الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 8

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 8


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الثامن مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 8) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 15000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

المسألة الثالثة في الأقل والأكثر

[ 3 ]

مقدمة قد عرفت في بحث الشك في التكليف: أن الشك مجرى البراءة (1)، وفي مباحث الاشتغال: أن القاعدة تقتضي الاحتياط في موارد الشك في المكلف به (2)، وإنما الكلام هنا - وهو باب الأقل والأكثر دون المتباينين - في أن الشك فيه من الشك في التكليف، لا المكلف به كما أفاده في " الدرر " (3) والأمر سهل. وبالجملة: ليس هنا بحث كبروي، لتمامية الكبرى في البابين السابقين، وإنما هو حول صغرى المسألة، ولذلك يتصدى القائلون بالبراءة إلى إرجاع الشك هنا إلى التكليف، والاحتياطيون إلى العكس، بمعنى أنه لا تجري البراءة، لتنجز التكليف وإن لم يكن أحيانا من الشك في المكلف به، فما في كلام العلامة الأراكي من كون المسألة دائما من الشك في المكلف به (4)، في غير محله، فليتدبر. وبالجملة: يستدعي التحقيق في بحوث الأقل والأكثر تقديم بعض امور وجيزة:


1 - تقدم في الجزء السابع: 3 - 5. 2 - تقدم في الجزء السابع: 303 - 307. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 474. 4 - نهاية الأفكار 3: 374 و 375. (*)

[ 4 ]

أحدها: في الفرق بين هذه المسألة ومسائل الأسباب والمحصلات أن الجهة المبحوث عنها في الأقل والأكثر، غير الجهة المبحوث عنها في مسائل الأسباب والمحصلات، وليست هي من موارد الأقل والأكثر الاستقلاليين، أو الارتباطيين، لإمكان كون المأمور به هناك أمرا بسيطا، والمحصل أيضا بسيطا، وجهالة المكلف لا توجب كون الواقع من الأقل والأكثر، بخلاف ما نحن فيه وما هو باب المركبات والمقيدات. بل المقيدات أيضا بحث آخر ومسألة اخرى ملاكا واعتبارا وقولا ودليلا. وأما تصوير المراتب في البسائط الاعتبارية، وتصوير الأشد والأضعف وأفعل التفضيل في مطلق الاعتباريات، فهو وإن كان ممكنا، إلا أن متعلق الأوامر والنواهي غير ممكن أن يكون كذلك، إلا برجوعه إلى الأقل والأكثر بمعناه الرائج في المركبات. نعم، تجوز دعوى: أن المركبات كلها تكون كذلك، كما عليه بعض الأساطين (رحمه الله) والمسألة تطلب من محال اخر (1)، لقلة ثمراتها هنا. ثانيها: في المراد من " الأقل " إنما المراد من " الأقل " ما هو غير القابل لأن يتحقق ويمتثل به الأمر أو النهي بدون الأكثر، سواء كان أقل طبيعيا، أو اعتباريا، فما قد يتخيل من أن الأقل، البشرط كذا، واللابشرط كذا (2)، مجرد توهم كما هو المعلوم. وقد توهم ذلك في باب التخيير


1 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 1: 21. 2 - كفاية الاصول: 175 - 176، نهاية الأفكار 3: 373، نهاية النهاية 2: 137. (*

[ 5 ]

بين الأقل والأكثر في قبال من أدعى امتناعه (1)، فلا تغفل. وغير خفي: أن انطباق عنوان الأقل والأكثر على المشروط والمطلق بالنسبة إلى المقيد، بضرب من المسامحة، ولذلك ليس الخلاف في مسألة الشك في المطلق والمقيد، على نعت الخلاف في الأقل والأكثر الطبيعيين الاعتباريين، كالصلاة وأمثالها. ثالثها: في أنحاء الأقل والأكثر يتصور الأقل والأكثر في متعلق الحكم، ومتعلق المتعلق المعبر عنه ب‍ " الموضوع " أحيانا. وعلى كل تقدير: إما يكونان مستقلين، أو ارتباطيين. وعلى كل: إما في الشبهة الوجوبية، أو التحريمية على أقسام مناشئها، مع خصوصية في صورة كون المنشأ تعارض النصوص، فلا تغفل. والأقل والأكثر بمعناهما الشامل للمطلق والمقيد، أعم من أن يكون المركب ذا أجزاء تحليلية، أو خارجية، فإن الصلاة بالقياس إلى السورة مركب ذو أجزاء خارجية، وبالقياس إلى الطهور والاستقبال ذو أجزاء تحليلية عقلية، كالإيمان بالقياس إلى الرقبة، سواء كان منشأ هذه الأجزاء امورا مباينة الوجود، كالمثال الأول، أو متحد الوجود، كالمثال الثاني، وكالموالاة والترتيب في مثل الصلاة أيضا. إذا تبينت هذه الامور، فالكلام يتم في طي بحوث هي الأهم:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235. (*)

[ 7 ]

البحث الأول في الشبهة التحريمية من الأقل والأكثر وفيها تجري البراءة في صورة دوران الأمر بين المطلق والمقيد، فإن المعلوم حرمته هو المقيد، والمطلق مشكوك تجري فيه البراءة. ولا وجه لتخيل الاحتياط المحتمل في الصورة الثانية، فإن الغناء المردد مفهومه بين امور - ربما تبلغ الأقوال فيها إلى الأربعين - يكون من المجمل المعلوم حرمة الأكثر، أي الجامع للقيود المحتملة، وليس نسبة الفاقد إلى الجامع، كنسبة الأقل في الشبهة الوجوبية من المركبات الخارجية إلى الأكثر، حتى يحتمل تمامية الحجة بالنسبة إليه، وتعلق النهي الضمني به مثلا. بقي شئ: في بيان المثال لهذه الشبهة إن من أمثلة الأقل والأكثر من الشبهة التحريمية، هو تردد حرمة حلق اللحية بين كونها متعلقة بالمجموع، أو بكل جزء منها. وفي الحقيقة هذا هو المثال لها، لكونه من المركب ذي الأجزاء، كالمركبات الاخر، ويكون مصب الأقل والأكثر متعلق المتعلق.

[ 8 ]

ومقتضى القول بالبراءة في الشبهة الوجوبية - من ناحية تمامية البيان بالنسبة إلى الأقل، لكونه إما واجبا نفسيا، أو ضمنيا، فيكون الأكثر مجرى البراءة - هو الاشتغال في المثال، ضرورة أن حلق بعض اللحية إما محرم في نفسه، أو محرم بتحريم ضمني، فهو القدر المتيقن، وتجري البراءة بالنسبة إلى الزائد، وعندئذ يلزم كون الأقل في الشبهة التحريمية محرما، وهو نفس طبيعي الحلق، في قبال الأكثر وهو حلق مجموع اللحية، خلافا لما هو المعروف: من أن الأكثر في الشبهة التحريمية قطعي، والأقل مجرى البراءة، عكس الشبهة الوجوبية. وحيث إن الوجوب الضمني من الأكاذيب والممتنعات وإن كان يقول به الاستاذ العلامة البروجردي (قدس سره) (1) فالحرمة الضمنية مثله، وتصير النتيجة في صورة دوران الأمر بين العموم الاستغراقي والمجموعي: هي البراءة في الشبهة التحريمية، وقد مر حكم الشبهة الوجوبية من هذه المسألة في موضع من الكتاب (2)، فليراجع. وأما وجه البراءة فهو واضح، ضرورة أن المجموع هو الأبعاض في لحاظ الاجتماع، فلو تردد الأمر بين الأمرين المذكورين، يكون المصداق المقطوع به هو حلق المجموع، بخلاف حلق البعض، ولا حجة تامة عليه كما ترى. وغير خفي: أن ما يأتي في الشبهة الوجوبية من تقريب البراءة من ناحية وجوب المقدمة، يأتي هنا من ناحية حرمة المقدمة، وما يتوجه إليه هناك يتوجه إليه هنا، فليتدبر.


1 - نهاية الاصول: 587 - 589. 2 - تقدم في الجزء السابع: 208 - 210. (*)

[ 9 ]

البحث الثاني في موارد الدوران بين المطلق والمقيد (1) إذا شك في أن الواجب هل هو الطبيعي، أو هو مع الخصوصية ؟ تكون البراءة محكمة بالضرورة. نعم، في بعض الأمثلة الخاصة - سواء كان من الطبيعي والحصة، أم كان شبيها به - لا تجري البراءة، لحكم العرف بالتباين، والمتبع في تشخيص ذلك هو العقلاء. ومن الغريب ذهاب بعضهم إلى الاشتغال (2)، نظرا إلى حكم العرف بأن الإنسان والحيوان متباينان ! ! فإنه ولو صح في موقف، ولكنه ليس سندا للاستنتاج الكلي. ولو تردد بين وجوب إكرام الإنسان أو زيد في نذر وشبهه، أو تردد في تعين الأخذ بفتوى من قلده، أو جواز الأخذ بفتوى كل أحد، فربما يشكل، لأنه من ناحية أن زيدا هو الإنسان والخصوصية، مجرى البراءة، وهكذا في المثال الثاني.


1 - الأولى جعل البحث المذكور مسألة مستقلة أجنبية عن بحث الأقل والأكثر، كالأسباب والمحصلات، كما يأتي تتمة إن شاء الله تعالى [ منه (قدس سره) ]. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 208. (*)

[ 10 ]

ومن جهة أن تحليل زيد إلى الإنسان والخصوصية، تحليل غير عرفي، وأن في موارد الشك في جواز الأخذ بالفتوى يتعين المقيد، لرجوعه إلى القطع بعدم الجواز. وحيث إن المسألة تندرج في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في لحاظ، وقد مر تفصيله (1)، فمن شاء فليراجع - بالنسبة إلى المسألة الثانية - محلها. وأما بالنسبة إلى المثال الأول، فيتوجه إلى تقريب الاشتغال: أنه يلزم وجوب إكرام زيد وإنسان، نظرا إلى أنه في مرحلة الامتثال، لو كان الاكتفاء بإكرام زيد كافيا، بدعوى: أنه القدر المتيقن، فلازمه فهم العقلاء والعرف الطبيعي والخصوصية المتحدة معه، وتصير النتيجة عندئذ هي البراءة في مقام التعلق والتكليف. ودعوى: أن العرف سند في تشخيص المفاهيم، ولا سندية له في مرحلة الامتثال (2)، غير مسموعة في مثل المقام المتوقف على الصدق. وتوهم: أن التطبيق شأن العقل، كما عليه العلامة الخراساني في مورد من بحوثه (3)، وتبعه العلامة النائيني (رحمه الله) (4) في غير محله، كما تحرر بتفصيل في مقامه. نعم، هنا وجه للاشتغال من غير أن يتوجه إليه الإشكال المذكور: وهو أن المتبع عند العقلاء هو المحدود المنشأ، دون التحليلات العقلية، وإذا وجب إكرام زيد أو الإنسان أو إكرام إنسان أو الحيوان، لا يكون الإنشاء إلا متعلقا بعنوان واحد عرفي بسيط عقلائي. وإرجاعه إلى أن الواجب هو الجنس والخصوصية الفصلية أو الخصوصية الفردية، بل والخصوصية العرضية، أيضا غير جائز، لأن الوجوب الثابت


1 - تقدم في الجزء السابع: 238. 2 - أجود التقريرات 1: 49 و 85. 3 - كفاية الاصول: 77. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 574، أجود التقريرات 1: 85. (*)

[ 11 ]

شرعا غير متعلق به، وعندئذ لابد من الاحتياط في مثل هذه الموارد التي يتردد الأمر بين العنوانين البسيطين عرفا، وإلا فلو شك في أن الواجب هو الحيوان الناطق أم الحيوان، أو الإنسان أو الإنسان العالم، أو الإنسان الموجود في ضمن زيد أو مطلقه - بمعنى أن محط الإنشاء هو العنوان المذكور، أم المقيد بقيد الزيدية - فإنه لا مجال لتوهم الاشتغال. بقي تنبيه: فيما يتوجه إلى المحققين الآخند والنائيني والعراقي (رحمهم الله) لا يكاد ينقضي تعجبي من مقالات " الكفاية " (1) والعلامة الأراكي (رحمه الله) (2) ومن دونهما في المقام (3). وتوهم: أن مقصودهم من البحث في هذه المسألة ما يجول حول هذه الأمثلة، في غير محله، لتصريحه في " الكفاية " بأن الصلاة المشروطة غير الصلاة بلا شرط في الخارج، فكيف يكون المباين سببا لسقوط الأمر عن المباين (4) ؟ ! وأنت خبير بما فيه حسب الموازين العقلية. مع أن القدر الثابت حسب العلم هو الأمر المتعلق بطبيعي الصلاة، فلا يكون المباين سببا للسقوط. نعم، الشك في حصول الامتثال دائما في مطلق الموارد، مسبب عن الشك في حدود المجعول، فإذا ثبت أن الحجة لا تقوم إلا على ذات المشروط، فكل فرد تحقق ليس مباينا لما ثبتت الحجة عليه، فاغتنم. وما في تقريرات العلامة الأراكي أيضا يرجع إليه (5)، وتصير النتيجة على هذا


1 - كفاية الاصول: 417. 2 - مقالات الاصول 2: 97 و 100 - 101. 3 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 259 - 261. 4 - كفاية الاصول: 417. 5 - نهاية الأفكار 3: 397 - 398. (*)

[ 12 ]

محكمية البراءات الثلاث: العقلية، والعقلائية، والشرعية بالضرورة القطعية، إلا في موارد خاصة على التقريب المذكور. ومن الغريب ما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) من التزامه بالاشتغال في مورد دوران الأمر بين الجنس وغيره، نظرا إلى أن الجنس لمكان عدم تحصله لابد وأن يكون في طي فصل، فتندرج المسألة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير (1)، فأطال الكلام حوله هو وتلميذه (2) ! ! وقد تحقق أمر المسألة منا سابقا (3). ويتوجه إلى المقيس: أن النوع أيضا لا تحصل له إلا بالوجود. بل الفصول أنحاء الوجودات على وجه حررناه في " قواعدنا الحكمية " (4) فالخلط بين ما لا يكونون أهله، وبين الامور العرفية والشرعية، بعيد عن الصواب، والمرجع عندئذ هو العرف، وملاحظة مصب الأمر والنهي، وكفاية بلوغ المولى إلى مأموله في مورد الأمر بالجنس، أو الاعتباري، أو بشئ انتزاعي، فإنه أيضا جائز، مع أن الخارج ظرف نفسها، لا وجودها، فإذا جاز مثله في الأخيرين بالضرورة، فكيف بالجنس الذي هو يعتبر عن المادة اللابشرط الخارجية حسبما حررناه ؟ ! فاغتنم. إعادة وتحصيل قد تبين في موارد الدوران بين المطلق والمقيد: أن محط النزاع هو الشك في أن محط الأمر هو المطلق، أو المقيد، من غير رجوعه إلى الدوران بين التعيين والتخيير، فإن في المسألة الثانية يكون الدوران حول التخيير الشرعي، وفيما نحن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 207 - 208. 2 - منتهى الاصول 2: 323 - 324. 3 - تقدم في الجزء السابع: 238. 4 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 13 ]

فيه يكون حول التخيير العقلي. وإرجاع التخيير الشرعي إلى العقلي - كما عليه جمع - موكول إلى المجلد الأول، وتحرر تحقيقه (1)، وأنه لا يرجع إيجابات التخيير الشرعية إلى العقلية. ففيما نحن فيه يكون الحكم هي البراءة، سواء كان المطلق والمقيد من قبيل الجنس والنوع، أو النوع والحصة، أو الموضوع والعرض اللازم، كالهاشمية والقرشية، أو غير اللازم، لأن مناط البراءة والاشتغال ملاحظة مصب الأمر، وسقوط الأمر والامتثال تابع لكيفية الأمر الثابت عقلا. نعم، في موارد المطلق والمقيد العنوانيين، تكون البراءة الشرعية والعقلية واضحة، وأما في موارد المطلق والمقيد الخارجيين، فربما تختلف الأمثلة، كمثال التردد بين زيد والحيوان، أو زيد والإنسان، لمكان ما عرفت من ثبوت الإنشاء وتعلقه بالنسبة إلى أحدهما، وعدم رجوع المنشأ إلى شئ وزيادة مشكوكة عرفا، ففي كل مورد كان الأمر كذلك لابد من الاحتياط، لا بتكرار العمل خارجا. ويصح الاكتفاء بعتق زيد في مورد الدوران بين كونه واجب العتق أو الإنسان. وأما في مثال النوع والحصة، كالبقرة أو البقرة الحجازية في الكفارات، أو مثال الجنس والنوع، كالحيوان أو البقرة، فلا يبعد كون محط الإنسان بحسب تحليل عرفي أيضا نفس الطبيعة، والمشكوك فيه هي خصوصية البقرية، فتأمل جيدا.


1 - تقدم في الجزء السابع: 7. (*)

[ 15 ]

البحث الثالث في الأقل والأكثر الاستقلاليين وهما غير الارتباطيين، ضرورة أن الاستقلالي مخصوص بتكاليف متعددة، وملاكات عديدة، وإطاعات وعقابات، حسبما هو المشهور عنهم (1)، بخلاف الارتباطي، وإن الحكم عند الكل فيه البراءة، لكونه ليس من الأقل والأكثر، لأن الأقل معلوم التكليف ذاتا، والأكثر مشكوك، فعده منه بضرب من المسامحة. وهذا من غير فرق بين الاستقلالي في الواجبات، كالدين والصلوات القضائية والصيام وأمثال ذلك، أو في المحرمات، كخطوات المجاز بالمسجدين، فإن الأقل محرم على حدة، وهكذا الأكثر، وكساعات المكث في المسجد وهكذا. أقول: في كلا النظرين مناقشة: أما في النظر الأول: فإن المديون إذا كان دينه ألف دينار، وكان التكليف كثيرا، فهل تلك الكثرة تكون إلى حد خاص، أم هي غير متناهية ؟ وعلى كل تقدير: يستوحش أذهان المسلمين من عقابات كثيرة بالنسبة إلى دين الدينار الواحد، حسب أجزائه المتعارفة كالفلس، فضلا عن الأعشار


1 - نهاية الأفكار 3: 373، منتهى الاصول 2: 303. (*)

[ 16 ]

والمشاعات الأعدادية، كالثلث والنصف. فما اشتهر من التكاليف الكثيرة والملاكات والإطاعات والعقاب (1)، غير صحيح قطعا، بل هناك عنوان واحد وهو " الدين " ويجب أداء الدين، من غير سراية الأمر منه إلى الدراهم والدنانير، فلو غصب دينارا وأتلفه، فعليه رد دينار، فلو رد بعضه لم يؤد دينه، ولا يمتثل إلا بعد أداء مجموع الدين، وإذا أدى بعضه دون بعض يستحق على ترك الواجب الواحد، وهو أداء الدين. نعم، أداء بعض الدين صحيح، ولكنه ليس عملا بالوظيفة الشرعية ظاهرا. وحديث تخفيف العذاب أجنبي عن حديث الامتثال والعصيان. بل لو غصب دينارا آخر من ذلك المغصوب منه، تشتغل ذمته بدينارين، ويجب عليه أداء الدين، ولا يتوجه إليه الأمر الجديد، وإنما التوسعة فيما يدان به، وأما مفهوم " الدين " فهو غير متسع، وإنما يبقى الأمر إلى أن تفرغ الذمة من الدينارين المعتبرين دينا، ولا يعقل تعدد الأمر كما لا يخفى. والذي هو الحق في باب قضاء الصلوات: أن من فاتته صلاة أو صلوات كثيرة، لا فارق بينهما إلا بأن الأول يسقط أمر القضاء المتوجه إليه بأداء صلاة، والآخر بأداء صلوات، وإلا فلا تتوجه إليه الأوامر الكثيرة، وإلا يلزم أن ينوي خصوصية يوم الفوت، لامتناع الأوامر الكثيرة إلا باعتبار قيد في المأمور به، فليتأمل. وبالجملة: لو سلمنا إمكان حل الجهة الأخيرة كما أوضحناه في محله (2)، لا تكون الأدلة إلا متكفلة لإيجاب قضاء الفائت، فلو أزاد الفائت - كما ازداد الدين - لا يتكثر الأمر، وإنما تشتغل الذمة بما لا يخلص منه إلا بإتيان مجموع الفوائت فما


1 - نهاية الأفكار 3: 373، حقائق الاصول 2: 313، تهذيب الاصول 2: 321. 2 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الصوم: 73 وما بعدها. (*)

[ 17 ]

هو مصب الأمر ذاتا هو عنوان " القضاء ". والأمر كذلك في الاستئجار على الكثير من التوصليات والتعبديات، فإن ما يجب على الأجير شئ واحد، والأمر تعلق به كما ترى. وهذا عندي في باب قضاء الفوائت بلا إشكال، ولازمه قصد القضاء عند أداء الفوائت، كما عليه الجل (1). نعم، في بعض الصور تكفي النية الموجودة، لعدم انطباق المنوي إلا على ما هو المأمور به أداء كان، أو قضاء، كما في موارد تخيل بقاء الوقت. وما ذكرناه من الاستيحاش في المثال الأول، لا يتوجه إلى المثال الثاني كما هو الواضح. وللمسألة الثانية موقف آخر في الفقه، بل الاولى، وإنما النظر الإشارة إلى ما ظنه القوم هنا، فاغتنم. وأما المناقشة في النظر الثاني: فهي أن مقتضى الشك في الزائد هي البراءة. ولكن يناقش فيه: أولا: أنه على ما أسسناه تشبه المسألة بباب المحصلات (2)، والمرجع هناك الاشتغال في المحصلات العرفية والعقلية، فإن الدين يعتبر على المديون باعتبار أمر آخر، فيكون انتزاعيا عن منشأ، وليس الواجب رد الدينارين، لما لا دليل عليه، بل الموجود في الأدلة رد الدين وأدائه، وهكذا في القضاء. ولأجل ذلك ذهب المشهور في الأقل والأكثر الاستقلاليين في الصلوات إلى وجوب الأكثر (3)، وهذا يشهد على أن التخلف عن المشهور في الشريعة مشكل، لاستنادهم إلى ما يخفى على المدققين والمحققين، فضلا عن الفضلاء المعاصرين،


1 - شرائع الإسلام 1: 68، تذكرة الفقهاء 3: 101، الدروس الشرعية 1: 166، جواهر الكلام 9: 164. 2 - يأتي في الصفحة 59 وما بعدها. 3 - شرائع الإسلام 1: 112، مستند الشيعة 7: 307. (*)

[ 18 ]

وقد تشبثوا لحل هذه المشكلة بوجوه رديئة (1). وثانيا: لو فرضنا أن الواجب في مثل الدين هو عنوان " الدين " المتحد مع الدينارين، ولذلك يعتبرون وجوب أداء الدين مريدين به رد التالف، فالبراءة في ظرف محكمة، وهو ظرف الشك في وجوب الأكثر، وأما إذا أدى الأقل فيبقى استصحاب بقاء الدين محكما. وهذا الاستصحاب يوجد شكه بعد أداء الأقل، ففي رتبة البراءة ليس شك استصحابي، وفي رتبة الاستصحاب لا يمكن تقدمها عليه ورفع شكه، لعدم لسان للبراءة كما هو الواضح. ونتيجة استصحاب اشتغال الذمة، وجوب رد مقدار يطمئن بالأداء، كي ينقض اليقين باليقين الآخر. وتوهم: أنه لا مصداق للبراءة ثانيا بعد أداء الأقل، كي يكون الاستصحاب حاكما عليه، في غير محله، لأنه قد مر انحلال الأدلة والقواعد حسب وجود الشك وموضوعاتها عند الحاجة إليها، والأمر هنا كذلك. ولا لغوية، لأنها في الإطلاق دون الذات، والممنوع هو الثاني دون الأول. نعم، لو قلنا: إن الدين ليس إلا العنوان التالف وهو الدينار، فيشكل الاستصحاب. بل يمنع. اللهم إلا أن يستصحب اشتغال الذمة بالفلوس، فلا تذهل.


1 - مستند الشيعة 7: 308 - 311، مستمسك العروة الوثقى 7: 83 - 84. (*)

[ 19 ]

البحث الرابع في الأقل والأكثر الارتباطيين من المركبات الخارجية أي التي تكون ذوات الأجزاء العينية، كالحج، والصلوات، والاعتكاف، وغير ذلك. وقد اختلفت الأقوال والآراء براءة واشتغالا إلى ثلاثة. ثالثها: جريان العقلية دون الشرعية. رابعها: عكسه، كما يأتي وجهه (1)، ومضى في موضع من الكتاب بعض البحث حوله (2). وغير خفي: أن القول بالبراءة العقلية لا يحتاج إلى تمهيد المقدمات العديدة، وطي المراحل الست والخمس، كما ترى في كتب الأصحاب (رحمهم الله) (3) ضرورة أنه إذا لم يثبت الاشتغال، ولم تتم الحجة عليه، يكفي هو للبراءة، لأن عدم تمامية الاشتغال


1 - يأتي في الصفحة 49. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 28 - 29. 3 - نهاية الأفكار 3: 375 - 382، تهذيب الاصول 2: 323 - 326، أنوار الهداية 2: 279 - 282. (*)

[ 20 ]

يلازم عدم تمامية البيان، فتجري طبعا البراءة العقلية. وتوهم كفاية الاحتمال للاشتغال ولزوم الاحتياط ولو كان صحيحا، إلا أنه دائم الوجود مع البراءة العقلية. مع أنه غير خال من المناقشة، لكفاية الاحتمال المنجز بيانا، فكيف تجري البراءة العقلية ؟ ! أو كفايته للخروج عن جزافية العقاب، فمع احتمال العقاب لا يتنجز الواقع بلا حجة كما تحرر، فلا تخلط. وبالجملة: لو شك في أن في الأقل والأكثر يكون الحكم منجزا، أم لا، لاختلاف الوجوه الناهضة، يتم القول بالبراءة في هذه المسألة بالضرورة. فالمهم في المسألة هو الفحص عما يمكن أن يعد وجها للاحتياط، ثم إرداف المسألة بما هو التحقيق في بساط المركبات الاختراعية التأليفية، كي يتضح مغزى المرام في المقام. الوجوه المستند إليها لتقريب الاشتغال فنقول: ما يمكن أن يصير وجها للاشتغال وجوه، نشير إليها مع رعاية الإيجاز والاختصار: الوجه الأول: نسب إلى العلامة المحشي على " المعالم " (رحمه الله): أن في جميع الأحيان يرجع الشك في الأقل والأكثر إلى المتباينين (1)، والنتيجة هي الاحتياط، وذلك لأن ما هو المقسم لتقسيم الماهيات، هي الماهية اللابشرط المقسمي، وهي لا تعقل أن تكون متعلق الأمر أو النهي، بل هي مجرد تحليل عقلي وتجريد نفسي، وما هو مصب الأمر هو اللابشرط القسمي، أو بشرط لا، أو بشرط شئ، وكلها متباينات. والضرورة تقضي بأن المخترع إما يعتبر الاستعاذة، أو لا يعتبر، وهذا


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 152 - 153، أجود التقريرات 2: 286. (*)

[ 21 ]

معنى ملاحظة اختراعه بشرط شئ أو لا بشرط، وعلى كل لا تجري البراءة (1)، انتهى بإضافة منا كي يصبح التقريب تاما. وأنت خبير: بأن اللا بشرطية لو كانت شيئا في تقسيم الماهيات، يلزم كونها بشرط شئ، فتتداخل الأقسام، فالفرق بين اللابشرط المقسمي والقسمي ليس إلا مجرد اعتبار، وما هو الخارجي عند المحققين ومتعلق الأمر، هو نفس الطبيعة خالية عن أي نظر. ولو كان المنظور في اللابشرط القسمي هي اللا بشرطية الواقعية، فهو قسم في مرحلة التقسيم، وعين المقسم في مرحلة الواقع والخارج، وتفصيل المسألة يطلب من الكتب العقلية (2)، لا الاصولية. وبالنتيجة مصب الأمر ولو كان اللابشرط القسمي، إلا أن ما هو الواقع هو المقسمي، فإن الصورة الاولى هي اللابشرط الواقعي القسمي باعتبار والمقسمي، والوجود هو أيضا لا بشرط مقسمي، وتسمى باعتبارين، وما هو الواقع هو المقسمي، إلا أن ضرورة التقسيم دعت إلى هذا الاعتبار، كما لا يخفى. الوجه الثاني: مذكور في " تهذيب " الوالد المحقق - مد ظله -، وهو يرجع إلى الأول (3)، كما أن حديث لزوم الاحتياط بالتكرار أيضا، يتوجه إلى المحقق المحشي (قدس سره). الوجه الثالث: أن ترك الأقل مما لا يكون عليه العقاب بما هو ترك الأقل، لكونه مرددا بين النفسي الأصلي المترتب على تركه العقاب، وما لا يترتب على تركه العقاب، فلابد من ضم الأكثر، وهذا يشهد على عدم انحلال العلم بوجوب


1 - هداية المسترشدين: 449 / السطر 19 وما بعدها. 2 - الحكمة المتعالية 2: 16 - 22، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 95. 3 - تهذيب الاصول 2: 331. (*)

[ 22 ]

الأقل أو الأكثر بمثله (1). وهذا في غاية الوهن، فإن بترك الأقل يترك الكل، سواء كان الأقل، أو الأكثر، فكيف لا يستحق به العقاب ؟ ! الوجه الرابع: ما عن المحقق المحشي (رحمه الله) السابق، وقد تصدى أيضا لإثبات كون الأقل والأكثر طبيعتين وجوديتين غير مندرجة إحداهما في الاخرى، فعندئذ لا ينحل العلم الإجمالي (2). وفيه: - مضافا إلى لزوم تكرار الصلاة كما لا يخفى - أن الأقل على تقدير كونه مصب الحكم ليس مندرجا، وأما على تقدير كون الأكثر مصب الحكم، فهو فان في الأكثر بالضرورة، وعندئذ له أن يقول كما قال: بأن العلم التفصيلي بالوجوب للأقل الأعم من النفسي والتبعي، لا يكفي لحل العلم الإجمالي، وسيظهر حاله. وهذا هو الكلام المتين في جملة ما نسب إليه (رحمه الله). الوجه الخامس: ما في " الرسائل " ببيان مني (3)، وأما ما في " الرسائل " فلضعفه الواضح لا نطيل الكلام حوله: وهو أن مقتضى العلم الإجمالي، انكشاف ما لا يرضى الشرع بتركه، واستكشاف المحبوب الإلزامي للمولى، ولا شبهة في أن العقل حاكم بلزوم القيام طبق المحبوب الإلزامي، والانزجار عن المبغوض، وإن لم يقم عليه أمر لفظي أو نهي بالضرورة، وعلى هذا لابد من الإتيان بالأكثر، كي يتبين له العمل بالوظيفة المستكشفة بالأمر المردد متعلقه. ولا حاجة إلى حديث " أن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية " (4) ولا إلى مسائل المصالح


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 473. أنوار الهداية 2: 289. 2 - هداية المسترشدين: 449 / السطر 19 - 32. 3 - فرائد الاصول 2: 461. 4 - نفس المصدر. (*)

[ 23 ]

والمفاسد، كما لا يخفى. وتوهم: أن الاستكشاف غير ممكن، لاحتمال كون المحبوب شيئا آخر، في غير محله، لأنه مضافا إلى المناقشة الصغروية، لإمكان قطع المكلف بعدم مدخلية شئ آخر في محبوبية المركب، أن الظواهر العقلائية تشهد على ذلك، ولأجله قام دأب الفقهاء على إسناد محبوبية المكلف به إلى المولى، وإفتائهم على طبق الأمر، مع أن الإفتاء إخبار عن الواقع، لقيام الطريق العقلائي عليه، فليتدبر. وبالجملة: تقريبنا حول هذا الوجه أحسن وأدق وأخلى من الإشكالات من التقريبين في " الرسائل " مع ما فيهما من الإشكالات. والذي يتوجه إليه، وربما ينفعك لحل التقريبين أيضا: هو أن الشرع في توجيه التكاليف، كما يلاحظ جانب المحبوب الإلزامي والمبغوض، يلاحظ جانب التسهيل على العباد، ويقتضي هذا اللحاظ إما التوسعة بذكر الأدلة الدالة عليها، أو التوسعة بسكوته عما لا يسكت عنه نسيانا. فعندئذ إذا علمنا المحبوب الإلزامي على كل تقدير، فالواجب هو الاحتياط، من غير أن تصرف الأوامر من المتعلقات إلى ما هو المحبوب الذي هو وراؤها، ومن غير كونه في مرحلة الإنشاء قيدا أو شرطا ومصبا له، كي يتوجه إليه ما يتوجه إلى التقريبين. وأما إذا علمنا في الأقل والأكثر: أن له المحبوب الإلزامي المراعى في جانبه التسهيل أحيانا، ففي صورة انتراكه بترك الأكثر لا عقوبة ولا مؤاخذة، لما لا حجة على المحبوب الإلزامي المطلق، فما هو المحبوب الإلزامي المنجز غير مستكشف، ضرورة أنه إن كان قائما بالأقل ففيه رعاية المحبوب الإلزامي ورعاية التسهيل، فاجتمعتا فيه، فلابد من الإتيان به، وإن كان قائما بالأكثر فلم تجتمع الجهتان، فلا وجه لإيجابه بعد الجهل بالتعلق.

[ 24 ]

وتوهم: أنه لابد وأن ندري بأنه لاحظ التسهيل بالسكوت عن الأكثر، ولو احتملنا أنه لم يلاحظ، لأهمية الجهات الذاتية من العرضية، إلا أن الدليل على الأكثر لم يبلغ إلينا، غير كاف على تقريبنا، ويتوجه إلى ما اورد على التقريبين، وذلك لأن في صورة احتمال وجود رعاية التسهيل والتوسعة بعدم إيجاب الأكثر، لا طريق إلى المحبوب الإلزامي على كل تقدير بالضرورة، وتصير النتيجة أن الشرع قد انصرف عن محبوبه الإلزامي والجهات الذاتية، نظرا إلى تلك الجهات العرضية الراجعة إلى امور أهم جدا. الوجه السادس: ما عن " الفصول " وارتضاه العلامة النائيني (رحمه الله) (1) وهو ببيان تلخيصي منا: أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وفيما نحن فيه الاشتغال اليقيني بالأقل ثابت، سواء قلنا: بأنه نفسي على كل تقدير، أو قلنا بدورانه بين النفسية، وبين الضمنية والغيرية والتبعية والعقلية، والجزء الزائد المشكوك فيه محكوم بالبراءة في حد ذاته، وأما بالنظر إلى أنه لا يحصل العلم بالفراغ إلا بإتيانه، فيجب تحصيله (2). والإشكال: بأن ما هو مجرى البراءة العقلية، معناه أن العقاب على ترك الأقل لأجل ترك الجزء الارتباطي غير صحيح، فلازمه أن العقل لا يرى وجها لإيجاب الأكثر على الإطلاق. يندفع بما اشير إليه: وهو أن الأمر وإن كان كذلك إذا نظرنا إلى الأقل المعلوم والأكثر المشكوك فيه، ولكن قضية النظر الثاني هي وجوب الأكثر وجوبا مترشحا من معلومية الأقل بالتفصيل، ومشكوكية الفراغ منه. وبالجملة: مقتضى المحكي عن " الفصول " أنه إن قلنا: بأن الأقل واجب


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 159 - 161. 2 - نهاية الأفكار 3: 387 - 388، الفصول الغروية: 357 / السطر 11 - 17. (*)

[ 25 ]

نفسي على كل تقدير، فلابد من العلم بالفراغ، وهو لا يحصل إلا بالزائد وإن قلنا: إنه واجب ملون بلون آخر غير النفسية، فالعلم الإجمالي لا ينحل، فيلزم الأكثر فتدبر. لا يقال: لا مجرى للقاعدة المشار إليها في مورد الشك في الفراغ المسبب عن الشك في الاشتغال، ضرورة أنه بعد درك العقل في الرتبة السابقة عدم الاشتغال، فالشك الناشئ عنه ليس مجرى القاعدة. لأنا نقول: هذا ما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) إلا أنه يندفع: بأن الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة الشرعية دون العقلية، ضرورة أن شأن العقل درك عدم الاستحقاق من ناحية ترك الأكثر، ويدرك الاستحقاق عند ترك الأقل، فإذا كان يدرك عدم تحقق الأقل إلا بالأكثر في صورة وجوب الأكثر، فيدرك لزوم الأكثر، فالفرار من المعلوم بالتفصيل غير معقول إلا بامتثال ما هو المعلوم بالتفصيل، وهو الأقل المأتي به في ضمن الأكثر. ففرق بين درك لزوم الأكثر، كي ينافي دركه البراءة منه، وبين دركه لزوم الأقل منضما مع الأكثر، كي يعلم بسقوط الأمر المعلوم المتوجه إلى الأقل. ومما ذكرنا يظهر مواضع الخلل في كلمات القوم حول المناقشة في هذا التقريب (2). والذي هو الأصل في الخدشة، أن قاعدة الاشتغال اليقيني مصبها الامور المضمونة على الإنسان، والمعتبرة في الذمة كالديون، فإنه باعتبار ثبوتها في الذمة يحتاج إلى العلم بالسقوط، وأما باب التكاليف التي لا تتجاوز عن البعث والزجر وحدود الحجة القائمة عليهما، فهو خارج عنها. ولعمري، إنه كثيرا ما يقع الخلط، ويقولون بالاشتغال في مواضع البراءة غفلة عن حقيقة الحال.


1 - نهاية الأفكار 3: 389. 2 - أنوار الهداية 2: 295. (*)

[ 26 ]

وبالجملة: العقل هنا تابع الحجة القطعية، ولا شغل إلا درك العقل بعد تمامية الحجة لزوم القيام بالوظيفة. فعندئذ نقول: الحجة قائمة على الأقل فقط، ولا حجة بالنسبة إلى الأكثر، كما هو صريح كلامه (رحمه الله) (1)، فعندئذ إذا قام بوظيفته المعلومة بالتفصيل وهو الأقل، فقد أتى بما عليه الحجة، وترك ما لا حجة عليه. وإسراء اقتضاء مما قام عليه الحجة إلى ما لم يقم عليه الحجة، منوط بحديث اشتغال الذمة بالأقل، والشك في السقوط، وهذا من الأكاذيب القطعية في بحوث البراءة والاشتغال، وإن كانت صحيحة في الجملة بدليل ثان شرعي، لآثار اخر فقهية. ولذلك من يقول: بأن التكاليف امور اعتبارية في الذمة (2)، فلابد إذا توجه إلى لازمه أن يقول بالاشتغال، ولو لم يقل فهو لقصور فيه، كما لا يخفى. الوجه السابع: ما أفاده صاحب " الكفاية " - عليه الرحمة -: وهو أن مقتضى كون الأقل واجبا على كل تقدير - بالوجوب النفسي، أو الغيري - هو تنجز الأكثر، ضرورة أنه لا يعقل التفكيك بين فرض فعلية التكليف في ناحية الأقل، وعدم تنجز الأكثر، لاستلزام تلك الفعلية تنجزه، فالقول بانحلال العلم الإجمالي يستلزم الخلف، لأن المفروض ذلك. وبعبارة اخرى: كيف يكون العلم الإجمالي موجبا للانحلال فيما نحن فيه، مع أن لازم الانحلال عدم الانحلال ؟ ! ضرورة أن معنى انحلاله هو العلم التفصيلي بالأقل، وهو لا يعقل إلا مع كون الأكثر طرف العلم (3). وعلى كل تقدير: هناك يكون العلم منجزا بالنسبة إلى الأقل والأكثر:


1 - نهاية الأفكار 3: 388. 2 - العروة الوثقى 2: 488، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8. 3 - كفاية الاصول: 413. (*)

[ 27 ]

أما بالنسبة إلى الأقل، فهو لكونه إما واجبا في نفسه، أو لكونه واجبا في غيره. وأما بالنسبة إلى الأكثر، فلأن تنجز الأقل بذلك العلم التفصيلي يستتبع تنجز الأكثر، ولو صح جريان البراءة العقلية بالنسبة إلى الأكثر، لصح بالنسبة إلى الأقل، فيلزم جواز المخالفة القطعية، فيعلم عدم جوازها مطلقا. وربما يتخيل: أن البراءة العقلية عن الأكثر تجري، لأن العلم التفصيلي بوجوب الأقل فرع فعلية التكليف في ناحية الأكثر، دون تنجزه (1). وفيه: أن العقل إذا كان يرى ويدرك ذلك التفرع، فيرى ويدرك تمامية الحجة بالنسبة إلى الأكثر أيضا. نعم، الشرع ربما يفكك بين الأمرين، كما في الصلاتين المترتبتين المعلوم بطلان إحداهما، وكان الترتيب شرطا واقعيا، فإنه يعلم تفصيلا ببطلان الثانية، ولا يعقل صحة الاولى واقعا، للزوم الشك في بطلان الثانية، ولكن تجري قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الاولى حسب الظاهر، لإمكان الالتزام به. ولولا القاعدة كان الأمر الأول أيضا منجزا، لأن العلم التفصيلي ببطلان الثانية محقق على تقدير بطلان الاولى، فكيف تجري البراءة العقلية بالنسبة إلى الاولى ؟ ! وغير خفي: أن المهم حل هذه المشكلة على القول بوجوب المقدمة وجوبا من غير سنخ وجوب ذي المقدمة، وإلا فهو تصديق على المبنى، ولذا نجد أن كثيرا من الأعلام (2) - ومنهم الوالد - مد ظله (3) - مذعنون بالمشكلة على المبنى.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 158 و 159، أجود التقريرات 2: 289. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 156 - 157، نهاية الأفكار 3: 386 - 387، نهاية الدراية 4: 295. 3 - أنوار الهداية 2: 297، تهذيب الاصول 2: 339 - 340. (*)

[ 28 ]

وقيل: " إنه (قدس سره) أيضا عدل عن هذا، لما قال في محله بعدم وجوب المقدمات الداخلية " (1). وأيضا غير خفي: أن المشكلة كما تأتي على القول بالوجوب الغيري للأجزاء، تأتي على القول بالوجوب الضمني، وذلك لأن الوجوب الضمني إما لا أصل له، كما إذا اريد منه الوجوب النفسي المنبسط على الأجزاء، والمقسط حسب القطعات في المركب. وإما هو سنخ آخر يحصل من اعتبار الانضمام والتقيد بالمعنى الحرفي بين الأجزاء، فيكون العلم الإجمالي غير منحل به، للاختلاف السنخي بينه وبين المعلوم بالإجمال، وسيمر عليك إن شاء الله زيادة توضيح حول الوجوب الضمني الواضح فساده، بل لا يتصور له معنى (2). أقول: في جميع أطراف العلم الإجمالي إذا لم يكن منحلا، يكون ارتكاب أحد الأطراف غير مستتبع للقطع باستحقاق العقاب، وإنما يدرك العقل ذلك عند الإصابة، بخلاف ما إذا أدرك الاستحقاق قطعيا في صورة ترك بعض الأطراف دون بعض، فإنه يشهد على عدم وجود العلم الإجمالي المنجز. وأنت خبير: بأن ترك الأقل يوجب القطع بالعقاب، أي باستحقاقه، دون الأكثر، فتكون المسألة خارجة عن موازين العلم الإجمالي، فمن أتى بالصلاة وترك الجزء يشك في الاستحقاق، ويكون العقاب عليه بلا بيان، لأن العلم الإجمالي غير موجود على النحو المتعارف في موارده. وما في " الكفاية ": " من أن ترك الأقل لا يستوجب العقوبة إلا لأجل تنجز


1 - أنوار الهداية 2: 298، كفاية الاصول: 115 - 116. 2 - يأتي في الصفحة 36 - 37. (*)

[ 29 ]

الأكثر " (1) غير سديد، فإن المركب ينعدم بانعدام جزء ما، ولا يستحق - في صورة الترك الكلي - إلا لأجل ترك المركب من ناحية الأجزاء المعلومة، دون المجهولة. وبالجملة: لا ينبغي الخلط بين حديث انحلال العلم الإجمالي، وحديث تنجيزه، وما نحن فيه لا يكون العلم منحلا، ولكنه لا يصلح للتنجيز. وما في كلام بعضهم: من أن الانحلال هنا إما وجدانا، أو تعبدا وحكما، وكلاهما مفقودان في محله، إلا أنه لا حاجة إليه، كما هو كثير الدور في موارد العلم الإجمالي اللاحق بالنسبة إلى أحد الأطراف المسبوق بالمنجز، كما إذا علم إجمالا بحرمة الإناء الشرقي، لكونه مال الغير، أو حرمة الغربي، لكونه متنجسا، فإنه لمكان منجزية الاحتمال في ناحية الإناء الشرقي، لا يورث التنجز عندهم بالنسبة إلى الغربي، وهكذا في أشباهه. مع أن الانحلال ممنوع. فعلى هذا، ولو كان العلم الإجمالي المردد بين الأقل والأكثر، غير منحل بالتفصيلي والشك البدوي، لمكان اختلاف وجوب الكل والأجزاء الداخلية، ولكنه لا يورث الاشتغال، فاغتنم. الوجه الثامن: أن التقرب بالأقل غير ممكن، فلا تجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر في المركبات العبادية، بل الأقل مردد بين كونه واجبا ومحرما (2). وفيه: أن الحرمة تشريعية، واحتمال وجود الأمر النفسي يكفي لحصول القربة المعتبرة. ويمكن دعوى: أن مقتضى الشهرة هو الاحتياط، لأن الامتثال عند المشهور هو الانبعاث عن الأمر، وهذا لا يمكن إلا بعد إحرازه وجدانا أو تعبدا (3)، فتأمل.


1 - كفاية الاصول: 413. 2 - فرائد الاصول 2: 463 - 464. 3 - جواهر الكلام 9: 155 - 161، فرائد الاصول 1: 150 - 151. (*)

[ 30 ]

وفي بعض الأخبار في كتاب الصوم ورد في ذيل رواية: " إنا لا نفعل إلا ما امرنا " (1) فلابد من وجود الأمر، وهو لا يحرز في الأقل، بخلاف الأكثر فتدبر. وجواز الاحتياط بالتكرار في موارد الجهالة المطلقة، لا يقتضي جوازه هنا، ولذلك استشكل حتى مع التمكن من الاجتهاد والتقليد. الوجه التاسع: البراءة وإن كانت جارية بالنسبة إلى الأكثر في حد ذاته، إلا أن بعد الإتيان بالأقل هناك شك استصحابي يقتضي بقاء الوجوب المعلوم بالتفصيل. ولست أقول: هناك وجوب كلي متعلق بالأقل، كي يقال: لا معنى للشك في بقائه، لكونه إما من استصحاب الفرد المردد، أو من استصحاب الكلي الانتزاعي غير المجعول، فلا يجري الأول، لجهة اختلال ركنه، ولا الثاني، لعدم تعلق الجعل به ولو كان حقيقة الاستصحاب هو التعبد بإيجاد المماثل، نظير الاستصحاب الحكمي في موارد المتباينين من الشبهة الوجوبية، فإنه إذا أتى بالظهر يشك في بقاء الحكم، فإنه لا يجري: أما الشخصي، فلضرورة أنه دائر بين مقطوع الارتفاع، وهو الظهر، ومقطوع البقاء وهو الجمعة. وأما الكلي، فلأن الوجوب المنتزع من وجوب الظهر والجمعة، ليس ذا أثر إلا بفصله، وإبقاء الجامع في الشبهة الحكمية غير الشبهة الموضوعية، فإن الكل وإن كان من القسم الثاني، إلا أن الأول غير مجعول بذاته وغير مثمر، والثاني يعتبر موضوعا للحكم، فإذا كان لدليله الإطلاق فلا بأس به عرفا، بل وعقلا، وتفصيله في تنبيهات الاستصحاب إن شاء الله تعالى (2). وأما فيما نحن فيه، فيستصحب الحكم النفسي الثابت للأجزاء المعلومة


1 - وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 5. 2 - يأتي في الصفحة 454 و 502 - 505. (*)

[ 31 ]

بالتفصيل، لاحتمال بقائه حسب الارتباطية. وتوهم حكومة البراءة العقلية على مثل هذا الاستصحاب، ناشئ عن قلة دراسة اصولية. هذا على القول بالوجوب النفسي للأجزاء على كل تقدير. وأما على القول بالوجوب الغيري فقد عرفت وجه جريانه، ووجه اندفاعه (1). اللهم إلا أن يقال إن نفس التعبد بحكم الجامع الانتزاعي له الأثر، وهو الإتيان بالأكثر، ولا يعتبر في المستصحب أزيد من جواز التعبد ومعقوليته، وما هو غير قابل للجعل هو الجامع الانتزاعي، وأما التعبد به لأثر فلا بأس به، ضرورة تنجز النفسي لو كان بمثل هذا الاستصحاب، وعندئذ لا تصل النوبة إلى البراءة العقلية، لوروده عليها، ولا الشرعية، للحكومة، فإنه فعلا شاك في أنه بعد الإتيان بالأقل يبقى الوجوب، أم لا. ويشبه هذا الاستصحاب الاستقبالي الذي هو جار عندهم في مثل بقاء الوقت والشهر، للأثر المترتب عليه، ولاسيما بناء على كون الاستصحاب بحكم الأمارة. وأما توهم الاستصحاب الموضوعي باستصحاب عدم إتيان ما هو الواجب المردد بين الأقل والأكثر (2)، فهو ممنوع، لأن نفس العدم المضاف المذكور ليس موضوع الأثر، والمضاف إليه إذا كان له الأثر، فاستصحاب عدمه لإخراجه عن ذاك الأثر جائز، إلا أنه هنا هو أيضا بلا أثر، لأن إتيان الواجب أثره عقلي، وهو سقوط الأمر، لا شرعي. وبالجملة: استصحاب الحكم الشخصي وهو الوجوب النفسي جار، والشك في بقائه لأجل ترك الجزء الدخيل احتمالا.


1 - تقدم في الصفحة 24 - 26. 2 - نهاية الأفكار 3: 367. (*)

[ 32 ]

بل استصحاب الكلي الانتزاعي، أيضا يوجب تنجز الوجوب النفسي لو كان باقيا ببقاء الأكثر. وهذا ليس من الأصل المثبت، لأن التنجز من آثار الاستصحاب، لا المستصحب، ومن الآثار الثابتة للأعم من الحكم الواقعي والظاهري. بل هو مقتضى منجزية الاستصحاب، كما لا يخفى. فالإطاعة والتنجز وآثار نفس الحكم الجنسي وطبيعي الحكم، مترتبة قطعا. بل لا يكون المجعول في الوجوب النفسي أو الغيري إلا الطبيعي، إلا أنه بالقياس إلى الجهات الخارجية يعتبر أنه نفسي، أو غيري، لا أن الجاعل يجعل الوجوب النفسي أو الغيري ملاحظا إياه. فاستصحاب بقاء طبيعي الوجوب أو التعبد بالمماثل، يوجب موضوعا لدرك العقل المتحرك إلى الأثر الأعم، وهو الإتيان بالأقل والأكثر، وحيث يكفي الإتيان بالأكثر عن الأقل اللابشرط، لا يلزم التكرار، فليتدبر جيدا. إن قلت: هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم لحاظ الأكثر، أو عدم إرادة الأكثر، أو عدم جعل الأكثر، أو عدم وجوب الأكثر عدما أزليا، أو عدما قبل التكليف، أو عدما قبل الوقت، والكل واحد. قلت: هذه هي الشبهة القاسانية النراقية المندفعة بما تحرر منا في محله (1): من عدم جريان هذه الاستصحابات كلها، لاختلال أركانها: وهو عدم العلم بالحالة السابقة، والتفصيل في الاستصحاب، فلا معارضة. إن قلت: الشك في بقاء الوجوب مسبب عن الشك في جزئية الجزء الزائد، وعن وجوب الزائد، وعن استحقاق العقاب على ترك الأقل بترك الأكثر، وعندئذ لا تصل النوبة إليه بعد جريان البراءة في المرتبة السابقة. قلت: قد مر آنفا أن الاصول العقلية، لا تتمكن من الحكومة على الاصول


1 - يأتي في الصفحة 533. (*)

[ 33 ]

الشرعية، بل الاصول الشرعية واردة عليها، كما هو الواضح. وأما البراءة الشرعية فهي في الرتبة السابقة تجري، بمعنى ملاحظة وجوب الجزء بما هو هو، وأما بعد جريان الاستصحاب فلا محل لها، ولا يعقل أن يكون مفاد البراءة الشرعية رفع الشك تعبدا، لعدم كونها أصلا ناظرا إلى الواقع. نعم، على القول: بأن مقتضى البراءة الشرعية انتفاء التكليف واقعا، كما كان هو مختارنا في السابق، أو كان رفع الحكم ادعاء برفع جميع آثاره، كما هو مذهب السيد المحقق الوالد - مد ظله - (1) يمكن دعوى عدم جريانه، ولكنها أيضا غير مسموعة، لأن في رتبة جريان البراءة لا استصحاب، لأن ركنه بعد فرض إتيان الأقل، وفي فرض إتيان الأقل لا تقاوم الاستصحاب، لأنه ينجز مورد الشك الذي هو موضوع البراءة، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى (2). هذا على تقدير جريان البراءة الشرعية، كما يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى. فبالجملة: تلك الوجوه المذكورة غير ناهضة للاشتغال إلا الوجه الأخير، من غير حاجة إلى البحث عن موازين المركبات والأجزاء، وكيفية الاختراعيات الشرعية، والغور فيها، فإنه وإن كان مفيدا أحيانا تشحيذا للأذهان، إلا أن فيما هو البحث الاصولي - وهو الفحص عن دليل الاشتغال - غير نافع، لأنه إذا لم يكن دليله تاما فالبراءة محكمة. وقد عرفت أنه لا حاجة في تضعيف أدلة الاشتغال إلى إطالة الكلام حول وضع المركبات (3). وحيث إن كلام القوم لا يخلو من الزلات الكثيرة، وأحسن من ورد في هذا


1 - انظر تهذيب الاصول 2: 152 و 159. 2 - يأتي في الصفحة 37 - 38. 3 - تقدم في الصفحة 19. (*)

[ 34 ]

الميدان والدي المحقق - مد ظله - ولكن مع ذلك لم يؤد " التهذيب " حق المسألة (1)، نشير في طي تذييل موجز إلى الحق في المركبات، وحديث كيفية تعلق الأمر بها، وحديث نسبة الأجزاء إلى الأمر. تذييل وتكميل: لإثبات الاشتغال في الارتباطي من المركبات الخارجية لا شبهة ولاغبار في أن الكثير بما هو كثير، والكثرة بما هي كثرة، لا يمكن أن تصير مصبا للأمر الوحداني، ولا يعقل أن يتعلق الأمر الوحداني - الذي قوام تشخصه بالمتعلق - بالكثير غير المندمجة أجزاؤه، وأن يكون قوامه الكثرة غير الفانية في المعنى الفرداني الوحداني. ولا شبهة في أن الآمر لا يتمكن حين توجيه الأمر إلى المتعلق الوحداني، من أن يلاحظ الأجزاء بحيال ذلك العنوان الواحد، بل الأجزاء في هذه المرحلة مغفول عنها، أو مورد التغافل، فلا يرى إلا واحدا. إلا أن ذلك المعنى الوحداني في النظرة الاخرى، ينحل إلى الكثير، لكونه مجمل ذلك الكثير، ومندمج تلك الكثرة، فالاجزاء لا صولة لها ولا سورة لها ولا لحاظ يتعلق بها حينما يلاحظ اللاحظ أن الأمر الوحداني يدعو إلى ذلك العنوان الفرداني. فالاجزاء بما هي أجزاء، ليست متعلق الأمر أصلا، ولا يعقل أن يدعو الأمر المتعلق بالمعنى الوحداني إلى الأجزاء ولو بعين الدعوة إلى الكل، لأن ذلك الحين حين الغفلة والتغافل، فكيف يدعو أمر الغافل عن الأجزاء إليها بأي وجه كان ؟ ! فالأمر المتعلق بالعمرة أو الحج أو الصلاة أو الاعتكاف، لا يدعو ولا يتعلق


1 - تهذيب الاصول 2: 323 - 326. (*)

[ 35 ]

إلا بعنوان واحد بسيط في الاعتبار، من غير كونه محصلا ومنتزعا، بل هو ينحل إليها واقعا، إلا أن الانحلال إليها في النظرة الثانية المستقلة إلى الطبيعة، فيقال: " الصلاة أولها التكبير، وآخرها التسليم " وأما في موقف قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (1) فلا تكبيرة، ولا ركوع، ولا سلام، ولا دعوة إليها، بل الدعوة ممحضة إلى الصلاة، وهي حقيقة إلهية وحدانية، لأن ما تعلق به واحد: وهو الأمر والبعث المتقوم تشخصه به، والإرادة والعلم واحد أيضا، وهما أيضا يتشخصان بذلك الواحد. ولا يعقل أن يتشخص الواحد بالكثير بما هو كثير. وانحلال الواحد إلى الكثير غير كون المشخص كثيرا في ظرف مشخصيته، وغير كون المتعلق كثيرا في ظرف تعلق الأمر والبعث. فحديث الأقل والأكثر، وأن الأقل - وهو تسعة أجزاء - مورد الأمر والإرادة، والأكثر وهي عشرة أجزاء (2)، من الأباطيل والأكاذيب، وليس هناك في مرحلة تعلق الأمر أقل ولا أكثر، ولا القليل ولا الكثير، لأنها من مقولة الكم المنفصل، والصلاة في مرتبة تعلق الأمر خارجة عن مقولة الكم المنفصل، وداخلة في مقولة الجوهر الاعتباري، أي هي اعتبار مقولة الجوهر، لتعلق الغرض بها، وهو الحكم والأمر وتعد موضوعا. وقيام العرض بالعرض ولو فرض جوازه، كقيام الخط بالسطح، وهو بالجسم التعليمي، على إشكال فيه محرر في محله (3)، وأعمية الموضوع من الجوهر ولو كانت اصطلاحية، إلا أن الأقرب في مثل الصلاة الخارجة عن المقولات، هو كونها


1 - البقرة (2): 43. 2 - نهاية الأفكار 3: 381 - 382، مصباح الاصول 2: 428. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 172. (*)

[ 36 ]

اعتبار الجوهر، وأنها تشبه المركبات التأليفية، بل الحقيقية الطبيعية، للذهول عن الأجزاء الذي هو بمنزلة كسر سورة الأجزاء في المركب الطبيعي، فاغتنم، وكن شاكرا لأنعمه تعالى، والحمد لله. فعلى هذا، ليس المأمور به إلا عنوان العمرة والصلاة، ولا يتعلق الأمر إلا به، وفي موارد الشك يرجع شك المكلف إلى أنه ينحل إلى تسعة أجزاء، أو عشرة، من غير كون التسعة أو العشرة متعلق الأمر، كي يقال: إن التسعة معلومة الأمر، وهو النفسي الاستقلالي، أو الضمني الذي هو انحلال الاستقلالي وتقسيطه (1)، أو يقال: هي معلومة الأمر إما هو نفسي، أو غيري. بل هي مقطوع عدم تعلق الأمر بها، وعدم معقولية تعلق البعث بها. كما لا يعقل كون الأمر بالصلاة مثلا، داعيا إلى التسعة أو العشرة، كما ترى في كلام " التهذيب " (2) فما سلكه القوم صدرا وذيلا غفلة وذهول، ولا ينقضي تعجبي من قولهم بالأمر الضمني السخيف. وإني ابتليت بالحليفين: الأمر الضمني، والنفسي بالنسبة إلى الأجزاء، بخلاف الأمر الغيري، فإنه - كما تحرر - يمكن ثبوتا، ولكنه ممنوع إثباتا، فليراجع محله (3). ثم إن انحلال المركب إلى الأجزاء على اعتبارين: انحلال عرفي، وهو إلى الأجزاء الدخيلة في الماهية والاسم المركب، وانحلال تعبدي وبنائي، وهو إلى الأجزاء الأعم من كونها مقومة للاسم، وما ليس بمقوم، ولكنه اعتبر بالقياس إلى سقوط الغرض، أو سقوط الأمر، أو حصول الغاية، أو ترتب الأثر الخاص، وهكذا.


1 - فرائد الاصول 2: 462. 2 - تهذيب الاصول 2: 326. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 279 و 282. (*)

[ 37 ]

مثلا: الصلاة تنحل إلى عدة أجزاء، هي مقومة لتلك الهيئة التي تقوم بها، وتكون تلك الأجزاء مقومة لها، وإلى بعض الأجزاء مثل الاستعاذة أو السورة، أو غيرهما مما لا مدخلية لها في صدق الاسم، فلو كان مورد الأمر - كما عرفت - عنوان " الصلاة " مثلا، فلا يدعو إلا إلى ذلك العنوان. وإذا لم يكن للأمر ودليله إطلاق كما هو المفروض، وشك في وجوب شئ هو دخيل عرفا في صدق الماهية، فلا وجه لإجراء البراءات الثلاث، كما إذا شك في وجوب معظم الأجزاء وكثير منها، بحيث ليست بقية الأجزاء من الصلاة عرفا، فإنه واضح وجوب الاحتياط بالنسبة إلى المقدار الصادق عليه عنوان " الصلاة ". وأما بالنسبة إلى البعض، أو إذا كان الشك من الأول في بعض الأجزاء غير الدخيلة، فلابد من الاحتياط حسب الاستصحاب المذكور، دون الوجوه العقلية المتمسك بها، فالبراءة العقلية والشرعية غير جارية، لجريان الأصل الشرعي الحاكم عليها. بل هو وارد على البراءة العقلية، وحاكم على البراءة الشرعية: أما وروده على البراءة العقلية، فلأن البراءة العقلية أصل حيث لا مقتضي للاشتغال، وأما إذا كان هناك مقتض للاشتغال - وهو استصحاب بقاء وجوب الصلاة المعلوم يقينا، والمشكوك بقاء، المقتضي لإتيان الجزء المشكوك عقلا، وللتنجيز بالنسبة إليه - فيكون بيانا ودليلا وحجة عقلية على لزوم الجزء، لأن ذات الجزء غير داخلة في محط العلم السابق. إلا أن لازم وجوب الصلاة بقاء لازما عقليا - بمعنى أن العقل يدرك أنه لا يمكن نقض يقينه السابق إلا باليقين، وهو لا يحصل إلا بإتيان الأكثر - فعلية الأكثر، للخلاص عن محط الواجب الشرعي. وليس هو من الأصل المثبت كما هو الواضح،

[ 38 ]

فإنا لسنا بصدد إثبات وجوب الجزء شرعا، بل نفس بقاء الوجوب على الصلاة تعبدا بأصل محرز، يكون بيانا عقلا على الجزء، فلا تجري البراءة العقلية بالضرورة، ويكون مقتضى الأصل الشرعي واردا وبيانا واقعيا للأصل العقلي. وأما حكومته على البراءة الشرعية، فلأن مجرد كون الشك في بقاء وجوب الصلاة، ناشئا عن الشك في وجوب الأكثر لا يكفي، لتقدم الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في المسبب، كما هو كذلك إذا كان المسبب مجرى الأمارة الشرعية. وأيضا: هو كذلك إذا كان الأصل الجاري في المسبب محرزا، وذلك لأن حقيقة إحراز وجوب الصلاة تعبدا وحقيقة وتنجز الحكم السابق في ظرف الشك، هو تنجز الحكم المشكوك فيه، وهو حكم الجزء. مع أن لازم الحكم إذا كان حكما يترتب على المستصحب، لا يعد من الأصل المثبت، فإذا كان لازم الاستصحاب في مورد حجة فهو مقدم على البراءة بعين ما يقدم نفس الملزوم المستصحب. هذا إن لم نقل: إن موضوع الأدلة النقلية والبراءة الشرعية، هو الشك الذي لا تقم عليه الحجة الأعم من العقلية والشرعية، كما أقره المحقق الوالد - مد ظله - (1)، وإلا فالاستصحاب وارد على البراءة الشرعية أيضا، لأن غايتها هي الحجة، والاستصحاب حجة في الملزوم واللازم. فبالجملة: ولو قلنا بأن مفاد البراءة الشرعية تقييد الأدلة الواقعية وبحكم الاستثناء وحتى في فقرة " ما لا يعلمون " (2) كما هو الأظهر من غير لزوم الدور


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 236 و 241 - 242. 2 - وسائل الشيعة 8: 249، كتاب الصلاة، أبواب الخلل، الباب 30، الحديث 2. (

[ 39 ]

وغيره، لا مجرى لها بعد جريان الاستصحاب المذكور. وبالجملة: إذا شك في الوقت أنه أتى بصلاة الظهر والعصر، يجب عليه - استصحابا - صلاة الظهر والعصر، وهو وارد على قاعدة الاشتغال. ولا شبهة في جريان الاستصحاب المذكور، ويكون مصب الاستصحاب عنوان " الصلاة " وأنها كانت واجبة ومأمورا بها ومبعوثا إليها، والآن كما كانت، وكذلك الأمر هنا، فالمناقشة في الاستصحاب ومجراه غلط. وتوهم محكوميته بأصل البراءة العقلية أو الشرعية، أيضا في غير محله. فالمحصول مما قدمناه: أنه في بعض الصور يجب الاحتياط عقلا، وهو ما إذا كان مورد الأمر عنوان " الصلاة " وشك في وجوب مقدار من الأجزاء، بحيث يلزم الشك في صدق العنوان المذكور، أو يعلم انتفاء الصدق. وفي بعض الصور يجب الاحتياط شرعا، وهو في مورد لم يكن الجزء بفقده مضرا بالاسم والعنوان، فإنه يجري حينئذ استصحاب الوجوب والأمر، وهو متبع إلى أن يأتي بكل ما يكون محتمل الدخالة في سقوطه. فتحصل لحد الآن: أن البراءتين: العقلية والشرعية ولو كانتا في حد ذاتهما جاريتين، إلا أنهما محكومتا الأصل الشرعي ورودا أو حكومة، وتحصل أيضا: أنه لا تجري البراءة من غير أن يتقوم اندراج المسألة في المتباينين، كما أشرنا إليه في أول البحث (1)، خلافا لصريح " الدرر " (2) والأراكي (3) وغيرهما (رحمهم الله) (4).


1 - تقدم في الصفحة 3. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 474 و 478. 3 - نهاية الأفكار 3: 375. 4 - مصباح الاصول 2: 427. (*)

[ 40 ]

تنبيه: في قصور البراءة العقلائية في المقام مما لا ينبغي أن يختفي: أن من أقسام البراءة هي البراءة العقلائية، وقد عرفت في محله أنها غير البراءتين: العقلية، والشرعية نزاعا وقولا وملاكا، وحديث قبح العقاب بلا بيان براءة عقلائية، لا عقلية (1)، وعندئذ إذا كان المكلف يحتمل دخالة شئ في المركب المبتلى به في طول عمره وطيلة حياته، كالصلاة ونحوها في كل يوم مرة، ويرى أنه بترك الجزء يحتمل ترك المأمور في تلك المدة، وأنه قد أتى بعمل لغو، فهل لا يعد ذلك من السفاهة، وهل يعد العقاب عليه عقابا جزافيا ؟ ! فهذا التقريب أيضا يؤيد ما سلكناه، فليتدبر. تنبيهات التنبيه الأول: فيما لو تردد الأمر بين الارتباطي والاستقلالي إذا قلنا بالاشتغال في قسمي الأقل والأكثر الاستقلاليين والارتباطيين، أو قلنا بالبراءة فيهما، فلا بحث في موارد الشك في الشبهة الموضوعية. وإذا قلنا بالبراءة في الأول، والاشتغال في الثاني، وتردد أمر مورد في أنه من الأول أو الثاني، فهل تجري البراءة، أو الاشتغال، أو تختلف مباني الاشتغال في الارتباطي ؟ وبعبارة اخرى: إذا علمنا أن طواف النساء واجب عقيب أعمال العمرة أو الحج، وشك في أنه واجب استقلالي غير دخيل في صحة الحج والعمرة، أو ارتباطي


1 - تقدم في الجزء السابع: 128. (*)

[ 41 ]

دخيل فيها، كما هو محل الخلاف. أو شك في أن القنوت واجب في الصلاة، أم لا، وعلى تقدير وجوبه هل هو دخيل في صحتها، أم هو واجب في واجب ؟ أو شك في أن ذكر سجود السهو واجب، أم لا، وعلى تقدير وجوبه هل هو من الجزء الدخيل في الصحة، أم لا ؟ وهكذا في الشهادة الثالثة، أنها هل هي مستحب نفسي، أو جزء ارتباطي ؟ فإن قلنا في وجه الاشتغال بما في " الكفاية " (1) فلا يكون هو وجها تاما فيما نحن فيه، لعدم العلم بوجوب الأقل الأعم من النفسي والغيري، كي يقال: بأنه يلزم من الانحلال عدم الانحلال، ضرورة أنه يشك في أصل كونه - على تقدير وجوبه - جزء ارتباطيا، فلا يعلم بوجوب الأكثر، وتصير النتيجة هي البراءة، لعدم تمامية ذلك الوجه. وحيث تجري البراءة اللفظية في الجزء المستحبي الدخيل في سقوط الأمر المستحبي، كما مر في بحث البراءة (2)، ويوجب النتيجة العملية هنا، يكون المعمول هي البراءة العقلية والشرعية في تلك الأمثلة. وأما على تقريب الشيخ (رحمه الله) من اتباع المصالح والمفاسد (3)، أو على تقريبنا من اتباع المحبوبية الإلزامية، أو على تقريب صاحب " الفصول " (4) (رحمه الله) أو على القول الأخير والوجه الوجيه، فالقاعدة تقتضي الاشتغال كما هو الواضح، ويكون المستصحب هو الأمر في المثال الأخير. وعلى تقاريب صاحب الحاشية (قدس سره) (5) تجري البراءة، لأن النتيجة تابعة


1 - كفاية الاصول: 413. 2 - تقدم في الجزء السابع: 273 - 274. 3 - فرائد الاصول 2: 461. 4 - الفصول الغروية: 357 / السطر 11 - 17. 5 - هداية المسترشدين: 449 - 451. (*)

[ 42 ]

لأخس المقدمتين، ضرورة أنه (رحمه الله) كان يهم بأن يدرج الأقل والأكثر في المتباينين كي يثبت به الاشتغال، فإذا شك في الاندراج لا يثبت الاشتغال، فلا تتم الحجة، فلا تذهل. والذي لا يذهب عليك: أن ما ذكرناه لا محصول له في بابي الاشتغال والبراءة، لأنه على كل تقدير يعد من الأقل والأكثر، ومن يقول بالاشتغال فيه يقول به هنا. نعم، يختلف من جهة أجنبية، ويعد من أقسام اخر من الأقل والأكثر، لاحتمال تحقق الأقل والجزء المشكوك فيه مستقلا، كما في طواف النساء، فاغتنم. التنبيه الثاني: حول منع جريان البراءة الشرعية عن الأكثر اختلفوا في جريان البراءة الشرعية مع قطع النظر عن كونها محكومة بالأصل الآخر وعدمه، فربما يقال: بأن إجراء البراءة الشرعية عن الأكثر، لا يثبت به أن الأقل هو المأمور به كي يسقط به أمره، إلا على القول بالأصل المثبت (1). وبعبارة اخرى: لا يعقل رفع المشكوك الجزئية إلا برفع التكليف عن الكل، لأن الجزئية وأشباهها لا تنالها يد الجعل الاستقلالي، فإذا كان الرفع المذكور منوطا برفع التكليف عن الكل، فلابد من دعوى رجوع التكليف - بعد الرفع - متعلقا بالأقل، وهو غير ثابت إلا بدليل حديث الرفع المقصور بنفس الجزء، فيكون لازمه وجوب الكل، وهذا هو أهون الاصول المثبتة، فجريان البراءة العقلية وعدمه غير دخيل في الشرعية، وأن الثانية على كل تقدير غير جارية. وأما حديث الملازمة بين البراءتين مطلقا أو من جهة خاصة، فيأتي - إن شاء


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 163، درر الفوائد، المحقق الحائري: 480. (*)

[ 43 ]

الله - في التنبيه الآتي (1). وبالجملة: تشبه مسألتنا هذه مسألة التمسك بالوجدان والأصل، فإنه بلا شبهة يكون الأقل واجبا، والأكثر مشكوكا، فلو لوحظ عدم وجوب الأقل - بمقتضى البراءة الشرعية - إلى إتيان الأقل وجدانا، يثبت سقوط الأمر قهرا، وهذا من المثبت، فإن ضم الوجدان إلى الأصل مطلقا غير صحيح حتى في الموضوعات المركبة، فضلا عما نحن فيه. وبعبارة رابعة: في سقوط الأمر بالأقل المعلوم قطعا، وفي حصول الامتثال اللازم بحكم العقل بعد العلم التفصيلي بوجوب الأقل، لابد من إثبات الإطلاق للأمر بالأقل على وجه يقطع بالامتثال، وهذا مما لا يمكن إثباته لا بالوجدان، كما هو الواضح، ولا بالأصل وهي البراءة، لأنها ليست ذات بيان ولسان إلا رفع القيد والجزء بما هو هو، وهو لا يثبت كون الباقي له الإطلاق، بمعنى أنه في صورة الإتيان به، يسقط الأمر المتعلق به على كل تقدير، بحسب الظاهر وفي رتبة الامتثال، لسكوت البراءة عن ذلك بالضرورة. وبالأخيرة كيف يحكم بانحلال العلم الإجمالي لو قلنا بانحلاله بالبراءة الشرعية، كما في متن " الكفاية " حيث ذهب إلى جريان البراءة الشرعية، دون العقلية (2) ؟ ! أو كيف يجوز إثبات الأمر بالأقل بغير الأصل المثبت بعد كون المسألة ارتباطية ؟ ! ونفي الجزء والقيد غير ممكن إلا برفع ما به تشخص الأمر بالكل، وهو الموضوع التام، ثم بعد ذلك جعل الأمر ثانيا متعلقا بالأقل وبالموضوع المنحل إليه المتشخص به، وهذا كله بحكم العقل، ومن لوازم رفع المشكوك، فإنكار البراءة


1 - يأتي في الصفحة 49. 2 - كفاية الاصول: 413 - 416. (*)

[ 44 ]

الشرعية مما لابد منه، كما هو صريح حاشية " الكفاية " وبعض آخر (1)، وإن كان في تعليله نظر واضح. ومما ذكر يظهر: أن توهم كون الإطلاق والتقييد متقابلين بالعدم والملكة، لا التضاد (2)، غير كاف لحل المشكلة، ضرورة أنهما وإن كانا كذلك اعتبارا لا واقعا، كما تحرر في محله (3)، وأن الإطلاق المقابل للتقييد ولو كان الإطلاق القسمي لا المقسمي، ولكنه بحكم المقسمي في مطلق الموارد والعلوم حتى العقليات، إلا أن مشكلة جريان حديث الرفع وراء ذلك: وهي أن رفع المنشأ لا يمكن إلا برفع الأمر بتمامه، وهذا يستتبع المثبتية كما لا يخفى. وهناك مشكلة ثانية: وهي أن رفع الجزء وجزئية السورة، لا يكفي لتقييد بقية الأجزاء بها، فإن حقيقة الارتباطية بين أجزاء المركب - مضافا إلى اعتبار تلك الأجزاء في المركب - اعتبار معنى حرفي بين الجزء السابق واللاحق وكونه بينهما، وتقييد كل من السابق واللاحق بذلك الجزء، فرفع جزئية السورة عن المركب يلازم رفع تقييد السابق واللاحق بها، ويلازم ضم الطرفين كل إلى الآخر بالمقارنة في مرحلة الظاهر، وكل ذلك خارج عن عهدة البراءة الشرعية. وبعبارة اخرى: كل جزء شك فيه، وكان من الأجزاء الخارجية، فهو يلازم القيدية والجزئية التحليلية الناشئة من ذلك الجزء العيني، وهي السورة. مثلا: اعتباره السورة في الصلاة جزء شئ، وتقيد الحمد بها شئ آخر، كما أن تقيد السورة بالحمد شئ ثالث، وتقييد الركوع المتأخر شئ رابع، وكل ذلك من تبعات الارتباطية والانضمامية الاعتبارية بين أجزاء المركب الوحداني. فإذا رفعت


1 - كفاية الاصول: 416، الهامش، نهاية الأفكار 3: 390. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 163. 3 - تقدم في الجزء الخامس: 400. (*)

[ 45 ]

جزئية السورة ظاهرا، فلابد من رفع تقييد الحمد بها أيضا، لكونه مشكوكا فيه، وحيث لا يمكن رفعهما معا، لأن الشك في تقييد الحمد بها مسبب عن جزئية السورة، فلابد وأن تجري البراءة عن جزئية السورة، وحيث لا معنى لتقيد الحمد بالسورة المرفوعة بحسب الظاهر والتعبد، لا معنى لرفعه بحديث الرفع، وتصير النتيجة امتناع جريان الحديث المذكور. وإليك مشكلة ثالثة: لو كان حديث الرفع جاريا بالنسبة إلى الأكثر، فالتخلف عن الأقل بتركه أيضا جائز، وحيث إنه ممنوع قطعا، فالجريان ممنوع أيضا. وبيان الملازمة: أن ترك الكل كما يكون بترك مجموع الأجزاء، يكون بترك بعض الأجزاء، وفي مورد الترك لمجموع الأجزاء، لا يليق بالمولى أن يحتج على العبد بترك البعض دون البعض، لكونه ترجيحا بلا مرجح. مع أنه سفه في الاحتجاج، وعند ذلك إذا جرى حديث الرفع بالنسبة إلى الأكثر، فترك العبد مجموع المركب، فإن كان الأقل واجبا نفسيا، فلا حجة عليه مشكوكة. وإن كان الأكثر واجبا، فالترك مستند إلى المجموع، دون جزء خاص، لامتناع استناد ترك الكل - في صورة الترك المطلق - إلى جزء معين بالضرورة، فلا يكون سبب تجويز الترك إلا جريان الحديث المذكور. وتوهم جواز استحقاق العبد، وإمكان عقوبة المولى مستندا إلى الأجزاء المعلومة، في غير محله، لأن الكل منترك على كل تقدير، وسواء أتى به، أو لم يأت به، واستناده إلى الجزءين - المعلوم والمجهول - على حد سواء. نعم، هو قد تجرى في ذلك، لاحتمال كون الواجب هو الأقل. ولكنه أيضا ممنوع، لاستناده إلى البراءة الشرعية، لعدم العلم بوجوب الأقل النفسي. وإن شئت قلت: تحرير المشكلة بصورة معارضة البراءتين الشرعيتين بالنسبة إلى كل واحد من الأقل والأكثر، فلا تجري بالنسبة إلى الأكثر للمعارضة، وتصير

[ 46 ]

النتيجة هي الاحتياط حسبما مر (1)، وإلا فالمخالفة القطعية عندنا في المتباينين جائزة، بخلاف ما نحن فيه، لاختصاصه بالأصل المثبت الشرعي وهو الاستصحاب. فتحصل لحد الآن: أن البراءة الشرعية إما غير جارية، لكونها مثبتة، أو لابتلائها بمعضلة عقلية، أو بالمعارض. أقول: إن الأمر اليقيني يستتبع الامتثال اليقيني، وهو أعم من كونه تعبديا، أو وجدانيا، أو كان الدليل القائم على الامتثال مخصوصا بمركب لابد من الأخذ به، فرارا من اللغوية، أو كان في رواية معتبرة مورد التمسك للفراغ والامتثال، كقاعدة الفراغ والتجاوز، بناء على كونها غير أمارة، وتكون أعم موردا، كما ذهب إليه بعضهم (2)، إلا أنه يتمسك بهما في الصلاة، وفي غير هذه الصور لا يكفي الامتثال الظني والاحتمالي. وأما على ما هو التحقيق في باب المركبات، فالشك في الامتثال بعد صدق طبيعة المركب على المأتي به، فالامتثال من ناحية صدق المركب، ورفع ما شك في جزئيته حاصل، لأن المقصود من البراءة ليس إثبات كون المركب والأقل مأمورا به، كي يقال: هو مثبت. كما أنه لا يتقوم رفع الجزئية برفع الحكم عن الكل، لأن الجزء ليس مورد الأمر النفسي، ولا غيره كما عرفت (3)، بل المأمور به هو عناوين " الصلاة، والحج، والعمرة " وتلك الطبائع في النظرة الثانية تنحل إلى الأجزاء، ويكون قوام سقوط الأمر بالجزء المشكوك فيه مورد الجهالة، فإذا جرى حديث الرفع بالنسبة إلى ذلك


1 - تقدم في الصفحة 34 - 39. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 320 و 341. 3 - تقدم في الصفحة 35. (*)

[ 47 ]

الجزء، لا يبقى شك في سقوط الأمر، لأن المأمور به متحقق خارجا، ومنشأ الشك في سقوط أمره مورد التعبد بعدم الدخالة، فلا يبقى وجه لتوهم المثبتية بالضرورة. وهذا على جميع التقادير في تفسير حديث الرفع، وهو أنه رفع واقعي وتقييد - كما هو الأشبه - من غير لزوم الدور الممتنع، أو هو رفع تعبدي، كما هو دأب السيد المحقق الوالد - مد ظله - (1). وربما يشير إليه صاحب " الكفاية " هنا بقوله: " إن البراءة الشرعية بحكم الاستثناء بالنسبة إلى الأدلة الأولية، أو هو حكم ظاهري كما عليه الأكثر " (2) فعلى جميع المباني لا يلزم كونه مثبتا، بناء على ما أبدعناه في أساس كيفية تعلق الأوامر بالمركبات (3)، فاغتنم. ومما ذكرنا يظهر وجه عدم وجود المعارضة بين البراءة عن الأكثر والأقل، لما لا أكثر ولا أقل، بل الصلاة والعمرة مورد الأمر، وإنما الشك في أن السورة وطواف النساء اعتبرا دخيلين في سقوط الأمر المتعلق بالطبيعة، أم لا، من غير كونهما مورد الأمر الضمني والغيري أو غيرهما. هذا كله إذا أردنا رفع الجزئية والقيدية بالحديث الشريف، المستتبع طبعا لعدم استحقاق العبد بترك الكل من ناحية ترك الجزء والقيد، الذي تنحل إليهما الطبيعة في موطن تقررها الماهوي. وعندئذ يظهر وجه إمكان كون الجزء وغيره قابلا للجعل الاستقلالي، لأنه في موطن اعتبار الجزئية يكون الأمر المتعلق بالطبيعة أجنبيا عنه، وغير مربوط به، ضرورة أن المأمور به عنوان بسيط عرفي ينحل إلى الكثير، ولا يكون الكثير مورد


1 - تهذيب الاصول 2: 344، أنوار الهداية 2: 305. 2 - كفاية الاصول: 417. 3 - تقدم في الصفحة 34. (*)

[ 48 ]

الأمر ومشخص الأمر والبعث، كي يلزم رفعه أولا، حتى يصح رفع الجزء، ثم إثباته بالنسبة إلى الأجزاء الباقية حسب إطلاق أدلتها، فلا تغفل. وأما إذا أردنا استناد العقاب إلى الأجزاء المعلومة في صورة ترك الكل، فمجرد كون الأقل منجزا على نعت الواسطة في التنجز - لأن الأكثر إذا ترك بترك الأقل يكون منجزا، وإذا ترك بترك الأكثر فلا يكون المتروك منجزا - غير كاف، لأن المشكلة ناشئة عن أن ترك الكل مستند إليهما على السواء، ولا مرجح لاستناده إلى الأقل، فترخيص الشرع بترك الأكثر دخيل في ترك المأمور به، فلا يكون المكلف عندئذ متجريا لأجل تنجز الأقل لو كان مورد التكليف النفسي. فلو احتج المولى على العبد: بأنه " لم لم تصل " فله أن يجيب: " لقاعدة البراءة الشرعية المنتهية إلى ترك المطلوب طبعا ". واحتجاج المولى بأنه ترك المأمور به بترك الأجزاء المعلومة المنتهية إلى ترك المطلوب ولو كان صحيحا، معارض باحتجاج العبد الصحيح أيضا، فالعقاب على ترك الكل من ناحية ترك الأجزاء المعلومة ممنوع، كما أن العقاب على ترك الكل بترك الجزء المشكوك، أيضا قبيح. ولا معنى لاحتجاج المولى على ترك الأجزاء المعلومة، لأنها واجبات غير نفسية، ولا عقوبة عليها، فللمولى سؤال واحد، وهو عن تركه الصلاة مثلا، ولا يجوز أن يسأل عن أمر آخر وراء ذلك، وللعبد أن يجيب ب‍ " أنه لم تكن فائدة في إتيان الأجزاء المعلومة بعد ترخيصك ترك الجزء المشكوك فيه ". ولعمري، إن هذه المشكلة غير قابلة للحل إلا على ما سلكناه من جريان الاستصحاب المنتهي إلى لزوم إتيان الأكثر (1)، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 37 - 39. (*)

[ 49 ]

التنبيه الثالث: تلازم جريان البراءتين العقلية والشرعية هنا هل البراءتان: العقلية، والشرعية متلازمتان، أم يجوز جريان البراءة الشرعية دون العقلية، كما هو ظاهر " الفصول " (1) و " الكفاية " (2) وتقريرات الكاظمي (3)، أم يجوز العكس، فتجري البراءة العقلية، دون الشرعية ؟ وجوه. والذي هو التحقيق على ما هو الحق في باب المركبات وكيفية تعلق الأمر بها: أن الأقل والأكثر إن كانا يرجعان إلى المتباينين فيلزم التلازم على المعروف، لعدم جريان العقلية بالضرورة، والنقلية إما لا تجري، وإما متعارضان. نعم، على ما سلكناه تجري النقلية دون العقلية من غير المعارضة والتساقط. وإن قلنا: بأن العلم الإجمالي في الأقل والأكثر لا ينحل، ويكون مفاد البراءة الشرعية تقييد الأدلة الواقعية وبحكم الاستثناء، فلا يمكن التفكيك، لأن نفي الجزء عن الجزئية فعلا ينافي الانحلال، فيلزم عدم جريان البراءتين أيضا. ومن الغريب ما في " الكفاية " من التفكيك، مع التزامه بأن البراءة الشرعية بحكم الاستثناء (4) ! ! فتأمل. وهكذا على القول: بأنه الاستثناء واقعا. نعم، على القول: بأنه حكم تعبدي ظاهري فلا منع من جريان البراءة الشرعية، دون العقلية. وحديث علية العلم الإجمالي للتنجيز المانعة عن الجريان


1 - الفصول الغروية: 357 / السطر 11 - 31. 2 - كفاية الاصول: 413 - 416. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 162. 4 - كفاية الاصول: 417. (*)

[ 50 ]

مطلقا ولو كان بلا معارض - كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) - غير راجع إلى محصل، كما تحرر منا في مواضع (2). ثم إن مقتضى النظر في الأقل والأكثر بما هما عنوانان - وإن كانا منطبقين في مرحلة الامتثال على الواحد، لعدم وجوب التكرار في مرحلة الخارج - هو التلازم للمعارضة أيضا. وأما على ما تحرر عندنا من كيفية المركبات، فتجري البراءتان في حد ذاتهما، إلا أن الاستصحاب مقدم على العقلية ورودا، وعلى النقلية حكومة. وأما على ما سلكه " الفصول " وأتباعه، فالبراءة العقلية غير جارية، دون النقلية فإنها تجري، ضرورة أن تمامية الحجة على الأقل توجب تنجز الأكثر، ويكون العقاب عليه بالحجة، وأما بالقياس إلى البراءة الشرعية، فلا تكون الحجة العقلية تقاوم النقلية، بل النقلية واردة على العقلية، لأن حجية العقل من باب عدم الدليل والمؤمن، والنقلية مؤمن على جميع التقاريب. ومقتضى ما تحرر منا في التنبيه الثاني جريان البراءة العقلية، دون النقلية، لا لكونها مثبتة، فإنه أيضا وجه، ولكن لكون جريانها مستتبعا لمشكلة عقلية، تنتهي إلى عدم صحة عقوبة تارك الطبيعة في صورة كون الأكثر واجبا، والالتزام به مشكل عند بعض دوننا، ضرورة أن مخالفة الأكثر في هذه الصورة، تشبه مخالفة الطريق المخطئ، كما هو الواضح. فما قد يتوهم من التلازم بين البراءتين على الإطلاق (3)، في غير محله،


1 - نهاية الأفكار 3: 390. 2 - تقدم في الجزء السابع: 327 و 391. 3 - مصباح الاصول 2: 439. (*)

[ 51 ]

لاختلاف المباني في تنجيز الأكثر وفي مفاد البراءة الشرعية، فافهم وأغتنم، والأمر سهل. ومما حصلناه يظهر مواضع الضعف في كلمات مثل الشيخ (1) وأتباعه (2) القائلين بالاشتغال. نقل ونقد: حول كلام الشيخ الرئيس في رد الرجل الهمداني صرح شريكنا في الرئاسة العقلية في رسالته المعمولة في رد الرجل الهمداني: ب‍ " أن حيوانية الإنسان تباين حيوانية البقر، وإنسانية زيد تباين إنسانية عمرو " (3) فإذا شك في المطلق والمقيد، وكان ما في الخارج من الحصة مباينا للحصة الاخرى، كيف يمكن القول بالبراءة ؟ ! قلت: نعم، هي البينونة الآتية من خارجية الطبيعة، والأمر قد تعلق بما ليس في موطن التعلق خارجيا، وإنما اريد به أن يصير خارجيا، فإذا لم يكن في موطن التعلق تباين فلازمه أن يكون المأمور به خاليا عن الذهنية والخارجية كي يصير خارجيا، ويصير متكثرا، وهذه هي خاصة الطبيعة اللابشرط حتى عن اللابشرطية، وحيث هي ليست كليا ولا جزئيا - كما في الرسالة - تصير جزئيا وكليا، وحيث لا تكون واحدة ولا كثيرة تصير واحدة وكثيرة، فما يحكم عليه بهذه الأحكام الانفصالية السلبية هو مورد الأمر الإلهي، لأنه يجوز أن يكون في الخارج مظهر الأثر بالوجود، فلا يخفى الأمر على الرجل الفطن.


1 - فرائد الاصول 2: 460. 2 - بحر الفوائد 2: 160 / السطر 24 - 25، درر الفوائد المحقق الحائري: 474 و 479 - 480. 3 - رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام، ضمن رسائل الشيخ الرئيس: 462. (*)

[ 52 ]

تتميم وتكميل: دوران الأمر بين المطلق والمقيد قد أشرنا إلى محط الخلاف وحدود مصب النزاع في المطلق والمقيد (1)، وأنه العنوان الجامع بين موارد الشك في البراءة والاشتغال، كموارد التردد بين الجنس والنوع، وهكذا المطلق والمشروط، بمعنى الشرط التحليلي، أو مورد الدوران بين الواجب المطلق والمشروط، والمنجز والمعلق. وقد مضى تحقيق المسألة في بحث البراءة (2)، ومر هناك في ذيلها بحوث أقسام الدورانات بين الواجبات بأقسامها وأنواعها. ومما لا يخفى وقد كان الأمر مشتبها حتى علينا: هو أن حديث الدوران بين التعيين والتخيير، مخصوص بالتعيين والتخيير الشرعيين، كما اشير إليه، وعلى هذا درج مسألة الأوامر الطريقية والغيرية في تلك المسألة غير جائز، لأنه يرجع إلى التخيير العقلي، وأنه يكون الرجوع إلى الأعلم مثلا أو إلى حديث الراوي الإمامي متعينا، أو يكون هو أحد طرفي التخيير العقلي، لجواز الرجوع إلى مطلق المجتهد والراوي. وقد مر وجه تعين الرجوع إلى الأعلم والإمامي في هذه المسألة عند الشك، مع ما عندنا في خصوص مسألة عقلائية الرجوع إلى المجتهد، فليراجع محله (3). وهكذا في موارد الدوران بين الأوامر الغيرية التعينية والتخييرية، فإنها أيضا ترجع إلى المطلق والمقيد، وأن الستر الخاص شرط ومأمور به، أو مطلق الستر،


1 - تقدم في الصفحة 12 و 13. 2 - تقدم في الجزء السابع: 238 وما بعدها. 3 - تقدم في الجزء السابع: 261 - 264. (*)

[ 53 ]

وقضية ما سلف من جريان الاستصحاب الحكمي الشخصي تقدمه حكومة وورودا على البراءة العقلية والشرعية والعقلائية. وبالجملة: هذه الدورانات كلها خارجة عن تلك المسألة، ومندرجة في هذه المسألة، وكل ما كان يرجع إلى الأقل والأكثر - على التقريب الذي عرفت منا (1) -. فمقتضى القاعدة هو الاحتياط، إلا في مثل الدوران في المطلق والمقيد في باب الطرق والأمارات، ضرورة أن قضية الشك - كما اشير إليه، وتحرر في محله (2) - هو القطع بعدم حجية المطلق، فينحل العلم الإجمالي بوجوب المطلق والمقيد. بقي شئ: في بيان حكم الدوران بين الإطلاق والتقييد العنوانيين والتطبيقيين إن في موارد الإطلاق والتقييد العنوانيين، يكون المرجع هي البراءة، ولا مجرى للاستصحاب، ضرورة أن القيد داخل في محط الأمر، ولا علم بالوجوب كي يستصحب، لاحتمال عدم دخالة القيد، ولا يبقى لاستصحاب وجوب نفس الطبيعة موضوع، لاختلاف الموضوع في ظرف اليقين والشك. مثلا: إذا شك في أن الواجب هو الحيوان في كفارة الحج، أو الحيوان الصاهل، فإذا كان المفروض كون الصاهلية مورد الأمر ثبوتا، فلا يمكن إثبات العلم بوجوب الحيوان الصاهل، وما هو المعلوم إثباتا هو موضوعية الحيوان، ولا يمكن عندئذ استصحاب الوجوب الواقعي هنا، بخلاف باب الأقل والأكثر، فإن مصب


1 - تقدم في الصفحة 4. 2 - تقدم في الجزء السادس: 264 وما بعدها. (*)

[ 54 ]

الأمر هو العنوان المنحل إلى الأجزاء، فيكون المعلوم هو وجوب الصلاة قطعا، فيستصحب ذلك الوجوب الشخصي عند الإتيان بالأقل. وأما في موارد الدوران بين المطلق والمقيد، فلا يكون هناك عنوان ينحل إلى الأجزاء، بل هناك موضوع مقيد، ولا علم بوجوب ذبح الحيوان الصاهل بما هو صاهل، لاحتمال كون الواجب هو ذبح الحيوان، فإذا جرت البراءة بالنسبة إلى القيد، لا يمكن انحفاظ موضوع الاستصحاب الشخصي. بل لا يحرز موضوع الحكم ولو فرضنا أن الحيوان الصاهل واجب الذبح على تقدير كون الواجب شرعا هو الحيوان، ولكن بعد التعبد بعدم قيدية الصاهل في الموضوع للحكم الشرعي، لا يمكن إجراء الاستصحاب، لعدم العلم بوجوب ذبح الحيوان كي يستصحب، فما هو حجة المولى عليه تامة قد ذبح، وهو الحيوان. هذا في المطلق والمقيد العنوانيين. وأما في المطلق والمقيد التطبيقيين، كما إذا علم إجمالا بوجوب ذبح الحيوان أو الإبل، فالانحلال ممنوع كما اشير إليه، والاستصحاب لو كان جاريا في الكلي الانتزاعي الحكمي كما عرفت تقريبه، يكون محكما على البراءة، على الوجه المحرر في الأقل والأكثر. وأما في القسم الثالث، فهو المطلق والمقيد العنوانيين على وجه يكون التقيد داخلا، والقيد خارجا عن حد المأمور به. مثلا تارة: يكون الواجب الصلاة الموقتة المحدودة بالحدين: الزوال، والغروب، بحيث يكون عنوان الموقتة داخلا في مصب الأمر. واخرى: يكون التقيد داخلا، والقيد خارجا. فإنه لا يجري الاستصحاب في الصورة الاولى، وذلك إما لأجل عدم العلم

[ 55 ]

بوجوب المقيد بما هو مقيد، وإما لعدم بقاء موضوع الاستصحاب، نظرا إلى أن مقتضى التعبد بعدم القيدية، أنه لا يحرز وحدة الموضوع في ظرف اليقين والشك. وأما إذا علم بأن التقيد داخل، والقيد خارج على فرض الوجوب، فالاستصحاب هنا أولى بالجريان من الأقل والأكثر كما لا يخفى، لوحدة الموضوع، وهي الصلاة في الطرفين بالضرورة. وهكذا فيما لو دار الأمر بين العام والخاص، كالحيوان والإنسان على أن يكون القيد داخلا. نعم، في موارد الدوران بين العام والخاص - أي الجنس والنوع - يكون بحسب المتعارف التقيد والقيد داخلين، فإذا شك بعد امتثال الأمر بالمطلق يجري الاستصحاب الحكمي، ولا تكون البراءة حاكمة عليه كما مر (1). نعم، في الصورة الأخيرة لا يجري الاستصحاب، لما اشير إليه، فليتأمل. فتحصل لحد الآن: أن القيود التحليلية المعبر عنها ب‍ " الشرائط " تختلف مع القيود الخارجية المعبر عنها ب‍ " أجزاء الموضوع " في أن الاستصحاب بالنسبة إلى الصورة الاولى يجري دون الثانية، وتصير النتيجة هي الاحتياط في الأمثلة التي تكون من قبيل الاولى، والبراءة في الأمثلة التي تكون من قبيل الأخيرة. وما مر من بيان الاشتغال - من عدم انحلال العلم الإجمالي بالنسبة إلى المطلق والمقيد التطبيقيين، دون العنوانيين، وهكذا بالقياس إلى دوران الأمر بين المطلق والفرد - وإن كان في محله حسب نظر العرف والعقلاء، ولكنه بالنظر إلى الأصل الشرعي يلزم الاحتياط، على التفصيل الذي أبدعناه في بعض صور المطلق والمقيد العنوانيين (2)، كالصلاة بالنسبة إلى الشك في شرطية اللبس الخاص مثلا.


1 - تقدم في الصفحة 39 و 50. 2 - تقدم في الصفحة 39. (*)

[ 56 ]

تذنيبان: الأول: في موارد الشك في مانعية شئ فإن قلنا: بأن تصوير المانعية في الامور الشرعية والاعتبارية غير معقول، كما هو الحق والأقرب إلى الأدلة بعد ملاحظة مشكلة المسألة، فالأمر كما تحرر، وهو جريان البراءات الثلاث بحسب الطبع، وتقدم الاستصحاب عليها في مقام المعارضة بالورود أو الحكومة، وتفصيله وتحقيقه في بحوث الاستصحاب (1)، وقد أشرنا إليه فيما مضى (2). وسيمر عليك: أن مثبتات الاستصحاب حجة كالأمارات، لأنه أمارة شرعية تعبدية، وقد كان المشهور إلى عصر الشيخ حجيتها (3)، وإنما الإشكال استقر بين المتأخرين بوجه لا محصل له (4). وإن قلنا: بأن المانعية تتصور في الشرعيات وأمثالها كما في التكوينيات، فالقول بالاشتغال أوضح، لرجوع الشك في صورة مقارنة المأمور به مع المانع المشكوك إلى الشك في تحقق المأمور به بعد العلم بالأمر. وتوهم كفا ية ضم الوجدان إلى التعبد بعدم المانع، غير سديد، ضرورة أنه لا يمكن تصوير المانع في افق الاعتبار والشرع، إلا برجوعه إلى تعبد الشرع بأن ما


1 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث. 2 - تقدم في الصفحة 50. 3 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 481. 4 - فرائد الاصول 2: 659 - 660، كفاية الاصول: 472 - 473، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 487، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 177. (*)

[ 57 ]

هو الواقع من الصلاة عنوانا وخارجا، ليس بصلاة، فيلزم أن يعتبر الشرع عدم مصداقية ما هو الصلاة بالوجدان صلاة، وهذا مما لا يمكن إحرازه بأصالة البراءة الشرعية عن وجود المانع، فلابد من الاحتياط. مع أنه لو كانت البراءة جارية، يكفي استصحاب بقاء الأمر ولو كان مسببا عن مانعية الموجود واعتبار المانعية، لما عرفت مرارا (1)، فافهم واغتنم. الثاني: في موارد الشك في السقوط التي يكون منشأها الشك في الثبوت وقد ذهب المشهور في جملة من المواضع إلى خلاف ذلك كما في موارد جريان قاعدة أصالة الصحة، والفراغ، والتجاوز، نظرا إلى أن المركب بجميع أجزائه، واجب على العالم والجاهل والذاكر والناسي، ومع ذلك تكون مرحلة السقوط أوسع من مرحلة الثبوت. وعلى هذا، إذا أمكن ذلك لنا أن نبحث عن مسألة: وهي أن مقتضى القاعدة العقلية والصناعة العلمية، جواز اجتماع الأمر والنهي، إلا أن بحكم العقلاء لابد وأن يكون الفرد الممتثل به، غير معانق لمحرم من المحرمات، وغير متحد معه، فإن كان ذلك راجعا إلى تقييد المأمور به، فترجع المسألة إلى المطلق والمقيد والأقل والأكثر، بالمعنى الأعم. وأما إذا كانت مرحلة الامتثال غير راجعة إلى مرحلة الجعل، فربما يشك من جهة الشك في حكم العقلاء، لإجماله، كما هو كذلك في بابي الأقل والأكثر والمطلق والمقيد، فإن منشأ الشك هو إجمال الأدلة، وعند ذلك يجب الاحتياط، لرجوع


1 - تقدم في الصفحة 18 و 31 و 33 و 38 و 39. (*)

[ 58 ]

الشك المذكور إلى الشك في السقوط. ولو قلنا بامتناع استقلال الشك في الامتثال، وأنه لابد وأن يرجع في جميع المواقف إلى الشك في الجعل، فالأمر كما مر، فتدبر. وبالجملة تحصل: أنه كما يكون للشرع التعبد - في صورة اقتران المأمور به بالمانع، مع إحراز المأمور به للأجزاء والشرائط الخارجية والتحليلية - بأن ما هو في الخارج من الصلاة ليس بصلاة، وتصير النتيجة لزوم الإعادة، كذلك في محيط العقلاء، يجوز اعتبار ما يعد صلاة جامعة للشرائط والأجزاء غير صلاة وغير عبادة، لكونها غير صالحة لأن تصير فردا يمتثل به من غير كونه راجعا إلى المطلق والمقيد.

[ 59 ]

البحث الخامس في الأسباب والمحصلات والذي ينبغي أن يعلم أولا: أن محط النزاع هنا هو ما إذا كان الأمر معلوما بالتفصيل، والمأمور به واضحا بالمفهوم سعة وضيقا، ولا يكون في محط الأمر والإيجاب إجمال وإبهام، وإنما الإجمال في الجهة الأجنبية عن محط الأمر والإيجاب. وثانيا: أن الأسباب والمحصلات تنقسم إلى العقلية، والعادية، والعقلائية، والشرعية: فمن الأول: سببية الإرادة للحركة، فإن الثانية موجودة خارجا بالاولى. ومن الثاني: سببية الشئ الفلاني للإشباع الواجب في الكفارة، أو في باب إطعام الوالدين. والمثال الأوضح سببية الإلقاء للاحتراق. ومن الثالث: استهلاك الزوجة لمقدار الكسوة والسكنى والمأكول، وسببية العقد الفعلي واللفظي لتلك الملكية، أو تملك أرباب الزكاة والخمس لمقدار حقهما، وسببية الإفراز أو الرد إلى الولي أو إليهم بلا صيغة مثلا. ومن الرابع: سببية الغسلات والمسحات للطهور الواجب فرضا، أو سببية

[ 60 ]

الصور الواجبة والواجبات الظاهرية لما هو الواجب الواقعي، وهي المصالح على مذهب العدلية. فإن في الأول والثاني لا يتدخل الشرع، ولا يصلح تدخله، وفي الثالث والرابع يتدخل الشرع، ويصلح ذلك، ضرورة أن في مثل القتل والإشباع، يكون العقل والعرف مقتدرا على دركهما ودرك تحققهما، بخلاف مثل الملكية والطهارة، فإنه ربما لا يتعقل العقلاء حصول الملكية بالمعاطاة أو بمثلها من موارد الشك والإجمال في السببية والمحصلية، وهكذا في حصول الطهارة والغرض والمصلحة بوجه أوضح. فالإجمال والإبهام في المسائل السابقة، كان حول الأدلة اللفظية بالقياس إلى حدود المأمور به جعلا وتشريعا، وهنا بالقياس إلى تحقق المأمور به تأثيرا وسببية وتحصيلا. بقي هنا أمران كي يتضح محط الخلاف ومصب النزاع: الأمر الأول: في تمحض البحث بالشك في السقوط إن البحث حسبما عرفت، حول ما إذا كان المأمور به معلوما بحدوده، سواء كان أمرا بسيطا، أو مركبا ذا مراتب ودرجات، فلو كان الشك في حدوده - من الأقل والأكثر والبساطة والدرجات - يكون خارجا عن مسألة الأسباب والمسببات، فإطالة العلامة الأراكي (رحمه الله) كلها أجنبية عن هذه المسألة (1)، وإطالة البحث حول مواضح ضعف مقالات القوم هنا وفي غير المقام من اللغو المنهي عنه. وعلى هذا، يكون الشك في السقوط هنا دائما، إلا أنه تارة: يكون مرجع حل الشك والجهالة العقل والعرف، واخرى: العقلاء بإمضاء الشرع ورضاه وتسبيب


1 - نهاية الأفكار 3: 401 - 408. (*)

[ 61 ]

الشرع وكشفه. الأمر الثاني: في أجنبية بحث المعاملات هنا إن الجهة المبحوث عنها حول وجود الأسباب والمسببات والمحصل والمحصلات على تقدير صحة السببية والمسببية، وأما الورود في أن باب المعاملات هل هي من باب الأسباب والمسببات، أو الموضوع والأحكام ؟ فهو من المناقشة في مثال المسألة، وخارج عن دأب المحققين. وبالجملة تحصل: أن فيما نحن فيه ليس إجمال في التكليف، كما كان في دوران الأمر بين المتباينين، وفي الأقل والأكثر على بعض التقارير. وأيضا: ليس إجمال في المكلف به، كما كان في المتباينين، وفي الأقل والأكثر، وأنه هل المأمور به هو الأقل أو الأكثر أو أن الصلاة التي هي المأمور بها تنحل إلى تسعة أجزاء أو عشرة أجزاء ؟ بل هنا كل من الأمر والمأمور به واضح ومبين، إلا أن المأمور به لما كان من الامور التي يتسبب إليه بامور عقلية وغير عقلية، يلزم الشك في حصوله وسقوطه. فالفرق بين الجهة المبحوث عنها هنا وهناك: أن البحث هناك في تعلق الأمر بالمعين أو بالمعنى الكلي المنطبق عليه - ولاسيما في الأقل والأكثر - يكون الشك في حدود الجعل والتشريع، وفيما نحن فيه يرجع الشك دائما في السقوط. ولو رجع الشك في الثبوت، يكون هو الخارج عن حدود النزاع ومحط التشاح، فلا تغفل. وهم ودفع: حول بطلان البحث لخروج المسبب عن الاختيار ربما يخطر بالبال أن يقال: إن هذه المسألة والنزاع غير صحيح، ومن الغلط عقلا، وذلك لأن المسبب والمحصل مما لا يمكن أن يتعلق به الأمر، لخروجه عن

[ 62 ]

حد الاختيار والاقتدار، كما ذهب العلامة الخراساني (1) والنائيني (رحمهما الله) (2) في الأسباب التوليدية إلى أن المأمور به هو السبب، والمنهي عنه في الأسباب التوليدية هو السبب، أو يكون مورد النهي المتعلق بالمسبب، ولذلك قال بحرمة السبب التوليدي في مقدمة الحرام. وبالجملة: ذهب جمع من الفقهاء إلى امتناع تكليف الكفار بالعبادات، لامتناع حصول القربة، وإلى عدم صحة النذر دون اليمين، لاعتبار القربة في الأول دون الثاني، وما ذلك إلا للامتناع المشار إليه. ويكفيك دفعا: أن التصرف في ظواهر الأدلة المقتضية لوجوب المسبب، غير جائز إلا في صورة اقتضاء العقل، وهو لا يدرك، لاختيارية المسبب بعد كون السبب اختياريا، والاقتدار على السبب يكفي لمقدورية المحصل. فالطهور والتملك بالمعنى الحاصل المصدري والمسببي، والقتل، واحتراق الكتب الضالة، وانكسار آلات اللهو واللعب والقمار، وإن كان غير مقدور، إلا أنه يكفي لحفظ ظواهر الأدلة اختيارية السبب حتى في الأسباب التوليدية، ضرورة أن الحركة المتولدة بما أنها صادرة عن اليد، موضوع لانتزاع عنوان، وبما أنها قائمة بالمفتاح موضوع لانتزاع العنوان الآخر، فالوجود ولو كان واحدا، إلا أن هناك إضافتين، والتحليل العقلي يكفي لوجوب التحفظ على ظواهر الأدلة، وعدم سراية النهي إلى السبب الصادر عنه الحركة، وهكذا عدم تقيد المحرم المسببي بالسبب، بل المحرم منحصر بالمسبب بما هو هو. ولأجله ذهب المشهور إلى جواز تكليف الكفار وعدم حرمة مقدمة الحرام


1 - كفاية الاصول: 158 و 160. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 270 - 271. (*)

[ 63 ]

وأن نية الحرام كانت محرمة في الامم السالفة، دون الامة المرحومة. مع أن النية تقارن أحيانا الإرادة التي هي الجزء الأخير للعلة التامة، حسبما تحرر منا بوجه لا يتوجه إليه إشكال السيد الاستاذ المحقق الوالد - مد ظله (1) - ولو كان المحرم والواجب ما هو مورد الاختيار والاقتدار بلا وسط مثلا، للزم انحصارهما في الإرادة، ضرورة أن كل فعل مسبب ومتولد عن الإرادة ومحصل عنها، وإن لم يعد من الأسباب التوليدية الاصطلاحية. فعلى ما تحصل: جميع أقسام المسببات واردة في محط النزاع، توليدية كانت، أو غير توليدية، وما يظهر من القوم من اختصاص غير الأسباب التوليدية بالبحث في المقام، في غير محله، فاغتنم. تحقيق وتوضيح: في انحصار السبب بالعقلي تقسيم السبب إلى العقلي، والعقلائي، والشرعي، أو إلى الأربعة - نظرا إلى أن المسبب ليس موجودا في الخارج، كالإحراق بالنسبة إلى الإلقاء في النار حسبما عرفت - مما لا يرجع إلى المحصل، بل السبب واحد وهو عقلي، إلا أنه تارة: يكون عقليا ناشئا من رعاية كون الشئ ممرا للوجود والفيض، كالإرادة بالنسبة إلى الحركة، أو سببا لهدم الوجود، كما أن إطلاق البندقة والذبح سبب لهدم النظام الدخيل في الحياة، وإيجاد النار والإحراق سبب لهدم الوحدة الاتصالية المساوقة للوجود، فلا يكون الذبح والإحراق سببا لمسبب خارجي موجود عقيبه، بل ولا ممرا للفيض، بل هو سبب لاختلال ما به الوجود والحياة الدنيوية والاتصال الطبيعي.


1 - تهذيب الاصول 1: 282 - 284، مناهج الوصول 1: 415 - 416. (*)

[ 64 ]

واخرى: يكشف الشرع عن السببية، كما في الطهارات مثلا، ولذلك قالوا: " إن الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية " (1) فعد الحركات والغسلات أسبابا شرعية غلط، إلا على وجه يأتي في الأسباب والمسببات العقلائية الراجعة إلى العقلية بوجه آخر. ولعمري، إن ما هو السبب ومفيض الوجود بتسامح، هي الغسلات والمسحات بالنسبة إلى الآثار المفيضة والنورانية القلبية، بخلاف مثل الإحراق والذبح. وثالثة: تكون السببية والمسببية اعتبارية، والاعتباريات في جميع الجوانب اعتبار الطبيعيات والتكوينيات. فإذا كانت المعاملات عند العقلاء سببا فالسببية عقلية، لترتب المسبب عليها بلا حالة انتظارية، ولكن ليس هناك ممر الفيض وموجد الوجود الطبيعي أو الإلهي، بل هناك اعتبار وجود عقب وجود، فكما أن أصل السبب اعتبار، وأصل المسبب اعتبار، أصل التسبب والصدور والممرية اعتبار. والبحث عن كفاية أحد الاعتبارات عن الآخر وعدمها، أجنبي عن هذه المسألة، فدخول العلامة النائيني (رحمه الله) (2) و " التهذيب " (3) في هذه الجهة خروج عن الجهة المبحوث عنها، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر: أن الإشباع السببي مع أنه ليس إلا سببا بالمعنى المحرر في الإحراق والذبح، ليس أمرا وراء السببية العقلية. كما يظهر: أن الطهور ولو كان اعتبارا كالملكية وراء الغسلات، ولكن


1 - كشف المراد: 348، فرائد الاصول 2: 461، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 401، حقائق الاصول 1: 257. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 145 - 146. 3 - تهذيب الاصول 2: 352. (*)

[ 65 ]

المفروض هنا اعتبار السببية الطبيعية، بمعنى أن هنا وجودا مسببا عن وجود بلا حالة انتظارية، وهذا معنى السببية الشرعية والعقلائية. وأما أن الغسلات والمعاملات أسباب واقعا في الاعتبار، أو موضوعات لاعتبار وأحكام وتعبدات، فهو موكول إلى الفقه، وخارج عن مسألة البراءة والاشتغال في باب الأسباب والمحصلات، فما ترى في كلام العلامة الأراكي (1) و " التهذيب " (2) من الغور في استظهار المسألة الفقهية هنا، فهو لعدم الوصول إلى مغزى المرام في المقام الذي زلت فيه الأقدام. تكميل وتتميم: في عدم تقيد المسبب بالسبب الخاص إن مصب النزاع كما اشير إليه، هو أن يكون الأمر والمأمور به معلومين مبينين، من غير أن يكون المسبب مقيدا بالسبب، بمعنى أن الواجب مثلا قتل الناصب، من غير كونه مقيدا بالقتل الحاصل من السبب الخاص، أو الطهور يكون واجبا، مع غير كونه مقيدا بالطهور الحاصل من السبب الواصل، أو التمليك واجبا من غير كونه مقيدا بالأجزاء المعلومة، بل المسبب واجب على الإطلاق، وأن السببية موجودة سواء كان عقليا طبيعيا، أو عقليا اعتباريا بالمعنى الذي عرفت، أو واقعيا منكشفا بكشف الشرع، كما انكشف وجوب الغسل والوضوء بالإناء والبول بناء على السببية. وسواء أن يكون السبب مفيض الوجود، أو ممر الفيض والجود، أو اعتبار ذلك بالادعاء، نظرا إلى الآثار والأحكام. وترقب الوجود الخارجي الطبيعي من السبب الاعتباري اشتباه، فإن السبب الاعتباري - كالبيع السببي - ليس له السببية


1 - نهاية الأفكار 3: 401 - 402. 2 - تهذيب الاصول 2: 352 - 353. (*)

[ 66 ]

إلا في الاعتبار، ولا يتولد منه إلا الملكية والمسبب الاعتباري بتوليد اعتباري، نظير ترقبهم الاشتداد والتضعف التكويني من النجاسة والطهارة والسلطنة الاعتباريات، كي يمنع ذلك فيها كما عن جمع ممن لا تحصيل له، بتخيل أن الاعتبار لا يقبل الاشتداد والتضعف، كما تحرر في محله بما لا مزيد عليه (1). اختيار الاشتغال عند الشك في المحصل إذا تبينت هذه الامور، واتضح موقف البحث ومحط الكلام، فالاشتغال واضح، ضرورة أن العلم بالثبوت يستدعي العلم بالسقوط، والمفروض في باب الأسباب والمحصلات - على الإطلاق - ذلك. واحتمال تدخل الشرع في السبب بالاكتفاء برمي سهم واحد في باب القتل الواجب، وأنه إذا لم يتعقبه القتل فقد انصرف عن مطلوبه، كما في باب تنفيذ الطرق والأمارات، فإنه قد اعتبر حجية الطرق من غير تقيد الواقع بها، وبوصولها وإصابتها، وإذا أخطأت فلابد عقلا من صرف النظر عن مطلوبه وانصرافه عن الواقع، ولو كان صحيحا فرضا في محله على ما عرفت تحقيقه (2)، إلا أنه لا يصح هنا، لأن المفروض وصول وجوب قتل ساب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاحتمال المذكور لا يوجب قبح العقاب بلا بيان، ولا امتناع العقاب وأن يكون جزافا، سواء كان السبب ما ذكر، أو غيره من أقسام الأسباب العقلية، فالبراءة العقلية والعقلائية غير جارية بالضرورة. وتوهم تمامية الحجة على المسبب في السعة والضيق، تابعة لتمامية الحجة على السبب، ناشئ من توهم تقيد المسبب بالسبب، وبعد ما عرفت من أن المسبب واجب، وله الإطلاق مادة وهيئة، وأنه ليس في البين إلا دخالة السبب في صدور


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 1: 21. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 308 - 310، وفي الجزء السادس: 245 و 247. (*)

[ 67 ]

المسبب عنه صدورا واقعيا، أو تسامحيا، أو اعتباريا، والكل مشترك في الحكم والأثر، لا يبقى وجه للتخيل المذكور كما عن بعض أهل الفضل (1). بقي شئ: في حكم ما لا تصل إليه العقول من الأسباب عند الشك وهو أن في مثل الأسباب الواصلة إليها عقول الناس، وغير المتدخل فيها الشرع، يكون الاشتغال متعينا، لأنه يمكن للمكلف العلم بالسقوط بعد العلم بالثبوت، فيرمى ويحرق حتى يعلم بحصول قتل ساب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتب الضالة. وأما في مثل ما لا يصل إليه عقول الناس، كالطهارات الثلاث وأمثالها، أو يكون للشرع التدخل باعتبار جزء فيها أو شرط لها كالمعاملات، فلا يتمكن المكلف من العلم بالسقوط بعد العلم بالثبوت، لاحتمال دخالة شئ في السبب غير الواصل إليه وغير المنكشف له، فعند ذلك البراءة العقلية والعقلائية وإن لم تكن جارية، لكفاية صحة العقوبة على فرض الإصابة، وسببية المقدار الواصل بعد العلم بالأمر والمأمور به على الإطلاق كما عرفت، ولكن البراءة الشرعية تجري، لعدم تنجز الواقع في صورة الجهالة بالجزء والشرط المرفوعين بالحديث، وأن رفع الجزئية والشرطية المجهولتين، لا معنى له إلا اكتفاء الشرع بسببية الأجزاء الاخر، فكما أن في الأقل والأكثر برفعهما لا معنى له إلا الاكتفاء بالباقي، لأن المرفوع هناك جزئية الشئ للمأمور به وشرطية المحتمل للمكلف به، يكون هنا ما هو المرفوع جزئية الشئ وشرطيته للسبب، فلا يكون من الأصل المثبت. وإن شئت قلت: إذا كانت عدة أجزاء سببا اعتباريا أو منكشفا بالأدلة، وشك في الجزء الزائد واضيف إلى ذلك المعلوم قول المعصوم (عليه السلام): " إن الجزء الفلاني غير دخيل في صورة الشك وظرف الجهالة " يستنتج منه المطلوب.


1 - مصباح الاصول 2: 437 - 438. (*)

[ 68 ]

وبعبارة اخرى: ما نحن فيه وإن لم يكن مثل الأقل والأكثر، ضرورة أن المأمور به مبين، ولابد من سبب يتسبب به إليه، إلا أن السببية العقلائية المعتبرة عن السبب العقلي، والسببية الشرعية المنكشفة بالشرع، تتقوم بالتعبد إمضاء في الاولى، وتأسيسا - أي كشفا - في الثانية، فإذا احتاجت إلى التعبد يجوز أن يقال: التعبد بالنسبة إلى الأجزاء المعلومة واضح ومعلوم، وبالنسبة إلى الجزء الزائد مشكوك فيه، فإذا رفع ذلك بالتعبد تبقى بقية الأجزاء المتعبد بها، ولا تصح العقوبة على ترك المأمور به الواقعي من ناحية ترك الجزء المرفوع. وعد مثل ذلك من الواسطة الخفية ومن الخارج عن الأصل المثبت - لفهم العقلاء، وتقبيح العقاب بعد رفع المجهول - غير بعيد. أقول: يتوجه إلى جميع هذه التقاريب - حتى التقريب المنتهي إلى التفصيل بين الأسباب الاعتبارية والشرعية، بتوهم أن في باب الأسباب العقلائية لمكان عدم السببية الواقعية، وإمكان التعبد بسببية الأجزاء المعلومة دون الشرعية، لأنها منكشفات بالشرع، فلا يتدخل فيها الشرع، ولا تنالها يد التشريع، يمكن إجراء البراءة في الاولى -: أن المفروض هو باب السببية والمسببية الواقعية، أو الادعائية والاعتبارية، فلابد من العلم بتحقق السبب الواقعي أو الادعائي بالمقدار الميسور، وذلك العلم إما يكون علما وجدانيا، أو تعبديا، والكل منتف. فلا طريق إلى حل معضلة المثبتية إلا ما ذكرناه: وهو أن حديث الرفع استثناء بالنسبة إلى الأدلة الواقعية، فلا يكون حكما ظاهريا، بل هو حكم واقعي اجتهادي، أو يكون بحكم الاجتهادي، ويرفع الجزء، بمعنى رفع المسبب من ناحية رفع الجزء في المسبب الواقعي، كما في الأسباب الشرعية، أو رفع الجزئية بمعنى دخالتها في الأثر في الادعاء والاعتبار، كما في الأسباب العقلائية.

[ 69 ]

البحث السادس في الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر وحيث تعرض جمع من الأصحاب (رحمهم الله) لمطلق الشبهات، نشير إليها. وقد مر منا تفصيل الشبهات الموضوعية للتكاليف النفسية التحريمية والإيجابية في العام الاستغراقي، وذكرنا هناك تعين البراءة العقلية وغيرها (1)، خلافا لسيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) والعلامة الإيرواني في اللباس المشكوك (2)، كما ذكرنا وجه التفصيل في وجوب الفحص عنها، كما عن شيخ مشايخنا جدأولادي (رحمه الله) في " الدرر " (3) وما فيه (4). ومن الغريب توهم العلامة النائيني (رحمه الله): أن الشك فيما نحن فيه من الشك في الأقل والأكثر الاستقلاليين (5)، غافلا عن أن في الأكثر الاستقلالي امتثالا واحدا لأمره، بخلاف ما نحن فيه، فإن إكرام جماعة من العلماء إطاعات وامتثالات.


1 - تقدم في الجزء السابع: 136 و 137 و 202. 2 - نهاية التقرير 1: 174 - 175 و 178، رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 53 - 55. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 445 - 446. 4 - تقدم في الجزء السابع: 125 و 126. 5 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 201 - 202. (*)

[ 70 ]

وأيضا: مر في مباحث البراءة حكم مورد الشك في العام المجموعي، وأنه ليس من قبيل المحصل والمحصل (1)، كما عن الشيخ حتى اختار الاحتياط (2)، ولا من الأقل والأكثر (3)، كي يقال بالبراءة من تلك الجهة. بل هو راجع إلى مسألة كون المأمور به أمرا انتزاعيا، يكون الخارج ظرف نفسه، لا وجوده، وأن انتزاع عنوان " مجموع العلماء " قطعي عن المائة، ومشكوك عن التسعين، لاحتمال كون العشرة من العلماء، وحيث لا وجود للأمر الانتزاعي، ولا ما هو في الخارج محصل، كي يكون السبب الخارجي محصله وسببه في الاعتبار والادعاء، ولا يكون عنوان " مجموع العلماء " - كعنوان " الصلاة والعمرة " - من البسائط المنحلة بالنظرة الثانية إلى الأجزاء، بل هو في النظر الأول متحد مع الخارج، وموجود بوجود ما فيه، ولا يوصف بالصحة والفساد، ولا بالنقص والكمال في مفروض البحث، فلا يكون من قبيل المحصلات، ولا من قبيل الأقل والأكثر الارتباطيين. فما قد يتوهم: من أنه من الأقل والأكثر غلط، لعدم الوصول إلى حقيقة الأقل والأكثر، فإن مثل الصلاة والعمرة والحج، يكون الخارج ظرف نفسها ووجودها، لوجود الطبيعة - ولو في الاعتبار - في الخارج، بخلاف الانتزاعيات. فعلى هذا، يرجع الشك إلى تنجز التكليف، للشك في تحقق الموضوع اللازم إحرازه في تنجزه، كما في العام الاستغراقي. ومجرد العلم بأن التسعين من العلماء، وإذا ضم إليهم العشرة يكون المأمور به معلوما، غير كاف، لعدم العلم الإجمالي بالموضوع، بل هو من قبيل الشك في تحقق مصداق للعالم في العام الاصولي،


1 - تقدم في الجزء السابع: 208. 2 - فرائد الاصول 2: 478. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 200 - 203. (*)

[ 71 ]

فليتأمل جيدا. ولكن بعد اللتيا والتي يتعين الاشتغال، لتمامية شرط تنجيز التكليف، وهو العلم بتحقق صغرى الكبرى المعلومة، إلا أنه علم مخلوط بالجهالة. وأيضا: قد مر فيما سلف، حكم مورد الشك في العام الاستغراقي والمجموعي، كما في حرمة حلق اللحية، ويظهر على هذا حكم الشبهات التحريمية والإيجابية، من تعين البراءة. نعم، في الصورة الأخيرة لا يجوز حلق مجموع اللحية، لأنه إما يحرم لكونه من الاستغراقي، أو المجموعي. كما لا تجري البراءة الشرعية بالنسبة إلى الأكثر في العام المجموعي إلا بجريانها بالنسبة إلى الكل، وحيث لا تجري بالنسبة إليه بالضرورة، لا تجري بالنسبة إلى الأكثر، إلا على ما هو المختار: من أن مفاد البراءة الشرعية في كل مورد، كمفاد الدليل الاجتهادي القائم مثلا فيما نحن فيه على عدم وجوب إكرام الأكثر المشكوك. وأيضا: مر أن توهم كون صرف الوجود مورد الأمر والنهي (1)، غلط، لأن الوجود ليس وجودا إلا في محط لا يعقل أمر ولا نهي، والوجود الساري أيضا كذلك، بل الطبيعة إما متعلق الحكم، أو متعلق المتعلق، أو يكون فرد الطبيعة متعلق المتعلق، كما في إيجاب إكرام زيد، وتحريم شرب كل خمر، فاغتنم. وكون القضية النعتية على شكل القضية المعدولة مورد الأمر - بأن يكون المأمور به أن يكون عادلا، أو لا يكون فاسقا - فهو أيضا يرجع إلى العام المجموعي والأمر الانتزاعي، أو إلى المحصل، وليس قسما على حدة كما تحرر في مبحثه (2)، فلا تغفل، والأمر سهل.


1 - تقدم في الجزء السابع: 203 - 204. 2 - تقدم في الجزء السابع: 211 - 213. (*)

[ 72 ]

بسط وبحث: في بيان سر عدم التمسك بأدلة الحل والبراءة في المقام قد استقرت آراء الفضلاء على الاحتياط في مورد الشك في واجدية المأمور به للقيد المعلومة قيديته، والشرط المعلومة شرطيته، كالطهارات، والقبلة، وفري الأوداج الأربعة بالحديد، وهكذا مما تكون الطبيعة مشروطة بشرط وجودي أو عدمي، نظرا إلى وجوب امتثال الأمر المعلوم ثبوته، ولزوم القطع بسقوطه. وإليك شبهة: وهي أن في جميع هذه الموارد يشك في حلية الطبيعة الفاقدة، وجواز الإتيان بها، لاحتمال كونها واجدة، فإذا فرضنا أن الواجب على كل مكلف ليس إلا صلاة ظهر واحدة، وصلاة كسوف واحدة، ولا يجوز تكرار تلك الصلاة، وكان مقتضى أدلة الحل والبراءة حلية تلك الصلاة، يلزم سقوط الأمر المعلوم، لأن الشك المذكور يرجع إلى الشك في حلية الصلاة المأمور بها، وتصير النتيجة هي الاجتزاء بالفاقد، وإذا دل دليل ظاهري على حليتها فلا معنى لبقاء الأمر. وتوهم: أن مفاد أدلة البراءة هي حلية تلك الصلاة، نظرا إلى حرمة التشريع، في غير محله، لأن هذه الحلية أولا: واضحة. وثانيا: أن المشكوك فيه هي الصلاة المأمور بها بالأمر الخاص في اليوم، وأن يؤتى بها بقصد ذلك الأمر، فعندئذ لا معنى لحليتها إلا سقوط أمرها قهرا، نظير التمسك بدليل الحلية الظاهرية لجواز الصلاة في الثوب المشكوك. ويتوجه إليه أولا: أن ما هو المعلوم هي صلاة الظهر الواحدة الواجبة، ولذلك يجوز التكرار بالإعادة إما في خصوص الجماعة، أو مطلقا كما قويناه في الفقه، فلا يلزم من حلية تلك الفاقدة سقوط الأمر الإلزامي المعلوم المتوجه إلى المقيد والمشروط والأكثر. وثانيا: إذا كانت حلية العبادة مشروطة بالأمر، لا يمكن كشف الأمر بدليل

[ 73 ]

الحل الظاهري، فمجرد شمول إطلاق دليل الحل لا يكفي لحلية الصلاة والعبادة وسائر المركبات والمقيدات تكليفا ووضعا. مثلا: الشك في حلية التسبب بالمعاطاة للملكية وكونها حلالا وضعا، لا يقتضي كون المعاطاة، سببا أو موضوعا تاما لاعتبار الملكية العقلائية وراء ذلك الموضوع. فعليه يبقى حكم العقل بلزوم العلم بالسقوط بعد العلم بالثبوت في العبادات، وتبقى أصالة الفساد في المعاملات على حالهما، وستأتي زيادة توضيح حول الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر (1). فتحصل: أن سر عدم التمسك بأدلة الحل أو البراءة أن مجرد شمول العموم والإطلاق للأدلة الظاهرية غير كاف. نعم، لو كانت مخصوصة بمورد، لابد في ذلك المورد من الفرار من اللغوية، كما في مورد قاعدة التجاوز والاستصحاب، فتبين التمسك به. بقي تنبيه: حول متعلق الأمر أو النهي قد اشتهر " أن متعلق الأمر أو النهي إما يكون على نعت العموم الاصولي، أو العام المجموعي، أو نفس الطبيعة... " (2) أو غير ذلك مما اشير إليه (3). وقد عرفت: أن الموجودات الجوهرية الخارجية غير الراجعة إلى معنى حدثي، لا يمكن أن يتعلق بها الأمر والنهي، فلا يعقل أن يتعلق الأمر أو النهي بالعالم


1 - يأتي في الصفحة 75 وما بعدها. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري 2: 451 و 482، نهاية الأفكار 3: 264 - 265، أنوار الهداية 2: 139. 3 - تقدم في الجزء السابع: 203 - 204. (*)

[ 74 ]

أو الفاسق، بل الجواهر في جميع الصور تكون متعلق المتعلق، ويكون المعنى الإضافي - وهو إكرام العالم وهتك الفاسق - مورد الإيجاب والتحريم، فتحريم الخمر والميتة معناه تحريم أكلها وشربها، وهذا واضح. فما هو مورد الأمر أو النهي ليس إلا الطبيعة، إلا أنها في صورة إفادتها بشكل العام الاصولي - مثل قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) - يلزم وجوب الوفاء بكل عقد، فالوفاء وهو الطبيعة واجب أيضا، وإذا اضيف إلى نفس الطبيعة الخارجية كقوله: " أعتق الرقبة " يكون الواجب عتق الرقبة، ويكفي الواحد، ويكون المتعلق أيضا طبيعة العتق، وهكذا في مثل إيجاب الصلاة، وتحريم الغيبة والكذب. فما قد اشتهر: من أن متعلق الأمر والنهي أربعة أقسام أو خمسة (2)، في غير محله. نعم، يبقى العام المجموعي على حاله، إلا أنه لا أظن مثالا له في الفقه. نعم، يبقى أمر وهو أنه تارة: يكون الواجب هو الطبيعي المضاف إلى الأمر الخارجي الجوهري المفروض الوجود، ويكون في حكم القضية الشرطية: وهي " أنه على تقدير وجود العالم يجب إكرامه " و " على تقدير وجود الرقبة يجب عتقها " أو " على تقدير وجود المسجد تجب الصلاة فيه " فإن المأمور به المضاف إلى الأمر الخارجي، أعم من كون الخارج مضافا إليه وموضوعا كالعالم، أو متعلقا به كالمسجد والعقد، فإنه على تقدير وجود العقد يجب الوفاء به وهكذا. بل الأمر كذلك حتى في ناحية النهي، بناء على استهجان النهي عن شرب الخمر غير الموجودة في العالم، كتحريم أكل لحم العنقاء، على الوجه الذي مر في


1 - المائدة (5): 1. 2 - مصباح الاصول 2: 324 - 325، نهاية الدراية 4: 196 - 199. (*)

[ 75 ]

مباحث العلم الإجمالي (1) وحديث الخروج عن محل الابتلاء. واخرى: يكون للهيئة إطلاق وللإرادة سعة، على وجه يقتضي تحصيل الموضوع، كما هو كذلك في التستر في الصلاة والتوضؤ. بل ربما يكون الأمر كذلك أحيانا في المسجد، بأن يكون الوجوب على وجه يقتضي إيجاد المسجد والصلاة فيه. ولعل منه تعمير البيت العتيق، والطواف حوله، وتحصيل مقام إبراهيم، والصلاة خلفه، ويكون الواجب عقلا التحفظ على المروة والصفا كي يسعى بينهما، فلو تمكن من ذلك - بأن لا يستولي عليهما الماء، ولا يخربهما السلطان الجائر - يكون عليه ذلك عقلا، نظرا إلى وجوب السعي والطواف على الإطلاق. وهكذا بالنسبة إلى المقام في منى وعرفات، وقد مر بعض البحث حوله في المجلد الأول (2). ومن ذلك إيجاب كون العادل في المجتمع، للحاجة إليه في إدارة الامة الإسلامية في إقامة الحق، وإبطال الباطل في مرحلة المخاصمة وهكذا، فلا تغفل، ولا تكن من الغافلين. حكم الأجزاء الخارجية والتحليلية هنا بقي تمام الكلام في الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر بالنسبة إلى الأجزاء الخارجية والتحليلية وحكمها: فمن الأول: احتمال كون بعض السور الموجودة في " دبستان السياحة " للشيرواني، سورة قرآنية، وحيث إن الواجب مثلا هي الصلاة المنحلة بالنظرة الثانية


1 - تقدم في الجزء السابع: 451. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 54 و 55. (*)

[ 76 ]

إلى الأجزاء المبينة، ويشك في السورة، فلابد من إتيان السورة المعلومة على الاشتغال مثلا، فالأوامر الغيرية والضمنية - كما مضى (1) - من الأباطيل ثبوتا بالنسبة إلى الثانية، وإثباتا بالنسبة إلى الاولى، ولكن الأمر النفسي المتعلق بتلك الطبيعة المنحلة إلى الكثرة المبينة في الأدلة، يقتضي إتيان ما هو السورة القطعية، كما إذا تعلق الأمر بنفس طبيعة إكرام العالم، فإنه لا معنى لأن يجتزئ بما هو المشكوك إلا على الوجه الذي عرفت منا احتماله، فعليه تكون الشبهة في تلك السورة أنها سورة، من الشبهة الخارجية للأقل والأكثر. ومن الثاني: يجوز أن يكون مجرد الشك في وجود الطهور والوضوء، وكون الثوب مباحا ومما يؤكل، من الشبهة الموضوعية، لأن الشك المذكور بعد ما لم يكن من الشبهة الحكمية، ولا من الشبهة المفهومية بالضرورة، فلابد من كونه من الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر، لما لا قسم ثالث للشبهات. ولا يعتبر في الشبهات الموضوعية اختلاط أفراد العالم والجاهل، بل لو كان جميع أفراد العالم واضحة، وكان زيد جاهلا، واحتمل كسب العلم في حقه، يعد من الشبهة الموضوعية. ففيما نحن فيه يعد كونه مشكوكة واجديته للوضوء وللثوب المباح، ولابسا لما لا يؤكل، من الشبهة الموضوعية، لأن ما هو الواجب هي صلاة مع كونها كذا وكذا وجوديا أو عدميا، ولا شبهة في أنها صلاة بالضرورة، إلا أنه يشك في جزء منها لا حكميا، ولا مفهوميا، ولا يعتبر في الشبهة الموضوعية للأقل والا كثر كون مفهوم الأكثر معلوما، ضرورة أن الصلاة بالنسبة إلى قيودها وشرائطها من الأقل والأكثر بحسب الطبع، فتأمل. فإذا كان الشرط مثل الطهور وأمثاله فلابد من إحرازه، إلا على الوجه الذي


1 - تقدم في الصفحة 8 و 28 و 32. (*)

[ 77 ]

أبدعناه (1). وإذا كان الشرط مثل كون الثوب مباحا أو مما يؤكل لحمه، فإن كان المعتبر جزء لنفس طبيعة إباحة الثوب وما لا يؤكل لحمه، فيلزم كفاية كون بعض الثوب من ذلك، لا مجموعه، ولابد من الاحتياط بالنسبة إلى نفس الطبيعة، ولا يضر الزائد ولو كان معلوما، فضلا عما إذا كان مورد الشك. وإذا اريد اعتبار كون مجموع الثوب مباحا ومما يؤكل لحمه، وأنه شرط وجودي، أو يكون الشرط عدميا، أي أن لا تكون الصلاة في الثوب المأخوذ مما لا يؤكل لحمه، فيندرج في العام المجموعي. وقد مر وجه الاحتياط ووجه البراءة على مسلكنا من التصرف في الواقع على تقديره (2)، بل وعلى القول: بأنه رفع ادعائي لا واقعي، فإن الرفع الادعائي بحكم الرفع الواقعي كما تحرر (3). إن قلت: لا معنى للتمسك بحديث الرفع في مورد الشك في وجود الشرط. قلت: يتمسك به لرفع دخالة المشكوك في تحقق العام المجموعي الذي هو شرط، ولا يلزم أن يكون مثبتا على ما سلكناه، وإنما حديث المثبتية على مذهب القائلين بأنه حكم ظاهري، فلا تخلط، ضرورة أنه على ما سلكناه، يكون الجزء المشكوك في تحقق العام المجموعي إما غير دخيل واقعا، ولازمه سقوط الأمر، أو أن يكون دخيلا، والشرع قد انصرف عن حكم الصلاة ولزومها، لأجل التوسعة على العباد، فلا حاجة إلى إثبات كون الباقي هو العام المجموعي تعبدا، كي يلزم أن يكون مثبتا.


