" بسم الله الرحمن الرحيم " وبه نستعين الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم اجمعين إلى قيام يوم الدين. وبعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغنى أبو القاسم بن على اكبر الموسوي الخوئى غفر الله تعالى لهما انى كررت النظر فيما كتبته سابقا من تقريرات بحث شيخنا الاستاد علم التحقيق ومنبع الفضيلة والتدقيق من إليه القت الرياسة العلمية زمامها وبفضل ابحاثه القيمه تم للعلوم الدينية نظامها حضرة المولى الميرزا محمد حسين النائيني قدس الله تعالى اسراره فغيرت بعض عباراته توضيحا للمراد مع التحفظ على عدم الاضلال بالمفاد واضفت إليها بعض المطالب التى خطرت ببالى القاصر بمقدار لا يخرج عن عنوان التعليقة على نحو الاختصار مستمدا من الله ومتوكلا عليه في جميع اموري وهو ولى الامر (وقد رتبت) كتابي هذا على مقدمة ومقاصد وخاتمة فأقول ومنه التوفيق (اما المقدمة) ففيها فصلان. الفصل الاول في تعريف العلم وموضوعه وفائدته ورتبته. (قدم) المحققون قبل الشروع في المقصود امورا سموها بالمبادئ ونشير تبعا لهم إلى ما هو أهمها وهى الاربعة التى
تقدم ذكرها أما من حيث المرتبة فلا اشكال في تأخره عن علم المنطق فانه مبدء لكل علم نظرى إذ فيه يعرف كيفية الاستنتاج والطرق الصحيحة من الفاسدة وكذا في تأخره عن العلوم الادبية حيث أن المهم في هذا العلم هو استنباط الاحكام
[ 3 ]
الشرعية (1) وتوقفه على تلك العلوم لا يحتاج إلى بيان وكذا توقفه على مهمات علم الرجال فعلم الاصول متوسط بين علم الفقه وتلك العلوم وجزء اخير للعلة التامة للاستنباط فتكون نسبته إلى تلك العلوم بالتأخر والى الفقه بالتقدم واما تعريفه فقد علم مما سبق اجمالا وتفصيله هو العلم بالقواعد التى إذا انضمت إليها صغرياتها انتجت نتيجة فقهية وهو الحكم الكلى الشرعي الثابت لموضوعه المقدر وجوده على ما هو الشأن في القضاياء الحقيقية وهذا التعريف اسد من تعريف المشهور بانه هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي فانه لا يرد عليه ما اورد على تعريف المشهور بانه ان اريد من التمهيدان ينحصر فائدة البحث عن تلك القواعد باستنباط الاحكام الشرعية فقط فقل ان تكون مسألة اصوليه كذلك وان اريد منه ان يكون لتلك القواعد دخل في الاستنباط في الجملة فالعلوم الادبية ايضا كذلك (وجه عدم الورود) ان العلوم الادبية أو غيرها من مبادى الفقه إذا انضمت صغرياتها إليها لا تنتج مسألة فقهية بلا واسطة بخلاف القواعد الاصولية وكذا سميت بأصول الفقه ثم لا يخفى انه إذا اريد من الحكم المأخوذ في التعريف ما هو الاعم من الواقعي والظاهري فمباحث الاصول العلمية تدخل في المسائل التى يستنبط منها الحكم الشرعي واما إذ اخصصناه بالواقعى فلا مناص في ادخالها في المباحث الاصولية من اضافة قيد آخر إلى التعريف وهو قولنا أو التى ينتهى إليها في مقام العمل واما فائدته فقد ظهرت مما تقدم وهو استنباط الاحكام الشرعية الكلية التى تكون قابلة للالقاء على المكلفين فيكون تطبيق موضوعاتها
على مصاديقها الجزئية الخارجية مشتركا فيه بين المجتهد وغيره واما موضوعه فمعرفته يتوقف على تمهيد مقدمتين اما المقدمة الاولى فتشتمل على تعريف كلى موضوع العلم وتمييز العوارض الذاتية من الغريبة فنقول (2) موضوع كل علم ما يبحث
1 - لا يخفى ان مقتضى ذلك تأخر علم الفقه عن العلوم الادبية وعن علم الرجال لا تأخر علم الاصول عنها الذى هو محل الكلام في المقام 2 - هذا هو المشهور بينهم وقد التزموا بلزوم وجود الموضوع في كل علم وبلزوم كون البحث عن عوارضه الذاتية والتحقيق ان علمية العلم لا يتوقف على وجود جامع بين موضوعات مسائله بل هو امر قد يكون وقد لا يكون وما قيل في وجه لزومه من ان الغرض من العلم الواحد حيث انه واحد وهو مترتب على مجموع المسائل فلابد من وجود جامع بينها و - (*)
[ 4 ]
فيه عن عوارضه الذاتية (بيان ذلك) ان العارض تارة يعرض بلا وساطة شيئ اصلا كادراك الكليات العارض للنفس الناطقة ونحوه من عوارض البسائط فلا اشكال في كونه من العوارض الذاتية فان المعروض فيها هي نفس الحقيقة من دون دخل لشيئ آخر غير نفسها لغرض بساطتها الحقيقية (وأخرى) بواسطة امر آخر وذلك الامر (تارة) يكون داخليا كالجنس والفصل واخرى خارجيا اما الداخلي فان كان فصلا فلا اشكال في كون عوارضه من العوارض الذاتية ايضا فان فعلية النوع وتحصله بفصله و ان كان جنسا فقد وقع فيه الخلاف والاشكال (من جهة) عدم كونه ما به فعلية النوع فلا يكون عارضه ذاتيا للنوع (ومن جهة) تقوم النوع به ولو كان جزوه بالقوة فيكون عارضه ذاتيا للنوع كما في عوارض الفصل ومن ثم يبحث في بعض العلوم عن عوارض جنس الموضوع ايضا والحق هو الثاني والاشكال عليه (1) بأن عوارض الجنس لو كانت ذاتية لزم تداخل جملة من العلوم في تمام مسائلها
- الا لزم صدور الواحد من الكثير يرد عليه اولا ان الاقتدار على الاستنباط مثلا الذى هو
الغرض في علم الاصول وان كان واحدا الا ان وحدته نوعية لا شخصية ضرورة ان القدرة المترتبة على مسألة حجية خبر الواحد مثلا غير القدرة المترتبة على مسألة دلالة الامر على الوجوب والبرهان المزبور على تقدير تماميته فانما يتم في الواحد الشخصي دون النوعى و (ثانيا) ان الغرض على تقدير كونه شخصا واحدا ايضا فانما هو مترتب على مجموع المسائل لا على كل واحدة منها فلا حاجة إلى تصوير الجامع و (ثالثا) ان الغرض مترتب على العلم بثبوت المحمولات لموضوعاتها لا على نفس المسائل فلا بد من غرض الجامع بين العلوم وعلى تقدير التنزل فلا بد من تصوير الجامع بين النسب الخاصة الموجودة في المسائل واين ذلك من تصوير الجامع بين خصوص الموضوعات ورابعا ان موضوع المسألة في علم الفقه مثلا قد يكون امرا وجوديا وقد يكون امرا عدميا كالترك كما انه قد يكون من مقولة الكيف مثلا كالتكلم وقد يكون من مقولة اخرى وقد تحقق في محله امتناع تصوير الجامع الماهوى بين مقولتين فضلا عن الوجود والعدم فكيف يمكن الالتزام في مثله بوجود جامع حقيقي يكون مؤثرا في الغرض الواحد وسيجيئ البحث عن لزوم كون العوارض ذاتية للموضوع على تقدير وجوده فيما بعد انشاء الله تعالى 1 - لا يخفى ان الخلاف انما هو في كون ما يعرض للجنس ذاتيا للنوع أو غير ذاتي لافى - (*)
[ 5 ]
فان الموضوع في علم النحو مثلا هي الكلمة والكلام وموضوع مسائله الفاعل والمفعول وغير ذلك (فلو فرضنا) أن جميع ما يعرض للجنس من العوارض الذاتية (فلابد) أن يبحث في علم النحو من جميع ما يعرض لهما فيلزم ادخال جميع المسائل الادبية في علم النحو وهذا ما ذكرناه من اللازم. مدفوع بأن الموضوع حيث قيد بحيثية الاعراب أو البناء فكل عارض له دخل بالحيثية المذ كورة يبحث عنه في علم النحو لا كل عارض ذاتي فالغرض من التقييد بالذاتي اخراج العوارض الغريبة لا ان كل عارض ذاتي يبحث عنه في العلوم وان لم يكن له دخل
بالحيثيات المذكورة واما الخارجي فاما ان يكون مباينا أو اعم أو اخص أو مساويا (لاكلام) في كون عوارض الاولين من العوارض الغريبة وأما عوارض الاخص أو المساوى فيحتاج تحقيق الحال فيهما إلى بسط في المقال فنقول اما عوارض الاخص فالجمهور على انها من العوارض الغريبة (وبذلك) يشكل على كون محمولات العلوم عوارض ذاتية لموضوعاتها (بدعوى) ان المحمولات انما تعرض لموضوعات المسائل اولا وبالذات وبوساطتها تعرض لموضوعات العلوم فلا ينطبق التعريف المذكور لموضوع العلم على موضوع علم من العلوم. وجوابه انا حيث قيدنا الموضوع بالحيثية المذكورة (1) فينطبق موضوع العلم
- كون عارض نوع ذاتيا للنوع الاخر وان فرض كون عوارض النوع ذاتية للجنس ايضا فالاعتراض على القول بكون عوارض الجنس ذاتية للنوع باستلزامه التداخل في جملة من العلوم مندفع من اصله من غير حاجة إلى تقييد الموضوعات بالحيثيات 1 - الحيثيات المأخوذة في تعاريف جملة من العلوم حيثيات راجعة إلى البحث بمعنى ان البحث في علم الفقه مثلا لا يقع عن جميع عوارض فعل المكلف بل يبحث فيه من حيث الاقتضاء والتخيير فالقيد راجع إلى البحث لا إلى الموضوع ضرورة ان الصلوة بما هي صلوة تكون واجبة لا من حيث اقتضائها للوجوب مع انه على تقدير تسليم تقييد الموضوعات بالحيثيات فاما ان يكون موضوع العلم الذى هو عنوان جامع لموضوعات المسائل مأخوذا بنحو المعرفية وبه يشار إلى موضوعات المسائل أو يلحظ هو بنفسه بما انه جامع لها والاول يستلزم انكار وجود الموضوع للعلم حتى يقع البحث عن عوارضه الذاتية والثانى يستلزم عدم كون عوارض موضوعات المسائل ذاتية لموضوع العلم فان انطباق العنوان الانتزاعي على منشأ انتزاعه - (*)
[ 6 ]
عليها بنحو العينية بحيث يحمل عليها بالحمل الشايع الصناعي وبعبارة واضحة المبحوث عنه في علم النحو مثلا ليس عوارض الفاعل بما هو
فاعل ككونه متقدما على المفعول بحسب الرتبة بل عوارضه بما هو معرب فيكون عوارضه عوارض ذاتية لموضوع العلم ايضا فان هذه الحيثية حيثية مضيقة للموضوع فانها تقييدية (وحيث) ان موضوعات العلوم بسائط لانها مفاهيم متقيدة بالحيثيات الاعتبارية فيكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز كما في الاعراض ونتيجته الغاء خصوصية الفاعلية والمفعولية وغير ذلك والبحث عنها بما هي معربة ولا نعنى بتلك الحيثية الحيثية اللاحقة الاعرابية حتى يقال ان الكلمة المعربة يستحيل عروض الاعراب عليها بل الحيثية السابقة التى بها يستحق الاعراب الفعلى. ثم لا يخفى أن التقييد بالحيثية المذكورة كما اندفعت به الشبهة الناشئة من اخصية موضوعات المسائل كذلك تندفع به الشبهة الناشئة من أعمية موضوعات المسائل عن موضوع العلم كمباحث الالفاظ بالقياس إلى الادلة الاربعة بناء على ان عوارض الجنس من
- على حددون حد انطباق العناوين الذاتية على مصاديقها فإذا فرضنا ان عوارض النوع غريبة بالقياس إلى الجنس مع انه ينطبق عليه بالذات فعوارض ما يكون منشأ لانتزاع عنوان اولى بالغرابة بالقياس إلى نفس العنوان الانتزاعي وكون ما به الامتياز في العناوين الانتزاعية عين ما به الاشتراك لا ينافى التغاير بين موضوعات المسائل فان موضوع كل مسألة بنفسه مغاير لموضوع مسألة اخرى هذا مع ان كون ما به الاشتراك من الامور الانتزاعية عين ما به الامتياز لا يستلزم كون المقيد بالامر الانتزاعي كذلك ما هو ظاهر والتحقيق في حل الاشكال ان يقال ان الالتزام بكون العوارض المبحوث عنها في العلوم ذاتية بالمعنى الذى ذهب إليه الجمهور بلا ملزم ضرورة انه إذا تعلق الغرض بالبحث عن عدة مسائل يجمع موضوعاتها جامع واحد صح تدوين علم يبحث فيه عن تلك العوارض سواء سميت تلك العوارض بكونها ذاتية لموضوع العلم أو بكونها غريبة بالقياس إليه والذى يمكن ان يقال باعتباره هو ان لا يكون اسناد تلك العوارض إلى موضوع العلم مجازيا واما كونها عارضة له بلا واسطه مطلقا فلا ضرورة تقتضيه بل الصحيح هو ان
ترتب الغرض لو توقف على البحث عن العوارض الغريبة التى يكون اسنادها إلى موضوع العلم أو إلى موضوع المسألة مجازيا يصح عقد ذلك المبحث من مباحث العلم فلا موجب للالتزام - (*)
[ 7 ]
العوارض الغريبة فان الموضوعات في المسائل وان كانت اعم بحسب الظاهر الا أن البحث عنها مقيد بحيثية خاصه وهو حيث ورودها في الكتاب والسنة وان لم يكن عروض المحمولات بتلك الحيثية فلا يلزم أعمية الموضوعات من تلك الجهة المبحوث عنها وان كانت اعم من الجهة الاخرى (كما ان الاشكال المعروف) بان تمايز العلوم (1) لو كان بتمايز الموضوعات
- بكون العوارض ذاتية لموضوع العلم اصلا وان ابيت عن ذلك فلا مناص عن الالتزام بكون عوارض الاخص كالنوع مثلا بالقياس إلى الاعم كالجنس من العوارض الذاتية ومما ذكرناه يظهر اندفاع الشبهة الناشئة من قبل اعمية بعض موضوعات المسائل من موضوع العلم ايضا. 1 - ان كان المراد من التمايز هو تمييز كل علم عن الاخر بالاضافة إلى الجاهل حتى يتمكن بمعرفة المميز من تشخيص أي مسألة ترد عليه وانها هل هي داخلة في علم الفقه مثلا أو في علم النحو فلا ريب ان التمييز في هذا المقام كما يمكن ان يكون بالغرض يمكن ان يكون بالموضوع أو بالمحمول أو بذكر فهرست مسائل العلم اجمالا. وان كان المراد من التمايز هو التمييز في مقام التدوين وبيان ما هو السبب لاختيار المدون جملة من المسائل وجعلها علما برأسه دون المسائل الاخر فلا مناص في هذا المقام من كون التمييز بالعرض الداعي إلى التدوين ان كان هناك غرض خارجي يترتب على العلم والمعرفة كما هو الغالب وهو ظاهر واما فيما كان الغرض من التدوين هو نفس العلم والمعرفة فلا بد من كون الامتياز بالموضوع أو بالمحمول مثلا إذا كان غرض المدون هو معرفة احوال الانسان من تمام جهاته فلا مانع من تدوين علم يبحث فيه عن عوارضه النفسانية والجسمانية وعن خصوصيات اقسام اصنافه فيكون
تمييز هذا العلم عن غيره بالموضوع كما هو الحال في الفلسفة العالية كما انه إذا كان غرض المدون هو معرفة ما يعرضه الحركة والسكون فلا ضير في تدوين علم يبحث عن كل ما يمكن ان يعرضه الحركة أو السكون ولو كان المعروض من مقولة نارة و ومن مقولة غير المقولة الاولى اخرى فالتمييز يكون حينئذ بالمحمول ومما ذكرناه يظهر ان اطلاق القول بان التمايز بالموضوعات أو بان التمايز بالاغراض ليس في محله ومما ذكرناه يظهر ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره من انكاره كون التمايز بالاغراض فانها ربما لا تترتب على العلوم المدونة فتدبر (*)
[ 8 ]
لزم اتحاد العلوم الادبية (يندفع) بقيد الحيثية ايضا كما هو ظاهر واما الجواب عنه بان تمايز العلوم بتمايز الاغراض لا بالموضوعات فغير صحيح فان العلوم المدونة ربما لا يترتب عليها الاغراض المذكورة فلا يمكن ان يكون التمايز بها (وأما عوارض) الامر الخارجي المساوى المنتهى إلى الذات ولو بوسائط كعروض ادراك الكليات الذى هو لازم الفصل على الانسان المستتبع لعروض التعجب المستتبع لعروض الضحك فقد وقع فيها الخلاف والاشكال. وتحقيقه يحتاج إلى بيان ضابط الوساطة في الثبوت والعروض (فنقول) اما العارض الاول فلا واسطة له حتى يقال انها واسطة في الثبوت أو العروض (واما الثاني) وهو التعجب فله واسطة لكن وساطة ثبوتية لان الواسطة عارضة بلا واسطة واما العارض الثالث وهو الضحك فله واسطة في العروض فان واسطة عروضه تحتاج إلى واسطة اخرى في الثبوت ايضا فالميزان (1) ان العارض ان احتاج إلى واسطة غير محتاجة إلى واسطة اخرى فالواسطة في الثبوت والا ففي العروض. إذا عرفت ذلك فيمكن ان يقال ان هذا العارض مع الواسطة في العروض ايضا من الاعراض الذاتية لانتهائه إلى الذات بالاخرة (ويمكن ان يقال) انه من العوارض
الغريبة باعتبار انه لم يعرض لا لنفس الذات ولا بواسطة في الثبوت فيكون من الغريبة لكن الحق هو الاول وعلى تقدير التنزل فيندفع اشكال البحث عنه بقيد الحيثية المذكورة فان العوارض وان كانت مترتبه في حد انفسها الا انه لا ترتب بينها من تلك الحيثية فيكون جميعها في عرض واحد. واما المقدمة الثانية فهى ان ما يذكر في العلوم ينقسم إلى مباد ومسائل (اما المسائل) فقد علم تعريفها مما سبق (واما المبادى) فتنقسم إلى تصورية وتصديقية (اما التصورية) فهى التى توجب معرفة الموضوعات أو المحمولات (وأما التصديقية) فهى الادلة التى توجب التصديق بثبوت المحمولات لموضوعاتها ثم ان لعلم الاصول مبادى خاصة وتسمى بالمبادئ الاحكامية وهى التى يبحث فيها عن حال الاحكام بما هي من كونها مجعولة استقلالية أو انتزاعية ومن حيث
1 - الميزان في الواسطة في الثبوت هو ان يكون الواسطة علة لثبوت العارض لمعروضه سواء كانت الوسائط متعددة ام غير متعدده والتفصيل بين احتياج الواسطة إلى واسطة اخرى وعدمه بلا وجه (*)
[ 9 ]
اشتراطها بشروط عقلية وغير ذلك ومن هذا القبيل مباحث مقدمة الواجب والنهى عن الضد واجتماع الامر والنهى بناء على عدم كونها من المسائل الاصولية على ما يأتي الكلام فيه في محالها انشاء الله تعالى ثم ان المسائل المبحوث عنها في علم الاصول اما مسائل يبحث فيها عن دلالة الالفاظ بما هي أو عن حال الاحكام ولو لم تكن مدلولا عليها بشيئ من الالفاظ أو عن دليلية الدليل كمباحث حجية الخبر الواحد والكتاب وغيرهما من مباحث الحجية إذا تمهد ذلك (قنقول) لو كان موضوع علم الاصول هي الادلة الاربعة بعد الفراغ عن دليليتها كما عليه المحقق القمى (قده) فتخرج مباحث الحجج بالكلية عن مباحث
علم الاصول لان البحث فيها عن نفس الدليلية لاعن عوارضها وتدخل في المبادى وكذلك المسائل التى يبحث فيها عن حال الاحكام ولو لم تكن مدلولا عليها بدليل لعدم كون البحث فيها عن الادلة وتدخل في المبادى الاحكامية فينحصر علم الاصول في مباحث الالفاظ بناء على ما ذكرنا من كون عوارض الجنس من العوارض الذاتية اما مطلقا أو مع اخذ قيد الحيثية والا فتلك مباحث استطرادية فلا يبقى لعلم الاصول مسألة اصلا (واما لو بنينا) على ان الموضوع هو ذوات الادلة فيدخل فيها مباحث الالفاظ بالتقريب المتقدم ومباحث حجية الكتاب والعقل واما بقية المباحث فهى خارجة لا محالة اما خروج المباحث التى يتكلم فيها عن حال الاحكام بما هي فواضح واما خروج مباحث حجية الخبر الواحد والشهرة والاستصحاب ونحوها فلعدم البحث فيهها عن ذوات الادلة الاربعة ايضا كما هو ظاهر واما ارجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن ثبوت السنة بالخبر (بتقريب) ان السنة باعتبار الحكاية تنقسم إلى قسمين المتواتر والاحاد (اما) المتواتر فلا (اشكال) في ثبوت السنة به (واما الاحاد فهى محل الخلاف والاشكال) فيرجع حاصل النزاع إلى أن السنة المحكية هل هي سنة ام لا (فغير مفيد) فانه على فرض تماميته في مبحث حجية الخبر فلا يكاد يتم في غيره كمباحث حجية الشهرة والاستصحاب وغيرهما مما تقدم خروجها عن المسائل الاصولية على تقدير كون الموضوع هي الادلة الاربعة مع انه (غير تام) في نفسه لان عنوان كون
[ 10 ]
السنة محكية (1) تعرض له بواسطة الخبر الذى هو مباين لها فيكون من العوارض الغريبة فضلا عن الحجية العارضة بوساطته مضافا إلى ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من أن البحث عن الثبوت الذى هو مفاد كان التامة بحث عن المبادى (فالتحقيق ان الالتزام) بكون الموضوع هي الادلة (بلا ملزم) بل هو أمر وسيع أخذ موضوعا للعلم
مقيدا بحيثية الاستنباط (2) فيكون جميع المباحث المذكورة داخلة في المسائل لاجل دخلها في الاستنباط. الفصل الثاني في جملة من المباحث اللغوية اختلف العلماء في ان دلالة الالفاظ هل هي ذاتية محضة ام جعلية صرفة أو بهما معا (3)
1 - اتصاف السنة بكونها محكية وان كان بوساطة الخبر الذى هو مباين لها في الوجود الا انه من قبيل الواسطة في الثبوت لا في العروض كما هو ظاهر نعم الحجية التى هي المحمول في المسألة ليست من عوارض السنة ذاتية أو غريبة بل هي من عوارض الخبر ونحوه واما البحث عن ثبوت السنة بالخبر بنحو مفاد كان التامة فهو وان لم يكن صحيحا في نفسه ضرورة عدم علية الخبر للسنة خارجا الا انه على تقدير صحته لا يكون داخلا في المبادى بل يكون البحث بحثا عن العوارض فان المبحوث عنه حينئذ ليس هو نفس الوجود والثبوت بل الثبوت بالخبر الذى هو عبارة اخرى عن معلولية السنة للخبر ولا ريب ان البحث عن المعلولية بحث عن العوارض 2 - قد عرفت فيما تقدم ان اتصاف جملة من المسائل بكونها مسائل علم واحد لا يتوقف على وجود موضوع جامع لموضوعات مسائلها فالالتزام بوجود موضوع وسيع أو ضيق لعلم الاصول بلا موجب بل الظاهر ان كل مسألة يترتب عليها الاستنباط بضم صغرى تلك المسألة إليها فهى من مسائل علم الاصول والا فلا وتمييز مسائل علم الاصول عن غيرها انما هو بالغرض لا بغيره 3 - لا ينبغى الريب في عدم كون الارتباط المتحقق بين طبيعي اللفظ والمعنى من قبيل الامور الواقعية باقسامها اما عدم كونه من قبيل الجواهر والاعراض بعد فرض قيامه بطبيعى اللفظ والمعنى فظاهر واما عدم كونه من قبيل الملازمات المتحققة في نفس الامر مع قطع النظر * (*)
[ 11 ]
(والحق) هو (الثالث) فانا نقطع بحسب التواريخ التى بأيدينا انه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الالفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التى تدل عليها فضلا عن سائر اللغات كما انا نرى وجدانا عدم الدلالة الذاتية بحيث يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المختص به بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم جعل لكل معنى لفظا مخصوصا باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا وجعله تبارك وتعالى هذا واسطة بين جعل الاحكام الشرعية المحتاج ايصالها إلى ارسال رسل وانزال كتب وجعل الامور التكوينية التى جبل
* عن اعتبار أي معتبر وفرض أي فارض فلان دعوى الملازمة بين تصور اللفظ والانتقال منه إلى المعنى بطلانها ظاهر والا لما امكن الجهل باللغات اصلا ووقوع الجهل بها من اوضح الواضحات واما ثبوت المناسبة الذاتية بين الالفاظ ومعانيها فهو وان كان ممكنا في الجملة الا انه لا دليل عليه ودعوى انه لولاه لكان تخصيص لفظ خاص بمعنى مخصوص بلا مرجح وهو محال يدفعها اولا انه لا يلزم ان يكون المرجح هي المناسبة الذاتية بل يجوزان يكون المرجح امرا خارجيا كما هو الواقع كثيرا في الاعلام الشخصية وثانيا ان المستحيل انما هو المرجح من دون ترجيح واما الترجيح بلا مرجح فلا استحالة فيه بل ولا قبح فيه ايضا إذا كان هناك مرجح لاختيار طبيعي الفعل مع عدم وجود المرجح في شئ من افراده وحينئذ فالمصلحة الموجودة في طبيعي الوضع كافية في اختيار لفظ خاص وتخصيصه لمعنى مخصوص ولو من دون ربط ومناسبة بينهما اصلا ومن هنا يظهران دعوى كون الوضع وسطا بين الامور التكوينية الواقعية والجعلية لا يمكن المساعدة عليها ضرورة انه لا واسطة بين الامور الواقعية والجعلية والتخصيص وان كان بالهام الهى كما في جملة من افعال العباد ايضا الا ان حقيقته لا تخلو من ان تكون من الواقعيات أو الاعتباريات الجعليات ومن ثم ذهب جمع إلى ان الارتباط المزبور امر اعتباري ووجوده انما هو باعتبار المعتبر وقد افيد في بيان ذلك وجهان الاول ان الوضع الحقيقي كما في وضع العلم على رأس الفرسخ وان لم يكن موجودا في وضع الالفاظ الا انه موجود فيه بنحو الاعتبار فكان اللفظ وضع على معناه للدلالة عليه كما
في وضع العلم على رأس الفرسخ وفيه اولا ان هذا المعنى على تقدير صحته في نفسه فهو يعبد عن اذهان الواضعين خصوصا القاصرين منهم كالاطفال وامثالهم مع انا نرى صدور الوضع منهم كثيرا فكيف يمكن ان يكون حقيقته امرا يغفل عنه الخواص فضلا عن غيرهم وثانيا ان لازم هذا البيان كون المعنى موضوعا عليه لا موضوعا له وكم فرق بينهما فان الموضوع عليه * (*)
[ 12 ]
الانسان على ادراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر ولا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبى أو وصى بل يلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كل طائفة بالتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة معنى خاص. ومما يؤكد المطلب انا لو فرضنا جماعة أرادوا احداث الفاظ جديدة بقدر الفاظ أي لغة لما قدروا عليه فما ظنك بشخص واحد (مضافا) إلى كثرة المعاني التى يتعذر تصورها من شخص أو أشخاص متعددة (ومنه) ظهر أن حقيقة الوضع هو التخصيص والجعل الالهى والتعبير عنه بالتعهد والالتزام مما لا محصل له.
في الوضع الحقيقي انما كان هو المكان المخصوص للدلالة على كونه رأس الفرسخ فكونه رأس الفرسخ هو الذى وضع له العلامة وعليه فما هو الموضوع له في المقام إذا كان المعنى هو الموضوع عليه الوجه الثاني ان اللفظ اعتبر وجودا تنزيليا للمعنى فكان وجود اللفظ هو وجود المعنى في عالم الاعتبار والتنزيل ويرد عليه مضافا إلى عدم مناسبة اطلاق لفظ الوضع على مثل هذا الاعتبار ما اوردناه على الوجه الاول اولا من ان امثال هذه التدقيقات بعيده عن اذهان الواضعين هذا مع ان تنزيل وجود منزلة وجود آخر لا بد في صحته من جود ما يكون التنزيل بلحاظه كما في التنزيلات الشرعية أو العرفية ومن الواضح انه لا يترتب شيئ من احكام المعنى وآثاره على وجود اللفظ فما معنى كونه وجودا تنزيليا له فالتحقيق ان ارتباط اللفظ بالمعنى ليس من الامور الواقعية ولا من الامور الاعتبارية وليس هو من حقيقة الوضع في شيئ بل
هو من شئون الوضع وتوابعه ومن الامور المنتزعة منه بيان ذلك ان حقيقة الوضع على ما يساعده الوجدان عبارة عن الالتزام النفسي بابراز المعنى الذى تعلق قصد المتكلم بتفهيمه بلفظ مخصوص فمتعلق الالتزام والتعهد امر اختياري وهو والتكلم بلفظ مخصوص عند تعلق القصد بتفهيم معنى خاص والارتباط بينهما انما ينتزع من هذا الالتزام وهذا المعنى هو الموافق لمعنى الوضع لغة فانه فيها بمعنى الجعل والاقرار ومنه وضع القانون بمعنى جعله واقراره ومن هنا يظهران اطلاق الواضع على الجاعل الاول انما هو لاسبقيته والا فكل شخص من افراد اهل لغة واضع حقيقة ثم ان التعهد المزبور ربما يكون ابتدائيا فيكون الوضع تعيينيا وقد يكون ناشئا من كثرة الاستعمال فيكون تعينيا وحقيقة الوضع في كلا القسمين على نحو واحد كما هو ظاهر (*)
[ 13 ]
(فائدة استطرادية) الفرق بين المعنى والمفهوم والمدلول (هو) أن المعنى (1) يطلق على نفس المعاني المجردة في العقل التى جردعنها جميع ما يلازمها من المادة ولوازمها فزيد الخارجي الذى يجرد عنه جميع ما يلازمه يعبر عنه بالمعنى سواء وضع له لفظ ام لا استعمل فيه اللفظ ام لا وعند الاستعمال يتنزل هذا المعنى المجرد إلى عالم الوجود الخارجي ايضا بتوسط اللفظ فكأن المتكلم يلقى المعنى في الخارج (ولذا قيل) بأن للشئ انحاء من الوجود وعدمنها الوجود اللفظى فزيد له قوس صعودي من الخارج إلى الحس المشترك ومنه إلى الخيال ومنه إلى عالم العقل قبل الاستعمال وله قوس نزولي حين الاستعمال (وأما المفهوم أو المدلول فيطلقان) عليه باعتبار انفهامه من اللفظ أو دلالة اللفظ عليه " ثم " ان المعنى المتصور في مقام الوضع اما ان يكون عاما أو خاصا (وعلى الاول) اما ان يوضع اللفظ له أو لمصاديقه (وعلى الثاني) فلا سبيل الا لوضع اللفظ له بخصوصه دون العام (بداهة) ان الخاص بما هو لا يكون حاكيا لا عن العام ولاعن الافراد الاخر (نعم) قد يكون تصور الخاص موجبا
وعلة لتصور العام بنفسه وهذا غير كون الفرد مراتا وحاكيا عنه كما في عكسه فالاقسام المعقولة ثلثة فقط تبصرة ينقسم الوضع العام والموضوع له الخاص إلى قسمين فان الخصوصية المأخوذة في الموضوع له (تارة) لا توجد من قبل اللفظ بل هي خصوصية خارجية كما إذا وضع لفظ على مثلا لكل من يتولد ليلة الجمعة فان الخصوصية المأخوذة في المعنى لم تنشأ من قبل اللفظ الموضوع له (واخرى) توجد من قبله كوضع اسماء الاشارة فانها موضوعة للمعنى المشار إليه بنفس الفاظ الاشارة (2) فعند
1 - الظاهر ان اطلاق لفظ المعنى على شيئ انما هو باعتبار كونه مقصودا والا فالمدركات المجردة في العقل مع قطع النظر عن استعمال الالفاظ فيها لا تتصف بكونها معاني كما لا تتصف بانها مفاهيم أو مداليل. 2 - اشارة اللفظ إلى المعنى ان كان باعتبار دلالته عليه فلا يختص ذلك باسماء الاشاره وان كان بغير هذا الاعتبار فما هو الغير المأخوذ في الموضع له فالظاهر ان اسماء الاشاره انما * (*)
[ 14 ]
الاستعمال يوجد فرد من افراد الاشارة وكذلك الخطاب والنداء وهذه الخصوصيات كلها ناشئة من قبل نفس تلك الالفاظ لا من الخارج فتدبره لعلك تنتفع به فيما بعد ان شاء الله تعالى. ثم انه لا اشكال في وقوع الوضع الخاص والموضوع له الخاص كالاعلام الشخصية وكذا الوضع العام والموضوع له كذلك كوضع اسماء الاجناس (انما الخلاف) في وقوع الوضع العام والموضوع له الخاص فاختار بعض ان وضع الحروف وتوابعها من الاسماء من هذا القبيل وانكره آخرون وقبل الخوض في ذلك لابد من بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم فهنا مقامان. المقام الاول في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم (والمقام الثاني) في بيان ان
الموضوع له خاص أو عام اما المقام الاول فتحقيق الحال فيه يتوقف على بيان الاقوال اولا ثم بيان المختار منها (فاعلم) ان الاقوال في المسألة ثلاثة (الاول) انه لا فرق بين المفهوم الحرفى والاسمى في عالم المفهومية وان الاستقلالية وعدمها خارجتان عن حريم المعنى فالمعنى في حد ذاته لا يتصف بالاستقلال ولا بعدمه وانما نشئا من اشتراط الواضع وهذا القول الذى هو في حد الافراط منسوب إلى المحقق (الرضى قده) واختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) (والقول الثاني) الذى هو في حد التفريط (ان الحروف) لم توضع لمعنى اصلا بل وضعت لان تكون قرينة على كيفية ارادة مدخولها نظير الاعراب مثلا معنى كلمة الدار يلاحظ بنحوين (احدهما) بما انه موجود عينى خارجي فيقال دار زيد كذا (واخرى) بما انه موجود اينى أي ظرف مكان لشئ آخر فكلمة في في قولك ضربت في الدار تدل على ان الدار لوحطت بنحو الاينية لا العينية وهذا القول منسوب إلى المحقق الرضى ايضا (والقول الثالث) هوان الحروف لها معان في قبال المعاني الاسمية وهى في حد كونها معاني أي في عالم التجرد العقلاني معان غير مستقلة بخلاف المعاني الاسمية فانها معان استقلالية فكما ان الجوهر لا يحتاج في وجوده الى موضوع بخلاف الاعراض فانها في وجودها لا في حد ذاتها وكونها معاني
وضعت للمعانى الواقعة موقع الاشارة الخارجية أو انها موضوعة بازاء الاشارة الخارجية فهى موجدة لها بالجعل والمواضعة وتحقيق الحال موكول إلى محله (*)
[ 15 ]
تحتاج إلى موضوع فكذلك المفاهيم الاسمية في عالم التجرد العقلاني بجواهرها واعراضها معان مستقله عكس المعاني الحرفية (والصواب) هو القول الثالث وقبل الشروع في توضيحه لابد من ابطال القولين الاولين (فنقول) اما (القول الاول) فيرد عليه ان لازمه جواز استعمال الحروف في موضع الاسماء وبالعكس مع انه من افحش
الاغلاط (واما حديث) اشتراط الواضع (فمما لا محصل) له فان الاشتراط المذكور هل هو اشتراط في ضمن الوضع أو في خارجه وما الدليل عليه أو على لزوم اتباعه في اشتراطه ما لم يرجع إلى الجهات الراجعة إلى الموضوع أو الموضوع له ثم على تقدير لزوم الاتباع فليكن كاحد الاحكام الشرعية التى توجد مخالفته استحقاق العقاب فلم لا يصح الاستعمال بحيث يعد من الاغلاط (وغاية) ما افيد في تقريبه ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ارجاع القيد يعنى الاشتراط إلى ناحية الاستعمال بان يكون ذات الموضوع له فيهما واحدة والاختلاف في كيفية الوضع فان الاسم وضع ليستعمل مستقلا بخلاف الحرف فانه وضع لان يستعمل آلة ومراتا فالاستقلال وعدمه خارجان عن الموضوع له مأخوذ ان في مقام الاستعمال (ويرد عليه) ان المعنى يستحيل ان يكون في حد ذاته لا مستقلا ولا غير مستقل وليس هذا الاارتفاع النقيضين (مضافا) إلى ان تقييد الاستعمال في مقام الوضع لا يزيد على تقييد الموضوع له فكما انه يصح الاستعمال في غير الموضوع له مجازا فليكن استعمال الاسم في موضع استعمال الحرف وبالعكس كذلك ثم ان الاستقلال وعدمه (1) هل هما من الفصول أو المنوعة من قبيل الاعراض
1 - إذا كان المراد من الاستقلال وعدمه هو الاستقلال في اللحاظ قبال اللحاظ الالى كما هو مراد صاحب الكفاية قدس سره فالمعنى قبل تعلق اللحاظ به لا يتصف باستقلال ولا بعدمه وليس هو من ارتفاع النقيضين في شيئ كما ان الاستقلال وعدمه على ذلك ليسا من الفصول المنوعه ولا من اعراض المعنى حتى يرد عليه ما في المتن بل هما من كيفيات اللحاظ اللاحق على المعنى في مقام الاستعمال فلا يرد عليه الا ما اورد عليه اولا من ان لازم وحدة المعاني الاسميه والحرفية ذاتا صحة استعمال الاسم في موضع الحرف وبالعكس مع انه من افحش الاغلاط مضافا إلى ان لحاظ المعنى آلة لو كان موجبا لكونه معنى مشرفيا لزم منه كون كل معنى اسمى يؤخذ معرفا لغيره في الكلام وآلة للحاظه كالعناوين الكلية المأخوذة في القضاياء معرفات * (*)
[ 16 ]
وعلى الاول يلزم تركب المعاني وقد بينا تجردها وبساطتها (مع انه) لا معنى لاخذ الجنس في مقام الوضع والفضل في مقام الاستعمال وعلى الثاني فما السبب في وجود هذا العرض (وعلى كل تقدير) فلا معنى لاشتراط الواضع ما لم يكن سنخ المعاني مختلفة كما سنبين انشاء الله تعالى (واما القول الثاني) فيرد عليه ان الظرفية أو غيرها اما ان تؤخذ في مفهوم الدار بحسب الوضع أو يدل عليها كلمة في مثلا والاول باطل على الفرض فيثبت الثاني ومنه يظهر الحال في المقيس عليه وهو الاعراب فانا نلتزم فيه بما نلتزمه في الحروف من دلالتها على معان قائمة بمدخولها واما توضيح المختار فيحتاج إلى بيان مقدمات (الاولى) ان المعاني تنقسم إلى اخطارية وغير اخطارية فان الاسماء بجواهرها واعراضها عند التكلم بها يخطر معانيها في الذهن سواء كانت في ضمن تركيب كلامي ام لم تكن بخلاف الحروف فانها بنفسها لا توجب خطور معانيها في نفس سامعها ما لم تكن في ضمن كلام تركيبي (الثانية) ان المعاني غير الاخطارية تنقسم إلى قسمين ايجادية ونسبية (اما الاولى) فكحروف التشبيه والنداء والتمنى وغيرها فان الحروف الموضوعة لها في مقام الاستعمال يوجد فردا منها في الخارج بحيث يصدق على الموجود خارجا انه فرد من التشبيه أو النداء أو التمنى أو غير ذلك (واما الثانية) فكالنسب الخاصة التى بين الاعراض ومعروضاتها فان الاعراض حيث ان وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعاتها والا لم يكن وجودها لموضوعاتها وجودا رابطيا بل استقلاليا يحتاج إلى رابط آخر وحينئذ فبينها وبين موضوعاتها نسب خاصة على اختلافها والحكيم كما لا بدله من وضع الالفاظ للمفاهيم الاستقلالية كذلك لابد له من وضع الالفاظ لافادة هذه المعاني ايضا (1) (الثالثة) ان
* للموضوعات الواقعية معنى حرفيا كما ان لحاظ المعنى حالة لغيره لو كان موجبا لكونه معنى حرفيا لزم منه كون جميع المصادر معاني حرفية فانها تمتاز عن اسماء المصادر بكونها مأخوذات
بما انها اوصاف لمعروضاتها بخلاف اسماء المصادر الملحوظ فيها الحدث بما انه شيئ في نفسه مع قطع انظر عن كونه وصفا لغيره وبالجملة لا مناص عن مغايرة المعنى الاسمى للمعنى الحرفى في ذاته كما سيتضح ذلك انشاء الله تعالى 1 - سيتضح لك فيما بعد انشاء الله تعالى ان النسب الخارجية لم توضع لها شيئ اصلا فان وضع * (*)
[ 17 ]
الموضوع للنسب تارة يكون في مقام لفظه مستقلا كلفظة من واخرى غير مستقل حتى في هذا المقام ايضا كما في وضع الهيئات الخاصة (1) فيكون الموضوع كالموضوع له في حد ذاته أمرا غير مستقل وقوام ذاته بأمر آخر ثم ان الهيئات (تارة) تكون في الجملة الاسمية واخرى في الجملة الفعلية اما الجملة الاسمية فالحمل فيها قد يكون ذاتيا كزيد انسان وقد يكون غير ذاتي كزيد قائم (اما القسم الثاني) فوجود النسبة فيه (واضح) (واما القسم الاول) فالنسبة فيه تنزيلية بمعنى انه يلحظ الموضوع عاريا عن ذاته لا بمعنى بشرط لابل بمعنى عدم لحاظ ذاته معه في مقام الفرض ويحمل نفس الذات عليه واما الجملة الفعلية (فهى) تنقسم إلى قسمين (فمنها ما) يدل على النسبة الاولية أي النسبة التى لا تزيد على قيام العرض بمعروضه كما في الفعل المبنى للفاعل (ومنها ما) يدل على النسبة التى بين الفعل وملابساته كالفعل المبنى للمفعول (ومنه) يظهر ان الاصل في المرفوعات هو الفاعل فان الجملة الاسمية كزيد قائم منتزعة من نسبة القيام إلى فاعله المستتبعة لعنوان اشتقاقي محمول على الذات والدال على تلك النسبة الاولية اللازمة لوجود العرض جملة فعلية مشتملة على فعل وفاعل (الرابعة) قد عرفت ان الهيئات منها ما هي مختصة بالنسبة الاولية وما هي مختصة بالنسبة الثانوية (واما) الكلمات الاستقلالية (فمنها) ما هو مشترك بينهما كلفظة في فانها تستعمل (تارة) لافادة قيام العرض اعني مقولة الاين أو متى بموضوعه كزيد في الدار أو في زمان كذا ويسمى بالظرف المستقر فانها لا تدل
على از يدمن النسبة الاولية وهو قيام العرض بموضوعه ومنها ما هي مختصة لافادة النسبة الثانوية كما في قولك ضربت في الدار فانها تدل على نسبة الضرب إلى الدار زيادة على نسبته إلى موضوعه ويسمى بالظرف اللغو والوجه في التسمية في كلتيهما ظاهر (ومنها)
اللفظ مطلقا لابد وان يكون بازاء مفهوم مستقل أو غير مستقل والموجود الخارجي بما هو كذلك لا معنى لوضع اللفظ له نعم النسب الخارجية مصاديق لمفهوم النسبة الذى هو معنى اسمى 1 - سيجيئ الكلام في مداليل الهيئات في الجمل الاسمية والفعلية في مقام الفرق بين الفعل وغيره انشاء الله تعالى (*)
[ 18 ]
ما هو مختص بالقسم الثاني فقط كبقية الحروف ولم نجد فيها ما يختص بالقسم الاول كما كان في الهيئات (الخامسة) ان الحروف باجمعها معانيها ايجادية نسبية كانت أو غيرها فانها لم توضع الا لاجل الربط (1) بين مفهومين لاربط بينهما كلفظ زيد والدار فكلمة في هي الرابطة بينهما في الكلام في مقام الاستعمال فالموج للربط الكلامي هو الحرف ولا منافات بين كون للنسبة الحقيقية واقعية وخارجية قد تطابق النسبة الكلامية وقد تخالفها فان المطابقة بينهما ليس كمطابقة الكلى مع فرده بل كمطابقة فرد مع فرد آخر بحيث يكون النسبة بينهما كنسبة الظل مع ذى الظل فالمفهوم الحرفى هو النسبة الظلية الكلامية التى تطابق النسبة الخارجية (تارة) وتخالفها (اخرى فما في كلام المحقق) صاحب الحاشية (قده) من اختصاص الايجادية ببعض الحروف " انما نشأ " من لحاظ النسب الخارجية والغفلة عن انها لم توضع لها الحروف بل الموضوع له فيها هي النسب الكلامية وهى ايجادية مطلقا فظهر ان المعاني الحرفية
1 - لا اشكال في تحقق الربط في الكلام بواسطة الحروف وانه لولاها لما كانت الجملات مربوطة الا ان الربط المزبور انما هو من جهة دلالتها على معانيها التى وضعت
لها والكلام فعلا انما هو في تعيين تلك المفاهيم التى بوجود الدال عليها يكون الكلام بعضه مربوطا ببعض فالقول بان الحروف موضوعة لايجاد الربط الكلامي لا يرجع إلى محصل والتحقيق ان يقال ان الحروف باجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية وتقييداتها بقيود خارجة عن حقايقها ومع ذلك لانظر. لها إلى النسب الخارجية بل التضييق انما هو في عالم المفهومية وفى نفس المعنى كان له وجود في الخارج أو لم يكن فمفاهيمها في حد ذاتها متعلقات بغيرها ومتدليات بها قبال مفاهيم الاسماء التى هي مستقلات في انفسها توضيح ذلك ان كل مفهوم اسمى له سعة واطلاق بالاضافة إلى الحصص التى تحته سواء كان الاطلاق بالقياس إلى الخصوصيات المنوعة أو المصنفة أو المشخصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد ومن الضرورى ان غرض المتكلم كما يتعلق بافادة المفهوم على اطلاقه وسعته كذلك قد يتعلق بافادة حصة خاصة منه كما في قولك الصلوة في المسجد حكمها كذا وحيث ان حصص المعنى الواحد فضلا عن المعاني الكثيرة غير متناهية فلابد للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصص المعنى وتفيده وليس ذلك الا الحروف والهيئات الدالة على النسب الناقصة كهيئات المشتقات وهيئة الاضافة أو التوصيف فكلمة في في قولنا الصلوة في المسجد لا (*)
[ 19 ]
والمفاهيم الادوية معان غير مستقلة في انفسها ومتدليه في حد ذواتها بالمفاهيم الاسمية الاستقلالية لا انها اشياء لها الربط (ولقد اجاد) اهل العربية حيث عبروا في مقام التعبير عن مفاهيمها بان في للظرفية ولم يقولوا بان في هو الظرفية كما هو ديدنهم في مقام التعبير عن المعاني الاسمية وان تسامحوا من جهة عدم التصريح بالنسبة بان يقولوا في للنسبة الظرفية. ثم ان الفرق بين المفهوم من لفظ النسبة والربط وغيرهما من المفاهيم الاسمية والمفهوم من الحروف (هو الفرق) بين المفهوم والحقيقة (فكما) ان الانسان قد يحتاج إلى حقيقة الماء مثلا فلا يفيده تصور المفهوم (كذلك) قد يحتاج إلى مفهوم
الماء فلا يفيده الحقيقة كما إذا سئل عن الماء الخارجي بما هو فانه لا يفيد السائل
- تدل الا على ان المراد من الصلوة ليس هي الطبيعة السارية إلى كل فرد بل خصوص حصة منها سواء كانت تلك الحصة موجودة في الخارج ام معدومة ممكنة كانت أو ممتنعة ومن هنا يكون استعمال الحروف في الممكن والواجب والممتنع على نسق واحد وبلا عناية في شيئ منها فنقول ثبوت القيام لزيد ممكن وثبوت العلم لله تعالى ضروري وثبوت الجهل له تعالى مستحيل فكلمة اللام في جميع ذلك يوجب تخصص مدخوله فيحكم عليه بالامكان مرة وبالضرورة اخرى وبالاستحالة ثالثة فما يستعمل فيه الحرف ليس الا تضييق المعنى الاسمى من دون لحاظ نسبة خارجية حتى في الموارد الممكنة فضلا عما يستحيل فيه تحقق نسبته كما في الممتنعات وفى اوصاف الواجب تعالى ونحوهما وبذلك يظهران ايجاد الحروف لمعانيها انما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الاثبات والدلالة والا لكان المفهوم متصفا بالاطلاق والسعة لو كان المتكلم في مقام البيان واما باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلق القصد بافادة المعنى الضيق انما هو الحرف وما يحذو حذوه لكن المعنى مع ذلك غير اخطاري لعدم استقلاله ثم لا يخفى ان المعاني الحرفية كثيرا ما يكون اللحاظ الاستقلالي والقصد الاولى متعلقين باغادتها ويكون ذكر الاسم مقدمة لافادة تلك الخصوصية والتحصص فنقول في جواب عن سئلت عن كيفية ركوب زيد مع العلم باصل تحققه انه ركب على الدابة أو مع الامير ونحو ذلك نما هو المشهور من ان المعاني الحرفية ملحوظات آليات لا اصل له نعم نفس المفهوم الحرفى غير متسقل في ذاته كما عرفت هذا ملخص ما اخترناه في المعنى الحرفى وتوضيحا يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المختصر (*)
[ 20 ]
اتيان ماء اخر في الخارج (بل لابد) من الجواب بانه ماء فالمفهوم لا يغنى عن الحقيقة (وكذلك) العكس وفيما نحن فيه ايضا قد نحتاج إلى حقيقة الربط بين كلمتين فلا يفيد قولنا زيد الربط الدار وكذلك قد نحتاج إلى مفهوم الربط كقولنا الربط متقوم
بطرفين فلا يفيد قولنا من متقومة بطرفين ولاجل غاية البينونة بينهما لا يصح استعمال احدهما في موضع الاخر ويكون المستعمل خارجا عن طريق المحاورة وحاصل الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية مبتن على اركان اربعة. (الركن الاول) ان المعاني الحرفية بأجمعها ايجادية (1) والا لكانت اخطارية فتكون هناك معان متعددة اخطارية كمفهوم زيد ودار ومفهوم النسبة الظرفية لا حقيقتها فما الرابط لهذه المفاهيم غير المربوط بعضها ببعض ولا فرق في هذا المعنى بين الهيئات الاخبارية والانشائية فان الربط الكلامي في كليهما وجد بالهيئة (غاية الامر) ان المادة في الانشاء (مع كونها) اخطارية بحيث لا يفرق بين انحاء استعمالاته (لها) نحو ايجاد (ايضا) كما يظهر لك في الركن الثالث ان شاء الله تعالى (الركن الثاني) ان لازم كون المعاني الحرفية ايجادية ان لا واقع لها بما هي معان حرفية في غير التراكيب الكلامية (2) بخلاف المفاهيم الاسمية فانها مفاهيم متقررة في عالم مفهوميتها سواء استعمل اللفظ فيه ام لا (نعم) المفاهيم الامتناعية لها تقرر في مرحلة انتزاع العقل لافى مرحلة المفهومية فانه كما يمتنع حقيقة اجتماع النقيضين كذلك يمتنع حضور مفهومه في الذهن ايضا (بداهة) عدم امكان تصور الوجود والعدم في ان واحد بل ينتزع العقل مفهوم الاجتماع من اجتماع زيد وعمر ومثلا ثم يتصور كلامن الوجود والعدم ويضيف مفهوم الاجتماع اليهما (وكذلك) الكلام في مفهوم شريك الباري كما عن الشيخ الرئيس من انه كما يمتنع الممتنعات بحسب الوجود الخارجي كذلك بحسب الوجود الذهنى ايضا.
1 - لا مقابلة بين الايجادية والاخطارية حتى يكون نفى الثانيه مستلزما لاثبات الاولى 2 - قد ظهر ما فيه ما بيناه في تحقيق المعنى الحرفى (*)
[ 21 ]
(الركن الثالث) قد عرفت عدم الفرق بين الهيئات في الاخبار والانشاء في ان معانيها ايجادية (فمنه ظهر) ان الفرق بينها ليس بحسب الوضع (1) (بداهة) عدم وضع لفظ بالخصوص لافادتها بل هما من المدلولات السياقية التى يدل عليها سياق كلام المتكلم (واما) من حيث المادة فهى في كليبما مفهوم اخطاري بمعنى ان لفظ البيع مثلا متى اطلق يفهم منه ذاك المعنى المجرد العقلاني الصادق على كثيرين (غاية الامر) ان في الانشاء يكون دخول الهيئة عليها موجدا لها في ضمن فرده لان الكلى عين الفرد (والفرق) بين هذا النحو من الايجاد والايجاد في الحروف (هو ان) الحروف موجدة لمعان غير استقلالية ربطية بين مفهومين في مقام الاستعمال ولا واقع لبا غير هذا المقام (كما عرفت) بخلاف البيع فان ايجاده بمعونة الهيئة ليس في عالم الاستعمال بل بتوسط الاستعمال يوجد المعنى في نفس الامر في الافق المناسب لوجوده وهو عالم الاعتبار فكم فرق بين ايجاد معنى ربطي في الكلام بما هو كلام وبين ايجاد معنى استقلالي في موطنه المناسب له. (الركن الرابع) ان المعنى الحرفى حاله حال الالفاظ حين استعمالاتها فكما ان المستعمل حين الاستعمال لا يرى الا المعنى وغير ملتفت إلى الالفاظ نظير القطع للقاطع فانها هي المرأة دون المرئى فالملتفت إليه هو الواقع دونها (كذلك) المعنى الحرفى غير متلفت إليه حال الاستعمال (2) بل الملتفت إليه هي المعاني الاسمية الاستقلالية. توضيح ذلك انك (تارة) تخبر عن نفس السير الخاص فتقول سرت من البصرة فالنسبة الابتدائية في هذا المقام مغفول عنها (وأخرى) عن نفس النسبة فتقول النسبة الابتدائية كذا فهى الملتفت إليها (وهذا) الركن هو الركن الوطيد وبانهدامه ينهدم
الاركان كلها فان المعاني الحرفية لو كان ملتفتا إليها لكانت اخطارية ولكان لها واقعية سوى التراكيب الكلامية (وبهذا) يفرق بين المعاني النسبية ومواد العقود فانها ملتفت إليها وان كانت النسبة انشائية كسائر النسب الكلامية لا مغفولا عنها (ومنه)
(1) - بل الفرق بينهما من ناحية الوضع كما سيجئ بيانه ان شاء الله تعالى (2) - قد ظهر ما في ذلك فلا نعيد (*)
[ 22 ]
ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكل امر غير ملتفت إليه بالمعاني الحرفيه والا فمن حيث الالفاظ فالجميع كذلك. تنبيه لا يخفى ان التعاريف المذكورة في كلمات القوم لم نجد فيها ما يشتمل على الاركان الاربعة التى ذكرناها الا التعريف المذكور في الرواية التى نسبت إلى مولى الكونين امير المؤمنين عليه الصلوة والسلام وهو ان الحرف ما اوجد معنى في غيره فانه من حيث اشتماله على الايجاد وعلى ان الموجد معنى قائم في غيره لافى نفسه قد جمع الاركان كلها واما تبديل بعضهم لكلمة اوجد بكلمه دل فهو خطأ نشأ من توهم كون المعاني الحرفية اخطارية. ثم ان الرواية نقلت بوجهين (احدهما) ما ذكرنا (والثانى) ان الحرف ما انبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ولا يبعد ان يكون هذا التعريف اشتباها من الراوى فان اصل الرواية ليست من طرقنا بل من العامة وانما اخذها الخاصة منهم (مضافا) إلى ان علو المضمون من جملة المرجحات المذكورة في بابها ولاريب في علو مضمون الرواية الاولى ودقته بحيث لم يلتفت إليه الا المحققون من المتأخرين. تذييل وكشف قناع الروية مشتملة على اجزاء ثلاثة تعريف الاسم والفعل والحرف (اما تعريف
الاسم) وهو قوله عليه السلام الاسم ما انبأ عن المسمى فقد (ظهر) من مطاوى ما ذكرنا من ان المعاني الاسمية بجواهرها واعراضها معان اخطارية فالاسم هو الذى يوجب خطور معناه في ذهن السامع (واما تعريف الحرف) (فقد بيناه) انفا (انما الاشكال) في الفعل من جهتين (الاولى) في اصل جعل الفعل من اقسام الكلمة مع انه ليس الامر كبا من الاسم وهو جزئه المادى والحرف وهو جزئه الصوري كما ان جملة من الاسماء مشتملة على المعاني الحرفية كأسماء الاشارة والموصولات واسماء الافعال والفرق بوحدة الوضع وتعدده بحسب المادة والهيئة غير مجد في الجهة المذكورة مع ان الوضع متعدد في المشتقات الاسميه ايضا فما هو الفارق بينها
[ 23 ]
وبين الافعال (الثانية) في اخذ الحركة في التعريف وانها باى معنى اخذت فانها ظاهرة في المعنى المقابل للسكون (وعليه) يخرج غالب الافعال عن التعريف. اما الكلام من الجهة الاولى فتحقيقه ان الحروف وضعت بازاء نسب خاصة كلامية ولذا لا تقع محكوما عليها ولا محكوما بها بخلاف الاسماء فانها من جهة استقلالها بالمفهومية قابلة لكليهما والفعل واسطة بينهما بشهادة انه لا يقع مسندا إليه بل يقع مسندا دائما فهو متوسط حقيقة بين الاسم والحرف لا محالة. وتوضيح ذلك يتوقف على بيان (مقدمة) وهى ان مادة المشتقات ليست بمصادر ولا اسمائها (بداهة) ان كلا منهما اخذت فيه خصوصية خاصة وهى ملاحظة العرض بما هو عرض في المصادر وبما هو شيئ من الاشياء في اسمائها وكل من الخصوصيتين بالاضافة إلى الاخرى والى بقية الخصوصيات المأخوذة في باقى المشتقات مباينة فلا يعقل ان يكون بعضها مادة لبعض آخر بل الموادهى المأخوذة لا بشرط من جميع الخصوصيات كما في الهيولى المبهمة بالاضافة إلى صورها فالمادة في حد ذاتها غير متحصلة بتحصل بل يعرضها التحصل من اضافة الهيئات إليها (فتارة) تلحظ
عند عروض الهيئة لها بما هي شيئ فتسمى باسم المصدر ويخبر عنه وبه فيكون مفهوما استقلاليا (واخرى) مع خصوصية كونها عرضا فيكون مصدرا (وثالثة) بما هي متحدة مع الذات فيكون مشتقا اسمايا بانحاء الاشتقاق وفى كل ذلك قابل لان يكون طرفا للنسبة بالحكم عليه أو به (ورابعة) بما هي متحصلة من جهة الاسناد فقط وبهذه الملاحظة تكون مادة الافعال فهى بالدقة تكون في التحصل واسطة بين الحروف والاسماء فان المعاني الحر فية من جهة عدم استقلالها غير قابلة للتحصل في نفسها والاسماء قابلة له مطلقا واما الافعال فهى قابلة له من جهة الاسناد فقط فالحروف لا تقبل التحصل اصلا والاسماء قابلة (مطلقا) والافعال من جهة الاسناد فقط. وأما الكلام من الجهة الثانية فتحقيقه (1) ان المراد من الحركة هو الخروج من
1 - ما ذكره قدس الله سره في تحقيق خروج مادة الافعال من قابلية الاستقلال إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها وان كان معنى دقيقا الا انه لا يمكن ان يكون هو المراد من الرواية فان مدلول الرواية هو ان الفعل ينبئ عن حركة المسمى ومن الواضح ان الحركة بالمعنى المزبور هو ما به قوام الفعل وتحققه لا انها مدلوله ولا بدلنا في هذا المقام من توضيح مفاد - (*)
[ 24 ]
العدم إلى الفعلية (وبيانه) ان الاسماء كما ان معانيها معان اخطارية (كذلك) هي بنفسها الفاظ استقلاليه (والحروف) وان لم تكن معانيها مستقلة في حد ذاتها ولا قابلة لعروض الاستقلال لها (الا انها) في غير الهيئات كلمات استقلالية والافعال هيثاتها من جملة الحروف كما بينا واما بحسب المادة فهى كما عرفت لا تحصل له في حد ذاته لا لفظا ولا معنى الا انها قابلة للتحصل بعروض الهيئة عليها فهى من جهة كونها في حد ذاتها غير مستقلة تشبه بالحرف بل هي اردء من الحرف لان الحرف مستقل من جهة اللفظ دونها واما من جهة كونها قابلة للتحصل ولو بعروض الهيئة النسبية عليها بالاسم (غاية الامر) ان الاسماء مستقلات في حد انفسها سواء كانت في ضمن التراكيب الكلامية ام لا
- الهيئات على الاطلاق حتى يتضح مداليل الافعال خبريه وانشائية فنقول قد عرفت ان الحروف انما وضعت لافادة التضييق في المعاني الاسمية من دون ان يكون شيئ منها دالا على النسبة الخارجية ومن هذا القبيل هيئات المشتقات والاضافة والتوصيف وما يلحق به فانه لا يستفاد منها الا التضييق في عالم المفاهيم مع قطع النظر عن الامكان وعدمه فضلا عن الوقوع الخارجي واما هيئة الجملة الاسمية فهى غير موضوعة للنسبة الخارجية كما هو المعروف لعدم وجود النسبة في كثير من الجمل الاسمية كما في قولنا الانسان ممكن أو موجود وشريك الباري ممتنع ونحو ذلك ودعوى اعمال العناية في جميع ذلك خلاف الوجدان هذا مع ان فائدة الوضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى ومن الواضح ان الجملة الخبرية بما هي كذلك لا كاشفية لها عن تحقق النسبة في الخارج ولو ظنا فما معنى كون الهيئة موضوعا لها نعم ان الجملة الاسمية توجب الانتقال إلى ثبوت المحمول للموضوع بنحو التصور لكنه لا يستفاد من الهيئة فان الجملة تصديقية لا تصورية ودعوى ان الهيئات موضوعة للنسب الكلامية كالحروف قد عرفت ما فيها فالصحيح ان مدلول الهيئة في الجمل الاسميه انما هو ابراز قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه فهو مصداق للمبرز خارجا بالجعل والمواضعة بيان ذلك ان اللفظ بما انه فعل اختياري صادر من المتكلم فلا بدوان يكون صدوره عنه بداع من الدواعى ووضع اللفظ للمعنى الذى هو عبارة عن التعهد والالتزام بانه متى قصد تفيهم معنى يجعل مبرزه لفظا مخصوصا يوجب دلالة اللفظ على كون الداعي إلى ايجاده هو قصد الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع مثلا فتكون الجملة بنفسها مصداقا للحكاية كما إذا قصد الاخبار عن قيام زيد بتحريك الراس ونحوه والكلام بما انه دال على معناه لا يتصف بالصدق والكذب فان دلالته على قصد - (*)
[ 25 ]
والافعال لا تكون مستقلة الا بعروض الهيئة النسبية الموضوعة بوضع على حدة (وبهذا) تفترق عن المشتقات فان هيئاتها وان كانت موضوعة بوضع آخر الا ان تلك الهيئات تفيد
معاني اسمية غير نسبية فالهيئة مع المادة لا تفيد الا معنى واحدا بسيطا مجردا في عالم العقل فيصح ان يقال ان الافعال تخطر معاني مستقلة بلحاظ حركتها وخروجها عن قابلية الاستقلال إلى الفعلية من جهة عروض الهيئة عليها بخلاف الاسماء التى اشرب فيها معاني الحروف كاسماء الاشارة واسماء الافعال لانها غير مشتملة على مادة وهيئة موضوعتين بوضعين حتى تخرج المادة إلى الفعلية بعروض الهيئة عليها (واما) المشتقات (فقد عرفت) حالها (وهذا) الذى ذكرناه هو الصحيح (لا ما يقال) من ان الحركة وان كانت بمعنى الخروج من القوة الا ان المراد منها فيما نحن فيه هو الخروج من قوة الوجود إلى الفعلية (فالافعال) تنبئى عن خروج المادة من العدم إلى الوجود فان لازمه ان يكون المراد من
- الحكاية لاننفك عنه ابدا إذا لم تكن قرينة على خلافه حتى ان المتكلم لو لم يكن قاصدا للحكاية في الواقع لكان تكلمه بلا قرينة على خلاف تعهده والتزامه والدلالة موجودة لا محالة اما قطعا واما من جهة الظهور النوعى بل الاتصاف بالصدق والكذب انما هو من ناحية المدلول فان الحكاية والاخبار عن الثبوت أو النفى ان طابق الواقع ونفس الامر فهى صادقة والا فكاذبة واتصاف الكلام بهما انما هو بتبع المدلول وعلى كل من تقديري الصدق والكذب يكون دلالة اللفظ على معناه وهو كون الداعي إلى ايجاده هو قصد الحكاية على نسق واحد فهيئة الجملة الاسمية موجودة للحكاية حقيقة فان الفعل الصادر بداعي الحكاية يكون مصداقا لها لا محالة كما انه لو وقع بداع آخر من الارشاد والسخرية وغيرهما لكان مصداقا له واما الافعال فهيئة الفعل الماضي تدل على قصد الحكاية عن تحقق المبدء سابقا على التكلم كما ان هيئة الفعل المضارع تدل على تلبس الذات بالمبدء في حال التكلم أو بعده ولذا لو استند الفعل الماضي أو المضارع إلى الزمانيات لدل على تحقق الفعل في الزمان الماضي أو في خصوص الحال أو للاستقبال والا فالهينة بما هي كذلك لا تدل على الزمان اصلا على ما سنبين ذلك في محله انشاء الله تعالى و اما الانشائيات فالتحقيق فيها ان حقيقة الانشاء ليست عبارة عن ايجاد معنى كالطلب وغيره باللفظ كما هو المعروف فان الوجودات الحقيقية للمعانى لا يمكن ايجادها الا باسبابها
الخارجية واللفظ ليس منها بالضرروة واما الوجودات الاعتبارية فاعتبار نفس المتكلم قائم بنفسه ولا دخل لوجود اللفظ في تحققه اصلا وهو ظاهر - (*)
[ 26 ]
المسمى في تعريف الاسم هو المعنى الاخطاري وفى تعريف الفعل هو المعنى الحدثى القابل للخروج من العدم إلى الوجود والسياق ينافى ذلك (ولكن) ما ذكرنا من التحقيق ايضا (مبنى) على ان يكون ذلك المعنى للحركة معنى عرفيا كما هو ليس ببعيد بل يمكن ان يكون اطلاق الحركة على ما يقابل السكون من جهة كونها احد مصاديق المفهوم العام ولذا يطلق على الامور غير القابلة للحركة الاينية ايضا كالغضب وامثاله واما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلمات القوم على وجوه ثلاثة (الاول) كون كل من الوضع والموضوع له والمستعمل فيه عاما (الثاني) كون الوضع عاما مع كون كل من الموضوع له والمستعمل فيه خاصا (الثالث) كون المستعمل فيه فقط خاصا (اما القول الاول) فقد اختاره المحقق صاحب الحاشية تبعا للمحقق الرضى قدس سرهما ووجدناه في بعض تقريرات استاذ الاساتيذ الانصاري (قده) ولم يعرف المقرر بشخصه (واما القول الثاني) للمحقق الشريف وتبعه صاحب الفصول وجماعة (واما القول الثالث) فقد رفضه المحققون فان وقع اللفظ لمعنى يستحيل استعمال اللفظ فيه ولا بد من استعماله
- واما الاعتبارات العقلائية فالانشائات وان كانت موضوعات لتلك الاعتبارات الا ان تلك الاعتبارات مترتبة على قصد المعاني بها والكلام فعلا في بيان ذلك وانه كيف يوجد باللفظ بل (الصحيح) ان الانشاء حقيقة هو ابراز امر نفساني باللفظ غير قصد الحكاية فالمتكلم بمقتضى تعهده والتزامه يكون اللفظ الصادر منه مبرزا لاعتبار من الاعتبارات القائمة بنفسه وانه هو الداعي لا يجاده فكما ان في الجملة الخبرية كان اللفظ دالا بالدلالة الوضعية على قصد الحكاية وكان مبرزا له عن الخارج فكذلك الجملة الانشائية
تكون دالة على اعتبار خاص ويكون مبرزا فهيئة افعل بمقتضى التعهد المزبور تكون مبرزة لاعتبار الوجوب وكون المادة على عهدة المخاطب فالاخبار والانشاء يشتركان في تحقق الابراز بهما والفرق بينهما هو ان المبرز في الاخبار حيث انه عبارة عن قصد الحكاية وهو متصف بالصدق أو الكذب فالجملة تتصف باحدهما ايضا لا محالة بالتبع وهذا بخلاف المبرز في الانشاء فانه اعتبار خاص لا تعلق له بوقوع شيئ ولا بعدمه فلا معنى للاتصاف بالكذب والصدق من ناحية المدلول وقد عرفت ان الدلالة بما هي كذلك لا تتصف بشيئ منهما مطلقا كانت الجملة خبرية أو انشائية ويترتب على ما ذكرناه - (*)
[ 27 ]
ابدا في معنى آخر غير معقول وحديث اشتراط الواضع قد عرفت ما فيه (فالمهم في المقام (بيان) الوجهين الاولين فنقول ليس المراد من الكلية والجزئية في المقام ما هو المتبادر منها في المفاهيم الاسمية من قابلية الصدق على الكثيرين وعدمها كما توهمه المحقق صاحب الكفاية (قده) فاورد على القائلين بكون الموضوع له خاصا بأن ما يستعمل فيه الحروف غالبا لا يكون خاصا كما في مثل سر من البصرة إلى الكوفة فان ما يستعمل فيه الحروف كما عرفت في المقام الاول ليس الا النسب الرابطة في الكلام بحيث إذا اعيد الكلام مرة ثانية تكون النسبة مغايرة للاولى وهذه النسبة يستحيل صدقها على الخارج حتى تتصف بالكلية والجزئية باعتبار الصدق وعدمه. وبعبارة واضحة المفهوم الاسمى والحرفي متعاكسان فان المفهوم الاسمى له خارج يطابقه ولو فرضا فاما ان يكون الوضع لنفس المفهوم أو لمصاديقه بخلاف المفهوم الحرفى فانه متقوم بطرفي الكلام ويستحيل صدقه على موطن آخر غير موطنه الكلامي بل هو من جملة ما ينطبق عليه المفهوم الاسمى كمفهوم النسبة الصادق على النسبة الخارجية والكلامية فالمفاهيم الاسمية مفاهيم منطبقة والمفاهيم الحرفية مما ينطبق غيرها عليها لا
- في بيان الفرق بين الانشاء والاخبار ان الاختلاف بينهما من ناحية الوضع فما هو
المعروف من كون المستعمل فيه فيهما واحدا وانما يفترقان من ناحية الدواعى للاستعمال لا يمكن المساعدة عليه مع انه لو كان الامر كذلك لصح استعمال الجملة الاسمية في مقام الطلب كالجملة الفعلية مع انه لا يصح قطعا فيكشف ذلك عن خصوصية خاصة في الافعال دون غيرها إذا عرفت ذلك فنقول ان مادة الافعال في حد ذاتها بما انها لا بشرط ولم يؤخذ فيها التحقق ولا عدمه ولا كونه متعلقا لاعتبار من الاعتبارات ولا عدمه لكنها في نفسها قابلة لفروض شيئ منها عليها والمنبئ عن خروج هذه القابلية إلى الفعلية وكون المادة متعلقة للحكاية عن تحققها في الخارج أو عن عدم تحققها فيه أو متعلقة لاعتبار من الاعتبارات هي هيئات الافعال فهيئة الفعل الماضي مثلا تدل على ان مادة الفعل قد تعلق بها قصد الحكاية عن تحققها في الخارج فهى منبئة عن حركة المسمى لا محاله وهذا المعنى وان كان مشتركا فيه بين الافعال والجمل الاسمية الا ان الجمل الاسمية خارجة عن المقسم في الرواية فانها مركبة من كلمتين فصاعدا والكلام انما هو في تقسيم الكلمة وعليك بالتدبر في اطراف ما ذكرناه لعلك تنتنفع به انشاء الله تعالى (*)
[ 28 ]
هي على غيرها بل المراد من الكلية والجزئية في المعاني الحرفية هو ان ما يتقوم به النسبة الكلامية وهى اطراف الكلام كما انها خارجة عن حريم المعنى الحرفى فهل التقيدات ايضا خارجة حتى يكون الموضوع له واحدا وكليا ام هي داخلة في الموضوع له حتى يكون المعنى متعددا والموضوع له خاصا (وبعبارة اخرى) المفاهيم الحرفية كما عرفت لا محالة معان غير استقلالية بل ايجادية فلا بد في مقام الوضع لها من تصور مفاهيم اسمية عامة كمفهوم النسبة الابتدائية فيكون الوضع لا محالة عاما (ثم ان) الموضوع له (اما ان) يكون تلك المفاهيم الربطية الكلامية بخصوصياتها فيكون الموضوع له خاصا (اولا فيكون عاما وهذا معنى كلام الفصول حيث قال ويحتمل خروج القيد والتقيد (ثم ان) اطلاق الجزئي الا ضافى على المفاهيم الحرفية بلحاظ انها بالاضافة إلى المفهوم الاسمى
جزئية واما بالاضافة إلى موارد استعمالاتها فلا محالة تكون كلية (ولكنه) مع ذلك ايضا مما لا محصل له فان المعنى الحرفى كما عرفت ليس بصدقي بل يوجد في مورد الاستعمال بنفس الاستعمال وان كان التقيد خارجا ايضا إذا عرفت ذلك (فالحق) ان الموضوع له فيها كالوضع عام (1) فكما ان المفاهيم العرضية لا تحتاج في مقام ماهياتها إلى موضوع بل في مقام وجودها (فكذلك) المفاهيم الحرفية لا تحتاج في مقام مفهوميتها إلى خصوصية الطرفين بل في مقام استعمالاتها فالموضوع له فيها هو المعنى الواحد بالهوية المشتركة بين جميع موارد الاستعمالات والخصوصية انما نشأت من ناحيتها. وتوضيح ذلك ان المفاهيم الحرفية كما عرفت قائمة بالمفاهيم الاسمية نظير قيام الاعراض بموضوعاتها (فكما) ان الخارجيات لها جواهر واعراض (فكذلك) المفاهيم فالمفاهيم الاسمية بانواعها معان استقلالية جوهرية والمعان الحرفية معان عرضية قائمة
1 - معاني الحروف على ما عرفت ليست الا تقييدات للمعانى الاسمية وتضييقات في ناحيتها وخصوصيات الاطراف وان كانت خارجة عن مداليلها وبهذه الملاحظة يكون الموضوع له كالوضع عاما الا ان واقع التضيق الذى هو المعنى الحرفى حيث انه في كل مورد مغاير للتضيق في مورد آخر فلا مناص في مقام الوضع من تصور مفهوم اسمى كمفهوم التضيق بلحاظ ظرف الشئ مثلا فيوضع اللفظ بازاء واقعه ومن هذه الجهة لابد من كون الموضوع له خاصا وهو ظاهر (*)
[ 29 ]
(بها فكما) ان الاعراض في مقام تحصلها وقوامها لا تحتاج إلى موضوع وان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لبساطتها فهى في كل مرتبة بسيطة (فكذلك) المفاهيم الحرفية ايضا بسائط في مقام مفهوميتها ويحتاج في مقام وجوده في عالم الاستعمال إلى مفاهيم اسمية حتى تتحقق بها ففرق بين التحصل والتحقق (فما يقال) في ان المفاهيم الحرفية
حيث انها معان عرضية والعرض لا يتقوم الا بموضوع فلا بد وان تكون الخصوصيات داخلة في حقيقته (قد ظهر جوابه من ان قوام العرض بموضوعه في الوجود لا في التحصل وفى مقام الماهية (واما الاستدلال) على جزئية المعاني الحرفية بأنها ايجادية والشيئ ما لم يتشخص لم يوجد (2) (فهو مبتن) على عدم وجود الكلى الطبيعي في الخارج اصلا وان الموجود في الخارج هي الاشخاص أو على ان الكلى وان كان موجودا الا انه لابد وان يتشخص في رتبة سابقة على الوجود حتى يوجد في الخارج فان بناء عليهما حيث ان المعاني الحرفية ايجادية والايجاد يستحيل تعلقه بالكلى فيستحيل ان يكون الكلى موضوعا له (واما إذا) قلنا بان الكلى موجود في الخارج والتشخص مساوق الوجود في مرتبته كما هو التحقيق لان متعلق الوجود والتشخص شيئ واحد فعليه يكون الموضوع له نفس الكلى وان كان عين وجوده متشخصا بخصوصيات الطرفين الا ان تلك الخصوصيات في لوازم الوجود لا الماهية (ومن الغريب) ان المحقق الرشتى (قده) بنى في مسألة وجود الكلى الطبيعي على ما بنينا عليه ومع ذلك غفل في مسألة الحروف عن ذلك وقال ان ايجادية المعاني الحرفية تستدعى جزئية معانيها فان الشيئ ما لم يتشخص لم يوجد. بقى هناك امور (الاول) في بيان ان استعمال الالفاظ في المعاني المجازية تابع للوضع النوعى ام لا (فنقول) حقيقة الوضع كما عرفت سابقا ليس الا جعل اللفظ بالجعل المتوسط بين التكويني والتشريعي وجودا بالقوة للمعنى (ثم) انه (كما) ينقسم باعتبار الموضوع له إلى كلى وشخصي (فكذلك) ينقسم باعتبار اللفظ إلى كلى وشخصي
2 - قد عرفت معنى الايجاديه في المعاني الحرفيه وانه لا تنافي بينه وبين انباء الحروف عن تضييق المفاهيم الاسميه في عالم مفهوميتها وعليه فلا وجه لدعوى جزئية المعاني الحرفية ببرهان ان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد ولا للجواب عنها بان التشخص من ناحية الوجود والا فنفس الكلى الطبيعي موجود في الخارج (*)
[ 30 ]
فان الموضوع تارة يكون لفظا مستقلا بنفسه فيكون الوضع شخصيا (واخرى) لا يكون كذلك بل امرا لا تحصل له في حد ذاته كمواد المشتقات وهيئاتها على ما عرفت مفصلا فيكون الوضع نوعيا فالمشتقات وضعها عام من جهة الموضوع والموضوع له في المادة والهيئة (ثم) ان الاستعمال ليس الا ايجاد المعنى البسيط العقلاني في الخارج كما اشرنا إليه سابقا فكأنه القاء للمعنى في الخارج واللفظ غير ملتفت إليه الا تبعا نظير الوجوب المقدمى فهذا الالقاء (تارة) يستند إلى الجعل والمواضعة كما في الاستعمالات الحقيقية (واخرى) إلى حسنه بالطبع لاجل غاية المناسبة بين المستعمل فيه والمعنى الحقيقي بحيث يوجب صحة تنزيل احدهما منزلة الاخر في استعمال اللفظ فيه أو جعله فردا ادعائيا له كما ادعاه السكاكى وعلى كل تقدير فبعد وجود المناسبة المذكورة لا يحتاج إلى ترخيص من احد اصلا فالقول بان الاستعمالات المجازية تابعة للترخيص النوعى مما لا محصل له (ثم) ان استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله من هذا القبيل ايضا (1) بمعنى ان حسنه بالطبع والوجدان وحقيقة الاستعمال في الجميع على نحو واحد فان المتكلم يلتفت إلى طبيعة لفظ زيد اولا ثم حين الاستعمال يكون اللفظ الذى هو من افرادها حقيقة مغفولا عنه بحيث لا يرى الانفس الطبيعة ولا يلقى في الخارج الا اياها كالاستعمال في المعاني عينا (غاية) الامر ان المفنى فيه في الاستعمال الحقيقي أو المجازى امور متغايرة لطبيعة الالفاظ وفيما نحن فيه من سنخها وحقيقة الاستعمال في الجميع واحدة والفرق ان مصحح الفناء في الاستعمال الحقيقي جعل الواضع وفى الاستعمال المجازى شدة مناسبة المعنى المجازى مع الحقيقي وفيما نحن فيه كون اللفظ الملقى بنفسه متحدا مع المفنى
1 - قد عرفت سابقا ان الحروف وضعت لتضييق المفاهيم الاسمية فان كان المفهوم لا يمكن احضاره في ذهن المخاطب الا باللفظ فيكون احضار ذات المعنى بالاسم وافادة تضييقه بحرف من الحروف واما إذا امكن احضاره بنفسه من دون دال آخر فلا يحتاج إلى الاستعمال
اصلا غاية الامر انه في فرض تعلق القصد بافادة المعنى المضيق يكون الدال على التضييق هو الحرف ايضا فإذا قلت زيد في ضرب زيد فاعل فقد اوجدت طبيعي لفظ زيد في الخارج بناء على وجود الكلى الطبيعي بوجود فرده واحضرته في ذهن المخاطب بنفسه غاية الامر ان قصد اليتكلم تعلق بافادة حصة خاصه من ذلك الطبيعي وقد جعل الدال عليه هو الحرف وعليه لا يبقى لدعوى استعمال اللفظ في النوع أو المثل أو الصنف مبطل اصلا (*)
[ 31 ]
فيه خارجا والارتباط بينهما اشد من الارتباط الجعلى (ومما ذكرنا) تعرف امتناع الاستعمال في شخص نفسه فانه لا اثنينية (ح) حتى يمكن فناء شيئ في شيئ (واما ما ذكره صاحب الفصول) في مقام الامتناع من اتحاد الدال والمدلول من دون تأويل في البين أو تركب القضية من جزئين (فلا وجه له) فان التأويل أو اتحاد الدال والمدلول فرع امكان الاستعمال وهو منتف فيما نحن فيه رأسا (ومع قطمع النظر عما ذكرنا) نمنع تركب القضية من جزئين بل هي مركبة من اجزاء ثلثة غاية الامر ان موضوع القضية هو نفس الموضوع الواقعي (وبالجملة) صحة الاستعمال في مواردها تارة تكون معلولة (للاتحاد الجعلى) الناشئ من الوضع أو من المناسبة بين المستعمل فيه والموضوع له (أو للاتحاد الذاتي) والاخير اقوى من الاولين ووجهه واضح فلا يحتاج إلى جعل وتعيين (مضافا) إلى ان صحة الاستعمال كذلك موجودة في المهملات ايضا وكونها مجعولة وموضوعة ينافى كونها مهملة. الامر الثاني في ان الدلالة تابعة للارادة ام لا (1) (ولبيان موضع النزاع (لابد) من ان يقال ان الدلالة اما تصورية واما تصديقية (اما الاولى) فهى عبارة عن نفس خطور المعنى في الذهن عند تصور اللفظ وهذه مما لا شبهة في عدم كونها تابعة للارادة بل الارادة تابعة للدلالة أي كون اللفظ بحيث إذا سمع ينتقل منه إلى المعنى (واما الثانية فهى عبارة عن الدلالة على كون معاني الالفاظ مما تعلقت بها الارادة الجدية (وكلام العلمين
(قدس سرهما) في التبعية (ناظر) إلى المقام الثاني فيخرج بذلك الاستعمال الكنائى من الدلالات
4 - مقتضى ما اخترناه في معنى الوضع هو ان يكون طرف الالتزام هو قصد تفهيم المعنى باللفظ اذلا معنى للالتزام بكون اللفظ دالا على معناه ولو صدر من لافظ من غير شمور واختيار فانه غير اختياري فلا يسقل ان يكون طرفا للالتزام والتعهد وعليه فلا مناص من اللالتزام بكون الدلالة الوضعية مختصة بصورة قصد التفهيم وارادة المعنى من اللفظ سواه كانت الارادة جدية ام استعمالية واما يرى من الانتقال إلى المعنى عند سماع اللفظ ولو كان اللافظ بلا شعور واختيار فهو من جهة الانس الحاصل من الاستعمال كثيرا لا من جهة العلقة الوضعية ومن ثم يتحقق هذا الانتقال حتى مع تصريح الواضع باختصاص العلقة الوضعية بما ذكرناه هذا مع ان فائدة الوضع هو التفهيم فلا موجب لجعل العلقة الوضعية على الاطلاق وكلام العلمين في بحث الدلالات الثلث صريح فيما ذكرناه فراجع (*)
[ 32 ]
الوضعية فانها تابعة لان تكون المعاني مرادة جدية وليس الامر في الكناية كذلك (و اما لو قلنا) بعدم التبعية (فلا فرق) بين الاستعمال الكنائى وغيره في كون الدلالة اللفظية على المعاني وضعية (غاية الامران) الارادة الجدية أي الغرض من استعمال اللفظ في المعنى (في احدهما) متعلقة بالمعاني الموضوع لها الالفاظ (وفى الاخر) متعلقة بلوازمها (فتدبر) حتى لا تتوهم ان مرادهما تبعية الدلالة التصورية للارادة التى لايتفوه بها عاقل فضلا عن مثلهما الامر الثالث في ان للمركبات وضعا ام لا (والمراد من وضع المركبات (هو) وضع الهيئات التركيبية الاسمية في الكلام العربي (1) كزيد قائم فانه وقع النزاع في ان الموضوع للربط الكلامي (هل هو الاعراب) كما ذهب إليه بعض واورد عليه بان الاعراب مشترك بين هذا النحو من التركيب وبقية التراكيب أو انه هو الضمير المقدر) أي لفظة هو كما اختاره جماعة من اهل الميزان (واورد عليه) بانه موضوع لمفهوم استقلالي اسمى فلا يكون مفيدا للمعنى الحرفى أو انه الهيئة التركيبية كما هو المختار للمحققين
" واما الجمل الاخر " كضرب زيد أو كان زيد قائما " فالمفيد " للريط فيها هي هيئة الفعل بانواعها وقد يكون الدال على الربط احد الافعال الناقصة كلفظ كان مثلا ولو كان للهيئة التركيبية في الجمل الفعلية وضع عليحدة " لزم " افادة المعنى الواحد مرتين وهو غير معقول (واما ما يتوهم) من ان المراد من وضع المركبات وضع المركب بما هو مركب (فغير صحيح ولا يمكن ان ينسب إلى احد من العقلاء فضلا عن العلماء (ومنه ظهر) انه لا معنى لكون المجاز في المركب بما هو مركب إذا المجازية فرع وجود الموضوع له وهو في المركب غير موجود (نعم) يجوز التشبيه فيه (اما) من حيث تشبيه المجموع بالمجموع أو من حيث تشبيه كل من اجزاء احدهما بما يقابله من اجزاء الاخر كما في قوله تعالى (مثلهم كمثل الذى استوقد نارا) إلى (آخر الاية) (واما توهم) ان الاية المباركه وما ماثلها من الايات من قبيل المجاز في المركب (كتوهم) ذلك في قولهم اراك تقدم رجلا
1 - لا يختص وضع الهيئة التركيبية بخصوص هيئة الجملة الاسمية بل الخصوصيات المستفادة من الكلام الزائدة على ما يستفاد من هيئة الفعل كصدور الفعل من عيسى في قولك اعان عيسى موسى أو الحصر المستفاد من قوله تعالى اياك نعبد إلى غير ذلك كلها يستفاد من هيئات الجمل فما افاده قدس الله سره في معنى ثبوت الوضع للمركب وان كان وجيها الا ان تخصيصه ذلك بخصوص الجملة الاسمية لاوجه له (*)
[ 33 ]
وتؤخر اخرى (فغير صحيح) لما عرفت من انه غير معقول (بل التحقيق) ان المستعمل فيه في جميع ما ذكر هي المعاني الحقيقية اما على سبيل التشبيه أو الكناية ويمكن ان يكون المثل المتقدم جاريا على نهج كل منهما وعلى كل حال فليس الاستعمال في مثل هذه التراكيب بنحو المجاز الامر الرابع في الحقيقة الشرعية (لا يخفى) ان البحث في هذه المسألة لا يترتب عليه ثمرة اصلا فانه (وان) ذكر بعض ثمرة له وهو حمل الالفاظ المستعملة
بلا قرينة على المعنى اللغوى بناء على عدمها وعلى المعنى الشرعي بناء على ثبوتها (الا) ان التحقيق انه ليس لنا مورد نشك فيه في المراد الاستعمالى اصلا (ثم ان) الكلام تارة يقع في الوضع التعييني واخرى في التعينى (اما الاول) فهو مقطوع بعدمه إذ لو كان الشارع المقدس قد وضع هذه الالفاظ لمعانيها الشرعية بنحو التعيين لبينه لاصحابه ولو بينه لهم لنقل الينا لتوفر الدواعى إلى نقله وعدم المانع منه فلا يقاس ذلك بالنص على الخلافة الذى اخفوه مع التصريح به وذلك لثبوت الداعي إلى الكتمان هناك دون المقام (وتوهم) امكان الوضع بنفس الاستعمال (1) كما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) (مدفوع) بان حقيقة الاستعمال كما بيناه القاء المعنى في الخارج بحيث يكون الالفظ مغفولا عنها فالاستعمال يستدعى كون الالفاظ مغفولا عنها وتوجه النظر إليه بتبع المعنى بخلاف الوضع
1 - قد عرفت فيما تقدم ان حقيقة الوضع ليست الا عبارة عن الالتزام والتعهد بابه متى ما تعلق ارادة المتكلم بافادة معنى خاص ان يبرز ذلك بلفظ مخصوص كما هو المختار أو انه اعتبار نفساني قائم بها نظير بقية الاعتبارات القائمة بمعتبرها وعلى كل حال فالوضع سابق على الاستعمال لا محالة وعليه فلا يكون الوضع بنفس الاستعمال حتى يرد عليه استحالة الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في آن واحد بل يكون الاستعمال كاشفا عن الوضع فيما إذا كان هناك قرينة على ذلك ومن هنا يظهران ما افاده المحقق صاحب الكفاية قدس سره من عدم كون هذا الاستعمال بحقيقة ولامجاز لا وجه له والظاهر ان دعوى القطع بثبوت الوضع التعييني بهذا النحو قريبة جدا ومع قطع النظر عن ذلك ايضا فلا ينبغى الريب في ثبوت الموضع التعينى في الالفاظ التى كثر استعمالها في المعاني الشرعية حتى في زمان النبي صلى الله عليه وآله فان منشاء الوضع التعينى لا يختص بخصوص كثرة الاستعمال في لسانه صلى الله عليه وآله بل يكفى في ثبوته كثرة الاستعمال في لسانه ولسان تابعيه بحيث يكون دلالة اللفظ على المعنى الشرعي غير محتاجة إلى القرينة (*)
[ 34 ]
فانه يستدعى كون اللفظ منظورا إليه باستقلاله ومن الواضح انه
لا يمكن الجمع بينهما في آن واحد (واما الوضع التعينى فهو بالنسبة إلى زمان الصادقين (عليهما السلام) (مقطوع به) الا انه لا طريق لنا إلى اثباته في زمان النبي صلى الله عليه وآله حتى تثبت الحقيقة الشرعية وعليه تكون الالفاظ المستعملة في زمانه صلى الله عليه وآله مجملات (واماما يقال) كما عن صاحب الكفاية " قده " ان ثبوت الحقيقة الشرعية فرع كون هذه المعاني مستحدثة وهو خلاف التحقيق على ما يظهر من جملة من الايات " فيرده " ان جملة من المعاني وان كانت ثابتة في الشرايع السابقة ايضا كالحج فانه كان في عصر الخليل عليه السلام الا انها لم تكن يعبر عنها بهذه الالفاظ بل بالفاظ آخر قطعا " واما لفظ الصلاة " فانه وان كان مذكورا في انجيل برنابا الا ان المستعمل فيه في غير عصر نبينا صلى الله عليه وآله كان هو المعنى اللغوى فان صلاة المسيح لم تكن الامر كبة من ادعية مخصوصة فالالفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية والمعاني الموجودة في الشرايع السابقة لم يكن يعبر عنها بهذه الالفاظ وعليه فلا يكون ثبوتها في الشرايع السابقة مانعا عن ثبوت الحقيقة الشرعية (الامر الخامس في ان الفاظ العبادات (هل هي) اسام للصحيح (أو الاعم) ولنقدم لتحقيق الحال فيها مقدمات (الاولى) ان النزاع المذكور كما انه يجرى على القول بثبوت الحقيقة الشرعية كذلك يجرى على القول بعدمها (اما) على الاول فواضح (واما) على الثاني (فانه) يقع الكلام في ان المعاني الشرعية التى استعمل فيها الالفاظ مجازا ولو حظ العلاقة بينها وبين المعاني اللغوية (هل هي) المعاني الصحيحة (أو) الاعم منها وبعبارة اخرى لا اشكال في ثبوت الحقيقة في لسان المتشرعة في زماننا هذا تبعا للاستعمالات الشرعية بنحو الحقيقة أو المجاز فيقع الكلام في ان المعاني التى يستعمل الالفاظ فيها في عرفنا (هل هي) الصحيحة (أو) الاعم (الثانية) ان الصحة (وان) فسرت بموافقة الشريعة تارة وباسقاط الاعادة والقضاء اخرى (الا انهما) من باب التفسير
باللوازم والا فمعنى الصحة واحد وهى التماميه التى يعبر عنها بالفارسية بدرستى (الثالثة) ان التمامية المبحوثة عنها (تارة) تلاحظ بالاضافة إلى الاجزاء وحدها (واخرى)
[ 35 ]
باضافة الشرائط المأخوذة في المأمور به إلى اجزاء العبادة (وثالثة) باضافة عدم المزاحم الموجب لانتفاء الامر فيكون الصحيح هو المركب الجامع للاجزاء والشرايط مع عدم كونه مزاحما بواجب آخر (ورابعة) باضافة عدم النهى إلى ما ذكر (وخامسة) من جهة اضافة قصد التقرب بالعبادة إلى جميع ما تقدم اعتباره في التسمية (والتحقيق) ان يقال انه لا وجه لاختصاص النزاع بالاجزاء قطعا بل يجرى النزاع في دخول الشرايط في المسمى وعدمه ايضا (واما) عدم المزاحم الموجب لعدم الامر (أو عدم) النهى (فكلاهما) خارجان عن محل النزاع (بداهة) انهما فرع المسمى حتى ينهى عنه أو يوجد له مزاحم فينتفى امره (واما) قصد التقرب (فهو) متأخر عن المسمى بمرتبتين فانه متأخر عن الامر المتأخر عن المسمى فلا يعقل اخذه في المسمى (الرابعة) قد عرفت ان الاستعمال هو ايجاد المعنى العقلاني البسيط المجرد الذى هو بازاء الحقايق باللفظ المستعمل فيه فلابد من ان يوضع اللفظ بازاء الحقيقة ولو كانت الحقيقة من الممتنعات فالقول بان لفظ الصلوة موضوع لمفهوم الصحيح أو فريضة الوقت أو المطلوب غير معقول (1) فان المفهوم لابدوان يكون بازاء الحقيقة لا بازاء مفهوم آخر (مضافا) إلى ان عنوان المطلب منتزع من تعلق الطلب بشيئ والطلب متأخر عن المسمى كما عرفت فلا يعقل كون المسمى هو نفس عنوان المطلوب ففيه محذور آخر غير عدم تعقل جعل المفهوم بازاء المفهوم (الخامسة) انه لابد على كلا القولين من وجود حقيقة واحدة يشترك فيها جميع الافراد حتى يكون هو القدر المشترك الذى وضع اللفظ بازائه أو استعمل فيه مجازا في لسان الشارع وعلى نحو الحقيقة في لساننا (وتوهم) عدم لزومه بناء على كون الموضوع له خاصا (مدفوع) بان الموضوع له وان كان خاصا الا انه لا بد من قدر جامع به يشار إلى
الموضوع له (فالقدر) المشترك (لازم) على كل خال (مضافا) إلى ان كون الموضوع له خاصا مع عموم الوضع فرع الوضع التعييني وقد ابطلناه فيما مراذا عرفت ذلك فنقول (الكلام) (تارة) يقع في العبادات واخرى في المعاملات (اما الاولى) فتصوير الجامع
1 - لا ينبغى الريب في امكان وضع لفظ الصلوة مثلا لمفهوم الصحيح حتى يكون اللفظان مترادفين ولا استحالة في ذلك اصلا غاية الامر عدم وقوع ذلك خارجا واين ذلك من الاستحالة وعدم الامكان (*)
[ 36 ]
فيها في (غاية الاشكال) على الصحيح فضلا عن الاعم فان مراتب الصحة مراتب متعددة كالصلاة مثلا فان اقل مراتبها صلاة الغرقى واعلى مراتبها صلاة الحاضر المختار وبينهما وسائط كثيرة فتصوير جامع حقيقي يكون متعلق الامر ويجمع تمام تلك المراتب صعب جدا (واما) على الاعم (فاشكل) فان كل صلاة فرضت إذا بدل بعض اجزائه إلى اجزاء آخر فالصدق على حاله (ويمكن) دفع الاشكال عن كلا القولين بالتزام ان الموضوع له اولا هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الاجزاء والشرائط (1) والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحى أو الاعم منها على الاعم من باب الادعاء والتنزيل (والموضوع له) على كلا القولين (هي) المرتبة العليا وبقية المراتب الصحيحة أو الاعم يستعمل فيها الالفاظ ادعاء ومن باب تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة كما في جملة من الاستعمالات أو من باب اكتفاء الشارع به كما في صلاة الغرقى فانه لا يمكن فيه الالتزام بالتنزيل المذكور كما هو واضح (ثم) ان الاستعمال في فاسد صلاة الغرقى ايضا بتنزيل الفاقد منزلة الواجد المنزل منزلة تام الاجزاء والشرائط من باب الاجزاء والاكتفاء فبعد البناء على كون الصحيح فردا للطبيعة من جهة الاجزاء يصح تنزيل الفاقد منزلته ايضا ولا يلزم سبك مجاز عن مجاز (واما القصر والاتمام) فهما وان كانتا في عرض واحد بالقياس إلى المرتبة العليا الا انه يمكن
تصوير الجامع بينهما فقط وعلى ما ذكرناه فيبطل نزاع الاعمى والصحيحى رأسا (فان ثمرة النزاع) كما سيجيئ ان شاء الله تعالى (هو التمسك) بالاطلاق على تقدير تمامية مقدمات الحكمة على الاعمى (واجمال الخطاب) على الصحيحى (وهذا) لا يصح على ما ذكرناه لانه لو بنينا على ان الصلوة لخصوص المرتبة العليا واطلاقها على غيرها من باب المسامحة والتنزيل فعلى تقديري وجود المطلق في العبادات ايضا فحيث ان
1 - الالتزام بذلك مع انه على خلاف الوجدان لا يغنى عن تصوير الجامع فان اجزاء المراتب العالية تختلف قلة وكثرة حسب اختلاف اقسام الصلوة فان الصلوة ذات ركعتين فاسدة ممن هو مأمور بازيد منها وبالعكس فما هو الموضوع له لو لم يكن هناك جامع يجمع الاقسام وستعرف ما هو الصحيح في تصوير الجامع فيما سيأتي انشاء الله تعالى (*)
[ 37 ]
اللفظ لم يوضع للجهة الجامعة المشتركة حتى تكون الاجزاء والشرائط المأخوذة في المأمور به من قبيل القيود فلا يمكن التمسك بالاطلاق بل اللفظ يكون مجملا لعدم العلم بالتنزيل والمسامحة في مقام استعمال اللفظ حتى يتمسك باطلاقه (ثم) ان هذا الاحتمال الذى ذكرناه (غير بعيد) في حد ذاته ويساعده الوجدان العرفي وليس في مقام فهم المفاهيم امر آخر اوضح منه (وعلى تقدير) الاغماض والاحتياج إلى تصوير الجامع (فيقع الكلام) (تارة) في الجامع بين الافراد الصحيحة فقط (واخرى) في الجامع بين افراد الاعم (اما الاول) فالتحقيق ان الجامع بحيث يوضع اللفظ له غير معقول إذ تصويره باحد وجوه ثلاثة كلها باطلة (الاول) ان يكون الجامع هو الذى يسقط الاعادة أو ما يوجب ارتفاع اشتغال الذمة إلى غير ذلك مما يترتب على اتيان المأمور به ولم يكن غرضا منه وهذا الامر المترتب واحد وجهة جامعة بين تمام ما يترتب عليه وان كانت كثيرة (وفيه اولا) ان هذه المفاهيم كلها مترتبة على اتيان المأمور به في الخارج بقصد الامر المتأخر عن المسمى فكيف يعقل اخذها في المسمى (ولو سلمنا) ترتب هذه الامور
على نفس الفعل الخارجي ولو بلا داعى الامر (الا انه) من اين يستكشف ترتب المعلول الواحد على جميع المراتب فلم لا يكون هناك اوامر متعددة متعلقة بامور متعددة الامر الاول متعلق بحقيقة الصلاة ولكل من المراتب النازلة امر آخر اكتفى الشارع بامتثاله عن امتثال الامر الاول كما لا يبعد ان يكون الامر كذلك بل لا مناص عنه فيما كان الصحة ثابتة بمثل لا تعاد وامثالها (ولو سلمنا) اشتراك الجميع في معلول واحد لاجل تسليم كون الغرض من الجميع واحدا (فغاية ما هناك) انا نستكشف وجود جامع بين جميع المراتب في عالم من العوالم كما في موارد التخيير الشرعي والا فما وقع في حيز الخطاب ليس ذاك الجامع كما في موارد التخيير العقلي والمدعى تصور جامع يكون متعلقا للخطاب الشرعي ومسمى بلفظ الصلوة مثلا لا تصور جامع كيفما كان (وبعبارة اخرى) الكلام في تصور جامع قريب عرفى يقع تحت الخطاب كما في التخيير العقلي لافى الجامع العقلي الملاكى (وثانيا) ان من المسلم في محله ان اجزاء البرائة فرع ان يكون المأمور به هو نفس الاجزاء والشرائط لا مقيدا بامر آخر يشك في حصوله والا لكان مقتضى القاعدة هو الاشتغال فيلزم على القائلين بوضع الالفاظ للصحيح ان لا يقولوا بالبراءة
[ 38 ]
عند الشك في الاجزاء والشرائط لاجل تقيد المأمور به بمعلوله فيكون الشك شكا في المحصل لا محالة ومقتضى القاعدة فيه هو الاشتغال مع ان جلهم قائلون بالبراءة وعلى فرض عدم التقيد فلا يكون جامع في مقام الموضوعية للخطاب وان كان هناك جامع بلحاظ مقام ترتب الاثر (الثاني) ان يكون الجامع هو الذى يترتب عليه النهى عن الفحشاء الذى هو علة التشريع وغرض من المأمور به فان وحدة الغرض تكشف عن وحدة المؤثر (1) وهذا الوجه (اردء) من سابقه وبيانه يتوقف على تمهيد مقدمة شريفة يبتنى عليها مطالب مهمة (وهى) ان الفرق بين الاسباب التوليدية والعلل المعدة (هو) ان الاسباب التوليدية ما يترتب عليها مسبباتها بلا توسط امر آخر بينهما و (هي) على قسمين (فتارة)
لا تكون محتاجة في ترتبها عليها إلى امور اخر اصلا كالعلة البسيطة واخرى تكون محتاجة إليها كما في العلل المركبة (نظير) رمى السهم فان الجزء الاخير من الفعل الاختياري وان لم يتوسط بينه وبين معلوله شيئ آخر (الا انه) محتاج إلى سبق امور اخر ايضا كوجود القوة الدافعة في القوس مثلا (وعلى كل حال) فحيث لم يفرض التوسط بين المعلول والفعل الاختياري فيمكن تعلق الارادة التكوينية بكل منهما فيمكن تعلق الارادة التشريعية بهما ايضا لامكان الانبعاث من المكلف (وح) فلا فرق في لسان الدليل بين تعلق الامر بالمسبب أو السبب فان المسبب يكون عنوانا لسببه في الفرض المزبور (فامر) المولى بالاحراق (عبارة) اخرى عن امره بالقاء المترتب عليه الاحراق فالالقاء هو الاحراق عنوانا وهذا هو ملاك الفعل التوليدى وهو الذى بنى صاحب المعالم (قده) على عدم الجدوى في البحث عن وجوبه المقدمى لاتحادهما خارجا والسبب
1 - التحقيق انه لا يعقل وجود الجامع الحقيقي المقولى بين افراد الصلوة حتى يكون الاثر الواحد مترتبا عليه لانه مضافا إلى ان الصلوة مركبة من مقولات متباينة وقد ثبت في محله انها اجناس عالية ولا يمكن الجامع الحقيقي بين فردين منهالا ينبغى الريب في ان الصحة في صلوة الصبح مثلا متوقفة على ايقاع الستليمة في الركعة الثانية وفى صلوة المغرب متوقفة على ايقاعها في الثالثة وعدم ايقاعها في الثانية فكيف يمكن تصوير الجامع بين المشروط بشيئ والمشروط بعدمه وانما يمكن الالتزام بترتب الاثر على الجامع فيما إذا لم يكن للخصوصيات دخل في ترتبه واما ترتب النهى عن الفحشاء على الصلوة فبيان كيفيته يحتاج إلى بسط لا يسعه المجال (*)
[ 39 ]
المبحوث عن وجوبه بمعنى المقتضى لا السبب التوليدى (واما العلل المعدة) (فهى) ما يتوسط بينها وبين المعلول امر اخر سواء كان ذاك الامر اختياريا كصعود الدرج المترتبة أو غير اختياري كما في الزرع والسقى ونحوهما فانهما من العلل المعدة لكون البذر حنطة
أو ثمرا (فان) ترتبهما على الزرع والسقى يحتاج إلى امور عديدة غير مقدورة للزراع والساقي (والفرق) بين القسمين هو ان الواسطة إذا كانت اختيارية فحالها حال الاسباب التوليدية في صحة تعلق التكليف بالمعلولات واما إذا كانت غير اختيارية فيستحيل تعلق الارادة التكوينية بها الا ارادة سفهائية فيستحيل تعلق الارادة التشريعية بها ايضا (والسرفيه) (هو) ان الارادة التشريعية بعث إلى ما يتعلق به الارادة التكوينية فلو لم يمكن الثانية يستحيل الاولى ايضا فالتكاليف في هذا القسم لا محالة تتعلق بنفس العلل المعدة لا بما يترتب عليها من الامور غير الاختيارية (وما يقال) من ان المقدور بالواسطة مقدور (انما يتم) فيما كان الواسطة امرا اختياريا لاغير اختياري كما هو واضح (ولذا) افتى الفقهاء بانه لو شرط في ضمن العقد جعل البسر رطبا كان المشروط كشرطه باطلا لعدم كونه تحت القدرة (ثم) ان هذا كله في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات (فتارة) تكون المسببات من الامور العرفية التى يعلم كونها من الافعال التوليدية (فلا فرق) (ح) بين تعلق التكليف بالمسببات أو الاسباب كالطهارات الخبثية إذ لافرق بين امر المولى بالطهارة بقوله وثيابك فطهر (وبين) امره بالغسل بقوله اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه وعلى كلا التقديرين فيكون كل منهما مقيدا بالاخر (واخرى) لا يكون كذلك بل من الامور التى لا يكون للعرف طريق إلى معرفة حقيقتها (وح) فيستكشف ذلك بطريق الان من تعلق الامر (فان) تعلق الامر بالمسبب (فنعلم) انه من قبيل الافعال التوليدية كما قيل ذلك في الطهارة الحدثية من جهة قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (والافلا) (إذا عرفت ذلك فنقول) ان العبادات كلها من قبيل العلل المعدة فان المأمور به فيها هي انفسها لاما يترتب عليها من الاغراض فيعلم ان نسبة العبادات إليها نسبة العلل المعدة إلى معاليلها لانسبة الاسباب التوليدية إلى مسبباتها ويحتاج ترتب الاغراض عليها إلى توسط امور الهية غير اختيارية للمكلف والا لكان تعلق الامر بنفس الغرض مع عدم كونه امرا عرفيا معلوما نظير الطهارة الخبثية اولى من تعلقه بنفس الاجزاء والشرائط
[ 40 ]
فلا يعقل ان يكون هناك جامع يكون عنوانا للمصاديق في مقام التسمية وتعلق الخطاب والغرض تصوير الجامع في هذا المقام (ولو تنزلنا وسلمنا) انها من قبيل الاسباب التوليدية (فلازمه) ان لا يمكن التمسك بالبراءة عند الشك في الاجزاء والشرائط لرجوع الشك إلى الشك في المحصل كما في الوجه السابق الوجه الثالث هو ان يكون الجامع هي المادة الصلاتية الحافظة للصورة الناهية عن الفحشاء والمنكر (والفرق) بين هذا الوجه وسابقه هو انه في الوجه السابق اعتبر النهى عن الفحشاء علة غائية وتصور الجامع من ناحية العلة وفى هذا الوجه اعتبر صورة نوعية حافظة للمادة الصلاتية (ويرد عليه) ان التقيد بهذا العنوان (ان) لم يعتبر (فما) هو الجامع في مقام تعلق الخطاب والمسمى (وان) كان معتبرا (فمرجع) الامر إلى الشك في المحصل الذى لازمه القول بالاشتغال (1) الوجه الرابع ان يفرض الجامع في خصوص الصلاة التى استكشفنا من ادلة القواطع وجود هيئة اتصالية معتبرة فيها كما افاده العلامة الانصاري (قده) فيكون لفظ الصلاة موضوعا لتلك المادة الحافظة لهذه الوحدة الاتصالية (والجواب) عنه (اولا) ان غاية ما نستفيد من ادلة القواطع ابطالها للصلاة ولو بنحو المانعية بأن يكون عدم هذه الامور من شرايط الصلوة (واما) اعتبار صفة وجودية (فلا) وعلى تقدير الاعتبار فمرجع الامر عند الشك هو الاشتغال لكونه شكافى المحصل " 2 " (فالتحقيق) عدم امكان تصوير الجامع اصلا على الصحيح (واما) على الاعم فقيل بتصوير الجامع من وجوه (الاول) ان يكون الموضوع له هي الاركان " 3 " كما ذهب إليها المحقق القمى
1 - مضافا إلى ان الانتهاء عن الفحشاء على تقدير كونه امرا واحدا مترتبا على - الصلوة فهو من قبيل الاثار ولا معنى لكونه صورة نوعية لما هو المركب من مقولات متباينة. 2 - هذا مع ان الكلام انما هو في تصوير الجامع بين الاجزاء التى اعتبر الهيئة
الاتصالية بينها مع فرض اختلافها قلة وكثرة بل بحسب الحقيقة والمهية ايضا 3 - التحقيق في هذا المقام ان يقال ان معرفة الموضوع له في كل مركب اعتباري لابد وان تكون من قبل المخترع لذلك المركب سواء كان المخترع هو الشارع أو غيره وعليه فالمستفاد من الروايات الكثيرة ان التكبيرة والتسليمة معتبر تان في الصلوة وان التكبيرة ابتدائها وافتتاحها كما ان التسلمية انتهائها واختتماها كما ان الركوع والسجود والطهارة - (*)
[ 41 ]
(قده) وتكون بقية الاجزاء دخيلة في المأمور به لافى المسمى فيرجع حاصل دعواه إلى دعويين (الاولى) كون الاركان هو الموضوع له (والثانية) خروج بقية الاجزاء عن المسمى والحق فساد كلتا الدعويين (اما الاولى) فلان المراد من الاركان أي مرتبة منها مع اختلافها بحسب الموارد من القادر والعاجز والغريق وامثال ذلك (فلابد) من تصور جامع آخر بين تلك المراتب (فيعود) الاشكال (والقول) بأن الموضوع له هو الاركان بحسب الجعل الاولى والبقية ابدال لها (فاسد) إذ الالتزم بالبدلية انما يمكن في مقام الاجزاء.
