب بفعل الغير بالاستنابة أو بدونها هو عدم السقوط لاطلاق الصيغة في التعيينية من جهة المصدر وعدم اشتراطه بعدم فعل الغير له (وأما) مقتضى الاصل العملي ان لم يكن هناك اطلاق فيختلف بالاضافة إلى السقوط بالاستنابة أو بدونها أما إذا كان الشك في السقوط بفعل الغير معها فلا محالة يكون مرجع الشك إلى أن التكليف المتعلق بخصوص الصلاة من الولى هل له عدل آخر وهو التكليف بالاستنابة حتى يسقط الخطاب الاول بامتثال الثاني أولا فالشك يرجع إلى الشك في الامتثال بعد القطع بالاشتغال ومن الواضح أن الحكم فيه هو الاحتياط وأن قلنا بالبراءة فيما إذا كان الجامع واجبا قطعا وكان الشك في وجوب احدى الخصوصيتين على التعيين وعدمه حتى يكون مرجع الشك إلى الشك في وجوب التخيير العقلي وعدمه لكون التكليف بالجامع متيقنا وان الشك في وجود الخصوصية يدفع بالاصل بخلاف المقام فان المفروض فيه عدم وجوب الجامع قطعا لكون التخيير على فرضه شرعيا فالتكليف متعلق بالصلاة مع الخصوصية على الفرض وانما الشك في اسقاط شيئ آخر لهذا الواجب لاحتمال كونه عدلا للتخيير فمقتضى القاعدة ح هو الاشتغال لا البراءة وأما إذا كان الشك في

[ 100 ]

السقوط بفعل الغير تبرعا فحيث ان مرجع الشك إلى الشك في الاشتراط وعدمه فلا محالة يكون تعلق التكليف في فرض فعل الغير تبرعا مشكوكا فمقتضى القاعدة هو البراءة (الا) أن التحقيق ان الشك في الاشتراط والاطلاق ان كان من أول الامر فالامر كذلك الا أن المقام ليس من هذا القبيل بل الشك فيه بقاء لاحدوثا (بيان ذلك) أن التكليف بالقضاء تعلق بالولي حين الموت قطعا وفى ذلك الزمان لم يكن تبرع من أحد على الفرض فكان التكليف في زمان فعليا فإذا شككنا في البقاء وعدمه بعد فعل الغير من جهة الشك في الاءشتراط وعدمه فلا محالة يجرى الاستصحاب موضوعا فيما إذا كان الشك من جهة الشك في بقاء الموضوع كمسألة الدين أو حكما فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا شككنا في ان الحج الواجب على المريض غير المتمكن من المباشرة هل يسقط بفعل الغير تبرعا اولا فمقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب بعد فعل الغير ايضا ونظير ما نحن فيه حكم الشك في الاقل والاكثر فانه إذا كان الشك في وجوب الجزء الزائد على المتيقن من أول الامر كما إذا شككنا في وجوب السورة في الصلوة فمقتضى القاعدة هو البراءة لا الاستصحاب لان القدر المتيقن من الخطاب قد فرع ذمة المكلف عنه يقينا والزائد المشكوك منفى باصل البراءة من أول الامر وأما إذا كان الشك في عدم وجوبها لعارض بقاء فمقتضى القاعدة هو استصحاب وجوب الصلاة مع السورة وان كان الشك دائرا بين الاقل والاكثر (فتحصل) أن مقتضى القاعدة هو الاشتغال في الشق الاول والاستصحاب في الشق الثاني وأما القسم الثاني وهو السقوط من دون ارادة واختيار فالتحقيق ان يقال انه قد يدعى ان مادة الافعال منصرفة إلى خصوص ما إذا صدرت عن ارادة واختيار كما قد يقال بأن هيأتها منصرفة إلى ذلك (والحق) في المقام عدم صحة كلتا الدعويين (أما الاولى) فلان المادة ان لم تكن بنفسها قصدية كالتعظيم وامثاله فلاوجه لانصرافها إلى خصوص مااذا صدرت بالاختيار بعد صدقها على تمام افرادها بالتواطى (وأما الثانية) فقد بينا سابقا أن هيئات الافعال موضوعة (1) لافادة قيام المبادى وانتسابها إلى فاعلها


1 - قد عرفت ان هيئة الفعل الماضي أو المضارع موضوعه للحكاية بها من تحقق المادة في الخارج ونفس الامر وهذا امر يشترك فيه جميع المواد على اختلافها وليس هناك ما يوجب الانصراف إلى كونها صادرة بالاختيار ولو بمعناه المقابل للقهر والاجبار (*)

[ 101 ]

وبعبارة أخرى لافادة قيام العرض بموضوعه رهذا أمر يشترك فيه جميع المواد سواء كانت من قبيل الافعال أو الاوصاف وما كان من قبيل الافعال اعم من أن يكون اختياريا أو غير اختياري فدعوى الاءنصراف في الهيئة المشتركة بين الجميع خالية عن الدليل ولذا ترى أن الفقهاء أفتوا بضمان المتلف اءختيارا أو غفلة أو في حال النوم أو ما اشبه ذلك تمسكا بعموم من أتلف مال الغير فهو له ضامن وبالجملة المدعى هو الاءنصراف في خصوص ما إذا كانت المادة اءختيارية في حد نفسها مع أن الهيئة لم توضع في خصوص هذه المواد حتى يدعى انصرافها إلى خصوص ما إذا صدرت عن الاختيار بل وضعت لمعنى مشترك بين جميع المواد (واما) دعوى انصرافها إلى ما إذا كانت قائمة بالفاعل من دون قهر واءجبار من الغير فليست بذلك البعيد كما ادعى ذلك الشيخ الانصاري (قده) في قوله (عليه السلام) (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) وأن الخيار لا يسقط بتفريق الغير للمتبايعين قهرا نعم تمتاز صيغة افعل عن سائر الافعال في الدلالة على الاختيارية من وجهين (الاول) ان المطلوب على المذهب الحق لابد وأن يكون حسنا بالحسن الفاعلى (1) وهو لا يتحقق الا في خصوص الفعل الاءرادى نعم الحسن الفعلى لا يتخلف


1 - لا يخفى انه لا موجب لاعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل الخارجي بكونه مصداقا للواجب بعد ماكان الوجوب ناشئا عن الملاك القائم بالفعل ومن حسنه في نفسه على ان لازم ذلك ان لا يتصف الفعل الخارجي إذا لم يؤت به بداعي التقرب بكونه مصداق الواجب ولو كان الوجوب توصليا ضرورة ان مجرد صدور الفعل عن الاختيار لا يكفي في اتصافه بالحسن الفاعل مع انه واضح البطلان نعم يعتبر في الاتصاف المزبور ان لا يتصف الفعل بالقبح الفاعلى لكنه اجنبي عما نحن بصدده واما حديث دعوى اختصاص الطلب بالحصة المرادة من جهة عدم امكان تعلقه بغير المقدور كما افيد في الوجه الثاني فيرد عليه اولا انه لا ينافي سقوط التكليف فيما إذا اتى بالفعل لاعن ارادة بعد ان كان مقتضى اطلاق المادة قيام الملاك بمطلق وجود الفعل المأمور به فيما إذا كانت القدرة من الشرايط العقلية على ما اعترف به (قده) في مبحث الضد وثانيا ان الدعوى المزبورة انما تتم على مذهب من يرى ان المنشاء بالصيغة انما هو مفهوم الطلب أو البعث أو النسبة الايقاعية أو ما يقاربها من المفاهيم واما على ما حققناه من انه ليس الا اظهار اعتبار كون المادة على ذمة المكلف فلا موجب لاشتراط التكلف بالقدرة اصلا غاية الامر ان العقل يعتبرها في موضوع حكمه في مرحلة الا لزام بالامتثال فتكون القدرة من شرايط التنجيز لا محالة (فان قلت) ماهى الفائدة في الاطلاق * (*)

[ 102 ]

عن الفعل سواء صدر بالاختيار أم لا الا انه ليس مصححا للتكليف بل المصحح له هو الحسن الفاعلى المختص بحال الاءرادة والاءختيار (الثاني) ان الطلب التشريعي كما ذكرناه هو تحريك عضلات العبد نحو المطلوب بارداته واختياره وجعل الداعي له لان يفعل ومن البديهى أنه انما يمكن جعل الداعي في خصوص الفعل الاء رادى لا الاعم منه ومن غيره وعليه فالمطلوب دائما هو الفعل الاء رادى فإذا شك في سقوطه بغير الارادي فحيث انه لا يمكن التخيير بينهما عقلا فيرجع الشك إلى الشك في اشتراط الخطاب وعدمه فيكون حاله حال الشك في السقوط بفعل الغير وقد عرفت أن مقتضى الا طلاق فيه هو عدم الاشتراط ان كان هناك اطلاق والا فالمرجع هو الاستصحاب دون البراءة وأما القسم الثالث وهو السقوط بفعل المحرم فحاصل الكلام فيه أن نسبة دليل التحريم إلى دليل الواجب تكون تارة نسبة الاخص إلى الاعم كما في باب النهى عن العبادة واخرى نسبة العموم من وجه كما في باب اجتماع الامر والنهى فان كان من قبيل الاول فلا اشكال في انه يضيق دائرة الواجب ويخصصه بغير الفرد المحرم كما إذا قال اغسل ثوبك ولا تغسل بالماء المغصوب وان كان من قبيل الثاني فحيث ان المأتى به في ضمن الفرد المحرم لا يكون متصفا بالحسن الفاعلى (1) لفرض وقوعه مبغوضا عليه فلا محالة لا يكون مأمورا به وان قلنا بجواز اجتماع الامر والنهى لتعدد متعلق الامر والنهى الا أن المأتى به في ضمن افراد المحرم حيث أنه فاقد للحسن الفاعلى وهو من شرائط


* المزبور وايجاب الجامع بين المقدور وغيره مع ان المكلف لا يمكنه ان ينبعث الا نحو المقدور قلت فائدته اجتزاء المكلف بما صدر منه بغير اختياره بعد حصول الغرض القائم بمطلق الوجود المنكشف بالاطلاق بعد فرض امكان تعلق التكليف بالجامع كما عرفت فتحصل انه لا مانع من اثبات عدم اعتبار تقيد المأمور به بالقدرة شرعا باطلاق الدليل ان كان والا فالمرجع هي اصالة البرائه الشك في اعتبار امر زائد على المقدار المعلوم توجه التكليف به فافهم ذلك واغتنمه 1 - قد عرفت آنفا لا موجب لاعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل الخارجي بكونه مصداقا للواجب وعليه فمقتضى القاعدة هو سقوط الامر باتيان المأمور به في ضمن الفرد المحرم فيما كان المورد من موارد اجتهاع الامر والنهى بناء على الجواز نعم بناء على الامتناع وتقديم جانب النهى لا مناص عن القول بعدم السقوط لتعلق النهى حينئذ بنفس العبادة الموجب لتضييق المأمور به لا محالة وسيجيى توضيح ذلك في مبحث اجتماع الامر والنهى انشاء الله تعالى (*)

[ 103 ]

كون الشيئ مأمورا به فلا محالة لا يكون مأمورا به فإذا قام الدليل على سقوط التكليف به فهو يكشف عن تحقق المصلحة أو عن ارتفاع الموضوع فلا محالة يكون التكليف مشروطا بعدمه كما في ازالة النجاسة بالماء المغصوب حيث انه لا نجاسة بعد الغسل به حتى يؤمر بغسلها فأذا شككنا في الاءشتراط وعدمه فالمرجع هو اصالة الاطلاق ان كان والا فالاستصحاب (فتحصل) أن مقتضى الاصل اللفظى والعملي في تمام الاقسام هو عدم التوصلية الامر الثاني قد عرفت أن محل الكلام انما هو التوصلى في قبال التعبدى وهو العمل الذى شرع لاجل التعبد به وحيث أن التعبد امر قصدي فلا محالة يكون بأحد الدواعى القربية (منها) قصد الامر و (منها) قصد المصلحة و (منها) قصد كون المولى اهلا لذلك إلى غير ذلك والكلام فعلا متمحض في خصوص قصد الامر وأنه مما يمكن اخذه في متعلق الامر أولا وحيث أن الاطلاق كما سيجئ انشاء الله تعالى يقابل التقييد تقابل العدم والملكة فما لم يكن المورد قابلا للتقليد لم يكن قابلا للاطلاق ايضا (1)


1 - التحقيق في المقام ان يقال ان من اشتاق إلى وجود فعل مع التفاته إلى امكان وقوعه في الخارج على وجوه فاما ان يتعلق شوقه بخصوص حصة خاصة منه مقيدة بقيد وجودي أو عدمي أو يتعلق بمطلق وجوده القابل للانطباق على كل واحد من الوجودات الخاصة فلا يكون لخصوصية من الخصوصيات دخل في غرض المولى وفى متعلق شوقه وجودا أو عدما بلا فرق في ذلك بين التقسيمات الاولية والثانوية ضرورة ان متعلق الشوق لابد وان يكون متعينا في ظرف تعلقه به ولو بعنوانه الاجمالي ويستحيل فرض الاهمال في الواقع وتعلق الشوق بمالا تعين له في مرحلة تعلقه به فكما ان الملتفت إلى انقسام الماء إلى حار وبارد إذا اشتاق إلى شربه فلا مناص له من تعلق شوقه اما به لمطلق أو بالمقيد فكذلك الملتفت إلى انقسام الصلوة مثلا إلى قسمين باعتبار انها يؤتى بها في الخارج تارة بقصد الامر واخرى لا بقصده إذا اشتاق إلى وجودها فلا مناص له من تعلق الشوقه اما بالمطلق أو بالقيد فاستحالة اهمال المشتاق إليه في مرحلة تعلق الشوق به امر مشترك فيه بين التقسيمات الاولية والثانوية وعليه فإذا فرضنا استحالة تقيد متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص فلازمه كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا وإذا فرض استحالة - (*)

[ 104 ]

وتوضيح المقام أن يقال أن العناوين المأخوذة في متعلقات التكاليف كالصلاة والغسل وغيرهما اوفى موضوعاتها وهى كل ماله دخل في فعلية الحكم ويسمى بالشرائط كالوقت والبلوغ مثلا في الاول وهما مع وجود الماء في الثاني لها انقسامات اولية وثانوية ونعنى بالانقسامات الاوليه كل انقسام لها باعتبار نفسها مع قطع النظر عن وجود التكليف ككون الصلاة مع الطهارة وعدمها وكون الماء حلوا اومرا إلى غير ذلك ونعنى بالانقسامات الثانوية كل انقسام لها باعتبار تعلق التكليف بحيث لا معنى للانقسام مع قطع النظر عنه ككون المكلف وهو موضوع الحكم عالما به أو جاهلا وككون الصلاة مع قصد القربة أو بدونه (أما الانقسامات الاولية) فلا بدوان يكون التكليف بالاضافة إليها مطلقا أو مقيدا والالزم عدم محدودية متعلق التكليف أو موضوعه وهذا يستحيل على الحكيم المطلق وكذا على غيره الملتفت مثلا إذا التفت الاءنسان إلى انقسام الماء إلى قسمين فاما ان يكون طلبه مقيدا بخصوصية أحد القسمين أو لا يكون مقيدا وعى كلا التقديرين لا يمكن الاهمال في مقام الثبوت والواقع


التقييد بالخلاف ايضا فالاطلاق يكون ضروريا لا محالة وعلى ذلك فلا يبقى مجال لدعوى استلزام استحالة التقييد لاستحالة الاطلاق واما ما افيد في المتن من ان لازم كون التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة هو ذلك ضرورة اعتبار قابلية المحل للوجود في التقابل المزبور فما لم يكن المحل قابلا للتقييد لا يكون قابلا للاطلاق فيرد عليه ان القابلية المعتبرة فيه لا يلزم ان تكون شخصية دائما بل يجوز ان تكون صنفية أو نوعية أو جنسية الا ترى انه يصدق على الانسان انه جاهل بحقيقة ذات الواجب و صفاته مع انه يستحيل ان يكون عالما بها فلو كان استحالة احد المتقابلين تقابل العدم و الملكة مستلزمة لاستحالة الاخر لزم استحالة الجهل في مفروض المثال مع انه ضروري وجدانا ثم ان لافرق في ما ذكرناه بين ان يكون التقييد مستحيلا في مقام الثبوت و الواقع وان يكون مستحيلا في مقام الاثبات فان كلامنهما لا يقتضى استحالة الاطلاق بل فلا مناص عنه أو عن التقييد بالخلاف (نعم) إذا فرض استحالة التقييد في مقام الاثبات و عدم تمكن المولى من البيان على تقدير دخل فيد فيما يفى بغرضه وما هو متعلق شوقه فلا يمكن التمسك باطلاق كلامه لاثبات عدم دخله فيما هو متعلق امره في الواقع ونفس الامر الا ان ذلك اجنبي عما نحن فيه وهى دعوى استلزام استحالة التقييد لاستحالة الاطلاق كما هو ظاهر (*)

[ 105 ]

نعم يمكن ذلك في مقام الاثبات والدلالة بأن لا يكون المولى في مقام بيان تمام مراده اوفى مقام الثبوت من الجاهل غير الملتفت إلى الانقسام كما لو فرضنا الامر باكرام جيرانه غير ملتفت إلى انقسامهم إلى صديق وعدو فانه حينئذ لا يكون اطلاق أو تقييد حتى بلحاظ مقام الثبوت ايضا " واما الانقسامات الثانوية " سواء كانت لموضوعات التكاليف أو لمتعلقاتها فلا يعقل فيها التقيد فلا يتصور فيها الاطلاق ايضا (أما) عدم تعقل تقييد الموضوع بحال العلم بالحكم فللزوم الدور وبيانه أن فعلية كل حكم تتوقف على وجود موضوعه بقيوده ومشخصاته بداهة أنها بالاضافة إليه من قبيل الشروط بالاضافة إلى المشروط كما سيجيئ في الواجب المشروط انشاء الله تعالى ان كل شرط موضوع وكل موضوع شرط وحيث أنه يتوقف العلم بشخص الحكم على وجود الحكم خارجا وفرضه موجودا والا لا يعقل العلم به فيلزم الدور المصرح وهو توقف الشيئ على ما توقف عليه وكون الشيئ معلولا لمعلوله بلا واسطة غاية الامر أن التوقف من احد الطرفين عقلي وهو توقف العلم على وجود المعلوم ومن الطرف الاخر جعلى وهو توقف فعلية الحكم على وجود العلم لاخذه في الموضوع شرعا هذا بحسب مقام الفعلية (واما) بحسب مقام الاءنشاء فقد يقال بعدم استحالة اخذ العلم في الموضوع في ذاك المقام لعدم توقف الانشاء على وجود الموضوع قطعا (الا ان) التحقيق استحالته ايضا من وجهين (الاول) ان المجعول في مقام الانشاء كما سيجيئ انشاء الله تعالى ليس الا الاحكام الفعلية لموضوعاتها الخارجية وبعبارة اخرى الاحكام الفعلية هي الاحكام الموجودة بنفس الانشاء لموضوعاتها المقدر وجودها غاية الامر انها قبل وجود موضوعاتها فرضية وبعده خارجية فإذا فرضنا امتناع المجعول لاستلزامه الدور فيلزم امتناع الجعل ايضا إذا استحالة الوجود يستلزم استحالة الايجاد قطعا (الثاني) ان الدور وان لم يلزم في مقام الانشاء الا ان محذوره وهو لزوم توقف الشيئ على نفسه المستلزم لتقدم الشيئ على نفسه وفرضه قبل وجوده لازم لا محالة (وبيانه) ان العلم بشخص الحكم (تارة) يؤخذ في الموضوع على نحو القضايا الوهمية غير المعقولة كانياب الاغوال التى لا تنطبق على الخارج اصلا وحينئذ فلا كلام لنا عليه واخرى يؤخذ في الموضوع على نحو القضايا الحقيقية المستعملة في تمام العلوم التى منها القضايا

[ 106 ]

المتكفلة للاحكام الشرعية وحينئذ فلابد من فرض الموضوع في مقام الانشاء والحكم على المفروض كما في قضية الخمر حرام فاءن الحاكم في مقام حكمه بالحرمة يفرض وجود الخمر خارجا ويحكم عليه بالحرمة فاءذا فرضنا اخذ العلم بالحكم في مقام الانشاء بنحو يكون مرآة لما في الخارج وينطبق عليه فلابد من ان يفرض وجود العلم بالحكم في ذاك المقام ومن الواضح ان فرض وجود العلم بالحكم فرض وجود الحكم فلابد وان يكون الحكم مفروض الوجود قبل وجوده ولو بالقبلية الرتبيه وهو ما ذكرناه من محذور الدور بعينه وان لم يكن دورا اصطلاحا وما وقع في كلام جماعة من الاساطين من التعبير بالدور فهو من باب المسامحة في التعبير (واما) تقييد متعلق التكليف بقصد امتثال الامر فقد يقال بامكانه من ناحية الامر وعدم لزوم محذور الدور لامكان تصور قصد الامر قبل وجوده الا ان المانع عنه عدم قدرة المكلف حينئذ على الامتثال فان المفروض ان المأمور به هي الصلاة المقيدة مثلا فذات الصلاة وحدها لا امر بها فلا يمكن ايجادها بداعي امرها حتى يؤمر بها وكونها مأمورا بها في ضمن تعلق الامر بالمجموع لا يصحح كونها مأمورا بها إذا اتى بها وحدها بداعي الامر بالمجموع كما لا يخفى (لكن التحقيق) ان عدم القدرة في محل الكلام ليس ناشئا من عدم تمكن المكلف من اسباب الفعل مع امكان الفعل في حد ذاته كالطيران إلى الهواء بل من استحالة التقييد في حد ذاته في مقام الانشاء والفعلية والامتثال (اما) في مقام الانشاء فلما عرفت (1)


1 - لا يخفى ان لزوم اخذ قيد مفروض الوجود في مقام الانشاء المستلزم لكونه شرطا لفعلية الحكم اما ان يكون من جهة الظهور العرفي كما في قوله تعالى اوفوا بالعقود فان المستفاد منه هو لزوم الوفاء بالعقد على تقدير تحققه في الخارج واما ان يكون من جهة استلزام عدم اخذه مفروض الوجود للمحال وهو التكليف بما لا يطاق كما إذا امر المولى بايقاع الصلوة في الوقت فان دخول الوقت من جهة خروجه عن تحت اختيار المكلف وقدرته لا مناص عن اخذه مفروض الوجود في الخطاب والالزم التكليف بمالا يطاق واما في غير ذلك فلاملزم لاخذ القيد مفروض الوجود ومن ثم التزمنا بفعلية الخطابات التحريمية قبل وجود موضوعاتها ايضا وذلك لتمكن المكلف من امتثالها ولو بعدم ايجاد موضوعاتها وعلى ذلك فالقيد في مفروض البحث بما انه نفس الامر المتحقق في ظرف الانشاء لا ملزم لاخذه مفروض الوجود من ظهور عرفى أو غيره ومنه يظهر الجواب عما - (*)

[ 107 ]

من ان الموضوع في القضايا الحقيقية دون الفرضية غير المعقولة لابد وان يكون مفروض الوجود في الخارج في مقام اخذه موضوعا من دون ان يكون تحت التكليف اصلا ولافرق فيه بين ان لا يكون الموضوع تحت اختيار المكلف وقدرته كما في (صل في الوقت) فان الوقت غير مقدور للمكلف أو يكون تحت اختياره وقدرته كما في (اوفوا


افيد في المتن من ان اخذ قصد الامر في متعلقه يستلزم توقف فعلية الحكم على نفسها وهو محال وذلك فان الاستلزام المزبور مبنى على لزوم اخذ الامر مفروض الوجود في مرحلة الانشاء وقد عرفت فساده فان قلت اخذ قصد الامر في المتعلق بعد وضوح قبح الامر بالتشريع يتوقف على كون ذات الفعل في نفسه مأمورا به حتى يتمكن المكلف من الاتيان به بقصد امره ففرض عدم تعلق الامر الفعلى بذات الفعل واختصاصه بالفعل المقيد بان يؤتى به بقصد الامر يستلزم عدم تمكن المكلف من الامتثال في الخارج قلت بما ان قصد الامر وجعله داعيا إلى الفعل الخارجي من افعال النفس فالامر بالصلوة مثلا المفيدة بقصد الامر يكون امرا بالمجموع المركب من الفعل الخارجي والنفساني ومن الواضح ان الامر بالمركب ينحل إلى الامر بكل من الجزئين فيكون ذات الفعل متعلقا لحصنه من الامر الفعلى لا محالة كما ان جعل هذه الحصة من الامر داعيا إلى الفعل متعلق للحصة الثانية من الامر فإذا اتى بالفعل بداعي الامر المتعلق به في ضمن الامر بالمركب فقد تحقق تمام المركب في الخارج وبذلك يظهر الفرق بين المقام وما إذا كان الجزء الاخر غير قصد الامر فان قصد الامر الضمنى في المقام محقق لتمامية المركب بخلاف ما إذا كان الجزء الاخر غير قصد الامر فانه لا يمكن فيه الاتيان بجزء بقصد امره الا مع قصد الاتيان بالمركب بداعي امتثال امره وبما ذكرناه من الانحلال يندفع ما اورد على اخذ قصد الامر في المتعلق من انه يستلزم ان يكون شخص الامر داعيا إلى داعوية نفسه وهو على حذو كون الشيى علة لعلية نفسه وذلك فانه بناء على الانحلال المزبور يكون احد الامرين الضمنيين داعيا إلى داعوية الامر الضمنى الاخر واين ذلك من دعوة الامر إلى داعوية نفسه كما انه يندفع به ما افيد في المتن من ان الاخذ المزبور يستلزم توقف قصد الامتثال على نفسه ضرورة لزوم تأخره طبعا عن جميع الاجزاء والشرايط فلو كان هو بنفسه من الاجزاء ايضا لزم التوقف المزبور وجه الاندفاع هوان المأخوذ في المتعلق إذا كان قصد الامر ضمنى ودعوته فاين تقدم الشيئ وتوقفه على نفسه فظهر مما بيناه ان اخذ قصد الامر في المتعلق وكونه جزءا من اجزاء المأمور به لا مانع منه اصلا وعليه فإذا شك في اعتبار قصد الامر في المتعلق في الواقع مع عدم اخذه فيه في مقام الاثبات فيؤخذ بالاطلاق ويثبت به كون الواجب توصليا. (*)

[ 108 ]

بالعقود) فان معناه انه إذا فرض عقد في الخارج يجب الوفاء به لا انه يجب على المكلف ايجاد عقد في الخارج والوفاء به وحينئذ فلو اخذ قصد امتثال الامر قيدا للمأمور به فلا محالة يكون الامر موضوعا للتكليف ومفروض الوجود في مقام الانشاء (وهذا) ما ذكرناه من لوازم تقدم الشيئ على نفسه وبعبارة واضحة كل امر اختياري أو غير اختياري اخذ متعلقا لمتعلق التكليف فوجود التكليف مشروط بفرض وجوده بفرض مطابق للواقع وحيث ان متعلق المتعلق فيما نحن فيه هو نفس الامر فيكون وجوده مشروطا بفرض وجود نفسه فرضا مطابقا للخارج فيلزم كونه مفروض الوجود قبل وجوده وهو بعينه محذور الدور (واما في) مقام الفعلية الحكم يتوقف على فعلية موضوعه اعني متعلقات متعلق التكليف وحيث ان المفروض ان نفسه هو الموضوع لنفسه ومتعلق متعلقه فيتوقف على فعليته نفسه ولازمه تقدم فعلية على فعليته (واما) في مقام الامتثال فلان قصد الامتثال متأخر عن اتيان تمام اجزاء المأمور به وقيوده طبعا فان قصد الامتثال انما يكون بها وحيث انا فرضنا من جملة الاجزاء والقيود نفس قصد الامتثال الذى هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الامر فلابد وان يكون المكلف في مقام امتثاله قاصدا للامتثال قبل قصد امتثاله فيلزم تقدم الشيئ على نفسه (وبالجملة) محذور الدور هو تقدم الشيئ على نفسه وفرضه موجودا قبل وجوده موجود في تمام المراتب الثلاث وان يلزم هو بنفسه وكأن تعبير بعض الاساطين بالدور من باب المسامحة (هذا كله) بناء على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من ان القربة وكون الفعل عبادة لا تتحققان الا بقصد الامر فقط وبقية الدواعى انما هي في طول ذاك الداعي (لافى) عرضه (واما) بناء على ما ذهب إليه استاذ الاساطين الشيخ الانصاري (قده) من كون قصد الجهة وهى المصلحة موجبا للتقرب في عرض قصد الامر فيلزم من اخذه في المأمور به ذاك المحذور عينا (1) فان قصد


1 - لا يخفى غاية ما يقتضيه البرهان المذكور هو ان يكون الفعل قابلا لترتب المصلحة عليه في نفسه حتى يمكن تعلق القصد به بداعي المصلحة المترتبة عليه لكن ذلك لا ينافى توقف فعلية الترتب على القصد المزبور كما هو كذلك في قصد العظيم ضرورة ان الفعل الخارجي امالم يكن قابلا لان يظهر به عظمة الغير لا يمكن قصد التعظيم به حقيقة ولكنه مع ذلك لا يكون عنوان التعظيم فعليا ومنطبقا على الفعل الخارجي الا مع القصد المزبور (*)

[ 109 ]

جهة الصلاة مثلا يتوقف على كون الصلاة ذات جهة وكون الجهة مترتبة على نفسها والمفروض ان الجهة انما تترتب لعى قصد الجهة لفرض كونه جزء المأمور به فبدونه لاجهة حتى تقصد فالجهة فرع قصدها وقصدها فرع تحققها فيلزم توقف الشيئ على ما يتوقف عليه بلا واسطة وهو الدور المصرح المستلزم لتقدم الشيئ على نفسه بمرتبتين فاءن الشيئ متأخر عن علته بمرتبة والمفروض انه متقدم على علته بمرتبة لكونه علة لعلته فيتقدم على نفسه بمرتبتين (واما) على المختار من كون جميع الدواعى القربية في عرض واحد وان الجامع بين الجميع كون العمل لله كما يستفاد من قوله (عليه السلام) (وكان عمله بنية صالحة يقصد بهاربه) فوجه امتناع اخذ الجامع المنطبق على جميع الدواعى القربية في المأمور به هو ان الداعي اياما فرض فهو في مرتبة سابقة على الارادة المحركة للعمل فيستحيل كونه في عرض العمل الصادر عن الارادة التكوينية فان المفروض سبقه على الارادة وتأخر العمل عنها فإذا لم يمكن وقوع الداعي في حيز الارادة التكوينيه (1) فلا يمكن وقوعه في حين الارادة التشريعية ايضا بداهة ان متعلق الارادة التشريعية


1 - لا يخفى ان ذلك لو تم فلا يمكن تعلق الطلب والارادة التشريعية بقصد الامر أو بغيره من الدواعى القربية مطلقا ولو كان ذلك بجعل المتمم وبالامر الثاني المغاير للامر الاول المتعلق بذات الفعل وهذا ينافى ما ذهب إليه قدس سره من تصحيح كون الواجب عبادة كذلك والتحقيق ان المستحيل انما هو تعلق شخص الاختيار الناشئ عن داع بذلك الداعي بعينه واما تعلق اختيار آخر به غير الاختيار الناشئ منه فهو بمكان من الامكان وحيث ان المفروض ان هناك فعلين احدهما خارجي والاخر نفساني فلا محالة يكون الاختيار المتعلق بالفعل الخارجي الناشئ من الفعل النفساني مغايرا للاختيار المتعلق بالفعل النفساني ولكنه بما ان المفروض ترتب الغرض الواحد على الفعلين معا فلا مناص عن كون الشوق أو الامر المتعلق بهما واحدا ايضا ثم انه بعد ما تحقق امكان اخذ جامع قصد القربة في المأمور به فيمكن التمسك بالاطلاق في ظرف الشك لاثبات كون المواجب توصليا وعدم دخل قصد القربة في المأمور به واقعا وفى مرحلة الثبوت فلا يترتب اثر مهم على اثبات استحالة اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق مع انك قد عرفت انفا امكان اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق ايضا واما ما عن المحقق صاحب الكفاية قدس سره من ان صحة العبادة إذا اتى بها بداعي الامر تكشف عن عدم اخذ غير قصد الامر من الدواعى القربية في المأمور به قطعا * (*)

[ 110 ]

هو بعينه ما يوجده العبد في الخارج وتتعلق به ارادته فلو لم يمكن تعلق الارادة التكوينية بشيئ لا يمكن تعلق الارادة التشريعية به ايضا (إذا عرفت) عدم امكان اخذ داعى القربة في متعلق الامر فلابد من بيان ما به يمتاز التعبدى عن التوصلى فما قيل أو يمكن ان يقال في


* فيرد عليه انها تكشف عن عدم اخذ خصوص غير قصد الامر في المأمور به واما عدم اخذ الجامع فيه فلا كاشف عنه اصلا نعم لا مناص عن الالتزام بتعلق الامر بذات الفعل ليكون المكلف متمكنا من الاتيان به بقصد الامر الا انك قد عرفت ان الامر بالمركب يستلزم تعلق حصة منه بذات الفعل لا محالة فان قلت إذا فرض استحالة اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق فالامر بالجامع لا يمكن ان يعمه بل لابد وان يختص بغيره من الدواعى القربية فإذا لم يكن غيره مأخوذا فيه ايضا كما هو المفروض فيقطع بعدم اخذ الجامع فيه لا محالة قلت إذا كان منشأ استحالة اخذ قصد الامر في المتعلق هو لزوم اخذ القيد وهو الامر مفروض الوجود فهى تدور مدار لحاظ القيد وجعله دخيلا في فعلية الحكم فإذا فرضنا ان المأخوذ في المأمور به هو جامع قصد القربة مع قطع النظر عن خصوصيات افراده على ما ستعرف ان الاطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخل شيئ من الخصوصيات في حكم المطلق فلا موجب لاختصاص الامر بالجامع بغير قصد الامر وعدم سرايته إليه ضرورة ان المحذور على تقدير تسليمه انما يترتب على لحاظ القيد مفروض الوجود لاعلى رفضه وعدم لحاظ ثم انه لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على استحالة اخذ جامع قصد القربة في المأمور به ايضا فلا يستلزم ذلك عدم جواز التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب توصليا فانه إذا كان غرض المولى مترتبا على اتيان المأمور به بقصد القربة وفرض استحالة تقييد المأمور به بذلك فيمكنه ان يقيد المأمور به بقيد يلازم قصد القربة خارجا بان يأمر بالفعل المقيد بان لا يؤتى به باحد الدواعي النفسانية فمن اطلاق وعدم التقييد في مقام الاثبات يستكشف عدم دخل قصد القربة في غرض المولى في مقام الثبوت ولعل ذلك هو المراد من الوجه الاتى المحكى عن بعض تقريرات العلامة الشيرازي قدس سره وعليه فلا يرد على الوجه المزبور ما اورد عليه في المتن كما سيظهر نعم ربما يورد عليه بان القدرة على اتيان المأمور به على هذا الفرض متوقفة على تعلق الامر به مع انها من شرايط التكليف عقلا وجوابه ان ما هو شرط فعلية التكليف أو تنجزه انما هي القدرة على اتيان المأمور به في ظرف الامتثال ولامانع من كونها ناشئة عن الامر نفسه فتلخص من جميع ما ذكرناه انه لامانع من التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب توصليا ما لم يكن هناك دليل على كونه تعبديا (*)

[ 111 ]

تصويره وجوه الاول ما حكى بعض تقريرات العلامة الشيرازي (قده) وحاصله ان نفس الداعي القربى وأن لم يمكن اخذه في المتعلق بوجه من الوجوه الا انه يمكن اخذ عنوان في المأمور به يكون ملازما لاحد الدواعى القربية وجودا وعدما فالفرق بالاخرة انما يكون باختلاف المتعلق والدواعي ملازمة لذلك العنوان المقيد به متعلق الامر (وفيه) ان هذا الوجه وان كان لطيفا في نفسه الا انه يرد عليه انه لو فرضنا (1) ولو محالا انفكاك ذاك العنوان عن احد الدواعى وبالعكس فلا بدوان تكون العبادة صحيحة على الاول دون الثاني (مع) انه لا يلتزم به ففيه قطعا لبداهة صحة العمل مع الداعي القربى قطعا وان لم يوجد هناك عنوان اصلا وفساده مع عدمه وان وجد ذلك العنوان الثاني ان الفرق بينهما من ناحية الامروان حقيقة الامر التعبدى مع حقيقة الامر التوصلى متباينان فالاول يقتضى بنفسه ان يكون باعثا فعليا دون الثاني فاءنه لا يقتضى الانفس وجود المأمور به في الخارج من دون ان يقتضى كونه داعيا بالفعل وان كان فيه صلاحية ذلك ويرد على هذا الوجه (اولا) ان هذا مبتن على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من لزوم كون الامر داعيا وان بقية الدواعى في طوله لا في عرضه واما على المختار (فلا اشكال) في كفاية بقية الدواعى فلا تكون دعوة الامر التعبدى فعلا من لوازم ذاته قطعا (وثانيا) (2) ان دعوة الامر في مرتبة متأخرة عنه لا محالة فلا يمكن كونها في عرضه وموجودة بوجوده بحيث يكون المولى موجدا لنفس الامر ودعوته والالتقدم الشيئ على نفسه وبعبارة واضحة دعوة شيئ فرع ثبوت ذاك الشيئ فانه موضوعه فيستحيل ان تكون موجودة في عرضه


1 - لا يخفى ان فرض المحال مع استلزام القيد المزبور لا حد الدواعى القربية خارجا لا اثر له فيما نحن فيه ضرورة انه مع علم المولى بالملازمة المزبورة تمكنه من الوصول إلى غرضه باخذ القيد المزبور لا يترتب اثر على فرض المحال اصلا 2 - الصحيح في الجواب ان يقال ان الامر لا يكون داعيا الا إلى متعلقه لا يحرك الا - (*)

[ 112 ]

الثالث (1) كون الفرق بينهما بحسب الغرض وان الغرض لا يحصل من الامر التعبدى الا بقصد القربة واما الامر التوصلى فيترتب الغرض منه على مطلق وجود المأمور به قصد به التقرب ام لا (وفيه) انه ان اريد من الغرض المصلحة الكائنة في المأمور به فيرد عليه ان الافعال بالاضافة إلى المصالح كما ذكرناه في مبحث الصحيح والاعم من قبيل العلل المعدة لا من قبيل الاسباب بالاضافة إلى مسبباتها فيستحيل ان تقع تحت التكليف والالزام فحصولها وعدمها اجنبي عن المكلف فلا معنى لكونه بصدد تحصيلها بل هو مكلف بايجاد المأمور به خارجا والمصالح علل الجعل والتشريع لا مما يجب ايجاده خارجا (وان اريد) منه الغرض القائم بالامر فبما ان الامر فعل من افعال المولى ولابد ان يكون فيه غرض فالغرض من الامر التوصلى نفس وجود المأمور به خارجا وان لم يكن بدعوة الامر ومن التعبدى دعوة الامر لوجود المأمور به (فيرد عليه) ما ورد على الوجه الثاني عينا من ابتنائه على مذهب صاحب الجواهر (قده) اولا واستحالة كون دعوة الامر غرضا منه وموجودا بوجوده ثانيا وعدم دليل على لزوم الحركة على طبق الغرض من الامر ثالثا (هذا) وسيجيئ ما هو المختار عندنا من الفرق بين التوصلى والتعبدي. الامر الثالث اختلفت كلمات الاصحاب في مقتضى الاصل اللفظى في المقام فاختار جماعة ومنهم المحقق الانصاري (قده) اصالة التوصلية واختار صاحب الاشارات (قده) وجماعة ممن تبعه اصالة التعبدية (والحق) في المقام وفاقا لجملة من المحققين هو الاءهمال وعدم الاطلاق مطلقا (واستدل) العلامة الانصاري (قده) على مختاره


نحوه فلا يعقل كونه داعيا لدعوة نفسه ما لم يؤخذ ذلك في المتعلق واما ما افيد في المتن من كون دعوة الامر متاخرة عن نفس الامر رتبة فيستحيل ان تكون موجودة في عرضه فيرد عليه ان اللوازم الذاتية لابد وان تكون موجودة بايجاد ملزوماتها والتأخر الطبعى لا ينافى التقارن الزمانى كما هو ظاهر 1 - قد عرفت فيما مران الفرق بينهما انما هو باخذ قصد القربة في متعلق الاوامر التعبدية دون التوصلية وبما ان الاخذ المزبور نشأ من دخل قصد القربة في الغرض يصح ان يقال ان الفرق بينهما من ناحية الغرض وعليه فلا يرد على هذا الوجه ما افيد في المتن كما لا يخفى (*)

[ 113 ]

بعدم امكان التقييد فيثبت الاطلاق وبمثل هذا استدل على شمول الخطاب للجاهلين وعدم اختصاصه بالعالمين وعلى عموم وجوب المقدمة لغير الموصلة والجامع في جميع المقامات عدم امكان التقيد للزوم المحذور فيه (ولا يخفى (1)) عدم صحة الاستدلال المذكور في شيئ من المقامات المذكورة فانه يبتنى على ان يكون الاطلاق مقابلا للتقييد تقابل الايجاب والسلب بأن يكون معنى الاطلاق هو مطلق عدم التقييد ولو بالعدم الازلي وهذا المعنى فاسد حتى عنده (قده) فان الاطلاق كما سيجئ في محله انشاء الله تعالى وان كان عدميا الا انه موقوف على ورود الحكم على المقسم وتمامية مقدمات الحكمه فالتقابل بينهما لا محالة يكون تقابل العدم والملكة فإذا فرضنا في مورد عدم ورود الحكم على المقسم فلا معنى للتمسك بالاطلاق قطعا وما نحن فيه من هذا القبيل فان انقسام المتعلق بما إذا اتى به بقصد الامر وعدمه يتوقف على ورود الامر فانه كما عرفت من الانقسامات الثانوية فليس قبل تعلق الامر وفى مرتبة سابقة عليه مقسم اصلا فالحكم لم يرد على المقسم بل صحة التقسيم نشأت من قبل الحكم فلا معنى للتمسك بالاطلاق فكل مورد لم يكن قابلا للتقييد يمتنع الاطلاق فيه أيضا (وأما) لو بنينا على ما هو المشهور قبل سلطان العلماء (قده) من كون الاطلاق امرا وجوديا وانه بمنزلة التصريح بالعموم (فعدم) صحة التمسك بالاطلاق اوضح فانه في قوة ان يقال صل سواء كان بقصد الامر اولا فان التصريح المذكور انما يصح فيما إذا كان الانقسام قبل الامر لا بعده والاكان اخذ المقسم بما هو مقسم في متعلق الامر مع ان كونه مقسما انما نشأ من قبله مستلزما لتقدم الشيئ على نفسه " واستدل " الكلباسى " قده " في الاشارات على اصالة التعبدية بوجوه نذكر المهم منها الاول ان المولى انما يأمر عبده بشيئ ويطلبه منه ليجعل امره محركا اياه نحو العمل وباعثا له نحو المراد فالامر هو بنفسه جعل للداعى والمحرك مطلقا (فإذا) قام هناك قرينة على التوصلية فذاك والا كان مقتضى نفس الامر هو التعبدية (وفيه) 2


1 - قد عرفت فيما تقدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر وان كون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة لا يقتضى استلزام استحالة احدهما لاستحالة الاخر فلا موقع لما افاده العلامة الانصاري قدس سره في المقام ولالما اورد عليه في المتن فافهم وتدبر 2 - الصحيح في الجواب ان يقال ان الغرض من الامر مضافا إلى انه لا يجب تحصليه - (*)

[ 114 ]

انه ان اريد من جعل المولى امره محركا الزام المولى عبده بالعمل وجعله في عهدته بحيث يكون داعيا نحو العمل لو لم يكن له داع من قبل نفسه فانه قبل الامر بالعمل لم يكن ملزما بالفعل بل كان له اختيار من نفسه في الفعل وتركه وبعد الامر لابدله من العمل ليحصل له الفراغ منه فهو مسلم الا انه اجنبي عن التعبدية بالمعنى المقصود لاشتراك هذا المعنى بين جميع الواجبات تعبدياتها وتوصلياتها وان اريد منه ان الفعل لابدو أن يصدر في الخارج بداعي امتثال امر المولى لابداع آخر حتى يكون الامر متكفلا لمحركية نفسه وللزوم صدور العمل من قبله فقد عرفت انه مبنى على مذهب صاحب الجواهر (قده) المخالف لما اخترناه اولا وانه مستلزم للمحال ثانيا وببيان آخر الامر انما يدعو نحو العمل وارادة المكلف ملحوظة بنحو المعنى الحرفى غير الاستقلالي والملحوظ بالاستقلال هو نفس الفعل فلو كانت ارادة العبد ولزوم صدورها عن داعى الامر ملحوظين حين الامر لزم انقلاب الملحوظ الالى إلى الاستقلالي هو خلف محال. الوجه الثاني قوله تعالى " وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " الاية حيث استدل بها على عبادية جميع اوامر الله تبارك وتعالى خرج ما خرج فيبقى الباقي تحت العموم (وفيه اولا) ان هذا المعنى مستلزم لتخصيص الاكثر فان الواجبات الشرعية الا قليلا (منها توصليات فيكشف لزوم تخصيص الاكثر عن عدم ارادة هذا المعنى من الاية اجمالا (وثانيا) ان مفاد الاية بقرينة سابقتها وهو قوله عزوجل " لم يكن الذين


وانما هو طريق محض إلى ما هو الغرض من المأمور به ان محركية الامر نحو المأمور به وجعله داعيا إلى ايجاده لا يعقل ان تكون غرضا من الامر ضرورة ان ما هو غرض منه لابد وان يكون مترتبا عليه خارجا دائما ومن الواضح ان وجود المأمور به في الخارج فضلا عن كون الامر داعيا إليه ربما يكون في الخارج وربما لا يكون فكيف يمكن ان يقال ان الغرض من الامر انما هو جعله داعيا إلى المأمور به وعليه فلا مناص من كون الغرض من الامر هو امكان كونه داعيا إلى ايجاد المأمور به على تقدير وصوله إلى المكلف وهذا امر يشترك فيه التعبديات والتوصليات فلا يبقى مجال للاستدلال على اصالة التعبدية من ناحية الغرض (*)

[ 115 ]

كفروا والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينه الخ " هو (1) ان المؤمنين في مقام العبادة لم يؤمروا الا بعبادة الله دون غيره لا ان كل امرورد في الشرع فهو عبادي فالاية في مقام بيان تعيين المعبود وقصر العبادة عليه لا في مقام بيان حال الاوامر وانها عبادية فالاية اجنبية عن هذا المقام قطعا الوجه الثالث قوله صلى الله عليه وآله " الاعمال بالنيات " فدل على ان العمل بلانية كلا عمل فما لم تقم قرينة على صحة العمل بلانية فلا يعتد به ويكون لغوا في مقام الامتثال " وفيه ان " المستفاد من التفاسير الواردة في كلمات الائمة سلام الله عليهم اجمعين لهذه الكلمة الجامعة ان المراد منها هو " ان لكل امرى ما نوى " فان كان العمل لله فيجعله الله لنفسه والا فلما عمله من اجله كما ورد عنهم عليهم السلام ان المجاهدان جاهد لله فالعمل له تعالى وان جاهد لطلب المال والدنيا فله ما نوى فحاصل الرواية الشريفة ان عنوان الفعل في الخارج يتبع نية الفاعل وقصده فان فعله لله يقع له والا فلا فليست الرواية في مقام بيان ان الاوامر الشرعية عبادية اصلا " فتحصل " انه ليس هناك اطلاق العين التوصلية أو التعبدية بل المأمور به بالاضافة إلى الانقسامات الثانوية مطلقا لا مناص من كونه مهملا (واما) دعوى الظهور في التوصلية مع فرض عدم الاطلاق فلاوجه لها بداهة انه ليس فيما نحن فيه ما يقتضى الظهور غير الاطلاق وهو مفروض العدم الامر الرابع ربما يتمسك لاثبات التوصلية في مورد الشك فيها بحكم العقل بالاجزاء وان الاتيان بالمأمور به يجزى عقلا والمفروض ان المأمور به غير مقيد بقصد القربة قطعا وهذا الوجه هو المحتمل من عبارة صاحب التقريرات وبيان دفعه يحتاج إلى تقديم " مقدمة " وهى ان جعل المولى (تارة) يكون تاما وكل ما وقع تحت امره وخطابه يكون وافيا بتمام غرضه فلا محالة يكون الاتيان بما يفئ بغرضه مجزيا عقلا (واخرى) لا يكون كذلك بل المولى يحتاج إلى متمم لجعله كما في الغسل قبل الفجر فيما إذا اوجب صوم الغد فانه بناء على امتناع الواجب المعلق كما سيجيئ في محله لابد وان


1 - الظاهر ان الضمير في قوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله الاية يرجع إلى اهل الكتاب المذكورين قبل هذه الاية فحاصل المراد ان اهل الكتاب لم يكونوا مأمورين الا بعبادة الله والتفرق الموجود بينهم انما نشأ من قبل انفسهم من بعد ما جائتهم البينة فالاية اجنبية عن محل الكلام بالكلية (*)

[ 116 ]

يكون الامر بالصوم بعد الفجر لاشتراطه به ويستحيل تقدمه عليه كما ان الامر بالغسل لابد وان يكون قبل الفجر لاشتراط الصوم في الجزء الاول من النهار بالطهارة وحينئذ فحيث ان غرض المولى مترتب على الصوم المقيد بالطهارة ويستحيل ان يأمر بهما بامر واحد جامع بين ما قبل الفجر وما بعده فلابدوان يستوفى غرضه بامرين احدهما قبل الفجر بالغسل والاخر بعد الفجر بالصوم وحينئذ فحيث ان الامرين نشئا عن ملاك واحد فهما في حكم امر واحد واطاعتهما ومعصيتهما واحدة ولايكون الاتيان بالمأمور به من احدهما مجزيا ومسقطا من دون الاتيان بالمأمور به من الاخر وما نحن فيه من هذا القبيل ايضا فإذا إذا فرضنا ان غرض المولى مترتب على الصلاة بداعي القربة فإذا اراد المولى استيفاء غرضه فحيث انه لا يمكن له ذلك الا بامرين فلابد له من امر متعلق بذات الصلاة وامر آخر متعلق باتيانها بقصد القربة (وتوهم) الاكتفاء بامر واحد بالصلاة وايكال الجزء الاخر وهو قصد القربة إلى حكم العقل لا معنى له فان شأن العقل انما هو الادراك وان هذا الشيئ مما اراده الشارع ام لا وليس الامر والتشريع من شؤنه حتى يكون هو شارعا في قبال الشارع فكما ان ذات الصلاة تعلق بها ارادة الشارع لكونها مما له دخل في غرضه كذلك لابد وان يكون داعى القربة متعلقا لارادته غاية الامر انه لا يعقل ذلك بالامر الاول فلابد من الامر الثاني المتمم للجعل الاول حتى يكون الامر ان في حكم امر واحد (فظهر) ان توهم سقوط الامر الاول مع عصيان الامر الثاني لا معنى له فان ذلك انما يصح فيما إذا كان الامر ان مستقلين وناشئين عن ملاكين كما إذا فرضنا تعلق النذر بفعل صلاة الفريضة في المسجد فانه إذا صلاها في الخارج يسقط الامر الصلاتى وان كان عاصيا بالقياس إلى الامر النذرى ويجب عليه الكفارة لافى مثل ما نحن فيه الذى نشأ الامر ان فيه عن ملاك وغرض واحد فيستحيل سقوط احد هما دون الاخر كما ظهر ان عدم السقوط ولزوم الاتيان بداعي الامر من قبل الامر الثاني لا من قبل حكم العقل والزامه لما عرفت ان شأنه الادراك لا الالزام (فتحصل) مما ذكرناه انه في كل مورد احتمل العقل عدم تمامية الجعل و الاحتياج إلى امر آخر لا يعقل استقلاله بالاجزاء قطعا وما نحن فيه من هذا القبيل (ثم لا يخفى) ان تمامية الجعل وعدمها انما تعلم من الخارج فتارة يدل الدليل على وجود الامر الثاني وان غرض المولى مترتب على فعل المأمور به مع قصد القربة

[ 117 ]

فيفيد الامر الثاني نتيجة التقييد وان الامر الاول لا يسقط بمجرد الفعل كيفما اتفق و اخرى يدل الدليل على عدم وجود الامر الثاني وان الجعل لا يحتاج إلى متمم فيكون النتيجة نتيجة الاطلاق (هذا) بالاضافة إلى متعلق الامر (واما) بالاضافة إلى موضوع التكليف فتارة يدل الدليل على ان غرض المولى مترتب على الفعل من كل مكلف عالم أو جاهل فيكون النتيجة نتيجة الاطلاق كما دلت ادلة اشتراك المكلفين في التكليف على ذلك واخرى يدل الدليل على ان الغرض مترتب على فعل العالم دون الجاهل كما في القصر والاتمام أو الجهر والاخفات فيكون النتيجة نتيجة التقييد وعلى هذا فإذا كان المولى في مقام بيان اظهار تمام جعله ومع ذلك لم يأمر بقصد القربة فيستكشف من هذا الاطلاق المسمى بالاطلاق المقامى تمامية الجعل الاول وعدم احتياجه إلى جعل المتمم ثانيا فتكون النتيجة كما في الاطلاق الكلامي ونظير ذلك قد مرفى بحث الصحيح والاعم، من ان الصحيحى وان لم يمكن له التمسك بالاطلاق الكلامي لاجمال اللفظ الا انه يمكنه التمسك بالاطلاق المقامى إذا كان كما في صحيحة حماد المتكفلة لبيان اجزاء الصلوة فكلما لم تتعرض له مما يحتمل جزئيته فنتمسك باطلاقها لدفع الاحتمال المذكور (وبالجملة) فالفرق بين المتوصليات والتعبديات انما هو (1) بالامر الثاني وعدمه والتفرقة بينهما بالغرض قد عرفت فسادها وحينئذ فإذا كان المولى في مقام البيان و لم ينصب قرينة على الجعل الثاني المتمم للجعل الاول فمقتضى الاطلاق هو التوصلية وعدم الجعل الاخر وهذا الاطلاق نظير الاطلاق في متعلق التكليف الثابت بمقدمات الحكمة هذا كله فيما إذا تمت هناك مقدمات الحكمة والافتصل النوبة إلى الاصول العملية (والحق ان) مقتضى القاعدة في المقام هي البراءة لما عرفت (2) من ان


1 - ما افاده قدس الله سره في توجيه كون الواجب عبارة من الالتزام بالامر الثاني المتمم للجعل الاول وان كان صحيحا لا مناص عنه على تقدير عدم امكان اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول الا انك قد عرفت انه امر ممكن فلاتصل النوبة إلى الالتزام المزبور 2 - وكذلك الحال على ما حققناه من امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر الاول فانه على التقديرين يكون الشك في اعتبار قصد القربة في واجب من موارد دوران الامر * (*)

[ 118 ]

داعى القربة على تقدير دخله فلا محالة يكون بجعل ثان فالشك في دخله شك في الجعل الثاني فيكون حاله حال بقية الاجزاء في جريان البراءة عند الشك في دخلها في المأمور به (هذا) على ما هو المختار من كون دخل قصد القربة شرعيا (واما) إذا كان عقليا فربما يقال بان مقتضى القاعدة في المقام هو الاشتغال وان قلنا بالبرائة في مسألة الاقل والاكثر فان العقل بعد ماحكم بلزوم تحصيل غرض المولى فلا مناص من القول بالاشتغال عند الشك في حصوله فإذا اتى بالمأمور به بلا داعى القربة مع احتمال كون الواجب لا يسقط الغرض منه الا بقصد القربة فمقتضى القاعدة عدم جواز الاجتزاء به ولا يخفى (1) ان هذا الفرق مبنى على التفرقة بين المحصلات الشرعية والاسباب


* بين الاقل والاكثر والمختار فيه هي البرائة على ما ستعرف 1 - الظاهر ان التفرقة المزبورة مبنية على التفرقة في بحث الاقل والاكثر بين البرائة الشرعية والعقلية والالتزام بعد جريان الاولى من جهة الشك في حصول الغرض باتيان الاقل وبجريان الثانية نظرا إلى انها وان لم تثبت الاطلاق الواقعي وعدم تقيد المأمور به بما احتمل جزئيته وشرطيته واقعا الا انها تثبت الاطلاق الظاهرى وجواز اكتفاء المكلف في مرحلة الظاهر بما هو المتيقن تعلق التكليف به فانه بناء على ذلك لابد من القول بالاشتغال في المقام لعدم جريان البرائة الشرعية فيه فان المفروض عدم تعلق التكليف شرعا بقصد القربة فالشك متمحض في كونه دخيلا في غرض المولى ومعه يحكم العقل بلزوم تحصيل الغرض باتيان المأمور به مع قصد القربة (ولكن) التحقيق عدم صحة التفرقة المزبورة فانا إذا بنينا على عدم جريان البرائة العقلية في مسألة الاقل والاكثر من جهة حكم العقل بلزوم تحصيل الغرض فلا يبقى مجال للرجوع إلى البرائة الشرعية فيها بعد فرض انه لا يثبت بها ترتب الغرض على الافل كما نه إذا بنينا على جريان البرائة العقلية في تلك المسألة كما هو الصحيح من جهة انه لا يلزم من تحصيل الغرض بحكم العقل الا المقدار الواصل إلى المكلف وما تصدى المولى لبيانه فالعقاب على ترك ما يحتمل دخله في غرض المولى واقعا مع عدم قيام الحجة عليه لا يكون محتملا من جهة استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا بد من القول بالبرائة في المقام ايضا فان قلت المفروض في المقام عدم تمكن المولى من البيان فلا يمكن الرجوع فيه إلى البرائة العقلية لاعتبار التمكن من البيان في موارد الرجوع إليها لا محالة قلت ما هو المفروض في المقام انما هو عدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر واما بيان دخل قصد القربة في الغرض * (*)

[ 119 ]

العادية فإذا شك في دخل شيئ في الاسباب العادية فمقتضى القاعدة هو الاشتغال كما إذا شككنا في دخل شيئ حصول الاحراق الواجب شرعا واما إذا كان شك في دخل شيئ في حصول الطهارة التى هي امر شرعى فمقتضى القاعدة هي البراءة لشمول حديث الرفع لرفع شرطية الشيئ المشكوك أو جزئيته والحاصل ان المسبب ان كان امرا شرعيا وشك في دخل شيئ في محصله شرطا وجزءا فمقتضى القاعدة هي البراءة واما إذا كان امرا غير شرعى فلا موجب لتوهم شمول حديث الرفع اصلا ومقتضى القاعدة هو الاشتغال واما فيما نحن فيه فحيث ان دخل قصد القربة في الغرض واقعى وليس بشرعي فلا يعقل شمول حديث الرفع لعدم دخله عند الشك فيكون مقتضى القاعدة تحصيلا للغرض هو الاشتغال واما الاجزاء والشرائط فحيث ان دخلها جعلى شرعى فلا بأس بشمول حديث الرفع لنفى الجزئية أو الشرطية عند تعلق الشك بهما (ولكن) هذا القول فاسد من حيث البناء والمبنى ولابد قبل بيان فساده من تقديم مقدمة وهى ان شمول حديث الرفع لمورد يتوقف على امور ثلاثة (الاول) كون الشيئ مجهولا (الثاني) كون قابلا للوضع والرفع (الثالث) كون رفعه امتنانا بداهة ان الرواية انما وردت في مقام المنة وبانتفاء واحدة من المقدمات يبطل التمسك به لا محالة وحينئذ (فنقول) اما فساد المبنى فلان المسبب ان كان امرا شرعيا نظير الوجوب والطهارة والملكية فاما ان نقول بان المجعول الشرعي هو المسبب عند وجود اسبابه كما هو التحقيق أو نقول ان المجعول الشرعي هي السببية وعلى الاول فوجود المسبب عند وجود تمام الاجزاء والشرائط حتى الامور المشكوك دخلها في السبب مقطوع به يستحيل شمول حديث الرفع له ووجوده عند الاجزاء والشرائط المعلومة فقط وان كان مشكوكا الا انه لا وجه لتوهم شمول حديث الرفع له لمنافاته للامتنان فان الحكم بعدم ترتب الطهارة على الغسل مرة أو على الغسل بدون العصر مناف للامتنان قطعا فلا يكون لحديث الرفع مجال اصلا وبالجملة باب الاسباب والمسببات عند دوران


* ولو كان البيان بالجملة الخبرية ونحوها فهو مقدور للمولى لا محالة فلا مانع من الرجوع إلى البرائة القعلية فتلخص انه لا فرق بين المقام ومسألة الاقل والاكثر في حكم القعل بالبرائة أو الاشتغال ولتوضيح بيان عدم جواز التفرقة في مسألة الاقل والاكثر بين البرائة الشرعية والبرائة مقام آخر سيأتي انشاء الله تعالى (*)

[ 120 ]

الامر بين الاقل والاكثر على عكس باب التكاليف كليا فان التكليف بالاقل معلوم دون الاكثر بخلاف باب الاسباب فان ترتب المسبب على الاكثر معلوم دون الاقل ولو بنينا محالا على جعل السببية فالامر كذلك فان سببية الاكثر معلومة لا يرفعها حديث الرفع وسببية الاقل وان كانت مشكوكة لكن لا امتنان في رفعها نعم لو بنينا على محال آخر ايضا وهو ان السببية كماهى مجعولة كذلك جزئية الاجزاء للسبب ايضا مجعولة واغمضنا عما سيجيئ في محله من ان الجزئية والشرطية والمانعية مطلقا حتى بالنسبة إلى متعلقات التكاليف ليست الا امور انتزاعية وليست بقابلة للجعل اصلا امكن التفرقة بين المحصلات الشرعية وغيرها ويرفع بحديث الرفع جزئية شيئ أو شرطيته للمحصل الشرعي ولكنه مبتن على محال في محال (لا يقال) لو بنينا على مجعولية جزئية شيئ للسبب فيكفى ذلك في شمول حديث الرفع سواء كان المجعول هي السببية ام المسبب (فانا نقول) ليس الامر كذلك. فانا إذا بنينا على مجعولية المسبب فيما انه ليس من اوصاف السبب فلا يكون له تعلق باجزائه حتى يكون لازم جعله جعل الجزئية وهذا بخلاف السببية فانها مما تتعلق بالسبب فيمكن ان يقال ان جعلها جعل الجزئية وان كان التحقيق ما عرفت من انها من الامور الانتزاعية فيكون حالها حينئذ حال الجزئية للمأمور به في كونها منتزعة عن تعلق المجعول الشرعي بمركب سواء كان المجعول هو التكليف أو السببية واما فساد البناء فلان باب الملاكات والاغراض كما اشرنا إليه سابقا وأوضحناه في بحث الصحيح والاعم اجنبي (1) عن باب المسببات بالكلية ونسبة الافعال إليها نسبة المعدات إلى معلولاتها لانسبة الافعال التوليدية إلى ما تتولد منه وعلى تقدير التسليم فترتبها على الافعال تكويني خارجي لاجعلى شرعى بداهة ان الشارع يأمر بفعل ذى مصلحة لا انه يجعل فيه المصلحة فالمصلحة غير مجعولة والمجعول هو الامر فقط فلا تكون ملازمة بين جريان البراءة في المحصلات الشرعية وبين جريانها في اجزاء المأمور به إذا فرض كونه من قبيل الاسباب إلى مسبباتها فلابد من القول بالاشتغال عند الشك في الاقل والاكثر وان قلنا بالبراءة في المحصلات الشرعية (فان قلت) ان الاشتغال


1 - قد مر الكلام في ذلك في بحث الصحيح والاعم فراجع (*)

[ 121 ]

انما يكون فيما إذا تعلق الامر بالمسبب فلا محالة إذا شك في اجزاء السبب أو شرائطه فلا يكون هناك مجرى للبراءة لان المأمور به وهو المسبب لا تعلق للشك به وما تعلق به الشك وهو السبب ليس بمأمور به وأما إذا كان المأمور به وهو السبب فان كان المشكوك دخله مما لا يمكن تعلق الامر به كقصد القربة فلابد من الاشتغال ايضا للزوم تحصيل غرض المولى وان كان مما يمكن تعلق الامر به فلا بأس بشمول حديث الرفع له واخراجه عن ما تعلق به الامر فعلا (قلنا) ان هذا مبتن على لزوم تحصيل الغرض وكونه تحت التكليف وقد بينا بطلانه وان الملاكات ليست تحت اختيار العبد وما هو تحت اختياره نفس الفعل الذى هو معد لحصول الملاك ولو سلمنا كونه تحت الاختيار وانه المسبب للفعل الخارجي فقد بينا في بحث الصحيح والاعم انه كلما كان هناك مسبب توليدى يكون تحت الاختيار فلا محالة يكون هو المأمور به حقيقة ولو فرض كون السبب في لسان الشارع مأمورا به فلا محالة يتقيد المأمور به بالمسبب قهرا ضرورة انه لافرق بين امر المولى بالاحراق وامره بالالقاء مثلا فان الامر بالاحراق امر بالالقاء كما ان الامر بالالقاء امر بالاحراق لا محالة فإذا شك في دخل شيئ في السبب فلا محالة لا تجرى البراءة (1) ويكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال (فان قلت) سلمنا تقيد السبب بالمسبب غايته ان يكون هذا القيد ايضا احد قيود المأمور به هو السبب فيكون المأمور به هو الصلاة المقيدة بالنهي عن الفحشاء مثلا ومع ذلك فلا يلزمه القول بالاشتغال مطلقا حتى في الاجزاء والشرائط التى يمكن تعلق التكليف بها فان فيها جهتين احديهما جهة كونها متعلقة للتكليف وثانيتهما جهة دخلها في الملاك والجهة الاولى شرعية والثانية عقليه فمن الجهة الاولى تجرى البرائة الشرعية ويثبت عدم تعلق الامر الفعلى بالجزء المشكوك ويترتب عليه اكتفاء الشارع في مقام الامتثال ببقية الاجزاء المعلومة وسيجيئ في محله انشاء الله تعالى عدم الفرق في مجارى الاصول بين مقام الجعل


1 - نسبة الواجبات إلى الاغراض وان كانت نسبة الاسباب إلى مسبباتها على الاصح ان ذلك لايمنع من الرجوع إلى البرائة في ظرف الشك فان تطبيق ما يفى بغرض المولى على ما امر به انما هو وظيفته ولا يجب على العبد بحكم العقل الا الاتيان بما امر المولى به واما الزائد على ذلك مما يحتمل دخله في غرض المولى فاحتمال العقاب على تركه يدفع بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وانتظر لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله تعالى (*)

[ 122 ]

والامتثال وهذا بخلاف قصد القربة فانه متمحض في الجهة العقلية فلا يكون الشك في دخله في الغرض موردا للبرائة الشرعية قطعا ويكون هذا هو الفارق بين ما نحن فيه ومسألة الاقل والاكثر الارتباطيين فلا يلزم من القول بالاشتغال في المقام القول بالاشتغال هناك (قلنا) ان ما ذكرته من تقيد السبب بالمسبب بحيث يكون هذا التقيد قيدا آخر للمأمور به لا معنى له اصلا فان المأمور به في الحقيقة هو هذا العنوان كعنوان الناهي عن الفحشاء مثلا وبعد فرض السببية والمسببية في المقام وكون المسبب تحت الاختيار لا يكون السبب الا مقدمة لحصوله واجزاء السبب مقدمة للمقدمة فلاتجرى البراءة في في مقدمة المقدمة إذا المفروض تعلق التكليف بذى المقدمة مع كونه فعليا فلابد من القول بالاشتغال حتى يحصل اليقين بوجود المأمور به في الخارج واما ما ذكر من كون اجزاء المأمور به وشرايطه ذا جهتين فلا ينفع في جريان البرائة بعد فرض تعلق التكليف الفعلى بأمر آخر يشك في وجوده مضافا إلى أن شمول البراءة من جهة لا ينافي جريان الاشتغال من جهة اخرى فيكون جريان البرائة من باب الحكم الطبعى الاقتضائى وبعبارة اخرى ان الشك في دخل شيئ في المأمور به وان كان لا يقتضى الاشتغال الا انه من جهة الشك في دخله في الغرض يقتضى الاشتغال فعند اجتماع الجهتين لا مناص عن القول بالاشتغال لعدم التعارض بين مالا اقتضاء فيه مع ما فيه الاقتضاء كما هو واضح واما ترتب اجتراء الشارع بفاقد المشكوك في مقام الامتثال على جريان البرائة بعد فرض تعلق التكليف بالعنوان المشكوك وجوده فليس الا من باب الملازمة وسيجيئ في محله انشاء الله تعالى ان حديث الرفع كغيره من الاصول لا يترتب عليه الا اللوازم الشرعية دون اللوازم غير الشرعية ودون الملازمات ولو كانت شرعية وما نحن فيه من قبيل الملازمات فان اكتفاء الشارع بالاجزاء المعلومة وشمول حديث الرفع للجزاء المشكوك من باب المتلازمين وليس الاكتفاء من اللوازم الشرعية لعدم الجزئية للمأمور به قطعا بل لو قلنا بحجية الاصول المثبته بمعنى ترتب آثار اللوازم العقلية أو العادية فلانقول بترتيب لوازم نفس الجعل كما فيما نحن فيه (1)


1 - لا يخفى ان عدم كون ما يشك في جزئيته للمأمور به جزء له واقعا يستلزم انحصار المأمور به بغيره عقلا فإذا فرضنا حجية الاصول المثبته فلا محالة يترتب على رفع الجزئية المجهولة انحصار المأمور به بما فرض وجوده في الخارج وهو الاقل المتيقن وجوبه ولاريب انه يجزى عن امره قطعا فلاوجه لما افيد في المتن من ان اكتفاء الشارع بالفاقد في مقام الامتثال من لوازم نفس الجعل دون المجعول (*)

[ 123 ]

فان اكتفاء الشارع من لوازم حكمه برفع الجزئية ظاهرا لا من آثار نفس عدم الجزئية واقعا فجعل الشارع لعدم الجزئية يتوقف على جعل آخر وهو الاكتفاء ومن المفروض انه لا دليل على الانفس هذا الجعل نعم لو دل دليل بالخصوص ولو بلسان الاصل على عدم جزئية السورة مثلا وفرضنا عدم اثر آخر لنفى الجزئية فلابد من القول باكتفاء الشارع بفاقدها صونا لكلام الحكيم عن اللغوية واين ذلك مما إذا كان الدليل عاما وشاملا لموارد لا تحصى وبالجملة المدعى هو قصور الدليل عن اثبات الملازمات لاعدم امكان التعبد بالملازمات كما سيجيئ توضيح ذلك في باب الاستصحاب انشاء الله تعالى بقى الكلام فيما إذا كان الفارق بين التوصلية والتعبدية هو الغرض الامر لا الجعل الثاني كما هو المختار والا الغرض بمعنى المصلحة في المأمور به وقد ذكرنا سابقا عدم صحة المبنى في نفسه صغرى وكبرى اما بحسب الصغرى فلما ذكرناه من انه يتم على مذهب صاحب الجواهر (قده) من لزوم قصد الامر بالخصوص واما على ما هو التحقيق من جواز الاكتفاء بكل داع قربى فليس هناك امر يكون الغرض منه دعوة نفسه بالفعل قطعا واما بحسب الكبرى فقد استشكلنا فيه سابقا بانه على فرض تسليم ان يكون غرض المولى من امره دعوة نفس الامر لا ملزم بجرى العبد على طبق هذا الغرض عقلا بعد اتيان المأمور به خارجا الا ان (التحقيق) صحة الكبرى بعد فرض صحة الصغرى لما عرفت سابقا من ان تمام الواجبات الجعلية تنتهى بالاخرة إلى واجب واحد منجعل في نفسه وهو لزوم اطاعة المولى واسقاط امره فإذا لم يكن الغرض (1) من الامر الانفس حصول المأمور به فالعقل يلزم بايجاد المأمور به فقط واما إذا فرضنا ان الغرض من الامر هو التعبد وجعله داعيا فهذا الامر لا يسقط ولا يمكن اطاعته اللازمه بحكم العقل الا باتيان المأمور به عباديا ومنه يظهران ما ذكرناه سابقا من استلزام كون


1 - قد مران الغرض من الامر لابدوان يكون شيئا يترتب على نفس الامر دائما وليس ذلك الا امكان كونه داعيا إلى المأمور به في الخارج على تقدير وصوله إليه ففرض ان الغرض من الامر تارة يكون مجرد وجود المأمور به في الخارج واخرى يكون التعبديه وجعله داعيا إلى العمل فرض غير مطابق للواقع وقد تقدم ما هو مقتضى التحقيق من بيان الفرق بين الواجب التعبدى والتوصلى (*)

[ 124 ]

دعوة الامر غرضا من نفسه لا نقلاب المعنى الحرفى اسميا غير صحيح ايضا فانا إذا فرضنا ان طبع الامر التعبدى وذاته يقتضى عدم سقوطه الا بقصد التقرب وفرضنا ان المصلحة الداعية للامر لا تترتب على نفس الفعل بل على ايتانه بقصد التقرب فلا يحتاج المولى إلى جعل آخر بل يكتفى بهذا السنخ من الامر الذى هو بمقتضى طبعه لا يسقط الا بقصد التقرب ولا يلزم الانقلاب المذكور اصلا نعم قد عرفت ان الصغرى ممنوعة لكنه على تقدير تسليمها لا مناص عن الالتزام بلزوم قصد التقرب في مقام الامتثال عند احراز كون الامر كذلك وأما إذا شك في ذلك فالظاهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) في الرسائل والمنسوب إلى مجلس بحثه هو جريان الاشتغال دون البرائة للشك في حصول الغرض من الامر بعد فرض لزوم اسقاطه وقد حكى انه اورد عليه (قده) في مجلس البحث بان الفرض على تقدير وجوده وان كان لازم التحصيل لكن الشك في اصل وجوده فيدفع بالاصل فأجاب (قده) بانه لااشكال في وجود الغرض في الامر الا ان الشك في كونه بحيث يسقط من دون التعبد اولا فيكون المقام من قبيل دوران الامر بين المتباينين فلابد من الاحتياط والتحقيق ان هذا الجواب على تقدير صدوره منه (قده) فهو في غير محله فان الغرض من الامر على كل تقدير هو وجود المأمور به قطعا وقصد التقرب به قيد زائد على وجود المأمور به إذا كان عبادة فإذا شككنا في الزائد وان الغرض بحيث يزيد على وجود المأمور به فالمرجع هي البراءة لرجوع الشك فيه إلى الشك بين الاقل والاكثر نعم (1) لو علمنا بزيادة الغرض على وجود المأمور به ولزوم التعبد بالامر وشككنا في كيفية التعبد من لزوم قصد الوجه والتمييز وغيره ذلك ولم يكن لنا دليل على عدم


1 - بل التحقيق انه إذا شككنا في اعتبار قصد الوجه أو التمييز أو غير هما بعد العلم بكون المأمور به عبادة لا يسقط امرها الا بقصد القربة فالمرجع هي البرائة اما على ما حققناه من امكان اخذ قصد القربة وما يحذ وحذوه في المأمور به شرعا فالامر واضح واما بناء على ان الفرق بين التعبدى والتوصلى انما نشأ من اختلاف الاغراض من دون ان يكون قصد القربة مأمورا به شرعا فلان القدر المتيقن كونه غرضا من الامر انما هو نفس وجود المأمور به مع قصد التقرب به واما الزائد على ذلك فدخله في الغرض مشكوك فيه فيرجع معه إلى البرائة كما كان الحال كذلك عند الشك في كون الواجب توصليا أو تعبديا (*)

[ 125 ]

اللزوم فلابد من القول بالاشتغال للشك في سقوط الغرض بعد العلم بوجوده ففرق واضح بين الشك في اصل الغرض الزايد على وجود المأمور به وبين الشك في سقوط بعد وجوده المبحث الثالث في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط وتحقيق المقام انما يتم ببيان امور (الاول) ان القضية سواء كانت متضمنة لحكم شرعى أو لغيره تنقسم إلى خارجية وحقيقية والمهم في المقام هو البحث عن الثانية الا انه يلزم التعرض لبيان احكام الاولى ليرتفع به الخلط الواقع بينهما في كثير من المباحث والمراد من القضية الخارجية هي كل قضية يكون موضوعها امرا خارجيا خاصا كان أو عاما فالاول في التكليفيات كقول المولى لعبده اسقنى هذا الماء وفى غيرها مات زيد والثانى في التكليفات كقول المولى اكرم كل من في دارى إذا اراد به الاشخاص الموجودة في الدار فعلا وفى غيرها قتل من في العسكر ثم ان القضية المتضمنة لحكم شرعى انما يمكن ان تكون خارجية بلحاظ زمان الحضور واما في زمان الغيبة فهى لا محالة تكون حقيقية كما ستعرف انشاء الله تعالى ثم ان الحكم في القضايا الخارجية وضعيا كان أو تكليفيا شرعيا كان أو غير شرعى قد يكون مطلقا وغير معلق على شيئ اصلا لعلم الامر بوجود شرائطه كما في امر المولى عبده بسقي الماء حيث يعلم بوجود الماء وقدرة العبد عليه وقد يكون مشروطا بشيئ لعدم علمه بوجوده كما في قول المولى اسقنى الماء ان كنت قادرا عليه (اما) القسم الاول فالمناط فيه علم المولى بوجود الشرائط فان علم به أمروان كان علمه غير مطابق للواقع والا فيستحيل منه الامر المطلق وان كانت الشرائط موجودة في الواقع فالمدار على العلم بوجودها لاعلى نفس وجودها واقعا ومنه يظهر ان تقسيم الشرط إلى المقارن والمتقدم والمتأخر وارجاع جميع ذلك إلى شرطية اللحاظ انما هو بلحاظ هذا القسم الذى يدور حكم المولى فيه مدار علمه بوجود الشرايط سواء كان متعلق العلم متقدما أو متأخرا أو مقارنا وتسريته إلى القضايا الحقيقية من باب الخلط بين القسمين وعدم التمييز بينهما والا فالحكم في القضية الحقيقية غير مشروط بالعلم اصلا كما ان بحث جواز امر الا مرمع علمه بانتفاء الشرط نشأ من هذا الخلط ايضا فانه انما يتم في القضايا الخارجية (1) (واما) القضايا الحقيقية فليس الموضوع فيها شخصا خاصا حتى يفرض


1 - سيجيئ ان النزاع المزبور لا يختص القضايا الخارجية بل يعم القضايا الحقيقية ايضا (*)

[ 126 ]

فيه علم الامر بانتفاء الشرط أو عدمه كما ان النزاع في ان الخطاب يشمل الغائبين أو المعدومين أو لاناش من الخلط المذكور فانه انما يصح فيما إذا كان الموضوع اشخاصا معينة فيما إذا كان بنحو القضايا الحقيقية فانه لا يشترط فيها وجود موضوع اصلا فيصح الخطاب مع عدم وجود المشافه ايضا قطعا كما يظهر انشاء الله تعالى (وبالجملة) خلط احد القسمين بالاخر هو الذى اوجب الاشتباه في كثير من المسائل الاصولية بل وقع في هذا الخلط بعض اهل المعقول في مقام توهم دورية الشكل الاول ببيان ان العلم بالنتيجة موقوف على العلم بالمقدمتين والعلم بالكبرى الكلية يتوقف على العلم بثوبت هذا الحكم لجيمع الافراد ومنها موضوع النتيجة فيتوقف العلم بالنيجة على نفسه وجوابه أن الكبرى الكلية ان كانت من قبيل القضايا الخارجية كما في قضية كل من في العسكر قتل فالحق كما ذكره المتوهم من ان العلم بالنتيجة لو كان حاصلا من العلم بالمقدمتين لزم الدور لبداهة أن العلم بالكبرى يتوقف على فحص حال تمام الافراد والعلم بثبوت الحكم لها ومن جملتها موضوع النتيجة لكن القضايا الخارجية لا تكون كبرى اصلا ولا تقع في طريق الاستنتاج ابدا وان تشكل منها صورة برهان ايضا (واما) إذا كانت من قبيل القضايا الحقيقية فالعلم بالنتيجة وان كان متوقفا على العلم بالمقدمتين الا ان العلم بالكبرى لا يتوقف على وجود موضوع في الخارج وثبوت هذا الحكم له اصلا بل هو تابع لمدركه سواء كان شرعيا كالاية المباركة الدالة على وجوب الحج على المستطيع أو عقليا كحكم العقل بأم من لوازم الجسم كونه متحيزا فتوهم توقف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة ناش من خلط القضية الحقيقية بالخارجية (وأما) القسم الثاني فهو يشترك مع القضية الحقيقية من جهة شرطه لا من جهة وجود موضوعه إذا عرفت ذلك فاعلم ان القضايا المتكفلة لبيان الاحكام الشرعية الكلية التى لا تختص بشخص دون شخص إذا كان مفادها راجعا إلى كونه اخبارا عن انشاءات متعددة بتعدد الاشخاص والازمنة بحيث يكون في حق كل شخص في اول وقت الصلاة مثلا انشاء مخصوص يخصه فيرجع ذلك إلى القضية الخارجية ويكون حالها حالها في ان المدار فيها على العلم (لكن) من الضرورى عدم كونها كذلك بل هي من قبيل القضايا الحقيقية على طبق الاحكام المجعولة في سائر القوانين الصادرة من اولياء الامور فانه لا يصدر منهم في قوانينهم انشاءات غير محصورة

[ 127 ]

بالاضافة إلى اشخاص غير محصورة وتوضيح الحال في القضايا الحقيقية هو ان موضوع الحكم في القضية الحقيقية لابد وان يكون عنوانا عاما يشاربه إلى الموضوعات الخارجية ومأخوذا في القضية على نحو الفرض والتقدير حتى يحكم بمعرفيته على ذات المفروض مثلا إذا قلنا الخمر مسكر فموضوع القضية وان كان هو عنوان الخمر وما هو خمر بالحمل الاولى الا انه اخذ في الموضوع للاشارة إلى كل ما هو مصداق له في الخارج فمعناه انه إذا فرض شيئ في الخارج وصدق عليه انه خمر فهو مسكر وهذا معنى قولهم ان كل قضية حملية تنحل إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له وكذلك الحال في الانشاءات فان الحاكم بوجوب الحج على المستطيع مثلا لابد وان يفرض وجود المستطيع ويحكم على هذا الموضوع المفروض وجوده بانه يجب عليه الحج فما لم يوجد في الخارج هذا الموضوع وكل قيد اخذ مفروض الوجود معه يستحيل فعلية الحكم بل هو باق بمرتبته الانشائية وإذا وجد في الخارج فيخرج المفروض عن حد الفرض والتقدير إلى مرتبة الفعلية والتحقيق ويثبت له الحكم بنفس ذاك الانشاء لا بانشاء آخر إذا المفروض ان الحكم كان ثابتا للموضوع على تقدير وجوده فبعد وجوده يكون هو بنفسه موضوع الحكم لاشيئ آخر إذا المنشأ هو الحكم لهذا الموضوع لالامر آخر غيره فالقول بأن الحكم انشأ بمفهومه لا بواقعه وان الحكم بعد وجود موضوعه يمكن ان يكون فعليا ويمكن ان لا يكون كذلك مما لا يعقل إذ ليس حال الاحكام الشرعية الثابتة للموضوعات الاكحال ساير الاحكام الثابتة للموضوعات المقدر وجوداتها ويستحيل تخلفها عن وجود موضوعها. ثم ان القضية الخارجية المطلقة التى احرز الآمر تمام شروطها وليس لاحراز المأمور لتلك الشروط دخل في تلك القضية اصلا تمتاز عن القضية الحقيقية بوجوه. الاول ان فعلية الحكم في القضية الخارجية مساوقة لانشائه وجودا ولا تتأخر الفعلية عن الانشاء الارتبة بخلاف القضية الحقيقية فان الفعلية فيها تدور مدار فعلية

[ 128 ]

الموضوع خارجا وتتأخر الفعلية عن الانشاء زمانا (1) (وتوهم) ان الايجاب يكون فعليا بنفس الانشاء وان كانت فعلية الوجوب متوقفة على وجود موضوعه (مدفوع) بانه يستلزم تأخر الوجود عن الايجاد وهو مما لا يعقل (ونظير) ما نحن فيه الملكية في باب الوصية والهبة فانها في الاول تتأخر عن الانشاء وتوجد في زمان الموت فانها انشأت على تقدير الموت لا مطلقا فتكون تابعة له ولا يعقل تقدمها عليه بخلاف الثاني فأنها انشأت مطلقة فتكون فعلية بلا احتياج إلى شيئ آخر (الوجه الثاني) قد عرفت ان المؤثر في القضية الخارجية من حيث الموضوع و الملاك ليس الاعلم الآمر اصاب أو اخطأ مثلا إذا علم الآمر ان في سقى الماء مصلحة و ان العبد قادر عليه فلا محالة يحكم ويلزم عبده بالسقى سواء كان في علمه مصيبا أو مخطئا ولا فرق فيما له دخل في الحكم بين ما كان مقارنا أو متأخرا أو متقدما لان المؤثر في الحكم هو العلم لا الوجود الخارجي فتأخر القيد أو تقدمه اجنبي عما هو المؤثر في الحكم وهو علم الامر الذى هو مقارن للحكم دائما (واما) المؤثر في الحكم في القضية الحقيقة من جهة الملاك فهو علم الآمر ايضا فانه إذا علم ان حج المستطيع ذو مصلحة ملزمة فلا محالة يوجب الحج على المستطيع اصاب أو اخطأ وأما من جهة الموضوع فالمتبع هو وجود الموضوع خارجا علم به الآمر اولم يعلم لان المفروض ان الحكم انما انشئ على تقدير وجود الموضوع فيدور مدار وجوده ولا دخل فيه لعلم الآمر اصلا الوجه الثالث ان النزاع المعروف في مجعولية المسببات أو السببية انما يجرى في القضايا الحقيقية فان المؤثر في الاحكام فيها هو الموجود الخارجي فيقع النزاع في تعلق الجعل بالمسبب أو بالسببية (واما) في القضية الخارجية فقد عرفت ان المؤثر فيها هو علم الآمر فقط والوجود الخارجي للموضوع اجنبي عن الحكم ولا دخل له فيه ابدا فلا معنى للنزاع المذكور اصلا لعدم وجود سببية ومسبب حتى يتنازع في تعلق الجعل باى منهما فالنزاع في القضايا الخارجية منتف بانتفاء موضوعه


1 - لا يعتبر تأخر فعلية الحكم عن الانشاء زمانا في كون القضية حقيقية بل هو امر قد يكون و قد لا يكون ضرورة انه إذا فرض وجود الموضوع خارجا حين انشاء الحكم في القضية الحقيقية فلا بد من مقارنتهما زمانا وانما الفارق بين كون القضية حقيقية وكونها خارجية هو ما تقدم من لزوم اخذ الموضوع في القضية الحقيقية مفروض الوجود دون الخارجية (*)

[ 129 ]

ثم أن ما ذكرناه من ان الحكم في القضية الحقيقية لا يكون فعليا الا عند وجود موضوعه في الخارج لا يفرق فيه بين القضايا الشرطية والحملية لكون الحكم في القضية الحملية ايضا مشروطا بوجود الموضوع غاية الامر أن الاشتراط في احديهما مدلول مطابقى وفى الاخرى ضمنى تبعى الامر الثاني في رجوع القيد في القضية الشرطية بحسب القواعد العربية إلى الهية أو المادة أو الجملة المركبة منهما (والتحقيق) (1) أن يقال أن كلامنها وان كان يرجع


1 - التحقيق ان يقال انه بعد ما ظهر من ان حقيقة الانشاء انما هو ابراز امر نفساني الذى هو في موارد الجمل الطلبية عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف وليس في موارد الانشاء من ايجاد المعنى باللفظ عين ولا اثر وبعد وضوح ان في موارد الجمل الشرطية لا معنى لرجوع القيد إلى نفس المادة ضرورة ان استعمال قضية إذا توضأت فصل في مقام طلب الصلوة المقيدة بالطهارة بعد من الاغلاط وبعد ما ستعرف من ان ارجاع القيد إلى المادة المنتسبة لا محصل له لا مناص من رجوع القيد في القضايا الشرطية إلى ما هو المستفاد من الهيئة وهو اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف (بيان ذلك) ان الاعتبار النفساني قد يتعلق بكون شيئ على ذمة المكلف على الاطلاق وقد يتعلق به على تقدير دون تقدير والمبرز لاطلا قه وتقييده في مقام الثبوت هو اطلاق الخطاب وتقييده في مقام الاثبات وعلى ذلك فالفرق بين الواجب المشروط والمطلق هو الفرق بين بابى الوصية والاجارة فان الانشاء في كليهما وان كان فعليا الا ان المعتبر في باب الوصية هي الملكية على تقدير الموت بخلاف باب الاجارة فان المعتبر فيه هي الملكية المطلقة غير المعلقة على شيئ ولو كانت المنفعة متأخرة ايضا وعمدة ما اورد على هذا الفرق وجوه لابد لنا من التعرض لها وبيان فسادها (الاول) ان مفاد الهيئة بما انه معنى حرفي والمعاني الحرفية جزئية فهو غير قابل للاطلاق والتقييد (ويرده) ان عدم كون الجزئي قابلا للتقييد بمعنى التضييق لا يستلزم عدم قبوله للقييد الساوق للتعليق على شيئ والمدعى في المقام هو الثاني دون الاول مضافا إلى ما عرفت في محله من بطلان دعوى كون المعاني الحرفية جزئيات حقيقية (الثاني) ما افيد في المتن من ان مفاد الهيئة بما انه حرفي وملحوظ آلى فهو غير قابل للاطلاق والتقييد فانهما من شئون المفاهيم الاستقلالية (ويرده) اولا ان كون المعنى الحرفى ملحوظا آليا انما يمنع عن تقييده حال لحاظه كذلك واما لحاظ المعنى في نفسه اولا مقيدا بقيد ثم لحاظ المقيد آليا في مقام الاستعمال فلا مانع عنه - (*)

[ 130 ]

إلى الآخر بحسب النتيجة الا أن الحق هو رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة بيان ذلك أن المراد من تقييد المادة ليس ما هو ظاهر تقريرات شيخنا الانصاري (قده) من كون القيد من قيود الواجب وكون الواجب مطلقا فعليا حتى يرجع إلى الواجب المعلق باصطلاح صاحب الفصول (قده) فان ذلك باطل لا يمكن المصير إليه بعد فرض كون القضية حقيقية التى يمتنع فيها فعلية الحكم من دون فعلية موضوعه وقد نقل الاستاذ دام ظله عن السيد العلامة الشيرازي عدم صحة هذه النسبة إلى العلامة الانصاري قدس سرهما بل المراد منه هو تقييد المادة المنتسبة (1) فان الشيئ قد يكون متعلقا


- اصلا وثانيا ان المعنى الحرفى كما عرفت في محله انما يمتاز عن المعنى الاسمى بنفس ذاته والا فهو يشترك مع المعنى الاسمى في تعلق اللحاظ الاستقلالي به (الثالث) ان ايجاب المولى المساوق لايجاده الوجوب انما يتحقق بنفس الانشاء ضرورة انه لا يوجد بعد ذلك ايجاب آخر منه وعليه فان وجد الوجوب ايضا حال الايجاب فلا مناص عن ارجاع القيد إلى المادة وان لم يوجد حينه وتوقف وجوده على فعلية القيد ووجوده فقد تخلف الايجاد عن الوجود وهو محال ضرورة انهما واحد بالحقيقة ومختلفان بالاعتبار فالموجود في أي وعاء مناسب له وجود باعتبار وايجاد باعتبار آخر (ويرده) ان الايجاب ان اريد به ابراز المولى لاعتباره النفساني فالابراز والبروز والمبرز كلها فعلية من دون ان يكون شيئ منها متوقفا على حصول امر في الخارج وان اريد به الاعتبار النفساني فبما انه من الصفات ذات الاضافة كالعلم والشوق ونحوهما فلا مانع من تعلقه بامر متأخر فكما انه يمكن اعتبار الملكية أو الوجوب الفعليين يمكن اعتبار الملكية أو الوجوب على تقدير واين هذا من تخلف الايجاد عن الوجود وغير خفى ان اساس هذه الاشكال مبنى على تخيل ان الجمل الانشائية موجدة لمعانيها في نفس الامر مع الغفلة عما حققناه من انه لا يوجد بها شيئ اصلا وانما هي مبرزات للامور القائمة بالنفس الممكن تعلقها بامر متأخر ولاجله ذكرنا في محله ان بطلان التعليق في العقود والايقاعات انما هو من جهة الاجماع ولو قطع النظر عنه لما كان مانع عن التعليق اصلا فتحصل انه لا مانع في مقام الاثبات عن رجوع القيد في القضية الشرطية إلى نفس مفاد الهيئة كما هو ظاهرها بل صريحها واما ما توهم كونه مانعا عنه في مقام الثبوت فسيجيئ الكلام فيه انشاء الله تعالى 1 - لا يخفى ان تقييد المادة المنتسبة الذى هو بمعنى تقييد اتصاف المادة بالوجوب عبارة - (*)

[ 131 ]

للنسبة الطلبية مطلقا من غير تقييد وقد يكون متعلقا لها حين اتصافه بقيد في الخارج مثلا الحج المطلق لا يتصف بالوجوب بال المتصف هو الحج المقيد بالاستطاعة الخارجية فما لم يوجد هذا القيد يستحيل تعلق الطلب الفعلى به وكونه طرفا للنسبة الطلبية فالقيد راجع إلى المادة بما هي منتسبة إلى الفاعل (وأما) تقييد النسبة فان اريد منه تقييد الانشاء فهو غير معقول لان الانشاء أمر آنى يتصف بالوجود والعدم لا بالاطلاق والاشتراط كما هو واضح وان اريد منه تقييد المنشأ وهى النسبة الطلبية كما هو الظاهر من كلام بعض اهل الادب فهو على تقدير صحته يرجع إلى الوجه السابق الذى اخترناه فان النسبة الطلبية لا تكون فعلية الاعند وجود الشرط ويستحيل تقدمها عليه والالم تكن مشروطة به وهو خلف (الا أن) التحقيق عدم صحة ذلك فان النسبة حيث انها مدلولة للهيئة فهى ملحوظة آلة ومعنى حرفيا والاطلاق والتقييد من شؤون المفاهيم الاسمية الاستقلالية واما ما اجيب به عن ذلك من أن المعاني الحرفية معان كلية لاجزئية فهى قابلة للتقييد والاطلاق فهو غير صحيح لان المانع عن الاطلاق والتقييد ليس الجزئية كما توهمه المجيب (قده) بل المانع هو كون المعنى ملحوظا آليا وهذا لا يرتفع بكون المعنى كليا (واما تقييد) الجملة أي المعنى المتحصل من الهيئة والمادة وهو وجوب الحج مثل فمرجعه إلى الوجه الذى اخترناه من أن اتصاف المادة بالوجوب لا يكون الا مع فعلية القيد في الخارج فمرجع جميع الوجوه إلى وجه واحد فلا فائدة مهمة في تحقيق ذلك (وملخص) ما ذكرناه هو ان اداة الشرط بما انها وضعت لجعل مدخولها واقعا موقع الفرض والتقدير فهى لابد وأن تكون رابطة بين الجملتين فلا يعقل أن يكون مدخولها قيدا للمادة قبل النسبة ولافى رتبتها لانها مفهوم افرادي وأداة الشرط موضوعه لربط الجملتين وبما أن النسبة مفهوم حرفي وملحوظ تبعى فلا يمكن ان يكون


- اخرى عن تقييد مفاد الهيئة ولا مغايرة بينهما الا لفظا فالعدول عن ارجاع القيد إلى مفاد الهيئة إلى ارجاعه إلى المادة المنتسبة كما افيد في المتن بلا وجه هذا مضافا إلى ان مفاد الهيئة إذا لم يكن قابلا لرجوع القيد إليه لكونه ملحوظا آليا فاتصاف المادة بالوجوب الذى هو مفهوم الجملة يكون كذلك ايضا والمحذور والمتوهم منعه عن رجوع القيد إلى مفاد الهيئة بعينه موجود في رجوعه إلى المادة المنتسبة ايضا (*)

[ 132 ]

القيد قيدا لها لان الاطلاق والتقييد من شؤون المفاهيم الاسمية فلابد وان يرجع القيد إلى المادة المنتسبة وهى في الاخبارات نتيجة الحمل فان نتيجة قضية (النهار موجود) هو وجود النهار وهو معلق على طلوع الشمس وفى الانشائات نتيجة الجملة الاءنشائية وهى اتصاف الاءكرام بالوجوب مثلا فالمعلق في الحقيقة هي المادة بعد الانتساب لا بمعنى البعدية الزمانية حتى يكون ملازما للنسخ بل بمعنى البعدية الرتبية فان اتصاف المادة بالوجوب فرع وقوع النسبة الطلبية عليها وتقييد الجملة الاءنشائية بأداة الشرط انما هو بلحاظ هذا الاتصاف فقط (ثم أن) من قال أن التقييد قد يكون قبل النسبة وقد يكون بعد ها فليس مراده من البعدية انه بعد اتصاف المتعلق بالوجوب خارجا يتقيد النسبية الطلبية فانه عبارة اخرى عن النسخ ولاربط له بالتقيد الاصطلاحي بل المراد من ذلك ان الكلام تدريجي فقد يوقع المتكلم النسبة اولا ثم يقيدها فيتأخر التقييد عن النسبة في الكلام كما في قضية اكرم زيدا ان جاءك وقد يوقعها ثانيا بعد التقييد كما في قضية ان جاءك زيد فأكرمه وفى كل منهما لا يتحقق نتيجة النسبة الطلبية وهى الوجوب ولا تكون فعلية الا بعد وجود القيد خارجا فهى متأخرة عنه طبعا (ومن جميع) ما ذكرنا علم تعريف الوجوب المشروط فان الوجوب المستفاد من الهيئة الدالة على النسبة الطلبية إذا لو حظ مع كل قيد اما ان يتوقف فعليته عليه فهو مشروط به والا فلافائدة مهمة في اطالة الكلام وبيان النقض والابرام في التعريفات المذكورة في الكتب الاصولية الامر الثالث لاريب في أن وجود الموضوع وصفاته الخارجة عن دائرة الاختيار كالقدرة والبلوغ وامثالهما وكذلك سائر الملابسات الخارجة عن القدرة التى قيد بها الفعل مثل كونه حين كذا اوفى مكان كذا لابد وان تكون مفروضة الوجود في القضايا الطلبية ولا يمكن ان تكون تحت البعث والتكليف واما الملابسات أو الصفات المقدروة فهى تارة تؤخذ مفروضة الوجود فلا يجب على المكلف تحصليها كقوله (عليه السلام) (اقض ما فات كما فات) فانه لا يجب على المكلف ايجاد الفوت حتى يتمكن من قضائه بل رتب وجوب القضاء عليه بعد الفراغ عن وجوده كما هو شأن القضايا الحقيقية واخرى تؤخذ قيدا للواجب فيجب على المكلف ايجادها كما في قوله (عليه السلام) (صل عن طهارة) فان وجوب الصلوة لا يتوقف على وجود الطهارة خارجا ولا يختص بمن اوجد الطهارة في الخارج

[ 133 ]

بل الطهارة ايضا واقعة تحت التكليف ومبعوث إليها من قبل الشارع (وبالجملة) كل ما فرض في الخارج من ملابسات الفعل اما أن لا يكون له دخل في نفس الواجب ولا في وجوبه واما ان يكون له دخل في احدهما لا كلام لنا على الاول واما على الثاني فلا يخلو الحال من ان يكون ما فرض دخله اختياريا أو يكون خارجا عن تحت قدرة المكلف واختياره اما الصورة الثانية فلا ينبغي الريب فيها في ان القيد المزبور لابد من ان يؤخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل والانشاء ليطالب المكلف بغيره من الاجزاء والشرايط لاستحالة تعلق التكليف بالمقيد بامر غير اختياري لبداهة أن المقيد بامر غير اختياري لا يكون اختياريا (1) فلا محالة يكون الطلب متأخرا عن وجود القيد


1 - التحقيق في هذا المقام ان يقال ان الفعل المقيد بقيد اختياري أو غير اختياري على نحو يكون القيد خارجا والتقيد داخلا لا تكون القدرة عليه متوقفة على ان يكون قيده ايضا مقدورا فالتوجه إلى القبلة مثلا بما انه حصة خاصة من كلى التوجه ربما يكون مقدورا مع ان قيده وهو نفس وجود القبلة خارج عن الاختيار ودعوى كون القبلة فيما امر بالتوجه إليها شرطا للتكليف من دون تقيد متعلق التكليف بها تستلزم جواز التوجه إلى غير القبلة في مقام الامتثال وهو واضح البطلان فلا مناص عن اخذ التقيد بها في المأمور به وتعلق الوجوب بالحصة الخاصة المقدورة للمكلف ولو لم يكن نفس القيد مقدورا فالميزان في جواز التكليف بالمقيد هو كون المقيد بما هو مقيد مقدورا سواء كان القيد مقدورا أو لم يكن ومن ذلك يظهران اخذ القيد الخارج عن الاختيار أو الداخل تحته مفروض الوجود وان كان يلازم اشتراط التكليف به الا انه لا ينافي تعلق التكليف بالمقيد بما هو مقيد نعم تعلق التكليف بنفس القيد ينافى كونه مفروض الوجود في ذلك التكليف لكنك عرفت ان التكليف بالمقيد لا يستلزم التكليف بنفس القيد اصلا بل ان كون شيئ شرطا وقيدا للمأمور به ينافى تعلق التكليف النفسي به في ضمن تعلقه بالمقيد والا لانقلب الشرط جزء وهو خلف وقد مر سابقا ان الشرط يغاير الجزء في ان الجزء هو ما يتعلق الامر النفسي به في ضمن الامر بالمركب بخلاف الشرط فانه بنفسه خارج عن المأمور به وانما الداخل فيه تقيد ذات المأمور به فتحصل ان كل قيد خارج عن اختيار المكلف فتحققه في الخارج وان كان شرطا في فعلية التكليف الوجوبى لا محالة الا انه لا يستلزم عدم تعلق الوجوب بالمقيد بما هو كذلك بعد فرض كونه مقدورا في ظرف حصول قيده وعلى ذلك يتفرع انه إذا بنينا على جواز كون القدرة المقارنة للعمل المتأخر شرطا للوجوب الفعلى كما هو الصحيح على ما سيظهر لك انشاء الله تعالى فلا مانع في تعلق الوجوب الفعلى بالامر * (*)

[ 134 ]

ومتعلقا ببقية الاجزاء والشرايط (والقول) بأن عدم كون القيد اختياريا انما يمنع عن طلب المقيد فيما إذا لم يفرض وجود القيد في ظرفه واما إذا فرض ذلك فلا مانع من طلب المقيد فهو ليس بسديد فانه مضافا إلى ان فرض الوجود لا يصحح تعلق التكليف بامر غير اختياري ان تقييد المكلف به بما فرض وجوده يستلزم التناقض فان كون شيئ مفروض الوجود عبارة اخرى عن فرض تحققه بعلته في حد نفسه وكونه قيد اللمكلف به معناه طلب ايجاده من المكلف والتناقض بين المعنيين واضح لا يخفى واما الصورة الاولى وهى ما إذا كان القيد اختياريا فالقيد فيها يمكن ان يؤخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل فلا بد من ان يتأخر الطلب عنه ويكون مشروطا به ويستحيل كونه قيدا للمكلف به وكونه مطلوبا من المكلف لما عرفت من ان فرض الوجود يناقض كونه مطلوبا بالضرورة كما انه يمكن ان لا يؤخذ مفروض الوجود فلا محالة يتعلق التكليف به ايضا فلابد للمكلف من ايجاده (فيكون التكليف بالاضافة إليه مطلقا لا منوطا بوجوده (وإذا) امكن كل من القسمين فالمعين اما لسان الدليل وظاهره أو قرينة خارجية (فظهر) ان محل الشك في كون القيد مقدمة وجودية أو وجوبية انما هو القيد الاختياري الذى هو قابل لكلا النحوين واما القيد الذى لا يكون اختياريا فقد عرفت انه لابد من ان يكون من قبيل مقدمة الوجوب ويستحيل كونه من قبيل مقدمة الوجود لما عرفت من ان المقيد بقيد غير اختياري يستحيل تعلق التكليف به عقلا ثم انه قد ظهر مما ذكرناه ان الاشتراط يكون على نحوين (فتارة) يؤخذ القيد مفروض الوجود لاجل ان المصلحة لا تصل إلى حد يؤثر في بعث المولى الا على هذا التقرير كالحج فانه لا تتم مصلحته ولا يلزم استيفائها الا بعد الاستطاعة والا فلو كانت مصلحته تامة ولازمة الاستيفاء من اول الامر للزم على المولى الامر بتحصيل الاستطاعة ايضا فانها تحت القدرة والاختيار فعدم لزومها


المتأخر المقيد بقيد غير مقدور على تقدير كون العمل مقدورا في ظرف حصول قيده وذلك فان اشتراط الوجوب بذلك القيد ولزوم كونه مفروض الوجود انما هو بملاك اشتراطه بالقدرة فامكان اشتراطه بالقدرة المتأخرة يستلزم امكان اشتراطه بذلك القيد المتأخر ايضا ومما ذكرناه يظهر مواقع النظر فيما افيد في المتن فلا تغفل (*)

[ 135 ]

يكشف عن عدم تمامية مصلحته وعن عدم لزوم استيفائها الا بعدها فلا محالة تؤخذ مفروضة الوجود عند الامر بالحج (واخرى) يؤخذ القيد مفروض الوجود لا لاجل دخله في تمامية المصلحة ولزوم استيفائها بال المصلحة تامة (1) وجد القيد اولم يوجد الا ان المكلف حيث انه غير قادر على ايجاده وهو دخيل في وجود المصلحة خارجا أي في تحققها واستيفائها لا في تماميتها ولزوم استيفائها لا محالة يؤخذ مفروض الوجود ايضا وهذا كطلوع الصبح بالاضافة إلى الصوم فانه يظهر من الاخبار ان المصلحة في صوم الغد انما تتم ويكون لازمة الاستيفاء بمجرد دخول الليل الا ان الصوم في الغد حيث انه لا يمكن في الليل بل يتوقف على وجود النهار فلابد وأن يكون وجوبه على تقدير النهار وبعد فرض وجوده (2) ولو كان جر الزمان وايجاد النهار في الليل ممكنا لو قع تحت التكليف لان مصلحة الفعل تامة واستيقائها بجر الزمان ممكن على الفرض فلا يعقل ان يكون التكليف مشروطا وهذا بخلاف مصلحة الحج فان تماميتها ولزومها تتوقف على الاستطاعة فلا يمكن ان يكون الاستطاعة تحت التكليف وان كانت تحت الاختيار ففرق واضح بين دخل الشيئ في تمامية مصلحة الواجب فلا يعقل وقوعه في حيز التكليف وان كان اختياريا وبين دخله في وجودها بعد تماميتها فلابد وأن يقع في حيزه الا إذا كان خارجا عن دائرة القدرة والاختيار والاستطاعة من القسم الاول ودخول الفجر من القسم الثاني.


1 - إذا فرض كون المصلحة تامة ولازمة الاستيفاء على كل من تقديري وجود القيد وعدمه فلا مناص عن تعلق الامر الفعلى بذلك الفعل المترتب عليه المصلحة في ظرفه مشروطا بكونه مقدورا في ذلك الظرف فان تعلق التكليف به على نحو الاطلاق وان كان مستحيلا الا ان تعلقه به مشروطا ؟ لقدرة عليه في ظرفه بمكان من الا مكان وقد عرفت آنفا ان تعلق الطلب بالمقيد لا يستلزم تعلقه بنفس القيد اصلا نعم لابد في هذه الموارد من اشتراط الوجوب بالقدرة المتأخرة وستعرف انه لا مناص عن الالتزام به في مطلق موارد تعلق الوجوب بالامر المتأخر سواء في ذلك تقيده بقيد غير مقدور وعدمه 2 - قد ظهر مما مران توقف وجود الصوم على تحقق الفجر وان كان يقتضى اشتراط وجوبه بوجوده الا انه لا يقتضى كونه شرطا مقارنا له وبما ان المفروض ان المقتضى لايجابه وهى تمامية الملاك موجود قبل تحقق الفجر فلابد من تحققه قبله المقتضى وعدم المانع (*)

[ 136 ]

ثم ان صاحب الفصول (قده) خالف ما هو المشهور من انحصار الواجب في المطلق والمشروط والتزم بقسم ثالث (1) سماه بالواجب المعلق وهو ما يكون الوجوب فيه امرا استقباليا مقيدا بالزمان ويكون الوجوب فعليا مطلقا حاليا وفساده يظهر مما ذكرناه من ان كل قيد غير اختياري لابد وان يكون مما يتوقف عليه فعلية الوجوب ويستحيل اخذه في الواجب بلا توقف فعلية الوجوب عليه (فان قلت) لا شبهة في صحة امر الآمر بشيئ يكون له مقدمة تستوفى من الزمان مقدار ساعة مثلا فكما انه لا يشك عاقل في صحة هذا الامر ووجوب مقدمته فكذلك يصح امره بذاك الشيئ مقيدا بما بعد ساعته ايضا فيجب ايجاد مقدمته لفعلية وجوب ذيها وبالجملة تعلق الوجوب بأمر متأخر مشترك فيه بين المقامين ولا فرق بينهما الا بحسب ظاهر اللفظ وهو كون متعلق الامر في احدهما مطلقا وفى الآخر مقيدا بالزمان وهو غير مؤثر في الاستحالة والامكان قطعا بل الامر كذلك في الارادة التكوينية فانه كما لااشكال في تعلق الارادة التكوينية بأمر متأخر يحتاج إلى مقدمة تستوفى مقدارا من الزمان ولا محالة يكون الفعل صادرا بعدها بزمان فكذلك لا اشكال في تعلقها بالفعل المقيد بذاك الزمان ايضا ونتيجة كليهما تعلق الارادة بامر متأخر وإذا كان هذا حال الارادة التكوينية فيكون حال التشريعية مثلها لما ذكرناه سابقا من أن امكان الارادة التشريعية واستحالتها يتبع امكان التكوينية واستحالتها (قلت) ان الفعل الذى لم يقيد بامر غير مقدور كالزمان مثلا إذا التفت العاقل إليه ورأى فيه مصلحة ملزمة فلابد وان يتعلق به ارادته فعلا (2) المحركة له نحوه اذلا شبهة في كونه مقدورا


1 - التحقيق ان الواجب المعلق ليس قسيما للواجب المشروط بل هو قسم منه فان الوجوب المشروط بشرط متأخر قد يكون متعلقه امرا حاليا مقارنا له وقد يكون امرا استقباليا والقسم الثاني هو الذى سماه صاحب الفصول (قده) بالوجوب التعليقي فهو وان اخطأ في جعل المعلق قسيما للواجب المشروط الا انه اصاب في القول بجواز تعلق التكليف بالامر المتأخر المقيد بقيد غير مقدور وقد مربيان ذلك وسيجيئ ما به يزيد المطلوب اتضاحا انشاء الله تعالى 2 - التحقيق في المقام ان يقال ان تعلق الارادة بمعنى الشوق بامر متأخر سواء كان مقيدا - (*)

[ 137 ]

لو بواسطة القدرة على مقدمته فمن اشتاق إلى الصلاة في المسجد مثلا فحيث انها مقدورة فلا محالة يتحرك نحوها ويوجد مقدمتها بنفس التفاته إلى المقدمية ولايحتاج إلى شيئ آخر غير الالتفات إلى المقدمية والمحرك الحقيقي هو ارادة الصلاة والافلا غرض له من ايجاد المقدمة وكون ذى المقدمة امرا متأخر لا يوجب عدم امكان تعلق الارادة به بعد امكان التحرك نحوه بايجاد مقدمته وإذا كان تعلق الارادة التكوينيه به ممكنا فيمكن تعلق التشريعية به ايضا للملازمة كما ذكر واما إذا كان مقيدا بقيد غير اختياري فلا شبهة في تعلق الارادة التكوينية به ايضا لكن لا بوصف الفعلية


- بقيد غير مقدور اولم يكن مقيدا به امر ممكن ووقوعه بالوجدان يغنى عن الاستدلال لاثبات امكانه واما الارادة بمعنى الاختيار اعني به اعمال النفس قدرتها في الفعل أو الترك فيستحيل تعلقها بالامر المتأخر مطلقا سواء كان مقيدا بقيد غير مقدور أو لم يكن فان اعمال القدرة انما يمكن في ظرف امكان صدور الفعل ومن البديهى ان الامر المتأخر ولو كان له مقدمات مقدورة يستحيل صدروه بالفعل فلا معنى لاعمال النفس قدرتها في وجوده أو عدمه وقد ذكرنا في محله ان حركة العضلات انما تتبع الاختياري الذى هو من افعال النفس ولا تترتب على مجرد الشوق النفساني بلغ ما بلغ من الشدة والقوة وعليه فما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من امكان تعلق الارادة بامر متأخر مقدور بالقدرة على مقدمته واستحالة تعلقها بالمقيد بقيد غير مقدور في غير محله هذا في الارادة التكوينية واما الارادة التشريعية فان اريد منها شوق المولى المتعلق بفعل الغير فامكان تعلقها بامر متأخر وان كان واضحا الا انها بهذا المعنى خارجة عن محل البحث وليست من الاحكام المجعولة وان اريد منها اعمال المولى قدرته في الفعل والترك فمن لضروري انها بهذا المعنى يستحيل تعلقها بفعل الغير سواء في ذلك المتأخر وغيره فان صدور الفعل أو تركه انما هو باختيار المكلف وخارج عن تحت قدرة المولى غالبا ولو فرض كونه تحت اختيار المولى كما في المولى الحقيقي وفرض مع ذلك تعلق اختياره به وجودا أو عدما لما كان الفعل معه قابلا لتعلق التكليف به كما هو ظاهر نعم الارادة بهذا المعنى قابلة لان تتعلق بنفس التشريع الذى هو فعل من افعال المولى ولا بأس بتسميتها ارادة تشريعية الا انه اصطلاح محض والارادة المتعلقة بالتشريع تكوينية لا محالة وان اريد منها ايجاب المولى الذى هو فعل من افعاله فتسميته بالارادة التشريعية وان كانت لا تخلو عن وجه الا ان دعوى انها بمنزلة الارادة التكوينية وتسرية احكامها إليه بلا موجب بل اللازم - (*)

[ 138 ]

والتحريك بل بوصف التقديرية والاء ناطة (1) نظير القضايا الحقيقة والوجدان اقوى شاهد بأن ارادة شرب الماء على تقدير العطش موجودة لكل ملتفت إلى مصلحة الشرب ولوفى حال عدم العطش لكن تلك الارادة التقديرية انما تكون فعلية


- ان ينظر إلى نفس الايجاب بما هو ويبحث ان اعتبار شيئ وعدمه وبما انك عرفت فيما مر ان المجعول للمولى في موارد بعثه إلى شيئ انما هو اعتباره كون الفعل على ذمة المكلف وابرازه في الخارج بمبرز تعرف ان تعلقه بما هو مقدور للمكلف في ظرفه بمكان من الامكان من دون فرق في ذلك بين المقيد بقيد غير اختياري وغيره ضرورة ان العقل لا يعتبر في صحة الاعتبار المزبور الا امكان صدور الفعل منه في ظرف مطلوبيته ولا فرق في ذلك بين كونه مقدورا في ظرف الايجاب وعدمه ودعوى ان تعلق الوجوب بالمقيد يقتضى تعلقه بنفس القيد ايضا قد عرفت بطلانها فاتضح مما ذكرناه صحة القول بالواجب المعلق وان تعلق الطلب بالامر المتأخر سواء كان مقيدا بقيد مقدور أو لم يكن يستلزم اشتراط الوجوب بالقدرة المتأخرة عنه المقارنة للعمل في ظرفه 1 - لا يخفى ان الارادة سواء اريد منها الشوق النفساني أو اختيار النفس للفعل أو الترك بما انها من الامور التكوينية الخارجية لا تتصف بالتقديرية تارة وبالفعلية اخرى وانما تتصف بالوجود أو بالعدم فان ما تكون الارادة منوطة به ان كان موجودا فالارادة فعلية والا فهي معدومة نعم الاتصاف بالوجود التقديرى انما يعقل في الامور الاعتبارية فيصح ان يقال ان وجوب الحج مثلا ثابت في الشريعة على تقدير حصول الاستطاعة خارجا وهذا النحو من الوجود الاعتباري يكون ثبوته بنفس الاعتبار ولو لم يكن في الخارج مستطيع بالفعل كما ان رفعه انما يكون بالنسخ لا بزوال الاستطاعة من المكلف مثلا ومن هنا يتمسك باستصحاب بقاء الحكم في الشريعة ما لم يثبت نسخه وهذا الحكم الثابت لا يتصف بالفعلية الابعد تحقق موضوعه بتمام قيوده في الخارج فعند ذلك يكون الحكم فعليا وقابلا للدعوه إلى متعلقه وقد مر ما به يتضح الفرق بين الوجودين ويأتى له مزيد بيان في مبحث الاستصحاب التعليقي انشاء الله وقد تحصل مما ذكرناه استحالة اتصاف الارادة بالوجود التقديرى وان ما هو الموجود عند الالتفات إلى مصلحة شرب الماء على تقدير حصول العطش مثلا انما هو الشوق إلى الشرب المقيد بحال العطش وهو فعلى لاتقديرى واما اختيار الشرب المعبر عنه بالارادة احيانا فهو غير موجود بالفعل اصلا نعم علم الملتفت إلى تحقق الشرب حال العطش موجود بالفعل الا انه فعلى لاتقديرى (*)

[ 139 ]

ومحركة إلى شرب الماء عند فعلية العطش فهى قبل وجود العطش ليست بفعلية وبعده تكون فعلية (وهذا) (1) هو المراد من البرهان الذى اقامه الشيخ الانصاري (قده) على كون القيد قيد اللمادة رادا به على من توهم أن الاحكام تحتاج إلى انشاء آت متعددة بتعدد المكلفين والازمان وحاصل مرامه (قده) من هذا الرد هو ان العاقل إذا التفت إلى شيئ مقيد بقيد غير مقدور ورأى فيه مصلحة فالارادة التقديرية موجودة من الاول بنحو القضايا الحقيقية وان لم تكن متصفة بوصف الفعلية والتحريك فليس


1 - الغرض من هذا البرهان على ما في تقريرات شيخنا العلامة الانصاري قدس سره هو اثبات لزوم رجوع القيد إلى المادة دون مفاد الهيئة بتقريب ان الانسان إذا توجه إلى شيئ فاما ان يطلبه أو لا يطلبه لاكلام لنا على الثاني على الاول فاما ان يتعلق طلبه به من غير ان يكون مقيدا بقيد خاص أو يتعلق طلبه به مقيدا بذلك وعلى الثاني فاما ان يكون القيد اختياريا أو غير اختياري وعلى تقدير كونه اختياريا فاما ان يتعلق طلبه بالقيد ايضا اولا وعلى جميع التقادير يكون الطلب فعليا والتقييد راجعا إلى المادة والجواب عن ذلك انه ان اراد من الطلب اشتياق النفس إلى الفعل فهو وان كان موجودا في جميع الصور المذكورة الا انك قد عرفت انه لا ملازمة بين فعليتة وفعلية الحكم المجعول اصلا وان اراد منه الاختيار واعمال النفس قدرتها في الفعل والترك فقد عرفت استحالة تعلقه بفعل الغير مطلقا واستحالة تعلقه بالمتأخر ولو كان ذلك فعل نفس الشخص وان اراد منه جعل الحكم الذى هو عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف فهو وان كان فعليا دائما الا انه لا يقتضى ان يكون المعتبر ايضا كذلك لما عرفت من امكان تعلق الاعتبار بامر متاخر وضعيا كان أو تكليفيا وان اراد منه الحكم المجعول اعني به نفس الوجوب المعتبر للمولى ففى لزوم كونه موجودا حال وجود الاعتبار وعدمه تفصيل فان القيد المزبور سواء كان اختياريا أو غير اختياري إذا كان دخيلا في تمامية مصلحة الواجب ولزوم استيفائها فلا موجب لايجابه قبل حصوله ولو كان متعلق الايجاب الفعل المقيد بما هو مقيد بناء على ما هو الصحيح من تبعية الاحكام للملاكات الثابته لمتعلقاتها بل ربما يكون ذلك منافيا لغرض المولى وهو عدم تكليف العبد بتحصيل المقدمات قبل حصول القيد في الخارج واما إذا كان القيد دخيلا في حصول المصلحة في الخارج بعد فرض تماميتها ولزوم استيفائها فلا مناص فيه عن الالتزام بفعلية الطلب وان كان المطلوب امرا متأخرا كما عرفت (*)

[ 140 ]

هناك انشاءات عديدة بل انشاء واحد (1) وارادة واحدة غاية الامر انها تقديرية لافعلية (وبالجملة) فانا وان سلمنا وجود الارادة التقديرية من اول الامر الا ان فعليتها و محركيتها غير معقولة فان المقيد بامر غير اختياري بما هو مقيد لا يكون اختياريا وذات المقيد وان كانت مقدورة الا انها ليست مما يترتب عليه الغرض بل المترتب عليه هو المقيد وحينئذ فان لم تكن له مقدمة مقدورة اصلا كما في الصلاة المقيدة باول الفجر بالاضافة إلى من هو واجد لتمام الشرائط قبل الفجر فانه حيث يستحيل فعلية الارادة قبل الفجر لكون المقيد غير مقدور وليست له مقدمة اختيارية فلا بدوان ينتظر الصبح حتى تكون الارادة فعلية واما إذا كانت له مقدمة مقدورة كالمثال المذكور بالاضافة إلى فاقد الطهارة فيستحيل تحريك ارادة الصلاة نحو المقدمة بمجرد الالتفات إلى المقدمية لما عرفت انها غير فعلية ولا محركة بل لابدان يكون المحرك نحو المقدمة هو التفات المكلف إلى انه لو لم يأت بالمقدمة فعلا لفاته الغرض المترتب على الفعل المقيد فاستلزام ترك المقدمة لفوت الغرض هو الذي يوجب تعلق ارادة فعليه بايجاد المقدمة فالحركة نحو المقدمة انما نشأت من قبل استلزام تركها لفوات الغرض لامن ناحية المقدمية واستلزام ارادة الصلوة لارادة مقدماتها (هذا) حال الارادة التكوينية حسب ما يقتضيه الوجدان الصادق وتتبعها الارادة التشريعية (2) حذو القذة بالقذة وعليه فيمكن تعلق الارادة الفعليه


1 - لا يخفى ان جعل الحكم على نحو القضايا الحقيقية يغنى عن الانشائات العديدة و فرض وجود الارادة التقديرية وعدمه اجنبي عن ذلك بالكلية وقد مران الارادة بمعنى الاختيار يستحيل تعلقه بالامر المتأخر مطلقا وعلى ذلك يترتب ان ارادة المقدمة يستحيل ان تكون ناشئة من ارادة ذى المقدمة ابدا سواء في ذلك المقيد بقيد غير اختياري و غير المقيد به بل هي ناشئة عن علم المشتاق إلى ذى المقدمة بانه لو لم يأت بالمقدمة لفاته الغرض في ظرفه فلاوجه لما افيد في المتن من ارادة المقدمة قد تنشأ عن ارادة ما يتوقف عليها وقد تنشأ من العلم بفوت الغرض على تقدير عدم الاتيان بالمقدمة قبل مجيئ ظرف الاتيان بالواجب وبالجملة إذا امتنع تعلق الاختيار بالامر المتأخر فارادة المقدمة انما تنشأ من الشوق أي ذى المقدمة والعلم بترتب فوت المشتاق إليه على ترك المقدمة من دون فرق بين كون المشتاق إليه مقيدا بقيد غير مقدور وعدمه فافهم ذلك لعلك تشفع به فيما بعد انشاء الله تعالى 2 - قدمران الحكم المجعول المعبر عنه بالارادة التشريعية احيانا لايتبع الارادة التكوينية * (*)

[ 141 ]

التشريعية بفعل متأخر مقدور بالقدرة على مقدمته فتكون محركة نحو مقدمته قهرا ولا يمكن تعلقها بالفعل المقيد بقيد غير مقدور لعدم امكان تعلق التكوينية به نعم إذا كان في هذا الفرض مقدمة يستلزم تركها فلا فوت الغرض في ظرف الواجب كالغسل قبل الفجر فلابد من تعلق ارادة تشريعية مستقلة بها لمصلحة التهيأ لئلا يلزم الفوت كما هو الحال في الاءرادة التكوينية (والحاصل) ان الشبهة انما نشأت من تخيل ان انكار الواجب المعلق مبنى على دعوى استحالة تأخر الواجب عن وقت الوجوب مع الغفلة عن أن منشأه هي استحالة تعلق التكليف بغير المقدور فيختص الانكار بما إذا تقيد الواجب بقيد غير اختياري فافهم ذلك واغتنم (ثم لا يخفى) ان هذه الشبهة موردها هو خصوص القضايا الخارجية واما في القضايا الحقيقية فلا مجال لتوهم جريانها فيها اصلا فاصل النزاع في تعقل الواجب المعلق مختص بالقضايا الخارجية وتعديته إلى القضايا الحقيقية من باب الخلط بينهما (بيان ذلك) ان الانشاء في القضايا الحقيقية لا محالة يكون سابقا على وجود الموضوع وبقية القيود المعتبرة فيه وهو لا يكون مقيدا بشيئ اصلا الا انه لما كان فعلا زمانيا فلا بدوأن يقع في زمان بلا تقيد به اصلا واما فعلية الحكم فيستحيل ان تكون مساوقة لانشائه بل لا محالة تتوقف على فعلية كل ما اخذ مفروض الوجود في الخطاب و حيئنذ فإذا فرضنا ان الواجب من الموقتات فاما ان تتوقف فعلية الحكم على فعلية الزمان كما تتوقف على فعلية بقية القيود المأخوذة في الخطاب مفروضة الوجود فهذا عين انكار الواجب المعلق والالتزام بالاشتراط (1) واما ان يفرق بين الزمان وغيره من


* في احكامها ولوازمها وان الملاك في جواز تعلق الوجوب بامر متأخر مشترك فيه بين صورتي التقييد بامر غير مقدور وعدمه وعليه فالتفكيك بين المقدمات والالتزام في بعضها بالوجوب المقدمى وفى بعضها الاخرى بالوجوب النفسي لمصلحة التهيأ بلا موجب 1 - اخذ الزمان مفروض الوجود في الخطاب وان كان يستلزم اشتراط التكليف به لا محالة الا انه لا يستلزم تأخر التكليف عنه خارجا لما عرفت من جواز كونه شرطا متأخرا كما كان الامر كذلك في اشتراط التكليف بالقدرة وقد مران الواجب المعلق قسم من الواجب المشروط بالشرط المتأخر نعم لابد في القول به من قيام الدليل عليه ومجرد امكان الشيئ لا يكفي في الحكم بوقوعه ولافرق في ذلك ايضا بين الزمان وغيره من القيود * (*)

[ 142 ]

القيود فلا يلتزم بتوقف فعلية الحكم على تحقق الزمان خارجا على خلاف القيود الخارجية عن الاختيار وعليه فيسأل عن الملزم بالقول بتوقف فعلية الحكم على فعلية بقية القيود من وجود الموضوع وغيره فهل هو اخذها مفروضة الوجود أو شيئ آخر لاسبيل إلى الثاني بالضرورة فيتعين الاول والمفروض انه مشترك فيه بين الرمان وغيره واما توهم أن الزمان لم يؤخذ مفروض الوجود في الخطاب وانما هو من قيود الواجب فيدفعه ما عرفت من ان تقيد الواجب بالزمان يستلزم تعلق التكليف به ايضا وهو محال لعدم القدرة عليه (نعم) يمكن ان يفرق (1) بين الزمان وغيره من القيود بوجه آخر وهو ان الزمان ربما يكون دخيلا في الخطاب فقط دون الملاك لكون مصلحة الفعل تامة قبله الا ان الفعل لكونه غير مقدور قبله فلا مناص من اخذه مفروض الوجود بخلاف بقية القيود فانها دخيلة خطابا وملاكا كما أو ضحناه سابقا وبالجملة كل ما فرض وجوده في الخطاب فلا محالة يتأخر التكليف عنه رتبة ويتوقف فعليته على فعليته ويستحيل التكليف به والالزام بايجاده ولو كان امرا اختياريا كالاستطاعة مثلا فالوجوب لا محالة يكون مشروطا بوجوده وكل ما لم يكن كذلك المكلف مأخوذا في الواجب فلا بدوان يكون الوجوب بالاضافة إليه مطلقا ويكون المكلف مأمورا بايجاده فامر التكليف دائر بين الاطلاق والاشتراط لا محالة ولعل القول بامكان المعلق انما نشأ من عدم حقيقة الاشتراط والاطلاق تنبيه قد عرفت ان فعلية التكليف وان كانت تتوقف على مافعلية جميع قيوده الا انه يختلف حال القيود بالاضافة إليه فوجود اول قيدله كوجود المكلف وجود للمعد الاول و


* الخارجة عن الاختيار فما افيد في المتن من عدم تعقل الواجب المعلق في القضاياء الحقيقية ومن ان تقييد الواجب بالزمان يستلزم تعلق التكليف بامر غير مقدور مبنى على ما افاده سابقا من ان تقييد الواجب بشيئ ينافى اخذه مفروض الوجود وقد تقدم ما يرد عليه فراجع 1 - قد تقدم انه لافرق بين الزمان وغير في هذه الجهة اصلا وان الميزان لكلى هو ان القيد المتأخر الخارج عن تحت القدرة إذا كان دخيلا في تمامية الملاك الداعي إلى الايجاب فلابد من تأخر الوجوب عن تحققه خارجا واما إذا كان دخيلا في تحققه الخارجي مع كون الملاك تاما قبله فلابد فيه من جعل الوجوب قبل حصول القيد مشروطا بحصوله في ظرفه ومتعلقا بالفعل المقيد به (*)

[ 143 ]

الثاني كعقله وجود للمعد الثاني وهكذا إلى أن ينتهى إلى القيد الاخير فيكون وجوده كوجود الجزء الاخير من العلة التامة فيستحيل تخلف الحكم عنه ولذلك ربما يطلق السبب والمسبب على القيد والحكم والا فالسببية والمسببية فيما نحن فيه غير معقولة كما هو ظاهر ثم انه قد اشرنا سابقا إلى ان حال الاحكام في القضايا الحقيقية حال الملكية في باب الوصية فكما ان انشاء الملكية في باب الوصية وان كان في حال الحياة الا ان فعليتها تتوقف على فعلية قيدها الذى اخذ مفروض الوجود وهو الموت فبمجرد الموت تكون الملكية المنشأة على هذا التقدير فعلية ولذلك تقدم الوصية على الارث لا محالة فان موضوع الارث ما تركه الميت على حاله والوصية تخرج الموصى به عن ما ترك وتدخله فيما لم يترك فلا تشمله ادلة الارث ولو لم يكن هناك ادلة خاصة على تقديم الوصية على الارث لكان التقديم على القاعدة فكذلك انشاء الاحكام في القضايا الحقيقية وان كان موجودا قبل وجود موضوعاتها الا ان فعليتها تتوقف على فعلية موضوعاتها لا محالة واما قياس القضايا الحقيقية بباب الاجارة فغير صحيح فان فعلية الملكية في باب الاجارة مساوقة لانشائها والمتأخر انما هي ذات المنفعة فالمنشأ وهى الملكية فعلى والمنفعة التى هي متأخرة غير قابلة للانشاء (فان قيل) ان فعلية الملكية والحكم في الوصية وفى القضايا الحقيقة إذا كانت متأخرة عن الانشاء فيلزم انفكاك الانشاء عن المنشأ وهو غير معقول (قلنا) المنشأ إذا كان هي الملكية على تقدير الموت أو الحكم على موضوع خاص فلابدوان لا يكون هناك ملكية قبل الموت وحكم قبل الموضوع والا فيلزم أن يتخلف الانشاء عن المنشأ ويكون المنشأ هي الملكية لا على تقدير الموت أو الحكم لاعلى ذاك الموضوع وهو خلف محال وعليه يترتب استحالة الشرط المتأخر مثلا إذا فرضنا الاجازة قيدا مفروض الوجود في الحكم بالملكية في البيع الفضولي فلابد وان تتأخر الملكية عن الاجازة تأخر الحكم عن موضوعه فلو فرض تقدمه عليها لزم ان لا يكون حكما لذلك الموضوع بل لموضوع آخرو هو خلف واضح وبالجملة لابد وأن يقع المنشأ في الخارج على طبق الانشاء فكما ان وجود الموضوع التام يستحيل ان يتخلف عن

[ 144 ]

عن حكمه فكذلك وجود الحكم يستحيل ان يتخلف عن موضوعه فمحذور الشرط المتأخر ليس لزوم تأثير المعدوم في الموجود إذا الشرط لا يكون مؤثرا في الحكم اصلا بل المحذور هو لزوم الخلف من تقدم الحكم على موضوعه (فان قلت) اليس الاءنشاء هو الايجاد فكيف يتقدم على وجود المنشأ مع أن تخلف الايجاد عن الوجود غير معقول والحاصل انه لا يمكن الايجاد الفعلى لامر متأخر وجودا نعم على تقدير امكانه لابد وأن لايتقدم والالزم التخلف المذكور (قلت) تخلف الايجاد عن الوجود في التكوينيات غير (1) معقول وأما في


1 - لا يخفى ان البرهان المقتضى للزوم وحدة الايجاد والوجود خارجا وكون التغاير بينهما اعتباريا لا يختص بالموجودات التكوينية بل يشترك في كل موجود في الوعاء المناسب له تشريعيا كان أو تكوينيا وما افيد في المتن من كون اجزاء الزمان موجودة في عالم التشريع في عرض واحد بلا تقدم وتأخر بينها فهو وان كان صحيحا ضرورة انه يمكن فرض الامور التدريجية وتصورها في عالم التشريع فيوجد جميعها في ذلك العالم معا الا انه لا يترتب عليه دفع الاشكال المتقدم لان فعلية الحكم المجعول تابعة لتحقق الزمان خارجا لا لوجوده الفرضى والالزم فعلية الاحكام حال جعلها ولو قبل وجود المكلف فضلا عن تحقق شرايطه وهو مع فساده في نفسه خلاف فرض كون الوجوب مشروطا وعليه فالاشكال المتقدم باق على حاله والتحقيق في الجواب عن ذلك هو ما تقدم في بحث رجوع القيد إلى الواجب أو الوجوب من ان اساس هذه الشبهة مبنى على تخيل ان جعل الحكم مساوق لايجاده في الخارج بنحو وجود يعبر عنه بالوجود الانشائى مع الغفلة عن ان جعله عبارة عن اعتباره النفساني المبرز في الخارج بمبرز له ولا مانع من تعلق الاعتبار بامر متأخر اصلا فان قلت إذا كان جعل الملكية في باب الوصية مثلا عبارة عن تعلق الاعتبار الفعلى بالملكية المتأخرة المقارنة للموت فكيف يمكن تحققها بعد موت المعتبر وانعدام اعتباره مع ان الامر الاعتباري يستحيل بقائه مع انعدام الاعتبار المتعلق به بالضرورة قلت تحقق الملكية بعد الموت انما هو من جهة اعتبار العقلاء أو الشارع لها امضاء لاعتبار الموصى المالك للوصية فان حدوث الاعتبار من المالك وعدم رجوعه عنه موضوع لاعتبار الشارع أو العقلاء على طبق اعتباره ولولا الدليل على جواز الرجوع في الوصية لكان الحال كذلك حتى بعد رجوعه فالمدار انما هو على اعتبار الشارع أو العقلاء لا على بقاء اعتبار المعتبر الاول فافهم ذلك فانه دقيق (*)

[ 145 ]

التشريعيات فحيث ان التشريع بتمام انحائه بيد الشارع فكما يمكنه ايجاد الوجوب فعلا يمكنه ايجاد الوجوب على موضوع فيما بعد ايضا وبعبارة اخرى ان الزمان وان كان بنفسه تدريجيا والجزء اللاحق غير موجود في عرض الجزء السابق الا أن تمام اجزائه بالاضافة إلى الشارع موجودة في عالم التشريع فيمكنه ايجاد الحكم وجعله على الجزء الاول أو الوسط أو الاخير وتمام ذلك في عالم التشريع على نحو واحد بلا قصور في تشريعه وكذ لك باب الوصية فان مالك العين الذى بيده الامر له أن يجعل ملكيتها الفعلية أو ملكيتها بعد موته أو ملكيتها بعد حين لمن يريد جعلها له فان جميعها بالاضافة إليه في عالم انشائه وجعله على حد سواء وقيام الاجماع على بطلان تعليق المنشأ على غير الموت في الوصية بل على بطلان مطلق التعليق في غيرها وعدم تأثيره اجنبي عما نحن بصدده من امكان التعليق في المنشأ ممن بيده الامر والاختيار نعم التعليق في الانشاء لكونه فعلا اختياريا آنى الحصول غير معقول والكلام انما هو في تعليق المنشأ لا في تعليق الانشاء وبالجملة انفكاك المنشأ عن الاءنشاء بالكيفية التى انشأه عليها من بيده الامر والاختيار غير معقول ولا يلتزم به وعليه يترتب بطلان الشرط المتأخر واما انفكاكه عنه زمانا وتأخره إلى زمان وجود موضوعه فهو مما لا بدمنه ولا استحالة فيه اصلا بل المستحيل خلافه بل ربما لا يكون عند وجود موضوعه فعليا ايضا كما إذا كان الانشاء من غير من بيده الامر والاختيار (فان قلت) كيف انكرتم الواجب المعلق والوجوب المشروط بالشرط المتأخر مع انه لا اشكال في ان الصوم عمل واحد له وجوب واحد و لازم ذلك هو الالتزام بالشرط المتأخر والواجب المعلق (بيان ذلك) ان وجوب الامساك في اول الفجر مشروط ببقاء شرائط التكليف إلى آخر الوقت لا محالة وبانتفاء شرط التكليف في جزء من الزمان ولو كان هو الجزء الاخير يستكشف عدم التكليف بالامساك بما انه صوم من اول الوقت فالتكليف بالامساك في اول الوقت مشروط بشرط متأخر وهو بقاء شرائط التكليف إلى الغروب كما أن الجزء الاخير من الامساك مطلوب من اول الوقت لفرض وحدة الطلب والمطلوب وهذا عين الالتزام بالواجب التعليقي وكون الوجوب فعليا والواجب استقباليا ومنه يظهر حال الصلاة اول وقتها وجوبها اول الوقت ايضا مشروط بشرط متأخر وهو بقاء شروطها إلى مقدار اربع ركعات بعد الوقت

[ 146 ]

والجزء الاخير منها مطلوب من اول الوقت فتلخص ان الالتزام بالشرط المتأخر والواجب التعلقى ممالا محيص عنه في التدريجيات المؤقتة (قلت) اما لزوم (1) الالتزام بالشرط المتأخر في التكليف بالتدريجيات فسيجيئ في محله انشاء الله تعالى انه لا بدلنا بعد بيان استحالة الشرط المتأخر من الالتزام بكون العنوان المنتزع المقارن كعنوان التعقب شرطا فيما دل الدليل على ذلك وساعده الاعتبار لا في امثال الاجازة التى دل الدليل على شرطية نفسها واظهر الموارد التى يمكن القول فيها بشرطية عنوان التعقب هي الواجبات التدريجية فانه إذا كان استمرار شيئ كالحياة مثلا شرطا للتكليف فمعناه أن الشرط بالاضافة إلى كل جزء من الامساك مثلا هي الحياة المقارنة معه المسبوقة والملحوقة بمثلها إلى الغروب فليس الشرط هي نفس الحياة المتأخرة حتى يلزم تأخره بل الشرط هو عنوان التعقب المقارن مع الوجوب (واما) لزوم الالتزام بالواجب المعلق فممنوع ايضا لان الواجب وشرطه إذا كانا تدريجيين فلا محالة يكون الوجوب ايضا كذلك لما ذكرناه من ان فعلية الحكم تساوق فعلية موضوعه ويستحيل التقدم والتأخر فإذا كان الشرط وهى الحياة تدريجيا فكل جزء يكون فيه الشرط فعليا يكون الوجوب فيه فعليا ايضا واما بالاضافة إلى الجزء الآخر فحيث ان الشرط ليس بفعلى فيكون وجوبه ايضا كذلك وبالجملة فعلية الوجوب تتبع فعلية موضوعه وشرط ولا ينافى التدريج في الفعلية لتدريجية الشرط وجدة الوجوب والشرط كما هو واضح فالشرط هي الحياة المستمرة والوجوب ايضا مستمر باستمرارها فتوهم لزوم الالتزام بالواجب التعليقي انما نشأ من توهم فعلية الوجوب المتعلق بالجزء الاخير مع الغفلة عن ان فعلية الوجوب بالاضافة إليه انما تكون عند فعلية شرطه ويستحيل تقدمها عليها (ثم لا يخفى) ان الزمان المفروض قيدا قد يكون قيدا للواجب بمعنى ان ما يترتب عليه المصلحة هو الفعل المقيد من اول الفجر إلى الغروب وعليه فالفعلية وان كانت تدريجية الا أن وجوب الامساك في مقدار من النهار مع العلم بعدم بقاء الشرائط إلى الغروب وكذلك ترتب الكفارة على عصيانه يكون على خلاف القاعدة وقد يكون قيد اللوجوب بمعنى ان الامساك متعلق للوجوب الواحد المستمر إلى الغروب على


1 - قد تقدم تحقيق الحال في مطلق الواجبات المقيدة بالزمان وغير المقيدة به فراجع (*)

[ 147 ]

تقدير بقاء الشرائط فوجوب الامساك في مقدار من الزمان الموجود فيه الشرائط يكون على القاعدة وكذلك ترتب الكفارة على عصيانه والعفية التدريجية بناء على كون الزمان قيد اللوجوب اوضح منها بناء على كونه قيدا للواجب وان كان الامر فيه كذلك ايضا (ثم لا يتوهم) لزوم الالتزام بالشرط المتأخر والواجب التعليقي في مطلق الواجبات التدريجية وان لم يكن الوجوب ولا الواجب مقيدا بالزمان ومحدودا به (ببيان) ان الجزء الاخير لا يمكن الاتيان به قبل الجزء الاول فلا محالة يتأخر الاتيان بالواجب عن فعلية الوجوب ومن البديهى ان وجوب الجزء الاول مشروط ببقاء الحياة إلى آخر العمل فيكون مشروطا بشرط متأخر (فانا) قدذكرنا سابقا ان الفعل ما لم يقيد بقيد غير مقدور كالزمان فلا محالة يكون مقدورا (1) ولو بالواسطة فلا مانع من وجود الجزء الاخير الا توقفه على الامور المقدورة المتقدمة عليه مثلا في كل جزء من الزمان بعد مضى مقدار اربع ركعات يمكن الاتيان بكل جزء من العمل على تقدير وقوع الاجزاء السابقة عليه فالمانع ليس تقيد الفعل بامر غير مقدور كما في مثال الصوم والصلاة اول الوقت بل عدم تحقق الاجزاء السابقة والمفروض انها تحت القدرة فلا مانع من تعلق التكليف بجميعها مرة واحدة لكونها تحت الاختيار بعضها مع الواسطة وبعضها بدونها وبالجملة فالاشكال في المقيد بالزمان اصعب منه في غيره وان كان قد عرفت الجواب عنه ايضا بحمدالله تبارك وتعالى (تنبيه) ظهر مما ذكرناه من ان المنشأ للمولى ليس الا الحكم على تقدير وجود موضوعه أن وجود الموضوع مساوق لفعلية حكمه وان كان يشترط في تنجزه على المكلف واستحقاق العقاب على مخالفته أن يكون واصلا إليه وفى ظرف عدم الوصول وجدانا أو تعبدا لا يمكن ان يكون منجزا وان كان فعليا بوجود موضوعه (فالقول) بأن الحكم بعد وجود موضوعه قد يكون انشائيا محضا لا يجب امتثاله ولا يحرم مخالفته وقد يكون فعليا من بعض الجهات ويتوقف فعليته على العلم أو على قيام طريق آخر وقد يكون فعليا من تمام الجهات (فاسد) قطعا إذ يستحيل ان يكون موضوع الحكم


1 - لا يخفى ان الاتيان بالجزء المتأخر كما يتوقف على تحقق الجزء السابق عليه كذلك يتوقف على بقاء الحيوة وغيرها من الامور الد خيلة في القدرة عى الفعل فكون الجزء المتأخر مقدورا بالفعل من جهة القدرة القدرة على بعض مباديه لا ينافي عدم القدرة عليه فعلا من جهة بعضها الاخر وعليه فحال الواجبات المقيدة بقيد غير مقدور كحال الواجبات غير المقيدة بعينها فلا تغفل (*)

[ 148 ]

موجودا ومع ذلك لا يكون الحكم فعليا بعد فرض كونه حكما لهذا الموضوع أو تكون فعليته متوقفة على وجود شيئ آخر لم يؤخذ في الموضوع وهذا واضح لا يعتريه ريب ولا اشكال (ثم لا يخفى) ان الحكم في القضية الحقيقية لا محالة ينحل بتعدد المكلفين واما بالقياس إلى غير المكلف فقد يكون الدليل ظاهرا في الانحلال اما بالوضع أو بمناسبة الحكم والموضوع (كما في أكرم العلماء) (أو اقض ما فات) حيث انه يتعدد الحكم بتعدد العالم والفائتة وقد يكون ظاهرا في عدم الانحلال كما في (صل في المسجد) فان المستفاد منها بحسب فهم العرف ليس وجوب الصلاة في كل مسجد وقد لا يكون له ظهور في شيئ منهما فيرجع إلى الاصول العملية (تتميم) لا اشكال في ان وجوب المقدمة الوجودية يتبع في الاطلاق والاشتراط وجوب ذيها ان مطلقا فمطلق والافلا كما انه لا اشكال في ان المقدمة الوجوبية حيث انها اخذت مفروضة الوجود كما هو شأن القضايا الحقيقية يستحيل ان يتعلق بها الوجوب من ناحية وجوب ذى المقدمة الا انه وقع في الشريعة موارد توهم خلاف ذلك (منها) ان الفقهاء افتوا بوجوب ابقاء الماء قبل وقت الصلاة لواجده إذا علم بعدم تمكنه منه بعد الوقت مع عدم فعلية وجوب الصلاة قبله بل افتى جماعة بوجوب تحصيل الماء قبل الوقت ايضا في الفرض المزبور (ومنها) فتواهم بوجب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر (ومنها) فتواهم بوجوب ابقاء الاستطاعة بعد اشهر الحج مع كونها مقدمة وجوبية وبوجوب تحصيل المقدمات الوجودية قبل وقت الحج بل افتى بعضهم بوجوب ابقاء الاستطاعة قبل اشهر الحج ايضا (ومنها) فتواهم بوجوب تعلم الاحكام قبل مجيئ وقت الواجب أو حصول شرط الوجوب إذا ترتب على تركه فوت الواجب في ظرفه بل افتى جماعة بوجوب التعلم قبل البلوغ ايضا في الفرض المزبور كما انه يجب تحصيل المعارف قبله ليكون مؤمنا في اول آن البلوغ (واجيب) عن الاشكال تارة بالالتزام بالواجب المعلق واخرى بالا لتزام بالشرط المتأخر وانت بعد ما عرفت استحالة الواجب المعلق والشرط المتأخر تعرف عدم صحة الجواب بهما مع انهما لا ينفعان (1) في ايجاب التعلم


1 - لا يخفى انه يندفع الاشكال في كثير من الموارد المذكورة وغيرها بالالتزام بالوجوب - (*)

[ 149 ]

قبل البلوغ وقبل الاستطاعة لعدم التكليف بذى المقدمة قبلهما قطعا مضافا إلى ان لازم القول بهما ايجاب تمام المقدمات لا خصوص التعلم مع بداهة ان المسير إلى الحج قبل الاستطاعة لا يقول بوجوبه احد ولو علم بوجود الاستطاعة فيما بعد فاى فرق بين التعلم وبين بقية المقدمات الوجودية (كما انه) لا اشكال عندهم ظاهرا في جواز اجناب المكلف نفسه قبل الوقت مع العلم بعدم التمكن من الغسل بعده فما هو الفارق بينه وبين اراقة الماء بعد الالتزام بفعلية وجوب ذى المقدمة قبل الوقت ومن هنا يظهران ما ذكرنا سابقا من ان مصلحة الواجب قد تتم قبل فعلية وجوبه فيجب تحصيل مقد ماته بوجوب متمم للجعل الاول واخرى لا تتم الا عند وجودما هو دخيل في فعلية الوجوب فلا تجب المقد مات قبله فمن وجوب المقدمة شرعا قبل وقت الواجب يستكشف تمامية مصلحة الواحب كما في الغسل قبل الفجر فانه يستكشف من وجوبه تمامية مصلحة الصوم قبل الفجر وان لم يمكن التكليف به حينئذ لعدم القدرة عليه لا لعدم تمامية ملاكه وان كان يصلح لدفع الاشكال في الجملة (1) الا انه لايتم في تمام الموارد قطعا بداهة ان الالتزام بتمامية المصلحة قبل البلوغ أو قبل الاستطاعة مما لا يمكن فكيف يجب التعلم قبلهما إذا ترتب على تركه فوت الواجب في ظرفه مضافا إلى انه لا يفي بالتفرقة بين المقدمات في الوجوب وعدمه فالتعلم قبل الاستطاعة يجب على من يعلم أو يطمئن بوجود ها فيما


- التعليقي والاشكال انما يبقى فيما إذا علم عدم فعلية وجوب الواجب النفسي ومع ذلك كان بعض مقد ماته واجبا بالفعل كما في وجب التعلم قبل تحقق وجوب نفس الواجب وفى وجوب حفظ القدرة أو تحصيلها في بعض الموارد والجواب عنه اما هو بما افيد في المتن 1 - قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تستعمل في مقامين احد هما ما افيد في المتن والمراد من الامتناع فيه هو الامتناع الوقوعى وثانيهما مقام دفع شبهة الاشاعرة القائلين بالجبر وعدم الاختيار للعبد حيث انهم استدلوا على ذلك بان الفعل الصادر من العبد ممكن بالضرورة فان وجدت علته فهو ضروري الوجود لاستحالة تخلف العلة عن معلولها والا فهو ضروري العدم لاستحالة وجود الممكن بلا علة فأجاب اهل الحق عن استدلالهم بان اختيار العبد بما انه هو جزء اخير من علة وجود الفعل فوجوبه وامتناعه الناشئان عن اختيار العبد للفعل أو الترك لا ينافي كون الفعل اختياريا بل يؤكده والمراد من الامتناع في هذا المقام هو الامتناع بالغير كما هو ظاهر - لا يخفى التعليقه (1) متعلقة بالسطر الخامس من صحيفة 150 (*)

[ 150 ]

بعد أو بتحققها عادة وهذا بخلاف المسير والمقدمات الاخر (فالتحقيق) في الجواب ان يتمسك بذيل قاعدة اخرى مسلمة في محلها وهى قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وان نافاه خطابا وتوضيح الاستدلال بها بحيث يترتب عليها التفرقة بين المقدمات ايضا انما يكون ببيان امرين الاول ان هذه القاعدة انما هي في مورد يكون الفعل أو الترك فيه ممتنعا بالا ارادة والاختيار كالسقوط إلى الارض لمن القى نفسه من شاهق فان ترك ذلك وان كان ممتنعا بعد الالقاء الا ان هذا الامتناع منته إلى ارادة الالقاء والمخالف هنا أبو هاشم الذى تخيل عدم المنافاة خطابا ايضا وجماعة اخرى تخيلوا منافاته للعقاب ايضا (واما) فيما إذا كان الفعل ممتنعا لعدم تعلق الارادة به فان الفعل الاختياري بما انه يحتاج في وجوده إلى تعلق الارادة به فالامحالة يستحيل وجوده في الخارج عند عدم تعلق الارادة به (فليس) ذلك موردا للقاعدة كما توهمه بعض المحققين فان الامتناع بعدم الارادة لا ينافي الخطاب عند تمام العقلاء فكيف يختص القائل به بابى هاشم الذى لم يوافقه احد في ذلك والحاصل ان كون الفعل ممتنعا في حد ذاته وان كان امتناعه منتهيا إلى الاختيار لاربط له بالامتناع بالغير وهو عدم الارادة ومحل الكلام انما هو الاول واما الثاني فعدم منافاته للخطاب قد تسالم عليه جميع العقلاء الثاني ان القدرة قد تكون شرطا عقليا للتكليف وغير دخيلة في ملاك الفعل اصلا فيكون اعتبارها في فعلية التكليف من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز وقد تكون شرطا شرعيا ودخيلة في ملاكه (وعلى الثاني) فاما ان يكون الشرط هي القدرة المطلقة أو القدرة الخاصة (وعلى الثاني) فاما ان تكون الخصوصية المأخوذة فيها هو حصولها بعد حصول مقدمة بخصوصها من مقدمات الوجوب كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج فلا اثر للقدرة قبلها أو تكون الخصوصية هو حصول القدرة في زمان الواجب فقط فهذا شقوق اربعة (اما الشق الاول) وهو ماكان القدرة شرطا عقليا فقط فالحق فيه وجوب تحصيل المقدمات من اول ازمنة الامكان لتحصيل القدرة على الواحب ووجوب حفظها لواجد هالئلا يفوت الواجب والملاك في ظرفه إذا المفروض ان الملاك في ظرفه تام

[ 151 ]