1 - تقدم في الصفحة 72. 2 - تقدم في الصفحة 70 - 72. 3 - أنوار الهداية 2: 40 و 41. (*)

[ 78 ]

تذنيب: حول افتراض السيد المجدد للشرط العدمي على نعت العموم الاصولي في " درر " جد أولادي (رحمه الله) عن السيد الاستاذ الفشاركي (رحمه الله) عن سيد مشايخه الشيرازي (رحمه الله) افتراض الشبهة الموضوعية في الأقل والأكثر، على أن يكون الشرط عدميا على نعت العموم الاصولي: بأن اعتبر الشرع في الصلاة عدم كل ثوب غير مأكول، فإنه في موارد العلم بالمأكولية يكون الموضوع معلوما، وفي موارد العلم بعدم المأكولية يكون الموضوع أيضا معلوما، وفي مورد الشك يكون الأقل والأكثر مرددا في الشبهة الموضوعية، لأجل الشك في شرطية الصلاة بعدم كونها في هذا المشكوك بالشبهة الخارجية (1)، وقد عرفت أن قضية الأدلة هي البراءة. وبالجملة: حقيقة الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر، هي الشك في وجوب كون الصلاة في عدم هذا الثوب المشكوكة إباحته. ولو كان الشرط معلوما، وشك في إباحة ثوب، فهو القيد المعلوم أمره، والمشكوكة مصداقية المأتي به اللازم الاحتياط إلا على الوجه الذي عرفت منا (2). فتحصل: أنه كما يكون الشك في الأقل والأكثر الحكمي، راجعا مثلا إلى بسط الأمر إلى الجزء المشكوك الكلي، يكون الشك هنا في بسط الأمر بالنسبة إلى الجزء المشكوك الخارجي، مع معلومية بسطه إلى الجزء المعلوم الخارجي، وهو عدم الثوب المغصوب وغير المذكى. والحق: أنه بعد رجوع المسألة إلى البسط والشرطية، لا فرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية بحسب البراءة والاشتغال.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 483 - 485. 2 - تقدم في الصفحة 72 - 73. (*)

[ 79 ]

وبالجملة: لهذا الأمر صيغة كي لا يقع الطلبة في الاشتباه، وهو أنه اعتبر الشرع في الصلاة الواجبة عدم كل ثوب غير مذكى، أو يقال: يعتبر في الصلاة أن تكون في كل غير مغصوب، وهكذا. ويتوجه إليه أولا: أنه لو كان معنى الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر أن لا يكون الأكثر معلوم الحكم بنحو كلي، فهذا خارج عنه، لمعلومية اشتراط الصلاة بنحو إجمالي بأن لا تكون في المغصوب، فيلزم ما لزم سابقا. وبعبارة اخرى: حقيقة الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر، أن يكون في الشبهة الحكمية الأقل معلوم الحكم، والأكثر مشكوكا، ففي هذا العموم الاصولي يكون الحكم بالنسبة إلى الموضوع المعلوم معلوما، وإنما الشك في بسط الحكم بالنسبة إلى الموضوع المشتبه. اللهم إلا أن يقال: بعدم اعتباره في الشبهة الموضوعية فيما نحن فيه، بل الشبهة الموضوعية هنا كالشبهة الموضوعية في سائر العمومات الاصولية الغير النافية لتنجيز الحكم بالنسبة إلى بعض المصاديق، ويشك في بعضها الآخر. وثانيا: أن الظاهر من العموم الملتحق بالطبيعة الواجبة على نعت صرف الوجود - حسب اصطلاحهم - هو العموم المجموعي لا الاستغراقي، كقول المولى: " أكرم العالم الموصوف بأن لا يكون من كل فرقة غير إسلامية " أو يقال: " أكرم العالم الموصوف بأن لا يكون من كل فرد مباح الدم ". وبعبارة اخرى: إما يرجع الموضوع إلى العام الاصولي، فيلزم الخروج عن الأقل والأكثر، ونتيجته وجوب كل صلاة، وهذا واضح الفساد، لأن الواجب هو نفس الطبيعة. أو يرجع الوصف إلى العموم المجموعي، فيكون خارجا عن الأقل والأكثر في الشبهة الموضوعية، والأمر سهل.

[ 80 ]

وتصير النتيجة ما أفاد الشيخ (رحمه الله) من إرجاع الشبهة فيما نحن فيه إلى المحصل والمحصل (1)، وإنما يتوجه إليه: أن قضية العام المجموعي ليس من باب المحصل والمحصل كما عرفت، بل هو من قبيل المنتزع ومنشأ الانتزاع، الذي يرجع وجود الأول إلى الثاني بحسب الخارج، وإنما يختلفان في موطن الانتزاع، فلا تغفل. ذنابة: في تصوير الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر على ثلاثة وجوه ربما يمكن فرض الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر حسب العموم المجموعي، وأنه في المثال المذكور يشك في بسط الحكم بالنسبة إلى مورد الشك، ويكون مورد الشك في العام الاصولي من قبيل الأقل والأكثر، الذي يكون المرجع فيه إما الاشتغال، أو البراءة، أو التفصيل بين العقلية والنقلية، ضرورة أن سر كون الشبهة موضوعية هو نحو تعلق لمتعلق الحكم بالخارج، سواء كان الخارج متعلق المتعلق، أو كان مورد إضافة متعلق الحكم بنحو من الإضافة ولو كان إلى عدم مضاف إلى الخارج، مثل كون الصلاة في عدم هذا الثوب غير المذكى والميتة، أو في أعدام الثياب غير المذكاة، فافهم واغتنم. فتحصل لحد الآن: أن الشبهة الموضوعية للأقل والأكثر، ربما تكون على الوجه الأول: وهو أن يكون نفس المأمور به ذات القلة والكثرة، وذات تشكيك خاص ولو كان الكثير معلوم الحكم. مثلا: كون الصلاة في عدم الغصبية وغير المذكى واضح الحكم، فإن مصداقها الخارجي شبهة موضوعية لطبيعة ذات قلة وكثرة، في مقابل مصداق العالم الواجب الإكرام، فإن مصداقه ليس ذا مراتب، ولا يكون في نفس المصداق الواحد إلا معنى بسيطا، من غير أن يفرض العلم ذا مراتب في محط الجعل. وهذا أحسن الوجوه


1 - فرائد الاصول 2: 478. (*)

[ 81 ]

التي ذكرناها. والوجه الثاني: ما عن سيد مشايخنا الشيرازي (رحمه الله) وقد كان يتوجه إليه ما عرفت تفصيله (1)، مع كون الأكثر مشكوك الحكم في مرحلة الجعل، وهذا هو مقصودهم في المقام. والوجه الثالث: ما فرضناه أيضا، فإنه خال عن إشكال ذكرناه، مع كونه أيضا مشكوك الحكم بالنسبة إلى مرحلة الجعل أيضا. إلا أن الوجه الثاني على وجه العام الاصولي، والثالث على وجه العام المجموعي، فليتدبر جيدا. وغير خفي: أنه على تقدير العام المجموعي يلزم الاشتغال، حسبما عرفت في الأوامر النفسية (2)، ويمكن القول بالبراءة اللفظية، حسبما عرفت منا من حقيقة البراءة اللفظية، الراجعة إلى تصرف الشرع في الواقع حقيقة أو ادعاء على الإطلاق، ولازمه مضي الشرع على الأول عن حكمه، وعلى الثاني عن آثاره على ما تحرر في محله (3). وغير خفي أيضا: أنه لو كان الواجب الغيري صرف العدم، وطبيعي عدم غير المذكى مثلا، أو طبيعي وجود الإباحة الأعم من كونه غير نجس وغير مغصوب ومذكى، فلازمه كفاية كون بعض ثوب المصلي مباحا، بخلاف العموم المجموعي. ويظهر: أنه في الشرع يكون أحيانا المأمور به، مأخوذا بنحو العام المجموعي، مثل أن يكون مجموع الثياب حال الصلاة مباحا، ولذلك ترى أنه ورد بشكل النهي في النواهي الغيرية الراجعة عندنا إلى الإرشاد، ضرورة أن الأمر المتعلق بنفس الطبيعة، لا يقتضي إلا صرف الوجود، والنهي المتعلق بنفس الطبيعة،


1 - تقدم في الصفحة 78 - 79. 2 - تقدم في الصفحة 70. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء السابع: 71 - 76. (*)

[ 82 ]

يقتضي العموم الاستيعابي والعام المجموعي، كما تحرر في المجلد الأول (1)، ولذلك ترى وروده بشكل النهي في الأخبار، مثل النهي عن الصلاة في النجس، أو فيما لا يؤكل وهكذا، فافهم وتدبر واغتنم، فإنه يليق به، ويتبين دقة الشرع في كيفية إفادة مطلوبه ومقصوده. ويظهر: أن ما هو حقيقة الصيغة هو أن يقال: " لا تجوز الصلاة في كل ثوب غير مباح ". ولعمري، إن الميرزا الشيرازي ظن أن في جميع الأحيان، تفيدكلمة " كل " معنى العموم الاصولي، غافلا عن أنه ربما تفيد الموجبة الجزئية، كما تحرر في المنطق (2)، وأن سور الموجبة الجزئية هو " ليس كل " وما نحن فيه أشبه بذلك، فليتأمل. تنبيهان: أحدهما: في الشبهة الموضوعية للمانع وقد تحرر منا في مسألة الشبهة الحكمية، امتناع تصوير المانع (3). ولو فرضنا ذلك على الوجه الذي أبدعناه (4)، فلا تكفي البراءة الشرعية، فضلا عن العقلية والعقلائية، ضرورة أن مجرد التعبد بعد مانعية المشكوك فيه غير كاف، لأنه وإن كان قد أتى بما هو المأمور به بأجزائه وشرائطه، وإنما الشك في وجود المانع، إلا أنه لا يعقل مانعية الموجود إلا في صورة ادعاء الشرع أن تلك الصلاة ليست بصلاة، أو


1 - تقدم في الجزء السابع: 104 - 106. 2 - شروح الشمسية 2: 22 - 24، شرح المطالع: 123. 3 - تقدم في الصفحة 56 - 57. 4 - نفس المصدر. (*)

[ 83 ]

ادعاء أنها تسبيح، كما ترى في الصلاة المعادة في الأخبار، حيث ورد: " إن شاء جعلها تسبيحا، وإن شاء جعلها فريضة " (1) ومعناه أنه إن جعلها فريضة فلا تصح الإعادة، وإن جعلها تسبيحا تصح الإعادة، وتفصيله في الفقه. وعلى هذا، لا يمكن بمجرد جريان البراءة عن المانعية وعن جواز العقوبة من ناحية وجود المانع، تصحيح المأتي به، ضرورة أن ما هو محط الادعاء هو المعنى الكلي في الأدلة الاجتهادية، وأنه في تلك الأدلة يدعي الشرع - عند اعتبار المانع - أن الصلاة ليست بصلاة، وأما كون ما في الخارج مصداقا لذلك الادعاء، فغير ممكن، لأنه لم يدع أن عند عدم المانع ما هو الصلاة عرفا صلاة عندي. هذا، ولو فرضنا أنه لازم الدليل الاجتهادي مثلا، فيكون هناك إدعاءان: ادعاء أن مع وجود المانع ما هو الصلاة عرفا ليس صلاة عندي، ومع عدم وجود المانع ما هو الصلاة عرفا صلاة عندي أيضا، فيكون له الإمضاء بالنسبة إلى تشخيص العرف. فلا تكفي البراءة أيضا لأنه لابد من كشف إمضاء الشرع بالنسبة إلى المأتي به. اللهم إلا أن يقال: إن الانطباق قهري. إلا أن الإنصاف: عدم اقتضاء للدليل الاجتهادي المذكور بالنسبة إلى حال وجود المركب عند عدم المانع، لأن المركب موجود عرفي، ويكون مصداقا طبعا للأدلة الشرعية، لأن ادعاء الشرع كون الصلاة ليست بصلاة، لازم عند وجود المانع، وأما ادعاء أنها صلاة عند عدم المانع، فلا حاجة إليه. وتوهم الحاجة إليه، للخروج عن المثبتية في ظرف الشك في وجود المانع، مما ليس يخفى ضعفه.


1 - وسائل الشيعة 8: 401، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديث 1 و 8 و 10 و 11. (*)

[ 84 ]

وتوهم كفاية إطلاق دليل البراءة اللفظية لكشف الادعاء اللازم في ظرف وجود المانع، غير صحيح على المشهور بينهم: من أنها أصل عملي (1)، وأما على ما سلكناه - من كونه دليلا حاكما على الأدلة الأولية، وتصرفا في الواقع - فلا بأس به. ويمكن أن يقال: إن البراءة الشرعية حسب المشهور غير جارية، ولكن البراءة العقلية والعقلائية جاريتان، ضرورة أن المأتي به صلاة وعمرة وحج وهكذا عند العرف والعقلاء، وعند وجود المانع نحتاج إلى الادعاء، وهو غير ثابت، فالعقوبة من هذه الناحية في غير محلها. اللهم إلا أن يقال: إن مقتضى الاستصحاب - لاحتمال وجود المانع - بقاء الأمر وجواز العقوبة. إلا أن يعارضه استصحاب عدم وجود المانع، أو مانعية الموجود، وهو مقدم على ذلك، لأنه مسبب عنه. إلا أنه ربما لا يكون للاستصحاب السببي حالة سابقة، كما لا يخفى. أو يقال: إنه مطلقا غير جار، لكونه مثبتا، كما تكون البراءة الشرعية مثبتة، فلو قلنا بحجية الاستصحاب المثبت - كما هو الأقرب تبعا للشهرة القديمة، واقتضاء للصناعة العلمية - لا يكون تقدم هذا الاستصحاب على الاستصحاب الحكمي واضحا، لتعارضهما في محط يكون بالنسبة إلى الاستصحاب السببي لازما، وبالنسبة إلى الاستصحاب المسببي موردا، وقد حررنا في التعادل والترجيح إمكان تقدم أحد العامين من وجه علي الآخر، إذا كان تعارضهما بهذا النحو (2)، فليتأمل. هذا حكم الاستصحاب الحكمي.


1 - تقدم في الصفحة 47. 2 - لم تصل هذه الدورة من بحوثه الاصولية إلى مباحث التعادل والترجيح ولعله (قدس سره) قرر هذه المباحث في المختصر النافع في علم الاصول وهو مفقود أو في رسالة مستقلة لم تصل إلينا. (*)

[ 85 ]

وأما الاستصحاب الموضوعي، أو استصحاب الهيئة الاتصالية والصحة الشأنية والقابلية، فسيمر عليك من ذي قبل إن شاء الله تعالى. وغير خفي: أن استصحاب عدم الجعل والحكمي الكلي، غير جار عندنا مطلقا، كما مر في بعض المواضع (1)، وتفصيله في الاستصحاب إن شاء الله تعالى (2). بقي غريب: وهو أن العلامة الأراكي توهم: أن المانع هو القيد العدمي (3). وهذا مما لا ينبغي أن يخفى على الأصاغر، فضلا عن الأكابر، ضرورة أن وزان الاعتباريات وزان التكوينيات، فكما لا معنى لكون عدم الرطوبة مانعا عن تأثير النار في الاحتراق، كذلك الأمر هنا. نعم، لا بأس بأخذ المعاني العدمية قيدا وشرطا في المركبات الاعتبارية، بخلاف الامور التكوينية، ضرورة أن العدم لا أثر له كي يكون دخيلا في المركب المؤثر في التكوينيات، بخلاف التشريعيات والاعتباريات ومتعلق الأمر والنهي، كما تحرر في هذا الكتاب مرارا (4)، فالمانع هو المضاد لوجود الشئ، وخارج عن متعلق الأمر، ولا يتعلق به الأمر، ولا تنحل الطبيعة المركبة إليه، بخلاف الأجزاء الصورية والتحليلية الوجودية والعدمية. نعم، اعتبار معنى عدمي مانعا لشئ ممكن، كما هو ممكن بالنسبة إلى المعنى الوجودي، وكما أن المانعية الوجودية لا تعقل بالنسبة إلى المسائل الاعتبارية والمركبات التشريعية إلا على الوجه المتخيل منا، كذلك الأمر بالقياس


1 - تقدم في الصفحة 32. 2 - يأتي في الصفحة 533. 3 - نهاية الأفكار 3: 411. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 505 - 506. (*)

[ 86 ]

إلى المعنى العدمي، فيجوز أن يكون غير المذكى مانعا في الأعتبار. ثانيهما: إذا شك في قاطعية شئ لشبهة حكمية، أو موضوعية وقبل الخوض في ذلك فليعلم: أن المانع مما لا يتصور أو يحتاج تصوره إلى الادعاء المذكور، وأما القاطعية فهي باعتبار الهيئة الاتصالية أو العنوان الخاص في المأمور به، ويعد أحيانا قاطعا لتلك الهيئة، أو منافيا لذلك العنوان، ويعبر عنه ب‍ " الفعل الكثير ". وأما أن أي مركب يعتبر فيه تلك الهيئة وذلك العنوان ؟ فهو موكول إلى الفقه، ولا يتقوم اعتباره بدليل خاص قائم عليه، بل ربما يكون دليله العرف، أو التوالي بين الأجزاء، فإنه يستدعي اعتبار تلك الهيئة قهرا في المركب. فما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) من اختصاص الصلاة بالهيئة الاتصالية، للنهي عن القطع بالنسبة إلى شئ (1)، غلط جدا، بل في مثل الوضوء والتيمم والصلاة والعمرة وكل ما لم يكن دليلا على خلاف التوالي بين الأجزاء - كما في مثل الغسل - تكون الهيئة الاتصالية طبعا معتبرة في ذلك المركب عرفا، إلا أن الهيئة الاتصالية من قبيل الشرط والأجزاء التحليلية، والمسألة تفصيلها في الفقه، وأساسها العرف وارتكاز العقلاء، والفهم العادي، واجتهاد من يصلح له. بقي تنبيه: في اعتبار القاطعية بالنسبة إلى المركبات ما ذكرناه من امتناع تصوير المانع بالنسبة إلى المركبات الاعتبارية والاختراعات الشرعية، يجري بالنسبة إلى القاطع، لأنه أمر خارج عن حدود


1 - نهاية الأفكار 3: 412. (*)

[ 87 ]

المأمور به ومتعلق الأمر، ولا ينحل المركب إليه، بخلاف سائر الأجزاء الصورية كالفاتحة والركوع، والتحصيلية كالطهور والاستقبال. وما ذكرنا وجها للإمكان يجري هنا أيضا، إلا أن الأدلة قاصرة عن إفادة ذلك المعنى، بل الأدلة ترجع إلى القيود العدمية. نعم، في خصوص القاطع على الوجه الثاني - وهو كون المركب مورد العنوان الخاص - فإنه ربما يضاد الأمر الخارجي ذلك العنوان، فلا تعتبر مثلا جزء وشرطا في الصلاة، ولا كونها عبادة. ولكنه يستفاد من الأدلة أن تكون الصلاة المفروض وجودها، صالحة لانتزاع عنوان " العبادة " وعند ذلك ربما يضاد بعض الأشياء انتزاعها منها، كما إذا رقص ولو قليلا في حال الصلاة، أو ضحك فيها. وأما الضحك لله تعالى أو للحسين (عليه السلام) فلا ينافيها، بل يؤكد عباديتها، فإذا ورد مثلا في الأدلة قاطعية الضحك، فتلزم الشبهة التي ذكرناها، ضرورة أن الصلاة وهيئتها الاتصالية باقية عرفا، فلابد من ضم الادعاء الشرعي على أنها ليست بصلاة ادعاء، نظرا إلى الأثر المقصود: وهو بقاء الأمر الصلاتي أو غيرها من المركبات. أو تقاس القاطعية بالنسبة إلى الصلاحية، وهو المتعين، ضرورة أنه لو كان شئ قاطعا عرفا للهيئة الاتصالية، فلا يكون فرق بين كونه لله، أو لغير الله، مثلا هيئة الكوز تنكسر وتتقطع بضرب العصا، سواء كانت عصا موسى (عليه السلام) أو كانت خيزران يزيد عليه لعائن الله، فالتفصيل في البقاء بين البكاء منه تعالى ولغيره تعالى، في غير محله، لأن النية والقربية أجنبية عن مضادة الوجود والمضادة مع الهيئة الاتصالية وعنوان الصلاة، ولذلك لو بكى بكاء شديدا عاليا في الصلاة خوفا منه تعالى، فإنه ينافي عنوان الصلاة على الأشبه، فافهم. ثم إنه ربما يكون بعض الأشياء، مانعا عن قابلية الأجزاء المتعاقبة لانتزاع الهيئة الاتصالية، فيكون هناك مركب ذو أجزاء صورية، وذو اعتبار خاص، وهو

[ 88 ]

توالي الأجزاء، وأن تكون الأجزاء صالحة لانتزاع الهيئة الاتصالية، كما يكون البيت ذا هيئة اتصالية. ومن ذلك الأكل الكثير، أو الضحك الشديد بين الفاتحة والسورة مثلا فإنه يضر بالتوالي المعتبر في أجزاء الصلاة، ويوجب سقوطها عن صلاحيتها لانتزاع الهيئة الاتصالية، زائدا على مضادته لاعتبار كونها عبادة، ويكون ذلك بحكم العرف، وعندئذ لا بأس به، لكونه قاطعا لتلك الهيئة، أو موجبا لعدم إمكان تحقق تلك الهيئة بعدم تحقق ما هو منشأ انتزاعها. وهذا بخلاف المانع، فإنه يمنع في الاعتبار مثلا عن وجود الممنوع في الخارج، وهو وجود الصلاة والمركب المأمور به بالأمر النفسي. فالقاطع يقطع ما يكون مورد الأمر الغيري والشرط التحليلي، والمانع يمنع ما يكون مورد الأمر النفسي، فلا ينبغي الخلط بين الاعتبارين. نعم، كونها شيئا مانعا أو قاطعا يحتاج إلى الدليل، وتفصيله في الفقه. هذا مع أنك عرفت: أن من القواطع ما يوجب عدم صلاحية المركب لانتزاع العنوان اللازم، بخلاف المانع، فإنه يعتبر دائما بالقياس إلى وجود المركب. ولذلك عد الفعل الكثير من القواطع، ضرورة أنه ربما لا يكون الفعل المقرون مع الأعمال الكثيرة، صالحا لانتزاع عنوان العبودية، كما هو الواضح. وأما عدم تخصيص الفقهاء فصلا للموانع بإرجاعها إلى القيود العدمية، فهو لقصور بالهم، وقلة اطلاعهم، والأمر سهل جدا. أو لارتقائهم الفكري إلى امتناع المانع بمعناه الواقعي، ورجوع جميع الامور إلى القيود الوجودية أو العدمية، بخلاف بعض الفروض من القواطع، ولذلك خصصوا لها بابا خاصا وفصلا مخصوصا، فليتدبر جيدا.

[ 89 ]

تكميل وتوضيح: حول القاطعية للهيئة الاتصالية ولعنوان العبادة بعد ما عرفت اعتبار القاطع، وعلمت الفرق بين القاطع والمانع، فليعلم: أن القاطعية بالنسبة إلى الهيئة الاتصالية، مما لا يمكن تصديقها، لأن العرف غير مساعد على كون شئ قاطعا للهيئة المعتبرة، والشرع غير صالح لاعتبار شئ قاطعا، لأنه أمر خارجي تكويني، وخارج عن حدود مداخلة التشريع، لأن المفروض هو التصرف في الوجود الخارجي من غير رجوعه إلى قيد عدمي في المركب. وإرجاع تصرف الشرع في اعتبار القاطع - بالنسبة إلى الهيئة الاتصالية - إلى التعبد الصرف، بادعاء قطع الهيئة المعتبرة، وانقطاع الوصل المعتبر بين الأجزاء، وإن كان ممكنا، إلا أنه بعيد عن الأدلة إثباتا، وينحصر بالصلاة، لعدم اعتبارها في غيرها بالضرورة. وبالجملة: عد شئ قاطعا في الروايات بالنسبة إلى الصلاة، لا يزيد على عده مانعا، وكما أن الثاني راجع إلى الإرشاد إلى قيدية العدم، كذلك الأول. وفهم الفقهاء قاطعية عدة امور غير حجة. هذا كله حول اعتبار القاطعية بالقياس إلى الهيئة الاتصالية. وأما اعتبار القاطعية، لإسقاط العمل الخارجي عن صلاحية انتزاع عنوان العبادة، فهو في الجملة ممكن، ضرورة أنه يعتبر في العبادات - بل في الأعمال القربية، كالخمس، والزكاة - أن يكون العمل في الخارج صالحا لانتزاع العبودية والقربية، من غير أن يكون ذلك قيدا في المأمور به، كي يترشح إليه الأمر الضمني أو الغيري، على القول بهما، أو ينحل المركب في مرحلة الطبيعة والتركب إليهما، ضرورة أن حكم العرف والعقلاء هو أن الرجل حين صلاته يسأل: أنه يصلي، أو يستهزئ ؟

[ 90 ]

فيعلم من ذلك: أن العمل الخارجي لا يعد صلاة وعبادة إذا كان مقارنا للفحشاء والمنكرات عرفا، أو كان مقارنا - ولو لمرتبة ضعيفة - للرقص وأشباهه. من غير رجوعه إلى قيدية ذلك للمركب. ولذلك لم يعتبروا أن تكون الصلاة عبادة، أو الحج والعمرة والطهارات الثلاث عبادة، مع أنه لابد من كونها صالحة لانتزاع العبودية. بل ذكرنا في تفسيرنا: أن من المحتمل أن يكون الواجب هو العبادة، لقوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * (1) وأن الصلاة وغيرها مصاديق العبادة بكشف الشرع، ولا يؤاخذ العاصي وتارك الصلاة من جهة تركه أمر الصلاة، بل يؤاخذ لأجل ترك أمر العبادة (2). ولو أغمضنا عن ذلك كما أغمضوا عنه، ولكن يعتبر - بلا إشكال - كون تلك الأعمال صالحة لانتزاع العبودية، وقد قال الله تعالى: * (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) * (3) وهذا إشعار بالقضية الخارجية، ولا يكون قيد المركب أن لا يكون مكاء وتصدية، بل الظاهر ما عرفت منا المساعد عليه ارتكاز العقلاء وفهم العرف، واجتهاد الفقهاء، بعد تعرضهم لقاطعية عدة امور في الجملة، على تفصيل محرر في الفقه (4). نعم، القهقهة والأكل الكثير حال قراءة الإمام، أو في حال الركوع، والرقص ولو كان خفيفا حال صلاته وكان منفردا، ينافي صلاحية العمل للانتزاع المذكور، بخلاف التبسم الخفيف، بل وامتصاص بعض الأشياء والشرب اليسير، كما في صلاة


1 - البقرة (2): 21. 2 - تفسير القرآن الكريم، للمؤلف (قدس سره) 4: 312 - 314. 3 - الأنفال (8): 35. 4 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 107 - 108. (*)

[ 91 ]

الوتر في بعض الأحيان، فعند ذلك يرجع ذلك إلى الشرطية والقيدية للمركب، وكيفية استفادة القاطعية لمرتبة منها وقيدية بعض المراتب، يطلب من الفقه، وغير مربوط بالاصول. ومما يؤيد ما ذكرنا قول بعض المعاصرين: " إن العصيان حال الصلاة ينافيها، وتكون باطلة " مع أنه غير قائم عليه دليل لفظي، ولا يكون مندرجا في مسألة اجتماع الأمر والنهي، لعدم اتحاد الكون، فيعلم من ذلك ما ذكرناه احتمالا. واحتمال انصراف الأدلة إلى أن تكون الصلاة صالحة لما مر، فيكون قيدا، ينافي ارتكاز العقلاء عد العمل الصلاتي حال الرقص غير صلاة، أو العمرة مع إتيان بعض المعاصي الكبيرة حال السعي غير عبادة، ولا يحسبونه عملا حقيقة، لا مجازا أو ادعاء. فعلى هذا، يكون من الاشياء عرفا ما ينافي العبودية، وتصير النتيجة عدم سقوط الأمر، لا لأجل ترك بعض الأفعال والقيود، بل لأجل ما ينافي صلاحيته لانتزاع العبودية، فليتأمل جيدا. بقي شئ: في عدم اعتبار القاطع والمانع بالنسبة إلى المركب غير العبادي ما ذكرناه من المانع - على تقدير صحته - والقاطع، مخصوص بالمركب العبادي، وأما المركب غير العبادي فلا يعتبر بالنسبة إلى وجوده المانع، ولا بالنسبة إلى الهيئة الاتصالية قاطعا. نعم، ربما يعد الفعل بين الأجزاء مضرا بالتوالي المعتبر فيه، كما إذا أوقع الفعل الكثير بين البسملة وفري الأوداج الأربعة، وهذا يرجع إلى الإخلال بالقيد المعتبر، كما في باب المعاملات وصيغها.

[ 92 ]

مقتضى الأصل في الشبهة الحكمية للقاطع إذا عرفت هذه الجهات، حان وقت الكلام حول مقتضى الأصل عند الشك في قاطعية شئ حكما، ثم الشك فيها موضوعا: أما الأول: فحيث قد عرفت أن القاطعية بالقياس إلى الهيئة الاتصالية، غير متصورة إلا على وجه الادعاء البعيد جدا عن الأخبار والأدلة، ولو فرضنا ذلك فمقتضى البراءات الثلاث عند الشك في اعتبار قاطعية شئ، عدم جواز العقوبة على ترك المأمور به لأجل إيجاد القاطع، إلا إذا قلنا: بأن الشك المزبور يوجب الشك في وجود الهيئة الاتصالية، واتصاف المأمور به بها، فعندئذ تصح العقوبة العقلية والعقلائية، للزوم إحراز تلك الهيئة التي تنعدم عند وجود القاطع، وتكون البراءة الشرعية من الأصل المثبت، كما عرفت توضيحه في التنبيه السابق. اللهم إلا أن يقال بما سلكناه من رجوع البراءة إلى تقييد الأدلة الأولية، كما يستشم من " الكفاية " في بعض المسائل الماضية هنا (1). وأما القاطعية بالقياس إلى انتزاع عنوان العبودية، ففي النظرة الاولى تجري، لأن حقيقة القاطع هي المضادة مع الوجود على الوجه المحرر، وإذا شك في ذلك يكون الإجزاء قهريا، والقاطعية مرفوعة. اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى النظرة الثانية، اعتبار كون المأتي به في باب المركبات العبادية، صالحا لانتزاع عنوان العبودية، وعند الشك يلزم الشك في حصول ذلك الأمر الانتزاعي اللازم، وتصير النتيجة هي الاشتغال.


1 - كفاية الاصول: 417. (*)

[ 93 ]

مقتضى الأصل في الهيئة الاتصالية بقي بحث حول الهيئة الاتصالية بالمعنى الأعم المذكورة بين أفعال الحج والعمرة، وهكذا بين أفعال التذكية، فإنه وإن كان مقتضى الشك في اعتبار قيدية التوالي في الأول أو التوالي الخاص في الثانية - باعتبار أن الهيئة الاتصالية، ربما تستفاد من اعتبار التوالي بين الأجزاء زائدا على نفس التوالي، لأنه شئ بين ذوات الأجزاء بقياس بعضها إلى بعض، والهيئة تقاس بالقياس إلى نفس المركب ومجموع الأجزاء، وتكون قائمة بالصلاة والتذكية والعمرة وهكذا، وبالجملة: مقتضى الشك - هو البراءة عن وجوب التوالي، وعن مبدأ اعتبار تلك الهيئة، إلا أن حلية اللحم منوطة بالسبب الخاص، وحرمة اللحم لا ترتفع إلا بعد حصول الأجزاء على الوجه المحتمل وحلية تروك الإحرام أو حرمتها مستدامة إلى أن يقطع ويستيقن بخروجه عن الإحرام المستصحب، فالبراءة العقلية والعقلائية غير جارية. وأما البراءة الشرعية، فهي مثبتة ولو كان شكها سببا للشك الاستصحابي، ضرورة أن إمكان تصرف الشرع في جزئية شئ للسبب الشرعي - كسببية التذكية للحلية، أو العمرة لحلية تروك الإحرام - ولو كان صحيحا وجائزا عندنا، كما تحرر في محله (1)، إلا أن حديث المثبتية لا ينحل بذلك كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: إن الإحرام موضوع لحرمة عدة امور، كموضوعية الصلاة لحرمة الضحك وغيره، وإن حرمة اللحم قبل التذكية ممنوعة، وإنما يعتبر لحلية أكل بعضه إيجاد عدة امور من البسملة إلى آخرها، فلا استصحاب، ولا مثبتية، لاندراج المسألة في الأقل والأكثر. ولكن بعد اللتيا والتي، إن قلنا باستفادة اعتبار الهيئة الاتصالية، من جهة


1 - يأتي في الصفحة 431. (*)

[ 94 ]

التوالي المعتبر بين أجزاء المركب على النحو الوارد في المركبات على اختلافها، فالبراءة عن الأكثر تكون مثبتة بالنسبة إلى حصول تلك الهيئة. وإن قلنا بعدم اعتبار الزائد على التوالي بين الأجزاء على اختلاف المركبات في حدود التوالي، فلا يلزم كونها من الأصل المثبت. إلا أن الإنصاف: استنادها من اعتباره بين الأجزاء، بل تكون الهيئة الاتصالية عين التوالي المعتبر، إلا أن التوالي يقاس بين جزء وجزء، والهيئة تعتبر بالقياس إلى مجموع المركب بعد اعتباره بين كل جزء مع جزء سابق ولاحق. وغير خفي: أن الهيئة الاتصالية المساوقة للوحدة والوجود - بل عين الوجود والشخصية - غير الهيئة الاتصالية الاعتبارية في الصلاة وغيرها، وذات مراتب مشككة بتشكيك اعتباري، فلا يلزم إنكارها في الصلاة، ولا في مثل الوضوء والتيمم والحج والعمرة، وسائر المركبات غير العبادية من صيغ الإنشاءات والعقود، ومثل التذكية، فافهم واغتنم، فإنه يليق به جدا. مقتضى الأصل في الشبهة الموضوعية للقاطع وأما الثاني: وهي الشبهة الموضوعية للقاطع، سواء كانت من الشبهة الموضوعية بالقياس إلى الهيئة الاتصالية، أو كانت بالقياس إلى انتزاع عنوان العبودية عن المركب، بعد الاعتراف بلزوم كون المركب العبادي، موضوعا لانتزاع عنوان العبودية بحسب الوجود الخارجي، من غير كونه راجعا إلى القيدية للمركب كما مر (1). أو كانت من جهة وجود الفصل بين الأجزاء، فإنه ربما يشك في تحقق ما هو


1 - تقدم في الصفحة 89. (*)

[ 95 ]

القاطع من الامور الوجودية، كالضحك وغيره، والرقص ونحوه، أو من الامور العدمية، كتحقق الفصل المضر بتلك الهيئة، وبأخذ ذلك العنوان. والكلام من جهة البراءة والاشتغال هنا، غير الكلام في الشبهة الحكمية، ضرورة أن البراءة العقلية والعقلائية غير جارية، للزوم القطع بالسقوط بعد العلم بالثبوت. وأما بالنسبة إلى البراءة الشرعية فهي مثبتة إلا على ما سلكناه، ضرورة أنه بعد جريان البراءة عن إضرار ما هو في الخارج لتلك الهيئة، أو لذلك الأمر اللازم انتزاعه، فلازمه وإن لم يكن تقيد الأدلة، لأن القاطعية كالمانعية لا ترجع إلى مرحلة الجعل، ولكنه يرجع إلى أن الشرع غير ملتزم بكون المركب الخارجي ذا هيئة اتصالية، أو منشأ لانتزاع العبودية وهكذا، كما هو كذلك في الغسل على المعروف. هذا على القول: بأنه رفع حقيقي في مورد الجهالة، أو كالحقيقي، وهو الادعائي على إطلاقه الملازم أيضا لصرف النظر عن الواقع، على وجه لا يعد تركه من الإخلال بالأمر الواجب في المأمور به، حتى تلزم الإعادة أو القضاء بعد الالتفات والاطلاع. هذا مع قطع النظر عن استصحاب الصحة التأهلية الآتي بيانه إن شاء الله تعالى. تنبيهات وتوضيحات: حول الإخلال بأجزاء المركب أي الأعم من الأجزاء الصورية، كالفاتحة والسورة، أو التحليلية، والأعم من الوجودية والعدمية، والأعم من الوجودية والعدمية، والأعم من المركب العبادي وغير العبادي، والأعم من الإخلال السهوي، والنسياني، والجهلي، والاضطراري، والإكراهي، والعجزي. وأيضا: هو الأعم من الأجزاء والموانع والقواطع، بناء على صحتهما كما مر تحقيقه، كما أن الجهة المبحوث عنها أعم من نسيان الجزء والجزئية، والشرط

[ 96 ]

والشرطية، وهكذا هو الأعم من الإخلال بالمركب بالنقيصة والزيادة. ثم إنه غير خفي: أن مصب البحث هو المركب الأعم من العقلائي والشرعي، ودخول بعض بحوث المركبات الخاصة كالصلاة أو الوضوء، لوجود الأدلة الخاصة بها مثل: " من زاد في صلاة... " (1) أو " لا تعاد الصلاة... " (2) أو " تسجد سجدتي السهو لكل نقيصة وزيادة " (3) فإنه كله خارج عما يليق بالبحث الاصولي العام ويختص بالفقيه في كتاب الصلاة ونحوه. فما ترى في كلمات القوم من التدخل في هذه القواعد بالنسبة إلى خصوص الصلاة، وملاحظة النسبة بين الأجزاء والقواعد، وملاحظة التقدم ورودا وحكومة بينها (4)، فإنه كله أجنبي وغير مترقب منهم طرا وكلا. بل المنظور إليه هو الأدلة العامة غير الخاصة بمركب، كحديث الرفع (5)، وقوله: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا به ما استطعتم " (6) و " كل شئ اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله " (7) فجعل بعض المركبات موضوعا للبحث بعد كونه مورد البحث في كتاب يختص به في الفقه غير ملاحظة بعض الحالات الطارئة بالنسبة إلى كل


1 - تهذيب الأحكام 2: 194 / 764، وسائل الشيعة 8: 231، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 19، الحديث 2. 2 - تهذيب الأحكام 2: 152 / 597، وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 1. 3 - تهذيب الأحكام 2: 155 / 608، وسائل الشيعة 8: 251، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 33، الحديث 3. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 229 - 243، نهاية الأفكار 3: 433 - 446. 5 - الكافي 2: 463، الخصال: 417 / 9. 6 - مجمع البيان 3: 250، بحار الأنوار 22: 31. 7 - المحاسن: 259 / 308، بحار الأنوار 72: 399. (*)

[ 97 ]

مركب، كحالة العجز والإكراه، أو النسيان والجهالة. نعم، في خصوص الجهالة بالنسبة إلى التكليف والوضع فقد مر بحثه في البراءة، فبقي الكلام بالنسبة إلى سائر الحالات. مقتضى القواعد الأولية الثبوتية والشبهات العقلية في صورة الإخلال بالمركب إذا عرفت ذلك فهناك بحوث ترجع إلى شبهات عقلية، ومباحث حول مرحلة الإثبات: وإن شئت قلت: هناك بحوث حول قضية القواعد الأولية العقلية واللفظية، ومباحث حول مقتضى القواعد الثانوية: البحث الأول: حول صحة المركب مع الإخلال بالجزء عمدا قد اشتهر أن الترك العمدي للجزء ينافي عقلا صحة المركب (1)، فلو لم يكن هناك إطلاق فرضا لدليل الجزء، فلازم الجزئية - بحكم العقل - بطلان المركب بترك الجزء في صورة القدرة، والمتيقن هي صورة تركه عمدا. ولو كان لدليل الجزء إطلاق، ولم يكن لدليل الطبيعة إطلاق، فالبطلان في صورة ترك الجزء عمدا أيضا واضح، قضاء لحق الجزئية. ولو لم يكن لدليل المركب فقط إطلاق، فالبطلان بتركه أوضح. ولو كان لكل واحد منهما الإطلاق، فصدق المركب بدون الجزء، يقتضي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 209، منتهى الاصول 2: 328. (*)

[ 98 ]

كفاية المأتي به وسقوط أمره. إلا أن معنى إطلاق دليل الجزء عندنا، ليس إلا انحلال المركب المأمور به إلى عشرة أجزاء، فإذا ترك جزء منها وصار تسعة أجزاء يكون باطلا، لعدم التوافق بين المأمور به والمأتي به، ويعد الجزء ركنا طبعا. ثم إنه قال الميرزا التقي الشيرازي في رسالته، بإمكان تصور كون الإخلال العمدي غير مضر بصحة المركب (1). وأفاد الوالد المحقق على خلاف ما في رسالته: " أن الانصراف يقتضي البطلان، وإلا فلا بأس بالالتزام بصحة المركب الفاقد للجزء مثلا عمدا " (2) وذلك - على ما ببالي من تلك الرسالة - أن هناك حلقتين: حلقة كبيرة جامعة لعشرة أجزاء، وحلقة قصيرة فاقدة لجزء منها مثلا، فإذا ترك الجزء تبطل الحلقة الكبيرة، وتصح الصغيرة. وإن شئت قلت: هناك مراتب للمركب، مرتبة منها تبطل بترك الجزء العمدي، ومرتبة منها تصح، لاجتماع سائر الأجزاء فيها وهكذا، وبعد صحة الحلقة الصغيرة لا يبقى وجه لبقاء الأمر بالنسبة إلى الحلقة الكبيرة. وغير خفي: أن ما أفاده (قدس سره) مخصوص بالصلاة، نظرا إلى قاعدة " لا تعاد... " كما هو كذلك في مورد انصراف السيد الوالد المحقق - مد ظله - فإنه كان في خارج البحث يميل إلى أنه لولا انصراف القاعدة كان للقول بصحة الصلاة وجه. ونحن نريد توضيح ذلك بالقياس إلى مطلق المركب، لأنه إذا أمكن ثبوتا الجمع بين القول بالجزئية حال العمد، والقول بصحة الفاقد، نظرا إلى إطلاق الدليلين، وأن ذلك يستلزم ذاك، يمكن ذلك بالنسبة إلى كافة المركبات من غير الحاجة إلى الأدلة


1 - رسالة الخلل، المحقق الشيرازي: 194 / السطر 16. 2 - الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره): 184. (*)

[ 99 ]

الخاصة كقاعدة " لا تعاد... " وغيرها في خصوص الصلاة، كما لا يخفى. أقول: يتوجه إلى هذه المقالة الفاسدة وجوه من الإشكالات: الأول: أن الأوامر المتعلقة بتلك الحلقات والمراتب إما تكون نفسية، أو يكون ما هو المتوجه إلى الحلقة الصغيرة نفسيا، دون غيره، فإن كانت هي نفسية فلازمه الإطاعات في صورة الإتيان بالمركب، والعصيانات في صورة تركه. وإن كانت الحلقة الاولى مورد الأمر النفسي، فالأمر الثاني غيري، ولا معنى للغيرية إلا بيان جزئية المأمور به للمأمور به النفسي، ولازمه البطلان. وتوهم: أن الأمر واحد متعلق بواحد وهو المركب، إلا أنه إن وجد في الخارج جامعا فقد سقط أمر واحد، وإن ترك على الإطلاق فهناك عصيان، وإن أتى بالحلقة الاولى فما هو طبيعي المركب قد امتثل أمره، وما هي المرتبة العالية قد ترك أمرها الغيري، فلا عصيان ولا بطلان، في غير محله جدا، ضرورة أنه لا معنى لغيرية الأمر إلا الجزئية والشرطية بالقياس إلى المأمور به بالأمر النفسي، ولازمه عصيانه وبطلانه. الثاني: قد تحرر منا في محله امتناع كون المطلق والمقيد، مورد الأمرين الاستقلاليين النفسيين، وأنه كما لا يعقل أن يترشح الأمران النفسيان بالنسبة إلى الشئ الواحد والعنوان الفارد، كذلك الأمر بالنسبة إلى المطلق والمقيد (1)، بخلاف المتباينين والعامين من وجه، فلا يعقل أن تكون الصلاة مثلا بمرتبة وفي حلقة كبيرة مورد الأمر النفسي، والحلقة المتأخرة أيضا مورد الأمر النفسي الآخر، فالأوامر ترجع إلى الغيرية. ومعنى " الغيرية " بيان دخالة المأمور به بالأمر الغيري في سقوط الأمر النفسي.


1 - تقدم في الجزء الخامس: 466. (*)

[ 100 ]

الثالث: لا معنى للجزئية الصورية والشرطية التحليلية إلا البطلان عند الإخلال به، وإلا فهو لغو. وتوهم وجود عدة امور في الحج جزء من غير استلزام الإخلال بها للبطلان (1)، في غير محله، وأنها ترجع إلى محرمات نفسية ذات كفارة أحيانا، أو واجبات نفسية ذات كفارة أحيانا. نعم، يمكن أن يعتبر الشرع شيئا جزء للمركب في الجملة، بأن يكون مخلا به وموجبا لبطلانه حال النسيان، دون العمد، وأما عدم كونه موجبا للبطلان على الإطلاق، ومع ذلك يعد جزء واجبا غيريا، أو ضمنيا، أو منحلا إليه المركب في مرحلة الجعل والاختراع والتركب - على اختلاف المسالك - فهو من الأغلاط قطعا. ولا يقاس ما نحن فيه بلواحق المصاديق، كالجزء المستحب، أو الواجب النفسي في ظرف الواجب النفسي الآخر، مثلا التكبيرات الافتتاحية والقنوت و " رحمة الله وبركاته " من لواحق المصداق والطبيعة الخارجية، ولذلك يعد بعد وجوده في ضمن المصداق جزء، من غير أن تتعلق به الأوامر الغيرية الوجوبية والضمنية، ومن غير انحلال المركب إليه في حال ابتكار الطبيعة واختراعها ووجودها الهندسي، فلا تغفل. تنبيه: لابد أن يكون مقصود الشيرازي هو الإخلال العمدي بمقدار لا يضر بصدق اسم المركب، وإلا فالأمر أوهن. وتوهم اختصاص إشكاله بالصلاة، نظرا إلى ركنية الأجزاء المستفادة من قاعدة " لا تعاد... " فاسد كما اشير إليه، لأن وجه إشكاله أعم كما ترى.


1 - رسالة الخلل، المحقق الشيرازي: 194 / السطر 14. (*)

[ 101 ]

الرابع: قد تحرر منا المناقشة في صحة العقوبة على ترك الجزء والشرط، حتى في مثل الطهارة المائية بإيجاد عجزه عنها، وإلا فلا دليل على مشروعية الترابية إذا تعمد إلى تعجيزه، فيكون العقاب على ترك الصلاة لعدم تمكنه من امتثال أمرها، فلو كان ترك الجزء العمدي غير مضر بالمركب، فلا تصح العقوبة، لعدم كون أمره نفسيا بالضرورة، ولا معنى لكونه ضمنيا، لامتناع تصوير الأمر الضمني كما مر (1). وكفاية المركب الناقص في بعض الأحيان، هي لدليل آخر على خلاف الأصل، فتأمل واغتنم. ذنابة: حول تحرير محط النزاع قد تبين لك: أن الكلام هنا حول مقتضى القاعدة بالنسبة إلى ركنية شئ وجزء صوري، أو تحليلي للمركب، مع قطع النظر عن إطلاق دليل الجزء الذي هو يورث الركنية طبعا، ضرورة أن إطلاق دليل المركب وإهماله، لا يقتضي الإعادة بعد الإتيان بما يصدق عليه المركب. كما أنه لو كان لدليل الجزء إطلاق فتثبت الركنية ولزوم الإعادة، إلا بالدليل الآخر الذي بحكم المقيد له، أو يكون مقيدا. وحيث قد عرفت: أن البحث من جهة المركب عام، ومن جهة الصناعة تقع في بحوث راجعة إلى شبهات عقلية في المسألة، ومباحث إثباتية حول الأدلة الراجعة إلى المركبات الشرعية، فالدخول في معنى " الركن " وتفاسيره، أو أنه كيف يمكن إفادة الإطلاق بالنسبة إلى الجزء ؟ في غير محله، وسيمر عليك المباحث الإثباتية إن شاء الله تعالى.


1 - تقدم في الصفحة 8 و 28 و 36. (*)

[ 102 ]

وغير خفي: أن نظرنا إلى ذكر الشبهات العقلية بالنسبة إلى الحالات الطارئة على المركب على الوجه الأعم المذكور، سواء كان مخصوصا بترك الجزء، أو إضافة الجزء وزيادته، أو إيجاد المانع والقاطع مثلا، نسيانا، أو اضطرارا وإكراها، والتفت إلى ذلك النسيان في الأثناء، أو بعد ذلك، أو ارتفع الاضطرار مثلا في الأثناء. ولعمري، إن الأصحاب لم يدخلوا المسألة من بابها، ولم ينقحوا شأنها وحدودها على الوجه الذي يتضح لطلبة العلم. البحث الثاني: حول امتناع خطاب الناسي والغافل وإمكانه إن الإخلال بقيود المركب الوجودية أو العدمية على سعتها إذا كان عن نسيان، يستلزم عدم تمكن المولى من توجيه أمره بالنسبة إلى المركب، فلابد وأن يصبر إلى أن يلتفت ويتذكر المكلف، فإذا تذكر الجزء والجزئية يتوجه إليه الأمر بالمركب المشتمل على ذلك الجزء. وهذا هو حقيقة أصالة الركنية التي اختارها شيخنا الأنصاري (رحمه الله) (1). وأما وجه عدم تمكنه فواضح، ضرورة أن المركب الفاقد لابد من كونه مورد الأمر، ولا يعقل توجيه الأمر بالمركب بالنسبة إلى ناسي الجزء، للزوم الخلف وهو التفاته، فيكون المأمور به حينئذ هو المشتمل على الجزء، فعلى هذا تجب الإعادة والقضاء والإتيان به على النحو التام. وهذه الشبهة لا تختص بالمركب العبادي، ضرورة عدم إمكان توجيه الخطاب الوضعي إلى الذابح ب‍ " أنه عند نسيان القبلة فلا تعتبر القبلة، ولا يشترط الاستقبال ". ولو قيل بكفاية إتيان بقية الأجزاء لحصول الذبح الشرعي، ولو كان عن غفلة


1 - فرائد الاصول 2: 483. (*)

[ 103 ]

عن الأمر والخطاب، قلنا بذلك في العبادات، ضرورة كفاية إتيان الناسي ببقية الأجزاء قربة إلى الله تعالى من غير اشتراط توجهه إلى الأمر الخاص. ولو قيل بعدم واجدية بقية الأجزاء للمصلحة والسببية، قلنا بذلك أيضا في العبادات، وسببية المأتي به لسقوط الأمر، مع أنه لا سببية في مثل الذبح، بل ولا بالنسبة إلى الأمر حسبما تحرر. ثم إنه لا تختص هذه الشبهة بصورة كون الأمر بالمركب مهملا أو مطلقا، بل على كل تقدير لا يعقل توجيه الخطاب، وذلك لأن المراد من " المهمل " هو أن يكون المأتي به كافيا حسب دليل المركب، فلابد من وجود أمر. والمراد من " الإطلاق " إما يكون كفاية طبيعي المركب، فهو والإهمال في حكم واحد كما اشير إليه، أو يكون المراد هو أن تكون الطبيعة ذات أجزاء تنحل إليها دائما، فلو أخل بجزء منها فلا تنحل إلى المأتي به، فيكون باطلا. فعلى كل حال: لا يعقل توجيه الأمر بالمركب إلى غافل الجزء بعنوانه، ويكون الفاقد باطلا على التقديرين. نعم، على وجه يكون باطلا لفقد الأمر، وعلى التقدير الثاني يلزم بطلانه من جهة فقد الأمر وعدم انحلال المركب إلى المأتي به. ثم إنه لا تختص هذه المشكلة بالغافل، بل تعم الجاهل، لامتناع توجيه الخطاب إليه حال جهله، ولو توجه إلى الخطاب حال جهله يلزم خروجه عن الموضوع المفروض، وهو خلف. كما لا يعقل خطاب العاجز بالنسبة إلى المركب التام، فإن الكل يرجع إلى أمر واحد: وهو العجز عن المأمور به، وذلك إما لعجزه عن جزء المركب غير القربي، أو جزء المركب القربي، وهو الالتفات إلى الأمر والانبعاث منه نحو الأقل المأمور به، دون الأكثر.

[ 104 ]

أقول: قد مر في المجلد الأول وجه حل هذه المشكلة وأشباهها (1)، وأن تمام الإشكال ناشئ من توهم الخطاب الشخصي بالنسبة إلى شخص الناسي، أو عنوان " الناسي " وحيث إن الخطابات الإلهية كلية قانونية لا تختص بالذاكر، ولا بالعالم والعاجز وغير ذلك، فالأمر متوجه إلى كل من الذاكر والناسي، وكل منهما بصدد تطبيق المأمور به على المأتي به، وبصدد إيجاد المركب التام، فلا يلزم بطلان المركب الناقص العبادي، من ناحية فقد الأمر اللازم مثلا في عبادية العبادات وقربية المقربات، وإنما يلزم البطلان من جهة الإخلال بالجزء. فإن كان لدليل المركب إهمال، بمعنى كفاية صدق المركب - على الأعمي - على المأتي به، ولم يكن لدليل الجزء إطلاق، فلا إعادة، ولا قضاء، ولا تكون الذبيحة محرمة، والعقد باطلا، حسبما تحرر منا في صورة الشك في الجزئية في مبحث البراءة على وجه لا يلزم المثبتية (2). مع أن لنا نظرا خاصا في أدلة النسيان، بل والبراءة حال الجهالة. وإن كان لدليل المركب إطلاق بالمعنى الذي ذكرناه، يلزم البطلان ولو كان دليل الجزء مهملا. وإن كان في حال إهمال دليل المركب دليل الجزء مطلقا، فيلزم البطلان وعدم تحقق المركب. ولو كان له الإهمال فالأمر كما تحرر أولا. ولو كان دليل المركب مطلقا، بمعنى كفاية المسمى، ودليل الجزء مطلقا، بمعنى الركنية، فإطلاق دليل الجزء مقدم، ضرورة أنه - حسب الأظهر - ناظر إلى حدود المركب والمأمور به، وإلى بيان مهندسية طبيعة المأمور به وطبيعة السبب،


1 - تقدم في الجزء الثالث: 438 - 450. 2 - تقدم في الجزء السابع: 104 - 113. (*)

[ 105 ]

فيكون له نحو حكومة، فلا يكفي مجرد الاسم والمركب، كما هو كذلك إذا كان لدليل المركب إهمال. فما ترى هنا حول هذه المسألة من البحوث الإثباتية، وكيفية إفادة الجزء، واختلاف التراكيب الكلامية من الإخبارية والإنشائية، فكله خارج عن الجهة المبحوث عنها في الاصول، سواء كان ذلك من مثل شيخ المشايخ، أو غيره، وسيأتي البحث مقتضى القواعد العامة الثانية بعد الغض عن القواعد الأولية (1). بقي شئ: في إمكان خطاب الغافل بناء على شخصية الخطابات الشرعية وهو إمكان حل هذه المشكلة ولو كان الخطاب شخصيا، وذلك أنه إن قلنا: بأن عبادية العبادة بامتثال الأمر المتوجه إلى الأقل، وهو لا يحصل إلا بالانبعاث عن ذلك الأمر، فلابد أن يكون ملتفتا، وهو خلف، فلا يعقل صحة هذا المركب. وأما إذا قلنا بعدم الحاجة إلى ذلك في صحة العبادة، وتكفي القربة المقارنة مع المأتي به، أو قلنا بكفاية امتثاله وانبعاثه عن الأمر المتوجه إلى المركب، ولو كان معتقدا بأنه يأتي بالتام كالملتفت، ولا يقيد ذلك بأنه لابد وأن يكون منبعثا عن الأمر بالمركب المنحل إلى تسعة أجزاء، فالصحة واضحة، كما أن الأمر كذلك، فإن الذاكر والغافل مورد الأمر بالصلاة، من غير تقييد الصلاة المأمور بها بالانحلال إلى كذا وكذا، فعندئذ لا يلزم خلاف الشهرة: وهو أن عبادية العبادة بالانبعاث عن أمر المركب، ولا بطلان المركب وتصحيحه من ناحية اخرى. نعم، إذا كان لدليل الجزء إطلاق فالبطلان متعين حسب القاعدة الأولية، فلا ينبغي الخلط بين مقتضى القاعدة الأولية والثانوية، وأنه على تقدير إهمال دليل الجزء لا وجه للقول بأصالة الركنية، إلا إذا قلنا: بأن معنى إطلاق دليل المركب هو


1 - يأتي في الصفحة 142 وما بعدها. (*)

[ 106 ]

أن الطبيعة - في مرحلة التقدير والاختراع، واعتبارها موضوعا للحكم - لابد وأن تكون دائمة الانحلال إلى مطلق الأجزاء. وربما يؤيد ذلك بناء العقلاء ودستور الأطباء في موارد الأمر بتحصيل معجون كذائي لداء خاص، فإن مرتكز العرف على دخالة كل جزء على الإطلاق في الطبيعة والمعجون، لأن المعجون الذي هو مورد الأمر ليس إلا تلك الأجزاء، فإطلاق المركب عين إطلاق جزئية كل جزء بالقياس إلى المركب المزبور. حول أصالة الركنية فتحصل لحد الآن: أنه لا إشكال ثبوتا في إمكان وصول المولى إلى مرامه بالنسبة إلى الغافل، كي يكون الغافل عمله عباديا صحيحا، وسببا وموضوعا للأثر والحكم والمسبب، وأنه مع إطلاق دليل الجزء فلا شبهة في الركنية، بمعنى أن تركه يضر بالصحة. وأيضا تبين أمر آخر: وهو القول بأصالة الركنية ولو لم يكن لدليل الجزء إطلاق، وأمكن ثبوتا وجود الأمر بالنسبة إلى ما وراء المعنى، وذلك لإطلاق دليل المركب بالمعنى الذي عرفت، وبمقايسة المركبات الشرعية مع المركبات العرفية. اللهم إلا أن يقال: بأن مع وجود اختصاص الجزئية في المركبات الشرعية بغير المعاملة، لا يصح القياس والاستئناس المذكور. وأما كون إطلاق دليل المركب عين إطلاقات أدلة الأجزاء، فلازمه أن تصير النتيجة هي أصالة الركنية بالقياس إلى جميع الطوارئ والحالات، كالاضطرار والإكراه بالنسبة إلى إيجاد القاطع وترك الشرط. وأما المانع فقد مر ما فيه. ولا معنى للاضطرار إلى ترك الجزء. وعلى كل تقدير: لازم البيان المذكور أصالة الركنية من جهة إثباتية، لا شبهة

[ 107 ]

ثبوتية كما يظهر من الشيخ (1). ولا تتم مقالة من توهم: أنه بعد إمكان حل المشكلة ثبوتا تكون أصالة عدم الركنية مرجعا (2)، بل هناك طريق آخر: وهو أنه مع كون الشبهة الثبوتية مندفعة، ومع فرض إهمال دليل الجزء، يمكن تقريب أصالة الركنية بالبيان المذكور وإن لم يتم حديث المقايسة والاستيناس، لما اشير إليه. فلك أن تقول: إن إطلاق دليل المركب ينحل إلى إطلاق الأوامر الضمنية، فالقائلون بها لابد وأن يقولوا في صورة إطلاق دليل الطبيعة بأصالة الركنية، فأصالة الركنية ليست - في مورد نسيان الجزء - دائرة مدار إطلاق دليل الجزء كما اشتهر (3)، بل ولا في مورد الاضطرار والإكراه بالنسبة إلى الأجزاء والقواطع، وبالنسبة إلى كافة الطوارئ، فتأمل. نعم، لهم إنكار إطلاق أدلة المركبات، واختيارهم أن قضية الأدلة التشريعية، ليست إلا مشروعية المركب من غير النظر إلى الإطلاق. وهذا عندنا غير واضح، بل ممنوع كما حررناه في محله (4)، لاختلاف الأدلة، واختلاف كيفية الأداء، والنزاع حول ذلك خروج عن الجهة المبحوث عنها في الاصول. أقول: يتوجه إلى التقريب المذكور، أن العناوين المأخوذة مورد الأمر في المركبات وإن كانت تنحل إلى الأجزاء، إلا أن في مصب تعلق الأمر لا كثرة في


1 - فرائد الاصول 2: 483. 2 - نهاية الأفكار 3: 423. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 216، نهاية الأفكار 3: 423، تهذيب الاصول 2: 361. 4 - تقدم في الجزء الخامس: 425 - 427. (*)

[ 108 ]

المتعلق، ولا في الأمر، ولا أساس للأوامر الضمنية، كما مر في محله (1). ولو كانت الأوامر النفسية المتعلقة بالمركبات منحلة إلى الأوامر الضمنية، كان مقتضى الأصل هي أصالة الركنية، ضرورة أن محط النزاع ما إذا لم يكن للأوامر الغيرية ولأدلة الأجزاء والشرائط إطلاق، وأما عدم كون أمر المركب ذا إطلاق أو إهمال، فهو غير دخيل عند القوم في محط النزاع. نعم في " تهذيب الاصول " افترض أن محط النزاع عدم ثبوت الإطلاق لأمر المركب ولأمر الجزء (2)، وهذا في غير محله، لأن امتناع خطاب الناسي بالنسبة إلى بقية الأجزاء لو كان تاما، فلا يختلف في صورتي الإهمال والإطلاق. كما أن مقتضى التقريبين اللذين ذكرناهما، هي أصالة الركنية بالنسبة إلى مطلق الطوارئ: من الجهالة، والنسيان، والوضع، والتكليف، والاضطرار، والإكراه. نعم، في خصوص القاطع والمانع بعدما لم يكن لدليلهما الإطلاق، فلا يمكن أصالة الركنية بالنسبة إلى صورة اقتران المركب مع المانع للوجود، والقاطع للهيئة، إلا بالنسبة إلى القاطع العرفي والمانع العرفي، لو كان يعتبر في بعض الفروض، لأن لازمه انعدام المركب، وعندئذ يلزم بقاء أمر المركب، لعدم امتثاله، ضرورة أن المانعية للوجود والقاطعية لا يتصوران إلا بالنسبة إلى حين الاشتغال بالمركب. وبالجملة: قضية إطلاق أمر المركب أصالة الركنية على التقريب المذكور، وحيث إنه مبتن على انحلال الأمر المذكور إلى الأوامر الضمنية التي هي بحكم إطلاق أدلة الأجزاء، وهذا الابتناء باطل جدا، فأصالة الركنية باطلة. فتحصل لحد الآن: أن مقتضى القاعدة الأولية عند عدم وجود الإطلاق لدليل الجزء، هي أصالة عدم الركنية من غير فرق بين صور النسيان، وغيرها من العناوين


1 - تقدم في الجزء الثالث: 26 - 27. 2 - تهذيب الاصول 2: 361. (*)

[ 109 ]

الطارئة الموجبة للإخلال بالمركب، وذلك لعدم الدليل على الركنية. نعم، يمكن دعوى: أن مقتضى الاستصحاب - للشك في سقوط الأمر - هي الركنية، وهذا فرع عدم تقدم البراءة في الرتبة السابقة عليه، كما هو الظاهر عندي، فعليه فالقاعدة الأولية تقتضي بقاء الأمر، للشك في السقوط وإن كان ناشئا من الشك في الثبوت، كما مر في الأقل والأكثر (1). ولا فرق بين النسيان المستوعب وغير المستوعب، ولا بين النسيان أول الوقت والذكران في أوله، ضرورة أن الخطابات القانونية تقتضي وجوب مجموع الأجزاء، بل مقتضى الوجوب التعليقي ذلك قبل الوقت. نعم، في صورة إطلاق دليل المركب، وإهمال دليل الجزء، يكفي المصداق الصادق عليه عنوان المركب، لما تحرر من الأعمية في الموضوع له (2)، وعند ذلك فلا تصل النوبة إلى الشك والاستصحاب، كما لا حاجة إلى البراءة الشرعية أيضا، والأمر واضح. وعلى هذا، الإخلال بجزء أو شرط المركب - بعد صدق الطبيعة على المأتي به، وإطلاق دليل المركب - لا يضر بشئ، وفي صورة إهمال دليلها لا يجوز الاكتفاء بما أتى به، للاستصحاب على كل تقدير، من غير فرق بين الطوارئ والموانع والقواطع. والتفصيل في صور النسيان أو سائر الطوارئ، لا يرجع إلى محصل عندنا، لتقدم الاستصحاب على البراءة ولو كانت جارية في مرحلة الثبوت كما مر (3).


1 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 258 - 265. 3 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. (*)

[ 110 ]

بقي تذنيب: في مورد إهمال دليل الجزء والشرط في الأسباب والمسببات والعقود والإيقاعات فإن كان لدليل السبب إطلاق، وكان ما في الخارج سببا عرفيا، فالمرجع هو الإطلاق عند الشك في دخالة شئ ولو كان ذلك الشئ دخيلا في الجملة وشرطا مثلا. مثلا: إذا كان لمفهوم " التذكية " عنوان مبين عرفا، وقام دليل على شرطية الاستقبال في الجملة، فإن كان لدليل التذكية إطلاق فهو المرجع، دون أصالة حرمة اللحوم أو استصحابها على فرض جريانها، وهكذا في باب العقود والإيقاعات. وأما إذا لم يكن لدليل المركب ولا الجزء والشرط إطلاق، وكان ما في الخارج يصدق عليه عنوان المركب والعقد والإيقاع عرفا، فيمكن أن يستكشف أصالة الركنية بالنسبة إلى الجزء المذكور، من باب المقايسة والاستئناس بين المركبات والمعاجين العرفية المحضة، وبين المركبات المحتاجة إلى الإمضاء والارتضاء، وأنه كما لا معنى لكون شئ دخيلا في المعاجين حال العلم والالتفات، دون حال النسيان والاضطرار، بل كل شئ اعتبر فهو دخيل ركنا حسب النظر العقلائي، والطوارئ النفسانية لا توجب سقوط دخالة جزء أو شرط. كذلك الأمر في أسباب العقود والإيقاعات، ولاسيما بعد ما نجد من ذهاب المشهور إلى ركنية الأجزاء في هذا الباب، وورود الأخبار الخاصة بالمناسبة عند السؤال عن الإخلال به نسيانا وجهلا وإكراها وغير ذلك، وأن المركب المأتي به غير كاف جوابا عن الأسئلة المذكورة. فما ربما يقال: من أن التمسك بحديث الرفع في الأسباب والمسببات، لا يلزم

[ 111 ]

منه كونه مثبتا على الإطلاق، كما حررناه (1)، أو يقال بالتفصيل فيما شك في دخالته شرعا مع أنه دخيل عرفا، كما قواه الوالد المحقق - مد ظله - في بعض تحريراته (2)، يندفع بأصالة الركنية حسب هذا التقريب، فليتأمل. ذنابة: في حكم العجز عن الجزء والشرط في مورد العجز عن الجزء والشرط، فإن كان لدليل المركب والطبيعة إطلاق دونهما، فعليه المركب بعد صدقه على ما يتمكن منه. وإن كان لدليله الإهمال وهكذا لدليلهما، فالبراءة عن أصل وجوب المركب محكمة، إلا إذا قام دليل خاص - من إجماع ونحوه - على أنه لابد من الإتيان به على كل تقدير، كما ربما يقال بذلك في الصلاة. وإن كان لدليل المركب إطلاق، وهكذا لدليل الجزء والشرط، فقد مر تقدم الثاني على الأول حسب الطبع (3)، إلا مع وجود القرينة الخاصة، كما هو كذلك في مثل الصلاة أيضا. ولأحد أن يقول: إنه ربما يستفاد إطلاق الجزئية والشرطية بطريق غير خطابي، فمع العجز عن الجزء أو الشرط، يكون معذورا بالنسبة إلى ترك المركب، ولا يجب عليه شئ، وذلك مثل ما إذا قيل: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4) أو يقال: " لا صلاة لمن لم يقم صلبه " (5) أو " لا صلاة إلا بتكبيرة الافتتاح " (6).


1 - تقدم في الصفحة 67. 2 - أنوار الهداية 2: 62، تهذيب الاصول 2: 166. 3 - تقدم في الصفحة 104 - 105. 4 - مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 1، الحديث 5 و 8. 5 - وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 16. 6 - وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 2، الحديث 7. (*)

[ 112 ]

ووجه ذلك: أن إفادة الجزئية والركنية أجنبية عن حالتي العجز والقدرة. وربما يستفاد ذلك بطريق خطابي، كما إذا قيل: " تشهد في الصلاة " أو " اسجد في صلاتك " أو " طف بالبيت إذا اعتمرت " وهكذا، فإنه تختلف حالتا العجز والقدرة، ضرورة امتناع خطاب العاجز، فيكون إطلاق دليل الجزء منصرفا إلى صورة القدرة، وعندئذ يقدم إطلاق دليل المركب، بمعنى أنه يتعين امتثال دليل المركب، لامتناع تصور الإطلاق لدليل الجزء. أقول: يتوجه إليه أولا: أنه ربما يستفاد من تكفل الخطاب لشئ من المركب، أنه للإرشاد إلى الجزئية، من غير النظر إلى حالة العجز والقدرة كالصورة الاولى. وثانيا: أن المحرر في محله إمكان الإطلاق بالنسبة إلى حالة العجز، لأنه خطاب قانوني، وتفصيله محرر في مواضع من هذا الكتاب (1)، فأصالة الركنية في غير صورة إطلاق دليل الجزء ممنوعة بالمرة. وتبين من البيان الأخير: أنه في صورة العجز عن الجزء والشرط، لا يسقط أمر المركب، بتوهم أنه لمكان امتناع إطلاق دليل الجزء، لا يمكن كشف وجود الأمر بالنسبة إلى المركب في صورة العجز، لأن التمسك بالإطلاق، يصح في مورد أمكن أن يعتبر المولى شيئا جزء للمركب فيما إذا أفاد الجزئية بالخطاب، فمقتضى القاعدة الأولية - بعد وجود إطلاق دليل المركب، وإهمال دليل الجزء - وجوب الامتثال بالناقص وإن كان عاجزا عن الإتيان بالجزء، فليغتنم. وغير خفي: أنه يظهر مما قررناه أن التفصيل المذكور عن الوحيد البهبهاني (رحمه الله) في مورد نسيان الجزء (2)، يرجع إلى ما ذكرناه في مورد العجز عن الجزء.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 438 وما بعدها، وفي الجزء السادس: 250. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 251. (*)

[ 113 ]

وأيضا يتضح: أنه لا حاجة إلى ما عن العلامة الأراكي (رحمه الله): " من أنه على تقدير امتناع الخطاب بالنسبة إلى الناسي في الجزء المنسي، وبالنسبة إلى العاجز في مورد العجز عنه، يمكن القول بأصالة الركنية " (1) لأن المقدار الممتنع بالنسبة إليهما هو الحكم التكليفي، وهو لا ينافي إطلاق الحكم الوضعي. هذا مع أنه لو كان الحكم الوضعي - على الإطلاق، أو في خصوص دليل واحد - تابعا للحكم التكليفي، فلا يمكن التفكيك. ولعمري، إنه ولو كانت الجزئية والشرطية قابلتين لأن تنالهما يد الجعل الاستقلالي، إلا أنه لو كان الدليل المتكفل للتكليف ذا إطلاق، فلا يعقل الإطلاق الزائد بالنسبة إلى الوضع، لأن إطلاق الوضع في الرتبة المتأخرة عن إطلاق التكليف، والإطلاق الأول موضوع للثاني، فالمقيد ولو كان العقل غير المقارن والارتكاز غير الواضح، لا يورث بقاء الإطلاق الثاني. مع أن مسألة المقيد العقلي، والتفصيل بين البديهي الأولي والثانوي، غير صحيحة محررة في محلها (2). فتحصل: أنه في صورة إطلاق دليل المركب، يجب الامتثال عقلا إذا كان دليل الجزء مهملا، ومجرد العجز عن القيد الصوري والتحليلي، لا يورث العذر بالنسبة إلى الأمر الثابت بعد صدق المركب على المقدار المقدور منه، فلا تغفل. فتحصل إلى الآن: أن الإخلال بنقصان جزء من المركب بإحدى الطوارئ الممكنة، لا تثبت أصالة الركنية - حسب القواعد العقلية، والشبهات الثبوتية - إلا بمقتضى القواعد الأولية، وهي إطلاق دليل الجزء ولو كان لدليل المركب إطلاق، إلا


1 - نهاية الأفكار 3: 423 - 425. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 245 - 248. (*)

[ 114 ]

في بعض الموارد الخاصة كالصلاة، حيث ورد عن الشرع: " أنها لا تترك بحال " (1) فتأمل. وجه عدم التمسك بالإطلاق عند العجز عن الجزء ودفعه وبقي كلام حول أن الجزئية والشرطية والقيدية المستقلة، غير قابلة لأن تعتبر في المركب بعد الأمر النفسي به، وإنما تكون أدلة الأجزاء إرشادا - على الإطلاق - إلى الجزئية والقيدية من الأول، ولا تعتبر إرشادا إلى الجزئية في الرتبة المتأخرة مع بقاء الأمر النفسي الأول. نعم، يجوز صرف النظر عن الأمر الأول، ثم اعتبار القيد في الطبيعة، ثم الأمر النفسي. فعلى هذا، لا يبقى محط للتمسك بإطلاق دليل المركب عند العجز عن الجزء منه، كي يجب الامتثال، وتصير النتيجة في مورد العجز عن الجزء: قبول الاعتذار عند ترك الكل والباقي. والسر في ذلك: أن تشخص الأمر والبعث والإرادة، بالحدود الملحوظة في المركبات، والتصرف فيها بالزيادة يوجب التصرف في الأمر المتعلق بها قهرا، وهذا معنى " أنه لا تنال الجزئية والقيدية يد الجعل الاستقلالي ". وفيه: أن تفصيله يأتي في الاستصحاب إن شاء الله تعالى (2)، وأن سر السر: أن ما هو ملاك تشخص الأمر والبعث والإرادة، عنوان واحد باق في الحالتين: حالة قبل الزيادة، وبعدها.


1 - وسائل الشيعة 2: 373، كتاب الطهارة، أبواب الاستحاضة، الباب 1، الحديث 5. 2 - يأتي في الصفحة 430 - 432. (*)

[ 115 ]

مثلا: تشخص أمر الصلاة بعنوان " الصلاة " والأجزاء فانية فيها، وهي تنحل إليها في النظرة الثانية، وحديث الأقل والأكثر قد عرفت: أنه من الأغلاط، فما به تشخص الأمر محفوظ غير متصرف فيه، لسعة عرض الصلاة، وأنها ذات عرض عريض، فلا يلزم الإشكال كي يتوهم ما قد يتوهم في أمثال الموارد. ولأجل ذلك يتبين وجه إمكان إطلاق دليل المركب ولو كان الشرع عالما بعجز المكلف عن الجزء منه. ووجه التوهم: أنه لا معنى لإطلاق دليل بالنسبة إلى فعل شئ وتركه، وإذا كان مورد التكليف شيئا متعذرا منه جزء منه، فلازمه إطلاقه بالنسبة إلى تركه. ووجه الاتضاح: أن مصب الأمر هو عنوان بسيط عرفي يتحقق مع العجز عن الجزء، فيكون إطلاقه من قبيل إطلاق دليل وجوب إكرام العالم بالنسبة إلى قيامه وقعوده، فتدبر واغتنم. تنبيه: في ركنية الجزء القربي ولو مع إهمال دليله أشرنا في البحث الأول إلى أن من الأجزاء ما لا يكون مقدورا، ويلزم منه - حسبما أفاده الشيخ (رحمه الله) - ركنية ذلك الجزء ولو كان لدليله الإهمال، وذلك هو الجزء القربي، فإن الغافل يعجز عن إتيانه حسبما عرفت (1). نعم، لا يأتي إشكاله (رحمه الله) بالنسبة إلى سائر الأجزاء، لإمكان خطاب العاجز بالنسبة إلى بقية المركب. وأنت قد أحطت خبرا بما فيه حسب كل من المسلكين: الخطاب القانوني، والخطاب الشخصي.


1 - تقدم في الصفحة 102. (*)

[ 116 ]

البحث الثالث: في الإخلال بإحدى المركبات على نحو الزيادة العمدية والسهوية والذي لا ينبغي أن يخفى ما في طريق بحث الأعلام في المقام، ويتبين ذلك بأدنى تأمل في كيفية ورودنا في بحث الإخلال بالمركب. ومن الغريب الإطناب في البحث حول المقام الثالث زائدا على مقتضى القواعد الأولية والثانوية: وهو ما إذا لم يكن المركب مأمورا به، ومع ذلك يكون مجزيا عن المأمور به ! ! وما ذلك إلا لتخيل أن الصلاة الفاقدة للأجزاء حال النسيان والجهالة، غير مأمور بها، ومع ذلك تكون مجزية، نظرا إلى إمكان تحصيل المصلحة، غافلين عن أن كشف المصلحة بدون الأمر غير ممكن، فلا تكن من الغافلين. وبالجملة: الكلام حول الإخلال بالزيادة في مرحلتين: المرحلة الاولى: في أصل تصوير ذلك ومما لا ينبغي أن يختفي: هو أنه لا يعتبر أن يكون الزائد من نوع المزيد فيه في المركبات الشرعية المتشكلة من الأجناس المختلفة، فلو لم يمكن تصوير الزيادة في الحنطة بالشعير، ولكن يمكن الزيادة في الحج والعمرة والصلاة بما ليس من سنخ سائر الأفعال والأجزاء، لأنها ركبت من الامور المختلفة، كالوقوف، والحركة المستديرة حول البيت، والمستقيمة بين الصفا والمروة، ومن الأوضاع المتشتتة في الصلاة، كما هو الواضح. وغير خفي: أن البحث هنا حول الزيادة في المركب، لا الزيادة من جنس جزء من المركب، كالركوع الثاني، والسجدة الثانية، والركعة الخامسة، فما ترى في

[ 117 ]

كلام العلامة الأراكي (1) غفلة وذهول. إذا عرفت ذلك فربما يناقش عقلا في الزيادة، نظرا إلى أن المركب بالنسبة إليه إما لا بشرط، أو بشرط شئ، أو بشرط لا: فعلى الأول: لا تضر الزيادة، لما لا يختل بها المركب، فلا تكون الزيادة في المأمور به، لما لا ينحل المركب إليها، ولا يتعلق الأمر الغيري بها ثبوتا، على تقدير إمكانه بالنسبة إلى غيرها كما تحرر (2). وعلى الثاني والثالث: يرجع إلى الإخلال بالنقيصة، لأن شرط وحدة المركب من ناحية الركوع مثلا، وشرط أن لا يكون شئ زائدا على الأجزاء المقررة، يكون من الأجزاء التحليلية والشروط العقلية، فالزيادة توجب النقيصة. أقول: ليس الكلام حول تصوير الزيادة على نعت تكون منشأ لانتزاع الجزئية عند المولى، كسائر الأجزاء المقررة جزء التي تكون منشأ لانتزاع الجزئية، في قبال انتزاع الكلية، ضرورة أنه أمر خارج عن حد اقتدار المكلف، بل الكلام حول تصوير الزيادة على وجه تكون منشأ لانتزاع الجزئية في الجملة. وما في كلام الوالد المحقق (3) والعلامة النائيني (4) وغيرهما من تصوير الزيادة العرفية، أو أن مقتضى أخذ الركوع مثلا على نعت صرف الوجود، يستلزم تحقق الزيادة (5)، غير تام، لأن الأول فرار من الشبهة وتصديق بها، والثاني يرجع إلى اعتبار قيد أول الوجود، فيكون الجزء هو الركوع على نعت كونه أول الوجود ناقض العدم، ويكون الثاني مستلزما لنقصان الركوع الطبيعي الذي اعتبر أن يكون بلا تعقب


1 - نهاية الأفكار 3: 436 - 438. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 13 وما بعدها. 3 - تهذيب الاصول 2: 374، أنوار الهداية 2: 350. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 230 - 231. 5 - مصباح الاصول 2: 466 و 467. (*)

[ 118 ]

بالثاني، وإلا فلو كان نفس طبيعة الركوع جزء، فلا يكون الركوع الثاني زيادة، لأنه لا يزيد على نفس الطبيعة، فلا تغفل. إذا تبين ذلك فاعلم: أن الجزئية تارة: تعتبر من مقام تهندس المركب واختراع الطبيعة الشرعية، كالأجزاء اللازم وجودها في مرحلة العين والخارج، وذلك مثل الفاتحة والسورة، والركوع والسجود وهكذا. واخرى: تعتبر من الأشياء اللاحقة بالفرد والمصداق، كما إذا تكرر ذكر الركوع والسجود، وأتى بالتكبيرات الافتتاحية وبالتسليم الأول المستحب، وبقوله: " ورحمة الله وبركاته " فإن الجزئية تعتبر وتنتزع بعد تحقق الطبيعة مشتملة عليها، فإذا أمر المولى ببناء دار كان منصرفه ثلاث غرف، وكذا، وكذا، ويعتبر من مرحلة تهندس الدار والمأمور بها - المتقدرة كليا وجزئيا - الغرفة الشرقية، وإذا أتى المأمور والمكلف بغرفة لطيفة زائدة على المطلوب طبعا ينتزع جزئية هذه الغرفة للدار الموجودة الخارجية بالضرورة، ويعد ذلك اصطلاحا كلواحق الفرد والمصداق. وبذلك تنحل مشكلة تصوير الجزء المستحب الغيري الموجب لكمال الفرد، من غير كونه مستحبا نفسيا في الواجب النفسي. فعلى هذا، الغافل عن لا مشروعية التكتف في الصلاة، و " أنه عمل، ولا عمل في الصلاة " (1) قد زاد في المركب في مرحلة الخارج وفي مرحلة الأعيان والتحقق من غير كونه مشرعا، كي يقال: إنه يرجع إلى الإخلال باشتراط العدم، لامتناع حصول التشريع من العالم بعدم كونه من المركب. أو يقال: إنه لو تشهد في الركعة الاولى جهلا وغفلة مثلا، فإنه لم يلاحظ


1 - قال علي بن الحسين (عليه السلام): " وضع الرجل إحدى يديه على الاخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل ". وسائل الشيعة 7: 266، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 15، الحديث 4. (*)

[ 119 ]

المولى خلو المركب من هذا التشهد، ولكنه زاد في صلاته، لأجل اعتقاد أنه من الصلاة، فيكون من لواحق الفرد، ومن غير كونه مستحبا غيريا، ولكنه جزء من هذا المصداق قهرا وطبعا. ثم إن من اللازم في صيرورة الشئ زيادة حقيقة في المركب، إتيانه بها بعنوان جزء المركب، تخيلا أنه عبادة في المركبات العبادية، ودخيلا في السبب في غير المركبات العبادية. ففي صورة العلم بعدم الجزئية، ربما يشكل انتزاع الجزئية منه في النشأتين: نشأة التقدير والتركيب الذهني، ونشأة الخارج والعين والوجود، وذلك لعدم تمشي قصد العبودية به في المركبات العبادية، ولعدم انتزاع الجزئية بمجرد الإتيان به خلال المركبات، كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: في مورد كون المركب بالقياس إليه لا بشرط، إذا أتى بما هو من سنخ أجزاء المركب، يحسب جزء منه قهرا أيضا، لعدم بطلان المركب به. ولكنه خروج عن الفرض، ضرورة أنه يرجع إلى كون المركب بالقياس إليه لا بشرط، وتكون الزيادة - كزيادة أذكار الركوع - مورد الجعل والأمر، لأن المأمور به هو القابل للصدق. اللهم إلا أن يقال: إن طبيعية الركوع أو طبيعي ذكر الركوع لو كان جزء، فالجزء يتحقق بأول الوجود، والوجود الثاني لا يتعلق به الأمر، ولا النهي، لعدم جزئية وجوده، ولا شرطية عدمه، أو جزئية عدمه، فإذا تعمد إتيان الوجود الثاني يعد من الزيادة في المركب في نشأة الخارج طبعا، كما هو كذلك في غرف الدار. وغير خفي: أن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله): " من أنه لا يتصور شق ثالث " (1) فهو صحيح إذا قيس المركب إلى الزيادة، وأما إذا قيس إلى صفة المركب - وهي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 229. (*)

[ 120 ]

وحدة الركوع - فهناك صور ثلاث. وأيضا غير خفي: أن ما في كلام العلامة المحشي الأصفهاني (رحمه الله): " من إمكان الزيادة الحقيقية، بأخذ صرف الوجود من الركوع جزء " (1) فهو أيضا إما يرجع نفس المركب بالقياس إلى الركوع الثاني لا بشرط، أو يرجع إلى أخذ صفة للركوع الأول على نحو يتضرر بالركوع الثاني، فهو من النقيصة، فطريق تصوير الزيادة الحقيقية في الجملة ينحصر على الوجه الذي سلكناه (2). ومن الغريب ذهاب العلامة النائيني هنا إلى الزيادة العرفية (3) ! ! مع أن مرجعه في مقام التطبيق هو العقل. المرحلة الثانية: في حكم المركب المشتمل على الزيادة حقيقة كانت، أو عرفية كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (4) وإليك وجوها من الكلام: الأول: في مقتضى القاعدة أن مقتضى القاعدة صحته، لأن المفروض إتيان المكلف بجميع ما يعتبر فيه، والمفروض أن الزيادة ليست مانعا شرعا، ولا قاطعا، بناء على تصويرهما، فما في كلام بعضهم من توهم مانعية الزيادة، في غير محله كما هو الواضح.


1 - نهاية الدراية 4: 345 و 348. 2 - تقدم في الصفحة 117 و 118. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 230 - 231. 4 - تهذيب الاصول 2: 377، أنوار الهداية 2: 350 - 351. (*)

[ 121 ]

كما أن توهم كون المركب بالقياس إلى جزء لا بشرط، كي يكون الوجود الثاني جزء شرعا ومورد الأمر، فاسد جدا ولو أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (1) ضرورة أن الوجود الثاني لا يعتبر جزء إذا كان الطبيعي جزء، ضرورة حصول الجزء بالوجود الأول، والأمر الغيري - مثلا على الفرض - يتوجه إليه في صورة الانحلال ولو كان الوجود الساري جزء، فيلزم الإتيان بجميع الموجودات، وهو واضح الفساد. الثاني: في إبطال الزيادة المحرمة تشريعا أن الإتيان بالزيادة المحرمة تشريعا يضر بعبادية العبادة، ويمنع عن أخذ عنوان العبودية عن مثل الصلاة وأمثالها، وقد مر اعتبار كون الصلاة وأشباهها، صالحة لانتزاع عنوان العبودية، ولاسيما إذا كان مقارنا للصلاة من أول وجودها إلى آخرها، كالتكتف في الجملة. ودعوى: أن التشريع حال الجهل لا ينافي، وحال العلم لا يمكن، غير مسموعة، للزوم عدم كونه محرما إلا بالقياس إلى الجاهل المقصر فما هو المحرم من التشريع أعم مما يقصد به أو يأتي به على شكل التشريع، كما لو كرر الركوع أو الركعات. الثالث: في إخلال الزيادة بالهيئة الاتصالي والتوالي أن الزيادة العمدية بل مطلق الزيادة، تضر بالهيئة الاتصالية، أو بالتوالي الذي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 230 - 231. (*)

[ 122 ]

هو منشأ اعتبارها في مراتب المركب كما مر، وعلى هذا يخل بالمركب في مرحلة الخارج، ويصير فاسدا. اللهم إلا أن يقال: بأن هناك تفصيلا بين الزيادة اليسيرة والكثيرة، فإن كانت يسيرة فلا يضر بها، وإن كانت كثيرة متخللة بين الأجزاء، لا مما تقارنها، مثل التكتف في الصلاة، أو غيره في غيرها مما يعد من الزيادة التحليلية، كالشروط العقلية التحليلية، فلا. وربما يخطر بالبال أن يقال: بحصول الشك في انقطاع تلك الهيئة، فتصل النوبة إلى البحث عن استصحاب الصحة التأهلية والهيئة الاتصالية، كما سيأتي البحث عنه (1) إن شاء الله تعالى. الرابع: في إخلال الزيادة الصورية بالتوالي أن الزيادة الصورية بين أجزاء المركب تخل بالتوالي، سواء كان من قبيل العبادات، أو غيرها، مثلا إذا أتى بالبسملة على الذبيحة، ثم باعتقاد أمر آخر في صحة الذبيحة - جهلا، أو تشريعا - اشتغل بذلك، فلازمه بطلان السبب لحلية الذبيحة، أو بطلان ما هو الموضوع لاعتبار الشرع حلية لحمها، لأن التوالي معتبر في تحقق ما هو الموضوع، كالعقد والإيقاع. وربما يشك في اختلال التوالي بتلك الزيادة، وسيأتي حكم صورة الشك (2).


1 - يأتي في الصفحة 127 وما بعدها. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 123 ]

تحرير: حول ما هو محط الكلام في الزيادة ربما يتوهم: أن الكلام حول مقتضى القاعدة - صحة وسقما - بالنسبة إلى الزيادة بما هي هي (1)، وهذا في غير محله، ضرورة أنه بعد كون المفروض أنها ليست منهية عنها، فلا معنى لاحتمال بطلان المركب بها بما هي هي، كي يقع مورد الكلام، فالبحث من جهة استلزامها أحيانا للإخلال ببعض ما يعتبر في المركب، كما اشير إليه. ومن الغريب توهم الزيادة من جهة المانعية والقاطعية، وقد عرفت أن الزائد من المركب، بخلاف المانع والقاطع، فإن اعتبارهما هي المضادة مع المركب، أو مع الهيئة الاتصالية. وإرجاع المانعية إلى اشتراط عدم المانع في المركب، ولازمه كون المسألة من صغريات الأقل والأكثر، كما يظهر من " الكفاية " (2) وغيرها (3)، من الغريب جدا ! ! فإن الجهة المبحوث عنها هنا هي الزيادة المعلوم عدم تعلق النهي بها، ولا الأمر بعدمها، وأنه هل أصل الازدياد في المركب يوجب عدم امتثال أمر المركب، أم لا ؟ فلو فرض أن حقيقة المانعية هي اشتراط عدم شئ في المأمور به، فالمفروض عدم تعلق النهي بهذا العدم، وعدم كونه شرطا وقيدا، فالجهة المبحوث عنها مما لا ينبغي أن تخفى على الأكابر، والأمر سهل.


1 - مصباح الاصول 2: 467 - 468. 2 - كفاية الاصول: 418. 3 - فرائد الاصول 2: 488، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 232. (*)

[ 124 ]

الخامس: حول بطلان المركب مع نية الانبعاث عن الامر المتعلق بالطبيعة المزيد فيها ربما يتوهم بطلان المركب في صورة الزيادة إذا غفل المكلف، وكان من نيته الانبعاث عن الأمر المتعلق بالطبيعة الخاصة المشتملة على تلك الزيادة على وجه التقييد، بحيث لولا التكتف لا يصلي (1). وفيه: أنه قد تحرر أن المعتبر إتيان المركب مقرونا بالقربة، حسبما تحرر في محله (2)، وهذا أمر حاصل. مع أن التقييد لا يوجب الانبعاث عن الأمر الغيري المتخيل، وما هو الأمر الباعث أحيانا هو الأمر بالمركب، على وجه يفنى فيه الجزء الزائد، فالانبعاث مخصوص بأمر المركب النفسي الواقعي جدا. السادس: في أجنبية البحث عن الزيادة في الصلاة قد تعرض جمع من الأصحاب لمباحث الزيادة في الصلاة (3)، وهذا غريب، لأن الجهة المبحوث عنها هي الزيادة في إحدى المركبات التأسيسية أو الإمضائية الشرعية، وحول مقتضى القواعد العامة، دون ما يختص بإحداها، فإنه مربوط بالفقه وكتاب الصلاة. ولعمري، إن من المشاكل هو الجمع بين ما ورد في الصلاة حول الزيادة


1 - نهاية الدراية 4: 352. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 111. 3 - نهاية الأفكار 3: 441 وما بعدها، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 238 وما بعدها، مصباح الاصول 2: 468 - 470. (*)

[ 125 ]

والنقيصة، ومن شاء نظرنا فليراجع ما كتبناه هناك (1). نعم، ربما تستنبط قاعدة كلية من قوله (عليه السلام): " فإنها زيادة في المكتوبة " (2) فإن المكتوب أعم من المفروض والمندوب، والعباديات وغير العباديات، ضرورة أن المركبات العقلائية مكتوبات إمضائية، ولاسيما في موارد تصرف الشرع باعتبار قيد أو شرط أو جزء فيها، فإذا تحققت الزيادة عقلا أو عرفا فالمركب باطل شرعا. وأما الزيادة في المركب، فربما تحصل على وجه الحقيقة كما عرفت (3)، وربما يعتبر قصد التشريع في المكتوبة على وجه يتحقق منه قصده، وربما تكفي السنخية بين الزائد والمزيد فيه، كما في السجدة الثالثة، ولا حاجة عندئذ إلى قصد الصلاة. وتصير النتيجة عدم سقوط أمر المركب لأجل تلك الزيادة على الإطلاق، سواء قلنا: بأن ذلك خاصة نفس الزيادة، أو قلنا: بأنها ترجع إلى اعتبار مانعية الزيادة على الوجه الذي عرفت منا (4)، أو ترجع إلى اشتراط عدم الزيادة في المركب، فيلزم بطلانه من أجل الإخلال بالشرط والنقيصة. كما يرجع الوجه الثاني إلى مضادته مع وجود المركب ادعاء، نظرا إلى بقاء الأمر ولزوم الإعادة والقضاء، فلا دلالة للحديث الشريف على أن الزيادة مورد النهي للاحتمال الأول. وفي موارد الشك في حصول الزيادة، ترجع المسألة إلى الأقل والأكثر، أو إلى الشك في مانعية الوجود واختلال المركب بها، وسيظهر حكم ذلك من ذي قبل إن شاء الله تعالى.


1 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 51 وما بعدها. 2 - وسائل الشيعة 6: 105، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 40، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 118 - 119. 4 - تقدم في الصفحة 56 - 57. (*)

[ 126 ]

بقي شئ: حول الفرق بين سجدة التلاوة وإقحام الصلاة في الصلاة كيف يعقل أن تكون سجدة التلاوة من الزيادة القهرية، ولا تكون موارد إقحام الصلاة في الصلاة من الزيادة، مع أنهما من سنخ واحد، وتكون أولى بذلك كما هو الظاهر ؟ ! وحيث إن التعبد في البين، فلا بأس بدعوى: أن الشرع اعتبر مطلق الزيادة في مطلق المركب، موجبا للبطلان تعبدا، وخصص مورد الاقتحام تعبدا أيضا. ودعوى قصور الحديث الشريف عن إفادة القاعدة الكلية، نظرا إلى أن سجدة التلاوة ليست زيادة إلا تعبدا، فلا يلزم منه أن كل شئ غير زائد عقلا أو عرفا، زيادة تعبدا، ومبطل تعبدا، كي يكون كل من الموضوع والمحمول من التعبد، ضرورة أن مقتضى القاعدة عدم مبطلية الزيادة بما هي هي، كما مر (1). غير مسموعة، لأنها مجرد استبعاد. مع أن في بعض المواقف تستلزم الزيادة نقيصة موجبة للبطلان حسب القاعدة. ولعمري، إن الاستبعاد المذكور هنا ليس أغرب مما في رواية أبان الوارد فيها: " يا أبان، السنة إذا قيست محق الدين " (2) فليتأمل جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 123. 2 - وسائل الشيعة 27: 41، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، الحديث 10. (*)

[ 127 ]

خاتمة الكلام في حديث استصحاب الصحة واستصحاب الهيئة الاتصالية وذلك في موارد احتمال اختلال المركب من جهة ما وقع فيه من الزيادة، بناء على عدم كونها بما هي هي موجبة للبطلان، كما عرفت في الوجه الأول (1). ونشير إلى أمرين قبل الخوض في حكم الاستصحاب: الأمر الأول: في بيان محل الكلام في استصحاب الصحة إن محل الكلام أعم مما يرى في كلام الأصحاب (2)، وذلك لأن المشكوك فيه هو اختلال المركب من جهة الالتئام الثابت بين أجزائه، بحيث لو انضم إليه بعد الشك في الأثناء سائر الأجزاء، يشك في سقوط المركب، لأجل احتمال فقد التوالي المعتبر بينها، لوجود الزيادة، أو لفقد الهيئة الاتصالية، أو لفقد صلاحية المركب لانتزاع عنوان العبودية، أو يشك في تحقق سبب النقل والانتقال، أو تحقق الإيقاع، أو تحقق التذكية، وكل ذلك لأجل وقوع الزيادة في المركب، ويحتمل اختلال المركب بها.


1 - تقدم في الصفحة 120 - 121. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 232، نهاية الأفكار 3: 441. (*)

[ 128 ]

وبعبارة اخرى: يحتمل سقوط صلاحية الأجزاء السابقة عن التئام الأجزاء اللاحقة بها، أو سقوط صحتها الفعلية، أو صحتها الشأنية والإنشائية والتأهلية، وأن يكون الشك في مانعية الزيادة وقاطعيتها، أو يشك في احتمال اشتراط عدمها في المركب، فإنه قد مر الكلام حوله (1)، وبناء الأصحاب على تقدم البراءة العقلية والشرعية في الرتبة السابقة. اللهم إلا أن يقال: لأحد إنكار جريان البراءة وكفايتها، وتصير النتيجة أن نبحث بحثا عاما في مطلق المركبات بالنسبة إلى مطلق ما يشك، حتى ما يشك في شرطية عدمه الموجب للشك في بقاء تلك الصحة والهيئة الاتصالية، كما إذا شك في اشتراط عدم القران بين السورتين، فإنه لو أتى بسورة طويلة بعد سورة، يشك في بقاء صلاحية الأجزاء المأتي بها، ولا أصل حكمي يكون مرجعا للاكتفاء بذلك المركب، وسقوط أمره، وترتيب الآثار عقيبه، إلا الأصل الحكمي، وقد فرضنا عدم كفايته. فالبحث في الحقيقة حول الاستصحاب المذكور مخصوص بصورة العلم: بأن الزيادة ليست مضرة بما هي هي، وإنما يحتمل تضرر المركب من جهة النقيصة الواردة عليه من قبلها احتمالا. ولكن يجوز توسيع البحث في صورة الشبهة الحكمية والموضوعية، بالنسبة إلى احتمال كون تلك الزيادة قاطعة، أو مانعة، أو مشروطا عدمها. إلا أن البراءة السابقة غير كافية فرضا، أو واقعا. وهذا بحث عام اصولي مفيد يبتلى به الفقيه بالنسبة إلى المركبات المختلفة، كزيادة شئ في تسبيحة الزهراء - سلام الله عليها - أو زيادة شئ في الإقامة والأذان، وغير ذلك من المركبات الابتكارية وغيرها.


1 - تقدم في الصفحة 56 - 58 و 82 - 85. (*)

[ 129 ]

الأمر الثاني: حول حقيقة الصحة والفساد وكيفية اتصاف المركب بهما قد تحرر منا حقيقة الصحة والفساد وأمثالهما في المجلد الأول (1)، وفي موضع من المكاسب والبيع. وإجماله: أن ما أشتهر: " من أن الطبيعة في النشأة الذهنية والمركب في الوجود الذهني، لا يوصف بالصحة والفساد " (2) مما لا شبهة تعتريه. وإنما المركب يوصف بهما بعد الوجود، وإنما الاشتباه من طائفة الاصوليين، وما كان ينبغي لمن هو يلمس المسائل العقلية، وهو أن الصحة أمر انتزاعي من مطابقة المأتي به مع المأمور به، والفساد في غير هذه الصورة. وأنت خبير: بأن حد المركبات الاعتبارية والتأليفية حد المركبات الطبيعية، والطبيعي يوجد بنفسه في الخارج، ولا يقاس ولا يطابق بين ما هو الفرد، وما هو الطبيعة والمركب، بل المركب يوجد بنفسه في الخارج، فالإنسان يوجد بنفسه في الخارج، وهكذا الصلاة، ولأجل ذلك يصح توصيف ما في الخارج من الصلاة ب‍ " الواجب " بعد وجودها، وب‍ " أنها صلاة فريضة وجدت فيه ". وإنما تختلف المركبات من جهة أن بعضا منها زماني، وبعضا منها تدريجي الوجود منطبق على الزمان، كالمركبات العقلائية والشرعية والابتكارية، مثل الأذان والإقامة، فلو كانت الصحة منتزعة من المطابقة، يلزم أن تكون الأجزاء المعدومة السابقة منشأ لذلك، ودخيلة فيه، مع أن المعدوم المطلق لا شئ، ولا يحكم عليه بشئ، فضلا عن ذلك. وهذا ليس خافيا على العرف كي يقال: إن المسألة عرفية.


1 - تقدم في الجزء الرابع: 312 - 317. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 457، نهاية الأفكار 1: 74، نهاية الاصول: 47 و 280 - 281. (*)

[ 130 ]

فعلى ما تحرر، المركب الذي اعتبر له الأجزاء، وتعلق به الأمر، أو اعتبر سببا أو موضوعا لأمر آخر، قد يوجد تدريجا بتمام الأجزاء، فإذا تحقق في الخارج ينتزع عنه الصحة، وإلا فلا، فالخارج ظرف انتزاع الصحة والفساد من غير كون الصحة والفساد جزءين، كما أن الخارجية ينتزع عن الإنسان العيني من غير دخالة الخارجية في ماهية ذلك المركب، كما ترى. ولنعم ما قيل: " إن الصحة هي التمامية " (1) فإن معناها هو أن المركب في النسبة الذهنية وفي مرحلة التهندس، ليس إلا نفس الأجزاء الفانية في العنوان الواحد، كالحج والعمرة والصلاة والوضوء، فإذا اشتغل المكلف مثلا بإيجادها وجعلها خارجية، يوجد تدريجا ذلك المركب، فإن حصل في الخارج بتمامه فقد أوجد الصحيح والتام، وإلا فلا، وأما حين الاشتغال بإيجاده فهو مشغول بإيجاد المركب، وقد أوجد إلى تلك الحال الوجود الصحيح والمركب بتمامه إلى تلك الحال، وإذا أبطل صلاته وقد أخل بإيجاد الوجود الصحيح، ولم يوجد في الخارج وجودا صحيحا كما لا يخفى، فإن الأسرار تحت التعابير. فالصحة التأهلية والشأنية بالقياس إلى الأجزاء الفانية، من الأغلاط، ودعوى اتصافها بالصفة الاستعدادية والقابلية والصلاحية للحوق سائر الأجزاء (2)، أوضح غلطا. ولو كان لنا الاعتقاد بما في كلمات القوم، يمكن الصحة الفعلية بالنسبة إلى تلك الأجزاء بالنسبة إلى الأوامر الضمنية، ضرورة سقوط تلك الأوامر تدريجا، فإذا أتى ببقية الأجزاء سقط الأمر الضمني الأخير، وإلا ينكشف عدم سقوط الأمر الضمني من الأول بتاتا.


1 - كفاية الاصول: 220، نهاية الدراية 4: 360. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 233، تهذيب الاصول 2: 380 و 381. (*)

[ 131 ]

التحقيق في استصحاب الصحة إذا عرفت الأمرين فنقول: مقالة الشيخ (رحمه الله) أن استصحاب الصحة الفعلية لا حالة سابقة لها، واستصحاب الصحة الشأنية لا شك في بقائها (1). وفي تعبير آخر: هو استصحاب تعليقي غير جار في ذاته. مع أنه لا شك في بقائها. وفي " تهذيب الاصول " توصيف الأجزاء السابقة ب‍ " الاستعداد " وب‍ " الحيثية الاستعدادية للحوق الأجزاء اللاحقة " (2) وهذا أمر مشكوك فيه، إلا أن الأصل مثبت، ولا يمكن الفرار به عن الاشتغال اليقيني. وربما يقال: بكفاية استصحاب عدم تحقق ما يضر أثناء المركب (3)، وهو غير تام بالنسبة إلى مورد اشتراط عدم الزيادة في المركب احتمالا كما مر (4). مع أنه لا تثبت به تمامية المركب والصحة الفعلية، كي يقال: بحكومة هذا الاستصحاب على ذاك الاستصحاب الوجودي. وأما المناقشة: بأن الوجود الصحيح كان يوجد، ويشك في بقائه، وهذا غير معقول، لأن مصب اليقين والشك شيئان، فمندفعة: بما سيأتي إن شاء الله تعالى في إمكان استصحاب الامور التدريجية كالزمان، وما ينطبق على الزمان، كالحركة وأمثال هذه المركبات (5).


1 - فرائد الاصول 2: 488. 2 - تهذيب الاصول 2: 380 - 381، أنوار الهداية 2: 359. 3 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 378 - 379. 4 - تقدم في الصفحة 127 - 128. 5 - يأتي في الصفحة 508 وما بعدها. (*)

[ 132 ]

وبالجملة: قضية ما تحرر أن تقسيم الصحة إلى الفعلية والشأنية، من الأغلاط. وتوهم عدم وجود الشك في البقاء (1)، غير تام، لأن المكلف كان مشتغلا بإيجاد الوجود الصحيح، وشك - لأجل تلك الزيادة - في بقائه على إيجاد الوجود الصحيح، كالشك في بقائه على إيجاد الحركة، وإنما إذا أتى بتمام المركب فقد أوجد الوجود الصحيح بتمامه وبحده، وإذا أخل به في الأثناء فقد أبطل الوجود الصحيح غير التام، ولذلك يصح اعتبار تحريم إبطال الصلاة وأمثالها. وبالجملة: ما يوصف به الصحة الفعلية التامة والناقصة، هو الوجود المتدرج الموجود به المركب المتدرج الوجود أيضا، لاتحاد الماهية والوجود في الدفعية والتدريجية. وإنما الشبهة: هي أن محط الصحة والوجود هو الخارج، ولا يعتبر في المركب شئ زائد على الأجزاء المعلومة، وليس وصف " الصحة " مصب الأمر كي يفيد الاستصحاب، وإنما تحقق المركب - وجدانا، أو تعبدا - يكفي قبال القاعدة المقتضية للاشتغال، من غير دخالة وصف التحقق والخارجية في ذلك، بل لابد وأن يدرك العقل أن المأمور به المبعوث إليه، قد تحصل وسقط الأمر قهرا، فاستصحاب اشتغاله بالوجود الصحيح إلى آخر المركب وأخيرة أجزائه، غير كاف في قبال العلم بالاشتغال في المركبات الواجبة، أو العلم بالأمر في المندوبة، أو أصالة الفساد والحرمة في كافة المركبات غير العبادية. والسر كل السر: أن المستصحب ليس مورد الطلب، ولا متعلق متعلق الطلب. اللهم إلا أن يوجه بوجهين: أحدهما: ما تحرر منا قويا، وهو أن حقيقة الاستصحاب هي التعبد ببقاء


1 - فرائد الاصول 2: 488 و 489. (*)

[ 133 ]

اليقين المقطوع انتفاؤه (1)، أي وصف اليقين الملازم لترتب آثاره من الطريقية والموضوعية، من غير النظر إلى المتيقن، وكونه محتمل البقاء، أو كونه حكما، أو موضوعا ذا حكم، بل النظر إلى أصل التعبد بمصداق اليقين في ظرف الشك، المماثل لليقين السابق في الآثار. ولا شبهة في أنه كما لو كان متيقنا بأنه مشغول بالوجود الصحيح، ولا يضر ما تخلل بين أجزاء المركب، كان يجب عليه الإتمام، ويحرم عليه الإبطال، كذلك الأمر في مورد الشك، وتفصيله في الاستصحاب (2) إن شاء الله تعالى. ثانيهما: هو أن يقال: إن المشتغل بالمركب مثل الصلاة والوضوء والاعتكاف، كان يعلم باشتغاله بذلك المركب المأمور به، أو بذلك المركب الذي له السببية عند الشرع، أو بذلك المركب الذي له الموضوعية عند الشرع، ويشك في بقاء اشتغاله بذلك المركب الكذائي، وتصير النتيجة طبعا: حصول المركب المأمور به وما هو السبب والموضوع، وهذا يكفي من غير أن يتوجه إليه إشكال المثبتية بعد ما عرفت أنه شك في بقاء اشتغاله بذلك المركب، فلا يتوجه إليه إشكال الشيخ (3)، ولا يكون من الاستصحاب التعليقي. اللهم إلا أن يقال: إنه يتوجه إليه أنه ليس من الاستصحاب الحكمي، ولا كالحكمي كاستصحاب عدم الوجوب والجعل، ولا من الاستصحاب الموضوعي، ولا كالموضوعي كاستصحاب عدم علم زيد، لإخراجه عن موضوع " أكرم العلماء " فينحصر الوجه بالوجه الأول، فتأمل.


1 - يأتي في الصفحة 404. 2 - نفس المصدر. 3 - فرائد الاصول 2: 488 - 489. (*)

[ 134 ]

بقي شئ: في استصحاب الهيئة الاتصالية عند الشك في حصول القاطع يظهر من الشيخ (قدس سره): أن في المركبات المعتبرة فيها الهيئة الاتصالية، يجري استصحاب بقاء تلك الهيئة عند الشك في حصول القاطع (1). وحديث تدريجية الهيئة ليس أسوأ حالا من تدريجية الزمان (2). وبعبارة مني: إنه ولو لم تكن تلك الهيئة مورد الطلب إلا بمطلوبية المواد المتوالية لحصولها، إلا أن حصولها القهري لا ينافي مطلوبيتها الشرعية كي يستصحب تلك الهيئة، فلو شك مثلا في قاطعية التبسم حكما، وقلنا بعدم جريان البراءة مثلا، أو قلنا بقاطعية الأكل، وشك في تحققه، أو قلنا بعدم جريان استصحاب عدم تحقق الأكل، لعدم كفايته، أو شك في حصول الفراق بين المواد بمقدار انقطعت الأجزاء أو غير ذلك، ففي كل صورة يجري هذا الاستصحاب الموضوعي، وتصير النتيجة تحقق المركب على صفته الخاصة، ويترتب عليه الأثر. أقول: الكلام في اعتبار الهيئة الاتصالية للمركب ودليله، موكول إلى الفقه، وقد أشرنا إلى مغزى المرام في بعض البحوث السابقة (3)، وإنما الإشكال في أنها مورد الطلب شرعا، كي يستنتج بالاستصحاب شئ، أم هو أمر غير مورد للطلب، ولا يتعلق به الأمر وإن عد جزء صوريا، وذلك لتحققه بتحقق المواد متوالية، فلا طلب للشرع وراء المواد والتوالي، فلا استصحاب مفيد في المسألة. اللهم إلا أن يقال: إن المطلوبية اللازمة في جريان الاستصحاب، أعم من كونها مطلوبية وضعية، أو تكليفية، أو قهرية، وتلك الهيئة مورد الطلب قهرا، ونظرا


1 - فرائد الاصول 2: 489. 2 - نهاية الأفكار 3: 417. 3 - تقدم في الصفحة 86 وما بعدها. (*)

[ 135 ]

إلى أن في مورد اختلال المركب من ناحية الهيئة الاتصالية بوقوع الزيادة الموجبة للشك المقتضي للاشتغال، تكون تلك الهيئة مورد الطلب فينتج الاستصحاب. ومن ذلك يظهر مواقع النظر في كلمات القوم، والأمر سهل بعد ما عرفت حقيقة المرام في المقام. تنبيه: في مرجعية الاشتغال مع عدم جريان الاستصحاب الاستصحاب إن كان يجري فلا أصل يقتضي الاشتغال إلا علم إجمالي منجز. وإن كان لا يجري، فيمكن دعوى العلم الإجمالي: بأنه إما يجب عليه الإتمام ويحرم عليه الإبطال، أو تجب عليه الإعادة. ولكنه لا ينفع شيئا، لأن وجوب الإعادة عقلي، لا شرعي كي يتنجز العلم، فعندئذ تكون حرمة إبطال ما بيده ممنوعة، للشبهة الموضوعية. ولو أتى به لا يجوز له الاكتفاء بما أتى به، لقاعدة الاشتغال، كما هو الظاهر. البحث الرابع: في موارد الاضطرار إلى إيجاد المانع والقاطع، والاضطرار والإكراه على ترك الجزء الصوري أو التحليلي أولا: لا ينبغي الخلط بين العجز عن الجزء، وبين الاضطرار والإكراه، ضرورة إمكان التزام الشرع بالجزء في صورة الضرورة والإكراه، وأنه يجب عليه المركب على الإطلاق وإن استلزم فسادا في الأرض مالا أو نفسا، ففرق واضح بين صورة العجز وغيرها عقلا كما مر سابقا، ولا ينبغي الخلط بين العنوانين، لأن المراد من " الاضطرار " هو صورة انحفاظ القدرة العقلية، والمراد من " العجز والتعذر " هو

[ 136 ]

صورة فقد القدرة العقلية، لأن الأدلة الثانوية ناظرة إلى الاضطرار العرفي المجامع للقدرة العقلية، فلابد من عقد بحثين، ومراعاة القواعد في مقامين. وثانيا: أن الاضطرار يتصور بالقياس إلى إيجاد المانع والقاطع، والإكراه يتصور بالقياس إليهما وإلى ترك الجزء والشرط، بأن يكرهه المكره على إيجاد المركب الناقص بترك السورة مثلا، وأما الاضطرار إلى ترك السورة فلا معنى له. نعم، ربما يتصور الاضطرار بالنسبة إلى إتيان المركب بدون السورة، في صورة إكراه المكره على أنه لو كان يصلي فلا يصلي إلا بدون السورة، فإنه يضطر إلى أن يصلي بدون السورة، وإلا فالاضطرار إلى ترك شئ بدوا غير معقول، فتأمل، والأمر سهل. وثالثا: قد تحرر سابقا أن الجهة المبحوث عنها، هي الإخلال بالمركب بالنقيصة أو الزيادة، أو إيجاد المانع والقاطع (1)، وأنه لا يكون هناك إلا الأمر بالمركب وإمضائه، والأمر بالجزء، أو ما يكون مثل الأمر، ولم يكن في البين قرينة خاصة، فإنه لو قامت القرينة على أن الصلاة لا تترك بحال، فهو بحث راجع إلى المقام الثاني، وعلى خلاف مقتضى القاعدة، وأنه يكون البحث في صورة كون دليل الجزء والمانع والقاطع مثلا له الإطلاق، سواء كان لدليل المركب إطلاق، أو لم يكن، ضرورة تقدم إطلاق دليل الجزء وما شابهه على دليل المركب بالضرورة، مع قطع النظر عن القرينة الخاصة. فما في " تهذيب الاصول " (2) من المناقشة بتقدم دليل المركب على إطلاق دليل الجزء، كقوله: " لا تترك الصلاة بحال " (3) فهو اشتباه. والتفصيل بين أنحاء إفادة


1 - تقدم في الصفحة 95 و 96. 2 - تهذيب الاصول 2: 392 و 393. 3 - وسائل الشيعة 4: 373، كتاب الطهارة، أبواب الاستحاضة، الباب 1، الحديث 5. (*)

[ 137 ]

الجزئية على الوجه المنسوب إلى البهبهاني (رحمه الله) (1) في غير محله كما عرفت. نعم، الكلام حول صورة إمكان تحقق المركب بعنوانه، والاضطرار والإكراه على إيجاد المانع وترك الجزء، فلو كان دليل الجزء - فرضا - يفيد أن الطبيعة الفاقدة للجزء، ليست طبيعة الصلاة أو العمرة، كما ورد: أنه " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (2) أو " لا صلاة إلا بتكبيرة الافتتاح " (3) أو "... لمن لم يقم صلبه " (4) فيلزم خروجه عن الجهة المبحوث عنها، لأنه يلزم في صورة ترك التكبيرة، عدم صدق العنوان تعبدا على ما في الخارج، ولازمه خروجه عن محط الكلام، وإن كان الأظهر أنها لا تفيد أزيد من الجزئية، وتفصيله في كتاب الصلاة (5). ومما يوجب الخروج عن محط النزاع صورة إيجاد المانع على الإطلاق، والقاطع في الجملة، فإنه على ما مر لا يتصور المانع إلا بالقياس إلى وجود المركب (6)، وهذا غير ممكن إلا بضميمة دعوى: أن ما وجد في الخارج غير موجود تعبدا، وأن الطبيعة والصلاة المقرونة مع المانع ليست بصلاة ادعاء، فعندئذ لو اضطر أو اكره على إيجاد المانع، أو القاطع في الجملة كما عرفت، فالمركب غير متحقق ادعاء، فيلزم الخروج عن محط البحث: وهو أن يكون ما في الخارج مصداق المركب المأمور به. هذا في صورة إطلاق دليل الجزء على الوجه المزبور، ودليل المانع والقاطع. وأما في صورة كون القاطع قاطعا تكوينا وعرفا، فالخروج عن محط النزاع


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 251. 2 - مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5 و 8. 3 - وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 2، الحديث 7. 4 - وسائل الشيعة 6: 321، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 16. 5 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 191 - 193. 6 - تقدم في الصفحة 56 - 57. (*)

[ 138 ]

أوضح، وهكذا لو اكره على ترك أكثر الأجزاء أو اضطر إلى ترك معظم الأجزاء. ورابعا: مقتضى القاعدة وجوب الإتيان بالمركب بعد كونه ذا إطلاق، ومجرد الاضطرار والإكراه وتحمل المشقات والضرر المالي البدني وغيرهما، لا يوجب الاعتذار بالقياس إلى الأمر الشرعي حسب القواعد الأولية، لإمكان أمر الشرع بالمركب التام، والتزامه بجميع ما يستلزمه من المفاسد وخلاف المصالح، كما هو كذلك في عدم صحة الطلاق الفاقد للشرط أو النكاح وغير ذلك. مثلا: إذا اكره على قتل زيد وإلا يقتل، لا يجوز له قتله وإن قتل، فلا ينبغي الخلط بين مقتضى القواعد الأولية، ومقتضى القواعد الثانوية. نعم، إذا لم يكن لدليل المركب إطلاق، فيجوز دعوى عدم وجوبه في صورة الاضطرار والمشقة والإكراه والتضرر، ويجوز الأخذ بالقدر المتيقن، فلا يتم بيان المولى بالنسبة إلى المركب المذكور. نعم، لو قام دليل على الإعادة والقضاء، أو قامت الأدلة على أصالة الفساد في الوضعيات - كما هو كذلك - فلابد من إيجاد المركب التام، لأن المفروض إطلاق دليل الجزء والشرط والمانع والقاطع، وذلك لأنه لا يعلم بإمضاء الشرع بالنسبة إلى المركب الناقص، فلا تغفل. نعم، في صورة إهمال دليل الجزء، وإطلاق دليل المركب، يكون الأمر واضحا. وبالجملة تحصل: أنه في صورة إطلاق دليل المركب والجزء - على وجه لا يلزم الخروج عن محل النزاع - يكون مقتضى القاعدة وجوب المركب بجميع ما له من الأجزاء، ولا يعد الاضطرار العرفي عذرا، وهكذا الإكراه، لإمكان التزام الشرع بواجبه على الإطلاق. فما ذهب إليه المشهور: " من أنه في صورة الإكراه والاضطرار العرفي، يكون

[ 139 ]

مقتضى القاعدة الأولية عدم وجوب الناقص " (1) في غير محله، لأن إطلاق دليل المركب كاف لعدم مقبولية عذرية الاضطرار والإكراه العرفيين، فلو اضطر إلى إيجاد المانع يجب عليه إتيان المركب، وترك المانع، وتحمل المشقات البدنية والمالية، حسب الأدلة الأولية بعد فرض إطلاق دليل المركب والجزء على الوجه المحرر. وعلى هذا، لو نسي المانع والقاطع فالمركب غير متحقق، وتجب الإعادة والقضاء حسب الأدلة الأولية. نعم، مقتضى القاعدة الثانوية، تقييد إطلاق دليل الجزء والشرط في غير الصور التي تلزم الخروج عن محل النزاع، وتفصيله يأتي إن شاء الله تعالى (2). كما أن في صورة إهمال دليل الجزء والشرط، وإطلاق دليل المركب، يكون المرجع إطلاقه كما هو الواضح. فعلى ما تبين، لا يقاس الاضطرار والإكراه بالعجز العقلي والنسيان، ضرورة أنه في صورة إطلاق دليل الجزء والمركب يمكن إيجاب تحمل الاضطرار والإكراه، ولا معنى لذلك في صورة العجز والنسيان، فإنه يسقط أمر المركب مع إطلاق دليل الجزء، بخلاف ما نحن فيه. تذنيب: في دعوى البراءة عن وجوب المركب لتعارض الإطلاقين ودفعها ربما يخطر بالبال أن يقال: إنه لو فرضنا إطلاق دليل المركب، وإطلاق دليل الجزء، لا يكون الإطلاق الثاني مقدما على الأول، وقضية القرينة الخروج عن محط


1 - تهذيب الاصول 2: 395، كفاية الاصول: 419، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 251. 2 - يأتي في الصفحة 170 وما بعدها. (*)

[ 140 ]

البحث، ولاسيما قرينية قوله: " لا تترك الصلاة بحال " (1) فإنه راجع إلى القواعد الثانوية، لتعرض دليل المركب للحال الطارئة من العجز والاضطرار وغير ذلك مثلا. وأما وجه معارضة الإطلاقين، فهو أن حقيقة إطلاق دليل المركب ليست إلا أن الصلاة واجبة، أو الأذان والإقامة مستحبان، أو الحج والعمرة فرضان، سواء أتى بالسورة أو لم يأت بها، أو أتى بالتكبيرة أو لم يأت بها، أو أتى بالشوط السابع أم لم يأت به، وحقيقة إطلاق دليل الجزء هو أن كل واحد من المذكورات جزء المركب، سواء عجز أو قدر، وسواء نسي أو تذكر، وسواء اضطر أو اكره، أو لم يضطر ولم يكره، وتصير النتيجة البراءة عن وجوب المركب، لتعارض الإطلاقين. وفيه: أن المحرر في محله أن حقيقة الإطلاق ليست جمع القيود والتسرية، بل ولا ملاحظة رفض القيود. بل قد ذكرنا في وجه رجوع اختلاف الأعلام إلى شئ واحد: أن الإطلاق أمر يعتبر من أخذ الطبيعة موضوعا للحكم، بشرط كونه بصدد بيان مرامه على ما مر تفصيله (2)، فعندئذ ليس في المقام إلا أن الصلاة أو العمرة فرض، وأن السورة جزء للصلاة، والطواف جزء للعمرة، ولا شبهة في تقدم الثاني على الأول، لتعرض الثاني لخصوصية في موضوع الأول، فلا تغفل. نعم، ربما يمكن التردد في تقدم الثاني على الأول: وهو في صورة وجود الإطلاقات الكثيرة في ناحية دليل المركب، والإطلاق الواحد في دليل الشرط والجزء، وهذا ما هو المحكي عن شيخ مشايخنا جد أولادي (رحمه الله) في باب المطلق والمقيد (3).


1 - تقدم في الصفحة 136. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 439 وما بعدها. 3 - لم نعثر عليه في الدرر ولا في سائر مظانه في هذه العجالة. (*)

[ 141 ]

ولا يلزم من هذا الفرض الخروج عن محط النزاع، لأنه غير القرينة التي تعرض لها القوم، فإنها مخصوصة بمركب خاص، وهذا أمر عام في مطلق المركبات الشرعية، ضرورة وجود الأدلة الكثيرة على مطلوبية عنوان المركب على الإطلاق، بعد الفراغ عن كون أدلة المركبات ذات إطلاق، وليست لمجرد التشريع كما مر (1). وعلى كل حال: لو تم ما افيد في محله فلا يتم ذلك هنا، ضرورة أن دليل الجزء يتكفل حد الطبيعة وخصوصية ذات المركب في افق الطلب، لا الاسم والعنوان، وهذا نظير ما إذا وردت الأدلة الكثيرة على وجوب عتق الرقبة، وورد دليل واحد على أن الإيمان جزء محط الأمر، بخلاف ما إذا ورد النهي عن عتق الرقبة الكافرة، فليتأمل. ذنابة: فيها تأييد لوجوب الإتيان بالمركب مع الجزء وتحمل الاضطرار مما يؤيد ما أبدعناه من وجوب القيام بالمركب مع الجزء، وتحمل الاضطرار والإكراه: ورود الأدلة الثانوية والقواعد الاخر النافية للحكم في صورة الاضطرار والإكراه، وفي صورة الضرر والضرار، فما أفاده القوم من مقبولية الاضطرار عذرا بترك المركب، وجريان البراءة العقلية والشرعية (2)، غير تام جدا. كما أن مقتضى ما سلكناه وأبدعناه في تحرير محط النزاع، لا يجري بحث الاضطرار إلى المانع والقاطع، كي يقع الكلام في كيفية استفادة المانعية من النهي النفسي، أو النهي المشابه للنهي في باب الاجتماع والامتناع. مع أنهما عندنا واحد،


1 - تقدم في الصفحة 107. 2 - كفاية الاصول: 419، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 251، تهذيب الاصول 2: 395. (*)

[ 142 ]

والمانعية لا تستفاد على الفرض إلا من النهي الإرشادي إلى التمانع، كما في سائر النواهي الواردة حول المركبات، وهكذا الأوامر. إلى هنا انتهى بحوث مقتضى القواعد الأولية والشبهات العقلية حولها. مقتضى القواعد الثانوية الإثباتية في صورة الإخلال بالمركب وبقي كلام حول مقتضى القواعد الثانوية بالنسبة إلى الإخلال بالمركب من المركبات التأسيسية، كالأذان والإقامة وتسبيحات الزهراء - سلام الله عليها - أو العبادية الإمضائية، كالحج والعمرة والصلاة، وغير العبادية الإمضائية، كالعقود والإيقاعات، وغير ذلك مما عرفت. وقبل الخوض في تلك المباحث، لابد وأن نشير إلى أمر زائد على ما مر في البحث السابق في تحرير محط البحث (1)، ضرورة أن الكلام حول الاختلال والإخلال بالنقيصة والزيادة، على وجه يصدق على ما في الخارج عنوان المركب، فلا كلام حول ما إذا عجز عن معظم أجزاء العمرة والحج، أو أكثر أجزاء الصلاة وغيرهما، ولا في صورة نسيان معظم الأجزاء، بحيث لا يصدق على المأتي به عنوان الصلاة، ضرورة أنه عند عدم صدق العنوان المذكور، لا تشمله الأدلة العامة. نعم، ربما يدل على خصوص بعض المركبات، الأدلة الخاصة المستفاد منها معنى أعم، كما في صلاة الغرقى، فلا تخلط. إذا عرفت ذلك كما اشير إليه اعلم: أن ميزان القاعدة الأولية والثانوية أمر ربما يكون أصلا شرعيا - كالاستصحاب - من القاعدة الأولية، ودليلا اجتهاديا من


1 - تقدم في الصفحة 95 - 97. (*)

[ 143 ]

القاعدة الثانوية. وقد وقع الخلط في كلمات القوم هنا، وذلك لأن القاعدة الأولية هي الأدلة المقتضية لمشروعية المركبات أو وجوبها، من غير النظر إلى حال من الأحوال الطارئة، كالنسيان، والخطأ، والعجز، والاضطرار، والإكراه. والقاعدة الثانوية هي الأدلة المتعرضة لحال من تلك الأحوال الطارئة بالنسبة إلى المركب، أو مجموع الأحوال على نحو الدلالة اللفظية، كما ترى في قاعدة حديث الرفع وغيرها، وهكذا في رواية: " الصلاة لا تترك بحال " (1) فإنها من أدلة القواعد الثانوية، لتعرضها للأحوال الطارئة من الاضطرار والعجز والإكراه والنسيان وغيرها. فعلى هذا، لا يكون الاستصحاب المتمسك به هنا من أدلة القواعد الثانوية، ضرورة أن مجراه هو إبقاء وجوب المركب، فلابد أولا من كون المتعذر بوجه يصدق معه عنوان المركب على الباقي، وأنه لا يكون متعرضا للحال الطارئة من العجز وغيره من موارد جريانه محققا أو فرضا، فإن من الممكن إهمال دليل المركب، وطرو العجز بالنسبة إلى الجزء الذي يكون لدليله الإطلاق، أو يمكن أن يصل المجتهد إلى معارضة الإطلاقين، فيتمسك بالاستصحاب الحكمي وهكذا، فمثل الاستصحاب الحكمي هنا مثل إطلاق دليل المركب، فإن مجرد كون مفاد الحجة وجوب الناقص، لا يلزم منه كونه من القواعد الثانوية، فاغتنم. وإن شئت قلت: إن هناك أنظارا ثلاثة: الأول: في مقتضى القواعد الأولية الاجتهادية. والثاني: حول مقتضى القواعد الفقهائية والاصول العملية.