- معتبرة فيها وان كلا منها ثلث الصلوة واما غير ذلك من الاجزاء والشرايط فهى خارجة عن حقيقتها ودخيلة في المأمور به على اختلاف الاشخاص والحالات ومن هنا لو كبر المصلى لصلوة الوتر ونسى جميع الاجزاء غير الركوع والسجود حتى سلم لصح صلوته فيعلم من ذلك انه لا يتقوم الصلوة الا بما ذكرناه والمراد من الطهارة المقومة للصلوة اعم من المائية والترابية كما ان المراد من الركوع والسجود اعم مما هو وظيفة المختار ار المضطر ولا بأس بكون مقوم المركب الاعتباري احد الامور على سبيل البدل كما في لفظ الحلوا مثلا فانه موضوع للمركب المطبوخ من شكر وغيره سواء كان ذلك الغير حنطة أو ارزا أو غير ذلك فلا يرد على ذلك ما في المتن من لابدية تصور جامع آخر بين تلك المراتب نعم بناء ما ذكرناه لا يكون صلوة الغرقى بصلوة حقيقة ولا ضير في الالتزام بذلك بل هي كذلك كما يظهر بالوجدان والرجوع إلى المتفاهم العرفي ثم انه لااستحالة
في دخول شيئ في مركب اعتباري عند وجوده وخروجه عنه عند عدمه إذا كان ما اخذ مقوما للمركب مأخوذا فيه لا بشرط كما في لفظ الدار مثلا فانه موضوع لما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة فان كان هناك غير ذلك من سرداب وبئر وحوض وغير ذلك فهى من اجزاء الدار والا فلا واعتبار اللا بشرطية كما يمكن ان يكون على نحو لا يضر بالصدق كذلك يمكن ان يكون على نحو يدخل الزائد في المركب ثم ان دخول شيئ في المهيا تارة وخروجه عنها اخرى يستحيل في المهيات الحقيقية لكنها اجنبية عما هو محل الكلام في المقام ومن هنا يظهر انه لا يبتنى ما ذكرناه على كون التشكيك في الوجود أو المهية بل هو امر على طبق الارتكاز العرفي في كثير من المركبات الاعتبارية واما ما في المتن من عدم تصوير التشكيك في الوجود ولزوم كونه في الوجود ففساده غير خفى على اهله وكيف كان فالصحيح في تصوير الجامع هو ما عرفت والتوضيح لا يسمه المجال (*)
[ 42 ]
كما على الصحيح لافى المسمى بلاجهة عناية اصلا (واما) الدعوى (الثانية) فان التزم (قده) بان بقية الاجزاء خارجة دائما (فهو) ينافى الوضع للاعم فان المفروض صدقها على الصحيحة ايضا (وان) اراد خروج بقية الاجزاء عند عدمها (فيلزم) دخول شيئ في الماهية عند وجوده وخروجه عنها عند عدمه وهو محال (فان قلت) الستم تقولون بالتشكيك في الوجود وفى بعض الماهيات كالبياض والسواد وان المعنى الواحد يصدق على الواجد والفاقد فالوجود يصدق على وجود الواجد ووجود الممكن على اختلاف مراتبه (وكذا) السواد يصدق على القوى والضعيف وليكن الصلاة ايضا صادقة على التام من جميع الجهات وعلى الناقص ايضا (قلت اما) التشكيك في الوجود (فلا نفهم) ما معناه وهو امر فوق ادراك العقل وقد صرح اهله بانه لا يعلم الا بالكشف والمجاهدة (واما) التشكيك في الماهيات فهو امر معقول لكن لافى كل ماهية بل في الماهيات البسيطة التى يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الافتراق ولا تكون مركبة من جنس
وفصل ولا مادة وصورة نظير البياض والسواد فان المرتبة القوية من السواد لا يزيد على السواد بشيئ والمرتبة الضعيفة لا تنقص عن حقيقة السواد بشيئ بل الكل مشترك في حقيقة بسيطة واحدة (وهذا) بخلاف الصلاة (فانها) على الفرض (مركبة) من اركان واجزاء فكونها بحيث تدخل بقية الاجزاء التى لها وجود مستقل في الخارج (مرة) و تخرج (اخرى) مما لا يعقل (ومنه) علم ان قياسها بالوجود على تقدير تعقل التشكيك فيه وامكان ادراكه افسد من قياسه بالماهيات التشكيكية فان الوجود اشد بساطة من الماهيات البسيطة كما حقق في محله (واما) ما ربما يقال من أخذ الاركان لا بشرط (فكلام) لا معنى له فان اللا بشرطية توجب عدم اضرار بقية الاجزاء بالصدق لا انها توجب دخولها في الماهية. الثاني ان يكون الجامع هو معظم الاجزاء ونسبه شيخ الاساطين العلامة الانصاري (قده) إلى المشهور (ويرد عليه) بعد وضوح انه ليس المراد هو الوضع بازاء مفهوم معظم الاجزاء يقينا والا لترادف اللفظان وصح استعمال كل واحد منهما في موضع الاخر ولا بازاء مفهوم آخر يحكى عن مفهوم معظم الاجزاء لما بينا مرارا ان الوضع لابد وان يكون بازاء مفهوم حاك عن الحقيقة ان الحقيقة متبدلة غاية التبدل فانه يمكننا
[ 43 ]
تصوير حقيقة المعظم على الف وجه فيلزم التردد والتبدل في اجزاء الماهية وهو مستحيل ولا يمكن التصحيح بكون الموضوع له خاصا والوضع عاما لما ذكرنا من ان كون الموضوع له خاصا يبتنى على الوضع التعييني وهو باطل (مضافا) إلى انه يرجع بالاخرة إلى عدم الجامع في مقام تعلق الخطاب (ولكن التحقيق) امكان تصور الجامع من هذا الوجه بأن يكون الجامع هو الكلى في المعين نظير البيع الواقع على صاع من الاصواع المعينة فان المبيع كلى يمكن انطباقه على كل واحد من الاصواع على البدع فالمبيع واحد وانما الاختلاف في التشخص (فالموضوع)
له (هو) الكلى المنطبق على اقل مراتب معظم الاجزاء فصاعدا ولم يؤخذ الجامع لا بشرط حتى يورد علينا باستلزام ذلك لدخول بقية الاجزاء في المسمى عند وجودها وخروجها عنه عند عدمها فيكون مبتنيا على جواز التشكيك في الماهيات المركبة التى اوضحنا فساده آنفا (بل) المأخوذ في الموضوع له (هو) عدة من الاجزاء فصاعدا المبهمة من حيث التشخص فيكون كليا منطبقا على الفليل والكثير نظير لفظ الكلام فانه وضع بحسب اللغة لما يتركب من حرفين من الحروف الهجائية فصاعدا فيصدق على كلمة أب واحمد وغير ذلك من الكلمات المركبة من ثمانية وعشرين حرفا (فلفظ) الصلاة ايضا يكون موضوعا لعدة من الاجزاء بنحو الابهام فصاعدا فلا نحتاج إلى التشكيك اصلا (وهذا) بخلاف الاركان (فان) الموضوع له على تقدير الوضع لها (شخصي) فيلزم دخول بقية الاجزاء عند الوجود وخروجها عند العدم (وهذا هو) محذور التشكيك (لكن الانصاف) ان تصوير الجامع بهذا النحو خلاف الوجدان لما ذكرناه من ان الموضوع له هو خصوص المرتبة العليا (واطلاقها) على غيرها (بنحو) من العناية (وعليه فينبغي) ان يحرر النزاع بعد الفراغ عن الوضع لخصوص المرتبة العالية في ان العناية المصححة للتنزيل والاستعمال (هل هو) خصوص اجتزاء الشارع واكتفائه في مقام الامتثال حتى تثبت نتيجة الوضع للصحيح (أو هو) مع المشابهة في الصورة ايضا تنزيلا للفاقد منزلة الواجد حتى يثبت نتيجة الوضع للاعم (الوجه الثالث) ان يكون الجامع هو المعنى الذى يدور مداره التسمية عرفا (فمن صدق اللفظ عرفا (يستكشف) وجود المعنى (ومن) عدمه (عدمه وهذا) الوجه بظاهره
[ 44 ]
" ظاهر الفساد " فان الصدق العرفي تابع لوجود المسمى ووضع اللفظ له فكيف يعقل ان يكون تصوير الجامع والوضع له من توابع الصدق العرفي " الا انه " يمكن ارجاع هذا الوجه إلى الوجه الثاني على النحو الذى صححناه ويكون التعبير بالصدق العرفي
من باب المسامحة في التعبير " وينبغى " التنبيه على امور " الاول " ان كان ما يستدل به من الطرفين لكل من القولين باطل لا يمكن الركون إليه ولا يسع المجال للتعرض لها بخصوصياتها وابطالها فلا بد من الاشارة إليها والى ما يرد عليها اجمالا " فنقول اما " الاستدلال على الصحيح بمثل لاصلاة الا بفاتحة الكتاب وامثاله " فغير تام " لان هذه التراكيب كلها في مقام بيان اجزاء المأمور به وشرائطه لافى مقام التسمية " وكذا " الاستدلال بمثل الصلاة معراج المومن أو تنهى عن الفحشاء والمنكر (فان) جميع هذه التراكيب (في مقام) بيان آثار المأمور به ترغيبا وتحريصا إلى امتثال امره لافى مقام بيان آثار المسمى بما هو (واما) الاستدلال على الاعم (بالاستعمال) في الفاسد في كثير من الموارد كقوله عليه السلام دعى الصلاة ايام أقرائك وكقولهم عليهم السلام يعيد الصلاة أو بطلت صلاته إلى غير ذلك من الموارد (ففاسد ايضا) فان الاستعمال في الفاسد اعم من ان يكون على نحو الحقيقة والمجاز وكون الاصل في الاستعمال هي الحقيقة انما هو في مورد الشك في المراد لافى مورد الشك في كيفية الارادة بعد معلومية المراد (هذا) مع امكان منع الاستعمال في الفاسد (بدعوى) ان المستعمل فيه دائما هو الصحيح ولو باعتقاد المصلى أو بتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة (الثاني) ربما يذكر للنزاع المذكور ثمرات (الاولى) ما ذكر في القوانين وفى بعض عبارات الرياض ايضا من ان الصحيحى يتمسك بالاشتغال والاعمى بالبرائة واشكل عليه جملة من المحققين ومنهم استاد الاساطين العلامة الانصاري (قده) بان اجزاء البراءة والاشتغال فرع انحلال العلم الاجمالي وعدمه سواء قلنا بالصحيح أو بالاعم ولذا ذهب المشهور القائلون بالصحيح إلى البرائة (وفيه) ان الوضع للصحيح كما عرفت لا يمكن الا بتقييد المسمى (اما) من ناحية المعلولات (أو) من ناحية العلل (وحيث) انه يؤخذ امر آخر خارج عن المأتى به في المأمور به (فلابد) من القول بالاشتغال
[ 45 ]
(وأما ذهاب المشهور القائلين بالصحيح إلى البرائة (فاما) ان يحمل منهم على الغفلة عن مبناهم " أو " على تخيلهم امكان تصوير الجامع بلا تقيد بامر آخر (نعم) جريان البرائة على الاعم مبتن على الانحلال الذى هو مقتضى التحقيق في محله (فالتحقيق) ان النزاع في مسألة الانحلال وعدمه مبتن على الوضع للاعم حتى يكون المأمور به امرا خارجيا مركبا غير مقيد بامر بسيط آخر (فان) قلنا بالانحلال كما هو التحقيق (فنقول) بالبراءة " والا فبالاشتغال " وهذا بخلاف الوضع للصحيح لما عرفت من انه لا يمكن تصوير الجامع الا بتصور عنوان بسيط خارج عن نفس الاجزاء والشرائط سواء كان ذلك متعلق الامر أو قيده فلا محالة يكون الشك في الاجزاء والشرائط شكا في حصوله فيرجع إلى الشك في المحصل ولا اشكال حينئذ في الاشتغال على كل تقدير " الثانية " التمسك بالاطلاق على القول بالوضع للاعم للقطع بصدق اللفظ على الفاقد فيكون الشك في اعتبار امر زائد عليه شكافى التقييد فيرجع إلى اصالة الاطلاق بخلاف الوضع للصحيح فانه يشك في صدق اللفظ عند الشك في اعتبار امر شرطا أو شطرا " ومن " المعلوم " ان " التمسك بالاطلاق فرع صدق اللفظ والشك في التقييد بامر زائد على المسمى وقد اورد عليه بوجهين " الاول " ان عدم التمسك بالاطلاقات الواردة في الكتاب والسنة لعدم كونها في مقام البيان إذ ليس فيها ما يكون في هذا المقام قطعا بل كلها في مقام التشريع فقط فكما ان الصحيحى لا يمكنه التمسك بالاطلاق فكذلك الاعمى والا فلو فرضنا ان هناك دليلا واردا في مقام البيان كصحيحة حمادا الواردة في مقام بيان الاجزاء والشرائط فالصحيحي ايضا يتمسك بعدم جزئية المشكوك للسكوت عنبا في مقام البيان " وفيه " ان مطلقات الكتاب والسنة وان لم يكن فيها ما يكون في مقام البيان فالاعمى كالصحيحى في عدم جواز التمسك بها في مقام الشك " الا انه " يكفى في الثمرة فرض وجود مطلق في مقام
البيان " فان " ثمرة المسألة الاصولية هو ان يمكن وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط ولا يلزم ان يكون ذلك فعليا " واماتوهم " امكان تمسك الصحيحى ايضا بالاطلاق إذا كان واردا في مقام البيان كصحيحة حماد " ففيه " ان الكلام متمحض في جواز التمسك بالاطلاق في مقام البيان لافى جواز التمسك بقاعدة عدم الدليل دليل العدم " فان " التمسك
[ 46 ]
بصحيحة حماد في نفى الاجزاء والشرائط المشكوكة " ليس " من جهة التمسك بالاطلاق " بل " من جهة ان الامام عليه السلام العالم بأجزاء المأمور به وشرائطه لو كان بصدد بيانها وان المؤثر في النهى عن الفحشاء والمنكر ما هو ومع ذلك لم يذكر غير ما ذكره من الاجزاء والشرايط فيستكشف منه عدم دخله (لان عدم الدليل) على دخل ما احتمل دخله دليل العدم إذا كان المتكلم في مقام البيان والا لكان مخلا بغرضه فالتمسك بالصحيحة خارج عما هو محل الكلام وهو التمسك بالاطلاق لا بأمر آخر " و لكن الانصاف " عدم استقامة ذلك بل التمسك بها من قبيل التمسك بالاطلاق ايضا " غاية الامر " ان الاطلاق " قد " يكون في المعاني البسيطة الافرادية " واخرى " في الجمل التركيبة كاطلاق القضية الشرطية المستتبع للمفهوم فاطلاق الصحيحة وان لم يكن من القسم الاول الا انه من قبيل الثاني فالتمسك بها تمسك بالاطلاق " فالتحقيق " ان الصحيحى يتمسك بالاطلاق كالاعمى في المطلقات التركيبية " نعم " تظهر الثمرة في المطلقات الافرادية على تقدير وجودها (ايقاظ) لا يخفى انه لا يجوز التمسك بالصحيحة في اثبات وجوب الاجزاء المذكورة فيها إذا شك في وجوب بعضها فانا نعلم اجمالا باشتمالها على اجزاء مستحبة ايضا فيسقط ظهور الصحيحة في بيان الاجزاء الواجبة (ومن) ذلك يظهر عدم صحة التمسك بقوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما رأيتموني اصلى) فانا نقطع بعدم اكتفاء النبي صلى الله عليه وآله بالاجزاء الواجبة من الصلاة بل لا محالة كان يأتي باجزاء مستحبة فيكون الامر مستعملا في مطلق
الطلب جزم فلا يفيد في مقام اثبات الجزئية. (الوجه الثاني) ان الصحيحى (وان) لم يمكن له التمسك بالاطلاقات لما ذكر (الا) ان الاعمى لا يمكنه ذلك ايضا فان المأمور به هو الصحيح قطعا فثبت تقييد المسمى بقيد يشك في تحققه عند الشك في الجزئية والشرطية " فلا " فرق في الشك في الصدق المانع من التمسك بالاطلاق (بين) ان يكون منشأء دخل شيئ في المسمى (أو دخله) في المأمور به قطعا مثلا إذا امر الشارع بعتق رقبة ثم ثبت من الخارج تقييده بالمؤمنة وشككنا في رقبة خاصة انها مؤمنة أو كافرة فلا يكمن التمسك بالاطلاق قطعا (وفيه) ان المأمور به أو قيده البسيط على الصحيح مشكوك
[ 47 ]
الصدق على الفاقد كما عرفت (فلا يمكن معه) التمسك بالاطلاق " بخلافه " على الاعم " فان " المأمور به على هذا " ليس " الا نفس الاجزاء والشرائط والصحة ليست الا امرا منتزعا من كون الشيئ موافقا للمأمور به فالصحة متأخرة عن تعلق الامر ويستحيل اخذها في المأمور به فصدق المأمور به على الماتى به في الخارج " معلوم وجزئية " الجزء المشكوك (تدفع) بالاطلاق " فيثبت " ان المأتى به " هو " الصحيح وموافق للمأمور به وليس غرض القائل بالاعم ان الفاسد مأمور به " بل " غرضه ان الاطلاق يكشف عن ان الصحيح هو الاعم من فاقدة السورة وواجدتها مثلا لان الامر لم يتعلق الا بهذا المقدار ولا نعنى بالصحيح الا ما كان موافقا للمأمور، به وهو المسقط للاعادة والقضاء " فهذه " المغالطة (واضحة) الفساد وان كان شيخ الاساطين العلامة الانصاري " قده " اطال الكلام في هذا المقام واتعب نفسه المقدسة واعتنى بالجواب عن هذه المغالطة فوق ما تستحق ولعله لاجل عدم وضوحه في ذلك الوقت فاراد " قده " بيانه على وجه اوفى واتم " ثم " انك قد عرفت فيما مر " انه " على ما ذكرناه من كون الموضوع له هو خصوص المرتبة العالية التامة من حيث الاجزاء والشرائط وان بقية المراتب كلها
افراد تنزيلية " لا يمكن " التمسك بالاطلاق ايضا لعدم العلم بالتنزيل حين الاستعمال " نعم " تجرى البراءة لكون الشك في اجزاء نفس المأمور به أو شرائطه غير متقيد بأمر آخر فيكون القول المختار واسطة بين الصحيحى والاعمى فان الصحيحى لا يمكنه اجراء البرائة على ما حققناه كما لا يمكنه ان يتمسك بالاطلاق والاعمى بخلافه فيهما و نحن نوافق الاعمى في الاول والصحيحى في الثاني " تذييل " ربما يقال بأن الشرائط حيث انها في مرتبة متأخرة عن الاجزاء فانها في مرتبة المقتضى دون الشرائط فلا محالة لا تكون في عرضها فالالفاظ موضوعة للتامة من حيث الاجزاء فقط والشرائط دخيلة في مقام فعلية التأثير كما في تقريرات العلامة الانصاري " قده " ولكنه لا يخفى ان التأخر بحسب مقام لا يوجب التأخر في كل مقام فالتأخر في مقام العلية لا يوجب التأخر في مقام التسمية كما لا تأخر في مقام الامر ايضا
[ 48 ]
* (المقام الثاني في المعاملات) * لا يخفى ان جريان النزاع المذكور في المعاملات يتوقف على كون الفاظها اسامى للاسباب إذ لو كانت اسامى للمسببات فلا تتصف الا بالوجود والعدم دون الصحة والفساد والمتصف بهما هي الاسباب فقط " ثم " ان الشهيد " قده " ذكر ان الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود " حقيقة " في الصحيح " مجاز " في الفاسد الا الحج لوجوب المضى فيه فلو نذران لا يصلى فصلى صحيحا ثم افسدها يحنث ويحتمل عدم الحنث بخلاف ما إذا اتى بها من الاول فاسدة فانه لا يحنث قطعا (واورد) عليه بانه كيف يمكن ان تكون العقود اسامى للصحيح مع انه (قده) كغيره يتمسك باطلاقات المعاملات والصحيحى لا يمكنه التمسك بالاطلاقات لاجمال المعاني ما عرفت سابقا
(وتحقيق الجواب) يحتاج إلى بسط في المقال " فنقول " ان المعاملات حيث انها امور عرفية عقلائية فهى ليست بمجعولة للشارع قطعا وانما الشارع قد امضاها وعليه " فتارة " يكون امضاؤه للاسباب التى يتسبب بها الاما ينشأ بها " واخرى " لمسبباتها فإذا كان الاطلاق الوارد في مقام البيان مسوقا لامضاء الاسباب العرفية ومع ذلك لم يزد شيئا على ما هو سبب عندهم " فلا محالة " يتمسك باطلاق كلامه في الغاء كل ما يحتمل دخله كما يتمسك باطلاق اوفوا بالعقود في مقام الشك في اعتبار شيئ زائد على الاسباب العرفية " بخلاف " ما إذا كان امضاؤه للمسببات أي للمعاملات التى هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة مع قطع النظر عن الاسباب التى يتوسل بها إليها كما في قوله تعالى (احل الله البيع وحرم الربا) فانه في مقام ان المعاملة الربوية من دون نظر إلى الاسباب غير ممضاة في الشريعة بخلاف المعاملة البيعية فالاطلاق لو كان واردا في هذا المقام فلا يدل على امضاء الاسباب العرفية اصلا إذا عرفت ذلك فنقول المطلقات الواردة في الكتاب والسنة كلها واردة في مقام امضاء المسببات دون الاسباب الا قوله تعالى (اوفوا بالعقود) فانه يحتمل ان يكون واردا في مقام امضاء الاسباب العرفية (ولكن) التأمل فيه يقتضى ان يكون هو ايضا في مقام امضاء المسببات (فان) لفظ العقود (وان كان) ظاهرا في الاسباب (الا انها) بقرينة تعلق
[ 49 ]
وجوب الوفاء بها تكون ظاهرة في المسببات فان الاسباب آنية الحصول وغير قابلة للبقاء حتى تكون متعلقة لوجوب الوفاء (بل) القابل هي المسببات التى لها نحو بقاء بعد انعدام اسبابها (فعليه) لا يمكن التمسك بمطلقات المعاملات اصلا (واما) ما في كلام صاحب التقريرات من ان العرف حيث يرى حصول المسبب بسبب معين عندهم فامضاء المسبب يستلزم امضاء السبب (فغير تام) فان المتبع هو انظار العرف في تعيين المفاهيم لافى التطبيق فهم وان رأوا حصول المسبب عند وجود امر خاص الا ان امضاء المسبب
لا دليل على كونه امضاء لنظره في التطبيق ايضا بل المتبع هو نظر الشارع فان ثبت والا فيتمسك باصالة عدم حصول المسببات فانها تحدث عند وجود اسبابها فإذا شك في حدوثها من جهة الشك في شرطية شيئ أو مانعيته لاسبابها فالاصل عدمها كما انه عند الشك في الاجزاء والشرائط في العبادات على الصحيح نتمسك باصالة الاشتغال للشك في الفراغ (والحاصل) ان المسبب حيث انه موجود آخر في قبال السبب فلا دليل على ان يكون امضاؤه امضاء له فيما إذا كان له سبب متيقن (نعم) إذا لم يكن له سبب متيقن اصلا فلا بدو ان يكون امضاؤه امضاء لاسبابه ايضا والا لكان الامضاء لغوا محضا فان قلت ما الفارق بين ما نحن فيه وما إذا علق عكم على موضوع من الموضوعات فان المعيار في التطبيق هو نظر العرف في الثاني دون الاول قلت الفارق هو ان الموضوعات ليست الا امورا خارجية غير قابلة للجعل وليس للامضاء وعدمه فيها مجال اصلا فيكون المتبع هو نظر العرف فقط بخلاف الاسباب فانها جعلية امضائية فنحتاج إلى دليل الامضاء في اثبات سببيتها ولا يكفى فيه امضاء المسبب فقط والتحقيق (1) في حل الاشكال ان يقال ان نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست
1 - بل التحقيق ان يقال ان المراد من المسبب في المعاملة ليس هو الامضاء الشرعي أو امضاء العقلاء ضرورة ان البيع ونحوه اسم لفعل البايع وهو يصدر منه لا من غيره بل - المراد منه هو الاعتبار الصادر من البايع المظهر باللفظ أو بغيره والاعتبار امر قائم بالمعتبر بالمباشرة بلا احتياج إلى سبب أو آلة وقد عرفت سابقا انه لا اساس لما هو المعروف من كون الانشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ وعلى ما ذكرناه فإذا كان دليل الامضاء واردا (*)
[ 50 ]
نسبة الاسباب إلى مسبباتها حتى يكونا موجودين خارجيين يترتب احدهما على الاخر ترتبا قهريا والارادة تكون متعلقة بالمسبب بتبع تعلقها بالسبب حيث ان اختياريته باختياريته كما هو الحال في جميع الافعال التوليدية بل نسبتها إليها نسبة الالة إلى ديها
والارادة متعلقة بنفس المعاملة ابتداء كما في سائر الانشائات (بداهة) ان قول بعت أو اضرب ليس بنفسه موجدا للملكية أو الطلب في الخارج نظير الالقاء الموجد للاحراق (بل) الموجد هو الارادة المتعلقة بايجاده انشاء (فإذا) لم يكن من قبيل الاسباب والمسببات (فليس) هناك موجودان خارجيان حتى لا يكون امضاء احدهما امضاء للاخر بل الموجود واحد (غاية الامر) انه باختلاف الاله ينقسم إلى اقسام عديده (فالبيع) المنشأ باللفظ العربي (قسم) وبغير العربي (قسم آخر) فإذا كان المتكلم في مقام البيان ولم يقيده بنوع دون نوع فيستكشف منه عمومه لجميع الانواع والاصناف كما في سائر المطلقات طبق النعل بالنعل فان قلت حيث ان الفاظ المعاملات موضوعة لمعاني اسماء المصادر التى لم تلحظ فيها نسبة اصلاو هي بهذا الاعتبار تباين معاني المصادر الملحوظة فيها النسبة الناقصة فالجهتان متباينتان وان كانت ذات المعنى فيهما واحدة (فإذا) كان الامضاء امضاء اللمعاملة التى بمعنى اسم المصدر فلا ملازمة بينه وبين الامضاء للمعنى المصدرى فلا يمكن التمسك بالاطلاق لاثبات امضاء سبب المعاملة قلنا نعم وان كانت الجهتان متباينتين (الا ان) دليل الامضاء حيث انه مثل قوله تعالى (اوفوا بالعقود) أو (احل الله البيع) وامثالهما (فهو) ظاهر في ان الممضاة هي الجهة الصدورية فان ظاهره ان المعاملات الصادرة في الخارج منكم يجب الوفاء بها أو احلها الله تبارك وتعالى في محلها لانفس المعاملات بما هي (بل يمكن) ان يقال ان معاني اسماء المصادر (حيث) انها متحدة وجودا مع المعاني المصدرية (فيكون) امضاؤها ملازما لا مضائها عرفا (فتدبر) (فظهر) انه لا منافاة بين القول بوضع الفاظ المعاملات للصحيحة والتمسك بالاطلاق اصلا وان كان
- في مقام امضاء الاعتبارات الصادرة من المتعاملين فمقتضى اطلاقه وعدم التقييد بمظهر خاص يثبت عموم الامضاء لكل ما يمكن ان يكون مظهرا له وبذلك يستغنى عن جميع ما افيد في
المقام في وجه التمسك بالاطلاقات في المعاملات مع عدم تماميتها في انفسها فافهم واغتنم
[ 51 ]
المطلقات في مقام امضاء نفس المعاملات ايضا (ويمكن) توجيه عبارة الشهيد (قده) بوجه آخر ايضا (وهو) انه (قده) ليس في مقام بيان المفاهيم التى وضع لها اسماء المعاملات وانها هي الصحيحة (حتى) يورد عليه بعدم صحة التمسك بالاطلاق (ح) بل في مقام بيان المصاديق التى يتعلق بها قصد الناذر وان الناذر انما يقصد ان لا يصلى صلاة صحيحة وان لا ينقل ماله من آخر بقرينة التفريع الذى ذكره (وحاصله) انه بعد تبين تعلق النذر بالصحيح لا بمجرد مسمى الصلاة أو التلفظ بلفظ الصيغة (ان اتى) بالصلاة فاسدة من اول الامر (فلا اشكال) في عدم الحنث (وان اتى) بها صحيحة إلى آخرها (فلا اشكال) في الحنث (وانما) الاشكال فيما لواتى بها صحيحة من اول الامر وافسدها في الاثناء فانه يشك (ح) في ان هذا المقدار من الصحة يحصل به الحنث ام لا " الامر السادس " لا اشكال في امكان الاشتراك والترادف ووقوعهما في لغة العرب وغيرها ولا يعتنى ببعض التسويلات والمغالطات التى فسادها غنى عن البيان (انما الاشكال) في منشأهما (فالمعروف) انه الوضع تعيينا (لكنه) يظهر من بعض المؤرخين انهما حدثا من خلط بعض اللغات ببعض مثلا كان يعبر عن معنى في لغة الحجاز بلفظ ويعبر عن ذلك المعنى في لغة العراق بلفظ آخر وبذلك اللفظ عن معنى آخر ومن جمعهما أخيرا وجعل الكل لغة واحدة حدث الاشتراك والترادف ولا فائدة مهمة في تحقيق ذلك " الامر السابع " الحق امتناع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد على نحو الاستقلال بحيث يكون الاطلاق الواحد استعمالين حكما بل حقيقة وان كان ذات المستعمل واحدة
فان الاستعمال كما عرفت سابقا ليس الا ايجاد المعنى في الخارج والقائه في العين والملحوظ اولا وبالذات هو المعنى واللفظ ملحوظ بتبعه فلازم الاستعمال في المعنيين تعلق اللحاظ الاستعمالى في آن واحد بمعنيين ولازمه الجمع بين اللحاظين في آن واحد وهو ممتنع (1) عقلا (ولافرق) فيما ذكرنا (بين) الاستعمال في المعنيين الحقيقيين
1 - لا استحالة في الجمع بين اللحاظين بل هو واقع كثيرا نعم يستحيل الجمع بين اللحاظين على ملحوظ واحد لكن استعمال اللفظ الواحد في معنيين لا يستلزمه بعدما عرفت من ان - (*)
[ 52 ]
أو المجازيين أو معنى مجازى وحقيقي (ولا بين) المفرد وغيره (ولابين) النفى والاثبات لان الملاك في المنع هو لزوم المحال وهو في الجميع موجود (نعم) إذا كان المستعمل فيه مجموع المعنيين أو الجامع بينهما لكان جائزا وان كان الاستعمال مجازيا " الامر الثامن " - في المشتق وقبل الخوض في المقصود ينبغى تقديم مقدمات (المقدمة الاولى) لا خلاف بينهم في صحة استعمال المشتق في المتلبس بالمبدء فعلا والمنقضى عنه وما لم يتلبس به بعد ولكنه يتلبس به في الاستقبال (وكذا) لا خلاف في كونه مجازا في الاخير (كما انه لا خلاف ايضا في عدم صحة استعمال الجوامد كالانسان والحجر وغير ذلك الا في خصوص المتلبس وان استعماله في غيره يعد من الاغلاط ولو كان مما انقضى عنه المبدء كما سيظهر وجهه ان شاء الله تعالى (انما) الخلاف في كونه حقيقة في خصوص المتلبس أو الاعم منه ومن المنقضى عنه (المقدمة الثانية) المراد بالمشتق في محل الكلام ليس خصوص اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة أو هي مع اضافة بقية المشتقات المصطلحة كأسماء الامكنة والازمنة والالات بل كل مفهوم جار على الذات ولم يكن ذاتيا أو منتزعا عن مقام الذات سواء كان مبدئه من المصادر الحقيقية المتصرفة أو من المصادر الجعيلة غير المتصرفة
كالزوجية والرقية وامثالهما (بيان ذلك) ان المحمولات على اقسام (منها) ما يكون مبدء الاشتقاق فيه نفس الذات أو مقوما للذات كالانسان والحيوان والناطق فان مباديها وهى
- حقيقة الوضع هو التعهد والالتزام بانه متى ما اراد المتكلم تفهيم معنى يجعل مبرزه لفظا مخصوصا وعليه فليس شأن اللفظ الا انه علامة للمعنى ولا مانع من جعل علامة واحدة لشيئين كما هو ظاهر نعم ان الاستعمال في اكثر من معنى واحد خلاف الظهور العرفي فلا يحمل اللفظ عليه الا مع القرينة ثم انه إذا قام قرينة على ذلك فان علم كيفية الاستعمال فهو وان دار الامر بين ان يراد من اللفظ مجموع المعنيين على سبيل المجاز أو كل واحد من المعنيين بنحو التعدد في الاستعمال فان قلنا بان الاستعمال في اكثر من معنى حقيقة فلابد من الحمل عليه تقديما لاصالة الحقيقة على المجاز وان قلنا بمجازيته فلا محالة يكون اللفظ من المجملات فينتهى الامر إلى الاصول العملية (*)
[ 53 ]
الانسانية والحيوانية والناطقية داخلة في مقام الذات (ومنها) ما يكون المبدء فيه منتزعا من مقام الذات ولا يحاذيه شيئ في الخارج فيكون خارجا محمولا كعنوان العلة والمعلول والممكن وما يقابلانه فان مباديها لا يحاذيها شيئ في الخارج وتكون العناوين المشتقة منها من قبيل الخارج المحمول (ومنها) ما يكون المبدء فيه احد الاعراض التسعة ويكون العنوان المشتق من قبيل المحمولات بالضميمة سواء كان المبدء من الاعراض المتأصلة كالكم والكيف والفعل والانفعال أو من الاعراض النسبية غير المتأصلة كبقية الاعراض الخمسة (ومنها) ما يكون المبدء عنوانا انتزاعيا من قيام عرض من الاعراض التسعة بموضوعاتها كالسابقية والمسبوقية أو الاشدية والاضعفية فانها منتزعة من قيام احد الاعراض التسعة بموضوعاتها مثلا بياض الجسم من الاعراض التى لها وجود خارجي لكن اشتديته بالاضافة إلى بياض آخر ليست الا امرا انتزاعيا
لا يحاذيها شيئ في الخارج فيكون من الخارج المحمول المنتزع من غير مقام الذات (لا اشكال) في خروج القسم الاول عن محل النزاع فان شيئية الشيئ بصورته لا بمادته فإذا فرضنا تبدل الانسان بالتراب فما هو ملاك الانسانية هي الصورة النوعية وقد زالت (واما) المادة المشتركة الباقية التى هو القوة الصرفة لافاضة الصور فهى غير متصفة بالانسانية في حال من الاحوال (وبالجملة) فالمتصف زائل والباقى غير متصف و (هذا) بخلاف المشتقات العرضية كضارب مثلا فانه محمول على نفس الذات وهو المتصف بالضرب فإذا انتفى عنه الضرب فقد بقى ذات المتصف حقيقتا وان زال الاتصاف (فيقع) النزاع في ان الصدق حقيقة أو مجاز (وكذا) " 1 " القسم الثاني فان المحمولات فيه تتبع نفس العناوين الذاتية وقد عرفت خروجها عن محل الكلام و (اما القسم الثالث) فلا اشكال في دخوله في محل الكلام لما بينا آنفا من بقاء ذات المتصف حين زوال الاتصاف " ومنه "
1 - النزاع في المشتق انما هو في خصوص وضع الهيئات وحيث ان الهيئة في مثل لفظ الممكن والمعلول وامثالها لم توضع بوضع عليحدة فلا معنى لخروجها عن محل البحث غاية الامران خصوص المادة في الا مثلة المذكورة غير قابلة للزوال مع بقاء الذات و ذلك لا ينافي وضع الهيئة في نفسها للاعم من المقتضى عنه المبدء إذ لانظر في وضعها إلى خصوص مادة دون مادة كما هو ظاهر فالتحقيق دخول جميع العناوين المحمولة على الذات غير ما ينتزع منها عن مقام الذات سواء كانت من المشتقات الاصطلاحية أو لم تكن (*)
[ 54 ]
يعلم دخول القسم الرابع ايضا في محل الكلام لعدم الفرق اصلا بين المبادى الجعلية غير المتصرفة والحقيقية المتصرفة في ملاك الاشكال والخلاف " إذا عرفت ذلك " تعرف ان ما افاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من تعميم محل النزاع للعرض والعرضي لا يستقيم بظاهره " فان " محل الكلام " هي " المشتقات العرضية فقط ولعله اراد من العرضى نفس المبادى التى لا يحاذيها شيئ في الخارج ويكون ما يشتق منها من قبيل الخارج
المحمول وهو مع كونه خلاف الاصطلاح لا ينطبق على الامثلة المذكورة فيها فان الظاهر ان الزوجية " 1 " وامثالها من مقولة الاضافة المعدودة من الاعراض التسعة فتكون العناوين المنتزعة منها من قبيل المحمولات بالضميمة لا الخارج المحمول ومما يدل على ما ذكرناه من دخول العناوين المنتزعة من المبادى الجعلية في محل النزاع ما ذكره جملة من الاعلام في جملة من المباحث الفقهية " منها " ما ذكره فخر المحققين " قده " في مسألة الرضاع في احكما المصاهرة من ابتناء تحريم المرضعة الثانية على القول بكون المشتق حقيقة في الاعم فانه " قده " ذكر فيمن كان له زوجتان ارضعتا زوجته الصغيرة مع الدخول باحديهما انه لااشكال في تحريم المرضعة الاولى والصغيرة واما المرضعة الثانية ففى تحريمها اشكال واختار والدى المصنف (قده) تحريمها فانه يصدق عليها انها ام زوجته لعدم اشتراط بقاء المبدء في صدق المشتق انتهى وتوضيح ما ذكره (انه تارة) لا يفرض هناك دخول اصلا (واخرى) يفرض الدخول بالمرضعة الاولى (وثالثة) بالثانية (اما في) الفرض الاول (فبمجرد) تحقق الرضاع تتحقق الامية والبنتية بينهما فتبطل زوجيتهما معا لعدم (2) امكان الجمع بين الام والبنت في الزوجية في زمان واحد ولو بقاء فلا محالة ترتفعان معا لعدم المرجح في البين (واما المرضعة) الثانية (فبطلان) زوجيتها يبتنى على النزاع في المشتق وعلى فرض
1 - بل ان الزوجية وامثالها من الاعتبارات الشرعية أو العقلائية ولا يحاذيها في الخارج شيئ كما هو ظاهر ومراد المحقق صاحب الكفاية قدس سره من العرضى هو ذلك كما صرح به في بحث الاستصحاب عند تعرضه لمجعولية الاحكام الوضعية 2 - هذا ببتنى على عدم امكان الجمع بين الام والبنت في الزوجية ولو مع قطع النظر عن حرمة ام الزوجة مؤبدا والا ففى بطلان زوجية البنت نظر واضح ومن ذلك يظهر الحال في بعض الفروض الاتية أيضا فتدبر (*)
[ 55 ]
البطلان تحرم مؤبدا كالمرضعة الاولى لصدق ام الزوجة عليها (واما) البنت (فلا تحرم) لاشتراط تحريم الربيبة بالدخول بأمها والمفروض في المقام عدم التحريم من غير جهة المصاهرة لفرض ان اللبن من غيره (فان قلت) أي دليل على حرمة ام الزوجة الرضاعية مع أن الدليل نزل الرضاع منزلة النسب لا منزلة المصاهرة فلا وجه لتسرية احكام المصاهرة إلى الرضاع كما ذكره المحقق المير داماد (قده) " قلت " نعم لكن بأدلة تنزيل الرضاع منزلة النسب يتحقق موضوع احكام المصاهرة فيترتب أحكامه قهرا مثلا ورد في الدليل حرمة ام الزوجة ودليل الرضاع يثبت كون المرأة ام الزوجة فتحرم بذلك الدليل لا أن دليل التنزيل يجرى في المصاهرة بلا واسطة (واما) في الفرض الثاني فلا اشكال في تحريم الرضيعة وامها وبطلان زوجيتهما لكون الرضيعة بنت الزوجة المدخول بها (1) وكون الام ام الزوجة وتحريم المرضعة لثانية مبتن على النزاع في المشتق (واما) في الفرض الثالث فالرضاع الاول يحرم الام لكونها ام الزوجه (واما) البنت (فلا) تحرم وان بطلت زوجيتها (نعم) بالرضاع التأني نحرم البنت ايضا (واما) الام (فيبتنى) بطلان زوجيتها وحرمتها مؤبدا على كون المشتق حقيقة في الاعم (ثم) أن فخر الدين (قده) استدل على تحريم المرضعة الثانية بوجهين (وحاصل) أحدهما انه يكفى في الحرمة صدق المشتق و تحقق الزوجية في زمان ما فيدخل في عموم قوله تعالى (وامهات نسائكم) وهذا الوجه يمكن ان بريد به اختيار كون المشتق حقيقة في الاعم (ويمكن) ان يكون مراده (قده) ان صدق الزوجة على البنت في زمان ما كاف في تحريم امها ابدا إذ لم تقيد حرمة ام الزوجة في الاية بكونها ام الزوجة الفعلية فيكفى في الحرمة كونها ام الزوجة السابقة فيكون نظير قوله تعالى (لا ينال عهدي الظالمين) حيث ان الظالم في زمان ما لا يناله العهد دائما فتحقق الزوجية في زمان موجب لتحريم امها ولو كانت الامية
1 - إذا فرض بطلان زوجية الام والبنت في آن واحد فليس هناك زمان خارجي تتصف الام فيه بانها ام الزوجة أو تتصف البنت فيه بانها بنت الزوجة نعم ان بطلان الزوجتين في طول حصول الامية والبنتية رتبة الا ان الاحكام الشرعية مترتبة على الموجودات الزمانية دون الرتبتية كما هو ظاهر (*)
[ 56 ]
في زمان متأخر عن الزوجية (وحاصل) الدليل الاخر انه (لو فرضنا) زوال الزوجية في مقام ثم تزوجت المرأة من رجل آخر فولدت منه بنتا (فلا اشكال) في حرمة البنت على الزوج الاول مع دخوله بامها فكذا إذ احدثت البنتية بالرضاع فان ما يحرم بالنسب يحرم من الرضاع (فإذا كان) هذا حال حدوث البنتيه بعد زوال الزوجية (فكذلك) حال حدوث الامية فهى ايضا توجب الحرمة وان كانت بعد زوال البنت (وبالجملة) فلا اشكال في عموم النزاع ولا وجه لاختصاصه ببعض المشتقات كما في كلام جماعة من المحققين بعد عموم الاملاك وهو بقاء الذات مع زوال الاتصاف (المقدمة الثالثة) ربما يتوهم خروج اسم الزمان عن حريم النزاع (بداهة) ان الذات فيه وهو الزمان بنفسه ينقضى ويتصرم وليس له بقاء بعد انقضاء عارضه (وقد عرفت) ان بقاء الذات معتبر في محل النزاع ولذا بنينا على خروج المشتقات المنتزعة عن مقام الذات عن محل الكلام (ولكن) هذا التوهم (انما يتم) إذا كان المعروض هو الشخص دون الكلى والا فبقاء الذات فيه اوضح من ان يخفى. " بيان " ذلك انه لا اشكال في ان لفظ السبت واول الشهر وغيرهما من اسماء الازمنة موضوعة لمعان كلية لها افراد تدريجية ولا يمكن اجتماع فردين منها في الوجود (فان كان) اسماء الازمنة المصطلحة كالمقتل والمضرب وغيرهما موضوعة لزمان كلى متصف بالقتل والضرب ككلى يوم العاشر من المحرم مثلا (فلا اشكال) في بقاء الذات ولو مع انقضاء العارض (واما) إذا كان الزمان المأخوذ فيها شخص ذاك اليوم بعينه
لاكليه (فللتوهم) المذكور (محال) لكن كون المأخوذ فيها هو الشخص في حيز المنع. (بل الظاهر) انه الكلى (1) كما في بقية اسماء الازمنة غير المصطلحة كأسماء الايام والشهور والسنين (ولا يخفى) ان هذا الذى اخترناه اولى مما اخترناه في الدورة السابقة من ان المعروض هو الشخص ولكنه يجرد عن الخصوصية فيكون باقيا
1 - لا ينبغى الريب في ان الموضوع له في اسماء الازمنة معنى كلى الا ان مصداقه في الخارج والمتصف بالمبدء، انما هو الشخص فمع زوال الوصف وانعدام ذلك الشخص لا معنى لبقاء الذات في ضمن شخص آخر والتحقيق في الجواب ان يقال ان الشبهة المذكورة مبتنية على كون هيئات اسماء الازمنة موضوعة مستقلة في قبال وضع هيئات اسماء الامكنة واما إذا كان الوضع فيها واحدا وبمعنى جامع يطلق على الزمان مرة وعلى المكان اخرى كما هو - (*)
[ 57 ]
بعد زوال الوصف (وكذا) مما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان انصار الكلى في فرد وامتناع فرد آخر لا يوجب الوضع لخصومه كما في لفظ الواجب تعالى فتدبر جيدا. (المقدمة الرابعة) قد ذكرنا في المقدمة الاولى انه لااشكال في كون المشتق حقيقة في المتلبس في الحال (وانما) الكلام في انه موضوع لخصوصه أو للاعم منه و من المقتضى عنه وحيئنذ فيقع الكلام في انه ما المراد من الحال فهل هو زمان النطق أو معنى آخر (فنقول) لفظ الحال يطلق (تارة) ويراد منه الزمان الحاضر في قبال الماضي والمستقبل ولا اشكال في وجوده (ولا يصغى) إلى ما قيل من انحصار الزمان في الماضي والمستقبل وانكار الزمان الحاضر بتوهم ان الزمان حيث انه بنفسه ينقضى ويتصرم فالجزء المتحقق ماض وغير المتحقق مستقبل فاين الزمان الحاضر (بداهة) انه مغالطة محضة ومساوق لانكار اصل وجود الزمان واستصحابه وسيجئ في باب الاستصحاب ان شاء الله تعالى ان الزمان وان كان بنفسه مما يتصرم الا ان له حافظ وحدة
جامعة لتمام الانات المتكثرة التى توجد وتنعدم فكل جزء حين وجوده زمان حاضر وبعده ماض وقبله مستقبل (ويطلق اخرى) ويراد منه حال التلبس وليس المراد منه زمان التلبس كما في عبارة كثير من الاعلام ومنهم المحقق صاحب الكفاية (قده) (بداهة) ان لازمه اخذ الزمان في مدلول المشتقات ولانلتزم باخذ الزمان في مداليل الافعال كما سيجئ ان شاء الله تعالى فضلا عن الاسماء مضافا إلى انه مستلزم لاخذ النسبة الناقصة في مدلولها المستلزم لاخذ الذات فيه على ما سيجئ وهو خلاف مذهب التحقيق حتى عنده (قده بل) المراد منه هي فعلية التلبس الملازمة لاحد الازمنة الثلاثة (وعليه) فلا يدخل الحال بالمعنى الثاني الذى هو زماني ملازم للزمان مع المعنى الاول تحت جامع واحد (بل) هما متباينان مفهوما فلاوجه لدعوى العموم من وجه بينهما بتوهم
- الظاهر فلا اشكال اصلا فهيئة مفعل مثلا وضعت لظرف الفعل اعم من كونه زمانا أو مكانا وعليه فيمكن وضع هذه الهيئة لخصوص المتلبس أو للاعم منه ومن المنقضى عنه المبدء غاية الامر انه في خصوص الاطلاق على الزمان لا يمكن فيه الانقضاء وهذا الاضيرفيه اصلا بعد عدم كون الوضع مختصا به وقد تقدم نظير ذلك في مثل لفظ الممكن والمعلول وامثالهما (*)
[ 58 ]
ان المراد منه هو زمان التلبس والعموم من وجه بين الزمانين ظاهر (إذا عرفت ذلك) فنقول المراد من الحال في كلام القوم هو المعنى الثاني لازمان النطق (بداهة) ان قولنا زيد كان ضاربا أو سيكون ضاربا حقيقة عند الكل مع انه لم يصرح احد بخصوص ارادة زمان النطق في محل الكلام (مضافا) إلى استبعاد الوضع لما هو قليل الفائدة إلى الغاية هذا (وربما) يشكل على ما ذكرنا من ان المراد بحال التلبس هو فعلية التلبس والزمان خارج عن مدلول المشتق بوجهين (الاول) انه ينافى ما ذكره علماء النحو من اشتراط عمل اسم الفاعل والمفعول بما إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال فان ظاهره دلالة المشتقات على الزمان (الثاني) انه ينافى النزاع المعروف بين الشيخ والفار ابى في ان اللازم في
اتصاف ذات الموضوع بوصفه هل هو كونه بالامكان أو بالفعل وفسر الفعلية في كلام البعض باحد الازمنة الثلاثة (وجه) المنافاة المتوهمة انه (إذا كان) شرط اطلاق المشتق هو فعلية التلبس وخروج الزمان عند مدلوله كما ذكرنا فيكون النزاع المعروف مما لا يترتب عليه ثمرة اصلا إذ بعد الفراغ عما ذكرناه فاى وقع لما اختاره الفارابى من كفاية الاتصاف بالامكان ولابد من الالتزام بمقالة الشيخ بعد ارجاع تفسير كلام الشيخ باحد الازمنة إلى ما ذكرنا بان يكون تفسيرا باللازم فان فعلية التلبس ملازمة للوقوع في احد الازمنة قهرا (بل ان) مختار الفارابى ينافى ما ذكرناه سابقا من خروج الاوصاف الذاتية عن حريم النزاع والاتفاق على اعتبار الفعلية فيها فان ما اختاره الفارابى لا يختص بالمشتقات العرضية ويشمل العناوين الذاتية المشتقة من المبادى الجعلية (ولكن المتأمل) لا يخفى عليه فساد كلا الاشكالين (اما الاول) فلان الاشتراط المذكور ليس من جهة دلالة نفس اللفظ على الزمان كيف والمسلم عندهم عدم دلالة الاسم على الزمان بل من جهة القرينة الخارجية من لفظ امس أو غد وامثال (كما ان) الدلالة على الزمان الحاضر من جهه الانسباق من سياق الجملة (اجنبية) عما نحن بصدده من تعيين المفاهيم الافرادية (واما الثاني) فلان محل كلامنا هو المفاهيم الافرادية (والنزاع) المعروف (انما) هو في القضايا التركيبية بمعنى ان المحمولات فيها (هل) هي ثابتة على الافراد الفعلية (أو على) الافراد الممكنة ولا تنافى بين الالتزام باعتبار فعلية التلبس مع الالتزام بمقالة الفارابى وان معنى قولنا كل انسان كاتب ان كلما يمكن ان يتصف بالانسانية وان
[ 59 ]
لم يتصف بها في احد الازمنة فهو متصف بالكتابة حين اتصافها بالانسانية (وبالجملة) اعتبار فعلية التلبس في المفهوم الافرادى اجنبي عن تعيين موضوعات الاحكام في القضايا التركيبية (نعم) اعتبار فعلية التلبس بالمعنى الاخر وهو كون الاتصاف في الزمان الحاضر ينافى كون الموضوع هو الافراد الممكنة غير المتصفة بالوصف العنوانى في الزمان الحاضر
(المقدمة الخامسة) ان النزاع في هذا المبحث كما ذكرنا انما هو في سعة المفهوم وضيقه بمعنى ان الموضوع له هل هو خصوص المتلبس بالمبدء أو الاعم منه ومن المنقضى عنه (وتخيل) بعض ان النزاع ليس في ناحية المفهوم بل في الصدق (وحاصله) ان مفهوم المشتقات مما لم يقع الاشكال لاحد فيه (وانما) النزاع في أن صدقه على المنقضى عنه المبدء (هل) هو باعتبار انه من الافراد التنزيلية (أو من) الافراد الحقيقية (واورد) على القوم بانهم لم يميزوا محل الكلام ومورد النقض والابرام (وكلامه) هذا مأخوذ من السكاكى المنكر للمجاز في الكملة القائل برجوعه إلى المجاز في الاسناد وان المصاديق المجازية أفراد ادعائية للمعنى الحقيقي والتصرف في امر عقلي (ولا بدلنا) اولا من ابطال كلام السكاكى حتى يظهر بطلان كلام التابع له ايضا (فنقول) ان مختاره على تقدير تماميته فانما يتم في القضايا الخارجية الصدقية سواء كان الصدق فيها ملحوظ استقلالا كقولنا زيد اسد أو ضمنا كقولنا رأيت اسدا يرمى (وأما) في القضايا التى لم يلحظ فيها الصدق على موضوع خاص اصلا (بل) هي من القضايا الكلية الحقيقية التى لم يلحظ فيها صدق الموضوع على شخص منقض عنه المبدء حتى يتكلم أن هذا من الافراد الحقيقية أو الادعائية كما في قولنا تحرم ام الزوجة فمثل هذه القضايا خارجة عن موضوع كلامه بالكلية وعمدة ما يكون محل الكلام ومورد النقض والابرام هي هذه القضايا التى لم يلحظ فيها صدق الموضوع على شخص (فانه) إذا كان الصدق مفروضا (فلا اشكال) في شمول الحكم له (غاية الامر) يكون النزاع علميا في انه هل هو من الافراد الادعائية أو الحقيقية (واما) القضايا الصدقية (فهى) على ثلاثة اقسام فان صدق المعنى (تارة) يكون على فرده بلا خفاء ولا عناية كصدق الماء على ماء الفرات مثلا (والحرى) على فرد مع الخفاء لكنه أيضا من افراد المعنى الحقيقي كصدق الماء على ماء الزاج والكبريت فانهما من افراد الماء بحسب المعنى الموضوع له وان كان صدقه عليهما
[ 60 ]
يحتاج إلى تأمل و (ثالثة) يكون صدقه على فرد باعتبار التوسعه في المعنى واستعمال اللفظ في المعنى المجازى كما إذا استعمل لفظ الاسد في مطلق الحيوان الشجاع فيصدق على زيد ايضا وإذا لم يكن احد هذه الوجوه فلا يمكن الحمل قطعا ويكون دعوى الصدق والانطباق من الدعاوى الكاذبة الجزافية (وبعبارة اخرى) حيث أن زيدا ليس من أفراد الحيوان المفترس قطعا فلابد من الادعاء والتنزيل فهو (اما) في الموضوع (اوفى) المحمول (اوفى) النسبة (لااشكال) في عدم الادعاء والتنزيل في الموضوع وهو زيد (فاما) أن يكون في المحمول بتوسعة في المفهوم (فهو) المطلوب وما اختاره المشهور في المجازات (واما) أن يكون في النسبة فيكون من الدعاوى الكاذبة الجزافية (ومنه) يعلم عدم الفرق بين ما إذا كان الصدق ملحوظا ابتداء أو ضمنا في انه لو لم يكن توسعة في ناحية المعنى لكان الدعوى كاذبة لا محالة (واذ ظهر لك) بطلان ما ذهب إليه السكاكى (فيظهر لك) بطلان كلام التابع له ايضا (وجه الظهور) أن مفهوم المشتق (ان كان) اعم من المنقضى عنه والمتلبس سواء كان هذا المعنى حقيقيا أو مجازيا (فلا اشكال) في الصدق (والا) فيستحيل صدقه على المنقضى عنه ويكون دعوى الفردية من الدعاوى الكاذبة " ثم " ان النزاع العلمي لابد وأن يكون في ناحية المعنى والا فالصدق من الامور التكوينية الخارجية ولا معنى للنزاع فيه بعد وضوح المفهوم وعدم الجهل بخصوصيات الفرد الخارجي فكيف يجعل الامر التكويني الخارجي محلا للنزاع بين الاعلام بل لابد وأن يكون نزاعهم في امر علمي نظرى وهو ليس الا أعمية المعنى وأخصيته " المقدمة السادسة " في تعيين مبدء المشتقات ومفاد هيئاتها " اما الاول " فالمعروف بين المتقدمين انه المصدر " وربما " يورد عليه بأنه مشتمل على مادة وصورة من حيث لفظه وحدث ونسبة من حيث المعنى ويستحيل أن يكون مثله مبدء لبقية المشتقات إذ لابد وأن يكون المشتق مشتملا على المبدء والمصدر مباين مع بقية المشتقات لفظا ومعنى ولذلك عدل المتأخرون عنه وجعلوا المبدء اسم المصدر " ولا يخفى " انه كالمصدر
في استحالة كونه مبدء لسائر المشتقات فانه مباين معها ايضا كما ستعرف فيستحيل كونه مبدء لها " والتحقيق " ان المبدء للجميع هي المادة الهيولاوية غير المشتملة على خصوصية من خصوصيات المشتقات من هيئاتها ونسبها الخاصة فاللفظ والمعنى الملحوظان بنحو
[ 61 ]
اللا بشرطية هما المبدئان لالفاظ المشتقات ومفاهيمها المشتملتين على خصوصية بها يمتاز بعضها عن بعض كما اشرنا إليه في مبحث المعاني الحرفية (نعم) لا بأس بالتعبير عن المبدء بالمصدر لكن مع الغاء الهيئة المصدرية لعدم امكان التعبير عنه الا في ضمن هيئة من الهيئات والتخصيص بالمصدرية لتقدم رتبته على سائر المشتقات كما ستعرف آنفا (واما الثاني) فتوضيحه (1) ان تلك المادة الهيولاوية التى عرفت انها المبدء للمشتقات بالحقيقة (تارة) لا تلاحظ فيها الانفس نسبتها إلى محلها التى هي ذاتية لها من جهة كونها عرضا له فتكون مدلولة للمصدر الدال على النسبة الناقصة باضافته إلى فاعله كثيرا والى مفعوله احيانا (واخرى) تلاحظ بدون النسبة بما انها شيئ من الاشياء (وبعبارة اخرى) نتيجة المصدر والحاصل عنه فيسمى الدال عليها باسم المصدر ورتبته بالقياس إلى المصدر كأنها رتبة الانفعال من الفعل فيكون متأخرا عنه لا محالة وحيث انه لم تلاحظ فيه النسبة بل لو حظ مدلوله بما هو شيئ من الاشياء فلا يعمل عمل المصدر ولا يبعد ان يكون المفعول المطلق مأخوذا بمعنى اسم المصدر ولا ينافى ذلك اشتراط وقوعه مصدر الاشتراكه معه في الهيئة غالبا (وثالثة) تلاحظ بما هي مخبر بها تحققا فتكون النسبة التقييدية المصدرية تحت الحكاية من حيث التحقق كما في الفعل الماضي فانه متكفل لحكاية تحقق نسبة المبدء إلى موضوعه وبهذه الملاحظة يدل على الزمان الماضي بالملازمة فان تحقق
1 - التحقيق ان كل خصوصية من خصوصيات المعنى التى يدل عليها خصوص هيئته انما هي مباينة مع خصوصية اخرى ولانظر في احديها إلى الاخرى فلا موجب لتقدم بعضها على بعض اصلا والظاهر ان هيئة اسم المصدر موضوعة للدلالة على قصد المعنى بما هو من دون لحاظه
منتسبا إلى غيره من ناحية استعمال اللفظ فيه كما ان هيئة المصدر موضوعه للدلالة على ؟ قصد المعنى بما انه منتسب إلى فاعل ما اوالى مفعول ما واما هيئة الفعل الماضي فهى موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن تحقق المبدء سابقا على التكلم ولو آناما وهيئة الفعل المضارع موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن تحقق المبدء حال التكلم أو بعده بزمان والمشتقات الاسمية موضوعة للدلالة على قصد افادة تقييد الذوات بقيام المبادى بها نحو قيام وجميع هذه الخصوصيات تطرء على معنى واحد من دون ان يكون هناك ما يوجب بقدم بعضها على بعض وقد مر ما ينفع في المقام من الكلام في بحث الخبر والانشاء وفى بحث المعاني الحرفية (*)
[ 62 ]
نسبة شيئ إلى محله لا يعقل الا سابقا على التكلم ولو بان ما والا فالزمان الماضي الذى هو معنى اسمى يستحيل لان يوضع له الهيئة قطعا فظهر) ان رتبة الفعل الماضي متأخرة عن رتبة المصدر ايضا (فان قلت) اليس من المسلم في محله أن الاوصاف التى هي النسب التقييدية قبل العلم بها ولو فرضا اخباركما ان الاخبار التى هي النسب التامة بعد العلم بها كذلك اوصاف فلا محالة تكون النسب التقييدية رتبتها متأخرة عن النسب التامة الخبرية ولازم ذلك أن يكون المصدر متأخرا رتبة عن الفعل الماضي كما ذهب إليه جماعة من النحويين (قلت) تأخر النسبة التقييدية في الوصاف عن النسبة التامة الخبرية لا يستلزم تأخر كل نسبة تقييدية عن كل نسبة تامة بل التقدم والتأخر لا بدوان يكونا بملاك وهو في الاوصاف يقتضى التأخر وفيما نحن فيه يقتضى التقدم كما عرفت وجهه (وبالجملة) حيث ان الفعل الماضي لوحظ فيه المادة منتسبة إلى الفاعل بالنسبة التامة التحقيقية فلا محالة يكون متأخرا عمالم يلاحظ فيه التحقق قطعا (ورابعة) تلاحظ المادة بما ان موضوعها منشأ لها كما في الفعل المضارع فانه يحكى عن منشأية الموضوع للحدث فهو وان شارك الفعل الماضي في ان المبدء لوحظ فيه عرضا غير محمول كما في المصدر واسم المصدر الا ان الملحوظ في الماضي الحكاية عن تحقق هذا الحديث المنتسب وفى المضارع الحكاية عن
مبدئية الذات للحدث (ومن) يعلم فساد ما عليه المشهور من دلالة الفعل المضارع على الحال أو الاستقبال (لما عرفت) من انه لا يدل الا على خصوص مبدئية الذات للحدث فعلا فلا بدفى دلالته على الاستقبال من الحاق كلمة سين أو سوف وبلحاظ دلالته على مبدئية الذات يكون مضارعا لاسم الفاعل فهو وسط بين الماضي واسم الفاعل (و خامسة) تلاحظ المادة بما هي عرضى محمول على الذات بخلاف المشتقات السابقة كما في اسم الفاعل وما يلحقه من الصفات ورتبة هذا القسم من المشتقات متأخرة عن جميع ما تقدم فما احسن تعبير هم بضرب يضرب فهو ضارب حيث انه للاشارة إلى ان مرتبة الفعل الماضي متقدمة على المضارع وهو متقدم على اسم الفاعل (ولذا) ذكرنا سابقا ان الاصل في المرفوعات هو الفاعل الذى هو في مرتبة الفعل الماضي دون المبتدء الذى هو في مرتبة اسم الفاعل ثم لا يخفى ان ما ذكرناه ما ان المصدر يدل على النسبة الناقصة دون اسم المصدر
[ 63 ]
ليس الغرض منه ان النسبة الناقصة مدلولة للهيئة والا لوجب ان تكون المصادر مبينة (1) لتضمنها للمعنى الحرفى بل الغرض ان المصادر لوحظ فيها المادة بحيث تكون قابلة لو رود النسبة إليها فيضاف إلى الفاعل كثيرا وإلى المفعول نادرا بخلاف اسم المصدر فانه لم يلحظ فيه النسبة اصلا ولا يمكن اضافته إلى شيئ فان الاضافة ملازمة للنسبة وقد بينا كونه معرى عنها (2) وملحوظا بما هي شيئ من الاشياء (والحاصل) ان المصدر موضوع للحدث حال قيامه بالموضوع فيمكن اضافته إلى موضوعه بخلاف اسم المصدر فانه موضوع بازاء الحدث بشرط عدم هذه الملاحظة ثم لا يخفى ان اسم الفاعل متقدم رتبة على سائر المشتقات التى لوحظ المبدء فيها عرضيا محمولا كاسم المفعول واسمى الزمان والمكان وغير ذلك فانه ينتزع من قيام العرض ونسبته الاولية إلى موضوعه بخلاف بقية المشتقات فانها تنتزع من النسبة الثانوية
إلى المفعول أو الزمان أو المكان أو غيرهما. بقى الكلام في أن المفاهيم الاشتقاقية هل هي بسيطة لم تؤخذ فيها الذات والنسبة أولا (فتقول) وقع الخلاف بين الاعلام في أنها بسيطة أو مركبة وربما يفصل بين الذات والنسبة بالاعتراف بأخذ الثانية دون الاولى (ولا يخفى) على المتأمل غرابته فان اخذ كل منهما يلازم أخذ الاخر (اما الذات) فلانها لو اخذت في مفهومها والمبدء مأخوذ فيه لا محالة فلا بد من اخذ النسبة ايضا ادلا معنى لدلالة المشتق على الذات والمبدء بحيث يكون كل منها أجنبيا عن الاخر (وأما النسبة) فحيث انها متقومة بالطرفين فيلزم من أخذها فيه أخذ الذات ايضا والا كانت قائمة بطرف واحد وهو محال (3)
1 - دلالة هيئة المصدر التى هي موضوعة بوضع غير وضع المادة على النسبة الناقصة لا توجب كون المصادر مبنية وانما الموجب له تضمن نفس الاسم الموضوع للمعنى الاستقلالي لمعنى حرفي كاسماء الاشارة ونحوها وكم فرق بين الامرين كما هو ظاهر 2 - كون اسم المصدر بنفسه معرى عن النسبة لا ينافى اضافته إلى شيئ ولحاظ النسبة فيه من جهة الاضافة كما في الجوامد ولازم ما ذكر في المتن استحالة الاضافة في الجوامد وهى واضحة البطلان 3 - سيأتي ان الذات المأخوذة في مفاهيم المشتقات أو الجوامد انما هو امر مبهم من (*)
[ 64 ]
وكيف كان فقبل الخوض في الاستدلال لابدلنا من تحرير محل النزاع (وبيانه) أنه لا اشكال في أن في الخارج امورا ثلاثة ذاتا ونسبة ومبدء متحدا معها نحوا من الاتحاد فوقع الكلام في أن الموضوع له (هل هو) المعنى البسيط أعنى خصوص المبدء الملحوظ متحدا مع الذات (أو) المركب منه ومن الذات المنتسب إليها المبدء والغرض من البساطة والتركب هي البساطة والتركب بحسب التحليل العقلي وألا فلا ريب
في أن مفهوم المشتق ليس مركبا من مفاهيم تفصيلية وهى مفهوم ذات ثبت له المبدء والقائل بالتركب يسلم وحدة المفهوم (غاية الامر) يدعى أنحلاله إلى امور متعددة في العقل (بداهة) أن لازم التركب المفهومى (1) هو انقلاب الادراك التصورى اللازم في المحمول إلى ادراك تصديقي ولا يلتزم به احد من القائلين بالتركب. ثم انه يظهر من تقريرات أستاذ الاساطين العلامه الانصاري (قده) دخول الجوامد ايضا في محل الكلام حيث أنه استدل بعدم اخذ الذات في مفاهيم الجوامد على عدم الاخذ في مفاهيم المشتقات (واشكل عليه) بأن الجامد كالانسان مثلا موضوع لنفس الذات فلا معنى لاخذها فيه (ويرد عليه) أن مفهوم الانسان مثلا وان لم يكن ذاتا يقوم بها مبدء الانسانية الا أنه لا اشكال في تقدم مراتب سابقة عليه هي مواد للصورة الانسانية كالجوهرية والجسمية ولذا أشرنا سابقا إلى أن الموضوع في زيد انسان هو زيد المنخلع عنه الانسانية الملحوظ فيه الجسمية فقط حتى لا يلزم حمل الشيئ على نفسه فمرتبة الجسمية هي مرتبة الموضوع للصورة الانسانية فيقع الكلام في أن لفظ الانسان موضوع لما ينحل إلى جسم له الانسانية أو لخصوص الصورة الانسانية التى هو الفصل الاخير (وبالجملة) الذات تختلف في الجوامد والمشتقات (فهى في المشتقات) عبارة عن المعروض لكن لا بخصوصيته الخاصة كزيدية زيد وعمروية عمرو (وفى الجوامد) هي المواد السابقة على الصورة النوعية التى بها يكون شيئية
- جميع الجهات الا من جهة قيام المبدء بها وعليه فلا يلزم من اخذ الذات في الجوامد اخذ كل من الجنس والفصل والنوع في غيره كما سيتضح ذلك انشاء الله تعالى 1 - كون النسبة في مقام تحقيقها وتعقلها متقومة بالطرفين اجنبي عن كون الطرفين مدلولين لما يدل عليها والا كانت المداليل الاسمية داخلة في معنى الحروف الدالة على النسب الخاصة وهو واضح البطلان (*)
[ 65 ]
الاشياء (وتوضيح ذلك) أن ملاك الحمل في العناوين الذاتية كالجنس والفصل أوفى العناوين العرضية كالمشتقات الاصطلاحية هو اخذ المحمول لا بشرط بالاضافة إلى ما يحمل عليه كما سيتضح ذلك في المقدمة السابعة ان شاء الله تعالى (وحينئذ) فالذات التى أخذ المحمول الاشتقاقى بالاضافة إليها لا بشرط هو المعروض والذات التى اخذ المحمول الذاتي بالاضافة إليها كذلك هو الفضل (تارة) والجنس (أخرى) والنوع (ثالثة) على اختلاف القضايا باختلاف موضوعاتها (فلازم) تركب مفاهيم الجوامد (هو) اخذ الجنس والفصل والنوع كل منها في الاخر (1) لان كلا منها قائم بالاخر بحسب تركب القضية موضوعا ومحمولا فلقد أحاد (قده) في التسوية بينهما إذ الملاك في الحمل هو اعتبار اللابشرطية المشترك بين المقامين (ان قلت) ان المشتقات لها وضعان من حيث المادة والهيئة فلا يلزم من بساطة المفاهيم غير الاشتقاقية التى ليس لها الا وضع واحد شخصي بساطة المفاهيم الاشتقاقية (قلت) محل الكلام في المشتقات ليس هو وضع موادهها السارية في جميعها اسمية كانت أو فعلية بل خصوص وضع هيئاتها التى بها تكون محمولات في القضايا وهى (وان) كانت تفارق الجوامد في أن وضعها نوعي بخلافها فان وضعها شخصي (الا انه) ليس بفارق في محل الكلام وهو البساطة والتركب فان اللا بشرطية المصصحة لاخذ شيئ محمولا ان كانت مستلزمة لاخذ الذات فيشترك فيه الجميع والا فكذلك وكون الوضع شخصيا أو نوعيا اجنبي عن المقام. (إذا عرفت) ذلك (فاعلم) أن التحقيق (2) وفاقا لاهله بساطة مفاهيم المشتقات وخروج الذات والنسبة عن مداليلها بالكلية فلا تدل الا على المبدء الملحوظ اتحاده مع الذات فقط والبرهان عليه من وجهين (الاول) من طريق الان فانه لو كان المشتق دالا على النسبة التى هي معنى حرفي فلا محالة يكون متضمنا للمعنى الحرفى فيلزم أن
يتعلق بصفحة 64 - 1 - تركب المفاهيم في مداليل المشتقات مع قطع النظر عن التحليل العقلي وان كان على خلاف الوجدان العرفي الا ان لازمه هو انقلاب الادراك التصورى إلى ادراك
تصديقي بعد كون المبدء مأخوذا بنحو التقييد كما هو المفروض 2 - بل التحقيق هو تركب المفاهيم الاشتقاقية والبرهان عليه مضافا إلى ضرورة الوجدان - العرفي وان المفهوم من لفظ القائم مثلا ليس الا ما قام به المبدء وهو القيام دون نفس (*)
[ 66 ]
يكون مبنيا (1) فيستكشف من كونه معربا عدم أخذ النسبة فيه وبالملازمة يستكشف عدم أخذ الذات فيه أيضا (الثاني) أن المشتق كما عرفت سابقا ليس الا مالحوظ المبدء فيه بحيث يتحد مع الذات وينطبق عليه (2) والمفروض ان المحمول ليس الانفس المشتق فليس هناك ما يكون منشأ لدعوى اخذ الذات في مفهومه فان مادته موضوعة للمادة الهيولاوية المشتركة بين جميع المشتقات وهيئة موضوعة لافادة اتحاد المبدء مع موضوعه
المبدء هو ان وجود العرض في الخارج في نفسه وان كان عين وجوده لموضوعه الا انه مغاير مع وجود الموضوع الذى هو موجود لنفسه ومعها كيف يمكن الاتحاد بينهما في الوجود الذى هو الملاك في صحة الحمل الشايع وهل اعتبار اللا بشرطية يوجب اتحاد المتغايرين في الوجود وإذا كان هذا حال العرض مع موضوعه في الخارج فكيف حال المبادى الاعتبارية التى لا وجود لها في الخارج فكيف يمكن حملها على الذوات الخارجية مع ان صحة الحمل تتوقف على اتحاد في الوجود هذا مع انك قد عرفت فيما مر ان كل هيئة من هيئات المشتقات موضوعة بوضع علي حده في قبال وضع المواد فلا محالة يكون ما استعمل فيه الهيئة مغايرا لما يستعمل فيه المادة فلا بد من دلالتها على النسبة أو عليها مع الذات وحيث ان المشتق بنفسه من دون ان يكون معتمدا على الموصوف يمكن ان يكون موضوعا في القضية الحملية أو مسندا إليه في غيرها فلا مناص عن دلالته على الذات ايضا والا كانت النسبة الكلامية قائمة بطرف واحد وهو غير معقول ثم لا يخفى ان الذات المأخوذة في مفهوم المشتق حسب التحليل العقلي ليست عبارة عن الذوات الخاصة حسب اختلاف الموارد حتى يكون المشتق من قبيل متكثر المعنى فان ذلك باطل بالضرورة بل
هي عبارة عن معنى مبهم من جميع الجهات غير جهة قيام المبدء به كما هو مدلول الاسماء الموصولة ونحوها من المبهمات فيصدق ذلك المعنى تارة على الواجب واخرى على الممكن كما انه تارة يصدق على العرض واخرى على الجوهر وثالثة على مهية من المهيات أو مفهوم من المفاهيم مع قطع النظر عن الوجود الخارجي وبذلك يندفع جملة من الاشكالات التى اورد على تركب المفاهيم الاشتقاقية على ما يظهر ذلك انشاء الله تعالى 1 - قدمران دلالة الهيئة على النسبة اجنبية عن كون الاسم بنفسه متضمنا للمعنى الحرفى كما في اسماء الاشارة وغيرها 2 - قد عرفت ان المبدء يستحيل اتحاده مع ما يقوم به في الخارج في الاعراض فضلا عن غيرها فلا مناص من اخذ الذات في المفهوم تصحيحا للحمل (*)
[ 67 ]
فلم يبق هناك ما يدل على النسبة والذات اصلا (وعدم) امكان وجود المبدء في الخارج الا بالذات (لا يقتضى) اخذها في المفهوم والا لكانت مأخوذة في المصادر ايضا (مع انه) لا اشكال في عدم اخذها فيها (ثم) الغرض من هذا البرهان اثبات عدم اخذ الذات فيه واقعا وان كان لا يفي باثبات ما هو الصحيح من استحالة ذلك الا انه يمكن الاستدلال عليه بان المراد بالذات كما مر هي التى اخذت في مرتبة سابقة على المبدء الحقيقي كما في المشتقات أو الجعلى كما في الجوامد والهيئة لم توضع الا لقلب المبدء عن البشرط لائية العاصية عن الحمل إلى اللابشرطية لما ذكرنا أن كل محمول جامدا أو مشتقا لابدوان يؤخذ لا بشرط حتى يكون قابلا للحمل فأخذ الذات فيه خلف لانه ملازم لاخذه بشرط شيئ وهو ينافى المحمولية الصرفة (1) (مع أنه يلزم) من اخذ الذات فيه محاذير أخر (منها) ان الواضع الحكيم لابد وان يلاحظ في اوضاعه فائدة مترتبة عليها ولا يترتب فائدة على اخذ الذات اصلا (ومنها) انه يلزم منه أخذ المعروض في العرض وكل من الجنس والفصل في الاخر وهو خلف (بل يلزم) انقلاب كل منهما إلى النوع فان النوع ليس
الا مركبا من الجنس والفصل وقد أخذ في كل منهما الاخر فيكون كل منهما نوعا (ومنها) أنه يلزم منه التكرار في القضية فلا بد من التجريد وهو خلاف الوجدان (ومنها) أنه يلزم من اخذ الذات فيه أخذ النسبة فيه ايضا فيلزم (اشتمال) الكلام الواحد على نسبتين في عرض واحد (وفرض) النسبة التقييدية مقدمة على التامة الخبرية (انقلاب الادراك التصورى إلى التصديقي إذ لابد من لحاظ النسبة تقييدية أولا (ثم) تامة خبرية في المحمول (ثانيا) ثم تامة خبرية في تمام القضية (ثالثا) وكل هذه الامور مما لا يمكن الالتزام به اصلا (هذا كله) إذا كان المراد بالذات (الذات) الكلية (وأما إذا) اريد منها الذوات الخاصة (فأخذها) فيه أفحش (إذ) يرد عليه (مضافا) إلى ما ذكرنا (أن) لازمه كون المشتقات من قبيل متكثر المعنى مع وضوح كون معانيها امرا واحدا
1 - قد عرفت ان الذات المأخوذة في المفهوم معنى مبهم من تمام الجهات غير جهة قيام المبدء بها فلا يلزم من اخذ الذات فيه اخذ المحمول بشرط شيئ كما هو ظاهر وبما ذكرناه يظهر اندفاع جميع ما ذكر في المتن لابطال اخذ الذات في مفهوم المشتق فلا حاجة إلى اطالة الكلام في هذا المقام (*)
[ 68 ]
صادقا على كثيرين (هذا حاصل) ما أفاده السيد المحقق العلامة الشيرازي (قده) (واورد عليه) بعض من يغوص في بحار الغرور بأن هيئة المشتق موضوعة للربط بين المبدء و الذوات الخاصة وهو من قبيل المتحد المعنى (وتخيل) أن ما ذكره السيد " قده " ناش من عدم تعقل المعنى الحرفى " وهو " مع رعده وبرقه وجسارته " لم يأت " بمطلب معقول " إذ مضافا " إلى ما عرفت من أن لام أخذ النسبة في المشتق أن يكون الكلام الواحد مشتملا على نسبتين وأن يكون النسبة التقييدية متقدمة على التامة الخبرية " يتوجه عليه " سؤال أن العنوان المحمول على هذا ما هو فان المبدء بنفسه غير قابل للحمل وكذلك النسبة التى هي معنى حرفي (فكلام) السيد العلامة " قده " " مبتن "
على أن لا يكون الهيئة موضوعة للنسبة بل كانت موضوعة لقلب المبدء المأخوذ بشرط لا إلى اللا بشرطية فقط (واما البرهان) الذى اقامه السيد الشريف على استحالة تركب المشتق (فتوضيحة) ان جماعة عرفوا الفكر بانه ترتيب امور معلومة لتحصيل امر مجهول (وأشكل عليه) بانه لايتم في التعريف بالخاصة أو الفصل فانه ليس هناك ترتيب امور متعددة (واجاب عنه) شارح المطالع (قده) بأنه ليس فيه كثير اشكال فان الخاصة أو الفصل وان كان واحدا بحسب النظر البدوى الا انهما ينحلان بالدقة إلى شيئ له النطق أو الضحك فيكون في الحقيقة ترتيب امور معلومة (واشكل عليه) المحقق الشريف (قده) في الهامش بأن الشيئ لا يعقل أن يؤخذ في المفاهيم الاشتقاقية فان المراد به ان كان مفهوم الشيئ فيلزم دخول العرض العام في الفصل وان كان المراد به ما صدق عليه الشيئ فينقلب مادة الامكان الخاص ضرورة (بداهة) ان ما صدق عليه الشيئ هو الانسان وثبوت الشيئ لنفسه ضروري (واجيب) عن الشق الاول بوجهين (الاول) ان الناطق انما اعتبر فصلا مقوما للانسان مع التجريد عن معناه اللغوى فلا منافاة بين اخذ مفهوم الشيئ فيه بحسب اللغة وتجريده عنه بحسب الاصطلاح (وفيه) ان المقطوع به عدم التصرف في معنى اللفظ بل جعل الناطق بماله من المعنى فصلا للانسان (الثاني) ان الناطق ليس فصلا حقيقيا للانسان بل هو لازم الفصل وجعل مكانه لتعذر معرفته غالبا فلا يلزم من اخذ مفهوم
[ 69 ]
الشيئ فيه الا اخذ العرض العام في الخاصة لا في الفصل (وفيه) ان الناطق بمعنى التكلم أو ادراك الكليات وان كان من عوارض الانسان الا انه بمعنى صاحب النفس الناطقة يكون فصلا حقيقيا (1) فيلزم من اخذ مفهوم الشئ فيه اخذ العرض العام في الفصل " والتحقيق (2) " ان الشيئ ليس من العرض العام في شيئ فان العرض العام ما كان خاصة للجنس القريب أو
البعيد كالماشي التحيز مثلا " والشيئية " تعرض لكل ماهية من الماهيات وهى جهة مشتركة بين جميعها وليس ورائبا امر آخر يكون هي الجهة المشتركة وجنس الاجناس حتى يكون الشيئية عارضة وخاصة له " ان قلت اليست الشيئية مساوقة للوجود و من الواضح ان الوجود ليس بجنس للماهيات فكذلك الشيئية " قلت " نعم الا ان معنى المساوقة ليس هو الاتحاد بحسب المفهوم بل الملازمة بحسب الصدق فكل ما لم يتحقق فيه الشيئية فلا يتحقق الوجود لاستحالة وجود اللاشئ فالشيئ هو الموجود لا محالة (واما) وحدتهما مفهوما (فمستحيلة) فان الشيئية من سنخ الماهيات المعروضة للوجود (بداهة) أن شيئية الشيئ بماهيته لا بوجوده (ان قلت) اليست الشيئية من المفاهيم الانتزاعية ومعه كيف لا يكون من الاعراض العامة (قلت) قد ذكرنا سابقا ان المفاهيم الانتزاعية التى لا وجود لها في الخارج الا بتبع منشأ انتزاعها لاحكم لها في حد انفسها بل تتبع حال منشأ الانتزاع فان كان عرضيا فلا محالة تكون هي عرضية أيضا كالسبق واللحوق المنتزعين من قيام العرض بمحله وان كان ذاتيا تكون المفاهيم الانتزاعية ايضا ذاتية كالعلية والمعلولية
1 - لا يخفى ان صاحب النفس الناطقة هو الانسان وهو نوع لافصل فلا مناص عن كون الناطق فصلا مشهوريا قد جعل مكان الفصل الحقيقي لتعذر العلم به غالبا كما صرح به المحقق السبزواري في حاشيته على شرح منظومته وعليه فلا يلزم من اخذ مفهوم الشيئ في مفهوم الناطق الا دخول العرض العام في الخاصة دون الفصل 2 - بل التحقيق ان مفهوم الشيئ من المفاهيم العامة المبهمة الصادقة على الوجود الواجبى والامكانى وعلى الماهيات وعلى المفاهيم الانتزاعية بل على المستحيلات ايضا باعتبار وجود ها بتصورها في عالم الذهن كما تقول هذا شيئ مستحيل فمفهوم الشيئ مساوق لمفهوم الامر ولما يستفاد من الفاظ الموصولات كلفظة ما مثلا ومع ذلك كيف يمكن ان يقال انه جنس عال لتمام الماهيات ثم ان المراد من كون مفهوم الشيئ عرضا عاما انه ليس من الذاتيات و مما يتقوم به الماهية في حذ ذاتها بل هو مما يلحقها ويكون خارجا عن ذاتها ويصدق عليها
وعلى غيرها ومن هنا يظهر بطلان جميع ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فلا تغفل (*)
[ 70 ]
فبعض اقسام الخارج المحمول ملحق بالمحمولات الذاتية وبعضها الاخر بالعرضية (و (لهذا) قلنا ان انسانية الانسان ذاتية للانسان وفيما نحن فيه حيث ان منشأ انتزاع الشيئية ليس من الامور العرضيه فلا تكون هي عرضية ايضا (ان قلت) هب ان ما ذكرتم يتم على اصالة الماهية (واما) على اصالة الوجود واعتبارية الماهيات فلا محالة يكون مفهوم الشئ من المفاهيم العرضية (قلت) اعتبارية الماهية لا تستلزم عرضية مفهوم الشئ والا لكان تمام المفاهيم حتى مفهوم الجوهر من المفاهيم العرضية لان كل ممكن ومنها الجواهر لها ماهية ووجود (والمراد) منها ومن اصالة الوجود هو ان الاصل في التأثير والمفاض الاصلى والمجعول الاولى هو الوجود والماهية مجعولة بالتبع و ولذا قيل ما جعل الله المشمشة مشمشة بل اوجدها وهذا لا ينافي تقرر الماهية بنحو من التقرر في الوعاء المناسب له الذى هو مغاير للوجود الذهنى والخارجى فان كلا من الوجودين لاحق لها بعد تقررها (ان قلت) اليس من المسلم عند اهله ان المقولات العشر من الجوهر والاعراض التسعة اجناس عالية لتمام الممكنات ولا جنس فوقها فكيف يكون الشئ جنسا عاليا لتمام الموجودات (قلت) المشهور وان كان ذلك الا انه ممنوع جدا (لما عرفت) ان الشئ جهة مشتركة بين تمام الموجودات فلا محالة يكون جنسا عاليا لها (ان قلت على ذلك يلزم تركب مفاهيم الاعراض من الجنس والفصل مع انه لا اشكال في بساطة مفاهيمها (قلت) ما هو المتسالم عليه في باب الاعراض بساطتها بمعنى ان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز لا انه ليس لها ما به الاشتراك اصلا حتى لا تكون هي داخلة تحت جنس واحد (فاتضح) من جميع ما ذكرناه أن اللازم على تقدير أخذ مفهوم الشيئ في المشتق هو دخول الجنس في الفصل لا دخول العرض العام فيه (ولم يظهر) لنا بعد وجه تعبير المحقق
الشريف عنه بالعرض العام وان ارتضاه كل من تأخر عنه (الا ان يقال) أن عروض مفهوم الشيئى للماهيات ليس الا باعتبار تقررها في وعاء من الاوعية ومن الواضح أن التقرر عارض للماهيات بما هي هي وليس ذاتيا لها فيكون مفهوم الشيئى ايضا عارضا للمهية وحيث أن المهية جنس لتمام الماهيات فيكون مفهوم الشيئى خاصة للجنس وبهذا الاعتبار يكون عرضا عاما لتمام الموجودات (وكيف كان) فلا اشكال في تماميه
[ 71 ]
مدعى المحقق الشريف وهو خروج مفهوم الشيئ عن مفاهيم المشتقات سواء كان محذور دخوله فيها هو اخذ العرض العام في الفصل أو الجنس فيه و (مما ذكرنا) ظهر بطلان أخذ مفهوم الذات فيها ايضا وان محذوره ذاك المحذور بعينه (غاية الامر) أن محذور اخذ مفهوم الشيئ فيها هو اخذ الجنس البعيد في الفصل ومحذور أخذ مفهوم الذات هو اخذ الجنس القريب فيه ولافرق في الاستحالة بين الامرين اصلا (واجيب) عن الشق الثاني بان ثبوت مصداق الذات وهو الانسان لنفسه وان كان ضروريا (الا أنه) إذا اخذ مطلقا (وأما) إذا أخذ مقيدا بالضحك (فلا يكون) ثبوته له ضروريا لجواز أن لا يكون القيد ضروريا (وفيه أن) المحمول على هذا يكون منحلا إلى شيئين (احدهما) ذات الانسان (والثانى) كونه له الضحك وثبوت الجزء الاول للموضوع حيث أنه نفسه ضروري فيلزم الاءنقلاب ولو باعتبار ثبوت المحمول الاول له وان لم يكن ثبوت المحمول الثاني له ضروريا (وبيانه) أن كلا من الموضوع والمحمول (قد يعتبر) مطلقا وغير مقيد بشيئ كالانسان كاتب على البساطة (واخرى يعتبر) الموضوع مقيدا (وحينئذ) فاما أن يكون مقيدا بغير المحمول فحكمه حكم المطلق كالانسان الكاتب شاعر أو يكون مقيدا بالمحمول فلا محالة ينقلب القضية إلى الضرورية كالانسان الكاتب كاتب وثالثة يعتبر المحمول مقيدا (اما) بامر خارج عن الموضوع فحكمه حكم البساطة كالانسان كاتب ماهر
(واما) بالموضوع فلا محالة تنقلب القضية إلى الضرورية (توضيح) ذلك أن المقيد بقيد في غير هما نحن فيه كالمبيع مثلا ان كان كليا فلا محالة يكون التقييد موجبا لتضييق دائرة المبيع بحيث لو أدى في الخارج غير المقيد لما كان منطبقا على المبيع (وان كان) شخصيا فلا يعقل فيه تضييق الدائرة " نعم " عند التخلف يكون موجبا للخيار لاجل تخلف الوصف (واما فيما نحن فيه " فالمأخوذ في المشتق وان كان كليا كالانسان " الا انه " في حكم الشخص في عدم التضيق لكونه عين الموضوع والشيئ لا يتضيق بالقياس إلى نفسه فلا محالة يكون التقييد في حكم محمول آخر اجنبي عن المحمول الاول والمحمول الاول هو نفسه فيلزم الانقلاب المذكور " والحاصل كما أن اعتبار المحمول في الموضوع موجب للانقلاب فكذلك اعتبار الموضوع
[ 72 ]
في المحمول (واما) ما ذكره المجيب " قده " في وجه الانقلاب من ان المحمول وان كان مقيدا بوصف امكاني الا أن الموضوع ان كان مقيدا به واقعا فيصدق الايجاب بالضرورة والا صدق السلب بالضرورة " فغير مفيد " فان الثبوت وعدمه في الواقع مناط الصدق والكذب لا الاءنقلاب إلى ضرورية النسبة سلبا أو ايجابا الا أن يريد به الضرورة بشرط المحمول فيخرج عن محل الكلام بالكلية " ومما ذكرنا " ظهر أن (ما) أفاده ثانيا من كفاية برهان الانقلاب في ابطال أخذ مفهوم الذات أو الشيى " غير صحيح ايضا " فأن مفهوم الذات وان كان ضروري الثبوت باطلاقه لكنه غير ضروري إذا اخذ مقيدا بغير ضروري وقد ذكرنا أن المفاهيم الكلية تتضيق بالتقييد وأن الانقلاب لا يكون الا عند اخذ المحمول في الموضوع أو بالعكس " ثم " ان البرهان المذكور وان كان صحيحا في حد ذاته " الا أنه " مختص بالقضايا الحملية " وحينئذ " فيمكن أن يلتزم بتجريد المحمول عن مفهوم الذات و مصداقة عند الحمل وان كان مأخوذا فيه بحسب الوضع فلا يلزم الاءنقلاب عند الحمل
اصلا " كما " أن ما أفاده بعض المحققين من لزوم اخذ النوع في الفصل أو الخاصة في مقام الحمل " يندفع بذلك " ايضا (فالاولى) تقرير البرهان على الامتناع في المفاهيم الافرادية بان يقال لو كان) الذات مفهوما أو مصداقا مأخوذا في المشتقات " لزم " اخذ الجنس في الفصل والفصل في الجنس والنوع في الفصل أو الخاصة وغير ذلك من المحاذير التى لا يمكن الاءلتزام بواحد منها " فثبت " من جميع ما ذكرنا بداهة بساطة المعاني الاشتقاقية وعدم تعقل التركب فيها اصلا المقدمة السابعة قد ظهر من مطاوى ما ذكرناه أن مفهوم المشتق مأخوذ لا بشرط بخلاف المصدر واسم المصدر فانهما مأخوذان بشرط لاوان افترقا من وجه آخر تقدم الكلام فيه (وتوضيح الحال) في ذلك ان اللا بشرطية والبشرط لائية قد تلاحظان بالاضافة إلى الطوارى والعوارض المنوعة أو المصنفة أو المشخصة ويقع البحث عن ذلك في مبحث المطلق والمقيد وليس المراد منها في المقام هو ذلك واءن كان ظاهر كلام صاحب الفصول قده) انه فهم هذا المعنى من كلام القوم فأورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك (وأخرى) يكون المراد من البشرط لائية هو أخذ الماهية بشرط التعرية
[ 73 ]
عن جميع ما سواها أي بشرط ان لا يكون معها شيئ آخر وبشرط لا بهذا المعنى لا يوجد الا في عالم العقل (بداهة) أن كل ما فرض في الخارج من الاعراض فهو لا محالة يكون مقارنا لوجود موضوعه (وثالثة) يراد منها عدم اتحادها مع غيرها (وتوضيحه) أن وجودات الاعراض كما ثبت في محله في حد انفسها عين وجوداتها لموضوعاتها بمعنى أن العرض غير موجود بوجودين بل وجوده النفسي عين وجوده الرابطى فوجودها في الخارج هو الرابط بين ماهياتها وموضوعاتها والا فالموضوعات في حد ذواتها اجنبية عن ماهيات اعراضها ولا رابط بينهما الا الوجودات العرضية (وحينئذ) (فقد) يلاحظ العرض على واقعه بلا مؤنة اخرى (فحيث) ان وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه
(فلا محالة) يكون مراتا ومعرفا لموضوعه ونعتا له وفانيا فيه حيث أنه من اطواره وشوؤنه وبهذا الاءعتبار يكون عرضيا ومشتقا (1) (واخرى) يلاحظ لا كذلك بل باسقاط حيثية كونه لموضوعه ويلاحظ بما هو شيئ من الاشياء فيكون عرضا مباينا غير محمول حيث أنه بهذه الملاحظة غير موضوعه فكيف يكون عينه ويعبر عنه بالمصدر أو اسم المصدر مع ما ذكرنا من الفرق بينهما (ومما ذكرنا) علم عدم امكان البشرط شيئية في هذا المقام فانها انما تلحظ بالاضافة إلى الخارجيات (وأما) في غيرها كما فيها نحن فيه (فيكفى) في الاتحاد لحاظ الشيئ على واقعه ولا بشرط (كما أنه ظهر) أن المبدء للمشتقات ليس المصدر ولا اسم المصدر فانهما مأخوذان بشرط لا (وما كان)
1 - لا يخفى عليك ما في هذه الدعوى من وجوه الاول انها على تقدير تماميتها فانما تختص بخصوص المبادى التى هي من سنخ الاعراض حتى تكون وجودانها في انفسها وجودات لموضوعاتها واما في غيرها من المبادى الاعتبارية كالامكان والوجوب والامتناع والوجوب و الحرمة ونحوها فلا مجال فيها لدعوى ان اعتبار اللا بشرطية يوجب اتحادها مع موضوعاتها فان المفروض ان المبادى فيها لا وجود لها في انفسها حتى تكون وجوداتها وجودات لموضوعاتها الثاني ان لحاظ العرض على ما هو عليه وان سلمنا انه يصحح كونه نعتا لموضوعه الا انه لا يصحح كونه نعتا لجميع ملابساته من الزمان والمكان والالة والمفعول وغيرها فلا يبقى مجال لدعوى اللا بشرطية فيها اصلا كما هو ظاهر الثالث ان وجود العرض في نفسه وان كان وجوده لموضوعه الا انه مغاير مع وجود موضوعه لا محاله ومعه كيف يمكن دعوى الاتحاد بينهما خارجا وهل المغايرة الحقيقية ترتفع بلحاظ اللا بشرطية وعليه فلا مناص في مقام الحمل من اخذ مفهوم الذات في المشتق كما عرفت (*)
[ 74 ]
كذلك (يستحيل) أن يكون مبدء لما أخذ لا بشرط بل المبدء شيئ يعرضه الاعتبار ان كلاهما وهو المبهم حتى من حيث اللا بشرطية والبشرط لائية ولا فرق فيما
ذكرنا بين أنحاء الاعراض فان الجهة المذكورة وهى كون وجوداتها في حد انفسها وجوداتها لموضوعاتها مشتركة بين الجميع سواء كان قيامها بنحو الصدور أو الحلول كما انه لا فرق في ذلك بين اقسام المشتقات من اسمى الفاعل والمفعول وأسماء الآلة و الازمنة والامكنة فان العرض منتسب إلى الذات وقائم بها في الجميع وان اختلفت النسبة فيها كما اوضحناه في المقدمة السادسة ثم انه يظهر مما ذكرنا حال الجنس والفصل والمادة والصورة فان الفرق بينهما ايضا باللا بشرطية والبشرط لائية وان كان بينهما وبين العرض والعرضي فرق من جهة اخرى (حيث) ان العرض قائم بالموضوع وغير محصل له بخلاف الصورة فانها فعلية المادة ومحصلة لها وحالة فيها (والمادة) بالقياس إليها قوة واستعداد لكنهما مشتركان مع العرض والعرضي من تلك الحيثية فان اخذ ذات الصورة والمادة بشرط لا ولو حظ كل منهما على حياله من القوة والفعلية فلا اتحاد لاحدهما مع الاخر ولا يصح الحمل بينهما ويعبر عنهما بالصورة والمادة كالنفس والبدن للانسان وان اخذتالا بشرط وبما هما عليه من الاتحاد حيث ان المادة مقومة للصورة والصورة محصلة لها فيصح الحمل بينهما ويتحد كل منهما مع الاخر إذا تمهدت هذه المقدمات (فنقول) الاقوال في المسألة وان كثرت الا أنها حدثت بين المتأخرين والاصل في المسألة قولان الوضع مطلقا لخصوص المتلبس أو (للاعم) منه ومن * المنقضى عنه (ويشبه) ان يكون النزاع مبتنيا على البساطة والتركب في مفهوم المشتق (فان قلنا) بالتركب فحيث ان مفهوم المشتق اخذ فيه انتساب المبدء إلى الذات ويكفى في الانتساب التلبس في الجملة (فلا محالة) يكون موضوعا للاعم بخلاف ما إذا قلنا بالبساطة فانه عليها ليس المشتق الانفس المبدء المأخوذ لا بشرط فهو ملازم لصدق نفس المبدء ومع انتفائه ينتفى العنوان الاشتقاقى ايضا ويكون حاله (حينئذ) حال الجوامد بعينها في ان مدار صدق العنوان هو فعلية المبدء وان كان بينهما فرق من جهة (وهى) ان
شيئية الشيئ حيث انها بصورته والمادة غير متصفة بالعنوان اصلا فلا يصح الاستعمال
[ 75 ]
في المنقضى عنه وما لم يتلبس بعد اصلا بخلاف المشتقات (فان) المتصف بالعناوين الاشتقاقيه (هي) الذوات وهى باقية بعد زوال التلبس فيصح الاستعمال مجازا (وعليه) فبعدما عرفت بمالا مزيد عليه بساطة العناوين الاشتقاقية (يظهر لك) الحق من القولين وهو الوضع لخصوص المتلبس بالمبادئ على اختلافها ولا فرق في ذلك بين انحاء المشتقات اصلا (واما) الاقوال الاخر (فهى) انما نشأت من اختلاف المبادى تارة من جهة انقسامها إلى الاعراض كما هو الغالب أو الجواهر (والاعراض) تنقسم إلى مقولة الكيف كما هو الغالب وإلى غيرها (والكيف) إلى جسماني ونفساني (والنفساني) إلى حال وملكة باعتبار سرعة الزوال وعدمها (والجسمانى) إلى ما كان من قبيل الافعال العرفية أي ما كان نسبتها إلى موضوعاتها نسبة صدورية كالضرب والقتل وامثالهما أو من قبيل الصفات التى نسبتها إلى موضوعاتها نسبة الحلول كالسواد والبياض وامثالهما (والجواهر) تنقسم إلى ما كان النسبة بينها وبين الذات نسبة المبدئية كالحائض فان نسبة المرءة إلى الدم نسبة المبدئية أو غيرها كالمشمس واللابن وغيرهما (واخرى) من جهة الفعلية و الملكة والصناعة فاختلط ما كان مبدئه ملكة بما كان فعليا (ولذا استدل) على الاعم بصدق المجتهد والبزاز على من لا يشتغل بالبزازية والاستنباط فعلا مع الغفلة عن ان المبدء فيهما ملكة وصناعة فالتلبس بهما فعلى وانقضاء كل شيئ بحسبه (أو من) جهة اختلاف المشتقات بحسب هيئاتها ففصل بين اسماء الفاعلين وما يتبعها وبين اسماء الامكنة والالات ونحوهما (وقد ظهر مما ذكرنا) عدم الفرق اصلا فيما يهمنا باختلاف المبادى أو باختلاف النسب والاضافات (فنسبة العرض) إلى فاعله (وان) كانت اولية والى غيره ثانوية وفضلة (الا) انها لا تتفاوت فيما نحن فيه (واما التفصيل) بين ما إذا كان المشتق محكوما عليه أو به (أو بين) ما إذا كان الذات متصفة بضد المبدء وعدمه (فيظهر)
بطلانهما) مما ذكرناه ايضا (فالذي) يليق لان يكون محل الكلام بين الاعلام هو الوضع مطلقا لخصوص المتلبس (أو للاعم وقد عرفت) ان المسألة مبتنية على مسألة البساطة والتركب وتوضيح ذلك انه ان قلنا بالوضع للمركب فلا محالة يكون الركن الوطيد هو الذات وانتساب المبدء إليها كانه جهة تعليلية لصدق المشتق عليها ومن المعلوم ان النسبة الناقصة التقييدية لم يؤخذ فيها زمان دون زمان (كيف) وقد بينا عدم دلالة الافعال
[ 76 ]
على الزمان فالمشتقات لا تدل عليه بالاولوية (واما) من لم يتلبس به بعد فلا يصدق عليه المشتق الا بالعناية ولحاظ علاقة الاول أو المشارفة لعدم تحقق الانتساب فلا ملازمة بين عدم دلالتها على الزمان وصدقها على من لم يتلبس بعد على نحو الحقيقة (لما عرفت) من انها على تقدير التركب تدل على فعلية التلبس المفقودة فيمن لم يتلبس بعد بخلاف المنقضى عنه (فحيث) ان التلبس والانتساب صار فيه فعليا والذات التى هي الركن في صدق المشتق باقية (فلا محالة) يصدق المشتق عليه بحسب اقتضاء طبع المعنى في نفسه " ولابد " في عدم الصدق " من " لحاظ عناية اخرى توجب التخصيص باحد الفردين " ولذا " كان المشهور بين القدماء القائلين بالتركب " هو " الوضع للاعم " وهذا " بخلاف الوضع لمعنى بسيط فان الركن في صدق المشتق بناء على البساطة " هو " نفس المبدء " غاية الامر " انه ملحوظ بنحو يصح معه الحمل ولايكون مبائنا للذات بحسب الوجود فتقوم الصدق بالمبدء " فإذا " انعدم وانقضى " فلا محالة " لا يصدق العنوان الاشتقاقى الا بالعناية " بل اقول " ان العناوين الاشتقاقية من هذه الجهة اسوء حالا من العناوين الذاتية " بيان ذلك " ان العناوين الذاتية " وان كانت " فعليتها بفعلية صورها والمادة غير متصفة بالعنوان ابدا (الا ان) المادة قبل الاتصاف وبعد موجودة (ولذا) قلنا ان الاستعمال فيها قبل الاتصاف وبعد انقضائه غلط وان العلائق المذكورة في علم البيان من الاول أو المشارفة أو علاقه ما كان كلها مختصة بخصوص المشتقات (وهذا) بخلاف
العناوين الاشتقاقية فانها عين مباديها وهى بسيطة فإذا انعدمت المبادى تنعدم العناوين بالكلية ولا يبقى شيئ اصلا (فان قلت) فعلى ما ذكرت لابد وأن لا يصح الاستعمال في المنقضى عنه أو من لم يتلبس بعد في العناوين الاشتقاقية بطريق أولى فأنها كما ذكرت اسوء حالا من العناوين الذاتية (قلنا) نعم (الا ان) المتصف بالعناوين الاشتقاقية حين الاتصاف (هي) الذات (وحيث) أنها موجودة قبل الاتصاف وبعده (فيصح) الاستعمال بخلاف العناوين الذاتية (فانها) كما عرفت (عناوين) لنفس الصورة والمادة غير متصفة بها في حال من الحالات ابدا (وبالجملة) بقاء الموصوف في العناوين الاشتقاقية (هو المصحح) للاستعمال وان لم يكن مأخوذا في المعنى (وحاصل) ما ذكرنا ان البراهين الدالة على بساطة المعنى تدل على الوضع لخصوص المتلبس وفاقا
[ 77 ]
لمتأخري الاصحاب والاشاعرة (ويدل عليها) زيادة على البراهين السابقة التبادر (فانه لا اشكال) ولاريب في أن أهل كل لغة يتبادر إلى اذهانهم من الهيئات الاشتقاقية ركنية المبدء ويلزمها بساطة المعنى وخروج الذات عن المفهوم (ويتفرع) عليه كون المعنى) هو خصوص المتلبس (فكما أن) البراهين العقلية تدلنا على بساطة المعنى (فكذلك) يدل عليها الفهم العرفي والتبادر في الاوضاع النوعية مما يسهل تحصيله في كل لغة لكثرة دوران ما كان موضوعا بهذا الوضع على الا لسنة بحيث لا يخفى معناه على من التفت إليه وان صعب تحصيله في الاوضاع الشخصية غاية الصعوبة (وبالجملة) فلو شككنا في كل تبادر فلا نشك في انفهام ركنية المبدء من المشتقات (1) ويلزمها الوضع لخصوص المتلبس ويتفرع على ذلك صحة السلب عما انقضى عنه المبدء (ودعوى) منافاة صحة السلب مع صحة الحمل مع أنها مفروضة فيما نحن فيه فكيف يعقل أن تكون علامة المجاز (مدفوعة) بأن صحة الحمل بالعناية لا تنافي صحة السلب بلا عناية كما هو واضح (وأما) ما اورد عليها بما حاصله (بأنه ان أردتم)
صحة السلب المطلق (فهى) ممنوعة (وان) اردتم صحته مقيدا بكون المبدء فعليا في الحال فهى لا تدل على المجازية فان سلب المقيد اعم من سلب المطلق كما هو ظاهر (فمدفوع) بانه بناء على البساطة كما اثبتناها لا يعقل هناك معنى جامع بين المتلبس والمنقضى عنه فان لم يصح السلب عن المنقضى عنه (2) والحاصل انه بعد اثبات بساطة المعنى لا يعقل عدم صحة السلب عن المنقضى عنه بعد الفراغ عن عدم الاشتراك وعن عدم الوضع له بخصوصه فلا حاجة إلى ما أجاب به الشيخ الانصاري (قده) عن هذا الاشكال بان صحة السلب باعتبار المعنى الوجداني الارتكازي من الفاظ المشتقات وان لم يمكن الزام الخصم بها بدعوى الوجدان كما في كل مقام (فلو ادعى) احدان صحة سلب الاسد عن الرجل الشجاع (ان كان) باعتبار المعنى الجامع (فممنوعة) والا فغير مفيدة (فلا يمكن جوابه) الا بما اجاب به الشيخ الانصاري (قده) وان لم يلزم به الخصم (بخلاف) ما نحن فيه فان الجامع بناء على البساطة غير معقول (حتى يقال) بأن صحة السلب باعتباره ممنوعة والا فغير مفيدة (بل اقول) أنه لا يمكن ان
1 - لا يخفى ان استفادة ركنية المبدء من المشتقات وان كانت ظاهرة الا انه لا ملازمة بينها وبين بساطة المفاهيم الاشتقاقية نعم لازمها هو الوضع لخصوص المتلبس كما هو ظاهر (*)
[ 78 ]
يتصور الجامع حتى بناء على التركيب (وبيانه) أن مفهوم المشتقات بناء على التركيب (ليس) مركبا من مفهوم المبدء ونسبة ناقصة تقييدية حتى يكون المفهوم مركبا من مفهوم اسمى وحرفي (إذ عليه) لا يمكن الحمل على الذات ابدا (ولا يمكن) استمالاتها (لما ذكرنا) سابقا من أن الحروف لا يصح استعمالها الا في طى الكلام حتى تكون رابطة بين المفاهيم الاستقلالية (مع انه) لا اشكال في حمل المشتقات على الذوات وجواز استعمالها منفردة وافادتها لمعانيها وان لم تكن في ضمن تركب كلامي (وتخصيص) الشيخ الانصاررى (قده) محل الكلام (والنزاع) بخصوص المفاهيم
الافرادية انما هو (للاشارة) إلى ذلك (ولئلا يدعى) الخصم بأن دلالتها على خصوص المتلبس أو الاعم من جهة وقوعها في ضمن التراكيب الكلامية (بل) القائل بالتركب انما يدعى التركب من الذات والمبدء (غاية الامر) ان المفهوم متضمن لمعنى حرفي كاسماء الاشارة والموصولات وغير ذلك (ولذا قلنا انه) بناء على التركب فالذات هي الركن لكنها لم تؤخذ مطلقة بحيث يكون المفهوم مركبا من المبدء والذات على اطلاقها بل بما هي متضمنة لمعنى حرفي وحينئذ فحيث ان فردية الفردين أي المنقضى عنه والمتلبس بلحاظ الزمان (فلابد) وان يكون هناك زمان جامع بينهما (ومن المعلوم) ان مفاهيم المشتقات عارية عن الزمان (فماذا) يكون جامعا بينهما مع قطع النظر عن الزمان (وبماذا) يكون الفردان فردين مع قطع النظر عنه (فلابد) مع عدم اعتبار الزمان في المفهوم وعدم تعقل جامع آخر بين المتلبس والمنقضى عنه ان يكون المشتق موضوعا لخصوص المتلبس وأن يكون سلبه عن المنقضى عنه صحيحا (بداهة) أن عدم صحة السلب (اما) باعتبار المعنى الجامع (أو من) جهة وضعه لخصوص المنقضى عنه (أوله) بوضع آخر بنحو الاشتراك (والاول) غير معقول " والاخيران " لا يلتزم بهما القائل بالاعم " والحاصل " ان الشبهة المذكورة في صحة السلب " وان لم يمكن " دفعها فيما أمكن تصور الجامع العرفي بين المعنيين الا بدعوى الوجدان غير المفيد في الزام الخصم الا أنه يمكن دفعها في خصوص ما لا يمكن فيه تصور الجامع أبدا " بل التحقيق " انه لو تنزلنا عن عدم اخذ النسبة في مفاهيم المشتقات " وقلنا " بوضع الهيئات للنسبة الناقصة التقييدية التى هي من المعاني الحرفية (لما)
[ 79 ]
أمكن تصور الجامع ايضا (فأن) حال النسبة التقييدية في المقام لا تزيد على ساير النسب التقييدية كغلام زيد أو التامة كزيد انسان فكما لا يتوهم صدق النسبتين المذكورتين في غير المتلبس (كذلك) في المقام بل النسبة الناقصة التقييدية كما عرفت نتيجة
النسبة التامة الخبرية فلو لم تكن التامة اعم من المنقضى عنه والمتلبس (فلابد) وأن تكون الناقصة (ايضا) كذلك (فظهر) من جميع ما ذكرناه ان ما بنينا عليه من ملازمة القول بالتركيب للوضع للاعم غير صحيحة (بل الحق) هو الوضع لخصوص المتلبس مطلقا (وربما) يستدل على المطلوب بتضاد المبادى بعضها مع بعض كالقيام والقعود فلا بد وأن يكون مشتقاتها ايضا متضادة وهو يدل على الوضع للمتلبس والا لم يكن بينهما مضادة بل مخالفة لصدقهما فيما إذا كان التلبس باحدهما منقضيا وبالاخر فعليا فيجتمعان في الصدق فلا يكون بينهما مصادة (هذا) خلاف (واورد) عليه بما حاصله بتوضيح منا ان المبادى وان كانت مضادة الا أنه لا يمتنع أن يحصل من ناحية الهيئات فيها خصوصية يرتفع التضاد بها فتضاد المبادى لا يلازم تضاد المشتقات اصلا و (فيه) أن هيئات المشتقات بناء على كون مفادها بسيطا لا تفيد الا اخراج المبدء عن البشرط لائية إلى اللا بشرطية فهى هي بعينها والاختلاف باعتبار (فلا محالة) يكون التضاد باقيا على حاله كما في مباديها (واما) بناء على التركيب فحيث انك عرفت عدم تعقل جامع بين المنقضى عنه والمتلبس (فلا محالة) يكون موضوعا لخصوص المتلبس فيبقى التضاد على حاله (فأن قلت) أن ما ذكرته من مضادة المعاني الاشتقاقية ينافى ما ذهب إليه علماء الميزان من أن نقيض المطلقة العامة الدائمة المطلقة وان لا تنافى بين قضيتي زيد قائم وزيد قاعد الا إذا قيد احدهما بالدوام فينا في صدق الاخر ولو في احد الازمنة بالضرورة (قلت) ان نظر المنطقي إلى البراهين المفيدة للقطع فلا محالة يكون نقيض زيد قائم زيد لبس بقائم دائما (واما) لو لم يقيد بالدوام (فيمكن) ان يكون مراد المتكلم من الاثبات الاثبات في زمان ومن النفى النفى في زمان آخر وان كان على خلاف الظاهر إذ ليس نظره إلى الظواهر اصلا بل إلى البراهين القطعية (وهذا) بخلاف الاصولي فان نظره إلى الظواهر وما يفهم من اللفظ بحسب الانفهام العرفي فإذا فرضنا ان المشتق ظاهر في خصوص المتلبس دون الاعم لوضعه له بخصوصه فلا محالة يكون بين الاثبات والنفى تناف بحسب
[ 80 ]
ظاهر الكلام والمتبع للاصولي ليس الا الظواهر (وبالجملة) المضادة بحسب الفهم العرفي لا تنافي عدمها بحسب الفهم الفلسفي (ونظير) ما نحن فيه (ما توهمه) بعض من ان مفهوم ادلة عدم انفعال الكر انفعال الماء القليل بشيئ في الجملة فان نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية لا الكلية مع الغفلة عن (أن) المنافاة القطعية بينهما (وعدم) امكان اجتماعها عقلا كما عليه نظر المنطقي (لا تنافى) أن يكون ظهور القضية في الموجبة الكلية كما عليه نظر الاصولي (فان) قولهم عليهم السلام إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شيئ) ينحل بنظر العرف إلى قضايا متعددة كقولنا (لا) ينجسه بول (ولا) دم (ولا) و (لا) فيكون مفهومه بنظرهم إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه كذا وكذا وكذا والمدار في الاستنباط على الظهور العرفي (1) لا على الدقة الفلسفية فتدبر واستدل القائل بالاعم بوجوه الاول كثرة الاستعمال في موارد الاءنقضاء (فلو) كان حقيقة في خصوص المتلبس (لزم) كثرة الاستعمالات المجازية وهى منافية لحكمة الوضع (وفيه) أن الاءستعمال في موارد الاءنقضاء وان كان كثيرا (الا) أنه لم يعلم ان الاءستعمال بلحاظ حال الانقضاء حتى يكون مجازا بل الظاهر أنه بلحاظ حال التلبس ولاشكال في كونه على هذا حقيقة وتوهم أن الاستعمال لو كان بلحاظ حال التلبس حتى يكون حقيقة فلا يكون فرق في هذا اللحاظ بين المشتقات والجوامد مع أن الاءستعمال في الجوامد في حال الانقضاء ولو بلحاظ حال التلبس في غاية الندرة (مدفوع) بما ذكرناه سابقا من أن المتلبس بالاوصاف الذاتية هي الصور النوعية لا الهيولى المبهمة حتى في حال وجود الصور ايضا " فإذا " زالت الاوصاف الذاتية انعدمت موضوعاتها ايضا (وما) هو باق (ليس) الا الهيولى المبهمة غير المتصفة بالوصف العنوانى اصلا بخلاف العناوين الاشتقاقية " فأن " الموصوف فيها " وهى " الذات باقية
بعد انقضاء الوصف فيصح الاءستعمال فيها بلحاظ حال التلبس بلا عناية " فاتضح مما
1 - قد بينا في محله ان المفهوم من تعليق الحكم على الشرط انما هو ارتفاع الحكم المذكور عند ارتفاع الشرط فإذا كانت القضية سالبة كلية فرفع الحكم المذكور فيها ولو عرفا ليس الانفيض الحكم ولو بنحو الموجبة الجزئية واما اثبات الموجبة الكلية فهو يحتاج إلى دليل آخر غير المفهوم (*)
[ 81 ]
ذكرنا أنه لا ملازمة بين كثرة الاستعمال في موارد الانقضاء وبين كثرة المجاز بل الملازمة بينها وبين كثرة الاستعمال بلحاظ حال الانقضاء وكثرة الاستعمال بلحاظ هذا الحال " ممنوعة جدا " بل لم يعلم مورد لا يمكن الاءستعمال فيه بلحاظ حال التلبس فضلا عن كثرته " فان قلت " أن آية السرقة والزنا من هذا القبيل فان الظاهر بل المتعين أن الاستعمال فيهما بلحاظ حال الاءنقضاء " قلت " كلابل يمتنع أن لا يكون بلحاظ حال التلبس فان صدور السرقة هي العلة للحكم والسارق هو تمام الموضوع ويمتنع انفكاك الحكم عن موضوعه كانفكاك المعلول عن علته التامة فالسارق حين صدور السرقة منه محكوم بوجوب جلده " غاية الامر " أن الحكم المذكور لا يسقط مع عدم امتثاله وأين هذا من استعمال المشتق في المنقضى عنه بلحاظ حال الانقضاء بل ان كون الاستعمال في الاية المباركة في حال الانقضاء ممنوع فضلا عن كونه بلحاظ الانقضاء (بل) هي من قبيل القضايا الحقيقية التى فعلية الحكم فيها بفعلية موضوعه فيدور فعلية الحكم مدار فعلية السرقة ويمتنع تخلفها عنها والا فما فرضناه موضوعا تاما للحكم يلزم أن لا يكون كذلك وهو خلف (وبالجملة) الحكم على قسمين " قسم " يدور مدار موضوعه وجودا وعدما فلا يبقى الحكم بعد انقضاء الوصف المأخوذ في الموضوع كحرمة شرب الخمر فانها تدور مدار الخمرية وجودا وعدما (وقسم آخر) يدور مدار وجود موضوعه في الخارج ولايحتاج الى بقاء الموضوع في بقائه فتكون العلة المحدثة
علة مبقية ايضا ولا يسقط هذا الحكم الا بالامتثال كحكم السارق والزانى وفى كلا القسمين حدوث الحكم فرع التلبس بالوصف فلابد وأن يكون المشتق مستعملا في المتلبس والايلزم تخلف الحكم عن موضوعه (ومما ذكرناه ظهر فساد الاستدلال للاعم باستدلال الامام عليه السلام على عدم لياقة من كان عابدا للوثن للخلافة بآية (لا ينال عهدي الظالمين) بأنه لو كان المشتق موضوعا للمتلبس لما صح الاستدلال بالاية قطعا لعدم اتصافهم بهذا الوصف ظاهرا حين التصدى للخلافة (وجه الفساد) أن هذه القضية من القضايا الحقيقية التى عرفت أن فعلية الحكم فيها بفعلية موضوعه فمن اتصف بالظلم في زمان ما يشمله الحكم قطعا وهو ان عهد الله لا يناله ابدا " غاية الامر " أن استدلال الامام عليه السلام بالاية مبتن على
[ 82 ]
ان يكون حدوث الظلم ولو آناما علة لعدم نيل الخلافة حدوثا وبقاء واين هذا من استعمال المشتق في الاعم (تبصرة) لا يخفى أنه ليس لاحد ان يمنع عن كون الظلم وهو عبادة الاوثان في مورد الاية علة لامتناع نيل عهد الله ولو بعد زواله وانعدامه فانا " وان " لم نشترط العصمة بالمعنى المعتبر في الامام عليه السلام حين امامته قبل اتصافه بالامامة " الا " أنه لابد من اعتبار كونه خاليا عن الرذائل والاوصاف الذميمة حتى لا يكون مطعوفا فيه بعد امامته بما علم منه سابقا فمنصب الخلافة لعظم قدرها لابد وأن يكون المتلبس بها غير متلبس بما ينافي من الظلم لو في آن ما (فمن الغريب) ان الفخر الرازي لما تعرض لتفسير هذه الاية المباركة ذكرما حاصله أن الشيعة استدلوا بهذه الاية على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الالهية لانهم كانوا عابدين للونن مدة مديدة و (اجاب) عنه بأن استدلالهم انما يتم بناء على كون المشتق حقيقة في الاعم من المنقضى عنه والمتلبس وهو (ممنوع) بل الحق انه موضوع لخصوص المتلبس
(ثم) اورد على نفسه بأنهم فيما كانوا متلبسين بالظلم شملهم قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين (فدلت) الاية المباركة على عدم لياقتهم للخلافة ابدا ولقد اجاد فيما افاد وانصف (والحق ينطق منصفا وعنيدا) و (حاصل) ما ذكره يرجع إلى ما ذكرناه من كون القضية قضية حقيقية وأن الظلم ولو آناما علة لعدم نيل الخلافة حدوثا وبقاء وينبغى التنبيه على امور (الاول) ان المراد من الحال ظهر من مطاوى ما ذكرناه هو حال التلبس لا حال النطق لبداهة ان قضية كان زيد ضاربا أو يكون ضاربا حقيقة وان كان الضرب منقضيا في الاول ومما لم يتلبس به زيد في الثاني فاطلاق المشتق بلحاظ حال التلبس حقيقة وان كان الذات غير متصف بالمبدء حين الاستعمال (ثم ان) المشتق (اما) أن يؤخذ في ناحية الموضوع (أو) في ناحية المحمول وعلى تقدير اخذه في الموضوع فاما ان يكون تمام الموضوع أو جزئه كما انه على تقدير اخذه في المحمول اما ان يكون تمام المحمول (أو) جزئه (وما) اخذ في الموضوع (اما) ان يكون معرفا (أو) مما له دخل في الحكم (اما) ما كان من قبيل المعرف كالحكم بعدم جواز استصحاب اجزاء غير مأكول اللحم
[ 83 ]
في الصلوة فان العنوان فيه معرف لما جعل موضوع الحكم حقيقة من الماهيات الخارجية كالاسد والارنب وغير ذلك (فهو) ليس قسما برأسه فان المعرف لا محالة يكون مرآة للموضوع الحقيقي والكلام في اقسامه (واما) ماكان بنفسه موضوعا حقيقة فهو على قسميه من كونه تمام الموضوع أو جزئه (اما) ان يكون علة للحكم حدوثا وبقاء أو يكون علة للحكم حدوثا فقط فبقائه ببقائه وارتفاعه بارتفاعه (وعلى كل تقدير) فلا محالة لا ينفك الحكم عن وجوده فلابد وان يكون مستعملا في خصوص المتلبس والا فيلزم ما ذكرناه سابقا من تخلف الحكم عن موضوعه وهو محال (واما) ما اخذ في المحمول بقسميه ولم يكن في القضية رابطة زمانية (فان) استعمل في المتلبس (فلا اشكال) في
انه بلا عناية ولاتكلف (واما) إذا استعمل في المنقضى عنه (فحيث) ان المحمول انما حمل في ظرف الانقضاء وعدم التلبس (والحمل) يقتضى بظاهره التلبس الفعلى (فيقع) التنافى بينهما لا محالة فلابد من تكلف وعناية (اما) بأن يفرض المنقضى عنه متلبسا تنزيلا أو بأن يلحظ الحمل باعتبار تلبسه السابق حتى يكون مفاد القضية أن زيدا هو الذى تلبس بالضرب سابقا (وكلاهما) بعيدان عن الافهام العرفية (فظهر) ان المشتقات إذا كانت مأخوذة في عقد الوضع يستحيل استعمالها في المنقضى عنه (وان) كانت مأخوذة في عقد الحمل فيبعد ذلك (ويترتب) عليه ان الاستعمال في المنقضى مجازا في غاية الندرة بل ملحق بالمعدوم (ودعوى) الكثرة نشأت من خلط موارد الاستعمال في الانقضاء بالاستعمال بلحاظ حال الانقضاء فتدبر جيدا الامر الثاني أن العنوان المذكور في محل النزاع " وان " كان يعم جميع المشتقات " الا " انه لابد من تخصيصه (1) بغير اسم المفعول واسم الالة فان الاول موضوع
1 - لا يخفى ان اسم المفعول انما وضع لمن يكون نسبة المبدء إليه نسبة الوقوع سواء كانت هذه النسبة متحققة في الخارج أو لم تكن فلفظ المضروب مثلا في قولنا زيد مضروب قد استعمل في عين ما استعمل فيه قولنا عمروليس بمضروب ومن هنا يكون اطلاقه بلحاظ ظرف التلبس حقيقة مطلقا ولو في مورد لم يتحقق فيه التلبس بالمبدء بالفعل كما في قولنا زيد يكون مضروبا غدا وعليه فلا مجال لدعوى خروج اسم المفعول عن حريم النزاع بل يكون حاله حال بقية المشتقات بلا فرق بينه وبينها اصلا واما اسم الالة ففرض الانقضاء فيه انما يكون بانقضاء التهيأ والاستعداد كما إذا اخرج المفتاح مثلا عن قابلية الفتح به فهو ايضا بهذا اللحاظ داخلا في محل النزاع فلا موجب لاخراج شيئ من المشتقات عن حريم النزاع اصلا (*)
[ 84 ]
لمن وقع عليه الفعل " وهذا " المعنى ممالا يعقل فيه الانقضاء ابدا " بداهة " ان الشيئ بعد وقوعه لا ينقلب عماهو عليه " فصدق " المشتق حال تلبسه وانقضائه على نحو واحد
" واما " اسم الالة فان الهيئة فيه موضوعه لاسناد المبدء إلى ما يقوم به بالتهيأ والاستعداد بمعنى انها موضوعة لافادة صلاحية الموضوع لقيام المبدء به فلا يشترط فيها التلبس بالمبدء اصلا (بداهة) صدق المفتاح مع عدم التلبس بالفتح في زمان من الازمنة (الامر الثالث) انه قد ظهر مما ذكرنا سابقا ان المبادى مأخوذة (1) بشرط لا والمشتقات لا بشرط وهذا انما يتم فيما إذا كان المبدء غير الذات كما في صفات الممكن واما ماكان المبدء فيه عين الذات كما في صفات الواجب فيشكل الامر فيها فلابد من الالتزم بما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من نقل الصفات فيه تبارك وتعالى عن المعاني اللغوية وهو ايضا مما لا يمكن أن يلتزم به لاستلزامه تعطيل العقول عن فهم الاوراد والاذكار بالكلية والتحقيق في الجواب أن يقال ان صفات الله تبارك وتعالى التى مرجعها إلى العلم والقدرة على ما هو المعروف وان كانت عين ذاته وبعضها عين الاخر الا انها بحسب الخارج واما بحسب اللحاظ فقد تؤخذ لا بشرط ويصح حمل بعضها على بعض واخرى بشرط لافلا يكون قابلة للحمل ونمثل لذلك مثالا عرفيا تقريبا للاذهان (فنقول) ان النفس الناطقة الانسانية نسبتها إلى معلوماتها وتصوراتها نسبة الخلق والايجاد فقد تلاحظ التصورات بما انها تحت حيطتها بحيث تفنى بغفلة النفس عنها ولو آناما فيعبر عنها بالقدرة والاحاطة والاستيلاء
1 - قد بينا فيما سبق بطلان التفرقة بين المشتقات ومباديها باعتبار اللابشرطية والبشرط لائية وذكرنا انه لا مناص من اخذ الذات المبهمة من جميع الجهات غير جهة ثبوت المبدء لها في المفهوم الاشتقاقى وعليه فكما يكمن ان يكون المبدء مغايرا في الموجود مع الذات كذلك يمكن ان يكون متحدا معها في الوجود بل في المفهوم ايضا كما في قولنا الضوء مضيئ والوجود موجود وقد ذكرنا ان النسبة المأخوذة في المفهوم الاشتقاقى ليست نسبة خارجية حتى لا يعقل تحققها بين الشيئ ونفسه بل هي عبارة عن تضييق المفهوم مع قطع النظر عن الوجود والعدم كما مر توضيح ذلك في بيان معاني الحروف وعليه فلا موجب للالتزام بالنقل أو التجوز في حمل مثل العالم والقادر عليه تعالى ولكنه
لا يخفى انه بناء على النقل أو التجوز فلايراد من العالم الانفس العلم والحضور كما لايراد من القادر الانفس القدرة والاحاطة فلا بكون ذلك مستلزما لتعطيل العقول عن فهم الاوراد والاذكار اصلا (*)
[ 85 ]
(وأخرى) بما انها حاضرة للنفس بنفس ذواتها بحضور ذاتي فيعبر عنها بالعلم اذلا معنى للعلم الا الحضور والانكشاف فقدرة النفس إذا اخذت بشرط لا أي بشرط ان لا يلحظ جهة الحضور والانكشاف فلا يمكن حمل العلم عليها ولا حملها على العلم وإذا اخذت لا بشرط فيصح حمل احدهما على الاخر (هذا) حال النفس التى هي مثال وظل له تبارك وتعالى ويعلم منها كيفية حمل صفاته تعالى بعضها على بعض (ومنه) ظهر وجه حمل صفاته على الذات ايضا (فان) العلم مثلا إذا اخذ بشرط لا (فكما) لا يصح حمله على القدرة (كذلك) لا يصح حمله على الذات المتحدة معها ايضا (واما البحث عن كيفية) اتحاد ذاته تعالى مع صفاته فهو خارج عن محل كلامنا ومن ادق المسائل الكلامية فلا وجه للخوص فيه اصلا (بل الكلام) متمحض في جهة اللا بشرطية والبشرط لائية (فان قلت) ان المفاهيم الاشتقاقية يتبادر منها مغايرة مباديها لما تحمل عليه فلا بد في حملها عليه تعالى من الالتزام بالتجوز أو النقل لفرض اتحاد مباديها مع الذات (قلت) لاشبهة ان المغايرة المذكورة لم تؤخذ في مفاهيم المشتقات (غاية) الامر ان المتعارف في صدق المشتقات (كذلك وعدم) فهم العرف صدقه على المتحد لخفائه (لاربط له) بتعدد المفهوم اصلا فالمفهوم واحد غاية الامر ان التشكيك في صدقه والمتبع هو نظر العرف في فهم المعاني لافى كيفية الصدق على مافى الخارج (بقى هناك) تنبيهان آخر ان اشار اليهما صاحب الكفاية (قده) احدهما انه توهم بعضهم انه لا يشترط في صدق المشتق على شيئ المبدء به ومثل له بصدق الضارب والمولم مع قيام الضرب والالم بالمضروب والمولم (وليت شعرى) ما اراد
هذا المتوهم فهل يعقل صدق المشتق الذى بينا انه عبارة عن نفس المبدء المأخوذ لا بشرط مع عدم قيام المبدء بالذات وكيف يعقل حمله عليها أو وصفها به (غاية الامر) انه يختلف كيفية التلبس فتارة يكون القيام حلوليا (واخرى) صدوريا كما في المثالين (وثالثة) غير ذلك (الامر الثاني) انه توهم بعض ان استعمال المشتق في معناه حقيقة أي في المتلبس يشترط فيه ان يكون الاسناد حقيقيا كما في الماء الجارى لا مجازيا كما في الميزاب الجارى (والذى يمكن) ان يقال انه لو بنينا على تركب المشتق (فحيث) انه مشتمل على النسبة الناقصة التقييدية وقد بينا سابقا انها نتيجة النسبة التامة الخبرية
[ 86 ]
فان كانت نسبة حقيقية (كانت) الناقصة ايضا كذلك وان (كانت) مجازية كانت الناقصة مثلها (واما) إذا قلنا ببساطته فحيث انه عار من النسبة فيكون حاله حال المبدء بل هو هو (غاية الامر) ان الاختلاف بينهما باللا بشرطية والبشرط لائية فكما يكون استعمال لفظ الجريان في معناه في قولنا جرى الميزاب حقيقيا كذلك يكون في قولنا الميزاب جار ولا ملازمة بين مجازية الاسناد ومجازية الكلمة اصلا (والتحقيق) ان الامر كذلك ولو بنينا على التركب فان المفهوم كما ذكرناه بسيط في مقام الادراك لا محالة (غاية الامر) انه عند التحليل ينحل إلى ذات ومبدء ملحوظين بنحو خاص أي بما أن احدهما قائم بالاخر فالنسبة بما هي نسبة غير ملحوظة في مفهومه اصلا فلا تكون ملازمة بين مجازية الاسناد في النسبة التامة بل الناقصة كما في الميزاب الجارى وبين مجازية الكلمة فيكون توهم ملازمة مجازية الاسناد لمجازية الكلمة في المفاهيم الاشتقاقية باطلا على كلا القولين. * (المقصد الاول في الاوامر وفيه فصول) * الفصل الاول فيما يتعلق بمادة الامر وقد ذكر لها بحسب اللغة معان متعددة (منها) الشيئ والطلب والحادثة والغرض وغير ذلك (والتحقيق) أنه لا اشكال في كون الطلب المنشأ
بأحدى الصيغ الموضوعة له معنى له وأن استعماله فيه بلا عناية وأما بقية المعاني فالظاهر أن كلها راجعة إلى معنى واحد وهى (1) الواقعة التى لها أهمية في الجملة وهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة وقد ينطبق على الغرض وقد يكون غير ذلك (نعم) لابد وأن يكون المستعمل فيه من قبيل الافعال والصفات فلا يطلق على الجوامد (بل يمكن) أن يقال ان الامر بمعنى الطلب ايضا من مصاديق هذا المعنى الواحد (2) فانه أيضا من الامور التى لها اهمية فلا يكون للفظ الامر الا معنى واحد تندرج فيه كل المعاني
1 - الظاهر انه لاوجه لاخذ الاهمية قيدا في مفهوم الامر فانه يصح توصيف الامر بانه لا اهمية له فلو كان التقيد بالاهمية مأخوذا فيه لزم التناقض من توصيفه بذلك 2 - الظاهر ان اطلاق الامر على الطلب وعلى غيره من قبيل الاشتراك اللفظى فانه يجمع الامر بمعنى الطلب على اوامر وبالمعنى الاخر على امور واختلاف الجمع شاهد على اختلاف المعنى (*)
[ 87 ]
المذكورة وتصور الجامع القريب بين الجميع وان كان صعبا الا أنا نرى وجدانا أن الاستعمال في جميع الموارد بمعنى واحد ومعه نيتفى الاشتراك اللفظى. ثم ان صيغة افعل حيث أنها من مصاديق الامر ونسبتها إليه نسبة المصداق إلى المفهوم فيكون (1) الامر في الدلالة على الوجوب كالصيغة في الدلالة عليه واما التفكيك بينهما في ذلك فهو وان كان بالنظر البدوى امرا ممكنا بأن يقال بدلالة الصيغة على الوجوب دون الامر أو بالعكس الا انه خلاف التحقيق لما ستعرف من أن دلالة الصيغة على الوجوب انما هو بوجه يشبه الاءنصراف وان لم يكن انصرافا حقيقة فلا محالة تدل مادة الامر على الوجوب ايضا بتلك الدلالة وان لم يكن الاستعمال في غيره مجازا لعدم أخذ الوجوب في الموضوع له فلا يكون الاءستعمال في خلاف الموضوع له الذى هو ملاك المجازية (ثم لا) يخفى أن الصيغة مطلقا ليست من مصاديق الامر
بل خصوص ما صدر من العالي بعنوان المولوية وجوبيا أو استحبابيا دون ما أذا كان بعنوان الشفاعة أو الاءرشاد والا كان من مصاديق الاءرشاد وألشفاعة دون الامر وأما إذا كانت صادرة عن المساوى أو السافل فتكون مصداقا للالتماس أو الدعاء ولا تكون مصداقا للامر وبالجملة يشترط في صدق الامر على الصيغة كونها صادرة من العالي بعنوان المولوية. الثاني فيما يتعلق بصيغة الامر ويقع الكلام في مقامين (الاول) من جهة شرح اللفظ (والثانى) من الجهة الاصولية (أما المقام الاول) فتوضيح الحال فيه أن هيئات الافعال مطلقا كما مر في بحث المشتق موضوعة (2) لنسب خاصة والنسبة تارة تكون اخبارية وأخرى انشائية مثلا هيئة الفعل الماضي موضوعة لافادة تحقق المادة والنسبة المأخوذة فيه نسبة تحققية ولذا قلنا بدلالته على الزمان التزاما فيما إذا كان أخبارا وأما إذا كان انشاء فقد يكون لانشاء تحقق المادة بنفس اللفظ كما في لفظ بعت الموجدة لنفس البيع في عالم الاعتبار وقد يكون لانشاء تحقق المادة في عالم التشريع فيفيد مطلوبية
1 - دلالة لفظ الامر المستعمل في الطلب على الوجوب لعين الوجه الذى يقتضى دلالة الصيغة على الوجوب وان كان صحيحا الا انه ليس لما افاده قدس سره من انه من مقتضيات كون الصيغة من مصاديق الامر ودلالة الصيغة على الوجوب كما هو ظاهر 2 - قد مر الكلام في تحقيق مفاهيم هيئات الافعال وما هو المستفاد من هيئة الامر فراجع (*)
[ 88 ]
المادة من المكلف وهذا وان كان نادر الاستعمال في غير القضايا الشرطية بل لم نجد مورد يكون كذلك الا أنه كثير الاستعمال فيها وبالجملة فمفاد الفعل الماضي في الجميع تحقق المادة سواء كان في الخارج أوفى عالم الاعتبار أو في عالم التشريع (وأما) هيئة الفعل المضارع فهى موضوعة للنسبة التلبسية بمعنى أنه يفيد تلبس الفاعل بالمادة فعلا واما ما ذكره النحويون من كونه مشتركا بين الحال والاستقبال فقد عرفت بطلانه سابقا وان
الدلالة على الاستقبال لابد وأن تكون بمعونة كلمة سين أو سوف والنسبة التلبسية تارة تكون اخبارا وأخرى انشاء لافادة تلبس الفاعل بالمادة في عالم الاعتبار بناء على صحته كما هو قول بعض اول اءفادة تلبس الفاعل بها في عالم التشريع كما في الاستعمالات الشايعة المتعارفة فالمستعمل فيه على كل تقدير هي النسبة التلبسية والانشاء والاخبار في الافعال خارجان عن المداليل اللفظة بل هما من المداليل السياقية كما سبق في مباحث الحروف (وأما) صيغة الامر فهى دالة على النسبة الانشائية الايقاعية فقط فما لم تصدر الصيغة لا يتصف المكلف بأنه وقع عليه المادة في عالم التشريع ويكون ايقاعها عليه وجعله في كلفتها بنفس الانشاء فهى موضوعة للنسبة الانشائية الايقاعية ولا تستعمل في غير ذلك ابدا فإذا ظهران ما وضعت له الهيئة ليس الا النسبة الايقاعية الاءنشائية ظهر لك ان القول بكون الموضوع له هو الطلب الانشائى لا معنى له نعم قد بينا في مبحث الحروف انها بعد استعمالها في معانيها تكون من مصاديق المعنى الاسمى كحروف النداء مثلا فانها إذا استعملت في معانيها النسبية تكون من مصاديق النداء الذى هو معنى اسمى وكذلك الهيئة إذا استعملت في معناها يكون من مصاديق الطلب وهذا غير الوضع لمفهوم الطلب كما هو واضح
بقى الكلام في اتحاد الطلب والارادة وعدمه والكلام فيه يقع في موضعين (الاول) في اتحاد مفهومهما وعدمه (والثانى) في ان الموجود في النفس المترتب عليه حركة العضلات هل هو امور ثلثة التصور والتصديق بالفائدة والشوق المؤكد المعبر عنه غالبا بالارادة كما هو المعروف أو هناك امر آخر متوسط بين الارادة والحركة ونسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى فاعله لانسبة الكيف إلى موضوعه كما ذهب إليه جماعة من محققى المتأخرين وقبل الخوض في ذلك لابد من التنبيه على امر وهو ان القائلين (*)
[ 89 ]
بوحدة الطلب والارادة على اجمال المراد منها لم يقيموا برهانا اصلا وانما
أحالوها إلى الوجدان وانه لا نرى غير الارادة أمرا آخر يسمى بالطلب وسيتضح لك ان شاء الله تعالى ان الامر على خلاف ما يدعونه إذا عرفت ذلك (فنقول) اما الكلام في الموضع الاول فحاصله ان المدعى للوحدة وجدانا ان اراد أن المفهوم من احدهما هو عين المفهوم من الاخر بأن يكون لفظا الطلب والارادة مترادفين فالانصاف ان الوجدان على خلاف ما ادعوه فان الارادة باتفاق الجميع عبارة عن الكيف النفساني القائم بالنفس واما الطلب فهو عبارة عن التصدى لتحصيل شيئ في الخارج فلا يقال طالب الضالة الا لمن تصدى لتحصيلها في الخارج دون من يشتاق إلى تحصيلها فقط وان لم يتصد لتحصيلها في الخارج واطلاقه على الفعل النفساني بناء على ثبوت مرتبة اخرى غير الارادة فانما هو من باب اخذ الغايات وترك المبادى فانه ايضا يوجد باعمال النفس وان لم يكن محتاجا إلى تعب ومشقة كما في اطلاق الاكل على مجرد البلع من دون مضغ فانه أيضا من هذا القبيل والحاصل ان الطلب في التشريعيات عبارة عن نفس ايجاد الصيغة فانه بها يتصدى الامر لتحصيل مطلوبه في الخارج وفى التكوينيات ليس هناك تصد أصلا بل بمجرد تحريك النفس للعضلات يوجد المطلوب قهرا فليس هناك مطلوب منه حتى يتوقف وجود المطلوب على ارداته وعليه فيكون اطلاق الطلب على تحريك النفس من باب الاخذ بالغاية وترك المبادى (وان اراد) انهما مفهومان متغايران غاية الامر انهما يصدقان على امر واحد باعتبارين كما يصدق النية والعزم والقصد على شيئ واحد باعتبار كونه مضمرا في النفس وباعتبار رفع التردد وباعتبار الاستقامة فهو وان كان وجيها بالنسبة إلى الدعوى الاولى الا انه ايضا فاسد في حد ذاته فان الارادة كما عرفت من مقولة الكيف والطلب من مقولة الفعل (1) ويستحيل صدق المقولتين على امر واحد باعتبارين لتباينهما (فظهر) ان الحق في هذا المقام مع القائلين بالتغاير وفاقا للاشاعرة واما الموضع الثاني فالحق فيه (2) ايضا ان هناك مرتبة اخرى بعد الارادة تسمى
1 - مفهوم الطلب على ما عرفت عبارة عن التصدى لحصول المراد وهو وان لم يكن
من مقولة الفعل الاصطلاحية الا انه لاريب في كونه من الافعال العرفية الصادرة عن ارادة واختيار فلا يمكن ان يتحد مع مفهوم الارادة مصداقا 2 - ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في تصوير الامر بين الامرين وكشف الغطاء عما دلت - (*)
[ 90 ]
بالطلب وهو نفس الاختيار وتأثير النفس في حركة العضلات وفاقا لجماعة من محققى المتأخرين ومنهم المحقق صاحب الحاشية (قده) والبرهان عليه أن الصفات القائمة بالنفس من الارادة
- عليه الروايات الواردة عن المعصومين عيلهم السلام هو محض الحق الذى لا ريب فيه بداهة ان الفعل الاختياري بعد تعلق الشوق به لا يخرج عن كونه تحت اختيار المكلف وسلطانه بل هو على ما كان عليه من انه إذا شاء فعله وإذا لم يشألم يفعله ولكنه مع ذلك لا مانع من استناده إلى الله تعالى بوجه من جهة عدم استقلال العبد في ايجاده فان وجود الفعل يتوقف على ان يفيض الله تعالى الوجود والقدرة وغيرهما من مبادى الفعل على العبد آنا فانا على ما هو الصحيح من ان الممكن لا يستغنى في بقائه عن المؤثر ولتوضيح ذلك نمثل مثالا عرفيا يفترق به كل من مذهبي الجبر والتفويض عن المذهب الحق فنقول إذا فرضنا ان المولى اعطى لعبده سيفا مع علمه بانه يقتل به نفسأ فالقتل إذا صدر منه باختياره لا يكون مستندا إلى المولى بوجه فانه حين صدوره يكون اجنبيا عنه بالكلية غاية الامر انه هيأ باعطائه السيف مقدمة اعدادية من مقدمات القتل وبعد ذلك قد خرج امر القتل عن اختياره بحيث لو شاء ان لا يقع في الخارج لما تمكن منه وهذا هو واقع التفويض وحقيقته كما انه إذا شد آلة الجرح بيد العبد مع فرض ارتعاش اليد بغير اختيار العبد فاصابت الالة من جهة الارتعاش نفسا فجرحته فالجرج لا يكون صاردا من العبد بارادته واختياره بل هو مقهور عليه في صدوره منه لا محالة وهذا هو واقع الجبر وحقيقته وإذا فرضنا ان يد العبد مشلولة لا يتمكن من تحريكها الا مع ايصال الحرارة إليها بالقوة الكهربائية أو بغيرها فاوصل المولى القوة إليها بوساطة سلك يكون احد طرفيه بيد المولى فذهب
العبد باختياره إلى قتل نفس والمولى يعلم بذك فالفعل بما انه صادر من العبد باختياره فهو اختياري له وليس هو بمقهور عليه وبما ان السلك بيد المولى وهو الذى يعطى القوة للعبد آنا فانا فالفعل مستند إليه وكل من الاسنادين حقيقي من دون ان يكون هناك تكلف أو عناية وهذا هو واقع الامر بين الامرين فالافعال الصادرة من المخلوقين بما انها تصدر منهم بالارادة والاختيار فهم مختارون في افعالهم من دون ان يكون هناك شائبة القهر والاجبار وبما ان فيض الوجود والقدرة والشعور وغيرها من مبادى الفعل يجرى عليهم من قبل الله تعالى آنافانا بحيث لو انقطع عنهم الفيض آنا واحدا لما تمكن العبد فيه من فعل ابدا فالافعال الاختيارية بين الجبر والتفويض ومنتسبه إلى المخلوقين من جهة والى الخالق من جهة اخرى فانهم ذلك واغتنمه (*)
[ 91 ]
والتصور والتصديق كلها غير اختيارية فان كانت حركة العضلات مترتبة عليها من غير تأثير النفس فيها وبلا اختيارها فيلزم أن لا تكون العضلات منقادة للنفس في حركاتها وهو باطل وجدانا فان النفس تامة التأثير في العضلات من دون ان يكون لها مزاحم في سلطانها و ملكها وللزم أن تصدق شبهة امام المشككين في عدم جوار العقاب بان الفعل معلول للارادة والارادة غير اختيارية وان لا يمكن الجواب عنها ولو تظاهر الثقلان كما ادعاه واما الجواب عنها بان استحقاق العقاب مترتب على الفعل الاختياري أي الفعل الصادر عن الارادة وان كانت الارادة غير اختيارية فهو لا يسمن ولا يغنى من جوع بداهة أن المعلول لامر غير اختياري غير اختياري وتسميته اراديا من جهة سبقه بالارادة من غير اختيار لا يوجب عدم كون العقاب ظلما وتعديا في حق العبد المسكين العاجز المقهور في ارداته التى لا تنفك عن الفعل بل يلزم أن يكون الباري جل وعلا مقهورا في افعاله فان الارادة التى هي علة تامة لوجود المعلولات عن ذاته ومن البديهى أن ذاته تعالى وتقدس غير اختيارية له تبارك وتعالى (والحاصل) أن علية الارادة للفعل هادم لاساس الاختيار ومؤسس لمذهب
الجبر بخلاف ماذا انكرنا علية الصفات النفسانية من الارادة وغيرها للفعل وقلنا بأن النفس مؤثرة بنفسها في حركات العضلات من غير محرك خارجي وتأثيرها المسمى بالطلب انما هو من ذاتها فلا يلزم محذور اصلا ويثبت الامر بين الامرين كما هو المذهب الوسط وبهذه النظرية الدقيقة المثبتة للامر بين الامرين كما صرحت به روايات اهل البيت عليهم السلام يستدل على الحق فيهم ومعهم فانه مما اعيى ادراكه عقول الفلاسفة وذوى الافكار (فان قلت) ان الامر الرابع الذى بنيت عليه ثبوت الامر بين الامرين ونفى الجبر وجعلته متوسطا بين الارادة وحركة العضلات هل هو ممكن أو واجب لاسبيل إلى الثاني وعلى الاول فهل علته التامة اختيارية أو غير اختيارية وعلى الاول يلزم التسلسل وعلى الثاني يتم مذهب الجبر (قلنا) لااشكال في كونه حادثا وممكنا الا انه نفس الاختيار الذى هو فعل النفس وهى بذاتها تؤثر في وجوده فلا يحتاج إلى علة موجبة لا ينفك عنها اثرها إذا العلية بنحو الايجاب انما هي في غير الافعال الاختيارية نعم لابد في وجوده من فاعل وهو النفس ومرجح وهى الصفات النسانية والاحتياج إلى المرجح
[ 92 ]
انما هو من جهة خروج الفعل عن العبثية والا فيمكن للانسان ايجاد ما هو منافر لطبعه فضلا عن ايجاد مالا يشتاقه لعدم فائدة فيه الا انه لا يفعل ذلك للزوم العبث وهو لا يصدر من الحكيم الملتفت (ثم) ان المرجح المخرج للفعل عن العبثية هي الفائدة الموجودة في نوعه دون شخصه بداهة أن الهارب والجائع يختار أحد الطريقين واحد القرصين مع عدم وجود مرجح في واحد بالخصوص وانكار ذلك مكابرة واضحة ثم ان الفخر الرازي استدل لما ذكرناه بما حاصله ان الاجرام السماوية أجرام بسيطة متساوية النسبة من حيث الاجزاء عند الحكماء والمصلحة الالهية اقتضت وجود الحركة فيها لكن الترجيح بلا مرجح في الشخص لو كان قبيحا فلنا ان نسأل عن ترجيح حركة الشمس والمعدل مثلا في المشرق إلى المغرب دون
العكس مع عدم وجود المرجح قطعا على المذهب المذكور وقد ذكر صدر المتألهين (قده) هذا الاستدلال في شرح اصول الكافي الا انه لم يأت في الجواب الا بالشتم واللعن وانه رئيس المشككين اتى بشيئ لا يمكن الجواب عنه (ولكن) الانصاف ان الحق مع الفخر فانه لا يجوز على الحكيم تفويت المصلحة النوعية مع عدم وجود مرجح في الشخص قطعا وهذا ظاهر لاسترة عليه. ثم لا يخفى انه لا يفرق في ما ذكرنا من ان الطلب (1) هو التحريك نحو المطلوب وتأثير النفس في الحركة بين ان يكون الحركات مباشرية كما في الارادة التكوينية أو منزلة منزلة المباشرية كما في التشريعية فان عضلات العبد وحركاتها منزلة منزلة عضلات المولى وحركاتها ولافرق بينهما من وجه اصلا فافهم وتأمل في المقام لئلا تقع فيما وقع فيه غير واحد من الزلل والاوهام والله الهادى إلى سواء السبيل ثم ان هذا الذى ذكرناه من الالتزام بالامر الرابع المسمى بالطلب مرة وبالاختيار اخرى هو الاساس لنفى الجبر الذى التزام به الاشاعرة وارادوا بذلك اثبات السلطنة للبارى
1 - قد عرفت فيما مران الطلب عبارة عن التصدى لحصول المراد ومصداق ذلك في موارد تعلق الارادة بفعل الغير انما هو نفس الانشاء المظهر لاعتبار كون الفعل على ذمة المكلف فلا حاجة إلى ما افيد في المتن من تنزيل عضلات العبد وحركاتها منزلة عضلات المولى و حركاته مع انه مجرد فرض لا دليل عليه بل هو غير واقع قطعا في موارد الا وامر الالهية بل في غير ها ايضا (*)
[ 93 ]
تعالى فوقعوا في محذور آخر وهو نفى العدل عنه جل وعلا (واما) الاساس لنفى التفويض الذى التزم به المعتزلة وارادوا به اثبات العدل فوقعوا في محذور سلب السلطنة فحاصله ان التفويض يتوقف على ان تكون العلة المحدثة مبقية ايضا حتى يكون البقاء مستغنيا عن المؤثر إذ عليه لا يحتاج العبد بعد افاضة الوجود والقدرة والمشية له
إلى شيئ اصلا واما بناء على ما هو التحقيق من ان الممكن حيث ان الافتقار والاحتياج من لوازم ذاته فهو مفتقر إلى الواجب دائما ومحتاج إلى افاضة الوجود والقدرة والمشيئة في في كل آن بحيث لو انقطع عنه الفيض لانعدم بنفسه ولايحتاج إلى تسبب لاعدامه فالفعل حيث أنه يصدر عن اختيار العبد فهو منتسب إليه وبما أن فيض الوجود و القدرة وغيرهما من مبادى الفعل يستمر من قبله تبارك وتعالى فالفعل منتسب إليه تعالى ففيه جهتان واقعيتان بكل جهة ينتسب إلى فاعل فيثبت الامر بين الامرين وما هو الحق في البين فلم يلزم نفى العدل ولا السلطنة عنه تبارك وتعالى (وهذا) الذى ذكرناه هو مذهب الاء مامية ومن اسرار العلوم الاء لهية رزقنا الله تعالى الوصول إليها واءن وقع في خلافه جم غفير لاجل شبهة عرضت لهم فهم قائلون بالجبر واقعا واءن لم يعترفوا به لسانا بقى الكلام في دفع الشبهة التى ربما تورد على ما ورد في الحديث القدسي من قوله تبارك وتعالى (يا ابن آدم بمشيئتي كنت انت الذى تشاء فأنت أولى بسيئاتك منى وأنا اولى بحسناتك منك) وحاصل الشبهة أن نسبة الفعل الاءختيارى إلى العبد والبارى جل وعلا في الطاعة والمعصية نسبة واحدة فان الفعل طاعة كان أو معصية من جهة ينتسب إلى العبد ومن جهة إلى الله تعالى فما وجه الاولوية في كل من الطرفين (والجواب) عن الشبهة هو أن الله تبارك وتعالى لما جعل في قبال المرجحات والقوى النفسانية التى هي جنود الجهل والشيطان وهى الغضب والشهوة والطمع و غير ذلك مرجحات رحمانية وهى جنود العقل والرحمان لئلا يكون العبد مجبولا على اطاعة النفس وليتمكن من المجاهدة وتقديم المرجحات الا لهية فهو ان قدم المرجح النفساني فهو أولى بالفعل لمغلوبية الجهة الاءلهية وان قدم المرجح الالهى فهو تبارك وتعالى أولى بالفعل فكون الفعل أمرا بين الامرين مطلقا لا ينافى الاولوية من جهة
[ 94 ]
أخرى (ويمكن أن يقال) (1) ان الاولوية المذكورة في الحديث ناظرة إلى ما ورد في الروايات الكثيرة من ان العبد ربما يكون موفقا بالحسنات والخيرات بواسطة التزامه ببعض الخيرات والحسنات فبعضها يكون معدا للاخر ويعطى القابلية لان يوفقه الله تبارك و تعالى لمرضاته كما انه ربما يكون مخذولا ومحروما من عناية تبارك وتعالى بسبب ارتكابه بعض المعاصي بل بعض المكروهات فان احسن فالله اولى بحسناته فانه الموفق له وان اساء فالعبد اولى بسيئاته لانه اتبع فيها هوى نفسه وشهواته على أي حال فالمهم في المقام اثبات الامر بين الامرين وقد أثبتناه بحمدالله تبارك وتعالى بأحسن وجه و بيان فافهم واغتنم ومن جميع ما ذكرنا ظهر أن ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) من الالتزام بعينية الطلب والارادة والالتزام بالارادة الانشائية وارجاع النزاع بين الاشاعرة والمعتزلة إلى النزاع اللفظى غير صحيح لما عرفت من أن الطلب غير الارادة مفهوما ومصداقا ولا معنى لكون الارادة انشائية وأظن أن الالتزام بالترادف بينهما من مختصاته ومن قال بالاتحاد اراد اتحادهما صدقا لا مفهوما وان كان ذلك فاسدا ايضا كما عرفته وايضا قد ظهر لك ان النزاع معنوى وفى ثبوت امر آخر بعد الارادة وعدمه فكيف يمكن أن يكون النزاع لفظيا واما المقام الثاني ففيه مباحث (الاول) في دلالة الصيغة على الوجوب وعدمها فاعلم أن الاقوال في المسألة وان كثرت الا أن المهم منها قولان احدهما كونها حقيقة في خصوص الوجوب أو ظاهرة فيه بالانصراف لكونه أكمل الافراد الثاني كونها حقيقة في القدر المشترك بينه وبين الاستحباب وقبل الخوض في بيان ما هو الحق في المقام ينبغى تقديم مقدمة وهى أن المتقدمين من الاصحاب ذهبوا إلى تركب الوجوب والاستحباب من جنس وهو طلب الفعل وفصل
1 - الظاهر ان منشأ الاولوية هو ان الله تعالى انما اعطى عبده نعمة الوجود والقدرة و
الشعور وغيرها ليشكره ويصرف كل ما انعم الله به عليه في محله فان فعل ذلك فقد عسل بوظيفته وشكر منعمه ومع ذلك فالله هو ولى الاحسان الذى من عليه بتمكينه من ذلك وان لم يفعل ذلك بل صرف النعمة في غير محلها ذلك فقد فعل بسوء اختياره كما قال تعالى شانه وما ظلمهم الله ولكن انفسهم يظلمون (*)
[ 95 ]
وهو المنع من الترك أو الاذن فيه وهذا القول رفضة المحققون من المتأخرين وذهبوا إلى انهما مرتبتان بسيطتان من الطلب والمنع من الترك وعدمه من لوازم شدة الطلب وضعفه لا انهما مقومان لحقيقة الوجوب والاستحباب بداهة عدم خطور المعنى المركب عند استعمال الصيغة في الوجوب أو الاستحباب وفهم الحقيقة والمجاز في الاوضاع النوعية من الامور الظاهرة لكل متكلم في كل لسان كما بيناه في مباحث المشتق والحق عدم صحة هذا القول أيضا فان ما يستعمل فيه الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب ليس الا النسبة الايقاعية ولا شدة ولاضعف فيها واما الطلب القائم بالنفس في الافعال التكوينية فهو ايضا كذلك لانه كما عرفت عين الاختيار وتحريك النفس المعضلات وهو في جميع الافعال على حد سواء واما الاءرادة فهى وان كانت قابلة للشدة والضعف في حد نفسها الا أنها ما لم تشتد بحيث يترتب عليها تحريك النفس للعضلات لا تكون ارادة سواء كان المراد فعلا من الافعال الضرورية أو غيرها (فتحصل) أن الوجوب والاستحباب ليسا من كيفيات المستعمل فيه حتى يكون الصيغة حقيقة في خصوص الوجوب أو منصرفة إليه بال المستعمل فيه واحد بالحقيقة في كلا الموردين والاءختلاف بينهما انما هو في المبادى حيث أن ايقاع المادة على المخاطب تارة ينشأ عن مصلحة لزومية واخرى عن مصلحة غير لزومية. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الصيغة متى صدرت من المولى فالعقل يحكم بلزوم امتثاله باقتضاء العبودية والمولوية ولا يصح الاعتذار عن الترك بمجرد
احتمال كون المصلحة غير لزومية الا إذا كانت هناك قرينة متصلة أو منفصلة على كونها غير لزومية. وتوضيح ذلك أن الوجوب لغة بمعنى الثبوت وهو تارة يكون في التكوين واخرى في التشريع فكما أن في التكوينيات يكون ثبوت شيئ تارة بنفسه وأخرى بغيره وما كان بالغير لابد وان ينتهى إلى ما بالذات فكذلك الثبوت في عالم التشريع فما هو ثابت بنفسه نفس اطاعة المولى فانها واجبة بنفسها وغيرها يكون واجبا باعتبار انطباق عنوان الطاعة عليه فإذا صدر بعث من المولى ولم تقم قرينة على كون المصلحة غير لزومية فلا محالة ينطبق عليه اطاعة المولى فيجب بحكم العقل قضاء لحق المولوية والعبودية فالوجوب
[ 96 ]
انما هو بحكم العقل ومن لوازم الصيغة من المولى لا من المداليل اللفظية ولقد أجاد المحقق القمى (قده) في جعل الوجوب من لوازم صدور الصيغة من المولى الا انه أرجعه بالاخرة إلى المدلول اللفظى ومنه يعلم أن الاشكال المعروف في استعمال الصيغة في موارد الوجوب والاستحباب معا كما في قوله (عليه السلام) اغتسل للجنابة والجمعة (الخ) وهو أن الصيغة الواحدة في استعمال واحد كيف يمكن أن تستعمل في مطلق الطلب من دون أن يتفصل بفصل أو كيف يمكن أن يوجد طلب في الخارج غير محدود بحد الشدة والضعف غير وارد على ما اخترناه رأسا وغير محتاج إلى تكلف جواب أصلا فان المستعمل فيه كما ذكرنا واحد (1) وهو ايقاع المادة على المخاطب والتفاوت انما هو في المبادى الباعثة على الامر بالمادة فقوله (عليه السلام) (اغتسل) استعمل في معنى واحد غاية الامر أن مصلحة غسل الجنابة لزومية ومصلحة غسل الجمعة غير لزومية وقد ذكرنا في المقام الاول صحة استعمال الفعل الماضي والمضارع في مقام الانشاء وطلب شيئ من المكلف وأن المستعمل فيه في الجميع شيئ واحد وهو النسبة التحققية والتلبسية وأن الانشاء والاءخبار من المداليل السياقية ومنه يظهر أن دلالتهما على الوجوب أيضا بحكم العقل
ومن لوازم صدور الكلام من المولى ولاربط له بالمداليل اللفظية أصلا (المبحث الثاني في التعبدية والتوصلية) والكلام فيه يقع تارة من جهة الاصل اللفظى وهو اصالة الاطلاق وبيان أن مقتضى الاطلاق هل هو التعبدية أو التوصلية أو انه لا يدل على شيئ منهما اصلا واخرى من جهة الاصل العملي بعد الفراغ عن عدم وجود الاطلاق اما لاستحالته أو لعدم تمامية مقدمات الحكمة في خصوص مقام وتحقيق المقام انما يتم برسم امور (الامر الاول) أن الوظائف العملية في شرعنا أوفى ساير الشرايع تارة يكون تشريعها لاجل التعبد والتقرب بها المعبر عنه في اللغة الفارسية بپرستش وأخرى لاجل
1 - قد عرفت فيما مران ما استعمل فيه صيغة الامر ليس هو ايقاع المادة على المخاطب بل الصيغة انما تستعمل في ابراز اعتبار كون المادة على عهدة المكلف وذمته ولكنه مع ذلك يكون الوجوب والاستحباب خارجين عن حريم المستعمل فيه كما هو ظاهر ومنه يظهر الحال في الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب ايضا (*)
[ 97 ]
مطلق وجودها في الخارج وان أمكن التقرب بها أيضا فالاول يسمى بالتعبدى والثانى بالتوصلى وقد يطلق التوصلى على معنى يعم بعض التعبديات ايضا وهو ما يسقط امره بمطلق وجوده في الخارج ولو كان بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار أو بفعل محرم من المحرمات والتوصلى بالمعنى الاول يجتمع مع المعنى الثاني غالبا كوجوب ازالة النجاسات وغيرها وقد يفترق عنه كما في وجوب رد السلام فانه واجب توصلي بالمعنى الاول ولا يسقط بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار والتوصلى بالمعنى الثاني قد يفترق عن الاول كما في الصلاة الواجبة على ولى الميت فانها تسقط بفعل الغير مع كونها تعبدية شرعت لقصد التقرب بها والتوصلى بالمعنى الاول هو الذى وقع فيه النزاع من الاعلام ولعل المشهور على جواز التمسك بالاطلاق في اثباته وأما بالمعنى الثاني فلم يدع أحد
جواز التمسك بالاطلاق لاثباته وبيان ذلك يحتاج إلى بسط الكلام في خصوص كل واحد من الاقسام وهو السقوط بفعل الغير أو من دون ارادة واختيار أو بفعل المحرم فنقول القسم الاول وهو السقوط بفعل الغير بنقسم (1) إلى السقوط بفعل الغير مع الاستنابة وبدونها (أما) السقوط بالاستنابة فمقتضى الاطلاق عدمه فان تشريع الاءستنابة ليس عبارة عن ايجاب العمل على المكلف أعم من المباشرة والتسبيب بداهة أن عمل الغير ليس عملا تسبيبيا للمستنيب فيما إذا كانت ارادة النائب ارادة مستقلة ولم تكن تحت ارادته نعم فيما إذا كانت كذلك كاءرادة البهائم أو الصبيان يصح ذلك ويستند العمل إلى الغير واما فيما نحن فيه فليس هناك الااجارة واستنابة والعمل حقيقة للنائب ولا تقتضي الاستنابة ان يكون عمل النائب عمل المستنيب والمستاجر كما ان تشريعها
1 - لاوقع لهذا التقسيم فيما هو المقصود في محل الكلام فان اصالة عدم السقوط بفعل الغير من جهة الاطلاق أو من جهة الاصل العملي انما هي في كلا القسمين بملاك واحد وهو ظهور الكلام في مطلوبية المادة الصادرة من المخاطب مثلا فكما ان قولنا صام ريدله ظهور في صدور الصوم من نفس زيد فكذلك قولنا فليصم زيد له ظهور في مطلوبية الصوم الصادر منه وعليه فإذا كان المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على اشتراط الوجوب بعدم صوم غيره فيتمسك باطلاق كلامه في دفع احتمال الاشتراط المزبور وإذا لم يكن هناك اطلاق فالمرجع هو استصحاب بقاء التكليف ما لم يقم دليل على حصول الغرض بفعل الغير (*)
[ 98 ]
ليس عبارة عن ايجاب العمل على المكلف اعم من كونه ببدنه الحقيقي أو التنزيلى بان يكون النائب منزلا بدنه منزلة بدن المنوب عنه فان التنزيل ممالا يخطر ببال النائب والمنوب عنه اصلا بل حقيقة تشريعها يرجع إلى ايجاب عملين على المكلف على نحو التخيير كما هو الشأن في كل عملين يكون أحدهما مسقطا للاخر من دون أن يكون بينهما جامع عرفى وان كان هناك جامع ملاكي وعليه فيكون
الشك في السقوط مع الاءستنابة راجعا إلى الشك في ان وجوب العمل على المكلف هل هو على نحو التعيين أو التخيير ومن المعلوم أن الاءطلاق في المقام يعين التعيينيه فان مقتضى الاءطلاق ان العمل واجب سواء استناب أحدا أم لا وسيجئ ان شاء الله أن مقتضى الاطلاق قد يكون هو التوسعة وقد يكون هو التضييق ولكن التحقيق عدم صحة رجوع الاستنابة إلى الوجوب التخييري أيضا لبداهة عدم فراغ ذمة الولى بمجرد الاستنابة قطعا فلا تكون طرفا للوجوب التخييري شرعا ولجواز التبرع في كل ما تدخله النيابة اجماعا ولا معنى لكون فعل الغير من اطراف الوجوب التخييري فالحق ان حقيقة النيابة عبارة عن تنزيل العمل منزلة عمل المنوب عنه وفرض ان الفعل فعله فيكون العمل الواجب على الولى فيه ثلث جهات (الاولى) الوجوب التعييني من جهة المادة وهو نفس الصلوة مثلا مع قطع النظر عن مصدرها بمعنى أن المولى يريد أصل وجود الصلوة في الخارج ولا تسقط بمجرد الاستنابة (الثانية) التخيير من جهة المصدر بمعنى أن الولى مخير بين اصدارها بالمباشرة واصدارها بالاستنابة (الثالثة) الوجوب المشروط بعدم فعل الغير كما سنبينه في القسم الثاني ان شاء الله تعالى فإذا شك في واجب انه يسقط بفعل الغير مع الاستنابة ام لا فمرجعه إلى الشك في الوجوب التخييري من جهة المصدر ومع الواضح أن نفس توجه الخطاب إلى المكلف من دون تقييد يرفع الشك من هذه الجهة ويجعله ظاهرا في الوجوب التعييني وهذا الظهور أقوى من ظهور الصيغة في التعيين من جهة المادة كما هو واضح (واما) السقوط بفعل الغير من دون الاستنابة فينفيه اطلاق الصيغة ايضا فان مرجعه إلى كون فعل الغير رافعا للموضوع أو لملاكه مثلا ايجاب القضاء على ولى الميت أو ايجاب اداء الدين على المكلف مشروط عقلا ببقاء موضوعه وهو اشتغال ذمة الميت أو المديون فإذا فرضنا سقوط اشتغال الذمة
[ 99 ]
بالصلوة أو الدين بصلوة المتبرع أو ادائه فلا موضوع لايجاب القضاء أو اداء الدين اصلا فلا محالة
يكون التكليف بالقضاء أو الاداء مشروطا بعدم فعل الغير فإذا شككنا في السقوط بفعل الغير فمرجع الشك إلى الشك في اشتراط الخطاب وعدمه واطلاق الخطاب ينفى الاشتراط ويثبت كونه مطلقا (فان قلت) على ما ذكرت فالشك في السقوط بفعل الغير يرجع إلى الشك في بقاء الموضوع وعدمه ومن الواضح أنه لا اطلاق للخطاب بالاضافة إلى وجود موضوعه وعدمه بل هو مشروط به عقلا فلا يمكن دفعه بالاطلاق (قلت نعم) ولكن بقاء الموضوع وعدمه يستكشف من السقوط بفعل الغير وعدمه وبقاء الموضوع وعدمه فيما نحن فيه تابع لجعل الشارع وسيجئ ان شاء الله أن كل موضوع شرط وكل شرط موضوع فإذا أثبتنا باطلاق الخطاب أن التكليف غير مشروط بعدم فعل الغير فيستكشف من هذا بقاء الموضوع قهرا وغرضنا من التمسك بالاطلاق هو التمسك به من جهة عدم الاشتراط بعدم فعل الغير الملازم لبقاء الموضوع عقلا لا التمسك به من جهة بقاء الموضوع وعدمه بهذا العنوان (فتحصل) من جميع ما ذكرنا أن مقتضى الاصل اللفظى فيما إذا شك في سقوط واجب بفعل الغير بالاستنابة أو بدونها هو عدم السقوط لاطلاق الصيغة في التعيينية من جهة المصدر وعدم اشتراطه بعدم فعل الغير له (وأما) مقتضى الاصل العملي ان لم يكن هناك اطلاق فيختلف بالاضافة إلى السقوط بالاستنابة أو بدونها أما إذا كان الشك في السقوط بفعل الغير معها فلا محالة يكون مرجع الشك إلى أن التكليف المتعلق بخصوص الصلاة من الولى هل له عدل آخر وهو التكليف بالاستنابة حتى يسقط الخطاب الاول بامتثال الثاني أولا فالشك يرجع إلى الشك في الامتثال بعد القطع بالاشتغال ومن الواضح أن الحكم فيه هو الاحتياط وأن قلنا بالبراءة فيما إذا كان الجامع واجبا قطعا وكان الشك في وجوب احدى الخصوصيتين على التعيين وعدمه حتى يكون مرجع الشك إلى الشك في وجوب التخيير العقلي وعدمه لكون التكليف بالجامع متيقنا وان الشك في وجود الخصوصية يدفع بالاصل بخلاف المقام فان المفروض فيه
عدم وجوب الجامع قطعا لكون التخيير على فرضه شرعيا فالتكليف متعلق بالصلاة مع الخصوصية على الفرض وانما الشك في اسقاط شيئ آخر لهذا الواجب لاحتمال كونه عدلا للتخيير فمقتضى القاعدة ح هو الاشتغال لا البراءة وأما إذا كان الشك في
[ 100 ]
السقوط بفعل الغير تبرعا فحيث ان مرجع الشك إلى الشك في الاشتراط وعدمه فلا محالة يكون تعلق التكليف في فرض فعل الغير تبرعا مشكوكا فمقتضى القاعدة هو البراءة (الا) أن التحقيق ان الشك في الاشتراط والاطلاق ان كان من أول الامر فالامر كذلك الا أن المقام ليس من هذا القبيل بل الشك فيه بقاء لاحدوثا (بيان ذلك) أن التكليف بالقضاء تعلق بالولي حين الموت قطعا وفى ذلك الزمان لم يكن تبرع من أحد على الفرض فكان التكليف في زمان فعليا فإذا شككنا في البقاء وعدمه بعد فعل الغير من جهة الشك في الاءشتراط وعدمه فلا محالة يجرى الاستصحاب موضوعا فيما إذا كان الشك من جهة الشك في بقاء الموضوع كمسألة الدين أو حكما فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا شككنا في ان الحج الواجب على المريض غير المتمكن من المباشرة هل يسقط بفعل الغير تبرعا اولا فمقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب بعد فعل الغير ايضا ونظير ما نحن فيه حكم الشك في الاقل والاكثر فانه إذا كان الشك في وجوب الجزء الزائد على المتيقن من أول الامر كما إذا شككنا في وجوب السورة في الصلوة فمقتضى القاعدة هو البراءة لا الاستصحاب لان القدر المتيقن من الخطاب قد فرع ذمة المكلف عنه يقينا والزائد المشكوك منفى باصل البراءة من أول الامر وأما إذا كان الشك في عدم وجوبها لعارض بقاء فمقتضى القاعدة هو استصحاب وجوب الصلاة مع السورة وان كان الشك دائرا بين الاقل والاكثر (فتحصل) أن مقتضى القاعدة هو الاشتغال في الشق الاول والاستصحاب في الشق الثاني وأما القسم الثاني وهو السقوط من دون ارادة واختيار فالتحقيق ان يقال انه
قد يدعى ان مادة الافعال منصرفة إلى خصوص ما إذا صدرت عن ارادة واختيار كما قد يقال بأن هيأتها منصرفة إلى ذلك (والحق) في المقام عدم صحة كلتا الدعويين (أما الاولى) فلان المادة ان لم تكن بنفسها قصدية كالتعظيم وامثاله فلاوجه لانصرافها إلى خصوص مااذا صدرت بالاختيار بعد صدقها على تمام افرادها بالتواطى (وأما الثانية) فقد بينا سابقا أن هيئات الافعال موضوعة (1) لافادة قيام المبادى وانتسابها إلى فاعلها
1 - قد عرفت ان هيئة الفعل الماضي أو المضارع موضوعه للحكاية بها من تحقق المادة في الخارج ونفس الامر وهذا امر يشترك فيه جميع المواد على اختلافها وليس هناك ما يوجب الانصراف إلى كونها صادرة بالاختيار ولو بمعناه المقابل للقهر والاجبار (*)
[ 101 ]
وبعبارة أخرى لافادة قيام العرض بموضوعه رهذا أمر يشترك فيه جميع المواد سواء كانت من قبيل الافعال أو الاوصاف وما كان من قبيل الافعال اعم من أن يكون اختياريا أو غير اختياري فدعوى الاءنصراف في الهيئة المشتركة بين الجميع خالية عن الدليل ولذا ترى أن الفقهاء أفتوا بضمان المتلف اءختيارا أو غفلة أو في حال النوم أو ما اشبه ذلك تمسكا بعموم من أتلف مال الغير فهو له ضامن وبالجملة المدعى هو الاءنصراف في خصوص ما إذا كانت المادة اءختيارية في حد نفسها مع أن الهيئة لم توضع في خصوص هذه المواد حتى يدعى انصرافها إلى خصوص ما إذا صدرت عن الاختيار بل وضعت لمعنى مشترك بين جميع المواد (واما) دعوى انصرافها إلى ما إذا كانت قائمة بالفاعل من دون قهر واءجبار من الغير فليست بذلك البعيد كما ادعى ذلك الشيخ الانصاري (قده) في قوله (عليه السلام) (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) وأن الخيار لا يسقط بتفريق الغير للمتبايعين قهرا نعم تمتاز صيغة افعل عن سائر الافعال في الدلالة على الاختيارية من وجهين (الاول) ان المطلوب على المذهب الحق لابد وأن يكون حسنا بالحسن الفاعلى (1) وهو لا يتحقق الا في خصوص الفعل الاءرادى نعم الحسن الفعلى لا يتخلف
1 - لا يخفى انه لا موجب لاعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل الخارجي بكونه مصداقا للواجب بعد ماكان الوجوب ناشئا عن الملاك القائم بالفعل ومن حسنه في نفسه على ان لازم ذلك ان لا يتصف الفعل الخارجي إذا لم يؤت به بداعي التقرب بكونه مصداق الواجب ولو كان الوجوب توصليا ضرورة ان مجرد صدور الفعل عن الاختيار لا يكفي في اتصافه بالحسن الفاعل مع انه واضح البطلان نعم يعتبر في الاتصاف المزبور ان لا يتصف الفعل بالقبح الفاعلى لكنه اجنبي عما نحن بصدده واما حديث دعوى اختصاص الطلب بالحصة المرادة من جهة عدم امكان تعلقه بغير المقدور كما افيد في الوجه الثاني فيرد عليه اولا انه لا ينافي سقوط التكليف فيما إذا اتى بالفعل لاعن ارادة بعد ان كان مقتضى اطلاق المادة قيام الملاك بمطلق وجود الفعل المأمور به فيما إذا كانت القدرة من الشرايط العقلية على ما اعترف به (قده) في مبحث الضد وثانيا ان الدعوى المزبورة انما تتم على مذهب من يرى ان المنشاء بالصيغة انما هو مفهوم الطلب أو البعث أو النسبة الايقاعية أو ما يقاربها من المفاهيم واما على ما حققناه من انه ليس الا اظهار اعتبار كون المادة على ذمة المكلف فلا موجب لاشتراط التكلف بالقدرة اصلا غاية الامر ان العقل يعتبرها في موضوع حكمه في مرحلة الا لزام بالامتثال فتكون القدرة من شرايط التنجيز لا محالة (فان قلت) ماهى الفائدة في الاطلاق * (*)
[ 102 ]
عن الفعل سواء صدر بالاختيار أم لا الا انه ليس مصححا للتكليف بل المصحح له هو الحسن الفاعلى المختص بحال الاءرادة والاءختيار (الثاني) ان الطلب التشريعي كما ذكرناه هو تحريك عضلات العبد نحو المطلوب بارداته واختياره وجعل الداعي له لان يفعل ومن البديهى أنه انما يمكن جعل الداعي في خصوص الفعل الاء رادى لا الاعم منه ومن غيره وعليه فالمطلوب دائما هو الفعل الاء رادى فإذا شك في سقوطه بغير الارادي فحيث انه لا يمكن التخيير بينهما عقلا فيرجع الشك إلى الشك في اشتراط الخطاب وعدمه فيكون حاله حال الشك في السقوط بفعل الغير وقد عرفت أن مقتضى
الا طلاق فيه هو عدم الاشتراط ان كان هناك اطلاق والا فالمرجع هو الاستصحاب دون البراءة وأما القسم الثالث وهو السقوط بفعل المحرم فحاصل الكلام فيه أن نسبة دليل التحريم إلى دليل الواجب تكون تارة نسبة الاخص إلى الاعم كما في باب النهى عن العبادة واخرى نسبة العموم من وجه كما في باب اجتماع الامر والنهى فان كان من قبيل الاول فلا اشكال في انه يضيق دائرة الواجب ويخصصه بغير الفرد المحرم كما إذا قال اغسل ثوبك ولا تغسل بالماء المغصوب وان كان من قبيل الثاني فحيث ان المأتى به في ضمن الفرد المحرم لا يكون متصفا بالحسن الفاعلى (1) لفرض وقوعه مبغوضا عليه فلا محالة لا يكون مأمورا به وان قلنا بجواز اجتماع الامر والنهى لتعدد متعلق الامر والنهى الا أن المأتى به في ضمن افراد المحرم حيث أنه فاقد للحسن الفاعلى وهو من شرائط
* المزبور وايجاب الجامع بين المقدور وغيره مع ان المكلف لا يمكنه ان ينبعث الا نحو المقدور قلت فائدته اجتزاء المكلف بما صدر منه بغير اختياره بعد حصول الغرض القائم بمطلق الوجود المنكشف بالاطلاق بعد فرض امكان تعلق التكليف بالجامع كما عرفت فتحصل انه لا مانع من اثبات عدم اعتبار تقيد المأمور به بالقدرة شرعا باطلاق الدليل ان كان والا فالمرجع هي اصالة البرائه الشك في اعتبار امر زائد على المقدار المعلوم توجه التكليف به فافهم ذلك واغتنمه 1 - قد عرفت آنفا لا موجب لاعتبار الحسن الفاعلى في اتصاف الفعل الخارجي بكونه مصداقا للواجب وعليه فمقتضى القاعدة هو سقوط الامر باتيان المأمور به في ضمن الفرد المحرم فيما كان المورد من موارد اجتهاع الامر والنهى بناء على الجواز نعم بناء على الامتناع وتقديم جانب النهى لا مناص عن القول بعدم السقوط لتعلق النهى حينئذ بنفس العبادة الموجب لتضييق المأمور به لا محالة وسيجيى توضيح ذلك في مبحث اجتماع الامر والنهى انشاء الله تعالى (*)
[ 103 ]
كون الشيئ مأمورا به فلا محالة لا يكون مأمورا به فإذا قام الدليل على سقوط التكليف به فهو يكشف عن تحقق المصلحة أو عن ارتفاع الموضوع فلا محالة يكون التكليف مشروطا بعدمه كما في ازالة النجاسة بالماء المغصوب حيث انه لا نجاسة بعد الغسل به حتى يؤمر بغسلها فأذا شككنا في الاءشتراط وعدمه فالمرجع هو اصالة الاطلاق ان كان والا فالاستصحاب (فتحصل) أن مقتضى الاصل اللفظى والعملي في تمام الاقسام هو عدم التوصلية الامر الثاني قد عرفت أن محل الكلام انما هو التوصلى في قبال التعبدى وهو العمل الذى شرع لاجل التعبد به وحيث أن التعبد امر قصدي فلا محالة يكون بأحد الدواعى القربية (منها) قصد الامر و (منها) قصد المصلحة و (منها) قصد كون المولى اهلا لذلك إلى غير ذلك والكلام فعلا متمحض في خصوص قصد الامر وأنه مما يمكن اخذه في متعلق الامر أولا وحيث أن الاطلاق كما سيجئ انشاء الله تعالى يقابل التقييد تقابل العدم والملكة فما لم يكن المورد قابلا للتقليد لم يكن قابلا للاطلاق ايضا (1)
1 - التحقيق في المقام ان يقال ان من اشتاق إلى وجود فعل مع التفاته إلى امكان وقوعه في الخارج على وجوه فاما ان يتعلق شوقه بخصوص حصة خاصة منه مقيدة بقيد وجودي أو عدمي أو يتعلق بمطلق وجوده القابل للانطباق على كل واحد من الوجودات الخاصة فلا يكون لخصوصية من الخصوصيات دخل في غرض المولى وفى متعلق شوقه وجودا أو عدما بلا فرق في ذلك بين التقسيمات الاولية والثانوية ضرورة ان متعلق الشوق لابد وان يكون متعينا في ظرف تعلقه به ولو بعنوانه الاجمالي ويستحيل فرض الاهمال في الواقع وتعلق الشوق بمالا تعين له في مرحلة تعلقه به فكما ان الملتفت إلى انقسام الماء إلى حار وبارد إذا اشتاق إلى شربه فلا مناص له من تعلق شوقه اما به لمطلق أو بالمقيد فكذلك الملتفت إلى انقسام الصلوة مثلا إلى قسمين باعتبار انها يؤتى بها في الخارج
تارة بقصد الامر واخرى لا بقصده إذا اشتاق إلى وجودها فلا مناص له من تعلق الشوقه اما بالمطلق أو بالقيد فاستحالة اهمال المشتاق إليه في مرحلة تعلق الشوق به امر مشترك فيه بين التقسيمات الاولية والثانوية وعليه فإذا فرضنا استحالة تقيد متعلق الحكم أو موضوعه بقيد خاص فلازمه كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا وإذا فرض استحالة - (*)
[ 104 ]
وتوضيح المقام أن يقال أن العناوين المأخوذة في متعلقات التكاليف كالصلاة والغسل وغيرهما اوفى موضوعاتها وهى كل ماله دخل في فعلية الحكم ويسمى بالشرائط كالوقت والبلوغ مثلا في الاول وهما مع وجود الماء في الثاني لها انقسامات اولية وثانوية ونعنى بالانقسامات الاوليه كل انقسام لها باعتبار نفسها مع قطع النظر عن وجود التكليف ككون الصلاة مع الطهارة وعدمها وكون الماء حلوا اومرا إلى غير ذلك ونعنى بالانقسامات الثانوية كل انقسام لها باعتبار تعلق التكليف بحيث لا معنى للانقسام مع قطع النظر عنه ككون المكلف وهو موضوع الحكم عالما به أو جاهلا وككون الصلاة مع قصد القربة أو بدونه (أما الانقسامات الاولية) فلا بدوان يكون التكليف بالاضافة إليها مطلقا أو مقيدا والالزم عدم محدودية متعلق التكليف أو موضوعه وهذا يستحيل على الحكيم المطلق وكذا على غيره الملتفت مثلا إذا التفت الاءنسان إلى انقسام الماء إلى قسمين فاما ان يكون طلبه مقيدا بخصوصية أحد القسمين أو لا يكون مقيدا وعى كلا التقديرين لا يمكن الاهمال في مقام الثبوت والواقع
التقييد بالخلاف ايضا فالاطلاق يكون ضروريا لا محالة وعلى ذلك فلا يبقى مجال لدعوى استلزام استحالة التقييد لاستحالة الاطلاق واما ما افيد في المتن من ان لازم كون التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة هو ذلك ضرورة اعتبار قابلية المحل للوجود في التقابل المزبور فما لم يكن المحل قابلا للتقييد لا يكون قابلا للاطلاق فيرد عليه ان القابلية المعتبرة فيه لا يلزم ان تكون شخصية دائما بل يجوز ان تكون صنفية
أو نوعية أو جنسية الا ترى انه يصدق على الانسان انه جاهل بحقيقة ذات الواجب و صفاته مع انه يستحيل ان يكون عالما بها فلو كان استحالة احد المتقابلين تقابل العدم و الملكة مستلزمة لاستحالة الاخر لزم استحالة الجهل في مفروض المثال مع انه ضروري وجدانا ثم ان لافرق في ما ذكرناه بين ان يكون التقييد مستحيلا في مقام الثبوت و الواقع وان يكون مستحيلا في مقام الاثبات فان كلامنهما لا يقتضى استحالة الاطلاق بل فلا مناص عنه أو عن التقييد بالخلاف (نعم) إذا فرض استحالة التقييد في مقام الاثبات و عدم تمكن المولى من البيان على تقدير دخل فيد فيما يفى بغرضه وما هو متعلق شوقه فلا يمكن التمسك باطلاق كلامه لاثبات عدم دخله فيما هو متعلق امره في الواقع ونفس الامر الا ان ذلك اجنبي عما نحن فيه وهى دعوى استلزام استحالة التقييد لاستحالة الاطلاق كما هو ظاهر (*)
[ 105 ]
نعم يمكن ذلك في مقام الاثبات والدلالة بأن لا يكون المولى في مقام بيان تمام مراده اوفى مقام الثبوت من الجاهل غير الملتفت إلى الانقسام كما لو فرضنا الامر باكرام جيرانه غير ملتفت إلى انقسامهم إلى صديق وعدو فانه حينئذ لا يكون اطلاق أو تقييد حتى بلحاظ مقام الثبوت ايضا " واما الانقسامات الثانوية " سواء كانت لموضوعات التكاليف أو لمتعلقاتها فلا يعقل فيها التقيد فلا يتصور فيها الاطلاق ايضا (أما) عدم تعقل تقييد الموضوع بحال العلم بالحكم فللزوم الدور وبيانه أن فعلية كل حكم تتوقف على وجود موضوعه بقيوده ومشخصاته بداهة أنها بالاضافة إليه من قبيل الشروط بالاضافة إلى المشروط كما سيجيئ في الواجب المشروط انشاء الله تعالى ان كل شرط موضوع وكل موضوع شرط وحيث أنه يتوقف العلم بشخص الحكم على وجود الحكم خارجا وفرضه موجودا والا لا يعقل العلم به فيلزم الدور المصرح وهو توقف الشيئ على ما توقف عليه وكون الشيئ معلولا لمعلوله بلا واسطة غاية الامر أن
التوقف من احد الطرفين عقلي وهو توقف العلم على وجود المعلوم ومن الطرف الاخر جعلى وهو توقف فعلية الحكم على وجود العلم لاخذه في الموضوع شرعا هذا بحسب مقام الفعلية (واما) بحسب مقام الاءنشاء فقد يقال بعدم استحالة اخذ العلم في الموضوع في ذاك المقام لعدم توقف الانشاء على وجود الموضوع قطعا (الا ان) التحقيق استحالته ايضا من وجهين (الاول) ان المجعول في مقام الانشاء كما سيجيئ انشاء الله تعالى ليس الا الاحكام الفعلية لموضوعاتها الخارجية وبعبارة اخرى الاحكام الفعلية هي الاحكام الموجودة بنفس الانشاء لموضوعاتها المقدر وجودها غاية الامر انها قبل وجود موضوعاتها فرضية وبعده خارجية فإذا فرضنا امتناع المجعول لاستلزامه الدور فيلزم امتناع الجعل ايضا إذا استحالة الوجود يستلزم استحالة الايجاد قطعا (الثاني) ان الدور وان لم يلزم في مقام الانشاء الا ان محذوره وهو لزوم توقف الشيئ على نفسه المستلزم لتقدم الشيئ على نفسه وفرضه قبل وجوده لازم لا محالة (وبيانه) ان العلم بشخص الحكم (تارة) يؤخذ في الموضوع على نحو القضايا الوهمية غير المعقولة كانياب الاغوال التى لا تنطبق على الخارج اصلا وحينئذ فلا كلام لنا عليه واخرى يؤخذ في الموضوع على نحو القضايا الحقيقية المستعملة في تمام العلوم التى منها القضايا
[ 106 ]
المتكفلة للاحكام الشرعية وحينئذ فلابد من فرض الموضوع في مقام الانشاء والحكم على المفروض كما في قضية الخمر حرام فاءن الحاكم في مقام حكمه بالحرمة يفرض وجود الخمر خارجا ويحكم عليه بالحرمة فاءذا فرضنا اخذ العلم بالحكم في مقام الانشاء بنحو يكون مرآة لما في الخارج وينطبق عليه فلابد من ان يفرض وجود العلم بالحكم في ذاك المقام ومن الواضح ان فرض وجود العلم بالحكم فرض وجود الحكم فلابد وان يكون الحكم مفروض الوجود قبل وجوده ولو بالقبلية الرتبيه وهو ما ذكرناه من محذور الدور بعينه وان لم يكن دورا اصطلاحا وما وقع في كلام جماعة من الاساطين من التعبير
بالدور فهو من باب المسامحة في التعبير (واما) تقييد متعلق التكليف بقصد امتثال الامر فقد يقال بامكانه من ناحية الامر وعدم لزوم محذور الدور لامكان تصور قصد الامر قبل وجوده الا ان المانع عنه عدم قدرة المكلف حينئذ على الامتثال فان المفروض ان المأمور به هي الصلاة المقيدة مثلا فذات الصلاة وحدها لا امر بها فلا يمكن ايجادها بداعي امرها حتى يؤمر بها وكونها مأمورا بها في ضمن تعلق الامر بالمجموع لا يصحح كونها مأمورا بها إذا اتى بها وحدها بداعي الامر بالمجموع كما لا يخفى (لكن التحقيق) ان عدم القدرة في محل الكلام ليس ناشئا من عدم تمكن المكلف من اسباب الفعل مع امكان الفعل في حد ذاته كالطيران إلى الهواء بل من استحالة التقييد في حد ذاته في مقام الانشاء والفعلية والامتثال (اما) في مقام الانشاء فلما عرفت (1)
1 - لا يخفى ان لزوم اخذ قيد مفروض الوجود في مقام الانشاء المستلزم لكونه شرطا لفعلية الحكم اما ان يكون من جهة الظهور العرفي كما في قوله تعالى اوفوا بالعقود فان المستفاد منه هو لزوم الوفاء بالعقد على تقدير تحققه في الخارج واما ان يكون من جهة استلزام عدم اخذه مفروض الوجود للمحال وهو التكليف بما لا يطاق كما إذا امر المولى بايقاع الصلوة في الوقت فان دخول الوقت من جهة خروجه عن تحت اختيار المكلف وقدرته لا مناص عن اخذه مفروض الوجود في الخطاب والالزم التكليف بمالا يطاق واما في غير ذلك فلاملزم لاخذ القيد مفروض الوجود ومن ثم التزمنا بفعلية الخطابات التحريمية قبل وجود موضوعاتها ايضا وذلك لتمكن المكلف من امتثالها ولو بعدم ايجاد موضوعاتها وعلى ذلك فالقيد في مفروض البحث بما انه نفس الامر المتحقق في ظرف الانشاء لا ملزم لاخذه مفروض الوجود من ظهور عرفى أو غيره ومنه يظهر الجواب عما - (*)
[ 107 ]
من ان الموضوع في القضايا الحقيقية دون الفرضية غير المعقولة لابد وان يكون مفروض الوجود في الخارج في مقام اخذه موضوعا من دون ان يكون تحت التكليف
اصلا ولافرق فيه بين ان لا يكون الموضوع تحت اختيار المكلف وقدرته كما في (صل في الوقت) فان الوقت غير مقدور للمكلف أو يكون تحت اختياره وقدرته كما في (اوفوا
افيد في المتن من ان اخذ قصد الامر في متعلقه يستلزم توقف فعلية الحكم على نفسها وهو محال وذلك فان الاستلزام المزبور مبنى على لزوم اخذ الامر مفروض الوجود في مرحلة الانشاء وقد عرفت فساده فان قلت اخذ قصد الامر في المتعلق بعد وضوح قبح الامر بالتشريع يتوقف على كون ذات الفعل في نفسه مأمورا به حتى يتمكن المكلف من الاتيان به بقصد امره ففرض عدم تعلق الامر الفعلى بذات الفعل واختصاصه بالفعل المقيد بان يؤتى به بقصد الامر يستلزم عدم تمكن المكلف من الامتثال في الخارج قلت بما ان قصد الامر وجعله داعيا إلى الفعل الخارجي من افعال النفس فالامر بالصلوة مثلا المفيدة بقصد الامر يكون امرا بالمجموع المركب من الفعل الخارجي والنفساني ومن الواضح ان الامر بالمركب ينحل إلى الامر بكل من الجزئين فيكون ذات الفعل متعلقا لحصنه من الامر الفعلى لا محالة كما ان جعل هذه الحصة من الامر داعيا إلى الفعل متعلق للحصة الثانية من الامر فإذا اتى بالفعل بداعي الامر المتعلق به في ضمن الامر بالمركب فقد تحقق تمام المركب في الخارج وبذلك يظهر الفرق بين المقام وما إذا كان الجزء الاخر غير قصد الامر فان قصد الامر الضمنى في المقام محقق لتمامية المركب بخلاف ما إذا كان الجزء الاخر غير قصد الامر فانه لا يمكن فيه الاتيان بجزء بقصد امره الا مع قصد الاتيان بالمركب بداعي امتثال امره وبما ذكرناه من الانحلال يندفع ما اورد على اخذ قصد الامر في المتعلق من انه يستلزم ان يكون شخص الامر داعيا إلى داعوية نفسه وهو على حذو كون الشيى علة لعلية نفسه وذلك فانه بناء على الانحلال المزبور يكون احد الامرين الضمنيين داعيا إلى داعوية الامر الضمنى الاخر واين ذلك من دعوة الامر إلى داعوية نفسه كما انه يندفع به ما افيد في المتن من ان الاخذ المزبور يستلزم توقف قصد الامتثال على نفسه ضرورة لزوم تأخره طبعا عن جميع الاجزاء والشرايط فلو كان هو بنفسه من الاجزاء ايضا
لزم التوقف المزبور وجه الاندفاع هوان المأخوذ في المتعلق إذا كان قصد الامر ضمنى ودعوته فاين تقدم الشيئ وتوقفه على نفسه فظهر مما بيناه ان اخذ قصد الامر في المتعلق وكونه جزءا من اجزاء المأمور به لا مانع منه اصلا وعليه فإذا شك في اعتبار قصد الامر في المتعلق في الواقع مع عدم اخذه فيه في مقام الاثبات فيؤخذ بالاطلاق ويثبت به كون الواجب توصليا. (*)
[ 108 ]
بالعقود) فان معناه انه إذا فرض عقد في الخارج يجب الوفاء به لا انه يجب على المكلف ايجاد عقد في الخارج والوفاء به وحينئذ فلو اخذ قصد امتثال الامر قيدا للمأمور به فلا محالة يكون الامر موضوعا للتكليف ومفروض الوجود في مقام الانشاء (وهذا) ما ذكرناه من لوازم تقدم الشيئ على نفسه وبعبارة واضحة كل امر اختياري أو غير اختياري اخذ متعلقا لمتعلق التكليف فوجود التكليف مشروط بفرض وجوده بفرض مطابق للواقع وحيث ان متعلق المتعلق فيما نحن فيه هو نفس الامر فيكون وجوده مشروطا بفرض وجود نفسه فرضا مطابقا للخارج فيلزم كونه مفروض الوجود قبل وجوده وهو بعينه محذور الدور (واما في) مقام الفعلية الحكم يتوقف على فعلية موضوعه اعني متعلقات متعلق التكليف وحيث ان المفروض ان نفسه هو الموضوع لنفسه ومتعلق متعلقه فيتوقف على فعليته نفسه ولازمه تقدم فعلية على فعليته (واما) في مقام الامتثال فلان قصد الامتثال متأخر عن اتيان تمام اجزاء المأمور به وقيوده طبعا فان قصد الامتثال انما يكون بها وحيث انا فرضنا من جملة الاجزاء والقيود نفس قصد الامتثال الذى هو عبارة عن دعوة شخص ذاك الامر فلابد وان يكون المكلف في مقام امتثاله قاصدا للامتثال قبل قصد امتثاله فيلزم تقدم الشيئ على نفسه (وبالجملة) محذور الدور هو تقدم الشيئ على نفسه وفرضه موجودا قبل وجوده موجود في تمام المراتب الثلاث وان يلزم هو بنفسه وكأن تعبير بعض
الاساطين بالدور من باب المسامحة (هذا كله) بناء على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من ان القربة وكون الفعل عبادة لا تتحققان الا بقصد الامر فقط وبقية الدواعى انما هي في طول ذاك الداعي (لافى) عرضه (واما) بناء على ما ذهب إليه استاذ الاساطين الشيخ الانصاري (قده) من كون قصد الجهة وهى المصلحة موجبا للتقرب في عرض قصد الامر فيلزم من اخذه في المأمور به ذاك المحذور عينا (1) فان قصد
1 - لا يخفى غاية ما يقتضيه البرهان المذكور هو ان يكون الفعل قابلا لترتب المصلحة عليه في نفسه حتى يمكن تعلق القصد به بداعي المصلحة المترتبة عليه لكن ذلك لا ينافى توقف فعلية الترتب على القصد المزبور كما هو كذلك في قصد العظيم ضرورة ان الفعل الخارجي امالم يكن قابلا لان يظهر به عظمة الغير لا يمكن قصد التعظيم به حقيقة ولكنه مع ذلك لا يكون عنوان التعظيم فعليا ومنطبقا على الفعل الخارجي الا مع القصد المزبور (*)
[ 109 ]
جهة الصلاة مثلا يتوقف على كون الصلاة ذات جهة وكون الجهة مترتبة على نفسها والمفروض ان الجهة انما تترتب لعى قصد الجهة لفرض كونه جزء المأمور به فبدونه لاجهة حتى تقصد فالجهة فرع قصدها وقصدها فرع تحققها فيلزم توقف الشيئ على ما يتوقف عليه بلا واسطة وهو الدور المصرح المستلزم لتقدم الشيئ على نفسه بمرتبتين فاءن الشيئ متأخر عن علته بمرتبة والمفروض انه متقدم على علته بمرتبة لكونه علة لعلته فيتقدم على نفسه بمرتبتين (واما) على المختار من كون جميع الدواعى القربية في عرض واحد وان الجامع بين الجميع كون العمل لله كما يستفاد من قوله (عليه السلام) (وكان عمله بنية صالحة يقصد بهاربه) فوجه امتناع اخذ الجامع المنطبق على جميع الدواعى القربية في المأمور به هو ان الداعي اياما فرض فهو في مرتبة سابقة على الارادة المحركة للعمل فيستحيل كونه في عرض العمل الصادر عن الارادة التكوينية فان المفروض سبقه على الارادة وتأخر العمل عنها فإذا لم يمكن وقوع الداعي في حيز الارادة
التكوينيه (1) فلا يمكن وقوعه في حين الارادة التشريعية ايضا بداهة ان متعلق الارادة التشريعية
1 - لا يخفى ان ذلك لو تم فلا يمكن تعلق الطلب والارادة التشريعية بقصد الامر أو بغيره من الدواعى القربية مطلقا ولو كان ذلك بجعل المتمم وبالامر الثاني المغاير للامر الاول المتعلق بذات الفعل وهذا ينافى ما ذهب إليه قدس سره من تصحيح كون الواجب عبادة كذلك والتحقيق ان المستحيل انما هو تعلق شخص الاختيار الناشئ عن داع بذلك الداعي بعينه واما تعلق اختيار آخر به غير الاختيار الناشئ منه فهو بمكان من الامكان وحيث ان المفروض ان هناك فعلين احدهما خارجي والاخر نفساني فلا محالة يكون الاختيار المتعلق بالفعل الخارجي الناشئ من الفعل النفساني مغايرا للاختيار المتعلق بالفعل النفساني ولكنه بما ان المفروض ترتب الغرض الواحد على الفعلين معا فلا مناص عن كون الشوق أو الامر المتعلق بهما واحدا ايضا ثم انه بعد ما تحقق امكان اخذ جامع قصد القربة في المأمور به فيمكن التمسك بالاطلاق في ظرف الشك لاثبات كون المواجب توصليا وعدم دخل قصد القربة في المأمور به واقعا وفى مرحلة الثبوت فلا يترتب اثر مهم على اثبات استحالة اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق مع انك قد عرفت انفا امكان اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق ايضا واما ما عن المحقق صاحب الكفاية قدس سره من ان صحة العبادة إذا اتى بها بداعي الامر تكشف عن عدم اخذ غير قصد الامر من الدواعى القربية في المأمور به قطعا * (*)
[ 110 ]
هو بعينه ما يوجده العبد في الخارج وتتعلق به ارادته فلو لم يمكن تعلق الارادة التكوينية بشيئ لا يمكن تعلق الارادة التشريعية به ايضا (إذا عرفت) عدم امكان اخذ داعى القربة في متعلق الامر فلابد من بيان ما به يمتاز التعبدى عن التوصلى فما قيل أو يمكن ان يقال في
* فيرد عليه انها تكشف عن عدم اخذ خصوص غير قصد الامر في المأمور به واما عدم اخذ الجامع فيه فلا كاشف عنه اصلا نعم لا مناص عن الالتزام بتعلق الامر بذات الفعل ليكون المكلف متمكنا من الاتيان به بقصد الامر الا انك قد عرفت ان الامر بالمركب يستلزم تعلق
حصة منه بذات الفعل لا محالة فان قلت إذا فرض استحالة اخذ خصوص قصد الامر في المتعلق فالامر بالجامع لا يمكن ان يعمه بل لابد وان يختص بغيره من الدواعى القربية فإذا لم يكن غيره مأخوذا فيه ايضا كما هو المفروض فيقطع بعدم اخذ الجامع فيه لا محالة قلت إذا كان منشأ استحالة اخذ قصد الامر في المتعلق هو لزوم اخذ القيد وهو الامر مفروض الوجود فهى تدور مدار لحاظ القيد وجعله دخيلا في فعلية الحكم فإذا فرضنا ان المأخوذ في المأمور به هو جامع قصد القربة مع قطع النظر عن خصوصيات افراده على ما ستعرف ان الاطلاق عبارة عن رفض القيود وعدم دخل شيئ من الخصوصيات في حكم المطلق فلا موجب لاختصاص الامر بالجامع بغير قصد الامر وعدم سرايته إليه ضرورة ان المحذور على تقدير تسليمه انما يترتب على لحاظ القيد مفروض الوجود لاعلى رفضه وعدم لحاظ ثم انه لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على استحالة اخذ جامع قصد القربة في المأمور به ايضا فلا يستلزم ذلك عدم جواز التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب توصليا فانه إذا كان غرض المولى مترتبا على اتيان المأمور به بقصد القربة وفرض استحالة تقييد المأمور به بذلك فيمكنه ان يقيد المأمور به بقيد يلازم قصد القربة خارجا بان يأمر بالفعل المقيد بان لا يؤتى به باحد الدواعي النفسانية فمن اطلاق وعدم التقييد في مقام الاثبات يستكشف عدم دخل قصد القربة في غرض المولى في مقام الثبوت ولعل ذلك هو المراد من الوجه الاتى المحكى عن بعض تقريرات العلامة الشيرازي قدس سره وعليه فلا يرد على الوجه المزبور ما اورد عليه في المتن كما سيظهر نعم ربما يورد عليه بان القدرة على اتيان المأمور به على هذا الفرض متوقفة على تعلق الامر به مع انها من شرايط التكليف عقلا وجوابه ان ما هو شرط فعلية التكليف أو تنجزه انما هي القدرة على اتيان المأمور به في ظرف الامتثال ولامانع من كونها ناشئة عن الامر نفسه فتلخص من جميع ما ذكرناه انه لامانع من التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب توصليا ما لم يكن هناك دليل على كونه تعبديا (*)
[ 111 ]
تصويره وجوه الاول ما حكى بعض تقريرات العلامة الشيرازي (قده) وحاصله ان نفس الداعي القربى وأن لم يمكن اخذه في المتعلق بوجه من الوجوه الا انه يمكن اخذ عنوان في المأمور به يكون ملازما لاحد الدواعى القربية وجودا وعدما فالفرق بالاخرة انما يكون باختلاف المتعلق والدواعي ملازمة لذلك العنوان المقيد به متعلق الامر (وفيه) ان هذا الوجه وان كان لطيفا في نفسه الا انه يرد عليه انه لو فرضنا (1) ولو محالا انفكاك ذاك العنوان عن احد الدواعى وبالعكس فلا بدوان تكون العبادة صحيحة على الاول دون الثاني (مع) انه لا يلتزم به ففيه قطعا لبداهة صحة العمل مع الداعي القربى قطعا وان لم يوجد هناك عنوان اصلا وفساده مع عدمه وان وجد ذلك العنوان الثاني ان الفرق بينهما من ناحية الامروان حقيقة الامر التعبدى مع حقيقة الامر التوصلى متباينان فالاول يقتضى بنفسه ان يكون باعثا فعليا دون الثاني فاءنه لا يقتضى الانفس وجود المأمور به في الخارج من دون ان يقتضى كونه داعيا بالفعل وان كان فيه صلاحية ذلك ويرد على هذا الوجه (اولا) ان هذا مبتن على ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من لزوم كون الامر داعيا وان بقية الدواعى في طوله لا في عرضه واما على المختار (فلا اشكال) في كفاية بقية الدواعى فلا تكون دعوة الامر التعبدى فعلا من لوازم ذاته قطعا (وثانيا) (2) ان دعوة الامر في مرتبة متأخرة عنه لا محالة فلا يمكن كونها في عرضه وموجودة بوجوده بحيث يكون المولى موجدا لنفس الامر ودعوته والالتقدم الشيئ على نفسه وبعبارة واضحة دعوة شيئ فرع ثبوت ذاك الشيئ فانه موضوعه فيستحيل ان تكون موجودة في عرضه
1 - لا يخفى ان فرض المحال مع استلزام القيد المزبور لا حد الدواعى القربية خارجا لا اثر له فيما نحن فيه ضرورة انه مع علم المولى بالملازمة المزبورة تمكنه من الوصول إلى غرضه باخذ القيد المزبور لا يترتب اثر على فرض المحال اصلا 2 - الصحيح في الجواب ان يقال ان الامر لا يكون داعيا الا إلى متعلقه لا يحرك الا - (*)
[ 112 ]
الثالث (1) كون الفرق بينهما بحسب الغرض وان الغرض لا يحصل من الامر التعبدى الا بقصد القربة واما الامر التوصلى فيترتب الغرض منه على مطلق وجود المأمور به قصد به التقرب ام لا (وفيه) انه ان اريد من الغرض المصلحة الكائنة في المأمور به فيرد عليه ان الافعال بالاضافة إلى المصالح كما ذكرناه في مبحث الصحيح والاعم من قبيل العلل المعدة لا من قبيل الاسباب بالاضافة إلى مسبباتها فيستحيل ان تقع تحت التكليف والالزام فحصولها وعدمها اجنبي عن المكلف فلا معنى لكونه بصدد تحصيلها بل هو مكلف بايجاد المأمور به خارجا والمصالح علل الجعل والتشريع لا مما يجب ايجاده خارجا (وان اريد) منه الغرض القائم بالامر فبما ان الامر فعل من افعال المولى ولابد ان يكون فيه غرض فالغرض من الامر التوصلى نفس وجود المأمور به خارجا وان لم يكن بدعوة الامر ومن التعبدى دعوة الامر لوجود المأمور به (فيرد عليه) ما ورد على الوجه الثاني عينا من ابتنائه على مذهب صاحب الجواهر (قده) اولا واستحالة كون دعوة الامر غرضا منه وموجودا بوجوده ثانيا وعدم دليل على لزوم الحركة على طبق الغرض من الامر ثالثا (هذا) وسيجيئ ما هو المختار عندنا من الفرق بين التوصلى والتعبدي. الامر الثالث اختلفت كلمات الاصحاب في مقتضى الاصل اللفظى في المقام فاختار جماعة ومنهم المحقق الانصاري (قده) اصالة التوصلية واختار صاحب الاشارات (قده) وجماعة ممن تبعه اصالة التعبدية (والحق) في المقام وفاقا لجملة من المحققين
هو الاءهمال وعدم الاطلاق مطلقا (واستدل) العلامة الانصاري (قده) على مختاره
نحوه فلا يعقل كونه داعيا لدعوة نفسه ما لم يؤخذ ذلك في المتعلق واما ما افيد في المتن من كون دعوة الامر متاخرة عن نفس الامر رتبة فيستحيل ان تكون موجودة في عرضه فيرد عليه ان اللوازم الذاتية لابد وان تكون موجودة بايجاد ملزوماتها والتأخر الطبعى لا ينافى التقارن الزمانى كما هو ظاهر 1 - قد عرفت فيما مران الفرق بينهما انما هو باخذ قصد القربة في متعلق الاوامر التعبدية دون التوصلية وبما ان الاخذ المزبور نشأ من دخل قصد القربة في الغرض يصح ان يقال ان الفرق بينهما من ناحية الغرض وعليه فلا يرد على هذا الوجه ما افيد في المتن كما لا يخفى (*)
[ 113 ]
بعدم امكان التقييد فيثبت الاطلاق وبمثل هذا استدل على شمول الخطاب للجاهلين وعدم اختصاصه بالعالمين وعلى عموم وجوب المقدمة لغير الموصلة والجامع في جميع المقامات عدم امكان التقيد للزوم المحذور فيه (ولا يخفى (1)) عدم صحة الاستدلال المذكور في شيئ من المقامات المذكورة فانه يبتنى على ان يكون الاطلاق مقابلا للتقييد تقابل الايجاب والسلب بأن يكون معنى الاطلاق هو مطلق عدم التقييد ولو بالعدم الازلي وهذا المعنى فاسد حتى عنده (قده) فان الاطلاق كما سيجئ في محله انشاء الله تعالى وان كان عدميا الا انه موقوف على ورود الحكم على المقسم وتمامية مقدمات الحكمه فالتقابل بينهما لا محالة يكون تقابل العدم والملكة فإذا فرضنا في مورد عدم ورود الحكم على المقسم فلا معنى للتمسك بالاطلاق قطعا وما نحن فيه من هذا القبيل فان انقسام المتعلق بما إذا اتى به بقصد الامر وعدمه يتوقف على ورود الامر فانه كما عرفت من الانقسامات الثانوية فليس قبل تعلق الامر وفى مرتبة سابقة عليه مقسم اصلا فالحكم لم يرد على المقسم بل صحة التقسيم نشأت من قبل الحكم فلا معنى للتمسك
بالاطلاق فكل مورد لم يكن قابلا للتقييد يمتنع الاطلاق فيه أيضا (وأما) لو بنينا على ما هو المشهور قبل سلطان العلماء (قده) من كون الاطلاق امرا وجوديا وانه بمنزلة التصريح بالعموم (فعدم) صحة التمسك بالاطلاق اوضح فانه في قوة ان يقال صل سواء كان بقصد الامر اولا فان التصريح المذكور انما يصح فيما إذا كان الانقسام قبل الامر لا بعده والاكان اخذ المقسم بما هو مقسم في متعلق الامر مع ان كونه مقسما انما نشأ من قبله مستلزما لتقدم الشيئ على نفسه " واستدل " الكلباسى " قده " في الاشارات على اصالة التعبدية بوجوه نذكر المهم منها الاول ان المولى انما يأمر عبده بشيئ ويطلبه منه ليجعل امره محركا اياه نحو العمل وباعثا له نحو المراد فالامر هو بنفسه جعل للداعى والمحرك مطلقا (فإذا) قام هناك قرينة على التوصلية فذاك والا كان مقتضى نفس الامر هو التعبدية (وفيه) 2
1 - قد عرفت فيما تقدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر وان كون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة لا يقتضى استلزام استحالة احدهما لاستحالة الاخر فلا موقع لما افاده العلامة الانصاري قدس سره في المقام ولالما اورد عليه في المتن فافهم وتدبر 2 - الصحيح في الجواب ان يقال ان الغرض من الامر مضافا إلى انه لا يجب تحصليه - (*)
[ 114 ]
انه ان اريد من جعل المولى امره محركا الزام المولى عبده بالعمل وجعله في عهدته بحيث يكون داعيا نحو العمل لو لم يكن له داع من قبل نفسه فانه قبل الامر بالعمل لم يكن ملزما بالفعل بل كان له اختيار من نفسه في الفعل وتركه وبعد الامر لابدله من العمل ليحصل له الفراغ منه فهو مسلم الا انه اجنبي عن التعبدية بالمعنى المقصود لاشتراك هذا المعنى بين جميع الواجبات تعبدياتها وتوصلياتها وان اريد منه ان الفعل لابدو أن يصدر في الخارج بداعي امتثال امر المولى لابداع آخر حتى يكون الامر متكفلا لمحركية نفسه وللزوم صدور العمل من قبله فقد عرفت انه مبنى
على مذهب صاحب الجواهر (قده) المخالف لما اخترناه اولا وانه مستلزم للمحال ثانيا وببيان آخر الامر انما يدعو نحو العمل وارادة المكلف ملحوظة بنحو المعنى الحرفى غير الاستقلالي والملحوظ بالاستقلال هو نفس الفعل فلو كانت ارادة العبد ولزوم صدورها عن داعى الامر ملحوظين حين الامر لزم انقلاب الملحوظ الالى إلى الاستقلالي هو خلف محال. الوجه الثاني قوله تعالى " وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " الاية حيث استدل بها على عبادية جميع اوامر الله تبارك وتعالى خرج ما خرج فيبقى الباقي تحت العموم (وفيه اولا) ان هذا المعنى مستلزم لتخصيص الاكثر فان الواجبات الشرعية الا قليلا (منها توصليات فيكشف لزوم تخصيص الاكثر عن عدم ارادة هذا المعنى من الاية اجمالا (وثانيا) ان مفاد الاية بقرينة سابقتها وهو قوله عزوجل " لم يكن الذين
وانما هو طريق محض إلى ما هو الغرض من المأمور به ان محركية الامر نحو المأمور به وجعله داعيا إلى ايجاده لا يعقل ان تكون غرضا من الامر ضرورة ان ما هو غرض منه لابد وان يكون مترتبا عليه خارجا دائما ومن الواضح ان وجود المأمور به في الخارج فضلا عن كون الامر داعيا إليه ربما يكون في الخارج وربما لا يكون فكيف يمكن ان يقال ان الغرض من الامر انما هو جعله داعيا إلى المأمور به وعليه فلا مناص من كون الغرض من الامر هو امكان كونه داعيا إلى ايجاد المأمور به على تقدير وصوله إلى المكلف وهذا امر يشترك فيه التعبديات والتوصليات فلا يبقى مجال للاستدلال على اصالة التعبدية من ناحية الغرض (*)
[ 115 ]
كفروا والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينه الخ " هو (1) ان المؤمنين في مقام العبادة لم يؤمروا الا بعبادة الله دون غيره لا ان كل امرورد في الشرع فهو عبادي فالاية في مقام بيان تعيين المعبود وقصر العبادة عليه لا في مقام بيان حال الاوامر وانها عبادية فالاية
اجنبية عن هذا المقام قطعا الوجه الثالث قوله صلى الله عليه وآله " الاعمال بالنيات " فدل على ان العمل بلانية كلا عمل فما لم تقم قرينة على صحة العمل بلانية فلا يعتد به ويكون لغوا في مقام الامتثال " وفيه ان " المستفاد من التفاسير الواردة في كلمات الائمة سلام الله عليهم اجمعين لهذه الكلمة الجامعة ان المراد منها هو " ان لكل امرى ما نوى " فان كان العمل لله فيجعله الله لنفسه والا فلما عمله من اجله كما ورد عنهم عليهم السلام ان المجاهدان جاهد لله فالعمل له تعالى وان جاهد لطلب المال والدنيا فله ما نوى فحاصل الرواية الشريفة ان عنوان الفعل في الخارج يتبع نية الفاعل وقصده فان فعله لله يقع له والا فلا فليست الرواية في مقام بيان ان الاوامر الشرعية عبادية اصلا " فتحصل " انه ليس هناك اطلاق العين التوصلية أو التعبدية بل المأمور به بالاضافة إلى الانقسامات الثانوية مطلقا لا مناص من كونه مهملا (واما) دعوى الظهور في التوصلية مع فرض عدم الاطلاق فلاوجه لها بداهة انه ليس فيما نحن فيه ما يقتضى الظهور غير الاطلاق وهو مفروض العدم الامر الرابع ربما يتمسك لاثبات التوصلية في مورد الشك فيها بحكم العقل بالاجزاء وان الاتيان بالمأمور به يجزى عقلا والمفروض ان المأمور به غير مقيد بقصد القربة قطعا وهذا الوجه هو المحتمل من عبارة صاحب التقريرات وبيان دفعه يحتاج إلى تقديم " مقدمة " وهى ان جعل المولى (تارة) يكون تاما وكل ما وقع تحت امره وخطابه يكون وافيا بتمام غرضه فلا محالة يكون الاتيان بما يفئ بغرضه مجزيا عقلا (واخرى) لا يكون كذلك بل المولى يحتاج إلى متمم لجعله كما في الغسل قبل الفجر فيما إذا اوجب صوم الغد فانه بناء على امتناع الواجب المعلق كما سيجيئ في محله لابد وان
1 - الظاهر ان الضمير في قوله تعالى وما امروا الا ليعبدوا الله الاية يرجع إلى اهل الكتاب المذكورين قبل هذه الاية فحاصل المراد ان اهل الكتاب لم يكونوا مأمورين الا بعبادة الله والتفرق الموجود بينهم انما نشأ من قبل انفسهم من بعد ما جائتهم البينة فالاية
اجنبية عن محل الكلام بالكلية (*)
[ 116 ]
يكون الامر بالصوم بعد الفجر لاشتراطه به ويستحيل تقدمه عليه كما ان الامر بالغسل لابد وان يكون قبل الفجر لاشتراط الصوم في الجزء الاول من النهار بالطهارة وحينئذ فحيث ان غرض المولى مترتب على الصوم المقيد بالطهارة ويستحيل ان يأمر بهما بامر واحد جامع بين ما قبل الفجر وما بعده فلابدوان يستوفى غرضه بامرين احدهما قبل الفجر بالغسل والاخر بعد الفجر بالصوم وحينئذ فحيث ان الامرين نشئا عن ملاك واحد فهما في حكم امر واحد واطاعتهما ومعصيتهما واحدة ولايكون الاتيان بالمأمور به من احدهما مجزيا ومسقطا من دون الاتيان بالمأمور به من الاخر وما نحن فيه من هذا القبيل ايضا فإذا إذا فرضنا ان غرض المولى مترتب على الصلاة بداعي القربة فإذا اراد المولى استيفاء غرضه فحيث انه لا يمكن له ذلك الا بامرين فلابد له من امر متعلق بذات الصلاة وامر آخر متعلق باتيانها بقصد القربة (وتوهم) الاكتفاء بامر واحد بالصلاة وايكال الجزء الاخر وهو قصد القربة إلى حكم العقل لا معنى له فان شأن العقل انما هو الادراك وان هذا الشيئ مما اراده الشارع ام لا وليس الامر والتشريع من شؤنه حتى يكون هو شارعا في قبال الشارع فكما ان ذات الصلاة تعلق بها ارادة الشارع لكونها مما له دخل في غرضه كذلك لابد وان يكون داعى القربة متعلقا لارادته غاية الامر انه لا يعقل ذلك بالامر الاول فلابد من الامر الثاني المتمم للجعل الاول حتى يكون الامر ان في حكم امر واحد (فظهر) ان توهم سقوط الامر الاول مع عصيان الامر الثاني لا معنى له فان ذلك انما يصح فيما إذا كان الامر ان مستقلين وناشئين عن ملاكين كما إذا فرضنا تعلق النذر بفعل صلاة الفريضة في المسجد فانه إذا صلاها في الخارج يسقط الامر الصلاتى وان كان عاصيا بالقياس إلى الامر النذرى ويجب عليه الكفارة لافى مثل ما نحن فيه الذى نشأ الامر ان فيه عن ملاك وغرض واحد فيستحيل سقوط احد هما دون الاخر كما ظهر ان عدم السقوط ولزوم
الاتيان بداعي الامر من قبل الامر الثاني لا من قبل حكم العقل والزامه لما عرفت ان شأنه الادراك لا الالزام (فتحصل) مما ذكرناه انه في كل مورد احتمل العقل عدم تمامية الجعل و الاحتياج إلى امر آخر لا يعقل استقلاله بالاجزاء قطعا وما نحن فيه من هذا القبيل (ثم لا يخفى) ان تمامية الجعل وعدمها انما تعلم من الخارج فتارة يدل الدليل على وجود الامر الثاني وان غرض المولى مترتب على فعل المأمور به مع قصد القربة
[ 117 ]
فيفيد الامر الثاني نتيجة التقييد وان الامر الاول لا يسقط بمجرد الفعل كيفما اتفق و اخرى يدل الدليل على عدم وجود الامر الثاني وان الجعل لا يحتاج إلى متمم فيكون النتيجة نتيجة الاطلاق (هذا) بالاضافة إلى متعلق الامر (واما) بالاضافة إلى موضوع التكليف فتارة يدل الدليل على ان غرض المولى مترتب على الفعل من كل مكلف عالم أو جاهل فيكون النتيجة نتيجة الاطلاق كما دلت ادلة اشتراك المكلفين في التكليف على ذلك واخرى يدل الدليل على ان الغرض مترتب على فعل العالم دون الجاهل كما في القصر والاتمام أو الجهر والاخفات فيكون النتيجة نتيجة التقييد وعلى هذا فإذا كان المولى في مقام بيان اظهار تمام جعله ومع ذلك لم يأمر بقصد القربة فيستكشف من هذا الاطلاق المسمى بالاطلاق المقامى تمامية الجعل الاول وعدم احتياجه إلى جعل المتمم ثانيا فتكون النتيجة كما في الاطلاق الكلامي ونظير ذلك قد مرفى بحث الصحيح والاعم، من ان الصحيحى وان لم يمكن له التمسك بالاطلاق الكلامي لاجمال اللفظ الا انه يمكنه التمسك بالاطلاق المقامى إذا كان كما في صحيحة حماد المتكفلة لبيان اجزاء الصلوة فكلما لم تتعرض له مما يحتمل جزئيته فنتمسك باطلاقها لدفع الاحتمال المذكور (وبالجملة) فالفرق بين المتوصليات والتعبديات انما هو (1) بالامر الثاني وعدمه والتفرقة بينهما بالغرض قد عرفت فسادها وحينئذ فإذا كان المولى في مقام البيان و
لم ينصب قرينة على الجعل الثاني المتمم للجعل الاول فمقتضى الاطلاق هو التوصلية وعدم الجعل الاخر وهذا الاطلاق نظير الاطلاق في متعلق التكليف الثابت بمقدمات الحكمة هذا كله فيما إذا تمت هناك مقدمات الحكمة والافتصل النوبة إلى الاصول العملية (والحق ان) مقتضى القاعدة في المقام هي البراءة لما عرفت (2) من ان
1 - ما افاده قدس الله سره في توجيه كون الواجب عبارة من الالتزام بالامر الثاني المتمم للجعل الاول وان كان صحيحا لا مناص عنه على تقدير عدم امكان اخذ قصد الامر في متعلق الامر الاول الا انك قد عرفت انه امر ممكن فلاتصل النوبة إلى الالتزام المزبور 2 - وكذلك الحال على ما حققناه من امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر الاول فانه على التقديرين يكون الشك في اعتبار قصد القربة في واجب من موارد دوران الامر * (*)
[ 118 ]
داعى القربة على تقدير دخله فلا محالة يكون بجعل ثان فالشك في دخله شك في الجعل الثاني فيكون حاله حال بقية الاجزاء في جريان البراءة عند الشك في دخلها في المأمور به (هذا) على ما هو المختار من كون دخل قصد القربة شرعيا (واما) إذا كان عقليا فربما يقال بان مقتضى القاعدة في المقام هو الاشتغال وان قلنا بالبرائة في مسألة الاقل والاكثر فان العقل بعد ماحكم بلزوم تحصيل غرض المولى فلا مناص من القول بالاشتغال عند الشك في حصوله فإذا اتى بالمأمور به بلا داعى القربة مع احتمال كون الواجب لا يسقط الغرض منه الا بقصد القربة فمقتضى القاعدة عدم جواز الاجتزاء به ولا يخفى (1) ان هذا الفرق مبنى على التفرقة بين المحصلات الشرعية والاسباب
* بين الاقل والاكثر والمختار فيه هي البرائة على ما ستعرف 1 - الظاهر ان التفرقة المزبورة مبنية على التفرقة في بحث الاقل والاكثر بين البرائة الشرعية والعقلية والالتزام بعد جريان الاولى من جهة الشك في حصول الغرض باتيان
الاقل وبجريان الثانية نظرا إلى انها وان لم تثبت الاطلاق الواقعي وعدم تقيد المأمور به بما احتمل جزئيته وشرطيته واقعا الا انها تثبت الاطلاق الظاهرى وجواز اكتفاء المكلف في مرحلة الظاهر بما هو المتيقن تعلق التكليف به فانه بناء على ذلك لابد من القول بالاشتغال في المقام لعدم جريان البرائة الشرعية فيه فان المفروض عدم تعلق التكليف شرعا بقصد القربة فالشك متمحض في كونه دخيلا في غرض المولى ومعه يحكم العقل بلزوم تحصيل الغرض باتيان المأمور به مع قصد القربة (ولكن) التحقيق عدم صحة التفرقة المزبورة فانا إذا بنينا على عدم جريان البرائة العقلية في مسألة الاقل والاكثر من جهة حكم العقل بلزوم تحصيل الغرض فلا يبقى مجال للرجوع إلى البرائة الشرعية فيها بعد فرض انه لا يثبت بها ترتب الغرض على الافل كما نه إذا بنينا على جريان البرائة العقلية في تلك المسألة كما هو الصحيح من جهة انه لا يلزم من تحصيل الغرض بحكم العقل الا المقدار الواصل إلى المكلف وما تصدى المولى لبيانه فالعقاب على ترك ما يحتمل دخله في غرض المولى واقعا مع عدم قيام الحجة عليه لا يكون محتملا من جهة استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان فلا بد من القول بالبرائة في المقام ايضا فان قلت المفروض في المقام عدم تمكن المولى من البيان فلا يمكن الرجوع فيه إلى البرائة العقلية لاعتبار التمكن من البيان في موارد الرجوع إليها لا محالة قلت ما هو المفروض في المقام انما هو عدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر واما بيان دخل قصد القربة في الغرض * (*)
[ 119 ]
العادية فإذا شك في دخل شيئ في الاسباب العادية فمقتضى القاعدة هو الاشتغال كما إذا شككنا في دخل شيئ حصول الاحراق الواجب شرعا واما إذا كان شك في دخل شيئ في حصول الطهارة التى هي امر شرعى فمقتضى القاعدة هي البراءة لشمول حديث الرفع لرفع شرطية الشيئ المشكوك أو جزئيته والحاصل ان المسبب ان كان امرا شرعيا وشك في دخل شيئ في محصله شرطا وجزءا فمقتضى القاعدة هي البراءة
واما إذا كان امرا غير شرعى فلا موجب لتوهم شمول حديث الرفع اصلا ومقتضى القاعدة هو الاشتغال واما فيما نحن فيه فحيث ان دخل قصد القربة في الغرض واقعى وليس بشرعي فلا يعقل شمول حديث الرفع لعدم دخله عند الشك فيكون مقتضى القاعدة تحصيلا للغرض هو الاشتغال واما الاجزاء والشرائط فحيث ان دخلها جعلى شرعى فلا بأس بشمول حديث الرفع لنفى الجزئية أو الشرطية عند تعلق الشك بهما (ولكن) هذا القول فاسد من حيث البناء والمبنى ولابد قبل بيان فساده من تقديم مقدمة وهى ان شمول حديث الرفع لمورد يتوقف على امور ثلاثة (الاول) كون الشيئ مجهولا (الثاني) كون قابلا للوضع والرفع (الثالث) كون رفعه امتنانا بداهة ان الرواية انما وردت في مقام المنة وبانتفاء واحدة من المقدمات يبطل التمسك به لا محالة وحينئذ (فنقول) اما فساد المبنى فلان المسبب ان كان امرا شرعيا نظير الوجوب والطهارة والملكية فاما ان نقول بان المجعول الشرعي هو المسبب عند وجود اسبابه كما هو التحقيق أو نقول ان المجعول الشرعي هي السببية وعلى الاول فوجود المسبب عند وجود تمام الاجزاء والشرائط حتى الامور المشكوك دخلها في السبب مقطوع به يستحيل شمول حديث الرفع له ووجوده عند الاجزاء والشرائط المعلومة فقط وان كان مشكوكا الا انه لا وجه لتوهم شمول حديث الرفع له لمنافاته للامتنان فان الحكم بعدم ترتب الطهارة على الغسل مرة أو على الغسل بدون العصر مناف للامتنان قطعا فلا يكون لحديث الرفع مجال اصلا وبالجملة باب الاسباب والمسببات عند دوران
* ولو كان البيان بالجملة الخبرية ونحوها فهو مقدور للمولى لا محالة فلا مانع من الرجوع إلى البرائة القعلية فتلخص انه لا فرق بين المقام ومسألة الاقل والاكثر في حكم القعل بالبرائة أو الاشتغال ولتوضيح بيان عدم جواز التفرقة في مسألة الاقل والاكثر بين البرائة الشرعية والبرائة مقام آخر سيأتي انشاء الله تعالى (*)
[ 120 ]
الامر بين الاقل والاكثر على عكس باب التكاليف كليا فان التكليف بالاقل معلوم دون الاكثر بخلاف باب الاسباب فان ترتب المسبب على الاكثر معلوم دون الاقل ولو بنينا محالا على جعل السببية فالامر كذلك فان سببية الاكثر معلومة لا يرفعها حديث الرفع وسببية الاقل وان كانت مشكوكة لكن لا امتنان في رفعها نعم لو بنينا على محال آخر ايضا وهو ان السببية كماهى مجعولة كذلك جزئية الاجزاء للسبب ايضا مجعولة واغمضنا عما سيجيئ في محله من ان الجزئية والشرطية والمانعية مطلقا حتى بالنسبة إلى متعلقات التكاليف ليست الا امور انتزاعية وليست بقابلة للجعل اصلا امكن التفرقة بين المحصلات الشرعية وغيرها ويرفع بحديث الرفع جزئية شيئ أو شرطيته للمحصل الشرعي ولكنه مبتن على محال في محال (لا يقال) لو بنينا على مجعولية جزئية شيئ للسبب فيكفى ذلك في شمول حديث الرفع سواء كان المجعول هي السببية ام المسبب (فانا نقول) ليس الامر كذلك. فانا إذا بنينا على مجعولية المسبب فيما انه ليس من اوصاف السبب فلا يكون له تعلق باجزائه حتى يكون لازم جعله جعل الجزئية وهذا بخلاف السببية فانها مما تتعلق بالسبب فيمكن ان يقال ان جعلها جعل الجزئية وان كان التحقيق ما عرفت من انها من الامور الانتزاعية فيكون حالها حينئذ حال الجزئية للمأمور به في كونها منتزعة عن تعلق المجعول الشرعي بمركب سواء كان المجعول هو التكليف أو السببية واما فساد البناء فلان باب الملاكات والاغراض كما اشرنا إليه سابقا وأوضحناه في بحث الصحيح والاعم اجنبي (1) عن باب المسببات بالكلية ونسبة الافعال إليها نسبة المعدات إلى معلولاتها لانسبة الافعال التوليدية إلى ما تتولد منه وعلى تقدير التسليم فترتبها على الافعال تكويني خارجي لاجعلى شرعى بداهة ان الشارع يأمر بفعل ذى مصلحة لا انه يجعل فيه المصلحة فالمصلحة غير مجعولة والمجعول هو الامر فقط فلا تكون ملازمة بين جريان البراءة في المحصلات الشرعية وبين جريانها في اجزاء المأمور به
إذا فرض كونه من قبيل الاسباب إلى مسبباتها فلابد من القول بالاشتغال عند الشك في الاقل والاكثر وان قلنا بالبراءة في المحصلات الشرعية (فان قلت) ان الاشتغال
1 - قد مر الكلام في ذلك في بحث الصحيح والاعم فراجع (*)
[ 121 ]
انما يكون فيما إذا تعلق الامر بالمسبب فلا محالة إذا شك في اجزاء السبب أو شرائطه فلا يكون هناك مجرى للبراءة لان المأمور به وهو المسبب لا تعلق للشك به وما تعلق به الشك وهو السبب ليس بمأمور به وأما إذا كان المأمور به وهو السبب فان كان المشكوك دخله مما لا يمكن تعلق الامر به كقصد القربة فلابد من الاشتغال ايضا للزوم تحصيل غرض المولى وان كان مما يمكن تعلق الامر به فلا بأس بشمول حديث الرفع له واخراجه عن ما تعلق به الامر فعلا (قلنا) ان هذا مبتن على لزوم تحصيل الغرض وكونه تحت التكليف وقد بينا بطلانه وان الملاكات ليست تحت اختيار العبد وما هو تحت اختياره نفس الفعل الذى هو معد لحصول الملاك ولو سلمنا كونه تحت الاختيار وانه المسبب للفعل الخارجي فقد بينا في بحث الصحيح والاعم انه كلما كان هناك مسبب توليدى يكون تحت الاختيار فلا محالة يكون هو المأمور به حقيقة ولو فرض كون السبب في لسان الشارع مأمورا به فلا محالة يتقيد المأمور به بالمسبب قهرا ضرورة انه لافرق بين امر المولى بالاحراق وامره بالالقاء مثلا فان الامر بالاحراق امر بالالقاء كما ان الامر بالالقاء امر بالاحراق لا محالة فإذا شك في دخل شيئ في السبب فلا محالة لا تجرى البراءة (1) ويكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال (فان قلت) سلمنا تقيد السبب بالمسبب غايته ان يكون هذا القيد ايضا احد قيود المأمور به هو السبب فيكون المأمور به هو الصلاة المقيدة بالنهي عن الفحشاء مثلا ومع ذلك فلا يلزمه القول بالاشتغال مطلقا حتى في الاجزاء والشرائط التى يمكن تعلق التكليف بها فان فيها جهتين احديهما جهة كونها متعلقة للتكليف وثانيتهما جهة دخلها في الملاك والجهة
الاولى شرعية والثانية عقليه فمن الجهة الاولى تجرى البرائة الشرعية ويثبت عدم تعلق الامر الفعلى بالجزء المشكوك ويترتب عليه اكتفاء الشارع في مقام الامتثال ببقية الاجزاء المعلومة وسيجيئ في محله انشاء الله تعالى عدم الفرق في مجارى الاصول بين مقام الجعل
1 - نسبة الواجبات إلى الاغراض وان كانت نسبة الاسباب إلى مسبباتها على الاصح ان ذلك لايمنع من الرجوع إلى البرائة في ظرف الشك فان تطبيق ما يفى بغرض المولى على ما امر به انما هو وظيفته ولا يجب على العبد بحكم العقل الا الاتيان بما امر المولى به واما الزائد على ذلك مما يحتمل دخله في غرض المولى فاحتمال العقاب على تركه يدفع بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وانتظر لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله تعالى (*)
[ 122 ]
والامتثال وهذا بخلاف قصد القربة فانه متمحض في الجهة العقلية فلا يكون الشك في دخله في الغرض موردا للبرائة الشرعية قطعا ويكون هذا هو الفارق بين ما نحن فيه ومسألة الاقل والاكثر الارتباطيين فلا يلزم من القول بالاشتغال في المقام القول بالاشتغال هناك (قلنا) ان ما ذكرته من تقيد السبب بالمسبب بحيث يكون هذا التقيد قيدا آخر للمأمور به لا معنى له اصلا فان المأمور به في الحقيقة هو هذا العنوان كعنوان الناهي عن الفحشاء مثلا وبعد فرض السببية والمسببية في المقام وكون المسبب تحت الاختيار لا يكون السبب الا مقدمة لحصوله واجزاء السبب مقدمة للمقدمة فلاتجرى البراءة في في مقدمة المقدمة إذا المفروض تعلق التكليف بذى المقدمة مع كونه فعليا فلابد من القول بالاشتغال حتى يحصل اليقين بوجود المأمور به في الخارج واما ما ذكر من كون اجزاء المأمور به وشرايطه ذا جهتين فلا ينفع في جريان البرائة بعد فرض تعلق التكليف الفعلى بأمر آخر يشك في وجوده مضافا إلى أن شمول البراءة من جهة لا ينافي جريان الاشتغال من جهة اخرى فيكون جريان البرائة من باب الحكم الطبعى الاقتضائى وبعبارة اخرى ان الشك في دخل شيئ في المأمور به وان كان لا يقتضى الاشتغال الا انه
من جهة الشك في دخله في الغرض يقتضى الاشتغال فعند اجتماع الجهتين لا مناص عن القول بالاشتغال لعدم التعارض بين مالا اقتضاء فيه مع ما فيه الاقتضاء كما هو واضح واما ترتب اجتراء الشارع بفاقد المشكوك في مقام الامتثال على جريان البرائة بعد فرض تعلق التكليف بالعنوان المشكوك وجوده فليس الا من باب الملازمة وسيجيئ في محله انشاء الله تعالى ان حديث الرفع كغيره من الاصول لا يترتب عليه الا اللوازم الشرعية دون اللوازم غير الشرعية ودون الملازمات ولو كانت شرعية وما نحن فيه من قبيل الملازمات فان اكتفاء الشارع بالاجزاء المعلومة وشمول حديث الرفع للجزاء المشكوك من باب المتلازمين وليس الاكتفاء من اللوازم الشرعية لعدم الجزئية للمأمور به قطعا بل لو قلنا بحجية الاصول المثبته بمعنى ترتب آثار اللوازم العقلية أو العادية فلانقول بترتيب لوازم نفس الجعل كما فيما نحن فيه (1)
1 - لا يخفى ان عدم كون ما يشك في جزئيته للمأمور به جزء له واقعا يستلزم انحصار المأمور به بغيره عقلا فإذا فرضنا حجية الاصول المثبته فلا محالة يترتب على رفع الجزئية المجهولة انحصار المأمور به بما فرض وجوده في الخارج وهو الاقل المتيقن وجوبه ولاريب انه يجزى عن امره قطعا فلاوجه لما افيد في المتن من ان اكتفاء الشارع بالفاقد في مقام الامتثال من لوازم نفس الجعل دون المجعول (*)
[ 123 ]
فان اكتفاء الشارع من لوازم حكمه برفع الجزئية ظاهرا لا من آثار نفس عدم الجزئية واقعا فجعل الشارع لعدم الجزئية يتوقف على جعل آخر وهو الاكتفاء ومن المفروض انه لا دليل على الانفس هذا الجعل نعم لو دل دليل بالخصوص ولو بلسان الاصل على عدم جزئية السورة مثلا وفرضنا عدم اثر آخر لنفى الجزئية فلابد من القول باكتفاء الشارع بفاقدها صونا لكلام الحكيم عن اللغوية واين ذلك مما إذا كان الدليل عاما وشاملا لموارد لا تحصى وبالجملة المدعى هو قصور الدليل عن اثبات الملازمات لاعدم امكان التعبد بالملازمات كما سيجيئ توضيح ذلك في باب الاستصحاب
انشاء الله تعالى بقى الكلام فيما إذا كان الفارق بين التوصلية والتعبدية هو الغرض الامر لا الجعل الثاني كما هو المختار والا الغرض بمعنى المصلحة في المأمور به وقد ذكرنا سابقا عدم صحة المبنى في نفسه صغرى وكبرى اما بحسب الصغرى فلما ذكرناه من انه يتم على مذهب صاحب الجواهر (قده) من لزوم قصد الامر بالخصوص واما على ما هو التحقيق من جواز الاكتفاء بكل داع قربى فليس هناك امر يكون الغرض منه دعوة نفسه بالفعل قطعا واما بحسب الكبرى فقد استشكلنا فيه سابقا بانه على فرض تسليم ان يكون غرض المولى من امره دعوة نفس الامر لا ملزم بجرى العبد على طبق هذا الغرض عقلا بعد اتيان المأمور به خارجا الا ان (التحقيق) صحة الكبرى بعد فرض صحة الصغرى لما عرفت سابقا من ان تمام الواجبات الجعلية تنتهى بالاخرة إلى واجب واحد منجعل في نفسه وهو لزوم اطاعة المولى واسقاط امره فإذا لم يكن الغرض (1) من الامر الانفس حصول المأمور به فالعقل يلزم بايجاد المأمور به فقط واما إذا فرضنا ان الغرض من الامر هو التعبد وجعله داعيا فهذا الامر لا يسقط ولا يمكن اطاعته اللازمه بحكم العقل الا باتيان المأمور به عباديا ومنه يظهران ما ذكرناه سابقا من استلزام كون
1 - قد مران الغرض من الامر لابدوان يكون شيئا يترتب على نفس الامر دائما وليس ذلك الا امكان كونه داعيا إلى المأمور به في الخارج على تقدير وصوله إليه ففرض ان الغرض من الامر تارة يكون مجرد وجود المأمور به في الخارج واخرى يكون التعبديه وجعله داعيا إلى العمل فرض غير مطابق للواقع وقد تقدم ما هو مقتضى التحقيق من بيان الفرق بين الواجب التعبدى والتوصلى (*)
[ 124 ]
دعوة الامر غرضا من نفسه لا نقلاب المعنى الحرفى اسميا غير صحيح ايضا فانا إذا فرضنا ان طبع الامر التعبدى وذاته يقتضى عدم سقوطه الا بقصد التقرب وفرضنا ان المصلحة
الداعية للامر لا تترتب على نفس الفعل بل على ايتانه بقصد التقرب فلا يحتاج المولى إلى جعل آخر بل يكتفى بهذا السنخ من الامر الذى هو بمقتضى طبعه لا يسقط الا بقصد التقرب ولا يلزم الانقلاب المذكور اصلا نعم قد عرفت ان الصغرى ممنوعة لكنه على تقدير تسليمها لا مناص عن الالتزام بلزوم قصد التقرب في مقام الامتثال عند احراز كون الامر كذلك وأما إذا شك في ذلك فالظاهر من عبارة العلامة الانصاري (قده) في الرسائل والمنسوب إلى مجلس بحثه هو جريان الاشتغال دون البرائة للشك في حصول الغرض من الامر بعد فرض لزوم اسقاطه وقد حكى انه اورد عليه (قده) في مجلس البحث بان الفرض على تقدير وجوده وان كان لازم التحصيل لكن الشك في اصل وجوده فيدفع بالاصل فأجاب (قده) بانه لااشكال في وجود الغرض في الامر الا ان الشك في كونه بحيث يسقط من دون التعبد اولا فيكون المقام من قبيل دوران الامر بين المتباينين فلابد من الاحتياط والتحقيق ان هذا الجواب على تقدير صدوره منه (قده) فهو في غير محله فان الغرض من الامر على كل تقدير هو وجود المأمور به قطعا وقصد التقرب به قيد زائد على وجود المأمور به إذا كان عبادة فإذا شككنا في الزائد وان الغرض بحيث يزيد على وجود المأمور به فالمرجع هي البراءة لرجوع الشك فيه إلى الشك بين الاقل والاكثر نعم (1) لو علمنا بزيادة الغرض على وجود المأمور به ولزوم التعبد بالامر وشككنا في كيفية التعبد من لزوم قصد الوجه والتمييز وغيره ذلك ولم يكن لنا دليل على عدم
1 - بل التحقيق انه إذا شككنا في اعتبار قصد الوجه أو التمييز أو غير هما بعد العلم بكون المأمور به عبادة لا يسقط امرها الا بقصد القربة فالمرجع هي البرائة اما على ما حققناه من امكان اخذ قصد القربة وما يحذ وحذوه في المأمور به شرعا فالامر واضح واما بناء على ان الفرق بين التعبدى والتوصلى انما نشأ من اختلاف الاغراض من دون ان يكون قصد القربة مأمورا به شرعا فلان القدر المتيقن كونه غرضا من الامر انما هو نفس وجود المأمور به مع قصد التقرب
به واما الزائد على ذلك فدخله في الغرض مشكوك فيه فيرجع معه إلى البرائة كما كان الحال كذلك عند الشك في كون الواجب توصليا أو تعبديا (*)
[ 125 ]
اللزوم فلابد من القول بالاشتغال للشك في سقوط الغرض بعد العلم بوجوده ففرق واضح بين الشك في اصل الغرض الزايد على وجود المأمور به وبين الشك في سقوط بعد وجوده المبحث الثالث في تقسيم الواجب إلى المطلق والمشروط وتحقيق المقام انما يتم ببيان امور (الاول) ان القضية سواء كانت متضمنة لحكم شرعى أو لغيره تنقسم إلى خارجية وحقيقية والمهم في المقام هو البحث عن الثانية الا انه يلزم التعرض لبيان احكام الاولى ليرتفع به الخلط الواقع بينهما في كثير من المباحث والمراد من القضية الخارجية هي كل قضية يكون موضوعها امرا خارجيا خاصا كان أو عاما فالاول في التكليفيات كقول المولى لعبده اسقنى هذا الماء وفى غيرها مات زيد والثانى في التكليفات كقول المولى اكرم كل من في دارى إذا اراد به الاشخاص الموجودة في الدار فعلا وفى غيرها قتل من في العسكر ثم ان القضية المتضمنة لحكم شرعى انما يمكن ان تكون خارجية بلحاظ زمان الحضور واما في زمان الغيبة فهى لا محالة تكون حقيقية كما ستعرف انشاء الله تعالى ثم ان الحكم في القضايا الخارجية وضعيا كان أو تكليفيا شرعيا كان أو غير شرعى قد يكون مطلقا وغير معلق على شيئ اصلا لعلم الامر بوجود شرائطه كما في امر المولى عبده بسقي الماء حيث يعلم بوجود الماء وقدرة العبد عليه وقد يكون مشروطا بشيئ لعدم علمه بوجوده كما في قول المولى اسقنى الماء ان كنت قادرا عليه (اما) القسم الاول فالمناط فيه علم المولى بوجود الشرائط فان علم به أمروان كان علمه غير مطابق للواقع والا فيستحيل منه الامر المطلق وان كانت الشرائط موجودة في الواقع فالمدار على العلم بوجودها لاعلى نفس وجودها واقعا ومنه يظهر ان تقسيم الشرط إلى المقارن والمتقدم والمتأخر وارجاع جميع ذلك إلى شرطية اللحاظ انما هو بلحاظ هذا
القسم الذى يدور حكم المولى فيه مدار علمه بوجود الشرايط سواء كان متعلق العلم متقدما أو متأخرا أو مقارنا وتسريته إلى القضايا الحقيقية من باب الخلط بين القسمين وعدم التمييز بينهما والا فالحكم في القضية الحقيقية غير مشروط بالعلم اصلا كما ان بحث جواز امر الا مرمع علمه بانتفاء الشرط نشأ من هذا الخلط ايضا فانه انما يتم في القضايا الخارجية (1) (واما) القضايا الحقيقية فليس الموضوع فيها شخصا خاصا حتى يفرض
1 - سيجيئ ان النزاع المزبور لا يختص القضايا الخارجية بل يعم القضايا الحقيقية ايضا (*)
[ 126 ]
فيه علم الامر بانتفاء الشرط أو عدمه كما ان النزاع في ان الخطاب يشمل الغائبين أو المعدومين أو لاناش من الخلط المذكور فانه انما يصح فيما إذا كان الموضوع اشخاصا معينة فيما إذا كان بنحو القضايا الحقيقية فانه لا يشترط فيها وجود موضوع اصلا فيصح الخطاب مع عدم وجود المشافه ايضا قطعا كما يظهر انشاء الله تعالى (وبالجملة) خلط احد القسمين بالاخر هو الذى اوجب الاشتباه في كثير من المسائل الاصولية بل وقع في هذا الخلط بعض اهل المعقول في مقام توهم دورية الشكل الاول ببيان ان العلم بالنتيجة موقوف على العلم بالمقدمتين والعلم بالكبرى الكلية يتوقف على العلم بثوبت هذا الحكم لجيمع الافراد ومنها موضوع النتيجة فيتوقف العلم بالنيجة على نفسه وجوابه أن الكبرى الكلية ان كانت من قبيل القضايا الخارجية كما في قضية كل من في العسكر قتل فالحق كما ذكره المتوهم من ان العلم بالنتيجة لو كان حاصلا من العلم بالمقدمتين لزم الدور لبداهة أن العلم بالكبرى يتوقف على فحص حال تمام الافراد والعلم بثبوت الحكم لها ومن جملتها موضوع النتيجة لكن القضايا الخارجية لا تكون كبرى اصلا ولا تقع في طريق الاستنتاج ابدا وان تشكل منها صورة برهان ايضا (واما) إذا كانت من قبيل القضايا الحقيقية فالعلم بالنتيجة وان كان متوقفا على العلم بالمقدمتين الا ان العلم بالكبرى لا يتوقف على وجود موضوع في الخارج وثبوت هذا الحكم له اصلا بل هو تابع لمدركه
سواء كان شرعيا كالاية المباركة الدالة على وجوب الحج على المستطيع أو عقليا كحكم العقل بأم من لوازم الجسم كونه متحيزا فتوهم توقف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة ناش من خلط القضية الحقيقية بالخارجية (وأما) القسم الثاني فهو يشترك مع القضية الحقيقية من جهة شرطه لا من جهة وجود موضوعه إذا عرفت ذلك فاعلم ان القضايا المتكفلة لبيان الاحكام الشرعية الكلية التى لا تختص بشخص دون شخص إذا كان مفادها راجعا إلى كونه اخبارا عن انشاءات متعددة بتعدد الاشخاص والازمنة بحيث يكون في حق كل شخص في اول وقت الصلاة مثلا انشاء مخصوص يخصه فيرجع ذلك إلى القضية الخارجية ويكون حالها حالها في ان المدار فيها على العلم (لكن) من الضرورى عدم كونها كذلك بل هي من قبيل القضايا الحقيقية على طبق الاحكام المجعولة في سائر القوانين الصادرة من اولياء الامور فانه لا يصدر منهم في قوانينهم انشاءات غير محصورة
[ 127 ]
بالاضافة إلى اشخاص غير محصورة وتوضيح الحال في القضايا الحقيقية هو ان موضوع الحكم في القضية الحقيقية لابد وان يكون عنوانا عاما يشاربه إلى الموضوعات الخارجية ومأخوذا في القضية على نحو الفرض والتقدير حتى يحكم بمعرفيته على ذات المفروض مثلا إذا قلنا الخمر مسكر فموضوع القضية وان كان هو عنوان الخمر وما هو خمر بالحمل الاولى الا انه اخذ في الموضوع للاشارة إلى كل ما هو مصداق له في الخارج فمعناه انه إذا فرض شيئ في الخارج وصدق عليه انه خمر فهو مسكر وهذا معنى قولهم ان كل قضية حملية تنحل إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له وكذلك الحال في الانشاءات فان الحاكم بوجوب الحج على المستطيع مثلا لابد وان يفرض وجود المستطيع ويحكم على هذا الموضوع المفروض وجوده بانه يجب عليه الحج فما لم يوجد في الخارج هذا الموضوع وكل قيد اخذ مفروض الوجود معه يستحيل فعلية الحكم بل هو باق بمرتبته الانشائية وإذا وجد في الخارج فيخرج
المفروض عن حد الفرض والتقدير إلى مرتبة الفعلية والتحقيق ويثبت له الحكم بنفس ذاك الانشاء لا بانشاء آخر إذا المفروض ان الحكم كان ثابتا للموضوع على تقدير وجوده فبعد وجوده يكون هو بنفسه موضوع الحكم لاشيئ آخر إذا المنشأ هو الحكم لهذا الموضوع لالامر آخر غيره فالقول بأن الحكم انشأ بمفهومه لا بواقعه وان الحكم بعد وجود موضوعه يمكن ان يكون فعليا ويمكن ان لا يكون كذلك مما لا يعقل إذ ليس حال الاحكام الشرعية الثابتة للموضوعات الاكحال ساير الاحكام الثابتة للموضوعات المقدر وجوداتها ويستحيل تخلفها عن وجود موضوعها. ثم ان القضية الخارجية المطلقة التى احرز الآمر تمام شروطها وليس لاحراز المأمور لتلك الشروط دخل في تلك القضية اصلا تمتاز عن القضية الحقيقية بوجوه. الاول ان فعلية الحكم في القضية الخارجية مساوقة لانشائه وجودا ولا تتأخر الفعلية عن الانشاء الارتبة بخلاف القضية الحقيقية فان الفعلية فيها تدور مدار فعلية
[ 128 ]
الموضوع خارجا وتتأخر الفعلية عن الانشاء زمانا (1) (وتوهم) ان الايجاب يكون فعليا بنفس الانشاء وان كانت فعلية الوجوب متوقفة على وجود موضوعه (مدفوع) بانه يستلزم تأخر الوجود عن الايجاد وهو مما لا يعقل (ونظير) ما نحن فيه الملكية في باب الوصية والهبة فانها في الاول تتأخر عن الانشاء وتوجد في زمان الموت فانها انشأت على تقدير الموت لا مطلقا فتكون تابعة له ولا يعقل تقدمها عليه بخلاف الثاني فأنها انشأت مطلقة فتكون فعلية بلا احتياج إلى شيئ آخر (الوجه الثاني) قد عرفت ان المؤثر في القضية الخارجية من حيث الموضوع و الملاك ليس الاعلم الآمر اصاب أو اخطأ مثلا إذا علم الآمر ان في سقى الماء مصلحة و
ان العبد قادر عليه فلا محالة يحكم ويلزم عبده بالسقى سواء كان في علمه مصيبا أو مخطئا ولا فرق فيما له دخل في الحكم بين ما كان مقارنا أو متأخرا أو متقدما لان المؤثر في الحكم هو العلم لا الوجود الخارجي فتأخر القيد أو تقدمه اجنبي عما هو المؤثر في الحكم وهو علم الامر الذى هو مقارن للحكم دائما (واما) المؤثر في الحكم في القضية الحقيقة من جهة الملاك فهو علم الآمر ايضا فانه إذا علم ان حج المستطيع ذو مصلحة ملزمة فلا محالة يوجب الحج على المستطيع اصاب أو اخطأ وأما من جهة الموضوع فالمتبع هو وجود الموضوع خارجا علم به الآمر اولم يعلم لان المفروض ان الحكم انما انشئ على تقدير وجود الموضوع فيدور مدار وجوده ولا دخل فيه لعلم الآمر اصلا الوجه الثالث ان النزاع المعروف في مجعولية المسببات أو السببية انما يجرى في القضايا الحقيقية فان المؤثر في الاحكام فيها هو الموجود الخارجي فيقع النزاع في تعلق الجعل بالمسبب أو بالسببية (واما) في القضية الخارجية فقد عرفت ان المؤثر فيها هو علم الآمر فقط والوجود الخارجي للموضوع اجنبي عن الحكم ولا دخل له فيه ابدا فلا معنى للنزاع المذكور اصلا لعدم وجود سببية ومسبب حتى يتنازع في تعلق الجعل باى منهما فالنزاع في القضايا الخارجية منتف بانتفاء موضوعه
1 - لا يعتبر تأخر فعلية الحكم عن الانشاء زمانا في كون القضية حقيقية بل هو امر قد يكون و قد لا يكون ضرورة انه إذا فرض وجود الموضوع خارجا حين انشاء الحكم في القضية الحقيقية فلا بد من مقارنتهما زمانا وانما الفارق بين كون القضية حقيقية وكونها خارجية هو ما تقدم من لزوم اخذ الموضوع في القضية الحقيقية مفروض الوجود دون الخارجية (*)
[ 129 ]
ثم أن ما ذكرناه من ان الحكم في القضية الحقيقية لا يكون فعليا الا عند وجود موضوعه في الخارج لا يفرق فيه بين القضايا الشرطية والحملية لكون الحكم في القضية الحملية ايضا مشروطا بوجود الموضوع غاية الامر أن الاشتراط في احديهما مدلول
مطابقى وفى الاخرى ضمنى تبعى الامر الثاني في رجوع القيد في القضية الشرطية بحسب القواعد العربية إلى الهية أو المادة أو الجملة المركبة منهما (والتحقيق) (1) أن يقال أن كلامنها وان كان يرجع
1 - التحقيق ان يقال انه بعد ما ظهر من ان حقيقة الانشاء انما هو ابراز امر نفساني الذى هو في موارد الجمل الطلبية عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف وليس في موارد الانشاء من ايجاد المعنى باللفظ عين ولا اثر وبعد وضوح ان في موارد الجمل الشرطية لا معنى لرجوع القيد إلى نفس المادة ضرورة ان استعمال قضية إذا توضأت فصل في مقام طلب الصلوة المقيدة بالطهارة بعد من الاغلاط وبعد ما ستعرف من ان ارجاع القيد إلى المادة المنتسبة لا محصل له لا مناص من رجوع القيد في القضايا الشرطية إلى ما هو المستفاد من الهيئة وهو اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف (بيان ذلك) ان الاعتبار النفساني قد يتعلق بكون شيئ على ذمة المكلف على الاطلاق وقد يتعلق به على تقدير دون تقدير والمبرز لاطلا قه وتقييده في مقام الثبوت هو اطلاق الخطاب وتقييده في مقام الاثبات وعلى ذلك فالفرق بين الواجب المشروط والمطلق هو الفرق بين بابى الوصية والاجارة فان الانشاء في كليهما وان كان فعليا الا ان المعتبر في باب الوصية هي الملكية على تقدير الموت بخلاف باب الاجارة فان المعتبر فيه هي الملكية المطلقة غير المعلقة على شيئ ولو كانت المنفعة متأخرة ايضا وعمدة ما اورد على هذا الفرق وجوه لابد لنا من التعرض لها وبيان فسادها (الاول) ان مفاد الهيئة بما انه معنى حرفي والمعاني الحرفية جزئية فهو غير قابل للاطلاق والتقييد (ويرده) ان عدم كون الجزئي قابلا للتقييد بمعنى التضييق لا يستلزم عدم قبوله للقييد الساوق للتعليق على شيئ والمدعى في المقام هو الثاني دون الاول مضافا إلى ما عرفت في محله من بطلان دعوى كون المعاني الحرفية جزئيات حقيقية (الثاني) ما افيد في المتن من ان مفاد الهيئة بما انه حرفي وملحوظ آلى فهو غير قابل للاطلاق والتقييد فانهما من شئون المفاهيم الاستقلالية (ويرده) اولا ان كون المعنى الحرفى ملحوظا آليا انما يمنع عن تقييده حال لحاظه كذلك
واما لحاظ المعنى في نفسه اولا مقيدا بقيد ثم لحاظ المقيد آليا في مقام الاستعمال فلا مانع عنه - (*)
[ 130 ]
إلى الآخر بحسب النتيجة الا أن الحق هو رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة بيان ذلك أن المراد من تقييد المادة ليس ما هو ظاهر تقريرات شيخنا الانصاري (قده) من كون القيد من قيود الواجب وكون الواجب مطلقا فعليا حتى يرجع إلى الواجب المعلق باصطلاح صاحب الفصول (قده) فان ذلك باطل لا يمكن المصير إليه بعد فرض كون القضية حقيقية التى يمتنع فيها فعلية الحكم من دون فعلية موضوعه وقد نقل الاستاذ دام ظله عن السيد العلامة الشيرازي عدم صحة هذه النسبة إلى العلامة الانصاري قدس سرهما بل المراد منه هو تقييد المادة المنتسبة (1) فان الشيئ قد يكون متعلقا
- اصلا وثانيا ان المعنى الحرفى كما عرفت في محله انما يمتاز عن المعنى الاسمى بنفس ذاته والا فهو يشترك مع المعنى الاسمى في تعلق اللحاظ الاستقلالي به (الثالث) ان ايجاب المولى المساوق لايجاده الوجوب انما يتحقق بنفس الانشاء ضرورة انه لا يوجد بعد ذلك ايجاب آخر منه وعليه فان وجد الوجوب ايضا حال الايجاب فلا مناص عن ارجاع القيد إلى المادة وان لم يوجد حينه وتوقف وجوده على فعلية القيد ووجوده فقد تخلف الايجاد عن الوجود وهو محال ضرورة انهما واحد بالحقيقة ومختلفان بالاعتبار فالموجود في أي وعاء مناسب له وجود باعتبار وايجاد باعتبار آخر (ويرده) ان الايجاب ان اريد به ابراز المولى لاعتباره النفساني فالابراز والبروز والمبرز كلها فعلية من دون ان يكون شيئ منها متوقفا على حصول امر في الخارج وان اريد به الاعتبار النفساني فبما انه من الصفات ذات الاضافة كالعلم والشوق ونحوهما فلا مانع من تعلقه بامر متأخر فكما انه يمكن اعتبار الملكية أو الوجوب الفعليين يمكن اعتبار الملكية أو الوجوب على تقدير واين هذا من تخلف الايجاد عن الوجود وغير خفى ان اساس هذه الاشكال مبنى على تخيل ان الجمل الانشائية موجدة لمعانيها في نفس الامر مع الغفلة عما حققناه من انه لا يوجد بها شيئ اصلا وانما هي
مبرزات للامور القائمة بالنفس الممكن تعلقها بامر متأخر ولاجله ذكرنا في محله ان بطلان التعليق في العقود والايقاعات انما هو من جهة الاجماع ولو قطع النظر عنه لما كان مانع عن التعليق اصلا فتحصل انه لا مانع في مقام الاثبات عن رجوع القيد في القضية الشرطية إلى نفس مفاد الهيئة كما هو ظاهرها بل صريحها واما ما توهم كونه مانعا عنه في مقام الثبوت فسيجيئ الكلام فيه انشاء الله تعالى 1 - لا يخفى ان تقييد المادة المنتسبة الذى هو بمعنى تقييد اتصاف المادة بالوجوب عبارة - (*)
[ 131 ]
للنسبة الطلبية مطلقا من غير تقييد وقد يكون متعلقا لها حين اتصافه بقيد في الخارج مثلا الحج المطلق لا يتصف بالوجوب بال المتصف هو الحج المقيد بالاستطاعة الخارجية فما لم يوجد هذا القيد يستحيل تعلق الطلب الفعلى به وكونه طرفا للنسبة الطلبية فالقيد راجع إلى المادة بما هي منتسبة إلى الفاعل (وأما) تقييد النسبة فان اريد منه تقييد الانشاء فهو غير معقول لان الانشاء أمر آنى يتصف بالوجود والعدم لا بالاطلاق والاشتراط كما هو واضح وان اريد منه تقييد المنشأ وهى النسبة الطلبية كما هو الظاهر من كلام بعض اهل الادب فهو على تقدير صحته يرجع إلى الوجه السابق الذى اخترناه فان النسبة الطلبية لا تكون فعلية الاعند وجود الشرط ويستحيل تقدمها عليه والالم تكن مشروطة به وهو خلف (الا أن) التحقيق عدم صحة ذلك فان النسبة حيث انها مدلولة للهيئة فهى ملحوظة آلة ومعنى حرفيا والاطلاق والتقييد من شؤون المفاهيم الاسمية الاستقلالية واما ما اجيب به عن ذلك من أن المعاني الحرفية معان كلية لاجزئية فهى قابلة للتقييد والاطلاق فهو غير صحيح لان المانع عن الاطلاق والتقييد ليس الجزئية كما توهمه المجيب (قده) بل المانع هو كون المعنى ملحوظا آليا وهذا لا يرتفع بكون المعنى كليا (واما تقييد) الجملة أي المعنى المتحصل من الهيئة والمادة وهو وجوب الحج مثل فمرجعه إلى الوجه الذى اخترناه من أن اتصاف المادة بالوجوب لا يكون
الا مع فعلية القيد في الخارج فمرجع جميع الوجوه إلى وجه واحد فلا فائدة مهمة في تحقيق ذلك (وملخص) ما ذكرناه هو ان اداة الشرط بما انها وضعت لجعل مدخولها واقعا موقع الفرض والتقدير فهى لابد وأن تكون رابطة بين الجملتين فلا يعقل أن يكون مدخولها قيدا للمادة قبل النسبة ولافى رتبتها لانها مفهوم افرادي وأداة الشرط موضوعه لربط الجملتين وبما أن النسبة مفهوم حرفي وملحوظ تبعى فلا يمكن ان يكون
- اخرى عن تقييد مفاد الهيئة ولا مغايرة بينهما الا لفظا فالعدول عن ارجاع القيد إلى مفاد الهيئة إلى ارجاعه إلى المادة المنتسبة كما افيد في المتن بلا وجه هذا مضافا إلى ان مفاد الهيئة إذا لم يكن قابلا لرجوع القيد إليه لكونه ملحوظا آليا فاتصاف المادة بالوجوب الذى هو مفهوم الجملة يكون كذلك ايضا والمحذور والمتوهم منعه عن رجوع القيد إلى مفاد الهيئة بعينه موجود في رجوعه إلى المادة المنتسبة ايضا (*)
[ 132 ]
القيد قيدا لها لان الاطلاق والتقييد من شؤون المفاهيم الاسمية فلابد وان يرجع القيد إلى المادة المنتسبة وهى في الاخبارات نتيجة الحمل فان نتيجة قضية (النهار موجود) هو وجود النهار وهو معلق على طلوع الشمس وفى الانشائات نتيجة الجملة الاءنشائية وهى اتصاف الاءكرام بالوجوب مثلا فالمعلق في الحقيقة هي المادة بعد الانتساب لا بمعنى البعدية الزمانية حتى يكون ملازما للنسخ بل بمعنى البعدية الرتبية فان اتصاف المادة بالوجوب فرع وقوع النسبة الطلبية عليها وتقييد الجملة الاءنشائية بأداة الشرط انما هو بلحاظ هذا الاتصاف فقط (ثم أن) من قال أن التقييد قد يكون قبل النسبة وقد يكون بعد ها فليس مراده من البعدية انه بعد اتصاف المتعلق بالوجوب خارجا يتقيد النسبية الطلبية فانه عبارة اخرى عن النسخ ولاربط له بالتقيد الاصطلاحي بل المراد من ذلك ان الكلام تدريجي فقد يوقع المتكلم النسبة اولا ثم يقيدها فيتأخر التقييد عن النسبة في الكلام كما في
قضية اكرم زيدا ان جاءك وقد يوقعها ثانيا بعد التقييد كما في قضية ان جاءك زيد فأكرمه وفى كل منهما لا يتحقق نتيجة النسبة الطلبية وهى الوجوب ولا تكون فعلية الا بعد وجود القيد خارجا فهى متأخرة عنه طبعا (ومن جميع) ما ذكرنا علم تعريف الوجوب المشروط فان الوجوب المستفاد من الهيئة الدالة على النسبة الطلبية إذا لو حظ مع كل قيد اما ان يتوقف فعليته عليه فهو مشروط به والا فلافائدة مهمة في اطالة الكلام وبيان النقض والابرام في التعريفات المذكورة في الكتب الاصولية الامر الثالث لاريب في أن وجود الموضوع وصفاته الخارجة عن دائرة الاختيار كالقدرة والبلوغ وامثالهما وكذلك سائر الملابسات الخارجة عن القدرة التى قيد بها الفعل مثل كونه حين كذا اوفى مكان كذا لابد وان تكون مفروضة الوجود في القضايا الطلبية ولا يمكن ان تكون تحت البعث والتكليف واما الملابسات أو الصفات المقدروة فهى تارة تؤخذ مفروضة الوجود فلا يجب على المكلف تحصليها كقوله (عليه السلام) (اقض ما فات كما فات) فانه لا يجب على المكلف ايجاد الفوت حتى يتمكن من قضائه بل رتب وجوب القضاء عليه بعد الفراغ عن وجوده كما هو شأن القضايا الحقيقية واخرى تؤخذ قيدا للواجب فيجب على المكلف ايجادها كما في قوله (عليه السلام) (صل عن طهارة) فان وجوب الصلوة لا يتوقف على وجود الطهارة خارجا ولا يختص بمن اوجد الطهارة في الخارج
[ 133 ]
بل الطهارة ايضا واقعة تحت التكليف ومبعوث إليها من قبل الشارع (وبالجملة) كل ما فرض في الخارج من ملابسات الفعل اما أن لا يكون له دخل في نفس الواجب ولا في وجوبه واما ان يكون له دخل في احدهما لا كلام لنا على الاول واما على الثاني فلا يخلو الحال من ان يكون ما فرض دخله اختياريا أو يكون خارجا عن تحت قدرة المكلف واختياره اما الصورة الثانية فلا ينبغي الريب فيها في ان القيد المزبور لابد من ان يؤخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل والانشاء ليطالب المكلف بغيره من
الاجزاء والشرايط لاستحالة تعلق التكليف بالمقيد بامر غير اختياري لبداهة أن المقيد بامر غير اختياري لا يكون اختياريا (1) فلا محالة يكون الطلب متأخرا عن وجود القيد
1 - التحقيق في هذا المقام ان يقال ان الفعل المقيد بقيد اختياري أو غير اختياري على نحو يكون القيد خارجا والتقيد داخلا لا تكون القدرة عليه متوقفة على ان يكون قيده ايضا مقدورا فالتوجه إلى القبلة مثلا بما انه حصة خاصة من كلى التوجه ربما يكون مقدورا مع ان قيده وهو نفس وجود القبلة خارج عن الاختيار ودعوى كون القبلة فيما امر بالتوجه إليها شرطا للتكليف من دون تقيد متعلق التكليف بها تستلزم جواز التوجه إلى غير القبلة في مقام الامتثال وهو واضح البطلان فلا مناص عن اخذ التقيد بها في المأمور به وتعلق الوجوب بالحصة الخاصة المقدورة للمكلف ولو لم يكن نفس القيد مقدورا فالميزان في جواز التكليف بالمقيد هو كون المقيد بما هو مقيد مقدورا سواء كان القيد مقدورا أو لم يكن ومن ذلك يظهران اخذ القيد الخارج عن الاختيار أو الداخل تحته مفروض الوجود وان كان يلازم اشتراط التكليف به الا انه لا ينافي تعلق التكليف بالمقيد بما هو مقيد نعم تعلق التكليف بنفس القيد ينافى كونه مفروض الوجود في ذلك التكليف لكنك عرفت ان التكليف بالمقيد لا يستلزم التكليف بنفس القيد اصلا بل ان كون شيئ شرطا وقيدا للمأمور به ينافى تعلق التكليف النفسي به في ضمن تعلقه بالمقيد والا لانقلب الشرط جزء وهو خلف وقد مر سابقا ان الشرط يغاير الجزء في ان الجزء هو ما يتعلق الامر النفسي به في ضمن الامر بالمركب بخلاف الشرط فانه بنفسه خارج عن المأمور به وانما الداخل فيه تقيد ذات المأمور به فتحصل ان كل قيد خارج عن اختيار المكلف فتحققه في الخارج وان كان شرطا في فعلية التكليف الوجوبى لا محالة الا انه لا يستلزم عدم تعلق الوجوب بالمقيد بما هو كذلك بعد فرض كونه مقدورا في ظرف حصول قيده وعلى ذلك يتفرع انه إذا بنينا على جواز كون القدرة المقارنة للعمل المتأخر شرطا للوجوب الفعلى كما هو الصحيح على ما سيظهر لك انشاء الله تعالى فلا مانع في تعلق الوجوب الفعلى بالامر * (*)
[ 134 ]
ومتعلقا ببقية الاجزاء والشرايط (والقول) بأن عدم كون القيد اختياريا انما يمنع عن طلب المقيد فيما إذا لم يفرض وجود القيد في ظرفه واما إذا فرض ذلك فلا مانع من طلب المقيد فهو ليس بسديد فانه مضافا إلى ان فرض الوجود لا يصحح تعلق التكليف بامر غير اختياري ان تقييد المكلف به بما فرض وجوده يستلزم التناقض فان كون شيئ مفروض الوجود عبارة اخرى عن فرض تحققه بعلته في حد نفسه وكونه قيد اللمكلف به معناه طلب ايجاده من المكلف والتناقض بين المعنيين واضح لا يخفى واما الصورة الاولى وهى ما إذا كان القيد اختياريا فالقيد فيها يمكن ان يؤخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل فلا بد من ان يتأخر الطلب عنه ويكون مشروطا به ويستحيل كونه قيدا للمكلف به وكونه مطلوبا من المكلف لما عرفت من ان فرض الوجود يناقض كونه مطلوبا بالضرورة كما انه يمكن ان لا يؤخذ مفروض الوجود فلا محالة يتعلق التكليف به ايضا فلابد للمكلف من ايجاده (فيكون التكليف بالاضافة إليه مطلقا لا منوطا بوجوده (وإذا) امكن كل من القسمين فالمعين اما لسان الدليل وظاهره أو قرينة خارجية (فظهر) ان محل الشك في كون القيد مقدمة وجودية أو وجوبية انما هو القيد الاختياري الذى هو قابل لكلا النحوين واما القيد الذى لا يكون اختياريا فقد عرفت انه لابد من ان يكون من قبيل مقدمة الوجوب ويستحيل كونه من قبيل مقدمة الوجود لما عرفت من ان المقيد بقيد غير اختياري يستحيل تعلق التكليف به عقلا ثم انه قد ظهر مما ذكرناه ان الاشتراط يكون على نحوين (فتارة) يؤخذ القيد مفروض الوجود لاجل ان المصلحة لا تصل إلى حد يؤثر في بعث المولى الا على هذا التقرير كالحج فانه لا تتم مصلحته ولا يلزم استيفائها الا بعد الاستطاعة والا فلو كانت مصلحته تامة ولازمة الاستيفاء من اول الامر للزم على المولى الامر بتحصيل الاستطاعة ايضا فانها تحت القدرة والاختيار فعدم لزومها
المتأخر المقيد بقيد غير مقدور على تقدير كون العمل مقدورا في ظرف حصول قيده وذلك
فان اشتراط الوجوب بذلك القيد ولزوم كونه مفروض الوجود انما هو بملاك اشتراطه بالقدرة فامكان اشتراطه بالقدرة المتأخرة يستلزم امكان اشتراطه بذلك القيد المتأخر ايضا ومما ذكرناه يظهر مواقع النظر فيما افيد في المتن فلا تغفل (*)
[ 135 ]
يكشف عن عدم تمامية مصلحته وعن عدم لزوم استيفائها الا بعدها فلا محالة تؤخذ مفروضة الوجود عند الامر بالحج (واخرى) يؤخذ القيد مفروض الوجود لا لاجل دخله في تمامية المصلحة ولزوم استيفائها بال المصلحة تامة (1) وجد القيد اولم يوجد الا ان المكلف حيث انه غير قادر على ايجاده وهو دخيل في وجود المصلحة خارجا أي في تحققها واستيفائها لا في تماميتها ولزوم استيفائها لا محالة يؤخذ مفروض الوجود ايضا وهذا كطلوع الصبح بالاضافة إلى الصوم فانه يظهر من الاخبار ان المصلحة في صوم الغد انما تتم ويكون لازمة الاستيفاء بمجرد دخول الليل الا ان الصوم في الغد حيث انه لا يمكن في الليل بل يتوقف على وجود النهار فلابد وأن يكون وجوبه على تقدير النهار وبعد فرض وجوده (2) ولو كان جر الزمان وايجاد النهار في الليل ممكنا لو قع تحت التكليف لان مصلحة الفعل تامة واستيقائها بجر الزمان ممكن على الفرض فلا يعقل ان يكون التكليف مشروطا وهذا بخلاف مصلحة الحج فان تماميتها ولزومها تتوقف على الاستطاعة فلا يمكن ان يكون الاستطاعة تحت التكليف وان كانت تحت الاختيار ففرق واضح بين دخل الشيئ في تمامية مصلحة الواجب فلا يعقل وقوعه في حيز التكليف وان كان اختياريا وبين دخله في وجودها بعد تماميتها فلابد وأن يقع في حيزه الا إذا كان خارجا عن دائرة القدرة والاختيار والاستطاعة من القسم الاول ودخول الفجر من القسم الثاني.