لا قصور فيه فتفويته ولو بتفويت اول مقدماته ولو كان ذلك قبل البلوغ تفويت له بالاختيار و هولا ينافى العقاب وان كان ينافى الخطاب في ظرفه فبهذه المقد مة العقلية يستكشف (1) وجوب المقدمة شرعا حفظا للغرض فيكون متمما للجعل الاول وان اردت توضيح ذلك فارجع إلى نفسك في ارادتك التكوينية وقس عليها الارادة التشريعية فانك لا تشك في ان من يعلم بابتلائه في السفر بالعطش أو يطمئن به أو هو في معرض الابتلاء به عادة لو ترك تحصيل المقد مات من الاول ولم يحصل الماء قبل ابتلائه يكون مذموما عند القعلاء لانتهاء الامتناع إلى الاختيار فلا محالة تتعلق ارادة تكوينية بايجاد القدرة أو حفظها قبل بلوغه إلى وقت العطش وكون شرب الماء ذا مصحلة ملزمة فإذا كان هذا حال الارادة التكوينية يعرف منه حال الارادة التشريعية ايضا للملازمة بينهما كما عرفت سابقا (2) (فان قلت) اليس البلوغ من الشرائط العامة فكيف يمكن القول بوجوب تحصيل القدرة أو ابقائها قبله حتى يكون متمما للجعل الاول حفظا للغرض (قلت) البلوغ انما يكون شرطا للتكاليف الشرعية التى لم تستكشف بقاعدة يستقل


1 - ما افاد قدس الله تعالى اسراره في المقام وان كان صحيحا لا ينبغى الريب فيه ضرورة ان العقل لا يفرق في حكمه بقبح مخالفة المولى بين مخالفة تكليفه ومخالفة غرضه الملزم الذى هو ملاك الحكم وما به قوامه فإذا علم العبد بوقوع ابن المولى في البحر وهو قادر على انقاذه فلاريب في استحقاقه العقاب على تركه ولو كان المولى غافلا عنه أو عن حضور العبد عنده الا انه لا مجال معه لاستكشاف حكم شرعى مولوى متمم للجعل الاول اصلا فان حكم العل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة يكفى في لزوم حركة العبد وانبعاثه كما هو الحال في مطلق موارد حكمه بقبح المعصية وحسن الاطاعة وانما يمكن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي فيما إذا كان العقل مدركا لملاك الحكم من المصلحة أو المفسدة واين ذلك من ادراكه استحقاق العقاب كما في المقام وبالجملة حكم العقل بقبح تفويت الغرض الملزم واستحقاق العقاب عليه وان كان ثابتا الا انه لا يلازم حكم الشارع بوجوب المقد مة شرعا بل يكون ذلك من اللغو الواضح نعم يحكم الشارع به ارشادا إلى حكم العقل لكنه خارج عما هو محل الكلام 2 - قد تقدم بطلان قياس الحكم المجعول بالارادة التكوينية ودعوى اشتراكه معها في احكامها ولوازمها (*)

[ 152 ]

العقل بها واما التكاليف الشرعية التى استكشفت من استقلال العقل بحكم فلا موجب لكون البلوغ شرطا لها بل هي ثابتة في حق كل من يكون قابلا لتوجه التكليف إليه و ان لم يكن بالغابل يستحيل اشتراط تلك التكاليف بالبلوغ وعدم تحققها قبله لمنافاته للحكم المستقل به العقل كما في وجوب المعرفة في الاصول الاعتقادية قبل البلوغ فان العقل يستقل به لان يكون المكلف مؤمنا في اول زمان بلوغه (واما الشق الثاني) وهو ماكان القدرة المطلقة شرطا شرعيا ودخيلا في الملاك فحاله حال الشق الاول طبق النعل بالنعل غاية الامر ان القدرة في الشق الاول غير دخيلة في الملاك اصلا بخلافه في الشق الثاني الا ان هذا ليس بفارق فيما نحن بصدده فان المفروض ان الشرط وهى القدرة المطلقة ولو باعداد اول مقدماته حاصل بالفعل (واما الشق الثالث) وهو ماكان الشرط الشرعي المفروض دخله في الملاك هي القدرة بعد حصول شرط خاص من شرايط الوجوب فيفرق فيه بين حالتى حصول الشرط وعدمه فالمقدمات التى يستلزم تركها ترك ذى المقدمة في ظرفه لا تكون واجبة بحكم العقل قبل حصول شرط الوجوب لعدم تمامية الملاك حينئذ على الفرض وهذا بخلاف ما لو حصل شرط الوجوب فان العقل يستقل حينئذ بوجوب كل ما يتوقف عليه الواجب في ظرفه فان المورد يكون في هذا الفرض داخلا في قاعدة الامتناع بالاختيار بعد تمامية الملاك فيصح العقاب على ترك الواجب ولو كان ذلك بترك مقدمته قبل وجوبه (واما الشق الرابع) وهو ماكان القدرة في زمان الواجب شرطا شرعيا ودخيلا في الملاك فلا يجب فيه الاتيان بالمقدمة قبل مجيئ زمان الواجب المتوقف عليها لعدم جريان هذه القاعدة فيه إذا المفروض ان الفعل لا يكون ذا ملاك ملزم الابعد القدرة عليه في زمانه واما القدرة عليه ما قبله فوجودها كعدمها إذ لا يجب على المكلف جعل الفعل ذا ملاك في ظرفه بل يجب عليه أن لا يفوت ما هو ذوملاك ملزم في حد نفسه (وهذا) بخلاف الاقسام الاول فان القدرة في القسم الاول لم تكن دخيلة في الملاك اصلا وفي القسم الثاني وان كانت دخيلة الا انها كانت اعم من القدرة في زمان الواجب ومن القدرة قبله واما القسم الثالث فقد عرفت ان القدرة الدخيلة في الملاك فيه انما كانت هي القدرة على الواجب بعد حصول بعض شرايط الوجوب فترك المقدمات بعده

[ 153 ]

تفويت اختياري لفعل ذى ملاك في ظرفه فيندرج تحت قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ثم ان التفرقة بين الاقسام المذكورة انما هي فيما إذا كان التوقف على مقدمة قبل زمان الواجب اتفاقيا وفي مورد خاص كتوقف الصلاة على الوضوء قبل الوقت بالنسبة إلى مكلف مخصوص واما إذا كان التوقف دائميا أو غالبيا كالحج بالاضافة إلى المسير فلو فرض ان ظاهر الدليل هي شرطية القدرة على الفعل في زمانه فلابد من صرفه عن ظاهره وجعل القدرة المطلقة أو القدرة بعد شرط الوجوب شرطا للتكليف وذلك من جهة حكم العقل بقبح تخصيص العام بما يوجب اختصاص الحكم بالفرد النادر ومن الواضح انه لو كان الشرط هي القدرة على الواجب في زمانه لاختص الوجوب بأشخاص نادرة وهو قبيح فبهذه القرينة العقلية يستكشف ان الشرط في المثال انما هي القدرة بعد زمان الاستطاعة فبعد حصولها تجب المقدمات قهرا لتمامية الملاك في الواجب (نعم) إذا كان هناك دليل يدل صريحا على اختصاص الملاك (1) بصورة القدرة على الواجب في زمانه فلا يستحق تارك المقدمة قبل زمان الواجب العقاب على التفويت ولو كان التوقف غالبيا. ثم لا يخفى انه يختلف حال القيود بالاضافة إلى واجب واحد فربما يكون الشرط في بعضها هي القدرة في زمان الواجب فلا يجب قبل الوقت وان ترتب على تركه تفويت ذى المقدمة في ظرفه كالوضوء بالاضافة إلى الصلاة فانه يستفاد من الاخبار الكثيرة ومن الآية المباركة المعلق فيها وجوبه على القيام إلى الصلاة الذى هو كناية عن دخول الوقت ان دخول الوقت له دخل في مصلحة اللزومية فيكون الشرط هي القدرة عليه


1 - إذا فرض ان اختصاص الحكم بالافراد النادرة قبيح عقلا فكيف يمكن الالتزام به و لومع دلالة الدليل عليه صريحا وان لم يكن في الالتزام به محذور عقلا فما المانع منه فيما إذا كان الدليل ظاهرا فيه فالتفرقه بين صورتي صراحة الدليل وظهوره كما افيد في المتن لاوجه لها والتحقيق انه لا مانع من جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية ولو كان تحقق موضوعه في الخارج نادرا ولاقبح في جعل مثل هذا الحكم وايصاله إلى المكلف ولو كان ذلك بتخصيص عموم أو تقييد اطلاق وعليه فلا موجب للتصرف في ظهور الدليل الدال على اشتراط الوجوب بالقدرة على الواجب في ظرفه ولو كان التوقف غالبيا أو دائميا (*)

[ 154 ]

بعد الوقت فلا يجب تحصيله ولا ابقاؤه قبل الوقت وان علم بعدم تمكنه بعد الوقت و هذا بخلاف بعضها الاخر المشروط بمطلق القدرة كوجود الماء الذى هو مقدمة اعدادية فانه يستكشف من الرواية الصحيحة (1) الدالة على وجوب ابقائه قبل الوقت ان الشرط للوجوب انما هي القدرة المطلقة ولو قبل الوقت ولا ضمير في اختلاف القيود باختلاف ملاكاتها هذا كله غير المعرفة من سائر المقدمات واما المعرفة اعني بها تعلم الاحكام الشرعية ومتعلقاتها فلاوجه للاستدلال على لزومها بقاعدة (2) عدم منافاة الامتناع


1 - لا يخفى ان تمسك شيخنا الاستاد قدس سره في هذا المقام بوجود الرواية الصحيحة انما كان من باب الغفلة والاشتباه والافلم يرد في هذا الموضوع رواية صحيحة أو غير صحيحة ولقد اعترف هو قدس سره بذلك حين ما طالبناه بها والعصمة انما هي لاهلها وعلى ذلك فحكم اراقة الماء قبل دخول الوقت مع العلم بعدم التمكن منه بعده هو حكم ابطال الوضوء قبله مع العلم بعدم التمكن منه بعده 2 - التحقيق في هذا المقام هو ان تارك التعلم قبل الوقت قد يكون متمكنا من الامتثال واحرازه بعد الوقت وفى ظرف الواجب ولو كان ذلك بالاحتياط وقد يكون متمكنا من نفس الامتثال والاتيان بالواجب الا انه لا يكون متمكنا من احرازه وقد لا يكون متمكنا من الامتثال ايضا اما الشق الاول فلا يجب فيه التعلم قبل الوقت لفرض تمكن المكلف من الاتيان بالواجب و احرازه في ظرفه ولو بالاحتياط واما الشق الثاني فيجب فيه التعلم قبل مجيئ ظرف الواجب لكنه لا بملاك عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار إذ المفروض عدم امتناع الواجب بترك تعلم حكمه بل بملاك حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ضرورة انه مع احتمال ترك الواجب الفعلى المنجز على تقدير وجوده على ترك التعلم يحتمل العقاب فيستقل العقل بوجوب دفعه ولا يفرق في ذلك بين موارد دخل القدرة في ملاك التكليف باقسامه وعدم دخلها فيه كما هو ظاهر واما الشق الثالث وهو ما إذا كان ترك التعلم موجبا لامتناع الواجب في ظرفه اما لغفلة المكلف عنه أو لتوقف القدرة عليه على التعلم كما في الصلوة ونحوها مما يمتنع صدورها من غير من يتعلمها ولاسيما إذا لم يكن عارفا باللغة العربية فيجرى فيه ما يجرى في غيره من المقدمات التى يترتب على تركها فوت الواجب في ظرفه فيكون وجوبه بملاك قاعدة - (*)

[ 155 ]

بالاختيار للعقاب بداهة ان الواجب لا يكون غير مقدور بعدم تعلم حكمه ومن هنا اتفق الاصحاب على اشتراك التكاليف بين العالمين والجاهلين بها وما لم يخرج الواجب بترك تعلم حكمه عن تحت القدرة في ظرفه لا معنى للتمسك بذيل القاعدة في صحة العقاب على مخالفته وعلى ذلك فالتكليف يكون فعليا في ظرفه فيترتب العقاب على مخالفته بلا اشكال حتى في ما إذا كان الشرط هي القدرة عليه في زمانه لوجود الشرط في ظرفه على الفرض نعم الجهل عذر عقلي فلا يتنجز معه التكليف فيقبح العقاب لكونه بلا بيان فالعقاب عليه نظير العقاب على غير المقدور في كونه قبيحا لكن العقل انما يستقل بالقبح فيما إذا لم يكن هناك بيان اصلا بان لم يتمكن المكلف من الوصول إليه ابدا واما إذا تمكن منه في زمان فلا يستقل العقل بقبح العقاب على مخالفة التكليف وان لم يتمكن منه بعد ذلك الا إذا فرض دليل شرعى مخصص للحكم العقلي يدل على معذورية الجاهل ولو كان متمكنا من رفع جهلة في زمان فيختص التنجيز بمن حصل له البيان في ظرف الواجب اتفاقا وما لم يكن دليل كذلك يكون الحال فيه نظير ما إذا كانت القدرة شرطا عقلا فان العقل كما يستقل بقبح العقاب على غير المقدور من رأس لاعلى ما كان مقدور اولو باعداد اول مقدماته كذلك يستقل بقبح العقاب فيما إذا لم يتمكن المكلف من تحصيل البيان اصلا (وبالجملة) ان تفويت الواجب في ظرفه بعدم تحصيل مقدماته قبل وقته يترتب عليه استحقاق العقاب في الشقين الاولين مطلقا وفي الشق الثالث إذا كان بعد حصول شرط الوجوب واما الشق الاخير فلا يكون التفويت فيه موجبا لاستحقاق العقاب مطلقا وقد عرفت ان التوقف إذا كان دائميا أو غالبيا فقد يكون ذلك قرينة عقلية على صرف الدليل عن ظهوره في كون الشرط هي القدرة على الواجب في زمانه (هذا) في غير التعلم واما هو فيحرم تركه في تمام الشقوق مطلقا ولو كان ذلك قبل البلوغ إذا ترتب عليه فوت


- عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار ولازم ذلك ان لا يجب التعلم قبل الوقت في هذا الشق فيما إذا كانت القدرة في ظرف الواجب شرطا للوجوب ودخيلة في ملاكه وعليه فلا مناص في اثبات وجوبه في هذا الفرض من الالتزام بوجوبه النفسي كما التزم به المحقق الاردبيلى قدس سره والا فلا مقتضى لوجوبه اصلا (*)

[ 156 ]

الواجب في ظرفه لكونه مخالفة للتكليف الفعلى ولا يستقل العقل بعدم تنجزه بعد تمكن المكلف من تحصيل البيان ولو آناما (فتخلص) مما ذكرناه ان كل معدكل دخيلا في القدرة على الواجب في ظرفه ولو من جهة توقف العنوان والتقيد المأخوذ فيه عليه سواء كان دخله لتوقف حدوث القدرة عليه كالمسير إلى الحج والتحفظ على وجود الماء أو كان لتوقف بقاء القدرة عليه كعدم حمل الثقيل الموجب لزوال القدرة على القيام في وقت الصلوة (لابد) في مورده من حكم الشارع بوجوب تحصيل القدرة أو ابقائها قبل زمان الواجب اما مطلقا فيما إذا كانت القدرة شرطا للتكليف عقلااو كانت القدرة على اطلاقها شرطا له شرعا ودخيلة في ملاك الواجب واما بعد حصول شرط من شرايط الوجوب فيما إذا كانت القدرة بعده دخيلة في الملاك وشرطا للوجوب شرعا (وذلك) فان الملاك الملزم إذا فرض كونه تاما في ظرفه ولم يمكن استيفائه بخطاب واحد إذا المفروض عدم التمكن من امتثاله في ظرفه على تقدير عدم الاتيان بالمقد مة قبله فلابد للمولى من استيفائه بخطاب نفسي آخر يتعلق بالمقد مة حتى يكون متمما للجعل الاول وبما ان الجعل الثاني نشأ من شخص الملاك الناشئ منه الجعل الاول فيكون هو والجعل الاول في حكم خطاب واحد ويكون عصيانه موجبا لاستحقاق العقاب على ترك ما وجب بالجعل الاول في ظرفه فان الامتناع بالاختيار لا ينافي صحة العقاب كما عرفت فعدم كون الواجب مقدورا في ظرفه لا ينافي العقاب على تركه المنتهى إلى الاختيار مع فرض (1) خطاب آخر نفسي ناش من نفس ذاك الملاك بحيث يكون عصيانه عصيانا لذلك الخطاب من الان نعم لو فرضنا ان الملاك بحسب ظاهرا الخطاب يكون تابعا للقدرة الخاصة وهى القدرة في زمان الواجب فلا يمكن استكشاف خطاب آخر الا إذا كان التوقف دائميا أو غالبيا إذ حينئذ يكون نفس كون التوقف دائميا أو غالبيا مع كون الخطاب عاما قرينة على كون القدرة المطلقة أو المقيدة بما بعد حصول شرط الوجوب دخيلة في الملاك ويصرف بها ظاهر الخطاب لا محالة (هذا) في غير التعلم من المقدمات التى لها دخل في القدرة على الواجب ذاتا وقيدا أو عنوانا واما هو فحاله حال جميع الطرق في ان وجوبه طريقي


1 - قد عرفت ان مثل هذا الحكم العقلي لا يستتبع الحكم الشرعي فضلا عن ان تستند صحة العقاب إلى وجوده (*)

[ 157 ]

لتنجيز الواقع عند الاصابة ومخالفته لا توجب استحقاق العقاب الا إذا لزم منها مخالفة الواقع ان لم نلتزم بعقاب المتجرى والا فيترتب على مخالفته استحقاق العقاب صادف الواقع ام لم يصادف وقد عرفت ان التعلم غير دخيل في القدرة على الواجب اصلاو الفعل على ما هو عليه من كونه مقدورا في ظرفه والعقل حيثما احتمل تحقق العصيان في ظرفه بتركه التعلم مع احتماله البيان فهو لا محالة يحتمل العقاب فيستقل بوجوب دفعه اما بالتعلم أو بالاحتياط فوجوب التعلم ليس بملاك وجوب المقدمات المعدة التى يستلزم تركها عدم القدرة على الواجب في ظرفه بل هو بملاك آخر لا يبتنى على قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للعقاب اصلا وهو لزوم دفع الضرر المحتمل حيث ان المفروض مقدورية الواجب مثلا في ظرفه لعدم دخل معرفة الحكم في القدرة على فعله بالبداهة فيكون تركه عصيانا للتكليف الفعلى مع وجود البيان ولا اشكال في استتباعه للعقاب فاحتمال تكليف تمت الحجة عليه يوجب احتمال الضرر وجدانا فيجب دفعه عقلا (فالفرق) بين التعلم والمقدمات التى يستلزم تركها فوت الواجب في ظرفه بامرين (الاول) أن وجوب المقدمات من باب تتميم الجعل مقدمة لتحصيل القدرة أو ابقائها لا يكون الافيما كان الابتلاء بالواجب المتوقف عليها معلوما اوفى حكمه أو كان مما يبتلى به عادة هذا بخلاف التعلم فان وجوبه المتمم للجعل الاول على تقديره انما هو في مورد (1) احتمال التكليف احتمالا عقلائيا مطلقا ولا يتوقف على شيئ مما ذكركما سيظهر (الثاني) ان استحقاق العقاب في المقدمات يتحقق عند ترك المقدمات (2) لا محالة لخروج الواجب بعده عن القدرة بخلاف ترك التعلم فان


1 - قد عرفت ان ترك التعلم قبل الوقت إذا كان موجبا لعجز المكلف عن الامتثال في ظرفه فحكمه حكم غيره من المقدمات التى يترتب على تركها فوت الغرض في ظرفه و عليه فيبتنى الحكم بوجوبه في هذا الفرض بمجرد احتمال وجود التكليف على القول بوجوبه النفسي الطريقي كما هو ظاهر اد لته ولا يبقى معه مجال للتمسك باستصحاب عدم الابتلاء كما هو ظاهر 2 - ترك المقدمة قبل مجيئ وقت الواجب ووجوبه ولو فرض كونه موجبا لسلب القدرة عليه الا ان استحقاق العقاب انما يترتب على فوت الغرض في ظرفه فإذا فرضنا سقوط التكليف في ذلك الظرف بسبب آخر غير عدم القدرة على امتثاله فلا موجب للعقاب على ترك مقدمته الاعلى القول باستحقاق المتجرى له فلا فرق بين التعلم وغيره من هذه الجهة اصلا (*)

[ 158 ]

الاستحقاق يتبع عصيان الواجب في ظرفه فلولم يكن هناك عصيان اتفاقا فلا يترتب عليه استحقاق العقاب ايضا الاعلى القول باستحقاق المتجرى له فلا وجه لادراج التعلم في ضمن غيره مما يتوقف عليه القدرة على الواجب في ظرفه بعد اختلافها في ملاك الحكم بوجوبهما ثم ان وجوب التعلم وجوبا طريقيا كما عرفت فيما إذا علم المكلف أو اطمان بالابتلاء بالواقع في غاية الوضوح وكذا فيما كان الابتلاء به نوعيا كمسائل الشكوك و النسيان (واما) فيما كان الابتلاء به نادرا فربما يقال بجريان استصحاب عدم الابتلاء فيما بعد فلا يجب التعلم (والاستصحاب) كما يجرى في الامور الحالية يجرى في الامور المستقبلة ايضا لعموم ادلته ولكنه لا يخفى ان جريان الاستصحاب في الامور المستقبلة وان كان هو الصحيح خلافا لصاحب الجواهر (قده) الا انه يتوقف على كون الواقع المشكوك فيه اثرا اوذا اثر شرعى حتى يتعبد به في ظرف الشك واما اذالم يكن هناك اثر شرعي أو كان الاثر مترتبا على نفس الشك المحرز وجدانا فلا معنى للتعبد في مورده وما نحن فيه من هذا القبيل فان وجوب دفع الضرر المحتمل مترتب على نفس احتمال الابتلاء المحرز وجدانا وليس لواقع الابتلاء بالواقع اثر شرعى حتى يدفع احتماله بالاصل فلا يبقى مجال لجريان استصحاب عدم الابتلاء بالواقع (وبالجملة) حكم العقل بوجوب التعلم بملاك دفع العقاب المحتمل يستوى فيه موارد الابتلاء عادة والقطع أو ما في حكمه بالابتلاء والاحتمال العقلائي فحكم العقل في الجميع واحد طريقي كما انه ربما يكون له في تمام الموارد حكم واحد واقعى نظير استقلاله بقبح التشريع والكذب حيث انه لا يفرق فيه بين العلم بالمخالفة والشك في ذلك والحكم في الجميع بملاك واحد (نعم) قد يكون له في بعض الموارد حكمان واقعى وطريقي نظير استقلاله بقبح التصرف في اموال الغير واقعا وبقبح التصرف في المشكوك طريقا لئلا يقع في محذور المخالفة وما نحن فيه ليس من هذه القبيل بل حكمه طريقي في تمام الموارد ناش من ملاك واحد وهو دفع العقاب المحتمل كما عرفت ثم ان الشيخ الانصاري (قده) على مافى رسالته العملية حكم بفسق تارك تعلم مسائل الشك والسهو فيما يبتلى به عامة المكلفين وهو (اما) مبتن على اختياره لمذهب

[ 159 ]

المحقق الارد بيلى (قده) من كون وجوب التعلم نفسيا موجبا للعقاب على تركه (أو) على كون التجرى موجبا للفسق وان لم يكن موجبا للعقاب (أو) على التفكيك بين مسائل الشك والسهو وبين غيرها من جهة قضاء العادة باستلزام ترك التعلم فيما يكثر الابتلاء به كما هو المفروض في المقام لمخالقه الواقع (اما الاول) فهو (قده) غير ملتزم به بل ذهب إلى كون وجوب التعلم طريقيا كما هو الظاهر من صدر الرواية الدالة على وجوب التعلم وعلى ان العقاب على الواقع (واما الثاني) فالالتزام به بعيد (1) في نفسه والظاهر انه (قده) غير ملتزم به ايضا (واما الثالث) فالالتزام به ابعد لفرض كون الوجوب طريقيا فالاولى ان تحمل العبارة على اشتباه جامع فتاواه في الرسالة (خاتمة) ذكر بعضهم ان ماكان شرطا للوجوب فهو لا محالة يكون شرطا للواجب ايضا وليس المراد منه ان شرط الوجوب من قيود المأمور به بداهة ان شرط الوجوب لا يمكن تعلق التكليف به بخلاف قيد المأمور به (2) فانه لابد وان يقع تحت التكليف كما مرفكيف يمكن ان يكون شرط احدهما شرطا للاخر مع كمال المنافاة بينهما كما انه ليس المراد منه ان ماكان شرطا للوجوب لابد وان يقع المأمور به حينه بداهة انه يمكن ان يكون شرط وجوب اكرام زيد يوم الجمعة مجيئه قبل يوم الجمعة بمدة (بل) المراد (3) منه ان ماكان شرط الوجوب واخذ مفروض الوجود حين الخطاب لابد وان يتأخر الواجب عنه ايضا مثلا إذا كانت الاستطاعة شرطا لوجوب


1 - لابعد في ذلك بعد كشف التجرى عن عدم ملكة العدالة ضرورة ان مصادفة الواقع وعدمها اجنبية عمافى نفس المتجرى من عدم وجود الملكة فيها هذا وقد عرفت انه لابد من القول بوجوب التعلم نفسيا طريقيا فيكون مخالفته مخالفة للواجب النفسي فلا اشكال 2 - قد عرفت فيما تقدم قيود المأمور به لا تكون متعلقة الوجوب النفسي المتعلق بالمقيد ابدا سواء في ذلك القيد الاختياري وغيره وان الفرق بين كون القيد قيدا للواجب وكونه قيدا للوجوب هو ان قيد الواجب ما اخذ التقيد به في حين الطلب كما ان قيد الوجوب هو ما يتوقف فعلية الوجوب عليه ولو كان ذلك شرطا متأخرا وهما قد يجتمعان وقد يفترقان 3 - هذا لايتم في الشروط المتأخرة فان الوجوب في مواردها فعلى قبل تحقق الشرط * (*)

[ 160 ]

الحج فلا يعقل ان يكون الحج المطلق الاعم من وجود الاستطاعة وعدمها واجبا لفرض تقيد وجوبه بوجودها ومنه علم ان تقييد للوجوب لا يستلزم تقييد الواجب لانه غير قابل للا طلاق من هذه الجهة عقلا وقد عرفت ان الاطلاق والتقييد متقابلان بتقابل العدم و الملكة فإذا لم يمكن احدهما لا يمكن الاخر وعليه فتقييد الوجوب يستلزم بطلان اطلاق الواجب ويوجب خروجه عن قابلية الاطلاق والتقييد ومنه يعلم ايضا ان ما اقاده بعض المحققين (قده) عند الشك في رجوع القيد إلى الوجوب أو الواجب من دوران الامر بين التقييدين أو التقييد الواحد في غير محله (واما) ما افاده العلامة الانصاري (قده) من الوجهين لمتعيين رجوع القيد إلى الواجب دون الواجب فمحط كلامه قده ليس هي موارد وجود القرينة المتصلة قطعا كما توهمه الحقق صاحب الكفاية (قده) بداهة (1) ان الكلام لو كان مكتنفا بما يحتمل كونه قرينة لسقط عن الظهور رأساو غرض الشيخ (قده) انما هو بيان المعارضة بين الظهورين وتقديم احدهما على الاخر لمرجح فالكلام متمحض في القرينة المنفصلة وتوضيح المقام انما هو بذكر ما افاده (قده) ونقضه وإبرامه (فنقول) حاصل ما افاده في الوجه الاول هو ان اطلاق الهيئة شمولي بداهة ان مفاده هو ثبوت الوجوب على كل تقدير يمكن ان يكون تقدير إليه بخلاف اطلاق المادة فانه بدلى ومعناه طلب فرد ما من افراد الطبيعة أي فرد كان لاكل فرد وإذا دار الامر بينهما فالاطلاق المبد لى


* على الغرض فلابعد في ان يكون مراد ذلك البعض هو أو وجوب الواجب إذا كان مشروطا بشئ فوقوع الواجب في الخارج على صفة المطلوبية يتوقف على تحققه في ظرفه لا محالة وعلى ذلك يترتب ان تقييد الوجوب بشئ يستلزم تقييد الواجب به بهذا المعنى بالضرورة فان استحالة الاطلاق تستلزم ضرورة التقييد كما عرفت نظيره فيما تقدم نعم تقييد الواجب بالمعنى المقصود وهو كون التقيد به داخلا في المأمور به اجنبي عن تقييد الوجوب به وعدمه ودوران الامر بين رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ورجوعه إلى المادة بهذا المعنى لا يقتضى الا رفع اليد عن احد الاطلاقين من دون ان يكون احد التقييدين مستلزما للتقييد الاخر 1 - سيجئى منه قدس سره تسرية الحكم إلى موارد القرينة المتصلة ايضا وان محل الكلام خراج عن موارد احتفاف الكلام بما يحتمل كونه قرينة فلا تغفل (*)

[ 161 ]

اولى برفع اليد عنه وابقاء الاطلاق الشمولى على حاله لكونه اظهر وعليه بنى (قده) تقديم الاطلاق الشمولى في مثل لا تكرم فاسقا على الاطلاق البدلى في مثل اكرم عالما في باب التعارض (واورد) عليه المحقق صاحب الكفاية (قده) في كلا المقامين بأن الاطلاق إذا كان بمقدمات الحكمة فلا يمكن تقديم احدهما على الآخر بمجرد كونه شموليا والآخر بدليا نعم لو كان احدهما بالوضع والآخر بمقدمات الحكمة لقدم ماكان بالوضع بلا كلام لكونه صالحا لان يكون قرينة على الآخر دون العكس (والتحقيق) (1) ان ما ذهب إليه المحقق الانصاري (قده) من تقديم الاطلاق الشمولى على الاطلاق البدلى هو الاقوى فان تقديم الاطلاق البدلى يقتضى رفع اليد عن الاطلاق الشمولى في بعض مدلوله وهى حرمة اكرم العالم الفاسق في مفروض المثال بخلاف تقديم الاطلاق الشمولى فانه لا يقتضى رفع اليد عن مدلول الاطلاق البدلى اصلا فان المفروض انه الواحد على البدل وهو محفوظ لا محالة غاية الامر ان دائرة كانت وسيعة


1 - التحقيق ان مجرد كون الاطلاق شموليا لا يوجب تقدمه على الاطلاق البدلى في مقام المعارضة فان ما افيد من الوجوه الثلثة لتقدم الشمولى كلها غير صحيحة اما الوجه الاول فيرد عليه ان الحكم الالزامي في مورد الاطلاق البدلى وان كان واحدا متعلقا بالواحد على البدل الا ان لازم اطلاقه هو ترخيص تطبيق المأمور به على كل فرد من افراد الطبيعة المأمور بها وهذه الدلالة الالتزامية تستتبع احكاما ترخيصية شمولية ومقتضى تقديم الاطلاق الشمولى هو رفع اليد عن بعض مدلول الاطلاق البدلى لا محالة واما الوجه الثاني فيرد عليه ان التخيير في موارد الاطلاق البدلى ليس عقليا بل هو شرعى مستفاد من عدم تقييد المولى متعلق امره بقيد خاص ولذا لو شك في تعين بعض الافراد لاحتمال اقوائية الملاك فيه لكان المتعين فيه هو الرجوع إلى الاطلاق مع ان تساوى الافراد في الوفاء بالغرض غير محرز وجدانا بل الاطلاق بنفسه يوجب احراز التساوى المزبور على ذلك فالاطلاق البدلى المقتضى لتخيير الملكف في الاتيان باى فرد من افراد الطبيعة شاء يعارض الاطلاق الشمولى المانع عن ايجاد مورد الاجتماع فلاوجه لتقدم الشمولى على البدلى ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثالث وعلى ما ذكره يترتب عدم جواز التمسك بشيئ من الاطلاقين في المقام فيما إذا كان دليل التقييد منفصلا وعدم انعقاد الظهور لشيئ منهما فيما إذا كان متصلا (*)

[ 162 ]

فصارت ضيقة وببيان آخر يحتاج الاطلاق البدلى زائدا على كون المولى في مقام البيان وعدم نصب القرينة على الخلاف إلى احراز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض حتى يحكم العقل بالتخيير بخلاف الاطلاق الشمولى فانه لا يحتاج إلى أزيد من ورود النهى على الطبيعة غير المقيدة فيسرى الحكم إلى الافراد قهرا فمع وجود الاطلاق الشمولى لا يحرز العقل تساوى الافراد من حيث الوفاء بالغرض فيكون الاطلاق الشمولى الشمولى حاكما على الاطلاق البدلى من حيث دليليته وحجيته وان كان ظهوره منعقدا في حد نقسه لفرض كون القرينة منفصلة وبالجملة تتوقف حجية الاطلاق البدلى على عدم المانع في بعض الاطراف عن التخيير العقلي والاطلاق الشمولى صالح للمانعية فلو توقف عدم صلاحيته للمانعية على وجود الاطلاق البدلى لدار (هذا) في القرينة المنفصلة (واما) في المتصلة فيكون الاطلاق الشمولى رافعا للظهور في البدلى ويكون واردا عليه ولاجل ما ذكرنا يقدم العام الوضعي (1) على الاطلاق الشمولى مع


1 - العموم الوضعي وان كان يتقدم على الاطلاق الشمولى الا ان سبب ذلك هو ما حققناه في محله من ان سراية الحكم إلى جميع الافراد في موارد العموم الوضعي لا تحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة فانه على ذلك يكون العام بنفسه صالحا لان يكون قرينة على التقييد فيمنع من انعقاد الظهور في الاطلاق إذا كان متصلا ويتقدم عليه فيما إذا كان منفصلا و اما بناء على مختار شيخنا الاستاد قدس سره من احتياجها إلى جريان مقدمات الحكمة فلا موجب المتقدم اصلا وما افيد في المتن من توقف قابلية سريان المطلق إلى جميع افراده على جريان مقدمات الحكمة فهو من باب كبوة الجواد ضرورة ان القابلية المزبورة من اللوازم الذاتية للطبيعة والمتوقف على جريان المقد مات انما هي فعلية السريان لا قابليته فإذا فرض احتياج السراية في طرف العام إلى جريان المقدمات ايضا فلا يبقى وجه المتقدم اصلا وان شئت قلت ان لازم لحاظ الطبيعة غير مقيدة بقيد هو سريان الحكم الثابت لها إلى جميع افرادها عقلا كما ان لازم العموم المستفاد من اللفظ هو ذلك ايضا وبما انه لا يمكن ان يكون العموم قرينة على التخصيص في هذا الحكم العقلي ولاوجه لرفع اليد عن الظهور اللفظى بلا موجب فلابد من التصرف اما في مدخول اداة العموم وتقييده مع ابقاء العموم على حاله اوفى المطلق بتقييده وتضييق دائرة موضوع الحكم العقلي فإذا فرضنا ان الاطلاق في كل منهما يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة فلا وجه لتقديم احدهما على الاخر بلا موجب فينحصر وجه التقديم بما ذكرناه من ان اداة العموم هي بنفسها تكشف عن ملاحظة مدخولها مطلقا وغير مقيد بلا احتياج إلى جريان مقدمات الحكمة فانه عليه - (*)

[ 163 ]

ان العام من جهة تعيين مدخوله وانه ليس الا نفس الماهية من دون اخذ قيد فيه يحتاج إلى مقدمات الحكمة بداهة ان الفاظ العموم لم توضع الالتعميم مدخوله من حيث هو فهى غير متكفلة لبيان حال مدخوله (والسر) في التقديم مع ان كلامنهما يحتاج إلى مقدمات الحكمة هو أن مقدمات الحكمة في طرف الاطلاق بعد جريانها تعطى قابلية السريان للمطلق إلى جميع افراده وهذه القابلية المتوقفة على جريان المقدمات في طرف المطلق فعلية في طرف العام من جهة الوضع فالعام بنفسه يصلح بيانا للمطلق دون العكس والا لدار وبعبارة اخرى ان شمول المطلق لجميع افراده انما هو بجريان مقدمات الحكمة بخلافه في طرف العام فانه بعد فرض ان الطبيعة المدخولة لاداة العموم في اكرم كل عالم غير مقيدة بقيد بل هي نفس الطبيعة المهملة (1) يكون السريان إلى جميع الافراد بنفس اداة العموم ولا يتوقف على شيئ آخر كما كان متوقفا عليه في طرف المطلق (هذا) ولكن لا يخفى ان ذلك وان كان صحيحا في نفسه الا انه لاربط له بالمقام بداهة انه لا تعارض في المقام بين الاطلا قين يفى حد انفسهما حتى يقال بكون احدهما اقوى من الآخر لحكومته عليه بل التعارض لامر خارجي وهو العلم الاجمالي بعروض التقييد على احدهما ولايكون اقوائية احدهما موجبة لارجاع القيد إلى الاخر بل لو فرضنا حصول العلم الاجمالي بعروض تقييد لعام وضعي أو مطلق بدلى لما كان هناك مجال للقول برجوع القيد إلى المطلق البدلى لضعفه


- يتقدم العام على المطلق المحتاج في اثبات لحاظه كذلك إلى جريان المقدمات ولعل ما ذكرناه هو مراد شيخنا العلامة الانصاري قدس سره حيث عبر عن دلالة العام بانها تنجيزية وعن دلالة المطلق بانها تعليقية 1 - الطبيعة المهملة هي الجهة الجامعة بين المطلقة والمقيدة فلا بد في اثبات عدم لحاظ القيد في المدخول اما من جريان مقدمات الحكمة فالمعارضة باقية بحالها كما عرفت واما من دعوى ان نفس اداة العموم تكشف عن ذلك فلا حاجة إلى جريان مقدمات الحكمة والجمع بين القول بتقدم العام على المطلق والقول باحتياج اثبات الاطلاق في مدخول اداة العموم الى جريان المقدمات لا يمكن اصلا (*)

[ 164 ]

والحاصل ان الاقوائية انما تفيد في مقام معارضة الد ليلين في حد ذاتيهما لافى مقام العلم الاجمالي بطر والتقييد على احدهما تساوى نسبة العلم الاجمالي بالاضافة إلى كليهما فالمسألة المبحوث عنها في باب التعادل والتراجيح من دوران الامر بين تقييد المطلق الشمولى أو البدلى اجنبية عما نحن فيه بالكلية واما الوجه الثاني الذى افاده (قده) فحاصله (1) ان تقييد الهيئة وان لم يكن ملازما لتقييد المادة كما افاده المحقق صاحب الحاشية (قده) الا انه موجب لبطلان محل الاطلاق فيها ولافرق في مخالفة الاصل بين تقييد المطلق وعمل يشترك مع تقييده في النتيجة وهو بطلان العمل بالاطلاق وهذا الوجه لا نعقل له معنى صحيحا إذا اللازم عند العقلاء هو العمل على طبق المطلق بعد تمامية اطلاقه لاجعل الشيئ مطلقا وعدم ارتكاب عمل يلزم منه عدم تمامية الاطلاق (والتحقيق ان يقال) ان الكلام وان كان في التقييد المنفصل كما عرفت والمفروض انعقاد الظهور للهيئة والمادة في الاطلاق الا ان القدر المتيقن الذى نعلمه من التقييد هو ان المادة مع عدم القيد لا اثر لها اما لعدم وجوبها أو لفقدان قيدها واما تقييد المادة بمعنى لزوم تحصيل قيدها ايضا فهو ليس بمتيقن بل طرف الاحتمال فان الامر يدور بين ان يكون القيد لها فيجب تحصيله وان يكون قيدا للهيئة فلا يجب تحصيله وليس في البين من هذه الجهة قدر متيقن اصلا والاطلاق في كل منهما معارض بمثله في الآخر بعد العلم الاجمالي بتقييد احدهما فيرجع الامر إلى الاصل العملي وهى البراءة في المقام بداهة انه قبل حصول القيد يشك في وجوب العمل وتحصيل قيده ومقتضى البراءة هو عدم الوجوب واما بعد حصول القيد كالاستطاعة فلا اشكال في الوجوب على كل تقدير كان القيد قيد اللهيئة أو المادة (هذا) ولكن الانصاف ان ما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية (قده) في محله وان كان تعبيره بدوران الامر بين تقييد وتقييدين في غير محله (بيان ذلك)


1 - قد ظهر مما مران تقييد الهيئة كما انه لا يستلزم تقييد المادة كذلك لا يستلزم بطلان محل الاطلاق فيما وان تقييد المادة لا يستلزم تعلق الامر المتعلق بالمقيد بقيده سواء كان القيد اختياريا أو غير اختياري وعليه فلاوجه لما افاده العلامة الانصاري ولا لما اورده عليه شيخنا الاستاد قدس سره هما في المقام (*)

[ 165 ]

ان الشك في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة أو المادة اما ان يفرض في موارد التقييد بالمتصل واما ان يفرض في موارد التقييد بالمنفصل (اما الشك في موارد التقييد بالمتصل) فاللازم فيه ارجاع القيد إلى نفس المادة لوجهين (الاول) ان رجوع القيد إلى الماده ولو كان ذلك في ضمن رجوعه إلى المادة بما انها منتسبة ومعروضة للنسبة الطلبية متيقن (1) على كل حال وانما الشك في رجوعه إليها بعد الانتساب وبما انه يحتاج إلى بيان اكثر من ذكر نفس القيد فالشك فيه يدفع بالاطلاق ومن هنا يعلم ان ما نحن فيه ليس من قبيل احتفاف الكلام بما يحتمل كونه قرينة الموجب لعدم انعقاد الظهور بداهة انه انما يكون كذلك فيما إذا لم يكن التقييد محتاجا إلى مؤنة اخرى مدفوعة بالاطلاق كما في اجمال القيد مفهوما وكما في تعقب الجمل المتعددة بالاستثناء وغير ذلك من الموارد التى لو اتكل المتكلم فيها على ما ذكره في مقام البيان لكفاه واما فيما نحن فيه فحيث ان القدر المتيقن موجود في البين والمفروض ان احتمال رجوع القيد إلى المادة المنتسبة يدفعه الاطلاق فلا يمكن للمولى ان يكتفى بما ذكره من القيد لو كان مراده تقييد المادة المنتسبة (الوجه الثاني) ان القيد إذا كان راجعا إلى المادة بعد الانتساب فلابد وان يؤخذ مفروض الوجود (2) كما هو شأن كل واجب مشروط


1 - يرد عليه مضافا إلى ما عرفت من انه لا معنى لرجوع القيد إلى للمادة المنتسبة ان المتيقن في المقام انما هو رجوع القيد الى ذات المادة الجامعة بين رجوعه إليها بعد الانتساب ورجوعه إليها قبله واما رجوعه إليها قبل الانتساب فهو كرجوعه إليها بعد الانتساب مشكوك فيه و ليس شيئ منهما متيقنا اصلا ضرورة ان ارجاع القيد إلى المادة في موارد كون الوجوب مشروطا يباين نحو رجوعه إليها في موارد كونه مطلقا فكيف يمكن ان يقال ان في فرض دوران الامر بينهما يكون احدهما متيقنا والاخر مشكوكا فيه وعلى ذلك يترتب ان الشك المزبور إذا كان ناشئا عن وجود القرينة المتصلة فلا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق اصلا واما إذا كان ناشئا عن وجود القرينة المنفصلة فالكلام وان انعقد له الظهور في الاطلاق من الجهتين الا انه يسقط كلاهما عن الحجية لعدم وجود الترجيح في البين 2 - اخذ القيد مفروض الوجود وان كان لابد منه فيما إذا رجع القيد إلى مفاد الهيئة أو إلى المادة المنتسبة الا ان رجوعه إلى المادة يقتضى تعلق الوجوب بتقييد المادة به كما عرفت وهذه ايضا عناية زائدة تحتاج إلى بيان اكثر من ذكر القيد وبالجملة تباين لحاظ القيد حال كونه قيدا للوجوب مع لحاظه حال كونه قيدا للوجوب يمنع من كون احدهما قدرا متيقنا في البين كما هو ظاهر (*)

[ 166 ]

بالاضافة إلى شرطه وبما ان اخذ القيد مفروض الوجود في مقام الخطاب يحتاج إلى بيان اكثر من ذكر القيد والمفروض عدمه فيدفع احتمال ذلك باطلاق القيد في انه لم يلحظ كذلك والفرق بين الوجهين انه يدفع احتمال رجوع القيد إلى مفاد الهيئة في الاول باطلاق المادة المنتسبة وفى الثاني باطلاق نفس القيد هذا ولا يخفى انه لا مورد للشك في رجوع القيد إلى المادة بنفسها أو بعد الانتساب بداهة ان الملابسات كلها ظاهرة في كونها قيود اللمادة بنفسها حتى الحال لظهور انه مع عدم القرينة الخاصة فظاهره ايضا رجوعه إلى نفس المادة كما في صل متطهر أو عليه فيسقط النزاع في القرينة المتصلة رأسا (واما الثاني) وهوما إذا كان الشك في موارد التقييد بالمنفصل فالحال فيه لا تخلو من ان تكون القرينة المنفصلة المفروضة لفظية اولبية اما إذا كانت لفظية فحالها حال المتصلة (1) بل الامر فيها اوضح لعدم جريان شبهة احتفاف الكلام بما يمكن ان يكون قرينة لان المفروض انعقاد الظهور واما إذا كانت لبية من اجماع ونحوه فيجرى فيه الوجهان المذكوران لدفع الشك في رجوع القيد إلى المادة المنتسبة باطلاق المادة اوباطلاق القيد نعم ما ذكرناه اخيرا من استظهار رجوع القيد الى نفس المادة في جميع الملابسات لا يجرى في القرينة اللبية كما هو ظاهر (فتخلص) مما ذكرناه انه إذا شك في رجوع القيد إلى الواجب أو الوجوب فالاطلاق يقتضى رجوعه إلى الواجب إذا كان المولى في مقام البيان وقد تمت مقدمات الحكمة والا فمقتضى القاعدة هي البراءة عن وجوب تحصيل القيد فيكون النتيجة هو تقييد الوجوب لا الواجب المبحث الرابع في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري الواجب ينقسم إلى نفسي وغيري والمشهور في تعريفهما ان الواجب النفسي هو الواجب لا لاجل واجب آخر والواجب الغيرى ما وجب لواجب آخر (واورد عليه) بان لازمه ان يكون جل الواجبات غيرية بداهة انها انما وجبت لما يترتب عليها من المصالح اللازم تحصيلها ولولاه لم تكن واجبة ومن ثم عدل المحقق صاحب الكفاية


1 - قد ظهر الحال في القرينة المتصلة والمنفصلة مما تقدم (*)

[ 167 ]

(قده) عن هذا التعريف وذهب إلى ان ايجاب الفعل إذا كان منشأه حسن الفعل في حد ذاته فالواجب نفسي ولو فرض كونه مقدمة لما يلزم تحصيله ايضا واما إذا كان منشأه مقدمية الفعل لواجب آخر فالواجب غيرى ولو فرض كونه مع ذلك مشتملا على الحسن الذاتي كما هو الحال في الطهارات الثلاث (والتحقيق) عدم صحة الاشكال في نفسه و عدم صحة ما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) (اما الاول) فلما ذكرنا سابقا من ان الافعال بالاضافة إلى ما يترتب عليها المصالح من قبيل المعدات (1) التى يتوسط بينها وبين المعلول امور غير اختيارية فلا يمكن الارادة التكوينية بها فكذلك التشريعية لما بينا من الملازمة بينهما امكانا وامتناعا فهى من قبيل الدواعى لتعلق الارادة بالافعال لا انها بانفسها تحت التكلف حتى يكون الامر المتعلق بالافعال مترشحا من الامر المتعلق بها وما قيل من انها مقدورة بالواسطة ولافرق في القدرة بين ان تكون بلا واسطة وان تكون بالواسطة قد عرفت ما فيه من انه انما يتم في الافعال التوليدية لافى العلل المعدة (واما الثاني) فلان حسن الافعال المقتضى لايجابها ان كان ناشئا من كونها مقدمة لما يترتب عليها من المصالح فاشكال لزوم كون جل الواجبات واجبات غيرية قد


1 - لا يخفى ان فعل الواجب بالقياس إلى الغرض الاقصى المترتب عليه وان كان من قبيل العلل المعدة الغرض خارجا عن تحت اختيار المكلف وقدرته الا انه بالقياس الى ما يترتب عليه بلا تخلف وهى جهة الاعداد لحصول ذلك الغرض من قبيل الاسباب الى مسبباتها مثلا الغرض الاقصى الداعي إلى الامر بزرع الحب وهو تحصيل النتاج وان كان خارجا عن اختيار المكلف الا ان الغرض المترتب على الزرع من غير تخلف وهو اعداد المحل للانتاج مقدور للمكلف بالقدرة على سببه لا محالة وبما ان المفروض في تعريف الواجب الغيرى قدبقى على حاله والتحقيق في الجواب ان يقال انه إذا بنينا على خروج الاسباب عن حريم النزاع في بحث مقدمة الواجب بدعوى ان الوجوب النفسي المتعلق بالمسبب يتعلق بعينه بالسبب فالاشكال مرتفع من اصله فانه بناء عليه يكون فعل الواجب متعلقا للوجوب النفسي لا محالة واما بناء على عدم تعلق الوجوب النفسي الثابت للمسبب بسببه فالوجه في عدم كون وجوب الواجبات باجمعها غيريا هو امن الاغراض المترتبة على الواجبات وان كانت لزومية ومقدورة للمكلف بالقدرة على اسبابها الا انها غير قابلة لتعلق التكليف بها لما عرفت من ان متعلق التكليف لابد وان يكون امرا عرفيا قابلا لان يقع - (*)

[ 168 ]

بقى على حاله وان كان الحسن ثابتا لها في حد ذواتها مع قطع النظر عن ما يترتب عليها من المصالح فلازمه (1) ان لا يكون الوجوب المتعلق بها متمحضا في النفسية ولافى الغيرية لثوبت ملاكهما حينئذ كما في افعال الحج فان المتقدم منها واجب لنفسه ومقدمة للمتأخر فلا يكون وقع للتقسيم حيئنذ اصلا (نعم) يرد على تعريف المشهور النقض بوجوب المقدمات التى يترتب على تركها فوت الواجب في ظرفه فانه داخل في تعريف الوجوب الغيرى على تعريف المشهور مع أنه من اقسام الوجوب النفسي (فالاولى) ان يقال ان الوجوب النفسي ماكان وجوبه غير مترشح من وجوب آخر بخلاف الوجوب الغيرى فانه هو الوجوب الذى يترشح من وجوب آخر فلا اشكال (ثم انه) إذا شك في واجب أنه نفسي أو غيرى فقد افاد صاحب التقريرات (قده) عدم امكان التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب نفسيا لان مفاد الهيئة جزئي غير قابل للتقييد حتى يمكن التمسك باطلاقه (واشكل عليه) المحقق صاحب الكفاية (قده) بأن مفاد الهيئة ليس الا مفهوم الطلب وهو المنشأ ومن البديهى امكان تقييده واما الطلب الحقيقي فهو وان كان جزئيا الا انه غير قابل للانشاء حتى يمكن اطلاقه أو تقييده فتسرية احكام الحقيقة إلى المفهوم من باب اشتباه المفهوم بالمصداق (وانت) خبير بفساد اصل الاستدلال والاشكال عليه (اما فساد الاشكال) فلما ذكرنا سابقا من أن المفهوم الاسمى القابل لا يكون محمولا ومحمولا عليه غير قابل للانشاء (2) وأن المنشأ ليس الا النسبة الايقاعية (نعم) انشاء النسبة مصداق للطلب فانه عبارة عن التصدى نحو المراد والانشاء ايضا نحو من التصدى فالانشاء بنفسه مصداق للطلب لان المنشأ هو مفهومه فالخلط


- في حيز الخطاب حسب انظار عرف العامة ومن الواضح ان الاغراض المترتبة على الواجبات ليست كذلك فلا مناص عن تعلق الوجوب النفسي بنفس الافعال دون الاغراض المترتبة عليها فيصدق انها واجبة لا لوجوب امر آخر فلا اشكال 1 - مضافا إلى كون جميع الواجبات الشرعية حسنة في ذواتها مع قطع النظر عما يترتب عليها من المصالح ليكون وجوبها ناشئا من حسنها الذاتي مما يقطع بعدمه فلا مجال لما اختاره صاحب الكفاية قدس سره اصلا 2 - تقدم الكلام في تحقيق معنى الانشاء وفى ان المعاني الحرفية قابلة لورد الاطلاق والتقييد عليها فراجع (*)

[ 169 ]

بين المفهوم والمصداق منه (قده) (واما فساد) اصل الاستدلال فلان مفاد الهيئة وان لم يكن قابلا للاطلاق والتقييد حتى على القول بعموم الموضوع له والمستعمل فيه لانه معنى حرفي وملحوظ آلى والاطلاق والتقييد من شؤن المفاهيم الاستقلالية كما اوضحناه في مبحث المشروط والمطلق الا أنه لااشكال في وجود الواجب الغيرى في الاحكام الشرعية وغيرها ولم ينسب احد إلى الشيخ (قده) انكاره وان نسب إليه (قده) انكار المشروط على خلاف الواقع وعليه فيمكن استكشاف كون الواجب غيريا من احد وجهين (احدهما) تقييد الواجب النفسي بقيد في مقام الطلب كما في قولنا صل عن طهارة فيستكشف منه مطلوبية الطهارة بالطلب الغيرى (وثانيهما) تقييد وجوبه بوجوب ذى المقدمة كما في الاية المباركة (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا - الاية) فانه يستكشف منها ان الغسل مطلوب مقدمة للصلاة ومطلوبية مقيدة بمطلوبية الصلاة والتقييد حيث لا يمكن ان يرجع إلى مفاد الهيئة فلابد وان يرجع إلى نتيجة الجملة وهو وجوب الغسل أو إلى المادة المنتسبة كما في كل واجب مشورط والفرق بين الوجهين ان التقييد في الوجه الاول كان راجعا إلى المعنى الافرادى وفى الوجه الثاني كان راجعا إلى المعنى التركيبي المتحصل من الجملة وعلى كل تقدير فإذا شك في التقييد فيرجع إلى الاطلاق اما إلى اطلاق المعنى الافرادى اوالى اطلاق المعنى التركيبي فيستكشف عدم تقييد الصلاة بالطهارة وعدم تقييد وجوب الطهارة بوجوب الصلاة كما في كل مورد شك فيه في اطلاق الوجوب واشتراطه (ثم انه) لو كان لاحد الدليلين اطلاق دون الاخر فيتمسك به لنفى كلا التقييدين احدهما بالمطابقة والآخر بالملازمة واصالة الاطلاق لكونها من الاصول اللفظية لا يفرق فيها بين المثبت وغيره (هذا) فيما إذا كان هناك اطلاق وقد تمت معه مقدمات الحكمة واما فيما إذا لم يكن ذلك فالمرجع فيه هو الاصل العملي وهو يختلف باختلاف الموارد (توضيح ذلك) ان الشك في كون الواجب نفسيا أو غير يايمكن ان يقع على وجهين (الاول) ان يعلم معه بتعلق الوجوب النفسي بما يشك في تقييده بما علم وجوبه مرددا بين كونه نفسيا وغيريا (الثاني) ان لا يعلم الا وجوب ما يحتمل كونه نفسيا أو غيريا مع احتمال ان يكون في الواقع واجب آخر مقيد بما علم وجوبه في الجملة ثم ان الوجه الاول قد

[ 170 ]

يعلم فيه تماثل الوجوبين المفروضين من جهة الاطلاق والاشتراط بشيئ كما إذا علم اشتراط كل من وجوبي الطهارة والصلوة بدخول الوقت أو علم اطلاق كل منهما بالقياس إليه وقد لا يعلم ذلك وانما يعلم اشتراط وجوب الواجب المفروض كونه نفسيا بشيئ واما الواجب الاخر المجهول حاله فيحتمل فيه كل من الاطلاق والاشتراط من جهة الشك في كون وجوبه نفسيا أو غيريا وهذا كما إذا احتملنا في المثال المتقدم ان يكون وجوب الطهارة مطلقا بالقياس إلى دخول الوقت المشروط به وجوب الصلوة قطعا فهناك صور (اما الصورة الاولى) وهى ما علم فيه تماثل الوجوبين فالشك فيها متمحض في خصوص تقييد متعلق ما علم كونه نفسيا بالواجب الآخر فتجرى البرائة (1) عن التقييد ويثبت بذلك نتيجة الاطلاق ففى مفروض المثال يكون المكلف مخيرا بين الاتيان بالصلوة قبل الطهارة والاتيان بها بعدها (واما الصورة الثانية) وهى ما علم فيه اشتراط خصوص الوجوب المعلوم كونه نفسيا فالشك فيها من جهة تقيد ما علم كونه نفسيا بالآخر يكون مجرى للبرائة كما ان الشك فيها من جهة الشك في الوجوب النفسي قبل حصول ما هو شرط للوجوب الآخر مجرى للبرائة (2) ايضا فتكون النتيجة


1 - لا يخفى ان اجراء البرائة عن تقييد الصلوة بالوضوء في مفروض المثال معارض بجريان البرائة عن الوجوب النفسي المحتمل ثبوته للوضوء فان القدر المعلوم ثبوته انما هو اصل تعلق الوجوب بالوضوء واما خصوص كونه نفسيا أو غيريا فهو مجهول لكن العلم الاجمالي بثبوت احدى الخصوصيتين يمنع من جريان اصالة البرائة في كل منهما فاللازم هو الاحتياط والاتيان بالصلوة مع الطهارة في مفروض المثال فيكون النتيجة نتيجة الوجوب الغيرى لا النفى 2 - إذا كان الوجوب النفسي المحتمل ثبوته للوضوء في مفروض المثال مقيدا بايقاعه قبل الوقت ليدور الامر بين لزوم الاتيان به قبل الوقت ولزوم الاتيان به بعد الوقت من جهة دوران الامر بين الوجوب التفسى والغيري فلا ينبغى الريب في عدم جواز الرجوع إلى البرائة في شيئ منهما على ما هو المختار من كون العلم الاجمالي منجزا للتكليف في التدريجيات ايضا واما إذا كان الوجوب النفسي على تقدير ثبوته متعلقا به غير مقيد بايقاعه قبل الوقت فلا معنى للرجوع إلى اصالة البرائة عن وجوبه قبل الوقت اصلا وحينئذ إذا لم يتوضا المكلف حتى دخل وقت الصلوة فلابد له ان يتوضا ويوقع الصلوة بعده لانه مقتضى العلم - (*)

[ 171 ]

من هذه الجهة نتيجة الغيرية فيختص وجوب الطهارة في مفروض المثال بما بعد الوقت الذى هو شرط لوجوب الصلاة (نعم) هناك جهة اخرى للشك والنتيجة معها للنفسية وهى جهة الشك في ان الوضوء مثلا إذا اتى به قبل الوقت يسقط به الوضوء فيما بعد الوقت اولا وبعبارة اخرى يكون الشك في ان وجوب الوضوء بعد الوقت مطلق أو مختص بمن لم يتوضأ قبله ومقتضى البرائة هو عدم الوجوب بالاضافة إلى المتوضى قبله فيكون النتيجة مع الوجوب النفسي (وبالجملة) اصالة البراءة بالاضافة إلى تقيد الصلاة بالوضوء وبالاضافة إلى وجوبه قبل الوقت ووجوبه بعد الوقت توضأ قبل الوقت بلا معارض فان اصل وجوبه لمن لم يتوضأ قبل الوقت وان كان معلوما بعد دخوله الا انه اعم من ان تكون الصلاة متقيدة به حتى لا يجوز الاتيان به بعدها (واما الصورة الثالثة) وهى مالا يعلم فيه الا وجوب ما يدور امره بين كونه واجبا نفسيا أو غيريا لاحتمال ان يكون في الواقع واجب آخر فعلى يتوقف حصوله على ما علم وجوبه اجمالا فالحق فيها انه يلزم الاتيان بما علم وجبه فانه يعلم حينئذ باستحقاق العقاب على تركه اما لنفسه أو لكونه مقدمة لواجب فعلى فأن ترك ما يحتمل وجوبه النفسي المستند إلى ترك معلوم الوجوب مما يوجب العقاب واما تركه من غير ناحيته فالمكلف لجهله في سعة منه وتشمله ادلة البراءة واما ما في الكفاية (1) من التمسك بالبراءة في المقام فغير سديد بعد الباء على صحة التفكيك في التنجز في مبحث الاقل والاكثر وما نحن فيه ايضا من هذا القبل فان استحقاق العقاب على ترك معلوم الوجوب اما لنفسه أو لتوقف


- الاجمالي الموجب لاحتياط كما عرفت واما إذا توضأ قبله فلا يجب عليه اعادة الوضوء بعد دخوله لان تقييد الوضوء موقوعه فيما بعد الوقت ولو على تقدير كون وجوبه غيريا مجهول فيرجع معه إلى البرائة ومما ذكرناه يظهر الخلل فيما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فلا تغفل 1 - لا يخفى ان ما افاده في الكفاية من الرجوع إلى البرائة انما هو في غير هذه الصورة فان مورد كلامه هو ما إذا علم وجوب شيئ في الشريعة اجمالا لكن تردد امره بين ان يكون واجبا نفسيا وان يكون مقدمة لواجب غير فعلى كما إذا علمت الحائض غير المكلفة بالصلوة بوجوب الوضوء المردد بين ان يكون نفسيا وان يكون غيريا ولاريب ان المرجع في هذه الصورة هي اصالة البرائة للشك في الوجوب الفعلى (*)

[ 172 ]

واجب فعلى عليه معلوم تفصيلا فيكون منجزا وان لم يكن ذاك الوجوب المحتمل ثبوته في الواقع منجزا من جهات أخرفان عدم تنجزه من جهة لا ينافى تنجزه من جهة واصالة البرائة لا تنافي فعليته واقعا وتنجزه بمقدار العلم فتدبر جيدا بقي هناك أمران الاول ان الثواب كما يترتب على امتثال الواجب النفسي فهل يترتب على امتثال الواجب الغيرى ايضا اولا وقبل الخوض في ذلك لا بأس ببيان ان الثواب المترتب على امتثال الواجبات النفسية هل هو بالاستحقاق أو بالتفصيل (المعروف) بين الاصحاب هو الاول وخالف في ذلك شيخنا المفيد (قده) وتبعه جماعة من المحققين فذهبوا إلى الثاني وهو الاقوى فان اطاعة المولى والعمل على وفق العبودية لازم بحكم العقل و امتثال العبد لاوامر مولاه جرى منه على وظيفته لئلا يكون ظالما له وليس هو في عمله اجيرا للمولى حتى يستحق عليه شيئا (ومنه) يظهر حال التوبة فان كون التائب كمن لاذنب له انما هو من باب التفضل فقط لان توبته من جملة الواجبات عليه فيكون ظالما على تقدير تركها وتركه الظلم لنفسه فعلا بالتوبة عما صدر منه لا يوجب سقوط ما استحقه من العقاب قبلا وبعبارة اخرى لا بدوان يكون العبد في جميع حالاته منقادا للمولى وتحت سلطانه فرجوعه إلى الطاعة بعد الاباق له بحكم العقل وهو غير موجب لسقوط عقاب اباقه السابق إذا عرفت ذلك (فاعلم) انه بعد الاتفاق على ترتب الثواب على امتثال الواجبات النفسية سواء كان بالاستحقاق أو بالتفضل وقع الخلاف في ان امتثال الواجبات الغيرية هل يترتب عليه الثواب كما يترتب على امتثال الواجبات النفسية اولا على اقوال ثالثها التفصيل بين كون الواجب الغيرى اصليا مدلولا لخطاب مستقلا وكونه تبعيا غير مدلول لخطاب مستقل كما عن المحقق القمى (قده) والحق في المقام ان يقال ان الواجب الغيرى ان اتى به بداعي التوصل به إلى الواجب النفسي فيترتب عليه الثواب والافلا (توضيح ذلك انه) لااشكال في ان الثواب يفترق عن العقاب في ان الثاني مترتب على نفس المخالفة العمدية بخلاف الاول فانه غير مترتب على الموافقة فقط بل على الموافقة

[ 173 ]

المضافة إلى المولى فهو مترتب على الاطاعة بالمعنى الاخص اما على القول بالاستحقاق فواضح واما على القول بالتفضل فلعدم الدليل على التفضل بدون قصد الاطاعة (وكذا) لا اشكال في ان الامر الغيرى بما هو امر غيرى لاحقيقة له الاكونه واقعا في طريق التوصل إلى الواجب النفسي فلا اطاعة له الا مع قصد الامر النفسي وح فالاتى بالواجب الغيرى ان قصد به التوصل إلى الواجب النفسي فهو شارع في امتثال الامر النفسي فيثاب على اطاعته والا فلا و لا يفرق في ذلك بين القول بعدم وجوب المقدمة والقول بوجوبها تبعيا كان الوجوب أو اصليا اما على القول بعدم وجوبها أو القول بوجوبها مع كونه تبعيا فما ذكرناه ظاهر واما على القول بالوجوب وفرض كونه اصليا فلان الاوامر الشرعية المتعلقة بالاجزاء (1) والشرائط اما ان تكون اوامر ارشادية لبيان الشرطية أو الجزئية واما ان تكون اوامر نفسية مفصلة للامر الواحد المتعلق بالمركب أو بالمقيد فكأنها قطعات لذلك الامر الواحد النفسي وعلى كل حال فالامتثال والثواب انما هو للواجب النفسي كما هو الحال في المقدمات العقلية والعادية التى لا يتفاوت فيها وجود الاوامر الغيرية وعدمها إذا لملاك في ترتب الثواب هو قصد امتثال الامر النفسي المتعلق بذى المقدمة هذا في غير المقدمات السببية واما فيها فقد عرفت سابقا ان الامر المتعلق بالمسبب يكون بنفسه (2) متعلقا بالسبب وكذلك الامر المتعلق بالسبب انما يتعلق به بما انه معنون بعنوان المسبب


1 - الاوامر المتعلقة بالاجزاء وان كان امرها دائرا بين ان تكون اوامر ارشادية وان تكون اوامر نفسية مفصلة للامر الواحد المتعلق بالمركب وذلك لما تقدم من استحالة اتصافها بالوجوب الغيرى الا ان الاوامر المتعلقة بالشرايط ليست كذلك فانها قابلة لان تكون اوامر غيرية وبما ان المفروض تعلق الامر الغيرى بالشرايط اصليا فدعوى كونه ارشاديا أو قطعة من الامر النفسي بالمقيد خلاف المفروض بل قد عرفت فيما مر ان الامر المتعلق بالمقيد يستحيل ان يتعلق بقيده ابدا لكن الصحيح مع ذلك هو ما افيد في المتن من ان استحقاق الثواب يتوقف على قصد امتثال الامر النفسي فان امتثال الامر الغيرى بما هو كذلك ولو فرض كونه اصليا لا يتحقق في الخارج الا مع قصد التوصل إلى الواجب النفسي وبدونه لا يكون الاتيان بالمقدمة امتثالاله كما هو ظاهر 2 - إذا كان ما يسمى بالمسبب من قبيل العناوين التوليدية التى يكون وجودها في الخارج بعين وجود منشأ انتزاعها كالتعظيم المنتزع عن القيام الخارجي فالحق فيه ان الوجوب المتعلق - (*)

[ 174 ]

ولذا كان النزاع في وجوب المقدمة السببية قليل الجدوى كما افاده السيد المرتضى (قده) ثم ان الظاهر ان الثواب المترتب على اتيان الواجب الغيرى بقصد التوصل متحد (1) مع الثواب المترتب على نفس الواجب النفسي غاية الامر ان الثواب يزيد عند اتيان المقدمة بقصد التوصل وتكون الاطاعة من حين الشروع بالمقدمة (وتوهم) تعدد الثواب من جهة المقدمة وذيها تمسكا بالآية المباركة الدالة على ترتب الثواب على المسافرة مع النبي صلى الله عليه واله مقدمة للجهاد في وقعة تبوك مع انه لم يترتب الجهاد على المسافرة في تلك الوقعة (فاسد) فان اظهار جلالته صلى الله عليه وآله بالمسافرة معه من اعظم العبادات في حد نفسه ولا د خل لكون المسافرة مقدمة للجهاد في ذلك اصلا فالثواب عليها من قبيل الثواب على العبادة النفسية لا الغيرية الامر الثاني ربما يشكل الامر في الطهارات الثلاث من وجهين (الاول) انه لا اشكال في ترتب الثواب على الطهارات الثلاث وفى كونها عبادة مع ان الامر الغيرى المتعلق بالمقدمة لا يكون الا توصليا ولا يترتب ثواب على امتثاله (وفيه) ما عرفت من ان المقدمة إذا اتى بها بداعي التوصل إلى ذى المقدمة وامتثالا لامره فلا محالة يكون عبادة ويترتب عليه الثواب (الثاني) انه لا اشكال في ان الطهارات الثلاث بما انها عبادة اخذت مقدمة للصلاة مثلا وليس حالها حال بقية المقدمات في كون مطلق وجودها في


- بالمسبب يتعلق بسببه الذى هو المنشأ لانتزاعه واما إذا كان من قبيل المعاليل المترتبة على عللها المغايرة لها في الوجود كالقاء النار المترتب عليه الاحراق مع تغايرهما في الخارج لمغايرة مبدئيهما فبه فلا مجال فيه لد عوى خروجه عن محل البحث في وجوب مقدمة الواجب وانصافه بالوجوب النفسي المتعلق بمسببه فان ملاك البحث المزبور مشترك فيه بينه وبين سائر المقدمات كما هو ظاهر 1 - الظاهر ان الاتيان بالمقدمة بداعي التوصل إلى الواجب نفسي يوجب استحقاق الثواب عليه غير الثواب المترتب على اتيان الواجب النفسي وذلك لان الاتيان المزبور بنفسه ومع قطع النظر عن رتب الواجب النفسي عليه مصداق لتعظيم المولى وجرى من العبد على طبق عبودية نعم ترك المقدمة لا يزيد على الهتك المتحقق بترك الواجب النفسي فلا يترتب العقاب على ترك المقدمات زائدا على العقاب المترتب على ترك الواجب المتوقف عليها ولافرق فيما ذكرناه بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)

[ 175 ]

الخارج مقدمة سواء اتى بها عبادة ام لا فلا اشكال في توقف الامر الغيرى على عباديتها وحينئذ فحيث ان العبادية تحتاج إلى وجود الامر فاما ان يكون الموجب لها تعلق الامر الغيرى بها فيلزم الدور أو يكون الموجب لها تعلق الامر النفسي بانفسها في حدذواتها وهو ايضا باطل لانه لايتم في خصوص التيمم الذى لم يدل (1) دليل على كونه مطلوبا في حد ذاته " اولا " مع ان الامر النفسي الاستحبابى ينعدم بعروض الوجوب " ثانيا " مع انه يصح الاتيان بجميع الطهارات بقصد الامر النفسي المتعلق بذيها من دون التفاوت إلى الامر النفسي المتعلق بها " ثالثا " فليس حالها حال صلاة الظهر والصوم بالاضافة إلى صلوة العصر والاعتكاف المتوفقين على تحققهما في الخارج مع انهما امر بهما لانفسهما ولذا لا اشكال في فساد هما لو لم يقصد امرهما بل قصد الامر النفسي المتعلق بما يتوقف عليهما اعني صلاة العصر والاعتكاف وهذا بخلاف الطهارات الثلاث فانه لااشكال في صحتها فيما لو اتى بها بقصد الامر النفسي المتعلق بما يتوقف عليها ولو كان ذلك مع عدم الالتفات إلى محبوبيتها ومطلوبيتها في حد ذواتها ومنه ظهران ما اجاب به صاحب الكفاية (قده) عن الاكتفاء بالامر الغيرى في الصحة من ان الامر الغيرى لا يدعو الا إلى ما هو المقدمة فيتحقق قصد الامر النفسي ايضا ضمنا فاسد فان قصد الامر النفسي على الفرض مقوم للمقدمة فكيف يصح قصد الامر الغيرى بدونه والا فلا بدمن الالتزام بصحة صلاة الظهر والصوم في فرض قصد امر العصر والاعتكاف مثلا وهو واضح البطلان (والتحقيق) في الجواب عن الاشكال ان يقال انه لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الامر الغيرى وفى الامر النفسي المتعلق بذواتها بل هناك امر ثالث وهو الموجب لكونها عبادة (بيان ذلك) ان الامر النفسي المتعلق بالصلاة مثلا كما ان له تعلقا باجزائها وهو موجب لكونها عبادة لا يسقط امرها الا بقصد التقرب فكذلك (2) له تعلق بالشرائط المأخوذة فيها فلها ايضا حصة من الامر النفسي وهو الموجب لعباديتها فالموجب للعبادية في الاجزاء والشرائط على نحو واحد


1 - لا يبعد استفادة استحباب التيمم في نفسه لفاقد الماء من قوله ع التيمم احد الطهورين بضميمة الاطلاقات الدالة على استحباب الطهر في نفسه 2 - قد عرفت فيما تقدم ان الامر المتعلق بالمقيد لا يكون له تعلق بنفس القيد اصلا والا لم يبق فرق بين الاجزاء والشرايط ولزم استحالة اتصاف الشرايط بالوجوب الغيرى - (*)

[ 176 ]

فان قلت ما الفرق بين الطهارات الثلاث وبقية الشروط في ان الامر النفسي اوجب عباديتها دون غيرها مع ان تعلق الامر النفسي بجميعها على نحو واحد (قلت) الفارق هو ان الغرض في خصوص الطهارات الثلاث اعني به رفع الحدث لا يكاد يحصل الا إذا اتى بها عبادة دون بقية الشرائط ولامانع من اختلاف الشرائط في هذه الجهة بل لا مانع من اختلاف الاجزاء ايضا بالعبادية وعد مها في مرحلة الثبوت وان لم يتفق ذلك في مرحلة الاثبات (فتحصل) ان توقف الامر الغير في الطهارات الثلاث


- كاستحالة اتصاف الاجزاء به فالتحقيق في الجواب ان يقال ان الواجب المشروط بالطهارات الثلاث بما انه يتوقف عليها بما هي عبادة فالامر الغيرى المتعلق بها وان كان يتوقف على كونها عبادة الا ان كونها عبادة لا يتوقف على تعلق الامر الغيرى بها بل هو متوقف على احد امرين على سبيل منع الخلو احد هما قصد الامر النفسي المتعلق بها مع قطع النظر عن مقدميتها للواجب وهذا يتوقف على وجود الامر النفسي هو ثابت في الغسل بلا اشكال وفى الوضوء ايضا على المختار بل لا يبعد ثبوته في التيمم ايضا كما مرو ثانيهما قصد التوصل بها إلى الواجب فانه ايضا كما عرفت موجب لوقوع المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها شرعا قال اتى بالطهارات بقصد التوصل بها إلى الواجب قد اوجد المقدمة في الخارج وان لم يكن ملتفتا إلى الامر النفسي المتعلق بها وقاصدا لامتثال كما ان الاتى بها بقصد امرها النفسي موجد للمقدمة ايضا ولم يلتفت إلى المقدمية فان الامر الاستحبابى ولو فرض تبدله بالامر الوجوبى لزوال حد الاستحباب بعروض الوجوب الغيرى الا ان ذات الطلب الاستحبابى موجود في ضمن الطلب الفعلى لا محالة كما هو الحال في جميع موارد الاشتداد وتبدل الضعيف بالقوى فتحصل ان لزوم الاتيان بالطهارات الثلاث عبادة لم ينشأ من ناحية امرها الغيرى بل من جهة كون المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها الغيرى اصلا و ان شئت قلت ان الواجب المشروط بالطهارة يتوقف حصوله في الخارج على تحقق الافعال الخارجية وقصد التقرب بها من المولى فالمقدمة منحله إلى ذات الفعل وقصد التقرب بها فإذا اتى بالافعال في الخارج ولم يقصد به التقرب بها من المولى فلم توجد المقدمة في الخارج فلا تصح العبادة المشروطة بها واما إذا قصد بها التقرب سواء كان ذلك من جهة قصد امتثال الامر النفسي المتعلق بها أو من جهة تقصد التوصل بها إلى العبادة المشروطة بها فالمقدمة قد وجدت في الخارج وتصح معه العبادة المشروطة بها ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)

[ 177 ]

على عباديتها مسلم الا أن توقف عباديتها على الامر الغيرى أو على الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بانفسها ممنوع بل العبادية متوقفة على الامر النفسي المتعلق بالمشروط بها فلا اشكال ولعمري دفع الاشكال بما ذكرنا واضح ومن العجب ان العلامة الانصاري (قده) اعتنى بالاشكال غاية الاعتناء ولم يأت بجواب صحيح كما يظهر لمن راجع كتاب الطهارة والتقريرات (تنبيه) لا اشكال في صحة الوضوء والغسل بداعي محبوبيتهما وامتثال الامر النفسي المتعلق بانفسهما قبل دخول وقت الواجب المشروط بهما كما انه لا اشكال في صحة الاتيان بهما قبل الوقت بداعي امتثال الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بالمشروط بهما صحة أو كمالا واما بعد دخول وقت الواجب النفسي المشروط بالطهارة فان اتى بهما بداعي الامر النفسي المتعلق بذلك الواجب النفسي المشروط بالطهارة فلا اشكال في الصحة ايضا كما عرفت وان اتى بهما لا بداع التوصل إلى ذلك الواجب بل بداع آخر ولم يكن له داع إليه فعلا فالحق صحتهما ايضا لان الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بهما وان كان مندكا (1) في ضمن الامر النفسي المتعلق بهما في ضمن الامر بالمقيد بالطهارة الا ان المعدوم هي المرتبة الاستحبابية واما ذات الطلب فهى باقية عند الاشتداد والتبد ل إلى مرتبة اكيدة ايضا فيصح الاتيان بهما بداعي ذات الطلب الموجود في تلك المرتبة الاستحبابية وان كانت تلك المرتبة زائله ومتبدلة إلى مرتبة اخرى اكيدة (هذا) حال الامر الاستحبابى مع الامر الوجوبى النفسي الضمنى واما مع الامر


1 - اندكاك الامر الاستحبابى في الامر الوجوبى عند عروض الوجوب على ماكان مستحبا في نفسه مبنى على ان يكون التمايز بينهما في الاختلاف في المرتبة بعد اشتراكهما في جامع الطلب واما بناء على ما تقدم من كون التمايز ناشئا من الاختلاف في الملاك المستلزم للترخيص في الترك تارة ولعدم الترخيص فيه اخرى من دون ان يكون الطلب في احدهما اضعف من الاخر فلاتبدل في المرتبة ايضا ليندك احد هما في الاخر نعم عنه عند عروض الوجوب لحدوث الملاك الملزم بعد ما لم يكن يتبدل الترخيص في الترك بعدم الترخيص فيه لكنه اجنبي عن التبدل في نفس الحكم واندكاك الاستحباب في ضمن الوجوب (*)

[ 178 ]

الوجوبى الغيرى فلا تبدل اصلا بل كلاهما موجودان بالفعل ولاتنافى بينهما (توضيح ذلك) ان في الوضوء والغسل بعد فعلية وجوب ما يتوقف عليهما ثلاث جهات (الاولى) كونهما مطلوبين بالطلب الاستحبابى النفسي (الثانية) كونهما (1) مطلوبين بالطلب النفسي الوجوبى الضمنى (الثالثة) كونهما مطلوبين بالطلب الغيرى الوجوبى وعند اجتماع الجهات تندك الجهة الاولى في الثانية دون الثالثة (والضابط) ان الامر الوجوبى ان كان متعلقا بعين ما تعلق به الامر الاستحبابى فلابد وان يندك احدهما في الاخر فيتحصل منهما طلب واحد اكيد لامتناع اجتماع المثلين في موضوع واحد (واما) إذا كان احدهما في طول الاخر ومتعلقا بالفعل المأتى به بداعي الامر الاول بان يكون المأمور به في الامر الثاني هو الفعل المقيد بكون الداعي له هو الامر الاول فيتعدد الموضوع فلا اشكال (مثال الاول) تعلق النذر بفعل مستحب في حد ذاته كصلاة الليل مثلا فان الصلاة لرجحانها ذاتا وتعلق النذر بها تكون واجبة لا محالة ويندك الامر الاستحبابى في الوجوب ويكتسب الامر الاستحبابى ماكان فاقده وهو تأكد الطلب كما ان الامر الوجوبى الناشئ من قبل النذر يكتسب من الامر الاستحبابى ما هو فاقده وهى تعبدية الامر فتكون نتيجة امتزاج احد الامرين بالاخر وجوبا واحد انفسيا تعبديا (ومثال الثاني) الاجارة على صلاة الليل عن ميت أو عن حى بناء على الجواز فان الامر الاستحبابى متعلق باتيان العمل عن الغير بدلا عنه وبداعي امتثال الامر المتعلق به (2) فهو متعلق بذات العمل


1 - قد عرفت ان الامر بالمشروط لا يتعلق بنفس الشرط ليتكلم في ان الامر الاستحبابى المتعلق بالشرط كالطهارات في محل الكلام هل يندك في ضمن الامر الوجوبى المتعلق بالواجب المشروط بها اولا 2 - لا يخفى ان الامر المتعلق بكل مكلف انما يمكن امتثاله في الخارج من ذلك المكلف ولا معنى لامتثال غير المكلف التكليف المتوجه إلى شخص آخر خصوصا فيما إذا فرض سقوط ذلك التكليف بموت أو بغيره فلا وجه لدعوى ان النائب لابد له ان يقصد امتثال الامر المتعلق بالمنوب عنه بل اللازم على النائب ان يقصد في عمله امتثال الامر المتوجه إليه المتعلق باتيان العمل عن الغير سواء كان ذلك الامر وجوبيا أو كان استحبابيا ثم ان الامر الاستحبابى المتعلق بالنيابة في العبادات بما انه عبادي فهو متعلق بذات العمل الصادر نيابة عن الغير وبصدوره عن داع قربى وبما ان المفروض تعلق الامر الناشئ من قبل الاجارة بذلك ايضا فمتعلق احدهما عين متعلق الاخر فيكون الحال في موارد الاستيجار كالحال في موارد تعلق النذر بعبادة مستحبة في نفسها ويترتب على ذلك صحة العبادة الاستيجارية - (*)

[ 179 ]

بخلاف الامر الوجوبى الناشئ من الاجارة فانه متعلق باتيان الصلاة بداعي امتثال امرها الاول فقد اخذ الامر الاول في موضوع الامر الثاني فلا يعقل تبدل احد هما بالاخر لكونه في طوله كما هو الحال في الامر الوجوبى المقدمى الناشئ من قبل الامر بصلاة العصر المتعلق باتيان الظهر بداعي امرها ولذا لا اشكال في فساد صلاة الظهر لواتى بها بداعي امتثال الامر بالعصر في فساد العبادة الاستيجارية إذا اتى بها بداعي امتثال الامر الناشئ من قبل الاجارة ففيما فيه حيث ان الامر النفسي الضمنى متعلق بنفس ما تعلق به الامر الاستحبابى فلا مناص عن اتحادهما بخلاف الامر الغيرى المترشح من الامر بذى المقدمة فانه في طوله متعلقه هو العمل المأتى به بداعي الامر الاول هو توصلي محض فلا اتحاد له مع الامر النفسي الاستحبابى العبادي اصلا والعجب من العلامة الانصاري (قده) انه خلط الوجوب الغيرى بالوجوب الضمنى فحكم في المقام باتحاد الامر النفسي الاستحبابى مع الامر الغيرى المترشح واندكا كه فيه مع انهما طوليان فتدبر في اطراف ما ذكرناه فانه دقيق وبه حقيق (فتحصل) من جميع ما ذكرناه امران (الاول) ان الاوامر الغيرية المتعلقة بالطهارات الثلاث لا توجب عباديتها وترتب الثواب عليها الا إذا كان الاتيان بها بقصد التوصل إلى غاياتها فان الامر الغيرى حيث انه في هوية ذاته متقوم بالغير فلا محركية له بنفسه بل محركيته بعين محركية الامر النفسي المتعلق بالغاية ففى فرض عدم قصد التوصل لا يكون الامر النفسي محركا فلا يكون الغيرى محركا ايضا ولعل ما ذكرناه ارتكازى في نفوس العقلاء بداهة ان المولى إذا امر عبده بتحصيل الدراهم لاشتراء اللحم فحصلها لاشتراء شيئ آخر فلا يعد هذا العبد ممتثلا لامر وعاصيا لاخر واما الاستدلال بذلك لاصل المطلب كما عن العلامة الانصاري (قده) ففى غير محله (1) فان فهم العرف انما يكون حجة في


- إذا اتى بها بداعي امتثال الناشئ من قبل الاجارة ايضا ولو كان الاتى بها غافلا عن تعلق الامر الاستحبابى بالنيابة في نفسها ومما ذكرناه يظهر الحال في المقام وفى ما إذا كان واجب نفسي مقدمة الواجب نفسي آخر 1 - الاستدلال المزبور انما هو من جهة الحكم العقل وادراكه الارتكازي الذى لا يختص بمقام دون مقام وليس مبنيا على الفهم العرفي المختص حجيته بمباحث الالفاظ ليورد عليه بما افيد في المتن (*)

[ 180 ]

مباحث الالفاظ والمسألة المبحوث عنها في المقام عقلية نعم يكون فهم العرف مؤيدا للبرهان وكاشفا عن ارتكازيته كما ذكرنا (الثاني) انه يكفى في عبادية الطهارات الثلاث قصد المحبوبية الذاتية والمطلوبية الاستحبابية ولو كان ذلك بعد اتصافها بالوجوب المقدمى بد خول وقت الواجب النفسي وذلك لما مرمن ان ذات الطلب الاستحبابى لا ينعدم بعروض الوجوب النفسي غاية الامران حد المرتبة الاستحبابية يزول بعروض الوجوب في مورده وما ذكرناه جار في مقام مراتب الاشتداد وغير مختص بمقام مخصوص واما ما افاده المحقق السيد الطباطبائى (قده) في العروة من انه لا مانع من بقاء الاستحباب بعد عروض الوجوب لامكان اجتماع الحكمين من جهتين على ما قواه (قده) من جواز اجتماع الامر والنهى فغير سديد فان محل الكلام في مبحث اجتماع الامر النهى هو ما إذا كانت تقييدية لا تعليلية والمقام من قبيل الثاني (والضابط الفارق) بينهما ان الجهات إذا كانت بحث يمكن تعلق الارادة التكوينية بكل منها مستقلا كما في الصلوة والغصب فالجهات تقييدية والا فهي تعليلية وجهات الحسن والقبح التى تترتب على الافعال الخارجية وتكون داعية إلى جعل الحكم على طبقها من القسم الثاني فإذا فرضنا ان في الفعل الواحد مصلحة من جهة ومفسدة من جهة اخرى فلا اشكال في عدم جواز اجتماع الامر والنهى فيه بالجهتين لاوله إلى اجتماع الضدين بالبداهة (بالجملة) المراد من الجهات في بحث اجتماع الامر والنهى هي التى بها تتعدد المتعلقات ويكون متعلق كل حكم امرا مغاير المتعلق الآخر واما تعدد الجهات التى هي من قبيل الدواعى مع وحدة المتعلق فهو اجنبي عن ما هو محل البحث في تلك المسألة بالكلية فالوضوء مثلا بما نه فعل واحد لا يمكن اتصافه بحكمين ولو بداعيين هذا مع ان الجهة التعليلية في المقام ايضا واحدة (1) ضرورة ان الداعي إلى طلبه هو رفع الحدث واحد لا تعدد فيه فما نحن فيه اجنبي عن باب تعدد الدواعى ايضا (بقى في المقام شيئ) هو ان المكلف إذا اتى بالطهارات الثلاث بداعي التوصل


1 - ارتفاع الحدث المترتب على الوضوء وان كان امرا واحدا الا ان الداعي إلى طلبه امران احد هما كونه محبوبا في ذاته الثاني توقف الواجب الفعلى عليه فلا وجه لما افيد في المتن من كون الجهة التعليلة واحدة (*)

[ 181 ]

بها إلى غاياتها ولكنه بداله بعد ايجادها عن الاتيان بغاياتها فهل عدم الاتيان بها خارجا يمنع عن حصول الاطاعة بها وامتثال أو امرها اولا اما على القول بالمقدمة الموصلة فلا اشكال في ان عدم الايصال الخارجي يكشف (1) عن عدم تعلق الوجوب بها من اول الامر تعلق الامر بها تخيلا من الفاعل واما بناء على عدم اعتبار الايصال في الاتصاف بالوجوب كما هو الاقوى فيظهر من بعض اعتباره في العبادية وترتب الثواب على المقدمة ولكنه خلاف التحقيق لماعرفت من ان المحرك في فرض قصد التوصل هو الامر النفسي وبما ان الاتيان بها في هذا الفرض انما كان بتحريك الامر النفسي وبداعي اطاعته ولا يعتبر في العبادة ازيد من كونها بداعي الامر وبتحريكه فلا مناص عن الحكم بالصحة في مفروض الكلام فان الشيئ لا ينقلب عما وقع عليه والبداء بعد العمل لا يغير ما وقع عبادة عما هو عليه المبحث الخامس " في تقسيم الواجب إلى تعيينى وتخييري " فالاول ما لابدل له فلا يسقط امره باتيان غيره بخلاف الثاني فانه يسقط امره باتيان بدله ولا اشكال في وقوعه في الشرعيات والعرفيات انما الاشكال في تعقل كنهه وشرح حقيقته من جهة ان الارادة التى هي من الصفات النفسانية لابد وان يكون متعلقها امرا معينا غير مبهم فلا يعقل تعلقها بماله بدل وما هو مردد بين الامرين (والوجوه) التى يتفصى بها عن الاشكال امور (الاول) ان امتناع الابهام وعدم التردد في متعلق الارادة يختص بالارادة التكوينية ولا يعم التشريعية (الثاني) ان الغرض من الواجبين حيث انه واحد فلا محالة يكون


1 - عدم ترتب الواجب النفسي على الطهارات وان كان يكشف عن عدم انطباق الواجب الغيرى عليها بناء على ما هو الصحيح من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة الا انه لا يكشف عن فسادها بعد فرض كونها محبوبة من غير جهة توقف الواجب النفسي عليها ايضا وحصول التقرب بها خارجا (*)

[ 182 ]

المؤثر فيه ايضا واحدا وهو الجامع بين الفعلين فيكون التخيير بينهما في الحقيقة تخييرا عقليا (الثالث) ان الواجب هو الجامع العنوانى الانتزاعي وهو مفهوم احدهما الصادق على كل منهما وهذا الوجه في طول الثاني ومترتب على عدمه والافلو امكن وجود جامع حقيقي يتعلق به التكليف فلاتصل النوبة إلى الجامع الانتزاعي ابدا (الرابع) ان كل واحد من الواجبين واجب تعيينا الا ان احدهما يسقط بفعل الآخر وهذا الوجه بظاهره لا يمكن التفوه به الا ان الظاهر ان مراد القائل به هو ان هناك غرضين متزاحمين لا يمكن جمعهما في الوجود الخارجي ولاجله تقع المزاحمة بين الامرين فيكون كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الآخر والتزاحم في المقام وان كان يغاير التزاحم في مقام الامتثال في ان التزاحم في المقام انما نشأ من عدم امكان اجتماع الملا كين وجودا والا فالمكلف قادر على ايجاد كلا الفعلين في الخارج واما التزاحم في مقام الامتثال فهو انما ينشأ عن عجز المكلف عن امتثال التكليفين من دون ان يكون هناك تزاحم في الملاك اصلا (الا ان نتيجة التزاحم في كلا المقامين) هو اشتراط خطاب كل منهما بعدم وجود متعلق الآخر (الخامس) (1) أن يكون الواجب هو الواحد المعين من الفعلين أو الافعال وهو الذى يعلم الله تبارك وتعالى ان العبد هو لظهور (2) فساده غير قابل للتصدى لجوابه والاقوى من هذه الوجوه هو الوجه الاول (توضيحه) ان كل ما فرض اعتباره


1 - وهناك وجه سادس هو ان يكون الواجب كل منهما تعيينا ويكون الاتيان بواحد منهما في الخارج موجبا لسقوط الاخر ايضا بحكم المولى ارفاقا وتسهيلا على المكلفين ويرد عليه أو لا انه خلاف الوجدان في موارد الواجبات التخييرية وثانيا انه يستلزم تعدد العقاب عند عصيان الوجوب التخييري وعدم الاتيان بشيئ من الفعلين وهو خلاف المفروض 2 - إذ يرد عليه اولا ان التكليف بالمعين خلاف ظواهر الادلة الدالة على الوجوب التخييري وثانا انه ينافى الاشتراك في التكليف المقطوع به من الادلة وثالثا انه إذا فرض عصيان المكلف وعدم اتيانه بشيئ من الفعلين فما ذا يكون متعلق التكليف التخييري وبما انه لا تعين له في هذا الفرض لا يكون له تعيين في فرض الامتثال ايضا ضرورة ان الامتثال والعصيان انما يتعلقان بشيئ واحد (*)

[ 183 ]

في الارادة التكوينية فان كانت معتبرا فيها لا لخصوصية كونها تكوينية بل لكونها ارادة (1) فهو معتبر في التشريعية ايضا لا محالة بخلاف ما إذا كان اعتباره فيها لاجل خصوصية كونها تكوينية فلا يعم التشريعية قطعا ولا بأس في افتراقهما في بعض الامور مثلا تنقسم الارادة التشريعية إلى تعبدية وتوصلية باعتبار انها ان سقطت بفعل المأمور به وان لم يقصد به التقرب فهى توصلية والا فتعبدية وهذا الانقسام من خواص الارادة التشريعية التى تتعلق بفعل الغير ولا يعم التكوينية بالضرورة وكذا يمكن تعلق الارادة التشريعية بالكلى الملغى عنه الخصوصيات الفردية والصنفية بل هي كذلك دائما غاية الامر انه يختلف دائرة الكلى المتعلق به الارادة سعة وضيقا وهذا بخلاف الارادة التكوينية فانها لكونها علة الايجاد السراد لا تتعلق الا بالشخص لامتناع ايجاد الكلى في الخارج الافى ضمن فرده (والذى) يترجح في النظر ان يكون امتناع تعلق الارادة التكوينية بالمردد وماله بدل من لوازمها خاصة ولا يعم التشريعية فان الغرض المترتب على كل من الفعلين إذا كان امرا واحدا كما هو ظاهر العطف بكلمة (أو) ولو كان عطف جملة على جملة كما هو الغالب أو عطف مفرد على مفرد فانه بحسب مقام الاثبات الموافق لمقام الثبوت يدل على ان هناك غرضا واحدا يترتب على واحد من الفعلين


1 - قد عرفت فيما تقدم انه لا موجب لتسرية احكام ارادة التكوينية إلى الحكم المجعول اصلا واما امكان تعلق الطلب باحد الفعلين أو الافعال على البدل كما افيد فهو الصحيح الذى لا ينبغى الريب فيه ضرورة انه لا يعتبر في متعلق الوجوب الذى قد عرفت انه امر اعتباري ان يكون من الكليات المتأصلة بل يجوز ان يكون من الكليات الانتزاعية فإذا فرض ترتب غرض واحد على احد الفعلين أو الافعال على البدل فلابد وان يكون متعلق الايجاب ايضا كذلك هذا مع انه يمكن تعلق الصفة الحقيقية باحد الامرين أو الامور ايضا فإذا علمنا اجمالا بعدالة احد الرجلين مع احتمال عدالة الاخر ايضا وفرضنا في الواقع عدالة كل منهما فبما ان المعلوم بالاجمال لاتعين له في الواقع بالضرورة لان نسبة العلم الاجمالي إلى كل منهما على حد سواء وليست كلنا العدالتين المتحققتين في الواقع معلومتين على الفرض وليست العدالة الكلية الجامعة متعلقة للعلم إذا المفروض كون احدى الخصوصيتين معلومة على الاجمال فلا مناص من الالتزام بكون متعلق العلم احدى العدالتين على نحو الا بهام والتردد فإذا امكن ذلك في الصفات الحقيقية ففى الاعتبارية بطريق اولى (*)

[ 184 ]

على البدل فلابد وان يتعلق طلب المولى باحدهما على البدل ايضا لعدم الترجيح بينهما وليس هناما يتوهم كونه مانعا عن تعلق الطلب بشيئين كذلك لا ثبوتا ولا اثباتا الا ما تقدم من دعوى امتناع تعلقه بالمبهم والمردد وقد عرفت انه يختص بالتكوينية التى لا ينفك المراد عنها ويوجد بها فلابد وان يكون متعلقا امرا معينا شخصيا فيوجد بها في الخارج واما الوجه الثاني ففيه ان وحدة الغرض وان كانت كاشفة عن وحدة المؤثر لا محالة (1) لامتناع صدور الواحد عن الكثير الا انها لا توجب كون التخيير عقليا و تعلق الطلب بالجامع الملاكى المستكشف تحققه بالبرهان لا يكفي في جواز تعلق التكليف به بل لابد فيه من ان يكون الجامع جامعا عرفيا يمكن ان يقع فيه حيز الخطاب حتى يخير العقل بين افراده فالتخيير العقلي يحتاج إلى مقدمة ثالثة وهى وجود الجامع العرفي والمفروض انه غير محقق في المقام واما الوجه الثالث فهو في نفسه وان كان لامانع من الالتزام به ضرورة ان مفهوم احد الشيئين وان لم يكن من العناوين الانتزاعية التى يكون منشأ انتزاعها موجودا فعلا كمفهوم المتقدم والمتأخر لكنه ليس من العناوين الانتزاعية الفرضية غير القابلة لتعلق التكليف بها ايضا بل هو من العناوين التى يمكن فرض منشأ انتزاعها ليكون التكليف المتعلق بها متعلقا بمنشأ انتزاعها وعليه فيمكن فرض منشأ انتزاع له بفرض شيئين أو اشياء توجيه التكليف إليه الا انك بعد ما عرفت امكان تعلق التكليف (2) بواقع احدهما تعرف ان توسيط العنوان الانتزاعي في تعلق الخطاب يكون لغوا وغير


1 - قد عرفت فيما تقدم ان امتناع صدور الواحد من الكثير انما يختص بصدور الواحد الشخصي من الكثير واما الواحد النوعى فلا مانع من صدور فردمنه من شيئ وصدور فرد آخر منه من شيئ آخر من دون ان يكون بينهما جامع حقيقي اصلا 2 - لا يخفى ان ما ذكرناه من امكان تعلق الطلب باحد الفعلين أو الافعال على البدل متحد مع هذا الوجه بعينه واما ما افيد في المتن من امكان تعلقه بواقع احد الفعلين أو الافعال فان اريد منه الواقع المعين الذى يختاره المكلف خارجا فالالتزام بتعلق التكليف به متحد مع الالتزام بالوجه الخامس الواضح بطلانه وان اريد منه غيره فلاواقع لعنوان احدهما ليلتزم بجواز تعلق التكليف به دون نفس العنوان (*)

[ 185 ]

محتاج إليه واما الوجه الرابع ففيه ان الاشتراط في الخطاب لاجل التزاحم في مقام الامتثال وان كان امرا ممكنا كما التزمناه في التزاحم الخطابى الا ان فرض التزاحم بين الملا كين وامتناع وجود الغرضين في الخارج مع قدرة المكلف على ايجاد كلا الفعلين في الخارج من باب فرض انياب الاغوال وظاهر الدليل يدفعه (1) لعدم تعليق كل من الخطابين على عدم الاتيان بمتعلق الآخر باحدى ادواة الشرط بل ظاهر العطف بكلمة (أو) وحدة الغرض كما عرفت مضافا إلى ان القول بالاشتراط حتى في التزاحم الخطابى مبنى على امكان الترتب كما هو الاقوى ولا يمكن الالتزام به ممن يرى استحالة الترتب كالمحقق صاحب الكفاية " قده " بل ان القول بالاشتراط في التزاحم الخطابى لا يستلزم القول به في المقام اصلا فان الملاكين فيما نحن فيه على الفرض متزاحمان (2) في الملاكية ومن


1 - يرد على هذا الوجه مضافا إلى ما افيد في المتن اولا ان التضاد بين الغرضين ان كان بمعنى انه مع وجود احدهما في الخارج لا يبقى مجال لاستيفاء الاخر بعده واما استيفاء الغرضين معا فهو بمكان من الامكان فلازمه ان يأمر المولى بايجاد الفعلين معا المترتب على كل منهما غرض الزامي على الفرض وهذا ينافى كون الوجوب تخييريا حتى فيما امكن المكلف ان يجمع بين الفعلين وان كان بمعنى استحالة تحقق الغرضين واستيفائهما في الخارج حتى في فرض مقارنة احد الفعلين للاخر فهو يستلزم عدم تحقق الامتثال فيما إذا اتى المكلف بالفعلين معا لاستحالة وجود الغرضين معا لتضاد هما ووجود احدهما دون الاخر لامتناع الترجح بلا مرجح وهو واضح البطلان وثانيا ان لازم الالتزام بوجود الغرضين الالزاميين في موارد الوجوب التخييري هو الالتزام بتعدد العقاب عند عدم الاتيان بشيئ من الواجبين معا بناء على ما هو الصحيح كما ستعرف من لزوم الالتزام به في موارد تزاحم الخطابين مع انه ظاهر الفساد في المقام 2 - لا يخفى ان التزاحم بين الملاكين انما يكون فيما إذا كان احدهما مقتضيا لجعل حكم على خلاف ما يقتضيه الاخر واما في المقام فلا تزاحم بين الملاكين في دعوة كل منهما إلى جعل الحكم على طبق ما يقتضيه إذا المفروض انه لا مانع من جعل الحكمين الا امتناع استيفاء كلا الملاكين في الخارج وسيجيئ ان لازم ذلك هو وجود خطابين مشروطين لاخطاب واحد متعلق باحد الفعلين مثلا على البدل (*)

[ 186 ]

الواضح ان الملاك المزاحم بملاك آخر لا يصلح لان يكون داعيا إلى التكليف فلا مناص من كون احد الملاكين على البدل ملاكا فعليا وقابلا للدعوة فينتج خطابا واحدا بأحد الشيئين على البدل لاخطابين مشروطين وهذا بخلاف التزاحم الخطابى فان كلا من الملاكين فيه قابل للدعوة في حدنفسه وانما الممتنع وجود هما معا في الخادج لعدم القدرة على ايجاد الفعلين الذين يترتب عليهما الملاك فلا محالة يكون التزاحم موجبا لان يكون مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر فالفرق بين التزاحم في المقامين في غاية الوضوح فتدبر جيدا (تتميم) لا اشكال في امكان التخيير بين الاقل والاكثر إذا اخذ الاقل بشرط لا (1) بمعنى انه يؤخذ بحيث يخرج عن قابلية لحوق الزائد عليه مثل الدخول في الركوع في الاقتصار على التسبيحة الواحدة في الركعة الثالثة أو الرابعة أو رفع الرأس من الركوع أو السجود في أذكار الركوع والسجود فأنه ما لم يخرج عن القابلية المذكورة بالانتقال إلى غير محله لا يتصف بكونه بشرط لابل هو لا بشرط من جهة قابليته لالحاق الاكثر به فيكون جزءا للاكثر والكلام انما هو في وقوعه (والتحقيق) ان الذى يساعده الدليل منحصر بالقصر والاتمام واما اذكار الركوع والسجود أو التسبيحة في الاخيرتين فالظاهر من الادلة ان الواجب منها هو الاقل فقط والزائد مطلوب استحبابا وليس من باب التخيير بين الاقل والاكثر


1 - لا يخفى ان التخيير فيما إذا كان طرف التخيير هو الاقل المأخوذ بشرط لاوفيما إذا كان الامر متعلقا بصرف وجود الطبيعة الصادق على الاقل تارة وعلى الاكثر اخرى كما إذا امر برسم الخط المستقيم الصادق على القصير والطويل وان كان امرا ممكنا وواقعا في الشرعيات والعرفيات الا ان مرجع ذلك إلى التخيير بين المتباينين كما هو ظاهر واما فيما إذا اخذ الاقل لا بشرط وكان وجوده في الخارج منحازا عما يلحقه من الاجزاء الاخر فإذا فرض تحققه في الخارج فيحصل الغرض ويسقط الامر بحصوله ومعه لا يبقى مجال لتخيير بنى الاقل والاكثر فامر الوجوب التخييري دائر بين ان يكون متعلقا بالمتباينين وان يكون مستحيلا (*)

[ 187 ]

المبحث السادس في الوجوب الكفائي وتوضيح الحال فيه يحتاج إلى بيان مقدمة وهى ان الغرض من المأمور به تارة يترتب على صرف وجود الطبيعة واخرى على مطلق وجودها السارى والاول منهما يستتبع حكما واحدا متعلقا بصرف وجود الطبيعة فيكتفى في امتثاله بالاتيان بفرد واحد وهذا بخلاف الثاني فان الحكم في مورده ينحل ويتعدد بتعدد افراد تلك الطبيعة ولا يجتزى في مقام الامتثال بايجاد فرد منها مثلا إذا كان غرض المولى مترتبا على اكرام صرف وجود العلم فالحكم المجعول في مورده يكون واحدا ايضا ولازمه جواز الاكتفاء باكرام واحد من العلماء اذلا معنى لبقاء وجوبه بعد حصول الغرض الداعي إلى جعله واما إذا كان الغرض مترتبا على اكرام كل من يصدق عليه انه عالم فالحكم المجعول في مورده يتعدد افراده فيتوقف امتثال حكم كل فرد على الاتيان بخصوص متعلقه إذا عرفت ذلك فاعلم ان الغرض من المأمور به كما انه يختلف باعتبار ترتبه على صرف الوجود أو على مطلق الوجود كذلك يختلف بالاضافة إلى المكلف فتارة يترتب الغرض على صدور الفعل من صرف وجود المكلف واخرى يترتب على صدوره من مطلق وجوده وعلى الثاني فالوجوب يكون عينيا لا يسقط بفعل احدهم عن الباقين بخلاف الاول إذ المفروض فيه ان موضوع التكليف هو صرف وجود المكلف فبامتثال احد المكلفين يتحقق الفعل من صرف وجود الطبيعة فيسقط الغرض فلا يبقى مجال لامتثال الباقين ومنه ظهر انه لو حصل الفعل من الجميع في عرض واحد لاستحق كل واحد منهم ثوبا امتثال ذلك الامر كما لو كان منفردا لصدق صرف الوجود عليه كما انه عند مخالفة الجميع يستحق كما واحد منهم العقاب لتحقق مناطه فيه وهذا الوجه الذى ذكرنا هو التحقيق في تصوير الوجوب الكفائي (واما ما قيل) من أن الخطاب متعلق بكل واحد منهم عينا غاية الامر انه مشروط بعدم فعل الاخر ففى الحقيقة هناك خطابات متعددة بعدد اشخاص المكلفين كل منها مشروط بعدم صدور الفعل من الاخر

[ 188 ]

فهو وان كان ممكنا (1) في حد ذاته ويترتب عليه النتيجة التى رمناها وهى استحقاق كل منهم الثواب عند اشتراكهم في العمل الواحد في عرض واحد واستحقاقهم العقاب على تقدير ترك الجميع وسقوط التكليف عن الباقين بامتثال بعضهم الا ان الغرض حيث انه واحد ومترتب على صرف الوجود فلابد وان يكون الخطاب ايضا كذلك لانه يتبعه ويستحيل تخلفه عنه والا لكان بلا داع وغرض وهو محال ففرض قيام غرض واحد بصرف الوجود مستلزم لفرض تعلق خطاب واحد به ايضا نعم إذا كان هناك ملاكات متعددة ولم يمكن استيفاء جميعها وقع التزاحم في مقام الفعلية فيكون خطاب كل منهم مشروطا بعدم فعل الاخر نظير ما إذا وقع التزاحم في المأمور به كانقاذ الغريقين فكما ان نتيجة وقوع التزاحم في فرض عدم قدرة المكلف على ايجاد الواجبين معا هو اشتراط كل من الخطابين بعدم تحقق الواجب الاخر ضرورة ان كلا منهما إذا كان واجدا لملاك الالزام به بلا قصور فيه غاية الامر ان المكلف لا يقدر على اسيتفاء الملاكين معا فلا محالة يكون التكليف بكل منهما مشروطا بعدم تحقق الفعل الاخر كذلك تكون نتيجة التزاحم في المقام وجود الخطابين على نحو الاشترط فانه إذا كان هناك غرضان يترتب احدهما على فعل مكلف والاخر على فعل مكلف آخر ولم يمكن استيفائهما معا فلا محالة يكون التكليف المتوجه إلى كل منهما مشروطا بعدم تحقق الفعل الاخر وساقطا بامتثال احد المكلفين عن الاخرين فإذا فرضنا شخصين فاقدي الماء وجدا في وقت الصلاة ماء لا يكفي الا لوضوء احدهما فبما ان ملاك وجوب الحيازة في كل منهما تام بلا نقصان والمفروض انه لا يمكن استيفاء الملاكين معا لفرض عدم وفاء الماء الا بوضوء واحد فلا محالة يكون الزام كل منهما بالحيازة مشروطا بعدم سبق الاخر فان سبق احدهما


1 - إذا كان الواجب الكفائي مما يمكن صدوره عن كل واحد من المكلفين كالصلوة على الميت فان كان الترك المفروض كونه شرطا في تعلق وجوبه بكل واحد منهم هو مطلق الترك ولو كان ذلك في برهة من الزمان قابلة للاتيان به فيها فاللازم عند تحقق ذلك ان يجب على كل مكلف ان يأتي به ولو مع فرض اتيان غيره به وهو خلاف ما فرض من سقوطه بفعل واحد منهم وان كان الشرط هو الترك المطلق اعني به الترك في جميع الازمنة القابلة لتحقق الواجب فيها فاللازم عند صدور الفعل من الجميع في عرض واحد ان لا يتحقق الامتثال منهم اصلا إذا لمفروض عدم تحقق الشرط على هذا التقدير (*)

[ 189 ]

سقط التكليف عن الاخر كما انه إذا تركاها معا استحق كل منهم العقاب (فرع) إذا كان كل من واجدى الماء في الفرض المزبور متيمما فهل يبطل تيمم كل منهما اولا يبطل شيئ منهما أو يبطل واحد منهما على البدل الاقوى هو الاول (1) (وبيانه) ان في المقام امورا ثلاثة (الاول) الامر الوضوء (الثاني) الامر الحيازة (الثالث) القدرة على الحيازة " لااشكال " في ان الامر بالوضوء مترتب على الحيازة الخارجية وكون الماء في تصرف المكلف واما الامر بالحيازة فقد عرفت انه مشروط بعدم سبق الاخر وحيازته واما القدرة على الحيازة فهى بالقياس إلى كلا الشخصين المفروضين فعلية إذا المفروض تمكن كل منهما على حيازة الماء في نفسه وعدم كفاية الماء المفروض الا لوضوء واحد انما يكون منشأ لتحقق التزاحم في مقام فعلية الحيازة منهما خارجا واما فعلية قدرة كان منهما على الحيازة فلا تزاحم فيها اصلا وبما ان بطلان التيمم لم يترتب في لسان الدليل على الامر بالوضوء بل هو مترتب على وجدان الماء المتحقق في ظرف القدرة على الحيازة فيبطل التيممان معا ومن الضرورى ان تزاحم الخطابين في ناحية الوضوء لا يستلزم التزاحم في ناحية الحكم ببطلان التيممين وبالجملة الحكم ببطلان كلا التيممين إذا لم يترتب عليه محذور عقلي فلا مناص من الالتزام به لاطلاق ما دل على بطلان التيمم بوجدان الماء المفروض تحققه في مفروض الكلام كما عرفت المبحث السابع في الموسع والمضيق ينقسم الواجب باعتبار تحديد الامر له بزمان مخصوص وعدم تحدده له إلى


1 - بل الاقوى هو التفصيل بين صورتي سبق احدهما إلى الحيازة وعدمه ففى الاولى يبطل تيمم السابق فقط ويستكشف به عدم قدرة الاخر على الوضوء وبقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء واما في الصورة الثانية فبما ان كلا من الشخصين المفروضين قادر على حيازة الماء واستعماله من دون مزاحم فيبطل كل من التيممين والوجه فيما ذكرناه هوان الامر بالوضوء وبطلان التيمم مترتبان في لسان الدليل على وجدان الماء فإذا تحقق يترتب عليه كل من الاثرين كما انه إذا لم يتحقق فلا يتحقق شيئ منهما فالتفصيل بين بطلان التيمم وعدم الامر بالوضوء كما افيد في المتن لاوجه له (*)

[ 190 ]

موقت وغير موقت (وينقسم غير الموقت) باعتبار لزوم الاتيان به فورا وعدمه إلى فورى وغير فورى (وينقسم الموقت) باعتبار زيادة الوقت المحدد له على ما يفى من الزمان باتيان الواجب فيه وعدم زيادته عليه إلى موسع ومضيق وربما يستشكل في وجود الموسع تارة وفي المضيق اخرى (اما في الاول) فبانه يستلزم جواز ترك الواجب في اول الوقت وهو ينافي وجوبه (وجوابه) ان الغرض إذا كان مترتبا على صرف وجود الطبيعة من دون أي خصوصية فيهما فكما انه لا يفرق بين افرادها العرضية في جواز الاتيان ببعض الافراد وترك الاخر كذلك لا يفرق بين افرادها الطولية والملاك في كلا المقامين واحد وهو قيام الغرض بالطبيعة من دون خصوصية في بعض الافراد (واما في الثاني) فبان الانبعاث بما انه لابد وان يتأخر عن البعث ولو آناما فلابد من فرض زمان يسع البعث والانبعاث اعني بهما الوجوب وفعل الواجب ولازم ذلك زيادة زمان الوجوب على زمان الوجوب فإذا فرض تحقق وجوب الصوم مثلا قبل الفجر مع فرض انه مشروط به فيلزم تقدم المشروط على شرطه المستلزم لتقدم المعلول على علته وإذا فرض تحققه حين الفجر فلابد وان يتأخر الانبعاث عنه وآناما وهو خلاف المطلوب إذ لا زمه خلو بعض الزمان من الواجب فيه فلابدوان يلتزم بتحقق الوجوب قبل الفجر آنا ماليكون الانبعاث اول وقت الواجب وبعدم اشتراط الوجوب بدخوله لئلا يلزم تقدم المعلول على علته وذلك يستلزم عدم وجود المضيق (وجوابه) ان لزوم تقدم البعث على الانبعاث وان كان بديهيا الا ان تقدمه عليه ليس بالزمان بل بالرتبة بداهة انه لا يزيد على تقدم العلل التكوينية على معلولاتها فانه ايضا بالرتبة لا بالزمان فلا مانع من كون اول آن الفجر زمان الوجوب والانبعاث كليهما نعم لابد (1) من ان بكون علم المكلف بحدوث الوجوب عند الفجر متقدما على الفجر زمانا ليتمكن من الانبعاث حينه ولعل المستشكل خلط بين


1 - لا يخفى ان العلم بحدوث الحكم عند تحقق موضوعه كالعلم بوجوب الصوم عند تحقق الفجر في المثال وان كان متقدما زمانا على تحقق الموضوع وحكمه غالبا الا انه ليس مما لابد منه من جهة توقف الانبعاث عند تحقق الموضوع على تقدم العلم بالبعث عقلا ضرورة ان الترتب بين العلم بالحكم والعلم بترتب على مخالفته واختيار الفعل خارجا فرارا عن العقاب طبعي لا زماني فجال العلم بالحكم حال العلم بالموضوع في عدم اعتبار على تقدمه معلوله زمانا (*)

[ 191 ]

تقدم العلم على الانبعاث وتقدم البعث عليه وقد عرفت ان اللازم هو الاول دون الثاني هذا في العلم بالحكم واما العلم بالموضوع وهو العلم بالفجر في المثال فلا يعتبر تقدمه على الموضوع زمانا كما هو ظاهر ثم ان مقتضى القاعدة هل هو وجوب الاتيان بالموقت في خارج وقته اذافات في الوقت اختيارا أو لعذر أو انه يسقط بخروج الوقت فيه اقوال ثالثها التفصيل بين كون القرينة متصلة أو منفصلة فيلتزم بالسقوط في الاول دون الثاني (1) (والحق هو) السقوط مطلقا اما في القرينة المتصلة فظاهر واما في المنفصلة فلان القائل بعدم سقوط بدعوى ان التقييد بالمنفصل لا يفيد الا كون المقيد مطلوبا على نحو التعدد في المطلوب فإذا سقط احد هما بقى الآخر على حاله ان ادعى ان ذلك هو مقتضى القاعدة في تمام التقييدات سواء كان القيد زمانا ام زمانيا فهو سد لباب حمل المطلق على المقيد ولا يمكن الالتزام به وان ادعى اختصاص ذلك بخصوص الزمان دون الزمانى فهى دعوى بلا بينة وبرهان مع وحدة الملاك في كلا المقامين وهو ظهور القيد في الركنية وتضييق دائرة المطلوب الاول نعم إذا قام على وجوب القضاء في خارج الوقت (فيقع الكلام) في ان ذلك الدليل هل يكون كاشفا عن بقاء الامر الاول لكونه من باب التعدد في المطلوب أو لكون القيد ركنا في حال الاختيار فقط اولا يكون الدليل كاشفا عن شيئ من الامرين بل يكون الامر بالقضاء امرا جديدا حادثا بفوت الواجب الاول " والفرق " بين الوجهين الاولين ان الملاك في تعدد المطلوب هو كون ذات الفعل مطلوبا في عرض طلب القيد بطلب مستقل بحيث يكون هناك طلبان في عرض واحد بخلاف كون


1 - وهناك تفصيل آخر ذكره صاحب الكفاية قدس سره هو متين وحاصله ان التقيد إذا كان لاجل القرينة المتصلة أو لاجل القرينة المنفصلة فيما كان لها اطلاق لحالتي الاختيار والاضطرار فلا محالة يسقط الامر بخروج الوقت اذلا معنى للامر بالمقيد بعده مع عدم التمكن من امتثاله واما إذا لم يكن لها اطلاق وكان القدر المتيقن هو التقيد بالوقت مع التمكن وفى حال الاختيار وكان لدليل الواجب اطلاق بالقياس إلى الاتيان به في الوقت وفى خارجة فبعد خروج الوقت يؤخذ باطلاق دليل الواجب لفرض عدم المعارض له في هذا الحال ويثبت الوجوب في خارج الوقت ايضا وهذا التفصيل يجرى في مطلق موارد ثبوت التقييد بالقرينة المنفصلة من دون فرق بين كون القيد زمانا وكونه زمانيا (*)

[ 192 ]

القيد ركنا في حال الاختيار فان الطلب فيه واحد غاية الامر انه متعلق بالمقيد عند التمكن وبالفاقد عند عدمه (والتحقيق) هو الوجه الثالث فان كلا من الوجهين الاولين وان كان ممكنا في مقام الثبوت الا انه خلاف الظاهر في مقام الاثبات فان ظاهر لفظ القضاء هو تدارك ما فات في وقته ولا معنى للتدارك على كل من الوجهين فان بناء عليهما يكون الفعل في الخارج الوقت المأمورا به بنفس الامر الاول ويؤيد ما ذكرناه ثبوت القضاء في الحج والصوم المنذورين مع ان الوجوب في النذر تابع لقصد الناذر وعلى الفرض لم يتعلق الا بالفعل المقيد بزمان خص فيستحيل بقاء الامر التابع لقصده بعد فوات الوقت المقصود ويؤيده ايضا ان الامر بالفاقد في كل من الوجهين لابدوان يتصل بالامر الاول زمانا كما هو واضح مع ان زمان الامر بالقضاء ينفصل عن زمان الامر بالاداء غالبا مثلا إذا فرضنا فوات الصوم المنذور فبناء على ان الامر بقضاء الصوم لا يتوجه الا مقارنا للفجر فيكون الليل فاصلا بين زماني الامر بالاداء والامر بالقضاء واما الامر بقضاء الصلاة فبما انه يتوجه بعد خروج الوقت ففى زمان التمكن من ادراك اقل من ركعة في الوقت يسقط الامر بالاداء لكونه مشروطا بالتمكن من تمام الركعة في الوقت ولا يتوجه الامر بالقضاء لكونه مشروطا بخروج الوقت فيكون هذا الزمان فاصلا بين الامرين لا محالة (ثم انه فيما ثبت فيه وجوب القضاء) كالصلوة والصوم إذا خرج الوقت وشك المكلف في الاتيان بالفعل في وقته وقطع النظر عن قاعدة ان الشك بعد الوقت لا اعتبار به أو فرض الكلام في غير مورد القاعدة فهل يجرى استصحاب عدم الاتيان بالفعل في الوقت لاثبات وجوب القضاء اولا ومنشأ الاشكال هو ان الفوت الذى علق عليه وجوب القضاء في الادلة هل هو عنوان وجودي يعبر عنه بخلو الوقت عن الفعل ويلازم عدم الاتيان به في الوقت أو هو عين عدم الاتيان بالواجب في الوقت فعلى الثاني لااشكال في وجوب القضاء لان موضوعه وهو عدم الاتيان به في الوقت يحرز بالاصل المزبور بخلاف الاول فان وجوب القضاء بناء عليه ليس من آثار نفس المستصحب بل هو من آثار ما هو لازم له عقلا فيكون اجراء الاصل المزبور لاثبات اثر اللازم مبنيا على القول بحجية الاصول المثبتة ولا نقول بها (ثم) انه لو شك في ذلك ولم يعلم ان عنوان الفوت امر وجودي يلازم عدم الفعل في الوقت أو انه نفس عدم الفعل لما امكن

[ 193 ]

اجراء الاستصحاب ايضا لانه متوقف على احراز كون المستصحب ذا اثر شرعى فالشك فيه فيكون شكافى صحة جريان الاستصحاب وان المورد هل هو قابل للتعبد اولا فلا يمكن الحكم بشمول ادلته لكون الشبهة مصداقية فيكون الفعل بعد سقوط الاستصحاب مجرى للبراءة المبحث الثامن في المرة والتكرار قد اشرنا سابقا إلى أن الواجبات الشرعية قد تكون انحلالية فيتعدد الحكم بانحلال موضوعاتها كما يتعدد بتعدد المكلفين نظير وجوب الصوم والصلاة في كل سنة ويوم وقد لا تكون انحلالية كوجوب الحج بالاضافة إلى الاستطاعة فمن نظر إلى القسم الاول حكم باستفادة من التكرار من الامرومن نظر الى القسم الثاني حكم باستفادة المرة (والتحقيق) بطلان هذا النزاع رأسا فان تعدد الحكم بتعدد موضوعه ووحدته بوحدته اجنبي عن دلالة الامر على التكرار والمرة بالكلية المبحث التاسع في الفور التراخي ومعنى كون الواجب فوريا هو تضيقه ولزوم البدار إلى امتثاله كما ان معنى جواز التراخي هو توسعته ومن الواضح عدم دلالة الامر على السعة والضيق اصلا لا لفظا ولا عقلا فيكون النزاع في الفور والتزاخى كالنراع في المسألة السابقة في البطلان الفصل الثالث في ان الاتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضى الاجزاء ام لا وقبل الخوص في المقصود ينبغى تقديم امور (الاول) أن الاقتضاء المبحوث عنه في المقام هو بمعنى العلية والسببية ولذا نسبه المتأخرون من المحققين إلى الاتيان دون الامر خلافا للمتقدمين حيث نسبوه إلى نفس الامر (الثاني) ان المراد من لفظ على وجه المأخوذ قيدا في عنوان البحث هو اتيان المأمور به جامعا لجميع ما اعتبر فيه

[ 194 ]

عقلا وشرعا لا خصوص قصد الوجه فانه غير معتبر عند اكثر الفقهاء ولم يعتبره من اعتبره الا في خصوص العبادات في فرض امكان قصد الوجه فلا وجه لاخذه في العنوان الاعم من التوصليات والتعبديات ومما يمكن فيه قصد الوجه وما لا يمكن فيه ذلك (الثالث) ان الفرق بين مسئلتنا ومسألة المرة والتكرار هو ان النزاع في تلك المسألة انما هو في تشخيص المأمور به وانه هل هو العمل المكرر أو الواحد واما النزاع في هذه المسألة فهو في اجزاء الاتيان بالمأمور به عن الاعادة والقضاء وعدمه فالمسألة الاولى متكفلة لتشخيص المأمور به وهذه المسألة متكفلة لاجزاء الاتيان بالمأمور به وعدمه بعد الفراغ عن تعينه وبعبارة اخرى إذا بنينا على التكرار ولو ما دام العمر فلا اشكال في ان الامر ينحل باعتبار تعدد متعلقه في الخارج فيقع النزاع في ان الفعل الاول المتعلق للامر الاول هل يجزى عن التعبد به ثانيا اولا إذا عرفت ذلك فاعلم انه لااشكال في ان الاتيان بكل مأمور به واقعى اولى أو ثانوى أو ظاهري يجزى عن امره والمخالف على تقدير وجوده شاذ لا يعبأ به ضرورة ان الاتيان بكل مأمور به يفى بالغرض الداعي إلى الامر به فيكون بقاء الامر بعد حصول الغرض بلا موجب وهو محال نعم يمكن تبديل الامتثال بامتثال آخر في مقام الثبوت (1) الا انه يحتاج إلى دليل في مقام الاثبات كما ثبت في تبديل الصلاة الفرادى بالصلوة جماعة أو تبديل صلوة المأموم أو الامام بالصلوة اماما ولم يثبت في غير ذلك واما الامر باعادة صلاة الآيات ما دامت الآيات باقية فليست من باب تبديل الامتثال بالامتثال بل من باب استحباب الاعادة في نفسها ما دامت الآية باقية بعد سقوط الامر الوجوبى بامتثاله والحاصل ان رفع اليد عما وقع وجعل غيره مكانه وان كان ممكنا في حد نفسه الا انه ما لم يكن هناك دليل دال عليه لا يمكن الالتزام به وانما الاشكال في ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري اعني به المأمور به بالامر الواقعي الثانوي أو الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى هل يجزى عن الامر الواقعي اولا اما اجزاء


1 - قد عرفت فيما تقدم ان الاتيان بالمأمور به في الخارج لا ينفك عن ترتب الغرض عليه الداعي إلى طلبه وايجابه وعليه فلا يبقى مجال للامتثال ثانيا وما دل على جواز اعادة الصلوة جماعة أو اماما محمول على استحباب الاعادة في نفسها والامر بجعلها فريضة في بعض الروايات محمول على قصد القضاء بها كما صرح به في بعضها الاخر (*)

[ 195 ]

الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن الواقعي فلا كلام فيه ايضا بحسب الفتاوى الفقهية وانما وقع الكلام فيه علميا في المسألة الاصولية وكيف كان فالكلام تارة في اجزاء المأمور به بالامر الاضطراري عن القضاء واخرى عن الاعادة كما أن الكلام يقع تارة في اجزاء المأمور به الظاهرى عن الواقعي إذا انكشف الخلاف يقينا واخرى في اجزائه عنه إذا انكشف الخلاف بحجة معتبرة فهنا اربع مسائل اما المسألة الاولى وهى ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن قضاء المأمور به الواقعي الاولى فيما إذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت اولا فالحق فيها الاجزاء لان القضاء تابع لفوت الفريضة في الوقت بملاكها حتى تكون مشمولة لادلة وجوب القضاء وحينئذ فالقيد المتعذر في تمام الوقت اما ان يكون دخيلا في ملاك الواجب ولو حين التعذر كالطهور على الاطلاق فلا يمكن الامر بفاقده في الوقت واما ان لا يكون له دخل في ذلك حين تعذره كالطهارة المائية كما هو المفروض فلا تكون الفريضة فائتة بملاكها حتى يجب قضاؤها وبالجملة صدق الفوت بعد فرض الاتيان بالفاقد في الوقت يستلزم دخل القيد المتعذر في الملاك وهو يستلزم عدم الامر بفاقده في الوقت فالامر بالفاقد في الوقت وايجاب قضاء الواجد في خارج الوقت متناقضان (1) ولا فرق فيما


1 - لا يخفى انه يمكن ان تكون الصلوة مع الطهارة المائية مشتملة على مصلحتين ملزمتين أو على مصلحة واحدة ملزمة باعتبار ذاتها وباعتبار مرتبتها ايضا وان تكون الصلوة مع الطهارة الترابية حال فقدان الماء مشتملة على احدى المصلحتين أو على ذات تلك المصحلة الواحدة لاعلى مرتبتها مع امكان استيفاء الباقي من المصلحتين أو مرتبتها وعليه فالفاقد للماء في الوقت يؤمر بالصلوة لئلا تفوت المصلحة الالزامية من جهة الوقت ومع ذلك يؤمر بالقضاء في خارج الوقت لفرض امكان تدارك الفائت من المصلحة الالزامية فلا مناقضة بين الامر بالفاقد في الوقت والامر بالقضاء للواجد في خارج الوقت ثبوتا نعم ثبوت القضاء في خارج الوقت خلاف ظواهر الادلة الدالة على قيام الطهارة الترابية مقام الطهارة المائية وعلى تقدير عدم الدليل في مورد فوجوب القضاء لابد في ثبوته من قيام الدليل عليه ومجرد الاحتمال لا يكفى في ثبوته بعد كونه خلاف الاصل هذا كله بناء على دوران وجوب القضاء مدار فوت الملاك واما بناء على ان موضوعه هو فوت الفريضة الفعلية ولو كانت غير واصلة إلى المكلف في وقتها فلا يحتمل وجوب القضاء في مفروض الكلام اصلا إذا لمفروض ان الوجوب لم يكن متعلقا الا بالفعل الاضطراري ظاهرا أو واقعا فلم تفت الفريضة كى يجب قضائها (*)

[ 196 ]

ذكرنا بين ان تكون هناك مصلحة لزومية اخرى قائمة بنفس القيد بما هو قيد أو تكون المصلحة اللزومية منحصرة في مصحلة نفس الفريضة التى للقيد دخل فيها على تقدير التمكن منه ضرورة ان مصلحة القيد اللزومية على تقدير ثبوتها انما تترتب عليه حالكونه قيدا للفريضة فإذا فرض سقوط الامر بالفريضة لقيام مصلحتها بالفاقد فلا يمكن استيفاء مصحلة القيد اصلا ولو كانت لزومية واما ايجاب الفعل في خارج الوقت بعنوان آخر غير القضاء فهو وان كان ممكنا الا انه اجنبي عما نحن فيه وهو البحث عن الوجوب بعنوان القضاء التابع لفوت الفريضة في الوقت واما المسألة الثانية وهى ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن الاعادة فيما إذا ارتفع العذر قبل خروج الوقت اولا فالحق فيها الاجزاء ايضا (وبيانه) ان المكلف اما ان يكون متمكنا من الطهارة المائية في تمام الوقت اولا يكون متمكنا منها كذلك أو يكون متمكنا في بعضه دون الاخر لا اشكال في التخيير العقلي بين الافراد الطولية في الشقين الاولين وأما الاخير فبما ان ملاك التخيير هو تساوى الافراد في الملاك فلا يحكم العقل فيه بالتخيير ولا يجوز الاتيان بالفرد الفاقد قطعا فإذا ثبت جواز البدار مع اليأس أو الظن أو القطع مع فرض ارتفاع العذر بعد الامتثال فاما ان يكون جواز البدار حكما ظاهريا طريقيا أو واقعيا وعلى الاول فيبتنى القول بالاجزاء بعد ارتفاع العذر على القول به في مسألة انكشاف الخلاف بعد الاتيان بالمأمور به الظاهرى ولا يكون له مساس بما نحن فيه وعلى الثاني فلا ريب في ان وجود الامر الواقعي بعد قيام الضرورة والاجماع على عدم وجوب صلوتين على المكلف في يوم واحد يكشف عن ان الفعل الفاقد في حال الاضطرار ولو مع عدم استدامة العذر يكون وافيا (1) بتمام الملاك و


1 - جواز البدار واقعا بعد قيام الاجماع على عدم وجوب صلوتين في يوم واحد وان كان يكشف عن وفاء العمل الاضطراري بتمام ما هو الملزم من ملاك الفعل الاختياري الا انه يختص بموارد قيام الاجماع ولا يعم غيرها من موارد الاتيان بالمأمور به الاضطراري فلا بد فيها من اقامة دليل آخر على الاجزاء وبما انه لم يحرز في تلك الموارد وفائه بتمام الملاك فلا يكون الاجزاء قطعيا فان كان لدليل الامر بالفعل الاضطراري اطلاق يقتضى جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ولو كان الاضطرار مرتفعا بعده فهو المرجع و الا فاصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاعادة فمقتضى القاعدة هو الاجزاء في موارد الامر الاضطراري مطلقا (*)

[ 197 ]

يكون في هذ الحال في عرض الافراد الواجدة واقعا فلا محالة يترتب عليه الاجزاء وتكون الاعادة بعد استيفاء الملاك بتمامه من باب الامتثال بعد الامتثال فقياس ما نحن فيه على دفع بدل الحيلولة الواجب في ظرف عدم التمكن من اداء اصل المال الذى لا ينافي وجوب اداء اصله عند التمكن غريب فان تعذر خصوصية مال المالك وكونها متعلقة للغرض اوجب تكليفا آخر بدفع بدله حتى لا يكون المالك ممنوعا عن ماله بالكلية بخلاف ما نحن فيه فان تعذر القيد اوجب الغاء قيديته وكون الفاقد نفس المأمور به اذلو لم تلغ القيدية حال الاضطرار لما امكن الامر بالفاقد في تلك الحال اصلا فمقامنا ومقام بدل الحيلولة متعاكسان واما المسألة الثالثة وهى ان الاتيان بالمأمور به الظاهرى هل يجزى عن التعبد بالامر الواقعي اعادة وقضاء إذا انكشف الخلاف بعد ذلك يقينا فقد ادعى جماعة فيها الاجماع على عدم الاجزاء وجعلوا الاجزاء وعدمه من فروع مسألة التصويب والتخطئة هو الحق فان الحكم الواقعي بناء على القول بالتخطئة كما هو الصواب لم يتغير عما كان عليه بقيام الطريق على خلافه غاية الامر ان الشارع جعل الطريق حجة شرعا وقطعا تنزيلا فبما انه في فرض مخالفة القطع للواقع لا يمكن الحكم بالاجزاء كما سنشير إليه لبقاء الواقع وملاكه على ما كانا عليه كان الامر كذلك في فرض مخالفة القطع الجعلى للواقع نعم إذا فرض استيعاب الجهل لتمام الوقت لا يكون تارك الواجب الواقعي مستحقا للعقاب لاستناده إلى حجة شرعية معذرة في فرض الخطأ ولا فرق فيما ذكرنا بين الموضوعات والاحكام فان الواقع كما عرفت في كلا الفرضين باق على حاله ولم يؤت بما يتدارك به ملاكه ولابين القول بالطريقية والقول بالسببية فان السببية بالمعنى الذى يقول به المعتزلة وهو ان يكون قيام الامارة موجبا لحدوث المصلحة في مؤداها وان كانت مستلزمة للاجزاء الا ان لازم القول بها هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه واما السببية بالمعنى الاخر وهو الوجه الثالث الذى افاده العلامة الانصاري (قده) فهى على فرض الالتزام بها غير مستلزمة للاجزاء اصلا كما يظهر وجهه في المسألة الرابعة فتوهم ان القول بالسببية مطلقا ملازم للقول بالاجزاء ناش من خلط السببية على رأى المتزلة بالسببية التى ذهب إليها بعض الامامية (هذا) بالنسبة إلى الامارات المؤدية إلى خلاف الحكم الواقعي وأما

[ 198 ]

الامارات المؤدية إلى خلاف الموضو عات الواقعية فالالتزام فيها بالسببية على رأى المعتزلة وان لم يكن فيه محذور التصويب المجمع على بطلانه لانه مختص بالاحكام ولا يعم الموضوعات الخارجية الا ان ظاهر ادلة حجيتهاهى الطريقية كما هو المفروض في الامارات المتعلقة بالاحكام فان ادلة كلتا الطائفتين بلسان واحد فيكون عدم الاجزاء فيها ايضا على طبق القاعدة كما عرفت بقى الكلام في حال الاصول العملية كاصالة الاباحة والطهارة بل واستصحابيهما وان مقتضى القاعدة في فرض المخالفة فيها هل هو الاجزاء أو عدمه (ربما يقال) ان لسان ادلتها هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن وترتيب آثاره عليه فتكون لا محالة حاكمة على الادلة الدالة على اشتراط الصلاة بالطهارة مثلا ودالة على ان الشرط اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فانكشاف الخلاف لا يكشف عن عدم وجود الشرط حين العمل حتى لا يحكم بالاجزاء وذلك لفرض ان الشرط اعم من الواقعية والظاهرية وان العمل واجد للطهارة الظاهرية ويرد عليه (اولا) ان الحكومة عند هذا القائل لابد وان تكون بمثل كلمة اعني واردت واشباه ذلك ولاجله لم يلتزم بحكومة ادلة نفى الضرر على ادلة الاحكام الواقعية ولا بحكومة الادلة الاجتهادية على الاصول العملية و من الواضح عدم تحقق الحكومة بهذا المعنى في المقام (وثانيا) ان وجود الحكم الظاهرى لابدوان يكون مفروغا عنه (1) حين الحكم بعموم الشرط الواقعي للطهارة الواقعية والظاهرية أو بعمومه للاباحة كذلك ومن الواضح ان المتكفل لاثبات الحكم الظاهرى ليس الانفس دليل قاعدة الطهارة أو اصالة الاباحة فكيف يمكن ان يكون هو المتكفل لبيان كون الشرط اعم من الواقعية والظاهرية منهما (وثالثا) ان الحكومة في المقام وان كانت مسلمة الا انها لا تستلزم تعميم الشرط واقعا فان الحكومة على قسمين


1 - الحكم بكون الشرط اعم من الواقع والظاهر وان كان يستلزم كون وجود الحكم الظاهرى مفروضا عنه حين الحكم بعموم الشرط الا ان المدعى في المقام هوان جعل الطهارة الظاهرية يستلزم ترتب احكام الطهارة الواقعية التى من جملتها شرطيتها للصلوة مثلا على الطهارة الظاهرية فالمحكوم به انما هي الطهارة الظاهرية لا كون الشرط اعم من الواقع والظاهر واما عموم الشرط فهو من لوازم جعل الطهارة ظاهرا فلا محذور من هذه الجهة في دعوى كون الشرط اعم من الواقع والظاهر فتدبر جيدا (*)

[ 199 ]

(قسم) يكون الدليل الحاكم في مرتبة الدليل المحكوم ولا يكون الشك في المحكوم مأخوذا في الدليل الحاكم كقوله (عليه السلام) لاشك لكثير الشك الحاكم على ادلة الشكوك في الصلاة فلا محالة يكون الدليل الحاكم موجبا لعموم الدليل المحكوم أو مخصصاله بلسان الحكومة ويسمى هذا القسم حكومة واقعية (وقسم آخر) يكون الشك في المحكوم مأخوذا في الدليل الحاكم فلا محالة يكون الدليل الحاكم متأخرا عن المحكوم لاخذ الشك فيه موضوعا في الدليل الحاكم فيستحيل كونه معمما أو مخصصا له في الواقع فتكون حكومته ظاهرية لا محالة ويترتب على ذلك جواز ترتيب آثار الواقع ما لم ينكشف الخلاف فإذا انكشف الخلاف ينكشف عدم وجدان العمل لشرطه ويكون مقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء كما في الامارات وإذا انقسمت الحكومة إلى قسمين مختلفين في الاثر فاثبات الاجزاء يتوقف على اثبات كون الحكومة في المقام واقعية مع انها مستحيلة ضرورة انه اخذ الشك في موضوع ادلة الاصول ومعه تكون الحكومة ظاهرية وغير مستلزمة للاجزاء قطعا (ورابعا) ان الحكومة المدعاة في المقام ليست الا من باب جعل الحكم الظاهرى (1) وتنزيل المكلف منزلة المحرز للواقع في ترتيب آثاره وهذا مشترك فيه بين جميع الاحكام الظاهرية سواء ثبتت بالامارة ام بالاصل محرزا كان ام غير محرز بل الاءمارة اولى بذلك من الاصل فان المجعول في الامارات انما هو نفس صفة الاحراز وكون الامارة علما تعبدا واما الاصول فليس المجعول فيها الا التعبد بالجرى العملي وترتيب آثار احراز الواقع في ظرف الشك كما يظهر ذلك في محله انشاء الله تعالى (وخامسا) ان الحكومة لو كانت واقعية فلابد من ترتيب


1 - الحكومة المد عاة في موارد جعل الطهارة أو الاباحة الظاهرية المترتب عليها عموم الشرط انما هي من جهة ان المجعول في تلك الموارد بنفسه حكم شرعى وهذا المعنى مفقود في موارد الامارات إذا المجعول في تلك الموارد ليس الا جعل لطريقية والحكم بثبوت الواقع عند قيام الامارة عليه فإذا قامت الامارة على وجود الشرط واقعاثم انكشف خلافها بعد ذلك فالعمل المأتى به على طبق تلك الامارة ينكشف كونه فاقدا لشرطه فلا يبقى مجال للقول بالجزائه عن الواقع وعليه فلاوجه لما افيد في المتن من كون ملاك القول بعموم الشرط مشتركا فيه بين موارد الاصول وموارد الامارات فضلاعن كون موارد الامارات اولى بذلك (*)

[ 200 ]

جميع آثار الواقع (1) لا خصوص الشرطية فلا بدوان لا يحكم بنجاسة الملاقى لما هو محكوم بالطهارة ظاهرا ولو انكشف نجاسته بعد ذلك ولا اظن ان يلتزم به احد واما المسألة الرابعة وهى ان الاتيان بالمأمور به الظاهرى هل يجزى عن التعبد بالامر الواقعي اعادة أو قضاء إذا انكشف الخلاف بعد ذلك بحجة معتبرة اولا فلا يبعد عدم الخلاف في عدم الاجزاء فيها بالاضافة إلى الموضوعات الخارجية كما إذا قامت بينة على حصول الطهارة لماء كان متيقن النجاسة وبعد الوضوء به قامت بينة اخرى على جرح شهود الطهارة وعليه فعلى القائل بالاجزاء في خصوص الاحكام ابداء الفرق بين الموضوعات والاحكام واما بالنسبة إلى الاحكام فهناك نزاع مهم بين العلماء ومن موارده عدول المجتهد عن رأيه السابق الناشئ من خطائه في الاستفادة أو من اعتماده على اصل لفظي أو عملي لم يظفر برافعه اما لعدم الظفر بذاته أو لعدم تمامية حجيته عنده في الزمان السابق أو من اعتماده على دليل لم يظفر بمعارضه على الوجهين المذكورين في الرافع (والحق) في المقام هو القول بعدم الاجزاء بعد وضوح خروج القسم الاول عن موضوع الكلام ودخوله في تبدل الحكم العقلي وذلك فانه لم يقم دليل على حجية الاستفادة بما هي حتى يكون من باب تبدل الحكم الظاهرى الشرعي بل الدليل انما دل على حجية الظاهر مثلا وبعد انكشاف الخلاف يعلم انه لم يكن هناك ظاهر اصلا بل كان تخيل الظهور فهو من باب تبدل الحكم العقلي الذى لم يلتزم احد فيه بالاجزاء (وتوضيح المقام) ان القائل بالاجزاء انما ذهب إليه بتوهم ان الحكم الشرعي يتبدل بتبدل لرأى نظير الملكية المتبدلة بالبيع والشراء فالمجتهد في زمان اجتهاده الاول لم يكن مكلفا الا بالعمل على طبق اجتهاده كما انه في الزمان الثاني لا يكلف


1 - ولازم ذلك هو الالتزام بطهارة المغسول بماء محكوم بالطهارة ظاهرا وبصحة الوضوء أو الغسل به ولو انكشف نجاسة ذلك الماء بعد ذلك واقعا وكذلك لا زمه الالتزام بملكية الثمن واقعا للبايع المالك المثمن بحكم الاستصحاب ولا يظن بفقيه ان يلتزم بشئ من ذلك وبالجملة إذا كان جعل الطهارة الظاهرية موجبا لاعمية الشرط واقعا بدعوى ان الحكم بالطهارة ظاهرا يستلزم ثبوت احكام الطهارة الواقعية للطهارة الظاهرية فلا وجه لتخصيص ذلك بشرطية الطهارة للصلوة بل لابد من الالتزام به بالقياس إلى جميع الاثار الثابتة للطهارة الواقعية وكذلك الالتزام بترتيب احكام الملكية الواقعية على الملكية المستصحبة وامثال ذلك و كل ذلك واضح البطلان (*)

[ 201 ]

الا بالعمل على طبق اجتهاده الثاني (ويرد عليه) ان التبدل اما ان يدعى في الحكم الواقعي اوفى حجية مدرك الفتوى الاولى اوفى احراز الحجة أما التبدل في الحكم الواقعي فلا اشكال في بطلانه لانه يستلزم التصويب المجمع على بطلانه وكذلك التبدل في الحجية فان تقديم الحجة الفعلية ورفعها لحجية المدرك السابق اما ان يكون بالحكومة أو بالورود وعلى كل تقدير فالمدرك السابق لم يكن حجة شرعية في نفس الامر والواقع مع وجود الحاكم أو الوارد بل الحجة في الواقع انما كانت ذاك الحاكم أو الوارد غاية الامر ان حجية داك الحاكم أو الوارد لم تكن محرزة سابقا وصارت محرزة لاحقا فالتبدل انما هو في الاحراز ومن الواضح ان الاحراز ليس الاطريقا محضا إلى الواقع فإذا انكشف الخلاف وخطأ الاجتهاد الاول كان حاله حال انكشاف الخلاف في الامر العقلي في عدم الاجزاء ومنه ظهران ما ذكره بعض القائلين بالاجزاء من ان الاجتهاد الاول كالاجتهاد الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الاول بالثاني واعادة الاعمال الواقعة على طبق الاجتهاد الاول في غاية الفساد فان المفروض ظهور بطلان الاجتهاد الاول بالثاني وكشفه عن عدم حجية المدرك الاول واقعا وبقاء الحكم الواقعي على ما هو عليه فلا محيص عن القول بعدم الاءجزاء وبالجملة ليس حال انكشاف الخلاف في الدليل الظنى الاكحال انكشاف الخلاف في الد ليل القطعي فكما انه لا معنى للقول بان القطع الاول كالقطع الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الاول بالثاني كذلك الحال فيما نحن فيه ولكن الذى يقتضيه (النظر الدقيق) هو التبدل في المرتبة الثانية اعني بها مرتبة الحجية الا انه مع ذلك لابد من القول بعدم الاجزاء ايضا (وتوضيحه) ان حقيقة الحكم الظاهرى ليس عبارة عن جعل حكم آخر في قبال الواقع والالزم التصويب وعدم وجود حكم واقعى مشترك بين الجاهل والعالم بل حقيقته هو حكم الشارع وجعله ما لم يكن محرزا للواقع وجدانا محرزاله تعبدا كما في الامارات اوجعله التعبد بترتيب آثار الاحراز مع الشك في موارد الاصول فجميع الاحكام الظاهرية ترجع إلى التصرف في مرتبة الاحراز ولذا ذكرنا سابقا ان اصالة الطهارة حاكمة على الادلة الواقعية بالحكومة الظاهرية لا الواقعية فصفة المحرزية المجعولة لموضوعاتها وان كانت ثابتة في مقام الجعل واقعا الا انها لا تتحقق خارجا

[ 202 ]

ولا تتصف الموضوعات بها في مقام الفعلية الا بعد احراز المكلف لهذا الجعل وموضوعه فحال الجعل في المقام في ترتب الاثر عليه حال العقود فكما ان نتيجتها كالملكية مثلا وان كانت منشأة بفعل احد المتعاقدين كالبايع مثلا الا انها لا تتحقق في الخارج الا بقبول المشترى كذلك الحجية أي جعل الشارع صفة المحرزية لشيئ لا تتحقق في الخارج الا بوصول هذا الجعل وموضوعه إلى المكلف وليس حالها حال الاحكام الواقعية التى تتحقق في الخارج بنفس الانشاء سوء علم به المكلف ام لم يعلم به ولا يتوقف وجودها على ازيد من الانشاء كما في الايقاعات ولا يتفاوت الحال فيما ذكرنا وهو ان الحجية لا تتحقق الا بالوصول بين ان نقول بتعلق الجعل الحجية كما هو الحق وان نقول بكونها منتزعة من الاحكام التكليفية فان النزاع في متعلق الجعل لاربط له بما ذكرناه من توقف تحقق الحجية في الخارج على الوصول إلى المكلف فإذا ثبت توقف تحقق الحجية على الوصول فالدليل الذى كان سندا للمجتهد في الزمان الاول لعدم العثور على ما كان مقد ما عليه كان متصفا بالحجية حقيقة مثلا إذا ورد عام ولم يثبت مخصصه فبما ان صفة الحجية ليست متحققة في الخاص قبل وصوله فالعام متصف بالحجية في ظرف عدم وصول التخصيص وبعد وصوله يتبدل الحجة فيكون الخاص حجة دون العام لكن صحة هذا المبنى لا تستلزم القول بالاجزاء فان المفروض عدم التبدل في الحكم الواقعي غاية الامران سند الاجتهاد السابق كان حجة في الزمان الاول قبل وصول رافعها ومتصفا بصفة المحرزية ومن المعلوم انه لا يزيد المحرز الجعلى على المحرز الوجداني في انه إذا انكشف خطأه وبقاء الواقع على حاله فلابد من الاتيان به اعادة أو قضاء لان المفروض عدم الاتيان لا بالواقع ولا بما يكون مسقطا له وبدلا عنه ولافرق فيما ذكرناه بين القول بالطريقية والقول بالسببية والموضوعية اذلو بنينا على السببية فانما نلتزم بها على الوجه الثالث الذى أفاده العلامة الانصاري (قده) في تصوير السببية وحاصله أن يكون قيام الامارة موجبا لتدارك المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة مثلا إذا قامت الامارة على وجوب صلاة الجمعة فتارة ينكشف خلافهاو وجوب صلاة الظهر واقعا بعد مضى وقت الفضيلة للصلاة فالمقدار الفائت هي مصلحة اول الوقت فقط فالمتدارك بالامارة لابدوان يكون هي تلك المصلحة المذكورة واما

[ 203 ]

مصلحة اصل الصلاة وكونها في الوقت فلم تفت فلابد من الاعادة وأخرى ينكشف الخلاف بعد مضى الوقت بتمامه فالمقدار الفائت والمتدارك هي المصلحة الوقتيه لكن مصلحة نفس صلوة الظهر التى لادخل للوقت فيها قابلة للاستيفاء بعد خروج الوقت حال انكشاف الخلاف وسقوط الامارة عن الحجية فلا موجب للالتزام بتداركها بالعمل بتلك الامارة فلابد من التدارك بالقضاء وثالثة لا ينكشف الخلاف إلى الا بد فيكون الفائت والمتدارك تمام المصلحة وبالجملة ان امكننا دفع شبهة ابن قبة في جعل الامارات على الطريقية فنلتزم بهذا والا فبالسببية بهذ المعنى لا بالمعنى الذى التزم به المعتزلة وهو الوجه الثاني الذى ذكره العلامة الانصاري (قده) في معنى السببية وحاصله ان يكون قيام الامارة موجبا لحدوث مصلحة في مؤديها غالبة على مصلحة الواقع فان السببية بهذا المعنى وان كانت مستلزمة للاجزاء الا انها مستلزمة للتصويب واختصاص الحكم الواقعي بغير من قامت عنده الامارة على خلافه (والحاصل) انه بناء على اصول الامامية إذا فرضنا استنباط حكم من مقدمات كلها كانت حجة شرعية (ومع) ذلك ظهر بعد ذلك خلاف الاستنباط الاول من دليل أقوى (فلا) محيص عن القول بعدم الاجزاء في مورده لان ماكان حجة حدوثا من قبل الشارع فهو انما ينفع في ترتب الاثار عليه بقاء في ما إذا كان باقيا على الحجية ايضا بعدم انكشاف خلافه مثلا إذا سئل المصلى جمعة في يوم الجمعة عن سبب اجتزائه بها عن صلوة الظهر فلا محالة يجيب بقيام الحجة عنده على وجوب صلاة الجمعة (وكذلك) لو سئل عن سبب اجتزائه بها عن قضاء صلوة الظهر بعد خروج الوقت فله التمسك بقيام الحجة على وجوب صلوة الجمعة واما إذا انكشف الخلاف وسقط مدرك فتواه السابقة عن الحجية فلا ينفعه الجواب بقيام الحجة عنده في زمان ما كما في القطع الوجداني بعينه " هذا " مع ان الفرض المزبور ممنوع كلية فانه لابد في استنباط أي حكم كان من اعمال الظنون الاجتهادية الثابتة حجيتها من طريق العقل فيكون انكشاف الخلاف حينئذ في الحكم العقلي ولاريب حينئذ في عدم الاجزاء ولو بنينا على الاجزاء في الاحكام الا ظاهرية الشرعية. واستدل القائلون بالاجزاء بوجوه (الاول) ان عدم الاجزاء في موارد الاوامر

[ 204 ]

الشرعية الظاهرية مستلزم للحرج نوعا فيكون منفيا شرعا (وفيه ان) الاستد لال بنفى الحرج في امثال المقام ناش من خلط موضوع الحكم بداعي جعله (وتوضيحه) ان الحرج أو الضرر قد يكون داعيا للشارع إلى جعل حكم من الاحكام كالحكم بطهارة الحديد وخيار الشفعة الناشئين عن لزوم الحرج والضرر في فرض عدمهما ولو كان ذلك بحسب غالب الاشخاص فالحكم يكون ثابتا على وجه الاطلاق وغير مقيد بالحرج أو الضرر الشخصيين ولا بأس بكون شيئ داعيا وحكمة لجعل حكم لا يدور ذلك الحكم مدار لكن ذلك ليس الاشأن الشارع لا المجتهد والفقيه فانه ليس بجاعل الاحكام حتى يفتى في موضوع بحكم كلى لاجل الضرر أو الحرج النوعى بل شأنه الافتاء على طبق استنباطه الاحكام من المدارك الشرعية وقد يكون الحرج أو الضرر موضوعا للحكم كما في قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) فانه بعد حكومته على سائر الادلة في قوة ان يقول ان الاحكام المجعولة الشرعية ترتفع في مورد الحرج وبما ان القضايا المتكلفة لبيان الاحكام الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية فالاحكام تتعدد بتعدد موضوعاتها فأى موضوع كان الحكم فيه حرجيا يرتفع حكمه والا فلا فالنزاع في هذا المقام في ان الحرج أو الضرر المنفيين نوعيان أو شخصيان مما لا معنى له (1) لعل هذا الاشتباه انما نشأ من استعمال كلمة لاضرر في اخبار الشفعة مع الغفلة عن ان كونه في مقام داعيا وحكمة لاربط له بما إذا كان موضوعا للحكم إذ معه لا يعقل الا كون الضرر شخصيا لما ذكرناه من لزوم تعدد الاحكام بتعدد موضوعاتها هذا مضافا إلى ان الضرر في مقام الحكومة لو كان نوعيا للزم القول بعدم وجوب القضاء مطلقا لافى خصوص انكشاف مخالفة الاحكام الظاهرية كما هو واضح واما توهم ان خيار الغبن الذى افتى