1 - تقدم في الصفحة 136. (*)

[ 144 ]

والثالث: حول مقتضى الأدلة والقواعد الاجتهادية الثانوية، فإن المفروض في القواعد الثانوية إطلاق دليل الجزء، وبطلان المركب بدونه، وعلى كل حال الأمر سهل. إذا تبينت هذه النكتة والميزان فاعلم: أن هناك مباحث: المبحث الأول: حول مقتضى الاصول العملية في صورة نسيان جزء المركب ولم يكن لدليله الإطلاق فإنه في محط النزاع - وهو نسيان الجزء غير المقوم للاسم ولحقيقة المركب عرفا أو تعبدا - تجري البراءة عن جزئية الجزء المنسي، لإمكان اختصاص الجزئية بصورة الذكر. إلا أن في موارد المركبات الشرعية التكليفية لا يأتي إشكال المثبتية، لأن المنظور عدم جواز المؤاخذة على ترك المركب والباقي بترك الجزء المنسي المرفوعة جزئيته، وأما في الأسباب والمسببات ففيه إشكال المثبتية، للحاجة إلى إثبات سببية الباقي، أو موضوعيته لحكم العقلاء. اللهم إلا أن يقال: إن المفروض صدق السببية، وتمامية الموضوعية عرفا، فلا حاجة إلا إلى نفي جزئية الجزء المذكور، والمفروض أن الشك في إمضاء الباقي للتسبب، أو إمضاء الشرع موضوعية الباقي، مسبب عن الشك في الجزئية المرفوعة شرعا، فلا حاجة إلى الأكثر من ذلك كي يلزم إشكال المثبتية، وقد مر تفصيله في الشك في التكليف الغيري وحول مورد الجهل بالجزئية (1). بقي ما هو المهم في المقام: وهي صورة إطلاق دليل الجزء، وطرو النسيان،


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 104. (*)

[ 145 ]

فإنه بمقتضى إطلاق دليل البراءة الشرعية رفع جزئية المنسي، ومقتضى استصحاب بقاء التكليف - على الوجه المحرر في الأقل والأكثر - وجوب الإعادة، ويكون الشك الاستصحابي مسببا عن الشك البراءتي، وحيث يتقدم الأصل السببي على المسببي لا تصل النوبة إلى الاستصحاب المذكور. وهذا الاستصحاب هو المتمسك به في الأقل والأكثر، ومضى تفصيله (1)، وقد يتمسك به الأصحاب في مورد العجز والعذر بالنسبة إلى الجزء، كما يأتي تفصيله (2) إن شاء الله تعالى. والذي هو التحقيق: أن البراءة الحاكمة على إطلاق دليل الجزئية يوجب التقييد، كما تحرر في مورد الجهل بالجزئية (3)، من غير لزوم إشكال في البين، وعندئذ لا محط للاستصحاب واقعا. وأما إذا قلنا: بأنها حكم ظاهري، والجزئية باقية على حالها الواقعية، فالاستصحاب المسببي ينجز التكليف إذا فرضنا جريانه، كما هو الحق وتأتي محتملاته (4)، ونتيجة تنجيزه انتفاء موضوع البراءة. أو يقال: إنه لا تعارض بين البراءة عن الجزئية الظاهرية، وبين تنجز التكليف الواقعي المقتضي عقلا للزوم الإعادة، واللغوية اللازمة من ذلك غير لازم الفرار منها، لأنها حاصلة من إطلاق حديث الرفع (5).


1 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 164 وما بعدها. 3 - تقدم في الجزء السابع: 72 - 76، 104 - 105. 4 - يأتي في الصفحة 161 - 165. 5 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 146 ]

هذا مع أن المحرر عندنا: أن الاستصحاب أمارة تعبدية تكون حاكمة على البراءة ولو كانت جارية في الشك السببي، كقيام البينة في مورد الشك المسببي، فلا تغفل. وما هو العمدة بعد الإذعان بجريان الاستصحاب عند التذكر إلى نسيان الجزء، تقدمه على البراءة حسبما أبدعناه في مفاد: " لا تنقض اليقين... " (1) الآتي إن شاء الله تعالى. ذنابة: حول التمسك بحديث الرفع لنفي جزئية المنسي من الغريب توهم: أن رفع جزئية الجزء المنسي بالنسبة إلى المأتي به، خارج عن مفاد دليل الرفع، لأنه فرد قد اتي به ناقصا، ودليل الرفع ناظر إلى الطبيعة دون الفرد. وهذا ذهول عن أن مورد حديث الرفع، طبيعة الجزء غير المأتي به نسيانا، وحيث إن مقتضى إطلاق دليله الجزئية الملازمة لبطلان المأتي به يمكن رفع هذا الإطلاق، إما واقعا كما هو التحقيق عندنا، أو ظاهرا. وليس النظر إلى إثبات كون الباقي مصداقا، أو ذا صفة ثبوتية، أو عدمية، بل كل ذلك أمر واضح إلا حصول الامتثال وسقوط الأمر، وحيث إن وجوب الامتثال وحصوله، من الآثار الثابتة للأعم من الحكم الواقعي والظاهري، أو إن الشك في حصول الامتثال، ناشئ من إطلاق الجزئية المقيد بالحديث، فلا يبقى بعد ذلك شك في مرحلة الامتثال والأمر، فلا وجه لتخيل عدم شمول الحديث لما نحن فيه.


1 - وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. (*)

[ 147 ]

وما في كلام العلامة الأراكي وغيره: " من أن رفع الجزئية غير معقول إلا برفع الأمر عن الكل، ثم تعلق الأمر الآخر بالباقي، وهذا خارج عن نصاب مفاد الحديث " (1) خال من التحصيل، لإمكان جعل الجزئية ورفعها من غير لزوم إشكال في الأمر المتعلق بالكل، وذلك لما سيأتي من جريان الاستصحاب الحكمي الشخصي (2)، وقد مر في الأقل والأكثر: أن القليل والكثير ليس متعلق الأمر النفسي، وأساس الأقل والأكثر من الأغلاط (3)، فافهم واغتنم. بقي شئ: في توهم عدم جريان الاستصحاب في المقام ودفعه إنه لو كان دليل المركب إطلاق، فالإعادة غير لازمة حسب القواعد الاجتهادية. وإن لم يكن لدليل المركب إطلاق، فالبراءة عن أصل وجوب المركب محكمة. وهذا لا ينافي إطلاق دليل الجزء، لأنه بحكم القضية التعليقية، أي " أن السورة جزء على تقدير وجوب الصلاة عند الكسوف والزلزلة " وأما وجوبها عندهما فمحل شك، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب على الإطلاق. وفيه: أنه ربما يثبت وجوب المركب من باب الضرورة والإجماع في الجملة، مثلا وجوب الحج والعمرة، ربما يكون واجبا بالإجماع عند اجتماع الشرائط، وصلاة الغداة والمغرب مثلهما، ولا يكون أصل الوجوب مورد الشك، وإنما يكون لدليل جزئية الطواف إطلاق، أو التشهد والسورة، فعندئذ إذا نسي ثم تذكر، يكون


1 - نهاية الأفكار 3: 429، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 216 و 226. 2 - يأتي في الصفحة 152. 3 - تقدم في الصفحة 35 - 36. (*)

[ 148 ]

على يقين بالوجوب النفسي، ويشك في بقائه. تنبيه: حول حكم نسيان الجزء والجزئية النسيان تارة: يكون بالنسبة إلى الجزء. واخرى: يكون بالنسبة إلى الجزئية. فما كان من قبيل الأول فهو لا يجتمع مع التذكر، بخلاف الثاني. فإن كان من قبيل الأول، فيشكل جريان حديث الرفع، لأن ترك السورة نسيانا ليس موضوع الحكم الشرعي، كما لو ترك الصلاة نسيانا في مجموع الوقت، بخلاف نسيان الجزئية، فإنه محط الرفع بالحديث الشريف، والمفروض هو نسيان السورة. وتوهم: أن نسيان السورة عين نسيان الجزء، فيشمله حديث الرفع، في غير محله، لأنه لم ينس إلا ذات السورة، فيكون تاركا للسورة التي هي جزء عن نسيان، وترك السورة نسيانا ليس موضوعا للحكم الشرعي، بل هو موضوع حكم العقل وهو البطلان، ضرورة أن المركب ينعدم بانعدام الجزء والشرط والقيد. وبالجملة تارة: يتعلق النسيان بالوصف العنواني للسورة، وهي صفة الجزء والجزئية الانتزاعية. واخرى: يتعلق النسيان بذات السورة، وهي ليست موضوع الأثر، سواء قلنا: إنه يرجع إلى ترك السورة نسيانا، فيكون النسيان واسطة، أو قلنا: إنه يرجع إلى نسيان ذات السورة، وذاتها ليست محط الحكم الوضعي، بل ما هو محط الحكم الوضعي بالقياس إلى المركب جزئية السورة وأنها جزء، والشرع بدليل غيري إرشادي اعتبر السورة جزء، فالجزء محمول وله الإطلاق، دون الذات.

[ 149 ]

وهذا من غير فرق بين الجزء الثابت بعد الأمر بالمركب، أو الجزء الثابت حين الأمر بالمركب، ضرورة أن المقنن يعتبر الذوات أجزاء المركب قهرا وطبعا، وليس عنوان " الجزئية " والوصف العنواني للجزء، متأخرا عن الأمر، أو السبب، أو الموضوع للحكم العقلائي، فلاحظ، وتفصيله في مقام آخر. إن قلت: حديث رفع النسيان يرجع إلى حديث رفع المنسي لا بعنوانه، لما ورد: " رفع ما نسوه " فإذا ترك السورة فهي منسية، وهو ما نسوه، فيكون النسيان علة لرفع ذات المنسي. قلت أولا: لازمه أنه لو نسي الصلاة في الوقت بتمامه فلا قضاء عليه إذا لم يتذكر بعد الوقت، لأن الصلاة منسية، ولا قضاء على وليه، ولا يخرج الحج من أصل ماله. وثانيا: إن التصرف في حديث الرفع غير جائز، وقوله: " رفع ما أخطأوه " أو " نسوه " (1) ليس إلا رفع ما له الأثر الشرعي مباشرة، والمفروض أنه نسي ذات السورة، ولم ينس الجزء، لأن نسيان الجزء عين نسيان الجزئية، ونسيان السورة وهي جزء غير نسيان الجزء بعنوانه، فلاحظ جيدا. ومما يشهد على ما ذكرنا: أنا إذا نظرنا إلى نسيان حكم الميتة وشرب الخمر وحرمة القمار، يصح أن يقال: " إنه أكل وشرب وقامر نسيانا " أو يقال: " الأكل والشرب والميسر منسيات " فإنه على التعبيرين يجري حديث الرفع، بخلاف ما إذا ترك السورة، فإنه إذا قيل: " ترك السورة نسيانا " لا يجري الحديث، لأن ترك السورة لا حكم له شرعا، بل بطلان المركب بترك الجزء حكم العقل ودركه، وإذا كانت السورة منسية يمكن توهم الجريان.


1 - مستدرك الوسائل 16: 47، كتاب الأيمان، الباب 8، الحديث 7. (*)

[ 150 ]

مع أنه أيضا غير تام، لما اشير إليه من أن ما تناله يد الوضع، هو جعل السورة جزء على الإهمال أو الإطلاق، وقد أشرنا آنفا إلى أن الجزء والجزئية يعتبران من الأسباب والعقود والإيقاعات والتذكية، من غير كونها مورد الأمر، فالأمر غير دخيل في اعتبار الجزء، بل الجزء يعتبر أولا للمركب المختلط من الأشياء المختلفة، ثم يتعلق به الأمر في العباديات، أو يتعلق به الارتضاء والإمضاء في الأسباب والموضوعات لحكم العقلاء. الإيراد على السيد المحقق الوالد - مد ظله - بقيت كلمة مع السيد الوالد المحقق - مد ظله - فإنه وإن أتى بما هو قريب من افق التحقيق (1)، إلا أنه يظهر الإشكال فيما أفاده بتفصيل من ناحيتين: الاولى: أن رفع النسيان ك‍ " رفع... ما لا يعلمون " في أنه رفع ظاهري عند المشهور، وليس من قبيل رفع الاضطرار والإكراه، فإن الذاكر والغافل - كالعالم والجاهل - مشتركان في الحكم الواقعي الأولي، ولذلك قالوا باعتبار الجزئية على الإطلاق واقعا في موارد جريان قاعدة: " لا تعاد... " وليس الحكم في مورد الناسي شأنيا وإنشائيا قانونيا. الثانية: أن النسيان إذا تعلق بالجزء يكون له الأثر، والمراد من " الجزء " هو الجزء بما هو جزء الذي هو عين الجزئية، ولذلك كما يصح أن يعتبر الشرع في الصلاة جزئية السورة، يصح أن يعتبر أن السورة جزء، فهما معنى واحد، وليسا مورد النسيان، وإنما النسيان تعلق بذات الجزء، ولا حكم له بالنسبة إلى المركب، وقد


1 - تهذيب الاصول 2: 368 - 373، أنوار الهداية 2: 343 - 347. (*)

[ 151 ]

عرفت: أن المركب على الإطلاق يعتبر ذا أجزاء أولا، ثم يمضى أو يؤمر به، حسب اختلاف المركبات المعاملية والعبادية، وهذا مما قد خفي على جمع منهم، حتى ذهبوا إلى ما لا ينبغي. فالبراءة الشرعية جارية بالقياس إلى نسيان الجزئية، ولا يتوجه إليها إشكالات القوم كما ظهر (1)، ولا تجري بالقياس إلى نسيان ذات السورة والتشهد وغير ذلك. تتميم: في تذكر نسيان الجزء والجزئية في الوقت في صورة جريان البراءة حال نسيان الجزء والجزئية، فإن تذكر في الموقتات بعد الوقت، فالقضاء يحتاج إلى الدليل الآخر، وتفصيله في مباحث القضاء (2). وفي صورة تذكره في الوقت، فإن قلنا: بأن دليل الرفع يورث التقييد الواقعي كما هو الأظهر، فلا إعادة. كما لا معنى لجريان الاستصحاب، لما لا شك في بقاء الأمر النفسي. وإن قلنا: إنه تقييد ظاهري - وبعبارة اخرى بعد التذكر بالنسبة إلى الجزئية للمأتي به - فلا يكون هناك إلا عدم استحقاق العقاب بالنسبة إلى المركب الناقص المأتي به بعنوان التشريع، ولا أثر آخر يترتب عليه، لانحفاظ إطلاق دليل الجزء. نعم، حيث إن المفروض إهمال دليل المركب على وجه لا ينافي العلم بالوجوب في الجملة، أو إطلاق دليل المركب، فاللازم هي الإعادة، حسب أن


1 - فرائد الاصول 2: 485 - 486، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 220 - 228، نهاية الأفكار 3: 428 - 432. 2 - مباحث قضاء الصلوات من " تحريرات في الفقه " مفقودة. (*)

[ 152 ]

إطلاق دليل الجزء، يورث العلم ببطلان المركب المعلوم إجمالا وبالضرورة، أو لإطلاق دليل المركب المحكوم بإطلاق دليل الجزء. وأما لو كان إهمال دليل المركب، يوجب الشك في أصل وجوب الصلاة عند الزلزلة غير الموجبة للخوف، فإطلاق دليل الجزء لا ينافي عدم وجوب أصل المركب، فما يظهر من كلامهم: من أن إطلاق دليل الجزء في صورة عدم جريان حديث الرفع، يستلزم الإعادة من غير التفات إلى حال المركب (1)، غير صحيح، ضرورة أن إطلاق دليل الجزء لا يستلزم وجوب الطبيعة مطلقا، فضلا عن الإعادة والقضاء، كما اشير إليه. فالمحصول مما قررناه وأسسناه: أن في مورد جريان حديث الرفع لا يبقى الشك الاستصحابي، لأن التقييد واقعي. وفي مورد عدم جريان حديث الرفع - كما في صورة نسيان ذات السورة، ضرورة أن ما للشرع التدخل فيه هي جعل الجزئية ورفعها، وأما ذات السورة فهي أجنبية عن حد التشريع كما عرفت - لا يبقى مورد أيضا للاستصحاب، لضرورة العلم بوجوب صلاة الغداة، وبطلانها بترك الجزء، وهكذا في سائر المركبات. نعم، في صورة إهمال دليل المركب، وقيام العلم بوجوبه في الجملة، مع إهمال دليل الجزء، يجري الاستصحاب الحكمي على الوجه المحرر في الأقل والأكثر (2)، فليراجع.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 216، نهاية الأفكار 3: 423، منتهى الاصول 2: 332 - 333. 2 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. (*)

[ 153 ]

خاتمة المسألة: حول نسيان الجزء بالنسبة إلى غير المركبات العبادية كالعقود، والإيقاعات السببية، ومنها التذكية. والكلام هنا في صورة نسيان ما لا يضر بصدق المركب عرفا وشرعا على المأتي به، وإلا فإذا نسي الإيجاب، أو نسي القبول، وغير ذلك مما يرجع إلى عدم صدق عنوان العقد عليه، فلا بحث. وأما إذا تذكر بعد مضي مدة من نسيان كلمة في الإيجاب، أو الإخلال بإعراب في الإيقاع، فمقتضى الأصل الأولي فساد العقد والإيقاع، وعدم حصول النقل والانتقال، وعدم تحقق التذكية، وما هو الموضوع عند الشرع والعقلاء للحكم بالملكية وغيرها. وإنما الإشكال في صورة نسيان الجزئية، كما مر في باب الأوامر والمركبات التي يتعلق بها الأمر التعبدي أو التوصلي (1). وأما نسيان ذات الجزء فالحكم على ما مر. وأما توهم: أن نسيان الجزئية يرجع إلى الجهالة، فهو مندفع: بأنه ربما يعتقد ناسي الجزئية مثلا للسورة مانعية السورة، أو يعتقد عدم الجزئية، فلا تشمله فقرة " ما لا يعلمون " (2) ثم بعد إتيان المركب الناقص يتذكر جزئية شئ تركه وأخل به. وعلى هذا، بعد صدق المركب و " البيع " و " الإجارة " و " النكاح " على المأتي به، وجريان حديث الرفع الواقعي، فلا وجه لتوهم إشكال إلا ما مر في المركبات


1 - تقدم في الجزء السابع: 104 - 109. 2 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 11. (*)

[ 154 ]

السابقة (1)، وقد عرفت اندفاعه بحذافيره، فلا فرق بين أنحاء المركبات حسبما هو محط البحث في هذه المسألة. نعم، قضية جريان استصحاب الحكم النفسي في الأقل والأكثر هو الاشتغال، ومقتضى استصحاب عدم النقل وإن كان ذلك، إلا أن هناك فرقا بين صورة إهمال دليل المركب، وإطلاقه، فإن في صورة الإهمال، والعلم بسببية المركب الكامل أو موضوعيته، فلازم النسيان بطلانه، وفي صورة عدم العلم الخارجي بتلك السببية، عدم وجود اليقين الاستصحابي. وفي صورة الإطلاق، وإطلاق دليل الجزء، وجريان البراءة على ما مر منا، هو الصحة من غير كونه مثبتا. وإذا كان دليل الجزء مهملا، فمقتضى الإطلاق المذكور هي الصحة أيضا. نعم، يمكن الفرار من إشكال المثبتية في باب الأوامر، دون ما نحن فيه، بناء على أن حديث الرفع ظاهري، لأنه لابد من إثبات جهة في الناقص وهي السببية، بخلاف مثل الصلاة، فإنه هناك لا حاجة إلا إلى رفع الجزئية، وإنما الشك في سقوط الأمر المسبب من الشك في الجزئية المرتفعة. اللهم إلا أن يقال: إنه بعد ما يصدق عنوان المركب على الباقي، فمعناه أنه سبب عرفي، وإنما الشك في السببية الشرعية، والسببية الشرعية ليست مجعولة، بل المجعول هو اعتبار شرط في العقد، أو جزء في الإيقاع، ولا أمر ثالث. وتوهم الفرق بين الشروط والأجزاء، في غير محله كما هو الظاهر، بل المناط صدق المركب على المأتي به. وهذا الذي ذكرناه يجري في صورة كون العقود والإيقاعات موضوعات


1 - تقدم في الصفحة 146 وما بعدها. (*)

[ 155 ]

عقلائية، كما هو الواضح. اللهم إلا أن يقال: إن كان لدليل المركب إطلاق، ولارتضاء الشرع بمطلق ما يصدق عليه المركب الناقص دليل، وكان تقييد دليل الشرط أو الجزء تقييدا ظاهريا، يمكن تعارض إطلاق دليل المركب ودليل الجزء بعد التذكر للنسيان، ويجري استصحاب سببية الموجود أو موضوعيته. ولكنه بمعزل عن التحقيق، لأنه من الاستصحاب الموضوعي، ولا دليل ينطبق عليه، للمعارضة المفروضة كما اشير إليها. مع أن إطلاق دليل المركب محكوم بدليل الجزء. ولو كان في مورد تعارض بين الإطلاقين، فلا تكون المسألة من موارد جريان الاستصحاب، للشك في دخالة الجزء المذكور طبعا. هذا مع أن ذلك على فرض تعارضهما في صورة التذكر، يكون من الشك الساري. فلا فرق جلي بين أنحاء المركبات إلا من جهة ظهور المثبتية، والاتفاق عليها في باب العقود والإيقاعات، دون المركبات العبادية. والحق ما مر منا من التقييد الواقعي المستتبع لتمامية السبب والموضوع (1)، كما أن الحق عدم المثبتية بالنسبة إلى نسيان ما ليس مقوما للعقد من الشرط أو الجزء، لأن المقدار الثابت من ردع بناء العقلاء صورة عدم نسيان الشرط بعد انضمام حديث الرفع إلى إطلاق دليل الجزء والشرط. وغير خفي: أن في باب شروط العقود والإيقاعات وأجزائها، ترجع كلها إلى الشرطية والجزئية الشرعية، وما هو شرط عند العرف وجزء يكون مقوما، ويلزم من النسيان خروجه عن محط النزاع، فاغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 144 - 145. (*)

[ 156 ]

تتمة: في حكم الشك في أن رفع نسيان الجزء واقعي أو ظاهري إذا شك في أن حديث الرفع في مورد نسيان الجزء، رفع واقعي أو ظاهري، فإن في الصورة الاولى لا إعادة ولا قضاء طبعا، ولا مثبتية، وفي الصورة الثانية يكون - بعد التذكر - المرجع والمحكم إطلاق دليل الجزء، إلا على وجه محرر في بحث الإجزاء، وتفصيله يطلب من محله (1). وعلى هذا، أصل التقييد قطعي، إلا أنه يشك في جواز التمسك بالإطلاق بعد التذكر، وعندئذ يوجد الفرق بين أن يكون لدليل المركب الواجب بالضرورة إطلاق، أو إهمال: فعلى الأول: لا شئ عليه بعد التذكر. وعلى الثاني: تصل النوبة إلى الاستصحاب. فهناك تحصل صورة الشك في البقاء والتمسك بالاستصحاب. وهذا مخصوص بالمركبات المأمور بها بالأمر النفسي، دون مثل العقود والإيقاعات. فبذلك يحصل أيضا فرق بين أدلة المركبات التعبدية أو التوصلية ذات الأمر النفسي، وغيرها مما ليس كذلك. نعم، في مثل العقود والإيقاعات يكون استصحاب آخر جاريا عندهم، المنتهي إلى فساد النقل، وعدم تحقق السبب، أو حكم العقلاء بالنقل والانتقال، وحصول الفراق والزواج، فلا تخلط. أقول: قد تحرر في بعض مواضع الكتاب، حديث تقسيم الحكومة إلى الظاهرية والواقعية (2)، وتحقيق مباحث في العقود والإيقاعات في بعض مواضع


1 - تقدم في الجزء الثاني: 326 وما بعدها. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 317، وفي الجزء السادس: 135 و 139. (*)

[ 157 ]

اخر، والذي هو الحق: أن التقييد الظاهري يرجع إلى أنه بعد التذكر يتبين: أنه لا تقييد في الحقيقة، وإنما هو تخيل التقييد، لانحفاظ الحكم الواقعي في رتبة النسيان، كالجهل، فعلى هذا في صورة الشك في هذه المسألة الاصولية، يرجع إلى إطلاق دليل الجزء. وليست مسألتنا هذه من قبيل مسألة مرجعية الاستصحاب أو إطلاق العام، لأنه بعد الذهول عن النسيان يشك في أصل التقييد، فلا تغفل واغتنم. تنبيه: في نسيان المانعية والقاطعية في موارد نسيان المانع والقاطع - بما هو المانع والقاطع - الراجع إلى نسيان المانعية والقاطعية، دون نسيان ذات المانع والقاطع حسبما عرفت، فمقتضى تقييد دليل المانع، وتحكيم دليل رفع النسيان على أدلتهما - بعد كونه ذا إطلاق - أنه لا يلزم إشكال المثبتية على فرض كون الحكومة واقعية والتقييد واقعيا، لأنه من قبيل تقييد المطلق بمقيد اجتهادي. وأما على الحكومة الظاهرية فإشكال المثبتية غير قابل للدفع، ضرورة أن اعتبار المانع لا يعقل إلا في صورة انضمام ادعاء: أن الصلاة المقرونة معه في الوجود ليست بصلاة، وتقييد إطلاق دليل المانع بالنسبة إلى حال النسيان، لا يثبت أن ما أتى به صلاة. اللهم إلا أن يقال: بعدم الحاجة إليه في ناحية عدم مانعية الموجود، وإنما نحتاج إلى الادعاء في ناحية اعتبار مانعية شئ، وقد مر ما يتعلق به في السابق فليراجع. وأما في مورد يكون القاطع قاطعا تكوينا وعرفا، كالرقص والقهقهة والفصل الكثير، فلا محل للتمسك بحديث الرفع، كما هو الواضح.

[ 158 ]

بقي شئ: في حكم الزيادة في المركب نسيانا في مورد النسيان بازدياد شئ في المركب زيادة حقيقية أو عرفية، فإن لم يلزم من تلك الزيادة خلل في ناحية اخرى في المركب، ولم يكن مورد المنع أصل الازدياد بما هو هو، فلا أثر لصورة عمدها، فضلا عن نسيانها. وأما إذا استلزم الإخلال بشئ آخر فيه حسبما عرفت (1)، فإن استلزم عدم صدق المركب على المأتي به، فيلزم الخروج عن محط النزاع، ولا ينفع حديث الرفع. مثلا: إذا زاد في طهوره شيئا لا يصدق عليه " الوضوء " و " التيمم " أو لا يعتبر ولا ينتزع عنه عنوان العبودية وهكذا، فإنه معلوم بطلانه ولو كان عن نسيان، لأن النسيان تعلق بالزيادة واستلزم الإخلال بالمركب، وهذا خارج عن مفاد دليل رفع النسيان وما نسوه. مثلا: إذا نسي وتشهد في الركعة الاولى التشهد الكبير المخل بالموالاة، أو نسي وسجد سجدة طويلة في الصلاة، أو أحدث نسيانا حال الوضوء، أو غير ذلك في موارد إمكان الزيادة عن نسيان المستلزمة للإخلال بشئ آخر فيه، فإن مثل التشريع حال النسيان غير متصور، فإن ما هو مورد النسيان لا أثر له، وما هو ذو أثر غير متعلق به النسيان، فلا تغفل. اللهم إلا أن يقال: باستلزام النسيان بإتيان التشهد مثلا أو الحدث في الركعة الاولى أو حال الوضوء، نسيان الاختلال وتلك النقيصة والشرط، ولكنه غير تام يظهر بأدنى تدبر وتأمل. هذا كله صورة عدم قيام الدليل على مبطلية الزيادة


1 - تقدم في الصفحة 121 و 122. (*)

[ 159 ]

بما هي هي. وأما إذا قام دليل عليها بالنسبة إلى مركب من المركبات، كما في الصلاة وبعض أفعال الحج مثلا، ولم تكن الزيادة مضرة عرفا بصدق المركب على المأتي به، فالحديث محكم. اللهم إلا أن يقال: بأن حديث الرفع ناظر إلى نفس الطبيعة بما هي هي، وأما ما في الخارج فهو غير ناظر إليه كما مر (1). وفيه أولا: أن الطبيعة تكون بنفسها في الخارج، وهي بعد تحققها مأمور بها، إلا أن الأمر ساقط وتوصف هي ب‍ " الوجوب " عرفا. وثانيا: لنا دعوى أن الحديث ناظر إلى ما في الخارج، وأن ما اتي به نسيانا، وكان له حكم - حسب التشريع الأولي - فهو مورد الرفع امتنانا، ولذلك ورد في بعض الأخبار: " رفع ما أخطأوا وما نسوه " (2) على ما ببالي، فإذا نسي وأكل الميتة وشرب الخمر، فهو محكوم بالعدم مثلا، أي مرفوع ادعاء بلحاظ الأثر. وهكذا المركبات الموقتة وغير الموقتة، فلو نسي وأتى بسجدة زائدة في صلاة الزلزلة، فالنسيان مرفوع حسب الادعاء، أي لا يضر ما أتى به نسيانا، لا ضررا اخرويا، ولا دنيويا كي تجب الإعادة، أو القضاء، أو غير ذلك، فلا تغفل. ومما لا ينبغي أن يختفي: أن الزيادة بما هي زيادة، لا توجب البطلان ولو ورد في دليل، وذلك لأن إيجاب الإعادة - وراء الزيادة - ليس تأسيسا وتكليفا جديدا، بل هو يكشف عن عدم الإتيان بالمأمور به بجميع قيوده وشرائطه، فالأمر بالإعادة إما لأجل اعتبار قاطعية الزيادة، أو مانعيتها، أو اشتراط عدمها، أو دعوى


1 - تقدم في الصفحة 146. 2 - تقدم في الصفحة 149. (*)

[ 160 ]

أن المركب المقرون بها، ليس بصلاة أو حج أو غير ذلك، كما عرفت في كيفية تصوير المانعية، فاغتنم. فتحصل لحد الآن: أن هناك نظرية بالنسبة إلى مثبتية حديث الرفع، ونظرية اخرى: وهي عدم المثبتية، وثالثة: تفصيل بين نسيان الذات، والجزء بما هو جزء، وفي مورد جريان الحديث لا تصل النوبة إلى المعارض، وهو استصحاب الحكم بعد التذكر، أو مطلقا، نظرا إلى أن المجتهد نائب في إجرائه. وتظهر الثمرة بالقياس إلى الذاكر، والولد الأكبر، والقضاء على وجه، فلا مورد للبحث عن تقدمه على الحديث، أو العكس، أو التفصيل بين كونه رفعا واقعيا أو ظاهريا في مورد النسيان، كما قالوا به في مورد الجهالة. ثم تحصل: جريان الحديث في مورد نسيان جزء المركب غير العبادي، وهكذا جريانه بالنسبة إلى نسيان المانعية والقاطعية، أو الإتيان بالزائد نسيانا. المبحث الثاني: حول مقتضى الأصل العملي في صورة العجز عن الإتيان بالجزء عجزا عقليا سواء كان جزء صوريا، أو تحليليا كالشرط والقيد، وسواء فيه المركب العبادي، وغير العبادي، بعد كون محط النزاع صدق المركب على ما وراء الجزء المتعذر، فلو عجز عن معظم الأجزاء، أو عن الجزء المقوم العرفي أو الشرعي، فهو خارج عن محط هذا البحث المتمسك فيه بالاستصحاب وغيره. هذا، وغير خفي: أن محل البحث وجود القدرة حين التكليف، فلو كان عاجزا ثم بلغ وقت التكليف، فلا مرجعية للاستصحاب الآتي، بل هو حسب القاعدة محط البراءة، أو لا شك لمجرى البراءة، لأن إطلاق دليل الجزء وركنيته، يقتضي

[ 161 ]

عدم الشك في فساد المركب الفاقد له تعبدا، ولازم هذا الدليل انتفاء موضوع البراءة، فلا مجرى لها، خلافا لما يظهر من القوم (1)، فليلاحظ. بقي شئ: في وجه استفادة رفع ما لا يقدرون من حديث الرفع إن قبل الإشارة إلى محتملات الاستصحاب الحكمي، لنا دعوى: أن مقتضى حديث: " رفع... ما لا يطيقون " رفع جزئية الجزء المعجوز عنه، وذلك لأن ما لا يطاق أعم مما لا يقدر عليه عقلا، أو كان الإتيان به حرجيا، أو كان فيه المشقة الكثيرة وتحمل الشدة والتعب، ولو كانت الطاقة ورفعها في الحديث الشريف ظاهرا في رفع المشقة، دون مورد العجز العقلي، ولكن لنا دعوى فهم العرف منه والأولوية القطعية. وأما توهم: أنه لا امتنان على هذه الامة في مورد العجز، لأنه لا تكليف مع العجز في هذه الامة وغيرها، فالكل مشترك في صحة الاعتذار بالعجز في صورة ترك المأمور به، أو لا أمر في صورة العجز (2)، فهو في غير محله كما مر في المجلد الأول (3)، ضرورة أنه في صورة رفع التكليف حال العجز بوجه ادعائي كما في سائر الفقرات، فلازمه البراءة عند الشك في القدرة، لأنه يرجع إلى التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص اللفظي، وهو عندهم ممنوع (4)، بخلاف المخصص


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 250 و 251، نهاية الأفكار 3: 447. 2 - تهذيب الاصول 2: 397. 3 - لم نعثر عليه في المجلد الأول، لاحظ الجزء السابع: 71 - 72. 4 - مطارح الأنظار: 192 / السطر 31، كفاية الاصول: 258 - 259، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 523 و 524. (*)

[ 162 ]

اللبي على الوجه المحرر في محله (1). هذا مع أنه لو كان إطلاق دليل الجزء مقيدا بحديث: " رفع... ما لا يطيقون " فيكفي الناقص، وفيه الامتنان جدا، فإذا طرأ عليه القدرة في الوقت فلا شئ عليه، بخلاف ما لو طرأت عليه القدرة، والوقت باق، فإنه عليه التمام بالضرورة. وبالجملة: إذا جرى الحديث الشريف بوجه كما عرفت، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب كما عرفت فيما سبق (2)، لأنه لا شك بعد ما يكون التقييد والحكومة واقعية، وأنه مع العجز عن جزء المركب - عباديا كان، أو غير عبادي - لا جزئية له طبعا. وتوهم: أنه لأجل عدم القدرة على الجزء لا قدرة له على الكل، فالحديث يرفع الكل، وهو أولى، وفيه الامتنان الأكثر، في غير محله، ضرورة أنه أولا وبالذات عاجز عن الجزء، وإلا فلو كان العجز عن الكل صحيحا لما كان وجه لتوهم الاستصحاب التكليفي الآتي المحتاج إلى القدرة طبعا. هذا مع أن رفع جزئية الجزء امتنان بالقياس إلى العقود والإيقاعات، وهكذا شرطية الشرط، بخلاف رفع الكل، كما هو الواضح. ودعوى عدم صحة استناد العجز وعدم الطاقة بالنسبة إلى الواجب غير المباشري، لإمكان إيكال الأمر إلى غيره، غير مسموعة. نعم، هو قادر على التام والفرد الكامل بالواسطة، ولكنه يستند إليه عدم القدرة والطاقة بالنسبة إلى جزء المركب وشرطه عرفا. وهم: عدم ذكر " رفع ما لا يقدرون " يكشف عن امتناع تكليف العاجز، وعن


1 - تقدم في الجزء الخامس: 243 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 144 - 145. (*)

[ 163 ]

وجود القرينة الحافة الصارفة للإطلاقات والعمومات، وعن بطلان حديث قانونية الخطابات. ودفع أولا: بأنه ربما يتصور الحكم الوضعي بالنسبة إلى العاجز، وأنه لا قبح في خطاب الغافل والناسي والعاجز بالنسبة إلى الإرشاد إلى الشرطية والجزئية، فيكون الإطلاق في هذه المرحلة محفوظا، كما صرح به جمع من القوم قبال تفصيل الوحيد البهبهاني (رحمه الله) على ما مر (1)، فالرفع المذكور لازم بالنسبة إلى هذه المرحلة من الإطلاقات والعمومات. وثانيا: قد اشتهر بين طائفة كشف الملاك التام في موارد العجز، لدعوى العلم بعدم الخصوصية، وإطلاق الهيئة وإن امتنع، ولكنه لا يستلزم امتناع إطلاق المادة (2)، فعندئذ ربما لم يذكر " رفع ما لا يقدرون " نظرا إلى هذه المقالة، ضرورة بطلانها كما تحرر مرارا، بخلاف ما إذا كان الحكم فعليا بالنسبة إلى العاجز، فعدم ذكر هذه الفقرة لا يكشف عن بطلان قانونية الخطابات الإلهية على الإطلاق. مع أنه يترتب عليه ثمرة جواز التمسك بها عند الشك في القدرة، وللمسألة موقف آخر. فما هو المهم: هو أن إطلاق دليل الجزء، ثابت عند الفريقين بالنسبة إلى العاجز والقادر، فإذا عجز عقلا، أو كان الإتيان به خروجا عن الطاقة، يجوز تقييد ذلك الإطلاق فقط، دون عموم المركب وإطلاقه في الوضعيات والتكليفيات، فيكون الناقص مجزيا عن التام، بمعنى أنه المأمور به واقعا، فلا تصل النوبة إلى الشك في بقاء الأمر النفسي كي يستصحب، كما في مورد نسيان الجزء، أو جهالة جزئية شئ، وإن كان في المورد الثاني الاستصحاب - بل والأول - قابلا للجريان في حد


1 - تقدم في الصفحة 111 و 112. 2 - منتهى الاصول 1: 321 - 323، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 326. (*)

[ 164 ]

ذاته، لولا المناقشة من جهة اختصاص الاستصحاب في هذه الصورة - وهي صورة إطلاق دليل الجزء - بالاستصحاب الكلي من القسم الثالث، وتفصيله في محله (1). وعلى كل: هو في مثل ما نحن فيه غير جار، وإن كان يحتمل حدوث التكليف الآخر عند زوال التكليف الأول المتعلق بالكل غير المتعذرة أجزاؤه وشرائطه. تتمة الكلام: في تقدم البراءة عن أصل وجوب الطبيعة على الاستصحاب حول ما إذا لم يكن لدليل الجزء أو الشرط إطلاق، ولا لدليل الطبيعة، بعد العلم خارجا بأصل الوجوب أو الصحة الوضعية، لوجود القدرة على القدر المتيقن من الماهية، فإنه عندئذ يصح توهم استصحاب صحة العقد ونفوذه، ووجوب الصلاة، وندب الأذان، وغير ذلك من قبيل سببية التذكية، أو موضوعية الإيقاع والعقد، استصحابا فعليا، أو تعليقيا، كما سنشير إليه. ولكن الذي يخطر بالبال: أن هذا الاستصحاب هنا، بعينه الاستصحاب الجاري للاشتغال في الأقل والأكثر، أو الجاري بالنسبة إلى حال النسيان من قبل المجتهد، أو شخص المكلف بعد التذكر، فلو لم يكن لدليل الجزء إطلاق، وهكذا لدليل الطبيعة، تجري البراءة الحاكمة عندهم على الاستصحاب، لأن الشك في بقاء الأمر المتيقن بعد البلوغ أو دخول الوقت، ناشئ عن الشك في إطلاق الجزئية، وأن المتعذر والمعجوز عنه حال العجز جزء أم لا، فإذا رفعت الجزئية حال العجز فلا حاجة إلى الاستصحاب. وبعبارة اخرى: دليل الجزء إما له الإطلاق، فهو المرجع على الإطلاق. ودليل


1 - يأتي في الصفحة 479. (*)

[ 165 ]

الطبيعة إن كان له الإطلاق دون الجزء، فلا حاجة إلى الاستصحاب. وإن لم يكن له الإطلاق، فالبراءة عن أصل وجوب الطبيعة جارية. وعلى هذا، لا معنى لفرض الحاجة إلى دخول زمان حصل اليقين، لأنه لا يعقل مع إهمال دليل الجزء بوجوب الطبيعة الكاملة، ومع إطلاقه لا معنى للاستصحاب والشك، فلا يبقى مورد يحصل اليقين بوجوب الطبيعة، على وجه نحتاج إلى الاستصحاب مطلقا، بل إما تجري البراءة عن أصل وجوب الطبيعة، أو عن الجزئية حال العجز، من غير حاجة إلى فرض دخول زمان التكليف، كما في الأقل والأكثر. وهذه الصورة الأخيرة هي صورة العلم بوجوب الأقل، وهي الطبيعة المتقيدة بالجزء حال القدرة، ويشك في الجزئية حال العجز، وحديث البراءة والاستصحاب عندئذ هو ما مر في الأقل والأكثر، وقد عرفت منا: أن المستصحب إما هو الكلي في القسم الثاني، أو من القسم الثالث، أو الفرد المردد، أو الشخصي، على اختلاف تقارير في الأخير. والاحتمال الثاني والثالث غير صحيح، والاحتمال الأول عندنا غير بعيد، والاحتمال الأخير - على التقريب الذي مضى (1) - بلا إشكال في محط النزاع قطعا. وأيضا: مضى وجه تقدم البراءة عليه، ووجه جريانه من غير كونه محكومها. بل وعلى تقدير كونهما عرضيين، ويكون الشك الاستصحابي مسببا عن الشك الذي هو موضوع البراءة، يكون عندي تقدم الاستصحاب قويا. فذلكة البحث وفيها أمور:


1 - تقدم في الصفحة 31 و 32. (*)

[ 166 ]

الأمر الأول: إن من الممكن تقييد إطلاق دليل الجزء والشرط حال العجز بحديث: " رفع... ما لا يطيقون " (1) كسائر الحالات التي يقع التقييد عليها بالنسبة إليه. وغير خفي: أن العجز عن الجزء عجز عن الكل عقلا، إلا أنه لا يوجب سقوط الكل عرفا، كما أن نسيان الجزء عجز حال النسيان عن الكل، ولا يوجب سقوط الأمر عن الكل، حسب الجمع بين دليل المركب ودليل الرفع الحاكم على دليل الجزء والشرط، الذي هو أيضا حاكم على دليل الطبيعة، ومقدم عليه لولاه، فلا حاجة إلى الاستصحاب والأدلة الثانوية، كي يقال حوله ما قد قيل، أو يمكن أن يقال، فاغتنم. الأمر الثاني: إن الجهة المبحوث عنها هنا، هي صورة العجز عن الجزء والشرط، والاضطرار والإكراه على تقدير كما مر، فيكون المفروض إطلاق دليل الجزء، وعلى هذا لا تصل النوبة إلى الاستصحاب، ضرورة أن معنى الإطلاق المذكور ركنية الجزء والشرط، ومعناها بطلان المركب بفقدهما، وسقوط أمر الطبيعة بمقتضى الدليل الاجتهادي، فلا شك في البقاء. الأمر الثالث: لو فرض إهمال دليل الجزء والطبيعة، فالبراءة عن أصل وجوب الطبيعة أولا جارية. ولو فرضنا العلم بوجوبها الإجمالي، فالاستصحاب المذكور هو الاستصحاب السابق الجاري عندنا في الأقل والأكثر، ولا حاجة عندئذ إلى التكرار. ونتيجة جريان هذا الاستصحاب بل لازمه أيضا: هي دعوى العلم بوجوب الباقي أيضا فتأمل، وكون القضاء تابعا للأداء من غير حاجة إلى الأمر الجديد، لأن


1 - تقدم في الصفحة 145. (*)

[ 167 ]

مع العجز عن الجزء الخارجي إذا أمكن الاستصحاب، فالقول بجريانه حال العجز عن الجزء التحليلي يكون أولى بالضرورة. مع أن تصوير الاستصحاب بالنسبة إلى خروج الوقت ومضيه واضح، بخلاف الجزء الخارجي كما مر (1)، وهو العجز عن السورة والركوع وغيرهما، وهكذا الجزء التحليلي المعجوز عنه في الوقت. الأمر الرابع: لا فرق بين صورتي العجز السابق والطارئ في مفروض الكلام، وذلك لأن مع إطلاق دليل الجزء يكون البطلان معلوما، ومع إهماله تكون البراءة مقطوعة. نعم، مع فرض العلم الخارجي بوجوب الطبيعة في الجملة - كما في باب الصلاة مثلا - يوجب العجز الطارئ العلم السابق بوجوب الأكثر المعجوز جزؤه، إلا أن ذلك العلم الخارجي الثابت من الضرورة في الإسلام، باق أيضا بالنسبة إلى حال العجز. وتوهم إطلاق دليل الجزء في برهة من الوقت دون برهة، من التسويلات الباطلة كما لا يخفى. الأمر الخامس: لا فرق عندنا بين موارد التكاليف والأحكام الوضعية إذا كان الاستصحاب المذكور جاريا. وذلك لما سيمر عليك تحقيقه: من أن حقيقة الاستصحاب ليست إلا التعبد باليقين السابق بما له من الآثار، من غير النظر إلى التعبد الاستقلالي بنفس تلك الآثار والمتيقنات السابقة. فعلى هذا، لو كان قادرا على تمام أجزاء السبب، يكون على يقين من سببية


1 - تقدم في الصفحة 163 - 164. (*)

[ 168 ]

البيع والنكاح وغيرهما، أو يكون على يقين من موضوعية الإجارة والتذكية، وغير ذلك على اختلاف التعابير، فإن كان العجز عن الجزء والشرط مخلا بالاسم عرفا، فلا استصحاب هنا، ولا في باب التكاليف. وإن لم يكن مضرا بالاسم عرفا، فالتعبد ببقاء اليقين بالسببية الإمضائية كاف لترتب الآثار، فضلا عما إذا قلنا بالموضوعية، كما ذهب إليه بعض، ويميل إليه الوالد المحقق - مد ظله - (1). وحديث كونه من الأصل المثبت ممنوع كبرويا، وإن لم يكن إنكاره صغرويا ممكنا، فليتدبر. وبالجملة: مجرى الاستصحاب يكون على نعت أن سببية بيع هذه الدار مثلا كانت معلومة، فإذا عجز عن التلفظ بحرف من حروف الصيغة، ولم يكن ذلك موجبا للشك في صدق البيع، أو العلم بانتفائه، يجري الاستصحاب، وهكذا في استصحاب سببية التذكية لحلية هذه الشاة مثلا، ولا يعتبر كونه قادرا في برهة، لعدم اعتبار الأثر في ظرف اليقين بالنسبة إليه شخصيا، بل المجتهد يجري الاستصحاب على نعت كلي، فاغتنم. الأمر السادس: يظهر من بعضهم كما هو صريح شيخ مشايخنا وجد أولادي في " الدرر " (رحمه الله): " أن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أن مقتضى القاعدة عند العجز عن الجزء والشرط، مع عدم إطلاق دليل المركب ودليلهما، هل هو سقوط التكليف، أم لا ؟ " (2). وهذا واضح الاشتباه والمنع، ضرورة أن في مفروضه تلزم البراءة عن أصل


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 6. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 496. (*)

[ 169 ]

المركب، كما اشير إليه. نعم، يمكن فرض العلم الخارجي بوجوب الطبيعة الإجمالية، وهذا لا يوجب وصول النوبة إلى الأصل المذكور أيضا. وبالجملة تبين: أنه لا مجال للاستصحاب هنا زائدا على ما مر في الأقل والأكثر الجارية فيه البراءة، حسبما ذهب إليه المشهور (1)، وغير جار عندنا حسبما تحرر منا (2). وتوهم: أنه يلزم من المناقشة في جريان الاستصحاب هنا، المناقشة في جريانه هناك. مندفع: بأنه في تلك المسألة يكون المفروض وجوب الأقل، وهو الثابت بالقدر المتيقن، ويشك سقوط أمره بإتيان الأقل، وفيما نحن فيه يكون المفروض جزئية الجزء، مع العجز عن إتيانه بما هو جزء، فلا شك في البقاء. ومع الشك في جزئيته حال العجز، تكون المسألة من صغريات الأقل والأكثر أيضا الجاري فيه الاستصحاب الشخصي، ولاسيما على القول بالوجوب الضمني الباطل عندنا كما مر (3)، فلا تغفل. الأمر السابع: ويحتمل جريان الاستصحاب الكلي من القسم الثالث، بلحاظ أن العجز عن الجزء بعد العلم بالكل لا ينافي احتمال حدوث الوجوب المتعلق بالأقل المعلوم وجوبه ضمنيا أو غيريا. وفيه: - مع أنه غير جار - أنه لا أساس للوجوبين المذكورين ثبوتا وإثباتا.


1 - فرائد الاصول 2: 460، درر الفوائد، المحقق الحائري: 474، نهاية الأفكار 3: 389. 2 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 107. (*)

[ 170 ]

المبحث الثالث: حول مقتضى القواعد الثانوية فيما إذا طرأ العجز عن إتيان بعض المأمور به جزء أو شرطا وقبل الإشارة إليها، لا بأس بالإيماء إلى أن من المحتمل دعوى: أن مقتضى انحلال إطلاق الأدلة الأولية - سواء كان لدليل الجزء والشرط إطلاق، أو لم يكن - هو لزوم امتثال المرتبة التالية المقدورة، وذلك بمقايسة الأقل والأكثر الارتباطيين بالاستقلاليين، ضرورة أنه إذا ورد الأمر بالصدقة أو بأداء الدين، ينحل ذلك حسب مراتبهما، فيكون الأمر بالصلاة وأشباهها أيضا كذلك، لصدق " الصلاة " على المراتب المقدورة بالضرورة. إلا أنه لا يمكن الالتزام بأوامر عرضية في الأقل والأكثر الارتباطيين، بل والاستقلاليين كما مر منا (1). ولكن قيام الدليل العقلي على الانحلال المذكور، لا يمنع من انحلال صحيح عقلائي، وهو الطولي وفي صورة التعذر عن الأكثر، وقد تحرر منا مرارا: أن الانحلال يستتبع مقدار الحاجة العقلائية إليه (2). مثلا: إذا باع دارا مشتركة بين خمسة أنفار، يكون البيع قابلا للانحلال إلى الخمسة، وأما انحلال بيع الدار غير المشتركة حسب أجزائها الفكية، أو العقلية والكسرية، فهو غلط، وإنما ينحل في صورة الحاجة بمقدار الاحتياج عرفا عند العقلاء. فمن كان واجدا للماء يبعثه قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (3) إلى المائية،


1 - تقدم في الصفحة 15 و 16. 2 - تقدم في الصفحة 18. 3 - البقرة (2): 43. (*)

[ 171 ]

ومن كان فاقدا له يبعثه إلى الترابية، ومن كان عاجزا عن الجزء أو الشرط يبعثه إلى البقية، بعد كونها صلاة لغة. إن قلت: مقتضى إطلاق دليل الجزء بطلان الصلاة بدونه. قلت: نعم، هذا بالنسبة إلى الأمر الأول الثابت للطبيعة الجامعة، فإن مقتضى الأمر بالجزء على الإطلاق ركنية الجزء لها، وفقد الأمر بها بعد العجز عنه وبطلانها، لفقد أمرها. وأما بعد العجز، وفقد الأمر بالنسبة إليها، فيكون أمر تأسيسي نفسي آخر بالنسبة إلى بقية الأجزاء، لكونها صلاة مقدورة، وقضية الإطلاق أنها مأمور بها. بل لو قلنا: بأن الصلاة المتعذر جزؤها مورد الأمر الفعلي، لإمكانه ولو كان عاجزا كما هو الحق، ولكن لا بأس حينئذ بالانحلال، لعدم كونه معذورا بالنسبة إلى البقية. وهذا الذي ذكرنا، غير ما مر في أوائل بحث الإخلال بالمركب عمدا مع توهم صحته (1)، كما احتمله المحقق التقي الشيرازي (2)، وصححه المحقق الوالد - مد ظله - (3) فلا تخلط، وعرفت امتناعه وعدم صحته (4). وأما توهم عدم وجود الإطلاق لأدلة التشريع الأولية كما مر (5)، فغير تام، لاختلاف موارد تلك الأدلة كما مضى (6)، ومجرد ذهاب بعض أركان الفضيلة أو جل


1 - تقدم في الصفحة 97 وما بعدها. 2 - رسالة الخلل، المحقق الشيرازي، ذيل حاشيته على المكاسب 2: 194 / السطر 16. 3 - الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره): 184. 4 - تقدم في الصفحة 99 - 101. 5 - تقدم في الصفحة 107. 6 - نفس المصدر. (*)

[ 172 ]

المتأخرين إلى فقد إطلاقها غير مضر، فتدبر. ثم إن في موارد الإطلاق البدلي يكون التقريب المذكور أظهر، وفي موارد العمومات في مثل: * (أوفوا بالعقود) * (1) يكون التمسك لسببية العقد العرفي المعجوز عن قيده الشرعي على ما أسسناه أوضح. حول التمسك بحديث " الميسور " و " ما لا يدرك... " و " إذا أمرتكم... " لإثبات وجوب الباقي إذا عرفت ذلك، فلا حاجة في الحقيقة إلى القواعد الثلاث المعروفة المتمسك بها. مع أنها بحسب السند ممنوعة الحجية، ضرورة أن حديث: " إذا أمرتكم بشئ... " وإن كان موجودا في " صحيح مسلم " (2) و " سنن النسائي " (3) دون كتب أصحابنا إلا ما عن " البحار " (4) وعن " الذكرى " (5) إلا أنه غير كاف بعد كون الراوي أبا هريرة عن خطبة في حجة الوداع، فربما تكون المرسلتان العلويتان أقوى من هذا المسند. وحديث: " الميسور لا يسقط بالمعسور " و " ما لا يدرك كله لا يترك كله " وإن لم يكن في الكتب الأولية، إلا أنهما في كتاب " عوالي اللآلي " لابن أبي جمهور (6)، وهو محمد بن إبراهيم بن أبي جمهور الذي يعد أحيانا عن مشايخ


1 - المائدة (5): 1. 2 - صحيح مسلم 3: 149. 3 - سنن النسائي 5: 110 - 111. 4 - بحار الأنوار 80: 214. 5 - ذكرى الشيعة: 142 / السطر 8. 6 - عوالي اللآلي 4: 58 / 205 و 207. (*)

[ 173 ]

المحقق الكركي (رحمه الله) وقد حكاهما النراقي أحمد في " العوائد " (1) والنوري (رحمه الله) في " المستدرك " (2) ولا يكون جميع مستندات " المستدرك " معتبرة عندنا، حسبما ذكرناه في حواشينا على الفائدة الثانية من " خاتمة المستدرك " إلا ما شذ (3)، ولا يكفي ما ذكره (رحمه الله) لإتمام الحجية اللازم عقلا وعرفا. فتحصل لحد الآن: أن أسانيدها غير نقية بحسب الذات. وأما بحسب الشهرة الجابرة فهي أيضا ممنوعة، لاشتهارها بين المتأخرين، ومن لا يعتنى بالشهرة بينهم من العامة. نعم، بناء على استفادة حجية كل مشهور من قوله (عليه السلام): " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " (4) لما حققنا من أن " المجمع عليه " هو المشهور (5)، وإذا كان مجرد الاشتهار العرفي كافيا - كسائر العناوين العرفية المأخوذة في سائر الأدلة - كان للاعتماد على هذه الثلاثة وجه، إلا أنه غير وجيه فليتأمل. وبعبارة اخرى: قوله (عليه السلام): " خذ بما اشتهر بين أصحابك " (6) قانون كلي يعالج به الخبران المتعارضان، ويستنبط منه حجية المشهور، ولا يختص بعلاج الخبرين، وقوله (عليه السلام): " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " أعم من الشهرة الفتوائية المتقدمة، والخبر المشهور بين المتأخرين، المؤيد في الجملة بفتوى القوم والأخبار الخاصة.


1 - عوائد الأيام: 261، العائدة 27. 2 - لم نعثر عليهما في مستدرك الوسائل. 3 - تعليقات المصنف (قدس سره) على خاتمة المستدرك مفقودة. 4 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. 5 - تقدم في الجزء السادس: 383. 6 - عوالي اللآلي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2. (*)

[ 174 ]

والتعليل المذكور هنا كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فإنه لا ضرر ولا ضرار " (1) من التعليل بالقانون الإسلامي العام ولو كان تعبديا. بقي الكلام حول مفادها، ولا بأس بالإشارة الإجمالية إلى المحتملات البدوية، وما هو المحتمل الأوسع نطاقا، وما هو المحتمل الأضيق انطباقا، وما بينهما يتبين طبعا، ويكون فيها الإيكال على القارئ المعظم: التعرض لحديث " إذا أمرتكم... " أما حديث: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه " (2) فيحتمل أن يكون الأمر أعم من النفسي الإيجابي، والندبي، والأوامر الإلزامية الوضعية، مثل * (أوفوا بالعقود) * ونحوه، ويكون تمسكهم به - لأجل أن الأمر موضوع للندب (3) - في غير محله، فإنما يستفاد الرخصة من قوله: " فأتوا " بقرينة المورد، كما في قوله تعالى: * (الامرون بالمعروف) * (4) فإنه بالنسبة إلى المعروف الندبي يكون الأمر به ندبيا، للقرينة المذكورة. وتوهم اختصاص الحديث بمسائل خاصة يأمر بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمكان قوله: " أمرتكم " فلا يشمل أحكام الله تعالى، مندفع بما هو المذكور في مورد الحديث وهو الحج، وأن أحكام الله تنسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه صحيح عند أهله. ثم إن الأصل ظهور كلمة " من " في التبعيض، فيشمل المركب الذي يكون من


1 - وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 2 - تقدم في الصفحة 172. 3 - معالم الدين: 44 / السطر 7 - 8، الفصول الغروية: 67 / السطر 21 - 22. 4 - التوبة (9): 112. (*)

[ 175 ]

قبيل الأقل والأكثر الاستقلالي، والارتباطي. وفي شموله لنفس الطبيعة التي يكون بعض أفرادها مورد العجز إشكال، لامتناع الجمع بينهما، ولزوم الاستعمال في الأكثر، وهو بعيد في القوانين العامة الملقاة للعمل بها. ويمكن ادعاء أن شموله للأقل والأكثر الاستقلالي - مع كون الرتبة الناقصة مصداقا آخر لطبيعة المأمور به - يسهل شموله للأفراد حسب النظر العرفي، نظرا إلى أن الطبيعة سارية في الأفراد، فيكون الفرد المعجوز عنه بعضها بلحاظ سريانها، والفرد المقدور عليه بعضها، فكلمة " شئ " أعم من جميع الصور الثلاث، بلحاظ أنه كناية عن موارد الأمر سواء كانت كلا، أو كليا. وأنت خبير بما فيه، وأن مسألة سريان الطبيعة من الأباطيل، وأن حديث التطبيق لا يرجع إلى محصل. نعم، كلمة " بعض " كما تستعمل في الجزء تستعمل في الجزئي، فيقال: " بعض الحيوان إنسان " وكقوله تعالى: * (بعضهم أولى ببعض) * (1) و * (بعضكم لبعض عدو) * (2) وكلمة " من " موضوعة لذلك البعض الموضوع بوضع واحد لمعنى واحد، وإنما يستفاد خصوصية الجزء والجزئية من القرائن الحافة، وما هو المعنى الجامع هي " الطائفة " الأعم من طائفة من الأجزاء، أو من الأفراد، وأما الطائفة فهي موضوعة لمعنى وسيع يصدق على القليل والكثير، حتى قيل: " إنها تصدق على واحد " (3) فليتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر وجه ضعف امتناع تصوير الجامع بين الأجزاء والكل،


1 - الأنفال (8): 75. 2 - البقرة (2): 36. 3 - أقرب الموارد 1: 722، لسان العرب 8: 223. (*)

[ 176 ]

والجزئيات والكلي. ومن الغريب ما في كلامي العلمين الوالد المحقق - مد ظله - والعلامة الأراكي (رحمه الله): من أن المورد يوجب قصورا في الإطلاق، إما لأجل الصرف وصلاحيته للقرينة، وإما لأجل فقد شرط الإطلاق، لوجود القدر المتيقن في مقام التخاطب (1) ! ! فإنه غير لائق بهما بعد عدم اعتبار الشرط المذكور، وأنه يلزم فقد إطلاق دليل: " لا تنقض اليقين بالشك " (2) وجميع المطلقات الواردة على نعت القانون، ولاسيما فيما نحن فيه. بل دعوى ظهور " من " في الجزء من الكل، أقوى من دعوى صارفية المورد وقرينيته كما لا يخفى، فلا تغفل. بقي شئ: في ابتناء المسألة على المراد من كلمة " من " في الحديث يظهر من جمعهم: أن المسألة مبتنية على أن تكون كلمة " ما " إما للموصول، فتفيد لما نحن فيه، أو زمانية مصدرية فلا تنفع (3). مع أن هناك احتمالا ثالثا: وهو كونها موصوفة نكرة، ولا ترتبط مسألتنا بهذه المسألة، فلو كان مفاد " من " أعم فيلزم شمول الأمر بالإتيان أيضا أعم، سواء كان المقدور بعض الكل، أو فردا من الكلي في وقت الاقتدار والاستطاعة، فالمسألة تدور حول كلمة " من " وأنها هل تختص بالجزء، فيلزم الإجمال، أو هي للأعم،


1 - تهذيب الاصول 2: 402 - 403، أنوار الهداية 2: 388، نهاية الأفكار 3: 456. 2 - تقدم في الصفحة 146. 3 - نهاية الدراية 4: 386 و 387، درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 500 - 501، تهذيب الاصول 2: 403. (*)

[ 177 ]

فيلزم دلالته على المطلوب ؟ بقيت شبهة: وهي أن كلمة " أتى " لازمة غير متعدية حسب المتعارف في الاستعمالات، وعندئذ لابد من أسباب التعدي وهي مفقودة، وليست كلمة " من " بمعنى " الباء " للتعدية، وعند ذلك تكون هذه الكلية فاقدة لشرائط العربية. ويؤيد ذلك كون الراوي أبا هريرة الجعال. أقول: تنحل هذه الشبهة تارة: من ناحية قراءة " فأتوا " من باب الإفعال، فيكون مفعوله إما كلمة " منه " ويلزم عندئذ أن تكون " ما " مصدرية زمانية، أو يكون مفعوله " ما " لعدم كون الجار والمجرور مفعولا به، فتكون " ما " موصوفة نكرة، أو موصولة احتمالا. وذهب بعض النحاة إلى إمكان كون " من " التبعيضية مبتدأ، وقالوا ومنه قول ابن مالك: ومنه منقول كفضل وأسد (1) وحيث إن التبعيضية معنى حرفي لا يتم ما ذكر، فيلزم كون " ما " مفعولا به، أي " فعليكم الإتيان من المأمور به مقدار مقدوركم ومستطاعكم ". واخرى: من جهة أن كلمة " أتى " كما تأتي لازمة تأتي متعدية، مثل قوله تعالى: * (يأتين الفاحشة من نسائكم) * (2) أو قوله تعالى: * (لتأتون الرجال) * (3) وقد صرح في " الأقرب " (4) وغيره (5): " أن أتى لازم متعد " وعند ذلك تكون الهمزة همزة


1 - البهجة المرضية: 55. 2 - النساء (4): 15. 3 - الأعراف (7): 81. 4 - أقرب الموارد 1: 3. 5 - المصباح المنير: 8. (*)

[ 178 ]

وصل كما هو المشهور، وعندئذ يتم المطلوب. وأما توهم اختلاف الكتب الناقلة للحديث في نقله، ففي " سنن النسائي ": " إذا أمرتكم بالشئ فخذوا به ما استطعتم " (1) وفي " البحار " عن " الذكرى ": " فأتوا به ما استطعتم " (2) فلا يلزم الأخذ به، لإجماله. فهو مندفع: بأن وجه اعتباره هو اشتهاره على الوجه الذي عرفت منا، والقدر المسلم هو هكذا: " إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " (3) وهذا هو المساعد للاعتبار. ومن تدبر في مورد الحديث ونفسه، يحصل له الوثوق أحيانا بأنه قريب صدوره عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) والله هو العالم. تتمة: حول دعوى نظر الحديث إلى الفرد والكلي لا العموم المجموعي والمركب يستظهر منه: أنه حديث ناظر إلى بقاء المأمور به بما هو مأمور به بالأمر الأولي، وليس متصديا لأمر جديد، وهذا يناسب الفرد والكلي، سواء كان بنحو الإطلاق البدلي، أو العموم الأفرادي. وأما العموم المجموعي والمركب، فلا يعقل بقاء الأمر الأول، ضرورة تشخص الأمر بمتعلقه، فيلزم سقوطه كما تحرر. ودعوى: أنه حديث مشرع في مورد، وناظر في مورد، غير مسموعة. وفيه: أن هيئة الأمر في " فأتوا " ليست إلا للبعث، كسائر موارد استعمالها،


1 - سنن النسائي 5: 110 - 111. 2 - بحار الأنوار 80: 214، ذكرى الشيعة: 142 / السطر 8. 3 - مجمع البيان 3: 386، بحار الأنوار 22: 31. (*)

[ 179 ]

وإنما اختلاف الوضع والتكليف والتشريع والتأكيد والإيجاب والندب والنفسية والإرشادية، كلها لامور تستفاد من اللواحق الحافة، ومن موارد الإضافة والمضافات، فاغتنم وتدبر. وتوهم: أن لازم إطلاق الرواية وجوب بعض الأجزاء ولو كان تكبيرة الافتتاح، فاسد، فإن المفروض محفوظية ما هو المأمور به، ضرورة احتياج " ما " الموصوف أو الموصول إلى الضمير المحذوف، أي " إذا أمرتكم مثلا بالصلاة فأتوا منها ما استطعتم من الصلاة " وليست تكبيرة الافتتاح من الصلاة إلا في صورة لحوق معظم الأجزاء بها، " وإذا أمرتم بالتذكية، نظرا إلى حلية أكل لحم الحيوان وغيره، فإذا عجزتم عن بعض الأجزاء فأتوا بالمقدور منه، بشرط صدق كونه هو المستطاع منه " وهكذا على فرض كون التذكية من المركبات. ولو كان الضمير المحذوف راجعا إلى " ما " الموصوف مثلا، يكون المراد بالضرورة أن المأتي به المستطاع من المأمور به المعجوز جزؤه، أو فرده، أو أفراد منه. التعرض لحديث الميسور وأما حديث: " الميسور لا يسقط بالمعسور " (1) فكما يحتمل أن يكون المراد ميسور المأمور به، أو ميسور الطبيعة، أو ميسور الملاك والمصلحة، أو الميسور على الإطلاق، حسب موارد المعسور بحسب عسر الأفراد، أو المرتبة الكاملة، أو المركب التام، يحتمل أن يكون كلمة " لا " إخبارية بداعي الإنشاء، أو النهي، أو


1 - عوالي اللآلي 4: 58 / 205. (*)

[ 180 ]

الجحد، أي الميسور في الأزمنة والمستقبلة لا يسقط بالمعسور في الزمان الماضي. وكما يحتمل أن يكون تأسيسا بالنسبة إلى الميسور، فلا يشمل موارد لا نحتاج إليه، لحكم العقل، كما في مثل الأفراد والكلي المعسور بعض أفراده، يحتمل أن يكون المنظور أن الميسور من موارد الأوامر الإلهية، لا يسقط بموارد العجز عن الطبيعة الاخرى، فالقادر على الصلاة دون الحج، لا يصح أن يحتج بعجزه عن الحج لترك الصلاة. ويحتمل أن يكون الفعل مجهولا. وعلى كل تقدير: لا وجه لاحتمال كونه إخبارا محضا كما توهم، ضرورة سقوط الأمر الأول بطرو العجز، لأنه متشخص بمتعلقه، وإلا فلا حاجة عندهم إلى الدليل الثانوي. نعم، هو إخبار عن المطلوب الثاني الفاني في المطلوب الأول، أو يقال: بأنه إخبار وكاشف عن انحلال الأدلة الأولية عند العجز، كما أسسناه (1)، أو إخبار عن صحة مقالة التقي النقي الشيرازي (رحمه الله) إلا أنها باطلة عندنا قطعا كما مر (2). والأظهر: أنها رواية صادرة بصدد إفادة أمر جديد في الشريعة، فتكون تشريعا وتأسيسا على خلاف متعارف العرف والعقلاء. والأشبه أنها نفي بداعي النهي، وهو كناية عن إفادة الأمر الثاني، أو أن المرتبة الناقصة مطلوبة، والمناقشات المذكورة في الحديث الأول تندفع بما ذكرناه. ثم إنها أولى بالدلالة على أن ميسور السبب في باب الأسباب والمسببات، لا يسقط عن السببية بالمعسور، وميسور الموضوع لا يسقط عن الموضوعية وهكذا، وميسور المكلف به والمطلوب لا يسقط عن المطلوبية والموضوعية للحكم


1 - تقدم في الصفحة 170 - 172. 2 - تقدم في الصفحة 98 - 101. (*)

[ 181 ]

التكليفي الجديد، وهذا لا ينافي كونه متكفلا لإحداث الأمر الجديد، أو لاعتبار بقاء الأمر الأول في الادعاء، نظرا إلى أثره: وهو إتيان المكلف وترتيب آثاره عليه، فحصر هذا في الكلي أو الأقل والأكثر الاستقلاليين خلاف ظاهره، بل الأقل والأكثر الارتباطي هو القدر المتيقن منه، ومقتضى إطلاقه الأعم، فافهم. التعرض لحديث " مالا يدرك... " وأما حديث: " ما لا يدرك كله لا يترك كله " (1) بعد عدم كونه مثالا عربيا كما توهم، فيتم الاستدلال به على ما نحن فيه من جهة أن كلمة " كل " المضافة إلى المعارف وأشباهها تقوم مقام كلمة (همه) بالفارسية، وإذا اضيفت إلى النكرة تفيد الاستغراق، أو التكثير والانحلال، فإذا قيل: " الرجل كل الرجل " أو قيل: " كل الصيد في جوف الفراء " أو قيل: * (كل الطعام كان حلا...) * (2) أو قيل: " أكرم كل العلماء " فهو ظاهر في العام المجموعي والمركبات ذات الأجزاء. فلا يتوجه إشكال الشيخ (رحمه الله) (3) ولا توهم كونه دائرا بين الكلي والأفراد، أو الكل والأجزاء (4)، وتكون كلمة " لا يدرك كله " نفيا حقيقيا، وليس في تلوها نكرة، كي تفيد العموم على ما قيل. وأما كلمة " ما " فهي سواء كانت موصولة، أو نكرة موصوفة كما هو الأظهر عندنا، فهي أعم من الواجب والمستحب، بل ومن الوضع والتكليف، ضرورة أن


1 - عوالي اللآلي 4: 58 / 207. 2 - آل عمران (3): 93. 3 - لاحظ فرائد الاصول 2: 499. 4 - مصباح الاصول 2: 482. (*)

[ 182 ]

الشرع يعتبر إلزاما وجود العقد التام الأجزاء والشرائط لأن يعتبر النقل والانتقال والحلية والملكية، وهذا النحو من الإلزام يكفي لجواز انطباق قوله: " ما لا يدرك كله في التسبب إلى ترتب المسبب، أو في التسبب إلى سقوط أمر الصلاة والحج، أو أمر الأذان والإقامة، لا يترك كله ". وأما كلمة " لا يترك " فيجوز أن تكون نفيا، أو نهيا، أو جحدا معلوما، أو مجهولا، فتقرأ على وجوه كما لا يخفى، إلا أن الأشبه إلى ذوق الأدب ما هو المشهور (1). وأما إشكال " الكفاية " من ناحية عموم الموصول وشموله للمندوب، وظهور " لا يترك " في لزوم المقدور، ومعارضة الصدر والذيل، ورجوع الخبر إما إلى الإجمال، أو مندوبية المقدور (2)، فلا يفيد لما نحن فيه، فقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه (3). ومجرد إمكان كون الباقي المقدور مندوبا، لا يكفي لسقوط الحديث عن الدلالة بعد مساعدة المورد للقرينية، أفلا ترى أن قوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (4) يورث الحرمة التكليفية والوضعية، لاختلاف القرائن، واقتضاء مناسبة الحكم والموضوع، كما عرفت ذلك في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (5)، مع اختلاف موارد الوجوب والندب باختلاف المعروف الواجب والمندوب، فاغتنم.


1 - فرائد الاصول 2: 499، كفاية الاصول: 422، نهاية الأفكار 3: 456 و 457. 2 - كفاية الاصول: 422. 3 - تقدم في الصفحة 179 و 180. 4 - النساء (4): 29. 5 - تقدم في الصفحة 174. (*)

[ 183 ]

بقي شئ: حول دلالة الأحاديث الثلاثة على وجوب الباقي قد عرفت: أن محط النزاع في المسألة ما إذا كان المعسور جزء أو بعض الأجزاء غير المضرة بصدق الطبيعة، نظرا إلى إمكان تصحيح المقدور بالأدلة الأولية على الوجهين الأولين، وإلى الاستصحاب اللازم فيه بقاء الموضوع. وأما بالنسبة إلى القواعد الثانوية، فيمكن دعوى: أن قضية إطلاقها لزوم المقدور ولو كان جزء، كما هو كذلك في الأقل والأكثر الاستقلالي، وفي خصوص الصلاة، لقيام الدليل على صلاة الغرقى، فلولا الأدلة المخالفة لإطلاق هذه الأحاديث، فالأظهر جواز التمسك بها في خصوص الجزء المقدور ولو كان يسيرا جدا. وأما توهم: أن قوله: " إذا أمرتكم بشئ " ظاهر في أن الباقي مورد الأمر الأولي، فهو غلط. أو ظاهر في إمكان ادعاء بقاء الأمر الأولي، أو ظاهر في أن الباقي يصدق عليه أسم المأمور به، فكله غلط، ويكفي مجرد كونه قابلا لأن تنضم إليه بقية الأجزاء في صدق الأسم وتعلق الأمر، وكل ذلك لأجل أن قوله: " فأتوا منه ما استطعتم إياه " (1) أو " ما استطعتم منه " كالنص في لزوم المقدور من المأمور به الذي لو انضم إليه المعجوز يكون تمام المأمور به. وهكذا قوله: " الميسور لا يسقط بالمعسور " فإنه لا معنى لصرف إطلاقه إلى الميسور من الصلاة، أو المأمور به، أو يقال: إنه هو الميسور من الملاك،


1 - صحيح مسلم 3: 149، سنن النسائي 5: 110 و 111. (*)

[ 184 ]

كي يقال: هو ضعيف. بل هو نفس طبيعة الميسور وطبيعة المعسور، بالقياس إلى أحوال المكلفين العاجزين المختلفة مراحل عجزهم، وليس المراد ميسور الملاك بالخصوص، أو ميسور المطلوب، أو المركب، كي تختلف الآثار، فمن كان قادرا على معظم الأجزاء فعليه المعظم، ومن كان عاجزا عن معظم الأجزاء فعليه الميسور. ولا يتقوم مفهوم " الميسور " بالإضافة إلى عنوان، كي نحتاج إلى الاستظهار، أو يرجع الحديث إلى الإجمال، بل هو قانون كلي يندرج تحته جميع الاحتمالات السابقة. وأما حديث: " ما لا يدرك كله " فهو أولى بالدلالة على وجوب الأقل من القليل، كصلاة الغرقى، أو الأقل منها. شبهة وحل نعم، هنا شبهة: وهي أنه مقتضى الصدر، أن المفروض العجز عن العام المجموعي والمركب، ومقتضى الذيل هو وجوب الإتيان بمقدار يصدق عليه " أن المكلف لم يترك الكل " فلو عجز عن السورة فلا يجب عليه بقية الأجزاء بتمامها، بل لابد من إتيان بعض منها، وأنه يكفي لصدق " أنه لم يترك مجموع الباقي " وهذا خلاف المقصود، ضرورة أن المطلوب هو إيجاب الكل الباقي المقدور، لا بعض المقدور. ويكفي لدفعها فهم العرف، كما لا يخفى. وهذه الشبهة ترد على الحديث الثاني أيضا، كما لا يخفى. بل مقتضى الثلاثة جواز الأقل المقدور مكررا، أي إتيان بعضه، ثم إتيان البعض الآخر منفردا أو منضما وهكذا، ولكن العرف ببابك، والعرب بحيالك.

[ 185 ]

تنبيه: حول مقتضى القواعد الأولية والثانوية بالنسبة إلى وجوب الباقي الكلام كان حول العجز عن جزء المأمور به ولو كان يطرأ عليه العجز بالنسبة إلى أحد طرفي الواجب التخييري، أو طرأ عليه بالنسبة إلى أول زمان الواجب الموقت، أو بعض ذلك الزمان، أو طرأ عليه في زمان متوسط بين زماني الوجوب والواجب، بناء على إمكان الوجوب المعلق، ولاسيما على هذا النحو: وهو أن يكون ظرف الوجوب يوم الأربعاء، وظرف الواجب يوم الجمعة، وكان هو عاجزا في يوم الأربعاء، فهل مقتضى القواعد الأولية هو الوجوب ؟ وعلى تقدير خلافه، فهل تجري القواعد الثانوية في أمثالها ؟ أما مقتضى القواعد الأولية ففي مثل الواجب التخييري إن قلنا: بأنه يرجع إلى العيني كما ذهب إليه " الكفاية " (1) و " الدرر " (2) فلا شبهة في وجوب الفرد المقدور. وأما لو رجع إلى الواجب المشروط أو الحصة المقيدة فيشكل، لأنه لا معنى لأن يعتبر الشرع وجوب الصيام عند ترك العتق، أو إذا ترك العتق، لأنه مورد العجز، والأدلة الأولية تقتضي كون الطرف مقدورا، كي يكون الطرف الآخر واجبا عند


1 - كفاية الاصول: 174. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 481. (*)

[ 186 ]

الترك، وهذا هو مختار العلمين: الأراكي (1) والنائيني (رحمهما الله) (2). وأما لو قلنا: بأن الوجوب التخييري نوع وجوب آخر غير الوجوب التعييني، أو المشروط والمعلق، فلازمه سقوط الأمر، لتشخص الأمر المذكور بالطرفين، ضرورة أنه إيجاب واحد تخييري، فإذا عجز أحد الطرفين فلا يعقل بقاء ذلك الوجوب التخييري، وهذا هو الذي ذهبنا إليه تبعا للعلمين الاستاذين: البروجردي (3) والوالد المحقق (4) - عفي عنهما -. وأما في الواجبات الموقتة الموسعة، فمقتضى القاعدة عدم وجوب شئ عليه، لأن ما هو المجعول أولا هو الصلاة مثلا من أول الوقت إلى آخره، وهذا هو المعجوز عليه، وما هو المقدور عليه ليس مورد الجعل الأولي، ولا دليل على وجود الأمر بعد حصول القدرة، ولا على القضاء بعد قصور المقتضي إلا بدليل خاص. وتوهم كفاية القدرة في برهة من الزمان لإيجاب الموسع (5)، فاسد، ضرورة قبح الخطاب في أول الوقت، أو أخذ أول الوقت قيدا مع العجز في برهة منه، والمفروض خطاب شخصي وإيجاب جزئي، على وجه يكون قابلا للانطباق على المحدود بحدي الظهر والغروب. وأما في الواجب المعلق المذكور، فلا يكفي مجرد الاقتدار في ظرف الامتثال، بعد كون الوجوب في زمان خاص، وأنه لا توصف العبادة ولا الفعل


1 - نهاية الأفكار 1: 387 و 391 - 392. 2 - انظر فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 232 - 235، أجود التقريرات 1: 181 - 183. 3 - نهاية الاصول: 228. 4 - تهذيب الاصول 1: 362، مناهج الوصول 2: 85 - 88. 5 - محاضرات في اصول الفقه 4: 188. (*)

[ 187 ]

بالوجوب إلا بعد إمكان توجيه الخطاب إليه. نعم، لو كان الوجوب ظرفه موسعا إلى حال القدرة وظرف الامتثال فهو، ولكن المفروض خلافه. إن قلت: نعم، إلا أن ذلك يتم على القول بالخطابات الشخصية، دون القانونية كما تحرر (1)، فإنه عليها يجوز خطاب العاجز في جميع عمره، فضلا عن العجز في برهة من الزمان. قلت: نعم، هذا تام، ولكنه كما يقيد إطلاق الأدلة الأولية بفقرات حديث الرفع إلا بعضا منها، يقيد بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " رفع... ما لا يطيقون " حسبما تحرر (2)، وذلك إما لأجل أن العاجز فاقد الطاقة عنوانا، أو لأجل الأولوية العقلائية القطعية. فما هو المعجوز عليه في المثال الأول هو الوجوب التخييري فيرفع، وهكذا في الموسع والمعلق. وقصور الأدلة الأولية في خصوص المثال الثالث أوضح، لأن لازم عموم شمول الدليل الأولي لمثله، عدم انطباق العنوان المأخوذ - وهو " القادر يوم الأربعاء " - على الصوم يوم السبت، فإنه لو قدر عليه يوم الخميس فلا يجب عليه صوم السبت. اللهم إلا أن يقال: بأن العنوان المأخوذ بلحاظ حال الامتثال دون حال الخطاب في مثله، لعدم دخالته في المطلوب، وعدم قبحه حين العجز يوم الأربعاء. فعندئذ مقتضى القاعدة الأولية، هو وجوب المعلق ولو طرأ العجز حين الإيجاب على جميع المسالك. وأما على بعض المسالك في الوجوب التخييري، وعدم جريان " ما


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 2 - تقدم في الصفحة 165 - 166. (*)

[ 188 ]

لا يطيقون " في أمثال المقام، فإن قلنا بالخطاب القانوني، فمقتضى القاعدة الأولية أيضا وجوب الطرف والواجب الموسع، لأن العجز ليس عذرا إلا في صورة الاستيعاب. وأما على القول بالخطاب الشخصي، فلابد حسب الصناعة من القول بسقوط الواجب وإن لا يساعده العرف. وأما على القول بالخطاب القانوني، كما هو التحقيق، وجريان حديث " ما لا يطيقون " كما هو الحق الحقيق بالتصديق، فالمعجوز عليه في مثل الواجب الموسع ليس الأمر النفسي، بل الأمر الغيري والجزئية المطلقة، وتصير بحديث الرفع مقيدة، ويجب عليه الصلاة في المقدار من الوقت المقدورة فيه الطبيعة. وما قد يتوهم كما اشير إليه: من جواز إيجاب الموسع على العاجز مثلا في أول الوقت إلى برهة من أول الظهر إلى الغروب، ولا تنافي بين فعلية التكليف مع العجز المذكور، كما عن بعض أهل العصر - عفي عنه - (1). وبعبارة اخرى: قد مر إمكان اعتبار شئ جزء ولو كان معجوزا عنه مطلقا، ضرورة أن مسألتي الوضع والتكليف مختلفتان في القبح والحسن في المقام، كما مر في السابق، وفي إبطال تفصيل الوحيد البهبهاني (رحمه الله) (2) وإن لم يصدقه الوالد المحقق (3) - مد ظله - فعلى هذا يكون العجز عن الجزء الزماني والجزء الذي هو نفس الزمان، مثلين في هذه المسألة. يندفع: بأن الجزء الزماني غير الجزء الذي هو زمان، فإن الأول يستتبع


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 188. 2 - تقدم في الصفحة 112 - 113. 3 - تهذيب الاصول 2: 394 - 395، أنوار الهداية 2: 376 - 377. (*)

[ 189 ]

سقوط الأمر حسب الخطابات الشخصية، والجزء الذي هو الزمان اريد به وجود الأمر التكليفي في أول الظهر، للقدرة على الواجب المتأخر، كما في الواجب المعلق، وهذا غير صحيح، لقبح التكليف الفعلي في أول الزوال مع عجزه عن الجزء. وهذا غير العجز عن سورة في الصلاة، مع تمكنه من سورة فيها. هذا مع أن المقرر عندنا في بابه: أن الزمان اخذ في الاعتبار حينا للصلاة، وتكون القضية حينية في الاعتبار والتعبد، لا تقييدية وإن كانت تقييدا في الثبوت، لامتناع القضايا الحينية في الاعتباريات (1)، ومن توهم خلاف ذلك فلعدم اطلاعه على المسائل العلمية الاعتبارية والمنطقية، ولأجله أجرينا استصحاب الحكم الأدائي بعد مضي ذلك الحين، وهو وقت الصلاة. وأما مقتضى القواعد الثانوية وهو جريان القواعد الثانوية في هذه الأمثلة، فحيث إنه لا حاجة إليها في المثال الثالث، ولا بأس بجريانها في المثال الثاني - اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى كون القضية اعتبارية، جريان الاستصحاب لو كان قادرا في أول الوقت، وعاجزا في آخره، وجريان القواعد الثلاث. اللهم إلا أن يقال: كون القضية اعتبارية تمنع عن جريانها، فتأمل - يبقى الكلام في المثال الأول، لأجنبية الطرف المقدور عليه عن الطرف المعجوز عنه. وتوهم: أن العجز عن بعض الطرفين ينافي بقاء الوجوب التخييري، ولا جعل آخر غيره، وأما لو عجز عن بعض الأطراف الثلاثة والأربعة فلا ينافيه، فهو في غير محله، لأنه وجوب واحد تخييري بين الأطراف الثلاثة، أو الأربعة، أو الستة، ولا


1 - تقدم في الجزء الثالث: 126. (*)

[ 190 ]

يعقل بقاء الواحد مع العجز. نعم، لا بأس بجريان قاعدة " رفع... ما لا يطيقون " (1) بمقدار العجز، نظرا إلى إمكان تقييد إطلاق الأدلة الأولية بمثله تقييدا واقعيا. كما يمكن دعوى: أن الطرف الآخر ميسور الواجب التخييري، من غير النظر إلى أجنبية المقدور عن المعجوز بحسب الوجود والعنوان، فاغتنم. المبحث الرابع: فيما لو ترددت حال شئ بين كونه جزء أو شرطا، وبين كونه مانعا أو قاطعا وبعبارة اخرى: لو تردد الأمر بين وجوب إتيان شئ جزء أو شرطا، وبين وجوب تركه. وبعبارة ثالثة: لو كان يعلم إجمالا بأن وجود شئ إما مبطل وزيادة، أو جزء. أو يقال وصف في المركب واجب فعله أو تركه. وبعبارة رابعة: دار الأمر بين الوصفين اللذين لا ثالث لهما، كالجهر والإخفات، وأنه يعلم إجمالا بوجوب أحدهما، وحرمة الآخر. وغير خفي: أن الأصحاب (رحمهم الله) قد وقعوا في حيص وبيص بين العنوان ومثاله. فبالجملة: الأصحاب (رحمهم الله) بين تارك لهذه المسألة، ك‍ " الدرر " و " التهذيب " نظرا إلى أن المسألة مندرجة في مسألة المتباينين، وامتناع المخالفة القطعية لا ينافي وجوب الموافقة القطعية، وبين ذاكر لها إجمالا، ك‍ " الكفاية " (2) والعلامة


1 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 2 - كفاية الاصول: 423. (*)

[ 191 ]

الأراكي (رحمه الله) نظرا إلى العلم الإجمالي على الإطلاق (1)، وبين مفصل بين صور المسألة، كالعلامة النائيني (2)، غافلا عن أن المسألة في التوصليات من المركبات وإن كانت من المتباينين، إلا أن المفروض عنده هي الملازمة بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية، فلو لم يتمكن من المخالفة القطعية لا تجب الموافقة القطعية، ولا شبهة في أنه عندئذ لا يجب الاحتياط، لانتفاء الملازمة المذكورة في تنجيز العلم. ويظهر في بادئ النظر أن شيخنا العلامة الأنصاري (رحمه الله) اختار البراءة، لعدم جواز العقاب على ترك الكل بترك الجزء بعد إتيان عدمه المحتملة شرطيته (3). وفيه: أنه في الفرض المذكور ترجع المسألة إلى أنه يعلم إجمالا بوجوب الصلاة المتقيدة بالقنوت، أو وجوبها المتقيد بعدمه، ولا فرق حينئذ بين المسألة وبين المتباينين. مع إمكان ترك القنوت غير قاصد للقربة، فيكون مخالفة قطعية في المركب العبادي. فعلى هذا تحصل: أن هذه المسألة بحسب العنوان والأمثلة، ليست كما ينبغي، لعدم مورد يكون الأمر فيه دائرا بين الشرطية والجزئية، وبين المانعية والقاطعية الاصطلاحية. والذي هو الأولى بالعنوان: هو أن يدور الأمر بين كون الشئ واجبا غيريا أو نفسيا، وبين كونه مبطلا.


1 - نهاية الأفكار 3: 461. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 261 - 263، أجود التقريرات 2: 316 - 317. 3 - فرائد الاصول 2: 502 - 503. (*)

[ 192 ]

فمن الأول: الأمثلة المذكورة، كالحمد حين الشك في الإتيان به وهو في السورة مثلا، أو الجهر والاخفات، بأن يكون الجهر مبطلا، وعدمه واجبا غيريا، وكالاستتار بالثوب المتنجس، وكالسلام بعد الفراغ من التشهد الأول فيما لو دار الأمر بين القصر والإتمام. ومن الثاني: ما لو توجه في أثناء الصلاة مثلا إلى أنه نسي السجدة الواحدة من الصلاة السابقة، أو التفت إلى نسيان سجدتي السهو، وكرر السلام، بل وقضاء التشهد والسجدة في الركعة المتأخرة، باحتمال كونه واجبا نفسيا أو مبطلا، لقصور الأدلة عن تعيين الوظيفة، وهذا أمر كثير الدور في الفقه. وأما الحق في الصورة الاولى: فهو أن العلم الإجمالي لا يكون منجزا بالنسبة إلى مورده، ضرورة أن الوجوب الغيري لا يستتبع - بما هو هو - عقابا. فإن قلنا بحرمة إبطال المركب المذكور، فيكون العلم الإجمالي مستلزما لترك المبطل، ويكون بيانا على صحة العقوبة على المركب الفاقد، لمعلومية الأمر به تفصيلا، ومشكوكية الاجتزاء بما أتى به، مع عدم دليل على جواز الاجتزاء به. فالمسألة ليست من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، لإمكان المخالفة القطعية والموافقة القطعية حتى في التوصليات، لعدم صحة الأمر الغيري بالنسبة إلى الأجزاء الداخلية، كي يقال عند ترك أصل المركب: " خالف الأمر قطعيا، والنهي قعطيا " فلا معنى لجريان البراءة. ولا من قبيل الأقل والأكثر، للعلم بالاشتغال، والشك في سقوط الأمر، وتمامية الحجة على صحة العقوبة على الاكتفاء بالأقل أو بالإخفات، فيما إذا كان الأمر دائرا بين وجوبه ووجوب الجهر، فيكون خارجا عن عنوان المسألة، فلابد من الاحتياط حسب العقل.

[ 193 ]

وقد تحرر عندنا جريان البراءة الشرعية في مجموع أطراف العلم الإجمالي (1)، وقضية حديث الرفع رفع الوجوب والمبطلية، وعندئذ يجوز الاجتزاء بالمصداق الواحد، ويظهر مما تحرر حدود ضعف كلمات القوم القائلين بالبراءة والاشتغال (2). وأما في الصورة الثانية: وهي ما لو دار الأمر بين وجوبه النفسي والمبطلية الوضعية المحضة، أو المبطلية المقرونة بالحرمة التكليفية، فمقتضى استصحاب الصحة على الوجه المحرر جواز الإتيان بالمبطل المذكور، لعدم لزوم المخالفة العملية مع العلم المزبور، فليتأمل. ولو فرضنا وجوبه النفسي الفوري، ومبطليته التفصيلية، فتندرج المسألة في باب التزاحم. والأشبه أن حرمة الإبطال لا تزاحم وجوبه الفوري، حسبما يستظهر من موارد جواز الإبطال، فتأمل.


1 - تقدم في الجزء السابع: 376. 2 - فرائد الاصول 2: 502 - 503، كفاية الاصول: 423. (*)

[ 195 ]

ختام في شرائط الاحتياط والبراءات الثلاث العقلية، والعقلائية، والشرعية وسبب تعرضهم لذلك ذهابهم إلى البراءة في موارد، والاحتياط في اخرى في مباحث الشك في التكليف والمكلف به، وتمام الكلام في مقامين: المقام الأول: في الاحتياط والبحث حوله تارة: في حد حسنه من غير النظر إلى شرائطه اللازمة. واخرى: في الاحتياط بالقياس إلى موارده اللازمة وغير اللازمة، كموارد العلم الإجمالي وما بحكمه، وموارد الشك في التكليف وما بحكمه، فإن تلك الموارد لأجل اختلافها ربما تختلف شرائطها. فإن منها: مورد الشبهة البدوية.

[ 196 ]

ومنها: المقرونة بالعلم الإجمالي الكبير ومنها: الصغير. ومنها: التوصليات. ومنها: التعبديات. ومنها: مورد التمكن من حل العلم الإجمالي حقيقة أو حكما. ومنها: صورة العجز. وغير ذلك. الجهة الاولى: في حد حسن الاحتياط قد اشتهر درك العقل حسن الاحتياط (1)، ولكن حيث لا يمكن درك العقل حسن شئ إلا بعد الإحاطة بجميع شرائط دركه، فإذا احتمل أن الاحتياط ينتهي إلى الفساد - كاختلال النظام والسياسة البدنية والروحية والمنزلية والدولية - فلا يتمكن من درك حسنه. وتوهم: أنه ليس مع جهله بذلك احتياط، ناشئ من قلة العقل، لأنه احتياط بالقياس إلى احتمال أمر المولى، ولكنه لا يدرك حسنه، لاحتمال انتهائه إلى مبغوض المولى، أو إلى الوسواس الذي هو أيضا مبغوضه، أو مع احتمال كونه مورد البغض لا يمكن درك حسنه، فلا طريق عقلي إلى وجود شرط درك العقل حسنه حتى بالنسبة إلى امتثاله الواقعي للأمر، لإمكان مبغوضية الاحتياط لأجل جهة من الجهات المشار إليها.


1 - فرائد الاصول 1: 359، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 398، نهاية الأفكار 3: 258. (*)

[ 197 ]

وكل ذلك لأن مقصود القائل: ب‍ " أن الاحتياط حسن على كل حال " هو أن العمل الخارجي الواقع احتياطا حسن بالحمل الشائع، وإلا فبالحمل الأولي ليس الاحتياط حسنا بالضرورة. هذا نقاش في صغرى ما اشتهر من درك العقل حسن الاحتياط. وإليك إفاضة جديدة: وهي أن العقل كما يدرك حسن الاحتياط، يدرك حسن الصبر والصلاة، وحسن الشجاعة والجهاد وهكذا، ولا يعقل أن يكون نسبة الحسن إلى هذه المتباينات نسبة حقيقية، لامتناع انتزاع الواحد - وهو الحسن - عن المختلفات والمتكثرات بما هي مختلفة وكثيرة، ولا شبهة في أن الحسن مفهوم واحد مشترك بينها. فما هو الحسن ويدرك العقل حسنه أمر واحد شريك بينها، وإنما هو موضوع الحسن، دون الاحتياط والصبر والسخاوة وهكذا، ونسبة الحسن إليها مجاز عقلي وحقيقة عرفية، ولأجله اشتهر حسن شئ واحد وهو العدل، وقبح شئ واحد وهو الظلم، وترجع المحسنات والمقبحات إليهما. فما اشتهر: " من أن الاحتياط حسن على كل حال " من الأكاذيب أو " أن العقل يدرك حسنه " - إلا في صورة - من الأباطيل البرهانية، فاغتنم. ثم إن مفهوم الاحتياط في الأفعال المأتي بها احتياطا، ينتزع منها حين الاقتران بقصد معلوم، وأما في التروك فكيف يعقل أن يقع الترك عن احتياط ؟ ! لأنه لا واقعية للعدم والتروك. وبعبارة اخرى: يوصف الفعل ب‍ " أنه احتياط واحتياطي " ولا يعقل توصيف الترك به، إلا أنه يوصف المنزجر عن المبغوض الاحتمالي مثلا ب‍ " أنه محتاط " ففي حومة العقل الأمر كما تحرر، ولكن في حومة العقلاء الأمر كما حرره القوم.

[ 198 ]

وتوهم: أن للعدم المضاف حظا من الوجود، في غير محله، ولو وقع في الكتب العقلية (1) فهو لأجل التعليم، فلا تخلط. وبالجملة: كما في امتثال النهي ليس شئ يعد ممتثلا به، كذلك في المقام، ولا يعتبر أزيد من ذلك في حصول عنوان " الإطاعة والامتثال والاحتياط " في باب التروك الخاصة والانزجار، فليلاحظ. الجهة الثانية: في منع جواز الاحتياط على الإطلاق يمكن المناقشة في جواز الاحتياط على الإطلاق، وذلك إما لأجل كونه مقدمة للمبغوض والهرج والمرج واختلال النظام في صورة العلم بمقدميته، أو في صورة كونه من الأسباب التوليدية للمبغوض، كالاختلال والتوسوس. ولو قلنا بجواز مقدمة الحرام - كما هو الأشبه - تصح العقوبة على الأسباب التوليدية حسبما مر في المجلد الأول، وعليه بعض الأفاضل والأعلام (2). والحق: أنه غير صحيح، لأن المحرم هو المسبب، ومقدورية السبب التوليدي تكفي لتعلق النهي بالمسبب، ولا يجوز على هذا صرف النظر عن الدليل والتصرف فيه، بتوهم امتناعه، كما تحرر في محله (3).


1 - الحكمة المتعالية 1: 216 و 5: 113. 2 - كفاية الاصول: 160، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 270 - 271، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 402. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 283 وما بعدها. (*)

[ 199 ]

الجهة الثالثة: في حكم الاحتياط في الشبهات البدوية التوصلية والتعبدية في موارد الشبهات البدوية بعد الفحص يجوز الاحتياط، واحتمال حرمته منفي بالاصول الثلاثة، وهكذا احتمال حرمة مورده. وفي عده احتياطا منع مر وجهه، إلا إذا كان المعول بناء العقلاء، ففي جميع التوصليات والمعاملات يجوز الاحتياط. وأما في العبادات، فما دام لم يكن من قصده التشريع، أو لم يكن تشريعا وبدعة عند المتشرعة حسب صورته وإن لم يكن قاصدا لذلك، فالأشبه جوازه. فلو أتى بصلاة خماسية الركعة، أو بصلاة إلى غير القبلة وهو قائم، أو بالحج في غير أيام الحج، بتوهم لزومه، أو بالاعتكاف في مسجد المحلة، أو في المسجد الاتخاذي، بتوهم لزومه، فالأظهر أنه بدعة عرفية، فتكون حراما وإن لم يكن من قصده الابتداع، فتأمل. وهكذا لو أتى بالتمام في السفر، أو العكس، أو أتت الحائض بالصلاة، بتوهم لزومها وغير ذلك. ثم إن في أبواب من يصح منه الصوم باب (12) حديثا ضعيفا، وفيه: " فليس لنا أن نفعل إلا ما امرنا " (1). وربما يستشم منه ممنوعية العبادة إلا في صورة وجود الأمر، وفي صورة الشك والجهل لا تجوز العبادة، فتأمل.


1 - وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 5. (*)

[ 200 ]

كما يستظهر أحيانا مما ورد في عده (صلى الله عليه وآله وسلم) جهلة العامة من العصاة - وهم عصاة إلى يوم القيامة - أن البدعة غير متقومة بالقصد، لكونهم معتقدين أمر الله تعالى بوظيفتهم، فمجرد احتمال الأمر غير كاف لصحة الاحتياط. وبالجملة: محط الكلام لا ينبغي أن يخفى، وهو أن الاحتياط في صورة احتمال التكليف اللزومي. إلا أنه إذا كان في تركه الاحتياط، أو تركه لازما، فلا معنى له. وإن اريد منه إسقاط الأمر المحتمل، فربما لا يحصل له ذلك، لاحتمال دخالة شئ في سقوطه، وهو جاهل به، وغير واصل إليه ذلك الشئ، فالانقياد بمعناه الإطلاقي غير حاصل، وبمعناه الاحتمالي مشترك بين الفعل والترك. هذا بحسب الوقائع الخارجية. نعم، بحسب الفرض والتصور يمكن الاحتياط، كما هو الواضح. تنبيه: توهم عدم إمكان الاحتياط في العبادات وما فيه ربما يتوهم: أن في موارد العبادات لا يمكن الاحتياط، لأنه لا معنى للانبعاث عن الأمر المحتمل (1). وفيه أولا: أن حقيقة الاحتياط كما في العبادات، متقومة بالانقياد، وهو لا يحصل إلا في صورة الالتفات إلى الأمر، فلا يحصل فرق بين التعبدي والتوصلي. وسقوط الأمر التوصلي من غير التفات، غير الاحتياط في التوصليات. وأما تقوم الانبعاث بالبعث المعلوم إجمالا أو تفصيلا، فهو ممنوع كما يأتي - إن شاء الله تعالى - (2) ومر في مواضع من هذا الكتاب (3)، فإن ميزان عبادية العبادة


1 - لاحظ نهاية الأفكار 3: 462 - 463. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 25. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 111، وفي الجزء السادس: 206. (*)

[ 201 ]

ليس الانبعاث عن البعث. ومما حصلناه يظهر: أنه لو كان ميزان عبادية العبادة الانبعاث عن البعث المعلوم، ففي صورة احتمال الأمر هو أقوى وآكد، وتصير النتيجة صيرورة التوصليات تعبدية في صورة الإتيان بها احتياطا، لأن التوصلي المأتي به احتياطا هو المقارن للانبعاث عن البعث الإلزامي، فليتدبر، واغتنم جيدا. ذنابة: في استواء الاحتياط وتركه بلحاظ العقل قضية ما حصلناه: أنه لا يتمكن العقل من درك حسن الاحتياط، ولا يمكن العلم بحصول الامتثال القطعي في موارد احتمال الأمر، ففي جميع موارد الاحتياط لا فرق بين الاحتياط وتركه، لاحتمال كون كل من الفعل والترك انقيادا. نعم، يمكن تصور الاحتياط، وهو غير الاحتياط بالحمل الشائع. ويلحق بالشبهات البدوية، جميع الموارد التي لا يجب فيها الاحتياط عقلا. وأما الأخبار الآمرة بالاحتياط، فإن اخذ بها لكونها منجزة للواقع، فيكون الاحتياط واجبا، وإن اخذ بها لكونه ممدوحا ومندوبا، ففي تحقق موضوعه إشكال عقلا. اللهم إلا أن يقال: إنها ناظرة إلى الموارد التي تكون احتياطا عرفا، وإن لم تكن احتياطا حسب الاحتمال العقلي، كما ليس ببعيد. بقي شئ: حول استلزام الاحتياط للتكرار في الشبهات البدوية ربما يلزم التكرار في الشبهات البدوية حتى في العبادات، كما إذا قامت الحجة على أن القبلة إلى الجانب الخاص، فإنه بالنسبة إلى ذلك الجانب يتعين عقلا، وأما بالنسبة إلى الجوانب الاخر فيلزم تكرار العبادة. ومن يشكل عليه تجويزه في

[ 202 ]

موارد العلم الإجمالي، فهنا أولى. إلا أن جوازه هنا مما لا بأس به، فإنه ليس بتارك طريقي الاجتهاد والتقليد. وما يتوهم من الإشكالات المانعة قد مر في البحوث السابقة (1)، كما أن ما استشكلناه في كونه احتياطا موضوعا مما لا يخفى، فليلاحظ. الجهة الرابعة: حول الاحتياط مع عدم التمكن من حل العلم الإجمالي في موارد وجوب الاحتياط عقلا للعلم الإجمالي سواء كان متجزيا في الاحتياط الواجب، أو مستوفيا لجميع الأطراف، إذا كان غير متمكن من حل العلم الإجمالي حلا حقيقيا، أو حكميا كالاجتهاد أو التقليد، فلا يلزم إشكال في التوصليات، ولا في التعبديات. وتوهم امتناع الاحتياط موضوعا، من جهة أن اللعب وإن لم يكن قصديا، ولكنه انتزاعي وقهري (2). مندفع: بأنه بعد ما كان العرف مطلعا على اللزوم المذكور، لا ينتزع اللعب من عمله. مع ما عرفت من كبرى حديث اللعب. نعم، بناء على جريان الاصول الشرعية في مجموع الأطراف، فلا يكون الاحتياط لازما عقليا، فتكون كموارد الشبهة البدوية. ولعل كلام العلمين: القمي (3)، والبهبهاني (4) الذاهبين إلى جواز المخالفة القطعية، محمول على خصوص هذه


1 - تقدم في الجزء السابع: 224 وما بعدها. 2 - لاحظ فرائد الاصول 2: 508. 3 - قوانين الاصول 2: 24 - 25 و 37 / السطر 3 - 14. 4 - الظاهر أن الصحيح " الخوانساري " كما صرح المؤلف (قدس سره) بذلك في الجزء السادس: 176 وفي الجزء السابع: 306. لاحظ مشارق الشموس: 77 / السطر 2 - 11. (*)

[ 203 ]

الصورة، ولا يلزم ترك طريقي الاجتهاد والتقليد حتى في مورد واحد، لأن الاجتهاد ينتهي إلى جريانها حولها في خصوص صورة امتناع حل العلم، إلا في موارد خاصة اللازم فيها الموافقة الاحتمالية، أو القطعية، كباب دوران الأمر بين القصر والتمام، ولم يكن يجري الاستصحاب فرضا. ولأحد دعوى: أن الامتثال التفصيلي قيد في المأمور به، وإلا فلا معنى لأن يقدم، وحكم العقلاء بتقدمه لو كان صحيحا، لابد وأن يرجع إلى قيديته في متعلق الأمر بالجعل الثانوي اللبي، أو اللفظي، فعليه يلزم عجز المكلف عن الامتثال الإجمالي، كشرطية قصد الوجه والتمييز، وفي مورد العجز - حسبما مر - يسقط الأمر، إلا إذا كان لدليل المركب إطلاق، ولم يكن لدليل القيد إطلاق يقدم عليه. فعلى هذا، يلزم أن يكون العبد معذورا، ولا يلزم على القول بالخطابات الشخصية مخالفة قطعية، لسقوط الأمر بعجز العبد، أو على القول بتقييد الخطابات القانونية وتقييدها بحديث: " رفع... ما لا يطيقون " (1). ويمكن أن يدفع: بعدم الدليل على تقدمه في صورة العجز، لأن دليل القيد لبي، فافهم. ومن هنا يظهر وجه المناقشة على القول باعتبار قصد الوجه والتمييز، فإن دليله لو كان فهو لبي أيضا، والقدر المتيقن صورة القدرة لا العجز، فيرفع احتمال دخالته بدليل البراءة، لكونه من الأقل والأكثر. مع أن قصد الوجه ممكن، ولكنه غير معتبر. وما ذكرناه يجري في التوصلي والتعبدي. وقد عرفت أنه مع غض النظر عما ذكرناه في أطراف العلم الإجمالي، لا أساس لسائر ما قيل أو يمكن أن يقال، وقد


1 - الخصال 2: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 204 ]

أشبعنا البيان تشحيذا للأذهان، والله المستعان. والمحصول: أنه لا شرط في هذه الصورة للاحتياط، ولا يلزم منه عدم الاحتياط. الجهة الخامسة: حول الاحتياط في مورد العلم الإجمالي مع التمكن من حله في مورد العلم الإجمالي مع التمكن من حله حقيقة أو حكما، فالذي هو التحقيق جوازه، وحديث اللعب وقيدية قصد الوجه والتمييز، مما لا يرجع إلى محصل صغروي في الأول، وكبروي في الثاني وإن كان ممكنا تحصيله، وفي الثالث وإن لا يمكن تحصيله. وأما صحة العبادة مع كونها مورد انتزاع اللعب عرفا، فهي عندنا ممنوعة، لاغتراس الأفهام الشرعية قيدية كونها صالحة للعبودية والتقرب، وهذا مع كونه مورد انتزاع المحرم محل إشكال، بل منع. ولكن الشأن عدم انتزاع اللعب بعد كونه قاصدا لإتيان المأمور به. وتوهم كونه غير صالح لانتزاع العبودية والمقربية مطلقا، من جهة احتمال حرمة الزائد، سواء كان عملا مستقلا كصلاة على حدة، أو جزء وشرطا، في غير محله، لأن احتمال الحرمة المدفوع بالبراءة في صورة التمكن، كاحتمال حرمته في صورة حل العلم المذكور. ولو صح ذلك للزم ممنوعية تكرار طرف العلم بعد الانحلال الحكمي، لأن بإتيانه بعد اتباع الطريق، يعد العمل الأول دخيلا في أخذ عنوان اللعب من الثاني، فيكون غير صالح لأن يتعبد به ويتقرب به منه تعالى، كما هو كذلك في الوسواسي الباطل عمله الأول، فإنه لأجل دخالته في تحقق عنوان

[ 205 ]

التوسوس يكون باطلا، ولكن الفارق هو النص والإجماع. فبالجملة: لو كان التكرار موجبا لانتزاع اللعب، أو الزيادة دخيلة في سقوط صلاحية العمل عن انتزاع عنوان المقربية، فلا فرق بين الصور كما لا يخفى. وأما الإجماع والشهرة المدعاة على اعتبار قصد الوجه تارة: كما عن الرضي (رحمه الله) تحت عنوان بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها (1)، واخرى: بما عن الطوسي (رحمه الله) من أنه لا يستحق الثواب على العبادة إلا في صورة نية الوجه (2)، فهما - مع ما فيهما من التعليل والضعف لعدم إحراز كونهما تعبديين - أجنبيان عن هذه المسألة، لأن المحتاط ربما يكون عالما بأحكام الصلاة جميعا. مع أن محط البحث أعم من الصلاة، ولو صح إلغاء خصوصية الصلاة يجوز إلغاء خصوصية العبودية. وبالجملة: هي مسألة معنونة في كتاب التقليد عندنا (3)، وقد ذكر الأصحاب (رحمهم الله) لزوم العلم بأحكام الشريعة المبتلى بها عادة ونوعا، أو مطلقا، نظرا إلى ابتلاء المكلف في أثناء الصلاة، وهي أحكام الصلاة من السهو والشك (4). وتوهم: أن حديث الاستحقاق أجنبي عن الشريعة (5)، في غير محله، لإمكان وجود الإجماع على أن قيد الوجه دخيل في الاستحقاق شرعا، كقيدية الإيمان في القبول. نعم، لا يلزم من الإجماع المذكور لزوم قصد الوجه، لإمكان عدم تشهي


1 - لاحظ ذكرى الشيعة: 259 / السطر 18 - 19، وتهذيب الاصول 2: 413. 2 - تهذيب الاصول 2: 414، كشف المراد: 407 - 408. 3 - تحرير العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد: 11. 4 - العروة الوثقى 1: 11، فصل في التقليد، المسألة 28. 5 - تهذيب الاصول 2: 414. (*)

[ 206 ]

المكلف لاستحقاق الثواب، فيكون أجنبيا عن الجهة المبحوث عنها، فلا يلزم حل العلم الإجمالي حقيقة أو حكما. بقي شئ آخر: في وجوب حل العلم الإجمالي بناء على القول بالاشتغال في الأقل والأكثر وهو أن مقتضى القول بالاشتغال في الأقل والأكثر - كما هو التحقيق - وجوب حل العلم الإجمالي، كي يتبين له المأمور به، وبعد ما تبين مقتضى احتمال دخالة تقديم ما قام العلم والحجة على الطرف، فالاحتياط المذكور في هذه المسألة ممنوع. ولكن الشأن أن قضية إطلاق دليل المركب العبادي وما بحكمه - كما يأتي بيانه - عدم وجوبه. مع أن احتمال قيدية قصد الوجه والتمييز بل والتقديم المذكور بعيد غايته، لابتلاء الناس به كثيرا، ولاسيما في بعض الموارد، فما يظهر من الاصوليين من الاشتغال هنا لو قلنا به في الأقل والأكثر (1)، في غير محله، فاغتنم. وبالجملة تحصل: أنه لا يلزم من الاحتياط ولو تمكن من حل العلم الإجمالي أمر خلاف الاحتياط، كي يكون شرطا للاحتياط، لا في التوصلي، ولا في التعبدي، وقضيته القول بالاشتغال حتى على مذهب الشيخ (رحمه الله) المنكر لجواز التقيد بما يأتي من قبل الأمر (2)، لأن مثل قصد الوجه والتمييز ليس مما يكاد يحتمل اختفاؤه على الرواة وأهل الفضل المتقدمين. مع أن الإطلاق المقامي ربما يكفي لرفع الشك هنا، كما يتمسك به على القول بالأخص في الصحيح والأعم، فافهم.


1 - فرائد الاصول 2: 506 و 507 ولاحظ نهاية الأفكار 3: 464 - 465. 2 - مطارح الأنظار: 60 / السطر 28. (*)

[ 207 ]

عدم اعتبار قصد الوجه بناء على الاحتياط في الأقل والأكثر ثم إنه في الاحتياط في الأقل والأكثر، مع فرض التمكن من حل العلم الإجمالي في تعبير، أو مع فرض رفع الجهالة في التعبير الأصح، لا معنى لقصد الوجه، لعدم وجود الأمر على الإطلاق بالنسبة إلى الأجزاء. وبالنسبة إلى التمييز يمكن دعوى عدم تشخص حد المأمور به عند الجهالة. مع أن الحق: أن ما هو المأمور به حقيقة هي الصلاة الفانية فيها الأجزاء، والصلاة بعنوانها مشخصة، وبالنسبة إلى اللعب لو تحقق يشكل الاجتزاء، لما عرفت من أن الرقص اليسير لا يلائم عبودية الصلاة، ومقربية المأمور به المعتبر فيه قصد القربة. ولكنه غير متحقق صغرويا. وبالجملة: الإجماعات المحكية عن السيدين وأرباب الكلام (1)، بل وعن الحلي حتى في صورة عدم التمكن من حل العلم الإجمالي في باب اشتباه الثوب النجس والطاهر (2)، لا ترجع إلى محصل. ولعل نظر الحلي (رحمه الله) إلى حرمة الصلاة في النجس، كحرمتها الذاتية بلا وضوء، كما قد يستظهر من بعض الأخبار، فعندئذ يصلي عاريا، وهذا خروج عن محط البحث. ولو شك في اعتبار قصد الوجه، ولم يتم البيان السابق لنفيه حتى بعد تلك الإجماعات الباطلة، فالمرجع إطلاق دليل المركب. نعم، عند انتفائه لابد من حل العلم الإجمالي بالاجتهاد أو التقليد، أو حله الحقيقي في موارد إمكانه، نظرا إلى ما مر في الأقل والأكثر (3) فتدبر.


1 - فرائد الاصول 2: 507 - 508، كشف المراد: 407 - 408. 2 - السرائر 1: 184 - 185. 3 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. (*)

[ 208 ]

تتميم: في استحالة قصد الوجه والتمييز في موارد الانحلال بالحجة إن قصد الوجه والتمييز غير معقول في موارد انحلال العلم الإجمالي بالحجة، ضرورة امتناع حصول القصد التكويني والإرادة الخارجية العينية بالنسبة إلى وجوب شئ، مع عدم العلم الوجداني بوجوبه، فعلى هذا تنتفي بحسب المتعارف شرطية قصد الوجه والتمييز. وحديث الخطور بالبال وتصور الوجوب والتمييز، غير حديث قصد وجوب الشئ مع الشك التكويني بوجه وإن قامت الحجة عليه، فاغتنم. تتمة: حول المراتب الأربع للامتثال والطاعة في كلام بعض من عاصرناه: " إن الامتثال والإطاعة ذو مراتب: مرتبة العلم التفصيلي، ومرتبة العلم الإجمالي، ومرتبة الظن على الكشف، ومرتبة الاحتمال " (1). وليس مقصوده التمسك لإثباته بقاعدة الاشتغال، ضرورة أنه يرجع إلى الشك في الثبوت، لا السقوط حسب نظراتهم، لأنه يشك في تقييد المأمور به بكونه معلوما تفصيلا، فتندرج المسألة في الأقل والأكثر. بل نظره إلى التشبث بحكم العقل ودركه، وحكم العقلاء والمتشرعة، أو إلى أن الإطاعة لا تنتزع في صورة التمكن، والامتثال لا يتحقق عرفا في هذه الصورة، كما أن مجرد استحسان العقل والعقلاء لا يكفي، بل لابد من دعوى لزومه العقلي، وحكم العقلاء القطعي. ولا يتوجه إليه: سريانه إلى التوصليات، كما لا يخفى. وأيضا: لا يتوجه إليه عدم دخالة الأمر في القربة، لدخالته في الطاعة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 269. (*)

[ 209 ]

والامتثال بالنسبة إلى الأمر المعلوم في البين. بل مقتضى الشك في تحقق الإطاعة هو الاشتغال، بناء على اعتبار الإطاعة والامتثال زائدا على القربة في العبادات. ولكن الشأن في أن كل ذلك من الدعاوى بلا بينة وبرهان، فإن الواجب إتيان المأمور به قربة إلى الله، من غير صحة تقسيم الأمر إلى التوصلي والتعبدي. هذا مع أنه يلزم أن يكون للامتثال مراتب كثيرة، بل مراحل غير متناهية، وذلك لتقدم العلم التكويني على العلم التعبدي النظامي، وتقدم العلم بالحجة والأمارة على الاستصحاب. بل يلزم تقدم الحجة الأقوى الموجبة للاطمئنان على ما لا توجبه، وتقدم ما توجب الاطمئنان القوي على ما توجب الاطمئنان الضعيف. مثلا: لو تمكن من العلم الوجداني بالميقات، يكون هو مقدما على الحجة، وتكون البينة الكثيرة المتشكلة من العدول الموجبة لحصول الوثوق والاطمئنان بالأقل منه وهكذا، وتكون الأمارة متقدمة على استصحاب محاذاة محل شك في محاذاته على الأمارة، وهكذا الظن الأقوى على الأضعف حسب مراتبه... إلى أن يصل إلى الاحتمال والوهم. ويكفيك ذلك فسادا لمقالة العلامة النائيني (رحمه الله) وغيره (1)، والضرورة قاضية بكفاية كون المأتي به هو المأمور به حذوا بحذو. ذنابة: في بطلان تكرار العبادة مع إمكان حل العلم الإجمالي بسهولة ربما يكون حل العلم الإجمالي خفيف المؤونة جدا، فتكرار العبادة عندئذ ربما يعد شيئا آخر عرفا وسخرية، مثلا يغمض عينه في المسجد الحرام، ويعلم إجمالا أن الكعبة إما قدامه، أو خلفه، فيصلي تارة: إلى الخلف، واخرى: إلى القدام، فإنه ربما يشكل الأمر حسب الموازين العرفية في امتثال أوامر المولى، وفي التقرب


1 - نهاية الاصول: 424 و 433. (*)

[ 210 ]

والقربة بمثل هذه الصلاة، وإن كان آتيا بجميع ما يعتبر، إلا أن صلاحية الصلاة للتعبد بها شرط. وقوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * (1) دليل على أن تكون المقربات صالحة لأن يتعبد بها لله تعالى. وحمل الآية الشريفة على إيجاب عناوين " الصلاة، والاعتكاف، والحج " خلاف ظاهرها، بل الآية تشرد إلى أن تلك المقربات الشرعية تكون عبادة عرفية، وصالحة لانتزاع عنوان العبودية عنها. وفي مسألة بطلان الصلاة بالفعل الكثير لا دليل عليه إلا ذلك، وإلا فصلاتهم عند البيت صلاة، ولكنها * (مكاء وتصدية) * (2) لأنه لا تلاؤم بينها وبين هذه الامور، والله العالم. توهم دوران الأمر بين التعيين والتخيير عند التمكن من حل العلم ودفعه ورد في تقريرات العلامة الكاظمي (رحمه الله): " إن الأمر في المسألة يدور بين التعيين والتخيير، وقد مر أنه يقتضي الاحتياط، وفيما نحن فيه لا تجري البراءة، لعدم الجامع بين التفصيلي والإجمالي من الامتثال (3). ويندفع: بأن مقتضى ما سلك في المجلد الأول في بيان الوجوب التخييري من رجوعه إلى الواجب المشروط (4) هو البراءة، ومقتضى ما ذكرناه هو الاشتغال. وعلى كل ذلك في الواجبات النفسية. وأما الواجبات الغيرية على فرض صحتها، فالبراءة محكمة على القول به في الأقل والأكثر، ضرورة أنه لو تردد الأمر في أن الواجب سورة الجمعة في يوم


1 - البقرة (2): 21. 2 - الأنفال (8): 35. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 270. 4 - انظر فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 232 - 235، أجود التقريرات 1: 181 - 183. (*)

[ 211 ]

الجمعة في صلاة الظهر، أم هو مخير، تكون البراءة عن خصوصية السورة واضحة ولو شك في أنه متعين عليه الامتثال التفصيلي، أي معلومية المكلف به تفصيلا، أم معلوميته الإجمالية، فأصل اعتبار المعلومية مثلا معتبر، والتفصيلية مرتفعة بالأصل، ولا ينبغي الغور حول هذه المطالب لأمثالنا إلا حرمة للأفاضل، غفر الله لنا ولهم. وبالجملة: في صورة التمكن من حل العلم الإجمالي الكبير أو الصغير في الأحكام والموضوعات، وفي الشبهات الحكمية والموضوعية، وحتى في صورة الشبهة البدوية قبل الفحص، كان القول بعدم حله أولى وأحسن من القول بلزوم حله أو بلزوم الرجوع للاطلاع على المأمور به، ضرورة أن العبد المتحرك بالأمر الاحتمالي أشد عبودية وانقيادا، ويستكشف أنه أكثر إطاعة، وأطوع من غيره. الجهة السادسة: في بقاء موضوع الاحتياط عند الانحلال الحكمي في موارد انحلال العلم، إن انحل العلم الإجمالي حقيقة فلا موضوع للاحتياط، لعدم وجود احتمال الأمر والنهي، ضرورة أن حقيقة الاحتياط - كما مر في محله (1) - متقومة باحتمال الأمر الإلزامي، أو النهي الإلزامي، وأما مع احتمال الأمر الندبي فلا معنى للاحتياط، خلافا لما في تقريرات بعض الأعلام (2). وإذا انحل العلم الإجمالي بقيام الحجة على أحد الأطراف متعينا، أو على الأقل في الأقل والأكثر، فإن كانت الحجة مثل الاستصحاب فموضوع الاحتياط باق. اللهم إلا أن يقال: بأن حقيقة الاستصحاب هي التعبد بالعلم الوجداني، ولازم


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 201. 2 - نهاية الأفكار 3: 465. (*)

[ 212 ]

ذلك إلغاء الاحتمال بأثره وهو الاحتياط، فيكون موضوع الاحتياط محكوما بالعدم، فلا معنى له. أو يقال: بأن " اليقين " المأخوذ في أدلة الاستصحاب أعم من العلم الوجداني، والحكمي النظامي، فإن كان من القسم الأول فلا موضوع له، بخلاف الفرض الثاني، لعدم إلغاء الاحتمال في مورد قيام الحجة العقلائية الممضاة، ولا الحجة الشرعية، لعدم نظر دليلها إلى إلغاء الاحتمال بإلغاء أثره، فتلزم حكومة دليل الاستصحاب عندئذ على دليل الاحتياط. وإن كانت الحجة مثل الأمارات الممضاة، فمعناها إلغاء الاحتمال، وعدم الاعتناء به في مقام العمل، ولازمه انتفاء موضوعه بالحكومة، ولا يستحسن الاحتياط مقدما على مقتضى الحجة، ولا مؤخرا، بل لا معنى له في حومة الشرع بحسب العمل، فما في كلام بعضهم من التفصيل (1) ضعيف جدا، مع ذهابه إلى إلغاء الاحتمال فيها. وهكذا الأمارة التعبدية، كرأي المجتهد عندنا. وتوهم الورود على بعض التقاريب كما في حاشية العلامة الأصفهاني (قدس سره) (2) في غير محله، لعدم انتفاء الاحتمال الواقعي على كل تقريب في حجية الأمارات. وإن كانت الحجة حديث الرفع في الشبهات البدوية، أو في الأقل والأكثر، فإن قلنا: بأنه تقييد كما حررناه (3)، فيكون موضوع الاحتياط منتفيا، فيلزم وروده. وإن كان الرفع ادعائيا، فلا وجوب بحسب الادعاء كي يلزم صحة الاحتياط.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 265. 2 - نهاية الدراية 4: 402. 3 - تقدم في الصفحة 38 - 39 و 47. (*)

[ 213 ]

وإن كانت الحجة البراءة العقلية والعقلائية، فالاحتياط له الموضوع، لاحتمال الأمر الإلزامي الثبوتي. ويمكن دعوى: أنه على جميع التقادير موضوع الاحتياط باق، وذلك لأن حجية الأمارات الإمضائية ليست متضمنة لإلغاء الاحتمال أصلا، حتى يتوهم أن الاهتمام بشأن الاحتياط خلاف الاحتياط، ولاسيما في صورة تقديم العمل الاحتياطي على ما قامت عليه الحجة. بل ولو كان معناها ذلك، فليس مفاد الأدلة إلا نفي لزوم الاحتياط، فيكون الأمر المحتمل المنجز منتفيا بتلك الحجج، لا الأمر المحتمل الإلزامي غير المنجز، لأنه أمر مغفول عن أذهان كافة العقلاء والناس. نعم، في مثل تقييد الأدلة الأولية بحديث الرفع يمكن انتفاء الأمر، ولكن مع ذلك يحتمل بطلان مبنى التقييد، أو عدم صدور أخبار البراءة وحديث الرفع، فعندئذ يبقى للاحتياط موضوعه. ومما ذكرنا يظهر حسن كيفية البحث والاحتياط، وتظهر مواقف ضعف كلمات الأساتذة عفي عنهم. تنبيه: في جريان شرط الاحتياط في النواهي التعبدية ما ربما يتخيل من أن شرط الاحتياط، يجري في ناحية النواهي لو كانت تعبدية، مثلا في محرمات الإحرام التعبدية - بناء على كون التروك راجعة إلى حرمة فعل أشياء، وليست التروك واجبة، وإنما تحرم وتكون الحرمة التعبدية مورد العلم الإجمالي، أو مورد الحجة الظاهرية - فإن موضوع الاحتياط موجود، وهو

[ 214 ]

الانزجار عن النهي التعبدي التحريمي، لإمكانه كما عرفت في الأوامر (1)، والأمر سهل نعتذر من إطالته. الجهة السابعة: حول الاحتياط قبل الفحص وقد اتفقت الآراء على صحته إلا من القائل بعدم جواز سلوك سبيل الاجتهاد والتقليد مطلقا، والمسألة بتفصيلها في مباحث الاجتهاد والتقليد والاحتياط. وما هو مورد نظري هنا، توضيح إشكال على الاحتياط قبل الفحص: وهو أن حجية الاجتهاد والتقليد ومعذريتهما، مما لا ريب فيها حسب الفقه استدلالا بالكتاب والسنة، أو الإجماع والعقل والسيرة، وأما حجية الاحتياط في مورد الإتيان بما يحتمل وجوبه، فلا دليل عليها إلا بحسب العقل. فعندئذ نقول: مقتضى ما سيمر عليك من وجوب الفحص (2) ووجهه: أن الأحكام الإسلامية الواقعية يشترك فيها العالم والجاهل، وضعية كانت، أو تكليفية، فلو أتى المجتهد أو المقلد بالصلاة القائم على وجوبها الحجة، وكانت هي مثلا ذات أجزاء عشرة حسب الاجتهاد ورأي المقلد، ولكن تبين بعد ذلك أنها أكثر أجزاء من ذلك، يصح لها الاعتذار بالاجتهاد والتقليد، لأنهما الحجة الإلهية. وأما المحتاط الواقف على موارد الاحتياط، حسب المحتملات الموجودة في نفسه، إذا أتى بتلك العبادة وذلك العمل، ثم تبين خلافه بحسب الواقع، فهل يصح له الاعتذار: بأنه احتاط، مع أنه كان يتمكن من أن يقلد أو يجتهد، ويكون ذا حجة قطعية ظاهرية، أم لا، لعدم حجية الاحتياط ؟


1 - تقدم في الجزء الثاني: 187 - 188. 2 - يأتي في الصفحة 217. (*)

[ 215 ]

ولو قيل: مقتضى أخبار الاحتياط حجية الاحتياط. قلنا: قد مر أنها لا تكون ناظرة إلى تعذير العبد عند ترك الاجتهاد والتقليد، بل هي إما إيجاب، أو إرشاد إلى حسنه المجتمع مع كونه مجتهدا ومقلدا، فليلاحظ ما سبق، وليس مفادها جعل الاحتياط عذرا عند التخلف بالضرورة (1). فبالجملة: في صورة التمكن من الاجتهاد والتقليد فالاحتياط بالفعل والترك - ولو كان جامعا للمحتملات المنقدحة في نفسه - ليس حجة وعذرا، ولا يستحسن. ولعل نظر القائلين بممنوعية ترك سلوك سبيلي الاجتهاد والتقليد على الإطلاق - حتى في التوصليات - إلى هذا الأمر (2). بل في صورة العلم: بأنه لا شبهة في جواز رد السلام بالنسبة إلى شخص، ولكن لمكان احتمال وجوبه احتاط قبل الفحص والاجتهاد، يمكن إجراء الإشكال المذكور، لما مر من أن حجية العلم ليست ذاتية، وليست عذرا (3). مع أنه بعد الالتفات إلى ما ذكرناه لا يبقى له العلم كي يعتذر به. كما يمكن إجراء الإشكال المذكور إلى المجتهد والمقلد المحتاطين بعد الاجتهاد والتقليد في خصوص مورد، فإنه يستند عملهما في خصوص ذلك المورد إلى الاحتياط طبعا، وهو غير قابل لأن يعتذر به. نعم، إذا أتى بعمل حسب الاجتهاد والتقليد، وبالطرف الآخر حسب الاحتياط، يعد معتذرا بالنسبة إلى ترك الواقع، لاستناده إلى ما هو الحجة الإلهية. وتصور ذلك في الأقل والأكثر أكثر إشكالا من تقديم الطرف على ما قامت عليه


1 - تقدم في الجزء السابع: 229 - 230. 2 - لاحظ فرائد الاصول 2: 506، كفاية الاصول: 306. 3 - تقدم في الجزء السادس: 22 وما بعدها. (*)

[ 216 ]

الحجة، كما لا يخفى. وبالجملة: لو كان الاحتياط مقتضى الاجتهاد والتقليد فلا بأس به، وأما الاحتياط غير الراجع إليه ففيه الإشكال المذكور، حسب كون الناس مشتركين في الأحكام الأولية الإسلامية الإلهية. وهم ودفع بعدما كان المفروض خطأ الاجتهاد والتقليد والاحتياط، فلا وجه لكونهما عذرا دونه، لاشتراك المكلف في الفروض الثلاثة بالنسبة إلى ترك الواقع. وفيه أولا: أنه في الصورتين الاوليين، يكون معذورا بالنسبة إلى التخلف، دون الثالثة، كما ربما لا يعد في الاوليين متجرئا بخلافها، وذلك نظير ترك إنقاذ الغريقين، أو صرف قدرته في إنقاذ أحدهما. وثانيا: أن في موارد الاجتهاد والتقليد المنتهى إليه طبعا، يمكن الالتزام بتقييد الأدلة الأولية بالنسبة إلى الجاهل القاصر أو المقصر، نظرا إلى إطلاق دليل الرفع، فلا حكم فعلي بالنسبة إليهما، بخلاف الفرض الثالث، فإن الأحكام الأولية الإسلامية غير القائمة على خلافها الطرق والاصول، منجزة بالنسبة إلى كافة الأنام - حسبما تحرر في محله - بمجرد الاحتمال، كما يأتي تحقيقه (1) إن شاء الله تعالى. فالمحصول مما قدمناه: أن الاحتياط حجة كالاجتهاد والتقليد، صحيح لو تحقق، ولكنه غير ممكن صغرويا، فما اشتهر من ممنوعية ترك طريقي الاجتهاد والتقليد، غير بعيد عن الصواب.