1 - إذا فرض كون المصلحة تامة ولازمة الاستيفاء على كل من تقديري وجود القيد وعدمه فلا مناص عن تعلق الامر الفعلى بذلك الفعل المترتب عليه المصلحة في ظرفه مشروطا بكونه مقدورا
في ذلك الظرف فان تعلق التكليف به على نحو الاطلاق وان كان مستحيلا الا ان تعلقه به مشروطا ؟ لقدرة عليه في ظرفه بمكان من الا مكان وقد عرفت آنفا ان تعلق الطلب بالمقيد لا يستلزم تعلقه بنفس القيد اصلا نعم لابد في هذه الموارد من اشتراط الوجوب بالقدرة المتأخرة وستعرف انه لا مناص عن الالتزام به في مطلق موارد تعلق الوجوب بالامر المتأخر سواء في ذلك تقيده بقيد غير مقدور وعدمه 2 - قد ظهر مما مران توقف وجود الصوم على تحقق الفجر وان كان يقتضى اشتراط وجوبه بوجوده الا انه لا يقتضى كونه شرطا مقارنا له وبما ان المفروض ان المقتضى لايجابه وهى تمامية الملاك موجود قبل تحقق الفجر فلابد من تحققه قبله المقتضى وعدم المانع (*)
[ 136 ]
ثم ان صاحب الفصول (قده) خالف ما هو المشهور من انحصار الواجب في المطلق والمشروط والتزم بقسم ثالث (1) سماه بالواجب المعلق وهو ما يكون الوجوب فيه امرا استقباليا مقيدا بالزمان ويكون الوجوب فعليا مطلقا حاليا وفساده يظهر مما ذكرناه من ان كل قيد غير اختياري لابد وان يكون مما يتوقف عليه فعلية الوجوب ويستحيل اخذه في الواجب بلا توقف فعلية الوجوب عليه (فان قلت) لا شبهة في صحة امر الآمر بشيئ يكون له مقدمة تستوفى من الزمان مقدار ساعة مثلا فكما انه لا يشك عاقل في صحة هذا الامر ووجوب مقدمته فكذلك يصح امره بذاك الشيئ مقيدا بما بعد ساعته ايضا فيجب ايجاد مقدمته لفعلية وجوب ذيها وبالجملة تعلق الوجوب بأمر متأخر مشترك فيه بين المقامين ولا فرق بينهما الا بحسب ظاهر اللفظ وهو كون متعلق الامر في احدهما مطلقا وفى الآخر مقيدا بالزمان وهو غير مؤثر في الاستحالة والامكان قطعا بل الامر كذلك في الارادة التكوينية فانه كما لااشكال في تعلق الارادة التكوينية بأمر متأخر يحتاج إلى مقدمة تستوفى مقدارا من الزمان ولا محالة يكون الفعل صادرا بعدها بزمان فكذلك لا اشكال في تعلقها
بالفعل المقيد بذاك الزمان ايضا ونتيجة كليهما تعلق الارادة بامر متأخر وإذا كان هذا حال الارادة التكوينية فيكون حال التشريعية مثلها لما ذكرناه سابقا من أن امكان الارادة التشريعية واستحالتها يتبع امكان التكوينية واستحالتها (قلت) ان الفعل الذى لم يقيد بامر غير مقدور كالزمان مثلا إذا التفت العاقل إليه ورأى فيه مصلحة ملزمة فلابد وان يتعلق به ارادته فعلا (2) المحركة له نحوه اذلا شبهة في كونه مقدورا
1 - التحقيق ان الواجب المعلق ليس قسيما للواجب المشروط بل هو قسم منه فان الوجوب المشروط بشرط متأخر قد يكون متعلقه امرا حاليا مقارنا له وقد يكون امرا استقباليا والقسم الثاني هو الذى سماه صاحب الفصول (قده) بالوجوب التعليقي فهو وان اخطأ في جعل المعلق قسيما للواجب المشروط الا انه اصاب في القول بجواز تعلق التكليف بالامر المتأخر المقيد بقيد غير مقدور وقد مربيان ذلك وسيجيئ ما به يزيد المطلوب اتضاحا انشاء الله تعالى 2 - التحقيق في المقام ان يقال ان تعلق الارادة بمعنى الشوق بامر متأخر سواء كان مقيدا - (*)
[ 137 ]
لو بواسطة القدرة على مقدمته فمن اشتاق إلى الصلاة في المسجد مثلا فحيث انها مقدورة فلا محالة يتحرك نحوها ويوجد مقدمتها بنفس التفاته إلى المقدمية ولايحتاج إلى شيئ آخر غير الالتفات إلى المقدمية والمحرك الحقيقي هو ارادة الصلاة والافلا غرض له من ايجاد المقدمة وكون ذى المقدمة امرا متأخر لا يوجب عدم امكان تعلق الارادة به بعد امكان التحرك نحوه بايجاد مقدمته وإذا كان تعلق الارادة التكوينيه به ممكنا فيمكن تعلق التشريعية به ايضا للملازمة كما ذكر واما إذا كان مقيدا بقيد غير اختياري فلا شبهة في تعلق الارادة التكوينية به ايضا لكن لا بوصف الفعلية
- بقيد غير مقدور اولم يكن مقيدا به امر ممكن ووقوعه بالوجدان يغنى عن الاستدلال لاثبات امكانه واما الارادة بمعنى الاختيار اعني به اعمال النفس قدرتها في الفعل أو الترك
فيستحيل تعلقها بالامر المتأخر مطلقا سواء كان مقيدا بقيد غير مقدور أو لم يكن فان اعمال القدرة انما يمكن في ظرف امكان صدور الفعل ومن البديهى ان الامر المتأخر ولو كان له مقدمات مقدورة يستحيل صدروه بالفعل فلا معنى لاعمال النفس قدرتها في وجوده أو عدمه وقد ذكرنا في محله ان حركة العضلات انما تتبع الاختياري الذى هو من افعال النفس ولا تترتب على مجرد الشوق النفساني بلغ ما بلغ من الشدة والقوة وعليه فما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من امكان تعلق الارادة بامر متأخر مقدور بالقدرة على مقدمته واستحالة تعلقها بالمقيد بقيد غير مقدور في غير محله هذا في الارادة التكوينية واما الارادة التشريعية فان اريد منها شوق المولى المتعلق بفعل الغير فامكان تعلقها بامر متأخر وان كان واضحا الا انها بهذا المعنى خارجة عن محل البحث وليست من الاحكام المجعولة وان اريد منها اعمال المولى قدرته في الفعل والترك فمن لضروري انها بهذا المعنى يستحيل تعلقها بفعل الغير سواء في ذلك المتأخر وغيره فان صدور الفعل أو تركه انما هو باختيار المكلف وخارج عن تحت قدرة المولى غالبا ولو فرض كونه تحت اختيار المولى كما في المولى الحقيقي وفرض مع ذلك تعلق اختياره به وجودا أو عدما لما كان الفعل معه قابلا لتعلق التكليف به كما هو ظاهر نعم الارادة بهذا المعنى قابلة لان تتعلق بنفس التشريع الذى هو فعل من افعال المولى ولا بأس بتسميتها ارادة تشريعية الا انه اصطلاح محض والارادة المتعلقة بالتشريع تكوينية لا محالة وان اريد منها ايجاب المولى الذى هو فعل من افعاله فتسميته بالارادة التشريعية وان كانت لا تخلو عن وجه الا ان دعوى انها بمنزلة الارادة التكوينية وتسرية احكامها إليه بلا موجب بل اللازم - (*)
[ 138 ]
والتحريك بل بوصف التقديرية والاء ناطة (1) نظير القضايا الحقيقة والوجدان اقوى شاهد بأن ارادة شرب الماء على تقدير العطش موجودة لكل ملتفت إلى مصلحة الشرب ولوفى حال عدم العطش لكن تلك الارادة التقديرية انما تكون فعلية
- ان ينظر إلى نفس الايجاب بما هو ويبحث ان اعتبار شيئ وعدمه وبما انك عرفت فيما
مر ان المجعول للمولى في موارد بعثه إلى شيئ انما هو اعتباره كون الفعل على ذمة المكلف وابرازه في الخارج بمبرز تعرف ان تعلقه بما هو مقدور للمكلف في ظرفه بمكان من الامكان من دون فرق في ذلك بين المقيد بقيد غير اختياري وغيره ضرورة ان العقل لا يعتبر في صحة الاعتبار المزبور الا امكان صدور الفعل منه في ظرف مطلوبيته ولا فرق في ذلك بين كونه مقدورا في ظرف الايجاب وعدمه ودعوى ان تعلق الوجوب بالمقيد يقتضى تعلقه بنفس القيد ايضا قد عرفت بطلانها فاتضح مما ذكرناه صحة القول بالواجب المعلق وان تعلق الطلب بالامر المتأخر سواء كان مقيدا بقيد مقدور أو لم يكن يستلزم اشتراط الوجوب بالقدرة المتأخرة عنه المقارنة للعمل في ظرفه 1 - لا يخفى ان الارادة سواء اريد منها الشوق النفساني أو اختيار النفس للفعل أو الترك بما انها من الامور التكوينية الخارجية لا تتصف بالتقديرية تارة وبالفعلية اخرى وانما تتصف بالوجود أو بالعدم فان ما تكون الارادة منوطة به ان كان موجودا فالارادة فعلية والا فهي معدومة نعم الاتصاف بالوجود التقديرى انما يعقل في الامور الاعتبارية فيصح ان يقال ان وجوب الحج مثلا ثابت في الشريعة على تقدير حصول الاستطاعة خارجا وهذا النحو من الوجود الاعتباري يكون ثبوته بنفس الاعتبار ولو لم يكن في الخارج مستطيع بالفعل كما ان رفعه انما يكون بالنسخ لا بزوال الاستطاعة من المكلف مثلا ومن هنا يتمسك باستصحاب بقاء الحكم في الشريعة ما لم يثبت نسخه وهذا الحكم الثابت لا يتصف بالفعلية الابعد تحقق موضوعه بتمام قيوده في الخارج فعند ذلك يكون الحكم فعليا وقابلا للدعوه إلى متعلقه وقد مر ما به يتضح الفرق بين الوجودين ويأتى له مزيد بيان في مبحث الاستصحاب التعليقي انشاء الله وقد تحصل مما ذكرناه استحالة اتصاف الارادة بالوجود التقديرى وان ما هو الموجود عند الالتفات إلى مصلحة شرب الماء على تقدير حصول العطش مثلا انما هو الشوق إلى الشرب المقيد بحال العطش وهو فعلى لاتقديرى واما اختيار الشرب المعبر عنه بالارادة احيانا فهو غير موجود بالفعل اصلا نعم علم الملتفت إلى تحقق الشرب حال العطش موجود بالفعل
الا انه فعلى لاتقديرى (*)
[ 139 ]
ومحركة إلى شرب الماء عند فعلية العطش فهى قبل وجود العطش ليست بفعلية وبعده تكون فعلية (وهذا) (1) هو المراد من البرهان الذى اقامه الشيخ الانصاري (قده) على كون القيد قيد اللمادة رادا به على من توهم أن الاحكام تحتاج إلى انشاء آت متعددة بتعدد المكلفين والازمان وحاصل مرامه (قده) من هذا الرد هو ان العاقل إذا التفت إلى شيئ مقيد بقيد غير مقدور ورأى فيه مصلحة فالارادة التقديرية موجودة من الاول بنحو القضايا الحقيقية وان لم تكن متصفة بوصف الفعلية والتحريك فليس
1 - الغرض من هذا البرهان على ما في تقريرات شيخنا العلامة الانصاري قدس سره هو اثبات لزوم رجوع القيد إلى المادة دون مفاد الهيئة بتقريب ان الانسان إذا توجه إلى شيئ فاما ان يطلبه أو لا يطلبه لاكلام لنا على الثاني على الاول فاما ان يتعلق طلبه به من غير ان يكون مقيدا بقيد خاص أو يتعلق طلبه به مقيدا بذلك وعلى الثاني فاما ان يكون القيد اختياريا أو غير اختياري وعلى تقدير كونه اختياريا فاما ان يتعلق طلبه بالقيد ايضا اولا وعلى جميع التقادير يكون الطلب فعليا والتقييد راجعا إلى المادة والجواب عن ذلك انه ان اراد من الطلب اشتياق النفس إلى الفعل فهو وان كان موجودا في جميع الصور المذكورة الا انك قد عرفت انه لا ملازمة بين فعليتة وفعلية الحكم المجعول اصلا وان اراد منه الاختيار واعمال النفس قدرتها في الفعل والترك فقد عرفت استحالة تعلقه بفعل الغير مطلقا واستحالة تعلقه بالمتأخر ولو كان ذلك فعل نفس الشخص وان اراد منه جعل الحكم الذى هو عبارة عن اعتبار كون الفعل على ذمة المكلف فهو وان كان فعليا دائما الا انه لا يقتضى ان يكون المعتبر ايضا كذلك لما عرفت من امكان تعلق الاعتبار بامر متاخر وضعيا كان أو تكليفيا وان اراد منه الحكم المجعول اعني به نفس الوجوب المعتبر للمولى ففى لزوم كونه موجودا حال وجود الاعتبار وعدمه تفصيل فان القيد المزبور سواء كان اختياريا أو غير اختياري إذا
كان دخيلا في تمامية مصلحة الواجب ولزوم استيفائها فلا موجب لايجابه قبل حصوله ولو كان متعلق الايجاب الفعل المقيد بما هو مقيد بناء على ما هو الصحيح من تبعية الاحكام للملاكات الثابته لمتعلقاتها بل ربما يكون ذلك منافيا لغرض المولى وهو عدم تكليف العبد بتحصيل المقدمات قبل حصول القيد في الخارج واما إذا كان القيد دخيلا في حصول المصلحة في الخارج بعد فرض تماميتها ولزوم استيفائها فلا مناص فيه عن الالتزام بفعلية الطلب وان كان المطلوب امرا متأخرا كما عرفت (*)
[ 140 ]
هناك انشاءات عديدة بل انشاء واحد (1) وارادة واحدة غاية الامر انها تقديرية لافعلية (وبالجملة) فانا وان سلمنا وجود الارادة التقديرية من اول الامر الا ان فعليتها و محركيتها غير معقولة فان المقيد بامر غير اختياري بما هو مقيد لا يكون اختياريا وذات المقيد وان كانت مقدورة الا انها ليست مما يترتب عليه الغرض بل المترتب عليه هو المقيد وحينئذ فان لم تكن له مقدمة مقدورة اصلا كما في الصلاة المقيدة باول الفجر بالاضافة إلى من هو واجد لتمام الشرائط قبل الفجر فانه حيث يستحيل فعلية الارادة قبل الفجر لكون المقيد غير مقدور وليست له مقدمة اختيارية فلا بدوان ينتظر الصبح حتى تكون الارادة فعلية واما إذا كانت له مقدمة مقدورة كالمثال المذكور بالاضافة إلى فاقد الطهارة فيستحيل تحريك ارادة الصلاة نحو المقدمة بمجرد الالتفات إلى المقدمية لما عرفت انها غير فعلية ولا محركة بل لابدان يكون المحرك نحو المقدمة هو التفات المكلف إلى انه لو لم يأت بالمقدمة فعلا لفاته الغرض المترتب على الفعل المقيد فاستلزام ترك المقدمة لفوت الغرض هو الذي يوجب تعلق ارادة فعليه بايجاد المقدمة فالحركة نحو المقدمة انما نشأت من قبل استلزام تركها لفوات الغرض لامن ناحية المقدمية واستلزام ارادة الصلوة لارادة مقدماتها (هذا) حال الارادة التكوينية حسب ما يقتضيه الوجدان الصادق وتتبعها الارادة التشريعية (2) حذو القذة بالقذة وعليه فيمكن تعلق الارادة الفعليه
1 - لا يخفى ان جعل الحكم على نحو القضايا الحقيقية يغنى عن الانشائات العديدة و فرض وجود الارادة التقديرية وعدمه اجنبي عن ذلك بالكلية وقد مران الارادة بمعنى الاختيار يستحيل تعلقه بالامر المتأخر مطلقا وعلى ذلك يترتب ان ارادة المقدمة يستحيل ان تكون ناشئة من ارادة ذى المقدمة ابدا سواء في ذلك المقيد بقيد غير اختياري و غير المقيد به بل هي ناشئة عن علم المشتاق إلى ذى المقدمة بانه لو لم يأت بالمقدمة لفاته الغرض في ظرفه فلاوجه لما افيد في المتن من ارادة المقدمة قد تنشأ عن ارادة ما يتوقف عليها وقد تنشأ من العلم بفوت الغرض على تقدير عدم الاتيان بالمقدمة قبل مجيئ ظرف الاتيان بالواجب وبالجملة إذا امتنع تعلق الاختيار بالامر المتأخر فارادة المقدمة انما تنشأ من الشوق أي ذى المقدمة والعلم بترتب فوت المشتاق إليه على ترك المقدمة من دون فرق بين كون المشتاق إليه مقيدا بقيد غير مقدور وعدمه فافهم ذلك لعلك تشفع به فيما بعد انشاء الله تعالى 2 - قدمران الحكم المجعول المعبر عنه بالارادة التشريعية احيانا لايتبع الارادة التكوينية * (*)
[ 141 ]
التشريعية بفعل متأخر مقدور بالقدرة على مقدمته فتكون محركة نحو مقدمته قهرا ولا يمكن تعلقها بالفعل المقيد بقيد غير مقدور لعدم امكان تعلق التكوينية به نعم إذا كان في هذا الفرض مقدمة يستلزم تركها فلا فوت الغرض في ظرف الواجب كالغسل قبل الفجر فلابد من تعلق ارادة تشريعية مستقلة بها لمصلحة التهيأ لئلا يلزم الفوت كما هو الحال في الاءرادة التكوينية (والحاصل) ان الشبهة انما نشأت من تخيل ان انكار الواجب المعلق مبنى على دعوى استحالة تأخر الواجب عن وقت الوجوب مع الغفلة عن أن منشأه هي استحالة تعلق التكليف بغير المقدور فيختص الانكار بما إذا تقيد الواجب بقيد غير اختياري فافهم ذلك واغتنم (ثم لا يخفى) ان هذه الشبهة موردها هو خصوص القضايا الخارجية واما في القضايا الحقيقية فلا مجال لتوهم جريانها فيها اصلا فاصل
النزاع في تعقل الواجب المعلق مختص بالقضايا الخارجية وتعديته إلى القضايا الحقيقية من باب الخلط بينهما (بيان ذلك) ان الانشاء في القضايا الحقيقية لا محالة يكون سابقا على وجود الموضوع وبقية القيود المعتبرة فيه وهو لا يكون مقيدا بشيئ اصلا الا انه لما كان فعلا زمانيا فلا بدوأن يقع في زمان بلا تقيد به اصلا واما فعلية الحكم فيستحيل ان تكون مساوقة لانشائه بل لا محالة تتوقف على فعلية كل ما اخذ مفروض الوجود في الخطاب و حيئنذ فإذا فرضنا ان الواجب من الموقتات فاما ان تتوقف فعلية الحكم على فعلية الزمان كما تتوقف على فعلية بقية القيود المأخوذة في الخطاب مفروضة الوجود فهذا عين انكار الواجب المعلق والالتزام بالاشتراط (1) واما ان يفرق بين الزمان وغيره من
* في احكامها ولوازمها وان الملاك في جواز تعلق الوجوب بامر متأخر مشترك فيه بين صورتي التقييد بامر غير مقدور وعدمه وعليه فالتفكيك بين المقدمات والالتزام في بعضها بالوجوب المقدمى وفى بعضها الاخرى بالوجوب النفسي لمصلحة التهيأ بلا موجب 1 - اخذ الزمان مفروض الوجود في الخطاب وان كان يستلزم اشتراط التكليف به لا محالة الا انه لا يستلزم تأخر التكليف عنه خارجا لما عرفت من جواز كونه شرطا متأخرا كما كان الامر كذلك في اشتراط التكليف بالقدرة وقد مران الواجب المعلق قسم من الواجب المشروط بالشرط المتأخر نعم لابد في القول به من قيام الدليل عليه ومجرد امكان الشيئ لا يكفي في الحكم بوقوعه ولافرق في ذلك ايضا بين الزمان وغيره من القيود * (*)
[ 142 ]
القيود فلا يلتزم بتوقف فعلية الحكم على تحقق الزمان خارجا على خلاف القيود الخارجية عن الاختيار وعليه فيسأل عن الملزم بالقول بتوقف فعلية الحكم على فعلية بقية القيود من وجود الموضوع وغيره فهل هو اخذها مفروضة الوجود أو شيئ آخر لاسبيل إلى الثاني بالضرورة فيتعين الاول والمفروض انه مشترك فيه بين الرمان
وغيره واما توهم أن الزمان لم يؤخذ مفروض الوجود في الخطاب وانما هو من قيود الواجب فيدفعه ما عرفت من ان تقيد الواجب بالزمان يستلزم تعلق التكليف به ايضا وهو محال لعدم القدرة عليه (نعم) يمكن ان يفرق (1) بين الزمان وغيره من القيود بوجه آخر وهو ان الزمان ربما يكون دخيلا في الخطاب فقط دون الملاك لكون مصلحة الفعل تامة قبله الا ان الفعل لكونه غير مقدور قبله فلا مناص من اخذه مفروض الوجود بخلاف بقية القيود فانها دخيلة خطابا وملاكا كما أو ضحناه سابقا وبالجملة كل ما فرض وجوده في الخطاب فلا محالة يتأخر التكليف عنه رتبة ويتوقف فعليته على فعليته ويستحيل التكليف به والالزام بايجاده ولو كان امرا اختياريا كالاستطاعة مثلا فالوجوب لا محالة يكون مشروطا بوجوده وكل ما لم يكن كذلك المكلف مأخوذا في الواجب فلا بدوان يكون الوجوب بالاضافة إليه مطلقا ويكون المكلف مأمورا بايجاده فامر التكليف دائر بين الاطلاق والاشتراط لا محالة ولعل القول بامكان المعلق انما نشأ من عدم حقيقة الاشتراط والاطلاق تنبيه قد عرفت ان فعلية التكليف وان كانت تتوقف على مافعلية جميع قيوده الا انه يختلف حال القيود بالاضافة إليه فوجود اول قيدله كوجود المكلف وجود للمعد الاول و
* الخارجة عن الاختيار فما افيد في المتن من عدم تعقل الواجب المعلق في القضاياء الحقيقية ومن ان تقييد الواجب بالزمان يستلزم تعلق التكليف بامر غير مقدور مبنى على ما افاده سابقا من ان تقييد الواجب بشيئ ينافى اخذه مفروض الوجود وقد تقدم ما يرد عليه فراجع 1 - قد تقدم انه لافرق بين الزمان وغير في هذه الجهة اصلا وان الميزان لكلى هو ان القيد المتأخر الخارج عن تحت القدرة إذا كان دخيلا في تمامية الملاك الداعي إلى الايجاب فلابد من تأخر الوجوب عن تحققه خارجا واما إذا كان دخيلا في تحققه الخارجي مع كون الملاك تاما قبله فلابد فيه من جعل الوجوب قبل حصول القيد مشروطا بحصوله في ظرفه ومتعلقا بالفعل المقيد به (*)
[ 143 ]
الثاني كعقله وجود للمعد الثاني وهكذا إلى أن ينتهى إلى القيد الاخير فيكون وجوده كوجود الجزء الاخير من العلة التامة فيستحيل تخلف الحكم عنه ولذلك ربما يطلق السبب والمسبب على القيد والحكم والا فالسببية والمسببية فيما نحن فيه غير معقولة كما هو ظاهر ثم انه قد اشرنا سابقا إلى ان حال الاحكام في القضايا الحقيقية حال الملكية في باب الوصية فكما ان انشاء الملكية في باب الوصية وان كان في حال الحياة الا ان فعليتها تتوقف على فعلية قيدها الذى اخذ مفروض الوجود وهو الموت فبمجرد الموت تكون الملكية المنشأة على هذا التقدير فعلية ولذلك تقدم الوصية على الارث لا محالة فان موضوع الارث ما تركه الميت على حاله والوصية تخرج الموصى به عن ما ترك وتدخله فيما لم يترك فلا تشمله ادلة الارث ولو لم يكن هناك ادلة خاصة على تقديم الوصية على الارث لكان التقديم على القاعدة فكذلك انشاء الاحكام في القضايا الحقيقية وان كان موجودا قبل وجود موضوعاتها الا ان فعليتها تتوقف على فعلية موضوعاتها لا محالة واما قياس القضايا الحقيقية بباب الاجارة فغير صحيح فان فعلية الملكية في باب الاجارة مساوقة لانشائها والمتأخر انما هي ذات المنفعة فالمنشأ وهى الملكية فعلى والمنفعة التى هي متأخرة غير قابلة للانشاء (فان قيل) ان فعلية الملكية والحكم في الوصية وفى القضايا الحقيقة إذا كانت متأخرة عن الانشاء فيلزم انفكاك الانشاء عن المنشأ وهو غير معقول (قلنا) المنشأ إذا كان هي الملكية على تقدير الموت أو الحكم على موضوع خاص فلابدوان لا يكون هناك ملكية قبل الموت وحكم قبل الموضوع والا فيلزم أن يتخلف الانشاء عن المنشأ ويكون المنشأ هي الملكية لا على تقدير الموت أو الحكم لاعلى ذاك الموضوع وهو خلف محال وعليه يترتب استحالة الشرط المتأخر مثلا إذا فرضنا الاجازة قيدا مفروض الوجود في الحكم بالملكية في البيع الفضولي فلابد وان تتأخر الملكية
عن الاجازة تأخر الحكم عن موضوعه فلو فرض تقدمه عليها لزم ان لا يكون حكما لذلك الموضوع بل لموضوع آخرو هو خلف واضح وبالجملة لابد وأن يقع المنشأ في الخارج على طبق الانشاء فكما ان وجود الموضوع التام يستحيل ان يتخلف عن
[ 144 ]
عن حكمه فكذلك وجود الحكم يستحيل ان يتخلف عن موضوعه فمحذور الشرط المتأخر ليس لزوم تأثير المعدوم في الموجود إذا الشرط لا يكون مؤثرا في الحكم اصلا بل المحذور هو لزوم الخلف من تقدم الحكم على موضوعه (فان قلت) اليس الاءنشاء هو الايجاد فكيف يتقدم على وجود المنشأ مع أن تخلف الايجاد عن الوجود غير معقول والحاصل انه لا يمكن الايجاد الفعلى لامر متأخر وجودا نعم على تقدير امكانه لابد وأن لايتقدم والالزم التخلف المذكور (قلت) تخلف الايجاد عن الوجود في التكوينيات غير (1) معقول وأما في
1 - لا يخفى ان البرهان المقتضى للزوم وحدة الايجاد والوجود خارجا وكون التغاير بينهما اعتباريا لا يختص بالموجودات التكوينية بل يشترك في كل موجود في الوعاء المناسب له تشريعيا كان أو تكوينيا وما افيد في المتن من كون اجزاء الزمان موجودة في عالم التشريع في عرض واحد بلا تقدم وتأخر بينها فهو وان كان صحيحا ضرورة انه يمكن فرض الامور التدريجية وتصورها في عالم التشريع فيوجد جميعها في ذلك العالم معا الا انه لا يترتب عليه دفع الاشكال المتقدم لان فعلية الحكم المجعول تابعة لتحقق الزمان خارجا لا لوجوده الفرضى والالزم فعلية الاحكام حال جعلها ولو قبل وجود المكلف فضلا عن تحقق شرايطه وهو مع فساده في نفسه خلاف فرض كون الوجوب مشروطا وعليه فالاشكال المتقدم باق على حاله والتحقيق في الجواب عن ذلك هو ما تقدم في بحث رجوع القيد إلى الواجب أو الوجوب من ان اساس هذه الشبهة مبنى على تخيل ان جعل الحكم مساوق لايجاده في الخارج بنحو وجود يعبر عنه بالوجود الانشائى مع الغفلة عن ان جعله عبارة عن اعتباره النفساني المبرز في الخارج بمبرز له ولا مانع من تعلق الاعتبار بامر متأخر اصلا فان
قلت إذا كان جعل الملكية في باب الوصية مثلا عبارة عن تعلق الاعتبار الفعلى بالملكية المتأخرة المقارنة للموت فكيف يمكن تحققها بعد موت المعتبر وانعدام اعتباره مع ان الامر الاعتباري يستحيل بقائه مع انعدام الاعتبار المتعلق به بالضرورة قلت تحقق الملكية بعد الموت انما هو من جهة اعتبار العقلاء أو الشارع لها امضاء لاعتبار الموصى المالك للوصية فان حدوث الاعتبار من المالك وعدم رجوعه عنه موضوع لاعتبار الشارع أو العقلاء على طبق اعتباره ولولا الدليل على جواز الرجوع في الوصية لكان الحال كذلك حتى بعد رجوعه فالمدار انما هو على اعتبار الشارع أو العقلاء لا على بقاء اعتبار المعتبر الاول فافهم ذلك فانه دقيق (*)
[ 145 ]
التشريعيات فحيث ان التشريع بتمام انحائه بيد الشارع فكما يمكنه ايجاد الوجوب فعلا يمكنه ايجاد الوجوب على موضوع فيما بعد ايضا وبعبارة اخرى ان الزمان وان كان بنفسه تدريجيا والجزء اللاحق غير موجود في عرض الجزء السابق الا أن تمام اجزائه بالاضافة إلى الشارع موجودة في عالم التشريع فيمكنه ايجاد الحكم وجعله على الجزء الاول أو الوسط أو الاخير وتمام ذلك في عالم التشريع على نحو واحد بلا قصور في تشريعه وكذ لك باب الوصية فان مالك العين الذى بيده الامر له أن يجعل ملكيتها الفعلية أو ملكيتها بعد موته أو ملكيتها بعد حين لمن يريد جعلها له فان جميعها بالاضافة إليه في عالم انشائه وجعله على حد سواء وقيام الاجماع على بطلان تعليق المنشأ على غير الموت في الوصية بل على بطلان مطلق التعليق في غيرها وعدم تأثيره اجنبي عما نحن بصدده من امكان التعليق في المنشأ ممن بيده الامر والاختيار نعم التعليق في الانشاء لكونه فعلا اختياريا آنى الحصول غير معقول والكلام انما هو في تعليق المنشأ لا في تعليق الانشاء وبالجملة انفكاك المنشأ عن الاءنشاء بالكيفية التى انشأه عليها من بيده الامر والاختيار غير معقول ولا يلتزم به وعليه يترتب بطلان الشرط المتأخر واما
انفكاكه عنه زمانا وتأخره إلى زمان وجود موضوعه فهو مما لا بدمنه ولا استحالة فيه اصلا بل المستحيل خلافه بل ربما لا يكون عند وجود موضوعه فعليا ايضا كما إذا كان الانشاء من غير من بيده الامر والاختيار (فان قلت) كيف انكرتم الواجب المعلق والوجوب المشروط بالشرط المتأخر مع انه لا اشكال في ان الصوم عمل واحد له وجوب واحد و لازم ذلك هو الالتزام بالشرط المتأخر والواجب المعلق (بيان ذلك) ان وجوب الامساك في اول الفجر مشروط ببقاء شرائط التكليف إلى آخر الوقت لا محالة وبانتفاء شرط التكليف في جزء من الزمان ولو كان هو الجزء الاخير يستكشف عدم التكليف بالامساك بما انه صوم من اول الوقت فالتكليف بالامساك في اول الوقت مشروط بشرط متأخر وهو بقاء شرائط التكليف إلى الغروب كما أن الجزء الاخير من الامساك مطلوب من اول الوقت لفرض وحدة الطلب والمطلوب وهذا عين الالتزام بالواجب التعليقي وكون الوجوب فعليا والواجب استقباليا ومنه يظهر حال الصلاة اول وقتها وجوبها اول الوقت ايضا مشروط بشرط متأخر وهو بقاء شروطها إلى مقدار اربع ركعات بعد الوقت
[ 146 ]
والجزء الاخير منها مطلوب من اول الوقت فتلخص ان الالتزام بالشرط المتأخر والواجب التعلقى ممالا محيص عنه في التدريجيات المؤقتة (قلت) اما لزوم (1) الالتزام بالشرط المتأخر في التكليف بالتدريجيات فسيجيئ في محله انشاء الله تعالى انه لا بدلنا بعد بيان استحالة الشرط المتأخر من الالتزام بكون العنوان المنتزع المقارن كعنوان التعقب شرطا فيما دل الدليل على ذلك وساعده الاعتبار لا في امثال الاجازة التى دل الدليل على شرطية نفسها واظهر الموارد التى يمكن القول فيها بشرطية عنوان التعقب هي الواجبات التدريجية فانه إذا كان استمرار شيئ كالحياة مثلا شرطا للتكليف فمعناه أن الشرط بالاضافة إلى كل جزء من الامساك مثلا هي الحياة المقارنة معه المسبوقة والملحوقة بمثلها إلى الغروب فليس الشرط هي نفس الحياة المتأخرة حتى يلزم تأخره بل الشرط هو
عنوان التعقب المقارن مع الوجوب (واما) لزوم الالتزام بالواجب المعلق فممنوع ايضا لان الواجب وشرطه إذا كانا تدريجيين فلا محالة يكون الوجوب ايضا كذلك لما ذكرناه من ان فعلية الحكم تساوق فعلية موضوعه ويستحيل التقدم والتأخر فإذا كان الشرط وهى الحياة تدريجيا فكل جزء يكون فيه الشرط فعليا يكون الوجوب فيه فعليا ايضا واما بالاضافة إلى الجزء الآخر فحيث ان الشرط ليس بفعلى فيكون وجوبه ايضا كذلك وبالجملة فعلية الوجوب تتبع فعلية موضوعه وشرط ولا ينافى التدريج في الفعلية لتدريجية الشرط وجدة الوجوب والشرط كما هو واضح فالشرط هي الحياة المستمرة والوجوب ايضا مستمر باستمرارها فتوهم لزوم الالتزام بالواجب التعليقي انما نشأ من توهم فعلية الوجوب المتعلق بالجزء الاخير مع الغفلة عن ان فعلية الوجوب بالاضافة إليه انما تكون عند فعلية شرطه ويستحيل تقدمها عليها (ثم لا يخفى) ان الزمان المفروض قيدا قد يكون قيدا للواجب بمعنى ان ما يترتب عليه المصلحة هو الفعل المقيد من اول الفجر إلى الغروب وعليه فالفعلية وان كانت تدريجية الا أن وجوب الامساك في مقدار من النهار مع العلم بعدم بقاء الشرائط إلى الغروب وكذلك ترتب الكفارة على عصيانه يكون على خلاف القاعدة وقد يكون قيد اللوجوب بمعنى ان الامساك متعلق للوجوب الواحد المستمر إلى الغروب على
1 - قد تقدم تحقيق الحال في مطلق الواجبات المقيدة بالزمان وغير المقيدة به فراجع (*)
[ 147 ]
تقدير بقاء الشرائط فوجوب الامساك في مقدار من الزمان الموجود فيه الشرائط يكون على القاعدة وكذلك ترتب الكفارة على عصيانه والعفية التدريجية بناء على كون الزمان قيد اللوجوب اوضح منها بناء على كونه قيدا للواجب وان كان الامر فيه كذلك ايضا (ثم لا يتوهم) لزوم الالتزام بالشرط المتأخر والواجب التعليقي في مطلق الواجبات التدريجية وان لم يكن الوجوب ولا الواجب مقيدا بالزمان ومحدودا به (ببيان) ان
الجزء الاخير لا يمكن الاتيان به قبل الجزء الاول فلا محالة يتأخر الاتيان بالواجب عن فعلية الوجوب ومن البديهى ان وجوب الجزء الاول مشروط ببقاء الحياة إلى آخر العمل فيكون مشروطا بشرط متأخر (فانا) قدذكرنا سابقا ان الفعل ما لم يقيد بقيد غير مقدور كالزمان فلا محالة يكون مقدورا (1) ولو بالواسطة فلا مانع من وجود الجزء الاخير الا توقفه على الامور المقدورة المتقدمة عليه مثلا في كل جزء من الزمان بعد مضى مقدار اربع ركعات يمكن الاتيان بكل جزء من العمل على تقدير وقوع الاجزاء السابقة عليه فالمانع ليس تقيد الفعل بامر غير مقدور كما في مثال الصوم والصلاة اول الوقت بل عدم تحقق الاجزاء السابقة والمفروض انها تحت القدرة فلا مانع من تعلق التكليف بجميعها مرة واحدة لكونها تحت الاختيار بعضها مع الواسطة وبعضها بدونها وبالجملة فالاشكال في المقيد بالزمان اصعب منه في غيره وان كان قد عرفت الجواب عنه ايضا بحمدالله تبارك وتعالى (تنبيه) ظهر مما ذكرناه من ان المنشأ للمولى ليس الا الحكم على تقدير وجود موضوعه أن وجود الموضوع مساوق لفعلية حكمه وان كان يشترط في تنجزه على المكلف واستحقاق العقاب على مخالفته أن يكون واصلا إليه وفى ظرف عدم الوصول وجدانا أو تعبدا لا يمكن ان يكون منجزا وان كان فعليا بوجود موضوعه (فالقول) بأن الحكم بعد وجود موضوعه قد يكون انشائيا محضا لا يجب امتثاله ولا يحرم مخالفته وقد يكون فعليا من بعض الجهات ويتوقف فعليته على العلم أو على قيام طريق آخر وقد يكون فعليا من تمام الجهات (فاسد) قطعا إذ يستحيل ان يكون موضوع الحكم
1 - لا يخفى ان الاتيان بالجزء المتأخر كما يتوقف على تحقق الجزء السابق عليه كذلك يتوقف على بقاء الحيوة وغيرها من الامور الد خيلة في القدرة عى الفعل فكون الجزء المتأخر مقدورا بالفعل من جهة القدرة القدرة على بعض مباديه لا ينافي عدم القدرة عليه فعلا من جهة بعضها الاخر وعليه فحال الواجبات المقيدة بقيد غير مقدور كحال الواجبات غير المقيدة بعينها فلا تغفل (*)
[ 148 ]
موجودا ومع ذلك لا يكون الحكم فعليا بعد فرض كونه حكما لهذا الموضوع أو تكون فعليته متوقفة على وجود شيئ آخر لم يؤخذ في الموضوع وهذا واضح لا يعتريه ريب ولا اشكال (ثم لا يخفى) ان الحكم في القضية الحقيقية لا محالة ينحل بتعدد المكلفين واما بالقياس إلى غير المكلف فقد يكون الدليل ظاهرا في الانحلال اما بالوضع أو بمناسبة الحكم والموضوع (كما في أكرم العلماء) (أو اقض ما فات) حيث انه يتعدد الحكم بتعدد العالم والفائتة وقد يكون ظاهرا في عدم الانحلال كما في (صل في المسجد) فان المستفاد منها بحسب فهم العرف ليس وجوب الصلاة في كل مسجد وقد لا يكون له ظهور في شيئ منهما فيرجع إلى الاصول العملية (تتميم) لا اشكال في ان وجوب المقدمة الوجودية يتبع في الاطلاق والاشتراط وجوب ذيها ان مطلقا فمطلق والافلا كما انه لا اشكال في ان المقدمة الوجوبية حيث انها اخذت مفروضة الوجود كما هو شأن القضايا الحقيقية يستحيل ان يتعلق بها الوجوب من ناحية وجوب ذى المقدمة الا انه وقع في الشريعة موارد توهم خلاف ذلك (منها) ان الفقهاء افتوا بوجوب ابقاء الماء قبل وقت الصلاة لواجده إذا علم بعدم تمكنه منه بعد الوقت مع عدم فعلية وجوب الصلاة قبله بل افتى جماعة بوجوب تحصيل الماء قبل الوقت ايضا في الفرض المزبور (ومنها) فتواهم بوجب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر (ومنها) فتواهم بوجوب ابقاء الاستطاعة بعد اشهر الحج مع كونها مقدمة وجوبية وبوجوب تحصيل المقدمات الوجودية قبل وقت الحج بل افتى بعضهم بوجوب ابقاء الاستطاعة قبل اشهر الحج ايضا (ومنها) فتواهم بوجوب تعلم الاحكام قبل مجيئ وقت الواجب أو حصول شرط الوجوب إذا ترتب على تركه فوت الواجب في ظرفه بل افتى جماعة بوجوب التعلم قبل البلوغ ايضا في الفرض المزبور كما انه يجب تحصيل المعارف
قبله ليكون مؤمنا في اول آن البلوغ (واجيب) عن الاشكال تارة بالالتزام بالواجب المعلق واخرى بالا لتزام بالشرط المتأخر وانت بعد ما عرفت استحالة الواجب المعلق والشرط المتأخر تعرف عدم صحة الجواب بهما مع انهما لا ينفعان (1) في ايجاب التعلم
1 - لا يخفى انه يندفع الاشكال في كثير من الموارد المذكورة وغيرها بالالتزام بالوجوب - (*)
[ 149 ]
قبل البلوغ وقبل الاستطاعة لعدم التكليف بذى المقدمة قبلهما قطعا مضافا إلى ان لازم القول بهما ايجاب تمام المقدمات لا خصوص التعلم مع بداهة ان المسير إلى الحج قبل الاستطاعة لا يقول بوجوبه احد ولو علم بوجود الاستطاعة فيما بعد فاى فرق بين التعلم وبين بقية المقدمات الوجودية (كما انه) لا اشكال عندهم ظاهرا في جواز اجناب المكلف نفسه قبل الوقت مع العلم بعدم التمكن من الغسل بعده فما هو الفارق بينه وبين اراقة الماء بعد الالتزام بفعلية وجوب ذى المقدمة قبل الوقت ومن هنا يظهران ما ذكرنا سابقا من ان مصلحة الواجب قد تتم قبل فعلية وجوبه فيجب تحصيل مقد ماته بوجوب متمم للجعل الاول واخرى لا تتم الا عند وجودما هو دخيل في فعلية الوجوب فلا تجب المقد مات قبله فمن وجوب المقدمة شرعا قبل وقت الواجب يستكشف تمامية مصلحة الواحب كما في الغسل قبل الفجر فانه يستكشف من وجوبه تمامية مصلحة الصوم قبل الفجر وان لم يمكن التكليف به حينئذ لعدم القدرة عليه لا لعدم تمامية ملاكه وان كان يصلح لدفع الاشكال في الجملة (1) الا انه لايتم في تمام الموارد قطعا بداهة ان الالتزام بتمامية المصلحة قبل البلوغ أو قبل الاستطاعة مما لا يمكن فكيف يجب التعلم قبلهما إذا ترتب على تركه فوت الواجب في ظرفه مضافا إلى انه لا يفي بالتفرقة بين المقدمات في الوجوب وعدمه فالتعلم قبل الاستطاعة يجب على من يعلم أو يطمئن بوجود ها فيما
- التعليقي والاشكال انما يبقى فيما إذا علم عدم فعلية وجوب الواجب النفسي ومع ذلك كان بعض مقد ماته واجبا بالفعل كما في وجب التعلم قبل تحقق وجوب نفس الواجب وفى
وجوب حفظ القدرة أو تحصيلها في بعض الموارد والجواب عنه اما هو بما افيد في المتن 1 - قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار تستعمل في مقامين احد هما ما افيد في المتن والمراد من الامتناع فيه هو الامتناع الوقوعى وثانيهما مقام دفع شبهة الاشاعرة القائلين بالجبر وعدم الاختيار للعبد حيث انهم استدلوا على ذلك بان الفعل الصادر من العبد ممكن بالضرورة فان وجدت علته فهو ضروري الوجود لاستحالة تخلف العلة عن معلولها والا فهو ضروري العدم لاستحالة وجود الممكن بلا علة فأجاب اهل الحق عن استدلالهم بان اختيار العبد بما انه هو جزء اخير من علة وجود الفعل فوجوبه وامتناعه الناشئان عن اختيار العبد للفعل أو الترك لا ينافي كون الفعل اختياريا بل يؤكده والمراد من الامتناع في هذا المقام هو الامتناع بالغير كما هو ظاهر - لا يخفى التعليقه (1) متعلقة بالسطر الخامس من صحيفة 150 (*)
[ 150 ]
بعد أو بتحققها عادة وهذا بخلاف المسير والمقدمات الاخر (فالتحقيق) في الجواب ان يتمسك بذيل قاعدة اخرى مسلمة في محلها وهى قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا وان نافاه خطابا وتوضيح الاستدلال بها بحيث يترتب عليها التفرقة بين المقدمات ايضا انما يكون ببيان امرين الاول ان هذه القاعدة انما هي في مورد يكون الفعل أو الترك فيه ممتنعا بالا ارادة والاختيار كالسقوط إلى الارض لمن القى نفسه من شاهق فان ترك ذلك وان كان ممتنعا بعد الالقاء الا ان هذا الامتناع منته إلى ارادة الالقاء والمخالف هنا أبو هاشم الذى تخيل عدم المنافاة خطابا ايضا وجماعة اخرى تخيلوا منافاته للعقاب ايضا (واما) فيما إذا كان الفعل ممتنعا لعدم تعلق الارادة به فان الفعل الاختياري بما انه يحتاج في وجوده إلى تعلق الارادة به فالامحالة يستحيل وجوده في الخارج عند عدم تعلق الارادة به (فليس) ذلك موردا للقاعدة كما توهمه بعض المحققين فان الامتناع بعدم الارادة لا ينافي الخطاب عند تمام العقلاء فكيف يختص القائل به بابى هاشم الذى لم يوافقه احد
في ذلك والحاصل ان كون الفعل ممتنعا في حد ذاته وان كان امتناعه منتهيا إلى الاختيار لاربط له بالامتناع بالغير وهو عدم الارادة ومحل الكلام انما هو الاول واما الثاني فعدم منافاته للخطاب قد تسالم عليه جميع العقلاء الثاني ان القدرة قد تكون شرطا عقليا للتكليف وغير دخيلة في ملاك الفعل اصلا فيكون اعتبارها في فعلية التكليف من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز وقد تكون شرطا شرعيا ودخيلة في ملاكه (وعلى الثاني) فاما ان يكون الشرط هي القدرة المطلقة أو القدرة الخاصة (وعلى الثاني) فاما ان تكون الخصوصية المأخوذة فيها هو حصولها بعد حصول مقدمة بخصوصها من مقدمات الوجوب كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج فلا اثر للقدرة قبلها أو تكون الخصوصية هو حصول القدرة في زمان الواجب فقط فهذا شقوق اربعة (اما الشق الاول) وهو ماكان القدرة شرطا عقليا فقط فالحق فيه وجوب تحصيل المقدمات من اول ازمنة الامكان لتحصيل القدرة على الواحب ووجوب حفظها لواجد هالئلا يفوت الواجب والملاك في ظرفه إذا المفروض ان الملاك في ظرفه تام
[ 151 ]
لا قصور فيه فتفويته ولو بتفويت اول مقدماته ولو كان ذلك قبل البلوغ تفويت له بالاختيار و هولا ينافى العقاب وان كان ينافى الخطاب في ظرفه فبهذه المقد مة العقلية يستكشف (1) وجوب المقدمة شرعا حفظا للغرض فيكون متمما للجعل الاول وان اردت توضيح ذلك فارجع إلى نفسك في ارادتك التكوينية وقس عليها الارادة التشريعية فانك لا تشك في ان من يعلم بابتلائه في السفر بالعطش أو يطمئن به أو هو في معرض الابتلاء به عادة لو ترك تحصيل المقد مات من الاول ولم يحصل الماء قبل ابتلائه يكون مذموما عند القعلاء لانتهاء الامتناع إلى الاختيار فلا محالة تتعلق ارادة تكوينية بايجاد القدرة أو حفظها قبل بلوغه إلى وقت العطش وكون شرب الماء ذا مصحلة ملزمة
فإذا كان هذا حال الارادة التكوينية يعرف منه حال الارادة التشريعية ايضا للملازمة بينهما كما عرفت سابقا (2) (فان قلت) اليس البلوغ من الشرائط العامة فكيف يمكن القول بوجوب تحصيل القدرة أو ابقائها قبله حتى يكون متمما للجعل الاول حفظا للغرض (قلت) البلوغ انما يكون شرطا للتكاليف الشرعية التى لم تستكشف بقاعدة يستقل
1 - ما افاد قدس الله تعالى اسراره في المقام وان كان صحيحا لا ينبغى الريب فيه ضرورة ان العقل لا يفرق في حكمه بقبح مخالفة المولى بين مخالفة تكليفه ومخالفة غرضه الملزم الذى هو ملاك الحكم وما به قوامه فإذا علم العبد بوقوع ابن المولى في البحر وهو قادر على انقاذه فلاريب في استحقاقه العقاب على تركه ولو كان المولى غافلا عنه أو عن حضور العبد عنده الا انه لا مجال معه لاستكشاف حكم شرعى مولوى متمم للجعل الاول اصلا فان حكم العل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة يكفى في لزوم حركة العبد وانبعاثه كما هو الحال في مطلق موارد حكمه بقبح المعصية وحسن الاطاعة وانما يمكن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي فيما إذا كان العقل مدركا لملاك الحكم من المصلحة أو المفسدة واين ذلك من ادراكه استحقاق العقاب كما في المقام وبالجملة حكم العقل بقبح تفويت الغرض الملزم واستحقاق العقاب عليه وان كان ثابتا الا انه لا يلازم حكم الشارع بوجوب المقد مة شرعا بل يكون ذلك من اللغو الواضح نعم يحكم الشارع به ارشادا إلى حكم العقل لكنه خارج عما هو محل الكلام 2 - قد تقدم بطلان قياس الحكم المجعول بالارادة التكوينية ودعوى اشتراكه معها في احكامها ولوازمها (*)
[ 152 ]
العقل بها واما التكاليف الشرعية التى استكشفت من استقلال العقل بحكم فلا موجب لكون البلوغ شرطا لها بل هي ثابتة في حق كل من يكون قابلا لتوجه التكليف إليه و ان لم يكن بالغابل يستحيل اشتراط تلك التكاليف بالبلوغ وعدم تحققها قبله لمنافاته
للحكم المستقل به العقل كما في وجوب المعرفة في الاصول الاعتقادية قبل البلوغ فان العقل يستقل به لان يكون المكلف مؤمنا في اول زمان بلوغه (واما الشق الثاني) وهو ماكان القدرة المطلقة شرطا شرعيا ودخيلا في الملاك فحاله حال الشق الاول طبق النعل بالنعل غاية الامر ان القدرة في الشق الاول غير دخيلة في الملاك اصلا بخلافه في الشق الثاني الا ان هذا ليس بفارق فيما نحن بصدده فان المفروض ان الشرط وهى القدرة المطلقة ولو باعداد اول مقدماته حاصل بالفعل (واما الشق الثالث) وهو ماكان الشرط الشرعي المفروض دخله في الملاك هي القدرة بعد حصول شرط خاص من شرايط الوجوب فيفرق فيه بين حالتى حصول الشرط وعدمه فالمقدمات التى يستلزم تركها ترك ذى المقدمة في ظرفه لا تكون واجبة بحكم العقل قبل حصول شرط الوجوب لعدم تمامية الملاك حينئذ على الفرض وهذا بخلاف ما لو حصل شرط الوجوب فان العقل يستقل حينئذ بوجوب كل ما يتوقف عليه الواجب في ظرفه فان المورد يكون في هذا الفرض داخلا في قاعدة الامتناع بالاختيار بعد تمامية الملاك فيصح العقاب على ترك الواجب ولو كان ذلك بترك مقدمته قبل وجوبه (واما الشق الرابع) وهو ماكان القدرة في زمان الواجب شرطا شرعيا ودخيلا في الملاك فلا يجب فيه الاتيان بالمقدمة قبل مجيئ زمان الواجب المتوقف عليها لعدم جريان هذه القاعدة فيه إذا المفروض ان الفعل لا يكون ذا ملاك ملزم الابعد القدرة عليه في زمانه واما القدرة عليه ما قبله فوجودها كعدمها إذ لا يجب على المكلف جعل الفعل ذا ملاك في ظرفه بل يجب عليه أن لا يفوت ما هو ذوملاك ملزم في حد نفسه (وهذا) بخلاف الاقسام الاول فان القدرة في القسم الاول لم تكن دخيلة في الملاك اصلا وفي القسم الثاني وان كانت دخيلة الا انها كانت اعم من القدرة في زمان الواجب ومن القدرة قبله واما القسم الثالث فقد عرفت ان القدرة الدخيلة في الملاك فيه انما
كانت هي القدرة على الواجب بعد حصول بعض شرايط الوجوب فترك المقدمات بعده
[ 153 ]
تفويت اختياري لفعل ذى ملاك في ظرفه فيندرج تحت قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ثم ان التفرقة بين الاقسام المذكورة انما هي فيما إذا كان التوقف على مقدمة قبل زمان الواجب اتفاقيا وفي مورد خاص كتوقف الصلاة على الوضوء قبل الوقت بالنسبة إلى مكلف مخصوص واما إذا كان التوقف دائميا أو غالبيا كالحج بالاضافة إلى المسير فلو فرض ان ظاهر الدليل هي شرطية القدرة على الفعل في زمانه فلابد من صرفه عن ظاهره وجعل القدرة المطلقة أو القدرة بعد شرط الوجوب شرطا للتكليف وذلك من جهة حكم العقل بقبح تخصيص العام بما يوجب اختصاص الحكم بالفرد النادر ومن الواضح انه لو كان الشرط هي القدرة على الواجب في زمانه لاختص الوجوب بأشخاص نادرة وهو قبيح فبهذه القرينة العقلية يستكشف ان الشرط في المثال انما هي القدرة بعد زمان الاستطاعة فبعد حصولها تجب المقدمات قهرا لتمامية الملاك في الواجب (نعم) إذا كان هناك دليل يدل صريحا على اختصاص الملاك (1) بصورة القدرة على الواجب في زمانه فلا يستحق تارك المقدمة قبل زمان الواجب العقاب على التفويت ولو كان التوقف غالبيا. ثم لا يخفى انه يختلف حال القيود بالاضافة إلى واجب واحد فربما يكون الشرط في بعضها هي القدرة في زمان الواجب فلا يجب قبل الوقت وان ترتب على تركه تفويت ذى المقدمة في ظرفه كالوضوء بالاضافة إلى الصلاة فانه يستفاد من الاخبار الكثيرة ومن الآية المباركة المعلق فيها وجوبه على القيام إلى الصلاة الذى هو كناية عن دخول الوقت ان دخول الوقت له دخل في مصلحة اللزومية فيكون الشرط هي القدرة عليه
1 - إذا فرض ان اختصاص الحكم بالافراد النادرة قبيح عقلا فكيف يمكن الالتزام به و
لومع دلالة الدليل عليه صريحا وان لم يكن في الالتزام به محذور عقلا فما المانع منه فيما إذا كان الدليل ظاهرا فيه فالتفرقه بين صورتي صراحة الدليل وظهوره كما افيد في المتن لاوجه لها والتحقيق انه لا مانع من جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية ولو كان تحقق موضوعه في الخارج نادرا ولاقبح في جعل مثل هذا الحكم وايصاله إلى المكلف ولو كان ذلك بتخصيص عموم أو تقييد اطلاق وعليه فلا موجب للتصرف في ظهور الدليل الدال على اشتراط الوجوب بالقدرة على الواجب في ظرفه ولو كان التوقف غالبيا أو دائميا (*)
[ 154 ]
بعد الوقت فلا يجب تحصيله ولا ابقاؤه قبل الوقت وان علم بعدم تمكنه بعد الوقت و هذا بخلاف بعضها الاخر المشروط بمطلق القدرة كوجود الماء الذى هو مقدمة اعدادية فانه يستكشف من الرواية الصحيحة (1) الدالة على وجوب ابقائه قبل الوقت ان الشرط للوجوب انما هي القدرة المطلقة ولو قبل الوقت ولا ضمير في اختلاف القيود باختلاف ملاكاتها هذا كله غير المعرفة من سائر المقدمات واما المعرفة اعني بها تعلم الاحكام الشرعية ومتعلقاتها فلاوجه للاستدلال على لزومها بقاعدة (2) عدم منافاة الامتناع
1 - لا يخفى ان تمسك شيخنا الاستاد قدس سره في هذا المقام بوجود الرواية الصحيحة انما كان من باب الغفلة والاشتباه والافلم يرد في هذا الموضوع رواية صحيحة أو غير صحيحة ولقد اعترف هو قدس سره بذلك حين ما طالبناه بها والعصمة انما هي لاهلها وعلى ذلك فحكم اراقة الماء قبل دخول الوقت مع العلم بعدم التمكن منه بعده هو حكم ابطال الوضوء قبله مع العلم بعدم التمكن منه بعده 2 - التحقيق في هذا المقام هو ان تارك التعلم قبل الوقت قد يكون متمكنا من الامتثال واحرازه بعد الوقت وفى ظرف الواجب ولو كان ذلك بالاحتياط وقد يكون متمكنا من نفس الامتثال والاتيان بالواجب الا انه لا يكون متمكنا من احرازه وقد لا يكون متمكنا من الامتثال ايضا
اما الشق الاول فلا يجب فيه التعلم قبل الوقت لفرض تمكن المكلف من الاتيان بالواجب و احرازه في ظرفه ولو بالاحتياط واما الشق الثاني فيجب فيه التعلم قبل مجيئ ظرف الواجب لكنه لا بملاك عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار إذ المفروض عدم امتناع الواجب بترك تعلم حكمه بل بملاك حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ضرورة انه مع احتمال ترك الواجب الفعلى المنجز على تقدير وجوده على ترك التعلم يحتمل العقاب فيستقل العقل بوجوب دفعه ولا يفرق في ذلك بين موارد دخل القدرة في ملاك التكليف باقسامه وعدم دخلها فيه كما هو ظاهر واما الشق الثالث وهو ما إذا كان ترك التعلم موجبا لامتناع الواجب في ظرفه اما لغفلة المكلف عنه أو لتوقف القدرة عليه على التعلم كما في الصلوة ونحوها مما يمتنع صدورها من غير من يتعلمها ولاسيما إذا لم يكن عارفا باللغة العربية فيجرى فيه ما يجرى في غيره من المقدمات التى يترتب على تركها فوت الواجب في ظرفه فيكون وجوبه بملاك قاعدة - (*)
[ 155 ]
بالاختيار للعقاب بداهة ان الواجب لا يكون غير مقدور بعدم تعلم حكمه ومن هنا اتفق الاصحاب على اشتراك التكاليف بين العالمين والجاهلين بها وما لم يخرج الواجب بترك تعلم حكمه عن تحت القدرة في ظرفه لا معنى للتمسك بذيل القاعدة في صحة العقاب على مخالفته وعلى ذلك فالتكليف يكون فعليا في ظرفه فيترتب العقاب على مخالفته بلا اشكال حتى في ما إذا كان الشرط هي القدرة عليه في زمانه لوجود الشرط في ظرفه على الفرض نعم الجهل عذر عقلي فلا يتنجز معه التكليف فيقبح العقاب لكونه بلا بيان فالعقاب عليه نظير العقاب على غير المقدور في كونه قبيحا لكن العقل انما يستقل بالقبح فيما إذا لم يكن هناك بيان اصلا بان لم يتمكن المكلف من الوصول إليه ابدا واما إذا تمكن منه في زمان فلا يستقل العقل بقبح العقاب على مخالفة التكليف وان لم يتمكن منه بعد ذلك الا إذا فرض دليل شرعى مخصص للحكم العقلي يدل على
معذورية الجاهل ولو كان متمكنا من رفع جهلة في زمان فيختص التنجيز بمن حصل له البيان في ظرف الواجب اتفاقا وما لم يكن دليل كذلك يكون الحال فيه نظير ما إذا كانت القدرة شرطا عقلا فان العقل كما يستقل بقبح العقاب على غير المقدور من رأس لاعلى ما كان مقدور اولو باعداد اول مقدماته كذلك يستقل بقبح العقاب فيما إذا لم يتمكن المكلف من تحصيل البيان اصلا (وبالجملة) ان تفويت الواجب في ظرفه بعدم تحصيل مقدماته قبل وقته يترتب عليه استحقاق العقاب في الشقين الاولين مطلقا وفي الشق الثالث إذا كان بعد حصول شرط الوجوب واما الشق الاخير فلا يكون التفويت فيه موجبا لاستحقاق العقاب مطلقا وقد عرفت ان التوقف إذا كان دائميا أو غالبيا فقد يكون ذلك قرينة عقلية على صرف الدليل عن ظهوره في كون الشرط هي القدرة على الواجب في زمانه (هذا) في غير التعلم واما هو فيحرم تركه في تمام الشقوق مطلقا ولو كان ذلك قبل البلوغ إذا ترتب عليه فوت
- عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار ولازم ذلك ان لا يجب التعلم قبل الوقت في هذا الشق فيما إذا كانت القدرة في ظرف الواجب شرطا للوجوب ودخيلة في ملاكه وعليه فلا مناص في اثبات وجوبه في هذا الفرض من الالتزام بوجوبه النفسي كما التزم به المحقق الاردبيلى قدس سره والا فلا مقتضى لوجوبه اصلا (*)
[ 156 ]
الواجب في ظرفه لكونه مخالفة للتكليف الفعلى ولا يستقل العقل بعدم تنجزه بعد تمكن المكلف من تحصيل البيان ولو آناما (فتخلص) مما ذكرناه ان كل معدكل دخيلا في القدرة على الواجب في ظرفه ولو من جهة توقف العنوان والتقيد المأخوذ فيه عليه سواء كان دخله لتوقف حدوث القدرة عليه كالمسير إلى الحج والتحفظ على وجود الماء أو كان لتوقف بقاء القدرة عليه كعدم حمل الثقيل الموجب لزوال القدرة على القيام في وقت الصلوة (لابد) في مورده من حكم الشارع بوجوب تحصيل القدرة أو ابقائها
قبل زمان الواجب اما مطلقا فيما إذا كانت القدرة شرطا للتكليف عقلااو كانت القدرة على اطلاقها شرطا له شرعا ودخيلة في ملاك الواجب واما بعد حصول شرط من شرايط الوجوب فيما إذا كانت القدرة بعده دخيلة في الملاك وشرطا للوجوب شرعا (وذلك) فان الملاك الملزم إذا فرض كونه تاما في ظرفه ولم يمكن استيفائه بخطاب واحد إذا المفروض عدم التمكن من امتثاله في ظرفه على تقدير عدم الاتيان بالمقد مة قبله فلابد للمولى من استيفائه بخطاب نفسي آخر يتعلق بالمقد مة حتى يكون متمما للجعل الاول وبما ان الجعل الثاني نشأ من شخص الملاك الناشئ منه الجعل الاول فيكون هو والجعل الاول في حكم خطاب واحد ويكون عصيانه موجبا لاستحقاق العقاب على ترك ما وجب بالجعل الاول في ظرفه فان الامتناع بالاختيار لا ينافي صحة العقاب كما عرفت فعدم كون الواجب مقدورا في ظرفه لا ينافي العقاب على تركه المنتهى إلى الاختيار مع فرض (1) خطاب آخر نفسي ناش من نفس ذاك الملاك بحيث يكون عصيانه عصيانا لذلك الخطاب من الان نعم لو فرضنا ان الملاك بحسب ظاهرا الخطاب يكون تابعا للقدرة الخاصة وهى القدرة في زمان الواجب فلا يمكن استكشاف خطاب آخر الا إذا كان التوقف دائميا أو غالبيا إذ حينئذ يكون نفس كون التوقف دائميا أو غالبيا مع كون الخطاب عاما قرينة على كون القدرة المطلقة أو المقيدة بما بعد حصول شرط الوجوب دخيلة في الملاك ويصرف بها ظاهر الخطاب لا محالة (هذا) في غير التعلم من المقدمات التى لها دخل في القدرة على الواجب ذاتا وقيدا أو عنوانا واما هو فحاله حال جميع الطرق في ان وجوبه طريقي
1 - قد عرفت ان مثل هذا الحكم العقلي لا يستتبع الحكم الشرعي فضلا عن ان تستند صحة العقاب إلى وجوده (*)
[ 157 ]
لتنجيز الواقع عند الاصابة ومخالفته لا توجب استحقاق العقاب الا إذا لزم منها مخالفة
الواقع ان لم نلتزم بعقاب المتجرى والا فيترتب على مخالفته استحقاق العقاب صادف الواقع ام لم يصادف وقد عرفت ان التعلم غير دخيل في القدرة على الواجب اصلاو الفعل على ما هو عليه من كونه مقدورا في ظرفه والعقل حيثما احتمل تحقق العصيان في ظرفه بتركه التعلم مع احتماله البيان فهو لا محالة يحتمل العقاب فيستقل بوجوب دفعه اما بالتعلم أو بالاحتياط فوجوب التعلم ليس بملاك وجوب المقدمات المعدة التى يستلزم تركها عدم القدرة على الواجب في ظرفه بل هو بملاك آخر لا يبتنى على قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للعقاب اصلا وهو لزوم دفع الضرر المحتمل حيث ان المفروض مقدورية الواجب مثلا في ظرفه لعدم دخل معرفة الحكم في القدرة على فعله بالبداهة فيكون تركه عصيانا للتكليف الفعلى مع وجود البيان ولا اشكال في استتباعه للعقاب فاحتمال تكليف تمت الحجة عليه يوجب احتمال الضرر وجدانا فيجب دفعه عقلا (فالفرق) بين التعلم والمقدمات التى يستلزم تركها فوت الواجب في ظرفه بامرين (الاول) أن وجوب المقدمات من باب تتميم الجعل مقدمة لتحصيل القدرة أو ابقائها لا يكون الافيما كان الابتلاء بالواجب المتوقف عليها معلوما اوفى حكمه أو كان مما يبتلى به عادة هذا بخلاف التعلم فان وجوبه المتمم للجعل الاول على تقديره انما هو في مورد (1) احتمال التكليف احتمالا عقلائيا مطلقا ولا يتوقف على شيئ مما ذكركما سيظهر (الثاني) ان استحقاق العقاب في المقدمات يتحقق عند ترك المقدمات (2) لا محالة لخروج الواجب بعده عن القدرة بخلاف ترك التعلم فان
1 - قد عرفت ان ترك التعلم قبل الوقت إذا كان موجبا لعجز المكلف عن الامتثال في ظرفه فحكمه حكم غيره من المقدمات التى يترتب على تركها فوت الغرض في ظرفه و عليه فيبتنى الحكم بوجوبه في هذا الفرض بمجرد احتمال وجود التكليف على القول بوجوبه النفسي الطريقي كما هو ظاهر اد لته ولا يبقى معه مجال للتمسك باستصحاب عدم الابتلاء كما هو ظاهر
2 - ترك المقدمة قبل مجيئ وقت الواجب ووجوبه ولو فرض كونه موجبا لسلب القدرة عليه الا ان استحقاق العقاب انما يترتب على فوت الغرض في ظرفه فإذا فرضنا سقوط التكليف في ذلك الظرف بسبب آخر غير عدم القدرة على امتثاله فلا موجب للعقاب على ترك مقدمته الاعلى القول باستحقاق المتجرى له فلا فرق بين التعلم وغيره من هذه الجهة اصلا (*)
[ 158 ]
الاستحقاق يتبع عصيان الواجب في ظرفه فلولم يكن هناك عصيان اتفاقا فلا يترتب عليه استحقاق العقاب ايضا الاعلى القول باستحقاق المتجرى له فلا وجه لادراج التعلم في ضمن غيره مما يتوقف عليه القدرة على الواجب في ظرفه بعد اختلافها في ملاك الحكم بوجوبهما ثم ان وجوب التعلم وجوبا طريقيا كما عرفت فيما إذا علم المكلف أو اطمان بالابتلاء بالواقع في غاية الوضوح وكذا فيما كان الابتلاء به نوعيا كمسائل الشكوك و النسيان (واما) فيما كان الابتلاء به نادرا فربما يقال بجريان استصحاب عدم الابتلاء فيما بعد فلا يجب التعلم (والاستصحاب) كما يجرى في الامور الحالية يجرى في الامور المستقبلة ايضا لعموم ادلته ولكنه لا يخفى ان جريان الاستصحاب في الامور المستقبلة وان كان هو الصحيح خلافا لصاحب الجواهر (قده) الا انه يتوقف على كون الواقع المشكوك فيه اثرا اوذا اثر شرعى حتى يتعبد به في ظرف الشك واما اذالم يكن هناك اثر شرعي أو كان الاثر مترتبا على نفس الشك المحرز وجدانا فلا معنى للتعبد في مورده وما نحن فيه من هذا القبيل فان وجوب دفع الضرر المحتمل مترتب على نفس احتمال الابتلاء المحرز وجدانا وليس لواقع الابتلاء بالواقع اثر شرعى حتى يدفع احتماله بالاصل فلا يبقى مجال لجريان استصحاب عدم الابتلاء بالواقع (وبالجملة) حكم العقل بوجوب التعلم بملاك دفع العقاب المحتمل يستوى فيه موارد الابتلاء عادة والقطع أو ما في حكمه بالابتلاء والاحتمال العقلائي فحكم العقل في الجميع واحد
طريقي كما انه ربما يكون له في تمام الموارد حكم واحد واقعى نظير استقلاله بقبح التشريع والكذب حيث انه لا يفرق فيه بين العلم بالمخالفة والشك في ذلك والحكم في الجميع بملاك واحد (نعم) قد يكون له في بعض الموارد حكمان واقعى وطريقي نظير استقلاله بقبح التصرف في اموال الغير واقعا وبقبح التصرف في المشكوك طريقا لئلا يقع في محذور المخالفة وما نحن فيه ليس من هذه القبيل بل حكمه طريقي في تمام الموارد ناش من ملاك واحد وهو دفع العقاب المحتمل كما عرفت ثم ان الشيخ الانصاري (قده) على مافى رسالته العملية حكم بفسق تارك تعلم مسائل الشك والسهو فيما يبتلى به عامة المكلفين وهو (اما) مبتن على اختياره لمذهب
[ 159 ]
المحقق الارد بيلى (قده) من كون وجوب التعلم نفسيا موجبا للعقاب على تركه (أو) على كون التجرى موجبا للفسق وان لم يكن موجبا للعقاب (أو) على التفكيك بين مسائل الشك والسهو وبين غيرها من جهة قضاء العادة باستلزام ترك التعلم فيما يكثر الابتلاء به كما هو المفروض في المقام لمخالقه الواقع (اما الاول) فهو (قده) غير ملتزم به بل ذهب إلى كون وجوب التعلم طريقيا كما هو الظاهر من صدر الرواية الدالة على وجوب التعلم وعلى ان العقاب على الواقع (واما الثاني) فالالتزام به بعيد (1) في نفسه والظاهر انه (قده) غير ملتزم به ايضا (واما الثالث) فالالتزام به ابعد لفرض كون الوجوب طريقيا فالاولى ان تحمل العبارة على اشتباه جامع فتاواه في الرسالة (خاتمة) ذكر بعضهم ان ماكان شرطا للوجوب فهو لا محالة يكون شرطا للواجب ايضا وليس المراد منه ان شرط الوجوب من قيود المأمور به بداهة ان شرط الوجوب لا يمكن تعلق التكليف به بخلاف قيد المأمور به (2) فانه لابد وان يقع تحت التكليف كما مرفكيف يمكن ان يكون شرط احدهما شرطا للاخر مع كمال المنافاة بينهما
كما انه ليس المراد منه ان ماكان شرطا للوجوب لابد وان يقع المأمور به حينه بداهة انه يمكن ان يكون شرط وجوب اكرام زيد يوم الجمعة مجيئه قبل يوم الجمعة بمدة (بل) المراد (3) منه ان ماكان شرط الوجوب واخذ مفروض الوجود حين الخطاب لابد وان يتأخر الواجب عنه ايضا مثلا إذا كانت الاستطاعة شرطا لوجوب
1 - لابعد في ذلك بعد كشف التجرى عن عدم ملكة العدالة ضرورة ان مصادفة الواقع وعدمها اجنبية عمافى نفس المتجرى من عدم وجود الملكة فيها هذا وقد عرفت انه لابد من القول بوجوب التعلم نفسيا طريقيا فيكون مخالفته مخالفة للواجب النفسي فلا اشكال 2 - قد عرفت فيما تقدم قيود المأمور به لا تكون متعلقة الوجوب النفسي المتعلق بالمقيد ابدا سواء في ذلك القيد الاختياري وغيره وان الفرق بين كون القيد قيدا للواجب وكونه قيدا للوجوب هو ان قيد الواجب ما اخذ التقيد به في حين الطلب كما ان قيد الوجوب هو ما يتوقف فعلية الوجوب عليه ولو كان ذلك شرطا متأخرا وهما قد يجتمعان وقد يفترقان 3 - هذا لايتم في الشروط المتأخرة فان الوجوب في مواردها فعلى قبل تحقق الشرط * (*)
[ 160 ]
الحج فلا يعقل ان يكون الحج المطلق الاعم من وجود الاستطاعة وعدمها واجبا لفرض تقيد وجوبه بوجودها ومنه علم ان تقييد للوجوب لا يستلزم تقييد الواجب لانه غير قابل للا طلاق من هذه الجهة عقلا وقد عرفت ان الاطلاق والتقييد متقابلان بتقابل العدم و الملكة فإذا لم يمكن احدهما لا يمكن الاخر وعليه فتقييد الوجوب يستلزم بطلان اطلاق الواجب ويوجب خروجه عن قابلية الاطلاق والتقييد ومنه يعلم ايضا ان ما اقاده بعض المحققين (قده) عند الشك في رجوع القيد إلى الوجوب أو الواجب من دوران الامر بين التقييدين أو التقييد الواحد في غير محله (واما) ما افاده العلامة الانصاري (قده) من الوجهين لمتعيين رجوع القيد إلى الواجب دون الواجب فمحط كلامه قده ليس هي موارد وجود القرينة المتصلة قطعا كما توهمه الحقق صاحب الكفاية (قده)
بداهة (1) ان الكلام لو كان مكتنفا بما يحتمل كونه قرينة لسقط عن الظهور رأساو غرض الشيخ (قده) انما هو بيان المعارضة بين الظهورين وتقديم احدهما على الاخر لمرجح فالكلام متمحض في القرينة المنفصلة وتوضيح المقام انما هو بذكر ما افاده (قده) ونقضه وإبرامه (فنقول) حاصل ما افاده في الوجه الاول هو ان اطلاق الهيئة شمولي بداهة ان مفاده هو ثبوت الوجوب على كل تقدير يمكن ان يكون تقدير إليه بخلاف اطلاق المادة فانه بدلى ومعناه طلب فرد ما من افراد الطبيعة أي فرد كان لاكل فرد وإذا دار الامر بينهما فالاطلاق المبد لى
* على الغرض فلابعد في ان يكون مراد ذلك البعض هو أو وجوب الواجب إذا كان مشروطا بشئ فوقوع الواجب في الخارج على صفة المطلوبية يتوقف على تحققه في ظرفه لا محالة وعلى ذلك يترتب ان تقييد الوجوب بشئ يستلزم تقييد الواجب به بهذا المعنى بالضرورة فان استحالة الاطلاق تستلزم ضرورة التقييد كما عرفت نظيره فيما تقدم نعم تقييد الواجب بالمعنى المقصود وهو كون التقيد به داخلا في المأمور به اجنبي عن تقييد الوجوب به وعدمه ودوران الامر بين رجوع القيد إلى مفاد الهيئة ورجوعه إلى المادة بهذا المعنى لا يقتضى الا رفع اليد عن احد الاطلاقين من دون ان يكون احد التقييدين مستلزما للتقييد الاخر 1 - سيجئى منه قدس سره تسرية الحكم إلى موارد القرينة المتصلة ايضا وان محل الكلام خراج عن موارد احتفاف الكلام بما يحتمل كونه قرينة فلا تغفل (*)
[ 161 ]
اولى برفع اليد عنه وابقاء الاطلاق الشمولى على حاله لكونه اظهر وعليه بنى (قده) تقديم الاطلاق الشمولى في مثل لا تكرم فاسقا على الاطلاق البدلى في مثل اكرم عالما في باب التعارض (واورد) عليه المحقق صاحب الكفاية (قده) في كلا المقامين بأن الاطلاق إذا كان بمقدمات الحكمة فلا يمكن تقديم احدهما على الآخر بمجرد
كونه شموليا والآخر بدليا نعم لو كان احدهما بالوضع والآخر بمقدمات الحكمة لقدم ماكان بالوضع بلا كلام لكونه صالحا لان يكون قرينة على الآخر دون العكس (والتحقيق) (1) ان ما ذهب إليه المحقق الانصاري (قده) من تقديم الاطلاق الشمولى على الاطلاق البدلى هو الاقوى فان تقديم الاطلاق البدلى يقتضى رفع اليد عن الاطلاق الشمولى في بعض مدلوله وهى حرمة اكرم العالم الفاسق في مفروض المثال بخلاف تقديم الاطلاق الشمولى فانه لا يقتضى رفع اليد عن مدلول الاطلاق البدلى اصلا فان المفروض انه الواحد على البدل وهو محفوظ لا محالة غاية الامر ان دائرة كانت وسيعة
1 - التحقيق ان مجرد كون الاطلاق شموليا لا يوجب تقدمه على الاطلاق البدلى في مقام المعارضة فان ما افيد من الوجوه الثلثة لتقدم الشمولى كلها غير صحيحة اما الوجه الاول فيرد عليه ان الحكم الالزامي في مورد الاطلاق البدلى وان كان واحدا متعلقا بالواحد على البدل الا ان لازم اطلاقه هو ترخيص تطبيق المأمور به على كل فرد من افراد الطبيعة المأمور بها وهذه الدلالة الالتزامية تستتبع احكاما ترخيصية شمولية ومقتضى تقديم الاطلاق الشمولى هو رفع اليد عن بعض مدلول الاطلاق البدلى لا محالة واما الوجه الثاني فيرد عليه ان التخيير في موارد الاطلاق البدلى ليس عقليا بل هو شرعى مستفاد من عدم تقييد المولى متعلق امره بقيد خاص ولذا لو شك في تعين بعض الافراد لاحتمال اقوائية الملاك فيه لكان المتعين فيه هو الرجوع إلى الاطلاق مع ان تساوى الافراد في الوفاء بالغرض غير محرز وجدانا بل الاطلاق بنفسه يوجب احراز التساوى المزبور على ذلك فالاطلاق البدلى المقتضى لتخيير الملكف في الاتيان باى فرد من افراد الطبيعة شاء يعارض الاطلاق الشمولى المانع عن ايجاد مورد الاجتماع فلاوجه لتقدم الشمولى على البدلى ومن ذلك يظهر الجواب عن الوجه الثالث وعلى ما ذكره يترتب عدم جواز التمسك بشيئ من الاطلاقين في المقام فيما إذا كان دليل التقييد منفصلا وعدم انعقاد الظهور لشيئ منهما فيما إذا كان متصلا (*)
[ 162 ]
فصارت ضيقة وببيان آخر يحتاج الاطلاق البدلى زائدا على كون المولى في مقام البيان وعدم نصب القرينة على الخلاف إلى احراز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض حتى يحكم العقل بالتخيير بخلاف الاطلاق الشمولى فانه لا يحتاج إلى أزيد من ورود النهى على الطبيعة غير المقيدة فيسرى الحكم إلى الافراد قهرا فمع وجود الاطلاق الشمولى لا يحرز العقل تساوى الافراد من حيث الوفاء بالغرض فيكون الاطلاق الشمولى الشمولى حاكما على الاطلاق البدلى من حيث دليليته وحجيته وان كان ظهوره منعقدا في حد نقسه لفرض كون القرينة منفصلة وبالجملة تتوقف حجية الاطلاق البدلى على عدم المانع في بعض الاطراف عن التخيير العقلي والاطلاق الشمولى صالح للمانعية فلو توقف عدم صلاحيته للمانعية على وجود الاطلاق البدلى لدار (هذا) في القرينة المنفصلة (واما) في المتصلة فيكون الاطلاق الشمولى رافعا للظهور في البدلى ويكون واردا عليه ولاجل ما ذكرنا يقدم العام الوضعي (1) على الاطلاق الشمولى مع
1 - العموم الوضعي وان كان يتقدم على الاطلاق الشمولى الا ان سبب ذلك هو ما حققناه في محله من ان سراية الحكم إلى جميع الافراد في موارد العموم الوضعي لا تحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة فانه على ذلك يكون العام بنفسه صالحا لان يكون قرينة على التقييد فيمنع من انعقاد الظهور في الاطلاق إذا كان متصلا ويتقدم عليه فيما إذا كان منفصلا و اما بناء على مختار شيخنا الاستاد قدس سره من احتياجها إلى جريان مقدمات الحكمة فلا موجب المتقدم اصلا وما افيد في المتن من توقف قابلية سريان المطلق إلى جميع افراده على جريان مقدمات الحكمة فهو من باب كبوة الجواد ضرورة ان القابلية المزبورة من اللوازم الذاتية للطبيعة والمتوقف على جريان المقد مات انما هي فعلية السريان لا قابليته فإذا فرض احتياج السراية في طرف العام إلى جريان المقدمات ايضا فلا يبقى وجه المتقدم اصلا وان شئت قلت ان لازم لحاظ الطبيعة غير مقيدة بقيد هو سريان الحكم الثابت لها
إلى جميع افرادها عقلا كما ان لازم العموم المستفاد من اللفظ هو ذلك ايضا وبما انه لا يمكن ان يكون العموم قرينة على التخصيص في هذا الحكم العقلي ولاوجه لرفع اليد عن الظهور اللفظى بلا موجب فلابد من التصرف اما في مدخول اداة العموم وتقييده مع ابقاء العموم على حاله اوفى المطلق بتقييده وتضييق دائرة موضوع الحكم العقلي فإذا فرضنا ان الاطلاق في كل منهما يحتاج إلى جريان مقدمات الحكمة فلا وجه لتقديم احدهما على الاخر بلا موجب فينحصر وجه التقديم بما ذكرناه من ان اداة العموم هي بنفسها تكشف عن ملاحظة مدخولها مطلقا وغير مقيد بلا احتياج إلى جريان مقدمات الحكمة فانه عليه - (*)
[ 163 ]
ان العام من جهة تعيين مدخوله وانه ليس الا نفس الماهية من دون اخذ قيد فيه يحتاج إلى مقدمات الحكمة بداهة ان الفاظ العموم لم توضع الالتعميم مدخوله من حيث هو فهى غير متكفلة لبيان حال مدخوله (والسر) في التقديم مع ان كلامنهما يحتاج إلى مقدمات الحكمة هو أن مقدمات الحكمة في طرف الاطلاق بعد جريانها تعطى قابلية السريان للمطلق إلى جميع افراده وهذه القابلية المتوقفة على جريان المقدمات في طرف المطلق فعلية في طرف العام من جهة الوضع فالعام بنفسه يصلح بيانا للمطلق دون العكس والا لدار وبعبارة اخرى ان شمول المطلق لجميع افراده انما هو بجريان مقدمات الحكمة بخلافه في طرف العام فانه بعد فرض ان الطبيعة المدخولة لاداة العموم في اكرم كل عالم غير مقيدة بقيد بل هي نفس الطبيعة المهملة (1) يكون السريان إلى جميع الافراد بنفس اداة العموم ولا يتوقف على شيئ آخر كما كان متوقفا عليه في طرف المطلق (هذا) ولكن لا يخفى ان ذلك وان كان صحيحا في نفسه الا انه لاربط له بالمقام بداهة انه لا تعارض في المقام بين الاطلا قين يفى حد انفسهما حتى يقال بكون احدهما اقوى من الآخر لحكومته عليه بل التعارض لامر خارجي وهو العلم الاجمالي بعروض التقييد على احدهما ولايكون اقوائية احدهما موجبة
لارجاع القيد إلى الاخر بل لو فرضنا حصول العلم الاجمالي بعروض تقييد لعام وضعي أو مطلق بدلى لما كان هناك مجال للقول برجوع القيد إلى المطلق البدلى لضعفه
- يتقدم العام على المطلق المحتاج في اثبات لحاظه كذلك إلى جريان المقدمات ولعل ما ذكرناه هو مراد شيخنا العلامة الانصاري قدس سره حيث عبر عن دلالة العام بانها تنجيزية وعن دلالة المطلق بانها تعليقية 1 - الطبيعة المهملة هي الجهة الجامعة بين المطلقة والمقيدة فلا بد في اثبات عدم لحاظ القيد في المدخول اما من جريان مقدمات الحكمة فالمعارضة باقية بحالها كما عرفت واما من دعوى ان نفس اداة العموم تكشف عن ذلك فلا حاجة إلى جريان مقدمات الحكمة والجمع بين القول بتقدم العام على المطلق والقول باحتياج اثبات الاطلاق في مدخول اداة العموم الى جريان المقدمات لا يمكن اصلا (*)
[ 164 ]
والحاصل ان الاقوائية انما تفيد في مقام معارضة الد ليلين في حد ذاتيهما لافى مقام العلم الاجمالي بطر والتقييد على احدهما تساوى نسبة العلم الاجمالي بالاضافة إلى كليهما فالمسألة المبحوث عنها في باب التعادل والتراجيح من دوران الامر بين تقييد المطلق الشمولى أو البدلى اجنبية عما نحن فيه بالكلية واما الوجه الثاني الذى افاده (قده) فحاصله (1) ان تقييد الهيئة وان لم يكن ملازما لتقييد المادة كما افاده المحقق صاحب الحاشية (قده) الا انه موجب لبطلان محل الاطلاق فيها ولافرق في مخالفة الاصل بين تقييد المطلق وعمل يشترك مع تقييده في النتيجة وهو بطلان العمل بالاطلاق وهذا الوجه لا نعقل له معنى صحيحا إذا اللازم عند العقلاء هو العمل على طبق المطلق بعد تمامية اطلاقه لاجعل الشيئ مطلقا وعدم ارتكاب عمل يلزم منه عدم تمامية الاطلاق (والتحقيق ان يقال) ان الكلام وان كان في التقييد المنفصل كما عرفت والمفروض انعقاد الظهور للهيئة والمادة في الاطلاق
الا ان القدر المتيقن الذى نعلمه من التقييد هو ان المادة مع عدم القيد لا اثر لها اما لعدم وجوبها أو لفقدان قيدها واما تقييد المادة بمعنى لزوم تحصيل قيدها ايضا فهو ليس بمتيقن بل طرف الاحتمال فان الامر يدور بين ان يكون القيد لها فيجب تحصيله وان يكون قيدا للهيئة فلا يجب تحصيله وليس في البين من هذه الجهة قدر متيقن اصلا والاطلاق في كل منهما معارض بمثله في الآخر بعد العلم الاجمالي بتقييد احدهما فيرجع الامر إلى الاصل العملي وهى البراءة في المقام بداهة انه قبل حصول القيد يشك في وجوب العمل وتحصيل قيده ومقتضى البراءة هو عدم الوجوب واما بعد حصول القيد كالاستطاعة فلا اشكال في الوجوب على كل تقدير كان القيد قيد اللهيئة أو المادة (هذا) ولكن الانصاف ان ما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية (قده) في محله وان كان تعبيره بدوران الامر بين تقييد وتقييدين في غير محله (بيان ذلك)
1 - قد ظهر مما مران تقييد الهيئة كما انه لا يستلزم تقييد المادة كذلك لا يستلزم بطلان محل الاطلاق فيما وان تقييد المادة لا يستلزم تعلق الامر المتعلق بالمقيد بقيده سواء كان القيد اختياريا أو غير اختياري وعليه فلاوجه لما افاده العلامة الانصاري ولا لما اورده عليه شيخنا الاستاد قدس سره هما في المقام (*)
[ 165 ]
ان الشك في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة أو المادة اما ان يفرض في موارد التقييد بالمتصل واما ان يفرض في موارد التقييد بالمنفصل (اما الشك في موارد التقييد بالمتصل) فاللازم فيه ارجاع القيد إلى نفس المادة لوجهين (الاول) ان رجوع القيد إلى الماده ولو كان ذلك في ضمن رجوعه إلى المادة بما انها منتسبة ومعروضة للنسبة الطلبية متيقن (1) على كل حال وانما الشك في رجوعه إليها بعد الانتساب وبما انه يحتاج إلى بيان اكثر من ذكر نفس القيد فالشك فيه يدفع بالاطلاق ومن هنا يعلم ان ما نحن فيه ليس من قبيل احتفاف الكلام بما يحتمل كونه قرينة الموجب لعدم انعقاد الظهور بداهة
انه انما يكون كذلك فيما إذا لم يكن التقييد محتاجا إلى مؤنة اخرى مدفوعة بالاطلاق كما في اجمال القيد مفهوما وكما في تعقب الجمل المتعددة بالاستثناء وغير ذلك من الموارد التى لو اتكل المتكلم فيها على ما ذكره في مقام البيان لكفاه واما فيما نحن فيه فحيث ان القدر المتيقن موجود في البين والمفروض ان احتمال رجوع القيد إلى المادة المنتسبة يدفعه الاطلاق فلا يمكن للمولى ان يكتفى بما ذكره من القيد لو كان مراده تقييد المادة المنتسبة (الوجه الثاني) ان القيد إذا كان راجعا إلى المادة بعد الانتساب فلابد وان يؤخذ مفروض الوجود (2) كما هو شأن كل واجب مشروط
1 - يرد عليه مضافا إلى ما عرفت من انه لا معنى لرجوع القيد إلى للمادة المنتسبة ان المتيقن في المقام انما هو رجوع القيد الى ذات المادة الجامعة بين رجوعه إليها بعد الانتساب ورجوعه إليها قبله واما رجوعه إليها قبل الانتساب فهو كرجوعه إليها بعد الانتساب مشكوك فيه و ليس شيئ منهما متيقنا اصلا ضرورة ان ارجاع القيد إلى المادة في موارد كون الوجوب مشروطا يباين نحو رجوعه إليها في موارد كونه مطلقا فكيف يمكن ان يقال ان في فرض دوران الامر بينهما يكون احدهما متيقنا والاخر مشكوكا فيه وعلى ذلك يترتب ان الشك المزبور إذا كان ناشئا عن وجود القرينة المتصلة فلا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق اصلا واما إذا كان ناشئا عن وجود القرينة المنفصلة فالكلام وان انعقد له الظهور في الاطلاق من الجهتين الا انه يسقط كلاهما عن الحجية لعدم وجود الترجيح في البين 2 - اخذ القيد مفروض الوجود وان كان لابد منه فيما إذا رجع القيد إلى مفاد الهيئة أو إلى المادة المنتسبة الا ان رجوعه إلى المادة يقتضى تعلق الوجوب بتقييد المادة به كما عرفت وهذه ايضا عناية زائدة تحتاج إلى بيان اكثر من ذكر القيد وبالجملة تباين لحاظ القيد حال كونه قيدا للوجوب مع لحاظه حال كونه قيدا للوجوب يمنع من كون احدهما قدرا متيقنا في البين كما هو ظاهر (*)
[ 166 ]
بالاضافة إلى شرطه وبما ان اخذ القيد مفروض الوجود في مقام الخطاب يحتاج إلى بيان
اكثر من ذكر القيد والمفروض عدمه فيدفع احتمال ذلك باطلاق القيد في انه لم يلحظ كذلك والفرق بين الوجهين انه يدفع احتمال رجوع القيد إلى مفاد الهيئة في الاول باطلاق المادة المنتسبة وفى الثاني باطلاق نفس القيد هذا ولا يخفى انه لا مورد للشك في رجوع القيد إلى المادة بنفسها أو بعد الانتساب بداهة ان الملابسات كلها ظاهرة في كونها قيود اللمادة بنفسها حتى الحال لظهور انه مع عدم القرينة الخاصة فظاهره ايضا رجوعه إلى نفس المادة كما في صل متطهر أو عليه فيسقط النزاع في القرينة المتصلة رأسا (واما الثاني) وهوما إذا كان الشك في موارد التقييد بالمنفصل فالحال فيه لا تخلو من ان تكون القرينة المنفصلة المفروضة لفظية اولبية اما إذا كانت لفظية فحالها حال المتصلة (1) بل الامر فيها اوضح لعدم جريان شبهة احتفاف الكلام بما يمكن ان يكون قرينة لان المفروض انعقاد الظهور واما إذا كانت لبية من اجماع ونحوه فيجرى فيه الوجهان المذكوران لدفع الشك في رجوع القيد إلى المادة المنتسبة باطلاق المادة اوباطلاق القيد نعم ما ذكرناه اخيرا من استظهار رجوع القيد الى نفس المادة في جميع الملابسات لا يجرى في القرينة اللبية كما هو ظاهر (فتخلص) مما ذكرناه انه إذا شك في رجوع القيد إلى الواجب أو الوجوب فالاطلاق يقتضى رجوعه إلى الواجب إذا كان المولى في مقام البيان وقد تمت مقدمات الحكمة والا فمقتضى القاعدة هي البراءة عن وجوب تحصيل القيد فيكون النتيجة هو تقييد الوجوب لا الواجب المبحث الرابع في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري الواجب ينقسم إلى نفسي وغيري والمشهور في تعريفهما ان الواجب النفسي هو الواجب لا لاجل واجب آخر والواجب الغيرى ما وجب لواجب آخر (واورد عليه) بان لازمه ان يكون جل الواجبات غيرية بداهة انها انما وجبت لما يترتب عليها من المصالح اللازم تحصيلها ولولاه لم تكن واجبة ومن ثم عدل المحقق صاحب الكفاية
1 - قد ظهر الحال في القرينة المتصلة والمنفصلة مما تقدم (*)
[ 167 ]
(قده) عن هذا التعريف وذهب إلى ان ايجاب الفعل إذا كان منشأه حسن الفعل في حد ذاته فالواجب نفسي ولو فرض كونه مقدمة لما يلزم تحصيله ايضا واما إذا كان منشأه مقدمية الفعل لواجب آخر فالواجب غيرى ولو فرض كونه مع ذلك مشتملا على الحسن الذاتي كما هو الحال في الطهارات الثلاث (والتحقيق) عدم صحة الاشكال في نفسه و عدم صحة ما اختاره المحقق صاحب الكفاية (قده) (اما الاول) فلما ذكرنا سابقا من ان الافعال بالاضافة إلى ما يترتب عليها المصالح من قبيل المعدات (1) التى يتوسط بينها وبين المعلول امور غير اختيارية فلا يمكن الارادة التكوينية بها فكذلك التشريعية لما بينا من الملازمة بينهما امكانا وامتناعا فهى من قبيل الدواعى لتعلق الارادة بالافعال لا انها بانفسها تحت التكلف حتى يكون الامر المتعلق بالافعال مترشحا من الامر المتعلق بها وما قيل من انها مقدورة بالواسطة ولافرق في القدرة بين ان تكون بلا واسطة وان تكون بالواسطة قد عرفت ما فيه من انه انما يتم في الافعال التوليدية لافى العلل المعدة (واما الثاني) فلان حسن الافعال المقتضى لايجابها ان كان ناشئا من كونها مقدمة لما يترتب عليها من المصالح فاشكال لزوم كون جل الواجبات واجبات غيرية قد
1 - لا يخفى ان فعل الواجب بالقياس إلى الغرض الاقصى المترتب عليه وان كان من قبيل العلل المعدة الغرض خارجا عن تحت اختيار المكلف وقدرته الا انه بالقياس الى ما يترتب عليه بلا تخلف وهى جهة الاعداد لحصول ذلك الغرض من قبيل الاسباب الى مسبباتها مثلا الغرض الاقصى الداعي إلى الامر بزرع الحب وهو تحصيل النتاج وان كان خارجا عن اختيار المكلف الا ان الغرض المترتب على الزرع من غير تخلف وهو اعداد المحل للانتاج مقدور للمكلف بالقدرة على سببه لا محالة وبما ان المفروض في تعريف الواجب الغيرى قدبقى على حاله والتحقيق في الجواب ان يقال انه إذا بنينا على خروج
الاسباب عن حريم النزاع في بحث مقدمة الواجب بدعوى ان الوجوب النفسي المتعلق بالمسبب يتعلق بعينه بالسبب فالاشكال مرتفع من اصله فانه بناء عليه يكون فعل الواجب متعلقا للوجوب النفسي لا محالة واما بناء على عدم تعلق الوجوب النفسي الثابت للمسبب بسببه فالوجه في عدم كون وجوب الواجبات باجمعها غيريا هو امن الاغراض المترتبة على الواجبات وان كانت لزومية ومقدورة للمكلف بالقدرة على اسبابها الا انها غير قابلة لتعلق التكليف بها لما عرفت من ان متعلق التكليف لابد وان يكون امرا عرفيا قابلا لان يقع - (*)
[ 168 ]
بقى على حاله وان كان الحسن ثابتا لها في حد ذواتها مع قطع النظر عن ما يترتب عليها من المصالح فلازمه (1) ان لا يكون الوجوب المتعلق بها متمحضا في النفسية ولافى الغيرية لثوبت ملاكهما حينئذ كما في افعال الحج فان المتقدم منها واجب لنفسه ومقدمة للمتأخر فلا يكون وقع للتقسيم حيئنذ اصلا (نعم) يرد على تعريف المشهور النقض بوجوب المقدمات التى يترتب على تركها فوت الواجب في ظرفه فانه داخل في تعريف الوجوب الغيرى على تعريف المشهور مع أنه من اقسام الوجوب النفسي (فالاولى) ان يقال ان الوجوب النفسي ماكان وجوبه غير مترشح من وجوب آخر بخلاف الوجوب الغيرى فانه هو الوجوب الذى يترشح من وجوب آخر فلا اشكال (ثم انه) إذا شك في واجب أنه نفسي أو غيرى فقد افاد صاحب التقريرات (قده) عدم امكان التمسك بالاطلاق لاثبات كون الواجب نفسيا لان مفاد الهيئة جزئي غير قابل للتقييد حتى يمكن التمسك باطلاقه (واشكل عليه) المحقق صاحب الكفاية (قده) بأن مفاد الهيئة ليس الا مفهوم الطلب وهو المنشأ ومن البديهى امكان تقييده واما الطلب الحقيقي فهو وان كان جزئيا الا انه غير قابل للانشاء حتى يمكن اطلاقه أو تقييده فتسرية احكام الحقيقة إلى المفهوم من باب اشتباه المفهوم بالمصداق (وانت) خبير بفساد اصل الاستدلال والاشكال عليه (اما فساد الاشكال) فلما ذكرنا سابقا من أن المفهوم الاسمى
القابل لا يكون محمولا ومحمولا عليه غير قابل للانشاء (2) وأن المنشأ ليس الا النسبة الايقاعية (نعم) انشاء النسبة مصداق للطلب فانه عبارة عن التصدى نحو المراد والانشاء ايضا نحو من التصدى فالانشاء بنفسه مصداق للطلب لان المنشأ هو مفهومه فالخلط
- في حيز الخطاب حسب انظار عرف العامة ومن الواضح ان الاغراض المترتبة على الواجبات ليست كذلك فلا مناص عن تعلق الوجوب النفسي بنفس الافعال دون الاغراض المترتبة عليها فيصدق انها واجبة لا لوجوب امر آخر فلا اشكال 1 - مضافا إلى كون جميع الواجبات الشرعية حسنة في ذواتها مع قطع النظر عما يترتب عليها من المصالح ليكون وجوبها ناشئا من حسنها الذاتي مما يقطع بعدمه فلا مجال لما اختاره صاحب الكفاية قدس سره اصلا 2 - تقدم الكلام في تحقيق معنى الانشاء وفى ان المعاني الحرفية قابلة لورد الاطلاق والتقييد عليها فراجع (*)
[ 169 ]
بين المفهوم والمصداق منه (قده) (واما فساد) اصل الاستدلال فلان مفاد الهيئة وان لم يكن قابلا للاطلاق والتقييد حتى على القول بعموم الموضوع له والمستعمل فيه لانه معنى حرفي وملحوظ آلى والاطلاق والتقييد من شؤن المفاهيم الاستقلالية كما اوضحناه في مبحث المشروط والمطلق الا أنه لااشكال في وجود الواجب الغيرى في الاحكام الشرعية وغيرها ولم ينسب احد إلى الشيخ (قده) انكاره وان نسب إليه (قده) انكار المشروط على خلاف الواقع وعليه فيمكن استكشاف كون الواجب غيريا من احد وجهين (احدهما) تقييد الواجب النفسي بقيد في مقام الطلب كما في قولنا صل عن طهارة فيستكشف منه مطلوبية الطهارة بالطلب الغيرى (وثانيهما) تقييد وجوبه بوجوب ذى المقدمة كما في الاية المباركة (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا - الاية) فانه يستكشف منها ان الغسل مطلوب مقدمة للصلاة ومطلوبية مقيدة بمطلوبية الصلاة والتقييد حيث
لا يمكن ان يرجع إلى مفاد الهيئة فلابد وان يرجع إلى نتيجة الجملة وهو وجوب الغسل أو إلى المادة المنتسبة كما في كل واجب مشورط والفرق بين الوجهين ان التقييد في الوجه الاول كان راجعا إلى المعنى الافرادى وفى الوجه الثاني كان راجعا إلى المعنى التركيبي المتحصل من الجملة وعلى كل تقدير فإذا شك في التقييد فيرجع إلى الاطلاق اما إلى اطلاق المعنى الافرادى اوالى اطلاق المعنى التركيبي فيستكشف عدم تقييد الصلاة بالطهارة وعدم تقييد وجوب الطهارة بوجوب الصلاة كما في كل مورد شك فيه في اطلاق الوجوب واشتراطه (ثم انه) لو كان لاحد الدليلين اطلاق دون الاخر فيتمسك به لنفى كلا التقييدين احدهما بالمطابقة والآخر بالملازمة واصالة الاطلاق لكونها من الاصول اللفظية لا يفرق فيها بين المثبت وغيره (هذا) فيما إذا كان هناك اطلاق وقد تمت معه مقدمات الحكمة واما فيما إذا لم يكن ذلك فالمرجع فيه هو الاصل العملي وهو يختلف باختلاف الموارد (توضيح ذلك) ان الشك في كون الواجب نفسيا أو غير يايمكن ان يقع على وجهين (الاول) ان يعلم معه بتعلق الوجوب النفسي بما يشك في تقييده بما علم وجوبه مرددا بين كونه نفسيا وغيريا (الثاني) ان لا يعلم الا وجوب ما يحتمل كونه نفسيا أو غيريا مع احتمال ان يكون في الواقع واجب آخر مقيد بما علم وجوبه في الجملة ثم ان الوجه الاول قد
[ 170 ]
يعلم فيه تماثل الوجوبين المفروضين من جهة الاطلاق والاشتراط بشيئ كما إذا علم اشتراط كل من وجوبي الطهارة والصلوة بدخول الوقت أو علم اطلاق كل منهما بالقياس إليه وقد لا يعلم ذلك وانما يعلم اشتراط وجوب الواجب المفروض كونه نفسيا بشيئ واما الواجب الاخر المجهول حاله فيحتمل فيه كل من الاطلاق والاشتراط من جهة الشك في كون وجوبه نفسيا أو غيريا وهذا كما إذا احتملنا في المثال المتقدم ان يكون وجوب الطهارة مطلقا بالقياس إلى دخول الوقت المشروط به وجوب الصلوة
قطعا فهناك صور (اما الصورة الاولى) وهى ما علم فيه تماثل الوجوبين فالشك فيها متمحض في خصوص تقييد متعلق ما علم كونه نفسيا بالواجب الآخر فتجرى البرائة (1) عن التقييد ويثبت بذلك نتيجة الاطلاق ففى مفروض المثال يكون المكلف مخيرا بين الاتيان بالصلوة قبل الطهارة والاتيان بها بعدها (واما الصورة الثانية) وهى ما علم فيه اشتراط خصوص الوجوب المعلوم كونه نفسيا فالشك فيها من جهة تقيد ما علم كونه نفسيا بالآخر يكون مجرى للبرائة كما ان الشك فيها من جهة الشك في الوجوب النفسي قبل حصول ما هو شرط للوجوب الآخر مجرى للبرائة (2) ايضا فتكون النتيجة
1 - لا يخفى ان اجراء البرائة عن تقييد الصلوة بالوضوء في مفروض المثال معارض بجريان البرائة عن الوجوب النفسي المحتمل ثبوته للوضوء فان القدر المعلوم ثبوته انما هو اصل تعلق الوجوب بالوضوء واما خصوص كونه نفسيا أو غيريا فهو مجهول لكن العلم الاجمالي بثبوت احدى الخصوصيتين يمنع من جريان اصالة البرائة في كل منهما فاللازم هو الاحتياط والاتيان بالصلوة مع الطهارة في مفروض المثال فيكون النتيجة نتيجة الوجوب الغيرى لا النفى 2 - إذا كان الوجوب النفسي المحتمل ثبوته للوضوء في مفروض المثال مقيدا بايقاعه قبل الوقت ليدور الامر بين لزوم الاتيان به قبل الوقت ولزوم الاتيان به بعد الوقت من جهة دوران الامر بين الوجوب التفسى والغيري فلا ينبغى الريب في عدم جواز الرجوع إلى البرائة في شيئ منهما على ما هو المختار من كون العلم الاجمالي منجزا للتكليف في التدريجيات ايضا واما إذا كان الوجوب النفسي على تقدير ثبوته متعلقا به غير مقيد بايقاعه قبل الوقت فلا معنى للرجوع إلى اصالة البرائة عن وجوبه قبل الوقت اصلا وحينئذ إذا لم يتوضا المكلف حتى دخل وقت الصلوة فلابد له ان يتوضا ويوقع الصلوة بعده لانه مقتضى العلم - (*)
[ 171 ]
من هذه الجهة نتيجة الغيرية فيختص وجوب الطهارة في مفروض المثال بما بعد الوقت
الذى هو شرط لوجوب الصلاة (نعم) هناك جهة اخرى للشك والنتيجة معها للنفسية وهى جهة الشك في ان الوضوء مثلا إذا اتى به قبل الوقت يسقط به الوضوء فيما بعد الوقت اولا وبعبارة اخرى يكون الشك في ان وجوب الوضوء بعد الوقت مطلق أو مختص بمن لم يتوضأ قبله ومقتضى البرائة هو عدم الوجوب بالاضافة إلى المتوضى قبله فيكون النتيجة مع الوجوب النفسي (وبالجملة) اصالة البراءة بالاضافة إلى تقيد الصلاة بالوضوء وبالاضافة إلى وجوبه قبل الوقت ووجوبه بعد الوقت توضأ قبل الوقت بلا معارض فان اصل وجوبه لمن لم يتوضأ قبل الوقت وان كان معلوما بعد دخوله الا انه اعم من ان تكون الصلاة متقيدة به حتى لا يجوز الاتيان به بعدها (واما الصورة الثالثة) وهى مالا يعلم فيه الا وجوب ما يدور امره بين كونه واجبا نفسيا أو غيريا لاحتمال ان يكون في الواقع واجب آخر فعلى يتوقف حصوله على ما علم وجوبه اجمالا فالحق فيها انه يلزم الاتيان بما علم وجبه فانه يعلم حينئذ باستحقاق العقاب على تركه اما لنفسه أو لكونه مقدمة لواجب فعلى فأن ترك ما يحتمل وجوبه النفسي المستند إلى ترك معلوم الوجوب مما يوجب العقاب واما تركه من غير ناحيته فالمكلف لجهله في سعة منه وتشمله ادلة البراءة واما ما في الكفاية (1) من التمسك بالبراءة في المقام فغير سديد بعد الباء على صحة التفكيك في التنجز في مبحث الاقل والاكثر وما نحن فيه ايضا من هذا القبل فان استحقاق العقاب على ترك معلوم الوجوب اما لنفسه أو لتوقف
- الاجمالي الموجب لاحتياط كما عرفت واما إذا توضأ قبله فلا يجب عليه اعادة الوضوء بعد دخوله لان تقييد الوضوء موقوعه فيما بعد الوقت ولو على تقدير كون وجوبه غيريا مجهول فيرجع معه إلى البرائة ومما ذكرناه يظهر الخلل فيما افاده شيخنا الاستاد قدس سره في المقام فلا تغفل 1 - لا يخفى ان ما افاده في الكفاية من الرجوع إلى البرائة انما هو في غير هذه الصورة فان مورد كلامه هو ما إذا علم وجوب شيئ في الشريعة اجمالا لكن تردد امره بين ان
يكون واجبا نفسيا وان يكون مقدمة لواجب غير فعلى كما إذا علمت الحائض غير المكلفة بالصلوة بوجوب الوضوء المردد بين ان يكون نفسيا وان يكون غيريا ولاريب ان المرجع في هذه الصورة هي اصالة البرائة للشك في الوجوب الفعلى (*)
[ 172 ]
واجب فعلى عليه معلوم تفصيلا فيكون منجزا وان لم يكن ذاك الوجوب المحتمل ثبوته في الواقع منجزا من جهات أخرفان عدم تنجزه من جهة لا ينافى تنجزه من جهة واصالة البرائة لا تنافي فعليته واقعا وتنجزه بمقدار العلم فتدبر جيدا بقي هناك أمران الاول ان الثواب كما يترتب على امتثال الواجب النفسي فهل يترتب على امتثال الواجب الغيرى ايضا اولا وقبل الخوض في ذلك لا بأس ببيان ان الثواب المترتب على امتثال الواجبات النفسية هل هو بالاستحقاق أو بالتفصيل (المعروف) بين الاصحاب هو الاول وخالف في ذلك شيخنا المفيد (قده) وتبعه جماعة من المحققين فذهبوا إلى الثاني وهو الاقوى فان اطاعة المولى والعمل على وفق العبودية لازم بحكم العقل و امتثال العبد لاوامر مولاه جرى منه على وظيفته لئلا يكون ظالما له وليس هو في عمله اجيرا للمولى حتى يستحق عليه شيئا (ومنه) يظهر حال التوبة فان كون التائب كمن لاذنب له انما هو من باب التفضل فقط لان توبته من جملة الواجبات عليه فيكون ظالما على تقدير تركها وتركه الظلم لنفسه فعلا بالتوبة عما صدر منه لا يوجب سقوط ما استحقه من العقاب قبلا وبعبارة اخرى لا بدوان يكون العبد في جميع حالاته منقادا للمولى وتحت سلطانه فرجوعه إلى الطاعة بعد الاباق له بحكم العقل وهو غير موجب لسقوط عقاب اباقه السابق إذا عرفت ذلك (فاعلم) انه بعد الاتفاق على ترتب الثواب على امتثال الواجبات النفسية سواء كان بالاستحقاق أو بالتفضل وقع الخلاف في ان امتثال الواجبات الغيرية
هل يترتب عليه الثواب كما يترتب على امتثال الواجبات النفسية اولا على اقوال ثالثها التفصيل بين كون الواجب الغيرى اصليا مدلولا لخطاب مستقلا وكونه تبعيا غير مدلول لخطاب مستقل كما عن المحقق القمى (قده) والحق في المقام ان يقال ان الواجب الغيرى ان اتى به بداعي التوصل به إلى الواجب النفسي فيترتب عليه الثواب والافلا (توضيح ذلك انه) لااشكال في ان الثواب يفترق عن العقاب في ان الثاني مترتب على نفس المخالفة العمدية بخلاف الاول فانه غير مترتب على الموافقة فقط بل على الموافقة
[ 173 ]
المضافة إلى المولى فهو مترتب على الاطاعة بالمعنى الاخص اما على القول بالاستحقاق فواضح واما على القول بالتفضل فلعدم الدليل على التفضل بدون قصد الاطاعة (وكذا) لا اشكال في ان الامر الغيرى بما هو امر غيرى لاحقيقة له الاكونه واقعا في طريق التوصل إلى الواجب النفسي فلا اطاعة له الا مع قصد الامر النفسي وح فالاتى بالواجب الغيرى ان قصد به التوصل إلى الواجب النفسي فهو شارع في امتثال الامر النفسي فيثاب على اطاعته والا فلا و لا يفرق في ذلك بين القول بعدم وجوب المقدمة والقول بوجوبها تبعيا كان الوجوب أو اصليا اما على القول بعدم وجوبها أو القول بوجوبها مع كونه تبعيا فما ذكرناه ظاهر واما على القول بالوجوب وفرض كونه اصليا فلان الاوامر الشرعية المتعلقة بالاجزاء (1) والشرائط اما ان تكون اوامر ارشادية لبيان الشرطية أو الجزئية واما ان تكون اوامر نفسية مفصلة للامر الواحد المتعلق بالمركب أو بالمقيد فكأنها قطعات لذلك الامر الواحد النفسي وعلى كل حال فالامتثال والثواب انما هو للواجب النفسي كما هو الحال في المقدمات العقلية والعادية التى لا يتفاوت فيها وجود الاوامر الغيرية وعدمها إذا لملاك في ترتب الثواب هو قصد امتثال الامر النفسي المتعلق بذى المقدمة هذا في غير المقدمات السببية واما فيها فقد عرفت سابقا ان الامر المتعلق بالمسبب يكون بنفسه (2) متعلقا بالسبب وكذلك الامر المتعلق بالسبب انما يتعلق به بما انه معنون بعنوان المسبب
1 - الاوامر المتعلقة بالاجزاء وان كان امرها دائرا بين ان تكون اوامر ارشادية وان تكون اوامر نفسية مفصلة للامر الواحد المتعلق بالمركب وذلك لما تقدم من استحالة اتصافها بالوجوب الغيرى الا ان الاوامر المتعلقة بالشرايط ليست كذلك فانها قابلة لان تكون اوامر غيرية وبما ان المفروض تعلق الامر الغيرى بالشرايط اصليا فدعوى كونه ارشاديا أو قطعة من الامر النفسي بالمقيد خلاف المفروض بل قد عرفت فيما مر ان الامر المتعلق بالمقيد يستحيل ان يتعلق بقيده ابدا لكن الصحيح مع ذلك هو ما افيد في المتن من ان استحقاق الثواب يتوقف على قصد امتثال الامر النفسي فان امتثال الامر الغيرى بما هو كذلك ولو فرض كونه اصليا لا يتحقق في الخارج الا مع قصد التوصل إلى الواجب النفسي وبدونه لا يكون الاتيان بالمقدمة امتثالاله كما هو ظاهر 2 - إذا كان ما يسمى بالمسبب من قبيل العناوين التوليدية التى يكون وجودها في الخارج بعين وجود منشأ انتزاعها كالتعظيم المنتزع عن القيام الخارجي فالحق فيه ان الوجوب المتعلق - (*)
[ 174 ]
ولذا كان النزاع في وجوب المقدمة السببية قليل الجدوى كما افاده السيد المرتضى (قده) ثم ان الظاهر ان الثواب المترتب على اتيان الواجب الغيرى بقصد التوصل متحد (1) مع الثواب المترتب على نفس الواجب النفسي غاية الامر ان الثواب يزيد عند اتيان المقدمة بقصد التوصل وتكون الاطاعة من حين الشروع بالمقدمة (وتوهم) تعدد الثواب من جهة المقدمة وذيها تمسكا بالآية المباركة الدالة على ترتب الثواب على المسافرة مع النبي صلى الله عليه واله مقدمة للجهاد في وقعة تبوك مع انه لم يترتب الجهاد على المسافرة في تلك الوقعة (فاسد) فان اظهار جلالته صلى الله عليه وآله بالمسافرة معه من اعظم العبادات في حد نفسه ولا د خل لكون المسافرة مقدمة للجهاد في ذلك اصلا فالثواب عليها من قبيل الثواب على العبادة النفسية لا الغيرية
الامر الثاني ربما يشكل الامر في الطهارات الثلاث من وجهين (الاول) انه لا اشكال في ترتب الثواب على الطهارات الثلاث وفى كونها عبادة مع ان الامر الغيرى المتعلق بالمقدمة لا يكون الا توصليا ولا يترتب ثواب على امتثاله (وفيه) ما عرفت من ان المقدمة إذا اتى بها بداعي التوصل إلى ذى المقدمة وامتثالا لامره فلا محالة يكون عبادة ويترتب عليه الثواب (الثاني) انه لا اشكال في ان الطهارات الثلاث بما انها عبادة اخذت مقدمة للصلاة مثلا وليس حالها حال بقية المقدمات في كون مطلق وجودها في
- بالمسبب يتعلق بسببه الذى هو المنشأ لانتزاعه واما إذا كان من قبيل المعاليل المترتبة على عللها المغايرة لها في الوجود كالقاء النار المترتب عليه الاحراق مع تغايرهما في الخارج لمغايرة مبدئيهما فبه فلا مجال فيه لد عوى خروجه عن محل البحث في وجوب مقدمة الواجب وانصافه بالوجوب النفسي المتعلق بمسببه فان ملاك البحث المزبور مشترك فيه بينه وبين سائر المقدمات كما هو ظاهر 1 - الظاهر ان الاتيان بالمقدمة بداعي التوصل إلى الواجب نفسي يوجب استحقاق الثواب عليه غير الثواب المترتب على اتيان الواجب النفسي وذلك لان الاتيان المزبور بنفسه ومع قطع النظر عن رتب الواجب النفسي عليه مصداق لتعظيم المولى وجرى من العبد على طبق عبودية نعم ترك المقدمة لا يزيد على الهتك المتحقق بترك الواجب النفسي فلا يترتب العقاب على ترك المقدمات زائدا على العقاب المترتب على ترك الواجب المتوقف عليها ولافرق فيما ذكرناه بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)
[ 175 ]
الخارج مقدمة سواء اتى بها عبادة ام لا فلا اشكال في توقف الامر الغيرى على عباديتها وحينئذ فحيث ان العبادية تحتاج إلى وجود الامر فاما ان يكون الموجب لها تعلق الامر الغيرى بها فيلزم الدور أو يكون الموجب لها تعلق الامر النفسي بانفسها في حدذواتها وهو ايضا باطل لانه لايتم في خصوص التيمم الذى لم يدل (1) دليل على كونه مطلوبا في حد ذاته " اولا " مع ان الامر النفسي الاستحبابى ينعدم بعروض الوجوب " ثانيا "
مع انه يصح الاتيان بجميع الطهارات بقصد الامر النفسي المتعلق بذيها من دون التفاوت إلى الامر النفسي المتعلق بها " ثالثا " فليس حالها حال صلاة الظهر والصوم بالاضافة إلى صلوة العصر والاعتكاف المتوفقين على تحققهما في الخارج مع انهما امر بهما لانفسهما ولذا لا اشكال في فساد هما لو لم يقصد امرهما بل قصد الامر النفسي المتعلق بما يتوقف عليهما اعني صلاة العصر والاعتكاف وهذا بخلاف الطهارات الثلاث فانه لااشكال في صحتها فيما لو اتى بها بقصد الامر النفسي المتعلق بما يتوقف عليها ولو كان ذلك مع عدم الالتفات إلى محبوبيتها ومطلوبيتها في حد ذواتها ومنه ظهران ما اجاب به صاحب الكفاية (قده) عن الاكتفاء بالامر الغيرى في الصحة من ان الامر الغيرى لا يدعو الا إلى ما هو المقدمة فيتحقق قصد الامر النفسي ايضا ضمنا فاسد فان قصد الامر النفسي على الفرض مقوم للمقدمة فكيف يصح قصد الامر الغيرى بدونه والا فلا بدمن الالتزام بصحة صلاة الظهر والصوم في فرض قصد امر العصر والاعتكاف مثلا وهو واضح البطلان (والتحقيق) في الجواب عن الاشكال ان يقال انه لا وجه لحصر منشأ عبادية الطهارات الثلاث في الامر الغيرى وفى الامر النفسي المتعلق بذواتها بل هناك امر ثالث وهو الموجب لكونها عبادة (بيان ذلك) ان الامر النفسي المتعلق بالصلاة مثلا كما ان له تعلقا باجزائها وهو موجب لكونها عبادة لا يسقط امرها الا بقصد التقرب فكذلك (2) له تعلق بالشرائط المأخوذة فيها فلها ايضا حصة من الامر النفسي وهو الموجب لعباديتها فالموجب للعبادية في الاجزاء والشرائط على نحو واحد
1 - لا يبعد استفادة استحباب التيمم في نفسه لفاقد الماء من قوله ع التيمم احد الطهورين بضميمة الاطلاقات الدالة على استحباب الطهر في نفسه 2 - قد عرفت فيما تقدم ان الامر المتعلق بالمقيد لا يكون له تعلق بنفس القيد اصلا والا لم يبق فرق بين الاجزاء والشرايط ولزم استحالة اتصاف الشرايط بالوجوب الغيرى - (*)
[ 176 ]
فان قلت ما الفرق بين الطهارات الثلاث وبقية الشروط في ان الامر النفسي اوجب عباديتها دون غيرها مع ان تعلق الامر النفسي بجميعها على نحو واحد (قلت) الفارق هو ان الغرض في خصوص الطهارات الثلاث اعني به رفع الحدث لا يكاد يحصل الا إذا اتى بها عبادة دون بقية الشرائط ولامانع من اختلاف الشرائط في هذه الجهة بل لا مانع من اختلاف الاجزاء ايضا بالعبادية وعد مها في مرحلة الثبوت وان لم يتفق ذلك في مرحلة الاثبات (فتحصل) ان توقف الامر الغير في الطهارات الثلاث
- كاستحالة اتصاف الاجزاء به فالتحقيق في الجواب ان يقال ان الواجب المشروط بالطهارات الثلاث بما انه يتوقف عليها بما هي عبادة فالامر الغيرى المتعلق بها وان كان يتوقف على كونها عبادة الا ان كونها عبادة لا يتوقف على تعلق الامر الغيرى بها بل هو متوقف على احد امرين على سبيل منع الخلو احد هما قصد الامر النفسي المتعلق بها مع قطع النظر عن مقدميتها للواجب وهذا يتوقف على وجود الامر النفسي هو ثابت في الغسل بلا اشكال وفى الوضوء ايضا على المختار بل لا يبعد ثبوته في التيمم ايضا كما مرو ثانيهما قصد التوصل بها إلى الواجب فانه ايضا كما عرفت موجب لوقوع المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها شرعا قال اتى بالطهارات بقصد التوصل بها إلى الواجب قد اوجد المقدمة في الخارج وان لم يكن ملتفتا إلى الامر النفسي المتعلق بها وقاصدا لامتثال كما ان الاتى بها بقصد امرها النفسي موجد للمقدمة ايضا ولم يلتفت إلى المقدمية فان الامر الاستحبابى ولو فرض تبدله بالامر الوجوبى لزوال حد الاستحباب بعروض الوجوب الغيرى الا ان ذات الطلب الاستحبابى موجود في ضمن الطلب الفعلى لا محالة كما هو الحال في جميع موارد الاشتداد وتبدل الضعيف بالقوى فتحصل ان لزوم الاتيان بالطهارات الثلاث عبادة لم ينشأ من ناحية امرها الغيرى بل من جهة كون المقدمة عبادة ولو لم نقل بوجوبها الغيرى اصلا و ان شئت قلت ان الواجب المشروط بالطهارة يتوقف حصوله في الخارج على تحقق الافعال الخارجية وقصد التقرب بها من المولى فالمقدمة منحله إلى ذات الفعل وقصد التقرب بها
فإذا اتى بالافعال في الخارج ولم يقصد به التقرب بها من المولى فلم توجد المقدمة في الخارج فلا تصح العبادة المشروطة بها واما إذا قصد بها التقرب سواء كان ذلك من جهة قصد امتثال الامر النفسي المتعلق بها أو من جهة تقصد التوصل بها إلى العبادة المشروطة بها فالمقدمة قد وجدت في الخارج وتصح معه العبادة المشروطة بها ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)
[ 177 ]
على عباديتها مسلم الا أن توقف عباديتها على الامر الغيرى أو على الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بانفسها ممنوع بل العبادية متوقفة على الامر النفسي المتعلق بالمشروط بها فلا اشكال ولعمري دفع الاشكال بما ذكرنا واضح ومن العجب ان العلامة الانصاري (قده) اعتنى بالاشكال غاية الاعتناء ولم يأت بجواب صحيح كما يظهر لمن راجع كتاب الطهارة والتقريرات (تنبيه) لا اشكال في صحة الوضوء والغسل بداعي محبوبيتهما وامتثال الامر النفسي المتعلق بانفسهما قبل دخول وقت الواجب المشروط بهما كما انه لا اشكال في صحة الاتيان بهما قبل الوقت بداعي امتثال الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بالمشروط بهما صحة أو كمالا واما بعد دخول وقت الواجب النفسي المشروط بالطهارة فان اتى بهما بداعي الامر النفسي المتعلق بذلك الواجب النفسي المشروط بالطهارة فلا اشكال في الصحة ايضا كما عرفت وان اتى بهما لا بداع التوصل إلى ذلك الواجب بل بداع آخر ولم يكن له داع إليه فعلا فالحق صحتهما ايضا لان الامر النفسي الاستحبابى المتعلق بهما وان كان مندكا (1) في ضمن الامر النفسي المتعلق بهما في ضمن الامر بالمقيد بالطهارة الا ان المعدوم هي المرتبة الاستحبابية واما ذات الطلب فهى باقية عند
الاشتداد والتبد ل إلى مرتبة اكيدة ايضا فيصح الاتيان بهما بداعي ذات الطلب الموجود في تلك المرتبة الاستحبابية وان كانت تلك المرتبة زائله ومتبدلة إلى مرتبة اخرى اكيدة (هذا) حال الامر الاستحبابى مع الامر الوجوبى النفسي الضمنى واما مع الامر
1 - اندكاك الامر الاستحبابى في الامر الوجوبى عند عروض الوجوب على ماكان مستحبا في نفسه مبنى على ان يكون التمايز بينهما في الاختلاف في المرتبة بعد اشتراكهما في جامع الطلب واما بناء على ما تقدم من كون التمايز ناشئا من الاختلاف في الملاك المستلزم للترخيص في الترك تارة ولعدم الترخيص فيه اخرى من دون ان يكون الطلب في احدهما اضعف من الاخر فلاتبدل في المرتبة ايضا ليندك احد هما في الاخر نعم عنه عند عروض الوجوب لحدوث الملاك الملزم بعد ما لم يكن يتبدل الترخيص في الترك بعدم الترخيص فيه لكنه اجنبي عن التبدل في نفس الحكم واندكاك الاستحباب في ضمن الوجوب (*)
[ 178 ]
الوجوبى الغيرى فلا تبدل اصلا بل كلاهما موجودان بالفعل ولاتنافى بينهما (توضيح ذلك) ان في الوضوء والغسل بعد فعلية وجوب ما يتوقف عليهما ثلاث جهات (الاولى) كونهما مطلوبين بالطلب الاستحبابى النفسي (الثانية) كونهما (1) مطلوبين بالطلب النفسي الوجوبى الضمنى (الثالثة) كونهما مطلوبين بالطلب الغيرى الوجوبى وعند اجتماع الجهات تندك الجهة الاولى في الثانية دون الثالثة (والضابط) ان الامر الوجوبى ان كان متعلقا بعين ما تعلق به الامر الاستحبابى فلابد وان يندك احدهما في الاخر فيتحصل منهما طلب واحد اكيد لامتناع اجتماع المثلين في موضوع واحد (واما) إذا كان احدهما في طول الاخر ومتعلقا بالفعل المأتى به بداعي الامر الاول بان يكون المأمور به في الامر الثاني هو الفعل المقيد بكون الداعي له هو الامر الاول فيتعدد الموضوع فلا اشكال (مثال الاول) تعلق النذر بفعل مستحب في حد ذاته كصلاة الليل مثلا فان الصلاة لرجحانها ذاتا وتعلق النذر بها تكون واجبة لا محالة ويندك الامر الاستحبابى في الوجوب
ويكتسب الامر الاستحبابى ماكان فاقده وهو تأكد الطلب كما ان الامر الوجوبى الناشئ من قبل النذر يكتسب من الامر الاستحبابى ما هو فاقده وهى تعبدية الامر فتكون نتيجة امتزاج احد الامرين بالاخر وجوبا واحد انفسيا تعبديا (ومثال الثاني) الاجارة على صلاة الليل عن ميت أو عن حى بناء على الجواز فان الامر الاستحبابى متعلق باتيان العمل عن الغير بدلا عنه وبداعي امتثال الامر المتعلق به (2) فهو متعلق بذات العمل
1 - قد عرفت ان الامر بالمشروط لا يتعلق بنفس الشرط ليتكلم في ان الامر الاستحبابى المتعلق بالشرط كالطهارات في محل الكلام هل يندك في ضمن الامر الوجوبى المتعلق بالواجب المشروط بها اولا 2 - لا يخفى ان الامر المتعلق بكل مكلف انما يمكن امتثاله في الخارج من ذلك المكلف ولا معنى لامتثال غير المكلف التكليف المتوجه إلى شخص آخر خصوصا فيما إذا فرض سقوط ذلك التكليف بموت أو بغيره فلا وجه لدعوى ان النائب لابد له ان يقصد امتثال الامر المتعلق بالمنوب عنه بل اللازم على النائب ان يقصد في عمله امتثال الامر المتوجه إليه المتعلق باتيان العمل عن الغير سواء كان ذلك الامر وجوبيا أو كان استحبابيا ثم ان الامر الاستحبابى المتعلق بالنيابة في العبادات بما انه عبادي فهو متعلق بذات العمل الصادر نيابة عن الغير وبصدوره عن داع قربى وبما ان المفروض تعلق الامر الناشئ من قبل الاجارة بذلك ايضا فمتعلق احدهما عين متعلق الاخر فيكون الحال في موارد الاستيجار كالحال في موارد تعلق النذر بعبادة مستحبة في نفسها ويترتب على ذلك صحة العبادة الاستيجارية - (*)
[ 179 ]
بخلاف الامر الوجوبى الناشئ من الاجارة فانه متعلق باتيان الصلاة بداعي امتثال امرها الاول فقد اخذ الامر الاول في موضوع الامر الثاني فلا يعقل تبدل احد هما بالاخر لكونه في طوله كما هو الحال في الامر الوجوبى المقدمى الناشئ من قبل الامر بصلاة العصر المتعلق باتيان الظهر بداعي امرها ولذا لا اشكال في فساد صلاة الظهر
لواتى بها بداعي امتثال الامر بالعصر في فساد العبادة الاستيجارية إذا اتى بها بداعي امتثال الامر الناشئ من قبل الاجارة ففيما فيه حيث ان الامر النفسي الضمنى متعلق بنفس ما تعلق به الامر الاستحبابى فلا مناص عن اتحادهما بخلاف الامر الغيرى المترشح من الامر بذى المقدمة فانه في طوله متعلقه هو العمل المأتى به بداعي الامر الاول هو توصلي محض فلا اتحاد له مع الامر النفسي الاستحبابى العبادي اصلا والعجب من العلامة الانصاري (قده) انه خلط الوجوب الغيرى بالوجوب الضمنى فحكم في المقام باتحاد الامر النفسي الاستحبابى مع الامر الغيرى المترشح واندكا كه فيه مع انهما طوليان فتدبر في اطراف ما ذكرناه فانه دقيق وبه حقيق (فتحصل) من جميع ما ذكرناه امران (الاول) ان الاوامر الغيرية المتعلقة بالطهارات الثلاث لا توجب عباديتها وترتب الثواب عليها الا إذا كان الاتيان بها بقصد التوصل إلى غاياتها فان الامر الغيرى حيث انه في هوية ذاته متقوم بالغير فلا محركية له بنفسه بل محركيته بعين محركية الامر النفسي المتعلق بالغاية ففى فرض عدم قصد التوصل لا يكون الامر النفسي محركا فلا يكون الغيرى محركا ايضا ولعل ما ذكرناه ارتكازى في نفوس العقلاء بداهة ان المولى إذا امر عبده بتحصيل الدراهم لاشتراء اللحم فحصلها لاشتراء شيئ آخر فلا يعد هذا العبد ممتثلا لامر وعاصيا لاخر واما الاستدلال بذلك لاصل المطلب كما عن العلامة الانصاري (قده) ففى غير محله (1) فان فهم العرف انما يكون حجة في
- إذا اتى بها بداعي امتثال الناشئ من قبل الاجارة ايضا ولو كان الاتى بها غافلا عن تعلق الامر الاستحبابى بالنيابة في نفسها ومما ذكرناه يظهر الحال في المقام وفى ما إذا كان واجب نفسي مقدمة الواجب نفسي آخر 1 - الاستدلال المزبور انما هو من جهة الحكم العقل وادراكه الارتكازي الذى لا يختص بمقام دون مقام وليس مبنيا على الفهم العرفي المختص حجيته بمباحث الالفاظ ليورد عليه بما افيد في المتن (*)
[ 180 ]
مباحث الالفاظ والمسألة المبحوث عنها في المقام عقلية نعم يكون فهم العرف مؤيدا للبرهان وكاشفا عن ارتكازيته كما ذكرنا (الثاني) انه يكفى في عبادية الطهارات الثلاث قصد المحبوبية الذاتية والمطلوبية الاستحبابية ولو كان ذلك بعد اتصافها بالوجوب المقدمى بد خول وقت الواجب النفسي وذلك لما مرمن ان ذات الطلب الاستحبابى لا ينعدم بعروض الوجوب النفسي غاية الامران حد المرتبة الاستحبابية يزول بعروض الوجوب في مورده وما ذكرناه جار في مقام مراتب الاشتداد وغير مختص بمقام مخصوص واما ما افاده المحقق السيد الطباطبائى (قده) في العروة من انه لا مانع من بقاء الاستحباب بعد عروض الوجوب لامكان اجتماع الحكمين من جهتين على ما قواه (قده) من جواز اجتماع الامر والنهى فغير سديد فان محل الكلام في مبحث اجتماع الامر النهى هو ما إذا كانت تقييدية لا تعليلية والمقام من قبيل الثاني (والضابط الفارق) بينهما ان الجهات إذا كانت بحث يمكن تعلق الارادة التكوينية بكل منها مستقلا كما في الصلوة والغصب فالجهات تقييدية والا فهي تعليلية وجهات الحسن والقبح التى تترتب على الافعال الخارجية وتكون داعية إلى جعل الحكم على طبقها من القسم الثاني فإذا فرضنا ان في الفعل الواحد مصلحة من جهة ومفسدة من جهة اخرى فلا اشكال في عدم جواز اجتماع الامر والنهى فيه بالجهتين لاوله إلى اجتماع الضدين بالبداهة (بالجملة) المراد من الجهات في بحث اجتماع الامر والنهى هي التى بها تتعدد المتعلقات ويكون متعلق كل حكم امرا مغاير المتعلق الآخر واما تعدد الجهات التى هي من قبيل الدواعى مع وحدة المتعلق فهو اجنبي عن ما هو محل البحث في تلك المسألة بالكلية فالوضوء مثلا بما نه فعل واحد لا يمكن اتصافه بحكمين ولو بداعيين هذا مع ان الجهة التعليلية في المقام ايضا واحدة (1) ضرورة ان الداعي إلى طلبه هو رفع الحدث واحد لا تعدد فيه فما نحن فيه اجنبي عن باب تعدد الدواعى
ايضا (بقى في المقام شيئ) هو ان المكلف إذا اتى بالطهارات الثلاث بداعي التوصل
1 - ارتفاع الحدث المترتب على الوضوء وان كان امرا واحدا الا ان الداعي إلى طلبه امران احد هما كونه محبوبا في ذاته الثاني توقف الواجب الفعلى عليه فلا وجه لما افيد في المتن من كون الجهة التعليلة واحدة (*)
[ 181 ]
بها إلى غاياتها ولكنه بداله بعد ايجادها عن الاتيان بغاياتها فهل عدم الاتيان بها خارجا يمنع عن حصول الاطاعة بها وامتثال أو امرها اولا اما على القول بالمقدمة الموصلة فلا اشكال في ان عدم الايصال الخارجي يكشف (1) عن عدم تعلق الوجوب بها من اول الامر تعلق الامر بها تخيلا من الفاعل واما بناء على عدم اعتبار الايصال في الاتصاف بالوجوب كما هو الاقوى فيظهر من بعض اعتباره في العبادية وترتب الثواب على المقدمة ولكنه خلاف التحقيق لماعرفت من ان المحرك في فرض قصد التوصل هو الامر النفسي وبما ان الاتيان بها في هذا الفرض انما كان بتحريك الامر النفسي وبداعي اطاعته ولا يعتبر في العبادة ازيد من كونها بداعي الامر وبتحريكه فلا مناص عن الحكم بالصحة في مفروض الكلام فان الشيئ لا ينقلب عما وقع عليه والبداء بعد العمل لا يغير ما وقع عبادة عما هو عليه المبحث الخامس " في تقسيم الواجب إلى تعيينى وتخييري " فالاول ما لابدل له فلا يسقط امره باتيان غيره بخلاف الثاني فانه يسقط امره باتيان بدله ولا اشكال في وقوعه في الشرعيات والعرفيات انما الاشكال في تعقل كنهه وشرح حقيقته من جهة ان الارادة التى هي من الصفات النفسانية لابد وان يكون متعلقها امرا معينا غير مبهم فلا يعقل تعلقها بماله بدل وما هو مردد بين الامرين (والوجوه) التى يتفصى بها عن الاشكال امور
(الاول) ان امتناع الابهام وعدم التردد في متعلق الارادة يختص بالارادة التكوينية ولا يعم التشريعية (الثاني) ان الغرض من الواجبين حيث انه واحد فلا محالة يكون
1 - عدم ترتب الواجب النفسي على الطهارات وان كان يكشف عن عدم انطباق الواجب الغيرى عليها بناء على ما هو الصحيح من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة الا انه لا يكشف عن فسادها بعد فرض كونها محبوبة من غير جهة توقف الواجب النفسي عليها ايضا وحصول التقرب بها خارجا (*)
[ 182 ]
المؤثر فيه ايضا واحدا وهو الجامع بين الفعلين فيكون التخيير بينهما في الحقيقة تخييرا عقليا (الثالث) ان الواجب هو الجامع العنوانى الانتزاعي وهو مفهوم احدهما الصادق على كل منهما وهذا الوجه في طول الثاني ومترتب على عدمه والافلو امكن وجود جامع حقيقي يتعلق به التكليف فلاتصل النوبة إلى الجامع الانتزاعي ابدا (الرابع) ان كل واحد من الواجبين واجب تعيينا الا ان احدهما يسقط بفعل الآخر وهذا الوجه بظاهره لا يمكن التفوه به الا ان الظاهر ان مراد القائل به هو ان هناك غرضين متزاحمين لا يمكن جمعهما في الوجود الخارجي ولاجله تقع المزاحمة بين الامرين فيكون كل منهما مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الآخر والتزاحم في المقام وان كان يغاير التزاحم في مقام الامتثال في ان التزاحم في المقام انما نشأ من عدم امكان اجتماع الملا كين وجودا والا فالمكلف قادر على ايجاد كلا الفعلين في الخارج واما التزاحم في مقام الامتثال فهو انما ينشأ عن عجز المكلف عن امتثال التكليفين من دون ان يكون هناك تزاحم في الملاك اصلا (الا ان نتيجة التزاحم في كلا المقامين) هو اشتراط خطاب كل منهما بعدم وجود متعلق الآخر
(الخامس) (1) أن يكون الواجب هو الواحد المعين من الفعلين أو الافعال وهو الذى يعلم الله تبارك وتعالى ان العبد هو لظهور (2) فساده غير قابل للتصدى لجوابه والاقوى من هذه الوجوه هو الوجه الاول (توضيحه) ان كل ما فرض اعتباره
1 - وهناك وجه سادس هو ان يكون الواجب كل منهما تعيينا ويكون الاتيان بواحد منهما في الخارج موجبا لسقوط الاخر ايضا بحكم المولى ارفاقا وتسهيلا على المكلفين ويرد عليه أو لا انه خلاف الوجدان في موارد الواجبات التخييرية وثانيا انه يستلزم تعدد العقاب عند عصيان الوجوب التخييري وعدم الاتيان بشيئ من الفعلين وهو خلاف المفروض 2 - إذ يرد عليه اولا ان التكليف بالمعين خلاف ظواهر الادلة الدالة على الوجوب التخييري وثانا انه ينافى الاشتراك في التكليف المقطوع به من الادلة وثالثا انه إذا فرض عصيان المكلف وعدم اتيانه بشيئ من الفعلين فما ذا يكون متعلق التكليف التخييري وبما انه لا تعين له في هذا الفرض لا يكون له تعيين في فرض الامتثال ايضا ضرورة ان الامتثال والعصيان انما يتعلقان بشيئ واحد (*)
[ 183 ]
في الارادة التكوينية فان كانت معتبرا فيها لا لخصوصية كونها تكوينية بل لكونها ارادة (1) فهو معتبر في التشريعية ايضا لا محالة بخلاف ما إذا كان اعتباره فيها لاجل خصوصية كونها تكوينية فلا يعم التشريعية قطعا ولا بأس في افتراقهما في بعض الامور مثلا تنقسم الارادة التشريعية إلى تعبدية وتوصلية باعتبار انها ان سقطت بفعل المأمور به وان لم يقصد به التقرب فهى توصلية والا فتعبدية وهذا الانقسام من خواص الارادة التشريعية التى تتعلق بفعل الغير ولا يعم التكوينية بالضرورة وكذا يمكن تعلق الارادة التشريعية بالكلى الملغى عنه الخصوصيات الفردية والصنفية بل هي كذلك دائما غاية الامر انه يختلف دائرة الكلى المتعلق به الارادة سعة وضيقا وهذا بخلاف الارادة التكوينية فانها لكونها علة الايجاد السراد لا تتعلق الا بالشخص لامتناع ايجاد الكلى في
الخارج الافى ضمن فرده (والذى) يترجح في النظر ان يكون امتناع تعلق الارادة التكوينية بالمردد وماله بدل من لوازمها خاصة ولا يعم التشريعية فان الغرض المترتب على كل من الفعلين إذا كان امرا واحدا كما هو ظاهر العطف بكلمة (أو) ولو كان عطف جملة على جملة كما هو الغالب أو عطف مفرد على مفرد فانه بحسب مقام الاثبات الموافق لمقام الثبوت يدل على ان هناك غرضا واحدا يترتب على واحد من الفعلين
1 - قد عرفت فيما تقدم انه لا موجب لتسرية احكام ارادة التكوينية إلى الحكم المجعول اصلا واما امكان تعلق الطلب باحد الفعلين أو الافعال على البدل كما افيد فهو الصحيح الذى لا ينبغى الريب فيه ضرورة انه لا يعتبر في متعلق الوجوب الذى قد عرفت انه امر اعتباري ان يكون من الكليات المتأصلة بل يجوز ان يكون من الكليات الانتزاعية فإذا فرض ترتب غرض واحد على احد الفعلين أو الافعال على البدل فلابد وان يكون متعلق الايجاب ايضا كذلك هذا مع انه يمكن تعلق الصفة الحقيقية باحد الامرين أو الامور ايضا فإذا علمنا اجمالا بعدالة احد الرجلين مع احتمال عدالة الاخر ايضا وفرضنا في الواقع عدالة كل منهما فبما ان المعلوم بالاجمال لاتعين له في الواقع بالضرورة لان نسبة العلم الاجمالي إلى كل منهما على حد سواء وليست كلنا العدالتين المتحققتين في الواقع معلومتين على الفرض وليست العدالة الكلية الجامعة متعلقة للعلم إذا المفروض كون احدى الخصوصيتين معلومة على الاجمال فلا مناص من الالتزام بكون متعلق العلم احدى العدالتين على نحو الا بهام والتردد فإذا امكن ذلك في الصفات الحقيقية ففى الاعتبارية بطريق اولى (*)
[ 184 ]
على البدل فلابد وان يتعلق طلب المولى باحدهما على البدل ايضا لعدم الترجيح بينهما وليس هناما يتوهم كونه مانعا عن تعلق الطلب بشيئين كذلك لا ثبوتا ولا اثباتا الا ما تقدم من دعوى امتناع تعلقه بالمبهم والمردد وقد عرفت انه يختص بالتكوينية التى لا ينفك المراد عنها ويوجد بها فلابد وان يكون متعلقا امرا معينا شخصيا فيوجد
بها في الخارج واما الوجه الثاني ففيه ان وحدة الغرض وان كانت كاشفة عن وحدة المؤثر لا محالة (1) لامتناع صدور الواحد عن الكثير الا انها لا توجب كون التخيير عقليا و تعلق الطلب بالجامع الملاكى المستكشف تحققه بالبرهان لا يكفي في جواز تعلق التكليف به بل لابد فيه من ان يكون الجامع جامعا عرفيا يمكن ان يقع فيه حيز الخطاب حتى يخير العقل بين افراده فالتخيير العقلي يحتاج إلى مقدمة ثالثة وهى وجود الجامع العرفي والمفروض انه غير محقق في المقام واما الوجه الثالث فهو في نفسه وان كان لامانع من الالتزام به ضرورة ان مفهوم احد الشيئين وان لم يكن من العناوين الانتزاعية التى يكون منشأ انتزاعها موجودا فعلا كمفهوم المتقدم والمتأخر لكنه ليس من العناوين الانتزاعية الفرضية غير القابلة لتعلق التكليف بها ايضا بل هو من العناوين التى يمكن فرض منشأ انتزاعها ليكون التكليف المتعلق بها متعلقا بمنشأ انتزاعها وعليه فيمكن فرض منشأ انتزاع له بفرض شيئين أو اشياء توجيه التكليف إليه الا انك بعد ما عرفت امكان تعلق التكليف (2) بواقع احدهما تعرف ان توسيط العنوان الانتزاعي في تعلق الخطاب يكون لغوا وغير
1 - قد عرفت فيما تقدم ان امتناع صدور الواحد من الكثير انما يختص بصدور الواحد الشخصي من الكثير واما الواحد النوعى فلا مانع من صدور فردمنه من شيئ وصدور فرد آخر منه من شيئ آخر من دون ان يكون بينهما جامع حقيقي اصلا 2 - لا يخفى ان ما ذكرناه من امكان تعلق الطلب باحد الفعلين أو الافعال على البدل متحد مع هذا الوجه بعينه واما ما افيد في المتن من امكان تعلقه بواقع احد الفعلين أو الافعال فان اريد منه الواقع المعين الذى يختاره المكلف خارجا فالالتزام بتعلق التكليف به متحد مع الالتزام بالوجه الخامس الواضح بطلانه وان اريد منه غيره فلاواقع لعنوان احدهما ليلتزم بجواز تعلق التكليف به دون نفس العنوان (*)
[ 185 ]
محتاج إليه واما الوجه الرابع ففيه ان الاشتراط في الخطاب لاجل التزاحم في مقام الامتثال وان كان امرا ممكنا كما التزمناه في التزاحم الخطابى الا ان فرض التزاحم بين الملا كين وامتناع وجود الغرضين في الخارج مع قدرة المكلف على ايجاد كلا الفعلين في الخارج من باب فرض انياب الاغوال وظاهر الدليل يدفعه (1) لعدم تعليق كل من الخطابين على عدم الاتيان بمتعلق الآخر باحدى ادواة الشرط بل ظاهر العطف بكلمة (أو) وحدة الغرض كما عرفت مضافا إلى ان القول بالاشتراط حتى في التزاحم الخطابى مبنى على امكان الترتب كما هو الاقوى ولا يمكن الالتزام به ممن يرى استحالة الترتب كالمحقق صاحب الكفاية " قده " بل ان القول بالاشتراط في التزاحم الخطابى لا يستلزم القول به في المقام اصلا فان الملاكين فيما نحن فيه على الفرض متزاحمان (2) في الملاكية ومن
1 - يرد على هذا الوجه مضافا إلى ما افيد في المتن اولا ان التضاد بين الغرضين ان كان بمعنى انه مع وجود احدهما في الخارج لا يبقى مجال لاستيفاء الاخر بعده واما استيفاء الغرضين معا فهو بمكان من الامكان فلازمه ان يأمر المولى بايجاد الفعلين معا المترتب على كل منهما غرض الزامي على الفرض وهذا ينافى كون الوجوب تخييريا حتى فيما امكن المكلف ان يجمع بين الفعلين وان كان بمعنى استحالة تحقق الغرضين واستيفائهما في الخارج حتى في فرض مقارنة احد الفعلين للاخر فهو يستلزم عدم تحقق الامتثال فيما إذا اتى المكلف بالفعلين معا لاستحالة وجود الغرضين معا لتضاد هما ووجود احدهما دون الاخر لامتناع الترجح بلا مرجح وهو واضح البطلان وثانيا ان لازم الالتزام بوجود الغرضين الالزاميين في موارد الوجوب التخييري هو الالتزام بتعدد العقاب عند عدم الاتيان بشيئ من الواجبين معا بناء على ما هو الصحيح كما ستعرف من لزوم الالتزام به في موارد تزاحم الخطابين مع انه ظاهر الفساد في المقام
2 - لا يخفى ان التزاحم بين الملاكين انما يكون فيما إذا كان احدهما مقتضيا لجعل حكم على خلاف ما يقتضيه الاخر واما في المقام فلا تزاحم بين الملاكين في دعوة كل منهما إلى جعل الحكم على طبق ما يقتضيه إذا المفروض انه لا مانع من جعل الحكمين الا امتناع استيفاء كلا الملاكين في الخارج وسيجيئ ان لازم ذلك هو وجود خطابين مشروطين لاخطاب واحد متعلق باحد الفعلين مثلا على البدل (*)
[ 186 ]
الواضح ان الملاك المزاحم بملاك آخر لا يصلح لان يكون داعيا إلى التكليف فلا مناص من كون احد الملاكين على البدل ملاكا فعليا وقابلا للدعوة فينتج خطابا واحدا بأحد الشيئين على البدل لاخطابين مشروطين وهذا بخلاف التزاحم الخطابى فان كلا من الملاكين فيه قابل للدعوة في حدنفسه وانما الممتنع وجود هما معا في الخادج لعدم القدرة على ايجاد الفعلين الذين يترتب عليهما الملاك فلا محالة يكون التزاحم موجبا لان يكون مشروطا بعدم الاتيان بمتعلق الاخر فالفرق بين التزاحم في المقامين في غاية الوضوح فتدبر جيدا (تتميم) لا اشكال في امكان التخيير بين الاقل والاكثر إذا اخذ الاقل بشرط لا (1) بمعنى انه يؤخذ بحيث يخرج عن قابلية لحوق الزائد عليه مثل الدخول في الركوع في الاقتصار على التسبيحة الواحدة في الركعة الثالثة أو الرابعة أو رفع الرأس من الركوع أو السجود في أذكار الركوع والسجود فأنه ما لم يخرج عن القابلية المذكورة بالانتقال إلى غير محله لا يتصف بكونه بشرط لابل هو لا بشرط من جهة قابليته لالحاق الاكثر به فيكون جزءا للاكثر والكلام انما هو في وقوعه (والتحقيق) ان الذى يساعده الدليل منحصر بالقصر والاتمام واما اذكار الركوع والسجود أو التسبيحة في الاخيرتين فالظاهر من الادلة ان الواجب منها هو الاقل فقط والزائد مطلوب استحبابا وليس من
باب التخيير بين الاقل والاكثر
1 - لا يخفى ان التخيير فيما إذا كان طرف التخيير هو الاقل المأخوذ بشرط لاوفيما إذا كان الامر متعلقا بصرف وجود الطبيعة الصادق على الاقل تارة وعلى الاكثر اخرى كما إذا امر برسم الخط المستقيم الصادق على القصير والطويل وان كان امرا ممكنا وواقعا في الشرعيات والعرفيات الا ان مرجع ذلك إلى التخيير بين المتباينين كما هو ظاهر واما فيما إذا اخذ الاقل لا بشرط وكان وجوده في الخارج منحازا عما يلحقه من الاجزاء الاخر فإذا فرض تحققه في الخارج فيحصل الغرض ويسقط الامر بحصوله ومعه لا يبقى مجال لتخيير بنى الاقل والاكثر فامر الوجوب التخييري دائر بين ان يكون متعلقا بالمتباينين وان يكون مستحيلا (*)
[ 187 ]
المبحث السادس في الوجوب الكفائي وتوضيح الحال فيه يحتاج إلى بيان مقدمة وهى ان الغرض من المأمور به تارة يترتب على صرف وجود الطبيعة واخرى على مطلق وجودها السارى والاول منهما يستتبع حكما واحدا متعلقا بصرف وجود الطبيعة فيكتفى في امتثاله بالاتيان بفرد واحد وهذا بخلاف الثاني فان الحكم في مورده ينحل ويتعدد بتعدد افراد تلك الطبيعة ولا يجتزى في مقام الامتثال بايجاد فرد منها مثلا إذا كان غرض المولى مترتبا على اكرام صرف وجود العلم فالحكم المجعول في مورده يكون واحدا ايضا ولازمه جواز الاكتفاء باكرام واحد من العلماء اذلا معنى لبقاء وجوبه بعد حصول الغرض الداعي إلى جعله واما إذا كان الغرض مترتبا على اكرام كل من يصدق عليه انه عالم فالحكم المجعول في مورده يتعدد افراده فيتوقف امتثال حكم كل فرد على الاتيان بخصوص متعلقه
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الغرض من المأمور به كما انه يختلف باعتبار ترتبه على صرف الوجود أو على مطلق الوجود كذلك يختلف بالاضافة إلى المكلف فتارة يترتب الغرض على صدور الفعل من صرف وجود المكلف واخرى يترتب على صدوره من مطلق وجوده وعلى الثاني فالوجوب يكون عينيا لا يسقط بفعل احدهم عن الباقين بخلاف الاول إذ المفروض فيه ان موضوع التكليف هو صرف وجود المكلف فبامتثال احد المكلفين يتحقق الفعل من صرف وجود الطبيعة فيسقط الغرض فلا يبقى مجال لامتثال الباقين ومنه ظهر انه لو حصل الفعل من الجميع في عرض واحد لاستحق كل واحد منهم ثوبا امتثال ذلك الامر كما لو كان منفردا لصدق صرف الوجود عليه كما انه عند مخالفة الجميع يستحق كما واحد منهم العقاب لتحقق مناطه فيه وهذا الوجه الذى ذكرنا هو التحقيق في تصوير الوجوب الكفائي (واما ما قيل) من أن الخطاب متعلق بكل واحد منهم عينا غاية الامر انه مشروط بعدم فعل الاخر ففى الحقيقة هناك خطابات متعددة بعدد اشخاص المكلفين كل منها مشروط بعدم صدور الفعل من الاخر
[ 188 ]
فهو وان كان ممكنا (1) في حد ذاته ويترتب عليه النتيجة التى رمناها وهى استحقاق كل منهم الثواب عند اشتراكهم في العمل الواحد في عرض واحد واستحقاقهم العقاب على تقدير ترك الجميع وسقوط التكليف عن الباقين بامتثال بعضهم الا ان الغرض حيث انه واحد ومترتب على صرف الوجود فلابد وان يكون الخطاب ايضا كذلك لانه يتبعه ويستحيل تخلفه عنه والا لكان بلا داع وغرض وهو محال ففرض قيام غرض واحد بصرف الوجود مستلزم لفرض تعلق خطاب واحد به ايضا نعم إذا كان هناك ملاكات متعددة ولم يمكن استيفاء جميعها وقع التزاحم في مقام الفعلية فيكون خطاب كل منهم مشروطا بعدم فعل الاخر نظير ما إذا وقع التزاحم في المأمور به كانقاذ الغريقين فكما ان نتيجة وقوع التزاحم في فرض عدم قدرة المكلف على ايجاد الواجبين معا هو
اشتراط كل من الخطابين بعدم تحقق الواجب الاخر ضرورة ان كلا منهما إذا كان واجدا لملاك الالزام به بلا قصور فيه غاية الامر ان المكلف لا يقدر على اسيتفاء الملاكين معا فلا محالة يكون التكليف بكل منهما مشروطا بعدم تحقق الفعل الاخر كذلك تكون نتيجة التزاحم في المقام وجود الخطابين على نحو الاشترط فانه إذا كان هناك غرضان يترتب احدهما على فعل مكلف والاخر على فعل مكلف آخر ولم يمكن استيفائهما معا فلا محالة يكون التكليف المتوجه إلى كل منهما مشروطا بعدم تحقق الفعل الاخر وساقطا بامتثال احد المكلفين عن الاخرين فإذا فرضنا شخصين فاقدي الماء وجدا في وقت الصلاة ماء لا يكفي الا لوضوء احدهما فبما ان ملاك وجوب الحيازة في كل منهما تام بلا نقصان والمفروض انه لا يمكن استيفاء الملاكين معا لفرض عدم وفاء الماء الا بوضوء واحد فلا محالة يكون الزام كل منهما بالحيازة مشروطا بعدم سبق الاخر فان سبق احدهما
1 - إذا كان الواجب الكفائي مما يمكن صدوره عن كل واحد من المكلفين كالصلوة على الميت فان كان الترك المفروض كونه شرطا في تعلق وجوبه بكل واحد منهم هو مطلق الترك ولو كان ذلك في برهة من الزمان قابلة للاتيان به فيها فاللازم عند تحقق ذلك ان يجب على كل مكلف ان يأتي به ولو مع فرض اتيان غيره به وهو خلاف ما فرض من سقوطه بفعل واحد منهم وان كان الشرط هو الترك المطلق اعني به الترك في جميع الازمنة القابلة لتحقق الواجب فيها فاللازم عند صدور الفعل من الجميع في عرض واحد ان لا يتحقق الامتثال منهم اصلا إذا لمفروض عدم تحقق الشرط على هذا التقدير (*)
[ 189 ]
سقط التكليف عن الاخر كما انه إذا تركاها معا استحق كل منهم العقاب (فرع) إذا كان كل من واجدى الماء في الفرض المزبور متيمما فهل يبطل تيمم كل منهما اولا يبطل شيئ منهما أو يبطل واحد منهما على البدل الاقوى هو الاول (1) (وبيانه) ان في المقام امورا ثلاثة (الاول) الامر الوضوء (الثاني) الامر الحيازة (الثالث) القدرة على
الحيازة " لااشكال " في ان الامر بالوضوء مترتب على الحيازة الخارجية وكون الماء في تصرف المكلف واما الامر بالحيازة فقد عرفت انه مشروط بعدم سبق الاخر وحيازته واما القدرة على الحيازة فهى بالقياس إلى كلا الشخصين المفروضين فعلية إذا المفروض تمكن كل منهما على حيازة الماء في نفسه وعدم كفاية الماء المفروض الا لوضوء واحد انما يكون منشأ لتحقق التزاحم في مقام فعلية الحيازة منهما خارجا واما فعلية قدرة كان منهما على الحيازة فلا تزاحم فيها اصلا وبما ان بطلان التيمم لم يترتب في لسان الدليل على الامر بالوضوء بل هو مترتب على وجدان الماء المتحقق في ظرف القدرة على الحيازة فيبطل التيممان معا ومن الضرورى ان تزاحم الخطابين في ناحية الوضوء لا يستلزم التزاحم في ناحية الحكم ببطلان التيممين وبالجملة الحكم ببطلان كلا التيممين إذا لم يترتب عليه محذور عقلي فلا مناص من الالتزام به لاطلاق ما دل على بطلان التيمم بوجدان الماء المفروض تحققه في مفروض الكلام كما عرفت المبحث السابع في الموسع والمضيق ينقسم الواجب باعتبار تحديد الامر له بزمان مخصوص وعدم تحدده له إلى
1 - بل الاقوى هو التفصيل بين صورتي سبق احدهما إلى الحيازة وعدمه ففى الاولى يبطل تيمم السابق فقط ويستكشف به عدم قدرة الاخر على الوضوء وبقائه على ما كان عليه من عدم وجدانه الماء واما في الصورة الثانية فبما ان كلا من الشخصين المفروضين قادر على حيازة الماء واستعماله من دون مزاحم فيبطل كل من التيممين والوجه فيما ذكرناه هوان الامر بالوضوء وبطلان التيمم مترتبان في لسان الدليل على وجدان الماء فإذا تحقق يترتب عليه كل من الاثرين كما انه إذا لم يتحقق فلا يتحقق شيئ منهما فالتفصيل بين بطلان التيمم وعدم الامر بالوضوء كما افيد في المتن لاوجه له (*)
[ 190 ]
موقت وغير موقت (وينقسم غير الموقت) باعتبار لزوم الاتيان به فورا وعدمه إلى فورى وغير فورى (وينقسم الموقت) باعتبار زيادة الوقت المحدد له على ما يفى من الزمان باتيان الواجب فيه وعدم زيادته عليه إلى موسع ومضيق وربما يستشكل في وجود الموسع تارة وفي المضيق اخرى (اما في الاول) فبانه يستلزم جواز ترك الواجب في اول الوقت وهو ينافي وجوبه (وجوابه) ان الغرض إذا كان مترتبا على صرف وجود الطبيعة من دون أي خصوصية فيهما فكما انه لا يفرق بين افرادها العرضية في جواز الاتيان ببعض الافراد وترك الاخر كذلك لا يفرق بين افرادها الطولية والملاك في كلا المقامين واحد وهو قيام الغرض بالطبيعة من دون خصوصية في بعض الافراد (واما في الثاني) فبان الانبعاث بما انه لابد وان يتأخر عن البعث ولو آناما فلابد من فرض زمان يسع البعث والانبعاث اعني بهما الوجوب وفعل الواجب ولازم ذلك زيادة زمان الوجوب على زمان الوجوب فإذا فرض تحقق وجوب الصوم مثلا قبل الفجر مع فرض انه مشروط به فيلزم تقدم المشروط على شرطه المستلزم لتقدم المعلول على علته وإذا فرض تحققه حين الفجر فلابد وان يتأخر الانبعاث عنه وآناما وهو خلاف المطلوب إذ لا زمه خلو بعض الزمان من الواجب فيه فلابدوان يلتزم بتحقق الوجوب قبل الفجر آنا ماليكون الانبعاث اول وقت الواجب وبعدم اشتراط الوجوب بدخوله لئلا يلزم تقدم المعلول على علته وذلك يستلزم عدم وجود المضيق (وجوابه) ان لزوم تقدم البعث على الانبعاث وان كان بديهيا الا ان تقدمه عليه ليس بالزمان بل بالرتبة بداهة انه لا يزيد على تقدم العلل التكوينية على معلولاتها فانه ايضا بالرتبة لا بالزمان فلا مانع من كون اول آن الفجر زمان الوجوب والانبعاث كليهما نعم لابد (1) من ان بكون علم المكلف بحدوث الوجوب عند الفجر متقدما على الفجر زمانا ليتمكن من الانبعاث حينه ولعل المستشكل خلط بين
1 - لا يخفى ان العلم بحدوث الحكم عند تحقق موضوعه كالعلم بوجوب الصوم عند تحقق الفجر في المثال وان كان متقدما زمانا على تحقق الموضوع وحكمه غالبا الا انه
ليس مما لابد منه من جهة توقف الانبعاث عند تحقق الموضوع على تقدم العلم بالبعث عقلا ضرورة ان الترتب بين العلم بالحكم والعلم بترتب على مخالفته واختيار الفعل خارجا فرارا عن العقاب طبعي لا زماني فجال العلم بالحكم حال العلم بالموضوع في عدم اعتبار على تقدمه معلوله زمانا (*)
[ 191 ]
تقدم العلم على الانبعاث وتقدم البعث عليه وقد عرفت ان اللازم هو الاول دون الثاني هذا في العلم بالحكم واما العلم بالموضوع وهو العلم بالفجر في المثال فلا يعتبر تقدمه على الموضوع زمانا كما هو ظاهر ثم ان مقتضى القاعدة هل هو وجوب الاتيان بالموقت في خارج وقته اذافات في الوقت اختيارا أو لعذر أو انه يسقط بخروج الوقت فيه اقوال ثالثها التفصيل بين كون القرينة متصلة أو منفصلة فيلتزم بالسقوط في الاول دون الثاني (1) (والحق هو) السقوط مطلقا اما في القرينة المتصلة فظاهر واما في المنفصلة فلان القائل بعدم سقوط بدعوى ان التقييد بالمنفصل لا يفيد الا كون المقيد مطلوبا على نحو التعدد في المطلوب فإذا سقط احد هما بقى الآخر على حاله ان ادعى ان ذلك هو مقتضى القاعدة في تمام التقييدات سواء كان القيد زمانا ام زمانيا فهو سد لباب حمل المطلق على المقيد ولا يمكن الالتزام به وان ادعى اختصاص ذلك بخصوص الزمان دون الزمانى فهى دعوى بلا بينة وبرهان مع وحدة الملاك في كلا المقامين وهو ظهور القيد في الركنية وتضييق دائرة المطلوب الاول نعم إذا قام على وجوب القضاء في خارج الوقت (فيقع الكلام) في ان ذلك الدليل هل يكون كاشفا عن بقاء الامر الاول لكونه من باب التعدد في المطلوب أو لكون القيد ركنا في حال الاختيار فقط اولا يكون الدليل كاشفا عن شيئ من الامرين بل يكون الامر بالقضاء امرا جديدا حادثا بفوت الواجب الاول " والفرق " بين الوجهين الاولين ان الملاك في تعدد المطلوب هو كون ذات الفعل مطلوبا في عرض
طلب القيد بطلب مستقل بحيث يكون هناك طلبان في عرض واحد بخلاف كون
1 - وهناك تفصيل آخر ذكره صاحب الكفاية قدس سره هو متين وحاصله ان التقيد إذا كان لاجل القرينة المتصلة أو لاجل القرينة المنفصلة فيما كان لها اطلاق لحالتي الاختيار والاضطرار فلا محالة يسقط الامر بخروج الوقت اذلا معنى للامر بالمقيد بعده مع عدم التمكن من امتثاله واما إذا لم يكن لها اطلاق وكان القدر المتيقن هو التقيد بالوقت مع التمكن وفى حال الاختيار وكان لدليل الواجب اطلاق بالقياس إلى الاتيان به في الوقت وفى خارجة فبعد خروج الوقت يؤخذ باطلاق دليل الواجب لفرض عدم المعارض له في هذا الحال ويثبت الوجوب في خارج الوقت ايضا وهذا التفصيل يجرى في مطلق موارد ثبوت التقييد بالقرينة المنفصلة من دون فرق بين كون القيد زمانا وكونه زمانيا (*)
[ 192 ]
القيد ركنا في حال الاختيار فان الطلب فيه واحد غاية الامر انه متعلق بالمقيد عند التمكن وبالفاقد عند عدمه (والتحقيق) هو الوجه الثالث فان كلا من الوجهين الاولين وان كان ممكنا في مقام الثبوت الا انه خلاف الظاهر في مقام الاثبات فان ظاهر لفظ القضاء هو تدارك ما فات في وقته ولا معنى للتدارك على كل من الوجهين فان بناء عليهما يكون الفعل في الخارج الوقت المأمورا به بنفس الامر الاول ويؤيد ما ذكرناه ثبوت القضاء في الحج والصوم المنذورين مع ان الوجوب في النذر تابع لقصد الناذر وعلى الفرض لم يتعلق الا بالفعل المقيد بزمان خص فيستحيل بقاء الامر التابع لقصده بعد فوات الوقت المقصود ويؤيده ايضا ان الامر بالفاقد في كل من الوجهين لابدوان يتصل بالامر الاول زمانا كما هو واضح مع ان زمان الامر بالقضاء ينفصل عن زمان الامر بالاداء غالبا مثلا إذا فرضنا فوات الصوم المنذور فبناء على ان الامر بقضاء الصوم لا يتوجه الا مقارنا للفجر فيكون الليل فاصلا بين زماني الامر بالاداء والامر بالقضاء واما الامر بقضاء الصلاة فبما انه يتوجه بعد خروج الوقت ففى زمان التمكن من ادراك اقل من ركعة
في الوقت يسقط الامر بالاداء لكونه مشروطا بالتمكن من تمام الركعة في الوقت ولا يتوجه الامر بالقضاء لكونه مشروطا بخروج الوقت فيكون هذا الزمان فاصلا بين الامرين لا محالة (ثم انه فيما ثبت فيه وجوب القضاء) كالصلوة والصوم إذا خرج الوقت وشك المكلف في الاتيان بالفعل في وقته وقطع النظر عن قاعدة ان الشك بعد الوقت لا اعتبار به أو فرض الكلام في غير مورد القاعدة فهل يجرى استصحاب عدم الاتيان بالفعل في الوقت لاثبات وجوب القضاء اولا ومنشأ الاشكال هو ان الفوت الذى علق عليه وجوب القضاء في الادلة هل هو عنوان وجودي يعبر عنه بخلو الوقت عن الفعل ويلازم عدم الاتيان به في الوقت أو هو عين عدم الاتيان بالواجب في الوقت فعلى الثاني لااشكال في وجوب القضاء لان موضوعه وهو عدم الاتيان به في الوقت يحرز بالاصل المزبور بخلاف الاول فان وجوب القضاء بناء عليه ليس من آثار نفس المستصحب بل هو من آثار ما هو لازم له عقلا فيكون اجراء الاصل المزبور لاثبات اثر اللازم مبنيا على القول بحجية الاصول المثبتة ولا نقول بها (ثم) انه لو شك في ذلك ولم يعلم ان عنوان الفوت امر وجودي يلازم عدم الفعل في الوقت أو انه نفس عدم الفعل لما امكن
[ 193 ]
اجراء الاستصحاب ايضا لانه متوقف على احراز كون المستصحب ذا اثر شرعى فالشك فيه فيكون شكافى صحة جريان الاستصحاب وان المورد هل هو قابل للتعبد اولا فلا يمكن الحكم بشمول ادلته لكون الشبهة مصداقية فيكون الفعل بعد سقوط الاستصحاب مجرى للبراءة المبحث الثامن في المرة والتكرار قد اشرنا سابقا إلى أن الواجبات الشرعية قد تكون انحلالية فيتعدد الحكم بانحلال موضوعاتها كما يتعدد بتعدد المكلفين نظير وجوب الصوم والصلاة في كل سنة ويوم وقد لا تكون انحلالية كوجوب الحج بالاضافة إلى الاستطاعة فمن نظر إلى القسم
الاول حكم باستفادة من التكرار من الامرومن نظر الى القسم الثاني حكم باستفادة المرة (والتحقيق) بطلان هذا النزاع رأسا فان تعدد الحكم بتعدد موضوعه ووحدته بوحدته اجنبي عن دلالة الامر على التكرار والمرة بالكلية المبحث التاسع في الفور التراخي ومعنى كون الواجب فوريا هو تضيقه ولزوم البدار إلى امتثاله كما ان معنى جواز التراخي هو توسعته ومن الواضح عدم دلالة الامر على السعة والضيق اصلا لا لفظا ولا عقلا فيكون النزاع في الفور والتزاخى كالنراع في المسألة السابقة في البطلان الفصل الثالث في ان الاتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضى الاجزاء ام لا وقبل الخوص في المقصود ينبغى تقديم امور (الاول) أن الاقتضاء المبحوث عنه في المقام هو بمعنى العلية والسببية ولذا نسبه المتأخرون من المحققين إلى الاتيان دون الامر خلافا للمتقدمين حيث نسبوه إلى نفس الامر (الثاني) ان المراد من لفظ على وجه المأخوذ قيدا في عنوان البحث هو اتيان المأمور به جامعا لجميع ما اعتبر فيه
[ 194 ]
عقلا وشرعا لا خصوص قصد الوجه فانه غير معتبر عند اكثر الفقهاء ولم يعتبره من اعتبره الا في خصوص العبادات في فرض امكان قصد الوجه فلا وجه لاخذه في العنوان الاعم من التوصليات والتعبديات ومما يمكن فيه قصد الوجه وما لا يمكن فيه ذلك (الثالث) ان الفرق بين مسئلتنا ومسألة المرة والتكرار هو ان النزاع في تلك المسألة انما هو في تشخيص المأمور به وانه هل هو العمل المكرر أو الواحد واما النزاع في هذه المسألة فهو في اجزاء الاتيان بالمأمور به عن الاعادة والقضاء وعدمه فالمسألة الاولى
متكفلة لتشخيص المأمور به وهذه المسألة متكفلة لاجزاء الاتيان بالمأمور به وعدمه بعد الفراغ عن تعينه وبعبارة اخرى إذا بنينا على التكرار ولو ما دام العمر فلا اشكال في ان الامر ينحل باعتبار تعدد متعلقه في الخارج فيقع النزاع في ان الفعل الاول المتعلق للامر الاول هل يجزى عن التعبد به ثانيا اولا إذا عرفت ذلك فاعلم انه لااشكال في ان الاتيان بكل مأمور به واقعى اولى أو ثانوى أو ظاهري يجزى عن امره والمخالف على تقدير وجوده شاذ لا يعبأ به ضرورة ان الاتيان بكل مأمور به يفى بالغرض الداعي إلى الامر به فيكون بقاء الامر بعد حصول الغرض بلا موجب وهو محال نعم يمكن تبديل الامتثال بامتثال آخر في مقام الثبوت (1) الا انه يحتاج إلى دليل في مقام الاثبات كما ثبت في تبديل الصلاة الفرادى بالصلوة جماعة أو تبديل صلوة المأموم أو الامام بالصلوة اماما ولم يثبت في غير ذلك واما الامر باعادة صلاة الآيات ما دامت الآيات باقية فليست من باب تبديل الامتثال بالامتثال بل من باب استحباب الاعادة في نفسها ما دامت الآية باقية بعد سقوط الامر الوجوبى بامتثاله والحاصل ان رفع اليد عما وقع وجعل غيره مكانه وان كان ممكنا في حد نفسه الا انه ما لم يكن هناك دليل دال عليه لا يمكن الالتزام به وانما الاشكال في ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري اعني به المأمور به بالامر الواقعي الثانوي أو الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى هل يجزى عن الامر الواقعي اولا اما اجزاء
1 - قد عرفت فيما تقدم ان الاتيان بالمأمور به في الخارج لا ينفك عن ترتب الغرض عليه الداعي إلى طلبه وايجابه وعليه فلا يبقى مجال للامتثال ثانيا وما دل على جواز اعادة الصلوة جماعة أو اماما محمول على استحباب الاعادة في نفسها والامر بجعلها فريضة في بعض الروايات محمول على قصد القضاء بها كما صرح به في بعضها الاخر (*)
[ 195 ]
الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن الواقعي فلا كلام فيه ايضا بحسب الفتاوى الفقهية