1 - لا يخفى ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من التفرقة بين كون الضرر أو الحرج داعيا إلى جعل الحكم على موضوعه وكو نه بنفسه موضوعا للحكم المجعول وان كان متينا جدا الا انه لا ينافى امكان اخذ الضرر أو الحرج النوعى موضوعا لحكم من الاحكام ومع ذلك لا تخرج القضية عن كونها حقيقية نعم ان ادلة نفى الضرر والحرج ظاهرة في نفى الضرر والحرج الشخصيين فالاشكال انما هو في مقام الاثبات دون مقام الثبوت فلا وجه لما افيد في المتن من عدم تعقل اخذ الضرر أو الحرج النوعى موضوعا للحكم الشرعي (*)

[ 205 ]

به الاصحاب حكم كلى مدركه ادلة نفى الضرر مع ان ترتب الضرر على لزوم العقد نوعي لا شخصي فمد فوع بأن الدليل على خيار الغبن انما هو بناء المتعاقدين في غير المعاملات المحاباتية على حفظ مالية ماليهما من تبدل شخص المال وهو الذى عليه يدور نظام العالم فكون مالية مال كل منهما بمقدار مالية مال الآخر شرط ضمنى في العقد وتخلفه يوجب الخيار والاستدلال عليه بحديث لاضرر انما هو من باب تكثير الادلة لامن جهة كونه هو المدرك للفتوى ومع قطع النظر عن بناء المتعاقدين لا يمكن التمسك لاثبات الخيار المزبور بحديث لاضرر كما هو الحال في المعاملات المحاباتية هذا مع ان الضرر في تمام المعاملات الغبنية شخصي فلا ربط له بامثال ما نحن فيه اصلا (الثاني) ما اشرنا إليه من ان الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الاول فلا وجه لرفع اليد عنه به وقد ظهر جوابه مما ذكرناه فلا نعيد " الثالث " ماعن صاحب الفصول " قده " من ان القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين " وفيه " انه لم يظهر معنى معقول لهذا الاستدلال اصلا فان مؤدى الاجتهاد بعد فرض كونه حكما كليا غير مختص بزمان خاص ان اراد انه لا يتحمل اجتهادين من شخص واحد في زمان واحد فهو مسلم لكنه اجنبي عن المقام وان اراد انه لا يتحمل اجتهادين في زمانين فهو بديهى البطلان (الرابع) ان تبدل الاجتهاد وقيام حجة اخرى على خلاف الحجة السابقة ليس الا نظير النسخ فانه بوصول الحجة الثانية ينقضى زمان الحجة الاولى فهى إلى زمان الحجة الثانية كانت حجة واقعية لما ذكرناه من ان الحجية ليس لها مرتبتان واقعية وظاهرية بل حقيقتها متقومة بالوصول ومن الواضح انه لا معنى للحجية الا الاكتفاء عن الواقع بالعمل بما هو حجة في مقام الامتثال وحيث أن المفروض ثبوت الحجية لها في الزمان الاول والعمل على طبقها فلابد من الاكتفاء بموافقتها وان ارتفعت حجيتها بعد انكشاف الخلاف (وفيه) ما عرفت من انه بناء على اصول المخطئة وعدم تغير الحكم الواقعي بقيام الحجة على خلافه لا يكون حال الحجة الشرعية المتصفة بصفة الحجية سابقا الاكحال الاحراز الوجداني فكما انه لا معنى لتوهم الاجزاء فيه بعد انكشاف الخلاف وبقاء الواقع كذلك لا معنى لتوهم الاجزاء بموافقة الحجة الشرعية التى جعلت محرزة للواقع تعبدا بعد انكشاف خلافها بقيام حجة اقوى عليه (هذا) كله فيما يقتضيه الاصل الاولى في المقام والا فربما يدعى الاجماع على الاجزاء اعادة وقضاء

[ 206 ]

عند تبدل الحكم الظاهرى اجتهادا أو تقليدا والتحقيق ان هناك ثلاثة مقامات (المقام الاول) الاجزاء في العبادات الواقعة على طبق الاجتهاد الاول عن الاعادة والقضاء (الثاني) الاجزاء في الاحكام الوضعية فيما لم يبق هناك موضوع يكون محلا للابتلاء كما إذا بنى على صحة العقد الفارسى اجتهادا أو تقليدا فعامل معاملة فارسية ولكن المال الذى انتقل إليه بتلك المعاملة اتلفه أو تلف عنده (الثالث) الاجزاء في الاحكام الوضعية مع بقاء الموضوع الذى يكون محلا للابتلاء كبقاء المال بعينه في الفرض السابق وكما إذا عقد على امراة بالعقد الفارسى وكانت محل الابتلاء له بعد انكشاف الخلاف اما المقام الاول فلا اشكال في أنه القدر المتيقن من مورد الاجماع (1) واما المقام الثالث فلا اشكال في خروجه عن مورده وفتوى جماعة فيه بالاجزاء انما هو لا لاجل ذهابهم إلى كون الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية لاجل الاجماع على ذلك واما المقام الثاني ففى شمول الاجماع له اشكال بل منع وان كان لا يبعد انعقاد الاجماع على عدم التبعة في الافعال الصادرة على طبق الاجتهاد الاول سواء كانت التبعة هي الاعادة والقضاء أو الضمان فيشمل المقام الثاني ايضا لكنه مجرد نفى العبد (وشمول) معقد الاجماع له في غاية الاشكال ان لم نقل بانه ممنوع فلا بدمن التأمل و التتبع التام


1 - الظاهر انه ليس في شيئ من المقامات الثلا ثة اجماع تعبدي والقائل بالاجزاء انما ذهب إليه لدلالة الدليل عليه باعتقاده وعليه فلا مقتضى لرفع اليد عن ما تقتضيه القاعدة الاولية من لزوم الاعادة والقضاء في العبادات بعد انكشاف الخلاف ولزوم ترتيب جميع آثار انكشاف الخلاف في المعاملات ولابد في القول بالاجزاء من دلالة دليل عليه وقد عرفت انه لادليل عليه نعم بناء على ما هو التحقيق عندنا من شمول حديث (لا ؟ عاد) لموارد الجهل عن قصور لا يجب اعادة الصلوة عند انكشاف مخالفة المأتى به للواقع في غير الخمس المذكورة في الحديث وفى غير ما ثبت فيه عدم الاجزاء بدليل خاص فالاصل الاولى وان كان يقتضى عدم الاجزاء الا ان الاصل الثانوي يقتضى الاجزاء ما لم يثبت عدمه بدليل خاص (*)

[ 207 ]

بقي هناك امور الاول ما اشرنا إليه من أن مقتضى القاعدة الاولية هو عدم الاجزاء في الموضوعات كالاحكام وأن الالتزام بالاجزاء مطلقا يستلزم القول بالتصويب والتصويب في الموضوعات وان لم يقم اجماع على بطلانه الا انه خلاف ظواهر الادلة المثبتة للاحكام لموضوعاتها الواقعية كما انه خلاف ظواهر ادلة الطريق المجعولة فانها ظاهرة في الطريقية المحضة وعلى تقدير ضيق الخناق ولزوم الالتزام بالسببية فلا ملزم للالتزام بازيدمن وجود المصلحة لسلوكية التى لا تستلزم الاجزاء كما عرفت نعم لو قام دليل بالخصوص على الاجزاء فلابد من رفع اليد عن مقتضى القاعدة الاولية كما دل الدليل عليه عند انكشاف الخلاف بعد حكم الحاكم في باب القضاء في الجملة الثاني انه لافرق في كون عدم الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية بين المجتهد والمقلد فإذا كان مقتضى التقليد الثاني هو بطلان الاعمال الواقعة على طبق التقليد الاول فلابد من ترتيب الاثر فعلا على طبق الحجة الفعلية (وتوهم) ان حجية فتوى المجتهد في حق المقلد من باب السببية والموضوعية لا الطريقية ولذا يجب الرجوع إلى الاعلم الحى ولو فرضنا مخالفة فتواه للمشهور بين المتقدمين والمتأخرين مع ان طريقيتها للواقع اضعف من فتوى المشهور بالضرورة (مدفوع) بأن عدم ايجاب الطريق للظن بالواقعة احيانا مع اشتماله على خصوصية موجبة لتعينه لا ينافي طريقيته كما في حجية الظواهر فان حجيتها غير مقيدة بالظن بالوفاق ولا بعدم الظن بالخلاف مع انها من باب الطريقية قطعا (هذا) مع انك قد عرفت انه لوضاق بنا الخناق فلا نلتزم بأزيد من المصلحة السلوكية التى لا تستلزم الاجزاء وبالجملة المدار في الاجزاء وعدمه على موافقة حكم الله الواقعي وعدمها بناء على اصول المخطئة ولا فرق بين ان يكون الطريق المعمول به ناظرا إلى الواقع ابتداء كما في الطرق التى يستعملها المجتهد وان يكون ناظرا إلى طريق الواقع فيكون طريقا للطريق كما في فتوى المجتهد بالاضافة إلى المقلد الثالث ان الاجزاء لو قيل به في الاحكام الظاهرية الشرعية لبعض الوجوه

[ 208 ]

المذكورة فلا يتوهم القول به في الحكم العقلي اصلا سواء كان منشأه القطع بالحكم الشرعي أو احد الظنون الاجتهادية أو اجراء البراءة العقلية والسرفي ذلك ان القائل بالاجزاء في الاحكام الظاهرية الشرعية انما قال به لذهابه إلى السببية على رأى المعتزلة فان بعض الامامية قد اختار مذهبهم فيها وهذا في الاحكام العقلية مفقود قطعا وانما الثابت فيها هي المعذورية وعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع على تقدير عدم التقصير في المقدمات والا فلا يرتفع استحقاق العقاب ايضا ولذا لاشبهة في استحقاق الكفار للعقاب مع ان اكثر هم قاطعون بمذهبهم الا ان قطعهم بذلك انما نشأ من التقصير في المقدمات الموجبة لقطعهم فلا يكون عذرا لهم في عدم استحقاق العقاب. الرابع انه لافرق فيما ذكرناه من كون عدم الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية بين اختلاف الحجة بالنسبة إلى شخص أو شخصين كما إذا فرضنا اختلاف المجتهدين في الفتوى فلا يجرى فتوى احدهما بالنسبة إلى الآخر أو لمقلديه ولا فرق في ذلك بين المعاملات وابواب الطهارات والنجاسات وابواب العبادات إذا كان احدهما محلا لابتلاء الآخر مثلا إذا كان احد الشخصين يرى جواز العقد بالفارسي وطهارة العصير العنبى وعدم جزئية السورة للصلاة فلا يمكن لمن لا يرى تلك الامور ان يكون احد طرفي العقد معه اوان يعامله معاملة الطاهر في فرض العلم بملاقاته للعصير أو يقتدى به في الصلاة أو يستأجره لها مع فرض تركه للسورة فالمسألة في جميع ذلك محل اشكال لعدم تمامية الاجماع على الاجزاء مع كون عدمه مقتضى القاعدة واشكل الجميع هو باب الطهارة والنجاسة الا ان يقال بكون الغيبة من المطهرات ولو مع اعتقاد الغائب لنجاسته كما افتى به صاحب الجواهر (قده) ومال إليه سيد اساتيذنا المحقق الشيرازي (قده) وقد نقل الاستاذ دام ظله انه كان يفتى به شفاها الفصل الرابع إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا لدليل المنسوخ على الجواز اصلا لكون الا حكام كلها بسائط يضاد بعضها بعضها الآخر فارتفاع بعضها لا يكون فيه دلالة على

[ 209 ]

ثبوت واحد معين وحديث امكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل اجنبي عن المقام بعد فرض بساطة الاحكام كما بيناه سابقا الفصل الخامس إذا كان الامر الذى تعلق به الامر مأخوذا على نحو الموضوعية لتعلق غرض الامر به بنفسه فلا اشكال في ان الامر المتعلق بذلك الامر ليس امرا بالفعل الذى هو متعلق الامر الثاني (واما) إذا كان مأخوذا على نحو الطريقية وكان الغرض متعلقا بنفس الفعل فلا اشكال في كون الامر بالامر امرا بالفعل حقيقة (والظاهر) من نفس الامر بالامر من دون ان يكون قرينة في البين على الموضوعية أو الطريقية هو الطريقية لانسباقها إلى الذهن في العرف فيكون مقتضى الاصل هي الطريقية ما لم يكن هناك قرينة صارفة عن ذلك. الفصل السادس قد عرفت في مبحث الواجب المشروط ان فعلية الحكم في القضايا الحقيقية مشروطة بوجود موضوعه خارجا ويستحيل تخلفها عنه وعلم الآمر بوجوده أو بعدمه اجنبي عن ذلك (1) فلا معنى للبحث عن جواز امر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه كما قد عرفت ان الحكم في القضايا الخارجية يدور مدار علم الحاكم ووجود شروط الحكم واما نفس وجودها في الخارج أو عدمها فيه فهو اجنبي عن الحكم فلا معنى للبحث عن الجواز المزبور فيها ايضا (فالتحقيق) ان هذه المسألة باطلة من اصلها وليس فيها معنى معقول يبحث عنه (واما) الثمرة التى رتبوها عليها من وجوب الكفارة على من افطر في شهر


1 - فعلية الحكم في القضايا الحقيقية وان كانت تدور مدار وجود الموضوع خارجا الا ان جعل الحكم على الموضوع المقدر وجوده مع العلم بعدم تحققه خارجا لغو لا يمكن صدوره من الحكيم نعم إذا كان نفس جعل الحكم موجبا لعدم تحقق الموضوع وكان غرض الجاعل في جعله الحكم هو ذلك كما إذا فرض ان جعل القصاص اوجب عدم تحقق القتل الاختياري في الخارج فلا مانع من جعله فالحق في المقام هو التفصيل ومن ذلك يظهر الحال في القضايا الخارجية ايضا (*)

[ 210 ]

رمضان ولو لم يتم له شرائط الوجوب إلى الليل فهى مترتبة على بحث فقهى وهو ان وجوب الصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد الانات اوهو تكليف واحد مشروط بشرط متأخر وهو بقاء شرائط الوجوب إلى المغرب وعلى الثاني فهل لنا تكليف آخر بامساك بعض اليوم في خصوص ما إذا ارتفع شرط الوجوب بالاختيار أو مطلقا اولا والبحث عن ذلك موكول إلى محله الفصل السابع اختلفوا في ان الامر وامر هل هي متعلقة بالطبائع أو الافراد ولابد لنا من تحرير محل النزاع في المقام اولا ثم بيان ما هو الحق فيه ثانيا فنقول لاريب في ان مراد القائل بتعلقها بالافراد ليس هو تعلق الامر بما فرض وجود في الخارج فانه مسقط له فلا يعقل ان يكون معروضا له مع انه من طلب الحاصل واما ما ذهب إليه بعض الاساطين من تفسير تعلق الامر بالافراد بانكار التخيير العقلي بين الافراد الطولية والعرضية وان التخيير بين الافراد يكون شرعيا دائما بخلاف تعلقه بالطبيعة التى هي الجهة الجامعة ونفس القدر المشترك بين الافراد فانه يستلزم كون التخيير بينها عقليا لا محالة فهو وان كان ممكنا عقلا الا انه بعيد جدا لاستبعاد احتياج تعلق الطلب بشيئ إلى تقدير كلمة أو بمقدار افراده العرضية والطولية مع عدم تناهيها غالبا مضافا إلى ان وجود التخيير العقلي في الجملة مما تسالم عليه الجميع ظاهرا (فالتحقيق) ان النزاع في المقام مبتن على النزاع في مسألة فلسفية وهى ان ان الكلى الطبيعي هل هو موجود في الخارج اولا (وتوضيح ذلك) يتوقف على بيان المراد من وجود الكلى الطبيعي وعدمه (فنقول) قد عبر بعض القائلين بانكار وجود الطبيعي في الخارج ان الكلى الطبيعي من المفاهيم الانتزاعية ولا يخفى ان مراده بذلك ليس هو الانتزاع المصطلح عليه في ما هو من قبيل الخارج المحمول المنتزع من خصوصيات ذاتية كالعلية والمعلولية أو من خصوصيات قيام العرض بمعروضه كالسبق واللحوق والمقارنة كيف وقد اتفقوا على تقسيم المحمولات إلى ذاتية وهى المحمولات المقومة للذات والى غير ذاتية وعلى تقسيم مالا يكون ذاتيا إلى محمولات بالضميمة وهى المحمولات بواسطة قيام احد

[ 211 ]

الاغراض التسعة بمعروضاتها والى محمولات انتزاعية المعبر عنها بالخارج المحمول كما انه ليس مراد القائل بوجوده في الخارج هو القول بتحققه في الخارج من دون تشخص وخصوصية كيف وقد اتفقوا على ان الشيى ما لم يتشخص لو يوجد " بل " المراد من هذا النزاع على نحو يكون نزاعا معقولا هو ان الارادة الفاعلية الموجدة للشيئ في الخارج هل تتعلق بنفس الشيئ مع قطع النظر عن مشخصاته وهى انما توجد معه قهر الاستحالة وجود الشيئ بدون التشخص أو ان المشخصات تكون مقومة للمراد بما هو مراد و يستحيل تعلق الارادة بنفس الطبيعي من دون مشخصاته وبعبارة اخرى هل التشخصات في مرتبة سابقة على الوجود (1) ليكون معروض الوجود هي الماهية المتشخصة أو هي في مرتبته حتى يكون معروض الوجود كالتشخصات نفس الماهية ونحن إذا راجعنا وجداننا في اراداتنا نرى ان متعلق الارادة في افق النفس كلى دائما وا ن كان مقيدا بالف قيد حسب اختلاف الاغراض وانما يكون التشخص بالوجود فقط فإذا كان هذا حال الافعال الارادية فيكون حال غيرها من الموجودات الخارجية المعلولة لغير الارادة ايضا كذلك


1 - لا يخفى ان حقيقة الوجود بما انها فعلية محضة يكون تشخصها بنفس ذاتها فكل وجود في نفسه مغاير لوجود آخر ومتشخص بنفسه واما تشخص الماهية فهو انما يكون بالوجود وهذا معنى قولهم ان الشيئ ما لم يوجد لم يتشخص واما قولهم الشيئ ما لم يتشخص لم يوجد فالمراد من التشخص فيه هو التشخص في مرتبة علة الشيئ الموجدة له لا نشخصه المتقوم بالوجود الخارجي المحقق أو المفروض هذا حال الشخص الحقيقي الذى يكون بالوجود ويعرض الماهية بتبع عروض الوجود لها واما الامور التى لا تنفك عن الوجود خارجا كالاعراض الملازمة مع الوجود الجوهرى فهى لا تكون مشخصة له ابدا بل هي موجودات اخرى في قبال ذلك الوجود المتشخص بنفسه ووجود كل منها متشخص بنفسه ايضا واطلاق المشخص عليها احيانا مبنى على ضرب من المسامحة والعناية وعليه فلا مجال لتوهم ان الامر بشيئ يكون امرا بمشخصاته المسامحية نعم لو بنينا على لزوم كون المتلازمين في الوجود متفقين في الحكم لكان اللازم هو اتصاف المشخص بحكم المتشخص ايضا لكنه بمراحل عن الواقع على ما سيتبين في محله انشاء الله تعالى فتلخص ان القول بتعلق الامر بالمشخصات يبتنى على القول بسراية حكم الشيئ إلى ملا زمه ولا د خل له بكون المشخصات في مرتبة سابقة على الوجود اوفى مرتبة لاحقة له ومن ذلك يظهر مافى كلام شيخنا الاستاد قدس سره في هذا المقام فلا تغفل (*)

[ 212 ]

فيكون نفس الطبيعي معروض الوجود والتشخص دائما (إذا تبين ذلك) فبضميمة ان ما هو متعلق الارادة التكوينية من العبد لابد وان يكون بعينه متعلقا للارادة التشريعية من المولى فان نسبة الارادة التشريعية إلى التكوينية وان لم يكن نسبة العلة إلى معلولها حقيقة الا انها في حكم العلة لها ومحركة للعبد إلى ارادة ما تعلقت به يتضح لك ان متعلق الاوامر هي نفس الطبائع وتكون المشخصات كلها خارجة عن المأمور به (واما) ثمرة البحث فتظهر في مبحث اجتماع الامر والنهى فانه بعد اثبات تعلق الاوامر بالطبائع وان المشخصات خارجة عن متعلق التكليف واثبات ان نسبة كل من الكليين في مورد الاجتماع من قبيل المشخص للكلى الآخر لا محيص عن القول بجواز الاجتماع وسيأتى تفصيل ذلك في محله انشاء الله تعالى الفصل الثامن في مقدمة الواجب وينبغى لتنقيح البحث تقديم مقدمات الاولى اختلفوا في ان مسألة وجوب المقدمة هل هي من المسائل الكلامية أو من المسائل الفقهية أو من المبادى الاحكامية أو من المسائل الاصولية وعلى تقدير كونها من المسائل الاصولية فهل هي من مباحث الالفاظ أو من المسائل العقلية (والحق) هو الاخير أما كونها اصولية فلما ذكرنا في اول الكتاب من ان الميزان في كون المسألة اصولية هو استنباط الحكم الشرعي الكلى عند انضمام نتيجتها إلى صغرياتها ومن الواضح ان هذه المسألة كذلك واما كونها عقلية فلان المباحث العقلية تنقسم إلى قسمين " الاول " ما يستنبط الحكم الشرعي منه مستقلا بلا احتياج إلى مقدمة شرعية كباب التحسين والتقبيح العقليين " والثانى " ما يستنبط منه الحكم الشرعي عند انضمام مقدمة شرعية إليه كمباحث المفاهيم فان الحاكم بالمفهوم هو العقل لكن استنباط الحكم متوقف على صدور منطوقه من الشارع ومسألة مقدمة الواجب من هذا القبيل فان الحاكم بوجوب المقدمة من باب الملازمة هو العقل لكن وجوب المقدمة بالفعل لا يترتب على حكم العقلل بالملازمة الا بعد ثبوت وجوب ذى المقدمة في الخارج و عدم التمييز بين القسمين مع توهم حصر المسائل العقلية في القسم الاول اوجب جعلها من مباحث الالفاظ والا فلا ربط لهذه المسألة بالالفاظ اصلا غاية الامران الوجوب قد

[ 213 ]

يستفاد من اللفظ كما انه قد يستفاد من غيره واما جعلها من المبادى الاحكامية التى قد عرفت الحال فيها في اول الكتاب أو من المسائل الكلامية فغير صحيح بعد فرض صحة عقدها اصولية نعم لو لم يكن فيها جهة اصولية لصح عقدها من المبادى مرة و كلامية اخرى واما جعلها من المسائل الفقهية فقى غاية البعد فان علم الفقه متكفل لبيان احوال موضوعات خاصة كالصلاة والصوم وغيرها والبحث عن وجوب كلى المقدمة التى لا ينحصر صدقها بموضوع خاص لا يتكفله علم الفقه (1) اصلا الثانية ان الوجوب المتنازع فيه في المقام ليس هو الوجوب العقلي بمعنى اللابدية فانه عبارة اخرى عن المقد مية وانكاره مساوق لانكار المقدمية وهو خلاف المفروض ولا الوجوب العرضى بمعنى اسناد الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة اولا وبالذات الى المقدمة ثانيا وبالعرض بداهة ان هذا المعنى مما لا يقبل الانكار من احد فيدور الامر بين معنيين آخرين (احدهما) ما جعله المحقق القمى (قده) محلا للنزاع واختار فيه عدم الوجوب وهو الوجوب الاستقلالي الناشئ عن وجوب ذى المقدمة والظاهر ان هذا المعنى ليس محلا للكلام ايضا فان الوجوب المترشح الاستقلا لى انما يكون عند الالتفات إلى المقدمية هو قد يكون وقد لا يكون فلا يلازم وجوب ذى المقدمة دائما بداهة ان ايجاب ذى المقدمة لا يستلزم وجوب مقدمته وجوبا استقلاليا الا مع التصديق بالمقدمية فلو قطع الامر بعدم المقدمية أو غفل عن ذلك فلا يتاتى منه هذا


1 - لا يختص المباحث الفقهية بما يبحث فيه عن حكم موضوع من الموضوعات الخاصة لان جملة من المباحث الفقهية كمباحث وجوب الوفاء بالنذر واخويه ووجوب اطاعة الوالدين ووجوب الوفاء بالشرط ونحوها يبحث فيها عن احكام العناوين العامة القابلة للصدق على الافعال المختلفة في الماهية والعنوان بل الوجه في خروج هذه المسألة عن المباحث الفقهية هو ان البحث في المقام انما هو عن ثبوت الملازمة بين طلب شيئ وطلب مقدمته سواء كان الطلب وجوبيا ام كان استجابيا واما تخصيص الموضوع في كلام كثير منهم بالوجوب فانما هو لاجل الاهتمام بشأنه لا من جهة اختصاص النزاع به وعليه فلاوجه لتوهم دخول المبحث في المباحث الفقهية بل هو بحث اصولي تقع نتيجة في طريق استنباط الحكم الشرعي وذلك لانه بعد ثبوت الملازمة ووجوب شيئ في الخارج نقول لو كان هذا الشيئ واجبا لوجبت مقد مته لكنه واجب فمقدمته واجبة (*)

[ 214 ]

النحو من الايجاب قطعا وان كانت المقدمة متصفة بنحو آخر من الوجوب بناء على ثبوت الملازمة كما ستعرف (وثانيهما) ما يظهر من كلام متأخرى المحققين كونه محلا للنزاع وهو الوجوب الترشحى التبعى الذى لا يدور مدار الالتفات وعدمه فالقائل بالوجوب لاجل الملازمة العقلية يرى ان من اوجب شيئا فهو يوجب مقدمته قهرا بوجوب آخر تبعى وان لم يلتفت إلى مقدميتها أو قطع بدمها (ولا يخفى) ان هذا النحو من الوجوب وان كان ثابتا للمقدمة كما ستعرف الا انه لا يترتب على البحث عنه ثمرة اصلا لعدم كونه مدار استحقاق الثواب والعقاب ولا التقرب من المولى والبعد عنه كما عرفت واما توهم وجود الثمرة مبحث الضد فهو (1) متوقف على اثبات مقدمية ترك احد الصدين


1 - سيجيئ في محله ان القول بكون ترك احد الضدين مقدمة للضد الاخر مع القول بوجوب المقدمة وعدم صحة الترتب لا يستلزم القول بفساد العبارة عند كونها مزاحمة بواجب اهم وذلك لان العبادة حينئذ وان كانت منهيا عنها الا انه لا يوجب فسادها لاختصاص اقتضاء الفساد بالنهي النفسي الناشئ من وجوب المفسدة في متعلقة ولا يعم النهى الغيرى الناشئ من مقدمية تركه لواجب فعلى فلا ثمرة للبحث من هذه الجهة اصلا والتحقيق في بيان الثمرة ان يقال انها تظهر فيما إذا كان الحرام مقدمة لواجب فعلى كما إذا توقف انقاذ الغريق على التصرف في ارض مغصوبة لانه إذا بنينا على عدم وجوب المقدمة شرعا فغاية ما هناك وقوع المزاحمة بين حرمة المقدمة ووجوب ذى المقدمة وبما ان المفروض كون الوجوب اهم فلا بد من رفع اليد عن حرمة المقدمة بمقدار يقتضيه الضرورة فيجوز التصرف الواقع في طريق التوصل إلى الواجب واما غيره من التصرفات كالدخول للتنزه مثلا مع فرض عدم ترتب الانقاذ عليه فلا موجب لارتفاع حرمتها واما إذا بنينا على وجوب المقدمة فان قلنا بمقالة صاحب الفصول قدس سره من اختصاص الوجوب المقدمى بالمقدمة الموصلة فالحال فيه هو الحال بعينه فيما إذا لم نقل بوجوب المقدمة اصلا واما إذا قلنا بمقالة العلامة الانصاري قدس سره على ما نسب إليه من اختصاص الوجوب المقدمى بالمقدمة التى يقصد بها التوصل إلى الواجب فيخلف حكم الدخول في الفرض المزبور جوارا ومنعا باختلاف قصد الداخل فيها فان كان قصده التوصل به إلى الواجب فهو جائز واقعا سواء ترتب عليه الواجب في الخارج ام لم يترتب عليه كما انه إذا لم يكن قصده التوصل به إلى الواجب فهو حرام واقعا من دون فرق بين ترتب الواجب عليه وعدم ترتبه عليه كما انه إذا قلنا بمقالة المشهور من كون المقدمة واجبة بالوجوب الغيرى مطلقا سواء قصد بها التوصل إلى الواجب النفسي ام - (*)

[ 215 ]

للاخر وعدم صحة الترتب وكلتا المقدمتين ممنوعتان كما سيظهر في محله انشاء الله تعالى وعليه فلا يكون النزاع الا علميا محضا الثالثة تنقسم المقدمة إلى داخلية وخارجية والداخلية تنقسم إلى داخلية بالمعنى الاخص وداخلية بالمعنى الاعم (اما) الداخلية بالمعنى الاخص فهى الاجزاء التى يتقوم المأمور به منها فيكون التقيد كذات القيد داخلا في المأمور به واما الشروط و عدم الموانع فكلها خارجية بهذا المعنى لعدم دخول ذواتها في المأمور به وان كان التقيد بها داخلا فيه (واما) الداخلية بالمعنى الاعم فهى كلما يتوقف امتثال المأمور به عليه شرها فيستحيل الامتثال بدونه وعليه فتدخل الشروط وعدم الموانع في المقدمة الداخلية ايضا والحاصل ان الشرط وعدم المانع باعتبار دخول التقيد بهما يعد ان من المقدمة الداخلية وباعتبار خروج نفسهما عن المأمور به يعدان من الخارجية و تقابل الداخلية بالمعنى الاعم الخارجية بالمعنى الاخص وهى المقدمات العقلية التى يتوقف وجود المأمور به عليها عقلا من دون ان يتوقف الامتثال عليها شرعا لعدم كون التقيد ولا ذات القيد الداخلين في ما هو المأمور به شرعا وهى تنقسم إلى علة ومعد (و مجمل الفرق) (1) بينهما ان ماله دخل في وجود الشيئ (اما) أن يكون له تأثير فيه و (اما) ان لا يكون له تأثير فيه اصلا الا انه يكون مقربا له من علته (اما الاول) فاما ان يكون علة بسيطة أو يكون جزء علة لا كلام لنا على تقدير البساطة واما على تقدير التركب فاما ان تكون العلة المركبة تدريجية الوجود اولا فإذا كانت العلة تدريجية


- لم يقصد بها ذلك وسواء ترتب عليها الواجب في الخارج ام لم يترتب عليها فالدخول في مفروض المثال يقع مصداقا للواجب مطلقا ومعه لا يعقل ان يقع مبغوضا من المكلف ومتصفا بالحرمة فلا يستحق فاعله العقاب وان كان يستحق الثواب ايضا لعدم قصد التوصل به إلى الواجب على الفرض وهذه ثمرة مهمة جدا نترتب على البحث عن ثبوت الملازمة وعدمها بين وجوب شيئ ووجوب مطلق مقدمته أو خصوص مقدمة من مقدماته 1 - ما افيد في المتن في بيان التفرقة بين المعد والعلة اصطلاح من شيخنا الاستاد قدس سره والصحيح ان المعد قسم من الشرط به الشرط المتقدم المعدوم عند وجود مشروطه وعليه فصعود الدرجة الاولى بالقياس إلى الكون في السطح يكون معدا كما ان قوة القوس بالاضافة إلى حركة السهم يكون شرطا (*)

[ 216 ]

الوجود فلا محالة يستند المعلول إلى الجزء الاخير من العلة التامة وإذا لم تكن تدريجية الوجود فالمعلول يستند إلى المقتضى منها فقط كذات النار بالاضافة إلى الاحراق سواء كان حدوث وجوده قبل حدوث وجود بقية اجزاء العلة كالمحاذاة ويبوسة المحل ونحوهما أو بعدها فانه لابد في وجود الاحراق من اجتماع تمام اجزاء العلة في الوجود في عرض واحد فلا يفرق بين سبق احدهما على الاخر في الوجود وعدمه (واما الثاني) وهو ما يقرب المعلول من علته المعبر عنه بالمعد فالفرق بينه وبين غير الجزء الاخير من العلة التامة هو ان كل جزء من أجزاء العلة كما ان له دخلا في وجود المعلول له دخل في وجود الجزء اللاحق له من اجزائها وهذا كصعود الدرج فأن صعود الدرجة الاولى كما يتوقف عليه الكون في السطح كذلك يتوقف عليه صعود الدرجة الثانية وهكذا بخلاف المعد فانه لا يتوقف عليه الانفس المعلول دون الاجزاء اللاحقه نظيره قوة القوس التى لها دخل اعدادى في حركة السهم ولادخل لها في حركة يدى الرامى التى هي الجزء الاخير من العلة ولو سمى غير الجزء الاخير من العلة التامة بالمعد بالمعنى الاعم لم يكن به بأس ايضا (إذا عرفت ذلك) فاعلم ان المحقق صاحب الحاشية (قده) اخرج المقدمات الداخلية بالمعنى الاخص عن حريم النزاع وقد استدل عليه بما يقرب من استدلال القائلين بخروج العلة عن محل الكلام وحاصله ان المقدمات الداخلية بما ان التقيدو القيد فيها داخلان في المأمور به فهى نفس متعلق الامر النفسي وليس فيها جهة اخرى توجب تعلق الوجوب الغيرى بها مع انه يستحيل كون شيئ واحد متعلقا للامر النفسي والغيري المترشح من قبل نفسه لاحتياج الامر الغيرى إلى اتصاف متعلقة بالمقدمية المستلزمة للمغايرة في الوجود بين المقدمة وذيها وعمدة الاشكال هو ذلك لا لزوم اجتماع الحكمين المتماثلين فانه يمكن الجواب عنه بالاندكاك والتأكد كما إذا كان عبادة وان كان تقيد الواجب بها داخلا في المأمور به الا ان ذواتها خارجة على الفرض فلا مانع من تعلق الوجوب الغيرى على القول بالملا زمة (واورد عليه) في التقريرات


1 - تقدم منه قدس سره انكار التاكد في امثال ذلك بدعوى ان الوجوب الغيرى انما هو في طول الوجوب النفسي لا في عرضه وقد مربيان ما هو الحق عندنا هناك (*)

[ 217 ]

بما حاصله ان الاجزاء فيها جهتان (جهة) اخذها بشرط لا وبهذه الملاحظة تكون اجزاء ومقدمة على الكل (وجهة) اخذها لا بشرط وبها تكون متحدة مع المركب وعينه كما ذكرونظير ذلك الهيولى والصورة فانهما قديؤ خذان بشرط لا وقد يؤ خذان لا بشرط وإذا ثبت فيها جهتان متغايرتان فيمكن ان يتعلق بها الوجوب النفسي بملا حظة الجهة الثانية والوجوب الغيرى بملا حظة الجهة الاولى (ويرد عليه) ان اخذ الجزء لا بشرط مرة وبشرط لا اخرى منحصر بالاجزاء الطولية التى يكون احد الجزئين قوة ومادة والجزء الآخر فعلية وصورة فلا محالة يكون بينهما الاتحاد في الوجود فيكون لحاظ كل منهما لا بشرط اعني به لحاظ كل من الجزئين على ما هو عليه من اندكاك احد هما في الآخر واتحاده معه في الوجود مصححا لحمل احدهما على الآخر وحمل كل منهما على المركب كما في الجنس والفصل و لحاظ كل منهما بشرط لا اعني به قصر النظر على حد القوة بما هي أو الفعلية بما هي موجبا لعدم صحة الحمل كما في الهيولى والصورة وقد ظهر بما ذكرناه ان معنى اخذ الاجزاء الطولية بشرط لا هو لحاظ منهما على حياله وقصر النظر على حد وجوده قوة أو فعلية المعبر عنه بكلمة (بشرط لاعن ما يتحد معه) واما لحاط كل جزء بشرط لاعن ما يكون معه بمعنى لحاظه مستقلا في الوجود بدون الآخر فهو يستلزم كون الملحوظ من الكليات العقلية التى لا موطن لها الا الذهن لامتناع وجود احدهما منفكا عن الآخر في الخارج (واما) الاجزاء والمركبات الاعتبارية التى لا اتحاد بين اجزائها في الوجود اصلا ويمتنع حمل كل منها على الآخر وعلى المركب فاعتبارها بشرط لا لا معنى له اصلا بل لابد اما من اعتبار كل جزء ذاته وعلى حياله فهو معنى لحاظه لا بشرط وبه تكون الاجزاء اجزاء واما من اعتباره بشرط الانضمام الذى هو معنى لحاظه بشرط شيئ وبه يكون المركب مركبا فملاك الجزئية في المركبات الاعتبارية اخذ الاجزاء لا بشرط وملاك التركيب اخذها منضمة وبشرط شيئ (إذا عرفت ذلك) فاعلم انه يمكن ان يقال باتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى بتقريب اخذ الشيئ لا بشرط يكون على نحوين (احدهما) اخذ الشيئ لا بشرط بلحاظ الطوارى والعوارض بحيث لا ينافيه اقترانه بشيئ منها كاخذ الرقبة في قولنا اعتق رقبة لا بشرط بالقياس إلى العدالة والفسق وغيرهما من الطوارى

[ 218 ]

ولا زمه تخيير المكلف عقلا في عتق أي رقبة شاء (وثانيهما) اخذه لا بشرط بمعنى قصر النظر على ذاته لا يلحظ معه الطوارى اصلا حتى بنحو اللا بشرطية الاولى و من المعلوم ان مقوم الجزئية انما هو اعتبار الاجزاء لا بشرط بالمعنى الثاني فان حيثية الانضمام انما تعرض لتلك الاجزاء في مقام الحكم والامتثال ولذا لو اتى المكلف بتمام اجزاء المأمور به لا بقصد الانضمام ولكن اتفق الانضمام في الخارج لما اجزاء متقدما في الرتبة على ما اخذ بشرط شيئ اعني به المركب فلا يسرى الامر النفسي المتعلق بالمركب إلى ما هو في مرتبة سابقة وعليه هي الاجزاء فلا مانع حينئذ من اتصافها بالوجوب الغيرى فتلخص ان حيثية الانضمام الطارية على ذوات الاجزاء أو جبت كونها امرا آخر في قبال نفس ذواتها التى هي مقدمة لهذا الامر الواحد اعتبارا في مقام التشريع والامتثال وبذلك يندفع اشكال ترشح الامر الغيرى بشئ من الامر النفسي المتعلق بذاك الشيئ بعينه نعم حيث ان ذوات الاجزاء موجودة في ضمن المركب لا بوجود آخر فيبقى اشكال اجتماع المثلين بحاله وقد عرفت انه ليس فيه كثير اشكال للزوم مثله في العبادات الواجبة التى هي مقدمة لواجب آخروانه يمكن الجواب عنه بالالتزام بالاندكاك والتاكد هذا ولكن (الاتصاف) ان ما ذكرناه من التقدم والتأخر وان كان صحيحا بالنظر إلى لحاظ الجزء والمركب في نفسيهما الا انه لا يصحح اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى الذى ملاكه توقف احد الوجدين على الآخر وبما انه ليس في مفروض الكلام مغايرة بين الوجودين فلا يعقل ترشح الوجوب الغيرى المتعلق بالاجزاء من الوجوب النفسي المتعلق بالمركب الذى هو نفس الاجزاء في الخارج على الفرض واما المقدمات الخارجية فقد اختلف فيها انظار العلماء (فمنهم) من ذهب إلى وجوب المقدمة السببية وانكره في غيرها ونسب هذا القول إلى السيد (قده) ولكن النسبة غير صحيحة فانه (قده) فرق بين المقدمة السببية وغيرها بان وجوب الواجب لا يمكن ان يكون مشروطا بسببه للزوم طلب الحاصل بخلاف غيره من المقدمات فانه لامانع من اشتراط الوجوب بوجودها فمطلبه اجنبي عما نحن فيه رأسا (ومنهم) من ذهب إلى ان محل النزاع انما هو غير المقدمة السببية واما السببية فهى واجبة بالوجوب

[ 219 ]

النفسي المتعلق بالمسبب فان المقدور هو السبب وانما المسبب من لوازم وجوده قهرا وليس هو بنفسه تحت اختيار العبد فلا يمكن ان يتعلق به الوجوب لما قد بيا سابقا ان مالا يمكن تعلق الارادة التكوينية الفاعلية به لا يمكن تعلق الارادة التشريعية الآمرية به ايضا فلابد من صرف الوجوب الثابت للمسبب في ظاهر الدليل إلى سببه (والتحقيق) في هذا المقام أن يقال أن ما يسمى علة ومعلولا اما يكون وجودا احدهما مغاير الوجود الآخر في الخارج أو يكونا عنوانين لموجود واحد وان كان انطباق احدهما عليه في طول انطباق الآخر لافى عرضه (اما) ماكان من قبيل الاول كشرب الماء ورفع العطش فلا اشكال في أن الارادة الفاعلية تتعلق بالمعلول اولا لقيام المصلحة به ثم تتعلق بعلته لتوقفه عليها فيكون حال الارادة التشريعية الآمرية ايضا كذلك وهذا معنى ما يقال من ان المقدور بالواسطة مقدور فلا معنى لصرف الامر المتعلق بالمسبب إلى سببه بعد كون المسبب مقدورا ولو بالواسطة وكونه هو الوافى بالغرض الاصلى (واما) ماكان من قبيل الثاني كالقاء النار والاحراق المتصف بهما فعل واحد في الخارج (1) وان كان صدق عنوان الالقاء متقدما على صدق عنوان الاحراق رتبة وكذلك عنوان الغسل والتطهير فقد بينا سابقا أن كلا من العنوانين قابل لتعلق التكليف به كما في قوله (عليه السلام) (اغسل ثوبك من ابوال مالا يوكل لحمه) وقوله تعالى (وثيابك فطهر) فإذا تعلق بالمسبب في ظاهر الخطاب فهو متعلق بذات السبب في نفس الامر لا محالة كما انه إذا تعلق بالسبب فهو يتعلق به بما انه معنون بمسببه وهذا القسم هو مراد العلامة الانصاري (قده) من المحصل في ما ذهب إليه من ان البرائة لا تجرى عند الشك في المحصل كما اشرنا إليه


1 - ما افاده قدس سره من خروج القسم الثاني مما يسمى بالعلة والمعلول ولو بالعناية عن محل البحث في المقام وان كان متينا جدا كما اشرنا إليه سابقا الا ان تمثيله لذلك بعنواني الالقاء والاحراق وبعنواني الغسل والتطهير في غير محله لان موجود الملاقات في الخارج مغاير لوجود الحرارة بالضرورة فيكون الالقاء غير الاحراق ايضا إذا لايجاد والوجود متحدان بالذات وان كان مخلفين بالاعتبار وكذلك الطهارة بمعنى النظافة العرفية موجودة في الخارج بوجود مغاير لوجود الغسل ومترتبة عليه بالوجودان واما الطهارة الشرعية فهى حكم شرعى مترتب على وجود موضوعه خارجا وهو الغسل فكيف يعقل ان يكون عنوان الطهارة منطبقا على ما ينطبق عليه عنوان الغسل (*)

[ 220 ]

سابقا فإذا كان الامر بكل منهما امرا بالآخر فلا معنى للاتصاف بالوجوب الغيرى فيكون هذا القسم خارجا عن محل النزاع وعليه فلا وجه للعبير بصرف الخطاب فانه فرع التعدد والمفروض فيما نحن فيه هو الوحدة والاتحاد ثم أن المهم هو تقسيم المقدمة على النحو الذى ذكرناه (واما) بقية التقسيمات كتقسيمها إلى المقدمة العقلية والعادية والشرعية وكتقسيمها إلى مقدمة الصحة والوجود والعلم والوجوب فكلها ترجع إلى ما ذكرناه فان المقدمات الشرعية هي المقدمات الداخلية بالمعنى الاعم والمقدمات العقلية هي المقدمات الخارجية بالمعنى الاخص (واما) المقدمات العادية فهى راجعة إلى العقلية بعد فرض امتناع الوصول إلى ذى المقدمة بدونها ممن لا يمكنه خرق العادة كما ان مقدمات الوجود راجعة إلى المقدمات الخارجية ومقدمات الصحة راجعة الى المقدمات الداخلية (واما) مقدمة الوجوب فهى اجنبية عن محل الكلام لان محل البحث هي مقدمة الواجب لا الوجوب (واما) مقدمة العلم فهى مقدمة لامتثال الواجب عقلا فتكون اجنبية عن محل الكلام ايضا وعلى فرض وجوبه شرعا وتعلق خطاب به فهى ترجع إلى المقدمات الخارجية بقي الكلام في تقسيم المقدمة الى سابقة ولا حقة مقارنة وبيان ما هو الحق في المقام من امتناع الشرط المتأخر أو جوازه وقبل الخوض في ذلك ينبغى تقديم امور الاول انه لا اشكال في خروج المقدمات العقلية عن محل الكلام وعدم جواز تأخرها عن المعلول لامتناع وجود المعلول قبل وجود علته التامة بتمام اجزائها من المعد والشرط والمقتضى وما يقال من ان المتأخر بوصف تأخره يكون شرطا لا ذاته فالشرط لم يتأخر وانما المتأخر هو الشرط كلام لا معنى له فانه في قوة أن يقال أن المعدوم بوصف كونه معدوما شرط ومؤثر في المعلول والالتزام به مما لا ينبغى صدوره عن العاقل الامر الثاني انه لا اشكال في خروج العناوين الانتزاعية عن محل النزاع ايضا لانها انما تنتزع عما تقوم به وليس للطرف الاخر دخل في انتزاعها عن منشأ انتزاعها اصلا مثلا الابوة والبنوة ينتزع كل منهما عن شخص باعتبار حيثية قائمة به لاعنه وعن

[ 221 ]

الاخر (فتوهم) ان العنوان السبق انما ينتزع عن السابق باعتبار دخل الامر اللاحق فيه فإذا كان شرطا لوضع أو تكليف فمرجعه إلى دخل الامر المتأخر فيهما (مدفوع) بأن السبق انما ينتزع عن نفس السابق بالقياس إلى ما يوجد بعد ذلك وكذا اللحوق ينتزع عن نفس اللاحق بالقياس إلى ما وجد قبله ولا دخل للسابق في انتزاع اللحوق عن اللاحق ولا للاحق في انتزاع السبق عن السابق حتى يلزم دخل المعدوم في الموجود وعليه يتفرع انه لو قام دليل على ثبوت الملكية مثلا بالمعاملة الفضولية حينها على فرض تعقبها بالاجازة لكشف ذلك عن اشتراطها بنفس عنوان التعقب الثابت للبيع والمنتزع عنه بلحاظ تحقق الاجازة في ظرفها فما فرض شرطا فهو مقارن للشرط لا محالة بلا دخل للامر المتأخر فيه اصلا الامر الثالث ان التحقيق هو خروج شرائط المأمور به عن حريم النزاع ايضا بداهة ان شرطية شيئ للمأمور به ليست الا بمعنى اخذه قيدا في المأمور به فكما يجوز تقيده بامر سابق أو مقارن يجوز تقيده بأمر لاحق ايضا كتقيد صوم المستحاضة بالاغتسال في الليلة اللاحقة وتوضيح الحال في المقام انه لا اشكال في ان المستحاضة إذا عملت بما هو تكليفها من الاغسال فهى في حكم الطاهرة فتصح عباداتها الا انه وقع لا اشكال في ان غسلها هل يؤثر في رفع الحدث السابق أو اللاحق مثلا إذا اغتسلت بعد الليل فهل هذا الغسل يؤثر في رفع الحدث إلى طلوع الفجر وكذلك الغسل بعد الفجر يؤثر في رفع الحدث إلى الزوال وكذ الغسل بعد الزوال يوثر في رفعه إلى الغروب أو ان كل غسل يؤثر في رفع الحدث السابق عليه فالغسل في الليل يرفع الحدث من الزوال إلى الليل والاول هو مختار المشهور ولذا افتوا بأنها لو تركت الاغتسال في الليل بطل صومها في الغد لطلوع الفجر عليها وهى غير طاهرة وذهب بعضهم إلى الثاني ومن هذه الجهة لا ينبغى الاشكال في جواز تأخر الغسل اللاحق في رفع الحديث السابق ومع قطع النظر عن هذه الجهة لا ينبعى الاشكال في جواز تأخر شرط المأمور به عن مشروطه إذ لا يزيد الشرط بالمعنى المزبور على الجزء الد خيل في المأمور به تقيدا وقيدا فكما انه لا اشكال في امكان تأخر الاجزاء بعضها عن بعض كذلك لا ينبغى الاشكال في جواز تأخر الشروط عن المشروط بها ايضا

[ 222 ]

(فان قلت) بين الاجزاء والشرايط فرق لان كون الجزء دخيلا في المأمور به تقيدا وقيدا يوجب انبساط الامر على تمام الاجزاء لا محالة وان كانت الاجزاء تدريجية الوجود وهذا بخلاف الشروط فان القيود على ما تقدم خارجة عن المأمور به وانما الداخل فيه هي التقيدات التى تحصل من اضافة المشروط إلى شرائطه وحينئذ فيسأل عن ان هذه الاضافات عند تأخر الشرائط هل توجد قبل تحقق الشرائط أو توجد عند تحققها وعلى الاول يلزم وجود الامر الانتزاعي قبل وجود منشأ انتزاعه وعلى الثاني يلزم تحقق الاضافة مع عدم احد طرفيها هو المشروط (قلت) قد بينا في مبحث الواجب المشروط ان العناوين الانتزاعية بما انها لا تحقق لها خارجا يستحيل تعلق الامر بها بانفسها فالامر المتعلق بها لابد من تعلقه بمنشأ انتزاعها وعليه فالشرط المتأخر المأخوذ قيدا في الواجب يمتنع ان يكون امرا غير اختياري متيقن الحصول كدخول المغرب مثلا أو مشكوك الحصول كنزول المطر ضرورة ان اخذه قيدا لغو على الاول ومستحيل على الثاني لامتناع توقف الامتثال على امر غير اختياري تابع في وجوده لعلته الخارجة عن تحت قدرة المكلف فلا مناص عن كون الشرط المتأخر المعتبر قيدا في الواجب امرا يجوز تعلق التكليف به فالامر بالمقيد بنفسه (1) يتعلق بالقيد كما ان الامر بالمركب يتعلق بكل واحد من اجزائه وعليه يتفرع ان امتثال الامر المقيد بقيد متأخر انما يكون باتيان الشرط المتأخر في ظرفه كما ان امتثال الامر بالمركب انما يتحقق باتيان


1 - قد عرفت فيما تقدم ان الامر بالمقيد لا يكون امرا بقيده ابدا والا لبطل الفرق بين الجزء والشرط ولزم خروج الشرايط عن محل النزاع في بحث وجوب المقدمة ايضا لان ما تعلق به شخص الوجوب النفسي لا يمكن ان يتعلق به الوجوب الغيرى المترشح منه كما مر واما لزوم كون الامر المتعلق بالامر الانتزاعي متعلقا بمنشأ انتزاعه فهو وان كان صحيحا الا انه اجنبي عن المقام فان التقيد المأخوذ في المأمور به لا ينتزع عن قيده ولذلك ذكرنا فيما تقدم ان القيد المأخوذ في المأمور به لا يلزم ان يكون اختياريا إذا المعتبر في صحة الامر بالمقيد هو كون المقيد بما هو مقيد تحت قدرة المكلف واختياره سواء كان قيده امرا اختياريا ام لم يكن وعليه فلا مناص عن الالتزام بحصول الامتثال قبل تحقق ما هو شرط متاخر للواجب فيكون حال شرايط الواجب حال شرايط التكليف والوضع امكانا وامتناعا وستعرف ما يقتضيه التحقيق في ذلك انشاء الله تعالى (*)

[ 223 ]

الجزء الاخير غاية الامر ان تعلق الامر بالجزء انما هو من جهة دخله قيدا وتقيدا و بالشرط من جهة دخل تقيده فقط وهذا لا يكون فارقا بعد تعلقه بكل منهما ودخل كل منهما في امتثاله (ان قلت) كيف يعقل تعلق الامر بالشرط المتأخر وهو غير مقدور حين الامر بالمشروط مع ان القدرة على المأمور به لابد منها في توجه التكليف (قلت) نعم الا انه مقدور في ظرفه والقدرة التى هي شرط التكليف انما هي القدرة في ظرف العمل المفروض تحققها فيما نحن فيه كما في الاجزاء التدريجية بلا فرق بينهما اصلا غاية الامران الامتثال في كلا الموردين يتحقق عند الاتيان بالجزء الاخير أو الشرط المتأخر بل لا اشكال في جواز تأخر شرائط الوضع والتكليف ايضا إذا كان الوضع أو التكليف مقارنا (1) لتحقق الشرط كما إذا بنينا على النقل وحصول الملكية عند تحقق الاجازة المتأخرة عن البيع مثلا نعم لو قلنا بتحقق الامتثال قبل الاتيان بالشرط ومع ذلك كان شرطا فالاشكال هو بعينه اشكال تأثير الامر المتأخر في الوضع فظهر مما ذكرنا ان الاشكال في تأخر شرط المأمور به انما هو من جهة الالتزام بتأثير الشرط المتأخر في الحكم الوضعي المتقدم كما في تأثير غسل الحايض ليلافى رفع حدثها السابق أو من جهة الالتزام بتحقق الامتثال قبل حصول الشرط واما مع عدم الالتزام بشيئ منهما فجواز تأخر الشرط مما لا ينبغى التأمل فيه الامر الرابع لا ينبغى الريب في ان العلة الغائية والملاكات المترتبة على متعلقات الاحكام التى هي علل تشريعها لا تكون بوجودها الخارجي مؤثرة في تشريع الحكم وجعله بداهة انها متاخرة في الوجود الخارجي عن متعلقات الاحكام فضلا عن نفسها فكيف يعقل ان تكون مؤثرة في جعل الحكم وتشريعه بل المؤثر فيه دائما انما هو علم الجاعل بترتب الملاك على متعلق حكمه سواء اصاب علمه ام اخطا ومن الواضع ان العلم بالترتب مقارن مع الجعل والتشريع دائما وانما المتأخر هو ذات المعلوم ومن ذلك يظهران شرايط الجعل خارجة عن محل النزاع رأسا فالنزاع منحصر بشرايط الحكم المجعول (توضيح ذلك) ان القضايا كما عرفت تنقسم إلى قسمين خارجية وحقيقية (اما القضايا) الخارجية فلا يتوقف الحكم فيها على غير دواعى الحكم المؤثرة فيه بوجودها العلمي طابق الواقع


1 - إذا فرض تحقق التكليف أو الوضع مقارنا لحصول شرطه فلا موضوع للبحث عن الجواز والامتناع كما هو ظاهر (*)

[ 224 ]

ام لم يطابق وهذا القسم من القضايا خارج عن محل الكلام بالكلية فان الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم فقط سواء كان المعلوم مقارنا ام متقدما ام متأخر (واما القضايا) الحقيقية التى حكم فيها بثبوت الحكم على الموضوعات المقدر وجودها فيحتاج الحكم فيها إلى امرين احدهما ما يكون داعيا إلى جعل الحكم على موضوعه المقدر وجوده وثانيهما ما يكون موضوعا له واخذ مفروض الوجود في المقام الحكم ويدخل في ذلك الشرائط المأخوذة فيه لما عرفت في بحث الواجب المشروط من رجوع شرايط الحكم إلى قيود الموضوع وهذا القسم من القضايا من الجهة الاولى خارجة عن محل الكلام ايضا لان المؤثر في جعل الحكم فيها كما عرفت انما هو علم الحاكم سواء اصاب ام اخطأو سواء كان المعلوم متقدما ام مقارنا ام متأخر فالنزاع منحصر في القضايا الحقيقية من الجهة الثانية والنفى والاثبات واردان على جواز تأخر شرط الحكم الذى اخذ مفروض الوجود في مقام انشاء الحكم وجعله عن فعليته وتحققه خارجا فما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) من جواز تأخر الشرط نظرا إلى لزوم كون الشرط للفعل الاختياري هو الوجود اللحاظى دون الخارجي انما نشأ من خلط القضايا الخارجية بالقضايا الحقيقية ومن عدم التفرقة بين دواعى الجعل والشرايط المأخوذة مقدرة الوجود الراجعة إلى قيود الموضوع كما عرفت (تنبيه) ومما يتفرع على تقسيم القضية إلى قسمين حقيقية وخارجية واختلاف احكامهما اختلاف الحكم في الفرع المشهور وهو ما لو اذن المالك لدخول اصدقائه في داره فهل يجوز الدخول لمن يعتقد المالك صداقته مع كونه عدواله في الواقع اولا وبعبارة اخرى هل يكفى في جواز الدخول رضاء المالك واذنه ولو كانا ناشئين عن اعتقاد الصداقة خطأ أو ان كراهته دخول عدوه الواقعي موجبة لحرمة دخول عدوه وان اذن له اشتباها (والتحقيق) فيه ان يقال ان الاذن (تارة) يكون لاشخاص مخصوصين على نحو القضايا الخارجية فيكون علم المالك بكونهم اصدقائه ولو كان خطأ داعيا إلى الاذن المزبور وبما ان المؤثر في الاذن حينئذ هو العلم دون الواقع فيجوز الدخول لمن اذن له ولو كان عدوا واقعا إذا المفروض ان الاذن فعلى ومحقق ومعه لا تضر الكراهة لو اطلع المالك على عدواته و (اخرى) يكون الاذن على نحو القضايا الحقيقية فيكون عنوان الصديق هو الموضوع لجواز الدخول وبما ان

[ 225 ]

المفروض حينئذ تعلق الجواز الصديق من دون دخل العلم المالك بتحقق الموضوع في ترتب الحكم عليه فلا يجوز الدخول للعد والذى يعتقد المالك صداقته لعدم تحقق الموضوع واقعا وان اعتقد المالك تحققه ويلحق بهذا القسم مالو اخذ الصداقة قيدا في الموضوع كما لو اذن في الدخول لاشخاص مخصوصين بشرط كونهم اصدقاء فان التقييد يرجع بالاخرة إلى اخذ القيد عنوانا للموضوع كما عرفت (ثم ان النزاع) انما هو في جواز تأخر الشرط عن مشروطه واما جواز تقدمه عليه فليس فيه اشكال اصلا بداهة ان كل شرط حينما وجد يؤثر اثره الاعدادي ليكون التأثير والتمامية بالجزء الاخير من العلة كما هو الحال في الشرائط العقلية ايضا فما عن المحقق صاحب الكفاية ايضا من تعميم النزاع للشرط المتقدم بدعوى سراية ملاك النزاع إليه فهو في غير محله إذا عرفت هذه الامورف الحق (1) هو امتناع تأخر شرائط الوضع أو التكليف عنهما لاوله إلى الخلف والمناقضة كما في تأخر الشرائط العقلية (وتوضيح ذلك) أن المجعول الشرعي في القضايا الحقيقية لو قلنا بانه هي السببية دون المسببات عند وجود اسبابها لكان تأخر الشرط عن المشروط به من تأخر العلة عن معلولها حقيقة وهو واضح الاستحالة (مثلا) لو قلنا بأن المعجول للشارع هو كون الدلوك سببا بالوجوب الصلاة لا نفس وجوبها عند الدلوك لكان الدلوك من اجزاء علة الوجوب حقيقة ويرجع تأخره عن الحكم إلى تقدم المعلول على علته (وبطلانه) لا يحتاج إلى برهان وبيان واما إذا قلنا بان المجعول الشرعي هو نفس المسبب وانما تنتزع السببية من جعل المسببات عند امور خاصة (كما هو) الحق بداهة ان الاحكام الشرعية افعال اختيارية للشارع وتصدر عن ارادته فلا معنى لكونها مسببة ومترشحة عما اصطلحوا على تسميتها بالاسباب مضافا) إلى ان السببية من


1 - بل التحقيق هو جواز تأخر الشرط مطلقا سواء كان الشرط شرطا للمأمور به ام كان شرطا للحكم التكليفى أو الوضعي اما في الاول وهو ما إذا كان المتأخر شرطا للمأمور به فلان شرطية شيئى للمأمور به ليست الا بمعنى دخل ذلك الشيئ في المأمور به وكون الامر متعلقا بالمقيد به الذى هو عبارة عن حصة خاصة من الطبيعي وكما يمكن تقيد المأمور به بامر مقارن أو متقدم يمكن تقيده بامر متأخر بالضرورة فإذا فرضنا ان ملاك طلب المولى قائم بحصة خاصة من الطبيعي وهى المقيدة بقيد متاخر بان يكون المؤثر في الملاك نفس تلك الحصة من دون ان يكون للامر المتأخر تأثير فيه كما هو الحال في القيود المقارنة أو المتقدمة فلا مناص عن - (*)

[ 226 ]

الامور الواقعية الناشئة عن خصوصية وربط بين السبب والمسبب ولا معنى لتعلق الجعل التشريعي بها فقد عرفت انه لا بد من ان يكون نسبة الشرائط إلى الاحكام نسبة الموضوعات إليها فكما يمتنع وجود المعلول قبل وجود علته للزوم الخلف والمناقضة (كذلك) يمتنع وجود الحكم قبل وجود المقدر وجوده في مقام الجعل وبالجملة إذا فرضنا دخل وجود الامر المتأخر في فعلية الحكم سواء كان دخله على نحو العلية أو الموضوعية ففرض وجود الحكم قبل تحقق ذلك الامر يستلزم الخلف والمناقضة (وفيما ذكرناه) في مبحث الواجب المشروط ما ينفع في المقام فراجع (فظهر) أن مقتضى القاعدة بعد امتناع الشرط المتأخر (هو) الالتزام بالنقل في باب البيع الفضولي دون الكشف (1) (واما) ما نقله فخر المحققين (قده) عن بعض من ان مقتضى القاعدة هو الكشف


- التزام كون الطلب متعلقا بتلك الحصة ايضا بعد فرض كونها مقدورة للمكلف بما هي كذلك فوجود القيد المتأخر لا شأن الا انه يكشف عن وجود تلك الحصة في ظرف كونها مطلوبة ومن الواضح انه لا محذور في كشف الامر المتأخر عن تحقق شيئ قبله اصلا وبالجملة اختلاف الطبيعة الواحدة باختلاف حصصها في الخارج في الاشتمال على ملاك تعلق الطلب بها وعدمه مما لا ريب فيه وكما تتحصص الطبيعة باعتبار تقيدها بامور متقدمة أو مقارنة كذلك تتحصص باعتبار تقيدها بالامور المتأخرة ايضا فاشكال تأخر الشرط الناشئ من توهم تأثير الامر المتأخر في المتقدم مندفع من اصله واما في الثاني وهو ما إذا كان المتأخر شرطا للحكم التكليفى أو الوضعي فلان شرط الحكم وان كان لا بد من اخذه مفروض الوجود في مقام الجعل والانشاء الا ان ظرف وجوده المفروض يختلف باختلاف كيفية الجعل فربما يجعل الحكم على موضوع مقيد بقيد اخذ مفروض الوجود مقارنا له أو متقد ما عليه وربما يجعل الحكم على موضوع المقيد بقيد اخذ مفروض الوجود بعد وجوده والقيد في جميع ذلك وان كان مفروض الوجود الا انه يختلف باختلاف ظرف وجوده المأخوذ قيدا في الحكم وقد ذكرنا فيما تقدم انه لا مناص في موارد الواجبات التدريجية من الالتزام بالشرط المتأخر لان فعلية الوجوب في الان الاول متوقفة على بقاء شرايط التكليف من الحيوة والقدرة وغيرهما إلى زمان الاتيان بالجزء الاخير لا محالة وفميا ذكرناه في بحث الواجب المشروط ما ينفعك في المقام فراجع هذا بحسب الامكان واما بحسب الوقوع فالمتبع هي د لالة الليل وهى تختلف باختلاف الموارد 1 - قد ذكرنا في محله ان الكشف الحقيقي وكون الاجازة المتأخرة كاشفة عن تحقق الملكية في زمان العقد وان كان امرا معقولا الا انه خلاف ظواهرا لادلة لان استناد العقد (*)

[ 227 ]

مد عيا بأن المملك هو العقد فلو تأخرت الملكية عنه لزم تأثير المعدوم في الموجود لكون العقد معدوما حال الاجازة (فيرده) مضافا إلى النقض ببيع الصرف والسلم لتبعية الملك فيهما للقبض دون العقد (أن) الملكية الشرعية الثابتة حين الاجازة لا ربط لها بالملكية المنشأة بالعقد (فلا مانع) من توقف احدهما على الاجازة (1) لكونها دخيلة في موضوعها دون الاخرى (على أنا) قد بينا سابقا ان الامور المتأخرة عن الانشاء بحسب الوجود لا مانع من كونها منشأة فعلا كما في باب الوصية ونحوها (2). واما ما استدل به على جواز الشرط المتأخر فأمور (منها) أن الممتنع هو تأخر المقتضى الذى يترشح منه المعلول عن مقتضاه واما الشرائط التى ليس من شأنها ترشح المعلول منها (فلا مانع) من تأخرها عقلا (وفيه) ان الشرط بعد فرض د خله في المعلول ولو لم يكن بنحوا لتأثير والرشح يستلزم تأخره عن المشروط الخلف والمناقضة كما في تأخر المقتضى عن مقتضاه بلا فرق بينهما اصلا (ومنها) ان المشروط لو كان من الامور التكوينية الواقعية فتأخر شرطه عنه وان كان مستحيلا الا انه إذا كان


إلى المالك وكونه عقده انما يتحقق في زمان الاجازة لا قبله الا انه لابد من الالتزام بالكشف الحقيقي بمعنى آخر بان يقال ان الاجازة بما انها تتعلق بالملكية أو الزوجية السابقة والمفروض امضاء الشارع لها يكون متعلق حكم الشارع هي الملكية أو الزوجية السابقة ايضا فالمال مثلا قبل الاجازة كان محكوما بكونه مملوكا لمالكه الاول وبعد الاجازة يحكم بكونه ملكا للمجيز من حال صدور العقد وبعبارة اخرى اعتبار الملكية مثلا وان كان مقارنا مع الاجازة الا ان متعلقه امر سابق عليها ولا مضادة بين الحكم بملكية شيئ لا حذفي زمان والحكم بعده بملكية ذلك الشيئ في ذلك الزمان لشخص آخر فوحدة زمان الملكيتين مع تغاير زمان الاعتبارين لا محذور فيها اصلا وتمام الكلام في محله وسيجيئ ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره من الجواب عن ذلك بعيد هذا انشاء الله تعالى 1 - إذا فرضنا تعلق الاجازة بالملكية المنشأة قبل الاجازة وامضاء الشارع لها على ماهى عليه فكيف يمكن ان تكون الملكية مقارنة مع الاجازة وبذلك يظهر الفرق بين بابى الاجازة وغيرها من الشرايط كالقبض في بيع الصرف والسلم 2 - انشاء الامر المتأخر وان كان ممكنا في نفسه وواقعا في جملة من الموارد الا ان الملكية المنشأة في باب البيع ليست كذلك كما هو ظاهر (*)

[ 228 ]

من الامور الجعلية الاعتبارية فبما ان الاعتبار خفيف المؤنة (فلا محذور) في تأخر شرائطه عنه عقلا (وفيه أن) الامر المتأخر ان لم يكن له د خل في هذا الاعتبار لا بنحو العلية ولا بنحو الموضوعية فما هو معنى كونه شرطا وأن كان له دخل فيه فكيف يعقل تأخره ومجرد كون المشروط من الامور الاعتبارية (لا يجدى) فيه دفع الاستحالة بعد فرض دخل الامر المتأخر فيه بنحو من الدخالة (ومنها) ان الشرط لو كان هو الامر المتأخر لاستحال تقدم المشروط عليه وأما لو كان نظير عنوان التعقب بحيث يكون نفس هذا العنوان هو الشرط حقيقة فلا محذور فيه لعدم استلزامه تقدم الحكم على موضوعه ولا تقدم المعلول على علته (وهذا الوجه) وان كان احسن ما يمكن ان يوجه به جواز تأخر الشرط الا انه انما يتم فيما إذا دل دليل على وجود الحكم قبل الامر المتأخر وكان العقل والعرف (1) مساعدين على شرطية نفس هذا العنوان كما في مثال


1 - إذا فرض امكان اخذ التقيد بالامر المتأخر في موضوع حكم من الاحكام وقيام الدليل عليه فلا وجه لاعتبار امر آخر في صحة الالتزام به وهو مساعدة العقل والعرف وهل يكون العقل أو العرف مشرعا في قبال الشارع كلا فإذا دل الدليل على ترتب احكام الملكية من زمان العقد فلا مانع من الالتزام بالكشف الحقيقي بالمعنى الذى عرفته وهو لا ينافى اعتبار نفس الاجازة والرضافى موضوع حكم الشارع بنفوذ العقد فان استناد العقد إلى المجيز وحكم الشارع بنفوذه وان كانا مقارنين للاجازة خارجا الا ان متعلق الاجازة لكونه امرا سابقا عليه لابد من الحكم بتحققه في ظرفه واما ما افيد في المتن من ان الانشاء وان كان واقعا في زمان سابق على زمان الاجازة الا ان المنشأ غير مقيد به فالاجازة في مثال البيع الفضولي لم تتعلق الا بنفس الملكية لا بالملكية السابقة فيرد عليه اولا انا نفرض الكلام في موارد الاجارة الفضولية ونحوها مما كان العقد واقعا على تمليك المنفعة المقيدة بالزمان فيما إذا اجاز المالك بعد مضى مقدار من ذلك الزمان فبما ان الاجازة تعلقت بملكية المنافع السابقة والمفروض امضاء الشارع لها لا مناص عن الحكم فعلا بمالكية المستأجر للمنافع السابقة من زمان العقد وثانيا ان المنشأ وان لم يكن مقيدا بزمان الانشاء الا انه غير مقيد بغيره من الازمنة ايضا والاهمال غير معقول فهو مطلق لا محالة فإذا كان المنشأ هي الملكية المطلقة الشاملة حال الانشاء وتعلقت الاجازة بها و قد امضاها الشارع فلابد من الحكم بتحقق الملكية من زمان العقد فتقارن الاجازة وامضاء الشارع زمانا لا يستلزم مقارنة الاجازة الملكية كما عرفت ومما ذكرناه يتضح الفرق - (*)

[ 229 ]

الصوم المشروط وجوبه ببقاء القدرة إلى آخر النهار على ما اوضحنا ذلك في مبحث الواجب المشروط واما في مثال البيع فقد دل الدليل على شرطية نفس الاجازة و الرضا دون عنوان التعقب ولو فرضنا قيام الدليل على ترتب آثار الملكية من حين البيع فبما ان العقل والعرف لا يساعدان على شرطية نفس العنوان لابد مع ذلك من الاءلتزام بالنقل والكشف الحكمى دون الحقيقي فان قلت لا نحتاج في الحكم بالكشف الحكمى إلى قيام دليل على ترتيب آثار الملكية من حين البيع بل يكفى فيه نفس الدليل الدال على صحة العقد الفضولي فان الاجازة وان فرضنا دخلها في تحقق الملكية الا أن حالها ليست كحال سائر القيود الدخيلة فيها غير الناظرة إلى العقد كالقبض في بيع الصرف والسلم حتى تتحقق الملكية حين تحققها فانها انما تتعلق بالعقد الواقع من الفضولي وتكون امضاء له فيكون العقد الواقع في ظرفه منتسبا إلى المجيز المالك لامر العقد ولازم ان يكون القول بالكشف على طبق القاعدة قلت الاجازة وان كانت حقيقتها امضاء العقد السابق الا أن الملكية المنشأة به ليست مقيدة بذلك الزمان وان كان الانشاء واقعا فيه بداهة انها لو كانت متحققة في ذلك الظرف لما كان للاجازة دخل فيها اصلا والمالك انما يمضى نفس الملكية المنشأة بالعقد لا الملكية المقيدة بالزمان السابق فكما ان المالك ليس له تمليك ماله من زمان سابق ابتداء كذلك ليس له امضاء الملكية السابقة ايضا وما هو تحت قدرته امضاء نفس الملكية غير المقيدة بزمان ونظير ذلك أن الملكية المنشأة من البايع لا تتحقق الابعد القبول فظرف الانشاء وان كان قبل القبول الا ان ظرف تحقق الملكية هو بعد القبول و الا كان البيع من الايقاعات لا العقود وبالجملة المنشأ في كلا المقامين نفس الملكية المعراة عن الزمان وتخلف زمان تحققها عن زمان الانشاء مما لا محيص عنه في كل ما يتوقف


- بين الاجازة المتعلقة بالعقد السابق والقبول المتعلق بالايجاب فان القبول لكونه مقوما للعقد ومن اجزائه لابد من عدم تقدم اثره عليه وهذا بخلاف الاجازة فانها توجب استناد العقد المتحقق إلى المجيز واعتبارها انما هو من جهة كشفها عن الرضا بالعقد ليس الا والاثر انما هو اثر العقد فلا مانع من الحكم بترتب الاثر قبلها وبذلك يظهر الفرق بين تمليك المالك ماله من زمان سابق على التمليك ابتداء واجازته للتمليك السابق فلا تغفل (*)

[ 230 ]

تحققه على تحقق امر آخر فلو لم يكن دليل على الكشف الحكمى تعبدا لما كان للمصير إليه وجه عقلا (هذا) غاية ما يمكن ان يقال في تصحيح الشرط المتأخر وقد عرفت عدم صحة الوجهين الاولين وعدم تمامية الوجه الثالث في تمام الموارد واما ما نسب إلى استاذ اساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) من تجويز ذلك بالالتزام بشرطية الامر المتأخر بوجوده الدهرى ولا تقدم ولا تأخر بحسب ذلك الوجود فقد نقل الاستاذ دام ظله انه (قده) كان يتبرى عن هذه النسبة شفاها ويتأذى منها غايته وانما ذكر هذا الوجه في ضمن بحثه احتمالا موهوما إذا عرفت هذه المقدمات فالكلام في وجوب المقدمة يقع في مقامين الاول فيما يقتضيه الاصل في المقام (والثانى) فيما يقتضيه البرهان اما المقام الاول فالحق انه لا تجزى الاصول فيه سواء في ذلك المسألة الاصولية والفقهية اما المسألة الاصولية فعدم جريان الاصل فيها واضح فان الملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمته وجودا وعدما من الامور الواقعية التى لا حالة سابقة لها فان كانت الملازمة ثابتة فهى ازلا وابدا والا فكذلك واما المسألة الفقهية فعدم جريان الاصل فيها لعدم ترتب الاثر عليه بعد فرض لزوم الاتيان بالمقدمة عقلا وما لم يكن لنفى الوجوب أو لاثباته اثر عملا لا معنى لجريان الاصل العملي في مورده نفيا واثباتا فما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من جريان الاصل في المسألة الفقهية نظرا إلى الشك في حدوث الوجوب للمقدمة بعد حدوث وجوب ذى المقدمة غير سديد لما عرفت من انه لا موقع لجريان الاصل مثبتا ونافيا عقليا أو شرعيا إذا لم يكن هناك اثر عملي مترتب على جريانه واما المقام الثاني فالحق فيه هو القول بوجوب المقدمة الخارجية بالوجوب الترشحى القهري الملازم لوجوب ذى المقدمة واما المقدمات الداخلية والعناوين التوليدية فقد عرفت انها خارجة عن محل البحث وواجبة بنفس الوجوب النفسي والبرهان على ذلك هو ما ذكرناه مرارا (1) انه لا فرق بين الارادة التكوينية والتشريعية في جميع


1 - قد مر غير مرة انه لا وجه لقياس الحكم الشرعي المجعول المتعلق بفعل الغير بالارادة التكوينية التى هي من صفات المريد وغير قابلة لتعلق الجعل بها واما اشتراك الارادة التشريعية مع الارادة التكوينية في الاحكام فهو لو سلم فانما يسلم في الارادة التشريعية بمعنى الشوق المتعلق بفعل الغير لا في الارادة بمعنى اعتبار كون الفعل على ذمة الغير المعبر - (*)

[ 231 ]

لوازمهما غيران التكوينية تتعلق بفعل المريد نفس المريد والتشريعية تتعلق بفعل غيره ومن الضرورى أن تعلق الاءرادة التكوينية بشئ يستلزم تعلقها بجميع مقدماته قهرا نعم لا تكون هذه الاءرادة القهرية فعلية فيما إذا كانت المقدمية مغفولا عنها الا ان ملاك تعلق الارادة بها وهى المقدمية على حاله فإذا كان هذا حال الارادة التكوينية فكون الارادة التشريعية مثلها (واما) ما ربما يقال من ان تعلق ارادة اخرى بالمقد مة لغو بعد كون الاتيان بها ضروريا مما لا بد منه في وجود ذى المقدمة فيد فعه ان المدعى هو تعلق الارادة بها قهرا عند ارادة ذى المقدمة فلا يتمكن المريد لذى المقدمة من عدم ارادتها ليتوقف تحققها على فائدة وغاية نعم لو كان الوجوب المبحوث عنه في المقام هو الوجوب استقلالي كما يظهر من المحقق القمى (قده) لكان انكاره للزوم اللغوية في محله لكنك قد عرفت ان محل الكلام هو الوجوب القهري وان لم يترتب على وجوده ثمرة اصلا واما بقية الوجوه التى استدل بها في المقام على وجوب المقدمة أو على عدمه فكلها مخدوشة لا يهمنا التعرض لها


- عنه بالوجوب الشرعي اذلا برهان يقتضى اشتراكه مع الارادة التكوينية في الاحكام بل البرهان قائم على خلافه على انه لا موجب للزوم الاشتراك في الارادة التشريعية بمعنى الشوق إلى فعل الغير ايضا وذلك لان تعلق الشوق إلى فعل نفس المشتاق مع فرض علمه بتوقف الفعل المشتاق إليه على فعل آخر يقتضى تعلق الشوق بما يتوقف عليه المشتاق إليه لا محالة وهذا بخلاف الشوق على فعل الغير إذا المفروض انه تحت اختيار الغير و صدوره انما يكون باختياره فلا مو جب لتعلق الشوق بمقد ماته اصلا هذا مع ان اعتبار كون المقدمة على ذمة من اعتبر الفعل المتوقف عليها على ذمته مع فرض لزوم صدور المقدمة خارجا لتوقف الواجب النفسي عليها لغو محض ولا يصح صدوره من الحكيم واما دعوى ان تعلق الوجوب بها قهرى وخارج عن اختيار المولى ومعه لا مجال لدعوى اللغوية كما افيد في المتن فهى على تقدير تسليمها تختص بالارادة التشريعية واما الوجوب الشرعي الذى هو من افعال المولى وتحت اختياره فلا معنى لدعوى كونه قهريا وصادرا بغير الاختيار وعلى ما ذكرناه فالصحيح ان المقدمة لا تتصف بالوجوب المولوي اصلا واما ما ورد من الاوامر المتعلقة بالمقدمات فهى محمولة على الارشاد إلى الشرطية والمقدمية أو على التأكيد كما ان الامر كذلك في الاوامر المتعلقة باجزاء الواجب النفسي بعد ما عرفت سابقا من استحالة اتصافها بالوجوب الغيرى (*)

[ 232 ]

وينبغى التنبيه علي امور الاول ان وجوب المقدمة بما انه يترشح من وجوب ذيها فهو في الاطلاق والاشتراط يكون تابعا له ويستحيل تخلفه عنه بعد فرض كونه من لوازمه قهرا واما المقدمات التى يجب الاتيان بها قبل وجوب ذيها فقد عرفت (1) سابقا ان وجوبها ليس من باب حكم العقل بقبح التفويت (هذا) في غير المقدمات الشرعية واما فيها فقد عرفت (2) انها واجبة بنفس الوجوب المتعلق بما هو مقيد بها من دون حاجة إلى حكم العقل بقبح التفويت الثاني لا ريب في ان مقدمة الواجب الفعلى إذا كانت محرمة التوصل إلى الواجب بها فهى لا تبقى على حرمتها بل تتصف حينئذ بالوجوب والمحبوبية للمولى لكن الوجدان اصدق شاهد على انها لا تتصف بذلك على الاطلاق ولو مع عدم قصد التوصل بها الى الواجب ولم يترتب عليها الواجب في الخارج بل الامر كذلك في المقدمة المباحة ايضا ضرورة ان خروج المستطيع من داره لبعض اغراضه الشخصية غير قاصد به التوصل الى الحج مع عدم ترتب الحج عليه في الخارج لا يقع في الخارج على صفة الوجوب لمجرد كونه مقدمة للحج في نفسه (ومن ثم) ذهب صاحب المعالم (قده) إلى اشتراط وجوب المقدمة بارادة ذى المقدمة فلا تكون المقدمة واجبة على تقدير عدم ارادته واختار العلامة الانصاري (قده) على ما نسب إليه اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة التى قصد بها التوصل إلى الواجب فالمقدمة التى لم يقصد بها التوصل إلى الواجب النفسي لا تقع في الخارج على صفة الوجوب وذهب صاحب الفصول (قده) إلى اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة التى يترتب عليها الواجب النفسي في الخارج فلا تقع غيرعا على صفة الوجوب (اما ذهب إليه) صاحب المعالم (قده) فيرد عليه اولا ان وجوب المقدمة كما عرفت


1 - قد مر تحقيق الحال في ذلك في محله فراجع 2 - قد عرفت فيما مران تقييد متعلق الامر بقيد لا يستلزم تعلق الامر بذات القيد والا لزم انقلاب الشرط جزء وتفصيل الكلام في محله (*)

[ 233 ]

تابع لوجوب ذيها اطلاقا واشتراطا فان اختار ان وجوب نفس الواجب ايضا مشروطا باراد ته فهو محال وان اختارانه مطلق الا ان وجوب المقدمة مشروطا بها فالتفكيك غير معقول كما عرفت وثانيا ان مرتبة الارادة (1) هي مرتبة الاطاعة والامتثال لا مرتبة البعث والايجاب فكيف يعقل ان يكون وجوب المقدمة مشروطا بها واما توجيه (2)


1 - الظاهران مراد صاحب المعالم من ارادة ذى المقدمة المشروط بها وجوب المقدمة هو القصد والعزم على اتيان ذى المقدمة بعد الاتيان بمقدمته فلا مانع من اشتراط وجوبها بارادته مع قطع النظر عن الاشكال الاول الوارد عليه كما افيد في المتن 2 - قد افاد بعض المحققين من مشايخنا العظام قدس الله اسرارهم في توجيه كون الواجب عنوان المقدمة ما حاصله ان المقدمة إذا كانت واجبة بحكم العقل فمتعلق الوجوب الغيرى انما يكون هو عنوان المقدمة لاذاتها لان الجهات التعليلية في الاحكام العقلية جهات تقييدية ضرورة ان حكم العقل باستحالة شيئ لاستلزامة الدور مثلا حكم باستحالة الدور حقيقة كما ان حكمه بحسن ضرب اليتيم للتأديب حكم بحسن التأديب في نفس الامر وعلى ذلك فحكم العقل بوجوب شيئ لكونه مقدمة للواجب حكم بوجوب عنوان المقدمة قهرا وبما ان متعلق الوجوب لابد من ان يكون امرا اختياريا لاستحالة جعل الداعي الى غير المقدور سواء في ذلك كون الواجب توصليا وكونه تعبديا لابد من ان يكون عنوان المقدمة مقصودا في وقوع المقدمة في الخارج على صفة الوجوب فما لم يقصد عنوان المقدمة لا تقع المقدمة في الخارج على صفة الوجوب ومن الواضح ان قصد عنوان المقدمة هو بنفسه قصد الواجب النفسي والعزم على اتيانه و حينئذ لايرد على ذلك ما افيد في المتن من عدم اندفاع اشكال امتناع التفكيك بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمتها في الاطلاق والاشتراط بذلك إذا المفروض حينئذ ان القيد اعني به قصد التوصل إلى الواجب النفسي قيد للواجب لا للوجوب والتحقيق في المقام هو ان ما افيد وان كان صحيحا في الاحكام العقلية الا ان الوجوب المبحوث عنه في المقام شرعى لا عقلي نعم الحاكم بالملازمة بين الوجوب النفسي والغيري هو العقل فالعقل بعد استقلاله بالملازمة المزبورة يستكشف وجوبا شرعيا متعلقا بالمقدمة حين تعلق الوجوب النفسي بما يتوقف عليها فعنوان المقدمية متمحضة في كونها جهة تعليلية فالمغالطة انما نشأت من خلط الحكم الشرعي المستكشف من حكم عقلي بالحكم العقلي الثابت لشيئ لجهة تعليلية ومن الواضح ان كون الجهات التعليلية في الاحكام العقلية جهات تقييدية اجنبي عن كون الجهات التعليلية في الاحكام الشرعية ولو كانت مستكشفة من طريق العقل جهات تقييدية وما نحن فيه انما هو من قبيل الثاني دون الاول (*)

[ 234 ]

مرامه بأن مراده من الاشتراط بالارادة هو الاشتراط بكون العبد في طريق الامتثال والاطاعة ليكون الواجب هو عنوان المقدمة لاذاتها فيرد عليه مضافا إلى أن عنوان المقدمية من الجهات التعليلية لوجوب المقدمة لامن الجهات التقييدية انه لا يندفع به اشكال امتناع التفكيك بين الوجوبين في الاطلاق والاشتراط واما ما نسب إلى المحقق العلامة الانصاري (قده) فهو وان اشتهر عنه الا ان عبارات مقرر بحثه (قده) في هذا المقام مشوشة غاية التشويش فان ظاهر بعضها هو اعتبار قصد التوصل في تحقق امتثال الوجوب المقدمى وظاهر بعضها الاخر هو اعتبار قصد التوصل قيدا في متعلق الوجوب المقدمى وظاهر بعضها هو اعتباره قيدا في خصوص حال المزاحمة كما إذا كانت المقدمة محرمة وسيجيئ الكلام على كل واحد من هذه المحتملات بعيد هذا انشاء الله تعالى (ثم ان) المقرر (قده) رتب على اعتبار الامتثال فروعا يبعد كونها من المحقق العلامة الانصاري (قده) (منها) عدم صحة صلاة من كان مكلفا بالصلاة إلى الجهات الاربع إذا لم يكن من قصده الصلوة إلى جميعها ولا يخفى عدم ارتباطه بما نحن فيه اصلا فان محل الكلام في المقام انما هو اعتبار قصد التوصل وعدمه في المقدمة الوجودية للواجب واما المقدمة العلمية فاعتبار قصد الاتيان بتمام اطرافها في صحة العبادة أو عدمه اجنبي عن القول بوجوب المقدمة فضلا عن اعتبار قصد التوصل فيها (ومنها) عدم جواز الاتيان بالغايات المشروطة بالطهارة إذا لم يكن المتوضى قاصدا به لتلك الغايات بل اتى به لغاية اخرى لكنه (قده) اشكل على ذلك بأن الوضوء ليس له الا ماهية واحدة فلو اتى به باى غاية مشروعة لترتب عليه الطهارة ويصح الاتيان بكل ما هو مشروط بالطهارة فلا يكون لاعتبار قصد التوصل ثمرة في هذا المقام اصلا نعم يتم ذلك في باب الاغسال فانها ماهيات متعددة وان اشتركت جميعها في اسم واحد (اقول) ان ما افاده في باب الوضوء من كفاية قصد غاية واحدة في صحة الاتيان بغيرها من الغايات متين جدا لكن عدم تعدية ذلك إلى الاغسال من الغرائب فان الخلاف في ان الاغسال هل هي متعددة ماهية أو متحدة انما هو باعتبار اسبابها كالجنابة والحيض ونحوهما لا باعتبار غاياتها المترتبة عليها إذ لم يحتمل احد فضلا عن القول به ان تكون الاغسال متعددة ماهية باعتبار غاياتها

[ 235 ]

فهى من جهة الغايات لا فرق بينها وبين الوضوء والكلام فيها هو الكلام فيه فلا تغفل وكيف كان فالمهم في المقام هو البحث عن جميع الاحتمالات المتقدمة في اعتبار قصد التوصل (فنقول) ان كان نظر شيخنا العلامة الانصاري (قده) إلى اعتبار قصد التوصل بالمقدمة في حصول الامتثال والتقرب بها كما يظهر ذلك من جملة من عبارات التقرير فهو حق وقد تقدم الكلام فيه في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري (وان كان نظره قده) إلى اعتبار قصد التوصل في معروض الوجوب فيرده أن قصد التوصل لا د خل له في مقدمية المقدمة اصلا وبدونه بستحيل ان يكون قيدا اللواجب بداهة ان ما ليس له دخل فيما هو ملاك الوجوب يستحيل ان يكون قيدا مأخوذا في الواجب (واما) ما افاده في القرير بما حاصله ان المقدمة انما تجب بالوجوب المقدمى بما انها مقدمة فلابد من قصد عنوانها في انطباق الواجب عليها نظير قصد التأديب والتعظيم (ففيه) ان العنوان ان كان من العناوين التوليدية التى بها يتعلق الوجوب وعليها يرتب غرض المولى دون نفس المعنونات فلا بد من اعتبار قصده في وقوع معنونه على صفة الوجوب لكن عنوان المقد مة ليس كذلك بل هو من قبيل علل التشريع والمقدمية جهة تعليلية (1) والواجب هي ذات المقدمة لاجهة تقييدية ليكون الواجب نفس العنوان بداهة ان المقدمة بالحمل الشايع هي ذات المقدمة لاعنوانها فلا بدوان يكون متعلق الوجوب هي ذاتها ايضا (وان كان نظره قده) الى اعتبار قصد التوصل في مقام المزاحمة كما تساعد عليه جملة من عبارات التقرير يؤيده ما نقله الاستاذ دام ظله عن استاذه المحقق السيد العلامة الاصفهانى " قده " من انه كان ينسب ذلك إلى الشيخ " قده " وان كان دام ظله تردد في ان النسبة المزبورة كانت مستندة إلى استظهار نفسه ام إلى سماعه ذلك من المحقق سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي " قده " عن استاذه المحقق العلامة الانصاري " قده " (فهو وان كان) يمكن تقريبه بان المقدمة إذا كانت محرمة وتوقف عليها واجب فعلى فغا ية ما يقتضيه التوقف المزبور في مقام المزاحمة هو ارتفاع الحرمة


1 - قد مر الكلام آنفا في كون العنوان المقدمة جهة تقييد ية وعد مه فلا نعيد (*)

[ 236 ]

عن المقدمة فيما إذا اتى بها بقصد التوصل " واما " مع عدم قصده فلا مقتضى لارتفاع حرمتها (ولا يرد) عليه حينئذ ما يقال من ان وجوب ذى المقدمة ان لم يقتض وجوبها في غير حال قصد التوصل بها فلا بد وان يكون كذلك في المقدمات المباحة ايضا فالمقدمة المباحة التى لم يقصد بها التوصل إلى ذيها لا تتصف بالوجوب المقد مى وعليه فما هو الوجه في تخصيص اعتبار قصد التوصل بالمقدمات المحرمة (وذلك لان) الاباحة لما كانت ناشئة من عدم المقتضى للبعث أو الزجر فلا تزاحم الوجوب حتى يختص الواجب بما قصد به التوصل وهذا بخلاف الحرمة فانها مقتضية للترك فلا محالة يقع التزاحم بينها وبين الوجوب فلا بد من الالتزام باعتبار قصد التوصل بالمقدمة المحرمة في ارتفاع حرمتها (الا انه يرد عليه) ان المزاحمة انما هي بين حرمة المقدمة ووجوب ما يتوقف عليها ولو لم نقل بوجوب المقدمة اصلا فالتزاحم انما هو بين وجوب الانقاذ و حرمة التصرف في الارض المغصوبة مثلا فلا مناص عن الالتزام بارتفاع الحرمة لفرض كون الواجب اهم سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعد مه فاعتبار قصد التوصل في متعلق الوجوب المقدمى اجنبي عما به يرتفع التزاحم المذكور بالكلية (هذا) وقد ذكرنا في محله ان التزاحم بين الخطابين انما يوجب سقوط اطلاق الخطاب بالمهم دون اصله وعليه يترتب ان حرمة المقدمة في مفروض الكلام انما ترتفع بامتثال (1) الامر بذى المقدمة لا بنفسه


1 - لا يخفى ان ترتب احد الخطابين على عصيان الاخر وان كان في نفسه مما لا مناص عن الالتزام بامكانه ووقوعه على ما سيجيئ بيانه في محله الا انه لا يمكن الالتزام به في محل الكلام وهو توقف الواجب الفعلى على مقدمة محرمة في نفسها وذلك لان لازم الالتزام بالترتب في المقام هو الالتزام بكون العصيان المتأخر اعني به عصيان الواجب في ظرفه وبعد الاتيان بمقدمته شرطا لحرمتها في ظرف الاتيان بها ومن الواضح استحالة ذلك سواء قلنا باستحالة تأخر الشرط مطلقا كما عليه شيخنا الاستاد قده ام قلنا بجوازه في غير المقام كما هو المختار عندنا وجه وضوح الاستحالة ان حرمة المقدمة إذا كانت مشروطة بعصيان الواجب المتوقف عليها فجوازها يتوقف على الاتيان به لا محالة ولا زم ذلك توقف وجوب ذى المقدمة على الاتيان به لان وجوبه يتوقف على القدرة عليه المتوقفة على جواز مقد مته المتوقف على الاتيان به على الفرض وهذا طلب الحاصل وهو مستحيل وايضا ان اشتراط حرمة المقدمة بعصيان الواجب المتوقف عليها يستلزم جواز ترك الواجب النفسي من غير عذر - (*)

[ 237 ]

فلا مانع من فعلية الخطابين على احدهما على عصيان الاخر وانتظر لذلك مزيد بيان سيأتي انشاء الله تعالى واما ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من اعتبار الايصال خارجا في وقوع المقدمة على صفة الوجوب لا في تعلق الوجوب بها ليكون الوجوب مشروطا به ويورد عليه بان الايصال انما يتحقق بالاتيان بالواجب النفسي فكيف يعقل ان تتصف المقدمة بالوجوب بعده فيرد عليه ان الايصال وعدمه لو كانا من الصفات التى بها تتنوع المقدمة وتنقسم إلى قسمين في الخارج كما هو الحال فيما إذا كان المراد من المقدمة الموصلة هي المقدمة السببية فانها تفارق سائر المقدمات في لزوم ترتب الواجب عليها في الخارج بخلاف غيرها من المقدمات لكان هذا الاعتبار معقولا وقابلا لان يكون محل البحث بين الاعلام لكنه (قده) لا يقول بذلك فانه صرح بوجوب تمام اقسام المقدمة عند ايصالها إلى ذى المقدمة من دون تخصيص بالمقد مة السببية واما إذا كانا وصفين منتزعين من الاتيان بذى المقدمة وعدمه بعد الاتيان بالمقدمة فلا جرم يرجع اعتبار مثل هذا القيد في متعلق الوجوب المقد مى إلى اعتبار كون الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى فيلزم يكون الواجب النفسي (1) مقدمة للمقدمة و


- لان المفروض كون المقدمة محرمة في فرض ترك الواجب النفسي فلا يكون الواجب مقدورا حينئذ فلا يقع تركه محرما ومبغوضا من المكلف وسيأتى عند ما يتعرض شيخنا الاستاد قدس سره لا مكان الترتب في محل الكلام ما يتضح به ذلك انشاء الله تعالى (والتحقيق) ان يقال انه إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الواجب الفعلى وحرمة مقد مته فغاية ما يقتضيه التزاحم هو سقوط الحرمة عن المقدمة الموصلة واتصافها بالجواز فعلا على القول بعدم وجوب المقدمة واتصافها بالوجوب الغيرى على القول بوجوبها واما المقدمة غير الموصلة فلا موجب لرفع اليد عن حرمتها اصلا فجواز المقدمة بالفعل أو وجوبه الغيرى لا يتوقف على الاتيان بالواجب في ظرفه ليلزم ما ذكر من المحذورين بل هو مطلق غير مشروط وانما الجائز مقدمة خاصة وهى الموصلة وهى مقدورة للمكلف على الفرض وسيجيئ بعيد هذا انه لا مناص عن الالتزام باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة على القول بوجوب المقدمة شرعا 1 - لا يخفى ان اعتبار الايصال قيدا في متعلق الوجوب الغيرى لا يستلزم كون الواجب النفسي مقدمة للمقدمة وانما يستلزم كونه مقدمة للواجب الغيرى ما هو كذلك فان المفروض كون الايصال قيدا لمتعلق الوجوب الغيرى لا مقوما لذات ما هو مقدمة في الخارج نعم لازم ذلك الاتصاف الواجب النفسي بالوجوب الغيرى المتعلق بالمقدمة المقيدة بالايصال لكنه ليس - (*)

[ 238 ]

واجبا بوجوب ناشئى من وجوبها وهو يستلزم الدور فان وجوب المقدمة انما نشأ من وجوب ذى المقدمة فلو ترشح وجوب ذى المقدمة من وجوبها لزم الدور مضافا إلى ان الواجب لو كان هو خصوص المقدمة الموصلة فبما ان ذات المقدمة مقومة لها فتكون مقدمة لتحققها في الخارج فان اختار (قده) وجوبها مع عدم اعتبار قيد الايصال إلى جزئها الاخر فقد اعترف بما انكره وكر على مافرمنه وان اعتبر قيد الايصال في اتصافها بالوجوب فقد لزمه التسلسل كما لا يخفى واما (ما استدل) به على ما ذكره من ان للمولى ان يمنع من غير المقدمات الموصلة مع انه ليس له ان يمنع من المقدمة على اطلاقها أو يمنع من خصوص الموصلة منها وذلك آية عدم اتصاف غير المقدمة الموصلة بالوجوب (فيرد عليه) ان جواز المنع عن بعض المقدمات لا يوجب اختصاص ملاك الوجوب الغيرى في نفسه بغيرها من المقدمات وذلك فان توقف الواجب على شيئ ان لم يكن مقتضيا لايجابه فلا وجه لاتصاف المقدمة بالوجوب الغيرى اصلا سواء في ذلك الموصلة وغيرها واما إذا كان التوقف مقتضيا له فاما ان يكون ملاكه مطلق التوقف والمقدمية


- فيه محذور الا توهم اجتماع المثلين اعني به اجتماع الوجوب الغيرى والنفسي وقد مر فيما تقدم انه لابد من الالتزام بتأكد الحكم في امثال ذلك واما ما افيد في المتن من ان اتصاف ذى المقدمة بوجوب ناشئى من وجوب مقدمته يستلزم الدور فيرد عليه ان وجوب المقدمة انما نشأ من الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة ومن الواضح ان اخذ قيد الايصال في متعلق الوجوب الغيرى لا يستلزم ترشح ذلك الوجوب من وجوب المقدمة وانما المترشح منه وجوب آخر غيرى متعلق بما هو متعلق الوجوب النفسي فلا دور (والتحقيق) ان القول باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة لا يقتضى اعتبار الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى اصلا فان الغرض من التقييد بالا يصال ليس الا الاشارة إلى ذات المقدمة التى تقع في سلسلة علة وجود الواجب النفسي فالقائل باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة انما يدعى الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدماته الملازمة له في الوجود واما المقدمات المفارقة له في الوجود فلا مقتضى لا يجابها اصلا وستعرف انه بناء على ثبوت الملازمة لا مناص عن اختيار هذا القول ومن هذا البيان يظهر الجواب عما افيد في المتن ايضا من استلزام القول بالاختصاص المزبور التسلسل فانك قد عرفت ان الايصال لم يعتبر قيدا زائدا في متعلق الوجوب الغيرى لتكون ذات المقدمة مقدمة لتحقق الواجب الغيرى في الخارج بل الغرض من التقييد انما هو الاشارة إلى ذات ما هو متصف بالوجوب الغيرى فلا اشكال (*)

[ 239 ]

فلاوجه لتخصيص الوجوب ببعض المقدمات مع اشتراك جميعها في ملاكه واما ان يكون ملاكه خصوص التوقف على ما يستحيل انفكاكه عن الواجب في الخارج فلا بد من ان يختص الوجوب الغيرى بالمقدمة السببية وعلى كل حال (1) لاوجه للتفكيك وتخصيص الوجوب بالموصلة من المقدمات واما دعوى تعلق الوجوب النفسي بالمقدمة مقيدة بايصالها (2) الى ما يتوقف عليها فمرجعها إلى اشتراط الوجوب النفسي بامر متأخر وهو


1 - لا يخفى ان الحصر المذكور غير حاصر لا مكان ان يكون ملاك الوجوب الغيرى هو خصوص التوقف على ما يكون توأما وملازما لوجودي ذى المقدمة في الخارج من جهة وقوعه في سلسلة مبادى وجوده بالفعل فيختص الوجوب الغيرى حينئذ بالموصلة ولا يعم غيرها بل التحقيق انه لا مناص عن الالتزام بذلك بناء على ثبوت الملازمة بين الوجوبين فان صريح الوجدان شاهد بان من يطلب شيئا لا غرض له في ايجاب بين المقدمات المفارقة لذلك الشيئى في الوجود فلا موجب لتعلق شوقه وطلبه به اصلا واما دعوى ان الغرض من ايجاب المقدمة هو التمكن من وجود ذى المقدمة وهو مترتب على وجد مطلق المقدمة لاعلى خصوص الموصلة منها فيردها ان التمكن من ذى المقدمة انما هو من لوازم التمكن من المقدمة وليس مما يترتب على وجودها خارجا فتوقف وجود الواجب على وجود لا يقتضى طلب ذلك الوجود المفارق لوجود الواجب في الخارج فالطلب الغيرى بناء على ثبوت الملازمة يتعلق بخصوص ما يقع في سلسلة مبادى المطلوب النفسي بالفعل ومن تأمل في مرتكزاته الوجدانية يجد صدق ما ادعيناه بلا حاجة الى اقامة برهان ومزيد بيان 2 - اراد قدس سره بذلك الزام صاحب الفصول (قده) بجعل القيد اعني به الايصال قيدا لوجوب المقدمة بتقريب ان الايصال لا يمكن ان يكون قيدا للواجب لما افاده من المحاذير المترتبة عليه فعلى تقدير اعتباره لابد من ان يكون قيد أو شرطا للوجوب وهو يستلزم شرطية المتأخر للمتقدم التى مر الكلام فيها مفصلا وانت بعد ما عرفت امكان اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة تعرف انه لا موجب لكون الايصال شرطا لوجوب المقدمة ليلزم من الالتزام باعتبار الايصال في اتصاف المقدمة بالوجوب الالتزام بالشرط المتأخر بل قد عرفت فيما تقدم استحالة كون الايصال المتأخر شرطا لوجوب المقدمة و ان قلنا بجواز تأخر الشرط في نفسه كما هو المختار عندنا لان لازم ذلك ان يكون وجوب الواجب النفسي الفعلى المتوقف على مقدمة محرمة في نفسها مشروطا بالاتيان به وان يجوز تركه من غير عذر وكلاهما مستحيل (*)

[ 240 ]

الايصال وقد تقدم الكلام في جوازه وامتناعه مفصلا (وقد اجاب) المحقق صاحب الكفاية عن الاستدلال المذكور بعدم جواز المنع المولى من غير المقدمة الموصلة لان ذلك يستلزم ان لا يكون ترك الواجب النفسي مخالفة وعصيانا وهو باطل بالضرورة بيان الملازمه ان وجوب الواجب النفسي مشروط بالقدرة عليه المتوقفة على التمكن من مقدمته عقلا وشرعا وبما ان جواز المقدمة في الفرض المزبور لا يكون الاعند الاتيان بالواجب النفسي فمع عدمه تكون المقدمة محرمة فلا يكون الواجب النفسي مقدورا شرعا فلا يعاقب على مخالفته وتركه (ويدفعه) ان جواز المقدمة غير مشروط بالايصال ليتوقف تحققه على تحقق الايصال خارجا بل المتوقف عليه انما هو تحقق ما هو جائز شرعا إذا المفروض ان الايصال قيد للواجب لا للوجوب فجواز المقدمة ثابت قبل تحقق الايصال في الخارج وبما ان المقدمة الخاصة وهى الموصلة مقدورة للمكلف لفرض القدرة على ايجاد قيدها وهو الايصال فيكون التكليف بالواجب النفسي المقدور بالواسطة فعليا لا محالة فيكون تركه مخالفة وعصيانا وبالجملة لو قطعنا النظر عن المحاذير المتقدمة المترتبة على كون الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى فلا محذور في الالتزام بما افاده صاحب الفصول (قده) بقى الكلام فيما افاده المحقق صاحب الحاشية في المقام من ان المقدمة انما وجبت من حيث الايصال لا مقيدة بكونها موصلة قد اصر على ذلك في مواضع من كلامه وانكر وجوب المقدمة الموصلة (وهذا) الكلام وان كان مجملا في بدو النظر الا ان الظاهر أنه اراد به ان الداعي إلى ايجاب المقدمة هو كونها مما يتوصل به إلى الواجب النفسي المتوقف عليها والا فلا غرض يترتب على ايجابها الغيرى اصلا فكل واحدة من المقدمات انما تقع في الخارج على صفة المطلوبية فيما إذا وقعت في سلسلة العلة التامة لوجود ذى المقدمة (واما) إذا كانت منفكة عن ذلك ووقعت مجردة عن بقية أجزاء العلة فبما أنها لم يترتب عليها الغرض الداعي إلى ايجابها فلا تقع في الخارج على صفة الوجوب كما هو الحال في اجزاء الواجب النفسي فان كل واحد منها انما يقع على صفة الوجوب النفسي في ضمن تعلقه بالمركب إذا وقع في الخارج منضما إلى بقية اجزائه لا إذا وقع منفكاعنها فحال المقدمة في انطباق الواجب الغيرى عليها كحال الاجزاء في انطباق الواجب

[ 241 ]

النفسي عليها بعينها ولكنه مع ذلك لم يؤخذ الايصال قيدا في اتصاف المقدمة بالوجوب لا بنحو يكون شرطا للوجوب ولا بنحو يكون قيدا للواجب فتقيد المقدمة بتحقق الواجب النفسي بعدها كنفس تحققه في الخارج لا يكون شرطا للوجوب الغيرى ولاا متعلقاله فيكون القيد والتقيد كلاهما خارجين نظير ما ذكرناه في بحث المعنى الحرفى من خروج الاطراف وتقيد النسبة بها عن حريم المعاني الحرفية والسرفي ذلك ان الوجوب الغيرى لا يعقل ان يتعلق بالمقدمة المقيدة بترتب الواجب النسفى عليها لما ذكرناه من المحاذير المترتبة على التقيد بذلك كما انه لابد ان يكون في الاطلاق والاشتراط تابعا لوجوب ذى المقدمة وحيث ان وجب ذى المقدمة لا يعقل ان يكون مشروطا بوجوده لا يعقل ان يكون وجوب المقدمة مشروطا به ايضا فتقيد الوجوب أو الواجب الغيرى بالواجب النفسي غير معقول (هذا ولا يخفى) ان امتناع تقيد الواجب الغيرى أو وجوبه بالايصال الى الواجب النفسي لا يستلزم ان يكون الواجب والوجوب مطلقين من هذه الجهة كما ذهب إليه المحقق العلامة الانصاري (قده) وذلك لما ذكرناه في مبحث التوصلى و التعبدى من أن الاطلاق والتقيد انما يتقابلان بتقابل العدم والملكة ثبوتا واثباتا فامتناع التقييد يستلزم امتناع الاطلاق أيضا (نعم) لو كان تقابلهما تقابل السلب والايجاب لصح ما ذهب إليه (قده) لامتناع ارتفاع القيضين لكنه ليس كذلك وهو (قده) ايضا لا يقول به فالامر دائر بين ان يكون التقابل بينهما هو تقابل التضاد كما نسب إلى المشهور وان يكون تقابل العدم والملكة وبما ان الاطلاق خارج عن حريم المعنى على ما ثبت في محله والالفاط لم توضع الالنفس المعاني الجامعة بين المطلق والمقيد المعبر عنها باللا بشرط المقسمى (1) فالتقابل بين الاطلاق والتقييد يكون في من تقابل العدم والملكة قطعا وعليه فلا وجه لما افاده (قده) من ثبوت الاطلاق في المقام بسبب امتناع التقييد وقد استدل (قده) بمثل ذلك لاثبات الاطلاق وعدم تقيد المأمور به بقصد القربة


1 - سيجيئ في محله ان اعتبار المهية مطلقة أو مقيدة وان كان خارجا عن حريم المعنى الا ان الجامع بين اعتبار المهية مطلقة أو مخلوطة أو مجردة المعبر عنه باللابشرط المقسمى ليس بموضوع له ايضا بل الموضوع له الالفاظ هي المهية المبهمة عن جميع الاعتبارات اللاحقة لها وانتظر لذلك مزيد بيان في بحث المطلق والمقيد انشاء الله تعالى (*)

[ 242 ]

ولاثبات الاطلاق وعدم اشتراط التكاليف بالعلم بها والجواب عنه هو الجواب المذكور بعينه وعلى ما ذكرناه فلا مناص عن الاهمال (1) وان يكون الواجب الغيرى كوجوبه غير مقيد بالايصال ولا مطلقا من هذه الجهة كما هو الحال في الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة فانه يستحيل ان يكون مقيدا بوجوده أو مطلقا بالقياس إليه وهذا هو الفرق (بين) ما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية من كون المقدمة واجبة من حيث الايصال وما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من تقييد الواجب بالايصال فان لازم كلام المحقق المذكور (عدم) امكان الاطلاق والتقييد في المقام اصلا إذا عرفت ذلك فاعلم ان المقدمة المحرمة إذا لم تقع في الخارج على صفة الايصال فهى تقع على صفة الحرمة بناء على ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة بلا احتياج إلى الالتزام بالترتب (فان) المقدمة على ذلك تنقسم إلى قسمين (قسم) منها يكون واجبا والقسم الاخر يبقى على حكمها السابق (واما) بناء على ما ذهب إليه المحقق المذ كور فبما ان التقييد الموجب لانقسام المقدمة إلى قسمين كان محالا فالحكم بحرمة المقدمة المحرمة في ظرف عدم ايصالها الى الواجب يكون على نحو الترتب بيان ذلك أنه (قده) التزم في مبحث الضدبان ترك أحد الضدين مقدمة للاخر فإذا كان ترك الصلاة مثلا مقدمة لواجب اهم كالازالة فيكون الترك واجبا من حيث الايصال فإذا فرضنا ان المولى لم يصل إلى غرضه من الايجاب المذكور فلا محالة يوجب الصلاة في هذه المرتبة لعدم المزاحمة فيكون ايجابها مشروطا بعصيان خطاب الامر بتركها ومنه يتضح حال المقدمة المحرمة بل المباحة في المقام فان تحريمها أو اباحتها انما يكون في مرتبة عصيان الامر بها وعدم ترتب غرض المولى على ايجابها واما الامر بها فهو غير مقيد ولا


1 - قد ذكرنا غير مرة ان الاهمال في الواقعيات غير معقول وان استحالة التقييد بشيئ تستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا وبما ان تخصيص الوجوب بغير المقدمة الموصلة متسحيل لا مناص في المقام عن اختصاص الوجوب الموصلة كما هو المختار عند ناعلى تقدير القول بوجوب المقدمة أو كون المطلق المقدمة واجبة كما ذهب إليه المحقق الانصاري (قده) وعلى كل تقدير فلا وجه لما افاده المحقق صاحب الحاشية وارتضاه شيخنا الاستاد قدس سرهما اصلا (*)

[ 243 ]

ولا مطلق فيكون النتيجة هو تعلق خطابين بموضوع واحد لكن مترتبا (ونحن) وان صححنا الترتب في محله الا اناقد اشترطنا في ذلك كون احد الخطابين مترتبا على عصيان الخطاب الاخر المتعلق بموضوع آخر لافى مرتبة عصيان خطاب آخر متعلق بهذا الموضوع بعينه (وعليه) فتكون الحرمة أو الاباحة في المقدمة مترتبتا على عصيان (1) الامر بذى المقدمة كما ان الامر بالصلاة في مبحث الضد يكون مترتبا على عصيان الامر بالازالة لاعلى عصيان الامر بترك الصلوة كما ذكره المحقق المزبور (قده) التنبيه الثالث في بيان انه لا تترتب ثمرة مهمة على البحث عن وجوب مقدمة الواجب (ولا بأس) بالاشارة إلى ما ذكروه ثمرة في المقام منها فساد العبادة إذا كان تركها مقدمة لواجب اهم كترك الصلاة الذى هو مقدمة للازالة فانه إذا كان الترك واجبا كان الفعل منهيا عنه لان وجوب احد النقيضين يستلزم النهى عن النقيض الآخر (ولذا) لا خلاف في اقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده العام بمعنى الترك (واورد) على ذلك (تارة) بعدم مقد مية ترك احد الضدين لوجود الآخر (واخرى) بأن فساد العبادة في الفرض المزبور انما هو من جهة عدم الامر بها لامن جهة الامر بتركها لكونه مقدمة للواجب (ولذا) لابد من القول بالفساد ولو لم نقل بوجوب مقدمة الواجب ولا بمقدمية الترك للفعل وسيجيئ الكلام في الجهتين في مبحث الضد انشاء الله تعالى ثم ان صاحب الفصول (قده) جعل هذه الثمرة مبتنية على القول بوجوب مقدمة الواجب مطلقا (واما) على ما ذهب إليه من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة


1 - ما اورده شيخنا الاستاد على صاحب الحاشية قدس سرهما في المقام من استحالة تعلق خطابين بشيئ واحد على نحو الترتب وان كان في غاية المتانة كما سيتضح الحال في ذلك في بحث الترتب انشاء الله تعالى الا ان ما افاده من اشتراط حرمة المقدمة بعصيان الواجب المتوقف عليها لا يمكن تعقله ايضا لما عرفت من ان لازم ذلك اشتراط وجوب الواجب بالاتيان به وجواز ترك الواجب من غير عذر فلا مناص عن الالتزام بارتفاع الحرمة عن المقدمة الموصلة وبقاء غيرها على حرمته سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)

[ 244 ]

فلم يلتزم بفساد العبادة المضادة للواجب الفعلى فان تركها وان كان مقدمة للواجب الفعلى الا انه لا يجب منه الا ما ترتب عليه ذلك الواجب المتوقف عليه ومن الواضح ان ايجابه وان كان يستلزم النهى عن نقيضه الا ان نقيضه ليس هو الفعل ليكون محرما بل النقيض له هو عدم الترك الخاص هو قد يكون مقارنا مع الفعل وقد لا يكون ولا يسرى حرمة النقيض الى لازمه فضلا عن مقارنة فلا موجب لفساد العبادة من هذه الجهة اصلا (واورد عليه) في التقريرات بان الفعل وان لم يكن نقيضا للترك الخاص الا انه من افراده فان نقيض الاخص هو الاعم فترك الترك الخاص قد ينطبق على الفعل وقد ينطبق على الترك المجرد فإذا كان وجوب الترك المطلق موجبا لحرمة ما ينطبق عليه نقيضه وهو الفعل فوجوب الترك الخاص يوجب حرمة جميع افراد نقيضه التى منها الفعل فيقع فاسدا (ورده) المحقق صاحب الكفاية (قده) مع توضيح منابان الفعل بنفسه رافع للعدم المطلق و نقيض له وان عبر عن النقيض بعدم العدم فهو باعتبار انطباقه على الوجود خارجا وان كان مغايرا معه مفهوما فترك الترك عنوان ومرآة للوجود الخارجي الذى هو النقيض بالحقيقة ويستحيل اجتماعه مع العدم وارتفاعهما معا فإذا كان احدهما مطلوبا فالآخر يكون منهياعنه (واما) الترك الخاص فنقيضه عدم الترك الخاص ولو لعدم الخصوصية لا وجود الفعل بداهة ان العدم يستحيل ان يكون له فردان احدهما الوجود والآخر العدم المحض لعدم تعقل الجامع بينهما فلا محالة يكون الفعل من مقارنات النقيض لا من افراده نظير مقارنة ترك الصوم للصلاة ضرورة ان كون الصلاة من افراد ترك الصوم مما لايتو همه احد اصلا ومن المعلوم عدم اقتضاء النهى عن شيئ للنهى عن مقارنة ولقد اجاد (قده) في التفرقة بين المقامين فالحق صحة ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من انكار الثمرة بناء على مختاره من اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة والتحقيق انه لا ثمرة حتى على القول بوجوب المقدمة مطلقا وذلك لما سيجيئ (1) انشاء الله تعالى من امتناع كون


1 - وستعرف في محله انشاء الله تعالى انه لا ثمرة حتى القول بكون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الاخر ايضا فجعل فساد العبادة المضادة للواجب الفعلى ثمرة للقول بوجوب المقدمة فاسد من اصله (*)

[ 245 ]

ترك احد الضدين مقد مة لفعل الاخر ومنها توقف وقوع المقدمة عبادة على وجوبها فانها لو لم تكن مطلوبة للمولى لما امكن التقرب بها إليه (وفيه) ان وقوعها عبادة انما يدور مدار قصد الامر النفس المتعلق يتوقف عليه سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لم نقل به وقد سبق الكلام في ذلك مفصلا فلا نعيد ومنهابر النذر بفعل المقدمة على القول بوجوبها إذا تعلق النذر بفعل واجب " وفيه " ان مثل هذه الثمرة لا توجب كون البحث عن وجوب المقدمة اصوليا فان المسألة الاصولية هي ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلى كالقواعد التى يستنبط منها وجوب الوفاء بالنذر والمفروض ان مسئلتنا ليست كذلك فان المترتب عليها انما هو انطباق المعلوم وجوبه بدليله على الاتيان بالمقدمة لاستنباط الحكم من ادلته فلا تكون المسألة بذلك اصولية (مضافا) إلى ان النذر يتبع قصد الناذر فلو كان قصده من لفظ الواجب ما يلزم الاتيان به شرعا أو عقلا فيحصل الوفاء بفعل المقدمة ولو لم نقل بوجوبها الشرعي وان كان قصده خصوص الواجب النفسي فلا يحصل الوفاء به ولو قلنا بوجوب المقدمة شرعا نعم لو كان قصده من لفظ الواجب مطلق ما تعلق به الوجوب الشرعي ولو لم يكن له انصراف إلى خصوص الواجب النفسي لكان حصول الوفاء باتيان المقدمة مبتنيا على القول بوجوب المقدمة لكنك قد عرفت ان مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة اصولية ومنها حصول الفسق بترك الواجب مع مقدماته الكثيرة إذا قلنا بوجوبها (وفيه) ان ترك الواجب ان كان معصية كبيرة فهو بنفسه يوجب الفسق وان لم نقل بوجوب مقدمته والا فلا يكون تركه بمقدماته موجبا لحصول الفسق وان قلنا بوجوب المقدمة ايضا (وتوهم) حصول الفسق بسبب الاصرار عند تركه بمقد ماته (مدفوع) بما ذكرناه سابقا من ان الاطاعة (1) والمعصية انما تدوران مدار الامر النفسي فليس مخالفة الامر الغيرى بما هو معصية بما هو معصية حتى يحصل الاصرار على المعصية بمخالفته ومنها عدم جواز اخذ الاجرة على المقدمة على القول بوجوبها (وفيه) ان وجوب الشيئ


1 - تقدم في محله ان الاطاعة لا تدور مدار الامر النفسي نعم المعصية انما تدور مداره و يكفى ذلك في بطلان الثمرة المزبورة (*)

[ 246 ]

لا ينافى جواز الاجرة عليه فان الواجب إذا كان هو المعنى (1) المصدرى كبيع الطعام عند ضرورة الناس إليه وكالصناعات التى يتوقف عليها نظام العالم مع بقاء المال والعمل على المملوكية فلا يمنع وجوبه عن اخذ الاجرة على العمل أو اخذ الثمن بازاء المال اصلا واما إذا كان الواجب هو المعنى المعبر عنه باسم المصدر الموجب لكون العمل مملوكا لله تبارك وتعالى فان كان عينيا كالصلوة ونحوها فلا يجوز اخذ الاجرة عليه وان كان كفائيا وكان مما يدخله النيابة بحيث يكون الثواب والاطاعة للمستنيب لا للنائب كما في استنابة مريد الحج غيره في الجهاد الواجب عليه كفاية على القول بجوازها فيجوز اخذ الاجرة عليه ايضا والا فلا (هذا) حال الواجب النفسي في جواز الاجرة عليه وعدمه واما المقدمة فتتبع (2) في جميع ذلك الواجب النفسي المتوقف عليها سواء قلنا بوجوبها ام لا فلا يكون من جهة وجوبها مانع عن اخذ الاجرة عليها ومنها ان المقدمة إذا كانت محرمة فعلى القول بوجو بها يتحقق في موردها امر ونهى فيبتنى اتصافها بالوجوب على جواز الاجتماع وعدمه واما على القول بعدمه فلا تكون المقدمة الا محرمة (وفيه) ان المقدمة إذا كانت سببية فقد عرفت انها خارجة عن


1 - لا يخفى ان المعنى المعبر عنه بالمصدر تارة وباسم المصدر اخرى معنى واحد ذاتاو وجودا والفرق بين المصدر واسم المصدر انما هو بمجرد الاعتبار فلا معنى لتعلق الوجوب تارة بالمعنى المصدرى واخرى بمفاد اسم المصدر بل المطلوب في جميع الواجبات وجود الفعل الخاص الصادر من المكلف لكن تعلق الالزام به لا يوجب سلب المالية عن العمل أو المال الخارجي فان قام دليل من اجماع وغيره على عدم جوازه اخذ الاجرة على واجب بالخصوص ولزوم الاتيان به مجانا فهو والا فمقتضى القاعدة هو جواز اخذ الاجرة على جميع الواجبات سواء كان الواجب عينيا ام كان كفائيا وسواء كان مما تدخله النيابة ام لم يكن كذلك واما توهم منافاة كون الواجب عبادة لجواز اخذ الاجرة عليه فهو على تقدير تسليمه يختص بالواجبات العبادية ويعم المستحبات ايضا ولا يكون له مساس بالجهة التى نتكلم فيها في المقام وقد تعرضنا لدفعه في محله مفصلا 2 - قيام الدليل على عدم جواز اخذ الاجرة على واجب نفسي والغاء الشارع ماليته لا يلازم عدم جواز اخذ الاجرة على مقدمته ايضا فلابد في اثبات عدم جوازه ايضا من التماس دليل آخر غير مادل على عدم جواز اخذ الاجرة على ما يتوقف عليها فلا لما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من كون المقدمة تابعة للواجب النفسي المتوقف عليها في جميع ذلك (*)

[ 247 ]

محل الكلام رأساو واجبة بعين الوجوب النفسي المتعلق بالمسبب واما إذا لم تكن سببية فان كانت المقدمة منحصرة في الحرمة فلا محالة يقع التزاحم بين حرمة المقدمة ووجوب ذى المقدمة فلابد من رفع اليد عن احدهما هو اجنبي عما هو محل الكلام في بحث جواز الاجتماع وعدمه واما إذا لم تكن منحصرة فان كانت المقدمة توصلية فلا محالة يسقط الغرض باتيانها سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لا وان كانت تعبدية فان بنينا على كفاية قصد الجهة في صحة العبادة وان لم تكن مأمورا بهابل ولو كانت محرمة فتصح المقدمة المفروض كونها عبادة ولو قلنا بالامتناع (1) نعم إذا بنينا على عدم كفاية قصد الجهة فان قلنا بجواز الاجتماع صحت العبادة وحصلت المقدمة والا فلا فالثمرة تظهر في خصوص هذا الفرض (ولكن التحقيق) انه لا ثمرة للقول بوجوب المقدمة حتى في هذا الفرض فان المقدمة إذا كان لها فردان محرم وغير محرم فلا محالة يترشح الامر الغيرى من الواجب إلى خصوص غير المحرم (2) فلا يقع المحرم


1 - لا يخفى ان قصد الجهة انما يكفى في صحة العبادة فيما إذا لم يكن في المأتى به جهة مفسدة غالبة على جهة مصحلة ضرورة انه لا يعقل ان يكون المبغوض بالفعل مقربا كذلك فما افيد في المتن من احتمال كفاية قصد الجهة في صحة العبادة ولو كانت محرمة ليس على ما ينبغى فالصحيح انه بناء على الامتناع لا مناص عن الالتزام بفساد العبادة المأتى بها مقدمة لواجب آخر من دون فرق بين القول بوجوب المقدمة وعدمه وبين القول بكفاية قصد الجهة في صحة العبادة وعدمه 2 - لا يذهب عليك انه بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدمته لا وجه لدعوى اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة المباحة غير المجتمعة مع عنوان محرم بعد مشاركة غيرها اياها في ملاك الوجوب الغيرى ووفائه بالغرض الداعي إلى الايجاب فكما ان اجتماع الواجب النفسي مع عنوان محرم لا ينافى وقوعه على صفة المطلوبية بناء على جواز اجتماع الامر والنهى وعدم سراية النهى إلى متعلق الامر كذلك اجتماع الواجب الغيرى كالمسير الى الحج مثلا مع عنوان مثلا مع عنوان محرم كالغصب لا ينافى وقوعه على صفة المطلوبية والفرق بين الواجب النفسي والغيري من هذه الجهة تحكم صرف وفرق بلا فارق ولكن التحقيق انه مع ذلك لا تصح الثمرة المزبورة فان العبادات التى تكون مقدمة لواجب آخرلا مناص عن الالزام فيها بتعلق الامر النفسي بها في حد انفسها كما عرفت تفصيل ذلك في محله وحينئذ فان بنينا على جواز الاجتماع الامر والنهى صحت تلك العبادات سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعد مه واما إذا بنينا على الامتناع وتقديم جانب - (*)

[ 248 ]

عبادة فلا تحصل المقدمة سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لا (وبالجملة) المقدمة المحرمة على القول بوجوب المقدمة لا تتصف بالوجوب حتى يمكن الحكم بصحتها بناء على جواز اجتماع الامر والنهى فلا يترتب على القول بوجوب المقدمة ثمرة اصلا وقد اورد على هذه الثمرة في الكفاية بان المقدمة إذا كانت محرمه فالنهى عنها يكون من قبيل النهى عن العبادة لان عنوان المقدمة لا يقع في حيز الطلب بل المطلوب الغيرى انما هو ما يكون مقدمة بالحمل الشايع فلا يكون هناك عنوانان منطبقان على واحد يكون باحد العنوانين واجبا وبالآخر حراما ليكون المورد من موارد اجتماع الامر والنهى (وفيه) ان كون المقدمة المحرمة من موارد اجتماع الامر والنهى لا يتوقف على تعلق الطلب الغيرى بعنوان المقدمة فان الحج مثلا إذا كان واجبا فالمسير لا محالة يكون واجبا بالوجوب الغيرى بناء على وجوب المقدمة فإذا فرض ان المكلف سار في المكان المغصوب فينطبق عليه عنوانان عنوان السير الواجب مقدمة وعنوان الغصب فيكون من باب الاجتماع فليس الغرض من اجتماع العنوانين اجتماع عنوان المقدمة بالحمل الاولى مع عنوان الغصب مثلا بل الغرض اجتماع عنوان ما هو مقدمة بالحمل الشايع مع عنوان آخر محرم كما في كل مورد اجتمع فيه الامر والنهى نعم لو كان النهى متعلقا بذات المقدمة الخارجية لا بالعنوان الكلى لكان المورد داخلا في مسألة النهى عن العبادة والمعاملة الا انه لا يتحقق في القضايا الحقيقية وانما يمكن تحققه في القضايا الخارجية فقط تذبيل لا يخفى ان ما ذكرنا من الوجوه والاقول في مقدمة الواجب يجرى في مقدمة المستحب ايضا وبناء على ثبوت الملازمة تكون مقدمة المستحب مستحبة واما مقدمة الحرام فجمل القول فيها ان الآتى بها قد يكون له صارف عن ارتكاب المحرم نفسه وقد لا يكون له صارف عنه وعلى الاول فلا ريب في عدم حرمة المقدمة الا ذا علم من حاله انه لو أتى بها يكون مقهورا في ارادة الحرام فتحرم المقدمة التى يترتب عليها ذلك (1) وعلى الثاني


- الحرمة فلا مناص عن القول بفسادها سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لم نقل به فلا ثمرة للقول بوجوب المقدمة من هذه الجهة اصلا 1 - لا يخفى ان المقدمة التى يضطر مع ارتكابها المرتكب إلى الوقوع في الحرام وان - (*)

[ 249 ]

فاما ان يكون عنوان الحرام ما هو مقدمة له منطبقين على شيئ واحد كما في الافعال التوليدية نظير (1) اجراء الماء على اجزاء البدن للوضوء المنصب على ارض مغصوبه بلا وساطة جريانه على ارض اخرى مباحة واما ان يكون عنوان الحرام منطبقا على غير ما ينطبق عليه عنوان ما هو مقدمة له وعلى الاول فالحكم المتعلق بالفعل التوليدى يكون بنفسه متعلقا بما يتولد منه كما عرفت فتكون الحرمة المتعلقة بالغصب متعلقة باجراء الماء على البدن فيدخل بذلك في باب اجتماع الامر والنهى وعلى الثاني فاما ان تكون المقدمة علة تامة للحرام بحيث لا يتمكن المكلف من امتثال تكليف الحرمة بعد الاتيان بها اولا تكون كذلك اما على الاول فلا اشكال في حرمتها (2) فانها هي التى تتعلق بها القدرة والارادة اولا وبالذات والمعلول انما يكون مقدورا بتبعها فتسرى إليها الحرمة المتعلقة به مثال ذلك اجراء الماء في الوضوء على الارض المباحة المشتملة على ميزاب يجرى منه الماء على الارض المغصوبة بحيث لا يتمكن المكلف بعد جريان الماء على الارض المباحة من منع انصابه على الارض المغصوبة نعم لو فرضنا عدم صدق التصرف عرفا على ما يترتب على المقدمة وان كان يصدق عليه عقلا كوقوع قطرات يسيرة على الارض المغصوبة لما كان المعلول محرما شرعا حتى يترشح منه الحرمة على


- كان الاتيان بها اختيارا مع العلم بترتب الحرام عليها موجبا لصحة العقاب على مخالفة الحرام في ظرفه لما عرفت من ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا وان نافاه خطابا الا انه لا موجب لحرمة نفس المقدمة نفسية وكونها مبغوضة ولو بنفس المبغوضية الثابتة للحرام المترتب عليها نعم بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدمته لا مناص عن القول بالملازمة بين مبغوضية الشيئ ومبغوضية ما يتوقف الانزجار عنه على تركه ايضا لكن المبغوضية حينئذ مبغوضية غيرية لا يترتب عليها استحقاق العقاب اصلا 1 - ما افيد في المتن من كون الحكم الثابت للفعل التوليدى ثابتا لما يتولد منه وان كان متينا جدا الا ان المثال المذكور فيه خارج عن هذا الباب وداخل فيما لا يتمكن المكلف فيه من ترك ذى المقدمة بعد الاتيان بمقدمته ضرورة ان جريان الماء على اجزاء البدن خارجا مغاير وجودا لجريانه على الارض المغصوبة وعليه فحرمة اجراء الماء على اجزاء البدن في المثال بناء على ثبوت الملازمة حرمة غيرية لا نفسية 2 - إذا كانت العلة المغيرة لمعلولها وجود فالقدرة على المعلول وان كان بتبع القدرة على - (*)

[ 250 ]

علته وعلى الثاني فيقع الكلام في ان حرمة المقدمة (1) هل هي من باب التجرى والعزم على المعصية أو من باب ترشح الحرمة من ذى المقدمة إليها كما لو كان المتوضئ متمكنا من سد الميزاب ومنع جريانه على الارض المغصوبة في الفرض المزبور ولم يكن عازما على منع ترتب الحرام على ذلك (والحق) في هذا القسم عدم حرمة المقدمة من باب السراية فان امتثال الحرام لا يتوقف على تركها على الفرض لتمكن المكلف من ذلك بعد الاتيان بها ايضا فعصيانه بعد ذلك بالاختيار لا يوجب حرمة المقدمة التى لا يتوقف امتثال الحرام على تركها اصلا نعم على تقدير تركها يترك الحرام ايضا الا ان امتثاله لا يتوقف على تركها لان المفروض ان المكلف قادر على الامتثال بعد الاتيان بها ايضا فلا موجب لحرمتها من قبل حرمة ذى المقدمة (واما) مقدمات المكروه فحالها حال مقدمات الحرام طبق النعل بالنعل الفصل التاسع في اقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده وقبل الخوض في بيان ما هو الحق في المقام لا بد من تقديم مقدمات الاولى ان المسألة المبحوث عنها في المقام اصولية تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي وقد عرفت ان الميزان في كون المسألة اصولية هو كون نتيجتها بحيث لو انضمت إليها صغرياتها لانتجت نتيجة فقهية وعليه فلا وجه لجعل المسألة من المبادى الاحكامية كما لا يخفى (ثم) ان المسألة عقلية والبحث انما هو عن اقتضاء وجوب الشيئ لحرمة ضده عقلا والتعبير باقتضاء الامر في عنوان البحث وان كان يوهم كونها من المباحث


- علته الا انه لا يوجب كون الحكم المتعلق به متعلقا بها وقد تقدم من شيخنا الاستاد قدس سره الاعتراف بذلك فيما تقدم 1 - يظهر منه قدس سره التسالم على حرمة المقدمد في هذا الفرض وانما الكلام في منشأ الحكم بالحرمة وانه التجرى والعزم على المعصية أو الملازمة بين حرمة الشيئ وحرمة مقدمته مع ان لمنع حرمتها بناء على عدم حرمة قصد المعصية كما هو الظاهر مجالا واسعا فتحصل من جيمع ما ذكرناه ان الحرمة الغيرية بناء على ثبوت الملازمة تختص بالمقدمة التى لا يتمكن المكلف من ترك الحرام بعدها واما غيرها من المقدمات فلا موجب لحرمتها الغيرية اصلا (*)

[ 251 ]

اللفظية الا انه لاجل كون الوجوب مدلولا للامر غالبا والا فكونه مستفادا من اللفظ اجنبي عماهو المهم في المقام الثانية ان الاقتضاء المبحوث عنه في المقام اعم من ان يكون بنحو العينية والجزئية واللزوم البين الاخص أو الاعم الثالثة ان المراد بالضد في المقام مطلق المعاند والمنا في سواء كان امرا عدميا وهو الترك المعبر عنه في لسانهم بالضد العام أو امرا وجوديا سواء اريد به كل واحد من الاضداد الوجودية الخاصة أو الجامع بينها الذى قد يعبر عنه بالضد العام ايضا إذا عرفت ذلك فالكلام يقع في مقامين (الاول) في الضد العام بمعنى الترك (الثاني) في الضد الخاص (اما المقام الاول) فربما يد عى فيه ان الامر بالشيئ عين النهى (1) عن ضده بتقريب ان عدم العدم وان كان مغاير اللوجود مفهوما الا انه عينه خارجا لما عرفت سابقا من ان نقيض العدم هو الوجود وعدم العدم عنوان ومرآة له لا انه امر يلا زمه فكما ان الارادة التكوينية لا تتعلق الا بنفس الوجود وهو بنفسه ناقض للعدم كذلك الارادة التشريعية انما تتعلق به فطلب ترك الترك عن طلب الفعل والفرق بينهما انما هو بحسب المفهوم فقط (وفيه) ان محل الكلام هو انه إذا تعلق الامر بشيئ فهل هو بعينه نهى عن


1 - لا يخفى ان النهى عن الترك ان اريد به طلب تركه المنطبق على الفعل فلا معنى للقول بان الامر بالشيئ يقتضى النهى عن تركه اصلا إذا هو في قوة القول بان الامر بالشيئ يقتضى نفسه وهو قول لا محصل له وان اريد بالنهي عن الترك الزجر عنه الناشئ من مبغوضيته فلا معنى للقول بان بغض الترك عن حب الفعل أو جزئه فينحصر النزاع المعقول في اقتضاء الامر بالشيئ لكراهة ضده من جهد ثبوت الملازمة بينهما وعدم اقتضائه لها والحق عدم اقتضائه له لان الحكم الواحد وهو الوجوب في محل الكلام لا ينحل إلى حكمين ليكون تارك الواجب تاركا له ومرتكبا للمحرم ضرورة ان الوجوب انما ينشأ من مصلحة لزومية في متعلقه فتركه ترك ما فيه المصلحة لا انه فعل ما فيه المفسدة نعم يصح اطلاق المبغوض على ترك الواجب بنحو من العناية والمسامحة لكنه اجنبي عماهو محل الكلام كما هو ظاهر وبذلك يظهر لك فساد ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من تسليم دلا لة الامر بالشيئ على النهى عن تركه بالد لالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم بل بمعناه الاخص ايضا هذا مع ان نفيه البعد عن اللزوم البين بالمعنى الاخص يناقض ما افاده اولا من دعوى بداهة امكان غفلة الامر بشيئ عن ترك تركه فضلا عن ان يتعلق به طلبه كما هو ظاهر (*)

[ 252 ]

الترك اولا لا انه إذا كان هناك امر بالفعل ونهى عن الترك فهل هما متحدان اولا والدليل انما يثبت الاتحاد في المقام الثاني لا الاول بداهة ان الآمر بالشيئ ربما يغفل عن ترك تركه فضلا عن ان يأمر به فلا يبقى لدعوى الاتحاد فيما هو محل الكلام مجال اصلا (وذهب) بعض إلى الاقتضاء بنحو التضمن بتوهم ان الامر بشيئ مركب من طلبه والمنع من تركه فالمنع من الترك مأخوذ في مفهومه فيكون الامر دالا عليه بالتضمن (وفيه) ما عرفت سابقا من ان الوجوب امر بسيط يلزمه المنع من الترك وليس هو مركبا منه ومن طلب الفعل ليكون دالا عليه بالتضمن (واما) دعوى الد لالة عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص بان يكون نفس تصور الوجوب كافيا في تصور المنع عن الترك فليست ببعيدة وعلى تقدير التنزل عنها فالد لالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم مما لا اشكال فيها ولا كلام واما المقام الثاني فقد استدل فيه لاقتضاء الامر بشيئ للنهى عن ضده سواء اريد منه كل واحد ومن الاضداد الخاصة أو الجامع بينها بوجهين الاول ان وجود كل شيئ ملازم لترك ضده والمتلازمان لا يمكن اختلا فهما في الحكم فإذا كان احد الضدين واجبا فلا بد وان يكون ترك الآخر ايضا واجبا والالزام اختلافهما في الحكم وهو محال (وفيه) اولا انه لادليل على لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم وانما اللازم عدم اختلا فهما فيه بحيث لا يمكن امتثالهما في الخارج كأن يكون احدهما واجبا والآخر حراما (ولذا) قال شيخنا البهائي (قده) ان الامر بالشيئ وان يقتض النهى عن ضده الا انه لم يقتضى عدم الامر به لا محالة لا متناع الامر بالضدين لملازمة وجود كل منهما لعدم الآخر وثانيا لو سلم لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم فان التلازم بين وجود احد الضدين وعدم الآخر اما هو في الضدين اللذين لا ثالث لهمالا في مطلق الضدين اللذين يمكن تركهما معا الا ان يقال ان كل واحد من الاضداد وان لم يكن تركه ملازما لخصوص ضد من اضداده الا ان ترك الجامع بين الاضداد ملازم له لا محالة فإذا كان واجبا فلا بدوان يكون ترك الجامع بين اضداده واجبا ايضا وكيف كان فاتحاد المتلازمين في الحكم لم يقم عليه دليل اصلا وتوهم ان الامر باحد الضدين الذين لا ثالث لهما عين النهى عن الضد الآخر كما تقدم ان الامر كذلك في النقيضين لاشتراك الجميع في الملاك

[ 253 ]

وهو امتناع اجتما عهما في الخارج وارتفا عهما فيه مدفوع بما عرفت من بطلان دعوى العينية في المقيس عليه فيكف بالمقيس نعم قد عرفت البعد في دعوى الملازمة البينة بالمعنى الاخص في الضد العام بمعنى الترك فيكون دعوى الملازمة البينة فيما نحن فيه ايضا غير بعيدة (1) الا انها ليست بالمعنى الاخص قطعا لعدم كفاية تصور نفس الملزوم في تصور لازمه بل الثابت هي الملازمة البينة بالمعنى الاعم فان قلت إذا سلمت الملازمة البينة في الضدين الذين لا ثالث لهما فلابد لك من تسليمها في مطلق الضدين ولو كان لهما ثالث فان الجامع بين الاضداد الوجودية مضاد للواجب ولا ثالث لهما فإذا كان حراما فيكون كل فرد وجد منه في الخارج متصفا بالحرمة لا محالة قلت الجامع بين الاضداد الوجودية ليس الا عبارة عن عنوان انتزاعي يشاربه إلى نفس الاضداد الخارجية فكل فرد منه مضاد بنفسه وبخصوصيته للواجب لا باعتبار انطباق الجامع عليه ومن المعلوم ان مضادة كل واحد منها بخصو صيته تنفى انحصار التضاد في الاثنين وعليه فلا يسرى حكم الضدين الذين لا ثالث لهما إلى ما إذا كان لهما ثالث با عتبار الجامع الانتزاعي فلا تصح فيه دعوى اللزوم البين لهما بمعناه الاخص أو الاعم هذا مضافا إلى ان الجامع وان فرض كونه من الماهيات المتأصلة الا انه لا يوجد في الخارج الافى ضمن افراده ومن المعلوم ان الملاك في دعوى اللزوم البين في الضدين اللذين لا ثالث لهما هو ملازمة وجود احد هما لترك الآخر خارجا وبالعكس فكل منهما وان لم يكن بنفسه رافعا للاخر كالنقيضين الا انه لازم لما هو نقيضه و رافعه فيسرى اليهما حكم النقيضين وهو استلزم الامر باحد هما للنهى عن الآخر وهذا الملاك مفقود في الضدين اللذين لهما ثالث قطعا لان الموجود في الخارج ليس هو نفس


1 - قد عرفت الحال في الضد العام ومنه يعرف حال الضد الخاص ايضا ثم لا يخفى انه على تقدير تسليم الدلالة الالتزامية في الضد الخاص فيما اذالم يكن للضدين ثالث لا بد من تسليم الدلالة فيما إذا كان للضدين ثالث ايضا ضرورة ان ملاك الدلالة على النهى انما هو استلزام وجود الشيئ لعدم ضده وهو امر يشترك فيه جميع الاضداد واما استلزام عدم الشيئ لوجود ضده المختص بما إذا لم يكن للضدين ثالث فهو اجنبي عن الملاك المزبور بالكلية فما افيد في المتن من تسليم الدلا لة في الضدين ليس لهما ثالث وانكارها في الضدين اللذين لهما ثالث لا يمكن المساعدة عليه اصلا (*)

[ 254 ]

الجامع بل فرده ومصداقه ولا ملازمة بين تركه ووجود الضد الاخر على الفرض و بالجملة ما هو واجد لملاك دعوى اللزوم البين هو الجامع لا يوجد في الخارج بنفسه وما يوجد في الخارج هو الفرد غير واجد لملاكها (فتلخص) مما ذكرناه أن الامر باحد النقيضين يستلزم النهى عن الاخر باللزوم البين بالمعنى الاخص والامر باحد الضدين فيما لا ثالث لهما كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق يسلتزم النهى عن الاخر باللزوم البين بالمعنى الاعم وفيما لها ثالث لا استلزام اصلا واما الامر باحد المتقابلين بتقابل العدم والملكة كالتكلم والسكوت بناء على كون السكوت امرا عدميا فالظاهر انه يستلزم النهى عن الاخر باللزوم البين بالمعنى الاخص كما في النقيضين فان احدهما بنفسه رافع للاخر لا انه ملازم للرافع ومجرد امكان ارتفاعهما في موضوع غير قابل اجنبي عما هو الملاك في دعوى اللزوم البين بالمعنى الاخص الوجه الثاني ان ترك الضدين مقدمة لوجود الاخر فيكون واجبا بسبب وجوبه وذلك لان كل واحد من الضدين مانع من وجود الضد الاخر والا لم يكن بينهما مضادة وكون عدم المانع من مقدمات وجود الشيئ ممالا يحتاج إلى مزيد بيان واقامة برهان (وفيه) ان هذا الوجه وان كان احسن ما استدل به على الاقتضاء إلا انه يتوقف على اثبات كون عدم احد الضدين مقدمة لوجود الاخر كما ذكره في الاستدلال والحق ان المعاندة بين الوجدين لا تقتضي التوقف المزبور بيان ذلك ان الاقوال في توقف وجود احد الضدين على عدم الاخر وعكسه نفيا واثبات وان كثرت فمنهم من انكر التوقف رأسا وذهب إلى اتحاد وجود احد الضدين وعدم الاخر في الرتبة بلا تقدم وتأخر بينهما ومنهم من ذهب إلى التوقف من الطرفين فجعل كلا من وجود الشيئ وعدم ضده مقدمة للاخر ومتوقفا عليه كما عن ظاهر العضدي والحاجبي حيث انهما اجابا عن الاستدلال المذكور في المقام وعن استدلال الكعبي على انتفاء المباح وهوان ترك الحرام واجب ولا يتم الا باتيان احد اضداده الوجودية بمنع وجوب المقدمة لا بانكار التوقف والمقدمية فيظهر منهما تسليم التوقف والمقدمية في المقامين ومنهم من انكر كون وجود الشيئ مقدمة لعدم ضده وذ هب إلى كون عدم الضد من مقدمات وجود الشيئ اما مطلقا كصاحب الحاشية (قده) اوفى خصوص الضد الموجود كالمحقق الخوانسارى (قده) وقد نسب إلى بعض انكار توقف وجود الشيئ على

[ 255 ]

عدم ضده وتسليم توقف عدم الشيئ على وجود ضده الا ان التحقيق هو القول الاول و هو انكار التوقف والمقدمية راسا وفاقا لسلطان العلماء وجملة من المحققين قدس الله اسرارهم (والوجه في ذلك) ان المعلول وان كان مترتبا على مجموع اجزاء علته الا ان دخل كل جزء منها يغاير دخل غيره من اجزائها فان المقتضى هو ما يترشح منه المعلول ويكون منه الاثر كالنار مثلا فان الاحراق انما يترشح منها لا من مثل المحاذاة وبقية الشرائط (واما) الشرط فهو ما يكون دخيلا في فعلية تأثير المقتضى اثره كالمماسة و نحوها فان تأثير النار في الاحراق انما يكون معها وإذا لم تكن موجودة فالمقتضى وان كان موجودا الا انه لا يتحقق تأثيره في الخارج فالشرط انما يكون دخيلا في فعلية التأثير لا انه مؤثر في المعلول (واما) عدم المانع فدخله باعتبار ان المانع يزاحم المقتضى في تأثيره ويمنعه عن ذلك كالرطوبة المانعة من تأثير النار في الاحراق فدخله انما هو لاجل مانعية وجوده والا فلا معنى لتاثير العدم في الوجود وكونه من اجزاء علته انما تتحقق في استحالة تأثير الاعدام في شيئ أو تأثر هامنه ومن الواضح ان المانعية انما تتحقق في فرض وجود المقتضى مع بقية الشرائط ليستند عدم المعلول إلى وجود المانع فلو فرض عدم المقتضى أو عدم الشرائط فاستناد عدم المعلول إلى وجود المانع مما لا يتوهمه احد مثلا إذا فرضنا عدم وجود النار في العالم اصلا أو كانت ولم تكن مماسة للجسم القابل للاحتراق فلو ادعى احد أن عدم احتراق الجسم في هذا الفرض مستند إلى وجود المانع عن الاحتراق لكانت الدعوى مما يضحك الثكلى فالمانع انما يتصف بالمانعية عند وجود المقتضى مع بقية الشرائط والا فلا يتصف بالمانعية ليكون عدمه من مقدمات وجود المعلول ويترتب على ذلك انه يستحيل ان يكون وجود احد الضدين مانعا من وجود الاخر بداهة (1) انه عند وجود احد الضدين يستحيل


1 - لا يذهب عليك ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من توقف استناد عدم شيئ الى وجود المانع على تحقق ما يقتضى وجوده مع ساير الشرايط وان كان في غاية الجودة و المتانة الا ان ما افاده من دعوى استحالة وجود المقتضى لكل من الضدين في آن واحد غير صحيح لان كلا من المقتضين انما يقتضى اثره في نفسه ومع قطع النظر عن الاخر فمقتضى البياض مثلا انما يقتضيه في نفسه كما ان مقتضى السواد مثلا انما يقتضيه كذلك وهذا امر ممكن لا استحالة فيه اصلا وانما المستحيل هو اقتضاء شيئ للبياض المقارن للسواد مثلاو - (*)

[ 256 ]

وجود المقتضى للضد الاخر فعدمه مستند إلى عدم مقتضيه لا إلى وجود ضده وهذا بالنسبة إلى ارادة شخص واحد في غاية الوضوح لاستحالة تحقق ارادة كل من الضدين في آن واحد واما بالنسبة الى ارادة شخص للضدين فلان احدى الارادتين تكون مغلوبة للارادة الاخرى فلا تكون متصفة الاقتضاء فيكون وجودها كعدمها لعدم القدرة على متعلقها (وبالجملة) تضاد المعلولين يستلزم تضاد مقتضيهما فلا يمكن اجتماعهما في الخارج ليكون احد المعلولين مانعا من تأثير مقتضى الاخر ومزاحما له بداهة ان وجود احد الضدين في عرض وجود الاخر محال يمتنع تحققه في الخارج وما كان كذلك يستحيل وجود المقتضى له فان اقتضاء المحال محال فإذا فرض وجود المقتضى لاحد الضدين فلا محالة يكون المقتضى للاخر محالا فاتضح ان المانع المتوقف على عدمه وجود المعلول هو ماكان مزاحما لتأثير المقتضى اثره عند اجتماع شرايطه وهذا المعنى مفقود في الضدين كما عرفت فلا وجه لدعوى توقف احدهما على عدم الاخر الا توهم ان المعاندة والمنافاة بين الوجودين تقتضي التوقف المزبور وهو توهم فاسد (1) إذا لو تم ذلك لكان تحقق كل من النقيضين متوقفا على عدم الاخر ايضا لوجود الملاك فيه وبطلانه غنى عن البيان واقامة البرهان وعلى ما ذكرناه من ان مرتبة المانعية انما هي بعد وجود المقتضى مع الشرايط يترتب امتناع كون احد الضدين شرطا لشيئ والاخر مانعا منه لان المفروض ان مانعية المانع انما هي في ظرف وجود المقتضى مع بقية الشرائط فلابد من امكان اجتماع المانع والشرط وجود أو الضدان بما انه لا يمكن اجتماعهما يستحيل كون


- اين ذلك من فرض وجود المقتضى من الضدين في نفسه لا يقيد اجتماعه مع الاخر ولو لا ما ذكرناه لاستحال استناد عدم الشيئ إلى وجود مانعه ابدا لان الاثر المترتب على وجود المانع ان لم يكن مضاد للممنوع فلا موجب لكونه مانعا منه وان كان مضادا له فكيف يعقل وجود المقتضى لما فرض ممنوعا ليستند عدمه إلى وجود المانع 1 - هذا التوهم وان كان فاسدا في نفسه على ما سيجئ بيانه الا انه لايرد عليه ما افيد في المتن من استلزامه توقف احد النقيضين على عدم الاخر مع انه واضح بطلان (وجه عدم الورود) هوان توقف شيئ على شيئ يتوقف على مغايرتهما خارجا ومن الواضح ان عدم الشيئ هو بنفسه نقيض وجوده فلا معنى لتوقفه على عدم نقيضه كما ان عدم العدم عنوان ومرآة للوجود فلا معنى لتوقف الوجود عليه (*)

[ 257 ]

احدهما شرطا لشيئ والآخر مانعا عنه ثم انه اورد على القائلين بكون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الآخر بأنه مستلزم للدور فان وجود احدهما لو توقف على عدم الآخر توقف وجود الشيئ على عدم مانعه لتوقف عدم الآخر على وجود ضده توقف عدم الشيئ على وجود مانعه لان التمانع من الطرفين واستناد عدم الشيئ إلى وجود المانع هو الموجب لتوقف المعلول على عدم المانع (واجاب عنه) المحقق الخوانسارى (قده) بأن توقف وجود احد الضدين على عدم الاخر فعلى بخلاف توقف عدم الاخر على وجوده فان شانى لان وجود احد الضدين انما يكون مانعا عن الضد الاخر فيما إذا كان المقتضى له مع جميع شرايطه موجودا وهذا محال لامتناع وجود المقتضى لكل من الضدين في عرض واحد والتحقيق ان ما افاده (قده) من كون المانعية المانع متوقفة على وجود المقتضى مع جميع الشرائط وان كان متينا لا مناص الالتزام به كما عرفت الا ان لازمه انكار التوقف والمقدمية في المقام لا انكار لزوم الدور مع الالتزام بالتوقف فان كون عدم المانع مقدمة انما هو باعتبار مانعة وجوده فإذا كانت مانعية احد الضدين للاخر مستحيلة لتوقفها على وجود المقتضى مع الشرائط المفروض استحالته فيستحيل كون عدم احدهما مقدمة لوجود الاخر (ثم انه) كان من الواجب على المحقق الخوانسارى (قده) ان يمنع استناد عدم احد الضدين إلى وجود الاخر ولو فرض امكان وجود مقتضيهما فان المقتضيين وان فرضنا هما موجودين في عرض واحد الا ان عدم شيئ من الضدين لا يستند حينئذ الى وجود الاخر بل إلى وجود مقتضى الاخر المساوى لمقتضيه في القوة أو الاقوى منه فإذا فرض المقتضيان متساويين في القوة فلا يوجد شيئ منهما فيعلم من ذلك المانع من وجوده مع فرض تمامية مقتضيه انما هو وجود مقتضى الضد الاخر لانفسه فان المفروض انه معدوم فكيف يعقل ان يكون مانعا من الاخر نعم المقتضى الضعيف لا يمكن ان يكون مانعا من القوى فإذا كان مقتضى كل من الضدين موجودا أو كان احدهما اقوى من الاخر فهو يؤثر في مقتضاه ويكون مانعا عن الاخر وعلى كل فلا يستند عدم الشيئ إلى وجود ضده ليلزم الدور لكنك

[ 258 ]