1 - يأتي في الصفحة 230 وما بعدها. (*)

[ 217 ]

تنبيه: في جريان المناقشة الصغروية في الاحتياط حتى في الشبهات البدوية ما ذكرناه من المناقشة في جواز الاحتياط، لا يختص بمورد العلم الإجمالي الصغير، أو الكبير المنحل، أو غير المنحل، بل يأتي في الشبهة البدوية، لاحتمال عدم إطاعته وإسقاط الأمر مع الاحتياط، وحيث لا دليل على حجيته بعنوانه، يكون الأمر المذكور حجة عليه، لأن المفروض أنه يريد الاحتياط قبل الفحص، والواقع بالاحتمال منجز عليه. نعم، الجاهل القاصر معذور سواء احتاط، أم تركه. المقام الثاني: في شروط البراءة العقلية والنقلية اعلم: أن إجراء البراءة قبل الفحص على وجه كلي، بحيث ينتهي إلى ترك مطلق ما يحتمل وجوبه، وإتيان مطلق ما يحتمل حرمته وممنوعيته، غير جائز بالضرورة القطعية، ولا يرخصه أحد قطعا قديما وحديثا. ولا حاجة إلى إطالة الكلام بالتمسك بالإجماع، والكتاب، والسنة، والعقل، وتقرير وجوه العلم الإجمالي، كي يلزم جواز إجرائها إذا نوقش في تلك الأدلة، فإنه وإن نوقش فيها وفي كل واحد منها، إلا أن المناقش غير ملتزم بالضرورة. فعلى هذا، حاصل البراهين - وهو العلم بعدم جريانها قبل الفحص في الجملة - قطعي، والصناعات الخمس على المشهور (1) والثلاث على ما أبدعناه - لرجوع الشعر إلى الخطابة، والجدل والمغالطة إلى واحد - لا تجري بعد وجود العلم.


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 87. (*)

[ 218 ]

ومما يؤيد ما أبدعناه قوله تعالى: * (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) * (1). ثم إنه قد تحرر في محله: أن حديث العقاب بلا بيان غير صحيح (2)، بل الأمر يرجع إلى امتناع صدور الجزاف منه تعالى، أو إلى قبح صدور كل شئ جزافا منه تعالى، فيعد الأول: البراءة العقلية، والثاني: البراءة العقلائية. وبعدما كان الإسلام عقيدة ونظاما ذا مقررات اجتماعية وفردية، إلزامية تحريمية وإيجابية، فالجزاف ممنوع بالنسبة إلى عقابه تعالى، من غير النظر إلى العلم الإجمالي، بل نفس ذلك يوجب عدم كونه غير جزاف، وعند ذلك يدرك العقل سد باب احتمال العقوبة بعد بنائه على الفرار منها بنحو عام وعلى الإطلاق. وهذا أمر يشترك فيه جميع العقائد والأنظمة الصحيحة والباطلة. نعم، الجاهل القاصر المركب بأن الإسلام ليس إلا الشهادتين، ولا يكون وراءه شئ، يعد معذورا عقلا كالعجز. اللهم إلا أن يقال: عذرية الجهل القصوري ليست كعذرية العجز، فإنه يمكن أن يكون من المقررات الإسلامية عدم كون الجهل مطلقا عذرا، لأنه غير عاجز عن الإتيان، لانتهاء الجهل القصوري المركب إلى شئ من الامور الاختيارية والمقدمات ولو كانت بعيدة، كما يجوز أن لا يكون العجز الاختياري عذرا. فبالجملة: إطالة الكلام ثانيا وثالثا حول العلم الإجمالي الكبير القابل لأن يقول أحد بعدم منجزيته رأسا، أو بانحلاله، مع أن الدعوى أعم، والتمسك به، أو بأن الاحتمال منجز، للاقتران بالعلم، في غير محله، ضرورة أنه من الواضحات


1 - النحل (16): 125. 2 - تقدم في الجزء السابع: 130. (*)

[ 219 ]

الغنية عن البيان. وغير خفي: أنه يلزم من جريان البراءة الشرعية، انتفاء جميع أحكام الإسلام، لإطلاق حديث الرفع، ولا يعتبر العلم بحديث الرفع في جريانه. كما أن التمسك بأدلة وجوب التفقه في الإسلام وتعلم الأحكام، غير كاف، لأنه مورد البراءة بعد احتمال وجوبه، والشك فيه، وجريان حديث الرفع والبراءة العقلية والعقلائية. مع أن دلالة تلك الأدلة على الوجوب النفسي، محل تردد جدا، فما نسب (1) إلى مثل الأردبيلي و " المدارك " (2) غير تام. بل ظاهر ما ورد في " أمالي الشيخ " على ما في " تفسير البرهان " بسند غير بعيد اعتباره، لكونه عن المفيد، عن القولوي، عن الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد (عليه السلام) وقد سئل عن قوله: * (فلله الحجة البالغة) *. فقال: " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما ؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت ؟ ! وإن قال كنت جاهلا، قال: أفلا تعلمت حتى تعمل ؟ ! فيخصمه، فتلك الحجة البالغة " (3). وبمثله يظهر: أن النظر فيها إلى العمل، وما في " تهذيب الاصول " من حكومة أخبار وجوب التفقه على البراءة الشرعية (4)، لا يخلو من غرابة، فإنها تأمر بالتفقه، فإن تفقه في الدين فيلزم ورودها على البراءة الشرعية، حسبما حرره من أن المراد


1 - فرائد الاصول 2: 513. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 342 و 2: 110، مدارك الأحكام 2: 345 و 3: 219. 3 - البرهان في تفسير القرآن 1: 560، الأمالي، الطوسي: 9 / 10. 4 - تهذيب الاصول 2: 436. (*)

[ 220 ]

من " العلم " هو الحجة، وإن لم يتفقه في الدين فهو جاهل يشمله إطلاق البراءة الشرعية. فما هو أساس المسألة عدم الإطلاق بالنسبة إلى قبل الفحص، لأن الفحص لازم بالنسبة إلى المجتهد، والمجتهد المقصر لو كان شمول الحديث يلزم صلاحية الإطلاق لهدم الإسلام، سواء قلنا: إنه رفع واقعي، أو ادعائي. ولعل من ذلك يستظهر تعين الحديث بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية، كسائر فقراته، فاغتنم. تنبيه: في أن ترك الفحص ليس ظلما بناء العرف والعقلاء ودرك العقل على عدم جريان البراءات الثلاث، ولو فرضنا وجود الإطلاق لخصوص حديث الرفع وأشباهه، فالأشبه عدم كفاية أمثال هذه الإطلاقات لصرف السيرة العقلائية وديدن الامة وأرباب العقائد والأنظمة. ومن الغريب تخيل العلامة الأصفهاني المحشي (رحمه الله) أن ترك الفحص خروج عن زي العبودية والرقية وظلم، فيكون ممنوعا، فإنه لا يرجع إلا إلى تنجز الواقع، وإلا فكونه ظلما محل منع، لاحتمال كونه بعد الفحص ظالما واقعا وآتيا بمبغوض المولى ومتجاوزا، لاحتمال تخلف الطريق وتفقهه بعد الفحص، فليلاحظ جيدا (1). هذا مع أن إطلاق حديث الرفع يهدم كونه ظلما وخروجا عن زي العبودية والرقية. مشكلة عدم إدراك العقل وجوب الفحص والتفقه وجوابها المكلفون والمسلمون قبل الفحص تاركون لامور، وفاعلون لامور اخرى،


1 - نهاية الدراية 4: 405. (*)

[ 221 ]

ويحتمل كون الترك والفعل موافقا لغرض المولى، ويحتمل كونه مخالفا، وهذا بعينه يجري بعد الفحص، لأن كثيرا من الطرق تتخلف عن المولى، فيكون تفقهه موجبا لترك الواجب، وإتيان المبغوض، ولاسيما بعد مراعاة حالنا هذه بالنسبة إلى الطرق المتخلفة إلى الطرق الناهضة، الإخبارية عن مسائل قبل ألف سنة وأكثر، فكيف يدرك العقل لزوم الفحص والتفقه في الدين، مع أن التارك والفاعل قبل الفحص وبعده على حد سواء ؟ ! هذه بالنسبة إلى الطرق. وأما لو فرضنا لأحد العلم الوجداني بتلك الأحكام، فلنا احتمال تخلف علمه عن الواقع وإن لا يحتمل هو بنفسه، فلا تغفل. وتنحل بما عرفت من كون أحدهما صاحب الحجة، دون الآخر، كما في الابتلاء بالغريقين. مع أن قياس الطرق المهتم بها سلفا بما في عصرنا، في غير محله. مع أن في الطرق يوجد الإصابة فيها كثيرا. هذا مع أن مقتضى السياسة الإسلامية فتح باب الاجتهاد، ومنع إجراء البراءة قبل الفحص، ضرورة أن هذه الحوزات العلمية المنتشرة في أوساط البلاد الإسلامية، مرهونة بلزوم الفحص والاجتهاد، وأن الحفاظ على اصول العقائد الحقة في الأجيال والخلوف والنسل القادم، من تبعات تلك الجهود والاجتهادات في الفروع والأحكام، من غير النظر إلى الإصابة واللاإصابة، بعد وضوح اصول الفروع الإسلامية بالسيرة الواضحة في الجملة، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. كما لا ينبغي أن يخفى: أن سد باب الاحتياط فتح باب الخيرات والبركات، وأن في الاحتياط تعطيل القوى وتضييع الأوقات، وأن الفقيه كل الفقيه من يعرف الإسلام بأنه دين سهل سمح، كما ورد: " بعثت على الشريعة السهلة السمحة " (1)


1 - بحار الأنوار 22: 264. (*)

[ 222 ]

فربما يعد الاحتياط خلاف الاحتياط جدا. ذنابة: في بيان المراد من " الفحص " وحدوده مقتضى ما تحرر عدم جريان البراءة قبل الفحص، فالفحص شرطه بالضرورة، وإنما الكلام في المراد من " الفحص " إذ لا شبهة في أنه ليس دأب المكاتب الإسلامية وغيرها إبلاغ الحكم إلى أبواب المكلفين، وتطويق حلق بيوتهم، فإن العالم " كالكعبة يزار ولا يزور " (1) وعندئذ لابد من قيام الرسل وخلفائهم بنشر الأحكام وبسطها حسب المتعارف والجد والجهد في توزيع المسائل الإلهية على ما هو المضبوط. كما أن المجتهد يبذل جهده وكده في الوصول إليه، على ما هو المكتوب في الدفاتر والاصول والكتب الكبيرة والصغيرة البالغة إلينا، وإعمال الاجتهاد حسب المتعارف على أن يقف على النسخ القديمة والجديدة. فمن الجانبين: جانب الرسالة وخلفائها، وجانب الحكام وأمنائهم على الحلال والحرام، يحصل ما هو المقصود الأعلى السياسي والمأمول المنظور الأساسي، كي يحافظ على النظام الفردي والاجتماعي. نعم، الفرق بين الجانبين: أنه لا تنجز قبل إبلاغ الجانب الأول ولو كان الحكم مخزونا في خزانة الرب - جل وعلا -، ولا براءة بعد الإبلاغ حسب المتعارف عقلية وغير عقلية، إلا بعد الجانب الثاني وهو الفحص. فالإيصال والوصول معتبران، لا بمعنى خارج عن العادة، وإن لم يكن الحكم


1 - بحار الأنوار 39: 84 / 15. (*)

[ 223 ]

بدون الوصول الجزئي والخاص قابلا للتحريك والباعثية، بل بمعنى الإيصال والوصول المعلوم عند كافة الفقهاء (رحمهم الله) وأما حديث التحريك الفعلي، فلا يعتبر في التنجيز بالضرورة. وأما القابلية للتحريك، فهي حاصلة بعد إبلاغ الرسل وخلفائهم، وأما في صورة وجودها في المخازن فلا قابلية، إما لعدم الإنشاء فلا حكم، أو لعدم شرط الإبلاغ، فلا قابلية. أي بعبارة اخرى: من الجانب الأول إذا تم الأمر، فلا يعتبر شئ أزيد من إتمام الحجة، وهو حاصل بمجرد الاحتمال ولو لم يكن مقرونا بالعلم، أو قلنا: بأن العلم الإجمالي غير منجز، فعندئذ يلزم الفحص، سدا لباب جواز كون صدور العقاب غير جزاف. وغير خفي: أنه على جميع التقاريب، يلزم المناقشة في التمسك بقاعدة امتناع العقاب جزافا، أو قبح العقاب بلا بيان في صورة الشك في وجود البيان، بل في صورة الشك في إصابة الحجة، إلا على تقريب محرر. فهنا لابد من دعوى درك العقل أن الحجة على الكبرى تامة، ولا تجري قاعدة قبح العقاب في الشبهة الموضوعية، ولازمه هو الاحتياط، كما اختاره سيدنا الاستاذ العلامة البروجردي (قدس سره) (1). أو دعوى: أن العقل يدرك في خصوص المسألة وجود السيرة والمرام العقلائي وحكم العقل بسد باب الاحتمال، لحجية الاحتمال، وهو يوجب عدم كون العقاب جزافا وبلا بيان.


1 - نهاية التقرير 1: 174 - 175. (*)

[ 224 ]

تذنيب: في عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية ووجوبه في بعض الموضوعات قد مر حديث جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية (1)، وأن مجرد العلم بالكبريات الشرعية تفصيلا مثلا غير كاف، سواء قلنا بجريان الشكل الأول في الأحكام الشرعية، أو لم نقل. مع أن من القول به وتصديق تقريبه لا يلزم فرق بين المرامين، ومن شاء المسألة فليراجع بحوث البراءة (2). نعم، ربما يجب الفحص في طائفة من الموضوعات، كالمجتهد الجامع للشرائط بالنسبة إلى العامي، وكالاستطاعة، وفي باب الزكاة والخمس، وبعض المسائل الاخر، والمسألة تطلب من محالها. اللهم إلا أن يقال: البراءة في الشبهات الموضوعية، جارية بعد الفحص والظفر بالكبرى. وفيه: أن مجرد كون المشكوك مجرى البراءة حتى بعد الظفر يكفي لجريانها، لعدم دخالة الظفر بالكبرى في خصوص مورد الشك، لأنه على تقدير الظفر بها لا يجب الاحتياط مطلقا، فما في " تهذيب الاصول " (3) محل منع، فليتدبر.


1 - تقدم في الجزء السابع: 136 و 137 و 202. 2 - تقدم في الجزء السابع: 135 وما بعدها. 3 - تهذيب الاصول 2: 422. (*)

[ 225 ]

توضيح وتنقيح: حول عدم جريان البراءة الشرعية قبل الفحص مطلقا الفحص عن الأدلة والكتاب والسنة وظيفة من لا يجوز له التقليد، ولا يرخص الاحتياط، أو لا يتمكن منه. فلو فحص عن الأدلة، وكان مجتهدا في كافة المسائل المبتلى بها على جميع مراحلها، واتفق له الشبهة بالنسبة إلى موضوع في حكمه، وكان لا يدري، ويحتمل وجود الدليل، فهل في مثل هذه الصورة يجب الفحص، ويكون الاحتمال حجة، أم تجري البراءة الشرعية والعقلية، لما لا يلزم من إنكار لزومه المفاسد المذكورة بالنسبة إلى تركه عموما ؟ وإنكار إطلاق أدلة البراءة الشرعية بالنسبة إلى ترك الفحص المطلق، لا ينافي ثبوته بالنسبة إلى هذه الصورة الجزئية المفروض اتفاقها مرة واحدة. أو إن أدلة وجوب التفقه والاحتياط وغيرهما، وقوله تعالى: * (الحجة البالغة) * (1) وإن كان غير كافية لأصل المسألة، لإمكان كون نفس وجوب التفقه والاحتياط وغيرهما مورد الشبهة والشك، ولكن بعد العثور عليها، واستفادة كون التفقه والاحتياط ليسا واجبين نفسيين، أو على تقدير ذلك، يستفاد منها تنجز التكاليف الواقعية زائدا على هذا التكليف بعد إمكان إيجاب الاحتياط مثلا، أو بعد كون الجاهل المقصر مورد خبر " أمالي الشيخ " (2) دون حديث الرفع. وبالجملة: أدلة وجوب التفقه حجة في المسألة المذكورة وتلك الصورة. أو يقال: إن الجاهل المقصر أولى بأن يكون مورد حديث الرفع الامتناني، وخروج مطلق الجاهل عنه أو عدم إطلاق له بالنسبة إليه، لا ينافي الإطلاق بالنسبة


1 - الأنعام (6): 149. 2 - تقدم في الصفحة 219. (*)

[ 226 ]

إلى هذه الفروض النادرة. وقد مر تقدم حديث الرفع على أدلة التفقه (1)، لأن وجوب التفقه قابل للعصيان، أو طريق صرف إلى إفادة تنجز الواقعيات، فإذا لم يسلك الطريق عالما عامدا يكون جاهلا بالنسبة إلى الأحكام الواقعية، وهي مرفوعة، أو مرفوع عقابها، وهذا مقدم عرفا على ذاك. وأما أن دليل التفقه حجة على الواقع، أو حجة على حجية دليل الواقع، وحديث الرفع ناظر إلى رفع ما لا حجة عليه، فهو وإن استلزم الورود لا الحكومة كما اشير إليه. ولكن قد مر في محله عدم تمامية القول بأن " ما لا يعلمون " أعم من عدم الوجدان ومن لا حجة له (2)، ولكن لا يقاس ما نحن فيه ببعض موارد اخر، كما تحرر في البراءة. وبعبارة اخرى: بعد عدم التفقه في الدين متعمدا، فمقتضى أدلة التفقه في الدين استحقاق العقاب وتنجز الواقع لولا حديث الرفع، ومجرى حديث الرفع مخصوص بصورة تنجز الواقع واستحقاق العقاب، لأنه حديث الامتنان، فحديث الرفع يهدم موضوع دليل التفقه، أو ينفي تبعة دليل الواقع وهو العقاب، فعندئذ يقع التعارض بين الإطلاقين. ولا يمكن الأخذ بإطلاق دليل الرفع على الإطلاق بالضرورة، ولكنه يمكن الأخذ به في تلك الصورة، لعدم ترتب المفاسد المذكورة عليه. وبعبارة اخرى: جريان البراءة العقلية والعقلائية وإن كان ممنوعا، ولكن جريان البراءة النقلية غير ممنوع، لأن دليل التفقه في الدين يوجب التفقه فيه، ودليل الرفع حاكم بأنه لا دين كي يجب التفقه فيه بالنسبة إلى تلك الصورة، بل وارد، لا


1 - تقدم في الصفحة 219 - 220. 2 - تقدم في الجزء السابع: 76 وما بعدها. (*)

[ 227 ]

مطلقا حتى يلزم هدم الإسلام به، فالفحص على الإطلاق ممنوعة شرطيته بالنسبة إلى جريانها بالخصوص. بل لو قلنا: بأن أدلة الاحتياط ناظرة إلى إيجابه قبل الفحص، يكون دليل الرفع أيضا هادما لموضوع الاحتياط، وهو احتمال الأمر أو النهي الإلزاميين. فتحصل لحد الآن: أن مقتضى إعراض الأصحاب عن إطلاق دليل الرفع لشمول الجهالة قبل الفحص، عدم جريانه قبله على الإطلاق، وإلا فالتمسك بدليل التفقه في الدين والاحتياط هنا، كالتمسك بدليل: " لا تدخل أرضا توبق بدينك " (1) لعدم جواز السكون في الأرض الموجب للبدل الاضطراري، أو العجز مطلقا، فإنه على فرض الدخول لا دين كي يلزم ممنوعية السكون في تلك الأرض، فلا تغفل. وتوهم ثبوت الدين في صورة العجز عن الصوم في بعض الأماكن حسب الخطابات القانونية، يندفع بما مر من تقييد الأدلة العامة بحديث " رفع... ما لا يطيقون " (2) على التقريبين المحررين في محلهما (3). بقي شئ: حول مختار الوالد المحقق - مد ظله - من عدم معذورية الغافل التارك للفحص ذهب الوالد المحقق - مد ظله - إلى عدم معذورية الغافل وغير الملتفت، إذا كان جاهلا بالحكم وغير فاحص عنه، ولكنه كان بحيث لو فحص عن حكم الصلاة يوم الجمعة، لظفر على حكم الصلاة عند رؤية الهلال ووجوبها، مستدلا بأن ميزان


1 - وسائل الشيعة 3: 355، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 9، الحديث 9. 2 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 47 و 38 - 39. (*)

[ 228 ]

فعلية الأحكام كون الحكم بالغا في الكتب المدونة، وكان بيد الإجراء، كما مر تفصيله في تقسيم الأحكام إلى الإنشائية والفعلية (1)، فإذا كانت الأحكام فعلية فلابد من العذر، قياسا لهذه المسألة بتعجيز العبد وأنه ليس ذلك عذرا، كما أنه ليس الاضطرار بسوء الاختيار عذرا (2). وأنت خبير: بأن حديث فعلية الأحكام أمر، وحديث تنجزها أمر آخر، ومجرد كونها فعلية غير كاف، وإلا ففي موارد الطرق الناهضة على خلافها يلزم صحة العقوبة، فما هو السبب الوحيد لتنجز الحكم، إما الاحتمال غير المقرون بالمؤمن حتى في مورد العلم الإجمالي، أو الاحتمال قبل الفحص والعلم الإجمالي، فمع الغفلة لا تجوز العقوبة بالضرورة. وفي المثال المذكور، لا يكون مجرد العجز والاضطرار وعدم الطاقة والجهالة عذرا، فإذا كان بسوء الاختيار، ومن غير باغ ولا عاد، يعد عذرا حتى إذا تعدى إلى طريق أكل لحم الهرة، وصادف ضياع الهرة فوجدت ميتة، لا يكون معذورا بالنسبة إلى أكل الميتة، لأنه بحسب الواقع يكون باغيا وعاديا بالنسبة إلى ارتكاب أكل تلك الميتة، وقد مر وجه فعلية الحكم وانصراف دليل رفع الاضطرار عن العجز الحاصل بسوء الاختيار (3). فعلى هذا، لو كانت الجهالة بسوء الاختيار، وبلع الحبوب المورثة لها، مع الالتفات إليه واحتماله بالنسبة إلى الأحكام، فلا تعد عذرا، ويكون دليل الرفع منصرفا، لكونه بحكم الأدلة الثانوية، والواقعي الثانوي الموجود مورده الحكم الفعلي حتى في صورة شموله وتقييد الواقع، لأن المولى ربما يضرب أمثال هذه


1 - تهذيب الاصول 1: 304 - 307. 2 - تهذيب الاصول 2: 425 - 426. 3 - تقدم في الجزء السابع: 98 وما بعدها. (*)

[ 229 ]

القوانين تسهيلا على العباد، فيكون الملاك موجودا، فاغتنم. ختام الكلام في المقام: حول استحقاق العقاب على ترك الفحص والتعلم لا وجه لتوهم جواز العقوبة على غير ترك الواقع، بعد كونه منجزا إما بالعلم أو الاحتمال، وقد مر حكم التجري (1)، فلو ترك الفحص، وكان لو يفحص يصل إلى دليل يوافق الواقع، وقد تخلف عن الواقع، يصح العقوبة على الاحتمال المذكور غير المقرون بالمؤمن. ولو ترك الفحص، وكان لو يفحص يصل إلى دليل على خلاف الواقع، فلا تصح العقوبة إلا من باب التجري. ولو قلنا بوجوب التعلم نفسيا، ففي هذه الصورة ليس إلا جهلا مركبا. ولو ترك الفحص، وكان لو يفحص يصل إلى دليل ينتهي إلى مبغوض المولى، فلا شئ زائدا على التجري، وما في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) (2) وينسب إلى الأردبيلي وتلميذه (3)، غير راجع إلى محصل، إما مطلقا، أو في بعض الصور. ثم إن الفحص والتعلم ليس واجبا عينيا طريقيا أو نفسيا، لجواز التقليد، وليس واجبا نفسيا كما مر (4)، فإذا كان الفحص لازما حسبما مر، فهو في مورد يبتلى به إما عملا، أو افتاء، وفي غير هاتين الصورتين لا تجري البراءة، ولا دليل وجوب الفحص والتعلم، فالفحص اللازم يختص بمورد يصح التمسك بالبراءات


1 - تقدم في الجزء السادس: 54 وما بعدها. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 281 - 285. 3 - فرائد الاصول 2: 513، مجمع الفائدة والبرهان 1: 342 و 2: 110، مدارك الأحكام 2: 344 و 345. 4 - تقدم في الصفحة 219 و 220. (*)

[ 230 ]

الثلاث، فلو لم يكن الحكم مورد الابتلاء لا معنى لاحتمال العقاب المنجز، كي يقال بوجوب الفحص والتعلم، وجريان البراءة بعد ذلك. ومن هنا تظهر قضية ترك الفحص في مورد الواجب المشروط والموقت، سواء كان الواجبان معلومين، وشك في شرطية شئ لهما أو حد الوقت، أو كان أصل الواجبين غير معلومين، ولكنه يعلم أنه لو كان واجبا يحتمل شرطية شئ له، بمعنى شرطية شئ لمادته، أو يعلم بأن له حدا ووقتا، فإنه على تقدير العلم بالابتلاء، أو العلم بأصل الواجب المشروط والموقت، فمقتضى ما مر في أصل وجوب الفحص (1)، عدم جريان البراءة عن الشرطية وحد الوقت وقيد الواجب. وأما دعوى: أن قضية الصناعة عدم وجوب الفحص في صورة ضيق الوقت، كما هو ظاهر تقرير " الكفاية " (2) للإشكال، وذلك لأنه لا يزيد على صورة العجز عن الشرط في الوقت، فإنه قبل الوقت لا معنى لوجوبه، وبعده لا معنى لإمكان إيجابه، لعجزه. نعم، إذا كان تأخيره بسوء الاختيار، وقلنا بصدق القاعدة في صورة صعوبة الفحص، فيستحق العقوبة. فهي غير مسموعة، لما تحرر في محله: من أن وجه صحة العقوبة هو منجزية الاحتمال (3)، وهو موجود في الموقت والمشروط إذا كان يعلم بتحققه من ناحية سائر ما هو الدخيل، ويبتلي به. وأما إذا كان شاكا في تحققه فهو يرجع إلى الشك في الابتلاء، واستصحاب عدم الابتلاء لو لم يكن جاريا، لعدم الأثر له، ولكن استصحاب عدم تحقق التكليف


1 - تقدم في الصفحة 225 وما بعدها. 2 - كفاية الاصول: 426. 3 - تقدم في الجزء السادس: 25 ولاحظ ما تقدم في الجزء السابع: 317 - 318. (*)

[ 231 ]

المنجز يكون جاريا، وعندئذ لا يجب الفحص. اللهم إلا أن يقال: بأنه من الأصل المثبت. وفيه: أن جريان الاستصحاب مطلقا ممنوع، لأن ديدن العقلاء على الفحص في مورد احتمال الابتلاء، ولو كانت الحجة بعد الفحص هي الطريق الواصل إليه، دون الاحتمال، ويكون الاستصحاب تعبدا بعدم موضوع الاحتمال. وأما إطالة الكلام حول مقالة الوجوب النفسي التهيئي للتعلم، أو الوجوب التعليقي المستتبع لوجوب الفحص قبل الوقت، أو غير ذلك، كما في موارد فقد الماء في الوقت، ووجد انه فيما قبله، فهي غير صحيحة، فالقياس المنسوب إلى الشيخ في شبيه المسألة (1) في غير محله. فبالجملة: في موارد العلم بعدم الابتلاء، واتفاق الابتلاء، مع عدم التمكن من الفحص، يتعين الاحتياط. ولو لم يتمكن من الاحتياط كما هو ظاهر كلامهم، فإن كان تأخير الفحص مستندا إلى الغفلة المحضة، أو العلم بعدم الابتلاء، فلا يستحق، وإن كان مستندا إلى المسامحة والتقصير فيستحق، وإن كان مستندا إلى استبعاد الابتلاء فلا يبعد الاستحقاق، فتأمل. ولا تجري البراءة عن الشرطية والقيدية، بتوهم امتناع التكليف، لما مر في محله: أنه لا يتوقف إيجاب الشرط والقيد - الذي هو من قبيل الوضوء وأشباهه - على إيجاب ذي المقدمة (2)، وما في " تهذيب الاصول ": " من صحة العقوبة في الواجب المشروط والموقت على الإطلاق، مع أنه ربما يعلم بعدم ابتلائه بهما " (3) في نهاية المتانة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 281، فرائد الاصول 2: 513. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 86. 3 - تهذيب الاصول 2: 426 - 428. (*)

[ 232 ]

وفي صورة الشك في الابتلاء، أو الشك في تحقق المشروط مع احتمال شرطية شئ له، وأخر إلى حد الصعوبة بالنسبة إلى الفحص، أو العجز عنه، فإن قلنا بجريان استصحاب عدم الابتلاء، أو عدم تنجز الواجب المشروط من ناحية الشرط المحتمل، فلا يستحق العقوبة، وجريانه يأتي في محله (1)، والحق عندي ذلك. ومن الغريب أن بعض المعاصرين مع ذهابه إلى أنه أصل كسائر الاصول غير الحجة مثبتها، ذهب إلى جريانه هنا (2) ! ! وعلى هذا، تظهر مواضع ضعف كلمات " الكفاية " وغيره، ومما لا يكاد ينقضي التعجب منه هو أن العلامة الخراساني (رحمه الله) يعتقد كفاية استحقاق العقوبة من ناحية ترك التعلم لو قلنا بوجوبه النفسي (3) ! ! مع أن في موارد ترك التعلم المذكور المنتهي إلى ترك الواقع، يلزم تعدد العقاب. هذا مع أن التكليف بسبب الغفلة موجود، حسبما تحرر في محله (4). إعضال لو ترك الفحص وتخلف عن الواقع، وكان بحيث لو فحص لوصل إلى طريق ينتهي أيضا إلى خلاف الواقع، أو مبغوض المولى، ففي الصورة الاولى يستحق العقوبة، دون الثانية، مع أن له أن يتمسك بالطريق الموجود في الكتب الضابطة للأخبار، لأنه كيف يعد وجود الطريق في الكتاب وصولا، على وجه لا تجري البراءة مع الاحتمال قبل الفحص في الصورة الاولى، ولا يعد وجوده في الكتب


1 - يأتي في الصفحة: 405 - 406 و 458. 2 - مصباح الاصول 2: 501 - 502. 3 - كفاية الاصول: 426 - 427. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 449 وما بعدها. (*)

[ 233 ]

والدفاتر وصولا يصلح له الاحتجاج به، مع أن الميزان واحد ؟ ! وبعبارة اخرى: يكون الطريق في كتاب " الوسائل " و " جامع الأحاديث " حجة للمولى الحقيقي وبيانا مانعا من جريان البراءة، ولا يكون في الفرض الثاني حجة للعبد عند السؤال عن تخلفه عن الواقع حين ترك الفحص. ويمكن دعوى حل الإعضال: بأن قطع حجية البراءة بنفس الوجود، لأنه لا يعتبر أزيد منه في ذلك عند العقل وحسب ديدن العقلاء، وصحة الاعتذار بالطريق منوط بالاستناد عند التخلف عن الواقع. ويحتمل التفصيل بين فرض عدم وصوله الشخصي ويأسه شخصا، ليكون الحكم الفعلي موجودا في الكتب الواصلة، وبين عدم وصول جميع المجتهدين، لفقد الرواية في أول نشر العلم، فإنه في الفرض الأول يستحق العقوبة، لأن الحكم فعلي، والاحتمال منجز، والعذر منقطع، بخلاف الصورة الثانية، فإن فعلية القانون ممنوعة، لأن كونه في مخازن الله تعالى ليس مناط الفعلية، وكونه في ابتداء النشر بيد الإجراء لا يكفي لكون الاحتمال منجزا، لعدم فعلية الأحكام القانونية أيضا، فليتدبر جيدا. تحقيق وتشحيذ: في أن الحجة عند الظفر بالطريق هي احتمال التكليف أو نفس الطريق يستحق تارك الفحص العقوبة على ترك الواقع لأجل الاحتمال، فلو فحص وظفر على الطريق الواصل وتخلف، فهل حجة المولى هي الاحتمال، أو الطريق ؟ فربما يلزم من مقالتهم في بعض المواقف امتناع تنجز المتنجز، فلا يعقل أن يكون الطريق حجة. وفي كلام العلامة الأصفهاني (قدس سره): " إن الاحتمال منجز المنجز الموجود في

[ 234 ]

الكتب " (1). وفيه: أن بعد الظفر يكون العلم بالطريق منجز المنجز. ويمكن أن يقال: إن الاحتمال منجز الواقع، ولو ترك الفحص يستحق العقوبة لأجله (2). وفيه: أنه بعد وجود الطريق لا يكون الاحتمال منجزا، لأن الشارع عمل بوظيفة، وهي الإيصال بالنحو المتعارف، فما في الكتاب حجة على الواقع والاحتمال هادم لحجة العبد وهو جهله. ويجوز دعوى: أن تكثر المنجزات على شئ واحد جائز، كما مر في محله (3)، وما اشتهر: " من أن المتنجز لا يتنجز ثانيا " (4) من الأغلاط جدا، وقد فصلنا الكلام حوله في بحث ملاقي أطراف العلم الإجمالي (5). إعادة وإفادة المسألة تحتاج إلى الأمثلة، وهي في الموقت والمشروط كصلاة الكسوف والخسوف والزلزلة، فلو احتمل ابتلاءه بها، ولا يدري كيفيتها، ويكون المفروض عدم حجية الاحتياط كما مر، أو عدم إمكانه إذا اتفق الابتلاء. فإيجاب التعلم والفحص من ناحية قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، اشتباه، لأنه قبل الكسوف لا فعلية للحكم، وهكذا قبل الزلزلة، وبعدهما لا حكم فعلي، لعجزه، فكيف تجري القاعدة بعد عدم صورة لفرض فعلية الحكم ؟ !


1 - نهاية الدراية 4: 414 - 415. 2 - تهذيب الاصول 2: 424 و 425. 3 - تقدم في الجزء السابع: 504 - 505. 4 - نهاية الأفكار 3: 358 - 360. 5 - تقدم في الجزء السابع: 504 وما بعدها. (*)

[ 235 ]

ولا من ناحية الواجب المعلق، لأن مجرد تصور الوجوب المعلق لا يلزم كونه واجبا معلقا إثباتا، كي يجب قبل الوقت والزلزلة. ولا من ناحية المقدمات المفوتة، لأنه يتم على تقدير فعلية الحكم في ظرفه، ليمكن إيجابها ولو كانت مقدمة وجودية، فضلا عن العلمية. ولا من ناحية إمكان إيجاب المقدمة العلمية قبل الوقت، لأن المحرر مرارا عدم وجوب التعلم والفحص شرعا مقدمة، ولا نفسيا، لعدم الدليل عليه وإن كان يمكن ذلك، ضرورة أن حديث ترشح الإرادة المقدمية عن الإرادة النفسية من الأغلاط، فإن لكل من البعث والإيجاب والإرادة مبادئ خاصة، وإنما الإرادة النفسية من مبادئ الإرادة المقدمية، كما في " التهذيب " (1). ولا من جهة رجوع جميع الواجبات المشروطة إلى الواجبات المقدمية لبا، فإن المدار على مرحلة الإثبات دون اللب، كما هو مختارنا، وفصلناه في المجلد الأول (2). فما هو وجه درك العقل لزوم التعلم والفحص قبل الموقت والمشروط، هو الوجه لدركه في أصل لزوم الفحص في الواجبات المطلقة. وربما لا يدرك ذلك فيها أيضا، وذلك في صورة العلم بعدم الابتلاء. وأما التمسك باستصحاب عدم الابتلاء، أو عدم تنجز التكليف، أو عدم وجوب ما يحتمل وجوبه قبل الفحص، أو عدم تحقق الكسوف والخسوف والزلزلة، فلا يصح وإن كان يمكن تصحيحه حسبما هو المختار في حقيقة الاستصحاب (3)، فراجع.


1 - تهذيب الاصول 1: 200 و 2: 427. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 64 وما بعدها. 3 - يأتي في الصفحة 405 - 406. (*)

[ 236 ]

توجيه الفقهاء العظام إلى أمر هام في اتخاذهم الحجج اتخاذ الحجة العقلائية بعد الفحص والرجوع للأدلة بعد اضطرابها، وكثرة المعارضات، والحاجة إلى التدقيق والدراسة، لابد وأن يكون على وجه ديدن العقلاء، ودأب أرباب الحقوق، والعارفين بقوانين عرفية، وأصحاب النظر والفكرة في المسائل الاجتماعية، وغيرهما من بحوث النفوس الراجعة إلى الطبابة والعلاج. وقد تعارف في هذه الأعصار اجتنابهم عن سلوك الطرق العلمية، واتخاذهم سبل العلوم العملية على سبيل الوحدة والانزواء، وعلى وجه متعارف بين الفقهاء والعلماء، بحيث لا يعدون مسلكهم صحيحا وسالما. فعند ذلك، كما أنهم يراجعون في فهم المسائل العلمية العملية رفقاءهم والخبراء، وإلقاء نظرياتهم في المحاضرات، كي يتوجهوا إلى جهات الضعف في مختاراتهم، ولا يكتفون بمطالعة الكتب القديمة والآراء السابقة، ولا بعرض أفكارهم على المحصلين الضعفاء، بل ربما يكتبون إلى معاصريهم لفهم الحق، أو يلقون آراءهم على أهل الاطلاع والفهم، كذلك يلزم علينا التجنب عن هذا الدأب والديدن والرجوع إلى الأخبار والكتب فقط، بمراجعة أصحاب الفكر وأرباب الفن، حتى يتوجه إلى ما هو المرام للمولى في مسألة كذا، وذاك أيضا مثله. هذا مع كثرة الأخطاء في الفتاوى، وكثرة العود عنها بتذكر صديقه المتخصص، فالتطرق الوحيد في زاوية بيته العتيق - ولو بمراجعة كتب أهل الخبرة والاجتهاد - غير كاف ظاهرا في اتخاذ الحجة، ولاسيما بعد قصور الأدلة الناهضة على حجية رأي أصحاب الفتيا ونظرياتهم. فعلى هذا، عند الشك في الحجية يحكم بعدمها حتى بالنسبة إلى نفسه. فما

[ 237 ]

تعارف في هذه العصور والأمصار بين علماء العلوم القديمة، خروج عن ديدن العقلاء ودأب الفضلاء في العلوم الجديدة، وفي فهم القانون الباطل، فنحن كأنه باطلون من جهة التطرق، وهم على باطل يجحدون، والله هو الموفق المعين، وتمام الكلام في مباحث التقليد والاجتهاد (1). خاتمة الختام في إعضال في المقام: حول مشكلة صحة عمل الجاهل في موارد الجهر والقصر قد اشتهر صحة من أجهر في موقف الخفت، أو أخفت في موضع الجهر، وأتم في موضع القصر، وبالعكس على وجه، أو صام جهلا بالحكم في السفر، على ما قيل (2). فربما تحرر المعضلة من أجل الدور (3)، وقد مضى وجه دفعه (4). أو تحرر من ناحية الإجماع على عدم صحة عمل الجاهل المقصر. وفيه: أنه مضافا إلى منعه، مخصوص بالنصوص. فالإعضال من جهة ذهابهم إلى صحة عمله، مع استحقاقه للعقوبة، ضرورة أن معنى صحة العمل - حسب التحقيق - خارجية المأمور به على وجه تنتزع عنه الصحة، فعندئذ لا معنى للاستحقاق، وإذا لم يكن كذلك فهو باطل يجب عليه الإعادة أو القضاء، أو باطل وتستحق عليه العقوبة، ولا إعادة عليه ولا قضاء، كما في


1 - مباحث الاجتهاد والتقليد الاستدلالية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - العروة الوثقى 1: 650، فصل في القراءة، المسألة 22، و 2: 161 - 162، فصل في أحكام صلاة المسافر، المسألة 3 و 4. 3 - تهذيب الاصول 2: 431، أنوار الهداية 2: 432. 4 - تقدم في الجزء السادس: 117 وما بعدها. (*)

[ 238 ]

موارد مذكورة في الفقه، فالجمع بين الصحة واستحقاق العقاب غير معقول. ويشبه أن يقال في مورد الجهالة بالحكم الوضعي في شرطية القبلة بالنسبة إلى التذكية: إنه يحل اللحم، ولا يجوز تبذيره وإسرافه، ويستحق العقوبة على صرفه وأكله. ولا يقاس ما نحن فيه بالاضطرار العمدي، لأن النسبة بين تلك الأدلة والأدلة الأولية عموم من وجه، كما مر تفصيله في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري (1). وقد تصدى جمع من الأجلاء لحل الإشكال من جهة أن الإخلال الجهلي كالعمدي، فإنه يوجب استيفاء المصلحة على وجه غير تام، فيكون لازمه تفويت المصلحة غير القابلة للاستيفاء على المولى، مع أنه غير معذور، ولازمه صحة العمل، إما بمعنى موافقة الأمر الثانوي الطولي الترتبي، كما عن العلامة كاشف الغطاء (2). أو بمعنى الأمر الانحلالي الطولي، لطولية المطلوب، كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) (3). أو بمعنى أن الصحة لا تحتاج إلى الأمر، لكفاية مطابقته للمطلوب، كما هو ظاهر " الكفاية " (4). أو لموافقة الأوامر الضمنية النفسية الهادمة لموضوع الأمر الضمني بالأكثر، كما هو الأقرب على القول بتلك الأوامر الصغيرة، الباطلة عندنا كما عرفت (5). فالاستحقاق لأجل تفويت المصلحة، لا لأجل الأمر الغيري، أو لتعجيز المولى، أو تعجيز نفسه عن الاستيفاء التام.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 312 وما بعدها، وفي الجزء السادس: 250 وما بعدها. 2 - فرائد الاصول 2: 524، كشف الغطاء: 27 / السطر 22 - 23. 3 - نهاية الأفكار 3: 487. 4 - كفاية الاصول: 427 - 428. 5 - تقدم في الصفحة 8 و 28. (*)

[ 239 ]

وأيضا: ليس لأجل ترك التعلم، فإنه - مضافا إلى ما مر من قصور الأدلة على وجوبه النفسي - خروج عن محل الكلام، لأنهم يقولون باستحقاقه العقوبة على الإخلال بالواجب، نظير قول العلامة النائيني (رحمه الله) وبعض آخر من إنكار الاستحقاق أو صحة العمل مثلا (1)، فإنه خضوع في مقابل الإعضال والإشكال. وبالجملة: ما ذهب إليه " الكفاية " من صحة العمل (2)، غير تام، لاحتياجها إلى الأمر، والمفروض أن المأمور به هو التام، وكفاية الناقص ولو لم يكن مورد الأمر بلا دليل، فإن مقتضى أخبار المسألة أن ما أتى به هو المأمور به. وإنكار الاستحقاق لأجل فقد الإجماع، أو لعدم كون المسألة شرعية، غير تام، لأن فقد الإجماع وإن كان يمكن الالتزام به، ولكن العقل والعقلاء بناؤهم على صحته. وأما عدم كون المسألة شرعية، فهو وإن كان كذلك، ولكن يرجع إلى حكم شرعي، وهذا كاف لكشف الإجماع منه، كما لو ورد في النص استحقاق المكلفين للعقوبة على ترك التعلم، فإنه يعلم منه أن التعلم واجب، أو تركه حرام مثلا، فالإجماع هنا يكشف عن وجود الأمر الشرعي، وعصيانه والطغيان في مقابله بلا عذر موجب للعقاب، وهو عقلائي، وهو الجهل عن تقصير، كما هو الظاهر. وهذا الأمر الثانوي الطولي الترتبي وإن انحلت به المشكلة، إلا أن الترتب مستحيل، وصغرى الترتب غير ممنوعة، سواء قلنا: بأنه في مورد وجود الأمرين المطلقين، أو قلنا هو في صورة حصول الأمر بعصيان الأمر الأول، سواء كان إطلاق


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 295 - 301، مصباح الاصول 2: 508 و 509. 2 - كفاية الاصول: 427 - 428. (*)

[ 240 ]

قبله، أم لم يكن، فما ذهب إليه " كشف الغطاء " غير تام. وأما الطولي بتعدد المطلوب، فلازمه وجود الأمر الثاني في عرض الأمر الأول، وتصير النتيجة - مضافا إلى امتناع تعلق الأمرين التأسيسيين بالمطلق والمقيد - لزوم كون الجهر شرطا بالنسبة، والمفروض أنه شرط على الإطلاق. مع لزوم الامتثالات والعصيانات عند ترك الصلاة رأسا. ولو كان الأمر الثاني بعد عصيان الأمر الأول من غير ترتب، فلازمه تحقق الصلاة أولا، ثم الأمر بها ولو بالنسبة إلى تكبيرة الافتتاح. تكميل منا لحل المشكلة السابقة قد عرفت منا: أن مقتضى القواعد في موارد العجز عن التام وجوب الناقص (1)، نظرا إلى الانحلال في دليل الصلاة بعد صدق الطبيعة المشككة العرفية الاعتبارية على المراتب المختلفة، إلا أن الانحلال بحسب الحاجة والافتقار العرفي، فلو باع زيد داره فالبيع واحد، ولو جمع بين الأشياء المختلفة، وجمع في صيغة البيع، يكون واحدا باعتبار، وينحل حسب المورد إلى البيوع اللازمة والفاسدة والخيارية باعتبار آخر، كما تحرر في الفقه. فقوله: * (أقيموا الصلاة) * (2) بحسب الطبع ينحل إلى كل مرتبة يصدق عليها عنوان " الصلاة " إلا أنا نعلم من الخارج أنه لا أمر بين الطلوعين إلا واحد إذا كان قادرا على مجموع الأجزاء. ولو كان عاجزا عن بعض منها، وكان الباقي صلاة، يجب عندئذ، للانحلال.


1 - تقدم في الصفحة 170 - 171. 2 - البقرة (2): 43. (*)

[ 241 ]

ولما لا نعلم من الخارج شيئا، والمفروض فقد الإطلاق الحاكم على الجزئية بالنسبة إلى الجزء المعجوز عنه، على وجه يقدم دليله على هذا الأمر الثاني، فعندئذ الجاهل المركب المقصر، أو الملتفت المقصر الآتي منه قصد القربة، إذا كان تاركا لأصل الصلاة، فلا ينحل أمر الكتاب إلى الكثير كما في صورة القدرة على الكل. وإذا كان جاهلا بقسميه، فالمتنجز عليه أمر بالنسبة إلى التام، وأمر بالنسبة إلى المقدار المعلوم في عرض واحد، من غير النظر إلى وحدة المطلوب أو تعدده، إلا أن نسبة متعلق الأمرين عموم وخصوص مطلق، وهو غير معقول. ويندفع بإيراد القيد في المتعلقين، فيكون أمر متعلق بصلاة ذات عشرة أجزاء، وبصلاة ذات تسعة أجزاء، كما التزم بعضهم في باب الأسباب والمسببات. إلا أنه هناك غير صحيح، لأن المفروض عدم وجود القرينة، وهنا قرينة على الانحلال المذكور، فإن الأمر بصلاة مع الطهور المائي، غير الأمر بالصلاة مع الطهور الترابي، وذلك لعصيان الأول بإراقة الماء، ويستحق العقوبة لأجله، وتجب عليه الصلاة الترابية لأمر آخر متوجه إليه، وإذا عصى يستحق عقوبة اخرى، فعلى هذا يتوجه إلى الجاهل أمر بالصلاة المتقيدة بتسعة أجزاء. ولكن القيود الواردة في متعلقات الأوامر العبادية مثلا، بين ما هي شرعية، فلابد من رعايتها، كالظهرية والعصرية، وبين ما لا تكون إلا عقلية، كقضاء صوم اليوم الأول والثاني والثالث، فإنه لابد - حسب المشهور وظاهر الكتاب - من وجود قيد، لتعدد الأمر بالصوم، مع أنه غير متلون بلون الأولية والثانوية، إلا أنه لا يعتبر رعايتها في مقام الامتثال، لأن المنظور تكثير الأمر، لأن تشخصه به دون مصلحة المتعلق، كالصلاة المتنوعة بالظهرية والعصرية. وفيما نحن فيه يكون امتثال الأمر الثاني موجبا لسقوط الأمر الأول، إلا أنه

[ 242 ]

إذا أتى بالناقص فهو امتثال بالقياس إلى الأمر الثاني، وعصيان بالنسبة إلى الأمر الأول، فيستحق العقوبة، لأن متعلق كل من الأمرين صلاة، وهي صادقة على المأتي به، والقيد الوارد على الطبيعة - أي قيد التام والناقص - ليس مورد الأمر شرعا، على وجه يعتبر تعدد الامتثال ولا يتداخل، بل يتداخل، إلا أن التداخل يكون لأجل أن الكامل بعنوانه ليس مورد الأمر، ولكنه بواقعه مورد الأمر، والناقص - بحد يباينه في محط تعلق الأمر - مورد الأمر، فإذا أتى بالناقص يعصي أمر الكامل، لانتفاء موضوعه، فإن عدم وجوب الصلاتين بين الطلوعين قطعي بالضرورة، ويمتثل الأمر الثاني، ولا وجه لتوهم الأوامر حسب مراتب الصلاة، لما عرفت في أول البحث (1). فبالجملة: لو فرضنا قطعية شرطية الجهر لصلاة الصبح للجاهل المقصر، وفرضنا استحقاقه، وصحة صلاته إذا أتى بها إخفاتا، وكان الشرط شرطا على التعيين في حال الجهل والعلم، وأن العبادة بلا أمر ليست بعبادة ولو لأجل كشف مشروعيتها، يمكن حل الإعضال العقلي بعد التدبر فيما أوضحناه، فليلاحظ جيدا. تذنيب: وهو وجه آخر لحل المشكلة السابقة تجوز دعوى: أنه يستحق الثواب على البدعة، وأما عدم وجوب الإعادة فليس لأجل الصحة، بل هو تفضل منه تعالى عليه بعد ما أتى بالصلاة صورة، وتقبل منه تعالى حتى يستحق الثواب. وربما يشهد عليه: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) - حسب رواية - سمى الجاهلين ب‍ " العصاة " وما كان صومهم في السفر إلا بدعة (2).


1 - تقدم في الصفحة 240 - 241. 2 - تفسير العياشي 1: 81، بحار الأنوار 93: 325 / 17 و 328 / 24. (*)

[ 243 ]

ولعمري، إنه أخف مؤونة مما قيل أو قلنا مع أن إعادة الصلاة مستحبة جماعة في موارد، ومن يخل جهلا بأجزاء الصلاة واجب عليه الاستئناف والإعادة والقضاء حسب المشهور (1)، فكون ما نحن فيه هادما لإمكان استيفاء المصلحة، من التخيلات الأنيابية الغولية، وقياس ما نحن فيه بالمعاجين الطبية مع الفارق الواضح. ذنابة: حول تعدد عقاب الجاهل التارك لصلاته لو ترك الجاهل المذكور صلاته يلزم تعدد العقاب تارة: على الأمر الأول، واخرى: على الثاني، سواء قلنا بالطولية، أو العرضية، أو تعدد المطلوب، أو التفويت، أم لا يلزم على ما ذكرناه، لعدم الانحلال، ضرورة أنه يتبع الحاجة، فهو يستحق العقوبة كالعالم التارك، أو يفصل حسب المباني، فتأمل. ختام الخاتمة: حول شرطي الفاضل التوني لجريان البراءة نسب إلى الفاضل التوني - المتوفى عام 1071 - شرطان آخران للبراءة (2)، والمراد منهما شرط التمسك بها، كشرطية الفحص. ونظره حسب الظاهر ينحصر بالبراءة الشرعية، لأنها هي التي يمكن أن تكون موجبة لثبوت حكم شرعي آخر من جهة اخرى، وإلا فدرك العقل امتناع صدور الجزاف أو عدم تنجز التكليف، لا يعقل أن يكون موجبا لثبوت حكم شرعي آخر، إلا على وجه الموضوعية، أو ما يشبه الشرطية، كما إذا كان عالما: بأنه لا يتنجز


1 - العروة الوثقى 2: 3، فصل في الخلل الواقع في الصلاة، المسألة 3. 2 - فرائد الاصول 2: 529 - 532، الوافية: 193. (*)

[ 244 ]

عليه حكم شرعي إذا كان الحكم الشرعي الآخر متنجزا، ولم يكن للحكم الأول دليل ذو إطلاق. مثلا: إذا علم بأن الصلاة منجزة عليه، أو الحج منجز عليه إذا لم يكن الوفاء بالنذر منجزا، وكان شاكا في النذر، فإنه مع إطلاق دليل الحج، لا نحتاج إلى البراءة العقلية بالنسبة إلى الوفاء بالنذر، ومع إطلاق دليل حرمة التصرف في مال الغير، لا تجري البراءة بالنسبة إلى التصرف في ماله، فالكلام المذكور يصح في مورد انتفاء الإطلاق، ومع فقد الإطلاق يكون القدر المتيقن تنجزالحج إذا لم يتنجز الوفاء بالنذر، وحيث لا دليل عليه يقبح العقاب عليه، فلا يتنجز، فيكون وجوب الحج منجزا. وهذا ليس إشكالا على التوني (رحمه الله) ظاهرا، بل يكشف به أنه أراد منه توضيح مجرى البراءة الشرعية كما لا يخفى، ضرورة أنه في صورة استلزامها الحكم الآخر والتكليف الإلزامي - لا مطلق التكليف - يكون على خلاف الامتنان المراعى في مجراها، وإن كان إنكار إجرائها أيضا خلاف الامتنان، إلا أنه لا دليل على جريانها في كافة الموارد التي فيها الامتنان. بل في الشبهات المهتم بها لا تجري البراءة الشرعية. فعندئذ لو كان من جريانها يلزم تكليف آخر إيجابي أو تحريمي - وبإضافة مني: يلزم منه خلاف الامتنان ولو بوجوب الاحتياط - يمكن الإشكال في جريانها. مثلا: لو علم بحرمة الصلاة في ثوبه أو ثوب الإمام، لشبهة موضوعية أو حكمية بعد الفحص، فإن البراءة الشرعية بالنسبة إلى تلك الحرمة، جارية في صورة إتيانه بها فرادى. وأما في صورة إرادة الإتيان بها جماعة، فيمكن منع جريانها، لفقد الشرط المذكور، لا من باب العلم ببطلان صلاته - للعلم الإجمالي - أو صلاة الجماعة، كي

[ 245 ]

يمنع حسبما تحرر في محله، بل من باب لزوم الحكم الآخر: وهي حرمة الجماعة. وهذا ليس من الأصل المثبت، لأنه الحكم المترتب على الحكم، أو على نفي الحكم، سواء كان رفعا واقعيا، أو ظاهريا، أو ادعائيا، وهو ظاهري يترتب عليه الآثار الواقعية. وهكذا لو كان مقتضى جريانها بالنسبة إلى الشبهة الحكمية في مثل اشتراء الماء، لزوم اشتراء الماء والتوضوء. وهذا في صورة احتمال الحرمة التكليفية محضا، دون الوضعية كي تختلف فيه الصناعة، فإن لازم جريانها وجوب الاشتراء بالضرورة، وهو خلاف الامتنان. ولا تكفي البراءة العقلية بالنسبة إلى شبهة الحرمة في المثال المذكور، لأنه لابد من كون الاشتراء مباحا ومرفوع التكليف واقعا، أو ظاهرا، أو ادعاء، وهذا لا يثبت بالبراءة العقلية. فإذا ثبتت إباحة الاشتراء يجب، لانحصار الماء بما في يده المحتملة حرمته تكليفا، لأجل شبهة لا ترتفع باليد وغيرها، فلا تخلط. فلما أفاده وجه وتقرير غير واصل إليه أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم. وإليك تقريب آخر: وهو أن حديث الرفع، ليس مشرعا لحكم آخر شرعي ولو كان إباحة، فلو كانت البراءة موجبة لتشريع حكم آخر فلا تجري، لأنه رفع، لا وضع وجعل، فلو شك في حرمة التصرف في ماله الموجب لإباحة التصرف في مال الغير - كحفر البئر في داره - فإنه لا تجري البراءة عن مثل هذه الحرمة. وتوهم: أن مقتضى الدليل الاجتهادي منع التصرف في مال الغير، فلا تصل النوبة إلى البراءة، كما ترى في كلام القوم اعتراضا عليه (رحمه الله) (1)، غير تام، لأنه يمكن


1 - فرائد الاصول 2: 532، كفاية الاصول: 430، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 304. (*)

[ 246 ]

دعوى إجمال ذلك الدليل الاجتهادي أولا، أو أنه معارض بمثله في ناحية جواز تصرفه في مال نفسه، فتصل النوبة إلى البراءة العقلية. ولكنها لا بأس بجريانها، بخلاف حديث الرفع، فإنه لابد وأن يكون رفعا على الإطلاق، لا رفعا في مورد، وجعلا في مورد آخر. وليس هذا من الأصل المثبت، لأن إباحة التصرف الشرعية في مال الغير، مترتبة بلا واسطة على إباحة التصرف في ماله، بمعنى رفع التكليف واقعا، أو ظاهرا، أو ادعاء. ومما أوضحناه يظهر مواقف ضعف التعرض لكلام هذا الفاضل، ويتبين أجنبية مرامه عما أفادوه حوله نفيا وإثباتا (1) وهذا التقريب أوقر به. ولا يلزم رجوع الشرط الثاني إلى الأول، ضرورة أنه لو استلزم أصل البراءة الشرعية ضررا أو اقتضى حرجا، فهو خلاف الامتنان على الامة، فلا يختص بلزوم الضرر، فعندئذ يمكن تقريب الشرطين على حذو شرطية الفحص، فيرجعان إلى شرط جواز التمسك بأصل البراءة، ولذلك ذكرا بعده. أقول: فيما افيد وحرر منع، إما من جهة عدم اختصاص دليل البراءة الشرعية بحديث الرفع، كي يقال: إنه منة على الامة، أو من جهة أنه على تقدير كونه منة، فهي منة بالنسبة إلى نفس العناوين، لا الامة، فلو لزم منه الضرر على الغير أو الحرج أو التضييق، فلا بأس به. أو يقال على تقدير كون جميع أدلة البراءة منة على الامة كافة: إنه من الأصل


1 - فرائد الاصول 2: 529 - 532، كفاية الاصول: 429 - 430، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 303 - 304. (*)

[ 247 ]

المثبت، وليس أمرا جديدا، فإن المترتب والمترتب عليه ولو كانا حكمين، إلا أن الترتب لابد وأن يكون شرعيا، برجوع الحكم المترتب عليه إلى جهة من جهات الموضوع للمترتب. مثلا: وجوب الاشتراء مترتب على إباحته، وأن إباحة البيع والشراء من قيود الموضوع مثلا، أو عين الموضوع، كي تشمله أدلة وجوب اشتراء الماء للوضوء، وعند ذلك لابد وأن تجري البراءة، نظرا إلى ذلك الوجوب والإلزام الشرعي، فإنه مع كون دليل وجوب الاشتراء مهملا، يؤخذ بالقدر المتيقن منه، وهو يحصل بجريان البراءة في الغرض. ولو كان مطلقا فكفاية إطلاقه عن البراءة المذكورة محل تردد. وغير خفي: أن حديث الرفع لا يفيد الإباحة، لأن نفي الحكم الإلزامي والتحريمي لا تثبت به الإباحة، ولو ثبتت به الإباحة يلزم عدم جريانه حسب الشرط المذكور، فالإباحة تثبت بدليل الحل. اللهم إلا أن يكون موضوع وجوب الاشتراء عدم الحرمة، أو يتسامح فيه، كما يختلف الحكم باختلاف احتمالات مفاد أدلة البراءة، بحسب الظاهر والواقع، واحتمالات موضوع الحكم الإلزامي المذكور، والأمر سهل. بقي شئ: مقتضى التقريب الثاني على فرض صحته، عدم جريان حديث الرفع، دون البراءة الشرعية. مع ما عرفت من أنه من الأصل المثبت المشرع ظاهرا. نعم، لا منع من جريان البراءة الشرعية، مع كون التصرف الملازم للتصرف في مال الغير حراما واقعا، أو يكون ملازمه محرما واقعا، فلا يلزم منع جريانه. ويمكن أن يقال: إن نفي وجوب الأكثر - لمكان تشريعه وجوب الأقل حسب الشرط المذكور - غير جار. إلا أن تمامية الشرط ممنوعة. ومما ذكرنا يظهر قصور " الكفاية " عما أفاده الفاضل، وهكذا غيره من

[ 248 ]

التمسك بالأدلة الاجتهادية الكافية، ومن أن قاعدة نفي الضرر حاكمة على الأدلة الاجتهادية، فضلا عن البراءة، فإنها ناظرة إلى الضرر على نفس اخرى، لا مطلق الضرر، وقاعدة نفي الضرر حاكمة على الأدلة الاجتهادية حتى بالنسبة إلى نفسه، فيعلم منه أنه يريد شيئا آخر، حسب المحكي عنه في نفس " الكفاية " (1) وغيره (2)، فليراجع.


1 - كفاية الاصول: 429 و 430. 2 - فرائد الاصول 2: 529 و 532، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 303 و 304. (*)

[ 249 ]

تذييل في قاعدة نفي الضرر قد بحث شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) هنا قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " (1) ويظهر من جماعة أنه بحث استطرادي (2). وليس الأمر كذلك، لأنها مندرجة في القواعد الثانوية بالنسبة إلى المركبات الواجبة المستتبعة للضرر المالي والضرار الحرجي، ضرورة أن في موارد تمكنه من الإتيان بمجموع الأجزاء والشرائط، واستلزامه الضرر، يمكن الالتزام بوجوب الباقي، جمعا بين إطلاق دليل المركب والجزء، والقاعدة المذكورة، فلا يكون معذورا بالنسبة إلى ترك الكل لو كان عاجزا عرفا عن تحصيل الجزء والشرط. ولكن حيث كانت غير وافية بالنسبة إلى مجموع موارد العجز، لم يتمسك بها هناك، والأمر سهل. وربما يجر فهم شرط الفاضل التوني (رحمه الله) (3) إلى البحث والفحص عن الضرر


1 - فرائد الاصول 2: 533. 2 - فرائد الاصول 2: 533، كفاية الاصول: 430، مصباح الاصول 2: 518. 3 - الوافية: 193 - 194. (*)

[ 250 ]

اللازم من البراءة. وقد ذكرنا مسائلها في رسالة على حدة مفصلة ألفتها في بورسا من تركية، ومن شاء تحقيق المسألة على الوجه الأتم فليراجعها. ولنذكر هنا خلاصة من القاعدة سندا، ودلالة، ونسبة، فالبحث حولها يقع في جهات: تحقيق حول سند القاعدة اعلم: أن حجية كل خبر وسنة، تحتاج إلى أحد الامور الآتية على سبيل منع الخلو: وهو إما بأن تكون الرواية - بعد كونها في الكتب القطعية، كالأربعة ونظائرها - ذات سند معتبر، مثل كون رواتها ثقات. وإما بأن تكون الرواية بعد الشرط المذكور، من المشهورات بين الأصحاب (رحمهم الله) والمعروفات، أو المتواترات بالإجمال، أو التفصيل، كي تندرج في عموم: " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " (1) وفي قولهم: " خذ بما اشتهر بين أصحابك " (2) كما حررناه، حيث إن الأشبه أنه قاعدة كلية تشمل الشهرة الروائية والفتوائية، ولا تختص بموارد المعارضة، وإنما يتمسك بها لتمييز الحجة عن اللاحجة، وترجيح الحجة على الحجة، والبحث عن هذه الجهة موكول إلى التعادل والترجيح. وإما بأن تكون من المشهورات المعمول بها. والفرق بينهما واضح، فإن الاولى حجة تعبدا، والثانية حجة عقلائية، والمفروض في الاولى هو الإطلاق من جهة العمل والإعراض، وفي الثانية هو كونها معمولا بها، فلا يخفى. نظير التمسك


1 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. 2 - عوالي اللآلي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2. (*)

[ 251 ]

بخبر عالي السند لحجية مطلق الخبر. مع أن في الاولى يتقدم أحد الخبرين على الآخر بالترجيح، وفي الثانية بالتمييز. وأما قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " فيمكن أن يقال: إنها قاعدة اجتمعت فيها الوجوه الثلاثة، وذلك لموثقة زرارة المروية في فروع " الكافي " حول قضية سمرة بن جندب (1)، فإن فيه ابن بكير، وإن في عدة " الكافي " بعض كلام غير مهم، ولاشتهار الرواية في الكتب الأربعة (2) وغيرها (3)، وفي " نهاية ابن الأثير " (4) و " المجمع " (5) الذي يحذو حذوه، وفي بعض صحاح العامة ك‍ " سنن ابن ماجة " (6) و " مسند ابن حنبل " (7) على ما في رسائل أصحابنا (8). بل عن " الإيضاح " نقل تواتره (9)، وببالي أنه في " الرسائل " أيضا (10)، وفي " تهذيب الاصول " للوالد المحقق - مد ظله - استفاضته (11). وعلى كل تقدير يكفينا اشتهاره، وهو غير بعيد جدا، وهو المجمع عليه عرفا كما لا يخفى. ولكونها معمولا بها من ابتداء الكتب المدونة الفرعية إلى عصرنا هذا في معظم كتب الأصحاب، وفي جميع أجزائها، ولاسيما في المتأخرين، مع أن كثيرا من


1 - الكافي 5: 292 / 2. 2 - الفقيه 3: 147 / 648، تهذيب الأحكام 7: 146 / 651. 3 - دعائم الإسلام 2: 499 / 1781. 4 - النهاية، لابن الأثير 3: 81. 5 - مجمع البحرين 3: 373. 6 - سنن ابن ماجة 2: 784 / 2340 - 2341. 7 - مسند أحمد بن حنبل 5: 327. 8 - قاعدة لا ضرر، شيخ الشريعة الأصفهاني: 12 - 13، تهذيب الاصول 2: 444. 9 - إيضاح الفوائد 2: 48 / السطر 14. 10 - فرائد الاصول 2: 533. 11 - تهذيب الاصول 2: 447. (*)

[ 252 ]

فتاويهم في الأبواب المختلفة مستندة إليها على الأظهر، فكونها مشهورة معمولا بها مما لا ريب فيه. ولكن من الجدير بالذكر أنه يتوجه إلى الأول والثاني: أن حديث حجية الخبر الواحد حديث عقلائي، وليس حسب الأشبه شئ وراءه، وإنما الأخبار والآيات على فرض ارتباطها بالمسألة، تكون إمضاء، ويستبعد التأسيس كما حررناه (1)، فعندئذ كيف يمكن أن تكون الرواية الواحدة - سواء كانت موثقة زرارة، أو مشهورة أبي خديجة (2)، ومقبولة ابن حنظلة (3) التي هي سند حجية " لا ضرر ولا ضرار " حسبما عرفت تقريبه - معارضة للعمومات والإطلاقات كافة من أول الفقه إلى آخره ولو كانت حاكمة ؟ ! مع أن العمومات والإطلاقات، ربما تعارض دليل حجية الخبر الحاكم الوحيد، فتكون مخصصة له، لتلك الكثرة، ورادعة لبناء العقلاء في هذه الصورة، ولا أقل من الشك في اعتبار هذا الخبر خصوصا شكا مستندا إلى جهة عقلائية. ويتوجه إلى الثالث أيضا بعد كون المسألة عقلائية: اضطراب المتن، فإن ما هو ذو سند معتبر وإن لم يكن مضطربا، كرواية الشفعة (4)، ومنع فضل الماء (5)، ولكن ما هو المسند مضطرب المتن، بمعنى أنه يحكي قضية سمرة على وجه تحكيها الاخريات على وجوه اخر، ففي الموثقة: " فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصاري:


1 - تقدم في الجزء السادس: 499 و 514. 2 - الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 3 - الفقيه 3: 2 / 1، وسائل الشيعة 27: 13، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث 5. 4 - تقدم في الصفحة 250. 5 - الكافي 5: 280 / 4، وسائل الشيعة 25: 399، كتاب الشفعة، الباب 5، الحديث 1. (*)

[ 253 ]

اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار " (1). وفي رواية ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): " فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك رجل مضار ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن، ثم أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلعت، ثم رمى بها إليه، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق فاغرسها حيث شئت " (2). وفي رواية " الفقيه " بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء الحاكية للقصة لا يوجد قاعدة " لا ضرر ولا ضرار " نعم فيه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ما أراك يا سمرة إلا مضارا، اذهب يا فلان فاقطعها، واضرب بها وجهه " (3). ثم إنه في رواية " الفقيه " في ميراث أهل الملل: " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " (4) مع أنه حكي عن " تذكرة العلامة " بهذه الزيادة (5). وفي " مجمع البحرين ": " قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الشركاء في الأرضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " (6). وفي " العوائد " رواية عقبة بن خالد، عن الصادق (عليه السلام) قال: " قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن " وقال (عليه السلام): " لا ضرر ولا إضرار " (7)، وهكذا في بعض نسخ " مجمع البحرين " و " المستدرك " (8).


1 - الكافي 5: 293 / 6، وسائل الشيعة 25: 420، كتاب إحياء الموات، الباب 7، الحديث 2. 2 - الكافي 5: 294 / 8، وسائل الشيعة 25: 429، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 4. 3 - الفقيه 3: 59 / 208، وسائل الشيعة 25: 427، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 1. 4 - الفقيه 4: 243 / 777. 5 - تذكرة الفقهاء 1: 522 / السطر 40 - 41. 6 - مجمع البحرين 3: 373. 7 - عوائد الأيام: 45. 8 - مستدرك الوسائل 13: 447، كتاب الصلح، الباب 10، الحديث 1. (*)

[ 254 ]

فالقاعدة محكية على أربعة أشكال، فعندئذ ربما يمكن دعوى الشبهة في أصل الصدور، وتوقف العقلاء عند اختلاف المتون، لعدم عمل منهم في مثل هذه المواقف، وعدم كشف الإمضاء، حسبما تحرر في بحوث حجية الخبر الواحد. أو دعوى: أن ذهاب الشهرة العملية قوي جدا، فيوجب اعتضاد الموثقة والشهرة الروائية بالشهرة العملية، إلا أنه لاختلاف المتون لا يثبت الإطلاق، ويجب الأخذ بالقدر المتيقن: وهو أنه " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام على مؤمن " ولا فرق بين " الضرار " و " الإضرار " لكونهما مصدرين. اللهم إلا أن يقال: بأن " لا ضرار " ناظر إلى المقابلة بالضرر في مقابل الضرر والإضرار، أي لا يجوز مثلا أن يضر أحد أحدا في قبال إضراره به، لمكان باب المفاعلة. مع أن نسخة " الضرار " ضعيفة جدا قليلة غايتها. وربما يتوهم: أن في موارد دوران الأمر بين أصالة عدم الزيادة والنقيصة، يقدم أصل عدم النقيصة. ولكن التحقيق: أنه لا بناء من العقلاء - بعد اختلاف النسخ، وبعد وجود القرينة - على الاتكاء على أحد الأصلين، وإنما تجري هذه الاصول وأصالة عدم السهو والخطأ والغفلة، عند عدم وجود ما يوجب الشك المستقر ويعد احتمالا عقلائيا، لعدم دليل لفظي على حجيتها، فلا تغفل، فما في كتب جمع من الأعلام لا يرجع إلى محصل (1). هذا مع عدم كفاية كونه عقلائيا، للحاجة إلى الإمضاء، وهو غير محرز، بل الأظهر خلافه. أو يقال: بأن الشهرة العملية في الكتب الاستدلالية المعتضدة بوثاقة خبر زرارة، تقضي الأخذ بتلك الموثقة الخالية من كلمة " في الإسلام " و " على مؤمن "


1 - منية الطالب 2: 191، قاعدة لا ضرر، شيخ الشريعة الأصفهاني: 12، بدائع الدرر: 58. (*)

[ 255 ]

لكونهما في روايتين غير نقيتي السند. مع أن ما في " الفقيه " أجنبي عن كونه رواية، بل الظاهر أنه (رحمه الله) استدل للمسألة بما كان عنده، وقد تحرر أن مرسلات " الفقيه " غير معتبرة (1)، ولاسيما في مثل المقام. فما قام عليه الحجة شرعا وعرفا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لا ضرر ولا ضرار " واختلاف حكاية قصة سمرة بغير الحجة والحجة لا يرجع إلى شئ. وفي المقام احتمالات اخر لا تزيد ولا تنقص. تنبيه أول: حول الإشكال على اعتبار المتن من ناحية اختلافه ولو قلنا: بأن الحجة واللاحجة وإن لم تتعارضا، إلا أن ذلك في الخبرين، وأما في صورة وحدة الخبر المحكي على طرق مختلفة، فيشكل الاتكال على المتن المحكي بالسند المعتبر، لكفاية اختلاف النسخ للشك المستند العقلائي. ومجرد كون الخلاف غير مهم فيما يهمنا كما في " تهذيب " الوالد المحقق - مد ظله - (2) غير تام بعد عدم دليل على حجية الخبر الواحد إلا بناء العقلاء اللبي المأخوذ بالقدر المتيقن منه، كما هو الواضح. فعندئذ نقول: إن المحرر عندنا أن الخبر الواحد حجة، والخبر الموثوق به أيضا حجة، وبعد وجود الشهرة العملية والرواية وقيام ذلك السند المعتبر يحصل الوثوق الشخصي بصدور الجملة المذكورة. والاحتمال الأول المنتهي إلى المناقشة في أصل الصدور، نظرا إلى إمكان ذلك للاضطراب، أو من جهة مقايسة تلك القاعدة بالأصحاب المختلقين الذين قيل:


1 - تقدم في الجزء السابع: 42. 2 - تهذيب الاصول 2: 448. (*)

[ 256 ]

" إنهم بلغوا إلى مائة وخمسين " وقد ألف بعض أصدقائنا في ذلك كتابا (1)، فإذا كان ذلك جائزا في هذا الأمر ففي القاعدة قريب جدا، غير صحيح، لأن كثرة وجودها في كتب الخاصة والعامة، وكثرة الاعتماد عليها من القديم إلى الجديد، تمنع عن تجويز الاحتمال المذكور. ولا يقاس ما نحن فيه بقصة الاختلاق المذكور، بعد كونهم مذكورين في الكتب غير المعتمدة، وعدم اشتهارهم. مع أن العقلاء والمسلمين لا يتلقون القوانين الضررية والإضرارية من الدين السهل السمح الذي بعث عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع أن في الكتاب العزيز آيات ناظرة إلى ممنوعية الضرار البالغة إلى الستة (2). فعندئذ تقديم مثل هذه القاعدة على مجموع العمومات والإطلاقات - ولاسيما بالحكومة - صحيح جدا. تنبيه آخر: حول إجمال القاعدة فالحق: أن احتمال صدور كلمة " الإضرار " من باب الإفعال غير صحيح، لأنه في بعض النسخ النادرة المحتمل كونها غلطا، ولاسيما في مثل " مجمع البحرين " المشتمل على الأغلاط الكثيرة، حتى حكي عن جدي النابغة في الدوران والوحيد في الأزمان، الشيخ أبي الفضل ذي الفضائل ابن الشيخ العلامة أبي القاسم الكلانتر الطهراني: " أنه أغلط كتب الشيعة، والقاموس أغلط كتب العامة ". بقي احتمال الكلمتين الأخيريتين: وهما كلمتا " في الإسلام " و " على مؤمن " فإنه يجوز دعوى كونهما القدر المتيقن. ولا بأس بأن تعرف: أن كلمة " لا " بعد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فإنه لا ضرر ولا


1 - لم نجزم بمراده (قدس سره) من بعض أصدقائه، فتأمل. 2 - البقرة (2): 231 و 233 و 282، النساء (4): 12، التوبة (9): 107، الطلاق (65): 6. (*)

[ 257 ]

ضرار " يحتمل وجوها حسب أدب العرب: الاحتمال الأول: أن تكون الجملة خبرا ل‍ " إن " والاسم ضمير الشأن، وتكون الجملة قضية إيجابية معدولة المحمول، وتصير النتيجة أنها مثل قولك: " زيد لا قائم " فلا تعمل كلمة " لا " ويدخل التنوين على مدخولها، ويقرأ منونا بالرفع، أي فإنه لاضرر ولا ضرار. ويؤيد ذلك عدم وجود الخبر في الموثقة. مع أن كلمة " لا " سواء كانت تعمل عمل " إن " كما قال ابن مالك: عمل إن اجعل للا في النكرة * مفردة جاءتك أو مكررة (1) أو كانت من قسم " ما ولا ولات وإن " المشبهات ب‍ " ليس " فإنها تحتاج أيضا إلى الخبر حيث قال: وما سواه ناقص والنقص في * فتى وليس زال دائما قفي (2) وقال: في النكرات اعملت كليس لا * وقد تلي لات وإن ذا العملا (3) وبالجملة: مقتضى القواعد الأدبية البدوية أنها إذا كانت بلا خبر، تعتبر الجملة معدولة المحمول. والحق: أن ذهاب المنطقيين إلى اعتبار كلمة " لا " للعدول في القضايا (4) بلا شاهد، ولم يقم دليل عليه في كتب الأدب. نعم، قد تأتي كلمة " لا " غير عاملة عمل " إن " أي لا يكون اسمها منصوبا، ولكن يذكر له الخبر أيضا، على خلاف يأتي في صورة تكرار " لا " مثل " لا حول


1 - لاحظ البهجة المرضية 1: 127. 2 - لاحظ نفس المصدر: 102. 3 - لاحظ نفس المصدر: 108. 4 - شرح المطالع: 140، شرح الإشارات 1: 127، الجوهر النضيد: 52. (*)

[ 258 ]

ولا قوة إلا بالله " و " لا ضرر ولا ضرار ". فعلى هذا، ليست الجملة معدولة، بل المعدولة تنحصر في كلمة " غير " للزوم حمل الخبر على المبتدأ و " لا ضرر ولا ضرار " سلب يشبه نفي الجنس. الاحتمال الثاني: أن يقرأ منونا مرفوعا، لكونها مثل " ليس ". والاحتمال الثالث: أن يكون نفي جنس، فيكون الاسم مفتوحا، لا منصوبا، وتعد " لا " حينئذ لاغية بالنسبة إلى تنوين التمكن، كما لا يخفى. والذي هو التحقيق عدم معقولية السلب التام، أي سلب الشئ على الإطلاق بدون الخبر وما بحكمه، كالجار والمجرور، وذلك لأن مقتضى السلب على الإطلاق، هو سلب وجوده التصوري، ولأجله لا معنى ل‍ " كان " التامة أيضا، كما حررناه في محله، فإن المقصود من السلب التام ليس ذلك، ولا يعقل، وعندئذ لابد من خبر محذوف حتى في " لا حول ولا قوة إلا بالله ". نعم، الخبر لا يعتبر أن يكون محمولا ومن القضايا غير المؤولة، بل يكفي كونه من المؤولات، مثل " لا رجل في الدار " فعلى هذا لابد من وجود محذوف في " لا حول ولا قوة " سواء كان مثل " الواجب " و " الوجود " و " الممكن " أو كان مثل " في الخارج " و " في الأعيان " كما حررناه في المجلد الأول (1). وعندئذ يكون هناك محذوف، أي " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " أو " لاضرر ولا ضرار على مؤمن " أو " لا ضرر ولا ضرار بين المخلوقين بعضهم مع بعض " أو " لا ضرر ولا ضرار على الإنسان " أو " المسلم " أو " في الأعيان وفي الخارج " وهكذا، والحذف يوجب الإجمال، ويحتاج إلى المبين، وإنما تختلف معاني الجملة باختلاف المحذوف، فلو كان المحذوف " لا ضرر ولا ضرار في الإسلام " فمعناه يختلف مع كون المحذوف " لا ضرر ولا ضرار في الخلق بعضهم


1 - تقدم في الجزء الخامس: 174 - 176. (*)

[ 259 ]

مع بعض " أو " على مؤمن " بالنسبة إلى سمرة الذي هو مسلم ظاهرا، ولكنه كان فاسقا فاجرا ملعونا خبيثا محجوب الفطرة والطينة. وبالجملة: لا نحتاج في نفي تذييل القاعدة بكلمتي " في الإسلام " و " على مؤمن " إلى ما اشير إليه، لعدم ذكرهما في رواية تكون حجة، ضرورة أن قوله: " لا ضرر ولا ضرار على مؤمن " من المقيد بالنسبة إلى إطلاق معتبر زرارة، ولا حجية له بعد كون علي بن محمد بن بندار في السند، مع إرسال محمد بن خالد البرقي. ومجرد كون ابن بندار من مشايخ الكليني (رحمه الله) غير كاف، بل فيه إيماء إلى أنه غير موجه عند أصحابنا الرجاليين، لإهماله في الاصول الخمسة. مع قلة روايته عنه على ما يعلم من " جامع الرواة " (1). كما أن كفاية كون المرسل محمد بن خالد البرقي، وقوله: " بعض أصحابنا " لا دليل عليها بعد اشتهار القاعدة بلا خبر وبدون الذيل. وأما كلمة " في الإسلام " فهي أسوأ حالا، لكونها في مراسيل " الفقيه " وهي غير حجة على الإطلاق، ولاسيما في المقام. مع أن احتمال سبق الذهن إلى الكلمتين، لأن كلمة " لا " تحتاج إلى الخبر حسب القواعد، وشدة انسهم بالإيمان والإسلام، أوقعتهم في الازدياد المذكور، ولاسيما في " الفقيه " فليراجع (2). فعندئذ تصير القاعدة لحذف الخبر المحتاج إليه، مجملة جدا، وهذا مما خفي على الأعلام كلهم، كما لا يخفى. فتحصل: أن العقل والأدب والاستعمال في الجمل الواردة في الكتاب والسنة، كلها متفقة على الحاجة إلى الخبر حتى في النفي المراد منه النهي، فضلا عن النفي الحقيقي، فاغتنم.


1 - جامع الرواة 1: 596. 2 - الفقيه 4: 243 / 777. (*)

[ 260 ]

وما عن الوحيد البهبهاني: من احتمال كون ابن بندار هو علي بن محمد بن أبي القاسم الثقة (1)، وفي " تنقيح المقال " الجزم به (2)، لا يرجع إلى محصل بعد اضطراب الإسناد هنا، كما يعلم من النجاشي في ذيل محمد بن أبي القاسم (3). وعلى كل تقدير: لا حجة شرعية على تعيين المحذوف بهذين الخبرين، كي يقال: إن " لا ضرر " خبره كلمة " في الإسلام " و " لا ضرار " خبره كلمة " على مؤمن " أو يقال بكفاية إحداهما، لكونها خبر الجملتين " لا ضرر " وجملة " لا ضرار ". فمقتضى ما عرفت عقلا ونقلا، ومقتضى القواعد النحوية: أن كلمة " لا " ناقصة تحتاج إلى الخبر، وهو غير مذكور ومحذوف، وفيه الاحتمالات الكثيرة كما اشير إليها، ولا وجه لتعيين شئ خبرا له، وسيمر عليك تحقيقه. تنبيه ثالث: حول ذيل القاعدة وصدورها مرات أو مرة لا فرق بعد ما تحرر، بين صدور القاعدة مرة واحدة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مرارا، لأن أساس المناقشة من واد آخر، فقول بعضهم بصدوره مرارا، لظهور خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) وظهور خبرين لعقبة بن خالد في " الكافي " في باب الشفعة (4)، ومسألة منع فضل الماء لمنع فضل الكلأ (5)، في صدوره مستقلا. وقول الآخرين: بأنه من باب التمسك جمعا بين الرواية والقضاء والقاعدة، بعد ابتلائهم بعدم اقتضاء القاعدة المذكورة تشريع حكم في الإسلام، بل هي نافية


1 - لاحظ تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال: 237 / السطر 35. 2 - تنقيح المقال: 303 / السطر 6. 3 - رجال النجاشي: 353 / 947. 4 - الكافي 5: 293 / 6. 5 - الكافي 5: 280 / 4. (*)

[ 261 ]

مثلا، فلم تصدر إلا مرة واحدة. وقولنا: بأن الخبرين غير حجة، لعدم السند لهما، ولاحتمال اختلال جهة الصدور، لكثرة ذلك في أخبارنا تسكيتا لأعدائنا - لعنهم الله تعالى -. مع أن الظاهر صدوره عنه مرارا، لأن ذكرها في ذيلهما ظاهر فيه، ولقول عقبة بن خالد في كتاب إحياء الموات من " الوسائل ": فقال: " لا ضرر ولا ضرار " (1). ولأن التمسك في قصة سمرة بن جندب بالحكم الإبداعي الجديد في المجلس المذكور، خلاف المتعارف، بل كأنها قاعدة معروفة بين الصحابة حتى بلغت إلى سمرة، فتمسك (صلى الله عليه وآله وسلم) بها كي يسكت عند التمسك بها، وإلا - كما سيمر عليك تفصيله - فإن أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقلع والرمي وبقاء شجرته عنده، ضرر عليه، فلو رجع إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) القول: " كيف لا ضرر ولا ضرار، وهذا عين الضرر والضرار بالضرورة ؟ ! " لم يكن جواب، بخلاف كونها صادرة قبل ذلك مشهورة بينهم، فليتأمل جيدا. ويؤيد ذلك استقلال ابن عبادة الصامت عن أبيه في " المسند " في روايتها بعنوان القضاء (2)، وهكذا ابن ماجة (3)، بل هو ظاهر ابن الأثير في " النهاية " (4) والقاضي في " الدعائم " (5) وهو أيضا يستظهر من حكاية سمرة، حيث ورد فيها: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " فإنه لا ضرر ولا ضرار " وفي سائر الموارد ورد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى، فكأنه قضاء كلي في مورد قبل قصة سمرة، واستدل به فيها، والله العالم.


1 - وسائل الشيعة 25: 420، كتاب إحياء الموات، الباب 7، الحديث 2. 2 - مسند أحمد بن حنبل 5: 326 - 327. 3 - سنن ابن ماجة 2: 784 / 2340. 4 - النهاية، لابن أثير 3: 81. 5 - دعائم الإسلام 2: 504 / 1805. (*)

[ 262 ]

وعلى كل حال: لا فرق عندنا بعد ضعف تلك الأخبار، بين وجود كلمتي " على مؤمن " أو " في الإسلام " في " الكافي " و " الفقيه " أو كليهما على التشبيك، أو غيره، وهكذا بين ورودها على الاستقلال تارة، وغير مستقلة اخرى، وغير ذلك. ولا بين كون علي بن محمد بن بندار معتبرا، لكونه من مشايخ الكليني، ولاسيما علي بن إبراهيم، وغير معتبر. ولا بين كون " لا ضرر " بلا خبر و " لا ضرار " مع الخبر: وهو كلمة " على مؤمن " أو " في الإسلام ". ولا بين كونه من المرسلات الاصطلاحية في " الفقيه " أو من المرسلات المعتبرة عند جمع من المشايخ، فإنه لو صح ذلك في مرسلاته المحكومة بالمسانيد، فهو هنا محكوم بعدم الصحة، لأن موثقة زرارة (1) حاكية على وجه مخالف لمحكي ابن مسكان، عن زرارة الحاوي لكلمة " على مؤمن " (2) حيث تكون النسبة الباطلة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) على خلاف الواقع غير جائزة على الإطلاق. وصريح ابن مسكان، عن زرارة، عنه (عليه السلام) أنه (صلى الله عليه وآله) قال بعد قوله: " لا ضرر ولا ضرار " " على مؤمن، ثم أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلعت " فإن كلمة " ثم " في خبر ابن مسكان بعد كلمة: " فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن " تشهد على أنه (عليه السلام) متقصد إلى تعقبه بالحادثة، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر بالقلع والرمي، فإنه رحمة للعالمين، بل المسلمون كأنه فهموا من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) " لا ضرر ولا ضرار " وجوب القلع والرمي عنده، فالحكاية حكيت على وجوه مختلفة اختلافا مهتما به. هذا مع أن الموثقة بعد اشتمالها على كلمة " فإنه لا ضرر " تكون بحكم


1 - الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 2 - الكافي 5: 294 / 8، وسائل الشيعة 25: 429، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 4. (*)

[ 263 ]

الاستقلال، وظاهرة في العلة المعممة والمخصصة، فلا تخلط. وغير خفي: أنه ربما يوجب وجود الروايات المختلفة الحاكية للقصة الواحدة، ضعفا في السند، فعندئذ نحتاج إلى علاج محتاج إليه، ضرورة أن الإسناد إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الإطلاق محرم قطعا في صورة كونه كاذبا، ويكون ذلك شاهدا على خطأ الرواة، وضعف حالهم، وعدم اعتنائهم بالإسناد المحرم ولو في الموضوعات، مع أنه تختلف فيما نحن فيه كيفية استفادة الحكم حسب اختلاف التعبير، كما هو الواضح، فالتسامح في خصوصية النقل غير صحيح. فإلى الآن تبين: صدور تلك القاعدة وهذا القانون العام الإسلامي، إلا أنه - حسبما مر - يلزم إجماله وسقوطه عن القابلية للمرجعية، لما فيه الاحتمالات، حكومة، أو تشريعا، أو علة لأحكام كلية على نعت الملاك في سلسلة العلل، وكل ذلك ناشئ من حذف الخبر. تنبيه رابع: في الوجوه التي يمكن الاعتماد عليها لرفع الإجمال المذكور فمنها: أن مقتضى مورد القاعدة هو أن المحذوف والخبر المقدر هي جملة تناسبه، وهي أن يقال: " لا ضرر ولا ضرار لأحد على أحد، ولا بين المسلمين ". وفيه: أنه يمكن أن يكون المحذوف أمرا أوسع منه، قابلا للانطباق عليه. ومنها: أن " لا ضرر " نفي " ولا ضرار " نهي، أو كلاهما نهي، فلا حاجة عندئذ إلى الخبر. وفيه: أنه بحسب الاستعمال نفي وإن اريد به النهي فرضا، والميزان في النقص والتمام في النواسخ هو مقام الاستعمال، فلابد من وجود الخبر ولو كانت الجملة كناية عن مبغوضية الإضرار. هذا مع أن المقرر عندنا: أن " لا ضرر " لا يصح أن يكون نهيا، و " لا ضرار "

[ 264 ]

يكون بحكم النهي، لما سيأتي إن شاء الله تعالى فالتمسك بما أبدعناه لحمل القاعدة على النهي غير صحيح، وسيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى (1). ومنها: أنها قاعدة وردت مستقلة حسب الشواهد المذكورة في السابق، فالخبر المقدر عام، وقد حذف لإفادة العموم، أي " لا ضرر ولا ضرار على الإطلاق بين الأناسي وفي الإسلام ". وقد مر (2): أنه قد ذكر الخبر في جميع الجمل الموجودة، سواء كانت نهيا، مثل قوله تعالى: * (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (3) فإنه حسب الاستعمال نفي. أو كانت نفيا، مثل قوله تعالى: * (لا خير في كثير من نجواهم) * (4). و * (لا تثريب عليكم اليوم) * (5). وفي الألسنة كثير من هذا الاسلوب، ولا يوجد فيها إلا مع الخبر، ومنه: " لا ربا بين الوالد والولد ". و " لا ربا بين المسلم والذمي ". أو " لا ربا بين الزوج والزوجة، وبين السيد والعبد ". و " لا رهبانية في الإسلام ". أو " لا سهو لمن أقر على نفسه بالسهو " وهذا كثير في أخبار الخلل. و " لا قياس في الدين ". و " لا مناجشة في الإسلام ".


1 - يأتي في الصفحة 269. 2 - تقدم في الصفحة 257 و 258. 3 - البقرة (2): 197. 4 - النساء (4): 114. 5 - يوسف (12): 92. (*)

[ 265 ]

و " لا حرج في الدين ". و " لا غيبة لمن ألقى جلباب الحياء ". و " لا عمل في الصلاة ". وربما يكون محذوفا، مثل " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإن المحذوف كلمة " بشي ". وهكذا " لا صلاة إلا بالطهور " وأمثالها، نحو " لا عمل إلا بالنية ". وقول سيبويه في " لا إله إلا الله ": أن لا نفي تام (1) في غير محله، وقد مر تفصيله في المجلد الأول في بحث مفهوم الحصر (2)، ولو كان فتكون كلمة " إلا " بمعنى غير، أي " لا إله غير الله ". وقوله: * (لا تكلف إلا نفسك) * (3) من المشاكل الأدبية. وعلى كل تقدير: " لا ضرر ولا ضرار " يشبه أن يقال: " لا رجل ولا رجال " فإنه ينتقل الذهن إلى الوجود الخارجي، فيكون - بعد الوثوق بصدوره مستقلا - المحذوف أمرا عاما كليا محيطا شاملا. إن قلت: مجرد اسئناس وروده مستقلا غير كاف، بل لابد من قيام الحجة الشرعية عليه، وإلا فالقدر المتيقن - سواء كان النفي الحقيقي، أو الاستعمالي - هو الخبر المناسب لقصة سمرة. قلت: بعد ما ذكرنا من الشواهد يحصل الوثوق بصدوره مستقلا، ولاسيما تذيل حديث الشفعة، ومنع فضل الماء. وأما إطالة المتأخرين حول مناسبة حق الشفعة ومنع فضل الماء مع القاعدة (4)، فهي أجنبية عن مسألتنا، وإنما كثر في


1 - لاحظ كتاب سيبويه 1: 421، وشرح الكافية، الشريف الرضي 1: 262 / السطر 6 - 8. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 177 - 178. 3 - النساء (4): 84. 4 - قاعدة لا ضرر، شيخ الشريعة الأصفهاني: 19 - 23، منية الطالب 2: 194 / السطر 7، بدائع الدرر: 49 وما بعدها. (*)

[ 266 ]

أخبارنا التمسك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) تقية. وعلى كل تقدير: إن حصلنا المناسبة بين الصدر والذيل في الحديثين، أو لم نحصل، لا يكون دخيلا في المرام في المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام، وإنما نظرنا إلى استظهار صدوره مستقلا، كما اعتقده العلامة النائيني (رحمه الله) (1) بلا وجه، ولعله دأبه في كثير من المسائل. بقي شئ: في بيان آخر لوجه الإجمال وهو أن تذيل قصة سمرة حسب الموثقة، ورواية ابن مسكان عن زرارة، وعدم وجود دليل على ورودها استقلالا، يوجب الشك فيه، وهذا يكفي لصيرورة القاعدة مجملة، ولازمه سقوط ما اشتهر من مرجعيته في الفقه، وحكومته على الأدلة (2). وتذيل الأخبار الاخر به لا ينافي صدوره في ذيل قصة سمرة خصوصا، وإنما احتج به فيها. وهكذا نقل ابن الصامت بعنوان القضاء في جمع الأقضية (3)، لا يدل على شئ مع عدم حجية نقله، فأصبحنا بعد اللتيا والتي على إجمال من هذا القانون المعروف. اللهم إلا أن يقال: إنه لا إجمال فيه، لأنه إن كان مستقلا فهو، وإن كان في ذيل قصة سمرة، فالظاهر أن ذات القصة، لا توجب قصورا فيه، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " فإنه " فإن كلمة " الفاء " دليل على أنه قاعدة عامة، وموردها تفرع من تفرعاتها الكثيرة، سواء كانت من سنخ القصة، أو كانت من غير سنخها، ولحذف الخبر المقتضي للعموم. ومع الأسف، فإن كل ذلك غيرمورث للاطمئنان بأن المحذوف عام حاكم على


1 - منية الطالب 2: 194 / السطر 24. 2 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب، الشيخ الأنصاري: 373 / السطر 7. 3 - مسند أحمد بن حنبل 5: 326. (*)

[ 267 ]

الأدلة، أو محرم للضرار على الإطلاق. مع أن في دوران الأمر بين صلاحية الصدر للقرينية على خصوص المحذوف، أو الحذف على عموم المحذوف، يقدم الصدر لوجوده. ولا تدل كلمة " الفاء " على أزيد من كونها مذيلة بقوله: " بين المسلمين " وما شابه ذلك، وهو معناه الأخذ بالقدر المتيقن، لا رفع الإجمال، فلا تغفل. هذا مع أن القرائن الاخر الموجودة في الأقضية المجموعة في كتاب ابن خالد، يشهد على أن المنهي والمنفي مخصوص بالخلائق بعضهم مع بعض، ولأجل ذلك تصل النوبة إلى بيان بديع آخر كي يرتفع به الإجمال المذكور إن شاء الله تعالى. وغير خفي: أنه حسبما مر، هناك إشكالات ناشئة عن ملاحظة عمل " لا " إلا أن المهم منها ذلك، ضرورة أن القراءة غير معلومة ولو كانت " لا " بمعنى " ليس " فيدخلهما التنوين، وهو ظاهر في التنكير، ويورث نفي الضرر المخصوص. وعلى كل تقدير أغمضنا عن سائر المشاكل، والمهم حل مشكلة الإجمال، لاشتهار القراءة المذكورة. تنبيه خامس: حول حل مشكلة أبدعناها على القاعدة مما لا ينبغي أن يخفى: أن هيئة " الضرر " و " الضرار " تختلف ولو كانت المادة واحدة، كما يأتي الكلام حولها إن شاء الله تعالى (1) فإن " الضرر " اسم، والأسماء المتخذة عن المواد غالبا تكون من الأفعال المزيد فيها، كباب الإفعال وغيره. وعلى كل تقدير: هو ليس مصدرا، ولم يذكر أهل اللغة مصدر " ضر يضر " إلا " ضرا " وأما " الضرر " فهو - مقابل النفع - واضح معناه، وليس مصدرا، فيكون دخول كلمة " لا " عليه كدخولها على " الرجل " فلا يناسب النهي بالضرورة. وهذا أيضا مما قد خفي عليهم، وتوهموا أنه مثل قوله تعالى: * (فلا رفث ولا فسوق ولا


1 - يأتي في الصفحة 281 - 282. (*)

[ 268 ]

جدال في الحج) * (1) وأمثال ذلك مما مر الواردة في الأحاديث الكثيرة. وأما هيئة " الضرار " فهو مصدر، وإذا دخلت عليه كلمة " لا " فالأشبه أنها نفي تفيد النهي ولو كانت هيئة المفاعلة للطرفين وضعا أو غالبا، ولكنها كثيرا ما استعملت في طرف واحد، وقد تحرر تحقيقه في تعريف البيع: " مبادلة مال بمال " (2) ويكفينا صراحة اللغة في أنها هنا بمعنى الإضرار (3)، كما هو كذلك في كثير من موارد الاستعمال في الكتاب والسنة. ومجرد اقتضاء المناسبة أن الضرر نفي على الإطلاق على وجه يشمل الإضرار، والضرار نهي بعنوان المقابلة، كي يسد باب الإتلاف في الأموال، أو التحريج والتضييق في النفوس، لا يكفي. مع أن قوله تعالى: * (العين بالعين والأنف بالانف) * (4) شاهد على خلافه، ولعله يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. فبالجملة: إذا قال صاحب شريعة في موقف: " اليوم لا إكرام " أو " لا ضرب " أو " لا إقامة " أو " لا قتل " أو * (فلا رفث ولا فسوق...) * إلى آخره وهكذا، لا يستفاد منه إلا النفي بداعي الانتقال إلى النهي، وإذا كان من قبل المولى والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يستفاد منه ممنوعية ذلك، نظرا إلى أن نفي المصدر لا معنى له إلا النهي عن تلك المادة المشتركة بين المصدر والمشتق، ولا إجمال عندئذ، لأن معنى " لا ضرار " واضح، أي " لا يصح ولا يجوز أن يضر أحد أحدا " ولو كان الكفار مشتركين معنا في الفرعيات والتكاليف يشملهم ذلك. والخبر المحذوف - بحسب الاستعمال - لا يجوز أن يكون كلمة " على مؤمن " كما ترى.


1 - البقرة (2): 197. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الأول، الجهة الاولى. 3 - النهاية، لابن أثير 3: 81، مجمع البحرين 3: 373. 4 - المائدة (5): 45. (*)

[ 269 ]

نعم، لا بأس بالالتزام بحذف كلمة اخرى غير دخيلة فيما هو المهم، ضرورة أنه بعد فهم تحريم المضارة، لابد وأن يكون هناك مكلف، وشئ يصدق عليه عنوان " الضرار " سواء كان مكلفا، أو غير ذلك. وأما تحقيق معنى " الضرار " فهو يأتي من ذي قبل (1)، فإن المنظور هنا حل مشكلة ذكرناها، فلا ينبغي الخلط. فمعنى " لا ضرار " أي أن الإضرار مبغوض مثلا، وعلى المسلمين والامة الاتباع، بأن لا يضر ولا يحدث الضرر، سواء كان طرفه الإنسان أو غيره، وسواء كان من باب المفاعلة، بأن أتلف ماله بحذاء إتلاف المال، أو بمعنى الإضرار. فعلى هذا، تختلف الجملتان، فإن الاولى نفي حقيقي أو ادعائي، ولكنه مجمل، والثانية نفي صوري. وملاك ذلك أنه في الاولى لا يكون نهي، لما لا تطرأ على مادة " الضرر " صيغة النهي، أي لا يصح أن يقال: " لا تضرر " وأما " لا تضر " فهو نهي، ومادته " الضر " ولا يتكرر " الراء " وفي الثانية نهي واقعي جدي، لدخولها عليها فيقال: " لا تضار ". وعندئذ تصبح الاولى مجملة، لحذف الخبر الدخيل في معناها، والثانية مبينة واضحة، وحذف المتعلق دليل العموم، أي " يا أيها الإنسان لاتضار شيئا، سواء كان إنسانا أو غير إنسان، مسلما أو غير مسلم " ونتيجة ذلك عدم لزوم التكرار أيضا في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يأتي إن شاء الله تعالى (2). وفي كثير من الأخبار المضبوطة في المفصلات - ولاسيما " تهذيب الاصول " لوالدي المحقق (3) - مد ظله - و " الرسائل " (4) له أيضا - شهادة على أن " الإضرار،


1 - يأتي في الصفحة 281 - 282. 2 - يأتي في الصفحة 279 - 284. 3 - تهذيب الاصول 2: 445 - 447. 4 - بدائع الدرر: 27 - 40. (*)

[ 270 ]

والضر، والمضارة " ممنوعة ومنهية في تلك الأخبار المنتشرة في الأبواب من الكتب المتفرقة، ككتاب إحياء الموات (1)، وكتاب الخلع (2)، وكتاب الوصية (3)، وأبواب الرضاع من " الوسائل " (4) وكتاب الطلاق (5). وفي طائفة منها إشعار بالتمسك بحديث " لا ضرر ولا ضرار " حيث ورد فيها التطبيق بقولهم (عليهم السلام) على ما فيها جملة: إن " هذا الضرار " ولا يناسب ذلك إلا النهي فيها، مثلا ما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن يزيد بن إسحاق، عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء وأشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى أن البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير. قال فقال: " لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال اريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار... " (6). والسند عندنا معتبر، وعدم تنصيص الاصول الخمسة على وثاقة يزيد، لا يضر بعد قيام الأمارات العامة على اعتباره، ولاسيما بعد انضمام ما سلكناه في حجية الخبر الواحد إليه: من عدم الحاجة إلى التوثيق، بل الجرح والذم قادح ولو


1 - وسائل الشيعة 25: 430 و 432، كتاب إحياء الموات، الباب 14، الحديث 1 والباب 16، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 22: 282، كتاب الخلع والمبارات، الباب 2، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 19: 264، كتاب الوصايا، الباب 5 و 8. 4 - وسائل الشيعة 21: 454، كتاب النكاح، أبواب أحكام الأولاد، الباب 70، الحديث 3 و 7. 5 - وسائل الشيعة 22: 171، كتاب الطلاق، أبواب أقسام الطلاق وأحكامه، الباب 34، الحديث 1. 6 - الكافي 5: 293 / 4، تهذيب الأحكام 7: 79 / 341، وسائل الشيعة 18: 275، كتاب التجارة، أبواب بيع الحيوان، الباب 22، الحديث 1. (*)

[ 271 ]

من فاسق، وتفصيله في محله (1). فبالجملة: بعد ما لم نعثر على صدور القاعدة مستقلة، ولا معنى لأن يقضي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستقلا بذلك إلا في ذيل قصة، كحادثة سمرة، أو غير ذلك، فعندئذ يشكل رفع الإجمال من ناحية " لا ضرر " دون " لا ضرار ". وغير خفي: أن تمام المنظور هنا حول ذلك، وأما البحث عن المادة والهيئة الناقصة والتامة - على الوجوه المذكورة في رسالتنا الموسوعة المفصلة في المسألة - فعند الحاجة إليه نشير إليه إن شاء الله تعالى وإلا فلو كانت الجملة نافية مجملة غير صالحة للاعتماد والمرجعية فلا وجه لإطالة الكلام حولها. كما أنه غير خفي: أن إسقاط القاعدة من جهة إجمالها، ليس أهون من قول العلامة الأصفهاني شيخ الشريعة (رحمه الله) (2) وما سلكه الوالد المحقق: من أنها قاعدة ناهية (3)، وعندئذ لا ثمرة تحتها، لقيام الأدلة الكثيرة على حرمة الإضرار، فما هو المهم توضيح القانون العام على وجه تكون دافعة ورافعة، نافية وناهية، وحاكمة ومشرعة، وتكون قاعدة جامعة في محيط التقنين الإسلامي، سواء كانت نافية حقيقة، أو ادعاء، أو نهيا محضا، أو أعم، فما ذهب إليه العلمان - سواء كانت نهيا إلهيا، أو سلطانيا نبويا - غير نافع، وموجب لسقوطها، كما لو كانت مجملة غير صالحة للمرجعية على أساس أشرنا إليه. إفادة: في دلالة " لا ضرار " على تحديد العمومات والإطلاقات غير خفي: أنه لا فرق بعد كون الخبر مما لا ينطبق إلا على المسائل الراجعة


1 - لعله ذكره في فوائده الرجالية وهي مفقودة. 2 - قاعدة لا ضرر، شيخ الشريعة الأصفهاني: 25 - 26. 3 - بدائع الدرر: 101. (*)

[ 272 ]

إلى المكلفين بعضهم بالنسبة إلى بعض، بين كون القاعدة نفيا أو نهيا، وبين كونه نفيا حقيقيا أو ادعائيا، فهذه المشكلة غير مشكلة وقع فيها القوم قديما وجديدا. كما أنه لو أوضحنا الخبر، ورفعنا الإجمال مطلقا، أو في الجملة وبالنسبة إلى الجملة الثانية، يمكن ثبوتا الالتزام بكونه نفيا أو نهيا، إلا أنه بعد الالتفات إلى أنه مصدر، يلزم قوة ظهور الثانية في النهي. كما أن الاولى قوية في النفي. مع أنه ربما يكون اسم " لا " مصدرا، ولكنه نفي، مثل قوله (عليه السلام) - على ما في بعض النسخ -: " لا سهو في سهو " (1)، أو " في النافلة " (2)، و " في الإعادة " (3) وإن كان في " الوسائل " في مورد: " ليس سهو في النافلة، ولا في الإعادة " (4) نعم ورد: " لاسهو على من أقر على نفسه بسهو " (5). كما ربما يكون اسم " لا " معنى اسميا، لا مصدريا، كقوله (عليه السلام): " لا صلاة إلا بطهور " (6) أو " بغير افتتاح " (7) أو " لمن لا يقيم صلبه " (8) أو " لجار المسجد " (9) مع أنه اريد به النهي. ولكن الطبع العرفي يقتضي في مثل " لا ضرر " كونه مثل " لا رجل " و * (لاخير في كثير من نجواهم) * (10).


1 - وسائل الشيعة 8: 243، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 25، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 8: 241، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 24، الحديث 8. 3 - لم نعثر على هذه العبارة. 4 - انظر وسائل الشيعة 8: 243، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 25، الحديث 1. 5 - وسائل الشيعة 8: 229، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8. 6 - وسائل الشيعة 1: 365، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 7 - وسائل الشيعة 6: 14، كتاب الصلاة، أبواب تكبيرة الإحرام، الباب 2، الحديث 7. 8 - وسائل الشيعة 6: 321، أبواب الركوع، الباب 16، الحديث 2. 9 - وسائل الشيعة 5: 194، أبواب أحكام المساجد، الباب 2، الحديث 1. 10 - النساء (4): 114. (*)

[ 273 ]

وأما حمل كلمة " لا " الواردة على المصدر على النفي، لوجود القرينة، ولاقتضاء الجملة، فهو مما لا بأس به، وذلك مثل قوله تعالى: * (لا تثريب عليكم اليوم) * (1) فلا ينبغي الخلط بين الجمل وموارد الاستعمال واقتضاء القرائن. ولو قيل: لو كانت كلمة " لا " الداخلة على " الضرار " في قصة سمرة ظاهرة في النهي، فلا يبعد كونها قرينة على أن الداخلة على " الضرر " أيضا نهي، كما لو دخلت على عنواني " الوضوء " و " الغسل " فإنهما الاسمان من التوضؤ والاغتسال، و " الضرر " اسم من " الإضرار " أو " المضارة " وإن لم تصرح به اللغة، إلا أنه محرر في الصرف: أن أسماء المصدر تأتي من الأفعال المزيد فيها عادة ونوعا، كما مر الإيماء إليه. وقد صرح في " تاج العروس " - بعد قول " القاموس ": " وضاره مضارة وضرارا " (2) - بقوله: " بالكسر، والاسم الضرر " (3) انتهى. فلو كان اسما من " الضر " فالأظهر كون " لا " نفيا، لوجود القرينة بعد وروده أحيانا كما مر. فبالجملة في الكلام قرينة على كون الاولى أيضا نهيا. قلنا: لا مرجح لكون الاولى مرجحة، أو الثانية مرجحة، إلا أن مناسبة القضية تقتضي النهي، مع أقوائية ظهور الثانية من الاولى كما لا يخفى، فإن طبع المصدر الداخلة عليه كلمة " لا " يقتضي كون كلمة " لا " نهيا بحسب الجد، ونفيا صوريا. فعلى هذا يرتفع الإجمال، وتصير النتيجة كونها للنهي في الاولى بلا إجمال. وقد مر أنه بحسب الاستعمال يقتضي الخبر (4)، إلا أن مع كون الجد نهيا يتبين الخبر،


1 - يوسف (12): 92. 2 - القاموس المحيط 2: 77. 3 - تاج العروس 3: 348 / السطر 34. 4 - تقدم في الصفحة 263. (*)

[ 274 ]

لاقتضاء النهي الجدي كون موضوعه المكلف، وقضية المناسبة بين الحكم والموضوع، هو إطلاق ممنوعية الإضرار والمضارة، لعدم الخصوصية عرفا. إذا عرفت ذلك فلنا أن نقول: إن الشرع الناهي بالنهي التشريعي عن المضارة والإضرار، لا تكون أحكامه مستتبعة للضرر والمضارة بالضرورة، فلو كانت جملة " لا ضرر " مجملة، لعدم قيام الحجة على الخبر المحذوف، ولكن جملة " لا ضرار " تقوم مقامها فيما هو المقصود، وهو تحديد العمومات والإطلاقات الإسلامية بانكشاف عدم وجود العموم والإطلاق في موارد استلزام الضرر والضرار، مع استفادة حرمة المضارة. بل واستفادة وجوب جبران الضرر، لما يستفاد من مبغوضية الإضرار والضرار المصدري - ابتداء كان أو مماثلا - أن جبران الضرر لازم، لانتفائه موضوعا بالجبر عرفا. بل يتبين منه وجوبه - في صورة تخلف الضار والمضار عصيانا أو عجزا - من بيت المال. بقي أمر: في بيان وجه آخر لتقديم ضرر الأنصاري على ضرر سمرة وهو أن تذيل خبري عقبة بن خالد في بابي الشفعة (1) وغيرها (2) بقاعدة " لا ضرر " يكون من باب تذيل الأحكام العامة الإسلامية بالحكم التشريعية، كما في تذيل بعض الأحكام بقاعدة نفي الحرج، وهذا أمر مفوض إلى الأئمة الأطهار (عليهم السلام) من غير أن يستلزم الإخلال بالعموم الأفرادي والإطلاق الاستغراقي. مثلا: يجوز للمجتهد أن يتمسك بقاعدة نفي الحرج، لرفع الحكم في مورد استلزامه الحرج مثلا، وليس له التمسك به للحكم بطهارة نجس في الإسلام،


1 - الكافي 5: 280 / 4، وسائل الشيعة 25: 399، كتاب الشفعة، الباب 5، الحديث 1. 2 - الكافي 5: 293 / 6، وسائل الشيعة 25: 420، كتاب إحياء الموات، الباب 7، الحديث 2. (*)

[ 275 ]

بخلافهم (عليهم السلام) فإن لهم التمسك بها لطهارة الحديد مثلا، وهذا شأنهم (عليهم السلام) فقط. وأما تفصيل التناسب بين المسألتين وقاعدة نفي الضرر والضرار، فيطلب من محاله، وقد عرفت سابقا وجها آخر لتمسكهم بها جدالا (1)، لقوله تعالى: * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * (2) كما قد يتمسك لتحديد قطع أيدي السرقة (3) بقوله تعالى: * (وأن المساجد لله) * (4) مع أن أيديهم تقطع وهكذا مساجد أرجلهم في المرة الثانية والثالثة، فلا تغفل. وإليك وجها ثالثا: وهو أن قاعدة نفي الضرر والضرار وردت في الموثقة، وهي حجة دون غيرها، لعدم ثبوته، وعندئذ نقول: إنه اريد منها أن الضرر والإضرار، غير موجود في حيطة التشريع إلا تخيلا، وإلا فبحسب الواقع والمصلحة النوعية العامة الاجتماعية، ليست الزكاة والحج والجهاد إضرارا وضررا ومضارة، فلو توهم سمرة بن جندب أن القلع المذكور ضرر وإضرار، فهو بالنسبة إلى حاله الشخصية، دون الكلية، كما هو كذلك في الشرور والمضرات بالقياس إلى كلية النظام، فتذيل موثقة زرارة بالقاعدة في قصة سمرة، يكون لأجل حل إيراد سمرة فرضا، ويعد من دفع الدخل اصطلاحا. فليس الأمر بالاعتداء على المعتدي في قوله تعالى: * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (5) ولا جعل العين بالعين، والاذن بالاذن، والأنف بالأنف، ولاجعل القصاص حياة، من جعل المضارة والإضرار المالي والبدني، ولا من التحريج


1 - تقدم في الجزء السابع: 59، 93. 2 - النحل (16): 125. 3 - كما تمسك به الإمام الجواد (عليه السلام)، وسائل الشيعة 28: 252، كتاب الحدود، أبواب حد السرقة، الباب 4، الحديث 5. 4 - الجن (72): 18. 5 - البقرة (2): 194. (*)

[ 276 ]

والتضييق بالنسبة إلى النظام الإسلامي الكلي. ولأجله عد في سورة الرحمن قوله تعالى: * (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) * (1) من آلاء الرحمن، ولذلك ذيلت الآية بقوله تعالى: * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) * (2) ضرورة أن المحافظة على النواميس الإلهية والخلقية، والمواظبة على نفوس الناس وأموالهم، تحتاج إلى المنظمات والشرطة والجحيم وجهنم، وهذا ليس ضررا ولا مضارة ولا إضرارا بالنسبة إلى النوع والحكومة، ولو كان ضررا بالنسبة إلى شخص السارق والقاتل والمتعدي، وإلى هذا يشير في أخبارنا ما يقنعك، فلا تخلط. تنبيه سادس: في إبطال ما أفاده الأعلام حول القاعدة المذكورة قد تبين مما أفدناه وجه فساد مسالك القوم من الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) إلى فضلائنا المعاصرين، فإنه لا يدور الأمر بين نفي الحكم الضرري، كما في كلامه (قدس سره) (3) وبين النفي بلسان نفي الموضوع، كما في " الكفاية " (4) وبين الضرر غير المنجبر وغير المتدارك (5)، وبين النهي، بل هو في الجملة الاولى مجمل، وفي الثانية نهي جامع لجميع المحتملات التي منها: تحريم الإضرار ولزوم التدارك، لانتفاء موضوعه بعد تحقق الضرر، بالتدارك والجبران. وقد تحرر منا في الرسالة (6) وجه فساد القول بالنفي الحقيقي والادعائي،


1 - الرحمن (55): 35. 2 - الرحمن (55): 36. 3 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 372 / السطر 25 وما بعده. 4 - كفاية الاصول: 432. 5 - الوافية: 194. 6 - هذه الرسالة التي كتبها (قدس سره) في بورسا مفقودة. (*)

[ 277 ]

ووجه كون الجملة الاولى نهيا كما عرفت (1)، ووجه اختصاص القاعدة بالضرر غير المتدارك. وأظهر فسادا من الكل الأخير وما في " الكفاية " فإن معنى نفي الحكم بلسان نفي الموضوع: هو أن يكون العنوان المنفي موضوعا لحكم، فيرفع بداعي الانتقال إلى عدم وجود الحكم، كما إذا قيل: " لا سهو في النافلة أو في الإعادة " أو غير ذلك، فإن كلمة " السهو " و " الشك " موضوعة للحكم في الشريعة، فيرفع الموضوع كي يتوجه المخاطب والمكلف إلى المقصود، وأما نفي الضرر فإن كان الضرر له حكم، فنفيه بداعي نفي ذلك الحكم صحيح، وأما نفي الضرر بداعي نفي الحكم عن الموضوع الطارئ عليه الضرر، أو الموجب له كالوضوء والغسل، فهو في غير محله، وغفلة جدا. وأسوأ حالا ما عن بعض أعيان الفضل: من أنها قاعدة مشرعة جابرة فقط (2)، لا مشرعة على الإطلاق، ولا رافعة ناهية، ولا دافعة نافية بنفي حقيقي أو ادعائي ضرورة أن سكوتها عن أصل الإضرار والمضارة غلط، لتعرضها لمنع الضرر الاسمي، سواء كان المضر نفس الإسلام والشريعة الإسلامية على الإطلاق حسب الظاهر، من غير فرق بين أن تكون تلك الشريعة نفس الأحكام التكليفية المعتبرة بين الخالق والخلق، أو الشريعة والأحكام الوضعية المعتبرة بين الخلق بعضهم بالقياس إلى بعض، كقاعدة السلطنة، أو الأعم منها ومن الإلزام بجبران الضرر المتوجه من ناحيته إلى واحد من الناس، أو غيرهم كالجهات العامة، ومن الإلزام وإجبار المكلف - بل وتلك الجهات - بجبران الضرر المتوجه إلى واحد من الناس، أو غيرهم كالحكومة الإسلامية، والجهات، والطرق والشوارع، والأوقاف.


1 - تقدم في الصفحة 268، 273. 2 - الوافية: 194. (*)

[ 278 ]

بل ولتعرضها للنهي عن المضارة، كما يأتي تفصيله حول الفرق بين معنى " الضرر " و " الضرار " إن شاء الله تعالى (1) فلا وجه لاختصاصها بجهة خاصة، بعد الإطلاق، وبعد تناسب الحكم والموضوع، لولا الإجمال الذي أبدعناه. إفادة: في بيان إيراد على حلنا لمشكلة الإجمال يستكشف من وجود القاعدة في ذيل قصة سمرة (2)، وقصة الشفعة (3)، وحديث منع الماء لمنع فضل الكلأ (4)، شدة الربط بينها وبين الأحكام الإسلامية الراجعة إلى المحافظة على مصالح العباد، وأجنبيتها عن الأحكام الفردية التكليفية الإسلامية، كالوضوء والغسل. فعندئذ تمام السنخية موجودة بين النهي عن الضرار في الجملة الثانية، وبين الأحكام الراجعة إلى مصالح العباد الدنيوية بعضهم مع بعض، دون الأحكام الإسلامية التكليفية، فلا يصلح المقام لفهم العرف أولوية عدم وجود الحكم الضرري، فعندئذ لا أقل من الشك في فهم محدودية الأحكام التكليفية الإلهية في موارد استلزامها الضرر. ومن هنا يظهر: أن كلمة " في الإسلام " لو كانت في ذيل الحديث، كان فيها الخير الكثير جدا. ومن العجيب وإن لم يكن من العلامة النائيني (رحمه الله) بعجيب، قوله بعدم الفرق بين وجودها وعدمها (5). كما أن حكم العلامة شيخ الشريعة الأصفهاني (رحمه الله) بعدم


1 - يأتي في الصفحة 281. 2 - الكافي 5: 292 / 2، وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 3 - تقدم في الصفحة 274. 4 - تقدم في الصفحة 274. 5 - منية الطالب 2: 193 / السطر 4. (*)

[ 279 ]

تذيل الخبرين بتلك القاعدة بلا وجه (1)، وهكذا غيره (2)، لعدم الحاجة إليه، وكفاية الشك في تذيلهما بها. مع أن الخبرين غير معتبرين سندا، ومع أن نسخة " الوسائل " ظاهرة في التذيل، إلا أن نسخا اخر ليست مثلها. وحديث أصالة عدم الزيادة (3)، لا يرجع إلى محصل إلا في الشك البدوي، فاغتنم. أقول: بعد سقوط الخبرين، وبعد ظهور معتبرة زرارة في أنها مذيلة بها مصدرة ب‍ " الفاء " الظاهرة في الكبرى الكلية، وبعد كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد الإفادة والاحتجاج بمعنى عرفي عقلائي، بل وعقلي، وبعد كونه صاحب الشريعة، يكون إسقاطها بالمرة غير صحيح، فلو كانت كلمة " لا ضرر " مجملة لما عرفت، لا وجه لإسقاط الكلمة الثانية الظاهرة في التحريم، لدخول كلمة " لا " على المصدر، بعد عدم وجود القرينة أو عدم اقتضاء نفس التركيب لكونها نفيا حقيقيا أو ادعائيا، نحو قوله تعالى: * (لا تثريب عليكم اليوم) * (4) حيث يكون معناه " لا اثربكم ولا اوبخكم اليوم ". هذا آخر ما يمكن أن يقال حول حل الإعضال والإشكال الذي أبدعناه في الحال. إفادة ثانية: حول وجوه تفسير " لا ضرر ولا ضرار " كي لا يلزم التكرار في الحديث مما يشهد على أن الجملة الاولى هي في المفاد غير الجملة الثانية: لزوم التكرار، فإن كانتا نفيا أو نهيا فلا يصلح صدوره عمن هو " أفصح من نطق


1 - قاعدة لا ضرر، شيخ الشريعة الأصفهاني: 22 و 23. 2 - بدائع الدرر: 53، مصباح الاصول 2: 521. 3 - منية الطالب 2: 191 / السطر 8. 4 - يوسف (12): 92. (*)

[ 280 ]

بالضاد " (1) - صلى الله عليه وآله وسلم -، فعندئذ يمكن الخروج عن التكرار بأحد امور الثلاثة على سبيل منع الخلو: وهو أن يقال: إن الثانية بعد ما تكون ناهية حسبما عرفت، تكون الاولى نافية، إلا أنه لا يمكن رفع الإجمال المذكور مع الابتلاء بإشكال: أنه لا يمكن أن يكون نفيا حقيقيا، إلا بلحاظ يوجب خروجها عن المقصود: وهو أن ما يتوهم من الضرر في حومة الإسلام، ليس بضرر بحسب النوع والمراحل البرزخية والمنازل الاخروية، ولو كان ضررا شخصيا دنيويا، كالزكاة والجهاد والحج والخمس، و * (العين بالعين) * (2) والحدود والديات والقصاص، والمنع عن الإرث في كثير من الأحكام، وتحريم كثير من المأكولات والمشروبات، وغير ذلك. وتوهم: أنه نفي حقيقي، لانتهائه إلى رفع الحكم بحسب الواقع، كما يستشم من العلامة النائيني (3)، وهو يرجع إلى مقالة الشيخ (رحمه الله) (4) في غير محله، ضرورة أنه لا يعقل رفع الحكم الإنشائي هنا ولا في موارد اخر - كالتخصيص والتقييد والحكومة - رفعا واقعيا، ولا رفع الفعلية والجد، للزوم النسخ المستحيل. مع أنه لا معنى لأن يراد من نفي الضرر نفي الحكم الضرري، أو الشئ الضرري، فإنه خلاف الأدب عند العرب، أفلا ترى إذا قيل: " لا سهو في كذا " أو " لا ربا بين كذا وكذا " لا يرجع معناهما إلى أنه لا حكم سهوي، أو لا حكم ربوي ؟ ! فما صنعه الشيخ (رحمه الله) خلط بين مفاد القاعدة وبين ما هو مقصوده ومطلوبه، بتطبيقه عليها


1 - لاحظ مكاتيب الرسول: 14. 2 - المائدة (5): 45. 3 - منية الطالب 2: 199 / السطر 24 و 201 / السطر 7. 4 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 373 / السطر 5. (*)

[ 281 ]

حسب ميلها وإرادتها، فلا تغفل. وتفصيله يطلب في رسالتنا المستقلة. وغير خفي: أنه مع إجماله للحاجة إلى الخبر بالضرورة، لا يمكن استفادة شئ منه. أو يقال: إن " الضرر " غير " الضرار " فإن " الضرر " في مقابل النفع، وهو واضح، وأما " الضرار " فهو بمعنى التضييق والتحريج، وهو مختار الوالد المحقق (1) - مد ظله - خلافا لكتب اللغة، ومعتقدا أنه المستفاد من موارد استعماله في الكتاب والسنة، ومصرحا بأنه بمعنى الضرر في قوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار) * (2) فكان ينبغي أن يصبح على الإجمال بحسب المادة، لخلو كتب اللغة عما أفاده، ولاستعماله بمعنى الضرر في الأموال في الكتاب الإلهي (3)، ولكثرة استعماله في التضييق والتشديد فيه وفي الأخبار، فتقع المعارضة والمضادة. والذي هو الحق: أن تصريح جمع من اللغويين ك‍ " القاموس " (4) و " أقرب الموارد " (5) وغيرهما (6) ب‍ " أن الضرار هو بمعنى ضره ضد نفعه " واستعماله في الكتاب العزيز في الآية المذكورة (7)، وقضية كون الوضع في المشتقات نوعيا لا شخصيا، أي أن مادة " الضر " بالفتح والضم موضوعة لمعنى واحد، وتدخلها الهيئات كسائر المقامات، وهي أيضا وضعها نوعي، أن معنى " الضر " في جميع الموارد


1 - بدائع الدرر: 65. 2 - النساء (4): 12. 3 - البقرة (2): 231، الطلاق (65): 6. 4 - القاموس المحيط 2: 77. 5 - أقرب الموارد 1: 681. 6 - لسان العرب 8: 44، مجمع البحرين 3: 373. 7 - النساء (4): 12. (*)

[ 282 ]

بمعنى واحد، وهو إحداث النقيصة، وما يوجب بحسب النوع ارتباكا عند الاطلاع عليه، من غير فرق بين الأموال والأنفس وغيرهما. مع أن المراد من " الأنفس " أعم من النقيصة في الجسم، وهو لا يعد مالا، أو في الروح، قال في " القاموس ": " ضره وبه وأضره وضاره مضارة وضرارا والضار وراء القحط والشدة ". وقال قبل ذلك: " الضر ضد النفع، ويضم " (1) انتهى. ولعل إطلاق الضرتين على الإلية من جانبي عظمها وعلى زوجتيك من هذه الجهة، وهكذا الضراء وغير ذلك، فالأصل واحد حسب الظاهر جدا. ولذلك قال في " تاج العروس ": " وقيل: هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد " (2). ولو كانت كلمة * (غير مضار) * في الآية الشريفة لغير معنى النقيصة في الأموال، وراجعة إلى الوصية - فإن من الضرار الوصية لغير أهلها، أو الوصية غير الممضاة كلها أو بعضها - لا يلزم منه كون " الضرر " و " الضرار " بحسب المادة ذا معنيين وانطباق معنى العام على مورد الخاص لا يقتضي كون الكلمة موضوعة للمعنى الخاص كما هو الواضح ومن ذلك المعنى إطلاق " الضرير " على الزمن. وكون الضراء ضد السراء أيضا يشهد على الأعمية، فإن وفور النعمة الروحية والبدنية والمالية يوجب السراء، ونقصانها يورث الضراء. فبالجملة تحصل: أن مادة " الضرر " و " الضرار " بمعنى واحد، وهو الأشبه بالقواعد. ويكفيك لذلك قوله تعالى: * (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) * (3) فإنه لو كان " الضرار " هو التضييق يلزم التكرار الشنيع. وأما كون " الضرر " و " الضرار " مع


1 - القاموس المحيط 2: 77. 2 - تاج العروس 3: 348 / السطر 35. 3 - الطلاق (65): 6. (*)

[ 283 ]

الحرج متفقين في المعنى أو في المورد، فهو موكول إلى محل آخر. وجه ثالث: من تلك الامور الثلاثة اختلافهما في الهيئة، بأن تكون الجملة الاولى نفيا ادعائيا مجملا إثباتا، والثانية نفيا صوريا ونهيا مبينا ثبوتا وإثباتا حسبما ذكرناه (1). ومع أنه نهي تشريعي يستفاد منه خاصية النفي الادعائي، الحاكم على الأدلة الأولية كما عرفت (2)، ويكون مشرعا بالنسبة إلى لزوم جبران النقيصة حسبما أوضحناه (3). ولا وجه لتوهم الإجمال، من جهة أن النفي الصوري يحتاج إلى الخبر أيضا كما مر (4)، ولا طريق إلى إبانة الخبر المحذوف، لكثرة الاحتمالات الدخيلة في فهم حدود المبغوض والمنهي للمولى، وذلك إما لأجل أن النفي الصوري غير محتاج إلى الخبر، بخلاف النفي الحقيقي والادعائي. وإما لأجل أن الإجمال لا يضر بما هو سبيلنا في تحرير المسألة، لأنه على كل تقدير تكون المضارة مبغوضة تشريعا، وهذا لا يناسب تشريع الأحكام المستتبعة للضرر، كما يناسب إجبار جبران المضار تشريعا، لأن المضارة مبغوضة حدوثا وبقاء، فلو أضر بطريق المسلمين، فكما يستفاد من نهيه حرمته، يستفاد عرفا لزوم تداركه عرفا. ولو نهي عن الاستنساخ أو تأليف الكتب المضلة، يستنبط منه عرفا مبغوضية بقائها من غير الحاجة إلى إيجاب إحراقها. ولذلك قال وتمايل سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) إلى منع اقتناء التمثال، وحرمة بيعه، ولزوم هدمه. بل وتمايل بعض الأعلام إلى قئ المأكول المحرم في


1 - تقدم في الصفحة 269. 2 - تقدم في الصفحة 273 - 274. 3 - تقدم في الصفحة 277. 4 - تقدم في الصفحة 263. (*)

[ 284 ]

صورة التمكن، كما هو مروي في بيضة قومر بها (1)، فاغتنم. وجه آخر: وهو أن الجملة الاولى سيقت لممنوعية الضرر أو نفيه، والجملة الثانية سيقت للممنوعية المقابلة والمجازاة. قال في " تاج العروس ": " والاسم الضرر فعل واحد، والضرار فعل اثنيين، وبه فسر الحديث " لا ضرر ولا ضرار " أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه، ولا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، وقيل هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد " (2) انتهى. فعندئذ لا يلزم على الوجه الأول تكرار في الحديث، وهو مقتضى هيئة باب المفاعلة. وفيه أولا: أنك قد عرفت أن كون هيئة باب المفاعلة للطرفين محل إشكال، لكثرة استعمالها في الطرف الواحد (3)، وهو مختار العلامة الأصفهاني في حاشيته على بيع الشيخ الأعظم الأنصاري (4)، وهو غير صحيح عندنا، إلا أنه لا منع من استعماله أحيانا في مورد أو موارد في طرف واحد، كما نحن فيه، لتصريح اللغويين به، وبعض الشواهد الاخر عليه في الأخبار (5). بل في الآيات (6) كما تعرض لها " تهذيب الاصول " (7) فليراجع. مع أنه لا يخلو بعض تلك الشواهد من المناقشة، إلا أنه سهل بعد وجوده في الجملة في خصوص المقام.