وانما وقع الكلام فيه علميا في المسألة الاصولية وكيف كان فالكلام تارة في اجزاء المأمور به بالامر الاضطراري عن القضاء واخرى عن الاعادة كما أن الكلام يقع تارة في اجزاء المأمور به الظاهرى عن الواقعي إذا انكشف الخلاف يقينا واخرى في اجزائه عنه إذا انكشف الخلاف بحجة معتبرة فهنا اربع مسائل اما المسألة الاولى وهى ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن قضاء المأمور به الواقعي الاولى فيما إذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت اولا فالحق فيها الاجزاء لان القضاء تابع لفوت الفريضة في الوقت بملاكها حتى تكون مشمولة لادلة وجوب القضاء وحينئذ فالقيد المتعذر في تمام الوقت اما ان يكون دخيلا في ملاك الواجب ولو حين التعذر كالطهور على الاطلاق فلا يمكن الامر بفاقده في الوقت واما ان لا يكون له دخل في ذلك حين تعذره كالطهارة المائية كما هو المفروض فلا تكون الفريضة فائتة بملاكها حتى يجب قضاؤها وبالجملة صدق الفوت بعد فرض الاتيان بالفاقد في الوقت يستلزم دخل القيد المتعذر في الملاك وهو يستلزم عدم الامر بفاقده في الوقت فالامر بالفاقد في الوقت وايجاب قضاء الواجد في خارج الوقت متناقضان (1) ولا فرق فيما
1 - لا يخفى انه يمكن ان تكون الصلوة مع الطهارة المائية مشتملة على مصلحتين ملزمتين أو على مصلحة واحدة ملزمة باعتبار ذاتها وباعتبار مرتبتها ايضا وان تكون الصلوة مع الطهارة الترابية حال فقدان الماء مشتملة على احدى المصلحتين أو على ذات تلك المصحلة الواحدة لاعلى مرتبتها مع امكان استيفاء الباقي من المصلحتين أو مرتبتها وعليه فالفاقد للماء في الوقت يؤمر بالصلوة لئلا تفوت المصلحة الالزامية من جهة الوقت ومع ذلك يؤمر بالقضاء في خارج الوقت لفرض امكان تدارك الفائت من المصلحة الالزامية فلا مناقضة بين الامر بالفاقد في الوقت والامر بالقضاء للواجد في خارج الوقت ثبوتا نعم ثبوت القضاء في خارج الوقت خلاف ظواهر الادلة الدالة على قيام الطهارة الترابية مقام الطهارة المائية وعلى تقدير عدم الدليل في مورد فوجوب القضاء لابد في ثبوته
من قيام الدليل عليه ومجرد الاحتمال لا يكفى في ثبوته بعد كونه خلاف الاصل هذا كله بناء على دوران وجوب القضاء مدار فوت الملاك واما بناء على ان موضوعه هو فوت الفريضة الفعلية ولو كانت غير واصلة إلى المكلف في وقتها فلا يحتمل وجوب القضاء في مفروض الكلام اصلا إذا لمفروض ان الوجوب لم يكن متعلقا الا بالفعل الاضطراري ظاهرا أو واقعا فلم تفت الفريضة كى يجب قضائها (*)
[ 196 ]
ذكرنا بين ان تكون هناك مصلحة لزومية اخرى قائمة بنفس القيد بما هو قيد أو تكون المصلحة اللزومية منحصرة في مصحلة نفس الفريضة التى للقيد دخل فيها على تقدير التمكن منه ضرورة ان مصلحة القيد اللزومية على تقدير ثبوتها انما تترتب عليه حالكونه قيدا للفريضة فإذا فرض سقوط الامر بالفريضة لقيام مصلحتها بالفاقد فلا يمكن استيفاء مصحلة القيد اصلا ولو كانت لزومية واما ايجاب الفعل في خارج الوقت بعنوان آخر غير القضاء فهو وان كان ممكنا الا انه اجنبي عما نحن فيه وهو البحث عن الوجوب بعنوان القضاء التابع لفوت الفريضة في الوقت واما المسألة الثانية وهى ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن الاعادة فيما إذا ارتفع العذر قبل خروج الوقت اولا فالحق فيها الاجزاء ايضا (وبيانه) ان المكلف اما ان يكون متمكنا من الطهارة المائية في تمام الوقت اولا يكون متمكنا منها كذلك أو يكون متمكنا في بعضه دون الاخر لا اشكال في التخيير العقلي بين الافراد الطولية في الشقين الاولين وأما الاخير فبما ان ملاك التخيير هو تساوى الافراد في الملاك فلا يحكم العقل فيه بالتخيير ولا يجوز الاتيان بالفرد الفاقد قطعا فإذا ثبت جواز البدار مع اليأس أو الظن أو القطع مع فرض ارتفاع العذر بعد الامتثال فاما ان يكون جواز البدار حكما ظاهريا طريقيا أو واقعيا وعلى الاول فيبتنى القول بالاجزاء بعد ارتفاع العذر على القول به في مسألة انكشاف الخلاف بعد الاتيان بالمأمور به الظاهرى ولا يكون
له مساس بما نحن فيه وعلى الثاني فلا ريب في ان وجود الامر الواقعي بعد قيام الضرورة والاجماع على عدم وجوب صلوتين على المكلف في يوم واحد يكشف عن ان الفعل الفاقد في حال الاضطرار ولو مع عدم استدامة العذر يكون وافيا (1) بتمام الملاك و
1 - جواز البدار واقعا بعد قيام الاجماع على عدم وجوب صلوتين في يوم واحد وان كان يكشف عن وفاء العمل الاضطراري بتمام ما هو الملزم من ملاك الفعل الاختياري الا انه يختص بموارد قيام الاجماع ولا يعم غيرها من موارد الاتيان بالمأمور به الاضطراري فلا بد فيها من اقامة دليل آخر على الاجزاء وبما انه لم يحرز في تلك الموارد وفائه بتمام الملاك فلا يكون الاجزاء قطعيا فان كان لدليل الامر بالفعل الاضطراري اطلاق يقتضى جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ولو كان الاضطرار مرتفعا بعده فهو المرجع و الا فاصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الاعادة فمقتضى القاعدة هو الاجزاء في موارد الامر الاضطراري مطلقا (*)
[ 197 ]
يكون في هذ الحال في عرض الافراد الواجدة واقعا فلا محالة يترتب عليه الاجزاء وتكون الاعادة بعد استيفاء الملاك بتمامه من باب الامتثال بعد الامتثال فقياس ما نحن فيه على دفع بدل الحيلولة الواجب في ظرف عدم التمكن من اداء اصل المال الذى لا ينافي وجوب اداء اصله عند التمكن غريب فان تعذر خصوصية مال المالك وكونها متعلقة للغرض اوجب تكليفا آخر بدفع بدله حتى لا يكون المالك ممنوعا عن ماله بالكلية بخلاف ما نحن فيه فان تعذر القيد اوجب الغاء قيديته وكون الفاقد نفس المأمور به اذلو لم تلغ القيدية حال الاضطرار لما امكن الامر بالفاقد في تلك الحال اصلا فمقامنا ومقام بدل الحيلولة متعاكسان واما المسألة الثالثة وهى ان الاتيان بالمأمور به الظاهرى هل يجزى عن التعبد بالامر الواقعي اعادة وقضاء إذا انكشف الخلاف بعد ذلك يقينا فقد ادعى جماعة فيها الاجماع
على عدم الاجزاء وجعلوا الاجزاء وعدمه من فروع مسألة التصويب والتخطئة هو الحق فان الحكم الواقعي بناء على القول بالتخطئة كما هو الصواب لم يتغير عما كان عليه بقيام الطريق على خلافه غاية الامر ان الشارع جعل الطريق حجة شرعا وقطعا تنزيلا فبما انه في فرض مخالفة القطع للواقع لا يمكن الحكم بالاجزاء كما سنشير إليه لبقاء الواقع وملاكه على ما كانا عليه كان الامر كذلك في فرض مخالفة القطع الجعلى للواقع نعم إذا فرض استيعاب الجهل لتمام الوقت لا يكون تارك الواجب الواقعي مستحقا للعقاب لاستناده إلى حجة شرعية معذرة في فرض الخطأ ولا فرق فيما ذكرنا بين الموضوعات والاحكام فان الواقع كما عرفت في كلا الفرضين باق على حاله ولم يؤت بما يتدارك به ملاكه ولابين القول بالطريقية والقول بالسببية فان السببية بالمعنى الذى يقول به المعتزلة وهو ان يكون قيام الامارة موجبا لحدوث المصلحة في مؤداها وان كانت مستلزمة للاجزاء الا ان لازم القول بها هو القول بالتصويب المجمع على بطلانه واما السببية بالمعنى الاخر وهو الوجه الثالث الذى افاده العلامة الانصاري (قده) فهى على فرض الالتزام بها غير مستلزمة للاجزاء اصلا كما يظهر وجهه في المسألة الرابعة فتوهم ان القول بالسببية مطلقا ملازم للقول بالاجزاء ناش من خلط السببية على رأى المتزلة بالسببية التى ذهب إليها بعض الامامية (هذا) بالنسبة إلى الامارات المؤدية إلى خلاف الحكم الواقعي وأما
[ 198 ]
الامارات المؤدية إلى خلاف الموضو عات الواقعية فالالتزام فيها بالسببية على رأى المعتزلة وان لم يكن فيه محذور التصويب المجمع على بطلانه لانه مختص بالاحكام ولا يعم الموضوعات الخارجية الا ان ظاهر ادلة حجيتهاهى الطريقية كما هو المفروض في الامارات المتعلقة بالاحكام فان ادلة كلتا الطائفتين بلسان واحد فيكون عدم الاجزاء فيها ايضا على طبق القاعدة كما عرفت بقى الكلام في حال الاصول العملية كاصالة الاباحة والطهارة بل واستصحابيهما
وان مقتضى القاعدة في فرض المخالفة فيها هل هو الاجزاء أو عدمه (ربما يقال) ان لسان ادلتها هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن وترتيب آثاره عليه فتكون لا محالة حاكمة على الادلة الدالة على اشتراط الصلاة بالطهارة مثلا ودالة على ان الشرط اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فانكشاف الخلاف لا يكشف عن عدم وجود الشرط حين العمل حتى لا يحكم بالاجزاء وذلك لفرض ان الشرط اعم من الواقعية والظاهرية وان العمل واجد للطهارة الظاهرية ويرد عليه (اولا) ان الحكومة عند هذا القائل لابد وان تكون بمثل كلمة اعني واردت واشباه ذلك ولاجله لم يلتزم بحكومة ادلة نفى الضرر على ادلة الاحكام الواقعية ولا بحكومة الادلة الاجتهادية على الاصول العملية و من الواضح عدم تحقق الحكومة بهذا المعنى في المقام (وثانيا) ان وجود الحكم الظاهرى لابدوان يكون مفروغا عنه (1) حين الحكم بعموم الشرط الواقعي للطهارة الواقعية والظاهرية أو بعمومه للاباحة كذلك ومن الواضح ان المتكفل لاثبات الحكم الظاهرى ليس الانفس دليل قاعدة الطهارة أو اصالة الاباحة فكيف يمكن ان يكون هو المتكفل لبيان كون الشرط اعم من الواقعية والظاهرية منهما (وثالثا) ان الحكومة في المقام وان كانت مسلمة الا انها لا تستلزم تعميم الشرط واقعا فان الحكومة على قسمين
1 - الحكم بكون الشرط اعم من الواقع والظاهر وان كان يستلزم كون وجود الحكم الظاهرى مفروضا عنه حين الحكم بعموم الشرط الا ان المدعى في المقام هوان جعل الطهارة الظاهرية يستلزم ترتب احكام الطهارة الواقعية التى من جملتها شرطيتها للصلوة مثلا على الطهارة الظاهرية فالمحكوم به انما هي الطهارة الظاهرية لا كون الشرط اعم من الواقع والظاهر واما عموم الشرط فهو من لوازم جعل الطهارة ظاهرا فلا محذور من هذه الجهة في دعوى كون الشرط اعم من الواقع والظاهر فتدبر جيدا (*)
[ 199 ]
(قسم) يكون الدليل الحاكم في مرتبة الدليل المحكوم ولا يكون الشك في المحكوم
مأخوذا في الدليل الحاكم كقوله (عليه السلام) لاشك لكثير الشك الحاكم على ادلة الشكوك في الصلاة فلا محالة يكون الدليل الحاكم موجبا لعموم الدليل المحكوم أو مخصصاله بلسان الحكومة ويسمى هذا القسم حكومة واقعية (وقسم آخر) يكون الشك في المحكوم مأخوذا في الدليل الحاكم فلا محالة يكون الدليل الحاكم متأخرا عن المحكوم لاخذ الشك فيه موضوعا في الدليل الحاكم فيستحيل كونه معمما أو مخصصا له في الواقع فتكون حكومته ظاهرية لا محالة ويترتب على ذلك جواز ترتيب آثار الواقع ما لم ينكشف الخلاف فإذا انكشف الخلاف ينكشف عدم وجدان العمل لشرطه ويكون مقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء كما في الامارات وإذا انقسمت الحكومة إلى قسمين مختلفين في الاثر فاثبات الاجزاء يتوقف على اثبات كون الحكومة في المقام واقعية مع انها مستحيلة ضرورة انه اخذ الشك في موضوع ادلة الاصول ومعه تكون الحكومة ظاهرية وغير مستلزمة للاجزاء قطعا (ورابعا) ان الحكومة المدعاة في المقام ليست الا من باب جعل الحكم الظاهرى (1) وتنزيل المكلف منزلة المحرز للواقع في ترتيب آثاره وهذا مشترك فيه بين جميع الاحكام الظاهرية سواء ثبتت بالامارة ام بالاصل محرزا كان ام غير محرز بل الاءمارة اولى بذلك من الاصل فان المجعول في الامارات انما هو نفس صفة الاحراز وكون الامارة علما تعبدا واما الاصول فليس المجعول فيها الا التعبد بالجرى العملي وترتيب آثار احراز الواقع في ظرف الشك كما يظهر ذلك في محله انشاء الله تعالى (وخامسا) ان الحكومة لو كانت واقعية فلابد من ترتيب
1 - الحكومة المد عاة في موارد جعل الطهارة أو الاباحة الظاهرية المترتب عليها عموم الشرط انما هي من جهة ان المجعول في تلك الموارد بنفسه حكم شرعى وهذا المعنى مفقود في موارد الامارات إذا المجعول في تلك الموارد ليس الا جعل لطريقية والحكم بثبوت الواقع عند قيام الامارة عليه فإذا قامت الامارة على وجود الشرط واقعاثم انكشف خلافها بعد ذلك فالعمل المأتى به على طبق تلك الامارة ينكشف كونه فاقدا لشرطه فلا يبقى مجال
للقول بالجزائه عن الواقع وعليه فلاوجه لما افيد في المتن من كون ملاك القول بعموم الشرط مشتركا فيه بين موارد الاصول وموارد الامارات فضلاعن كون موارد الامارات اولى بذلك (*)
[ 200 ]
جميع آثار الواقع (1) لا خصوص الشرطية فلا بدوان لا يحكم بنجاسة الملاقى لما هو محكوم بالطهارة ظاهرا ولو انكشف نجاسته بعد ذلك ولا اظن ان يلتزم به احد واما المسألة الرابعة وهى ان الاتيان بالمأمور به الظاهرى هل يجزى عن التعبد بالامر الواقعي اعادة أو قضاء إذا انكشف الخلاف بعد ذلك بحجة معتبرة اولا فلا يبعد عدم الخلاف في عدم الاجزاء فيها بالاضافة إلى الموضوعات الخارجية كما إذا قامت بينة على حصول الطهارة لماء كان متيقن النجاسة وبعد الوضوء به قامت بينة اخرى على جرح شهود الطهارة وعليه فعلى القائل بالاجزاء في خصوص الاحكام ابداء الفرق بين الموضوعات والاحكام واما بالنسبة إلى الاحكام فهناك نزاع مهم بين العلماء ومن موارده عدول المجتهد عن رأيه السابق الناشئ من خطائه في الاستفادة أو من اعتماده على اصل لفظي أو عملي لم يظفر برافعه اما لعدم الظفر بذاته أو لعدم تمامية حجيته عنده في الزمان السابق أو من اعتماده على دليل لم يظفر بمعارضه على الوجهين المذكورين في الرافع (والحق) في المقام هو القول بعدم الاجزاء بعد وضوح خروج القسم الاول عن موضوع الكلام ودخوله في تبدل الحكم العقلي وذلك فانه لم يقم دليل على حجية الاستفادة بما هي حتى يكون من باب تبدل الحكم الظاهرى الشرعي بل الدليل انما دل على حجية الظاهر مثلا وبعد انكشاف الخلاف يعلم انه لم يكن هناك ظاهر اصلا بل كان تخيل الظهور فهو من باب تبدل الحكم العقلي الذى لم يلتزم احد فيه بالاجزاء (وتوضيح المقام) ان القائل بالاجزاء انما ذهب إليه بتوهم ان الحكم الشرعي يتبدل بتبدل لرأى نظير الملكية المتبدلة بالبيع والشراء فالمجتهد في زمان اجتهاده
الاول لم يكن مكلفا الا بالعمل على طبق اجتهاده كما انه في الزمان الثاني لا يكلف
1 - ولازم ذلك هو الالتزام بطهارة المغسول بماء محكوم بالطهارة ظاهرا وبصحة الوضوء أو الغسل به ولو انكشف نجاسة ذلك الماء بعد ذلك واقعا وكذلك لا زمه الالتزام بملكية الثمن واقعا للبايع المالك المثمن بحكم الاستصحاب ولا يظن بفقيه ان يلتزم بشئ من ذلك وبالجملة إذا كان جعل الطهارة الظاهرية موجبا لاعمية الشرط واقعا بدعوى ان الحكم بالطهارة ظاهرا يستلزم ثبوت احكام الطهارة الواقعية للطهارة الظاهرية فلا وجه لتخصيص ذلك بشرطية الطهارة للصلوة بل لابد من الالتزام به بالقياس إلى جميع الاثار الثابتة للطهارة الواقعية وكذلك الالتزام بترتيب احكام الملكية الواقعية على الملكية المستصحبة وامثال ذلك و كل ذلك واضح البطلان (*)
[ 201 ]
الا بالعمل على طبق اجتهاده الثاني (ويرد عليه) ان التبدل اما ان يدعى في الحكم الواقعي اوفى حجية مدرك الفتوى الاولى اوفى احراز الحجة أما التبدل في الحكم الواقعي فلا اشكال في بطلانه لانه يستلزم التصويب المجمع على بطلانه وكذلك التبدل في الحجية فان تقديم الحجة الفعلية ورفعها لحجية المدرك السابق اما ان يكون بالحكومة أو بالورود وعلى كل تقدير فالمدرك السابق لم يكن حجة شرعية في نفس الامر والواقع مع وجود الحاكم أو الوارد بل الحجة في الواقع انما كانت ذاك الحاكم أو الوارد غاية الامر ان حجية داك الحاكم أو الوارد لم تكن محرزة سابقا وصارت محرزة لاحقا فالتبدل انما هو في الاحراز ومن الواضح ان الاحراز ليس الاطريقا محضا إلى الواقع فإذا انكشف الخلاف وخطأ الاجتهاد الاول كان حاله حال انكشاف الخلاف في الامر العقلي في عدم الاجزاء ومنه ظهران ما ذكره بعض القائلين بالاجزاء من ان الاجتهاد الاول كالاجتهاد الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الاول بالثاني واعادة الاعمال الواقعة على طبق الاجتهاد الاول في غاية الفساد فان المفروض ظهور بطلان الاجتهاد الاول
بالثاني وكشفه عن عدم حجية المدرك الاول واقعا وبقاء الحكم الواقعي على ما هو عليه فلا محيص عن القول بعدم الاءجزاء وبالجملة ليس حال انكشاف الخلاف في الدليل الظنى الاكحال انكشاف الخلاف في الد ليل القطعي فكما انه لا معنى للقول بان القطع الاول كالقطع الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الاول بالثاني كذلك الحال فيما نحن فيه ولكن الذى يقتضيه (النظر الدقيق) هو التبدل في المرتبة الثانية اعني بها مرتبة الحجية الا انه مع ذلك لابد من القول بعدم الاجزاء ايضا (وتوضيحه) ان حقيقة الحكم الظاهرى ليس عبارة عن جعل حكم آخر في قبال الواقع والالزم التصويب وعدم وجود حكم واقعى مشترك بين الجاهل والعالم بل حقيقته هو حكم الشارع وجعله ما لم يكن محرزا للواقع وجدانا محرزاله تعبدا كما في الامارات اوجعله التعبد بترتيب آثار الاحراز مع الشك في موارد الاصول فجميع الاحكام الظاهرية ترجع إلى التصرف في مرتبة الاحراز ولذا ذكرنا سابقا ان اصالة الطهارة حاكمة على الادلة الواقعية بالحكومة الظاهرية لا الواقعية فصفة المحرزية المجعولة لموضوعاتها وان كانت ثابتة في مقام الجعل واقعا الا انها لا تتحقق خارجا
[ 202 ]
ولا تتصف الموضوعات بها في مقام الفعلية الا بعد احراز المكلف لهذا الجعل وموضوعه فحال الجعل في المقام في ترتب الاثر عليه حال العقود فكما ان نتيجتها كالملكية مثلا وان كانت منشأة بفعل احد المتعاقدين كالبايع مثلا الا انها لا تتحقق في الخارج الا بقبول المشترى كذلك الحجية أي جعل الشارع صفة المحرزية لشيئ لا تتحقق في الخارج الا بوصول هذا الجعل وموضوعه إلى المكلف وليس حالها حال الاحكام الواقعية التى تتحقق في الخارج بنفس الانشاء سوء علم به المكلف ام لم يعلم به ولا يتوقف وجودها على ازيد من الانشاء كما في الايقاعات ولا يتفاوت الحال فيما ذكرنا وهو ان الحجية لا تتحقق الا بالوصول بين ان نقول بتعلق الجعل الحجية كما هو الحق وان نقول
بكونها منتزعة من الاحكام التكليفية فان النزاع في متعلق الجعل لاربط له بما ذكرناه من توقف تحقق الحجية في الخارج على الوصول إلى المكلف فإذا ثبت توقف تحقق الحجية على الوصول فالدليل الذى كان سندا للمجتهد في الزمان الاول لعدم العثور على ما كان مقد ما عليه كان متصفا بالحجية حقيقة مثلا إذا ورد عام ولم يثبت مخصصه فبما ان صفة الحجية ليست متحققة في الخاص قبل وصوله فالعام متصف بالحجية في ظرف عدم وصول التخصيص وبعد وصوله يتبدل الحجة فيكون الخاص حجة دون العام لكن صحة هذا المبنى لا تستلزم القول بالاجزاء فان المفروض عدم التبدل في الحكم الواقعي غاية الامران سند الاجتهاد السابق كان حجة في الزمان الاول قبل وصول رافعها ومتصفا بصفة المحرزية ومن المعلوم انه لا يزيد المحرز الجعلى على المحرز الوجداني في انه إذا انكشف خطأه وبقاء الواقع على حاله فلابد من الاتيان به اعادة أو قضاء لان المفروض عدم الاتيان لا بالواقع ولا بما يكون مسقطا له وبدلا عنه ولافرق فيما ذكرناه بين القول بالطريقية والقول بالسببية والموضوعية اذلو بنينا على السببية فانما نلتزم بها على الوجه الثالث الذى أفاده العلامة الانصاري (قده) في تصوير السببية وحاصله أن يكون قيام الامارة موجبا لتدارك المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة مثلا إذا قامت الامارة على وجوب صلاة الجمعة فتارة ينكشف خلافهاو وجوب صلاة الظهر واقعا بعد مضى وقت الفضيلة للصلاة فالمقدار الفائت هي مصلحة اول الوقت فقط فالمتدارك بالامارة لابدوان يكون هي تلك المصلحة المذكورة واما
[ 203 ]
مصلحة اصل الصلاة وكونها في الوقت فلم تفت فلابد من الاعادة وأخرى ينكشف الخلاف بعد مضى الوقت بتمامه فالمقدار الفائت والمتدارك هي المصلحة الوقتيه لكن مصلحة نفس صلوة الظهر التى لادخل للوقت فيها قابلة للاستيفاء بعد خروج الوقت حال انكشاف الخلاف وسقوط الامارة عن الحجية فلا موجب للالتزام بتداركها بالعمل
بتلك الامارة فلابد من التدارك بالقضاء وثالثة لا ينكشف الخلاف إلى الا بد فيكون الفائت والمتدارك تمام المصلحة وبالجملة ان امكننا دفع شبهة ابن قبة في جعل الامارات على الطريقية فنلتزم بهذا والا فبالسببية بهذ المعنى لا بالمعنى الذى التزم به المعتزلة وهو الوجه الثاني الذى ذكره العلامة الانصاري (قده) في معنى السببية وحاصله ان يكون قيام الامارة موجبا لحدوث مصلحة في مؤديها غالبة على مصلحة الواقع فان السببية بهذا المعنى وان كانت مستلزمة للاجزاء الا انها مستلزمة للتصويب واختصاص الحكم الواقعي بغير من قامت عنده الامارة على خلافه (والحاصل) انه بناء على اصول الامامية إذا فرضنا استنباط حكم من مقدمات كلها كانت حجة شرعية (ومع) ذلك ظهر بعد ذلك خلاف الاستنباط الاول من دليل أقوى (فلا) محيص عن القول بعدم الاجزاء في مورده لان ماكان حجة حدوثا من قبل الشارع فهو انما ينفع في ترتب الاثار عليه بقاء في ما إذا كان باقيا على الحجية ايضا بعدم انكشاف خلافه مثلا إذا سئل المصلى جمعة في يوم الجمعة عن سبب اجتزائه بها عن صلوة الظهر فلا محالة يجيب بقيام الحجة عنده على وجوب صلاة الجمعة (وكذلك) لو سئل عن سبب اجتزائه بها عن قضاء صلوة الظهر بعد خروج الوقت فله التمسك بقيام الحجة على وجوب صلوة الجمعة واما إذا انكشف الخلاف وسقط مدرك فتواه السابقة عن الحجية فلا ينفعه الجواب بقيام الحجة عنده في زمان ما كما في القطع الوجداني بعينه " هذا " مع ان الفرض المزبور ممنوع كلية فانه لابد في استنباط أي حكم كان من اعمال الظنون الاجتهادية الثابتة حجيتها من طريق العقل فيكون انكشاف الخلاف حينئذ في الحكم العقلي ولاريب حينئذ في عدم الاجزاء ولو بنينا على الاجزاء في الاحكام الا ظاهرية الشرعية. واستدل القائلون بالاجزاء بوجوه (الاول) ان عدم الاجزاء في موارد الاوامر
[ 204 ]
الشرعية الظاهرية مستلزم للحرج نوعا فيكون منفيا شرعا (وفيه ان) الاستد لال بنفى الحرج في امثال المقام ناش من خلط موضوع الحكم بداعي جعله (وتوضيحه) ان الحرج أو الضرر قد يكون داعيا للشارع إلى جعل حكم من الاحكام كالحكم بطهارة الحديد وخيار الشفعة الناشئين عن لزوم الحرج والضرر في فرض عدمهما ولو كان ذلك بحسب غالب الاشخاص فالحكم يكون ثابتا على وجه الاطلاق وغير مقيد بالحرج أو الضرر الشخصيين ولا بأس بكون شيئ داعيا وحكمة لجعل حكم لا يدور ذلك الحكم مدار لكن ذلك ليس الاشأن الشارع لا المجتهد والفقيه فانه ليس بجاعل الاحكام حتى يفتى في موضوع بحكم كلى لاجل الضرر أو الحرج النوعى بل شأنه الافتاء على طبق استنباطه الاحكام من المدارك الشرعية وقد يكون الحرج أو الضرر موضوعا للحكم كما في قوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) فانه بعد حكومته على سائر الادلة في قوة ان يقول ان الاحكام المجعولة الشرعية ترتفع في مورد الحرج وبما ان القضايا المتكلفة لبيان الاحكام الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية فالاحكام تتعدد بتعدد موضوعاتها فأى موضوع كان الحكم فيه حرجيا يرتفع حكمه والا فلا فالنزاع في هذا المقام في ان الحرج أو الضرر المنفيين نوعيان أو شخصيان مما لا معنى له (1) لعل هذا الاشتباه انما نشأ من استعمال كلمة لاضرر في اخبار الشفعة مع الغفلة عن ان كونه في مقام داعيا وحكمة لاربط له بما إذا كان موضوعا للحكم إذ معه لا يعقل الا كون الضرر شخصيا لما ذكرناه من لزوم تعدد الاحكام بتعدد موضوعاتها هذا مضافا إلى ان الضرر في مقام الحكومة لو كان نوعيا للزم القول بعدم وجوب القضاء مطلقا لافى خصوص انكشاف مخالفة الاحكام الظاهرية كما هو واضح واما توهم ان خيار الغبن الذى افتى
1 - لا يخفى ان ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من التفرقة بين كون الضرر أو الحرج داعيا إلى جعل الحكم على موضوعه وكو نه بنفسه موضوعا للحكم المجعول وان كان متينا جدا الا انه لا ينافى امكان اخذ الضرر أو الحرج النوعى موضوعا لحكم من الاحكام ومع ذلك لا تخرج القضية
عن كونها حقيقية نعم ان ادلة نفى الضرر والحرج ظاهرة في نفى الضرر والحرج الشخصيين فالاشكال انما هو في مقام الاثبات دون مقام الثبوت فلا وجه لما افيد في المتن من عدم تعقل اخذ الضرر أو الحرج النوعى موضوعا للحكم الشرعي (*)
[ 205 ]
به الاصحاب حكم كلى مدركه ادلة نفى الضرر مع ان ترتب الضرر على لزوم العقد نوعي لا شخصي فمد فوع بأن الدليل على خيار الغبن انما هو بناء المتعاقدين في غير المعاملات المحاباتية على حفظ مالية ماليهما من تبدل شخص المال وهو الذى عليه يدور نظام العالم فكون مالية مال كل منهما بمقدار مالية مال الآخر شرط ضمنى في العقد وتخلفه يوجب الخيار والاستدلال عليه بحديث لاضرر انما هو من باب تكثير الادلة لامن جهة كونه هو المدرك للفتوى ومع قطع النظر عن بناء المتعاقدين لا يمكن التمسك لاثبات الخيار المزبور بحديث لاضرر كما هو الحال في المعاملات المحاباتية هذا مع ان الضرر في تمام المعاملات الغبنية شخصي فلا ربط له بامثال ما نحن فيه اصلا (الثاني) ما اشرنا إليه من ان الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الاول فلا وجه لرفع اليد عنه به وقد ظهر جوابه مما ذكرناه فلا نعيد " الثالث " ماعن صاحب الفصول " قده " من ان القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين " وفيه " انه لم يظهر معنى معقول لهذا الاستدلال اصلا فان مؤدى الاجتهاد بعد فرض كونه حكما كليا غير مختص بزمان خاص ان اراد انه لا يتحمل اجتهادين من شخص واحد في زمان واحد فهو مسلم لكنه اجنبي عن المقام وان اراد انه لا يتحمل اجتهادين في زمانين فهو بديهى البطلان (الرابع) ان تبدل الاجتهاد وقيام حجة اخرى على خلاف الحجة السابقة ليس الا نظير النسخ فانه بوصول الحجة الثانية ينقضى زمان الحجة الاولى فهى إلى زمان الحجة الثانية كانت حجة واقعية لما ذكرناه من ان الحجية ليس لها مرتبتان واقعية وظاهرية بل حقيقتها متقومة بالوصول ومن الواضح انه لا معنى للحجية الا الاكتفاء عن الواقع بالعمل بما هو حجة في مقام الامتثال وحيث أن المفروض
ثبوت الحجية لها في الزمان الاول والعمل على طبقها فلابد من الاكتفاء بموافقتها وان ارتفعت حجيتها بعد انكشاف الخلاف (وفيه) ما عرفت من انه بناء على اصول المخطئة وعدم تغير الحكم الواقعي بقيام الحجة على خلافه لا يكون حال الحجة الشرعية المتصفة بصفة الحجية سابقا الاكحال الاحراز الوجداني فكما انه لا معنى لتوهم الاجزاء فيه بعد انكشاف الخلاف وبقاء الواقع كذلك لا معنى لتوهم الاجزاء بموافقة الحجة الشرعية التى جعلت محرزة للواقع تعبدا بعد انكشاف خلافها بقيام حجة اقوى عليه (هذا) كله فيما يقتضيه الاصل الاولى في المقام والا فربما يدعى الاجماع على الاجزاء اعادة وقضاء
[ 206 ]
عند تبدل الحكم الظاهرى اجتهادا أو تقليدا والتحقيق ان هناك ثلاثة مقامات (المقام الاول) الاجزاء في العبادات الواقعة على طبق الاجتهاد الاول عن الاعادة والقضاء (الثاني) الاجزاء في الاحكام الوضعية فيما لم يبق هناك موضوع يكون محلا للابتلاء كما إذا بنى على صحة العقد الفارسى اجتهادا أو تقليدا فعامل معاملة فارسية ولكن المال الذى انتقل إليه بتلك المعاملة اتلفه أو تلف عنده (الثالث) الاجزاء في الاحكام الوضعية مع بقاء الموضوع الذى يكون محلا للابتلاء كبقاء المال بعينه في الفرض السابق وكما إذا عقد على امراة بالعقد الفارسى وكانت محل الابتلاء له بعد انكشاف الخلاف اما المقام الاول فلا اشكال في أنه القدر المتيقن من مورد الاجماع (1) واما المقام الثالث فلا اشكال في خروجه عن مورده وفتوى جماعة فيه بالاجزاء انما هو لا لاجل ذهابهم إلى كون الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية لاجل الاجماع على ذلك واما المقام الثاني ففى شمول الاجماع له اشكال بل منع وان كان لا يبعد انعقاد الاجماع على عدم التبعة في الافعال الصادرة على طبق الاجتهاد الاول سواء كانت التبعة
هي الاعادة والقضاء أو الضمان فيشمل المقام الثاني ايضا لكنه مجرد نفى العبد (وشمول) معقد الاجماع له في غاية الاشكال ان لم نقل بانه ممنوع فلا بدمن التأمل و التتبع التام
1 - الظاهر انه ليس في شيئ من المقامات الثلا ثة اجماع تعبدي والقائل بالاجزاء انما ذهب إليه لدلالة الدليل عليه باعتقاده وعليه فلا مقتضى لرفع اليد عن ما تقتضيه القاعدة الاولية من لزوم الاعادة والقضاء في العبادات بعد انكشاف الخلاف ولزوم ترتيب جميع آثار انكشاف الخلاف في المعاملات ولابد في القول بالاجزاء من دلالة دليل عليه وقد عرفت انه لادليل عليه نعم بناء على ما هو التحقيق عندنا من شمول حديث (لا ؟ عاد) لموارد الجهل عن قصور لا يجب اعادة الصلوة عند انكشاف مخالفة المأتى به للواقع في غير الخمس المذكورة في الحديث وفى غير ما ثبت فيه عدم الاجزاء بدليل خاص فالاصل الاولى وان كان يقتضى عدم الاجزاء الا ان الاصل الثانوي يقتضى الاجزاء ما لم يثبت عدمه بدليل خاص (*)
[ 207 ]
بقي هناك امور الاول ما اشرنا إليه من أن مقتضى القاعدة الاولية هو عدم الاجزاء في الموضوعات كالاحكام وأن الالتزام بالاجزاء مطلقا يستلزم القول بالتصويب والتصويب في الموضوعات وان لم يقم اجماع على بطلانه الا انه خلاف ظواهر الادلة المثبتة للاحكام لموضوعاتها الواقعية كما انه خلاف ظواهر ادلة الطريق المجعولة فانها ظاهرة في الطريقية المحضة وعلى تقدير ضيق الخناق ولزوم الالتزام بالسببية فلا ملزم للالتزام بازيدمن وجود المصلحة لسلوكية التى لا تستلزم الاجزاء كما عرفت نعم لو قام دليل بالخصوص على الاجزاء فلابد من رفع اليد عن مقتضى القاعدة الاولية كما دل الدليل عليه عند انكشاف الخلاف بعد حكم الحاكم في باب القضاء في الجملة الثاني انه لافرق في كون عدم الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية بين المجتهد
والمقلد فإذا كان مقتضى التقليد الثاني هو بطلان الاعمال الواقعة على طبق التقليد الاول فلابد من ترتيب الاثر فعلا على طبق الحجة الفعلية (وتوهم) ان حجية فتوى المجتهد في حق المقلد من باب السببية والموضوعية لا الطريقية ولذا يجب الرجوع إلى الاعلم الحى ولو فرضنا مخالفة فتواه للمشهور بين المتقدمين والمتأخرين مع ان طريقيتها للواقع اضعف من فتوى المشهور بالضرورة (مدفوع) بأن عدم ايجاب الطريق للظن بالواقعة احيانا مع اشتماله على خصوصية موجبة لتعينه لا ينافي طريقيته كما في حجية الظواهر فان حجيتها غير مقيدة بالظن بالوفاق ولا بعدم الظن بالخلاف مع انها من باب الطريقية قطعا (هذا) مع انك قد عرفت انه لوضاق بنا الخناق فلا نلتزم بأزيد من المصلحة السلوكية التى لا تستلزم الاجزاء وبالجملة المدار في الاجزاء وعدمه على موافقة حكم الله الواقعي وعدمها بناء على اصول المخطئة ولا فرق بين ان يكون الطريق المعمول به ناظرا إلى الواقع ابتداء كما في الطرق التى يستعملها المجتهد وان يكون ناظرا إلى طريق الواقع فيكون طريقا للطريق كما في فتوى المجتهد بالاضافة إلى المقلد الثالث ان الاجزاء لو قيل به في الاحكام الظاهرية الشرعية لبعض الوجوه
[ 208 ]
المذكورة فلا يتوهم القول به في الحكم العقلي اصلا سواء كان منشأه القطع بالحكم الشرعي أو احد الظنون الاجتهادية أو اجراء البراءة العقلية والسرفي ذلك ان القائل بالاجزاء في الاحكام الظاهرية الشرعية انما قال به لذهابه إلى السببية على رأى المعتزلة فان بعض الامامية قد اختار مذهبهم فيها وهذا في الاحكام العقلية مفقود قطعا وانما الثابت فيها هي المعذورية وعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع على تقدير عدم التقصير في المقدمات والا فلا يرتفع استحقاق العقاب ايضا ولذا لاشبهة في استحقاق الكفار للعقاب مع ان اكثر هم قاطعون بمذهبهم الا ان قطعهم بذلك انما نشأ
من التقصير في المقدمات الموجبة لقطعهم فلا يكون عذرا لهم في عدم استحقاق العقاب. الرابع انه لافرق فيما ذكرناه من كون عدم الاجزاء هو مقتضى القاعدة الاولية بين اختلاف الحجة بالنسبة إلى شخص أو شخصين كما إذا فرضنا اختلاف المجتهدين في الفتوى فلا يجرى فتوى احدهما بالنسبة إلى الآخر أو لمقلديه ولا فرق في ذلك بين المعاملات وابواب الطهارات والنجاسات وابواب العبادات إذا كان احدهما محلا لابتلاء الآخر مثلا إذا كان احد الشخصين يرى جواز العقد بالفارسي وطهارة العصير العنبى وعدم جزئية السورة للصلاة فلا يمكن لمن لا يرى تلك الامور ان يكون احد طرفي العقد معه اوان يعامله معاملة الطاهر في فرض العلم بملاقاته للعصير أو يقتدى به في الصلاة أو يستأجره لها مع فرض تركه للسورة فالمسألة في جميع ذلك محل اشكال لعدم تمامية الاجماع على الاجزاء مع كون عدمه مقتضى القاعدة واشكل الجميع هو باب الطهارة والنجاسة الا ان يقال بكون الغيبة من المطهرات ولو مع اعتقاد الغائب لنجاسته كما افتى به صاحب الجواهر (قده) ومال إليه سيد اساتيذنا المحقق الشيرازي (قده) وقد نقل الاستاذ دام ظله انه كان يفتى به شفاها الفصل الرابع إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا لدليل المنسوخ على الجواز اصلا لكون الا حكام كلها بسائط يضاد بعضها بعضها الآخر فارتفاع بعضها لا يكون فيه دلالة على
[ 209 ]
ثبوت واحد معين وحديث امكان بقاء الجنس بعد ارتفاع الفصل اجنبي عن المقام بعد فرض بساطة الاحكام كما بيناه سابقا الفصل الخامس إذا كان الامر الذى تعلق به الامر مأخوذا على نحو الموضوعية لتعلق غرض الامر به بنفسه فلا اشكال في ان الامر المتعلق بذلك الامر ليس امرا بالفعل الذى هو متعلق
الامر الثاني (واما) إذا كان مأخوذا على نحو الطريقية وكان الغرض متعلقا بنفس الفعل فلا اشكال في كون الامر بالامر امرا بالفعل حقيقة (والظاهر) من نفس الامر بالامر من دون ان يكون قرينة في البين على الموضوعية أو الطريقية هو الطريقية لانسباقها إلى الذهن في العرف فيكون مقتضى الاصل هي الطريقية ما لم يكن هناك قرينة صارفة عن ذلك. الفصل السادس قد عرفت في مبحث الواجب المشروط ان فعلية الحكم في القضايا الحقيقية مشروطة بوجود موضوعه خارجا ويستحيل تخلفها عنه وعلم الآمر بوجوده أو بعدمه اجنبي عن ذلك (1) فلا معنى للبحث عن جواز امر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه كما قد عرفت ان الحكم في القضايا الخارجية يدور مدار علم الحاكم ووجود شروط الحكم واما نفس وجودها في الخارج أو عدمها فيه فهو اجنبي عن الحكم فلا معنى للبحث عن الجواز المزبور فيها ايضا (فالتحقيق) ان هذه المسألة باطلة من اصلها وليس فيها معنى معقول يبحث عنه (واما) الثمرة التى رتبوها عليها من وجوب الكفارة على من افطر في شهر
1 - فعلية الحكم في القضايا الحقيقية وان كانت تدور مدار وجود الموضوع خارجا الا ان جعل الحكم على الموضوع المقدر وجوده مع العلم بعدم تحققه خارجا لغو لا يمكن صدوره من الحكيم نعم إذا كان نفس جعل الحكم موجبا لعدم تحقق الموضوع وكان غرض الجاعل في جعله الحكم هو ذلك كما إذا فرض ان جعل القصاص اوجب عدم تحقق القتل الاختياري في الخارج فلا مانع من جعله فالحق في المقام هو التفصيل ومن ذلك يظهر الحال في القضايا الخارجية ايضا (*)
[ 210 ]
رمضان ولو لم يتم له شرائط الوجوب إلى الليل فهى مترتبة على بحث فقهى وهو ان وجوب الصوم هل ينحل إلى تكاليف متعددة بتعدد الانات اوهو تكليف واحد مشروط
بشرط متأخر وهو بقاء شرائط الوجوب إلى المغرب وعلى الثاني فهل لنا تكليف آخر بامساك بعض اليوم في خصوص ما إذا ارتفع شرط الوجوب بالاختيار أو مطلقا اولا والبحث عن ذلك موكول إلى محله الفصل السابع اختلفوا في ان الامر وامر هل هي متعلقة بالطبائع أو الافراد ولابد لنا من تحرير محل النزاع في المقام اولا ثم بيان ما هو الحق فيه ثانيا فنقول لاريب في ان مراد القائل بتعلقها بالافراد ليس هو تعلق الامر بما فرض وجود في الخارج فانه مسقط له فلا يعقل ان يكون معروضا له مع انه من طلب الحاصل واما ما ذهب إليه بعض الاساطين من تفسير تعلق الامر بالافراد بانكار التخيير العقلي بين الافراد الطولية والعرضية وان التخيير بين الافراد يكون شرعيا دائما بخلاف تعلقه بالطبيعة التى هي الجهة الجامعة ونفس القدر المشترك بين الافراد فانه يستلزم كون التخيير بينها عقليا لا محالة فهو وان كان ممكنا عقلا الا انه بعيد جدا لاستبعاد احتياج تعلق الطلب بشيئ إلى تقدير كلمة أو بمقدار افراده العرضية والطولية مع عدم تناهيها غالبا مضافا إلى ان وجود التخيير العقلي في الجملة مما تسالم عليه الجميع ظاهرا (فالتحقيق) ان النزاع في المقام مبتن على النزاع في مسألة فلسفية وهى ان ان الكلى الطبيعي هل هو موجود في الخارج اولا (وتوضيح ذلك) يتوقف على بيان المراد من وجود الكلى الطبيعي وعدمه (فنقول) قد عبر بعض القائلين بانكار وجود الطبيعي في الخارج ان الكلى الطبيعي من المفاهيم الانتزاعية ولا يخفى ان مراده بذلك ليس هو الانتزاع المصطلح عليه في ما هو من قبيل الخارج المحمول المنتزع من خصوصيات ذاتية كالعلية والمعلولية أو من خصوصيات قيام العرض بمعروضه كالسبق واللحوق والمقارنة كيف وقد اتفقوا على تقسيم المحمولات إلى ذاتية وهى المحمولات المقومة للذات والى غير ذاتية وعلى تقسيم مالا يكون ذاتيا إلى محمولات بالضميمة وهى المحمولات بواسطة قيام احد
[ 211 ]
الاغراض التسعة بمعروضاتها والى محمولات انتزاعية المعبر عنها بالخارج المحمول كما انه ليس مراد القائل بوجوده في الخارج هو القول بتحققه في الخارج من دون تشخص وخصوصية كيف وقد اتفقوا على ان الشيى ما لم يتشخص لو يوجد " بل " المراد من هذا النزاع على نحو يكون نزاعا معقولا هو ان الارادة الفاعلية الموجدة للشيئ في الخارج هل تتعلق بنفس الشيئ مع قطع النظر عن مشخصاته وهى انما توجد معه قهر الاستحالة وجود الشيئ بدون التشخص أو ان المشخصات تكون مقومة للمراد بما هو مراد و يستحيل تعلق الارادة بنفس الطبيعي من دون مشخصاته وبعبارة اخرى هل التشخصات في مرتبة سابقة على الوجود (1) ليكون معروض الوجود هي الماهية المتشخصة أو هي في مرتبته حتى يكون معروض الوجود كالتشخصات نفس الماهية ونحن إذا راجعنا وجداننا في اراداتنا نرى ان متعلق الارادة في افق النفس كلى دائما وا ن كان مقيدا بالف قيد حسب اختلاف الاغراض وانما يكون التشخص بالوجود فقط فإذا كان هذا حال الافعال الارادية فيكون حال غيرها من الموجودات الخارجية المعلولة لغير الارادة ايضا كذلك
1 - لا يخفى ان حقيقة الوجود بما انها فعلية محضة يكون تشخصها بنفس ذاتها فكل وجود في نفسه مغاير لوجود آخر ومتشخص بنفسه واما تشخص الماهية فهو انما يكون بالوجود وهذا معنى قولهم ان الشيئ ما لم يوجد لم يتشخص واما قولهم الشيئ ما لم يتشخص لم يوجد فالمراد من التشخص فيه هو التشخص في مرتبة علة الشيئ الموجدة له لا نشخصه المتقوم بالوجود الخارجي المحقق أو المفروض هذا حال الشخص الحقيقي الذى يكون بالوجود ويعرض الماهية بتبع عروض الوجود لها واما الامور التى لا تنفك عن الوجود خارجا كالاعراض الملازمة مع الوجود الجوهرى فهى لا تكون مشخصة له ابدا بل هي موجودات اخرى في قبال ذلك الوجود المتشخص بنفسه ووجود كل منها متشخص بنفسه ايضا واطلاق المشخص عليها احيانا مبنى على ضرب من المسامحة والعناية وعليه فلا مجال لتوهم ان الامر بشيئ يكون امرا
بمشخصاته المسامحية نعم لو بنينا على لزوم كون المتلازمين في الوجود متفقين في الحكم لكان اللازم هو اتصاف المشخص بحكم المتشخص ايضا لكنه بمراحل عن الواقع على ما سيتبين في محله انشاء الله تعالى فتلخص ان القول بتعلق الامر بالمشخصات يبتنى على القول بسراية حكم الشيئ إلى ملا زمه ولا د خل له بكون المشخصات في مرتبة سابقة على الوجود اوفى مرتبة لاحقة له ومن ذلك يظهر مافى كلام شيخنا الاستاد قدس سره في هذا المقام فلا تغفل (*)
[ 212 ]
فيكون نفس الطبيعي معروض الوجود والتشخص دائما (إذا تبين ذلك) فبضميمة ان ما هو متعلق الارادة التكوينية من العبد لابد وان يكون بعينه متعلقا للارادة التشريعية من المولى فان نسبة الارادة التشريعية إلى التكوينية وان لم يكن نسبة العلة إلى معلولها حقيقة الا انها في حكم العلة لها ومحركة للعبد إلى ارادة ما تعلقت به يتضح لك ان متعلق الاوامر هي نفس الطبائع وتكون المشخصات كلها خارجة عن المأمور به (واما) ثمرة البحث فتظهر في مبحث اجتماع الامر والنهى فانه بعد اثبات تعلق الاوامر بالطبائع وان المشخصات خارجة عن متعلق التكليف واثبات ان نسبة كل من الكليين في مورد الاجتماع من قبيل المشخص للكلى الآخر لا محيص عن القول بجواز الاجتماع وسيأتى تفصيل ذلك في محله انشاء الله تعالى الفصل الثامن في مقدمة الواجب وينبغى لتنقيح البحث تقديم مقدمات الاولى اختلفوا في ان مسألة وجوب المقدمة هل هي من المسائل الكلامية أو من المسائل الفقهية أو من المبادى الاحكامية أو من المسائل الاصولية وعلى تقدير كونها من المسائل الاصولية فهل هي من مباحث الالفاظ أو من المسائل العقلية (والحق) هو الاخير أما كونها اصولية فلما ذكرنا في اول الكتاب من ان الميزان في كون المسألة اصولية هو استنباط الحكم الشرعي الكلى عند انضمام نتيجتها إلى
صغرياتها ومن الواضح ان هذه المسألة كذلك واما كونها عقلية فلان المباحث العقلية تنقسم إلى قسمين " الاول " ما يستنبط الحكم الشرعي منه مستقلا بلا احتياج إلى مقدمة شرعية كباب التحسين والتقبيح العقليين " والثانى " ما يستنبط منه الحكم الشرعي عند انضمام مقدمة شرعية إليه كمباحث المفاهيم فان الحاكم بالمفهوم هو العقل لكن استنباط الحكم متوقف على صدور منطوقه من الشارع ومسألة مقدمة الواجب من هذا القبيل فان الحاكم بوجوب المقدمة من باب الملازمة هو العقل لكن وجوب المقدمة بالفعل لا يترتب على حكم العقلل بالملازمة الا بعد ثبوت وجوب ذى المقدمة في الخارج و عدم التمييز بين القسمين مع توهم حصر المسائل العقلية في القسم الاول اوجب جعلها من مباحث الالفاظ والا فلا ربط لهذه المسألة بالالفاظ اصلا غاية الامران الوجوب قد
[ 213 ]
يستفاد من اللفظ كما انه قد يستفاد من غيره واما جعلها من المبادى الاحكامية التى قد عرفت الحال فيها في اول الكتاب أو من المسائل الكلامية فغير صحيح بعد فرض صحة عقدها اصولية نعم لو لم يكن فيها جهة اصولية لصح عقدها من المبادى مرة و كلامية اخرى واما جعلها من المسائل الفقهية فقى غاية البعد فان علم الفقه متكفل لبيان احوال موضوعات خاصة كالصلاة والصوم وغيرها والبحث عن وجوب كلى المقدمة التى لا ينحصر صدقها بموضوع خاص لا يتكفله علم الفقه (1) اصلا الثانية ان الوجوب المتنازع فيه في المقام ليس هو الوجوب العقلي بمعنى اللابدية فانه عبارة اخرى عن المقد مية وانكاره مساوق لانكار المقدمية وهو خلاف المفروض ولا الوجوب العرضى بمعنى اسناد الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة اولا وبالذات الى المقدمة ثانيا وبالعرض بداهة ان هذا المعنى مما لا يقبل الانكار من احد فيدور الامر بين معنيين آخرين (احدهما) ما جعله المحقق القمى (قده) محلا للنزاع واختار فيه عدم الوجوب وهو الوجوب الاستقلالي الناشئ عن وجوب ذى المقدمة والظاهر
ان هذا المعنى ليس محلا للكلام ايضا فان الوجوب المترشح الاستقلا لى انما يكون عند الالتفات إلى المقدمية هو قد يكون وقد لا يكون فلا يلازم وجوب ذى المقدمة دائما بداهة ان ايجاب ذى المقدمة لا يستلزم وجوب مقدمته وجوبا استقلاليا الا مع التصديق بالمقدمية فلو قطع الامر بعدم المقدمية أو غفل عن ذلك فلا يتاتى منه هذا
1 - لا يختص المباحث الفقهية بما يبحث فيه عن حكم موضوع من الموضوعات الخاصة لان جملة من المباحث الفقهية كمباحث وجوب الوفاء بالنذر واخويه ووجوب اطاعة الوالدين ووجوب الوفاء بالشرط ونحوها يبحث فيها عن احكام العناوين العامة القابلة للصدق على الافعال المختلفة في الماهية والعنوان بل الوجه في خروج هذه المسألة عن المباحث الفقهية هو ان البحث في المقام انما هو عن ثبوت الملازمة بين طلب شيئ وطلب مقدمته سواء كان الطلب وجوبيا ام كان استجابيا واما تخصيص الموضوع في كلام كثير منهم بالوجوب فانما هو لاجل الاهتمام بشأنه لا من جهة اختصاص النزاع به وعليه فلاوجه لتوهم دخول المبحث في المباحث الفقهية بل هو بحث اصولي تقع نتيجة في طريق استنباط الحكم الشرعي وذلك لانه بعد ثبوت الملازمة ووجوب شيئ في الخارج نقول لو كان هذا الشيئ واجبا لوجبت مقد مته لكنه واجب فمقدمته واجبة (*)
[ 214 ]
النحو من الايجاب قطعا وان كانت المقدمة متصفة بنحو آخر من الوجوب بناء على ثبوت الملازمة كما ستعرف (وثانيهما) ما يظهر من كلام متأخرى المحققين كونه محلا للنزاع وهو الوجوب الترشحى التبعى الذى لا يدور مدار الالتفات وعدمه فالقائل بالوجوب لاجل الملازمة العقلية يرى ان من اوجب شيئا فهو يوجب مقدمته قهرا بوجوب آخر تبعى وان لم يلتفت إلى مقدميتها أو قطع بدمها (ولا يخفى) ان هذا النحو من الوجوب وان كان ثابتا للمقدمة كما ستعرف الا انه لا يترتب على البحث عنه ثمرة اصلا لعدم كونه مدار استحقاق الثواب والعقاب ولا التقرب من المولى والبعد عنه كما عرفت واما
توهم وجود الثمرة مبحث الضد فهو (1) متوقف على اثبات مقدمية ترك احد الصدين
1 - سيجيئ في محله ان القول بكون ترك احد الضدين مقدمة للضد الاخر مع القول بوجوب المقدمة وعدم صحة الترتب لا يستلزم القول بفساد العبارة عند كونها مزاحمة بواجب اهم وذلك لان العبادة حينئذ وان كانت منهيا عنها الا انه لا يوجب فسادها لاختصاص اقتضاء الفساد بالنهي النفسي الناشئ من وجوب المفسدة في متعلقة ولا يعم النهى الغيرى الناشئ من مقدمية تركه لواجب فعلى فلا ثمرة للبحث من هذه الجهة اصلا والتحقيق في بيان الثمرة ان يقال انها تظهر فيما إذا كان الحرام مقدمة لواجب فعلى كما إذا توقف انقاذ الغريق على التصرف في ارض مغصوبة لانه إذا بنينا على عدم وجوب المقدمة شرعا فغاية ما هناك وقوع المزاحمة بين حرمة المقدمة ووجوب ذى المقدمة وبما ان المفروض كون الوجوب اهم فلا بد من رفع اليد عن حرمة المقدمة بمقدار يقتضيه الضرورة فيجوز التصرف الواقع في طريق التوصل إلى الواجب واما غيره من التصرفات كالدخول للتنزه مثلا مع فرض عدم ترتب الانقاذ عليه فلا موجب لارتفاع حرمتها واما إذا بنينا على وجوب المقدمة فان قلنا بمقالة صاحب الفصول قدس سره من اختصاص الوجوب المقدمى بالمقدمة الموصلة فالحال فيه هو الحال بعينه فيما إذا لم نقل بوجوب المقدمة اصلا واما إذا قلنا بمقالة العلامة الانصاري قدس سره على ما نسب إليه من اختصاص الوجوب المقدمى بالمقدمة التى يقصد بها التوصل إلى الواجب فيخلف حكم الدخول في الفرض المزبور جوارا ومنعا باختلاف قصد الداخل فيها فان كان قصده التوصل به إلى الواجب فهو جائز واقعا سواء ترتب عليه الواجب في الخارج ام لم يترتب عليه كما انه إذا لم يكن قصده التوصل به إلى الواجب فهو حرام واقعا من دون فرق بين ترتب الواجب عليه وعدم ترتبه عليه كما انه إذا قلنا بمقالة المشهور من كون المقدمة واجبة بالوجوب الغيرى مطلقا سواء قصد بها التوصل إلى الواجب النفسي ام - (*)
[ 215 ]
للاخر وعدم صحة الترتب وكلتا المقدمتين ممنوعتان كما سيظهر في محله انشاء الله تعالى
وعليه فلا يكون النزاع الا علميا محضا الثالثة تنقسم المقدمة إلى داخلية وخارجية والداخلية تنقسم إلى داخلية بالمعنى الاخص وداخلية بالمعنى الاعم (اما) الداخلية بالمعنى الاخص فهى الاجزاء التى يتقوم المأمور به منها فيكون التقيد كذات القيد داخلا في المأمور به واما الشروط و عدم الموانع فكلها خارجية بهذا المعنى لعدم دخول ذواتها في المأمور به وان كان التقيد بها داخلا فيه (واما) الداخلية بالمعنى الاعم فهى كلما يتوقف امتثال المأمور به عليه شرها فيستحيل الامتثال بدونه وعليه فتدخل الشروط وعدم الموانع في المقدمة الداخلية ايضا والحاصل ان الشرط وعدم المانع باعتبار دخول التقيد بهما يعد ان من المقدمة الداخلية وباعتبار خروج نفسهما عن المأمور به يعدان من الخارجية و تقابل الداخلية بالمعنى الاعم الخارجية بالمعنى الاخص وهى المقدمات العقلية التى يتوقف وجود المأمور به عليها عقلا من دون ان يتوقف الامتثال عليها شرعا لعدم كون التقيد ولا ذات القيد الداخلين في ما هو المأمور به شرعا وهى تنقسم إلى علة ومعد (و مجمل الفرق) (1) بينهما ان ماله دخل في وجود الشيئ (اما) أن يكون له تأثير فيه و (اما) ان لا يكون له تأثير فيه اصلا الا انه يكون مقربا له من علته (اما الاول) فاما ان يكون علة بسيطة أو يكون جزء علة لا كلام لنا على تقدير البساطة واما على تقدير التركب فاما ان تكون العلة المركبة تدريجية الوجود اولا فإذا كانت العلة تدريجية
- لم يقصد بها ذلك وسواء ترتب عليها الواجب في الخارج ام لم يترتب عليها فالدخول في مفروض المثال يقع مصداقا للواجب مطلقا ومعه لا يعقل ان يقع مبغوضا من المكلف ومتصفا بالحرمة فلا يستحق فاعله العقاب وان كان يستحق الثواب ايضا لعدم قصد التوصل به إلى الواجب على الفرض وهذه ثمرة مهمة جدا نترتب على البحث عن ثبوت الملازمة وعدمها بين وجوب شيئ ووجوب مطلق مقدمته أو خصوص مقدمة من مقدماته 1 - ما افيد في المتن في بيان التفرقة بين المعد والعلة اصطلاح من شيخنا الاستاد قدس سره
والصحيح ان المعد قسم من الشرط به الشرط المتقدم المعدوم عند وجود مشروطه وعليه فصعود الدرجة الاولى بالقياس إلى الكون في السطح يكون معدا كما ان قوة القوس بالاضافة إلى حركة السهم يكون شرطا (*)
[ 216 ]
الوجود فلا محالة يستند المعلول إلى الجزء الاخير من العلة التامة وإذا لم تكن تدريجية الوجود فالمعلول يستند إلى المقتضى منها فقط كذات النار بالاضافة إلى الاحراق سواء كان حدوث وجوده قبل حدوث وجود بقية اجزاء العلة كالمحاذاة ويبوسة المحل ونحوهما أو بعدها فانه لابد في وجود الاحراق من اجتماع تمام اجزاء العلة في الوجود في عرض واحد فلا يفرق بين سبق احدهما على الاخر في الوجود وعدمه (واما الثاني) وهو ما يقرب المعلول من علته المعبر عنه بالمعد فالفرق بينه وبين غير الجزء الاخير من العلة التامة هو ان كل جزء من أجزاء العلة كما ان له دخلا في وجود المعلول له دخل في وجود الجزء اللاحق له من اجزائها وهذا كصعود الدرج فأن صعود الدرجة الاولى كما يتوقف عليه الكون في السطح كذلك يتوقف عليه صعود الدرجة الثانية وهكذا بخلاف المعد فانه لا يتوقف عليه الانفس المعلول دون الاجزاء اللاحقه نظيره قوة القوس التى لها دخل اعدادى في حركة السهم ولادخل لها في حركة يدى الرامى التى هي الجزء الاخير من العلة ولو سمى غير الجزء الاخير من العلة التامة بالمعد بالمعنى الاعم لم يكن به بأس ايضا (إذا عرفت ذلك) فاعلم ان المحقق صاحب الحاشية (قده) اخرج المقدمات الداخلية بالمعنى الاخص عن حريم النزاع وقد استدل عليه بما يقرب من استدلال القائلين بخروج العلة عن محل الكلام وحاصله ان المقدمات الداخلية بما ان التقيدو القيد فيها داخلان في المأمور به فهى نفس متعلق الامر النفسي وليس فيها جهة اخرى توجب تعلق الوجوب الغيرى بها مع انه يستحيل كون شيئ واحد متعلقا للامر النفسي والغيري المترشح من قبل نفسه لاحتياج الامر الغيرى إلى اتصاف متعلقة بالمقدمية
المستلزمة للمغايرة في الوجود بين المقدمة وذيها وعمدة الاشكال هو ذلك لا لزوم اجتماع الحكمين المتماثلين فانه يمكن الجواب عنه بالاندكاك والتأكد كما إذا كان عبادة وان كان تقيد الواجب بها داخلا في المأمور به الا ان ذواتها خارجة على الفرض فلا مانع من تعلق الوجوب الغيرى على القول بالملا زمة (واورد عليه) في التقريرات
1 - تقدم منه قدس سره انكار التاكد في امثال ذلك بدعوى ان الوجوب الغيرى انما هو في طول الوجوب النفسي لا في عرضه وقد مربيان ما هو الحق عندنا هناك (*)
[ 217 ]
بما حاصله ان الاجزاء فيها جهتان (جهة) اخذها بشرط لا وبهذه الملاحظة تكون اجزاء ومقدمة على الكل (وجهة) اخذها لا بشرط وبها تكون متحدة مع المركب وعينه كما ذكرونظير ذلك الهيولى والصورة فانهما قديؤ خذان بشرط لا وقد يؤ خذان لا بشرط وإذا ثبت فيها جهتان متغايرتان فيمكن ان يتعلق بها الوجوب النفسي بملا حظة الجهة الثانية والوجوب الغيرى بملا حظة الجهة الاولى (ويرد عليه) ان اخذ الجزء لا بشرط مرة وبشرط لا اخرى منحصر بالاجزاء الطولية التى يكون احد الجزئين قوة ومادة والجزء الآخر فعلية وصورة فلا محالة يكون بينهما الاتحاد في الوجود فيكون لحاظ كل منهما لا بشرط اعني به لحاظ كل من الجزئين على ما هو عليه من اندكاك احد هما في الآخر واتحاده معه في الوجود مصححا لحمل احدهما على الآخر وحمل كل منهما على المركب كما في الجنس والفصل و لحاظ كل منهما بشرط لا اعني به قصر النظر على حد القوة بما هي أو الفعلية بما هي موجبا لعدم صحة الحمل كما في الهيولى والصورة وقد ظهر بما ذكرناه ان معنى اخذ الاجزاء الطولية بشرط لا هو لحاظ منهما على حياله وقصر النظر على حد وجوده قوة أو فعلية المعبر عنه بكلمة (بشرط لاعن ما يتحد معه) واما لحاط كل جزء بشرط لاعن ما يكون معه بمعنى لحاظه مستقلا في الوجود بدون الآخر فهو يستلزم كون الملحوظ من الكليات
العقلية التى لا موطن لها الا الذهن لامتناع وجود احدهما منفكا عن الآخر في الخارج (واما) الاجزاء والمركبات الاعتبارية التى لا اتحاد بين اجزائها في الوجود اصلا ويمتنع حمل كل منها على الآخر وعلى المركب فاعتبارها بشرط لا لا معنى له اصلا بل لابد اما من اعتبار كل جزء ذاته وعلى حياله فهو معنى لحاظه لا بشرط وبه تكون الاجزاء اجزاء واما من اعتباره بشرط الانضمام الذى هو معنى لحاظه بشرط شيئ وبه يكون المركب مركبا فملاك الجزئية في المركبات الاعتبارية اخذ الاجزاء لا بشرط وملاك التركيب اخذها منضمة وبشرط شيئ (إذا عرفت ذلك) فاعلم انه يمكن ان يقال باتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى بتقريب اخذ الشيئ لا بشرط يكون على نحوين (احدهما) اخذ الشيئ لا بشرط بلحاظ الطوارى والعوارض بحيث لا ينافيه اقترانه بشيئ منها كاخذ الرقبة في قولنا اعتق رقبة لا بشرط بالقياس إلى العدالة والفسق وغيرهما من الطوارى
[ 218 ]
ولا زمه تخيير المكلف عقلا في عتق أي رقبة شاء (وثانيهما) اخذه لا بشرط بمعنى قصر النظر على ذاته لا يلحظ معه الطوارى اصلا حتى بنحو اللا بشرطية الاولى و من المعلوم ان مقوم الجزئية انما هو اعتبار الاجزاء لا بشرط بالمعنى الثاني فان حيثية الانضمام انما تعرض لتلك الاجزاء في مقام الحكم والامتثال ولذا لو اتى المكلف بتمام اجزاء المأمور به لا بقصد الانضمام ولكن اتفق الانضمام في الخارج لما اجزاء متقدما في الرتبة على ما اخذ بشرط شيئ اعني به المركب فلا يسرى الامر النفسي المتعلق بالمركب إلى ما هو في مرتبة سابقة وعليه هي الاجزاء فلا مانع حينئذ من اتصافها بالوجوب الغيرى فتلخص ان حيثية الانضمام الطارية على ذوات الاجزاء أو جبت كونها امرا آخر في قبال نفس ذواتها التى هي مقدمة لهذا الامر الواحد اعتبارا في مقام التشريع والامتثال وبذلك يندفع اشكال ترشح الامر الغيرى بشئ من الامر النفسي المتعلق بذاك الشيئ بعينه نعم حيث ان ذوات الاجزاء موجودة في ضمن المركب لا بوجود آخر فيبقى
اشكال اجتماع المثلين بحاله وقد عرفت انه ليس فيه كثير اشكال للزوم مثله في العبادات الواجبة التى هي مقدمة لواجب آخروانه يمكن الجواب عنه بالالتزام بالاندكاك والتاكد هذا ولكن (الاتصاف) ان ما ذكرناه من التقدم والتأخر وان كان صحيحا بالنظر إلى لحاظ الجزء والمركب في نفسيهما الا انه لا يصحح اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيرى الذى ملاكه توقف احد الوجدين على الآخر وبما انه ليس في مفروض الكلام مغايرة بين الوجودين فلا يعقل ترشح الوجوب الغيرى المتعلق بالاجزاء من الوجوب النفسي المتعلق بالمركب الذى هو نفس الاجزاء في الخارج على الفرض واما المقدمات الخارجية فقد اختلف فيها انظار العلماء (فمنهم) من ذهب إلى وجوب المقدمة السببية وانكره في غيرها ونسب هذا القول إلى السيد (قده) ولكن النسبة غير صحيحة فانه (قده) فرق بين المقدمة السببية وغيرها بان وجوب الواجب لا يمكن ان يكون مشروطا بسببه للزوم طلب الحاصل بخلاف غيره من المقدمات فانه لامانع من اشتراط الوجوب بوجودها فمطلبه اجنبي عما نحن فيه رأسا (ومنهم) من ذهب إلى ان محل النزاع انما هو غير المقدمة السببية واما السببية فهى واجبة بالوجوب
[ 219 ]
النفسي المتعلق بالمسبب فان المقدور هو السبب وانما المسبب من لوازم وجوده قهرا وليس هو بنفسه تحت اختيار العبد فلا يمكن ان يتعلق به الوجوب لما قد بيا سابقا ان مالا يمكن تعلق الارادة التكوينية الفاعلية به لا يمكن تعلق الارادة التشريعية الآمرية به ايضا فلابد من صرف الوجوب الثابت للمسبب في ظاهر الدليل إلى سببه (والتحقيق) في هذا المقام أن يقال أن ما يسمى علة ومعلولا اما يكون وجودا احدهما مغاير الوجود الآخر في الخارج أو يكونا عنوانين لموجود واحد وان كان انطباق احدهما عليه في طول انطباق الآخر لافى عرضه (اما) ماكان من قبيل الاول كشرب الماء ورفع العطش فلا اشكال في أن الارادة الفاعلية تتعلق بالمعلول اولا لقيام المصلحة به ثم تتعلق بعلته
لتوقفه عليها فيكون حال الارادة التشريعية الآمرية ايضا كذلك وهذا معنى ما يقال من ان المقدور بالواسطة مقدور فلا معنى لصرف الامر المتعلق بالمسبب إلى سببه بعد كون المسبب مقدورا ولو بالواسطة وكونه هو الوافى بالغرض الاصلى (واما) ماكان من قبيل الثاني كالقاء النار والاحراق المتصف بهما فعل واحد في الخارج (1) وان كان صدق عنوان الالقاء متقدما على صدق عنوان الاحراق رتبة وكذلك عنوان الغسل والتطهير فقد بينا سابقا أن كلا من العنوانين قابل لتعلق التكليف به كما في قوله (عليه السلام) (اغسل ثوبك من ابوال مالا يوكل لحمه) وقوله تعالى (وثيابك فطهر) فإذا تعلق بالمسبب في ظاهر الخطاب فهو متعلق بذات السبب في نفس الامر لا محالة كما انه إذا تعلق بالسبب فهو يتعلق به بما انه معنون بمسببه وهذا القسم هو مراد العلامة الانصاري (قده) من المحصل في ما ذهب إليه من ان البرائة لا تجرى عند الشك في المحصل كما اشرنا إليه
1 - ما افاده قدس سره من خروج القسم الثاني مما يسمى بالعلة والمعلول ولو بالعناية عن محل البحث في المقام وان كان متينا جدا كما اشرنا إليه سابقا الا ان تمثيله لذلك بعنواني الالقاء والاحراق وبعنواني الغسل والتطهير في غير محله لان موجود الملاقات في الخارج مغاير لوجود الحرارة بالضرورة فيكون الالقاء غير الاحراق ايضا إذا لايجاد والوجود متحدان بالذات وان كان مخلفين بالاعتبار وكذلك الطهارة بمعنى النظافة العرفية موجودة في الخارج بوجود مغاير لوجود الغسل ومترتبة عليه بالوجودان واما الطهارة الشرعية فهى حكم شرعى مترتب على وجود موضوعه خارجا وهو الغسل فكيف يعقل ان يكون عنوان الطهارة منطبقا على ما ينطبق عليه عنوان الغسل (*)
[ 220 ]
سابقا فإذا كان الامر بكل منهما امرا بالآخر فلا معنى للاتصاف بالوجوب الغيرى فيكون هذا القسم خارجا عن محل النزاع وعليه فلا وجه للعبير بصرف الخطاب فانه فرع التعدد والمفروض فيما نحن فيه هو الوحدة والاتحاد
ثم أن المهم هو تقسيم المقدمة على النحو الذى ذكرناه (واما) بقية التقسيمات كتقسيمها إلى المقدمة العقلية والعادية والشرعية وكتقسيمها إلى مقدمة الصحة والوجود والعلم والوجوب فكلها ترجع إلى ما ذكرناه فان المقدمات الشرعية هي المقدمات الداخلية بالمعنى الاعم والمقدمات العقلية هي المقدمات الخارجية بالمعنى الاخص (واما) المقدمات العادية فهى راجعة إلى العقلية بعد فرض امتناع الوصول إلى ذى المقدمة بدونها ممن لا يمكنه خرق العادة كما ان مقدمات الوجود راجعة إلى المقدمات الخارجية ومقدمات الصحة راجعة الى المقدمات الداخلية (واما) مقدمة الوجوب فهى اجنبية عن محل الكلام لان محل البحث هي مقدمة الواجب لا الوجوب (واما) مقدمة العلم فهى مقدمة لامتثال الواجب عقلا فتكون اجنبية عن محل الكلام ايضا وعلى فرض وجوبه شرعا وتعلق خطاب به فهى ترجع إلى المقدمات الخارجية بقي الكلام في تقسيم المقدمة الى سابقة ولا حقة مقارنة وبيان ما هو الحق في المقام من امتناع الشرط المتأخر أو جوازه وقبل الخوض في ذلك ينبغى تقديم امور الاول انه لا اشكال في خروج المقدمات العقلية عن محل الكلام وعدم جواز تأخرها عن المعلول لامتناع وجود المعلول قبل وجود علته التامة بتمام اجزائها من المعد والشرط والمقتضى وما يقال من ان المتأخر بوصف تأخره يكون شرطا لا ذاته فالشرط لم يتأخر وانما المتأخر هو الشرط كلام لا معنى له فانه في قوة أن يقال أن المعدوم بوصف كونه معدوما شرط ومؤثر في المعلول والالتزام به مما لا ينبغى صدوره عن العاقل الامر الثاني انه لا اشكال في خروج العناوين الانتزاعية عن محل النزاع ايضا لانها انما تنتزع عما تقوم به وليس للطرف الاخر دخل في انتزاعها عن منشأ انتزاعها اصلا مثلا الابوة والبنوة ينتزع كل منهما عن شخص باعتبار حيثية قائمة به لاعنه وعن
[ 221 ]
الاخر (فتوهم) ان العنوان السبق انما ينتزع عن السابق باعتبار دخل الامر اللاحق فيه فإذا كان شرطا لوضع أو تكليف فمرجعه إلى دخل الامر المتأخر فيهما (مدفوع) بأن السبق انما ينتزع عن نفس السابق بالقياس إلى ما يوجد بعد ذلك وكذا اللحوق ينتزع عن نفس اللاحق بالقياس إلى ما وجد قبله ولا دخل للسابق في انتزاع اللحوق عن اللاحق ولا للاحق في انتزاع السبق عن السابق حتى يلزم دخل المعدوم في الموجود وعليه يتفرع انه لو قام دليل على ثبوت الملكية مثلا بالمعاملة الفضولية حينها على فرض تعقبها بالاجازة لكشف ذلك عن اشتراطها بنفس عنوان التعقب الثابت للبيع والمنتزع عنه بلحاظ تحقق الاجازة في ظرفها فما فرض شرطا فهو مقارن للشرط لا محالة بلا دخل للامر المتأخر فيه اصلا الامر الثالث ان التحقيق هو خروج شرائط المأمور به عن حريم النزاع ايضا بداهة ان شرطية شيئ للمأمور به ليست الا بمعنى اخذه قيدا في المأمور به فكما يجوز تقيده بامر سابق أو مقارن يجوز تقيده بأمر لاحق ايضا كتقيد صوم المستحاضة بالاغتسال في الليلة اللاحقة وتوضيح الحال في المقام انه لا اشكال في ان المستحاضة إذا عملت بما هو تكليفها من الاغسال فهى في حكم الطاهرة فتصح عباداتها الا انه وقع لا اشكال في ان غسلها هل يؤثر في رفع الحدث السابق أو اللاحق مثلا إذا اغتسلت بعد الليل فهل هذا الغسل يؤثر في رفع الحدث إلى طلوع الفجر وكذلك الغسل بعد الفجر يؤثر في رفع الحدث إلى الزوال وكذ الغسل بعد الزوال يوثر في رفعه إلى الغروب أو ان كل غسل يؤثر في رفع الحدث السابق عليه فالغسل في الليل يرفع الحدث من الزوال إلى الليل والاول هو مختار المشهور ولذا افتوا بأنها لو تركت الاغتسال في الليل بطل صومها في الغد لطلوع الفجر عليها وهى غير طاهرة وذهب بعضهم إلى الثاني ومن
هذه الجهة لا ينبغى الاشكال في جواز تأخر الغسل اللاحق في رفع الحديث السابق ومع قطع النظر عن هذه الجهة لا ينبعى الاشكال في جواز تأخر شرط المأمور به عن مشروطه إذ لا يزيد الشرط بالمعنى المزبور على الجزء الد خيل في المأمور به تقيدا وقيدا فكما انه لا اشكال في امكان تأخر الاجزاء بعضها عن بعض كذلك لا ينبغى الاشكال في جواز تأخر الشروط عن المشروط بها ايضا
[ 222 ]
(فان قلت) بين الاجزاء والشرايط فرق لان كون الجزء دخيلا في المأمور به تقيدا وقيدا يوجب انبساط الامر على تمام الاجزاء لا محالة وان كانت الاجزاء تدريجية الوجود وهذا بخلاف الشروط فان القيود على ما تقدم خارجة عن المأمور به وانما الداخل فيه هي التقيدات التى تحصل من اضافة المشروط إلى شرائطه وحينئذ فيسأل عن ان هذه الاضافات عند تأخر الشرائط هل توجد قبل تحقق الشرائط أو توجد عند تحققها وعلى الاول يلزم وجود الامر الانتزاعي قبل وجود منشأ انتزاعه وعلى الثاني يلزم تحقق الاضافة مع عدم احد طرفيها هو المشروط (قلت) قد بينا في مبحث الواجب المشروط ان العناوين الانتزاعية بما انها لا تحقق لها خارجا يستحيل تعلق الامر بها بانفسها فالامر المتعلق بها لابد من تعلقه بمنشأ انتزاعها وعليه فالشرط المتأخر المأخوذ قيدا في الواجب يمتنع ان يكون امرا غير اختياري متيقن الحصول كدخول المغرب مثلا أو مشكوك الحصول كنزول المطر ضرورة ان اخذه قيدا لغو على الاول ومستحيل على الثاني لامتناع توقف الامتثال على امر غير اختياري تابع في وجوده لعلته الخارجة عن تحت قدرة المكلف فلا مناص عن كون الشرط المتأخر المعتبر قيدا في الواجب امرا يجوز تعلق التكليف به فالامر بالمقيد بنفسه (1) يتعلق بالقيد كما ان الامر بالمركب يتعلق بكل واحد من اجزائه وعليه يتفرع ان امتثال الامر المقيد بقيد متأخر انما يكون باتيان الشرط المتأخر في ظرفه كما ان امتثال الامر بالمركب انما يتحقق باتيان
1 - قد عرفت فيما تقدم ان الامر بالمقيد لا يكون امرا بقيده ابدا والا لبطل الفرق بين الجزء والشرط ولزم خروج الشرايط عن محل النزاع في بحث وجوب المقدمة ايضا لان ما تعلق به شخص الوجوب النفسي لا يمكن ان يتعلق به الوجوب الغيرى المترشح منه كما مر واما لزوم كون الامر المتعلق بالامر الانتزاعي متعلقا بمنشأ انتزاعه فهو وان كان صحيحا الا انه اجنبي عن المقام فان التقيد المأخوذ في المأمور به لا ينتزع عن قيده ولذلك ذكرنا فيما تقدم ان القيد المأخوذ في المأمور به لا يلزم ان يكون اختياريا إذا المعتبر في صحة الامر بالمقيد هو كون المقيد بما هو مقيد تحت قدرة المكلف واختياره سواء كان قيده امرا اختياريا ام لم يكن وعليه فلا مناص عن الالتزام بحصول الامتثال قبل تحقق ما هو شرط متاخر للواجب فيكون حال شرايط الواجب حال شرايط التكليف والوضع امكانا وامتناعا وستعرف ما يقتضيه التحقيق في ذلك انشاء الله تعالى (*)
[ 223 ]
الجزء الاخير غاية الامر ان تعلق الامر بالجزء انما هو من جهة دخله قيدا وتقيدا و بالشرط من جهة دخل تقيده فقط وهذا لا يكون فارقا بعد تعلقه بكل منهما ودخل كل منهما في امتثاله (ان قلت) كيف يعقل تعلق الامر بالشرط المتأخر وهو غير مقدور حين الامر بالمشروط مع ان القدرة على المأمور به لابد منها في توجه التكليف (قلت) نعم الا انه مقدور في ظرفه والقدرة التى هي شرط التكليف انما هي القدرة في ظرف العمل المفروض تحققها فيما نحن فيه كما في الاجزاء التدريجية بلا فرق بينهما اصلا غاية الامران الامتثال في كلا الموردين يتحقق عند الاتيان بالجزء الاخير أو الشرط المتأخر بل لا اشكال في جواز تأخر شرائط الوضع والتكليف ايضا إذا كان الوضع أو التكليف مقارنا (1) لتحقق الشرط كما إذا بنينا على النقل وحصول الملكية عند تحقق الاجازة المتأخرة عن البيع مثلا نعم لو قلنا بتحقق الامتثال قبل الاتيان بالشرط ومع ذلك كان شرطا فالاشكال هو بعينه اشكال تأثير الامر المتأخر في الوضع فظهر مما ذكرنا ان الاشكال في تأخر شرط المأمور به انما
هو من جهة الالتزام بتأثير الشرط المتأخر في الحكم الوضعي المتقدم كما في تأثير غسل الحايض ليلافى رفع حدثها السابق أو من جهة الالتزام بتحقق الامتثال قبل حصول الشرط واما مع عدم الالتزام بشيئ منهما فجواز تأخر الشرط مما لا ينبغى التأمل فيه الامر الرابع لا ينبغى الريب في ان العلة الغائية والملاكات المترتبة على متعلقات الاحكام التى هي علل تشريعها لا تكون بوجودها الخارجي مؤثرة في تشريع الحكم وجعله بداهة انها متاخرة في الوجود الخارجي عن متعلقات الاحكام فضلا عن نفسها فكيف يعقل ان تكون مؤثرة في جعل الحكم وتشريعه بل المؤثر فيه دائما انما هو علم الجاعل بترتب الملاك على متعلق حكمه سواء اصاب علمه ام اخطا ومن الواضع ان العلم بالترتب مقارن مع الجعل والتشريع دائما وانما المتأخر هو ذات المعلوم ومن ذلك يظهران شرايط الجعل خارجة عن محل النزاع رأسا فالنزاع منحصر بشرايط الحكم المجعول (توضيح ذلك) ان القضايا كما عرفت تنقسم إلى قسمين خارجية وحقيقية (اما القضايا) الخارجية فلا يتوقف الحكم فيها على غير دواعى الحكم المؤثرة فيه بوجودها العلمي طابق الواقع
1 - إذا فرض تحقق التكليف أو الوضع مقارنا لحصول شرطه فلا موضوع للبحث عن الجواز والامتناع كما هو ظاهر (*)
[ 224 ]
ام لم يطابق وهذا القسم من القضايا خارج عن محل الكلام بالكلية فان الحكم فيها يدور مدار علم الحاكم فقط سواء كان المعلوم مقارنا ام متقدما ام متأخر (واما القضايا) الحقيقية التى حكم فيها بثبوت الحكم على الموضوعات المقدر وجودها فيحتاج الحكم فيها إلى امرين احدهما ما يكون داعيا إلى جعل الحكم على موضوعه المقدر وجوده وثانيهما ما يكون موضوعا له واخذ مفروض الوجود في المقام الحكم ويدخل في ذلك الشرائط المأخوذة فيه لما عرفت في بحث الواجب المشروط من رجوع شرايط الحكم إلى قيود الموضوع وهذا القسم من القضايا من الجهة الاولى خارجة عن محل الكلام
ايضا لان المؤثر في جعل الحكم فيها كما عرفت انما هو علم الحاكم سواء اصاب ام اخطأو سواء كان المعلوم متقدما ام مقارنا ام متأخر فالنزاع منحصر في القضايا الحقيقية من الجهة الثانية والنفى والاثبات واردان على جواز تأخر شرط الحكم الذى اخذ مفروض الوجود في مقام انشاء الحكم وجعله عن فعليته وتحققه خارجا فما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) من جواز تأخر الشرط نظرا إلى لزوم كون الشرط للفعل الاختياري هو الوجود اللحاظى دون الخارجي انما نشأ من خلط القضايا الخارجية بالقضايا الحقيقية ومن عدم التفرقة بين دواعى الجعل والشرايط المأخوذة مقدرة الوجود الراجعة إلى قيود الموضوع كما عرفت (تنبيه) ومما يتفرع على تقسيم القضية إلى قسمين حقيقية وخارجية واختلاف احكامهما اختلاف الحكم في الفرع المشهور وهو ما لو اذن المالك لدخول اصدقائه في داره فهل يجوز الدخول لمن يعتقد المالك صداقته مع كونه عدواله في الواقع اولا وبعبارة اخرى هل يكفى في جواز الدخول رضاء المالك واذنه ولو كانا ناشئين عن اعتقاد الصداقة خطأ أو ان كراهته دخول عدوه الواقعي موجبة لحرمة دخول عدوه وان اذن له اشتباها (والتحقيق) فيه ان يقال ان الاذن (تارة) يكون لاشخاص مخصوصين على نحو القضايا الخارجية فيكون علم المالك بكونهم اصدقائه ولو كان خطأ داعيا إلى الاذن المزبور وبما ان المؤثر في الاذن حينئذ هو العلم دون الواقع فيجوز الدخول لمن اذن له ولو كان عدوا واقعا إذا المفروض ان الاذن فعلى ومحقق ومعه لا تضر الكراهة لو اطلع المالك على عدواته و (اخرى) يكون الاذن على نحو القضايا الحقيقية فيكون عنوان الصديق هو الموضوع لجواز الدخول وبما ان