عرفت ان مرجع استحالة استناد عدم احد الضدين إلى وجود الاخر إلى استحالة مانعية كل منهما من الاخر ونتيجة ذلك عدم توقف وجود احد هما على عدم الاخر اذلا موجب للتوقف المزبور الا كون احد الوجودين مانعا من الاخر المفروض استحالته لوجهين الاول ان مانعية الضد تتوقف على وجود المقتضى للضد الاخر مع سائر شرائطه و قد فرضنا استحالته الثاني (1) ان عدم الضد لو فرض محالا وجود مقتضيه ايضا انما يستند إلى وجود المقتضى الاخر المزاحم لمقتضيه في التأثير المساوى معه في القوة أو الاقوى منه وعليه فلا يستند عدم احد الضدين إلى وجود الاخر ابدا فيستحيل كون احد الوجودين مانعا من الاخر فإذا كانت المانعية مبتنية على محالين كانت مستحيلة لا محالة فيكون توقف وجود الشيئ على عدم ضده محالا ايضا ومما يدلك (2) على عدم كون ترك احد


1 - هذا الوجه هو الصحيح في انكار كون احد الضدين مانعا من الاخر واما الوجه الاول فقد عرفت عدم صحته آنفا 2 - التحقيق في المقام هو ان التقدم والتأخر بين شيئين إذا كانا بالزمان فكل ما هو متحد مع المتقدم في الزمان متقدم على المتأخر لا محالة كما ان مقارن المتأخر متاخر عن المتقدم بالضرورة واما إذا كان التقدم والتأخر بلحاظ الرتبة والزمان فلا استحالة في كون شيئ متقدما على شيئ ولا يكون متقدما على ما هو متحد مع المتأخر في الرتبة كما لا استحالة في تأخر شيئ عن شيئ وعدم تأخره عما هو متحد مع المتقدم في الرتبة والوجه في ذلك ان التقدم في الرتبة لا بد وان يكون ناشئا من ملاك موجب له ولتاخر المتأخر فكل ما لا يكون فيه الملاك لا يعقل فيه التقدم والتأخر فالا تحاد في الرتبة ملاكه عدم تحقق موجب التقدم والتاخر لا انه ناشئ من ملاك وجودي كما كان هو الشأن في الاتحاد في الزمان و عليه فنقول إذا كان شيئ كالعلة متقد ما على شيئ كالمعلول فترشح المعلول من العلة وتوقف وجوده على وجود علته هو الملاك لتقدم العلة على المعلول وتأخره عنها رتبة لكن عدم المعلول الذى هو في مرتبة وجوده غير متاخر في الرتبة عن وجود العلة لعدم تحقق ملاك التأخر فيه كما ان عدم العلة لا تقدم له على وجود المعلول لذلك ايضا فعدم المعلول متحد في الرتبة مع وجود المعلول ومع وجود علته كما ان عدم العلة متحد رتبة مع وجود العلة ووجود معلولها و على ذلك فعدم احد الضدين وان كان في رتبة وجود المتحد مع وجود الاخر في المترتبة الا انه لا ينافى كونه في رتبة سابقة على وجود الاخر لتحقق ملاك التقدم والتاخر فيهما وعدم - (*)

[ 259 ]

الضدين مقدمة للآخر لاشبهة في ان عدم كل شيئ يناقض وجوده في مرتبة واحدة إذ نقيض كل وجود هو العدم البديل له لا كل عدم فعدم كل شيئ اما هو في مرتبة وجود ذلك الشيئ وكذلك كل من الضدين متحد في الرتبة مع الضد الآخر لان ملاك استحالة الضدين هو ملاك استحالة النقيضين بعنيه فإذا كان ضد في مرتبة وجود الضد الآخر فلا محالة يكون عدم هذا الضد في مرتبة وجود الضد الآخر ايضا لان العدم والوجود في مرتبة واحدة فاتحاد مرتبة وجود احدهما مع مرتبة وجود الآخر يستدعى اتحاد مرتبة عدمه مع مرتبة وجود الآخر ايضا والا لم يكن العدم والوجود في مرتبة واحدة هذا خلف ثم ان المحقق الخوانسارى (قده) فصل بين الضد المعدوم والموجود فذهب الى توقف وجود احد الضدين على عدم الضد الآخر إذا كان موجودا لا مطلقا وبعبارة اخرى فصل بين الدفع والرفع فبنى على توقف احد الضدين على رفع الآخر لاعلى دفعه ونسب ذلك إلى المحقق الدوانى ايضا ولكن ظاهر كلام الدوانى انما هو في مقام اثبات توقف مانعية المانع على وجود المقتضى فعلا مع سائر الشرايط فهو اجنبي عما اختاره المحقق الخوانسارى (قده) حمله على مختاره وربما ينسب الميل إلى هذا القول إلى العلامة المحقق الانصاري (قده) وكيف كان فغاية ما يمكن ان يقال في تقريبه هو ان المحل إذا كان مشغولا باحد الضدين لا يكون قابلا لعروض الضد الاخر الا بعد انعدامه فلا محالة يكون وجوده متوقفا على عدم الضد الموجود وهذا بخلاف ما إذا لم يكن شيئ منهما موجود وكان المحل خاليا عن كل منهما فان قابليته لعروض كل واحد منهما حينئذ فعلية ولا تتوقف على شيئ فإذا وجد المقتضى لاحدهما فلا محالة يكون موجودا من دون ان يكون لعدم الاخر في وجوده (ويرد عليه) انا لو بنينا على ان الحادث لا يحتاج في بقانه إلى المؤثر وأنه مستغن عنه لتم ما ذهب إليه (قده) فان البياض مثلا إذا وجد فلا يحتاج في بقائه إلى مؤثر يؤثر فيه فلا محالة يكون وجود السواد موقوفا على انعدامه واما إذا بنينا على استحالة ذلك فان ملاك الاحتياج إلى المؤثر انما هو الامكان الذى يشترك فيه الحدوث والبقاء فالمحل


- تحقق ملاكهما في عدم لك منهما بالاضافة إلى وجود ولا في وجود كل منهما بالاضافة إلى وجود الاخر (*)

[ 260 ]

كما انه قابل لبقاء الموجود في الان الثاني قابل لعروض الضد الاخر ايضا و كل منهما يحتاج إلى المقتضى في الان الثاني ومع وجود المقتضى لاحد هما يستحيل (1) وجود المقتضى للاخر فيستند عدمه إلى عدم مقتضيه فيكون البقاء بعد فرض احتياجه الى المؤثر كالحدوث والبرهان المقتضى لعدم المقدمية في الحدوث مقتض له في البقاء ايضا (ومن الغريب) ان المحقق الخوانسارى (قده) ذهب إلى استحالة استغناء البقاء عن المؤثر كما ان العلامة المحقق الانصاري (قده) شدد النكير على من قال بالاستغناء و مع ذلك فقد ذهب الاول إلى مقدمية رفع احد الضدين لوجود الاخر ومال الثاني إليه على ما في تقريرات بعض افاضل تلامذته وقد عرفت ان القول بالمقدمية مبتن على ما انكراه من استغناء الباقي عن المؤثر فان قلت أليس من المشاهد بالوجدان انه إذا وضع جسم على الارض يكون باقيا فيه ما لم يرفع برافع فبقاؤه لا يدور مدار بقاء علته ونظير ذلك من الامثلة كثير فما معنى استحالة استغناء البقاء عن المؤثر (ولعل) المحقق الخوانسارى (قده) قد نظر إلى ذلك في التفصيل المزبور قلت اولا ان البقاء في المثال المذكور غير مستغن عن المؤثر غاية الامر ان العلة المحدثة في المثال هي علة مبقية ايضا فان الثفل الطبيعي في الاجسام وميلها إلى المركز أو جاذبية الارض لها هي العلة في استقرار الاجسام عليها فما دامت هذه العلة موجودة يكون المعلول موجودا بوجودها وباقيا ببقائها وهذا اجنبي عن استغناء البقاء عن المؤثر كما هو واضح وثانيا لو سلمنا استغناء البقاء عن المؤثر في الموجودات التكوينية الخارجية لكنه بديهى البطلان في الافعال الارادية التى هي محل الخلاف


1 - ما افاده قدس سره من منع استناد عدم الشيئ إلى وجود ضده وان كان متينا سواء في ذلك الدفع والرفع بناء على ما هو الصحيح من احتياج بقاء الممكن إلى المؤثر كحدوثه الا ان تعليل ذلك باستحالة وجود المقتضى لكل من الضدين غير صحيح كما عرفت بل سند المنع هو ان عدم الشيئ يستند دائما إلى عدم مقتضيه أو إلى عدم شرطه أو إلى وجود المانع اعني به المقتضى لما يكون مضادا لذلك الشيئ وعلى كل تقدير لا يستند عدم الشيئ إلى وجود ضده وذلك ظاهر بادنى تأمل (*)

[ 261 ]

بيننا وبين من يقول بالمقدمية فان الفعل الارادي يستحيل بقاؤه بعد انعدام الارادة بالضرورة فغاية الامران نفصل بين الافعال الاختيارية وغيرها في مسألة استغناء البقاء عن المؤثر واما مسألة توقف احد الضدين على عدم الاخر فلا وجه فيها للتفصيل بين الدفع والرفع بعد فرض احتياج الفعل الاختياري إلى المؤثر حدوثا وبقاء فعدم احد الضدين سواء كان مما يتوقف عليه وجود الضد الاخرا ولم يكن كذلك لا يفرق فيه بين العدم بعد الوجود والعدم قبله فالتفصيل المذكور لا وجه له اصلا بقى الكلام فيما ذهب إليه الكعبي من القول بانتفاء المباح وهذا القول مبتن على مقدمتين (الاولى) توقف ترك الحرام على فعل من الافعال الوجودية بدعوى استحالة خلو المكلف عن فعل من الافعال الاختيارية (الثانية) احتياج الحادث في بقائه الى المؤثر فيترتب عليهما ان ترك الحرام يتوقف حدوثا وبقاء على ايجاد فعل من الافعال الاختيارية فيكون واجبا بالوجوب المقدمى فلا يمكن فرض مباح في الخارج (ويرد عليه) ان المقدمة الاولى ممنوعة بداهة ان الحرام بما انه من الافعال الاختيارية يكفى في عدمه وجود الصارف وعدم الارادة فلا يكون موقوفا على ايجاد فعل اخر وانما يكون ملازما له في الخارج بل يمكن فرض خلو المكلف عن تمام الافعال الارادية لعدم تعلق ارادته بها واما اتصافه في هذا الحال بالسكون لا محالة فانما هو من باب الاتفاق لا من جهة صدوره منه بالارادة والاختيار نعم لو فرضنا توقف (1) بقاء الصارف على فعل من الافعال الوجودية احيانا بحيث لو لم يشتغل به لاضمحل الصارف ويقع في الحرام يقينا لامكن ان يلتزم فيه بوجوب ايجاده مقدمة للواجب و لا ضير فيه إذ لا يلزم منه انكار المباح راسا الا ان الصحيح هو عدم وجوبه شرعا لعدم كون وجوب الصارف المتوقف عليه شرعيا وانما هو واجب عقلي لتوقف الامتثال الواجب عقلا عليه وذلك لان الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال الخارجية لا بالدواعى المتوقف


1 - لا يخفى ان الصارف عن الفعل عبارة اخرى عن عدم الداعي إليه ولا معنى لتوقفه حدوثا أو بقاء على الاشتغال بفعل من الافعال الوجودية ليجب الاشتغال به عقلا أو شرعا نعم يمكن علم المكلف بانه لو لم يشتغل به لوقع في الحرام بارادته واختياره لكنه اجنبي عن توقف الصارف عليه كما هو ظاهر (*)

[ 262 ]

عليها الامتثال الواجب عقلا فإذا لم يكن الصارف واجبا شرعا فلا يكون ما هو مقدمة وجوده واجبا شرعيا ليلزم منه انتفاء المباح بل انما يجب الاتيان به عقلا لتوقف واجب عقلي عليه نظير لزوم الاتيان عقلا بتمام اطراف العلم الاجمالي بالتكليف الوجوبى لتوقف الامتثال الواجب عقلا عليه ومن الواضح ان كون شيئ واجبا عقلا لا يلزم منه نفى المباح والحكم عليه بالوجوب شرعا (وأما) ثمرة البحث فقد يقال انها تظهر فيما إذا وقعت المزاحمة بين الواجب الموسع والمضيق وفيما إذا وقعت بن مضيقين احدهما اهم من الآخر فعلى القول باقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده يكون الواجب الموسع أو غير الاهم منهيا عنه فيقع فاسدا إذا كان عبادة بخلاف ما إذا قلنا بعدم الاقتضاء فانه لا موجب حينئذ لفساده (واورد عليه) بانه اما ان يعتبر في صحة العبادة تعلق الامر بها فعلا واما ان يكتفى فيها باشتمالها على ملاك الامر ومحبوبيتها الذاتية وان لم يؤمر بها فعلا لاجل المزاحمة اما على الاول فتفسد العبادة عند المزاحمة بالمضيق أو الا هم سواء قلنا باقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده أم لا إذ لو لم يقتض الامر بالشيئ للنهى عن ضده فلا محالة يقتضى عدم الامر به لاستحالة الامر بالضدين فإذا كان الضد العبادي غير مأمور به بالفعل فيقع فاسدا لفرض اشتراط صحة العبادة بكونها مأمورا بها فتنتفى بانتفائه واما على الثاني فتصح مطلقا اما بناء على عدم القول باقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده فواضح واما بناء على الاقتضاء فلان العبادة حينئذ وان كانت منهيا عنها الا ان هذا النهى غيرى نشأ من مقدمية تركها أو ملازمته للمأمور به ولم ينشأ من مفسدة في متعلقه ليكون موجبا لاضمحلال ما فيه من الملاك الصالح للتقرب بما اشتمل عليه وبالجملة صحة العبادة و عدمها في فرض المزاحمة انما تدوران مدار كفاية وجود الملاك في وقوع الفعل عبادة و عدم كفايته في سواء في ذلك القول باقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده والقول بعدمه (و اورد المحقق الثاني) (قده) على انكار الثمرة في صورة مزاحمة الموسع بالمضيق ما قد اوضحه جماعة من المحققين ممن تأخره عنه بما حاصله ان الامر بالشيئ إذا كان مقتضيا للنهى عن ضده فلا محالة يكون الفرد المزاحم من الواجب الموسع منهيا عنه فيقيد به اطلاق الامر به كما هو الحال في غير المقام من بقية موارد النهى عن العبادة واجتماع الامر والنهى بناء على تقديم جانب النهى فلا محالة يقع فاسد بناء على عدم كفاية الاشتمال

[ 263 ]

على الملاك في الصحة واما إذا بنينا على عدم الاقتضاء فغاية ما يقتضيه الامر بالمضيق هو عدم الامر بهذا الفرد المزاحم لعدم القدرة على الاتيان به شرعا وهو في حكم عدم القدرة عليه عقلا وذلك لا يقتضى الفساد بداهة أن الوجوب انما تعلق بصرف وجود الطبيعة لا بخصوصية افرادها ليرجع التخيير بينها إلى التخيير الشرعي فملاك الامتثال انما هو انطباق المأمور به على الفرد الخارجي لا كون الفرد بشخصه مأمورا به وحينئذ فبما ان الواجب الموسع له افراد غير مزاحمة وصرف وجود الطبيعة مقدور للمكلف يصح تعلق الامر به من المولى اذلا مزاحمة بينه وبين الواجب المضيق وانما المزاحمة بين المضيق والفرد المزاحم من الموسع وإذا كان صرف وجو الطبيعة مطلوبا للمولى وكان انطباقه على الفرد المزاحم قهريا فيتحقق به الامتثال قهرا ويكون مجزيا عقلا " وبالجملة " حال الفرد المزاحم حال غيره من الافراد فكما ان ملاك الامتثال فيها هو انطباق المأمور به عليها لاكون انفسها مأمورا بها كذلك يكون الملاك في الفرد المزاحم هو الانطباق المذكور ايضا (وفيه) ان ما ذكره (قده) انما يتم على ان يكون منشأ اعتبار القدرة شرطا للتكليف هو قبح تكليف العاجز إذ عليه يمكن (1) ان يقال ان الواجب


1 - لا يخفى انه بناء على اعتبار وجود الامر في صحة العبادة والاغماض عما سيجيئ من صحة تعلق الامر بالضدين على نحو الترتب لا مناص عن القول بفساد العبادة الموسعة المزاحمة بالواجب المضيق بناء على ما اختاره شيخنا الاستاد قدس سره من استحالة تعلق الطلب بامر متاخر مقدور في ظرفه لانه على ذلك لا يعقل تعلق الطلب بغير المضيق لعدم كون فرد من افراده مقدورا بالفعل فلا يعقل طلب صرف وجود الطبيعة حينئذ ليكون انطباقه على ما اتى به في الخارج قهريا بالفعل فلا يعقل طلب صرف وجود الطبيعة حينئذ ليكون انطباقه على ما اتى به في الخارج قهريا واجزائه عن الاتيان بالمأمور به ثانيا عقليا ولا يفرق في ذلك بين القول بان منشأ اعتبار القدرة في متعلق التكليف هو حكم العقل بقبح خطاب العاجز و القول بان منشأه هو اقتضاء نفس التكليف ذلك نعم إذا كان الواجب ذا افراد عرضية و كان بعض افراده مزاحما بواجب اهم لا جميعها أو قلنا بصحة تعلق الوجوب بامر متاخر في ظرفه كما هو المختار عندنا لصح الاتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الامر بالطبيعة المقدورة بالقدرة على فرد منها بناء على ان منشأ اعتبار القدرة هو الحكم العقلي المزبور لكن الفرض الاول خارج عما هو محل الكلام في المقام والثانى خلاف ما هو مختار شيخنا الاستاد قدس سره فلا وجه لما في المتن من التفصيل وتسليم ما افاده المحقق الثاني (قده) على تقدير و انكاره على تقدير آخر (*)

[ 264 ]

الموسع بما انه مقدور في الفرض المزبور ولو بالقدرة على فرد منه لا يكون التكليف به قبيحا وبما أن انطباقه على الفرد المزاحم قهرى يكون اجزاؤء عقليا (واما) ادا بنينا على ان اعتبار القدرة انما هو لاقتضاء نفس التكليف ذلك لا لحكم العقل بقبح تكليف العاجز ضرورة ان الاستناد إلى امر ذاتي سابق على الاستناد إلى امر عرضى فلا يمكن تصحيح الفرد المزاحم بذلك اصلا توضيح ذلك ان الآمر انما يأمر بشيئ ليحرك (1) عضلات العبد نحو الفعل بالارادة و الاختيار بجعل الداعي له إلى ترجيع احد طرفي في الممكن وهذا المعنى بنفسه يستلزم كون متعلقة مقدورا لامتناع جعل الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعا وعليه فالبعث لا يكون الا نحو المقدور فتخرج الافراد غير المقدورة عن حيز الطلب فالفرد المزاحم وان كان من افراد نفس الطبيعة الا انه ليس من افرادها بما هي مأمور بها ومتعلقة للطلب ليكون انطباق المأمور به عليه قهريا فيكون مجزيا (وبالجملة) انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المزاحم يتوقف على عدم تقييدها بقيد القدرة وأما إذا كانت مقيدة بها لاقتضاء نفس الطلب ذلك امتنع انطباقها على ذلك الفرد ليتحقق به امتثال الامر المتعلق بصرف وجودها فلو بنينا على اشتراط صحة العبادة بتعلق الامر بها فلا بد من الالتزام بفساد الفرد المزاحم لخروجه عن حيز الطبيعة المأمور بها اما للنهى واما لتقيدها بالقدرة المانع من انطباقها على الفرد المزاحم نعم إذا بنينا على كفاية الاشتمال على الملاك في الصحة فلابد من الالتزام بصحة الفرد المزاحم في الصورتين لما عرفت من انه تام الملاك حتى بناء على كونه منهيا عنه ايضا لما ستعرف في بحث النهى عن العبادة انشاء الله تعالى


1 - تحرك المكلف نحو الفعل وانبعاثه عن بعث المولى انما يتحقق في ظرفه وصول التكليف إليه وحصول الداعي له إلى الامتثال من جهة حكم العقل بلزومه واما التكليف في نفسه فهو كما عرفت سابقا ليس الا عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف كما ان الانشاء على ما ذكرناه لا شأن له الا انه ابراز لذلك الاعتبار القائم بالنفس فلا مقتضى لاختصاص متعلق الحكم بالصحة الارادية والاختيارية بل الفعل على اطلاقه متعلق الحكم سواء في ذلك المقدور وغيره نعم القدرة دخيلة في حكم العقل بلزوم الامتثال ومن الواضح ان ذلك لا يقتضى اعتبارها في متعلق التكليف بوجه اصلا وقد مر تفصيل ذلك في بحث التعبدى والتوصلى فراجع (*)

[ 265 ]

من ان النهى المانع عن التقرب بالعبادة انما هو النهى النفسي لا الغيرى لان النهى الغيرى لا ينشأ من مفسدة في متعلقة ليكشف عن عدم تمامية ملاك الامر وبما انك عرفت في مبحث التعبدى والتوصلى كفاية قصد الملاك في صحة العبادة وعدم اشتراطها بقصد الامر اذلم يدل دليل شرعى على اعتبار ازيد من قصد التقرب بالعمل في وقوعه عبادة واما تطبيقه على قصد الامر وغيره من الدواعى القربية فانما هو بحكم العقل وقصد الملاك ان لم يكن اقوى في حصول التقرب بنظر العقل من قصد الامر فلا اقل من كونه مثله تعرف ان الاقوى في محل الكلام صحة الفرد المزاحم ولو بنينا على كونه منهيا عنه بالنهي الغيرى فضلا عما إذا لم يكن كذلك فان قلت تصحيح العبادة في حال المزاحمة بالملاك يتوقف على احراز كونها واجدة لم في هذا الحال وهو لا يجتمع مع القول باقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقة إذ عليه يكون اعتبار القدرة فيه شرعيا القدرة ودخيلة في ملاكه فيرتفع الملاك بارتفاع القدرة (بيان ذلك) انا لو بنينا على ان اعتبار القدرة على متعلق الامر انما هو بحكم العقل لقبح تكليف العاجز (فيمكن ان يقال) حينئذ أن اطلاق متعلقه شرعا يكشف عن كونه ذا ملاك مطلقا في حال القدرة وعدمها نظير اشتراط التكليف بكون متعلقه محل الابتلاء فانه لا يكشف عن عدم كونه ذاملاك حال خروجه عن الابتلاء غاية الامر انه لا يحسن تعلق التكليف به في غير حال الابتلاء هو لا يستلزم عدم كونه واجدا للملاك في هذا الحال فاطلاق المتعلق في كلا المقامين يكون كاشفا عن تمامية الملاك في المتعلق مطلقا وان كان تعلق التكليف به مشروطا عقلا بكونه مقدورا أو محلا للابتلاء واما إذا بنينتا على ان نفس تعلق الطلب بشيئ يقتضى اعتبار القدرة عليه فيكون تعلق الطلب به مقيدا لاطلاق متعلقه ومضيقا لدائرته فكأنه قيد المتعلق بحال القدرة لفظا فيكون هذا التقييد كاشفا عن اعتبار القدرة فيه شرعا ودخلها في الملاك واقعا نظير دلالة الدليل على تقييد وجوب الحج بالاستطاعة مطابقة ودلا لته على تقييد وجوب الوضوء بالتمكن من استعمال الماء التزاما لان تقييد وجوب التيمم في الاية المباركة بعدم وجدان الماء المفسر بعدم التمكن من استعماله مع ان التفصيل بين الوجدان وعدمه قاطع للشركة كما افاده المحقق الثاني (قده) يستلزم كون التكليف بالوضوء متوجها إلى غير هو مكلف بالتيمم فكما ان التقييد فيهما يكشف عن اعتبار القدرة

[ 266 ]

في متعلقها شرعا وعن دخلها في الملاك واقعا كذلك الحال في المقام ولو سلم فيما نحن فيه عدم القطع بالتقييد شرعا الكاشف عن دخل القدرة في الملاك فلا محالة يحتمل ذلك بحيث لو كانت دخيلة في الملاك لصح للمتكلم ان يكتفى في بيانه بنفس ايقاع الطلب على ما تعلق به فيكون المقام من قبيل احتقاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة ومعه لا يمكن التمسك بالاطلاق ولو سلم عدم صلوحه لكونه بيانا لكن الاطلاق وعدم تقييد المتعلق بكونه مقدورا لا يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك واقعا فان كشف الاطلاق عن عدم التقييد واقعا انما يكون فيما إذا لزم نقض الغرض من عدم التقييد اثباتا مع دخل القيد فيه ثبوتا كما إذا كان غرض المولى مترتبا على عتق خصوص الرقبة المؤمنة ولم يبين القيد مع كونه في مقام البيان واما في امثال المقام فبما ان ما يحتمل دخله في الملاك هي القدرة ولا يمكن المكلف ايجاد غير المقدور في الخارج ليترتب عليه نقض غرض المولى على تقدير دخل القدرة في الملاك واقعا لا يمكن التمسك بالاطلاق لدفع الاحتمال المزبور فيكون مجرد احتمال عدم كون العبادة واجدة للملاك في حال المزاحمة كافيا في عدم صحة التقرب بها قلت إذا كان متعلق الطلب مقيدا بالقدرة كما في آيتى الحج والوضوء فالتقييد يكشف عن دخل القدرة في الملاك واقعا بداهة انه لا معنى لاخذ قيد في متعلق الطلب اثباتا إذا لم يكن دخيلا في الملاك ثبوتا وعلى ذلك يترتب انه لا يمكن تصحيح الوضوء بالملاك أو بالترتب في موارد الامر بالتيمم لان الوضوء في تلك الموارد ليس واجد اللملاك ليحكم بصحته من جهة الاكتفاء في صحة العبادة بالملاك أو من جهة الالتزام بصحة الترتب وبوجود الامر با لمهم عند عصيان الامر بالاهم وتوهم صحته في تلك الموارد انما نشأ من تخيل كونه واجد للملاك فيها مع الغفلة عن ان وجدان الماء شرط شرعى لوجوب الوضوء وله دخل في ملاكه وعليه لا يكون الوضوء في تلك الموارد واجدا للملاك ليحكم بصحته باحد الوجهين وبالجملة لا يجتمع صحة الوضوء المتوقفة على وجدان الماء لاشتراط ملاكه به سواء به للصلوة ام لغيرها مع الامر بالتيمم المشروط بعدم وجدانه نعم إذا كان الموجب للتيمم هو ضيق الوقت فلو توضأ لغاية اخرى

[ 267 ]

غير الصلاة فلا يبعد الحكم بصحته والفرق موكول إلى محله واما إذا لم يكن متعلق الطلب مقيدا بالقدرة في مرتبة سابقة على تعلق الطلب به بل كان اعتبار القدرة فيه لتعلق الطلب به سواء كان التقييد ناشئا من حكم العقل بقبح خطاب العاجز أو من اقتضاء نفس تعلق الطلب به ذلك فمعروض الطلب في مرتبة سابقة على عروضه وهى مرتبة اقتضاء المتعلق لعروض الطلب عليه التى هي عبارة اخرى عن مرتبة وجدانه للملاك يكون مطلقا لا محالة والتقييد في مرتبة لاحقة وهى مرتبة عروض الطلب لا يعقل ان يكون تقييدا في مرتبة سابقة عليه وبالجملة المادة التى يعرض عليها الطلب وان كانت مقيدة بالقدرة عليها حال عروضه الا ان اطلاقها في مرتبة سابقة عليه يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك وعن كون ذات العمل الذى هو معروض الطلب واجدا للملاك التام والا لكان على المولى تقييده في تلك المرتبة فمن الاطلاق في مقام الاثبات يستكشف عدم التقييد في مقام الثبوت (فظهر) ان اقتضاء الطلب لاعتبار القدرة في متعلقة يستحيل ان يكون بيانا ومقيدا للاطلاق في مرتبة سابقة عليه فلا معنى لدعوى الاجمال وان المقام من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح لكونه قرينة فضلا عن دعوى كونه بيانا ومقيدا لاطلاقها (واما) ما ذكر اخيرا من ان عدم التقييد في المقام لا يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك واقعا لعدم لزوم نقض الغرض من عدم البيان على تقدير دخلها فيه واقعا فمجرد احتمال دخلها فيه يكفى في عدم صحة العبادة (ففيه) اولا ان هذا لو تم فانما هو فيما إذا كان الشك في اعتبار القدرة التكوينية في الملاك لاستحالة صدور غير المقدور فلا يلزم من عدم البيان نقض الغرض اصلا واما إذا كان الشك في كون القدرة ولو كانت شرعية دخيلة في الملاك كما هو المفروض في المقام فيلزم نقض الغرض من عدم التقييد لا محالة فان المكلف يمكنه ان يأتي بفرد الواجب الموسع عند مزاحمته للواجب المضيق تمسكا بالاطلاق فيلزم نقض الغرض على تقدير عدم كونه واجدا للملاك واقعا وثانيا ان لزوم نقض الغرض ليس من مقدمات التمسك بالاطلاق بل من مقدماته تبعية مقام الاثبات لمقام الثبوت فكون المتكلم في مقام بيان تمام ماله دخل في غرضه يستلزم بيان جميع القيود المعتبرة في متعلق حكمه والا لزم الخلف وعدم كونه في مقام البيان فمن الاطلاق وعدم التقييد يستكشف عدم دخله في مقام الثبوت

[ 268 ]

بلا حاجة ضم مقدمة لزوم نقض الغرض اصلا فان قلت أن ما ذكرته من التمسك باطلاق المادة في المرتبة السابقة على تعلق الطلب بها لاثبات عدم دخل القدرة في الملاك يتوقف على كون المولى في مقام بيان ما يقوم به ملاك طلبه ايضا ومن الواضح انه يقطع عادة بعدم كون الآمر في مقام البيان من هذه الجهة ومعه كيف يمكن التمسك بالاطلاق مع ان كون المولى في مقام البيان من جملة مقدماته وبالجملة ما فرض كون المولى في مقام بيانه وهو ما تعلق به طلبه مقيد بالقدرة على الفرض وما يشك في تقيده بها وهو الملاك الداعي إلى طلب الفعل فالمولى ليس في مقام بيانه فلا يجدى الاطلاق في مقام الاثبات لدفع احتمال التقيد في مقام الثبوت (قلت) التمسك (1) بالاطلاق ان كان لاكتشاف ما اراده المتكلم من كلامه فهو


1 - لا يخفى ان التمسك باطلاق المتعلق لاحراز اشتراط الملاك بالقدرة ان كان من جهة استكشاف مراد المتكلم من ظاهر كلامه فهو يتوقف على كون المولى في مقام بيان ما يقوم به ملاك طلبه ومن الواضح انه ليس كذلك غالبا به غاية ما هناك كون المولى في مقام بيان ما تعلق به طلبه فقط بل الغالب في الموالى العرفية غفلتهم عن ذلك فضلا عن كونهم في مقام بيانه ثم انه على تقدير كون المولى في مقام بيان ما يقوم به ملاك طلبه ايضا لا يمكن التمسك باطلاق كلامه بعد حكم العقل باعتبار القدرة في متعلق الطلب أو اقتضاء نفس تعلق الطلب به ذلك واحتمال اعتماد المتكلم في التقييد على ذلك لان الكلام يحتف حينئذ بما يحتمل كونه قرينة فلا ينعقد له ظهور في الاطلاق كما هو ظاهر واما إذا كان التمسك بالاطلاق لاجل كشف المعلول عن علته سواء كان المولى في مقام البيان من الجهة المشكوك فيها ام لم يكن كما هو مختار شيخنا الاستاد قدس سره فيرد عليه ان تعلق الطلب بشئ وان كان يكشف عن وجود الملاك فيه بناء على تبعية الاحكام لمافى متعلقاتها في الملاكات الواقعية كما هو الصحيح الا ان غاية ما يقتضيه ذلك هو احراز الملاك في خصوص الحصة الملازمة لتعلق الطلب بها دون غيرها ضرورة ان عدم طلب غير المقدور كما يمكن ان يكون لاجل المانع يمكن ان يكون لعدم ما يقتضيه فلا موجب لاحراز الملاك فيه اصلا واما ما ربما يقال من ان تعلق الطلب بفعل غير مقيد بالقدرة في مقام الاثبات يكشف عن وجوبه بالمطابقة وعن كونه ذاملاك ملزم بالالتزام وحكم العقل باعتبار القدرة في متعلق التكليف انما يصلح للتقييد بالاضافة الى الد لالة المطابقية دون الالتزامية - (*)

[ 269 ]

يتوقف على احراز كونه في مقام البيان ضرورة انه مع عدم كون المتكلم في مقام البيان لا يكون اطلاق كلامه اثباتا كاشفا عن تعلق ارادته بالمطلق ثبوتا واما إذا كان التمسك به لكشف امر واقعى بنحو الان ومن باب كشف المعلول عن علته فهو لا يتوقف على كون المولى ملتفتا إليه فضلا عن كونه في مقام بيانه وما نحن فيه من هذا القبيل فانا إذا فرضنا ان ما تعلق به طلب المولى في ظاهر كلامه هو الفعل المطلق قبل تعلق الطلب به دون المقيد والمفروض ان تعلق الطلب بفعل يكشف عن كونه ذاملاك ومصلحة داعية الى طلبه على مذهب العدلية فيكشف ذلك عن ان الواجد للملاك هو مطلق الفعل دون المقدور منه وهذا الكشف عقلي لا يدور مدار كون المولى في مقام بيانه وعدم والاشكال المزبور انما نشأ من خلط التمسك بالاطلاق في هذا المقام بالتمسك به في المقام الاول فتدبر حتى لا يختلط الامر عليك فاتضح مما ذكرناه صحة استكشاف كون الملاك فيما لم يقيد متعلق الطلب بالقدرة في ظاهر الخطاب ولو بنينا على اقتضاء نفس تعلق الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه واما إذا كانت القدرة معتبرة في ظاهر الخطاب فان كانت هناك قرينة على ان اعتبار القدرة انما هو من باب التأكيد العقل فيكون كما إذا لم تعتبر القدرة في ظاهر الخطاب والا فظاهر الدليل يقضى بان ذات ما تعلق به الطلب هو الفعل المقيد بالقدرة فتكون القدرة دخيلة في الملاك ايضا


- فيبقى اطلاق الكلام بالاضافة إلى الد لالة الالتزامية على حاله فجوابه ان الدلالة الالتزامية كما انها تابعة للدلالة المطابقية ايضا وذلك لاجل ان الحكاية عن اللازم انما كانت حجة ولو مع عدم التفات المتكلم إلى الملازمة وعدم قصده الحكاية عنه لان ثبوت الملزوم والتعبد به يقتضى التعبد بلازمه لبناء العقلاء على ذلك في باب الظهورات على ما يأتي تفصيل ذلك في محله انشاء الله تعالى فإذا لم يثبت الملزوم لم يثبت لازمه ايضا فإذا قامت البينة مثلا على ملاقات الثوب للبول الدالة على نجاسة الثوب بالالتزام وعلم من الخارج عدم ملاقاته له مع احتمال كونه نجسا من جهة اخرى فهل يحكم بنجاسة الثوب حينئذ اخذ بالد لالة الالتزامية مع فرض سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية كلا فالتحقيق انه لا طريق لنا إلى احراز اشتمال غير المقدور من افراد الطبيعة المأمور بها على الملاك بناء على اعتبار القدرة في متعلق الامر على احد الوجهين المتقدمين نعم بناء على ما اخترناه من عدم اعتبار القدرة - (*)

[ 270 ]

ثم انه ربما يورد على ما ذكرناه من تصحيح العبادة بالملاك بأن الامر بالصلاة مع الامر بالازالة مثلا بعد امتناع اجتماعهما متعارضان فلابد من الرجوع إلى المرجحات وبما ان المفروض ان المرجح في طرف الامر بالازالة يسقط دليل وجوب الصلاة عن الحجية لا محالة إذا فرض اعمال دليل وجوب الازالة فرض اسقاط دليل وجوب الصلاة فلا يستكشف كون الصلاة حينئذ مشتملة على الملاك حتى يمكن تصحيحها به (ولا يخفى) ان هذا الايراد انما نشأ من تخيل ان المقام من باب المتعارضين وهو ناشئ من خلط باب التعارض بباب التزاحم غفلة عن ان الملاك في كل من البابين يخالف ما هو الملاك في الآخر كما ان القول بأن الاصل عند الشك هو التعارض أو التزاحم ناشئ عن ذلك ايضا وهو يشبه القول بأن الاصل في الاشياء هل هي الطهارة أو البطلان في البيع الفضولي فان الفرق بين البابين كبعد المشرقين فكيف يصح امكان تصادقهما على مورد واحد ليكون احدهما هو الاصل دون الاخر (وتحقيق ذلك) ان باب التعارض يفترق عن باب التزاحم في مورد التصادم وفى الحاكم بالترجيح أو التخيير وفى جهة التقديم وفى كيفية (اما الاول) فتوضيحه ان الحكم المدلول عليه بدليل إذا لو حظ بالقياس الى الحكم المستفاد من دليل آخر فان لم يكن بينهما تناف وتعاند اصلا فهما خارجان عن بابى المزاحمة والمعارضة وان كان بينهما التنافى فهو اما ان يكون في مقام جعلهما وانشائهما على موضوعهما المقدور وجوده على نحو القضايا الحقيقية واما ان يكون في مقام الفعلية وتحقق كل ما هو مأخوذ في موضوع الحكم شرعا أو عقلا وعلى الاول فالدليلان متعارضان نظير الدليل الدال على وجوب السورة في الصلوة بالقياس إلى ما دل على عدم وجوبها فان جعل الوجوب لشيئ ينا في عدم جعله له بالضرورة فيعامل معهما معاملة المتعارضين وعلى الثاني فالحكمان متزاحمان نظير وجوب انقاذ كل من الغريقين مع عدم قدرة المكلف على الجمع بين امتثاليهما فان جعل الوجوب لكل منهما


- الافى مرحلة حكم العقل بوجوب الامتثال صح التمسك بالاطلاق لاثبات كون الفرد المزاحم لما هو اهم منه واجدا للملاك إذا لمفروض ان متعلق الامر هو نفس الطبيعة غير المقيدة بالقدرة الصادفة على الفرد المزاحم ايضا فكل فرداتى به في الخارج فهو فرد للمأمور به وواجد لملاكه لا محالة (*)

[ 271 ]

مشروطا بالقدرة على امتثاله لا ينافى جعل الآخر كذلك فلا معارضة في مقام الجعل و الانشاء بل المنافاة نشأت من عدم قدرة المكلف على الجمع بين الامتثالين فان اعمال القدرة في احدهما يستلزم العجز عن الآخر الموجب لعدم فعلية التكليف ناحية فالتنافي بينهما انما هو في مقام الفعلية ومنه يظهر ان تصادم المتزاحمين انما هو في القدرة غالبا وان كان قد يتحقق (1) في غيرها نادرا كما سيأتي ذلك انشاء الله تعالى و اما تصادم المتعارضين فهو من جهة المتعلق دائما نظير تصادم الاضداد الخارجية في العروض على موضوع خارجي (وامال الثاني) اعني به افتراق باب التعارض عن باب التزاحم بالحاكم بالترجيح أو التخيير فهو من جهة ان الحاكم بالترجيح والاخذ بذى المزية أو التخيير عند عدمها في باب التزاحم هو العقل وفى باب التعارض هو الشرع بناء على المختار من حجية الامارات من ابا الطريقية إذ مقتضى القاعدة حينئذ هو التساقط وعدم الاعتبار بمزية احد الدليلين على الاخر فيكون الحاكم بالترجيح أو التخيير من جهة التعبد الشرعي نعم لو قلنا بحجيتها من باب السببية (2) والموضوعية لكانت الامارتان المتعارضتان متزاحمتين في وجوب العمل على طبق كل منهما والحاكم بالترجيح أو التخيير حينئذ هو العقل (واما الثالث) اعني به افتراق البابين في جهة التقديم فبيانه ان اول المرجحات في باب التزاحم هو كون احد الواجبين مما ليس له وبدل والآخر مما له بدل وهذا يتحقق في احد موردين (احدهما) ما إذا كان لاحد الواجبين بدل في عرضه كما إذا كان واجبا تخييريا عقليا أو شرعيا مع كون الواجب الاخر تعيينيا فيقدم الواجب التعييني على التخييري فيما إذا زاحم بعض افراد الواجب التخييري الواجب التعييني ووجه


1 - سيأتي ان وقوع التزاحم بين حكمين يختص بموارد عدم القدرة على الجمع بين امتثالهما وانه يستحيل تحققه في غيرها 2 - المراد من السببية والموضوعية في المقام هي السببية على رأى الاشاعرة أو المعتزلة واما السببية على راى بعض العدلية اعني بها الالتزام بالمصلحة السلوكية من دون ان يكون في مؤدى الامارة بما هو كذلك ما يقتضى الامر به فحالها حال الطريقية بعينها في ان مقتضى القاعدة حينئذ هو تساقط الدليلين المتنافيين في مدلولهما وانما الحاكم بالترجيح أو التخيير هو الشرع وانتظر لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله تعالى (*)

[ 272 ]

التقديم فيه واضح فان وجوب الواجب التخييري لا يقتضى لزوم الاتيان بخصوص فرده المزاحم بخلاف الوجوب التعييني فانه يقتضى لزوم الاتيان بخصوص الفرد المزاحم لفرض تعينه ومن الواضح ان مالا اقتضاء فيه لا يمكن ان يزاحم ما فيه الاقتضاء (وثانيهما) ما إذا كان لاحد الواجبين بدل في طوله دون الاخر كما إذا وقع التزاحم بين الامر بالوضوء والامر بتطهير البدن للصلاة فبما ان الوضوء له بدل وهو التيمم فلا يمكن مزاحمة امره مع امر التطهير فيقدم رفع الخبث ويكتفى في الصلاة بالطهارة الترابية ولاجل ذلك يقدم ادراك تمام الركعات في الوقت مع الطهارة الترابية على ادراك ركعة واحدة مع الطهارة المائية إذا دار الامر بينهما وتوهم ان ادراك ركعة واحدة في الوقت بدل عن تمام الصلاة فيه فيكون الدوران بين واجبين لكل منهما بدل مدفوع بان بدلية ادراك الركعة الواحدة عن تمام الصلاة في الوقت انما هي على تقدير العجز عن ادراك تمام الصلاة فيه وقد فرضنا قدرة المكلف على ادراك تمامها فيه فلا فيجب الاتيان بتمام الصلوة في وقتها مع الطهارة الترابية التى هي بدل عن الطهارة المائية واما ماعن بعضهم من نسبتة تقديم ادراك الركعة الواحدة مع الطهارة المائية على ادراك تمام الصلوة في الوقت مع الطهارة الترابية الى السيد العلامة المحقق الشيرازي (قده) فلا يظن بصدقه واما إذا كان كل من الواجبين تعيينيا لابدل له فاما ان يكون اعتبار القدرة في احدهما شرعيا وفى الآخر عقليا أو يكون في كل منهما شرعيا أو عقليا فهذه اقسام ثلاثة (اما) القسم الاول وهو ما كانت القدرة في احدهما شرطا شرعيا دون الاخر فيقدم فيه الواجب المشروط بالقدرة عقلا على الواجب المشروط بها شرعا لان ملاك الواجب الذى لا تكون القدرة شرطا لوجوبه شرعا تام لا قصور فيه ولا مانع من ايجابه بالفعل فيكون وجوبه فعليا لا محالة وموجبا لعجز المكلف عن الاتيان بالواجب الآخر ومانعا عن تحقق ملا كه المتوقف على القدرة عليه على الفرض وهذا بخلاف الواجب المشروط بالقدرة شرعا فان وجوبه يتوقف على تمامية ملاكه المتوقفة على عدم فعلية الواجب الآخر فلو استند عدم فعلية الوجوب المشروط بالقدرة شرعا لزم الدور ولا فرق فيما ذكرناه بين ان يكون الوجوب المشروط بالقدرة شرعا متأخرا عن الآخر زمانا وان يكون

[ 273 ]

مقارنا معه أو متقدما عليه والملاك في تقدم الواجب الذى لا يكون مشروطا بالقدرة شرعا على الواجب المشروط بها شرعا واحد (واما القسم الثاني) وهو ما إذا كان كل من الواجبين مشروطا بالقدرة شرعا فيقدم فيه ما كان بحسب الزمان مقدما على الاخر في الفعلية وتحقق موضوعه إذ حينئذ يكون المتقدم مستقرا في محله ورافعا لموضوع التكليف عن الآخر فلا يبقى محلا ومجالا له وهذا فيما إذا لم تكن هناك جهة اخرى توجب تقدم احد الواجبين على الآخر ولو كان متأخرا عنه زمانا كما إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الحج (1) ووجوب الوفاء بالنذر واشباهه فان وجوب الوفاء في تلك الموارد مع اشتراطه بالقدرة شرعا مشروط بعدم كون متعلقه محللا للحرام ايضا فيقدم وجوب الحج عليه ولو كان النذر بحسب الزمان سابقا على اشهر الحج كمن نذر في شهر رمضان المبيت ليلة عرفة في مشهد الحسين (عليه السلام) وبعد ذلك عرض له الاستطاعة فان الوفاء بالنذر في هذا الفرض بما انه يستلزم ترك الواجب في نفسه ومع قطع النظر ان تعلق النذر به لا تشمله


1 - التحقيق ان تزاحم وجوب الوفاء بالنذر ووجوب الحج خارج عن موضوع هذا القسم لاعن حكمه وذلك لان النذر وان فرض تقدمه على حصول الاستطاعة زمانا الا ان تقدم احد الواجبين على الاخر في هذا القسم انما يدور مدار تقدمه عليه زمانا ولا عبرة فيه بتقدم سبب احد الوجوبين على سبب الاخر في الزمان اصلا وعلى ذلك فالنذر وان فرض تقدمه على حصول الاستطاعة زمانا الا ان وجوب الوفاء به متأخر لا محالة عن وجوب الخروج مع الرفقة في ظرف تحقق الاستطاعة فيقدم عليه وجوب الخروج لكونه فعليا بفعلية موضوعه بلا مزاحم له في ذلك الظرف اصلا وهذا بناء على استحالة الواجب التعليقي ولزوم اشتراط وجوب الوفاء بالنذر بتحقق ليلة عرفة في غاية الوضوح واما بناء على امكانه وصحته كما هو الصحيح فوجوب الوفاء بالنذر وان كان في نفسه فعليا قبل مجيئ وقت الواجب الا ان وجوب الحج ايضا كذلك فالوجوبان عرضيان وكل منهما قابل لرفع موضوع الاخر ولا عبرة بحدوث وجوب الوفاء بالنذر قبل حصول الاستطاعة بعد كونه مزاحما بوجوب الحج بقاء وعلى ذلك لا يبقى مجال لتوهم تقدم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج بملاك تقدم الواجب السابق في الزمان على الواجب الاخر المتأخر فيه بل لابد من تقدم وجوب الحج عليه للوجه المذكور في المتن ولان وجوب الوفاء بالنذر لو كان مانعا عن تحقق الاستطاعة وسقوط وجوب الحج عن المكلف للزم امكان التخلص عن وجوب الحج بكل نذر يضاد متعلقه للاتيان بمناسك الحج في ظرفها مع ان ذلك مما يقطع ببطلانه (*)

[ 274 ]

ادلة وجوب الوفاء بالنذر فينحل النذر بذلك ويكون وجوب الحج فعليا ورافعا لملاك متعلق النذر فان قلت ان وجوب الوفاء بالنذر غير مشروط بالقدرة شرعا فكيف يقدم عليه وجوب الحج المشروط بها في لسان الدليل وعلى فرض كونه مشروطا بها شرعا ايضا فكل منهما قابل لان يكون رافعا لملاك الآخر في حد نفسه لكن النذر من جهة تقدمه زمانا يكون رافعا للاستطاعة كما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) قلت اما حديث عدم اشتراط وجوب الوفاء بالقدرة شرعا فيد فعه ان وجوب الوفاء تابع لما تعلق به النذر وبما ان النذر تعلق (1) بالفعل المقدور فاعتبار القدرة على الفعل هو مقتضى نفس تعلق الالتزام به نظير اقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه فلا محالة يكون متعلق النذر هو الفعل المقدور فتكون القدرة مأخوذة في موضوع وجوب الوفاء قبل تعلقه به (وهذا) عن اعتبار القدرة في متعلق الوجوب شرعا الكاشف عن اختصاص الملاك بالفعل المقدور (واما دعوى كون) وجوب الوفاء بالنذر قابلا لنفى الاستطاعة المقومة لملاكك الحج (فيبطلها) اولا ان انعقاد النذر مشروط بكون متعلقه راجحا في نفسه في ظرف العمل ومن المفروض ان متعلقه في الفرض المزبور وليس براجح في ظرف العمل وثانيا انه لو بنينا على عدم اعتبار الرجحان في ظرف العمل في انعقاد النذر واكتفينا برجحان متعلقه حين النذر فالنذر في مفروض الكلام بما ان متعلقه في نفسه محلل للحرام لاستلزامه ترك الحج لا يكون منعقدا لاشتراط انعقاده بعدم كون متعلقه كذلك فيقدم وجوب الحج على وجوب الحج على الوفاء بالنذر وبالجملة وجوب


1 - لا يخفى ان تعلق النذر بشيئ ليس الا عبارة عن جعل الناذر ذلك الشيئ على ذمته لله والزام نفسه به باختياره وقد عرفت غير مرة ان اعتبار شيئ على الذمة لا يقتضى اشتراطه بالقدرة عليه لا عقلا ولا من جهة اقتضاء نفس تعلق الايجاب به ذلك ولاجل ذلك يتحقق عنوان الفوت بترك المنذور في ظرفه ولو كان ذلك من جهة عدم القدرة عليه فيجب قضائه فيما دل الدليل عليه فلو كان الواجب هي الحصة المقدورة فقط لاختصاص ما يشتمل على الملاك بها لما تحقق الفوت في فرض عدم القدرة عليه ليجب قضائه فالصحيح في الجواب عن الاشكال المزبور هو ما افيد في المتن بعد ذلك من ان انعقاد النذر ووجوب الوفاء به مشروط شرعا يرجحان متعلقه وعدم كونه محللا لحرام (*)

[ 275 ]

الحج لامانع منه على الفرض غير وجوب الوفاء بالنذر وبما انه مشروط بعدم كون متعلقه محللا للحرام لا يكون فعليا في الفرض المزبور ليكون متعلق وجوب الوفاء بالنذر واما وجوب الوفاء بالنذر فلا يعقل ان يكون رافعا لملاك الحج فانه تتوقف فعلية على عدم التكليف بالحج لئلا يلزم منه تحليل الحرام فلو كان عدم التكليف بالحج من جهة فعلية وجوب الوفاء بالنذر لزم الدور (وهذا) الذى ذكرناه (مطرد) في كل ما اشترط وجوبه بعدم كونه محللا للحرام فعند مزاحمة المشروط به لما هو غير مشروط به يقدم غير المشروط به ولو فرض كونه ايضا مشروطا بالقدرة شرعا واما ما عن السيد الفقيه الطباطبائى (قده) من ان اللازم في متعلق النذران يكون راجحا في ظرف العمل ولو بلحاظ تعلق النذر به وبذلك صحح نذر التطوع في وقت الفريضة و عليه نزل الاخبار الدالة على حواز نذر الاحرام قبل الميقات والصوم في السفر فيظهر ضعفه مما ذكرناه من ان اللازم هو كون متعلق النذر راجحا وغير محلل للحرام في نفسه لا بلحاظ حكمه المشروط بذلك والالزم (1) ان يكون جميع المحرمات محللة بالنذر وهو واضح البطلان واما جواز النذر في الموارد المذكورة فهو في المثالين الاخيرين من باب التخصيص في ادلة حرمة الاحرام قبل الميقات والصوم في السفرو


1 - لا يخفى ان ما افاده السيد (قده) في عروته من عدم لزوم كون متعلق النذر راجحا في نفسه ومع قطع النظر عن تعلق النذر به والاكتفاء في انعقاده برجحانه في ظرفه ولو بلحاظ تعلق النذر به لا يستلزم ان يكون جميع المحرمات محللة بالنذر كما افيد في المتن لان اطلاق دليل الحرمة يكفى لاثبات عدم كون المحرم راجحا بتعلق النذر به فلا ينعقد النذر لعدم تحقق شرطه فلابد في اثبات الرجحان بلحاظ تعلق النذر بشيئ من قيام دليل عليه كما ورد في نذر الصوم في السفر والاحرام قبل الميقات والا فدليل وجوب الوفاء بالنذر بعد اشتراطه برجحان متعلقه لا يقى باثبات ذلك وقد صرح السيد بنفسه بما ذكرناه في كتاب الحج فراجع وبالجملة لا فرق بين القول باشتراط انعقاد النذر برجحان متعلقه في نفسه والقول بكفاية الرجحان الناشئ من تعلق النذر به في انعقاده الافى ان قيام الدليل على انعقاد النذر في موارد عدم كون المتعلق راجحا في نفسه يوجب تخصيص دليل اشتراطه بذلك على الاول دون الثاني فلا نتيجة عملية في البحث عن ذلك اصلا (*)

[ 276 ]

ذلك لما دل من الروايات على صحة ذلك واما جواز نذر التطوع في وقت الفريضة فهو من جهة ان الصلوة في نفسها عبادة راجحة يجوز تعلق النذر بها فتكون بعده واجبة وتخرج بذلك عن موضوت التطوع في وقت الفريضة فلا تشملها الادلة المانعة عن التطوع وقت الفريضة إذا المفروض ان فعل الصلاة المنذورة قبل الفريضة فعل الواجب لافعل المندوب (وبالجملة) ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) يبتنى على عدم اعتبار الرجحان في متعلق النذر حين العمل وكفاية الرجحان حين النذر وينافى مادل على اشتراط صحة النذر بعدم كون متعلقة محللا للحرام لان الاشتراط المزبور يستلزم انحلال النذر عند استلزام الاتيان بمتعلقه لنرك الحج، ثم انه إذا لم يكن شيئ من التكليفين المشروطين بالقدرة شرعا سابقا على الآخر زمانا فربما يقال بتقديم ما كان ملاكه اهم من الملاك الآخر لكنك ستعرف في القسم الثالث انشاء الله تعالى ان الاهمية انما توجب التقديم فيما إذا كان كل من الملاكين تاما وفعليا واما في مثل المقام المفروض فيه اشتراط الخطاب في كل من الطرفين بالقدرة الشرعية وانه لا قدرة للمكلف على امتثال كلا الخطابين فلا محالة يكون احد الخطابين واجد الملاك دون الآخر والاهمية على تقدير وجود الملاك في طرف لا تكشف (1) عن وجوده في


1 - لا يذ هب عليك ان ما افيه في المتن من ان كون الملاك اهم من غيره على تقدير وجوده لا يكون موجبا للترجيح في موارد الشك في وجوده وان كان صحيحا في باب المعارضة فلا يقدم احد الدليلين على الاخر بمجرد كون ملاك الحكم في مورده اهم من ملاك الحكم الاخر مع فرض التساوى بينهما من بقية الجهات الموجبة لترجيح احد الدليلين على الاخر الا انه لا يتم في باب التزاحم إذ لا مناص فيه من تقديم ما يكون الملاك فيه اهم من ملاك الاخر ولو كانت القدرة معتبرة في كل منهما شرطا شرعا وذلك لان شرط فعلية ملاك الواجب المفروض كونه اهم من غيره وهى القدرة عليه متحقق وجدانا إذ المفروض كونه مقدورا عقلا وعدم المنع من صرف القدرة فيه شرعا فلا وجه لتفويت المولى الملاك الاهم بعدم الامر به وهذا بخلاف الواجب الاخر فانه وان كان مقدورا عقلا الا ان الزام المولى بصرف القدرة في غيره يوجب عجز المكلف عن ايجاده وسالبا لملاكه فما افيد في المتن من الحكم بالتخيير بين الواجبين في هذا الفرض انما يصح في فرض احراز تساوى الملاك بينهما أو احتمال كون كل منهما اهم من الاخر فتدبر ذلك جيدا (*)

[ 277 ]

وجوده في ذلك الطرف دون الطرف الاخر فلعل الملاك عند المزاحمة فيه لا في الطرف الذي لو فرض تحقق الملاك فيه لكان اهم من غيره (وبالجملة) بما ان كلا من الخطابين مشروط بالقدرة شرعا ولها دخل فيه وفي ملاكه يمكن ان يكون كل منهما رافعا لملاك الطرف الآخر من دون فرق بين تساوى الملاكين وكون احدهما اهم من الآخر على فرض تحققه وكون اهمية الملاك على تقدير وجوده كاشفة عن وجوده وفعليته دون ملاك الطرف الآخر دون اتيانه خرط القناد (فالتحقيق) هو التخيير مطلقا (ثم) ان التخيير الثابت في هذا القسم شرعى (1) كشف عنه العقل فان كلا من الواجبين إذا كان واجدا لملاك الزامي في ظرف القدرة عليه كما هو المفروض ففي فرض التزاحم يكون احدهما لا بعينه ذا ملاك الزامي لا محالة فلابد للمولى من ايجابه ضرورة انه لا يجوز للحكيم ان يرفع يده عن تكليفه بالواحد لا بعينه مع فرض وجدانه للملاك الالزامي بمجرد عجز المكلف عن الاتيان بكلا الفعلين وعليه فلا مناص للمولى الحكيم في المقام من ايجاب احد الفعلين لا بعينه (واما القسم الثالث) وهو ما إذا كانت القدرة في كل من الواجبين شرطا عقليا فأما ان يكون فيه احد الواجبين أهم من الآخر اولا اما الاول فيقدم فيه الاهم على غيره والسرفيه ان الاهم بما هو كذلك يصلح ان يكون معجزا مولويا للمكلف عن الطرف الآخر دون العكس فيكون نسبة الاهم إلى غيره كنسبة الواجب إلى المستحب أو المباح فكما لا يمكن أن يكون المباح أو المستحب مزاحما للواجب كذلك لا يمكن ان يكون المهم مزاحما للاهم ولا يفرق في ذلك بين كون المتزاحمين عرضيين وكونهما طوليين كما لا فرق بين كون خطاب كل من الطوليين فعليا وكون احد هما فعليا دون الاخر مع كون ملا ه تاما فلا مثال الاول ما إذا وقع التزاحم بين حفظ نفس المؤمن وحفظ ماله لعدم قدرة المكلف عليهما معا فانه يقدم حينئذ وجوب حفظ النفس ويكون معجزا مولويا عن حفظ ماله ومثال الثاني ما إذا


1 - إذا كان المفروض في المقام قدرة المكلف على كل من الواجبين في نفسه وفي ظرف ترك الاخر وان الشارع لم يلزمه باحد هما المعين لانه بلا مرجح فلا بد من ان يكون كل منهما واجدا للملاك في ظرف ترك الاخر ولازم ذلك تعلق الامر بكل منهما مشروطا بعدم الاتيان بالاخر فالتخيير يكون عقليا لا شرعيا وسيجيئ نتيجة البحث عن كون التخيير شرعيا أو عقليا (*)

[ 278 ]

وقع التزاحم بين وجوب القيام في (1) جزئين طوليين من الصلاة لعدم قدرة المكلف عليه فيهما فإذا كان احدهما اهم من الاخر كما إذا كان ركنا يقدم خطابه لا محالة وان كان ظرف اتيانه متأخرا ومثال الثالث ما إذا وقع التزاحم بين القيام في صلاة الكسوف قبل الظهر والقيام في صلاة الظهر على القول بأن ملاك الصلوات اليومية يتم بدخول اليوم وان كان خطابها مشروطا بدخول اوقاتها فيقدم الاهم وان كان خطابها غير فعلى لعدم تحقق شرطه والسرفيه هو انه بعد فرض كون الملاك تاما لا مناص عن ايجاب حفظ القدرة أو تحصيلها بوجوب نفسي ناشئ من حكم العقل بقبح تفويت ملاك تام في ظرفه كما مربيان ذلك مفصلا وعليه فيقع التزاحم بين وجوب حفظ القدرة و وجوب الواجب الاخر وبما ان المفروض كون الملاك الموجب لايجاب حفظ القدرة أو تحصيلها اهم من ملاك الواجب الاخر يقدم الوجوب الناشئ من الملاك الاهم فيكون معجزا مولويا عن الاخر كما كان الحال ذلك في الوجوبين العرضيين فعلى القول بتمامية ملاك الصلوات اليومية بدخول اليوم يجب حفظ القدرة على القيام فيها في ظرفها ولو كان ذلك بترك القيام في صلوة الايات فعلا نعم إذا كان الواجب المتأخر غير تام الملاك فعلا وجاز تفويت القدرة عليه لم يعقل ان يزاحم به الواجب الفعلى كما


1 - التمثيل لتزاحم الواجبين الطوليين المشروطين بالقدرة عقلا بما إذا لم يقدر المكلف على القيام في جزئين من الصلوة ينافى ما سيجيئ منه (قده) من الا عتراف يكون اشتراط اجزاء الصلوة بالقدرة شرعيا وعلى ذلك فلا مناص من تقديم ما هو اسبق زمانا على غيره لكون ملاكه تاما بالقدرة عليه بالفعل فيجب الاتيان به ومع الاتيان به يكون الواجب المتأخر غير مقدور عليه وفاقدا للملاك على الفرض وبالجملة الالزام بحفظ القدرة للواجب المتأخر يتوقف على كون ملاكه تاما في ظرفه وهو يتوقف على كونه مقدورا في ظرفه بعدم الاتيان بالواجب المتقدم فلا يعقل ان يكون عدم الاتيان به مستندا إلى الالزام بحفظ القدرة للمتأخر والالزم توقف الشئ على نفسه هذا بناء على ما اخترناه من كون احد الواجبين اهم من الاخر موجبا لترجيحه على غيره ولو كان ذلك في موارد اشتراط التكليف بالقدرة شرعا واما بناء على ما تقدم من شيخنا الاستاد قدس سره من انكاره لذلك فلزوم الترجيح في المقام بكون احد الواجبين اسبق زمانا على غيره في غاية الوضوح وكيف كان فلا وجه لما افيد في المتن من الترجيح بالاهمية في امثال المقام فتدبر جيدا (*)

[ 279 ]

هو ظاهر ثم ان تشخيص كون احد الواجبين أهم من الاخر وان كان ظاهرا فيما إذا كان طرف المزاحمة حفظ بيضة الاسلام ونحوه الا انه في غير ذلك لا يخلو من خفاء إذ ليس هناك ميزان كلى يميز به الاهم من غيره فلابد حينئذ من ملا حظة خصوصيات الموارد (واما الثاني) وهو ما إذا لم يكن احد الواجبين اهم من الاخر فلا اشكال في ان الحكم فيه هو التخيير بينهما وانما الاشكال في ان التخيير شرعى أو عقلي (فذهب) جماعة منهم المحقق صاحب الحاشية والمحقق الرشتى قدس سرهما إلى ان التخيير بينهما شرعى نظرا إلى استحالة اجتماع الخطابين التعيينيين حال المزاحمة وان ترجيح احدهما على الاخر بلا مرجح فلا محالة يسقطان معا وبما ان الملاك في كل من الفعلين تام فعلى يستكشف العقل خطابا شرعيا تخييريا متعلقا بهما لاجل استلزام عد مه تفويت الملاك الملزم وهو قبيح على الحكيم (ويرد) عليه ان المستحيل انما هو اطلاق الخطابين حال المزاحمة لا اصل وجودهما فسقوطهما بالمزاحمة غير معقول وانما الساقط هو اطلاق كل منهما بحكم العقل وبعد سقوط الا طلاقين تكون النتيجة اشتراط كل من الخطابين التعيينيين بعدم الاتيان بمتعلق الاخر فاشتغال المكلف بامتثال كل منهما يجعل الطرف الاخر غير مقدور عليه فيسقط طلبه بانتفاء شرطه فلا محالة يكون التخيير بينهما عقليا (والثمرة) بين المذهبين تظهر في موارد (منها) انه على القول بالتخيير الشرعي لا يستحق تاركهما الا عقابا واحدا واما على ما اخترناه من سقوط الا طلاقين فهو يستحق عقابين كما في ترك الضدين على الترتب (ودعوى) ان الجمع بينهما محال فكيف يعقل العقاب على ترك كل منهما (مدفو عة) بأن العقاب ليس على ترك الجمع بل هو على الجمع في الترك وهو مقدور وسيجيئ توضيح ذلك في بحث الترتب انشاء الله تعالى (ومنها) انه إذا احتمل كون احد الواجبين بعينه اهم من الاخر فبناء على التخيير الشرعي في المتساويين يكون مورد الشك داخلا في مسألة دوران الامر بين التخيير والتعيين الشرعيين فيبتنى الحكم فيه على الحكم في تلك المسألة من البراءة أو الاشتغال في تلك المسألة وان كان المختار عندنا فيها هو (1) الثاني واما بناء على ما اخترناه من سقوط الا طلاقين فلابد من القول


1 - سيأتي في محله ان الحق في مسألة دوران الامر بين التخيير والتعيين وان كان هو الرجوع - (*)

[ 280 ]

بالاشتغال وان قلنا بالبرائة في تلك المسألة إذ وجود الحكم في الطرف المحتمل اهميته وكون امتثاله مبرء للذمة معلوم ضرورة ان التكليف الفعلى على تقدير كون المحتمل اهميته اهم في الواقع ونفس الامر منحصر به وعلى تقدير مساواته مع الاخر فيما ان الا طلاقين لابد من سقوطهما ففي ظرف عدم الاتيان بالاخر يكون الخطاب المتعلق به فعليا لا محالة فعلى كلا التقديرين يكون المأتى به مصداقا للواجب الفعلى ومبرء للذمة قطعا وهذا بخلاف الطرف الاخر فان الاتيان به المستلزم لفوت الغرض الملزم فيما يحتمل اهميته لا يوجب الا من من عقابه ولا الجزم بسقوط خطابه فيتعين بحكم العقل لزوم الاتيان بما يحتمل اهميته معه لانه لا يحتمل معه العقاب كما عرفت (ومنها) انه إذا وقع التزاحم بين واجبين طوليين متساويين ملاكا كما في دوران الامر بين القيام في الركعة الاولى من الصلاة والقيام في الركعة الثانية مثلا أو بين ترك واجب متوقف على محرم مساو معه في الملاك وارتكاب المقدمة المحرمة فبناء على التخيير الشرعي يثبت التخيير فيهما ايضا (واما) على المختار فالتكليف بالمتقدم هو الذي يكون فعليا دون المتأخر لان سقوط كل من التكليفين المتزاحمين بناء عليه لا يكون الا بامتثال الاخر وبما ان امتثال التكليف بالمتأخر متأخر خارجا لتأخر متعلقه على الفرض فلا يكون للتكليف بالمتقدم مسقط في عرضه فيتعين امتثاله على المكلف بحكم العقل فيجب القيام في الركعة الاولى ويلزم اجتناب المقدمة المحرمة نعم إذا كان ملاك الواجب المتأخر اقوى من ملاك الواجب الفعلى فوجوب حفظ القدرة فعلا يكون مسقطا لوجوب الواجب المتقدم كما مر نظيره فيما تقدم هذا كله حال المرجحات في باب التزاحم (وقد ظهر لك) ان الترجيح بالاهمية يختص (1) بالقسم الثالث وفي غيره لا تصل النوبة إلى الترجيح بها اصلا (واما) المرجحات في باب التعارض فهي اقوائية الد لالة أو السند كما يجيئ تفصيلها في محله انشاء الله تعالى (فكل) من مرجحات احد البابين (اجنبي) عن مرجحات الباب الاخر بالكلية


- إلى البرائة الا أنه يختص بغير موارد الشك في التعيين والتخيير من جهة التزاحم وما إذا دار امر الحجة بين كونها حجة تعيينية وكونها حجة تخييرية وانتظر لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله تعالى 1 - قد عرفت صحة الترجيح بكون احد الواجبين اهم من الاخر في القسم الثاني أيضا (*)

[ 281 ]

نعم قد يكون المرجح الاول الذي ذكرناه وهو ان يكون لاحد الواجبين بدل دون الاخر مرجحا في باب التعارض (ايضا) كما إذا كان احد الدليلين مفيدا للعموم الشمولى والاخر للعموم البدلى فانه يتقدم (1) ماله الشمول على الاخر لكنه لا بملاك التقدم في باب المزاحمة بل بملاك الاقوائية في الد لا لة كما تقدم بيان ذلك في بحث الواجب المشروط (واما الرابع) اعني به افتراق باب التزاحم عن باب التعارض في كيفية التقديم فلان التقديم في باب التعارض انما يكون مع حفظ الموضوع كما في تعارض دليل وجوب اكرام العلماء مع دليل حرمة اكرام الفساق فان تقديم دليل الحرمة مثلا لا يوجب خروج العالم الفاسق عن كو نه عالما بل يحكم عليه مع كونه كذلك بحرمة اكرامه وهذا بخلاف باب التزاحم فان تقديم احد المتزاحمين فيه يوجب ارتفاع موضوع الاخر بجعله غير مقدور عليه شرعا إذ المفروض عدم قدرة المكلف على امتثال التكلفين معا فالزام الشارع بصرف القدرة في احدهما يستلزم عجز المكلف عن امتثال الاخر ضرورة ان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا (والحاصل) ان التقديم في باب التعارض انما يوجب رفع الحكم عن موضوعه وفي باب التزاحم انما يوجب ارتفاعه بارتفاع موضوعه (ومن جميع) ما ذكرناه يظهر وضوح كون الامر بالشيئ مع الامر بضده من باب التزاحم لا التعارض فلا يبقى للايراد المذكور وقع اصلا فائدة استطرادية قد ذكرنا في بعض المباحث السابقة ان القاعدة الاولية تقتضي كون القيد ركنا وكونه مطلقا بالقياس إلى حالتى التمكن وعد مه ويترتب عليه سقوط التكليف عند تعذر بعض قيود متعلقه (الا انه) قام الدليل بالخصوص على ان الصلاة لا تسقط بحال (ومن ثم) وقع الكلام في ترجيح بعض قيودها على بعض فيما إذا دار الامر بين سقوط بعضها وسقوط بعضها الاخر


1 - قد عرفت في البحث المزبور ان كون العموم شموليا لا يكون مرجحا في باب المعارضة فلا بد من الرجوع إلى بقية المرجحات فيما إذا وقع التعارض بين العام الشمولى والعام البدلى نعم لو كان الشمولى مستفادا من نفس اللفظ وكان البدلى مستفادا من مقدمات الحكمة لكان ماله الشمول مقدما على الاخر بلا اشكال الا أنه خارج عن موضوع البحث وتمام الكلام في محله (*)

[ 282 ]

ومجمل الكلام في هذا المقام انه كلما دار الامر بين سقوط الطهور وسقوط أي قيد من قيود الصلاة يسقط ذاك القيد وان كان وقتا وكل ما دار الامر بين سقوط خصوص الطهارة المائية وسقوط قيد غيرها تسقط الطهارة المائية (والسرفيه) أن أجزاء الصلاة وشرايطها وان كانت مشروطة بالقدرة شرعا لما دل على أن الصلاه لا تسقط بحال إلا أن خصوص الطهارة المائية ممتازة عن بقية الاجزاء والشرايط بجعل البدل لها شرعا فتتأخر رتبتها عن الجميع (وكلما) دار الامر بين سقوط ادراك ركعة من الوقت وسقوط أي قيد غير الطهور يسقط ذاك القيد لكون ادراك الوقت اهم (وكلما) دار الامر بين سقوط ادراك تمام الركعات في الوقت وسقوط قيد آخر يسقط ادراك تمام الركعات الا في السورة فانها تسقط عند الدوران المزبور لقيام الد ليل على سقوطها الاستعجال (وكلما) دار الامر بين سقوط الاجزاء وسقوط الشرائط تسقط الشرائط (1) لتأخر رتبتها عن الاجزاء فانها اعتبرت قيودا فيها فتسقط حال التعذر (وكلما) دار الامر بين سقوط اصل الشرط وسقوط قيده كدوران الامر بين سقوط اصل الساتر وسقوط كونه طاهرا يسقط قيده (2) لتأخر رتبته وافتى بعضهم في المسألة بلزوم الصلاة عاريا والمسألة محررة في الفقه (وكلما) دار الامر بين سقوط قيد اعتبر في الركن وسقوط قيد اعتبر في غيره كما


1 - قد عرفت فيما تقدم ان اشتراط المأمور به بشئ انما هو بأخذه قيدا في المأمور به فيكون تقيد ذات الواجب به متعلقا للوجوب ايضا وعليه فلا وجه لما افيد من تعين الشرايط للسقوط عند دوران الامر بين سقوط شيئ منها وسقوط بعض اجزاء الواجب بل لا بد من رعاية الاهم والحكم بسقوط غيره وعلى تقدير عدم كون احدهما اهم من الاخر يحكم بالتخيير بينهما 2 - إذا كان قيد الشرط مقوما له كما هو الغالب في قيود شرايط الصلوة فبانتفاء القيد ينتفى الشرط ايضا فلا وجه لكون الساقط هو قيد الشرط دون نفسه كما افيد هذا فيما إذا لم يكن فاقد القيد مانعا من صحة المأمور به من جهة اخرى واما إذا كان كذلك كما إذا دار الامر بين الصلوة عاريا والصلوة في غير المأكول فيدور الامر بين فقدان الشرط اعني به الستر والاقتران بالمانع اعني به اقتران الصلوة بوقوعها في غير المأكول ولا ضابط لترجيح بعض القيود على بعضها الاخر في هذه الموارد والمتبع هو نظر الفقيه في كل مورد بخصوصه واما ذهاب المشهور إلى تقدم الصلوة عاريا على الصلوة في النجلس فهو من جهة النص الوارد في ذلك والمسألة محررة في الفقه (*)

[ 283 ]

إذا دار الامر بين ترك الطمأنينة في الركن وتركها في غيره من الذكر أو القرائة سقط قيد غير الركن (وكلما) دار الامر بين سقوط القيام المتصل بالركوع وسقوط القيام حال القراءة سقط القيام فيها لكون القيام قبل الركوع بنفسه ركنا ومقوما للركوع فيتقدم على القيام فيها ومن ثم يقدم القيام قبل الركوع على القيام حال التكبيرة ايضا فانه فيها شرط (1) وفي الركوع مقوم (وكلما) دار الامر بين سقوط احد الواجبين الطوليين سقط المتأخر ان لم يكن الملاك فيه اهم ومن ثم يقدم القيام في التكبير على القيام في القراءة مضافا إلى أن كونه شرطا في الركن يوجب تقدمه على القيام في القرائة كما تقدم (واما) غير ذلك من موارد التزاحم في القيود فليس فيه ضابط مخصوص بل المتبع فيه هو نظر الفقيه في كل مورد بخصوصه تبصرة لا يخفى أن وقوع التزاحم في الملاك وان كان مما لا ينكر كما إذ كان في اكرام العالم الفاسق جهة توجب وجوبه وجهة اخرى توجب حرمته إلا أنه يرجع إلى تزاحم الملاكين في اختيار الآمر الحكم على طبق احدهما ولا دخل لعلم المكلف وجهله في شئى من ذلك وهذا القسم من التزاحم خارج عما هو محل الكلام في المقام فانه كما عرفت انما يكون في فرض امكان جعل كل من الحكمين على موضوعه المقدر وجوده فالتزاحم انما هو في مقام الامتثال واين ذلك من التزاحم في مقام جعل الحكم على طبق الملاك المقتضى له وبعبارة اخرى التزاحم المبحوث عنه في المقام إنما هو التزاحم الراجع إلى المكلف في مرحلة الامتثال واما التزاحم في الملاك فهو راجع إلى ناحية المولى في اختياره احد الحكمين فالفرق بينهما في غاية الوضوح ومع ذلك فقد وقع الاشتباه


1 - القيام قبل الركوع وان كان مقوما للركن اعني به نفس الركوع إلا أنه اعتبر في التكبيرة على وجه الركنية ايضا لان الصلوة تبطل بنقصانه عمدا وسهوا فلا موجب لتقدم القيام قبل الركوع عليه فيما إذا دار الامر بين تركه وترك القيام قبل الركوع لعدم قدرة المكلف على الجمع بينهما بل الظاهر في هذا الفرض تقدم القيام حال التكبيرة على القيام قبل الركوع لتأخر زمان الثاني عن زمان الاول فيجب الاتيان بالمتقدم للتمكن منه في ظرفه ويجب الاتيان بالركوع جالسا لعدم التمكن من الاتيان به في ظرفه قائما على الفرض (*)

[ 284 ]

بينهما في بعض الموارد لاشتراكهما في الاسم وسيجيئ في بحث اجتماع الامر والنهى ما يوضح ذلك انشاء الله تعالى (ثم انه) قد اشرنا سابقا إلى ان التزاحم في مقام الامتثال قد يكون لعدم قدرة المكلف على الجمع في الامتثال وهو الغالب وقد يكون من جهة غيره (أما) التزاحم لعدم القدرة فهو في خمسة مواضع (الاول) ما إذا كان عدم القدرة اتفاقيا كما في تزاحم وجوب انقاذ كل من الغريقين فيما إذا لم يتمكن المكلف من انقاذ هما معا (الثاني) ما إذا وقع التضاد بين الواجبين اتفاقا (1) واما إذا كان دائميا فيقع التعارض بين دليلى حكمهما لان التصادم حينئذ إنما يكون في مقام الجعل والانشاء لا في مقام الاطاعة والامتثال ضرورة انه لا معنى لجعل حكمين لفعلين متضادين دائما والوجه فيه ظاهر (الثالث) (2) موارد اجتماع الامر والنهي فيما إذا كان هناك ماهيتان اتحد تا في الخارج نحو اتحاد كالصلوة والغصب بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الطبيعة الى مشخصاتها واما إذا كان هناك ماهية واحدة كاكرام العالم الفاسق المنطبق عليه اكرام العالم المحكوم بالوجوب واكرام الفاسق المحكوم بالحرمة فمورد الاجتماع يد خل في باب التعارض وكذ لك الحال فيما إذا تعددت الماهيتان بناء على


1 - لا يخفى انه لا يمكن وقوع التضاد بين امرين من باب الاتفاق الا من جهة عدم قدرة المكلف على الاتيان بهما فلا وجه لجعل ذلك قسما ثانيا من التزاحم قبال القسم الاول ثم ان التضاد بين الواجبين إذا كان دائميا فان لم يكن لهما ثالث فلا محالة يقع التعارض بين دليليهما فلا بد من الاخذ باحدهما تعيينا أو تخييرا وطرح الاخر واما إذا كان لهما ثالث فالمعارضة في الحقيقة انما هي بين اطلاق كل منهما واصل وجود الاخر فاللازم حينئذ هو رفع اليد عن اطلاق كل منهما وتقييده بعدم الاتيان بمتعلق الاخر ونتيجة ذلك هو ثبوت حكمين كل منهما مشروط بعدم الاتيان بمتعلق الاخر نعم إذا علم من الخارج كذب احد الدليلين تحقق المعارضة بين نفس الدليلين لكنه خارج عن محل الكلام كما هو ظاهر 2 - سيأتي في بحث اجتماع الامر والنهي ان وقوع التزاحم بين الامر والنهى بعد فرض عدم سراية شئ منهما إلى متعلق الاخر يتوقف على عدم وجود المندوحة وانحصار الطبيعة المأمور بها بالمجمع واما إذا كان هناك مندوحة وتمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين فلا تزاحم بينهما اصلا وعليه فيدخل هذا القسم في القسم الخامس ولا يكون قسما آخر في قباله فاقسام التزاحم الناشئ من عدم قدرة المكلف على الامتثال ثلثة (*)

[ 285 ]

سراية الحكم من احد هما إلى الاخر وسيجيئ توضيح ذلك في مبحث اجتماع الامر والنهى انشاء الله تعالى (الرابع) ما إذا كان الحرام مقدمة لواجب فيما إذا لم يكن التوقف دائميا والا فيقع التعارض بين الدليلين لا محالة (الخامس) موارد التلازم الاتفاقي فيما إذا كان احدهما محكووما بالوجوب والاخر محكوما بالحرمة كاستقبال القبلة واستدبار الجدى فانه لا تلازم بينهما في انفسهما بل التلازم انما يتفق لمن سكن العراق وما سامته من النقاط واما إذا كان التلازم دائميا فلا محالة يقع التعارض بين الدليلين (واما) التزاحم لا من جهة عدم القدرة فهو كما إذا صار المكلف واجدا للنصاب الخامس من الابل الذي يجب فيه خمس شياء ثم بعد انقضاء ستة اشهر مثلا ملك ناقة اخرى فحصل النصاب السادس الذي يجب فيه بنت مخاض فان المكلف وان كان قادرا على دفع خمس شياه بعد انقضاء سنة من ملكه للنصاب الخامس وعلى دفع بنت مخاض بعد مضى ثمانية عشر شهرا من التاريخ المزبور الا ان قيام الدليل (1) على ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين اوجب التزاحم بين الحكمين (إذا عرفت) ذلك فاعلم ان محل الكلام في المقام انما هو التزاحم الناشئ من تضاد الواجبين اتفاقا وبعد الفراغ عن التكلم فيه يقع الكلام في بقية اقسام التزاحم انشاء الله تعالى (فنقول) قد عرفت انه إذا وقع التزاحم بين الواجبين غير المشروطين بالقدرة شرعا فان كانا متساويين في الملاك تخير المكلف بينهما عقلا والاقدم الاهم على غيره (لكنه) وقع الكلام في ان رافع التكليف بالمهم هل هو نفس وجود الامر بالاهم أو اطاعته وامتثاله وعلى الاول فيسقط الامر بالمهم مطلقا واما على الثاني فالساقط هو اطلاقه ولا موجب لسقوطه عند عصيان الامر بالاهم وعدم تحقق امتثاله وبالجملة بعد امتناع بقاء كل من الواجبين المتزاحمين على حاله ولزوم بقاء اطلاق الامر بالاهم على


1 - لا يخفى ان قيام الدليل على ان المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين يوجب العلم بتقييد ما دل على وجوب خمس شياه على من ملك النصاب الخامس ومضى عليه الحول أو ما دل على وجوب بنت مخاض على من ملك النصاب السادس ومضى عليه الحول فيقع التعارض بين اطلاقي الدليلين لا محالة فلا بد حينئذ من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة فلا مساس لا مثال المقام بباب المزاحمة اصلا وان مقام شيخنا الاستاد قدس سره اجل وارفع من ان يخفى عليه ذلك ولكن العصمة لاهلها (*)

[ 286 ]

ما كان عليه وقع الكلام في ان الساقط عند المزاحمة هل هو اصل الامر بالمهم أو اطلا قه (ذهب) المحقق الثاني (قده) وجملة ممن تأخر عنه ومنهم سيد اساتيد نا المحقق العلامة الشيرازي قدس الله اسرارهم إلى الثاني ولاجله التزموا ببقاء الامر بالمهم ايضا حال المزاحمة مشروطا بعصيان الامر بالاهم ومترتبا عليه (وذ هب) بعضهم ومنهم العلامة الانصاري والمحقق صاحب الكفاية قدس سرهما إلى الاول والحق ما ذ هب إليه المحقق الثاني (قده) ولا بد لتحقيق ذلك من تقديم مقد مات الاولى في بيان امرين (الاول) أن الفعلين المتضادين إذا كان التكليف بكل منهما أو بخصوص احدهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر فلا محالة يكون التكليفان المتعلقان بهما طوليين لا عرضيين وبعبارة واضحة لا يلزم من الطلبين كذ لك طلب الجمع بين الضدين لانه إذا فرضنا امكان الجمع بين متعلقي الطلبين كذلك في حد ذاتهما كدخول المسجد وقرائة القرآن ومع ذلك كان الطلبان بنحو الترتب بأن يكون طلب احدهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر امتنع وقوعهما في الخارج على صفة المطلوبية ولذا لو اتى المكلف بهما بعنوان المطلوبية لكان ذلك تشريعا فيستكشف من ذلك أن نفس ترتب الخطابين يمنع تحقق طلب الجمع بين متعلقهما وبالجملة اجتماع الطلبين في زمان واحد انما يستلزم طلب الجمع بين المتعلقين فيما إذا كان كل منهما في عرض الاخر بأن يكون مطلقا بالاضافة إلى الاتيان بمتعلق الاخر وعدمه واما إذا فرضنا اشتراط احدهما بعدم الاتيان بمتعلق الاخر لم يعقل ان تكون نتيجة الطلبين طلب الجمع بين المتعلقين وسيجيئ لذلك مزيد توضيح انشاء الله تعالى (الثاني) انه في فرض عدم قدرة المكلف على امتثال التكليفين الموجب لوقوع التزاحم بينهما وان كان لابد من رفع اليد عما به يرتفع التزاحم لاستحالة التكليف بغير المقدور عقلا الا أنه لا مناص حينئذ من الاقتصار على ما يرتفع به التزاحم المزبور واما الزائد عليه فيستحيل سقوطه فانه بلا موجب (ومن ثم) وقع الكلام في ان الموجب للتزاحم هل هو اطلاق الخطابين ليكون الساقط هو اطلاق خطاب المهم فقط دون اصل خطابه مشروطا بعدم الاتيان بالاهم ومترتبا عليه لان سقوطه بلا موجب كما عرفت اوان الموجب له نفس فعلية الخطابين ليسقط خطاب المهم من اصله ويترتب على ذلك ما ذكرناه سابقا من ان التزاحم إذا كان ناشئا من فعلية الخطابين فلا بد من سقوطهما

[ 287 ]

معا إذا لم يكن احد هما اهم من الاخر غاية الامران العقل يستكشف خطابا تخييريا شرعيا لاستلزام عدمه تفويت الملاك الملزم وهو قبيح على الحكيم كما مر وهذا بخلاف ما إذا كان التزاحم ناشئا عن اطلاق الخطابين فانه بناء عليه يكون الساقط اطلاق الخطابين دون انفسهما فيكون كل من الخطابين مشروطا ومترتبا على عدم الاتيان بمتعلق الاخر ويكون التخيير حينئذ عقليا لا شرعيا (ومن الغريب) أن العلامة الانصاري (قده) مع انكاره الترتب وبنائه على سقوط اصل خطاب المهم دون اطلاقه ذهب في تعارض الخبرين بناء على السببية إلى سقوط اطلاق وجوب العمل على طبق كل من الخبرين ببيان أن محذور التزاحم يرتفع عند سقوط الا طلاقين فيكون وجوب العمل بكل منهما مشروطا بعدم العمل على طبق الاخر وهذا التقييد والاشتراط انما نشأ من اعتبار القدرة في فعلية التكليف وحاصل ما ذكره (قده) يرجع إلى الالتزام بخطابين مترتب كل منهما على عدم امتثال الاخر (فليت شعرى) لو امتنع ترتب احد الخطابين على عدم امتثال الاخر كما فيما نحن فيه لاستلزامه طلب الجمع ين الضدين كما توهم فهل ضم ترتب إلى مثله يوجب ارتفاع المحذور الا أن الاشتباه من الاساطين قدس الله اسرارهم غير عزيز المقدمة الثانية قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط ان شرايط التكليف كلها ترجع إلى قيود الموضوع ولا بد من اخذها مفروضة الوجود في مقام الجعل والانشاء وان فعلية التكليف تتوقف على فعليتها وتحققها في الخارج فحالها حال الموضوع بعينه إذ كل موضوع شرط وكل شرط موضوع ومن الواضح ان الموضوع بعد وجوده خارجا لا ينسلخ عن الموضوعية ويكون الحكم بلا موضوع فلا وجه لما ذكره بعضهم من ان الواجب المشروط بعد تحقق شرطه ينقلب مطلقا إذ هو مساوق للقول بان الموضوع بعد وجوده خارجا ينسلخ عن موضوعيته ولا يبعدان يكون ذلك من جهة خلط موضوع الحكم بداعي الجعل وعلة التشريع بتوهم ان شرط التكليف خارج عن موضوعه بل هو من قبيل الداعي لجعل الحكم على موضوعه فبعد وجوده يتعلق الحكم بموضوعه ولا يبقى للاشتراط مجال اصلا وقد بينا في ذلك المبحث ان كون شرط الحكم من قبيل دواعى الجعل يبتنى على أن تكون القضايا المتكلفة لبيان الاحكام الشرعية من قبيل الاخبار عن انشاء تكاليف عديدة يتعلق كل واحد منهما

[ 288 ]

بمكلف خاص عند تحقق شرطه وابطلنا ذلك المبنى في المبحث المزبور وذكرنا ان هذا الخلط وقع في جملة من المباحث (منها) ما نحن فيه فانه توهم فيه انه بعد عصيان الامر بالاهم يكون الامر بالمهم ايضا مطلقا فلا محالة يقع التزاحم بين الخطابين في هذه المرتبة (ومنها) ارجاع شرايط الاحكام الشرعية التكليفية والوضعية إلى شرطية العلم واللحاظ سواء كان المعلوم متقدما ام متأخرا أم مقارنا (ومنها) القول بان سببية شيئ للحكم الشرعي انما هي من الامور التكوينية لا من الامور الجعلية ولا من الامور الانتزاعية بتوهم ان تأثير دواعى الجعل فيه من الامور الواقعية التي لا تنالها يد الجعل تشريعا سواء في ذلك جعلها بنفسها وجعلها بمنشأ انتزاعها مع الغفلة عن ان الكلام انما هو في سببية العقد للملكية مثلا ونسبته إليها نسبة الموضوع الى حكمه لا نسبة الداعي والعلة إلى المعلول فكون تأثير الدواعى في ما يترتب عليها من الامور الواقعية اجنبي عن محل الكلام بالكلية وعليه فتعبير الفقهاء عن العقود والا يقاعات بالاسباب وعن قيود الموضوع في باب التكاليف بالشرايط انما هو اصطلاح صرف والا فكل من السبب والشرط قيد من قيود الموضوع لا محالة (وبالجملة) بعد وضوع رجوع شرط الحكم إلى كونه موضوعا له وعدم كونه من قبيل العلة لثبوت الحكم لموضوعه يتضح فساد القول بانقلاب الواجب المشروط مطلقا بعد حصول شرطه في الخارج و يترتب على ما ذكرناه فساد توهم ان الالتزام بالترتب لا يدفع محذور التزاحم بين الخطابين يتوهم ان الامر بالمهم بعد حصول عصيان الامر بالاهم المفروض كونه شرطا له يكون في عرض الامر بالاهم فيقع بينهما التزاحم والتمانع لا محالة وذلك فانك قد عرفت ان حصول شرط الحكم في الخارج لا يخرجه عن كونه شرطا له فالحكم المشروط به حدوثا مشروط به بقاء فليس هناك اطلاقان ليقع بينهما التزاحم والمطاردة المقد مة الثالثة قد ذكرنا في بحث تقسيم الوجوب الى الموقت وغيره ان فعلية الخطاب في المضيقات تكون مسارقة لوجود آخر جزء من موضوعه وشرطه ولا يكون بينهما تقدم وتأخر زمانا وكذلك ذكرنا هناك ان تأخر ا لا متثال عن الخطاب ايضا رتبي لا زماني بيان ذلك ان ما فرض جزء اخيرا لموضوع الحكم اما ان يكون حكمه وخطابه فعليا عند تحققه بلا فصل زماني فهو المطلوب واما ان تكون فعليته متوقفة على مضى

[ 289 ]

آن ما فيلزم ان لا يكون ما فرضناه جزءا اخيرا للموضوع جزءا اخيرا له وهو خلف نعم ربما يكون لمضى آن ما دخل في الموضوع ايضا فيكون هو الجزء الاخير له فتكون فعلية الحكم متوقفة على تحقق الشيئ ومضيه كما لا يبعد دعوى ذلك في حق القصاص فانه مترتب على تحقق القتل خارجا ومضى زمانه ولو آنا ما فتحقق القتل في زمان الحال المقابل للمضي والاستقبال ليس جزءا اخيرا من الموضوع بل الجزء الاخير هو مضى القتل ولو آنا ما بعد تحققه وعلى كل حال فنسبة الحكم إلى موضوعه وان لم تكن نسبة المعلول الى علته التكوينية الا أنها نظيرها فتخلف الحكم عنه يرجع إلى الخلف والمناقضة وقد مر توضيح ذلك في بحث الواجب المشروط وعليه فرعنا (1) بطلان الشرط المتأخر ومن ذلك يعلم ان تأخر الامتثال عن الخطاب ايضا رتبي لا زماني فان نسبة الامتثال الى الخطاب كنسبة المعلول الى العلة ايضا واول زمان الخطاب هو اول زمان الامتثال نعم في الموسعات لا يلزم مقارنة زمان الخطاب لزمان الامتثال بل يجوز تأخره عنه كما تجوز مقارنته له بحيث يكون اول زمان الامتثال هو اول زمان الخطاب وان كان متأخرا عنه رتبة (وتوهم) لزوم تقدم الخطاب على الامتثال زمانا بتقريب ان وجوب الامساك مثلا لو لم يكن متقدما على الامساك في اول الجفر آناما فاما ان يكون المكلف حين توجه الخطاب إليه اول الفجر متلبسا بالامساك أو غير متلبس به وعلى كلا التقديرين يستحيل توجه الخطاب إليه لان طلب الامساك ممن فرض تحققه منه طلب الحاصل كما ان طلبه ممن فرض عدم تلبسه به طلب الجمع بين النقيضين وكلاهما مستحيل فلا بد من تقدم الخطاب ولو بآن ما على زمان الانبعاث ليكون الانبعاث عن ذلك الخطاب المتقدم عليه (مدفوع) بانه لو صح ذلك لصح في نظيره اعني به العلة والمعلول التكوينيين بتقريب ان المعلول لو كان موجودا حين علته لزم عليته للحاصل والا لزم كونها علة للمستحيل وكلاهما مستحيل فلقول بلزوم تقدم الخطاب على الامتثال زمانا يستلزم القول بلزوم تقدم العلة التكوينية على معلولها زمانا ايضا وهو واضح البطلان (والحل) في المقامين ان المعلول أو الامتثال إذا كان مفروض


1 - تقدم في ذلك البحث تفصيل الكلام في ان اخذ الموضوع مفروض الوجود لا ينافى تأخر الشرط فراجع (*)

[ 290 ]

الوجود في نفسه حين وجود العلة أو الخطاب فيلزم ما ذكر من المحذور واما إذا كان فرض وجوده لا مع قطع النظر عنهما بل لفرض وجود علته أو لتحريك الخطاب إليه فلا يلزم منه المقارنة الزمانية محذور اصلا (وبالجملة) الامتثال بالاضافة إلى الخطاب كالمعلول بالاضافة إلى علته فلا مانع (1) من مقارنته اياه زمانا فلا موجب لفرض وجود الخطاب قبله بآن ما هذا مضافا الى ان المكلف ان كان عالما قبل الفجر مثلا بتوجه وجوب الصوم إليه عند الفجر كفى ذلك في امكان تحقق الامتثال حين الفجر فوجوده قبله لغو محض إذا لمحرك له (حينئذ) هو الخطاب المقارن لصدور متعلقه لا الخطاب المفروض وجوده قبله إذ لا يترتب عليه اثر في تحقق الامتثال اصلا واما إذا لم يكن المكلف عالما به قبل الفجر فوجود الخطاب في نفس الامر لا اثر له في تحقق الامتثال في ظرف العمل فيكون وجوده لغوا ايضا ولاجل ما ذكرناه من عدم كفاية وجود التكليف واقعا في تحقق الامتثال من المكلف في ظرفه بل لا بد فيه من وصول التكليف إليه ذهبنا الى وجوب تعلم الاحكام قبل حصول شرايطها الدخيلة في فعليتها فالقائل بلزوم تقدم الخطاب على الامتثال قد التبس عليه لزوم تقدم العلم على الامتثال بلزوم تقدم الخطاب عليه (هذا) مع ان تقدم الخطاب على الامتثال ولو آناما يستلزم فعلية الخطاب قبل وجود شرطه فلا بد من الالتزام بالواجب المعلق وكون الفعل المقيد بالزمان المتأخر متعلقا للخطاب المتقدم وقد عرفت استحالته في محله (هذا كله) مع انه لا اشكال في صحة العبادات الموسعة كالصلاة مثل إذا وقعت اول وقتها تحقيقا والقول بلزوم تقدم الخطاب على زمان الامتثال آناما في المضيقات يستلزم القول بلزوم تقد مه عليه في الموسعات ايضا إذ لا فرق في لزوم ذلك بين وجوب مقارنة الامتثال لاول الوقت كما في المضيقات وجوازها كما في الموسعات مع انهم لا يقولون بلزوم التقدم فيها فيكشف ذلك عن بطلان الالتزام به في المضيقات ايضا والغرض من هذه المقدمة وابطال القول بلزوم التقدم المزبور هو اثبات ان زمان شرط الامر بالاهم وزمان فعلية خطابه وزمان امتثاله أو عصيانه الذي هو شرط للامر بالمهم كلها متحدة كما ان الشأن هو ذلك بالقياس إلى


1 - ما افاده قدس الله تعالى سره من امكان مقارنة الخطاب للامتثال زمانا وان كان متينا الا انه لا مانع من تقدمه عليه زمانا بناء على ما هو الصحيح من جواز الواجب المعلق وقد ذكرنا في ما تقدم ضابط لزوم تقدم الخطاب على زمان الامتثال وعدم لزومه فراجع (*)

[ 291 ]

الامر بالمهم وشرط فعليته وامتثاله أو عصيانه ولا تقدم ولا تأخر في جميع ما تقدم بالزمان بل التقدم والتأخر بينها في الرتبة وعليه يتفرغ دفع جملة من الاشكالات التي أوردها بعض من ذهب الى لزوم التقدم المزبور على جواز الخطاب الترتبى (منها) أن عصيان الامر بالاهم متحد مع زمان امتثال خطاب المهم فلا بد من فرض تقدم خطاب المهم على زمان امتثاله وهو يستلزم الالتزام بالشرط المتأخر والواجب المعلق وكلا هما باطل (وفيه) اولا أن هذا الاشكال مبنى على القول بلزوم تقدم الخطاب على الامتثال آناما وقد عرفت فساده وان زمان الخطاب والامتثال هو بعينه زمان فعلية الشرط وهو العصيان بلا تقدم زماني في البين ليلزم المحذور (وثانيا) ان الالتزام بلزوم تقدم الخطاب لا يختص بالخطاب الترتبى بل هو على فرض صحته يعم جميع الواجبات الموسعة والمضيقة فما به يندفع محذور الالتزام بالشرط المتأخر والواجب المعلق في غير المقام يندفع به المحذور فيه ايضا بلا فارق في البين اصلا (ومنها) ان الشرط للامر بالمهم اما ان يكون نفس العصيان أو كون المكلف ممن يعصى فيما بعد اعني به وصف التعقب بالعصيان والاول وان لم يكن مستلزما لطلب الجمع فان الامر بالمهم على الفرض مرتب على تحقق العصيان في الخارج ومضى زمان امتثال الامر بالاهم الا ان حدوث الامر بالمهم بعد سقوط الامر بالاهم خلاف مفروض الخطاب الترتبى وخارج عن محل الكلام بداهة ان طلب احد الضدين بعد سقوط طلب الاخر مما لا اشكال في جوازه وصحته نظير الامر بالطهارة الترابية بعد سقوط الامر بالطهارة المائية وما هو محل الكلام هو تفارن الامرين زمانا وكون احدهما متقدما على الاخر في الرتبة ففرض حدوث خطاب المهم بعد سقوط خطاب الاهم خارج عن محل الكلام بالكلية (واما الثاني) فهو يستلزم وجود طلب المهم قبل زمان عصيان خطاب الاهم الذي هو زمان امتثال خطاب المهم وذلك يستلزم طلب الجمع بين الضدين إذ المفروض ان خطاب الاهم مطلق وفعلى وقد تحقق معه خطاب المهم بتحقق شرطه فيكون كلا الضدين مأمورا به في آن واحد ويدفعه انا نختار الشق الاول وهو كون نفس عصيان الامر بالاهم شرطا للامر بالمهم وتوهم استلزامه تأخر طلب المهم عن عصيان الامر بالاهم زمانا انما يتم على القول بلزوم تأخر الخطاب عن شرطه وأما على ما حققناه من مقارنة الخطاب لوجود شرطه فلا بد من فعلية خطاب المهم في زمان عصيان خطاب

[ 292 ]

الاهم بلا تقدم وتأخر بينهما خارجا وبما ان زمان العصيان هو بعينه زمان الامر بالاهم فيكون زمان واحد ظرفا للامرين معا وبذلك يتضح ان كون العصيان بنفسه شرطا للامر بالمهم لا يوجب خروج المورد عن محل الكلام كما توهم ومن الغريب ان العلامة الانصاري (قده) التزم في خصوص المقام بلزوم تأخر خطاب المهم عن العصيان زمانا بناء على كون نفسه شرطا له مع انه لا يلتزم بتأخر الحكم عن شرطه زمانا في غير محل الكلام ولا يعقل التفاوت بين العصيان وغيره من الشروط في ذلك اصلا مثلا إذا فرضنا ان المسافر حرم عليه قصد الاقامة في سفره في شهر رمضان فلو انه عصى وقصد الاقامة فلا محالة يكون وجوب الصوم عليه مشروطا بامرين الاول طلوع الفجر والثاني عصيانه لحرمة قصد الاقامة فكما انه لا يتأخر خطاب الصوم عن طلوع الفجر زمانا كذلك لا يتأخر عن العصيان زمانا من دون فرق بينهما اصلا نعم لا مناص عن تأخر خطاب المهم عن عصيان خطاب الاهم في الرتبة لكنه لا يختص به بل لا بد منه في كل حكم بالقياس إلى مطلق شرايطه ولا دخل له فيما هو محل الكلام في المقام اصلا. فان قلت سلمنا ان زمان خطاب المهم هو زمان فعلية العصيان الا ان هذا الزمان هو زمان سقوط خطاب الاهم فلا يجتمع الامران في زمان واحد - قلت ان ذلك يبتنى على القول بلزوم تقدم الخطاب على الامتثال زمانا فانه عليه لا بد من تقدمه على العصيان ايضا فان العصيان والامتثال يتواردان على موضوع واحد وزمان احدهما هو بعينه الزمان الذي يمكن ان يقع فيه الآخر فإذا كان الخطاب متقدما على الامتثال فلا بد من تقدمه على العصيان ايضا ولكنك قد عرفت بطلان هذا المبنى وان زمان الامتثال أو العصيان متحد مع زمان الخطاب إذ لا معنى لامتثال الخطاب المعدوم أو عصيانه فيكون زمان فعلية العصيان هو زمان الامر بالاهم فيجتمع الامران في زمان واحد نعم عصيان الخطاب في ظرفه المنقضى يوجب سقوطه لخروج زمانه لكنه خارج عن محل الكلام إذ المفروض فيه ان شرط فعلية خطاب المهم هو العصيان المقارن لا المتقدم المنصرم بانصرام ظرفه كما عرفت فظهر مما ذكرناه ان زمان فعلية العصيان هو زمان الامر بالاهم وزمان الامر بالمهم وزمان امتثاله أو عصيانه (ثم انه) أو تنزلنا عما اخترناه والتزمنا بكون وصف التعقب بالعصيان شرطا لفعلية خطاب المهم المتقدم على زمان امتثاله

[ 293 ]

لما استلزم ذلك طلب الجمع بين الضدين كما توهم بداهية ان عنوان التعقب بالمعصية انما ينتزع من المكلف بلحاظ تحقق عصيانه في ظرفه المتأخر فإذا فرض وجود المعصية في ظرفها وكون التعقب بها شرطا لخطاب المهم فيكون الحال فيه بعينه الحال في فرض كون نفس العصيان شرطا لطلب المهم بلا تفاوت بينهما اصلا وعليه فلا يكون اجتماع الطلبين كذلك في زمان واحد مستلزما لطلب الجمع بين المتعلقين كما توهم وبالجملة فرض تحقق امتثال طلب الاهم في ظرفه هادم لشرط خطاب المهم فكيف يمكن أن يكون المهم مطلوبا في فرض وجود الاهم ليرجع الامر الى طلب الجمع بين الضدين ثم ان ما ذكرناه من ان زمان خطاب المهم وامتثاله متحد مع زمان عصيان خطاب الاهم انما هو فيما إذا كان التزاحم بين واجبين مضيقين كما إذا دار الامر بين انقاذ غريقين كان احدهما اهم من الآخر واما إذا كان خطاب المهم موسعا فبناء على امتناع الخطاب الترتبى يخرج الفرد المزاحم عن اطلاق الواجب الموسع مطلقا واما بناء على امكانه فيكون خروجه وعدم شمول الاطلاق له مشروطا بامتثال خطاب الاهم فعلى تقدير عصيانه يكون هذا الفرد مشمولا للاطلاق ايضا وعلى كل حال فالشرط مقارن لمشروطه زمانا غاية الامر ان المهم إذا كان مضيقا كان المشروط بعصيان خطاب الاهم هو اصل خطاب المهم و إذا كان موسعا كان المشروط به اطلاقه للفرد المزاحم دون اصله المقدمة الرابعة وهي أهم المقدمات ان انحفاظ الخطاب في تقدير ما انما يكون باحد وجوه ثلاثة (الاول) ان يكون مشروطا بوجود ذلك التقدير أو يكون مطلقا بالاضافة إليه وهذا انما يكون في موارد الانقسامات السابقة على الخطاب مثلا خطاب الحج يكون محفوظا في ظرف الاستطاعة لكونه مشروطا بها كما ان خطاب الصلوة يكون محفوظا في ذلك التقدير لكونه مطلقا بالاضافة إليها وقد ذكرنا في بحث التعبدى والتوصلى ان كل خطاب من الملتفت إلى الانقسامات السابقة على الخطاب لابد من ان يكون بالاضافة إليها اما مطلقا أو مقيدا فالاطلاق كالتقييد حينئذ يكون لحاظيا (الثاني) ان يكون الخطاب بالاضافة الى ذلك التقدير مطلقا بنتيجة الاطلاق أو يكون مقيدا به بنتيجة التقييد وهذا إنما يكون في الانقسامات المتأخرة عن الخطاب اللاحقة له والموجب لهذا النحو من التقييد أو الاطلاق هو تقيد الغرض القائم بالمأمور به بوجود ذلك التقدير أو اطلاقه بالاضافة

[ 294 ]

إليه والكاشف عن كل من الاطلاق والتقييد في هذا المقام انما هو الدليل الخارجي فقد يدل على الاطلاق كما دل على ثبوت الاحكام الشرعية في كلتا حالتى العلم والجهل بها في غير الجهر والاخفات والقصر والتمام وقد يدل على تقيد الغرض بحال دون حال كما دل الدليل على اختصاص ملاك وجوب القصر ووجوب الجهر أو الاخفات بالعالم بوجوبها فالخطاب غير ثابت في ظرف الجهل ويسمى هذا القسم من الاطلاق بالاطلاق الذاتي والملاكي لاستحالة الاطلاق اللحاظى في موارده كما مر توضيحه (1) في البحث المذكور (الثالث) أن يكون الخطاب بنفسه مقتضيا لوضع ذلك التقدير أو لرفعه فيكون محفوظا في الصورتين لا محالة وهذا القسم مختص بباب الطاعة والمعصية فان الاطلاق والتقييد بقسميهما اعني بهما الذاتي واللحاظي مستحيلان في هذا الباب اما استحالة التقييد فلان وجوب فعل لو كان مشروطا بوجوده لا ختص طلبه بتقدير وجوده خارجا وهو طلب الحاصل ولو كان مشروطا بعدمه لاختص طلبه بتقدير تركه وهو طلب الجمع بين النقيضين وعلى كل من التقديرين يكون طلبه محالا فإذا كان التقييد بكل من التقديرين محالا كان الاطلاق بالاضافة اليهما ايضا محالا إذ لاطلاق في قوة التصريح بكلا التقديرين فيكون فيه (2) محذور طلب الحاصل والمحال معا وقد اشرنا في


1 - وقد مر في البحث المزبور انه لا مناص في جميع موارد الانقسامات الاولية و الثانوية من الاطلاق أو التقييد وانه لا يعقل الاهمال في الواقع ومقام الثبوت مطلقا و ان استحالة كل من الاطلاق والتقييد تلازم كون الاخر ضروريا وعلى ذلك فلا يبقى موضوع للاطلاق الذاتي اصلا 2 - لا يخفى ان الاطلاق وإن كان في قوة التصريح بثبوت الحكم على كل تقدير إلا أنه لا يترتب عليه المحذور المترتب على التقييد وذلك لما عرفت ان تقييد الحكم بقيد واشتراطه به يستد عى تأخره عنه وتوقف فعليته على فرض وجوده فيستحيل تقييد الحكم بوجود متعلقه لانه من طلب الحاصل كما انه يستحيل تقييده بعدم متعلقه لانه من طلب المحال وهذا بخلاف اطلاق الحكم بالاضافة إلى كل من تقديري وجود متعلقه وعدمه فانه وان كان مستلزما لثبوت الحكم في كل من التقديرين إلا أنه لاجل عدم اعتبار وجود المتعلق وعدمه في فعلية الحكم لا من جهة اعتبار كل منهما فيها ومن الواضح ان المستحيل هو دخل وجود متعلق الطلب أو عدمه في فعليته وأما عدم دخلهما فيها فهو ضروري (*)

[ 295 ]

البحث المذكور الى ان تقابل الاطلاق والتقييد انما هو تقابل العدم والملكة وان امتناع التقييد يساوق امتناع الاطلاق وتوهم ان انقسام المكلف إلى المطيع والعاصي انما هو من الانقسامات اللاحقة للخطاب المتأخرة عنه فيكون انحفاظ الخطاب في كلا التقديرين من باب نتيجة الاطلاق مدفوع بان الانقسام المذكور وان كان من الانقسامات اللاحقة الا ان محل الكلام هو الاطلاق بالاضافة الى منشأ انتزاع هذين العنوانين اعني به الفعل والترك ومن الواضح ان الانقسام بالاضافة إلى حالتى الفعل والترك ليس من الانقسامات اللا حقة غير القابلة للحاظ الحاكم بداهة انه لا بد له من ان يلاحظ حال الخطاب حالتى الفعل والترك ليكون خطا به بعثا الى احد التقديرين وزجرا عن الآخر فظهر مما ذكرناه ان حال الخطاب بالاضافة الى حالتى كون المكلف فاعلا وتاركا كحال (2) حمل الوجود أو العدم على المهية فكما لا يعقل ان تكون المهية المقيدة بالوجود أو


- لا مستحيل وقد اشرنا آنفا الى انه لا ملا زمة بين استحالة التقييد واستحالة الاطلاق اصلا وعلى ذلك فانحفاظ الخطاب في تقدير مالا مناص عن استناده الى التقييد أو الاطلاق اللحاظيين بالاضافة الى ذلك التقدير وليس للقسم الثاني والثالث من انحفاظ الخطاب في تقدير ما موضوع اصلا (ثم لا يخفى) انه لا دخل لهذه المقدمة في اثبات صحة الترتب بل قوامه انما هو بما سيجيئ من ان الخطابين وان كانا فعليين في زمان واحدا لا أنه لا تدافع بينهما بوجه اصلا لان خطاب الاهم لا يقتضى الا وجود الاهم من دون تعرض له الى وجود شيئ آخر وعدمه على تقدير عصيانه وتحقق ترك الاهم في الخارج كما ان خطاب المهم لا يقتضى ترك الاهم لا نه موضوعه وشرطه وانما يقتضى وجود المهم على تقدير ترك الاهم في نفسه ومع قطع النظر عن طلب المهم فكل من الخطابين يقتضى شيئا اجنبيا عما يقتضيه الاخر فلا تنافى بين فعليتهما اصلا وسيجيئ لذلك مزيد توضيح انشاء الله تعالى. 2 - لا يخفى ان حمل الوجود أو العدم على الماهية عبارة عن الاخبار عن اتصاف المهية في الخارج بالوجود أو بالعدم فكما ان معروض الوجود أو العدم انما هو نفس الماهية التي هي في ذاتها ليست إلا هي والوجود والعدم خارجان عن ذاتها وذاتياتها كذلك موضوع القضية التي حمل فيها الوجود أو العدم على المهية هي نفسها ايضا فان الحكاية انما هي على طبق الواقع والمحكى عنه وهذا بخلاف طلب الشيئ الملحوظ تقيده بشيئ أو عدم تقيده به ولو كان ذلك الشيئ وجود متعلق الطلب أو عدمه نعم الطلب انما يتعلق بنفس الطبيعة التي هي في نفسها لا مطلوبة ولا غير مطلوبة فتكون بتعلق الطلب - (*)

[ 296 ]

العدم أو المطلقة بالاضافة اليهما موضوعا في مقام حمل الوجود أو العدم عليها بل لابد من أن يكون الموضوع في هذا المقام نفس الماهية المعراة عن لحاظ الاطلاق والتقييد كذلك لا يعقل ان يكون موضوع الخطاب هو المكلف المقيد بكونه فاعلا أو المقيد بكونه تاركا أو المطلق بالاضافة اليهما والفرق بين انحفاظ الخطاب في هذا القسم وانحفاظه في القسمين السابقين انما هو من جهة ان انحفاظ الخطاب في هذا القسم لاجل انه من لوازم ذاته حيث ان تعلق الخطاب بشيئ بذاته يقتضى وضع تقدير وهدم تقدير آخر سواء كان الخطاب وجوبيا أو تحريميا فان الاول يقتضى وضع تقدير الوجود وهدم تقدير العدم كما ان الثاني يقتضى وضع تقدير العدم وهدم تقدير الوجود وهذا بخلاف انحفاظ الخطاب في القسمين السابقين فانه من جهة التقييد بذلك التقدير أو الاطلاق بالاضافة إليه والا فذات الخطاب بالحج أو الصلاة مثلا لا يقتضى انحفاظه في تقدير الاستطاعة بنفسه ويترتب على الفرق من هذه الجهة امران (الاول) ان نسبة التقدير المحفوظ فيه الخطاب بالاضافة إليه في القسمين الاولين نسبة العلة إلى معلولها اما في موارد التقييد فهو واضح لما ذكرناه من ان مرجع كل تقدير كان الخطاب مشروطا به الى كونه مأخوذا في موضوعه وقد عرفت ان رتبة الموضوع من حكمه نظير رتبة العلة من معلولها واما في موارد الاطلاق فلما ذكرناه (1) من اتحاد مرتبة الاطلاق والتقييد إذ الاطلاق عبارة عن عدم التقييد في مورد قابل له فإذا كانت مرتبة التقييد سابقة على مرتبة الحكم المقيد به كانت مرتبة الاطلاق ايضا كذلك واما في هذا القسم فنسبة التقدير المحفوظ فيه الخطاب بالاضافة إليه نسبة المعلول إلى العلة وذلك لما مر مرارا من ان الخطاب له نحو علية


- بها مطلو بة كما هو الحال في عروض الوجود على المهية وبالجملة قياس عدم تقيد الماهية المحمول عليها الوجود أو العدم بالوجود أو العدم وعدم اطلاقها بالاضافة إليهما بعدم تقيد الطلب بوجود متعلقه أو بعدمه وعدم اطلاقه بالاضافة اليهما كما افيد في المتن قياس مع الفارق 1 - لا يخفى ان تقييد الحكم بشيئ وان كان يقتضى تأخر فعلية الحكم عن تحقق ذلك الشيئ طبعا الا ان اطلاق الحكم بالاضافة الى شيئ لا يقتضى التأخر المزبور وذلك لما عرفت سابقا من ان الاطلاق عبارة عن عدم دخل قيد ما في فعلية الحكم من الضرورى ان تأخر حكم عماله دخل في فعليته لا يستلزم تأخره عما ليس له دخل فيها وكون نفس الاطلاق والتقييد في مرتبة واحدة وان كان صحيحا الا انه اجنبي عما نحن فيه وهو اثبات تأخر ذات الحكم - (*)

[ 297 ]

بالاضافة إلى الامتثال لان الخطاب هو الذي يقتضى وضع احد التقديرين وهدم الآخر فتكون نسبته الى التقدير المحفوظ فيه نسبة العلية لا محالة فإذا كان نسبة الحكم الى الامتثال نسبة العلة الى معلولها كان الحال ذلك بالاضافة الى (1) العصيان ايضا لان مرتبة العصيان هي بعينها مرتبة الامتثال (الثاني) ان نسبة التقدير المحفوظ فيه الخطاب في القسمين الاولين بما انها نسبة الموضوع الى حكمه كما عرفت فلا محالة لا يكون الخطاب متعرضا لحاله اصلا وضعا ورفعا مثلا خطاب الحج لا يكون متعرضا لحال الاستطاعة بان يكون مقتضيا لوجودها أو عد مها وانما هو يتعرض حال الحج باقتضاء وجوده على تقدير وجود الاستطاعة باسبابها المقتضية لها فلا نظر له الى ايجادها وعدم ايجادها وهذا بخلاف التقدير المحفوظ فيه الخطاب في هذا القسم فانه بنفسه متعرض لحال ذلك التقدير وضعا ورفعا إذا المفروض انه هو المقتضى لوضع احد التقديرين ورفع الآخر (فتحصل) ان انحفاظ الخطاب في هذا القسم وفي القسمين الاولين من الجهتين المذكورتين على طرفي النقيض ومن ذلك يظهر ان انحفاظ (2) خطاب الاهم في ظرف العصيان انما


عما يكون الحكم مطلقا بالاضافة إليه كما انه كان متأخرا عنه لو كان مقيدا به هذا مضافا إلى ما تقدم سابقا من ان تقدم شيئ على شيئ لا يقتضى تقدم ما يكون متحدا مع المتقدم في الرتبة على ما هو متأخر عن ذلك المتقدم فان التقدم والتأخر لا بد من ان يكونا بملاك يقتضيهما وقد ذكرنا ان وجود العلة متقدم على معلولها واما عدم العلة فهو وان كان في مرتبة وجودها الا أنه لا موجب لتقد مه على وجود المعلول اصلا 1 - تأخر عصيان الخطاب عن نفس الخطاب وان كان صحيحا لانه متوقف ومتفرع عليه الا ان ملاك تأخره عنه هو ذاك كما هو الملاك في تأخر الامتثال عن الخطاب ايضا واما ما افيد في المتن من كون ملاكه هو اتحاد رتبة العصيان مع رتبة الامتثال المتأخرة عن الخطاب فقد ظهر ما فيه مما ذكرناه آنفا هذا فيما إذا لو حظت النسبة بين الخطاب وعنواني الامتثال والعصيان واما إذا لو حظت النسبة بين الخطاب وما هو المنشأ لانتزاع هذين العنوانين اعني به نفس الفعل والترك فلو سلم تأخر الفعل عن الخطاب بوجه لكونه كالمعلول بالقياس إليه فلا يسلم تأخر عدمه عن الخطاب لاجل اتحاد العدم والوجود في الرتبة على ما عرفت وجه ذلك آنفا 2 - هذا البيان هو الذي يدور عليه جواز الترتب ولا يتوقف صحته على شيئ مما ذكر في هذه المقدمة كما اشرنا إليه وسيأتي له مزيد توضيح انشاء الله تعالى (*)

[ 298 ]

هو من جهة اقتضائه لرفع هذا التقدير وهد مه من دون أن يكون له نظر إلى شيئ آخر على هذا التقدير بخلاف خطاب المهم فانه لا نظر له إلى وضع هذا التقدير ورفعه لانه شرطه وموضوعه وقد عرفت انه يستحيل ان يقتضى الحكم وجود موضوعه أو عد مه وانما هو يقتضى وجود متعلقه على تقدير عصيان خطاب الاهم فلا الخطاب بالمهم يعقل ان يترقى ويصعد إلى مرتبة الاهم ويكون فيه اقتضاء لموضوعه ولا الخطاب بالاهم يعقل ان يتنزل ويقتضى شيئا آخر غير رفع موضوع خطاب المهم فكلا الخطابين وان كانا محفوظين في ظرف العصيان ومتحدين زمانا إلا انهما في مرتبتين طوليتين ونظير ذلك في التكوينيات هو ان يكون هناك مقتضيان احدهما يقتضى تحريك جسم عن مكان والاخر يقتضى تسويده على تقدير حصوله في ذلك المكان من دون ان يكون فيه اقتضاء لحصوله فيه فكما لا تعقل المزاحمة بين المقتضيين التكوينيين في هذا المثال ونحوه كذلك لا تعقل المزاحمة في المقتضيين التشريعيين في محل الكلام وليس الموجب لعدم المزاحمة الا أن احد المقتضيين ليس في مرتبة الاخر اد المقتضى الاول يقتضى هدم تقدير نسبته إلى المقتضى الاخر نسبة الموضوع إلى حكمه لان المفروض ان اقتضاءه للتسويد انما هو في فرض حصول الجسم في ذلك المكان فالمقتضى الرافع له هادم لموضوع اقتضاء التسويد لا انه مزاحم له في مرتبة اقتضائه فطلب الاهم يقتضى هدم موضوع طلب المهم من دون ان يقتضى شيئا آخر على تقدير عدم تحقق مقتضاه في الخارج واما طلب المهم فهو لا يقتضى وجود موضوعه ووضعه وانما يقتضى وجود المهم على تقدير تحقق موضوعه فليس الطلبان في عرض واحد لتقع المزاحمة بينهما من جهة امتناع الجمع بين متعلقيهما في زمان واحد المقدمة الخامسة في تشخيص محل الكلام في بحث الترتب واثبات ان القول بالترتب لا يترتب عليه محذور طلب الجمع بين الضدين كما توهم فانه انما يترتب على اطلاق الخطابين دون فعليتهما (فنقول) ان الشرط الذي يترتب عليه الخطاب اما ان لا يكون قابلا للتصرف الشرعي لكونه خارجا عن اختيار المكلف بالكلية نظير كسوف الشمس و زوالها ونحوهما واما أن يكون قابلا لذلك (اما القسم الاول) فكل خطاب فرض مقارنا في الزمان للخطاب المترتب على ذلك الشرط لا بد من أن يكون في عرضه من هذه الجهة ويستحيل ان يكون متعرضا لحال موضوعه رفعا أو وضعا لكونه غير مقدور كما هو

[ 299 ]

المفروض وحينئذ فان كان كل من الخطابين مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر أو كان أحدهما مشروطا بذلك فيستحيل وقوع متعلقيهما في الخارج على صفة المطلوبية وتعلق الطلب بالجمع بينهما ولو كان ممكنا في نفسه فلو اتى المكلف بهما بداعي المطلوبية لكان مشرعا لا محالة واما إذا كانا مطلقين من هذه الجهة فاجتماع الطلبين في الزمان يستلزم طلب الجمع بين متعلقيهما فان كان ممكنا فلا اشكال ولا فتقع المزاحمة بينهما قهرا فيحكم العقل بالتخيير بينهما كما مر (فتحصل) ان طلب الجمع في هذا الفرض انما هو نتيجة اطلاق الخطابين دون فعليتهما (واما القسم الثاني) فاما أن لا يكون احد الخطابين المجتمعين في الزمان ناظرا إلى ذلك وعلى الاول فحكمه حكم القسم الاول بعينه فان موضوع الخطاب وان كان قابلا للتصرف الشرعي لكونه تحت الاختيار الا أن الخطاب الاخر لما لم يكن ناظرا إلى رفعه بل هو اجنبي عنه كان الخطابان عرضيين من هذه الجهة لا محالة فيجرى فيه ما ذكرناه في القسم الاول وان طلب الجمع انما هو من لوازم اطلاق الخطابين فيكونان متزاحمين عند عدم امكان الجمع بين المتعلقين فيحكم العقل بالتخيير بينهما (وتوهم) انه لا محذور في طلب الجمع في هذا الفرض وان كان الجمع غير مقدور عليه للمكلف نطرا إلى تمكنه من عدم ايجاد شرط احد الخطابين وهو طلب المهم في محل الكلام فيمكنه ان لا يقع في محذور المخالفة (مدفوع) بأن القدرة التي هي شرط التكليف انما هي القدرة على متعلق التكليف في فرض وجود موضوعه لا القدرة على الموضوع فان التكليف كما ذكرناه مرارا انما هو لتحريك المكلف نحو الفعل الخارجي فيستحيل التكليف عند عدم القدرة على متعلقه ولو كان موضوع التكليف مقدورا له فالمولى الحكيم لا يمكنه الامر بالطيران إلى الهواء ولو كان ذلك مشروطا بامر اختياري كصعود المكلف إلى السطح فان الصعود إلى السطح وان كان مقدورا له الا ان الطيران إلى الهواء بما انه يستحيل صدوره منه يستحيل تحريكه إليه وتوهم عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار كما نسب إلى ابي هاشم مضافا إلى أنه ممنوع في نفسه كما تقدم وانما المسلم من عدم المنافاة عدمها بالاضافة إلى العقاب دون الخطاب اجنبي عن المقام رأسا فان التوهم المزبور انما هو فيما إذا كان الفعل المأمور به مقدورا في حد ذاته وامتنع بالاختيار لا فيما إذا

[ 300 ]

كان ممتنعا في نفسه وكان شرط الخطاب المتعلق به مقدورا للمكلف فان ابا هاشم ايضا لا يلتزم بصحة الخطاب في هذا الفرض (ومنه يظهر) ان اسناد صحة الخطاب الترتبى إلى السيد المحقق العلامة الشيرازي (قده) بتقريب انه وان كان يستلزم طلب الجمع إلا انه لا محذور فيه لتمكن المكلف من التخلص عنه بتركه العصيان ليس مطابقا للواقع بل يستحيل صدور ذلك منه (قده) ولعله (قده) قد تعرض في ضمن بحث الترتب لكون العصيان امرا اختياريا لمناسبة مقتضيه له فتوهم المتوهم انه (قده) اراد بذلك تصحيح الخطاب الترتبى وبالجملة القائل بالترتب انما يقول به لانه يرى انه لا يستلزم طلب الجمع لا انه يقول بجواز طلب الجمع بين الضدين فيما إذا كان موضوع احد الطلبين تحت اختيار المكلف وقدرته فعصيان خطاب الاهم وان كان اختياريا إلا أنه لا يصحح التكليف بامر غير مقدور لان استحالة طلب المحال ولو كان مشروطا بأمر اختياري كادت ان تكون من البديهيات (فتحصل) ان حال هذا القسم هي حال القسم الاول بعينها وان طلب الجمع انما هو من لوازم اطلاق الخطابين دون فعليتهما (وعلى الثاني) اعني به ما إذا كان احد الخطابين فيه ناظرا إلى رفع موضوع الاخر فاما ان يكون احد الخطابين فيه ناظرا إلى اعدام موضوع الاخر دفعا فقط أو دفعا ورفعا اما مطلقا أو في برهة من الزمان و الاول انما يتصور فيما إذا كان الموضوع القابل للتصرف بصرف حدوثه شرطا للتكليف كالسفر والحضر المشروط بهما وجوب القصر والاتمام بناء على ان الملاك في وجوبهما واستقرارهما في الذمة هو حال التكليف لاحال الاداء (والثاني) انما يتصور فيما إذا كان الموضوع المذكور شرطا حدوثا وبقاء وهذا كالمثالين المذكورين بناء على أن الملاك فيهما هو حال الاداء (والثالث) انما يتصور فيما إذا كان الموضوع القابل للتصرف شرطا حدوثا وبقاء في الجملة وهذا كالاستطا عة المشروط بها استقرار وجوب الحج وكالحضر المشروط به وجوب الصوم فان استقرار وجوب الحج مشروط ببقاء الاستطا عة برهة من الزمان على الخلاف في تحديد مقدارها والمسألة محررة في الفقه كما ان وجوب الصوم مشروط ببقاء الحضر إلى الزوال وفي تمام هذه الاقسام اما أن يكون احد الخطابين رافعا لموضوع الخطاب الاخر بنفس وجوده أو بامتثاله اما الاول فهو خارج عن محل البحث بالكلية ويستحيل اجتماع خطابين كذلك في زمان واحد فان المفروض ان احد الخطابين

[ 301 ]

رافع لموضوع الاخر بنفسه فكيف يمكن فرض اجتماعه معه مضافا إلى أن فرض الاجتماع يستلزم فرض الشيئ قبل وجود موضوعه وفي مرتبة رافعه وهو يستلزم تقدم الشيئ على نفسه بمرتبتين لان المفروض (1) ان مرتبة موضوعه متأخرة عن الخطاب الرافع له بمرتبة وهو متأخر عن موضوعه بمرتبة واحدة ايضا ففرضه في عرض الخطاب الرافع لموضوعه يستلزم تقدمه على نفسه بمرتبتين ومثال ذلك ما إذا تعلق خطاب باخراج ناقة واحدة مثلا زكوة قبل تمام سنة التجارة فان تعلق الخطاب باخراج نفس العين يخرجها عن عنوان فاضل المؤنة الذي هو موضوع وجوب الخمس كما ان سنة التجارة لو فرض كمالها قبل تمامية حول الزكوة يكون وجوب اخراج الخمس من النصاب مخرجا له عن كونه طلقا بمشاركة الفقير اياه في ذلك المال فيخرج بذلك عن موضوع وجوب الزكوة هذا بالنسبة إلى الخطاب المتعلق باخراج نفس العين وصرفها في مصرفها واما الخطاب المتعلق بتفريغ الذمة عما اشتغلت به لاجل دين صرف في مؤنة سنة التجارة فهو أيضا يخرج المال عن عنوان فاضل المؤنة واما إذا كان لاجل دين سابق صرف في غير مؤنة سنة التجارة فنفس الخطاب فيه لا يخرج المال الموجود عن عنوان فاضل المؤنة نعم اداء الدين السابق في سنة التجارة وامتثال طلبه يحسب من المؤن ويخرج به المال عن العنوان المذكور قطعا فهذا القسم يدخل في القسم الآتى الذي يكون فيه ارتفاع موضوع احد الخطابين بامتثال الخطاب الاخر دون نفسه واما الضمانات التي تحدث في سنة التجارة من اتلاف مال الغير ونحو ذلك ففي كون الخطابات الناشئة منها رافعة لموضوع وجوب الخمس بنفسها وبامتثالها قولان اقواهما الثاني فتكون داخلة في القسم الاتى ايضا هذا ما يتعلق بباب الخمس واما ما يتعلق بباب الحج فكل خطاب مالى تعلق بالعين أو بالذمة يكون بنفسه مانعا عن تحقق الاستطاعة ورافعا لها تشريعا ولو فرضنا كون ما في الذمة مؤجلا ولم يحل اجله بناء على ما هو الاقوى


1 - لا يخفى ان ما هو المفروض انما هو تأخر ارتفاع موضوع احد الخطابين عن نفس الاخر وقد عرفت فيما تقدم ان تأخر شيئ عن شيئ لا يقتضى تأخر نقيض الشيئ المتأخر عن الشيئ المتقدم وعليه فلا وجه لما افيد في المتن من استلزام اجتماع الخطابين المفروض كون احد هما بنفسه رافعا لموضوع الآخر لتقدم الشيئ على نفسه بمرتبتين نعم ما افيد اولا في وجه استحالة ذلك وحاصله ان فعلية الحكم بما انها تتوقف على وجود موضوعه لا محالة تكون مستحيلة في فرض وجود الرافع لموضوعه في غاية الجودة والمتانة (*)

[ 302 ]

عند نا من اشتراط الرجوع إلى الكفاية واما على القول الاخر فلا يكون الدين المؤجل مانعا عن الاستطاعة فعلا وبالجملة كل مورد فرض فيه كون الخطاب بنفسه رافعا لموضوع الخطاب الاخر يستحيل تحققه معه ولو فرض عصيانه فلا يجب الحج على من لا يفى ماله باداء دينه ومصارف طريقه وان كان عاصيا لخطاب اداء ديونه ويكون حال هذا القسم حال الامارات بالنسبة إلى الاحكام الظاهرية فكما انه مع ورود الامارة لا يبقى مجال لجريان الاصل لانتفاء موضوعه بورودها كذلك لا يبقى مع تحقق احد الحكمين مجال الحكم الاخر لانتفاء موضوعه بذلك على الفرض واما القسم الثاني وهو الذي يكون فيه احد الخطابين رافعا لموضوع الاخر بامتثاله لا بخطابه ويكون المطلوب فيه في الحقيقة هو هدم موضوع الخطاب الاخر فهو الذي وقع الكلام فيه جوازا وامتناعا باعتبار ان توجه خطابين كذلك إلى مكلف واحد في زمان واحد يستلزم طلب الجمع بين المتعلقين أو لا يستلزم ذلك وعليه (فنقول) لا اشكال في وقوع خطابين كذلك في جملة من المسائل الفقهية وانكار ذلك يساوق انكار الضروريات الفقهية (منها) ما إذا حرمت الاقامة على المسافر في مكان مخصوص فانه مع كونه مكلفا فعلا بترك الاقامة وهدم موضوع وجوب الصوم مكلف بالصوم قطعا على تقدير عصيانه لهذا الخطاب وقصده الاقامة ولا يمكن لاحد الالتزام بعدم وجوب الصوم عليه على تقدير قصده الاقامة عصيانا فالخطاب بترك الاقامه خطاب بهدم موضوع وجوب الصوم دفعا ورفعا إلى الزوال ولكنه على تقدير تحقق عصيان هذا الخطاب يكون المكلف محكوما عليه بالصوم لا محالة هذا بناء على كون قصد الاقامة قاطعا لحكم السفر واما بناء على قطعه لموضوعه فيكون وجوب الصوم مترتبا على عنوان الحضر المترتب على عصيان حرمة قصد الاقامة ولا فرق في امكان الخطاب الترتبى وامتناعه بين أن يكون احد الخطابين مترتبا على نفس عصيان الخطاب الآخر أو على معلوله وما يترتب عليه هذا بالنسبة إلى ما قبل الزوال وأما بالنسبة إلى ما بعده فلا تكون حرمة قصد الاقامة خطابا بهدم موضوع وجوب الصوم لاستقرار الوجوب عليه حينئذ وان سافر نعم يكون الخطاب بترك قصد الاقامة خطابا بهدم موضوع وجوب اتمام الصلاة فانه إذا عصى هذا الخطاب بقصده الاقامة كان مكلفا بوجوب اتمام الصلوة قطعا فامتثال التكليف بترك قصد الاقامة هو الذي يكون دافعا لموضوع وجوب الاتمام واما كونه رافعا له فيبتنى

[ 303 ]

على القول بكون وجوب الاتمام والقصر دائرا مدار حال الاداء كما هو الاقوى واما على القول بكونهما تابعين لحال المكلف اول وجوب الصلوة فيتمحض امتثال الخطاب المزبور في كونه دافعا وبالجملة الالتزام بالخطاب الترتبى في امثال ذلك من الفروع الفقهية مما لا مناص عنه وتوهم ان اجتماع الخطابين كذلك يستلزم طلب الجمع بين الضدين انما نشأ من عدم تعقل حقيقة الخطاب الترتبى والا فامكانه وعدم استلزامه لطلب الجمع بعد تعقل موضوعه لعله من الواضحات (وبيانه) ان طلب الجمع اما أن يكون بمعنى تعلق طلب واحد بالجمع بين فعلين في الخارج ومن الواضح ان القول بالترتب لا يستلزم القول بذلك واما أن يكون بمعنى تعلق طلبين بفعلين على نحو يكون كل منهما مطلوبا في ظرف طلب الآخر ليرجع الامر إلى طلب واقع الجمع وحقيقته وان لم يتعلق طلب به بعنوانه وهذا هو الذي توهم لزومه لترتب احد الخطابين على عصيان الآخر ولكن الصحيح ان القول بصحة الترتب لا يستلزم ذلك ضرورة ان طلب الجمع كذلك انما يتحقق باحد امور ثلثة ليس شيئ منها بمتحقق في المقام (الاول) ان يكون متعلق كل من الخطابين مقيدا بحال امتثال الخطاب الاخر كما إذا فرضنا ان الصوم المقارن لامتثال خطاب الصلاة هو المتعلق للوجوب وكذلك العكس فيكون المأمور به بحسب النتيجة هو الاتيان بكل منهما مع الاخر (الثاني) ان يكون متعلق احد الخطابين مقيدا بذلك دون الاخر كتقييد القراءة بكونها حال القيام دون العكس فيكون امتثال خطابها مقيدا بامتثال خطابه فيتحقق هناك ايضا طلب الجمع لا محالة (الثالث) ان يكون كل من الخطابين مطلقا بالاضافة إلى الاتيان بمتعلق الاخر كما في الصوم والصلوة فان وجوب كل منهما مطلق بالاضافة إلى امتثال الاخر وعدمه فعند تحقق امتثال احد الخطابين يكون الاتيان بمتعلق الخطاب الاخر مطلوبا ايضا فتكون النتيجة هو طلب الجمع بينهما واما إذا فرضنا ان احد الخطابين مشروط بعدم الاتيان بمتعلق الاخر كما في المقام فيستحيل ان تكون نتيجة فعلية الخطابين طلب الجمع لان فعلية الخطاب المشروط اما ان تكون على نحو انشائه فتكون مطلوبية متعلقة في ظرف ترك متعلق الاخر وهذا نقيض طلب الجمع ومعانده فعليه يستحيل وقوع الفعلين معا على صفة المطلوبية وان كان المكلف متمكنا من الجمع بينهما في الخارج واما ان لا تكون كذلك بان يتخلف مقام الفعلية

[ 304 ]

عن مقام الانشاء فالخطاب في مرحلة الانشاء وان فرض كونه مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر الا انه في مقام الفعلية يتخلف عما كان عليه ويكون مشروطا بالاتيان بمتعلق الاخر أو مطلقا بالاضافة إليه وعلى كلا التقديرين ففعلية الخطابين وان كانت تستلزم طلب الجمع إلا أنه يستحيل تخلق مقام الفعلية عن مقام الانشاء لما قد عرفت من انه يستحيل خروج الواجب المشروط بعد حصول شرطه إلى الاطلاق فضلا عن كونه في مقام الفعلية مشروطا بنقيض ما كان مشروطا به في مقام الانشاء وعلى ذلك فالخطاب بالمهم بما انه فرض اشتراطه بترك الاهم فيستحيل ان يكون بعثا إليه في فرض وجود الاهم ليكون لازم فعلية الخطابين عند تحقق عصيان خطاب الاهم هو طلب الجمع بينهما (وبالجملة) فرض اشتراط طلب المهم بترك الاهم وفرض كونه مطلوبا معه لا يجتمعان بل ان لازم اجتماع الفرضين هو استلزام الشيئ لنقيضه واجتماع الشيئ مع علة عدمه وكلاهما مستحيل (توضيح) ذلك (1) ان طلب المهم إذا كان مشروطا بترك الاهم كان ظرف مطلوبية المهم هو ظرف عدم الاهم لا محالة ففرض كونه مطلوبا في ظرف وجوده ليكون لازم اجتماع الطلبين هو طلب الجمع يستلزم استلزام الشيئ اعني به ترك الاهم لنقيضه اعني به وجوده وهذا محال وايضا لازم اشتراط طلب المهم بعدم الاهم ان يكون وجود الاهم وامتثال خطابه في الخارج علة لارتفاع موضوع خطاب المهم وحينئذ ففى ظرف امتثال الاهم اما أن يترتب عليه معلوله وهو ارتفاع موضوع طلب المهم ومع ذلك يكون المهم مطلوبا فيلزم اجتماع الشيئ اعني به طلب المهم مع علة عدمه اعني به امتثال خطاب الاهم واما ان لا ترتب عليه عليه ذلك وعدم الترتب اما أن يكون لاجل قصور في ناحية العلة أو المعلول واما ان يكون بلا قصور في ناحيتهما وكل ذلك خلف محال فتوهم استلزام فعلية


1 - الاولى في تقريب هذا الوجه أن يقال انه إذا فرض اشتراط طلب المهم بعصيان طلب الاهم وتركه فلو كان المهم مطلوبا في ظرف وجود الاهم للزم اجتماع النقيضين أو الخلف وكلا هما مستحيل بيان ذلك ان طلب المهم تتوقف فعليته على فعلية موضوعه وشرطه اعني به ترك الاهم فلو فرض كون الاهم متروكا في ظرف وجوده للزم اجتماع النقيضين كما انه لو فرض فعلية طلب المهم في ظرف عدم تحقق شرط للزم الخلف وعلى كلا التقديرين يستحيل فعلية طلب المهم في ظرف وجود الاهم وتحقق امتثال طلبه فيستحيل استلزام فعلية الطلبين المترتب احدهما عصيان الاخر لطلب الجمع بين متعلقيهما (*)

[ 305 ]

الطلبين على نحو الترتب لطلب الجمع يستلزم محاذير عديدة لا يمكن الالتزام بواحد منها فان قلت ان ما ذكرته من عدم لزوم طلب الجمع من الخطابين على نحو الترتب انما هو شبهة في مقابل البداهة ضرورة ان الخطاب بالاهم لا يسقط حين الاشتغال بالمهم الذي هو ظرف عصيان الاهم لان سقوط الخطاب لا يكون إلا بالامتثال أو بانقضاء ظرف امتثاله ولو كان ذلك بالعصيان فالامر بالاهم يبقى على فعليته حين الاشتغال بالمهم ربما ان المفروض هو فعلية الامر بالمهم ايضا يجتمع الامران الفعليان في زمان واحد لا محالة و لازم فعليتهما في زمان واحد هو طلب الجمع بين متعلقيهما في ذلك الزمان بالضرورة وهذا هو محذور القول بتعلق الطلب بالضدين على نحو الترتب قلت يندفع ما ذكرته بالحل والنقض اما النقض فلان الامر بالاهم كما انه لا يقتضى سقوط الاباحة عن اضداده الوجودية بناء على عدم كون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الآخر كما مر كذلك لا يقتضى سقوط وجوب المهم المضاد له وليس حال المهم عند فعلية الامر بالاهم الاكحال المباحات في جواز تركه والاشتغال بالاهم فكما ان الامر بالاهم يجتمع مع اباحة ضده على تقدير عصيانه كذلك يجتمع مع وجوب ضده على هذا التقدير ولازم انكار الترتب في المقام هو انكار اباحة اضداد الواجب من المباحات الكثيرة وهو باطل بالضرورة واما الحل فلان طلب الجمع انما هو من لوازم انحفاظ كل من اطلاقي الخطابين بالنسبة إلى الاتيان بمتعلق الآخر وعد مه كما ذكرناه مفصلا و اما إذا كان أحد الطلبين مقيدا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر فلا يستوى الحال في فعليته بالاضافة إلى الاتيان بمتعلق الاخر وعدمه بل يستحيل ان يقع متعلقه على صفة المطلوبية في عرض الاتيان بمتعلق الاخر إذ المقيد بعدم شيئ يستحيل ان يوجد معه واماما ذكر من انحفاظ الخطابين في ظرف عصيان الامر بالاهم فهو وان كان حقا الا انهما ليسا في مرتبة واحدة ليلزم من فعليتهما معا طلب الجمع بين متعلقيهما لما عرفت في المقدمة الرابعة من ان الامر بالاهم انما يقتضى هدم عصيانه فحسب والامر بالمهم لا يقتضى وضع هذا التقدير ليقع التنافى بينهما وانما يقتضى امرا آخر على هذا التقدير فاشتراط احد الخطابين بعدم الاتيان بمتعلق الاخر ينافى طلب الجمع لا انه يقتضيه وانما المقتضى له هو اتحاد الطلبين في الرتبة لا مجرد فعليتهما في زمان واحد وبالجملة محذور طلب الجمع انما يترتب على اتحاد زمان المطلوبين بحيث لو وجدا في الخارج معا لا تصفا

[ 306 ]

بصفة المطلوبية لا على اتحاد زمان الطلبين مع اختلافهما في الرتبة وما يلزم من الخطابين على نحو الترتب هو الثاني دون الاول وبما ذكرناه يظهر فساد توهم ان الالتزام بالخطاب الترتبى انما يصح فيما إذا كان كل من الفعلين واجدا للملاك على البدل كما هو الحال في الواجب التخييري فان المولى بما انه ليس له غرض الزامي في كل من الفعلين لا داعى له في طلبهما معا وبما ان احد الفعلين على البدل لابد من تحققه في الخارج لوفاته بالملاك الملزم لا مناص له من الامر بهما على نحو الترتب ومن ان يرفع يده عن احد الخطابين عند اشتغال المكلف بامتثال الاخر ولكن هذا خلاف المفروض في المقام إذا المفروض فيه ان خطاب الاهم مطلق بالاضافة إلى حالتى فعل المهم وعد مه فالمولى لم يرفع يده عن الواجب الاهم باشتغال المكلف بالواجب المهم فخطاب الاهم باق على فعليته في فرض الاشتغال بالمهم ايضا وبما ان المفروض هو فعلية خطاب المهم لحصول شرطه اعني به عصيان الاهم فالخطابان فعليان في زمان واحد وهذا هو بعينه محذور طلب الجمع (وجه الفساد) ان الخطابين وان كانا فعليين حال العصيان معا الا ان اختلافهما في الرتبة اوجب عدم لزوم طلب الجمع من فعليتهما لما عرفت من ان الامر بالاهم انما يقتضى هدم موضوع الامر بالمهم واما هو فلا يقتضى وضع موضوعه وانما يقتضى شيئا آخر على تقدير وجوده وما لم يكن هناك اتحاد في الرتبة يستحيل ان تقتضي فعلية الخطابين طلب الجمع بين متعلقيهما ومن هنا يظهر ان ما افاده الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدس سره من ان الامر بالمهم مشروط بالعزم على عصيان الامر بالاهم غير صحيح فانه عليه لا يكون الامر بالاهم رافعا لموضوع الامر بالمهم وهادما تشريعا فان الامر بالاهم انما يقتضى عدم عصيانه (1) لا عدم العزم على عصيانه واما السرفى تعبيرنا بكون العصيان شرطا دون نفس


1 - لا يذ هب عليك ان متعلق الوجوب إذا كان هي الحصة الاختيارية من الفعل كما هو المختار لشيخنا الاستاد قدس سره فالامر بالاهم كما يقتضى هدم تقدير عصيانه كذلك يقتضى هدم تقدير العزم على عصيانه فيستحيل وقوع المهم على صفة المطلوبية الا في فرض عدم وقوع الاهم عليها فملاك جواز الترتب على تقدير اشتراط خطاب المهم بعصيان خطاب الاهم موجود بعينه على تقدير اشتراطه بالعزم على عصيان خطاب الاهم ايضا هذا في غير العباديات واما فيها فكون اشتراط خطاب المهم بالعزم على عصيان خطاب الاهم في حكم الاشتراط بنفس العصيان من الوضوح بمكان لا حاجة معه إلى البيان (*)

[ 307 ]

الترك فهو ان مجرد الترك حاصل عند الجهل به ايضا والكلام في باب التزاحم انما هو في فرض العلم بخطاب الاهم وتنجزه فالتعبير بكون العصيان شرطا اولى وانت بعد الاحاطة بما ذكرناه تعرف ان دعوى الضرورة في امكان الخطابين على نحو الترتب غير مجازفة (وملخص) ما ذكرناه في اثبات ذلك برهانان (الاول) هو البرهان الانى وهو عبارة عن جملة من الفروع الفقهية المتسالم عليها عند الاصحاب بحيث لا يمكن انكارها والالتزام بها يستلزم القول بجوانب الترتب (الثاني) هو البرهان اللمى بتقريب ان طلب الجمع انما هو من لوازم اطلاق الخطابين دون انفسهما وبما ان المحذور يندفع برفع اليد عن احد الاطلاقين يكون هو الساقط لا غيره وبما ان المفروض في المقام هو كون احد الواجبين اهم من الاخر يبقى خطاب الاهم على اطلاقه ويكون الساقط هو اطلاق خطاب المهم لا محالة فتكون النتيجة هو اشتراط خطاب المهم بعصيان خطاب الاهم (وبالجملة) بعد تقييد احد الخطابين بعصيان الاخر لابد في فرض الاتيان بشيئ من الواجبين من وقوع احد هما على صفة المطلوبية بنحو القضية المنفصلة الحقيقية كما في بقية موارد التزاحم فان الامر بالاهم اما ان يمتثل في الخارج أولا وعلى الاول يستحيل وقوع المهم على صفة المطلوبية وعلى الثاني فبما ان متعلقه لم يوجد في الخارج يستحيل كونه مصداقا للمطلوب ومعنونا بعنوانه وبالجملة الاهم اما ان يوجد في الخارج فهو الواقع على صفة المطلوبية ولا خطاب حينئذ بالمهم لانتفاء شرطه اعني به عصيان الاهم واما ان لا يوجد الاهم فان وجد المهم حينئذ فهو الواقع على صفة المطلوبية واما ان لا يوجد المهم ايضا فلم يقع شيئ منهما على صفة المطلوبية من باب السالبة بانتفاء الموضوع وعلى كل حال يستحيل وقوعهما معا في الخارج على صفة المطلوبية فيستكشف من ذلك عدم استلزام فعلية طلبهما لطلب الجمع (فان قلت) سلمنا انه لا يلزم من الخطابين على نحو الترتب طلب الجمع بين متعلقيهما بل ترتب الخطابين ينافى طلب الجمع كما مر لكن القائل بالترتب لا يخلو من أحد أمرين اما الالتزام بتعدد العقاب على تقدير عصيانهما معا والاشتغال بفعل آخر أو الالتزام بعدم استحقاق العقاب على ترك الواجب المهم اما الاول فلا سبيل له إليه فانه كما لا يمكن تعلق التكليف بغير المقدور كذلك لا يمكن العقاب عليه ايضا وبما ان المفروض هو استحالة الجمع بين المتعلقين يستحيل العقاب على تركهما

[ 308 ]

معا واما الثاني فهو يستلزم انكار الترتب وانحصار الامر المولوي بخطاب الاهم وكون الامر بالمهم ارشادا محضا إلى كونه واجدا للملاك حينئذ ضرورة انه لا معنى لوجود الامر المولوي الالزامي وعدم ترتب استحقاق العقاب على مخالفته ومن الواضح ان المنكر لصحة الترتب انما ينكر الخطاب المولوي لا الارشادي فله ان يحمل مالا سبيل له إلى انكاره من الاوامر الترتبية في الشرعيات والعرفيات على ذلك فلا يكون لاثبات الخطاب الترتبى ثمرة اصلا فان وجود الملاك الذي هو نتيجة الامر الارشادي مسلم عند من ينكر الخطاب الترتبى ايضا (قلت) لا مناص للقائل بصحة الترتب من اختيار الشق الاول و توهم استلزام تعدد العقاب لكون العقاب على غير المقدور يندفع اولا بالنقض بموارد الاوامر الكفائية التي لا يمكن صدور الواجب فيها إلا من بعض المكلفين على البدل مع ان جميع المخاطبين يستحقون العقاب على مخالفته فكما ان استحالة صدور الواجب عن جميع المخاطبين دفعة واحدة لفرض امتناع الواجب بطبعه عن الاشتراك فيه وتدريجا لفرض سقوط الامر بامتثال بعض المكلفين وعدم بقاء الموضوع لامتثال الباقين لا تنافى توجه الخطاب إلى الجميع وصحة عقابهم على تقدير العصيان كذلك الحال في المقام فلو كان تعدد العقاب عند تعدد العصيان مع عدم امكان ازيد من الاطاعة الواحدة مستلزما لان يكون العقاب على غير المقدور لامتنع تعدد العقاب في التكاليف الكفائية ايضا و ثانيا بالحل وهو ان العقاب ليس على ترك الجمع بين الواجبين في مقام الامتثال ليقال انه عقاب على غير المقدور ضرورة ان الطلب لم يتعلق الا بذات كل من الواجبين فكيف يعقل أن يعاقب على ترك الجمع بينهما الذي لم يطالب به المكلف اصلا بل العقاب انما هو على الجمع في الترك بمعنى انه يعاقب على ترك كل منهما في حال ترك الاخر ولا ريب أن ترك كل من الواجبين حال ترك الاخر مقدور للمكلف فيعاقب عليه فالعقاب في الحقيقة على الجمع بين العصيانين لا على ترك الجمع بين الامتثالين والفرق بينهما في غاية الوضوح وهكذا الحال في الواجبات الكفائية فان العقاب هناك على عصيان كل واحد منهم حال عصيان الباقين ولا ريب في انه مقدور للمكلف فلا مانع من العقاب عليه هذا مضافا إلى أنه لا يلزم في جواز تعدد العقاب أن يكون الجمع بين العصيانين مقدورا للمكلف بل يكفى فيه كون كل من العصيانين في حد نفسه ومع قطع النظر عن عصيان الخطاب الاخر مقدورا له ولا ريب في ان الخطابين

[ 309 ]

المتوجهين إلى مكلف واحد بنحو الترتب ليسا خطابا واحدا متعلقا بالجمع بين متعلقيهما كى يقابل عصيان المجموع بطاعته فيكون عدم القدرة على امتثالهما معا موجبا لكون العقاب على تركهما عقابا على غير المقدور بل ان كل واحد من الخطابين اجنبي عن الاخر والمكلف قادر على امتثاله في ظرف تعلقه به فيوجب عصيانه استحقاق العقاب عليه (فان قلت) سلمنا امكان الخطاب الترتبى واستحقاق عقابين على تقدير عصيانهما لكن الامكان اعم من الوقوع وما لم يكن هناك دليل عليه لا يمكن الالتزام به (قلت) اولا ان المطالبة بالدليل انما تحسن في باب تعارض الدليلين الحاكيين عن الواقع ومقام الثبوت فانك قد عرفت انه بناء على الطريقية كما هو مقتضى التحقيق لابد من الالتزام بالتساقط وحينئذ فمجرد احتمال المطلوبية لا يكفى في مشروعية العبادة وهذا بخلاف باب التزاحم كما في المقام فان القدر المتيقن في السقوط حينئذ في مقام الفعلية هو اطلاق وجوب المهم لا نفسه فلا حاجة في اثبات كو نه مأمورا به في ظرف عصيان الامر بالاهم إلى ازيد من اطلاق دليله في مقام جعله وانشائه لحال عصيان الامر بالاهم فانه على الفرض مقدور في هذا الحال ولا مانع من تعلق الامر به فيشمله اطلاق الدليل لا محالة وثانيا ان العقل بعد ما ثبت كون ملاك المهم في ظرف المزاحمة تاما من جهة عدم اخذ القدرة في لسان الدليل شرطا لخطابه كما اوضحناه سابقا يستقل بكونه مأمورا به في حال عصيان الامر بالاهم إذ المفروض انه واجد للملاك التام ولا مانع من تعلق الخطاب به فيستكشف العقل بطريق اللم كونه مأمورا به لا محالة نعم إذا كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل شرطا لم يمكن استكشاف الملاك حال المزاحمة بل كان مقتضى القاعدة حينئذ هو سقوط خطابه رأسا فيفتقر الالتزام بالخطاب الترتبى حينئذ إلى خصوص دليل يدل عليه ويأتى لذلك مزيد توضيح انشاء الله تعالى وينبغى التنبيه على امور (الاول) انه قد اشرنا إلى ان الخطاب المترتب على عصيان خطاب الاهم يتوقف على كون متعلقه حال المزاحمة واجدا للملاك وقد بينا ان الكاشف عن ذلك هو اطلاق المتعلق فإذا كان المتعلق مقيدا بالقدرة شرعا سواء كان التقييد مستفادا من القرينة المتصلة ام من المنفصلة لم يبق للخطاب بالمهم محل اصلا و منه يظهر انه لا يمكن تصحيح الوضوء في موارد الامر بالتيمم بالملاك أو بالخطاب الترتبى