1 - وسائل الشيعة 17: 165، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 35، الحديث 2. 2 - تاج العروس 3: 348 / السطر 35. 3 - تقدم في الصفحة 268. 4 - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني 1: 2 / السطر 7. 5 - تقدم في الصفحة 270، الهامش 5 و 7 و 8. 6 - البقرة (2): 231 و 282، النساء (4): 12. 7 - تهذيب الاصول 2: 459 - 460. (*)

[ 285 ]

وثانيا: الالتزام بالتقييد الكثير بل وأصل التقييد والتخصيص مشكل. مع أنه كما عرفت وردت الآيات على المجازاة في باب الاعتداء بالمثل (1)، وفي كتاب القصاص على الأطراف والحياة (2)، وفي باب سباب المؤمن (3)، بناء على كونه مضارة. وثالثا: لو كان معنى " لا ضرر " واضحا ونهيا كما عليه ظاهر اللغويين (4)، فإطلاقه يشمل صورة المجازاة، فتكون جملة " لا ضرار " أيضا تأكيدا، كما لا يخفى. فتوهم أنه افيد نفي المجازاة، أو النهي عن المجازاة غلط. اللهم إلا أن يقال: باختصاص المادة بالأموال، والتعليل سيق لمنع إحداث الضرر المالي، أو منع المجازاة في الأموال أيضا، خلافا للأنفس وسوء الحال والمضايقة، ولكنه خلاف التحقيق كما عرفت. فتحصل تذييلا: أن " لا ضرار " ليس فيه الإجمال، ومناسبة القصة تقتضي كونه نهيا أيضا. وكونه نفيا في الاستعمال لا ينافي كون خبره، لاقتضاء النهي عنوان " لأحد " أو " لواحد " أو " للمكلف " و " الإنسان " من غير سراية الإجمال من الاولى إلى الثانية، ولا سراية إلا بأنه من الثانية إلى الاولى. وهم ودفع: لو أمكن حل المعضلة بالنسبة إلى الجملة الثانية، وصارت الجملة بعد ذلك نهيا، وكان مقتضى السنخية عمومية النهي بالنسبة إلى الناس كافة، كما كان مقتضى ذلك محدودية الأحكام الإسلامية، بل ولزوم جبران الضرر والإضرار، حسبما عرفت من فهم العقلاء ذلك، أمكن حلها بالنسبة إلى الاولى وهي نافية، لأن


1 - البقرة (2): 194. 2 - وسائل الشيعة 29: 163، كتاب القصاص، أبواب قصاص الطرف، الباب 1. 3 - وسائل الشيعة 28: 202، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حد القذف، الباب 19. 4 - النهاية، لابن أثير 3: 81، لسان العرب 8: 44، تاج العروس 3: 348، مجمع البحرين 3: 373. (*)

[ 286 ]

استفادة محدودية سنخ خاص من الأحكام الإسلامية - كقاعدة السلطنة (1) وغيرها (2)، مما يرجع إلى المكلفين بعضهم مع بعض - تقتضي فهم محدودية مطلق الأحكام، وجبران الضرر والنقيصة، نظرا إلى أنها قاعدة قالعة لمادة الضرر في محيط التشريع، وفي صورة الجبران يقتلع أيضا مادته. وفيه: أنه قد عرفت احتمال عدم وجود القدر المتيقن، كي يكون هو الخبر لكلمة " لا " النافية، فعندئذ لا يمكن حل المشكلة هنا، فإن في الثانية يستكشف من النهي مبغوضية الإضرار، ويتبين من مبغوضية الإضرار والضرار عدم مناسبة لجعل الأحكام المنتهية إلى الموجبات للضرار المبغوض. وبالجملة: كما يحتمل أن يكون المحذوف خبرا، وهو ما لا ينطبق إلا على الأحكام العبادية والفردية الموجودة بين الخالق والمخلوق، يحتمل كونه ما لا ينطبق إلا على الأحكام الإدارية الاجتماعية الموجودة بين الخلائق بعضهم مع بعض، ويحتمل المجموع. وسيأتي حديث سمرة ومناسبة قصته مع جملة " لا ضرر ولا ضرار " في فصل على حدة إن شاء الله تعالى. تأييد: لتقديم " لا ضرر " على الأدلة الأولية لا ينبغي الخلط بين المسائل التشريعية والتكوينية، كي يقال بعدم المنع، بجواز تشريع قانون حرمة المضارة والضرار، مع إضرار الناس تكوينا بالزلازل وأمثالها، ضرورة أن جواز إضراره تعالى ونفعه ممكن، مع أنه يأمر بالنفع، وينهى تشريعا عن الضرار تشريعا.


1 - عوالي اللآلي 1: 222 / 99، بحار الأنوار 2: 272. 2 - " المسلمون عند شروطهم "، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، الحديث 1 و 2. (*)

[ 287 ]

وذلك لأن القياس المذكور والاستحسان المزبور، محرم وغير تام عندنا دليلا في المسائل الفقهية، بخلاف ما نحن فيه، فإنه بعد تشريع قاعدة تحريم الضرار، يصح استنباط عدم وجود الأحكام الإلهية التشريعية الضرارية، والعرف يقبح ذلك، ويفهم من مبغوضية الإضرار بالناس بالنسبة إلى الناس، أنه لا معنى لضرب القانون المنتهي إلى الضرار، حتى يقع المكلفون من جانب الوضوء والغسل والوفاء بالعقد في الضرار المالي والبدني، وفي سوء الحال والضراء والشدة والبأساء. وما أشبه هذه المسألة بما في الكتب العقلية في مسألة الخير والشر، كما اشير إليه. ولا ينبغي أن يقال: بأنه كما يصح ضرب القانون المزبور مع خلق الضرار تكوينا، أو يصح عدم إيصال النفع بطريق غير عادي، كأن تمطر السماء كنوز الحاجات بالنسبة إلى الفقراء، مع الأمر بإيصال الصدقات إليهم، كذلك لا بأس بضرب القانون المزبور، وتحريم إضرار الناس بعضهم لبعض، مع ضربه تعالى قانونا يستتبع وينتهي إلى الضرار. فإن كل ذلك من الخلط بين التكوين والتشريع، وقد تحرر أن في محيط التشريع لا يفهم العرف حسن ذلك، بل يستنبط من مبغوضية الضرار المذكور عدم وجود الحكم المنتهي إلى الضرار. وهذا هو نتيجة حكومة قاعدة " لا ضرر " على الأدلة الأولية، لأن الحكومة لا معنى لها إلا استفادة محدودية الإطلاقات والعمومات من ابتداء الأمر، لامتناع النسخ الحقيقي، وبما أنها قانون تشريعي بالنسبة إلى إضرار الناس بعضهم لبعض، يكون قانونا جابرا للضرر بعد إيقاعه، حسب التحرير الماضي، فلا تغفل. وبالجملة: لا معنى لتحكيم " لا ضرر ولا ضرار " على الأدلة الأولية بالمعنى المصطلح عليه، كتحكيم " لا سهو في النافلة " (1) على أدلة الشكوك (2)، بل هنا نتيجة


1 - وسائل الشيعة 8: 241، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 24، الحديث 8. 2 - وسائل الشيعة 8: 187، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 1 و 2. (*)

[ 288 ]

الحكومة بفهم محدودية الأدلة الأولية في موارد استتباعها الضرار. إن قلت: الوضوء مثلا مضر لا بما هو أنه وضوء، وإيجابه بما هو هو ليس بمضر، فعندئذ تقع النسبة بين إيجاب الوضوء، وإيجاب الوفاء بالبيع وإيجاب الحج، في موارد تحمل الضرر غير المتعارف. وبالجملة: مع ضرب القانون الذي يكون بينه وبين تحريم الإضرار عموم من وجه، لا يكون عندئذ وجه لتقديم الثاني على الأول، وجعله قرينة على محدودية القوانين الأولية في موارد استلزامها الضرار، ولاسيما وأن الحكم بما هو هو ليس موقعا للضرر. قلت: الحكم هو العرف في موارد العموم من وجه، وإلا فالنسبة بين " لا سهو لكثير السهو " (1) وبين أدلة الشكوك (2) عموم من وجه، وهكذا بين حديث الرفع (3) والأدلة، ولكن يتبين بعد لفت النظر: أن مثل " لا ضرار " - بعد فهم العرف قبح ضرب القانون المستتبع له - تقدمه عليه بالضرورة، ويكفي لصحة إسناد الضرار إلى الشرع والقانون والحكم: أن إطلاقه يقتضي الامتثال، سواء كان إطلاق حكم تعبدي، أو توصلي، أو غيري على الفرض، ونتيجة الامتثال وقوع المكلف فيه، فما هو الأحق بالنسبة هو الشرع قطعا. تأييد ثان: قد أشرنا إلى أن مقالة الشيخ الأنصاري وهي أن " لا ضرر " نفي (4)، إن


1 - انظر وسائل الشيعة 8: 227، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، ولكن لم نعثر عليه بعينه. 2 - تقدم في الصفحة 287، الهامش 4. 3 - وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 4 - رسالة في قاعدة لا ضرر، ضمن المكاسب: 372 / السطر 25. (*)

[ 289 ]

رجعت إلى حذف المضاف فغير صحيحة، لأن المنفي هو الحكم الضري، أو الحكم الضرري، أو حكم الضرري، وهذا ليس من حذف المضاف المعهود. ومقالة العلامة الخراساني (رحمه الله) (1) أسوأ الاحتمالات (2)، لأن نفي الحكم بنفي الموضوع أجنبي عما نحن فيه، للزوم نفي حكم عنوان الضرر، أو عنوان يطرأه الضرر، كما في الأحكام المترتبة على الموضوعات التي تعد ضررية، كإيجاب جبران الخسارة. ودعوى انصراف القاعدة إلى موارد خاصة بلا بينة وبرهان. ولا داعي إلى تفسير القاعدة على الوجه المذكور بعد وجود الاحتمالات الاخر، مع إمكان حملها على الإجمال، وقصور فهمنا. ومن الغريب توهم تعين مقالة الشيخ والخراساني (قدس سرهما) نظرا إلى قلة ثمرة سائر الاحتمالات، كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) ! ! فإنه أسوأ من الاستحسان والقياس (3)، فلا تختلط. وفي مثل " لا ضرار " ليس نفيا حقيقيا، وإلا صوريا، أو لا يلزم جواز الضرار، لأن حكم الضرر هو حرمة الإضرار. وقوله: * (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) * (4) من النفي، من الاشتباه، فإنه نهي عن الثلاثة في الحج، وليس من الحقيقة الادعائية. فأحسن احتمال هو الاحتمال الثالث - المنسوب في " الرسائل " إلى أنه أردأ


1 - كفاية الاصول: 432. 2 - تقدم في الصفحة 276. 3 - منية الطالب 2: 201 / السطر 7 - 9. 4 - البقرة (2): 197. (*)

[ 290 ]

الوجوه (1) -: وهو أنه سيق لجبران الضرر، ولولا ما أوردناه من المعضلة كان هو المتعين مع قطع النظر عن صدر الحديث، وقد عرفت على كل تقدير شناعة الوجوه الثلاثة (2). حول بيان النفي الادعائي في " لا ضرر " بقي في المسألة أنه نفي ادعائي، وليس من حذف المضاف، وحيث إن الادعاء يحتاج إلى المصحح، وقع القائلون به في حيص وبيص، ضرورة أن في الإسلام جملة من المشروعات والقوانين الضررية بذاتها، كالكفارات، والحج، والجهاد. وقد تصدى الوالد المحقق (3) ونحن في رسالتنا لهذه المسألة من هذه الجهة، إلا أنه لا يمكن تكميل الادعاء المذكور كما هو الواضح. ولا وجه لاختصاص القاعدة بغير القوانين الضررية في أصل جعلها بعد إطلاق الادعاء، فعندئذ يتبين أمران: أحدهما: أن " لا ضرر " نفي، ولكنه مجمل، ويكون نفيا بالقياس إلى دفع توهم ضررية القوانين الضررية بذاتها، فإنها بحسب الشخص والزمان والمصر والعصر ولو كانت ضررية، إلا أنها نافعة بالقياس إلى النوع، وبحسب الحضارة الإسلامية الأبدية، وبالنظر إلى المصالح الدنيوية العامة والاخروية. وثانيهما: أن " لا ضرار " نهي، ويستنبط منه ما ذكرناه بالنسبة إلى الإطلاقات والعمومات.


1 - بدائع الدرر: 86. 2 - تقدم في الصفحة 276 - 278. 3 - بدائع الدرر: 77. (*)

[ 291 ]

وإن أبيت عن ذلك ف‍ " لا ضرر " مجمل، و " لا ضرار " مبين، إلا أنه لا يمكن إلغاء الأحكام الضررية بذاتها بالضرورة، بخلاف كشف محدودية الإطلاقات والعمومات حتى بالنسبة إلى إطلاق تلك الأحكام، فليتأمل جيدا. بقي شئ: في سقوط " لا ضرر " عن الفائدة الخاصة به لو كان " لا ضرر " لدفع الدخل وجوابا عن الاعتراض بالنسبة إلى ضرب القوانين الضررية - وذلك لظهوره في النفي، ولا يكون هو إلا حقيقة، لما لا معنى لحمله على الادعاء والمجاز المشهور - يجوز دعوى: أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا ضرار " أيضا بالنسبة إلى الموارد الضررية حسب الإطلاقات والعمومات، كالوضوء الضرري، واللزوم الضرري، والعموم الضرري أيضا، جواب عن الإشكال المقدر المتوجه إلى وجود الأحكام الضررية. وفيه: أن الجملة الثانية ظاهرة، كما عرفت في النهي (1). نعم، يمكن دعوى شمول " لا ضرر " لدفع الدخل عن ضررية الأحكام الضررية الآتية من الإطلاق والعموم أيضا، فتصير النتيجة عكس المقصود، وعلى هذا لا استبعاد في ضرب القاعدة الناهية عن الضرار، مع ضرب القوانين الضررية بذاتها والمبنية على الضرر، كالزكاة والخمس والحج والجهاد والكفارات، وهكذا الأحكام الضررية بإطلاقها وعمومها، فلا يتم الوجه المذكور المبدع. اللهم إلا أن يقال: إن كل ذلك على فرض كون الجملة الاولى مبينة، ولكن بعد كونها مجملة لا يترتب عليه شئ. وفيه: أنه بعد وجود الأحكام الضررية الذاتية كما عرفت، لا موقف للاستنباط المذكور والاستبعاد المزبور.


1 - تقدم في الصفحة 269. (*)

[ 292 ]

فبالجملة: سقطت قاعدة " لا ضرر " وقانون " لا ضرار " عن كونها حاكمة، أو مشرعة ومحددة، أو موجبة بسط يد الفقيه في الأحكام الضررية الإلهية، بل القدر المتيقن من الجملة الثانية هو النهي، ومن الاولى دفع الدخل والوهم، سواء كان الخبر المحذوف عاما، أو خاصا بالأحكام الإسلامية المضروبة بين الخالق والمخلوقين، أو الأحكام الإسلامية المضروبة بين المخلوقين بعضهم مع بعض. وهم ودفع لأحد أن يقول: بأن هذه القاعدة لدفع الدخل بالنسبة إلى الأحكام الضررية الذاتية، ولتحديد الأحكام الضررية الآتية من الإطلاقات والعمومات، وذلك لأنها بالقياس إلى الاولى مما لابد منه، فرارا من اللغوية، دون الثانية، لإمكان التحكيم والتقييد والتحديد في النتيجة. وأنت خبير: بأنه مجرد الرجم بالغيب، ولا شاهد عليه إلا فهم الأصحاب، وهو غير حجة. مع ما عرفت من إجمال الجملة الاولى (1)، وعدم حسن النهي تشريعا عن الإضرار الشخصي، مع ضرب القوانين الضررية الكثيرة الشخصية، فلا تغفل. تنبيهان: التنبيه الأول: حول نفي الضرر عن الأنصاري بإدخاله على سمرة إن الكلام إلى هنا كان حول القاعدة مع قطع النظر عن قصة سمرة، وأما


1 - تقدم في الصفحة 269. (*)

[ 293 ]

بالنظر إليها فإليك معضلتين: الاولى: أن القاعدة لو كانت ناهية، فهي لا تقتضي ارتكابه (صلى الله عليه وآله وسلم) للإضرار بالغير، سواء كان نهيا إلهيا، أو نبويا سلطانيا، لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) على كل تقدير ليس فوق القانون المستدل به في ارتكاب القلع والقمع والضرار. ولا يستحسن الاستدلال المذكور جدا حتى لو قلنا: بأن الجملة الاولى نفيا، والثانية نهيا، لأنه على كل تقدير إضرار ومضارة وضرار بالنسبة إلى سمرة عرفا وعقلائيا. مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من المحتمل أن يتمكن من حل المشكلة بالرجوع إلى الأنصاري كي يبيع داره من سمرة أو لغيره، كي لا يلزم الحرج والضرر والمضيقة، ولا الإضرار والضرار رأسا. وتوهم: أن القاعدة استدلال لغير الأمر بالقلع والرمي والقلع والتصرف والضرار، بل حجة الأمر بالقلع أولويته على المؤمنين، وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بهم من أنفسهم (1). فاسد، للزوم ذكر القاعدة بلا جهة، أو تكون دليلا لوجوب استئذانه، وأنت خبير بأنه مجرد تخيل خارج عن المذكور في الموثقة، وكان ينبغي عدم تذيلها بها ولو كانت نافية في الجملتين أو الجملة الاولى، فلا يكفي مجرد المواجهة مع سمرة للقطع مع أنه من نفس " لا ضرر " يلزم الضرر العرفي، فلا يحسن الاستدلال في هذه الصورة، بخلاف الاستدلال بالكتاب، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين، وله الحكومة العامة على قلع مادة الفساد. وبالجملة: إذا كان جريان القاعدة موجبا للضرر، فمصداق منه حاكم على الآخر، فتدبر.


1 - لاحظ منية الطالب 2: 209 / السطر 7. (*)

[ 294 ]

الثانية: لا معنى لحكومة القاعدة الناهية على قاعدة السلطنة وهي وضعية بالضرورة، فإن البيع وقت النداء حرام وصحيح، فما قد يقال من حكومتها عليها بالخصوص (1) بعيد، لعدم الخصوصية. نعم، ربما يكون حديث الرفع الأعم، حاكما على مطلق الأحكام الوضعية والتكليفية، كما تحرر (2)، فعلى هذا مجرد إضرار سمرة، لا يوجب قصور سلطانه على الطريق والنخلة. نعم يستحق العقوبة على تخلفه. ولو قيل: إنها قاعدة عامة نافية بالنسبة إلى الأحكام الوضعية والتكليفية، وحاكمة ومقدمة عليها، ومشتملة على النهي كناية، لوجود الجامع كما اشير إليه. قلنا: مضافا إلى ما مر من الإجمال (3) هو غير تام، من جهة أن دعوى النفي المذكور مع وجود التشريعيات الكثيرة الضررية غير مجتمعة، لا من جهة لزوم التخصيص الكثير، كما في كلام الشيخ (رحمه الله) (4) فإنه غريب. وأغرب منه إرجاع تلك الكثرة إلى واحد (5) ! وأكثر استغرابا عدم إرجاعها إلى واحد في قاعدة القرعة ! ! بل من جهة أن النفي في محيط التشريع ادعائي متقوم بالمصحح، وهو غير موجود. ودعوى: أنها قاعدة نافية دافعة كالتخصيص حقيقة، كما في كلام العلامة


1 - منية الطالب 2: 209 / السطر 9، بدائع الدرر: 129. 2 - تقدم في الجزء السابع: 68 - 70. 3 - تقدم في الصفحة 256 وما بعدها. 4 - فرائد الاصول 2: 537. 5 - نفس المصدر. (*)

[ 295 ]

النائيني (1)، بلا بينة وبرهان. مع ما عرفت من الإشكال في أن الدفع وتحديد الأحكام، لا يصحح نفي الضرر، فلابد من كونها ناظرة إلى الرفع ولو من باب الاقتضاء والتقدير، كما في حديث الرفع، كي لا يلزم الدور في تصحيح الادعاء هنا، والرفع هناك. فعلى هذا يظهر: أن أقرب الوجوه أن تكون القاعدة جوابا عن الإشكال المتوهم، ودفعا للدخل المقدر: وهو أن لا ضرر في أمري بالقلع والقمع والرمي بها وجهه، ولا ضرر في هذا التشديد والتضييق، ولا ضرار لأحد على أحد، ولا حق مضارة وضرار في محيط التكليف والتشريع، وليست التكاليف والمشروعات من الضرر والضرار بالنسبة إلى حاضرة الإنسان وحقوق البشر. وبالجملة: لا شاهد على خلاف ذلك بعد عدم الاستدلال بها لنفي الحكم الضرري، أو لتحريم الضرر، أو لجبرانه. مع أنه ليس الضرر موضوعا لحكم بنفسه كي يرفع تعبدا فتتعين مقالتنا في الجملة الاولى، وأما الثانية فهي كناية عن النهي، لما عرفت وتحرر (2). التنبيه الثاني: في بيان النسبة بين " لا ضرر " وقاعدة السلطنة قد عرفت: أن أسوأ الوجوه احتمال كون القاعدة نافية بنفي الموضوع لنفي الحكم (3)، وقد اختاره " الكفاية " (4) مع أنه يرجع إلى نفي الأحكام الثابتة للضرر


1 - منية الطالب 2: 212 / السطر الأخير. 2 - تقدم في الصفحة 269 و 283. 3 - تقدم في الصفحة 289. 4 - كفاية الاصول: 432. (*)

[ 296 ]

بنفي الضرر، وليست في الشريعة أحكام لعنوانه. وتوهم قياس ذلك بحديث الرفع ورفع النسيان والخطأ والسهو (1)، في غير محله، ضرورة - أنه مضافا إلى أن في سائر فقراته، رفع أحكام سائر الموضوعات، ك‍ " رفع... ما اضطروا إليه " فيكون قرينة، وإلى ورود ذلك في بعض الأخبار الاخر بصورة " رفع... ما نسوا " (2) كما مر (3) - أن هذا الحديث للامتنان الشخصي، كما هو مذكور فيه، ويلزم من رفع أحكام النسيان معارضته مع تلك الأخبار، ويلزم أن تكون لغوا، فالمقصود هناك واضح معلوم، بخلاف ما نحن فيه، فإنه مضافا إلى عدم وجود الضرر موضوعا لحكم من الأحكام، لا يعهد نفي حكم معروض الضرر بنفي العارض وهو الضرر، وليس هذا من قبيل نفي الحكم بنفي موضوعه كما هو الواضح. مع أن نفي الضرر على الإطلاق، ادعاء يحتاج إلى المصحح، ولا مصحح لمثله، فإذا قيل: " يا أشباه الرجال، ولا رجال " (4) فمصححه عدم وجود آثار الرجولية لهم، وحيث إن في الشريعة أحكاما ضررية بنفس جعلها، أو بإطلاقها كثيرا، فيلزم أن يكون الكلام غلطا صادرا عمن هو " أفصح من نطق بالضاد ". إذا علمت ذلك، فيجوز أن تكون هذه الجهات سببا لذهابه إلى مقالته، فرارا من لغوية الذيل والقاعدة المستدل بها في الفقه. وبتلك المقالة يحصل - توهما - الفرق بينها وبين مقالة الشيخ (5) (رحمه الله) لجواز حكومتها على الاحتياط واللزوم في


1 - منية الطالب 2: 201 / السطر 17. 2 - وسائل الشيعة 16: 218، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 25، الحديث 10. 3 - تقدم في الجزء السابع: 42. 4 - نهج البلاغة: 70، الخطبة 27. 5 - فرائد الاصول 2: 535، رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 373 / السطر 7. (*)

[ 297 ]

العقد. مع أن للشيخ (رحمه الله) دعوى: أن حكومتها على الكشف صحيحة، دون الحكومة، وفي مثل العقد يرفع اللزوم على مقالة الشيخ، ونفس العقد على مقالته، ومن آثاره اللزوم، فيصير العقد هنا كالوضوء الضرري المندوب الآتي تفصيله إن شاء الله تعالى (1). كما يجوز أن تكون هذه الجهات سببا لمقالة بعض الفحول، أو لمقالتنا، أو يلزم الإجمال، وهو أمر كثير الدور في الروايات، فلا وجه لتعيين مقالته. نعم، هناك كلام على فرض كونه نفيا تشريعيا: وهو أن بمقتضى أن الجملة الاولى نفي، وبمقتضى هذه الامور، وشدة الارتباط بين قاعدة السلطنة (2) وهذه القاعدة في قصة سمرة، يمكن توهم: أنها ناظرة إلى خصوصها، ولا وجه للاستناد إليها في غير ذلك، ولازمه أن السلطنة الضررية مرفوعة ومحكومة بالعدم، ويكون المنظور نفي الحكم الوضعي السلطنتي. وهذا هو القدر المتيقن، لأن الخبر المحذوف على كل تقدير يشمل قاعدة السلطنة، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا ضرر " نفي، وخبره محذوف، والنظر في ذلك إلى دفع السلطنة، وهو المصحح للادعاء، أو هو داخل فيما هو المصحح له، بناء على عموم الخبر. فعلى كل تقدير تصير النتيجة: أن كل سلطنة تنتهي إلى الضرر غير ممضاة، وغير مرضية، ومرفوعة في الشريعة.


1 - يأتي في الصفحة 306 - 307. 2 - تقدم في الصفحة 286، الهامش 1. (*)

[ 298 ]

فروع: في أحكام تزاحم الضررين أو الضرر مع الحرج ربما يتعارض الضرر والحرج، أو الضرران. وعلى كل تقدير تارة: تقع المعارضة بين الضرر والحرج بالنسبة إلى الغير. واخرى: بالنسبة إلى نفسه. وأما تفصيل الصور، أو توضيح معنى " الضرر " أو تطبيقه على مورد وعدم انطباقه على آخر فهو بحث خارج عن موقفنا، فإن نظرنا هنا إلى وجه علاج القاعدتين بالنسبة إلى قاعدة السلطنة الثابتة بإطلاقها بالنسبة إلى كل من يكون ماله محترما. الفرع الأول: في التزاحم بين إضرار الغير وتحمل الحرج إذا كان تصرفه موجبا ومنتهيا إلى ضرر مسلم وجار، وتركه موجبا ومنتهيا إلى الضيق والمشقة ووقوعه في الحرج والشدة، كما في حفر البئر في داره مثلا، فمقتضى قاعدة السلطنة جواز ذلك، ومقتضى قاعدة " لا ضرر " ممنوعيته، لعدم السلطة المنتهية إلى ضرر الغير، وقضية قاعدة نفي الحرج جواز التصرف، لإمكان نفي إطلاق قاعدة " لا ضرر " بقاعدة " لا حرج ". والنسبة بين قاعدة السلطنة والقاعدتين وإن كانت عموما من وجه، إلا أنهما مقدمتان عليها حكومة، كحكومة حديث الرفع على الأدلة الأولية، وتفصيله في التعادل والترجيح، ويظهر أن الأدلة العلاجية (1) لا تشمل العامين من وجه مطلقا.


1 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9. (*)

[ 299 ]

كما أن تقديم " لا ضرر " على الأدلة الأولية بالشهرة الفتوائية، أو بلزوم لغوية " لا ضرر " في صورة تقديم سائر الأدلة عليه، أو بأن نسبة " لا ضرر " إلى مجموع الأدلة عموم وخصوص مطلقان، أو بأن الأدلة الأولية بالنسبة إلى قاعدتي " لاحرج " و " لا ضرر " من الأحكام الاقتضائية، أو بأن قاعدة " لا حرج " مشتملة على كلمة * (في الدين) * فلابد وأن تتقدم عليها، لكونها كالنص فيه، وقاعدة " لا ضرر " مخصوصة بتقدمها على قاعدة السلطنة، للتعليل بها عليها، فكلها - ولاسيما ما عدا الأخير - ساقط جدا، وضعيف بوضوح. بل الميزان كيفية دلالة الأدلة، فإن أدلة الخمس والزكاة والوضوء والصلاة والكفارة والحج، لها نظارة على خاصة تنتهي إلى إفادة الملازمة بين الوجوب وتلك المواد، أو الحرمة ومتعلقاتها، أو باعثة نحوها، أو جاعلة لتلك المواد خاصية الجزئية والسلطنة والشرطية ولزوم الوفاء وضعا، ودليل " لا ضرر " و " لا حرج " له نظارة إلى النسبة بين تلك المواد ولوازمها وأحكامها التكليفية والوضعية، فلا حاجة إلى الشهرة، أو ملاحظة النسبة، أو اللغوية، أو غير ذلك. ولعل مقصود " الكفاية " (1) ذلك أيضا. إذا تبينت حكومة قاعدة " لا حرج " و " لا ضرر " على قاعدة السلطنة، فتصل النوبة إلى نفس القاعدتين، فهل قاعدة " لا حرج " مقدمة على قاعدة " لا ضرر " في المسألة المذكورة، فتصير النتيجة بقاء السلطنة، نظرا إلى كونها من الكتاب، أو إلى تصريحه بكلمة * (في الدين) * الذي منه قاعدة " لا ضرر " وذلك لأن الكتاب مرجح في كثير من المسائل، أو مرجع، ولأن الصراحة مقدمة على الإطلاق، كما في تعارض العام والإطلاق ؟


1 - كفاية الاصول: 433. (*)

[ 300 ]

وبالجملة: في صورة حفر البئر إذا كان ضرريا تكون قاعدة " لا ضرر " منتهية إلى نفي السلطنة، وحيث إن نفي السلطنة الآتي من القاعدة حرجي ليس من الدين، يلزم جواز حفر البئر، وحيث إنهما قاعدتان تكون النسبة بينهما العموم من وجه، لأن " لا ضرر " المنتهي إلى الحرج ليس من الدين، و " لا حرج " الضرري مرفوع، أي أن * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (1) الضرري غير مجعول ومرفوع، فيلزم التزاحم بينهما، ولا يكفي الوجهان المذكوران لتقدم " لا حرج " على " لاضرر ". وأما توهم: أن " لا ضرر " لا يكون له الحكومة مع الأحكام العدمية (2)، نظرا إلى أن جعل عدم الضمان في مورد ليس حكما، فهو فاسد. مع أن " لا حرج " أيضا لا يكون له الحكومة على العدميات، فتصير النتيجة مقالة المشهور (3)، وهي جواز تصرفه وحفره. والذي هو التحقيق على الفرض حسبما مر: اختصاص حكومة الجملة الاولى بالنفي، واختصاصها بالحكومة على خصوص قاعدة السلطنة، وعلى هذا في خصوص تلك القصة ليس للمالك سلطنة على كل تقدير. وأما حسب القاعدة، فإن " لا ضرر " المنتهي إلى الحرج محكوم " لا حرج " لقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (4) وأما " لا حرج " فلا حاكم عليه، لما اشير إليه آنفا، وعندئذ يجوز حفر البئر المذكورة كما هو المشهور، بل عن


1 - الحج (22): 78. 2 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 373 / السطر 22، منية الطالب 2: 230 / السطر 1. 3 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 375 / السطر 4. 4 - الحج (22) 78. (*)

[ 301 ]

" المبسوط ": " أنه لا خلاف فيه " (1) هذا هو على المختار في قاعدة " لا ضرر ". وأما على القول بحكومتها على مطلق الأحكام الأولية، حسب تفاوت استلزامها الضرر، لأن الأحكام المبنية على الضرر ضررها المنفي غير الأحكام غير المبنية على الضرر، فلا مرجح بعد الوجهين المشار إليهما لأحدهما على الآخر، إلا الأخبار الخاصة الواردة في حفر القنوات وتحديد الحدود حسب اختلاف الأراضي صعوبة ورخاوة (2)، فإنه يمكن دعوى: أن منع المالك عن حفر القناة حرج، ومع ذلك اعتبر تقدم الضرر على الحرج. وتوهم: أنه من موارد دوران الأمر بين الضرر واللامنفعة التي ليست بحرج، في غير محله، لأنه ربما تكون اللامنفعة بحد تعد من الحرج، ومقتضى إطلاق تلك الأخبار والفتاوى تقدمه عليه أيضا. واختصاصه بالبر دون البلدة بعيد جدا، وإن صرح بذلك جمع من الأصحاب، والمسألة تطلب من كتاب إحياء الموات، وتحتاج إلى فحص خاص. بقي شئ: في عدم مرجعية قاعدة السلطنة في المقام لو وصلت النوبة إلى تزاحم القاعدتين، ولا معنى لتعارضهما كما لا يخفى، فالمرجع قاعدة السلطنة. اللهم إلا أن يقال: بعدم ثبوت إطلاق لها، لأنها قاعدة عقلائية والقدر المتيقن جواز التصرف في صورة عدم لزوم تضرر الجار. وتوهم الشهرة الخاصة والإجماع الكاشف عن الإطلاق، في غير محله.


1 - المبسوط 3: 272. 2 - وسائل الشيعة 25: 430، كتاب إحياء الموات، الباب 13 و 14. (*)

[ 302 ]

إفادة: في بيان حكم تزاحم " لا ضرر " مع نفي الحرج في صورة تزاحم " لا ضرر " و " لا حرج " في المسألة المذكورة، يجوز دعوى: أنه لا معنى لجريان قاعدة " لا حرج " إلا بعد جريان قاعدة " لا ضرر " الحاكمة على قاعدة السلطنة، ضرورة أن التصرف موضوع للحكم الإلهي وهو الجواز، وأما ترك التصرف فلا حكم له، وليس مفاد قاعدة السلطنة إلا جواز مطلق التصرف، ولازمه العقلي جواز الترك، كما في الأحكام التكليفية، فإن ترك الواجب ليس محرما شرعا، أو ترك المحرم ليس واجبا إلا بدرك العقل، كما أوضحناه في محله (1)، فترك التصرف ليس موضوعا للحكم، كي تكون القاعدة حاكمة عليه، فاغتنم. فعلى هذا، مقتضى قاعدة السلطنة جواز حفر البئر والبالوعة، ومقتضى حكومة قاعدة " لا ضرر " عليها رفع الجواز والإباحة، وعند ذلك يقع المالك في الحرج، فالقواعد الثلاث طوليات، وتقدم الثالثة على الثانية المتقدمة على الاولى. ولو قيل: يلزم التسلسل، لأن إطلاق قاعدة " لا حرج " ضرري في المسألة، فيكون محكوم قاعدة " لا ضرر ". قلنا: يمنع جريان قاعدة " لا ضرر " في هذه الصورة بعد كونها طوليات في الابتداء، فليتأمل جيدا.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 308. (*)

[ 303 ]

الفرع الثاني: في تزاحم الضررين لو تزاحم الضرران، بأن يكون التصرف منتهيا إلى ضرر الجار، وتركه منتهيا إلى ضرر المالك، وتحمل الماء الموجود في ساحة الدار منتهيا إلى ضرر الجار، فيلزم من تصرفه في داره - بحفر البالوعة والبئر - ضرر على الجار، وتصرفه في الماء - بإجرائه إلى البئر الموجودة - ضرر على نفسه، بعد كون إبقاء الماء في ساحة الدار أكثر ضررا عليه. وهذا التقريب هو القدر المتيقن من تزاحم الضررين، بناء على أن ترك التصرف ليس موضوعا لحكم شرعا، لما عرفت، فلا حكومة للقاعدة على السلطنة بالنسبة إلى جواز ترك التصرف، لأنه حكم ناشئ عرفا أو عقلا من تجويز التصرف. اللهم إلا أن يقال: إن الإباحة والجواز بالنسبة إلى الطرفين مجعول شرعا، كما ربما يقال في الإباحة والحلية الشرعية. ومن الغريب ملاحظة الشيخ الأعظم (رحمه الله) جميع العباد عبدا واحدا في هذه المسائل، أو قصة دخول رأس البقرة في وعاء، وغير ذلك من الأمثلة (1) ! ! وهكذا يتوجه إليه وإلى غيره موارد توارد الضررين والتزاحم في مثل التولي من قبل الجائر وتركه، فإنه لا حكم شرعي لعنوان الترك كما عرفت. فبالجملة: في المثال المذكور إذا كانت قاعدة السلطنة محكومة بقاعدة " لا ضرر " يلزم أن يتضرر المالك، ولازمه حدوث مصداق آخر لقاعدة " لا ضرر " الحاكمة على الاولى، نظير القضايا الحقيقية الانحلالية. ويمكن دعوى: أنه لا معنى له عرفا، وإن كان يمكن عقلا.


1 - رسالة في قاعدة نفي الضرر، ضمن المكاسب: 374 / السطر 31. (*)

[ 304 ]

ولكن الإضرار بالجار المحرم محكوم بقاعدة " لا ضرر " لأن حرمة الإضرار ضررية، وعند ذلك تقع المشكلة في أن قاعدة " لا ضرر " إن كانت حاكمة على قاعدة السلطنة، فلا حق له كي يتصرف ويلزم منه ضرر الجار. وإن كانت حاكمة على " لا ضرار " وحرمة الإضرار يجوز له التصرف، وحكومتها عليهما في عرض واحد، بخلاف حكومة قاعدة " لا ضرر " على قاعدة السلطنة في مصداق، وحكومة قاعدة " لا ضرر " على مصداق آخر لتلك القاعدة، فإنها طولية ولا يلزم إعضال، وأما حكومة قاعدة " لا ضرر " على الحكم الوضعي والتكليفي، أو الحكم الإباحي وهو جواز تصرف المالك، والحكم التحريمي وهي حرمة الإضرار، فعرضية لا مرجح لإحداهما على الاخرى. وتوهم: أن جواز التصرف ينتهي إلى التصرف المنتهي إلى الإضرار، فبينهما التقدم والتأخر، ولو كان في محله، إلا أن قاعدة " لا ضرر " بالنسبة إليهما على حد سواء، لأنه لا نظر لها بعد التطبيق، بل الكل في مرحلة الجعل والتشريع مورد الملاحظة والتحكيم والتقييد، كما هوالواضح الظاهر. وعلى هذا تصل النوبة إلى الاصول الاخر، وقد عرفت المناقشة في ثبوت السلطنة والجواز الإباحي على الإطلاق (1)، لأن قاعدة السلطنة غير مسندة، وبناء العقلاء له القدر المتيقن. نعم، في مورد وقوعه في الضرر لا يبعد بناؤهم، وهو مقتضى الاصول المحللة العامة وحديث الرفع. ولا يثبت الضمان بعد الشك في تحققه. اللهم إلا أن يقال: بثبوت الإطلاق في أدلته، فهو موسع في التصرف ضامن، كما في موارد الاضطرار إلى أكل مال الغير، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 297 و 300. (*)

[ 305 ]

وغير خفي: أن تمسكهم بحديث الامتنان (1) لمنع جريانها بالنسبة إلى غير مورد جريانها، في غير محله، مثلا يمكن أن يقال: إطلاق قاعدة الضمان في المسألة ضرري، فيرفع بها، ولا يصح أن يقال: هذا خلاف الامتنان بالنسبة إلى الجار. أو في مورد انكشاف بطلان العقد، وثبوت المقبوض بالعقد الفاسد، يمكن دعوى: أن كون خسارة إرجاع المقبوض من البلد المنتقل إليه إلى بلد المالك على عهدة القابض - حسب قاعدة " على اليد... " - ضرر منفي بها، وامتنان بالنسبة إليه، ولا يزاحم بكونه خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك، لعدم حكم للشرع بالنسبة إلى إرجاعه إلى نفسه، فلا تخلط. الفرع الثالث: في حكم تحمل الضرر في البيع والهبة ونحوهما قد عرفت في حديث الرفع: أنه للامتنان (2)، وأما هل هو امتنان شخصي، أو نوعي ؟ فقد مر أنه نوعي بالقياس إلى مجموع التسعة، وتفصيله في محله (3). وكان يستفاد كونه في محيط الامتنان، لصراحته في ذلك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " رفع عن امتي ". وأما " لا ضرر " فلا شاهد على كونه للامتنان إلا فهم العرف والاستحسان، نظير الامتنان في قصر الصلاة في السفر، مع أن مقتضى الامتنان هو الترخيص في القصر دون العزيمة، وصحة الصوم فيه، لا البطلان والعقوبة على الصوم فيه، وهذا برغم الاستحسان. مع أن قصة سمرة تشهد على الخلاف، ولا أقل من كونه امتنانا نوعيا وحكمة تشريعية، لا علة معممة أو مخصصة، فما قد يرى في كلام بعضهم في


1 - وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 2 - تقدم في الجزء السابع: 79 وما بعدها. 3 - تقدم في الجزء السابع: 80 و 81. (*)

[ 306 ]

المقام (1)، لا يخلو من غرابة. ثم إن فساد مقالة الشيخ (رحمه الله) (2) ورداءة كلام " الكفاية " (3) - وبالجملة مقالة المشهور - ينتهي إلى ممنوعية البيع الغبني المعلوم للبائع والمحاباتي، بل فساد الهبة والعطية والصدقة وجميع ما فيه نقصان المال، ولأجله ذهب بعض الفحول إلى أنه قاعدة جابرة (4)، مع أنه معلوم الفساد أيضا، كما تحرر (5). ولازم ذلك قصور قاعدة السلطنة بالنسبة إلى هذه التصرفات، ومحكوميتها، ونفي جواز تصرفه، ونتيجة ذلك بطلان التصرف المعاملي، كما لا يجوز له التبذير والإسراف بالنسبة إلى أمواله وحقوقه، وكل ذلك دليل على أن " لا ضرر " افيد لدفع توهم ضررية تلك الأوامر النبوية والإلهية، وتلك الأحكام الوضعية الكلية الذاتية، أو الاتفاقية الوجودية والعدمية، بناء على كونها قاعدة كلية مبينة غير مجملة. مع أن الإجمال والتبين على مبنانا لا يترتب عليه الأثر. ولعل عدم ذكر الخبر - مع عدم دلالة الحذف عند وجود القرينة على العموم - كان لأجل ما أسسناه، لاستفادة دفع التوهم على كل تقدير. الفرع الرابع: حول حكومة " لا ضرر " على الأحكام العدمية التضرر والتحرج من المسائل التكوينية، فلابد وأن يستندا إلى الامور الخارجية الطبيعية، فالضرر يستند إلى استعمال الماء والقيام في الصلاة والطواف


1 - منية الطالب 2: 222 / السطر 14 - 23. 2 - فرائد الاصول 2: 534. 3 - كفاية الاصول: 432. 4 - الوافية: 194. 5 - تقدم في الصفحة 276. (*)

[ 307 ]

مباشرة، والمشقة والحرج إلى الامور الوجودية العينية، كالذهاب إلى الحج على الحمار الأجدع، وإرسال الزكوات والأخماس مباشرة إلى الفقراء، وحملها على الأكتاف، وأمثال ذلك، كرد المغصوب والمطلوب مباشرة، فعند ذلك يشكل حكومة القاعدة على الأحكام العدمية، لأن العدم لا يعقل أن يستند إليه شئ خارجي، فنفي الضمان في بعض المواقف - مثل أن الأمين ليس بضامن، بناء على عدم كون طبع الحكم العدمي ضرريا، أو بالنسبة إلى الزائد على الطبع - ليس مورد حكومة القاعدة، من أجل ما ذكرنا. اللهم إلا أن يقال: باختلاف مبنى الشيخ و " الكفاية " في أمثال المقام، فإن الضرر يستند إلى الأمين بالحمل الشائع، لا الحكم، وهكذا في موارد مندوبية الوضوء والغسل، والقيام والمباشرة، والعقد والإطاعة، فإن الضرر والحرج يستندان إلى الامور الخارجية المعتبرة، موضوعات للأحكام الشرعية، لا بما هي كذلك، إلا أن المحكوم بالعدم والرفع ما يوجب الضرر والحرج تكوينا، ولا تصلح الأحكام - وهي اعتبارات - للإيقاع في الضرر والحرج، فلا فرق بين الواجب والمندوب، لأن الحكم التشريعي الحاكم على الأدلة الأولية، من الأحكام القانونية، فلا يلاحظ خصوصية المورد، وهو كون الوضوء واجبا أو مندوبا ولو كان الحكم امتنانيا. وتصير النتيجة تقييد الأدلة الأولية، وبطلان الموضوعات المذكورة. اللهم إلا أن يقال بالانصراف. وفي أمثال هذه الموارد يختلف مبنى الشيخ و " الكفاية " على فرض صحتهما، وقد عرفت - بحمد الله - فساد الكل، كما تبين أن الموارد التي ذكرها العلامة الخراساني (رحمه الله) من آثار اختلاف التقريبين (1)، غير تامة. ويظهر فساد ما ذكرناه: من إمكان حكومة قاعدة " لا حرج " على قاعدة


1 - كفاية الاصول: 358. (*)

[ 308 ]

" لا ضرر " وبالعكس، فإن التضرر والتحرج يستندان إلى الامور الخارجية، ولا موضوع للأحكام العدمية الخارجية، وليست الأحكام مطلقا صالحة لاستناد الامور الطبيعية إليها إلا تسامحا وتساهلا. مسألة: حول بطلان الوضوء الضرري ونحوه لو أوقع نفسه في الضرر باستعمال الماء، أو الحرج بحمل الزكاة على الأكتاف، فهل القاعدتان بعد ذلك تورثان بطلان الوضوء، والمناقشة في التقرب بمثل الإعطاء المذكور بعد التقييد، أم لا يقيد، لعدم تحقق الضرر والحرج ؟ وبعبارة اخرى: هل الضرر والحرج هما الفعليان، أم الأعم منها ومن القابلية الإعدادية، لا التقديرية والشأنية ؟ فربما يظهر من الشيخ الأعظم (رحمه الله) الوجه الأول (1)، لقوله باختلاف الأشخاص حسب الضرر، فربما يكون الدينار ضررا بالنسبة إلى شخص، وليس بضرر بالنسبة إلى آخر، فالوضوء والاستعمال الثاني ليس بضرر بالنسبة إليه وإن كان ضررا بالنسبة إليه في الزمان الأول، مع أنه لا امتنان في نفي الحكم بعد ذلك. تأييد: ما هو الموجب للضرر هو الاستعمال، وليس هو موضوع الحكم، وما هو موضوع الحكم هو الوضوء القربي والقيام في الصلاة قربة وهكذا، وليس هو بضرري بما هو وضوء، فتأمل.


1 - فرائد الاصول 2: 537 و 538. (*)

[ 309 ]

إفاضة: في بيان حال " لا ضرر " مع موارد تحمل الضرر الموجب للحرج والعجز إن قاعدة " لا ضرر " بالقياس إلى موارد الضرر الموجب تحمله للحرج والعجز العرفي، تعد من الأدلة الثانوية والقواعد الثلاث المتمسك بها لصحة المأمور به الفاقد للجزء، فلو كان القيام والمباشرة حرجيا مرفوعا مثلا، يجب الإتيان بالباقي، مع أنه خلاف الامتنان، وقد عرفت أنه حكمة التشريع. وغير خفي: أن بين قوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (1) وما هو الموجب للحرج مناقضة، فإن المرفوع هو الموجب للحرج، وقد عرفت أنه لا يعقل أن يكون من الامور الاعتبارية كالأحكام (2)، مع أن ما هو القابل لعدم الجعل التشريعي هو الحكم، فتأمل. وحيث إن قاعدة " لا ضرر " ساقطة عندنا أغمضنا عن فروعها. وقد فرغنا من تسويد هذه الصحائف صبيحة يوم الثلاثاء الرابع النجومي من صفر المظفر عام 1396 في النجف الأشرف. مصطفى بن روح الله الموسوي الخميني


1 - الحج (22): 78. 2 - تقدم في الصفحة 306 و 307. (*)

[ 311 ]

المقصد الحادي عشر في الاستصحاب

[ 313 ]

حول تعريف الاستصحاب قد تصدى بعض الأعلام (رحمهم الله) لتعريفه (1)، وتصدى الآخرون لامتناع تعريفه (2)، لاختلاف المباني في ذلك الموجب لاختلاف حقيقته وماهيته، ضرورة أن الشك - على فرض كونه مثل قاعدتي الحل والطهارة - يؤخذ موضوعا، وعلى فرض أماريته يؤخذ موردا، فلا جامع. وبالجملة هناك مسلكان. والمسلك الثالث الآتي هو الأحسن: وهو أن التحقيق أن الامور الاعتبارية والتعبدية، لا تحتاج إلى التعاريف الفلسفية بأخذ الأجناس والفصول في حدودها، ولا يعقل ذلك، وإنما المقصود من تعريف الاستصحاب هو أن يكون المراجع والتلامذة على عهد مما هو محط البحث والنظر في مقابل المعنى اللغوي، فذهاب جمع إلى تعريفه حسب مبانيهم، والإيراد على مقتضاه على تعريف الآخر من الأغلاط. ودعوى امتناع تعريفه الأعم برسم ما هو المنظور في هذا المقصد، غير صحيحة، لأن الشك على جميع التقادير مورد النظر، إلا أن الأنظار تختلف باختلاف


1 - فرائد الاصول 2: 541، كفاية الاصول: 435. 2 - نهاية النهاية 2: 163، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 4، مصباح الاصول 3: 5. (*)

[ 314 ]

الأصلية والأمارية، فالجامع موجود بالضرورة في موقف تعريف الاستصحاب على الوجه المشار إليه. والأحسن أن يقال: إنه التعبد ببقاء اليقين في ظرف الشك في بقاء المتيقن، ويتبين من ذلك ما هو المقصود في هذا المقصد من حجيته ولا حجيته. وكون إبقاء ما كان الأسد الأخصر (1)، في غير محله، للزوم الإشارة التفصيلية إلى اليقين والشك، وعدم إيقاع التلاميذ في الإجمال من جهات شتى، كما لا يخفى. مع أنه لا ينطبق على ما هو مرامنا في الاستصحاب الذي يستظهر من التعريف المذكور، وسيأتي تفصيله (2). بقي شئ: حول إطلاق " الحجة " على الاستصحاب يظهر من الشيخ (قدس سره) المناقشة في إطلاق " الحجة " على غير ما هو الحد الأوسط في الشكل الأول (3)، مع أن " الحجة " في العلوم الاعتبارية هي ما يحتج به، سواء كان منجزا للواقع تارة، ومعذرا اخرى، أو يكون منجزا للواقع من غير أن يكون معذرا، كالاحتمال في الشبهات المهتم بها، أو يكون معذرا للواقع من غير كونه منجزا، كقاعدتي الحل والطهارة، فما يظهر من السيد المحقق الوالد - مد ظله - (4) في غير محله. بل أساس الوسطية في الإثبات في الأحكام الشرعية التكليفية أو الوضعية


1 - فرائد الاصول 2: 541. 2 - يأتي في الصفحة 402 - 406. 3 - فرائد الاصول 1: 4. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 2. (*)

[ 315 ]

- تأسيسية، أو إمضائية - ممنوع كما حررناه (1)، وذلك لعدم جواز تسرية حكم الشرع المتعلق بعنوان إلى عنوان آخر، ولا يعقل ذلك. فما اشتهر من تشكيل الشكل الأول مثلا في مثل " أكرم العلماء " الوارد شرعا بنحو " زيد عالم، والعالم يجب إكرامه، فزيد يجب إكرامه " أو " إن زيدا ثقة، وخبر الثقة حجة، فخبر زيد حجة " وهكذا في غير محله، لأن ما هو الوارد هو الكبرى، وأما إثبات الأكبر للأصغر شرعا بنحو الشكل المذكور، فغير ممكن، للزوم تجاوز حكم الشرع من متعلقه إلى شئ آخر، وهو غلط، بل الكبرى الواردة هي نجاسة الماء المتغير، أو حجية الاستصحاب مثلا، وإذا كان الماء المتغير في الخارج يكون الحكم ملازما له، فالعالم الخارجي مورد الحكم، دون زيد بعنوانه. وسيظهر في محله ثمرات عملية مترتبة عليه زائدة على هذه الثمرة العلمية المشار إليها (2)، ولاسيما في مثل الاستصحاب الذي هو من البدائع الشرعية، وليس أمرا عقليا، ولا عرفيا عند المحققين، فلا تغفل. فإطلاق " الحجة " على الأقيسة، أو على نفس الحد الأوسط، من الادعاء والمجاز لغة، فإن " الحجة " اسم من الاحتجاج المتعارف بين الموالي والعبيد في موارد التخلف. ذنابة: في أن الاستصحاب من المسائل الاصولية أو الفقهية اختلفوا في أنه من المسائل الاصولية، أو القواعد الفقهية، فالذي يظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) هو اضطرابه (3).


1 - تقدم في الجزء الرابع: 131 - 132، وفي الجزء السادس: 7 - 9. 2 - يأتي في الصفحة 411 - 415. 3 - فرائد الاصول 2: 544. (*)

[ 316 ]

وفي " الكفاية ": إنه مسألة اصولية (1). وذهب بعضهم إلى أنه اصولية في الأحكام الكلية وما يختص بالمجتهد، دون الموضوعية (2). وعن الفاضل القمي (رحمه الله) تفصيل ثان، نظرا إلى أن المسألة تابعة لمدرك الاستصحاب، فاصولية على القول بحجيته من باب الظن - ولعله لا يفصل بين الظن الشخصي والنوعي - وفقهية على القول بحجيته من باب الأخبار (3). وفي جميع ما افيد أنظار، ضرورة أنه إن كان المناط ومدار الفقهية والاصولية على الاختصاص، فجمع من القواعد الفقهية أيضا تختص بالمجتهدين. وإن كان المدار على كون الاصولية واسطة لاستفادة الحكم الكلي، فقاعدة " ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " أيضا تقع كبرى لاستنباط الحكم الكلي. وإن كان ميزان اصولية المسألة استفادة الحكم المنتهي إلى العمل، كما في جريانه في الحجية، فكثيرا ما يقع الاستصحاب كبرى لاستنباط الحكم الفرعي بلا وسط. ومن الغريب أن صاحب " الكفاية " اعتبره اصولية، لجريانه أحيانا في الاصولية كالحجية (4) ! ! فلا تغفل. وبالجملة: جريانه في الشبهات الموضوعية أيضا منوط بملاحظة رأي المجتهد، لإمكان وجود الأصل الحاكم، ولاحتمال كونه مثبتا. نعم، اليقين والشك في الحكمية والموضوعية، يلاحظ بالنسبة إلى


1 - كفاية الاصول: 436. 2 - بحر الفوائد 3: 8، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 307 - 308، منتهى الاصول 2: 376. 3 - لاحظ قوانين الاصول 2: 53 / السطر 15. 4 - كفاية الاصول: 436. (*)

[ 317 ]

المجتهد والمقلد. ولو كانت حجيته من باب الظن، فلابد وأن يرجع إلى المبادئ المنتهية إلى وجود الظن، فيخرج عن الفقهية والاصولية. واحتمال كونه راجعا إلى حجية الظن الخاص الشخصي (1) بعيد. ولو رجع إلى الظن الخاص النوعي، فتكون أيضا أدلة الاستصحاب موجبة لإدخاله في أسبابه، فيخرج عنهما رأسا. ثم اعلم: أن القواعد الفقهية بيد المجتهدين، لاحتياجها إلى ملاحظة الدليل الحاكم، والأدلة الثانوية الحاكمة، أو المعارضة، كنفي الحرج والضرر وغير ذلك، فلا قاعدة في الفقه ولا في الاصول تختص بالمقلد. نعم، انطباقها على المقلد يحتاج إلى إتلاف المقلد، أو بيعه وخياره، وغير ذلك، فلا تخلط. وأحسن ما قيل مقالة السيد المحقق الوالد - مد ظله -، وإجماله: أن المسألة الفقهية تعد من الأدلة الأربعة، والمسألة الاصولية ليست منها، وإنما يستدل لها بتلك الأدلة. مثلا: قاعدة " على اليد... " أو قاعدة اليد، أو قاعدتا الطهارة والحل من السنة، وأما حجية خبر الثقة والاستصحاب، فهما خارجتان من تلك الأدلة، وإنما يستدل بمفهوم الكتاب ومنطوقه على الاولى، وبالسنة على الثانية، ولذلك إذا شرب العصير العنبي القائم على حرمته خبر الثقة، لا يحتج المولى بظاهر الكتاب على العبد، بل يستدل عليه بخبر الثقة، وهكذا الاستصحاب. وأضاف - مد ظله - إليه: أن الأدلة الأربعة هي التي تقام على الحكم الفرعي،


1 - لاحظ الحبل المتين: 37. (*)

[ 318 ]

لا الأعم منه ومن الحكم الأصلي وهي المسألة الاصولية (1)، انتهى ملخصه. وفيه: أن دليلية " لا تنقض... " للاستصحاب كدليلية " على اليد... " لضمان اليد. وبالجملة: فرق بين المسائل العقلائية الممضاة، والمسائل الابتكارية الشرعية، والاستصحاب - على ما هو الحق - ليس إلا حرمة نقض اليقين بالشك على نعت الإجمال، وليست السنة دليلا عليه، ولذلك يحتج المولى على العبد في مورد التخلف بقوله الواصل إليه: " لا تنقض اليقين بالشك " بخلاف مثل ظاهر الكتاب القائم على إمضاء خبر الثقة. هذا مع أن " الحجة والحجية " كما تطلق وتضاف إلى المسائل الاصولية، تطلق وتضاف إلى القواعد الفقهية. ولولا ما أوردنا سالفا وآنفا على مسألة الوسطية في الإثبات (2)، لكان الفرق بين المسائل الاصولية والقواعد الفقهية بما هو المعروف متعينا، فإن القواعد الفقهية حجة كالمسائل الاصولية، إلا أن الاولى كبرى للصغرى المنطبقة عليها، لكون الصغرى مصداقا لها، والثانية ليست حجيتها من باب الانطباق الراجع إلى المعذرية أو المنجزية على الوجه الذي عرفت، بل حجيتها من باب الوسطية والحد الأوسط من غير كونها مما تنطبق على الصغرى. فكل قاعدة يتشكل منها الشكل الأول فهي الفقهية، بخلاف الاصولية، فإنه في مثل قاعدة ضمان اليد يصح أن يقال: " يد زيد أخذت عباء عمرو، وكل يد أخذت شيئا فهي ضامنة، فيد زيد ضامنة، فيجب الجبران عليه " وهكذا في سائر


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 6. 2 - تقدم في الصفحة 315. (*)

[ 319 ]

الكبريات الفقهية، بخلاف المسائل الاصولية، فإنه لا يصح التشكيل المذكور بأن يقال: " وجوب صلاة الزلزلة مما أخبر به الثقة، وكل ما أخبر به الثقة حجة، فالوجوب المذكور حجة " إلا إذا تشبث بالشكل الأول الآخر المنتهي إليه. أو يقال: إن المراد من " الحجة " هو وجوب الاتباع، ولكنه غلط، لأن الحجة ربما تكون منجزة، وربما تكون معذرة، فليتأمل جيدا. ولعمري إن إطالة البحث حول المسألة لا ترجع إلى محصل. وقد عرفت منا في السالف: أن علم الاصول ليس علما كسائر العلوم، بل الفقيه لما رأى أنه يحتاج إلى تنقيح عدة مسائل مبتلى بها في الفقه من أوله إلى آخره، بنى على تدوين تلك المسائل وتنقيحها، كي يستند إليها عند الحاجة من غير أن يلزم التكرار في الفقه مرارا (1)، كحجية الظواهر، وظهور الأوامر في الوجوب، والنواهي في الحرمة، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأحكام العلم الإجمالي، والقطع، وخبر الثقة، والبراءة، والاشتغال، والاستصحاب، والتعادل والترجيح. وأنت ترى ابتلاءه بها من أول كتاب التقليد إلى آخر الحدود والديات والقصاص، ولذلك ذكرنا: أن ما يذكرونه قبل الأوامر أيضا من تلك المسائل، لسعة الابتلاء بها، ولا يختص حتى مثل الصحيح والأعم بلفظ " الصلاة " بل الجهة المبحوث عنها أعم. بخلاف القواعد الفقهية، فإنها تختص بكتاب أو كتابين، أو بمسائل من كتاب واحد، من غير الحاجة إلى درجها في الموازين العلمية، بأن يتوهم: أن علم الاصول علم، وموضوعه الأدلة الأربعة (2)، غفلة عن أن العلم الواحد لا يكون موضوعه


1 - تقدم في الجزء الأول: 38. 2 - قوانين الاصول 1: 9 / السطر 22. (*)

[ 320 ]

أربعة أشياء، ولذلك ذكرنا: أنه يرجع إلى الدليل وهو واحد، والمراد منه هي الحجة في الفقه، على تفصيل ذكرناه في محله، فليراجع (1). تنبيه: في أن بحث استصحاب الأحكام العقلية ونحوه هنا في غير محله قد تعرض الشيخ الأعظم لمناسبة، جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية (2)، وتعرض القوم لبعض مسائل تعد من تنبيهات المسألة (3)، ضرورة أن البحث هنا أولا حول حجية الاستصحاب في الجملة، ثم في حجيته العامة بالنظر إلى المسائل الفقهية كافة، بأن لا يختص بمسألة دون مسألة، أو كتاب دون كتاب، كمسائل الوضوء والصلاة، ونتعرض في التنبيهات لبعض جهات راجعة إلى شرائط جريانه، ونسبته إلى الأدلة حكومة ومحكوما، وأمثال ذلك، فما صنعه الشيخ وتبعه الآخرون في غير محله، كما هو الواضح.


1 - تقدم في الجزء الأول: 31 - 40. 2 - فرائد الاصول 2: 554. 3 - كفاية الاصول: 436 - 438، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 8 - 33، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 12 - 13. (*)

[ 321 ]

الامور المستدل بها على الاستصحاب إذا عرفت ذلك، فالبحث يقع أولا: في حجيته في الجملة. وثانيا: في عموم أدلة حجيته. فإليك ما يستدل به، وهي امور: الأمر الأول: العقل، أو بناء العقلاء وارتكازهم، أو الإجماع ولا سبيل إلى كل واحد من الثلاثة، ضرورة أنه لا سبيل للعقل إلى درك حجية القطع عندنا، فضلا عن الاستصحاب، لأن المسائل التي يدركها العقل أجنبية عن المسائل العرفية والعقلائية والاعتبارية. وما في كلام العلامة النائيني: من بناء العقلاء على حجيته بعد إحراز المقتضي (1)، في غير محله، لأنه بعد استقرار الشك إما لابناء لديهم عليها، أو يشك في ذلك، أو في إمضاء الشرع وارتضائه، لعدم الابتلاء به على وجه يكون بمرأى ومنظر من الشرع. وتوهم عدم الحاجة إلى القيد الأخير كما قيل (2)، غير سديد جدا. بل مقتضى ما تحرر منا: من أن الآيات الناهية عن اتباع غير العلم، ليست مخصوصة بالمسائل الاعتقادية (3)، هو المنع عن اتباع الشك المسبوق باليقين، كما هو كذلك عن الشك والظن المطلق، ولعل الظن أقوى عند العقلاء من الشك المستقر


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 333. 2 - أنوار الهداية 1: 202، الرسائل، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 129. 3 - تقدم في الجزء السادس: 417 - 419. (*)

[ 322 ]

المسبوق باليقين ولو احرز اقتضاء بقاء المتيقن. وبعد تلك الأقوال، وعدم إمكان الاتكال على نقل الاشتهار المنسوب إلى السيد (رحمه الله) (1) مع وجود الأخبار في المسألة بين أيديهم، لا سبيل إلى الإجماع التعبدي بالضرورة، والمهم في المسألة هي الأخبار المتمسك بها، كما يأتي إن شاء الله تعالى. فالخلط بين الخطور بالبال، والشك المستقر المستند - كما في كلام العلامة المذكور - غير جائز. فمنه يعلم وجه تمسك " الكفاية " بالآيات الناهية من غير جريان الدور المتوهم في مثل التمسك بها في سائر الطرق العقلائية (2). الأمر الثاني: مقدمات الانسداد مقتضى حكم العقل بل دركه لمقدمات الانسداد حجيته، ضرورة أن تلك الشكوك راجحة على الشك البدوي، بل على الظنون البدوية، لما قيل: " من أن الاستصحاب هو دوام ما ثبت " (3). وفيه: مضافا إلى عدم وصول النوبة إلى تلك الشكوك، عدم تمامية مقدمات الانسداد الكبير، والتفصيل في محله (4). فحصر العقل في دركه لزوم اتباع الشك المسبوق باليقين غير ممكن، مع أن لازمه حجيته على وجه في خصوص الأحكام الكلية الواردة في محط العلم الإجمالي الأكبر الذي هو من مقدمات الانسداد.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 334. 2 - كفاية الاصول: 439، لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 333. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 306. 4 - تقدم في الجزء السادس: 546 - 547. (*)

[ 323 ]

الأمر الثالث: الأخبار الخاصة والروايات التي كانت بين يدي أصحابنا، وإنما ذكرها والد شيخنا البهائي (رحمه الله) (1) وإلا فالأظهر ذهاب أصحابنا الأقدمين إلى حجيته، لأجل تلك الأخبار في قبال العامة المستدلين بالاستحسان (2)، وهي طائفة: فمنها: المضمرة الاولى لزرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال: " يا زرارة، قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء ". قلت: فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به. قال: " لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر " (3). والبحث حولها يقع في ثلاث جهات: الاولى: في حجيتها لأجل الإضمار. والثانية: في دلالتها على حجية الاستصحاب في الجملة. والثالثة: في دلالتها على حجيته على الإطلاق.


1 - لاحظ فرائد الاصول 2: 543. 2 - شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب: 453. 3 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. (*)

[ 324 ]

وقد خلط أصحابنا بين الاحتمالات الراجعة إلى الجهة الثانية والثالثة، وهذا خلط جدا. الجهة الاولى: في حجيتها لأجل الإضمار وحيث إنه خارج عن أدلة حجية الخبر الواحد، الدالة على اعتباره سواء حصل الظن بصدوره أم لا، بل ولو كان الظن الشخصي على خلافه. ومجرد كون المضمر زرارة لا يكفي لاندراجه في تلك المسألة. ولو كان حجة لأجل حصول القطع أو الوثوق الشخصي، يمكن المناقشة في اعتباره، لعدم معهودية إضمار مثل زرارة، بخلاف سماعة، ولأن حصول القطع محل منع ولو كانت حجية القطع على الإطلاق قطعية. وأما حصول الوثوق والاطمئنان الشخصي، فلا دليل عليه، والظن الشخصي مورد المنع بالآيات الناهية عن اتباع الظن، بل وغير العلم الشامل للوثوق والاطمئنان. اللهم إلا أن يقال: بأن المراد من قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (1) هو العلم العادي، أو قيام بناء العقلاء على اعتباره، الموجب لتقييد تلك الآيات على وجه تحرر في خروج الخبر الواحد القائم على اعتباره بناء العرف وعادة العقلاء، من غير لزوم مشكلة الدور حسبما مر في محله (2)، فليتأمل جيدا. هذا مع أن سند الشيخ (رحمه الله) في " التهذيب " (3) و " الاستبصار " (4) إلى الحسين بن


1 - الإسراء (17): 36. 2 - تقدم في الجزء السادس: 425 - 426. 3 - تهذيب الأحكام، مشيخة 10: 63. 4 - الاستبصار 4: 312. (*)

[ 325 ]

سعيد الأهوازي، محل مناقشة، لما في أحدهما أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي لم يوثق في الاصول الخمسة وقليل الرواية، إلا أنه يظهر من الأساتذة اعتباره (1)، وفي الآخر الحسين بن الحسن بن أبان وابن أبي جيد القمي. وعندي بعد ذلك في الرواية تأمل. مع عدم وجودها في " الكافي " وتوهم عدم رواية مثله عن غير المعصوم (2) أو متانة المتن، فاسد ورجم بالغيب للخبير، مع ما يجئ من بعض المناقشات (3). وما عن " فوائد " العلامة الطباطبائي بحر العلوم (رحمه الله): من " أنه عن الباقر (عليه السلام) " (4) لعله من باب الاستنباط والاستحسان، ومقايسته على غيره، فلا يعتنى به. الجهة الثانية: في دلالتها على حجية الاستصحاب في الجملة أي اعتبارها ولو في خصوص الوضوء والشك في الرافع. فاعلم: أن ما ترى من الاحتمالات الغريبة خارجة عن هذه الجهة. مع أن احتمال كون الشبهة مصداقية كما في كلام العلامة الأراكي (5)، وبعض الاحتمالات الموجودة في كلام والدي المحقق (6)، بعيد عندهم وعندنا. نعم، يحتمل كون الشبهة مفهومية (7)، ويؤيدها الجواب.


1 - لاحظ قاموس الرجال 1: 584. 2 - كفاية الاصول: 441، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 334. 3 - تقدم في الصفحة 329 - 338. 4 - لاحظ نهاية الدراية 5: 36. 5 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 38. 6 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 23 - 29. 7 - نهاية الدراية 5: 38، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 38. (*)

[ 326 ]

ويحتمل كون الشبهة حكمية بدوا (1)، وإنما الجواب لإفادة ما هو الناقض من النوم شرعا. ويحتمل كون الشبهة والسؤال عن ناقضية الخفقة شرعا وإن عدت نوما عرفا، كما يؤيده الجواب حيث قال (عليه السلام): " قد تنام العين " فإسناد النوم إليها يؤيد الاحتمال الثالث جدا. وعلى كل تقدير: ليس مجرد نوم العين أو الاذن مثلا أو القلب - مستقلا - موجب الوضوء، بل ما هو الناقض أو ما يوجب الوضوء هو نوم الكل، والسؤال والجواب الأول غير دخيل في هذه المسألة. وربما يؤيد الاحتمال الثالث قوله: " الرجل ينام، أتوجب الخفقة... ؟ " إلى آخره، فالسائل كأنه يعتقد أنها من النوم، فلا تكون الشبهة مفهومية. ولو كان في أخبار ناقضية النوم إطلاق، فلا معنى للشبهة الحكمية لمثل زرارة. نعم، له احتمال كون الموجب والناقض نوما خاصا مستوليا، فعند ذلك يجوز السؤال وإن لم يجب. ويبقى سؤال حول نوم القلب مع أنه غير معقول إلا إذا اريد به محط الدرك والنفس ومرتبة منها، وهو خلاف اللغة بدوا وإن كانت الآيات دالة على أن القلوب تفقه، فلا وهن في الرواية من هذه الجهة. نعم، إيجاب الوضوء على خلاف الموازين إلا إيجابا شرطيا غيريا، وهو خلاف ظاهرها كما لا يخفى. اللهم إلا أن يحمل على الإيجاب العقلي فليتدبر، والتفصيل من هذه الجهة في محله، ولا ثمرة فيما هو مهمنا في المسألة. ويحتمل أن يعتبر السائل الخفقة والخفقات، أمارة وعلامة على الناقض الموجب، كما قال: " فإن حرك إلى جنبه شئ " فإنه يستظهر منه أنه انتقل من تلك


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 519، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 23. (*)

[ 327 ]

العلامة إلى علامة اخرى أعم، فإن الخفقة مما يراها البصر، وأما إذا حرك إلى جنبه شئ فهو يشهد على النوم الناقض بالنسبة إلى البصر والاذن، بل والقلب، ومع ذلك لم يصدقه المسؤول، لأعمية العلامة المذكورة كما لا يخفى، فقال (عليه السلام): " لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا " أي وإن لم يستيقن حتى يجئ شئ بين " فإنه على يقين من وضوئه ". فإن كانت الجملة إنشائية فهي جواب، وتكون صغرى لقوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك ". وإن كانت جملة إخبارية بالنسبة إلى ظرف اليقين، فمعناها أنه كان على يقين من وضوئه، لاحتياج الجار والمجرور إلى المتعلق. كما أنه على فرض كونها إنشائية تتعلق بكلمة " كائن " على يقين من وضوئه وإنما الاختلاف في فرض الإخبارية والإنشائية يظهر في قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك " فإنه على الإخبارية لا يكون صغرى له، وعلى الإنشائية يكون حاكما عليه، أو صغرى له تعبدية. وهناك احتمال تعلق الجار والمجرور بالفعل المحذوف، أي " فإنه إن لم يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين، فهو على يقين من وضوئه " ولكنه خلاف موازين الأدب، للزوم زيادة كلمة " فهو ". فالتقريب المذكور يتم سواء كان " فإنه على يقين من وضوئه " جملة إخبارية، أو إنشائية. ومما ذكرنا يظهر ضعف توهم توقف الاستدلال على كون الجملة الاولى إنشائية (1). ويظهر: أن عقيب كلمة " وإلا " تكون جملة " وإن لم يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين " لا قولهم: " وإن لم يستيقن أنه قد نام ولم يجئ... " إلى


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 26 - 27. (*)

[ 328 ]

آخره، فإن إضافة كلمة " الواو " غير جائزة بعد خلو المنطوق منها. ثم إنه أيضا يتم التقريب سواء كان جملة " فإنه... " تعليل للقضية التامة المحذوفة، أو كانت جوابا للقضية الناقصة، أي سواء كانت هكذا: " وإن لم يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين، فإنه على يقين من وضوئه " فيكون المحذوف جملة ناقصة، أو كان المحذوف هكذا: " وإن لم يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين، فلا يجب الوضوء، فإنه على يقين من وضوئه " فإن احتمال كون العلة إخبارية أو إنشائية جائز، إلا أن الإخبار أقرب. كما أن كون " فإنه على يقين " جوابا أقرب، فإن " اللام " أظهر في التعليل. فعلى كل تقدير: ما هو أساس الدليل هو قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك أبدا " ومن الغريب توهم كونها جملة توطئة (1) ! ! غافلا عن كلمة " الواو " الموجودة في الكلام، وهو " ولا ينقض اليقين بالشك ". ثم إن جميع الآيات المستدل بها لقيام العلة مقام الجزاء، أجنبية عن الرواية، لأنه في تلك الآيات التي ذكرها الشيخ (رحمه الله) (2) يكون التعليل قائما مقام الجملة الناقصة، ولا سبيل إلى كون " الفاء " جزاء، بخلاف المضمرة فإن المحذوف جملة تامة، أي المحذوف هو الشرط المستتبع للجزاء القابل لكونه نفس الجملة المذكورة فليراجع، فالقياس مع الفارق. وما في كلام الوالد المحقق - مد ظله -: من " أنه ينحصر أن تكون الجملة إنشائية إذا كان خبرا بنفسه " (3) غير تام كما عرفت، فإن كلمة " على يقين " تحتاج إلى المتعلق المحذوف، فلو كان هو لفظة " كان " يكون الجزاء خبرا، أي " فإنه كان


1 - فرائد الاصول 2: 564. 2 - فرائد الاصول 2: 563. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 26 - 27. (*)

[ 329 ]

على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين بالشك أبدا " وحيث اخذ اليقين والشك بعده، واليقين بعد الشك، يتعين الخبر في الاستصحاب على جميع التقادير. تذنيب: في بيان إيرادين على المضمرة مع دفعهما يتوجه إليها أولا: أن الوضوء هو الغسلتان والمسحتان (1)، فلا بقاء كي يشك فيه، حسبما تحرر في بحوث اجتهادية. وفيه: أنه ولو كان المراد في تلك المباحث نفس الأفعال، إلا أن صريح هذه الرواية فرض الشك، وتطبيق قاعدة الاستصحاب، وتصوير الفروض الثلاثة فيه: وهو اليقين به، والشك فيه، واليقين بخلافه، وربما تكون هذه الرواية شاهدة على خلاف تلك الأخبار، وأن الأثر والطهور هو المأمور به مثلا. وثانيا: قضية الصناعة إجراء استصحاب عدم تحقق النوم والزائل الرافع، لا الوضوء، ضرورة أن الشك في بقائه مسبب عن الشك في تحقق النوم والناقض الشرعي. وفيه: أن هذه الرواية من هذه الجهة تشبه ما ورد في أخبار البراءة والحل، وهو خبر مسعدة بن صدقة (2)، وقد تحرر أن المفتي لا ينظر إلى الصناعة، ولاسيما في مثل اتفاق السببي والمسببي في الأثر. وأما توهم: أن جريان الأصل السببي مثبت (3)، فهو خلاف التحقيق عندنا. كما أن توهم: أن ما نحن فيه من الشبهة المفهومية، أغلط، ضرورة أن مفهوم


1 - وسائل الشيعة 1: 420، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 25، الحديث 9. 2 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 24 - 25، و 251. (*)

[ 330 ]

الناقض مبرهن عليه في نفس الرواية، فما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) وغيره (2) غير سديد جدا. تذنيب آخر: في القرائن الدالة على أمارية الاستصحاب وأن اليقين جزء الموضوع لا شبهة في إمكان كون اليقين بالنوم تمام الموضوع للناقضية، كما يمكن أن يكون جزء للموضوع، ولا يتوجه إليه حديث الدور، مع أنه حديث لا أصل له. هذا بحسب مقام الثبوت. وأما بحسب مقام الإثبات، فالظاهر أن اليقين والاستيقان لو اخذا في الدليل يعتبران طريقا، وإنما النوم تمام الموضوع، إلا إذا قامت القرينة عليه. واستظهار " الحدائق " من قاعدة الحل والطهارة: أن الغاية ظاهرة في جزئية الموضوع (3)، في غير محله. وغير خفي: أنه لو قلنا بجزئية اليقين، أو بتماميته لوجوب الوضوء، تسقط الرواية عن الدلالة على الأصل العملي والاستصحاب المقصود، وتندرج في الأخبار الاجتهادية، فربما يعارضها ويقدم عليها، أو يسقط للمعارضة. فالكلام حول تلك القرائن: الاولى: أن قوله (عليه السلام): " لا، حتى يستيقن أنه قد نام " وإن لم يدل على الجزئية، إلا أن تكرار قوله (عليه السلام): " حتى يجئ من ذلك أمر بين " يشهد على أن المنظور هو الاستيقان بالنوم كي لا يلزم التكرار.


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 38. 2 - نهاية الدراية 5: 38. 3 - الحدائق الناضرة 1: 140 - 142. (*)

[ 331 ]

ويؤيده كلمة " ذلك " وهي للبعيد، أي الاستيقان بالنوم، لا نفس النوم، وإلا كان ينبغي أن يقال: " حتى يجئ منه أمر بين " مشعرا بقوله: " فإن حرك إلى جنبه شئ " قال: " لا " ورجوع الضمير إلى النوم الموجود في " نام " جائز، كما قال تعالى: * (اعدلوا هو أقرب للتقوى) * (1). الثانية: أن قوله (عليه السلام): " فإنه على يقين من وضوئه " ظاهر في الإخبار عن حاله، لا الإخبار عما كان عليه، أي " أنه كائن على يقين من وضوئه " وهذا لا معنى له إلا في صورة كون اليقين جزء للموضوع، فإنه مع الشك في النوم يعلم أنه في الحال على وضوء، لأن النوم المعلوم ناقض، ويوجب الوضوء، وإلا فهو على يقين قطعا من الوضوء. الثالثة: بناء على كون الوضوء نفس الأفعال والأعمال، لا معنى للشك في البقاء مع فرض الشك في نفس الرواية، فيعلم منه أن اليقين جزء الموضوع، والشك المفروض ليس من الشك في البقاء، بل هو من الشك في موجب الوضوء. الرابعة: فعند ذلك يظهر وجه تطبيق " لا ينقض اليقين أبدا بالشك " على الوضوء، دون عدم النوم، لأجنبيته عن الاستصحاب السببي أو المسببي. الخامسة: وربما يشعر بما ذكرنا عدم استدلال الأقدمين بمثله للاستصحاب، مع أنه أصل تعبدي ولو كان موافقا للارتكاز والاستحسان العرفي، إلا أنه بالضرورة ليس مما يحتج به العقلاء في محاوراتهم، كخبر الثقة، والظواهر، واليد، وغير ذلك. السادسة: أن كلمة " اليقين " كما في الركعتين الاوليين، غير كلمة " العلم والمعرفة " ولأجله استشكل في قيام سائر الطرق مقامه (2). ولو قيل: ظاهر السؤال والجواب هو أن النوم الغالب ناقض، ولا دخالة للعلم.


1 - المائدة (5): 8. 2 - لاحظ فرائد الاصول 1: 6. (*)

[ 332 ]

قلنا: ظاهر الصدر أن الوضوء واجب نفسي، ولا يقول به أحد، كما أن ظاهره الثاني هو الوجوب الغيري، وهو أيضا لا يقول به جمع. وحمله على الوجوب الشرطي في مثل هذا التركيب غير معهود، فإن الواجبات الشرطية تلقى ضميمة للواجب النفسي، كقوله (عليه السلام): " لا صلاة إلا بطهور " (1) أو " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " (2) أو " لا صلاة إلا إلى القبلة " (3) وغير ذلك (4). إن قلت: الظاهر من قوله " ولا ينقض اليقين أبدا بالشك " أنه كما لابد من متيقن وهو الوضوء مثلا، لابد من مشكوك وهو الوضوء، حسب الظاهر، فحمله على خلافه غير ظاهر. قلت أولا: بعد كون الكلام في الصدر حول النوم وناقضيته وموجبيته، يجوز أن يكون المشكوك هو النوم، أي " لا تنقض اليقين بالوضوء أبدا بالشك في النوم ". وثانيا: إن ظاهر قوله " ولكن ينقضه بيقين آخر " - بل هو المتعين - أن اليقين الآخر متعلق بالنوم مثلا، لا الوضوء بالضرورة، فهو قرينة على أن المشكوك فيه هو النوم مثلا، فالرواية أجنبية عن الاصول العملية، وتندرج في مسألة اخرى كما مر. السابعة: أن قوله (عليه السلام): " وإلا " على جميع التقادير، وقوله: " حتى يجئ من ذلك أمر بين " ظاهران في أن الأمر البين له الدخالة في إيجاب الوضوء، ولو كان معنى قوله: " وإلا " أي " وإن لم يجئ من ذلك أمر بين فيجب الوضوء، فإنه على يقين... " إلى آخره.


1 - وسائل الشيعة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1، و 368 الباب 2، الحديث 3. 2 - وسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الحديث 7، مع اختلاف يسير. 3 - وسائل الشيعة 4: 312، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 9، الحديث 2. 4 - كقوله (عليه السلام): " لا يصلي في جلود الميتة ". وسائل الشيعة 4: 355، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 6، الحديث 4. (*)

[ 333 ]

الثامنة: أنه قد اشتهر بينهم: " أن اليقين والقطع لا تناله يد الجعل والتشريع ذاتا " (1) وإن أبطلناه حسب الصناعة (2)، ولكن حجيته ذاتية عوامية عرفية، ولا تناله يد التشريع عقلائيا حسب المتعارف، فعلى هذا فكيف يقول (عليه السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر " مع أنه ظاهر في الجعل والتشريع ؟ ! وهذا لا يتم إلا على أن اريد من " اليقين " معنى موضوعيا، أي " لا ينقضه بيقين بنوم آخر " كي يكون اليقين قابلا لاعتباره في الجزئية مثلا لناقضية الوضوء، فإنه عندئذ تناله يد الاعتبار والتشريع باتخاذه في موضوع الناقض. وبالجملة: من قوله (عليه السلام): " بيقين آخر " ينكشف أن اليقين الأول جزء الموضوع، وبيقين آخر يحصل اليقين بعدم الوضوء. التاسعة: التكرار والتأكيد المتأكد الذي في الخبر، يشهد على أن المتكلم بصدد إفادة أمر على خلاف المتعارف، وهو كون اليقين جزء الموضوع. العاشرة: لأحد دعوى أن أخذ اليقين والاستيقان في الدليل غير أخذ العلم والمعرفة، ولأجله استشكل في قيام خبر الثقة والبينة مقام اليقين المعتبر في الركعتين الاوليين. تذنيب ثالث: لأحد دعوى دلالتها على حجية الاستصحاب، وارتباطها بالأصل العملي، كما ذهب إليه كل المتأخرين. الجهة الثالثة: في دلالة المضمرة على حجية الاستصحاب مطلقا وإنما الكلام بعد ذلك في اختصاصه بباب الوضوء، أو أعميته وحجيته في


1 - فرائد الاصول 1: 4، كفاية الاصول: 297، درر الفوائد، المحقق الحائري: 325، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 6. 2 - تقدم في الجزء السادس: 20 - 26. (*)

[ 334 ]

جميع المسائل، وقد ذهب جمع كثير منهم إلى الثاني (1)، ويمكن المناقشة فيه من ناحيتين: الناحية الاولى: أن ما هو يفيد العموم هي النكرة في سياق النفي، أو ما يشبه النفي كالنهي، كقولك: " لا تضرب أحدا " ولو استشكل في كونه يفيد العموم الاصطلاحي، ولكنه يشبه العموم، ولا يحتاج إلى مقدمات الحكمة كما هو المختار، بمعنى وجودها دائما، بخلاف المطلق، بل والعموم الاصطلاحي عندنا، وتفصيله في محله (2). وأما المعرفة المدخول عليها النفي أو النهي، فهي بحكم سلب العموم والعام المجموعي. وتوهم: أن سلب العموم يختص بمثل " لا تشرب كل خمر " ولا يعقل في مثل " لا تشرب الخمر " غلط ولو كان في كلام العلامة النائيني (3)، فإن العموم المدخول عليه كلمة " كل " مثلا يفيد عموم السلب، وسلب العموم يستفاد من قولك " لا تشرب مجموع الخمر " أو " الخمر بأجمعه " أو " جميعا " مثلا. ولا يتوقف استفادة عموم السلب على تقدم الحكم رتبة، ولحاظ خاص، ضرورة أن " أكرم العالم " لا يفيد إلا لزوم الامتثال الواحد، ولا يستفاد منه إلا الأمر الواحد، مع أنه لا يتقدم الحكم على المدخول. والمسألة هذه كمسألتنا في باب النواهي والأوامر، حيث ابتلوا بهذه العويصة حتى في النكرة، حيث قال الوالد المحقق - مد ظله -: " إن ما اشتهر من أن الطبيعة


1 - فرائد الاصول 2: 564، كفاية الاصول: 442، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 336. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 100. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 338. (*)

[ 335 ]

توجد بوجود فرد ما، وتنعدم بانعدام جميع الأفراد، من الأغلاط " (1) وإن صدر عن بعض الفحول من أهل المعقول (2) والتفصيل في محله (3). والتحقيق: أن " الألف واللام " ليس إلا لمنع دخول التنوين الدال على شئ، ولا يجتمعان، ولا يكون المناط في هذه المواقف إلا على فهم العقلاء، ولا شبهة في أنه إذا قيل: " لا تنقض اليقين بالشك " أو " لا تشرب الخمر " أو " لا تأكل الربا " يستفاد منه العموم الاستغراقي، أي الإطلاق المنتهية نتيجته إليه، كما هو كذلك في مثل " لا صلاة إلا بطهور " (4) و " لا ضرر ولا ضرار " (5) من غير حاجة إلى التوسل بالصناعة الباطلة. مع أن الصناعة أيضا تقتضي ذلك. بخلاف النكرة في سياق النفي، حيث يكون التنوين ظاهرا في الطبائع - لا المعرفات والأعلام الشخصية - في التنكير، ومعنى ذلك هو الواحد المعين المجهول إثباتا، فليراجع (6)، ولعل في المسألة تفصيلا لا يسعه المقام. هذا مع أنه في خصوص الرواية لا معنى للتأكيد بقوله: " أبدا " بل سلب العموم في القوانين المضروبة للعمل غير جائز، لانتهائه إلى الإجمال والأخذ بالقدر المتيقن، فاغتنم. الناحية الثانية: قضية البناءات العربية والأدبية - كما تعرض لها ابن هشام في الباب السادس (7) - أن الاسمين إما يذكران نكرتين، أو معرفتين، أو أحدهما معرفا،


1 - تهذيب الاصول 1: 373، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 94 - 95. 2 - الحكمة المتعالية 8: 15. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 103. 4 - وسائل الشيعة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 5 - وسائل الشيعة 25: 428، كتاب إحياء الموات، الباب 12، الحديث 3. 6 - قوانين الاصول 2: 223. 7 - لاحظ مغني اللبيب: 344، الباب السادس، الأمر الرابع عشر. (*)

[ 336 ]

والآخر منكرا، فالصور أربع. واتفقوا في صورة تقدم النكرة وما بحكمها - أي بدون " الألف واللام " - وتأخر المحلى ب‍ " الألف واللام " على أن هذه " الألف واللام " للعهد الذكري. فعلى هذا، قوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين... " إلى آخره، بعد قوله: " فإنه على يقين من وضوئه " إما يصبح مجملا، والقدر المتيقن هو الوضوء، أو مطلقا وناظرا إلى الوضوء، وعلى التقديرين لا تدل الرواية على الحجية المطلقة. ومن الغريب ما في كلامهم من احتمال أو قوة تعلق قوله: " من وضوئه " بالظرف لا ب‍ " يقين " وكأن المعنى: " فإنه كان من طرف وضوئه على يقين " (1) ! ! وهل مجرد ذلك يوجب حجيته المطلقة بعد إذعان الأعلام بعدم كونه حجة عقلائية، بل هو حجة تعبدية شرعية (2) ربما يوافقه الارتكاز الميت، وهو الاستحسان المتمسك به العامي ؟ ! أم لابد من الأخذ بما هو الظاهر ؟ مع أن ما في كلامهم من إضافة كلمة " من طرف " أو " الناحية والجانب " اجتهاد يكذبه المجتهدون، فضلا عن الأخباريين ولو قالوا: إن جملة " فإنه على يقين من وضوئه " ترجع إلى أنه كان على وضوئه من يقين، كي يحتمل الإنشاء أو الإخبار. وعلى كل تقدير: التصرف غير جائز، ولا قوة في الاحتمال المذكور أصلا. وقد اجيب ثانيا: " بأن الأصل في " الألف واللام " كونه للجنس " (3) وهذا لا أصل له، لأن محط الأصل المذكور في غير هذه الصورة، وإلا فلا يبقى للعهد الذكري وأمثاله مورد، فيدور الأمر بين الإجمال أو الإطلاق في مورد الوضوء فقط. هذا مع أن كون " الألف واللام " للجنس مما لا أساس له، كما اشير إليه.


1 - كفاية الاصول: 442. 2 - مفاتيح الاصول: 634، فرائد الاصول 2: 543، أجود التقريرات 2: 342. 3 - كفاية الاصول: 442. (*)

[ 337 ]

وثالثا: " بأنه ولو كان " الألف واللام " هنا للعهد الذكري، إلا أنه بعد المقايسة مع الأخبار الاخر، يظهر أنه هنا ليس إلا لإفادة القاعدة الكلية " (1). وفيه: أن مفاد سائر الأخبار غير ظاهر عندي، ولو كانت هي ظاهر الدلالة على المطلوب فلا حاجة إلى التشبث بها للاستظهار، فانتظر حتى حين. واجيب رابعا: " بأن مقتضى إلغاء الخصوصية العرفية كما في كثير من الموارد، عموم المجرى " (2). وفيه: أنه بعد ما يكون أمرا تعبديا صرفا عندهم، فلا منع من اختصاص التعبد ببعض الموضوعات، كما لا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء، ويختص الغسل ببعض أحكام دون الوضوء، ويجوز النذر بالنسبة إلى المحرمين فقط. ومن الغريب أنهم خصوا الإقالة بالبيع، ولا يقولون بها استحبابا في غيره ! ! والإجارة بأكثر مما استؤجر مخصوصة بأشياء عندهم وهكذا. وليس إلغاء الخصوصية إلا في مثل " رجل شك بين الثلاث والأربع " حيث يفهم منه أنه مثال عرفا، وإلا فهو يشبه القياس والاستحسان، أفلا ترى أن كثيرا من المباحات من تروك الإحرام، وكثيرا من المحرمات لا تعد من تروكه " يا أبان، السنة إذا قيست محق الدين " (3). وخامسا: " أن انضمام القاعدة المذكورة في الوضوء إلى الارتكاز العقلائي، يفيد العموم المطلوب " (4). وفيه: أن ما مر يكفيك جوابا، فإن البناء العقلائي على الإقالة في مجموع


1 - فرائد الاصول 2: 564، كفاية الاصول: 442. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 335 - 336، مصباح الاصول 3: 16. 3 - وسائل الشيعة 29: 352، كتاب الديات، أبواب ديات الأعضاء، الباب 44، الحديث 1. 4 - كفاية الاصول: 441، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 338. (*)

[ 338 ]

العقود، والارتكاز العرفي على جريان القاعدة في الوضوء، فمجرد الارتكاز لا يكفي للاحتجاج بالضرورة. واجيب سادسا: " بأن ملاحظة إسناد النقض إلى اليقين بالنسبة إلى اليقين الآخر دون الشك، ونفي ذلك بالنسبة إلى الشك، يورث أن الميزان في حجية الاستصحاب إبرام اليقين واستحكامه، دون الشك، فإن فيه الرخوة والضعف واللين، فكان النظر إلى أن الحجر ينقض الحجر ويكسره، دون الشئ الآخر. وهذا سواء اريد من " اليقين " عنوانه، أو المنكشف بمصداقه: وهو ذات المتيقن، أو المتيقن بما هو متيقن، أو اليقين بمصداقه على وجه الصفتية، أو الطريقية المطلقة، أو الخاصة به، فإنه على كل تقدير لوجود اليقين في البين، اعتبر شرعا أن الشأن له، لا للشك، وهو في مقابله بلا ثمر ولا شأن له، فيكون الأمر كذلك في جميع الأبواب والكتب " (1). وأنت خبير: بأنه لا يزيد على الخطابة، فإن حصل من هذه التقريبات بأجمعها العلم واليقين بحجيته المطلقة فهو، وإلا فلا دليل عليه حسب الموازين العقلائية الراجعة إلى الظنون النوعية. و * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (2). ومنها: المضمرة الثانية لزرارة الواردة في " التهذيبين " (3) والمسندة في " العلل " (4):


1 - بحر الفوائد 3: 43، كفاية الاصول: 442 - 443، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 337 - 338. 2 - الطلاق (65): 1. 3 - تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641. 4 - علل الشرائع: 361. (*)

[ 339 ]

قال قلت: أصاب ثوبي دم رعاف (أو غيره) أو شئ من مني، فعلمت أثره إلى أن اصيب له من الماء، فاصبت وحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك. قال: " تعيد الصلاة وتغسله ". قلت: فإني لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنه قد أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلما صليت وجدته. قال: " تغسله وتعيد الصلاة ". قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه، ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صليت فرأيت فيه. قال: " تغسله ولا تعيد الصلاة ". قلت: ولم ذلك ؟ قال: " لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا ". قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه، ولم أدر أين هو فأغسله. قال: " تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها، حتى تكون على يقين من طهارتك ". قلت: فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ (مني) أن أنظر فيه ؟ قال: " لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك ". قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة. قال: " تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه (فيه) ثم رأيته، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعله شئ اوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ".

[ 340 ]

والكلام في جهتين، بل في جهات: الجهة الاولى: في حجيتها وقد مر وجه الإشكال من ناحية سند الشيخ في نسخة " التهذيبين " إلى الحسين بن سعيد الأهوازي (1)، وإذا ضم إليه الإضمار، وخلو مثل " الكافي " و " الفقيه " منه، مع ما يأتي من بعض المناقضات في متنه، يشكل الاعتماد، بعد عدم وجود الإطلاق لأدلة حجية الخبر، حتى يجوز التفكيك في الحجية والرواية، وبعد عدم تمسك القدماء بمثلها لحجية الاستصحاب. ومجرد كونه في " العلل " مع أنه ليس من الكتب المتواترة غير كاف، وإلا فسند " العلل " في أعلى درجة عندنا وإن كان فيه إبراهيم بن هاشم، فتدبر. ثم إن أصحابنا الاصوليين خلطوا بين إشكالات ترد على تقريبها لحجية الاستصحاب، وبين بعض إشكالات ترد عليها موجبة لوهنها، ومستلزمة لسقوطها عن الاعتبار، أو الشك فيه الراجع إليه أيضا. وينبغي أن يذكر بعض ما يتوجه إليها بحسب متنها من غير ارتباطها بمسألة الاستصحاب، ثم البحث عما يرتبط بتقاريب الاستصحاب، وبعض المعضلات حول تلك التقاريب، وحول الرواية من هذه الجهة: فنقول: إن هناك إشكالا ومناقضة، وهي أن مقتضى قوله: " قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة " إما المناقضة مع ما مر في الصدر، أو المناقضة مع ما في الشق المقارن له، لأنه إن اريد منه أنه كان بعد ما رأى في ثوبه على علم من وقوعه في الأجزاء السابقة، فلازمه جريان الاستصحاب إلى حين الالتفات، ووجوب الغسل


1 - تقدم في الصفحة 324 - 325. (*)

[ 341 ]

فقط، دون الإعادة. وإن كان على علم بوقوعه حين كونه في الصلاة، فهو مثل الشق المقارن المحكوم بالغسل فقط، دونها. وبتقريب ثان: مقتضى إيجاب الإعادة في الفرض الأول دون ما مر في الصدر، بطلان الصلاة إذا وقع بعض جزء منها مع النجاسة، وصحتها إذا كان مجموعها معها. وبتقريب ثالث: مقتضى إيجاب الإعادة عدم حجية الاستصحاب، بناء على كون الصدر ظاهرا فيها على ما يأتي تفصيله في الجهة الثانية إن شاء الله تعالى (1). وإن كان لا يدري أن ما رآه من النجاسة في الأثناء هو حادث حين الصلاة أو قبلها، فلا يتلائم وجوب الإعادة مع عدم إيجابه السابق والعلاج اللاحق. فهذه الجملة إما منافية للفقرة السابقة، ولحجية الاستصحاب الراجعة إلى بطلان المأتي به من الأجزاء، أو للفقرة اللاحقة الملاصقة المشتملة على كيفية العلاج، كما ذكره الأصحاب في كتبهم الفقهية والاصولية. وبتقريب رابع: إن جملة " لعله شئ اوقع عليك " تسري إلى الفقرة الوسطى المذكورة في صورة احتمال وقوعها في الأثناء، ثم رؤيتها. فالرواية مضطربة ذيلا، وهو موجب لاضطراب الصدر، الموجب لإجمالها، المنتهي إلى رد علمها إلى أهلها، من غير جواز طرح الذيل كما في كلام بعضهم، لأن بناء العقلاء قاصر، ولا إطلاق لأدلة اعتبار الخبر الواحد رأسا بعد وجود الضمائم الاخر الموهنة، فإن كل واحد منها ولو كان قابلا للدفع، إلا أن المجموع يعضد بعضه بعضا. وبتقريب خامس: إن الغسل في أثناء الصلاة على الإطلاق غير جائز


1 - يأتي في الصفحة 346 - 347. (*)

[ 342 ]

بالضرورة، لما يحتاج إلى المؤونة الزائدة المضرة بها عرفا واغتراسا، بل وفتوى. وحمل الرواية على الغسل غير المنافي (1) حمل على الفرد النادر، بديهة أن فرض النجاسة، وفرض وجود الماء، مع فرض عدم لزوم الزيادة العمدية، كالقعود في أثناء القراءة، مع عدم احتياج النجاسة إلى الدلك - وغير ذلك من اللوازم لإزالة النجاسة - فرض نادر جدا. وبتقريب سادس: إن جملة " رأيته رطبا " مقيدة بكلمة " رطبا " - بعد كون المفروض دم رعاف، أو منيا، أو دم غير رعاف، كما هو الظاهر - اخذت أمارة، بل هو الموجب للوثوق الشخصي غالبا بأنه ليس حال الصلاة، ويكون حادثا اوقع عليه، وعندئذ لا معنى لكلمة " لعله " ضرورة أن الرعاف من المصلي غير مغفول عنه، وهكذا المني. مع أنه يوجب الخلل في الطهارة الحدثية على فرض كونه منه. وبالجملة: مقتضى الضمائر في الرواية أنه هو دم رعاف، ولا معنى عندئذ لكلمة " لعله " بل وقوعه عليه معلوم أنه من الخارج الحادث، ومن غيره حسب المتعارف، كما لا يخفى. ولو كان من غيره فهو أيضا أمر بعيد خلاف المتعارف. وبتقريب سابع: إن هذه الرواية غير سالمة من جهة المعارضة للأخبار الاخر في كتاب الطهارة، وذلك من جهتين: الجهة الاولى: من جهة ظهورها في شرطية الطهارة المعلومة في قبال ما يدل على خلافها، وقد تشبث هناك الأعلام (2) وهنا بعضهم (3) لحل المشكلة بما لا يرجع


1 - لاحظ جواهر الكلام 6: 224. 2 - مصباح الفقيه، كتاب الطهارة: 620 / السطر 29 وما بعدها، مستمسك العروة الوثقى 1: 532 - 533. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 353 وما بعدها. (*)

[ 343 ]

إلى محصل. والجهة الثانية: من جهة ذيلها، والأمر بمعالجة المشكلة المبتلى بها المصلي في أثناء الصلاة، فإن في الأخبار - كموثقة ابن سرحان (1)، وخبر عبد الله بن سنان (2) - ما يدل على الإتمام من غير حاجة إلى الغسل، وموردهما الدم أيضا، ومثلهما حسنة ابن مسلم (3) فليراجع، فالمسألة غير نقية. عرض لوجوه رفع المناقضة المتوهمة في المضمرة الثانية أقول: قد ذكروا وجوها لحل المناقضة، ويمكن حلها على وجه بديع ترتفع به المناقشات أيضا: الوجه الأول: أن يقال: إن قوله (عليه السلام): " يعيد " محمول على الاستحباب بقرينة " لا يعيد " المذكور في الصدر (4). وهو بعيد، مع أنه مع إمكان الأخذ بظاهره لا تصل النوبة إليه، ومع أنه لا يرتفع به سائر المناقشات المشار إليها. الوجه الثاني: أن يكون المفروض في الذيل هو المعلوم الإجمالي، فإنه يعيد حسب القواعد، وعندئذ لا يناقض الصدر البعيد، ولا الشق الملاصق. ويؤيده قوله: " قلت: فإني لم أكن رأيت موضعه، وعلمت أنه قد أصابه " وقوله (عليه السلام): " إذا شككت في موضع منه ثم رأيته ".


1 - وسائل الشيعة 3: 483، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 2. 2 - وسائل الشيعة 3: 483، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 3. 3 - وسائل الشيعة 3: 478، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 41، الحديث 2. 4 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 429. (*)

[ 344 ]

وفيه: أنه خلاف الظاهر جدا، لقوله: " قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة " فإنه ظاهر في العلم التفصيلي. مع أن قوله (عليه السلام): " وإن لم تشك ثم رأيته " غير واضح بعد، لأن كلمة " ثم " لا معنى لها عندئذ. هذا مع بقاء كثير من الموهنات والمناقشات على حالها. الوجه الثالث: وهو عندي ظاهر، وبه يظهر ضعف سائر الوجوه المذكورة هنا وفي محلها: وهو أن المفروض هو العلم التفصيلي، إلا أنه بعد ما رأى في أثناء الصلاة شيئا وهو يابس - بقرينة الرطب المذكور في الشق الثاني - يكون الشك ساريا، حسب الطبع والمتعارف، وينقلب علمه بنجاسة ثوبه إلى الشك فيها، فلابد من إعادة صلاته، لعدم تمكنه من إحراز الطهارة بالاستصحاب، وليست القاعدة حجة مثلا، فلا يقاس ما في الصدر ولا ما في الذيل والشق الثاني بالشق الأول. كما يتبين وجه حل المناقشات، ووجه ذكر الرطوبة، فإنه بها يكون الشق الثاني مورد الاستصحاب، دون الشق الأول. ويظهر أن قوله (عليه السلام): " إذا شككت في موضع منه ثم رأيته " مقيد بكلمة " يابسا " بقرينة ما في الشق الثاني. وأما استعمال كلمة " ثم " بل جملة " إذا شككت ثم " فذلك لأنه لو كان رأى دفعة لكانت الطهارة محرزة، ولا تجب الإعادة حسبما تحرر في محله، بخلاف ما إذا شك وطال مقدار يصح استعمال كلمة " ثم " فإنه تجب الإعادة، لأنه في ذلك المقدار لم يحرزها، فيلزم أن يعيدها، لكونه مورد قاعدة اليقين، بخلاف الشق الثاني، فإنه في ذلك المقدار المشكوك يجري الاستصحاب، والمفروض أنه لم يشك في موضع منه بقرينة الشق الأول، ولكنه شك في وجود الدم أو المني من غير كون مصب المشكوك ناحية خاصة، بقرينة كلمة " ثم رأيته " الظاهرة في أنه مضى عليه زمان وهو شاك، ثم رأى الدم، وبقرينة التعليل المفروض فيه الشك.

[ 345 ]

ومن هنا يظهر اندفاع توهم: أنه كيف يكون الشق الأخير صغرى الكبرى، مع أن المفروض في الصغرى عدم الشك، وفي الكبرى فرض الشك ؟ ! ويندفع بأن قوله: " ثم رأيته " ليس ظاهرا في أنه رأى النجس الشخصي، بل هو بحث كلي. ولا وجه لتوهم أن أمثال هذه المسائل ليست مجهولة لمثل زرارة، فإن مثله كان يجلس عنده (عليه السلام) ويفرض الأسئلة كي يكتب الأجوبة، ولعل لذلك صارت مضمرة، واطلع الشيخ (رحمه الله) على بعض رسائله دون غيره، فتندفع المشاكل والمناقشات. ولو قيل: لا تجري قاعدة اليقين، ولكن قاعدة الطهارة تجري بعد عدم كون المفروض مسبوقيته بنجاسة ثوبه، ولا سبق الطهارة الجاري فيه الاستصحاب، فلا وجه لإيجاب الإعادة. قلنا: بعد سقوط قاعدة اليقين حسب هذه الرواية بمقتضى الشق الأول، فإنه وإن كان بعد الشك مجرى قاعدة الطهارة، إلا أنه بالنسبة إلى الأجزاء السابقة قد أخل بما هو الشرط، وهو كونه محرز الطهارة، فعندئذ يعيد الصلاة، وعلى هذا يتم الحديث، وتنتفي المناقشات والمناقضة. اللهم إلا أن يقال: إن الشرط هو إحراز الطهارة، وهو حاصل باليقين والجهل المركب إلى الأثناء، ثم بعد حصول الشك تجري القاعدة في حالة الشك، ثم تغسله بعد الرؤية، فيلزم المناقضة مع الشق الثاني. ويمكن أن يقال: إن الشرط لو كان هو إحراز الطهارة الواقعية، فهو لا يحصل بقاعدة الطهارة، لأنها تفيد الطهارة الظاهرية، بخلاف الاستصحاب. إلا أن لازمه عدم جواز الدخول في الصلاة بتلك القاعدة، وهو غير ملتزم به واحد وإن تنتفي به إشكالات الرواية.

[ 346 ]

ويندفع بالتفصيل بين الشك في حالة الدخول، وبين الشك في الأثناء. وإن كان الشرط إحراز الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية، فيلزم عود المناقضة. اللهم إلا أن يقال بأن وجوب الإعادة في الشق الأول دون المسألة الثالثة من المذكورات في صدر الرواية، معلول لتفكيك محرز، فإنه هناك احرز بالعلم والجهل المركب، وهنا به وبقاعدة الطهارة، وهذا يكفي لاختلاف الحكمين في الفرضين ولو كان بعيدا في نفسه. تذنيب: حول ما إذا كان الشرط إحراز الطهارة الأعم إن الشرط هل هي الطهارة الواقعية، أو إحراز الطهارة على نحو تمام الموضوع، أو الطهارة الأعم، أو إحراز الأعم، أو يكون متعددا كما قيل به في عدالة إمام الجماعة ؟ وجوه تفصيلها في محلها. ولو كان الشرط إحراز الطهارة الأعم، إلا أنه يكون الإحراز تمام الموضوع كما هو الأشبه، يمكن أن يقال: إن الظاهر من هذه الرواية أن إيجاب الإعادة في الشق الأول، وعدم إيجابها في الثاني، معلول الشك المذكور في كلامه (عليه السلام) وأنه هو السبب الوحيد، فقد يمكن أن يقال: مضي حالة في الأثناء وهو شاك خلاف ما يعتبر في الصلاة، ولا يمكن قيام الاستصحاب عندهم مقام الإحراز المعتبر نعتا، كي يتمكن من تصحيح المقدار المأتي به، بخلاف الشق الثاني، فإنه بالنسبة إلى المقدار المذكور قد احرز ولو كان جهلا مركبا، ولا يكون شاكا كي يلزم إحراز الإحراز الوصفي حالة الشك بأصل من الاصول.

[ 347 ]

تنبيه: في أن إجمال المضمرة موجب لعدم تعارضها مع الأخبار الاخرى من الممكن دعوى: أن الذيل دليل القاعدة البرزخية بين الاستصحاب وقاعدة اليقين، فيكون معتبرا، لقوله (عليه السلام): " لعله شئ اوقع عليك " وهذا يناسب احتمال كون الدم من الأول، واحتمال كونه حادثا بعد الصلاة. وعلى كل تقدير غير خفي: أن الرواية لا تعارض الأخبار الاخر في المسألة، لأنها تصبح على هذا مجملة، ولا بأس بكونه بالنسبة إلى الصدر حجة. اللهم إلا أن يقال: إجمال الذيل ليس إلا إثباتا، فربما يكون قرينة على الصدر، فيشكل جواز التمسك بالمضمرة، ف‍ * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (1). الجهة الثانية: في وجه الاستدلال بها، والفقرات الصالحة له الاولى: قوله: " قلت: فإن ظننت... " إلى قوله (عليه السلام): " أبدا " وفيه احتمالات بدوية ومستقرة: منها: فإن ظننت أنه قد أصابه، بعدما كنت على يقين من الطهارة الواقعية. أو الأعم منها ومن الظاهرية. ومنها: فنظرت وتفحصت، أو نظرت فلم أر شيئا. ومنها: فلم أر شيئا، وتيقنت بالطهارة. أو كنت باقيا على الظن بالإصابة الذي هو بحكم الشك. وتوهم: أنه لا يدل عدم الرؤية على عدم الوجود، مندفع بما في ذيل الحديث حيث قال: " فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه ؟ " قال: " لا،


1 - الطلاق (65): 1. (*)

[ 348 ]

ولكنك إنما تريد... " إلى آخره. ومنها: قوله: فرأيت فيه، وعلمت بأنه قد أصابه قبل الصلاة، أو احتملت إصابته به في الأثناء، أو بعدها. ففي حد ذاته كل من الاحتمالات الزائدة على العشرة موجودة. مع أنه يحتمل أنه رأى فيه من النجاسة التي كانت موجودة فيه من الأول، ويتبين له أنه كان على يقين من الطهارة قبل الصلاة، وكان ذلك اليقين جهلا مركبا، فصلى فيه. كما يحتمل صحة ذلك اليقين، ولم يتبين له، ولا يعلم أنه يصلي في النجاسة، لاحتمال إلقاء النجاسة بعدها، إلا أنه يعلم بأنه صلى في النجس بنجاسة اخرى غير تلك النجاسة. وقوله (عليه السلام): " لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت " يحتمل اليقين بطهارة الثوب الحاصل له قبل الصلاة، وفي وقت بعيد عن الاشتغال بها، حتى سرى إليه الشك فيها قبل الصلاة، فتكون صغرى قاعدة اليقين. ويحتمل اليقين بطهارة الثوب الباقي إلى حال الصلاة، ثم شك قبل الدخول فيها شكا غير سار، فيكون صغرى الاستصحاب. ويحتمل اليقين بالطهارة الحاصل بعد الظن والنظر وعدم الظفر، وكان شكه عندئذ ساريا، أو غير سار، مع احتمال كونه ساريا إلى ما قبل الصلاة، أو الأثناء، حسب احتمال تعدد مبدأ تنجس ثوبه، كأن يكون على يقين من طهارة ثوبه من الدم، ثم بعد الصلاة رأى فيه نجاسة المني. ويؤيده قوله: " فرأيت فيه " وإلا كان ينبغي أن يقال: " فرأيته فيه ". هذه الوجوه المحتملة. فإن أبيت عن أظهرها: وهو أنه قد استيقن طهارة ثوبه، فشك فيه بالظن غير

[ 349 ]

الحجة، فدخل في الصلاة بعد كونه متصفا باليقين والشك الفعليين، وبعد الصلاة رأى تلك النجاسة المظنونة، وذلك لقوله: " فرأيت فيه " ولقوله (عليه السلام): " شككت " مع أنه ظن، فهذا الشك هو الشك بعد الصلاة الحاصل من الرؤية، المقرون معه الشك في وجود النجاسة حين الصلاة، فلا يكون على الشك الفعلي الذي لا ينبغي أن ينقض به اليقين المذكور. وبالجملة: إن أبيت عن أحد الوجوه المحتملة، فلا يضر ذلك بالاستدلال، ضرورة أن جملة " فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك " جامعة للاستصحاب، ولقاعدة اليقين، فإن عنوان " اليقين " و " الشك " المأخوذين في الرواية، قابلان للصدق على اليقين الخارجي المتعقب بالشك الاستصحابي، وبالشك الساري. ولا يلزم من قوله (عليه السلام): " لأنك كنت على يقين من طهارتك " إجمال في الكبرى ولو كانت الصغرى غير متحملة إلا لأحدهما، ضرورة أن وجه تقريبها لاعتبار اليقين المتعقب بالشك، مشترك بين الروايتين. فلو لم يتوجه إليه إشكال من جهة اخرى، يمكن حل المعضلة من هذه الجهة، ضرورة أن حال الشك - سواء كان ساريا، أو غير سار - ليس يقين، وإنما كان اليقين في السابق. ومجرد اختلاف الاستصحاب والقاعدة - في احتمال خطأ اليقين - لا يؤثر في شئ، بل المساعد على الاعتبار أن انكشاف شئ مثلا - وهي الطهارة باليقين والأمارة العقلية - لا يتضرر بالشك ولو بلغ إلى حد صحة الانكشاف، وإلا يلزم منع جريان الكبرى المذكورة في مؤدى الأمارات المنتهي إلى مشاكل كثيرة في الفقه، فتلك الكبرى ربما تكون بصدد سد باب الوسواس والتزلزل والشك، وإتلاف الوقت، وأمثال ذلك. مع أن المقنن القائل: بأنه " ليس ينبغي لك " كما يحتمل صحة إصابة اليقين في القاعدة بحسب المورد، يحتمل عدم إصابة اليقين الاستصحابي، فهو كثيرا ما

[ 350 ]

يرى بطلان اليقين وجهالته المركبة، بخلاف شخص المكلف، فعندئذ فله أن يعتبر مجرد اليقين المقرون بالشك اللاحق، بادعاء بقاء اليقين عملا وأثرا، أو تحريم نقض اليقين بالشك جريا عمليا، وبلحاظ الآثار الراجعة إلى ذلك. ومما ذكرنا تظهر مواضع ضعف ترى في كلمات الأعلام، ولا حاجة إلى ذكرها ونقدها. بقي شئ: حول خروج مورد الرواية عن التعليل المذكور فيها قد وقع القوم في حيص وبيص حول توهم أجنبية التعليل المذكور بقوله: " لأنك كنت... " إلى آخره، عن مورده: وهو عدم وجوب الإعادة، مع أنه بعد العلم بالنجاسة الموجودة في الصلاة، ليس وجوب الإعادة من نقض اليقين بالشك بالضرورة. ولذلك ربما يقال: هذا هو بنفسه يشهد على أنه بعد الرؤية، يحتمل حدوث النجاسة بعدها، كما في الذيل. وقد عرفت أنه خلاف الظاهر البدوي. أو يقال: إن المعلل هو ملاحظة ما هو الشرط، فإذا كان طهارة الثوب شرطا، واستصحب ذلك، يكون الدخول في الصلاة جائزا تكليفا، وتكون الصلاة صحيحة وضعا. وهذا خلاف ما هو المحرر من: أن الطهارة الواقعية ليست شرطا لصحة الصلاة في موارد غير نسيان النجاسة، ولا يقوم الاستصحاب عندهم مقام القطع الموضوعي والنعتي (1). وحكومة الاستصحاب على الأدلة الأولية صحيحة في غير ما نحن فيه. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في مثل " الكفاية " (2) وتقريرات الأعلام:


1 - كفاية الاصول: 306. 2 - كفاية الاصول: 448 - 449. (*)

[ 351 ]

النائيني (1)، والأراكي (2)، والمحقق الوالد (3) - عفي عنهم -. وقد عجز الثاني منهم عن حل المشكلة إلا على الوجه الأول المخالف للظاهر، وقد استشم من " الدرر " لجد أولادي (رحمه الله) (4) هذا الوجه. والذي هو الأحرى والأشبه ما ذكرنا في باب الإجزاء (5)، كما سيظهر. وغير خفي: أن التمسك بأن الأمر الظاهري يفيد الإجزاء كما نقله " الكفاية " (6) وغيره (7)، أقرب مما في " الكفاية " من جعل نفس الإحراز الأعم - ولو بأصل - شرطا في الصلاة، ضرورة أن الكلام الأول يرجع إلى أن التمسك المذكور في الرواية، يوجب ثبوت الأمر الظاهري الحاكم على الأمر الأولي بالتوسعة، فالاستناد غير بعيد، بخلاف كون الشرط هو الإحراز الأعم، للزوم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي. مع أن الشرط لو كان الإحراز، فليست قاعدة الطهارة محرزة له كما لا يخفى، مع أن الضرورة تقتضي جواز الدخول فيها بها. فالذي هو الأقرب: أن المعتبر هو اليقين بالطهارة الأعم من الظاهرية والواقعية، وهو شرط في الصلاة، والاستصحاب يقوم مقام القطع الصفتي حسبما تحرر في الإجزاء (8)، لأن الأدلة - بعد تماميتها - في موقف التعبد بإطالة عمر اليقين


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 342 - 352. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 47. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 43 - 44. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 523 - 524. 5 - تقدم في الجزء الثاني: 344 - 345. 6 - كفاية الاصول: 448. 7 - فرائد الاصول 2: 566، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 47. 8 - تقدم في الجزء الثاني: 344 - 345. (*)

[ 352 ]

في ظرف الشك في بقاء المتيقن، أو إيجاد المماثل، من غير كون ذلك " اليقين " المأخوذ في الأخبار إلا عنوانا ومفهوما قابلا للصدق على الطريقي والموضوعي، وإحراز الطهارة الأعم، أو مانعية النجاسة الأعم، وأن لا يشك في بقائه، بل يعلم عدم ذلك عند الشك. ولكن لا يعتبر في الاستصحاب الشك في البقاء، بل هو في موارد خاصة حاصل، وفيما نحن فيه يكفي اليقين الصفتي السابق الذي هو جزء الموضوع أو تمامه، والشك اللاحق المتعلق بما تعلق به ذلك اليقين، لإمكان التعبد بمماثله قبل الصلاة، فما قد يتوهم هنا من الدور وما يشبه الدور وغير ذلك، كله فاسد، لأن منشأ ذلك غفلتهم عن هذه المسألة. وأما في موارد الجهالة والغفلة عن الحكم والموضوع فهو - على تقدير صحة الصلاة - أمر راجع إلى القاعدة الثانية، فلا تخلط. فعلى هذا، لا تجب الإعادة، لأنه كان على يقين من الطهارة، ومقتضى الكبرى الكلية دخوله في الصلاة وهو واجب للشرط، لأن مفاد تلك الكبرى اعتبار اليقين بالطهارة له حين ظن الإصابة. هذا غاية ما في المقام الدافع للإشكال المتوجه إلى الأعلام. ولكن يبقى - مضافا إلى أن التجاوز من باب الطهارة الخبثية إلى سائر المسائل الشرعية بهذه الكبرى الكلية المشتملة على " الألف واللام " الظاهر في العهد الذكري، لتقدم اللفظة المتوغلة في التنكير، أو تكون نكرة، ولا معنى للتصرف في تلك اللفظة، ولا التمسك بالمناسبات الاستحسانية، بعد كون أساس الاستصحاب تعبدا شرعيا كما مر (1) - أن المورد وإن لم يكن مقيدا ولا مخصصا، ولكنه قابل لأن يكون قرينة على عدم تحقق الإطلاق، أو لا يستقر الإطلاق، لوجود


1 - تقدم في الصفحة 314 - 316، 335 - 336. (*)

[ 353 ]

منشأ عقلائي في الكلام، وصلاحيته لصرفه، وذلك لأن قوله (عليه السلام): " لأنك كنت على يقين من طهارتك " بحكم القدر المتيقن في مقام التخاطب، فليتدبر. مع أن العلة إما ناظرة إلى قاعدة اليقين، أو إلى الاستصحاب، ولا جامع في مدخول " اللام " لأن القضية شخصية، وكل ذلك ممكن كما عرفت. ولو كان بعض القرائن شاهدا على الأول، مثل أخذ الشك في الجواب، مع أنه فرض الظن. ومثل كون الإشكال على التعليل، لا يتوجه لو كان الشك ساريا، ولا يقع الأعلام من هذه الجهة في حيص وبيص. ومثل أن قولهم: " لم أر شيئا " يناسب اليقين بالطهارة بعد النظر فيه، إلا إذا كان النظر إجماليا، وهو خلاف ما في الذيل. وبعض الشواهد على الثاني، مثل قوله (عليه السلام): " فشككت " مع أنه لم يشك إلا بحمل الرؤية بعد الصلاة على اقترانها مع الشك في مصاحبة الصلاة مع النجاسة. ومثل ظهور " فرأيت فيه " بعد تلك القصة في أنه رأى فيه تلك النجاسة وذلك الدم مثلا، ولو كان في حد نفسه ظاهرا في النجاسة الاخرى، بناء على حصول الفرق بين كونها ذاك أو غير ذاك، وهو غير معلوم. ومثل فهم القوم منها الاستصحاب في ملاحظة مجموع الصدر والذيل بدوا، فعلى هذا يشكل الأخذ بإطلاق الكبرى على ما حررناها، لأن الصالح للقرينية موجود. وهذا ليس من تقييد الإطلاق بالمورد، بل المورد يوجب صرف الإطلاق وعدم انعقاده، فهذه الفقرة مثل المضمرة الاولى على ما عرفت تفصيله (1). اللهم إلا أن يقال: بأن الأظهر بل الظاهر: أن مورد الرواية هو الاستصحاب، وأن الظن والشك لاشتراكهما في عدم العلم واحد، والمورد سواء كان قاعدة اليقين،


1 - تقدم في الصفحة 335 - 338. (*)

[ 354 ]

أو الاستصحاب في باب الطهارة الخبثية، لا يصلح في خصوص الرواية للقرينية - بأن يكون " الألف واللام " إشارة إلى العهد الذهني - للفصل بين الاسمين بكثير، بخلاف الرواية الاولى، فإنه هناك قال (عليه السلام): " فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين... " إلى آخره، وأما في المقام فمع الفصل الزائد عليه يكون قوله (عليه السلام): " فليس ينبغي... " إلى آخره إبراز الارتكاز الغريب العقلائي، وشاهدا على عدم الخصوصية جدا، ولعل الله تعالى يحدث بعد ذلك أمرا. إعادة وإفادة لا شبهة في أن النهي عن الإعادة، ليس إلا كناية عن صحة المأتي به، وواجديته لتمام الأجزاء والشرائط في النظرة الاولى. فعندئذ نقول: إن كان الشرط طهارة الثوب الواقعية، فهي مفقودة على تقدير، فلابد من الإعادة، وليس المأتي به واجدا لها، وعلى تقدير يشك في واجديته لها، فلا وجه للتمسك باليقين والشك، لأن قاعدة الفراغ تقضي الصحة، ولاسيما بعد ظن الإصابة، وعدم الرؤية بعد النظر في الثوب. وإن كان الشرط طهارته الأعم من الواقعية، والظاهرية الاستصحابية، أو قاعدة الطهارة، فيتوجه على كل تقدير عدم صحة التمسك، ضرورة أن العلة المناسبة هي أن يقول: " لأنك واجد لما هو الشرط في الصلاة "، أو بقاعدة الفراغ. وإن كان الشرط هو الطهارة الواقعية، وإنما الاستصحاب وقاعدة الطهارة يفيدان في ظرف الشك، التعبد بوجود تلك الطهارة الواقعية، فلابد من الإعادة، لأنه بعد ما علم تنجس الثوب حال الصلاة، يتوجه إلى عدم عذرية الاستصحاب والقاعدة. هذا على تقدير كون النجاسة المرئية بعد الصلاة هي النجاسة المختفية عليه.

[ 355 ]

وعلى التقدير الآخر لا يناسب الاستدلال بالاستصحاب، لوجود قاعدة الفراغ، فإن الظاهر أن العلة لعدم الإعادة هي اليقين والشك المذكوران، دون شئ آخر. وإن كان الشرط إحراز الطهارة الواقعية، على أن يكون الإحراز جزء، أو تمام الموضوع، أو إحراز الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية الاستصحابية، أو قاعدة الطهارة على الفرضين، فمضافا إلى عدم إمكان تحصيل الشرط المذكور بالاستصحاب، أنه لا تلائم بين مورد التعليل والعلة، لأن الأنسب هو أن يستدل بوجود الشرط. مع أنه تكون الصلاة في موارد الغفلة والجهالة والنسيان، صحيحة عند جمع (1)، ولم يحرز الشرط وهو الإحراز المذكور، وذلك إما لإطلاق " لا تعاد... " على تقدير الالتفات إلى وقوع الصلاة في النجس، أو لقاعدة الفراغ. وإن كان الشرط عدم النجاسة فالأمر أوضح إشكالا، لذهابهم إلى عدم كفاية استصحاب الطهارة لإثبات عدم النجاسة، أو لعدم الحاجة إليه على تقدير، كما اشير إليه. وإن كان النجس مانعا، أو إحراز النجاسة مانعا، أو النجاسة الأعم مانعة، أو إحرازها الأعم مانعا، فعلى جميع المباني في مسألة مفاد الاصول المحرزة وغيرها وعلى جميع التقادير، لا يمكن التخلص من الإشكال المذكور الراجع إما إلى عدم الحاجة إلى الاستصحاب، أو إلى عدم صحة التعليل حسب الظاهر، أو إلى أنه ليس مورده، لكونه أصلا مثبتا. ويتصدى للجواب عن الكل ما أبدعناه من: عدم جواز الخلط بين مفاد الصغرى والكبرى التي اخذت العناوين فيها من غير اتصافها بالموضوعية والطريقية، وبين مصاديقها، وأن تلك الكبرى قابلة لكونها سندا للاستصحاب، ولقاعدة اليقين،


1 - المعتبر 1: 441، تذكرة الفقهاء 1: 97 / السطر 39، مدارك الأحكام 2: 348. (*)

[ 356 ]

وسندا لقيام الاستصحاب مقام القطع النعتي. بل ويجري في مورد كان الشرط صفة الإحراز، فإنه ليس الإحراز إلا متعلقا بالطهارة، أو بعدم النجاسة، أو بالنجاسة مورد الحكم، أي الشرطية أو المانعية، فلو كان قاطعا بطهارة الثوب، وكان قطعه بها شرطا في الصلاة، فإذا شك في الطهارة يكون قاطعا بعدم وجود الشرط، وليس شاكا في البقاء، إلا أنه يكفي لحصول الشرط شكه في الطهارة، فإنه في ظرف الشك فيها محكوم بكونه صاحب اليقين شرعا وتعبدا في تلك الأحيان، فيحصل قهرا ما هو الشرط. كما أن الأمر كذلك في باب التعبدي والتوصلي، فإن من ذهب إلى امتناع ما يأتي من قبل الأمر في متعلق الأمر (1)، غافل عن أن متعلق الأمر ليس في مرحلة الجعل إلا نفس الصلاة، ولكن المقنن متوجه إلى أنه حين الامتثال إذا أتى بالصلاة بقصد الامتثال، يحصل الغرض، فإذا قال: * (أتموا الحج والعمرة لله) * (2) أو بقصد الأمر بالإتمام، يتمكن العبد من ذلك، فيصح الأخذ بالإطلاق على التفصيل المحرر في المجلد الأول (3). وأما في موارد الجهل والغفلة فالصحة بقانون ثانوي متعرض لحال المكلف بعد الامتثال، وهو خارج عن مسألتنا، وتفصيله في أبواب الخلل (4)، فافهم وتأمل. وغير خفي: أن الاستصحاب عندنا من الأمارات، فما دام يمكن التمسك به لا تصل النوبة إلى قاعدة الفراغ، وتكون مثبتاته حجة، فلا يتوجه إليه ما يتوجه إلى القوم القائلين بخلاف ذلك، فاغتنم جيدا.


1 - مطارح الأنظار: 61، كفاية الاصول: 95 - 97، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149 - 152. 2 - البقرة (2): 196. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 118 وما بعدها. 4 - تحريرات في الفقه، الخلل في الصلاة: 194 وما بعدها. (*)

[ 357 ]

وبالجملة: كان مفاد التعليل يرجع إلى أنه في هذه الصورة لا تعاد الصلاة، لأن حرمة نقض اليقين بالشك لا تختص بالموارد المعينة، بل هي عامة تشمل موارد يكون الإحراز شرطا في شرطية الطهارة، أو مانعية النجاسة، أو شرطية عدم النجاسة، حسب المحتملات في المسألة الفقهية، فلا تخلط. ولعله لأجله افيد بقوله (عليه السلام): " وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك " على الإطلاق، ولا خصوصية لمورد خاص. وفيما ذكرنا مواضع تحتاج إلى التدقيق الحقيق بالتصديق، وهي مزال أقدام الأعلام، والأعاظم القمقام. وغير خفي: أنه وإن كان يمكن أن يقال: بأن قوله (عليه السلام): " من طهارتك " يكون متعلقا بقوله (عليه السلام): " كنت " فيكون اليقين بلا قيد، وعندئذ يختلف ما بين الصغرى والكبرى في هذه الرواية مع ما مر، ولا يتوجه إليهما ما يتوجه إلى الرواية الاولى، لاحتياج التقدير هناك، وهو خلاف الأصل، إلا أن مجرد الإمكان لا يورث انعقاد الظهور. فعلى ذلك، لا يجوز لأحد - مضافا إلى تغيير اسلوب الكلام، كما صنعه بعض الأعلام هناك - في المقام توهم: أن الكبرى كلية سارية في جميع أبواب الفقه مضافا إلى الطهارة الخبثية، إلا ما اشير إليه وهو الظهور اللغوي العرفي لكلمة " لا ينبغي لك أن تنقض " في عدم الاختصاص، فلا تغفل. مع أن وجه الإجمال في الصغرى لا يوجب سرايته إلى الكبرى، لاختلاف إجمال المستثنى المتصل مع ما نحن فيه، فإن الأمر هناك قطعي عندهم، وأما في المقام فالتفريع لا يوجب ذلك، كما لا يخفى. ومن العجب ما في كلام الشيخ (1) وغيره (2): " من أن استفادة الكلية السارية


1 - فرائد الاصول 2: 564. 2 - كفاية الاصول: 442. (*)

[ 358 ]

في جميع الأبواب تابعة لإرادة الجنس " ! ! مع أنه لو كان " الألف واللام " للعهد، وكان اليقين السابق هو تمام الموضوع للاعتبار والحجية، يلزم كونه للعهد مع حصول المطلوب، إلا على وجه اشير إليه: وهو فقدان شرط انعقاد الإطلاق، لكفاية الإجمال في ذلك بعد ما عرفت وتحرر لك: أن وجود القدر المتيقن ربما يضر به، وربما يؤكد الإطلاق، وربما لا يضر ولا ينفع (1)، والمقام من القسم الأول. ولكن لا وجه لإجمال الصغرى، لإمكان كونها أيضا أعم، ويكون ما نحن فيه قابلا لموردية قاعدة اليقين، وقابلا لموردية الاستصحاب، ضرورة أنه يجوز في زمان واحد صاحب اليقين الاستصحابي، وشكه قبل الدخول في الصلاة، ثم بعد ما نظر ولم ير شيئا استيقن بالطهارة باليقين في القاعدة، ولا معنى لكونه ناقضا لذلك اليقين الاستصحابي، لموافقتهما في الأثر، ثم بعد الصلاة رأى في ثوبه النجاسة المظنونة السابق الذكر، فيكون له الشك الساري. وعندئذ يصح أن يقال: " لأنك كنت على يقين من طهارتك " من جهتين: يقين أسبق، ويقين قبل الدخول في الصلاة، وهو لا ينافي كونه مورد الاستصحاب حين الدخول، لحصول الشك الاستصحابي قبل النظر، وعدم صلاحية طرو اليقين الثاني لزوال الشك الاستصحابي، لكفاية حدوثه في كونه مورد التعبد بذلك اليقين، كما لا يصلح لناقضية اليقين الأسبق. هذا مع أنه بحسب الواقع إما قاعدة اليقين، أو الاستصحاب، وعلى كل تقدير تبقى الكبرى الكلية حسبما حررناها على حالها، فيتبين وجه حجية الاستصحاب، بل والقاعدة، كما يظهر وجه سريانهما في جميع أبواب الفقه، ويعلم مواضع ضعف يرى في كلماتهم كثيرا.