[ 225 ]
المفروض حينئذ تعلق الجواز الصديق من دون دخل العلم المالك بتحقق الموضوع في ترتب الحكم عليه فلا يجوز الدخول للعد والذى يعتقد المالك صداقته لعدم تحقق الموضوع واقعا وان اعتقد المالك تحققه ويلحق بهذا القسم مالو اخذ الصداقة قيدا
في الموضوع كما لو اذن في الدخول لاشخاص مخصوصين بشرط كونهم اصدقاء فان التقييد يرجع بالاخرة إلى اخذ القيد عنوانا للموضوع كما عرفت (ثم ان النزاع) انما هو في جواز تأخر الشرط عن مشروطه واما جواز تقدمه عليه فليس فيه اشكال اصلا بداهة ان كل شرط حينما وجد يؤثر اثره الاعدادي ليكون التأثير والتمامية بالجزء الاخير من العلة كما هو الحال في الشرائط العقلية ايضا فما عن المحقق صاحب الكفاية ايضا من تعميم النزاع للشرط المتقدم بدعوى سراية ملاك النزاع إليه فهو في غير محله إذا عرفت هذه الامورف الحق (1) هو امتناع تأخر شرائط الوضع أو التكليف عنهما لاوله إلى الخلف والمناقضة كما في تأخر الشرائط العقلية (وتوضيح ذلك) أن المجعول الشرعي في القضايا الحقيقية لو قلنا بانه هي السببية دون المسببات عند وجود اسبابها لكان تأخر الشرط عن المشروط به من تأخر العلة عن معلولها حقيقة وهو واضح الاستحالة (مثلا) لو قلنا بأن المعجول للشارع هو كون الدلوك سببا بالوجوب الصلاة لا نفس وجوبها عند الدلوك لكان الدلوك من اجزاء علة الوجوب حقيقة ويرجع تأخره عن الحكم إلى تقدم المعلول على علته (وبطلانه) لا يحتاج إلى برهان وبيان واما إذا قلنا بان المجعول الشرعي هو نفس المسبب وانما تنتزع السببية من جعل المسببات عند امور خاصة (كما هو) الحق بداهة ان الاحكام الشرعية افعال اختيارية للشارع وتصدر عن ارادته فلا معنى لكونها مسببة ومترشحة عما اصطلحوا على تسميتها بالاسباب مضافا) إلى ان السببية من
1 - بل التحقيق هو جواز تأخر الشرط مطلقا سواء كان الشرط شرطا للمأمور به ام كان شرطا للحكم التكليفى أو الوضعي اما في الاول وهو ما إذا كان المتأخر شرطا للمأمور به فلان شرطية شيئى للمأمور به ليست الا بمعنى دخل ذلك الشيئ في المأمور به وكون الامر متعلقا بالمقيد به الذى هو عبارة عن حصة خاصة من الطبيعي وكما يمكن تقيد المأمور به بامر مقارن أو متقدم يمكن تقيده بامر متأخر بالضرورة فإذا فرضنا ان ملاك طلب المولى قائم بحصة خاصة من الطبيعي وهى المقيدة بقيد متاخر بان يكون المؤثر في الملاك نفس تلك الحصة من دون
ان يكون للامر المتأخر تأثير فيه كما هو الحال في القيود المقارنة أو المتقدمة فلا مناص عن - (*)
[ 226 ]
الامور الواقعية الناشئة عن خصوصية وربط بين السبب والمسبب ولا معنى لتعلق الجعل التشريعي بها فقد عرفت انه لا بد من ان يكون نسبة الشرائط إلى الاحكام نسبة الموضوعات إليها فكما يمتنع وجود المعلول قبل وجود علته للزوم الخلف والمناقضة (كذلك) يمتنع وجود الحكم قبل وجود المقدر وجوده في مقام الجعل وبالجملة إذا فرضنا دخل وجود الامر المتأخر في فعلية الحكم سواء كان دخله على نحو العلية أو الموضوعية ففرض وجود الحكم قبل تحقق ذلك الامر يستلزم الخلف والمناقضة (وفيما ذكرناه) في مبحث الواجب المشروط ما ينفع في المقام فراجع (فظهر) أن مقتضى القاعدة بعد امتناع الشرط المتأخر (هو) الالتزام بالنقل في باب البيع الفضولي دون الكشف (1) (واما) ما نقله فخر المحققين (قده) عن بعض من ان مقتضى القاعدة هو الكشف
- التزام كون الطلب متعلقا بتلك الحصة ايضا بعد فرض كونها مقدورة للمكلف بما هي كذلك فوجود القيد المتأخر لا شأن الا انه يكشف عن وجود تلك الحصة في ظرف كونها مطلوبة ومن الواضح انه لا محذور في كشف الامر المتأخر عن تحقق شيئ قبله اصلا وبالجملة اختلاف الطبيعة الواحدة باختلاف حصصها في الخارج في الاشتمال على ملاك تعلق الطلب بها وعدمه مما لا ريب فيه وكما تتحصص الطبيعة باعتبار تقيدها بامور متقدمة أو مقارنة كذلك تتحصص باعتبار تقيدها بالامور المتأخرة ايضا فاشكال تأخر الشرط الناشئ من توهم تأثير الامر المتأخر في المتقدم مندفع من اصله واما في الثاني وهو ما إذا كان المتأخر شرطا للحكم التكليفى أو الوضعي فلان شرط الحكم وان كان لا بد من اخذه مفروض الوجود في مقام الجعل والانشاء الا ان ظرف وجوده المفروض يختلف باختلاف كيفية الجعل فربما يجعل الحكم على موضوع مقيد بقيد اخذ مفروض الوجود مقارنا له أو متقد ما عليه وربما يجعل الحكم على موضوع المقيد بقيد اخذ مفروض الوجود بعد وجوده والقيد في جميع ذلك وان كان مفروض الوجود
الا انه يختلف باختلاف ظرف وجوده المأخوذ قيدا في الحكم وقد ذكرنا فيما تقدم انه لا مناص في موارد الواجبات التدريجية من الالتزام بالشرط المتأخر لان فعلية الوجوب في الان الاول متوقفة على بقاء شرايط التكليف من الحيوة والقدرة وغيرهما إلى زمان الاتيان بالجزء الاخير لا محالة وفميا ذكرناه في بحث الواجب المشروط ما ينفعك في المقام فراجع هذا بحسب الامكان واما بحسب الوقوع فالمتبع هي د لالة الليل وهى تختلف باختلاف الموارد 1 - قد ذكرنا في محله ان الكشف الحقيقي وكون الاجازة المتأخرة كاشفة عن تحقق الملكية في زمان العقد وان كان امرا معقولا الا انه خلاف ظواهرا لادلة لان استناد العقد (*)
[ 227 ]
مد عيا بأن المملك هو العقد فلو تأخرت الملكية عنه لزم تأثير المعدوم في الموجود لكون العقد معدوما حال الاجازة (فيرده) مضافا إلى النقض ببيع الصرف والسلم لتبعية الملك فيهما للقبض دون العقد (أن) الملكية الشرعية الثابتة حين الاجازة لا ربط لها بالملكية المنشأة بالعقد (فلا مانع) من توقف احدهما على الاجازة (1) لكونها دخيلة في موضوعها دون الاخرى (على أنا) قد بينا سابقا ان الامور المتأخرة عن الانشاء بحسب الوجود لا مانع من كونها منشأة فعلا كما في باب الوصية ونحوها (2). واما ما استدل به على جواز الشرط المتأخر فأمور (منها) أن الممتنع هو تأخر المقتضى الذى يترشح منه المعلول عن مقتضاه واما الشرائط التى ليس من شأنها ترشح المعلول منها (فلا مانع) من تأخرها عقلا (وفيه) ان الشرط بعد فرض د خله في المعلول ولو لم يكن بنحوا لتأثير والرشح يستلزم تأخره عن المشروط الخلف والمناقضة كما في تأخر المقتضى عن مقتضاه بلا فرق بينهما اصلا (ومنها) ان المشروط لو كان من الامور التكوينية الواقعية فتأخر شرطه عنه وان كان مستحيلا الا انه إذا كان
إلى المالك وكونه عقده انما يتحقق في زمان الاجازة لا قبله الا انه لابد من الالتزام بالكشف الحقيقي بمعنى آخر بان يقال ان الاجازة بما انها تتعلق بالملكية أو الزوجية السابقة
والمفروض امضاء الشارع لها يكون متعلق حكم الشارع هي الملكية أو الزوجية السابقة ايضا فالمال مثلا قبل الاجازة كان محكوما بكونه مملوكا لمالكه الاول وبعد الاجازة يحكم بكونه ملكا للمجيز من حال صدور العقد وبعبارة اخرى اعتبار الملكية مثلا وان كان مقارنا مع الاجازة الا ان متعلقه امر سابق عليها ولا مضادة بين الحكم بملكية شيئ لا حذفي زمان والحكم بعده بملكية ذلك الشيئ في ذلك الزمان لشخص آخر فوحدة زمان الملكيتين مع تغاير زمان الاعتبارين لا محذور فيها اصلا وتمام الكلام في محله وسيجيئ ما في كلام شيخنا الاستاد قدس سره من الجواب عن ذلك بعيد هذا انشاء الله تعالى 1 - إذا فرضنا تعلق الاجازة بالملكية المنشأة قبل الاجازة وامضاء الشارع لها على ماهى عليه فكيف يمكن ان تكون الملكية مقارنة مع الاجازة وبذلك يظهر الفرق بين بابى الاجازة وغيرها من الشرايط كالقبض في بيع الصرف والسلم 2 - انشاء الامر المتأخر وان كان ممكنا في نفسه وواقعا في جملة من الموارد الا ان الملكية المنشأة في باب البيع ليست كذلك كما هو ظاهر (*)
[ 228 ]
من الامور الجعلية الاعتبارية فبما ان الاعتبار خفيف المؤنة (فلا محذور) في تأخر شرائطه عنه عقلا (وفيه أن) الامر المتأخر ان لم يكن له د خل في هذا الاعتبار لا بنحو العلية ولا بنحو الموضوعية فما هو معنى كونه شرطا وأن كان له دخل فيه فكيف يعقل تأخره ومجرد كون المشروط من الامور الاعتبارية (لا يجدى) فيه دفع الاستحالة بعد فرض دخل الامر المتأخر فيه بنحو من الدخالة (ومنها) ان الشرط لو كان هو الامر المتأخر لاستحال تقدم المشروط عليه وأما لو كان نظير عنوان التعقب بحيث يكون نفس هذا العنوان هو الشرط حقيقة فلا محذور فيه لعدم استلزامه تقدم الحكم على موضوعه ولا تقدم المعلول على علته (وهذا الوجه) وان كان احسن ما يمكن ان يوجه به جواز تأخر الشرط الا انه انما يتم فيما إذا دل دليل على وجود الحكم قبل الامر
المتأخر وكان العقل والعرف (1) مساعدين على شرطية نفس هذا العنوان كما في مثال
1 - إذا فرض امكان اخذ التقيد بالامر المتأخر في موضوع حكم من الاحكام وقيام الدليل عليه فلا وجه لاعتبار امر آخر في صحة الالتزام به وهو مساعدة العقل والعرف وهل يكون العقل أو العرف مشرعا في قبال الشارع كلا فإذا دل الدليل على ترتب احكام الملكية من زمان العقد فلا مانع من الالتزام بالكشف الحقيقي بالمعنى الذى عرفته وهو لا ينافى اعتبار نفس الاجازة والرضافى موضوع حكم الشارع بنفوذ العقد فان استناد العقد إلى المجيز وحكم الشارع بنفوذه وان كانا مقارنين للاجازة خارجا الا ان متعلق الاجازة لكونه امرا سابقا عليه لابد من الحكم بتحققه في ظرفه واما ما افيد في المتن من ان الانشاء وان كان واقعا في زمان سابق على زمان الاجازة الا ان المنشأ غير مقيد به فالاجازة في مثال البيع الفضولي لم تتعلق الا بنفس الملكية لا بالملكية السابقة فيرد عليه اولا انا نفرض الكلام في موارد الاجارة الفضولية ونحوها مما كان العقد واقعا على تمليك المنفعة المقيدة بالزمان فيما إذا اجاز المالك بعد مضى مقدار من ذلك الزمان فبما ان الاجازة تعلقت بملكية المنافع السابقة والمفروض امضاء الشارع لها لا مناص عن الحكم فعلا بمالكية المستأجر للمنافع السابقة من زمان العقد وثانيا ان المنشأ وان لم يكن مقيدا بزمان الانشاء الا انه غير مقيد بغيره من الازمنة ايضا والاهمال غير معقول فهو مطلق لا محالة فإذا كان المنشأ هي الملكية المطلقة الشاملة حال الانشاء وتعلقت الاجازة بها و قد امضاها الشارع فلابد من الحكم بتحقق الملكية من زمان العقد فتقارن الاجازة وامضاء الشارع زمانا لا يستلزم مقارنة الاجازة الملكية كما عرفت ومما ذكرناه يتضح الفرق - (*)
[ 229 ]
الصوم المشروط وجوبه ببقاء القدرة إلى آخر النهار على ما اوضحنا ذلك في مبحث الواجب المشروط واما في مثال البيع فقد دل الدليل على شرطية نفس الاجازة و الرضا دون عنوان التعقب ولو فرضنا قيام الدليل على ترتب آثار الملكية من حين البيع
فبما ان العقل والعرف لا يساعدان على شرطية نفس العنوان لابد مع ذلك من الاءلتزام بالنقل والكشف الحكمى دون الحقيقي فان قلت لا نحتاج في الحكم بالكشف الحكمى إلى قيام دليل على ترتيب آثار الملكية من حين البيع بل يكفى فيه نفس الدليل الدال على صحة العقد الفضولي فان الاجازة وان فرضنا دخلها في تحقق الملكية الا أن حالها ليست كحال سائر القيود الدخيلة فيها غير الناظرة إلى العقد كالقبض في بيع الصرف والسلم حتى تتحقق الملكية حين تحققها فانها انما تتعلق بالعقد الواقع من الفضولي وتكون امضاء له فيكون العقد الواقع في ظرفه منتسبا إلى المجيز المالك لامر العقد ولازم ان يكون القول بالكشف على طبق القاعدة قلت الاجازة وان كانت حقيقتها امضاء العقد السابق الا أن الملكية المنشأة به ليست مقيدة بذلك الزمان وان كان الانشاء واقعا فيه بداهة انها لو كانت متحققة في ذلك الظرف لما كان للاجازة دخل فيها اصلا والمالك انما يمضى نفس الملكية المنشأة بالعقد لا الملكية المقيدة بالزمان السابق فكما ان المالك ليس له تمليك ماله من زمان سابق ابتداء كذلك ليس له امضاء الملكية السابقة ايضا وما هو تحت قدرته امضاء نفس الملكية غير المقيدة بزمان ونظير ذلك أن الملكية المنشأة من البايع لا تتحقق الابعد القبول فظرف الانشاء وان كان قبل القبول الا ان ظرف تحقق الملكية هو بعد القبول و الا كان البيع من الايقاعات لا العقود وبالجملة المنشأ في كلا المقامين نفس الملكية المعراة عن الزمان وتخلف زمان تحققها عن زمان الانشاء مما لا محيص عنه في كل ما يتوقف
- بين الاجازة المتعلقة بالعقد السابق والقبول المتعلق بالايجاب فان القبول لكونه مقوما للعقد ومن اجزائه لابد من عدم تقدم اثره عليه وهذا بخلاف الاجازة فانها توجب استناد العقد المتحقق إلى المجيز واعتبارها انما هو من جهة كشفها عن الرضا بالعقد ليس الا والاثر انما هو اثر العقد فلا مانع من الحكم بترتب الاثر قبلها وبذلك يظهر الفرق بين تمليك
المالك ماله من زمان سابق على التمليك ابتداء واجازته للتمليك السابق فلا تغفل (*)
[ 230 ]
تحققه على تحقق امر آخر فلو لم يكن دليل على الكشف الحكمى تعبدا لما كان للمصير إليه وجه عقلا (هذا) غاية ما يمكن ان يقال في تصحيح الشرط المتأخر وقد عرفت عدم صحة الوجهين الاولين وعدم تمامية الوجه الثالث في تمام الموارد واما ما نسب إلى استاذ اساتيذنا العلامة الشيرازي (قده) من تجويز ذلك بالالتزام بشرطية الامر المتأخر بوجوده الدهرى ولا تقدم ولا تأخر بحسب ذلك الوجود فقد نقل الاستاذ دام ظله انه (قده) كان يتبرى عن هذه النسبة شفاها ويتأذى منها غايته وانما ذكر هذا الوجه في ضمن بحثه احتمالا موهوما إذا عرفت هذه المقدمات فالكلام في وجوب المقدمة يقع في مقامين الاول فيما يقتضيه الاصل في المقام (والثانى) فيما يقتضيه البرهان اما المقام الاول فالحق انه لا تجزى الاصول فيه سواء في ذلك المسألة الاصولية والفقهية اما المسألة الاصولية فعدم جريان الاصل فيها واضح فان الملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمته وجودا وعدما من الامور الواقعية التى لا حالة سابقة لها فان كانت الملازمة ثابتة فهى ازلا وابدا والا فكذلك واما المسألة الفقهية فعدم جريان الاصل فيها لعدم ترتب الاثر عليه بعد فرض لزوم الاتيان بالمقدمة عقلا وما لم يكن لنفى الوجوب أو لاثباته اثر عملا لا معنى لجريان الاصل العملي في مورده نفيا واثباتا فما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من جريان الاصل في المسألة الفقهية نظرا إلى الشك في حدوث الوجوب للمقدمة بعد حدوث وجوب ذى المقدمة غير سديد لما عرفت من انه لا موقع لجريان الاصل مثبتا ونافيا عقليا أو شرعيا إذا لم يكن هناك اثر عملي مترتب على جريانه واما المقام الثاني فالحق فيه هو القول بوجوب المقدمة الخارجية بالوجوب الترشحى القهري الملازم لوجوب ذى المقدمة واما المقدمات الداخلية والعناوين التوليدية فقد
عرفت انها خارجة عن محل البحث وواجبة بنفس الوجوب النفسي والبرهان على ذلك هو ما ذكرناه مرارا (1) انه لا فرق بين الارادة التكوينية والتشريعية في جميع
1 - قد مر غير مرة انه لا وجه لقياس الحكم الشرعي المجعول المتعلق بفعل الغير بالارادة التكوينية التى هي من صفات المريد وغير قابلة لتعلق الجعل بها واما اشتراك الارادة التشريعية مع الارادة التكوينية في الاحكام فهو لو سلم فانما يسلم في الارادة التشريعية بمعنى الشوق المتعلق بفعل الغير لا في الارادة بمعنى اعتبار كون الفعل على ذمة الغير المعبر - (*)
[ 231 ]
لوازمهما غيران التكوينية تتعلق بفعل المريد نفس المريد والتشريعية تتعلق بفعل غيره ومن الضرورى أن تعلق الاءرادة التكوينية بشئ يستلزم تعلقها بجميع مقدماته قهرا نعم لا تكون هذه الاءرادة القهرية فعلية فيما إذا كانت المقدمية مغفولا عنها الا ان ملاك تعلق الارادة بها وهى المقدمية على حاله فإذا كان هذا حال الارادة التكوينية فكون الارادة التشريعية مثلها (واما) ما ربما يقال من ان تعلق ارادة اخرى بالمقد مة لغو بعد كون الاتيان بها ضروريا مما لا بد منه في وجود ذى المقدمة فيد فعه ان المدعى هو تعلق الارادة بها قهرا عند ارادة ذى المقدمة فلا يتمكن المريد لذى المقدمة من عدم ارادتها ليتوقف تحققها على فائدة وغاية نعم لو كان الوجوب المبحوث عنه في المقام هو الوجوب استقلالي كما يظهر من المحقق القمى (قده) لكان انكاره للزوم اللغوية في محله لكنك قد عرفت ان محل الكلام هو الوجوب القهري وان لم يترتب على وجوده ثمرة اصلا واما بقية الوجوه التى استدل بها في المقام على وجوب المقدمة أو على عدمه فكلها مخدوشة لا يهمنا التعرض لها
- عنه بالوجوب الشرعي اذلا برهان يقتضى اشتراكه مع الارادة التكوينية في الاحكام بل البرهان قائم على خلافه على انه لا موجب للزوم الاشتراك في الارادة التشريعية بمعنى الشوق إلى فعل الغير ايضا وذلك لان تعلق الشوق إلى فعل نفس المشتاق مع فرض علمه بتوقف الفعل المشتاق إليه على فعل آخر يقتضى تعلق الشوق بما يتوقف عليه المشتاق
إليه لا محالة وهذا بخلاف الشوق على فعل الغير إذا المفروض انه تحت اختيار الغير و صدوره انما يكون باختياره فلا مو جب لتعلق الشوق بمقد ماته اصلا هذا مع ان اعتبار كون المقدمة على ذمة من اعتبر الفعل المتوقف عليها على ذمته مع فرض لزوم صدور المقدمة خارجا لتوقف الواجب النفسي عليها لغو محض ولا يصح صدوره من الحكيم واما دعوى ان تعلق الوجوب بها قهرى وخارج عن اختيار المولى ومعه لا مجال لدعوى اللغوية كما افيد في المتن فهى على تقدير تسليمها تختص بالارادة التشريعية واما الوجوب الشرعي الذى هو من افعال المولى وتحت اختياره فلا معنى لدعوى كونه قهريا وصادرا بغير الاختيار وعلى ما ذكرناه فالصحيح ان المقدمة لا تتصف بالوجوب المولوي اصلا واما ما ورد من الاوامر المتعلقة بالمقدمات فهى محمولة على الارشاد إلى الشرطية والمقدمية أو على التأكيد كما ان الامر كذلك في الاوامر المتعلقة باجزاء الواجب النفسي بعد ما عرفت سابقا من استحالة اتصافها بالوجوب الغيرى (*)
[ 232 ]
وينبغى التنبيه علي امور الاول ان وجوب المقدمة بما انه يترشح من وجوب ذيها فهو في الاطلاق والاشتراط يكون تابعا له ويستحيل تخلفه عنه بعد فرض كونه من لوازمه قهرا واما المقدمات التى يجب الاتيان بها قبل وجوب ذيها فقد عرفت (1) سابقا ان وجوبها ليس من باب حكم العقل بقبح التفويت (هذا) في غير المقدمات الشرعية واما فيها فقد عرفت (2) انها واجبة بنفس الوجوب المتعلق بما هو مقيد بها من دون حاجة إلى حكم العقل بقبح التفويت الثاني لا ريب في ان مقدمة الواجب الفعلى إذا كانت محرمة التوصل إلى الواجب بها فهى لا تبقى على حرمتها بل تتصف حينئذ بالوجوب والمحبوبية للمولى لكن الوجدان اصدق شاهد على انها لا تتصف بذلك على الاطلاق ولو مع عدم قصد التوصل بها
الى الواجب ولم يترتب عليها الواجب في الخارج بل الامر كذلك في المقدمة المباحة ايضا ضرورة ان خروج المستطيع من داره لبعض اغراضه الشخصية غير قاصد به التوصل الى الحج مع عدم ترتب الحج عليه في الخارج لا يقع في الخارج على صفة الوجوب لمجرد كونه مقدمة للحج في نفسه (ومن ثم) ذهب صاحب المعالم (قده) إلى اشتراط وجوب المقدمة بارادة ذى المقدمة فلا تكون المقدمة واجبة على تقدير عدم ارادته واختار العلامة الانصاري (قده) على ما نسب إليه اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة التى قصد بها التوصل إلى الواجب فالمقدمة التى لم يقصد بها التوصل إلى الواجب النفسي لا تقع في الخارج على صفة الوجوب وذهب صاحب الفصول (قده) إلى اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة التى يترتب عليها الواجب النفسي في الخارج فلا تقع غيرعا على صفة الوجوب (اما ذهب إليه) صاحب المعالم (قده) فيرد عليه اولا ان وجوب المقدمة كما عرفت
1 - قد مر تحقيق الحال في ذلك في محله فراجع 2 - قد عرفت فيما مران تقييد متعلق الامر بقيد لا يستلزم تعلق الامر بذات القيد والا لزم انقلاب الشرط جزء وتفصيل الكلام في محله (*)
[ 233 ]
تابع لوجوب ذيها اطلاقا واشتراطا فان اختار ان وجوب نفس الواجب ايضا مشروطا باراد ته فهو محال وان اختارانه مطلق الا ان وجوب المقدمة مشروطا بها فالتفكيك غير معقول كما عرفت وثانيا ان مرتبة الارادة (1) هي مرتبة الاطاعة والامتثال لا مرتبة البعث والايجاب فكيف يعقل ان يكون وجوب المقدمة مشروطا بها واما توجيه (2)
1 - الظاهران مراد صاحب المعالم من ارادة ذى المقدمة المشروط بها وجوب المقدمة هو القصد والعزم على اتيان ذى المقدمة بعد الاتيان بمقدمته فلا مانع من اشتراط وجوبها بارادته مع قطع النظر عن الاشكال الاول الوارد عليه كما افيد في المتن 2 - قد افاد بعض المحققين من مشايخنا العظام قدس الله اسرارهم في توجيه كون الواجب
عنوان المقدمة ما حاصله ان المقدمة إذا كانت واجبة بحكم العقل فمتعلق الوجوب الغيرى انما يكون هو عنوان المقدمة لاذاتها لان الجهات التعليلية في الاحكام العقلية جهات تقييدية ضرورة ان حكم العقل باستحالة شيئ لاستلزامة الدور مثلا حكم باستحالة الدور حقيقة كما ان حكمه بحسن ضرب اليتيم للتأديب حكم بحسن التأديب في نفس الامر وعلى ذلك فحكم العقل بوجوب شيئ لكونه مقدمة للواجب حكم بوجوب عنوان المقدمة قهرا وبما ان متعلق الوجوب لابد من ان يكون امرا اختياريا لاستحالة جعل الداعي الى غير المقدور سواء في ذلك كون الواجب توصليا وكونه تعبديا لابد من ان يكون عنوان المقدمة مقصودا في وقوع المقدمة في الخارج على صفة الوجوب فما لم يقصد عنوان المقدمة لا تقع المقدمة في الخارج على صفة الوجوب ومن الواضح ان قصد عنوان المقدمة هو بنفسه قصد الواجب النفسي والعزم على اتيانه و حينئذ لايرد على ذلك ما افيد في المتن من عدم اندفاع اشكال امتناع التفكيك بين وجوب ذى المقدمة ووجوب مقدمتها في الاطلاق والاشتراط بذلك إذا المفروض حينئذ ان القيد اعني به قصد التوصل إلى الواجب النفسي قيد للواجب لا للوجوب والتحقيق في المقام هو ان ما افيد وان كان صحيحا في الاحكام العقلية الا ان الوجوب المبحوث عنه في المقام شرعى لا عقلي نعم الحاكم بالملازمة بين الوجوب النفسي والغيري هو العقل فالعقل بعد استقلاله بالملازمة المزبورة يستكشف وجوبا شرعيا متعلقا بالمقدمة حين تعلق الوجوب النفسي بما يتوقف عليها فعنوان المقدمية متمحضة في كونها جهة تعليلية فالمغالطة انما نشأت من خلط الحكم الشرعي المستكشف من حكم عقلي بالحكم العقلي الثابت لشيئ لجهة تعليلية ومن الواضح ان كون الجهات التعليلية في الاحكام العقلية جهات تقييدية اجنبي عن كون الجهات التعليلية في الاحكام الشرعية ولو كانت مستكشفة من طريق العقل جهات تقييدية وما نحن فيه انما هو من قبيل الثاني دون الاول (*)
[ 234 ]
مرامه بأن مراده من الاشتراط بالارادة هو الاشتراط بكون العبد في طريق الامتثال
والاطاعة ليكون الواجب هو عنوان المقدمة لاذاتها فيرد عليه مضافا إلى أن عنوان المقدمية من الجهات التعليلية لوجوب المقدمة لامن الجهات التقييدية انه لا يندفع به اشكال امتناع التفكيك بين الوجوبين في الاطلاق والاشتراط واما ما نسب إلى المحقق العلامة الانصاري (قده) فهو وان اشتهر عنه الا ان عبارات مقرر بحثه (قده) في هذا المقام مشوشة غاية التشويش فان ظاهر بعضها هو اعتبار قصد التوصل في تحقق امتثال الوجوب المقدمى وظاهر بعضها الاخر هو اعتبار قصد التوصل قيدا في متعلق الوجوب المقدمى وظاهر بعضها هو اعتباره قيدا في خصوص حال المزاحمة كما إذا كانت المقدمة محرمة وسيجيئ الكلام على كل واحد من هذه المحتملات بعيد هذا انشاء الله تعالى (ثم ان) المقرر (قده) رتب على اعتبار الامتثال فروعا يبعد كونها من المحقق العلامة الانصاري (قده) (منها) عدم صحة صلاة من كان مكلفا بالصلاة إلى الجهات الاربع إذا لم يكن من قصده الصلوة إلى جميعها ولا يخفى عدم ارتباطه بما نحن فيه اصلا فان محل الكلام في المقام انما هو اعتبار قصد التوصل وعدمه في المقدمة الوجودية للواجب واما المقدمة العلمية فاعتبار قصد الاتيان بتمام اطرافها في صحة العبادة أو عدمه اجنبي عن القول بوجوب المقدمة فضلا عن اعتبار قصد التوصل فيها (ومنها) عدم جواز الاتيان بالغايات المشروطة بالطهارة إذا لم يكن المتوضى قاصدا به لتلك الغايات بل اتى به لغاية اخرى لكنه (قده) اشكل على ذلك بأن الوضوء ليس له الا ماهية واحدة فلو اتى به باى غاية مشروعة لترتب عليه الطهارة ويصح الاتيان بكل ما هو مشروط بالطهارة فلا يكون لاعتبار قصد التوصل ثمرة في هذا المقام اصلا نعم يتم ذلك في باب الاغسال فانها ماهيات متعددة وان اشتركت جميعها في اسم واحد (اقول) ان ما افاده في باب الوضوء من كفاية قصد غاية واحدة في صحة الاتيان بغيرها من الغايات متين جدا لكن عدم تعدية ذلك إلى الاغسال من الغرائب فان الخلاف في ان الاغسال هل هي متعددة ماهية أو متحدة انما هو باعتبار
اسبابها كالجنابة والحيض ونحوهما لا باعتبار غاياتها المترتبة عليها إذ لم يحتمل احد فضلا عن القول به ان تكون الاغسال متعددة ماهية باعتبار غاياتها
[ 235 ]
فهى من جهة الغايات لا فرق بينها وبين الوضوء والكلام فيها هو الكلام فيه فلا تغفل وكيف كان فالمهم في المقام هو البحث عن جميع الاحتمالات المتقدمة في اعتبار قصد التوصل (فنقول) ان كان نظر شيخنا العلامة الانصاري (قده) إلى اعتبار قصد التوصل بالمقدمة في حصول الامتثال والتقرب بها كما يظهر ذلك من جملة من عبارات التقرير فهو حق وقد تقدم الكلام فيه في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري (وان كان نظره قده) إلى اعتبار قصد التوصل في معروض الوجوب فيرده أن قصد التوصل لا د خل له في مقدمية المقدمة اصلا وبدونه بستحيل ان يكون قيدا اللواجب بداهة ان ما ليس له دخل فيما هو ملاك الوجوب يستحيل ان يكون قيدا مأخوذا في الواجب (واما) ما افاده في القرير بما حاصله ان المقدمة انما تجب بالوجوب المقدمى بما انها مقدمة فلابد من قصد عنوانها في انطباق الواجب عليها نظير قصد التأديب والتعظيم (ففيه) ان العنوان ان كان من العناوين التوليدية التى بها يتعلق الوجوب وعليها يرتب غرض المولى دون نفس المعنونات فلا بد من اعتبار قصده في وقوع معنونه على صفة الوجوب لكن عنوان المقد مة ليس كذلك بل هو من قبيل علل التشريع والمقدمية جهة تعليلية (1) والواجب هي ذات المقدمة لاجهة تقييدية ليكون الواجب نفس العنوان بداهة ان المقدمة بالحمل الشايع هي ذات المقدمة لاعنوانها فلا بدوان يكون متعلق الوجوب هي ذاتها ايضا (وان كان نظره قده) الى اعتبار قصد التوصل في مقام المزاحمة كما تساعد عليه جملة من عبارات التقرير يؤيده ما نقله الاستاذ دام ظله عن استاذه المحقق السيد العلامة الاصفهانى " قده " من
انه كان ينسب ذلك إلى الشيخ " قده " وان كان دام ظله تردد في ان النسبة المزبورة كانت مستندة إلى استظهار نفسه ام إلى سماعه ذلك من المحقق سيد اساتيذنا العلامة الشيرازي " قده " عن استاذه المحقق العلامة الانصاري " قده " (فهو وان كان) يمكن تقريبه بان المقدمة إذا كانت محرمة وتوقف عليها واجب فعلى فغا ية ما يقتضيه التوقف المزبور في مقام المزاحمة هو ارتفاع الحرمة
1 - قد مر الكلام آنفا في كون العنوان المقدمة جهة تقييد ية وعد مه فلا نعيد (*)
[ 236 ]
عن المقدمة فيما إذا اتى بها بقصد التوصل " واما " مع عدم قصده فلا مقتضى لارتفاع حرمتها (ولا يرد) عليه حينئذ ما يقال من ان وجوب ذى المقدمة ان لم يقتض وجوبها في غير حال قصد التوصل بها فلا بد وان يكون كذلك في المقدمات المباحة ايضا فالمقدمة المباحة التى لم يقصد بها التوصل إلى ذيها لا تتصف بالوجوب المقد مى وعليه فما هو الوجه في تخصيص اعتبار قصد التوصل بالمقدمات المحرمة (وذلك لان) الاباحة لما كانت ناشئة من عدم المقتضى للبعث أو الزجر فلا تزاحم الوجوب حتى يختص الواجب بما قصد به التوصل وهذا بخلاف الحرمة فانها مقتضية للترك فلا محالة يقع التزاحم بينها وبين الوجوب فلا بد من الالتزام باعتبار قصد التوصل بالمقدمة المحرمة في ارتفاع حرمتها (الا انه يرد عليه) ان المزاحمة انما هي بين حرمة المقدمة ووجوب ما يتوقف عليها ولو لم نقل بوجوب المقدمة اصلا فالتزاحم انما هو بين وجوب الانقاذ و حرمة التصرف في الارض المغصوبة مثلا فلا مناص عن الالتزام بارتفاع الحرمة لفرض كون الواجب اهم سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعد مه فاعتبار قصد التوصل في متعلق الوجوب المقدمى اجنبي عما به يرتفع التزاحم المذكور بالكلية (هذا) وقد ذكرنا في محله ان التزاحم بين الخطابين انما يوجب سقوط اطلاق الخطاب بالمهم دون اصله وعليه يترتب ان حرمة المقدمة في مفروض الكلام انما ترتفع بامتثال (1) الامر بذى المقدمة لا بنفسه
1 - لا يخفى ان ترتب احد الخطابين على عصيان الاخر وان كان في نفسه مما لا مناص عن الالتزام بامكانه ووقوعه على ما سيجيئ بيانه في محله الا انه لا يمكن الالتزام به في محل الكلام وهو توقف الواجب الفعلى على مقدمة محرمة في نفسها وذلك لان لازم الالتزام بالترتب في المقام هو الالتزام بكون العصيان المتأخر اعني به عصيان الواجب في ظرفه وبعد الاتيان بمقدمته شرطا لحرمتها في ظرف الاتيان بها ومن الواضح استحالة ذلك سواء قلنا باستحالة تأخر الشرط مطلقا كما عليه شيخنا الاستاد قده ام قلنا بجوازه في غير المقام كما هو المختار عندنا وجه وضوح الاستحالة ان حرمة المقدمة إذا كانت مشروطة بعصيان الواجب المتوقف عليها فجوازها يتوقف على الاتيان به لا محالة ولا زم ذلك توقف وجوب ذى المقدمة على الاتيان به لان وجوبه يتوقف على القدرة عليه المتوقفة على جواز مقد مته المتوقف على الاتيان به على الفرض وهذا طلب الحاصل وهو مستحيل وايضا ان اشتراط حرمة المقدمة بعصيان الواجب المتوقف عليها يستلزم جواز ترك الواجب النفسي من غير عذر - (*)
[ 237 ]
فلا مانع من فعلية الخطابين على احدهما على عصيان الاخر وانتظر لذلك مزيد بيان سيأتي انشاء الله تعالى واما ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من اعتبار الايصال خارجا في وقوع المقدمة على صفة الوجوب لا في تعلق الوجوب بها ليكون الوجوب مشروطا به ويورد عليه بان الايصال انما يتحقق بالاتيان بالواجب النفسي فكيف يعقل ان تتصف المقدمة بالوجوب بعده فيرد عليه ان الايصال وعدمه لو كانا من الصفات التى بها تتنوع المقدمة وتنقسم إلى قسمين في الخارج كما هو الحال فيما إذا كان المراد من المقدمة الموصلة هي المقدمة السببية فانها تفارق سائر المقدمات في لزوم ترتب الواجب عليها في الخارج بخلاف غيرها من المقدمات لكان هذا الاعتبار معقولا وقابلا لان يكون محل البحث بين الاعلام لكنه (قده) لا يقول بذلك فانه صرح بوجوب تمام اقسام المقدمة عند ايصالها إلى ذى المقدمة من دون تخصيص
بالمقد مة السببية واما إذا كانا وصفين منتزعين من الاتيان بذى المقدمة وعدمه بعد الاتيان بالمقدمة فلا جرم يرجع اعتبار مثل هذا القيد في متعلق الوجوب المقد مى إلى اعتبار كون الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى فيلزم يكون الواجب النفسي (1) مقدمة للمقدمة و
- لان المفروض كون المقدمة محرمة في فرض ترك الواجب النفسي فلا يكون الواجب مقدورا حينئذ فلا يقع تركه محرما ومبغوضا من المكلف وسيأتى عند ما يتعرض شيخنا الاستاد قدس سره لا مكان الترتب في محل الكلام ما يتضح به ذلك انشاء الله تعالى (والتحقيق) ان يقال انه إذا وقعت المزاحمة بين وجوب الواجب الفعلى وحرمة مقد مته فغاية ما يقتضيه التزاحم هو سقوط الحرمة عن المقدمة الموصلة واتصافها بالجواز فعلا على القول بعدم وجوب المقدمة واتصافها بالوجوب الغيرى على القول بوجوبها واما المقدمة غير الموصلة فلا موجب لرفع اليد عن حرمتها اصلا فجواز المقدمة بالفعل أو وجوبه الغيرى لا يتوقف على الاتيان بالواجب في ظرفه ليلزم ما ذكر من المحذورين بل هو مطلق غير مشروط وانما الجائز مقدمة خاصة وهى الموصلة وهى مقدورة للمكلف على الفرض وسيجيئ بعيد هذا انه لا مناص عن الالتزام باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة على القول بوجوب المقدمة شرعا 1 - لا يخفى ان اعتبار الايصال قيدا في متعلق الوجوب الغيرى لا يستلزم كون الواجب النفسي مقدمة للمقدمة وانما يستلزم كونه مقدمة للواجب الغيرى ما هو كذلك فان المفروض كون الايصال قيدا لمتعلق الوجوب الغيرى لا مقوما لذات ما هو مقدمة في الخارج نعم لازم ذلك الاتصاف الواجب النفسي بالوجوب الغيرى المتعلق بالمقدمة المقيدة بالايصال لكنه ليس - (*)
[ 238 ]
واجبا بوجوب ناشئى من وجوبها وهو يستلزم الدور فان وجوب المقدمة انما نشأ من وجوب ذى المقدمة فلو ترشح وجوب ذى المقدمة من وجوبها لزم الدور مضافا إلى ان الواجب لو كان هو خصوص المقدمة الموصلة فبما ان ذات المقدمة مقومة لها فتكون مقدمة لتحققها في الخارج فان اختار (قده) وجوبها مع عدم اعتبار قيد الايصال إلى جزئها
الاخر فقد اعترف بما انكره وكر على مافرمنه وان اعتبر قيد الايصال في اتصافها بالوجوب فقد لزمه التسلسل كما لا يخفى واما (ما استدل) به على ما ذكره من ان للمولى ان يمنع من غير المقدمات الموصلة مع انه ليس له ان يمنع من المقدمة على اطلاقها أو يمنع من خصوص الموصلة منها وذلك آية عدم اتصاف غير المقدمة الموصلة بالوجوب (فيرد عليه) ان جواز المنع عن بعض المقدمات لا يوجب اختصاص ملاك الوجوب الغيرى في نفسه بغيرها من المقدمات وذلك فان توقف الواجب على شيئ ان لم يكن مقتضيا لايجابه فلا وجه لاتصاف المقدمة بالوجوب الغيرى اصلا سواء في ذلك الموصلة وغيرها واما إذا كان التوقف مقتضيا له فاما ان يكون ملاكه مطلق التوقف والمقدمية
- فيه محذور الا توهم اجتماع المثلين اعني به اجتماع الوجوب الغيرى والنفسي وقد مر فيما تقدم انه لابد من الالتزام بتأكد الحكم في امثال ذلك واما ما افيد في المتن من ان اتصاف ذى المقدمة بوجوب ناشئى من وجوب مقدمته يستلزم الدور فيرد عليه ان وجوب المقدمة انما نشأ من الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة ومن الواضح ان اخذ قيد الايصال في متعلق الوجوب الغيرى لا يستلزم ترشح ذلك الوجوب من وجوب المقدمة وانما المترشح منه وجوب آخر غيرى متعلق بما هو متعلق الوجوب النفسي فلا دور (والتحقيق) ان القول باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة لا يقتضى اعتبار الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى اصلا فان الغرض من التقييد بالا يصال ليس الا الاشارة إلى ذات المقدمة التى تقع في سلسلة علة وجود الواجب النفسي فالقائل باختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة انما يدعى الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدماته الملازمة له في الوجود واما المقدمات المفارقة له في الوجود فلا مقتضى لا يجابها اصلا وستعرف انه بناء على ثبوت الملازمة لا مناص عن اختيار هذا القول ومن هذا البيان يظهر الجواب عما افيد في المتن ايضا من استلزام القول بالاختصاص المزبور التسلسل فانك قد عرفت ان الايصال لم يعتبر قيدا زائدا في متعلق الوجوب الغيرى لتكون ذات المقدمة مقدمة لتحقق الواجب الغيرى في الخارج بل الغرض
من التقييد انما هو الاشارة إلى ذات ما هو متصف بالوجوب الغيرى فلا اشكال (*)
[ 239 ]
فلاوجه لتخصيص الوجوب ببعض المقدمات مع اشتراك جميعها في ملاكه واما ان يكون ملاكه خصوص التوقف على ما يستحيل انفكاكه عن الواجب في الخارج فلا بد من ان يختص الوجوب الغيرى بالمقدمة السببية وعلى كل حال (1) لاوجه للتفكيك وتخصيص الوجوب بالموصلة من المقدمات واما دعوى تعلق الوجوب النفسي بالمقدمة مقيدة بايصالها (2) الى ما يتوقف عليها فمرجعها إلى اشتراط الوجوب النفسي بامر متأخر وهو
1 - لا يخفى ان الحصر المذكور غير حاصر لا مكان ان يكون ملاك الوجوب الغيرى هو خصوص التوقف على ما يكون توأما وملازما لوجودي ذى المقدمة في الخارج من جهة وقوعه في سلسلة مبادى وجوده بالفعل فيختص الوجوب الغيرى حينئذ بالموصلة ولا يعم غيرها بل التحقيق انه لا مناص عن الالتزام بذلك بناء على ثبوت الملازمة بين الوجوبين فان صريح الوجدان شاهد بان من يطلب شيئا لا غرض له في ايجاب بين المقدمات المفارقة لذلك الشيئى في الوجود فلا موجب لتعلق شوقه وطلبه به اصلا واما دعوى ان الغرض من ايجاب المقدمة هو التمكن من وجود ذى المقدمة وهو مترتب على وجد مطلق المقدمة لاعلى خصوص الموصلة منها فيردها ان التمكن من ذى المقدمة انما هو من لوازم التمكن من المقدمة وليس مما يترتب على وجودها خارجا فتوقف وجود الواجب على وجود لا يقتضى طلب ذلك الوجود المفارق لوجود الواجب في الخارج فالطلب الغيرى بناء على ثبوت الملازمة يتعلق بخصوص ما يقع في سلسلة مبادى المطلوب النفسي بالفعل ومن تأمل في مرتكزاته الوجدانية يجد صدق ما ادعيناه بلا حاجة الى اقامة برهان ومزيد بيان 2 - اراد قدس سره بذلك الزام صاحب الفصول (قده) بجعل القيد اعني به الايصال قيدا لوجوب المقدمة بتقريب ان الايصال لا يمكن ان يكون قيدا للواجب لما افاده من المحاذير المترتبة عليه فعلى تقدير اعتباره لابد من ان يكون قيد أو شرطا للوجوب وهو يستلزم
شرطية المتأخر للمتقدم التى مر الكلام فيها مفصلا وانت بعد ما عرفت امكان اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة تعرف انه لا موجب لكون الايصال شرطا لوجوب المقدمة ليلزم من الالتزام باعتبار الايصال في اتصاف المقدمة بالوجوب الالتزام بالشرط المتأخر بل قد عرفت فيما تقدم استحالة كون الايصال المتأخر شرطا لوجوب المقدمة و ان قلنا بجواز تأخر الشرط في نفسه كما هو المختار عندنا لان لازم ذلك ان يكون وجوب الواجب النفسي الفعلى المتوقف على مقدمة محرمة في نفسها مشروطا بالاتيان به وان يجوز تركه من غير عذر وكلاهما مستحيل (*)
[ 240 ]
الايصال وقد تقدم الكلام في جوازه وامتناعه مفصلا (وقد اجاب) المحقق صاحب الكفاية عن الاستدلال المذكور بعدم جواز المنع المولى من غير المقدمة الموصلة لان ذلك يستلزم ان لا يكون ترك الواجب النفسي مخالفة وعصيانا وهو باطل بالضرورة بيان الملازمه ان وجوب الواجب النفسي مشروط بالقدرة عليه المتوقفة على التمكن من مقدمته عقلا وشرعا وبما ان جواز المقدمة في الفرض المزبور لا يكون الاعند الاتيان بالواجب النفسي فمع عدمه تكون المقدمة محرمة فلا يكون الواجب النفسي مقدورا شرعا فلا يعاقب على مخالفته وتركه (ويدفعه) ان جواز المقدمة غير مشروط بالايصال ليتوقف تحققه على تحقق الايصال خارجا بل المتوقف عليه انما هو تحقق ما هو جائز شرعا إذا المفروض ان الايصال قيد للواجب لا للوجوب فجواز المقدمة ثابت قبل تحقق الايصال في الخارج وبما ان المقدمة الخاصة وهى الموصلة مقدورة للمكلف لفرض القدرة على ايجاد قيدها وهو الايصال فيكون التكليف بالواجب النفسي المقدور بالواسطة فعليا لا محالة فيكون تركه مخالفة وعصيانا وبالجملة لو قطعنا النظر عن المحاذير المتقدمة المترتبة على كون الواجب النفسي قيدا للواجب الغيرى فلا محذور في الالتزام بما افاده صاحب الفصول (قده)
بقى الكلام فيما افاده المحقق صاحب الحاشية في المقام من ان المقدمة انما وجبت من حيث الايصال لا مقيدة بكونها موصلة قد اصر على ذلك في مواضع من كلامه وانكر وجوب المقدمة الموصلة (وهذا) الكلام وان كان مجملا في بدو النظر الا ان الظاهر أنه اراد به ان الداعي إلى ايجاب المقدمة هو كونها مما يتوصل به إلى الواجب النفسي المتوقف عليها والا فلا غرض يترتب على ايجابها الغيرى اصلا فكل واحدة من المقدمات انما تقع في الخارج على صفة المطلوبية فيما إذا وقعت في سلسلة العلة التامة لوجود ذى المقدمة (واما) إذا كانت منفكة عن ذلك ووقعت مجردة عن بقية أجزاء العلة فبما أنها لم يترتب عليها الغرض الداعي إلى ايجابها فلا تقع في الخارج على صفة الوجوب كما هو الحال في اجزاء الواجب النفسي فان كل واحد منها انما يقع على صفة الوجوب النفسي في ضمن تعلقه بالمركب إذا وقع في الخارج منضما إلى بقية اجزائه لا إذا وقع منفكاعنها فحال المقدمة في انطباق الواجب الغيرى عليها كحال الاجزاء في انطباق الواجب
[ 241 ]
النفسي عليها بعينها ولكنه مع ذلك لم يؤخذ الايصال قيدا في اتصاف المقدمة بالوجوب لا بنحو يكون شرطا للوجوب ولا بنحو يكون قيدا للواجب فتقيد المقدمة بتحقق الواجب النفسي بعدها كنفس تحققه في الخارج لا يكون شرطا للوجوب الغيرى ولاا متعلقاله فيكون القيد والتقيد كلاهما خارجين نظير ما ذكرناه في بحث المعنى الحرفى من خروج الاطراف وتقيد النسبة بها عن حريم المعاني الحرفية والسرفي ذلك ان الوجوب الغيرى لا يعقل ان يتعلق بالمقدمة المقيدة بترتب الواجب النسفى عليها لما ذكرناه من المحاذير المترتبة على التقيد بذلك كما انه لابد ان يكون في الاطلاق والاشتراط تابعا لوجوب ذى المقدمة وحيث ان وجب ذى المقدمة لا يعقل ان يكون مشروطا بوجوده لا يعقل ان يكون وجوب المقدمة مشروطا به ايضا فتقيد الوجوب أو الواجب الغيرى بالواجب النفسي غير معقول (هذا ولا يخفى) ان امتناع تقيد الواجب الغيرى أو وجوبه بالايصال
الى الواجب النفسي لا يستلزم ان يكون الواجب والوجوب مطلقين من هذه الجهة كما ذهب إليه المحقق العلامة الانصاري (قده) وذلك لما ذكرناه في مبحث التوصلى و التعبدى من أن الاطلاق والتقيد انما يتقابلان بتقابل العدم والملكة ثبوتا واثباتا فامتناع التقييد يستلزم امتناع الاطلاق أيضا (نعم) لو كان تقابلهما تقابل السلب والايجاب لصح ما ذهب إليه (قده) لامتناع ارتفاع القيضين لكنه ليس كذلك وهو (قده) ايضا لا يقول به فالامر دائر بين ان يكون التقابل بينهما هو تقابل التضاد كما نسب إلى المشهور وان يكون تقابل العدم والملكة وبما ان الاطلاق خارج عن حريم المعنى على ما ثبت في محله والالفاط لم توضع الالنفس المعاني الجامعة بين المطلق والمقيد المعبر عنها باللا بشرط المقسمى (1) فالتقابل بين الاطلاق والتقييد يكون في من تقابل العدم والملكة قطعا وعليه فلا وجه لما افاده (قده) من ثبوت الاطلاق في المقام بسبب امتناع التقييد وقد استدل (قده) بمثل ذلك لاثبات الاطلاق وعدم تقيد المأمور به بقصد القربة
1 - سيجيئ في محله ان اعتبار المهية مطلقة أو مقيدة وان كان خارجا عن حريم المعنى الا ان الجامع بين اعتبار المهية مطلقة أو مخلوطة أو مجردة المعبر عنه باللابشرط المقسمى ليس بموضوع له ايضا بل الموضوع له الالفاظ هي المهية المبهمة عن جميع الاعتبارات اللاحقة لها وانتظر لذلك مزيد بيان في بحث المطلق والمقيد انشاء الله تعالى (*)
[ 242 ]
ولاثبات الاطلاق وعدم اشتراط التكاليف بالعلم بها والجواب عنه هو الجواب المذكور بعينه وعلى ما ذكرناه فلا مناص عن الاهمال (1) وان يكون الواجب الغيرى كوجوبه غير مقيد بالايصال ولا مطلقا من هذه الجهة كما هو الحال في الوجوب النفسي المتعلق بذى المقدمة فانه يستحيل ان يكون مقيدا بوجوده أو مطلقا بالقياس إليه وهذا هو الفرق (بين) ما ذهب إليه المحقق صاحب الحاشية من كون المقدمة واجبة من حيث الايصال وما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من تقييد الواجب بالايصال فان لازم كلام المحقق
المذكور (عدم) امكان الاطلاق والتقييد في المقام اصلا إذا عرفت ذلك فاعلم ان المقدمة المحرمة إذا لم تقع في الخارج على صفة الايصال فهى تقع على صفة الحرمة بناء على ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة بلا احتياج إلى الالتزام بالترتب (فان) المقدمة على ذلك تنقسم إلى قسمين (قسم) منها يكون واجبا والقسم الاخر يبقى على حكمها السابق (واما) بناء على ما ذهب إليه المحقق المذ كور فبما ان التقييد الموجب لانقسام المقدمة إلى قسمين كان محالا فالحكم بحرمة المقدمة المحرمة في ظرف عدم ايصالها الى الواجب يكون على نحو الترتب بيان ذلك أنه (قده) التزم في مبحث الضدبان ترك أحد الضدين مقدمة للاخر فإذا كان ترك الصلاة مثلا مقدمة لواجب اهم كالازالة فيكون الترك واجبا من حيث الايصال فإذا فرضنا ان المولى لم يصل إلى غرضه من الايجاب المذكور فلا محالة يوجب الصلاة في هذه المرتبة لعدم المزاحمة فيكون ايجابها مشروطا بعصيان خطاب الامر بتركها ومنه يتضح حال المقدمة المحرمة بل المباحة في المقام فان تحريمها أو اباحتها انما يكون في مرتبة عصيان الامر بها وعدم ترتب غرض المولى على ايجابها واما الامر بها فهو غير مقيد ولا
1 - قد ذكرنا غير مرة ان الاهمال في الواقعيات غير معقول وان استحالة التقييد بشيئ تستلزم كون الاطلاق أو التقييد بخلاف ذلك القيد ضروريا وبما ان تخصيص الوجوب بغير المقدمة الموصلة متسحيل لا مناص في المقام عن اختصاص الوجوب الموصلة كما هو المختار عند ناعلى تقدير القول بوجوب المقدمة أو كون المطلق المقدمة واجبة كما ذهب إليه المحقق الانصاري (قده) وعلى كل تقدير فلا وجه لما افاده المحقق صاحب الحاشية وارتضاه شيخنا الاستاد قدس سرهما اصلا (*)
[ 243 ]
ولا مطلق فيكون النتيجة هو تعلق خطابين بموضوع واحد لكن مترتبا (ونحن) وان صححنا الترتب في محله الا اناقد اشترطنا في ذلك كون احد الخطابين مترتبا على عصيان الخطاب
الاخر المتعلق بموضوع آخر لافى مرتبة عصيان خطاب آخر متعلق بهذا الموضوع بعينه (وعليه) فتكون الحرمة أو الاباحة في المقدمة مترتبتا على عصيان (1) الامر بذى المقدمة كما ان الامر بالصلاة في مبحث الضد يكون مترتبا على عصيان الامر بالازالة لاعلى عصيان الامر بترك الصلوة كما ذكره المحقق المزبور (قده) التنبيه الثالث في بيان انه لا تترتب ثمرة مهمة على البحث عن وجوب مقدمة الواجب (ولا بأس) بالاشارة إلى ما ذكروه ثمرة في المقام منها فساد العبادة إذا كان تركها مقدمة لواجب اهم كترك الصلاة الذى هو مقدمة للازالة فانه إذا كان الترك واجبا كان الفعل منهيا عنه لان وجوب احد النقيضين يستلزم النهى عن النقيض الآخر (ولذا) لا خلاف في اقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده العام بمعنى الترك (واورد) على ذلك (تارة) بعدم مقد مية ترك احد الضدين لوجود الآخر (واخرى) بأن فساد العبادة في الفرض المزبور انما هو من جهة عدم الامر بها لامن جهة الامر بتركها لكونه مقدمة للواجب (ولذا) لابد من القول بالفساد ولو لم نقل بوجوب مقدمة الواجب ولا بمقدمية الترك للفعل وسيجيئ الكلام في الجهتين في مبحث الضد انشاء الله تعالى ثم ان صاحب الفصول (قده) جعل هذه الثمرة مبتنية على القول بوجوب مقدمة الواجب مطلقا (واما) على ما ذهب إليه من اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة الموصلة
1 - ما اورده شيخنا الاستاد على صاحب الحاشية قدس سرهما في المقام من استحالة تعلق خطابين بشيئ واحد على نحو الترتب وان كان في غاية المتانة كما سيتضح الحال في ذلك في بحث الترتب انشاء الله تعالى الا ان ما افاده من اشتراط حرمة المقدمة بعصيان الواجب المتوقف عليها لا يمكن تعقله ايضا لما عرفت من ان لازم ذلك اشتراط وجوب الواجب بالاتيان به وجواز ترك الواجب من غير عذر فلا مناص عن الالتزام بارتفاع الحرمة عن
المقدمة الموصلة وبقاء غيرها على حرمته سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعدمه (*)
[ 244 ]
فلم يلتزم بفساد العبادة المضادة للواجب الفعلى فان تركها وان كان مقدمة للواجب الفعلى الا انه لا يجب منه الا ما ترتب عليه ذلك الواجب المتوقف عليه ومن الواضح ان ايجابه وان كان يستلزم النهى عن نقيضه الا ان نقيضه ليس هو الفعل ليكون محرما بل النقيض له هو عدم الترك الخاص هو قد يكون مقارنا مع الفعل وقد لا يكون ولا يسرى حرمة النقيض الى لازمه فضلا عن مقارنة فلا موجب لفساد العبادة من هذه الجهة اصلا (واورد عليه) في التقريرات بان الفعل وان لم يكن نقيضا للترك الخاص الا انه من افراده فان نقيض الاخص هو الاعم فترك الترك الخاص قد ينطبق على الفعل وقد ينطبق على الترك المجرد فإذا كان وجوب الترك المطلق موجبا لحرمة ما ينطبق عليه نقيضه وهو الفعل فوجوب الترك الخاص يوجب حرمة جميع افراد نقيضه التى منها الفعل فيقع فاسدا (ورده) المحقق صاحب الكفاية (قده) مع توضيح منابان الفعل بنفسه رافع للعدم المطلق و نقيض له وان عبر عن النقيض بعدم العدم فهو باعتبار انطباقه على الوجود خارجا وان كان مغايرا معه مفهوما فترك الترك عنوان ومرآة للوجود الخارجي الذى هو النقيض بالحقيقة ويستحيل اجتماعه مع العدم وارتفاعهما معا فإذا كان احدهما مطلوبا فالآخر يكون منهياعنه (واما) الترك الخاص فنقيضه عدم الترك الخاص ولو لعدم الخصوصية لا وجود الفعل بداهة ان العدم يستحيل ان يكون له فردان احدهما الوجود والآخر العدم المحض لعدم تعقل الجامع بينهما فلا محالة يكون الفعل من مقارنات النقيض لا من افراده نظير مقارنة ترك الصوم للصلاة ضرورة ان كون الصلاة من افراد ترك الصوم مما لايتو همه احد اصلا ومن المعلوم عدم اقتضاء النهى عن شيئ للنهى عن مقارنة ولقد اجاد (قده) في التفرقة بين المقامين فالحق صحة ما ذهب إليه صاحب الفصول (قده) من انكار الثمرة بناء
على مختاره من اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة والتحقيق انه لا ثمرة حتى على القول بوجوب المقدمة مطلقا وذلك لما سيجيئ (1) انشاء الله تعالى من امتناع كون
1 - وستعرف في محله انشاء الله تعالى انه لا ثمرة حتى القول بكون ترك احد الضدين مقدمة لوجود الاخر ايضا فجعل فساد العبادة المضادة للواجب الفعلى ثمرة للقول بوجوب المقدمة فاسد من اصله (*)
[ 245 ]
ترك احد الضدين مقد مة لفعل الاخر ومنها توقف وقوع المقدمة عبادة على وجوبها فانها لو لم تكن مطلوبة للمولى لما امكن التقرب بها إليه (وفيه) ان وقوعها عبادة انما يدور مدار قصد الامر النفس المتعلق يتوقف عليه سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لم نقل به وقد سبق الكلام في ذلك مفصلا فلا نعيد ومنهابر النذر بفعل المقدمة على القول بوجوبها إذا تعلق النذر بفعل واجب " وفيه " ان مثل هذه الثمرة لا توجب كون البحث عن وجوب المقدمة اصوليا فان المسألة الاصولية هي ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلى كالقواعد التى يستنبط منها وجوب الوفاء بالنذر والمفروض ان مسئلتنا ليست كذلك فان المترتب عليها انما هو انطباق المعلوم وجوبه بدليله على الاتيان بالمقدمة لاستنباط الحكم من ادلته فلا تكون المسألة بذلك اصولية (مضافا) إلى ان النذر يتبع قصد الناذر فلو كان قصده من لفظ الواجب ما يلزم الاتيان به شرعا أو عقلا فيحصل الوفاء بفعل المقدمة ولو لم نقل بوجوبها الشرعي وان كان قصده خصوص الواجب النفسي فلا يحصل الوفاء به ولو قلنا بوجوب المقدمة شرعا نعم لو كان قصده من لفظ الواجب مطلق ما تعلق به الوجوب الشرعي ولو لم يكن له انصراف إلى خصوص الواجب النفسي لكان حصول الوفاء باتيان المقدمة مبتنيا على القول بوجوب المقدمة لكنك قد عرفت
ان مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة اصولية ومنها حصول الفسق بترك الواجب مع مقدماته الكثيرة إذا قلنا بوجوبها (وفيه) ان ترك الواجب ان كان معصية كبيرة فهو بنفسه يوجب الفسق وان لم نقل بوجوب مقدمته والا فلا يكون تركه بمقدماته موجبا لحصول الفسق وان قلنا بوجوب المقدمة ايضا (وتوهم) حصول الفسق بسبب الاصرار عند تركه بمقد ماته (مدفوع) بما ذكرناه سابقا من ان الاطاعة (1) والمعصية انما تدوران مدار الامر النفسي فليس مخالفة الامر الغيرى بما هو معصية بما هو معصية حتى يحصل الاصرار على المعصية بمخالفته ومنها عدم جواز اخذ الاجرة على المقدمة على القول بوجوبها (وفيه) ان وجوب الشيئ
1 - تقدم في محله ان الاطاعة لا تدور مدار الامر النفسي نعم المعصية انما تدور مداره و يكفى ذلك في بطلان الثمرة المزبورة (*)
[ 246 ]
لا ينافى جواز الاجرة عليه فان الواجب إذا كان هو المعنى (1) المصدرى كبيع الطعام عند ضرورة الناس إليه وكالصناعات التى يتوقف عليها نظام العالم مع بقاء المال والعمل على المملوكية فلا يمنع وجوبه عن اخذ الاجرة على العمل أو اخذ الثمن بازاء المال اصلا واما إذا كان الواجب هو المعنى المعبر عنه باسم المصدر الموجب لكون العمل مملوكا لله تبارك وتعالى فان كان عينيا كالصلوة ونحوها فلا يجوز اخذ الاجرة عليه وان كان كفائيا وكان مما يدخله النيابة بحيث يكون الثواب والاطاعة للمستنيب لا للنائب كما في استنابة مريد الحج غيره في الجهاد الواجب عليه كفاية على القول بجوازها فيجوز اخذ الاجرة عليه ايضا والا فلا (هذا) حال الواجب النفسي في جواز الاجرة عليه وعدمه واما المقدمة فتتبع (2) في جميع ذلك الواجب النفسي المتوقف عليها سواء قلنا بوجوبها ام لا فلا يكون من جهة وجوبها مانع عن اخذ الاجرة عليها ومنها ان المقدمة إذا كانت محرمة فعلى القول بوجو بها يتحقق في موردها امر
ونهى فيبتنى اتصافها بالوجوب على جواز الاجتماع وعدمه واما على القول بعدمه فلا تكون المقدمة الا محرمة (وفيه) ان المقدمة إذا كانت سببية فقد عرفت انها خارجة عن
1 - لا يخفى ان المعنى المعبر عنه بالمصدر تارة وباسم المصدر اخرى معنى واحد ذاتاو وجودا والفرق بين المصدر واسم المصدر انما هو بمجرد الاعتبار فلا معنى لتعلق الوجوب تارة بالمعنى المصدرى واخرى بمفاد اسم المصدر بل المطلوب في جميع الواجبات وجود الفعل الخاص الصادر من المكلف لكن تعلق الالزام به لا يوجب سلب المالية عن العمل أو المال الخارجي فان قام دليل من اجماع وغيره على عدم جوازه اخذ الاجرة على واجب بالخصوص ولزوم الاتيان به مجانا فهو والا فمقتضى القاعدة هو جواز اخذ الاجرة على جميع الواجبات سواء كان الواجب عينيا ام كان كفائيا وسواء كان مما تدخله النيابة ام لم يكن كذلك واما توهم منافاة كون الواجب عبادة لجواز اخذ الاجرة عليه فهو على تقدير تسليمه يختص بالواجبات العبادية ويعم المستحبات ايضا ولا يكون له مساس بالجهة التى نتكلم فيها في المقام وقد تعرضنا لدفعه في محله مفصلا 2 - قيام الدليل على عدم جواز اخذ الاجرة على واجب نفسي والغاء الشارع ماليته لا يلازم عدم جواز اخذ الاجرة على مقدمته ايضا فلابد في اثبات عدم جوازه ايضا من التماس دليل آخر غير مادل على عدم جواز اخذ الاجرة على ما يتوقف عليها فلا لما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من كون المقدمة تابعة للواجب النفسي المتوقف عليها في جميع ذلك (*)
[ 247 ]
محل الكلام رأساو واجبة بعين الوجوب النفسي المتعلق بالمسبب واما إذا لم تكن سببية فان كانت المقدمة منحصرة في الحرمة فلا محالة يقع التزاحم بين حرمة المقدمة ووجوب ذى المقدمة فلابد من رفع اليد عن احدهما هو اجنبي عما هو محل الكلام في بحث جواز الاجتماع وعدمه واما إذا لم تكن منحصرة فان كانت المقدمة توصلية فلا محالة يسقط الغرض باتيانها سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لا وان كانت تعبدية فان بنينا على كفاية
قصد الجهة في صحة العبادة وان لم تكن مأمورا بهابل ولو كانت محرمة فتصح المقدمة المفروض كونها عبادة ولو قلنا بالامتناع (1) نعم إذا بنينا على عدم كفاية قصد الجهة فان قلنا بجواز الاجتماع صحت العبادة وحصلت المقدمة والا فلا فالثمرة تظهر في خصوص هذا الفرض (ولكن التحقيق) انه لا ثمرة للقول بوجوب المقدمة حتى في هذا الفرض فان المقدمة إذا كان لها فردان محرم وغير محرم فلا محالة يترشح الامر الغيرى من الواجب إلى خصوص غير المحرم (2) فلا يقع المحرم
1 - لا يخفى ان قصد الجهة انما يكفى في صحة العبادة فيما إذا لم يكن في المأتى به جهة مفسدة غالبة على جهة مصحلة ضرورة انه لا يعقل ان يكون المبغوض بالفعل مقربا كذلك فما افيد في المتن من احتمال كفاية قصد الجهة في صحة العبادة ولو كانت محرمة ليس على ما ينبغى فالصحيح انه بناء على الامتناع لا مناص عن الالتزام بفساد العبادة المأتى بها مقدمة لواجب آخر من دون فرق بين القول بوجوب المقدمة وعدمه وبين القول بكفاية قصد الجهة في صحة العبادة وعدمه 2 - لا يذهب عليك انه بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدمته لا وجه لدعوى اختصاص الوجوب الغيرى بالمقدمة المباحة غير المجتمعة مع عنوان محرم بعد مشاركة غيرها اياها في ملاك الوجوب الغيرى ووفائه بالغرض الداعي إلى الايجاب فكما ان اجتماع الواجب النفسي مع عنوان محرم لا ينافى وقوعه على صفة المطلوبية بناء على جواز اجتماع الامر والنهى وعدم سراية النهى إلى متعلق الامر كذلك اجتماع الواجب الغيرى كالمسير الى الحج مثلا مع عنوان مثلا مع عنوان محرم كالغصب لا ينافى وقوعه على صفة المطلوبية والفرق بين الواجب النفسي والغيري من هذه الجهة تحكم صرف وفرق بلا فارق ولكن التحقيق انه مع ذلك لا تصح الثمرة المزبورة فان العبادات التى تكون مقدمة لواجب آخرلا مناص عن الالزام فيها بتعلق الامر النفسي بها في حد انفسها كما عرفت تفصيل ذلك في محله وحينئذ فان بنينا على جواز الاجتماع الامر والنهى صحت تلك العبادات سواء في ذلك القول بوجوب المقدمة والقول بعد مه واما إذا بنينا على الامتناع وتقديم جانب - (*)
[ 248 ]
عبادة فلا تحصل المقدمة سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لا (وبالجملة) المقدمة المحرمة على القول بوجوب المقدمة لا تتصف بالوجوب حتى يمكن الحكم بصحتها بناء على جواز اجتماع الامر والنهى فلا يترتب على القول بوجوب المقدمة ثمرة اصلا وقد اورد على هذه الثمرة في الكفاية بان المقدمة إذا كانت محرمه فالنهى عنها يكون من قبيل النهى عن العبادة لان عنوان المقدمة لا يقع في حيز الطلب بل المطلوب الغيرى انما هو ما يكون مقدمة بالحمل الشايع فلا يكون هناك عنوانان منطبقان على واحد يكون باحد العنوانين واجبا وبالآخر حراما ليكون المورد من موارد اجتماع الامر والنهى (وفيه) ان كون المقدمة المحرمة من موارد اجتماع الامر والنهى لا يتوقف على تعلق الطلب الغيرى بعنوان المقدمة فان الحج مثلا إذا كان واجبا فالمسير لا محالة يكون واجبا بالوجوب الغيرى بناء على وجوب المقدمة فإذا فرض ان المكلف سار في المكان المغصوب فينطبق عليه عنوانان عنوان السير الواجب مقدمة وعنوان الغصب فيكون من باب الاجتماع فليس الغرض من اجتماع العنوانين اجتماع عنوان المقدمة بالحمل الاولى مع عنوان الغصب مثلا بل الغرض اجتماع عنوان ما هو مقدمة بالحمل الشايع مع عنوان آخر محرم كما في كل مورد اجتمع فيه الامر والنهى نعم لو كان النهى متعلقا بذات المقدمة الخارجية لا بالعنوان الكلى لكان المورد داخلا في مسألة النهى عن العبادة والمعاملة الا انه لا يتحقق في القضايا الحقيقية وانما يمكن تحققه في القضايا الخارجية فقط تذبيل لا يخفى ان ما ذكرنا من الوجوه والاقول في مقدمة الواجب يجرى في مقدمة المستحب ايضا وبناء على ثبوت الملازمة تكون مقدمة المستحب مستحبة واما مقدمة الحرام فجمل القول فيها ان الآتى بها قد يكون له صارف عن ارتكاب المحرم نفسه وقد لا يكون له صارف عنه وعلى الاول فلا ريب في عدم حرمة المقدمة الا ذا علم من حاله انه لو أتى
بها يكون مقهورا في ارادة الحرام فتحرم المقدمة التى يترتب عليها ذلك (1) وعلى الثاني
- الحرمة فلا مناص عن القول بفسادها سواء قلنا بوجوب المقدمة ام لم نقل به فلا ثمرة للقول بوجوب المقدمة من هذه الجهة اصلا 1 - لا يخفى ان المقدمة التى يضطر مع ارتكابها المرتكب إلى الوقوع في الحرام وان - (*)
[ 249 ]
فاما ان يكون عنوان الحرام ما هو مقدمة له منطبقين على شيئ واحد كما في الافعال التوليدية نظير (1) اجراء الماء على اجزاء البدن للوضوء المنصب على ارض مغصوبه بلا وساطة جريانه على ارض اخرى مباحة واما ان يكون عنوان الحرام منطبقا على غير ما ينطبق عليه عنوان ما هو مقدمة له وعلى الاول فالحكم المتعلق بالفعل التوليدى يكون بنفسه متعلقا بما يتولد منه كما عرفت فتكون الحرمة المتعلقة بالغصب متعلقة باجراء الماء على البدن فيدخل بذلك في باب اجتماع الامر والنهى وعلى الثاني فاما ان تكون المقدمة علة تامة للحرام بحيث لا يتمكن المكلف من امتثال تكليف الحرمة بعد الاتيان بها اولا تكون كذلك اما على الاول فلا اشكال في حرمتها (2) فانها هي التى تتعلق بها القدرة والارادة اولا وبالذات والمعلول انما يكون مقدورا بتبعها فتسرى إليها الحرمة المتعلقة به مثال ذلك اجراء الماء في الوضوء على الارض المباحة المشتملة على ميزاب يجرى منه الماء على الارض المغصوبة بحيث لا يتمكن المكلف بعد جريان الماء على الارض المباحة من منع انصابه على الارض المغصوبة نعم لو فرضنا عدم صدق التصرف عرفا على ما يترتب على المقدمة وان كان يصدق عليه عقلا كوقوع قطرات يسيرة على الارض المغصوبة لما كان المعلول محرما شرعا حتى يترشح منه الحرمة على
- كان الاتيان بها اختيارا مع العلم بترتب الحرام عليها موجبا لصحة العقاب على مخالفة الحرام في ظرفه لما عرفت من ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا وان نافاه خطابا الا انه لا موجب لحرمة نفس المقدمة نفسية وكونها مبغوضة ولو بنفس المبغوضية الثابتة
للحرام المترتب عليها نعم بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيئ ووجوب مقدمته لا مناص عن القول بالملازمة بين مبغوضية الشيئ ومبغوضية ما يتوقف الانزجار عنه على تركه ايضا لكن المبغوضية حينئذ مبغوضية غيرية لا يترتب عليها استحقاق العقاب اصلا 1 - ما افيد في المتن من كون الحكم الثابت للفعل التوليدى ثابتا لما يتولد منه وان كان متينا جدا الا ان المثال المذكور فيه خارج عن هذا الباب وداخل فيما لا يتمكن المكلف فيه من ترك ذى المقدمة بعد الاتيان بمقدمته ضرورة ان جريان الماء على اجزاء البدن خارجا مغاير وجودا لجريانه على الارض المغصوبة وعليه فحرمة اجراء الماء على اجزاء البدن في المثال بناء على ثبوت الملازمة حرمة غيرية لا نفسية 2 - إذا كانت العلة المغيرة لمعلولها وجود فالقدرة على المعلول وان كان بتبع القدرة على - (*)
[ 250 ]
علته وعلى الثاني فيقع الكلام في ان حرمة المقدمة (1) هل هي من باب التجرى والعزم على المعصية أو من باب ترشح الحرمة من ذى المقدمة إليها كما لو كان المتوضئ متمكنا من سد الميزاب ومنع جريانه على الارض المغصوبة في الفرض المزبور ولم يكن عازما على منع ترتب الحرام على ذلك (والحق) في هذا القسم عدم حرمة المقدمة من باب السراية فان امتثال الحرام لا يتوقف على تركها على الفرض لتمكن المكلف من ذلك بعد الاتيان بها ايضا فعصيانه بعد ذلك بالاختيار لا يوجب حرمة المقدمة التى لا يتوقف امتثال الحرام على تركها اصلا نعم على تقدير تركها يترك الحرام ايضا الا ان امتثاله لا يتوقف على تركها لان المفروض ان المكلف قادر على الامتثال بعد الاتيان بها ايضا فلا موجب لحرمتها من قبل حرمة ذى المقدمة (واما) مقدمات المكروه فحالها حال مقدمات الحرام طبق النعل بالنعل الفصل التاسع في اقتضاء الامر بالشيئ للنهى عن ضده وقبل الخوض في بيان ما هو الحق
في المقام لا بد من تقديم مقدمات الاولى ان المسألة المبحوث عنها في المقام اصولية تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي وقد عرفت ان الميزان في كون المسألة اصولية هو كون نتيجتها بحيث لو انضمت إليها صغرياتها لانتجت نتيجة فقهية وعليه فلا وجه لجعل المسألة من المبادى الاحكامية كما لا يخفى (ثم) ان المسألة عقلية والبحث انما هو عن اقتضاء وجوب الشيئ لحرمة ضده عقلا والتعبير باقتضاء الامر في عنوان البحث وان كان يوهم كونها من المباحث
- علته الا انه لا يوجب كون الحكم المتعلق به متعلقا بها وقد تقدم من شيخنا الاستاد قدس سره الاعتراف بذلك فيما تقدم 1 - يظهر منه قدس سره التسالم على حرمة المقدمد في هذا الفرض وانما الكلام في منشأ الحكم بالحرمة وانه التجرى والعزم على المعصية أو الملازمة بين حرمة الشيئ وحرمة مقدمته مع ان لمنع حرمتها بناء على عدم حرمة قصد المعصية كما هو الظاهر مجالا واسعا فتحصل من جيمع ما ذكرناه ان الحرمة الغيرية بناء على ثبوت الملازمة تختص بالمقدمة التى لا يتمكن المكلف من ترك الحرام بعدها واما غيرها من المقدمات فلا موجب لحرمتها الغيرية اصلا (*)
[ 251 ]
اللفظية الا انه لاجل كون الوجوب مدلولا للامر غالبا والا فكونه مستفادا من اللفظ اجنبي عماهو المهم في المقام الثانية ان الاقتضاء المبحوث عنه في المقام اعم من ان يكون بنحو العينية والجزئية واللزوم البين الاخص أو الاعم الثالثة ان المراد بالضد في المقام مطلق المعاند والمنا في سواء كان امرا عدميا وهو الترك المعبر عنه في لسانهم بالضد العام أو امرا وجوديا سواء اريد به كل واحد من الاضداد الوجودية الخاصة أو الجامع بينها الذى قد يعبر عنه بالضد العام ايضا إذا عرفت ذلك فالكلام يقع في مقامين (الاول) في الضد العام بمعنى الترك
(الثاني) في الضد الخاص (اما المقام الاول) فربما يد عى فيه ان الامر بالشيئ عين النهى (1) عن ضده بتقريب ان عدم العدم وان كان مغاير اللوجود مفهوما الا انه عينه خارجا لما عرفت سابقا من ان نقيض العدم هو الوجود وعدم العدم عنوان ومرآة له لا انه امر يلا زمه فكما ان الارادة التكوينية لا تتعلق الا بنفس الوجود وهو بنفسه ناقض للعدم كذلك الارادة التشريعية انما تتعلق به فطلب ترك الترك عن طلب الفعل والفرق بينهما انما هو بحسب المفهوم فقط (وفيه) ان محل الكلام هو انه إذا تعلق الامر بشيئ فهل هو بعينه نهى عن
1 - لا يخفى ان النهى عن الترك ان اريد به طلب تركه المنطبق على الفعل فلا معنى للقول بان الامر بالشيئ يقتضى النهى عن تركه اصلا إذا هو في قوة القول بان الامر بالشيئ يقتضى نفسه وهو قول لا محصل له وان اريد بالنهي عن الترك الزجر عنه الناشئ من مبغوضيته فلا معنى للقول بان بغض الترك عن حب الفعل أو جزئه فينحصر النزاع المعقول في اقتضاء الامر بالشيئ لكراهة ضده من جهد ثبوت الملازمة بينهما وعدم اقتضائه لها والحق عدم اقتضائه له لان الحكم الواحد وهو الوجوب في محل الكلام لا ينحل إلى حكمين ليكون تارك الواجب تاركا له ومرتكبا للمحرم ضرورة ان الوجوب انما ينشأ من مصلحة لزومية في متعلقه فتركه ترك ما فيه المصلحة لا انه فعل ما فيه المفسدة نعم يصح اطلاق المبغوض على ترك الواجب بنحو من العناية والمسامحة لكنه اجنبي عماهو محل الكلام كما هو ظاهر وبذلك يظهر لك فساد ما افاده شيخنا الاستاد قدس سره من تسليم دلا لة الامر بالشيئ على النهى عن تركه بالد لالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم بل بمعناه الاخص ايضا هذا مع ان نفيه البعد عن اللزوم البين بالمعنى الاخص يناقض ما افاده اولا من دعوى بداهة امكان غفلة الامر بشيئ عن ترك تركه فضلا عن ان يتعلق به طلبه كما هو ظاهر (*)
[ 252 ]
الترك اولا لا انه إذا كان هناك امر بالفعل ونهى عن الترك فهل هما متحدان اولا والدليل انما يثبت الاتحاد في المقام الثاني لا الاول بداهة ان الآمر بالشيئ ربما يغفل عن ترك
تركه فضلا عن ان يأمر به فلا يبقى لدعوى الاتحاد فيما هو محل الكلام مجال اصلا (وذهب) بعض إلى الاقتضاء بنحو التضمن بتوهم ان الامر بشيئ مركب من طلبه والمنع من تركه فالمنع من الترك مأخوذ في مفهومه فيكون الامر دالا عليه بالتضمن (وفيه) ما عرفت سابقا من ان الوجوب امر بسيط يلزمه المنع من الترك وليس هو مركبا منه ومن طلب الفعل ليكون دالا عليه بالتضمن (واما) دعوى الد لالة عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص بان يكون نفس تصور الوجوب كافيا في تصور المنع عن الترك فليست ببعيدة وعلى تقدير التنزل عنها فالد لالة الالتزامية باللزوم البين بالمعنى الاعم مما لا اشكال فيها ولا كلام واما المقام الثاني فقد استدل فيه لاقتضاء الامر بشيئ للنهى عن ضده سواء اريد منه كل واحد ومن الاضداد الخاصة أو الجامع بينها بوجهين الاول ان وجود كل شيئ ملازم لترك ضده والمتلازمان لا يمكن اختلا فهما في الحكم فإذا كان احد الضدين واجبا فلا بد وان يكون ترك الآخر ايضا واجبا والالزام اختلافهما في الحكم وهو محال (وفيه) اولا انه لادليل على لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم وانما اللازم عدم اختلا فهما فيه بحيث لا يمكن امتثالهما في الخارج كأن يكون احدهما واجبا والآخر حراما (ولذا) قال شيخنا البهائي (قده) ان الامر بالشيئ وان يقتض النهى عن ضده الا انه لم يقتضى عدم الامر به لا محالة لا متناع الامر بالضدين لملازمة وجود كل منهما لعدم الآخر وثانيا لو سلم لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم فان التلازم بين وجود احد الضدين وعدم الآخر اما هو في الضدين اللذين لا ثالث لهمالا في مطلق الضدين اللذين يمكن تركهما معا الا ان يقال ان كل واحد من الاضداد وان لم يكن تركه ملازما لخصوص ضد من اضداده الا ان ترك الجامع بين الاضداد ملازم له لا محالة فإذا كان واجبا فلا بدوان يكون ترك الجامع بين اضداده واجبا ايضا وكيف كان فاتحاد المتلازمين في الحكم لم يقم عليه دليل اصلا وتوهم ان الامر باحد الضدين الذين لا ثالث لهما عين
النهى عن الضد الآخر كما تقدم ان الامر كذلك في النقيضين لاشتراك الجميع في الملاك
[ 253 ]
وهو امتناع اجتما عهما في الخارج وارتفا عهما فيه مدفوع بما عرفت من بطلان دعوى العينية في المقيس عليه فيكف بالمقيس نعم قد عرفت البعد في دعوى الملازمة البينة بالمعنى الاخص في الضد العام بمعنى الترك فيكون دعوى الملازمة البينة فيما نحن فيه ايضا غير بعيدة (1) الا انها ليست بالمعنى الاخص قطعا لعدم كفاية تصور نفس الملزوم في تصور لازمه بل الثابت هي الملازمة البينة بالمعنى الاعم فان قلت إذا سلمت الملازمة البينة في الضدين الذين لا ثالث لهما فلابد لك من تسليمها في مطلق الضدين ولو كان لهما ثالث فان الجامع بين الاضداد الوجودية مضاد للواجب ولا ثالث لهما فإذا كان حراما فيكون كل فرد وجد منه في الخارج متصفا بالحرمة لا محالة قلت الجامع بين الاضداد الوجودية ليس الا عبارة عن عنوان انتزاعي يشاربه إلى نفس الاضداد الخارجية فكل فرد منه مضاد بنفسه وبخصوصيته للواجب لا باعتبار انطباق الجامع عليه ومن المعلوم ان مضادة كل واحد منها بخصو صيته تنفى انحصار التضاد في الاثنين وعليه فلا يسرى حكم الضدين الذين لا ثالث لهما إلى ما إذا كان لهما ثالث با عتبار الجامع الانتزاعي فلا تصح فيه دعوى اللزوم البين لهما بمعناه الاخص أو الاعم هذا مضافا إلى ان الجامع وان فرض كونه من الماهيات المتأصلة الا انه لا يوجد في الخارج الافى ضمن افراده ومن المعلوم ان الملاك في دعوى اللزوم البين في الضدين اللذين لا ثالث لهما هو ملازمة وجود احد هما لترك الآخر خارجا وبالعكس فكل منهما وان لم يكن بنفسه رافعا للاخر كالنقيضين الا انه لازم لما هو نقيضه و رافعه فيسرى اليهما حكم النقيضين وهو استلزم الامر باحد هما للنهى عن الآخر وهذا الملاك مفقود في الضدين اللذين لهما ثالث قطعا لان الموجود في الخارج ليس هو نفس