[ 310 ]

فان الامر بالوضوء مقيد شرعا بحال التمكن من استعمال الماء بقرينة تقييد وجوب التيمم بحال عدمه ففى حال عدم التمكن لاملاك للوضوء كى يمكن القول بصحته اما من باب الاكتفاء بالاشتمال على الملاك في الحكم بالصحة واما من باب تجويز الخطاب الترتبى ولاجل ذلك لم يذهب العلامة المحقق الشيخ الانصاري ولا العلامة المحقق تلميذه استاذ استاتيذنا قدس سرهما إلى الصحة في الفرض المزبور مع ان الاول منهما يرى كفاية الملاك في صحة العبادة والثاني يرى جواز الخطاب الترتبى واما ذهاب السيد المحقق الطباطبائى اليزدى (قده) إلى الصحة في مفروض الكلام فهو ناشئ من الغفلة عن حقيقة الامر الامر الثاني انه ذهب كاشف الغطاء قدس سره إلى ان صحة الجهر في موضع الاخفات جهلا وبالعكس كذلك انما هي من باب الخطاب الترتبى وبه دفع الاشكال المعروف من ان صحة العبادة المأتى بها جهرا أو اخفاتا كيف يجتمع مع استحقاق العقاب على ترك الاخر ونحن وان دفعنا الاشكال في محله بما لا مزيد عليه الا ان الغرض من التعرض له في المقام هو بيان ان الالتزام بالخطاب الترتبى في امثاله غير سديد من وجوه (الاول) ان محل الكلام في بحث الترتب كما عرفت سابقا هو ما إذا كان التضاد بين المتعلقين اتفاقيا لما عرفت سابقا من ان التضاديين المتعلقين انما يوجب التزاحم بين الخطابين فيما إذا كان حاصلا من باب الاتفاق واما إذا كان دائميا كمثال الجهر (1)


1 - لا يخفى انه إذا صح الامر بالضدين على نحو الترتب فلا يفرق فيها بين صورتي كون التضاد دائميا وكونه اتفاقيا لان المقضتى الامر بهما وهو اشتمال كل منهما على الملاك الملزم موجود في كلتا الصورتين والمفروض انه لا مانع من فعليتهما ايضا فلا وجه لما افيد في المتن من اختصاص جواز الترتب بما إذا كان التضاد اتفاقيا وقد اشرنا فيما تقدم إلى أن وجوب كل من الواجبين المتضادين دائما إذا كان منقطعا وقع التعارض بينهما فلا بد من رفع اليد عن احدهما تعيينا أو تخييرا فيما إذا لم يكن لهما ثالث ومن رفع اليد عن اطلاق كل منهما فيما إذا كان لهما ثالث فإذا صح تقييد كل من الاطلاقين مع فرض كون التضاد دائميا صح تقييد احدهما ايضا بالضرورة وبالجملة ما يتوهم كونه مانعا من القول بالترتب انما هو استلزامه لطلب الجمع بين الضدين فان تم ذلك فلا بد من انكار الترتب مطلقا والا فلابد من القول بجوازه سواء في ذلك كون التضاد اتفاقيا وكونه دائميا (*)

[ 311 ]

والاخفات كان دليل وجوب كل منهما معارضا لدليل وجوب الاخر فيخرجان بذلك عن موضوع بحث الترتب لا محالة (الثاني) ان مورد الخطاب الترتبى هو ما إذا كان خطاب المهم مترتبا على عصيان الامر بالاهم وهذا لا يكون إلا فيما إذا لم يكن المهم ضروري الوجود عند عصيان الامر بالاهم كما هو الحال في الضدين اللذين لهما ثالث واما الضدان لا ثالث لهما ففرض عصيان الامر باحد هما هو فرض وجود الاخر لا محالة فيكون البعث نحوه طلبا للحاصل وبالجملة لو كان وجود الشيئ على تقدير وجود موضوع الخطاب وشرطه ضروريا لامتنع طلبه لانه قبل وجوده موضوعه يستحيل كونه فعليا وبعد وجوده يكون طلبا للحاصل فتحصل ان كل ما فرض وجوده في الخارج يستحيل طلبه في ظرف فرض وجوده سواء كان فرض وجوده مدلولا مطابقيا للكلام كما إذا امر بترك الشيئ على تقدير عصيان الامر المتعلق به ام كان مدلولا التزاميا له كما في ما نحن فيه فان ترك احد الضدين (1) خارجا ملازم لوجود الاخر لفرض عدم الثالث فيكون الامر باحدهما على تقدير ترك الاخر امرا بما هو مفروض الوجود وهو مستحيل (الثالث) ان الخطاب المترتب على عصيان خطاب آخر انما يكون فعليا عند تنجز الخطاب المرتب عليه وعصيانه وبما ان المفروض فيما نحن فيه توقف صحة العبادة الجهرية مثلا على الجهل بوجوب الاخفات لا يتحقق هناك (2)


1 - ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من اختصاص جواز القول بالترتب بما إذا كان للواجبين المتضادين ثالث وان كان متينا لا مناص عن الالتزام به إلا ان ما افاده من ادراج محل الكلام في الضدين اللذين ليس لهما ثالث غير مطابق للواقع وذلك لان المأمور به في الصلوة انما هي القرائة الجهرية أو الاخفاتية ومن الواضح انهما من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث فلا مانع من الامر بهما في زمان واحد مع اشتراط الامر باحد هما بعصيان الاخر نعم إذا فرض تحقق القرائة في الخارج فهي لا تخلو من كونهما جهرية أو اخفاتية لكنه لا يوجب كون الواجبين المفروضين في محل الكلام من قبيل الضدين اللذين ليس لهما ثالث كما هو ظاهر. 2 - التحقيق انه إذا كان الامر بالقرائة الجهرية مشروطا ومترتبا على عصيان الامر بالقرائة الاخفاتية وبالعكس ومع ذلك كان صحة كل من الواجبين مشروطة بالجهل بوجوب الاخر فالامر كما افيد في المتن من استحالة ذلك لكن الالتزام بلزوم اشتراط خطاب المهم بعنوان عصيان خطاب الاهم بلا ملزم لان صحة القول بجواز الترتب لا تتوقف على ذلك - (*)

[ 312 ]

عصيان للتكليف بالاخفات ليتحقق موضوع الخطاب بالجهر لان التكليف الواقعي لا يتنجز مع الجهل به وبدو نه لا يتحقق العصيان الذي فرض اشتراط وجوب الجهر به ايضا (فان قلت) المفروض في محل الاشكال هو كون الجهل ناشئا عن التقصير فلا يكون مانعا عن تنجز الخطاب الواقعي بالاخفات وحصول عصيانه المشروط به وجوب الجهر (قلت) سيجيئ في محله انشاء الله تعالى ان الخطاب الواقعي لا يكون منجزا وقابلا للد عوة في ظرف الجهل سواء كان الجهل ناشئا من تقصيرام من قصور بل استحقاق العقاب انما هو على مخالفة وجوب التعلم أو الاحتياط المستلزمة لمخالفة الواقع وان شئت فقل ان استحقاق العقاب على مخالفة الواقع في ظرف وجوب الاحتياط أو التعلم وذلك لما سنبينه في محله انشاء الله تعالى من ان ايجاب التعلم أو الاحتياط انما هو من باب تتميم الجعل الاول فالعقاب على مخالفة الواقع هو بعينه العقاب على مخالفة ايجاب الاحتياط أو التعلم وبالعكس و عليه فاستحقاق العقاب على تقدير تحقق مخالفة الحكم الواقعي لا يصحح احراز العصيان بالفعل ما لم يصل التكليف الواقعي بنفسه بالوجدان أو بطريق معتبر من امارة اواصل محرز وما لم يحرز العصيان لا وجدانا ولا تعبدا لا يكون الحكم المترتب عليه محرزا ايضا (وبالجملة) المكلف بالاخفات في الواقع إذا اجهر بالقرائة فاما ان يكون عالما بوجوب الاخفات عليه اولا اما الاول فهو خارج عن محل الكلام إذ المفروض فيه توقف صحة الجهر على الجهل بوجوب الاخفات واما على الثاني فعصيان وجوب الاخفات و ان كان متحققا في الواقع الا أنه يستحيل جعله موضوعا لوجوب الجهر في ظرف الجهل لاستحالة جعل حكم يمتنع احرازه وعليه فيستحيل تصحيح عبادة الجاهل (حينئذ) بنحو الترتب (توضيح ذلك) ان فعلية الخطاب المترتب تتوقف على كون الخطاب المترتب عليه فعليا منجزا وكون المكلف عاصيا له وعالما بعصيانه فالموارد التي تجرى فيها البراءة عن التكليف المجهول تنتفى فيها الجهات الثلاث التي تدور عليها صحة الخطاب الترتبى إذ مع جريان البرائة لا يتنجز التكليف الواقعي فلا يتحقق العصيان فضلا عن تعلق


- اصلا وقد تقدم ان التعبير عن كون خطاب المهم مشروطا بترك الاهم باشتراطه بعصيان الاهم انما كان لنكتة خاصة والا فالشرط في الحقيقة هو نفس الترك لا عنوان العصيان وعلى ذلك ولا مانع من الالتزام بالترتب في محل الكلام ودفع الاشكال المتقدم به وذلك لا ينافى امكان دفعه بوجه آخر ايضا وسيأتى له التعرض في محله انشاء الله تعالى (*)

[ 313 ]

علم المكلف به فلا يصح الخطاب بنحو الترتب في تلك الموارد كما ان التكليف الواقعي إذا كان واصلا بطريقه كما في موارد الشبهة قبل الفحص والموارد المهمة التي يجب الاحتياط فيها امتنع جعل خطاب مترتب على عصيانه فان التكليف الواقعي في تلك الموارد وان كان متحققا ومتنجزا إلا أنه لا يجدى في صحة الخطاب بنحو الترتب لانتفاء الجهتين الاخيرتين اعني بهما تحقق العصيان والعلم به وذلك لما عرفت من ان العصيان حقيقة انما هو بالنسبة إلى الخطاب الطريقي الواصل عند المصادفة دون الخطاب الواقعي المجهول وكما ان التكليف إذا كان معلوما وواصلا بالعلم الاجمالي ففعليته وعصيانه وان كانا متحققين واقعا على تقدير تحقق المخالفة الاحتمالية ومصادفة الاحتمال للواقع الا أنه مع ذلك لا يمكن جعل خطاب مترتب على عصيان الواقع لان الجهة الاخيرة المعتبرة في صحة الخطاب الترتبى اعني بها العلم بتحقق العصيان الموجب لوصول الخطاب المترتب وتنجزه على المكلف منتفية في هذا الفرض وبالجملة ان لم يكن المكلف محرزا للعصيان المترتب عليه خطاب آخر لم يتنجز عليه ذلك الخطاب لعدم احراز موضوعه وشرطه وان كان محرزا له فجعل الخطاب المترتب في مورده وان كان صحيحا الا انه خارج عن محل الكلام من جعل الخطاب مرتبا على العصيان الواقعي في ظرف جهل المكلف به فتحصل ان كل خطاب يستحيل وصوله إلى المكلف يستحيل جعله من المولى الحكيم وعلى ذلك يتفرع ما سيجيئ في محله من استحالة اخذ نسيان شيئ موضوعا لخطاب فان المكلف ان التفت إلى نسيانه خرج عن موضوع الناسي وان لم يلتفت إليه لم يحرز التكليف المترتب عليه فلا يمكن جعل مثل هذا الحكم الذي يستحيل وصوله إلى المكلف ابدا (واما ما ذكره) صاحب التقريرات (قده) لاثبات امكان امر الناسي لبعض اجزاء المركب كالصلوة بغير من اجزائه الملتفت إليها من ان ذلك من باب الاشتباه في التطبيق وتحليل الداعي بتقريب ان المكلف الناسي لبعض اجزاء العبادة إذا اتى بباقى اجزائها فهو انما يأتي بها بداعي الامر الواقعي غاية الامر انه يتخيل انه هو الامر المتوجه إلى الذاكر المتلفت فهو وان كان مخطئا في خصوصية الامر الا أن المحرك له هو الامر الواقعي فالمفروض ان الامر الواقعي في حقه كان هو الامر المتعلق بالناسى دون الذاكر (فغير سديد) فان التصحيح بالتحليل المذكور انما يصح فيما إذا امكن جعل الحكم

[ 314 ]

في حد نفسه وكان المكلف مخطئا في كيفيته كما إذا تخيل المكلف ان الامر المتوجه إليه هو الامر الاستحبابى ثم انكشف انه كان وجوبيا فانه تصح العبادة حينئذ بتحليل الداعي وان المحرك له انما هو الامر الواقعي وان لم يلتفت المكلف إلى خصوصيته و هذا بخلاف المقام فان الحكم المتوجه إلى عنوان الناسي يستحيل ان يكون فعليا ابدا لانه مع الالتفات إلى نسيانه يخرج عن موضوعه وبدونه تستحيل فعلية الحكم المقيد به فإذا امتنعت الفعلية يمتنع الجعل ايضا لما عرفت فيما مر من ان جعل الاحكام انما هو بنحو القضايا الحقيقة التي تكون الفعلية فيها منوطة بفعلية موضوعاتها فحل كلامنا اجنبي عن باب تحليل الداعي بالكلية الامر الثالث قد اشرنا سابقا إلى أن المهم إذا كان مضيقا ولم يكن له افراد طولية فيدور طلبه وعدم طلبه عند مزاحمته الاهم مدار الالتزام بالترتب وعدمه و اما إذا كان موسعا له افراد كثيرة وكان المزاحم للاهم بعض افراده دون بعض فان قلنا بان اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هو من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز كما ذهب إليه المحقق الثاني (قده) فبما ان بعض افراد الطبيعة مقدور في الفرض المزبور يصح الخطاب (1) بها عقلا فيصح الاتيان بالفرد المزاحم يداعى امتثال الامر بالطبيعة من دون لزوم الالتزام بالترتب لان انطباق الطبيعة على ذلك الفرد المزاحم قهرى والاجزاء عقلي واما إذا قلنا بان اعتبار القدرة فيه من جهة اقتضاء نفس الخطاب ذلك كما اخترناه سابقا فلا محالة يتقيد المأمور به بذلك فيخرج غير المقدور من الافراد عن دائرة اطلاق المأمور به ويتوقف شموله له على جواز الترتب فان جوزناه كان داخلا في الاطلاق عند عصيان الامر بالاهم والا كان خارجا عنه مطلقا نعم يمكن الحكم مع ذلك بصحته


1 - لا يخفى ان كفاية القدرة على بعض افراد الطبيعة في صحة الامر بها لا اثر لهافي محل الكلام بناء على ما اختاره شيخنا الاستاد قدس سره من استحالة الواجب المعلق لان المفروض فيه عدم قدرة المكلف على شيئ من افراد الواجب المهم عند مزاحمته الاهم ليصح الامر به من جهة القدرة على بعض افراده فينحصر ترتب الاثر على القول بالكفاية المزبورة بموارد تزاحم الواجب الاهم مع بعض الافراد العرضية للواجب المهم دون جميعها نعم إذا بنينا على جواز الواجب المعلق ترتب الاثر عليه في محل الكلام ايضا كما هو ظاهر (*)

[ 315 ]

لا شتماله على الملاك وقد تقدم الكلام فيه مفصلا الامر الرابع إذا كان الواجبان المتزاحمان آنيين غير تدريجيين فلا يتوقف القول بالترتب فيه على الالتزام بالشرط المتأخر أو الوجوب المعلق لما عرفت من ان زمان خطاب الاهم وزمان عصيانه وزمان امتثال خطاب المهم شيئ واحد واما إذا كان الواجبان تدريجيين كما في مزاحمة وجوب الازالة لوجوب الصلوة فربما يقال فيه ان الالتزام بالخطاب الترتبى عند مزاحمتهما يستلزم الالتزام بالشرط المتأخر أو الوجوب المعلق لان عصيان خطاب الازالة في المثال حال الشروع في الصلوة لا يصحح الخطاب بها لانه مشروط ببقاء العصيان إلى الجزء الاخير منها وبانتفائه عند كل جزء يرتفع الامر بالصلوة قطعا ربما انه يستحيل تأخر الشرط كما عرفت لا مناص في القول بالترتب فيه عن الالتزام يكون عنوان التعقب شرطا وقد بينا سابقا ان الالتزام بذلك يتوقف على دلا لة دليل بالخصوص عليه والا فهو على خلاف القاعدة وعلى ذلك فالخطاب الترتبى بما انه لم يدل عليه دليل بالخصوص كان القول به في الواجبين التدريجيين المستلزم للالتزام يكون التعقب بالعصيان شرطا لخطاب المهم على خلاف القاعدة فينحصر الالتزام بالخطاب الترتبى بالخطابات التي لا تكون متعلقاتها من الامور التدريجية وبذلك تكون المسألة قليلة الجدوى جدا والجواب عن ذلك يظهر مما بيناه في بعض المباحث السابقة من ان القدرة التي هي شرط لكل خطاب لا بد من أن تكون شرطيتها في الامور التدريجية على نحو الشرط المتأخر بمعنى الاشتراط بعنوان التعقب مثلا شرط وجوب الصلاة انما هي القدرة على التكبيرة المتعقبة بالقدرة على بقية الاجزاء التي بعدها بداهة ان القدرة على الجزء الاول في كل مركب تدريجي لا تصحح التكليف بالمجموع قطعا فالعقل قد دل على شرطية عنوان التعقب في جميع الافعال التدريجية التي وقعت في حيز التكليف وعليه فنقول انما التزمنا بكون خطاب المهم مشروطا بعصيان خطاب الاهم لعدم كون متعلقه مقدورا الا في هذا الفرض فاشتراطه بعصيان خطاب الاهم انما هو لاجل اشتراط الخطاب بالقدرة والا فليس هناك دليل بالخصوص على اشتراط خطاب بعصيان خطاب آخر فإذا رجع الامر إلى شرطية القدرة فلا يكون الالتزام بشرطية عنوان التعقب على خلاف القاعدة ليحتاج إلى دليل بالخصوص على شرطية عنوان التعقب في خصوص الخطاب الترتبى (تتميم) الخطاب بالاهم إذا كان آنيا غير قابل

[ 316 ]

للاستمرار فالالتزام بترتب خطاب آخر على عصيانه انما يجدى في فعلية الخطاب المترتب في خصوص الان الاول القابل لوقوع الاهم فيه فيجتمع فيه الامران على نحو الترتب واما بعد مضيه وسقوط خطاب الاهم لمضى زمان امتثاله فلا يتوقف طلب المهم على القول بجواز الترتب إذ لا مانع بعد سقوط طلب الاهم من فعلية طلب المهم على الفرض فيصح المهم حينئذ ولو بنينا على امتناع الترتب كما هو ظاهر واما إذا كان خطاب الاهم استمراريا فقد يكون العلم به قبل الشروع في امتثال خطاب المهم وقد يكون بعد الشروع فيه فان كان قبل الشروع فتدور صحة خطاب المهم ابتداء واستدامة مدار القول بالترتب كما عرفت واما إذا كان بعد الشروع فيه وكان الواجب مما يحرم قطعه كما إذا علم بتنجس المسجد بعد الشروع في الصلاة الفريضة فلا يتوقف بقاء خطاب المهم على القول بالترتب فان ازالة النجاسة انما كانت اهم من الصلوة لاجل فوريتها وسعة وقت الصلوة فإذا شرع فيها وحرم قطعها على الفرض لم يبق موجب لتقدم خطاب الازالة على خطابها فلا يتحقق حينئذ عصيان خطاب الصلوة ليكون الامر باتمام الصلوة متوقفا على جواز الترتب وعليه فالامر باتمامها (1) يكون متقدما على خطاب الازالة لا محالة نعم إذا كان هناك واجب آخر اهم من اتمام الصلاة كحفظ النفس المحترمة توقف الخطاب باتمام الصلوة على الالتزام بالترتب ايضا (فرع) لا اشكال في جواز اخذ الماء من الانية المغصوبة أو المتخذة من الذهب أو الفضة إذا كان ذلك بعنوان التخليص والمراد به هو ما إذا كان الماء مملوكا لمن يريد التصرف ولم يستند كونه في الانية التي يحرم التصرف فيها إلى اختياره ورضاه فانه يجوز حينئذ لمالكه التصرف فيه وان كان تصرفه فيه مستلزما للتصرف في الانية ايضا و


1 - لا يخفى ان مدرك حرمة قطع الصلوة إذا كان هي الاخبار الدالة على ان تحليل الصلوة هو التسليم فالامر كما افيد في المتن لان القدر المتيقن من الاجماع على وجوب ازالة النجاسة عن المسجد فورا انما هو في غير ما دل الدليل اللفظى باطلا قه على وجوب المضى في الصلوة المستلزم لتأخير الازالة إلى زمان الفراغ منها واما إذا كان مدرك حرمته منحصرا بالاجماع عليها لعدم استفادة التكليفية من تلك الاخبار فلا موجب لتقدم وجوب المضى في الصلوة على وجوب الازالة وتمام الكلام في محله (*)

[ 317 ]

ذلك لعموم (1) تسلط الناس على اموالهم وعليه فان امكنه اخذ الماء دفعة بقدر ما يكفى لوضوئه فلا اشكال وان لم يمكنه الا اخذ الماء تدريجا فالظاهر جواز الوضوء به ايضا لان المفروض عدم حرمة التصرف فيها تخليصا لماله واما إذا لم يكن اخذه الماء بعنوان التخليص كما إذا لم يكن الماء الموجود فيه مملوكا له أو كان كذلك ولكن كان وجوده فيها باختياره ورضاه فيحرم التصرف فيها باخذ الماء منها فلا يجب الوضوء على تقدير عدم التمكن من ماء آخر لعدم كون المكلف واجدا للماء حينئذ نعم لو أخذ منها قدر ما يكفى لتمام وضوئه لا نقلب موضوع عدم وجدان الماء إلى وجدانه فيكون مكلفا بالوضوء و ان كان قد ارتكب الحرام في اخذه الماء بالتصرف في تلك الانية واما إذا اخذ مقدارا لا يكفى الا لبعض وضوئه بحيث يحتاج اتمامه إلى تصرف آخر فقد ذهب صاحب الفصول قدس سره إلى صحة هذا الوضوء ولعله بنى ذلك على جواز الخطاب الترتبى ولكنك عرفت في التنبيه الاول ان الالتزام بالترتب يتوقف على كون العمل واجدا للملاك فإذا فرضنا عدم كونه تماما كما فيما نحن فيه فانه يتوقف على كون المكلف واجدا للماء المفروض عدمه في المقام لتوقفه على تصرف محرم فلا يمكن الالتزام بالترتب اصلا فالحق حينئذ هو بطلان الوضوء ووجوب التيمم عليه (تتميم) قد ذكرنا سابقا ان اقسام التزاحم ستة (2) وقد استوفينا الكلام في قسم واحد منها وهو ما إذا كان التزاحم ناشئا من وقوع التضاد بين الواجبين اتفاقا واما بقية الاقسام الخمسة فتحقيق الحال فيها من حيث جريان الترتب فيها وعدمه يتوقف


1 - لا يخفى ان جواز تسلط الناس على اموالهم انما يقتضى جواز تخليص الماء من الاواني المزبورة إذا لم يكن التخليص على نحو يصدق عليه عنوان استعمال الانيه واما في غير ذلك فلا توجب السلطنة المزبورة سقوط حرمة ما كان حراما في نفسه كما هو ظاهر 2 - قد عرفت فيما تقدم ان اقسام التزاحم منحصرة في ثلثة اقسام وان التزاحم الناشئ من وقوع التضاد بين الواجبين من باب الاتفاق مندرج في التزاحم الناشئ من عدم قدرة المكلف على الجمع بين الواجبين في الخارج وعليه فلا موجب للبحث عن حكم كل واحد منهما مستقلا نعم الواجبان المفروض عدم قدرة المكلف على امتثالهما بما انهما تارة يكونان عرضيين واخرى يكونان طوليين لابد من البحث عن حكم كل منهما على حدة وما ذكرنا إلى الحال كان مختصا بالقسم الاول فلا بد من البحث عن حكم القسم الثاني (*)

[ 318 ]

على البحث عن كل واحد واحد مستقلا فنقول اما القسم الاول منها وهو ما كان موجب التزاحم فيه عدم قدرة المكلف على الجمع بين الواجبين من باب الاتفاق كما إذا فرضنا عدم قدرة المكلف على القيام في الركعة الاولى والثانية من صلوة واحدة أو عدم قدرته عليه في صلوتين كصلاة الظهر والعصر فان لم يكن فيه الواجب المتأخر اهم من الواجب المتقدم فقد بينا سابقا ان مقتضى القاعدة فيه لزوم الاتيان بالواجب المتقدم ولا وجه للقول بالتخيير فيه اصلا واما إذا كان الواجب المتأخر اهم من المتقدم وقع التزاحم بين الخطاب بالمتقدم والخطاب (1) بحفظ القدرة للواجب المتأخر ويتقدم الخطاب بحفظ القدرة لاهمية الواجب المتأخر على الفرض وهذا لا اشكال فيه انما الاشكال في جواز الخطاب بالواجب المتقدم مترتبا على عصيان الخطاب المتأخر وعدمه والحق عدم جوازه لانه يستلزم اشتراط خطاب الواجب المتقدم بالعصيان المتأخر وهو غير معقول واما الالتزام بكون عنوان التعقب شرطا فقد عرفت انه يدور مدار قيام الدليل عليه ولم يقم من غير جهة اشتراط التكليف بالقدرة في الواجبات التدريجية دليل على ذلك فيكون الالتزام بالترتب في المقام على خلاف القاعدة (2) من غير دليل يقتضى ذلك هذا مضافا إلى ان عمدة الوجه في جواز الترتب


1 - لا يخفى ان جعل المزاحم للواجب الفعلى وجوب حفظ القدرة للواجب المتأخر انما يتم على القول باستحالة الواجب المعلق وفي الموارد التي كان الواجب المتأخر مشروطا بما يوجد بعد ذلك واما في غير تلك الموارد فان قلنا بامكان الواجب المعلق كما هو الصحيح على ما تقدم بيانه في محله كان التزاحم بين وجوب الواجب الفعلى ونفس وجوب الواجب المتأخر كما هو ظاهر. 2 - التحقيق في المقام ان يقال ان ملاك القول بالترتب في الواجبين الفعليين غير المشروطين بالقدرة شرعا وهو امكان الامر بكل منهما على نحو الترتب واشتراط احدهما بعدم الاتيان بمتعلق الاخر بلا موجب لرفع اليد عن الاطلاق بالاضافة إلى هذا الحال بعد ارتفاع محذور التزاحم برفع اليد عن اطلاق خطاب المهم بالاضافة إلى حال امتثال الاهم بعينه موجود في الواجبين التدريجيين ايضا ضرورة إنه إذا أمكن طلب المهم مشروطا بتعقبه يترك الواجب المتأخر الاهم فلا موجب لرفع اليد عن اطلاق دليله بالاضافة إلى هذا الحال وانما اللازم هو رفع اليد عن اطلاقه بمقدار يرتفع به محذور التزاحم اعني به اطلاقه (*)

[ 319 ]

بين خطابي الضدين وهو كون المهم مقدورا في ظرف عصيان خطاب الاهم وقابلا لتعلق الخطاب به حينئذ من دون ان يستلزم ذلك طلب الجمع بينهما فعجز المكلف عن الاتيان بالمهم في ظرف امتثال الامر بالاهم الموجب لاستحالة طلبه لا يوجب عدم طلبه في فرض عصيان الاهم الذي فرض فيه قدرة المكلف على الاتيان بالمهم وهذا الوجه مفقود في ما نحن فيه لان العصيان المتأخر لا يوجب القدرة المكلف على الوجب المتقدم مع فرض الخطاب الفعلى بحفظ القدرة للواجب المتأخر المفروض كونه الاهم ومعجزا عن الواجب المتقدم (وتوهم) امكان الخطاب بالمتقدم مرتبا على عصيان الخطاب بحفظ القدرة للواجب المتأخر (مدفوع) بان شرط الخطاب بالواجب المتقدم كالقيام المفروض في المثال اما أن يكون هو العزم والبناء على عصيان خطاب حفظ القدرة للواجب الاهم المتأخر بصرفها في غيره أو يكون شرطه نفس العصيان المتحقق بصرف القدرة في غير الاهم اما الاول فقد عرفت فيما تقدم انه خارج عن موضوع بحث الترتب لان شرط الخطاب بالمهم لا بد وأن يكون هو نفس العصيان دون العزم عليه والالزم طلب الجمع بين الضدين (3) (واما الثاني) فهو في المقام غير معقول فان المهم لكونه من افراد عصيان خطاب حفظ القدرة للاهم يستحيل اشتراط خطابه بالعصيان المزبور بداهة ان عصيان خطاب حفظ القدرة اما ان يتحقق بصرف القدرة في المهم أو بصرفها في فعل آخر وعلى


- بالاضافة إلى حال امتثال الواجب المتأخر في ظرفه وبتقريب آخر المفروض في المقام هو اشتمال الواجب المهم على الملاك الملزم في نفسه وانه لا مانع من طلبه مشروطا بتعقبه بالعصيان المتأخر فلا موجب لرفع المولى يده عن طلبه كذلك وتفويته الملاك الملزم و عليه فلا حاجة إلى دليل بالخصوص على كون عنوان التعقب بالعصيان شرطا لوجوب الواجب المتقدم اصلا وبالجملة إذا بنينا على امكان الترتب فلا فرق في ذلك بين كون الواجبين عرضيين وكونهما طوليين ومن ما ذكرناه يظهر انه لا موجب للالتزام باشتراط وجوب المهم بعصيان خطاب حفظ القدرة للواجب المتأخر ليرد عليه ما افيد في المتن من استلزامه طلب الواجب أو المستحيل. 3 - لا فرق في لزوم طلب الجمع وعدم لزومه على القول بالترتب بين اشتراط وجوب المهم بنفس عصيان الاهم أو بالعزم عليه وذلك من جهة ان ما يكون شرطا لوجوب المهم لو كان بحدوثه شرطا له للزم من ذلك طلب الجمع بين الضدين لا محالة لكنك قد - (*)

[ 320 ]

كلا التقديرين لا يعقل اشتراط خطاب المهم به ضرورة ان اشتراطه بالعصيان المتحقق بفعل المهم يستلزم اشتراط طلب الشيئ بوجوده وهو طلب الحاصل كما ان اشتراطه بالعصيان المتحقق بصرف القدرة في فعل آخر يستلزم تعلق الطلب بالمحال لانه يستحيل الاتيان بالمهم على تقدير صرف القدرة في غيره فكيف يعقل اشتراط طلبه به هذا مضافا إلى انه لا موجب لاشتراط خطاب المهم بصرف القدرة في فعل آخر مع وضوح انه لا ارتباط بين طلب المهم وصرف القدرة فيما هو اجنبي عن الاهم والمهم وبالجملة اشتراط طلب المهم بعصيان خطاب حفظ القدرة للاهم مع انه بلا موجب مستحيل في نفسه لان العصيان المزبور اما ان يتحقق بفعل المهم أو بفعل ما يستحيل معه وجود الاهم وعلى كلا التقديرين لا يمكن طلب المهم لكونه طلب الحاصل أو المستحيل وهذا البحث مطرد في كل مورد كان المهم فيه من مصاديق ما به يتحقق عصيان خطاب الاهم ولاجل ذلك لا يمكن (1) الخطاب الترتبى في موارد اجتماع الامر والنهى بأن يكون الخطاب بالصلوة مثلا مشروطا بعصيان حرمة الغصب لان عصيان حرمة الغصب اما ان يتحقق في الخارج بفعل الصلاة أو بفعل آخر غيرها وعلى كل تقدير يستحيل طلب الصلوة عند تحقق عصيان الحرمة المزبورة لانه طلب الحاصل أو المستحيل وبالجملة لابد في موارد الخطاب الترتبى من عدم كون المهم من افراد عصيان خطاب الاهم كما هو الحال مع الازالة فان الصلاه كغيرها من الافعال المضادة للازالة ملاز مة لعصيان خطابها لا أنها من افراده فيصح الخطاب بها مشروطا بعصيانه كما حققناه مفصلا (واما القسم الثاني) وهو ما إذا وقع التزاحم لاجل توقف واجب فعلى على فعل محرم أو ترك واجب فاما ان تكون المقدمة فيه سابقة على وجود ذى المقدمة زمانا كتوقف انقاد الغريق على التصرف في الارض المغصوبة أو تكون مقارنة له كتوقف احد الضدين على ترك الاخر بناء على كونه مقدمة وعلى كل حال فلا بد في اتصاف المقدمة


- عرفت ان الامر ليس كذلك واما إذا كان الامر بالمهم يدور حدوثا وبقاء مدار وجود شرطه فلا محالة يكون طلب المهم في فرض كان فيه الاهم غير متحقق في الخارج ولو كان ذلك بتركه الارادي ومعه كيف يمكن استلزام فعلية الطلبين معا لطلب الجمع بين الضدين 1 - وستعرف تحقيق الحال بعيد هذا انشاء الله تعالى (*)

[ 321 ]

بالوجوب من كون الواجب المتوقف عليها اهم من غيره المزاحم له لما تقدم من انه لا تسقط حرمة المقدمة إلا بكون الواجب المتوقف عليها اهم من تركها ولا وجه للقول بالتخيير عند عدم الاهمية في البين وهذا بخلاف بقية الافعال من المباحات والمكروهات والمستحبات فانها لعدم تعقل مزاحمتها للواجب يزول حكمها بمجرد توقف الواجب الفعلى عليها فتتصف بالوجوب الغيرى لا محالة ثم انه قد ذكرنا في بحث مقدمة الواجب انه إذا فرض كون الواجب المتوقف على مقدمة محرمة اهم من تركها ومع ذلك لم يكن الاتيان بها للتوصل بها إليه فالوجدان اصدق شاهد على انها لا تقع على صفة الوجوب الغيرى ولاجله ذهب الشيخ الانصاري (قده) إلى اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة على صفة الوجوب (واختار) صاحب الفصول (قده) اختصاص الوجوب بالمقدمة التي توصل بالفعل إلى الواجب المتوقف عليها وقد بينا ما يرد (1) عليهما في البحث المذكور واشرنا إلى ان المختار عندنا هو القول بحرمة المقدمة من باب الترتب بمعنى ان الوجوب العرضى الثابت للمقدمة يزول عنها على تقدير عصيان الواجب المتوقف عليها فيحكم عليها بالحكم الثابت لها في نفسها مع قطع النظر عن توقف الواجب عليها وتنقيح ذلك انما هو برسم مقدمتين (الاولى) ان الخطاب المقد مى وان كان خطابا آخر غير الخطاب النفسي ومترشحا منه الا انه في مرتبته (2) من حيث اقتضائه لتحقق الواجب النفسي فان الخطاب النفسي كما انه يقتضى حصول متعلقه في الخارج ومتعرض لحاله بوضع تقدير الاطاعة وهدم تقدير المعصية كذلك الحال في الخطاب المقدمى فان المقدمة انما وجبت من حيث الايصال كما افاده المحقق صاحب الحاشية (قده) والحيثية المذكورة في كلامه (قده) ليست حيثية تقييدية ليرجع كلامه إلى القول باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة ولا حيثية تعليلية


1 - وقد تقدم انه بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدمته لا مناص عن الالتزام الوجوب خصوص المقدمة الموصلة وانه يستحيل الالتزام بالترتب في موارد توقف الواجب الفعلى على المقدمة المحرمة فراجع 2 - لا يخفى عليك ان كل خطاب لا يقتضى الا حصول متعلقه في الخارج سواء في ذلك وجوب النفسي والوجوب الغيرى ويستحيل ان يكون وجوب شيئ مقتضيا لحصول غير ما تعلق به فلا وجه لما افيد في المتن من كون الوجوب الغيرى في مرتبة الوجوب النفسي من حيث اقتضائه لتحقق الواجب النفسي (*)

[ 322 ]

ليقال انه ما هو المراد من الايصال فان كان المراد منه فعلية الايصال لزم الوجوب الغيرى بالعلة التامة وان كان المراد منه كون المقدمة قابلة للتوصل بها إلى ما يتوقف عليها لزم منه القول بوجوب كل مقدمة فلا يكون لما افاده اثر في محل الكلام بل المراد من الحيثية المتكرر ذكرها في كلامه (قده) هو بيان ان مرتبة الخطاب المقدمى هي بعينها مرتبة الخطاب النفسي من حيث اقتضائه لتحقق الواجب النفسي فحاله حاله في اقتضاء تقدير اطاعة الواجب النفسي وهدم تقدير معصيته من دون أن يقتضى شيئا آخر على تقدير تحقق العصيان وفرض وجوده (الثانية) ان الخطاب المتعلق بالمقدمة لو لم يكن خطابا مقدميا مترشحا من ناحية الخطاب بذى المقدمة لامكن ان يكون مقيدا بصورة الاتيان بذى المقدمة أو بصورة عدم أو يكون مطلقا بالقياس إلى الحالين لكنه بما انه خطاب تبعى قهرى لا محالة يكون تابعا لخطاب ذي المقدمة في الاطلاق والاشتراط واذ قد عرفت في المقدمة الرابعة من مقدمات الترتب ان الخطاب (1) لا يعقل فيه الاطلاق والتقييد بالاضافة إلى فرض اطاعته أو معصيته لا لحاظا ولا ذاتا تعرف انه لا يعقل الاطلاق والتقييد في الخطاب المقدمى بالاضافة إلى اطاعة الخطاب النفسي ومعصيته ايضا لان المفروض كونه تابعا له في ذلك فإذا لم يمكن الاطلاق والتقييد بالاضافة إلى الوجوب النفسي لم يمكن الاطلاق والتقييد بالاضافة إلى الوجوب الغيرى ايضا (إذا عرفت ذلك) فنقول ان ما يمكن ان يكون مانعا من القول بالترتب في القسم الاول وهو ما إذا كانت المقدمة سابقة في الوجود على وجود ذى المقدمة امران (الاول) ان القول (2) بالترتب في المقام يستلزم الالتزام بالشرط المتأخر


- وقد عرفت هناك انه لابد من أن يكون الخطاب مطلقا بالاضافة إلى حالتى العصيان والاطاعة وانه يستحيل الاهمال في مقام الثبوت بالاضافة إلى التقسيمات الاولية أو الثانوية بل لا بد في كل منهما من ثبوت الاطلاق أو التقييد فإذا كان التقييد مستحيلا كان الاطلاق ضروريا لا محالة 2 - التحقيق ان يقال ان استلزام القول بالترتب في محل الكلام للالتزام باشتراط حرمة المقدمة بالشرط المتأخر وان كان ليس فيه محذور اصلا ولا يتوقف الالتزام به في المقام على دلالة دليل بالخصوص عليه وذلك لماعرفت من ان القول بالترتب في فرض امكانه مما لا مناص عنه لان اللازم عنة مزاحمة التكليفين انما هو رفع اليد عن اطلاق خطاب المهم بقدر ما يرتفع به محذور التزاحم واما الزائد عليه فلا موجب لرفع اليد عنه الا - (*)

[ 323 ]

بأن يكون شرط حرمة المقدمة في ظرف الاتيان بها تعقبها بعصيان الخطاب النفسي في ظرفه وقد مر ان الالتزام بشرطية عنوان التعقب لابد له من دليل يقتضيه كما هو الواقع في موارد الامر بالمركبات التدريجية من جهة الاشتراط بالقدرة وذلك مفقود في ما نحن فيه على الفرض (الثاني) انه إذا فرضت حرمة المقدمة في ظرفها لفرض حصول شرطها و هو تعقب الاتيان بها يتحقق عصيان الواجب المتوقف عليها في ظرفه فبما ان المفروض اتصافها بالوجوب المقدمى ايضا لعدم سقوط الوجوب النفسي قبل تحقق عصيا نه في الخارج يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة في زمان واحد وهو مستلزم لاجتماع الضدين (ولكن التحقيق) عدم كون شيئ منهما مانعا عن الالتزام بالترتب في المقام (اما الاول) فلان الخطاب الترتبى في المقام وان كان يستلزم شرطية عنوان التعقب الا انها لقضاء حكم العقل بها كما هو الحال في موارد الامر بالمركب التدريجي (توضيح ذلك) ان المقدمة بعد ما فرض انها محرمة في حد ذاتها ومع قطع النظر عن توقف واجب فعلى عليها وانها سابقة على ذى المقدمة زمانا وثبت في المقدمة الاولى ان خطابها في مرتبة خطاب الواجب المتوقف عليها لزم من ذلك اشتراط حرمتها بعصيان ذلك الواجب في ظرفه إذ سقوط حرمتها ان كان لاجل توقف الواجب الفعلى عليها المقتضى لاتصافها بالوجوب الغيرى فقد عرفت ان الوجوب الغيرى انما هو في مرتبة الوجوب النفسي فلا يقتضى الاهدم عصيان الواجب


- ان استلزامه لاجتماع الوجوب والحرمة في فعل واحد في زمان واحد يوجب امتناعه واما ما افيد في المتن من ان الحكمين ليسا في مرتبة واحدة فلا استحالة في اجتماعهما فقد عرفت ما فيه وبالجملة إذا توقف واجب فعلى على مقد مة محرمة في نفسها فان كان وجوب المقدمة مشروطا بايصالها إلى الواجب النفسي استلزام ذلك التفكيك بين الوجوب الغيرى والوجوب النفسي في الاطلاق والاشتراط وهو محال مع انه يرد عليه جواز ترك الواجب النفسي من دون عذر وان يكون وجوبه مشروطا بوجوده على ما مر بيان ذلك في بحث المقدمة الموصلة واما إذا كان وجوب المقدمة مطلقا وغير مشروط بالايصال المزبور استلزم ذلك اجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة في زمان واحد فلا مناص في هذه الموارد من الالتزام باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة بناء على ثبوت الملازمة وبارتفاع الحرمة عن خصوص المقدمة الموصلة ولو على القول بعدم ثبوتها ومن جميع ما ذكرناه يظهر مواقع النظر فيما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فلا تغفل (*)

[ 324 ]

النفسي ووضع طاعته فإذا فرضنا عدم وقوع المقدمة في طريق التوصل إلى الواجب المتوقف عليها لفرض تحقق عصيان طلبه في ظرفه فلا مقتضى لسقوط حرمتها اصلا ونتيجة ذلك هو الالتزام باشتراط حرمتها بالتعقب بالعصيان المتأخر لا محالة (واما الثاني) فلا الحكمين المفروضين في المقام ليسا بمتضادين ليلزم من اجتماعهما اجتماع الضدين بداهة ان تحقق التضاد بين امرين لا يكون الا بكون اشغال كل منهما للمحل لعروضه عليه ملازما لاستحالة عروض الاخر عليه وفيما لم يكن كذلك كما في المقام لما عرفت من ان الحكمين ليسا في مرتبة واحدة لا يلزم من اجتماعهما محذور اصلا فاجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة المحرمة المتوقف عليها الواجب الفعلى وان كان لابد منه الا أنهما ليسا بضدين لان وجوب المقدمة على ما عرفت في مرتبة وجوب الواجب المتوقف عليها فهو لا يقتضى الا وضع تقدير الاطاعة وهدم تقدير المعصية واما حرمتها فهي ليست في هذه المرتبة على الفرض بل هي في مرتبة المعصية ومتفرعة عليها فاحد الحكمين هادم لتقدير اخذ موضوعا للحكم الاخر فيكون حال المقام كحال الاجتماع خطاب الصلاة والازالة في زمان واحد والملاك في امكان الاجتماع واحد في المقامين هذا كله في ما إذا كانت المقدمة سابقة في الوجود على وجود ذى المقدمة واما إذا كانت مقارنة له زمانا كما إذا بنينا على كون احد الضدين متوقفا على عدم الاخر فلا يلزم من الالتزام بالترتب فيه الالتزام بالشرط المتأخر فينحصر المحذور المتوهم فيه بما ذكر في الامر الثاني من الامرين المذكورين في القسم الاول بتقريب ان ترك الصلاة مثلا إذا فرض كونه مقدمة للازالة لزم وجوبه وحرمة فعلها فإذا فرضنا وجوب الفعل بالخطاب الترتبى استلزام ذلك اتصاف الفعل والترك بالوجوب في زمان واحد وجوابه ما عرفت من انه لا مانع من اجتماع خطابين كذلك في زمان واحد بعد اختلافهما في الرتبة وكون احدهما هادما لتقدير اخذ موضوعا للخطاب الاخر (وقد اورد) بعض المحققين (قده) على الخطاب الترتبى في هذا القسم بانه يستلزم اجتماع الوجوب والحرمة في طرف الاهم بتقريب ان الازالة مثلا واجبة بالفعل لكونها اهم من الصلوة على الفرض وبما ان تركها مقد مة للصلاة الواجبة بالخطاب الترتبى يكون واجبا بالوجوب الغيرى الناشئ من وجوب الصلوة فيلزم اتصاف فعل الاهم وتركه بالوجوب في زمان واحد وفي رتبة واحدة وهذا معنى ما ذكرناه من اجتماع الوجوب والحرمة في فعل الاهم ولا يندفع

[ 325 ]

هذا المحذور بما اندفع به محذور اجتماع الحكمين في طرف المهم من الالتزام بالترتب فيه إذ المفروض ان خطاب الاهم مطلق وغير مترتب على عصيان خطاب المهم (ويرده) ان ترك الازالة وان كان مقدمة للصلاة إلا انه من شرائط وجوبها ويستحيل اتصاف شرط الوجوب بالوجوب المقدمى فلا يلزم المحذور المذكور وان كان بناء الاشكال المزبور على لزوم تقدم البعث على الانبعاث زمانا بتوهم ان زمان الصلوة مثلا بما انه بعينه زمان ترك الازالة لابد من تقدم وجوب الصلوة عليه وهو يستلزم وجوب ترك الازالة ولو فرض كونه مقدمة وجوبية ايضا فهو مردود مضافا إلى فساد المبنى المذكور بان خطاب الصلوة ولو فرض تقد مه على ترك الازالة زمانا الا انه لا يخرج بذلك عن تأخره عن رتبته لكونه مشروطا به فلا يعقل ان يترشح منه وجوب على ما هو كالعلة لفعليته وتحققه هذا مضافا إلى أن أخذ شيئ شرطا للوجوب مستلزم اخذه مفروض الوجود في مقام الجعل والخطاب على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية فكيف يعقل ان يترشح عليه طلب من الطلب المجعول على فرض وجوده في الخارج (وبالجملة) المانع عن سراية الوجوب المقدمى إلى مقدمة الوجوب ثلثة امور (الاول) تقدم رتبتها على الوجوب المعلول لها ويستحيل أن يكون المعلول علة لوجوب علته والالزم (1) تقدم الشيئ على نفسه (الثاني) لزوم كون مقد مة الوجوب مفروض الوجود في ظرف الخطاب وهو ينافى تعلق الطلب به من قبل الطلب المجعول على فرض وجود (الثالث) تأخر الوجوب عن المقد مة زمانا فيستحيل ان تكون واجبة من قبل الوجوب المتأخر عنها وهذا الوجه وان اختص بالمقدمات الوجوبية السابقة على الوجوب زمانا اعني بها المقدمات التى اخذت بوجوداتها المنقضية شرطا للوجوب الا أن الوجهين الاولين يطردان في جميع مقدمات الوجوب ولعل المانع من اتصاف مقدمة الوجوب بالوجوب الغيرى في نظر المحقق المزبور كان مختصا بهذا الوجه ولاجله ذهب بناء على لزوم تقدم زمان الخطاب على زمان


1 - توضيحه ان وجوب المقدمة بما انه في مرتبة سابقة على وجودها ومعلول لوجوب ذى المقدمة لا بد من أن يكون وجوب ذى المقدمة ايضا في مرتبة سابقة على المقدمة وبما ان وجوب ذى المقدمة معلول للمقدمة الوجوبية يكون متأخرا عن وجودها لا محالة ففرض كون المقدمة الوجوبية واجبة بوجوب مترشح من الوجوب المتوقف عليها يستلزم تقدم الشيئ على نفسه (*)

[ 326 ]

الامتثال إلى استلزام القول بالترتب في هذا القسم لوجوب ترك الاهم بالوجوب المقدمى مع فرض كو نه مقدمة للوجوب لان المفروض هو اتحاد زمان ترك الاهم وفعل المهم وقد فرضنا تقدم خطاب المهم على زمان وجوده فخطاب المهم يكون سابقا على زمان ترك الاهم فترك الاهم لتوقف وجود المهم عليه يتصف بالوجوب المقدمى فيلزم من القول بالترتب في المقام اجتماع الوجوب والحرمة في الاهم في زمان واحد (وانت) بعد ما ظهر لك امتناع اتصاف مقدمة الوجوب بالوجوب الغيرى لما عرفت من الوجهين الاولين المطردين في جميع الموارد يتضح لك بطلان الايراد المذكور ان توقف المحقق المذكور (قده) عن القول بالترتب لاجله وتشنيعه على المحقق صاحب الحاشية (قده) لاجل دها به إلى الترتب ليس في محله (واما القسم الثالث) وهو ما إذا كان التزاحم ناشئا من ملاز مة وجود الواجب لوجود الحرام اتفاقا كما إذا فرضنا حرمة استدبار الجدى المستلزم لوقوع التزاحم بينها وبين وجوب استقبال القبلة بالنسبة إلى اهل العراق مثلا فان لم يكن احد الحكمين اهم من الاخر سقط كلا هما والاقدم الاهم وسقط خطاب المهم رأسا ولا يمكن الالتزام بالترتب في هذا الفرض لان عصيان خطاب الاهم كاستقبال القبلة في المثال على تقدير كونه الاهم لا يكون الا باستدبارها فتعلق الخطاب به معلقا على عصيان وجوب الاستقبال يستلزم طلب الحاصل وهو غير معقول (واما القسم الرابع) وهو ما إذا وقع التزاحم لاجل اتحاد متعلق الامر والنهي في الوجود كما في موارد اجتماع الامر والنهي فلا يعقل الخطاب الترتبى فيه ايضا (1) لما اشرنا إليه من ان عصيان خطاب النهى اما ان يكون باتيان متعلق الامر أو بضد آخر غيره وعلى الاول يلزم من الخطاب الترتبى طلب الحاصل وعلى الثاني يلزم منه طلب احد الضدين على تقدير وجود الضد الاخر و


1 - التحقيق في هذا المقام انا إذا قلنا بامتناع اجتماع الامر والنهى اما لدعوى سراية كل من الامر والنهى من متعلقه إلى متعلق الاخر أو لدعوى ان التركيب بين المأمور به والمنهى عنه في المجمع اتحادى لا انضمامي فلا معنى للقول بالترتب في موارد اجتماع الامر والنهى كما افيد في المتن واما إذا قلنا بالجواز لكون التركيب انضماميا وبطلان دعوى السراية المذكورة فما به يتحقق العصيان انما هو وجود مغاير لوجود المأمور به فلا مانع من الالتزام فيه بالترتب كما هو الحال في غير المقام من موارد التزاحم بين الواجب والحرام وسيجيئ الكلام في ذلك فيما بعد انشاء الله تعالى (*)

[ 327 ]

مرجعه إلى طلب الجمع بين الضدين وهو محال ايضا واما توهم امكان ترتب خطاب المهم على العزم على عصيان خطاب الاهم لا على نفس العصيان فمد فوع بما مر من انه لا يمكن تصحيح الخطاب الترتبى باشتراط العزم على العصيان لابد في تصحيحه من كون نفس العصيان شرطا لخطاب المهم (واما القسم الخامس) وهو التزاحم الناشئ من جهة تزاحم نفس الملاكين لقيام الاجماع على عدم تأثير احد هما كما تقدم بيانه لا من جهة عجز المكلف عن الامتثال فعدم جريان الترتب فيه اوضح (1) من أن يخفى * (المقصد الثاني في النواهي) * (فصل) الحق ان المطلوب في النواهي هو نفس (2) ترك الفعل وعدمه دون


1 - قد تقدم عدم دخول هذا القسم في اقسام التزاحم ليقع الكلام في امكان الالتزام بالترتب فيه وعدم امكانه. 2 - التحقيق ان متعلق النهى انما هو الفعل ومعنى النهى عنه هو الزجر عنه الناشئ من اشتماله على المفسدة فالنزاع في كون المطلوب في النواهي هو الكف عن الفعل أو نفس تركه باطل من اصله نعم ربما يكون الترك مطلوبا لاشتماله على المصلحة الداعية إلى طلبه لكن ذلك يرجع إلى ايجاب الترك وهو اجنبي عن تحريم الفعل كما هو ظاهر (ثم ان المصلحة) إذا كانت قائمة بترك طبيعة فتارة تكون المصلحة قائمة بمجموع التروك المركبة من ترك كل واحد واحد من افراد تلك الطبيعة واخرى تكون المصلحة قائمة بكل واحد واحد من التروك وثالثة تكون قائمة بعنوان بسيط متولد عن مجموع التروك في الخارج فعلى الاول لابد من جعل حكم واحد متعلق بمجموع التروك فلا يحصل امتثاله الا إذا تحقق جميع التروك في الخارج وهذا هو الحال في القسم الثالث ايضا غاية الامران المأمور به في القسم الاول امر مركب من التروك الخارجية وفي القسم الثالث امر بسيط متولد منها واما القسم الثاني فالمجعول في مورده احكام متعددة تعلق كل واحد منها بترك فرد من افراد تلك الطبيعة وعليه فامتثال التكليف بترك بعض الافراد لا ينافى عصيانه بفعل بعضها الاخر ويترتب على ذلك انه إذا شك في صدق تلك الطبيعة على فعل خارجي لشبهة موضوعية جاز ارتكابه لرجوع الشك فيه إلى الشك في حكم مستقل والمرجع فيه هي البراءة عقلا ونقلا واما القسم الاول فالرجوع فيه إلى البراءة وعد مه يبتنى على القول بالرجوع إلى البراءة في موارد الشك في الاقل والاكثر الارتباطيين وعدمه لان الشك (*)

[ 328 ]

الكف عنه (وتوهم) ان عدم الفعل ازلى خارج عن القدرة فلا يمكن تعلق الطلب به (مدفوع) بان عدم القدرة عليه في الازل لا ينافى القدرة عليه في ظرف القدرة على ايجاده بل لا مناص عن ذلك لان القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم لا محالة ثم لا يخفى ان الامر والنهى يشتركان في ان كلا منهما يتعلق بالماهية التي لم يلحظ فيها الوجود والعدم ويفترقان في ان هيئة النهى تدل على طلب اعدام المادة و هيئة الامر تدل على طلب ايجادها فيكون متعلق الطلب في طرف الامر هو صرف وجود الطبيعة كما ان متعلق الطلب في طرف النهى هو صرف ترك الطبيعة ولذا لا يتحقق امتثاله الا بترك جميع (1) افراد متعلقه بخلاف الامر فان امتثاله يتحقق بايجاد اول وجود من


- في هذا القسم فرد من موضوع تلك الكبرى الكلية واما القسم الثالث فلا مناص فيه عن القول بالاشتغال لرجوع الشك فيه إلى الشك في تحقق الامتثال بعد العلم بالتكليف ومن الواضح انه مورد الاشتغال دون البرائة ولا يفرق الحال فيما ذكرناه من الرجوع إلى البرائة على تقدير والرجوع إلى الاشتغال على تقدير آخر بين كون طلب الترك طلبا نفسيا وكونه طلبا غيريا 1 - قد عرفت آنفا ان ما تعلق به النهى هو بعينه متعلق الامر غاية الامر ان النهى عنه يكون زاجرا عنه والامر به يكون باعثا إليه فلا يبقى لدعوى ان متعلق النهى هو صرف ترك الطبيعة ولذا لا يتحقق امتثاله الا بترك جميع افرادها مجال اصلا هذا مع ان صرف الوجود كما انه يتحقق باول وجود من الوجودات كذلك صرف الترك يتحقق باول ترك من التروك فما يكون هو الفارق بين الامر والنهى (والتحقيق) في هذا المقام ان يقال ان الامر بما انه ينشأ من وجود مصلحة في متعلقه داعية إلى طلبه وهى غالبا تترتب على صرف الوجود يكون الامر بالطبيعة من دون نصب قرينة كاشفا عن تعلق الطلب بصرف الوجود المتحقق بايجاد فرد من افراد تلك الطبيعة وهذا بخلاف النهى فانه انما ينشأ عن اشتمال متعلقه على مفسدة داعية إلى الزجر عنه وهي غالبا تترتب على كل فرد فرد من افراده فإذا نهى عن طبيعة كانت تلك الغلبة الارتكازية قرينة عامة على ان الهى متعلق بكل فرد باستقلاله بحيث انه لو كان متعلقا بصرف الوجود لكان بيان ذلك محتاجا إلى نصب قرينة خاصة وهذا هو الفرق بين الامر والنهى مع ان كلا منهما يتعلق بالفعل على ما عرفت (وبتقريب آخر) ان جميع ما يمكن ان ينطبق عليه في الخارج عنوان فعل ما من الافعال كالصلوة يستحيل ايجاده من المكلف بالضرورة فلا محالة يكون الطلب متعلقا ببعض افراده - (*)

[ 329 ]

افراد متعلقه (ثم) ان ترك الطبيعة تارة يكون (1) مطلوبا استقلالا وملحوظا بنحو المعنى الاسمى بان يكون المطلوب خلو صحيفة الوجود عن تلك الطبيعة فيكون ترك الافراد حينئذ ملازما للمطلوب لا نفسه واخرى يكون مرآتا وبنحو المعنى الحرفى توصلا به إلى طلب ترك افرادها فالمطلوب في الحقيقة هو ترك نفس تلك الافراد و يلزمه خلو صحيفة الوجود عن الطبيعة ويتفرع على الاول انه إذا عصى النهى بايجاد فرد من تلك الطبيعة سقط النهى ولا يبقى لامتثاله بعده مجاله اصلا واما على الثاني فعصيان النهى بايجاد بعض افراد المنهى عنه لا يوجب سقوطه عن غيره من افراد الطبيعة المنهى عنها لان النبي إذا كان انحلاليا وكان كل فرد من افراد المنهى عنه محكوما بحكم مستقل فسقوط النهى في بعض الافراد لا يوجب سقوطه في غيره وهذا القسم هو الغالب في موارد النهى سواء كان له موضوع خارجي تدور فعلية الحكم مدار فعليته كما في لا تشرب الخمر ام لم يكن له ذلك بل كان المتعلق للنهى فعل المكلف الذي لا تعلق له بموضوع خارجي كما في لا تكذب لان الغالب ان النهى ينشأ من مفسدة في متعلقه فلا محالة يشترك جميع الافراد في تلك المفسدة وذلك يستلزم انحلال النهى إلى نواهى متعددة بتعدد افراد الطبيعة المنهى عنها من دون فرق في ذلك بين كون ترك الطبيعة مطلوبا نفسيا كما في المثالين المتقدمين وكونه مطلوبا غيريا كما في النهى عن الصلوة في النجس لان النهى في كلا المقامين ظاهر في الانحلال وان الطلب النفسي أو الغيرى متعلق بترك كل فرد فرد لا بترك نفس الطبيعة بنحو المعنى الاسمى (ثم انه) قد ظهر مما ذكرناه ان النهى بالنسبة


- دون جميعها وبما انه غير مقيد بحصة خاصة يكون مقتضى اطلاقه جواز الامتثال بكل فرد من افراده اراد المكلف ايجاده في الخارج وهذا بخلاف النهى الزاجر عن الفعل فان الانزجار عن بعض الافراد حاصل بالضرورة فيستحيل الزجر عنه فلا بد من تعلق الزجر بكل واحد واحد من افراد متعلقه ليترتب عليه انزجار المكلف عن ارتكابه وبالجملة متعلق الامر والنهى وان كان هو نفس الفعل الا ان جواز الاكتفاء باتيان فرد واحد من المأمور به وعدم جواز الاكتفاء بترك فرد واحد من المنهى عنه انما هو من خصوصيات تعلق الامر والنهى به لا من جهة اختلاف متعلقهما فتدبر ذلك فانه دقيق وبه حقيق 1 - قد عرفت ان هناك قسما آخر وهو تعلق الطلب بمجموع التروك فيكون ترك كل فرد في هذا القسم جزءا من المطلوب لا نفسه ولا جزء ما يلا زمه (*)

[ 330 ]

إلى الافراد العرضية وهي الافراد التي يمكن للمكلف ايجاد كل واحد منها فعلا انما هو باخذ ترك الطبيعة حال تعلق الطلب به فانيا في معنوناته التي هي عبارة عن ترك كل واحد واحد من الافراد الخارجية واما انحلال النهى بالنسبة إلى افراد الطولية (1) وبقائه في الان الثاني بعد امتثاله في الان الاول فهو انما يمكن باحد وجهين (الاول) أن يؤخذ الزمان في ناحية المتعلق بأن يكون شرب الخمر في كل زمان مثلا محكوما بالحرمة فيكون الشرب في الان الثاني حراما وان امتثل النهى في الان الاول بترك تمام افراد الطبيعة (الثاني) أن يؤخذ الزمان في ناحية الحكم بأن يكون الحكم المتعلق بترك الطبيعة باقيا في الازمنة اللاحقة وبما انه لا دليل على اخذ الزمان في ناحية المتعلق ولا معنى لتحريم شيئ يسقط بامتثاله آناما كان دليل الحكمة مقتضيا لبقاء الحكم في الازمنة اللاحقة ايضا (فان قلت) ان ما ذكرته من ثبوت الحكم وبقائه في الان الثاني كثبوته في الان الاول ينافى ما افتى به الفقهاء في باب النذر من انه إذا تعلق النذر بترك فعل كشرب التتن ونحوه فحرمته تسقط بمجرد تحقق العصيان آناما فلا يحرم على الناذر شربه بعد ذلك نعم لو كان قصد الناذر ترك شربه في كل آن بنحو يكون الزمان قيدا للموضوع لبقى الحكم بعد تحقق الحنث ايضا (قلت) (2) قد عرفت


1 - لا فرق بين الافراد العرضيه والطولية في ذلك اصلا فان الطبيعة المنهى عنها إذا لم تتقيد بقيد خاص ولو كان ذلك هو التقييد بزمان مخصوص كان مقتضى اطلاقها هو الزجر عن كل فرد من افرادها بخصوصه لا بمعنى ان كل خصوصية من الخصوصيات دخيلة في ثبوت الحرمة بل بمعنى ان كل وجود بما هو وجود الطبيعة الملغاة عنها خصوصياتها متعلق للزجر فالافراد الطولية متعلقة للزجر بنفس ملاك تعلق الزجر بالافراد العرضية وبذلك يظهر عدم صحة ما افيد في المتن من انحصار استفادة شمول النهى للافراد الطولية بالوجهين المذكورين فيه فلا تغفل. 2 - لا يخفى عليك ما في هذا الاشكال وجوابه من عدم ارتباطه بمحل الكلام اصلا لان الناذر يلزم نفسه بنذره بايجاد فعل أو بتركه والشارع قد حكم بوجوب الوفاء عليه فالمتحقق في مورده انما هو وجوب الفعل أو الترك وأين ذلك من التحريم المدعى فيه انحلاله بانحلال افراد متعلقه ثم ان وجوب الوفاء بالنذر تابع لقصد ناذره فان قصد به ترك فعل ما على نحو العموم الاستغراقي فالواجب عليه هو الوفاء بالاضافة إلى كل ترك في نفسه فيجب عليه بعد تحقق الحنث في بعض الافراد الوفاء بنذره في غيره وان قصد بنذره ترك ذلك الفعل على نحو العموم المجموعى - (*)

[ 331 ]

ان استمرار الحكم وبقائه انما هو بدليل الحكمة ودليل الحكمة في المقام انما يجرى قبل تحقق الحنث واما بعده فلا مقتضى لبقاء الحكم اصلا لان المفروض ان الحرمة لم تنشأ عن مفسدة في شرب التتن ليشترك فيها جميع افراده العرضية والطولية بل الحرمة انما نشأت عن مفسدة في الحنث فإذا تحقق في الخارج لم يبق مقتض لبقاء الحكم واستمراره بعده وهذا هو الفارق بين موارد النذر وموارد النواهي الناشئة من المفاسد المتحققة في نفس متعلقاتها * (فصل في مبحث اجتماع الامر والنهي) * المشهور بين الاصحاب في عنوان البحث جعل محل النزاع هو جواز اجتماع الامر والنهى في شيئ واحد ذى جهتين وامتناعه ولكن الاولى أن يجعل عنوان البحث على وجه آخر وذلك بأن يقال إذا تعلق امر ونهى بشيئين اتحدا في الخارج وجودا وايجادا فهل يوجب ذلك سراية كل منهما إلى ما تعلق به الاخر ليلزم سقوط احد هما لامتناع اجتماع الحكمين المتضادين في مورد واحد اوان اتحاد الوجودين في الخارج لا يوجب السراية المذكورة فلا يلزم من ثبوت الحكمين فيه اجتماع الضدين (وجه الاولوية) ان العنوان المعروف يوهم ان القائل بالجواز لا يعترف بتضاد الحكمين فلذا يقول بجواز اجتماعهما مع ان الامر ليس كذلك بل هو انما يدعى الجواز لا دعائه عدم لزوم اجتماع الحكمين من اتحاد المتعلقين خارجا لا انه يدعى جوازه بعد تسليم تحقق اجتماعهما ضرورة ان استحالة اجتماع الحكمين بعد وضوع التضاد بينهما لا تكاد تخفى على عاقل فضلا عن فاضل فالنزاع انما هو في استلزام ثبوت الحكمين وفعليتهما لاجتماعهما في شيئ واحد وعد مه لا في جواز الاجتماع وامتناعه ثم انه يقع الكلام في المقام في جهتين (الاولى) في سراية كل واحد من الامر والنهى إلى متعلق الاخر وعدمه ومنشأ النزاع في هذه الجهة هو النزاع في ان الجهتين المتحققتين في المجمع تعليليتان أو تقييديتان ويترتب على القول بالسراية المزبورة وقوع التعارض بين دليلى الواجب والحرام وعلى القول بعدمها عدمه وذلك لان الجهتين إذا كانتا تعليلتين تعلق الامر بما تعلق به النهى بعينه فيقع التعارض بين الدليلين لا محالة وهذا بخلاف


- لم يبق لوجوب الوفاء بعد تحقق الحنث مرة واحدة محل اصلا ولو شك الناذر بعد نذره في كيفيته فاصالة البراءة عن الزائد على وجوب واحد تقتضي جواز ايجاد الفعل بعد تحقق الحنث بارتكاب ذلك الفعل مرة واحدة (*)

[ 332 ]

القول بعدم السراية فان تعدد متعلق الامر والنهى لاجل كون الجهتين تقييدتين ينفى موضوع التعارض بالضرورة (الثانية) في أن الجهتين إذا كانتا تقييديتين فهل يوجب انطباقهما على شيئ واحد وقوع التزاحم بين حكميهما اولا (1) والنزاع من هذه الجهة يبتنى على ان اعتبار القدرة في متعلق التكليف هل هو من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز أو من جهة اقتضاء نفس الطلب ذلك فان قلنا بالاول فالفرد المأتى به وان كان غير مقدور عليه لان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا الا أنه يصح الاتيان به بداعي امتثال الامر بالطبيعة لما افاده المحقق الثاني (قده) من كفاية القدرة على بعض افراد الطبيعة في صحة الامر بها فان انطباق الطبيعة على فردها قهرى والاجزاء عقلي واما إذا قلنا بالثاني واعتبرنا في تحقق الامتثال القدرة على الفراد بخصوصه فلا محالة يقع التزاحم بين الحكمين لما عرفت من ان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا فلا بد من سقوط النهى ليكون المجمع مقدورا ويقع به الامتثال من دون عصيان أو سقوط الامر ليتمحض الاتيان بالمجمع في كونه معصية من دون امتثال فكونه امتثالا من جهة وعصيانا من جهة اخرى مستحيل على هذا التقدير بالضرورة (ثم ان النزاع) من هذه الجهة لابد من أن يكون مع وجود المندوحة إذ وقوع التزاحم بين الحكمين مع عدم المندوحة وانحصار الطبيعة المأمور بها في المجمع واضح لا يخفى ومن اعتبر قيد المندوحة في محل الكلام قد نظر إلى ذلك واما النزاع من الجهة الاولى وهى سراية كل من الحكمين إلى متعلق الاخر وعدمها فلا يفرق فيه بين وجود المندوحة وعد مها كما هو واضح إذا عرفت ذلك فلا بد لتحقيق المقام من تقدم مقدمات ينتفع بها في كلتا الجهتين أو في خصوص احديهما المقدمة الاولى في تحقيق الحال في كون هذه المسألة اصولية أو غير اصولية (فنقول) يمكن أن تكون المسألة كلامية باعتبار (2) انها يبحث فيها عن استحالة اجتماع الحكمين في مورد واحد وجوازه وبما ان الامر والنهى من الامور الواقعية يصح البحث عن امتناع اجتماعهما وجوازه (ويمكن) ان تكون المسألة فرعية (3)


1 - سيأتي تحقيق الحال في ذلك في محله انشاء الله تعالى 2 - المسائل الكلامية وان كانت مسائل عقلية الا أنه ليس كل مسألة عقليه يتكلم فيها عن الاستحالة والامكان مسألة كلامية وذلك ظاهر لا يكاد يخفى. 3 - البحث عن صحة عبادة أو معاملة وان كان من الابحاث الفقهية الا أن البحث في المقام - (*)

[ 333 ]

باعتبار انه يبحث فيها عن صحة الاتيان بالمجمع وحصول الامتثال به وعدمها (ويمكن) ان تكون المسألة من المبادى الاحكامية باعتبار انه يبحث فيها عن استلزام (1) حرمة الشيئ ووجوبه لعدم الاخر وعدم استلزامه له فيكون البحث فيها نظير البحث عن استلزام وجوب الشيئ لو جوب مقد مته أو لحرمة ضده غاية الامر ان البحث فيها عن لازم حكم واحد وفي ما نحن فيه عن لازم حكمين (ويمكن) ان تكون المسألة اصولية عقلية اما كونها عقلية فلما اشرنا إليه سابقا من ان الاحكام العقلية على قسمين (فتارة) يحكم العقل بشيئ من دون توسط حكم شرعى كحكمه بحسن شيئ أو قبحه وهذا القسم يسمى بالمستقلات العقلية (واخرى) يحكم بشيئ بعد صدور حكم شرعى من المولى كمباحث الاستلزامات كلها ويسمى هذا القسم بالاحكام العقلية غير المستقلة ومسئلتنا هذه من القسم الثاني فانها يبحث فيها عن استلزام اجتماع متعلقي الحكمين في مورد واحد لسقوط احدهما وعدم استلزامه له واما كونها اصولية فباعتباران نتيجة البحث فيها تقع في طريق الاستنباط فانه إذا أتى بالمجمع ترتبت على جواز الاجتماع وعدم سقوط شيئ من الحكمين صحة العبادة كما انه يترتب على القول بامتناعه ولزوم سقوط احدهما فسادها ولكن التحقيق (2) ان المسألة من المبادى التصديقية ضرورة انه لا يترتب فساد العبادة


- ليس بحثا عن صحة العبادة وفسادها لان البحث في محل الكلام متمحض في لزوم اجتماع الحكمين في فعل واحد وعدم لزومه واما الحكم بصحة العبادة على القول بالجواز فهو ثمرة ثمراته لا انه بنفسه هو محل الكلام في المقام 1 - لا ينبغى الريب في ان كل حكم من الاحكام الخمسة يستلزم عدم غيره لتضاد الاحكام باسرها وليس ذلك محل الكلام في المقام اصلا بل الكلام متمحض في ما عرفت من لزوم اجتماع الحكمين في فعل واحد وعدم لزومه 2 - بل التحقيق ان هذه المسألة من المسائل الاصولية لان ترتب صحة العبادة على القول بالجواز كاف في كون المسألة اصولية لان وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستباط الذي هو ملاك كون المسألة اصولية يكفى فيه كونها كذلك في الجملة ولا يعتبر فيه كون نتيجة المسألة على جميع التقادير واقعة في طريق الاستنباط مثلا مسألة البحث عن حجية الخبر الواحد مسألة تقع نتيجتها في طريق الاستنباط على تقدير القول بحجيته لانه إذا لم نقل بها لم تقع نتيجتها في طريق الاستنباط ابدا لكن المسألة مع ذلك اصولية بلا اشكال فالقول - (*)

[ 334 ]

على القول بالامتناع بل القول به يوجب دخول دليلى الوجوب والحرمة في باب التعارض واجراء احكامه عليهما ليستنبط من ذلك حكم فرعى وقد عرفت فيما تقدم ان الميزان في كون المسألة اصولية هو ترتب نتيجة فرعية عليها بعد ضم صغرى نتيجة تلك المسألة إليها وليس ذلك متحققا في ما نحن فيه قطعا وعليه فالنزاع وعليه فالنزاع في الجهة الاولى يدخل في مبادى بحث التعارض كما ان النزاع في الجهة الثانية يدخل في مبادى بحث التزاحم المقد مة الثانية ان المعاني التي تفهم من الالفاظ وبهذا الاعتبار تسمى بالمفاهيم (تارة) تلاحظ بما انها مدركات عقلية (واخرى) بما أنها منطبقة على مصاديقها في الخارج فهى باعتبار اللحاظ الاول تكون بسيطة ابدا كما اشرنا إليه فيما تقدم من مباحث الحروف والمشتقات ومتباينة بعضها بالنسبة إلى بعضها الاخر وكليات (1) وجزئيات عقلية غير قابلة للصدق على ما في الخارج واما باعتبار اللحاظ الثاني فهي تنقسم إلى بسائط ومركبات خارجية باعتبار تركبها من العادة والصورة ومركبات تحليلية باعتبار تركبها من الجنس والفصل وتعرضها احدى النسب الاربع التي ستعرف تفصيلها وملاكها ويطلق عليها الكليات أو الجزئيات الطبيعية ومن هذا البيان يظهر فساد ما استند إليه بعض القائلين بجواز اجتماع الامر والنهى من ان متعلق الامر مفهوم مباين لما تعلق به النهى فالاجتماع انما هو في مقام الامتثال لا في مقام التكليف ليلزم منه اجتماع الضدين في موضوع واحد وجه الظهور ان تباين المفاهيم في مقام التعقل والادراك وان كان صحيحا الا أنها بهذا الاعتبار لا يعقل تعلق التكليف بها لانها كليات عقلية يمتنع صدقها على الخارجيات فما تعلق به التكليف لا مناص من التى ام يكونه من الكليات الطبيعية الملحوظة فانية في مصاديقها وعليه فلا تكون النسبة بين متعلق الامر ومتعلق النهى نسبة التباين لئلا يلزم الاجتماع في مقام التكليف (ثم ان) الموجود اما أن يكون موجودا في عالم العين أو في عالم الاعتبار وعلى كل منهما فاما أن يكون من الموجودات المتأصلة أو من الموجودات الانتزاعية فتكون الاقسام اربعة (الاول) الموجود المتأصل في العين كالجواهر وجملة من الاعراض كالسواد و


- بعدم الجواز في محل البحث وان لم يترتب عليه القول بفساد العبادة الا ان ترتب القول بالصحة بالاتيان بالجمع على القول بالجواز كاف بنفسه في كون المسألة اصولية. 1 - في التعبير عن المفاهيم المتقيدة باللحاظ بالكليات أو الجزئيات العقلية مسامحة واضحة لا تكاد تخفى على العارف بالاصطلاح (*)

[ 335 ]

البياض ونحوهما (الثاني) الموجود الانتزاعي في العين كالزوجية المنتزعة عن الاربعة ووجود هذا القسم انما هو بوجود منشأ انتزاعه (الثالث) الموجود المتأصل في عالم الاعتبار كالوجوب والحرمة والزوجية للزوجين والفرق بين هذا القسم وبين القسم الثاني ان القسم الثاني لا وجود له الا بوجود منشأ انتزاعه وهذا القسم موجود بنفسه غاية الامران وجوده في عالم الاعتبار لا في عالم العين (الرابع) الموجود الانتزاعي في عالم الاعتبار كسببية شيئ للحكم التكليفى أو الوضعي كما في سببية الدلوك وموت المورث لوجوب الصلوة وملك الوارث فان ما هو الموجود المتأصل في عالم الاعتبار انما هو نفس الحكم التكليفى أو الوضعي عند تحقق موضوعه في الخارج واما عنوان السببية فهو انما ينتزع من وجود الموضوع باعتبار تحقق الوجود الاعتباري عند تحققه فيكون حال الامر الانتزاعي في عالم الاعتبار كحال الامر الانتزاعي الخارجي في أن وجوده انما هو بوجود منشا أنتزاعه في الوعاء المناسب له (ثم) ان تفصيل الحاصل في النسب الاربع وبيان ملاكها انما هو بأن يقال ان كل مفهومين اما أن يكون صدوق كل منهما على افراد متحدا مع صدق الاخر على افراده في ملاك الصدق وجهته أو تكون جهة الصدق في أحدهما مغايرة لجهة الصدق في الاخر وعلى الاول فلا محالة تكون النسبة بينهما هو التساوى (1) ويستحيل صدق احدهما على شيئ دون الاخر و (توهم) ان الصدق من جهة واحدة لا يستلزم التساوى بين المفهومين كما في المفاهيم الصادقة على ذاته المقدسة تعالى (مدفوع) بما عرفت في آخر المشتق من ان صدق المفاهيم على الذات المقدسة يغاير نحو صدقها على الذوات الاخرى فانها مفاهيم مقولة بالتشكيك والمرتبة العالية من كل صفة في ذلك المقام الشامخ متحدة مع المرتبة العليا من الصفة الاخرى وذكرنا هناك مثالا خارجيا لتصوير ذلك في صفات النفس فقياس صدق المفاهيم المتعددة على الذات المقدسة بصدق المفاهيم الصادقة على غيرها قياس مع الفارق واما على الثاني فاما ان تكون الجهتان متعاندتين اولا وعلى الاول فلا محالة تكون النسبة بين المفهومين هو التباين وعلى الثاني فان كان كل ما يصدق عليه أحد المفهومين مندرجا تحت المفهوم الاخر فتكون


1 - لا يخفى ان ملاك كون النسبة بين مفهومين هو التساوى انما هو ثبوت الملازمة بين صدقيهما خارجا كما في صدق مفهوم الضاحك وصدق مفهوم الكاتب على الانسان واما كون جهة الصدق في احد المفهومين متحدة مع جهة الصدق في المفهوم الاخر فهو ملاك ثبوت الترادف بين المفهومين لا ملاك كون النسبة بينهما التساوى كما هو ظاهر (*)

[ 336 ]

النسبة بينهما هو العموم والخصوص المطلق والا فالنسبة بينهما هو العموم والخصوص من وجه ومن ذلك يظهر ان نسبة العموم والخصوص من وجه يستحيل ان تتحقق بين جوهرين (1) ضرورة استحالة كون الشيئ الواحد متفصلا بفصلين كل منهما عرض الآخر ليكون صدق احد المفهومين من جهة وصدق المفهوم الاخر من جهة اخرى بل النسبة المذكورة انما تتحقق بين جوهر وعرضى كالحيوان والابيض أو بين عرضيين كالابيض والحلو المقدمة الثالثة قد ذكرنا في مبحث المشتق ان مبادى الاشتقاق مأخوذة يشرط لا سواء كان ذلك بالاضافة إلى معروضاتها أو باضافة بعضها إلى بعض ولذلك لا يصح الحمل بينها اصلا كما هو الحال في الهيولى والصورة حيث لا يحمل احد هما على الاخر ولا على النوع فلا بد في صحة الحمل من اخذ المحمول لا بشرط كما في العناوين (2) الاشتقاقية المحمولة على الذات وفي الجنس والفصل مثلا العلم والعدالة لا يصح حمل احد هما على الاخر ولا على الذات المعروضة لهما بخلاف عنوان العالم والعادل كما ان النفس والبدن لا يصح حمل احدهما على الاخر ولا على الانسان المركب منهما بخلاف الحيوان أو الناطق (نعم) بين مبادى الاشتقاق والهيولى والصورة فرق من جهة اخرى وهى ان مبادى الاشتقاق بما ان كلا منها يغاير الاخر ذاتا ووجودا لا يصح حمل بعضها على بعض ولا على الذات المعروضة له فان اعتباره لا بشرط لا يخرجه عن حقيقته ولا يوجب اتحاده مع غيره المفروض عدم اتحاده مع بل غاية ما يترتب على اخذها لا بشرط حمل العناوين الاشتقاقية منها بعضها على بعض أو على الذات المعروضة لها وهذا بخلاف الهيولى والصورة فانهما إذا اخذ الا بشرط المعبر عنها حينئذ بالجنس والفصل صحيح حمل احد هما على الاخر لما تقدم من انهما مع كون احدهما جهة القوة والاخر جهة الفعلية متحدان في الوجود فإذا اعتبرا بما هما عليه من حد القوة والفعلية المعبر عنها حينئذ


1 - لا يخفى انه كما يستحيل تحقق النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين يستحيل ايضا تحققها بين عرضين وبين جوهر وعرض والسر في جميع ذلك هو ان المقولات باجناسها العاليه وانواعها السافله متباينه فما يكون مصداقا للجوهر يستحيل كونه مصداقا للعرض كما ان ما يكون مصداقا لجوهر أو عرض يستحيل كونه مصداقا لجوهر أو عرض آخر فالنسبة بالعموم من وجه لا بد أن تكون بين مفهومين عرضيين كالا بيض والحلو أو بين مفهوم عرضى ومفهوم ذاتي كالحيوان والابيض 2 - تقدم تحقيق الحال في ذلك في بحث المشتق فراجع. (*)

[ 337 ]

بالمادة والصورة لم يصح الحمل بينهما واما إذا الغى عنهما اعتبار الشرط لائية بالغاء الحد من كل منهما ولو حظا بما هما عليه من الاتحاد في الوجود صح الحمل بينهما لا محالة المقدمة الرابعة ان مبادى المشتقات اما أن تكون من سنخ الصفات الجسمانية أو النفسانية أو تكون من سنخ الافعال الاختيارية (وعلى الاول) فلا محالة يكون كل منها بحسب الوجود الخارجي ممتازا عن الاخر كالبياض والحلاة أو العلم والعدالة (وعلى الثاني) فاما أن يكون احد المبدئين الصادرين من فاعل واحد مغايرا للاخر وجودا أو ايجادا بمعنى ان ايجاد احدهما لا يستلزم ايجاد الاخر كالصلوة والنظر إلى الاجنبية أو لا تكون مغايرا له بل يكونان موجودين بتأثير واحد اما الاول فلا كلام لنافيه في بحث اجتماع الامر والنهى واما الثاني فهو على قسمين لان الموجودين بتأثير واحد اما ان لا تكون الاشارة الحسية إلى احدهما اشارة إلى الاخر كاستقبال القبلة واستد بار الجدى أو تكون الاشارة إلى أحدهما عين الاشارة إلى الاخر اما في القسم الاول فكل واحد من الموجودين يغاير الموجود الاخر لا محالة ولا يكون بينهما جهة تركيب اصلا غاية الامر انهما يكونان متلا زمين في الوجود واما في القسم الثاني فلا محالة يتحقق التركيب بينهما كما في الصلوة والغصب لكن التركيب انضمامي لا اتحادى وهذا بخلاف العنوانين الاشتقاقيين منهما فان التركيب بينهما يكون اتحاديا (والسر) في ذلك هو ان مبدء الاشتقاق المأخوذ بشرط لا بما انه ماهية واحدة وحقيقة فاردة لا محالة يكون محفوظا بتمام ماهيته من دون نقصان فيه أين ما سرى بداهة ان البياض الموجود في الثلج أو الصلوة الموجودة في المكان المغصوب متحد في الماهية مع البياض الموجود في العاج أو الصلاة الموجودة في المكان المباح كما ان الغصب المأخوذ بشرط لا ايضا ماهية واحدة (1) سواء وجد في ضمن الصلوة أم في ضمن فعل آخر فلا محالة يكون التركيب بينهما


1 - لا يخفى ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في هذه المقدمة من لزوم كون مبدأ الاشتقاق اعني به الفعل الصادر من الفاعل محفوظا في جميع انحاء وجوده هو الاساس لما اختاره من جواز اجتماع الامر والنهى ولاثبات ان التركيب بين متعلقي الوجوب والحرمة انضمامي لا اتحادى (والتحقيق) في هذا المقام ان يقال ان الفعل الصادر من المكلف إذا كان من سنخ الماهيات المتأصلة فالامر كما افاده (قده) ضرورة انه لا تختلف ماهية الشيئ باختلاف وجوده في الخارج واما إذا كان الفعل الصادر من سنخ المفاهيم الانتزاعية التي لا يحاذيها شيئ في الخارج كما هو الحال في الغصب فالامر ليس كما افاده (قده) ضرورة - (*)

[ 338 ]

في مورد اجتماعهما تركيبا انضماميا نظير الهيولى والصورة ويستحيل اتحادهما ليكون التركيب اتحاديا (وهذا) بخلاف معروض المبادى فان ماهيته تختلف في الخارج ولا تكون وحدة ماهية العرض موجبة لوحدة ماهية معروضه كما ان تعدد الاعراض القائمة به لا يوجب تعدده مثلا الذات التي يقوم بها المبدء في مورد اجتماع الحلاوة والبياض كالسكر ذات وفي مورد الافتراق من طرف الحلاوة كالدبس ذات اخرى و في مورد الافتراق من طرف البياض كالعاج ذات ثالثة فماهية ذات المعروض لا تتعدد بتعدد المبادى القائمة بها فلا محالة يكون التركيب بين العنوانين الصادقين عليها في مورد الاجتماع كالابيض والحلو والمصلى والغاصب اتحاديا لان المفروض وحدة ذات المعروض وجودا وماهية والتعدد انما هو في العرضين القائمين به وتعدد العرض لا يقتضى تعدد معروضه المقدمة الخامسة قد بينا في بحث المشتق أن صدق كل عنوان اشتقاقي على ذات معلول لقيام مبدء الاشتقاق بها وعليه فلا محالة تكون جهة الصدق في صدق عنوانين اشتقاقيين على ذات واحدة جهة تعليلية إذ المفروض انه لا تعدد في ذات المعروض لا وجودا ولا ماهية بل التعدد انما هو في الاعراض القائمة به وعليه يكون صدق كل من العنوانين كالمصلى والغاصب على شخص واحد معلولا لعلة غير ما هو علة لصدق الاخر و قد عرفت آنفا ان التركيب بين العنوانين اتحادى لا انضمامي واما جهة الصدق في صدق كل من المبادى على فرده المتحقق في مورد الاجتماع فهى جهة تقييدية لان المفروض ان كلتا الماهيتين المأخوذتين بشرط لا بعينهما موجودة في مورد الاجتماع وأن التركيب بينهما انضمامي وعليه تكون الحركة الخارجية من جهة وجود ماهية الصلاة


- انه لا مانع من انتزاع مفهوم واحد جامع لمصاديقه من افعال متعددة مختلفة الماهيات فالغصب الجامع لكل تصرف في مال الغير بغير اذنه قد ينتزع من مقولة الاين كما في التصرف في دار الغير بالكون فيها وقد ينتزع من مقولة اخرى كما في لبس ثوب الغير أو اكل خبزه بغير اذنه فالغصب المتحقق في ضمن التصرف في الدار مغاير بحسب ماهية منشأ انتزاعه للغصب المتحقق في ضمن لبس ثوب الغير أو أكل خبزه بغير اذنه فمرجع النزاع في جواز اجتماع الامر والنهى في مثل الصلاة في المكان المغصوب إلى النزاع في كون الصلاه بنفسها مصداق الغصب وعدمه وسيجيئ تحقيق ذلك بعيد ذلك انشاء الله تعالى (*)

[ 339 ]

فيها فردا من الصلاة ومن جهة وجود ماهية الغصب (1) فيها فردا من الغصب ومعنى كون الجهة تقييدية في المقام هو كون الفرد الواحد مندرجا تحت ماهيتين حقيقة لكون التركيب بينهما انضماميا وهذا بخلاف كون الجهة تقييدية في نفس العناوين الكلية عند تقييدها بقيد فان المراد من كون الجهة تقييدية فيها هو اضافة قيد إلى المطلق ليكون به نوعا مغايرا لما هو مقيد بقيد آخر فكون الجهة تقييدية في المقام يوجب توسعة الفرد الواحد واندراجه تحت ماهيتين وهذا بخلاف تقييد العناوين الكليه فانه يوجب تضييقها المانع من صدقها على فاقد القيد فاثر التقييد في كل من الموردين على عكس اثر التقييد في المورد الاخر (فان قلت) اليست الحركة الواحدة الخارجية يصدق عليها انها صلاة كما يصدق عليها انها غصب وعليه فلا محالة يكون التركيب بينهما اتحاديا ويكون كل منهما بالاضافة إلى الاخر لا بشرط للمنافاة الواضحة بين صحة الحمل واخذ المحمول والموضوع كل منهما بالقياس إلى الاخر بشرط لا فلا فرق بين المبادى والعناوين الاشتقاقية في أن الجهة في كلتيهما تعليلية لا تقييدية (قلت) ليس الامر كذلك فان الصلاة من مقولة والغصب من مقولة اخرى منضمة إليها اعني بها مقولة الاين ومن الواضح ان المقولات كلها متباينة يمتنع اتحاد اثنتين منها في الوجود وكون التركيب


1 - قد عرفت ان الغصب ليس من الماهيات المتأصلة ليستحيل اتحاده مع الصلاة خارجا وانه من المفاهيم الانتزاعية قابلة الانطباق على ماهيات متعددة وعليه فلا مانع من انطباقه على الصلاة ولو باعتبار بعض اجزائها فالشان انما هو في اثبات مغايرة الغصب للصلاة خارجا وكون وجود كل ماهية مغاير الوجود ماهية اخرى اجنبي عن ذلك بالكلية (والتحقيق في المقام) ان يقال ان الصلاة مركبة من ماهيات متعددة ولا ينبغى الشك في عدم صدق الغصب على بعضها كالاذكار ضرورة ان التكلم في الدار المغصوبة لا يصدق عليه التصرف في الدار قطعا انما الشك في صحة صدق الغصب على الافعال المعتبرة في الصلاة كالقيام والجلوس والركوع والسجود والصحيح انها من مقولة الوضع اعني بها الهيئة الحاصلة للجسم باعتبار اضافة بعض اجزائه إلى بعضها الاخر واما الغصب فهو منتزع من الكون في الدار الذي هو من مقولة الاين فلا يصدق الغصب على شيئ منها وتوهم انها من مقولة الفعل ناشئ من عدم التفرقة بينما يكون من قبيل الفعل العرفي الصادر بالارادة والاختيار ومقولة الفعل المعسودة من المقولات التسع العرضية وبيان الفرق بينهما موكول - (*)

[ 340 ]

بينهما اتحاديا وما ذكر من صدقهما على حركة شخصية واحدة يستلزم تفصل الجنس الواحد اعني به الحركة بفصلين في عرض واحد وهو غير معقول هذا مضافا إلى أن الاعراض بسائط خارجية وما به الاشتراك في كل مقولة عين ما به الامتياز فيها بداهة ان نسبة الحركة إلى المقولات التي تقبل الحركة نسبة الهيولى الاولى إلى الصور فكما انها لا توجد الا في ضمن صورة كذلك لا توجد الحركة الا في ضمن مقولة وفي أي مقولة تحققت تكون عينها فالحركة في الكيف لا تزيد على وجود الكيف كما ان الحركة في الكم أو الاين أو الوضع لا تزيد عليها فالحركة الموجودة في الصلاة مباينة (1)


- إلى محله واما الهوى إلى الركوع والسجود أو النهوض منهما إلى القيام فيصدق عليهما الغصب قطعا لانهما من اظهر افراد التصرف في ملك الغير المفروض عدم رضاء مالكه به فان قلنا بانهما من اجزاء الصلاة كان المأمور به متحد المنهى عنه وجودا فلا مناص عن القبول بعدم جواز الاجتماع واما إذا قلنا بانهما من المقدمات كما هو الظاهر فالغصب بالهوى أو النهوض يكون مقدمة لا يجاد المأمور به وبما ان حرمة المقدمة لا تنافى ايجاب ذى المقدمة وحصول الامتثال باتيانه إذا لم تكن منحصرة لا بد من القول بجواز الاجتماع وحصول الامتثال والعصيان بجهة اخرى (هذا) ولكن الظاهر ان السجود الواجب لا يكفى فيه مماسة الجبهة الارض بل لا بد فيه من اعتمادها عليها ليصح معه صدق وضع الجبهة على الارض ومن الواضح ان الاعتماد على الارض المغصوبة تصرف فيها فيتحد المأمور به والمنهى عنه وجودا وعليه فالقول بالامتناع لا يتوقف على كون الهوى والنهوض من اجزاء الصلاة بل لا بد منه ولو بنينا على كونهما مقدمة للركوع أو السجود أو القيام فتحصل مما ذكرناه ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في بيان ضابط كون التركيب اتحاديا وكونه انضماميا لا اساس له وانما المتبع في كل مورد هي ملاحظة حال ذلك المورد بخصوصه فان كان التركيب بين المأمور به والمنهى عنه فيه انضماميا فلابد من القول بالجواز والا فلابد من القول بالامتناع. 1 - لا يخفى وضوح ان الحركة الصادرة من المصلى في الدار المغصوبة حركة واحدة واقعة في الاين وان تلك الحركة الواحدة ينطبق عليها عنوان الغصب لكونها تصرفا في ملك الغير بغير اذنه فلو كانت الحركة من اجزاء الصلاة كما انها كذلك بناء على كون الهوى والنهوض من اجزاء الصلاة لا من مقدماتها لما كان مناص عن القول باتحاد الصلاة والغصب خارجا وقد عرفت آنفا ان الغصب بنفسه ليس من المقولات الحقيقية ليستلزم اتحاده - (*)

[ 341 ]

للحركة الموجودة في ضمن الغصب لفرض انهما من مقولتين متباينتين ففرض كون الحركة الواحدة مصداقا للصلوة والغصب معا يستلزم اتحاد مقولتين متباينتين في الوجود وهو مستحيل وتوهم ان الحركة الخارجية المحققة لعنوان الغصب معروضة للصلوة فلا يترتب على وحدتها اتحاد المقولات مدفوع اولا بان الحركة بما انها عرض قائم بغيره يستحيل كونها معروضة لعرض آخر لامتناع قيام العرض بمثله وثانيا ان اجتماع الغصب والصلاة في مورد واحد لا يتوقف على فرض حركة المصلى بل يمكن فرضه حال سكونه ايضا ومن ذلك يظهر ان محقق الغصب انما هو نفس هيئة الكون في المكان التي هي عبارة عن مقولة الاين واما الصلوة فهى من مقولة اخرى وعليه يكون التركيب بينهما تركيبا انضماميا نظير التركيب الانضمامى بين الهيولى والصورة نعم التركيب الانضمامى في المقام يغاير التركيب الانضمامى بين الهيولى والصورة من جهة ان الهيولى بالاضافة إلى الصورة جهة القوة كما ان الصورة بالاضافة إلى الهيولى جهة الفعلية وهذا بخلاف المقام فان كلا من العرضين اجنبي عن الاخر وفعليته بنفسه فنسبة كل منهما إلى الاخر نسبة التشخص إلى المتشخص فكما ان الصلاة قد تتشخص بوقوعها في غير الدار الغصبية كذلك تتشخص بوقوعها فيها وهكذا الغصب قد يتشخص بغير الصلاة وقد يتشخص بها المقدمة السادسة قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه أن محل الكلام في المقام هو ما إذا كان ما تعلق به الامر والنهى طبيعتين متغايرتين بينهما عموم وخصوص من وجه وصدر بانفسهما من المكلف في الخارج بايجاد واحد ليصح النزاع في كون الجهتين تعليليتين أو تقييديتين فيخرج عن محل الكلام ما إذا كانت النسبة بينهما عموما وخصوصا مطلقا كما إذا امر بالصلوة ونهى عن الصلوة في الدار المغصوبة (وجه الخروج) ان المفهوم


- مع الصلاة اتحاد المقولات بعضها مع بعض كما ذهب إليه شيخنا الاستاد قدس سره ومن الغريب في المقام ما افاده (قده) من صدور حركتين من المصلى المزبور في الخارج و كون احديهما غصبا والاخرى صلاة لانه مع وضوح بطلانه في نفسه لبداهة عدم صدور حركتين من المصلى في آن واحد يرد عليه ان كلا من الحركتين بما انها واقعة في الدار المغصوبة تكون غصبا لانها تصرف في مال الغير بغير إذ نه فكيف يعقل ان تكون احديهما غصبا والاخرى لا تكون كذلك مع انهما مشتركتان في ملاك الغصب ومما ذكرناه يظهر مواقع النظر في بقية ما افاده قدس سره في المقام فلا حاجة إلى اطالة الكلام. (*)

[ 342 ]

العام وان كان يغاير المفهوم الخاص بالعموم والخصوص بلحاظ مقام التصور والادراك إلا أنه متحد معه في الخارج ووجود الخاص في الخارج بعينه هو وجود العام فما هو مصداق المنهى عنه هو بنفسه مصداق المأمور به فليس هناك جهة ينطبق المأمور به على الموجود الخارجي باعتبارها وجهة اخرى ينطبق المنهى عنه عليه باعتبارها ليصح تعلق الامر باحديهما والنهى بالاخرى وحينئذ يدخل الدليلان في باب التعارض فلا بد من اعمال قواعده من تحكيم دليل الخاص على دليل العام وتخصيص العام به (وكذلك) يخرج عن محل الكلام ما إذا كانت نسبة العموم والخصوص من وجه بين موضوعي الحكمين دون نفس متعلقيهما كما في قضيتي اكرام العالم ولا تكرم الفاسق أو أكرم العلماء ولا تكرم الفساق فان كلا من العنوانين الاشتقاقيين بما انه مأخوذ لا بشرط والتركيب بينهما اتحادى كما عرفت تكون ذات واحدة و هوية واحدة مجمعا للعنوانين والتعدد انما هو في نفس المبدئين اللذين لا يصح تعلق التكليف بانفسهما وانما هما جهتان تعليليتان لانطباق العنوانين على معنونهما فيستحيل تعلق الوجوب والحرمة باكرام ذات الوحدة فيقع التعارض بين الدليلين لا محالة ولابد من اعمال قواعده (ومنه يظهر) خروج مثل اشرب الماء ولا تغصب عن محل الكلام فيما إذا كان الماء بنفسه مغصوبا فانه حينئذ يكون كل تصرف متعلق به غصبا فيقع الشرب (1) مصداقا للغصب فيستحيل كو نه مأمورا به إذ المفروض انه ليس هناك غير الجهة المنهى عنها جهة اخرى منضمة إليها قابلة لتعلق الامر بها بل الغصب و الشرب يتحدان في الخارج والتركيب بينهما اتحادى (نعم) لو كانت حرمة الشرب


1 - ما افاده قدس الله نفسه من كون الشرب مصداقا للغصب في المثال وان كان متينا جدا فلا يعقل تعلق الامر به بعد كونه منهيا عنه إلا أنه يناقض ما افاده قدس سره فيما تقدم من استحالة اتحاد المبادى بعضها مع بعض بدعوى انه يستلزم اتحاد مقولتين متباينتين ضرورة انه لا فرق بين الصلاة والشرب من هذه الجهة اصلا فإذا امتنع اتحاد الصلوة مع الغصب بدعوى ان لكل منهما ماهية محفوظة في مورد الافتراق والاجتماع فيستحيل اتحاد هما امتنع اتحاد الشرب والغصب ايضا (ثم لا يخفى) عليك انه بناء على خروج اجتماع الشرب والغصب في المثال عن محل الكلام كما هو الصحيح لابد ايضا من خروج الوضوء بالماء المغصوب عن محل الكلام فيتقيد الامر بالوضوء بغير الماء المغصوب واقعا وعليه يترتب انه لا بد من الالتزام بفساد الوضوء بالماء المغصوب ولو كان ذلك حال - (*)

[ 343 ]

ناشئة من جهة اخرى غيرناحية التصرف فيه كما إذا وقع الشرب في الدار المغصوبة لتحققت هناك جهتان انضماميتان احديهما شرب الماء والاخرى كونه في الدار المغصوبة فيكون الشرب فيها داخلا في محل الكلام ايضا (وكذلك) يخرج عن محل الكلام ما إذا كانت نسبة العموم والخصوص من جه بين فعلين توليديين كما في اكرام العالم والفاسق المتحقق بفعل واحد فيما إذا كان الاول مأمورا به والثاني منهيا عنه فإذا أكرم زيدا العالم وعمرا الفاسق بقيام واحد فذلك القيام لا يكون مصداقا للمأمور به والمنهى عنه معا وذلك لما عرفت مرارا من ان الفعل التوليدى متحد مع ما يتولد منه في الخارج وعنوان له وكل حكم يتعلق به يتعلق بما يتولد منه قهرا ولذا بنينا على خروج المقدمات السببية بهذا المعنى عن محل الكلام في بحث وجوب المقدمة وقلنا ان الوجوب المتعلق بذى المقدمة يتعلق بنفسه بالمقدمات السببية حقيقة فيكون واجبة بنفس وجو به لا بوجوب اخر غيرى مترشح منه وعليه فالقيام في مفروض المثال بما انه موجود واحد وليس له الاهوية واحدة يمتنع اجتماع الوجوب والحرمة فيه لحيثيتين تعليليتين فيدخل الدليلان بذلك في باب التعارض فلا بد من اعمال قواعده ورفع اليد عن احد هما تعيينا أو تخييرا المقدمة السابعة في بيان ان القول في الجواز في هذا البحث يتوقف على القول يتعلق الاوامر بالطبايع كما ان القول بالامتناع يتوقف على القول بتعلقها بالافراد (توضيح ذلك) ان النزاع في تلك المسألة ان كان مبتنيا على النزاع في ان الموجود في الخارج هل هو نفس الطبيعي أو افراده فعلى الاول تتعلق الاحكام بالطبايع وعلى الثاني بالافراد كان ذلك البحث اجنبيا عما نحن فيه بالكليه بداهة انه إذا بنينا على ان الحيثيتين في


- الجهل بالغصب إذ التخصيص حينئذ واقعى والجهل بالغصب لا يوجب كون المنهى عنه في الواقع مأمورا به بسبب الجهل بالنهي وسيأتى ان تصحيح العبادة باتيان المجمع حال الجهل يختص بما إذا كان المورد من موارد اجتماع الامر والنهى ولا يعم موارد النهى عن العبادة وعليه فحكم شيخنا الاستاد قدس سره بصحة الوضوء المزبور ناشئ من الغفلة عما افاده في المقام أو انه استند فيه إلى دعوى بعضهم الاجماع على صحته. 1 - سيجيئ انه على القول بالجواز وتعدد متعلقي الامر والنهى وجودا في الخارج لابد من تعدد الايجاد ايضا لاستحالة صدورا لوجودين بايجاد واحد لما تحقق من ان الوجود والايجاد متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فلا يعقل وحدة احدهما وتعدد الاخر. (*)

[ 344 ]

محل الكلام تقييديتان والتركيب بينهما انضمامي فعلى القول بتعلق الاحكام بالطبايع يكون الكليان الموجودان في الخارج منضمين احدهما إلى الاخر كما انه على القول بتعلق الاحكام بالافراد يكون الفردان الموجودان اللذان ينتزع عنهما الكليان منضمين احدهما إلى الاخر كما انه إذا بنينا على ان الحيثيتين تعليليتان وان التركيب اتحادى كان الموجود الخارجي الذي له هوية واحدة كليا واحدا معنونا بعنوانين على القول بتعلق الاحكام بالطبايع وفردا واحدا كذلك على القول بتعلقها بالافراد فلا يكون لذلك المبحث مساس بمحثتا اصلا واما إذا كان النزاع هناك بمعنى الامر المتعلق بالطبيعة هل يتعلق بمشخصاتها الخارجية ايضا أو انها من لوازم الوجود وخارجة عن حيز الامر فالنزاع في المقام يبتنى على النزاع في تلك المسألة لا محالة (بيان ذلك) ان المدعى لتعلق الامر بالمشخصات ان اراد تعلقه بها كتعلقه بالاجزاء والشرايط وبما انها ملحوظة للامر استقلالا فمن الواضح بطلان هذه الدعوى ضرورة ان المشخصات بعد عدم كونها دخيلة في عرض الآمر كما هو المفروض كيف يعقل تعلق الارادة بها ويصح طلبها مع انه بلا موجب هذا مضافا إلى ان طلبها مع انها لابد من تحققها في الخارج عند تحقق الطبيعة المأمور بها يكون من اللغو الواضح ولا يفرق في ذلك بين تعلق الامر بكلى التشخص ليكون التخيير بين افراده عقليا وتعلقه باحد افراده لا بعينه ليكون التخيير بينهما شرعيا مع ان ضم كل التشخص إلى الطبيعي المأمور به لا يجعله متشخصا ليكون المأمور به هو الفرد فيلغو اعتباره في المأمور به من هذه الجهة ايضا وان اراد تعلق الامر بالمشخصات بما انها ملحوظة تبعا ومتعلقة للارادة قهرا بتبع الارادة المتعلقة بالطبيعي لاستحالة انفكاكه عنها في الخارج فالنزاع في ثبوت ذلك وعد مه نزاع معقول وان كان الصحيح كما عرفت ذلك في محله هو عدم تعلق الامر بالمشخصات ولو تبعا وان كانت لا بد من وجودها حين وجود الطبيعي المتشخص بها كما هو الحال في المشخصات عند تعلق الارادة التكوينية بصرف الطبيعة غير الملحوظ معها شيئ من مشخصاتها ولا يقاس التشخصات بالمقدمات الوجودية الواجبة من قبل وجوب الواجب المتوقف عليها بداهة ثبوت ملاك الوجوب التبعى في المقدمات دون المشخصات فان

[ 345 ]

الواجب النفسي المتوقف على المقدمة لا يكون مقدورا الا بايجاد مقدمته فلا بد من تعلق الارادة بها (1) ايضا سواء في ذلك الارادة التكوينية والتشريعة وهذا بخلاف المقام فان المشخصات لا دخل لها في القدرة على الطبيعة المأمور بها وليس فيها ملاك آخر يقتضى ارادتها وطلبها غاية الامر ان وجود المأمور به لا ينفك عنها خارجا وكيف كان فانا إذا بنينا على تعلق الامر بالمشخصات سواء كان الامر بها استقلاليا أم تبعيا و كانت نسبة كل من المأمور به والمنهى عنه إلى الاخر نسبة المشخصات فلا محالة يكون كل منهما محكوما بحكم الاخر فيلزم منه اجتماع الحكمين المتضادين في موضوع واحد فلا بد من رفع اليد عن احد هما باعمال قواعد التعارض في دليليهما واما إذا بنينا على خروج المشخصات عن حيز الطلب فلا يسرى الامر إلى متعلق النهى ولا النهى إلى متعلق الامر فيكون القول بالجواز والامتناع مبنيا على القول بتعلق الاوامر بالطبايع أو الافراد بالضرورة (واما توهم) ابتناء النزاع في المقام على النزاع في مسألة اصالة الوجود أو المهية كما عن صاحب الفصول (قده) فهو في غير محله بداهة أن القائل بكون التركيب انضماميا وكون الحيثية تقييدية يرى ان الموجود في الخارج هويتان انضمت احديهما إلى الاخرى سواء انطبق عليهما مفهوم الوجود بالذات والمهية بالعرض ام كان انطباق مفهوم الوجود ونفس الماهية عليهما بعكس ذلك كما أن القائل يكون التركيب اتحاديا وكون الحيثية تعليلية يرى ان الموجود في الخارج هوية واحدة سواء كانت تلك الهوية مطابق مفهوم الوجود بالذات ومطابق نفس الماهية بالعرض ام كانت بعكس ذلك فلا يكون للنزاع في اصالة الوجود والماهية اثر فيما نحن فيه اصلا المقدمة الثامنة في بيان ان النزاع في المقام كما يجرى على القول بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد يجرى على القول بعدم تبعيتها لها كما ذهب إليه الاشعري ضرورة ان استحالة اجتماع حكمين في فعل واحد الناشئة من تضاد الاحكام لا يختلف فيها


1 - قد عرفت في محله ان القدرة على ذى المقدمة لا تتوقف على ايجاد مقدمته بل تتوقف على القدرة على مقدمته وانه لا موجب لاتصاف المقد مة بالوجوب المقدمى اصلا نعم ما افاده قدس سره من عدم استلزام القول بوجوب المقدمة للقول بوجوب المشخصات متين جدا ولا سيما إذا اريد من من المشخص ما هو مقارن للواجب اتفاقا وموجود آخر منضم إليه كما هو الحال في الغصب والصلاة. (*)

[ 346 ]

انظار العقلاء والاشعرى وغيره فيه شرع سواء فمن يرى ان الحيثيتين في مورد الاجتماع تعليليتان وان التركيب اتحادى ذهب إلى امتناع الاجتماع ولو لم يلتزم بكون الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد كما ان من يرى ان الحيثيتين تقييديتان وان التركيب انضمامي ذهب إلى جواز الاجتماع ولو كان ممن يلتزم بالتبعية المزبورة فالنزاع في تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد لا اثر له في المقام اصلا وعليه فما ذكره المحقق صاحب الكفايه (قده) من ابتناء النزاع في المقام على كون المجمع واجدا لملاك الامر والنهى في غير محله (ثم) ان المحقق المزبور ذكر في الامر الثامن والتاسع من الامور التى قدمها على بيان مختاره في بحث اجتماع الامر والنهى ان دليلى الحكمين في مورد الاجتماع قد يد لان على الحكم الفعلى وقد يد لان على الحكم الاقتضائى وذكر ايضا انه إذا كان مدلول الدليلين هو الحكم الاقتضائى فلا تعارض بينهما في مورد الاجتماع إلا إذا علم من الخارج بكذب احد هما ولا يخفى ما في كلا الامرين المذكورين في كلامه اما الاول فلما عرفته في بعض المباحث السابقة من ان الحكم قبل وجود موضوعه خارجا يكون انشائيا ثابتا لموضوعه المقدر وجوده وبعد وجود موضوعه يستحيل ان لا يكون فعليا فكون الحكم في محل الاجتماع فعليا مرة واقتضائيا مرة اخرى غير معقول واما الثاني فلما سيجئ (1) في محله انشاء الله تعالى من أن العلم الاجمالي بكذب احد الدليلين لا يجعلهما من المتعارضين بل يكون العلم بذلك موجبا لاشتباه الحجة باللاحجة (وبالجملة) ما ذكره (قده) في الامر الثامن والتاسع من مبحث الاجتماع الامر والنهى مما لا محصل له المقدمة التاسعة ان محل الكلام في المقام هو ما إذا كان من متعلق الامر والنهى من الافعال الاختيارية وكان بينهما تركيب في الجملة وهذا انما يتحقق في ثلثة موارد (الاول)


1 - وستعرف في محله ان تعارض الدليلين الموجب لرفع اليد عن احد هما تعيينا أو تخييرا قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض والعلم الاجمالي بكذب احدهما يوجب تحقق التعارض بينهما بالعرض ضرورة ان كلا منهما حينئذ يكون بمدلوله الالتزامى منافيا للاخر ولا فرق في تنافى الدليلين بين تنافيهما في مدلوليهما المطابقين وتنافيهما باعتبار المد لول الالتزامى في أحدها والمدلول المطابقى في الاخر واما اشتباه الحجة باللاحجة فهو انما يكون فيما كان احد الدليلين بخصوصه حجة والاخر غير حجة ثم اشتبه احدهما بالاخر في الخارج ومن الواضح ان محل الكلام اجنبي عن ذلك رأسا. (*)

[ 347 ]

فيما إذا كان من الفعلين مقولة في قبال الآخر كما في القيام في الدار المغصوبة فان القيام فرد من أفراد مقولة الوضع واما الهيئة الحاصلة لشخص القائم من كونه في الدار المغصوبة فهى من مقولة الاين وهما مقولتان يغاير كل منهما الاخر في الخارج وقد ذكرنا في بحث المعاني الحرفية ان الاين يضاف إلى جوهر فيقال زيد في الدار فيكون من المقولات الخارجية ويكون الظرف حينئذ مستقرا واخرى يضاف إلى العرض القائم به فيقال قام زيد في الدار فيكون متمما للمقولة ويكون الظرف لغوا (الثاني) فيما إذا كان متعلق الامر مثلا فردا من المقولات ومتعلق النهى متمما للمقولة ونعنى بمتمم المقولة ما يمتنع عروضه الجوهر بلا وساطة عرض من أعراضه كالشدة والضعف والابتداء والانتهاء مثلا وهذا ينقسم إلى قسمين فان متمم المقولة تارة يكون منوعا لها ويجعلها ذات مراتب من دون ان يكون موجودا آخر في قبالها كالشدة والضعف والسرعة والبطوء فان الشدة في البياض والسرعة في الحركة مثلا انما تنتزعان من مرتبة خاصة من البياض والحركة وما به الاشتراك في مراتب شيئ واحد عين ما به الامتياز فيها فلا البياض الشديد ولا الحركة السريعة يزيدان على حقيقة البياض والحركة بشيئ ولا البياض الضعيف ولا الحركة البطيئة يفقدان من حقيقة البياض أو الحركة شيئا فالشدة والضعف أو السرعة والبطوء موجودان بنفس وجود البياض والحركة لا بوجود آخر ومثل هذا القسم خارج عن محل الكلام في مبحث اجتماع الامر والنهى واخرى لا يكون كذلك بل يكون امرا انتزاعيا من اضافة مقولة إلى شيئ كالابتداء والانتهاء فان السير الخارجي الذي هو فرد لمقولة حقيقية ينتزع منه الابتداء بالاضافة إلى البصرة مثلا فالابتداء موجود خارجي متمم لمقولة السير باعتبار صدوره من البصرة (ومثل) هذا القسم داخل في محل الكلام نظير ما إذا توضأ من الانية المغصوبة أو آنية الذهب أو الفضة فان الوضوء باعتبار نفسه الذي هو فرد من افراد المقولة مأمور به وباعتبار اضافته إلى الاناء الذي يحرم التصرف فيه منهى عنه وليس نفس استعمال الاناء داخلا في احدى المقولات التسع العرضية بل هو متمم لمقولة من المقولات دائما كالاكل والشرب والوضوء وامثال ذلك فمن يقول بجواز الاجتماع يقول به في المقام (1) ايضا والا فلا (الثالث) فيما إذا كان المأمور به سببا توليديا وكان المنهى


1 - قد ظهر مما تقدم ان القول بجواز اجتماع الامر والنهى يتوقف على اثبات تعدد وجود المأمور به والمنهى عنه خارجا ليكون التركيب بينهما انضماميا وعليه فبما ان - (*)

[ 348 ]

عنه مسببا توليديا عنه أو بالعكس أو كان أحد المسببين محكوما بالوجوب والاخر بالحرمة وهذا فيما إذا كانت السببية المزبورة دائمية خارج عن محل الكلام قطعا واما إذا لم تكن دائمية بل كانت بنحو الاتفاق وكانت النسبة بين المأمور به والمنهى عنه عموما وخصوصا من وجه كما هو المفروض فلا مناص من فرض شيئ آخر يضم إلى ذات السبب ليكون به سببا تاما ضرورة انه يستحيل ان يكون السبب تاما في نفسه ومع ذلك تكون السببية اتفاقية وحينئذ فلذلك الشيئ المتمم للسبب اما أن يكون اضافة القصد إلى الفعل أو اضافة شيئ آخر إليه فهنا قسمان (اما القسم الاول) وهو ما إذا كان تتميم السبب باضافة القصد إلى الفعل كما إذا امر المكلف بالقيام ونهى عن اكرام عمر وفقام قاصدا به اكرامه وكما إذا امر باكرام زيد ونهى عن اكرام عمرو فقام قاصدا به اكرامهما فهو خارج عن محل النزاع في المقام لان القصد بنفسه بما انه لم يتعلق به التكليف بل تعلق بالفعل المقصود به الاكرام مثلا كما انه لا يوجب انضمام حيثية اخرى إلى القيام في الخارج يكون التركيب في امثال المورد اتحاديا والحيثية تعليلية فلا محالة يكون القيام بنفسه في المثال محكوما بالوجوب لذاته أو لانطباق عنوان اكرام زيد عليه ومحكوما بالحرمة لانطباق عنوان اكرام عمرو عليه فتكون الجهتان تعليلتين فيدخل الدليلان بذلك في باب التعارض (واما القسم الثاني) اعني به ما إذا كان تتميم السبب باضافة شيئ آخر إلى الفعل فهو داخل في محل الكلام سواء في ذلك تعلق الامر بالسبب والنهى بالمسبب وعكسه وان يكون هناك مسببان توليدان من فعل واحد بضم اضافتين وجوديتين إليه وقد تعلق الامر باحدهما والنهى بالاخر والقائل بجواز الاجتماع يرى ان ذات السبب محكوم بحكم والحيثية المنضمة إليه محكومة بحكم آخر اوان احدى الحيثيتين المنضمتين إلى ذات السبب متعلق للامر والحيثية المنضمة إليه متعلق للنهى كما هو الحال في غير الافعال التوليدية بعينه هذا ولكن التحقيق ان هذا القسم ير جع إلى احد القسمين السابقين فان الخصوصية المنضمة إلى الفعل اما أن تكون بنفسها من المقولات أو تكون متممة لمقولة فلا يكون هذا القسم قسما برأسه بل هو داخل في


- التصرف في الانيه المغصوبة أو المتخذة من الذهب أو الفضة لا وجود له الا بوجود فعل من الافعال كالاكل والشرب والوضوء ونحوها يكون النهى عنه نهيا عن الفعل المحقق له فالتركيب بينهما يكون اتحاديا فلا يمكن القول فيه بالجواز. (*)

[ 349 ]

احد القسمين السابقين فتد بر إذا عرفت ذلك فلا بد لتحقيق المقام من ذكراد لة القول بالجواز والامتناع وتعقيب ذلك بما هو المختار فنقول قد استدل القائل بالجواز بأمور الاول ما عن المحقق القمى (قده) وحاصله ان الفرد مقدمة لوجود الطبيعي وعليه فان لم نقل بوجوب المقدمة كما هو الحق كان معروض الحرمة وهو المقد مة مغايرا لمعروض الوجوب وهو الواجب المتوقف عليها فلا يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في شيئ واحد واما إذا بنينا على وجوب المقد مة فاجتماع الوجوب والحرمة في المقدمة وان كان متحققا إلا أنه لا بأس به لان احدهما نفسي والاخر غيرى (ويرد عليه) انه ان اريد من كون الفرد مقدمة لوجود الطبيعي انه مقد مة له مطلقا سواء كان الطبيعي متعلقا للامر ام كان متعلقا للنهى ففيه مضافا إلى أن المحقق المزبور (قده) لا يلتزم بذلك و لذلك حكم بحرمة الفرد الخارجي نفسيا في محل الكلام انه لا يعقل كون الفرد مقدمة لوجود الطبيعي مطلقا إذ الفرد متحد مع الكلى المنطبق عليه في الخارج فكيف يعقل كونه مقد مة لوجوده وان اريد به كون الفرد مقدمة لتحقق المأمور به دون المنهى عنه بدعوى ان التكليف في طرف النهى بما انه انحلالي يكون كل واحد من افراد الطبيعة المنهى عنها مبغوضا ومنهيا عنه لا محالة وهذا بخلاف الامر فان متعلقه كما عرفت انما هو صرف الوجود فلا يكون الفرد بنفسه متعلقا له وانما هو مقدمة ومحصل لوجود المأمور به في الخارج فيرد عليه ان اعتبار الطبيعة على نحو صرف الوجود كما في طرف الامر انما يمتاز عن اعتبارها عن نحو مطلق الوجود كما في طرف النهى بان الاعتبار الثاني يستلزم انحلال الحكم بتعدد افراد الطبيعة في الخارج فيمكن ان يفرض لها فردان عرضيان أو طوليان ويكون كل منهما محكوما بحكم مستقل مغاير لحكم الاخر وهذا بخلاف الاعتبار الاول فان لازمه عدم كون الحكم انحلاليا وان لا يمكن وجود فردين له في الخارج عرضيين أو طوليين واما كون الفرد مقدمة لوجود الطبيعي فهو مستحيل في كلا الموردين بداهة ان اول وجود الطبيعة هو نفس صرف الوجود لا انه غيره ليكون مقدمة له هذا كله إذا أريد من كون الفرد مقدمة للطبيعي ما هو معناها الحقيقي واما إذا أريد به ان الكلى غير موجود في الخارج وانما هو عنوان انتزاعي لافراده فيرد عليه مضافا إلى أن الصحيح هو كون الكلى موجودا

[ 350 ]

في الخارج كما هو مذهب المحقق المزبور (قده) ان ذلك يستلزم اجتماع الوجوب والحرمة في الفرد الذي هو مجمع للعنوانين فلا يترتب على كون الفرد مقد مة للطبيعي اثر في محل الكلام اصلا (ثم ان) ما اختاره (قده) من عدم وجوب المقدمة قد عرفت ما فيه في بحث وجوب المقدمة من ان الصحيح هو القول بوجو بها (واما) ما ذكره (قده) من جواز اجتماع الوجوب الغيرى مع الحرمة النفسية (فيرد عليه) ان امتناع اجتماع الحكمين المتضادين لا يختص بالتكليفين النفسيين لان المعاندة والمنافرة بينهما نعم جميع اقسام الحكم نفسيها وغيريها نعم يمكن فرض المقدمة واجبة فعلا مع كونها حراما بنحو الترتب (1) كما مر بيان ذلك لكنه اجنبي عما نحن فيه الثاني ان الاجتماع لو كان آمريا ومن قبل المولى لكان ذلك مستحيلا لكنه في المقام ليس كذلك بداهة انه مأموري ومن قبل نفس المكلف بسوء اختياره فلا يكون هناك مانع عن الاجتماع وفيه أن الاجتماع في مقام الامتثال وان كان مأموريا ولا بد من ان يكون كذلك إذا لجمع بين المأمور به والمنهى عنه انما يحصل بفعل المكلف لا بفعل الامر الا ان الاجتماع في مقام الخطاب آمرى لان المفروض ان كلا من الخطابين لاطلاق متعلقه يعم المجمع فيقع بينهما التناقى لا محالة ضرورة انه لو لم يكن مثل هذا الاجتماع موجبا للتنافى بين الحكمين لما تحقق التعارض بين دليلى وجوب اكرام العالم وحرمة اكرام الفاسق مثلا مع انه لا اشكال في تعارضهما بالعموم من وجه الثالث أن الاحكام من قبيل الاعراض الذهنية ومعروضاتها انما هي المفاهيم الذهنية لا الموجودات الخارجية ولا اشكال في مغايرة كل من متعلقي الامر والنهى في هذا المقام ولا ينافيها اتحادهما بحسب الخارج عن هذا المقام اتفاقا وفيه ما عرفت سابقا من استحالة كون متعلق الاحكام هي المفاهيم الذهنية بل متعلقها ذات المفاهيم باعتبار فنائها في معنو ناتها وعليه فلا محالة يقع التنافى بين حكمين المفهومين الفانتيين في معنون واحد ولو لا ذلك لما وقع التنافى بين الدليلين فيما كانت النسبة بينهما عموما من وجه كما في المثال المتقدم مع انه لاشكال في تنافيهما كما عرفت (الرابع) ما استند إليه بعض من قال بجواز الاجتماع وملخصه انه ذكر أو لا انه لا اشكال في ان الموضوع والمحمول


1 - وقد مر انه لا يمكن الالتزام بالترتب في امثال ذلك فراجع (*)

[ 351 ]

في القضايا الحمليه لا بد من أن يكون لهما جهة وحدة وجهة تغاير وهاتان الجهتان في غير القضايا الذاتية متحققتان بلا عناية واما القضايا الذاتية كزيد انسان فلا بد فيها من ان يفرض الموضوع منخلعا عنه المحمول بان يلا حظ في طرفه الجسمية مثلا ليحصل التغاير بينهما من جهة ويحكم باتحاد هما بلحاظ الخارج ثم ذكر بعد ذلك ان الاحكام لو كانت متعلقة بالطبايع باعتبار نتيجة الحمل وهي لحاظ الاتحاد في الوجود الخارجي لامتنع اجتماع الامر والنهى في مورد واحد واما إذا كانت متعلقة بها باعتبار المغايرة الموجب لامتياز الموضوع عن المحمول جاز اجتما عهما في مورد واحد لتغاير الطبيعتين اللتين تعلق الامر باحدهما والنهى بالاخرى ثم قال الظاهر ان تعلق الاحكام بالطبايع انما هو بالاعتبار الثاني دون الاول وذلك لوجود التكليف في ظرف العصيان مع انه لا وجود لمتعلق التكليف في هذا الظرف خارجا ليتحد به (وانت خبير) بعد م ارتباط القول بالجواز أو الامتناع بصحة هذه المقدمة أو فسادها فان لحاظ التغاير والاتحاد في القضية الحملية انما يكون بلحاظ الموضوع منخلعا عنه المحمول تارة لتحقق المغايرة بينه وبين المحمول وبلحاظه متحدا معه في الخارج اخرى ليصح الحمل بينهما واما المحمول فلا يجرى فيه هذان اللحاظان بل هو قبل الحمل وبعده هو الطبيعي السارى إلى افراده وبعبارة أخرى الاتحاد بين الموضوع والمحمول في القضايا الذاتية ذاتي لكن الحمل بما انه يحتاج إلى جهة التغاير لابد من اعمال العناية في طرف الموضوع بلحاظه مجردا عن محموله واما المحمول فلا يحتاج إلى اعمال العناية في طرفه اصلا واذ قد عرفت ان متعلقات الاحكام هي الطبايع الفانية في افرادها ولا يختلف حالها باعتبار صدقها على افرادها قبل الحمل وبعده وانما الاختلاف في الافراد الخارجية المحمولة عليها تلك الطبايع تعرف ان الترديد المزبور في كيفية تعلق الاحكام بالطبايع وان تعلقها بها هل هو باعتبار نتيجة الحمل أو باعتبار المغايرة باطل من اصله بل الصحيح كما عرفت ان القول بالجواز والامتناع يبتنيان على كون التركيب بين المتعلقين انضماميا والجهة تقييدية وكون اتحاديا والجهة تعليلية (الخامس) ان الاحكام انما تتعلق بالطبايع بلحاظ عدم تحصلها في الخارج ومن الظاهر انها في هذا المقام متغايرة فيجوز تعلق الامر بواحده منها والنهى بالاخرى و لا ينافى ذلك كون النسبة بينهما عموما وخصوصا من وجه واتحادهما في الخارج احيانا فان

[ 352 ]

الاتحاد في غير مقام تعلق الاحكام بالطبايع لا ينافى التغاير في مقام تعلقها بها اصلا (وفيه) انه ان اريد من تعلق التكليف بطبيعة ما بلحاظ عدم تحصلها في الخارج تعليق التكليف بالماهية الملحوظ فيها عدم التحصل التى لا موطن لها الا الذهن ويستحيل اتحادها مع الموجود الخارجي فيرد عليه ان الماهية المقيدة بما لا موطن له الا الذهن يستحيل تعلق التكليف بها خارجا وان اريد بذلك ان متعلق الامر هي الماهية التي لم يلحظ فيها التحصل كما ان متعلق النهى ايضا كذلك غاية الامران تعلق الامر بها يقتضى طلب تحصلها وتعلق النهى بها يقتضى طلب عدم تحصلها فالفرق بينهما انما هو من ناحية الهيئة والا فالمتعلق فيها واحد فهو وان كان صحيحا في نفسه الا أنه اجنبي عن المقام فان القول بالجواز لا يبتنى على ذلك بل على أن الطبيعتين اللتين احداهما متعلقة للامر والاخرى متعلقة للنهى هل هما متحصلتان في الخارج بتحصل واحد والتركيب بينهما اتحادى ليمتنع الاجتماع أو هما متحصلتان بتحصلين والتركيب انضمامي ليجوز الاجتماع. واستدل المانعون بوجوه عديدة لا يهمنا التعرض الا لوجه واحد هو احسنها وامتنها وهو الذي استدل به المحقق الخراساني (قده) على الامتناع وجعله مركبا من اربع مقدمات (الاولى) في بيان تضاد الاحكام باسرها (الثانية) في بيان ان متعلقات الاحكام ليست هي المفاهيم بانفسها بل بما هي فانية في معنوناتها (الثالثة) في بيان ان الموجود الواحد يمكن ان تنطبق عليه مفاهيم متعددة متغايرة (الرابعة) في بيان ان الموجود الواحد لا يمكن ان يكون له الا ماهية واحدة ثم رتب على جميع ذلك ان المجمع بما انه واحد وجودا وماهية يستحيل اجتماع الامر والنهى فيه ولا يكون تعدد العنوان والوجه موجبا لتعدده وهذا الاستدلال وان كانت صحة اكثر مقدماته بديهية الا أن المقدمة الثالثة منها غير صحيحة وذلك لما ذكرناه سابقا من انه يستحيل انتزاع مفهومين بينهما عموم من وجه من موجود واحد بجهة واحدة بل لابد من أن يكون ذلك بجهتين (1)


1 - قد ظهر مما ذكرناه ان امتناع صدق العامين من وجه على شيئ واحد من جهة واحدة ولزوم كونه من جهتين لا ينافى كون المصدوق الخارجي واحدا وجودا و ذلك لما تبين من ان نسبة العموم من وجه لا تتحقق الا بين عنوانين عرضيين أو بين عنوان ذاتي وعرضى ومن الضرورى انه يمكن صدق عنوانين عرضيين على شيئ واحد كما يمكن صدق العنوان العرضى على ما يصدق عليه العنوان الذاتي فمجرد تعدد العنوان لا يجدى - (*)

[ 353 ]

وقد تقدم ان قياس المقام بصدق المفاهيم المتعددة على الباري جل وعلا قياس في غير محله وعليه فالقول بالامتناع يبتنى على كون الجهتين اللتين لا بد منهما في صدق المفهومين على المجمع تعليليتين ليكون التركيب اتحاديا فيستحيل الاجتماع كما ان القول بالجواز يبتنى على كون الجهتين تقييديتين والتركيب انضماميا فانه على ذلك لا يلزم محذور اجتماع الضدين في شيئ واحد فعمدة ما يترتب عليه الجواز والامتناع هو ما ذكرناه مع ان المحقق المذكور (قده) لم يتعرض له نفيا واثباتا في كلامه اصلا (إذا تبين ذلك) فنقول ان الاقوال في المسألة ثلاثة ثالثها التفصيل بالقول بالجواز عقلا والامتناع عرفا وهذا القول مما لا محصل له بداهة ان العرف لا سبيل له إلى الحكم بالجواز والامتناع وانما يرجع إليه في تشخيص مفاهيم الالفاظ ومداليلها واما توجيه ذلك بأن العقل يرى المجمع شيئين فيحكم بالجواز بخلاف العرف المبتنى نظره على المسامحة دون الدقة فانه يرى المجمع شيئا واحدا ذا عنوانين فيحكم بالامتناع فهو غير سديد لان نظر العرف لا يكون حجة في التطبيق اصلا فإذا كان مصداقا الصلاة في الخارج مغايرا لمصداق الغصب عقلا لم يكن مناص عن الالتزام بالجواز ولو كان العرف بنظره المسامحى يرى الصلاة مصداقا للغصب وبالعكس (والحق عندنا) هو القول بالجواز لما عرفت من انه لا بد من أن تكون المبادى بعضها بالاضافة إلى بعض مأخوذة بشرط لا وان المبدأ الموجود في المجمع متحد ماهية (1) مع ما هو الموجود في محل الافتراق فالصلاة الموجودة في المجمع لا تنقص عن حقيقة الصلاة بشيئ كما ان الغصب الموجود فيه لا ينقص من حقيقة الغصب بشيئ وقد عرفت استحالة اشتمال هوية واحدة على الصلاة والغصب مثلا باعتبار كون الحركة الواحدة جنسا لهما لما ذكرناه من استحالة


- في جواز اجتماع الامر والنهى بدعوى انه يستلزم كون التركيب انضماميا كما ذهب إليه شيخنا الاستاد قدس سره نعم لا يلزم ان يكون متعلق الامر والنهي في جميع موارد اجتماع الامر والنهى من قبيل العنوانين العرضيين المنطبقين على شيئ واحد أو يكون احدهما من قبيل العناوين الذاتية والاخر عنوانا عرضيا منطبقا عليه فلابد من ملاحظة كل مورد بخصوصه ثم الحكم فيه بجواز الاجتماع أو امتناعه. 1 - قد عرفت ان المبدء إذا كان من العناوين الانتزاعية كما هو الحال في عنوان الغصب امكن انطباقه خارجا على ماهية ما من الماهيات المتأصلة واتحاده معها في الخارج - (*)

[ 354 ]

تفصل الجنس الواحد بفصلين في عرض واحد وان الاعراض بسائط خارجية وما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز فالحركة في ضمن الصلاة متحدة معها كما ان الحركة في ضمن الغصب متحدة معه فلا يعقل اتحادهما في حركة واحدة بعد ثبوت تغايرهما انفسهما وكونهما من مقولتين كما عرفت استحالة كون الحركة الواحدة معروضة للصلاتية والغصبية لما تبين من استحالة قيام العرض بعرض آخر فينتج جميع ذلك كون التركيب في المجمع انضماميا لا اتحاديا وعليه فلا مانع من كون احدهما مأمورا به والاخر منهيا عنه إذ المستحيل انما هو توارد الامر والنهى على محل واحد وبعد اثبات ان التركيب انضمامي يكون متعلق احدهما غير متعلق الاخر لا محالة فيكون احدهما متصفا بالوجوب محضا والاخر متصفا بالحرمة كذلك (غاية الامر) ان كلا من المأمور به والمنهى عنه من مشخصات الاخر وقد تقدم ان مشخصات المطلوب لا تد خل في حيز الطلب اصلا فلا يكون حينئذ تعارض بين دليليهما ويكشف عما ذكرناه من كون التركيب انضماميا (1) ان نسبة المكان المغصوب إلى الفعل الواقع فيه أو الجوهر المكين فيه نسبة واحدة إذ لا فرق بين قولنا زيد في الدار وقولنا صلى في الدار فكما ان كون زيد فيها لا يصحح حمل الغصب عليه كذلك كون الصلاة فيها لا يصحح حمل الغصب عليها فلا محالة يكون التركيب بين الصلاة والغصب في محل الاجتماع انضماميا والحيثية تقييدية ولا يفرق فيما ذكرناه من كون التركيب انضماميا بين القول بان المطلوب في الصلاة هي الهيأت الخاصة من الركوع والسجود والقيام لتكون المقدمات من الهوى و


- من دون ان يستلزم ذلك تفصل الجنس الواحد بفصلين أو اتحاد المقولتين في الخارج أو عروض العرض لعرض آخر وعليه فإذا كان العنوان الانتزاعي متعلقا للنهى مثلا وكان منشأ انتزاعه متعلق الامر لم يكن مناص عن القول بامتناع اجتماع الامر والنهى في مورده نعم إذا كان منشأ العنوان الانتزاعي المتعلق لحكم مغايرا في الوجود لما تعلق به الحكم الاخر أو كان كل من متعلقي الامر والنهى من الماهيات المتأصلة فلا بد من القول بالجواز بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من متعلقه إلى مقارناته الخارجية المعبر عنها بالمشخصات الوجودية على ضرب من المسامحة والتجوز (1) قد عرفت فيما تقدم ان مفهوم الغصب انما ينتزع من التصرف في مال الغير بغير اذنه فلا بد من ان يكون مصداقه الخارجي فعلا من الافعال الخارجية وعليه فلا ملازمة بين - (*)

[ 355 ]

النهوض خارجة عن حيز الطلب والقول بان المطلوب هي الافعال الخاصة اما مطلقا أو بعضها كالركوع والسجود ليكون الهوى اليهما مقوما للمأمور به وذلك لان المأمور به على كلا التقديرين من مقولة الوضع (1) واما الغصب فهو من مقولة الاين ويستحيل اتحاد المقولتين في الخارج فلا مناص عن كون التركيب بينهما في محل الاجتماع انضماميا (وقد تحصل مما ذكرناه) ان تصادق العنوانين على مورد واحد يوجب تحقق التعارض بين دليلى الامر والنهى فيما إذا كانت الجهتان تعليليتين كما إذا أمر المولى باكرام المصلى ونهى عن اكرام الغاصب فلابد حينئذ من الرجوع إلى قواعد التعارض واما إذا كانت الجهتان تقييديتين والتركيب انضماميا فان قلنا بتعلق الامر بالطبايع وخروج المشخصات عن حيز الطلب كما هو الصحيح فلا تعارض بين الدليلين اصلا واما إذا قلنا


- عدم صدق مفهوم الغصب على زيد عند كونه في الدار المغصوبة وعدم صد قه على الصلوة الواقعة فيها وان شئت قلت ان المكان لا يكون ظرفا للجوهر بنفسه وانما يكون ظرفا له باعتبار العرض القائم به المعبر عنه بمقولة الاين فقولنا زيد في الدار عبارة أخرى عن قولنا استقر زيد في الدار فالظرف في الحقيقة ظرف لاستقراره لا لنفسه ومن ثم يسمى هذا الظرف بالظرف المستقر وعليه فيكون مصداق الغصب في الخارج هو الاستقرار المزبور لانه تصرف في مال الغير بغير اذنه (1) قد ظهر مما ذكرناه انه لا يختص صدق مفهوم الغصب بمقولة الابن بل يصدق ذلك على كل ما يكون تصرفا في مال الغير بغير اذنه وعليه فلو قلنا بان مقدمات الركوع أو السجود أو القيام من الهوى أو النهوض انما هي من افعال الصلوة واجزائها للزم القول بعدم جواز اجتماع الامر والنهى فيما إذا وقعت الصلوة في الدار المغصوبة لان ما يكون مصداقا للمأمور به يكون هو بنفسه متعلقا للنهى فيتحد المأمور به والمنهى عنه في الخارج فلابد من الالتزام بعدم الامر أو بعدم النهى بل قد عرفت فيما تقدم ان السجود المعتبر فيه الاعتماد على الارض بما انه بنفسه مصداق لمفهوم الغصب لا يعقل كونه مصداقا للمأمور به فلا بد من القول بالامتناع ولو على القول بخروج المقدمات المزبورة عن حقيقة الصلوة نعم إذا قلنا بذلك وكانت الصلوة الواقعة في الدار المغصوبة غير مشتملة على السجود اتجه القول بجواز الاجتماع لعدم اتحاد المأمور به مع المنهى عنه حينئذ بوجه اصلا فاللازم كما عرفت هي ملاحظة كل مورد بخصوصه ثم الحكم فيه بجواز الاجتماع أو امتناعه (*)

[ 356 ]

بتعلقه بالافراد وسراية الطلب إلى المشخصات فلا بد من القول بالامتناع وبذلك تقع المعارضة بين دليلى الحكمين لا محالة فالميزان في دخول المجمع في محل الكلام انما هو كون الجهتين تقييديتين لا تعليليتين واما ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الميزان في التعارض هو عدم وجود الملاك الا في متعلق احد الحكمين مع عدم احرازه بخصوصه كما ان الميزان في دخول المجمع في بحث جواز اجتماع الامر والنهي هو كون كل من المتعلقين واجدا للملاك حتى في مورد الاجتماع فقد عرفت فساده فيما تقدم لما مر من ان البحث في المقام لا يدور مدار القول بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد اصلا بل البحث يجرى حتى على مذهب الاشعري المنكر لتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد مضافا إلى ان ما ذكره يستلزم عدم تحقق مورد للتعارض اصلا لان انتفاء الملاك في احد الحكمين لا يمكن استكشافه من نفس الدليلين لعدم تكاذبهما (1) في وجدان كل من المتعلقين لملاك الامر والنهى وانما تكاذبهما في نفس مدلوليهما اعني الوجوب والحرمة فلا بد من أن يكون استكشاف انتفاء الملاك في احدهما من دليل خارجي وهو مع ندرته على فرض وجوده لا يوجب التعارض بل يوجب اشتباه الحجة باللاحجة (2) وحكمه


(1) لا يخفى انه إذا دل دليل على وجوب شيئ والاخر على حرمة ذلك الشيئ بعينه فالدليلان وان لم يكونا متعارضين في اشتمال ذلك الشيئ على ملاك الوجوب والحرمة الا انه يكفى في دخولهما في باب التعارض تعارضهما في نفس مدلوليهما وتنافيهما في الكشف عن اتصاف ذلك الشيئ بالوجوب أو الحرمة واقعا فإذا قدم احدهما على الاخر تعيينا أو تخييرا تعين ذلك في الحجة الفعلية وفي ثبوت مدلوله بالفعل فلا يكون هناك ما يكشف عن كون الفعل واجدا لملاك الحكم الاخر اصلا وعليه فلا وجه لاعتراض شيخنا الاستاد قدس سره على ما افاده صاحب الكفاية (قده) في المقام في ملاك التفرقة بين التزاحم والتعارض بانه يستلزم ان لا يبقى مورد للمعارضة اصلا نعم ما اورده عليه اولا من ان النزاع في مبحث اجتماع الامر والنهى لا يدور مدار القول بتبعية الاحكام للمصالح والمفاسد متين جدا وعليه فلا يبقى مجال لما ذكره صاحب الكفاية في المقام (2) اشتباه الحجة باللاحجة انما يتحقق في ما إذا كان أحد الخبرين مثلا بخصوصه حجة و الاخر غير حجة واشتبها في الخارج ولم يتميز احدهما عن الاخر كما إذا فرض ان راوي احد الخبرين ثقة والاخر غير ثقة لكنه اختلط احدهما بالاخر فلم يتميز عنه في - (*)

[ 357 ]

غير حكم التعارض كما يظهر ذلك في باب التعارض انشاء الله تعالى وينبغى التنبيه على امرين (الاول) قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه انه لو بنينا على كون التركيب في مورد الاجتماع اتحاديا والجهة تعليلية فلا مناص عن القول بالامتناع فيدخل الدليلان بذلك في باب التعارض فان الصلاه والغصب مثلا لو فرض انطباقهما على هوية واحدة امتنع الامر بها والنهى عنها فعلا فيقع التعارض بين اطلاقي دليليهما لما عرفت من ان حقيقة التعارض انما هو تنافى الدليلين في مرحلة جعل الاحكام على موضوعاتها المقدر وجودها من دون دخل لعجز المكلف عن الامتثال في تحقق التنافى بينهما وان حقيقة التزاحم انما هو تنافى الحكمين في مقام الامتثال الناشئ من عجز المكلف عن امتثالهما معا ومن الواضح انه بناء على الامتناع يقع التنافى بين الوجوب والحرمة في مورد الاجتماع في نفس مقام الجعل بلا دخل لعجز المكلف عن امتثالهما معا وعليه فالاطلاق في طرف النهى لكونه شموليا يتقدم على الاطلاق البدلى في طرف الامر لما عرفت في بعض المباحث السابقة وستعرف في بحث التعارض انشاء الله تعالى من ان كون الاطلاق شموليا من جملة مرجحات الدلالة (1) فانه مع وجود الاطلاق


- الخارج لموجب اقتضى ذلك واما في امثال المقام مما كان كل من الدليلين حجة في نفسه لولا العلم الاجمالي بكذب احدهما فالدليلان يكونان متعارضين لا محالة لان كلا منهما بمد لوله الالتزامى ينفى ثبوت مدلول الاخر فتقع المنافاة بين المدلول المطابقى لكل منهما والمدلول الالتزامى للاخر ومن هذا القبيل وقوع المعارضة بين الاخبار الدالة على وجوب صلوة الظهر يوم الجمعة والاخبار الدالة على وجوب صلوة الجمعة فانه لو لا العلم بعدم وجوب صلوتين في يوم واحد لما وقعت المعارضة بينهما اصلا ومن هذ القبيل ايضا ما إذا علم نجاسة احد شيئين لا بعينه وقد قامت بينة على طهارة احدهما وبينة اخرى على طهارة الاخر فان التعارض بين البينتين انما نشأ من العلم بكذب احدهما واما مع قطع النظر عن العلم الاجمالي فلا معارضة بينهما كما هو ظاره وسيجيئ لذلك مزيد توضيح في بحث التعادل والترجيح انشاء الله تعالى (1) وقد عرفت في بحث الواجب المشروط ان مجرد كون اطلاق احد الدليلين شموليا لا يوجب تقدمه على ما يكون اطلاقه بدليا بل لا بد في الحكم بتقدم احدهما على الاخر من التماس دليل آخر فراجع (*)

[ 358 ]

الشمولى لا تتم مقدمات الحكمة في طرف الاطلاق البدلى ويترتب على ذلك ان الصلاة في الدار المغصوبة مثلا تخرج عن حيز الامر واقعا وتكون متمحضة في الحرمة فلا تقع صحيحة ولو اتى بها مع الجهل بالغصب كما هو الحال في بقية موارد التعارض بالعموم من وجه وتقديم احد الدليلين على الاخر (والسر في ذلك) ما عرفته سابقا من ان الحكم في القضايا الحقيقية تابع لوجود موضوعه واقعا وعلم المكلف وجهله كعلم الامر وجهله به اجنبي عن ذلك فكما ان في مورد تعارض دليلى وجوب اكرام العالم وحرمة اكرام الفاسق مع تقديم دليل الحرمة لا يكون اكرام العالم الفاسق مع الجهل بالفسق مصداقا للمأمور به كذلك الصلاة في الدار المغصوبة لا يكون مصداقا للمأمور به مع الجهل بالغصب مع ان المفروض خروج هذا الفرد عن دليل الوجوب واقعا واما تسالم الاصحاب على صحة الصلاة في الدار المغصوبة مع الجهل بالغصب فلا بد من أن يكون مبنيا على تسالمهم (1) على الجواز من الجهة الاولى من الجهتين اللتين عنونا هما في صدر


(1) ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من ان القول بامتناع اجتماع الامر والنهى وتقديم جانب النهى يستلزم خروج المجمع عن حيز الامر واقعا فلا يصح الاجتزاء به و لو كان الاتى به جاهلا بحرمته حكما أو موضوعا وان كان متينا جدا الا أن تسالم الاصحاب على صحة الصلوة الواقعة في الدار المغصوبة حال الجهل بالحرمة إذا كان الجهل عذرا لا يمكن ان يكون مبنيا على اختيارهم القول بجواز اجتماع الامر والنهى من الجهة الاولى لان كثيرا من القائلين بالامتناع ذهبوا إلى صحة الصلوة في الفرض المزبور معللين ذلك بان تخصيص دليل الامر بغير مورد الاجتماع بما انه تخصيص عقلي ناشئ من استحالة اجتماع الحكمين يكون مختصا بموارد فعلية الحرمة وتنجزها فإذا فرض عدم فعلية الحرمة أو عدم تنجزها للجهل بها لم يكن مانع من شمول دليل الامر له في هذا الحال وهذا الوجه وان لم يكن صحيحا بناء على ما حققه شيخنا الاستاد قدس سره الا أنه هو الذي اعتمد عليه كثير من القائلين بعدم جواز اجتماع الامر والنهى في القول بصحة الصلوة في الفرض المتقدم كما يظهر ذلك لمن راجع كلماتهم واما اعتبارهم المندوحة في محل البحث فانما هو باعتبار ان القول بالجواز فعلا يستد عى اعتبار وجود المندوحة فلا يكون ذلك كاشفا عن ان محل كلامهم في المقام هو الجواز أو الامتناع من الجهة الثانية بعد الفراغ عن القول بالجواز من الجهة الاولى كما افيد في المتن كيف وان كلمات جمهور - (*)

[ 359 ]

المبحث فيكون نزاعهم في الجواز والامتناع منحصرا بالجهة الثانية ويؤيد ذلك انهم اعتبروا وجود المندوحة في محل البحث وقد عرفت ان اعتبارها فيه انما يلزم فيما إذا كان النزاع في الجهة الثانية من الجهتين المزبورتين واما النزاع في الجهة الاولى فان وجه لاعتبار وجود المندوحة في مورده اصلا ومن العجيب ان المحقق العلامة الانصاري (قده) مع انه جعل البحث في المقام من مقدمات بحث التعارض بتقريران القول بالامتناع يستلزم دخول مورد الاجتماع في باب التعارض قد حكم في طى البحث بدخول مورد الاجتماع في باب التزاحم بناء على الامتناع واعمل قواعد التزاحم فيه فحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة جهلا وقد عرفت ان الفرق بين البابين ودخول مورد الاجتماع في باب التعارض دون التزاحم على القول بالامتناع في غاية الوضوح ويترتب عليه خروج المجمع عن حيز الامر وعدم صحته في مورد الجهل ايضا كما في تقية موارد التعارض (واما توهم) ان المجمع من جهة اشتماله على ملاك الوجوب وملاك التحريم يكون داخلا في صغرى التزاحم فان كلا من الملاكين يوجب جعل الحكم الاقتضائى على طبقه فيتزاحمان بالقياس إلى الحكم الفعلى فان كان كل من الملاكين معلوما كان تأثير اقواهما فعليا لا محالة وبما ان المفروض في المقام ان ملاك الحرمة هو الاقوى فتكون العبادة فاسدة لتمحضها في كونها محرمة واما إذا كان ملاك التحريم مجهولا كما هو المفروض عند الجهل بالغصب في المثال لم يكن الحكم الناشئ من قبله فعليا فيؤثر ملاك الوجوب قهرا لعدم مزاحم له في مقام الفعلية كما هو الحال في بقية موارد التزاحم مثال ذلك ما إذا فرضنا توجه خطاب الازالة وخطاب الصلاة إلى المكلف في زمان واحد فان التكليف بالازالة إذا كان معلوما له كان ذلك معجزا مولويا عن امتثال خطاب الصلاة لا محالة لاشتراط خطابها بالقدرة عقلا ومن الواضح ان العجز الشرعي كالعجز العقلي في كونه رافعا لموضوع الحكم فلا يكون التكليف بالصلاة فعليا واما إذا كان المكلف


- الباحثين في محل الكلام من الخاصة والعامة صريحة في أن ما هو محط الانظار بينهم انما هو الجواز أو الامتناع من الجهة الاولى وعليه فالقول بالامتناع يستلزم القول بفساد المجمع وعدم سقوط الامر بالاتيان به ولو كان الاتيان به حال الجهل بحرمته قصورا فيكون ذهاب من ذهب إلى كون صحة الصلوة في الدار المغصوبة في الفرض المزبور على طبق القاعدة ناشئا من الغفلة عما يقتضيه القول بالامتناع فتدبر جيدا (*)

[ 360 ]

جاهلا بتوجه خطاب الازالة إليه لجهله بوجود النجاسة في المسجد فالتكليف المجهول بما انه لا يمكن ان يكون شاغلا للمكلف بامتثاله لا يوجب عجز المكلف عن فعل آخر غير متعلقة فيكون المكلف بالاضافة إلى متعلق الخطاب الاخر قادرا فيكون خطابه فعليا لا محالة وبالجملة المانع من فعلية خطاب المهم انما هو فعلية خطاب الاهم فإذا فرض الجهل به وعدم فعليته لم يكن هناك مانع من فعلية خطاب المهم اصلا (فهو فاسد) من وجوه (اما اولا) فلان جعل الحكم الاقتضائى على طبق كل من الملاكين لا يكون بنفسه باعثا للمكلف وزاجرا له لوضوح ان الانبعاث والانزجار انما ينشئان من البعث والزجر الفعليين وبما ان الحكم الفعلى في محل الاجتماع يكون واحدا لا محالة كان جعل الحكمين الاقتضائيين لغوا محضا لا يترتب عليه شيئ مع انك قد عرفت في ما تقدم ان الامر الملتفت إلى التقسيمات الاولية كتقسيم الصلاة إلى الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة والواقعة في غيرها وتقسيم العالم إلى العادل والفاسق يستحيل في حقه الاهمال بحسب مقام الثبوت فانه حين التفاته إلى الانقسام المزبور لا بد من ان تتعلق ارادته بتمام الاقسام أو ببعضها ولا يمكن فرض الاهمال في مقام الثبوت وانما يمكن ذلك في مقام الد لالة والاثبات فلا يعقل جعل حكمين اقتضائيين بحيث لا يكون الحاكم حين حكمه بكل منهما ناظرا إلى متعلق الحكم الاخر ليكون الحكم اقتضائيا جهتيا فلا بد من أن يكون متعلق كل من الحكمين لدى الحاكم معلوما بينا من اول الامر على نحو الاطلاق أو التقييد (واما ثانيا) فلان التزاحم في الملاكات باعتبار تأثيرها في حكم الحاكم وان كان مما لا ينكر الا انه اجنبي عن التزاحم في محل الكلام فان التزاحم في محل الكلام انما هو في ما إذا تم كل من الحكمين في نفسه وجعل على موضوعه المقدر وجوده لكن وقع التزاحم في مقام الامتثال لفرض عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما و صلوح كل منهما لان يكون شاغلا للمكلف بامتثاله عن امتثال غيره ورافعا لموضوعه اعني به القدرة على ايجاد متعلقه فإذا فرض كون احد الحكمين اهم من الاخر تعين ذلك في كونه معجزا عن امتثال الاخر دون العكس لكن تعجيزه عنه انما هو على تقدير وصوله إلى المكلف ولزوم امتثاله بحكم العقل واما في ظرف الجهل به فبما انه لا يكون شاغلا للمكلف بامتثاله لا يكون معجزا له عن امتثال غيره فلا محالة يكون التكليف في طرف المهم بلا مزاحم وهذا

[ 361 ]