1 - تقدم في الجزء الخامس: 432 - 436. (*)

[ 359 ]

تنبيه: حول النسخة الواردة فيها " لم ذاك ؟ " في بعض النسخ قال: " قلت لم ذاك ؟ " وهو للبعيد، فلعله سؤال عن جواز الدخول في الصلاة مع كونه شاكا، وكأنه كان جواز الدخول فيها مساوقا للصحة من غير حاجة إلى تعليل، وعندئذ ترتفع الشبهة، ويصح التعليل. ووجه توجيه زرارة سؤاله عن الدخول دون الإعادة، استبعاده شديدا لذلك. وحيث اختلفت النسخ لا يثبت الإشكال. ولكن تبقى الكبرى الكلية على ما ذكرنا وحررناها على حالها. بل ولفظة " ذلك " أيضا للبعيد الغريب عند السائل ويؤيده أن الإعادة واللا إعادة أجنبيتان عن البحث، بل الجهة القابلة للسؤال هي جواز دخوله في الصلاة مع كونه مورد الشك بل والمنع عند السائل. فعلى ما تحرر تبينت الجهة الثالثة في طي الجهة الثانية، وطالت المقالة، فليعذرني أخواني الصالحون. وإليك الفقرتين اللتين تدلان أحيانا على الاستصحاب: الاولى: قوله: " قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه... " إلى آخره، فإن المفروض هو العلم بالنجاسة، وقد أمر (عليه السلام) بالغسل حتى يكون على يقين من طهارته، مع أنه لو غسل بعض تلك الناحية يكون على شك، وتجري القاعدة، بل واستصحاب عدم تنجس الناحية الاخرى والجانب الآخر. واستشكلوا: " بأنه يرجع إلى العلم الإجمالي، ويكون دليلا على تنجيزه، بل وعلى بقاء أثر العلم حتى بعد ذهابه، ضرورة أنه بعد غسل جانب من الناحية المعلومة، لا يبقى العلم الإجمالي " (1). وفيه: - مضافا إلى أن ظاهر قوله: " حتى تكون على يقين من طهارتك " هو


1 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 426. (*)

[ 360 ]

الاستصحاب، لاشتراك الجملة وسبقها - أن من توهم ارتباط المسألة بالعلم الإجمالي، قد غفل عن حقيقة ذلك العلم، فإنه في مورد يتباين الطرفان وجودا، كالإنائين والثوبين، وأما إذا صلى في الثوبين في زمان واحد، أو وقعت قطرة من إناء في إناء آخر، فلا يعلم إجمالا بأنه يصلي في النجس، أو يتوضأ من المتنجس، ضرورة أن مبدأ النجاسة ومنشأها وعدم العلم بخصوص موضع النجس، لا ينافي أنه يعلم تفصيلا بأنه يصلي في النجس، فليس المقام من موارد العلم الإجمالي بالضرورة، بل هو يعلم تفصيلا بتنجس ما يصلي فيه، وإذا غسل بعض تلك الناحية يزول علمه بالضرورة، ولكن مقتضى الاستصحاب وجوب غسل تلك الناحية، كي يكون على يقين من الطهارة. إن قلت: إن أمره (عليه السلام) بالغسل مع أنه غير شاك، والشك هو ركن له، أو يكون مورد جريانه الشك، على خلاف موازين الاستصحاب، ويناسب العلم الإجمالي، ولذلك لم يستدل بتلك الفقرة إلا بعضهم. قلت: بعد التفاته (عليه السلام) إلى حدوث الشك له طبعا، لأنه بحسب المتعارف يتدرج في غسله، يصح الأمر بالغسل، لأنه بعد غسل موضع منه يكون مأمورا - بحسب الظاهر - بالغسل، فيجوز للفقيه أن يأمره بغسل المجموع. وتوهم: أنه يحتمل غسله دفعة، فلا يشك في زمان، ولذلك لم يستدل الجل بهذه الفقرة، في غير محله، ولاسيما بحسب رعاية تلك الأزمنة والأمكنة. وبالجملة: أمره بالغسل لأجل وجود النجاسة المعلومة بالعلم الوجداني والتعبدي. ويدل قوله (عليه السلام): " حتى تكون على يقين من طهارتك " على اشتراط الطهارة، لا اشتراط عدم النجاسة أو مانعيتها. كما يدل على نيابة الفقيه عن العوام في إجراء

[ 361 ]

الاستصحاب، حتى في الشبهة الموضوعية، كما هو المحرر عندنا (1)، فلا يعتد بشكه، ولا بيقينه. وبالجملة: هي قضية حقيقية، وكأنها وردت هكذا " إذا علمت نجاسة ثوبك تغسله حتى تعلم بطهارته " وهذا غير قاعدة الطهارة، فلا تغفل. نعم، دلالته على الاستصحاب في الجملة واضحة، وعلى حجيته على الإطلاق يحتاج إلى التقاريب السابقة. وأما احتمال كونه من مورد قاعدة اليقين، فهو بحسب الثبوت جائز، إلا أنه خلاف الظاهر. مع أنه لا بأس بكونه جامعا لهما حسبما تحرر (2)، ولاسيما أن أخذ عنوان " اليقين " مدخول كلمة " حتى " يوجب ظهور موضوعية اليقين، وهذا مما يظهر بعد مراجعة سائر أدلة المسألة في باب اشتراط طهارة الثوب والبدن، فاغتنم. إيقاظ: حول دلالة الفقرة الثانية على عدم تنجيز العلم الإجمالي يمكن دعوى: أن هذه الجملة ناظرة إلى أن العلم الإجمالي غير منجز، فإن المدار على الرؤية، لا العلم، و " تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها " وإلا كان الأنسب أن يؤتى بكلمة " نعم " جوابا لقوله: " قد علمت أنه قد أصابه، ولم أدر أين هو " فهي أجنبية عن الاستصحاب وتنجيز العلم الإجمالي، فيرجع إلى أن المدار في الثوب الذي يصلى فيه على ما ذكر. ولكن الالتزام به غير ممكن، لأنه علم تفصيلي بتنجس الثوب الذي يصلي فيه وإن لم يدر موضع النجاسة، فإن هذا العلم الإجمالي لا أثر له.


1 - لاحظ تعليقة على العروة الوثقى: 42 - 43. 2 - تقدم في الصفحة 349. (*)

[ 362 ]

وهم ودفع إن هذه الجملة ليست مرتبطة بالصلاة، بل هي سؤال آخر كلي يترتب عليه حديث الملاقاة لبعض الثوب، وهي الشبهة العبائية، ولازم ذلك وجوب غسل الملاقي، لأجل العلم الإجمالي، فلا تدل على الاستصحاب، ويكفي احتمال ذلك. وفيه: أن الجمل السابقة واللاحقة مربوطة بالصلاة فيه. وغير خفي: أنه بعد كونه مورد الاستصحاب، يدل على أن الشك ليس جزء ودخيلا وركنا، بل هو مورد جريانه، كما في الأمارات، ويؤيد مسلكنا من أنه أمارة تعبدية شرعية ولو كان مغروسا في الأذهان العرفية. الثانية: جملة " قلت: إن رأيته في ثوبي... " إلى آخر الرواية، فإنها - بعد الفراغ عما مر من المناقضات والمناقشات السابقة المندفعة - تدل على خصوص الاستصحاب، لقوله (عليه السلام): " لعله شئ اوقع عليك " فتكون الصلاة صحيحة بالاستصحاب إلى الرؤية، وتصح بالغسل في الأثناء، وتغتفر الحالة الوسطى المشتغل بالغسل فيها، على الوجه المحرر في الفقه (1)، فليتأمل. وربما يستظهر منه اختصاص الحجية بالاستصحاب، ولا تكون قاعدة اليقين حجة، كما هو الظاهر من بعض الأخبار الاخر (2)، فإن قوله (عليه السلام): " لعله شئ اوقع عليك " يوجب قصور الكبرى عن شمول القاعدة. اللهم إلا أن يقال: بأنه كما لا يلزم من المورد قصور في الإطلاق من جهة النجاسة الخبثية، كذلك الأمر من هذه الجهة على الوجه المحرر سابقا.


1 - لاحظ تحرير العروة الوثقى: 122. 2 - لاحظ ما يأتي في الصفحة 380 و 383 - 384. (*)

[ 363 ]

إشكال بديع: مفاده تعذير الاستصحاب دون تنجيزه الظاهر من كلمة " لا ينبغي " هو جواز نقض اليقين بالشك، وتصير النتيجة أن الاستصحاب أو قاعدة اليقين، حجة للعبد على المولى لا العكس، ويكون فيه التوسعة، فلو صلى في الثوب الاستصحابي، ثم تبين نجاسته، يكون معذورا، وأما إذا كان على يقين من نجاسته فلا يكون حجة، وتجري قاعدة الطهارة والبراءة وغير ذلك. وكل ذلك من جهة ظهور مادة " ينبغي " في الرجحان، كما هو كذلك في كلمات الفقهاء في الرسائل العملية. ومجرد استعمال " لا ينبغي " في بعض المحرمات لا يكفي، بعد وجود الأدلة الاخر والقرائن الحافة. وعلى هذا الامور، ثلاثة: منها: ما ليس بحجة، كالظن المطلق. ومنها: ما هو الحجة على الإطلاق، كالطرق العقلائية. ومنها: ما هو الحد الوسط المعبر عندي عنه ب‍ " الحجة على الترخيص، لا العزيمة ". ومن جهة أن حرمة نقض اليقين بالشك، لا معنى لها في المندوبات الذاتية وحل المشكلة من الجهة الأخيرة ولو أمكن، إلا أنه يستلزم خلاف الظاهر، بخلاف أن يقال: إن الاستصحاب حجة غير منجزة للواقع، بل هو حجة معذرة في صورة التخلف فقط، والنهي في بعض الأخبار دليل عند عدم وجود هذه الرواية، ضرورة أنه يدل تعليقا، وهذه تدل تنجيزا. وبالجملة: هذه الرواية سبب لصرف النهي والأمر في سائر الأخبار حسبما تحرر، سواء كان ذلك بالجملة الإخبارية، أو الإنشائية، ففي نفس هذه الرواية يكون

[ 364 ]

قوله (عليه السلام): " تغسل من ثوبك... " إلى قوله (عليه السلام): " حتى تكون على يقين من طهارتك " دالا على التوسعة في مسألة التعذير فقط. ويؤيد ما ذكرنا: أن الاستصحاب حجيته ارتكازية خفية، وهي تناسب ما أبدعناه، بخلاف الحجج العقلائية الواضحة، وعلى هذا لا حكومة للاستصحاب على مثل قاعدة الطهارة وحديث الرفع، كي يكون منجزا ومضيقا على المكلفين. أقول: يمكن أن يقال: إنه فرق بين أن يقال: " لا ينبغي شرب ماء الرمان " و " لا ينبغي ترك الاحتياط " وبين أن يقال: " لا ينبغي لك أن تصوم يوم عاشوراء " أو " أن تشرب ماء الورد " فإنه في الفرض الثاني أدب في التعبير عن أمر لازم، فلو قال المولى لعبده: " لا ينبغي لك أن تلبس القلنسوة والحذاء " فكلمة " ينبغي " و " لا ينبغي " وإن لم تدل على أمر لازم، ولا تكون حجة في حد ذاتها، إلا أنه ربما تكون حجة، لوجود بعض القرائن الحافة. أو يقال: إن الأوامر والنواهي الكثيرة المتراكمة كالمطلقات المتعاضدة في مقابل القرينة الواحدة على جواز استعمال " لا ينبغي " في المحرمات من غير كونه مجازا، أي يجوز أن يقال: " لا ينبغي لك شرب الخمر " فلا تثبت قرينة الرواية المذكورة، لأن الأمر والنهي ظاهران عقلائيان في اللزوم، وكلمة " لا ينبغي " ظاهرة في عدم اللزوم، وليست موضوعة لذلك كي تكون دلالتها تنجزية. نعم، هذه أوضح، وذاك أكثر، فيصح أن تصير تلك الكثرة قرينة على أن كلمة " لا ينبغي " مدخولها أمر لازم ومنجز، كما هو معذر. أو يقال: في الصحيحة الآتية تأكيدات متعاقبة، وفي ذيلها: " ولا يعتد بالشك في حال من الحالات " بعد مفروغية كونه مسبوقا باليقين، وليس المراد الشك البدوي فتأمل، فيدور الأمر بين عموم هذه الجملة، والظهور المذكور. اللهم إلا أن يقال: بأنها محل إشكال دلالة. مع أن العمومات عندنا تحتاج إلى

[ 365 ]

مقدمات الحكمة، فتقع المعارضة بين الأدلة من هذه الجهة، والقدر المتيقن معذرية الاستصحاب. أويقال: إن الاعتماد على الظن، أولى من الاعتماد على الشك المسبوق باليقين. وبعبارة اخرى: في ظرف الشك زال اليقين بالضرورة، وعلى هذا، الاتكاء على الظن أولى من ذاك اليقين الزائل، ولاسيما إذا كان له الظن على خلاف اليقين السابق. أو يقال: في " الخصال " (1) وفي نواقض الوضوء من " الوسائل " (2) - على ما يأتي (3) - قال (عليه السلام): " فإن الشك لا ينقض اليقين " ومقتضى التعليل طرو الشك، وظهوره في أن الشك المسبوق باليقين بلا خاصية، ربما يكون أقوى من الجملة المذكورة، ولازمه أن اليقين السابق منجز ومعذر في ظرف الشك. وهكذا ما في الرواية الاخرى: " فإن اليقين لا يدفع بالشك " (4). هذا مع أن المضمرة الثانية غير معلومة حجيتها، لما مر (5)، فسائر الأخبار تبقى على إطلاقها. مع أن إجمال المضمرة غير معارضة سائر الروايات معها، فإنه في صورة التعارض تكون الأخبار قرينة على أن الأدب في التعبير يقتضي أن يقال: " ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك " وفي الصورة الاولى تكون المضمرة قرينة على أن النهي والأمر ليسا إلزاميين، وليس الاستصحاب إلا معذرا. وبعبارة اخرى تارة: تصبح المضمرة مجملة، فتكون الإطلاقات مورد


1 - الخصال: 619. 2 - وسائل الشيعة 1: 246، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 6. 3 - يأتي في الصفحة 380. 4 - الإرشاد: 159، مستدرك الوسائل 1: 228، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 4. 5 - تقدم في الصفحة 340. (*)

[ 366 ]

الاتكاء، لعدم سراية المجمل المنفصل إلى المطلق، كما في العام والخاص، وإن قيل بالفرق بين العام والخاص، وبين المطلق والمقيد، ولذلك لا يقع النزاع في مسألة جواز التمسك بالمطلق في مورد الشك في الشبهة المصداقية للمقيد، لتعنون المطلق باليقين، كما صرح به العلامة الأراكي في محله (1) على ما ببالي فليراجع، وهو خلاف التحقيق. واخرى: تصبح معارضة قرينية مجموع الأخبار لهذه المضمرة، أو قرينية المضمرة لسائر الأخبار، وحيث إن استعمال جملة " لا ينبغي " في الإلزاميات ليس مجازا يتعين الأول، فيبقى إطلاق سائر الأخبار على حاله. مع أن مناسبة الحكم والموضوع، وإلغاء الخصوصية، ومساعدة الاغتراس، وبعد التفكيك، كله يؤيد الإطلاقات المزبورة، وإلا فلا أصل لهذه الامور عندنا. ومنها: المعتبرة الثالثة لزرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال قلت له: من لم يدر في أربع هو أو في اثنتين، وقد أحرز الثنتين. قال: " يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب، ويتشهد ولا شئ عليه، وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها ركعة اخرى، ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك باليقين، ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات " (2).


1 - مقالات الاصول 1: 440 - 441. 2 - تهذيب الأحكام 2: 186 / 740، وسائل الشيعة 8: 220، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 11، الحديث 3. (*)

[ 367 ]

الكلام هنا في مراحل ثلاث مع رعاية الإجمال: المرحلة الاولى: حول مقتضى القاعدة في مورد الشك في الركعات والذي هو الحق: أنه يجوز الإتيان بالزيادة الاحتمالية، لأنه على كل تقدير إذا أتى بالثنتين موصولة، فإما يكون ذلك موجبا للفراغ، أو تكون الزيادة غير مبطلة، للشك فيها، فكما لو شك قبل الدخول في الركوع يجب عليه الركوع، لأنه مقتضى قاعدة الاشتغال، واحتمال الركوع الزائد غير مضر، كذلك الأمر بالنسبة إلى الركعتين، وذلك لأن الركعة ليست إلا الأجزاء، فلو شك قبل الدخول في الركوع يجب عليه الركوع، فإذا أتى به ثم شك في السجدتين تجب عليه السجدتان، وهكذا الأمر لو شك بين الثلاث والأربع. وتوهم وجوب إحراز الأربع بما هي أربع، في غير محله، ضرورة أنه لو بنى على الأربع، وأتى بالاحتياطية، لم يحرز الأربع بما هي هي، لأن السلام العمدي انصراف ومضر وقاطع، مع أنه في الفرض المذكور يلزم عدم إحراز الأربع بالضرورة، كما لا يخفى. المرحلة الثانية: في فقه الرواية قضية الجملة الاولى في الفرع الأول هو الإتيان بالركعتين مفصولة، وذلك لأن احتمال الإتيان بهما موصولة وإن كان يمكن، إلا أن الظاهر هو الأول، وذلك لأن مقتضى أصالة الجهة والتطابق هو الإتيان بهما مفصولة، ضرورة أن مقتضى وضوح المسألة هو الإتيان بأربع ركعات قائما، وحيث قال (عليه السلام): " وهو قائم " في مورد الشك يوجب أن النظر إلى حكم حديث، وإلا فلا حاجة إلى تذكيره (عليه السلام)

[ 368 ]

بالإتيان بهما قائما، فهو دليل على أنه يبني على الأربع ويتم، ثم يتدارك بالمفصولة قائما. فلا وجه لحمل هذه الجملة على التقية (1)، إلا من جهة عدم التذكير بالتشهد والسلام، ولكنه غير تام، لأن حكم مثل هذه المسألة من هذه الجهة كان معلوما لمثل زرارة، بخلاف الإتيان بهما قائما، لإمكان جواز الإتيان بهما قاعدا، كما في بعض الشكوك الاخر، بأن يأتي بأربع ركعات قاعدا. مع أن الظاهر البدوي فيها هو تعين الفاتحة. وذكر التشهد هنا، وعدم ذكره بعد قوله (عليه السلام): " يركع ركعتين " أيضا يشهد على أن المراد هي المفصولة، لاحتمال عدم وجوبه، لأنه أتى بالتشهد بعنوان الأربع، فإن المحرر عندنا أن المفصولة ليست إلا لتدارك النقيصة، لا تبديل الامتثال كما ذهب إليه الأكثر (2)، وتفصيله في تحريراتنا الفقهية (3). هذه هي القرينة الاولى لتوهم أن المراد هي الموصلة. والقرينة الثانية: أن الظهور في الموصولة قطعي، فلا تجري فيها أصالة الجهة، لذهاب الأوزاعي والشافعي وأحمد إلى تعين الفاتحة في جميع الركعات (4). وفيه: أن الحمل على التقية له شرائط، وهي هنا معدومة، مثلا هذه الرواية إما في عصر الباقر (عليه السلام) أو الصادق (عليه السلام) والشافعي وأحمد توفيا سنة (204) و (241) ولم يكن وجه للخوف منهما، والأوزاعي توفي سنة (157) ولكنه لم يكن في عصرهما (عليهما السلام) بشئ، بل خلفاء الجور كانوا متبعين لرأي أبي حنيفة المتوفى سنة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 361، الاستصحاب، الامام الخميني (قدس سره): 50. 2 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 7: 501. 3 - هذه المباحث من كتاب الصلاة من تحريرات في الفقه مفقودة. 4 - المغني 1: 525، فتح العزيز 3: 313 - 314، المجموع 3: 361. (*)

[ 369 ]

(150) وهذا الشرط أيضا كان مفقودا في عصر صدور الرواية، كي تحمل على خلاف جهة الصدور، فالرواية من جهة التقية نقية عندنا على تقدير التعارض. مع أن في الجملة الاولى لا معارضة كما مر. وأما الجملة الثانية، فهي وإن كانت ظاهرة في الموصولة - ولاسيما بعد فقد الشواهد في السابقة - مشتملة على تعين القيام، مع ظهور قوله (عليه السلام): " فأضاف إليها " في الوصل إلا أن احتمال حدوث المتقى منه في الأثناء بعيد جدا، مع أن الجملة الثانية بدوية، وليست جوابا، ولا يخفى على الإمام (عليه السلام) وجود المتقى منه في المجلس، كي تلزم السعاية عند الخلفاء - لعنهم الله تعالى -. وفقد بعض الشواهد - مثل عدم ذكر الفاتحة هنا - يشهد على أن مثل أولئك المذكورين لم يكونوا مورد الاتقاء، وإلا كان ينبغي أن يقال: " فأضاف إليها ركعة اخرى بفاتحة الكتاب ". فيعلم منه: أن المنظور تجويز القيام في قبال الأخبار الاخر الظاهرة في تعين القعود (1)، ولذلك ذهب جمع إليه (2)، وجمع من المتأخرين إلى الاحتياط هنا، بأن يأتي بها قاعدا (3)، فعدم ذكر التخيير لمعلوميته، فيكون قوله (عليه السلام): " قام " بعد تلك الأخبار في مقام الجمع لازما، ليعلم جوازه، كما ذهب المشهور إلى التخيير في الشك بين الاثنتين والثلاث بعد إكمال السجدتين (4)، فأصالة جهة الصدور باقية في فقه الحديث على الأظهر. هذا مع أنه في مورد دوران الأمر بين أصالة الجهة، وبين ظهور " قام فأضاف


1 - وسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 4 و 5. 2 - لاحظ ذكرى الشيعة: 227 / السطر 1، جواهر الكلام 12: 336. 3 - لاحظ العروة الوثقى 2: 18 فصل في الشك في الركعات، المسألة 2، وما علق عليه الأعلام. 4 - جواهر الكلام 12: 335 - 336، مستمسك العروة الوثقى 7: 458. (*)

[ 370 ]

إليها " في تعين الموصولة، مع وجود الأخبار الاخر الصريحة في جواز القعود (1)، لا يبقى وجه لتخيل تقديم الثاني. ومع قطع النظر عن تلك الأخبار - كما هو الشأن - يكون الأمر أيضا كما تحرر، لاحتمال اشتهار المسألة والإتيان بها قاعدا، فأفاد (عليه السلام): " أنه يجوز القيام ". مع أن في جملة " فأضاف إليها " مع عدم ذكر التشهد، مشكلة عقلية: وهي حديث امتناع الإضافة والزيادة الواقعية، وهو وإن أمكن عقلا، ولكنه لا يصح أن يقال: " فأضاف إليها " مع احتمال عدم الإتيان بالرابعة، وليس ما يأتي به إضافة، بخلاف ما إذا اريد به المنفصلة، فإنه أمر جديد وصلاة مستقلة، ويجوز أن يقال: " وأضاف إليها صلاة اخرى " أو " ركعة مستقلة " كما إذا قيل في موارد النوافل المأتي بها قاعدا: " إنه يضيف إليها اخرى " فليتأمل. هذا مع أن في النسخة الموجودة قوله (عليه السلام): " أضاف إليها اخرى " لا " ركعة اخرى " إلا في نسخة من " الاستبصار " (2). تكملة: حول حجية هذه الرواية لو كانت تقية فإن الإعراض ومخالفتها للشهرة توجب عدم حجيتها، وإنما التقية من المرجحات عند جمع أو المميزات، وأما الشهرة فيما نحن فيه فهي من المميزات بالضرورة، وعلى هذا تندرج المسألة في مسألة التفكيك في الحجية. بل هنا أسوأ حالا منه، كما يظهر إن شاء الله تعالى. ومجرد إمكان كون التطبيق تقية دون الكبرى الكلية، غير كاف، لأن المسألة


1 - وسائل الشيعة 8: 216، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 1 و 2. 2 - الاستبصار 1: 373. (*)

[ 371 ]

على مبنى عقلائي، فالأمثلة المذكورة في كلمات العلامة الأراكي (1) والنائيني (2) وغيرهما (3) - بعد مفروضيتها كما لا يخفى - غير كافية، لأن البحث حول الأمر الزائد على الإمكان، وإنما الحاجة إلى قيام دليل على حجية الرواية على وجه عقلائي. فالحق ما أشرنا إليه من: أن الفرعين مضافا إلى موافقتهما بحسب الدلالة الابتدائية للمذهب الحق، وهو الإتيان مفصولة، يكون مقتضى الجمع العرفي والعقلائي بينها وبين سائر الأخبار، ذلك أيضا، ضرورة أن المشهور خبرا (4) وفتوى هو القعود في الفرع الثاني (5)، وحيث كان المعروف في عصر الرواية ذلك - حسبما هو المعروف بين أرباب الكتب والتصنيف - اشير إلى أن القعود غير متعين، والقيام مرخص فيه، ولا معنى للأمر بالقيام متصلة بعد كون ذلك مقتضى القاعدة، كما عرفت في الجهة الاولى (6)، فقوله (عليه السلام): " قام " كأنه يفيد جواز المفصولة قاعدا وقائما، ويفيد مذهب الحق. المرحلة الثالثة: فيما يرتبط بما نحن فيه وهو قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك... " واعلم: أنك قد عرفت أنه بعد شدة ارتباط هذه الجمل بالسابقة، لا يمكن حمل الفرعين على خلاف المذهب، والأخذ بهذه الجمل لحجية الاستصحاب، لأن


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 57 - 58. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 361 - 362. 3 - منتهى الاصول 2: 429. 4 - وسائل الشيعة 8: 217 - 218، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 4 و 5 و 6. 5 - جواهر الكلام 12: 345، مستمسك العروة الوثقى 7: 460 - 462، مستند العروة الوثقى 6: 179. 6 - تقدم في الصفحة 367. (*)

[ 372 ]

أصالة عدم السهو والخطأ والغفلة والنسيان والاشتباه، تجري في موارد عدم وجود ما يصلح للقرينية، فلو كان الفرعان أو الثاني خلاف المذهب، وساقطا غير معتبر، فلا معنى لتوهم حجية الكبرى، لعدم دليل على التفكيك، وبناء العقلاء لا يقتضي في هذه الموارد حجيتها بالضرورة. فلازم ما توهمه القوم سقوط الصحيحة الثالثة عن سنديتها لحجية الاستصحاب، لأن المفروض فقدان الدليل عليها، وانحصاره فيها، فلا يقاس بالأمثلة الاخرى المذكورة في حديث الرفع في قصة التمسك به على بطلان الحلف بالطلاق والعتاق والصدقة وغير ذلك (1)، كما أشرنا إليه. فمن هنا يظهر وجه ضعف كلمات القوم (2)، ووجه ضعف احتمال الشيخ (رحمه الله) بالنسبة إلى فقه الحديث (3)، وهكذا ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (4). وأما هذه الجمل، فهي وإن كانت تتحمل الاحتمالات المذكورة في " الوافي " (5) وغيره (6)، إلا أنا لا نطيل الكلام بذكرها، فإن الذي يظهر لي بعد التأمل الكثير: أن " اليقين " و " الشك " في الجملة الاولى، هما اليقين والشك الاستصحابيين، ويكونان هما بنفسهما وبعنوانهما مورد - النظر، ودليلا على أن القيام للركعة الاخرى أو القعود - حسب الأخبار الاخر - لازم، لأنه كان على يقين بوجوب الأربع الموصولة إذا لم يشك، والمفصولة إذا شك، وأن ذلك من الأحكام الواقعية الأولية،


1 - وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، أبواب الأيمان، الباب 16، الحديث 6. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 525، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 361 - 362، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 57 - 58. 3 - فرائد الاصول 2: 567 - 569. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 54. 5 - الوافي 8: 980. 6 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 51 - 54. (*)

[ 373 ]

وإذا شك فعليه المفصولة، وعدم الاكتفاء بالثلاث المحرزة. وقد اريد حسب الأصل من " اليقين " و " الشك " معناهما، ولا شبهة في انتقاض اليقين بوجوب الموصولة، لاحتمال الإتيان بها، ولكنه تعبدا لا ينتقض ذلك اليقين بالشك، فعليه الوظيفة المحررة للشاك في الركعات كي ينتقض عملا اليقين باليقين. وما قيل من: " أنه كان على يقين بالأربع الأعم " غير تام كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (1) كي يقال: بأن وجوب المفصولة لا ينافي الاستصحاب، مع أنه كان على يقين بوجوب الأربع الموصولة إذا لم يشك في الأثناء، فتأمل، وسيمر عليك بعض الكلام حوله إن شاء الله تعالى (2). بل كان على يقين بالأربع الموصولة، إلا أنه إذا شك في المصداق المشتغل به كانت وظيفته المفصولة، وعندئذ " لا يدخل الشك في اليقين " أي المشكوك في الثلاث المحرزة، وذلك لأن الإدخال والاختلاط باختياره، بخلاف اليقين والشك والنقض المستند إلى اليقين، فهاهنا قرينة على أن المراد من " اليقين " و " الشك " في الجملة الثانية هو المتيقن والمشكوك، وهي الركعات الثلاث الموصولة، والرابعة المشكوكة التي باختياره وصلا وفصلا، فقد نهى عن الوصل والخلط والإدخال. وكل ذلك شواهد على أن الفرعين مطابقان للمذهب، وعلى أن الاستصحاب حجة، وهو استصحاب الاشتغال، وتشهد الرواية على أنه في موارد الشك في الفراغ، يكون الاستصحاب محكما، لا القاعدة، كما هو التحقيق عندنا، وحررناه في محله (3).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 362 - 364. 2 - يأتي في الصفحة 374 - 375. 3 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتب المؤلف (قدس سره). (*)

[ 374 ]

وإليه يشير قوله (عليه السلام): " ولكنه ينقض الشك باليقين " أي الشك في الفراغ باليقين بالفراغ " ويتم على " وجه " اليقين " بالفراغ تعبدا، ولذلك قال (عليه السلام): " فيبني عليه " بداهة أنه لا يعقل إلا على نحو البناء العملي، وإذا كان صاحب اليقين بالاشتغال " لا يعتد بالشك في حال من الحالات " فلابد وأن يحصل له اليقين بالفراغ تعبدا. تكميل: الاستدلال بالمعتبرة الثالثة لزرارة أولا: إن مجرى الاستصحاب نفس اليقين بالاشتغال والشك في بقاء الشغل، وينتقض اليقين بيقين آخر، كما ورد في الرواية السابقة، بناء على دلالتها على الاستصحاب على ما سبق. وتوهم: أن اليقين بالاشتغال لا أثر له، في غير محله، لما سيمر عليك في التنبيهات من عدم لزوم كون المستصحب حكما أو موضوعا ذاحكم (1)، كما هو كذلك في استصحاب عدم الجعل والوجوب والحرمة، وفي استصحاب الأعدام المضافة. ومن هنا يظهر: أن اليقين والشك فعليان على نحو القضايا الحقيقية في ظرف وجود موضوعاتها، وإلا فالإمام (عليه السلام) ليس بشاك، ومع ذلك يحكم بحجية الاستصحاب. مع أن الشك ليس ركنا عندنا، بل هو كالشك في موارد الأمارات. إن قلت: لابد وأن يكون المستصحب اشتغاله بالأمر المعين المعلوم، ولا معنى لأن يكون عنوان " الاشتغال بالتكليف المجمل ". قلت: نعم، وهو معلوم بحسب مقام جعل التكليف على الطبيعة، فإنه على يقين عند دخول الوقت باشتغال ذمته بالأربع الموصولة، إلا أنه بعد الاشتغال الخارجي بالصلاة وطرو الشك، لابد من اليقين بفراغ ذمته، والإتيان مفصولة موجب


1 - يأتي في الصفحة 424 - 425. (*)

[ 375 ]

لفراغ الذمة تعبدا، وهذا ليس تعبدا مطلقا، خلافا " للكفاية " (1) والتقريرات للنائيني (رحمه الله) (2) بل حكومة بحسب مقام الامتثال. وثانيا: ليس المراد من " اليقين الاستصحابي " هو اليقين بعدم الإتيان بالرابعة، لأن التعبد به من المثبتات، وهم لا يقولون به، ضرورة أن الواجب هو الصلاة الفانية فيها الأجزاء والركعات، حسبما تحرر في الأقل والأكثر (3)، فهناك تقيد ومعنى حرفي لا يمكن إحرازه بعدم الإتيان بالرابعة. هذا مع أنك قد عرفت: أن الواجب المجعول على نعت الكلي العنواني هو التمام مثلا، وهو متعلق اليقين، أي هو على يقين بوجوب الأربع الموصولة، ولا شك في أنه إذا أتى بالمفصولة - بحسب الأدلة الخاصة المتكفلة لحال المكلف عند الاشتغال بالمصداق والإتيان بالصلاة - يكون هو أمرا أجنبيا عن الاستصحاب، فيسقط جميع ما افيد في تقريرات الأساتذة والتلامذة، بخلاف ما إذا كان المستصحب اشتغاله بالتكليف من غير النظر إلى الصلاة وغيرها في الجملة الاولى: وهو قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك " فإنه قانون عام كلي. ويؤيد ذلك ما في سائر الأخبار، وفي نفس هذا الخبر عند قوله (عليه السلام): " ولكنه ينقض الشك باليقين " فإنهما الشك واليقين الحاصلان بعد الشك القابل لناقضية اليقين الأول حكومة وادعاء، لقوله (عليه السلام): " فيبني عليه ". ثم إن استصحاب عدم الإتيان بالركعة الواجبة عليه - وهي الموصولة حسبما عرفت - يقتضي فقدان الشك، وبقاء اليقين أو المتيقن تعبدا، ولا يعقل اندراجه في أدلة الشكوك بين الأقل والأكثر، للزوم المناقضة. وفي خصوص الصحيحة الثالثة


1 - كفاية الاصول: 450. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 363 - 364. 3 - تقدم في الصفحة 29 وما بعدها. (*)

[ 376 ]

أيضا لا معنى للتقييد بالنسبة إلى أدلة الاستصحاب، لأن إحدى القضيتين ركن فيه، فلو شك بقاء عهدته بالصلاة، فورد: وجوب الزكاة، لا يكون ذلك تقييدا لإطلاق دليل الاستصحاب، كما في كلماتهم (1) على ما اشير إليه، فليتأمل. فالحق: أن ما ذكرناه أقرب إلى الجملات المذكورة في الصحيحة إثباتا، وأخلص من الشبهات المزبورة. وثالثا: إن قضية ما ذكرناه حجية الاستصحاب على الإطلاق، لا في خصوص الركعات، وأما على ما أفاده القوم فيصح الإشكال كما اشير إليه في " الكفاية " (2) ولا يكفي جوابا عنه، الاستدلال بالأخبار الاخر (3) كما هو الظاهر، ولا بقوله (عليه السلام): " ولا يعتد بالشك في حال من الحالات " (4) لأن عمومه أو إطلاقه يقتضي الاحتياط في الشبهات البدوية. وإن اريد به الشك الاستصحابي فقوله (عليه السلام): " في حال من الحالات " إما مجمل سار، أو ناظر إلى حال من حالات المصلي. إن قلت: لو كان المراد من قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين بالشك " هو اليقين بالاشتغال، فيشكل أيضا عموم حجيته. قلت: نعم، إلا أن المتبع هو إطلاق القاعدة الكلية والضباطة العامة، وإنما أردنا فيما سبق توضيح مفاد الرواية بحسب المورد، لأجل انحلال الكلية العامة انحلالا حكميا. ولعمري، إن الرواية مع اغتشاشها حسب فهمنا، في غاية الاعتلاء، لاحتوائها على مسائل اصولية عملية وعلمية.


1 - كفاية الاصول: 450، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 363. 2 - كفاية الاصول: 450، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 183. 3 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 447. 4 - مصباح الاصول 3: 60. (*)

[ 377 ]

فتحصل: أن المورد إن كان تقية، ومحط الإعراض، ومخالفا للمذهب، فيستلزم ذلك سقوط حجية الصحيحة رأسا، وإن كان موافقا للمذهب فالقاعدة الكلية أيضا موافقة للعامة، فلا تقية في شئ منها. وتبين: أن المستصحب هو الاشتغال بالموصولة من أول الأمر، ولا إهمال هناك. وكفاية المفصولة عملا من قبيل الحكومة، لا التقييد. وليس المستصحب عدم الإتيان بالرابعة، كي يلزم التقية في خصوص الرواية كما عرفت، مع ما عرفت من المناقشات الكثيرة. واتضح عموم الحجية على ما أسسناه، وجريان استصحاب الاشتغال الوارد على قاعدته. وأيضا تبين وجه فعلية اليقين والشك في مطلق الأخبار. وأما احتمال أن يكون المراد هو اليقين بعدم الإتيان بالأربع بما هي أربع، لا الرابعة، فيأتي تحقيقه في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى (1). بقي شئ: توهم عدم دلالة " ولا ينقض اليقين " على المدعى إن قوله (عليه السلام): " ولا ينقض اليقين " ليس دليلا وحجة على المدعى، كي يستدل به على المطلوب، ولعله يشبه الاستحسان والحكمة. ويؤيده وروده على نعت الجمل الخبرية. ومجرد ورودها في موارد كثيرة كناية عن الإيجاب والتحريم، لا يكفي. وفيه: أنه - مضافا إلى كونه كناية عن النهي والجري العملي، لانتقاض اليقين طبيعة - يدل على أنه لا يختص بالركعات والصلاة، بل هو أمر كلي ذكره (عليه السلام) بعد انطباقه على المورد، فلا حاجة إلى التعليل في استفادة القاعدة الكلية. ومنها: معتبر إسحاق بن عمار أنه قال: قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام): " إذا شككت فابن على اليقين ".


1 - يأتي في الصفحة 379. (*)

[ 378 ]

قال قلت: هذا أصل ؟ قال (عليه السلام): " نعم " (1). كما لا معنى للشك في أصل الصدور، لا وجه لإسقاط أصالة الجد، كما في " رسائل " الوالد المحقق - مد ظله - (2) ومجرد المناسبة مع التقية لا يكفي لتمامية حجة المولى على العبد، ولاسيما بعد صدوره ابتداء، فإنه بعيد عن التقية كما لا يخفى. وأما احتمالات المتن، فربما تبلغ في الكثرة إلى حد الإجمال، ضرورة أنه يحتمل اختصاصه بالشك في الركعات، وأداء الركعة حسب المذهب. وهو بعيد، لأنه يرجع إلى تحصيل اليقين. ويحتمل اختصاصه بالشبهة البدوية وإيجاب الاحتياط عملا، كما في كلام الشيخ (رحمه الله) (3). وفيه: أنه يحتمل كونه دليل البراءة، أي " إذا شككت فابن على اليقين بالإباحة عملا " لأن المأمور به هو البناء على اليقين، وهذا مما لا يعقل، فحمله على تحصيل اليقين غلط، لخروجه عن أدب العرب. هذا، ويحتمل كون الهيئة نفسيا، كما يحتمل كونه منجزا بالنسبة إلى الواقع عند الإصابة، ويحتمل كونه ترخيصا وتأسيسا بجعل اليقين حجة. ويحتمل كون المراد من " اليقين " و " الشك " المتيقن والمشكوك، أو عنوانهما، وعلى التقديرين الاستصحاب، أو قاعدة اليقين، أو هما معا، لأن الجمع ممكن، لصدق " اليقين " على الجهل المركب، والشك الساري.


1 - وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 8، الحديث 2. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 56 - 57. 3 - فرائد الاصول 2: 568. (*)

[ 379 ]

وربما يكون الأظهر: أن حذف متعلق الشك واليقين، دليل على أنه معنى عام وقانون كلي، ولاسيما بعد السؤال والجواب فإن عليهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، إلقاء الاصول، وعلينا التفريع، فيتبع حسب المورد، فإن كان من الاستصحاب فيؤخذ به، وإن كان من قاعدة اليقين فهكذا، وإن كان من الشك البدوي فلا يعقل البناء على اليقين بالحرمة والإباحة. نعم، يعقل البناء على الوجوب والإباحة بالمعنى الأعم، ولكنه بعيد. ولعل قوله: " فابن على اليقين " يكون ظاهرا في سبق اليقين على الشك، ولذلك قال: " إذا شككت " فإن كلمة " إذا " دون كلمة " إن " والاولى تأتي في أمثال سبق أمر تكويني أو تشريعي، فعلى هذا دلالته على حجية الاستصحاب وقاعدة اليقين قوية جدا. ولا معنى لإيجابه الاحتياط، لاحتمال كونه في مقام الامتنان. ولو فرضنا أنه من أدلة البراءة أو الاحتياط، فلا بأس بالأخذ بعدم وجوب الاحتياط، للأدلة السابقة، فيبقى الشك المسبوق باليقين، فلا وجه لكون اليقين في الخبر مرددا بين السابق واللاحق، بل هو تابع لمورده. ويجوز أن يقال: بأن مقتضى هذا القانون العام القابل للانحلال، هو أنه إذا شك في ركعات الصلاة فلازمه الشك في الإتيان بالأربع، لاحتمال الإتيان بها، ولازم الشك فيه هو البناء على اليقين بعدم الإتيان بها، فيجب عملا الإتيان بالأربع الاخر، أو الإتيان بالركعات الاحتياطية، لأنه مضافا إلى عدم دليل على حرمة الانصراف عما في يده إذا أتى بركعات الاحتياط المفصولة، يلزم البناء على عدم الإتيان بالأربع، وأما في مقام الفراغ فعليه المنفصلة، للأدلة الخاصة، لما عرفت فيما سبق (1).


1 - تقدم في الصفحة 367. (*)

[ 380 ]

ومنها: رواية " الخصال " بإسناده عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) علم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه... ". إلى أن قال: " من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين " (1). وفي " المستدرك " عن " إرشاد المفيد ": قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه فإن اليقين لا يدفع بالشك " (2). وفي سنده مضافا إلى محمد بن عيسى اليقطيني، القاسم بن يحيى، وجده الحسن بن راشد، وعندي يعتبر الأول والأخير، إلا أن اشتراكه مع ابن راشد الطغاوي ربما يوجب المشكلة. إلا أن أبناء راشد ثلاثة، ولا يبعد اعتبار الكل دون اتحادهم، وما تخيله العلامة النوري (قدس سره) (3) لا يوجب تعددهم، والتفصيل في محله (4). وأما القاسم فهو وإن لم يضعفه المشايخ الرجاليون، إلا الغضائري المرمى تضعيفه (5)، لرجوعه إلى ما لا يرجع إلى محصل، ولم يوثقوه، وتضعيف العلامة في " الخلاصة " (6) عندنا غير جارح، ولاسيما إن رجع إلى تضعيف الغضائري كما


1 - الخصال: 619. 2 - الإرشاد، للمفيد (رحمه الله): 159، مستدرك الوسائل 1: 228، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 4. 3 - مستدرك الوسائل (الخاتمة) 3: 588 / السطر 2 وما بعده. 4 - لعله في فوائده الرجالية وهي مفقودة. 5 - مجمع الرجال 5: 53 / السطر 34، معجم رجال الحديث 14: 65. 6 - رجال الحلي: 248. (*)

[ 381 ]

قيل (1)، ولكن الأمارات العامة ناهضة على اعتباره، كرواية أحمد بن محمد بن عيسى، وكون كتابه هو حديث الأربعمائة على الأشبه، مع بعض ما ذكرنا في وجه حجية خبر الواحد (2). ويؤيد اعتبار الخبر ما عن " الإرشاد " للمفيد قال فيه: " قال أمير المؤمنين (3) (عليه السلام)... " فإن مرسلات الصدوق عندي غير نقية مطلقا، لأنه كان صافي الضمير سريع الوثوق، بخلاف مثل المفيد (رحمه الله) فإسناده إليه (عليه السلام) يشهد على وجود ما يوجب وثوقنا عنده. نعم، في " الخصال " بعد الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام): " عن أبي، عن جدي " قال: عن آبائه: " أن أمير المؤمنين (عليه السلام)... " مع أنه لا معنى لكلمة " آبائه " بعد السجاد (عليه السلام) لأن الواسطة تنحصر في الحسين (عليه السلام) اللهم إلا أن يكون المراد أعم من الحسن والحسين (عليهما السلام). وتكون كلمة " الآباء " مستعملة في الاثنين، فليتأمل. وبالجملة: ذهب الشيخ إلى أنه دليل قاعدة اليقين (4)، نظرا إلى أن قوله (عليه السلام): " من كان... " ظاهر في أنه كان في الزمان السابق على يقين، وهو الآن ليس عليه. مع أنه في الاستصحاب هو على يقين فعلا بالنسبة إلى الطهارة مثلا، وإنما المتيقن في السابق. هذا مع أن الدقة تقتضي أنه كان على يقين فشك في عين ما تيقن به، وهو الحدث مثلا، وفي الاستصحاب يشك في بقائه. وفيه أولا نقضا: بأن المعتبر الثاني لزرارة (5) أولى بكونه دليل القاعدة، دون


1 - تنقيح المقال 2: 26 / السطر 34. 2 - تقدم في الجزء السادس: 414. 3 - الإرشاد: 159. 4 - فرائد الاصول 2: 569. 5 - تهذيب الأحكام 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641. (*)

[ 382 ]

الاستصحاب، لقوله: " لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت " فإن كلمة " فشك " تفيد اتصال زمان الشك باليقين، بخلاف كلمة " ثم " فإنها للانفصال، فلو تخلل اليقين الآخر، ثم شك، يجوز التعبير المذكور. هذا مع أن الدقة المذكورة تأتي في كبرى الروايات السابقة. وثانيا: مضافا إلى البحث في اشتمال الأفعال على الأزمان، إن حذف متعلق اليقين والشك - مع تعلقهما بشئ، لأنهما من الأوصاف ذات الإضافة - ربما كان لإفادة اعتبار الاستصحاب والقاعدة، فإن الشك في البقاء غير دخيل في حجية الاستصحاب، وتعريفه: " بإبقاء ما كان " (1) تعريف بأردأ الوجوه، نعم هو من تبعاته خارجا بل المعتبر سبق اليقين، ولحوق الشك الزماني أو الرتبي. وفي حجية الاستصحاب الاستقبالي إشكال لو انحصر الدليل في هذا التعبير، بل والرتبي، بناء على الانحصار. بل في جملة من الاستصحابات، لأن معنى اليقين غير العلم، فإنه لا يستعمل بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه العلم الحاصل عن نظر واستدلال، فاغتنم، وسيأتيك ما ينفعك (2). وثالثا: إن دليل المسألة قوله (عليه السلام): " فإن الشك لا ينقض اليقين " ولا يأتي عليه ما أورده على الجملة الاولى، وذلك إما لفهم العرف، أو لأن عكس النقيض من القضايا المعتبرة، وعكس نقيض هذه الجملة هو: " أنه ينقض اليقين غير الشك " وقد أوضحنا المسألة في ذيل قاعدة " لا تعاد... " (3) حيث ورد: " أن السنة لا تنقض الفريضة " ومما ذكرناه تظهر مواضع ضعف كلمات القوم حسب الصناعة، كما تبين ضعف إشكال الشيخ (رحمه الله) (4).


1 - فرائد الاصول 2: 541. 2 - يأتي في الصفحة 386 - 387. 3 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 4 - فرائد الاصول 2: 569. (*)

[ 383 ]

وبالجملة: حمل " اليقين " على المتيقن، ثم استفادة لزوم كونه متيقنا حين الشك من الرواية، كي لا تنطبق على القاعدة، خروج عن دأب المجتهدين المدققين. وغير خفي: أنه لو كان الصدر محمولا على اليقين والشك في الركعات، ولكن الذيل تعليل عام وإفادة قانون كلي. بقي شئ: حول شمول الرواية للزمان والزماني واختصاصها بالاستصحاب وعدمه " إن اليقين لا يدفع بالشك " من غير النظر إلى الزمان والزماني، ولا ينقض الشك اليقين على إطلاقهما، فلو شك يوم السبت في نجاسة شئ، ثم استيقن بنجاسته يوم الأحد، ثم شك في النجاسة يومي السبت والأحد " فإن اليقين لا يدفع بالشك " سواء كان الشك في يوم الاثنين، أو يوم السبت، بعد كون متعلقهما واحدا، ولم يتخلل اليقين بينهما، فإنه ينقض اليقين بيقين آخر، كما في الرواية الاولى (1)، أو هو مقتضى عكس النقيض، ضرورة أن معنى " أن اليقين ينقضه غير الشك " هو أنه ينقضه اليقين، فاغتنم وتأمل، فإنه حقيق ودقيق، فما أفاده الشيخ (2) وتبعه بعض آخر (3)، لا محصل له. وذهب جملة من الأفاضل كالعلامة الأراكي (4)، والنائيني (5)، وطائفة من


1 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 2 - فرائد الاصول 2: 569. 3 - أوثق الوسائل: 457 - 458. 4 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 63 - 65. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 364 - 365. (*)

[ 384 ]

تلامذتهما (1)، إلى تعين الرواية في الاستصحاب، أو قيل بامتناع غيره (2). كما ذهب جمع إلى ظهورها فيه، نظرا إلى مقايستها مع سائر الأخبار، كما في " درر " جد أولادي - رضوان الله تعالى عليه - (3) وهو مختار الوالد المحقق - مد ظله - (4). وإجمال الكلام: أن الأفعال خالية عن التقييد بالزمان، وأن ظاهر " فليمض على يقينه " هو الإمضاء على ما هو المحتمل بقاؤه، فلا ينطبق على غير الاستصحاب، وأن نسبة اليقين إليه ظاهرة في فعلية اليقين والشك، ولا فعلية لليقين في القاعدة، وأن المشتق بالنسبة إلى الزمان الماضي وحال عدم التلبس مجاز، فلا يعقل على المبنى المحرر (5) انتسابه إلى من كان على يقين وزال اليقين المتلبس به إلا على القول بالأعم، وهو باطل ظاهر. وليعلموا: أن هذه المقالات ناشئة عن النظر إلى أمرين أو امور: الأول: حذف المتعلق " لليقين " و " الشك " وأن المدار على اليقين والشك من غير النظر إلى خصوصية، كما تمسكوا بإطلاق أدلته لجريان الاستصحاب في التنبيهات الكثيرة الآتية إن شاء الله تعالى (6). الثاني: حمل " اليقين " و " الشك " على المتيقن والمشكوك، وأنه لابد من كونه حين الشك متيقنا بالطهارة مثلا، وهذا أمر لا يوجد في القاعدة. وهنا لا معنى للقاعدة، لما لا يكون متيقنا في ظرف الشك إلا على القول بالأعم، وأنت ترى


1 - مصباح الاصول 3: 66. 2 - منتهى الاصول 2: 432. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 527. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 58. 5 - تقدم في الجزء الأول: 343. 6 - يأتي في الصفحة 411 وما بعدها. (*)

[ 385 ]

خروجه عن الاجتهاد ودقة المجتهدين في فهم الأحاديث. الثالث: عدم التفاتهم إلى أن " اليقين " و " الشك " في الروايات من العناوين والمفاهيم، وهما هنا لا يوصفان بالطريقية والموضوعية، ولا بالزمان، لأن الفعل المضارع فارغ منه، وتفصيله في محله (1)، وإن كان الفعل الماضي منصرفا إليه. الرابع: أن " اليقين " أو " هو على يقين " ليس من المشتقات الجارية فيها النزاعات، لأن وضع اليقين شخصي لا نوعي، وليس هو مثل العلم كما اشير إليه (2)، إلا أنه لمكان الاستدلال بالأمر التعبدي - مع أنه غير وجيه - يعلم أن الشرع بصدد ضرب القانون أو القانونين النافعة في المسائل الحقوقية والاجتماعية والفروع الفقهية والاصولية، كما ترى في هذين المعتبرين، وفي الأخبار السابقة. فاجتماع قاعدة اليقين والاستصحاب تحت العنوان الفريد والمفهوم الوحيد على التقريب المذكور، ممكن جدا، ولا وجه لصرف الأدلة إلى أحدهما إلا فهم الأعلام واشتهار الاستصحاب بين المسلمين. بل اختصاص الحجية بالاستصحاب خلاف الاعتبار، لاشتهاره بينهم، مع اشتراك القاعدة معه في أساس السبب المنتهي إلى اعتبار الحجية، فلعل التعبير المذكور سيق لإفادتهما. وعندئذ يعلم: أن إسناد النقض إلى اليقين، أو المضي عليه، أو قوله (عليه السلام): " إن اليقين لا يدفع بالشك " كله صحيح، لأن المسند إليه عنوانه لا مصداقه، ضرورة انتفاء مصداقه في الاستصحاب والقاعدة. ومما يؤيد أن المسألة خارجة عن قضية المشتقات: أن ظرف الإجراء مسكوت عنه، لجواز أن يقال: " فإن الشك لا ينقض اليقين الذي كنت عليه، والآن


1 - تقدم في الجزء الأول: 363 - 367. 2 - تقدم في الصفحة 382. (*)

[ 386 ]

منتف " أو يقال: " فليمض على يقينه الذي كان موجودا وانعدم فعلا " أو يقال: " ولا يدفع اليقين الموجود في السابق بالشك الساري إليه " فإن جميع هذه الجمل صحيحة، ولا يلزم مجاز، ولا يبقى وجه لما توهم من رجوع ضمير " أصابه " إلى نفس اليقين، لما لا يعقل الشك فيه. ويعلم: أن إرادة المتيقن من " اليقين " (1) غير جائزة لغة، لأنه ليس مصدرا، بل هو اسم للعلم الحاصل بالاستدلال والنظر، فليس من قبيل المصادر المراد بها المفعول أو الفاعل فاغتنم، فإن فيما ذكرنا غنى وكفاية وضوء جدا. وبالجملة: ما هو المعتبر في حجية الاستصحاب والقاعدة، مستفاد من الرواية: وهو سبق اليقين على الشك زمانا أو رتبة، وفعليتهما في ظرف وجودهما المصداقي، دون تقدير اليقين والشك. وأما اعتبار وجود اليقين وبقائه في ظرف الشك، فليس بمعتبر في الحجية، وإن كان فرق الاستصحاب عن القاعدة مخصوصا بهذه الجهة اصطلاحا. وتوهم اقتضاء كثرة الابتلاء بالاستصحاب واقتضاء المقايسة بين الرواية وسائر الأخبار - بضميمة ظهور الرواية - أنه على يقينه في ظرف الشك، في غير محله، لممنوعية الانصراف، وأنه لا معنى للمقايسة بعد أعمية تلك الأخبار. مع أن الكلام في دلالة كل واحد منها مستقلا، وأنه لو كان النظر إلى اعتبار الفعلية المذكورة لكان ينبغي أن يقول (عليه السلام): " فليمض على اليقين " كي يعلم منه أن المراد نفس ذلك اليقين الموجود دواما وبقاء، فعدم الإتيان بأداة العهد الذكري يشهد على خلافه. وغير خفي: أن معنى الظهور هو الوضوح، فلو كان مخفيا على من سبق على " الدرر " (رحمه الله) والوالد مثلا - مد ظله - فكيف يكون واضحا ظاهرا ؟ !


1 - فرائد الاصول 2: 574 - 575. (*)

[ 387 ]

ولو قيل: إن مقتضى كون " اليقين " علما حاصلا عن النظر والاستدلال - ولذلك لا يجوز أن يقال: " هو - تعالى - على يقين " - كون الشك الساري بعيدا جدا ونادرا ندرة شاذة. قلنا: - مضافا إلى أنه لا يكفي للانصراف كما تحرر - إن من الممكن عدم جواز إسناده إليه - تعالى -، لأجل أنه مقابل الشك، وأنه يلزم اختصاص حجية الاستصحاب بموارد حصول العلم عن نظر واستدلال، وهو ممنوع على الأشبه، فليتدبر. وتوهم: أن الأقرب رجوع ضمير " أصابه شك " إلى اليقين، وحيث لا معنى له فيعلم منه: أن المراد من " اليقين " هو المتيقن ولو مجازا، محل منع كما مر، وهو واضح جدا. بقي شئ: في استفادة اختصاص الرواية بالاستصحاب وهو صدق " اليقين " في موارد القاعدة، فإن الجهل المركب ليس علما، وقد فسر اليقين بالعلم... ولا أقل من الشك، فاليقين في موارد الشك الساري مورد الشك في أنه علم ويقين واقعا أو تخيلا، وقد ورد في الكتاب العزيز: * (علم اليقين) * (1) و * (حق اليقين) * (2) و * (عين اليقين) * (3) والجاهل المركب يتوهم أنه على يقين عند وجوده، وبعد الشك الساري يشك من أنه كان على اليقين والعلم، أم لم يكن، وهذا يكفي لإسقاط حجية القاعدة بمثل هذه الروايات، لكونه من الشبهة المفهومية،


1 - التكاثر (102): 5. 2 - الواقعة (56): 95، الحاقة (69): 51. 3 - التكاثر (102): 7. (*)

[ 388 ]

والقدر المتيقن منها هو الاستصحاب. وإن شئت قلت: الأخبار المشتملة على كلمة " اليقين " على ألسنة مختلفة، وهي إما ظاهرة في خصوص الاستصحاب، أو مجملة يؤخذ بالقدر المتيقن منها، وهو الاستصحاب، أو ظاهر بعضها في القاعدة من جهة الهيئة التركيبية، ولكنه مجمل من هذه الجهة، فيرد إلى المبينات فيرفع إجماله بالمبين، أو يرد علمه إلى أهله. وكل ذلك على تقدير احتمال عدم صدق " اليقين " على الجهل المركب، وإلا فلا منع ثبوتا - كما اشير إليه - من شمولها لهما. ومنها: مكاتبة علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام فيه أم لا ؟ فكتب (عليه السلام): " اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية، وأفطر للرؤية " (1). وغير خفي: أن في سند " التهذيب " إلى الصفار إشكالا قابلا للحل إن كان فيه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، لأنه شيخ المفيد والغضائري وابن عبدون، ولبعض القرائن الاخر، وإن كان سنده الآخر ففيه ابن أبي جيد القمي، فإنه مشكل، ويكفينا الأول. إلا أن علي بن محمد القاساني مورد الكلام من حيث الوحدة والتعدد، ومن حيث الوثاقة على الفرض الثاني، وهو علي بن محمد بن شيرة القاساني كما في


1 - تهذيب الأحكام 4: 159 / 445، وسائل الشيعة 10: 255، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3، الحديث 13. (*)

[ 389 ]

النجاشي (1)، ولا يبعد الاتحاد، والتفصيل في محله (2). هذا مع أن الرواية مضمرة، وليس المضمر كزرارة وأشباهه، مع ما عرفت منا في إضمارهم (3)، فضلا عنه. نعم، لا تبعد الشهرة الموافقة معها، إلا أنها ليست عليها، ولا يطابق الشهرة الكاشفة عن خصوص كونها عليها، بعد احتمال كونها من أخبار الباب الثالث مفادا (4)، فليلاحظ. ثم إن الشيخ الأعظم (قدس سره) اختار أظهريتها من غيرها (5)، لأن اليقين لا يبطل بالشك، والتفريع في جانبي شهر رمضان استصحابان، فهذا بأجمعه يوجب أظهريتها. وفي تقريرات العلامة الأراكي: " أنه من الاستصحاب المثبت، لأن استصحاب بقاء شعبان ورمضان وإن كان جاريا، إلا أن الأثر مترتب على أن الزمان المشكوك من رمضان، أو من شعبان، أو غير ذلك، وهذا ليس له الحالة السابقة بالضرورة " (6). وفيه: أنه أمر غريب، ضرورة أن الواجب صوم شهر رمضان، والحرام أو الواجب صوم يوم الشك من شوال، واستصحاب عدم مجئ رمضان، أو عدم مجئ شوال، كاف ولو قلنا بعدم حجية الأصل المثبت. وأما استصحاب بقاء شعبان ورمضان حسب مفاد " كان " التامة فكاف، لأن صوم شعبان مستحب، وهكذا صوم رمضان واجب ولو كان الحكم حسب القطعات


1 - رجال النجاشي: 255. 2 - تنقيح المقال 2: 305. 3 - تقدم في الصفحة 324 - 325. 4 - وسائل الشيعة 10: 252 - 260، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3. 5 - فرائد الاصول 2: 570. 6 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 65 - 66. (*)

[ 390 ]

ينحل إلى الكثير، كاستصحاب أن زيدا موجود لترتيب الآثار المختلفة المتضادة عليه حسب قطعات حياته الباقية تعبدا. وفي " الكفاية " (1) وتقريرات العلامة النائيني (2): " أنه ولو كان يمكن تقريب الاستصحاب بها، إلا أن مقايستها بالأخبار الكثيرة الواردة في الباب الثالث من " الوسائل " (3) يوجب الاطمئنان بأنها منها، ولا أقل من إجمالها، وذلك لأن في تلك الأخبار ما يدل على ممنوعية صوم يوم الشك من غير النظر إلى الاستصحاب، بل النظر إلى عدم جواز خلط المعلوم بالمشكوك، أو إلى اعتبار اليقين على وجه الصفتية، أو الطريقية الكاملة، لا الاستصحاب ". وفيه: - مضافا إلى عدم جواز الاتكاء لسائر الأمارات القائمة على دخول شهر رمضان - أنه لا معنى للأمر بالإفطار بعد الرؤية، أو لأجل الرؤية، أو عند الرؤية، مثل قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (4). وفي تقريرات الوالد المحقق - مد ظله - تمامية دلالتها، لأن الفرع الثاني يرفع إجمال الصدر، وهو قوله (عليه السلام): " اليقين لا يدخل فيه الشك " كما أن الفرع الأول يرفع احتمال كون المراد منها قاعدة الاشتغال (5). وفيه: أن قوله (عليه السلام): " اليقين لا يدخل فيه الشك " أجنبي عن الاستصحاب بحسب اللغة، ويشبه الصلاة والركعة المشكوك فيها المأمور بها منفصلة، ولا معنى لرفع الإجمال بالتفريع الثاني، لأنه لا إجمال فيه في حد نفسه، بل يوجب الوثوق بوجود القرينة المحذوفة، أو بأن الدخول في رمضان لا يمكن إلا بالعلم الوجداني


1 - كفاية الاصول: 452. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 366. 3 - وسائل الشيعة 10: 252 - 260، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3. 4 - الإسراء (17): 78. 5 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 59. (*)

[ 391 ]

أو التنزيلي، والأول منتف، لاستصحاب عدم دخول شهر رمضان، أو عدم تحققه، أو أنه ما كان يشهد الشهر، فالآن كما كان. هذا في الفرع الأول. وفي الفرع الثاني إما يستصحب بقاء شهر رمضان إلى الرؤية، وينقض اليقين بيقين آخر. هذا بالنسبة إلى إيجاب الصوم، وأما وجوب الإفطار فهو من آثار العيد، فيستصحب عدم تحققه. أو يكون الأمر بالإفطار عقيب التحذير والوجوب المضاد له بوجه، فالاستصحاب الجاري هنا وجودي وعدمي، فيكون أظهر من هذ الجهة ومن أجل التفريعين، أو هناك ثلاثة استصحابات وجودية وعدمية، وعلى هذا لا يدخل الشك في اليقين، ولا يدخل اليقين فيه المشكوك. تذنيب: في بيان رفع الإجمال عن المكاتبة فبناء على هذا لا إجمال من ناحية يوم الشك، بل هو أعم من اليوم الأول والآخر، ولا من ناحية " اليقين لا يدخل فيه الشك " لأنه يريد به إزالة الشك تعبدا وتفسير الجملة: " بأنه لا يبطل اليقين بالشك، ولا يكون مدخولا وباطلا " غير صحيح، للخروج عن آداب الاجتهاد. ولا حاجة إلى التفسير المذكور، ولا إلى التمسك بالفرع الثاني لرفعه (1)، لأن الكلام والكبرى سيقت للتعبد، وليست إخبارا عن أمر تكويني بالضرورة. ولا يلزم كون الأصل مثبتا، لأنه ما كان شهد شهر رمضان فلا يجب، وما كان أدرك العيد فلا يحرم، وكان شاهدا لرمضان فيجب الصوم، ولا يلزم مناقضة الصدر والذيل، وهو دخول المشكوك فيه في اليقين آخر الشهر حسب الفرع الثاني، فافهم.


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 59. (*)

[ 392 ]

نعم، مقتضى السؤال وظاهره هو الجواب عن الشبهة الحكمية، لقوله: " هل يصام أم لا ؟ " فإنه سؤال عنها، فيستصحب عدم وجوب الصوم، وبقاء وجوب الصوم، وعدم حرمة الصوم حسب الكبرى الكلية. إلا أنه مع وجود الأصل الموضوعي لا تصل النوبة إلى الحكمي، والقواعد المتعارفة تقتضي كون الجواب على وفق السؤال. فعلى هذا يتعين أن يقال: بأن الأمر بالصوم للرؤية لأجل شرطية اليقين حسب الأخبار الاخر (1)، والأمر بالإفطار بعد الرؤية لأجل الاشتغال بالأمر اليقيني، فما في " رسائل " الوالد المحقق من نقضه بالفرع الأول (2)، في غير محله، لعدم وجود الشرط الشرعي هنا، لا آخر الشهر، كما لا يخفى. أقول أولا: سيمر عليك شبهة جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية التي كانت الاصول الحكمية موافقة معها (3)، كما نحن فيه. وثانيا: الكبرى كلية، لحذف المتعلق، ومجراها حكمية، ولذلك أمر بالصوم والإفطار بعد الرؤية. وثالثا: هذه الصناعة العلمية مرعية في غير المقام الذي هو (عليه السلام) ينظر إلى الواقع، كما مر (4) في رواية مسعدة (5) وغيرها (6)، فلا تخلط.


1 - وسائل الشيعة 10: 252 - 257، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3، الحديث 2 و 6 و 11 و 20، و 260، الباب 4، الحديث 1 و 2. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 59 - 60. 3 - يأتي في الصفحة 436. 4 - تقدم في الجزء السابع: 26 - 27. 5 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 6 - وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 5، و 3: 467، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 5. (*)

[ 393 ]

تذنيبان التذنيب الأول: في جملة من الأخبار التي استدل بها جل الأعلام دون كلهم ولنا أن نذكر المشابهات كافة، كقوله تعالى: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) * (1) ويأتي تقريب الاستدلال به إن شاء الله تعالى (2). وكما في ذيل حديث عمار الساباطي الطويل قال: قال (عليه السلام): " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " (3). ولي في اعتبار سنده إشكال، لأن " التهذيب " حكى السند وقال: " محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن يحيى (محمد بن يحيى) عن أحمد بن فضال " والسند من ابن فضال إلى عمار لا غمز فيه عندنا، وهكذا من الشيخ إلى محمد بن أحمد وإن يحتمل وجود كتابه عنده، فتأمل. وأما أحمد بن يحيى الموجود في أكثر النسخ فهو غير ثابت اعتباره، وليس هذا هو الذي يروي عنه ابن أبي نصر بالضرورة، ولا يتميز عن أبي جعفر ابن أخي ذبيان الثقة. وأما محمد بن يحيى، ففي هذه الطبقة يدور الأمر بين الثقة وغيره، وبين ما


1 - البقرة (2): 187. 2 - يأتي في الصفحة 399 - 400. 3 - تهذيب الأحكام 1: 284 / 832، وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 2: 155، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 19، الحديث 1. (*)

[ 394 ]

هو الضعيف، ولعله هو - على الأشبه - وهو المعاذي المعروف، وليس هو الخزاز الثقة، لأن أحمد بن فضال المتوفى سنة (260) شيخه، وذاك يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام). وكما في رواية مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه " (1). ومسعدة غير ثابت اعتباره عندي جدا. وهكذا في ذيلها: " الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة ". وكما في خبر حماد بن عثمان، عنه (عليه السلام) قال: " الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر " (2). وحيث إن البحث حول هذه على وجه يشمل ضعاف أقاويل القوم والأعلام - رضي الله عنهم - نشير إلى المحتملات ومختارات بعضهم، ولاسيما بعد ضعف سند الأخبار المستدل بها. وغير خفي: أن ما هو المعروف من ورود " كل شئ طاهر " أو " كل شئ حلال " مستقلا غير ما في صدر خبر مسعدة، أو ذيل رواية الساباطي، في غير محله. ولك أن تدرج في هذه الأخبار روايات كثيرة مضمونها أن " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ". ويظهر إن شاء الله وجه الاستدلال بها (3)، وفيها الأخبار المعتبرة. اعلم: أن الاستصحاب مشتمل على قضيتين: المتيقنة، والمشكوك فيها، كما


1 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 5. 3 - يأتي في الصفحة 399 - 400. (*)

[ 395 ]

سيأتي تحقيقه (1)، وأن اتحادهما يكون في الموضوع، وأما في المحمول ففي المتيقنة يكون الحمل جزميا، وفي المشكوك فيها يتردد المحمول إلا في الاستصحاب التعليقي، فلا تخلط. وأما استصحاب بقاء الشئ أو اعتبار الاستمرار فيه، فهو غلط. نعم، لابد من اتصال زمان القضيتين، فإن اليقين يتعلق هنا بالقضية، والشك شك في القضية، وحيث يمكن ذلك مع نقض الحالة السابقة نعتبر اتصال القضيتين زمانا، لما في نفس الأخبار من قوله (عليه السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر ". مثلا: إذا علم بأن زيدا عالم، ثم علم بأنه صار جاهلا، ثم شك في علمه، يصدق " أنه كان على يقين بأن زيدا عالم " كما يصدق " أنه شاك فعلا في أنه عالم أم جاهل " إلا أنه لا يكفي مجرد اتحاد القضيتين، بل لابد من اتصال زمان الشك في أنه عالم أم جاهل، بزمان اليقين بأنه كان عالما، وهذا لا يجتمع مع العلم في الزمان المتوسط بأنه صار جاهلا. وإلى هذا ترجع حقيقة اشتراط اتصال زمان الشك باليقين، وإلا فلا معنى له، بل هو أمر واضح الفساد. فما ترى هنا في كلماتهم من استفادة عنوان " الاستمرار " أو عنوان " البقاء " من هذه الأخبار، أو ترى فيها من عدم دلالة هذه الجمل والروايات على الاستمرار المعتبر، أو الشك في البقاء المعتبر في الاستصحاب، فكله ناشئ عن عدم الوصول إلى مغزى المسألة، والله تعالى هو الهادي. فبالجملة: لا يعتبر في حجية الاستصحاب حديث الاستمرار والشك في البقاء، فإن هذه الامور ترتبط بمثل الحركة والزمان والوجود، دون القضايا التصديقية البتية، أو المرددة المشكوك فيها.


1 - يأتي في الصفحة 404 - 406. (*)

[ 396 ]

إذا عرفت ذلك فلابد هنا من القضية المتيقنة، وهي أمر مفروغ منه في هذه الأخبار، لأن الصدر سواء تصدى لإفادة الطهارة والحلية الواقعيتين، أو الظاهريتين، أو هما معا، يفيد العلم بهما وبتلك القضية الراجعة إلى مؤدى الأمارات، أو مؤدى الاصول وقاعدة الطهارة. وحيث إن الحكم ثابت إلى حال المعرفة بالحرام والعلم بالطهارة، وهذه العناوين وإن لم تكن لها الطريقية والموضوعية، إلا أن مصداقها - على وجه الطريقية - مأخوذ في الأدلة حسب الفهم العرفي وبناء الأصحاب - رحمهم الله تعالى - فيحدث أمر ثالث: وهو الحالة الثالثة، وهو الشك والترديد، بعد اليقين بالطهارة والحلية والنظافة الواقعية والظاهرية بمقتضى الصدر، وعندئذ يستصحب مؤدى الدليل الاجتهادي والاصول. وهذا الدليل الاجتهادي والاصول واحد جامع لامور ثلاثة، كما هو مختار العلامة الخراساني في الحاشية (1)، خلافا لاختياره في " الكفاية " حيث جمع بين القاعدة والاستصحاب فقط (2). وغير خفي: أن " كل شئ نظيف... " (3) يشتمل على قواعد خمس: الطهارة الواقعية، والظاهرية، والحلية الواقعية، والظاهرية، والاستصحاب، فإن المحرم أكله ليس بنظيف، ويكون قذرا في محيط الشرع. وربما يشعر بذلك عدم أخذ الشك في الصدر قيدا، كي يعلم أن الجهة التعليلية والتقييدية للشك أو الخلو منهما، لا مدخلية لها في ضرب القانون العام الكلي المنحل حسب اختلاف محاله. نعم، دخالة الشك في كون الحكم ظاهريا، يستفاد بعد انحلال العام المذكور،


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 233 - 234. 2 - كفاية الاصول: 452. 3 - وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. (*)

[ 397 ]

كما يأتي إن شاء الله تعالى. وما في كلام جمع من امتناع الجمع ثبوتا بين تلك القواعد، لأن الحلية الواقعية مثلا فارغة عن الشك، والظاهرية مرهونة بالشك، ولا يعقل الجمع بين بشرط لا وبشرط شئ (1). أو أن الشك في الحلية والطهارة طولي (2)، ولو أمكن استعمال الواحد في الكثير لا يمكن هنا. أو أن الصدر بالنسبة إلى الواقعية إخبار، وبالنسبة إلى الظاهرية إنشاء، والجمع بينهما ممتنع في كلام واحد. ولو سلم جواز ذلك ثبوتا ولكنه غير متعارف إثباتا في ضرب القوانين (3). فكله غير تام كما سيظهر. ومن الغريب تخصيص الشيخ (4) استفادة الاستصحاب بقاعدة " الماء كله طاهر " (5) ! ! مع أن القضية المتيقنة تحصل بنفس الصدر، ولا نحتاج في تحصيل اليقين إلى أن الماء بطبيعته طاهر. أو صاحب " الفصول " (6) على المحكي عنه (7) في القاعدة المشار إليها آنفا، وفي قاعدة " كل شئ نظيف " مع أن جميع هذه العبارات في مقام الجعل المشترك


1 - انظر نهاية الدراية 5: 94 - 95. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 531، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 368، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 69 - 70. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 62 - 63. 4 - فرائد الاصول 2: 574. 5 - وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 5. 6 - الفصول الغروية: 373 / السطر 9. 7 - فرائد الاصول 2: 572. (*)

[ 398 ]

في الكل. أو " الكفاية " بالقاعدتين دون الخمس (1)، أو " الحاشية " بالثلاث (2)، ضرورة أن الطهارة والنجاسة الواقعية - حسبما تحرر - ليستا مما كشف عنهما الشرع المقدس، بل هما مجعولتان حسب المصالح العامة السياسية والمفاسد الخاصة النوعية (3)، وهكذا الحلية والحرمة والمنع العامان، فلا يلزم اجتماع الإخبار والإنشاء. ولو فرضنا أن الاولى غير مجعولة، والثانية مجعولة، فلتكن هذه القاعدة - أي " كل شئ نظيف " مثلا - إخبارا عما هو الواقع وعما هو المنشأ، لا بهذه الجملة، فعند ذلك يحصل اليقين من الجملة الاولى بالقضية المتيقنة وهي: " إن زيدا كان طاهرا واقعا " فلو شك في بقاء طهارته الواقعية، إما من جهة احتمال نسخ، أو احتمال طرو ما ينجسه ظاهرا، فهو أيضا على الطهارة إلى أن يعلم أو ما بحكم العلم بالنجاسة. ولو شك في الحيوان المتولد من الحيوانين أنه طاهر أو نجس، يبني على أنه طاهر، لقوله (عليه السلام) " كل شئ نظيف " (4) وهو ينحل إلى القضايا الكثيرة انحلالا حكميا. ولو شك بعد ذلك أنه صار نجسا فيستصحب تلك الطهارة البنائية، ويبني عليها إلى أن يعلم بالنجاسة أو ما بحكم العلم. فكما أن " لا تنقض " يشمل الاستصحاب السببي والمسببي، وهما طوليان، وأحدهما حاكم على الآخر، وليس ذلك إلا للانحلال، كذلك الأمر في المقام،


1 - كفاية الاصول: 452. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 233 - 234. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 2: 285. 4 - وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. (*)

[ 399 ]

فلا شبهة ثبوتا خلافا لجمع، منهم العلامة الأراكي (1)، والنائيني (2) والمحقق الوالد (3) - عفي عنهم -، ولا حاجة إلى استفادة الاستمرار والبقاء في حجية الاستصحاب. ولا يخفى: أنه فرق بين الطهارة الظاهرية، والطهارة التي تعتبر على المشكوك المطلق، أو المقيد، فإنها تعد من الواقعية على العنوان المذكور، كجعلها على عنوان " المسلم " وجعل النجاسة على عنوان " الكافر " فعلى هذا ما هو مرام المتكلم ومراده هو: أنه يرى أن إلغاء كلمة " الشك " في الصدر توجب استفادة الطهارة الواقعية إذا قيست إلى ذوات الأشياء وعناوينها، واستفادة الطهارة الظاهرية وهكذا في جانب الحلية إذا قيست إلى شئ شك في طهارته أو حليته. ولعل أخذ كلمة " كل " وأداة العموم الداخلة على النكرة، وهي لفظة " شئ " وعدم أخذ عنوان " الشك " في المغيا، إيماء إلى إفادة المعنى العام. وما اصطلحنا عليه من " القواعد الخمس " للأدلة الخاصة، لا يستلزم طرح الخبر الواحد الجامع المشتمل على تلك الخمس مع إشعاره بالقرينة، فهذا ليس أمرا بعيدا عن الأذهان العرفية بدوا. نعم، بعد انس أذهان المحصلين بالقواعد الخمس وكثرتها، يصعب التصديق باستنباطها من الجملة الواحدة، مع أنها ضوء يستضاء به في جميع موارد الشك. نعم، لا يمكن إثبات الحجية المطلقة به، فإن استصحاب العدم الأزلي أجنبي عن مسألة " كل شئ نظيف " أو " حلال " أو " طاهر " بخلاف استفادة جواز الأكل في مورد الشك في التبين، فإن قوله تعالى: * (وكلوا واشربوا) * (4) يورث القطع


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 68 - 69. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 370 - 371. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 61 - 63. 4 - البقرة (2): 187. (*)

[ 400 ]

بجواز الأكل، وأما إذا حصل اليقين بالتبين والضوء من ناحية الشمس دون القمر مثلا، فينتفي جواز الأكل، وفي مورد الشك يشك في بقاء الليل موضوعا لا مفهوما، ولا يعقل تصدي قوله تعالى - بدون الانحلال - لتجويز الأكل والشرب في مورد الشك، مع أن موضوعه الليل، أو ظرفه الليل. وأما إذا انحل إلى الكثير ولو حكما كما هو التحقيق، فيتصدى لتجويز الأكل واقعا في مورد العلم بالليل، وأيضا يتصدى لتجويزه ظاهرا عند الشك في بقائه. وقد مر: أن التعبير ب‍ " البقاء والاستمرار " من ضيق الخناق، وإلا فما هو الاستصحاب هو التعبد بالمحمول في القضية المشكوك فيها، المردد تكوينا محمولها بين الأمرين، كالجواز وعدمه في المثال المذكور، وسيأتي تحقيق المسألة في التنبيه الثاني (1) وبعض التنبيهات الاخر (2)، فليتدبر، واغتنم جيدا. بقي شئ: في بيان ضعف التمسك بالأخبار السابقة إن هذه الأخبار بين ما لا سند له كما عرفت (3)، وما هو لا يبعد اعتباره كذيل خبر الساباطي (4)، إلا أنه مورد الإشكال من جهة اخرى: وهي أنه قال (عليه السلام): " فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك " وهذا يورث اعتبار العلم جزء الموضوع، لقوله (عليه السلام): " فقد قذر " فإنه فعل ماض. ومن الغريب قولهم: " بأنه في مقام القاعدة الظاهرية هنا " ! ! وقال الوالد المحقق - مد ظله - في ذيل موثقة ابن بكير (5): " إن العلم


1 - يأتي في الصفحة 415 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 456 - 460. 3 - تقدم في الصفحة 394. 4 - وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 5 - وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1. (*)

[ 401 ]

دخيل في الطهارة " (1) فليتأمل. وغير خفي: أن متعلق قوله: " فإذا علمت " هو القذارة، إلا أنه لابد وأن تحمل إما على القذارة الاقتضائية، أو العرفية، أو الإنشائية. وبين ما هو المجمل، مثل الأخبار الكثيرة المشتملة على قوله: " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال " (2) وقد مر تفصيله في مسألة البراءة (3). ولو صح ذلك فهو في مقابل العلم الإجمالي ولو كانت الأطراف محصورة، ويؤيد ما سلكناه في المحصورة، ولازم عمومها جواز الإفتاء بالخبرين المتعارضين غير المعلوم حلية الإفتاء على أحدهما وعدم حليته، فعموم ذلك يسري إلى هذه المراحل احتمالا. التذنيب الثاني: في جملة من الأخبار التي لا يتمسك بها إلا الآحاد وقد تمسك العلامة الأراكي (قدس سره) (4) بحديث معتبر عن عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا استيقنت قد توضأت فإياك " وفي نسخة " إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ، وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت " (5). إن قلت: ربما يكتفي الشرع في ظرف الشك مع سبق اليقين بذلك الوضوء، من غير التعبد بالبقاء في ظرف الشك، أو إلغاء الشك. قلت: هذه الشبهة قريبة بالنسبة إلى تلك الأخبار، إلا أن حقيقة الاستصحاب


1 - لاحظ الطهارة، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 536 - 537 و 540. 2 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1، و 25: 117، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 1 و 2 و 4 و 7. 3 - تقدم في الجزء السابع: 38 - 39. 4 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 66. 5 - وسائل الشيعة 1: 247، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 7. (*)

[ 402 ]

لما كانت تعبدا بوجود المحمول المردد المقطوع به في القضية المتيقنة، ولا وجه لحديث الاستمرار والبقاء، كان التمسك بتلك الأخبار والخبر المذكور ممكنا، والأمر هنا أولى، لأنه في صورة الشك في وجود الشرط لابد من تحصيله، أو إلغاء الشرط في ظرف الشك، والثاني لا يصير إليه، والأول متعين، فيلزم كونه من فروع الاستصحاب. نعم، لا صراحة له، للاحتمالات الاخر. كما لا يمكن التمسك بعدم القول بالفصل، بعد اختلاف أصحابنا إلى أقوال كثيرة، فما في كلامه (رحمه الله) غير سديد جدا. نعم، لو كانت الرواية من أجل الاستصحاب، تكون هي دليلا على أن الاستصحاب حجة منجزة ومعذرة، لقوله: " إياك أن تحدث " فإن التحذير شاهد. وفيه منع واضح، بل هو دليل أمارية الاستصحاب، وأن الشرع اعتبره أمارة، فيلزم التشريع لو توضأ إلا بعنوان " الوضوء على الوضوء نور على نور " بناء على جوازه، وإلا فالخبر يشهد على أنه غير مشروع على الإطلاق ولو احتياطا، لا نظرا إلى سد التوسوس المبغوض في الشريعة، بل إلى عدم إمكان الاحتياط، كما لا يخفى. ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان في " التهذيبين " بسند معتبر عن عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر: إني أعير الذمي ثوبي، وأنا أعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، فيرده علي، فأغسله قبل أن اصلي فيه ؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " صل فيه، ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه

[ 403 ]

نجسه " (1). فقوله (عليه السلام): " وهو طاهر " يورث القضية المتيقنة، وقوله: " لم تستيقن " يورث القضية المشكوك فيها، وقوله: " لا بأس " يورث التعبد بوجود المحمول المردد فيها تكوينا، وقوله: " فإنك أعرته إياه... " إلى آخره، يورث أن ما هو العلة هو اليقين بطهارته والتردد فيها بعد الرد، من غير خصوصية لغير هذه الامور. وهذا الظهور غير الإطلاق غير المنعقد بمجرد وجود ما يصلح للقرينية. ومنها: الأخبار الاخر الكثيرة المنتشرة في الأبواب المختلفة ولاسيما في كتاب الطهارة (2)، وفي كتاب الشهادة (3)، وقد أفتى بها الأصحاب (رحمهم الله) (4) وفيهم الوالد المحقق - مد ظله - (5) مع صلابتهم وصلابة الأخبار في حديث الشهادة ومنعها بغير علم، بل بغير حس، كما في قصة ما في " الشرائع " عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سئل عن الشهادة: " هل ترى الشمس ؟ على مثلها فاشهد أو دع " (6). فتحصل لحد الآن: أن الاستصحاب حجة معذرة حسب الأخبار، وفي كونه منجزة إشكال، إلا أن المجموع المحصل من تلك الأخبار المتشتتة في مختلف الكتب والأبواب، حجيته على الإطلاق، نظرا إلى بعد التفكيك وغيره ولو أمكن


1 - تهذيب الأحكام 2: 361 / 1495، الاستبصار 1: 392 / 1497 وسائل الشيعة 3: 521، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 74، الحديث 1. 2 - كرواية عبد الله بن سنان المروية في الوسائل 3: 521، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 74، الحديث 1. 3 - وسائل الشيعة 27: 336، كتاب الشهادات، أبواب الشهادات، الباب 17. 4 - التنقيح الرائع 4: 310، جامع المدارك 6: 140. 5 - تحرير الوسيلة 2: 446، المسألة 3. 6 - شرائع الإسلام 4: 121، وسائل الشيعة 27: 342، كتاب الشهادات، الباب 20، الحديث 3. (*)

[ 404 ]

المناقشة في كل واحد من هذه المآثير، ولكن بالنظر إلى المجموع ربما يطمئن الفقيه بالمطلوب والمقصود، والله العالم. هذا تمام الكلام في أخبار المسألة. ثم إنه قبل التعرض لتنبيهات المقصد، لابد وأن نشير إلى بعض امور: الأمر الأول: في تحكيم إطلاق أدلة الاستصحاب قد فرغنا بمقتضى هذه الأخبار من أصل حجية الاستصحاب، كما أحرزنا إطلاق بعض الأدلة، وما يأتي في التنبيهات إما يرجع إلى الإشكالات العقلية الراجعة إلى وجود شرائط الاستصحاب، كوحدة الموضوع مثلا، أو إلى صدق العنوان المأخوذ في الأدلة مثل " نقض اليقين بالشك " في مورد الشك في المقتضي، أو صدقه في مورد عدم فعلية اليقين، أو الشك، أو غير ذلك. وهذا لا يرجع إلى المناقشة في الإطلاق، من ناحية حرمة نقض اليقين بالشك فليتدبر، كما ربما يرجع إلى الانصراف، كما قيل به في الأعدام الأزلية (1). الأمر الثاني: في بيان أركان الاستصحاب قد أشرنا في طي الأخبار الماضية إلى أن حقيقة الاستصحاب: هي التعبد بوجود المحمول المشكوك فيه في ظرف الشك بعد اليقين الذي لا يتعلق إلا بالقضية، ويكون المحمول ثابتا للموضوع بتاتا وجزما. وأما تقدم اليقين على الشك بحسب الزمان، فلا وجه له إلا الانصراف الممنوع. ولا شبهة في اعتبار وحدة الموضوع في القضيتين، وإنما اختلافهما في


1 - نهاية الاصول: 337. (*)

[ 405 ]

المحمول بحسب المجزومية والترديد، كما لا شبهة في أنه لو تخلل بين القضيتين اليقين بانتفاء المحمول، فلا محل لجريان الاستصحاب. وإليه ترجع حقيقة اتصال زمان الشك باليقين، أي اتصال زمان القضية الثانية بالقضية الاولى. ولا يعتبر في حقيقة الاستصحاب بل ولا يعقل، اعتبار الشك في البقاء والاستمرار، لأنهما من الامور التصورية، وسيمر عليك في طي بعض البحوث ما يتعلق به. وأما فعلية اليقين فلا دخل لها في حجية الاستصحاب، وإنما بها يمتاز الاستصحاب عن قاعدة اليقين. مع أن في صدق اليقين في موارد الشك الساري الموجب لاحتمال المكلف جهله المركب، إشكالا قويا كما أشرنا إليه، فما ذهب إليه القوم في توضيح الفرق بينهما من هذه الجهة غير تام، لأن " اليقين " ليس مصدرا حتى يأتي بمعنى المتيقن، وإنما يتعلق بالقضية، و " المتيقن " من " التيقن " من باب التفعل، ضرورة أنه مصدر يأتي بمعنى اسم المفعول. وبالجملة: أقسام الاستصحاب - سواء كان زمان حصول وصف اليقين متقدما، أو متأخرا، أو مقارنا مع الشك - كلها داخلة في حقيقة الاستصحاب، خلافا لبعضهم من انصراف أخباره إلى تقدم زمانه على زمان القضية الثانية زمانا لا رتبة (1)، أو بعضهم إلى كفاية التقدم الرتبي، فإنه كله ناشئ عن الغفلة عن ماهية الاستصحاب، وهي المركب من القضيتين مع اتصال زمانهما. وأما اشتراط فعلية اليقين في ظرف الشك (2)، فهو ربما يرجع إلى عدم صدق اليقين على ما في قاعدة اليقين، ولا أقل من الشك، فليس هو شرطا آخر، فتأمل. وهكذا اشتراط الشك في البقاء والاستمرار (3)، فإنه أيضا لا معنى له، لعدم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 316 - 317. 2 - فرائد الاصول 2: 697، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 586. 3 - فرائد الاصول 2: 697. (*)

[ 406 ]

البقاء والاستمرار للقضية، وقد فرغنا من أن " اليقين " في الأخبار ليس العلم التصوري، بل هو التصديقي بالضرورة. ومن هنا يظهر وجود فعلية اليقين في ظرف الشك، لعدم صدقه في مورد الشك الساري. وأما اعتبار تقدم القضية المتيقنة على المشكوك فيها رتبة، فهو أيضا ممنوع، لعدم العلية بينهما بالضرورة، ولا معنى للتقدم الرتبي إلا بينهما. ولذلك لا قصور في شمول إطلاق الأخبار للاستصحاب القهقهري، إلا أنه إما لا حاجة إليه، لقيام الأمارة وبناء العقلاء على أصالة اتحاد العرفين. أو لتعارض استصحاب العدم الأزلي مع القهقري، فتصل النوبة إلى بناء العقلاء، ضرورة أنه عند عدم وجود اللفظ المذكور، لم يكن المعنى الموجود المتيقن معناه في الأزل، ففي عصر الأخبار يتعارضان. وحديث مثبتية الأصل الأول مدخول يأتي تفصيله في محله إن شاء الله تعالى (1). فأركان الاستصحاب أربعة: القضية المتيقنة، والقضية المشكوك فيها، واتحاد الموضوع والمحمول، واتصال زمان الشك باليقين. أو هي خمسة وهي: الأول، والثاني، والثالث، والترديد في محمول القضية الاولى، والاتصال المذكور الراجع إلى عدم تخلل القضية البتية النافية فيها المحمول في القضية الاولى. بقي شئ: في قاعدة المقتضي والمانع إن من القواعد المتداولة قاعدة المقتضي والمانع، ومعناها هو أن المانع يمنع عن تأثير المقتضي، فلو احرز المقتضي، وشك في وجود المانع، أو مانعية الموجود عن أثر المقتضي، فهل يحكم بذلك الأثر، أم لا ؟ فمقتضى الاستصحاب عدم تحقق الأثر، فيكون دليل الاستصحاب رادعا


1 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث. (*)

[ 407 ]

ومانعا عن حجيته، فضلا عن كون دليل الاستصحاب دليل قاعدة المقتضي والمانع، وما في كلمات القوم حول هذه القاعدة قاصر، والأمر سهل. وقد حكي عن العلامة هادي الطهراني (رحمه الله) إرجاع جميع مسائل الاصول إلى هذه القاعدة (1)، وربما كان نظره إلى توحيد القواعد ككلمة التوحيد الموجبة لتوحيد الكلمة. مع أن أساس المقتضي والمانع مربوط - بحسب الطبع - بالتكوين، كاقتضاء النار إحراق القطن، ومانعية الرطوبة عن أثرها، بخلاف المسائل الاعتبارية، وإطلاقهما فيها نوع تجوز، فلا تخلط. وسيظهر في بعض التنبيهات مفاد أدلة الاستصحاب، وكيفية اعتباره شرعا وتعبدا، وأنه هل هو إلغاء الشك، أو التعبد بوجود المحمول في القضية المشكوك فيها، أو غير ذلك كالتعبد بالحكم المماثل مثلا، أو المماثل (2) ؟ الأمر الثالث: في بيان مناشئ الشك في الشبهة البدوية يكون منشأ الشبهة إما إجمال النص، أو فقدانه، أو تعارض الخبرين، أو الشبهة الخارجية. وأما في القضية المشكوك فيها فمضافا إلى الامور المذكورة، يكون احتمال النسخ، أو الشك في تمامية المقتضي، أو حصول الغاية كما في خيار الحيوان، أو الرافع، أو بقاء الموضوع ووحدته، أو وجود الاتصال وعدمه، أو رافعية الموجود، أو جعل شئ رافعا، كالمعاطاة بالنسبة إلى استصحاب الملكية، أو ناقضا، أو قاطعا، أو مانعا بالنسبة إلى الهيئة الاتصالية، أو وجود الصلاة، أو موجبا كالجزء اليسير من المني، أو المذي والوذي، أو غير ذلك مما يتفق للفقيه.


1 - محجة العلماء 2: 73 - 74. 2 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث. (*)

[ 408 ]

الأمر الرابع: في أقسام الاستصحاب قد عرفت: أن الاستصحاب ينقسم باعتبار إلى الحالي والماضوي، كما لو علم بأن زيدا عادل يوم السبت، وشك يوم الأحد في أنه عادل أم لا، وهو على يقين بفسقه يوم الاثنين، وهو في حال الإجراء في يوم الثلاثاء مثلا. وإلى الاستقبالي، كالشك في أن شهر شعبان باق إلى اليوم المكمل للثلاثين، وهو في حال الإجراء في رجب، أو أوائل شعبان. وربما يكون هناك قسم رابع: وهو الشك في بقاء الوقت حين الاشتغال بالصلاة، فإن الشك يستمر باستمرار الوقت، فإن اجري الاستصحاب الاستقبالي بالنسبة إلى الوقت، فهو من القسم الثالث، أو اجري بالنسبة إلى إدراكه الوقت وكونه في الوقت، فهو من الحالي، وإلا ففي كل آن له شك يحتاج إلى الاستصحاب، أو يكون الاستصحاب استمراريا، لاستمرارية الوقت. وباعتبار إلى التعليقي والتنجيزي. وعلي الأول إلى التعليقي في الحكم، أو الموضوع وهكذا. وباعتبار ثالث إلى الوجودي والعدمي في الحكم والموضوع على التقديرين. وباعتبار رابع إلى الشك في المقتضي والرافع. وباعتبار إلى الشك الاصطلاحي، والظن غير المعتبر، والمعتبر. وباعتبار إلى الشخصي والنوعي، على فرض كونهما معتبرين. وباعتبار إلى الأحكام التكليفية والوضعية. وكل ذلك باعتبار المستصحب، وعليه مدار الأقوال المعروفة أحيانا، ولا مجال للخوض في تفصيلها. وعلى كل تقدير: لا وجه لتقسيمه باعتبار الدليل، وما فصله الشيخ - بإنكاره جريانه في الأحكام الشرعية المستكشفة بالأحكام العقلية، دون غيرها من الكتاب

[ 409 ]

والسنة أو الإجماع والسيرة (1) - يرجع إلى مناقشة في وجود شرط وحدة الموضوع حال الشك، فما ترى في كلمات الفضلاء لا يخلو من نوع تساهل وتسامح، وهكذا في كلامه (قدس سره) والأمر سهل. تنبيه: ربما يكون اختلافهم من جهة اختصاص الإجراء بالمجتهد، أو هو الأعم، أو يفصل بين الشبهات الحكمية والموضوعية. وهذا ربما يرجع إلى امتناع تحقق الإطلاق امتناعا عاديا لأدلة حجيته، فلا يلزم المناقشة في إطلاق أدلته حسب المتعارف الثابت في سائر الأحكام التي لأدلتها الإطلاق، وتفصيل ذلك يأتي في محله - إن شاء الله تعالى - وفي بحوث الاجتهاد والتقليد (2).


1 - فرائد الاصول 2: 554 و 650. 2 - مع الأسف أن الأجل لم يمهله لإنجاز وعده. لاحظ تعليقة على العروة الوثقى: 42، الهامش 4. (*)

[ 411 ]

تنبيهات التنبيه الأول حول استصحاب الأحكام المستكشفة بالأحكام العقلية اختار الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) (1) وتبعه بعض آخر (2)، عدم جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الأحكام المستكشفة بالأحكام العقلية، بخلاف الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة. والذي يظهر لي: أن مراده أنه بعد الانطباق في القسم الأول، يكون الموضوع الخارجي العرفي محفوظا في حالتي اليقين والشك، ويعد التغير - الموجب للترديد في بقاء الموضوع أو الحكم - في خصوصية من الخصوصيات من الحالات، لا المقومات. وأما بالنسبة إلى نفس متعلقات الأحكام، فكل قيد يعد مقوما، ولذلك بذهاب الوقت لا يجري عندهم الاستصحاب كي يكون القضاء بدليل الاستصحاب. مثلا: إذا زال تغير الماء بنفسه بعد ما كان نجسا بالتغير - سواء كان التغير


1 - فرائد الاصول 2: 554 و 650. 2 - بحر الفوائد 3: 16 - 17، أوثق الوسائل: 445. (*)

[ 412 ]

علة، أو قيدا - تجوز الإشارة إلى الماء الخارجي فيقال: " هذا كان نجسا، والآن كما كان " وأما في القسم الثاني فحيث يكون الحكم الشرعي تابع الحكم العقلي، فما هو مصداق موضوع الحكم العقلي، إما يكون مرددا في اشتماله بقاء على الخصوصيات المبينة عند العقل في حكمه أولا، أو معلوما زوال تلك الخصوصية، وعلى التقديرين لا حكم للعقل، فلا يكون قطعا حكم للشرع، كي يشك في بقائه ويتردد الأمر من هذه الجهة. مثلا: الحيوان المؤذي الذي لا نفع له موضوع حكم العقل بوجوب قتله، أو الحيوان غير المؤذي النافع موضوع حكمه بحرمة إحراقه وقتله، لأجل القبح والحسن، وقضية الملازمة ثبوت الحكم الشرعي. وهذان القيدان مقومان في مرحلة تعلق الحكم بالعنوان، وفي مرحلة سرايته إلى الخارج، فإذا شك في بقاء عدم مانعية الحيوان الأول المشار إليه خارجا، لا يعقل - مع تردد العقل - احتمال بقاء الحكم المستكشف التابع، وبطريق أولى إذا علم زوال نفعه في الحيوان الثاني، لأن حكم العقل قد انتفى، فكيف يحتمل بقاء الحكم الشرعي ؟ ! فمجرى الاستصحاب هو الحكم الشرعي المستكشف، لا موضوع حكم العقل، ولا نفسه، بل هو حكم الشرع، فكما لا يصح استصحاب بقاء اتصاف هذا الحيوان بأنه المؤذي غير النافع، كي يثبت به حكم العقل، ثم حكم الشرع، كذلك في نفس حكم الشرع. أقول: سيمر عليك ما هو التحقيق الحقيق بالتصديق، وقد تحرر في مواضع من هذا الكتاب، كبحوث التجري (1) وغيره، إلا أنه - مع قطع النظر عما هو الوجه الصحيح - يجوز أن يوجه إليه:


1 - تقدم في الجزء السادس: 74. (*)

[ 413 ]

أولا: أنه ربما لا يحكم العقل إلا في صورة وجود اجتماع القيود، وهو كونه مؤذيا غير نافع، لأنه في صورة كونه مؤذيا نافعا يحتمل التزاحم، وأقوائية جانب خيره على شره، فلا يلزم أن تكون جميع القيود في الكلي المقيد المحكوم عليه معلومة الحد، لقصور الاطلاع. نعم، نتيجة الأمر واحدة، لأنه إذا لم يكن العقل مطلعا ينتفي حكمه قطعا، للزوم اجتماع القيود المحتملة في الحيوان المذكور، كي يحكم بوجوب قتله أو حرمته، فما عن الشيخ (رحمه الله) من لزوم مبينية جميع القيود في حكم العقل (1) غير تام. كما أن بحث جمع في عدم لزومه بعد وحدة النتيجة (2)، إطالة للكلام. نعم، بناء على ما هو الأظهر من جريان الاستصحاب على وجه في الأحكام العقلية - لانتهائه إلى الوضائف العملية - يستنتج منه ذلك، فليتدبر واغتنم. وثانيا: أن استكشاف الحكم الشرعي بملاك عقلي إذا أمكن، وتبين أن هذا الحيوان مؤذ غير نافع، وشر ليس فيه خير، يسري - حسب الشكل الأول - حكم الشرع إلى الخارج، كما في سائر الموارد الثابتة فيها الأحكام الشرعية بالكتاب والسنة والإجماع والسيرة. وإذا انتفى الملاك المذكور لا يلزم انتفاء الحكم الشرعي، لاحتمال بقائه بملاك آخر حسب إطلاق دليل الاستصحاب، فتكون النافعية والمؤذية مثلا وسائط ثبوتية، لا مقومات لموضوع الاستصحاب، ولا موجبة لانقطاع الحكم التابع قطعا، كما أفاده شيخ مشايخنا عن سيد مشايخهم الميرزا الشيرازي (قدس سره) (3).


1 - فرائد الاصول 2: 650. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 451، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 22. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 515 - 516. (*)

[ 414 ]

وهذا نظير جريان وجوب إكرام زيد الذي كان عالما وصار جاهلا، فإن العلم والجهل ليسا مقومين لموضوع الاستصحاب، ويكفي احتمال كونها واسطة في الثبوت. نعم، يتوجه إلى الشيخ وغيره: أن جريان الشكل الأول في المسائل الشرعية ممنوع عندنا، وأن ما هو الواجب إكرامه هو العالم الخارجي، دون زيد بما هو زيد، فاغتنم. وثالثا: مما يتمسك به في مباحث الاشتغال عند البحث عن قاعدة الميسور ومقتضى القواعد الثانوية هو الاستصحاب، وقد ذهب جمع إلى كفاية الموضوع العرفي والوحدة العرفية في صورة العجز عن السورة، وأن تشخص الحكم والإرادة بالصلاة الفانية فيها الأجزاء (1)، وهي مقدورة، فيستصحب وجوبها. ومع ذلك أنكروا جريانها بالنسبة إلى الوقت، مع أنها واجبة بالقياس إلى الوقت على اعتبار القضية الحينية لا التقييدية عرفا لا عقلا، وتفصيله في محله (2)، فلا يكون كل قيد في مقام تعلق الحكم مقوما، على ما يستظهر منه ومن غيره - عفي عنهم - هنا وفي غير المقام. ورابعا: لا أساس لما أفاده (قدس سره) لما تحرر من: أن العقل قوة دراكة، فليس شأنه إلا الدرك دون الحكم (3)، ولا أساس لقاعدة الملازمة، بل هي من الأراجيف الثانوية، وبطلانها ضرورية ثانية، وإنما الحكم شأن القاعد على الكرسي لإدارة الملك والمدينة الفاضلة، ولا شأن للعقل إلا درك حسن شئ وقبحه. وفي صورة درك قبح شئ يدرك جواز العقوبة عليه، وحسنها عند


1 - كفاية الاصول: 420 و 437 و 488، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 581 - 585، حقائق الاصول 2: 395 - 396. 2 - تقدم في الصفحة 188 - 189. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 84. (*)

[ 415 ]

الارتكاب، وهكذا درك قبح كل شئ يرجع لا محالة إلى درك قبح الظلم، لامتناع انتزاع القبح من الكثير بما هو كثير، فيرجع إلى درك قبح العصيان لكونه ظلما. وحيث إن الحيثيات التعليلية ترجع هنا إلى التقييدية، فالدرك ليس إلا عنوان تلك الموضوعات، وهو الظلم فقط، ولا يعقل أن يحكم بحرمته، للزوم كون المحرمات الشرعية راجعة إلى محرمية الظلم فقط، أو اجتماع الحرمتين عند ارتكاب الغصب. فهذا يشهد على أن الحكم مخصوص بالمشرعين الإلهيين أو غيرهم، والدرك خاصة العقل من غير استتباعه للشرع والحكم. نعم، بناء على عدم الانصراف يمكن دعوى: أن العقل كان يدرك صحة العقوبة على قتل هذا الحيوان النافع غير المؤذي، فيكون الإنسان المكلف على يقين من ذلك، ولا بأس بأن يحكم الشرع باتباع ذلك اليقين في ظرف الشك في أنه مؤذ أم لا، ولا دليل على اختصاص المصب الخاص للاستصحاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. التنبيه الثاني حول اختصاص حجية الاستصحاب بالشك في الرافع قد فصل الشيخ (قدس سره) بين الشك في المقتضي والرافع، فاختار حجيته في خصوص الثاني، نظرا إلى خصوصية اللفظة " النقض " (1) وإضافة النقض إلى اليقين، ونسبته إليه، وقد أطالوا حول المسألة بما لا يرجع إلى محصل. وغير خفي: أن علم الاصول قد تورم في دواوينهم، غافلين عن أن التورم غير


1 - فرائد الاصول 2: 559. (*)

[ 416 ]

السمن، فوقعوا في التقاسيم المختلفة والاحتمالات الكثيرة الباطلة، فإن الاصولي من يتصدى لإبداع مسألة حديثة، أو حل مشكلة قديمة. ومن الغريب أنه (رحمه الله) (1) وغيره مع زعمهم أن النقض ينتسب إلى الهيئة الاتصالية (2)، ولا يكون منه أثر في اللغة، ولا هو مراد في أخبار المسألة، أخذوا للتفصيل المذكور بخصوصية اللفظة، والإضافة والنسبة، وأقرب المجازات في مثل هذه المسألة، وطرحوا في كثير من المواقف خصوصية اللفظة، كما عرفت في مثل المسألة ! ! مع تصريح أهل اللغة: " بأن اليقين هو العلم الحاصل عن نظر واستدلال " ولم يفصلوا في الحجية من هذه الجهة. وهكذا في مثل الأخبار الآمرة بالوفاء بالنذر والعهد، فإنهم - إلا من شذ - طرحوا الخصوصية المأخوذة فيها وهو الوفاء، فقالوا: " إنه بالنذر تجب صلاة الليل " مع أن دعوى: أن الواجب هو الوفاء بالنذر أولى مما قالوا به في الفقه. وعلى كل تقدير: المراد من " الشك في المقتضي " هو الشك الناشئ من الشك في مقدار إمكان الاستمرار والبقاء للشئ. والمراد من " الشك في الرافع " هو الشك الناشئ من الحادث المزيل لما تعلق به اليقين سواء كان مزيلا شرعيا، كالجنابة أو الوذي في الشبهة الموضوعية، أو الحكمية، أو عرفيا كالمعاطاة المشكوك إمضاء الشرع لها، أو البيع في الشبهة الموضوعية بالنسبة إلى الملكية. وإن شئت قلت: في موارد الشك في الرافع يجري الاستصحاب الآخر الموافق، كاستصحاب عدم تحقق المزيل، فإنه موافق لاستصحاب الملكية، وفي موارد الشك في المقتضي ربما يجري الاستصحاب الموافق والمخالف، كاستصحاب


1 - فرائد الاصول 2: 574. 2 - بحر الفوائد، الجزء الثالث: 43 / السطر 2. (*)

[ 417 ]

عدم القابلية للبقاء عدما أزليا ومخالفا، وفي عرضه يجري استصحاب عدم تحقق الغاية، للشبهة الحكمية، وحيث إنه حجة على الإطلاق - كما يظهر إن شاء الله تعالى - لا وجه لإطالة الكلام حوله. وأما الوجوه المنتهية إلى صحة التفصيل فكلها فاسدة، لأنها إن كانت لأجل أن الرواية الاولى والثانية موردهما الشك في الرافع. ففيه: أن موردهما أيضا مخصوص، فلو أمكن استفادة الكلية منهما بالنسبة إلى سائر موارد الشك في الرافع، فلا منع من جريانه في المقتضي. وإن كانت قصة الاستمرار والبقاء، وأنه لا معنى للنهي عن النقض في موارد الشك في الاقتضاء. ففيه: أنه قانون كلي عمومي، ويكفي كون طائفة من الشكوك الاستصحابية، شكا في الرافع. مع أنك عرفت: أنه ليس ماهية الاستصحاب فيها الشك في البقاء والاستمرار (1)، كما سيظهر تحقيقه (2). وإليك وجها ثالثا: وهو أن إضافة " النقض " إلى " اليقين " ونسبة " النقض " إلى " اليقين " - بعد ما لا يمكن بمعناه الواقعي: وهو نقض الهيئة الاتصالية * (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) * (3) - لابد وأن يكون المنتخب أقرب المجازات. أو يقال: إنه عند التحليل لا ينتقض اليقين بالطهارة بالشك بالضرورة، فإن اليقين يزول باحتمال إصابة النجاسة، أوباحتمال أن الشيطان نفخ بين الأليين، ويصير شاكا في أن ثوبه طاهر، أو أنه على الوضوء وهكذا، فلا معنى للنهي واقعا، لعجزه. وأما في ظرف الشك، فهو على يقين بأنه كان على الوضوء، وهذا اليقين باق،


1 - تقدم في الصفحة 395 - 398. 2 - يأتي في الصفحة 419 - 420. 3 - النحل (16): 92. (*)

[ 418 ]

ولا يعقل إزالته بالشك، ونقضه وإفساده وكسره وحله بالشك اختيارا، فعندئذ لابد وأن يكون " اليقين " المضاف إليه " النقض " والمنسوب إليه قابلا للكسر بالشك، وفي موارد الشك في المقتضي ينكسر بانكسار المضاف إليه اليقين، لا الشك، فالهيئة تفيد كون الحجية مخصوصة بالشك في الرافع، فبين التقاريب فرق واضح. أقول: يتوجه إليه نقضا: أن الاستصحاب يجري في الأعدام الأزلية والأعدام المضافة لرفع الحكم، ولا معنى لتخيل كشف الاقتضاء وإحراز المقتضي في أمثالها. هذا إذا كان نظرهم إلى المتيقن. وإن كان نظرهم إلى اليقين، فالاستحكام والإبرام المتوهم له، ربما يكون أخف من الظن بحسب زواله أو الشك في بقاء المظنون والمتيقن، مع أن ما هو المأخوذ في الأخبار ليس إلا عنوان " اليقين " ومفهومه، فلا تخلط. وحلا: أن النهي المذكور ليس إلا تعبدا بالنظر إلى ما ينتهي إلى الوظائف المقررة، ولا تكون هناك إضافة ولا نسبة، بل النهي في حكم القضية السالبة المحصلة، لا المعدولة، فيكون سلب الربط على ما تحرر، لا ربط السلب، وليس " اليقين " في الجملة المذكورة إلا مفعولا به حسب الاعتبارات النحوية، ولا يلزم من قوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " (1) استخراج صحة نقض اليقين بالشك، كما ترى في قولك: " ليس الجدار بصيرا " وقولك: " لا ترى الجدار بصيرا " فلا تخلط. فاستفادة التفصيل من المادة، أو الهيئة، أو اليقين، أو المتيقن، مع أن اليقين لا يأتي بمعنى المتيقن كما مر (2)، في غير محله، فما في " الكفاية " (3) وغيرها (4) في


1 - وسائل الشيعة 8: 216، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3. 2 - تقدم في الصفحة 386 - 387. 3 - كفاية الاصول: 443 - 444. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 373 - 377. (*)

[ 419 ]

غير محله. ثم حلا أيضا: أن أخبار الاستصحاب كالمعتبرة الثالثة لزرارة (1)، كانت تدل على الحجية، ومورد الاستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، وليس هو من الشك في الرافع. ولو كان مجراه بقاءه في الصلاة فهو من الشك في المقتضي. وفي بعض أخباره: " من كان على يقين فشك " (2) أو " إذا شككت فابن على اليقين " (3) أو " إن اليقين لا يدفع بالشك " (4) أو غير ذلك (5). ثم أيضا حلا ما مر في تحرير حقيقة الاستصحاب (6)، وأنها متشكلة من القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها، واتحاد موضوع القضيتين، والتردد في محمول القضية الاولى في القضية الثانية، واتصال زمان الشك واليقين، بمعنى عدم تخلل القضية الاخرى الناقضة للقضية الاولى، وهذا أمر لا استمرار فيه، ولا شك في بقائه. فلو كان على يقين بأن زيدا موجود، مع عدم الاطلاع على اقتضاء وجوده وحد بقائه، بل ولو مع الظن بقصور الاقتضاء، ثم بعد مدة تردد في أن زيدا هل هو موجود أم لا، فعليه التعبد بالقضية الجزمية والقطعية مثلا، باعتبار الآثار وأحكامها


1 - الكافي 3: 351، تهذيب الأحكام 2: 186 / 740. 2 - الخصال: 619، وسائل الشيعة 1: 246، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 6. 3 - وسائل الشيعة 8: 212، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 8، الحديث 2. 4 - الإرشاد: 159، مستدرك الوسائل 1: 228، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 4. 5 - تهذيب الأحكام 4: 159 / 445، وسائل الشيعة 10: 255، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3، الحديث 13. 6 - تقدم في الصفحة 404. (*)

[ 420 ]

في ظرف التردد التكويني، من غير النظر إلى الاقتضاء وحدوده، والرافع ورافعية الموجود، أو غير ذلك، بل المناط ما اشير إليه، لأن " اليقين " و " الشك " المأخوذان في الأدلة ما يتعلقان بالقضية، وفي القضايا لا بقاء ولا استمرار، بل هذه الامور مربوطة بمثل الامور الخارجية، كالحركة، والوجود، والزمان، وهكذا. التمسك بالارتكاز العقلائي على التفصيل المزبور بقي تقريب آخر للتفصيل المذكور وهو: أن الارتكاز العقلائي يساعد على الشك في الرافع في مثل القضايا المتشكلة عنه، أي ما يبقى طبعا ويدوم لو خلي وطبعه، ولا يساعد على غير ذلك، والأخبار ناظرة إليها، ولا إطلاق لها بعد ذلك الارتكاز. وفيه أولا: أنه ارتكاز ميت، ولا شاهد على نظارة الأخبار إليه بعد ما مر من عدم تماميتها، لا عرفا، ولا متشرعا. وثانيا: لا يمنع الارتكاز المذكور عن الإطلاق، بل لابد من ضرب القانون كي يقع متبع القوانين الإسلامية في الراحة في موارد غير عرفية، كما هو كذلك في مثل " من استولى على شئ منه فهو له " (1) وهكذا في مثل " ما أديا إليك عني فعني يؤديان " (2) فإن المجتمع ربما يقع في الضيق في الزوايا وحواشي المسائل، فيضرب القانون لأجل ذلك، فلابد من القرينة، ولو كان هذا أمرا عقلائيا - كحجية الظواهر، وخبر الواحد - لكان يكفي عدم الردع، فمن هذه الأخبار يستكشف إما عدم ارتكازية المسألة، أو إطلاقها لموارد الشك في المقتضي، كما ينبعث بإطلاق * (أحل


1 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079. 2 - الكافي 1: 329 / 1. (*)

[ 421 ]

الله البيع) * (1) وغيره في كثير من موارد غير معلومة عرفا. تذنيب: حكم الشك في حجية الاستصحاب في الشك في المقتضي لو شك في حجية الاستصحاب في الشك في المقتضي، فباعتبار هو مساوق للقطع بعدم الحجية، وفي اعتبار يستصحب عدم الجعل. اللهم إلا أن يقال: إنه ليس من الشك في الرافع. أو يقال: إن عدم الجعل باق بطبعه حتى يجعل على خلافه، ولو كان مراد الشيخ وغيره من " الشك في الرافع " ما هو يعتبر له البقاء ويدرك استمراره بحسب الطبع، لا يتوجه إليه ما ذكرناه نقضا عليه. وأما التقريب الآخر من ناحية طريقية اليقين لا موضوعيته، كما يوجد في كلام العلامة الأراكي (2) والنائيني (رحمهما الله) وانجر الثاني إلى تصديقه (3)، فهو من الاشتباهات، فإن ما هو من اليقين والشك في الأخبار ليس اليقين الموضوعي، ولا الطريقي، بل هو عنواني كما حررناه (4)، وما هو الطريق أو الموضوع أو هما معا هو مصداق العنوان المذكور، فلا يستفاد من نسبة النقض إلى اليقين العنواني إلا ما يناسب عالم العناوين، دون الخارج والمصاديق، ولأجل ذلك استفدنا ثمرات عديدة، كما حللنا مشاكل كثيرة مما مر في حل مشكلة التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع.


1 - البقرة (2): 275. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 81. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 374. 4 - تقدم في الصفحة 385. (*)

[ 422 ]

ذنابة: حول تصوير الشك في الرافع والمقتضي في الشبهات الموضوعية هل تعقل الشبهة الموضوعية على القول بالتفصيل المذكور كسائر الأدلة، أم الشك إذا لم يكن في الرافع فهو في المقتضي وليس بحجة، أو أنه يمكن ذلك على بعض التقارير في تفصيل المراد من " المقتضي والرافع " ؟ وحيث لا يترتب عليه الأثر العملي يكون الإغماض عنه أولى، إلا أنا نشير إلى مثال، وهو أنه لو تردد المتعاقدان في مدة شرط الخيار بين العشرين يوما والثلاثين، فإن شك ذو الخيار قبل العشرين في الفسخ أو فاسخية الموجود، يستصحب الخيار، وهو من الشك في الرافع، ولو شك في بقاء الخيار فوق الثلاثين بحسب الثبوت، يعد من الشك في المقتضي، ولو شك بين العشرين والثلاثين يتردد الأمر بينهما، فيلاحظ. خاتمة: في اختيار العموم حتى مع اختصاص الحجية بالرافع لو صدقنا جميع ما قيل في وجه اختصاص الحجية بالشك في الرافع، فلنا القول بالعموم، وذلك لأن النهي المذكور ليس إلا قانونيا كما اشير إليه، وسيق الكلام للتعبد واعتبار الحجية، ويكفي لعموم الحكم - بعد ما لم يكن الاستعمال حقيقيا - كون عدة من الشكوك شكا في الرافع، كما يكفي لعموم الحكم كون جماعة قادرين، ولا يعتبر اقتدار كل أحد في ضرب القانون وترشح الجد، فليتدبر.

[ 423 ]

التنبيه الثالث حول التفصيل بين وجود الرافع ورافعية الموجود حكي عن العلامة السبزواري (رحمه الله) تفصيل آخر: وهو بين موارد الشك في وجود الرافع، وبين موارد الشك في رافعية الموجود، توهما أنه في الفرض الأول يعد من نقض اليقين بالشك، وهو محرم، دون الثاني (1)، ونتيجة كلامه جريان قاعدة الطهارة مثلا في الشك في رافعية ماء البحر. وسر ما يظهر من المحكي عنه هو: أنه في الفرض الأول لا يجوز رفع اليد عن الطهارة السابقة، لكونه من نقض اليقين بالشك، وفي الفرض الثاني ليس الأمر كذلك. ولم يظهر لي وأظن أنه لم يظهر له، ماهية الاستصحاب المتشكل من القضيتين المذكورتين الموجودتين في الشك في رافعية الموجود، كما لم يظهر لمن تعرض لكلامه (رحمه الله) من المعاصرين وفضلاء العصر (2)، وكان الأولى عدم التعرض لتفصيله.


1 - ذخيرة المعاد: 115 / السطر 44، الفصول الغروية: 367 / السطر 6، فرائد الاصول 2: 622. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 377 - 378، منتهى الاصول 2: 393. (*)

[ 424 ]

التنبيه الرابع حول التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية وهو تفصيل محكي (1) عن الفاضل التوني (رحمه الله) بين الأحكام التكليفية والوضعية (2)، تخيلا أن المستصحب - انصرافا - لابد وأن يكون بنفسه أثرا، والوضعيات ليست كذلك. أو ظنا بأن ما بيد الشرع هو القسم الأول، دون الثاني، فليس الاستصحاب إلا جاريا في القسم الأول، دون الثاني، ضرورة أن النهي عن نقض اليقين بالشك وتحريمه، يساعد على التفصيل المذكور. أو توهما أن الاستصحاب معذر ومنجز، ولا معنى لذلك إلا بالنسبة إلى القسم الأول، دون الثاني. ويتوجه إليه أولا: لزوم تفصيله بين الاستصحابات الحكمية والموضوعية، لأن الثانية أبعد من كونها أثرا ومجعولا تكليفيا، ثم يندرج فيه الوضعيات، لمشابهتها بها من هذه الجهة التي هي المهمة بالبحث في الاصول. وثانيا: أن مورد التمسك به في بعض الأخبار السالفة لا يكون مناسبا للنهي، ولا للتنجيز، بعد إمكان أن يتوضأ ويعيد صلاته، كما في الخبرين الأولين، ويعد من الوضعيات.


1 - فرائد الاصول 2: 598. 2 - الوافية في اصول الفقه: 200 - 203. (*)

[ 425 ]

وثالثا: إنا نأخذ بإطلاق دليل الاستصحاب القانوني العام، من غير النظر إلى المستصحب أو الأمر الشخصي، فيستصحب النجاسة، كما يستصحب العدالة والفسق والوجود والعدم، باعتبار الأثر المترتب عليها بعد كون النهي ناظرا إلى اعتبار حجية الاستصحاب على الإطلاق ما لم يقم وجه لصرفه أو لقطع حجيته. ورابعا: لا يكون النهي للتحريم، بل هو من قبيل الأمر باتباع الثقة بالضرورة. تذنيب: حول الأحكام الوضعية وبيان ماهيتها كان الأولى أن لا يتعرضوا لمسألة الوضعيات المنتهية أحيانا إلى الفلسفة العليا، كي لا يظهر أن العالم الاصولي أجنبي عنها، كما لا يخفى إلا على من شذ وندر. كما أن علم الاصول من العلوم الاعتبارية البعيدة عن المسائل العقلية بمراحل جدا، حتى أن تعبير الفيلسوف أحيانا عن بعض الامور بالاعتبار، يرجع إلى قصوره في الفلسفة، كما ترى في تعبير العلامة السبزواري في " منظومته " عند قوله: مخلوطة، مطلقة، مجردة * عند اعتبارات عليها موردة (1) فإنه العبرة لذوي العقول عن البعد بين العلمين، وكي لا يقعوا في حيص وبيص، ولا يفهم طالب الفلسفة قصور الاصولي عن تلك الحقائق العينية. وقد أوضحنا في " القواعد الحكمية " (2) حديث المعقولات الثانية التي جاءت بمعنى ثان، كالإمكان، والشيئية، وأنه لا واقعية لها، وأن الخلط بين المسائل اللغوية


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 95. 2 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 426 ]

العقلائية والإدراكية العقلية، أوقعهم في القول المزبور، فقالوا: " الخارج ظرف الاتصاف، دون الوجود " (1) حذرا من المحاذير العقلية، مع أنه من الأباطيل الواضحة. وحيث أوضحنا في بعض المواقف حقيقة العلوم الاعتبارية (2)، وأنه لا حقيقة لها إلا اعتبار الحقيقة، ويحتاج طالب العلوم الاعتبارية إلى تنقيح بعض بحوثها، كي لا يقع في الخلط والخبط، وفيه الفائدة الكثيرة، لا بأس بالإشارة إلى بعض المسائل في طي امور، وإن ذكرنا في هذا الكتاب متشتتات منها، وفي كتاب البيع فروعها: الأمر الأول: في بيان معاني بعض الألفاظ المرتبطة بالمقام تقرع الأسماع ألفاظ " التكوينيات " و " التشريعيات " و " الانتزاعيات " و " الاعتباريات " و " المجعولات " الأعم من التكوينية والتشريعية، و " الحكم التكويني " و " التشريعي " و " التكليفي " و " الانتزاعي " و " الاختراعي " وحيث إنها في الأمثلة الاولى جموع، وواحدتها المصدر المنسوب، بخلاف مثل " الدخانيات " و " الفاعلية " و " المفعولية " فإن واحدها " الدخانية " ويكون حرف " الياء " أو هو مع " التاء " - على الخلاف المحرر في محله - علامة المصدر، فيكون بمعنى التدخين وأما " الاعتباريات " و " الوضعيات " و " التشريعيات " فواحدتها المصدر، و " الياء " للنسبة، أي الامور التشريعية والاعتبارية والتكوينية والانتزاعية. وأما كلمة " الحكم " فهي تحكي عن شئ هو مصداقها الحقيقي، أو الاعتباري والتشريعي والوضعي، نظير كلمة " الأمر " الحاكية عن الهيئة والصيغة


1 - الحكمة المتعالية 1: 332 - 339، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 39. 2 - تقدم في الجزء الأول: 275 وما بعدها. (*)

[ 427 ]

الخاصة، إلا أن حكم الله يناسب مقامه، فيكون أمرا عينيا أحيانا أو مطلقا، فيكون العالم بحكمه قد وجد، والصلاة بحكمه قد وجبت، والكلب بحكمه تنجس، والكل مجعولات بين الجعل البسيط والمركب، بناء على صحة التقسيم المذكور في العلم الحقيقي، وإلا فهو صحيح بين الناس والبسطاء بالضرورة. ف‍ " الأحكام " جمع " الحكم " وهو موضوع للمجعول، ويكون وجود العالم حكم الله، ووجوب الصلاة كذلك، ونجاسة الكلب وأمثالها، وربما يحكى ذلك فيقال: " حكم الله أن يكون العالم موجودا، والصلاة واجبة، والكلب نجسا، والسورة جزء، وقول الفقيه حجة، والبيع سببا " وهكذا. وكل ذلك شريك في المجعولية العامة، ومختلف في كيفية المجعولية: فتارة: يقول: * (كن فيكون) * (1) وهو حكم تكويني. واخرى: يقول: " صل وصم ". واخرى: يقول: " ائت بالسورة في الصلاة ". وثالثة: يقول: " اجتنب الكلب ". واخرى: يجوز أن يقول: " جعل من الماء كل شئ حي " و " جعل الصلاة واجبة، والسورة جزء، والكلب نجسا، والبيع سببا، والنار علة ". فإذا اريد حكاية هذه الامور فلك أن تحكي " بأن الله حكم، أو أمر، أو جعل " أو غير ذلك من الألفاظ العامة. والبحث ليس لغويا هنا، وإنما يستفاد من ذلك الاشتراك المعنوي بين الحكم التكليفي والوضعي والتكويني، بل والانتزاعي فيقال: " حكم بجزئية السورة، وبحجية قول الفقيه، وبموجودية العالم، وبنجاسة الكافر " هذا بحسب اللغة. فتوهم


1 - البقرة (2): 117. (*)

[ 428 ]

الاشتراك اللفظي في هذا الموقف في غير محله. نعم، سيمر عليك أنه يمكن دعوى: أن ما هو الحكم حقيقة ويكون مصداقا له أولا غير بعض مصاديقه الملتحقة وإن كان الاستعمال حقيقة، للتوسع والادعاء بحسب المصداقية، لا المفهومية، خصوصا بعد مضي السنوات على الاستعمال. تذنيب: إن " الانتزاعيات " و " الانتزاع " من " النزع " وهو تارة: تكويني " فليجعل اللهم لي الخير عند نزع الروح عن الجسد ". واخرى: ذهني، كنيل النفس من الشئ الخارجي التكويني معنى مجردا من القيود واللواحق. وثالثة: من الأمر الاعتباري، كما ينزع من إضافة زيد إلى الدار الملكية المشابهة للملكية العينية، ولأجل ذلك ذكرنا في " قواعدنا الحكمية " عزرائيلية النفس بانتزاع كثير من المعاني المجردة من الأعيان الخارجية برفض المادة ولواحقها، ونيل أمر كلي سار صادق على غير ما يلمسه ويشاهده ويحسه بإحدى الحواس. فبحسب اللغة يصح تقسيم الحكم إلى التكليفي، والوضعي، كما يصح تقسيمه إلى التكويني، والانتزاعي، والاعتباري، والتشريعي، والاختراعي. ومما ذكر يظهر ما في " رسائل " المحقق الوالد - مد ظله - من جعل المقسم المقررات الشرعية (1)، مع أن الكلام في تقاسيم الحكم، وما في كتب الآخرين من أن الصلاة ليست حكما، غافلين عن صحة هذا التعبير: " حكم الله بأن هذا المعجون المركب صلاة " كما ربما يقال: " ليست صلاة إلا إلى القبلة " أي حكم بأنها ليست صلاة وإن كانت صلاة بدون الحكم، فلا تختلط.


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 65 - 66. (*)

[ 429 ]

الأمر الثاني: حول تقسيم الجعل إلى البسيط والمركب قد حررنا: أن حديث تقسيم الجعل إلى البسيط والمركب، صحيح بحسب اللغة (1). وأما بحسب التحقيق: فإن الله يجعل وجود زيد، ويجعل حركة زيد، وتدريجية علم زيد وهكذا، ولا يجعل شيئا شيئا، من غير فرق بين أن يكون الشئ الثاني ملازما غير مفارق للشئ الأول، أو غير ملازم، فلا يجعل النار علة ولا محرقة للقطن الكذائي، بل بجعل النار تجعل العلية، أو يجعل علية شئ لشئ بسيطا، فيظهر فساد ما في الكتب العقلية (2)، فضلا عن الكتب الاصولية، فلا يجعل إلا نجاسة الكلب، أو طهارة الماء، أو طهارة المغتسل به، أو جزئية الفاتحة، أو غير ذلك كملكية زيد لداره، وغير ذلك. وأما بحسب اللغة، فالأمر المحرر: أن الحقائق الحكمية لا تقتنص من الإطلاقات العرفية والاستعمالات السوقية، فلا يجعل زيد قائما، بل يجعل قيام زيد، وهكذا في المقولات والمحمولات بالضميمة. هذا إذا نظرنا إلى الاعتبارات بعين العقل، وإلا فالأمر فيها أوسع. وأما البراهين المنتهية إلى أنه - تعالى - لا يريد ولا يجعل إلا بسيطا، فتطلب من محالها. الأمر الثالث: في توقف الاعتبارات على الاحتياج العقلائي إن ما يقرع سمعك في العلوم الاعتبارية من المفاهيم البسيطة والمركبة، كلها


1 - الظاهر أن هذا البحث في قواعده الحكمية وهي مفقودة. 2 - الحكمة المتعالية 1: 396، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 56. (*)

[ 430 ]

نقشة الامور التكوينية، ولا تجد - حسب الاستقصاء - ابتكار مفهوم فيها من المفاهيم في المعاملات والعبادات، ومفاهيم الأجزاء بالحمل الأولي، والمركبات بالحمل الشائع، بل كل هذه الامور الاعتبارية اتخذت من الامور التكوينية. مثلا: مفهوم " الملكية " اتخذ من الملكية الحقيقية الثابتة لله تعالى، أو للنفس بالنسبة إلى قواها، ومفهوم " المبادلة " في البيع الاعتباري اتخذ من التبادل الخارجي، ومفهوم " السبب، والسببية، والنكاح، والزواج، والطلاق " من مصاديقها الخارجية البدوية، ثم بعد اتساع دائرة الحضارة البشرية، اتسعت مصاديق اعتبارية لتلك العناوين، التي نالتها العقول عن الخارج بسبب الإحساس واللمس. وعلى هذا، لو اعتبرت السببية أو الحجية أو الجزئية أو الكلية والحرية وغير ذلك، فكلها ناشئة عن الاحتياج في الحضارة والمدنية، ولأجل ذلك - احتمالا - قالوا في حجية غير القطع بالتنزيل (1)، مع أن الأمر ليس كذلك، بل اتسعت مصاديق الحجة للحاجة إليها. الأمر الرابع: في بيان حقيقة الأحكام الوضعية بعد ما عرفت هذه المسائل، تكون الأحكام التكليفية بمصاديقها - وهي الأوامر والنواهي والبواعث والزواجر الإنشائية - واضحة، كما تحرر في المجلد الأول. وأما الأحكام التكوينية فهي عين التكوين والخارج، فإن إرادته - تعالى - فعله، فالحكم التكويني مقابل التشريعي في وجه، وإلا فالتشريع من تبعات التكوين، وتفصيله خارج عن ديدن هذه البحوث.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 106. (*)

[ 431 ]

وأما الأحكام الوضعية فهي اعتباريات خارجية، ككون زيد مالكا، أو حرا، أو زوجا، حسب التعابير السوقية، وهكذا البيع سبب، أو الصلح سبب لكذا، فإن هذه الامور وإن لم تكن على نعت القانون، أو كانت أحيانا قانونا من المقنن النافذ، ولكن هو على سبيل القضايا الحقيقية، فإذا تصدى زيد لإيجاد سبب الملك، يصير مالكا بذلك السبب للمسبب المعقود عليه، من غير أن يكون ذلك اعتبارا خاصا شخصيا. فقوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (1) ناظر إلى أن ما هو البيع الخارجي نافذ دون مفهومه، وهكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " الصلح جائز بين المسلمين " (2) وغير ذلك. وغير خفي: أن الانتزاعيات بين ما تكون من خارج المحمول، فلا تنالها يد الجعل، كالعلية والمعلولية، والذهنية والخارجية، والمادية والمجردية. وبين ما لا تكون إلا اعتبارا، كالسببية والمسببية، والحجية والجزئية، وغير ذلك، فإنها تنالها يد الجعل الاستقلالي والتبعي، أي تبعا للأمر الغيري، أو النهي الغيري بالنسبة إلى شرطية العدم، فيجوز أن يقال ويصح أن يعبر: " بأن الله أحل سببية البيع والصلح، أو جزئية السورة، وشرطية الوضوء " وهكذا، وينتقل المكلف إلى لزوم إتيانها في طي المركب أو المركبات الاختراعية، بأن يعتبر عدة امور مختلفة الوجود والمقولة تحت عنوان واحد واسم فارد، فيقول بحسب الثبوت: " إن هذا المركب الكذائي حج " أو " صلاة " أو " جعلت هذه الامور صلاة " أو " اعتكافا " فإذا ورد الأمر بإتيانها يجب اتباعه، فلا يلزم ثبوتا امتناع ومشكلة عقلية، فيظهر فساد مقالة " الكفاية " (3) وأتباعها (4).


1 - البقرة (2): 275. 2 - وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2. 3 - كفاية الاصول: 455 - 456. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 394، نهاية الدراية 5: 103، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 93 - 95. (*)

[ 432 ]

ولا يلزم تقارن الأمر الإيجابي واعتبار الوحدة التركيبية، كما يعتبر الواضع لمعجون مركب اعتباري اسما خاصا كذائيا، فتناله يد الجعل، إلا أن معنى " الجعل " ليس هنا إلا ذلك، لا الخارج التكويني فلا تغفل. فيظهر فساد كلمات القوم من هذه الامور، ولا حاجة إلى التذكير به تفصيلا، ولعله يأتي بعض الكلام حولها إن شاء الله تعالى. وتبين: أن الانتزاعيات عن الامور التكوينية، كالعلية وأشباهها، فإنها بحكم خارج المحمول وذاتي باب البرهان، وحيث لا تتعلق الإرادة التكوينية إلا بوجود السبب وبوجود النار، فالسببية والمحرقية لا تنالها يد الجعل والإرادة، ولمكان أنها خارجة من المقولات لا يتعلق بها الجعل البسيط، كقيام زيد، وعلم عمرو، وحركة الطبيعة الخارجية التي هي عين وجود ذاتها، ولأجله تصير جوهرية، ولا يلزم عرضيتها ولا في المقولات العرضية رأسا. ولذلك أنكرناغير الحركة الجوهرية إلا تبعا، فما ذهب إليه القوم من جريان الحركة في طائفة من المقولات، غير صحيح، ولعلهم أرادوا ذلك، فاغتنم. واتضح أيضا: أن كافة الانتزاعيات عن التشريعية، قابلة للجعل البسيط والمركب بالضرورة. وأما ما ذهب إليه العلامة الأراكي (رحمه الله) من: " أن جعل الجزئية ورفعها لا يمكن، لتشخص الإرادة بالمراد " (1) فقد مر فساده في أواخر الاشتغال (2) وفي حديث الرفع (3)، وأن تشخص الإرادة بالعنوان الوحداني، ولا يعقل أن يتعلق الواحد إلا بواحد، والجزئية والشرطية بأنحائها مربوطة بذلك العنوان، على نحو تعتبر في


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 90 - 91. 2 - تقدم في الصفحة 146 - 147. 3 - تقدم في الجزء السابع: 118 - 119. (*)

[ 433 ]

مقابلها عند لحاظه الاستقلالي، ويكون فانيا فيه بعد الاعتبار المذكور. تنبيه: في بيان أقسام الاعتباريات الاعتباريات بين ما هي إمضائيات شرعا، أو تأسيسيات إمكانا، أو أحيانا. وعلى كل تقدير: تنقسم إلى ما يكون وعاؤه الخارج فقط، مثل الإمضائيات، كالبيع والملكية، وإلى ما يكون أعم، كالصلاة وأشباهها، فإنها تعتبر أولا عنوانا واحدا، كما في خبر حماد المبين لطبيعة الصلاة مثلا (1)، ويتعلق به الأمر ثانيا، كالمعجون الذي يركبه الطبيب أولا، ثم يأمر بشربه وأكله. وأما البحث حول الصحة والفساد والرافع والقاطع والمانع بالنسبة إلى الموضوعات الاعتبارية، فقد مضى في مباحث سابقة، وبينا فساد مذاهب القوم كلها حول الأولين (2)، وهكذا حول الأواخر أخيرا في بحوث الاشتغال (3)، فلا وجه لإطالة الكلام حولها، فلا تغفل. وهكذا حديث المطهرية والناقضية والمطهر والنواقض وغير ذلك، سواء كانت من الانتزاعيات، أو الاعتباريات. بقي شئ: في أن مسببات العقود هي لوازم ذات السبب والماهية قد اشتهر القول: " بأن امورا سبب كألفاظ العقود والإيقاعات " (4).


1 - وسائل الشيعة 5: 459، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 312 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 82 وما بعدها. 4 - جامع المقاصد 4: 54 - 55، جواهر الكلام 22: 206 - 210، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 60. (*)

[ 434 ]

وذهب الوالد المحقق - مد ظله - وبعض آخر إلى موضوعية تلك العناوين لأحكام عقلائية مثلا، كسائر الموضوعات (1). ويمكن دعوى: أن تلك الامور المسببية من لوازم ذات السبب والماهية الاعتبارية، مثل الإمكان بالنسبة إلى الماهية. فعلى القول الأول، اتخذ الاعتبار المذكور من السببية التكوينية، للاشتراك في الخاصية، كما ترى في النار بالنسبة إلى الإحراق، وهكذا في البيع بالنسبة إلى النقل والانتقال. وعلى القول الثالث، اتخذ الاعتبار المذكور من الماهيات التكوينية والأعيان بالقياس إلى لوازمها، حتى قال الاستاذ البروجردي (قدس سره) في موضع: " إن الوجوب والحرمة من لوازم الماهيات وتلك الطبائع في الاعتبار " (2) وبه تلحق سائر الامور حسب نظرنا ثبوتا. وأما القول الثاني، فحيث لا تأثير ولا لزوم عقلي، فلابد وأن يكون هناك حكم عقلائي، فعند تحقق البيع السببي بذاته يحكم العقلاء بالنقل والانتقال، وعند تحقق ألفاظ الطلاق والعتاق يحكم العقلاء بالحرية وهكذا. والمناقشة من ناحية عدم حصول الجد متوجهة إلى الكل، والجواب واحد بعد بطلان التأثير التكويني، واللزوم العقلي وهكذا. أقول: قضية ما عرفت منا من توسعة المصاديق الاعتبارية من غير تصرف في المفهوم الطبيعي (3)، كون تلك التوسعة لمساس الحاجة في الحضارة، فكل ما كان أكثر إمساسا وإدراكا بحسب التكوين، فهو أولى بكونه مبدأ للحوق المصداق


1 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره): 6 - 7. 2 - نهاية الاصول: 256 - 257. 3 - تقدم في الصفحة 429 - 430. (*)

[ 435 ]

الاعتباري، وعندئذ ما ذهب إليه المشهور أولى، كما اخترناه في بعض المباحث الماضية (1). ولكن بحسب التجزئة والتحليل، كما لا يدرك العقل الزوجية وهي عنوان واحد من الكثير بما هو كثير - وهو الاثنان والأربعة والستة والمائة والألف - إلا برجوع تلك العناوين الكثيرة إلى جهة جامعة: وهي ما ينقسم إلى المتساويين مثلا، ولا يكون الإحراق إلا لما هو طبيعة تشترك فيها الشمس والنار والكهرباء وغير ذلك. كذلك العقلاء بحسب الفطرة، لا يرون أن البيع سبب النقل والانتقال، والصلح سبب النقل والانتقال، والإجارة، ولا يرون أن النقل والانتقال من لوازم تلك الماهيات المتباينة وإن اختلفت خصوصية النقل والانتقال الخارجي، إلا أنها ليست خارجة عن هذا المفهوم العام المشترك المحتاج إلى الجهة الجامعة الواقعية التكوينية أو الاعتبارية، بل حكمهم بالنقل والانتقال عند تحقق البيع وعند تحقق الصلح والإجارة وغيرها أقرب، فلا يحكمون بوجوب إكرام زيد وعمرو وبكر إلا من جهة اشتراكهم في العنصرية، أو العلم، أو الإسلام، أو غير ذلك، فلا يحكمون بشئ واحد - وهو الوجوب أو الحرمة بالنسبة إلى الموضوعات المختلفة - إلا برجوعها إلى معنى واحد. وعلى هذا، يسقط أساس بحوثهم عن السببية، وحكم العقلاء، واللزوم الاعتباري على ما عرفت، ويرجع البحث إلى أن كل قرار معاملي أو كل قرار عقلائي بل كل قرار، محترم عند العقلاء، وإنما تختلف خاصة الحرمة حسب الموارد، والشرع ربما أنفذ ذلك، وربما اعتبر الاختيار لأحد طرفي القرار كما في الهبة، أو أنه في بعض الأحيان اعتبر الاختيار لصاحب الحيوان إلى ثلاثة أيام، نظرا إلى بعض الحكم والأسرار.


1 - تقدم في الصفحة 59 - 60. (*)

[ 436 ]

فالبيع ليس سببا للنقل والانتقال، ولا موضوعا لحكم العقلاء به، ولا اعتبر النقل والانتقال لازم ماهية البيع، بل المتعاملان قرارهما على أن يكون هذا المبيع بحذاء ذاك، فبالقياس إلى المتعاملين يقال: " هما أوجدا القرار " وباعتبار المقايسة إلى العوضين يقال: " حصل القرار " ولا تعدد ولا تكثر في القضية إلا بالقياس، كما أن المقولات عندنا امور مأخوذة من المقايسات حتى الجوهر، وإلا فالعالم معنى حرفي بالقياس إليه - تعالى -، والماهيات تابعة الوجودات، فخذ واغتنم. التنبيه الخامس حول التفصيل بين استصحاب الأحكام والموضوعات كنا في سالف الزمان نفصل بين الأحكام والموضوعات، بجريانه في الاولى دونها، فيجري في الأحكام الكلية مثلا والجزئية، وجودية كانت، أو عدمية، بخلاف الموضوعات على الإطلاق، وذلك إما لأجل أن الاستصحاب تعبد شرعا، فلا يكون مصبه إلا ما بيد الشرع، وهو الحكم دون الموضوع، فلا معنى لشمول إطلاق أدلته لمثل استصحاب العدالة، والفقر، والفسق، وغير ذلك. أو لأجل أن شموله للأصل الموضوعي الموافق للأصل الحكمي لغو، ولا داعي للالتزام بشموله أولا للموضوع، وثانيا للحكم، أو في عرض واحد لهما ولو كان الأول سببيا والثاني مسببيا، لأن المفروض وجود دليل واحد، وهو قوله (عليه السلام): " لا ينقض اليقين بالشك " (1) وحاكمية الأصل السببي على المسببي فرع مشموليته


1 - وسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3. (*)

[ 437 ]

للإطلاق المذكور، مع أنه لغو، لما لا أثر له إلا بالنسبة إلى وجوب إكرام زيد إذا شك في أنه عالم، فاستصحاب الوجوب جار وكاف. نعم، لو ورد نص على جريانه في خصوص موضوع، فلابد وأن يحمل بالنسبة إلى الحكم المقصود، فرارا من اللغوية. وربما يلحق بالموضوع، الوضعيات، فمجرد استصحاب العدالة لجواز الطلاق عنده، لا يكفي بعد عدم وجود دليل في البين إلا الإطلاق المقتضي هو بالذات لبقاء حرمة النكاح، أو حلية النظر بالنسبة إلى الزوج، فلا ينبغي الخلط بين المسائل الشرعية، والمسائل العلمية الذوقية، وما ذهب إليه معاشر الاصوليين من الخلط بين تلك المسائل. مثلا: لو شك في عدالة زيد فطلق زوجته عنده، أو صلى خلفه، فمقتضى الاستصحاب الموضوعي حل المشكلة من ناحية الشك في بقاء حلية النظر، أو وجوب القسم، أو حرمة الخامسة، ومقتضى الاستصحابات الحكمية التكليفية خلافه، فإن ورد النص في خصوص استصحاب العدالة فلابد للفرار من اللغوية في المثال المذكور من الالتزام بحل المشكلة المشار إليها. وأما مجرد الإطلاق المنحل إلى السببي والمسببي في عرض واحد فلا يكفي، لما لا حاجة إليه كي تلزم اللغوية، بل يستصحب الأحكام التي هي بيد الشرع وضعا وإبقاء ورفعا وتنزيلا، وغير ذلك. فتوهم: أن اختلاف المباني في الاستصحاب يوجب اختلافا هنا، غير سديد، لأن أساس المناقشة ناشئ عن ثبوت الإطلاق، بل وجوازه لأدلة الاستصحاب. وهذا من غير فرق بين حديث قانونية الخطابات الشرعية، أو انحلالها إلى الخطابات الشخصية. ولعل ما هو المحكي عن المحقق الخونساري (1) يرجع إلى ذلك.


1 - فرائد الاصول 2: 625، مشارق الشموس: 75 - 77. (*)

[ 438 ]

وغير خفي: إنا بصدد توضيح الإشكال المتوجه إلى معاشرنا الاصوليين من هذه الجهة، وإلا فربما لا نقول بجريان الاستصحاب الحكمي الكلي من الشرائع السالفة، أو في هذه الشريعة، إلا أن منشأ ذاك الإشكال أمر آخر يأتي - إن شاء الله تعالى - في محله (1). وما ألزمهم بالقول بجريان الاستصحاب الموضوعي، ليس إلا إمكان التعبد بحسب الأثر، الذي ليس إلا جعل الآثار الاخر، التي يكون كل واحد منها مخصوصا باستصحاب بلا أثر، أو ترتيب الآثار الناقضة، حسبما تحرر في الأصل السببي والمسببي، والموضوعي والحكمي، والكلام حول كفاية الإمكان المذكور بعد كونه مبتليا بتلك المشكلة. نعم، في مثل استصحاب العدالة أو استصحاب جواز الصلاة خلفه وضعا وحليتها الوضعية، لا تختلف الثمرة العملية، إلا أن استصحاب بقاء وجوب الصلاة الذي هو الأثر واقعا، يمنع عن انعقاد الإطلاق لأدلة الاستصحاب حتى يشمل الأصل الحاكم الموضوعي السببي حسب المصطلحات التي ربما هي توجب الغفلة. و * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (2) وهو ملاحظة موارد الاستصحاب الخاصة في الأدلة الماضية وفي موارد كثيرة، فإنه ربما منها يشرف الفقيه على الوثوق بما عليه بناء معاشر الاصوليين، فليتدبر. وأما ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - من: " أن تقدم الأصل السببي على المسببي لا أساس له، والاصول الموضوعية تنقح الموضوعات للأدلة الاجتهادية، فلا يكون في المقام إلا شمول الإطلاق للأصل الموضوعي " (3).


1 - يأتي في الصفحة 537 - 539. 2 - الطلاق (65): 1. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 246. (*)

[ 439 ]

فهو في محله، إلا أنه لا يفيدنا، ولا يحل المعضلة، لأن الاستصحابات الحكمية جارية بذاتها ومحكومة بالأدلة، والاستصحابات الموضوعية تجري باعتبار الأثر المنفي بالأصل المسببي حسب الطبع، وعندئذ لا معنى لشمول الإطلاق للموضوعي لأجل ذلك، لأن المسألة لا تزداد على شمول الإطلاق، وهو محل منع ومناقشة، فلا تغفل وتدبر جدا. التنبيه السادس حول اعتبار فعلية الشك واليقين في اعتبار فعلية اليقين والشك مطلقا، أو عدم اعتبار الفعلية على الإطلاق، أو التفصيل بين اليقين والشك، أو بين حدوث الشك والبقاء، وجوه. كما أنه لو كانت معتبرة فلا فرق بين أنحاء الاستصحابات الماضوية، والحالية، والاستقبالية، والتدريجية، كاستصحاب بقاء الوقت وهو في الصلاة، فإنه استصحاب واحد متدرج وواحد متحرك في الاعتبار بوجه. و " الفعلية " تارة: تطلق مقابل التقدير، واخرى: مقابل الغفلة والذهول. وبعبارة اخرى: يمكن أن يراد من البحث وجود الشك واليقين، واخرى: الالتفات إليهما وإن كانا موجودين في الخزانة النفسانية والمخازن الروحية. وعلى كل تقدير: وإن كانت كلماتهم لا تخلو من نوع غموض، إلا أن المتبع هو البرهان: وهو أنه لا معنى لوجوب إكرام زيد مع كون موضوع الوجوب هو العالم، بتوهم أنه لو كان يدرس يصير عالما، والأمر هنا كذلك، فلابد من اليقين والشك.

[ 440 ]

وأما الالتفات، فيحتاج إلى تقريب آخر، ضرورة أن اليقين بالطهور موجود، والشك في محمول القضية الاولى أيضا موجود، إلا أنها مذهولة ومغفولة، لا أنها فانية غير متحققة ومعدومة، بل غير ملتفت إليها. ولعل هذا هو الأنسب بأن يجعل محل البحث، فلا وجه لإقامة الدليل المذكور، ضرورة أنه في مورد " أكرم العالم " إذا كان العلم موجودا، والعالم نائما أو مغمى عليه، يكون العلم مذهولا ومغفولا عنه فعلا، ووجوب الإكرام ثابتا. والكلام هنا ليس حول المشتقات، لأن ما هو في الأخبار عنوان " اليقين " و " الشك " لا " المتيقن " و " الشاك " كي يرجع البحث إلى واد آخر، ويطلع طلوعا ثانيا في البحث والاستظهار. فعلى كل: لا وجه لاستدلالهم عندئذ لو اريد من الفعلية هو الالتفات في مقابل الغفلة، لا الوجود في مقابل العدم. وعندئذ يمكن دعوى: أن الشرع اعتبر في ظرف وجود الشك يقينا، وهو حجة قهرا، أو ألغى الشك الموجود بإطالة عمر اليقين، وهما موجودان منسيان، ونسيانه والذهول عنه لا يرتبط بالواقع كسائر العناوين، فكما أن المكلف بإكرام زيد العالم مكلف فعلا بذلك، سواء كان ذاهلا، أو جاهلا، أو غافلا، لأنه إنسان، والإنسان البالغ العاقل مكلف، كذلك اليقين والشك ربما يكونان موجودين مغفولا عنهما، والوجود عين الفعلية. نعم، هو غير عالم بشكه، وهذا أمر آخر يحتاج إلى بيان زائد غير ما يرى في بعض كلمات مثل الشيخ الأعظم (1) والعلامة الخراساني (قدس سرهما) (2) وتلامذتهما (3).


1 - فرائد الاصول 2: 547 - 548. 2 - كفاية الاصول: 459. 3 - بحر الفوائد، الجزء الثالث: 12 / السطر 1 وما بعده، نهاية الدراية 5: 126 - 127، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 13 - 14. (*)

[ 441 ]

ولعمري، إن البحث عن الفعلية - بمعنى وجود اليقين والشك - غير لائق بهم. ومن الغريب تمسكهم بالدليل المذكور ! ! فإنه يوجب وقوعهم في هذا البحث، والأمر سهل. وغير خفي: أن اعتبار وجود اليقين والشك قطعي على جميع المباني: مبنى الشيخ الأنصاري (1)، وهو الكون السابق والشك اللاحق، أو مبنى الملازمة (2)، لاحتياجها إلى وجودهما في حصول المصداق منها. فما هو محط الكلام أن من الممكن دعوى: أن الاستصحاب حجة إلهية تأسيسية واقعية عند وجود الشك المسبوق باليقين بالقضية، من غير لزوم العلم بالشك المذكور، فيكون الذاهل عن شكه مجنبا ومحدثا عند الشارع، لكونه على اليقين والشك، فيدخل في الصلاة وهو عند الشرع مجنب. وقاعدة الفراغ في الفرع المذكور إما لا تجري رأسا، لكونها مخصوصة بالشك في التطبيق، أو تكون حاكمة على الاستصحاب. وليس هذا الشك تقديريا وفرضيا، لكونه موجودا، ولا اليقين أيضا كي لا يجري الاستصحاب رأسا. ولأجل ما نبهنا عليه كأنه تصدى العلمان: العلامة الأصفهاني في الحاشية (3)، والوالد المحقق في " رسائله " لبيان شرطية العلم بالشك الموجود في الخزانة (4)، ولبيان شرطية الالتفات ومضرية الغفلة والذهول. فقال الأول: إن مفاد دليل الاستصحاب كدليل الأمارات، وجميع الاصول


1 - فرائد الاصول 2: 547. 2 - كفاية الاصول: 460. 3 - نهاية الدراية 5: 127. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 77. (*)

[ 442 ]

وظائف شرعية وأحكام طريقية، لا نفسية حقيقية، فمفادها إما التنجيز وإما الإعذار، وهما يتقومان بالوصول حكما وموضوعا، ولا يعقل تعلق التنجيز والإعذار بموضوع تقديري غير موجود بالفعل، ولا ملتفت إليه، حيث إن الالتفات يساوق تحققه. انتهى ما هو مخ مرامه. وفيه: أن التساوق ممنوع، والتنجيز والتعذير لا يتعلقان إلا بما هما موجودان في الخزينة النفسانية، فهما موجودان بالفعل، لموجودية العلم في نفس العالم المغمى عليه، وإنما تظهر الثمرة في أن الإنسان الكذائي محكوم بالجنابة حين الصلاة، فلو التفت بعد الصلاة إلى ما كان عليه تجب عليه الإعادة بحكم العقل. وفي تتمة كلامه مواضع للنظر، وإنما نحن اقتصرنا على ما هو المقصود بالبحث. وبالجملة: هما موجودان، فالاستصحاب واصل مغفول عنه. وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " وليس المراد من فعليتهما تحققهما في خزانة النفس ولو كان الإنسان ذاهلا عنه، بل بمعنى الالتفات إلى يقينه السابق وشكه اللاحق، لأن الاستصحاب كالأمارات إنما اعتبر لأجل تنجيز الواقع... ". إلى أن قال - مد ظله -: " فقوله: " لا تنقض اليقين بالشك " إنما يصير حجة على الواقع أو عذرا منه، إذا كان المكلف متوجها وملتفتا إلى الموضوع والحكم " انتهى مقصودنا من كلامه. ويتوجه إليهما: أنه يلزم منه الدور المذكور في الأحكام التكليفية، فإن حجية الاستصحاب مرهونة العلم بالحجة، والعلم بها مرهون بالحجية، ولعله لذا ذهب صاحب " الكفاية " - على ما قيل - إلى إنكار الأحكام الأربعة في الأحكام الطريقية، و " أن بعد مرتبة الإنشاء مرتبة التنجيز والتعذير، وهذان الأثران لا يترتبان إلا بعد

[ 443 ]

العلم بالحجية " انتهى بعض المحكي عنه (1)، مع قصور فيه، ووضوح الدور في كلامه، أو التصويب الباطل. وبالجملة: فرق بين حجية الظواهر وأشباهها، وحجية الاستصحاب والامور التأسيسية، فإن الاولى حجة عقلائية يكفي أن الشرع لم يردع عنها، فيصح الاحتجاج بها على الواقعيات النفسية، لما ليس شئ يصل من الشرع إلى المكلف بالنسبة إليها، بخلاف مثل الاستصحاب وغيره، فإن هناك جعلا كليا إلهيا لابد من وصوله، فلو كان مشروطا بالعلم للزم إما الدور، أو التصويب في أمثال هذه المجعولات حسب هذه التقارير. مع أنه لا حاجة إليها بعد كفاية وجودهما في خزانة النفس، وترتيب الأثر إنما هو بعد الالتفات بالإعادة أو القضاء، كسائر الموارد. فقوله (عليه السلام): " ليس ينبغي أن ينقض اليقين بالشك " (2) حكم طريقي قانوني متقوم بوجود الشك بعد اليقين الخارجيين، كي يترتب عليه الأثر، والمفروض وجودهما في النفس، سواء كان المجعول في الاستصحاب أمارة، أو أصلا محرزا مطلقا، أو حيثيا، أو كأصالة الطهارة والحل، فإنه يكفي للأثر الالتفات المتأخر، أو التفات الولد الأكبر، أو يكفي في الأحكام القانونية التفات جمع من المكلفين، فلا يضر ذهول بعضهم دائما، كما في الأحكام النفسية بالنسبة إلى العاجزين والجاهلين الغافلين، المحرر تفصيله في محله (3).


1 - نهاية الدراية 3: 74. 2 - تهذيب الاصول 1: 421 / 1335، الاستبصار 1: 183، وسائل الشيعة 3: 482، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 44، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 104. (*)

[ 444 ]

فتحصل: أن النزاع في الصورة الاولى نزاع بارد، ضرورة الحاجة إلى وجود اليقين والشك، والنزاع في الصورة الثانية غير بارد وصحيح، ولا دليل على اعتبار الفعلية بمعنى العلم بالشك واليقين باليقين السابق وهكذا. نعم، المعذرية والمنجزية بالنسبة إلى دخوله في الصلاة مرهونة بالالتفات، لأن الغفلة من الأعذار العقلية والعقلائية كالنسيان والذهول، وأما بالنسبة إلى الصحة والبطلان فلا، لأنه بعد ما التفت، يتوجه إلى أنه في عين صاحب الشرع جنب وصلى، فعليه الإعادة، وكأنه كان جنبا حقيقة، وهو قد غفل وصلى، فبالنسبة إلى الصلاة والتشريع مثلا أو الصلاة على غير طهر معذور، دون الصحة والإعادة، فإنهما أمر آخر، فلا ينبغي الخلط. وهكذا في موارد الملاقاة مع النجس الاستصحابي المغفول عنه، فإنه معذور بالنسبة إلى ارتكاب النجس أكلا وشربا، وعذره هو غفلته، لا الشئ الآخر، وإذا التفت بعد ذلك يحكم بنجاسة الملاقيات في ظروف الشك الموجود في خزانة نفسه، كما لو غفل عن النجس الواقعي المعلوم عنده، ثم تبين وزالت غفلته، وعلى هذا تكون شرائط الجريان موجودة. ولكن حديث الاحتجاج مع الغفلة، أجنبي عن حديث الجريان الواقعي نظرا إلى الآثار، فإن الغفلة عن العلم عذر، فضلا عن الاستصحاب، ولكن بعد ذهول الغفلة لو توجه إلى ملاقاة النجس الكذائي، يحكم بنجاسة ملاقيه مثلا. وهذا الخلط أوقعهم في المسألة إلى اشتراط الفعلية في جريان الاستصحاب والمجعول الإلهي، فإنه لو كان إجراؤه بيد العبد، وأنه لو لم يكن مجريا له لما كان شئ ثبوتا، كان لما ذكروه وجه، ولكن هو الأصل، أو هي الأمارة التأسيسية على عناوينها الواقعية، فإذا تحققت المصاديق تجري الاستصحابات مغفولا عنها كلها،

[ 445 ]

وتظهر الثمرة بعد الالتفات. فبالجملة: في صورة الالتفات هو حجة أحيانا، وفي صورة الغفلة هو جار، والغفلة حجة عقلية. والسر كله تحت أن المجعول في الاستصحاب، هو اعتبار اليقين في ظرف الشك، والداعي له آثاره الموضوعية أو الطريقية، حسب اختلاف الموارد كما يأتي تفصيله (1)، ويعد هذا اليقين الادعائي كالتكويني، فكما أن الأحكام المستكشفة به عند الغفلة فعلية، والغفلة عذر، كذلك الأمر هنا، ولأجله تكون الصلاة في الفرض المذكور باطلة، للاستصحاب المزبور. بل ولو قلنا بجريان القاعدة في مورد الشك في الانطباق، والمسألة فقهية تطلب من محالها. تذنيب: في حكم الشك حدوثا وبقاء ربما يمكن توهم كفاية حدوث الشك لجريانه، ولو اريد به ما هو ظاهره يلزم المناقضة، لأنه ربما يحدث الشك الاستصحابي، ويذهل وينعدم وينقلب إلى اليقين الآخر: وهي طهارة بدنه أو ثوبه، وعندئذ لابد من الجمع بين أحكام النجاسة والطهارة. ويمكن رفعها حسب الخطابات القانونية، لأنه في صورة الالتفات يكون الشك إما باقيا، فلا يعقل وجود اليقين الثاني الذي به يتم أمر الاستصحاب، وإما هو غير باق، فلا يلتزم به من يقول بالكفاية، فإن المناقضة في هذه الصورة قطعية، والتلاعب في فهم التكاليف واضحة ولو اريد به أنه يكفي مجرد الشك للجريان. وهذا في صورة لو حصل العلم بالخلاف لا يكون هناك أثر، أو يكفي الشك


1 - يأتي في الصفحة 448 - 452. (*)

[ 446 ]

والالتفات آنا ما للجريان، لأن ما هو المستفاد من دليل الاستصحاب هو الحاجة إلى الشك على نحو القضية الحينية، أو التقييدية غير المطلقة، أو التعليلية على النحو الأول من الوساطة في الثبوت التي هي بحكم التقييدية. وعلى كل تقدير: ما هو الظاهر أنه أصل تأسيسي في ظرف الشك على وجه يكون باقيا ولو كان مغفولا عنه، وأما لو كان مذهولا عنه في افق النفس، فلا تساعد أخبار الاستصحاب ولا الأقوال عليه، كما هو الواضح. ولو شك في هذه المسألة فالقدر المتيقن أيضا هو الشك الباقي. كما أنه لو شك في تلك المسألة فالقدر المتيقن هو الشك الملتفت إليه دائما. وغير خفي: أن مما يؤيدنا - من أن الاستصحاب ليس إلا أن الأحكام في ظرف الشك فعلية، لليقين السابق، ومتنجزة به، إلا أن الغفلة عذر، كما في موارد الغفلة بعد اليقين بالموضوع أو الحكم -: هو أنه لو صح ما أفاده من الالتفات، يلزم أن يقال: بأن المكلف إذا شك بعد اليقين فيجري في حقه الاستصحاب، وإذا ذهل عن الشك فلا مجرى له، فإذا التفت ثانيا إلى الشك يجري إما الاستصحابان، أو استصحاب مؤدى الأول، وإذا ذهل فلا جريان، فإذا التفت إما يجري ثلاث استصحابات، أو استصحاب مؤدى الأخير وهكذا. وهذا أقرب من الفقه، ضرورة أنه أمر كثير الابتلاء به في موارد الشك، والغفلة، والالتفات وهكذا، كما لا يخفى.

[ 447 ]

التنبيه السابع حول جريان الاستصحاب في مؤدى الاصول والأمارات اختلفوا في جريان الاستصحاب في مودى الاصول والأمارات إلى وجوه وأقوال، تنتهي إلى إطالة الكلام حسب المباني المختلفة والآراء والتخيلات. ولعمري، إن المسألة واضحة، وإن نسبة الاستصحاب إلى غيره نسبة الانتزاعيات إلى غيرها، فكما أن الامور الانتزاعية سارية في التكوينية والتشريعية والاعتبارية والإمضائية، كذلك الاستصحاب، وذلك لأن " اليقين " المأخوذ في دليله هو المفهوم العنواني الذي ليس بطريق ولا بصفة، بل هو كسائر العناوين، فلو استيقن تكوينا بوجوب إكرام زيد، أو بعدالة عمرو، وشك بعد ذلك، يكون شرط الاستصحاب موجودا: وهو اليقين والشك، أي القضية المتيقنة والمشكوك فيها. كذلك لو قامت البينة أو غيرها على طهارة الماء الكذائي، فإنه على يقين من طهارة الماء الظاهرية، فهو على شرط الاستصحاب بالضرورة، وإذا شك في عروض النجاسة وملاقاته يعد من الشك في تلك القضية المتيقنة، فلا لون لليقين الاستصحابي، كما لا لون لشكه، بل هو يجري في جميع المواقف. وما في كلام العلامة الأراكي من توهم: أنه من السببية في الأمارات والاصول (1)، ناشئ من الخلط بين مفاد الاستصحاب وغيره، فإن ما هو المفروض أنه على يقين من الطهارة الظاهرية، وشك في بقائها، فكيف يلزم السببية في الطرق ؟ !


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 111. (*)

[ 448 ]

وما قد يتخيل من رجوع الاستصحاب هنا إلى قاعدة اليقين، فهو أيضا غلط، لقيام الضرورة على أنه قاطع بالطهارة الظاهرية في ظرف الشك فعلا. نعم، لو أنكرنا جريان الاستصحاب في مؤديات الأمارات والاصول، يلزم إنكار الاستصحاب مطلقا، لعدم العلم الوجداني بالأحكام الواقعية إلا ما شذ، وما هو الشاذ منه واضح لا يشك فيه. فالعلم الوجداني بنجاسة الثوب من قبل المني، يرجع إلى العلم بمؤدى الأمارة القائمة على نجاسة المني، فيكون من العلم بالحكم الظاهري، والشك عندئذ يعد من الشك في البقاء، أي بقاء النجاسة الظاهرية، وليس هذا من قاعدة اليقين. مع أنه قد عرفت وجه حجيتها. بل بناء على هذا لابد من القول بها، فرارا من اللغوية القطعية المستوعبة. ولعمري، إنه على القول: بأن باب الأمارات باب الإحراز والكشف الناقص الحجة شرعا (1)، ولا معنى لتتميم الكشف (2)، أو باب التنجيز والتعذير (3)، أو باب جعل المؤدى منزلة الواقع من غير النظر إلى المؤدي (4)، أو غير ذلك، فكله يمكن أن يجتمع مع ما ذكرناه من: أنه على جميع الفروض يكون على يقين بالحكم والموضوع في الشبهات الحكمية والموضوعية، ولو شك يعد من الشك الاستصحابي. ويكفيك شاهدا ملاحظة حالك بالنسبة إلى الاستصحاب الاستقبالي، مثلا لو قامت البينة على أن وقت العصر موجود، ثم في وقت العصر شك في مقدار سعة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 404 و 484 - 488. 2 - نهاية الأفكار 3: 18، و 4، القسم الأول: 105 - 108. 3 - كفاية الاصول: 319 و 460. 4 - فرائد الاصول 1: 43 - 46. (*)

[ 449 ]

الوقت، كي يشتغل بأمر غير الصلاة مما يترتب عليه جواز التأخير، فإنه يجري استصحاب بقاء الوقت إلى أن يدرك الصلاة في وقتها، وليس ذلك إلا من جهة أنه على اليقين المتعلق بالمعنى التعبدي الظاهري. وهكذا ترى صحة انتقاض اليقين المذكور بقيام البينة والحجة الاخرى، وأنها مقدمة على الاستصحاب، فاليقين السابق يقين بأمر ظاهري، والشك اللاحق شك في بقائه مثلا، واليقين الآخر معناه هو الحجة أو ما بحكم الحجة، وقلما يحصل اليقين الوجداني بروح التكليف والأحكام الإلهية. ويشهد لما ذكرنا - مع كون اليقين الاستصحابي هو الوجداني، إلا أن متعلقه تارة: هو الحكم الواقعي، واخرى: هو الحكم الظاهري، أو الموضوع الظاهري - ما في جملة من أخبار الاستصحاب، فإن استصحاب الوضوء لا معنى له إلا بعد العلم بالوضوء الظاهري، وهكذا استصحاب الطهارة وغير ذلك، وقوله (عليه السلام): " ينقضه بيقين آخر " (1) ليس يثبت إلا بإحدى الأمارات، فلا يفيد إلا اليقين بالحجة الذي هو حجة أيضا. فاليقين الثاني أيضا مثل الأول من غير الحاجة إلى بيانات أوردوها في المقام، مع إشكالات متوجهة إما إلى بيانهم، أو مبانيهم في باب الطرق والأمارات. ومن الغريب مناقشة العلامة الأراكي (قدس سره) من جهة استصحاب مؤدى القواعد الظاهرية (2) ! ! مع أن وجه جريانه في المجموع واحد، فإنه إذا لم يكن للموضوع المشكوك حالة سابقة، تجري قاعدة الطهارة، فيصير هو على يقين بالطهارة الظاهرية الادعائية، وإذا شك بعد ذلك لا تجري القاعدة، لأن الاستصحاب مفاده اعتبار أنه على يقين، فلا تصل النوبة إلى القاعدة الموافقة حتى يقوم اليقين بالخلاف


1 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 113. (*)

[ 450 ]

وهي النجاسة، كما لو أخبر ذو اليد مثلا بنجاسته، فيصير هو على يقين بالنجاسة الظاهرية، وينقض ذلك اليقين بمثله المتعلق بالقضية الناقضة للقضية الاولى والثانية، اللتين هما من أركانهما. إيقاظ: مشكلة جريان الاستصحاب في مؤدى الاصول والأمارات وحلها اعلم: أن المشكلة في هذه المسألة عقلية ثبوتية، لرجوع الشك الاستصحابي إلى الشك الساري بعدم اليقين بالواقع، حتى على القول: بأن المعتبر في باب الأمارات هو الإحراز، والطريقية، والتنجيز والتعذير من خواص الكشف والطريقية (1)، فما سلكوه حلا للمعضلة غير نافع إلا ما ذكرناه، بناء على أن لازم اعتبار الأمارات ومنطوق القواعد المحررة للشك، هو اليقين بالحكم والموضوع وما يجري فيه الاستصحاب مطلقا. ومن هنا يتبين: أن في هذه القواعد جريان الاستصحاب أسلم، بخلاف مؤديات الأمارات وأشباهها، وذلك لعدم تمامية مبناهم فيها من تتميم الكشف، أو جعل الحجية والمنجزية والمعذرية، مع عدم دليل على تنزيل العلم التعبدي منزلة العلم الوجداني، لا في الشرع، ولا عند العقلاء، كي يقال: بأنه في ظرف الشك على يقين بالوضوء والطهارة، بل هو على حجة. ولأجل ذلك تصدى " الكفاية " في التنبيه الثاني إلى أن الشك في البقاء على تقدير الثبوت القائم عليه الدليل الظاهري كاف، ومراده ينافي بدوا مع التنبيه الأول (2)، إلا أنه هنا بيان المراد من اليقين بحسب المؤدي - بالكسر - ومن أن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 108، مصباح الاصول 2: 37 - 38 و 104 - 105. 2 - كفاية الاصول: 460. (*)

[ 451 ]

المؤدى - بالفتح - هو الثبوت المشكوك بقاؤه على فرض وجوده المطروح ذلك الشك بجعل الحجية. وعلى كل: ولو لم يكن تهافت بينهما فرضا لا يتم مطلوبه، لانتفاء الدليل على الحجية على وجه يقاس على دليل الاستصحاب، ويكون واردا عليه، بل الشريعة الإسلامية ساكتة غير رادعة عن الظواهر، وطائفة من الأمارات ولو اعتبر قيدا في الأمارة العقلائية - كاعتبار البينة - فهو أيضا غير ناظر إلى اليقين والشك الاستصحابيين. فلو كان المعتبر أن يصح دعوى اليقين بالطهارة والوضوء في ظرف الشك الاستصحابي، فهو منتف في الاستصحابات الحكمية والموضوعية كافة، التي يكون منشأ الشك جهة شرعية، أو راجعة إليها، ففيما إذا علم بأن زيدا عادل، ثم شك في بقاء العدالة، لاحتمال ارتكاب ذنب، فهناك لا يجري الاستصحاب، وهكذا إذا شك في طهارة ثوبه بعد ما كان نجسا بالدم، فتصدى بنفسه لتطهيره بالماء، فلا يقين له بالنجاسة إلا لأجل قيام الحجة، ولا يقين له بحصول الطهارة كي يندرج مثلا في قوله (عليه السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر ". نعم، إذا علم روح التكليف الواقعي، وتحقق موضوعه خارجا فشك، فلا بأس بجريانه، وهكذا بالنسبة إلى المصداق التكويني، كما إذا كان زيد فقيرا فشك يستصحب فقره، ويترتب عليه الأثر مثلا، فمن هذه الجهة يخلو من الإشكال. فما هو سبب حسم مادة الإعضال وأساس الإشكال: أن اليقين والشك موجودان بالفعل، وإنما في القضايا الواقعية تكون القضيتان اليقينية والمشكوك فيها متشكلتين منها، وفي القضايا الظاهرية الشرعية هما متشكلتان من الظاهرية، فلا تكن من الخالطين، مع وحدة اليقين والشك في المجموع من غير الحاجة إلى

[ 452 ]

تقريبات القوم (1). نعم، ما في " رسائل " الوالد المحقق - مد ظله - (2) أمتن من المجموع، إلا أنه شاهد على ما سلكناه، وإلا فلا. كما أن ما تخيله زمرة الفضلاء من أن اختلاف المجعول في الأمارات يوجب الإعضال، في غير محله، ضرورة أن كلا منهم في ظرف الشك يصح منه دعوى: أنه على يقين من الوضوء في الأمس، لأن اليقين أعم من التكوين والممضى والمؤسس، ولأجله يمكن حل المشكلة بدعوى: أن المراد من " اليقين " و " العلم " - كما ادعاه الوالد المحقق في غير المقام - في الشريعة ليس إلا الحجة، ولذلك تكون أدلتها واردة على الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم واليقين (3). وحيث إن المقصود من " الحجة " ما يصح أن يحتج به العبد أحيانا، فتشتمل قاعدة الحل والطهارة، فجريان الاستصحاب في مؤدياتها أوضح، كما أومأنا إليه. ويكفي للحمل المذكور قلة وجود اليقين التكويني والحقيقي، وجواز نقضه بالحجة الشرعية، مع أن في الأخبار " لكنه ينقضه بيقين آخر " وأن القول بغير العلم والإفتاء بغير العلم معناه ذلك. وبالجملة: العلم واليقين بالمؤدى موجود في ظرف الشك، فيلزم الاستصحاب، بناء على أن جوهر الاختلاف بين الاستصحاب والقاعدة هو ذلك. وإن كان جوهر الاختلاف عدم صدق " اليقين " في مورد الشك الساري والجهالة المركبة الاحتمالية، فالمشكلة تنحل بوجه أوضح.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 407 - 411، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 111 - 112. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 81 - 82. 3 - تهذيب الاصول 2: 105. (*)

[ 453 ]

فذلكة البحث إن المنظور فيه في المسألة دليل الاستصحاب، فإما يكون دليل الطرق وأمارات موجبا لكونها يقينا في الحجية والتعذير والتنجيز، أو يكون موجبا لانقسام اليقين إلى الوجداني والتعبدي، أو يكون حديث المجعول في الأمارات كيت وكيت من الأكاذيب، وإنما المراد من " اليقين " هي الحجة. أو لا يتصرف في دليل الاستصحاب، ولا حكومة ولا ورود لغيره عليه في المقام، لما لا أثر من الشرع، وإنما نأخذ بإطلاق دليله، وأن " اليقين " المأخوذ هو عنوانه ومفهومه، وهو تارة: يتعلق بالحكم التكليفي، أو الموضوع، أو الوضعي، واخرى: بالحكم الظاهري، فإن نتيجة البينة القائمة على أن هذا الماء مباح أو طاهر، هي اليقين بتحقق الوضوء ظاهرا، ويستصحب ذلك عند احتمال طرو الناقض، كما ربما يمكن العلم بتحقق الوضوء واقعا، فلا تخلط. وإليه ربما يرجع قولهم: " ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم " (1). فعلى جميع المباني تنحل المشكلة، إلا أن جمعا منها باطل، ومن هنا يظهر فساد طائفة من بحوث القوم، فليتدبر.


1 - نهاية الوصول: 2 / السطر 19 - 20، ولاحظ معالم الدين: 24، قوانين الاصول 1: 6 / السطر الأخير، فرائد الاصول 1: 42. (*)

[ 454 ]

التنبيه الثامن في استصحاب الكلي ينقسم الاستصحاب باعتبار إلى الشخصي والكلي، فكما أن الشخصي واحد بحسب محط الجريان، ومختلف بحسب بعض الخصوصيات، كذلك الكلي واحد بحسب الطبع وذاته، وإنما يختلف بملاحظة مناشئ الشك ومبادئه، وبمناسبة أصناف الكلي الطبيعي وغيره، والاعتباري والانتزاعي والموضوعي والحكمي، وجميع ذلك لا يوجب اختلافا في مجرى الاستصحاب، وهو الكلي. وحيث لا قصور في أدلة الاستصحاب عن شمول المستصحب الكلي - سواء كان من الهليات البسيطة، أو المركبة مثل " زيد إذا كان موجودا، يكون الإنسان وسلسلة من العناوين القريبة والبعيدة موجودة " - كذلك إذا كان محدثا بالحدث الأصغر يكون محدثا على الكلي المنطبق على أقسام الأحداث وهكذا، لأن جميع الشرائط موجودة، والإطلاق مثلها. إذا تبين ذلك تعرف: أن ما في ظاهر كلماتهم من أقسام الكلي، فهو لإفادة ما هو الجاري، وما ليس بجار من جهة الإخلال بالشرط المعتبر، وإلا فالكلي ما هو يصدق على الكثير، ولا ميز فيه. وأما تقسيم الكلي إلى المتواطئ والمشكك (1)، أو إلى السعي الخارجي والمفهومي (2)، فهو مجرد اصطلاح، وإلا فالمصداق، فيه التشكيك لا الماهية حسبما


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 17. 2 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 20. (*)

[ 455 ]

تحرر (1)، والكلي السعي الخارجي - كالوجود المنبسط على رؤوس الأعيان الثابتة - هو كناية عن ذلك الكلي، لما فيه من السريان التخيلي، فليلاحظ. إذا عرفت ذلك، فالذي هو محط البحث هنا هو تحرير أقسام الكلي بملاحظة المناشئ الموجبة للشك، لأن جميع الكليات الطبيعية والواقعية والاعتبارية والانتزاعية، لا تخرج عن هذه الجهة. القسم الأول: من استصحاب الكلي هو ما إذا شك في بقاء الكلي من ناحية الشك في بقاء الفرد، سواء كان من جهة الشك في المقتضي، أو الرافع، مثلا إذا شك في بقاء الحيوان الذي هو المبيع، وكان المبيع الشخصي فرسا، فإنه يشك في بقاء الخيار الثابت للحيوان، بناء على أن موضوع الخيار عنوان الحيوان، فإن " صاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيام " ففي تلك الأيام لو شك في وجوده يستصحب الفرس. كما يستصحب أن الحيوان كان موجودا، وهو موجود في ظرف الشك تعبدا. ويستصحب أيضا أن زيدا صاحب الحيوان. فهذه الاستصحابات في نفسها جارية، وإنما الكلام في أن أحدها يكفي عن الآخر، أم لا، وهذا يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. هذا في الهليات البسيطة. وأما في المركبة فيقال: إذا أحدث زيد بالحدث البولي فقد أحدث بالكلي، فلو شك في زوال حدثه يستصحب استصحابا شخصيا، وهكذا كليا: وهو أنه كان على حدث، والآن كذلك، فمنشأ الشك في بقاء الكلي وفي القضية اليقينية، هو الشك في حال الفرد ووجوده، ضرورة أن وجه العلم واليقين بالكلي هو اليقين


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 1: 444 - 446. (*)

[ 456 ]

بالجزئي والفرد. بقي شئ: حول استصحاب الفرد وكفايته عن الكلي وهو أن استصحاب الفرد بعنوانه ليس من الشخصي، وأما بعنوان الخاص والموضوع له خاص مثل " أن زيدا كان موجودا " فهو عندنا محل منع، لما تحرر من: أن الأعلام الشخصية من الوضع والموضوع له الكلي، لا العام، ولا الخاص والجزئي (1). وأما إجراؤه بنحو الإشارة مع كونه من الهليات البسيطة، فهو غير معقول، لأن الإشارة إلى الخارج ب‍ " أن هذا كان موجودا " فلا يشك في بقائه، فالبحث عن كفاية استصحاب الفرد عن الكلي أو بالعكس، فرع صحة جريانه في الفرد في الهليات البسيطة. وأما حديث كفاية الاستصحاب في الكلي - أي في مثل الأعلام الشخصية - عن استصحاب الكلي، أو بالعكس. أو التفصيل بين الصور، فاستصحاب بقاء زيد يكفي عن الكلي، دون العكس، نظرا إلى أن زيدا ليس إلا الكلي المتقيد. أو التفصيل بين الكليات القريبة والبعيدة، فباستصحاب بقاء زيد تترتب آثار الإنسان، دون الجسم والنامي والجوهر، بخلاف المتعجب والضاحك والماشي المستوي القامة، كما في رسالة منسوبة إلى المدقق التقي الشيرازي (قدس سره) احتماله (2). ويحتمل كفاية استصحاب العناوين والأجناس الأعم عما دونها، لأنها بحكم الفرد، لا ما فوقها، مثلا إذا علم واستيقن بوجود الفرس استيقن بوجود الجوهر


1 - تقدم في الجزء الأول: 73 - 74. 2 - لم نعثر على هذه الرسالة. (*)

[ 457 ]

والنامي والجسم وغير ذلك، فعندئذ إجراء استصحاب بقاء الفرس لا يكفي عن استصحاب بقاء الحيوان، وأما استصحاب بقاء الجسم فيكفي عن كل من النامي والحيوان والفرس فاغتنم، فيشبه تعاقب الأيادي والبيوع الفضولية. والذي هو التحقيق: أنه على القول بالأصل المثبت فلا بحث. وعلى القول بعدم حجيته - كما هو المعروف بين المتأخرين (1) - فلا وجه للكفاية حتى على القول: بأن " زيدا " موضوع للإنسان المتقيد بقيود لا تنطبق إلا على الفرد، وذلك لأن لكل شئ ميزانا، والميزان فيما نحن فيه أن استصحاب بقاء الإنسان، يعارضه استصحاب عدم تحقق الخصوصيات المفردة في ظرف الشك التي بها وجود زيد، وأما استصحاب بقاء زيد فهو إجمال استصحاب بقاء الإنسان المقرون بالضمائم، وإن كان في عالم العنوانية يسلب أثر كل عن الآخر، إلا أنه في ظرف غير ظرف الاستصحاب، فالتفصيل قوي. فاستصحاب بقاء الفرس في الدار، يثبت به خيار الحيوان المتعلق به على قول، وإن " صاحب الحيوان بالخيار " معناه أنه له إعمال ذلك الخيار المعهود العقلائي المتعلق بالعين مثلا، فلا تختلط المسائل بما هو المقصود من البحث. ومما ذكرنا يظهر وجه ضعف ما في " الدرر " (2) وغيره (3). وهكذا في الهليات المركبة، فإن استصحاب أنه على الحدث البولي ليس إلا مثل ما مر. نعم لا أثر لهذا. اللهم إلا أن يقال: بأن " لا تنقض " مشرع زائدا على ما يأتي - إن شاء الله


1 - فرائد الاصول 2: 659، كفاية الاصول: 472، درر الفوائد، المحقق الحائري: 552 وما بعدها، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 487، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 177. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 533 - 534. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 84. (*)

[ 458 ]

تعالى - فإن الأحكام الثابتة للحدث البولي والحدث الجنابي - بحسب الأدلة الاجتهادية - واضحة، إلا أنه إذا صح استصحاب كونه على الحدث الكلي، يترتب عليه جميع الآثار والأحكام الثابتة بحسب الأدلة لخصوص الأحداث البولية والجنابية. وبعبارة اخرى: باستصحاب العنوان الجنسي يترتب عليه جميع ما رتب على العناوين النوعية، نظرا إلى إطلاقه، كما قيل: " إن قاعدة " لا ضرر " حاكم ومشرع، ولا منع من الجمع بينهما " (1). تتميم: قد تحرر عندنا: أنه لا نحتاج في الاستصحاب إلى الأزيد من إمكان التعبد في ظرف الشك (2)، فعليه إذا شك في الأقل والأكثر، يمكن إجراء استصحاب الحكم الأعم من النفسي والغيري، بناء على القول به، وتصير النتيجة وجوب الأكثر، وحكومته على البراءة. ويعد هذا الاستصحاب استقباليا على تقدير، وحاليا بعد الفراغ من الصلاة. ولا منع من كون المستصحب معنى انتزاعيا، أو كليا اختراعيا وهو الوجوب، فإنه على تقدير كونه نفسيا منجز بالاستصحاب، فيجب الأكثر. هذا على القول بالحاجة إلى استصحاب الكلي، وقد مر تحقيقه في محله بما لا مزيد عليه (3)، فاستصحاب عدم الوجوب إذا كان جاريا، ففيما نحن فيه جريانه أولى. وبالجملة: لا ينبغي الخلط بين عدم وجود الحكم الكلي، وبين عدم جريان


1 - فرائد الاصول 2: 535. 2 - تقدم في الصفحة 404. 3 - تقدم في الصفحة 29 - 32. (*)

[ 459 ]

استصحابه، لكونه بلا أثر، ويعد التعبد ببقاء الكلي مثبتا بالنسبة إلى أن الموجود هو النفسي. كما أنه عرفت: أن نفس التعبد ببقاء الكلي، يكفي لتنجز ما في تحته من النفسي من غير الحاجة إلى إثباته بخصوصه، فاغتنم. نعم، الحكم الكلي من هذا القسم يتصور بلحاظ أن الشخصي ما لا ينحل، والكلي القانوني يجوز أن ينحل، وأن لا ينحل، لأن الكلي يجوز أن يصدق على الكثير، والأمر سهل. بقيت نكتة: إن لنا إنكار إمكان كون الفرد ذا أثر مماثل للكلي، أو مضاد ومخالف، لأنه لا يخرج عن المطلق والمقيد. ومجرد كون زيد فردا بخلاف المقيد الاصطلاحي، لا يورث تجويز ذلك، لامتناع ترشح الإرادة التأسيسية البدوية على ما تحرر (1)، فيسقط ما بحثوا عنه هنا. نعم، في مثل " تجب كسوة الزوجة " و " يجب إطعام الفقير " يمكن التعدد. ومن الغريب تجويز استصحاب كلي الحدث، لترتيب مطلق الآثار عند اليقين بالحدث الأكبر، والشك في رفعه ! ! فإنه لو كان جائزا لجاز القول به عند اليقين بالحدث الأصغر. ولا ينبغي الخلط بين البحث لتشحيذ الذهن، وبين الفقه، ضرورة أن أحكام الحدث تختلف باختلاف الأحداث نوعا، وليس عنوان الكلي موضوعا للحكم بالضرورة، وما ذكرناه سالفا لتذكر احتمال كونه مشرعا غير ما قيل، فتدبر. وربما يتوهم: أن الكلي بما هو كلي موضوع الحكم، والفرد بما هو فرد. وفيه: أن الكلي بما هو كلي لا يوجد في الخارج، ولا يلزم من اليقين بوجوده يقين بالكلي بما هو هو، فاغتنم. نعم، يجوز على نعت القضية الشرطية، فيقال: " إن كان الإنسان في الدار فتصدق، وإن كان زيد فيها فصل ".


1 - تقدم في الجزء السادس: 39. (*)

[ 460 ]

ثم إن الشك في بقاء الكلي هنا، مسبب عن الشك في بقاء الفرد والمصداق، فهناك مسبب وسبب، فكيف يكون استصحاب المسبب مغنيا عن السبب، بل وبالعكس، قضاء لحق السببية التي هي تدل على التعدد ؟ ! اللهم إلا أن يقال: العلم بوجود الإنسان في الدار يستلزم العلم بالفرد من غير تعيين، والعلم بوجود الفرد ولو كان غير معين مبين، يستلزم العلم بوجود الإنسان الكلي المبين، فهناك سببان ومسببان كما لا يخفى، فاغتنم. تتمة: قد اشير إلى أن الكلي في جميع الموارد واحد، وإنما الاختلاف فيما هو الخارج (1)، وعندئذ لو علم إجمالا بوجوب الاجتناب عن أحد الإناءين، أو بوجوب إحدى الصلاتين، ثم اضمحل العلم المذكور لجهة من الجهات، كالعجز عن الصلاة المعينة، أو بانعدام أحد الإناءين، أو خروجه عن محط الابتلاء، فإن كان مدار مجرى الاستصحاب على المسامحات العرفية (2) فيقال: " كان على يقين بوجوب الاجتناب عن هذا الإناء " من غير النظر إلى تحليله من جهة العقل ومن جهة التعليق " فعليه الاجتناب عنه ". وإن كان المدار على التدقيق (3) فيجري أيضا، نظرا إلى أن منجزية هذا الإناء كانت موجودة بالضرورة، ولا نحتاج في الاستصحاب إلا إمكان التعبد بالنظر إلى التحفظ على الواقع. فالعلم الإجمالي لو لم يؤثر بعد الانتفاء كما هو الحق، فاستصحاب الشخصي ليس جاريا بالنسبة إلى الحكم الشرعي تكليفا أو وضعا،


1 - تقدم في الصفحة 454. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 12، حاشية كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 309. 3 - بحر الفوائد 3: 99. (*)

[ 461 ]

كالنجاسة وغيرها كما هو الواضح. وهناك قسم آخر ليس من القسم الأول، ولا من الثاني، والثالث، لأن منشأ الشك ليس خروج الفرد، ولا احتمال معية فرد، أو حدوث فرد، ولا من الثاني، لمعلومية الإناء، ومشكوكية نجاسته من الأول، إلا أنه هناك عنوان المنجزية الثابتة بالعلم الإجمالي، والمشكوك بقاؤها بخروج شئ آخر طرف للعلم الإجمالي، وحيث إن قيام الاستصحاب كقيام الأمارة، فلو قامت البينة على أن هذا الإناء منجز فربما تكون متبعة، كما لو تردد أمر الإناء الباقي بين الإناءين بعد انعدام الطرف، فقامت البينة على أن الإناء الشرقي هو الذي كان منجزا، فكذلك الاستصحاب. بل في صحة حجية البينة إشكال بخلافه، فإن مقتضى الاستصحاب لزوم الاجتناب عما يجري فيه الأصل المذكور، وهذا كاف في جريانه. وإليك نكتة وهي: أن محط الخلاف والبحث ليس اختصاص الشك في بقاء الكلي، وكونه ناشئا عن خروج الفرد من الدار مثلا، بل هو أعم منه ومن صور الشك في بقاء الكلي الفوقاني، لأجل خروج الكلي التحتاني. مثلا: لو علم بأن الإنسان موجود في الدار، يعلم بوجود الحيوان والنامي والجسم، فإذا شك في بقاء الإنسان يشك في بقاء الحيوان وهكذا، وهذا من القسم الأول، بخلاف الصورة الأخيرة التي مرت آنفا. القسم الثاني: من استصحاب الكلي ربما يشك في بقاء الكلي، لأجل العلم الإجمالي بوجود المصداق الزائل في الزمان الثاني مثلا، أو المصداق الباقي، فعندئذ يعلم تفصيلا بالطبيعة والعنوان والموضوع الكلي الطبيعي أو الاعتباري، ويشك في البقاء، فتصح القضيتان المتيقنة والمشكوك فيها.

[ 462 ]

وغير خفي: أنه لا ينبغي الغور في خصوصيات المثال الذي أتى به مثل الشيخ (رحمه الله) (1) أو غيره (2) - بدعوى أنه من الشك في المقتضي - لأن الإشكال المتوجه إليه أشد منه، لما لا أثر في الفقه للبق والفيل والحيوان الكلي. مع أنه ربما لا يكون من الشك في المقتضي بعد إحراز الاقتضاء، وخروج البق من الدار، لا الفيل، وقد مر عدم صحة التفصيل المذكور بما لا مزيد عليه (3). كما لا ينبغي الغور في حديث الحدث الأصغر والأكبر، والبحث عن وجود الجامع وعدمه، وغير ذلك مما أطنبوا الكلام حوله، غافلين عن أن تورم الاصول غير سمنه، وهذا كله من التورم والتضخم، فكل ذلك في كلمات الفضلاء وأعلامنا الاصوليين إلا من شذ، وغير صحيح كما هو الواضح. وبالجملة: البحث في أصل جريان الاستصحاب في القسم الثاني ذاتا غير تام، لأن المناقشة ترجع إلى أن ما أفاده الشيخ الرئيس في رسالته ردا على الرجل الهمداني (4)، يقتضي كون الطبيعي يتكثر بتكثر الأفراد، وينعدم بانعدام فرد ما، فيكون له الوجودات الخاصة، والأعدام المضافة، ضرورة أن حيوانية زيد غير حيوانية عمرو، وإنسانية زيد غير إنسانية عمرو بحسب الأعيان، فلا وجود للحيوان في الخارج بما هو كلي بالضرورة، وليس الفرد إلا الإنسان الطبيعي الذي يوجد في الخارج وفي الذهن، لمكان عدم دخالة الوجود الخارجي والذهني في تقرره، ويكون خارجيا وذهنيا، وليس بالكلية مقرونا. فعندئذ كيف يصح أن يقال: " كنت على يقين بوجود الحيوان، وشككت في


1 - فرائد الاصول 2: 638. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 412. 3 - تقدم في الصفحة 415 - 421. 4 - رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام، ضمن رسائل الشيخ الرئيس: 462. (*)

[ 463 ]

البقاء " مع أن عند التجزئة نصل إلى أنه على يقين بأنه إما وجد البق، أو الفيل، وشاك في بقاء الفيل على تقدير ثبوته، كما هو كذلك في مطلق أطراف العلم إذا انعدم أحد الأطراف، أو امتثل، أو خرج، أو غير ذلك ؟ ! والقول: بأنه على يقين بالجهة المشتركة أو بالحيوان، هو قول صديق الشيخ المذكور. وقد أجاب عنه الوالد المحقق - مد ظله - متمسكا بالعرف (1)، كيف ؟ ! والفضلاء والعلماء لا يصلون إلى هذا المدرج، والمسألة هنا تطلب من أبواب العقلاء، ومنهم ذاك الرجل الهمداني وكثير من الاصوليين وغيرهم. اعتراضات وأجوبة: الشبهة الاولى: أقول: هناك معضلة، وهي أنه في القسم الأول كيف يصح أن يقال: إذا علم بأن زيدا في الدار، علم بأن الإنسان في الدار، ويعد ذلك من الكلي، مع أن الطبيعة التي وجدت وتشخصت بالعرض، ولا تشم رائحة الوجود أبدا، ولا تنقلب قطعا، لا تكون كلية كي يستصحب أمرا كليا، بل يستصحب الإنسان المتشخص بالعرض ؟ ! وربما اجيب هنا: بأن الأمر وإن كان كذلك، ولكن الموضوع في قولك: " كان الإنسان موجودا " ليس ذاك الإنسان الخاص، بل هي طبيعته القابلة للصدق عليه بصيرورته في الخارج وفي الذهن، وإنما وجدت الطبيعة في الخارج، وهي الآن أيضا في النفس مرآة للخارج، وهو المعلوم بالذات، معراة عن الخصوصيات، وعلى هذا لمكان وحدة الطبيعة، وغير مرهونيتها بالكلية والجزئية، تكون في آن واحد كلية وجزئية، وفي ظرف الكلية نفس تلك الطبيعة تكون علما بالذات، ومرآة


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 86. (*)

[ 464 ]

للمعلوم بالعرض المتشخص بالوجود وأماراته. وعندئذ تنحل المشكلة في القسم الثاني أيضا عقلا، فإذا وجد البق أو الفيل، وانعدم البق على تقدير هو يعلم بأن الحيوان كان موجودا، وهذا الحيوان هو ما في النفس مرآة للخارج المتشخص أحيانا بالعرض وعلما، وهو معلوم بالذات لما هو معلوم بالعرض، إلا أنه لتلك الخاصة - وهي وحدة الطبيعة الذهنية والخارجية - يصح أن يقال: " كان الحيوان موجودا، والآن شاك في موجوديته " فتتشكل القضيتان عقلا وعرفا. هذا في الشبهة الموضوعية. وأما في الشبهة الحكمية، فقد مر في القسم الأول إمكان ذلك بوجه أحسن (1)، فلا قصور ذاتا في جريان الاستصحاب، فلا ينبغي الخلط بين المعلوم بالذات وبالعرض وبين القضايا، فليتدبر جيدا. وهكذا في الوضعيات والهليات المركبة كأن يعلم أنه إما مديون لزيد بألف أو ألفين، فأعطاه الألف، فيشك فيقال: " كان مديونا لزيد، والآن كذلك " لأنه إن كان الألف فقد انقضى دينه، وإن كان أكثر فهو الباقي، كما يكون الأمر كذلك في موارد سبق العلم الإجمالي أو تأخره وغير ذلك. فالمهم أنه لا قصور في جريانه الذاتي عقلا، ولو فرض ذلك فعرفا، وهو المتبع، إلا على القول: بأنه متبع في المفاهيم التصورية دون التطبيق على الخارج، كما عن العلامة الخراساني وغيره في حواشيه على البيع (2). بقي بحث: وهو يرجع إما إلى عدم الحاجة إلى الاستصحاب المذكور، لوجود قاعدة


1 - تقدم في الصفحة 455. 2 - كفاية الاصول: 77، حاشية المكاسب، السيد اليزدي 1: 65، منية الطالب 1: 37 / السطر 20 و 38 / السطر 17. (*)

[ 465 ]

الاشتغال، أو إلى المعارضة وتقدم المعارض عليه، أو إلى المعارضة من غير تقدم، فيسقط استصحاب الكلي، ضرورة أن مقتضى الشبهة الاولى أن قضية العلم الإجمالي - سواء كان في المتباينين، أو الأقل والأكثر بقسميه - هو الاشتغال. وفيه ما مر من ورود الاستصحاب على القاعدة (1)، لأن التعبد باليقين يعدم موضوعها واقعا، فما في كلام العلامة الأراكي في أشباه المقام من الحكومة (2)، غير جيد كما تحرر تفصيله (3). هذا مع أنه ربما يكون الاستصحاب ذا أثر زائد، كاستصحاب نجاسة الثوب المعلوم إجمالا تنجسه بالبول أو الماء المتنجس بالدم، فإن بعد الغسلة الاولى يستصحب النجاسة مثلا، بناء على كونها على نعتها الكلي موضوع الحكم. والمناقشة في الأمثلة خروج عن الجهة المبحوث عنها. هذا مع أنه في جميع هذه الأمثلة تجري البراءة عندهم. الشبهة الثانية: إن جريانه الذاتي لا غبار عليه، ولكن الشك في البقاء والتردد في القضية الثانية، ناشئ من التردد في حدوث الفرد الباقي على تقدير حدوثه، وقضية الاستصحاب عدم حدوثه، فبالتعبد بعدمه يرتفع الشك في البقاء حكومة. وهذا من غرائب المشاكل في كلامهم (4)، ضرورة أن مجرد التسبب غير كاف، ولا منع تعبدا من رفع المشكوك الحدوث باعتبار رفع آثاره الخاصة، وهو وجوب


1 - تقدم في الجزء السابع: 364 - 365. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 123. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء السابع: 220 - 221. 4 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 73 / السطر 11. (*)

[ 466 ]

التعفير مثلا، أو التصدق عند وجود الفيل، وإبقاء القدر المشترك لترتيب آثاره الخاصة، وهو الغسل مرات مثلا، أو وجوب الصلاة عند وجود الحيوان، أو جواز البيع، لإمكان التفكيك بين المتلازمات في رتبة التعبد الظاهري. وأغرب منه توهم المعارضة بين الأصل المذكور مع استصحاب عدم حدوث ذاك الفرد، وهو البق (1) ! ! وقد مر في أطراف العلم الإجمالي بعض الكلام حوله (2)، فإن المعارضة صحيحة، إلا أن بعد انعدام أحد الأطراف، للطرف الموجود أصل عندنا. اللهم إلا أن يناقش من جهة الشبهة المصداقية الآتية. وأعجب منه جواب ذلك - كما في كلام بعض المعاصرين -: بكفاية العلم الإجمالي لتنجيز الآثار (3) ! ! فإنه مع جريان الأصل على الفرض، يكون مؤمنا ولو كان متأخرا ظرف إجرائه، فلا تغفل. فالحق مع الوالد المحقق من العدول عن الورود في الإشكال على التقريب الظاهر عنهم. نعم هناك تقريب آخر، ولعلهم يريدونه، ويأتي إن شاء الله تعالى. وغير خفي: أنه غير واضح كون الشك في البقاء، مسببا عن الشك في حدوث الفرد الطويل الباقي، لأنه غير معقول بدوا، لأنه مع كونه في ذاته مشكوك الحدوث، فكيف يكون سببا للشك في البقاء فعلا ؟ ! ولا يكفي التقدير كما هو الظاهر. نعم، لو كان الحيوان باقيا فهو بوجود الطويل باق، وهذا غير التسبب والسببية. ولعمري، إنه أثر وخاصة هذا النحو من العلم الإجمالي فكما أنه سبب العلم التفصيلي بالحدوث بالنسبة إلى الحيوان، هو السبب عند انعدام أحد الأطراف.


1 - أوثق الوسائل: 490، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 418. 2 - تقدم في الجزء السابع: 518 - 519. 3 - مصباح الاصول 3: 107. (*)

[ 467 ]

وإن شئت قلت: زوال البق منشأ الشك في بقاء الحيوان، وإلا فكان هو على يقين من وجوده، وعلى كل، الأمر سهل. فبالجملة: تارة: يناقش هنا من جهة سبب الشك، واخرى: من جهة المثبتية والثاني يكفيهم. هذا مع أن ما أفاده الشيخ (رحمه الله) في السببية - وهو الوجه الأخير (1) - ممنوع، لأن الشك في البقاء ولو كان ناشئا عن زوال القصير، إلا أن استصحاب عدم حدوث القصير أيضا جار في ذاته، فالعمدة ما ذكرناه. الشبهة الثالثة: أن العلم الإجمالي المستلزم للعلم التفصيلي بالكلي، قابل للانحلال، بمعنى أن مقتضى ضم الوجدان إلى زوال القصير بالتعبد بعدم الطويل، يلازم تمامية الحجة على ارتفاع الكلي تعبدا، كما في سائر الموارد التي ينضم الوجدان إلى الأصل لرفع الأثر المترتب على العنوان الموجود بعين وجود البق أو الفيل، وليس أمرا مركبا، أو بسيطا انتزاعيا، أو عنوانا مباينا ومتولدا، كي يلزم المناقشة فيه من ناحية الأصل المثبت، بناء على عدم حجيته، بل المعلوم بالتفصيل في القسم الثاني هو الطبيعي الحقيقي، أو الاعتباري، فيوجد بنفسه في الخارج. فلو كان أثر لبقاء النجاسة أو الحدث أو الدين أو الحيوان وهو حلية بيعه، فهو يرتفع بضم الوجدان - وهو ارتفاع الفرد القصير - إلى الأصل - وهو ارتفاع الطويل تعبدا -، فالحيوان هنا لا يقاس بسائر الموارد، لأنه بنفسه موجود. كما أن المفروض في القسم الثاني في جميع الأمثلة، أن يكون مصب الاستصحاب من هذا القبيل، إلا في الشبهة الحكمية حسبما تحرر، فكما أنه يجوز


1 - فرائد الاصول 2: 639. (*)

[ 468 ]

في مورد الشك في تحقق الإنسان في الدار استصحاب عدم الإنسان، بل وعدم زيد كما مر، كذلك الأمر هنا، والسر فيه ما أشرنا إليه، فليس البحث حول السببية والمسببية كي يتوجه إلى مفاسده الأصاغر، فضلا عن الأكابر. وإن شئت قلت: الحيوان إما موجود بالفرد الزائل وجدانا، أو موجود بالفرد الزائل تعبدا، فالحيوان ليس بموجود إما تعبدا، أو واقعا، فلا معنى للشك في بقاء الحيوان مع الغفلة عن الخصوصيات. أقول: نعم، إلا أنه لو خلي وطبعه هل لا يكون شك تكوينا، أم يثبت الشك في البقاء ؟ لا سبيل إلى الأول، فعليه هناك شك في حدوث البق، وشك في حدوث الفيل، وعلم بحدوث الحيوان، وشك في بقائه، وعلم بارتفاع القصير، وشك في بقاء الطويل على تقدير حدوثه، فإذا لوحظت الفصول والجنس بنفسها، يكون علم تقديري وشك تقديري، وعلم فعلي وشك فعلي، فلابد من وجود السببية فيما بين هذه الامور طبعا وقطعا، فيصبح الأمر على نفي أثر الحيوان المشكوك بقاؤه بنفي الأمر الآخر، فتقع الواسطة. وبالجملة: لا سبيل إلى منع ركني الاستصحاب بالضرورة، فيما كان النظر إلى المعلوم بالذات الموجود في الخارج بالعرض، وينكشف الخارج بعين انكشافه من غير تعدد، وإلا تلزم الجهالة. ومن غير مرآتية، وإلا يشكل الجمع بين اللحاظين. ولا سبيل إلى العلم التفصيلي بإحدى الفصول المنوعة. فكل فصل ولو كان مقوم الجنس - بل الفصول أنحاء الوجودات على تفسير - إلا أنها بحسب التحليل وموضوعية الأحكام الشرعية غير مختلطة، ولا متداخلة، فنفي كل بالوجدان والتعبد، لا يورث انتفاء الطبيعي طبعا، من غير أن يكون ما نحن فيه من قبيل المركب والأجزاء، والمحصل والمحصل وأمثالهما.

[ 469 ]

فما في كلمات العلامة الخراساني (1) والنائيني (2) في غير محله، إلا ما يرجع إما إلى المثبتية، وهو عندي ممنوع، أو إلى أن استصحاب عدم حدوث كل من الفردين غير جار، لكفاية انتقاض اليقين السابق التفصيلي بالعلم الإجمالي، فإنه يشمله قوله (عليه السلام): " ولكن ينقضه بيقين آخر " مع أنه لم يحرز اتصال زمان الشك باليقين على إشكال يأتي. ويظهر من العلامة الأراكي تصديق الشبهة في الجملة (3)، وذلك لذهول الأعلام كثيرا عن حديث الطبيعي، وكيفية موجوديته، ومعلوميته الذاتية والعرضية، فلو كانوا يدخلون البيوت من أبوابها لما وقعوا في حيص وبيص، فإن الحيوان الطبيعي معلوم بالذات، موجود بنفسه في الخارج، من غير أن يلزم من تحققه في الخارج خلاء في النفس، بخلاف مثل الدرهم في الكيس، فإنه إذا اعطي إلى الفقير يلزم خلاء الكيس، فهو في النفس باق، وعين ما في الخارج، فلا فرق بين أقسام الكلي المأخوذ في الدليل، أي صرف الوجود، أو الساري، أو المجموعي، ولا وجه لدخوله في باب الأعدام وسعة الأعدام وضيقها، فإنه غير جائز لمثله. الشبهة الرابعة: مقتضى العلم الإجمالي وإن كان العلم التفصيلي بالحيوان، أو عنوان الدين، أو الحدث، أو الوجوب الجامع، إلا أنه بانتفاء الفرد القصير والممتثل به يحتمل انتقاض اليقين، فلا يصح التمسك بدليل الاستصحاب. وفيه: أنه لو كان حقا للزم سقوط الاستصحاب رأسا، لاحتمال انتقاض


1 - كفاية الاصول: 462. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 417 - 418. 3 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 126 - 128. (*)

[ 470 ]

اليقين بالمتيقن المحتمل، وأما بالنسبة إلى نفس اليقين فلا انتقاض بالضرورة. الشبهة الخامسة: وإليك شبهة أبدعناها: وهي أنه يمكن هنا تقريب آخر لمنع جريانه، وهو أن العلم الإجمالي حجة بالنسبة إلى كل واحد من الأطراف، والمراد من " ولكن ينقضه بيقين آخر " إما هو الحجة، أو قضية تقديم الأمارات والحجج العقلية والعقلائية، انتهاء أمد اعتبار اليقين السابق على الشك، فعلى هذا لا يجري الاستصحاب في موارد وجود الأثر الإلزامي. مثلا: لو كان وجود البق موضوعا للأثر الخاص، وهو التصدق، ووجود الفيل موضوعا لأثر آخر، وهو الصلاة، فاستصحاب عدم حدوث كل واحد غير جار أو ساقط، واستصحاب الحيوان أيضا غير جار، لانتفاء ركنه وهو الشك في البقاء، لقيام الحجة على وجود الفيل والفرد الطويل. وإن شئت قلت: لو علم إجمالا بانتقال قباء زيد إلى عمرو بقصد الصدقة أو الهبة، ثم استرده زيد، فيعلم حرمة تصرفه فيه إذا لم يكن كل واحد منهما راضيا، كما يعلم تفصيلا بممنوعية التصرف فيه حسب استصحاب الملكية الكلية. ولكن جريانه ممنوع، لتنجز جميع الأحكام بالعلم الإجمالي على وجه لا يجري الاستصحاب، لانتقاض عدم كونه هبة أو صدقة بالجهة العقلية، أو بإطلاق " ولكن ينقضه بيقين آخر " الشامل للعلم الإجمالي، ونتيجة ذلك وجوب ترتيب آثار الكلي من غير جريان الاستصحاب، ومن غير كونه مربوطا بحديث الأصل المثبت... (1). ونتيجة ذلك عدم جريانه في المتباينين، ولزوم ترتيب آثار الحيوان والفرد الطويل.


1 - سقط في النسخة الموجودة لدينا نحو سطر من العبارة. (*)

[ 471 ]

وفيه أيضا: أن آثار الفرد الطويل منجزة على فرض تمامية التقريب المذكور، ولكن تنجز آثار الحيوان غير ممكن بذلك العلم، كما مر في القسم الأول (1)، فلابد من استصحاب الحيوان. فتحصل لحد الآن: أن نفي الفرد لنفي آثاره الشرعية ممكن، وأما نفيه لنفي الحيوان أو نفيه لنفي آثار الحيوان، فغير جائز إلا على القول بالأصل المثبت. وتبين: أنه ولو كانت حجية العلم الإجمالي مناقضة للعلم التفصيلي بعدم حدوث كل فرد، ولكنه ليس رافعا للشك في بقاء الحيوان كي لا يجري استصحابه. مع أن أصل انتقاض اليقين الاستصحابي بمطلق الحجة، محل إشكال، كما مر في باب جريان استصحاب مؤديات الأمارة والأصل (2). مع أنه قد مر في الاشتغال: أنه لا منع من تنجز الواقع بالعلم والترخيص الظاهري (3). فبالجملة: فيما نحن فيه إما لا يجري الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي أو يجري ويتساقطان، أو يجري بعد ارتفاع القصير استصحاب عدم الطويل ثانيا، لأن ما تعارض بينه هو فرد من " لا تنقض " وإذا ارتفع القصير ينحل " لا تنقض " إلى الفرد الآخر غير المبتلى بالمعارض، إلا أنه لا يستلزم انتفاء الجامع حتى على القول: بأن الفرد من قبيل ما يكون الموضوع له فيه عاما، أو كليا، أو خاصا، لأن نفي الكلي المقيد - وهو الحيوان الطويل - لا يلازم نفي الحيوان الطبيعي الصادق على القصير والطويل إلا على القول بالأصل المثبت. هذا على التقريب المذكور أولا. وعلى ما افيد ثانيا ففيه أولا: أنه ليس في جميع الموارد نافعا، لعدم الأثر.


1 - تقدم في الصفحة 456 - 457. 2 - تقدم في الصفحة 450 وما بعدها. 3 - تقدم في الجزء السابع: 320 وما بعدها. (*)

[ 472 ]

وثانيا: الحجة قائمة بالقياس إلى آثار الفردين، وقاعدة الاشتغال حاكمة بالنسبة إلى الجامع، وإلا فاستصحاب كلي الملك جار، وهو وارد عليها كما مر (1). اللهم إلا أن ينقلب العلم الإجمالي الأول إلى العلم الإجمالي الآخر غير المؤثر، وهو العلم الإجمالي... (2). نعم، حيث إن الاستصحاب أمارة تأسيسية لا كالأمارات الإمضائية، فإن كان جاريا فلا يجري استصحاب الكلي في المقام على المبنى، فلا تخلط. بقي شئ: في الشبهة العبائية وحلها ربما يتخيل أنه في مورد العلم الإجمالي بنجاسة الثوب، وتطهير جانب معين منه، يلزم عويصة (3) وهي: أنه لو جرى استصحاب النجاسة الكلية يلزم دخالة ملاقاة الطرف المعين في تنجس الملاقي - بالكسر - وإلا يلزم تنجس الملاقي لبعض الأطراف، وهو على خلاف المشهور. وهذه تسمى " شبهة عبائية " كما أن ما ذكرناه من المناقشة تسمى " شبهة قبائية " للتمثل بهما. ولا أجد وجها له بعد كون البحث حول استصحاب الكلي، فإن المستصحب إما قضية من الهليات البسيطة، فهي لا تفيد نجاسة الملاقي - بالكسر - لأنه من الأصل المثبت عندهم بالضرورة وإن لا تجوز الصلاة فيه، لأنه ثوب نجس عرفا حسب أخبار المسألة، فإن الروايات الناهية ليست ناظرة إلى العلم الإجمالي، أو نجاسة مجموع الثوب كما لا يخفى، بل فيها التسامح، ولا تسامح بالنسبة إلى نجاسة الملاقي، فلابد من الاستصحاب، أو قاعدة الاشتغال، والأول وارد عليها حسبما


1 - تقدم في الصفحة 463 - 465. 2 - سقط من النسخة الموجودة لدينا نحو سطر من العبارة. 3 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 130، حقائق الاصول 2: 458. (*)

[ 473 ]

حررناه (1)، واستصحابه من القسم الأول، وتصير النتيجة وجود النجس فيه، لا أن الثوب متنجس إلا تسامحا. وإما يكون من الهليات المركبة، وهي لا تتصور إلا في صورة اختلاف أثر النجاسة، كي يستصحب الجامع وتنجسه به، وإلا فلا يتصور الاستصحاب الكلي من القسم الثاني، فإن كون زيد في أحد الجانبين لا أثر له، وهكذا النجاسة. ولعل المستشكل أراد من الشبهة منع جريان القسم الأول، ضرورة أنه في صورة وحدة الأثر يلزم جريان استصحاب الفرد الواقعي المجهول عندنا، لا الكلي، بخلاف ما إذا علم بتنجس ثوبه بالبول أو الدم، فطهر جانبا منه وغسله، فإنه يستصحب النجاسة، أي تنجس الثوب بها، ولازمه نجاسة الملاقي. وفي تقريب الأعلام حول الشبهة (2) ظهر فساده وقصوره ظاهرا، وعندئذ يجوز إجراء استصحاب تنجس الثوب، إلا أنه هناك إما استصحاب العدم الأزلي، أو البراءة عن وجوب الغسلة الثانية بالنسبة إلى نفس الثوب، فضلا عن ملاقيه. ولو قلنا بجريانه وحكومته على البراءة، كما ذكرنا ذلك في الأقل والأكثر (3)، فلا يلزم نجاسة الملاقي، لأن بقاء تنجس الثوب الجامع إما لا أثر له شرعا في الفقه، أو لو كان له الأثر، أو قلنا: بأن الاستصحاب مشرع في أمثال المقام، لا يلزم نجاسة الملاقي، لأنه بعد العلم بطهارة جانب منه تفصيلا فلازم ذلك الاستصحاب وهذا العلم، ملاقاته مع النجس، فلا يكون الملاقى نجسا. هذا مع أن في أصحابنا من يقول بنجاسة الملاقي حتى مع بقاء الملاقى وعدم


1 - تقدم في الصفحة 463 - 465. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 422، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 130. 3 - تقدم في الصفحة 29 وما بعدها. (*)

[ 474 ]

تقدم العلم بالملاقاة، وتفصيله قد مضى (1). وقد اختلفت كلماتهم حول ما لا يعتد به (2) مع عدم حل المشكلة بوجه حسن بعد عدم صحة تقريب العلامة الأصفهاني الصدر (قدس سره) للشبهة كما عرفت. بل يتوجه إليه أيضا ما مر على تقدير كون الشبهة من القسم الثاني، ضرورة أن عنوان " كون الثوب متنجسا " تسامحي، وهو يفيد بالنسبة إلى الصلاة فيه، لما يعلم تفصيلا بالصلاة في النجس، لما لا أثر لكون النجس في الجانب الشرقي أو الغربي. نعم، لو كان الثوب كبيرا، وصلى في جانب منه لا يبعد صحة الصلاة، وتكون المسألة من قبيل الملاقي والملاقى. هذا تمام الكلام حول القسم الثاني. وأما الغور في خصوصيات الأمثلة فهو من الرجم بالغيب أحيانا، ومما لا ينبغي للاصولي، لأن النظر إلى نفس الكلي في حد ذاته، وقد كثر الدور في كلامهم حولها، وهو غير صحيح جدا. نعم، الشبهة الأخيرة العبائية فقهية اريد منها استنتاج المسألة الاصولية، غفلة عن أن ذلك غير جائز، فإن الجزئي لا يكون كاسبا ولا مكتسبا، فإن من الممكن دعوى أن ملاقاة النجس ليست موضوع الأثر، بل ملاقاة البول أو الخمر، أو ملاقاة ملاقي البول أو الخمر من غير رجوع المسألة إلى معنى كلي كي يستصحب، ويترتب عليه الأثر، أو مسألة علمية كلية إلا فرضا. بقيت نكتة: في منع إطلاق جريان القسم الثاني إن القسم الثاني ولو كان جاريا عقلا وعرفا، إلا أن إطلاقه محل مناقشة،


1 - تقدم في الجزء السابع: 498 وما بعدها. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 130، حقائق الاصول 2: 458، الرسائل، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 129. (*)

[ 475 ]

وذلك لأنه لو علم بأن الموجود إما زيد المعلوم ارتفاعه، أو عمرو المعلوم بقاؤه، فيكون على علم بالإنسان، ويشك في بقائه، وعلى علم من العبد فيشك في بقائه، فيصح بيعه مثلا، وأما العناوين البعيدة فجريانه فيها عرفا محل منع. وتكفيك الشبهة فيه لو كان له الأثر، وإلا فلا بحث. مثلا: لو قلنا بالوطن الشرعي، واشتراط كونه مالكا لدار، فإذا ابتلي بالقسم الثاني يستصحب بقاء الدار، فيصح بيعه، وأما استصحاب بقاء الشرط المتوقف على كونه مالكا، وهو المتوقف على وجود الدار وهكذا، فربما يشكل، كما لا يجري استصحاب نجاسة المني لنجاسة السقط، فتأمل. وغير خفي: أن ما مر من حديث كفاية استصحاب الكلي عن الفرد أو بالعكس (1) - بعد ما عرفت: أن المراد من " الفرد " أعم من كونه شخصا، أو كليا تحتانيا (2) - يأتي في المقام كما في المثال المذكور، فإنه هل يكفي استصحاب بقاء الدار عن استصحاب وجود الشرط، أم لابد من التفصيل بين الأمثلة، أو لا يكفي، بل يجري نفس استصحاب بقاء عنوان الشرط ؟ وجوه واحتمالات. وفي نفسي شئ: وهو أن هذه الاستصحابات المتوافقة إن لم تكن مثبتة، فكلها جارية، وان كان بينها المثبت فغيره جار وليس الإجراء بيد المكلف كما عرفت، بل المكلف يجب الاتباع العملي عليه، وهو حكم إلهي طريقي ثابت على موضوعه بعد تحققه، فالبحث المذكور اشتباه هنا وهناك، والله الهادي إلى الصواب. وبالجملة: تحصل في المثال المذكور: أنه بعد العلم الإجمالي، يعلم


1 - تقدم في الصفحة 456 - 458. 2 - تقدم في الصفحة 460. (*)

[ 476 ]

تفصيلا بالحيوان والنامي والجسم وهكذا، كما عرفت في القسم الأول (1)، ويأتي حديث كفاية استصحاب الكلي الفوقاني عن التحتاني وبالعكس (2)، ويتوجه إليه ما اشير إليه. وإليك نكتة اخرى: وهي أنه في العام الاصولي لا يأتي بحث استصحاب الكلي، فلو كان قولك: " لا تصل في النجس " أو " يجب إكرام كل عالم " معناه الانحلال الأفرادي، فنفس عنوان الكلي المتكثر بلا حكم، فلا يصح أن يقال: إذا علم بوجود زيد أو عمرو في الدار، وعلم بأنه لو كان زيدا فهو خارج، فيعلم بأن العالم في الدار، ويشك في بقائه فيستصحب، والنتيجة وجوب إكرام من فيه. ويثمر بالنسبة إلى هذه المسألة مثلا وجوب تهيئة مقدمات إكرامه، والذهاب إلى الدار عقلا، لأن العالم لا حكم له في ظرف اليقين، ولا في ظرف الشك. جولة حول الأمثلة كي لا يقع الطلبة في الاشتباه اعلم: أنه قد كثرت أمثلة القسم الثاني كالحدث الأصغر والأكبر، أو نجاسة الثوب بنجس كذائي أو كذائي، أو عنوان قضاء الفوائت والدين المردد بين الأقل والأكثر الاستقلاليين، أو النجس المردد بين الذاتية والعرضية، كالصوف المردد بين كونه من الخنزير، أو المتنجس بنجاسة عرضية، أو الصابون المردد بين كونه متخذا من الزيت غير المذكى، أو غيره المتنجس بالعرض، أو غير ذلك. ولكن هناك بعض إشارات، فقد مر أنه لا يعقل وحدة الحكم التأسيسي بين طبيعي الحدث والحدث الخاص (3)، فلا يعقل تحريم مس الكتابة تارة: لعنوان كلي،


1 - تقدم في الصفحة 455 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 481 - 483. 3 - تقدم في الصفحة 459. (*)

[ 477 ]

واخرى: لعنوان خاص، وهو الأصغر والأكبر، فلا يعقل كون بقاء الحدث مورد الحكم الشرعي ولو كان هناك قدر متيقن. ولا يجري الاستصحاب إلا العدم الأزلي بالنسبة إلى الزائد. وهكذا إيجاب الغسل بالنسبة إلى ملاقي النجس الطبيعي مرة، وإيجابه بالنسبة إلى الجنس الخاص ثانية، وتفصيله محرر في هذا الكتاب مرارا، كما مر في القسم الأول (1) أيضا، ولو ساعدنا الدليل الإثباتي على ذلك، مع أنه غير واضح. وهكذا بالنسبة إلى جعل المانعية. نعم، كل ذلك ميسر لو كان دليل الاستصحاب مشرعا، فما ترى في كلماتهم طرا خال من التحصيل قطعا، أو قلنا بتنجيز الأكبر لو كان التعبد بطبيعي الحدث، كما مر ويأتي. وأما حديث قضاء الصلوات والدين، فإن كان له منشأ يجري فيه الأصل غير المثبت فهو، كما لو شك في قضاء رمضان أنه عشرون أو أكثر، وكان ذلك لأجل مرضه، فإن استصحاب بقاء مرضه يجري إلى أن يثبت به الأكثر، بخلاف الصلاة، لأنه لا يثبت الفوت. إلا أن يقال: بأن موضوع القضاء ترك المأمور به في الوقت، وهو بلا وجه، وتفصيله في محله. فعندئذ تصل النوبة إلى استصحاب الكلي. وأما البراءة، فهي عندهم تجري، ولا يبقى بعد ذلك وجه للاستصحاب، لأن " ما لا يعلمون " مرفوع. وفيه ما مر منا في باب الاشتغال: من حكومة الاستصحاب الاستقبالي - بل والحالي - على البراءة (2)، فإذا أعطى الأقل، أو أتى بالصلوات المعلومة بالتفصيل،


1 - تقدم في الصفحة 458 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 31. (*)

[ 478 ]

يجري استصحاب بقاء القضاء والوفاء بالدين، لوجود الشك الاستصحابي، وما هو موضوع الحكم هو عنوان " القضاء " و " أداء الدين " لا عنوان " الفلوس " و " الدينار " فاغتنم. وربما به تنحل مشكلة فتوى المشهور في قضاء الصلوات بإيجاب ما يغلب على ظنه (1)، وأما في مثل الدين فلم يلتزموا إلا بوجوب رد العنوان الذاتي لا العرضي، فاغتنم. وأما المردد بين النجاسة الذاتية والعرضية، فإن كان لشبهة حكمية فقاعدة الطهارة وإن كانت جارية، إلا أن مفادها ليس - بوجه - رفع الموضوع والشك، كي تكون حاكمة على الاستصحاب كما توهم. وحيث لا يجري هنا استصحاب العدم الأزلي، يمكن تخيل إجراء الاستصحاب الوجودي، لأنه على تقدير النجاسة الذاتية لا يتنجس عرضا، فيستصحب طبيعي النجس. إلا أنك أحطت خبرا بامتناع إيجاب الغسل تارة على الذاتي المحفوظ عند إيجابه للنجاسة العرضية اخرى، فهناك لا أثر للاستصحاب الوجودي، وهكذا في الشبهة الموضوعية، وفي المسألة (إن قلت قلتات) توجب ملال خاطركم الشريف أكثر مما تحرر. نعم، يمكن دعوى: أن المستصحب هنا كالمستصحب في الأحكام التكليفية، فيكون نفس التعبد بالنجاسة منجزا للنجاسة الذاتية، من غير الحاجة إلى إثباتها كي يقال: هو مثبت، فلا تغفل. وعلى هذا، فاستصحاب الكلي لا يستلزم أحكام الفرد ولا يثبته، ولكن يتنجز تلك الأحكام لو صادف الحيوان المتقيد به الفرد واقعا، وهذا المقدار كاف لجواز


1 - إيضاح الفوائد 1: 148، جامع المقاصد 2: 496، مدارك الأحكام 4: 306، جواهر الكلام 13: 125. (*)

[ 479 ]

التعبد. وهذا أحسن من أثر الانضمام الذي يقول بكفايته لجريان استصحاب الجزء، مع أنه محل منع، وهو غير ما نقول، فلا تغفل. القسم الثالث: من استصحاب الكلي أن يكون العلم بوجود الكلي من جهة العلم بالفرد، ولكن الشك في البقاء إما مستند إلى احتمال مقارنة ذاك الفرد لفرد آخر. أو احتمال مقارنة آن خروج الفرد مع آن دخول الفرد الآخر. أو كانت الكلية غير متواطئة الأفراد، فيكون الشك في بقائه من جهة الشك بعد زوال المرتبة الشديدة، في حدوث المرتبة الاخرى، أو بقاء المرتبة الضعيفة. وعلى كل: يعلم في جميع الفروض انعدام الفرد الموجب للعلم بالكلي، أو يكون عالما بانعدام ذلك الفرد، ولكن لا يعلم المعانقة أو المقارنة. وحيث إن الفرض الثالث إما يرجع إلى القسم الأول، لأن اختلاف مراتب الإرادة والطلب، أو اختلاف مراتب الشك في كثير الشك وغير ذلك، لا يعد من الأفراد لحقيقة واحدة، فزوال الحمرة الشديدة ليس من زوال الفرد عند القائلين بالتشكيك، أو يرجع إلى الفرض الثاني، لأن في نظر العرف في المثال المذكور وفي مثل الإرادة، لا يعقل زوال المرتبة العليا، وبقاء المرتبة الضعيفة، بل هو حدوث تلك المرتبة مقارنا مع زوالها عقلا، فلا فرض ثالث للقسم الثالث لا عقلا، ولا عرفا، كي يقع مورد الكلام. ويمكن دعوى: أن مثل هذه الموضوعات يكون مبدأ الشك في اتحاد القضيتين، ضرورة أنه تارة: تزول المرتبة العليا على وجه تتحد القضيتان في الصورتين، ولا يشك أيضا، لشدة الشك والحمرة والعدالة. واخرى: يشك في ذلك مع انحفاظ الموضوع عرفا، لإمكان الإشارة إليه،

[ 480 ]

ويصح أن يقال: " إن هذا الجسم كان أحمر " وكأن المرتبة العليا من حالات أصل الحمرة وإن لم يكن الأمر كذلك عقلا حسب الموازين القديمة، ولا في خصوص الألوان حسب الموازين الحديثة، حيث إن الألوان أضواء منعدمة في الليالي المظلمة، فاغتنم. وعلى كل تقدير اختلفوا، فذهب بعضهم كالشيخ الأنصاري (رحمه الله) إلى التفصيل (1)، وأنكر " الكفاية " جريانه (2). ويظهر من جمع جريانه على الإطلاق (3)، لأن المناط هو العرف، والأشبه جريانه في الكل. وما في " الكفاية " إشكالا هو الإشكال الذي مر في القسم الثاني (4)، وكان ينبغي أن يتذكره هناك. وفي تعليقات بعض تلامذته الفرق بين القسم الثاني والمقام (5)، مع أن التحقيق عدم الفرق، وانحفاظ المعلوم بالذات الذي هو عين المعلوم بالعرض، ولأجله ينكشف الخارج بالوجودات الذهنية، ويسري حكم الخارج إلى ما في الذهن، وهو الطبيعي العاري عن الخصوصيات، ومن الطبيعي إلى الخارج كالإمكان. وغفلة أرباب المعقول وأصحاب الاصول عن هذه الدقيقة العلمية، أوقعتهم في القول بالمعقول الثاني الجائي بالمعنى الثاني، وألجأتهم إلى المناقشة في جريان الاستصحاب في القسم الثاني والثالث (6)، أو خصوص الأخير (7).


1 - فرائد الاصول 2: 640. 2 - كفاية الاصول: 462. 3 - نهاية النهاية 2: 194 - 195، درر الفوائد، المحقق الحائري: 537. 4 - تقدم في الصفحة 462 - 463. 5 - نهاية الدراية: 5: 151، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 135. 6 - حاشية المكاسب، السيد اليزدي: 73 / السطر 6. 7 - بحر الفوائد، الجزء الثالث: 99، كفاية الاصول: 462. (*)

[ 481 ]

فوحدة الموضوع ذهنا وخارجا سبب لكون القضية الثنائية ممكنة، فإذا قلت: " زيد ممكن " أو " الإنسان ممكن " أو " كل إنسان ممكن " أو " كل إنسان موجود بالإمكان " فإنه صحيح، لأجل عدم أخذ الوجود في الموضوع، وإلا فالإنسان الموجود موجود بالضرورة، والإنسان الموجود واجب، لا ممكن إلا بالإمكان الفقري. وهذه الغفلة أوقعت الشيخ المقتول في حصر القضية بالبتاتة، والتفصيل يطلب من محله (1). فما ترى في كلمات الاصوليين الذين لا شأن لهم إلا التشبث بذيل العرف في قصة الحصة (2)، فهي غير حصة تذكر أحيانا في كلمات العقلاء كقول ناظمهم (3): والحصة الكلي مقيدا يجي * تقيد جزء وقيد خارجي فإنها ذهنية، ولا حصة في الخارج إلا بالقياس إلى الحصص النورية الوجودية الشخصية، رزقنا الله تعالى كأسا منها. فعلى ما تحرر، يجري استصحاب الفرض الأول والثاني حسب الموازين العقلية، بل والعرفية أحيانا. وقضية أن الشك في البقاء مسبب عن الشك في حدوث الفرد المعانق أو المقارن، عين القضية السالفة حذوا بحذو. كما أن إمكان التفصيل بين صدر المسألة المذكورة هناك فيما نحن فيه، أيضا لا بأس به، بأن ينكر عرفا بقاء الإنسان فيما إذا علم بوجود زيد، واحتمل معانقة عمرو أو مقارنته معه في الدار زمانا، أو حال الخروج، ولا أقل من الشك في وحدة القضية. ولا ينكر في مثل العلم الإجمالي بوجود البقر والحمار الملازم للعلم


1 - حكمة الإشراق: 29، شرح حكمة الإشراق: 84 - 85، شرح المنظومة، قسم المنطق: 58. 2 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 134. 3 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 27. (*)

[ 482 ]

التفصيلي بوجود الحيوان، ثم علم بخروجهما، واحتمل مقارنة أو معانقة الفرس، فإنه في المثال الأول يجد العرف خصوصيات زيد، ويشق عليه الشك في بقاء الإنسان بعد خروجه، بخلاف الصورة الثانية، كما في " رسائل " السيد الوالد المحقق - مد ظله - (1) وفي تقرير العلامة التقي الشيرازي (قدس سره) (2) والأمر بيدك لا يرتبط بنا، فإن العرف ببابك يقرع باب إحسانك. تذنيب: فيه تأييد لمسلكنا ومما يؤيدنا: أنه لو دخل فرد أو أفراد في الدار لزيارة السيد، كما هو كذلك في المشاهد المشرفة، وكان الأمر من أول الشهر أو اليوم إلى الغروب مثلا، مرددا بين المعانقة بين الأفراد والمقارنة، يصح الحكم ببقاء الزائر والمشرف والإنسان والمؤمن وهكذا. ولو شك في الليل يستصحب من غير أن يفصل العرف ويدقق النظر بين المقارنة والمعانقة في ظرف الشك، لكفاية مجرد أفعال المعانقة. وهذا هو منشأ الحكم عقلا وعرفا ببقاء النوع والجنس والجسم النامي من الأزمنة القديمة إلى يومنا هذا، وربما في هذه الصور لا يضر التخلل اليسير. اللهم إلا أن يقال: بأن دقيق النظر العرفي لا يساعده، ولأجله لا وجه لتوهم بطلان الصف المتأخر في صور المعانقة والمقارنة، وإذا كان الأمر كذلك في صورة العلم ففي صورة الشك يشك في البقاء، ويحكم بصحة جماعة الصف المتأخر، مع أنه لو تخلل بفصل يسير يصدق الفصل بالنظر المتبع، وهو دقيق النظر من العرف، لا المسامح، ومن هنا تظهر مواضع الخلل في كلمات جل المتأخرين.


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 93 - 94. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 4: 62. (*)

[ 483 ]

بقي شئ: حول الفرض الثاني من القسم الثالث وهو أن جريان الفرض الأول مما لا شبهة فيه في الجملة، وأما الثالث فقد عرفت الكلام حوله (1)، ويجئ إن شاء الله تعالى. وأما الثاني: فقد أنكره الأكثر (2)، وذلك للزوم بقاء الزوجية عند انقضاء أمد الزوجية المنقطعة الاولى، وهكذا ما شابهها من الوكالة والإجارة وغير ذلك، كالحدث في صورة احتمال جنابته حال نومه، أو مقارنا لحال اليقظة. أقول: أما الأخير فقد عرفت: أن أعلامنا قد اشتبه عليهم الأمر في هذا المثال (3)، وسائر الأمثلة أيضا من هذا القبيل. هذا مع أنهم قد التزموا في القسم الثاني بأحكام الفردين، من لزوم الجمع بين الوضوء والغسل، ولو قلنا بجريانه من باب حجيته على أحكام الفردين - حسبما تحرر - لا منع من إنكاره حسب الإجماع، أو الأدلة، أو القطع بخلافه، فإنه لا يمنع عن جريانه الذاتي، فلا ينبغي الخلط بين حديث الجريان وبين ترتب أحكامه، فما في كلام العلامة الأراكي (4) وغيره (5) خال من التحصيل. ولذلك التزم الشيخ بجريانه في الفرض الأول (6)، والعلامة الشيرازي


1 - تقدم في الصفحة 479. 2 - فرائد الاصول 2: 640، كفاية الاصول: 462، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 428، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 134. 3 - تقدم في الصفحة 476. 4 - نهاية الأفكار 4: 137 وما بعدها. 5 - لاحظ بحر الفوائد 3: 99 / السطر 32، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 340، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 426. 6 - فرائد الاصول 2: 640. (*)

[ 484 ]

وغيرهما (قدس سرهما) بل والوالد المحقق - مد ظله - في بعض الفروض المشار إليها (1). بل في النجاسة الخبثية لو شك في تنجس الإناء بالدم أو بولوغ الكلب، لابد من الالتزام بالتعفير، ولا معنى لجريان العدم الأزلي في مثل النجاسة، ولا سيما على القول بوحدة المسبب واختلاف الأحكام، بل ولو قلنا: إنها تقبل الاشتداد - كما تحرر (2) - ولو كانت اعتبارية. إفادة: حول الفرض الثالث من القسم الأخير في الفرض الثالث يمنع جريانه، لأجل أنه إن اريد بقاء أصل الحمرة، فهو من الشخصي، بناء على كون الشدة من حالاتها. وإن اريد بقاء الكلي المقيد وهي الحمرة الشديدة، فلا حاجة إلى الاستصحاب، لكفاية الدليل الاجتهادي، كما لو زالت مرتبة من الشك الشديد أو الحمرة الشديدة، بحيث لا يضر بصدق الشديد. وإن اريد استصحاب أصل الحمرة - وهو الكلي المطلق - فلا ثمرة، لأن المفروض ترتب الحكم على المقيد. وإن اريد زوال الحمرة وحدوث الحمرة، أو حدوث الشديد وزوال الشديد، فهو ليس من الفرض الثالث، بل يكون من الفرضين الأولين. ولو اريد أنه يعلم بزوال المرتبة الشديدة، ويحتمل بقاء أصل الحمرة، وكان الحكم الشرعي مترتبا على أصل النجاسة، فهو جار بالضرورة، ويعد من القسم الأول.


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 94. 2 - يأتي في الصفحة 536 - 537. (*)

[ 485 ]

وقد أشرنا (1) إلى أن في رواياتنا ما يدل على أنه " ليس شئ أنجس من الكلب " أو " إن الناصب لنا أهل البيت أنجس من الكلب " (2) ومعناه جريان الشدة والضعف في هذه الامور، سواء كانت تكوينية كما هو الواضح، أو اعتبارية، فإنه من اعتبار الشدة والضعف، ولا يترقب التشكيك الواقع في الوجود مثلا فيهما. ولعل مثل الشيخ (قدس سره) وغيره ذهب إلى أن النجاسة والطهارة مما اكتشفتا في الشرع (3)، لأجل اقتضاء هذه التعابير واختلاف الأحكام - بعد امتناع الجزاف في الشريعة - ذلك، وتفصيله في محله (4). وهكذا في موارد وجوب الجمع بين الغسل والوضوء، فإن مس الميت ناقض على ما هو المعروف (5)، وأيضا على المشهور لابد من الجمع، فإذا شك بالشبهة الحكمية يستصحب الحدث الآتي من المس بعد الوضوء، فتأمل. وبالجملة: الميزان ليس اتصال الوجود، كي لا يجري في الهليات البسيطة، بل الميزان وحدة القضيتين، مع عدم الفصل باتصال زمان الشك واليقين، فإذا لوحظ نفس الطبيعي الخالي من الخصوصيات كافة، يكون الإنسان موجودا في السبت، ومشكوكا في الأحد في الأقسام كافة بالضرورة، مع أنه في بعض الأمثلة يكون جاريا، كالشك في الاتصال بالإمام مع العلم بزوال ما به الاتصال في الابتداء، واحتمال كون الاتصال باقيا بالصفوف المتأخرة المتعانقة أو المقارنة. هذا لو كان


1 - تقدم في الجزء الثالث: 431. 2 - وسائل الشيعه 1: 219، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 4، و 226، أبواب الأسآر، الباب 1، الحديث 4. 3 - لاحظ فرائد الاصول 2: 603، أوثق الوسائل: 474 / السطر 9 - 12، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 41. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 2: 283 - 291. 5 - مستمسك العروة الوثقى 3: 482، التنقيح في شرح العروة الوثقى 7: 319. (*

[ 486 ]

موضوع الأثر عنوان الاتصال. ولو كان الشرط قضية سلبية وهي " أن لا يكون بينه وبين الإمام ما لا يتخطى " كما في الرواية الشريفة (1)، فإنه أيضا بدون جريان الاستصحاب المذكور لا يمكن. تذنيب: في استصحاب عدم التذكية قد تعرض جمع (2) تبعا لشيخ المشايخ (3) هنا لمسألة استصحاب عدم التذكية أو عدم القابلية، وذلك بأدنى مناسبة: وهي أن المشهور قد تمسك به (4). واستشكل الفاضل التوني (رحمه الله) (5) وبعض آخر (6): بأن ذلك من قبيل الكلي من القسم الأول وترتيب آثار الفرد، ضرورة أنهم استصحبوا عدم التذكية الأعم من حال الحياة، واريد به إثبات كون الحيوان غير مذكى، وهو فرد من ذلك العدم، فيحرم وينجس. وقال جمع بجريانه من غير لزوم الأصل المثبت (7). وذهب بعضهم إلى الإجراء بالنسبة إلى حرمة اللحم دون النجاسة، كما نسب


1 - الكافي 1: 107، الفقيه 1: 253. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 430، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 142، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 95. 3 - فرائد الاصول 2: 641. 4 - الدروس الشرعية 1: 149، جامع المقاصد 2: 81، روض الجنان: 212 / السطر 29، جواهر الكلام 6: 348. 5 - الوافية في اصول الفقه: 210. 6 - مصباح الاصول 2: 313، و 3: 117 - 118. 7 - فرائد الاصول 2: 642، بحر الفوائد، الجزء الثالث: 103. (*)

[ 487 ]

إلى الفقيه الهمداني (رحمه الله) (1) وغيره (2). هذا، وقد دخل جمع منهم في المسألة تلخيصا (3)، وبعضهم كالمحقق الوالد - مد ظله - تفصيلا (4)، مع أن فيهم من أجرى الاستصحاب في العدم الأزلي المحمولي هنا (5) وبعضهم في العدم النعتي في نفس المسألة (6). وحيث إن المسألة عندي واضحة، وأحتسب أنهم دخلوا فيها من غير بابها فوقعوا في المشاكل، وقد أشرنا في العام والخاص إلى المسألة (7)، وهكذا في المطلق والمقيد (8)، فلابد من الإشارة إلى نكتة خفيت عليهم، ولأجل اختفائها وقعوا في حيص وبيص، وإلى ملاحظات القضايا على أنحاء اعتباراتها المحررة في الكتب الفلسفية وغيرها، من غير حاجة إلى التعرض لما في إفاداتهم من الضعف، لأنه إطالة قليلة الفائدة. وتلك النكتة: هي أنه كما أن في العام والخاص لا يلزم تعنون العام بالخاص، ولا يجوز ذلك أو لا يعقل كما تحرر (9)، وإنما يكون الخاص قرينة على عدم وجود


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 107، مصباح الفقيه، الطهارة: 653 / السطر 20، حاشية فرائد الاصول، المحقق الهمداني: 91 / السطر 28. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 384، مصباح الاصول 2: 314. 3 - فرائد الاصول 2: 641 - 643، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 430 - 434. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 95 - 112. 5 - فرائد الاصول 2: 643. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 432. 7 - تقدم في الجزء الخامس: 280. 8 - تقدم في الجزء الخامس: 459 - 462. 9 - تقدم في الجزء الخامس: 236 - 237. (*)

[ 488 ]

الجد في مورد الخاص، أو يكون الخاص مخرجا للأفراد من العام، على اختلاف كون العام والخاص من المبادئ العالية، أو غير العالية. فإذا قال المولى مثلا: " حرم عليكم توهين المؤمنين " أو " كل مؤمن " ثم قال: " لا بأس بإهانة من أهانك من المؤمنين " أو " كل مؤمن أهانك " لا يجوز التصرف في العام بأن يقال: إن المجعول هو تحريم إهانة المؤمنين غير الموهنين بنحو المعدولة، ولا أن يعتبر على وجه القضية السالبة المحصلة، ولا القضية الإيجابية، ولا القضية الشرطية، أي " أنه يحرم ذلك بشرط عدم إهانتك " أو " عند عدم إيراد الإهانة " أو غير ذلك من التسويلات، للزوم اختلاف الحكم حسب مجاري الاصول أحيانا. مع أنه غير صحيح، بل ولا يعقل كما تحرر (1). وبالجملة: كما أن في باب العام والخاص بالنسبة إلى المبادئ العالية، ليس الخاص إلا قرينة، كذلك في باب المطلق والمقيد. فلو ورد على الإطلاق حلية الحيوان وطهارته مثلا بعنوان " الحيوان " الجنسي، أو بعنوان " الشاة والبقرة " أو بعنوان " البهائم والأنعام " ثم ورد حرمة الميتة ونجاستها، أو حرمة غير المذكى ونجاسته، فلا يلزم سراية العنوان من المقيد إلى المطلق ولو كان بحسب اللب مقيدا، بل ولم تعقل سعة دائرة الإرادة، إلا أن المتبع هو عنوان المطلق ملاحظا عدم صدق المقيد من غير التسرية في مرحلة الإنشاء، نظرا إلى إمكان كون المولى ذا قصد من جهة اخرى، وإلا فكان عليه أن يأتي من الأول مقيدا. والقول بالتفصيل بين بابي العام والمطلق، غير سديد ولو قال به العلامة


1 - تقدم في الجزء الخامس: 252 - 256. (*)

[ 489 ]

الأراكي في محله (1)، فما ترى في كلماتهم خال من التحصيل، وما في المجلد الأول من " الكفاية " (2) قريب من الإفاقة. ثم بعدما تبينت هذه الامور، أي ربط المسألة بمسألة استصحاب الكلي، وأن القضايا بحسب التصور أكثر من السالبة المحصلة، ومفروضة الموضوع، والسالبة المحمول، والمعدولة، لإمكان كون المقيد موجبا لكون المطلق على وجه الشرط بالنسبة إلى المقيد أو التعليق، وتبين أيضا أن أساس سراية القيد غلط. فإليك أمرا ثالثا: الأمر الثالث: وهو أن العدم وإن كان لا ينقسم إلى كذا وكذا عقلا، إلا أنه إما عرفي، أو اعتبار عقلائي، كما حررناه في تقييد المركبات، وعلى هذا العدم الأزلي بين ما يكون في الشبهة الحكمية، مثل أن يقال: " ما كانت الصلاة عند الرؤية واجبة " أو في الموضوعية، أي " ما كان زيد موجودا " والبحث حول الأزلي لا النعتي. وهذان في الهليات البسيطة وشبهها. ومن العدم الأزلي في الهليات المركبة قولك: " ما كان زيد عالما " مع أنه ليس موجودا، أو يشك في وجوده، أو " ما كانت المرأة قرشية ". وغير خفي: أنه لو كان " زيد " موضوعا لما هو الموجود، فلا يعقل تشكيل القضية المشكوك فيها كما مر (3)، بخلاف ما إذا كان الموضوع له كليا كما هو كذلك،


1 - مقالات الاصول 1: 441، نهاية الأفكار 2: 519 - 521. 2 - كفاية الاصول: 261. 3 - تقدم في الصفحة 454 - 455. (*)

[ 490 ]

فيمكن تشكيلها. كما أن في نوع المسائل الشرعية يكون الأمر كذلك، لأن المقيد والمخصص كلي، والتخصيص الفردي قليل، كما في بعض ما يشك في الحج، فإنه يجوز أن يقال: " ما كانت أرض عرفات أزيد من أربعة آلاف ميل " أو " المشعر ومنى والمسجد الحرام " وهكذا. فبالجملة: العدم الأزلي الذي يمكن أن يجعل مجرى الاستصحاب على أقسام، والقسمان الأول والثاني خارجان عن محط الخلاف. وما هو محط البحث هو الثالث، إلا بعض صور تأتي إن شاء الله تعالى (1) كما يقال: " ما كان شرط الضمان في عقد الإجارة خلاف الكتاب " وهكذا. بقي أمر رابع: في بيان أنحاء الشبهة في المقام محط الخلاف مورد كون المقيد منفصلا، إلا أن الجهة المبحوث عنها أعم، كي يكون أنفع وأشمل حسب المباني. وعلى كل تارة: تكون الشبهة حكمية، واخرى موضوعية. أي تارة: يريد إجراء الاستصحاب في محط عام كلي. واخرى: يريد إجراءه بالنسبة إلى فهم حال الموضوع، وما هو محط الشبهة الموضوعية، أو الحكمية الجزئية. مثال الأول: " ما كانت الضفدع قابلة للتذكية " أو " الفيل مثلا قابلا " لأن الحيوان بين ما يقبل بحسب قانون الشرع، وما لا يقبل، مع اختلاف الآثار من الحلية والطهارة، أو الطهارة فقط.


1 - يأتي في الصفحة 493 - 496. (*)

[ 491 ]

وغير خفي: أن الشبهة الموضوعية تارة تكون كلية، واخرى جزئية. مثلا تارة: يشك في أن شرط الضمان في عقد الإجارة مخالف للكتاب، وهذا من القسم الأول. واخرى: يشك في أن هذا الحيوان قابل للتذكية، لكونه من المسوخ أم لا، أو أن التذكية وقعت على هذا الحيوان والشاة، أم لا. وأما البحث حول فروع الشبهة الموضوعية، فهو خارج بالمرة عن هذه المسألة. وإليك خامس الامور: وهو حول موضوع المحلل والمحرم والطاهر والنجس إن الأصحاب اختلفوا في أن موضوع المحرم والحلال والطاهر والنجس واحد، أم مختلف، وهذا يثمر في مجاري الاصول، فربما يقال: إن " الميتة " موضوع للحرام والنجس، وهي أعم من المائت حتف أنفه، ومن الفاقد لشرائط التذكية، وهو المشهور (1)، وهو الظاهر من جملة من الروايات (2)، لأنها إما ميتة واقعا فيها، أو ادعاء. وقيل: " إن ما هو موضوع الحرام عنوان " غير المذكى " وما هو موضوع النجس والحرام هو عنوان " الميتة " (3) وانتهى كلامهم في مجاري الاصول إلى الحرمة والطهارة فيما نحن فيه، ففصلوا بين الأمرين. وحيث إنك عرفت مما تقدم: أن العناوين المنفصلة لا تسري إلى المطلقات


1 - فرائد الاصول 2: 642، مصباح الفقيه، الطهارة: 653 / السطر 16، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 431، مستمسك العروة الوثقى 1: 322. 2 - لاحظ وسائل الشيعة 3: 490، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 5، الحديث 2 و 4. 3 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 533 - 534. (*)

[ 492 ]

والعمومات، لا أثر لهذا البحث في المقام، ولا للبحث حول كون التذكية بسيطة أو مركبة، كما سيظهر إن شاء الله تعالى. وربما يظهر من بعضهم: أن عنوان " الحلال " في الشريعة ما ينطبق على الحي والمذكى (1)، فكما أن الشاة طاهرة سواء كانت حية أو مذكاة، كذلك هي حلال على الفرضين، نعم لو اريد أكل بعض لحمها فلابد من تذكيتها. وهذا أيضا بالنسبة إلى الأصل الذي يجري عندنا بلا أثر، كما يظهر إن شاء الله تعالى (2). تتمة: في تحديد ما يدل على التذكية والقابلية المذكور في الأخبار أو المستفاد من الآيات هو حلية بهيمة الأنعام، أو العناوين الخاصة، أو الحيوان المشتمل على الأمارات المعينة (3). وإنما ورد - بنحو الانفصال - نجاسة الميتة (4) وحرمة غير المذكى (5). وأما حديث القابلية، فهي تستفاد من ترتيب آثار الطهارة على طائفة من الحيوانات، ولا أظن وجود الدليل على العنوان المذكور، والله العالم. وغير خفي أيضا: أن ما يترتب على ما سلكناه هو عدم الحاجة إلى الغور في تقاسيم العوارض الذاتية والعرضية، واللازمة وغير اللازمة، أو عوارض الماهية أو


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 109. 2 - يأتي في الصفحة 497 - 498. 3 - وسائل الشيعة 25: 84 - 85، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 42، الحديث 1. 4 - وسائل الشيعة 3: 460، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 34، الحديث 1 - 5. 5 - وسائل الشيعة 23: 348 - 355، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الصيد، الباب 9، الحديث 1 - 21، و 24: 37 - 38، كتاب الصيد والذبائح أبواب الذبائح، الباب 19، الحديث 1 - 4. (*)

[ 493 ]

الوجود من الأول، أو الموجود بعد صيرورته خارجيا وهكذا. الأمر السادس: ثم إن هناك أمرا سادسا: وهو أعمية البحث الاصولي من المسألة الفقهية فإنه يبحث تارة: عن أصل جريان العدم الأزلي، واخرى فيما هو الجاري في مسألة الشك في التذكية، فلا تغفل. حكم الشبهة الحكمية للتذكية إذا عرفت ذلك فاعلم: أن مقتضى * (أوفوا بالعقود) * (1) مثلا، أو أن " المرأة ترى الدم إلى الخمسين " (2) أو * (احلت لكم بهيمة الأنعام) * (3) وجوب الوفاء على الإطلاق، ومحكومية الدم الكذائي بالحيض على الإطلاق، أو حلية البهائم، وقضية الأدلة المنفصلة عدم توافق الجد والاستعمال بالنسبة إلى موارد صدق عنوان المقيد. وعندئذ إن كانت الشبهة على وجه يفيد الاستصحاب نفس التعبد بالعدم الأزلي، فلا بأس بجريانه، كما في نفس التعبد بأن شرط الضمان في عقد الإجارة ما كان مخالفا للكتاب، والآن كما كان، فيكون ببركة الاستصحاب إطلاق العام قابلا للعمل من غير كونه مثبتا. وأما التعبد بأن المرأة القرشية ما كانت ترى الدم إلى الستين، أو أن البهيمة ما كانت ميتة، فهو لا معنى له، لأنه في موارد الشبهة الحكمية، يكون المرجع عموم


1 - المائدة (5): 1. 2 - لم نعثر عليه بهذا اللفظ، ولعله إشارة إلى ما في الكافي 3: 107 / 3 و 4، وسائل الشيعة 2: 335، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 31، الحديث 1 و 2 و 7. 3 - المائدة (5): 1. (*)

[ 494 ]

الدليل أو إطلاقه. ويمكن التمسك باستصحاب عدم كون العام مخصصا أو المطلق مقيدا بالنسبة إلى مورد الشبهة، ويراد بذلك الاستصحاب نفي عدم الحجية العقلائية الممضاة، ولكنه بعيد وغير محتاج إليه، لحكومة بناء العقلاء عليه: وهو الرجوع إليهما في مورد الشك في التخصيص والتقييد. هذا في الشبهة الحكمية. حكم الشبهة الموضوعية بقي الكلام فيما هو المهم في المقام: وهو فهم حكم الشبهة الموضوعية الخارجية المرددة بين كونها مصداقا للعنوان الخارج عن العام أو الإطلاق، أو بقاء الإرادة الجدية، كي يكون المرجع نفس العام حتى لا يلزم التمسك به في الشبهة المصداقية. وحيث إن الإطلاق والعموم باقيان على حالهما، يصح إما أن يقال: " هذا الحيوان ما كان ميتة، فالآن ليس بميتة " أو يقال: " هذا الحيوان كان لم يذك " أو " كان غير مذكى، والآن كما كان " أو " هذا الحيوان لم يكن قابلا للتذكية، فالآن كما كان " فلو كان لعنوان القابلية فرضا أثر، فهو ينتفي بالاستصحاب من غير حاجة إلى إثبات شئ. بل ما هو المانع من التمسك بالعام والإطلاق يرفع تعبدا، فيكون المرجع نفس الدليل، وهذا هو حقيقة ضم الوجدان إلى الأصل، لرجوعه إلى التمانع الخارجي في الاحتجاج والتضاد الوجودي، من غير رجوعه إلى التقييد في مرحلة الإنشاء والجعل. نعم، يدور الأمر بين إجراء الاستصحاب المنتهي إلى حلية المشكوك لنفي كونه ميتة، الذي هو العنوان الخارج عن الإطلاق والعام، وبين إجراء الاستصحاب

[ 495 ]

المنتهي إلى الحرمة، كما في الفروض الاخر. نعم، في الفرض الأول المحرر عندنا يجري العدم الأزلي والنعتي، لأن اختلاف الصورة النوعية لا يضر بوحدة موضوع القضيتين. وبالجملة: حيث إن قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * (1) يوجب تقييد قوله تعالى: * (احلت لكم بهيمة الانعام) * (2) وغير ذلك، فلازم جريان الاستصحاب الأول جواز التمسك بدليل الحل. مع أن الأشبه أن قوله تعالى: * (إلا ما ذكيتم) * (3) أو موثق ابن بكير: " إلا ما ذكاه الذبح " (4) ليس إلا إشعارا بأن ما ذكيتم ليس بميتة، حسبما ورد في جملة من الأخبار من عد ما لا تجتمع فيه شرائط التذكية من الميتة (5)، وهو المنتفي به. هذا، ولو قلنا: بأن الحيوانات الطاهرة الحية وإن كانت طاهرة، ولكنها ليست حلالا إلا عند ورود التذكية عليها، ويكون عنوان " البهائم " وسائر الحيوانات المحللة حلالا بحسب الطبع، وإنما ثبت بدليل منفصل على نحو القضية الشرطية أنها إذا ذكيت تصير حلالا، فهو ذو وجوه واحتمالات، إلا أن الأشبه والأقرب أنها بصدد بيان ما يوجب خروجها عن صيرورته ميتة عند زهوق الروح، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب التعليقي كي يقال: بأن هناك مفهوما: وهو " أن هذا الحيوان كان إذا ذكي يحل " وحيث شك فلم يكن ذكي، فلا يحل استصحابا، بل هو يرجع - حسب الجمع بين الأخبار - إلى أنه إذا ذكي فلا يكون ميتة، فيحل حسب الإطلاق. ومما حصلناه تبين أولا: أن التفصيل بين الشك في القابلية والتذكية بحكم


1 - المائدة (5): 3. 2 - المائدة (5): 1. 3 - المائدة (5): 3. 4 - وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 1. 5 - وسائل الشيعة 24: 27 - 30، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الذبائح، الباب 14 - 15. (*)

[ 496 ]

واحد. ولو اريد التفصيل - كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) - فاستصحاب عدم القابلية المنتهي إلى الحرمة، أوضح من استصحاب عدم التذكية. وثانيا: أن مقتضى خروج عنوان " الميتة " وورود التقييد حلية المشكوك، لا الحرمة. والذي ربما يقال: إن جريان الاستصحاب على الإطلاق في الشبهة الموضوعية الخارجية ممنوع، وأما استصحاب عدم كون شرط الضمان مخالفا للكتاب فهو المتبع، كما حررناه في الإجارة (2)، ضرورة أنه في الفرض الأول، لا يعقل الإشارة إلى الحيوان الموجود أو الجسم الموجود في الخارج - على نحو يكون محموله من تبعات الماهية، أو الوجود اللازم غير المفارق - لما لا سابقة له بالضرورة، فإن الجسم المذكور لا ماهية له بلا وجود في الخارج، كي لا تكون لها لازم الماهية وهي القابلية، لأنه إما وجد مع القابلية، أو وجد بدون القابلية، فلا يدور الأمر بين كون الأصل مثبتا، أو كونه بلا حالة سابقة، كما ترى في كلمات جلهم (3). بل حيث لا يتقيد الإطلاق بقيد المقيد ولا بشئ آخر - كما هو المحرر في العمومات (4) - ينحصر الأمر في شئ آخر: وهو فقد الركن الأول في الاستصحاب. فما هو له الحالة السابقة هو الكلي، فإن الحيوان ما كان له القابلية، إلا أنه انتقض بيقين آخر، لوجود القابلية لجملة منه. وهذا المشتبه في الخارج لا حالة سابقة له كي يشار إليه ويقال: " هذا الحيوان لم يكن له القابلية " ضرورة أن القابلية والميتة وغيرهما من تبعات الوجود بالذات، أو الماهية المتأخرة في الخارج عن


1 - نهاية الأفكار 3: 256 - 258. 2 - كتاب الإجارة من تحريرات في الفقه، للمؤلف (قدس سره) (مفقود). 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 533، منتهى الاصول 1: 453. 4 - تقدم في الجزء الخامس: 237. (*)

[ 497 ]

الوجود حسبما تحرر، فإن للوجود سبقا بالحقيقة على الماهية بالضرورة، وإلا يلزم مفاسد كثيرة محررة في " قواعدنا الحكمية " (1) وهكذا الأمر في الميتة، أو قولك: " هذا الحيوان لم يكن مذكى ". ولكن الإنصاف: أن القضية المتشكلة في غير المسائل الشرعية، صحيحة من غير لزوم كون العدم الأزلي أو العدم في الحال أو الاستقبال يختلف، ومن غير لزوم فساد القضية بعد تحقق الموضوع. مثلا: يجوز أن يقال: " هذا الرجل ما كان واجب الوجود، وليس واجب الوجود، ولا يصير واجب الوجود " فلو كان لوجوب الوجود أثر فهو ينتفي طبعا، وذلك لأن موضوع القضية محفوظ في جميع القضايا الثلاث. فلو قلنا: " بأن هذه البهيمة ما كانت ميتة، وليست الآن ميتة " يرفع حكم الميتة، ويتمسك بإطلاق قوله تعالى: * (احلت لكم بهيمة الانعام) * (2). ولو كان العنوان المقيد الذي يكون قرينة على عدم الجد في المطلقات غير الميتة، مثل " غير المذكى " فرضا، أو " ما لم يذك " يصح أن يقال: " هذه الشاة ما كانت غير مذكاة " أو " لم تذك، والآن كما كان استصحابا " وكان ذلك بالقياس إلى تحريم الميتة، أو تنجيس ما لم يذك وتحريمه حسب الأدلة الاجتهادية، فإنه يلزم جواز التمسك بالإطلاق المذكور، ونتيجته هي الحرمة والنجاسة على وجه، وهذا أمر مربوط بالفقه. والذي هو الأشبه: أن العمومات أو المطلقات أولا أفادت الحلية أو الطهارة، وإذا ذبحت على طريق غير مشروع تعد نجسة وميتة وحراما. فاستصحاب العدم الأزلي يجري في صورة كون المقيد والمخصص منفصلا، إلا أنه يفيد الحلية


1 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - المائدة (5): 1. (*)

[ 498 ]

والطهارة، لا الحرمة والنجاسة، خلافا للكافة في المسألة الاصولية والفقهية. نعم، استصحاب عدم القابلية لرفع حكم القابلية بلا أثر، لأنها غير موضوعة حسب الظاهر، وإنما هي أمر اتخاذي واصطيادي من الموارد الخاصة. ولو شك، وكان المفروغ منه انحصار الحرمة بعنوان " الميتة " أو ما يرجع إليها كما عرفت، لا حاجة إلى استصحاب عدم القابلية، بل يجري استصحاب عدم كون هذا الحيوان ميتة. فما في كلام القائلين بجريان العدم الأزلي من: ترتيب الحرمة والنجاسة (1)، أو خصوص الحرمة (2)، غير سديد. كما أن ما في كلمات القائلين بعدم جريانه، لكونه إما بلا سابقة، أو هو مثبت كما عن الأكثر (3)، غير صحيح. وما عن شيخ مشايخنا: من التشبث بذيل العرف لإجرائه والتحريم والتنجيس (4)، غير تام. نعم، في كلام سيدنا الاستاذ البروجردي: دعوى انصراف أدلة الاستصحاب عن أمثال هذه الموارد، أو خصوص العدم الأزلي (5)، وهي غير ظاهرة الفساد، إلا أن إجراء العدم النعتي دون الأزلي غير تام. وهم ودفع إن أصحابنا أهل الفقه والاصول، اعتقدوا أن حديث أصالة عدم التذكية أو عدم القابلية، أجنبي عن مسألة العام والخاص المنفصل، بل هو من الشبهة


1 - فرائد الاصول 2: 643. 2 - مصباح الفقيه، الطهارة: 653 / السطر 20، حاشية فرائد الاصول، المحقق الهمداني: 91 / السطر 28. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 533، منتهى الاصول 1: 453. 4 - لاحظ أنوار الهداية 2: 101. 5 - نهاية الاصول: 337، نهاية التقرير 1: 185. (*)

[ 499 ]

الموضوعية لعنوان هو إما " غير المذكى " أو " الميتة " على سبيل منع الخلو، بمعنى أن المذكى حلال وطاهر، وغير المذكى حرام ونجس مثلا على سبيل التنويع، كالمسافر والحاضر، لا المطلق والمقيد. ولذلك استشكلوا: بأن العدم المطلق الأزلي لا يعقل أن يكون موضوع حكم إلا في ظرف وجود الحيوان، ولا يثبت به حكمه إلا بالأصل المثبت، فالعدم الخاص المقرون لا سابقة له، والعدم الكلي لا يمكن أن يثبت به الحكم. مع أنه لا يعقل أن يكون موضوعا لحكم في الأدلة الاجتهادية، كي يقال بكفاية الأثر في ظرف الشك. ويندفع بما عرفت تفصيله: من أن ما هو الموضوع - حسب القانون العام أو المطلق - هو " البهيمة " أو " الأنعام " أو العناوين الخاصة " كالطائر " الدال على حليته الأمارات الخاصة أو العامة، أو بعناوينها الخاصة (1)، وهكذا قضية القابلية مع قطع النظر عن أنها اصطيادية كما مر، وإنما يكون مقتضى تحريم الميتة وتنجيسها أو تحريم غير المذكى وتنجيسه فرضا، هو عدم تطابق الجد والاستعمال في موارد انطباق هذه العناوين، فيلزم عدم صلاحية العموم والإطلاق للاحتجاج في تلك الموارد. وإذا جرت الاصول النافية لإخراج مورد الشبهة الموضوعية من عنوان المقيد والمخصص، يكون العام والمطلق صالحا للاحتجاج، كما في العدم النعتي، وعندئذ إن قلنا: بأن " غير المذكى " في الشريعة توضيح الميتة على سبيل العموم، كما هو الأشبه بالكتاب والسنة، فلا يجري إلا استصحاب عدم كون هذه البهيمة ميتة، فيكون المرجع بعد ذلك نفس المطلقات. وإن قلنا: بأن " المذكى " عنوان للحلية والطهارة، و " الميتة " للحرمة والنجاسة، و " غير المذكى " للحرمة والنجاسة مثلا على سبيل التنويع، فهو فاسد. إلا أنه لا سبيل إلى القول بجريان العدم الأزلي على الإطلاق، ولا منعه على الإطلاق، ضرورة


1 - تقدم في الصفحة 492. (*)

[ 500 ]

أنه يصح جعل الحكم على عنوان " الميتة " وأما جعله على عنوان " غير المذكى " على وجه يشمل العدم الأزلي والسلب التحصيلي، فغير ممكن. اللهم إلا أن يقال: كما يمكن على نعت السلب التحصيلي سلب عنوان " الميتة " يمكن سلب عنوان " غير المذكى " فيقال: " لم يكن هذا الحيوان " أو " هذا الموجود والجسم غير مذكى " لأن عنوان " غير المذكى " معدولة المحمول المفروض وجود موضوعه في القانون والأدلة، فإذا شك في الحيوان المذبوح يصح أن يقال: " إنه ما كان غير مذكى " أي ما كان موضوعا للحكم الإلهي " والآن كما كان " وتصير النتيجة سلب التحريم والتنجيس، فعلى هذا يجري العدم الأزلي على الإطلاق. نعم، هو معارض، لأنه كما يصح أن يقال: " هذا الطير أو هذه البهيمة لم تكن غير مذكاة " يصح أن يقال: " ما كانت مذكاة " فإذا لم تكن مذكاة ينتفي حكم المذكى، وهو الحلية والطهارة مثلا، وإذا لم تكن غير مذكاة ينتفي حكم غير المذكى، وهو الحرمة والنجاسة مثلا. وعلى كل تقدير: تبين طريق حل مشكلة المسألة حسب مجاري الاصول. إلا أن المهم فهم كون الحرمة والحلية، والطهارة والنجاسة، مترتبين على نعت العام والخاص، أو التنويع، وعلى الفرض الأول هل العام والإطلاق هو حلية البهيمة وخروج الميتة، أو حرمة غير المذكى وخروج المذكى ؟ وقد عرفت أن الأول هو التحقيق (1)، والتفصيل يطلب من محله. وغير خفي: أنه لا يكون فرق بين كون مفاد القيد تحريما نفسيا، أو قرينة محضة على عدم ثبوت الحكم الفعلي بالنسبة إلى مورده، فلا فرق بين أن يكون المخصص تحريم إكرام الهاشمي، أو كان المخصص رفع الوجوب المتوهم في


1 - نفس المصدر. (*)

[ 501 ]

مورده، ففيما نحن فيه - ولو كان المقيد مورد تحريم الأكل، والعام مورد ترخيص الأكل - يجري الاستصحاب، كما في غير العدم الأزلي، وتصير النتيجة حسب ما حققناه جريان الأزلي وحلية الأكل. تذنيب: في تعنون العام أو المطلق بضد الخاص لو قلنا: بأن العام أو المطلق يعنون بضد الخاص عرفا، أو فرضنا تعنونه به، فإن كان موضوع الحكم أمرا مركبا ومقيدا، كما يقال: " المرأة القرشية تحيض إلى الستين، والمرأة غير القرشية تحيض إلى الخمسين " وهناك امرأة مرددة بين أنها قرشية أو غير قرشية، أو البهيمة المذكاة وغير المذكاة، فإن اريد سلب المذكاة فيلزم كونه من الأصل المثبت. وإن جعل الشك في الجزء موجبا للشك في الكل والمركب، يلزم التعارض في مورد المرأة المرددة والحيوان المشكوك فيه، ضرورة أنه يصح أن يقال: " هذا الحيوان لم يكن مذكى " إلا أنه لا يحرز به المعنى الحرفي والتقيد. مع أنه يلزم المعارضة كما مر. وإن اعتبر أن الشك في أن زيدا العالم العادل هل هو عادل أم لا ؟ يستلزم الشك في أن زيدا عالم عادل أم لا، كما هو كذلك قهرا، تلزم المعارضة، ولا يلزم كون الأصل مثبتا، كما إذا شك في أن زيدا مسافر أم حاضر، فإن استصحاب أنه لم يكن مسافرا فلا يقصر جار، إلا أنه يعارضه استصحاب أنه لم يكن حاضرا فلا يتم، فاغتنم. فذلكة بعدما أعتذر للقارئ الكريم عن الإطالة حول هذا البحث القديم.