بخلاف التزاحم في الملاكات باعتبار تأثيرها في حكم الحاكم فان المناط فيه هو علم الامر وجهله بها بلا دخل لعلم المكلف وجهله بها اصلا فإذا كان المولى جاهلا بمفسدة الغصب أو جاهلا بامكان اجتماع الغصب مع الصلاة في مورد ما فلا محالة يأمر بالصلاة مطلقا ولو كانت مفسدة الغصب في الواقع غالبة على مصلحة الصلاة فيتوقف التزاحم في مقام تأثير الملاك في الحكم على علم الامر بوجود المصلحة مطلقا وبوجود المفسدة كذلك وبجواز اجتماع العنوانين في بعض الموارد سواء كان المأمور عالما بالملاك أم لم يكن عالما به وعليه فإذا كان احد الملاكين ارجح من الاخر في نظر الامر كان التأثير له لا محالة وكان الحكم في مورد الاجتماع على طبقه فيخرج المجمع بذلك عن حيز الحكم الاخر رأسا إذ المفروض غلبة ارجح الملاكين على الاخر في مقام التأثير في نظر الامر فلا يوجب جهل المكلف بالملاك الغالب مع فرضه كونه هو المؤثر في نظر الامر دخول المجمع تحت الحكم الاخر بعد خروجه عنه واقعا وبالجملة تعدية حكم التزاحم في مقام الامتثال بعد تمامية الحكمين في حد ذاتهما إلى التزاحم في مقام تأثير الملاكات في الاحكام ناشئة من الغفلة عن الفرق بين التزاحمين و (اما ثالثا) فلان البيان المذكور يستلزم جواز الامتثال بالمجمع عند جهل المكلف بالملاك الاقوى في جميع موارد التعارض بالعموم والخصوص من وجه مع انه لا يلتزم به أحد مثال ذلك إذا امر المولى باكرام العالم ونهى عن اكرام الفاسق وفرضنا ان المجمع مشتمل على ملاك الوجوب والحرمة وان الاقوى هو ملاك الحرمة فإذا جهل المكلف كون زيد العالم فاسقا واكرمه كان لازم البيان المذكور هو الالتزام بتحقق امتثال الواجب باكرامه مع انه باطل قطعا ولا يلتزم به ففيه ابدا الثاني ان جماعة من القائلين بجواز اجتماع الامر والنهى قد استدلوا عليه بوقوعه في الشريفة المقدسة كما في موارد العبادات المكروهة وهذا الاستدلال وان لم يكن في محله كما سيظهر ذلك في طى البحث انشاء الله تعالى الا أنه لا بأس بتوضيح الحال في تصوير كيفية الكراهة في العبادة لما اشكل الامر فيها على كثير من الاعلام فنقول الكراهة في العبادة على ثلاثة اقسام فان النسبة بين المأمور به والمنهى عنه بالنهي التنزيهى اما أن تكون على نحو العموم والخصوص من وجه أو على نحو العموم والخصوص المطلق وعلى الثاني فاما أن تكون العبادة المكروهة مما لها بدل أو لا يكون لها بدل فهذه ثلاثة

[ 362 ]

اقسام (اما القسم الاول) اعني به ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهى عنه تنزيها نسبة العموم والخصوص من وجه فلا اشكال فيه في صحة العبادة وعدم كون الدليل النهى التنزيهى مقيدا لاطلاق المأمور به على القول بالجواز لان المأمور به يكون حينئذ مغايرا للمنهى عنه بالهوية فلا موجب للتقييد واما على القول بالامتناع وفرض وحدة الهوية في الخارج فربما يتوهم التنافي بين وقوع المأتى به مصداقا للمأمور واتصافه بالكراهة فعلا لان تضاد الاحكام لا يختص بالوجوب والحرمة بل يعم الاحكام الالزامية وغيرها ففرض كون العبادة مكروهة ينافى فرض كونها مصداقا للواجب أو المستحب فلا مناص عن تقييد دليل الامر بغير موارد الكراهة كما كان هو الحال فيما إذا كان النهى تحريميا (ولكن التحقيق) ان العبادة على هذا القول وان كانت منهيا عنها لا محالة الا ان النهى عن حصة خاصة لا يوجب تقييد المأمور به بغيرها ما لم يكن النهى تحريميا أو كان النهى مسوقا لبيان المانعية (توضيح ذلك) ان النهى عن حصة خاصة من العبادة تارة يكون مسوقا لبيان كون تلك الخصوصية المتخصصة بها العبادة مانعة عن صحتها من دون دلالته على حكم تكليفي كما في النهى عن الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه والنهى في هذا القسم لا اشكال في كونه مقيدا لاطلاق المأمور به وكشفه عن اختصاص الامر بغير تلك الحصة واخرى يكون النهى مسوقا لبيان حكم تكليفي وذلك الحكم اما أن يكون حكما تحريميا أو يكون حكما تنزيهيا فان كان الحكم تحريميا كان مقتضاه عدم وجود متعلقه في الخارج وهو ينافي ما يستفاد من اطلاق المأمور به من الترخيص في تطبيقه على أي فرد من افراده اراد المكلف تطبيقه عليه في مقام الامتثال فلا محالة يكون النهى عن حصة خاصة موجبا لتضيق المأمور به وتقييد اطلاقه بغيرها مثال ذلك ما إذا امر الشارع بالصلاة من غير تقييد بحصة خاصة فاطلاق المتعلق يستلزم ترخيص المكلف في تطبيق المأمور به على أي فرد اراد المكلف ايجاده من افراده فان كل فرد بخصوصه وان لم يتعلق به الامر إذ المفروض تعلقه بصرف وجود الطبيعة القابلة للانطباق على كل فرد الا ان العقل يخير المكلف في تطبيق تلك الطبيعة المطلقة المأمور بها على أي فرد من افرادها اراد المكلف ايجاده في الخارج لتساوي نسبتها إلى تلك الافراد فإذا كان بعض افرادها منهيا عنه بالنهي التحريمي كانت حرمته مانعة عن سراية رخصة التطبيق المستفادة من الاطلاق إلى ذلك الفرد

[ 363 ]

قطعا واما إذا كان النهى من حصة خاصة نهيا تنزيهيا فهو لا ينافى رخصة تطبيق المأمور به على تلك الحصة بالضرورة وذلك لان النهى التنزيهى متضمن للرخصة في ايجاد متعلقه على الفرض فلا تنافى بينه وبين اطلاق المأمور به ليكون مقيدا له بغير متعلق النهى غاية الامر ان تطبيق المأمور به على الفرد المنهى عنه يكون مرجوحا بالاضافة إلى تطبيقه على غيره من الافراد وبالجملة النهى التنزيهى وان كان مضادا للوجوب لتضاد الاحكام باسرها ولازم ذلك ان لا يتعلق الامر بعين ما تعلق به النهى ولو كان النهى تنزيهيا الا أن النهى عن بعض افراد المأمور به لا يستلزم اجتماع الحكمين المتضادين في شيئ واحد لان الامر على الفرض لم يتعلق الا بصرف وجود الطبيعة مع قطع النظر عن جميع خصوصياته الطارية عليه واما النهى التنزيهى فهو متعلق بخصوص حصة خاصة دون صرف وجود الطبيعة فلو كان هناك تناف لكان ذلك بين النهى وترخيص تطبيق المأمور به على أي فرد من افراده اراد المكلف تطبيقه عليه في الخارج لكن النهى إذا كان تحريميا تحقق التنافى بين الامرين لا محالة فلا بد من رفع اليد عن اطلاق المأمور به لما تعلق به النهى واما إذا كان النهى تنزيهيا فهو بما انه يتضمن الترخيص في ايجاده لا يقع التنافى بينه وبين الاطلاق المزبور فلا موجب لرفع اليد عن الاطلاق بسببه فيجزى في مقام امتثال الامر المتعلق بصرف الوجود الاتيان بالفرد المنهى عنه تنزيها وان كان الامتثال المتحقق به مرجوحا بالاضافة إلى غيره ولعل من فسر الكراهة في العبادة باقلية الثواب اراد به ما ذكرناه لا ان النهى استعمل في غير طلب الترك ارشادا إلى كون متعلقه اقل ثوابا من غيره فعلى ذلك يكون النهى مستعملا في طلب الترك لمرجوحية الفعل لكن المرجوحية انما هي في تطبيق المأمور به على الفرد المنهى عنه تنزيها وهو لا ينافى الرخصة في تطبيقه عليه كما عرفت الا أنها توجب اقلية الثواب عند تحقق الامتثال بذلك الفرد لا محالة وما ذكرناه هو السر في عدم التزام الاصحاب بتقييد المطلقات الالزامية بالامر الاستحبابى والنهى التزيهى المتعلقين ببعض افرادها بل حملوا الاول على افضل الافراد والثاني على اقلية الثواب كما انه هو السر في عدم التزامهم بالتقييد في باب المستحبات وحملهم المقيد على كونه افضل الافراد وسيتضح ذلك في بحث المطلق والمقيد انشاء الله تعالى (واما القسم الثاني) اعني به ما إذا كانت نسبة المنهى عنه بالنهي التنزيهى إلى المأمور

[ 364 ]

به نسبة الخاص إلى العام مع فرض وجود بدل له فحال النهى فيه هو حاله في القسم الاول بناء على الامتناع كما هو ظاهر فلا حاجة إلى اعادة الكلام فيه (واما القسم الثالث) اعني به ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهى عنه نسبة العموم والخصوص المطلق مع فرض عدم بدل للمنهى عنه في الخارج فلا يمكن فيه الالتزام بما التزمناه في القسمين السابقين لان ما تعلق به النهى فيه كصوم يوم عاشوراء هو بعينه متعلق الامر والمفروض انه لا بدل له فلم يتعلق الامر بصرف وجود الطبيعة الجامعة بين الفرد المنهى عنه وغيره ليكون النهى التنزيهى متعلقا بتطبيق المأمور به على خصوص فرد من أفراده وغير مناف لاطلاق المأمور به ولاجل ذلك ذهب جماعة تبعا للعلامة المحقق الانصاري (قده) في هذا القسم إلى عدم كراهة المنهى عنه بل حملوا النهى عن الفعل فيه على الارشاد إلى وجود مصلحة في الترك ارجح من مصلحة الفعل لاجل كون الترك سببا توليديا لعنوان راجح في نفسه كمخالفة بنى امية لعنهم الله تعالى فيرجع الامر إلى أن كلا من الفعل والترك مستحب في نفسه لكن مصلحة الترك ارجح من مصلحة الفعل فليس معنى الكراهة هنا هو كون الفعل مرجوحا لمفسدة فيه لينافى ذلك استحبابه وتعلق الامر به بل معناها هو رجحان الترك لاجل كونه سببا توليديا لعنوان راجح وهو لا ينافى اشتمال الفعل على مصلحة موجبة لرجحانه ايضا (ولكنه لا يخفى (1) ان الفعل والترك إذا كان منهما مشتملا على


(1) لا يخفى عليك ان اشتمال كل من الفعل والترك على المصلحة وان كان لا يوجب تعلق الامر بهما تعيينا أو تخييرا لاستحالة طلب النقيضين تعيينا أو تخييرا الا أن ذلك فيما إذا كانت المصلحة مترتبة على مطلق وجود الفعل والترك واما فيما إذا كانت مترتبة على حصة خاصة من الفعل كما هو الحال في موارد العبادات المكروهة في محل الكلام إذ المصلحة فيها مترتبة على الفعل المأتى به عبادة فلا محالة يكون المورد داخلا في صغرى تزاحم المستحبين لان المكلف حينئذ قادر على تركهما والاتيان بالفعل المجرد عن قصد القربة وغير قادر على الجمع بينهما وعليه فإذا كانت مصلحة الترك اهم من مصلحة الفعل لم يكن مانع من النهى عن الفعل ارشادا إلى ما في الترك من المصلحة فالكراهة في هذه الموارد لم تنشأ من حزازة ومنقصة في الفعل لتنافى كونه عبادة بل انما نشأت من كون الترك ارجح من الفعل كما يظهر ذلك من مداومة الائمة سلام الله عليها على الترك وامرهم اصحابهم به وهذا لا ينافى صحة الفعل إذا اتى به عبادة وهذا الوجه هو الذي افاده العلامة الانصاري قدس سره في تصوير الكراهة في العبادة في هذا القسم - (*)

[ 365 ]

مقدار من المصلحة فبما انه يستحيل تعلق الامر بكل من النقيضين في زمان واحد يكون المؤثر في نظر الامر احدى المصلحتين على تقدير كونها اقوى من الاخرى وتسقط كلتاهما عن التأثير على تقدير التساوى لاستحالة تعلق الطلب التخييري بالنقيضين لانه من طلب الحاصل وعليه يستحيل كون كل من الفعل والترك مطلوبا بالفعل وبالجملة اشتمال كل من الفعل والترك على المصلحة يوجب تزاحم الملاكين في تأثيرهما في جعل الحكم على طبق كل منهما لاستحالة تأثيرهما في زمان واحد في طلب النقيضين تعيينا أو تخييرا وعليه يتفرع وقوع التزاحم في التأثير فيما كان كل من الضدين الذين لا ثالث لهما مشتملا على المصلحة أو المفسدة الداعية إلى جعل الحكم على طبقها وفيما إذا كان أحد المتلازمين دائما مشتملا على مصلحة والاخر مشتملا على مفسدة فان في جميع ذلك يستحيل جعل الحكم على طبق كل من الملاكيين تعيينا أو تخيير الرجوعه إلى طلب النقيضين المفروض استحالته فلا بد من جعل الحكم على طبق احد الملاكين ان كان احدهما اقوى من الاخر والا فلا يؤثر شيئ منهما في جعل الحكم على طبقه نعم إذا كان كل من الضدين الذين لهما ثالث مشتملا على مصلحة الزامية أو غير الزامية لم يكن مانع من تعلق الامر بكل منهما تخييرا والفرق بينهما وبين النقيضين أو الضدين اللذين ليس لهما ثالث ظاهر لا يكاد يخفى (والتحقيق في الجواب) عن هذا القسم يتضح برسم مقدمة نافعة في جملة من الموارد وهى أنه لا شبهة في أن النذر إذا تعلق بعبادة مستحبة فالامر الناشئ من النذر يتعلق بذات العبادة التي كانت متعلقة للامر الاستحبابى في نفسها فيندك الامر الاستحبابى في الامر الوجوبى ويتحد به فيكتسب الامر الوجوبى جهة التعبد من الامر الاستحبابى كما ان الامر الاستحبابى يكتسب جهة اللزوم من الامر الوجوبى فيتولد من اند كاك احد الامرين في الاخر امر واجد وجوبي عبادي والسر في ذلك انه إذا كان متعلق كل من الامرين عين ما تعلق به الاخر فلا بد من اندكاك احدهما في الآخر والالزم اجتماع الضدين في شيئ واحد واما إذا كانت العبادة المستحبة متعلقة للاجارة في موارد النيابة عن الغير كان متعلق الامر الاستحبابى مغايرا لما تعلق به الامر الوجوبى


- وهو الصحيح واما ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في تصويرها فسيظهر لك ما فيه بعيد ذلك انشاء الله تعالى (*)

[ 366 ]

لان الامر الاستحبابى (1) على الفرض تعلق بذات العبادة واما الامر الناشئ من الاجارة فهو لم يتعلق بها بل تعلق باتيان العبادة بداعي الامر المتوجه إلى المنوب عنه بداهة ان ذات العبادة من دون قصد النيابة عن المنوب عنه لم يتعلق بها غرض عقلائي من المستأجر ولاجله تبطل الاجارة لو تعلقت بها أو بمثلها مما لم يتعلق به غرض عقلائي و على ذلك يترتب انه يستحيل تداخل الامرين باندكاك احدهما في الآخر في موارد الاجارة على العبادة إذ التداخل فرع وحدة المتعلق والمفروض عدمها في تلك الموارد فلا يلزم


(1) التحقيق انه لا فرق بين موارد الاجارة على العبادة المأتى بها نيابة عن الغير و موارد تعلق النذر بها توضيح ذلك ان الاوامر المتصورة في موارد الاجارة اربعة الاول الامر المعلق بالمنوب عنه الساقط في بعض الموارد بموت ونحوه وهذا الامر اجنبي عن النائب بالكلية ولا معنى لاتحاده مع الامر الناشئ من قبل الاجارة وعدم اتحاده معه لاختلاف موضوعهما على الفرض الثاني الامر الاستحبابى المتوجه إلى النائب المتعلق باتيان العبادة من قبل نفسه وهذا الامر لا معنى ايضا لاتحاده مع الامر الناشئ من قبل الاجارة وعدم اتحاده معه لاختلاف متعلقهما كما هو ظاهر الثالث الامر الاستحبابى المتوجه إلى النائب المتعلق باتيان العمل نيابة عن الغير الرابع الامر الوجوبى المتوجه إليه المتعلق بما تعلق به الامر الاستحبابي بعينه وهذان الامران بما انهما متعلقان بشيئ واحد لا مناص عن اندكاك احدهما في الاخر فتكون النتيجة امرا واحدا وجوبيا متعلقا باتيان العمل عن الغير فلا فرق بين موارد تعلق الاجارة بالعبادة وموارد تعلق النذر بها اصلا واما ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من ان الامر الاستحبابى في موارد الاجارة متعلق بذات العبادة والامر الوجوبى متعلق باتيانها بداعي الامر المتوجه إلى المنوب عنه فيظهر فساده مما ذكرناه وذلك لان الامر الاستحبابى المتوجه إلى النائب كما عرفت امران احدهما متعلق باتيان العمل من قبل نفسه وثانيتهما متعلق باتيان العمل عن الغير ونيابة عنه وعلى كل حال فهو غير متعلق بذات العبادة نفسها واما الامر الوجوبي الناشئ من قبل الاجارة فهو وان كان متعلقا باتيان العمل نيابة عن الغير الا أنه غير متعلق باتيان العمل بداعي الامر المتوجه إلى المنوب عنه ضرورة انه يستحل ان يكون الامر المتوجه إلى شخص داعيا لشخص آخر إلى الاتيان بمتعلقه بل الداعي لكل مكلف انما هو الامر المتوجه إلى شخصه لا محالة غاية الامر ان متعلقه ربما يكون هو الاتيان بالفعل من قبل نفسه وربما يكون هو الاتيان به من قبل الغير ونيابة عنه وتمام الكلام في محله (*)

[ 367 ]

اجتماع الضدين في شيئ واحد من تعلق الامر الاستحبابى بذات العمل وتعلق الامر الوجوبى باتيان العبادة بداعي امتثال الامر المتوجه إلى المنوب عنه (إذا عرفت ذلك) فنقول ان الاشكال في اتصاف العبادة بالكراهة في القسم الثالث انما نشأ من نخيل ان متعلق الامر والنهى هو شيئ واحد مع أنه ليس كذلك لوضوح ان متعلق الامر هو ذات العبادة واما النهى التنزيهى فهو لم يتعلق بها لعدم مفسدة في فعلها ولا مصلحة في تركها بل تعلق (1) بالتعبد بهذه العبادة لما فيه من المشابهة للاعداء وبما ان النهى تنزيهي وهو متضمن للترخيص في الاتيان بمتعلقه جاز التعبد بتلك العبادة بداعي امتثال الامر المتعلق بذانها نعم لو كان النهى تحريميا لكان مانعا من تعلق الامر بها بخصوصها ومن شمول اطلاق المأمور به للفرد المنهى عنه لوضوح التنافى بينه وبين حرمة التعبد به فيكون الفرد المنهى عنه خارجا عن حيز الامر ويكون دليل النهى مقيدا لاطلاق دليل الامر فظهر ان متعلق النهى التنزيهى في هذا القسم بما أنه مغاير لمتعلق الامر لا يكون منافيا له وبما انه تنزيهي لا يكون مانعا من التعبد بمتعلق فارتفع اشكال اجتماع الضدين في هذا القسم من العبادات المكروهة ايضا. بقى الكلام في الجهة الثانية من الجهتين اللتين ذكرناهما في اول البحث وملخص الكلام في هذا المقام هو ان يقال بعد ما ثبت كون الجهة تقييدية والتركيب انضماميا انه هل يشترط في امتثال الامر بالطبيعة كون الفرد بنفسه مقدورا كما ذهب إليه جماعة من المحققين أو يكفى فيه القدرة في الجملة على ايجاد الطبيعة المأمور بها وان كان الفرد المأتى به بشخصه غير مقدور شرعا كما ذهب إليه المحقق الثاني ومورد كلامه (قده) وان كان هي الافراد الطولية الا أن ملاكه متحقق في الافراد العرضية ايضا فان قلنا بالاول فلا محالة


(1) لا يخفى ان ما افيد في المتن من دعوى تعلق الكراهة بالتعبد بالعبادة المتعلق بها الامر الاستحبابى مع انه خلاف ظواهر الادلة الدالة على النهى عن نفس العبادة كصوم يوم عاشوراء لا يدفع به اشكال اجتماع الامر والنهى في شيئ واحد ضرورة ان الامر الاستحبابى كما تعلق بذات العبادة تعلق بالتعبد بها ايضا كما عرفت ذلك في بحث التعبدى والتوصلى غاية الامر ان تعلقه بما انما هو بالامر الثاني الموجب لتقييد الامر الاول بنتيجة التقييد على ما ذهب إليه شيخنا الاستاد قدس سره وعليه فإذا كان التعبد بعبادة ما متعلقا للنهى التنزيهى ايضا لزم اجتماع حكمين متضادين في شيئ واحد وهو مستحيل (*)

[ 368 ]

يقع التزاحم بين الامر والنهى في المجمع إذ النهى يجعله غير مقدور فلا يصح الامتثال به فلا بد اما من رفع اليد عن النهى ليكون المأتى به مقدورا أو من رفع اليد عن اطلاق الامر وتقييده بغير المجمع لكو نه غير مقدور بتعلق النهى به واما إذا قلنا بالثاني فلا تزاحم بين الامر والنهى اصلا لان المفروض ان القدرة في الجملة على ايجاد الطبيعة تكفى في صحة الامتثال بالفرد وان لم يكن شخص الفرد مقدورا فان الانطباق قهرى والاجزاء عقلي (ثم ان النزاع) في صحة امتثال الامر بالطبيعة باتيان فردها وان لم يكن شخص الفرد مقدورا وعدم صحته انما نشأ من النزاع في ان اشتراط الامر بشيئ بالقدرة على متعلقه هل هو من جهة حكم العقل بقبح الخطاب بغير المقدور أو من جهة ان نفس البعث إلى شيئ والتحريك نحوه يستلزم كون المبعوث إليه مقدورا فان التحريك نحو غير المقدور غير معقول فمتعلق الطلب في نفسه وان كان يعم غير المقدور الا ان نفس تعلق الطلب به يوجب تقييده بالحصة المقدورة فغير المقدور من افراده يخرج عن حيز الامر لا محالة فان قلنا بالاول صح امتثال الامر بالطبيعة باتيان فردها وان لم يكن شخص الفرد مقدورا لما تقدم من ان الانطباق قهرى والاجزاء عقلي واما إذا قلنا بالثاني امتنع الامتثال بغير المقدور فان الطبيعة بما هي وان كانت منطبقة على غير المقدور ايضا الا انها بما هي مأمور بها لا تنطبق عليه فلا يصح الامتثال به واذ قد عرفت في ما تقدم ان نفس تعلق الطلب بشيئ يقتضى (1) اعتبار القدرة في متعلقه تعرف ان الحق في المقام هو القول بالامتناع من جهة الثانية فلا يصح امتثال الامر بالطبيعة بالاتيان بالمجمع في حال الالتفات والعمد


(1) قد عرفت فيما تقدم ان حقيقة الوجوب ليست الا عبارة عن اعتبار كون فعل ما على ذمة المكلف وهذا المعنى في نفسه لا يقتضى اعتبار القدرة على ذلك الفعل وانما تكون القدرة معتبرة بحكم العقل في مقام الامتثال دون مرحلة التكليف الا في موارد تلزم اللغوية من الاعتبار المزبور وعليه يترتب ان الحق في المقام هو القول بالجواز من الجهة الثانية فيصح الاتيان بالمجمع بداعي امتثال الامر بالطبيعة ولو كان ذلك حال العلم والعمد ايضا بل التحقيق جواز ذلك حتى على القول باقتضاء طلب شيئ اعتبار القدرة عليه لان حرمة ما يكون مقارنا لفرد المأمور به لا تجعل ذلك الفرد غير مقدور عليه ليخرج بذلك عن حيز الامر ضرورة ان عدم القدرة على شيئ اما ان يتحقق بالعجز عنه تكوينا واما بالنهي عن نفس ذلك الشيئ أو عن مقد ماته المتوقفة عليه عقلا لان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا واما -

[ 369 ]

(فان قلت) ان حكم الاصحاب بفساد الصلوة الواقعة في الدار المغصوبة في حال العمد والالتفات وبصحتها في حال الجهل لا يستقيم على القول بامتناع اجتماع الامر والنهى ولا على القول بجوازه فانا إذا قلنا بامتناع اجتماع الامر والنهى من الجهة الاولى لاستلزامه اجتماع الضدين فقد سبق ان لازمه وقوع التعارض بين الدليلين وخروج المجمع عن تحت الامر بالكلية على تقدير تقديم دليل الحرمة وان لازم ذلك هو فساد العبادة باتيان المجمع حتى في صورة الجهل بالحرمة وقد مر انه خلاف المتسالم عليه بين الاصحاب واما إذا قلنا بالجواز من تلك الجهة وتعدد متعلق الامر والنهى فلازمه الحكم بصحة العبادة باتيان المجمع حتى في صورة العلم بالحرمة ولو قلنا بالامتناع من الجهة الثانية وذلك ايضا ينافى تسالم الاصحاب على البطلان في فرض العلم بالحرمة (قلت) (1) اما استلزام القول بالامتناع من الجهة الاولى للقول بفساد العبادة بالاتيان بالمجمع حتى في صورة الجهل بالحرمة فهو صحيح كما بيناه سابقا واما استلزام القول بالجواز من تلك الجهة للقول بالصحة حتى في صورة العلم بالحرمة ولو بنينا على الامتناع من الجهة الثانيه فهو غير صحيح (2) لا الموجب لصحة العبادة حينئذ اما ان يكون


- في غير ذلك فلا موجب - لدعوى كون فعل ما غير مقدور عليه اصلا ومن الواضح ان الاتيان بفرد المأمور به في ضمن المجمع بما انه مقدور عليه تكوينا وغير منهى عنه شرعا إذا لمفروض عدم سراية النهى عن ملازمه إليه لا موجب لكو نه خارجا عن حيز الامر فلا وجه لدعوى اختصاص الطلب بغير الفرد المجتمع مع المنهى عنه خارجا وعليه فلا مانع من صحة الامتثال باتيان المأمور به في ضمن المجمع ولو كان ذلك في حال العلم والعمد (1) الانصاف صحة الاعتراض المزبور على الاصحاب لما عرفت مما بيناه ان الامر دائر بين الحكم بالصحة مطلقا والحكم بالفساد كذلك ولا وجه للتفصيل بين صورتي العلم والجهل اصلا واما ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في توجيه ذلك فسيظهر لك ما فيه بعيد ذلك انشاء الله تعالى (2) التحقيق صحة ذلك اما اولا فلما عرفت من ان الصحيح هو القول بالجواز من الجهة الثانية فلا مانع من تحقق الامتثال بالاتيان بفرد المأمور به المجتمع مع الفرد المنهى عنه واما ثانيا فلما عرفت من صحة القول بالترتب في موارد اجتماع الامر والنهى بناء على القول بالجواز من الجهة الاولى كما مر بيان ذلك في بحث الترتب واما ثالثا فلصحة التقرب بالملاك الموجود في المجمع ولو سلم عدم تعلق الامر به فعلا واما ما افيد في المتن من دعوى عدم صلوح الملاك المزاحم بالقبح الفاعلى المتحقق عند الاتيان - (*)

[ 370 ]

هو الامر المتعلق بها على نحو الترتب أو يكون هو الملاك المقتضى للامر لا سبيل إلى الاول لما عرفت سابقا من امتناع الترتب في موارد اجتماع الامر والنهى ولا إلى الثاني لان ملاك الامر لابد من أن يكون غير مزاحم بالقبح الفاعلى ليكون صالحا للتقرب به والملاك المفروض وجوده في المقام ليس كذلك فان الصلاة والغصب مثلا بما انهما ممتزجان في الخارج بحيث لا تمكن الاشارة إلى احدهما دون الاخر كانا متحدين في مقام الايجاد والتأثير فيكون موجدهما مرتكبا للقبيح في ايجاده ومعه يستحيل ان يكون الفعل الصادر منه مقربا له نعم إذا كانت الحرمة مجهولة وكان المكلف معذورا في مخالفتها فيما انها لا تكون صارفة للمكلف عن متعلقها لا تكون معجزة له عن فعل المأمور به فيقع مورد الاجتماع صحيحا في ظرف الجهل كما هو الحال في بقية موارد التزاحم (هذا كله) فيما إذا كان هناك مندوحة واما فيما إذا لم تكن فتقع المزاحمة بين نفس خطابي الوجوب والحرمة وذلك يكون على قسمين (الاول) فيما إذا كان من متعلقي الوجوب والحرمة شموليا يشمل مورد الاجتماع (الثاني) ما إذا كان كل من متعلقي الوجوب بدليا وانحصر امتثاله من باب الاتفاق بالاتيان بالمجمع لاجل عدم وجود المندوحة (اما القسم الاول) فقد ظهر من مطاوى ما ذكرناه ان الخطابين بالنسبة إلى مورد الاجتماع في هذا القسم يكونان متعارضين وجعل احد الحكمين فيه بنفسه ينافى جعل الاخر فيكون المجمع من اول الامر داخل في افراد المأمور به أو داخلا في افراد المنهى عنه ولا تصل النوبة حينئذ


- بالمجمع لان الامتزاج بين المأمور به والمنهى عنه في الخارج بحيث لا تمكن الاشارة إلى احدهما دون الاخر اوجب اتحادهما في الخارج في مقام الايجاد والتأثير وذلك مانع من صحة التقرب بالاتيان بالمجمع فهو مدفوع بان القول بالجواز من الجهة الاولى كما هو المفروض في المقام يبتنى على القول بتعدد وجود المأمور به والمنهى عنه في الخارج كما مر بيان ذلك فيما تقدم ومن الواضح ان تعدد الوجود في الخارج يستلزم تعدد الايجاد والتأثير لان الايجاد والوجود متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار فالفرد المأمور به كما أنه مغاير للمنهى عنه وجودا مغاير له ايجادا فليس هناك قبح فعلى أو فاعلي الا فيما هو مقارن للمأمور به في الخارج ولا يسرى منه القبح إلى فرد المأمور به بوجه اصلا فتحصل ان القول بالجواز من الجهة الاولى يستلزم القول بصحة العبادة المجتمعة مع المنهى عنه سواء اتى بها حال الجهل بالحرمة ام اتى بها حال العلم والعمد فالتفصيل بالقول بالصحة حال الجهل وبالقول بالفساد حال العلم لا وجه له اصلا. (*)

[ 371 ]

إلى التزاحم (واما القسم الثاني) اعني به ما إذا كان متعلق الوجوب بدليا وانحصر امتثاله من باب الاتفاق بالاتيان بالمجمع فهو على قسمين لان الانحصار به اما أن لا يكون بسوء اختيار المكلف أو يكون بسوء اختياره فالكلام يقع في مقامين (اما الكلام في المقام الاول) اعني به ما إذا كان الانحصار بغير سوء اختيار المكلف فتوضيحه بأن يقال ان اعتبار القيود العدمية اما أن يكون مدلولا للنهى الغيرى فيكون التقييد هو المستفاد من الدليل ابتداء واما ان يكون مستفادا بالدلا لة الالتزامية من النهى النفسي الدال على الحرمة كما في موارد النهى عن العبادة أو موارد اجتماع الامر والنهى بناء على الامتناع من الجهة الاولى واما ان يكون لاجل مزاحمة المأمور به للمنهى عنه مع فرض تقديم جهة الحرمة على الوجوب فهناك اقسام (اما القسم الاول) اعني به ما كان اعتبار القيد العدمي في المأمور به مدلولا ابتدائيا للنهى الغيرى كما في النهى عن الصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه فمقتضى اطلاق دليل التقييد فيه على تقدير تمامية مقدماته هو اعتبار القيد في المأمور به في جميع احوال المكلف ولازم ذلك هو سقوط الامر عند انحصار الامتثال بالفرد الفاقد للقيد كما في صورة الاضطرار إلى ليس الحرير أو غير المأكول المعتبر عدمهما في الصلاة الا أن ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال قد دل على الغاء الشارع كل قيد من قيودها في حال العجز عن تحصيله (واما القسم الثاني) اعني به ما كان اعتبار القيد العدمي مستفادا من نهى نفسي فان قلنا فيه بكون التقييد تابعا للحرمة ومتفرعا عليها كما هو المشهور (1) فمقتضى القاعدة فيه هو سقوط القيد عند الاضطرار


(1) التحقيق صحة ما ذهب إليه المشهور لا لاجل ان وجود احد الضدين في مرتبة سابقة على عدم الضد الاخر ليرد عليه ما تقدم من عدم توقف احد الضدين على عدم الاخر و بالعكس بل لاجل ان دلالة النهى على عدم وجوب متعلقه بالد لالة الالتزامية انما هي بتبع دلا لته على حرمته بالمطابقة وقد تقدم ان الد لالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية وجودا وحجية فإذا سقطت الد لالة المطابقية سقطت الدلالة الالتزامية ايضا وعليه فلا مانع من التمسك باطلاق دليل الامر فيما إذا سقطت الحرمة باضطرار ونحوه كما هو الحال فيما إذا ورد التخصيص على دليل النهى من اول الامر (فان قلت) فرق بين ورود التخصيص على دليل النهى وارتفاع حرمة شيئ باضطرار ونحوه لان دليل التخصيص الوارد على دليل النهى يكشف عن اختصاص الحرمة بغير مورد التخصيص من اول الامر فلا يبقى مانع من التمسك باطلاق دليل الوجوب بالاضافة إلى مورد التخصيص وهذا بخلاف - (*)

[ 372 ]

لسقوط علته المقتضية اعني بها الحرمة واما إذا قلنا بكون التقييد والحرمة معلولين للنهى في مرتبة واحدة من دون سبق ولحوق بينهما فيكون حال هذا القسم حال القسم الاول في ان القاعدة الاولية فيه تقتضي سقوط الامر عند تعذر قيده والقاعدة الثانوية تقتضي سقوط التقييد ولزوم الاتيان بكل ما امكن الاتيان به من اجزاء الصلاة وشرائطها (واما القسم الثالث) أعنى به ما كان اعتبار القيد العدمي ناشئا من مزاحمة المأمور به للمنهى عنه فالقاعدة فيه تقتضي سقوط التقييد عند الاضطرار لان التزاحم فرع وجود التكليف التحريمي وتنجزه كى يكون معجزا للمكلف عن الاتيان بالمأمور به ومعذرا له في تركه فإذا فرض سقوط الحرمة بالاضطرار لم يبق موضوع للتزاحم الموجب لعجز المكلف شرعا عن الاتيان بالمأمور به فلا محالة يسقط التقييد ويبقى الامر متعلقا بغير المقيد (ثم ان جماعة) حكموا بلزوم الاقتصار على قدر الضرورة من التصرفات التى لا بد منها عند الاضطرار إلى الغصب فلم يجوزوا التصرف الزائد على ذلك ورتبوا عليه وجوب الايماء في الصلاة بدل الركوع والسجود عند الاضطرار إلى التصرف في المكان المغصوب لان الركوع والسجود تصرف زائد على قدر الضرورة فلا موجب لسقوط حرمتهما (وقد اورد على ذلك) بان الجسم إذا كان لابد من ان يشغل مقدارا معينا من الحيز بقدر حجمه كيف ما كان وضعه ولا يختلف مقدار حيزه باختلاف اوضاعه فلا موجب لسقوط وجوب الركوع والسجود لينتقل التكليف إلى وجوب الايماء (وفيه) ان الاعتبار في صدق التصرف الزائد على قدر الضرورة


- دليل رفع الحكم باضطرار ونحوه لان غاية ما يستفاد من ذلك الدليل انما هو ارتفاع الحرمة الفعلية لاجل عروض ما يوجب ارتفاعها واما ارتفاع ملاك التحريم فلا يكون دليل رفع الحكم دليلا عليه قطعا وعليه فالفعل الصادر حال الاضطرار بما انه مشتمل على ملاك التحريم لا يكون قابلا للتقرب به ولان يؤمر به بالفعل فلا يصح التمسك باطلاق دليل الوجوب بالاضافة إليه (قلت) الفعل المضطر إليه مثلا وان لم يرتفع ملاك حرمته الا أن ذلك الملاك بما أنه غير مؤثر في المبغوضية الفعلية ولذلك يكون الفعل موردا للترخيص شرعا لا يكون مانعا عن ايجاب ذلك الفعل والالزام به بعد فرض اشتماله في نفسه على الملاك الملزم وعليه فلا مانع من التمسك باطلاق دليل الوجوب بالاضافة إليه وبذلك يثبت جواز امتثال الامر المتعلق بالطبيعة بذلك الفرد فيكون مصداقا للواجب في الخارج ومن هذا القبيل ما لو اضطر المكلف على التصرف في الماء المغصوب فانه مع جواز التصرف فيه بالاضطرار ونحوه لا مانع من جواز الوضوء أو الغسل به من دون فرق بين ما إذا كان الماء منحصرا به وما إذا لم يكن منحصرا به (*)

[ 373 ]

انما هو ينظر العرف (1) لا بالدقة الفلسفية ولا ريب في أن الركوع والسجود يعدان عرفا من التصرف الزائد فلا يكون الاضطرار إلى الغصب موجبا للترخيص فيهما فلا بد من الاقتصار على الايماء بدلا عنهما (هذا كله) فيما إذا كان المضطر إلى الغصب غير متمكن من التخلص عنه كما إذا كان محبوسا فيه واما إذا كان متمكنا من التخلص عنه كما إذا كان المتوسط في الارض المغصوبة بغير اختياره قادرا على الخروج عنها فان كان قادرا على الصلاة في غير المكان المغصوب فلا اشكال في وجوبها عليه لعدم ما يوجب سقوط قيد من قيود الصلاة حينئذ واما إذا لم يكن قادرا عليها في غير ذلك المكان المغصوب لضيق الوقت مثلا فالواجب عليه حينئذ هو الصلاة حال الخروج مع الايماء بدلا عن الركوع والسجود ولا يجوز له الركوع والسجود لما عرفت من كونهما تصرفا زائدا عرفا على قدر الضرورة. (واما المقام الثاني) اعني به ما إذا كان الانحصار بسوء الاختيار كما إذا توسط المكلف الارض المغصوبة باختياره فيقع الكلام فيه في موضعين (الاول) في حكم الخروج في حد ذاته (الثاني) في حكم الصلاة الواقعة في المكان المغصوب (اما الموضع الاو) فقد وقع فيه الخلاف على أربعة اقوال (الاول) ان الخروج واجب وحرام فعلا وقد ذهب إلى هذا القول أبو هاشم ويظهر اختياره من المحقق القمى (قده) وهذا القول مبنى على دخول المقام في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار خطابا وعقابا (الثاني) انه واجب فعلا ولكن يجرى عليه حكم المعصية للنهى السابق الساقط بالاضطرار وذهب إليه صاحب الفصول (قده) (الثالث) انه غير محكوم فعلا بحكم من الاحكام الشرعية الا انه واجب عقلا لكونه اقل المحذورين واخف القبيحين ولكنه يجرى عليه حكم المعصية للنهى السابق الساقط بالاضطرار


(1) الظاهر ان المكلف إذا كان مضطرا إلى المكث في المكان المغصوب لا يفرق الحال بين ان يكون راكعا أو ساجدا فيه وان يكون قائما فيه فكما ان الرجوع أو السجود تصرف فيه كذلك القيام تصرف فيه ايضا فلا وجه حينئذ للقول بلزوم الاقتصار على الايماء بدلا عن الركوع والسجود واما دعوى انهما يعدان بنظر العرف من التصرف الزائد فهى دعوى بلا بينة وبرهان ومن ذلك يظهر حكم الركوع والسجود في الصلوة الواقعة حال الخروج إذا تمكن المكلف من التخلص من الغصب نعم فيما إذا استلزم الركوع أو السجود التوقف في المكان المغصوب زائدا على ما يقتضيه الخروج في نفسه انتقل الامر إلى الايماء والفرق بين هذه الصورة وما هو محل الكلام ظاهر لا يكاد يخفى (*)

[ 374 ]

وهذا القول قد اختاره المحقق صاحب الكفايه (قده) وهذان القولان مبنيان على دخول المقام في كبرى قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا لا خطابا (الرابع) انه واجب شرعا ولا يجرى عليه حكم المعصية لدخوله في كبرى قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه ولا ربط له بقاعدة عدم منافاه الامتناع بالاختيار للاختيار من جهة العقاب والخطاب أو من جهة العقاب فقط وهذا القول هو مختار المحقق العلا مة الانصاري (قده) وهو الصحيح عند نا (1) نعم بناء على دخول المقام في ذيل كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار فالحق هو ما اختاره صاحب الكفاية (قده) فلنا دعويان (الاولى) ان الخروج لا يكون محكوما بحكم شرعى فعلا ويجرى عليه حكم المعصية بناء على دخول المقام تحت كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار (الثانية) ان المقام ليس داخلا تحت تلك الكبرى وانما هو داخل تحت قاعدة اخرى اعني بها قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه فلا يكون الخروج محكوما الا بالوجوب (اما الدعوى الاولى) فيكفى في اثبات بطلان القولين السابقين فنقول اما قول ابى هاشم فيبطله انه طلب المحال وهو مستحيل من الحكيم الملتف إلى استحالته (واما توهم) ان الخطاب التحريمي في المقام ليس خطابا بعثيا ليستحيل صدوره من الحكيم الملتفت وانما هو خطاب تسجيلي ليصح به عقاب العبد كما هو الحال في الاوامر المتوجهة إلى العصاة مع علم الامر بعدم تحقق الاطاعة منهم (فيدفعه) انه لا يعقل معنى صحيح للخطاب التسجيلى لان العبد إذا كان مستحقا للعقاب مع قطع النظر عن هذا الخطاب فما فائدة الخطاب وان لم يكن مستحقا له في نفسه فكيف يصح خطابه بهذا الداعي مع فرض عدم قدرة العبد على امتثاله وهل يعد ذلك الا تعديا من المولى على عبده العاجز عن الامتثال (واما قياس المقام) بخطاب العصاة مع العلم بعدم تحقق الاطاعة منهم (فهو قياس) في غير محله إذ الخطاب المتوجه إليهم خطاب حقيقي كالخطاب المتوجه إلى غيرهم ضرورة انه لا يعتبر في صحة البعث أو الزجر الحقيقيين الا امكان الانبعاث أو الانزجار من المكلف في الخارج وهذا المعنى متحقق في موارد تكليف العصاة على الفرض فان العصيان انما هو باختيارهم واين ذلك من الخطاب التسجيلى المفروض فيه عدم قدرة العبد على الامتثال (واما قول صاحب الفصول) (قده) فيبطله امتناع تعلق الحكمين بفعل واحد ولو كان زمان الايجاب مغايرا لزمان التحريم لان الاعتبار في الاستحالة والامكان انما هو باتحاد زمان


(1) بل الصحيح هو الوجه الثالث وسيظهر وجهه بعيد ذلك انشاء الله تعالى (*)

[ 375 ]

صدور الفعل وتعدده لا باتحاد زمان الايجاب والتحريم وتعدده من حيث انفسهما وذلك لان الاحكام كما عرفت انما تتعلق بالطبايع باعتبار صدورها من المكلف في الخارج فالاعتبار انما هو بوحدة زمان الفعل وتعدده لا بوحدة زمان التكليفين وتعدده وعليه فإذا فرض ان الخروج تعلق به النهى السابق ولذلك يجرى عليه حكم المعصية امتنع تعلق الوجوب به فعلا ونظير ذلك ما صدر من المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقته على المكاسب من الالتزام بان المال الواقع عليه العقد الفضولي بعد صدور العقد وقبل حصول الاجازة محكوم عليه واقعا بكونه ملك من انتقل عنه وبعد الاجازة بحكم عليه واقعا بكونه ملكا في ذلك الزمان بعينه لمن انتقل إليه ولا منافاة بين الحكمين اصلا لتعدد زمانهما وان اتحد زمان المحكوم بهما وما ذكره (قده) يشارك (1) ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) في ملاك الاستحالة لما عرفت من ان الاعتبار في الاستحالة والامكان انما هو باتحاد زمان المتعلقين وتعدده لا باتحاد زمان الحكمين بانفسهما وتعدده (وبالجملة) الامر أو النهى انما يصدر من المولى ليكون باعثا للمكلف إلى الفعل أو زاجرا له عنه فإذا فرض سقوط التحريم في ظرف امكان صدور متعلقه امتنع جعله (ومن ذلك يظهر) بطلان توهم ان القول بصحة الواجب المعلق يستلزم صحة تعلق الحكمين بفعل واحد إذا كان زمان احد الحكمين غير زمان الاخر وذلك لان الالتزام بالواجب المعلق على تقدير صحته في نفسه انما يصح فيما إذا كان الحكم السابق مستمرا إلى زمان امتثاله كما إذا وجب الحج قبل


(1) لا يخفى ان ما افاده صاحب الكفاية قدس سره في تعليقته على المكاسب لا يشارك في وجه الاستحالة ما افاده صاحب الفصول (قده) في المقام وذلك لان الحكم التكليفى انما يكون تابعا لما في متعلقه من الملاك فالفعل الواحد الواقع في زمان واحد إذا كان محبوبا للمولى امتنع النهى عنه كما انه كان مبغوضا له امتنع الامر به فتعدد زمان الامر والنهى لا يجدى في صحتهما إذا كان زمان ما تعلقا به واحدا وهذا بخلاف الحكم الوضعي فانه يتبع ما في نفسه من الملاك المقتضى لجعله فلا مانع من اعتبار الملكية مثلا قبل حصول الاجازة لمن انتقل عنه المال لمصلحة مقتضية له ومن اعتبار ملكية ذلك المال في ذلك الزمان بعينه بعد حصول الاجازة لمن انتقل إليه المال لمصلحة مقتضية له ايضا بل قد ذكرنا في محله انه لا مناص عن الالتزام بذلك وانه هو الصحيح من وجوه القول بالكشف وتمام الكلام في محله (*)

[ 376 ]

مجيئي زمانه وبقى وجوبه إلى اوان امتثاله واما إذا فرض سقوط الحكم في زمان العمل المتعلق له كما في المقام المفروض فيه سقوط الحرمة السابقة وعروض الوجوب على الخروج امتنع جعل الحكم السابق بالضرورة. (واما الدعوى الثانية) اعني بها دعوى عدم دخول المقام في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار فيدل عليه امور: (الاول) ان ما يكون داخلا في موضوع كبرى تلك القاعدة لا بد من أن يكون قد عرضه الامتناع بحيث يكون خارجا عن القدرة وكان ذلك مستندا إلى اختيار المكلف كالحج يوم عرفة ممن ترك المسير إليه باختياره وكحفظ النفس ممن القى نفسه من شاهق ومن الواضح ان الخروج من الدار المغصوبة ليس كذلك فانه على ما هو عليه من كونه مقدورا للمكلف بعد دخوله فيها ولم يطرأ عليه ما يوجب امتناعه (1) نعم مطلق الكون في الدار المغصوبة الجامع بين الخروج والبقاء باقل زمان يمكن فيه الخروج وان كان مما لابد منه ولا يمكن المكلف تركه بعد دخوله الا انه اجنبي عن الاضطرار إلى خصوص الغصب بالخروج كما هو محل الكلام وسيظهر حكم الاضطرار إلى الجامع بين الخروج


(1) التحقيق ان الخروج عن الدار المغصوبة وان كان مقدورا تكوينا للمكلف فعلا و تركا الا أنه لا مناص له من اختياره خارجا ضرورة ان حرمة التصرف فعلا بغير الخروج تستلزم لزوم الخروج بحكم العقل دفعا للمحذور الاهم فالانزجار عن الخروج حسب ما كان يقتضيه النهى السابق يمتنع بالفعل على المكلف بمقتضى حكم العقل بلزوم اختياره لكن الامتناع المزبور بما انه منته إلى الاختيار لا يكون منافيا للاختيار عقابا وان كان منافيا له خطابا وبالجملة موارد الاضطرار إلى ترك الواجب وموارد الاضطرار إلى فعل الحرام وان كانتا تفترقان في ان فعل ما يفضى إلى ترك الواجب يوجب امتناع فعل الواجب كما إذا ترك المسير إلى الحج فان الحج يمتنع وجوده في الخارج بعد ترك مقدمته ولو كان ذلك بالاختيار بخلاف فعل ما يفضى إلى الوقوع في الحرام فانه لا يوجب امتناع الفعل في الخارج بل يوجب امتناع ترك الحرام والانزجار عنه الا انهما تشتركان في ان مخالفة المولى ونقض غرضه الملزم في جميع تلك الموارد إذا كان منتهيا إلى اختيار المكلف وارادته لا ينافى العقاب ولا فرق في ذلك بين كون الامتناع الناشئ من الاضطرار تكوينيا أو تشريعيا ناشئا من الزام الشارع بفعل شيئ أو تركه والجامع بين جميع الموارد هو كون اضطرار المكلف إلى مخالفة المولى منتهيا إلى ارادته واختياره (*)

[ 377 ]

والبقاء بعيد ذلك انشاء الله تعالى. (الثاني) ان محل الكلام في تلك القاعدة انما هو (1) ما إذا كان ملاك الحكم مطلقا بنحو يكون متعلق ذلك الحكم واجد للملاك سواء وجدت مقدته الاعدادية ام لم توجد وكان الحكم بنفسه مشروطا بمجيى زمان متعلقه وهذا كخطاب الحج فانه وان كان مشروطا بمجيئى يوم عرفة على ما هو الحق من امتناع الواجب المعلق الا ان ملاكه يتم بتحقق الاستطاعة فمن ترك المسير إلى الحج بعد الاستطاعة يستحق العقاب على تركه وان امتنع عليه الفعل في وقته لان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار وهذا بخلاف المقام فان التصرف بالدخول من المقدمات التى لها دخل في تحقق القدرة على الخروج وتحقق ملاك الحكم فيه فان الداخل هو الذي يمكن توجيه الخطاب إليه بفعل الخروج أو بتركه دون غيره وإذا كان كذلك امتنع كون الخروج داخلا في موضوع تلك القاعدة. (الثالث) ان الملاك في دخول شيئ في موضوع كبرى تلك القاعدة هو أن تكون المقدمة موجبة للقدرة على ذى المقدمة ليكون الآتى بها قابلا لتوجيه الخطاب باتيان ذى المقدمة إليه وهذا كالمسير إلى الحج فانه حيث كان مقدمة اعداديه للحج وبه تحقق القدرة عليه كان الاتى به قابلا لتوجه الخطاب بالحج إليه كما ان تاركه لامتناع الحج عليه يستحيل طلبه منه لكن الاستحالة لكونها منتهية إلى الاختيار لا تسقط العقاب


(1) لا يخفى ان ما ذكره شيخنا الاستاد قدس سره في هذا الوجه ملا كالدخول شيئ في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار انما يختص بموارد التكاليف الوجوبية واما التكاليف التحريمية فامتناع الموافقة فيها انما يتحقق بارتكاب ما به يضطر المكلف إلى ارتكاب الحرام تكوينا أو من جهة حكم الشارع والزامه بعدم ارتكاب غيره ومن الواضح ان الخروج في محل الكلام كذلك ضرورة انه إذا كان التصرف في الدار المغصوبة بغير الخروج محكوما عليه بالحرمة فعلا اضطر المكلف إلى اختيار الخروج المفروض كونه اقل محذورا من غيره وعليه فالتكليف التحريمي المتعلق بالخروج وان كان ساقطا بالاضطرار إليه الا انه لا ينافى العقاب عليه إذا كان الاضطرار إليه بسوء الاختيار لان الاختيار بالاختيار لا ينافى الاختيار ومما بيناه يظهر الحال في ما افاده قدس سره في الوجه الثالث لانه ايضا يختص بموارد الاضطرار إلى ترك الواجب واما الاضطرار إلى ارتكاب الحرام فهو انما يتحقق بارتكاب ما يفضى إلى امتناع الانزجار عن الحرام كما عرفت (*)

[ 378 ]

لان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار واما في المقام فالدخول وان كان مقدمة اعدادية للخروج الا ان تحققه في الخارج يوجب سقوط النهى عن الخروج إذ بالدخول يكون ترك الخروج غير مقدور على ما اختاروه فكيف يمكن ان يكون الخروج من صغريات تلك القاعدة (وبالجملة) ان ما نحن فيه ومورد القاعدة متعاكسان إذ وجود المقدمة في ما نحن فيه اعني بها الدخول يسقط الخطاب بترك الخروج ولا بد من ان تكون المقدمة في مورد القاعدة دخيلة في فعلية الخطاب كما عرفت. (الرابع) ان الخروج فيما نحن فيه واجب (1) في الجملة ولو كان ذلك بحكم العقل فيكشف ذلك عن كونه مقدورا وقابلا لتعلق التكليف به وكل ما كان كذلك لا يدخل تحت تلك القاعدة قطعا إذ موردها هو ما إذا كان الفعل غير قابل لتعلق الخطاب به لامتناعه فإذا كان قابلا لتعلق الخطاب به ولو عقلا لم يكن هناك ما يوجب سقوط خطابه المتعلق به


(1) لا يخفى ان كون الخروج واجبا بحكم العقل وان كان لا بد فيه من كونه مقدورا تكوينا الا انه مع ذلك غير قابل لتعلق التكليف التحريمي به بعد تحقق الدخول ضرورة ان تحريمه الفعلى مساوق للعجز عنه تشريعا ومن الواضح انه لا يجتمع مع كون التصرف بغير الخروج حراما بالفعل كما هو المفروض لاستلزامه التكليف بما لا يطلق وهو غير معقول نعم لو كان الخروج في نفسه محكوما عليه بالوجوب لما سقط حكمه بالدخول الا ان المفروض ان حكمه في نفسه ومع قطع النظر عن الاضطرار إليه هي الحرمة فلا مناص حينئذ من الالتزام بسقوط حكمه وان صح العقاب على ارتكابه لان الاضطرار إليه بسوء الاختيار على الفرض وعليه فلا وجه لما افيد في المتن من دعوى الملازمة بين الالتزام بكون الخروج واجبا عقلا والالتزام بعدم سقوط حكمه الثابت له شرعا وبالجملة ان جميع ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في هذه الوجوه الاربعة لاثبات ما اختاره من عدم دخول الخروج في محل الكلام في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار ناشئ من خلط الاضطرار في موارد التكاليف التحريمية بالاضطرار في موارد التكاليف الوجوبية وقد تحصل مما ذكرناه بطلان تلك الوجوه وصحة دخول المقام تحت القاعدة المزبورة فالخروج بما انه تصرف في ملك الغير بدون إذ نه ورضاه مبغوض في نفسه وبما انه مضطر إليه يسقط حرمته لكنه يصح العقاب عليه لكون الاضطرار إليه بسوء الاختيار كما هو الحال في غير المقام من موارد الاضطرار إلى الحرام إذا كان الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار (*)

[ 379 ]

شرعا فتعلق الخطاب الوجوبى به وكونه داخلا تحت تلك القاعدة متنافيان فالالتزام بوجوبه ولو عقلا يستلزم خروجه عن موضوع تلك القاعدة ودخوله تحت قاعدة اخرى (فتبين) من هذه الادلة بطلان دخول المقام تحت قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار فلا مناص عن الالتزام بكونه داخلا تحت قاعدة اخرى اعني بها قاعدة (1) وجوب رد مال الغير إلى مالكه فكما يجب رد المغصوب إلى مالكه في غير المقام يجب رده إلى مالكه في المقام ايضا والخروج بما انه تتحقق به التخلية بين المال ومالكه التى بها يتحقق الرد في غير المنقولات يكون واجبا لا محالة (ومن ذلك يظهر) ان ترك مطلق الكون في الدار المغصوبة بعد الدخول بقدر اقل زمان يمكن فيه الخروج وان لم يكن مقدورا للداخل فيها الا ان فردين منه اعني بهما السكون فيها والحركة في غير سبيل الخروج لا اشكال في حرمتهما لانهما تصرف في ملك الغير بدون إذ نه بلا ضرورة تقتضيه واما الخروج فهو واجب بحكم العقل والشرع لكونه مصداقا لرد المال إلى مالكه فالاضطرار إلى كلى التصرف في مال الغير الذي يكون بعض افراده واجبا وبعضها حراما لا يكون اضطرارا إلى خصوص الفرد المحرم منه لترتفع به حرمته كما هو الحال في ما إذا اضطر المكلف لرفع


(1) لا يذهب عليك ان وجوب التخلية بين المال ومالكه لا يستلزم وجوب الحركات الخروجية المتوقف عليها الكون في خارج الدار لانها ليست معنونة بعنوان التخلية قطعا ضرورة انها تصرف في مال الغير بدون اذنه ومصداق للغصب كما عرفت فكيف يعقل كونها مصداقا لعنوان التخلية المقابل لعنوان الاشغال غاية الامران العقل يرشد إلى اختيارها حذرا من الوقوع في الغصب الدائمي ودفعا للافسد بالفاسد واما دعوى انها و ان لم تكن بانفسها مصداقا لعنوان التخلية الا انها مقدمة للكون في خارج المكان المغصوب المنطبق عليه عنوان التخلية فتكون هي واجبة بالوجوب المقدمى فلا يعقل ان تتصف بالمبغوضية والحرمة فهي مدفوعة بان تلك الحركات وان كانت مقدمة للكون في خارج المكان المغصوب الا أن الكون في خارج المكان المغصوب غير متصف بالوجوب شرعا لتجب مقد مته على القول بثبوت الملازمة لان عنوان التخلية عبارة عن ايجاد خلاء المكان المغصوب من التصرف فيه وهذا العنوان عنوان ملازم للكون في خارج ذلك المكان لا انه منطبق عليه كما هو ظاهر فتحصل انه لاوجه للقول بوجوب تلك الحركات التي هي مقدمة للكون في الخارج بالوجوب النفسي أو الغيرى فهو باقية على ما كانت عليه من المبغوضية فيعاقب عليها فيما إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار وان سقطت حرمتها بالاضطرار (*)

[ 380 ]

عطشه إلى شرب الماء الجامع بين النجس وغيره فانه لا يوجب ارتفاع الحرمة عن شرب النجس لعدم الاضطرار إليه وعلى ذلك فلا موجب لتوهم دخول المقام تحت قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار (ثم انه) إذا بنينا على ان الشارع لا يرضى بالتصرف في مال الغير بدون اذنه وان كان ذلك بعنوان التخلية ورده إليه كالخروج من الدار المغصوبة كما هو ليس ببعيد فغاية ذلك ان يكون حال الخروج في المثال حال شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النفس فان الشارع حيث لا يرضى بصدور شرب الخمر من أي شخص كان لما فيه من المفسدة الالزامية يحكم بحرمة المقدمة التي بها يضطر المكلف إلى شربه ولكنه بعد تحقق تلك المقدمة في الخارج لا يقع الشرب المتوقف عليه حفظ النفس الا مطلوبا عقلا وشرعا (1) فيكون الخروج في محل الكلام كذلك فان الشارع بما انه لا يرضى بالتصرف في مال الغير بغير اذنه يحرم المقدمة التى بها يضطر المكلف إلى الخروج اعني بها الدخول فيقع الدخول محرما من جهة نفسه ومن جهة كونه علة للخروج واما الخروج نفسه فهو بعد الدخول يقع محبوبا لا محالة (فتحصل) مما ذكرناه ان التصرف في مال الغير بدون اذنه لا يخلو الامر فيه (2) من أن يكون حاله حال ترك الصلاة المختصة مبغوضيته بحال دون حال ولذلك يجوز للمرأة ان تتوسل إليه بفعل ما يترتب عليه الحيض في الخارج أو من ان


(1) قد عرفت ان الحركات الخروجية غير متصفة بالوجوب النفسي أو الغيرى واما شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النفس الواجب شرعا فهو وان كان متصفا بالوجوب الغيرى على القول بثبوت الملازمة الا ان اتصافه بهذا الوجوب الناشئ من وجود مصلحة في غيره لا ينافى مبغوضيته الذاتية فيصح العقاب عليه إذا كان الاضطرار إليه بسوء الاختيار نعم لو كانت في نفس الشرب مصلحة داعية إلى ايجابه غالبة على ملاك مبغوضيته لما صح العقاب عليه لكنه خلاف الواقع والمفروض (2) بل قد عرفت ان الحركات الخروجية خارجة عن كل من البابين وانها تقع لا محالة على ما كانت عليه من المبغوضية من دون ان يعرض لها جهة وجوب نفسي أو غيرى على انه لو سلم عروض الوجوب الغيرى لها لما كان ذلك منافيا لمبغوضيتها النفسية فيصح العقاب عليها إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار كما كان الحال ذلك عند الاضطرار إلى شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النفس ومن جميع ما ذكرناه في المقام تظهر صحة ما اختاره صاحب الكفاية (قده) في المقام (*)

[ 381 ]

يكون حاله حال شرب الخمر المشتمل على ملاك الحرمة في جميع التقادير فيحرم التسبب بفعل ما يضطر المكلف معه إليه لكنه على تقدير تحقق الاضطرار في الخارج لتوقف واجب فعلى عليه أو لكونه بنفسه مصداق الواجب لا يقع الفعل الا محبوبا وعلى كل تقدير لا يكون الخروج داخلا في موضوع كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار (ومن ذلك يظهر) فساد ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان لزوم الخروج في المقام انما هو بحكم العقل ارشادا إلى اخف القبيحين واقل المحذورين (وجه الظهور) هو ان حكم العقل بذلك انما يكون فيما إذا كان كل من الفعلين قبيحا ومعصية وكان احدهما اقبح من الاخر واضطر المكلف إلى ارتكاب احدهما في الخارج فيحكم العقل في مثل ذلك باختيار اقلهما قبحا واما في المقام فحكم العقل بلزوم الخروج فيه انما هو بملاك لزومه على من توسط الارض المغصوبة بغير اختياره لان الملاك في الجميع واحد (1) اعني به ملاك وجوب رد مال الغير إلى مالكه فلا يقع الخروج حينئذ قبيحا ومعصية ليكون حكم العقل بلزومه من باب حكمه الارشادي بلزوم اختيار اقل القبيحين. (واما الموضع الثاني) عنى به حكم الصلاة الواقعة حال الخروج إذا كان الدخول بسوء اختيار المكلف فمجمل القول فيه ان الصلاة الواقعة حال الخروج إذا كانت في سعة الوقت وتمكن المكلف من ايقاعها في خارج الدار المغصوبة تامة الاجزاء والشرائط فلا ينبغى في فسادها سواء اتى بها مع الركوع والسجود ام اتى بها مع الايماء بدلا عنهما والوجه في ذلك ظاهر بعد الاحاطة بما تقدم واما إذا وقعت في ضيق الوقت أو ممن هو غير مكلف الا بمثل ما يأتي به حال الخروج فان بنينا في هذا الفرض على كون الخروج واجبا و


(1) وقد عرفت ان الحركات الخروجية في محل الكلام لا تكون معنونة بعنوان التخلية ورد المال إلى مالكه وانما هي معنونة بعنوان الغصب وان كان العقل يلزم باختيارها خارجا ارشادا إلى اخف القبيحين واقل المحذورين واما حكمه بلزومها إذا لم يكن التوسط في المكان المغصوب باختيار المكلف وبارادته فانما هو من جهة عدم كون تلك الحركات مبغوضة منه حينئذ إذ المفروض اضطرار المكلف إلى التصرف في ذلك المكان باقل زمان يتحقق فيه الخروج وعدم كون الاضطرار بسوء الاختيار فهذا المقدار من التصرف مما لا بد منه وغير مبغوض للمولى واما غير ذلك من التصرفات فهو باق على مبغوضيته وحرمته - فكم فرق بين ان يكون الاضطرار بسوء الاختيار وان يكون بغير سواء الاختيار فلا تغفل (*)

[ 382 ]

محبوبا فقط فلا اشكال في صحة الصلاة حينئذ بشرط ان لا يستلزم تصرفا زائدا على نفس الخروج كالركوع والسجود على ما تقدم بيان ذلك عند التعرض لحكم الاضطرار بغير سوء الاختيار واما إذا بنينا على دخوله في موضوع قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار واجرينا عليه حكم المعصية فان قلنا بجواز الاجتماع الامر والنهى من الجهة الاولى فلا اشكال في صحة الصلاة ايضا فا نه عليه يكون متعلق الامر مغايرا لمتعلق النهى في مورد الاجتماع لان مقوم الصلاة حينئذ يكون هو القيام الذي هو من مقولة الوضع واما متعلق النهى فهو من مقولة الاين وبذلك يتغاير المتعلقان ويكون كل منهما محكوما بحكمه واما القبح الفاعلى المانع من التقرب فلا يتحقق في ما نحن فيه قطعا (1) لان مادل على ان الصلاة لا تسقط بحال يستفاد منه بالدلالة الالتزامية ارتفاع القبح الفاعلى عند مزاحمته لترك الصلاة رأسا واما إذا قلنا بالامتناع من الجهة الاولى وكون التركيب بين متعلقي الامر والنهى اتحاديا فكون الخروج مبغوضا فعلا يستلزم خروج الفرد المتحد به عن تحت الامر بالصلاة واقعا فلا يصح الامتثال به قطعا وذلك يستلزم سقوط الامر بالصلاة حينئذ لعدم القدرة على امتثاله (2) وهذه نتيجة مهمة تترتب على النزاع في بحث جواز اجتماع الامر والنهى من الجهة الاولى وهنا تم الجزء الاول يتلوه في الجزء الثاني بين دلالة النهى على الفساد والحمد لله رب العالمين


(1) هذا انما يختص بضيق الوقت واما في غيره مما كان المكلف مأمورا باتيان مثل ما يأتي به حال الخروج من اجزاء الصلوة وشرايطها فيجرى فيه الكلام الجارى في الصلوة الواقعة في غير حال الخروج حرفا بحرف لكنك قد عرفت فيما تقدم انه لا اساس لدعوى القبح الفاعلى في امثال المقام فلا مانع من التقرب بما يأتي به حال الخروج إذا كان المأمور به منطبقا عليه من غير نقصان (2) لا يخفى ان ما دل على ان الصلوة لا تسقط بحال كما انه يستفاد منه بالدلالة الالتزامية ان القبح الفاعلى المفروض كونه مانعا من التقرب في سعة الوقت لا يكون مانعا منه في ضيق الوقت كذلك يستفاد منه بتلك الدلالة عدم كون الخروج مبغوضا للمولى عند تضيق وقت الصلوة فتصح الصلوة حال الخروج في ضيق الوقت ولو على القول بالامتناع فلا ثمرة بين القول بالجواز والقول بالامتناع من هذه الجهة اصلا. (*)

[ 385 ]

الجزء الثاني من اجود التقريرات (في بيان دلا لة النهى عن العبادة أو المعاملة على فساد المنهى عنه وعدمها) وقبل الخوض في ذلك لا بد لنا من تمهيد مقدمات (الاولى) الفرق بين هذه المسألة ومسألة اجتماع الامر والنهى هو ان محط البحث في المسألة السابقة كما عرفت انما هو ان متعلق الامر والنهى في مورد الاجتماع هل هو هوية واحدة والتركيب بينهما اتحادى ليكون الدليلان الدالان على الوجوب والحرمة متعارضين أو انهما هويتان وان احدهما غير الاخر وجودا ليكون التركيب انضماميا ولا يقع التعارض بين دليلى حكميهما وبعبارة اخرى النزاع في تلك المسألة انما هو في ان العبادة المجتمعة نحو اجتماع مع المنهى عنه هل يسرى إليها النهى المتعلق بما هو مجتمع معها بدعوى ان التركيب بينهما اتحادى أو انه لا يسرى إليها لكون التركيب بينهما انضماميا وكون متعلق النهى مغايرا لمتعلق الامر في الخارج واما النزاع في المقام فهو في ان النهى بعد الفراغ عن تعلقه بعبادة أو معاملة هل يدل على فسادها أو انه لا يستلزم فساد ما تعلق به منها فالفرق بين المسئلتين في غاية الوضوح (ثم) ان هذه المسألة من المسائل الاصولية قطعا فان نتيجة البحث كبرى كلية إذا انضمت إليه صغراها انتجت نتيجة فقهية بلا توسط شيئ اخر وهذا بخلاف المسألة السابقة فانك قد عرفت (1) ان نتيجتها لا تقع في طريق الاستنباط بلا واسطة (ولا يخفى) ان هذه المسألة من المسائل الاستلزامية العقلية ولا ربط لها بمباحث الالفاظ اصلا لوضوح ان غاية ما يدل عليه النهى باللزوم البين بالمعنى الاعم انما هو عدم الامر بمتعلقه لتضاد هما واما عدم تحقق الملاك فيه ليحكم العقل بفساده فليس اللفظ دالا عليه قطعا والسر في ذكر المسألة في مباحث الالفاظ انما هو ان الاصوليين لم يعقدوا عنوانا


(1) بل عرفت ان نتيجة تلك المسألة ايضا تقع في طريق الاستنباط بلا واسطة فتكون هي ايضا من المسائل الاصولية (*)

[ 386 ]

خاصا للاحكام العقلية غير المستقلة اعني بها مباحث الاستلزامات بل ذكروا كلا منها في مورد لاجل مناسبة ما ومن الظاهر ان المناسب للتعرض لهذه المسألة انما هي مباحث النواهي فلذلك ذكروها فيها هذا بناء على المختار من كفاية اشتمال العبادة على الملاك في صحتها واما بناء على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من اشتراط الامر في الصحة فكون المسألة من مباحث الالفاظ لا يخلو من وجه. المقدمة الثانية: ان المراد بالنهي في المقام هو النهى التحريمي النفسي وأما النهى التنزيهى أو التحريمي الغيرى فلا يدلان على فساد العبادة قطعا (اما الاول) فلما عرفت سابقا من ان النهى التنزيهى عن فرد لا ينافى الرخصة الضمينة المستفادة من اطلاق الامر فلا يكون بينهما معارضة ليقيد به اطلاقه نعم إذا كان شخص المأمور به منهيا عنه كما إذا كان اطلاق الامر شموليا فلا محالة يقع التعارض بين دليليهما فإذا قدم دليل النهى فلا موجب لتوهم الصحة باتيان الفرد المنهى عنه لان الصحة تدور مدار وجود الامر أو الملاك والاول مفقود في المقام على الفرض والثاني لا كاشف عنه إذ الكاشف عنه منحصر بالامر بذلك الفرد بخصو صه إذ المفروض عدم وجود اطلاق بدلى كاشف عن وجود الملاك في متعلقه على اطلاقه فالاتيان بالمنهى عنه يقع فاسدا لا محالة لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام لان محل الكلام انما هو فيما إذا كانت دلالة النهى على الفساد هو الموجب (1) لوقوع المعارضة بين دليلى الامر والنهى ولتقييد متعلق الامر بغيرها تعلق به النهى ومن الواضح ان التعارض في مفروض


(1) لا يخفى انه لا يوجد مورد تكون فيه دلالة النهى على الفساد هي الموجبة لوقوع المعارضة بين دليلى الامر والنهى ولتقييد متعلق الامر بغير ما تعلق به النهى وذلك لان الامر والنهى بانفسهما متنافيان ولا يعقل ان يكون متعلق احدهما متعلقا للاخر وكذلك الحال في بقية الاحكام فلا يكون لدلالة النهى على الفساد مساس بوقوع المعارضة بين دليلى الامر والنهى اصلا وعليه فلا فرق بين النهى التحريمي والنهى التنزيهى الا فيما ذكر من ان النهى التنزيهى عن فرد ما بما انه متضمن للترخيص في فعله لا ينافي اطلاق الامر بالطبيعة بالاضافة إلى ذلك الفرد بخلاف النهى التحريمي فانه ينافى الاطلاق المزبور فيوجب تقييد المأمور به بغير الفرد المنهى عنه لا محالة واما كون التعارض بين دليلى الامر والنهى متوقفا على دلالة النهى على الفساد فلا مورد له اصلا (*)

[ 387 ]

الكلام لا يتوقف على دلالة النهى على الفساد اصلا (واما الثاني) اعني به النهى الغيرى فهو على قسمين الاول ما كان نهيا شرعيا اصليا مسوقا لبيان اعتبار قيد عدمي في المأمور به الثاني ما كان نهيا تبعيا ناشئا من توقف واجب فعلى على ترك عبادة مضادة له بناء على توقف وجود احد الضدين على عدم الاخر (اما القسم الاول) اعني به النهى المسوق لبيان المانعية كما في النهى عن الصلاة في غير المأكول فلا اشكال في دلا لته على الفساد بداهة ان المأمور به إذا اخذ فيه قيد عدمي فلا محالة يقع فاسدا بعدم اقترانه به وهذا خارج عن محل الكلام إذ حال هذه النواهي حال الاوامر المتعلقه بالاجزاء والشرائط المسوقة لبيان الجزئية والشرطية فتكون دلالتها على الفساد عند عدم اقتران المأمور به بالقيد العدمي كدلالة الاوامر على الفساد عند عدم اقتران المأمور به بالقيود الوجودية فكما لا خلاف ولا اشكال في دلالة الاوامر المتعلقة بالاجزاء أو الشرائط على اعتبارها في المأمور به جزء أو شرطا بالمطابقة وعلى فساد العمل الفاقد لشيئ منها بالالتزام لا خلاف ولا اشكال في دلالة النهى الغيرى على اعتبار فيد عدمي في المأمور به بالمطابقة وعلى فساد العمل الفاقد له بالالتزام (واما القسم الثاني) اعني به النهى التبعى الناشئ من توقف واجب فعلى على ترك عبادة كالنهي عن الصلاة المتوقف على تركها وجود الازالة بناء على كون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الاخر فلا موجب لتوهم دلالته على الفساد اصلا وذلك لما عرفته في محله من ان غاية ما يترتب على النهى الغيرى الناشئ من كون ترك متعلقه مقدمة للواجب الاهم انما هو عدم الامر به فعلا ومن انه يكفى في صحة العبادة اشتمالها على ملاك الامر وان لم يتعلق بها بالفعل امر من الموالى ومن الواضح انه لا يمكن استكشاف عدم الملاك من النهى الغيرى المزبور فلا موجب لفساد العبادة المنهى عنها بمثل هذا النهى وقد تقدم الكلام في الكاشف عن وجود الملاك في هذا الحال فلا حاجة إلى الاعادة نعم لو بنينا على اعتبار الامر في صحة العبادة كما اختاره صاحب الجواهر (قده) ومنعنا صحة الترتب لكان هذا النهى الغيرى ايضا دالا على الفساد لكنك قد عرفت فيما تقدم صحة القول بالترتب وعدم اعتبار الامر في صحة العبادة فلا يكون في النهى الغيرى دلالة على الفساد اصلا. المقدمة الثالثة: انه لا اشكال في دخول العبادة بالمعنى الاخص اعني بها الوظيفة التي شرعت لاجل التعبد بها في محل النزاع في المقام واما العبادة بالمعنى الاعم

[ 388 ]

كغسل الثوب وامثاله من مقدمات الصلاة فهي من جهة وقوعها عبادة موجبة للتقرب بها تدخل في محل النزاع فعلى القول بدلالة النهى على الفساد لا تصح عبادة مع النهى عنها واما من جهة اثارها الوضعية المترتبة عليها ولو لم تقع عبادة كطهارة الثوب المترتبة على غسله بالماء فلا يدل النهى عنها على فسادها قطعا كما لا اشكال في دخول المعاملة بالمعنى الاعم من العقود والايقاعات في محل النزاع إذ لا موجب لاختصاصه بالمعاملة بالمعنى الاخص المتوقفة على الايجاب والقبول كما هو ظاهر واما المعاملة بالمعنى الاعم الشاملة للتحجير والحيازة وامثالهما فلم يتوهم احد دلالة النهى فيها على الفساد وعليه فالمراد من المعاملة في محل البحث هو كل امر انشائي يتسبب به إلى امر اعتباري شرعى فيكون شاملا للعقود والايقاعات المقدمة الرابعة: ان التقابل بين الصحة والفساد ليس من قبيل تقابل الايجاب والسلب بداهة ان تقابل الايجاب والسلب يختص بالعدم والوجود المحموليين اللذين يمتنع خلو ماهية من الماهيات من الاتصاف بأحدهما ومن الواضح ان الصحة والفساد ليسا كذلك بل يحتاج صدقهما في الخارج إلى فرض محل قابل لهما ولكنه وقع الكلام في ان الفساد امر عدمي ليكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة أو انه امر وجودي كنفس الصحة ليكون التقابل بينهما من قبيل تقابل التضاد (والظاهر) هو الاول وذلك لان اتصاف عبادة أو غيرها بالفساد لا يحتاج إلى علة مقتضية له في الخارج بل يكفى في تحققه انتفاء شيئ مما اعتبر في صحة تلك العبادة أو غيرها فلا يكون الفساد امرا وجوديا ثم ان الصحة قد تقابل بالفساد فيراد به اختلال الشيئ من جهة اجزائه أو شرائطه المقومة له المستلزم لعدم ترتب الاثر عليه بالمرة وقد تقابل بالعيب فيراد به اختلال الشيئ من جهة اجزائه أو شرائطه الكمالية غير الدخيلة في قوامه المستلزم لعدم ترتب الاثر عليه على النحو الكامل اما ما يقابل الصحة بالمعنى الثاني فلا كلام لنا فيه في المقام واما ما يقابلها بالمعنى الاول اعني الفساد فهو قد يكون في الامور الخارجية وقد يكون في الامور الشرعية لا كلام لنا على الاول وانما الكلام في دلالة النهى على الفساد وعدم دلا لته عليه في القسم الثاني اعني به الامور الشرعية من عبادة أو معاملة (ثم لا يخفى) ان معروض الصحة والفساد لا يمكن ان يكون هي الامور البسيطة من جميع الجهات ولا الامور المركبة التي اعتبرت موضوعا للتكليف بل هما يتصفان بالوجود أو العدم

[ 389 ]

ليس الا اما عدم امكان اتصاف موضوع التكليف بالصحة والفساد فلان موضوعه كالبالغ العاقل المستطيع لا تأثير له في نفس التكليف لما عرفت في بحث الواجب المشروط من ان الاحكام المجعولة الشرعية انما يكون تحققها باعتبار الشارع و جعله اياها على تقدير وجود موضوعها فوجود الموضوع في الخارج وجود لما جعل الحكم على تقدير وجوده من دون ان يكون له دخل فيه بوجه والا لزم انقلاب المجعول التشريعي مجعولا تكوينا وهو خلف (واما عدم) امكان اتصاف الامور البسيطة بالصحة أو الفساد فلان الامور البسيطة من جميع الجهات يستحيل ان تقع في الخارج تارة بنحو تترتب عليها الاثار واخرى بنحو لا تترتب عليها لتتصف بالصحة تارة وبالفساد اخرى (فان قلت) قد بنيت في بحث الصحيح والاعم على ان الفاظ العقود والايقاعات اسام للمسببات دون الاسباب ولا اشكال في انها امور بسيطة فلو كانت الامور البسيطة غير قابلة للاتصاف بالصحة والفساد لامتنع اتصاف العقود والايقاعات بالصحة تارة وبالفساد اخرى مع انه لا اشكال في صحة اتصافهما بهما (قلت) (1) قد ذكرنا في ذلك البحث ان نسبة صيغ العقود بالاضافة إلى ما يترتب عليها كالملكية ونحوها ليست نسبة الاسباب التكوينية إلى مسبباتها بل نسبتها إليها نسبة الالة إلى ذى الالة فليس انشاء الملكية مثلا بصيغته مغايرا لوجود الملكية خارجا بل الفرق بينهما انما هو الفرق بين الايجاد والوجود اعني به الفرق بين المصدر واسم المصدر فالملكية بالمعنى المعبر عنه باسم


(1) قد تقدم في بحث الصحيح والاعم انه ليس انشاء الملكية مثلا عبارة عن ايجادها خارجا لما مر من ان الملكية الشرعية غير قابلة لتعلق الايجاد بها من غير الشارع مع ان المتبايعين ربما لا يلتفتان إليها اصلا واما الملكية الاعتبارية القائمة بهما بالمباشرة فاعتبارها منهما لا يحتاج إلى سبب أو آلة فكما ان نسبة العقد الصادر في الخارج إلى الملكية ليست نسبة الاسباب إلى مسبباتها كذلك ليست نسبته إليها نسبة الالة إلى ذى الالة ولا نسبة الايجاد إلى الوجود هذا مع انك عرفت سابقا ان الايجاد والوجود متحد ان بالذات ومختلفان بالاعتبار فكيف يعقل ان يكون وجود اللفظ ايجادا للملكية مثلا ومع ذلك تكون الملكية مترتبة على وجود اللفظ و مغايرة في الخارج والتحقيق ان اتصاف العقود والايقاعات بالصحة أو الفساد انما هو لاجل ان الامضاء الشرعي انما تعلق في عالم التشريع بنحو القضية الحقيقية بالاعتبار الصادر من شخص خاص مع تحقق قيود مخصوصة ومن جملتها وجود مظهر خاص في مقام ابراز الاعتبار و - (*)

[ 390 ]

المصدر وان كانت بسيطة ولا تتصف الا بالوجود والعدم الا انها بالمعنى المعبر عنه بالمصدر اعني به انشاءها باللفظ المتحد معه خارجا تتصف بالصحة والفساد (بيان ذلك) ان الشارع لما اعتبر بنحو القضية الحقيقية وجود لفظ خاص مع قيود خاصة انشاء للملكية مثلا وآلة لوجودها في عالم التشريع فالصيغة الموجودة في الخارج التى انشا بها الملكية تتصف بالصحة إذا وقعت مطابقة لما اعتبره الشارع انشاء لها في عالم تشريعه كما انها تتصف بالفساد إذا لم تقع مطابقة له وبذلك ظهر ان مناط اتصاف العقود بالصحة والفساد هو انطباق ما اعتبره الشارع في تشريعه انشاء لشيئ ما على ما يوجده المنشئ خارجا وعدم انطباقه عليه وبما ذكرناه من ان نسبة صيغ العقود إلى ما يترتب عليها ليست نسبة الاسباب إلى مسبباتها قد دفعنا في البحث المزبور اشكال عدم جواز التمسك باطلاقات العقود والايقاعات بناء على كون الفاظها اسامى للمسببات دون الاسباب وقد ذكرنا ان ما افاده المحقق العلامة الانصاري (قده) في مقام الجواب عن الاشكال المزبور من ان امضاء المسببات يستلزم امضاء الاسباب لا يمكن الالتزام به فراجع (فتحصل) ان المحل القابل للاتصاف بالصحة والفساد في الامور التشريعية انما هي الامور المركبة من متعلقات الاحكام والمعاملات بالمعنى الاعم الشامل للعقد والايقاع ولمثل التذكية والتطهير ونحوهما اما اتصاف متعلقات التكليف بهما فانما هو باعتبار ما يترتب عليها من الاثر التكويني الاعدادي (1) فانها إذا وقعت في الخارج على النحو الذي تعلق بها الامر فهى تتصف بالصحة الا بالفساد واما اتصاف المعاملة بهما فهو باعتبار ما يترتب عليها من الاثر التشريعي التوليدى لانها اسباب توليدية في حكم الشارع أو العقلاء لاثار خاصة فان وقعت في الخارج على النحو الذي اعتبرت به سببا في عالم الاعتبار لما يتولد منها


- انشائه فان كان ما وقع في الخارج مصداقا لذلك المعنى الكلى المتعلق به الامضاء الشرعي فهو يتصف بالصحة والا فبالفساد وفيما ذكرناه في تحقيق معنى الانشاء وما به يمتاز الاخبار عن الانشاء ما ينفعك في المقام فراجع (1) لا يخفى انه لا يتوقف اتصاف العبادة بالصحة أو الفساد على كون الاحكام تابعة لما في متعلقاتها من المصالح أو المفاسد ليكون مناط اتصاف العبادة بالصحة ترتب الاثر الاعدادي على وجودها في الخارج ومناط اتصافها بالفساد عدم ترتب ذلك الاثر على وجودها فيه فالصحيح ان المناط في اتصافها بالصحة والفساد انما هو وجدان الفرد الموجود في الخارج لتمام الاجزاء والشرايط وفقدانه لشيئ ما منها على ما يعترف به شيخنا الاستاد قدس سره فيما سيأتي (*)

[ 391 ]

بان كانت تامة الاجزاء والشرائط فهى تتصف بالصحة والا فبالفساد (فان قلت) ان ما ذكرته من اتصاف متعلق التكليف بالصحة والفساد باعتبار ترتب اثره الاعدادي عليه و عدم ترتبه عليه لا يستقيم بناء على ما مر في بحث الصحيح والاعم من عدم كون الاثر المترتب على المأمور به متعلقا للامر ولا قيدا له فانه كيف يعقل مع ذلك كون ترتبه وعدم ترتبه عليه مناطا للصحة والفساد (قلت) لا ملازمة بين كون الشيئ باعتبار وجوده وعد مه مناطا للصحة والفساد وكونه مأمورا به استقلالا أو ضمنا وان ما ادعيته من الملازمة بين الامرين ليس بينا في نفسه ولا مبنيا في سياق الدعوى هذا مضافا إلى ان الطبيعي الذي يتعلق به الامر باعتبار ما يترتب عليه من اثره لا يتصف بالصحة والفساد في مقام تعلق الامر به وانما يتصف بهما الموجود الخارجي باعتبار انطباق المأمور به وعدم انطباقه عليه ففى الحقيقة مناط الاتصاف بالصحة والفساد انما هو انطباق المأمور به وعدم انطباقه على الموجود الخارجي و اما ما ذكره من ان مناط اتصاف المأتى به بالصحة والفساد هو ترتب الاثر وعدم ترتبه عليه فانما هو باعتبار استلزام ترتب الاثر على الماتى به لانطباق المأمور به عليه واستلزام عدم ترتب الاثر عليه لعدم انطباق المأمور به عليه فالتعبير بكون ملاك الصحة والفساد هو ترتب الاثر وعدمه انما هو عبارة اخرى عن الانطباق المزبور وعدمه (ثم انك) بعد ما عرفت ان الاتصاف بالصحة والفساد في متعلقات التكاليف وفي المعاملات انما يدور مدار الانطباق و عدمه على ما عرفت بيا نه تعرف ان تفسير الصحة بموافقة الشريعة كما عن المتكلمين أو باسقاط الاعادة والقضاء كما عن الفقهاء انما هو تفسير بما يهم كل طائفة منهما من آثارها لا ان معنى الصحة عند المتكلم يغاير معناها عند الفقية (ثم) ان في كون الصحة والفساد امرين انتزاعيين كالسببية والجزئية والشرطية والمانعية أو جعليين كالملكية والزوجية والضمان ونحوها اقوالا ثالثها التفصيل بين العبادات والمعاملات بتقريب ان الصحة والفساد كما تقدم انما ينتزعان من ترتب الاثر وعدم ترتبه وبما ان ترتب اثار العبادة عليها امر تكويني لا تناله يد الجعل تكون الصحة والفساد من الامور الانتزاعية من الامر التكويني وغير قابلين للجعل التشريعي واما المعاملات فبما ان ترتب آثارها عليها انما هو بجعل الشارع ولو كان ذلك من جهة امضائه لحكم العقلا تكون الصحة والفساد فيها من الامور الجعلية ورابعها التفصيل بين الصحة الواقعية والظاهرية بالالتزام بكون الصحة الواقعية من الامور الانتزاعية وكون الصحة

[ 392 ]

الظاهرية امرا مجعولا تشريعيا وهذا هو المختار (بيان ذلك) انه قد تحقق ان ملاك الصحة والفساد في العبادات هو انطباق المأمور به على الماتى به خارجا وعدم انطباقه عليه و في المعاملات هو انطباق اسبابها على الموجود الخارجي وعدمه ومن الواضح الضرورى ان انطباق الكلى الطبيعي على ما في الخارج وعدم انطباقه عليه امر تكويني غير قابل للجعل التشريعي سواء في ذلك الماهيات الجعلية وغيرها فانطباق المأمور به الواقعي الاولى أو الثانوي أو المأمور به الظاهرى على الموجود الخارجي وعدم انطباقه عليه كانطباق اسباب المعاملات على الموجودات الخارجية وعدم انطباقها عليها غير قابل للجعل التشريعي كما هو الحال في انطباق الماهيات غير الجعلية على الموجودات الخارجية وعدم انطباقها عليها ومما ذكرناه يظهر ان جعل الملكية وغيرها من الاحكام الوضعية عند صدور اسبابها الخاصة وان كان بيد الشارع الا ان تلك الاسباب في مقام الجعل لا تتصف بصحة ولا فساد وانما يتصف بهما الموجود الخارجي باعتبار انطباق تلك الاسباب وعدم انطباقها عليه في الخارج ومن الواضح ان انطباقها وعدم انطباقها على شيئى يستحيل تعلق الجعل التشريعي بهما فلا محالة تكون الصحة والفساد في المعاملات ايضا غير قابلة للجعل بل بملاحظة ما ذكرناه في باب الاجزاء من استحالة عدم كون المأمور به بالامر الواقعي الثانوي مجزيا عن الواقعي الاولى لاستحالة الامر بالفاقد للقيد مع بقاء اعتبار التقييد فمن تعلق الامر بالفاقد يستكشف عدم اعتبار التقييد في هذا الحال يظهر لك ان الصحة في موارد الاوامر الواقعية الثانوية بالنسبة إلى الاوامر الواقعية الاولية غير قابلة للجعل ايضا (واما الصحة) والفساد في موارد الاوامر الظاهرية بالنسبة إلى الاوامر الواقعية فالحق انهما مجعولان بانفسهما قبل انكشاف الخلاف وبعده اما قبل انكشاف الخلاف فلان انطباق المأمور به الواقعي على المأتى به في الخارج وان كان مشكوكا فيه ومقتضى القاعدة الاولية فيه هو الاشتغال والحكم بعدم ترتب اثار الانطباق الا أن للشارع ان يحكم في هذا الحال بالانطباق بمقتضى اصل أو امارة ويتعبد المكلف بترتيب آثار الصحة عملا كما ان له ان لا يحكم به بل يمضى حكم العقل بالاشتغال وعدم ترتيب آثار الانطباق فإذا تعبدنا بذلك كانت الصحة التي هي عبارة عن انطباق المأمورية على المأتى به من الاحكام المجعولة كما انه إذا لم يتعبدنا به وامضى حكم العقل بالاشتغال كان الفساد الذي هو عبارة عن عدم الانطباق مجعولا له امضاء واما بعد انكشاف الخلاف فبما ان للشارع ايضا ان يكتفى بما وقع ناقصا ويفرضه مطابقا للمأمور به وله ان لا يكفى به كانت الصحة

[ 393 ]

والفساد في هذا الفرض ايضا مجعولين بجعل الشارع لكن حكمه بالصحة في هذا الفرض لا يكون من الاحكام الظاهرية الصرفة بل يكون متوسطا بينها وبين الاحكام الواقعية الثانوية فمن جهة اخذ الشك في موضوعه يكون من الاحكام الظاهرية ومن جهة كونه موجبا لفراغ ذمة المكلف من التكليف الواقعي ولو انكشف له الخلاف بعد ذلك يكون شبيها بالاحكام الواقعية الثانوية المقدمة الخامسة: ان النزاع في دلالة النهى على الفساد يعم ما إذا كان هناك ما يقتضى الصحة من اطلاق أو عموم لو لا النهى وما إذا لم يكن ذلك ولو مع قطع النظر عن وجود النهى بحيث كان متعلق النهى في نفسه مشكوك الصحة والفساد لاجل شبهة موضوعية أو حكمية وكان لاجله محكوما بالفساد ولو لم يكن هناك نهى فالنهى عن عبادة أو معاملة بناء على دلا لته على الفساد يوجب في القسم الاول تقييد المطلق أو تخصيص العام بغير الفرد المنهى عنه واما القسم الثاني فالحكم بالفساد فيه وان كان ثابتا في نفسه ومع قطع النظر عن النهى ايضا لان الاصل عدم مشروعية تلك العبادة وعدم ترتب الاثر على تلك المعاملة إلا أنه حكم مستند إلى الاصل العملي والنهى بناء على دلالته على الفساد يكون دليلا عليه ورافعا لموضوع الاصل العملي فلا تصل النوبة إليه وعليه فتخصيص المحقق القمى (قده) محل النزاع بما إذا كان هناك ما يقتضى صحة العبادة أو المعاملة من اطلاق أو عموم ليخرج مثل النهى عن صوم الوصال والقمار عن محل الكلام تخصيص في غير محله ولو لم يكن صرح هو بنفسه بالمثال لمدعاه لا مكن حمل كلامه على انه اراد من الاقتضاء كون الفعل في نفسه قابلا للصحة والفساد فيوافق ما افاده (قده) حينئذ ما اخترناه من ان النزاع المذكور يختص بالمورد القابل للاتصاف بالصحة والفساد لكن تصريحه بالمثال جعل كلامه ظاهرا فيما نسبناه إليه وقد عرفت ان اعتباره في محل الكلام في غير محله. المقدمة السادسة: انه لا اصل يعول عليه في المسألة الاصولية عند الشك في دلالة النهى على الفساد وعدمها سواء كان النزاع في دلا لة النهى على الفساد لفظا ام كان في دلا لته عليه عقلا لاجل دعوى الملازمه بين الحرمة والفساد وعدمها واما الاصل في المسألة الفرعية فيختلف بالنسبة إلى العبادات والمعاملات لان الاصل في جميع موارد الشك في صحة المعاملة يقتضى الفساد لاصالة عدم ترتب الاثر على المعاملة الخارجية وبقاء متعلقها على

[ 394 ]

ما كان عليه قبل تحققها من دون فرق في ذلك بين أن يكون الشك لاجل شبهة حكمية أو موضوعية واما العبادة (1) فان كان الشك في صحتها وفسادها لاجل شبهة موضوعية فمقتضى قاعدة الاشتغال فيها هو الحكم بفساد الماتى به وعدم سقوط امرها واما إذا كان لاجل شبهة حكمية فالحكم بالصحة والفساد عن الشك يبتنى على الخلاف في جريان البرائة والاشتغال عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية (2) هذا كله بحسب ما تقتضيه القاعدة الاولية واما بالنظر إلى القواعد الثانوية الحاكمة على القواعد الاولية فربما يحكم بصحة العبادة أو المعاملة عند الشك فيها بقاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو غير ذلك. إذا عرفت هذه المقدمات فالكلام يقع في مقامين (الاول) في العبادات (والثاني) في المعاملات (اما المقام الاول) فتوضيح الحال فيه بان يقال ان النهى تارة يتعلق بذات العبادة واخرى بجزئها وثالثة بشرطها ورابعة بوصفها الملازم لها أو الخارج عنها اما النهى عن ذات العبادة بذاتها أو بواسطة احد هذه الامور بحيث يكون ذلك واسطة في ثبوت تعلق النهى بذاتها فالحق ان النهى يدل على فسادها وقبل الاستدلال على ذلك لا بأس بدفع الشبهات التي ربما تورد في المقام (الاولى) انه كيف يعقل تعلق النهى بالعبادة مع ان فرض كونها عبادة يستلزم فرض كونها مقربة وفرض تعلق النهى بها يستلزم فرض


1 - لا يخفى ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من التفرقة بين العبادات وغيرها ومن التفرقة بين موارد الشبهة الموضوعية وغيرها وان كان صحيحا في نفسه في الجملة الا انه اجنبي عما هو محل البحث في المقام لان محل الكلام انما هو فيما إذا شك في صحة عبادة أو معاملة بعد الفراغ عن كونها منهيا عنها ولا ينبغى الريب في ان مقتضى الاصل فيه هو الفساد فيما إذا كان المنهى عنه عبادة لان صحة العبادة كما عرفت تتوقف على وجود الامر بها أو اشتمالها على ملاك المحبوبية غير مزاحم بملاك المبغوضية وشيئى منهما لا يكون بمتحقق في فرض كون العبادة منهيا عنها كما هو ظاهر واما إذا كان المنهى عنه غير عبادة فان كان هناك ما يقتضى صحته من اطلاق أو عموم والا فالاصل يقتضى عدم ترتب الاثر عليه فيحكم عليه بالفساد 2 - هذا انما يصح فيما إذا كان الشك في صحة العبادة وفسادها ناشئا من الشك في اعتبار شيئى فيها جزء أو شرطا واما إذا كان الشك المزبور ناشئا من الشك في اصل مشروعية العبادة مع عدم دليل على مشروعيتها فمقتضى الاصل فيه ايضا هو الفساد والوجه فيه ظاهر (*)

[ 395 ]

كونها مبعدة ويستحيل كون شيئ واحد في آن واحد مقربا ومبعدا معا (والجواب) عنها هو ما اشرنا إليه سابقا من ان المراد من العبادة في المقام هو العمل الذي لو شرع لكان تشريعه لاجل التعبد به وكان امره تعبديا أو العمل الذي كان بحسب ذاته عبادة كالسجود والركوع وامثالهما والشبهة المزبورة انما نشأت من تخيل ان المراد من العبادة المنهى عنها هو ما يكون عبادة مقربة بالفعل مع ان الامر ليس كذلك لضرورة استحالة تعلق النهى بمثل ذلك (الثانية) ان العبادة وان فرض تعلق النهى بما الا ان فسادها لا يستند إلى النهى ابدا لان الفساد انما يترتب على عدم مشروعية العبادة ولو مع قطع النظر عن تعلق النهى بها فلا يكون للنهى اثر في فسادها اصلا (والجواب) عنها ان فساد العبادة في فرض عدم تعلق النهى بها انما يكون مستندا إلى الاصل العملي وهي اصالة عدم مشروعيتها عند الشك فيها واما في فرض تعلق النهى بها فالفساد انما يكون مستندا إلى الدليل عليه الرافع لموضوع الاصل العملي اعني به الشك فالفساد في فرض وجود النهى يستند إليه لا محالة (الثالثة) ان النهى عن العبادة من جهة النهى عن جزئها أو شرطها أو وصفها وان كان امرا معقولا الا انه يستحيل تعلق النهى بها بذاتها واما ما ذكر مثالا لذلك من صوم الوصال أو صوم الحائض ونحوهما فهو غير صحيح لان النهى في هذه الموارد ايضا متعلق بخصوصية من خصوصيات العبادة لا بذاتها (والجواب) عنها ان الخصوصية التى بها تتخصص العبادة على نحوين احدهما ما لا يكون موجبا لانقسام العبادة إلى نوعين أو صنفين بل يكون امرا اخر مقارنا لها وموجبا لتشخصها به كالنظر إلى الاجنبية في الصلاة ونحو ذلك والنهى في هذا القسم لا بد (1) من ان يتعلق بتلك الخصوصية دون ذات العبادة والوجه فيه ظاهر وثانيهما ما يكون موجبا للانقسام المزبور فإذا تعلق النهى بخصوص نوع


(1) بل الصحيح ان النهى في هذا القسم قد يتعلق بالخصوصية المقارنة للمأمور به لمفسدة في نفس تلك الخصوصية وقد يتعلق بالفعل المقترن بتلك الخصوصية لمفسدة في نفس ذلك الفعل فيكون اقتران الفعل بتلك الخصوصية من قبيل الواسطة في الثبوت لتعلق النهى بنفس الفعل نعم ربما تقوم قرينة متصلة أو منفصلة على ان النهى المتعلق في ظاهر الدليل بالفعل المتخصص دون نفس الخصوصية نهى عرضى وانه متعلق في الحقيقة بالخصوصية المقترن بها الفعل فالخصوصية تكون من قبيل الواسطة في العروض دون الثبوت وكيف كان فكل من القسمين ممكن في نفسه فلابد في الحكم بتعينه من دلالة دليل عليه (*)

[ 396 ]

أو صنف من العبادة كان هذا النوع أو الصنف منهيا عنه بذاته لا محالة والظاهر ان خصوصية صوم الوصال وصوم الحائض من القسم الثاني فان المكلف هو الركن الاعظم في تشريع الحكم وجعله وباختلافه يختلف ذات العبادة حسنا وقبحا فربما تكون عبادة محبو بة من شخص وتكون مبغوضة من شخص آخر فالصوم الصادر من الحائض نوع مستقل في قبال الصوم الصادر من غيرها كما ان الزمان من مقومات الصوم وباختلافه تختلف حاله حسنا وقبح فيكون محبوبا في زمان ومبغوضا في زمان اخر فالمناقشة في اصل المثال كالمناقشة في امكان تعلق النهى بذات العبادة مناقشة في غير محلها (واما الدليل) على المدعى اعني به دلالة النهى على الفساد فهو ان النهى إذا تعلق بذات عبادة ولو كان ذلك بواسطة امر اخر يكون واسطة في الثبوت فهو لا محالة يستلزم عدم الامر بها فان اعتبرنا في صحة العبادة تعلق الامر بها كما اختاره صاحب الجواهر (قده) فد لا لة النهى عن العبادة على فسادها في غاية الوضوح وان اكتفينا في صحتها باشتمالها على الملاك كما هو المختار فلان الملاك الذي يمكن بحكم العقل ان يتقرب بالفعل المشتمل عليه من المولى انما هو الملاك الذي يكون في حد ذاته علة تامة للبحث ولم يكن عدم طلب المولى على طبقه الا من جهة عدم قدرة المكلف على امتثاله لاجل وجود طلب آخر اهم من ذلك الطلب كما هو الحال في موارد التزاحم في مرحلة الامتثال واما الملاك المعدوم أو المغلوب لملاك النهى فكما انه يستحيل كونه داعيا للمولى إلى البعث يستحيل ان يكون موجبا لصحة التقرب بما اشتمل عليه فإذا فرضنا ان اكرام العالم الفاسق ليس فيه ملاك يقتضى طلبه أو فرضنا ان ملاكه مغلوب لملاك حرمته امتنع التقرب به من المولى وبما ان المفروض في المقام حرمة العبادة وانها تشكف كشفا قطعيا عن عدم ملاك الامر فيها أو عن كونه مغلوبا لملاك طلبه لا يصح التقرب بها قطعا هذا مضافا إلى ما ذكرناه (1) في المبحث السابق من ان فعلية التقرب بما يصلح ان يتقرب به في نفسه


1 - دعوى اعتبار عدم القبح الفاعلى في صحة التقرب بالعبادة وان كانت قد عرفت ما فيها الا ان الصحيح في المقام هو عدم صحة العبادة المنهى عنها لاستحالة التقرب بالمبغوض وما يصدر قبيحا في الخارج فالعبادة المنهى عنها بما انها بنفسها قبيحة ومبغوضة للمولى غير قابلة لان يتقرب بها من المولى بالضرورة فتقع فاسدة لا محالة (*)

[ 397 ]

مشروطة عقلا بعدم كونه مزاحما بالقبح الفاعلى وبما ان العبادة المنهى عنها تصدر مبغوضة ومتصفة بالقبح الفاعلى يستحيل التقرب بها من المولى وان كان فيها ملاك الوجوب ايضا (هذا كله) في النهى المتعلق بذات العبادة واما النهى عن جزء العبادة فالتحقيق انه يدل ايضا على فسادها (وتوضيح الحال) فيه هو ان جزء العبادة اما أن يؤخذ فيه عدد خاص كالوحدة المعتبرة في السورة بناء على حرمة القران واما ان لا يؤخذ فيه ذلك اما الاول اعني به جزء العبادة المعبر فيه عدد خاص فالنهى المتعلق به يقتضى فساد العبادة لا محالة لا الاتى به في ضمن العبادة اما ان يقتصر عليه فيها أو يأتي بعده بما هو غير منهى عنه وعلى كلا التقديرين لا ينبغى الاشكال في بطلان العبادة المشتملة عليه فان الجزء المنهى عنه لا محالة يكون خارجا عن اطلاق دليل الجزئية أو عمومه فيكون وجوده كعدمه فان اقتصر المكلف عليه في مقام الامتثال بطلت العبادة لفقدها جزئها وان لم يقتصر عليه بطلت من جهة الاخلال بالوحدة المعتبرة في الجزء كما هو الفرض ومن هنا تبطل صلاة من قرأ احدى العزائم في الفريضة سواء اقتصر عليها ام لم يقتصر لان قرائتها تستلزم الاخلال بالفريضة من جهة ترك السورة أو من جهة لزوم القران بل لو بنينا على جواز القران لفسدت الصلاة في الفرض ايضا لان دليل الحرمة قد خصص دليل الجواز بغير الفرد المنهى عنه فيحرم القرآن (1) بالاضافة إليه لا محالة هذا مضافا إلى ان تحريم الجزء يستلزم اخذ العبادة بالاضافة إليه بشرط لا (2) سواء اتى به في محله المناسب له كقرائة العزيمة بعد الحمد


حرمة القرآن في العبادة عبارة عن اعتبار عدم اقتران جزء بمثله في صحة تلك العبادة كما قيل باعتبار عدم اقتران سورة بمثلها في صحة الصلوة ومن الواضح انه إذا بنينا على جواز و عدم اعتبار عدم الاقتران المزبور في صحة العبادة لم تكن حرمة الجزء في نفسها مقتضية لبطلان العبادة ما لم يكن هناك موجب آخر للبطلان ضرورة انه غاية ما يترتب على كون جزء العبادة محرما ومبغوضا هو بطلان نفسه وعدم جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال واما بطلان اصل العبادة فلا يترتب على حرمة الجزء المأتى به بوجه الا ان يكون هناك موجب آخر للبطلان على ما يتضح الحال فيه انشاء الله تعالى (2) لا يخفى ان حرمة جزء العبادة لو كانت موجبة لاعتبار العبادة بالاضافة إليه بشرط لا لكانت حرمة كل شيئى موجبة لذلك ايضا إذ لا فرق في هذه الجهة بين كون المنهى عنه من سنخ اجزاء العبادة وعدم كونه من سنخها فلا بد من الالتزام ببطلان كل عبادة اتى في ضمنها بفعل - (*)

[ 398 ]

ام اتى به في غير محله كقرائتها بين السجدتين ويترتب على ذلك امور كلها موجبة لبطلان العبادة المشتملة عليه (الاول) كون العبادة مقيدة بعدم ذلك المنهى عنه فيكون وجوده مانعا عن صحتها وذلك يستلزم بطلانها عند اقترانها بوجوده (الثاني) كونه زيادة في الفريضة (1) فتبطل الصلاة بسبب الزيادة العمدية المعتبر عدمها في صحتها ولا يعتبر في تحقق الزيادة قصد الجزئية إذا كان المأتى به من جنس احد اجزاء العمل نعم يعتبر قصد الجزئية في صدقها إذا كان المأتى به من غير جنسه (الثالث) خروجه عن ادلة جواز مطلق الذكر في الصلاة فان دليل الحرمة لا محالة يوجب تخصيصها بغير الفرد المحرم فيندرج الفرد المحرم في عموم ادلة بطلان الصلاة بالتكلم العمدي إذ الخارج عن عمومها انما هو الذكر غير المحرم وما ذكرناه هو الوجه في بطلان الصلاة بالذكر المنهى عنه واما ما يتوهم من ان الوجه في ذلك


- محرم خارجي كالنظر إلى الاجنبية في الصلوة مع انه واضح البطلان فالتحقيق ان حرمة شيئى ما تكليفا لا تقتضي اعتبار أي عبادة بالاضافة إلى ذلك الشيئى بشرط لا ضرورة انه لا منافاة اصلا بين صحة العبادة وحرمة ذلك الشيئى الواقع في اثنائها وعليه فحال الجزء المنهى عنه حال غيره من المحرمات في انه لا يوجب فساد العبادة إذا وقع في اثنائها ما لم يكن هناك موجب آخر للبطلان (1) لا يذهب عليك ان هذا الوجه كالوجه الثالث لو تم لاختص بالصلوة ولا يجرى في غيرها من العبادات مع ان الكلام في المقام لا يختص بالنهي عن جزء من اجزاء خصوص الصلوة كما هو ظاهر على انه لا يتم شيئى من الوجهين المذكورين اما الوجه الثاني فلان صدق عنوان الزيادة على ما حقق في محله يتوقف على قصد الجزئية بما يؤتى به في الخارج من دون فرق بين كون المأتى به من سنخ اجزاء العمل وكونه من غير سنخها نعم في خصوص السجود و الركوع لا يتوقف صدق العنوان المزبور على القصد المذكور لورود النص بذلك في السجود والقطع بعدم الفرق بينه وبين الركوع من هذه الجهة وعليه فالجزء المحرم ما لم يقصد به جزئيته للصلوة لا يتحقق به عنوان الزيادة المترتب عليه بطلانها واما الوجه الثالث فلانه لا دليل على بطلان الصلوة بالذكر المحرم وانما الدليل قد دل على بطلانها بكلام الادميين والذكر المحرم ليس منه على الفرض فالتحقيق انه لا تبطل الصلوة باتيان الجزء المحرم الا فيما ورد النهى عنه في خصوص الصلوة المستفاد منه مانعيته عن صحتها وفيما اتى به بقصد كونه جزء من الصلوة الموجب لتحقق عنوان الزيادة فيها كما عرفت (*)

[ 399 ]

هو دخوله في كلام الادميين فهو فاسد لان المفروض انه ذكر محرم ومن الواضح انه لا يخرج بسبب النهى عنه عن كونه ذكر اليدخل في كلام الادميين (واما الثاني) اعني به ما لم يؤخذ فيه عدد خاص فقد اتضح الحال فيه مما تقدم لان جميع الوجوه المذكورة المقتضية لفساد العبادة المشتملة على الجزء المنهى عنه جارية في هذا القسم ايضا وانما يختص القسم الاول بالوجه الاول منها (واما النهى عن شرط العبادة) أو وصفها فان رجع إلى النهى عن نفس العبادة كان حكمه حكمه وذلك مثل النهى عن الاجهار بالقرائة الراجع إلى النهى عن القرائة الجهرية في الحقيقة لان القرائة الجهرية بما انها حصة خاصة من مطلق القرائة كان النهى عن الاجهار بها نهيا عن نفس تلك الحصة الخاصة فهو يندرج في باب النهى عن جزء العبادة إذا كانت القرائة جزئا لها وفي باب به الامر عن نفس العبادة إذا كانت القرائة بنفسها عبادة مستقلة واما في غير ذلك فلا موجب لفساد العبادة بالنهي عن شرطها أو وصفها لعدم سراية النهى عنهما إليها بوجه اصلا وهذا ظاهر في النهى عن الوصف واما في النهى عن الشرط فلان شرط العبادة الذي تعلق به النهى انما هو المعنى المعبر عنه باسم المصدر واما المتعلق للنهى فهو المعنى المعبر عنه بالمصدر (1) فما هو متعلق النهى ليس شرطا للعبادة وما هو شرط لها لم يتعلق به النهى مثلا الصلاه مشروطة بالتستر فلو فرضنا حرمة لبس خاص فان لم يكن النهى عنه نهيا عن الصلاة معه فهو لا يوجب بطلانها لفرض مغايرة متعلقه لها فيكون حاله حال النظر إلى الاجنبية في اثناء الصلاة ومنه ظهر بطلان تقسيم الشرط إلى تعبدي كالطهارات الثلاث وغير تعبدي كالتستر ونحوه لان شرط الصلاة انما هي الطهارة المراد بها معنى اسم المصدر المقارنة معها زمانا واما الافعال الخاصة من الوضوء والتيمم والغسل فهي بنفسها ليست شرطا للصلاة وانما هي محصلة لما هو شرطها (2) فما هو عبادة اعني بها نفس الافعال ليس شرطا


قد عرفت فيما تقدم ان المعنى المعبر عنه باسم المصدر لا يغاير المعنى المعبر عنه بالمصدر إلا بالاعتبار وانهما امر واحد وجودا وخارجا وعليه فلا يعقل كون احدهما مأمورا به والاخر منهيا عنه فلا مناص من الالتزام بكون النهى المتعلق بالشرط موجبا لكون التقيد بالشرط المأمور به في ضمن الامر بالمقيد متقيدا بغير الفرد المحرم ضرورة ان المأمور به لابد من ان يكون مغايرا في الوجود للمنهى عنه في الخارج فالعبادة المقترنة بالشرط المنهى عنه لا تكون مما تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها فتقع فاسدة لا محالة ولا يفرق في ذلك بين كون الشرط عباديا وكونه غير عبادي كما هو ظاهر. (2) هذا هو المعروف بين الاصحاب ولكن لا يبعدان تكون الطهارة عنوانا منطبقا على - (*)

[ 400 ]

للصلاة وما هو شرط لها اعني به نفس الطهارة فهو ليس بعبادة بل حاله حال بقية الشرايط في عدم اعتبار قصد القربة فيها ولذلك يحكم بصحة صلاة من صلى غافلا عن الطهارة فانكشف كونها مقترنة بها فتلخص ان حال الشرايط حال بقية الاوصاف في ان النهى عنها لا يوجب فساد المشروط أو المتصف بها ما لم يكن النهى عنها نهيا عن نفس المشروط أو المتصف بها واما فيما إذا كان كذلك فلا اشكال في فساد العبادة كما عرفت. تنبيه: ذكر جملة من المحققين ان كون شيئ مانعا من صحة العبادة واعتبار عدمه فيها يتصور باحد وجوه (الاول) ان تكون المانعية مستفادة من النهى الغيرى الدال عليها نظير التقييد بالقيود الوجودية المدلول عليه بالاوامر الغيرية (الثاني) ان تكون المانعية مستفادة من النهى النفسي الدال على حرمة العبادة كالنهي عن الصلاة في الحرير بناء على عدم كونه نهيا غيريا والوجه في استفادة المانعية من النهى النفسي وتقييد المأمور به بعدم تحققه في ضمن ما تعلق به النهى هو ما اشرنا إليه مرارا من ان اطلاق متعلق الوجوب لحصة خاصة ينافى الحرمة المتعلقة بها سواء في ذلك كون الاطلاق شموليا وكونه بدليا فإذا قدم دليل الحرمة كما هو المفروض كان موجبا لتقييد اطلاق المأمور به فلا محالة يختص الامر بغير الحصة المنهى عنها (الثالث) ان تكون المانعية ناشئة من التزاحم وعدم قدرة المكلف على امتثال الخطابين معا (اما القسم الاول) فلا اشكال فيه في ان مقتضى اطلاق الدليل الدال على المانعية هي المانعية الواقعية المطلقة فلا ترتفع بالجهل أو النسيان أو الاضطرار إذ حال القيد العدمي على هذا هو حال القيود الوجودية والاصل الاولى فيها يقتضى كون التقييد بها واقعيا ومطلقا لجميع احوال المكلف ولازم ذلك عدم جواز الاكتفاء بغير القميد مطلقا الا إذا قام دليل بالخصوص على الاجزاء واما الشك في المانعية وعدمها في هذا القسم فحكمه يبتنى على اختيار البرائة أو الاحتياط في بحث الاقل والاكثر الارتباطيين (واما القسم الثالث) فلا اشكال في ان الموجب للتقييد فيه هو تنجز خطاب الاهم وكونه موجبا لعجز المكلف عن امتثال خطاب المهم فما لم يتنجز خطاب الاهم لا موجب للتقييد وان كان هناك التكليف بالاهم ثابتا في الواقع كما في موارد الجهل والنسيان فعند الشك في وجود التكليف بالاهم يقطع بعدم وجود المزاحم للتكليف بالمهم إذا كان الشك المزبور موردا لجريان


- نفس الغسل والوضوء والتيمم ويكون اشتراط الصلوة بها مثلا من قبيل اشتراط العبادة بالشرط المتقدم وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى محله (*)

[ 401 ]

البرائة عقلا أو نقلا فجريان الاصل في هذا القسم يرفع موضوع التقييد واقعا ولا ينافى ذلك وجود التكليف في الواقع لعدم كونه مزاحما للتكليف الفعلى ما لم يكن واصلا إلى المكلف وشاغلا له بامتثاله عن امتثال غيره (واما القسم الثاني) فهو متوسط بين القسمين (توضيحه) ان الموجب للتقييد فيه هي فعلية الحرمة ومضادتها لاطلاق الوجوب فإذا كانت الحرمة موجودة في الواقع ولو مع عدم تنجزها على المكلف كما في موارد الجهل أو النسيان كان التقييد باقيا على حاله لعدم ارتفاع موجبه بالجهل أو النسيان فيكون حال هذا القسم حال القسم الاول من هذه الجهة واما إذا لم تكن الحرمة ثابتة في الواقع بل كانت ساقطة بعروض اضطرار و نحوه فربما يقال فيه بسقوط اعتبار التقييد ايضا لانتفاء موجبه لان المفروض ان الموجب للتقييد انما هي فعلية الحرمة ومضادتها لاطلاق المأمور به فإذا سقطت بالاضطرار ونحوه كان التقييد بلا موجب وعلى ذلك يترتب انه إذا شك في المانعية لاجل الشك في الحرمة النفسية كان الحكم فيه هو الرجوع إلى البرائة ولو بنينا على الاشتغال في الشك في الاقل والاكثر الارتباطيين وذلك لان الشك في المانعية في مفروض الكلام بما انه مسبب عن الشك في الحرمة النفسية فبجريان البرائة عنها يرتفع موضوع الشك في المانعية فلا يبقى مجال الحكم العقل بالاشتغال ومن هنا ذهب جماعة ممن لا يجوز الصلاة فيما يشك في كونه من اجزاء مالا يؤكل لحمه إلى جواز الصلاة في ما يشك في كونه ذهبا أو حريرا و (لكن التحقيق) يقتضى فساد القول المزبور (1) وفساد ما رتبوه عليه اما فساد القول بسقوط اعتبار التقييد عند سقوط الحرمة باضطرار ونحوه فلان المانعية اعني بها تقييد اطلاق المأمور به بغير الحصة المنهى عنها لو كانت في طول الحرمة ومترتبة عليها لتم ما ذكروه من ارتفاعها بارتفاع موجبها اعني به الحرمة لكن الامر ليس كذلك فان اطلاق المأمور به وشموله لحصة خاصة وان كان يضاد حرمتها فلا بد من رفع اليد عنه في فرض كونها محرمة الا انك عرفت فيما تقدم ان وجود احد الضدين لا يكون علة لعدم الضد الاخر وفي مرتبة سابقة عليه بل هما متلازمان فإذا سقط احدهما لموجب يقتضيه من اضطرار ونحوه فلا موجب لسقوط الملازم الاخر وبالجملة إذا كان دليل النهى يقتضى حرمة متعلقه وتقييد متعلق الامر بغير


(1) تقدم الكلام في صحة هذا القول عن قريب وبينا هناك انها لا تتوقف على كون وجود احد الضدين في مرتبة سابقة على عدم الاخر كما ذكرنا ان الملاك الذي لا يكون مؤثرا في مبغوضية فعل في نظر المولى لا يمنع من التقرب بذلك الفعل إذا كان مشتملا على ملاك المحبوبية بالفعل (*)

[ 402 ]

الحصة المنهى عنها في عرض واحد بلا تقدم وتأخر بينهما لم يكن سقوط احدهما لعارض ملازما لسقوط الاخر هذا مضافا إلى انه لا يترتب على الاضطرار ونحوه الا سقوط نفس التكليف واما الملاك المقتضى لجعله لو لم يكن هناك مانع منه فهو بعد على حاله فلا محالة يقع التزاحم بينه وبين ملاك الامر وبما ان المفروض غلبة ملاك النهى وكونه اقوى من ملاك الامر لا يمكن التقرب من المولى بما يشتمل عليه فيبقى التقييد المستفاد من النهى باقيا على حاله كما كان الامر كذلك فيما إذا لم يكن الخطاب ساقطا اللهم الا ان يقال ان سقوط الخطاب ان كان مستندا إلى العجز العقلي وحكم العقل باستحالة طلب غير المقدور فالامر كما ذكر من ان سقوط الحرمة لا يكون كاشفا عن انتفاء الملاك واما إذا استند ذلك إلى الدليل الشرعي كما في موارد الاضطرار والنسيان فلا محالة يكشف ذلك الدليل عن اختصاص الحكم من اول الامر بغير تلك الموارد فلا كاشف عن وجود الملاك فيها ليكون مزاحما لملاك الامر وعليه يكون ارتفاع الحرمة ملازما لانتفاء اعتبار التقييد ايضا (واما فساد ما رتبوه عليه) فلان الشك في المانعية بناء على تسليم كون المانعية مترتبة على الحرمة وان كان مسببا عن الشك فيها إلا أنه ليس كل اصل يجرى في السبب يكون حاكما على الاصل الجارى في المسبب بل يختص ذلك بما إذا كان المشكوك بالشك المسببى من الاثار الشرعية للمشكوك بالشك السببي وكان الاصل الجارى في السبب ناظرا إلى الغاء الشك في المسبب كما إذا غسل ثوب متنجس بماء مسبوق بالكرية وشك في بقائها فاصالة بقاء الكرية رافعة للشك في نجاسة كل ما غسل به وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لان كون لبس الحرير أو الذهب مانعا عن صحة الصلاة إذا كان مترتبا على حرمته الذاتية التي لا ينافيها عروض الحلية لعارض كاضطرار ونحوه لم تكن اصالة البرائة الجارية لاثبات تعيين الوظيفة العملية متكفلة لارتفاع الحرمة الذاتية لتكون حاكمة على اصالة الاشتغال الجارية عند الشك في المانعية على الفرض وهذا نظير حرمة اكل لحم الحيوان المترتب عليها فساد الصلاة إذا وقعت في شيئ من اجزائه فان المراد من تلك الحرمة هي الحرمة الذاتية الثابتة لمعروضها بعنوانه الاولى التي لا ينافيها عروض الحلية بالاضطرار ونحوه فإذا اضطر المكلف إلى اكل لحم الارنب مثلا لم تجز الصلاة في اجزائه لان المانع على الفرض انما هي الحرمة الذاتية وهي لا ترتفع باضطرار ونحوه وانما ترتفع به الحرمة الفعلية وعلى فإذا شككنا في حلية لحم حيوان

[ 403 ]

وحرمته فاصالة الاباحة وان كانت موجبة فعلا للترخيص العملي في اكله وعدم تنجز الحرمة الواقعية على تقدير ثبوتها وترتيب جميع آثار الحلية الواقعية على مادام الشك باقيا إلا انها لا توجب ارتفاع الحرمة الذاتية لترتفع به المانعية المترتبة عليها نعم إذا كانت المانعية مترتبة على الحرمة الفعلية دون الذاتية كان الاصل الرافع للحرمة رافعا للشك في المانعية وحاكما على الاصل الجارى فيها واما المقام الثاني اعني به النهى عن المعاملات فتوضيح الحال فيه بان يقال ان النهى إذا تعلق بمعاملة وكان نهيا غيريا مسوقا لبيان المانعية فلا اشكال في دلا لته على الفساد سواء تعلق بسبب خاص فدل على تقييد السبب الممضى عند الشارع بعدم تلك الخصوصية ام تعلق بالمسبب عن ذلك السبب فدل على عدم ترتبه عليه بالمطابقة وعلى تقييد السبب الممضى عنده بعدم تلك الخصوصية بالالتزام واما إذا كان النهى نهيا تحريميا نفسيا فهو تارة (1) يكون متعلقا بالسبب اعني به ايجاد المعاملة بما هو ايجاد لها من دون ان يكون


(1) قد عرفت فيما تقدم انه لا سببية في باب انشاء العقود والايقاعات اصلا كما عرفت انه لا معنى لا يكون النهى متعلقا بالمعنى المعبر عنه بالمصدر تارة وبالمعنى المعبر عنه باسم المصدر اخرى فالتحقيق في هذا المقام ان يقال ان هناك ثلثة امور احدها اعتبار الملكية مثلا القائم بمن بيده الاعتبار اعني به الشارع وثانيها اعتبار الملكية القائم بالمتبايعين مثلا مع قطع النظر عن امضاء الشارع له وعدم امضائه له وثالثها اظهار المبايعين في مفروض المثال اعتبارهما النفساني بمظهر خارجي من لفظ أو غيره اما الاعتبار القائم بالشارع فهو غير قابل لتعلق النهى به ليقع الكلام في دلالته على الفساد وعدم دلالته عليه ضرورة ان الاعتبار القائم بالشارع خارج عن تحت قدرة المكلف واختياره فكيف يعقل تعلق النهى به فإذا فرض في مورد ان الاعتبار المزبور مبغوض له لم يصح نهى المكلف عن بل الشارع بنفسه لا يوجد مبغوضه وهذا ظاهر لا يكاد يخفى واما الاعتبار القائم بالمتبايعين مثلا فهو وان كان قابلا لتعلق النهى به الا انه لا يدل على عدم امضاء الشارع له لان سلب القدرة عن المكلف في مقام التكليف لا يستلزم حجر المالك وعدم امضاء اعتباره على تقدير تحققه في الخارج لان النهى انما يتكفل باظهار الزجر عن تحقق متعلقه في الخارج من دون تعرض لامضائه على تقدير تحققه وعدم امضائه فإذا كان لدليل الامضاء اطلاق بالاضافة إلى الفرد المنهى عنه لم يكن مانع من الاخذ به اصلا ومن هنا يظهر انه لا وجه لقياس شيخنا الاستاد - (*)

[ 404 ]

نفس ما يوجد في الخارج مبغوضا للمولى وهذا كالنهي عن البيع وقت النداء أو حين الاشتغال بالصلاة واخرى يكون متعلقا بالمسبب اعني به نفس ما يوجد في الخارج ويصدر من المكلف وهذا كالنهي عن بيع آلات اللهو والقمار ونحوهما وبعبارة أخرى النهى التحريمي النفسي قد يتعلق بانشاء معاملة بما هو انشاء بنحو يساوق معنى المصدر وقد يتعلق بنفس المنشاء بنحو يساوق معنى اسم المصدر والحق في المقام هو التفصيل بين النهى المتعلق بالسبب فلا يدل على الفساد والنهى المتعلق بالمسبب فيدل عليه اما عدم دلالة تعلق النهى بالسبب على فساد المعاملة فلان مبغوضية الانشاء في المعاملة بما هو فعل من افعال المكلف لا تستلزم عدم ترتب اثر المعاملة عليها بوجه ضرورة انه لا منافات بين حرمة انشاء البيع وقت النداء مثلا وحكم الشارع بترتب اثره عليه في الخارج فيحتاج اثبات الفساد حينئذ إلى قيام دليل آخر عليه غير النهى وهو مفقود على الفرض واما دلالة تعلق النهى بالمسبب على فساد المعاملة فلان صحة المعاملة تتوقف على ثلاثة امور (الاول) كون كل من المتعاملين مالكا للعين أو بحكمه ليكون امر النقل بيده ولا يكون اجنبيا عنه (الثاني) ان لا يكون محجورا عن التصرف فيها من جهة تعلق حق الغير بها أو لغير ذلك من اسباب الحجر ليكون له السلطنة الفعلية على التصرف فيها (الثالث) ان يكون ايجاد المعاملة بسبب خاص و آلة خاصة وعلى ذلك فإذا فرض تعلق النهى بالمسبب وبنفس الملكية المنشأة مثلا كما في النهى عن بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر كان النهى معجزا مولويا للمكلف عن الفعل ورافعا لسلطنته عليه فيختل بذلك الشرط الثاني المعتبر في صحة المعاملة اعني


- قدس سره تعلق النهى بمعاملة بموارد ثبوت الحجر عنها شرعا لاجل تعلق حق الغير بالمال الواقع عليه المعاملة أو لغير ذلك من اسباب الحجر واما النهى المتعلق بذات ما يكون به اظهار الاعتبار من المتبايعين كالنهي عن البيع المنشأ باللفظ اثناء الاشتغال بصلوة الفريضة أو النهى المتعلق بمظهر الاعتبار المزبور بما هو مظهر فعدم دلا لتهما على عدم كون الاعتبار النفساني القائم بالمتبايعين ممضى عند الشارع ظاهر لاسترة عليه فالصحيح ان حرمة المعاملة لا تدل على فسادها مطلقا نعم إذا كان النهى عن معاملة ما ظاهرا في كونه في مقام الردع عنها وعدم امضائها كان دالا على فسادها مطلقا الا ان ذلك خارج عما هو محل الكلام بين الاعلام و بما ذكرناه في تحقيق الحال في المقام يظهر ما في كلمات الاعاظم من الخلط والاضطراب والله هو الهادى إلى سواء السبيل (*)

[ 405 ]

به كون المكلف مسلطا على المعاملة في حكم الشارع ويترتب على ذلك فساد المعاملة لا محالة وعلى ما ذكرناه يترتب تسالم الفقهاء على فساد الاجارة على الواجبات المجانية (1) فان المكلف بعد خروج العمل عن سلطانه لكونه مملوكا له تبارك وتعالى لا يمكنه تمليكه من الغير باجارة ونحوها وحكمهم ببطلان منذور الصدقة (2) فان المكلف بنذره يكون محجورا عن كل ما ينافى الوفاء بنذره فلا تنفذ تصرفاته المنافية له وحكمهم بفساد معاملة خاصة إذا اشترط في ضمن عقد خارجي عدمها كما إذا باع زيد داره واشترط على المشترى عدم بيعها من عمرو فان الشرط المزبور لوجوب الوفاء به يجعل المشترى محجورا من البيع المزبور فلا يكون نافذا إلى غير ذلك من الموارد المشتركة مع المقام في الملاك اعني به


(1) بطلان الاجارة في هذه الموارد مستند إلى العلم الخارجي بلزوم الاتيان بالواجب في هذه الموارد مجانا وبلا عوض والا فكون العمل مملوكا لله تعالى نحو ملك يغاير نحو الملك الاعتباري لا يستلزم بطلان الاجارة ولا لزم بطلانها فيما كان متعلقها متصفا بالوجوب شرعا في جميع الموارد مع انه واضح البطلان. (2) لا يخفى ان بيع منذور الصدقة إذا لم يكن النذر من نذر النتيجة ليس مما تسالم الفقهاء على بطلانه بل هو محل الخلاف بينهم نعم إذا كان النذر من نذر النتيجة مع كون النذر مطلقا وغير مشروط بشيئ أو مع فرض حصول المعلق عليه في الخارج بطل البيع لانتقال المال معه إلى المنذور له على الفرض فيكون بيع الناذر له بيعا لغير ملكه فيلحقه حكمه والتحقيق ان وجوب الوفاء بالنذر لا ينافى امضاء البيع وصحته إذ لا منافاة بين لزوم المال بمقتضى التزام الناذر به بالدلالة الالتزامية وصحة البيع على تقدير تحققه في الخارج غاية الامر انه يترتب على البيع المزبور استحقاق العقاب ولزوم الكفارة وشيئ منهما لا يستلزم بطلان البيع بل ان البايع إذا كان مطمئنا بانتقال المال إليه بعد بيعه وبعدم ترتب مخالفة النذر على بيعه لم يلزم الحنث ايضا ببيعه وكيف كان فوجوب الوفاء بالنذر تكليفا لا يستلزم بطلان البيع المزبور ابدا وعليه فلا وجه لما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من ان الناذر بنذره يكون محجورا عن التصرف في المال المزبور ومما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا اشترط ترك معاملة ما في ضمن عقد خارجي لان غاية ما يترتب على الشرط المزبور هو وجوب الوفاء بالشرط بترك تلك المعاملة واما فسادها على تقدير تحققها فهو لا يترتب على الشرط المزبور فلا بد في الحكم به من التماس دليل آخر والا فيحكم بصحتها ان هناك ما يقتضى صحتها من اطلاق أو غيره (*)

[ 406 ]

استلزام نهى المولى عن معاملة حجر المكلف عنها المترتب عليه فساد تلك المعاملة وعدم ترتب الاثر عليها شرعا (فان قلت) ان الفاظ المعاملات بما انها اسام للصحيحه لا بد من ان يكون متعلق النهى فيها صحيحا حين وقوعه وايضا تعلق النهى بالمسبب يستلزم كونه مقدورا للمكلف ليتمكن من امتثاله وعصيانه وعلى ذلك فالنهى عن المسبب يدل على صحة المعاملة ونفوذها كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) (قلت) قد عرفت فيما تقدم ان ما يتصف بالصحة والفساد انما هي الاسباب وأما المسببات فهي لا تتصف بهما بل تتصف بالوجود أو العدم وعليه فالنهى المتعلق بالمسبب لو كان متعلقا بما هو مسبب في نظر الشارع وفي اعتباره لتم ما ذكرت من ان النهى عنه يدل على صحة المعاملة لا على فسا دها لكن الامر ليس كذلك ضرورة ان النهى انما يتعلق بالمسبب العرفي (1) المجتمع مع امضاء الشارع وعدم امضائه له ومع النهى عنه وعدمه غاية الامر ان النهى عنه يقتضى حجر المكلف عنه المستلزم لعدم امضاء الشارع له الذي هو عبارة اخرى عن فساد المعاملة فالنهى عنه وهو المسبب العرفي مقدور للمكلف قبل النهى وبعده على حد سواء وفرق واضح بين عدم القدرة على ايجاد الملكية العرفية وعدم كونها ممضاة للشارع وما يكون منافيا للنهى انما هو الاول وما ادعينا استلزام النهى له هو الثاني وبالجملة ما تعلق به النهى وان كان لا بد من الالتزام بكو نه مقدورا حين وقو عه ليتمكن المكلف من امتثاله وعصيا نه الا ان صحته العرفية كافية في ذلك وهي لا تنافى فساده شرعا لاستلزام النهى له كما عرفت (ثم ان هناك روايات) ربما استدل بها على عدم دلا لة النهى على الفساد وهى الروايات الواردة في عدم نفوذ نكاح العبد من دون اذن مولاه وان صحته موقوفة على اجازته معللة بان العبد لم يعص الله تبارك وتعالى وانما عصى سيده فإذا اجاز جاز وتقريب الاستدلال بها على ذلك هو ان صريح الروايات هو ان عصيان العبد سيده


(1) بل الصحيح كما عرفت ان النهى المتعلق بمعاملة مالا بد من ان يتعلق بالاعتبار القائم بالمتبايعين أو بما يكون مظهرا له في الخارج وعلى كل من التقديرين لا يكون النهى دليلا على الصحة كما لا يكون دليلا على الفساد واما الاعتبار القائم بالعقلاء المعبر عنه بالمسبب العرفي اعني به امضاء العقلاء الاعتبار القائم بالمتعاملين فحاله حال الاعتبار القائم بالشارع في انه غير قابل لتعلق النهى به وزجر المتعاملين عنه ومن ذلك يظهر ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فتدبر جيدا (*)

[ 407 ]

لا يستلزم بطلان النكاح وانما يوجب توقف صحته على اجازة مولاه وبما ان عصيان السيد يلازم عصيانه تعالى يستفاد من تلك الروايات عدم استلزام عصيانه تعالى لبطلان النكاح واما عصيانه تعالى المستلزم لفساده بمقضتى مفهو مه قوله عليه السلام انه لم يعص الله فلا بد من ان يراد به العصيان الوضعي بمعنى ان العبد لم يرتكب ما هو غير مشروع في نفسه كالنكاح في العدة على ما مثل الامام عليه السلام له بذلك لئلا يكون قابلا للصحة بعد وقوعه بل ارتكب امرا مشروعا في نفسه قابلا لتعلق الاجازة به من المولى فيصح عند تعلق الاجازة به واما العصيان التكليفى الذي هو محل الكلام في المقام فهو غير مراد من العصيان المنفى في الرواية قطعا لان عصيان السيد ملازم لعصيانه تبارك وتعالى فلا يصح نفيه مع اثبات عصيانه لسيده (ولكن التحقيق) (1) فساد الاستدلال المذكور لان صحته تتوقف على ان يراد من العصيان في كل من الموردين معنى يغاير ما يراد منه في الاخر وهذا خلاف الظاهر جدا فالظاهر ان المراد من عصيان الله تعالى المستلزم للفساد بمقتضى


(1) بل التحقيق ان يقال ان المراد من لفظ العصيان الوارد في هذه الروايات هو العصيان الوضعي في كل من الموردين بتقريب ان النكاح المزبور بما انه كان مشروعا في نفسه في الشريعة المقدسة لا يكون مانع من صحته ونفوذه الا عدم رضاء السيد به وعدم اجازته له فإذا ارتفع المانع بحصول الاجازة جاز النكاح والوجه في ذلك ان نكاح العبد بغير اذن سيده ليس من التصرفات المحرمة شرعا ولذا لو عقد العبد لغير نفسه لما احتاج نفوذه إلى اجازة سيده قطعا كما ان غير العبد لو عقد للعبد لاحتاج نفوذه إلى اجازة السيد بلا اشكال مع انه لم يتحقق في الفرض عصيان تكليفي من العبد ولا من غيره بالضرورة فيتعين ان يكون المراد من العصيان في الروايات هو العصيان الوضعي فيكون المتحصل من الروايات والله العالم ان النكاح لو كان غير مشروع في نفسه كما إذا كان واقعا في العدة ونحو ذلك لكان ذلك باطلا وغير قابل للصحة واما إذا كان في نفسه مشروعا غاية الامر انه اعتبر في صحته ونفوذه رضاء سيده به كان فساده دائرا مدار عدم رضاء السيد حدوثا وبقاء ويؤيد ما ذكرناه انه لو كان العقد محرما لعارض كما إذا قصد به اضرار مسلم ونحو ذلك لما حكم بفساد العقد قطعا مع ان حرمة هذا العقد حرمة لا تقبل الارتفاع ابدا فيكشف ذلك عمن ان الحرمة التكليفية لا تستلزم فساد العقد ابدا فتحصل مما ذكرناه انه كما لا تدل الروايات على دلا لة النهى على الصحة كذلك لا تدل على دلالته على الفساد فهى ساكتة من هذه الجهة وقد عرفت انه لا دليل آخر على دلالة النهى على الفساد فالصحيح هو القول بعدم دلالته عليه في غير العبادات (*)

[ 408 ]

مفهوم الرواية هو العصيان التكليفى واما ما ذكر من تحقق عصيا نه في المقام لاستلزام عصيان السيد له فهو وان كان صحيحا إلا أن المنفى في الرواية ليس مطلق عصيا نه تعالى بل خصوص عصيا نه المتحقق بمخالفة نهيه الراجع إلى حقه تعالى على عبيده مع قطع النظر عن حقوق الناس بعضهم على بعض فيكون المتحصل من الرواية ان عصيان العبد لسيده بنكاحه من دون اذنه لو كان ناشئا من مخالفة نهى متعلق بذلك النكاح من حيث هو في نفسه لما فيه من المفسدة المقتضية لذلك لا وجب ذلك فساده كما في النهى عن النكاح في العدة لان متعلق هذا النهى مبغوض للشارع حدوثا وبقاء لاستمرار مفسدته المقتضية للنهى عنه واما إذا كان عصيان العبد ناشئا من مخالفة النهى عن التمرد على سيده فهو يدور مدار تمرده عليه حدوثا وبقاء فإذا رضى سيده بما عصاه فيه ارتفع عنه النهى بقاء فلا يكون حينئذ موجب لفساده ولا مانع من صحته فالمستفاد من الروايات هو ان الفساد يدور مدار النهى حدوثا وبقاء فالنهى الالهى الناشئ من تفويت حق الغير انما يوجب فساد المعاملة فيما إذا كان النهى باقيا ببقاء موضوعه واما إذا ارتفع باجازة من له الحق تلك المعاملة ارتفع النهى ايضا فالقول الصحيح هو ان الروايات تدل على دلالة النهى على الفساد وعلى ان صحة المعاملة لا تجتمع مع عصيانه تعالى نعم إذا كان العصيان ناشئا من تفويت حق من له الحق توقفت صحة المعاملة على اجازته الموجبة لارتفاع النهى ومن هذا البيان ظهر انه لا يختص الحكم بصحة المعاملة الفضولية الملحوقة بالاجازة بالمعاملة الواقعة على ملك الغير بل يعم المعاملة الواقعة على متعلق حق الغير ايضا ولو صدرت المعاملة من العاقد على ما يملكه خلافا للمحقق القمى (قده) حيث خصه بما إذا وقعت المعاملة على ملك الغير (هذا كله) فيما إذا تعلق النهى بالسبب أو بالمسبب واما إذا تعلق بالاثار كالنهي عن اكل الثمن ونحوه فاستكشاف الفساد عنه بنحو الان في غاية الظهور (تنبيه) لا يخفى ان جميع ما ذكرناه في دلا لة النهى على الفساد وعدمها يختص بالنهي الذاتي واما النهى التشريعي المتعلق بمعاملة أو عبادة فتوضيح الحال فيه بأن يقال ان المعاملة التي لا يعلم كونها مشروعة وممضاة عند الشارع إذا اتى بها بقصد ترتب الاثر عليها تشريعا فهى ان بقيت على ما هي عليه من الجهل بكونها مشروعة فلا اشكال

[ 409 ]

في فسادها إلا أنه ليس من جهة دلالة النهى على الفساد بل من جهة اصالة عدم ترتب الاثر عليها عند الشك فيه واما إذا انكشف بعد ذلك كونها مشروعة وممضاة عند الشارع وان كان المكلف من جهة عدم علمه بالحال قد اوقعها على وجه التشريع والمبغوضية فلا وجه للقول بفسادها وذلك لان المنهى عنه حينئذ انما هو عنوان التشريع وايقاع المكلف المعاملة بهذا العنوان المنتفى بالعلم بكونها مشروعة واما نفس المعاملة بذاتها فليس فيها جهة مبغوضية اصلا فلا يكون مثل هذا النهى موجبا للفساد كما عرفت واما العبادات فالحق ان النهى التشريعي فيها يدل على فسادها مطلقا (وبيان ذلك) يحتاج إلى مقدمة وهى ان الاحكام العقلية تفارق الاحكام الشرعية في ان متعلقات الاحكام الشرعية هي ذوات الافعال مع قطع النظر عن علم المكلف وجهله بها وانما يكون علم المكلف طريقا محضا إلى الحكم الثابت لمتعلقاتها وهذا بخلاف الاحكام العقلية فانها لا تثبت الا للعناوين المعلومة بما هي كذلك فالعلم مأخوذ فيها على نحو الموضوعية (والسر) في ذلك هو ان الاحكام الشرعية انما تكون تابعة لما في متعلقاتها من المصالح والمفاسد من دون دخل في ذلك لعلم المكلف بها واما حكم العقل بالحسن أو القبح فليس هو الا بمعنى ادراكه استحقاق الفاعل للمدح والثواب أو الذم والعقاب ومن الواضح أنه لا بد في استحقاقهما من صدور الفعل عن قصد والتفات فلا يكون الفعل من دون ذلك مورد الحكم العقل قطعا (ثم انه) قد يكون حكم العقل في موارد العلم والجهل بالحكم الشرعي ناشئا من ملاك واحد تشترك فيه جميع تلك الموارد وقد يكون حكمه في موارد العلم بالحكم الشرعي ناشئا من ملاك واقعى وفي موارد الجهل به ناشئا من ملاك اخر طريقي (اما الاول) فهو كحكم العقل بقبح التشريع فان حكمه به انما هو من جهة كون التشريع تصرفا في سلطان المولى بغير اذنه فما لم يحرز كون الحكم مشروعا يكون اسناده إلى المولى تصرفا في سلطانه وافتراء عليه وهو قبيح ولا فرق في ذلك بين ما إذا علم المكلف بعدم كون ذلك الحكم مشروعا وما إذا شك في ذلك لان ملاك القبح في الصورتين امر واحد اعني به التصرف في سلطان المولى بغير اذنه ولا يبعد ان يكون حكم العقل بقبح الكذب من هذا القسم وعليه يكون الاخبار بشيئ عند عدم احراز مطابقته الواقع كاسناد شيئى إلى المولى مع عدم احراز كونه مشروعا محكوما بالقبح

[ 410 ]

عقلا سواء كان المخبر عالما بعدم المطابقة كان شاكا فيها (واما الثاني) فهو كحكم العقل بقبح فعل ما يترتب عليه هلاك النفس قطعا أو احتمالا فان حكمه بقبح ذلك الفعل في موارد احراز تحقق الهلكة حكم واقعى ناشئى من ملاك واقعى اعني به حفظ النفس وفي موارد الشك فيها حكم طريقي ناشئ من الاهتمام بمراعات الواقع وكحكمه بقبح الاقدام على معصية المولى فان حكمه بذلك في موارد القطع بالمعصية حكم ناشئ من ملاك واقعى اعني به التعدي على المولى وفي موارد الشك فيها كموارد الاقتحام في الشبهة قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الاجمالي حكم طريقي ناشئ من ملاك التحفظ عن الوقوع في المعصية الواقعية (وتظهر الثمرة) بين القسمين في جريان الاصول العملية وعدمه فالقسم الاول لا يجرى فيه الاصل (1) فانه إذا شك في كون عمل مشروعا كان حكم العقل بقبحه حكما واقعيا محرزا بالوجدان لفرض ان موضوعه اعم من العلم بعدم كونه مشروعا ومن الجهل به فلا مجال حينئذ لجريان اصالة عدم كونه مشروعا إذ لا يترتب على جريان الاصل العملي الا كون الحكم المترتب على مجرى الاصل محرزا تعبدا ومع احرازه وجدانا كما هو المفروض في المقام لا يبقى مجال لجريانه إذ لا معنى للتعبد بما هو محرز وجدانى فانه تحصيل للحاصل بل هو من اردى انحائه كما هو واضح وعلى ذلك يتفرع عدم جريان اصالة عدم الحجية عند الشك فيها على ما سيجئ


(1) التحقيق انه لا مانع من جريان الاصل في كل مورد كان مجرى الاصل فيه قابلا للوضع والرفع فيحرز بجريانه وجود ذلك الامر القابل للوضع والرفع أو عدمه فإذا جرت اصالة عدم مشروعية شيئى احرز بها عدم مشروعيته شرعا فيكون حرمة التشريع حينئذ لاجل احراز عدم المشروعية لا لاجل الشك في المشروعية ليكون ذلك من تحصيل الحاصل بل من اردء انحائه واما دعوى لزوم اللغوية من التعبد المزبور بتوهم ان الاثر المرغوب المترتب على جريان الاصل حاصل في الخارج ولو لم يكن هناك تعبد شرعى فيكون التعبد بعدم المشروعية لاجل ترتب ذلك الاثر عليه لغوا فهى مدفوعة بان حصول الاثر في الخارج بسبب آخر غير التعبد الشرعي على تقدير عدمه لا يوجب كون التعبد الموجب لارتفاع ذلك السبب في الخارج لغوا والا كان التعبد الشرعي بالاباحة الظاهرية لغوا لان العقل يحكم في فرض عد مه بالترخيص لقبح العقاب بلا بيان وسيجيئ لذلك مزيد توضيح عند التكلم في جريان اصالة عدم الحجية عند الشك فيها في محله انشاء الله تعالى (*)

[ 411 ]

بيا نه في محله واما القسم الثاني فلا مانع فيه من جريان الاصل واحراز المكلف بسببه موضوع الحكم الواقعي أو عد مه تعبدا كما في موارد استصحاب الضرر أو استصحاب عد مه فيكون استصحاب العدم حينئذ موجبا لا من المكلف من العقاب من مخالفة الواقع فلا يبقى معه موضوع للحكم العقلي الطريقي (إذا عرفت ذلك) فنقول ان العبادة المأتى بها تشريعا بما انها محكومة بالقبح بحكم العقل تكون محرمة بحكم الشرع ايضا لقاعدة الملازمة فتكون مبغو ضة واقعا حين وقوعها فلا محالة تقع فاسدة وان انكشف بعد ذلك كونها مشروعة في نفسها (فان قلت) إذا استقل العقل بقبح شيئ امتنع ان يتعلق به حكم شرعى مولوى فإذا حكم الشارع في مورده بحكم لزم حمله على الارشاد كما هو الحال في موارد حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية وعليه يكون نهى الشارع عن التشريع ارشاديا لا مولويا ليقع محرما ومبغوضا ومن الواضح انه إذا لم تقع العبادة محرمة شرعا فلا موجب لبطلانها بعد انكشاف كونها مشروعة (قلت) ليس الميزان في عدم كون فعل قابلا لان يتعلق به الحكم الشرعي المولوي هو استقلال العقل بحكم ذلك الفعل حسنا أو قبحا لان موارد الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع كموارد حكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل من هذا القبيل بل الميزان في ذلك هو كون حكم ذلك المورد منجعلا تكوينا وثابتا له بالذات إذ كل ما كان كذلك لا يكون قابلا للجعل التشريعي قطعا وهذا كقبح المعصية وحسن الطاعة وحجية القطع فانا قد بينا سابقا ان وجوب امتثال كل تكليف وحرمة عصيا نه ينتهيان بالاخرة إلى امر ذاتي اعني به الحسن الثابت لنفس الاطاعة والقبح الثابت لنفس المعصية فانهما ثابتان لهما بالذات ضرورة انهما لو كانا منتهيين إلى وجوب اخر لدار أو تسلسل ولاجل ذلك لا تكون الطاعة والمعصية قابليتين لتعلق الحكم المولوي الشرعي بهما وكذلك حجية كل حجة مجعولة تنتهى بالاخرة إلى حجية العلم في ذاته ضرورة انه لو لا العلم باعتبار الشارع اصلا أو امارة حجة وكون العلم حجة في ذاته لما كان ذلك الاصل أو تلك الامارة حجة فما هو حجة تكوينية بالذات انما هو العلم واما غيره فهو ينتهى إليه في سبيل حجته لا محالة ولو انتهى العلم إلى غيره في حجيته لدار أو تسلسل ومما ذكرناه يظهر ان قبح التشريع ليس على حد قبح المعصية ليكون ذاتيا له ومنجعلا تكوينا فهو حينئذ قابل لتعليق الحكم

[ 412 ]

المولوي الشرعي به وإذا كان كذلك فبالملازمة العقلية بين حكم العقل وحكم الشرع تستكشف من قبحه عقلا حرمته شرعا (فان قلت) سلمنا ان التشريع محكوم بالحرمة الشرعية الا ان ما هو قبيح بحكم العقل انما هو نفس التشريع الذي هو من سنخ الاعمال القلبية فالمحرم حينئذ هو البناء القلبى على ثبوت حكم في الشريعة في ظرف عدم العلم به ومن الواضح ان حرمة فعل قلبى لا تستلزم حرمة الفعل الخارجي ليترتب عليها بطلا نه إذا كان عبادة (قلت) ليس الامر كذلك إذ التشريع ليس عبارة عن العمل القلبى المحض لانه بنفسه لا يكون تصرفا في سلطان المولى وافتراء عليه بل هو داخل في باب العزم على المعصية الذي ورد في اخبار كثيرة العفو عنه كما انه ليس عبارة عن نفس الفعل الخارجي بما هو بالضرورة بل هو عبارة عن الفعل الصادر عن هذا البناء القلبى بالجرى على طبقه في الخارج ولو كان ذلك بالافتاء على طبقه فحقيقة التشريع وان كانت متقومة بالبناء القلبى إلا أنه جهة تعليلية لصدق عنوان التشريع على ما يصدر من المكلف في الخارج من عمل أو افتاء فمصداق التشريع انما هو الفعل الصادر من المكلف وان كان قوام كونه تشريعا هو البناء القلبى وعليه فما هو قبيح عقلا وحرام شرعا انما هو نفس الفعل الخارجي الصادر عن البناء القلبى (فان قلت) سلمنا صدق التشريع على الفعل الخارجي وكون ذلك الفعل محكوما بالحرمة شرعا ولكن مثل هذه الحرمة لا تكون مقيدة لاطلاق المأمور به بغير هذا الفعل لتكون مستلزمة لفساد، كما كان الامر كذلك في الحرمة الذاتية والسرفيه ان حرمة الفعل في موارد التشريع انما تثبت له في مرتبة عدم احراز حكم الفعل في نفسه فتكون هي في مرتبة متأخرة عن مرتبة حكم الفعل في نفسه فلا تنافي الحرمة التشريعية رجحان الفعل في نفسه ليترتب على ثبوت الحرمة تقييد متعلق الرجحان بغير متعلقها (قلت) نعم ان حرمة التشريع وان لم تكن في مرتبة رجحان الفعل الا انك قد عرفت فيما تقدم انه لا يكفى في صحة العبادة وحصول التقرب بها رجحانها في نفسها بل لا بد مع ذلك من كونه غير مزاحم بالقبح الفاعلى (1)


(1) قد عرفت ما في دعوى اعتبار عدم القبح الفاعلى في صحة العبادة وحصول التقرب بها و التحقيق في الجواب ان يقال ان رجحان الفعل في نفسه ومع قطع النظر عن قبح التشريع وان كان ثابتا حال التشريع ايضا في مفروض الكلام إلا أنه لا يكفى في صحة العبادة وحصول التقرب بها بل لا بد في ذلك من كون العبادة متصفة بالرجحان الفعلى حال صدوره فلو كان الفعل حال صدوره مبغوضا للمولى ولو لاجل العوارض الخارجية لما امكن التقرب به من المولى كما هو ظاهر - (*)

[ 413 ]

وعليه فبما ان الفعل الصادر تشريعا يصدر من المكلف قبيحا ومبغوضا لا يكون قابلا لان يتقرب فاعله به وان كان الفعل راجحا في حد نفسه فاتضح من جميع ماكرناه ان الحرمة التشريعية كالحرمة الذاتية في دلا لتها على الفساد في خصوص العبادات الا أن جهة الدلالة فيها مختلفة. (المقصد الثالث في المفاهيم) وقبل الخوض في المقصود ينبغى تقديم مقدمه وهي انا قد ذكرنا في بحث المعاني الحرفيه ان لفظ المفهوم انما يطلق على شيئ باعتبار كو نه مدركا بسيطا عقلانيا سواء وضع بازائه لفظ ام لم يوضع وسواء استعمل فيه لفظ ام لم يستعمل والمفهوم بهذا المعنى يختص بالمفاهيم الافرادية المدلول عليها بمواد الالفاظ أو بهيئاتها واما المفهوم المقابل للمنطوق الذي هو محل الكلام في المقام فهو يختص بالجمل التركيبية فلفظ المفهوم حينئذ يكون مشتركا لفظيا بين المعنيين بخلاف لفظ المدلول فانه مشترك معنوى بينهما فيطلق على ما يستفاد من الالفاظ المفردة وعلى ما يستفاد من الجمل التركيبية بمعنى واحد ثم ان انفهام معنى خاص من لفظ مخصوص ان استند إلى وضع ذلك اللفظ بازاء ذلك المعنى فالدلالة مطابقيه وان استند إلى وضعه بازاء معنى اخر يستلزم انفهامه من اللفظ انفها مه فالد لالة التزامية وبهذا البيان تد خل الدلالة التضمنية في الدلالة الالتزامية ولا تكون قسما آخر في قبالها إذ اللازم في الد لالة الالتزامية كون انفهام شيئ لازما لانفهام الموضوع له كما في مثال العمى والبصر لا كون نفس ما يفهم من اللفظ لازما لنفس الموضوع له لتخرج بذلك الد لالة التضمنية عن تعرف الدلالة الالتزامية (ثم ان) الدلالة الالتزامية تنقسم إلى قسمين لفظية وعقلية لان لزوم انفهام شيئ لانفهام الموضوع له ان كان بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص كما في مثال الضوء والشمس أو العمى والبصر فالد لالة لفظية لعدم احتياج دلالة اللفظ حينئذ إلى مقدمة اخرى عقلية وان كان بنحو اللزوم البين بالمعنى الاعم بأن يكون (1)


- فلا فرق في استلزام حرمة عبادة لفسادها بين كون حرمتها ذاتية وكونها تشريعية ومن ذلك يظهر ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره في المقام (1) لا يذهب عليك ما في الكلام شيخنا الاستاد قدس سره في المقام من خلط اللزوم البين بالمعنى الاعم باللزوم غير البين فان اللزوم البين بالمعنى الاعم انما يمتاز عن اللزوم البين بالمعنى - (*)

[ 414 ]

الانفهام اللازم لانفهام الموضوع له محتاجا إلى مقدمة خارجية كانفهام وجوب مقدمة من وجوب ما يتوقف عليها كانت الدلالة عقلية (ثم ان) انفهام مفهوم تركيبي من جملة تركيبية ان استند إلى دلالة نفس الجملة في حد ذاتها على ذلك المعنى كانت الد لالة منطوقية وان استند إلى لزومه لانفهام منطوق الجملة بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص لتكون الدلالة لفظية كانت الدلالة مفهومية وبنحو اللزوم البين بالمعنى الاعم لتكون الدلالة عقلية كانت الدلا لة سياقية كما في دلالة الاقتضاء والتنبيه والاشارة وغيرها من دون فرق في ذلك بين دلالة جملة واحدة على المعنى التركيبي ودلا لة جملتين عليه والاول كما في قوله صلى الله عليه وآله كفر في جواب من قال هلكت واهلكت واقعت اهلي في نهار شهر رمضان فانه يدل على كون الوقاع المذكور سببا لوجوب الكفارة والثاني كدلا لة الايتين المباركتين على كون اقل الحمل ستة اشهر ومن ذلك يظهران تعريف المنطوق بانه ما دل عليه اللفظ في محل النطق انما هو باعتبار كون المدلول معنى مطابقيا للجملة كما ان تعريف المفهوم بانه ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق انما هو باعتبار كونه مدلولا التزاميا في ما إذا كان اللزوم بينا بالمعنى الاخص لتكون الدلالة على المفهوم من اقسام الدلا لة اللفظية (ثم انه) قد ظهر مما ذكرناه ان النزاع في حجية المفهوم وعدمها انما هو نزاع في وجود المفهوم وعد مه لان النزاع في الحقيقة انما هو في دلالة اللفظ عليه بنحو الالتزام وعد مها لا في حجيتها بعد تسليم تحققها (ثم ان) النزاع في كون المفهوم والمنطوق من صفات اللفظ أو المعنى أو الدلالة لا يترتب عليه ثمرة مهمة في المقام اصلا فالمهم صرف الكلام إلى بيان دلالة اللفظ على المفهوم وعدمها فنقول انه قد وقع النزاع في دلالة اللفظ على المفهوم في موارد فلا بد من التعرض لكل واحد منها في فصل مستقل والتكلم في ما يخصه نفيا واثباتا.


- الاخص بانه يكفى في اللزوم البين بالمعنى الاخص تعقل نفس الملزوم في الانتقال إلى لازمه بخلاف اللزوم البين بالمعنى الاعم فانه لا يكفى فيه ذلك بل لابد فيه من تصور اللازم والملزوم والنسبة بينهما واما إذا كان لزوم انفهام شيئ لانفهام شيئ آخر محتاجا إلى ضم مقد مة عقلية خارجية فاللزوم لا يكون بينا اصلا وعليه فانفهام وجوب المقدمة من وجوب ذى المقدمة بما انه يحتاج إلى حكم العقل بثبوت الملازمة يكون من قبيل اللزوم غير البين (*)

[ 415 ]

(فصل في مفهوم الشرط) اختلفوا في دلالة الجملة الشرطية على المفهوم وعد مها ولتحقيق الحال في المقام لابد من تقديم امرين (الاول) قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط ان ادوات الشرط انما وضعت لتعليق مفاد جملة على مفاد جملة اخرى من دون فرق بين أن تكون الجملة المعلقة انشائية وان تكون خبرية فالمعلق على دخول الوقت في قولنا إذا دخل الوقت فصل انما هو وجوب الصلاة المستفاد من الجملة الانشائية كما ان المعلق على طلوع الشمس في قولنا إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود انما هو وجود النهار المستفاد من الجملة الخبرية وعلى كلا التقديرين لابد في القضية الشرطية من أخذ المقدم مفروض الوجود ليحكم بالتالى وعليه يكون المقدم مقيدا للحكم الثابت في التالى ورافعا لاطلاقه وبالجملة يكون المقدم في القضية الشرطية قيد النفس الحكم المذكور في التالى وبذلك يفترق هذا القيد عن قيود الواجب فان قيد الواجب انما يكون قيدا للمادة في نفسها وقبل عروض الوجوب عليه فيكون التقييد في مرتبة سابقة على عروض الوجوب عليها واما قيد الوجوب فهو وان كان قيدا للمادة ايضا (1) على ما بيناه سابقا لاستحالة تقييد مفاد الهيئة لانه معنى حرفي وملحوظ آلى الا ان كونه قيدا للمادة انما هو باعتبار عروض الوجوب عليها فيكون تقييدها و عروض الحكم عليها في مرتبة واحدة وفي عرض واحد وقد ذكرنا هناك ان ما ذكره المحقق التفتازانى من ان القضية الشرطية هي ما حكم فيها بثبوت نسبة على تقدير ثبوت نسبة اخرى ان اراد منه ان مفاد القضية الشرطية بالاخرة يرجع إلى ذلك فلا كلام لنا فيه وان اراد ان مفادها هو ذلك ابتداء فهو غير صحيح لان النسبة من المعاني الحرفية والمعنى الحرفى يستحيل ان يكون احد طرفي التعليق والا لانقلب المعنى الحرفى معنى اسميا وهو خلف (الثاني) ان دلالة القضية الشرطية على المفهوم اعني به انتفاء التالى عند انتفاء المقدم تتوقف على امور (منها) كون ترتب التالى على المقدم بنحو اللزوم لا بنحو الاتفاق (ومنها) ان يكون الترتب من باب ترتب المعلول على علته لا من باب ترتب العلة على معلولها أو ترتب احد المعلولين لعلة ثالثة على المعلول الاخر كما هو الحال في البرهان


(1) قد عرفت فيما تقدم ان القيد في القضية الشرطية انما يكون قيد النفس الحكم المذكور في القضية وان الالتزام برجوع القيد إلى المادة المنتسبة لا موجب له اصلا فراجع (*)

[ 416 ]

الانى لان غاية ما يقتضيه البرهان الانى هو ان يستلزم تحقق المقدم تحقق التالى ليترتب عليه انكشاف التالى من انكشاف المقدم واما امتناع وجود التالى من دون وجود المقدم فلا يكون في البرهان الانى دلالة على ذلك اصلا ضرورة ان وجود المعلول وان كان يكشف عن وجود علته التامه بجميع اجزائها وعن جميع ما يترتب عليه الا ان عدم المعلول لا يكشف عن عدم ذات العلة لجواز استناده إلى وجود المانع مثلا وجود ممكن ما يكشف عن وجود الواجب بالذات لاستحالة وجود الممكن بنفسه واما عدمه فلا يكشف عن عدم الواجب ولا عن عدم ممكن اخر لجواز استناده إلى امر يخصه ولا يعم غيره وعلى ذلك فالقضية الشرطية التى لا يكون ترتب التالى على المقدم فيها من قبيل ترتب المعلول على علته لا يكون فيها دلالة على المفهوم قطعا (ومنها) ان تكون العلة علة منحصرة ضرورة انه مع عدم انحصارها يمكن وجود الحكم المذكور في التالى في القضية الشرطية بسبب علة اخرى اما دلالة القضية الشرطية على كون العلاقة لزومية فهى ظاهرة لندرة استعمالها في موارد الاتفاق جدا بل ان ذلك غير صحيح في نفسه ولا بد في صحة الاستعمال في تلك الموارد من رعاية علاقة واعمال عناية ضرورة انه لا يصح تعليق كل شيئ على كل شيئ واما كون اللزوم في القضية الشرطية من باب ترتب المعلول على علته فربما يدعى انه مأخوذ في وضع ادوات الشرط ولكنه غير صحيح قطعا والالزم ان يكون الاستعمال في غير موارد ترتب المعلول على علته من بقية موارد اللزوم مجازا ومحتاجا إلى اعمال عناية مع انه باطل بالضرورة نعم ظاهر القضية الشرطية هو ذلك لان ظاهر جعل شيئ مقدما وجعل شيئ آخر تاليا هو ترتب التالى على المقدم فان كان هذا الترتب موافقا للواقع ونفس الامر بأن يكون المقدم علة للتالى هو الا لزم عدم مطابقة ظاهر الكلام للواقع مع كون المتكلم في مقام البيان على ما هو الاصل في المخاطبات العرفية وعليه فبظهور الجملة الشرطية في ترتب التالى على المقدم يستكشف كون المقدم علة للتالى وان لم يكن ذلك مأخوذا في نفس الموضوع له واما كون العلية بنحو الانحصار فربما يدعى ايضا اخذه في الموضوع له وقد ظهر بطلان هذه الدعوى من بطلان سابقتها وعليه فلابد في اثبات الد لالة على الانحصار من اقامة دليل آخر (وربما يستدل) على ذلك بالتمسك بمقدمات الحكمه بتقريب ان

[ 417 ]

القضية الشرطية ظاهرة في استناد التالى إلى المقدم مطلقا فلو كانت هناك علة اخرى سابقة زمانا على العلة المذكورة في القضية لاستند المعلول في وجوده إلى العلة السابقة كما انها لو كانت في عرضها لاستند المعلول إلى كلتيهما معا فمن اطلاق استناد التالى إلى المقدم في القضية الشرطية يستكشف انحصار العلة بالمقدم المذكور فيها (ولكن يرد) على هذا التقريب ان غاية ما تدل عليه القضية الشرطية بالد لالة الوضعية انما هو لزوم التالى للمقدم وانما استفيد ترتب التالى على المقدم وتفرعه عليه من ظاهر تقديم المتكلم المقدم وتأخيره التالى في كلامه واما استناد التالى في وجوده إلى المقدم بالفعل فليس المتكلم في مقام بيانه قطعا ليتمسك باطلاق كلامه لاثبات انحصار العلة بالمقدم (واما ما ربما يتوهم) في هذا المقام من ان مقدمات الحكمة وان افادت انحصار العلة بالمقدم الا أنها انما تجرى في خصوص ما إذا كان المقدم علة للتالى دون غيره من الموارد والقضايا الشرطية المتكفلة لبيان الاحكام الشرعية كلها من قبيل الثاني اعني به ما لا يكون المقدم فيه علة لوجود التالى والوجه فيه هو ما ذكرناه سابقا من ان الشرط في تلك القضايا لا يكون الا موضوعا للحكم المعلق عليه فيها ويستحيل ان يكون الحكم المجعول لجاعله معلولا لوجود موضوعه في الخارج وعلى ذلك بنينا امتناع تعلق الجعل التشريعي بالسببية ولزوم كون المجعول التشريعي هو نفس المسبب عند وجود سببه فإذا لم يكن المقدم علة لوجود التالى لم يبق موضوع لاجراء مقدمات الحكمة لافادة انحصارها (فمد فوع) بان الحكم المجعول وان لم يكن معلولا لوجود موضوعه الا انه مترتب عليه نحو ترتب المعلول على علته والقضية الشرطية لا تدل بالدلالة الوضعية الا على ترتب التالى على المقدم واما كون الترتب بنحو العلية فهو لا يستفاد من القضية الشرطية اصلا بل هو يستفاد من خصوصية بعض الموارد كموارد افادة ترتب بعض الامور التكوينية على بعضها الاخر في القضايا الشرطية لان الترتب في تلك الموارد منحصر بترتب المعلول على علته وعليه فإذا كان اطلاق ترتب التالى على المقدم واستناد وجوده إلى وجوده كاشفا عن انحصار المرتب عليه دلت القضية الشرطية على المفهوم سواء في ذلك القضايا الشرطية المتكفلة لبيان الاحكام الشرعية وغيرها من القضايا الا ان الشأن انما هو في اثبات مثل هذا الاطلاق في القضية الشرطية وقد عرفت آنفا انه غير ثابت

[ 418 ]

(والتحقيق) في اثبات دلالة القضية الشرطية على المفهوم ان يقال ان الشرط المذكور في القضية الشرطية اما أن يكون في حد ذاته مما يتوقف عليه عقلا وجود ما هو متعلق الحكم في الجزاء واما ان لا يكون كذلك (وعلى الاول) فبما ان ترتب الجزاء على الشرط وتقيده به قهرى ومما لابد منه لا يكون للقضية مفهوم لا محالة وهذا كما في قولنا ان رزقت ولدا فاختنه أو فتصدق عنه فان القضية الشرطية حينئذ تكون مسوقة لبيان تحقق الحكم عند تحقق موضوعه فيكون حال الشرط المذكور فيه حال اللقب فلا تدل على المفهوم ضرورة ان التعليق في مثل هذه القضايا لو دل على المفهوم لدل كل قضية ولو كانت حملية عليه وذلك لما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من ان كل قضية حملية تنحل إلى قضية شرطية يكون مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له (واما على الثاني) فبما ان الحكم الثابت في الجزاء ليس بمتوقف على وجود الشرط في هذا القسم عقلا فهو لا يخلو من أن يكون مطلقا بالاضا فة إلى وجود الشرط المذكور في القضية الشرطية أو من أن يكون مقيدا به وبما انه رتب في ظاهر القضية الشرطية على وجود الشرط يمتنع الاطلاق فيكون مقيدا بوجود الشرط لا محالة ربما أن المتكلم في مقام البيان قد اتى بقيد واحد ولم يقيده بشيئ آخر سواء كان التقييد بذكر عدل له في الكلام ام كان التقييد بمثل العطف بالواو ليكون قيد الحكم في الحقيقة مركبا من امرين كما في قولنا إذا جائك زيد واكرمك فأكرمه يستكشف من ذلك انحصار القيد بخصوص ما ذكر في القضية الشرطية وبالجملة القضية الشرطية وان كانت بحسب الوضع لا تدل على تقييد الجزاء بوجود الشرط لصحة استعمالها بلا عناية في موارد القضية المسوقة لبيان الحكم عند تحقق موضو عه الا ان ظاهرها في ما إذا كان التعليق على ما لا يتوقف عليه متعلق الحكم في الجزاء عقلا هو ذلك فإذا كان المتكلم في مقام البيان فكما ان اطلاقه الشرط وعدم تقييده بشيئ بمثل العطف بالواو مثلا يدل على عدم كون الشرط مركبا من المذكور في القضية وغيره كذلك اطلاقه وعدم تقييده بشيئ بمثل العطف باو يدل على انحصار الشرط بما هو مذكور في القضية وهذا نظير استفادة الوجوب التعييني من اطلاق الصيغة فكما ان اطلاقها يقتضى عدم سقوط الواجب باتيان ما يحتمل كو نه عدلا له فيثبت به كون الوجوب تعيينيا كذلك مقتضى الاطلاق في المقام هو انحصار قيد الحكم

[ 419 ]

بما هو مذكور في القضية فيثبت به انه لا بدل له في ترتب الحكم عليه ومما ذكرناه يظهر فساد ما اورده المحقق صاحب الكفاية (قده) على هذا التقريب بما حاصله ان الوجوب التعييني والتخييري بما انهما متباينان سنخا كان على المولى الحكيم التنبيه على احدهما بخصو صه إذا لم يكن في مقام الاهمال أو الاجمال وبما ان بيان الوجوب التخييري يحتاج إلى ذكر خصوصية في الكلام اعني بها العدل المحتمل تعلق الوجوب به تخييرا والمفروض عدم التنبيه عليه كان مقتضى الاطلاق كون الوجوب تعيينيا وغير متعلق الا بخصوص ما هو مذكور في الكلام وهذا بخلاف المقام فان ترتب المعلول على علته المنحصرة ليس مغايرا في السنخ لترتبه على غير المنحصرة بل هو في كليهما على نحو واحد فلا يمكن اثبات انحصار العلة بما هو مذكور في القضية بالاطلاق (وجه الظهور) هو ان الاطلاق المتمسك به في المقام ليس هو اطلاق الجزاء واثبات ان ترتبه على الشرط انما هو بنحو ترتب المعلول على علته المنحصرة ليرد عليه ما ذكر بل هو اطلاق الشرط بعدم ذكر عدل له في القضية وذلك لما عرفت من ان ترتب الجزاء على الشرط وان لم يكن مدلولا للقضية الشرطية وضعا الا أنه يستفاد منها في متفاهم العرف سياقا وذلك يستلزم تقييد الجزاء بوجود الشرط في غير القضايا المسوقة لبيان تحقق الحكم بتحقق موضوعه كما تقدم وبما ان التقييد بشيئ واحد يغابر التقييد باحد الشيئين على البدل سنخا يلزم على المولى بيان الخصوصية إذا كان في مقام البيان وبما انه لم يبين العدل مع انه هو المحتاج إلى البيان تعين كون الشرط واحدا وكون القيد منحصرا به بقى هناك امور (الاول) ان الحكم المستفاد من التالى المعلق على وجود الشرط إذا كان مفهوما اسميا كالوجوب المدلول عليه بكلمة يجب وامثالها فلا اشكال واما إذا كان مفهوما حرفيا ومستفادا من الهيئة فربما يشكل في دلا لة القضية الشرطية حينئذ على المفهوم بان مفاد الهيئة معنى جزئي وانتفائه بانتفاء شرطه عقلي فلا ربط له بالمفهوم لان المفهوم عبارة عن ارتفاع سنخ الحكم بانتفاء الشرط المذكور في القضية واما انتفاء شخص الحكم المذكور فيها فهو عقلي واجنبي عن باب المفهوم وعليه فبما ان المعلق في القضية الشرطية إذا كان الحكم مستفادا من الهيئة ليس الا شخصا واحدا من الحكم قد انشأ في الكلام لا كليا قابلا للصدق على كثيرين لا تكون في القضية دلالة على المفهوم وعلى ارتفاع سنخ

[ 420 ]

الحكم بانتفاء الشرط المذكور فيها إذ المفروض ان سنخ الحكم غير معلق في الكلام على شيئى وانما المعلق على الشرط هو شخص الحكم وقد عرفت ان انتفائه بانتفاء شرطه اجنبي عن باب المفهوم راسا (وجوابه) (1) ان المعلق في القضية الشرطية ليس هو مفاد الهيئة لانه معنى حرفي وملحوظ آلى بل المعلق فيها هي نتيجة القضية المذكورة في الجزاء وان شئت عبرت عنها بالمادة المنتسبة كما ذكرنا تفصيل ذلك في بحث الواجب المشروط وعليه يكون المعلق في الحقيقة على الشرط المذكور في القضية الشرطية هو الحكم العارض للمادة كوجوب الصلاة في قولنا إذا دخل الوقت فصل فينتفى هو بانتفاء شرطه غاية الامران المعلق على الشرط حينئذ هو حقيقة الوجوب مثلا من دون توسط مفهوم اسمى في البين واما في القسم الاول فالمعلق على الشرط هو مفهوم الوجوب باعتبار فنائه في حقيقته فلا اشكال. الامر الثاني لااشكال في انه كلما زاد الشرط المذكور في القضية قيدا بان كان مركبا من امور أو مقيدا بقيود زاد المفهوم سعة إذ انتفاء الشرط حينئذ يكون بانتفاء احد اجزائه أو قيوده المأخوذة في المقدم فينتفى بانتفائه الحكم الثابت في التالى (انما الاشكال) في ما إذا كان التالى مشتملا على حكم كلى ايجابي أو سلبى نظير قوله عليه السلام إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيئ من جهة ان مفهوم القضية الشرطية حينئذ هل هو موجبة جزئية لان ارتفاع السلب الكلى انما يكون بالايجاب الجزئي كما هو مقرر في علم الميزان أو انه موجبة كلية فتدل الرواية على تنجس الماء القليل بملاقات كل نجس (ربما يقال) (2) ان المفهوم انما هو رفع الحكم المذكور في التالى ربما ان نقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية لا تدل الرواية الاعلى تنجس الماء القليل بشيئ ما


(1) والتحقيق في الجواب هو ما عرفته سابقا من ان حقيقة انشاء الوجوب عبارة عن اظهار اعتبار كون فعل ما على ذمة المكلف فإذا كان المعتبر بالاعتبار المزبور مطلقا على وجود شيئ مثلا استلزم ذلك انتفائه بانتفائه ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الاعتبار مستفادا من الهيئة وان يكون مستفادا من المادة المستعملة في المفهوم الاسمى باعتبار فنائه في معنونه (2) الظاهر ان هذا القول هو الصحيح لان المستفاد من القضية الشرطية انما هو تعليق مدلول التالى بمد لول المقدم وبما ان مد لول التالى في محل البحث ليس الا امرا واحدا اعني به الحكم المجعول على الطبيعة السارية يكون المنتفى عند انتفاء الشرط المذكور هو ذلك - (*)

[ 421 ]

لا بكل شيئ (ولكن التحقيق) ان يقال ان النظر في علم الميزان بما انه مقصور على القواعد الكلية لتأسيس البراهين العقلية لا ينظر فيه إلى الظواهر ومن ثم جعلت الموجبة الجزئية نقيضا للسالبة الكلية وهذا بخلاف علم الاصول فان المهم فيه هو استنباط الحكم الشرعي من دليله ويكفى في ذلك اثبات ظهور الكلام في شيئ وان لم يساعده البرهان المنطقي فلا منافاة بين كون نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية وظهور القضية التي علق فيها السالبة الكلية على شيئ في ثبوت الموجبة الكلية بانتفاء ذلك الشيئ فبين النظرين عموم وخصوص من وجه وعلى ذلك فان كان المعلق على الشرط بحسب ظاهر القضية الشرطية هو نفس عموم الحكم وشموله كما في العام المجموعى فلا محالة كان المنتفى بانتفاء الشرط هو عموم الحكم ايضا فلا يكون المفهوم حينئذ الا موجبة جزئية واما إذا كان المعلق على الشرط هو الحكم العام اعني به الحكم المنحل إلى احكام عديدة بانحلال موضوعه إلى افراده ومصاديقه كان المعلق في الحقيقة على وجود الشرط حينئذ هو كل واحد واحد من تلك الاحكام المتعددة فيكون المنتفى عند انتفاء الشرط هو كل واحد من تلك الاحكام ايضا وبالجملة الحكم الثابت في الجزاء ولو فرض كونه استغراقيا ومنحلا إلى احكام


- الحكم ايضا فالحكم المجعول في التالى وان كان بحسب مقام اللب ونفس الامر ينحل إلى احكام متعددة حسب تعدد افراد موضوعه الا انه بحسب مقام الجعل امر واحد ومستفاد من دليل واحد ومن الواضح ان تعدد الحكم في غير مقام الاثبات لا تأثير له في كيفية استفادة المفهوم من الكلام في مقام الاثبات والدلالة وعليه فلا تدل القضية الشرطية في مفروض الكلام الاعلى انتفاء الحكم عن الطبيعة السارية عند انتفاء شرطه و من الضرورى انه يتحقق بانتفائه عن بعض الافراد ولا يتوقف تحققه على انتفاء الحكم عن جميع الافراد فمفهوم قولنا إذا ليس زيد لامة حربه لم يخف احدا هو الحكم بتحقق الخوف في الجملة وبالاضافة إلى بعض الاشخاص عند انتفاء الشرط المذكور في القضية لا الحكم بتحقق الخوف له بالاضافة إلى كل شخص وكذلك الحال في قولنا إذا غضب الامير لم يحترم احدا وغيره من موارد استعمال القضية الشرطية في تعليق حكم عام على شرط ما وعلى ذلك فلا يكون مفهوم قولهم عليهم السلام إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيئى الا ثبوت نجاسة الماء القليل بملاقات بعض النجاسات في الجملة لا ثبوت النجاسة له بملاقات كل نجس نعم ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من عدم القول بالفصل بين انواع النجاسات متين جدا فلا يترتب على هذا النزاع بالاضافة إلى انواع النجاسات لا اثر اصلا واما - (*)

[ 422 ]

متعددة الا ان المعلق على الشرط في القضية الشرطية تارة يكون هو مجموع الاحكام واخرى كل واحد منها وعلى الاول فالمفهوم يكون جزئيا لا محالة بخلاف الثاني فانه فيه كلى كالمنطوق هذا بحسب مقام الثبوت واما بحسب مقام الاثبات فان كان العموم المستفاد من التالى معنى اسميا مدلولا عليه بكلمة كل واشباهها امكن ان يكون المعلق على الشرط هو نفس العموم أو الحكم العام فلا بد في تعيين احد هما من اقامة قرينة خارجية واما إذا كان معنى حرفيا مستفادا من مثل هيئة الجمع المعرف باللام ونحوها وغير قابل لان يكون ملحوظا بنفسه ومعلقا على الشرط أو كان مستفادا من مثل وقوع النكرة في سياق النهى ولم يكن هو بنفسه مدلولا عليه باللفظ فلا محالة يكون المعلق في القضية الشرطية حينئذ هو الحكم العام كما في الرواية المزبورة إذ المعلق على الكرية فيها انما هو عدم تنجس الماء بملاقات كل واحد واحد من النجاسات لانه مقتضى وقوع النكرة في سياق النفى فتدل الرواية على عدم تنجس الكر من الماء بملاقاة البول أو الدم أو غيرهما فيثبت بانتفاء الشرط اعني به كرية الماء تنجسه بملاقات كل واحد منها فلا معنى


- بالاضافة إلى المتنجسات فترتب الاثر عليه ظاهر فانه بعد ما ثبت تنجيس المتنجس في الجملة يحكم بانفعال الماء القليل بملاقات المتنجس بناء على استفادة العموم في ناحية المفهوم واما بناء على كون المفهوم موجبة جزئية فلا تدل الرواية على انفعاله بها وليس هناك قول بعدم الفصل بين المتنجس والاعيان النجسة ليتمسك به ومن هذا البيان يظهر فساد ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام من انه إذا دل دليل خارجي على تنجيس المتنجس لما لاقاه كفى ذلك في الحكم بانفعال الماء القليل بملاقات المتنجس فلا حاجة إلى التمسك بالمفهوم والا كان المتنجس غير داخل في المنطوق فلا يترتب على القول بكون المفهوم موجبة كلية الحكم بانفعال الماء القليل بملاقاته وجه الظهور انه إذا دل دليل على تنجيس المتنجس لما لاقاه في الجملة من غير أن تكون له دلالة على انفعال خصوص الماء بملاقاته فلا يكون المتنجس داخلا في موضوع ما يكون قابلا لتنجيس ملاقيه فتدل الرواية المزبورة على عدم انفعال الكر بملا قاته لاعتصا مه بنفسه فلو قلنا يكون مفهومها موجبة كلية لدلت الرواية على انفعال الماء القليل بملاقاته كما تدل على انفعاله بملا قات الاعيان النجسة والا كانت الرواية ساكتة عن حكم ملاقاته المتنجس فلا بد فيه من التماس دليل آخر وهذه ثمرة مهمة تترتب على البحث عن كون مفهوم القضية الكلية قضية كلية أو جزئية. (*)

[ 423 ]

حينئذ للقول بان المفهوم موجبة جزئية وانه لا يثبت بالرواية الا تنجس الماء القليل بملاقاة نجس ما دون جميع النجاسات (هذا) مع انا لو قلنا بان المفهوم فيما لو كان التالى سالبة كلية لا يكون الا موجبة جزئية لما ترتب عليه اثر في خصوص المثال لانه إذا ثبت تنجس الماء القليل ينجس ما ثبت تنجسه بكل نجس من انواع النجاسات إذ لا قائل بالفصل بينها فلا تترتب ثمرة على البحث عن كون مفهوم الرواية موجبة كلية أو موجبة جزئية (واما توهم) ان ما تدل عليه الرواية على القول بكون المفهوم موجبة جزئية انما هو تنجسه بملاقاة نجس ما غاية الامر انه يتعدى من ذلك إلى بقية النجاسات بعدم القول بالفصل لكن عدم القول بالفصل مختص بالاعيان النجسة فلا يمكن اثبات تنجس الماء القليل بملاقاته المتنجس الاعلى تقدير كون المفهوم موجبة كلية (فهو مدفوع) بانه ليس المراد من الشيئ المذكور في الرواية هو كل ما يصدق عليه انه شيئ إذ لا معنى لاشتراط عدم انفعال الماء عند ملاقاته الاجسام الطاهرة بكونه كرابل المراد به هو الشيئ الذي يكون في نفسه موجبا لتنجس ملاقيه وعليه فان ثبت من الخارج تنجيس المتنجس فذلك يكفى في الحكم بانفعال الماء القليل بملا قاته من دون احتياج في ذلك إلى التمسك بمفهوم الرواية وان لم يثبت ذلك فالمتنجس غير داخل في عموم المنطوق لتثبت بمفهومها نجاسة الماء القليل بملاقاته على تقدير كون المفهوم موجبة كلية. الامر الثالث إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء كما في قضيتي إذا خفى الاذان فقصر وإذا خفيت الجدران فقصر ففيه احتمالات (الاول) ان يكون الشرط في الحقيقة هو الكلى الجامع بين الامرين فكل واحد من الشرطين المذكورين في القضتين محقق له ومصداقه (الثاني) ان يكون الشرط في الحقيقة مركبا من الشرطين المذكورين في القضيتين فكل واحد منهما جزء للشرط وعليه يترتب لزوم تقييد كل من الشرطين المذكورين في القضيتين بانضمامه إلى الشرط الاخر فتكون القضيتان في حكم قضية شرطية واحدة مقدمها مركب من الامرين فشرط وجوب القصر في المثال يكون مركبا في خفاء الاذان وخفاء الجدران معا (الثالث) ان يكون كل منهما شرطا مستقلا وعليه يترتب لزوم تقييد اطلاق كل من الشرطين المذكورين في القضيتين باثبات العدل له فيكون وجود احدهما كافيا في ثبوت الجزاء (الرابع) ان يرفع اليد عن ظهور كل من القضيتين في المفهوم ليرتفع التعارض بينهما

[ 424 ]

(الخامس) ان يقيد مفهوم كل منهما بمنطوق الاخر من دون ان يتصرف في شئ من المنطوقين (ولا يخفى) انه في ما إذا لم يكن هناك جامع عرفى بين الشرطين المذكورين في القضيتين كما هو الواقع في المثال المتقدم وما شاكله يرجع الوجه الاول إلى الوجه الثالث فيكون الشرط في الحقيقة احد الامرين المزبورين واما الوجه الرابع فهو ايضا يرجع إلى التصرف في منطوق كل من القضيتين باثبات العدل له فيرجع إلى الوجه الثالث واما الوجه الخامس فهو غير معقول إذ المفهوم ليس هو بنفسه مدلولا للكلام مستقلا ليتصرف فيه بتخصيص أو تقييد بل هو تابع للمنطوق فإذا لم يتصرف فيه امتنع التصرف في المفهوم وعليه فالامر يدور بين تقييد اطلاق الشرط المقابل للعطف بالواو لتكون النتيجة هو اشتراط الجزاء بمجموع الشرطين المذكورين في القضيتين وتقييد اطلاقه المقابل للعطف باو لتكون النتيجة هو اشتراط الجزاء باحدهما وحينئذ ربما يقال ان كلا من القضيتين بما انها صريحة في ترتب التالى على المقدم المذكور فيها ولو في بعض الموارد لا يبقى مجال لاحتمال كون كل من الشرطين جزء لما هو الشرط المعلق عليه الجزاء في الحقيقة فيتعين وجه الجمع بينهما في تقييد اطلاق كل من الشرطين المقابل للعطف باو باثبات العدل له فيكون كل من الشرطين مستقلا في ترتب الجزاء عليه الا ان التحقيق ان دلالة كل من الشرطيتين على ترتب الجزاء على الشرط المذكور فيها باستقلاله من غير انضمام شيئ آخر إليه انما هي بالاطلاق المقابل بالعطف بالواو كما ان انحصار الشرط بما هو مذكور فيها مستفاد من الاطلاق المقابل للعطف باو وبما انه لا بد من رفع اليد عن احد الاطلاقين ولا مرجح (1) لاحد هما على الاخر يسقط كلاهما عن الحجية لكن ثبوت الجزاء


(1) الظاهر انه لابد في محل الكلام من رفع اليد عن خصوص الاطلاق المقابل للعطف بكلمة أو وابقاء الاطلاق المقابل للعطف بالواو على حاله والسر في ذلك ان الموجب لوقوع المعارضة بين الدليلين في المقام انما هو ظهور كل من القضيتين في المفهوم وظهور القضية الاخرى في ثبوت الجزاء عند تحقق الشرط المذكور فيها مع قطع النظر عن دلالتها على المفهوم وعدم دلالتها عليه فلو كان الوارد في الدليلين إذا خفى الاذان فقصر ويجب تقصير الصلوة عند خفاء الجدران كان ظهور القضية الاولى في المفهوم وظهور القضية الثانية في ثبوت وجوب التقصير عند خفاء الجدران متعارضين لا محالة وعليه فالمعارضة في محل الكلام انما هي بين - (*)

[ 425 ]

كوجوب القصر في المثال يعلم بتحققه عند تحقق مجموع الشرطين على كل تقدير واما في فرض انفراد كل من الشرطين بالوجود فثبوت الجزاء فيه يكون مشكوكا فيه ولا اصل لفظي في المقام على الفرض لسقوط الاطلاقين بالتعارض فتصل النوبة ألى الاصل العملي فتكون النتيجة موافقة لتقييد الاطلاق المقابل بالعطف بالواو واما ماربما يقال من لزوم رفع اليد عن خصوص الاطلاق المقابل بالعطف باولكونه متأخرا في الرتبة عن الاطلاق المقابل بالعطف بالواو ضرورة ان انحصار الشرط متأخر رتبة عن تعينه وتشخصه فيد فعه ان تقدم احد الاطلاقين على الاخر في الرتبة لا يوجب صرف التقييد إلى المتأخر لان الموجب لرفع اليد عن الاطلاقين انما هو وجود العلم الاجمالي بعدم ارادة احدهما


- مفهوم كل من القضيتين ومنطوق الاخرى الدال على ثبوت الجزاء عند تحقق شرطه وبما ان نسبة كل من المنطوقين بالاضافة إلى مفهوم القضية الاخرى نسبة الخاص إلى العام لابد من رفع اليد عن عموم المفهوم في مورد المعارضة وبما انه يستحيل التصرف في المفهوم نفسه لانه مدلول تبعى ولازم عقلي للمنطوق لابد من رفع اليد عن ملزوم المفهوم بمقدار يرتفع به التعارض ولا يكون ذلك الا بتقييد المنطوق ورفع اليد عن اطلاقه المقابل للتقييد بكلمة أو واما رفع اليد عن الاطلاق المقابل للتقييد بالواو لتكون نتيجة ذلك اشتراط الجزاء بمجموع الامرين المذكورين في الشرطيتين فهو وان كان موجبا لارتفاع المعارضة بين الدليلين الا انه بلا موجب ضرورة انه لا مقتضى لرفع اليد عن ظهور دليل مامع عدم كونه طرفا للمعارضة بظهور آخر ولو ارتفع بذلك ايضا التعارض بين الدليلين اتفاقا ونظير ذلك ما إذا ورد الامر باكرام العلماء الظاهر في وجوب اكرامهم ثم ورد في دليل آخر انه لا يجب اكرام زيد العالم فانه وان كان يرتفع التعارض بينهما بحمل الامر في الدليل الاول على الاستحباب الا انه بلا موجب يقتضيه إذ ما هو الموجب للتعارض بينهما انما هو ظهور الدليل الاول في العموم فلا بد من رفع اليد عنه و تخصيصه بالدليل الثاني وابقاء ظهور الامر في الوجوب على حاله مع ان ظهور العام في العموم اقوى من ظهور الامر في الوجوب وهذا هو الميزان في جميع موارد تعارض بعض الظهورات ببعضها الاخر فانه لابد في مقام العلاج بينهما من رفع اليد عن اضعف المتعارضين بخصوصه واما الظهور الاخر الأجنبي عن المتعارضين فلا موجب لرفع اليد عنه اصلا ولو ترتب عليه ارتفاع المعارضة بين الدليلين ومما ذكرناه يظهر انه لا تصل النوبة في محل الكلام إلى الاصول العملية لتكون النتيجة نتيجة تقييد الاطلاق المقابل للتقييد بالعطف بالواو فتدبر جيدا (*)

[ 426 ]

ومن الواضح ان نسبة العلم الاجمالي إلى كليهما على حد سواء فلا موجب لرفع اليد عن احدهما بخصوصه دون الاخر. الامر الرابع: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء وثبت من الخارج أو من نفس ظهور الدليلين كون كل شرط مستقلا في ترتب الجزاء عليه فهل القاعدة تقتضي تداخل الشروط في تأثيرها اثرا واحدا فيما إذا تقارنت زمانا أو تقدم بعضها على بعض أو انها تقتضي تعدد الاثر عند تعدد مؤثره ويعبر عن ذلك بتداخل الاسباب وعد مه وفي المقام نزاع اخر وهو انه على تقدير تعدد الاثر كوجوب الغسل المترتب على الجنابة ووجوبه المترتب على الحيض فهل يجوز امتثالهما بفعل واحد اوانه يجب ان يكون امتثال كل منهما بفعل مغاير لما يتحقق به امتثال الاخر ويعبر عن ذلك بتداخل المسببات وعد مه فالكلام يقع في مقامين (اما المقام الاول) اعني به تداخل الاسباب وعدمه فتحقيق الحال فيه يتوقف على تقديم مقدمات. الاولى: ان ظاهر كل من الشرطيتين هو ترتب الجزاء على وجود الشرط المذكور فيها وحدوثه عند حدوثه فالقول بالتداخل يستلزم رفع اليد عن هذا الظهور وحمل الكلام على خلاف ظاهره كما ان ظاهر الجزاء على ما قيل هو تعلق الحكم بصرف الوجود وكونه حكما واحدا لان صرف الوجود يمتنع ان يكون محكوما بحكمين متضادين أو متماثلين فالقول بعدم التداخل يستلزم رفع اليد عن هذا الظهور فمن نظر إلى الظهور الاول ذهب إلى عدم التداخل كما ان من نظر إلى الظهور الثاني ذهب إلى التداخل. الثانيه: انه يختلف الحال في جريان الاصل العملي عند الشك في تداخل الاسباب والمسببات فانه إذا شك في تداخل الاسباب كان مقتضى الاصل تداخلها وعدم ثبوت تكليف زائد على التكليف الواحد المتيقن على كل تقدير فانه مشكوك فيه ومقتضى القاعدة فيه هو الرجوع إلى البرائة عقلا ونقلا واما إذا شك في تداخل المسببات كان مقتضى الاصل عدم تداخلها لانه إذا ثبت تكليفات أو تكاليف متعددة وشك في جواز امتثالهما بفعل واحد فقاعدة الاشتغال تقضى بعدم جواز الاكتفاء به في مقام امتثال كلا التكليفين أو جميعها (هذا كله) في الاحكام التكليفية واما الاحكام الوضعية فليس لجريان الاصل في مواردها ضابط كلى (1) فلا بد من ملاحظة كل مورد بخصوصه والرجوع فيه إلى ما يقتضيه من


(1) الظاهر ان جريان الاصل عند الشك في تداخل الاسباب أو المسببات في موارد الاحكام الوضعية على حذو جريان الاصل عند الشك في موارد الاحكام التكليفية فإذا شك في وحدة - (*)

[ 427 ]

الاصول العملية. الثالثة: ربما يتوهم ان القول بتداخل الاسباب يبتنى على كون الاسباب الشرعية معرفات كما ان القول بعدم التداخل يبتنى على كونها مؤثرات في الاحكام المترتبة عليها وعللا لتحققها لكنه توهم فاسد وبيانه يحتاج إلى شرح المراد من لفظي العلة والمعرف فنقول ان لفظ العلة يطلق تارة ويراد به الملاك الداعي إلى جعل الحكم على موضوعه أو المقتضى للحكم المجعول واخرى يراد به الموضوع المترتب عليه الحكم ومنه الشرائط المأخوذة في القضايا الشرطية لما تقدم سابقا من ان شرط الحكم يرجع إلى موضوعه في الحقيقة كما ان لفظ المعرف يطلق تارة ويراد به ما يكون كاشفا عن وجود شيئ من جهة كونه معلولا لذلك الشيئ أو لازما له عقلا واخرى يراد به ما يكون ملازما للشيئ وجودا بحسب العادة مع امكان انفكاكهما عقلا (لا اشكال) في انه يستحيل صدق المعرف بالمعنى الاول على ملاك جعل الحكم وعلى مقتضى الحكم المجعول و على موضوع الحكم بداهة لزوم تقدم جميع ذلك على الحكم فيستحيل ان تكون هي معرفة له بذلك المعنى واما المعرف بالمعنى الثاني فهو يستحيل ايضا صدقه على موضوع الحكم وملاك التشريع لاستحالة انفكاكهما عن الحكم والتشريع خارجا نعم يصح صدقه بهذا المعنى على ملاك الحكم المجعول لانه يمكن انفكاك الحكم عنه احيانا كما في وجوب العدة على المطلقة فان ملاك وجوبها انما هو حفظ الانساب وعدم اختلاط المياه وهذا الملاك وان لم يكن مطردا وسايرا في جميع الموارد الا ان تمييز موارد الاختلاط عن غيرها لكونه عسرا في الغاية بل متعذرا احيانا جعل الشارع وجوب العدة على نحو


- الحكم الوضعي وتعدده عند تحقق سببين من اسبابه في الخارج فالاصل يقتضى عدم حدوث غير الحكم الواحد المتيقن حدوثه كما انه إذا علم تعدد الحكم وشك في ارتفاع كليهما مع العلم بارتفاع احدهما اقتضى الاصل بقاء غير المتيقن ارتفاعه فلا فرق بين الاحكام التكليفية والوضعية الا في ان الاصل الجارى في موارد الشك في تداخل الاسباب أو المسببات في موارد الاحكام التكليفية يغاير سنخ الاصل الجارى في موارد الاحكام الوضعية ومن الواضح ان ذلك لا يوجب التفرقة بين موارد الشك في الاحكام التكليفية وموارد الشك في الاحكام الوضعية بعد اشتراك جميعها في نتيجة جريان الاصل فيها كما عرفت (*)

[ 428 ]

الاطلاق تحفظا على غرضه فوجوب العدة في موارد عدم الخلط واقعا وان كان خاليا عن الملاك الا ان تشريع الحكم على الاطلاق ناشئ عن ملاك يقتضيه اعني به التحفظ على الغرض فتبين من ذلك ان كون الشرط الذي هو الموضوع في الحقيقة معرفا للحكم المترتب عليه مما لا معنى له اصلا وعلى تقدير صحة كونه معرفا له فمجرد امكان تعدد المعرف بالكسر واتحاد المعرف بالفتح لا يكفى في رفع اليد عن ظهور القضية الشرطية في ترتب الجزاء على كل واحد من الشروط فالنزاع في التداخل وعدمه يبتنى على ظهور القضية الشرطية بالفعل في تعدد الجزاء بتعدد شرطه وعدمه سواء في ذلك القول بكون الاسباب الشرعية معرفات والقول بكونها مؤثرات. الرابعة: ان متعلق الحكم في الجزاء المذكور في القضية الشرطية اما أن يكون قابلا للتعدد اولا وعلى الثاني فاما أن يكون قابلا للتقيد اولا والاول كالوضوء الواجب بالبول والنوم فانه يمكن ايجاب وضوئين على المكلف في الخارج عند تحقق البول والنوم منه أو فردين من البول أو فردين من النوم مثلا (والثاني) كالقتل المشروع قصاصا عن اثنين فان قتل شخص واحد وان لم يمكن تعدده في الخارج الا ان تشريعه مقيد بكل من السببين بحيث لو عفا ولى احد المقتولين لا يسقط حق ولى المقتول الاخر وكالخيار المسبب عن امرين فانه إذا سقط احد السببين بقى الاخر على سببيته (والثالث) كوجوب القتل الناشئ من غير حق الناس كالارتداد ونحوه فان حكم الله لا يمكن العفو منه فيتأكد الحكم عند اجتماع السببين لا محالة (لا اشكال) في دخول القسم الاول في محل النزاع في المقام واما القسم الثاني فهو ملحق بالقسم الاول وبناء على عدم التداخل يتقيد الجزاء بكل من السببين فيؤثر احدهما عند ارتفاع الاخر واما القسم الثالث فهو خارج عن محل الكلام ولا مناص من الالتزام بالتداخل فيه والوجه في ذلك ظاهر (إذا عرفت ذلك) فاعلم ان الاقوال في المسألة ثلاثة ثالثها التفصيل بين تعدد الاسباب شخصا مع اتحادها جنسا وتعددها شخصا وجنسا فيلتزم بالتداخل في الاول وبعد مه في الثاني (والحق) هو القول بعدم التداخل مطلقا وتوضيح ذلك انما يتم ببيان امرين (الاول) ما تقدم سابقا من انه لا اشكال في ان كل قضية شرطية ترجع إلى قضية حقيقية كما ان كل قضية حقيقيه تنحل إلى قضية شرطية مقد مها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له فالمعنى المستفاد منها

[ 429 ]

في الحقيقة شيئ واحد وانما الاختلاف في كيفية التعبير عنه وعليه فكما ان الحكم في القضية الحقيقية ينحل بانحلال موضو عه إلى احكام متعددة إذ المفروض ان فرض وجود الموضوع فرض ثبوت الحكم له كذلك ينحل الحكم في القضية الشرطية بانحلال شرطه لان ادوات الشرط اسمية كانت ام حرفية انما وضعت لجعل مدخولها موضع الفرض والتقدير واثبات التالى على هذا الفرض فلا يكون بين القضية الشرطية والحقيقية فرق من جهة الانحلال اصلا وعليه فيتعدد الحكم بتعدد الشرط وجودا كما يتعدد بتعدد موضوعه في الخارج واما تعدد الحكم بتعدد شرطه جنسا فهو انما يستفاد من ظهور كل من القضيتين في ان كلا من الشرطين مستقل في ترتب الجزاء عليه مطلقا فان ظاهر قضية إذا بلت فتوضأ هو ان وجوب الوضوء مترتب على وجود البول ولو قارنه أو سبقه النوم مثلا وكذلك ظاهر قضية إذا نمت فتوضأ هو ترتب وجوب الوضوء على النوم ولو قارنه أو سبقه البول مثلا فاطلاق كل من القضيتين يستفاد منه استقلال كل من النوم والبول في ترتب وجوب الوضوء عليه على جميع التقادير ولازم ذلك هو تعدد وجوب الوضوء عند حصول الشرطين في الخارج (الثاني) ان تعلق الطلب بشيئ لا يقتضى الا ايجاد ذلك الشيئ خارجا ونقض عدمه المطلق وبما ان نقض العدم المطلق يصدق على اول وجود من وجودات الطبيعة يكون الاتيان به مجزيا في مقام الامتثال عقلا (واما توهم) ان ذلك من جهة تعلق الطلب بصرف الوجود وصد قه على اول الوجودات (فهو فاسد) إذ لا موجب لاخذ صرف الوجود في متعلق الطلب بعد عدم كونه مد لولا عليه بالهيئة ولا بالمادة ضرورة ان المادة لم توضع الا لنفس الماهية المعرات عن الوجود والعدم واما الهيئة فهى لا تدل الا على طلب ايجادها ونقض عدمها الصادق قهرا على اول الوجودات وليس هناك ما يدل على اعتبار صرف الوجود في متعلق الطلب غير صيغة الامر المفروض عدم دلالتها على ذلك هيئة ومادة وعليه فالطلب لا يرد على صرف الوجود المأخوذ في المتعلق في مرتبة سابقة على عروض الطلب عليه بل الطلب هو بنفسه يقتضى ايجاد متعلقه خارجا ونقض عد مه المطلق فإذا فرض تعلق طلبين بماهية واحدة كان مقتضى كل منهما ايجاد تلك الماهية فيكون المطلوب في الحقيقة هو ايجادها ونقض عدمها مرتين كما هو الحال بعينه في تعلق ارادتين تكوينيتين بماهية واحدة فتعدد الايجاد تابع

[ 430 ]

لتعدد الارادة تشريعية كانت ام تكوينية وبالجملة ان كل امر في نفسه لا يدل الا على الطلب المقتضى لايجاد متعلقه واما كون هذا الطلب واحدا أو متعددا فليس في الامر بهيئته ومادته دلالة عليه قطعا نعم إذا لم يكن هناك ما يقتضى تعدد الطلب وقد فرض تعلق الامر بالطبيعة كان الطلب واحدا قهرا الا انه من جهة عدم المقتضى لتعدده لا من جهة دلالة اللفظ عليه فإذا فرض ظهور القضية الشرطية في الانحلال وتعدد الطلب أو فرض تعدد القضية الشرطية في نفسها كان ظهور القضية في تعدد الحكم موجبا لارتفاع موضوع الحكم بوحدة الطلب اعني به عدم المقتضى لتعدد وواردا عليه ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا ظهور الجزاء في وحدة الطلب لكان ذلك من جهة عدم ما يدل على التعدد فإذا ذلت الجملة الشرطية بظهورها في الانحلال أو من جهة تعددها في نفسها على تعدد الطلب كان هذا الظهور لكونه لفظيا مقدما على ظهور الجزاء في وحدة الطلب ومن هنا يظهر الفرق بين المقام الذي التزمنا فيه بتعدد الطلب ومسألة تعلق الامر بشيئ واحد مرتين كما إذا قال المولى صم يوما ثم قال صم يوما التى التزمنا فيها بحمل الامر الثاني على التأكيد كما تقدم وذلك لان ظهور الامر الثاني في التأسيس وتعدد الحكم ليس ظهورا لفظيا ليكون قرينة على صرف ظهور وحدة المتعلق في وحدة الحكم بل هو من الظهورات السياقية فكما يمكن ان يكون هو قرينة على التأسيس والتعدد كذلك يمكن أن تكون وحدة المتعلق قرينة على الوحدة و التأكد فلا ينعقد حينئذ للكلام ظهور في التأسيس ومعه لا مناص من الرجوع إلى البرائة عن التكليف الزائد عن المتيقن فتكون النتيجة نتيجه التأكيد وهذا بخلاف المقام فان ظهور القضية الشرطية في تعدد الحكم بما انه ظهور لفظي يكون رافعا لظهور الجزاء في وحدة الحكم فيكون مقتضى القاعدة حينئذ عدم التداخل (فان قلت) انما ذكرته من معارضة ظهور الامر الثاني في التأسيس بظهور وحدة المتعلق في التأكيد في ما إذا تعلق الامر بشيئ واحد مرتين يتوقف على تحقق الظهور الثاني في نفسه وقد مر آنفا ان وحدة الحكم انما يثبت من جهة عدم المقتضى للتعدد لا انها بنفسها مدلول عليها بالكلام وعليه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الامر الثاني في التأسيس ولو كان ذلك ظهورا سياقيا من دون معارض له فلا بد من حمل الامر الثاني في المسألة

[ 431 ]

المتقدمة ايضا على التأسيس (قلت) قد ذكرنا في تلك المسألة ان ظهور الكلام في التأسيس انما هو فيما إذا لم يكن الكلام مسبوقا بمثله والا لم ينعقد له ظهور في ذلك ليثبت به تعدد الحكم واما ما ذكرناه من وقوع المعارضة بين الظهورين فهو انما كان مبنيا على تسليمهما والا فالتحقيق هو ما عرفت من انه لا ظهور لوحدة المتعلق في وحدة الحكم ولا للامر الثاني في التأسيس (فان قلت) ان ما ذكرته من ظهور القضية الشرطية في تعدد الحكم انما يتم فيما إذا كان الحكم في الجزاء مستفادا من الجملة الانشائية لان المعلق حينئذ يكون هي المادة المنتسبة القابلة للتعدد فإذا كانت القضية الشرطية ظاهرة في ذلك فلا بد من الاخذ بظهورها واما إذا كان الحكم المذكور مستفادا من الجملة الخبرية مثل قولنا يجب فلا بد فيه من القول بالتداخل لان المعلق على الشرط حينئذ هو مفهوم الوجوب الذي هو مفهوم واحد وغير قابل للتعدد ومن الواضح ان الاخذ بظهور الكلام انما يكون في المورد القابل له دون غيره (قلت) المفهوم بما انه مفهوم لا معنى لكونه معلقا على شيئ وانما يصح تعليقه عليه بلحاظ كونه مرآة وفانيا في الحقيقة فيرجع التعليق بالاخرة إلى تعليق حقيقة الوجوب الراجع إلى تعليق المادة المنتسبة (1) فلا اشكال وبالجملة لا فرق في حقيقة المعلق على الشرط بين الصيغة الانشائية والاخبارية فإذا كان الجزاء قابلا للتعدد في احد هما كان قابلا للتعدد في الاخر ايضا وهذا الذي ذكرناه هو توضيح ما افاده العلامة (قده) في الاستدلال على اصالة عدم التداخل بانه إذا اجتمع سببان لوجوب الوضوء مثلا فاما أن يكون كل منهما مؤثرا في حكم غير ما يؤثر فيه الاخر أو يؤثر كلاهما معا في حكم واحدا ولا يكون لشيئ منهما تأثير في الحكم اصلا أو يكون التأثير لاحدهما دون الاخر وما عدا الاول فساده ظاهر فيتعين الوجه الاول فيكون عدم التداخل هو مقتضى القاعدة وهذا البرهان مبتن على ثلاث مقدمات (الاولى) ان ظاهر القضية الشرطية هو استقلال كل شرط في ترتب الجزاء عليه (الثانية) ان ما عدا الوجه الاول ينافى الاستقلال المزبور (الثالثة) انه بعد ما ثبت ان لكل واحد من الشرطين اثرا مستقلا يكون تداخل الاثرين في واحد ليرجع الامر بالاخرة إلى


(1) ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام وان كان في غاية الجودة والمتانة إلا أنه لا يتوقف على الالتزام برجوع التعليق في القضايا الشرطية إلى المادة المنتسبة كما هو ظاهر و قد تقدم في محله تحقيق الحال في ذلك فراجع. (*)

[ 432 ]

تداخل المسببين خلاف الاصل فيكون مقتضى القاعدة حينئذ عدم التداخل ووجوب الاتيان بالجزاء مرتين فانقدح من جميع ما ذكرناه ان ظهور القضية الشرطية يقتضى عدم التداخل الا في ما إذا كان متعلق الجزاء غير قابل للتعدد ولا للتقيد كما في وجوب القتل لغير حق الناس وفيما إذا كان الشرط بنفسه غير قابل للتعدد كما في سببية الافطار في شهر رمضان لوجوب الكفارة فان افراد المفطرات وان كانت كثيرة إلا أن غير الوجود الاول منها لا يتصف بكونه مفطرا (1) فلا محالة يكون الوجود الاول هو الموجب للكفارة دون غيره وكما في الحدث الموجب لوجوب الوضوء فان محققاته وان كانت كثيرة إلا أنه لا معنى لحدوث الحدث بعد تحققه فيكون اول الوجود منها هو الموجب للحدث دون غيره ففى امثال ذلك لا مناص عن القول بالتداخل (واما المقام الثاني) اعني به تداخل المسببات فالقاعدة فيه تقتضي عدم التداخل ما لم يدل دليل على التداخل وذلك لان الاصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ولو كان ذلك بقصد امتثال الجميع في غير ما دل الدليل على سقوطها به كما هو الحال في سقوط اغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع وكما في ارتفاع افراد الحدث الاصغر بوضوء واحد بناء على تعدده وجودا عند تعدد اسبابه فانه لا اشكال في ارتفاعه بتمام افراده حينئذ بوضوء واحد ولو لم يقصد به ارتفاع جميعها المتحققة فعلا تعم لو نوى المتوضى ارتفاع بعض افراد الحدث وعدم ارتفاع بعضها الاخر امكن القول بصحة الوضوء ولغوية نية العدم بالاضافة إلى البعض لان ارتفاع البعض يستلزم ارتفاع الجميع قهرا كما يمكن القول ببطلانه (2) وعدم ارتفاع الحدث بشيئ من افراده لان نية ارتفاع البعض ونية عدم ارتفاع البعض الاخر مع ثبوت الملازمة بينهما نيتان متنافيتان لا يمكن اجتماعهما في زمان واحد فيرجع ذلك إلى وقوع الوضوء


(1) هذا انما يتم فيما إذا كان وجوب الكفارة مترتبا على تحقق عنوان المفطر بالفعل واما إذا كان مترتبا على ارتكاب ذات المفطر كالجماع والاكل والشرب ونحوها فيجرى فيه الكلام المتقدم عند الشك في تداخل الاسباب أو المسببات حرفا بحرف. (2) الظاهران الصحيح من الوجهين انما هو الوجه الاول لان نية ارتفاع بعض الاحداث ونية عدم ارتفاع بعضها الاخر وان كانتا متنافيتين الا ان تنافيهما لا يضر بصحة الوضوء إذ لا يعتبر فيها الا نية نفس الوضوء وقصد التقرب به وامانية رفع الحدث فهي غير معتبرة فيها فلا تكون تنافى النيتين المزبورتين موجبا لفساده (*)

[ 433 ]

بغير نية فيكون فاسدا وعلى كلا التقديرين لا يمكن التفكيك بين افراد الحديث الاصغر والقول بارتفاع بعضها دون بعض وبالجملة الاصل العملي يقتضى عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد ما لم يدل على سقوطها به دليل بالخصوص نعم يستثنى من ذلك مورد واحد وهو ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموما وخصوصا من وجه كما في قضية اكرم عالما واكرم هاشميا فان اكرام العالم الهاشمي الذي هو مورد الاجتماع لهما يكون مسقطا لكلا الخطابين لانطباق متعلق كل منهما عليه ولا يعتبر عقلا في تحقق الامتثال الا الاتيان بما ينطبق عليه متعلق الامر في الخارج (وربما يتوهم) في امثال المقام انه ليس من باب تداخل المسببات بل هو من قبيل تأكد الحكم في مورد الاجتماع فالفعل الواحد يكون امتثالا للحكم الواحد (الا انه توهم) فاسد لان التأكد في امثال المقام انما يتصور على تقدير تعلق كل من الحكمين بنفس مورد الاجتماع كما هو الحال فيما إذا كان كل من العامين من وجه شموليا واما إذا كان كل منهما بدليا كما في المثال المتقدم فلا معنى لتأكد الطلب في مورد الاجتماع اصلا (1) لان متعلق الطلب في العموم البدلى انما هي نفس الطبيعة الملغاة عنها الخصوصيات فالفرد المأتى به ليس بخصوصه متعلقا للامر ليتأكد طلبه عند تعلق الامرين به وانما يجوز الاتيان به في مقام امتثال الامر بالطبيعة لانه مقتضى الترخيص في التطبيق المستفاد من الاطلاق على ما تقدم سابقا (فصل في مفهوم الوصف) وقبل الخوض في تحقيق للحال فيه ينبغى تقديم مقدمتين (الاولى) ان محل الكلام في المقام هو الوصف المعتمد على موصوفه واما غير المعتمد عليه فلا اشكال في عدم دلالته على المفهوم فهو حينئذ خارج عن محل النزاع إذ لو كان الوصف على اطلاقه ولو كان غير معتمد على الموصوف محلا للنزاع لدخلت الجوامد في محل النزاع ايضا بداهة انه لا فرق بين الجامد وغير المعتمد من الوصف الا في ان المبدأ في الجامد جعلى وفي غير المعتمد غير جعلى وهذا لا يكون فارقا بينهما في الدلالة على المفهوم وعد مها


(1) هذا مضافا إلى ان الالتزام بتأكد الحكم في مورد الاجتماع يستلزم الالتزام بكون الحكم المجعول في مورد العامين من وجه ثلثة احكام يكون واحد منها متأكدا والاثنان منها غير متأكدين مع انه واضح البطلان (*)

[ 434 ]

فلو كان غير المعتمد دالا على المفهوم لدل الجامد عليه ايضا بل يمكن ان يقال ان كون المبدأ الجوهرى مناطا للحكم بحيث يرتفع الحكم عند عد مه اولى من كون المبدأ العرضى مناطا له فهو اولى بالد لالة على المفهوم من الوصف غير المعتمد ومن ذلك يظهر ان التفصيل بين الوصف المعتمد وغيره بالدلالة على المفهوم وعد مها ليس في الحقيقة تفصيلا في محل الكلام وانما هو قول بالدلالة على المفهوم في محل البحث (الثاني) ان الوصف اما أن يكون مساويا لموصوفه أو أخص منه مطلقا أو أعم منه كذلك أو اعم منه من وجه لا اشكال في دخول القسم الثاني في محل الكلام واما الاول والثالث فيما ان الوصف فيهما لا يوجب تضييقا في ناحية الموصوف لا يكون له دلالة على المفهوم اصلا و اما القسم الاخير كما في قضية في الغنم السائمة زكاة فهو ايضا داخل في محل النزاع فيدل على انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء وصفه بناء على ثبوت المفهوم فينتفى وجوب الزكاة في المثال عن الغنم المعلوفة ولكنه لا يثبت بذلك انتفاء الحكم بانتفاء الوصف ولو في غير جنس موصوفه كما نسب ذلك إلى بعض الشافعية فنفى وجوب الزكاة عن الابل المعلوفة استنادا إلى دلالة وصف الغنم بالسائمة على انتفاء حكمها اعني به وجوب الزكاة عن فاقد الوصف ولو كان من جنس آخر وذلك لضرورة ان تقييد شيئى بوصف في مقام الحكم عليه اجنبي عن دلالته على نفى الحكم المجعول له عن غير ذلك الشيئ بالكلية إذا عرفت ذلك فاعلم ان الحق هو عدم دلالة الوصف على المفهوم وتوضيح ذلك انما يتم ببيان امرين (الاول) انا قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط ان القيد اما ان يعتبر قيدا للمفهوم الافرادى قبل وقوع النسبة عليه فيكون المقيد بما هو مقيد طرفا النسبة سواء كان ذلك المفهوم الافرادى متعلقا للتكليف ام كان موضوعا له واما ان يعتبر قيدا للجملة التركييبة على النحو المعقول بان يكون القيد قيدا للعادة المنتسبة (1) فيكون التقييد واردا على المادة في عرض ورود النسبة عليها وفي مرتبتها وقد ذكرنا هناك ان ادوات


(1) ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام من التفرقة بين القيود الراجعة إلى الحكم والقيود الراجعة إلى موضوعه أو متعلقه واثبات ان مناط الدلالة على المفهوم انما هو رجوع القيد إلى نفس الحكم وان كان متينا غايته الا ان ارجاعه قدس سره قيد الحكم إلى قيد المادة المنتسبة غير صحيح وقد مر توضيح ذلك في بحث الواجب المشروط مفصلا (*)

[ 435 ]

الشرط انما وضعت لتقييد جملة بجملة ولا يصح استعمالها في تقييد المفاهيم الافرادية اصلا (الثاني) ان ملاك الدلالة على المفهوم كما مرت الاشارة إليه في الفصل السابق هو ان يكون القيد راجعا إلى المادة المنتسبة ليترتب عليه ارتفاع الحكم عند ارتفاع قيده و الوجه في ذلك هو ان التقييد إذا رجع إلى نفس الحكم على النحو المعقول كان لازم ذلك هو ارتفاعه بارتفاعه إذ لو كان الحكم ثابتا عند عدم القيد ايضا لما كان الحكم مقيدا به بالضرورة ففرض تقييد الحكم بشيئى يستلزم فرض انتفائه بانتفائه واما إذا كان القيد راجعا إلى المفهوم الافرادى فغاية ما يترتب على التقييد هو ثبوت الحكم على المقيد ومن الضرورى ان ثبوت شيئى لشيئى لا يستلزم نفيه عن غيره والا لكان كل قضية مشتملة على ثبوت حكم على شيئى دالا على المفهوم وذلك واضح البطلان وعلى ما ذكرناه فدلالة الوصف على المفهوم تتوقف على كونه قيد النفس الحكم لا لموضوعه ولا لمتعلقه وبما ان الظاهر في الاوصاف ان تكون قيودا للمفاهيم الافرادية يكون الاصل فيها عدم الدلالة على المفهوم كما هو الحال في اللقب عينا غاية الامر ان الموضوع أو المتعلق في اللقب امر واحد يمكن التعبير عنه بلفظ واحد بخلافهما في المقام فانه لا يمكن التعبير عنهما غالبا الا بلفظين وهذا لا يكون فارقا بين الموردين بعد اشتراكهما في ملاك عدم الدلالة على المفهوم اعني به كون الحكم غير مقيد بشيئ فكما ان قولنا اكرام رجلا لا دلالة له على عدم وجوب اكرام المرأة أو الصبى كذلك قولنا اكرم الانسان البالغ الذكر لا دلالة له على نفى الوجوب عن غير الرجل من افراد الانسان واما ما اشتهر من ان تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية فهو على تقدير تسليمه لا يثبت دلالة الوصف على المفهوم لان الاشعار ما لم يصل إلى مرتبة الظهور لا يكون حجة نعم إذا قامت قرينة خارجية على كون مبدأ الوصف علة للحكم (1) أو على ان القيد المذكور في الكلام انما اخذ قيدا لنفس الحكم لا لمتعلقه أو موضوعه دلت القضية حينئذ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف المزبور لكن هذا اجنبي عما نحن فيه


(1) لا يخفى ان توصيف متعلق الحكم أو موضوعه بقيد ما في الكلام مع اعتباره قيدا لنفس الحكم في مقام اللب ومقام الثبوت خارج عن قانون المحاورة عرفا فلا معنى لقيام القرينة عليه من الخارج واما كون القيد علة لثبوت الحكم على المقيد فهو وان كان امرا ممكنا في نفسه وقابلا لقيام اقرينة عليه من الخارج الا أن مجرد ذلك لا يكفى في دلالة القضية على المفهوم ما لم تقم قرينة على كون العلة علة منحصرة كما هو ظاهر (*)

[ 436 ]

لان النزاع انما هو في ظهور نفس الوصف في المفهوم وعدمه وقد عرفت انه لا دلالة له عليه (فصل في مفهوم الغاية) وقد وقع الكلام في هذا المقام من جهتين (الاولى) من جهة المنطوق (والثانية) من جهة المفهوم اما الجهة الاولى فقد اختلفوا فيها من حيث دخول الغاية في حكم المغيى وعد مه على اقوال ثالثها التفصيل بين كون الغاية من جنس المغيى وعدمه ورابعها التفصيل بين كون الغاية مدخولة لكلمة إلى ومدخولة لكلمة حتى وهذا التفصيل وان كان حسنا في الجملة لان كلمة حتى (1) تستعمل غالبا في ادخال الفرد الخفى في موضوع الحكم فتكون الغاية حينئذ داخلة في المغيى لا محالة لكن ذلك ليس بنحو الكلية والعموم فلا بد من ملاحظة كل مورد بخصوصه والحكم فيه بدخول الغاية في حكم المغيى أو عدمه واما الجهة الثانية فتوضيح الحال فيها (2) بان يقال انه إذا ثبت ان


(1) لا يخفى ان كلمة حتى التي تستعمل لادراج الفرد الخفى كما في قولنا مات الناس حتى الانبياء لا تدل على كون ما بعدها غاية بل هي من اداة العطف فاستدلال شيخنا الاستاد قدس سره على دخول الغاية في المغيى فيما إذا كانت الغاية مدخولة لكلمة حتى باستعمال هذه الكلمة غالبا لادراج الفرد الخفى انما نشأ من الخلط بين موارد استعمالها عاطفة و موارد استعمالها لافادة كون مدخولها غاية لما قبلها فلا تغفل. (2) التحقيق في هذا المقام ان يقال ان الادوات الموضوعة للدلالة على كون مدخولها غاية لابد من ان تتعلق بشيئ في الكلام ليكون ما بعدها غاية وقيدا له وعليه فان كان القيد قيدا للموضوع ومحددا له كما في قوله تعالى واغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق أو كان قيدا لمتعلق الحكم وموجبا لتضيقه فدلالة الكلام على المفهوم تبتنى على دلالة التقييد بالوصف على المفهوم وعدمها لان التقييد بالغاية حينئذ من احدى صغريات التقييد بالوصف إذ المراد بالوصف في ذلك المبحث ليس خصوص الوصف المصطلح عليه في علم النحو بل المراد به مطلق ما يكون قيد الموضوع الحكم أو لمتعلقه في الكلام ولو كان التقييد بمثل الجار والمجرور ونحوه واما إذا كان التقيد في الكلام قيد النفس الحكم وغاية استلزم ذلك دلالة الكلام على انتفاء الحكم عند تحقق غايته بل لا يبعدان يقال ان دلالة تقييد الحكم بغاية ما على المفهوم اقوى من دلالة تعليق الحكم على الشرط على المفهوم هذا بحسب مقام الثبوت واما بحسب مقام الاثبات فان - (*)

[ 437 ]

ملاك الدلالة على المفهوم هو كون القيد راجعا إلى الجملة التركيبية كما ان ملاك عدم الدلالة على المفهوم هو رجوع القيد إلى المفهوم الافرادى ولذلك بنينا على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم دون الوصفية فالادوات الموضوعة للدلالة على كون مدخولها غاية بما انها لم توضع لخصوص تقييد المفاهيم الافرادية كالوصف ولا لخصوص تقييد الجمل التركيبية كادوات الشرط تكون بحسب الوضع امرا متوسطا بين الوصف وادواة الشرط في الدلالة على المفهوم وعد مها فهى بحسب الوضع لا تكون ظاهرة في المفهوم في جميع الموارد ولا غير ظاهرة فيه في جميعها لكنها بحسب التراكيب الكلامية لا بد ان تتعلق بشيئ والمتعلق لها هو الفعل المذكور في الكلام لا محالة فتكون حينئذ ظاهرة في كونها من قيود الجملة لا من قيود المفهوم الافرادى فتلحق بادوات الشرط من هذه الجهة فتكون ظاهرة في المفهوم نعم فيما إذا قامت قرينة على دخول الغاية في حكم المغيى كما في مثل سر من البصرة إلى الكوفة كان ظهور القيد في نفسه في رجوعه إلى الجملة معارضا بظهور كونه قيدا للمعنى الافرادى من جهة مناسبة ذلك لدخول الغاية في حكم المغيى فيكون الظهور ان متصاد مين فان كان احد هما اظهر من الاخر قدم ذلك والا لم ينعقد للكلام ظهور اصلا


- كان الحكم المذكور في القضية مستفادا من الهيئة كان الكلام في نفسه ظاهرا في رجوع القيد إلى متعلق الحكم إذ الظاهر هو رجوع القيد في الكلام إلى المعنى الحدثى فرجو عه إلى الموضوع خلاف الظاهر كما ان رجو عه إلى مفاد الهيئة وان كان امرا ممكنا في نفسه الا انه على خلاف المتفاهم العرفي ما لم تقم قرينة عليه وعليه فما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من ظهور الكلام في رجوع القيد إلى مفاد الجملة المساوق لرجوعه إلى نفس الحكم المعبر عنه في كلامه بتقييد المادة المنتسبة ليس على ما ينبغى واما إذا كان الحكم المذكور في القضية مستفادا من مادة الكلام فان لم يذكر متعلق الحكم في الكلام في قولنا يحرم الخمر إلى ان يضطر إليه المكلف فلا ينبغى الشك في ظهور الكلام في رجوع القيد إلى نفس الحكم واما إذا كان المتعلق مذكورا فيه كما في قولنا يجب الصيام إلى الليل فلا يكون للكلام ظهور في رجوع القيد إلى الحكم أو إلى متعلقه فلا يكون له دلالة على المفهوم لو لم تقم قرينة في الكلام أو من الخارج عليها (*)

[ 438 ]

(فصل في مفهوم الحصر) لا يخفى ان ما كان من ادوات الحصر دالا على ثبوت شيئ لشيئ ونفيه عن غيره بنفس اللفظ كما هو الحال في كلمة انما فهو خارج عن محل الكلام وداخل في الدلالات المنطوقية واما كلمة الا فهى قد تستعمل وصفية وقد تستعمل استثنائية اما إذا استعملت وصفية فهى لا تفيد الا تقييد المفهوم الافرادى نظير بقية الاوصاف المذكورة في الكلام وقد مر ان تقييد المفهوم الافرادى لا يدل على المفهوم واما إذا استعملت استثنائية فهى لا محالة تدل على المفهوم وعلى نفى الحكم السابق الثابت للمستثنى منه عن المستثنى لان الاستثناء لا يكون الا عن الجملة فتفيد ثبوت نقيض الحكم المذكور في القضية للمستثنى وقد عرفت ان مناط الدلالة على المفهوم وعدمها هو رجوع القيد إلى المفهوم التركيبي وعدمه (إذا عرفت ذلك) فلا بأس بذكر جملة من الفروع المتعلقة بالمقام المذكورة في كتاب الشرايع والقواعد (منها) ما لو قال المقر على لزيد عشرة الا درهما فانه يثبت في ذمته التسعة لان كلمة الا في هذا الكلام لا تكون الا استثنائية إذ لو كانت وصفية لوجب ان يتبع ما بعدها ما قبلها في اعرابه وبما ان ما بعدها في المثال منصوب مع كون ما قبلها مرفوعا لا تكون هي وصفية فانحصر الامر في كونها استثنائية (ومنها) ما لو قال على لزيد عشرة الا درهم فانه يثبت في ذمته تمام العشرة (1) لتمحض كلمة الا حينئذ في الوصفية ولا يصح كونها استثنائية والا لزم أن يكون ما بعدها منصوبا على الاستثناء لان الكلام موجب فتمام العشرة المتصفة بانها غير درهم واحد تثبت في ذمة المقر (ومنها) ما لو قال ليس على لزيد عشرة الا درهم فانه يثبت في ذمته درهم واحد لان كلمة الا في الكلام وان كانت قابلة لان تكون استثنائية ولا تكون وصفية بحسب القواعد العربية الا ان الاصل في كلمة الا أن تكون استثنائية ما لم تكن هناك قرينة خارجية على كونها وصفية وبما انه ليست في المثال قرينة على كونها وصفية يلزم حملها على الاستثنائية فيثبت في ذمته


(1) هذا انما يتم فيما إذا كان المتكلم من العارفين بقواعد اللغة العربية واما في غير ذلك فلا بد من حمل كلمة الا على كونها استثنائية لانه مقتضى الاصل الاولى كما افيد في المتن فحملها على الوصفية يحتاج إلى قيام قرينة عليه (*)

[ 439 ]

درهم واحد (ومنها) ما لو قال ليس لزيد على عشرة الا درهما فقد افتى في الشرائع والقواعد بعدم الزامه بشيئ وربما نسب ذلك إلى المشهور ولكن الظاهر انه ملزم بدرهم واحد لان المستثنى في الكلام المنفى وان كان الارجح كو نه مرفوعا الا انه يصح فيه النصب وهذا بخلاف حمل كلمة الا على الوصفية فانه غير صحيح لما عرفت من لزوم كون ما بعد ها تابعا لما قبلها في الاعراب وعليه فيثبت الدرهم الواحد في ذمته في المثال واما نسبة عدم الزامه بشيئ إلى المشهور فصحتها غير محققة كما اعترف بذلك في الجواهر واما فتوى صاحب الشرائع التى وافقه عليها في القواعد بعدم الزامه بشيئ فقد وجهها في المسالك بما حاصله ان الاستثناء إذا كان استثناء بعد الحكم المذكور في الكلام ثبت الدرهم الواحد في ذمة المقر لا محالة واما إذا كان استثناء من نفس الموضوع قبل الحكم عليه بشيئ لم يكن في الكلام دلالة الا على نفى العشرة المخرج عنها الواحد فكأنه قال ليس لزيد على تسعة وبما انه لا قرينة على كون الاستثناء استثناء بعد الحكم لا يكون الكلام المزبور اقرارا بشيئ وانت خبير بفساد هذا التوجيه لان الاستثناء قبل الحكم اعني به الاستثناء عن المعنى الافرادى غير معقول إذ كل ما يكون قيدا للمعنى الافرادى فهو بالاخرة يكون وصفا له وقد عرفت عدم صلوح الكلام لكون القيد المذكور فيه وصفا فلابد من حمل كلمة الا فيه على كونها استثنائية باعتبار الحكم الثابت فيه للمستثنى منه فيكون ذلك اقرارا بثبوت درهم واحد في ذمته (ثم انه) ربما يستدل على دلالة الاستثناء على المفهوم باتفاق الكلمة على قبول اسلام من اظهر الاعتراف بكلمة التوحيد ولا يخفى ان الاتفاق على ذلك وان كان صحيحا الا انه وقع الاشكال في ان قبول اسلامه هل هو من جهت التعبد به أو من جهة دلالة نفس الكلام على ذلك فقد يقال بالاول نظرا إلى قصور دلالة الكلام في نفسه على التوحيد وذلك لان خبر كلمة لا النافية محذوف في الكلام فلا بد من تقديره فاما ان يقدر الخبر بلفظ موجود أو ممكن وعلى الاول فلا يدل الكلام على نفى الامكان عن غيره تعالى وعلى الثاني فلا يدل على ثبوت الوجود له تعالى والجواب عن ذلك هو ان مفهوم واجب الوجود لذاته إذا اضيف إلى الخارج فان امكن انطباقه على موجود خارجي وجب انطباقه عليه كما في الباري تعالى وان امتنع ذلك كان مصداقه ممتنع الوجود كشريك الباري فامر انطباق

[ 440 ]

هذا المفهوم على ما في الخارج مردد بين الوجوب والامتناع فامكان الواجب بالامكان العام يستلزم وجوده كما ان عدم وجوده يستلزم امتناعه وعليه فلو كان الخبر المقدر هو موجود كان نفى الوجود عن الالهة الاخرى بالمطابقة ونفى الامكان عنها بالملازمة ولو كان المقدر هو ممكن كان اثبات الامكان له تعالى بالمفهوم واثبات الوجود له بالملازمة وعلى كل تقدير يستفاد من كلمة التوحيد انحصار واجب الوجود لذاته فيه تعالى ونفى الامكان عن غيره هذا ويمكن ان يقال ان كلمة لا الواقعة في كلمة التوحيد مستغنية عن الخبر كما هو الحال في كلمة لو لا الامتناعية وفي كلمة ليس التامة واما ما ذكره النحويون من كون الخبر محذوفا في هذه الموارد فلا يبعد ان يكون مرادهم به عدم الحاجة إلى الخبر فيها لا انه محذوف حقيقة فكلمة لا تدل على عدم تقرر مدخولها في الوعاء المناسب له ففي الرواية المعروفة (لولا على لهلك عمر) يكون المراد ترتب الهلاك على عدم تقرر علي عليه السلام في الخارج لان هذا هو الوعاء المناسب لتقرره عليه السلام واما في كلمة التوحيد فالمراد من التقرر المنفى هو التقرر مطلقا ولو في مرحلة الامكان فتدل الكلمة المباركة على نفى الوجود والامكان عن غير الله واثبات كليهما له تبارك وتعالى. (المقصد الرابع في العموم والخصوص) وقبل الشروع في محل البحث ينبغى تقديم امور (الاول) ان الفرق بين العام والمطلق الشمولى هو ان العام ما كان عمو مه مستفادا من دليل لفظي كلفطة كل وامثالها وهذا بخلاف المطلق الشمولى فان عمومه انما يستفاد من مقد مات الحكمة ومن تعلق الحكم بالجنس ولهذا يكون العام عند التعارض مقد ما على المطلق الشمولى لصلا حه لان يكون بيانا له فيقدم عليه ولا ينافى ذلك ما سيجيئ انشاء الله تعالى من الاحتياج (1) إلى جريان مقدمات


(1) قد اشرنا في بعض المباحث السابقة إلى ان دلالة اداة العموم عليه لا تتوقف على اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها وانما هي مستندة إلى الوضع فنقول في توضيح ذلك ان الالفاظ الموضوعة لافادة العموم انما تدل بنفسها على لحاظ مدخولها على نحو اللابشرط القسمى اعني به لحاظ الطبيعة فانية في جميع ما يمكن ان تنطبق عليه فالمستفاد من لفظ كل رجل انما هو لحاظ طبيعة الرجل على نحو تسرى إلى العالم والجاهل والغنى والفقير وغير ذلك مما - (*)

[ 441 ]

الحكمة في مدخول ادات العموم ايضا على ما اشرنا إليه في بعض المباحث السابقة ويأتى تفصيله في مبحث التعارض انشاء الله تعالى فظهر ان النزاع في دلالة جملة من الموارد على العموم انما هو نزاع في دلالة اللفظ عليه والا فاستفادة العموم في جملة منها ولو بمقدمات الحكمة مما لا ينبغى انكارها. الثاني: ان القضية وان انقسمت إلى اقسام كثيرة الا ان المفهم لنا في المقام هو التعرض لبعض اقسامها (فمنها) القضية الطبيعية وهي ما حكم فيها على نفس الطبيعة المأخوذة بشرط لا بالاضافة إلى صدقها الخارجي كقضية الانسان نوع والمحمول في مثل هذه القضية لا يكون الا من المعقولات الثانوية كما ان موضوعها يستحيل فرض العموم فيه ولذلك لا تستعمل هذه القضية في الاقيسة اصلا (ومنها) القضية الحقيقية وهي ما حكم فيها على الطبيعة السارية إلى ما في الخارج كقضية الانسان ضاحك والخمر حرام فمتى فرض شيئى صدق عليه انه انسان أو خمر فهو محكوم عليه بانه ضاحك أو حرام والافراد في مثل هذه القضية


- يمكن انطباق طبيعة الرجل عليه ومن الواضح انه مع ذلك لا يبقى مجال لتوهم الحاجة إلى اجراء مقدمات الحكمة في استفادة العموم على ان مقدمات الحكمة لو كانت جارية في مدخول الاداة لكفى جريانها في دلالة الكلام على العموم فيكون الاتيان باداة العموم من اللغو الواضح (وان شئت قلت) ان استفادة العموم ولحاظ الطبيعة على نحو اللابشرط القسمى انما تستند في موارد جريان مقدمات الحكمة إلى عدم ذكر قيد خاص في الكلام لما ستعرف في محله انشاء الله تعالى من ان عدم بيان دخل قيد ما في غرض المولى مع كو نه في مقام البيان يكشف عن عدم دخله في غرضه في الواقع واما استفادة العموم في موارد الاتيان باداة العموم فهى انما تستند إلى بيان عدم دخل قيد ما في غرض المولى فكم فرق بين العموم المستفاد من عدم بيان دخل قيد ما والعموم المستفاد من بيان عدم دخل ذلك القيد واما ما يقال من ان امكان تقييد مدخول الاداة كما في قولنا كل رجل عالم امارة على وجود الحاجة إلى اجراء مقدمات الحكمة في مدخول الاداة فهو يندفع بان اداة العموم انما تدل بالوضع على سعة مدخولها ولحاظه على نحو اللابشرط القسمى من دون فرق بين أن يكون مدخولها في نفسه من الاجناس وأن يكون من الانواع أو الاصناف فالسعة انما تلاحظ بالاضافة إلى المدخول كيف ما كان ولولا ما ذكرناه لما امكن التصريح بالعموم في مورد ما اصلا مع انه واضح البطلان. (*)

[ 442 ]

لا تكون محكومة بالحكم ابتداء وانما يشملها الحكم باعتبار صدق الطبيعة المأخوذة في الموضوع عليها (ومنها) القضية الخارجية وهي ما حكم فيها على نفس الافراد الخارجية ابتداء من دون توسط عنوان في ذلك بل ربما لا يكون بينها جامع ينطبق عليها كما إذا قال المولى اكراما هؤلاء فاشار بذلك إلى عالم وهاشمي وعادل وعلى تقدير وجود عنوان جامع بينها فانما هو من باب الاتفاق لا من جهة دخله في الحكم كما في قضية قتل من في العسكر والعموم كما يتصور في موضوع القضية الحقيقية يتصور في موضوع القضية الخارجية الا أن بينهما فرقا وهو أن الموضوع في القضية الحقيقية انما هي نفس الطبيعة الملحوظة فانية في افرادها المقدرة والمحققة وهذا بخلاف القضية الخارجية فان موضوع الحكم فيها حقيقة نفس الافراد والعنوان الجامع المأخوذ في الموضوع على تقدير وجوده انما أخذ في الموضوع للاشارة به إلى نفس الافراد ولاجل ذلك لا يكون التخصيص في القضايا الخارجية الا افراديا لان مصب العموم فيها انما هو نفس الافراد دون العناوين بخلاف القضايا الحقيقية فان التخصيص فيها غالبا يكون عنوانيا وموجبا لتقيد مصب العموم بقيد وجودي أو عدمي بل لم نجد في القضايا الحقيقية الواردة في الشريعة ما يكون التخصيص فيه افراديا الا في مورد واحد وهو رفع الحد عمن اقر عند امير المؤمنين عليه السلام باللواط والقضية مشهورة ومما ذكرنا ظهران تشكيل القياس المنطقي لا يكون الا في القضايا الحقيقية دون القضايا الخارجية لان العنوان المأخوذ في موضوع القضية الخارجية لا دخل له في ثبوت الحكم لافراده ليمكن جعله وسطا لثبوت الكبر للاصغر نعم يمكن تشكيل القياس منها في عالم الاثبات فقط كمن علم بان كل من في العسكر قتل ولكنه لم يعلم بوجود زيد فيهم فإذا علم بوجود زيد فيهم علم بكونه مقتولا لا محالة ومن ذلك يظهر ان الاشكال على انتاج الشكل الاول باستلزامه الدور انما نشأ من خلط القضايا الخارجية بالقضايا الحقيقية وذلك لان توقف العلم بالنتيجة على العلم بكلية الكبرى وان كان مسلما في القضايا الحقيقية الا أن العلم بكلية الكبرى لا يتوقف على العلم بالنتيجة اصلا بل هو تابع لدليله شرعيا كان ام عقليا واما في القضايا الخارجية فالامر بالعكس فان العلم بكلية الكبرى يتوقف على العلم بثبوت الحكم لكل فرد بخصو صه من افراد موضوعها وبما ان موضوع النتيجة فرد من افراد موضوعها يتوقف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة لكن العلم بالنتيجة لا يتوقف

[ 443 ]

على العلم بكلية الكبرى بل انما يحصل ذلك من الدليل المقتضى له بخصوصه فاشكال الدور انما نشأ من ضم مقدمة خاصة بالقضايا الخارجية الى مقدمة اخرى خاصة بالقضايا الحقيقية وبعد وضوح الفرق بينهما في الاحكام لا يبقى مجال له اصلا وقد تقدم بعض الكلام في الفرق بين القضية الحقيقية والخارجية في بحث الواجب المشروط فراجع الامر الثالث: ان العموم ينقسم إلى مجموعي واستغراقي وبدلي باعتبار ان الحكم المجعول في مورده اما أن يكون متعلقا بكل واحد واحد من الافراد أو بمجموعها أو بواحد منها على البدل والاول هو العموم الاستغراقي والثاني هو المجموعى والثالث هو البدلى ولا يخفى ان في عد القسم الثالث من اقسام العموم مسامحة واضحة (1) بداهة ان البدلية تنافى العموم فان متعلق الحكم في العموم البدلى ليس الا فردا واحدا اعني به الفرد المنتشر وهو ليس بعام نعم البدلية عامة فالعموم انما هو في نفس البدلية لا في الحكم المتعلق بالفرد على البدل ويؤيد ما ذكرناه ان هذا القسم من العموم يستفاد غالبا من اطلاق المتعلق فيكون بذلك مندرجا في المطلق دون العام (ثم انه) إذا علم من الخارج ان المراد من العموم المدلول عليه في الكلام هو الاستغراقي أو المجموعى فلا اشكال و اما إذا شك في ذلك فالاصل يقتضى كونه استغراقيا لان العموم المجموعى يحتاج إلى اعتبار الامور الكثيرة امرا واحدا ليحكم عليها بحكم واحد وهذه عناية زايدة تحتاج افادتها إلى مؤنة اخرى (فان قلت) إذا شك في كون العموم مجموعيا أو استغراقيا فظهور


(1) لا يخفى ان المراد من العموم البدلى هو ما يكون ترخيص تطبيق المأمور به على افراده فيه مدلولا لفظيا ومستندة إلى الوضع كما في قد لنا قلداى مجتهد شئت وبهذا يفترق العام البدلى عن المطلق البدلى فان استفادة الترخيص من المطلق البدلى انما تستند إلى اجراء مقدمات الحكمة لا إلى الموضع وبذلك ايضا يفترق العام الاستغراقي عن الاطلاق الشمولى كما عرفت ومن ذلك يظهر انه لا وجه لما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام من ان غلبة استفادة العموم البدلى من الاطلاق ومقدمات الحكمة تويد كون هذا القسم مندرجا في المطلق دون العام وجه الظهور ان ما يكون مندرجا في العام انما هو ما كان العموم البدلى فيه مستفادا من الدلالة الوضعية والا فالعموم الشمولى ايضا ربما يكون مستفادا من الاطلاق ومقدمات الحكمة كما في قوله تعالى احل الله البيع وقول نبيه صلى الله عليه وآله خلق الله الماء طهورا وغيرهما من الموارد الكثيرة في الاستعمالات الشرعية والعرفية (*)

[ 444 ]

الكلام يقتضى حمله على المجموعى دون الاستغراقي سواء في ذلك كون العموم مستفادا من مثل كلمة كل وكونه مستفادا من هيئة الجمع المحلى باللام أو من وقوع النكرة و نحوها في سياق النهى أو النفى اما إذا كان مستفادا من مثل كلمة كل فلان لفظ كل رجل في قولنا اكرام كل رجل مثلا هو الذي وقع في القضية الملفوظة موضوعا للحكم ولا شبهة في انه لا يصدق مفاده الا على مجموع الافراد دون كل واحد واحد منها فيكون موضوع الحكم في القضية المعقولة هو المجموع ايضا لان الظاهر ان يكون مقام الاثبات تابعا لمقام الثبوت ما لم تقم قرينة خارجية على خلافه هذا مضافا إلى ان العموم انما يستفاد من لفظ كل بنحو المعنى الاسمى وبما انه ملحوظ استقلالي فالحكم في القضية انما يثبت له بنفسه لا لكل فرد من افراد المدخول ومما ذكرنا يظهر الحال في الجمع المحلى بالالف واللام وذلك لان الجمع لا يصدق على كل واحد واحد من الافراد وانما يصدق على جملة منها وبما ان لفظة ال المحلى به الجمع يدل على تعريف مدخوله وتعيينه ولا تعين لشيئ من مراتب الجمع القابلة للانطباق عليها يكون المتعين هو اقصى مراتبه فيكون الموضوع للحكم هو مجموع الافراد لا كل واحد واحد منها وهكذا الحال في النكرة الواقعة في سياق النفى أو النهى لان القضية حينئذ تكون سالبة كلية وبما انها نقيض الموجبة الجزئية تدل على ثبوت الحكم لمجموع الافراد وبالجملة إذا لم تقم قرينة خارجية على ارادة العموم الاستغراقي فالظاهر من العموم سواء كان مدلولا اسميا أم حرفيا أم مدلولا سياقيا هو ارادة العموم المجموعى دون الاستغراقي (قلت) ان لفظ كل وان كان لا يصدق بمفهومه على كل واحد واحد من افراد مدخوله الا انه انما يؤخذ في الموضوع مرآة ليثبت الحكم لكل فرد بخصوصه نظير كلمة هرفى اللغة الفارسية فكما ان مدلول كلمة هر مرد لا يصدق على خصوص زيد وعمر ولكنه مع ذلك يفيد عموم الحكم لكل واحد من الافراد كذلك كلمة كل تفيد هذا المعنى ايضا ولا ينافى ذلك كون لفظ كل من جملة الاسماء فان كون المفهوم اسميا لا ينافى لحاظه مرآة في مقام تعلق الحكم بشيئ لان المعنى الاسمى انما يتقوم بكونه ملحوظا استقلاليا في مقام الاستعمال واما في مرحلة الحكم فيمكن كونه ملحوظا مرآة كما هو الحال في جميع العناوين المشيرة إلى ما هو موضوع الحكم حقيقة واما استعمال كلمة كل في موارد العموم المجموعى

[ 445 ]

فهو وان كان صحيحا الا انه يحتاج إلى عناية زائدة كما عرفت واما الجمع المعرف باللام فافادته للعموم ليست مستندة إلى ما ذكر والا كان لمنعها مجال واسع (1) بل هي مستندة إلى دلالة هذه الهيئة بنفسها على العموم فيما إذا لم يكن عهد فتعين المرتبة الاخيرة تابع لافادتها العموم دون العكس وعليه فكما ان مدلول لفظ كل رجل مع انه لا يكون صادقا على كل واحد واحد من الافراد يكون ظاهرا في العموم الاستغراقي كذلك يكون الجمع المعرف باللام ايضا إذ لا فرق بينهما الا في كون العموم في احد هما معنى اسميا وفي الاخر معنى حرفيا والا فظهور القضة في ثبوت الحكم لكل واحد واحد من الافراد مشترك فيه بينهما وذلك لما عرفت من ان ارادة العموم المجموعى تحتاج إلى عناية زائدة اعني بها اعتبار الامور المتكثرة امرا واحدا وبالجملة لو كان مدخول اداة العموم هو الجمع لكانت مرتبة افادة الجمع سابقة على مرتبة افادة العموم


(1) الظاهر ان نظر شيخنا الاستاد قدس سره في وجه المنع إلى ما ذكره جملة من المحققين في المقام من ان التعين لا يختص بالمرتبة الاخيرة لان اقل مراتب الجمع متعين ايضا ولكن التحقيق انه لا يصح ذلك وجها للمنع من التقريب المذكور لدلالة الجمع المعرف باللام على العموم لان اقل مراتب الجمع وان كانت متعينة في الارادة الا انه لا تعين لها في الخارج لوضوح انه يمكن صدقها على كل ثلثة من الافراد من دون فرق في ذلك بين المعرف وغيره فالمتعين في الخارج بحيث لا يكون مرددا بين شيئين أو اشياء انما هو مجموع الافراد دون غيره من مراتب الجمع واما دعوى كون هيئة الجمع المعرف باللام موضوعة لافادة العموم فهي مدفوعة بان وضع الهيئة لذلك يستلزم ان يكون استعمال الجمع المعرف باللام في موارد العهد الذكرى أو الخارجي استعمالا مجازيا وهو باطل بالضرورة ثم لا يخفى انه لا منافاة بين ما اخترناه في وجه دلالة الجمع المعرف باللام على العموم وما ذكرناه من كون العموم ظاهرا في الاستغراقي ما لم تقم قرينة على ارادة العموم المجموعى لان صيغة الجمع في ظرف الاستعمال وان كانت مستعملة في معنى واحد باستعمال واحد الا ان ذلك المعنى انما يؤخذ فانيا ومرآة للحاظ الافراد والحكم على كل فرد منها بخصوصه ولا يفرق في ذلك بين كون الجمع معرفا باللام وعدم كو نه معرفا به كما في قولنا اكرم علماء البلد فان الظاهر في المتفاهم العرفي كون المعنى المستعمل فيه الجمع ملحوظا فانيا في الافراد الخارجية ما لم تقم قرينة على كو نه ملحوظا على نحو العموم المجموعى (*)

[ 446 ]

لا محالة فالعموم لا يكون واردا على الافراد بل يكون واردا على الجمع ومفيد الثبوت الحكم لجميع مصاديق الجمع بما هو جمع لكنه على ذلك لا يكون للجمع المعرف باللام دلالة على العموم الافرادى مجموعيا كان ام استغراقيا ومن الواضح ان الامر ليس كذلك فالظاهر ان الاداة وهيئة الجمع تردان معا على المادة في عرض واحد ويستفاد العموم من ورود هما معا عليها فالعموم يكون وارد اعلى نفس الطبيعة فيستفاد منه العموم الاستغراقي وتحتاج حينئذ افادة العموم المجموعى إلى مؤنة زائدة واما النكرة في سياق النفى أو النهى فاستفادة السالبة الكلية منها وان كانت مما لا تنكر الا ان السلب فيهما متعلب بنفس الطبيعة فيدل على سلب جميع افرادها واما تعلق السلب بمجموع الافراد فهو لازم تعلقه بالجميع لا انه بنفسه مدلول للكلام لما عرفت من احتياج اعتبار الامور الكثيرة امرا واحدا إلى عناية زايدة فمع عدم القرينة عليها لا موجب لحمل الكلام على العموم المجموعى (ثم ان) امتثال الحكم في العام المجموعى إذا كان ايجابيا لا يكون الا بالاتيان بجميع الافراد واما إذا كان تحريميا فيمكن ان يكون المطلوب مجموع التروك فلو اخل بواحد منها لم يتحقق الامتثال اصلا ويمكن ان يكون المطلوب ترك المجموع فيتحقق الامتثال بترك بعض الافراد فلابد في تعيين كل واحد منهما من قرينة خارجية. الامر الرابع: انه وقع الكلام في ان العام المخصص هل هو حقيقة أو مجاز فيه اقوال ثالثها التفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل ورابعها التفصيل بين الاستثناء و غيره والحق كونه حقيقة مطلقا وفاقا للمحققين من المتأخرين وقد استدل على المختار بوجوه (الاول) (1) ان العموم في العام المخصص وان لم يكن مراد للمتكلم بالارادة


(1) لا يخفى ان هذا الوجه هو الوجه الصحيح لاثبات عدم استلزام التخصيص بالمنفصل كون العام مجازا وتقريبه على وجه يسلم من الاشكال انما هو بان يقال ان لكل لفظ دلا لتين احديهما دلالته على ان المتكلم به اراد به تفهيم معناه وثانيهما دلا لته على ان تلك الارادة ارادة جدية وغير ناشئة من الدواعى الاخر كالامتحان والسخرية ونحوهما اما الدلالة الاولى فقد عرفت في مبحث الوضع انها مستندة إلى الوضع اعني به تعهد المتكلم بأنه متى ما اراد تفهيم معنى ما تكلم بلفظ مخصوص وقد ذكرنا هناك ان الدلالة الوضعية منحصرة في ذلك وان الانتقال من سماع اللفظ إلى المعنى ولو كان اللافظ بغير شعور واختيار غير مستند إلى الوضع وانما - (*)

[ 447 ]

الجدية الا انه مراد له بالارادة الاستعمالية دائما والميزان في كون اللفظ حقيقة انما هو استعماله في ما وضع له وان لم يكن المستعمل فيه مرادا للمتكلم بالارادة الجدية (ويرد عليه) ان الارادة الاستعمالية ان اريد بها ارادة ايجاد المعنى البسيط العقلاني باللفظ بحيث كان اللفظ والارادة مغفولين عنهما حين الاستعمال فهذه بعينها هي الارادة الجدية التى بها يتقوم استعمال اللفظ في معنى ماوان اريد بها الارادة الهزلية المقابلة للارادة الجدية والداعية إلى ارادة ايجاد المعنى باللفظ فهى وان كانت لا تنافى استعمال اللفظ في معناه الموضوع له لوضوح ان الاستعمال الحقيقي لا يدور مدار كون الداعي إلى الاستعمال هو خصوص الارادة الجدية الا انه لا يعقل الالتزام بكون الداعي إلى استعمال العمومات الواردة في الكتاب والسنة في معانيها هي الارادة الهزلية (الثاني) ان تخصيص العام لا يستلزم عدم ارادة العموم منه لامكان


- هو ناشئ من الانس الحاصل من كثرة استعمال لفظ ما في معناه وقد مر توضيح ذلك في المبحث المزبور فراجع واما الدلالة الثانية اعني بها دلالة اللفظ على ان ارادة تفهيم معناه ارادة جدية فهى غير مستندة إلى الوضع ليكون اللفظ المستعمل في معناه لا بداعي الجد مجازا بل هي مستندة إلى بناء العقلاء على حمل كل ما يصدر من الفاعل بالاختيار من قول أو فعل على انه صدر بداعي الجد لا بغيرة من الدواعى إذا عرفت ذلك فنقول ان العام متى ما استعمل في الخارج بلا نصب قرينة على عدم ارادة معناه الحقيقي فهو يدل بالدلالة الوضعية على ان المتكلم به اراد تفهيم المخاطب لتمام معناه كما انه ببناء العقلاء يدل على ان ارادته تفهيم المعنى ارادة جدية وناشئة عن كون الحكم المجعول على العام ثابتا له واقعا لكن الدلالة الثانية المعبر عنها بالحجية كما يتوقف على عدم وجود ما يكون قرينة على اختصاص الحكم ببعض الافراد في كلام المتكلم كذلك تتوقف على عدم الاتيان برينة الاختصاص بعد ذلك ضرورة ان وجود القرينة المنفصلة يكون مانعا من كشف ظهور العام عن كون الحكم المجعول له ثابتا له بنحو العموم في الواقع فالقرينة المنفصلة انما تزاحم حجية ظهور العام الثابتة ببناء العقلاء ولا تزاحم اصل ظهوره الثابت بالوضع ومن الواضح ان رفع اليد عن حجية الظهور لدليل لا يقتضى رفع اليد عن نفس الظهور ضرورة انه لا ملازمة بين ارادة تفهيم المخاطب ارادة العموم بحسب التعهد المزبور وكون ارادة التفهيم ناشئة عن ثبوت الحكم لجميع افراد العام في الواقع فإذا فرضنا ان المولى لا يريد في الواقع الااكرام خصوص العالم الذي لا يكون فاسقا وكانت في بيان التقييد بالمتصل مفسدة أو كانت في تأخير بيا نه مصلحة فلا محالة تكون - (*)

[ 448 ]

ان يراد العموم من العام المخصص ارادة تمهيدية (1) ليكون ذكر العام توطئة لبيان مخصصه وحيث ما كان العموم مرادا من اللفظ كان اللفظ مستعملا في معناه الحقيقي لا محالة (ويرد عليه) ان ذكر العام للدلالة على معناه دلالة تصورية توطئة للدلالة التصديقية على المعنى المستفاد من مجموع الكلام بعد ضم بعضه إلى بعض وان كان صحيحا الا انه يختص بموارد التخصيص بالمتصل ولا يعم موارد التخصيص بالمنفصل فتبقى دعوى عدم استلزام التخصيص فيها للمجازية بلا دليل يدل عليه (الثالث) ان العام انما يستعمل في العموم دائما لكنه من باب جعل القانون والقاعدة في ظرف الشك (2) فلا ينافيه


مصلحة التسهيل في البيان مقتضية لالقاء الكلام على نحو العموم الدال على ارادة تفهيم العام بحسب الوضع ثم الاتيان بالمخصص المنفصل الدال على اختصاص الحكم في الواقع بغير افراد الخاص الكاشف عن ان الداعي إلى ارادة تفهيم العام لم يكن هي الارادة الجدية الناشئة عن ثبوت الحكم لجميع افراد العام في الواقع وبالجملة استعمال اللفظ في معناه اعني به ارادة المتكلم تفهيم المخاطب لمعنى اللفظ الموضوع له امرو كون هذه الارادة جدية وناشئة عن ثبوت الحكم لجميع افراد المستعمل فيه امر آخر والمخصص المنفصل انما يكون كاشفا عن عدم ثبوت الحكم لجميع افراد العام في الواقع لا عن كون استعمال العام استعمالا مجازيا وقد عرفت ان الميزان في كون اللفظ حقيقة انما هو استعماله في معناه ولو لم يكن ذلك الاستعمال ناشئا عن الارادة الجدية وبما ذكرناه يظهر ما في كلام الاستاد قدس سره في المقام فتدبر جدا (1) الظاهر ان مراد القائل بكون العام اريد به معناه ارادة تمهيدية هو ان العام استعمل في معناه الحقيقي واريد به معناه بالارادة المقومة لاستعمال لفظ ما في معناه الموضوع له اعني بها الارادة التفهيمية على ما تقدم توضيح ذلك وعليه فيرجع هذا الوجه إلى الوجه الاول ويختص مورده بالمخصص مورده بالمخصص المنفصل الذي يكون البحث عنه هو المهم في محل الكلام واما المخصص المتصل فلا اشكال في ان الارادة التفهيمية في مورده مختصة بالخاص من اول الامر كما هو ظاهر (2) الظاهر انه ليس المراد من كون العام مستعملا في معناه قانونا وقاعدة هو كون الحكم المجعول على العام مجعولا عليه في ظرف الشك ليرد عليه ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام بل المراد به هو ان الداعي إلى استعمال العام في معناه الموضوع له على النحو - (*)

[ 449 ]

ورود تخصيص عليه بعد ذلك (ويرد عليه) ان ورود العام في بعض الموارد لبيان حكم الشك ضربا للقاعدة كما في الاستصحاب وقاعدة الطهارة ونحو هما وان كان مما لا ينكر الا ان التخصيص في مثل تلك العمومات في غاية القلة لان تقدم شيئ عليها في الغالب انما يكون بنحو الورود أو الحكومة واما العمومات الواردة لبيان الاحكام الواقعية الثابتة للاشياء بعناوينها الاولية من دون نظر إلى حال الشك وعد مه فعمل اهل العرف بها حال الشك لا يكشف عن كونها واردة في مقام ضرب القانون والقاعدة ضرورة ان عملهم بها عند الشك في ورود التخصيص عليها انما هو من باب العمل بالظهور الكاشف عن كون الظاهر مرادا واقعا وعن ان المتكلم القى كلامه بيانا لما اراده في الواقع وعليه فيستحيل كون تلك العمومات واردة لضرب القانون والقاعدة في ظرف الشك كما هو واضح والتحقيق في المقام ان يقال (1) انه قد ظهر مما ذكرناه ان الميزان في كون اللفظ حقيقة هو كونه مستعملا في معناه الموضوع له بحيث ان الملقى في الخارج كانه هو نفس ذلك المعنى البسيط العقلاني وهذا الميزان متحقق فيما إذا خصص العام كتحققه فيما إذا لم يخصص وذلك من جهة ان اداة العموم لا تستعمل الا في ما وضعت له كما ان مدخولها لم يستعمل الا فيما وضع له اما عدم استعمال المدخول الا في نفس ما وضع له فلانه لم يوضع الا لنفس الطبيعة المهملة


- الذى تقدم بيانه انما هو كون العام بيانا للمراد ما لم يكن هناك قرينة على التخصيص فيرجع هذا الوجه ايضا إلى الوجه الاول فيتحد جميع هذه الوجوه في المعنى والاختلاف بينهما انما يكون في التعبير (1) لا يخفى ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره لاثبات عدم استلزام تخصيص العام بالمخصص المنفصل كون العام مجازا وان كان متينا على مبناه من انه لا بد في التمسك بالعموم من اجراء مقدمات الحكمة في مدخول الاداة فانه عليه لا يوجب التخصيص بالمنفصل الا تقييد المدخول كما كان هو الحال في موارد التخصيص بالمتصل غاية الامر انه اخر بيان القيد في المورد التخصيص بالمنفصل لامر يقتضيه الا انه لا يتم بناء على ما حققناه من ان اداة العموم بنفسها متكفلة لافادة العموم ولبيان عدم دخل خصوصية ما في حكم المولى وغرضه فانه على ذلك يكون المخصص منافيا لهذه الدلالة لولا ما ذكرناه من ان المنافاة انما هي بين المخصص وحجية ظهور العام لا بينه وبين نفس الظهور على ما تقدم بيانه انفا فالصحيح في بيان عدم استلزام التخصيص للمجاز هو ما ذكرناه (*)

[ 450 ]

الجامعة بين المطلقة والمقيدة ومن الواضح انه لم يستعمل الا فيها وافادة التقييد بدال اخر كافادة الاطلاق بمقدمات الحكمة لا تنافى استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة كما هو ظاهر ففى موارد التخصيص بالمتصل قد استعمل اللفظ في معناه واستفيد قيده الدخيل في غرض المتكلم من دال اخر واما في موارد التخصيص بالمنفصل فالمذكور في الكلام وان كان منحصرا بنفس اللفظ الموضوع للطبيعة المهملة ولاجله كانت مقدمات الحكمة موجبة لظهوره في ارادة المطلق الا ان الاتيان بالمقيد بعد ذلك يكون قرينة على ان المتكلم اقتصر حينما تكلم على بيان بعض مراده اما لاجل الغفلة عن ذكر القيد أو لمصلحة في ذلك وعلى كل تقدير فاللفظ لم يستعمل الا في معناه الموضوع له واما عدم استعمال الاداة الا فيما وضعت له فلانها لا تستعمل ابدا الا في معناها الموضوع له اعني به تعميم الحكم لجميع افراد ما اريد من مدخولها غاية الامران المراد من مدخولها ربما يكون امرا وسيعا واخرى يكون امرا ضيقا وهذا لا يوجب فرقا في ناحية الاداة اصلا (فان قلت) انما ذكرته من عدم استلزام تخصيص العام كو نه مجازا لا في ناحية المدخول ولا في ناحية الاداة انما يتم في المخصصات الانواعية فانها لا توجب الا تقييد مدخولها فلا يلزم مجاز في مواردها اصلا واما التخصيصات الافرادية فهى لا محالة تنافى استعمال الاداة في العموم فتوجب المجازية في ناحيتها (قلت) ليس الامر كذلك فان التخصيص الافرادى ايضا لا يوجب الا تقييد مدخول الاداة غاية الامران قيد الطبيعة المهملة ربما يكون عنوانا كليا كتقييد العالم بكونه عادلا أو بكونه غير فاسق وقد يكون عنوانا جزئيا كتقييده بكونه غير زيد مثلا وعلى كل حال فقد استعملت الاداة في معناها الموضوع له ولا فرق فيما ذكرناه من عدم استلزام التخصيص للتجوز بين القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية لان الاداة في كل منهما لا تستعمل الا في تعميم الحكم لجميع افراد ما اريد من مدخولها واما المد خول فهو ايضا لا يستعمل الا في نفس الطبيعة اللابشرط القابلة لكل تقييد وكون القضية خارجية أو حقيقية انما يستفاد من سياق الكلام ولا ربط له بمداليل الالفاظ نظير استفادة الاخبار والانشاء من هيئة الفعل الماضي على ما تقدم (1) وبالجملة ان اداة العموم لا تستعمل الا فيما وضعت له سواء ورد تخصيص على العام ام لم يرد وسواء


(1) وقد تقدم ان الفرق بين الخبر والانشاء انما هو من ناحية الوضع وان المستعمل فيه في كل منهما مغاير لما يستعمل فيه الآخر فراجع (*)

[ 451 ]

كانت القضية حقيقية اما كانت خارجية فلا فرق بين موارد التخصيص وغيرها الا ان التخصيص بالمتصل أو المنفصل يوجب تقييد مدخول الاداة ومن الظاهر ان التقييد لا يوجب كون ما يرد عليه القيد مستعملا في غير ما وضع له اصلا على ما سيجيئ تحقيقه في محله انشاء الله تعالى (واما توهم) ان التخصيص إذا كان راجعا إلى تقييد مدخول اداة العموم ورافعا لاطلاقه كان حال العام حال المطلق الشمولى في ان استفادة العموم منه تحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة في مورده وعليه فلا وجه لما تقدم سابقا من تقدم العام على المطلق عند التعارض وبالجملة ان شمول الحكم لكل فرد من افراد العام ان كان مستندا إلى الدلالة الوضعية كان التخصيص الكاشف عن عدم الشمول مستلزما لكون العام مجازا وان لم يكن الشمول المزبور مستندا إلى الوضع بل كان مستفادا من مقدمات الحكمة لم يكن موجب لتقدم العام على المطلق عند المعارضة (فهو مدفوع) بما مر في بحث مقد مه الواجب من ان احراز لحاظ الماهية مطلقة وان كان يتوقف على جريان مقدمات الحكمة في كل من المطلق والعام الا ان وجه تقدم العام على المطلق انما هو من جهة ان اداة العموم تتكفل بمدلولها اللفظى (1) سراية الحكم بالاضافة إلى كل ما يمكن ان ينقسم إليه مدخو لها وهذا بخلاف المطلق فان سراية الحكم فيه إلى الاقسام المتصورة له انما هي من جهة حكم العقل بتساوي افراد المطلق في انطباقه عليها وحيث ما فرض هناك عام دل بمدلوله اللفظى على عدم تسوية افراد المطلق فهو يكون بيانا له ومانعا من سراية الحكم الثابت له إلى تمام افراده (هذا كله) بناء على ما هو الصحيح من انه ليس للمركبات وضع اخر زائدا على وضع مفرداتها واما بناء على ثبوت الوضع لها فلا اشكال ايضا في ان التخصيص بالمتصل لا يستلزم كون العام


(1) إذا كانت اداة العموم بمدلولها اللفظى متكفلة بسراية الحكم إلى جميع افراد مدخولها لدلالتها بالوضع على عدم دخل شيئ من الخصوصيات اللاحقة للطبيعة المستعمل فيه مدخولها في نظر المتكلم فماذا يكون بعد ذلك موجبا للحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة في مدخولها وبالجملة المعنى المستفاد من مدخول الاداة سواء كان في نفسه جنسا أم كان نوعا أم كان صنفا قابل لان ينقسم إلى تقسيمات كثيرة بالاضافة إلى ما يلحقه من الخصوصيات فإذا كانت اداة العموم مفيدة لسراية الحكم إلى جميع تلك الاقسام ولعدم دخل شيئ من تلك الخصوصيات في غرض المولى لم يبق مجال لتوهم الحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة اصلا وقد مر توضيح الحال في ذلك عن قريب. (*)

[ 452 ]

مجازا لان غاية ما يترتب على التخصيص المتصل هو أن تكون دائرة العموم ضيقة من اول الامر فلا يفرق الحال في ذلك بين القول بوضع المركبات والقول بعدمه واما في موارد التخصيص بالمنفصل فربما يقال بكون العام مجازا باعتبار مجموع الاداة والمدخول حينئذ يكون موضوعا لافادة ارادة جميع افراد المدخول من العام فالتخصيص يكشف عن عدم استعماله فيما وضع له فيكون مجازا ولكنه بمعزل عن التحقيق لان دلالة العام على ارادة تمام الافراد ولو على القول بوضع المركبات ليست كدلالة لفظ العشرة على الاحاد المندرجة تحتها بل ثبوت الحكم لها انما هو بتوسط عنوان كلى الذى هو بمنزلة الاكبر في الكبرى الكلية وعليه فالتخصيص يكون كاشفا عن ان مدلول العام لم يكن بتمام المراد بل كان له قيد اخر قد اخر بيانه لامر يقتضيه فيكون المخصص مقيدا للعام ورافعا لاطلاقه لا موجبا لمجازيته. (فصل إذا خصص العام فهو حجة في غير افراد المخصص مطلقا) اما في موارد التخصيص بالمتصل فالوجه في ذلك ظاهر لانه تخصيص في تلك الموارد حقيقة وانما تكون دائرة العموم فيها ضيقة من اول الامر فالتمسك بالعام في موارد الشك في التخصيص يكون تمسكا بالعموم من غير ثبوت تخصيص فيه اصلا واما في موارد التخصيص بالمنفصل فالوجه فيه (1) هو ما قد عرفت من ان التخصيص في القضايا الخارجية أو الحقيقية سواء كان التخصيص انواعيا ام كان افراديا انما يزاحم اطلاق المدخول فيكون مقيدا له ولا يكون مصادما للعموم ابدا فإذا كان للمدخول اطلاق من جهات عديدة وفرض ورود مقيد عليه من جهة وارتفع اطلاقه من تلك الجهة فلا وجه لرفع اليد عن اطلاقه من بقية الجهات كما هو الحال في غير المقام من موارد التمسك بالاطلاق (واما ما يقال) من ان العام


(1) بل الوجه فيه ما عرفت من ان المخصص المنفصل انما يزاحم حجية ظهور العام لا نفس ظهوره إذ عليه يكون ظهور العام حجة ما لم تثبت حجة اقوى منه على خلافه وبما ان المفروض في محل الكلام انه لا حجة على خلاف العام في غير مورد ثبوت التخصيص يكون ظهور العام حجة فلا بد من الاخذ به وبالجملة إذا ثبت ان التخصيص بالمنفصل لا يستلزم كون العام مجازا وانه لا يزاحم ظهوره فلا بد من الاخذ به ما لم يزاحمه دليل اقوى منه وبما انه ليس في غير مورد التخصيص دليل على خلاف ظهور العموم لا بد من الاخذ بظهوره فتدبر جيدا. (*)

[ 453 ]

بعد تخصيصه وانكشاف عدم استعماله في العموم يكون مجازا لا محالة فلا ينعقد له ظهور في تمام الباقي لان مراتب المجاز متعددة ولا موجب لتعيين احداها اعني بها تمام الباقي من دون قرينة تدل على ذلك (فقد ظهر) فساده مما ذكرناه انفا من ان التخصيص لا يستلزم المجاز في ناحية العام اصلا وانما يوجب تقييد المدخول وهو لا يستلزم استعمال اللفظ في غير ما وضع له ولا سيما في القضايا الحقيقية التى لم تلحظ الافراد فيها بانفسها مع انها هي العمدة في ما هو محط الانظار في محل الكلام ومورد النقض والابرام ثم انه لو سلم استلزام التخصيص للمجاز في ناحية العام ولو كان ذلك من جهة الالتزام بثبوت الوضع للمركبات فالظاهر ايضا عدم سقوط العام عن الحجية بالنسبة إلى غير افراد المخصص لان دلالة العام على ثبوت الحكم لكل واحد واحد من الافراد ليست منوطة ومتوقفة على دلالته على ثبوت الحكم لغيره من الافراد قطعا فكما ان ثبوت الحكم لكل فرد غير منوط بثبو ته لغيره من الافراد على ما حققناه من كون العام ظاهرا في العموم الاستغراقي دون المجموعى كذلك دلالته على ثبوت الحكم لكل فرد غير منوطة بدلالته على ثبوت الحكم للفرد الاخر وهذا نظير ما إذا قيل اكرم هؤلاء مشارا به إلى جماعة خاصة فكما ان تخصيص بعض الافراد في مثل ذلك لا ينافى وقوع الاشارة إلى الجميع وكون كل واحد من الافراد الباقية بعد التخصيص محكوما عليه بوجوب الاكرام وان قلنا باستلزام التخصيص لكون الاستعمال مجازيا كذلك يكون الحال فيما إذا كانت الدلالة على ثبوت الحكم لجميع الافراد بلفظ عام فان دلالته على حكم كل فرد و شموله له لا تتوقف على دلالته على حكم الفرد الاخر وشموله له فهناك دلالات عرضية فإذا سقطت احداها عن الحجية بقيت غيرها من الدلالات على حجيتها ضرورة انه إذا لم تكن دلالة العام على ثبوت الحكم لفرد دخيلة في دلالته على ثبوته لفرد اخر لم يكن خروج فرد ما عن الحكم منافيا لبقاء دلالته على حكم الفرد الاخر وعليه فخروج بعض افراد العام عن حكمه ولو سلم انه يستلزم المجاز لا يوجب ارتفاع دلالته على ثبوت الحكم لبقية الافراد التي لا يعمها المخصص ومما ذكرناه يظهر ان المجاز اللازم للتخصيص يغاير المجاز المتحقق في مثل قولنا رايت اسدا إذا اريد منه الرجل الشجاع فان لزوم المجاز في المقام انما هو من جهة خروج بعض ما كان داخلا في المفهوم المستفاد من لفظ العام واما دخول الباقي فهو غير مستند إلى كون الاستعمال مجازيا كما عرفت وهذا بخلاف لزوم المجاز في المثال

[ 454 ]

فانه من جهة استعمال اللفظ في معنى مباين للموضوع له لم يكن يعمه المعنى الحقيقي فإذا تعددت المعاني المجازية كان تعيين بعضها بخصو صه محتاجا إلى قرينة خارجية وعليه فالعام يدل على ثبوت الحكم لكل من الافراد مستقلا فخروج بعضها عن حكمه لا يوجب سقوط دلالته عن غير الخارج ولو سلمنا كون الاستعمال مجازيا (هذا) ملخص ما افاده بعض مقررى بحث استاد الاساطين الشيخ الانصاري (قده) وعليه فلا موقع لما اورده عليه في الكفاية فراجع. (فصل إذا كان المخصص مجملا فهل يسرى اجماله الي العام) فيه تفصيل وقبل الخوض في تحقيق الحال لابد من التنبيه على امر وهو انه قد تكرر في كلماتهم ان المخصص المنفصل لا يوجب تعنون العام بشيئ والمراد بذلك هو بيان الفرق بين المخصص المتصل والمخصص المنفصل بأن التخصيص إذا كان بمتصل فلفظ العام في الكلام وان كان مفيد التمام معناه بالدلالة التصورية الا ان اتصال المخصص به يوجب قصر الدلالة التصديقية على غير موارد التخصيص فيقال في مثل اكرام العلماء الا فساقهم ان المولى اراد اكرام العلماء بشرط ان لا يكونوا فاسقين واما إذا كان التخصيص بمنفصل فظهور العام المنعقد في ظرفه لا يرتفع بورود التخصيص عليه لان الشيئ لا ينقلب عما وقع عليه غاية الامر انه ينتهى بورود المخصص امد كشف العام عن ارادة العموم واقعا ضرورة ان ورود المخصص يكشف لا محالة عن عدم ارادة ذلك الظاهر لبا فيختص الحكم بغير موارد التخصيص (وبعبارة اخرى) المخصص المتصل يمنع انعقاد الظهور للعام الا في المعنى الخاص واما المخصص المنفصل فهو لا يمنع ولا يرفع ظهور العام في العموم وانما يكون رافعا لحجيته في موارد التخصيص وكاشفا عن قصر الحكم بحسب مقام الثبوت على غيرها (واما ما) في بعض العبارات من ان المخصص المنفصل كالمخصص المتصل في انه يوجب تعنون العام بغير عنوان الخاص فقد اريد به ما ذكرناه من ان المخصص المنفصل يكشف عن قصر الحكم على غير موارد التخصيص فلا منافاة بين التعبيرين فان من قال ان المخصص المنفصل لا يوجب تعنون العام اراد به انه لا يصادم ظهوره ومن قال انه يعنونه اراد به انه يكشف عن قصر الحكم في مقام الثبوت على غير موارد التخصيص فلا تشتبه (إذا عرفت

[ 455 ]

ذلك) فنقول المخصص اما ان يكون متصلا أو يكون منفصلا وعلى كل تقدير فاما ان يكون اجماله لدورانه بين الاقل والاكثر أو لدورانه بين المتباينين (اما المخصص المتصل) فالحق ان اجماله يسرى إلى العام مطلقا فان القرينة المتصلة وان لم تصادم الدلالة التصورية اللازمة لسماع اللفظ عند العالم بالوضع الا انها كما عرفت تصادم الدلالة التصديقية اعني بها دلالة الكلام على ما يريده المتكلم به فيدل التخصيص المتصل على ان ما اراده المتكلم انما هو خصوص المقيد من اول الامر وعليه فإذا كانت القرينة مجملة فيما اريد بها لدورانه بين المتباينين أو لدورانه بين الاقل والاكثر كان ما اراده المتكلم من مجموع كلامه بعد ضم بعضه إلى بعضه الاخر مرددا عند السامع فلا ينعقد لكلامه ظهور فيما اراده فيكون مجملا لا محاله (واما المخصص المنفصل) فقد عرفت انه لا يوجب ارتفاع الدلالة التصديقية من العام غاية الامر انه يكون كاشفا عن قصر المراد الواقعي على غير موارد التخصيص فلا يبقى مجال للزوم اتباع العام على اطلاقه فإذا قال المولى اكرم العلماء مثلا ولم يذكر في الكلام قرينة متصلة انعقد لكلامه ظهور في العموم وبمقتضى ادلة حجية الظهور يكون هذا الظهور متبعا و كاشفا عن ان مراد المولى هو اكرام كل عالم فاسقا كان ام عادلا لكنه إذا دل دليل منفصل على عدم وجوب اكرام فساق العلماء كان هذا الدليل كاشفا عن ان مراد المولى واقعا لم يكن هو اكرام مطلق العالم بل خصوص ما لم يكن فاسقا فتكون القرينة المنفصلة كاشفة عما اراده المولى واقعا وعليه فإذا كان المخصص المنفصل مجملا لدورانه بين المتباينين سرى اجماله إلى العام قهرا ضرورة انه يدل على تقييد مراد المولى واقعا بشيئ غير معين فيكون موجبا لاجماله كالمخصص المتصل غاية الامران المخصص المتصل يوجب ارتفاع نفس الظهور في العموم والمخصص المنفصل يوجب ارتفاع حجيته وعلى كل تقدير يكون المراد الواقعي مرددا وغير متعين لا محالة وهذا بخلاف ما إذا كان اجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر فان اجماله لا يسرى إلى العام بل يكون العام متبعا في غير ما علم خروجه من حكم x افراده فان المفروض ان العام كان ظاهرا في تمام افراده و القدر الذي خرج من حكمه وقيد به المراد الواقعي هو ما اريد من المخصص قطعا واما مالا يقين بخروجه مما يحتمل شمول المخصص له فالخاص بما انه لا ظهور له فيه لا يكون هادما لظهور العام فيه ورافعا لكشفه عن المراد الواقعي فيبقى ظهوره فيه بلا معارض (والحاصل)

[ 456 ]

ان اصالة الظهور لا تكون في الحجية باضعف من الاصول العملية فكما ان دليل حرمة اكرام العالم الفاسق إذا تردد الامر فيه بين أن يكون المراد بلفظ الفاسق فيه خصوص مرتكب الكبيرة أو الاعم منه ومن مرتكب الصغيرة لا يكون مانعا من اجراء اصالة البرائة عن اكرام مرتكب الصغيرة كذلك لا يكون ذلك الدليل مانعا من التمسك بعموم دليل وجوب اكرام العلماء المفروض شموله لمرتكبي الصغاير من العلماء ايضا (فان قلت) ان دليل حرمة اكرام العالم الفاسق وان لم يكن رافعا لظهور دليل وجوب اكرام العلماء الا انه لا محالة يوجب تقيد المراد الواقعي بغير الفاسق وبما ان المفروض اجمال مفهوم الفاسق لتردده بين الاقل والاكثر يكون من يجب اكرامه من العلماء بحسب المراد الواقعي مرددا بين الاقل والاكثر ايضا فلا يكون حينئذ فرق بين المخصص المتصل والمنفصل الا فيما ذكر من ان الاول رافع للظهور من اول الامر دون الثاني واما بالنسبة إلى التقييد المراد الواقعي فكل منهما يوجب اجماله بالضرورة واما ما ذكر من جريان الاصول العملية عند دوران دليل الحرمة بين الاقل والاكثر في المقدار الزايد على المتيقن فانما هو من جهة ان موضوع الاصول العملية هو عدم العلم وهو موجود عند الدوران المذكور وجدانا وهذا بخلاف الاصول اللفظية فانها انما تعتبر لاجل كشفها عن المراد الواقعي فإذا كان مرددا بين الاقل والاكثر لتردد المخصص واجماله لم يبق موضوع للتمسك بها وهذا هو الفارق بين الاصول اللفظية والعملية (قلت) قد ذكرنا سابقا ان الاحكام انما تتعلق بالمفاهيم باعتبار كونها مرآة للحقايق التي تطابقها في الخارج لا بما هي مفاهيم وعليه فإذا كان دليل وجوب اكرام العالم عاما بالنسبة إلى كل انقسام يمكن ان يفرض في مفهوم العالم ككونه مرتكب الكبيرة وغيره وكونه مرتكب الصغيرة وغيره إلى غير ذلك من الانقسامات فبازاء كل انقسام يفرض في العام تكون فيه جهة اطلاق لا ترفع اليد عنها الا بدليل فإذا ورد مخصص منفصل مردد بين الاقل والاكثر كدليل حرمة اكرام العالم الفاسق كان اللازم هو رفع اليد عن اطلاق دليل العام بالاضافة إلى مرتكب الكبيرة المعلوم ارادته من الخاص واما مرتكب الصغيرة فلم يعلم دخوله في مفهوم الفاسق المقيد للعام بما انه حاك عن مطابقه في الخارج فلا يكون هناك موجب لرفع اليد عن ظهور العام في شموله له فالاطلاق من هذه الجهة بلا معارض

[ 457 ]

لقصور دليل المخصص عن التقييد بعدم كون العالم مرتكب الصغيرة على الفرض (وبالجملة) ان ظهور دليل العام في وجوب اكرام العالم المرتكب للصغيرة محفوظ بعد ورود المخصص المنفصل ايضا على الفرض واما حجيته فالمانع منها منحصر بما يدل على عدم وجوب اكرامه الكاشف عن تقيد المراد الواقعي بعدمه والمفروض انه لا دليل عليه لاجمال المخصص فيبقى ظهور العام فيه بلا معارض فيكون رفع اليد عنه بلا موجب واما الشك في شمول دليل المخصص لمرتكب الصغيرة من جهة اجمال مفهوم الفاسق فهو وان كان موجودا الا انه لا يترتب عليه اثر ضرورة ان ما هو من انقسامات العام اعني به انقسام العام في المثال إلى مرتكب الصغيرة وغيره يكون الاطلاق بالاضافة إليه حجة بلا مزاحم واما ما ليس من انقسا ماته ككون لفظ الفاسق موضوعا لخصوص مرتكب الكبيرة أو للاعم منه ومن مرتكب الصغيرة فلا يكون الشك فيه بنفسه موضوعا لاثر عملي فالشك فيما وضع له لفظ الفاسق مثلا وان كان بعد باقيا على حاله الا ان الاثر انما هو مترتب على ما يراد بلفظ الفاسق في مقام الاستعمال وبما ان المفروض انه لم يعلم ارادة الاعم من مرتكب الصغيرة بلفظ الفاسق الوارد في دليل حرمة اكرام العالم الفاسق يكون ظهور العام الشامل له باطلاقه باقيا على حاله من غير مزاحم له (واما ما ذكر) من انحجية الاصول اللفظية انما هي من جهة الكشف عن المراد الواقعي فهو وان كان صحيحا الا ان جريانها يختص بموارد الشك كالاصول العملية غاية الامر ان الشك في الاصول العملية اخذ موضوعا في لسان ادلتها واما في الاصول اللفظية فهو مورد لجريانها وهذا ليس بفارق بعد اشتراكهما في عدم الجريان الا في موارد الشك. بقي هناك امور (الاول) انه إذا دل دليل على حرمة اكرام زيد مثلا واحتمل أن يكون المراد به زيد العالم أو غيره فدار الامر بين التخصص والتخصيص في دليل العام فهل يكون عموم اكرام العلماء حينئذ دالا على وجوب اكرام زيد العالم ومبنيا لكون المراد من دليل الحرمة غير زيد العالم (ربما يقال) بان العلم الاجمالي بحرمة اكرام زيد المردد بين العالم وغيره موجب لترك اكرامهما ولا يكون عموم العام موجبا لانحلال العلم الاجمالي

[ 458 ]

فان دليل العموم انما هو بمنزلة الكبرى الكلية غير المتكفلة ببيان حال الافراد وليس حال حال البينة القائمة على ان زيدا العالم يجب اكرامه الموجبة لانحلال العلم يقينا فانها متكفلة ببيان حال الفرد فتكون موجبة للانحلال لا محالة واما دليل العالم فبما انه لا نظر له إلى خصوص فرد لا يكون موجبا لانحلال العلم الاجمالي فيسقط العموم عن الحجية بالاضافة إلى زيد العالم ايضا (ولكنه لا يخفى) ان دليل العام وان لم يكن متكفلا ببيان حكم خصوص فرد من الافراد ابتداء الا انه لا محالة يثبت له الحكم بعد انضمام الصغرى إلى الكبرى الكلية المستفادة من دليل العالم فإذا ثبت له حكم وجوبي بمقتضى العموم ارتفعت عند الحرمة بالملازمة فتتعين الحرمة في الطرف الاخر بالملازمة والمثبت من الاصول اللفظية لكونها ناظرة إلى الواقع يكون متبعا بلا كلام فيكون دليل العام كقيام البينة موجبا لانحلال العلم الاجمالي لما ثبت في محله من ان الانحلال كما يتحقق باثبات الحكم المعلوم بالاجمال في طرف كذلك يتحقق بنفيه عن ذلك الطرف وبما ان دليل العام ينفى الحرمة عن احد طرفي العلم الاجمالي يوجب انحلاله واختصاص الحكم بالحرمة بالطرف الاخر. (الثاني) إذا تردد امر فرد بين دخوله في افراد المخصص وعدمه لا من جهة اجمال مفهوم المخصص بل من جهة شبهة خارجية ففي جواز التمسك بالعموم حينئذ وعدمه خلاف ربما ينسب إلى المشهور والاشهر جوازه لاجل فتواهم بالضمان فيما إذا دار امر اليد بين ان يكون يد ضمان وعدمه بل ربما ينسب إلى العلامة الانصاري (قده) التمسك بعمومات ادلة انفعال الماء في الحكم بنجاسة الماء المردد امره بين كونه قليلا قابلا للانفعال وكونه كثيرا معتصما بنفسه وسيأتى الكلام في صحة نسبة ذلك إلى المشهور وعدمها انشاء الله تعالى (وكيف كان) فالحق هو عدم جواز التمسك بعموم العام عند الشك من جهة الشبهة الخارجية سواء في ذلك القضية الحقيقية والقضية الخارجية (اما القضية الحقيقية) فلما عرفت من ان شأن اداة العموم فيها انما هو تسرية الحكم إلى كل قسم من الاقسام التى يمكن انقسام مدخول الاداة بالاضافة إليها مثلا العالم يمكن ان يكون نحويا وان يكون غير نحوى كما يمكن ان يكون عادلا وان يكون غير عادل وهكذا بالاضافة إلى بقية الخصوصيات التي بها ينقسم مفهوم العالم إلى اقسام كثيرة فإذا ورد الدليل على وجوب اكرام كل عالم

[ 459 ]

كانت اداة العموم مفيدة لسراية الحكم إلى كل قسم من هذه الاقسام لكنه إذا ثبت بدليل اخر تخصيص ذلك العام كما إذا ورد في الدليل انه لا يجب اكرام العالم الفاسق فهذا الدليل وان لم يكن موجبا لرفع ظهور العام في العموم لان المفروض تمامية دلالته التصديقية بعدم اتيان المتكلم في كلامه بما يوجب تخصيص ذلك العالم إلا انه يوجب تقييد المراد الواقعي بكشفه عن ان المتكلم لم يبين اولا الا بعض مراده وقد وكل بيان تمام مراده إلى دليل اخر منفصل لحكمة دعته إلى ذلك فإذا انكشف كون المراد الواقعي معنونا بعنوان خاص وسقطت حجية ظهور العام بالاضافة إلى افراد المخصص لم يبق مجال توهم التمسك به لاثبات الحكم لما لا يعلم انه من افراد المعنون بذلك العنوان الخاص فكما لا يصح التمسك بعموم الدليل المزبور لاثبات وجوب اكرام من شك في كونه عالما فان دليل العام غير متكفل باحراز من يكون عالما في الخارج بل هو متكفل باثبات الحكم عند تحقق موضوعه المقدر وجوده كذلك لا يصح التمسك به لاثبات الحكم للعالم المحتمل فسقه بعد ورود التخصيص عليه بمثل لا تكرم فساق العلماء وتقييد المراد الواقعي بغير الفاسق لان اثبات الحكم لشيئ خارجا انما هو فرع احراز تحقق تمام موضوعه وبما ان المفروض في محل البحث ان تحقق تمام الموضوع مشكوك فيه في الخارج لا يمكن التمسك بعموم العام لاثبات الحكم للفرد المشكوك فيه (واما القضية الخارجية) فلان غاية ما يمكن ان يتمسك به لجواز التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية فيها هو ان المتكلم في موارد القضايا الخارجية هو الذي تكفل باحراز انطباق عنوان العام على المصاديق الخارجية فيكون ظهور كلامه متبعا في غير ما علم خروجه وجه من حكم العام بالعلم بدخوله في عنوان الخاص (ولكنه يندفع) بانا لانشك في ان نحو استعمال العام في القضايا الخارجية لا يباين نحوه في القضايا الحقيقية في ان عنوان العام انما يؤخذ في موضوع الحكم في مقام الاثبات مرآة إلى افراده الخارجية أو المقدرة وانما الفرق بينهما هو ان العام في القضايا الحقيقية مع كونه مرآة لافراده المقدر وجودها في الخارج يكون له دخل ثبوتا في ثبوت الحكم للافراد فيكون العام وسطا في الثبوت وهذا بخلاف القضايا الخارجية فان عنوان العام لا يكون فيها دخيلا في ثبوت الحكم اصلا وانما يكون ثبوت الحكم للافراد بملاك آخر يقتضيه لكن هذا الفرق لا يكون فارقا فيما نحن بصدده من كون عنوان العام مأخوذا مرآة لافراده الخارجية أو المقدرة

[ 460 ]

فإذا كان الاستعمال فيهما على نهج واحد فبورود دليل التخصيص بمثل لا تكرم ادعائي يستكشف ان المتكلم لم يكن محرزا لحال الافراد من هذه الجهة وانما وكل احرازه إلى نفس المخاطب فيكون دليل التخصيص مقيدا للمراد الواقعي في المثال المزبور بغير الاعداء فلا يمكن التمسك بالعموم عند عدم احراز القيد كما كان الحال كذلك في القضايا الحقيقية بعينها ومما ذكرنا يظهر عدم جواز التمسك بعموم الحكم ايضا في الشبهات المصداقية فان عموم الحكم انما يتبع عموم موضوعه وبما ان صدق موضوعه بعد تخصيصه على الفرد المحتمل كونه من افراد المخصص يكون مشكوكا فيه لا يمكن التمسك بعموم الحكم ايضا (فان قلت) إذا كان موضوع دليل التخصيص في القضية اللفظية مثل كلمة هؤلاء ودار امرها بين ان تكون اشارة إلى خمسة افراد من افراد العام أو أكثر منها مثلا فلا اشكال في ان مقتضى القاعدة حينئذ هو التمسك بالعموم في غير ما علم وقوع الاشارة عليه من الافراد وعليه فماذا يكون فارقا بينه وبين ما هو محل الكلام في الشبهة المصداقية (قلت) الفارق هو ان الشك إذا كان ناشئا من وقوع الاشارة على الخمسة أو الاكثر فلا محالة كان ما هو المراد من الخاص مرددا بين الاقل والاكثر من جهة اجمال المفهوم ولا شبهة في ان مقتضى القاعدة فيه هو التمسك بعموم العام نعم إذا علم وقوع الاشارة على جماعة معينة معنونة بعنوان الجهال مثلا كما إذا قال لا تكرم هؤلاء الجهال مشيرا به إلى جماعة بعينها ثم دار الامر في فرد بين دخوله فيها وخروجه عنها لم يمكن التمسك فيه بالعموم وكان حاله حال القيام بعينه. (ثم انه) ربما يتمسك لجواز التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية بقاعدة المقتضى والمانع بتقريب ان عنوان العام انما هو من قبيل المقتضى لثبوت الحكم لكل واحد من الافراد المتحققة في الخارج وعنوان الخاص انما هو من قبيل المانع له فإذا احرز المقتضى وشك في وجود المانع فلا بد من الاخذ بالمقتضى والحكم بوجود مقتضاه (ويرد عليه) مضافا إلى عنوان المخصص لا ينحصر في كونه من قبيل المانع دائما بل ربما يكون من قبيل الشرط أو الجزء كما في قوله عليه السلام لا صلاة الا بطهور (1) أو بفاتحة الكتاب ان قاعدة المقتضى والمانع مما لم يدل عليها دليل


(1) التحقيق ان مثل هذه التراكيب خارجة عن محل الكلام في المقام فان محل الكلام انما هو ما إذا اورد حكم تكليفي أو وضعي على عام قد خرج عنه بعض مصاديقه ومن الواضح انه ليس - (*)

[ 461 ]

شرعى أو عقلي فكيف يمكن التمسك بها في اثبات قاعدة اصولية أو فرعية (واما ما) ربما يقال في وجه الجواز من ان عموم العام حجة فيما لا يكون هناك حجة أقوى على خلافه وبما ان دليل المخصص لا يكون حجة في الافراد التي لم يحرز دخولها تحت عنوان موضوعه تبقى حجية العام فيها بلا معارض بل ربما تقاس اصالة العموم بالاصول العملية التي لا اشكال في جريانها في الشبهات المصداقية فلتكن اصالة العموم مثلها ايضا (فمدفوع) بان دليل المخصص بعد تقييده للعام بغير افراد الخاص الواقعية وثبوت هذا التقييد عند المخاطب يوجب ارتفاع حجية دليل العام الا في المقيد بغير عنوان الخاص وبما ان صدق المقيد بعد ثبوت التقييد على مورد الشبهة يكون مشكوكا فيه لا يمكن التمسك فيه بعموم العام قطعا واما قياس الاصل اللفظى بالاصول العملية فيبطله ان حجية الاصل العملي في مورد الشبهة المصداقية انما هي لاجل ان تمام موضوعه هو الشك وهو متحقق في مورد الشبهة وجدانا وهذا بخلاف الاصل اللفظى فان حجيته انما هي من جهة كشفه عن المراد الواقعي ومن البديهى ان ورود التخصيص وتقييده للمراد الواقعي لا يبقى محلا لكشف عموم العام عن المراد الواقعي الا في غير افراد الخاص فلا يكون العموم حجة الا في المقدار الباقي بعد التخصيص وبما ان المفروض عدم تكفل دليل العام بكشف حال الافراد من جهة دخولها في عنوان الخاص وعدمه لا يمكن التمسك به في الافراد المشتبهة يقينا (واما نسبة) التمسك بالعموم في موارد الشبهة المصداقية إلى المشهور من جهة ذهابهم إلى الضمان فيما إذا دار الامر بين كون اليد عادية وكونه غير عادية (فتحقيق الحال) فيها هو ان مسألة جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وعدمه لم تكن محررة في كلام المشهور ولم يعلم ان وجه ذهابهم إلى الضمان هو ماذا فقد ذهب بعضهم إلى انه من جهة تجويزهم التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وذهب آخر إلى انه من جهة التمسك بقاعدة المقتضى والمانع نظرا إلى ان اليد مقتضية للضمان


- الامر في التراكيب المزبورة كذلك لان المستفاد منها حسب المتفاهم العرفي هو الحكم بعدم امكان تحقق موضوع القضية خارجا عقلا أو شرعا الا عند اقترانها بما هو مذكور في المستثنى فالمستفاد من قضية لا صلوة الا بطهور انه لا يمكن تحقق الصلوة في الخارج الا عند اقترانها بالطهور فدعوى ظهور القضية في كون عنوان الخاص من قبيل المانع بالاضافة إلى الحكم الثابت للعام غير شاملة لا مثال هذه التراكيب فلا يرد عليها النقض بها (*)

[ 462 ]

وكونها يد امانة مانعة من ذلك فإذا شك في وجود المانع بعد احراز المقتضى حكم بعد مه وذهب ثالث إلى انه من جهة صحة جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية حتى فيما اخذت في موضوع الحكم على نحو مفاد ليس الناقصة نظرا منه إلى ان موضوع الضمان هو الاستيلاء على مال الغير المتصف بكو نه مقارنا لعدم رضاه فإذا احرز الاستيلاء بالوجدان يجرى استصحاب عدم رضا المالك فيثبت الضمان وهذه التوجيهات كلها من باب التظنى والتخرص على الغيب لان المتحقق الثابت من المشهور انما هو مجرد الفتوى بالضمان واما كون مستندهم في هذه الفتوى هو احد هذه الامور المذكورة فلا شاهد له في كلماتهم اصلا مضافا إلى انه لم يظهر من المشهور في غير المقام العمل باحد هذه المباني مع انها غير صحيحة في انفسها اما قاعدة المقتضى والمانع واستصحاب العدم الازلي فيما كان العدم مأخوذا في الموضوع نعتا فلما سيجيئ في محله من عدم الدليل عليهما واما التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية فلما عرفت آنفا من عدم جوازه بل انه لا يمكن جعل المستند في هذه الفتوى هو تجويز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية لان الكلام في جواز التمسك بالعموم في موارد الشبهة المصداقية انما هو فيما إذا كان ظهور العام منعقدا في العموم وارتفعت حجيته بدليل مخصص منفصل واما موارد انعقاد الظهور من اول الامر في الخاص فلا يعقل التمسك فيها بالعموم في مورد الشك قطعا وعليه فإذا كان موضوع الحكم بالضمان مقيدا من اول الامر بكون اليد عادية لما قيل من اخذ معنى الغلبة والاستيلاء قهرا في معنى لفظ الاخذ كما هو ليس ببعيد لم يمكن التمسك بعموم دليل على اليد ما اخذت عند الشك في كون اليد عادية (والذي يمكن) ان يصحح به فتوى المشهور بالضمان في الموارد المشتبهة وان من يدعى عدم الضمان هو المدعى دون الاخر هو التمسك بالاصل واحراز موضوع الضمان بضم الوجدان إليه كما ربما يستفاد من بعض كلمات المحقق الثاني (وتوضيحه) ان موضوع الحكم إذا كان مركبا في لسان الدليل فهو اما أن يكون مركبا من عرض ما و محله ولا بد من اخذه حينئذ بنحو مفاد كان الناقصة واما ان يكون مركبا من العرض وجوهر غير محله أو من عرضين ولو في محل واحد أو جوهرين وفي غير القسم الاول اما أن لا يكون الموضوع المأخوذ في لسان الدليل مركبا من الجزئين موضوعا للحكم واقعا وانما يكون موضوعه في الحقيقة عنوانا بسيطا منتزعا عن كيفية وجودهما في

[ 463 ]

الخارج كعنوان التقارن أو التقدم أو التأخر واما أن يكون الموضوع في الواقع ايضا هو نفس وجود الجزئين في الخارج من دون اعتبار امر آخر (اما القسم الاول) اعني به ما كان مركبا من العرض ومحله فلا يمكن فيه احراز الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل الا في ما إذا كان الوجود أو العدم بوصف كونه نعتا مسبوقا بالعلم بتحققه سابقا واما في غير ذلك فلا إذا لمفروض فيه انه لا حالة سابقة لنفس الوجود أو العدم المأخوذ نعتا ليستصحب واما العدم المحمولي فهو وان كانت له حالة سابقة لا محالة وكان قابلا للتعبد به بقاء الا ان المفروض انه لا اثر له شرعا وانما الاثر مترتب على العدم النعتى (1) واثباته باستصحاب العدم الازلي المحمولي لا يتم الاعلى القول بالاصل المثبت (واما بقية الاقسام) فان كان موضوع الحكم فيها في الحقيقة ونفس الامر هو العنوان البسيط المنتزع من الجزئين المأخوذين في الموضوع في ظاهر القضية لم يكن ايضا احرازه بجريان الاصل في نفس الجزء الاعلى القول بالاصل المثبت والوجه في ذلك ظاهر (وعليه يتفرع) ما افاده العلامة الانصاري (قده) من عدم انعقاد الجماعة بركوع المأموم عند الشك في بقاء الامام راكعا فانه يبتنى على ان يكون موضوع الحكم ومحقق الجماعة هو العنوان البسيط المنتزع عن ركوع المأموم حال ركوع الامام ومن الواضح ان استصحاب بقاء الامام راكعا إلى زمان ركوع المأموم لا يثبت تحقق هذا الموضوع الاعلى القول بالاصل المثبت (واما) إذا كان موضوع الحكم هو نفس تحقق الجزئين في زمان واحد من دون أن يكون اخذ هما في الموضوع كناية عن تحقق عنوان بسيط منتزع منهما فلا اشكال في امكان احراز موضوع الحكم بضم الوجدان إلى الاصل (وعليه يتفرع) ما افاده العلامة الانصاري (قده) ايضا في بعض تحقيقاته من انه إذا علم تاريخ ركوع المأموم وشك في بقاء الامام راكعا امكن الحكم بانعقاد الجماعة وهذا مبتن على أن يكون موضوع الحكم ومحقق الجماعة هو نفس تحقق الركوعين في زمان


1 - سيظهر لك فيما بعد انشاء الله تعالى ان اخذ الموضوع مركبا من العرض ومحله وان كان يستلزم اخذ العرض بوصف كونه نعتا قيدا للموضوع الا انه مع ذلك يصح التمسك باستصحاب العدم الازلي لنفى الحكم الثابت للموضوع المركب نعم إذا كان عدم الفرض مأخوذا في الموضوع على نحو النعتية بان اخذ في الموضوع اتصاف الذات بعدم عرض ما لم يصح التمسك معه باستصحاب العدم الازلي وتمام الكلام في محله (*)

[ 464 ]

واحد من دون اخذ عنوان بسيط آخر يكون هو الموضوع في الحقيقة للحكم (إذا عرفت ذلك) فنقول لا اشكال في ان موضوع ضمان اليد انما هو الاستيلاء على مال الغير من دون رضاه كما لا اشكال في ان الاستيلاء عرض قائم بالمستولى كما ان الرضا وعد مه من اعراض المالك وكل من هذين العرضين بالاضافة إلى محله وان كان من قبيل مفاد كان الناقصة الا انه بالاضافة إلى العرض الاخر ليس كذلك وبما انه لم يجعل موضوع الضمان في دليله الانفس تحقق العرضيين المزبورين في الخارج في زمان واحد اعني بهما الاستيلاء على مال الغير وعدم رضاه بذلك يمكن احرازه بضم الوجدان إلى الاصل فإذا كان الاستيلاء على مال الغير محرزا وجدانا وشك في رضا المالك امكن احراز عد مه بالاصل فيتم موضوع الضمان بضم الوجدان إلى الاصل فقول مدعى الضمان موافق للاصل فيكون هو المنكر كما ان قول مدعى عدمه مخالف للاصل فيكون هو المدعى فيحتاج في اثبات مدعاه إلى اقامة البينة نعم لو كان موضوع الضمان امرا بسيطا منتزعا من اجتماع الامرين المزبورين لما امكن الحكم بالضمان الا على القول بالاصل المثبت لكن الامر ليس كذلك لان موضوع الضمان في ظاهر دليله انما هو نفس الامرين المزبورين دون العنوان البسيط المنتزع منهما فيحتاج اثبات كو نه عنوانا بسيطا إلى دلالة دليل آخر عليه وهو مفقود على الفرض فتحصل ان دعوى الملازمة بين القول بالضمان في موارد الشك في كون اليد عادية والقول بجواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية بينة الفساد خصوصا على ما ذكرناه من ان كون اليد عادية مأخوذ في موضوع الضمان من اول الامر تذييل لا يخفى انه كما لا يمكن التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية كذلك لا يمكن احراز دخول الفرد المشتبه في افراد العام باجراء الاصل في العدم الازلي خلافا لما ذهب إليه (1) المحقق صاحب الكفاية (قده) من امكان ذلك حيث قال ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل لما كان غير معنون بعنوان خاص


1 - التحقيق ان ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) هو الصحيح وستعرف ما يدل على ذلك بعيد هذا انشاء الله تعالى (*)

[ 465 ]

بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص كان احراز المشتبه منه بالاصل الموضوعي في غالب الموارد ممكنا إلى ان قال مثلا إذا شك ان امرأة تكون قرشية فهى وان كانت إذا وجدت اما قرشية أو غيرها فلا اصل يحرز انها قرشية أو غيرها الا ان اصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش يجدى في تنقيح انها ممن لا تحيض الا إلى خمسين انتهى ويرد عليه ان الباقي تحت العام بعد التخصيص إذا كان هي المرأة التى لا يكون الانتساب إلى قريش موجودا معها على نحو مفاد ليس التامة فالتمسك بالاصل المذكور لادراج الفرد المشتبه كونها من قريش في الافراد الباقية وان كان صحيحا الا ان الواقع ليس كذلك لان الباقي تحت العام حسب ظهور دليله انما هي المرأة التي لا تكون قرشية على نحو مفاد ليس الناقصة (1) وعليه فالتمسك باصالة العدم لاثبات حكم العام للفرد المشكوك فيه غير صحيح وذلك لان العدم النعتى الذي هو موضوع الحكم لاحالة سابقة له على الفرض ليجرى فيه الاصل واما العدم المحمولي الازلي فهو وان كان مجرى للاصل في نفسه الا انه لا يثبت به العدم النعتى الذي هو المأخوذ في الموضوع الاعلى القول بالاصل المثبت. وتوضيح ذلك انما هو برسم مقدمات (الاولى) ان التخصيص سواء كان بالمنفصل ام بالمتصل استثناء كان المتصل أم غيره انما يوجب تقييد عنوان العام بغير عنوان المخصص فإذا كان المخصص امرا وجوديا كان الباقي تحت العام معنونا بعنوان عد مى وان كان المخصص امرا عدميا كان الباقي معنونا بعنوان وجودي (والسر في ذلك) هو ما تقدم من ان موضوع كل حكم أو متعلقه بالاضافة إلى كل خصوصية يمكن ان ينقسم باعتبار وجودها وعدمها إلى قسمين مع قطع النظر عن ثبوت الحكم له لا بد من ان يعتبر في مقام الحكم عليه مطلقا بالاضافة إلى وجود تلك الخصوصية أو مقيدا بوجود تلك الخصوصية أو بعدمها لانه يستحيل الاهمال في موارد التقسيمات الاولية مثلا العالم في نفسه ومع قطع النظر عن ثبوت الحكم له ينقسم إلى عادل وغيره فإذا ثبت له حكم من قيل المولى الملتفت إلى هذا التقسيم فهو لا يخلو من ان يثبت له مطلقا وغير مقيد بوجود العدالة أو بعدمها ومن ان يثبت له مقيدا


1 - التحقيق ان استثناء عنوان وجودي من العام لا يستلزم اخذ عدم الخاص قيدا في العام على نحو مفاد ليس الناقصة فيكون الباقي تحت العام في مفروض المثال المرئة التي لا تكون متصفة بكونها من قريش لا المرئة المتصفة بأن لا تكون من قريش وعليه فلا مانع من التمسك باصالة عدم اتصاف المرئة المحتمل كونها من قريش بكونها قرشية للحكم عليها بانها تحيض إلى خمسين وانتظر لذلك مزيد توضيح بعيد هذا انشاء الله تعالى (*)

[ 466 ]

باحد القيدين إذ لا يعقل ان يكون الحاكم في مقام جعل حكمه جاهلا بموضوع حكمه و غير ملاحظ له على نحو الاطلاق أو التقييد من دون فرق في ذلك بين الخصوصيات التي هي من قبيل العوارض والطواري والخصوصيات التي هي من قبيل المقارنات الخارجية (وعليه) فإذا فرضنا خروج قسم من الاقسام من حكم العام فاما ان يكون الباقي تحته بعد التخصيص مقيدا بنقيض الخارج فيكون دليل المخصص رافعا لاطلاقه فهو المطلوب واما ان يبقى على اطلاقه بعد التخصيص ايضا فيلزم التهافت والتناقض بين مدلولي دليل العام ودليل التخصيص (نعم هناك) فرق بين المخصص المتصل والمخصص المنفصل فان التقييد في المخصص المتصل انما هو بحسب الدلالة التصديقية إذ المفروض في موارد التخصيص بالمتصل انه لا ينعقد الظهور للكلام الا في الخاص من اول الامر وهذا بخلاف التقييد في موارد التخصيص بالمتفصل فان التقييد فيها انما يكون بالاضافة إلى المراد الواقعي لا بالنسبة إلى ما يستفاد من الكلام لفرض تمامية الظهور في العموم لكن هذا المقدار من الفرق لا يكون بفارق في المقام بعد اشتراكهما في تقييد المراد الواقعي. الثانية ان العنوان الخاص إذا كان من قبيل الاوصاف القائمة بعنوان العام سواء كان ذلك العنوان الخاص من العناوين المتأصلة ام من العناوين الانتزاعية فلا محالة يكون موضوع الحكم بعد التخصيص مركبا من المعروض وعرضه القائم به اعني به مفاد ليس من الناقصة (1)


(1) قد اشرنا فيما تقدم إلى ان كون عنوان الخاص من قبيل الاوصاف لا يقتضى تقيد العام بكو نه متصفا بعدم ذلك الوصف ليترتب عليه تركب موضوع الحكم الثابت للعام من العرض اعني به العدم النعتى ومحله بل غاية ما يترتب على التخصيص بعنوان وجودي هو تقيد العام بعدم كونه متصفا بذلك الوصف الوجودى وتوضيح ذلك بان يقال انه لا شبهة في ان وجود الاعراض في انفسها عين وجودها لموضوعاتها لان حقيقة وجود العرض سنخ حقيقة متقومة بالموضوع في قبال وجود الجوهر الذي هو في ذاته غنى عن الموضوع وغير متقوم به وعليه فإذا اخذ عرض ما في موضوع حكم من الاحكام فاما أن يكون مأخوذا فيه اينما وجد ومن غير تقيده بموضوع خاص واما أن يكون مأخوذا فيه بشرط وجوده في موضوع خاص فان كان مأخوذا فيه على الوجه الاول لزم ترتب الحكم على مطلق وجوده السارى في جميع افراده فإذا فرض اخذ العدالة في موضوع وجوب اكرام العالم لزم الحكم بوجوب اكرام العالم ولو كان المتصف بالعدالة غيره لكن هذا الفرض خارج عما هو محل - (*)

[ 467 ]

المعبر عنه في كلام العلامة الانصاري (قده) بالعدم النعتى (والسر في ذلك) هو ان انقسام العام باعتبار اوصافه ونعوته القائمة به انما هو في مرتبة سابقة على انقسامه باعتبار مقارناته فإذا كان دليل التخصيص كاشفا عن تقييد ما ورافعا لاطلاقه بمقتضى المقدمة الاولى فلابد من ان يكون هذا التقييد بلحاظ الانقسام الاولى اعني به الانقسام باعتبار اوصافه ونعوته فيرجع التقييد إلى التقييد بما هو مفاد ليس الناقصة إذ التقييد لو كان راجعا إلى التقييد بعدم مقارنته لوصفه القائم به على نحو مفاد ليس التامة ليكون الموضوع في الحقيقة مركبا من عنوان العام وعدم عرضه المحمولي فاما ان يكون ذلك مع بقاء الاطلاق بالاضافة


- الكلام في المقام واما إذا كان العرض مأخوذا في موضوع الحكم على النحو الثاني فلا يترتب الحكم الاعلى خصوص وجوده في ذلك الموضوع الخاص الذي هو في ذاته وجود نعتي لما عرفت من ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه فوجود العدالة في زيد مثلا هو بعينه ثبوت العدالة لزيد المعبر عنه باتصاف زيد بالعدالة وما هو مفاد كان الناقصة ففى مثل ذلك لا يمكن احراز وجود موضوع الحكم بضم الوجدان إلى الاصل الا فيما كان العرض بوصف كونه نعتا مسبوقا بالحالة السابقة واما في غير ذلك فلا مجال لجريان الاستصحاب وترتيب آثار الوجود النعتى الاعلى القول بالاصل المثبت فالاثر المترتب على عدالة زيد مثلا انما يحكم بتحققه بضم الوجدان إلى الاصل فيما إذا علم باتصاف زيد بالعدالة قبل زمان الشك في اتصافه بها واما مع عد مه فلا يمكن احراز عدالته باستصحاب وجود طبيعي العدالة ولو مع العلم بعدم اتصاف غير زيد بها في الخارج الاعلى القول بالاصل المثبت (هذا كله) في الاصل الجارى لاثبات وجود الموضوع واما الاصل الجارى لاثبات عدمه فلا مانع من جريا نه في الفرض المزبور ولو مع الشك في اتصاف الموضوع بذلك الوصف الوجودى من اول الامر والسر في ذلك ان وجود العرض بذلته وان كان محتاجا إلى وجود موضوعه الا ان عدم العرض غير محتاج إلى وجود الموضوع اصلا ضرورة ان الافتقار إلى وجود الموضوع انما هو من لوازم وجود العرض دون عدمه فعدالة زيد مثلا وان كانت بحيث إذا وجدت في الخارج كانت في الموضوع الا ان عدم عدالته ليس كذلك بل هو امر ازلى كان متحققا قبل تحقق موضو عه فإذا تحقق زيد في الخارج ولم يمكن متصفا بالعدالة كان عدم عدالته المعبر عنه بعدم اتصافه بالعدالة باقيا على ما كان عليه في الازل نعم ربما يعتبر في موضوع الحكم اتصافه بعدم شيئ بنحو الموجبة المعدولة وهذا الاعتبار وان كان - (*)

[ 468 ]

إلى جهة كون العدم نعتا ليرجع استثناء الفساق من العلماء في قضية اكرم العلماء الا فساقهم إلى تقييد العلماء بان لا يكون معهم فسق سواء كانوا فاسقين ام لا أو يكون ذلك مع التقييد من جهة كون العدم نعتا ايضا ليرجع مفاد القضية المزبورة إلى وجوب اكرام العلماء المعتبر فيهم ان لا يكونوا فاسقين وان لا يكون معهم فسق وكلا الوجهين باطل اما الاول فلانه غير معقول لوضوح التدافع بين الاطلاق من جهة كون العدم نعتا والتقييد بالعدم المحمولي واما الثاني فلانه مستلزم للغوية التقييد بالعدم المحمولي لكفاية التقييد بالعدم النعتى


- محتاجا إلى العناية والمؤنة إذ العدم بما هو عدم لا يكون وصفا لشيئ فانه بطلان محض فلابد في اخذه نعتا من اعتبار خصوصية في الموضوع ملازمة لذلك العدم الا أنه على تقدير تحقق هذا الاعتبار يتوقف جريان الاستصحاب في مورده لاحراز تمام الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل على العلم باتصاف ذلك الموضوع بذلك العدم قبل زمان الشك في اتصافه به ولا يكفى في صحة جريانه العلم بعدم اتصافه بوجود ذلك الشيئ قبل ذلك لان استصحاب عدم الاتصاف بالوصف الوجودى وان كان في نفسه لا مانع من جريانه الا انه لا يترتب عليه احراز موضوع الحكم في محل الكلام لان المفروض ان العدم المأخوذ فيه انما أخذ على وجه الناعتية المعبر عنه بمفاد ليس الناقصة ومن الواضح ان اثبات العدم النعتى باستصحاب العدم المحمولي من اوضح انحاء الاصل المثبت الذى لا نقول بحجيته وبالجملة إذا اخذ وجود عرض ما في موضوع حكم شرعى فهو وان كان لا بد من كونه مأخوذا فيه على وجه النعتية ومفاد كان الناقصة فلا يمكن احراز ذلك الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل فيما لم يكن العرض بوصف كو نه نعتا مسبوقا بالحالة السابقة الا أن ذلك لا يستد عى اخذ عدم ذلك العرض نعتا في موضوع عدم ذلك الحكم وارتفاعه ضرورة ان الحكم الثابت للموضوع المقيد بما هو مفاد كان الناقصة انما يكون ارتفاعه بعدم اتصاف الذات بذلك القيد على نحو مفاد السالبة المحصلة من دون ان يتوقف ذلك على اتصاف الذات بعدم ذلك القيد على نحو مفاد ليس الناقصة فمفاد قضية المرئة تحيض إلى خمسين الا القرشية وان كان هو اعتبار وصف القرشية على وجه النعتية في موضوع الحكم بتحيض القرشية بعد الخمسين الا انه لا يستدعى اخذ عدم القرشية في موضوع عدم الحكم بتحيض المرئة بعد الخمسين على وجه النعية اعني به مفاد ليس الناقصة وانما يستدعى اخذ عدم قرشية في ذلك الموضوع على نحو السالبة المحصلة فكل مرأة لا تكون متصفة بالقرشية بساقية تحت العام وانما الخارج - (*)

[ 469 ]

عنه وهذا هو الميزان الكلى فيما إذا كان الموضوع مركبا من العرض ومحله (1) فان اللازم فيه ان يكون التقييد بلحاظ مفاد كان الناقصة أو ليس الناقصة


- خصوص المتصفة بالقرشية لا ان الباقي بعد التخصيص هي المرأة المتصفة بعدم القرشية فإذا شك في كون امرأة قرشية لم يكن مانع من التمسك باستصحاب عدم القرشية الثابت لها قبل تولد تلك المرأة في الخارج (وان شئت) قلت ان قرشية المرأة ونفسها كانتا معدومتين في الخارج فإذا احرز وجود نفسها وشك معه في وجود اتصافها بالقرشية استصحب عدم اتصافها بها فيثبت بذلك انها غير متصفة بالقرشية فيترتب عليه الحكم بانها لا تحيض الا إلى خمسين (فتحصل) من جميع ما ذكرناه ان دعوى استلزام التخصيص بعنوان وجودي اخذ عدم ذلك العنوان في طرف العام على وجه النعتية كما اصر عليها شيخنا الاستاد قدس سره هي التي اوجبت المنع من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية عند الشك في دخول فرد في عنوان الخاص وعد مه فيما إذا كان التخصيص بالاستثناء أو يمخصص منفصل وانت يعد ما عرفت من ان التخصيص بعنوان وجودي في هذين الموردين لا يستلزم الا اخذ عدم ذلك العنوان في طرف العام على نحو التقيد بعدم اتصاف الذات بذلك الوصف لا على نحو التقيد بالاتصاف بعد مه انه لا مجال لانكار جريان الاستصحاب في موارد الشك في الاتصاف بذلك الوصف الوجودى فيحرز بذلك موضوع العام بضم الوجدان إلى الاصل فافهم ذلك وتدبر جيدا وقد فصل بعض الاعاظم من الاساطين قدس الله تعالى اسرارهم في المقام تفصيلا قد تعرضنا له ولما يرد عليه في رسالة اللباس المشكوك فيه وقد اطلنا الكلام في تحقيق الحال في المقام واوضحنا المقصود فيها بما لا مزيد عليه فراجع 1 - قد عرفت ان تركب الموضوع من العرض ومحله وان كان يستلزم اخذ العرض فيه على وجه النعتية اعني به مفاد كان الناقصة الا ان تركبه من الذات وعدم ثبوت عرض ماله لا يستدعى اخذ عدم ذلك العرض في العرض في الموضوع على نحو مفاد ليس الناقصة بل ان ذلك يحتاج إلى اعمال عناية ومؤنة والا فطبع اخذ عدم عرض ما في موضوع الحكم لا يقتضى الا اخذه فيه على نحو السالبة المحصلة دون الموجبة المعدولة واما ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره برهانا على ما ذهب إليه من لزوم اخذ العدم ايضا على نحو الناعتية فيرد عليه أو لا انه على تقدير تماميته يستلزم انكار امكان احراز جميع الموضوعات المركبة بضم الوجدان إلى الاصل الجارى في نفس الحد الجزئين ولا يختص ذلك بالموضوع المركب من العرض ومحله مع انه قدس سره - (*)

[ 470 ]

الثالثة ان تقابل الوجود النعتى الذي هو مفاد كان الناقصة ونفس المعنى الاشتقاقى (1) المعبر عنه بالعرضى المحمول مع العدم النعتى الذي هو مفاد ليس الناقصة انما هو من قبيل تقابل العدم والملكة الذي يشترط فيه وجود الموضوع ويمكن فيه ارتفاع المتقابلين بارتفاع موضوعهما القابل للاتصاف بهما إذ الموضوع بعد وجوده هو الذي يوجد فيه الوصف فيكون الوجود نعتا أو لا يوجد فيه ذلك فيكون العدم نعتا واما الموضوع قبل وجوده فهو غير قابل لان يعرضه الوجود النعتى أو العدم النعتى وهذا بخلاف التقابل بين نفس وجود


- لا يلتزم به بيان الملازمة ان انقسام كل جزء من اجزاء المركب بمقارنته للجزء الاخر وعدمها بما انه من الانقسامات الاولية يكون في مرتبة سابقة على وجود الجزء الاخر في نفسه فإذا ثبت هناك تقييد في الجملة فان كان التقييد راجعا إلى تقييد كل جزء باتصافه بكونه مقارنا للجزء الاخر لم يكن احرازه بجريان الاصل في نفس وجود احد الجزئين مع احراز الاخر بالوجدان الاعلى القول بحجية الاصل المثبت وان كان التقييد راجعا إلى تقييد كل جزء بنفس وجود الجزء الاخر فان كان ذلك مع اعتبار التقييد بالاتصاف بالمقارنة لزم اللغوية كما انه مع فرض الاطلاق فيه بالاضافة إلى الاتصاف بالمقارنة وعد مه يلزمه التدافع بينه وبين التقييد المزبور وثانيا ان تقييد موضوع الحكم أو متعلقه بما هو ملازم لامر آخر خارجا لا يبقى معه مجال لتقييده بذلك الامر أو اطلاقه بالاضافة إليه فإذا قيدت الصلوة بأن تكون إلى القبلة امتنع تقييدها بعدم كونها إلى دبر القبلة واطلاقها بالاضافة إليه وعليه فتقييد العام في مفروض الكلام بعدم كونه متصفا بعنوان الخاص كالقرشية في المثال لا يبقى مجالا لتقييده باتصافه بعدم ذلك العنوان الخاص ولا لاطلاقه بالاضافة إليه فكما ان تقييد المرأة مثلا باتصافها بعدم القرشية يغنى عن التقييد بعدم اتصافها بالقرشية كذلك التقييد بعدم اتصافها بالقرشية يغنى عن التقييد باتصافها بعدم القرشية ضرورة انه مع وجود المرأة في الخارج كان كل من الامرين المزبورين ملازما لوجود الاخر لا محالة فلا يبقى مع التقييد باحدهما مجال للاطلاق والتقييد بالاضافة إلى الاخر نعم انما يثمر التقييد بعدم الاتصاف في صحة جريان الاستصحاب في نفس العدم واحراز تمام الموضوع بضمه إلى الوجدان كما هو الحال في بقية موارد تركب الموضوع من جزئين أو الاكثر واما إذا قيد الموضوع بالاتصاف بالعدم فلا يمكن احرازه بجريان الاصل في نفس العدم كما عرفت (1) لا يخفى ما في التعبير عن الوجود النعتى وما هو مفاد كان الناقصة بالمعنى الاشتقاقى المعبر عنه بالعرضى المحمول من المسامحة الواضحة وذلك لان الوجود النعتى انما هو وجود العرض لموضوعه اعني به وجود العرض بما هو عرض في قبال وجود العرض في نفسه مع الغاء جهة - (*)

[ 471 ]

العرض الذي هو نفس معنى المبدء وغير قابل لان يحمل على الذات المعبر عنه بالوجود المحمولي وما هو مفاد كان التامة وعدم ذلك العرض المعبر عنه بالعدم المحمولي وما هو مفاد ليس التامة فانه من قبيل تقابل الايجاب والسلب الذي لا يمكن فيه ارتفاع المتقابلين لكونهما معروضين لنفس الماهية المعراة عن كل شيئ وعليه فكما لا يعقل تحقق الوجود النعتى قبل وجود موضوعه كذلك لا يعقل تحقق العدم النعتى المقابل له إذا عرفت هذه المقدمات تعرف ان خروج الخارج عن تحت العام وهو عنوان القرشية في المثال يستلزم تقييد الباقي بنقيض هذا العنوان بمقتضى المقدمة الاولى و انه لا بد (1) من أن يكون هذا التقييد على نحو مفاد ليس الناقصة بمقتضى المقدمة الثانية و انه يستحيل تحقق هذا العنوان المأخوذ في الموضوع قبل وجود موضوعه بمقتضى المقدمة الثالثة فلا يمكن احراز قيد موضوع حكم العام باصالة العدم الازلي فان المستصحب اما ان يكون هو العدم النعتى المأخوذ في الموضوع فهو مشكوك فيه من اول الامر ولا حالة سابقة له كما اعترف هو (قده) بذلك واما ان يكون هو العدم المحمولي الملازم للعدم النعتى بقاء فلا يمكن احراز تمام الموضوع باستصحاب العدم المحمولي الا على القول بالاصل المثبت (وعلى ما ذكرناه) يتفرع منع جريان اصالة العدم في المشكوك فيه من اللباس بناء على كون المانعية المجعولة معتبرة في نفس الصلوة ومن قيودها


- عروضه في مرحلة اللحاظ وعليه فلا يكون المعنى الاشتقاقى المعبر عنه بالعرضى المحمول متحدا مع الوجود النعتى كما هو ظاهر نعم ان ما افيد من ان التقابل بين مفاد كان الناقصة ومفاد ليس الناقصة انما هو من تقابل العدم والملكة مما لا ينبغى الريب فيه الا ان الشأن انما هو في اثبات ان العدم المأخوذ في موضوع الحكم الثابت للعام بعد ورود التخصيص عليه باستثناء أو بدليل منفصل انما هو العدم النعتى وقد عرفت ان ذلك غير صحيح وانما الصحيح هو كون العدم المأخوذ فيه مأخوذا فيه على نحو العدم المحمولي وعلى نحو السالبة المحصلة دون الموجبة المعدولة 1 - قد عرفت انه لا ملزم للالتزام بذلك بل التقييد انما يكون بلحاظ عدم الاتصاف بالعرض الوجودى لا بلحاظ الاتصاف بعدمه وعليه فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام لاحراز تمام الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل وكذلك في ما إذا شك في كون الملبوس من اجزاء ما لا يؤكل لحمه بناء على كون القيد مأخوذا في نفس الصلوة أو في ناحية اللباس. (*)

[ 472 ]

فان الصلوة من اول وجودها اما ان تكون مقترنة بالمانع أو بعدمه فلا حالة سابقة ليمكن استصحابها ويحكم به بتحقق متعلق التكليف بضم الوجدان إلى الاصل واما العدم الازلي فهو وان كان متحققا سابقا الا انك قد عرفت ان استصحابه لا يجدى في المقام الاعلى القول بحجية الاصل المثبت (واما إذا كانت) المانعية المجعولة معتبرة في ناحية اللباس وكانت من قيوده فتارة يكون الشك في وجود المانع لاجل الشك في كون نفس اللباس من غير المأكول واخرى لاجل الشك في عروض اجزاء غير المأكول على اللباس المأخوذ من غير مالا يؤكل لحمه اما القسم الاول فلا تجرى فيه الاصل لما ذكرناه من ان العدم النعتى لا حالة سابقة له (1) واما العدم المحمولي فهو وان كان له حالة سابقه الا ان استصحابه لا يجدى لاحراز العدم النعتى على ما هو الصحيح من عدم حجية الاصل المثبت واما القسم الثاني فجريان الاستصحاب فيه بمكان من الامكان وبضمه إلى الوجدان يحرز تحقق تمام متعلق التكليف في الخارج (كما ان المانعية المجعولة) إذا كانت معتبرة في طرف المصلى نظير اعتبار الطهارة والاستقبال فيه جرى الاصل في احراز القيد فيما إذا كان عدم لبس المكلف لغير المأكول مسبوقا بالحالة السابقة (وبالجملة) إذا لم يكن الموضوع مركبا من العرض ومحله فلا اشكال في امكان احراز الموضوع بضم الوجدان إلى الاصل وان كان مجرى الاصل هو العدم الازلي فيما إذا لم يكن هناك عنوان وجودي بسيط اخذ في الموضوع على ما مرت


1 - لا يخفى ان استصحاب العدم المحمولي وان كان يكفى في احراز تمام الموضوع بضمه إلى الوجدان في المقام وغيره على ما عرفت الا انه غير محتاج إليه فيما إذا شك في كون نفس اللباس مما لا يؤكل لحمه لامكان ان يتمسك في مورده باستصحاب العدم النعتى بان يقال ان ما يشك في كونه جزء من الحيوان غير المأكول لحمه بما انه كان موجودا في الخارج متصورا بصورة مامن الصور النوعية ولم يكن جزء من شيئ من الحيوانات يرجع الشك في كونه من اجزاء مالا يؤكل لحمه بعد ذلك إلى الشك في عروض هذا الوصف له بعد ان لم يكن متصفا به في الخارج فيستصحب بقائه على ماكان عليه من عدم كونه جزء لما لا يؤكل لحمه ولا يعارض ذلك باصالة عدم كو نه جزء من الحيوان المأكول لحمه بناء على ان المعتبر في صحة الصلوة انما هو عدم وقوعها في غير المأكول كما هو الحصيح وهذا نظير ما إذا علم بانقلاب الخل إلى طبيعة اخرى مرددة بين الخمر وغيرها من المايعات المحللة فان استصحاب عدم انقلابه إلى الخمر يترتب عليه جواز شر به ولا يعارض ذلك باستصحاب عدم انقلابه إلى غير الخمر مما يحتمل انقلابه إليه. (*)

[ 473 ]

الاشارة إليه واما إذا كان الموضوع مركبا من العرض ومحله فلا بد في جريان الاصل من تحقق العدم (1) والوجود النعتيين قبل زمان الشك ليتم الموضوع بجريان الاصل فيه وضمه إلى الوجدان واما اجزاء الاصل في العدم الازلي فلا يجدى في احراز تمام الموضوع الاعلى القول بالاصل المثبت (ثم انه يرد) على سائر ما افاده صاحب الكفاية (قده) في المقام امور (الاول) ان جعله التخصيص بالمتصل إذا كان بالاستثناء كالمخصص المنفصل في عدم كونه موجبا لتعنون العام بعنوان خاص غير صحيح فان المخصص المتصل انما يوجب انعقاد الظهور التصديقي في غير عنوان الخاص لا محالة كما اعترف هو (قده) ايضا بذلك وعليه بنى سراية اجمال المخصص المتصل إلى العام ومعه كيف يعقل (2) ان يقال ان العام بعد تخصيصه بالمتصل لا يكون معنويا بعنوان خاص (الثاني) ان ما افاده (قده) بحسب ظاهر كلامه من ان العام يكون معنونا بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص يناقض (3) ما افاده في صدر كلامه من ان العام بعد التخصيص لا يكون معنونا بعنوان خاص مضافا إلى انه في نفسه لا يرجع إلى معنى محصل إذ العام لا يكون معنونا باحد العناوين الباقية تحته بعد التخصيص وانما يكون شمول الحكم لكل فرد لاجل عدم تقييد العام بقيد لا انه يكون مقيدا بكل من العناوين


(1) قد عرفت ان ذلك انما يتم في ما إذا اخذ وجود العرض قيدا في موضوع الحكم دون ما إذا اخذ عد مه قيدا فيه وقد ظهر الفرض بينهما بما ذكرناه فيما تقدم. (2) غرض المحقق صاحب الكفاية (قده) بما ذكره هو ان العام بعد تخصيصه بالاستثناء لا بتعنون بعنوان خاص بان يعتبر اتصافه بوصف وجودي أو عدمي لان غاية ما يترتب على الاستثناء انما هو اعتبار عدم اتصاف العام بالوصف الوجودى المأخوذ في ناحية الخاص وعليه فلا يرد عليه ما افيد في المتن من منافاه ذلك لما بنى عليه (قده) من استلزام التخصيص بالمتصل لانعقاد الظهور التصديقي في الكلام في غير الخاص ومن سراية اجمال المخصص إلى العام كما هو ظاهر. (3) غرض المحقق صاحب الكفاية (قده) بما افاده هو بيان ان كل عنوان وجودي أو عدمي فرض تحققه في طرف العام فهو لا ينافى ثبوت الحكم له الا العنوان المأخوذ في طرف الخاص فالقيد المأخوذ في طرف الماء منحصر بعدم كونه متصفا بعنوان الخاص واما غيره من العناوين الوجودية و العدمية فلا يضر وجود شيئ منها ولا عدمه بثبوت حكم العام اصلا وعليه فلا مناقضة بين صدر كلامه (قده) وذيله بوجه من الوجوه وبالجملة ان ما افاده المحقق المزبور (قده) في المقام هو بعينه ما اخترناه وشيدنا اساسه وبنيانه. (*)

[ 474 ]

الوجودية ونقيضها (الثالث) ان عدوله (قده) من اجراء اصالة العدم في نفس عنوان القرشية المأخوذ في لسان الدليل إلى اجراء اصالة العدم في العنوان الانتزاعي اعني به عنوان الانتساب إلى قريش لا وجه (1) له فان المراد من عدم الانتساب المستصحب ان كان هو العدم النعتى فحاله حال عدم القرشية في عدم الحالة السابقة له فلا يمكن استصحابه وان كان المراد منه هو العدم المحمولي فلو بنينا على كفاية استصحابه في احراز تمام الموضوع واغمضنا النظر عما تقدم من انه لا يمكن اثبات العدم النعتى المأخوذ في لسان الدليل باجراء الاصل في العدم المحمولي لامكن جريان الاصل في نفس عنوان القرشية بان يقال ان قرشية المرئة التي يشك في كونها من قريش قبل وجودها كانت مسبوقة بالعدم فيستصحب ذلك ويضم الوجدان إلى الاصل يتم الموضوع فلا حاجة حينئذ إلى اجراء الاستصحاب في العنوان الانتزاعي اعني به عنوان الانتساب إلى قريش وكيف كان فقد عرفت عدم كفاية اجراء الاصل في العدم الازلي في احراز تمام الموضوع إذا كان العدم المأخوذ فيه مأخوذا فيه على وجه النعتية ومفاد ليس الناقصة (واما توهم) صحة اجراء الاصل في نفس العدم النعتى في المقام بتوهم ان مرتبة العرض متأخرة عن مرتبة موضوعه فالمرئة في مرتبة سابقة على عروض القرشية لها غير متصفة بكونها قرشية على نحو مفاد ليس الناقصة فيستصحب ذلك العدم في ظرف الشك (فغريب) إذا للازم في جريان الاستصحاب في العدم النعتى هو اتصاف الموضوع به خارجا ولو آناما فسبق رتبة الموضوع على رتبة عرضه مع عدم انفكاكهما آناما في الوجود الخارجي لا يصحح جريان الاستصحاب فالمرئة حين ما وجدت في الخارج وجدت قرشية أو غير قرشية فلم يحرز كونها متصفة بعدم القرشية في الخارج ولو آناما ليمكن التعبد ببقائه في ظرف الشك في كونها قرشية فتدبر في اطراف ما ذكرناه فانه حقيق بذلك. بقى الكلام فيما افاده المحقق العلامة الانصاري قده وتبعه جملة من المتأخرين عنه من جواز التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا غير لفظي وهذا الكلام


(1) لا يخفى ان مفهوم القرشية ومفهوم الانتساب إلى قريش امر واحد والمستفاد من احد اللفظين عين ما هو المستفاد من اللفظ الاخر وانما الاختلاف في التعبير فقط فلا فرق بين قولنا الاصل عدم قرشية المرأة المحتمل كونها من قريش وقولنا الاصل عدم انتساب تلك المرأة إلى قريش وعليه فليس في كلام المحقق صاحب الكفاية (قده) عدول من اجراء الاصل في نفس العنوان المتأصل إلى اجرائه في العنوان الانتزاعي ليستشكل فيه بما افيد في المتن (*)

[ 475 ]

على اطلاقه لا يسعنا تصديقه فان المخصص اللبى إذا كان حكما عقليا ضروريا بان كان صارفا لظهور الكلام وموجبا لعدم انعقاد الظهور الا في الخاص من اول الامر فحكمه حكم القرينة المتصلة اللفظية فكما لا يمكن التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية معها كذلك لا يجوز التمسك بالعموم معه واما إذا كان حكما عقليا نظريا أو اجماعا بحيث لم يكن صالحا لصرف ظهور العام من اول الامر فحكمه حكم المخصص المنفصل اللفظى إذ كما ان المخصص اللفظى بعد تقدمه على عموم العام يكشف عن تقيد المراد الواقعي وعدم كون موضوع الحكم الواقعي مطلقا فلا يمكن التمسك به عند عدم احراز تمام موضوعه لاجل الشك في وجود القيد كذلك المخصص اللبى يكشف عن المقيد المزبور فلا يمكن التمسك بالعموم عند عدم احراز تمام موضوعه فان الاعتبار في عدم جواز التمسك بالعموم انما هو بالمنكشف اعني به تقيد موضوع الحكم لبالا بخصوصية الكاشف من كونه لفظيا أو عقليا (فالتحقيق) ان يقال ان ما يسمى بالمخصص العقلي ان كان بمعنى ما يوجب تقييد موضوع الحكم وتضييقه نظير تقييد الرجل في قوله عليه السلام فانظروا إلى رجل قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا (الخ) بكونه عادلا لقيام الاجماع على ذلك فحاله حال المخصص اللفظى في عدم جواز التمسك بالعموم معه في الافراد المشكوك فيها لما عرفت من ان المخصص اللبى إذا كان عقليا ضروريا فحكمه حكم القرينة المتصلة وإذا كان عقليا نظريا أو اجماعا فحكمه حكم القرينة المنفصلة وعلى كل تقدير فلا يمكن التمسك بالعموم بعد تقييد موضوع الحكم واقعا (واما إذا كان) المراد من المخصص اللبى ادراك العقل ما هو ملاك حكم الشارع واقعا اما بنفسه اولاجل قيام الاجماع على ذلك من دون ان يتقيد موضوع الحكم به لعدم صلوح تقيد موضوع الحكم بما هو ملاكه فلا اشكال (1) في


1 - التحقيق في المقام هو بان يقال ان القضية المتكفلة باثبات حكم للعام ان كانت من قبيل القضايا الحقيقية التي يكون تطبيق موضوع الحكم فيها على افراده موكولا بنظر المكلف واحرازه فلا محالة يكون احراز عدم اشتمال فرد على ملاك الحكم كاشفا عن وجود خصوصية في ذلك الفرد قد اخذ عدم الاشتمال على تلك الخصوصية قيدا في موضوع الحكم الثابت للعام فان كانت تلك الخصوصية محرزة عند المكلف مفهوما وشك في وجودها في فرد آخر لم يمكن التمسك بالعموم لاثبات الحكم له للشك في وجود تمام موضوعه على الفرض كما إذا لم تكن تلك الخصوصية محرزة عند المكلف مفهوما وتردد امرها بين امرين أو الاكثر - (*)

[ 476 ]

جواز التمسك العموم حينئذ وكشفه بطريق الان عن وجود الملاك في تمام الافراد فإذا شك في وجود الملاك في فرد كان عموم الحكم كاشفا عن وجود الملاك فيه ورافعا للشك من هذه الجهة كما انه إذا علم بعدم الملاك في فرد كان ذلك الفرد خارجا من باب التخصيص الافرادى فيكون سكوت المولى عن حكم ذلك الفرد اما لاجل مصلحة مقتضية له كما في المولى الحقيقي أو لجهله بعدم الملاك فيه كما ربما يتفق ذلك في الموالى العرفية وعلى كل تقدير فلا يكون حكم العقل ولو كان ضروريا موجبا لتقييد موضوع الحكم وتضييقه لما عرفت من عدم صلوح الملاك لكونه قيدا للموضوع وهذا نظير قوله عليه السلام


- فلا محالة يستلزم ذلك علما اجماليا بتقيد موضوع العالم بقيد مردد بين امرين أو امور فيكون دليل العام حينئذ في حكم المجمل على ما مر وعلى كل حال لا يمكن التمسك به في موارد احتمال انطباق ما علم تخصيص العام به على فرد في الخارج مثلا إذا ورد دليل على وجوب اكرام العلماء الشامل للعادل منهم والفاسق وللنحوى منهم وغيره ثم علم بعدم تحقق ملاك وجوب الاكرام في زيد العالم فان كان ذلك من جهة العلم بكون اتصافه بالفسق مثلا مانعا من تحقق ملاك وجوب الاكرام فيه فلا محالة يستلزم ذلك العلم بتقييد موضوع وجوب الاكرام بعدم كونه فاسقا فلا يجوز التمسك بالعموم لاثبات وجوب اكرام عالم آخر فيشك في فسقه واما إذا احتمل كون المانع من تحقق الملاك فيه كلا من صفتي الفسق والنحوية الموجودتين فيه فلا محالة يستلزم ذلك العلم بتقييد موضوع وجوب الاكرام بعدم اتصافه باحد الوصفين على الاجمال فلا يجوز التمسك به لاثبات وجوب اكرام العالم الفاسق أو النحوي نعم إذا احتمل ان المانع من تحقق الملاك المزبور هو اجتماع الوصفين أو مع اضافة وصف آخر اليهما من الصفات المتصف بها زيد في الخارج اقتصر في تخصيص العام حينئذ على القدر المتيقن ويتمسك في غيره باصالة العموم كما كان هو الحال بعينه فيما دار امر المخصص اللفظى بين الاقل والاكثر فتلخص انه لا فرق بين المخصص اللفظى واللبى في شيئ من الاحكام المزبورة فيما إذا كانت القضية المتكفلة باثبات الحكم للعام من القضايا الحقيقية التى يكون تطبيق الموضوع على افراده موكولا فيها بنظر نفس المكلف واما فيما إذا كانت القضية خارجيه فان كان المخصص فيما لفظيا لم يمكن ايضا التمسك بالعموم في موارد الشبهة المصداقية لان التخصيص اللفظى يكون قرينة على ان المولى وكل احراز انطباق موضوع حكمه إلى نفس المكلف فلا يصح التمسك بعموم كلا مه مع العلم بتقيد موضوع حكمه بقيد لم يحرز تحققه في الخارج واما إذا كان المخصص عقليا فان كان ذلك من قبيل الاحكام العقلية الضرورية - (*)

[ 477 ]

لعن الله بنى امية قاطبة مع حكم العقل (1) بان ملاك لعنهم انما هو بغضهم لاهل البيت سلام الله عليهم فالمؤمن منهم على تقدير وجوده لا يشمله اللعن المزبور فإذا شك في ايمان فرد منهم جاز التمسك بالعموم ويحكم عليه حينئذ بانه غير مؤمن والا لما جاز لعنه (والسر في جواز التمسك) بالعموم في هذا الفرض هو ان ملاكات الاحكام انما يكون احرازها وظيفة لنفس المولى (2) دون العبد فبعموم الحكم يستكشف انه احرز وجود الملاك في


- التى يصح ان يتكل عليها المتكلم في مقام البيان كان حاله حال القرينة المتصلة وان كان من من قبيل الاحكام النظرية أو من قبيل الاجماع ونحوه صح التمسك بالعموم في مورد الشبهة المصداقية واحرز بذلك ان الفرد المشكوك فيه غير داخل في عنوان الخاص والسر في ذلك هو ان ظهور كلام المولى في العموم كاشف عن انه بنفسه احرز انطباق موضوع حكمه على جميع الافراد ولم يكل ذلك إلى المكلف فلا محاله يكون هذا الظهور حجة على المكلف في الموارد المشكوك فيها فيحمل سكوت المولى عن البيان فيما علم فقدان فرد للقيد الدخيل في موضوع حكمه على وجود مصلحة مقتضية لسكوته عنه أو على غفلته من ذلك كما في الموالى العرفية وبما ذكرناه يظهر الخلل فيما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فتدبر جيدا. (1) لا يخفى ان بعض اهل البيت سلام الله عليهم أو عد مه انما هو من الاحوال الطارية على المكلف التى ينقسم المكلف بالاضافة إليها إلى قسمين ومن الواضح ان مثل ذلك يستحيل ان يكون ملاكا للحكم بل الحكم بالاضافة إليه لابد من أن يكون مطلقا أو مقيدا بوجوده أو بعدمه واما الملاك المقتضى لاستحباب اللعن فهو منحصر بما يترتب على اللعن من المصلحة في الخارج فلو لا ما ذكرناه من ان القضية الخارجية إذا لم يكن احراز القيد فيها موكولا إلى نظر المكلف جاز التمسك فيها بالعموم في الشبهات المصداقية لما امكن التمسك بعموم قوله عليه السلام لعن الله بنى امية قاطبة لاثبات جواز لعن الفرد المشكوك في ايمانه لكن القضية المشتملة على اللعن بما انها خارجية ضرورة انها متكفلة بصدور لعن بنى امية من نفس الامام سلام الله عليه يستكشف منها بدليل الان عدم وجود المؤمن في بنى امية باجمعهم فلو علم بوجود مؤمن فيهم اتفاقا كان ذلك خارجا بالدليل فيتمسك في غيره بالعموم (2) احراز اشتمال متعلق الحكم على الملاك وان كان وظيفة الحاكم الا انك قد عرفت ان العلم بعد اشتمال فرد على ملاك الحكم لا ينفك عن العلم بكون عدم الخصوصية الموجودة - (*)

[ 478 ]

تمام الافراد فيتمسك به في ظرف الشك نعم إذا علم عدم وجود الملاك في فرد فلابد فيه من الحكم بخروجه تخصيصا افراديا ومن حمل سكوت المولى عنه اما على المصلحة فيه أو على غفلته عن عدم وجود الملاك فيه كما تقدم وهذا بخلاف ما إذا كان حكم العقل في موارد التخصيص اللبى موجبا لتقييد موضوع الحكم بقيد فانه لا يجوز في هذا الفرض التمسك بالعموم عند الشك في تحقق موضوع الحكم لاجل الشك في تحقق قيده لان احراز تحقق الموضوع بذاته وبقيده انما هو من وظايف العبد دون المولى فلا يكون في كلام المولى تعرض لبيان حال الافراد الخارجيه من حيث اشتمالها على خصوصيات الموضوع وعدمه فلا معنى للتمسك بعموم كلامه عند الشك في كون فرد خاص واجدا لما اعتبر قيدا في موضوع الحكم (هذا كله) فيما إذا احرز احد الامرين اعني بهما كون ما ادرك العقل دوران حكم العام مداره من قبيل قيود الموضوع وغير صالح لان يكون ملاكا للحكم وكونه من قبيل ملاكات الاحكام وغير صالح لان يكون قيدا للموضوع و اما فيما إذا لم يحرز ذلك وكان ذلك الامر الذي ادرك العقل دوران حكم العام مداره قابلا (1) لكلا الوجهين من دون ان يكون هناك ما يعين احدهما كما إذا قال المولى اكرم جيراني وعلم من الخارج انه لا يريد اكرام اعدائه ولكن لم يعلم ان عدم العداوة هل هو


في ذلك الفرد الملازمة لعدم الملاك مأخوذ في موضوع الحكم ومعه لا يمكن التمسك بالعموم فيما إذا لم يحرز انطباق موضوع الحكم بتمامه على الموجود الخارجي نعم إذا كانت القضية خارجية ولم يكن انطباق الموضوع فيها على مصاديقه موكولا إلى نظر المكلف صح التمسك بالعموم في المصاديق المشتبهة على ما مر (1) لا يخفى انه يوجد مورد يشك فيه في كون ما ادركه العقل من قبيل قيود الموضوع أو من قبيل الملاك المقتضى لجعل الحكم على موضوعه لانك قد عرفت ان كل ما يمكن ان ينقسم موضوع الحكم بالاضافة إليه إلى قسمين يستحيل ان يكون من قبيل ملاكات الاحكام بل لا بد من ان يكون موضوع الحكم بالاضافة إليه مطلقا أو مقيدا بوجوده أو بعد مه كما ان كل ما يكون مترتبا على فعل المكلف في الخارج من المصالح والمفاسد يستحيل كونه قيد الموضوع الحكم وانما هو متمحض في كونه ملاكا ومقتضيا لجعل الحكم على موضو عه و عليه فلا مجال للتفصيل الذي افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام. (*)

[ 479 ]

ملاك لوجوب الاكرام أو انه قيد اخذ في موضوع الوجوب فهل يمكن التمسك بالعموم حينئذ فيحرز به ان الفرد الذي يشك في كونه عدوا للمولى ليس بعدو له (الحق فيه التفصيل) فانه إذا كان حكم العقل ضروريا بحيث يمكن للمولى الاتكال عليه في مقام البيان لم يصح التمسك بالعموم حينئذ لان حكم العقل الضرورى بما انه من قبيل القرينة المتصلة يحتمل معه كون القيد مأخوذا في موضوع الحكم وقد وكل المولى احراز القيد إلى نفس العبد فيكون المقام من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة فيسقط ظهوره في الاطلاق لا محالة فلا يمكن التمسك به في الفرد المشكوك فيه كما هو الحال في موارد التقييد اللفظى إذ لا فرق في ذلك بين احتمال اعتماد المولى على القرينة اللفظية واحتمال اعتماده على القرينة العقلية واما في ما إذا كان حكم العقل نظريا أو كان المخصص اجماعا صح التمسك بالعموم في موارد الشبهة المصداقية لان ظهور الكلام في الاطلاق قد انعقد على الفرض ولا حجة على التقييد لترفع اليد بها على ظهور الكلام في العموم فلابد من الاخذ بظهوره والحكم بثبوت حكم العام في موارد الشبهة المصداقية (والوجه في ذلك) هو ان حكم العقل في المقام أو قيام الاجماع على دوران حكم العام مدار شيئ لا دلالة له على تقييد الموضوع بذلك الشيئ على الفرض فليس في المقام الا مجرد احتمال تقيد الموضوع بقيد في الواقع و ظهور كلام المولى في عدم تقيده به فلا بد من الاخذ بظهوره في الاطلاق ومعه يحكم بأن كل فرد من الجيران في المثال حتى الفرد المحتمل عداوته للمولى محكوم عليه بوجوب الاكرام وبأن اكرامه واجد للملاك الذي دعا المولى إلى ايجابه نعم يخرج عن الحكم المزبور من علمت عداوته خروجا افراديا فيكون سكوت المولى عنه اما لاجل مصلحة فيه أو للغفلة عن ذلك كما في القسم الثاني بعينه (وبالجملة) المخصص اللبى ان كان كاشفا عن تقيد موضوع العام بشيئ منع ذلك من التمسك بعموم العام في الفرد المشتبه كما كان الامر كذلك في المخصص اللفظى سواء في ذلك كون المخصص اللبى اجماعا وكونه دليلا عقليا كان الحكم العقلي ضروريا ام كان نظريا وان كان المخصص اللبى كاشفا عن ملاك الحكم وعلته من دون تقييد في ناحية الموضوع صح التمسك معه بعموم العام في الافراد المشتبهة وكان العموم كاشفا عن وجود الملاك فيها من دون فرق في ذلك ايضا بين افراد المخصص اللبى كما عرفت واما إذا لم يكشف المخصص اللبى عن شيئ من الامرين المزبورين

[ 480 ]

فتردد امر ما دل المخصص على دوران الحكم مداره بين كونه ملاكا للحكم وكونه قيدا لموضوعه فان كان حكم العقل ضروريا يمكن ان يتكل عليه المولى كان حكمه حكم القسم الاول فلا يصح معه التمسك بعموم العام في موارد الشبهة المصداقية وان كان حكمه بالتخصيص حكما نظريا أو كان دليل التخصيص اجماعا كان حكمه حكم القسم الثاني فيتمسك معه بالعموم في تلك الموارد فصل هل يشترط في جواز العمل بالعمومات الواردة في الكتاب والسنة بعد الفراغ عن عدم اختصاص حجيتها بخصوص المشافهين الفحص عن المخصص فيه خلاف واشكال وقبل الخوض في بيان المقصود لابد لنا من التنبيه على امر وهو ان الفرق بين الفحص في المقام والفحص في الشبهات البدوية في موارد التمسك بالاصول العملية هو ان الفحص في المقام انما هو لاجل الاطلاع على ما يزاحم الدليل ويمنع من الاخذ به بعد الفراغ عن تحقق المقتضى للاخذ به في نفسه إذ المفروض ان الظهور في الكلام قد انعقد بتمامه مع عدم الاتيان بالقرينة المتصلة وذلك مقتض للعمل به فالفحص عن المخصص انما هو لرفع احتمال المانع والمزاحم واما الفحص في الشبهات البدوية فانما هو لاجل تتميم مقتضى جواز العمل بالاصل بداهة انه لا يستقل العقل بقبح العقاب على مخالفة التكليف المجهول إذا لم يقم العبد بما هو وظيفته من الفحص عن احكام المولى مع احتمال قيام المولى بما هو وظيفته من بيان احكامه المتوجهة إلى عبده بحيث ان العبد لو تفحص عنها لظفر بها فالشك في الحكم لا يكون مقتضيا لجواز الرجوع إلى البرائة العقلية الا بعد الفحص وعدم الظفر بما يكون متكفلا ببيان التكليف من قبل المولى (واما ادلة البرائة) وغيرها من الاصول الشرعية كحديث الرفع وما دل على عدم جواز نقض اليقين بالشك فهى وان كانت مطلقة وغير مقيدة بالفحص عن الدليل الموجب لارتفاع موضوعها الا ان حكم العقل يقيدها بذلك لا محالة ضرورة ان اطلاقها يستلزم نقض الغرض من بعث الرسل وانزال الكتب فان لازم الاطلاق هو عدم وجوب النظر في المعجزة ومع عدم النظر لا تثبت اصل النبوة فضلا عن فروعها فتجويز ترك النظر في المعجزة يستلزم نقض الغرض الداعي إلى

[ 481 ]

بعث الرسل وانزال الكتب وهو قبيح وبعين هذا الملاك يجب الفحس عن الاحكام الشرعية عند احتمال تحققها في نفس الامر وامكان وصول العبد إليها بالفحص وهو ذلك يظهران اثبات تقييد موضوع الاصول الشرعية الجارية في موارد الشبهات الحكمية لا يحتاج إلى التمسك بالاخبار أو الاجماع وان كانت دلالة الاخبار على ذلك في نفسها وافية وكلمات العلماء عليه متوافقة. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الحق هو عدم جواز التمسك بالعموم قبل الفحص عن المخصص كما انه لا يجوز التمسك بالاصل العملي قبل الفحص عن الحجة واستدل على ذلك بوجوه انهاها بعضهم إلى ثلاثة عشر وجها ولا يهمنا التعرض لها وانما المهم هو التعرض لوجه يشترك فيه كلا المقامين ثم ارداف ذلك بوجهين يختص كل منهما بواحد من المقامين بخصوصه (اما الوجه الذي يشترك فيه كلا المقامين) فهو انا نعلم اجماعا بوجود مخصصات كثيرة العمومات الواردة في الكتاب والسنة ومقتضى ذلك عدم جواز العمل بها الا بعد الفحص عن المخصص كما ان مقتضى العلم الاجمالي بوجود واجبات و محرمات كثيرة ثابتة في الشريعة المقدسة عدم جواز الرجوع إلى الاصل العملي الا بعد الفحص عن الحجة على التكليف (فان قلت) ان العلم الاجمالي بوجود مخصصات كثيرة لا موجب له الا العلم الاجمالي باشتمال الكتب المعتبرة المعتمدة للشيعة على مخصصات لتلك العمومات الواردة في الكتاب والسنة فلا يكون مقتضاه الا وجوب الرجوع إلى خصوص تلك الكتب لاجل الفحص عن المخصص كما هو المطلوب وهذا بخلاف العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة المقد سة فانه انما نشاء من العلم باصل التشريع فاثر العلم الاجمالي اعني به وجوب الفحص لا يرتفع بعد الفحص عن الحجة في خصوص الكتب المذكورة ولازم ذلك هو الاحتياط حتى بعد الفحص والبحث وعدم الظفر بالحجة في خصوص تلك الكتب (وبالجملة) ان دائرة العلم الاجمالي بوجود المخصصات ضيقة من اول الامر فلا يجب الفحص عنها الا في اطراف تلك الدائرة اعني بها الكتب المعتبرة المشتملة على تلك المخصصات فإذا تفحصنا عن مخصص عموم بخصوصه ولم نظفر به في تلك الكتب خرج ذلك العموم من اطراف العلم الاجمالي وصار احتمال التخصيص فيه شبهة بدوية ولا بد معه

[ 482 ]

من الرجوع إلى اصالة العموم (واما) دائرة العلم الاجمالي بوجود تكاليف كثيرة المانع من الرجوع إلى الاصول العملية في ظرف الشك في ثبوت تكليف بخصو صه فهي وسيعة ضرورة انه لا يختص اطراف هذا العلم بما قامت عليه الحجة في تلك الكتب فالفحص عن خصوص تكليف محتمل وعدم الظفر بالحجة عليه في تلك الكتب لا يخرجه عنه كونه طرفا للعلم الاجمالي المزبور بعد احتمال ثبوته في الواقع ووجود الحجة عليه في غير تلك الكتب التى اختص الفحص بها وعليه فاللازم هو الاحتياط حتى بعد الفحص فلا يبقى لوجوب الفحص في خصوص تلك الكتب اثر بالاضافة إلى جريان الاصول العملية اصلا (قلت) ما ذكرته من سعة دائرة العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات كثيرة في الشريعة وان كان صحيحا إلا انه انما يوجب الاحتياط ولو بعد الفحص وعدم الظفر بالحجة إذا لم ينحل إلى علم اجمالي آخر اعني به العلم بوجود واجبات ومحرمات في الكتب المذكورة والى شك بدرى بالاضافة إلى غيرها من التكاليف لكن العلم الاجمالي الاول ينحل بالعلم الاجمال الثاني فيكون الشك في ما عدى اطراف العلم الاجمالي الثاني شكا بدويا يصح معه الرجوع إلى الاصول العملية (والوجه في ذلك) انا كما نعلم بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة كذلك نعم بوجود واجبات ومحرمات قامت عليها حجة معتبرة في الكتب المذكورة ومقدار المعلوم بالعلم الثاني لا يقل من مقدار المعلوم الاول فتكون النتيجة هو العلم بوجود تكاليف قامت عليها الحجة المعتبرة في تلك الكتب واما الزائد على هذا المقدار فهو مشكوك فيه بالشك البدوى وغير معلوم لنا لا تفصيلا ولا اجمالا فلا يبقى للعلم الاول المرسل اثر بعد انحلاله بالعلم الثاني فتكون نتيجة العلمين هو وجب الفحص عن خصوص الحجة في الكتب المذكورة دون غيرها فمع عدم الظفر بها فيها يرجع إلى الاصول العملية (فان قلت) لا يصح الاستناد في وجوب الفحص في شيئ من المقامين إلى وجود العلم الاجمالي بوجود مخصصات أو تكاليف كثيرة والا لزم عدم وجوب الفحص بعد انحلال العلم المزبور لاجل الظفر بالمخصصات أو التكاليف بمقدار المعلوم بالاجمال بذلك العلم مع ان ظاهر الاصحاب وجوب الفحص حتى في شبهة واحدة باقية ولو مع الظفر بالمخصصات أو التكاليف بأكثر مما علم اجمالا (بيان ذلك) انا إذا علمنا بوجود تكاليف أو مخصصات كثيرة فبما

[ 483 ]

ان امر تلك التكاليف أو المخصصات يدور بين الاقل والاكثر يكون مقدار الاقل متيقنا والمقدار الزائد عليه مشكوكا فيه فإذا تفحصنا وظفرنا في الكتب المعتبرة بتكاليف أو مخصصات بمقدار المعلوم بالاجمال أو أكثر منه فلا محالة ينحل العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بالتكاليف أو المخصصات التى ظفر بها فإذا احتمل بعد ذلك تخصيص عام لم يفحص عن مخصصه أو احتمل تكليف لم يفحص عن وجود الحجة عليه جاز العمل بذلك العالم وباصالة البرائة عن ذلك التكليف المحتمل قبل الفحص بناء على ان المقتضى للفحص انما كان وجود العلم الاجمالي المفروض انحلاله بالعلم التفصيلي المزبور ضرورة انه مع ارتفاع المقتضى للفحص لا يكون هناك مانع من التمسك باصالة العموم أو باصالة البرائة عند احتمال وجود المخصص أو الحجة على التكليف المحتمل مع ان من الواضح بطلان ذلك ومخالفته لسيرة الاصحاب فيستكشف من ذلك ان وجوب الفحص غير مستند إلى وجوده العلم الاجمالي اصلا (قلت) ليس الميزان في انحلال العلم الاجمالي هو مجرد وجود القدر المتيقن في البين ليترتب عليه ما ذكرت من انحلال العلم الاجمالي بالظفر بمقدار المعلوم بالاجمال من التكاليف أو المخصصات المستلزم لعدم وجوب الفحص بعد ذلك عند احتمال تكليف أو تخصيص بل الميزان في الانحلال امر آخر لابد في توضيحه من بيان امور (الاول) انه لابد في موارد العلم الاجمالي من تشكيل قضية شرطية على سبيل منع الخلو ضرورة انه لازم العلم باصل وجود الشيئ مع الشك في خصوصيته وانطباقه على كل واحد من اطرافه (الثاني) انه يختلف موارد العلم الاجمالي فتارة تكون القضية الشرطية التي لا بد منها في موارد العلم الاجمالي مؤتلفة من قضية متيقنة وقضية اخرى مشكوك فيها كما هو الحال في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر واخرى تكون القضية الشرطية المزبورة مؤتلفة من قضيتين تكون كل منهما مشكوكا فيها كما هو الحال في موارد دوران الامر بين المتباينين وثالثة تكون تلك القضية جامعة لكلتا الخصوصيتين فهى من جهة تكون مؤتلفة من قضية متيقنة واخرى مشكوك فيها ومن جهة اخرى مؤتلفة من قضيتين مشكوك فيهما و لازم ذلك انحلال العلم الاجمالي إلى علمين اجماليين احد هما من قبيل القسم الاول والثاني من قبيل القسم الثاني (الثالث) ان من القضايا التى قياساتها معها استحالة ان يزاحم ما لا يقتضى خلاف شيئ لما يقتضى ذلك الشيئ (إذا عرفت هذه الامور) فاعلم ان

[ 484 ]

الانحلال في القسم الاول كعدمه في القسم الثاني مما لاريب فيه ولا اشكال (واما القسم الثالث) ففى انحلال العلم الاجمالي فيه وعدمه خلاف وتوهم الانحلال فيه هو الموجب لتوهم الانحلال في المقام (ولكن التحقيق) خلافه وتوضيحه مع التطبيق على المقام انما هو بان يقال انا إذا علمنا بعد المراجعة إلى ما بايدينا من الكتب المعتبرة ان فيها ما يخالف الاصول اللفظية والعملية فكل ما فيها من التكاليف الالزامية والتخصيصات الواردة على العمومات يكون منجزا لا محالة (1) لان المفروض تعلق العلم به بهذا العنوان اعني به


1 - لا يخفى انه إذا كانت التكاليف أو المخصصات المعلوم وجودها اجمالا في الكتب المعتبرة مرددة ايضا بين الاقل والاكثر كان حالها حال التكاليف الواقعية المعلوم وجودها في الشريعة المقدسة في ان العلم الاجمالي المتعلق بها ينحل بالظفر بالمقدار المعلوم وجوده إلى العلم التفصيلي بوجود تلك التكاليف التي ظفر بها والشك البدوى في ثبوت غيرها فكما ان العلم بثبوت التكاليف الواقعية لا يوجب تنجز الزائد على المقدار المتيقن وجوده كذلك العلم بثبوت المخصصات أو التكاليف في الكتب المعتبرة لا يوجب تنجز الزائد على المقدار المعلوم وجوده فيها فإذا ظفرنا بالمقدار المتيقن ثبوته كان الشك في ثبوت الزائد شكا بدويا (واماما) افيد في المتن من كون المعلوم بالاجمال حينئذ ذا علامة وتعين فلا يكون الظفر بالمقدار المتيقن موجبا لانحلال العلم الاجمالي (فيرد عليه) ان كون المعلوم بالاجمال ذا تعين وعلامة انما يمنع من انحلال العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المتيقن إذا لم يكن ماله العلامة والتعين مرددا ايضا بين الاقل والاكثر كما إذا علم بوجود نجس بين أناءات متعددة مردد بين الواحد والازيد وعلم ايضا بنجاسة اناء زيد بخصو صه المعلوم وجوده في ضمن تلك الاناءات فانه إذا علم بعد ذلك وجدانا أو تعبدا بنجاسة احد تلك الاناءات بعينه فهذا العلم وان كان يوجب انحلال العلم الاول المتعلق بوجود النجس في البين المردد بين الاقل والاكثر الا انه لا يوجب ارتفاع اثر العلم الثاني المحتمل انطباق معلومه على كل واحد من الاطراف واما إذا كان ماله العلامة مرددا ايضا بين الاقل والاكثر فلا محالة ينحل العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم فيكون الشك في المقدار الزائد عليه شكا بدويا فإذا كان اناء زيد المعلوم نجاسته بخصوصه في الفرض المزبور مرددا ايضا بين الواحد والازيد ثم علم بعد ذلك بالوجدان أو بالتعبد ان احد الاناءات بعينه هو اناء زيد فلا محالة ينحل العلم فلا يكون الشك في نجاسة غيره من الاناءات من قبيل الشك المقرون بالعلم الاجمالي فتحصل انه لا يصح الاستناد في الحكم بوجوب الفحص عن المخصص أو التكليف عند احتماله إلى العلم الاجمالي بوجود المخصصات أو الاحكام بعد الظفر بالمقدار المعلوم ثبوته فلا بد في اثبات ذلك من اقامة دليل آخر (*)

[ 485 ]

وروده في تلك الكتب وهذا العلم يوجب التنجز بمقدار سعة عنوان متعلقه وعليه فالاحكام والمخصصات الواقعية الموجودة في تلك الكتب بها انها معلومة بهذا العنوان مع قطع النظر عن مقدار كميتها تكون ذات علامة وتعين فلا ينحل العلم بها بالظفر بمقدار يعلم بتحققه من التكاليف والمخصصات في هذه الكتب فان العلم بالتكليف المردد بين الاقل والاكثر انما يكون منحلا إلى العلم بوجود الاقل والشك في وجود الاكثر إذا لم يكن الاكثر طرفالعلم اجمالي آخر متعلق بعنوان لم تلا حظ فيه الكمية واما فيما إذا كان كذلك كما في المقام فلا يكون العلم بوجود الاقل موجبا للانحلال لان غاية الامران العلم بالتكاليف أو المخصصات من جهة تعلقه بما هو مردد بين الاقل والاكثر لا يكون مقتضيا لتنجز الاكثر وذلك لا ينافى تنجزها من جهة تعلقه بماله تعين وعلامه وعليه فكل حكم احتمل المكلف جعله في الشريعة أو كل عام احتمل أن يكون له مخصص يجب الفحص عنه في تلك الكتب لكونه من اطراف العلم الاجمالي المتعلق بماله تعين وعلا مة ولا يفرق في ذلك بين الظفر بالمقدار المتيقن من حيث الكمية والعدد وعدم الظفر به (وبالجملة) المعلوم بالاجمال في محل الكلام وان كان مرددا بين الاقل والاكثر الا ان ذلك بمجرده لا يكفى في عدم تنجز الاكثر بعد تعلق العلم به بعنوان آخر لم تلاحظ فيه الكمية والعدد فغاية ما هناك هو عدم اقتضاء العلم الثاني للتنجز بالاضافة إلى المقدار الزايد على المتيقن لا انه يقتضى عدم التنجز بالاضافة إلى ذلك المقدار فلا يعقل ان يزاحم اقتضاء العلم الاول للتنجز في تمام ما بايدينا من الكتب على ما هو مقتضى المقدمة الثالثة (ونظير ذلك) (1)


1 - قد ظهر مما ذكرناه ان العلم بكون مقدار الدين مضبوطا في الدفتر لا يوجب الفحص بعد الظفر بالمقدار المتيقن ثبوته عن الزائد المحتمل ثبوته فالحكم بوجوب الفحص بعد ذلك مع عدم الاطمينان باشتمال الدفتر على الزائد عن المقدار المعلوم ثبوته لابد من ان يستند فيه إلى دلالة دليل آخر عليه كما ادعى ذلك في موارد الشك في بلوغ المال حد النصاب وفي حصول الاستطاعة للحج ونحو هما ويدل على ما ذكرناه من ان وجوب الفحص عما اشتمل عليه الدفتر من الدين لا يمكن ان يستند إلى العلم بكون مقدار الدين مضبوطا في الدفتر بدعوى انه موجب لتنجز الواقع عليه على ما هو عليه من الكمية انه لو كان مثل هذا العلم المردد متعلقه بين الاقل والاكثر موجبا لتنجز الواقع على ما هو عليه للزم الحكم بوجوب الاحتياط باداء ما يقطع معه بفراغ الذمة واقعا عند عدم التمكن من الرجوع إلى الدفتر لضياعه أو لغير ذلك - (*)

[ 486 ]

ما إذا كنت عالما بانك مديون لزيد بمقدار مضبوط يمكن العلم به تفصيلا بالمراجعة إلى الدفتر فهل يساعد وجدانك على ان تكتفى بمراجعة الدفتر بمقدار يكون فيه القدر المتيقن من الدين وهل عدم الاكتفاء به الا من جهة العلم باشتغال الذمة بمجموع ما في الدفتر الموجب لتنجز الواقع المعنون بهذا العنوان على ما هو عليه في نفس الامر من الكمية و المقدار (فاتضح) مما ذكرناه ان الانحلال يتوقف زائدا على كون المعلوم مرددا بين الاقل والاكثر على ان لا يكون متعلق العلم معنونا بعنوان آخر غير ملحوظ فيه الكمية و العدد واما إذا كان كذلك فلا يعقل فيه الانحلال ويستحيل ان يكون مجرد اليقين بمقدار معين مما يندرج تحت ذلك العنوان موجبا له فانه يستلزم سقوط ما فيه الاقتضاء عن اقتضائه لاجل ما لا اقتضاء فيه وهو غير معقول (واما الوجه) (1) المختص بالمنع من جريان الاصول العملية قبل الفحص عن الحجة فهو ما تقرر في محله من استقلال العقل بذلك فا نه يستقل بان وظيفة المولى ليست الا تشريع الاحكام واظهارها على المكلفين بالطرق العادية ولا يجب عليه تصديه لجميع ماله دخل في الوصول بحيث يجب على المولى ايصال حكمه إلى العبد ولو بغير الطرق العادية إذا امتنع العبد من الاطلاع على تكاليف مولاه كما انه يستقل بان وظيفة العبد انما هو الفحص عن تكاليف المولى التى شرعها واظهرها


- مع انه لا يشك في ان المرجع حينئذ انما هي اصالة البرائة فيستكشف بذلك ان وجوب الفحص على تقدير تسليمه غير مستند إلى وجود العلم الاجمالي وتنجيزه للواقع على ما هو عليه 1 - لا يخفى ان هذا الوجه وان صح الاستدلال به على وجوب الفحص عن التكليف المحتمل وعدم جواز الرجوع إلى الاصل العملي لنفى التكليف المحتمل قبل الفحص عن قيام الحجة عليه الا انه لا يختص بذلك بل يصح الاستدلال بهذا الوجه بعينه على وجوب الفحص عن المخصص المحتمل وجوده ووصول العبد إليه بفحصه لانه إذا كانت سيرة المولى جارية عن بيان احكامه متدرجا واظهارها بالطرق العادية التى يمكن العبدان يصل إليها بفحصه فلا يجوز العقل العمل على طبق ظاهر كلام المولى في عموم الترخيص إذا احتمل العبد وجود مخصص له ووصوله إليه بفحصه عنه في مظان وجوده فالصحيح هو الاستدلال على وجوب الفحص عن المخصص عند احتماله بذلك وبالاخبار الخاصة الدالة على وجوب الفحص عن التكليف المحتمل فانها باطلاقها شاملة لموارد احتمال التخصيص أو التقييد ايضا وسيجيئ ما في استدلال شيخنا الاستاد قدس سره على ذلك بما افاده في الوجه الآتى انشاء الله تعالى (*)

[ 487 ]

بالطرق العادية لئلا يقع في مخالفتها فيهلك من حيث لا يعلم فالعقل لا يرى العبد معذورا في مخالفة تكاليف مولاه الا بعد الفحص بالمقدار اللازم عليه عند العقلاء وعدم الظفر بها واما قبله فيستقل بعدم كون العبد معذورا في المخالفة وبلزوم الفحص عليه ولا فرق في استقلال العقل بذلك بين الظفر بالمقدار المتيقن ثبوته من التكاليف المعلومة اجمالا وعدم الظفر به والملاك في كلتا الصورتين امر واحد (واما الوجه المختص) بالمقام فهو ان حجية اصالة الظهور انما هي لكشفه عن مراد المتكلم وبما انا علمنا بعد مراجعة الادلة الشرعية ان طريقة الشارع قد استقرت على ابراز مقاصده بالقرائن المنفصلة حتى قيل انه لم يوجد عام في الكتاب والسنة الا وقد ورد عليه تخصيص منفصل عنه لا يكون (1) للعمومات الواردة فيهما ظهور تصديقي كاشف عن المراد قبل الفحص عن مخصصاتها وما لم يكن لها ظهور كذلك لا تكون حجة يصح الاعتماد عليها (وبالجملة) حجية العمومات متقومة بجريان مقدمات الحكمة الكاشفة عن عدم دخل قيد آخر في مراد المتكلم فإذا انهدم اساس جريان مقدمات الحكمة بالعلم بان ديدن المتكلم قد جرى على التعويل على قرائن لم تكن تلك العمومات حجة قبل الفحص عن مخصصاتها (فان قلت) على هذا لا يمكن التمسك بتلك العمومات حتى بعد الفحص عن المخصصات لاحتمال تعويل المولى على مخصص لم يصل الينا فماذا يكون موحبا لحجيتها بعد الفحص (قلت) لو كان المدعى هو كشف الظهور عن واقع مراد المتكلم لكان الامر كما ذكرت ضرورة ان ظهور كلام


1 - الاستدلال بهذا الوجه على وجوب الفحص عن المخصص المحتمل وجوده مبنى على الالتزام بالحاجة إلى جريان مقدمات الحكمة في مدخول اداة العموم لاثبات اطلاقه وقد ذكرنا في ما تقدم انه لا حاجة إلى ذلك وان اداة العموم هي بنفسها متكفلة بتسرية الحكم إلى جميع ما يمكن ان ينطبق عليه مدخولها مع انه لو بنى على ذلك لما كان استقرار طريقة الشارع على ابراز مقاصده بالقرائن المنفصلة مانعا من جريان مقدمات الحكمة في مدخول الاداة ومن انعقاد ظهور الكلام في العموم لانك قد عرفت فيما تقدم ان القرينة المنفصلة لا تصادم اصل الظهور وانما تصادم حجيته وعلى ذلك بنينا عدم سراية اجمال المخصص المنفصل إلى العام فلو كان الامر كما ذكره شيخنا الاستاد قدس سره في المقام من انه لا ينعقد الظهور التصديقي للعمومات في محل الكلام الا بعد الفحص عن المخصص للزم الالتزام بسراية اجمال المخصص المنفصل إلى العام وهو خلاف ما بنى عليه قدس سره (*)

[ 488 ]

المتكلم لا يكشف عن واقع مراده مع احتمال اعتقاده على قرينة منفصلة لم تصل إلى المخاطب بفحصه عنها ولذلك لو فرضنا وجود قرائن خفية بين تاجر ووكيله وارسل الوكيل إليه كتابا يشتمل على تعيين اسعار الاجناس ووقع هذا الكتاب بيد تاجر آخر لما رتب عليه اثرا مع احتماله اعتماد الكاتب على تلك القرائن وليس ذلك الا لعدم كشف الظهور مع هذا الاحتمال عن المراد الواقعي النفس الامرى (واما إذا كان المدعى) هو لزوم الحركة على طبق ما يقوله المولى بحيث يصح احتجاج المولى بظهور كلامه على عبده عند عدم اخذه بظاهر كلامه كما يصح احتجاج العبد على المولى بذلك الظهور عند اخذه به وعدم مصادفته للمراد الواقعي فبين الاخذ بالظهور قبل الفحص وبعده فرق واضح فانه إذا علم من الخارج ان المتكلم كثيرا ما يعتمد في ابراز مقاصده على القرائن المنفصلة فقبل الفحص عنها لا يصح للعامل على طبق العمومات ان يحتج بظهورها على المتكلم بها لعدم جريان مقدمات الحكمة في مواردها على الفرض وهذا بخلاف ما إذا تفحص عن القرائن المنفصلة واخذ بظهور تلك العمومات بعده فان له ان يحتج على المولى بذلك الظهور الذي عمل على طبقه فانه حجة في حقه ما لم يجد قرينة على خلافه فإذا فرضنا مخالفة ذلك الظهور للمراد الواقعي فانما هي مستندة إلى عدم القاء المولى كلامه على نحويفى بتمام مراده لا إلى تقصير العبد في فحصه عن بيان المولى لمراده (فتحصل) ان التكاليف الواقعية الشرعية مع العلم بالديدن المزبور تكون متوسطة في التنجز بمعنى ان المخصص بوجوده الواقعي لا يكون حجة على العبد الا إذا كان بحيث يمكن للعبد الوصول إليه بفحصه وهذا احد الموارد التى يكون الحكم فيها متوسطا في التنجز و سيأتي بقية الموارد في محالها انشاء الله تعالى (ثم انه) قد انقدح بما ذكرناه في ضابط حجية الظهور التي هي بمعنى صحة احتجاج المولى على عبده وصحة احتجاج العبد على مولاه بذلك الظهور فساد القول باعتبار الظن الفعلى في الحجية المزبورة كما انه انقدح ايضا انه لا يضر بالحجية المزبورة وجود الظن بارادة خلاف الظاهر ما لم يكن الظن معتبرا وسيجيئ تفصيل ذلك في محل انشاء الله تعالى (هذا كله) في اصل وجوب الفحص واما مقدار الفحص فهل يجب فيه تحصيل القطع أو الاطمينان أو يكفى فيه مطلق الظن بعدم وجود المخصص فيه وجوه اقويها أوسطها لعدم الدليل على جواز الاكتفاء بمطلق الظن

[ 489 ]

ولا على وجوب تحصيل الزائد على مرتبة الاطمينان مضافا إلى ما في الالزام بتحصيل اليقين من العسر والحرج المنفيين في الشريعة المقدسة هذا مع ان بناء العقلاء في امورهم قد جرى على العمل بالاطمينان ودعوى القطع بان الشارع لم يردع عن هذه الطريقة وقررها غير مجازفة ويمكن ان يقال ان ملاحظة طريقة العلماء الاعلام قدس الله تعالى ارواحهم في جمع الاخبار وتصديهم لاستقصائها وتبويبها في مجاميعهم ربما تورث القطع بعدم المخصص بعد المراجعة إلى الابواب المناسبة وعدم وجدان المخصص فيها ولا يضر في ذلك تقطيع الاخبار الصادر عنهم كما لا يخفى فصل هل الخطابات الشفاهية مثل يا ايها المؤمنون يختص بالحاضرين مجلس التخاطب أو يعم غيرهم من الغائبين بل المعدومين فيه خلاف وقبل الخوض في بيان المقصود ينبغى تقديم امور (الاول) ان موضوع البحث انما هو ما إذا كان الكلام التكفل ببيان الحكم مشتملا على اداة من ادوات الخطاب واما ما لم يكن مشتملا عليها كما إذا ورد ان المؤمنين يجب عليهم كذا فلا اشكال في عمومه للحاضر والغائب والمعدوم على نحو واحد (الثاني) انه ربما يقال ان البحث في محل الكلام عقلي والكلام انما هو في امكان المخاطبة مع المعدوم واستحالته وقد يقال ان البحث لفظي والكلام انما هو في عموم ادوات الخطاب بحسب الوضع وعدم عمومها والحق ان البحث انما هو عن كل من الجهتين ولا اختصاص له بواحدة منهما (1) (الثالث) ان ثمرة البحث انما تظهر في شمول الحكم للغائبين بل للمعدومين بنفس الخطاب بناء على عدم اختصاص الخطاب بالمشافهين واما إذا قلنا باختصاصه بهم فنحتاج في تسرية منهم إلى غيرهم إلى التمسك بذيل قاعدة الاشتراك في


1 - الظاهر ان النزاع في المقام منحصر بالنزاع في عموم ادوات الخطاب بحسب الوضع و عدم عمومها فان توجيه الخطاب الانشائى إلى المعدوم فضلا عن الغائب لا ينبغى الاشكال في جوازه كما ان توجيه الخطاب الحقيقي إلى الحاضر غير الملتفت فضلا عن الغائب أو المعدوم لا ينبغى الشك في عدم جوازه فالنزاع انما هو في ان ادوات الخطاب هل هي موضوعة للخطاب الحقيقي لئلا يشمل الخطاب للغائب أو المعدوم أو انها موضوعة للخطاب الانشائى لئلا يختص بالحاضرين مجلس التخاطب

[ 490 ]

التكليف وهي انما تجرى مع الاتحاد في الصنف فلو احتملنا اختصاص الحكم بالحاضرين مجلس الخطاب أو الموجودين في المدينة أو في عصر النبي صلى الله عليه وآله لما امكننا تسرية الحكم منهم إلى غيرهم نعم احتمال الاختصاص بالحاضرين في المسجد أو المدينة في غاية البعد ولكن احتمال الاختصاص بالموجودين في زمان الحضور بمكان من الامكان فنحتاج في تسرية الحكم منهم إلى غيرهم إلى التمسك بقاعدة الاشتراك في التكليف التى لا تجرى مع الاختلاف في الصنف (واما توهم) انه تبتنى الثمرة المزبورة على قول المحقق القمى (قده) اعني به اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه بتقريب انه إذا قلنا بعموم حجية الظواهر للمقصود بالافهام وغيره فالخطاب وان بنينا على اختصاصه بالحاضرين و قد قصد به افهامهم الا انه حجة في حق الغائبين والمعدومين ايضا فلا تبقى ثمرة لهذا البحث اصلا (فهو مدفوع) بان حجية الظواهر وان قلنا بعمومها لغير من قصد افها مه كما هو الصحيح الا ان الخطاب إذا كان مختصا بالمشافهين احتجنا في تسرية الحكم المتكفل به الخطاب إلى غيرهم إلى التمسك بالقاعدة المزبورة التى لا تجرى في فرض الاختلاف في الصنف كما عرفت ولاجل ذلك كان النزاع في عموم الخطابات للغائبين أو المعدومين متحققا بين العلماء قبل حدوث القول باختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه (وبالجملة) إذا فرضنا اختصاص الحكم المتكفل به الخطاب بالمشافهين كما هو لازم القول باختصاص الخطاب بهم سواء قلنا باختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه ام قلنا بعمومها لغيره فلا محالة نحتاج في اثبات الحكم لغير المشافه إلى دليل آخر واما إذا فرضنا عموم الخطاب بنفسه للمعدومين فضلا عن الغائبين كان عموم الحكم لغير الحاضرين على طبق القاعدة فيحتاج اثبات الاختصاص بالمشافهين إلى دليل آخر وهذه ثمرة مهمة جدا وليت شعرى كيف غفل المتوهم (قده) عن ذلك وبنى على ان ثمرة البحث انما تظهر على قول المحقق القمى (قده) فقط. إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام يقع تارة في القضايا الخارجية التى حكم فيها على اشخاص مخصوصين واخرى في القضايا الحقيقية التى حكم فيها على الموضوعات المقدر وجودها (اما القضايا الخارجية) فالحق فيها ان يقال باختصاص الخطاب بالمشافهين فان خطاب الغائب فضلا عن المعدوم يحتاج إلى تنزيل وعناية وظهور الخطاب في انه بلا عناية

[ 491 ]

يدفع احتمالها (واما القضايا الحقيقية) كما هو محل الكلام فالصحيح فيها هو القول بعموم الخطاب للمعدوم والغائب والحاضر على نهج واحد فكما ان الحكم في القضايا الحقيقية بحسب مقام الثبوت يعم الغائبين والمعدومين كذلك الخطاب في مقام الاثبات يعمهما ايضا ضرورة أن توجيه الخطاب إلى الغائب أو المعدوم لا يحتاج إلى ازيد من تنزيلهما منزلة الموجود (1) وهذا التنزيل انما هو مقوم كون القضية حقيقية لا انه امر زايد عليه ليكون مدفوعا بالاصل (والحاصل) ان الخصم لو امكنه منع صحة استعمال أدوات الخطاب في القضايا الحقيقية بان يدعى وضعها لان تستعمل في خصوص القضايا الخارجية لكان لدعوى اختصاص الخطابات المشافهين مجال واسع لكن هذه الدعوى واحتمال اختصاص صحة الاستعمال بالقضايا الخارجيه مما يكذبها الوجدان ومع تسليم


1 - لا يخفى ان كون القضية حقيقية وان كان يقتضى بنفسه فرض الموضوع موجودا أو الحكم على الموضوع المفروض وجوده الا ان ذلك لا يكفى في شمول الخطاب للمعدومين ضرورة ان مجرد وجود الموضوع خارجا لا يكفى في توجيه الخطاب إليه بل لا بد فيه من فرض وجوده مجلس التخاطب والتفاته إلى الخطاب والاصح خطاب الغائب في القضية الخارجية بلا عناية و هو خلاف المفروض فالصحيح في تقريب عدم اختصاص الخطاب بالحاضرين مجلس التخاطب هو ان ادوات الخطاب حسب ما ندركه من مفاهيمها عند استعمالاتها غير موضوعة للخطاب الحقيقي وانما وضعت للخطاب الانشائى واظهار توجيه الكلام نحو مدخولها بداع من الدواعى فلا مانع من شمولها للغايب بل المعدوم بعد فرضه منزلة الموجود كما هو لا زم كون القضية حقيقية هذا مضافا الا ان لازم القول باستعمالها في الخطاب الحقيقي في موارد استعمالها في الخطابات الشرعية هو اختصاص الخطاب بالحاضرين مجلس التخاطب وعدم شموله للغائبين فضلا عن المعدومين وذلك مما يقطع بعدمه لان اختصاص الخطاب بالمدركين لزمان الحضور وان كان محتملا في نفسه الا انه لا يحتمل اختصاصه بالحاضرين في المسجد قطعا فلا مناص حينئذ من الالتزام باستعمالها في الخطاب الانشائى ولو كان ذلك بالعناية فيشمل الخطاب المعدومين ايضا بعد تنزيلهم منزلة الموجود على ما هو لازم كون القضية حقيقية هذا كله على تقدير كون الخطابات القرآنية خطابا من الله تبارك وتعالى بلسان رسول الله صلى الله عليه وآله إلى امته واما إذا قلنا بانها نزلت عليه قبل قرائته صلى الله عليه وآله فبما ان المفروض انه لم يكن حال نزولها من يتوجه اليد الخطاب حقيقة يكون النزاع في اختصاصها بالحاضرين مجلس التخاطب وعمومها للغائبين بل المعدومين باطلا من اصله كما هو ظاهر (*)

[ 492 ]

صحة الاستعمال في القضايا الحقيقية لا يبقى لاحتمال الاختصاص بالمشافهين وجه اصلا فصل إذا عقب العام بضمير يرجع إلى بعض افراده فلا محالة يدور الامر بين التصرف في ناحية العام بتخصيصه والتصرف في ناحية الضمير بالالتزام بالاستخدام فيه وهذا كما في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بانفسهن إلى قوله تعالى وبعولتهن احق بردهن حيث ان كلمة المطلقات تعم الرجعيات وغيرها وان المراد بالضمير في قوله تعالى وبعولتهن انما هو خصوص الرجعيات فيدور الامر بين تخصيص المطلقات بالرجعيات والالتزام بالاستخدام في ناحية الضمير وقد اختلفت كلمات الاعلام في المقام فمنهن من قال بتقدم اصالة العموم فالتزم بالثاني ومنهم من قال بتقدم اصالة عدم الاستخدام فالتزم بالتخصيص ومنهم من قال بعدم جريان اصالة عدم الاستخدام وعدم جريان اصالة العموم اما عدم جريان اصالة عدم الاستخدام فلاختصاص مورد جريانها بما إذا كان الشك في المراد فلا تجرى فيما إذا شك في كيفية الارادة مع القطع بنفس المراد كما هو الحال في جميع الاصول اللفظية واما عدم جريان اصالة العموم فلا كتناف الكلام بما يصلح للقرينة فيسقط كلا الاصلين عن درجة الاعتبار والتحقيق (1) ان يقال بجريان اصالة العموم وعدم جريان اصالة عدم الاستخدام من وجوه (الاول) ان لزوم الاستخدام في ناحية الضمير كأن يراد بالمطلقات في الاية المباركة معناها العام وبالضمير الراجع إليها خصوص الرجعيات منها انما يبتنى على ان يكون العام المخصص مجازا لانه على ذلك يكون للعام معنيان احدهما معنى حقيقي وهو جميع ما يصلح ان ينطبق عليه مدخول أداة العموم وثانيهما معنى مجازى وهو الباقي من افراده بعد تخصيصه فإذا اريد بالعام معناه الحقيقي وبالضمير الراجع إليه معناه المجازى لزم الاستخدام واما إذا قلنا بان تخصيص العام لا يستلزم كونه مجازا كما هو الصحيح


1 - بل التحقيق هو القول بجريان اصالة عدم الاستخدام ورفع اليد بها عن اصالة العموم وستعرف سر ذلك بعيد هذا كما ستعرف ان الاية المباركة المزبورة وما يكون نظيرها مما لم يستعمل الضمير فيها في بعض الافراد وانما استعمل في العموم غاية الامر انه قامت القرينة في الخارج على اختصاص الارادة الجدية ببعض الافراد خارجة عن موضوع البحث بالكلية. (*)

[ 493 ]

فلا يكون للعام الا معنى واحد حقيقي وليس له معنى آخر حقيقي أو مجازى ليراد بالضمير الراجع إليه معنى مغاير لما اريد من نفسه ليلزم الاستخدام في الكلام (1) (الثاني) انا ولو سلمنا كون العام المخصص مجازا الا ان اصالة عدم الاستخدام انما تجرى فيما إذا شك في ما اريد بالضمير بان يتردد امره بين أن يكون المراد به هو نفس ما اريد من مرجعه وان يكون المراد به معنى آخر غير ذلك المعنى سواء كان المعنيات كلاهما حقيقيين ام كان كلاهما مجازيين ام كان احد هما حقيقيا والاخر مجازيا واما فيما إذا علم ما اريد بالضمير وشك في الاستخدام وعد مه لاجل الشك فيما اريد بالمرجع فلا مجال لجريان اصالة عدم الاستخدام اصلا وعلى ذلك فيما ان المراد بالضمير في محل الكلام معلوم (2) وانما الشك فيما اريد بمرجعه لا تجرى اصالة عدم الاستخدام في نفسها ولو مع قطع النظر عن معارضتها باصالة العموم (فان قلت) ان اصالة عدم الاستخدام وان لم تجر بالاضافة إلى نفى الاستخدام في نفسه لعدم ترتب الاثر عليها بعد معلومية المراد كما ذكر الا انها تجرى بالاضافة إلى اثبات لازم عدم الاستخدام اعني به ارادة الخاص من العموم ونظير المقام ما إذا لاقى البدن ثوبا مثلا مع الرطوبة ثم


1 - لا يذهب عليك ان تخصيص العام وان لم يستلزم كونه مجازا الا ان ظاهر الكلام هو اتحاد المراد من الضمير وما يرجع إليه فارادة جميع الافراد من العام وارادة بعضها من الضمير الراجع إليه خلاف الظاهر وهذا هو المراد من اصالة عدم الاستخدام 2 - المراد بالضمير في محل الكلام وان كان معلوما الا أن المدعى لجريان عدم الاستخدام لا يدعى ظهور نفس الضمير في شيئ ليرد عليه ما افيد في المتن من عدم جريان اصالة الظهور عند العلم بالمراد والشك في كيفية الارادة بل انما هو يدعى ظهور الكلام بسياقه في اتحاد المراد بالضمير ومرجعه وبما ان المراد بالضمير في محل الكلام معلوم يدور الامر بين رفع اليد عن الظهور السياقى المثبت لعدم ارادة العموم من العام ورفع اليد عن اصالة العموم المقتضية للالتزام بالاستخدام وعليه فالظاهر في مثل ذلك حسب المتفاهم العرفي هو تقديم اصالة عدم الاستخدام ورفع اليد عن اصالة العموم بل لو دار الامر بين رفع اليد عن اصالة عدم الاستخدام ورفع اليد عن ظهور اللفظ في كون المراد به المعنى الحقيقي لزم رفع اليد عن الثاني وحمل اللفظ على معناه المجازى ففى مثل قولنا رأيت اسدا وضربته يتعين حمل لفظ اسد على معناه المجازى إذا علم انه هو المراد بالضمير الراجع إليه (*)

[ 494 ]

خرج الثوب عن محل الابتلاء وعلم بنجاسة ذلك الثوب قبل تحقق الملاقاة مع الشك في عروض المطهر له إلى حال الملاقات فانه لا ريب في أنه يحكم بالفعل بنجاسة البدن الملاقى لذلك الثوب وان كان نفس الثوب خارجا عن محل الابتلاء أو معدوما في الخارج فاستصحاب نجاسة الثوب وان كان لا يجرى لاجل التعبد بنجاسة نفس الثوب لان ما هو خارج عن محل الابتلاء أو معدوم في الخارج غير قابل لان يتعبد بنجاسته في نفسه الا انه يجرى باعتبار الاثر اللازم لمجربه اعني به نجاسة البدن في المثال فكما ان الاصل العملي يجرى لاثبات ما هو لازم مجريه وان لم يكن المجرى في نفسه قابلا للتعبد كذلك الاصل اللفظى يجرى لاثبات لوازم مجريه وان لم يكن المجرى في نفسه موردا للتعبد وعليه فلا مانع من جريان اصالة عدم الاستخدام لاثبات لازم مجريها اعني به ارادة الخاص مما يرجع إليه الضمير في محل الكلام (قلت) قياس الاصل اللفظى بالاصل العملي في ما ذكر قياس مع الفارق لان الاصل العملي انما يجرى لاثبات الاثار الشرعية ولو بالف واسطة فالتعبد بنجاسة الثوب الخارج عن محل الابتلاء في المثال المزبور هو نفس التعبد بنجاسة البدن الملاقى له فمع وجود اثر شرعى لجريان الاصل في الجملة ولو بنحو الموجبة الجزئية يكون الاصل جاريا لا محالة وهذا بخلاف المقام فان ارادة الخاص من العام ليست من آثار عدم الاستخدام شرعا بل انما هي من لوازمه عقلا والاصل المثبت وان كان حجة في باب الاصل اللفظية الا انه من الواضح ان اثبات لازم عقلي باصل فرع اثبات ملزومه فالاصل اللفظى إذا لم يمكن اثبات الملزوم به لم يمكن اثبات لازمه به ايضا لانه فرعه وبتيعه. (الثالث) انه لو سلمنا جريان اصالة عدم الاستخدام مع العلم بالمراد الا انها انما تجرى فيما إذا كان الاستخدام من جهة عقد الوضع كما إذا قال المتكلم رأيت اسد أو ضربته وعلمنا ان مراده بالضمير هو الرجل الشجاع واحتملنا ان يكون المراد بلفظ الاسد الحاكى عما وقع عليه الرؤية هو الرجل الشجاع ايضا لئلا يلزم الاستخدام وأن يكون المراد به الحيوان المفترس ليلزم ذلك ففى مثل ذلك نسلم جريان اصالة عدم الاستخدام فيثبت بها ان المراد بلفظ الاسد في المثال هو الرجل الشجاع دون الحيوان المفترس واما في المقام فليس ما استعمل فيه الضمير هي خصوص الرجعيات بل الضمير قد استعمل فيما استعمل فيه مرجعه اعني به لفظ المطلقات في الاية المباركة فالمراد بالضمير فيها انما هو مطلق المطلقات وانما اريد الرجعيات

[ 495 ]

بدال آخر اعني به عقد الحمل (1) الدال على كون الزوج احق برد زوجته فما استعمل فيه الضمير هو بعينه ما استعمل فيه المرجع فاين الاستخدام في الكلام لتجرى اصالة عدمه فتعارض بها اصالة العموم (بقى الكلام) فيما توهم من عدم جريان اصالة العموم في المقام لتوهم انه من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية (والتحقيق) فساد هذا التوهم لان الملاك في باب اكتناف الكلام بما يصلح القرينية انما هو اشتمال الكلام على لفظ مجمل من حيث المفهوم الافرادى أو التركيبي بحيث لو اتكل عليه المولى في مقام بيان مراده لما كان محلا بمراده كما في لفظ الفساق الواقع في قضية اكرم العلماء الافساقهم المردد امره


1 - ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من كون الضمير في الاية المباركة مستعملا في العموم و ان كان صحيحا لا ينبغى الريب فيه لان قيام دليل خارجي على ان بعض اقسام المطلقات لا يجوز الرجوع في طلاقهم لا يكشف عن استعمال الضمير في خصوص قسم خاص من المطلقات اعني به الرجعيات كما حققنا الحال في ذلك عند البحث عن عدم استلزام التخصيص لكون العام مجازا الا ان ما افاده قدس سره من كون الدال على اختصاص الحكم بالرجعيات هو عقد الحمل المذكور في الاية المباركة اعني به قوله تعالى احق بردهن الدال على كون الزوج احق برد زوجته غير صحيح وذلك لوضوح ان المستفاد من الاية المباركة هو ثبوت الحكم المذكور فيها لجميع المطلقات وعدم اختصاصه بقسم خاص منها فليس في الاية المباركة ما يدل على عدم ثبوت هذا الحكم لبعض المطلقات وانما ثبت ذلك بدليل خارجي ولاجل ذلك كان حاله حال المخصص المنفصل في انه لا يستلزم ان يكون اللفظ مستعملا في خصوص ما ثبت له الحكم واقعا فتحصل من جميع ما ذكرناه انه إذا علم استعمال الضمير الراجع إلى العام في خصوص بعض اقسامه فدار الامر بين الالتزام بالاستخدام ورفع اليد عن اصالة العموم كان اللازم هو رفع اليد عن اصالة العموم وابقاء ظهور الكلام في عدم الاستخدام على حاله لكن الاية المباركة وما يكون مثلها خارجة عن هذا الموضوع لان ما هو المعلوم من الخارج انما هو اختصاص الحكم المذكور في الاية المباركة بقسم خاص من المطلقات واما استعمال الضمير الراجع إلى العام في خصوص ذلك القسم فهو غير معلوم فلا موجب لرفع اليد عن اصالة العموم أو عن اصالة عدم الاستخدام اصلا هذا والظاهر انه لم يوجد في القضايا المتكفلة ببيان الاحكام الشرعية مورد يدور الامر فيه بين رفع اليد عن اصالة العموم ورفع اليد عن اصالة عدم الاستخدام وعليه فلا تترتب على البحث في هذه المسألة ثمرة مهمة كما لا يخفى. (*)

[ 496 ]

بين ان يراد به خصوص مرتكبي الكبيرة وان يراد به الاعم منهم ومن مرتكبي الصغيرة وكما في الاستثناء المتعقب لجمل متعددة المحتمل رجوعه إلى كلها ورجو عه إلى خصوص الاخيرة منها على اشكال في ذلك سيجيئ بيانه عن قريب انشاء الله تعالى واما في المقام فلا ريب في ان الجملة المشتملة على الضمير انما هي متكلفة ببيان حكم آخر غير الحكم الذي تكفلت ببيانه الجملة المشتملة على العام فلو كان المولى اراد من العام خصوص بعض افراده واتكل في بيان ذلك على العلم بارادة ذلك الخاص في الجملة الاخرى لكان مخلا ببيانه وعليه فلا يصح ذلك لكونه قرينة على ارادة الخاص فتبقى اصالة العموم حينئذ بلا مزاحم. فصل إذا تعقب الاستثناء جملا متعددة وامكن رجوعه إلى جميعها كما في قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا إلى آخر الاية فهل الظاهر رجوعه إلى الجميع أو إلى خصوص الجملة الاخيرة أو لا ظهور له في شيئ منهما فلا بد في تعيين احد هما من قرينة اخرى فيه وجوه اقوال (والتحقيق) في ذلك هو التفصيل (1) بان يقال ان من الواضح


1 - الصحيح في تقريب التفصيل في المقام ان يقال ان تعدد الجمل المتعقبة بالاستثناء اما ان يكون بتعدد خصوص موضوعاتها أو بتعدد خصوص محمولاتها أو بتعدد كليهما وعلى الاولين فاما ان يتكرر ما بتعدده تعدد القضية في الكلام أو لا يتكرر فيه ذلك فالاقسام خمسة اما القسم الاول اعني به ما تعددت فيه القضية بتعدد موضوعاتها ولم يتكرر فيه عقد الحمل كما إذا قيل اكرم العلماء والاشراف والشيوح الا الفساق منهم فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى الجميع لان القضية في مثل ذلك وان كانت متعددة صورة الا انها في حكم قضية واحدة قد حكم فيها بوجوب اكرام كل فرد من الطوائف الثلاث الا الفساق منهم فكأنه قيل اكرم كل واحد من هذه الطوائف الا من كان منهم فاسقا واما القسم الثاني اعني به ما تعددت فيه القضية بتعدد موضوعاتها مع تكرر عقد الحمل فيه كما إذا قيل اكرم العلماء والاشراف واكرم الشيوخ الا الفساق منهم فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة المتكرر فيها عقد الحمل وما بعدها من الجمل لو كانت لان تكرار عقد الحمل - (*)

[ 497 ]

انه لابد من رجوع الاستثناء على عقد الوضع لا محالة وعليه فاما أن يكون عقد الوضع مكررا في الجملة الاخيرة كما في مثل الاية المباركة أو لا يكون كذلك بل يختص ذكر عقد الوضع بصدر الكلام كما إذا قيل اكرم العلماء واضفهم واطعمهم الا فساقهم (اما القسم الثاني) اعني به ما لا يكون عقد الوضع مذكورا فيه الا في صدر الكلام فلا مناص فيه عن الالتزام برجوعه إلى الجميع لان المفروض ان عقد الوضع فيه لم يذكره الا في صدر الكلام وقد عرفت انه لابد من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع فلا بد من رجوعه إلى الجميع واما كون العطف في قوة التكرار فهو وان كان صحيحا الا انه لا يوجب وجود عقد وضع آخر في الكلام ليكون صالحا لرجوع الاستثناء إليه (واما القسم الاول) اعني به ما يكون عقد الوضع فيه مكررا فالظاهر فيه هو رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الاخيرة لان تكرار عقد الوضع في الجملة الاخيرة مستقلا يوجب اخذ الاستثناء محله من الكلام فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الاخيرة إلى دليل آخر مفقود على الفرض (واما) توهم كون المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينة (فهو غير صحيح) لان المولى لو اراد تخصيص الجميع ومع ذلك قد اكتفى في مقام البيان بذكر استثناء واحد مع تكرار عقد الوضع في الجملة الاخيرة لكان مخلا ببيانه إذ بعد اخذ الاستثناء محله من الكلام بذكر عقد الوضع في الجملة الاخيرة لا يكون موجب لرجوعه إلى الجميع (ومما ذكرناه) يظهر انه لو كرر عقد الوضع في وسط الجمل المتعددة للزم رجوع الاستثناء إليه فتخصص الجملة المشتملة عليه والجمل المتأخرة عنها وتبقى الجمل السابقة عليها على عمومها وبما ذكرناه يمكن الجمع بين كلمات الاصحاب في المقام فمن ذهب إلى رجوعه إلى الجملة الاخيرة فقد نظر إلى مثل الاية المباركة التي كرر فيها عقد الوضع في الجملة


- في الكلام قرينة على قطع الكلام عما قبله وبذلك يأخذ الاستثناء محله من الكلام فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة المتكرر فيه عقد الحمل إلى دليل آخر مفقود على الفرض واما القسم الثالث والرابع اعني بهما ما تعددت فيه القضية بخصوص تعدد محمولاتها مع تكرر عقد الوضع في احدهما وعدم تكرره في الاخر فيظهر الحال فيهما مما افيد في المتن واما القسم الخامس اعني به ما تعددت القضية فيه بكل من الموضوع والمحمول كما إذا قيل اكرم العلماء وجالس الاشراف الا الفساق منهم فالظاهر فيه رجوع الاستثناء إلى خصوص الاخيرة ويظهر الوجه في ذلك مما تقدم (*)

[ 498 ]

الاخيرة ومن ذهب إلى رجوعه إلى الجميع فقد نظر إلى الجمل التي لم يذكر عقد الوضع فيها الا في صدر الكلام فيكون النزاع في الحقيقة لفظيا فصل إذا تعارض العموم والمفهوم ففى تقديم المفهوم عليه وعد مه خلاف وقبل الخوض في تحقيق ذلك لابد من تمهيد مقد مة وهى ان المفهوم ينقسم إلى المفهوم الموافق و المفهوم المخالف والمراد بالاول هو ما إذا توافق المفهوم والمنطوق في الايجاب أو السلب كما ان المراد بالثاني هو مااذا تخالف المفهوم والمنطوق في ذلك ثم ان المفهوم الموافق يكون على نحو الاولوية تارة على نحو المساواة اخرى (والاول) انما يتحقق فيما إذا كانت الاولوية من المدركات العقلية واما إذا كانت عرفية كما في قوله تعالى ولا تقل لهما اف الدال على حرمة ضرب الوالدين مثلا بالدلالة العرفية فالمدلول خارج عن المفهوم وداخل (1) في المداليل اللفظية العرفية (واما الثاني) فهو يتحقق غالبا فيما إذا كانت علة الحكم منصوصة ونعنى به ما إذا كانت العلة المذكورة فيه واسطة في العروض لثبوت الحكم للموضوع المذكورة في القضية بان يكون الموضوع الحقيقي هو العنوان المذكور في التعليل ويكون ثبوته للموضوع المذكور من جهة انطباق ذلك العنوان عليه كما في قضية لا تشرب الخمر فانه مسكر فانها ظاهرة في ان موضوع الحرمة فيها انما هو عنوان المسكر وحرمة الخمر انما هي من جهة انطباق ذلك العنوان عليه فيسرى الحكم حينئذ إلى كل مسكر فلا تبقى للخمر خصوصية في الحكم المذكور في القضية واما إذا كانت العلة المذكورة في القضية واسطة في الثبوت ومن قبيل دواعى جعل الحكم على موضوعه من دون أن تكون هو الموضوع في الحقيقة كما في قضية لا تشرب الخمر لاسكاره فانها ظاهرة في ان موضوع الحرمة فيها انما هو نفس الخمر غاية الامران الداعي إلى جعل الحرمة عليها انما هو اسكارها فلا يسرى الحكم إلى غير الموضوع المذكور في القضية مما يشترك معه في العلة المذكورة


1 - قد تقدم من شيخنا الاستاد قدس سره الاعتراف بأن المفهوم داخل في المداليل اللفظية فلا وجه لما افاده في المقام من خروج ما إذا كانت الاولوية عرفية من المفهوم الموافق بالاولوية (*)

[ 499 ]

فيها إذ يحتمل (1) حينئذ ان تكون في خصوص العلة المذكورة في القضية خصوصية داعية إلى جعل الحكم على الموضوع المذكور فيها وان لا تكون هذه الخصوصية موجودة في غيرها مما يشترك معها في الحقيقة والعنوان فإذا احتمل في خصوص اسكار الخمر مثلا خصوصية داعية إلى جعل الحرمة عليها لم يمكن الحكم بحرمة غيرها مما يشترك معها في اثر الاسكار وهذا الذي ذكرناه هو الميزان في تسرية الحكم من الموضوع المذكور في القضية إلى غيره وعدمها (وقد يتحقق المفهوم) بالمساواة في غير منصوص العلة فيما إذا احرز مناط الحكم المذكور في القضية من الخارج يقينا فيحكم بسراية الحكم إلى كل مورد تحقق فيه مناط الحكم وهذا القسم نادر التحقق جدا إذ الغالب في مناط الحكم ان لا يكون قطعيا وإذا لم يكن المناط قطعيا كانت تسرية الحكم من موضوعه إلى غيره داخلة في القياس المعلوم عدم حجيته إذا عرفت ذلك فالكلام يقع تارة في المفهوم الموافق واخرى في المفهوم المخالف. (اما الكلام) في المفهوم الموافق فهو يقع تارة في المفهوم الموافق على نحو الاولوية واخر في المفهوم الموافق على نحو المساواة (اما المفهوم) الموافق على نحو الاولوية


1 - لا يخفى ان هذا الاحتمال انما هو على خلاف ما هو المرتكز في اذهان العرف من دوران كل حكم مدار علته ومن ان العلة المذكورة في الكلام هي بنفسها علة للحكم مع قطع النظر عن خصوصية قيامها بالموضوع المذكور في القضية ضرورة انه لا يشك اهل العرف في ان المستفاد من قوله عليه السلام ان الله لم يحرم الخمر لاسمه وانما حرمه لاسكاره انما هي حرمة كل مسكر من دون دخل لقيام الاسكار بالخمر في الحكم بالحرمة اصلا هذا مع انه لو كان احتمال دخل خصوصية المورد في الحكم مانعا من انعقاد ظهور الكلام في دوران الحكم مدار علته المذكورة فيه لجرى ذلك فيما إذا كان تعليل النهى عن شرب الخمر بكونه مسكرا إذ من المحتمل فيه ايضا أن يكون في صدق المسكر على خصوص الخمر خصوصية تقتضي حرمته ولا تكون هذه الخصوصية موجودة في غيره وبالجملة لا نشك في ان ما يستفاد عند اهل العرف من قضية لا تشرب الخمر لانه مسكر بعينه هو المستفاد من قضية لا تشرب الخمر لاسكاره فان كان المستفاد من الاولى ثبوت الحرمة لكل مسكر كما هو الظاهر كان المستفاد من الثانية هو ذلك وان لم يكن المستفاد من الثانية عموم الحكم لكل مسكر لم يستفد عمومه لكل مسكر من القضية الاولى ايضا وعليه فلا وجه لما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من التفصيل وجعل العلامة المذكورة في الكلام من قبيل الواسطة في العروض في احد القسمين ومن قبيل الواسطة في الثبوت في القسم الاخر (*)

[ 500 ]

فربما يقال فيه (1) بان المعارض للعام ان كان هو نفس المفهوم بمجرده فلا بد من تقديم المفهوم عليه مطلقا سواء كانت النسبة بينهما بالعموم من وجه ام كانت بالعموم والخصوص على الاطلاق فان رفع اليد عن المفهوم مع عدم التصرف في المنطوق مع ان المفروض لزومه له بنحو الاولوية امر غير ممكن واما رفع اليد عن المنطوق والتصرف فيه مع عدم كونه معارضا للعموم فلا وجه له وعليه فيتعين التصرف في العموم وتخصيصه بغير مورد المفهوم لا محالة (ولكن التحقيق) ان المفهوم إذا كان معارضا للعموم امتنع ان لا يكون المنطوق معارضا له ايضا والسر فيه ان دليل الحكم الثابت في المنطوق كما انه يثبت حكما آخر بالاولوية كذلك الدليل الدال بعموم على نفى الحكم الثابت بالمفهوم يدل على نفى الحكم الثابت بالمنطوق على نحو الاولوية ايضا ضرورة ان ثبوت الملزوم كما يستلزم ثبوت لازمه كذلك نفى اللازم يستلزم نفى ملزومه فترجع المعارضة بين المفهوم والعموم بالاخرة إلى المعارضة بين المنطوق والعموم وعليه فان كان المنطوق اخص مطلقا من العموم كما إذا ورد لا تكرم الفساق وورد اكرم فساق خدام العلماء الدال بمفهو مه على وجوب اكرام العلماء انفسهم فلا محالة يقدم المفهوم على العموم ولو كانت النسبة بينهما بالعموم من وجه والوجه في ذلك انه لا يمكن التصرف في المفهوم نفسه من دون التصرف في المنطوق على ما مر بيانه كما انه لا يمكن التصرف في مفروض الكلام في المنطوق لكونه اخص فينحصر الامر بالتصرف في العموم وابقاء المفهوم على عمومه فيكون المقام من جملة الموارد التي لابد فيها من تقديم احد العامين من وجه لاجل وجود المرجح فيه على الاخر الفاقد للترجيح كما إذا كان فرض ان الباقي تحت احد العامين بخصوصه على فرض تخصيصه بالعام الاخر بمقدار يستهجن التخصيص إلى ذلك المقدار فان ذلك يكون مرجحا له وموجبا لتقد مه على الاخر (واما إذا كانت) النسبة بين المنطوق والعموم ايضا نسبة العموم من وجه كما إذا كان المنطوق في مفروض المثال اكرم خدام العلماء فان قدم حينئذ المنطوق على العموم في مورد التعارض ودخل بذلك الخادم الفاسق للعالم في موضوع وجوب الاكرام كان المفهوم الثابت بالاولوية القطعية


(1) لو تم هذا القول ابرى بينه في المفهوم الموافق على نحو الاولوية لجرى ذلك بعينه في المفهوم الموافق على نحو المساواة ايضا والملاك فيهما من جهة التقديم على العموم على تقدير صحته شيئى واحد فلا وجه للتفكيك بينهما في البحث والتكلم في حكم معارضة المفهوم الموافق على نحو الاولوية للعام تارة والتكلم في حكم معارضة المفهوم الموافق على نحو المساواة اخرى (*)

[ 501 ]

مقدما على العموم ايضا واما إذا قدم العموم على المنطوق وخرج الخادم الفاسق عن موضوع وجوب اكرام خدام العلماء واختص الوجوب باكرام الخدام العدول لم يثبت الاولوية الا وجوب اكرام العدول من العلماء دون فساقهم هذا هو حق القول في المفهوم بالاولوية. (واما المفهوم) الموافق على نحو المساواة فيظهر الحال فيه على قسميه مما ذكر في المفهوم الموافق على نحو الاولوية فانه إذا كانت النسبة بين منطوق الكلام المستفاد منه المفهوم وماله العموم نسبة العموم والخصوص مطلقا قدم المفهوم على العمومات ولو كانت النسبة بين انفسهما نسبة العموم والخصوص من وجه واما إذا كانت النسبة بين المنطوق وماله العموم نسبة العموم من وجه فيأتى فيه التفصيل المتقدم (واما المفهوم المخالف) فالنسبة بينه وبين العام المعارض له قد تكون نسبة الحاضر إلى العام وقد تكون نسبة أحد العامين من وجه إلى العام الاخر (اما الاول) اعني به ما إذا كان المفهوم اخص من العام فالمستفاد من ظاهر كلام الشيخ العلامة الانصاري (قده) التفصيل فيه بين ما إذا كان العموم غير آب عن التخصيص فيقدم المفهوم عليه وما إذا كان آبيا عنه فيقدم العموم على المفهوم ولاجل ذلك بنى (قده) على تقدم عموم العلة في اية النبأ المستفاد منها المنع من اتباع غير العلم على مفهوم الاية الدال على حجية خير العادل فان قبح اصابة القوم بجهالة غير قابل لان يختص بمورد دون مورد واما بالنسبة إلى بقية العمومات الناهية عن العمل بالظن فقد بنى (قده) على تقدم المفهوم عليها وخروج خبر العادل الواحد لاجل حجيته عن موضوع تلك العمومات اعني به الظن وعدم العلم بالواقع وانت خبير بما في كلا مه (قده) صدورا وذيلا وذلك لانه كما يمكن ان يقال ان قبح اصابة القوم بجهالة غير قابل للتخصيص كذلك يمكن ان يقال ان قوله تعالى ان الظن لا يغنى من الحق شيئا غير قابل للاختصاص بمورد مخصوص وكما ان دليل حجية خبر العادل يخرج خبر العادل عن موضوع الايات الناهية عن العمل بالظن فلا يكون العمل به عملا بالظن ولذلك يكون مفهوم اية النباء حاكما على تلك الايات كذلك الدليل المزبور يخرج خبر الواحد عن موضوع العلة المذكورة في اية البناء فلا يكون العمل به موجبا لاصابة القوم بجهالة فيكون المفهوم حاكما على عموم العلة أيضا

[ 502 ]

(واما توهم) ان عموم العلة يمنع من انعقاد ظهور الكلام في المفهوم لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينة (فهو مدفوع) بان صلوح للقرينية انما يتحقق في غير موارد الحكومة واما في موارد الحكومه كما في المقام فيستحيل ذلك لان صلوح دليل المحكوم لان يكون قرينة على دليل الحاكم انما يتوقف على تحقق موضو عه ومن الواضح ان دليل الحاكم يرفع موضوع دليل المحكوم فلا يعقل كونه قرينة على دليل الحاكم وعليه فظهور الاية في المفهوم يمنع من كون العمل بخبر العادل من اصابة القوم بجهالة فكيف يمكن أن يكون عموم العلة مانعا من انعقاد ظهور الكلام في المفهوم (ومن هنا) يظهر بطلان التفصيل في المقام بين ما إذا كان العموم متصلا بما له المفهوم وما إذا كان منفصلا عنه فيلتزم بتقديم العموم وبكونه مانعا من انعقاد ظهور الكلام في المفهوم في فرض اتصال العموم بماله المفهوم وبتقديم المفهوم على العموم في فرض انفصالهما لانعقاد ظهور الكلام في المفهوم في هذا الفرض وكونه اخص مما له العموم على الفرض (وجه الظهور) (1) هو ما عرفت من ان اتصال العموم بالكلام يستحيل ان يكون مانعا من انعقاد ظهوره في المفهوم فان ظهور الكلام في المفهوم وان كان كظهوره في العموم محتاجا إلى جريان مقدمات الحكمة كما عرفت سابقا الا ان جريان مقدمات الحكمة في طرف المفهوم سابق في الرتبة على جريانه في طرف العموم فيكون حاكما عليه وبيانا له وقد عرفت آنفا ان احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية المانع من انعقاد الظهور في الكلام انما يتحقق في غير موارد الحكومة واما في موارد الحكومة فلا محالة يكون الدليل الحاكم مقدما على دليل المحكوم وان كان دليل المحكوم متصلا به في الكلام لعدم صلوحه لكونه قرينه على دليل الحاكم (بيان ذلك) ان احتياج ظهور الكلام في المفهوم إلى جريان مقدمات الحكمة انما هو لاثبات انحصار قيد الحكم بما ذكر في المنطوق


(1) توضيح ذلك ان المفهوم إذا كان له حكومة على نفس دليل العام كما في مورد الاية المباركة الدالة على حجية خبر العادل على التقريب المتقدم فلا ينبغى الشك في تقدم المفهوم على العام حتى على القول بعدم احتياج التمسك بالعموم إلى اجراء مقدمات الحكمة في متعلق العموم كما هو الصحيح لان دليل العام وان كان متكفلا باثبات الحكم لكل فرد من افراد العام الا انه غير متكفل باثبات كون شيئى ما مصداقا للعام وعدمه فشمول الحكم الثابت بذلك الدليل لشيئى يتوقف على كون ذلك الشيئى في نفسه فردا للعام مع قطع النظر عن ثبوت الحكم له و من الواضح ان ظهور القضية في المفهوم في موارد الحكومة يمنع من كون مورد المفهوم - (*)

[ 503 ]

وعدم دخل شيئ آخر في ذلك الحكم لامنضما إلى القيد المذكور في الكلام ولا بد لا عنه واما كون القيد المذكور فيه راجعا إلى الحكم لا إلى موضوعه الذي هو المناط في ظهور الكلام في المفهوم كما عرفت في بحث المفاهيم فالاطلاق اجنبي عنه وانما يثبت ذلك بظهور وضعي ومن الواضح ان اطلاق متعلق العموم لا يصلح ان يكون مانعا من الظهور الوضعي ليرفع اليد به عن المفهوم ويلتزم برجوع القيد إلى ناحية الموضوع فبعد الفراغ عن ظهور القضية في حد نفسها في المفهوم لا يبقى اشكال في تقدمه على العموم وكونه مبينا لدائرة متعلقه (وان شئت قلت) ان تقدم العموم على المفهوم لا بد من أن يكون اما من جهة كشفه عن رجوع القيد إلى ناحية الموضوع واما من جهة اثباته عدلا له بان لا يكون شرط الحكم منحصرا بما هو مذكور في القضية كما قيل بذلك في ما إذا كان التعارض بين قضيتين لكل منهما مفهوم في نفسه الذي تقدم الكلام فيه مفصلا ومن الواضح ان


- فردا للعام فكيف يعقل ان يكون شمول حكم العام له مانعا من انعقاد الظهور في المفهوم و ان شئت قلت ان جواز التمسك بعموم العام لاثبات حكم العام لمورد ما يتوقف على كون ذلك المورد في نفسه فردا للعام وبما ان المفروض هو توقف كون مورد المفهوم فردا للعام على عدم المفهوم يمتنع كون عموم العام مانعا من انعقاد الظهور في المفهوم لانه يستلزم الدور وحينئذ لا فرق في تقدم المفهوم على العام بين كون العام متصلا بماله المفهوم في الكلام و كونه منفصلا عنه واما إذا لم يكن المفهوم حاكما على نفس دليل العام كما هو الحال في قوله عليه السلام إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيئى بالاضافة إلى قوله عليه السلام خلق الله الماء طهور الا ينجسه شيئى الا ما غير طعمه أو ريحه فوجه تقديم المفهوم الخاص على العام هو ان المفهوم وان لم يكن حاكما على العام بنفسه الا انه بدليل حجيته حاكم على اصالة العموم لا محالة لان الخاص بما انه في نفسه قرينة على العام يكون التعبد به تعبدا بعدم ارادة الظهور من العام وقد ذكرنا فيما تقدم ان اصالة الظهور الجارية في القرينة تكون حاكمة على اصالة الظهور الجارية في ذي القرينة ولو كان ظهور القرينة في نفسه اضعف من ظهور ذي القرينة وعليه فيتقدم المفهوم الخاص على العام المتصل بماله المفهوم والعام المنفصل عنه بملاك واحد من دون فرق في ذلك بين كون عموم العام وضعيا وكونه مستفادا من مقدمات الحكمة ومن ما ذكرناه يظهر وجه صحة ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من ان دليل العام غير صالح لان يثبت به عدل للشرط المذكور في القضية الشرطية فتدبر جيدا (*)

[ 504 ]

اطلاق متعلق العموم غير قابل لان يثبت به شيئ من هذين الامرين اما عدم كونه قابلا لاثبات رجوع القيد إلى الموضوع ليترتب عليه عدم ثبوت المفهوم للكلام فلما عرفت من ان رجوع القيد إلى نفس الحكم في القضايا التي لها مفهوم لابد من ان يستند إلى ظهور وضعي ومعه لا تجرى مقدمات الحكمة في متعلق العموم واما عدم كونه قابلا لاثبات عدل للشرط المذكور في الكلام فلان دليل حكم العام انما يكون ناظرا إلى اثبات الحكم لافراد العام ليس الا واين ذلك من اثباته عدلا للشرط المذكور في القضية الشرطية فلا يقاس المقام بتعارض القضيتين الشرطيتين الذي قيل فيه بتقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الاخر الراجع إلى اثبات عدل لكل من الشرطين المذكورين في القضيتين (واما الثاني) اعني به ما إذا كانت نسبة المفهوم المخالف إلى العام نسبة العموم من وجه فالحكم فيه هو الحكم في بقية موارد التعارض بالعموم من وجه فلا يتقدم احدهما على الاخر من دون مرجح خارجي (1) فصل الحق جواز تخصيص العام الوارد في الكتاب بالخبر الواحد الثابت حجيته ولا يصغى إلى ما قيل من ان كون سند الكتاب مقطوعا يمنع من تخصيصه بالخبر الواحد المشكوك في صدوره من المعصوم عليه السلام وذلك لان تخصيص الكتاب بالخبر الواحد لا يستلزم رفع اليد عن سند الكتاب المقطوع به وانما يستلزم رفع اليد عن ظهوره المشكوك في ارادته فالتعارض في الحقيقة انما هو بين ظهور الكتاب وسند الخبر ومن الواضح ان كليهما ظنى لكن دليل التعبد بسند الخبر يتقدم على اصالة الظهور في الكتاب لان الخبر على تقدير ثبوت صدوره بنفسه قرينة على ارادة خلاف الظاهر من الكتاب ورافع للشك فيما هو المراد به فالتعبد بصدوره تعبد بما هو قرينة على الكتاب ورافع لموضوع


1 - وقد مر ان من جملة المرجحات كون دلالة احد العامين مستندة إلى الوضع دون الاخر و عليه فإذا كانت دلالة العام على العموم وضعية يتقدم العام على المفهوم وترفع اليد بذلك عن المفهوم في مورد الاجتماع وذلك لما حققناه من عدم احتياج التمسك بالعموم إلى اجراء مقدمات الحكمة وتوقف دلالة الكلام على المفهوم على جريانها نعم إذا قلنا باحتياج التمسك بالعموم إلى ذلك ايضا كما عليه شيخنا الاستاد قدس سره أو فرض طرف معارضة المفهوم عاما غير وضعي لا بد في تقديم احدهما على الاخر من التماس مرجح خارجي كما افيد (*)

[ 505 ]

التعبد باصالة الظهور اعني به الشك في المراد وهذا بخلاف اصالة الظهور الجارية في نفسها في ناحية الكتاب فانها لا تمنع من شمول دليل التعبد بصدور الخبر للخبر المعارض للكتاب الا بالملازمة وقد مر ان الاصل الجارى في ناحية القرينة يكون مقدما على الاصل الجارى في ناحية ذى القرينة لحكو مته عليه فالخبر الثابت حجيته بدليل التعبد بصدوره يكون مبنيا لما هو المراد من الكتاب في نفس الامر فيتقدم عليه هذا والظاهر ان المسألة اجماعية وليست في ذكرها في كتب الاصول دلالة على كونها خلافية فان سيرة العلماء خلفا عن سلف قد جرت على العمل بالاخبار الموجودة في المجاميع المعتبرة مع انه لا يوجد فيها خبر لا يكون على خلافه عموم في الكتاب (1) ولو كان ذلك العموم من قبيل عمومات الحل ونحوها (واما) الاخبار الدالة على المنع من العمل بما خالف كتاب الله على اختلاف السنتها وعلى انه مما لم يقله الائمة المعصومون صلوات الله عليهم فهى محمولة على المخالفة العرفية بحيث يتحير في مواردها ابناء المحاورة واما المخالفة البدوية كمخالفة المقيد للمطلق أو الخاص للعام فهى لا تعد مخالفة (2) لتشملها


1 - لا يخفى ان جل الروايات الدالة على تعيين اجزاء العبادات وشرايطها وموانعها ليست فيها ما يخالف الكتاب ولو كانت مخالفة له مخالفة بدوية ومن قبيل مخالفة المطلق أو العام للمقيد أو المخصص لان الاوامر المتعلقة بالعبادات كلها واردة في مقام التشريع وليس لشيئى منها اطلاق يقتضى عدم اعتبار شيئى ما في متعلقاتها لتكون الرواية الدالة على اعتباره فيها مخالفة للكتاب بنحو من المخالفة بل الامر كذلك في كثير من الروايات الواردة في غير العبادات لانه ليس في الكتاب ما يدل بعمومه أو باطلاقه على حلية كل فعل صادر من المكلف ليكون الخبر الدال على حرمة فعل ما مخالفا له ولو بوجوبه 2 - ويدل على ذلك جعل موافقة الكتاب من مرجحات تقديم احد الخبرين على الاخر في مقام المعارضة فانه يستفاد منه ان حجية الخبر المخالف في نفسه كان مفروغا عنه وانما منع من العمل به وجود الخبر الموافق للكتاب المعارض له بل ان جعل الترجيح بموافقة الكتاب في مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة متأخرا عن الترجيح بالشهرة وبصفات الراوى اقوى شاهد على كون الخبر المخالف للكتاب حجة في نفسه وفي مقام المعارضة إذا كان ذلك راجحا بالاضافة إلى الخبر المعارض له من جهة الشهرة أو من جهة صفات الراوى واما دعوى ان الاخبار الدالة على وجوب الاخذ بالخبر الموافق وطرح الخبر المخالف انما هي في مقام تمييز - (*)

[ 506 ]

الاخبار المانعة من العمل بما خالف الكتاب كيف وانا نقطع بصدور كثير من الاخبار المخالفة بهذا المعنى منهم صلوات الله عليهم فكيف يصح قولهم عليهم السلام ما خالف كتاب الله فلم نقله أو فهو زخرف أو باطل وغير ذلك. فصل إذا ورد عام وخاص تعين الخاص في كونه مخصصا للعام سواء تقدم العام على الخاص ام تأخر عنه ولا مجال لاحتمال كون المتأخر منهما ناسخا لمتقدمها من دون فرق في ذلك بين أن يكون صدور المتأخر قبل حضور وقت العمل بالمتقدم وأن يكون بعد حضوره ولاجل انه لا دخل للعلم بالتقدم أو التأخر في شيئ مما ذكر لا يفرق في ذلك بين العلم بتاريخهما وصورة الجهل بتاريخ احدهما أو كليهما (ولتوضيح الاستدلال) على المختار تقدم مقدمات (الاولى) ان المهم من الكلام في المقام انما هو البحث عن حكم تأخر الخاص عن العام بعد حضور وقت العمل به ومنشاء الاشكال في كون الخاص مخصصا في هذا الفرض هو استلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة مع انه قبيح على الحكيم ولاجل ذلك بنى في التقريرات جواز التخصيص في هذا الفرض على كون العام واردا لبيان الحاكم الظاهرى ليكون ذلك قاعدة مضروبة يرجع إليها في مقام الشك في التخصيص واقعا فيكون الدليل الخاص المتأخر ناسخا للحكم الظاهرى وموجبا لانتهاء امده واما بالنسبة إلى الحكم الواقعي فدليل الخاص وان كان مخصصا له الا ان تأخره عن وقت العمل بالعام لا يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لان المفروض ان المولى لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي حين جعله الحكم على نحو العموم وانما كان في مقام بيان الحكم الظاهرى وهو على الفرض لم يتأخر بيانه عن وقت الحاجة وعلى هذا المبنى بنى المحقق صاحب الكفاية (قده) عدم استلزام تخصيص العام لكونه مجازا والتزم بكون العام مستعملا في العموم دائما بداعي جعل الحكم الظاهرى ليرجع إليه عند الشك في التخصيص وهذا لا ينافى تعلق الارادة الجدية في الواقع ببعض الافراد بخصوصه دون غيره وقد


- الحجة عن اللاحجة لا في مقام ترجيح احدى الحجتين على الاخرى كما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) فسيجيئ بيان فسادها في بحث التعادل والترجيح انشاء الله تعالى (*)

[ 507 ]

بينا (1) في ذلك المبحث انه يستحيل ورود العام لبيان الحكم الظاهرى الثابت عند الشك في التخصيص ليكون جعل المولى حكمه على نحو العموم بداعي جعل القانون والقاعدة وذكرنا هناك ان الحكم الظاهرى انما ثبت من الدليل الدال على حجية الظاهر لاجل كشفه عن المراد الوقعي وفي ما ذكرناه في ذلك المبحث غنى عن الاعادة فراجع (الثانية) انهم ذكروا ان نسخ الحكم قبل وقت العمل به غير معقول وعليه بنوا لزوم كون الخاص المتقدم مخصصا للعام المتأخر الوارد قبل حضور وقت العمل بالخاص (ولكن التحقيق) ان ما ذكروه في المقام انما نشأ من عدم تمييز احكام القضايا الخارجية من احكام القضايا الحقيقية وذلك لان الحكم المجعول لو كان من قبيل الاحكام المجعولة في القضاياء الخارجية لصح ما ذكروه واما إذا كان من قبيل الاحكام المجعولة في القضايا الحقيقية الثابتة للموضوعات المقدر وجودها كما هو الواقع في الحكام الشريعة المقد سة فلا مانع من نسخها بعد جعلها ولو كان ذلك بعد زمان قليل كيوم واحد أو اقل لانه لا يشترط في صحة جعله وجود الموضوع له في العالم اصلا (2) إذ المفروض انه حكم على موضوع مقدر الوجود (نعم) إذا كان الحكم المجعول في القضية الحقيقة من قبيل الموقنات كوجوب الصوم في شهر رمضان المجعول على نحو القضية الحقيقية كان نسخه قبل حضور وقت العمل به كنسخ الحكم المجعول في القضايا الخارجية قبل وقت العمل به فلا محالة يكون النسخ كاشفا عن عدم كون الحكم المنشاء أولا حكما مولويا مجعولا بداعي البعث أو الزجر (وبالجملة) إذا كان معنى النسخ هو ارتفاع الحكم المولوي بانتهاء أمده فلا محالة يختص ذلك بالقضايا الحقيقية غير الموقتة وبالقضايا الخارجية أو القضايا الحقيقية الموقتة


1 - ما ذكره صاحب الكفاية (قده) لاثبات عدم استلزام التخصيص لكون العام مجازا وان كان في غاية الجودة والمتانة كما مر توضيحه في المبحث المزبور الا انه لا يندفع به اشكال قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة في محل الكلام ضرورة ان كلام المولى إذا فرض عدم كونه ظاهرا في بيان ما تعلقت به ارادته واقعا لم يصح التمسك به في مقام الاثبات فلا يكون حجة في ظرف الشك ومع فرض ظهوره في ذلك لا مناص من الالتزام بكون البيان متأخرا عن وقت الحاجة 2 - قد بينا في مبحث جواز امر الامر مع علمه بانتفاء شرطه ان انتفاء موضوع الحكم المجعول في موارد القضاياء الحقيقية إذا كان مستندا إلى جعل نفس الحكم وتشريعه كما هو الحال في موارد جعل القصاص ونحوه فلا اشكال واما في غير ذلك مما كان انتفاء الموضوع مستندا إلى امر آخر فلا محالة يكون جعل الحكم من العالم بذلك من اللغو الواضح من دون فرق في ذلك بين كون القضية حقيقية وكونها خارجية والوجه في ذلك ظاهر لا يخفى. (*)

[ 508 ]

بعد حضور وقت العمل بها (واما) القضايا الخارجية أو الحقيقية الموقتة قبل حضور وقت العمل بها فيستحيل تعلق النسخ بالحكم المجعول فيها من الحكيم الملتفت والوجه في ذلك ظاهر (واما) إذا كان معنى النسخ اعم من ارتفاع الحكم المولوي بانتهاء امده ومن ارتفاع الحكم المنشأ بداعي الامتحان ونحوه فلا ينبغى الاشكال في جوازه (الثالثة) ذهب بعضهم إلى قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ولاجله وقع في الاشكال الناشئ من تأخر المخصصات كثيرا عن العمومات بعد حضور وقت العمل بها في كلمات المعصومين عليهم السلام لان التزام بالتخصيص في جميع ذلك يستلزم الالتزام بتأخير البيان عن وقت الحاجة مع ان المفروض قبحه ولا يمكن صدوره من المعصوم كما ان الالتزام بكونها ناسخة لتلك العمومات يستلزم الالتزام ينسخ اكثر احكام الشريعة المقدسة والالتزام بامكان وقوع النسخ في الجملة بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وان كان خاليا عن المحذور الا أنه لا يصلح الالتزام بوقوعه في اكثر الاحكام الشرعية ضرورة انه لو لم يكن مقطوعا بخلافه فلا محالة كان الالتزام به صعبا جدا (لكن التحقيق) (1) ان يقال ان العقلاء حين كونهم في مقام البيان وان كان بنائهم


1 - وان شئت قلت ان قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس على حذو قبح الظلم ليستحيل انفكاكه عنه بل غايته ان يكون مثل قبح الكذب القابل لانفكاكه عنه لوجود المصلحة المقتضية له فحال تأخير البيان في محل الكلام هو حال تأخيره في اصل الشريعة المقدسة وبيان احكامها الالزامية وغيرها فكما لا قبح في التأخير هناك إذا كان التأخير لمصلحة مقتضية له لا قبح في التأخير هنا في الفرض المزبور (فان قلت) فرق بين التأخير في المقام والتأخير هناك فان التأخير في المقام يستلزم وقوع المكلف في المفسدة الالزامية أو فوات المصلحة اللزومية عليه إذ لو كان في كلام المولى ما دل بعمومه على اباحة فعل قد اخر بيان حرمته أو وجوبه عن وقت الحاجة لاستلزم ذلك وقوع المكلف في احد الامرين المزبورين وهذا المحذور انما هو مستند إلى ظهور كلام المولى في ارادة العموم فالمولى هو الذي سبب إلى وقوع المكلف في المفسدة اوالى فوات المصلحة عليه ومن الواضح ان ذلك قبيح يستحيل صدوره من الحكيم (قلت) لو كان وقوع المكلف في المفسدة أو فوات المصلحة عليه مستندا إلى ظهور كلام المولى في العموم لكان وقوعه في احد المحذورين المزبورين في موارد عدم بيان التكليف مستندا ايضا إلى ترخيص المولى في ارتكاب المشتبه فما به يكون الجواب هنا يكون به الجواب ايضا في المقام على ان قبح الالقاء في المفسدة أو تفويت المصلحة قابل ايضا للانفكاك عنه فيما كانت في مورده مصلحة - (*)

[ 509 ]

على بيان تمام ماله دخل في ما يتعلق باحكامهم وعدم تأخيره عن مقام التخاطب فضلا عن مقام الحاجة الا ان ذلك انما هو في ما لم تجر عادة المتكلم على اظهار تمام مراده بقرائن منفصلة لاجل مصلحة تقتضي ذلك ضرورة انه مع وجود المصلحة المقتضية التأخير لاقبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة فضلا عن وقت الخطاب فلا عن وقت الخطاب فإذا فرض كون المتكلم حكيما وانه يراعى الحكمة والمصلحة في بيان مراده في كل وقت بخصوصه لم يكن تأخير بعض مراداته عن وقت الحاجة قبيحا (إذا عرفت ذلك) فاعلم ان اهم ما وقع فيه الاشكال في المقام كما اشرنا إليه انما هو تأخير المخصصات في كلمات الائمة عليهم السلام عن العمومات بعد حضور وقت العمل بها وربما اشكل الامر ايضا على بعضهم فيما إذا تأخر العام عن الخاص بعد حضور وقت العمل به فاحتمل فيه ان يكون العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم (وانت بعد ما عرفت) انه لا يقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا كان هناك مصلحة في التأخير تعرف انه لا مجال لاحتمال نسخ حكم العام المتقدم بالخاص المتأخر بل يتعين في امثال ذلك الحكم بكون الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم كما ان الحكم هو ذلك فيما إذا كان العام متأخرا عن وقت العمل بالخاص والوجه في ذلك هو ان اصالة العموم في هذه الموارد غير جارية في نفسها فلا بد من الحكم فيها بتخصيص العام واختصاص الحكم بغير مورد التخصيص (والسرفيه) ان الحكم بشمول العام لجميع افراد ما يمكن ان ينطبق عليه متعلق العموم يتوقف (1) على جريان مقدمات


- مقتضية له مضافا إلى ان ذلك لوتم لا ختص بما إذا كان العام متكفلا باثبات حكم غير الزامي وقد اخر بيان مخصصه المتكفل باثبات حكم الزامي عن وقت الحاجة واما إذا انعكس الامر فلا يكون في تأخير البيان عن وقت الحاجة محذور اصلا فالدليل اخص من المدعى 1 - قد عرفت فيما تقدم عدم الحاجة في التمسك باصالة العموم إلى اجراء مقدمات الحكمة في متعلقه وعليه فالصحيح في بيان سر عدم جريان اصالة العموم في محل الكلام هو ان يقال ان اصالة العموم انما تكون جارية إذا لم تكن في مورده قرينة على التخصيص وبما ان المخصص المتقدم يصلح ان يكون قرينة على تخصيص العام المتأخر لا تكون اصالة العموم جارية في فرض وجوده هذا مع ان احتمال كون العام المتأخر ناسخا لحكم الدليل الخاص المتقدم انما يكون فيما إذا كان العام المتأخر متكفلا ببيان الحكم من حين صدور دليله واما إذا كان متكفلا ببيان الحكم الثابت في الشريعة المقدسة من اول الامر كما هو الظاهر في كل كلام صادر من احد الائمة المعصومين عليهم السلام متكفل باثبات حكم شرعى فلا يبقى في مورده مجال لاحتمال النسخ في..... (*)

[ 510 ]

الحكمة في متعلق العموم كما مر بيان ذلك فيما تقدم ومن الواضح ان الخاص المتقدم يصلح لان يكون بيانا لتقييد متعلق العموم المتأخر ضرورة انه لا محذور في تقديم البيان ولو بنينا على قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ومعه لا تجرى مقدمات الحكمة في متعلق العموم فلا تكون اصالة العموم جارية (واما الخاص المتأخر) عن وقت العمل بالعام فهو ايضا قابل لا يكون بيانا لتقييد متعلق العموم المتقدم ولان يتكل عليه المتكلم في مقام البيان بعد ما عرفت من صحة تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كانت هناك مصلحة تقتضيه وعليه فلا تكون مقدمات الحكمة جارية في فرض الظفر بما يصلح لبيان التقييد فلا تجرى اصالة العموم في العام المتقدم لما عرفت من ان جريانها يتوقف على جريان مقدمات الحكمة المفروض عدمه في مفروض الكلام (فتحصل) ان عدم جريان اصالة العموم في هذه الموارد انما هو لاجل قصور مقتضى الجريان في نفسه فيها (وهذا الوجه) هو الصحيح في وجه تعين حمل الخاص على كونه مخصصا للعام مطلقا سواء في ذلك تقدم الخاص على العام وتأخره عنه ومعه لا يبقى مجال لاحتمال كون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم (واما ما قيل) في وجه تعين حمل الخاص على كونه مخصصا من ان الامر في محل الكلام دائر بين رفع اليد عن اصالة العموم ورفع اليد عن اصالة عدم النسخ وفي مثل ذلك لا بد من رفع اليد عن اصالة العموم لقلة النسخ وكثرة التخصيص (فيرد عليه اولا) ما عرفت من انه لا تجرى اصالة العموم في المقام في نفسها فكيف يعقل ان تكون معارضة لاصالة عدم النسخ (وثانيا) ان اصالة العموم لو كانت جارية في المقام لم يبق مجال لجريان اصالة عدم النسخ فيه فكيف يعقل ان يكون جريان اصالة عدم النسخ مانعا من جريان اصالة العموم الوجه في ذلك ان اصالة العموم انما هي من الاصول اللفظية واما اصالة عدم النسخ فهى من الاصول العملية إذ لا مدرك للحكم باستمرار حكم شخصي ثابت في مورد ما عند الشك في ارتفاعه الا الاستصحاب المجمع على حجيته ومن الواضح انه لا مجال لجريان الاصل العملي في مورد يجرى فيه الاصل اللفظى بل ان اصالة عدم النسخ فيما كان الخاص فيه واردا بعد حضور وقت العمل بالعام غير جارية في نفسها لوجهين (الاول)


- المتقدم في كونه مخصصا للعام المتأخر ومما ذكرناه يظهر الحال في تعين كون الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بعد ما تحقق من عدم كون تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحا فيما إذا............. (*)

[ 511 ]

ان التعبد الاستصحابى لا بد فيه من ان يكون الحدوث متيقنا والبناء مشكوكا فيه ليكون التعبد تعبدا بالبقاء بعد حدوثه مع ان المفروض في المقام انه لا شك في حكم الخاص بعد ورود الدليل على حكمه وانما الشك في ان حكمه قبل ذلك كان هو هذا الحكم بعينه ليكون دليل الخاص مخصصا لدليل العام أو ان حكمه كان على طبق العموم ولكنه ارتفع بورود دليل الخاص ليكون هذا الدليل ناسخا لدليل العام فالشك انما هو بلحاظ حال الحدوث دون البقاء ومعه لا معنى لجريان الاستصحاب كما هو ظاهر (الثاني) ان اللازم على المكلف بعد ورود الخاص انما هو تطبيق عمله على طبق الخاص سواء في ذلك كون الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم وكونه ناسخا له وعليه فلا اثر لجريان اصالة عدم النسخ بلحاظ حال البقاء والاستمرار ومن الواضح انه يعتبر في جريان الاصل العملي وجود اثر له بلحاظ ظرف التعبد بالبقاء (واما دعوى) ان جريان اصالة عدم النسخ وان لم يترتب عليه اثر بلحاظ حال البقاء والاستمرار الا انه يترتب عليه ثبوت حكم العام إلى زمان الخاص ويكفى هذا المقدار من الاثر في جريان الاصل وصحة التعبد به (فهى مدفوعة) بان التعبد في موارد الاستصحاب بما انه تعبد بالبقاء لابد فيه من ان يكون الاثر العملي في مورده بلحاظ حال البقاء وبما ان المفروض انه لا اثر عملي في المقام بلحاظ حال البقاء لا يجرى فيه الاستصحاب (واما توهم) كون اصالة عدم النسخ ايضا من الاصول اللفظية استنادا إلى دعوى ان دليل الحكم ظاهر في استمرار ذلك الحكم ودوامه أو إلى دعوى ان قولهم عليهم السلام حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيمة وحرامه حرام إلى يوم القيمة ظاهر في ان كل حكم ثابت في الشريعة المقدسة مستمر إلى يوم القيمة فيتمسك في كل مورد يشك فيه في استمرار الحكم الثابت فيه بعموم هذا الدليل (فهو باطل) لبطلان كلتا الدعويين المزبورتين (اما الدعوى الاولى) فيبطلها امتناع كون دليل الحكم متكفلا ببيان استمرار ذلك الحكم ودوامه لان الحكم باستمرار أي حكم انما هو في مرتبة متأخرة عن نفس ذلك الحكم ضرورة انه لابد من ان يكون نفس الحكم مفروض الوجود حين الحكم عليه بالاستمرار فكيف يعقل ان يكون دليل واحد متكفلا باثبات نفس الحكم وباثبات ما يتوقف على كون ذلك الحكم مفروض الوجود في الخارج (واما الدعوى الثانية) فيبطلها انه لا ظهور لقولهم عليهم السلام

[ 512 ]

حلال محمد ص حلال - الخبر - في ما ذكر بل الظاهر منه عرفا بيان استمرار الشريعة المقدسة وانها لا تنسخ بشريعة اخرى فالمراد منه ان كل ما يكون إلى يوم القيمة متصفا بالحلية أو الحرمة فهو حلال محمد ص أو حرامه فاحكامه صلى الله عليه وآله مستمرة إلى يوم القيمة ولا تنسخ بشريعة أخرى (هذا كله) مضافا إلى ان اصالة عدم النسخ ولو سلم كونها من الاصول اللفظية لا تصلح لان تكون معارضة لاصالة العموم فضلا عن ان تتقدم عليها لان الشك في كون الخاص المتأخر ناسخا للعام المتقدم وعدمه أو الشك في كون الخاص المتقدم منسوخا بالعام المتأخر وعدمه انما يكون ناشئا (1) من الشك في تقييد متعلق العموم واطلاقه فإذا ثبت اطلاقه باصالة العموم ارتفع الشك المزبور ومعه يحكم بالنسخ فاصالة العموم على تقدير جريانها تكون حاكمة على اصالة عدم النسخ فلا يبقى لدعوى تقدم اصالة عدم النسخ على اصالة العموم مجال اصلا (فتحصل) مما ذكرناه ان اصالة العموم سواء كان العام متقدما على الخاص ام كان متأخرا عنه لا تكون في نفسها جارية وعليه فيتعين الخاص في كونه مخصصا للعام ولا يكون معه لاحتمال النسخ مجال اصلا بل لو سلمنا احتمال النسخ فيما كان الخاص متأخرا عن العام فلا نسلم ذلك فيما إذا كان العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص وذلك لما اشرنا إليه من انه على تقدير تسليم قبح تأخر البيان عن وقت الحاجة لا نسلم قبح تقديم البيان واعتماد لمتكلم على البيان المتقدم وعليه فلا يبقى وجه لاحتمال كون العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم بل يتعين كون الخاص المتقدم بيانا لتقييد متعلق العموم المتأخر وموجبا لاختصاص حكمه بغير افراد الخاص ومما ذكرناه يظهر الحال فيما إذا شك في تقدم العام على الخاص وبالعكس سواء كان ذلك من جهة الجهل بتاريخ كل منهما ام من جهة الجهل بتاريخ احدهما بالخصوص فالمتعين في جميع صور المسألة هو الالتزام بالتخصيص دون النسخ


1 - لا يخفى انه لا منشأ لدعوى كون الشك في نسخ العام أو الخاص المتأخر للخاص أو العام المتقدم ناشئا من الشك في تقييد متعلق العموم وعدمه بل الشك في كل منهما ناشئ من العلم الاجمالي بوقوع احد الامرين من التخصيص النسخ لا بعينه فكل منهما محتمل في نفسه من دون ان يكون الشك في احد هما مسببا عن الشك في الاخر فالصحيح في وجه عدم الالتزام بالنسخ في هذه الموارد هو ما افيدا ولا من ان اصالة العموم في هذه الموارد غير جارية في نفسها والا فهى لكونها من الاصول اللفظية تتقدم على اصالة عدم النسخ لا محالة فلا بد من الالتزام في هذه الموارد بالنسخ مع انه غير صحيح كما عرفت (*)

[ 513 ]

تذييل قد عرفت مما ذكرناه انه لا اشكال في امكان النسخ وانه في القضايا الحقيقية غير الموقتة وكذا في القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية الموقتة بعد حضور وقت العمل بها عبارة عن انتهاء أمد الحكم المجعول لانتهاء الحكمة الداعية إلى جعله (واما) في القضايا الخارجية أو القضايا الحقيقية الموقتة فمعنى النسخ فيها قبل حضور وقت العمل بها هو انتهاء أمد اظهار الحكم لا نفسه لان المفروض انه لا حكم حقيقي في موارد تلك القضايا في الفرض المزبور من اول الامر لينسخ بعد ذلك وانما كان الموجود فيها هو مجرد اظهار وجود الحكم بداع من الدواعى غير داعى البعث والزجر لمصلحة في نفس الاظهار كمصلحة الامتحان ونحوه فبانتهاء امد مصلحة الاظهار ينتهى أمد نفس الاظهار ايضا (بداهة) انه تابع في حدوثه وبقائه لوجود مصلحته هذا كله في الاحكام (واما) البداء في التكوينيات فهو مما تواترت به الاخبار فلا بد لنا من التسليم لها والتصديق به (واما) معرفة حقيقته فهي خارجة عن حد عقولنا وقد ورد في بعض الروايات (1) ان الله تبارك وتعالى جعل اسما له اربعة


1 - لا يخفى ان مضمون هذه الرواية التي نقلها شيخنا الاستاد قدس سره وان كان موجودا في ضمن رواية مذكورة في الوافى وتوحيد الصدوق والبحار في باب حدوث الاسماء الا ان الجملة المستشهد بها في المقام اعني بها جملة (ومن ذلك يقع البداء) غير موجودة في تلك الرواية نعم هي موجودة في غير ها على ما سيأتي ولعله قدس سره ظفر بالرواية كما نقلها في محل آخر غير ما ظفرنا به وكيف كان لا بد لنا من التكلم في البداء وشرح حقيقته لما ورد من المعصومين عليهم السلام من انه ما عظم الله بمثل البداء وانه ما عبد الله بشيى مثل البداء وانه ما بعث الله نبيا حتى يقر بالبداء أو حتى يأخذ عليه ثلاث خصال الاقرار بالعبودية وخلع الانداد وان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء وانه لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الاجر ما فتروا عن الكلام فيه إلى غير ذلك والتكلم في المقام يقع في موردين الاول في بيان حقيقة البداء الثاني فيما حكى عن بعض المعصومين من الانبياء والاوصياء من اخباره بشيئ ما مع ان ذلك الشيئ لم يتحقق في الخارج (اما المقام الاول) فملخص القول فيه انه لا ينبغى الريب في ان العالم باجمعه انما هو تحت سلطان الله تعالى وقدرته وان وجود كل شيئ من الممكنات في الخارج منوط بتعلق مشيته تعالى به فإذا شاء أوجده وان لم يشأ لم يوجده وتعين جميع الاشياء في العلم - (*)

[ 514 ]

اركان وجعل لكل واحد من اركانه اربعة اجزاء فعرف الناس اثنى عشر جزء من هذه الاجزاء واختار لنفسه ركنا واحدا لم يعرفه احدا ومن ذلك يقع البداء المقصد الخامس = في المطلق والمقيد والمجمل والمبين (فصل) اختلفوا في ان الاطلاق هل هو مما يدل عليه اللفظ بالوضع أو أنه مما تقتضيه مقدمات الحكمة وقبل التكلم في ذلك لا بأس بتقديم امور (الاول) انهم عرفوا المطلق بانه ما دل على شايع في جنسه (واورد) على هذا التعريف


- الالهى الازلي الذي هو بمعنى تقدير الله لها وقضائه بها لا يوجب سلب قدرته عنها في ظرف وجودها وتعلق مشيته بها لان انكشاف الشيئ لا يزيد على واقع ذلك الشيئ ولا يغيره عما هو عليه من كون وجوده منوطا بالمشية والارادة والا لزم الخلف وان لا يكون العلم بذلك الشيئ علما به على ما هو عليه فقدرة الله عزوجل واناطة وجود الممكن بتعلق مشيته به لا تنقلب إلى العجز واستغناء الممكن في وجوده بعلم الله في الازل بما تتعلق به مشيته فيما بعد وقد خالفنا في ذلك اليهود فذهبوا إلى ان جرى قلم التقدير والقضاء على جميع الاشياء يستلزم سلب قدرته تعالى واستحالة تعلق مشيته بغير ما جرى عليه القلم في الازل وبذلك قالوا يد الله مغلولة عن القبض والبسط والاخذ والاعطاء ومن الغريب انهم خذلهم الله مع التزامهم بذلك اثبتوا لانفسهم القدرة مع ان افعال العبيد تشترك مع افعاله سبحانه في تعلق العلم الازلي بها و لا يخفى ان هذا القول السخيف غايتها يمنع قائله من التضرع والابتهال إلى ربه وطلب الحاجة منه (ثم ان قضاء الله تعالى) على قسمين محتوم وغير محتوم اما المحتوم فهو لا يتخلف عن تعلق مشيته بما تعلق به قضائه ولا يقع فيه البداء واما غير المحتوم فالبداء انما يقع فيه (وتفصيل ذلك) ان قضاء الله تعالى إذا جرى على شيئ فهو انما يجرى عليه معلقا على عدم تعلق مشيته بخلافه في الظرف المقرر فيه وجود ذلك الشيئ حسب ما يقتضيه العلم الالهى بالمصالح والمفاسد التي تختلف باختلاف الظروف والحالات فهو تعالى وتقدس وان كان عالما بجميع ما تتعلق به مشيته وما لا تتعلق به الا ان قضائه على ثلاثه اقسام (القسم الاول) هو القضاء الذي لم يخبر الله احدا به وهو العلم المخزون الذي استأثره لنفسه على ما في الروايات الكثيرة وهذا القسم من القضاء لا يكون فيه تغيير ابدا ولا يقع فيه البداء بل البداء انما يكون ناشئا منه كما صرح بذلك في روايات كثيرة منها ما رواه الشيخ الصدوق باسناده الاتى ان الرضا - (*)

[ 515 ]

بانه لا يصدق الا على بعض افراد المطلق اعني به النكرة ولا يصدق على اسم الجنس الذي يكون هو الاكثر وجودا من غيره في المطلقات (واجيب عنه) بان الاختصاص بالنكرة انما يكون على تقدير ان يراد بلفظ الشايع الواقع في التعريف الفرد المردد (واما) إذا اريد به المعنى السارى في الجنس كما هو الظاهر لان معنى الشيوع هو السريان فينطبق التعريف على اسم الجنس والنكرة كليهما وربما يعتذر عن الاختصاص بالنكرة بان هذا التعريف انما هو من التفتازانى وغيره ممن يقولون بعدم وجود الكلى الطبيعي في الخارج فلذا عرفوه على نحو لا يكون منطبقا الا على النكرة (وكيف كان) فالظاهر انه ليس لهم


- سلام الله عليه قال لسليمان المروزى رويت عن ابي عبد الله 4 ان الله عزوجل علمين علما مخزونا مكنونا لا يعلمه الا هو من ذلك يكون البداء وعلما علمه ملئكته ورسله فالعلماء من اهل بيت نبيك يعلمونه ومنها ما رواه في بصائر الدرجات باسناده إلى ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال ان الله علمين علم مكنون مخزون لا يعلمه الا هو من ذلك يقع البداء وعلم علمه ملئكته ورسله وانبيائه ونحن نعلمه (القسم الثاني) هو القضاء الذي اخبر الله تعالى نبيه وملئكته بوقوع متعلقه في الخارج حتما وهذا القسم من الفضاء ايضا وان لم يكن فيه تغيير ولا يكون فيه البداء الا انه لا يكون منه البداء ايضا وقد روى الشيخ الصدوق باسناده عن الحسن بن محمد النوفلي انه قال الرضا عليه السلام فيما قاله لسليمان ان عليا عليه السلام كان يقول العلم علمان فعلم علمه الله تعالى وملئكته ورسله فانه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملئكته ولا رسله وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ويثبت ما يشاء وروى العياشي عن الفضيل قال سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول من الامور امور محتومة جائية لا محالة ومن الامور امور موقوفة إلى ان قال فاما جائت به الرسل فهى كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملئكته (القسم الثالث) هو القضاء الذي اخبر الله تعالى نبيه وملئكته بوقوع متعلقه في الخارج موقوفا بعدم تعلق مشيته بخلافه حسب ما تقتضيه الحكمة الالهية وهذا القسم من القضاء هو الذي يقع فيه البداء على ما نطقت به الروايات الكثيرة ففى تفسير على بن ابراهيم عن عبد الله بن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال إذا كان ليلة القدر نزلت الملئكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء الله تعالى في تلك السنة فإذا اراد الله ان يقدم شيئا أو يؤخره أو ينقص شيئا امر الملك ان يمحو ما يشاء ثم اثبت الذي اراد وفيه ايضا باسناده عن ابن مسكان عن ابي جعفر وابي عبد الله وابي الحسن سلام الله عليهم في تفسير قوله تعالى فيها يفرق كل امر حكيم أي يقدر الله كل امر من الحق والباطل وما يكون في تلك السنة وله فيه البداء - (*)

[ 516 ]

اصطلاح جديد في ذلك وانما المراد بالاطلاق عندهم هو المعنى اللغوى اعني به الارسال فالمطلق عندهم حينئذ هو المرسل الذي لم يقيد بشيئ مما يكون قابلا للتقييد به و عليه فلا يترتب على التكلم في التعاريف بالنقض أو بعدم الطرد اثر اصلا (ثم الظاهر) ان الاطلاق والتقييد انما يعرضان المفهوم أولا وبالذات باعتبار تقيده بشيئ وعدمه واما اتصاف اللفظ بهما فهو انما يكون بتبع مدلوله والتعريف السابق وان كان يوهم كونهما من صفات اللفظ الدال على المعنى لكن الظاهر انهم ارادوا بذلك اتصاف اللفظ بهما بالتبع (ثم) ان محل الكلام في المقام انما هو الاطلاق المتصف به المعنى الافرادى اعني


- والمشية يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الاجال والارزاق والبلايا والاعراض والامراض ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء ويلقيه رسول الله ص ع إلى امير المؤمنين ويلقيه امير المؤمنين إلى الائمة ع حتى ينتهى ذلك إلى صاحب الزمان ويشترط له فيه البداء والمشية والتقديم والتأخير وفي الاحتجاج عن امير المؤمنين ع انه قال لولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة وهي هذه الاية يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب وفي توحيد الصدوق واماليه باسناده عن الاصبغ مثله وفي تفسير العياشي عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال كان علي بن الحسين ع يقول لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة فقلت اية آية قال قول الله يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب وفي قرب الاسناد عن الرضا عليه السلام انه قال قال أبو عبد الله وابو جعفر وعلي بن الحسين والحسين بن على والحسن بن علي بن ابي طالب عليهم السلام والله لولا آية في كتاب الله لحدثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الباب (والمتحصل) من جميع ذلك ان البداء لا يكون الا في القضاء الموقوف وان الالتزام به لا يستلزم نسبة الجهل والعياذ بالله إليه تعالى نعم ان الالتزام به يستدعى القول بعدم احاطة العبد كائنا من كان بجميع ما احاط به علمه تعالى وهذا مما لا مناص عن الالتزام به فان النبي الاكرم واوصيائه المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين وان كانوا عالمين بالفعل أو متى شاءوا بجميع عوالم الممكنات بتعليم الله تبارك لهم ذلك الا انهم غير عالمين بالعالم الربوبى وبما احاط به علمه المخزون فلا علم لهم بتعلق مشيته جل وعلا وعدم تعلقها بشيئ الا فيما اخبرهم الله به على نحو الحتم فالنبى أو الوصي وان كان عالما بوجود ما هو سبب تام لوجود شيئ في طرفه لولا تعلق المشية الالهية بعدم وجوده ال