[ 502 ]

أقول: إن نسبة الخاص والمقيد إلى العام والمطلق، لا تخلو بحسب الأنظار من رجوع القيد إلى العام والمطلق، فيكون عنوان واحد أو إلى العنوانين والتنويع، أو يفصل حسب كون مفاد هيئة الخاص حكما إلزاميا، أو مجرد إخراج مورده عن الإلزام المتوهم عموما حسب العام، أو يبقى على صورتهما الواردة في الكتاب والسنة. وما هو الأخير هو الحق في العام والخاص والمطلق والمقيد. واستصحاب العدم الأزلي ينفع ويفيد هنا، ولا يجري، أو يكون له المعارض إلا في الفرض الأخير، فإنه لا نريد من الاستصحاب إلا اصلاح التمسك بالعام والمطلق في الشبهة المصداقية. إن قلت: هذا من الأصل المثبت، أو أسوأ حالا. قلت أولا: لازم ذلك عدم جريانه في العدم النعتي وفي الخاص لو قلنا بسراية العنوان في المطلق. وثانيا: هذا من تبعات خروج مورد الشبهة عن حكم المخصص والمقيد. وبعبارة اخرى: هنا محط ضم الوجدان إلى الأصل دون غير المقام، ضرورة أن هذه المذبوحة شاة، وهي حسب الإطلاق حلال وطاهرة، وحسب دليل القيد إذا كانت ميتة تحرم وتنجس، وإذا جرى الأصل على أنها ما كانت ميتة تخرج عن دليل تحريم الميتة وتنجيسها، ويتمسك بالعام. هذا مع أنا ذكرنا جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كما أنا نقول بحجية الأصل المثبت. هذا ما عندنا، وتحقيق فقه المسألة يطلب منه. القسم الرابع: من استصحاب الكلي وهو ما إذا كان منشأ الشك أمرا أجنبيا معلوم الوجود والثبوت، كما إذا علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، فإنه - حسب العلم الإجمالي - يعلم تفصيلا بتنجز

[ 503 ]

كل من الظهر والجمعة، فإذا أتى بواحد منهما في المثال، أو تلف أحد الأطراف في سائر الأمثلة، أو خرج عن محل الابتلاء، أو اضطر بعد العلم إلى معين وهكذا، وشك في هذه المسألة الاصولية، وهو بقاء تنجز وجوب غير المأتي به وما هو الموجود المبتلى به، فإنه يصح أن يستصحب الحجية في غير المقام، وفي المقام أيضا يستصحب تنجز الوجوب، وأنه لو صادف الواقع تصح العقوبة عليه، وهذا المقدار من الأثر كاف، كما في استصحاب الحجية. وهذا غير القسم الثالث والثاني، لأنه بالنسبة إلى عنوان الوجوب من الثاني، فإنه إما كان قد أتى به فقد سقط، أو لم يأت به فقد بقي، وأما بالنسبة إلى عنوان تنجز الوجوب فليس الأمر كذلك. وليس من القسم الأول، لأن الشك هناك كان ناشئا عن خروج الفرد من الدار، أو الكلي التحتاني بالنسبة إلى الكلي الفوقاني، فيكون هنا قسم رابع، لأن الشك جاء من قبل الأجنبي المعلوم تنجزه في عرض تنجز المشكوك بقاء تنجزه. وتوهم: أنه استصحاب شخصي معلول العلم الإجمالي. مدفوع: بأنه شك في مسألة اصولية، وأنه تنجز حاصل إما من العلم، أو من معارضة الاصول المؤمنة، فأصل التنجيز ثابت، وبذهاب العلم يشك في بقائه، كما في تنجس ثوب إذا تردد في أنه من قبل الدم أو البول، إلا أنه من القسم الثاني، وهذا قسم آخر، فتدبر. وقد يتوهم القسم الرابع في مثل ما لو كان المكلف متوضئا، ثم صدر منه وضوء وحدث، واشتبه المتقدم والمتأخر (1)، فإنه يحتمل كون الوضوء الثاني تجديديا، فإنه يصح استصحاب كلي الطهارة، أو كان يعلم جنابته فاغتسل، فرأى يوم السبت جنابة في ثوبه، واحتمل كونها ذاك، فيستصحب كلي الجنابة والحدث.


1 - مصباح الاصول 3: 119 - 120. (*)

[ 504 ]

وعن الفقيه الهمداني إجراؤه في الصورة الاولى دون الثانية (1)، نظرا إلى مسألة فقهية تطلب من محالها. ولكن هذا هو القسم الثاني بالضرورة، إلا أنه فرق بين الأمثلة، ففي القسم الثاني المعروف يكون القصير والطويل عرضيين، كالبعوضة والفيل، وهنا طوليين بحسب الزمان، ضرورة أن الجنابة إن كانت حاصلة يوم الجمعة فقد ارتفعت، وإن كانت جديدة فهي باقية، فيستصحب كلي الحدث الأكبر مثلا. أو إن كانت الحدث الأصغر في المثال الأول بين الوضوءين، فالوضوء باق، وكلي الطهور باق، وإن كان بعد الوضوءين فهو منتف، فيدور الأمر في منشأ الشك بين ما هو المرتفع قطعا، أو هو الباقي قطعا، وحيث يشك في ذلك يلزم الشك في بقاء كلي الطهور. القسم الخامس: من استصحاب الكلي وهو الشك في بقاء الكلي الخارجي والكلي المنتشر، أو الفرد المنتشر، كما في صاع من الصبرة، وهذا غير الفرد المردد العنواني، وغير الكلي المقيد، وتفصيله يطلب من تحاريرنا في المعاملات (2)، فإنه بعد الفراغ من أصل المسألة عند العقلاء، لو شك في بقاء الصبرة لاحتمال الاحتراق، يستصحب الكلي الذي باع وهو صاع منها. وهذا من جهة شخصية، لكونها خارجية، ومن جهة كلية، لعدم اللون له ولعدم تعينه، وفي ذلك جمع بين الشخصي والكلي، ولأجله عبر عنه ب‍ " الكلي الخارجي " مع أن موطن الكلي هو الذهن.


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 25 / السطر 13. 2 - هذه المباحث من كتاب البيع من " تحريرات في الفقه " مفقودة. (*)

[ 505 ]

تذنيب: حول استصحاب الفرد المردد في جريان استصحاب الفرد المردد خلاف، ولعمري إنه يظهر منهم عدم عثورهم على ما هو مهم الاصولي. وهو استصحاب لا يرجع إلى استصحاب الكلي، سواء كان ذلك الكلي عنوان " الإنسان " أو " الحيوان " أو عنوان " المردد " أو عنوان " الجزئي " فإنه أيضا كلي، فالبحث من هذه لا ينبغي أن يختلط، كما في الكلي في أصل تصوره. وأما المناقشة من ناحية الأثر، فربما لا يجري استصحاب جامع لمطلق الشرائط، لأجل كونه بلا أثر. فالمهم تصور استصحاب آخر غير الشخصي، وغير الكلي، وغير الكلي الخارجي، وهو أن يكون أمرا آخر بحسب مقام الثبوت والإثبات، أي في موارد العلم الإجمالي بوجوب شئ كالظهر أو العصر، أو وجوب إعطاء شئ مردد بين الأمرين، إذا أتى بأحد الطرفين، أو تلف بعض الأطراف، فلا يبقى العلم، ولا يعلم تفصيلا وجوب شئ كالظهر أو الجمعة، إلا أنه بحسب مقام الثبوت يجوز أن يشير إلى أنه كان على يقين بوجوب شئ من قبل المولى العزيز - جل وعلا - وشك في بقاء ذلك، لأجل احتمال الامتثال، أو انعدام متعلق المتعلق، فيستصحب ذاك الوجوب غير المعلوم فعلا وكان معلوما، ولازم ذلك هي الإطاعة في ظرف الشك. وإن شئت قلت: إطلاق " لا تنقض " يشمل اليقين المتعلق بما هو معلوم متعلقه، ومتعلق متعلقه، وما ليس كذلك، والقضيتان متحدتان، والأركان موجودة، والأثر في هذا التحرير موجود، والمجرى ليس أمرا انتزاعيا، ولا كليا طبيعيا، وإنما نشير إلى ما هو الواجب من قبل المولى، أي أنه كان قد أوجب المولى إما الظهر أو الجمعة، وفي ظرف الشك يشير إلى أن ما كان واجبا، هل هو باق أم زائل ؟ ففي ناحية اليقين يعلم إجمالا، وفي ناحية الشك يشير - لجهالته بما هو

[ 506 ]

الواجب - إلى أن ما هو الواجب والذي قد أوجبه الله، هل هو باق على وجوبه أم لا ؟ فلا يستصحب العنوان المعلوم في عالم العنوانية ولو كان عنوان " التردد " كي يكون كليا وبلا أثر، ولا الشخصي في مرحلة الإثبات، بل هو شخصي في مرحلة الثبوت، ومجمل غير معلوم في مرحلة الإثبات، ولا يخرج عن صلاتين. فالإشكال تارة: من ناحية أن التردد منتف في ظرف الشك، كما في تقرير العلامة النائيني (رحمه الله) (1). واخرى: بأنه بلا أثر، كما في تقرير العلامة الأراكي (2). وثالثة: بجعل العنوان مرآة، فإنه مما لا معنى له، بل يشير بأداة الغائب إلى ما كان هو النجس بين الإناءين. ولكن يمكن الفرق بين موارد الشبهة الموضوعية والحكمية - كالوجوب بين الصلاتين -: بأن الأصل على الأول مثبت لا الثاني، فلا يتم ما أفاده الوالد المحقق هنا مد ظله (3). فرع لو باع دارا من دوره، وقلنا بصحته، أو باع إحدى دوره، أو باع هذه الدور أو تلك بمائة أو مائتين، وقبلهما على وجه الترديد، وقلنا بصحته، لعدم اعتبار أكثر من هذا المقدار من معلومية المبيع، كما هو الأشبه، ولا شبهة عقلية في المسألة كما في الواجب التخييري، فإذا قبل أحدهما يتعين عليه الوفاء بالمائة في فرض، وبالمائتين في آخر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 126 - 127. 2 - نهاية الأفكار 3: 367. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 87 - 91. (*)

[ 507 ]

ثم إذا احتمل خراب الدارين، فمقتضى استصحاب بقائهما وجوب الوفاء، فلا يجوز للمشتري بعد أن أعطى الثمن الرجوع إلى البائع بمجرد الشك، كما هو كذلك في التكاليف التخييرية التي مر تفصيلها في محلها (1)، وأنها لا ترجع إلى المعين، ولا المشروط، ولا المعلق، خلافا لجمع من الفضلاء (2)، ووفاقا للمحققين العلمين الاستاذين: البروجردي (3) والوالد (4) عفي عنهم. نعم، لو باع فردا مرددا منها فقبل، وقبل القبض وبعد أن أعطى الثمن علم بخراب الدور، وشك في بقاء واحد منها، يمكن الإشكال بعدم اتحاد القضيتين، لأنه كان على يقين بأن الفرد الموصوف بالتردد كان موجودا، والآن ما هو المشكوك فيه لا يوصف بالتردد، وهو موضوع الوفاء، لأنه المبيع، فإن منشأ التوصيف هي أفراد الدور، لا حال المبيعة وغير المبيعة، فيتم عندئذ ما في تقرير العلامة النائيني (5)، ويتبين وجه فساد مقايسة المقام بالصلاة إلى أربع جهات، كما في تقرير العلامة الأراكي (رحمه الله) (6).


1 - تقدم في الجزء الرابع: 5 - 6. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الرابع: 26 - 28. 3 - الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 1: 323 - 324. 4 - مناهج الوصول 1: 85 - 87. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 126 - 127. 6 - نهاية الأفكار 3: 367. (*)

[ 508 ]

التنبيه التاسع في استصحاب المتصرمات لا شبهة في استصحاب الامور القارة وإن لم يكن أمر قارا عند العقل. وأما الامور غير القارة المتصرمة والمنقضية كالزمان، أو الزمانيات المنطبقة عليه كالحركة، أو الامور القارة المتقيدة بالمتصرمات الذاتية، أو المنطبقة عليها، كالصلاة المتقيدة بالوقت والزمان، والإمساك المقيد بالزمان والنهار والشهر، أو الامور المتقيدة بالمتدرجات مجازا، كالضرب في الأرض في صلاة المسافر، فإنه لا يعتبر حركته وضربه حقيقة فيها، بل لو كان جالس سفينة تكون الحركة بالحقيقة للسفينة، وبالمجاز لراكبها، وهو الضارب في الأرض. الجهة الاولى: في بيان جهات البحث وأنحاء الشكوك فعلى هذا، يقع البحث في جهات: من جهة الهلية البسيطة ومفاد " كان " التامة، ومن جهة الهلية المركبة ومفاد " كان " الناقصة. وعلى الثاني: من جهة الزمانيات أو الزمان في المتقيدات بهما على الوجهين: الحقيقي والأعم حسب الأدلة الشرعية، ومن جهة أصل جريان الاستصحاب، أو كونه من الأصل المثبت، أو لأجل ابتلائه بالمعارض. وبالجملة: ربما يكون المتقيد من الامور المنطبقة على الزمان كالصلاة، وقيده نفس الزمان، أو يكون متعلق المتعلق متقيدا بالمتدرج، أو نفس الموضوع. وبالجملة: الأمثلة واضحة كما اشير إليها، ومنها: موارد جريان الماء والدم،

[ 509 ]

وموارد خروجه من العروق في الذبيحة لتطهير المتخلف، أو عروق الأرض لاعتصام الماء الموجود، وهكذا عدم البلوغ، فإنه ليس إلا مضي تسع سنين، أو خمس عشرة سنة، أو في موارد انقضاء العدة، أو تمامية أربعة أشهر وعشرة أيام، وهكذا في موارد " ليس " التامة، كعدم انقضاء سنة واحدة بالنسبة إلى التعريف اللازم في المضاع واللقطة، أو الحول في موارد اعتباره، كما في باب الزكاة والخمس. فهذا البحث نافع، لو تم انحلت مشاكله بعد انحلال بعض المشاكل الراجعة إلى الشك في المقتضي، كموارد الحيض والنفاس، وغيرهما مما يبتلى به المكلف، كالهيئة الاتصالية التدريجية في الصلاة عند الشك، أو بقاء الاتصال في الجماعة، من جهة تصرم الصلاة وتقضيها. وإن شئت اجعل هذه الإفادة الجهة الاولى من البحث في المسألة، ويتم ذلك بأنه تارة: يكون الشك من جهة الشبهة الحكمية، واخرى: الموضوعية، وثالثة: الوضعية. أي تارة: يشك في الحكم التكليفي، كمن كان مثلا يجب عليه التخيير بين القصر والتمام عند الحركة إلى الخروج من تحت القبة الحسينية الشريفة، ويشك في محل حال الحركة في بقاء الحكم التخييري. واخرى: يشك في الحكم الوضعي، وهو مقدار الزمان أو الزماني المعتبر قيدا أو ظرفا للصلاة والصوم. وثالثة: يشك في متعلق المتعلق، وهو أن الماء الجاري جار على الوجه الموجب لاعتصامه أم لا. ورابعة: في الموضوع، وهو الشك في بقائها في العدة التي هي أربعة أشهر مثلا وهكذا. ثم إنه قد يقع طرف الزمان مجرى الاستصحاب، وهذا كأنه خارج عن الجهة

[ 510 ]

المبحوث عنها، ففي مثل الشك في دخول الوقت وحدوث الزوال، يستصحب العدم لنفي الحكم والصحة ظاهرا، فإنه ليس متصرما، فما يظهر عن بعضهم خال من التحصيل، فليلاحظ. وبالجملة دائرة البحث وسيعة وتجري في الشخصي والكلي. وغير خفي: أنه في مثل الحيض والنفاس تكون صفة الحيض من الامور القارة، دون الدم وزمان خروجه، وفي الجاري بالعكس. ثم في أثناء هذه المسألة تنحل بعض الشبهات ونتعرض لها إن شاء الله تعالى. الجهة الثانية: في مشاكل استصحاب نفس الزمان والوقت المشكلة الاولى: فربما يشكل كما في كلام الشيخ (رحمه الله) (1) وغيره: بأن المستفاد من أدلة الاستصحاب هو الشك في البقاء، وهذا لا يتصور في المتصرم بالذات، وكأنه إشكال مرضي لجد أولادي (2) وبعض آخر (3)، ولذلك أنكروا اعتباره كما ذكرنا سابقا (4)، فإن تعريف الاستصحاب ب‍ " إبقاء ما كان " كان مرضيه (رحمه الله) ولكنه أنكر هنا لحل المشكلة حسب ظنه. ومن الغريب أن المحقق الوالد مد ظله اعتبر ذلك متمسكا بفهم العرف من أدلته (5) ! ! والمفروض هو الشك في مفاد " كان " التامة والهلية البسيطة، وعندئذ يشكل بإشكال آخر:


1 - فرائد الاصول 2: 644. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 539. 3 - بحر الفوائد، الجزء الثالث: 105 / السطر 124، لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 435 - 438. 4 - تقدم في الصفحة 395 و 404 - 406. 5 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 113 - 115. (*)

[ 511 ]

المشكلة الثانية: وهي أنه لابد من إمكان الإشارة إلى الخارج، ثم الاستصحاب، كما يقال: " كان هذا كذا، والآن كذا " ولا يمكن الإشارة إلى المتصرم بالذات، لانقضائه في ظرف الإجراء. أقول: لا ربط بين حل المشكلة الاولى وبين حديث اعتبار البقاء، فإنه لا يعتبر عندنا، وهي قابلة للانحلال ولو كان معتبرا أيضا، وذلك لأن الاستصحاب حقيقة اعتبارية متشكلة من القضيتين المنطبقتين على الخارج في مطلق الموارد، ولا معنى لجري وصف الشئ أو وجود الشئ على الوجه التصوري، فعلى هذا يقال: " كان وقت الصلاة موجودا، أو وقت تعريف اللقطة موجودا، والآن موجود " وحيث لا يعتبر أزيد من اتحاد القضيتين بعد اعتبار اتصال زمان الشك باليقين على الوجه المحرر عندنا (1)، لا نحتاج إلى كلمة الإشارة، ولا كلمة " الآن " كي يقال: بأنه لا وقت للوقت حتى عند العرف. نعم، ربما يستعمل عادة الشك في البقاء، أو يقال: " المستصحب البقاء " أو يقال: " الآن كما كان " و " الآن موجود " إلا أنه ليس على وجه حقيقي، كما لا يخفى. وبذلك تنحل المشكلة الثانية، وهو الاستصحاب على الوجه غير المحتاج إلى الإشارة في الهلية البسيطة، كي يتوجه إليه ما اشير إليه وحررناه أيضا سابقا في مطلق الهليات البسيطة، حتى في الامور القارة (2)، فإنه لا معنى لأن يشار إلى زيد ويقال: " إنه مشكوك وجوده بعد ما كان معلوما " فهذا الإشكال لا يختص بالامور غير القارة. وتوهم: أن الاولى أيضا غير مخصوصة بغير المقدار، لانتفاء الامور القارة بحسب الموازين العقلية، لأن الوقت حاصل، أو اعتبار عن الحركة الوضعية، وهي


1 - تقدم في الصفحة 404 - 406. 2 - تقدم في الصفحة 456. (*)

[ 512 ]

تابعة للحركة الطبيعية الذاتية الجوهرية. مندفع باختلاف العرف والعقل، والمتبع هو الأول. مع أن عمومية الحركة الذاتية عندنا ممنوعة محررة في " قواعدنا الحكمية " (1) وهناك حديث كونه من الأصل المثبت، وسيظهر في ذيل الأمر الآتي إن شاء الله تعالى. توضيح وتحقيق: في حل مشكلة استصحاب الزمان كما يمكن إجراء الاستصحاب في نفس الزمان على الوجه المذكور، من غير الحاجة إلى التشبث بذيل الوحدة الاتصالية الزمانية المساوقة للوحدة الشخصية، مع عدم تمامية ذلك إلا بالرجوع إلى القضيتين المذكورتين الجامعتين لشرائط الاستصحاب وأركانه. ومع أنه ربما ينكر وجود الزمان ومبدأ اعتباره وهي الحركة (2)، أو أنها الحركة التوسطية، لا القطعية، والحركة التوسطية أمر قار، ولذلك يمكن العلم بالحركة. ولو كانت حقيقة الحركة غير قارة وقطعية، للزم أن يكون العلم بها - وهو المعلوم بالذات - أيضا غير قار، كي يعد علما بها، وإلا فهو جهل، لأن ماهيته غير قارة وغير مجتمعة الأجزاء، مع أنا نعلم بتلك الحركة الجوالة السيالة التخيلية. وهنا بعض مسائل خارجة عن حد طلاب العلوم الاعتبارية، وليعذروني على هذا المقدار اليسير الخارج عن حدهم. كذلك يمكن إجراء الاستصحاب على وجه آخر: وهو أن النهار كان موجودا، والآن أيضا موجود. هذا كله حول الهلية البسيطة ومفاد " كان " التامة. ويمكن بنحو الليس التام، أي لم يمض وقت صلاة العصر، فلم ينتف


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - الحكمة المتعالية 3: 141. (*)

[ 513 ]

الوجوب، كما في الشك في الحول، فيقال: " لم يمض حول الزكاة والخمس، فلا يجب " فاغتنم. وأما في الهلية المركبة ومفاد " كان " الناقصة فلا معنى له، لأنه لابد من الإشارة إلى الخارج ويقال: " هذا الوقت كان من النهار، أو كان نهارا، والآن كما كان " فإنه ولو أمكن تصحيحه حسب كون الوحدة الاتصالية التصرمية عين الوحدة الاتصالية القارة في الشخصية، إلا أن ذلك بالنسبة إلى الإشارة وموضوع القضية، وأما بالنسبة إلى المحمول فهو غلط، لأن وصف " النهارية والليلية " كوصف " وجوب الإمساكية والصلاتية والعدمية وتعلق الزكاتية " وهذه الامور اعتبارية لغوية شرعية، وما هو المحمول عقلا وصحيح هو أن هذه الهوية كانت موجودة، والآن موجودة بوجود واحد ممتد مستمر، فلا تخلط. ولأن هذا الوقت المشار إليه ما كان نهارا، ولا من النهار بالضرورة، مثلا لو شك في آن بين الطلوعين من الليل، هل ترى من نفسك أن تقول: " كان هذا الوقت الحاضر من الليل، والآن كذلك " ؟ ! بناء على جريانه في الشبهة المفهومية، فإن وجه عدم جريانه فيها ليس ذلك، كي يقال بعدم تمامية المثال. وإن شئت قلت: إن الليل إلى طلوع الشمس، وشك في وقت أنه تم الليل أم لم يتم، فهل ترى من نفسك صحة أن يقال: " هذا الآن والوقت والزمان الحاضر كان من الليل، أو كان ليلا " ؟ ! وهذا لا يتم عقلا ولا دقة، ولا تسامحا عرفيا. مع أن التسامحات العرفية غير متبعة، ولذلك لا يتم الوجه الثاني في كلام شيخنا الأنصاري (قدس سره) (1). ولا ينبغي فرض دقيقة أو ثانية، كي يختلج بالبال صحة القضية، بل المفروض مقدار يعتنى به من المشكوك فيه، فلا تخلط.


1 - فرائد الاصول 2: 644. (*)

[ 514 ]

فبالجملة: البحث في هذه المسائل تارة: يكون حول جريانه رأسا، واخرى: حول كونه من المثبت، وثالثة: حول كونه مبتلى بالمعارض، وإلى هنا تبين في هذه الجهة جريانه ذاتا في الصورتين، دون الثالثة وهي الأخيرة. ويمكن أن يستصحب القضية على وجه يكون المحمول عنوان الاستمرار، فيقال: " كان زمان صلاة العصر مستمرا ممتدا " فتكون القضية من الهلية المركبة، فتأمل. بقي شئ: في إبداع استصحاب يسمى بالمنعكس لك إجراء الاستصحاب المنعكس، وهو غير الاستصحاب المتعارف، وغير الاستصحاب القهقري، بل هو في الوقت الحاضر على يقين بحدوث النهار بعد ثلاث ساعات، فاليقين مضى، فيستصحب ويقال: " هذا الوقت من النهار، لأن ذاك الوقت من النهار " كمايقال: " ذاك الوقت من الليل " ولا يعتبر عنوان البقاء كما افيد (1)، فاغتنم. ولو لم يكن هذا جاريا فهو لأجل الانصراف وأشباهه، فيتعارض الاستصحابان كما يأتي إن شاء الله تعالى. المشكلة الثالثة: وهي القضيتين المتشكلتين اليقينية والمشكوك فيها تارة: يكون الموضوع فيهما عنوان " الزمان والوقت " فيقال: " كان وقت صلاة الظهر موجودا " أو " زمان وجوب الإمساك موجودا، فهل ذاك الزمان موجود بعد أم لا ؟ " حتى في الاستصحاب الاستقبالي أو غيره. واخرى: يكون الموضوع صفة الزمان ونعت الوقت ك‍ " النهار، والليل، والشهر " وعندئذ كيف يعقل إجراء الاستصحاب مع احتمال كونه في أثناء الوقت والزمان ؟ ! فلابد من مضي المجموع الموصوف وهي القطعة المذكورة كي يجري


1 - تقدم في الصفحة 405 - 406 و 510 - 511. (*)

[ 515 ]

الاستصحاب أو يشك. مع أنه بعد مضي المجموع لا معنى للشك والاستصحاب. وتنحل بماتحرر في الامور القارة الفانية فيها الأجزاء المتشخصة بهوية واحدة، فيشار إلى جزء من البيت ويقال: " هذا البيت ملكي " أو " لأبي " أو " هذا المسجد الحرام " مع أن المشار إليه بعض البيت والمسجد، وحيث ترى صحة هذا في القارات، فالأمر كذلك في الامور غير القارة، ومنها الزمان والوقت، فيصح أن يقال: " وقت فريضة الظهر موجود تعبدا عند الشك " بعد العلم بأن الهوية الشخصية موجودة. وإنما كان في الحقيقة ما هو سر الفرق: هو أنه في مثل مفاد " كان " التامة موضوع العلم والشك - أي القضيتين - عنوان، إلا أنه في الامور القارة يتحقق الشئ مجتمع الأجزاء عرضا، وفي الامور غير القارة غير مجتمع الأجزاء عرضا مع الوحدة الشخصية. فتحصل لحد الآن: أن الإشكال على جريان الاستصحاب تارة: لأجل فقد الشرط، وهو وحدة الموضوع. واخرى: لاعتبار شرط آخر فيه، وهو الشك في البقاء، وهو غير متصور فيه. وثالثة: للزوم الخلف، كالإشكال الأخير المختص بزمان الواجب، سواء كان ظرفا، أو قيدا. ورابعة: من جهة فقد الشرط من ناحية عدم إمكان الإشارة إلى الخارج في الهليات البسيطة والمركبة، وقد عرفت عدم اعتبار لزوم الإمكان المذكور. وفي الهلية المركبة يشكل الجريان بالمرة، إلا على وجه اشير إليه، وأمرنا بالتأمل فيه. وهنا تقريب آخر للإشكال: وهو أن المستفاد من أدلة الاستصحاب، هو الشك في الزمان المتأخر بالنسبة إلى مفاد القضية في الزمان السابق، فكيف يجري بالنسبة إلى ذات الزمان ؟ ! للزوم كون الزمان زمانيا، وأن يكون الزمان في الزمان،

[ 516 ]

وللزمان زمان وهكذا. وحل الأخير أيضا يظهر من ملاحظة أن ماهية الاستصحاب ليست إلا القضيتين المجردتين من الزمان قيدا وإن كانتا في الزمان. بقي شئ: حول تخصيص البحث بالامور المتصرمة بما هي متصرمة يظهر من " رسائل " المحقق الوالد - مد ظله - اختصاص البحث هنا بالامور التدريجية المتصرمة بما هي هي، سواء كانت ظرفا أو قيدا، وسواء كانت من الزمان أو الزمانيات، وأن نفس التدرج والتصرم يمنع عن جريانه أم لا (1). وهذا كلام متين، إلا أنه حيث تتوقف الاستفادة من البحث على أنه هل يمكن كون الزمان ظرفا في المسائل الشرعية، كي ينتفع من الاستصحاب المذكور من جهة عدم كونه مثبتا ؟ فلابد من النظر فيه إجمالا، ولذلك أوقع نفسه الشريفة في مسألة مثبتية الأصل الجاري في الزمان، وأنه على فرض كونه قيدا إما ثبوتا أو استظهارا، فهل يمكن حل المشكلة الأساسية، وهي مثبتية الأصل الجاري في القيد المتدرج، سواء كان من قبيل الزمان أو الزماني، أم لا ؟ وبالجملة: لا معنى للشك في بقاء الزمان إلا باعتبار كونه ظرفا للواجب، أو قيدا، سواء كان الواجب موسعا، أو مضيقا، وقد تحرر منا امتناع القضية الحينية في الاعتباريات، كما اشير إليه في " الكفاية " (2) ولزوم دخالة الزمان، فيكون قيدا وملاكا في الواجب، اللهم إلا أن للشرع التعبد بالظرفية، نظرا إلى بعض الأغراض، ويكفي لذلك مثلا عدم لزوم كون الأصل مثبتا عند بعضهم لمصالح اخرى عالية، فلا تغفل. وقد ذكرنا ذلك في الواجب المشروط والمعلق، فليراجع (3).


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 112 وما بعدها. 2 - كفاية الاصول: 466. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 66 - 69 و 126. (*)

[ 517 ]

فذلكة البحث إن الزمان عندنا لا أثر له في الخارج، بل هو اعتبار من الحركة وهي القطعية، ولا أساس للتوسطية، ووجود الزمان الاعتباري لساكني الأرض متحد مع الحركة الموجودة في العالم، وتلك الحركة وذلك التوقيت والتقسيم التخيلي - بحسب الليل والنهار، أو الساعات - باقية ببقاء الحركة الموجودة العينية عقلا، ولا أساس لما في كلمات القوم (1) لأجل ما في كتب أهل المعقول (2)، ولا ينبغي الخلط بين كيفية وجود الأشياء القارة والمستمرة المتصرمة، وبين الأعدام المضافة إليها، فالهوية واحدة موجودة، وجريان الاستصحاب ذاتا بلا إشكال إلا من ناحية الشك في المقتضي في بعض الصور، وقد مر جريانه على الإطلاق (3). الجهة الثالثة: في المتصرمات المنطبقة على الزمان حسبما اشتهر كالحركة والجريان في الدم والماء (4). والحق: أنها لا تختص بشئ من الإشكال، لأنها ليست أسوأ حالا من ذات الزمان، فيجوز استصحاب كون الماء جاريا، والدم سيالا وكان يخرج، فلو كان الأثر مترتبا فلا منع بحسب الطبع عن جريان هذا الاستصحاب.


1 - كفاية الاصول: 464، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 435، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 146 - 147. 2 - الحكمة المتعالية 3: 22 و 32، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 257. 3 - تقدم في الصفحة 415 - 422. 4 - فرائد الاصول 2: 645، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 439، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 151. (*)

[ 518 ]

والمناقشة في بعض الصور، بدعوى رجوعها إلى الشك في المقتضي، غير مسموعة، كما في تقريرات بعض الأعلام (1)، كما أن المناقشة في تقدم الأصل السببي، هي بحث آخر غير منع الجريان لأجل التدريجية. وغير خفي: أنه كما يجري الاستصحاب الوجودي، يجري العدمي لو اريد به نفي الأثر المترتب على الوجود، وإلا فيأتي البحث حول مثبتية الأصل، وكما يجري بنحو العلية التامة فيقال: " كانت حركة السفينة وجريان الدم والماء موجودا " يجري في المركبة فيقال: " هذه السفينة كانت متوجهة ومتحركة نحو البلد الكذائي، وهذا الماء كان جاريا، وهذا الدم كان سيالا ويخرج ". وهذا غير ما مر (2) من قولك: " هذا اليوم كان من رمضان " فإنه كذب وغلط، أو " هذه الساعة كانت من الليل " أو " النهار " ضرورة أن الماء موجود أعم من القار وغير القار، فيكون الموضوع محفوظا في القضيتين فيصح أن يقال: " هذا الماء كان جاريا " لأن هوية الماء محفوظة وهوية واحدة متشخصة بتشخص واحد ولو كان مثل الاوقيانوس الكبير. بقي شئ: في بيان أقسام المتصرمات وهو أن المتدرجات بين ما هي متصلة حقيقة، وما هي تسامحية. وعلى الثاني: بين ما هي تسامحية بحسب النوع والطبع، كالتكلم والقراءة والخطابة والصلاة، وما لا يكون كذلك، كالماء الجاري والدم السائل الخارج من العروق وهكذا. فلو علم إجمالا: بأنه إما في رابعة صلاة الظهر، أو اولى العصر، فهل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 441. 2 - تقدم في الصفحة 513. (*)

[ 519 ]

يستصحب صلاة الظهر وكونه مشتغلا بها، للعلم بأنه كان مشتغلا بها، وشك في الخروج منها، أو إذا شك في أن الإمام فرغ من القراءة والتسبيحة كي يلتحق به، ولا يكون عليه شئ لو لم يجر الاستصحاب لولا قاعدة الاشتغال، أم يجري الاستصحاب، فعليه القراءة إذا كان مشتغلا بالتسبيحة ؟ والذي يظهر من بعضهم ك‍ " الكفاية " إجراؤه (1)، نظرا إلى المسامحة، ومن الآخرين - ولعلهم الأكثر - هي المناقشة، لعدم اتباع المسامحة العرفية إلا مع الدليل الخاص (2). وأما التفصيل بين الصور، لكون بعضها من الشك في المقتضي، أو أن بعضها من الكلي من القسم الثالث، فهو في غير محله، لأنه خروج عن الجهة المبحوث عنها هنا: وهي أن تدريجية الموضوع هل تضر بصحة الجريان، أم لا ؟ فلا معنى لتكثير الصور المترائية في كلمات الأفاضل والأعلام هنا (3)، فافهم. نعم، لنا تفصيل بين المتدرجات المعنونة بالعنوان الوحداني، كالقراءة والخطابة والخطبة يوم الجمعة، وقراءة القرآن، وهكذا كالصلاة، والمتدرجات غير المعنونة بتلك العناوين، كالماء الجاري، والدم السائل، ففي الاولى يجري دون الأخيرة، والمفصل هو العرف، فليتدبر. بقي شئ: في استصحاب عدم الزمان كما يجري الاستصحاب الوجودي يجري العدمي، فيقال في مثل الزمان: " لم


1 - كفاية الاصول: 466. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 119. 3 - كفاية الاصول: 464 - 465، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 439 - 440، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 151 - 152. (*)

[ 520 ]

ينقض الليل، أو النهار، أو شهر رمضان، أو حول تعريف اللقطة، أو العدة " أو غير ذلك. ويشهد هذا على عدم اعتبار البقاء في جريان الاستصحاب، كما لا يخفى. وما في كلام العلامة الأراكي (1) وغيره: من عد إجراء استصحاب عدم دخول الوقت من استصحاب الأمر التدريجي (2)، خال من التحصيل. بل لنا أن نقول: إن استصحاب بقاء النهار والليل وشهر رمضان وغير ذلك، ليس من الأمر التدريجي، لأن العنوان الموضوع في القضية غير تدريجي، وما هو التدريجي ليس محط الاستصحاب. فإذا أردنا إجراءه في الأمر التدريجي، فلابد من الإشارة إلى ما هو المتدرج الخارجي، فيقال: " هذه الساعة، أو هذا الجريان، أو هذه الحركة " كي يكون مجرى الاستصحاب نفس الخارج المتدرج، فعندئذ لا معنى لإجراء " الليس " التام، ولا " الأيس " التام، لمفروضية وجوده بنفس الإشارة، فيبقى استصحاب مفاد " كان " الناقصة أو " الليس " الناقص بنحو العدم الأزلي مورد جريان الاستصحاب، أو هذا الماء أو الدم كانا جاريين وسيالين، والآن مشكوكان وهكذا، فإنه يمكن، فما في كلمات القوم خال من التحصيل كله. فثبت أن مصب استصحاب الأمر التدريجي مخصوص بمواضيع خاصة، والله هو الموفق. الجهة الرابعة: في بيان شبهة مثبتية الأصل الجاري في المتصرمات في أن كثيرا أو جميع الاستصحابات في الزمان والزمانيات المنطبقة على الزمان، من الاصول المثبتة. وقبل الخوض في بيانه نشير إلى نكتة: وهي أن القسم الثالث المذكور في


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 155. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 445. (*)

[ 521 ]

كلمات الشيخ (1) وأتباعه (2)، ليس أمرا مستقلا في البحث، بل هو يرجع إلى أن التقييد بالأمر التدريجي إما لا يجري ذاك المقيد لقيده، أو يجري بلا قيد، فلا يكون متدرجا، أو يكون الأمر التدريجي على وجه الظرفية، أو يردد إثباتا، للإهمال أو للإجمال، وعلى كل ليس قسما على حدة. فعندئذ نقول: استصحاب الزمان سواء كان على وجه مفاد " كان " التامة أو الناقصة، واستصحاب المتدرج، يعد مثبتا، وذلك لأن الزمان إن كان ظرفا فالتعبد ببقاء شهر رمضان أو النهار أو الليل، لا يثبت كون المأتي به في النهار، لأن الظرفية ولو كانت ظرفا اعتبارا، إلا أنها قيد على نعت الظرفية، والتقيد الذي هو المعنى الحرفي لا يثبت هنا ولا في غير المقام إلا على القول بالأصل المثبت، هذا في الظرفية، وفي القيدية بطريق أولى، وهكذا في مورد التردد. هذا في مفاد التامة. وأما في الناقصة، فقد عرفت عدم جريانه (3)، فلا يثبت كون الزمان الحاضر شهر رمضان، ولا الليل، ولا النهار، وما في كلام العلامة الأراكي (4) خال من التحصيل بالضرورة عقلا وعرفا، ويكفي الثاني. وأما استصحاب العدم التام، فهو يفيد بالنسبة إلى نفي الحكم الثابت على عنوان العدم المضاف، أو نفس المضاف، ليرفع حكمه، فيقال: " ما انقضت سنة تعلق الزكاة، فلا تعلق، ولا تجب الزكاة " مع أنه ليس من التدريجيات. وأما في مثل شهر رمضان أو الليل والنهار فلا يجري، للزوم إثبات الوجوب بالتعبد بعدم انقضاء الشهر واليوم، وأيام الإقامة، وسنة التعريف. مع أنه أيضا ليس


1 - فرائد الاصول 2: 646. 2 - كفاية الاصول: 465، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 442، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 153. 3 - تقدم في الصفحة 512 - 513. 4 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 148 - 149. (*)

[ 522 ]

من المتدرجات. بقي الاستصحاب الحكمي بالنسبة إلى المقيد بما أنه مقيد، كالصلاة المقيدة بالنهار، أو بكونها في النهار، أو الإمساك النهاري، أو المقيد بكونه في النهار، فإنه ولو كان جاريا - لأن منشأ الشك إذا لم يجر فيه الأصل لجهة من الجهات، لا مانع من جريان الأصل الحكمي المسببي - إلا أنه أيضا خارج عن التدريجية، كما هو الواضح. إن قلت: فيما يكون الزمان ظرفا يمكن أن يكون ظرفا واقعا، لأن بطلان الصلاة قبل الظرف المحدود وبعده مستند إلى انتفاء الأمر، وانتفاء الأمر في سائر الأوقات مستندة المصالح المنتهية إلى التوسعة على المكلفين، أو إلى غير ذلك. قلت: هذا غير تام، لأن التوسعة تقتضي عدم التحديد، ولو لم يكن وجه مرجح لاعتبار ظرفية الحد الخاص، للزم الترجيح بلا مرجح، فليلاحظ. وبالجملة: ما في كلمات الشيخ (رحمه الله) (1) وغيره في تقريب مثبتية الأصل الجاري في المتدرجات (2)، خال من التحصيل، لإمكان حل المشكلة بما في كتب جماعة (3)، ومنهم الوالد المحقق - مد ظله (4) - ضرورة أنه لو كان وجه الإشكال أن التعبد ببقاء الزمان ووقت الصلاة والصوم، يكون مثبتا بالنسبة إلى وقوعهما فيه، فهو يندفع: بأن التعبد ببقاء الزمان كالتعبد بعالمية زيد، وليس وجوب الإكرام والصوم والصلاة من الأصل المثبت. كما أن الحاجة إلى كون الزمان الحاضر من الليل والنهار، ترتفع باستصحاب


1 - فرائد الاصول 2: 644 - 645. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 436 - 437. 3 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 149. 4 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 115 - 118. (*)

[ 523 ]

الوقت الموصوف ب‍ " الرمضانية، والنهارية، والليلية " فإنه أيضا ليس من المثبت. وفيه: أنه لو كان الزمان ظرفا، فلا تثبت الظرفية باستصحاب المقيد. نعم، هنا إمكان الاستصحاب التعليقي، أي أنه على يقين بأنه لو صلى كانت صلاته في النهار، والآن كما كان، ولكنه من التعليق الاختراعي الممنوع جريانه. وما في " رسائل " الوالد المحقق من: إرجاع القضية البتية المحصورة إلى الشرطية، بدعوى أنها حقيقية (1)، خلاف التحقيق المصرح به في مواضع كثيرة (2). ولو قيل: لو كان مثل هذا الاستصحاب مثبتا، للزم مثبتية الاصول المشابهة له كافة، كاستصحاب الستر والطهور المنصوص في الأخبار (3). قلنا: نعم، وهذا يشهد على أن الاصول المثبتة حجة، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (4). فعلى هذا، استصحاب الزمان والوقت والشهر والنهار والسنة والأيام، كله غير جار إلا على القول بحجية الأصل المثبت، سواء كان الزمان ظرفا أو قيدا للهيئة، أو المادة وغيرهما. وأما الموجودات التدريجية، فلا منع من جريان الأصل فيها فيقال: " كان هذا الماء جاريا " أو " الدم يسيل، والآن كما كان ". نعم في الشبهة المفهومية لا يجري الأصل، ولا ينبغي البحث عنه هنا، لأنه بحث آخر. وحيث بنينا على أن مفاد أدلة الاستصحاب هو التعبد باليقين بما له من


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 116. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 62 و 67، وفي الجزء الرابع: 318، وفي الجزء السادس: 20. 3 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، و 421 / 1335، الاستبصار 1: 183 / 641. 4 - مع الأسف لم يصل الكتاب إلى هذه المباحث. (*)

[ 524 ]

المتعلق في ظرف الشك (1)، فلا يهمنا هذا الغموض، لأنه أمارة تعبدية بحكم الأمارات الاخر، فليتدبر. فلو لم يجر الأصل الحكمي في مثل شهر رمضان، بتوهم أنه من القسم الثالث غير الجاري (2) - مع أنه عندنا جار كما حررناه (3) - فليس شاهدا على أن رواية " صم للرؤية... " (4) لا تدل على الاستصحاب. مع أن القول: بأن القطع الموضوعي جزء الموضوع لوجوب الصوم، لظهور قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر) * (5) لا يضر بجريانه، لما تحرر من قيام الاستصحاب مقام أقسام اليقين (6)، لأن " اليقين " المأخوذ في أدلته هو عنوان اليقين الصادق على الصفتي والطريقي. وبالجملة: لابد من النظر في كل من أدلة الموقتات، ولعل فيها ما لا يكون الأصل الجاري في الزمان مثبتا. مع أنك قد عرفت: أنه مثبت على جميع التقادير حتى بالنسبة إلى الوقوفين في عرفات والمزدلفة. فتحصل: أن جريانه في الزمانيات في الجملة ممكن إلا في بعض منها، كما في استصحاب بقاء اشتغال الإمام بالقراءة، فإنه لا يثبت به شئ، لاعتبار إدراكه حال القراءة أو الالتحاق بالجماعة حال التسبيحة كي يترتب عليه حكم، وهذا مما لا يثبت بالأصل المذكور. بل الأصل العدمي على خلافه. نعم، استصحاب اشتغاله بالخطبة في يوم الجمعة - لو كان يترتب عليه شئ -


1 - تقدم في الصفحة 404. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 441. 3 - تقدم في الصفحة 479. 4 - وسائل الشيعة 10: 257، كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 3، الحديث 19. 5 - البقرة (2): 185. 6 - تقدم في الجزء السادس: 145. (*)

[ 525 ]

مما لا بأس به. وأما استصحاب اشتغاله بعقد النكاح وغيره، فلا أثر له. واستصحاب عدم فراغه عنه - كاستصحاب عدم غروب الشمس وطلوعها - مما لا يعد من التدريجيات ولو كان له الأثر الشرعي فرضا. الجهة الخامسة: في بيان معارضة الأصل الجاري في المتصرمات بغيره بناء على جريان الاستصحاب الموضوعي في ذات الوقت والزمان، أو في نفس المتدرج، وبناء على كونه غير مثبت، تبقى الشبهة الاخرى: وهي وجود أصل معارض للأصل المذكور. وهذه المعارضة أوضح في مورد جريان الأصل الحكمي في الزمان والزماني، وذلك لأنه مع الشك في بقاء شهر رمضان أو اليوم والليلة وهكذا العام والسنة وزمان العدة والتعريف وغير ذلك، يصح أن يقال: " ما كان يجب الصوم في هذا اليوم في الأزل " فيعارض الأصل الحكمي، و " ما كان هذا اليوم من رمضان في الأزل، فالآن كما كان " ضرورة أن اعتبار الرمضانية من الحوادث. أو " ما كان تجب صلاة العصر في هذه الساعة، والآن كما كان ". أو " ما كان هذه الساعة من النهار في الأزل " فكما يتعارض الأصل الوجودي والعدمي للحكمين التكليفيين والوضعيين، كذلك في موارد " كان " و " ليس " التامتين، فلو شك في أن زيدا موجود فكما يستصحب بقاؤه، كذلك يستصحب عدم تعلق الإرادة التكوينية بوجوده في هذه الساعة وهذا الوقت.

[ 526 ]

وعندئذ يظهر وجه ارتباط شبهة النراقي (1) بما نحن فيه، لإمكان تقريبها في يوم الشك في بقاء شهر رمضان، أو ساعة الليل والنهار، فما في " رسائل " المحقق الوالد - مد ظله - (2) في غير محله من جهة، وفي محله من جهة اخرى، والأمر سهل. ومن هنا ينجر البحث بالنسبة إلى الشك بعد مضي شهر رمضان، أو بعد زوال الحمرة واستتار القرص وطلوع الشمس، وإن كان أجنبيا عما هو محط البحث هنا، وقد وقعوا في حيص وبيص حول شبهة العلامة الكاشاني النراقي (رحمه الله) وقد تصدى لذلك في " عوائده " ومن شاء فليراجع. ومما اشير إليه يظهر جريانها في الشبهة الموضوعية في مفاد " كان " التامة. كما أنه ليس ينبغي أن يخفى: أن هذه الشبهة كما يمكن إجراؤها في جانب الموقتات فيما نحن فيه، تجري في الشبهات الحكمية الكلية، فيقال: " كانت صلاة الجمعة واجبة، والآن كما كانت " كما يقال: " لم تكن في هذه العصور في الأزل واجبة، والآن كما كانت " و " لم يتعلق جعل النجاسة أو الخيار أو الوجود بالنسبة إلى موارد الشك وضعيا، أو ناقصا ". بل هذه الشبهة تجري في مفاد " كان " الناقصة الموضوعية فيقال: " كان زيد عادلا، والآن كما كان " ويقال: " ما كان زيد عادلا في هذه الساعة في الأزل، والآن كما كان " فالنراقي (رحمه الله) في معزل من التحقيق في تضييق الشبهة، بتوهم جريانها في الأحكام الوضعية والتكليفية على نعت " ليس " التامة والناقصة، بل هي تجري على الإطلاق، ويوجد أصل معارض لجميع الاستصحابات الوجودية الحكمية، والموضوعية التامة والناقصة. وغير خفي: أن الذي يظهر لي أنه (قدس سره) لم يجعل مصب الشبهة الواجبات


1 - مناهج الأحكام والاصول: 239، عوائد الأيام: 213. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 130. (*)

[ 527 ]

الموقتة، لقوله بجريانها في الوضعيات، وإنما مثل وقيد مصب أصالة العدم الأزلي بما بعد الزوال لتقطيع الأزمنة، وتعدد اليقين والشك في محط واحد، فلا تخلط. فتحصل لحد الآن: أن في مسألتنا إشكال المعارضة على الإطلاق، وهكذا في المسألة الاخرى: وهي الشك في الشبهة الحكمية الكلية، وفي الثالثة: وهي الشك بعد زوال الوقت في الموقتات، فتمام الكلام في الامور الثلاثة، ونشير إليها إجمالا. ولا ينبغي توهم عدم صحة أصالة العدم الأزلي حسب صورة الظاهرة، لأن الزمان المأخوذ تحت دائرة العدم المحمولي قيد الموضوع، فيقال: " لم تكن الصلاة في هذه الساعة واجبة " أو " لم يكن صوم الغد وصلاة الساعة واجبة، معارضا لاستصحاب وجوب الصوم الكلي، ووجوب الصلاة الجزئي الشخصي " كما يقال: " لم يكن زيد موجودا بعد الزوال " كما يقال: " لم تكن الصلاة واجبة بعد الزوال " أي الصلاة بقيد بعد الزوال لم تكن واجبة أزلا، كذلك زيد في الاستصحاب الموضوعي حسب " كان " التامة أو " لم يكن بعد الزوال هذا الماء جاريا في الأزل، والأمر كما كان ". نعم، في الموقتات يكون الأصل الجاري، أصلا ملحوظا بالقياس إلى حال كل مكلف، وهكذا بالنسبة إلى الأصل الموضوعي بالقياس إلى وجود زيد، أو جريان الماء. وفي التكاليف الكلية كوجوب الجمعة، يجري الاستصحاب الوجودي بالنسبة إلى العنوان الكلي، لعدم إحراز الشخص الواحد زماني اليقين والشك في جانب الاستصحاب الوجودي، بل مجرى الأصل عنوان كلي، أي " كانت مثلا صلاة الجمعة واجبة على المسلمين والآن هي مورد الشك " ويعارضه أنه لم تكن الصلاة في هذا العصر واجبة، والآن كما كانت.

[ 528 ]

فنطاق شبهة النراقي (رحمه الله) واسع، ولو تمت يلزم عدم جريان الاصول الوجودية كافة كما عرفت، حتى بالنسبة إلى موارد جريانه في الأخبار الخاصة، إلا أنها لأجلها جارية دون غيرها، ولازم ذلك التفصيل بين الاستصحابات الوجودية والعدمية، فيسقط قوله باختصاص الشبهة بغير الشبهات الموضوعية. ومن الغريب تعليله: " بأن في الموضوعيات - كاستصحاب النهار والليل، وحياة زيد، وعدالة عمرو، وأمثال ذلك - لا دخل لجعل الشارع في وجودها " (1) ! ! انتهى، غافلا عن أنه لو كان الأمر كما ذكره، للزم عدم جريان استصحاب وجود زيد وعدالة عمرو، لعدم دخالة الشرع. مع أنه بإجراء الموضوع والتعبد بالبقاء يترتب عليه الآثار الخاصة، كما أنه باستصحاب العدم تنتفي آثار الوجود المضاف إليه العدم، أو نفس العدم المضاف بالحمل الأولي. ثم ظهر مما مر معارضة الاستصحاب الحكمي الجزئي مع العدم الأزلي الحكمي، كما ظهر مواضع ضعف تقريره للشبهة: مثل قوله: " باستصحاب عدم جعل ملاقاة البول سببا للنجاسة بعد الغسل مرة " (2)، غافلا عن عدم تعدد الجعل في ناحية النجاسة. وقوله " بتعارض وجوب الصوم قبل عروض الحمى، واستصحاب عدمه الأصلي قبل وجوب الصوم " (3) انتهى، فإن ذلك العدم الأصلي منتقض، فلابد من تقييده بالوقت كي لا يكون منتقضا، ولا يتوجه إليه حل بعض المتعرضين له. وقوله في بيان اتصال زمان الشك باليقين: " بأن الشك في تكليف ما بعد الزوال، حاصل قبل مجئ يوم الجمعة وقت ملاحظة أمر الشارع، فشك في يوم


1 - مناهج الأحكام والاصول: 240 / السطر 3 - 4. 2 - نفس المصدر: 239 / السطر 21 - 22. 3 - نفس المصدر: 239 / السطر 15 - 17. (*)

[ 529 ]

الخميس مثلا حال ورود الأمر في أن الجلوس غدا، هل هو مكلف به بعد الزوال أيضا، أم لا ؟ " انتهى، مع أنه لا حاجة إليه، لإمكان طرو الشك الفعلي بعد الزوال، فإنه بعد التقييد المذكور يصح الاستصحاب، لاتصال زمان اليقين بالعدم المضاف إلى المقيد بعد الالتفات حتى بعد الزوال، فإذا أصبح يوم الثلاثين يصح أن يشك في أن وجوب الصوم في هذا ثابت بعد ما لم يكن مجعولا في الأزل بالضرورة، لعدم هذا اليوم. جولة: حول أجوبة الأعلام عن شبهة المحقق النراقي قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) " إنه في محط شبهة العلامة النراقي (رحمه الله) إما يؤخذ الزمان ظرفا، فلا يجري الأصل العدمي، أو يؤخذ الزمان قيدا فلا يجري الأصل الوجودي " (1). ونظره لا محالة إلى أنه في الأول لا يكون تشخص الحكم والبعث والإرادة بما هو الزمان دخيل فيه، وفي الثاني إلى ما هو الدخيل. وفيه: - مضافا إلى أن الظرفية قيد ثبوتا وإثباتا، ولا يجري الاستصحاب لما تحرر من: أن تشخص الحكم بعنوان وحداني وهي الصلاة والصوم والجلوس والقيود العينية والتحليلية، وأن الزمان قيد ثبوتا وإثباتا، ويجري الاستصحاب، لوحدة الموضوع عرفا حقيقة لا تسامحا، كما تحرر في بحث قاعدة الميسور (2)، وأن القضاء تبع الأداء عندنا - أن الزمان بالنسبة إلى الجلوس في دائرة، لا ينافي كونه قيدا للهيئة أوالمادة في زمان آخر ودائرة اخرى، ومقصود استاذه هوأن الجلوس


1 - فرائد الاصول 2: 648 - 649. 2 - تقدم في الصفحة 172. (*)

[ 530 ]

قبل الزوال بلا قيد، وبعد الزوال مقيد، وعندئذ لا منع من جريان الاستصحابين. وفي " الكفاية ": " أن شمول أدلة الاستصحاب لكلا الاستصحابين غير ممكن، للمناقضة بينهما " (1). وفيه: - مضافا إلى عدم المناقضة بعد انحلال دليله - أنه لا وجه لجريان خصوص الوجودي أو العدمي. ولعله أراد شمول أدلة الاجتهاد للقيدية والظرفية، كما أفاده الشيخ (رحمه الله) وهو الأشبه، لا أدلة الاستصحاب. ولكنه يرجع إلى عدم عثورهم على مغزى مرام النراقي، لأنه في ناحية الاستصحاب الوجودي نحتاج إلى دليل اجتهادي، وأما في ناحية الاستصحاب العدمي فلا نحتاج إليه. وفي التقريرات ملخصا: أن العدم لا ميز له فالعدم الأزلي والمضاف والمقيد مشترك في العدمية وعدم المطلق أو عدم جزء المقيد هو العدم الواحد وهو المطلق وقد انتقض فلا يجري العدمي مطلقا (2). وفيه: أن المتبع هي القضايا، وهي تتعدد بالاعتبارات والنسب ولو كانت الأعدام واحدة، ضرورة أن قضية " أن الصلاة عند رؤية الهلال ما كانت واجبة " غير قضية " أن الصوم عند رؤية هلال رجب ما كان واجبا " فكل يخص باستصحاب، وهكذا في الأعدام الناعتة المضافة، فالعدم المطلق - أي ما كان الصوم في رمضان واجبا - قد انتقض، وأما الصوم المقيد بيوم الثلاثين، فهو أيضا ما كان واجبا ولم ينتقض، ولا شبهة في تعدد القضيتين حسب الاعتبار.


1 - كفاية الاصول: 466. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 445. (*)

[ 531 ]

وفي " الدرر " حكومة الأصل الوجودي على الأصل العدمي، للسببية (1). وفيه: - مضافا إلى أن الحكومة يجوز أن تنعكس حسب ما تخيله - أنه في فرض تقيد المادة بقيد بعد الزوال والعصر ويوم الثلاثين، يوجب تباين مصب الاستصحابين من غير منشئية أحدهما للآخر، بل منشؤه فقدان النص، ولو قلنا بجواز حكومة الأصل السببي على المسببي فيما كانا في الشبهة الحكمية. ولأحد دعوى: أن الاستصحاب العدمي غير جار، لعدم كونه مجعولا، ولا يعقل أن يكون للعدم مصلحة كي يتعبد به، مع كفاية البراءة العقلية والعقلائية والشرعية. وقد أعرض الأصحاب عن إجرائه في الشك في الجزئية والشرطية والمانعية، لتمسكهم بالبراءة. وفيه ما لا يخفى. كما أن مقتضى ما سلكه الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (2) انصراف أدلة الاستصحاب عن العدم الأزلي. وربما يؤيده التمسك باستصحاب الطهارة عند الشك في النوم في الصحيحة الاولى، مع أنه ليس أزليا. ولا بأس بأن يختار (رحمه الله) انصرافه عن مطلق الاستصحابات العدمية إلا فيما قام عليه الإجماع، كاستصحاب عدم النسخ، وتفصيله في محله (3). وفيه ما فيه، وهو واضح، ضرورة جواز التمسك به لإخراج الفرد من تحت دائرة المخصص، ثم التمسك بالعام، وليس ذلك من المثبت. مع أن الاستصحاب بحكم الأمارة.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 542. 2 - نهاية الاصول: 337، نهاية التقرير 1: 185. 3 - يأتي في الصفحة 537 - 539. (*)

[ 532 ]

وفي " تهذيب " المحقق الوالد - مد ظله (1) - شئ افيد في " الدرر " (2) وقاله في مجلس بحثه ببيان ألطف وهو: " أن من الأمر غير الجائز إهمال الحيثيات في مجاري الاصول، وعندئذ لا معارضة بينهما، بل كل منهما جار، لإمكان كون الجلوس بما هو هو واجبا، والصوم واجبا، وأن لا يكون الجلوس المقيد بما هو مقيد واجبا، ولا صوم يوم الثلاثين بما هو صوم الثلاثين واجبا، وهذا لا ينافي وجوب صوم رمضان في تلك القطعة، لا صوم الثلاثين فلا تغفل، وفي مقام الامتثال يصوم بعنوان رمضان، ويترك بعنوان الثلاثين، لأن المقيد يترك بترك قيده ". وغير خفي: أن ذلك يرجع إلى المطلق والمقيد العنوانيين، لأن المطلق والمقيد الاصطلاحيين إما يرجع إطلاقهما إلى التقييد، فلازمه عدم وجوب الجلوس بعد الزوال، أو يرجعان إلى المعارضة لأجل كون التقييد مستهجنا بناء على تصوره، أو يكون الإطلاق آبيا عن التقييد، فيندرجان في الأخبار العلاجية، وكلاهما هنا منتف، وحيث لا يراد من أدلة الاستصحاب معان حيثية، بل النظر إلى الامور الخارجية، فالمقيد مصداق المطلق، فيقع التعارض غير القابل للعلاج، وهو مرام النراقي (رحمه الله). هذا مع أنه في مقام الامتثال، ربما لا يكون نفي الوجوب المقيد قصديا كي يتعين امتثال النهي في الجانبين بالقصد، فلا تغفل. وهناك جواب ثامن: وهو أن الأصل العدمي غير جار، لعدم العلم بعدم الجلوس بعد هذا الزوال، لعدم هذا الزوال المشار إليه في كلامه حيث فرض يوم الجمعة. وفيه أولا: أنه أراد معنى كليا.


1 - لم نعثر عليه في " تهذيب الاصول "، لاحظ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 130 - 131. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 543 - 544. (*)

[ 533 ]

وثانيا: كما يجري استصحاب عدم كون زيد بن عمرو، مع أن زيدا - ولو كان الموضوع له كليا - غير منطبق على الأكثر، ولكنه جزئي عرفي، كذلك الأمر هنا، فلو ورد " أكرم العلماء " ثم ورد منفصلا " لا تكرم زيد بن عمرو " وشك في شخص أنه زيد بن عمرو، يستصحب العدم الأزلي ويقال: " ما كان هذا زيد بن عمرو، والآن كما كان " فيتمسك بالعموم، كما في جميع المخصصات والمقيدات المنفصلة، فاغتنم. والسر فيه: أن المشار إليه أمر تصوري اريد سلب ربط مضى عنه في الأزمنة السالفة ولو لم يكن في تلك الأزمنة موجودا، كما يقال: " هذا لم يكن واجب الوجود " وهكذا كما تحرر في محله (1). التحقيق في الجواب عن شبهة المحقق النراقي وما هو التحقيق في صور المسألة هو الجواب التاسع، وذلك لأن من الصور ما يكون الشك في الشبهة الحكمية بالنسبة إلى الأحكام الكلية الوجودية، كوجوب الجمعة وغيرها، فإنه إذا كان على يقين من وجوبها على كافة المسلمين، فلا شك في عصرنا، وإذا شك في وجوبها بالنسبة إلينا، فلابد وأن يكون على يقين من وجوبها على المسلمين الحاضرين، فلا يكفي مجرد التعبد بالبقاء بالنسبة إلى الغائبين. ولو كفى إجراء البراءة عن قيدية الحضور فلا حاجة إلى الاستصحاب. وهذا لا يفيد حتى على القول بأمارية الاستصحاب، لعدم إمكان تسرية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر حتى بالأمارة. ومنها: الشبهة الحكمية الكلية العدمية، فإنا على يقين بعدم وجوب الصوم عند رؤية هلال رجب، أو الصلاة عند كذا وهكذا، فإنه لا يجري الاستصحاب


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 510 - 511. (*)

[ 534 ]

العدمي الحكمي أصلا، لأن الأحكام الإلهية بالنسبة إلى الامم ليست حوادث، والإرادات التشريعية ليست فيما لا يزال، وإنما التبليغ والتنجيز بوسائط الكتب والأنبياء، فعندئذ كيف يعقل العلم بعدم الوجوب المذكور، أو عدم وجوب الجلوس بعد الزوال، أو الصوم يوم الثلاثين، لاحتمال وجوبها وعدم بلوغه ؟ ! واستصحاب عدم التنجيز داخل في الأحكام العقلية، وقد مر البحث حوله (1). وفي خصوص استصحاب عدم وجوب الجلوس المقيد، يأتي جواب آخر هو من افق طلاب العلوم الاعتبارية أقرب. ومنها: الشبهة الحكمية في الموقتات بعد مضي الوقت من غير فرق بين الموسعة والمضيقة. والحق: أنه سواء جرى الاستصحاب الوجودي مطلقا، ولو كان الزمان قيدا، أم لم يجر مطلقا، لرجوع الظرفية إلى القيدية، أو التفصيل، لا يجري العدمي، ضرورة أنه يرجع إلى المطلق والمقيد بعد الزوال، ويكون المطلق واجبا، والقيد مشكوكة قيديته، سواء كان بالنسبة إلى الهيئة، أو المادة، أو متعلق المتعلق. والسر كله: أن إمكان وجوب الجلوس المقيد، غير معقول كي يرفع بالاستصحاب، لما تحرر: من أن الإيجابيين أو التحريميين التأسيسيين كما لا يعقلان بالنسبة إلى عنوان واحد، غير معقولين بالنسبة إلى المطلق والمقيد، وتفصيله في بحوث الترتب والضد (2) واجتماع الأمر والنهي (3). فعندئذ لا معنى لاحتمال الوجوب النفسي للجلوس المقيد كي يتمسك بالأصل، بل الجلوس إما واجب بالاستصحاب، وقيدية بعد الزوال مرفوعة بالبراءة،


1 - تقدم في الصفحة 411 - 415. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 345. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 142 وما بعدها. (*)

[ 535 ]

أو بالاستصحاب غير المعارض معه، أو ليس بواجب، لعدم جريان الاستصحاب الحكمي الوجودي مطلقا. وإن شئت قلت: مفاد الاستصحابين مفاد المطلق والمقيد، فإذا نظرنا إلى كل واحد مستقلا يكون مقتضى أصالة الجد معه، وإذا لاحظناهما نجد امتناع كونهما جديين، فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، لو كان المقيد جاريا مع قطع النظر عما ذكرناه سابقا. والمهم ما مر من: عدم جريانه ذاتا في الحكمي الوجودي والعدمي بالنسبة إلى الأحكام الكلية، كوجوب صلاة الجمعة، وعدم وجوب صوم الغد، أو صوم هذه الساعة، أو عدم وجوب صلاة هذه الساعة قبل الغروب عند الشبهة الموضوعية، وذلك كله لأن لسان الاستصحاب ليس إلا التعبد ببقاء المجعول، فلو شك في بقاء وجوب إكرام العلماء، وهكذا شك في بقاء عدم وجوب إكرام الفساق، فتعبدنا بهما، فهما عامان من وجه، ويعامل معهما معاملة العامين من وجه. ولأجل إهمال ذلك قال " الكفاية " بامتناع كون الزمان قيدا وظرفا للوجوب الواحد (1)، بتوهم أن مفاد الاستصحاب دائما جدي ومطابق للجد، كمصب الإجماع، مع أن المقايسة في غير محلها. وعلى هذا مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب، هو التعبد ببقاء اليقين، سواء كان متعلقا بالحكم الجدي، أو الحكم الإنشائي. وتوهم: أن المعاملة معهما معاملة العامين من وجه، أو المطلق والمقيد، تعد من الأصل المثبت، في غير محله، لما سيمر عليك تحقيق المسألة (2). هذا مع أن الثابت بالاستصحاب الوجودي، هو الوجوب الجدي المطلق، والمنفي عدم الوجوب المقيد الجدي، وهذا لا يعقل إلا في صورة احتمال وجوده،


1 - كفاية الاصول: 466. 2 - لم يصل الكتاب وللأسف إلى هذه المباحث. (*)

[ 536 ]

وهو غير معقول فتأمل. وعلى كل يكفينا الكلام الأول الجاري بالنسبة إلى تلك الصور. ومنها: الشبهة الحكمية في الموسعات غير الاصطلاحية، كوجوب صوم شهر رمضان، أو الموسعات كالصلاة عند الشك في تمامية الوقت المضروب للواجب، وعند الشبهة الموضوعية أو الحكمية، فإنه أيضا يجري الوجودي لولا بعض ما مر في بحث قاعدة الميسور (1)، ولا يجري العدمي، لعين ما مر. ولعمري، إن الجواب الوحيد ما ذكرناه أولا، وإلا فلا يتصور التعارض. ومنها: الشبهة الموضوعية في الهلية البسيطة أو المركبة، وقد عرفت وجه جريان أصل المشكلة فيها (2). ومن هذا القبيل الأحكام الوضعية، لأنها ولو كانت قابلة للجعل، إلا أن اعتبارها متقوم بآثارها الوجودية أو العدمية، وحيث إن الاستصحاب الوجودي وهو بقاء وجود زيد، أو العدمي وهو عدم وجود زيد بعد الزوال، تابع الأثر، فإن كان للوجودي أثر معلوم دون العدمي فيترتب عليه، وفي العكس بالعكس، ولا يعقل وجود الأثر لهما معا إلا إنشاء، فيستصحبان، ويحمل المطلق على المقيد، فافهم واغتنم. وعلى كل: لا يجري العدمي في ناحية الهلية البسيطة والمركبة، باعتبار عدم الأثر له، مثلا لو شك في أن هذا الماء جار أم لا، فإنه لمكان كونه جاريا يستصحب جريانه، فيترتب عليه أثره، وأما الماء المقيد بما بعد الزوال جريانه، فإنه وإن يستصحب على نعت الاستصحاب الأزلي - أي ما كان هذا الماء في الأزل جاريا - إلا أنه ليس له الأثر بما أنه مقيد، كما لا يخفى. وقد مر اشتباه الأمر على العلامة المذكور في كيفية إجراء الأصل العدمي في


1 - تقدم في الصفحة 170 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 525 وما بعدها. (*)

[ 537 ]

الأحكام الوضعية، لأن مثل النجاسة والملكية والجزئية وإن كانت تقبل الاشتداد عندنا، وهو اعتبار الشدة، لا الشدة التي في التكوينيات، إلا أن الشرع لم يجعل الشدة، وإنما ينتزع أو تعتبر الشدة بلحاظ الآثار الخاصة المترتبة عليها، كالحاجة إلى التعفير والتعدد في بعض النجاسات، وزوال الملكية في بعض التمليكات، وبطلان الفريضة بترك بعض الأجزاء، فلا تخلط. تذنيب: حول استصحاب أحكام الشرائع السابقة من موارد جريان هذه الشبهة حديث استصحاب أحكام الشرائع السابقة، وقد ذهب أكثرهم إلى جريانه (1)، وبعضهم إلى المعارضة المذكورة، واستشكل المحقق الوالد - دام ظله - على الجريان (2). والمسألة قليلة الجدوى، ولا حاجة إلى إطالة الكلام بعد ما عرفت المناقشة في استصحاب العدم الأزلي (3)، لعدم اليقين بعدم الجعل بالنسبة إلى هذه الامة. كما علمت: أن الأحكام في مطلق القوانين العرفية والشرعية، تكون على نعت القضايا الحقيقية، فإن كنت على يقين بأن حرمة الغصب في الامم السابقة ثابتة على الناس كافة، فلا شك بالنسبة إلينا كي نحتاج إلى الاستصحاب بالنسبة إلى الحرمة. نعم، إنا نحتاج إلى استصحاب عدم النسخ، وحيث إن الإجماع قائم خصوصا على جريانه، فهو ولو كان مثبتا يكون جاريا استثناء.


1 - الفصول الغروية: 380، فرائد الاصول 2: 655، كفاية الاصول: 469، نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 173 - 177. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 148. 3 - تقدم في الصفحة 533 - 534. (*)

[ 538 ]

وتوهم: أنه ليس مثبتا، فاسد، ضرورة أن ثبوت الحكم بالنسبة إلى هذه الامة من لوازم عدم النسخ، فما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) من أنه ليس مثبتا (1)، في غير محله، لأن نفس التعبد بعدم النسخ غير كاف. وليس هذا من قبيل نفس التعبد بعدم الرافع والناقض، ضرورة أن الوضوء يبقى، ويكون الشك فيه من الشك في الرافع، وهنا يعد من الشك في المقتضي، أو نحتاج إلى الإمضاء وارتضاء الرسول الأعظم الإسلامي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا يستفاد من حرمة نقض اليقين بالشك، فما في كلام العلامة النائيني (2) في غير محله. وأما الحاجة إلى استصحاب تلك الأحكام فهو اشتباه، لأن موضوع القضية إما يشمل هذه الامة فدليله كاف، وإما لا يشمل هذه الامة فلا يجري، لأن موضوعه هو القدر المتيقن المشكوك عنوانه، فلا يجري حتى استصحاب عدم النسخ، لعدم وجود دليل يشمل هذه الامة كي يحتمل نسخه. وهناك (إن قلت قلتات) غير مرضية وغير لازمة، ويكفيك ما في المفصلات مع ضعف جملة منها. بقي شئ: وهو ما أفاده الوالد المحقق من: عدم معلومية الموضوع في الشريعة السابقة، لاحتمال كون موضوع الحكم عنوان " النصراني " و " اليهودي " (3) وهذا هو الذي ذكرناه، ولنعم ما أفاد. وتوهم جواز التمسك باستصحاب عدم أخذ القيد الموجب، لعدم انطباقه على هذه الامة، غير صحيح ولو قلنا بحجية الأصل المثبت، لأنه لا يلزم أن يؤخذ عنوان " الناس المتهودين والنصرانيين " كي يقال بعدم أخذه، بل يمكن أن يؤخذ


1 - نهاية الأفكار 4، القسم الأول: 175. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 480. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 147. (*)

[ 539 ]

عنوان واحد بسيط هو " اليهودي " و " النصراني " أو " الذين هادوا " أو " تنصروا " وهكذا، فاستصحاب ذات الحكم بالنسبة إلى الموضوع ممنوع، ولا تصل النوبة إلى استصحاب عدم النسخ، فافهم واغتنم. وما في " الكفاية " من: العلم الإجمالي بنسخ جملة من الأحكام (1)، لا يمنع من جريانه بالنسبة إلى ما هو محط الابتلاء. مع أنه في موارد عدم لزوم المخالفة العملية لا يمنع جريانه، فليلاحظ جيدا. وتوهم ممنوعية جريانه، مدفوع بما تحرر في بحوث الاشتغال (2)، كما عن العلامة النائيني (رحمه الله) (3). هذا مع أن مقتضى جملة من الآيات عدم نسخ الشرائع السابقة، لقوله تعالى: * (ومصدقا لما بين يديه من التوراة) * (4) ومقتضى قوله تعالى: * (ولا تلبسوا الحق بالباطل) * (5) أن الشرائع السابقة باطلة كلها، والجمع واضح فليلاحظ.


1 - كفاية الاصول: 471. 2 - تقدم في الجزء السابع: 359 - 360. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 14 - 16. 4 - آل عمران (3): 50. 5 - البقرة (2): 42. (*)

[ 540 ]

التنبيه العاشر في الاستصحاب التعليقي وقبل الخوض في مغزى المرام نقدم امورا: الأمر الأول: تحرير محط النزاع ربما يكون في هذا العلم اصطلاح في مسألة على خلاف الاصطلاح في مسألة اخرى. مثلا: في باب الوضع اصطلحوا على أن الوضع عام، والموضوع له عام، ومرادهم نفس الطبيعة المبحوث عنها في باب المطلق والمقيد لا العام، والخاص في باب العام والخاص، واصطلحوا على أن الموضوع له خاص مريدين به العام المصطلح عليه في باب العام والخاص، كما هو الواضح. ومن هذا القبيل تعبيرهم عن الواجبات المشروطة والوجوب المشروط هنا ب‍ " التعليق " المصطلح عليه في باب الواجبات في مقدمة الواجب، مريدين به غير الوجوب المشروط، وهذا يوجب انتقال الاصولي إلى أن جريان الاستصحاب كما يثبت في الوجوب المنجز، هو أيضا يجري في الوجوب المعلق، لفعلية الوجوب ولو كان الواجب استقباليا. مثلا: لو كان عالما بأنه واجب عليه الصلاة المتقيدة بالطهور المائي عند الزوال، وشك بعد ذلك في الوجوب المذكور، باحتمال جواز صرف الماء في حياة الحيوان المحتاج إليه، ويصير بعد ذلك بلا ماء، فإنه بعد الفراغ من تصوير الوجوب

[ 541 ]

المعلق لا بأس بجريان استصحابه في المقام. فبالجملة: محط النزاع في الوجوب المشروط، لا المعلق الفعلي. وربما يمكن جريان بعض إشكالات الاستصحاب المشروط في التعليقي، مثل مشكلة المثبتية وغيرها، كما يأتي إن شاء الله تعالى (1). الأمر الثاني: في جريان الاستصحاب حتى مع إنكار المشروط لا ينبغي الخلط بين المباني وما هو محط البحث هنا، مثلا لو أنكرنا الوجوب المشروط، واخترنا رجوعه إلى الوجوب المعلق كما هو المختار، أو استظهرنا رجوع الشرط إلى قيد الموضوع، كما هو مختار العلامة الخراساني (رحمه الله) في الحاشية (2)، وتبعه العلامة النائيني (3)، كما هو كثيرا ما يتبعه، وقد غفل عنه جماعة من الأعلام، فلا يجوز إنكار جريان الاستصحاب التعليقي، من ناحية رجوعه إلى الوجوب الفعلي والموضوع المقيد، فإنه خال من التحصيل، بل البحث هنا ممحض في كون المستصحب واجبا مشروطا حسب الاصطلاح في الواجبات المشروطة، أو المعلقة بما هي معلقة. الأمر الثالث: في بيان صور الوجوبات المشروطة صور الوجوبات المشروطة كثيرة، ضرورة أنه كما يجوز أن يكون الجزاء حكما نفسيا إيجابيا أو تحريميا، يجوز أن يكون حكما طريقيا مثل آية النبأ (4)،


1 - يأتي في الصفحة 548 - 551. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 347. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 467. 4 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 542 ]

وحكما وضعيا مثل ما ورد في الكر منطوقا ومفهوما (1)، على القول به هنا وفي آية النبأ، ويجوز أن يكون حكما وجوديا أو عدميا، كما في خيار المجلس منطوقا ومفهوما (2) على القول به. هذا، وربما يكون قيد الشرط أمرا عدميا، كمفهوم ما ورد في الكر وفي خيار المجلس، وهكذا جميع المفاهيم في القضايا الشرطية إذا كان الشرط وجوديا. كما يجوز أن يكون وجوبا غيريا على القول به، مثلا كان إذا صلى في وبر حيوان صحت صلاته، ولكنه يشك في أنه الآن كذلك أم لا، لاحتمال صيرورته محرم اللحم بالعرض، وهكذا في أمثال هذه القضايا. وغير خفي: أنه ربما يكون الوجوب الشرطي النفسي العرضي مورد الشك، كما لو نذر أن يصلي ركعتين بشرط أن يجيئه زيد، وشك لأجل طرو الشيخوخة عليه في بقاء القضية المنذورة. بقي شئ: في عدم جريان الاستصحاب مطلقا في الشبهات المفهومية الموضوعية إنه لا يجري الاستصحاب في الشبهات المفهومية الموضوعية بالضرورة، لأن استصحاب الموضوع تعبد بالحكم الثابت له، وإذا كان منشأ الشبهة الموضوعية عدم وضوح المفهوم، لا مجال للتعبد بالحكم، لعدم معلومية ثبوت الحكم الواقعي كي يتعبد به عند الشك في بقاء موضوعه، كما في مثل استصحاب الكر المردد أنه سبعة


1 - كقوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ". وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1 و 2 و 5 و 6. 2 - كقوله (عليه السلام): " فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما ". وسائل الشيعة 18: 6، كتاب البيع، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 3. (*)

[ 543 ]

وعشرون شبرا، أو ثلاثة وأربعون مثلا، ضرورة أنه لم يثبت الحكم الإلهي إلا لعنوان الكر المعلوم عند الله، وغير المعلوم عندنا. فبالجملة: كما لا يجري في المنجز، لا يجري في المعلق. الأمر الرابع: في بيان منشأ الشك في المقام اعلم: أن منشأ الشك في البقاء فيما نحن فيه، ليس احتمال النسخ، ضرورة أنه عندئذ يجري الاستصحاب عند الموافق والمخالف. نعم، من يرجع الشرطية إلى الفعلية، ولأجله ينكر جريانه، فله الإنكار، إلا أنه نكير منه. وإنما منشأ الشك إما يكون تبدل العنوان المأخوذ في الدليل الاجتهادي، مع بقاء موضوع الاستصحاب، كالعنب والزبيب مثلا وإن أنكرناه في الفقه (1). أو يكون منشؤه إهمال الدليل الاجتهادي، كما في خيار المجلس، فإنهما بلا إشكال كانا بالخيار قبل الافتراق، ولكن شك في أنهما إذا افترقا بعد ما تصرف أحدهما، فهل يجب البيع أم لا ؟ أو يكون منشؤه إجمال الدليل، كما في وساطة الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، فإنه يحتمل كونها واسطة في العروض، فيدور الأمر مدارها، أو واسطة في الثبوت، فلا يدور الحكم مدارها. وربما كان المشهور فهموا الوساطة في الثبوت، ولذلك قالوا بوجوبه تسكعا، فاغتنم. وربما يكون منشؤه حدوث علة اخرى مقام العلة الاولى، مع فهم العلية للاولى، كما في التغيير بالنجس بالنسبة إلى نجاسة الماء. ومن هنا يظهر: أنه ربما يكون مجرى التعليقي موضوع الحكم، كما في


1 - المكاسب المحرمة من " تحريرات في الفقه " مفقودة. (*)

[ 544 ]

المستطيع، وربما يكون متعلق المتعلق، كما في الماء إذا تغير بالنجس، أو الأرض الموقوفة مسجدا، ثم زالت مسجديته. وتوهم: أنه لا يمكن النزاع في الأخير بعد فرض انتفاء علة النجاسة وهي التغير، مدفوع بما تحرر في محله: من إمكان الشك في بقاء نجاسة الماء لأجل الجهة الاخرى الموجبة لبقائها (1). وربما يكون منشؤه التردد في أن السبب لوجوب الحج أو نجاسة الماء، هل هي كفاية العلة الاولى، أم هو حدوث السبب الآخر، مع وحدة الموضوع في جانب الموضوع ومتعلق المتعلق ؟ وغير خفي: أنه ليس مصب الاستصحاب هو الوجوب التنجيزي، أو النجاسة الثابتة، بل مصبه أنه كان زيد إذا تخرج الرفقة يجب عليه الخروج، فهل الآن كما كان أم لا ؟ وأن هذا الماء كان إذا لاقى النجاسة الكذائية ينجس، فهل الآن كما كان أم لا ؟ مع أن إجراء استصحاب بقاء نفس النجاسة مثبت، كما لا يخفى. هذا بالقياس إلى تنجس نفس الماء. ويصح التعليقي بالنسبة إلى نجاسة الملاقي، وعدم حصول طهارة ما يغسل به. فبالجملة: لا ينبغي الخلط في محط النزاع، كما ترى في جملة من مكاتيب الأعلام (رحمهم الله) لأن البحث هنا في إبقاء الحكم المعلق خارجا، بمعنى إمكان الإشارة إلى الموضوع في الخارج لأجل جهة من الجهات، دون الشك في النسخ المستند إلى قصور الجعل، كما في النسخ المجازي، أو البداء كما في نسخ الحقيقي. مثلا: كان زيد إذا أخبر لا يجب الفحص حسب مفهوم آية النبأ، وشك في بقاء الحكم بالنسبة إليه، لأجل سفه عرضه، أو كان زيد إذا باع شيئا يحتاج إلى الإجازة، لعدم البلوغ مثلا، ولكن لاقتران السفه ببلوغه وعروضه عليه حال بلوغه


1 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 1: 154. (*)

[ 545 ]

يشك في الحكم المذكور، فهل يجري الاستصحاب، أم لا ؟ وسيمر عليك وجه آخر للشك في الأمر الثامن إن شاء الله تعالى (1). الأمر الخامس: في بيان أنحاء التعليقات إعلم: أن التعليقات على أقسام: فمنها: التعليقات الشرعية المنصوص عليها وإن كانت من قبيل الواجبات المعلقة المصطلح عليها في المجلد الأول (2)، كما عن صاحب " الفصول " (3). ومنها: التعليقات الاختراعية بالنسبة إلى الأحكام التكليفية أو الوضعية، كالأمثلة التي عرفت، مثل إرجاع القضية المقيدة إلى الشرطية، كما إذا ورد " إن الرقبة المؤمنة واجب عتقها " فإنه يرجع إلى أنه لو كانت هذه الرقبة مؤمنة لوجب عتقها، ويشك في الوجوب المذكور. ومثل أنه كان إذا ذهب ثلثاه بالنار يطهر ويحل، فالآن هذا المعنى أيضا كذلك. أو أنه كان إذا يسجد على هذا الشئ صحت سجدته، والآن بعد ما صار مطبوخا كما كان. أو كان إذا يصلي فيه صحت صلاته، والآن بعد ما صار موطوء أيضا حلت الصلاة فيه وصحت. وفي شرعية بعض ما ذكرناه إشكال، بل منع. ومنها: الاختراعية والابتكارية بالنسبة إلى الموضوعات، مثل أن هذا الماء كان إذا يتمم بمن من الماء يكون كرا، وشك في ذلك لاحتمال ذهاب مقدار منه قبل أن يتمم به، ونتيجة الاستصحاب أنه كر، لإتمامه بالمن وهكذا.


1 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى الأمر الثامن. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 109. 3 - الفصول الغروية: 79 - 80. (*)

[ 546 ]

أو أنه كان إذا يخرج ويسافر من البلد الكذائي بمقدار ساعة يصير مسافة وثمانية فراسخ، ولكنه لأجل احتمال سعة البلدة شك في بقاء القضية الشرطية المذكورة. وما ترى في كتب جمع من الفقهاء في العصير العنبي (1)، أو " رسائل " المحقق الوالد - عفي عنهم - من تكثير الاحتمالات حول القضية الشرطية الشرعية (2)، خال من التحصيل، لأن المفروض كونها شرطية، لا تنجيزية، فكل الاحتمالات من رجوع القضية الشرطية إلى سببية المفارقة أو الغليان لوجوب البيع وحرمة العنب، أو رجوعها إلى جعل الملازمة والتلازم بينهما، أو غير ذلك، خلاف المفروض في الجهة المبحوث عنها. مع أنه ربما يكون الشرط والقيد أمرا عدميا، ولا يعقل سببيته، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها هنا هي الشك في بقاء الحكم التعليقي، لعدم تحقق الشرط، أو الشك في ذلك على ما عرفت في الأمر الرابع. كما أنه في الاستصحاب التنجيزي، يكون البحث في صورة الشك في بقاء الموضوع بعد ما كان معلوما، أو في بقاء الحكم. فالكلام هنا يكون بعد العلم بالكبرى الكلية في الجملة في صورة الشك في بقاء الحكم، وفي الشبهة الحكمية، أو بعد العلم بالكبرى الكلية مطلقا في الشبهة الموضوعية، بعد ما كان الموضوع المشكوك البقاء معلوما سابقا على نحو التعليق في الفرضين، وهكذا في الوضعيات الشرعية أو الاختراعية، وأوضح من ذلك التعليقات الاختراعية بالنسبة إلى الموضوعات التكوينية.


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 1: 415 - 416. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 131 - 133. (*)

[ 547 ]

الأمر السادس: في جريان النزاع حتى مع عدم تحقق الشرط مما لا ينبغي أن يخفى: أنه يكون محط النزاع بالنسبة إلى تحقق الشرط وعدم تحققه أعم، مثلا كما يشك بعد غليان ماء الزبيب، أو بعد خروج الرفقة، أو بعد افتراقهما، في أنه يحرم أم لا، أو يجب الخروج أم لا، أو يجب البيع أم لا، ضرورة أنا نشير إلى الماء المذكور بأنه كان إذا غلى يحرم، فالآن كما كان، بناء على جريان الاستصحاب، وهكذا في المثالين، كذلك قبل تحقق الغليان وخروج الرفقة والافتراق، لأن التعبد به حسب الاستصحاب قضية بحكم القضية الاجتهادية المنجزة، التي ربما يكون موضوعها محققا، وربما يتحقق بعد ذلك. والسر كل السر: أن القضية الاجتهادية حقيقية سواء كانت منجزة، أو معلقة على قسميه. الأمر السابع: في أن الفعلي لا يصير مشروطا وبالعكس إن الواجبات غير الموقتة موقتة تكوينا، والموقتات الشرعية موقتة تكوينا وتشريعا، وإنما الفرق في قصد القربة وعدم جواز التقديم على أوقاتها في الثانية، والواجبات المضيقة موقتة تكوينا وتشريعا، ومضيقة أيضا تشريعا. وأما الموقتات الموسعة، فلا تصير مضيقة عند التأخير إلا تكوينا وعقلا، لا تشريعا. ومن هذا القبيل الواجبات المشروطة، فإنها - على ما تحرر في محله (1) - مشروطة ولو تحقق شرطها، ولا تصير فعلية ومقيدة بعد تحقق الشرط، ولا يعقل انقلاب الشرطية إلى الفعلية في القضايا المنطقية والشرعية.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 91 - 92. (*)

[ 548 ]

نعم، كما أن الفعلية بتحقق موضوعها تصير منجزة، كذلك الشرطية بعد تحقق شرطها تصير منجزة، فما قد يتوهم من الانقلاب يرجع إلى قصوره، وتفصيله يطلب من محله (1). وبالجملة: الوجوب إما فعلي، أو مشروط، وكما أن الفعلي لا يصير مشروطا باعتبار موضوعه في مقام ضرب القانون، كذلك المشروط لا يصير فعليا في مرحلة الجعل والتشريع، وإنما الاختلاف بينهما بحسب القيد الذي اخذ شرطا أو اخذ قيدا، فإن كانت الاستطاعة شرطا لا يجب عقلا تحصيلها، وإن اخذت قيدا يجب تحصيلها، لتنجز الحكم في الثاني دون الأول، وإذا حصلت يصير منجزا، ولا يصير فعليا، حسبما حررناه بتفصيل في موارد من هذه الموسوعة، فاغتنم. وتوهم: أن الحكم لو لم يصر بعد تحقق الشرط فعليا، لا يكون إلا إنشائيا، ولا امتثال للحكم الإنشائي، ولا تنجز له، مندفع بما تحرر في المجلد الأول: بأن الوجوبات الشرطية كلها فعلية تعليقية ثبوتا، وإنما معنى الشرطية، شرطية آثارها الخاصة حفظا لظواهر الأدلة (2) فراجع. مشاكل الاستصحاب التعليقي إذا تبينت هذه الامور يظهر لك: أنه كما لا يصير الوجوب المشروط بتحقق شرطه فعليا، لا يعتبر في المستصحب أن يكون حكما فعليا، أو موضوعا ذا حكم، كما ذكرنا ذلك مرارا (3)، فالمستصحب قضية شرطية يتعبد بها حال الشك، بمقتضى أدلة الاستصحاب وإطلاقها.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 91 - 94. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 70 - 74. 3 - تقدم في الصفحة 133 و 374. (*)

[ 549 ]

وما في كلام الشيخ (1) وغيره من جر البحث إلى جعل السببية وأمثال ذلك (2)، خروج عن البحث، لما عرفت في بعض المقدمات: من أن للشرع اعتبار أمر عدمي شرطا في القضية الشرطية، مع أنه لا معنى لسببيته وتأثيره. ولعمري، إن كثيرا من المقالات هنا ينقدح فسادها بالتدبر في الامور المذكورة. ويظهر أيضا: أن " الكفاية " وإن وصلت إلى أصل المشكلة، ولكن جوابها بكفاية التعبد بالحكم الإنشائي (3)، في غير محله. كما ظهر عدم اشتراط كون المستصحب حكما فعليا، أو قضية فعلية، لما عرفت: من أن الوجوب المشروط دائما مشروط حتى في صورة العلم بتحقق الاستطاعة (4). وقد ظهر: أن الحكم المشروط ليس له الفعلية، فقضية المراتب للحكم فاسدة من جهات كثيرة، ومنها هذه الجهة. وما في تقريرات العلامة النائيني (5) يكشف عن عدم وصوله إلى مغزى المسألة، لما عرفت في بعض الامور: من أن منشأ الشك ليس احتمال النسخ هنا، كي يعارض بمقالة النراقي (رحمه الله) (6) وقد مر فسادها بما لا مزيد عليه (7)، وما هو المنشأ امور اخر إما خارجية، أو غيرها.


1 - فرائد الاصول 2: 654. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 471. 3 - كفاية الاصول: 467 - 468. 4 - تقدم في الصفحة 547. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 461 - 472. 6 - تقدم في الصفحة 542 - 544. 7 - تقدم في الصفحة 533 - 535. (*)

[ 550 ]

فتوهم مثل ذلك من مشكلات جريان التعليقي (1) غلط، كما عرفت في بعض الامور السابقة، لأنه بحث آخر: وهو رجوع القيود إلى الموضوع وعدمه، فإنه مضافا إلى فساده - وإن قال الشيخ (رحمه الله) بامتناع تقييد الهيئة كما تحرر في محله (2) - غير صحيح أن يعد من مشكلات هذه المسألة المفروض تعليقية الحكم فيها. فالذي تحرر: أن هذه المسألة لا تدور حول حديث الموضوع والحكم، أو فعلية الحكم وعدمها، كي يناقش فيها. المشكلة الثالثة: هي أنه وإن كانت أركان الاستصحاب محفوظة في التعليقي، وإنما يطرأ الشك بعد اليقين بالخيار للبيعين، لأجل تصرف أحدهما مثلا فيما انتقل إليه، ولكن الاستصحاب مثبت، لأن مقتضى التعبد بالقضية المعلقة الاجتهادية - حسب الخبر الواصل - هو التعبد بالحكم بعد تحقق الشرط بالنسبة إلى الموضوع، وهذا مما لا بأس به بالنسبة إلى الأحكام الكلية. وأما قضية أدلة الاستصحاب المنطبقة على الخارج، فهي التعبد بالحكم على تقدير الشرط المتعبد به، فيلزم الوساطة بعد كون الموضوع محفوظا في حالتي اليقين والشك وجدانا. والتشبث بخفاء الواسطة غير واقع في محله. وبعبارة اخرى: القضية الشرطية ترجع إلى أنه على تقدير الغليان يكون ماء العنب حراما، وما هو المجعول شرعا ليست السببية كي يرجع التقديري إلى التنجيزي، ولا الملازمة، بل هو الحرمة أو الوجوب على التقدير. والتعبد بالقضية الشرطية في ظرف الشك، لا ينتهي إلى الأثر إلا بعد إحراز الشرط، فإذا احرز الشرط فيحكم بالحرمة أو الوجوب حسب الاستصحاب، فيكون ذلك من الأصل المثبت.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 472. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 52. (*)

[ 551 ]

وبعبارة اخرى: ما هو محط جعل المولى هو أمر كلي، وما هو محط جريان الاستصحاب خارج عن جعله، وتابع للاستصحاب. وفيه: أن الأصل المثبت حقيقته هي الحكم أو نفيه عن موضوع لأجل التعبد بما تعلق به اليقين، وهو غير ذلك الموضوع، إلا أن التعبد بوجود البياض في الجسم ينافي السواد فيه، فعندئذ يرفع حكم السواد أو يثبت حكم عدم السواد بإجراء التعبد بالبياض. وأما في مثل المقام فما يتعبد به هي القضية الشرطية التي هي شرطية دائما، إلا أنه دائما يتنجز الجزاء بإحراز الشرط، وهو الاستطاعة مثلا أو غيرها، فلا واسطة في البين. مثلا: كان زيد إذا باع شيئا لا يجب عليه الوفاء، فإذا شك في ذلك - لأجل خصوصية طرأت عليه - يتعبد بتلك القضية، إلا أن بيعه خارجا يحرز وجدانا، ويحكم بعدم الوجوب حسب التعبد بتلك القضية، لا باستصحاب خاص في ناحية الشرط أو الجزاء. وهذا بعينه في الاستصحابات المنجزة، أي غير المعلقة، والفعلية، فإنه باستصحاب بقاء الموضوع يحكم بوجوب الإكرام، إلا أنه لا يجري بالنسبة إلى الحكم استصحاب خاص به، فافهم واغتنم. تذنيب: حول التفصيل بين التعليق الشرعي وغيره ذهب السيد المحقق الوالد - مد ظله - إلى اختصاص الجريان بالتعليق الشرعي، وأن الشرطية الشرعية يجري فيها الاستصحاب، دون الاختراعية. ولازم كلامه الأعم من الابتكارية في الموضوعات التكوينية، والأحكام الوضعية، بل في الاختراعية حتى بالنسبة إلى الأحكام التكليفية، مثل أن يقال: " هذا كان إذا بلغ يجب عليه الصلاة " فلو شك - لأجل اتصال حالة مرددة بين الجنون

[ 552 ]

وغيره ببلوغه - فلا يجري الاستصحاب المذكور، لأن ما في الشرع ليس إلا قضية فعلية، وهي " أن البالغ يجب عليه الصلاة " وقضية فعلية اخرى، وهي " أن المجنون مرفوع عنه القلم " وحيث لا يجوز مثلا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فلنا التمسك باستصحاب تعليقي، وهو أنه كان إذا بلغ يجب عليه الصلاة، والآن كما كان. وخلاصة وجه الاختصاص كون الأصل في غير الشرطية الشرعية مثبتا، لأن الشرع اعتبر ترتب الحكم في التعليقية الشرعية، وفي غير الشرعية ليس الأمر كذلك، فيلزم شبهة المثبتية هنا دونها، لأن تحقق الغليان وجدانا بمنزلة الموضوع للحكم حقيقة (1)، انتهى ما عندنا عنه - مد ظله -. ويتوجه إليه: - مضافا إلى أن المتعبد به في الاستصحاب التعليقي، ليس إلا القضية الشرطية، وليس هو التعبد بفعلية الحكم لدى تحقق المعلق عليه، كما عرفت. وأنه لا يصير الحكم فعليا بعد ما كان إنشائيا، بل الحكم في المشروطات كافة فعلي تعليقي حسب اصطلاح " الفصول " (2) ويجب إكرام العالم عند مجئ زيد، من غير كون الموضوع " زيدا الجائي " كما عليه العلامة الخراساني في " حاشية الرسائل " فراجع محله (3). وأن الشرط ليس بمنزلة الموضوع، لمكان كونه أمراعدميا أحيانا كما مر - (4). أن في جميع الاستصحابات التعليقية التي هي مورد النزاع - وهو الشك من غير ناحية النسخ كما مر (5) - ليس مجراها أمرا شرعيا، لأن موضوع المستصحب هو الموضوع الخارجي، كما في زيد، وفي العنب بعدما يبس وصار زبيبا، وهكذا


1 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 134 - 135. 2 - الفصول الغروية: 79 - 80. 3 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 347. 4 - تقدم في الصفحة 540 - 542. 5 - نفس المصدر. (*)

[ 553 ]

في المتبايعين، والمجعول هو الأمر الكلي والحكم على نفس الطبيعة، ولاسيما في الموارد التي يكون التعليق في القضية الشرطية الشرعية على نعت الإطلاق، كما ترى في الأمثلة، وقلما يتفق التعليق في العمومات التي تتصدى لتسرية الحكم إلى الأفراد، وعلى هذا مجرى استصحاب التعليق الشرعي أيضا غير شرعي، وهو أن هذا الجسم كان إذا غلى يحرم، مع أن الشرع بالنسبة إلى هذا الجسم ليس ذا حكم، وهكذا بالنسبة إلى سائر الموارد. فما هو السر كل السر هو: أنا تابعون لدليل الاستصحاب، واليقين والشك، مع اتصال زمان الشك باليقين، سواء كانت القضية من موارد مثل الغليان والعنب والزبيب، أو من موارد الأحكام الوضعية، أو من موارد الموضوعات التكوينية، بعد إمكان التعبد به بما هي القضية الشرطية، فإنه إذا تعلق بها اليقين والشك يؤخذ بإطلاق دليل الاستصحاب. وما ترى في كلمات القوم من: إجراء الاستصحاب التعليقي بالنسبة إلى المقدم في القضية، فيرون عدم اليقين، أو المركب المنتفي جزؤه، أو إجرائه بالنسبة إلى التالي، فيرون اختصاصه بالقضية الشرعية - مع ما فيه كما عرفت - فكله باطل، بل اليقين تعلق بنفس القضية الشرطية، واليقين فعلي، والشرطية فعلية في شرطيتها، كما أنك على يقين فعلي بقضية شرطية منطقية وهي " أن الشمس إذا طلعت فالنهار موجود " والشك أيضا متعلق بتلك القضية الشرطية حسبما تحرر، فلا فرق بين الشرعيات وغير الشرعيات الأعم من الوضعيات والموضوعات وغيرها، بعد كون التعبد بتلك القضية ذا أثر. وما أفاده من شبهة المثبتية، كان أن يتشبث به لإنكار جريان التعليقي في محل النزاع مطلقا، دون التفصيل. وغير خفي: أن سر السر في جريانه على الإطلاق، جواز نسبة تلك القضية

[ 554 ]

الشرطية إلى الشرع حتى في الموضوعات، مثلا يجوز نسبة القول بأن زيدا إذا كان عالما يجب إكرامه، فإذا كان يشك في أنه إذا كان عالما فهل يجب إكرامه تصح نسبته أيضا حسب إطلاق دليل الاستصحاب. هذا فيما كان تالي القضية الشرطية الاختراعية حكما. ولو كان تاليها موضوعا، كما إذا كان هذا الماء إذا يزيد عليه من من الماء لكان كرا، وإذا شك في ذلك - لاحتمال نقصان الماء المشار إليه على وجه يبقى الموضوع - فيجري الاستصحاب، ويتعبد بأن هذا الماء إذا اضيف إليه من يكون كرا، ويترتب عليه آثار الكرية من عدم تنجسه، ومطهريته، وغير ذلك، إذا القي عليه من من الماء، كما أن الأمر كذلك في موضوع القضية الفعلية، ويحرز بالاستصحاب موضوع الحكم. تذنيب آخر: معارضة التعليقي دائما باستصحاب تنجيزي أو تعليقي اعلم: أن على تقدير جريان الاستصحاب التعليقي ذاتا، وعلى تقدير عدم كونه من الأصل المثبت، هو معارض باستصحاب تنجيزي دائما، أو تعليقي على ما يتوهم. وتقرير ذلك تارة: بما عرفت في شبهة النراقي (رحمه الله) على ما أوسعناها (1)، فإن هذا الشئ كان إذا غلى يحرم، وإذا افترقا يجب البيع، وهكذا في التعليقات الاختراعية الموضوعية، أو الحكمية الوضعية، أو التكليفية، ولم يجعل الله تعالى هذا الشئ في هذا العصر إذا غلى يحرم، فالآن كما كان، أو لم يجعل الله الملازمة بين غليان هذا الشئ والحرمة في ظرف الشك، أو لم يجعل الله تعالى سببية الغليان لحرمة هذا الشئ في هذا العصر وفي زمان الشك في الأزل.


1 - تقدم في الصفحة 525 وما بعدها. (*)

[ 555 ]

وتوهم امتناع جعل السببية كتوهم امتناع الملازمة، وقد مر تفصيله (1)، فالاستصحاب التعليقي يعارضه التعليقي، أو التنجيزي. وفيه ما مر من عدم تمامية ركن الأصل العدمي الأزلي في الشبهات الحكمية (2)، وأنه لا أثر في الشبهة الموضوعية، لتقيدها بكونها بعد الزوال، أو في هذا العصر وفي ظرف الشك، فلا يقاوم الأصل الوجودي. نعم، في الشبهات الحكمية الكلية إشكال آخر مر تفصيله، وهو يمنع من جريانه فيها. وتوهم عدم جريان العدمي، من أجل امتناع الإشارة إلى الخارج، مندفع بما مر في استصحاب عدم التذكية (3). مع أنه يعارض الأصل الموضوعي - حسب تخيل العلامة النراقي (رحمه الله) (4) - بالأصل العدمي الموضوعي الآخر، ويستصحب أنه لم يجعل الله الإنسان بعد الزوال، في قبال استصحاب الإنسان المعلوم قبله، فاغتنم. واخرى: بما في كلمات الأعلام (رحمهم الله) في المثال المعروف (5)، وهو أنه بمقتضى التعليقي يحرم هذا الشئ إذا غلى، وبمقتضى التنجيزي إذا تحقق الغليان يشك في حرمته بعد ما كان حلالا قطعا، فتستصحب الإباحة والجواز والطهارة والحلية، لأن الغليان من العوارض والأحوال، فلا يلزم خلل في موضوع الاستصحاب بالضرورة. هذا آخر ما عثرنا عليه من إفادات شهيدنا السعيد (قدس سره) وبقيت مباحث اخر لم تصلها وللأسف يد التتبع والتحقيق والحمد لله أولا وآخرا.


1 - تقدم في الصفحة 430 - 434. 2 - تقدم في الصفحة 493 - 494. 3 - تقدم في الصفحة 496 - 497. 4 - مناهج الأحكام والاصول: 239، عوائد الأيام: 213. 5 - درر الفرائد، المحقق الحائري: 544، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 139. (*)

[ 557 ]

مصادر التحقيق

[ 559 ]

1 - القرآن الكريم. " أ " - أجود التقريرات، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، مكتبة المصطفوي ومكتبة الفقيه، قم. - الاحتجاج على أهل اللجاج، أبي منصور أحمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي، انتشارات اسوة، قم 1413 ه‍. - أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن علي الرازي الجصاص، دار الكتب العربي، بيروت 1406 ه‍. - إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، مؤسسة النشر الإسلامي، 1410 ه‍. - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، أبو جعفر شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، دار الكتب الإسلامية، طهران 1390 ه‍. - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1417 ه‍. - اسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

[ 560 ]

- أسرار الحكم، الحاج ملا هادي السبزواري، المكتبة الإسلامية، طهران 1362 ش. * الأسفار = الحكمة المتعالية. - إشارات الاصول، ملا ابراهيم الكرباسي، الطبعة الحجرية، طهران. - الإشارات والتنبيهات، الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، دفتر نشر كتاب، طهران 1403 ه‍. - الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني أبو الفضل أحمد بن علي، دار صادر، بيروت. - الإعتقادات، العلامة المجلسي محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، مكتبة المجلسي، أصفهان، 1409. - إفاضة العوائد، السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني، دار القرآن الكريم، قم 1410 ه‍. - أقرب الموارد، سعيد الخوري، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1403 ه‍. - الأمالي، أبو جعفر شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، دار الثقافة، قم 1414 ه‍. - الانتصار، السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، منشورات الشريف الرضي، قم. - أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، 1414 ه‍. - أوثق الوسائل في شرح الرسائل، الميرزا موسى التبريزي، الطبعة الحجرية، دار المعارف الإسلامية، طهران. - أوضح المسالك إلى الفية ابن مالك، جمال الدين ابن هشام، انتشارات سيد الشهداء، قم 1366 ه‍.

[ 561 ]

- إيضاح الفوائد في شرح القواعد، فخر المحققين محمد بن الحسن الحلي، المطبعة العلمية، قم 1387 ه‍. " ب " - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، العلامة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. - بحر الفوائد في شرح الفرائد، الميرزا محمد حسن الآشتياني، الطبعة الحجرية، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1403 ه‍. - بحوث فقهية (تقريرات الشيخ حسين الحلي)، السيد عز الدين بحر العلوم، مؤسسة المنار. - بحوث في الاصول، الشيخ محمد حسين الأصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1409 ه‍. - بدائع الأفكار، الشيخ حبيب الله الرشتي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، الطبعة الحجرية، قم. - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي)، الشيخ هاشم الآملي. - بدائع الدرر في شرح قاعدة لا ضرر، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1414 ه‍. - البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر (تقريرات المحقق البروجردي)، حسين علي المنتظري، مطبعة الحكمة، قم 1378 ه‍. - البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم الحسيني البحراني، مؤسسة إسماعيليان، قم. - بصائر الدرجات، أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1404 ه‍.

[ 562 ]

- البهجة المرضية، جلال الدين السيوطي، مع تعليقة مصطفى الحسيني الدشتي. " ت " - تاج العروس، محمد رضا الزبيدي، دار مكتبة الحياة، بيروت. - التبيان في تفسير القرآن، شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. - تحريرات في الاصول، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تحرير الأحكام، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، مؤسسة طوس، مشهد. - تحرير الوسيلة، الإمام الخميني (قدس سره)، انتشارات دار العلم، قم 1374 ش. - تحف العقول عن آل الرسول (عليهم السلام)، الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1404 ه‍. - تذكرة الفقهاء، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، الطبعة

[ 563 ]

الحجرية، المكتبة الرضوية، طهران. - تشريح الاصول، الشيخ علي بن فتح الله النهاوندي، الطبعة الحجرية 1320 ه‍. - التعادل والترجيح، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1375 ش. - تعليقات على الحكمة المتعالية، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال، الوحيد البهبهاني محمد باقر محمد أكمل، مخطوطة. - تعليقة رشيقة على شرح منظومة السبزواري، الميرزا مهدي الآشتياني. - تفسير العياشي، العياشي أبو نصر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران. - تفسير القرآن الكريم، (للمؤلف) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم 1418 ه‍. - تفسير القمي، أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، مكتبة الهدى. - التفسير الكبير، الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسين بن علي الرازي، مكتب الإعلام الإسلامي، 1411 ه‍. - تقريرات المجدد الشيرازي، الشيخ علي الروزدري، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1409 ه‍. - التلويحات ضمن مجموعة المصنفات، شهاب الدين يحيى السهروردي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران 1372 ش. - تمهيد القواعد، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1416 ه‍.

[ 564 ]

- تنقيح الاصول (تقريرات الإمام الخميني (قدس سره))، حسين التقوي الاشتهاردي، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1418 ه‍. - تنقيح الرائع لمختصر الشرائع، مقداد بن عبد الله السيوري، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1404 ه‍. - تنقيح المقال في علم الرجال، الشيخ عبد الله المامقاني، الطبعة الحجرية، المطبعة المرتضوية، النجف 1352 ه‍. - التنقيح في شرح العروة الوثقى (تقريرات المحقق الخوئي)، الميرزا علي التبريزي الغروي، المطبعة العلمية، قم 1366 ش. - التوحيد، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم. - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، أبو جعفر شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، دار الكتب الإسلامية، طهران 1365 ش. - تهذيب الاصول (تقريرات الإمام الخميني (قدس سره))، الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1363 ش. " ج " - جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والأسناد، محمد بن علي الأردبيلي، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1403 ه‍. - جامع المدارك في شرح المختصر النافع، السيد أحمد الخوانساري، مكتبة الصدوق، 1355 ش. - جامع المقاصد في شرح القواعد، المحقق الثاني علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم 1408 ه‍.

[ 565 ]

- جامع أحاديث الشيعة، الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي، مطبعة مهر، 1371 ش. - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت 1405 ه‍. - جواهر الاصول (تقريرات الإمام الخميني) السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودي، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1418 ه‍. - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، الشيخ محمد حسن النجفي، دار الكتب الإسلامية، طهران 1367 ش. - الجوهر النضيد، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، انتشارات بيدار، 1371 ش. " ح " - حاشية المكاسب، المحقق الأصفهاني، دار الذخائر، قم 1408 ه‍. - حاشية المكاسب، المحقق الإيرواني، انتشارات مكتبة كتبي. - حاشية فرائد الاصول، الشيخ آقا رضا الهمداني، الطبعة الحجرية. - حاشية كفاية الاصول، الشيخ علي القوچاني، مكتبة الوجداني، قم. - حاشية كفاية الاصول، الميرزا أبو الحسن المشكيني، منشورات دار الحكمة، قم 1413 ه‍. - حاشية كفاية الاصول (تقريرات المحقق البروجردي)، الشيخ بهاء الدين الحجتي البروجردي، مطبعة الصدر، قم 1412 ه‍. - حاشية معالم الدين، سلطان العلماء السيد علاء الدين حسين بن رفيع الدين المرعشي.

[ 566 ]

- الحبل المتين، الشيخ البهائي محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي، انتشارات بصيرتي، قم. - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، الشيخ يوسف بن أحمد البحراني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم. - حقائق الاصول، السيد محسن الطباطبائي الحكيم، المطبعة العلمية، النجف، 1372 ه‍. - حكمة الإشراق، ضمن مجموعة شيخ الإشراق، شهاب الدين يحيى السهروردي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1372 ش. - الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي، مكتبة المصطفوي، قم. " خ " - الخصال، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1362 ش. - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، منشورات الرضي، قم 1402 ه‍. - الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره)، مطبعة مهر، قم. " د " - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مكتبة آية الله المرعشي، قم. - درر الفوائد، الشيخ عبد الكريم الحائري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1408 ه‍.

[ 567 ]

- درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، الآخوند الخراساني محمد كاظم الهروي الخراساني، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران 1410 ه‍. - الدرر النجفية، يوسف بن أحمد البحراني، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). - الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1414 ه‍. - دعائم الإسلام، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي، دار المعارف، 1383 ه‍. " ذ " - ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، محمد باقر السبزواري، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الحجرية. - الذريعة إلى اصول الشريعة، السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، انتشارات دانشگاه طهران، 1363 ش. - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، مكتبة بصيرتي. " ر " - رجال النجاشي، أبو العباس أحمد بن علي بن العباس النجاشي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم. - الرسائل، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة إسماعيليان، قم 1368 ش. - رسائل الشريف المرتضى، السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن

[ 568 ]

الحسين، دار القرآن الكريم، قم 1405. - الرسائل الفشاركية، السيد محمد الفشاركي مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1413 ه‍. - رسائل المحقق الكركي، المحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين الكركي، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1409 ه‍. - رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك، الميرزا علي الإيرواني النجفي، مكتبة بوذر جمهري، طهران 1367 ه‍. - رسالة الطلب والإرادة، الإمام الخميني (قدس سره)، مركز انتشارات علمي وفرهنگي، 1362 ش. - رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام، ضمن رسائل الشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا، انتشارات بيدار، قم. - رسالة في المشتق، الشيخ الكلانتر، ضمن مجموعة رسائل فقهية واصولية، مكتبة المفيد، قم 1404 ه‍. - رسالة في أحكام الخلل في الصلاة، المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي، المطبوع ضمن حاشية المكاسب، طهران 1333 ه‍. - الرعاية في علم الدراية، الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1413. - روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي، الطبعة الحجرية. - رياض السالكين، السيد علي خان الحسيني الحسني المدني الشيرازي، مؤسسة

[ 569 ]

النشر الإسلامي، قم 1409 ه‍. - رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، السيد علي الطباطبائي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1404 ه‍. " ز " - زبدة الاصول، الشيخ البهائي محمد بن الحسين بن عبد الصمد، مخطوطة. " س " - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ابن ادريس الحلي أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1410 ه‍. - سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، دار الفكر. - سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، دار الفكر، بيروت 1403 ه‍. - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، دار المعرفة، بيروت 1408 ه‍. - سنن النسائي، أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت. " ش " - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني، المكتبة التجارية، القاهرة 1384 ه‍. - شرح الأسماء الحسنى، المولى هادي السبزواري، انتشارات دانشگاه طهران،

[ 570 ]

1372 ش. - شرح الإشارات والتنبيهات، المحقق الطوسي نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن، مركز نشر كتاب، 1403 ه‍. * شرح البدخشي = مناهج العقول. - شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب، عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، تصحيح أحمد رامز الشهير بشهري المدرس، 1307 ه‍. - شرح الكافية، رضي الدين محمد بن الحسن الاسترآبادي النحوي، دار الكتب العلمية، بيروت 1399 ه‍. - شرح المطالع، قطب الدين محمد بن محمد الرازي، انتشارات الكتبي، قم. - شرح المنظومة، المولى هادي السبزواري مكتبة العلامة، قم 1369 ش. - شرح المواقف، السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، منشورات الشريف الرضي، قم 1412 ه‍. - شرح حكمة الإشراق، قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، انتشارات بيدار، قم. - شرح شذور الذهب، ابن هشام الأنصاري أبو محمد بن يوسف بن أحمد، دار الهجرة، قم 1410 ه‍. - شرح عيون الحكمة، الفخر الرازي محمد بن عمر الطبري، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة 1400 ه‍. - شروح التلخيص، نشر أدب الحوزة. - شروح الشمسية، مجموعة حواش وتعليقات، قطب الدين الرازي محمد بن محمد الرازي وغيره، شركة شمس المشرق، بيروت. - الشفاء، الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، مكتبة آية الله

[ 571 ]

المرعشي، قم 1405 ه‍. - شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام، عبد الرزاق اللاهيجي الفياض، مكتبة الفارابي، طهران 1401 ه‍. - الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي، مركز نشر دانشگاهي، مشهد 1360 ش. " ص " - الصافي، الفيض الكاشاني محمد حسن بن الشاه مرتضى، دار المرتضى، مشهد. - الصحاح، إسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين، بيروت 1407 ه‍. - صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، مؤسسة عز الدين، بيروت 1407 ه‍. - الصلاة، الشيخ عبد الكريم الحائري، مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، قم 1362 ش. - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الشيخ محمد تقي الآملي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم. " ض " - ضوابط الاصول، السيد إبراهيم القزويني، الطبعة الحجرية. " ط " - الطهارة، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمد أمين الأنصاري الدزفولي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الحجرية، قم.

[ 572 ]

" ع " - عدة الاصول، شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الطبعة الحجرية. - العرشية، صدر المتألهين محمد بن ابراهيم الشيرازي، انتشارات مهدوي، أصفهان. - العروة الوثقى، السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، مع تعليقات عدة من الأعلام، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران. - العروة الوثقى، الطبعة الحديثة مع تعليقات عدة من الفقهاء، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 ه‍. - العروة الوثقى مع تعليقات السيد البروجردي، المطبعة الإسلامية، طهران 1373. - العروة الوثقى مع تعليقات السيد الحكيم، دار الكتب الإسلامية، 1397 ه‍. - العروة الوثقى (ملحقات)، مكتبة الداوري، قم. - علل الشرائع، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، دار البلاغة. - العناوين، السيد مير عبد الفتاح الحسيني المراغي، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 ه‍. - عوائد الأيام، المولى أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر النراقي، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، 1375 ش. - عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي، مطبعة سيد الشهداء، قم. - عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، منشورات الأعلمي، طهران.

[ 573 ]

" غ " - غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد بن محمد التميمي الآمدي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم. - غرر العوائد من درر الفوائد، الميرزا محمد الثقفي الطهراني، چاپخانه حيدري، 1389 ه‍. " ف " - فرائد الاصول، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمد أمين الأنصاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1411 ه‍. - الفصول الغروية في الاصول الفقهية، محمد حسين بن عبد الرحيم الأصفهاني، الطبعة الحجرية. - الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، بيروت 1410 ه‍. - الفقيه (من لا يحضره الفقيه)، الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، دار الكتب الإسلامية، النجف 1377 ه‍. - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني)، الشيخ محمد علي الكاظمي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1414 ه‍. - الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل، مجمع الفكر الإسلامي، قم 1415 ه‍. - الفوائد الضيائية (شرح الكافية)، ملا جامي، عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الدشتي، انتشارات ناصر خسرو. - الفوائد المدنية، محمد أمين الأستر آبادي، الطبعة الحجرية.

[ 574 ]

- فواتح الرحموت المطبوع في ذيل المستصفى، محب الله بن عبد المشكور، دار الذخائر، قم 1368 ش. " ق " - قاعدة لا ضرر (تقريرات شيخ الشريعة الأصفهاني)، محمد حسين السبحاني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم. - قاموس الرجال، محمد تقي التستري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1417 ه‍. - القاموس المحيط، الفيروزآبادي مجد الدين محمد بن يعقوب، دار الجيل، بيروت. - القبسات، ميرداماد محمد بن محمد الحسيني، انتشارات دانشگاه طهران، طهران 1374 ش. - قرب الإسناد، الحميري أبو العباس عبد الله بن جعفر، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1413 ه‍. - قواعد الأحكام، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، منشورات الرضي، قم. - القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1412 ه‍. - القواعد الفقهية، السيد حسين الموسوي البجنوردي، مؤسسة إسماعيليان، قم 1410 ه‍. - قوانين الاصول، المحقق القمي محمد حسين الجيلاني، انتشارات علمية الإسلامية، الطبعة الحجرية.

[ 575 ]

" ك " - الكافي، ثقة الإسلام الكليني محمد بن يعقوب بن إسحاق، دار الكتب الإسلامية، طهران 1367 ش. - الكافية في النحو، ابن الحاجب جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر النحوي المالكي، دار الكتب العلمية، بيروت 1399 ه‍. - كامل الزيارات، أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417 ه‍. - كتاب البيع، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة إسماعيليان، قم. - كتاب البيع (تقريرات المحقق الكوهكمري) الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1409 ه‍. - كتاب سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب بسيبويه، نشر أدب الحوزة، قم 1404 ه‍. - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، محمود بن عمر الزمخشري، دار الكتب العربي، بيروت 1407 ه‍. - كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء، الشيخ الكبير كاشف الغطاء جعفر بن خضر، منشورات المهدوي، أصفهان. - كشف اللثام، الفاضل الهندي محمد بن الحسن بن محمد الأصفهاني، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1405. - كشف المراد، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم. - كفاية الاصول، الآخوند الخراساني محمد كاظم، مؤسسة النشر الإسلامي، قم

[ 576 ]

1414 ه‍. - كنز الدقائق وبحر الغرائب، الميرزا محمد المشهدي بن محمد رضا بن اسماعيل بن جمال الدين القمي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1407 ه‍. - كنز العمال في سنين الأقوال والأفعال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1409 ه‍. - كنز الفوائد، الكراكجي أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراكجي، دار الذخائر، قم 1410 ه‍. - الكنى والألقاب، المحدث القمي عباس بن محمد رضا، مكتبة الصدر، طهران 1368 ش. " ل " - لسان العرب، ابن منظور أبو الفضل محمد بن مكرم، دار احياء التراث العربي، بيروت 1408 ه‍. " م " - مبادئ الوصول إلى علم الاصول، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1404 ه‍. - مباني العروة الوثقى (تقريرات المحقق الخوئي)، السيد محمد تقي الخوئي، المطبعة العلمية، قم 1408 ه‍. - المبدأ والمعاد، صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي. - المبسوط، محمد بن أبي سهل السرخسي، دار الفكر. - مثنوي معنوي، جلال الدين محمد بن الشيخ بهاء الدين محمد بن حسين البلخي

[ 577 ]

المشهور بالمولوي، سازمان انتشارات جاويدان، 1371 ش. - مجمع البحرين ومطلع النيرين، فخر الدين الطريحي، مكتبة الهلال، بيروت، 1985 م. - مجمع البيان لعلوم القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، دار المعرفة، بيروت. - مجمع الرجال، الشيخ عناية الله علي القهپائي، مؤسسة إسماعيليان، قم. - مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، المولى المحقق أحمد الأردبيلي، منشورات جماعة المدرسين، قم. - المجموع، شرح المهذب، محيي الدين بن شرف النوري، دار الفكر. - المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي، دار الكتب الإسلامية، قم. - محاضرات في اصول الفقه (تقريرات المحقق الخوئي) محمد إسحاق الفياض، دار الهادي للمطبوعات، قم 1410 ه‍. - محجة العلماء، محمد هادي الطهراني، الطبعة الحجرية. - المحصول في علم اصول الفقه، الفخر الرازي محمد بن عمر الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت 1408 ه‍. - المحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، دار الفكر، بيروت. - مختصر المعاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الهروي الشافعي الخراساني، مكتبة مصطفوي، قم. - مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، مكتبة نينوى الحديثة، طهران. - مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، السيد محمد بن علي الموسوي العاملي،

[ 578 ]

مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1410 ه‍. - مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلامة المجلسي محمد باقر بن محمد تقي، دار الكتب الإسلامية، طهران 1411 ه‍. - مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني زين الدين علي بن أحمد العاملي، دار الهدى، قم. - مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الحاج الميرزا حسين النوري مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1407 ه‍. - المستصفى من علم الاصول، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، دار الذخائر، قم 1368 ش. - مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلي أبو عبد الله محمد بن منصور بن أحمد، مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، قم 1408 ه‍. - مستمسك العروة الوثقى، السيد محسن الطباطبائي الحكيم، مؤسسة إسماعيليان، قم 1411 ه‍. - مستند الشيعة في أحكام الشريعة، أحمد بن محمد مهدي النراقي، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1405 ه‍. - مستند العروة الوثقى، (تقريرات المحقق الخوئي)، الشيخ مرتضى البروجردي، المطبعة العلمية، قم 1364 ش. - مستند تحرير الوسيلة، للمؤلف (قدس سره) السيد مصطفى الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، 1368 ش. - مسند أحمد، أحمد بن محمد بن حنبل، دار الفكر، بيروت. - المشارح والمطارحات، ضمن مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران 1372 ش.

[ 579 ]

- مشارق الشموس في شرح الدروس، حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). - المشاعر، صدر المتألهين محمد بن إبراهيم الشيرازي، مكتبة طهوري، 1363 ش. - مصباح الاصول (تقريرات المحقق الخوئي)، السيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي، مكتبة الداوري، قم 1412 ه‍. - مصباح الفقاهة (تقريرات المحقق الخوئي)، محمد علي التوحيدي، انتشارات وجداني، 1371 ش. - مصباح الفقيه، الشيخ آقا رضا بن محمد هادي الهمداني، مكتبة الداوري، قم. - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، دار الكتب العلمية، بيروت 1398 ه‍. - مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، 1372 ش. - مطارح الأنظار (تقريرات الشيخ الأنصاري)، الشيخ أبو القاسم الكلانتر، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). - المطالب العالية من العلم الإلهي، فخر الدين الرازي، دار الكتاب العربي، بيروت 1407 ه‍. - المطول في شرح تلخيص المفتاح، سعد الدين التفتازاني مسعود بن عمر بن عبد الله، مكتبة آية الله المرعشي، قم 1407 ه‍. - معارج الاصول، المحقق الحلي جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1403 ه‍. - معالم الدين وملاذ المجتهدين، الحسن بن زين الدين العاملي، منشورات الرضي، قم.

[ 580 ]

- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، مؤسسة النشر الإسلامي، 1361 ش. - المعتبر في شرح المختصر، المحقق الحلي جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي، مؤسسة سيد الشهداء (عليه السلام)، قم 1364 ش. - معتمد العروة الوثقى (تقريرات المحقق الخوئي)، السيد رضا الخلخالي، قم 1364 ش. - المعتمد في اصول الفقه، أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 ه‍. - معجم رجال الحديث، السيد أبو القاسم الخوئي، منشورات مدينة العلم، قم. - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام أبو محمد عبد الله بن يوسف الأنصاري، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، 1291 ه‍. - المغني، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، دار الكتاب العربي بيروت. - مفاتيح الاصول، السيد محمد الطباطبائي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام). - مفتاح العلوم، يوسف بن ابي بكر محمد بن علي السكاكي، دار الكتب العلمية، بيروت. - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، السيد محمد جواد الحسيني العاملي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم. - المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد، المكتبة المرتضوية، طهران. - مقابس الأنوار ونفائس الأسرار في أحكام النبي المختار وعترته الأطهار (عليهم السلام)، الشيخ أسد الله الدزفولي التستري، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم. - مقالات الاصول، الشيخ ضياء الدين العراقي، الجزء الأول، مؤسسة مجمع الفكر

[ 581 ]

الإسلامي، قم 1414 ه‍، الجزء الثاني، مكتبة بو ذر جمهري، طهران 1369 ه‍. - مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 ه‍. - المقنع، الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام)، قم 1415 ه‍. - المكاسب، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمد أمين الأنصاري، الطبعة الحجرية، تبريز، 1375 ه‍. - المكاسب المحرمة، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1373 ش. * ملحقات العروة الوثقى = العروة الوثقى. - الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، دار صعب، بيروت 1406 ه‍. - المناقب، محمد بن على بن شهرآشوب السروي المازندراني، انتشارات العلامة، قم. - مناهج الأحكام والاصول، أحمد بن محمد مهدي أبي ذر النراقي، الطبعة الحجرية. - مناهج العقول (شرح البدخشي)، محمد بن الحسن البدخشي، دار الكتب العلمية، بيروت 1405 ه‍. - مناهج الوصول إلى علم الاصول، الإمام الخميني (قدس سره)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)، قم 1414 ه‍. - منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، الحسن بن زين الدين العاملي الجباعي، مؤسسة النشر الإسلامي، 1362 ش. - منتهى الاصول، السيد حسن الموسوي البجنوردي، مطبعة النجف، 1379 ه‍.

[ 582 ]

- منتهى المطلب في تحقيق المذهب، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، الطبعة الحجرية. - منطق أرسطو، تحقيق عبد الرحمن البدوي، وكالة المطبوعات الكويت، دار القلم، بيروت 1980 م. - منهاج الصالحين، السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، مطبعة مهر، قم 1410 ه‍. - منية الطالب في حاشية المكاسب (تقريرات المحقق النائيني)، الشيخ موسى النجفي الخوانساري، الطبعة الحجرية. - مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام، السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري، مؤسسة المنار، قم 1413 ه‍. - الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة إسماعيليان، قم 1371 ش. " ن " - النجاة من الغرق في بحر الضلالات، أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، طهران 1364 ش. - نقد المحصل، المحقق الطوسي نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن، دار الأضواء، بيروت 1405 ه‍. - النوادر، أبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، قم 1408 ه‍. - نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، مؤسسة إسماعيليان، قم 1410. - نهاية الاصول (تقريرات المحقق البروجردي)، حسين علي المنتظري، نشر

[ 583 ]

تفكر، قم 1415 ه‍. - نهاية الأفكار، (تقريرات المحقق العراقي)، الشيخ محمد تقي البروجردي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1405 ه‍. - نهاية التقرير (تقريرات المحقق البروجردي)، محمد الموحدي الفاضل، قم. - نهاية الحكمة، السيد محمد حسين الطباطبائي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1404 ه‍. - نهاية الدراية في شرح الكفاية، الشيخ محمد حسين الأصفهاني، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1414 ه‍. - نهاية الدراية في شرح الوجيزة، السيد حسن الصدر، نشر مشعر، قم. - نهاية السؤل، جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت 1405 ه‍. - نهاية النهاية في شرح الكفاية، الميرزا علي الإيرواني، مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1370 ه‍. - نهاية الوصول، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، مخطوطة. - النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير المبارك بن محمد الجزري، مؤسسة إسماعيليان، قم 1364 ش. - النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، الشيخ الطوسي محمد بن الحسن بن علي 1405 ه‍. - نهاية النهاية في شرح الكفاية، الميرزا علي الإيرواني، مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1370 ه‍. - نهاية الوصول، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، مخطوطة. - النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير المبارك بن محمد الجزري، مؤسسة إسماعيليان، قم 1364 ش. - النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، الشيخ الطوسي محمد بن الحسن بن علي الطوسي، انتشارات قدس محمدي، قم. - نهج البلاغة، الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى، دار الهجرة، قم 1395 ه‍.

[ 584 ]

" و " - الوافي، الفيض الكاشاني محمد بن الشاه مرتضى، المكتبة الإسلامية، 1375 ه‍. - الوافية في اصول الفقه، الفاضل التوني عبد الله بن محمد البشروي الخراساني، مجمع الفكر الإسلامي، قم 1412 ه‍. - وسائل الشيعة " تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل الشريعة "، محمد بن الحسن بن علي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1409 ه‍. - وقاية الأذهان، أبو المجد محمد رضا النجفي الأصفهاني، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم 1413 ه‍. " ه‍ " - هداية المسترشدين في شرح معالم الدين، محمد تقي الأصفهاني، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الحجرية، قم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية