الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 7

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 7


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء السابع مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 7) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 14000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

المقصد التاسع في البراءة

[ 3 ]

مقدمة وقبل الخوض في بحوثها، لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى امور: الأمر الأول: حول تقسيم أحوال المكلف قد تعارف تقسيم أحوال المكلف، فأول من قسمها الشيخ ظاهرا، وقال: " إن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي، فيحصل له إما الشك فيه، أو الظن، أو القطع... " (1). وحيث هو لا يخلو من مناقشات محررة (2)، وأمتنها أن أخذ المكلف بلا وجه، كما سيمر عليك، وأخذ الظن غير جائز، لأنه إما يلحق بالأول، أو الثاني، ولذا فربما عدل لأجلها الشيخ إلى ما أفاده في المقام (3)، مع عدم تجنبه عما اشير إليه آنفا، وإن خلا من بعض المشاكل، كأخذ الواقعة هنا، دون ما هناك، نظرا إلى وضوحه، وإلا فلابد منها، للزوم كون الحكم مورد التصديق من غير وجود الموضوع


1 - فرائد الاصول 1: 2. 2 - بحر الفوائد 1: 2 / السطر 17، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 21 - 23، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 4. 3 - فرائد الاصول 1: 308. (*)

[ 4 ]

له، وهو محال. وحيث إن العلامة الخراساني (قدس سره) التفت إلى بعض المناقشات، عدل عنه وقال: " إن البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف، إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي، أو ظاهري... " (1)، وهو أسوأ حالا مما مر، لأن المراد من " الالتفات " إن كان تصوريا فلا معنى للفعلية والواقعية، وإن كان تصديقيا فلا معنى لعروض الحالات بعد ذلك، كما لا يخفى. وإذ بلغت نوبة التأليف إلى شيخ مشايخنا في " الدرر " عدل عنه وقال: " إن من وضع عليه قلم التكليف، إذا التفت إلى الحكم الشرعي في الواقعة، إما أن يكون قاطعا، أو لا. وعلى الثاني: إما أن يكون له طريق معتبر، أم لا. وعلى الثاني: سواء كان شاكا، أو ظانا بظن غير معتبر. فتكون الحالات منحصرة في أربع، لأن الشك إما يلاحظ فيه الحالة السابقة، أم لا، فالأول مجرى الاستصحاب، والثاني إما أن يكون الشك فيه في جنس التكليف، أو لا، والأول مجرى أصالة البراءة، والثاني إما أن يمكن فيه الاحتياط، أو لا، فالأول مورد الاحتياط والثاني مجرى التخيير " (2) انتهى. وحيث إنه أيضا لا يخلو من المناقشات كمسألة تداخل العلم الإجمالي المبحوث عنه في القطع مع المبحوث عنه في الاشتغال، مع ما عرفت منا من الإشكال المشترك، ويرد أيضا: أن العلم بجنس التكليف، ربما لا يكون على وفق الاصطلاح، كما لا يخفى، فيكون المراد أصل التكليف، لا الجنس في قبال النوع.


1 - كفاية الاصول: 296. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 323. (*)

[ 5 ]

نقول: كما مر تفصيله في أوائل الكتاب، إن من حالات المكلف حالة الغفلة (1)، فإن من المكلفين الغافل بالضرورة، فلا يستوعب التقاسيم المذكورة الغافل عن الحكم، فأخذ " الالتفات " غير لازم أيضا. فالأحسن أن يقال: الإنسان إما أن يكون في قبال الوظائف الإلهية، ذا حجة عقلية، أو عقلائية عرفية. وإذا لم يكن كذلك، وكان شاكا، فلا يخلو إما يكون الشك - سواء كان في التكليف، أو المكلف به - مسبوقا بالقطع، أو لا. وعلى الثاني: إما يكون الشك في أصل التكليف، أو في المكلف به. فالبحث عن حجية العلم الإجمالي في بحوث القطع، غير البحث عن العلم المذكور في مباحث الاشتغال، فإن هناك يدور الكلام حول تمامية الحجة عقلا، وفي مباحث الاشتغال حول أن الاصول الشرعية والأدلة المبيحة الكلية، تستوعب جميع الأطراف، أو بعضها، أم لا ؟ هذا، وقد مر ما يتعلق بهذا الأمر على وجه أحسن في أول بحوث القطع (2)، فليراجع. تنبيه: قال صاحب " الكفاية " عليه الرحمة: " والمهم منها أربعة، فإن مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية، وإن كان مما ينتهى إليها فيما لا حجة على طهارته، ولا على نجاسته، إلا أن البحث عنها ليس بمهم " (3) انتهى. وقد ابتلي بهذه الشبهة بعض المحشين، فأطال الكلام حولها بما لا معنى


1 - تقدم في الجزء السادس: 15. 2 - تقدم في الجزء السادس: 10. 3 - كفاية الاصول: 384. (*)

[ 6 ]

له (1)، وأخذها بعض المعاصرين مذعنا بأن هذا إشكال على مباحث الاصول (2). والإنصاف: أنه من الغريب، ضرورة أن النجاسة والطهارة إذا كانتا معلومتين، فحكمهما معلومان، وإذا كانتا مجهولتين، فالحلية والحرمة مشكوكتان، لأن الشك فيهما من الشك في جواز الأكل تكليفا، وجواز الصلاة وضعا، فيتمسك بقاعدة الحل، فعليه يرجع الشك فيهما إلى الشك في التكليف، وإلا فالنجاسة والطهارة بما هما لا أثر لهما، أو يرجع الشك فيهما إلى المكلف به، فلا يكون خارجا عن البحوث الاصولية. نعم، في موارد الشك في الطهارة والنجاسة، تكون قاعدة شرعية إلهية حاكمة على أصالة الحل، من غير احتياج إليها حتى في مورد، لأن في جميع موارد تلك القاعدة، تكون قاعدة البراءة دافعة ومرجعا، فاغتنم. الأمر الثاني: في أنه لا مناسبة لذكر الحكومة وأنحائها هنا سيمر عليك تحقيق حقيقة الحكومة وأقسامها في بحوث التعادل والترجيح (3)، والبحث عن هذه المسألة هنا، أيضا من الخلط بين ما هو شأن الباحث الاصولي، وبين ما هو وظيفة المكلفين، فإن وظيفة المكلف عدم الرجوع إلى الاصول مع وجود الأمارة على خلافها، وأما الباحث الاصولي فلا يلزم أن يلاحظ تقدم الأمارات على الاصول في مبحث تنقيح مفاد الاصول ومجاريها، لأن البحث مجرد فرض، ويكون نظره إلى تنقيح مفاد أدلة الاصول ومصبها وموضوعها، سواء كان هو متعبدا معتقدا بأساس المذهب، أم لم يكن، وسواء كان شاكا، أو غير شاك.


1 - نهاية الدراية 4: 14 - 19. 2 - مصباح الاصول 2: 249 - 251. 3 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث. (*)

[ 7 ]

وعلى كل تقدير: لا شبهة في أصل تقدم الأمارات على الاصول بالضرورة، وإنما الخلاف في أن التقديم بالحكومة مطلقا (1)، أو الورود مطلقا (2)، أو هناك تفصيل (3)، فمن الأمارات ما يكون حاكما، كقاعدة اليد، لقوله (عليه السلام): " من استولى على شئ منه فهو له " (4) ومن الأمارات ما يكون واردا، كالخبر الثقة، فإنه حجة، ولا موضوع واقعا لأدلة الاصول في مصب قامت فيه الحجة الشرعية. ويحتمل أن تكون أدلة الأمارات مخصصة ومقيدة، كما يحتمل أن تكون أدلة الأدلة، منصرفة عن موارد الأمارات والحجج العقلائية. وحيث إن المسألة تحتاج إلى التدبر في كل أمارة برأسها، لقيام ذلك على النظر في الأدلة الخاصة، فالإحالة إلى محالها أولى وأحوط، وإن كان الأمر سهلا. الأمر الثالث: في اصولية مسألة البراءة مطلقا إن البحث عن البراءة في الشبهات الحكمية والموضوعية - تحريمية، أو إيجابية بأقسامها، وعلى تفاوت مناشئها، من فقدان النص، أو إجماله، أو تعارض الأدلة، بعد ما كانت ساقطة مثلا - من البحث الاصولي، وتكون المسألة من المسائل الكلية الاصولية، لمايستنتج منها قانون كلي يستنبط به الفروع، ضرورة أن البحث بين الأخباري والاصولي، يرجع هنا إلى أن المشكوك وجوبه أو حرمته، وغير المعلوم حكمه، المردد بين الإلزامي وغيره، هل يكون مرفوعا وغير مستتبع لشئ، أو لا ؟


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 326 - 327، و 4: 591 - 601. 2 - كفاية الاصول: 488 - 489. 3 - فرائد الاصول 2: 750 - 752. 4 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب مواريث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. (*)

[ 8 ]

وعلى كل تقدير: تنقح هنا الكبرى الكلية الواقعة كبرى لقياس الاستنتاج، ويحتج به الفقيه في مورد الابتلاء. وأما البحث عن خصوصيات هذه الكبرى، فهو لا يضر بصحتها الإجمالية التي هي معنونة بين الأخباري (1) والاصولي (2) في الشبهات التحريمية، وبين الاسترآبادي (3) والاصولي (4) في الشبهات الوجوبية. ومن هنا يظهر: أن ما صنعه الشيخ الأعظم الأنصاري من تخصيص الصور المذكورة بالبحث على حدة، لاختصاص بعض الصور ببعض الأدلة (5)، غير جائز، والأمر سهل. وبالجملة تحصل: أن البحث هنا حول أن في محل الشك في الحرمة وغير الوجوب، أو الوجوب وغير الحرمة - تكليفية كانت، أو وضعية - يكون المرجع قاعدة " كل مشكوك مرفوع " أو قاعدة " كل مشكوك ليس بمرفوع ". وعلى كل تقدير: هي قاعدة اصولية يستدل عليها بالأدلة الآتية، وهي مورد الخلاف بين الأخباريين والاصوليين، بحسب النفي والإثبات، وبين الاصوليين أنفسهم بحسب الإطلاق والخصوصيات، بعد معلومية أن المراد من " الشك " هو الشك غير الاستصحابي، بناء على اعتبار الاستصحاب. ولنا أن نقول: هو الأعم في مهم البحث، لعدم جريان استصحاب الأحكام الإيجابية، كالوجوب والحرمة، والعدمية كعدم الوجوب والحرمة، وكل لجهة خاصة


1 - وسائل الشيعة 27: 163، الحدائق الناضرة 1: 44. 2 - الفوائد الحائرية: 239 - 240، قوانين الاصول 2: 16 / السطر 3 - 5، الفصول الغروية: 351 / السطر 17 - 18، فرائد الاصول 1: 315. 3 - الفوائد المدنية: 138 / السطر 9. 4 - الفصول الغروية: 351 / السطر 17 - 18، فرائد الاصول 1: 315 و 377. 5 - فرائد الاصول 1: 314. (*)

[ 9 ]

محررة في محلها (1). نعم، يجري هو في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية، على إشكال في الأخير يأتي تفصيله في محله (2)، فانتظر حتى حين. إذا تبينت هذه الامور، فلنشرع فيما هو المقصود الأصلي في هذا المقصد التاسع من مقاصد الكتاب.


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 2 - لاحظ ما يأتي الجزء الثامن: 436 - 439. (*)

[ 11 ]

أدلة الاصوليين على البراءة

[ 13 ]

فنقول: إن الاصوليين استدلوا بالأدلة العقلية واللبية والنقلية على البراءة (1): الاستدلال بالكتاب الكريم فمن النقلية آيات، أظهرها قوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا * وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا * وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح) * (2). وعلى هذا، تكون الآية ظاهرة في العذاب الدنيوي، وتكون راجعة إلى أن شأنه تعالى، ليس ذلك إلا بعد إرسال الرسل وبعثهم، ودعوتهم إلى الاعتقادات الحقة والتوحيد والرسالة، فلا ترتبط بمسألتنا الراجعة إلى فرع من الفروع الجزئية. وحديث الأولوية (3)، غير نافع، لعدم قطعيتها، ضرورة عدم ظهور الآية في نفي الشأن عنه تعالى بالنسبة إلى العذاب قبل البعث، لقوة كونه إخبارا عما سلف،


1 - الفوائد الحائرية: 240 - 242، قوانين الاصول 2: 20، الفصول الغروية: 352 - 354، فرائد الاصول: 316 - 336، كفاية الاصول: 385 - 391. 2 - الإسراء (17): 15 - 17. 3 - نهاية الدراية 3: 29، مصباح الاصول 2: 256. (*)

[ 14 ]

أي ما كنا في الأيام السالفة كذا، فلا يقاس بالآيات الاخر (1)، مثل قوله تعالى: * (ما كان الله ليذر المؤمنين) * (2) وغيره (3)، فإنه نفي عن الحال، وهذه الآية نفي عن الماضي، فإذا لم تكن بصدد نفي الشأن عنه تعالى، لا يثبت بها ما هو المطلوب في المقام، كما لا يخفى. وإطالة البحث حولها بعد ذلك، مما لا معنى لها. وكون بعض الآيات السابقة راجعة إلى مسائل القيامة (4)، لا يضر بظهورها هنا في العذاب الدنيوي، لمناسبة أقوى في ذيلها، كما مر. وأما الإشكالات الاخر، فهي كلها قابلة للدفع، من غير أن يلزم كون الاصولي جدليا في هذه الناحية. ثم إن هناك آيات استدل بها على البراءة إجمالا، وهي كلها مذكورة في المفصلات (5)، وقد عدلنا عنها، لما يشكل تتميم الاستدلال بها. نعم، قد استدللنا سابقا على المسألة بقوله تعالى: * (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) * (6). وحيث إن الآيات السابقة عليها واللاحقة بها، غير مربوطة بالعذاب الدنيوي، فتكون هذه الآية خالية من الإشكال المذكور آنفا.


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 188، أنوار الهداية 2: 24، مصباح الاصول 2: 256. 2 - آل عمران (3): 179. 3 - الأنفال (8): 33. 4 - نهاية الدراية 3: 29، أنوار الهداية 2: 24. 5 - قوانين الاصول 2: 17 / السطر 6 - 7، مفاتيح الاصول: 518 / السطر 14 - 18، فرائد الاصول 1: 316 - 318، نهاية الأفكار 3: 201 - 208. 6 - النساء (4): 165. (*)

[ 15 ]

وحيث إن المفروض فيها، أنهم رسل مبشرون ومنذرون، ولا بشارة ولا إنذار إلا بعد الوصول إلى المكلفين، تكون الآية أيضا من هذه الجهة، صالحة للاستدلال، من غير الحاجة إلى أخذ الرسالة كناية، كما أخذوها كناية عنها (1) في ذيل قوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (2). وحيث إن البحث، حول تمامية الحجة في الشبهات الوجوبية والتحريمية وعدمها، ويظهر من الآية الكريمة الشريفة عدم تمامية الحجة لله على الناس إلا بعد الرسل المبشرين والمنذرين، فتكون شاهدة على عدم تمامية حكم العقل بالاحتياط كما يأتي، بتوهم أن دفع الضرر المحتمل واجب (3). وحيث إن هذه الآية موضوعها * (للناس) * وهو العموم الأفرادي إما وضعا، أو لتمامية مقدمات الإطلاق، فلا قصور في شمولها لجميع المكلفين في سائر العصور وفي عصرنا، بخلاف قوله تعالى: * (وما كنا معذبين) * فإنه كان يحتاج إلى التقريب الذي عرفت فساده. نعم، لا يستفاد من هذه الآية انتفاء الاستحقاق، ولكنه غير منظور، ضرورة أن النظر إلى تمامية الحجة الباطنية أو الظاهرية، ولك أن تكشف بها انتفاء الاستحقاق عند انتفاء الحجة، وإلا فلو كان مستحقا بدونها، لما كان وجه لكون الناس ذوي حجة عليه تعالى، فكان الأمر دائرا بين كون العباد ذوي حجة، أو خالقهم، وأن الله له الحجة بعد الرسل، والعباد لهم الحجة قبل تلك الرسل.


1 - فرائد الاصول 1: 317، نهاية الأفكار 3: 205، أنوار الهداية 2: 21 - 22، مصباح الاصول 2: 255. 2 - الإسراء (17): 15. 3 - يأتي في الصفحة 143 - 145. (*)

[ 16 ]

وأما دعوى: أن هذه الآية أيضا - بحسبما تعارف في الكتاب من ذكر أحوال المرسلين، وما صنع بأقوامهم - تكون مرتبطة بالعذاب الدنيوي، فهي مضافا إلى عدم وجود القرينة عليها، مدفوعة: بأن مفاد التعليل أعم، وأن الأمر يدور مدار البشارة والإنذار، وتمامية الحجة وعدمها، فمن التعليل يستفاد العموم، فاغتنم. نعم، يمكن الإشكال من جهة أن الآية لا إطلاق لها بالنسبة إلى الشبهات الوجوبية والتحريمية الفرعية ولا يكفي العموم الأفرادي لمرجعية هذا الشك، ولكنه مندفع أيضا بظهورها في الإطلاق، كما لا يخفى.

[ 17 ]

الاستدلال بالسنة ثم إن الروايات المستدل بها على البراءة طائفتان: الطائفة الاولى: الروايات ضعيفة السند منها: حديث الحجب رواه " الكافي " بسند معتبر إلى زكريا بن يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم ". ومثله في " التوحيد " (1). وفي نسخة اخرى: " ما حجب الله علمه على العباد " (2). ولولا اشتراك ابن يحيى بين الموثق وغير الموثق، كان الخبر معتبرا، ولا يبعد اعتباره لأجل الجهات الخارجية. وقد يناقش في الاستدلال به: بأن الظاهر من إسناد الحجب إليه تعالى، اختصاص الحديث بموارد عدم التبليغ، سواء كان لأجل عدم المقتضي، أو لأجل وجود المانع، لأنه مما حجبه الله، وأما المحجوب عنا بالعلل الخارجية الكونية، فهو ليس مما حجبه الله (3)، ولا شبهة في أن الفرضين الأولين مورد تسالم الأخباري والاصولي، وما هو مورد الخلاف خارج عن مصب الحديث.


1 - الكافي 1: 164 / 3، التوحيد: 413 / 9. 2 - جامع أحاديث الشيعة 1: 390، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 8. 3 - فرائد الاصول 1: 326. (*)

[ 18 ]

وبعبارة اخرى: الحديث ناظر إلى الصورتين الاوليين، وفي موارد الشبهة لا يصلح للمرجعية، لأنها من الشبهة الموضوعية بالقياس إليه، ضرورة أنه في كل مورد شك في أنه حرام أو واجب، يشك في أنه من الصورتين، أو من الثالثة، فلا يصلح حينئذ للمرجعية. ويمكن أن يقال: إنه في كل مورد لابد وأن ورد من الشرع شئ، لأنه لا تخلو واقعة إلا وهي ذات حكم، وقد ورد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " ما من شئ يقربكم من الجنة... إلا وقد أمرتكم به... " (1) إلى آخره، فعليه لابد وأن ترجع الشبهة إلى الصورة الثالثة التي هي مصب الحديث. وبالجملة: يستفاد من الحديث المشار إليه ومن الأمر السابق عليه، أن شرب التتن مورد الحكم الإلهي، إلا أنه غير معلومة خصوصيته بعد معلومية عدم الوجوب، فيكون الحديث مخصوصا بالصورة الثالثة ولو كان مجازا. ثم إن منشأ الشك تارة: يكون إجمال النص، واخرى: تعارض النصين، وفي هاتين الصورتين يكون الحجب مستندا إليه تعالى، نعم في صورة فقد النص بعد صدوره وعدم وصوله، لا يصح الانتساب، وهكذا في الشبهة الخارجية، فتأمل. ثم إن لنا إنكار عدم جواز الاستناد إليه تعالى في مطلق الصور، لأن القول بالأمر بين أمرين، يقتضي نفوذ إرادته وقدرته في كافة الأشياء. هذا مع أن لمكان كون الحديث هكذا: " ما حجب الله عن العباد " لابد من القول بحذف ضمير العائد، أي " ما حجبه الله " أو " ما حجب الله إياه " وعليه يجوز أن يكون المحذوف مضافا إليه تعالى، وتكون كلمة " ما " وقتية، أي " ما حجب حكم الله " على البناء للمجهول، أو " في وقت حجب حكم الله فهو موضوع "


1 - الكافي 2: 74 / 2، وسائل الشيعة 17: 45، كتاب التجارة، أبواب مقدمات التجارة، الباب 12، الحديث 2. (*)

[ 19 ]

فلانسبة إليه تعالى. ثم إنه لو كان على فرض انتساب الحجب إليه تعالى، فلا معنى لاختصاص الحديث بالصورتين الاوليين، لأن الوضع هناك واضح لا حاجة إليه، وضروري أنه لا معنى له بعد كون الحديث في مقام الامتنان، فلابد وأن يكون شاملا للصورة الثالثة، أو مختصا بها. وتوهم: أنه امتنان بالقياس إلى حكم العقل بدفع الضرر المحتمل، غير صحيح، لما لا احتمال في الصورتين المذكورتين. وأما ما في " تهذيب الاصول ": " من الالتزام بالمجازية، وأن قوله (عليه السلام): " فهو موضوع عنهم " شاهد على أن الحديث مربوط بالصورة الثالثة، لما لا معنى للوضع إلا بعد الجعل والتبليغ، فيكون ذيل الحديث شاهدا على المطلوب. ونسبة الأفعال إليه تعالى مجازا، كثيرة الدور في الكتاب والسنة " (1). فهو ولو كان مما لا بأس به في ذاته، إلا أنه يتوجه إليه حسب الصناعة: أنه يمكن أن يكون الصدر قرينة على الذيل، أو بالعكس، ولا نسلم الكثرة المذكورة إلى حد صارت أصلا عند العقلاء. نعم، إذا ضم إليه ما ذكرناه أخيرا يتم المطلوب، إلا أنه لا حاجة - بعد تلك القرينة العقلية - إلى القرينة اللفظية، فكون الوضع مستعملا مجازا، ليس مرجوحا بالنسبة إلى مجازية النسبة إليه تعالى على حد يتعين الثاني، فيدور الأمر بين المجازين، ولا ترجيح. بقي شئ: حول شمول حديث الحجب للشبهتين الموضوعية والحكمية إن المراد من الموصول، لا يمكن أن يكون الشبهات الحكمية والموضوعية،


1 - تهذيب الاصول 2: 173. (*)

[ 20 ]

ولا معين لاختصاصه بالاولى، فلا يصلح للمرجعية فيما هو مهم بحث الاصولي والأخباري. وفيه أولا: أن الجمع ممكن، ضرورة أن الموصول - كما يأتي في حديث الرفع (1) - مبهم موجب لانتقال المخاطب إلى العناوين الذاتية، وحكمها الكلي، أو الجزئي. وثانيا: أن كلمة " علمه " في الحديث، توجب توهم الاختصاص بالحكمية (2)، ولكن قد عرفت أن نسخة " الكافي " ليس فيها ذلك، فعلى الصورتين تكون المسألة مورد الحديث، وحيث لا سياق هنا لا وجه لصرفه إلى الشبهة الموضوعية، بل لو كانت نسخة الصدوق حديثا آخر غير نسخة " الكافي " كما هو رأي بعض الأصحاب (3)، كانت نسخة الصدوق منحصرة بالشبهة الحكمية، لظهور كلمة " علمه " في الشبهات الحكمية الكلية، فتأمل. وغير خفي: أن مفاد الحديث الشريف، مناف لإيجاب الاحتياط في موارد الجهل، لظهوره في عدم ترتب الأثر إذا تخلف المكلف عنه، لجهله واحتجابه. منها: حديث السعة ثم إن من الأحاديث التي لاسند لها، ولا يبعد دلالتها: ما في " عوالي اللآلي " عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " الناس في سعة ما لم يعلموا " (4). وظهور " ما " حينئذ في الوقتية مما لا يكاد يخفى، وما توهموه من المعارضة


1 - يأتي في الصفحة 48. 2 - نهاية الأفكار 3: 226. 3 - ضوابط الاصول، الدليل العاشر على البراءة / السطر 38. 4 - عوالي اللآلي 1: 424 / 109. (*)

[ 21 ]

بينه وبين أدلة الاحتياط (1)، لأجل نقل الحديث على خلاف ما في أصله: وهو " الناس في سعة مما لا يعلمون " فإنه عندئذ يتعين - حسب الأظهر - في الموصول. فعلى هذا، دلالة الحديث على أصل التوسعة في موارد عدم العلم واضحة، والقدر المتيقن منه هي الشبهات الحكمية، إلا أن الظاهر من عدم العلم عدم الحجة، وأدلة الاحتياط - لو تمت - حجة على الواقع. ولا يبعد كون " ما " على التقديرين وقتية، وإلا يلزم أن يكون الجار والمجرور متعلقين بالفعل المحذوف، أي " الناس يكونون في سعة ما لا يعلمون " وهو خلاف الأصل. وقيل (2): " إن في بعض الأخبار ورد: " الناس في سعة حتى يعلموا " (3) وهو أيضا يؤيد ما ذكرناه، فاغتنم. ومجرد إمكان كون المراد من الحجة، هي الأمارة القائمة على المجهول غير المعلوم، وهو الحكم، وأن الحجة منصرفة إلى الدليل القائم عليه، لا يكفي، كما لا يخفى. منها: حديث كل شئ مطلق ومن هذه الطائفة، أي الأخبار التي لا سند لها: مرسلة " الفقيه ": " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " فإنه فيه قال: روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " (4).


1 - كفاية الاصول: 389، أجود التقريرات 2: 181، تهذيب الاصول 2: 174، مصباح الاصول 2: 278. 2 - الدرر النجفية: 27 / السطر 31. 3 - الكافي 6: 297 / 2. 4 - الفقيه 1: 208 / 937. (*)

[ 22 ]

وعن " العوالي " عن الصادق (عليه السلام) مثله، إلا أن فيه بدل " نهي ": " نص " (1). وفي " جامع الأحاديث " للسيد الاستاذ (رحمه الله) عن " أمالي ابن الشيخ " الطوسي (رحمه الله) بسند غير نقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر ونهي، وكل شئ يكون فيه حلال... " (2). وحيث لا اعتبار به، لا وجه لإطالة الكلام حوله، ونقد ما افيد وأفادوه (3). وما في " تهذيب الاصول ": " من أنه من المراسيل الخاصة، لقول الصدوق: قال الصادق: كذا " (4) غير تام صغرويا، لما مر، وكبرويا، لما تحرر في محله (5). ومناقشة العلامة الخراساني (قدس سره): " بأن الورود أعم من الوصول " (6) ينافيه ما عن " أمالي الشيخ " (رحمه الله) فإنه يؤيد أن المراد من الورود هو الوصول. مع أنه المناسب للامتنان المستفاد من نفس هذا الحديث وأشباهه. والمناقشة فيه أيضا: " بأن المراد إفادة الإطلاق قبل بعثة الرسل وإنزال الكتب " فهي وإن كان يؤيدها كلمة " نص " أو ما في " الأمالي " إلا أن كلمة " نهي " تورث خلافها، والضرورة قاضية بأن الحديث إنشاء، لا إخبار عما لا أثر له، ومن الواضح أن كثيرا من الموضوعات، كانت مورد الأحكام قبل الإسلام، فما عن العلامة النائيني (7) أبعد عن الواقع.


1 - عوالي اللآلي 2: 44 / 111. 2 - الأمالي، الطوسي: 669 / 1405، المجلس 36، جامع أحاديث الشيعة 1: 392، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 16. 3 - فرائد الاصول: 327، كفاية الاصول: 389 - 390، درر الفوائد، المحقق الحائري: 450 - 451، نهاية الأفكار 3: 230 - 231. 4 - تهذيب الاصول 2: 179. 5 - لعله (قدس سره) حرر هذا البحث في فوائده الرجالية وهي مفقودة، لاحظ ما يأتي الجزء الثامن: 381. 6 - كفاية الاصول: 389. 7 - لاحظ الرسائل الفشاركية: 50، أجود التقريرات 2: 182. (*)

[ 23 ]

نعم، بناء على كون الغاية " نهي " يعارض هذا الحديث أحاديث الاحتياط، وأما بناء على النسختين الأخيرتين فلا، فصلاحية الحديث سندا ودلالة، غير واضحة جدا. وإن شئت قلت: يتحمل الحديث الاحتمالات الكثيرة: احتمال كون المراد من الإطلاق، إفادة عدم المنع والقيد الواقعي والإباحة الواقعية، في قبال القول: بأن الأصل هو الحظر (1)، فيكون المراد من " ورود النهي " هو صدور الدليل على المنع. واحتمال إفادة الإطلاق، وعدم المنع عن ارتكاب كل شئ، والإباحة الواقعية الثانوية، بعد كون الأصل الأولي المنع، إلا أن الشرع - نظرا للتسهيل - رخص وأباح حتى يرد النهي، ويكون المراد من " ورود النهي " هو صدوره الواقعي. وفي كلا الاحتمالين يجوز أن تكون الغاية صدور النهي الواقعي، أو وصوله وإن لم يصدر، أو صدوره المقيد بالوصول، ويكون المراد من " النهي " هو النهي بمعناه الواقعي، أو النهي الأعم منه ومما يكون في موارد الاحتياط، فإنه حينئذ يثبت النهي العقلي، لأجل إيجاب الاحتياط الشرعي، ولو لا ذلك الإيجاب لا يكون نهي عقلي. واحتمال ثالث: وهو أن يكون المراد من " الإطلاق " هو عدم المنع وعدم القيد الظاهري، فتكون الإباحة الظاهرية مجعولة لموارد الجهل بالواقع، سواء كان شرب التتن محرما ومنهيا واقعا، أم كان مباحا، أو كان محظورا، فيكون دليلا على الترخيص في قبال الأخباريين، بشرط أن يكون المراد من " الورود " هو الوصول، ومن " النهي " هو معناه البدوي، أي النهي الشرعي. ويحتمل أن يكون المراد من " الورود " هو الصدور هنا، ومن " النهي " أعم.


1 - عدة الاصول: 296 / السطر 8 - 10. (*)

[ 24 ]

وهنا احتمال رابع: وهو أن المقصود جعل الإباحتين، الواقعية، والظاهرية، فيكون شرب التتن مباحا واقعا إلى أن يرد فيه النهي، ولو كان في مورد الشك والشبهة، فهو أيضا شئ مطلق ولو كان ممنوعا بالنهي الواقعي، حتى يرد ويصل النهي إلينا. ودعوى امتناع الجمع في الدليل الواحد بين الحكمين: الواقعي، والظاهري، قابلة للدفع بعد انحلال القضية إلى الأحكام انحلالا حكميا، ضرورة أن شرب التتن شئ، فيكون مطلقا حتى يرد فيه المنع والنهي، وإذا كان في مورد مشكوكا ومحلا للشبهة، فهو أيضا شئ بلا إشكال، فيكون مباحا، لأن بورود النهي الواقعي وإن خرج عن الإطلاق، ولكنه لا يخرج عن الشيئية، فيكون منطبقا عليه مصداق من الخطاب المنحل، وحينئذ يكون المراد من " الورود " مصداقه الآخر: وهو الوصول، لأن المراد من " النهي " الوارد أعم من الصادر والواصل، ضرورة أن النهي الصادر الواصل، من النهي الوارد، وهكذا الصادر غير الواصل، فالوارد يشمل النهيين أيضا. وبالجملة: لا يبعد إمكان الجمع بين الإباحتين، فيكون دليلا على الخصمين في مسألة أصالة الإباحة، وأصالة البراءة. أقول: بعد هذه الاحتمالات الكثيرة، كيف يمكن الإذعان بأحدها تعيينا: وهو أن المراد من " المطلق " هو عدم المنع الظاهري، فإنه ينفع، أو أن إباحة الظاهر داخلة مع عدم أخذ الشك والشبهة في ناحية الموضوع ؟ ! وغاية ما يستدعي ذلك، أن صدور مثله عن المعصوم (عليه السلام) يشهد على أنه مربوط بالمسائل المبتلى بها، والضرورة قائمة على أن العناوين الأولية، قد أوحى الله أحكامها إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو كان شئ نجسا ومودوعا مثله عند الإمام (عجل الله تعالى فرجه) ولكنه مجعول له الطهارة فعلا، فلا يوجد مطلق بالمعنى الواقعي، فيكون المراد من " المطلق " هو المشكوك والمشتبه.

[ 25 ]

مع أن جعل الإباحة الواقعية قليل النفع جدا، فيستظهر من الصدر أن الموضوع هو المشكوك وغير المعلوم، فالشئ المجهول مطلق. وعلى هذا، لا معنى لأن يكون المراد من " الورود " غير الوصول، لأنه لا حالة انتظارية لأن يرد من الله تعالى فيه شئ، فإنه قد ورد قبل ذلك النهي، أو الإباحة، أو غير ذلك من الأحكام بالنسبة إلى الموضوعات الكلية. وفي الإتيان بجملة الاستقبال، أيضا نوع شهادة على أن المراد هو الوصول، ويؤيده ما في " الأمالي " كما مر. وأما دعوى: أن النهي أعم (1)، فهي غير بعيدة، لعدم وجه لحمله على النهي الشرعي المولوي، ولاسيما بعد كونه النكرة المفيدة عموما بدليا، لأجل التنوين. نعم، ما هو المتبادر البدوي هو النهي الخاص، فتقع المعارضة بين هذه الرواية وأخبار الاحتياط، والأمر - بعد كونه بلا سند - سهل. إيقاظ: من الغريب ما أفاده العلامة الخراساني (قدس سره): " من أنه ولو كان الحديث لجعل الإباحة الواقعية، وكان المراد من الورود هو الصدور، يجوز أن يرجع إليه في مسألتنا، لأن الشبهة المصداقية تنحل باستصحاب عدم الورود، فيكون المستثنى منه مرجعا فيما نحن فيه " (2) ! ! وفيه: - مضافا إلى أن النهي إذا كان أعم، لا يكفي، لورود ذلك في ضمن أخبار الاحتياط - أن استصحاب عدم الورود من الأصل الموضوعي، ولا أثر له، ولا معنى له، بل هو يرجع إلى استصحاب عدم النهي، وهو غير جار حسب التحقيق عندنا. مع أنه لا حاجة إليه بعد ذلك، إلا أن يقال: بأنه لا ترتفع الشبهة إلا بالدليل الاجتهادي الموجود، فتأمل جيدا.


1 - نهاية النهاية 2: 99. 2 - كفاية الاصول: 389 - 390. (*)

[ 26 ]

إفادة: فيما يدل على اختصاص حديث الإطلاق بالحلية الظاهرية مما يوجب صرف الحديث المذكور إلى الحلية الظاهرية: أن جميع الشرائع والقوانين الإلهية الموضوعة على عناوينها، تكون داخلة في النظام العالمي، وتكون الإرادة فيها من الإرادة الأزلية المتعلقة بها فيما لا يزال، ولا يعقل دعوى حدوث الإرادة التشريعية بظهور الإسلام، حتى يقال: " كل شئ مطلق قبل الإسلام مثلا، حتى يرد فيه نهي ". ثم إنه لو كان: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " مختصا بالشبهات التحريمية وبالحلية الواقعية، و " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نص " مختصا بالحلية الواقعية في الشبهات التحريمية والوجوبية، تكون الأشياء مطلقة حتى يرد عليك نهي أو أمر ظاهر في الحلية الظاهرية، لأن الغاية هي الوصول، كما لا يخفى. منها: حديث الحل ومن هذه الطائفة، أي ما يشكل الاتكال عليها سندا: ما رواه " الكافي " عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه، فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك، أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة " (1).


1 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. (*)

[ 27 ]

وغير خفي: أن اشتهار توصيفها ب‍ " الموثقة " (1) في غير محله، لعدم نص على وثاقته في الاصول الخمسة، ومجرد كونه من مشايخ الصدوق، وتصحيح العلامة (رحمه الله) السند الذي هو فيه (2) بلا دليل، غير كاف. نعم، ربما يجد المتتبع من الأمارات الكلية ورواية بعض الأجلاء عنه، حسن حاله. مع أنه قليل الرواية، وتقل رواية الأجلاء عنه، وقد أطال العلامة النوري حول وثاقته (3)، إلا أني - بعد وسع مشربي - غير راكن إليه، إلا على ما أبدعناه في بعض مسطوراتنا (4)، وهو أصالة العدالة إلا ما خرج بالدليل. وعلى كل: في تمسك الشيخ به في الشبهة الموضوعية (5)، والعلامة الخراساني (رحمه الله) في الشبهة الحكمية (6)، لا يلزم انقلاب الواقع، فإن في هذا الحديث عمومين لفظيين، أحدهما: في الصدر، والآخر: في الذيل. وعلى كل تقدير: لا يضر القدر المتيقن في مقام الخطاب بهما، ولاسيما على القول: بأنه العموم اللفظي وضعا، ولا يحتاج إلى مقدمات الحكمة في السريان العمومي، فما أفاده العلامة الأراكي (7)، غير مرضي جدا. وأما كون الأمثلة موجبة لصرف العموم المذكور في الصدر أو الذيل إلى الشبهات الموضوعية، بعد قوله: " كلها " (8) فهو ممنوع، لأنه كثيرا ما تتفق الأمثلة،


1 - الوافية في اصول الفقه: 207، أجود التقريرات 2: 183، تهذيب الاصول 2: 188. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 588 / السطر 18 - 22. 3 - مستدرك الوسائل 3: 674، الفائدة الخامسة من الخاتمة. 4 - لعله في فوائده الرجالية وهي مفقودة. 5 - فرائد الاصول 1: 330 و 368 - 369. 6 - كفاية الاصول: 388 - 389. 7 - مقالات الاصول 2: 61 / السطر 8 - 10، نهاية الأفكار 3: 234، مناهج الوصول 2: 232 - 234، محاضرات في اصول الفقه 5: 151. 8 - أجود التقريرات 2: 184، نهاية الأفكار 3: 234، مصباح الاصول 2: 274. (*)

[ 28 ]

ولا معنى لكونها موجبة لاختصاص المطلق أو العموم بالخصوصيات الموجودة فيها، ولاسيما بعد عدم القول بالحاجة إلى مقدمات الإطلاق في مثل العمومين المذكورين، فإن احتمال كون " الألف " و " اللام " في كلمة " الأشياء " للعهد الذكري، مدفوع، لقوله: " كلها " وفي ذلك غاية إلى صرف الأذهان عن تلك الأمثلة إلى مطلق الامور المشتبهة، وبعد قوله: " كل شئ هو لك حلال ". وقوله: " حتى " في الصدر والذيل لا تحتمل الإباحة الأصلية، بل هي ظاهرة في الإباحة الظاهرية. ومن الأمثلة تبين: أن المنظور من " العلم " هو الحجة، ومن " الإبانة " هو الحجة، ضرورة أن في تلك الأمثلة تكون الغاية حاصلة، وهو العلم في الصدر، والإبانة في الذيل. وبعد عدم كونها مثالا واقعيا صناعيا لقاعدة الحل الظاهري الذي موضوعه الشك، تبين أيضا: أن النظر إلى الأمر الأعم، وهو أن المدار على تمامية الحجة، سواء كانت من قبل الأمارات، أو الاصول، فإن تمت الحجة فهو، وإلا فالأشياء كلها على ذلك، وهي الحلية التي قال: " كل شئ هو لك حلال ". فلا إشكال ولا عويصة في الحديث، بعد كونه قانونا عاما لفظيا شاملا لجميع موارد الجهالة، وعدم وجود الحجة، سواء كان الجهل في موردها، أو في موضوعها، فإذا ثبت العموم وما هو المدار، يثبت المطلوب، لأن من تلك الحجج قول الثقة بحرمة كذا. نعم، ربما يستظهر من كلمة: " بعينه " في الصدر، ومن كلمة: " أو تقوم به البينة " في الذيل، اختصاصها بالشبهات الموضوعية (1). ويتوجه إلى الأول أولا: أنه يتم الاستظهار المذكور بالقياس إلى ملاحظة


1 - أجود التقريرات 2: 184، مصباح الاصول 2: 273 - 274. (*)

[ 29 ]

شرب التتن وأكل لحم الأرنب، إذا كانا كلاهما مشتبهي الحكم، فإذا سأل الإمام (عليه السلام) رجل عن أن شرب التتن حرام، أم لحم الأرنب، أو هما معا، أو كلاهما حلال، يصح أن يجيبه (عليه السلام) بالقاعدة المذكورة. نعم، فيما إذا لم يكن ترديد في البين ولو بالنحو المذكور، يوهم اختصاص القاعدة بالشبهات الموضوعية. وثانيا: ما في ذيلها " الأشياء كلها على ذلك " قاعدة كلية، ربما اتي بها دفعا للتوهم المذكور، وإلا فهي تكرار، وقد عرفت أن في تأكيد العموم بكلمة " كلها " إشعارا بإلغاء خصوصية الأمثلة، حتى حديث الموضوعية. ويتوجه إلى الثاني: أن البينة أولا: ليست العدلين إلا اصطلاحا، وإلا فما هو البينة هو الدليل والحجة، فيتم العموم حينئذ بلا كلام ولو لم يتم العموم في الصدر، ولأجل ذلك تنحصر الغاية في الاستبانة الشخصية والوثوق والاطمئنان والعلم الشخصي، وفي الحجة الشرعية، أو العقلائية. وقد مر في بحوث خبر الثقة: أن الخبر المذكور ليس رادعا عن العمل بخبر الثقة (1)، ولو كان المراد من " البينة " معناها الاصطلاحي للزم الردع عنه، لعدم إمكان إدراج خبر الثقة في الاستبانة بالحكومة أو الورود، لأن البينة أيضا من مصاديقها، وهي مقابله، فاغتنم. وثانيا: أن الغاية المذكورة غاية للشبهتين: الحكمية، والموضوعية، ضرورة أن مشكوك الحكم حلال إلى أن يحصل الوثوق الشخصي أو البينة، والموضوع المشتبه أيضا كذلك، ولكن في ناحية الحكم اعتبر الشرع كفاية خبر الثقة أيضا توسعة بدليل آخر، كما أنه في الموضوعات أيضا يجوز التوسعة، كما ذهب إليه جماعة منهم (2).


1 - تقدم في الجزء السادس: 510. 2 - تذكرة الفقهاء 1: 10 / السطر 10، الحدائق الناضرة 5: 251، مصباح الاصول 2: 172. (*)

[ 30 ]

فتحصل: أن ما ذهب إليه جمع من المعاصرين (1)، وأطال الكلام حوله بعضهم (2)، كله ناشئ عن الغفلة عن العموم الثاني في الذيل، وعن المقصود من " البينة ". نعم، ربما يقال بحكومة أو ورود أخبار الاحتياط عليها، إلا أن يقال بانصراف الغايتين إلى قيام الحجة على الحكم في الواقعة، فتدبر. الطائفة الثانية: الروايات القابلة للاعتماد عليها سندا فمنها: معتبر عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شئ ؟ قال: " لا " (3). ويتم الاستدلال بناء على أن المنظور، ليس نفي العام المجموعي، أو يتم عليه أيضا لنفي القول بالفصل. ولكن لا ينافيه أخبار الاحتياط، كما هو الواضح، وما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره) من المعارضة (4)، في غير محله، لأن المنفي في الجواب هو العقاب خاصة، أو هو وغيره، ولكن في مورد الاحتياط هو يعرف شيئا، وهو لزوم الاحتياط. ولو قلنا: إن في موارد الشبهة لا يعرف الحكم، فلا شئ عليه، فيقع التعارض.


1 - أجود التقريرات 2: 183 - 184، لاحظ نهاية الأفكار 3: 234. 2 - مصباح الاصول 2: 273 - 276. 3 - الكافي 1: 164 / 2، جامع أحاديث الشيعة 1: 390 / 9. 4 - نهاية الأفكار 3: 229. (*)

[ 31 ]

ففيه: أن العرفان وعدمه هو الحجة وعدمها، وأخبار الاحتياط حجة. هذا مع أن الخبر لمكان كلمة " العرفان " ربما يكون مخصوصا بالشبهات الموضوعية، لأن الكليات لا تقبل العرفان، فتدبر. ومنها: معتبر ابن الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن الله احتج على الناس بما آتاهم وعرفهم " (1). والمناقشة فيه: بأن المراد من ذلك هو العقل والفطرة والرسول الباطني في الأبواب الاخر (2)، لأجل معتبر حمزة بن الطيار الآخر (3)، غير تام، لأن ما فيه أيضا غير شاهد على شئ يوجب قصور الإطلاق، إلا أنه لا يدل على وجه ينافي أخبار الاحتياط، وما هو مهم الاصولي ذلك، وإلا فالآيات والأخبار المستفادة منها البراءة العقلية كثيرة، إلا أنه لا ينافيها وجوب الاحتياط الشرعي، ولأجل ذلك انصرفنا عن تعديد الآيات الشريفة إلى ذكر الأحاديث النافية. ومنها: معتبر عبد الأعلى وفيه: * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) * (4) قال (عليه السلام): " حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه " (5). فإن ببركة الاصول هنا يمكن كشف البراءة الشرعية، ضرورة أن في المقام لا


1 - الكافي 1: 162 / 1. 2 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 177 - 178. 3 - الكافي 1: 164 / 4. 4 - التوبة (9): 115. 5 - الكافي 1: 163 / 5. (*)

[ 32 ]

يعرفهم ذلك، فيعارضه أخبار الاحتياط، ومن إضافة العرفان إليه يتبين: أنه لا شئ عليه مادام لم يحصل عرفانه بالحكم والموضوع، فلا يرد عليه ما يرد على ما سبق. ومنها: معتبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة... إلى أن قال: " وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك ". فقلت: بأي الجهالتين يعذر، بجهالته أن يعلم أن ذلك محرم عليه، أم بجهالته أنها في عدة ؟ فقال: " إحدى الجهالتين أهون من الاخرى: الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، وذلك بأنه لا يقدر على الاحتياط معها ". فقلت: وهو في الاخرى معذور. قال: " نعم، إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها ". قلت: فإن كان أحد متعمدا، والآخر يجهل. فقال: " الذي تعمد لا يحل له أن يرجع إلى صاحبه أبدا " (1). وفي بعض النسخ: " بأي الجهالتين أعذر " (2) والأمر سهل. أقول: حيث إن الأهونية ونفس الرواية، تدل على أن مورد الاعتذار هو المعنى التكليفي، لا الوضعي، لإمكان كون المكلف معذورا بالقياس إلى مخالفته، وأعذر بالقياس إلى آخر، لإمكان كون حجته في صورة قيام خبر الثقة، وفي صورة


1 - الكافي 5: 427 / 3، وسائل الشيعة 20: 450 - 451، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الباب 17، الحديث 4، جامع أحاديث الشيعة 1: 404، أبواب المقدمات، الباب 8. 2 - جامع أحاديث الشيعة 1: 404. (*)

[ 33 ]

قيام الخبر المتواتر، أو يكون في صورة جاهلا مقرونا بالعجز، وفي اخرى جاهلا محضا، يصح الاستناد إلى الخبر المذكور على البراءة بنفس الجهالة بالحكم، سواء كانت جهالة مقرونة بالغفلة الموجبة للعجز عن الاحتياط، أو الجهالة غير المقرونة به، كما في الجاهل الملتفت. ودعوى: أن الخبر يدل على أن المفروض فيه الجاهل الغافل لا الملتفت (1)، غير مسموعة بعد التعليل الصريح في أن إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، فإن الأهونية المذكورة فيه لا تمكن إلا في صورة الغفلة، وأما الهينية التي في مقابل أفعل التفضيل، فهي في صورة عدم الغفلة، فالجهل فيه أعم بالضرورة، وتصير النتيجة معذورية الجاهل بالحكم أو الموضوع ولو كان عن التفات. وتندفع المشكلة الاولى - وهي أن الجهالة إن كانت بمعنى الغفلة، ففي الصورتين يعجز عن الاحتياط، وإن كانت بمعنى الجهل المقرون مع الالتفات، ففيهما يتمكن من الاحتياط -: بأن الجهالة هي الأعم، فلا معضلة. ولو شئت تقول: إن هنا إشكالا على التقادير المختلفة، وذلك أن " الجهالة " إن كانت هي الغفلة فلا يتم التعليل، وإن كانت هي الجهل فلا يعذر فيما إذا كان قبل الفحص، ولا تبقى الجهالة بعد الفحص، ضرورة أن الجهالة بالحكم، ترتفع قطعا بالفحص بالنسبة إلى ذلك الحكم الواضح، وبالموضوع أيضا عادة. هذا مع أن في صورة الجهل بالموضوع، لا يستند العذر إلى الجهالة، لأنه إن كان يعلم: بأنها لم تكن في العدة، فالاستصحاب محكم، وإن كان يعلم: أنها في العدة، فأيضا يجري الاستصحاب. وإن كان لا يعلم الحكم الوضعي، فهو كالحكم التكليفي في عدم بقاء الجهالة بعد الفحص، وعدم عذريتها قبله، وهكذا فيما إذا لم يعلم: بأن مقدار العدة أي مقدار ؟


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 448، تهذيب الاصول 2: 186. (*)

[ 34 ]

فبالجملة: متن الحديث مضطرب، فالأولى تركه. وبعبارة اخرى: لا يمكن الشك في العدة إلا بعد العلم بالزواج، فإن كان يشك في بقائه لأجل الموت أو الطلاق، فاستصحابه محكم، وإن كان عالما بزواله فاستصحاب بقائها في العدة جار. ونحن نقول: بعد كون الرواية صادرة في عصر ومصر لا تختص بهما حكما، بل هي قانون عام كلي أبدي، يكون البحث والسؤال فرضيا، لا واقعيا وخارجيا، فإن أمثال ابن الحجاج يسأل عن الأحكام في مسائل مفروضة، فالإشكال في حمل الرواية على فرض الجهل بالموضوع جهلا عن التفات، في غير محله، كما في " الدرر " (1). وعلى هذا، إذا كان بحسب ذات الرواية " الجهالة " أعم، فلا يلزم في ناحية فرضها بالعدة حمل على النادر، وأما في ناحية الحكم فالغفلة أيضا فرضية. نعم، هذا وإن لم يكن من التفكيك، لإمكان الجامع ووجوده، إلا أنه أمر بعيد في ذاته جدا، ولعل مراد المستشكل من " التفكيك " هو التفكيك بحسب الإرادة الجدية، لا الاستعمالية. ويتوجه إلى الاستدلال أولا: بأن معذوريته بالنسبة إلى الشبهة الحكمية، وأهونية هذا العذر من معذوريته بالنسبة إلى الموضوعية، لا تكفي لنا، لأن ما هو المفضل عليه هي الشبهة الموضوعية، وكلامنا فيما إذا كانت الشبهة الحكمية مورد جهالة الملتفت، فلا يعلم منها ما ينفعنا بعد اللتيا والتي. هذا مع أن حديث العذر ينقطع بأخبار الاحتياط. إن قلت: الجهالة المفروضة حاصلة في موارد أخبار الاحتياط. قلت: نعم، إلا أنها اخذت عذرا، فلا تبقى عليه.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 447. (*)

[ 35 ]

تذنيب: في أن الغفلة عذر في الأحكام دون الموضوعات يمكن حمل " الجهالة " على السفاهة، وأن السفيه من لا يهتم في اموره، ولا يعتني بعواقب أفعاله، فيصير طبعا غافلا. إلا أن الغفلة في مصر الأخبار وعصر الروايات بالنسبة إلى الحكم المذكور، أهون من الغفلة بالنسبة إلى ما هو تحت اختياره وقدرته، فإنه بالنسبة إلى الحكم، تكون أسباب الجهالة في تلك الأعصار أقوى وأكثر، أي عدم وجود المقتضي للاطلاع عليه، بعد تشتت الأخبار والأحكام، وقلة من يعرفها، بخلاف الجهالة بالنسبة إلى الموضوع، بعد كونها بين يديه، ويكون المتعارف السؤال عنها. ولو قلت: في ذيل الخبر " والآخر يجهل " وظاهر الجهل هنا والجهالة واحد، وهو عدم العلم. قلت: مع ذلك يمكن حمل " الجهالة " في الرواية على عدم العلم، إلا أن الجهالة بالنسبة إلى الحكم مقرونة بالغفلة التي لا يقدر معها على الاحتياط، ولا يكون التسامح فيه مضرا بعذريته، فلا يجب التحفظ، بخلاف الغفلة في الموضوع الناشئة عن قلة المبالاة، فإنه يقدر على الاحتياط، لعدم عجزه عن الاحتياط إلا لأجل عدم مبالاته بدينه ولو كان معذورا من جهة أصل الجهل، وبذلك تنحل المشاكل ظاهرا، ولا يلزم خلاف ظاهر في ألفاظ الحديث، فليتدبر جيدا. وبعبارة اخرى: كما أن مع العلم بالإكراه، يمنع العقل عن دخول الدار، ويصح أن يقال: " كان قادرا على الاحتياط بعدم دخوله " مع أنه كان عاجزا عن ترك الشرب، كذلك الأمر هنا، فالغفلة هي المقصود هنا في الرواية صدرا وذيلا، إلا أن الغفلة في الحكم عذر، وفي الموضوع ليس بعذر، فيقدر على الاحتياط كما عرفت. نعم، مشكلة جريان استصحاب حياة الزوج أو بقاء النكاح، إن كان الشك في

[ 36 ]

العدة مصحوبا مع الشك فيهما (1)، وهكذا مشكلة استصحاب بقائها في العدة في صورة العلم بالموت أو الطلاق (2)، مندفعة بغفلته عن تلك الحال، وهي ليست من الغفلة التي ليست عذرا، لأن المفروض هي الغفلة عن محرمية التزويج فيها. ويجوز دعوى: أنه يشك في أنها في العدة مع الشك في أصل التزويج، فحينئذ وإن لم يكن الجهل عذرا صناعة، ولكنه عذر أيضا في ذاته، فلا تخلط. ومنها: معتبر عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: إن رجلا أعجميا دخل المسجد يلبي، وعليه قميصه، فقال لأبي عبد الله (عليه السلام)... إلى أن قال (عليه السلام): " وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه، طف بالبيت... " (3) إلى آخره. وتوهم اختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية، فاسد، لما عرفت من نفس الحديث. والمناقشة فيه: بأن " الباء " ظاهرة في علية الجهل للارتكاب (4)، نحو قوله تعالى: * (لعنهم الله بكفرهم) * (5). مندفعة: بأن الجهالة سواء كانت هي الغفلة، أو غير المقرونة بها، وكانت عن التفات، لا يمكن أن تكون علة، لأن العلة هي الإرادة. هذا مع أن الملتفت أيضا


1 - لاحظ بحر الفوائد 2: 21 / السطر 26. 2 - فرائد الاصول 1: 328. 3 - تهذيب الأحكام 5: 72 / 239. 4 - فرائد الاصول: 327. 5 - البقرة (2): 88، النساء (4): 46. (*)

[ 37 ]

يرتكب عن جهالة، فيكفي لدخول " الباء " كون مدخولها دخيلا في الجملة. والذي يتوجه أولا: أن " الجهالة " بحسب اللغة، أقرب إلى السفاهة - بحسب الاستعمال - من الجهل ضد العلم (1)، كما تحرر في ذيل آية النبأ (2)، إلا أنه يمكن دعوى: أن بمناسبة المورد لا يكون المراد هنا إلا ضد العلم أو الأعم. وهكذا الأمر إذا قيل: إن مورد الخبر هو الجهل بعد الفحص، وإلا فهو ليس عذرا، ولا وجه لكونه منه لينحصر بالغفلة. وفيه: أنه قانون عام ولو كان مورده الغفلة. وثانيا: أن من المحرر فيما سلف عدم كون " الجهالة " ما هو معناها اللغوي (3)، لاشتراك موارد الأدلة وغير تلك الموارد في الجهل بالواقع، فيلزم شمول الآية لتلك الموارد. وتوهم الشمول استعمالا، مع حكومة أو ورود أدلة الأمارات عليها، غير صحيح جدا، بل الغاية لا تشمل موارد الأمارات والحجج الشرعية بذاتها، كما تحرر في محله (4)، فيكون " الجهالة " و " الجهل " هو المعنى المخصوص بغير موارد قيام الدليل، فلا تعارض أخبار الاحتياط، لأنها ضد الجهالة، فلا ينفع الاصولي أمثال هذه الروايات وتلك الآيات فيما هو مهمته، كما هو الظاهر. وتوهم: أن الظاهر من " الجهالة " ولو كان ضد الدليل والحجة، أو بلا دليل وبلا حجة، أي يكون الارتكاب بدونه، ولكن المنصرف من الدليل والحجة هي الأمارات القائمة على الأحكام في موارد الجهل، غير ثابت بعد، كما لا يخفى.


1 - لاحظ مجمع البحرين 5: 345. 2 - تقدم في الجزء السادس: 467 - 469. 3 - تقدم في الجزء السادس: 467 - 469 وفي هذا الجزء: 35. 4 - تقدم في الجزء السادس: 338. (*)

[ 38 ]

ومنها: معتبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (1). وهذه الكلية وإن كثرت مع اختلاف ما في روايات الأبواب الاخر (2)، إلا أن المعتبر منها ما هو في الباب الرابع من أبواب من يكتسب به، عن " الوسائل " وصرف ظاهرها بما في غيرها غير صواب ظاهرا، فراجع. وأنت خبير: بأن فيه إشكالات موجبة لاختصاصه بالشبهات الموضوعية التي فيها الحلال والحرام، كما في مثل اللحم، دون مطلق الشبهات الموضوعية كشرب التتن، فلا تخلط. ولو فرضنا أنها أعم فيتوجه إليه ما مر، ضرورة أن في موارد قيام خبر الثقة، لا يكون معرفة بالحكم بالضرورة، فالمراد من " المعرفة " هي الحجة، والأخبار والظواهر قائمة على الحرمة، ومنها أخبار الاحتياط (3)، فاغتنم. وأما توهم: أن معرفة الحرام ممنوعة في مورد أخبار الاحتياط (4)، فقد عرفت أنها ممنوعة مطلقا. ودعوى انصراف الغاية إلى قيام الحجة على الحرمة بالمعنى الأخص - كخبر الثقة، دون مثل أخبار الاحتياط - غير تامة.


1 - الفقيه 3: 216 / 1002، وسائل الشيعة 17: 87 - 88، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 25: 117، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 1 و 2 و 7. 3 - تقدم في الصفحة 31. 4 - نهاية النهاية 2: 98. (*)

[ 39 ]

هذه هي الأخبار، وقد استوفاها استاذنا السيد البروجردي (قدس سره) في مقدمة " جامع الأحاديث " مشيرا في ذيلها إلى الأماكن الكثيرة (1)، ولا يحصل منها ما هو مهم الاصولي، وهو البراءة الشرعية على وجه يعارض الاحتياط الآتية أخباره (2).


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 389 - 405، أبواب المقدمات، الباب 8. 2 - يأتي في الصفحة 156. (*)

[ 40 ]

حول الاستدلال بحديث الرفع على البراءة بقي في المقام حديث الرفع، وقد أخرنا أمره لأنه مرجع الاصوليين في المسائل الكثيرة الكلية، وفيه - مضافا إلى الاحتجاج على الأخباريين - احتجاجات بينهم على المسائل الخلافية بينهم خصوصا، فإن البحث كان إلى هنا حول كشف دليل في الجملة على المقصود فيما هو مورد الخلاف بينهم وبين الأخباريين، وأما في هذا الحديث فيرجع البحث إلى إطلاق القاعدة الكلية: " وهو أن المشكوك مرفوع على الإطلاق " في قبال من يخصه بالتكليفيات دون الوضعيات، وعدمه. فالنظر في هذا الحديث الشريف يقع في جهات: الجهة الاولى: في السند ففي " الكافي " مرفوعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن امتي تسع خصال: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والطيرة، والوسوسة في التفكر في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد " (1). وفي " الفقيه " مرسلا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " وضع عن امتي تسعة أشياء: السهو، والخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، والطيرة،


1 - الكافي 2: 463 / 2. (*)

[ 41 ]

والحسد، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة " (1). وفي " الخصال " و " التوحيد " مسندا عنه (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة " (2). وفي " الوسائل " عن أحمد بن محمد بن عيسى في " نوادره " عن إسماعيل الجعفي، عنه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " وضع عن هذه الامة ست خصال: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه " (3). وفيه عن ربعي، عنه (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عفي عن امتي ثلاث: الخطأ، والنسيان، والاستكراه ". قال أبو عبد الله: " وهنا رابعة: وهي ما لا يطيقون " (4). وفيه أيضا عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن امتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه " (5). وفيه أيضا عن أبي الحسن (عليه السلام) بعد السؤال عن الاستكراه على اليمين قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وضع عن امتي ما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وما أخطأوا " (6).


1 - الفقيه 1: 36 / 132. 2 - الخصال 2: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24. 3 - النوادر: 74 / 157، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 3. 4 - النوادر: 74 / 157، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 4. 5 - النوادر: 74 / 159، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 5. 6 - النوادر: 75 / 160، وسائل الشيعة 23: 237 - 238، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 6. (*)

[ 42 ]

وفي " الوسائل " عن " محاسن البرقي " بسند قوي، عن أبي الحسن (عليه السلام) مثله (1). وفي " المستدرك " عن " دعائم الإسلام " قال جعفر بن محمد (عليهما السلام): " رفع الله عن هذه الامة أربعا: ما لا يستطيعون، وما استكرهوا عليه، وما نسوا، وما جهلوا حتى يعلموا " (2). وفيه عن " تفسير العياشي " عن عمر بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفعت عن امتي أربع خصال: ما أخطأوا، وما نسوا، وما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب الله: * (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان) * (3) " (4). وفي " خاتمة المستدرك " عن " فقه الرضا (عليه السلام) ": " وأروي أن الله تبارك وتعالى أسقط عن المؤمن ما لا يعلم، وما لا يتعمد، والنسيان، والسهو، والغلط، وما استكره عليه، وما اتقى فيه، وما لا يطيق " (5). أقول: وحيث إن أخبار حديث الرفع غير مسندة في الكتب المعتبرة، ك‍ " الكافي " و " الفقيه " وإرسال " الفقيه " مطلقا غير حجة عندنا، وتكون مسندة في غير الكتب المتواترة وغير الثابتة، ضرورة أن مجرد كون كتاب منسوبا في الأسواق إلى الصدوق مثلا، غير كاف، لأن من الكتب ما يسند إلى المؤلفين الأعاظم اجتهادا


1 - المحاسن: 339 / 124، وسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 3. 2 - دعائم الإسلام 2: 95 / 299، مستدرك الوسائل 16: 47، كتاب الأيمان، الباب 8، الحديث 7. 3 - تفسير العياشي 2: 272 / 75، مستدرك الوسائل 16: 51، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 3. 4 - النحل (16): 106. 5 - فقه الرضا (عليه السلام): 386، مستدرك الوسائل 3: 344، الخاتمة الفائدة الثانية. (*)

[ 43 ]

من غير قيام حجة - وقد اشتهر لابن عباس مثلا تفسير مطبوع، مع أنه ليس له، بل هو كتاب فيه رواياته، فربما يكون الأمر كذلك - فلا بد من قيام الحجة الشرعية على أصل تأليف الصدوق كتاب " الخصال " مثلا، ثم قيام الحجة على أن ما بين أيدينا هو " الخصال " المعروف، ثم بعد ذلك يثبت أنه لم يزد، ولم ينقص، ولذلك كانت المقابلة رائجة في السلف بالنسبة إلى الكتب الأربعة وأمثالها. وهذا مع أن في صدر سند الصدوق في " الخصال " محمد بن أحمد بن يحيى العطار، وفي " التوحيد " محمد بن أحمد بن محمد، ففيه النظر. وبالجملة: حيث إن الأمر كما تحرر، ولم تثبت الشهرة القائمة على فقراته أو مجموعها، لأن كثيرا منها في الأبواب المتفرقة، متحد المضمون مع الأخبار الاخر، وحيث إن بين تلك الأخبار، اضطرابا شديدا من حيث النسبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ففي بعضها التسع، وبعضها الست، وبعضها الأربع، وبعضها الثلاث، وحيث إن في بعضها " السهو " دون " ما اضطروا إليه " وفي بعضها " ما اضطروا إليه " دون " السهو " وحيث يظهر من قوله: " وهنا رابعة: وهي ما لا يطيقون " أن المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الثلاث دونها، وحيث، وحيث، يشكل الوثوق بالصدور، ولاسيما وأن التفكر مما لا يقبل التكليف، ولا إيجاب التحفظ، فإنه أمر خارج عن الاختيار، ويقبح تحريمه في جميع الملل السالفة وغيرهم. وبعد اللتيا والتي، وبعد كون الأخبار الحاكية والمستدل بها في كتاب الأيمان، أيضا في غير الكتب المعتبرة، لا بأس بالبحث حوله، لأنه السند الوحيد للاصوليين حسبما يستظهر من بعضهم، ويصرح به الآخر (1)، و * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (2).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 365. 2 - الطلاق (65): 1. (*)

[ 44 ]

الجهة الثانية: في الدلالة يظهر من الشيخ (قدس سره) اختصاص " رفع... ما لا يعلمون " بالشبهة الموضوعية (1)، ويجوز توهم اختصاصه بالشبهة الحكمية. وذهب جملة من الأعلام رحمهم الله إلى الأعم (2). ويجوز دعوى إجماله. ففيه مسالك مختلفة: أما الوجه الأول: فهو أن الموصول في الفقرات المشتملة عليه، هو كناية عن الشبهة الموضوعية بالضرورة، فالموصول فيما نحن فيه مثله، نظرا إلى وحدة السياق. هذا أولا. بل مقتضى كون الجميع موضوعا، ذلك. وثانيا: أن المحذوف هي المؤاخذة، وهي تناسب كون المراد الشبهة الموضوعية، لا الحكمية (3). وثالثا: إسناد الرفع مجاز في سائر الموصولات والفقرات، فليكن هنا كذلك، وإلا يلزم أن يكون حقيقة بالنسبة إلى الشبهات الحكمية، فيلزم استعمال اللفظ في الأكثر من معنى واحد. وهذا الأخير ما أيد به صاحب " الكفاية " عليه الرحمة مقالة شيخه (رحمه الله) (4). أقول: سيمر عليك تحقيق أن المحذوف هي المؤاخذة، أو لا محذوف رأسا،


1 - فرائد الاصول 1: 320. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 345، درر الفوائد، المحقق الحائري: 441 - 442، نهاية الأفكار 3: 216 - 217. 3 - فرائد الاصول 1: 320. 4 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 190. (*)

[ 45 ]

وأن الإسناد مجازي، أم حقيقي، فالاستناد إلى الوجهين الأخيرين لتعيين الموصول في الشبهة الموضوعية، غير تام، كما يأتي تمام تحقيقه في الآتي، فانتظر حتى حين. وأما الوجه الأول، فقد أورد عليه بوجوه (1)، أحسنها ما في " الدرر ": وهو أن قضية وحدة السياق هو الأعم، لأن الموصول في سائر الفقرات باق على إطلاقه، فليكن الأمر كذلك هنا، فيلزم شموله للأعم (2). ومن الغريب ارتضاء " تهذيب الاصول " بذلك (3)، ضرورة فساده، فإن معنى وحدة السياق: هو أن الجملة المذكورة في أثناء جمل، إذا كانت مورد النظر مستقلة، فلها العموم، أو الإطلاق مثلا، وأما إذا قيست إلى ما وقع حولها، فلابد وأن يكون مثلها في الخصوصية. مثلا: إذا كان أطرافها ما تختص بالوضعيات فهي مثلها، أو تختص بالتكاليف فكذلك، كما استدلوا (4) على عدم كون الكذب على الله مفطرا، لكون النهي عنه في طي النهي عن الغيبة مثلا (5). وإن شئت قلت: إن وحدة السياق تمنع عن انعقاد الإطلاق فيما نحن فيه، لجواز اتكال المتكلم على سائر الفقرات في إفادة الاختصاص. والذي هو الحق: أن وحدة السياق وإن كانت قوية في ذاتها، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع أقوى، فكون الإسناد حقيقة أو مجازا أو مختلفا، وإن كان يوجب


1 - الرسائل الفشاركية: 33، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 345، نهاية الأفكار 3، القسم الثاني: 216، مصباح الاصول 2: 260 - 261. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 441. 3 - تهذيب الاصول 2: 149 - 150. 4 - مدارك الأحكام 6: 47، روضة المتقين 3: 294. 5 - وسائل الشيعة 10: 33، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 2، الحديث 2 و 5 و 7 و 8 و 9. (*)

[ 46 ]

رفع الإبهام في موارد الشك، إلا أن هنا حديث رفع المجهول إما حقيقة، أو ادعاء، أو مجازا لفظيا، وهذا يناسب رفع الحكم المجهول الأعم، لأنه أولى به عند العقلاء، فلا يخطر أولا وبالذات إلى الذهن إلا الإطلاق، والعدول عنه يحتاج إلى ملاحظة وحدة السياق المغفول عنها عند العامة. وأما الوجه الثاني: فهو أن المجاز على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على القدر المتيقن منه، ففيما نحن فيه يتعين كون المراد من الموصول هي الشبهة الحكمية، لأن الحكم يقبل الرفع حقيقة دون الموضوع، فلا وجه لحمله على الأعم، حتى يلزم استعمال اللفظ الواحد في المعنيين، أو يلزم المجاز والحقيقة في الاستعمال الواحد. وأما توهم: أن قضية وحدة السياق في الاستعمال هي المجازية، فيكون فيما نحن فيه أيضا مجازا، لقيام القرينة عليه، فهو لا يرجع إلى محصل، لأنه سيمر عليك أن المجازية بحسب الإرادة الاستعمالية، ممنوعة هنا (1). أقول أولا: يجوز أن يكون المرفوع هو الحكم في الشبهات الموضوعية والحكمية، إلا أن منشأ الشبهة مختلف، وهذا غير سائر الفقرات، فإن في مثل الاضطرار ونحوه، لا يتصور الاضطرار إلى الحكم، بخلاف الجهالة، فإنها تتصور بالنسبة إلى الحكم الجزئي والكلي، فلا يلزم استعمال الواحد في الكثير، ولا الجمع بين الحقيقة والمجاز. وثانيا: الرفع منسوب بحسب الاستعمال أولا إلى النسيان أو السهو، فيكون الحرف العاطف موجبا لاستناده إليه عرفا وتوهما، لا واقعا وحقيقة، كما لا يخفى، فلا نسبة بين الرفع والموصول فيما نحن فيه بحسب الحقيقة. والتكرار الحكمي لأجل حرف العطف، لا يتضمن إلا الاستعمال الحكمي، لا الواقعي. وحديث


1 - يأتي في الصفحة 54 - 55. (*)

[ 47 ]

العوامل، وأن العامل كذا وكذا، من أحاديث المدارس، دون الأعراب وجمهور الناس، فلا يصح الاستئناس بشئ خاص من إسناد الرفع إلى الموصول فيما نحن فيه، ولا معنى لاستظهار شئ منه، لأنه كله مجرد التخيل والأدب الخاص، دون العام. فعليه إذا أمكن الأعم يتعين ذلك، لفراغ المتكلم من هذه الخصوصيات في مثل هذه المسائل، وتتعين المراجعة إلى فهم العرف والعقلاء مع قطع النظر عن ذلك كله، وإلى مناسبات الحكم والموضوع، فلا تخلط. وأما الوجه الثالث: وهو كون الحديث فيما نحن فيه مجملا، فذلك إما لأجل عدم إمكان ترجيح مقتضى وحدة السياق على أصالة الحقيقة وبالعكس. وفيه ما مر (1). وإما لأجل أن مفاد الموصول إن كان المعنى الاسمي، فيكون الموضوع له عاما، فإنه يمكن القول: بأن المرفوع أعم، أو أخص. وأما إذا كان مفاد الموصول على وجه يكون الموضوع له خاصا، فتكون لفظة " ما " الموصولة - كلفظة " الذي " - مشتملة على معنى الإشارة إلى العناوين الذاتية، كعنوان " الخمر " و " شرب التتن " و " جلسة الاستراحة " وغيرها، فلا يشمل الشبهات الموضوعية، لأن عنوان " المشتبه والمجهول " لا يمكن أن يكون مورد الإشارة، بعد كون المحمول عنوان " المجهول " وهو قوله: " لا يعلمون " ضرورة أن الذهن ينتقل من الإشارة إلى العناوين المبينة، فتكون الجهالة في المحمول، مخصوصة بالحكم الكلي، أي " رفع الذي لا يعلمون " وهو شرب التتن، فينحصر " ما لا يعلمون " بالحكم الكلي، وعلى هذا حيث لا طريق إلى تعيين ما هو الموضوع له على وجه مبين، يلزم الإجمال في جملة " ما لا يعلمون ".


1 - تقدم في الصفحة 45 - 46. (*)

[ 48 ]

ولو أمكن أن يكون لفظة " ما " إشارة إلى المشتبه موضوعا، ولكنه غير موافق لفهم العرف قطعا، فيسقط الحديث عن إمكان الاستدلال به، كما لا يخفى، فتدبر، فإنه حقيق بالتدبر والتأمل. ولو قيل: القدر المتيقن هي الشبهة الموضوعية. قلنا: لا يمكن الالتزام به، لأنه على تقدير كون المراد أعم، لابد من الالتزام بتعدد الاستعمال، فلا قدر متيقن حينئذ. أقول أولا: إمكان كون لفظة موضوعة للمعنى المركب من المعنى الحرفي والاسمي، محل المناقشة، كما حررناه في محله (1)، فكون " ما " أو " الذي " موضوعين للمعنى الاسمي مع إشراب الإشارة فيه - وهي معنى حرفي - غير واضح سبيله. وثانيا: إن الظاهر عند أهله أن معنى " من " و " ما " الموصولتين، كلي اسمي ينطبق على الخارج، ويكون " ما " بمعنى كلمة " شئ " المنونة بتنوين التنكير، ولا ريب في أنه معنى اسمي مقيد، فتلزم أعمية الحديث. وثالثا: لا تكون العناوين الكلية مورد الإشارة، بل الخارج موردها، أي التتن الخارجي، فيكون المستفاد منه أن الذي لا يعلمون حكمه مرفوع، فيشمل المشتبه بين الماء والخمر، فتأمل. ورابعا: عنوان " المشتبه " موضوعا، مما لا يعلم الامة حكمه، فيكون مورد الرفع، وهكذا شرب التتن، فيكون الحديث أعم. وخامسا: قد عرفت أن القول بالأعمية، لا يستلزم الاستعمال في الكثير (2)، وسيمر عليك زيادة توضيح حوله في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى.


1 - تقدم في الجزء الأول: 137 - 138. 2 - تقدم في الصفحة 46. (*)

[ 49 ]

تحصيل وتحقيق لا شبهة في أن مادة " علم " وهيئة " لا يعلم " تتعدى إلى المفعولين، ويكون المراد من " العلم " العلم التصديقي، لا التصوري، فلابد على هذا من كون الجملة محذوفة، أي " رفع ما لا يعلمون أنه حرام " أو " أنه خمر ". ولا معنى لما اشتهر من حذف ضمير الصلة (1)، لأن التعدية بالمفعول الواحد، توجب كون العلم تصوريا، وهو غير منظور هنا بالضرورة، ولذلك ذكرنا: أن الجملة الواقعة عقيب مادة " العلم " لا تأول بالمصدر، للزوم نقض الغرض، وما اشتهر من تأويل الجملة الواقعة عقيب مادة " علم " إلى المصدر والمعنى غير التصديقي (2)، غير صحيح، فإذا قيل: " اعلم أن المكلف كذا " يكون المقصود العلم التصديقي، ولو كان بناء العرب على قراءة " أن " بفتح الهمزة، إلا أنها في الحقيقة جملة غير قابلة للتأويل. فعلى هذا، قولهم هنا: " بأن المحذوف ضمير عائد إلى الموصول، وهو رفع ما لا يعلمونه " غلط، بل المحذوف جملة، وهو قولهم: " لا يعلمون أنه كذا " وحيث لم يذكر فإما يصير مجملا، وهو غير جائز، لأن المتكلم ليس بصدد إفادة الإجمال، فعليه يدل الحذف على العموم، وتصير " ما " كناية عن الموضوع في الشبهة الحكمية والموضوعية، ويسقط نزاع القوم من أساسه، ويصير الحديث للأعم. مع أن المراد من لفظة " ما " هو الموضوع في مقابل المحمول، كما في سائر الفقرات، فيجمع حينئذ بين جميع الجهات الموجبة لتشتت الأفكار واختلاف


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 30، لاحظ نهاية الدراية 4: 48. 2 - شرح ابن عقيل: 350 - 351، شرح شذور الذهب 1: 206 - 207. (*)

[ 50 ]

الأعلام، لأن ما لا يعلمون أنه خمر مرفوع، وما لا يعلمون أنه حرام مرفوع، فالرفع يستند إلى " ما " الذي هو الموضوع مطلقا، وهو المفعول الأول، ولا يعقل أن يكون " ما " كناية عن الحكم إلا على التخيل المزبور الباطل بالضرورة. وبالجملة: كما لا معنى لقولك: " إني أعلم الحرمة " إلا بمعنى أني أتصور الحرمة، كذلك لا معنى لقولك: " لا يعلم زيد الحرمة " بل هو يرجع إلى أنه لا يعلم أن كذا شئ حرام، وحيث إنه ليس في الكلام ما يدل على خصوص مجهولية الحرمة، فيلزم القول بالأعمية، أو الإجمال، ولا سبيل إلى الثاني، فيتعين الأول. وهم ودفع لأحد أن يقول: إن المحذوف هو المفعولان، لأن مادة " علم " تتعدى إليهما، فيكون المعنى رفع ما لا يعلمون التتن حراما، ويكون التتن رافعا لإبهام لفظة " ما " فالمفعول الأول مبين الموصول، فيختص الحديث بالشبهة الحكمية. ويندفع: بأن تقدير التتن وشربه بلا وجه، لجواز أن يكون الأمر كذلك: " رفع ما لا يعلمونه خمرا " أو " لا يعلمونه حراما " ولا برهان على لزوم رفع الإبهام بعد كون الإبهام موجبا للأعمية، وقد أتى به المتكلم مبهما، فعليه يكون الكلام هكذا: " رفع ما لا يعلمونه حراما " أو " واجبا " أو " موجبا للعقاب والمؤاخذة " أو " الضيق " والحذف دليل العموم، وسيمر عليك احتمال لزوم الأخذ بالقدر المتيقن. ومن هنا تتضح لأهل البصيرة أبواب التحقيق والبحث، وتظهر مواضع الضعف في كلمات القوم صدرا وذيلا، فإن حديث وحدة السياق (1) محفوظ، لأن المرفوع مطلقا هو الموضوع، إلا أنه في مقابل المحمول، ويكون أمرا تكوينيا.


1 - تقدم في الصفحة 45. (*)

[ 51 ]

وحديث أصالة الحقيقة (1) غير تام، لأن المسند إليه على كل تقدير أمر خارجي، كسائر الفقرات. وحديث لزوم استعمال الواحد في الكثير، ولزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الاستعمال الواحد (2)، أيضا قد ظهر فساده، لأن في الشبهات الحكمية ليس المرفوع الحكم، بل المرفوع ما لاتصدق الامة الإسلامية أنه حرام، كشرب التتن، أو أنه خمر، كالمائع الخارجي. ولك دعوى: أن المحمول هو حرام في الفرضين، لأن المشتبهة خمريته مشكوكة حرمته، كما لا يخفى. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. دفع وتوضيح ربما يخطر بالبال أن يقال: إن مشتبه الخمرية قابل للرفع، وإسناده إليه إسناد يساعده الاعتبار والذوق، بخلاف إسناده إلى شرب التتن، ولأجل ذلك اسند فيه إلى الحكم. وأنت بعد ما عرفت علمت: أنه لابد من كون المسند إليه نفس الفعل والموضوع إيجادا وتركا، وكما أنه في مشتبه العنوان يكون الرفع باعتبار الآثار، أو بوجه آخر، كذلك الأمر في معلوم العنوان ومشتبه الحكم، كشرب التتن، ولا يستند الرفع إلى الشرب خاصة حتى يتوهم الاستبعاد، بل المسند إليه عنوان ينطبق عليهما على حد سواء. فبالجملة تحصل: أن قولهم: " لا يعلمون حكمه " غلط، لأنه من العلم


1 - تقدم في الصفحة 46. 2 - تقدم في الصفحة 44 - 46. (*)

[ 52 ]

التصوري، بل التقدير " لا يعلمون أنه حرام " أو " أنه خمر " فالمرفوع دائما هو الموضوع، باعتبار حكمه الكلي، أو الجزئي، ويكون المرفوع الموصول الذي هو المفعول الأول، والمجهول هو القضية، لا المفرد. ومما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده العلامة الأراكي من مقايسة الفقرات، وأن الثلاث الأخيرة تختلف مع الأربع المتوسطة، فلا يمكن الأخذ بالوحدة السياقية (1)، والأمر سهل. الجهة الثالثة: في اشتمال الحديث على المجاز وعدمه اختلفوا في أن الحديث الشريف، يشتمل على المجاز مطلقا، أو لا يشتمل مطلقا، أو يكون هناك مجاز في الكلمة دون الإسناد، أو العكس. ثم اختلفوا على المجازية في أنها من المجاز المرسل، ومن المجاز حسب الاصطلاح المشهور، أم يكون من المجازحسب الاصطلاح الأخير من أنه من الادعاء. فإذا كان بحسب الادعاء، فهل مصحح الادعاء هو المؤاخذة، أم مطلق الآثار، أو الأثر الجلي، أو الأثر الظاهر بحسب كل مورد ؟ وفي خلال هذه المسألة تنحل المشكلة الاخرى: وهي أن المرفوع بحسب اللب هل هو العقاب، أم هو التكليف والفعلية المطلقة، أو الفعلية التقديرية، أم المرفوع هو الحكم الظاهري، وهو إيجاب التحفظ في مثل رفع السهو والنسيان والخطأ، والحرمة الظاهرية في " ما لا يعلمون " والواقعية في الفقرات الثلاث المتوسطة، والثلاث الأخيرة مثل الاوليات. إذا تبين حدود البحث في هذه الجهة، فالكلام يقع في مقامين:


1 - نهاية الأفكار 3: 216. (*)

[ 53 ]

المقام الأول: في أصل اشتماله على المجاز فربما يقال: إنه يشتمل على المجاز في الكلمة، والإسناد: أما الأول: فلأن " الرفع " موضوع لأن يتعلق بالموجود، بخلاف " الدفع " فإن " الصدقة تدفع البلاء " (1) معناه المنع عن حدوثها، وإذا كانت ترفع البلاء فهي تزيل البلاء الموجود. فعلى هذا، استعمال " الرفع " في " ما لا يعلمون " مجاز، للزوم النسخ إذا كان التكليف موجودا، ولا يعقل بالنسبة إلى العقاب، فيكون دافعا بالقياس إليه. نعم، بالقياس إلى سائر الفقرات، يكون مستعملا فيما هو الموضوع له، لأن جميع العناوين المذكورة قابلة للتحقق، ويتعلق بها الرفع بعد وجودها. وربما يتخيل: أن بقاء الوجود لا معنى له، بل الوجود الباقي في الحقيقة فيوضات متتالية. ولكنه كلام لو كان له وجه، فهو في الافق الأعلى، لا في هذه الآفاق، حتى الحكيم الفيلسوف الإلهي لا يقول إلا بالاستدامة، وكون الحركة سكونات متعاقبة، كلام باطل في محله (2). وأما الثاني: فإن رفع الحجر تكوينا صحيح وحقيقة، لإمكانه، ولذلك ورد في محله: " ارفعهما عن صدرها، فإنهما والله أبكيا ملائكة السماء " (3) لأن هناك يرفع واقعا، وأما في غير " ما لا يعلمون " فلا رفع واقعا، لأن جميع العناوين موجودة في الخارج، فتلزم المجازية في الإسناد. نعم، في " ما لا يعلمون " يكون الرفع - على تقدير كون المرفوع نفس الحكم


1 - طب الأئمة: 123. 2 - لاحظ الحكمة المتعالية 3: 27 - 29. 3 - بحار الأنوار 43: 179. (*)

[ 54 ]

المجهول - مستندا إلى ما يرتفع حقيقة، فلا مجاز في الإسناد. اللهم إلا أن يقال: إنه أيضا من المجاز، وإلا يلزم النسخ المستحيل. نعم، لو قلنا: بأن الرفع في صورة تمامية الاقتضاء من الحقيقة، وأنه لولاه لكان المرفوع باقيا، كان له وجه. أو يقال: إن الحكم باق على فعليته الواقعية حتى في صورة الجهل، والمقصود مرفوعية الأمر الآخر، فإنه لا بأس به، وتحقيقه يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). ويتوجه إلى الأول: أن " الرفع " و " الدفع " بمعنى واحد ولو ناقشنا فيه حسب النظر الابتدائي، والاستعمالات البدوية، والفهم المبتدأ، وربما ينتهي إلى أن الأمر كذلك واقعا. فالحق: أن في " ما لا يعلمون " يكون " الرفع " أيضا مستعملا فيما هو الموضوع له، لأن الموصول فيه أيضا هو الموضوع، سواء فيه الشبهة الحكمية والموضوعية، كسائر الفقرات، فلا مجاز في الكلمة، بناء على ما عرفت منا في الجهة السابقة (2). ولا حاجة لنفي المجاز في الكلمة إلى القول: بأن في " ما لا يعلمون " يكون الحكم موجودا إما واقعا، لانحفاظ الحكم الفعلي في مرحلة الجهل (3)، أو لأن عند تمامية الاقتضاء يصح الرفع حقيقة، كما في كلام بعضهم، كالعلامة الأراكي (رحمه الله) (4). مع أن في كلا الوجهين نظرا، ولاسيما الثاني كما لا يخفى.


1 - يأتي في الصفحة 72 - 76. 2 - تقدم في الصفحة 51. 3 - تهذيب الاصول 2: 153. 4 - مقالات الاصول 2: 56، نهاية الأفكار 3: 209. (*)

[ 55 ]

وأما الثاني فالحق: أنه لا بد من الالتزام به، ضرورة أن المسند إليه في مقام الإرادة الاستعمالية، هي العناوين غير القابلة للرفع، سواء كان الحديث إخبارا عن الأحكام الإنشائية، أو إنشاء. وما في تقرير العلامة النائيني (رحمه الله): " من أن الرفع التكويني مجاز هنا، وهو غير مقصود، والرفع التشريعي حقيقة، وهو المقصود، ضرورة أن المنظور رفع موضوعية هذه العناوين التسعة عن الأحكام الإلهية، ومعنى رفع الفعل والشئ تشريعا، هو رفع كونه مورد الاعتبار المولوي فعلا أو تركا، نظير قولهم: " لا صلاة قبل الزوال " أو " لا صيام في السفر " (1) في غاية السقوط. ضرورة أولا: أن الرفع في ظاهر الكلام، مسند إلى الأشياء التكوينية، وكون المرفوع موضوعيتها يحتاج إلى العناية، فإذا قيل: " ارفع الحجر عن سطح البيت " فليس معناه إلا إزالته عنه، وهنا الأمر كذلك. وثانيا: في الشبهات الحكمية الكلية، ليس الموضوع مندرجا تحت الحكم القانوني العام حتى يخرج بالرفع، وقد عرفت أن المسند إليه هو الموضوع. وثالثا: في الثلاثة الأخيرة لم يكن الأمر كذلك، وتوهم أن الإخراج باعتبار دخول الكل في الشرائع السابقة (2)، فاسد، لأنه يلزم اللغز في الكلام، فإن المتكلم يريد عدم حرمة هذه الامور في هذه الشريعة، فأفاد ذلك بأنه أخرج عن موضوع الحرمة الثانية في الشرائع القديمة، فإنه غير جائز، ولاسيما في مثل كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم). فالإنصاف: أن تخيل الحقيقة في الإسناد (3) من التخيل البارد، بعد وجود المجاز،


1 - أجود التقريرات 2: 170 - 173. 2 - نهاية الدراية 4: 38، مصباح الاصول 2: 264. 3 - مفاتيح الاصول: 516 / السطر 25، كفاية الاصول: 387، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 337، نهاية الأفكار 3: 209. (*)

[ 56 ]

وأنه من شعب البلاغة والفصاحة، وما في تقريرات العلامة الكاظمي هنا (1)، لا يخلو من تأسفات عديدة، قد تعرض لها بعضهم (2)، ولا حاجة إلى إطالة الكلام بنقدها. ورابعا: أن الظاهر أن المسند إليه، هو النسيان والخطأ والسهو المصدري، وحملها على المفعول يحتاج إلى المؤونة، وليس النسيان أيضا مورد الحكم حتى يخرج، إلا بتخيل كونه مورد الحكم الاحتياطي بإيجاب التحفظ. مع أن إيجاب التحفظ وإيجاب الاحتياط بمعناه المعقول - وهو تنجز الواقع في هذه الصور - ليس من الحكم الذي يخرج عنه هذه الموارد، فلا يكفي ولو كان بلحاظ الشرائع السابقة. نعم، الثلاث المشتملة على الموصول، داخلة في الحكم القانوني، وقد اخرجت عنه وعن موضوعية ذلك الحكم العام. ذنابة: في أن جعل الحكم على الطبيعة لا ينافي المجاز في الإسناد في موارد جعل الحكم على الطبيعة، لا تعتبر المصاديق موضوعا له حتى يخرج موارد حديث الرفع عن الموضوعية. مع أن الاضطرار مثلا والاستكراه، يتعلقان بالموضوعات. هذا مع أن جعل الحكم على الأفراد في العمومات، ليس مشتملا على اعتبار المصاديق موضوعا، حتى يقال: بأن حديث الرفع يوجب الإخراج عن الموضوعية، أو يكون إخبارا عن عدم جعله موردا للاعتبار المولوي، فالضرورة قاضية بأن هناك مجازا في الإسناد قطعا.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 336 - 342. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 342، الهامش 2، أنوار الهداية 2: 34. (*)

[ 57 ]

بقي شئ: في انحصار المجاز بالفقرة الاولى البحث عن أن إسناد الرفع إلى التسع حقيقي أو مجازي صحيح، وأما إلى سائر الجمل فلا إسناد في الحقيقة، وإن الحروف العاطفة لا توجب الإسناد الإنشائي الاستعمالي. ومجرد كون المعطوف في حكم المعطوف عليه، لا يقتضي كون الرفع منتسبا إلى المعطوف في الحقيقة، بل هو أمر بنائي وفي حكم الإسناد. فعلى هذا، لا مجاز إلا في الفقرة الاولى، وتكون هي شاهدة على ما هو المراد في اللب والواقع في سائر الفقرات، فأصل الإسناد إليها ممنوع حتى يقع البحث في أنه مجاز، أو حقيقة. فبالجملة: لو كان بحسب الاستعمال احتياج إلى المبرر والمصحح في إسناد الرفع إلى النسيان، فهو متحد المآل في سائر الفقرات، لأنه قرينة على ما هو المرام فيها، ولابد حينئذ من اتباع تلك القرينة. وإن أبيت عن ذلك فلا يهمنا، إلا أنه مما لا ينبغي الغفلة عنه، لإمكان اختلاف الأثر، مثلا على الاحتمال المذكور ربما يقوى في النظر: أن يكون المبرر رفع العقاب وانتفاء العذاب، لأن النسيان والخطأ مورد السؤال في الكتاب عن عدم العقاب والمؤاخذة عليهما، قال الله تعالى: * (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) * (1). وعلى الفهم المشهور يكون للتفصيل وجه، لأن في موردهما يؤيد الكتاب أن الرفع باعتبار العقاب، وفي مورد الاضطرار والاستكراه واللاطاقة، يناسب الكتاب رفع الحكم، قال الله تعالى: * (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا) * (2)


1 - البقرة (2): 286. 2 - البقرة (2): 286. (*)

[ 58 ]

فلاحظ وتدبر جيدا. المقام الثاني: في بيان المصحح لإسناد الرفع بعد الفراغ من المجازية في الإسناد، وبعد الفراغ من بطلان المجازية العوامية السوقية - وهي حذف المضاف في مثل المقام، وإن كان هو واقعا في كلام العرف الساذج والعوام البسطاء، وما يقال: " من أن حذف المضاف غير صحيح على إطلاقه " (1) أيضا من الأغلاط والإفراط - فلابد هناك كما اشير إليه من الجهة المبررة، والغرض المصحح للإسناد المذكور، والادعاء المزبور، وهو بحسب الاحتمال كثير: المسلك الأول: ما ذهب إليه جمع (2) - وفي طليعتهم الشيخ الأنصاري (قدس سره) (3) وقد أيده جدنا - مد ظله - في وجيزته (4) - وهو أن ذلك هو العقاب والمؤاخذة، وذلك نظرا إلى الآيات السابقة، غفلة عن الآيات اللاحقة. وأيضا: ربما يؤيد هذه المقالة قوله تعالى: * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * (5).


1 - وقاية الأذهان: 103 - 112، نهاية الاصول: 24 - 25، مناهج الوصول 1: 104 - 105. 2 - الرسائل الفشاركية: 35، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 191 - 192، درر الفوائد، المحقق الحائري: 442. 3 - فرائد الاصول 1: 320. 4 - غرر العوائد من درر الفوائد: 116. 5 - الأحزاب (33): 5. (*)

[ 59 ]

ويؤيدهم: أن رفع النسيان، يستلزم رفع الأحكام الثانوية للنسيان والخطأ، مع أن الضرورة على خلافه. هذا مع أن نسبة الرفع، لا تتم إلا في مورد توهم الحكم لولا الرفع، كما في الفقرات المشتملة على الموصول، وأما في الأخيرات فلا توهم، لعدم جعل فعلي، ولا إنشائي، فكل ذلك - بضميمة فهم العرف، وانس العقلاء - يقتضي ما سلكوه، وهو مختار شيخ مشايخنا جد أولادي في " الدرر " (رحمه الله) (1). وما في خبر " النوادر " في مسألة الحلف على الطلاق استكراها: من التمسك بحديث رفع الاستكراه - كما مضى (2) - لا يدل على شئ مما زعموه (3)، ضرورة أن أمثال هذه الاستدلالات بالنبويات والآيات، رغم لأنف العامة كثير في الروايات. أقول: كل ذلك في صورة إمكان رفع العقاب، ضرورة أن العقاب إن كان على ما يظهر من آيات من الكتاب، وبراهين محررة في محلها (4)، فهو غير قابل للرفع مستقلا، للزوم التفكيك بين الملزوم واللازم التكوينيين، وهكذا رفع الاستحقاق. بل رفعه لا يتصور مطلقا وإن كان من قبيل الجعل، كما في المؤاخذات العرفية، والجزائيات العقلائية، والإسلامية في هذه النشأة، فلا يعقل رفعها مع التزام المولى بالتكليف وبقاء الإرادة الإلزامية، لأنه لا معنى معقول لأن يكون في مورد الاضطرار، إرادة فعلية ورفع للعقاب، لأن تلك الإرادة لا تفيد شيئا، ولا يمكن رادعيتها. فرفع العقاب ولو كان في بدو الأمر منصرفة إليه الأذهان، إلا أنه يكشف عن


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 442. 2 - تقدم في الصفحة 41. 3 - فرائد الاصول 1: 321، درر الفوائد، المحقق الحائري: 444، تهذيب الاصول 2: 156. 4 - لاحظ الحكمة المتعالية 7: 82، تقدم في الجزء الثالث: 152 - 156 و 166 - 168. (*)

[ 60 ]

عدم وجود الإرادة والتحريم بالقياس إلى موارد الاستكراه، والاضطرار، وما لا يطيقون، فإذا كانت الإرادة منتفية في هذه المواقع، فلا منة في رفع العقاب بعد ذلك، ولا مبررية فيه للإسناد، وهكذا في موارد نسيان التكاليف، كحرمة الخمر، أو خمرية شئ، وفي موارد الثلاث الأخيرة، فالقول: بأن المبرر والمصحح هي المؤاخذة المرفوعة في الحديث، غير جيد جدا. ولو شك في حديث العقاب والثواب، فاستظهار رفع المؤاخذة أيضا غير ممكن. وأما التأييدات فهي غير نافعة بعد ذلك. مع أن الآيات - كما اشير إليه - مختلفة، والحديث الجائي لسياسة الامة والملك على هذا النطاق العريض، لا يقاس بالأدعية الخاصة. فبالجملة: رفع ما اضطروا إليه برفع العقاب عنه مع كونه مورد الإرادة التحريمية، غير معقول ومع انتفائها غير صحيح، لعدم مبرريته ومصححيته له، فلاحظ واغتنم. إن قلت: النسبة بين القوانين الأولية وحديث الرفع، عموم من وجه، فعلى مسلك الخطابات القانونية (1)، يصح الالتزام بفعلية التكاليف الأولية في موارد الحديث، فيكون المرفوع العقاب. قلت: نعم، النسبة بين رفع النسيان أو الاضطرار، وبين واحد من الخطابات الأولية، عموم من وجه، إلا ان اللازم ملاحظة نسبة الحديث مع جميع الخطابات والتكاليف الأولية عرضا، لأنه ناظر إليها بنظر واحد، وعليه تكون النسبة عموما مطلقا، وقد تحرر عدم إمكان الفعلية في هذه الصورة (2).


1 - تهذيب الاصول 1: 307 - 309، ولاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 143 - 146. (*)

[ 61 ]

هذا مع أن في الثلاثة الأخيرة، يستند رفع العقاب إلى عدم الجعل، دون الرفع، فتأمل. المسلك الثاني: وهو أن الرفع مختلف باعتبار الفقرات، فإذا قيس إلى السهو والنسيان والخطأ فهو باعتبار إيجاب التحفظ في تلك الموارد، ويعلم من جملة: " رفع عن امتي " أن في الامم السالفة كان في مواردها إيجاب التحفظ، فالثقل الذي نحتاج إليه في الرفع، يكون بالنسبة إلى هذا الإيجاب والمنة التي باعتبارها اضيف الرفع إلى الامة، تكون باعتبار إيجاب التحفظ في هذه الموارد، وأن النسيان ليس عذرا، وإليه اشير في " المثنوي ": لا تؤاخذ إن نسينا شد گواه * كه بود نسيان بوجهي هم گناه (1) ضرورة أن النسيان وإخواته الناشئة عن عدم الاهتمام بأمر المولى، لا تعد عذرا. فبالجملة: يكون الرفع لأجل ذلك، ويكون المرفوع ذات النسيان وعنوانه ادعاء بلحاظ الآثار. وإذا قيس إلى الثلاث الاخر المشتملة على الموصول، فالرفع باعتبار ثقل التكليف في هذه الموارد، مع قطع النظر عنه، والمرفوع هو الموضوع باعتبار الآثار. وإذا قيس إلى السابقة، وهو: " رفع... ما لا يعلمون " فهو كذلك، ولاسيما في الشبهة الحكمية، فإن نفي التكليف لا يحتاج إلى الادعاء. وأما في الشبهات الموضوعية، فالمرفوع أيضا نفس الموضوع، بلحاظ الأثر أو حكمها، فلا يحتاج إلى الادعاء.


1 - مثنوي معنوي: 1018، دفتر پنجم، قصه شاه وأياز. (*)

[ 62 ]

وأما الرفع، فبلحاظ ثقل إيجاب الاحتياط في الامم السابقة، ضرورة أنه مع إيجاب الاحتياط، لا يعد الجهل عذرا، ويكون الحكم الواقعي منجزا، بخلاف الأمر في هذه الامة، فإذا لم يكن إيجاب الاحتياط في هذه الامة، يكون المرفوع نفس التكليف. وأما بالقياس إلى الثلاث الأخيرة، فالمرفوع هي العناوين باعتبار عدم تعلق التكليف الإلزامي بها، والرفع باعتبار ثقل هذه التكاليف التي كانت مثلا في الشرائع السابقة. فبالجملة: إن قضية الرفع عن الامة، هو وجود الكلفة والثقل مع قطع النظر عن الرفع بينهم، إما لأجل درك العقل، أو لأجل وجود حكم الشرع، أو لأجل إمكان إيجاد الشرع حكما في تلك الموارد، وهذا المقدار يكفي لجواز إسناد " الرفع " واستعماله، فلا تخلط. وغير خفي: أن ما افيد هو الظاهر، وأما كون المرفوع إيجاب التحفظ، وإيجاب الاحتياط، أو كون المرفوع الحرمة الظاهرية في موارد الجهالة، كما ذهب إليه كثير من الأعلام حسب اختلاف الأفهام (1)، فهو غير جائز تخيله، فكما أن في الثلاث الثواني يكون الموصول مرفوعا بلحاظ الحكم مع قطع النظر عن الرفع، وإذا نسب إليه الرفع يتبين أن الحرمة ليست ثابتة في مورد الاضطرار والاستكراه، فإن " كل شئ اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله تعالى " (2) كذلك الأمر في غيرها، فشرب التتن مجهول، وهو مما لا تعلمه الامة، فهو مرفوع لجهة جهله، كما أن تلك الثلاث مرفوع فيها الحكم بحسب اللب، للجهة المذكورة في الحديث، فالعدول عما افيد عدول عن ظاهر الحديث.


1 - فرائد الاصول 1: 323، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 345 و 359، لاحظ نهاية الأفكار 3: 213 - 215. 2 - تهذيب الأحكام 3: 177 / 10، وسائل الشيعة 23: 228، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 18. (*)

[ 63 ]

وهنا عويصات: الاولى: بناء على شمول رفع النسيان للشبهات الحكمية، يلزم عدم التكليف في مورد النسيان، وانتفاء الحكم الواقعي بالقياس إليه، فيلزم الدور، للزوم كون التكليف الواقعي منوطا بذكره، مع أنه بدون الذكر لا يكون تكليف. الثانية: كيف يعقل إيجاب التحفظ بالنسبة إلى الناسي، حتى يكون الرفع بلحاظه، وأن ثقله موجب لرفع النسيان بلحاظ آثاره ؟ ! ضرورة أن خطاب الناسي مستحيل، فإذا كان إيجابه مستحيلا فالرفع لا معنى له، لما لا يمكن توجيه التكليف والإيجاب الطريقي بالقياس إليه، كما هو مسلك الشيخ (1) وجمع آخر (2). بل لا يمكن إيجاب الاحتياط بالنسبة إلى الجاهل بنفس هذا الإيجاب. الثالثة: لو كان الرفع بلحاظ الآثار، فيلزم رفع آثار النسيان بعنوانه الأولي، بل هو أولى بذلك من رفع المعنى بلحاظ النسيان، كما لا يخفى، ولذلك إذا قيل: " لاشك لكثير الشك " أو ورد: " لا سهو لمن أقر على نفسه بسهو " (3) ترتفع أحكام السهو. الرابعة: في مورد " رفع... مالا يعلمون " أيضا يلزم اختصاص التكليف والأحكام بالعالمين، وهو مضافا إلى امتناعه، مجمع على بطلانه (4). الخامسة: لا امتنان في رفع التكليف الواقعي غير الواصل، فإن الضرورة قاضية بعدم جواز العقاب عليه عند الأخباري والاصولي، فرفعه في مورد نسيان


1 - فرائد الاصول 2: 484، مطارح الأنظار: 22 / السطر 20 - 31. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 491 - 492، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 210 - 213، لاحظ نهاية الأفكار 3: 419 - 420. 3 - مستطرفات السرائر: 110 / 66. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 12، منتهى الاصول 2: 175، تهذيب الاصول 2: 153. (*)

[ 64 ]

التكليف وجهله غير ذي منة، لأن النسيان أيضا في حد الجهالة في كونه عذرا عقليا في الجملة، كما أن الجهل أيضا عذر في الجملة. السادسة: لو كان الأمر كما تحرر، يلزم جواز التمسك بالبراءة في موارد الشك في الطاقة والقدرة، وهم غير ملتزمين به (1)، ضرورة أن منشأ الاحتياط فيها هو أن المخصص والمقيد لبي، فإذا كان لفظيا فلازمه البراءة، كما في غير المقام. ولا معنى لتوهم اختصاص الرفع بموارد لا تتحمل عادة (2)، بل هو مطلق، وإن كان إطلاق الرفع لأجل رفع التكليف بالقياس إلى تلك الموارد. وغير خفي: أن قضية هذا المسلك، هو تقييد الأدلة الأولية بالنسبة إلى موارد الخطأ والنسيان وسائر الفقرات، إلا تلك الأخيرة. ولو كان بنحو الحكومة فنتيجة الحكومة هي التقييد اللبي، وكشف الاختصاص ثبوتا بغير تلك الموارد. أقول: العويصات المشار إليها وإن كانت قابلة للدفع، كما تحرر في محله (3)، وتبين إمكان شمول الخطابات للناسي، والغافل، والساهي، والجاهل، والعاجز، وأن الدور في الموردين منتف، لأن شرط فعلية التكليف هو العلم بالخطاب الإنشائي، وأن المنصرف من رفع النسيان، هو أنه في موارد العذر العقلي مرفوع، لفهم العرف من ذلك، مع أنه يستلزم لغوية جعل الأحكام الخاصة على عناوين " الخطأ، والسهو، والنسيان " وهو غير ممكن، أو إجمال الحديث، وهو مرفوع بمقايسة سائر الفقرات، وأن رفع التكليف الواقعي فيه المنة، لأنه بدونه لا يمكن أن يكون إيجاب الاحتياط، منتهيا إلى تنجيزه ولو لم يكن فيه الامتنان.


1 - فرائد الاصول 2: 422، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 54 - 56، درر الفوائد، المحقق الحائري: 465، نهاية الأفكار 3: 341 - 342. 2 - فرائد الاصول 1: 322. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 437 و 446 - 455. (*)

[ 65 ]

إلا أن بقاء فعليته النفس الأمرية لا أثر له، لأنه إذا لم يصح العقاب على المخالفة، فلا معنى للتحريم والإيجاب، ولا يكون إلا لغوا في مثل حرمة شرب التتن والخمر المشتبه، وأما في مثل الامور التي لها الأثر كالقضاء والإعادة، فهو وإن كان غير لغو، إلا أنه لا يمكن إثبات القضاء والإعادة بالإطلاقات، لاحتمال انتفاء التكليف الواقعي في مورد الجهل مثلا، لعدم القضاء له، فيشبه الدور. اللهم إلا أن يقال: إن الحديث لا يرفع بحسب الدلالة الحكم الواقعي، لما لامنة في رفعه، وإذا كان مقتضى الإطلاق الإعادة والقضاء، فلا لغوية حتى يعلم انتفاؤه ثبوتا. اللهم إلا أن يقال: إن انتفاء القضاء والإعادة، من المنن على الجاهل، أو إن انتفاء العقوبة على ترك الإعادة والقضاء، لازم ترك العقوبة - على إطلاقها - على المجهول. بل الاستحقاق على ترك القضاء والإعادة، عين الاستحقاق على ترك المجهول، لأن الأمر بالإعادة والقضاء، ليس تأسيسا جديدا، بل كاشف عن بقاء الأمر الأول، وقد انتفى الأمر الأول للجهالة - بحديث الرفع - من الأساس وعرقه، فلافوت حتى يستتبع القضاء، ولا جزئية مثلا حتى تقتضي الإعادة، أو انتفت العقوبة على تركه، الملازم لانتفاء العقوبة على ترك قضائه وإعادته، كما عرفت. وهذا غير ما أفاده العلامة الخراساني في الحاشية من الأعمية (1)، حتى يقال: بأن الظاهر عدم رفع المؤاخذة إلا بلا واسطة، كما في " الدرر " وفي حاشية العلامة الأصفهاني (قدس سرهما) (2). وأما حديث البراءة في الشك في القدرة، فمما لا بأس بالالتزام به، لأن استصحاب عدم الطاقة وارد على الاحتياط، واستصحاب الطاقة منقح الموضوع، وقلما يتفق أن لا تعلم الحالة السابقة.


1 - كفاية الاصول: 386، الهامش، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 192. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 443، نهاية الدراية 4: 40 - 41. (*)

[ 66 ]

فذلكة الكلام إن في موارد حديث الرفع، ليس المرفوع وجوب التحفظ، أو الاحتياط، أو العقاب، أو التكليف في ناحية الموضوعات والصغريات، بل يصح نفي التكاليف الواقعية من غير لزوم المحذور، كما هي منتفية في الثلاث الأخيرة، فالمبرر والمصحح - بناء على هذا المسلك - هو أحكام الموضوعات المدعى رفعها كلها على نهج واحد، لانتسابه إلى التسع في استعمال واحد، وقد عرفت: أن المرفوع حتى في الشبهات الحكمية، هو الموضوع ادعاء. بقي إشكال وهو أن الحاجة في تصحيح هذه النسبة الادعائية المجازية، لا يلزم أن تكون عموم الآثار، لكفاية الأثر الواحد في ذلك بالضرورة، كما نشاهد في استعمالاتنا العرفية، فالمرفوع لبا ليس العقاب، ولا الاستحقاق، ولا المؤاخذة على الإطلاق مع الواسطة، وبلا وسط، بل هو الأثر الواحد، وبلحاظه يستند مجازا الرفع إلى تلك الموضوعات، فانتفاء الأحكام الوضعية ممنوع. ويندفع ذلك: بأنه خلاف الإطلاق، ولا يمكن نفي أو طرد الإطلاق إلا في صورتين: بأن يكون أحد الآثار واضحا في الأثرية للمرفوع المدعى رفعه، أو ينضم إليه الادعاء الآخر: وهو أن الأثر الكذائي تمام الأثر، أو هو الأثر البارز، وحيث إن الكل منتف فيما نحن فيه، فالإطلاق باق. نعم، الالتزام بهذا المسلك خلاف ما هو المعروف بينهم: من أن الجاهل والناسي مورد التكليف الفعلي، كغيرهما. وغير خفي: أن العويصات التي أشرنا إليها، تتوجه إلى المسلك القائل: بأن

[ 67 ]

الرفع حقيقي، والموضوع مرفوع عن الموضوعية للأدلة الأولية (1). وأيضا تتوجه إلى أن مطلق الآثار ليس مرفوعا، بل المرفوع هو التكاليف (2). فعلى هذا، لا القول برفع العقاب سليم ثبوتا وإثباتا، ولا القول برفع الآثار (3) - ولو كان ببعض الأثر - سليم من المناقشة، ولاسيما إثباتا والتزاما، ولا القول برفع الموضوعية، ولا القول برفع العقاب المستتبع لرفع التكليف طبعا (4)، بل هو مجمع المناقشات الثبوتية والإثباتية، ولا القول برفع المؤاخذة المطلقة، الأعم من ذات الواسطة، وغير ذات الواسطة (5). فجميع هذه الأقوال مورد الإشكال، سواء كان المرفوع وجوب التحفظ والاحتياط، أو كان المرفوع نفس التكاليف، أو كان المرفوع الموضوعات الادعائية (6)، أو كان المرفوع الحرمة الظاهرية (7)، أو كان المرفوع العقاب والمؤاخذة في عرض رفع المناشئ له، وهي التكاليف (8)، أو يقال بالتفصيل بين الفقرات، فيكون المرفوع في بعضها بعضا منها، وفي بعضها الآخر بعضا آخر منها (9)، فإن الكل محط المناقشات الثبوتية والإثباتية، فهل يرد علم الحديث إلى أهله، أم هناك مسلك آخر


1 - نهاية الأفكار 3: 219 - 220. 2 - نهاية النهاية 2: 91، نهاية الاصول 2: 584، منتهى الاصول 2: 176. 3 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 33. 4 - نهاية الأفكار 3: 214 - 215. 5 - الرسائل الفشاركية: 35، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 192. 6 - تهذيب الاصول 2: 152، أنوار الهداية 2: 40. 7 - كفاية الاصول: 386. 8 - نهاية الأفكار 3: 214 - 215. 9 - نهاية الأفكار 3: 213 و 217 و 221 و 223 و 225. (*)

[ 68 ]

يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1) ؟ إن قلت: لو كان المرفوع وجوب التحفظ والاحتياط، أو الحرمة الظاهرية، - كما هو ظاهر " الكفاية " (2) - فلا يتوجه بعض الإشكالات، بل الإشكالات الثبوتية مندفعة كلها، لانحفاظ الحكم التكليفي الواقعي. قلت: قد عرفت في طي المسلك الأول، لغوية الالتزام بالتكليف الواقعي غير المستتبع للأثر، فلا معنى لتحريم الخمر وأشباهها ثبوتا، مع عدم ترتب أثر عليه، لا في الدنيا، ولا في العقبى، فيلزم انتفاء الفعلية، والإلزام الواقعي أيضا. تكميل: حول النسبة بين الحديث والأدلة الأولية قد أشرنا في ذيل المسلك الأول إلى أن من الممكن الالتزام بأن النسبة بين الحديث الشريف والأدلة، عموم من وجه، وذلك لأنه يقاس كل واحد من الأدلة الأولية إلى رفع النسيان والخطأ وهكذا، فإذن يلزم العموم من وجه، لأن الحديث الشريف أعم من نسيان حكم الخمر والخنزير، وحكم الخمر أعم من مورد النسيان وغيره. وبناء على الخطابات القانونية، يجوز الالتزام بفعلية التكاليف في جميع هذه الموارد فعلية تامة كاملة مشتركة بين موارد الحديث وغيرها، فلا يلزم التقييد المستلزم لكثير من تلك الإشكالات والعويصات العقلية، ويندفع بعضها بما اشير إليه (3)، فيكون القول بارتفاع جميع الآثار، سليما من تلك المشاكل والمعضلات.


1 - يأتي في الصفحة 72. 2 - كفاية الاصول: 386. 3 - تقدم في الصفحة 64. (*)

[ 69 ]

نعم، مقتضى ما فهمه الجمهور من نظارة حديث الرفع إلى الاحكام الأولية - حتى أنه ناظر إلى نسخ الحرمة بالنسبة إلى الثلاث الأخيرة في الامة السابقة، ولذلك عدت الثلاث من التسع على نهج واحد - هو أن سائر الأحكام الأولية في عرض واحد مورد النظر، لا متبادلة، فكأن الكل في صف واحد، وهذا ناظر بنظر واحد إليه، فلا تلاحظ النسبة بينه وبين كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، فالنسبة عموم مطلق لبا، ويكون الحديث حاكما عليها لسانا وصناعة. كما أن الست الاول، تكون حاكمة على كل واحد من الأدلة الأولية في عرض واحد، ولا ترتب بينها، فليتأمل. وبالجملة: ولو كانت النسبة عموما من وجه لبا وثبوتا، إلا أن الفهم العقلائي على أن الظاهر من الحديث الشريف مثلا في قوله: " رفع... مالا يعلمون " أنه لا تكليف في صورة الجهل، وهكذا في سائر الصور، فالالتزام بفعلية التكليف مع كون الحديث ناظرا إلى الأدلة الأولية، غير جائز في محيط العرف إنصافا - بعد الالتزام بأنه في مقام رفع الآثار ولو كانت مهملة - لأن المتيقن منها هي التكليفية، لا الوضعية، والقدر المتيقن اشتراك العالم والجاهل في الحكم التكليفي. بل لو فرضنا أن النسبة عموم من وجه، ولكن لمكان احتياج الإسناد المجازي إلى المصحح - وهو رفع الآثار - لا يعقل الالتزام بفعلية الآثار وبقائها، فلا يقاس ما نحن فيه بشكل سائر الموارد، فإن دليل حرمة الغصب ووجوب الصلاة، غير متوقف كل على الآخر، وغير ناظر كل إلى الآخر، بخلاف المقام. فعلى هذا، لابد من الالتزام بارتفاع الأحكام في موارد نسيان الحكم والجهل به، لأنه الظاهر، ولاسيما إذا قلنا: إن نفس الأحكام مورد الرفع، كما لا يخفى. فتحصل حتى الآن: أن في الالتزام بانتفاء جميع الآثار، والالتزام بعدم التكليف ثبوتا في حق ناسي التكاليف والجاهلين، ليس كثير محذور إلا الإجماع،

[ 70 ]

وقد تحرر في خصوص كتاب الحج اختصاص كثير من التكاليف بالعالمين (1). نعم، لو أمكن الجمع بين ظاهر أحاديث الرفع والوضع فيما نحن فيه بوجه آخر، والأدلة الأولية، بحيث لا يلزم شئ من الإشكالات يتعين، وإلا فما هو المتعين هو المسلك الثاني، على الوجه الذي عرفت منا. وتبين لك عدم بلوغ القوم إلى مغزى المسألة، ولم ينقح البحث حولها، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. توضيح: حول محتملات الحديث الشريف إلى هنا تحرر المحتملات في الحديث الشريف: من كونه رافعا لموضوعية المرفوعات عن الأدلة الأولية بالرفع التشريعي، ويكون حقيقة. ومن أنه مجاز في الحذف، بتقدير العقاب والمؤاخذة، أو الآثار. ومن كونه مجازا ادعائيا في الإسناد، والمبرر رفع العقاب بلا واسطة، أو مطلقا. ومن كون المبرر الآثار المهملة أو المطلقة. ومن كونه مقيدا، وتكون النسبة إطلاقا وتقييدا ثبوتا، وحكومة إثباتا، أو النسبة عموما من وجه، وتكون تقييدا بالنتيجة. ومن كون الآثار أعم من التكليف والمؤاخذة في عرض واحد. ومن كون المرفوع وجوب التحفظ أو الاحتياط، أو الحرمة الظاهرية في خصوص ما نحن فيه.


1 - مدارك الأحكام 7: 235 - 236 و 240 و 339، العروة الوثقى 2: 560 و 562 كتاب الحج، فصل في أحكام المواقيت، المسألة 3 و 8، و: 572 - 573، فصل في كيفية الإحرام، المسألة 26. (*)

[ 71 ]

وقد عرفت مفاسد الاحتمالات التي لا يمكن الالتزام بها ثبوتا، أو هو وإثباتا، وأن الأقرب رفع الموضوع في جميع الفقرات حتى في " ما لا يعلمون " في الشبهات الحكمية ادعاء ومجازا، والمبرر جميع الآثار، حسب الإطلاق القطعي الثابت للحديث المضروب قانونا عاما كليا، رئيسيا جامعا. بقي شئ: حول مختار الوالد المحقق مد ظله وهو أن من الممكن أن يكون نظر الوالد المحقق - مد ظله - (1) من نفي الآثار ادعاء في الشبهات الحكمية، وفي نسيان الحكم الكلي - بعد وجود الاتفاق على اشتراك الذاكر والناسي والجاهل والعالم في الحكم بمرتبيته - إلى النفي الادعائي فيها أيضا، ويكون مصحح الادعاء نفي آثار الأحكام الفعلية، من الاستحقاق والعقوبة، أو غيرهما من الآثار التي تقتضيها الإطلاقات، كالقضاء والإعادة مثلا. وأنت قد أحطت خبرا: بأن المرفوع في الشبهات الحكمية وفي نسيان الأحكام الكلية، هو الموضوع أيضا (2)، ورفعه الادعائي يستلزم الرفع اللبي الواقعي، لا الادعائي. نعم، لا يتوجه إليه - مد ظله - حديث لغوية الفعلية، لأنه ابتكر حديث الخطابات القانونية، المستتبعة لفعلية الأحكام الدائمة بالنسبة إلى جميع طبقات الناس، من العاجزين وغيرهم (3). هذا مع أن ما ذكرناه لا ينفع في مورد " رفع... ما لا يطيقون " بالنسبة إلى


1 - تهذيب الاصول 2: 152 و 156 - 157، أنوار الهداية 2: 40 و 48 - 49. 2 - تقدم في الصفحة 61. 3 - مناهج الوصول 2: 27، تهذيب الاصول 2: 284. (*)

[ 72 ]

فعلية الأحكام، لأن المرفوع هنا هو الموضوع بالضرورة، ولازمه ارتفاع الحكم لبا في مورد عدم الطاقة، فيلزم الالتزام بالبراءة في صورة الشك في القدرة. وغير خفي: أن توهم عدم المنة في رفع التكليف في صورة العجز (1)، مندفع أولا: بعدم الحاجة إلى كون إطلاق الرفع فيه المنة، بل إذا لم يكن في الإطلاق منة، وكان في نوع موارد الإطلاق منة، يكفي الرفع على الإطلاق، إلا إذا كان في عدم الرفع منة، كما في موارد الاضطرار إلى البيع. ومن القسم الأول الرفع على الإطلاق في مورد النسيان. وثانيا: يمكن للشرع إيجاب التحفظ على القدرة، كما في موارد النسيان والخطأ، فبلحاظه يرتفع التكليف في مورد العجز، فلا فرق بين رفع النسيان والسهو، وبين " رفع... ما لا يطيقون ". المسلك الثالث: وهو الذي أبدعناه، ولعله يصدقه من يأتي بعد ذلك، ويتدبر فيه بنظر التدبر، وقبل الإشارة إليه نشير إلى مقدمة وجيزة تحتوي على التذكير بامور: اعلم: أن في موارد الامور الاعتبارية وفي مواقف المسائل الإنشائية، نحتاج في اعتبار تلك المواضيع في الخارج - كما في مثل البيع وغيره - إلى المعاني الآلية والامور الأدوية، وهي مفاد الهيئات مثلا، حتى يتوصل بها إلى تحقق تلك الطبائع في الخارج، كهيئة " بعت هذا بهذا " فإنه بتلك الهيئة يعتبر المادة والطبيعة - وهو البيع - في الخارج، وتقع موضوعا للاعتبارات العقلائية. وهكذا في الإنشائيات التكليفية، لا بد من هيئة الأمر والنهي، حتى يعتبر مثلا


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 444. (*)

[ 73 ]

الوجوب والحرمة للمادة، وهي الصلاة والخمر، وهذا مما لا ريب فيه في الجملة. ومن هنا ينقدح الأمر الآخر: وهو ما إذا كانت تلك المادة التي دخلت عليها الهيئة المذكورة، من الامور العدمية. مثلا: إذا اعتبر تشريعا ممنوعية المعاشرة مع الكفار، فورد في الحديث والكتاب مثلا: " اليوم تمنع العشرة مع الكفار " فبتوسط الهيئة يعتبر المادة - وهي المنع - أمرا مجعولا على المعاشرة، ويقال: " إن العشرة ممنوعة " ولا يكون هناك اعتبار الآثار قبل هذا المنع، حتى يقال: بأن هذا المنع باعتبار تلك الآثار، وهي الحشر مع الكفار في البيع والشراء، أو في غير ذلك من الأحكام العقلائية، والمعاشرات العرفية، بل يعتبر المعاشرة خارجا ممنوعة، وتصير النتيجة ممنوعية مطلق ما يناقض الحكم المذكور، من غير كونه مورد المنع، أو يكون المنع بلحاظه. ومن هنا يظهر الأمر الآخر في مثل ما إذا ورد في الشرع: " إن صلاة الجمعة " مثلا " ليست واجبة " فإنه ولو كان بصورة الإخبار، إلا أنه إنشاء، أو إخبار عن الإنشاء السابق، وعند ذلك لا تكون القضية سالبة محصلة، لما لا يعقل إنشاء السلب المحصل، بل يعتبر عدم الوجوب للصلاة، وتكون من الموجبة المعدولة. ولذلك اتفقوا على جريان استصحاب عدم الوجوب والحرمة، وما هو إلا لأنه اعتبار شرعي، ولأجل هذا قالوا: " المستصحب إما حكم شرعي، أو موضوع ذو حكم " (1) فإن عدم الوجوب وإن لم يكن حكما تكليفيا، إلا أنه اعتبار وضعي على صلاة الجمعة، وقد اعتبر هذا المعنى بتوسط المعاني الأدوية، كهيئة الجملة المذكورة. فعلى هذا، لو تدبرت فيما تلوناه عليك من المذكرات الإجمالية، يتبين لك ما هو المقصود في المقام، وهو أن في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلا: " رفع... تسعة " معنى حرفيا


1 - فرائد الاصول 2: 659، كفاية الاصول: 476، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 488 - 489. (*)

[ 74 ]

آليا، ومعنى عدميا اسميا، واعتبارا خارجيا، وتكون النتيجة أن التسعة موضوع لاعتبار الرفع عليها، فتكون مرفوعة. فإذا قيل: " النسيان مرفوع " أي اعتبر النسيان موضوعا للرفع الإنشائي، ويكون هو مورد الرفع، كما إذا قيل: " طعام الكفار ممنوع " أو " منع طعام الكافر " فإن المنع ليس باعتبار رفع حلية الأكل أو البيع، بل هو اعتبار مستقل ينتج نتيجة المنع عن الأكل والبيع، وإن كان جواز الأكل والبيع، مجعولا متأخرا عن المنع المذكور زمانا، فنفس المنع عن الطعام اعتبر خارجا، ونفس رفع النسيان اعتبر خارجا. فالشرع لا يرفع الآثار المجعولة بتوسط طرو هذه الحالات، بل الشرع يعتبر النسيان " وما اضطروا إليه " موضوعا للرفع بنفسه، وتكون النتيجة في الموارد الخاصة، الترخيص على خلاف الأدلة الأولية، وتصبح النسبة بين ما نحن فيه وبين الأدلة الأولية، عموما من وجه، لانتفاء كون النظر إلى الأدلة الأولية هنا، ولارتفاع حديث المجازية. بل بعد ما عرفت امتناع إنشاء المعنى السلبي المطلق، فلابد أن يكون المنشأ هنا معنى عدميا اعتباريا وضعيا، فتكون هيئة الماضي آلة لاعتبار الرفع على النسيان، ويصبح الرفع موضوعا عليه، فحديث الرفع في الحقيقة حديث الوضع بالحمل الشائع، وإن كان رفعا بالحمل الأولي، فكما أن في قوله: " منع طعام الذين اوتوا الكتاب " اعتبر المنع على الطعام وضعا، كذلك الأمر هنا، فالنسيان وإخوانه امور تكوينية، كالطعام، والرفع والمنع معنيان سلبيان، كالطلاق، ويعتبر الكل في الخارج ويوجد، فرفع التسعة أي إنشاء رفع التسعة، فالنسبة إيقاعية إيجادية، لا إخبارية حكائية، لأنها لا تعقل هنا. نعم، لا بأس بكون المسند إليه مجازا، التسعة باعتبار السلب التحصيلي، إلا

[ 75 ]

أن ما هو في الحقيقة مورد الإنشاء لبا هو المعنى السلبي، وهو في الحقيقة غير معقول إلا إذا كان إسنادا مجازيا، وإخبارا عن حدود المرادات التشريعية، فلا يكون إنشاء في البين، ولكنه خلاف الظاهر. فبالجملة: بناء على هذا الاحتمال البديع، يلزم إنكار الأحكام الظاهرية. بل يلزم كون التسع موضوعا للأحكام الواقعية، كسائر العناوين التي بينها العموم من وجه، وتكون في موارد الجهالة والنسيان، الأحكام فعلية بحسب الواقع، لما تحرر من إمكانه حسب القوانين العامة، والخطابات القانونية (1)، ويكون النسيان والجهالة مرفوعين، أي موضوعين للرفع باعتبار إيجاد السعة، من غير النظر إلى الأدلة الأولية. نعم، تصير النتيجة - لمكان تقديم هذا الحديث في موارد المعارضة على الأدلة الأولية قهرا - ارتفاع العقاب ومناشئه، كما في سائر موارد معارضة العامين من وجه. وقد مر في مباحث القطع، وفي مباحث الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية: أن قضية هذا المسلك إنكار الأحكام الظاهرية، وعدم الابتلاء بمشكلة الجمع بينهما، كما هو كذلك في حديث جعل الحلية على المشكوك فإن المجعول في القاعدة هي الحلية على المشكوك بما هو مشكوك، فتكون النسبة بينها وبين الأدلة الأولية أيضا عموما من وجه (2). نعم، في موارد اهتمام الشرع بالتكليف الواقعي في موارد الشبهة، لابد من الاحتياط، كما في موارد الشبهات الثلاث المهتم بها. إن قلت: كيف يعقل الالتزام بأن نسبة العامين من وجه، مع أن في موارد


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455، وفي هذا الجزء: 64 - 68. 2 - تقدم في الجزء السادس: 186 - 190 و 250 - 257. (*)

[ 76 ]

المعارضة يقدم دائما هذا الحديث بحسب الطبع ؟ ! فيعلم منه أنه مقيد الأدلة الأولية، فيلزم التقييد في جميع الفقرات، فتعود المحاذير. قلت: أما في موارد النسيان والجهالة والسهو والخطأ، فالتقديم لا يكون بالنسبة إلى مجموع التكاليف رأسا، لبقاء التكليف الواقعي، وتظهر الثمرة في الإعادة والقضاء والكفارة، وربما يكون اللازم الاحتياط في الشبهات المهتم بها. وأما في غير الثلاث الأخيرة، فهكذا فيما إذا كان مهتما به، فلا يصح التمسك بدليل رفع الإكراه مثلا لهدم الكعبة وأمثال ذلك، لاهتمام الشرع بحرمة الهدم مثلا. وأما في الثلاث الأخيرة، فالالتزام به غير ممنوع، لأن الحديث الشريف اعتبر الرفع بالنسبة إلى التسع، وإذا قيس التسع إلى المجموع يكون الأمر كما تحرر. وبعد اللتيا والتي ظهر: أن برفع التسع يعتبر وضع المرفوعية على التسع، وتكون النتيجة التوسعة على العباد من ناحية التسع بالقياس إلى الضيق في موارد طروها، سواء كان الضيق المذكور سابقا على هذه السعة، أو لاحقا. خاتمة الكلام: بيان نسبة بين حديث الرفع وأخبار الاحتياط هل هذا الحديث الشريف يصلح لمعارضة أخبار الاحتياط بعد تلك الإطالة، أم لا ؟ وجهان: من أن رفع التكليف في مورد الجهالة، يقتضي انتفاء موضوع الاحتياط، لأن الاحتياط في موارد احتمال التكليف، فإذا لم يكن التكليف واقعا أو ادعاء، فلا معنى لاعتبار الاحتياط في موارد الشبهة، فيكون الحديث الشريف واردا على أدلة الاحتياط في الفرض الأول، وحاكما عليها في الفرض الثاني. ومن أنه يلزم بناء عليه، لغوية أدلة الاحتياط والأوامر الاحتياطية، فلابد من الالتزام بها، ولا يكفي حملها على الاستحباب بعد انتفاء التكليف.

[ 77 ]

نعم، على القول بوجوده وارتفاع العقاب مثلا، يمكن حملها على الاستحباب. كما يمكن ذلك على ما أبدعناه من العموم من وجه، واستحباب الاحتياط في موارد الشبهة، لوجود التكليف الفعلي واقعا. كما يمكن ذلك على القول برفعه الادعائي في الشبهات الحكمية. أو تحمل أخبار الاحتياط على الشبهات الموضوعية، لأن الرفع ادعائي، بخلاف الحكمية، فإنه واقعي، عكس ما هو الأولى والأحسن في باب الاحتياط في الشبهات. هذا هو محتملات المسألة. والذي يسهل الخطب: أن قضية ما تحرر منا فيما سلف، أن المراد من " العلم " ومن " الجهل " هما الحجة واللاحجة، كما عرفت من رواية مسعدة بن صدقة، وأن موارد العلم المنطقي بالأحكام، مما لا يتمكن منها أحد من المكلفين إلا شاذا، فما يعلمه المكلف من الأحكام، ليس إلا ما قامت عليه الحجة. ولو كان حديث الرفع شاملا لموارد الحجة - لكونها جهلا تكوينا - فلابد من الالتزام بمسألة حكومة أدلة الطرق والأمارات على أمثال ما نحن فيه، كما قالوا به في الجمع بين تلك الأدلة وأدلة المنع عن القول بغير العلم (1)، وقد عرفت فساد الحكومة والورود بما لا مزيد عليه (2). فعلى هذا، لا يستفاد من حديث " رفع... ما لا يعلمون " إلا رفع ما لا حجة عليه، وأخبار الاحتياط حجة، فلا فائدة للاصولي فيما أطاله. وبالجملة تحصل: أن بعضا من الوجوه ينتهي إلى تقديم حديث الرفع على


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 160 - 161، درر الفوائد، المحقق الحائري: 380، نهاية الأفكار 3: 102. 2 - تقدم في الجزء السادس: 337 - 338 و 421 - 423. (*)

[ 78 ]

أخبار الاحتياط ورودا أو حكومة، وبعضا منها ينتهي إلى المعارضة بينهما. وتوهم رفع إيجاب الاحتياط بحمل أخبار الاحتياط على استحبابه (1)، غير صحيح، لما سيمر عليك من أن الاحتياط لا يتحمل الإيجاب النفسي، ولا الاستحباب. نعم، يمكن حمل أخبار الاحتياط على الإرشاد العقلي المساوق للأولوية والاستحسان. وبالجملة تقع المعارضة بينهما. وبعضا منها ينتهي إلى تقديم أخبار الاحتياط، وهو الأقرب كما عرفت. نعم، حيث يظهر لك أن في نفس أخبار الاحتياط، ما يشهد على الأولوية في موارد الشبهة (2)، فلابد من اختيار المسلك المنتهي إلى عدم تقييد الأدلة الأولية بالحديث الشريف، وإلا فلا معنى، للأولوية عند انتفاء الأدلة الأولية واقعا في موارد الاحتياط. وهذا المسلك هو المسلك الذي أبدعناه، من ادعاء بقاء التكاليف في موارد الست، ولذلك يستحسن ترك أكل الميتة وغيرها في موارد الاضطرار العرفي مثلا، وهذا الاستحسان لا يتصور إلا مع بقاء الملاك الموجب لبقاء التكليف القانوني، لا الشخصي، فلا تخلط. وسيأتي تمام البحث في طي أخبار الاحتياط إن شاء الله تعالى (3). وغير خفي: أن رفع إيجاب الاحتياط أو الحرمة الظاهرية، يستلزم التعارض بينه وبين أخبار الاحتياط، لأن رفع إيجابه - مادام لم تقم الحجة الظاهرية على أصل الاحتياط - صحيح، وأما رفعه بالنسبة إلى مورده، فيستلزم أن يكون معنى


1 - لاحظ الفصول الغروية: 353 / السطر 23، فرائد الاصول 1: 348. 2 - يأتي في الصفحة 161 و 180. 3 - يأتي في الصفحة 156. (*)

[ 79 ]

الحديث هكذا: " رفع وجوب الحجة على الحكم الواقعي مادام لم تقم الحجة عليه " وهذا مستحيل كما لا يخفى. الجهة الرابعة: وفيها مسائل ثلاث حول اختصاص الحديث بمورد الامتنان قد اشتهر بين المحصلين: أن الحديث الشريف مخصوص بموارد فيها المنة، لظهور قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " من امتي " - كما في الحديث - في أن المنة على الامة اقتضت ذلك، فيدور الأمر مدار المنة، وإلا فلو كان في الرفع ضيق لا سعة، فلا رفع بالضرورة، مثلا في مورد الاضطرار إلى البيع إذا كان البيع باطلا، يلزم الضيق وهكذا (1). وإنما الكلام تارة: في أن الأمر دائر مدار المنة سعة وضيقا، عموما وإطلاقا، أم يكفي المنة الإجمالية في الرفع الكلي. واخرى: في أن المدار على المنة بالنسبة إلى المعنونين بالعناوين المذكورة في الحديث، أم لابد وأن يكون فيه المنة عليهم، على وجه لا يستلزم الضيق على سائر الامة. مثلا: في مورد الاضطرار إلى أكل مال الغير، أو في موارد الخطأ والنسيان في الإتلاف، يرتفع الضمان الثابت حسب الإطلاقات، أم لا، لأن في رفع ذلك ضيقا على الآخرين. وثالثة: هل الرفع يدور مدار المنة على أنها علة تامة، أم هي نكتة وحكمة التشريع، فلو لم يكن في مورد رفع الجزئية منة على شخص خاص - لأنه مرتبك من ذلك الرفع ويحزن، ضرورة أن في الصلاة الناقصة الجزء، نقصان الفضيلة - فهل يرفع الجزئية على الإطلاق، أم يختص بغير تلك الصورة ؟


1 - فرائد الاصول 1: 324، كفاية الاصول: 387، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 348. (*)

[ 80 ]

وهكذا في مثل " ما لا يطيقون " إذا لم يكن في رفع التكليف في شهر رمضان منة، لأن الابتلاء بالقضاء في غيره يكون أصعب عليه، ولو كان تحمل الصوم في رمضان أيضا فيه المشقة، ويكون وجوب الصوم مما لا يطيق عرفا. فهناك ثلاث مسائل، وقد اشتهر بين الأصحاب اعتبار المنة، ويظهر منهم أنها العلة التامة (1)، وأيضا يظهر منهم (2) - وهو صريح جمع (3) - أن الرفع لابد وأن يكون منة على الامة، ولا يختص بالمعنونين بتلك العناوين في الحديث الشريف، وقد صرح بعضهم أيضا: " بأن رفع المرتبة الاولى من التكليف لامنة فيه، فلا يرتفع " (4)، كما مر (5). وحيث إن في المسألة نفعا كثيرا، لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى تلك المسائل الثلاث: المسألة الاولى: الحق عدم كون المنة علة تامة، بمعنى أن يكون الرفع في مورد انطباق العنوان، دائرا مدار كونه منة على الوجه المذكور، بل يكفي كونه منة على نوع المعنونين، مثلا في رفع التكليف في شهر رمضان، أو رفع الجزئية وأمثالها، لا يعتبر كونه منة في كل مصداق، بل يكفي كونه منة بحسب الطبع، لأن فيه التوسعة. بل ربما يكفي أصل كونه توسعة على العباد، وإن كان كثير من الناس يقعون في الضيق من هذه التوسعة، مثلا بناء على جريان حديث الرفع في الشك في المانعية في المعاملات (6)، تكون فيه التوسعة، لأن اعتبار مانعية شئ يضر بصحة


1 - أجود التقريرات 2: 175 - 177، درر الفوائد، المحقق الحائري: 444، نهاية الأفكار 3: 212 - 213. 2 - كفاية الاصول: 387، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 192 - 193. 3 - فرائد الاصول 1: 324، الرسائل الفشاركية: 47، منتهى الاصول 2: 178. 4 - نهاية الأفكار 3: 212. 5 - تقدم في الصفحة 65. 6 - تهذيب الاصول 2: 168، أنوار الهداية 2: 63، الهامش. (*)

[ 81 ]

المعاملة، وفيه أحيانا أو كثيرا مشقة وضيق على جماعة في شخص تلك المعاملة التي فيها التوسعة على الآخرين، فلا تعتبر المنة، بل ولو لم تكن منة، أو كان تضييق في مثل المقام، يكفي لجريان حديث الرفع أصل التوسعة عليهم نوعا. والإشكال بعدم جريانه في المانعية، أو في أصل تصوير المانعية في المركبات، أو في عدم أثر في جريانه فيها، للمثبتية، كله مختلف فيه، وخارج عن الجهة المبحوث عنها، لأنه لو كان سبيل لحل الإشكالات المشار إليها يلزم على القول بأن الامتنان علة دائر مدارها الرفع وعدمه التفصيل، فيكون التكليف أو الجزئية مرفوعا في مورد، وغير مرفوع في مورد آخر، والالتزام به غير بعيد في ذاته، إلا أنه غير صحيح إنصافا. بل ربما لا تكون في رفع المانعية في الصلاة منة، إذا كان لا يجزئ المأتي به عن المأمور به، كما لا يخفى. المسألة الثانية: يظهر من " الكفاية " وهو صريح العلامة الأراكي (قدس سره): " أن في موارد الرفع، يكون المرفوع نفس الإلزام المجهول، لأن في رفع أصل التكليف ليس منة " (1). وقال العلامة الأراكي: " لا يرفع إلا إيجاب الاحتياط، لأن رفع التكليف الفعلي ليس مورد المنة " كما مر في الجهة الثالثة بما لا مزيد عليه، مع جوابه. وبالجملة: هل يتجزأ التكليف حسب الامتنان، فيكون بمقدار المنة التكليف مرفوعا، فاللزوم مرفوع، دون أصل الحكم ؟ ولازمه وجود الأمر الندبي والطلب الاستحبابي في موارد الرفع، فإذا كان صوم رمضان مما لا يطيقه، أو القيام للصلاة أو الوضوء في الشتاء مما لا يطيقه المكلف، يكون المرفوع المرتبة العليا من الإرادة الشديدة، أو الإلزام الحاصل من


1 - كفاية الاصول: 386، نهاية الأفكار 3: 213 - 215. (*)

[ 82 ]

البعث والزجر، دون أصل البعث والزجر والطلب، وهكذا. أم المرفوع تمام التكليف والإرادة، لكفاية الامتنان المستند إلى الوجوب والحرمة لرفع التكليف ؟ وبعبارة اخرى: كما أن في موارد الشك في الاستحباب والكراهة، لا موجب للتمسك به، لما لا منة، كذلك فيما نحن فيه لامنة في رفع تمام مراتب الكلفة، بل يكفي رفع الإلزام النفسي أو الغيري والشرطي. والذي هو مقتضى العقل امتناع التجزئة، من غير فرق بين كون المتجزئ نفس الإرادة، أو البعث، فإن الثاني بسيط واضح المنع، والاولى جزئية شخصية. ولو كانت الإرادة الشديدة قابلة لرفع شدتها، لما كان وجه لقولهم: " بأن الأحكام متضادة بالأسر (1)، إما بالذات، أو بالغير " فمنه يعلم امتناع كون المرفوع شدة الإرادة. ولذلك قلنا في حديث رفع القلم ببطلان عبادة الصبي (2)، وإنها لو كانت صحيحة فهي لأجل الجهة الاخرى المحررة في محلها: وهي أن الأمر بالأمر بالشئ، أمر بذلك الشئ، أو يكفي أصل المطلوبية الذاتية (3). والذي يقتضيه فهم العرف والعقلاء، هو أن المرفوع يختص بما فيه الامتنان، ولا معنى لرفع التكليف على وجه لو أتى المكلف بالمكلف به، يكون مستحقا للعقوبة، لأجل التشريع، كما في الأمثلة المذكورة. فلابد من التخلص من هذه العويصة، وذلك يمكن لأجل ما تحرر منا في محله: من أن الوجوب والاستحباب الاعتباريين، يعتبران من البعث بلا قرينة على


1 - قوانين الاصول 1: 142 / السطر 14، مطارح الأنظار: 130 / السطر 33، كفاية الاصول: 193. 2 - لعله في رسالته التي كتبها حول حديث رفع القلم وهي مفقودة. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 253 - 255. (*)

[ 83 ]

الترخيص، ومن البعث المقرون بالترخيص (1)، وأما إرادة البعث إلى شئ أو الزجر عن الشئ، فهي وإن كانت تختلف شدة وضعفا حسب مراتب المبادئ والمحبوبية والمبغوضية، إلا أن في ناحيته تعالى وتقدس، لا يكون الرفع إلا قرينة على عدم وجود الشديدة منها في مورد حديث الرفع، وفي مواضع انطباق عناوينه من الأول. فالحق الذي لا محيص عنه عند العرف والعقلاء - لولا الأدلة الخاصة الناهضة في الفقه في موارد معينة -: هو أن حديث الرفع قرينة على أن في موارد عدم الطاقة، لا يكون الفعل فيها تشريعا، وفي موارد الاستكراه لا يكون البيع الإنشائي ساقطا عن القابلية للحوق الإجازة، وفي موارد " رفع... ما لا يعلمون " يكون محل للإتيان الرجائي، فإن المرفوع هو الإلزام، دون أصل المطلوبية والرجحان. وتوهم: أن إطلاق الرفع المستند إلى الموصولات مثلا، يقتضي ارتفاع الكل بعد كون الامتنان حكمة التشريع، مندفع، بأن الحكمة تصلح لصرفه إلى ما ذكرناه بعد شهادة العرف القطعية بذلك، فلا تخلط. وأما توهم: أن حديث الرفع لو كان قرينة على عدم الوضع من الأول على وجه الكلفة، فلا رفع، فقد مر ما فيه، فإن إمكان الالتزام بالتكليف الواقعي في موارده، كاف لذلك (2). تكملة: لنا أن نقول: إن كون حديث الرفع في مقام الامتنان ممنوع، لما لا دليل عليه لفظا، فاستظهار شئ من لفظة " الامتنان " في مورد الرفع، غير جائز، والذي هو القدر المسلم أن حديث الرفع جئ به للتوسعة على هذه الطوائف، سواء كان في تلك السعة امتنان ومنة عرفا وصدقا، أم لم يكن.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 93 - 94. 2 - تقدم في الصفحة 72 - 76. (*)

[ 84 ]

وبعبارة اخرى: الضيق الممكن اعتباره بالأدلة الأولية أو بالجعل الثانوي بالنسبة إلى سائر الامم، مرتفع عن هذه الامة، فلا ضيق من ناحية النسيان وسائر الجمل، فطبعا تكون الامة الإسلامية في السعة، برفع هذا الضيق الممكن إحداثه، فما اشتهر من حديث الامتنان، ولحاظ المنة في موارد الرفع (1)، غير قابل للتصديق. إيقاظ: بناء على ما ذكرناه يكون الحكم الإيجابي مرفوعا إيجابه، دون أصل الحكم في الاعتبار، لما لا سعة في رفعه، بخلاف الحكم التحريمي، فإن المرفوع فيه نفس الحكم، لما في رفع المرتبة الناقصة أيضا سعة، ولذلك لا بأس بجريان حديث ا لرفع في مشتبه الكراهة، دون مشتبه الندب، ضرورة أن رفع الكراهة يلازم عدم تلوث العبد بمنقصة الكراهة، فهو منة وسعة. وتوهم: أن المنقصة لا تتبع النهي، غير مساعد مع المذهب الذي عليه العدلية والمتشرعة، فما في " الكفاية ": من رفع الإلزام حتى في الشبهة التحريمية (2)، غير تام. المسألة الثالثة: قد منعوا جريان حديث الرفع إذا كان في جريانه الضيق على الامة (3)، وهذا في الجملة مما لا إشكال فيه، كما إذا قلنا بجريانه في الأحكام الوضعية، وأن المرفوع مطلق الآثار، وأن النتيجة هي التقييد مطلقا حتى في " ما لا يعلمون " وفيما نسوا بالنسبة إلى الأحكام الكلية والجزئية، فإنه لا يرفع صحة البيع الاضطراري، لما فيه من الضيق.


1 - تقدم في الصفحة 81، الهامش 1 - 3. 2 - كفاية الاصول: 386. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 348، نهاية الأفكار 3: 212 - 213. نهاية الاصول 2: 586. (*)

[ 85 ]

وأما منعهم جريانه بالقياس إلى سائر الاصناف غير المبتلين بهذه العناوين والذين هم غير معنونين بعناوينه، كما إذا اكره على إتلاف مال الغير فأتلف، أو اضطر إلى إصلاح بيته المنتهي إلى تلف مال الغير، فهو أيضا لأجل توهمهم: أن الحديث الشريف فيه الامتنان على الامة، ولا امتنان في هذا الرفع (1). وهذا التعليل فاسد بالضرورة، فإن الامتنان مراعى بالقياس إلى المعنونين بتلك العناوين، فمن اضطر إلى إصلاح داره، يكون في رفع التصرف المنتهي إلى فساد دار جاره، امتنان عليه، وأما جاره فهو ليس مندرجا في هذه العناوين، فالمنة ولو كانت معتبرة فهي بالقياس إليهم، دون غيرهم. هذا أولا. وثانيا: لو لم يكن جاريا للزم ممنوعيته من التصرف مطلقا، ويكون هو حراما عليه، مع أن الضرورة تقضي بجوازه تكليفا، ولو كان يجب عليه جبران خسارة الجار. وثالثا: قد عرفت أن المناط رفع الأشياء المذكورة بالنظر إلى الضيق، لا بالنظر إلى الامتنان، وكانت تكفي السعة لجريانه، وهذا بلا إشكال سعة. وبعبارة اخرى: التصرف مع الجبران سعة على المضطر، وليس ضيقا على الجار وإن لم يكن منة عليه أيضا، فإنه لا تعتبر المنة، كما عرفت. فبالجملة إنكار جريانه بالنسبة إلى الأحكام الوضعية، ولو كان ممكنا بالنسبة لما يمكن الالتزام بتبعاته، ولكن مجرد الإمكان غير كاف بعد الإطلاق المزبور، ولاسيما بالنسبة إلى الكفارات، وخصوصا بعد تمسكه (عليه السلام) في الرواية التي مرت في مسألة الحلف على الطلاق استكراها، بناء على كونها تامة سندا ودلالة، وقد مر


1 - فرائد الاصول 1: 324، نهاية الأفكار 3: 212 - 213. (*)

[ 86 ]

ما فيها (1). فهل يمكن حل هذه المشكلة، بدعوى الالتزام بعدم ضمانه في إتلاف مال الغير ؟ ولو أمكن أن يقال: بأن ما هو مورد الاضطرار هو التصرف في داره، وأما أنه بلا جبران خسارة تتوجه إلى جاره، فهو ممنوع، لكونه خارجا عن مصب الاضطرار، فالحكم التكليفي مرفوع، دون الضمان، لما أمكن ذلك في مثل الإكراه على التلف والإتلاف، فإن مورد الاستكراه هو الإتلاف، فإذا رفع فلابد أن يرتفع الضمان، لأنه أظهر آثار الإتلاف. هذا مع أنه يلزم بناء عليه، وجوب الكفارة في الإكراه على الكذب على الله في شهر رمضان، لأن ما هو مورد الإكراه هو الكذب المحرم، دون الوضع الآخر المترتب عليه، وهي الكفارة. والتمسك بالأدلة الاخر غير صحيح، لأن البحث حول سعة دائرة حديث الرفع حسب الأصل والقاعدة، دون ما هو المفتى به عند الأصحاب، للأدلة الخاصة. ولذلك يظهر: أن ما ذكره العلامة النائيني وغيره: " من أن حديث الرفع لا يجري في مثل الكفارات المترتبة على العمد " (2) في غير محله، لأنه بحث وتنبيه غير محتاج إليه فيما هو الجهة المبحوث عنها هنا، فلا تغفل. إيقاظ: حول جواب إشكال ارتفاع الضمان عند الإتلاف ونحوه ربما يمكن توهم حل هذه المشكلة، من جهة أن التكاليف المنطبقة عليها عناوين هذا الحديث على قسمين:


1 - تقدم في الصفحة 41 - 43 و 59. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 352، منتهى الاصول 2: 177. (*)

[ 87 ]

فقسم منها يكون دفعي الامتثال والعصيان، مثل رد الجواب، وشرب الخمر. وقسم منها يعتبر لها البقاء كالوضعيات، أو يكون من الموقتات التكليفية. فما كان من القسم الأول، فطرو الاضطرار والاستكراه يوجب رفع التكليف، وبعد زوال العنوان الطارئ، لا يبقى محل لعود التكليف المرفوع. وأما القسم الثاني، فطرو العناوين في بعض الوقت، لا يوجب الرفع في مطلق الأوقات. نعم إذا طرأ في مطلق الوقت، فيرفع على إطلاقه. وطرو تلك العناوين على الوضعيات - كالإتلاف، والقتل، والتنجيس، وغير ذلك - لا يوجب رفع شئ فيها، إلا الامور التكليفية من الحرمة، أو الوجوب مثلا، وأما أصل الوضع فلا منة في رفعه. وأما التكاليف المترتبة على الوضع - كوجوب جبران الخسارة، أو وجوب الاجتناب - فهي أيضا مرفوعة مادامت العناوين منطبقة، وإذا زالت العناوين فتعود التكاليف المترتبة على الوضع، لأنه الباقي بحسب الواقع، لما لامنة في رفعه. مثلا: إذا اكره على إتلاف مال الغير، أو نسي وأتلف مال الغير، فحرمة التصرف والتضييع والتبذير والإسراف مرفوعة، وأما الضمان فلا يرفع، لما لامنة في رفعه. وأما وجوب رفع الضمان، وأداء مال الغير بالمثل أو القيمة، فهو أيضا مرفوع مادام الاضطرار، فإذا زال الاضطرار فالتكاليف الأولية لا محل لعودها، لأنها من القسم الأول، وأما الوضعيات فهي من القسم الثاني، فإذا زال العنوان الطارئ يكون الضمان باقيا، لأن الوضع يعتبر له البقاء في حد ذاته، فإذن عاد وجوب الجبران، وهكذا في نسيان الإتلاف، وملاقاة النجاسة، وغير ذلك. وتظهر الثمرة بعد انحلال الإشكال، في أن من يلاقي ملاقي النجس في حال النسيان، يكون نجسا، ويجب عليه الاجتناب، بخلاف نفس الناسي، فإنه لا يجب عليه شئ بالنسبة إلى أكل النجس، ولا بالنسبة إلى ملاقي ما أكله، وهكذا في " ما

[ 88 ]

لا يعلمون ". أقول: هذا الجواب وإن كان لا بأس به في الجملة، إلا أن الالتزام به مشكل في بعض الفروض، مثلا لو اضطر إلى أكل مال الغير، واستمر اضطراره في برهة من الزمان، وكان متمكنا من الجبران، وطلب المالك جبران خسارته، فإن رفع وجوب الجبران بحديث الرفع، مما لا يلتزم به الأصحاب. وهكذا بالنسبة إلى النجاسة في الاستكراه على أكل النجس، مع دوام الاستكراه مثلا لو اكره على أكل النجس، أو اضطر إليه، ولا يكون مضطرا إلى شرب الماء في أثناء الإكراه والاضطرار، فإن قضية نجاسة فمه، حرمة شرب الماء قبل التطهير، ومقتضى البيان المذكور جوازه، لارتفاع حرمة شرب النجس مادام الإكراه والاضطرار باقيا، مع أن الالتزام به مشكل جدا. نعم، في مثل رفع الضمان يمكن الالتزام بأن الضمان بما هو هو، ليس مرفوعا، لما لاسعة في رفعه، بل السعة في رفع وجوب الجبران. والإشكال المذكور يندفع، لأجل أن الإكراه على إتلاف أموال زيد، ينحل إلى الإكراهات، فإذا أتلف مثلا مواشيه يرتفع الإكراه بالنسبة إليه، ويجب الجبران، وأما بالنسبة إلى سائر الأموال، فلا إتلاف بعد حتى يضمن، فإذا أتلف غلاته فهكذا، فإكراه السلطان عمرا على إتلاف أموال زيد، ينحل إلى الإكراهات، فلا يتوجه الإشكال المذكور إلى مسألتنا هذه. وما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله): " من أن حديث الرفع لا يشمل رفع النجاسة والجنابة، لأنهما من الامور الواقعية المنكشفة بكشف الشرع، فلا تناله يد الوضع، ولا الرفع " (1) لا يفيد هنا، مع أنه غير تام، كما تحرر في محله (2).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 358. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 2: 285. (*)

[ 89 ]

وهم ودفع لأحد أن يقول: إن الأحكام الوضعية إن كانت ثابتة بالإطلاق، فترتفع بالحديث، وإن كانت ثابتة على الإطلاق فلا ترتفع به، والجنابة والنجاسة ثابتة على الإطلاق، أي ثابتة سواء تحققت عن إكراه واضطرار، أو غيرهما، فعليه تكون حرمة الشرب في المثال المذكور غير مرفوعة (1). ويندفع: بأنه لا بأس به تصورا، ولكن لا دليل عليه تصديقا، لأن ما يثبت به الجزئية والشرطية والمانعية وغيرها، ثبت به النجاسة والجنابة، وهو الإطلاق، ولا دليل على ثبوتهما على الإطلاق إلا مساعدة المناسبات. ولذلك فصل جمع من المتأخرين في نجاسة الملاقي بين الوسائط القليلة والكثيرة، معللين بفقد الإطلاق (2). هذا مع أنك عرفت: أن رفع الوضع ليس فيه التوسعة بما هو هو، بل التوسعة فيه باعتبار الحكم المترتب عليه، ولو كان الوضع مرفوعا حال النسيان والجهالة، أو حال الإكراه والاضطرار، للزم جواز الاقتداء والاستئجار وجواز شرب الملاقي، لغير المعنونين بالعناوين المذكورة. ولو أمكن الالتزام بذلك في الأمثلة الاولى - كما هو الحق، لبعض الجهات الاخر الآتية - فلا يمكن الالتزام به في المثال الأخير، كما لا يخفى.


1 - منتهى الاصول 2: 186. 2 - تحرير الوسيلة 1: 123، فصل في النجاسات، القول في كيفية التنجس بها، المسألة 9، التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الطهارة 2: 230 - 235. (*)

[ 90 ]

توضيح وتوجيه: حول دوران الرفع مدار العناوين التسعة في حديث الرفع قد عرفت: أن مقتضى ظاهر الحديث، اختصاص التوسعة بالمعنونين، دون غيرهم (1)، وأن في الامة السالفة كان عليهم تضييق، فارتفع بالنسبة إليهم في هذه الامة ولو كان يلزم تضييق على غيرهم أحيانا، لأن ذلك التضييق الأحياني - في قبال تلك التوسعة الكلية - لا يعد شيئا يعتنى به في ضرب القانون. ولكن مع ذلك كله قضية البيان المذكور، اختصاص التوسعة بهم في تلك الأحوال الخاصة، وإذا زالت الحالات المذكورة فلا سعة عليهم، كما لا سعة على الذاكرين والعامدين والقادرين والعالمين، فعليه إن قلنا بارتفاع الضمان مثلا أو النجاسة حال الاضطرار، فلا وجه لاعتبار الضمان والنجاسة بعد الرفع، فيلزم أن يكون مال الغير هدرا في الأمثلة السابقة، كما عرفت. وهكذا لو ارتفعت النجاسة حال النسيان والخطأ، مع أنه لا سعة عليهم في رفعها إذا كان الحكم المترتب عليها مرفوعا في خصوص تلك الأحوال. وأما على القول بعدم ارتفاع أمثال هذه الأحكام الوضعية، - لما اشير إليه - فيندفع المحذور المذكور، لعود الأحكام المترتبة عليها، لبقاء موضوعها، ولا يلزم اللغوية بعد جواز عودها، كما لا يخفى. وأما توهم: أن هذا الضيق بعد زوال تلك الأحوال، ناشئ عن عدم رفع تلك الموضوعات الوضعية، والحديث ناظر إلى التوسعة على الإطلاق. فهو فاسد، لأن الحديث في مقام التوسعة على الامة في تلك الأحوال، وهي حاصلة، وما لا يكون حاصلا هو السعة بعد زوالها، وهو غير لازم بالضرورة، ولأجل ذلك يستظهر من الحديث الشريف: أن العناوين المذكورة في حكم العلة،


1 - تقدم في الصفحة 85. (*)

[ 91 ]

وأن الرفع دائر مدارها، والقول ببقاء الرفع بعد زوالها غير صحيح، فالقول بارتفاع الضمان والنجاسة غير تام، لما يلزم من التوسعة عليهم بعد زوال العناوين المذكورة، وهو غير مقصود في الحديث الشريف، فافهم واغتنم جيدا. وبالجملة: لولا بعض الإشكالات كما مر (1)، لكان لهذا البيان حول مشكلة الحديث أهمية خاصة، وإن خفي عليهم. تحقيق بديع: في جواب إشكال الالتزام برفع مطلق الآثار قد انجر ذيل البحث من هذه المسألة إلى مسألة: أن الالتزام برفع مطلق الآثار يستتبع المشكلة، كما عرفت في مثل الإكراه على الجنابة، والاضطرار إلى أكل النجس، ونسيان شرب المتنجس (2). وقد كان في نفسي حل المشكلة في مسألة الضمان والإكراه على الإتلاف، بأن نقول في أمثاله: بأن حديث الرفع لا يشمل إلا الأحكام التأسيسية الإسلامية، والأحكام التشريعية الإلهية، دون الإمضائية التي هي أحكام عرفية عقلائية، لا يكون التضييق مستندا فيها إلى الإسلام حتى يرفعها الحديث الشريف، كما احتملنا ذلك في قاعدة نفي الحرج والضرر (3)، وفي باب الشرط المخالف للكتاب (4)، فإنه على هذا يلزم التفصيل، ويكون الضمان ثابتا، ووجوب الجبران غير مرفوع وهكذا. ولكن في مثل الإكراه على الجنابة، والاضطرار إلى أكل النجس، يكون وجوب الغسل الشرطي وحرمة أكل النجس وشربه، حكمين تأسيسيين إلهيين.


1 - تقدم في الصفحة 87 - 89. 2 - تقدم في الصفحة 87 - 88. 3 - مما يؤسف له أن رسالته في قاعدة نفي الضرر التي ألفها في بورسا فقدت ولم تصل إلينا. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الخيارات، القول في الشروط. (*)

[ 92 ]

ومن الغريب ما قد يقال: بأن وجوب الغسل الشرطي في توسعة الوقت، غير مرفوع، وفي الضيق يتبدل التكليف إلى الترابية (1) ! فإنه لا يجوز التأخير إلى التضييق، حسبما هو مورد الفتوى (2)، فلو كان الوجوب مرفوعا في مقدار من الزمان المتعين فيه عقلا - لما فيه من التوسعة - لا يبتلى المكلف بالعصيان والعقاب، فما في " تهذيب الاصول " من قلم المقرر - حفظه الله تعالى - احتمالا. فعلى هذا، لا يمكن حل المشكلة على وجه يكون المرفوع مطلق الآثار، سواء كان النظر إلى التوسعة على الامة، أو على المعنونين بتلك العناوين. ولو أمكن حل المشكلة بالنسبة إلى الضمان في الأمثلة السابقة، إذا كان النظر إلى التوسعة على المعنونين خاصة بالبيان الأخير، ولكن لا يمكن حلها بالنسبة إلى مطلق الآثار إلا بدعوى عدم جريان الحديث رأسا بالنسبة إلى الأحكام الوضعية (3)، أو دعوى: أن هذه الوضعيات أحكام ثابتة على الإطلاق (4)، وقد مر ما في كلا الوجهين من الإشكال (5). وسيمر عليك من ذي قبل حل المشكلة في الأسباب والمسببات (6)، وإن خرجنا عن طور البحث المخصوص بالمسألة الثالثة هنا، وذكرنا تمام ما عندهم في حديث رفع مطلق الآثار، إلا أنه نشير في محله إلى ما هو الحق عندنا. ويمكن دعوى: أن ما هو مورد الإكراه والاضطرار هو أكل الميتة، وهو محرم، فيرفع حرمته، وأما ملاقاة النجس فهي ليست مورد الاضطرار حتى ترتفع، ولا يعتبر


1 - تهذيب الاصول 2: 170. 2 - العروة الوثقى 1: 480، فصل في التيمم، المسألة 26. 3 - نهاية الأفكار 3: 221 - 223. 4 - منتهى الاصول 2: 186. 5 - تقدم في الصفحة 87 - 89. 6 - يأتي في الصفحة 122 - 125. (*)

[ 93 ]

الخلط بين الحيثيات. ودعوى: أن الموصول إشارة إلى الميتة، وهي مرفوعة ادعاء، غير مقبولة، بل ولو كان فيه الإشارة، ولكنه يشير إلى ما هو مورد الاضطرار، وهو الأكل والشرب، وما هو موضوع سريان النجاسة مثلاهي الملاقاة بما هي هي، وهي ليست مورد الاضطرار. نعم، لو اكره على ملاقاة النجس بما هي هي، فلا منة في رفعها إلا بلحاظ الوجوب الشرطي المتأخر، وقد عرفت ما فيه أيضا (1). وهم ودفع: لو كان البيان الأخير وهو رفع الأحكام التأسيسية، مورد النظر في الحديث الشريف، للزم عدم شموله للبيع الواقع عن الإكراه. وفيه: أن الأمر كما تحرر، إلا أن بيع المكره باطل عند العقلاء، ولا توسعة من ناحية الشرع في رفع صحته. مع أن في رفع الصحة إشكالا يأتي في البحث الآتي إن شاء الله تعالى (2). ولذلك قلنا: إن الخبر المتمسك فيه بحديث الرفع في باب الحلف على العتاق والصدقة والطلاق عن إكراه، ليس من التمسك في محله احتمالا، لكونه من الجدال الجائز بالكتاب والسنة (3)، وهنا نقول: إنه ليس في محله قطعا، لما لا سعة في رفعه بعد كونه غير ممضى عند العقلاء بالضرورة. فعلى ما تحرر، تكون التوسعة بلحاظ حال المعنونين، لا الامة، كما هو الظاهر، من غير أن يلزم عدم الضمان في الإكراه على الإتلاف والاضطرار إليه


1 - تقدم في الصفحة 90 - 91. 2 - يأتي في الصفحة 96 - 97. 3 - تقدم في الصفحة 59. (*)

[ 94 ]

وهكذا، فافهم واغتنم. بقي شئ: قد تبين أن تمام الإشكال، ناشئ عن كون الحديث رافعا لمطلق الآثار، أو الآثار الظاهرة التي منها الضمان الموجب لوقوعهم في المعضلة، وتوهموا أن حلها ينحصر بدعوى: أن الحديث منة على الامة (1)، وقد عرفت ما فيه (2). وأما على مسلكنا البديع: وهو أن حديث الرفع دليل على وضع السعة والمرفوعية للعناوين المذكورة، بحيث تصير النتيجة عامين من وجه، ولا يلزم تقييد في مطلق الجملات، ويكون الحديث مقدما على الأدلة الاخر، إلا فيما إذا كان الحكم مهتما به، فعلى هذا لا يلزم إشكال رأسا حتى نحتاج إلى حله، كما هو الظاهر، فاغتنم. الجهة الخامسة: في محاذير رفع مطلق الآثار وأجوبتها قد تبين فيما سلف: أن المسلك الثاني - وهو رفع العناوين والموضوعات ادعاء - هو الأقرب لو لم يتم المسلك الثالث الذي أبدعناه (3)، وإذا كان في جميع الفقرات إسناد مجازي، فالمصحح هو رفع جميع الآثار، لأن رفع بعض الآثار يحتاج إلى مؤونة زائدة، أو يكون بعضها أظهر، ولا أظهرية إلا للعقاب، ولكنه ممنوع ثبوتا كما مر (4)، فإذا كان مطلق الآثار مرفوعا، فيتوجه الإشكال الذي مر في ذيل البحث السابق، وكان ينبغي أن نذكره هنا كما لا يخفى. وعلى كل تقدير: فلابد في مثل الإكراه على الجنابة، والاضطرار إلى أكل


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 38. 2 - تقدم في الصفحة 85. 3 - تقدم في الصفحة 70. 4 - تقدم في الصفحة 59 - 60. (*)

[ 95 ]

النجس، ونجاسة ملاقيه - وهو الشفتان مثلا - من الالتزام بأحد الأجوبة السابقة، وقد عرفت ما فيها. ولعل القائلين برفع العقاب، أو بعدم شمول الحديث للأحكام الوضعية، لما رأوا هذه المعضلة التزموا بذلك، وإلا فدعوى: أن الأحكام المرفوعة به هي الثابتة بالإطلاق، دون الثابتة على الإطلاق (1)، غير كافية، لأن مثل الجنابة والنجاسة ثابتة بالإطلاق. أو دعوى: أن تلك الوضعيات لا تنالها يد الجعل، فلا تنالها يد الوضع، غير كافية، لأن نيلها باعتبار أحكامها مما لا بأس به. مع أنها مما تنالها يد الجعل حسبما تحرر (2). فيبقى في المقام جواب آخر: وهو أن في رفع النجاسة والجنابة بما هي هي، ليس سعة، فما فيه السعة هي الأحكام المترتبة عليها، كما أن الأحكام التي هي تترتب عليها ترتفع به، لما فيها من السعة، كحرمة الاستمناء والإجناب المحرم، وشرب النجس، وأكل الميتة. فما هو المرفوع هي حرمة الشرب بعد أكل النجس استكراها، كما فيما إذا اكره على أكل الميتة، وكان الإكراه مستمرا، فشرب في الأثناء الماء، مع أنه ينجس بملاقاة الشفة المتنجسة، فإذا لم يكن مكرها على شربه، ولا مضطرا إليه بالخصوص، فيلزم جواز شربه حين الإكراه، أو الاضطرار إلى أكل الميتة، وهكذا شرطية الطهارة من الحدث، والالتزام بذلك مشكل كما هو الواضح، فهذا الجواب أيضا غير كاف. ويمكن أن يقال: إن في صورة الإكراه على الجنابة إذا زال الإكراه، فلا ترتفع


1 - منتهى الاصول 2: 186. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 430 - 433. (*)

[ 96 ]

الشرطية، لأن السعة باعتبار حال الإكراه، لا باعتبار حال زواله كما مر (1)، وقد عرفت: أن في حال الإكراه لا ترتفع الجنابة، لما لا سعة في رفعها، فيكون جنبا وضعا، وإذا زالت حالة الإكراه يجب عليه الغسل شرطا، إذا كان الوقت واسعا له، كما هو مفروض البحث، وإلا فمع ضيق الوقت ينتقل من المائية إلى الترابية، لأجل الأمر الآخر. فما قد يقال بالالتزام بالتبديل من المائية إلى الترابية عند الضيق (2)، أجنبي عن بحث حديث الرفع الرافع لمطلق الآثار، اللازم منه رفع الجنابة المترتب عليه عدم وجوب الغسل، وعدم ناقضيتها للوضوء السابق، وهكذا. فبالجملة: لو اكره على الجنابة تكون حرمة الاستمناء مرفوعة، دون الجنابة، لما لاسعة في رفعها بما هي هي، ولا معنى لرفع آثارها باعتبار حال ارتفاع الإكراه، لما لا يكون الحديث منة بالنسبة إلى تلك الأحوال. نعم، يبقى الإشكال الآخر: وهو لزوم بقاء الوضوء السابق على الاستمناء، فتأمل. بقي الإشكال بالنسبة إلى الشرب حال نجاسة الفم، فإن النجاسة لا ترتفع، ولأجل ذلك لو لاقت شيئا يحرم على غيره أكل الملاقى - بالفتح - إذا لم يكن مضطرا أو مكرها، فلا تزول النجاسة بالحديث. ودعوى زوالها الحيثي، غير تام جدا. مع أنه لا سعة على المكره والمضطر في رفع النجاسة. وأما بالنسبة إلى حكمها، وحرمة شرب ملاقيه وأكله، فيجوز أن يقال: إن في رفع الحكم الوضعي بما هو هو، ليس سعة، والحكم التكليفي المتعلق به وإن كان في رفعه السعة، إلا أن الإكراه والاضطرار غير متعلق به كما هو الظاهر، فشرب الماء


1 - تقدم في الصفحة 90. 2 - تهذيب الاصول 2: 170. (*)

[ 97 ]

حين أكل الميتة عن إكراه واضطرار، محرم وباق على تحريمه. وهذا أيضا جواب آخر بالنسبة إلى وجوب رد المثل والقيمة، ووجوب الجبران فيما إذا اضطر إلى إتلاف مال الغير، أو اضطر إلى إصلاح داره المنجر إلى فساد جدار دار جاره، فإن رفع الضمان بما هو هو لا سعة فيه، وبالنسبة إلى الحكم التكليفي المترتب عليه ليس مكرها، ولا مضطرا، وهكذا بالنسبة إلى الغسل الواجب الشرطي، أو البقاء على الوضوء الواجب الشرطي. إن قلت: يجوز رفع الحكم الوضعي بنفسه، لما فيه السعة باعتبار التكليف والضيق الآتي من قبله. قلت: ليس هذا الرفع شأن الحديث، لأنه جاء للتوسعة على المكره والمضطر بالنسبة إلى ما استكره عليه واضطر إليه، لا غيره، ولا مكره ولا مضطر إلا بالنسبة إلى أكل النجس والميتة، فما هو مورد الاضطرار فيه السعة، ولا سعة في رفع الحكم الوضعي إلا باعتبار أمر آخر. وبعبارة اخرى الحديث فيه المنة والسعة بالنسبة، لاعلى إلاطلاق. وإن شئت قلت: المكره والمضطر إلى أكل النجس مثلا، وإن كان متعلق الإكراه والاضطرار هو أكل الميتة أولا وبالذات، ولكنه ينتهي إلى الاضطرار إلى العصيان ومخالفة المولى، وهذا الاضطرار الأخير يوجب الرفع، دون الاضطرار الأول. وبعبارة اخرى: تارة يكره على أكل الميتة، فلا يرفع به إلا حرمة أكل الميتة، واخرى: يكره على أكل النجس، فهو في الحقيقة راجع إلى الإكراه على العصيان، وهكذا في جانب الاضطرار، فلا يرفع بمثله حكم النجس، إلا أنه معذور بحكم العقل، لأن العصيان ليس بسوء الاختيار وإن كان بالاختيار، وما هو الموجب للاستحقاق ولصحة العقوبة هو الأول، فاغتنم.

[ 98 ]

ثم إنه سيظهر تمام البحث حول سائر الوضعيات - كالجزئية والشرطية والمانعية - في أبواب العبادات، بل والمعاملات، وهكذا الأحكام المختصة بطائفة من فقرات الحديث إن شاء الله تعالى (1). وقد اجل البحث والتأليف لأجل تشرفنا بالحج، رزقنا الله تعالى إياه في كل عام، ولأجل أيام عزاء سيد الشهداء سلام الله تعالى عليه، وكان ذلك عام خمسة وتسعين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية، على مهاجرها آلاف الثناء والتحية، في النجف الأشرف، على مشرفه السلام. الجهة السادسة: في شمول الحديث لموارد سوء الاختيار وعدمه من الجهات الراجعة إلى البحث الكلي عن الحديث الشريف: هي أن الرفع أعم من الموارد التي تحصل بسوء الاختيار، أم يختص فيه، وجهان. بل صرح العلامة الأراكي بالثاني (2)، ولعل نظره إلى الانصراف، وفهم العرف والعقلاء، ضرورة أنه لو اكره بسوء الاختيار على شرب الخمر، يستحق العقوبة، وهو مقتضى الكتاب ظاهرا، حيث قيد مورد الاضطرار بقوله تعالى: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) * (3). والذي يستلزم القول المذكور، ممنوعية العبور من المكان الذي يسهو في النظر إلى المحرمات، أو غير ذلك، والالتزام به مشكل. وهكذا لو كان الأمر كما قيل، للزم عدم سقوط تكليف صوم رمضان عن المريض الذي مرضه بسوء الاختيار. بل


1 - يأتي في الصفحة 103 وما بعدها. 2 - مقالات الاصول 2: 57، نهاية الأفكار 3: 212 و 218. 3 - البقرة (2): 173. (*)

[ 99 ]

يلزم عدم سقوط التكليف عن الحائض إذا حصل حيضها بالاختيار. وما هو مقتضى الصناعة والبرهان: أن الاندراج والإخراج من العناوين، يدور مدار أمرين: فإن كانت تلك العناوين مأخوذة في الأخبار والقوانين، فالأمر كما يكون في تطبيقها إلى العرف، فيكون المكلفون في السعة من هذه الجهة، كذلك تكون من هذه الجهة تابعة للانطباق، ولا وجه للانصراف. وما كانت غير مأخوذة فيها رأسا، وكانت مورد درك العقل وحكم العقلاء، فالأمر يدور مدار حكمهم في التعذير والتنجيز. وهكذا إذا كان الخبر المشتمل عليه، أيضا ناظرا إلى الأعذار العقلية. مثلا إذا قلنا: بأن حديث الرفع لا يشمل أزيد من الأعذار العقلية، فلا يشمل النسيان والإكراه والجهالة والعجز والاضطرار والسهو، وهكذا التي حصلت بسوء الاختيار، لأنها ليست عذرا عند العقل والعقلاء، وأما إذا كان في مورد الامتنان والتوسعة، فلا يبعد الشمول، ولاسيما إذا اقترن الإكراه الحاصل بسوء الاختيار بالندامة والاستغفار. نعم، مقتضى ما في الكتاب الشريف، اختصاص الاضطرار بالنسبة إلى الموارد المذكورة في الآية بصورة خاصة، وفي الآية بحث ذكرنا بعضه في البحوث السابقة من هذا التأليف (1). وربما يخطر بالبال أن يقال: إن العناوين المأخوذة في القوانين، إن كانت من قبيل العناوين الأولية والمخصصات التي لاملاك في موردها، فلا شبهة في جواز الإخراج والإدراج الاختياريين، وما كانت من قبيل العناوين الثانوية التي يدرك في موردها ملاك العناوين الأولية، وأن الشرع لمصالح سياسية واجتماعية رخص،


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء الرابع: 275 - 276. (*)

[ 100 ]

كموارد الحرج والضرر، فلا يجوز ذلك، وموارد حديث الرفع من القسم الثاني. نعم، انطباقه على المصاديق لأجل أخذها في الدليل، عرفي، ففيه السعة من هذه الجهة، دون تلك. وأما مثل المرض في الصوم والحيض، فهو من القسم الأول، ويشهد عليه أخذ السفر عدلا له (1)، والمسألة تحتاج إلى التتبع الخاص في كل مورد، لاختلاف الحكم لأجل القرائن. تذنيب: في شمول الحديث للجهل بكافة أنحائه قضية إطلاقه عدم التكليف في موارد الجهالة تقصيرا وقصورا، قبل الفحص وبعده، وأيضا أعم مما تحصل بسوء الاختيار وعدمه، كما يشمل موارد يمكن تحصيل العلم وعدمه، ويسهل تحصيله، أو يصعب، وسواء كان بسيطا، أو مركبا. ولا شبهة في خروج الجهالة عن تقصير والجهالة قبل الفحص انصرافا، أو تخصيصا وتقييدا، ومقتضى ما عرفت منا وجود التكاليف الفعلية في جميع الموارد من غير تناف، مع كونه في سعة حال الجهالة، لأن الرفع موضوع حين الجهل، والسعة معتبرة بالنسبة إلى المجهول على وجه العموم من وجه، كما تحرر (2). وأما على سائر المباني، فالظاهر انتفاء الحكم المجهول واقعا، فلا فرق بين كونه حاصلا بالاختيار وعدمه، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر حكم الجاهل المتمكن من رفع جهله، فإنه إذا لم يكن ملاك في مورد الجهل - كما هو الأقرب من الموازين العقلية، ويأتي في حديث جريان


1 - البقرة (2): 184 - 185. 2 - تقدم في الصفحة 72 - 76. (*)

[ 101 ]

البراءة العقلية إشكالا وجوابا (1) - فلا وجه لتوهم الفرق بين الصورتين، فما عن شيخ مشايخنا: من المناقشة في جريانه بالنسبة إلى موارد يمكن تحصيل العلم فيها بسهولة، إلا في مثل الطهارة والنجاسة، لاقتضاء الأدلة الخاصة (2)، في غير محله، بل من تلك الأدلة يتبين الأمر الكلي، وتكون هي القرينة العامة على ما ذكرناه. الجهة السابعة: حول شمول الحديث للامور العدمية اختلفوا في شمول الحديث الشريف - بعد الاعتراف بعموم الآثار والامور الوجودية - للامور العدمية، فذهب جمع منهم إلى الشمول (3)، فيكون ترك الصلاة عن إكراه في جميع الوقت مشموله، وهكذا إذا نذر ترك شرب ماء كذائي، فاكره على الشرب. وأنكر بعضهم معللا: " بأن الظاهر من الحديث، تنزيل الموجود منزلة المعدوم، وهو مقتضى الرفع، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود " (4). واورد عليه: " بأن التنزيل ليس واقعيا، فلا فرق بين الاعتبارين " (5). والذي يظهر للناظر البصير: أنه إذا كان مورد النسيان أو الإكراه، موضوعا لحكم مثلا، فالرفع ينتج، سواء كان ذلك الموضوع وجوديا، أو عدميا، وإذا لم يكن مورد الحكم فلا رفع في الفرضين. مثلا: إذا نسي ترك البيع والشراء حال الاعتكاف، أو نسي تروك الإحرام،


1 - يأتي في الصفحة 133. 2 - لم نعثر عليه في كتب العلامة الحائري، ولم نقف على الناقل أيضا في هذه العجالة. 3 - نهاية الأفكار 3: 219، تهذيب الاصول 2: 159. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 352 - 353. 5 - نهاية الأفكار 3: 219. (*)

[ 102 ]

وكان عنوان " الترك " مورد الحكم، فالحديث جار بالضرورة، وهكذا إذا اكره على المحرم الوجودي. وأما إذا ترك المأمور به في جميع الوقت، أو ترك الصوم فلا أثر له، لأن تركهما ليس موضوعا للحكم الشرعي، نعم يستحق العقوبة عقلا، وقد مر أنه ليس مرفوعا في مورد إلا بمرفوعية منشئه (1)، فما في كلام بعض الأصحاب من جريانه في مثله (2)، أو في كلام الوالد المحقق - مد ظله - في غير المقام (3)، غير موافق للتحقيق، بخلاف ما أفاده هنا (4). وبالجملة: ما هو منشأ الإشكال، هو أنه هل يعقل ثبوتا أخذ العنوان العدمي، موضوعا للحكم، أم لا ؟ وإلا فلو أمكن ذلك، فطرأته العناوين الستة المرفوعة، فلازمه رفع الحكم كسائر الموارد. فتوهم: أن البحث حول أن الحديث الشريف، ظاهر في الأعم، أو خصوص تنزيل الموجود منزلة العدم (5)، فاسد ظاهر. إن قلت: لا يعقل أن يكون عنوان " الترك " موضوعا لحكم من الأحكام، لأنه لا مصلحة فيه، فإن العدم نفي صرف، والأحكام تتبع المصالح والمفاسد. قلت: قد تحرر منا في المجلد الأول، وفي غير موضع من الكتب الفقهية: أن الخلط بين مصب الأحكام وموارد المصالح والمفاسد (6)، ممنوع عند العقل والخبير العارف، ضرورة أن للشرع والمقنن اعتبار إيجاب ترك الجماع، للمفسدة في الجماع، ولا يجوز التصرف فيما جعله واجبا بإرجاعه إلى محرمية الجماع، وهذا


1 - تقدم في الصفحة 59 - 60. 2 - نهاية الأفكار 3: 217 - 218. 3 - لاحظ الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره): 72. 4 - تهذيب الاصول 2: 159، أنوار الهداية 2: 52 - 53. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 352 - 353. 6 - تقدم في الجزء الثاني: 234. (*)

[ 103 ]

يكفيك من كثير مما لا يغنيك. ومن هنا يظهر: أن ترك الصلاة في بعض الوقت، ليس مشمولا له، لما ذكرناه، لا لأن الإكراه على الترك في بعض الوقت لا أثر له بعد كونها واجبا موسعا، أو تركها في الوقت نسيانا، فإن هذا الترك ليس موضوعا لحكم، فما في كلام العلامة الأراكي (1) بعيد عن الصواب. وبالجملة: ما ذكرناه هي قاعدة كلية منتجة في جميع موارد الأحكام، وأما أن موضوع الحكم وجودي أو عدمي، فهو موكول إلى محله، وأجنبي عما نحن فيه. ولا بأس بدعوى رجوع جميع الموضوعات العدمية في الفقه إلى الوجودية عرفا، كما لا يخفى. الجهة الثامنة: حول تصحيح الحديث للمركبات الفاقدة لجزء أو شرط أو عدم مانع حول جريان الحديث، وإمكان تصحيح المركبات التي ترك جزء منها، أو شرطها، أو اوجد المانع فيها نسيانا، أو إكراها، أو اضطرارا، وأنه هل يكون فرق بين بابي العبادات والمعاملات، أم لا ؟ وأما موارد الشك في الجزئية أو العجز عن الإتيان به، فسيأتي في الأقل والأكثر في باب الاشتغال (2). فالبحث يتم في طي مسائل إجمالية، وتفصيل بعض جهاته موكول إلى مباحث الأقل والأكثر، والاشتغال (3)، وإلى مباحث الاستصحاب


1 - نهاية الأفكار 3: 221. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 160 - 193. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 111 - 115 و 135 - 158. (*)

[ 104 ]

إن شاء الله تعالى (1). المسألة الاولى: في نسيان الجزء أو الشرط أو المانع في العبادات لو نسي الجزء والشرط فتركهما، أو المانع فأتى به، وكان ذلك في العبادة، ولم يكن لدليل الطبيعة إطلاق - وإلا فلا بحث يهمنا هنا، وتفصيله في مسائل الاشتغال (2) - فهل يمكن تصحيح العبادة المذكورة، على وجه لا نحتاج إلى الإعادة أو القضاء، أم لا ؟ وجهان، بل قولان: فالمعروف بين المتعرضين هو الأول (3)، ويظهر من الوالد المحقق - مد ظله - وشيخه العلامة إمكانه (4). وغاية ما يمكن أن يقال تقريبا له: هو أن مقتضى إطلاق دليل الجزء، هي الركنية والبطلان، ولكن قضية ما تحرر من انتفاء الإطلاقات في جميع الأحكام التكليفية والوضعية بحديث الرفع (5)، نفي الجزء المنسي بنفسه، والمفروض إمكان رفعه ووضعه مستقلا، فما هو المنسي هوالسورة التي اعتبرت جزء، فإذا كانت السورة والشرط والمانع معتبر العدم، ومفروض الرفع بلحاظ الأثر الوضعي، يلزم تقييد الدليل، ولا نعني من " تصحيح العبادة " إلا التعبد بأن الترك المذكور ترك في محله. فالمأتي به تمام المأمور به، حسب حكومة حديث الرفع على دليل الجزء، ولا يبقى وجه للشك في كون الباقي كافيا، أم لا، بعد كون الشك ناشئا عما قام


1 - يأتي في الجزء الثامن: 430 - 436. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 101 - 115. 3 - فرائد الاصول 1: 323 - 324، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 196 - 197. 4 - تهذيب الاصول 2: 161 - 165، أنوار الهداية 2: 54 - 55 و 58، درر الفوائد، المحقق الحائري: 455. 5 - تقدم في الصفحة 69. (*)

[ 105 ]

الدليل على عدم اعتباره جزء في الطبيعة. وتوهم: أن ترك السورة لأجل النسيان إذا كان مورد الرفع لا أثر له، والسورة بنفسها إذا كانت مورد الرفع، فلازمه اعتبارها في الصلاة، بل لازمه وجودها حتى يمكن رفعها، فلا يشمل الحديث صورة ترك السورة والشرط (1). مدفوع: بأن المرفوع هي السورة المنسي كونها جزء، وكأنه كان إطلاق دليل الجزء ناطقا: " بأن السورة جزء إلا في صورة النسيان " وهذا لا ينافي العلم بالجزئية بعد النسيان، لأن البحث حول نسيان الجزء، لا نسيان الجزئية، فبمجرد زوال النسيان يعلم بالجزئية - حسب الإطلاق - حتى حال الصلاة، ولكن ببركة الحديث يلزم التقييد، وتصير النتيجة صحة المأتي به. ودعوى: أن في صورة ترك الجزء والشرط وإيجاد المانع - بعد عدم إطلاق للطبيعة وأمرها - لا نعلم بكفاية المأتي به عن المأمور به، لاحتمال بطلانه عند الترك، غير مسموعة كما اشير إليه، لأن منشأها مسدود بالحديث، فيكون المأتي به معلومة كفايته تعبدا بالحديث، لا بالوجدان. وبهذا يظهر ضعف ما في كلمات المخالفين (2)، حتى العلامة الأراكي (قدس سره) حيث إن مشكلته (قدس سره) تنحصر في أن رفع الجزء، لا يفي لإجزاء المأتي به، لظهور الحديث في نفي الجزء حال النسيان، لا بعد التذكر (3). وهو من الغريب، لامتناع بقاء التكليف بعد تحقق مصداق المأمور به، ضرورة أن الأمر بالطبيعة يسقط حسب فرضه، فعوده يحتاج إلى الدليل.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 353 - 354. 2 - الرسائل الفشاركية: 45 - 46، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 353 - 354، قوامع الفضول: 461 / السطر 37، منتهى الاصول 2: 182 - 184. 3 - مقالات الاصول 2: 56 / السطر 21، نهاية الأفكار 3: 218 و 220. (*)

[ 106 ]

نعم، إذا قلنا بعدم السقوط، وأنه حكم ظاهري، لا تقييد واقعي حال النسيان، كان لما أفاده وجه، فلا تخلط. وبعبارة اخرى: نسيان الجزء يوجب رفع الجزء المنسي، وأما رفعه فلا يستلزم سقوط الأمر بالكل، لأن مقتضى حديث الرفع تقييد دليل الجزء، وكأنه من الأول اعتبر جزء في غير تلك الحال. وأما الإشكال بلزوم الدور، فمندفع بما مر في محله مرارا (1)، فعلى هذا لا يبقى لبيانه محل بعد ذلك، فافهم جيدا. بقي شئ: في أنحاء النسيان وأحكامها إن نسيان الجزء بمعنى نسيان الجزئية، يرجع إلى المسألة الاخرى، ويأتي البحث حولها (2). وإن كان بمعنى نسيان ذات الجزء وهي السورة، فهذا غير مناف للالتفات إلى الجزئية، ويرجع إلى العجز عن الإتيان بها، فيخرج عن المسألة، فلا مورد لنسيان الجزء بما هو جزء. نعم، نسيان الجزئية مع الغفلة عن الحال ممكن، وإذا صار ملتفتا يقع مورد البحث: وهو أن ما أتى به هل يكفيه، أم لا ؟ فترجع المسألة إلى المسألة الاخرى، ويصير البحث كليا: وهو أن نسيان الجزئية بعد زوال النسيان، هل يوجب الإجزاء ؟ فيكون خارجا عما هو مورد البحث في المقام، كما وقع في كلام بعض الأعلام (3). وبالجملة: نسيان ذات الجزء وهي السورة، معناه زوال صورتها العلمية عن صفحة ذهنه، كما هو المتعارف في نسيان الأسماء والأشعار والأحاديث، وهو


1 - تقدم في الجزء الثالث: 437، وفي الجزء السادس: 118 - 125. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 102 - 115. 3 - نهاية الأفكار 3: 218 - 220. (*)

[ 107 ]

يساوق العجز عن الإيجاد، ويجتمع مع الالتفات إلى النسيان، وهذا ليس المقصود بالبحث. ونسيان الجزء، بمعنى نسيان الجزئية، وهي الغفلة عن الإتيان بالسورة حين الصلاة، يكون أيضا خارجا عن المبحوث عنه في المقام، فما أفادوه هنا من نسيان الجزء (1)، لا يرجع إلى محصل، فافهم وتدبر جيدا. فتحصل: أن الناسي إذا كان ناسيا الخصوصية، وعالما بالجهة المشتركة، يكون ملتفتا، كما إذا نسي حكم صلاة الجمعة، وكان عالما بأنها إما واجبة، أو محرمة، أو مستحبة، وهكذا فيما نحن فيه، مثلا يكون عالما بأن السورة كان لها حكم في الصلاة، فنسي أنه حكم تكليفي صرف ندبي أو وجوبي، أم حكم وضعي، وهذا ما يرجع إلى الجهالة، والتحقيق حوله في الأقل والأكثر (2). وأيضا: من الناسين من يكون ناسيا للصورة العلمية، كصورة شعر ونثر وحديث وقرآن وهكذا، وهو أيضا ملتفت إلى نسيانه. وهناك ثالث: وهو الناسي الغافل. ومن الثاني ناسي الجزء، أي ذات السورة. ومن الأخير ناسي الجزئية، ويأتي تحقيقه في بحوث الاشتغال (3)، وهذا عين الغفلة عن الإتيان بالجزء بما هو جزء. إن قلت: نسيان الجزئية معناه: أنه إذا سئل المكلف عن أجزاء الصلاة مثلا يقول: " هي تسعة " مع أنها عشرة، ونسيان الجزء أنه في السؤال المذكور يجيب صحيحا، ولكنه في مقام الإتيان يترك جزء.


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 196 - 197، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 353 - 355، نهاية الأفكار 3: 218 - 220. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 40 - 42. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 148 - 153. (*)

[ 108 ]

قلت: هل تارك الجزء متوجه إلى الجزئية، أم هو غافل ؟ لا سبيل إلى الأول، فتركه لأجل نسيان جزئية السورة، ولكن فرق بين نسيان الجزء في زمان طويل، وزمان قصير، فإن الأول يعتبر نسيان الجزئية، بخلاف الثاني، وهذا الفرق لا يوجب اختلافا في الجهة المبحوث عنها. وإجماله: أن في صورة فقد إطلاق الطبيعة مع وجود إطلاق دليل الجزء، تشكل الصحة من ناحية اخرى غير ما مر، وهو امتناع كون الناسي مورد الخطاب، وامتناع امتثاله، لأن ما هو مورد الأمر هو الفرد الكامل، والناسي لا يريد إلا امتثال الأمر المتعلق بالكامل، مع أن الأمر المتوجه إليه هو الأمر المتعلق بالناقص، بناء على أن ما هو المأمور به في حقه - بحسب حكومة دليل الرفع على الإطلاق المذكور - هو الفرد الناقص، فإذا كانت عبادية العبادة، موقوفة على انبعاثه عن الأمر المتوجه إليه، وكان هو الأمر بالناقص، ولأجل عدم التفاته إليه ينبعث عن الأمر المتوجه إلى الكامل، فلا تقع عبادته صحيحة قهرا. فبالجملة: ما هو مورد بحث الأعلام هنا غير قابل للتصور، وما هو المبحوث عنه في باب الاشتغال، ما اشير إليه، وعرفت إمكان جريان الحديث بالنسبة إلى تقييد إطلاق دليل الجزئية، والشرطية، والمانعية، من غير فرق بينها، وإنما الإشكال من جهة اخرى، وقد تصدى القوم لحله بطرق شتى (1)، تفصيلها في محلها (2). وقد تصدى الوالد المحقق - مد ظله - لحله: " بأن الأمر واحد بالنسبة إلى حالتي الذكر والنسيان، وبالنسبة إلى الناقص والكامل، كما هو واحد بالنسبة إلى


1 - كفاية الاصول: 418، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 260 - 261، درر الفوائد، المحقق الحائري: 492، نهاية الأفكار 3: 419 - 423. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 102 - 106. (*)

[ 109 ]

الصلاة المائية والترابية " (1). والذي هو الحق: أن عبادية العبادة أولا، ليست موقوفة على ما قيل، ومقالة المشهور (2) غير تامة في الفقه، ويكفي لعبادية العبادة، إتيان المطلوب بقيوده قربة إلى الله ولو كان منضما إليه تخيل الجهة الاخرى، بعد عدم كونه مندرجا في التشريع. وأما دعوى وحدة الأمر فهي مشكلة، لأنه إذا كان واحدا، فلابد أن يكون المطلوب واحدا، ولازمه جواز تبديل المائية بالترابية اختياريا، وجواز التناسي بسوء الاختيار. وإذا كان المطلوب متعددا، فلابد من الالتزام بتعدد الأمر، فلا يتم ما أفاده، وتفصيله في محله، فافهم واغتنم. تذنيب: في عدم الفرق بين نسيان الجزء والشرط والمانع بناء على ما عرفت من رجوع نسيان الجزء بما هو جزء إلى نسيان الجزئية، لا فرق بين نسيان الشرط والمانع وبين نسيان الجزء، وتوهم الفرق بينهما (3)، ناشئ من تخيل أن نسيان الجزء والشرط غير نسيان الجزئية والشرطية، ولذلك لا يصلح الحديث الشريف لتنزيل العدم منزلة الوجود، بخلاف نسيان المانع، فإنه يمكن تنزيله منزلة العدم. هذا مع أن أصل هذه المسألة وهو حديث التنزيل، أمر غير صحيح، ضرورة


1 - تهذيب الاصول 2: 163 - 164 و 363 - 365. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 211 - 212، نهاية الأفكار 3: 419. 3 - الرسائل الفشاركية: 46، منتهى الاصول 2: 183. (*)

[ 110 ]

أن الحديث ليس ظاهرا في التنزيل، بل مفاده نفي الحكم عن الموضوع المعروض لتلك العناوين الستة، كما عرفت تحقيقه (1)، فعليه لا فرق بين الصورتين. مع أن التنزيل ادعائي واعتباري، ويكون النظر إلى الآثار والأحكام، دون الواقعيات والخارجيات، حتى يتوهم أن العدم ليس بشئ حتى ينزل (2)، فلا تغفل. ومما ذكرنا في كيفية تقييد إطلاق أدلة الجزء والشرط والمانع، ينقدح أن إشكال المثبتية (3) بلا وجه. كما يظهر مما أفدناه: أن الإشكال الآخر - وهو أن نسيان الجزء هو نسيان الوجود، وهو غير مورد للجعل والوضع حتى يرفع - غير صحيح وغير معقول إلا برجوعه إلى نسيان الجزئية، أو يرجع إلى العجز عن إتيان بعض المأمور به، فيندرج في المسألة الاخرى المحررة في مباحث الاشتغال (4). تتميم: حول حكم بعض أقسام الناسين قد عرفت: أن الناسي على ثلاث طوائف: منهم: من يندرج تحت عنوان " الجاهل " وهو ناسي الخصوصية العالم بأصل حكم الطبيعة أو الجزء، فإنه يجوز أن يكون ناسيا للوجوب والندب، وعالما بأصل الحكم في زمان الحال، كما يكون نسيانه بلحاظ الاستقبال، وهذا واضح. ومنهم: من يندرج تحت عنوان " العاجز " كما إذا نسي كيفية صلاة الجمعة.


1 - تقدم في الصفحة 72 - 76. 2 - فوائد الاصول 4: 225. 3 - أجود التقريرات 2: 175. 4 - يأتي في الجزء الثامن: 148 - 152. (*)

[ 111 ]

والصنف الثالث معلوم. والصنفان الأولان يجتمعان مع الالتفات إلى النسيان، ويجوز البحث حول شمول دليل النسيان لمثلهما. مثلا: إذا كان ناسيا للخصوصية وهي جزئية السورة، أو كونها واجبا تكليفيا، بعد العلم بأصل لزومها إجمالا في الصلاة، فأتى بها وتركها، ثم توجه إلى الجزئية، فهل يشمله حديث رفع النسيان ؟ أم يختص رفع الجهالة به، لأنه قبل الإتيان بالصلاة، كان جاهلا ومرفوعة جزئية الصلاة في حقه، فلا يبقى محل بعد الاعتقاد بالجزئية، لجريان حديث رفع النسيان ؟ اللهم إلا أن يقال: إن رفع الجزئية بحديث رفع الجهالة رفع ظاهري، بخلاف رفعها برفع النسيان، فإنه تقييد واقعي وتحكيم، فلو التفت بعد الصلاة إلى الجزئية، يصدق عليه: " أنه كان عارفا بالجزئية فيها " وهذه المسألة وإن لم توجد في كلمات القوم، إلا أنها لا تضر بالبحث، فإنها تنفعك. وعلى هذا، ربما يخطر بالبال - بعد الفراغ من أصل تصور المبحث المذكور، وبعد الفراغ من مرحلة الثبوت وثمرة البحث - أنه في مرحلة الإثبات، لا يبعد اختصاص رفع النسيان بصورة الثالث، وهو النسيان غير المجتمع مع الالتفات حين العمل بحسب الطبع والذات، فتخرج الصورتان الاوليان عن حديث النسيان. فلو نسي ذات السورة، وغفل فأتى بالصلاة الفاقدة، فإنه ولو كان باعتبار عاجزا عن الجزء، ولكنه باعتبار ناس، ولكنه لا يشمله الحديث، فلاحظ وتدبر، ولعل بعد ذلك يأتي في بحوث الاشتغال (1) ما يتم به البحث هنا، فلا تخلط.


1 - يأتي في الجزء الثامن: 102 وما بعدها. (*)

[ 112 ]

ذنابة: في حكم نسيان الجزء أو الشرط أو المانع في المعاملات ما ذكرناه في باب العبادات، أقل محذورا في أبواب المعاملات، ففيما إذا لم يكن إطلاق لدليل الطبيعة، كما هو مفروض الكلام، وكان لدليل الشرط والجزء أو المانع إطلاق، كما هو لازم البحث عن حديث الرفع، ولم يكن ترك الجزء والشرط أو إيجاد المانع، مما ينتهي إلى الإضرار بأصل صدق الطبيعة وتحققها عرفا، كما في الشرائط والأجزاء والموانع الشرعية مثلا، فمقتضى الأدلة أن العقد النافذ المتيقن هو العقد العربي، إلا أن مقتضى حديث الرفع، كون الفاقد للعربية أيضا متيقنا بالادعاء والحكومة، وبنتيجة التقييد الواقع في البين. فعلى هذا التقريب، لا يلزم كون الأصل مثبتا، ولا تلزم الحاجة إلى إطلاق دليل الطبيعة، وتكون أصالة الفساد في العقد محكومة بالأصل المذكور. فعلى هذا يندفع توهم: أنه لا معنى لجريانه، لأنه في صورة وجود إطلاق الطبيعة، لا حاجة إليه، ومع انتفائه لا فائدة فيه، لكونه مثبتا. ومن هنا يظهر: أن تفصيل السيد المحقق - مد ظله - بين الشرط الكذائي والكذائي (1)، في غير محله، لأن حقيقة الشرط ما هو الخارج عن قوام المعاملة، ولا يضر بصدقها انتفاؤه. وأما ما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره): " من أن جريان حديث الرفع هنا، يستتبع وجوب الوفاء، وهو خلاف المنة، ولأجل ذلك ذكرنا: أنه لا يجري في شرائط الوجوب، دون الواجب " (2) فغير صحيح:


1 - تهذيب الاصول 2: 166. 2 - نهاية الأفكار 3: 221. (*)

[ 113 ]

أما نقضا فلأن حديث الرفع عند الأعلام، لا يجري في صورة الاضطرار إلى البيع، معللين: " بأن إفساد البيع خلاف المنة " (1) فلو كان ما أفاده صحيحا، لكان تصحيحه خلاف المنة، وإيجاب الوفاء خلاف السعة، فوجوب الوفاء لا ينافي المنة. وأما حلا فلأن المنة والسعة المعتبرة، ربما تقتضي الصحة، ومجرد وجوب الوفاء لا يدل على خلاف المنة، كما توهمه، وقد مر أن العبرة بالسعة على الامة، ولا شبهة في أن إلغاء القيود والشرائط، من السعة عليهم. نعم، ربما لا يكون في شخص في مورد منة، فإن قلنا: بأن العبرة بالمنة في كل مورد خاص، وأن الرفع دائر مدارها وجودا وعدما، فلازمه انتفاء الحديث جريانا لو لم نقل: بأن المنة في جانب أحد المتعاقدين في الرفع، تستلزم الضيق أحيانا في الجانب الآخر، وقد مر تفصيله (2)، وأن الأظهر في صورة كون الغالب في الرفع لمنة، عدم ملاحظة الآحاد، بخلاف مثل قاعدة نفي الحرج، ونفي الضرر. ومن هنا يظهر: أنه ربما يكون رفع الوجوب برفع شرطه، خلاف الامتنان على شخص خاص، لأغراض تطراه، مع أن الرفع المذكور سعة على الامة حسب العادة والنوع، فلا تخلط. بحث وتحقيق: في حكم نسيان الجزء الركني الدخيل في صدق الطبيعة ربما يظهر من جمع وهو صريح السيد المحقق الوالد (3) - مد ظله - أنه على


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 352، نهاية الأفكار 3: 221، نهاية الاصول 2: 586. 2 - تقدم في الصفحة 79 - 89. 3 - تهذيب الاصول 2: 166. (*)

[ 114 ]

تقدير كفاية الحديث لصحة المأتي به - عبادة كان أو معاملة - فهو فيما إذا كان المنسي جزء أو شرطا أو مانعا غير مضر بالاسم، وغير دخيل في صدق الطبيعة، وأما فيما إذا احتمل دخالته في قوام الماهية، أو علم دخالته، واحتمل تدخل الشرع في الدخالة حال النسيان، فالحديث الشريف غير كاف لتصحيحه ولسببية المأتي به في باب العقود والإيقاعات. مثلا: إذا نسي القصد إلى المضمون، أو نسي الركوع والسجود، وكانا قوام الصلاة، أو نسي القبول، وكان ركنا، فإنه لا يمكن التصحيح به، ضرورة أنه في صورة الشك في الدخالة، يرجع إلى الشك في الموضوع، وفي صورة العلم بها يرجع إلى انتفاء موضوع الحديث، وذلك لأن المنظور رفع الجزء المنسي من الصلاة والبيع، فلابد من إحراز صدق الصلاة والبيع أولا، ثم إذا شك في أمر زائد يرجع إلى الحديث حسب التقريب المذكور. أقول: لا شبهة ثبوتا في إمكان تعبد الشرع بالتوسعة في الصورتين، فلو ورد في مورد نسيان قصد البيع والطلاق، نص بصحتهما، يؤخذ به، ويحمل على أن الشرع، رتب الآثار على الموجود المذكور ولو لم يكن بيعا، كما في موارد العقد حال العدة مع العلم، فإنه لا يعقل ترشح القصد إلى الزواج مع أنه ركن في تحقق المسمى، ومع ذلك هو موضوع للحرمة الأبدية، على ما هو المشهور بينهم. إذا تبين ذلك فلا بأس بدعوى: أن شرط جريان حديث الرفع، ليس إلا نسيان الجزء من المركب الذي له الأجزاء مثلا، وأما كون المنسي جزء البيع، أو جزء الصلاة، فلا يعتبر في جريانه، فلا يكون مجرى الحديث مخصوصا بالصورة المذكورة، حتى يقال: بأنه من الاستدلال في غير مقامه، بل المعتبر في المجرى أعم، ويكفي نسيان جزء المركب العبادي، أو المعاملي، أو الإيقاعي.

[ 115 ]

فإذا كان المأتي به موجودا اعتبارا ومركبا، ومشكوكا تأثيره في سقوط الأمر، كما في العبادة، أو في حصول المسبب، كما في العقود والإيقاعات، وكان سبب الشك احتمال دخالته في الموضوع، أو احتمل تدخل الشرع حال النسيان في دخالته في الموضوع، مع العلم بدخالته فيه عرفا، فالحديث بإطلاقه يوجب استكشاف: أن الجزء المنسي مرفوع بجميع آثاره الوضعية تعبدا، من غير أن نريد إثبات سببية الباقي به، حتى يقال: بأنه مثبت (1)، بل رفع آثار الجزء المنسي المطلقة، لا يورث شيئا وراء التعبد بانتفاء الجزء المنسي دخالة تعبدا، وهذا كاف، لأنه عين التعبد بترتيب الآثار على الباقي. نعم، يستكشف أحيانا حدود الاسم شرعا، كما يستكشف بالإطلاق المقامي عند الصحيحي، حدود الموضوع والطبيعة، وقد مر شطر من البحث حول جريان البراءة العقلية والشرعية في الصحيح والأعم (2)، فافهم. المسألة الثانية: في ترك الجزء والشرط أو إيجاد المانع إكراها واضطرارا والمعروف بينهم جواز التمسك مطلقا، لاجتماع الشرائط. نعم، يشكل الأمر من جهة أن الترك والعدم لا ينزل منزلة الوجود، فيلزم التفصيل بين تركهما وبين إيجاد المانع (3)، وقد مر ما فيه مرارا (4).


1 - أجود التقريرات 2: 175. 2 - تقدم في الجزء الأول: 242 - 250 و 255 - 258. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 352 - 353، 355 - 356. 4 - تقدم في الصفحة 101 - 102 و 109 - 110. (*)

[ 116 ]

والذي هو التحقيق: أنه كما لا يصح التمسك به في الموردين في مواقع ترك المأمور به بتمامه، كذلك لا يصح في موارد ترك الجزء والشرط: أما في الفرض الأول، فلما أشرنا إليه: من أن ترك الواجبات إذا كان عن إكراه واضطرار، لا يوجب استحقاق العقوبة عند العقل، فلا منة في الرفع، وهكذا إتيان المحرمات، وما هو موضوع حكم العقلاء في عذرية الإكراه والاضطرار، هو موضوع حكم الشرع، فلا فرق بين الموضوعين سعة وضيقا بحسب الصدق، حتى يقال: إن المنة بحسب سعة الصدق، فلا وجه لجريانه في هذه المواقف، بل ما يستتبعه التكليف النفسي عند العصيان، هو الاستحقاق، وهو غير قابل للرفع، فلا يرفع، وما هو قابل للرفع هي العقوبة الواقعية، وهي غير لازمة بحسب الواقع، فتأمل. وأما في الفرض الثاني، وهو ما إذا كان ترك الجزء والشرط عن الإكراه والاضطرار، أو كان ترك الكل عنهما، وكان في ذلك الإعادة أو القضاء، فلا يجري الحديث، ضرورة أن مقتضى ما تحرر منا سابقا: أن طرو هذه العناوين الستة على الموضوعات الشرعية التي لها الآثار والأحكام، يوجب رفعها، وهذا الترك - سواء كان ترك الطبيعة، كترك الصلاة في الوقت، أو كان كترك الجزء والشرط - ليس له الأثر الشرعي، ولا يكون مأخوذا في دليل من الأدلة، فعليه لا يكفي مجرد كون الترك عن اضطرار واستكراه لرفع أثر المضاف إليه، وهو الجزء والشرط. نعم فيما إذا كان عنوان " الترك " موضوعا كما مر تفصيله (1)، فيطراه العنوان المذكور، فإنه يوجب زوال آثاره الوضعية. وبالجملة: ما هو سند منع جريان حديث الرفع، ليس إلا أن مصب الإكراه


1 - تقدم في الصفحة 101 - 103. (*)

[ 117 ]

والاضطرار في ترك الجزء والشرط، ليس له الحكم الشرعي، وإنما الإعادة والقضاء والبطلان، من الآثار العقلية وخواص ترك الجزء من المركب الارتباطي، وهكذا الشرط، بخلاف المانع، فإنه مصب اعتبار الشرع، فالترك بما هو الترك لا أثر له، ومجرد كون المضاف إليه - وهو الجزء والشرط - لا يكفي لكون الحديث جاريا، وقد مر تفصيله في الجهة المبحوث فيها عن مجرى الحديث في الوجوديات والعدميات (1). ومن هنا كما اشير إليه، يظهر حكم الإكراه والاضطرار إلى ترك الكل في جميع الوقت. وإن قلت: مسألتنا هذه تشبه استصحاب عدم الموضوع، لرفع حكمه، كاستصحاب عدم الفسق، لرفع حرمة الإكرام، وقد اتفقت كلماتهم على جريانه. قلت: لو سلمنا ذلك في محله - على إشكال فيه أيضا محرر بتفصيل هناك (2) - لا نسلمه هنا، وذلك لأن في مورد الاستصحاب، يكفي لنفي الحكم نفس التعبد بعدم الموضوع، وأما فيما نحن فيه فالتعبد بترك الجزء لا يكفي، لأن نفس ترك الجزء غير كاف لتصحيح العبادة والمركب، إلا برجوعه إلى ترك الجزء بما هو جزء، وهي الجزئية، ضرورة أن ذات الجزء ليست مورد الجعل المركب، بل الذات جعلت جزء للمركب، فإذا اكره أو اضطر إلى ترك الجزئية، فالقياس في محله، والمفروض أنه اكره على ترك السورة، فافهم واغتنم. نعم، في مورد ترك الكل - بناء على كون القضاء موضوعه أعم من الفوت والترك - ربما يكفي الحديث الشريف، فليلاحظ جدا، وعليه يلزم التفصيل بين ترك


1 - نفس المصدر. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 436 - 439. (*)

[ 118 ]

الكل في العبادات، وبين تركه في المعاملات، وفي حكمه ترك الجزء والشرط في العبادات أيضا. بقي شئ: ربما لا ينفع الحديث الشريف حتى فيما إذا كان في الأدلة، أثر البطلان مترتبا على ترك شئ، لأن المستفاد منها هي الإشارة والإرشاد إلى الجزئية عرفا. فبالجملة تحصل: أن الإكراه على ترك الجزء والشرط سواء كان في المعاملات، أو العبادات، وهكذا الاضطرار في صورة الصدق، غير كاف لجريان الحديث. وأما المانع بناء على تصوره، فهو مرفوع إذا أوجده إكراها واضطرارا حتى في باب المعاملات، بناء على تصوره وصدقه في موردها، كما إذا اضطر إلى البيع مع المانع، وقلنا: إن نجاسة المتنجس مثلا مانعة، أو الجهالة مانعة، والغرر مانع، وقد مر حل سائر المشاكل في المسألة الاولى (1)، فلا خير في إعادته. تذنيب: في الإشكال على التمسك بحديث الرفع هنا وجوابه ربما يقال: إن ترك الجزء والشرط وإيجاد المانع - نسيانا كان، أو عن إكراه واضطرار - لا يستلزم صحة المأتي به، ولا يجوز الرجوع إلى الحديث مطلقا، مستوعبا كان، أو غير مستوعب، عبادة كان، أو معاملة، وذلك لأنه في صورة عدم الاستيعاب، لا يكون هذا من ترك ما هو جزء المأمور به، لأن ما هو المأمور به هي الطبيعة، وهي غير معروضة لتلك العناوين، وما هو معروضها هو الفرد، وهو غير المأمور به.


1 - تقدم في الصفحة 105 - 115. (*)

[ 119 ]

وفي صورة الاستيعاب، الدليل يشمل الفرضين: وهو أن رفع الجزء والمانع والشرط، لا يعقل إلا بعد رفع منشئه، وهو رفع الأمر عن الكل، فكون الباقي مورد الأمر بعد رفع هذه الامور، يحتاج إلى الدليل، والمفروض فقده (1). ويتوجه إلى الأول ما تحرر في محله: من أن الطبيعي يوجد بنفسه، وحديث فرد الطبيعة من الأكاذيب (2)، ولو كان هذا الفرد غير نفس الطبيعة، فكيف يسقط الأمر بها بإيجاده ؟ ! فما هو المأمور به - حسبما تقرر عندنا - بنفسه يتحقق في الخارج، والتفصيل في محله، ولأجل ذلك أنكرنا ما اشتهر بينهم: " من أن الصحة تنتزع من تطابق المأتي به والمأمور به " (3) بل تنتزع من وجود الطبيعة خارجا، كما تنتزع من سائر الطبائع الأصلية (4). وإلى الثاني: أن نفي الجزء والشرط بنفسه ممكن، كوضعهما، وهذا مما تحرر في الاستصحاب (5)، وحديث امتناع تعلق الجعل بهما مستقلا، ناشئ عن عدم ملاحظة المركبات التأليفية التكوينية، فإن بعد ذلك يتبين: أن ذلك ممكن واضح بالضرورة، فإن تشخص الأمر والإرادة بما هو، باق في الحالتين: حالة قبل جعل الجزء، وبعده، فلا تخلط. تنبيه: في توهم اختصاص الحديث بالإكراه والاضطرار المستوعبين وجوابه ربما يتوهم: أن ترك الجزء أو الشرط، أو إيجاد المانع عن إكراه واضطرار،


1 - أجود التقريرات 2: 174 - 175. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الرابع: 100. 3 - مطارح الأنظار: 160 / السطر 14 و 21، كفاية الاصول: 221، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 458. 4 - تقدم في الجزء الرابع: 314 - 316. 5 - يأتي في الجزء الثامن: 430 - 436. (*)

[ 120 ]

لا يتصور إلا بالنسبة إلى تمام الوقت، فإذا كان الإكراه والاضطرار مستوعبين، يصدق الإكراه على الترك، وإلا فلا يتصور الإكراه والاضطرار، فكما أنه إذا اكره على ترك المأمور به في بعض الوقت، يلزم عليه ذلك في الوقت الباقي، كذلك الأمر هنا. وفيه: أن المناط على الصدق، من غير دخالة الأمر الآخر، بعد كون معروض الإكراه والاضطرار موضوع حكم من الأحكام، مثلا إذا اشتغل بحسب الطبع بالصلاة، فاكره في الأثناء على ترك الجزء والشرط، أو اضطر إلى لبس الثوب المانع، فإنه يصدق العنوانان بالضرورة بعد حرمة الإبطال، فإنها توجب صدق الاضطرار، ولا حاجة إليها في صدق الإكراه كما لا يخفى، فلا يتوقف صدق الإكراه والاضطرار على كونهما مستوعبين. وأما إذا اكره على الصلاة الفاقدة للشرط والجزء، والواجدة للمانع، فلا ينفع الحديث، لأنها لا حكم لها إلا البطلان، وهو الحكم العقلي، لا الشرعي، بخلاف الجزء والشرط والمانع، فإن الإبطال حكم تركها الشرعي، وترك الجزء مبطل وهكذا، فيرفع به. نعم، قضية ما تحرر: من أن ترك الجزء والشرط أيضا لا حكم شرعي له، يكون التمسك بالحديث في غير محله، سواء فيه استيعاب الإكراه وعدمه، كما عرفت تحقيقه (1). وبالجملة: لا معنى للإكراه على ترك الجزء، إذا كان مختارا في الاشتغال بالطبيعة، وإذا كان مكرها على الطبيعة، ومكرها على ترك الجزء، فهو في الحقيقة إكراه على الطبيعة الفاقدة، ولا حكم شرعي لها حتى يرفع. نعم، إذا استمر الإكراه إلى آخر الوقت، فاضطر إلى إتيان الطبيعة الفاقدة


1 - تقدم في الصفحة 101 - 102 و 116 - 117. (*)

[ 121 ]

للجزء حسب الإكراه على ترك الجزء، فإن لم يكن إطلاق يقتضي وجوب الفاقدة، فلا اضطرار، فيكون ترك الطبيعة جائزا، لأنها باطلة. وأما بناء على أن هناك إطلاقا يقتضي وجوب الطبيعة، وأن " الصلاة لا تترك... " وهكذا، فالاضطرار إلى الطبيعة الواجبة الفاقدة للجزء والشرط، أو الواجدة للمانع، ربما يوجب رفع وجوبها، وتصير النتيجة جواز ترك تلك الطبيعة، ولا يكون هو من الفوت حتى يستتبع القضاء في مثل الصلاة، لأن الفوت فرع التكليف، فيكون في رفع هذا الوجوب سعة ومنة. نعم، لو قلنا: بأن القضاء من تبعات ترك الصلاة التي فيها الملاك، وهذه الصلاة - لأجل عروض العناوين الثانية - ذات ملاك أولى، فيكون الترك مستتبعا للقضاء، لأن الترك ليس مورد الاضطرار حتى يرفع القضاء، فلا منة في رفع الوجوب المذكور إلا من جهة أنه مضيق، والقضاء موسع، وهذا يكفي للتوسعة اللازمة في جريان الحديث. بقي شئ: في أن الدليل الخاص قد يقتضي عدم الإجزاء هنا ما ذكرناه هو مقتضى القاعدة، وأما الخارج عنها لأجل اقتضاء دليل خاص، فهو المتبع، مثلا في باب الصلاة، ربما يدعى الإجماع على أن الصلاة لا تترك بحال، فعليه في الفرض المزبور لابد من الإتيان بالباقي ولو كان مورد الاضطرار عرفا، لضيق الوقت حسب الوجوب الشرعي. فالمحصول مما قدمناه: أن إنكار صدق الإكراه أو الاضطرار إلى ترك الجزء والشرط، أو إيجاد المانع، غير صحيح، كما أن تخيل كون المختار في الوقت الواسع، يجوز إكراهه على ترك الجزء من غير إكراه على الطبيعة، غير صحيح.

[ 122 ]

والذي يسهل الخطب ما مر منا: من أن ترك الجزء والشرط، لا ينتهي إلى صحة المأتي به بدونهما، بخلاف إيجاد المانع إذا اضطر إليه، كما في صورة الاضطرار المستوعب، أو الاضطرار الطارئ في أثناء الصلاة، بناء على وجوب إتمامها وحرمة إبطالها. وأما في المعاملات، فالاضطرار المذكور يرجع إلى الاضطرار إلى الطبيعة الواجدة للمانع، ولا أثر شرعي له حتى يرفع، فاغتنم. المسألة الثالثة: في ترك المركب العبادي الموقت أو المعاملي أي في ترك المركب العبادي في الوقت المضروب له، أو ترك المركب من العقود والإيقاعات، لأجل طرو أحد العناوين المذكورة غير عنوان " الجهالة " فإن له بحثا يخصه في الأقل والأكثر. مثلا: توجه كل من المتعاملين إلى أنهما تبادلا عينيهما، وبعد مضي مدة تذكرا نسيان العقد اللازم الذي كان بناؤهما عليه، من البيع، أو الصلح، أو الإجارة وغير ذلك، وهذا هو نسيان السبب. ومن ذلك ما لو اضطرا إلى الانتقال، وصار هذا الاضطرار سببا لاضطرارهما إلى ترك السبب، لعدم إمكان تحصيله فرضا، ولم يكن نفس التبادل المذكور كافيا في السببية. ومن ذلك ما لو اضطر المرء إلى نكاح الأجنبية، ولم يكن تحصيل السبب ممكنا، فهل يمكن التمسك بالحديث، بدعوى أن نسيان السبب والعقد، يوجب كون السبب غير لازم حال النسيان، كما أن الجزء ليس جزء حاله، وهكذا في صورة الاضطرار، وهكذا لو اكره على الزواج بلا سبب. والحق: أن عدم إمكان جريانه واضح، لأن في صورة ترك الجزء يكون

[ 123 ]

الباقي شيئا من الطبيعة، ورفع الجزء المنسي مثلا، معناه إسقاط دخالته في سقوط الأمر، وأما فيما نحن فيه فليس المسبب بعنوان " المسبب " حاصلا، لما لا يعقل حصوله بلا سبب، وما هو الحاصل هو ذات السبب، وأثر السبب الأعم من السبب الشرعي والعقلائي وعدمه، فكيف يعقل التعبد المذكور حتى بالأصل المثبت ؟ ! فترك المعاملات والعقود والإيقاعات بإحدى الجهات، لا يورث شيئا. وأما ترك العبادات فيما إذا كان الأثر مترتبا على الترك المذكور، فهو ممكن، مثلا لو نسي الصلاة في الوقت، أو نسي الصوم، وكان وجوب القضاء مترتبا على الترك الواجب في الوقت، فالإكراه على الترك أو الاضطرار إلى الترك - على تقدير تصوره - يستلزم ذلك حسب الصناعة وإن لم يمكن الالتزام به في الفقه، وأما نسيان الطبيعة في الوقت فهو يلازم الترك، فلا يلزم منه نفي القضاء إلا بالأصل المثبت. فبالجملة: ترك هذه الأسباب بالقياس إلى المسببات، لا يكون موضوعا حتى يترتب برفعه شئ، كما مر في ترك الجزء والشرط (1). وأما إيجاد تلك المركبات، بإيجاد المعاملات والإيقاعات اضطرارا، فلا يرفع به، لما لامنة فيه. وأما إيجادها عن إكراه فالأمر عندنا مثله، لأنه باطل بحكم العقلاء، فلا منة من قبل الشرع، ولم يعهد ذلك في سائر الشرائع حتى يكون بالقياس إليه، ولا داعي إلى الالتزام بكونه باعتبار إمكان التصحيح شرعا رغم أنف العقلاء، لإمكان الالتزام بعدم ثبوت الإطلاق له بالنسبة إليها. نعم، في النصوص الخاصة يلزم الالتزام به، جمعا بين مقتضى الأدلة، كما لا يخفى. وأما توهم: أنه دليل على إمضاء الشرع بطلان المركب المعاملي بالمعنى


1 - تقدم في الصفحة 101 - 102 و 116 - 117 و 120. (*)

[ 124 ]

الأعم شرعا، فهو في نفسه مما لا بأس به، إلا أنه ليس باعتبار الرفع، فإن ظاهر " الرفع " منصرف إلى وجود الحكم لولاه، كما هو الواضح. فما اشتهر بينهم من الاستدلال بحديث الرفع لما نحن فيه (1)، غير واقع في محله. وما في الأخبار الخاصة من الحكم ببطلان العقد الإكراهي (2)، لا يقتضي كون الحديث يشمل المقام. وقد مر بيان أن استدلال بعض الأخبار بالحديث لبطلان الحلف الإكراهي، من باب الجدال بالتي هي أحسن احتمالا (3)، كما قد شوهد في موارد اخر (4). وأما إذا نسي فأوجد المركب، أي نسي فباع داره، مع أنه ما كان مقصوده إلا ذلك، أو نسي فحلف، أو نسي فطلق زوجته، ونذر وحلف على كذا، كما قد يتفق، وكان ما أتى به نسيانا جامعا للشرائط، حتى القصد والنية حين الإيجاد، فلا شبهة في أن رفع الصحة الفعلية سعة ومنة نوعا، بل دائما، لأنه في صورة الرفع لا تنتفي أهلية العقد عن لحوق الإجازة، كما أنه عقد صحيح عند العقلاء، لأن النسيان ليس من موجبات بطلان أو عدم وقوع المركب صحيحا، ولا يلزم منه الإخلال بالجزء والشرط، إلا أنه يصدق: " أنه أتى به وهو ناس " ولو كان في صدق " النسيان " يكفي أنه لو كان متذكرا لما كان يبيع داره، ولكنه لغلبة النسيان باع داره. وهكذا في سائر الموارد التي يتفق ذلك، فإنه يمكن إجراء الحديث، وإلا ففي الحقيقة ليس البيع أو الحلف والنذر أو الطلاق منسيا، لأن المنسي معدوم وجوده،


1 - نهاية الأفكار 3: 224، أنوار الهداية 2: 65. 2 - لاحظ وسائل الشيعة 22: 86، كتاب الطلاق، أبواب مقدمات الطلاق، الباب 37. 3 - تقدم في الصفحة 59. 4 - لاحظ وسائل الشيعة 3: 365، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 13، الحديث 2. (*)

[ 125 ]

كما لا يخفى، فتأمل جيدا. هذا كله فيما إذا أتى بالمركب من العقود والإيقاعات معروضا لإحدى الحالات الثلاث. وأما إذا أتى بالعبادة الواجبة عن إكراه، أو عن نسيان، بالوجه الذي اشير إليه، فلا منة في رفعه، كما هو الواضح. نعم، ربما يكون ذلك باطلا، للزوم الإخلال بالشرط في صورة الإتيان به عن إكراه، وهو خارج عن محط البحث. بقي شئ: في الغفلة واشتراط شئ غير مقصود عن توجه والتفات وهو ما إذا أتى نسيانا في طي عقد النذر شيئا، أو شرط في طي معاملة شرطا نسيانا وغفلة، وكان هو على خلاف المقصود، ولكنه حين الشرط وقبول الاشتراط وحين ذكره، يكون متوجها وقاصدا طبعا. فهل يجب الوفاء به، ولا يستتبع عند العقلاء عذره: بأنه كان غافلا وناسيا عن ذلك. أم لا يجب، لحديث الرفع ؟ أو لا يشمل مثله، لأنه ليس من النسيان واقعا، وإنما يسند إليه النسيان توسعا، وأن المنسي أمر آخر لاحق بالحلف والنذر ؟ فتدبر. المسألة الرابعة: حول تفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية عند الشك في المانعية قال شيخ مشايخنا وجد أولادي (قدس سره) في " الدرر " بالتفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية في صورة الشك في مانعية الشئ للصلاة، وقال بجريانه في

[ 126 ]

الثانية، دون الاولى، للزوم الدور في الاولى، دون الثانية (1). واجيب عنه في " التهذيب ": " بأنه مستحيل في صورة الجعل الابتدائي، وأما في مثل ما نحن فيه من اقتضاء الإطلاق اشتراك الكل، ومن اقتضاء الحكومة اختصاص المانعية في ظرف مخصوص، فلا محذور فيه، بل هو واقع شائع " (2). وفيه: - مضافا إلى أنه بحث خارج عن بحوث المقام، كما لا يخفى - أن الدور نشأ من ملاحظة الإرادة الجدية، وأنه لا يعقل بحسب الجد اختصاص المانعية بالعالم بها، ولا فرق بين الصورتين. نعم، قد أشرنا إلى إمكان الفرار من الدور في نسيان الجزء والجزئية، ولزوم اختصاص الجزء بالذاكر بالجزئية (3)، كما ذكرنا في مباحث اخر (4) كيفية الفرار منه بما لا مزيد عليه. وإجماله: أن شرط كون شئ مانعا جدا، هو العلم بالخطاب والمانعية الإنشائية، فيلزم اختلاف الموقوف والموقوف عليه طبعا، ففي ناحية يكون الموقوف وجود الحكم الإنشائي، وفي الاخرى وجود الحكم الجدي. هذا آخر ما ذكرناه حول الحديث الشريف، وفيه مسائل كثيرة تأتي في محالها فقها واصولا، فلا تذهل. منع قيام الإجماع على الأخذ بالبراءة هذا تمام ما يتعلق بالأدلة النقلية الناهضة على البراءة في الشبهات الحكمية، والموضوعية، والإيجابية، والتحريمية، وبقي منها الدليل اللبي، وهو الإجماع من


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 445 - 446. 2 - تهذيب الاصول 2: 172. 3 - تقدم في الصفحة 106. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 437، وفي الجزء السادس: 118 - 125. (*)

[ 127 ]

السلف عن كافة العلماء. أو الإجماع من المتشرعة الكاشف عن وجود الحكم بالبراءة بينهم، الواصل إليهم من الأئمة (عليهم السلام) ولو كان المستند نفس تلك الأخبار، كان لاختلافهم فيها وجه بعد اختلاف الأخبار الواردة، وقد اختلفوا في كثير من المسائل التي هي أقل اختلافا في الرواية من هذه المسألة، والإجماع المذكور يكشف عن ثبوت الحكم بالبراءة الملازمة لنفي الاحتياط، حتى يكون مخالفا للأخبار الناطقة بالاحتياط (1). مع أنه لا معنى لكشف الإجماع البراءة عند عدم الدليل، وقد ورد الدليل على الاحتياط، فما في تقرير العلامة الأراكي (رحمه الله) (2) لا يخلو من غرابة. فالمهم ثبوت هذا الاتفاق بين السلف الأمجاد، ولاسيما أصحابنا الأقدمين الآيلين إلى متون الأخبار، وأنى لنا بإثباته ؟ ! ودونه خرط القتاد، لعدم معروفية المسألة بينهم على وجه يعنون في كتبهم ورسائلهم، ولاسيما القميين منهم، فليلاحظ. وغير خفي: أن تقسيم أصحابنا إلى الاصوليين والأخباريين، من التقاسيم الأخيرة، وذهاب القدماء - أمثال السيد، وابن إدريس (3) - إلى نفي العمل بالخبر الواحد، لا يورث كونهم قائلين بالاحتياط فيما نحن فيه. وبالجملة: الطعن على التقريب المذكور، بذهاب الأخباريين إلى الاحتياط (4)، غير واقع في محله ظاهرا، والمسألة تحتاج إلى التأمل والتدبر في تأريخ البحث.


1 - تأتي في الصفحة 156. 2 - نهاية الأفكار 3: 235. 3 - الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 528 - 529، رسائل الشريف المرتضى 3: 309، السرائر 1: 47. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 365. (*)

[ 128 ]

الاستدلال بالعقل خاتمة الكلام: في تحرير الدليل العقلي على البراءة في الشبهات كلها، والبحث حوله يقع في جهات: الجهة الاولى: في انقسام البراءة إلى شرعية وعقلية وعقلائية قد اشتهر تقسيم الاصوليين للبراءة إلى الشرعية، والعقلية. والحق: أنها على ثلاثة: شرعية، وعقلائية، وعقلية: أما البراءة الشرعية، فهي ما يدل من الأدلة اللفظية على حلية المشكوك، وإباحة الشبهة، والمخالف في هذه المسألة جماعة من الأخباريين، حيث ذهبوا إلى الاحتياط في التحريمية (1). وعن بعضهم القول به حتى في الإيجابية (2). وأما البراءة العقلائية، فهي ما يدل عليها حكم العقلاء بقبح المؤاخذة بلا بيان، والعقاب على المخالفة بلا برهان، وهذا حكم يستوي فيه جميع العقلاء بالنسبة إلى جميع الموالي، والظاهر أنه لا مخالف فيه حتى الأخباريين، إلا أنهم يعتقدون بتمامية البيان في الشبهات التحريمية، وبأن العقاب ليس بلا برهان بعد قيام الأدلة اللفظية. وغير خفي: أن الأشعري أيضا يلتزم بالحسن والقبح العقلائيين، ويعتقد بعدم عقلائية العقاب المذكور (3). وأما البراءة العقلية، فهي مفاد حكم العقل ودرك العاقلة وامتناع صدور


1 - وسائل الشيعة 27: 154 و 163، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحدائق الناضرة 1: 44، الدرر النجفية: 25 / السطر 8 و 20 - 21 و 26. 2 - الفوائد المدنية: 138 و 161. 3 - لاحظ شرح المواقف 8: 185، شرح المقاصد 3: 282. (*)

[ 129 ]

العقاب منه تعالى في الشبهة، لأنه قبيح، ويمتنع صدور القبيح عنه تعالى، خلافا للأشاعرة المنكرين للحسن والقبح العقليين (1)، حيث ذهبوا إلى الجبر بمقتضى الأدلة الخاصة (2) التي لا ينالها إلا الأخصائيون، وأهل الحل والعقد. وهذا أمر يختص به تعالى، ضرورة أنه بالنسبة إلى قبح العقاب بلا بيان، لا يكتفي العقل، لجواز ارتكاب المولى القبيح، وقد ارتكب كثير من الموالي العرفيين القبائح الكثيرة، فلابد أن لا يقف العقل إلا بعد إثبات الامتناع، وأنه قبيح بحكم العقل، وممتنع صدوره منه تعالى أيضا بالبراهين العقلية، وأن حديث الجبر مما لا أساس له إلا عدة توهمات شاعرة، وذوقيات عرفانية، وتقريبات وتسويلات شيطانية، تحرر منا تفصيلها في " قواعدنا الحكمية " (3) وللوالد المحقق - مد ظله - رسالة خاصة فيها. فتحصل: أن ما يتمسك به الاصوليون هي البراءة العقلائية، ولا ينكرها حتى الأشعري، إلا أن العقل يجوز الوقوع في المهلكات بعد احتمال صدور القبيح من المولى، فلا بد من البراءة الثالثة: وهي إثبات امتناع صدور القبيح، وإن كان يكفي عند العقلاء الثانية أيضا، وعند المتشرعة الاولى، إلا أنه لا بد من سد باب الابتلاء بالعقاب الاخروي، ولا يكفي ولا يقف العقل بعد وجود الاحتمال، ولاسيما بالنسبة إلى البراءة الشرعية، كما لا يخفى أصلا. وبالجملة: مادام لم ينضم إلى تلك البراءتين هذه البراءة العقلية، لا يستريح العقل في الشبهات، ضرورة أن في مثل البراءة النقلية، يجوز تخلف الأدلة اللفظية عن الواقع، فعند ذلك يتشبث العقل بتلك البراءة، لأن على جميع الفروض لا تكون الحجة والبيان تاما، كما هو الواضح.


1 - شرح المقاصد 4: 282، شرح المواقف 8: 181. 2 - شرح المقاصد 4: 223 - 247، شرح المواقف 8: 145 - 146 و 148 - 152. 3 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) مفقودة. (*)

[ 130 ]

الجهة الثانية: حول تمامية كبرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان قد اشتهر بين أبناء التحصيل قاعدة قبح العقاب بلا بيان بشكل كبرى قطعية، ولا قيد لها من جانب العقل (1)، والمشهور عندهم تماميتها في الشبهات الحكمية والموضوعية (2). وقد خالفهم في الاولى سيدنا الاستاذ الداماد (رحمه الله) صهر العلامة الحائري (قدس سرهما) قائلا: " إن ذلك في موارد تمكن المولى من البيان، وأما في مورد عدم تمكنه منه - كموارد التقية مثلا - فلا تجري القاعدة " ولازم ما ذكره عدم تمامية الحجة العقلية على البراءة، لاحتمال كون الحكم المشتبه، مزاحما بأرباب السلطة الجائرة لعنهم الله تعالى. وبعبارة اخرى: أصل قبح العقاب بلا بيان، ليس على إطلاقه أصلا صحيحا لا فيما نحن فيه، ولا في المسائل العقلائية، بعد احتمال كون عدم وصول البيان، لأجل عدم تمكين الأعداء من الإظهار، وأما في موارد عجز المولى عن البيان فلا، وهذا فيما بين أيدينا غير متصور، لأن المولى غير عاجز ذاتا، وإنما يعجزه الجهات العارضة، وعلى هذا لا أقل من التردد في حكم العقلاء، وعلى هذا لا تتم البراءة العقلائية على ما فصلناه، ولا تتم صغرى البراءة العقلية، لأنه مادام لم يثبت قبحه لا يثبت امتناع صدوره، فيلزم الإشكال على البراءتين: العقلائية، والعقلية، وذلك لأنه نحتاج في إثبات امتناع الصدور إلى إثبات القبح، كما هو الواضح.


1 - فرائد الاصول 1: 335، كفاية الاصول: 390، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 365، نهاية الأفكار 3: 235 - 236. 2 - فرائد الاصول 1: 369، درر الفوائد، المحقق الحائري: 483 - 484، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 389 و 396. (*)

[ 131 ]

ويتوجه إليه أولا: أنه في موارد عجز المولى، لا يمكن الالتزام بعدم الجريان، وأنه قبيح بلا شبهة العقاب والعتاب، وتعجيز السلطات الجائرة يرجع ا لى العجز عن الإظهار، وتكون النتيجة: أن من ناحية العبد، لا قصور في التخلف عن الأمر والنهي الواقعيين. وثانيا: قضية الأخبار الواردة على البراءة، هو تمكن الشرع من الإظهار، وليست تلك الأخبار فيها التقية. نعم لو لم يكن خبر يدل على البراءة، كان للاحتمال المذكور وجه، وبالجملة يستكشف تمكن المولى من إظهار الحقائق، بإيراد أخبار البراءة عند الشبهة. وثالثا: كما يدرك العقل لزوم الحجة في ترك الأمر والنهي، وارتكاب العصيان والمخالفة، كذلك يدرك لزوم كون المولى ذا حجة على العقوبة على المخالفة، ولا تتم حجته في الصورة المذكورة، ويقبح عند العقل ارتكاب المؤاخذة على ما لا حجة له عليه، فعلى هذا تنحل المشكلة، وتتم كبرى البراءة العقلائية، وصغرى البراءة العقلية. بحث وتحصيل: حول مشكلة العقاب بلا بيان ربما يرى في كلماتهم: " أن المراد من قبح العقاب بلا بيان، أي بلا جهة وسبب، وبلا وجه " (1) وهذا غير تام، لأن في موارد العصيان والمخالفة، يكون العقاب مع السبب والوجه، فإن الأمر والنهي إذا كانا صادرين غير واصلين، يوجبان انتزاع المخالفة، وهذا كاف لكونه مع السبب والوجه والجهة. وربما يرى في كلماتهم: " أن العقاب على المخالفة بلا بيان قبيح، والمؤاخذة


1 - تهذيب الاصول 2: 189. (*)

[ 132 ]

بالعصيان بلا بيان وبرهان قبيحة " (1) وهذا أيضا غير تام، لأن في موارد الشبهة ربما لا يكون مخالفة، ولا عصيان، لما لا أمر ولا نهي واقعي، فلا مخالفة، ولا عصيان، فيلزم تأسيس قاعدتين، إحداهما: موارد المخالفة بلا بيان، والاخرى: لغير تلك الموارد، وهو العقاب عند عدم وجود الأمر والنهي، وعدم صدورهما. أو يلزم القول: بأن العقاب بلا بيان في موارد المخالفة والعصيان إذا كان قبيحا، ففي سائر الموارد يكون أقبح، وهذا أيضا غير تام، لأن العقلاء في الموردين يتمسكون بهذه القاعدة الواحدة من غير تأسيس للقاعدة الثانية، ولا التمسك بالأولوية القطعية. وربما يرى في كلماتهم تقييد القاعدة ب‍ " أن العقاب بلا بيان واصل قبيح " (2) وربما يكون النظر إلى تتميم القاعدة وشمولها للفرضين، ضرورة أنه فيما إذا لم يكن أمر ولا نهي، لا يكون بيان واصلا، وفيما يكون أمر ونهي غير واصلين أيضا يقبح، لما ليسا بعد الفحص والتيقن حاصلين، ولا يكون المستثنى متحققا. وهذا أيضا غير تام، لعدم تقييدها عند العقلاء، وكانوا يتشبثون بها من غير تقييد، فلابد على هذا من تتميم الاستدلال بها على وجه لا يلزم تصرف فيها، ويكون الموردان مشموليها. وربما يخطر بالبال إنكار الموردين، ضرورة امتناع تكليف الجاهل والعاجز على وجه سواء، ولا يعقل كون الأمر والنهي غير الواصلين، نهيا وأمرا جديين، لما لا يعقل باعثيتهما، وإنما يتنجز الأمر والنهي الواقعيان قبل الفحص، إذا كان الفحص منتهيا إليهما، وإلا فلا.


1 - كفاية الاصول: 390، أجود التقريرات 2: 186. 2 - مفاتيح الاصول: 518 / السطر 20 - 21، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 365، نهاية الأفكار 3: 235، منتهى الاصول 2: 194 - 195. (*)

[ 133 ]

وفيه ما مر في كيفية تصوير الخطابات القانونية (1)، ولولا تلك الطريقة، لما كان ينفع الإجماع على الاشتراك، لأن الشبهة عقلية، ولا تنحل بالإجماع وأمثاله. فإنكار تحقق المخالفة ثبوتا قابل للدفع، والشبهة تندفع بما اشير إليه، ولذلك يتحقق الخطاب الجدي بالنسبة إلى العاجز، فيكون في موارد الشبهة فرضان: وجود الأمر والنهي الواقعيين غير الواصلين الجديين، وعدم صدورهما واقعا، وعدم جعل في تلك الشبهة حقيقة وثبوتا. نعم، مقتضى ما تحرر منا: أن قضية حديث الرفع، انتفاؤهما في موارد الجهالة واقعا (2)، وحديث لزوم الدور (3) منتف، كما مر مرارا (4). إلا أنه يمكن حل المشكلة المذكورة من غير الحاجة إلى إرجاع الموردين والفرضين إلى فرض واحد - وهو انتفاء الأمر والنهي في موارد الشبهة - وذلك لأن المراد من قولهم: " العقاب بلا بيان قبيح " هو أن العقاب على ترك شئ أو فعل شئ بلا أن يتضح ويتبين، ولم يكن قائمة عليه الحجة، قبيح، فالمستثنى هو البيان، والبيان هو الاتضاح، فلا حاجة إلى التقييد أو إلى شئ آخر مما اشير إليه، ضرورة أنه في موارد عدم وجود الأمر والنهي، يكون العقاب بلا حجة وبلا وضوح ذلك الأمر الذي يعاقب عليه، أو النهي الكذائي، وفي موارد وجودهما وعدم الوصول، يكون الأمر كما تحرر. فما حكي عن بعضهم: من اختلاف الملاك في البراءة العقلية في الفرضين،


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455، وفي الجزء السادس: 250 - 252، وفي هذا الجزء: 64 و 68. 2 - تقدم في الصفحة 72 - 76. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 341، نهاية الأفكار 3: 214. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 437، وفي الجزء السادس: 118 - 125. (*)

[ 134 ]

فلا يجمعهما العنوان الواحد (1)، غير تام، لأن الموردين فيما يوجب القبح متحدان، وفيما لا يوجب القبح متعددان كما لا يخفى، فافهم واغتنم. وفيما ذكرناه إلى هنا إيماء إلى المواضع الضعيفة الواقعة في كلمات القوم صدرا وذيلا، يتوجه إليه من تدبر فيما أفادوه، فليراجع. بحث وتحقيق: في منع قاعدة قبح العقاب عقلا، لا عرفا وعقلائيا لا شبهة في أن هذه الكبرى " وهي أن العقاب بلا بيان قبيح " من القضايا المشهورة العقلائية، وتكون قابلة للاستناد إليها لإثبات البراءة العقلائية، وأما التمسك بها لإثبات البراءة العقلية، فهو في محل المنع، وذلك لما تحرر في محله: من أن انتزاع العنوان الواحد والمفهوم الفارد من الكثير بما هو كثير، غير معقول (2)، ولابد من رجوع الكثير إلى الجهة الواحدة المشتركة، وأن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية، ترجع إلى التقييدية، وتكون بنفسها عناوين وموضوعات لذلك الحكم الذي يناله العقل، ويدركه الفهم. مثلا: انتزاع مفهوم " الوجود " وحمل " الموجود " على الكثير بما هو الكثير، غير ممكن إلا برجوع الكثير إلى معنى واحد هو قيد له، ومشترك وسار في الكل، ويكون هو في الحقيقة موضوع ذلك المفهوم والعنوان، وذلك هو حيثية الوجود، ولا يكون زيد وعمرو وبكر موضوعا لحمل " الموجود " بالحقيقة، وإنما يحمل عليهم، لحيثية الوجود المقرون معهم. ومن هنا يظهر: أن حمل " القبيح " على " العقاب بلا بيان " وعلى " ترجيح المرجوح على الراجح " وعلى " هتك المؤمن " لا يعقل أن يكون حملا ذاتيا، وليس


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 365 - 366. 2 - الحكمة المتعالية 6: 59 - 62، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 15 و 24. (*)

[ 135 ]

هو خارج المحمول لها ولذلك الكثير، ولا الذاتي باب البرهان، بل هو عرضي بابه ويعلل، ويكون السبب والعلة هو الظلم الذي هو الأمر المشترك بين الكل، وهو القبيح ذاتا، ويكون القبح له خارج المحمول غير معلل. فقولهم: " إن العقاب بلا بيان قبيح " يعلل: بأنه ظلم، وأن الظلم قبيح دونه، إلا بالتوسع والمجاز العقلي، فالاستناد إلى هذه القاعدة عند العقل، غير صحيح. نعم، لا بأس به بالنسبة إلى البراءة العقلائية والعرفية، فما هو مناط درك العقل البراءة عند الشبهة: هو أن العقاب ظلم، وحيث إنه يمتنع صدوره منه تعالى، فيمتنع صدور العقاب منه تعالى عند ارتكاب الشبهة التحريمية، أو الوجوبية. ومن هنا يتبين الفرق بين البراءة العقلائية، والعقلية، ويظهر أن تسميتهم هذه البراءة ب‍ " العقلية " في غير محله، بل هي عقلائية، ولا بأس بها في محيطهم، وحسب موطنهم وموقفهم. تذنيب: حول جريان البراءة في الشبهات الموضوعية ذهب سيدنا الاستاذ الفقيه البروجردي (قدس سره) (1) والعلامة الإيرواني (رحمه الله) (2) إلى عدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية. وغاية ما يمكن أن يقال: هو أن العقاب بلا بيان، قبيح في مورد كان شأن المولى بيانه، وكان عليه البيان - كما في الشبهات الحكمية - بإلقاء الكبريات الكلية مثلا، وأما في الشبهات الموضوعية فلا يكون عليه البيان، كما هو الواجدان بين الموالي وسائر العبيد، فيلزم الاحتياط بعد وصول الكبريات، وذلك لأن تحريم الخمر مثلا، يورث تنجز جميع مصاديق الخمر الواقعية، لعدم عهدة على المولى


1 - نهاية التقرير 1: 174 - 175 و 178. 2 - رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 53 - 55. (*)

[ 136 ]

بالنسبة إلى توضيح الصغريات، وعلى هذا فنفس الاحتمال منجز، فضلا عن العلم الإجمالي في أمثال المقام. ولا يتوهم: أنه من التمسك بالعمومات في الشبهات الموضوعية، بل هو بحكم العقل، وأنه يلزم الاحتياط، لأنه عند الإصابة تكون الكبرى منجزة، لما لا وجه لتوهم الإباحة إلا احتمال كون بيان الموضوع على المولى، وهذا واضح الفساد، وبديهي البطلان. نعم في موارد ترخيص الشرع، تجري البراءة الشرعية. وبالجملة: بعد نيل الكبريات الكلية، نحتاج إلى المؤمن من احتمال العقوبة، ولا مؤمن عقلا بعد كون تشخيص الموضوع على عهدة المكلفين، فإن تبين له الأمر بعد الفحص فهو، وإلا فلابد من الاحتياط، لما لا مؤمن من العقوبة، لاحتمال كون المشتبه خمرا، وقد حرم عليه كل خمر بحسب الواقع، فتدبر. أقول أولا: لو كان البيان المذكور تاما، فهو يختص بمورد العمومات، دون المطلقات، فإن في موارد العموم يكون كل فرد موضوعا على حدة، ويتنجز تكليفه، لأجل أن ما هو على الشرع - وهو بيان الحكم - تام، وما ليس على الشرع وهو بيان الموضوع غير تام، فيكون الاحتياط لازما، لما لا مؤمن من احتمال العقوبة. بخلاف موارد الإطلاق، فإن المصداق الخارجي ليس موضوعا للحكم، بل الحكم منجز بالنسبة إلى نفس الطبيعة، دون الخارج، فالبيان بالنسبة إلى المصداق وإن لم يكن على المولى، ولكن الحكم بالنسبة إليه أيضا لا يكون بمجرد الشبهة متنجزا، لما لا حكم له رأسا، والالتزام بالتفصيل المذكور يبعد التزامه (قدس سره) به، كما هو الظاهر. مثلا: في موارد تحريم الغناء، لا يكون للغناء فرد خارجي متعلق به الحكم، بل نفس الطبيعة محرمة، ويكون الحكم لازم الطبيعة في الاعتبار، ويتكرر بتكررها، من غير كون الفرد الخارجي مصب الحكم، حتى إذا كان مورد الشك غناء واقعا، يكون مصبا للحكم ولو قلنا: بأنه أيضا مثل العمومات للانحلال العرفي، كما ليس

[ 137 ]

ببعيد. ولكنه لا يتم في موارد تحريم صرف الوجود، أو إيجاب نفس الطبيعة كما لا يخفى، فيلزم التفصيل غير الملتزم به قطعا. وثانيا: لو كان مجرى البراءة، مقيدا بموارد يكون البيان شأن المولى، للزم إنكار جريانها في مواضع صدور الأمر والنهي غير البالغين إلينا، لأجل الحوادث والمزاحمات الخارجية، والموانع التكوينية، فإن إلقاء الكبريات كان شأنه، وقد أبانها وأصدرها، وما هو خارج عن عهدة المولى ليس دخيلا في عدم الاستحقاق، فعدم الوصول في مفروض البحث، لا يورث عدم وجوب الاحتياط، كما هوالواضح. وثالثا: لا شبهة في أن بناء العقلاء بعد الفحص عن الموضوع في الشبهة الموضوعية، وعدم العثور عليه، هي البراءة، ومقتضى البيان المذكور هو الاحتياط، فيتبين مما اشير إليه: أن تنجيز التكليف ليس مرهون مجرد العلم بالكبريات، ما لم تنضم إليه الصغريات الوجدانية، أو التعبدية، وكما أن وجود تلك الكبريات غير كاف، فوجود الصغريات أيضا كذلك، فلا بد من قيام العلم على الكبرى والصغرى حتى تتم الحجة، ويصير الحكم منجزا. فجريان البراءة العقلائية والعقلية في الشبهات الموضوعية، كان أمرا مفروغا عنه بينهم من الأول، وقبح العقاب بلا بيان على إطلاقه، كان من القضايا المشهورة، وهكذا فإن العقاب بلا بيان ظلم، مما يدركه العقل، فلا تخلط. تذنيب آخر: وفيه مناقشة عقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان من البحوث التي تنبغي هنا: أن حديث قبح العقاب بلا بيان ظلم، أو أن العقاب بلا بيان قبيح، بعيد عن الموازين العقلية في بابي العقاب والثواب، فإن تلك القضية ظاهرة في أنه تعالى يتصدى للعقاب، وأنه عليه يكون العقاب بلا بيان قبيحا، أو ظلما، مع أن العقاب - على بعض المقالات - من تبعات الأعمال ولوازم الأفعال،

[ 138 ]

وإنما الأنبياء والرسل بمنزلة أطباء النفوس (1)، فلامدخلية للعلم والجهل في تلك التبعات واللوازم، وفي مسألة تجسم الأعمال، وتمثل الأفعال، فعليه لا معنى للقاعدة المذكورة، سواء كانت كبرى عقلائية، أو صغرى للكبرى العقلية، ويلزم الاحتياط في جميع المواقف مهما أمكن. نعم، هذه القاعدة صحيحة على المقالة الاخرى: وهي مقالة الجعل في العقاب والثواب، وأنهما في الآخرة كما هما في الدنيا بالنسبة إلى سياسات الإسلام وسائر العقلاء (2). بل لو شك في أن القضية الصادقة هي المقالة الاولى أو الثانية، لا يمكن إجراء تلك القاعدة، ولا يحصل المؤمن والوثوق، كما لا يخفى. أقول: الأقوال ولو كانت مختلفة، وثالثها: القول بصدق القضيتين والمقالتين، لإمكان الجمع بينهما بعد موافقة الآيات والأخبار لكل واحدة منهما (3)، إلا أنه لو كانت المقالة الاولى صحيحة، لكان لجريان البراءة وجه واضح، وذلك لأنه لو كانت تلك المقالة - بما تقتضيه ظواهر كلماتهم - صحيحة، للزم إنكار البراءة الشرعية، وللزم المنع عن نفوذ الطرق والأمارات. هذا مع أن في ترك الواجبات الشرعية، يلزم أن لا تكون عقوبة، لأن السلوب المحضة لا تبعية لها بالضرورة. فعلى هذا، يمكن أن يقال: إن تجسم الأعمال وتمثل الأفعال صحيح، ولكن هناك شرط: وهو العلم بالمخالفة والعصيان حين الارتكاب، أو العلم بمخالفة الحجة الظاهرية، أو هو جزء دخيل. بل هو تمام الموضوع لتلك التبعة، وتلك التجسمات والصور المؤذية المزاحمة في البرازخ والنشات والعقبات. ويشهد لاعتبار هذا العلم، تجويز الشرع اتباع الطرق المختلفة، والاتكاء على


1 - الحكمة المتعالية 7: 82 - 83، و 9: 293 - 296، كفاية الاصول: 89. 2 - مناهج الوصول 1: 377، محاضرات في اصول الفقه 2: 100 و 108 و 114. 3 - نهاية الدراية 1: 297 - 298. (*)

[ 139 ]

البراءة الشرعية في موارد الشك والشبهة، فعليه حين الشك في التحريم والإيجاب، لا يكون شرط العقاب التكويني التبعي موجودا، بل العلم بالحجة الظاهرية، ربما يكون مانعا عن تلك اللوازم والآثار والأحكام، فتأمل تأملا تاما، فإنه مزال الأقدام. وأما قصة ترك الواجبات فهي مندفعة: بأن الترك غير المقرون بالعلم، أو بالعذر الذي هو أمر وجودي نفساني، لا يستلزم شيئا، وأما الترك المقرون بالعلم بالحجة أو الواقع، فيستتبع ذلك العلم بما أنه أمر وجودي للصور المؤذية. ويجوز أن يقال: إن ترك الواجب من قبيل ترك المانع عن ظهور الخبائث النفسانية، فإذا أتى بواجب فقد منع تلك الخبائث عن الظهور، الموجب استمرار منعه الذهول طبعا، مع أنه يستتبع الأعمال الحسنة والصور البهية، وأما إذا تركه فيلزم ظهور تلك الخبائث مع فقده الخيرات الكثيرة، وتفصيل المسألة يطلب من سائر مكتوباتنا (1)، فلاحظ. فعلى ما تحرر وتقرر تبين: أن القاعدة المذكورة على احتمالين صحيحة: احتمال كونها قاعدة عقلائية، واحتمال كونها راجعة إلى توضيح صغرى قياس عقلي، ويصح الاتكال عليها لإجراء البراءة. نعم، التعبير ب‍ " أن العقاب بلا بيان... " إلى آخره - الظاهر في إسناد العقاب إليه تعالى استقلالا وبلا وسط - لا يتم على هذه المقالة، كما لا يخفى على أرباب الدراية، والأولى أن يقال: لا عقوبة بلا بيان، أو يقال: لا يستحق العبد العقوبة بلا بيان، فإن علل ب‍ " أنه قبيح " فهي عقلائية، وإن علل ب‍ " أنه ظلم " فهي عقلية. ومن هنا يظهر: أن البحث عن هذه الجهة كان ينبغي هنا، لرجوعه إلى تعيين مصب القاعدة والإشكال على التعبير عن كيفيتها وقيودها، كما يظهر بأدنى تدبر، فلا تخلط.


1 - لعله في " القواعد الحكمية " وهي مفقودة. (*)

[ 140 ]

الجهة الثالثة: حول نسبة القاعدة مع قاعدة لزوم دفع الضرر قد تقاس هذه القاعدة مع القاعدة الاخرى المعروفة، وهي أن: " دفع الضرر المحتمل واجب ولازم ". فإن للأخباريين دعوى ورود القاعدة الثانية على الاولى، لكونها بيانا بالنسبة إليها، فتكون واردة عليها (1)، ضرورة أن المراد من " البيان " أعم من الباطني والظاهري، فلا تصل النوبة إلى التمسك بالاولى في الشبهات. وربما يقال بانعكاس الورود (2)، ضرورة أن مع تمامية القاعدة الاولى لا يحتمل العقاب، فلا موضوع للقاعدة الثانية، فترد الاولى عليها. وقبل الخوض في المقايسة بينهما نشير إلى مفاد الثانية أولا، ثم إلى ملاحظة النسبة بينهما إن شاء الله تعالى. فنقول: كما يجوز أن يعبر ب‍ " أن دفع الضرر المحتمل واجب ولازم " يجوز أن يقال: ارتكاب الضرر المحتمل قبيح وظلم، ويجوز أن يقال: العقل يدرك لزوم دفع الضرر المحتمل، ويدرك قبح ارتكابه، وإن ارتكابه ظلم، كل ذلك تعابير، إلا أن الأول والثاني تعابير عقلائية، لا عقلية، ضرورة أن شأن العقل هو الدرك فقط، لا الحكم، وإنما الحكم شأن العقلاء في القضايا المشهورة التي منها هذه القضية. وأما الثالث، فهو تعبير صحيح على موازين عقلية، فما ترى في بعض كلماتهم: " من استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل " (3) من الغفلة.


1 - فرائد الاصول 1: 335. 2 - نفس المصدر. 3 - بحر الفوائد 2: 27 / السطر 25 - 29، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 214 - 215 و 366، أجود التقريرات 2: 186. (*)

[ 141 ]

وهم ودفع: حول ورود قاعدة قبح العقاب على قاعدة دفع الضرر قد وقع في " الدرر " وفي تقريرات العلامة الأراكي (رحمه الله): أن ورود القاعدة الاولى على الثانية، لا يستلزم محذورا، بخلاف العكس، فإنه يستلزم الدور، ضرورة أنه لابد من وجود الاحتمال حتى تجري القاعدة الثانية، ولا يعقل الاحتمال بالقياس إلى القاعدة الاولى، لأنه مدفوع بها، ولا يمكن إيجاد الاحتمال من قبل نفس القاعدة الثانية، لامتناع تكفل الكبرى لإحداث الصغرى إلا بعد وجود الصغرى، فيلزم الدور من توهم ورود الثانية على الاولى (1). ويندفع ذلك: بأن كل واحدة من الكبريين، تلاحظ في ذاتها مع قطع النظر عن الاخرى، وعليه فلا شبهة في أن صغرى القاعدة الثانية محققة بالوجدان، فيكون انطباق الكبرى عليها، موجبا لورودها على الاولى، وصغرى القاعدة الاولى أيضا حاصلة وجدانا، والانطباق قهري يستلزم ورودها عليها أيضا، وإذا لوحظتا معا فلا ورود لإحداهما على الاخرى، لأجنبية كل عن الاخرى. مثلا: قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (2) إذا قيس إلى دليل أن الأمارة علم، تحصل الحكومة، لارتباط بينهما في عالم الكبروية، وإذا فسر " العلم " في الآية بأنه الحجة، يكون دليل أن الخبر الواحد حجة، واردا عليها، لارتباط بينهما في حد ذاتهما، بخلاف هاتين الكبريين، فإن الكل أجنبي عن الآخر موضوعا ومحمولا. نعم، غير خفي: أن القاعدة الاولى أعم موردا، ضرورة أنها تجري في موارد الشبهات والاحتمالات، وفي موارد الأمارات المتخلفة عن الواقعيات، فإن العقاب


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 428، نهاية الأفكار 3: 235 - 236. 2 - الإسراء (17): 36. (*)

[ 142 ]

عليها أيضا بلا بيان، وقبيح وظلم. ومما اشير إليه يظهر: أن ما في " تهذيب الاصول ": " من أنه لا معنى لورود إحدى الكبريات على الاخرى في حد ذاتهما " (1) غير تام، بل الورود والحكومة - من قبيل التخصيص والتقييد - يحصلان في محيط الكبريات الكلية. نعم، فيما نحن فيه لا معنى للورود والحكومة، لأن القواعد العقلية والمدركات العقلية، موضوعاتها واضحة، وقيودها ظاهرة، ولا يتصور بينها المناقضة والمضادة، وكما لا معنى لتخصيصها بالعقل أو النقل، لا معنى لورود إحداهما على الاخرى، فما اشتهر بينهم من الورود (2) أو الحكومة - كما في كلام بعضهم (3) - لا يخلو من غرابة. تنبيه: حول المراد من " الضرر " في القاعدة هذه القاعدة الثانية - سواء كانت من القواعد العرفية المشهورة، أو ترجع إلى قاعدة ينالها العقل، وسواء كان ما يناله هو قبح ارتكاب الضرر المحتمل، أو كون ارتكاب الضرر المحتمل ظلما، والظلم قبيح - من القواعد العقلائية أو العقلية، ولاربط لها بمحيط الشرع والمنتحلين لإحدى الديانات، فملاحظة الضرر الدنيوي والاخروي غير صحيحة إلا بلحاظ آخر، وإلا فالكبرى الكلية لو كانت صادقة، فموضوعها الضرر بما هو هو من غير كيفية خاصة به. نعم، ربما يختلف الناس في تشخيص الضرر، والاعتقادات تكون مختلفة في أصل الضرر.


1 - تهذيب الاصول 2: 190. 2 - فرائد الاصول 1: 335، أجود التقريرات 2: 187، نهاية الأفكار 3: 235 - 236. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 367. (*)

[ 143 ]

فما ترى في تفصيل الأصحاب رحمهم الله حول القاعدة: من أن الضرر فيها تارة: دنيوي، واخرى: اخروي، وثالثة: يرجع للمصالح والمفاسد (1)، أجنبي عما يرتبط بجوهرة البحث هنا، ولولا بعض الامور لما يهمنا الإيضاحات المذكورة، لقلة عوائدها في الفقه. التحقيق في قاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل فعلى ما تحرر وتقرر، يقع الكلام تارة: في القاعدة المذكورة بما هي عقلائية، واخرى: بما هي عقلية، على اختلاف التعابير: أما المقام الأول: فالعقلاء بما هم عقلاء، يلاحظون النسب في ارتكاب محتملات الضرر، فربما يقدمون ويقتحمون الضرر، لمصالح اخر، ولطلب الراحة والاستراحة، بل ربما يقتحمون الضرر المعلوم، نظرا إلى الكيفيات الخاصة الحاصلة لهم حسب اختلاف أفهامهم وإدراكاتهم، فوجوب دفع الضرر المحتمل، أو حرمة ارتكاب الضرر المحتمل وممنوعيته، ممنوع لاعلى الإطلاق، بل على إطلاقه. وفيما نحن فيه، لا يتحمل المشقة العادية باحتمال الضرر، لأن ترك شئ أو ارتكاب شئ، ربما فيه منافع خاصة راجحة على ما هو المحتمل عندهم، كما نراه بالوجدان، والاحتياط يصعب بما لا تقتضيه القاعدة. ثم إن الامور العقلائية والعرفية، تحتاج إلى الإمضاء الشرعي، لإمكان تجويز الشرع ارتكاب تحمل الضرر، فما دام لم ينضم إليها رضا الشرع، لا تنفع تلك


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 366 - 368. (*)

[ 144 ]

الكبريات العقلائية، وقد وجدنا أن الشرع في موارد إمضاء الأمارات والاصول وتأسيسها، يرخص في ارتكاب الضرر والمنقصة الروحية أو الجسمية، ضرورة أن شرب المسكر المجهول، يستتبع الآثار الضعيفة الروحية والقوية الجسمية، فلا تتم هذه القاعدة بما هي عقلائية، ولا أقل من الشك في أنها ممضاة أم لا. فبالجملة: للشرع تجويز ارتكاب الضرر المحتمل، لمصالح سياسية غالبة، وله المنع عن وجوب دفعه العقلائي، كما في سائر موارد مداخلة الشرع في المسائل العقلائية الراجحة عندهم، حسب أنظارهم توسعة وتضييقا، فعلى هذا ولو كانت الشبهات الحكمية والموضوعية صغرى لتلك الكبرى، إلا أنها كبرى غير تامة، ولا مقبولة بما هي عرفية عقلائية. وأما المقام الثاني: فالعقل ولو كان يدرك لزوم الاجتناب عن الضرر المحتمل، أو يدرك قبح ارتكابه، أو يدرك أن ارتكابه ظلم، ولكن بلا شبهة ليس موضوعه على هذا النطاق الشامل لما نحن فيه، فإن في موارد مزاحمة ذلك بما هو المطلوب، لا يكون ظلم، ولا قبح، ولا إشكال في أن في كثير من موارد الشبهات الحكمية الموضوعية، يصعب الاجتناب والإتيان، وإذا كان الموضوع مقيدا، أو احتمل دخالة قيد فيه، لا يمكن القطع بدرك العقل إلا مع وجود ذلك القيد وإن لم يحرز قيديته، كما تحرر في استصحاب الأحكام العقلية (1)، فتمامية الكبرى الكلية الشاملة لما نحن فيه ممنوعة. هذا أولا. وثانيا: درك العقل قبح الارتكاب، ودركه لزوم الاجتناب، لعلل، وما هو مورد


1 - يأتي في الجزء الثامن: 411 - 415. (*)

[ 145 ]

دركه واقعا هو كونه ظلما، وسائر المدركات ترجع إليه، كما تحرر (1)، وإذا كان الكلي المذكور والكبرى المزبورة فرضا تامة، فلا يمكن تصرف الشرع فيها، وتبقى على كليتها، ولا نحتاج إلى الإمضاء. وبالجملة: لا معنى لوجوب دفع الضرر المحتمل، بل هو يرجع إلى أن العقل يدرك أن ارتكاب الضرر المحتمل ظلم، والظلم قبيح وممنوع، بمعنى أن العقل أيضا يدرك لزوم ترك الظلم، فيدرك لزوم ترك الشبهات فيما نحن فيه. وعندئذ لنا أن نقول: بأن تشكيل الشكل الأول، ممكن من الصغرى الوجدانية، والكبرى المذكورة، وتكون تامة، ولا يمكن ذلك بالنسبة إلى الكبرى السابقة والقاعدة الاولى. مثلا: في موارد الشبهة نقول: ارتكاب هذه الشبهة وتحمل الضرر ظلم، والظلم ممنوع، فهو ممنوع، ولا يمكن أن نقول: العقاب على محتمل الضرر بلا بيان، لتمامية البيان العقلي. ففي ناحية القاعدة الثانية تكون الصغرى مع قطع النظر عن كل شئ وجدانية، لأن ارتكاب محتمل الضرر - حسب الفرض - ظلم، أي يكون تعديا عن الطريقة العقلائية والعقلية، ولا يمكن أن يقال: إن العقوبة على محتمل الضرر، بلا بيان وجدانا، لتمامية بيان الرسول الباطني، فيلزم على تقدير تسليم الكبرى الكلية الثانية، تمامية الشكل الأول - من ناحية - فيما نحن فيه، دون الكبرى الاولى والقاعدة السابقة. بقي شئ: في أن وجوب دفع الضرر ليس نفسيا وغيريا ولا طريقيا وهو أن البحث عن وجوب دفع الضرر المحتمل، وأنه وجوب نفسي، أو


1 - تقدم في الصفحة 134 - 135. (*)

[ 146 ]

طريقي، أو مقدمي، أو غير ذلك غلط، لأن القاعدة العقلية ترجع إلى درك العقل أن ارتكاب المشتبه ظلم، وإلى أن العقل أيضا يدرك قبح الظلم، وتصير النتيجة ما عرفت، فاغتنم. وإني وإن خرجت عن رسم الاختصار، إلا أن القارئ الكريم يصدقني على لزوم هذا المدار، حتى يتبين وجوه فساد ما أفادوه في غير هذا المضمار. تذنيب: حول التمسك بعدم الوصول وبالاستصحاب لإثبات البراءة ربما يستدل على البراءة: بأن التكليف في موارد عدم الوصول غير معقول، وقضية استصحاب عدم الجعل الأزلي أيضا هي البراءة (1). ويتوجه إلى الأول: أن التكليف الشخصي مع فرض عدم الوصول، غير معقول بالعرض، لأجل اللغوية، وأما في الخطابات القانونية فهو معقول، كما تحرر وتقرر (2). مع أنه لو صح ما قيل، للزم اختصاص التكليف بالعالم، وهو دور مدفوع في محله (3)، وممنوع على الخطابات القانونية. وإلى الثاني: ما يأتي من عدم جريان استصحاب عدم الحرمة والوجوب وعدم الجعل، لعدم الحالة السابقة له (4)، ضرورة أن بطلوع الديانة الإسلامية لا يطلع الجعل والتشريع، للزوم حدوث الإرادة، فالإرادة أزلية، والمراد فيما لا يزال، فالحكم في موارد الشبهة ليس مسبوقا بالعدم الزماني، ولا يجري الاستصحاب بالنسبة إلى العدم الذاتي، فافهم واغتنم.


1 - مفاتيح الاصول: 518 / السطر 7 - 13، تقريرات المجدد الشيرازي 4: 61. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455، وفي الجزء السادس: 250 - 252، وفي هذا الجزء: 64 - 68. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 437، وفي الجزء السادس: 118 - 125. 4 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 147 ]

أدلة الأخباريين على الاحتياط

[ 149 ]

فإنهم أيضا استدلوا بالآيات، والسنة، وبعض الوجوه العقلية: أما الآيات فهي على طوائف، وحيث إنه لا معنى لاستدلالهم بالآيات الناهية عن القول بغير علم، فيما هو البحث والخلاف الرئيس بين الاصوليين والأخباريين، وهو ارتكاب الاصولي الشبهات التحريمية والوجوبية، ولا ربط له بالقول والإفتاء، فإنه أمر آخر ربما لا يبتلي الاصولي به، وربما ينعكس فيفتي بالجواز، ولا يرتكب موارد الشبهة، فلابد أن ترجع المسألة إلى مسألتين، وأن الخلاف بينهم في أمرين: الأول: في الإفتاء بالحلية وجواز الارتكاب. والثاني: في ارتكابهم العملي والخارجي، وجريهم العيني. فتدل على الاولى: الآيات الناهية عن القول بغير العلم (1)، وهكذا الأخبار عن الإفتاء بغيره (2). ويتوجه إليه: أن الأخباري أيضا يفتي بالاحتياط، وهذا أيضا خلاف العلم،


1 - البقرة (2): 169، الأعراف (7): 27، النور (24): 15. 2 - وسائل الشيعة 27: 155 و 163، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 4 و 32. (*)

[ 150 ]

وما هو الجواب لهم هو الجواب لنا، فالمرجع هي السنة، ولذلك ورد المنع عن الاحتجاج بالقرآن (1) و " أنه ذو وجوه " (2) فإن هذه الآيات تكون دليل الاصولي والأخباري على الآخر. وأما المسألة الثانية، فيتمسك لها بعدة طوائف: فمنها: الآيات الآمرة بالتقوى حق تقاته (3)، وبالجهاد في الله حق جهاده (4)، وبالتقوى بمقدار الاستطاعة (5). فربما يقال: إن في موارد الشبهات القائم على حليتها العقل والنقل، لا يكون خلاف الاتقاء (6). فيرد عليه: أنه خلاف الاتقاء حقه، وخلاف الجهاد حقه، بل التقييد بالاستطاعة يشعر بأن المنظور منها الشبهات، وإلا فلا خلاف استطاعة فيما هو المعلوم من الواجب والمحرم. وتجويز الأخباري في موارد العجز لا يضر بصحة الاستدلال، كما لا يخفى. وفي " درر " جد أولادي (قدس سره): " أنه يدور الأمر بين التصرف في الهيئة، والمادة، ولا ترجيح للثانية، لو لم يكن الأول متعينا، لكثرة استعمالها في الرجحان " (7). وفيه ما لا يخفى، فإن التصرف في المادة بالغ إلى حد اشتهر: " أنه ما من


1 - وسائل الشيعة 27: 176، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 13. 2 - وسائل الشيعة 27: 192 و 197 و 202 و 204، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 13، الحديث 41 و 50 و 65 و 74. 3 - آل عمران (3): 102. 4 - الحج (22): 102. 5 - التغابن (64): 16. 6 - كفاية الاصول: 392. 7 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 429. (*)

[ 151 ]

مطلق وعام إلا وقد قيد وخصص " مع أنه لو كان ما أفاده صحيحا للزم حمل جميع الهيئات على الندب في موارد التقييد. اللهم إلا أن يقال: بأنه لمكان استلزامه الفقه الجديد، قامت القرينة على خلافه، فليتأمل. وفي " تهذيب اصول " والدي المحقق - مد ظله -: " أن هذه الآيات تأبى عن التقييد " (1). وفيه: أن الالتزام بالاحتياط في الشبهات الوجوبية ممكن، كما عن الأستر ابادي (2)، وأما في الشبهات الموضوعية فأدلتها حاكمة بجعل الحلية، فلا يلزم خلاف التقوى تعبدا وحكومة، وليست تلك الأدلة بالنسبة إلى الآيات بلسان التقييد، كما لا يخفى. والذي هو حق الجواب: أن حمل الهيئة على الوجوب النفسي، يستلزم تعدد العقاب في موارد المحرمات والواجبات، وهذا مما لا يمكن الالتزام به لنا وللأخباري. مع أن مقتضى ما تحرر في المجلد الأول: أن في موارد تعلق الأمر بالطبيعة، يكفي الامتثال مرة واحدة، لما لا أمر بعد ذلك، فلو ورد " أكرم العالم حق إكرامه " لا يلزم إكرام جميع العلماء (3)، وفيما نحن فيه أيضا كذلك، فلو اتقى الله في مورد حق التقوى وحق الجهاد، فلا أمر بعد ذلك، فاغتنم. وأما آية التقييد بالاستطاعة، فهي تشمل الشبهات الموضوعية، والجواب الجواب. مع أن وجوب التقوى نفسيا، غير ممكن الالتزام به، كما اشير إليه.


1 - تهذيب الاصول 2: 194. 2 - الفوائد المدنية: 138 و 161. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 202 - 204. (*)

[ 152 ]

ومنها: الآية الناهية عن الإلقاء في التهلكة (1)، وهو بحسب الظاهر يشمل الإلقاء القولي، فيلزم أن يكون الإفتاء بوجوب الاحتياط من التهلكة. والجواب الجواب، مع أن الآية بحسب الصناعة مجملة، لحذف المفعول به، وكونه كلمة " أنفسكم " غير مبرهن، لاحتمال النهي عن إلقاء الإخوة في التهلكة وإلقاء المؤمنين والمجاهدين في التهلكة. هذا على قراءة المعلوم. نعم، على قراءة المجهول لا يتوجه إليه الإجمال، إلا أن النهي لا يمكن أن يكون نهيا نفسيا، للزوم كون العقاب متعددا في موارد ارتكاب المحرم المعلوم، وفي ترك الواجب المعلوم، فيعلم من هنا: أن أمثال هذه الهيئات كلها إرشادية، لمناسبة الحكم والموضوع. هذا مع ورود العقل والنقل السابقين عليها. ودعوى ورود الآية عليهما لكونها بيانا، تستلزم الدور، وقد مضى تفصيله (2). ومنها: الآية الآمرة برد المنازعات إلى الله ورسوله (3)، فعلى الأخباري والاصولي ردها إليهما، فإذا لم يمكن الرد يتعين الاحتياط. وفيه: أن من موارد النزاع المسألة الاولى، فلا يجوز لهم الإفتاء، لذهاب الأستر ابادي إلى وجوب الاحتياط (4)، والجواب الجواب. وأما ما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره): " من اختصاص الآية بعصر الرسول " (5) فهو في غير محله، لأن الرد إلى السنة والكتاب رد إلى الله ورسوله، بقرينة الأمر بالرد إلى الله، فالفاصل بينهم هي السنة، دون هذه الآية كما ترى.


1 - البقرة (2): 195. 2 - تقدم في الصفحة 141. 3 - النساء (4): 59. 4 - الفوائد المدنية: 138 و 161. 5 - مقالات الاصول 2: 65 / السطر 3 و 4، نهاية الأفكار 3: 242. (*)

[ 153 ]

ومنها: الآيات الناهية عن اتباع غير العلم (1)، المستفاد منها لزوم الوقوف عند الجهالة. وفيه: أن ارتكاب الشبهات ليس من اتباع غير العلم حسب اللغة، مع أنه قامت الحجة على الحلية، وقد مضى أن المراد من " العلم " في القوانين من الكتاب والسنة، ليس العلم المنطقي، بل هو الحجة العقلائية والشرعية (2)، فلا يلزم اتباع غير العلم في المسألتين، فلا تغفل. ومنها: قوله تعالى: * (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) * (3). وهذه الآية وإن لم يستدل بها للأخباري، إلا أنها أظهر الآيات في المسألة على تنجز التكليف عند الجهل، ضرورة أنه لا معنى لاعتبار التوبة ولزوم الإصلاح، لانتفاء السوء بعد قيام الأدلة على البراءات الثلاث: الشرعية، والعقلائية، والعقلية، وأنه يدل قوله تعالى: * (فأنه غفور رحيم) * على أن ذلك السوء المرتكب عن الجهالة البسيطة والمركبة، ممنوع واقعا، ولازم أن يتوب العبد عنه، حتى يشمله الغفران والرحمة الإلهية. وكأن الآية تدل على أن مصب التوبة، هوالسوء المرتكب عن الجهالة، وإلا فلو كان عن عمد فلا، ولامنع، لدلالة الآيات الاخر على عموم مغفرته تعالى عند التوبة (4). وحمل " الجهالة " على السفاهة، مما لا وجه له بعد قصور اللغة، فإن في اللغة


1 - الإسراء (17): 36. 2 - تقدم في الصفحة 28. 3 - الأنعام (6): 54. 4 - البقرة (2): 228، آل عمران (3): 89، المائدة (5): 74، طه (20): 82. (*)

[ 154 ]

" الجهل والجهالة " ضد العلم (1)، وما اشتهر: " من أن الجهالة هي السفاهة، بمعنى عدم ملاحظة عواقب الأفعال والأعمال في الدنيا والآخرة " (2) بلا دليل إلا بالعناية وقيام بعض القرائن أحيانا، وما في " مفردات الراغب " (3) أيضا لا يخلو من غرابة، فراجع. فبالجملة: إن انكشف الخلاف بعد ارتكاب السوء بجهالة، فتاب وأصلح أمره، بإصلاح تبعات ذلك السوء من الوضعيات والكفارات فهو، وإلا إذا لم ينكشف له السوء، فإن ارتكب عن جهالة مركبة عن قصور، فهو معذور. وأما الجهالة المركبة عن تقصير، أو البسيطة - كما هو محط بحث الأخباري والاصولي - فليست عذرا لو صادف العمل عمل السوء الذي هو مجهولة سوئيته حين الارتكاب والعمل، فلا تغفل. ومن الغريب ما في " تفسير التبيان " قال: " وقوله: * (من عمل منكم سوء بجهالة) * ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لأنه لو أتى المسلم ما يجهل أنه سوء، لكان كمن لم يتعمد سوء. وتحتمل الآية أمرين: أحدهما: أنه عمله وهو جاهل بالمكروه فيه، أي لم يعرف من فيه مكروه. والآخر: أنه أقدم مع علمه بأن عاقبته مكروهة ". ثم قال: " ويحتمل عندي أن يكون أراد * (من عمل منكم سوء بجهالة) * بمعنى أنه لا يعرفها سوء، لكن لما كان له طريق إلى معرفته، وجب عليه التوبة منه، فإذا تاب قبل الله توبته " (4) انتهى. وأنت خبير: بأن الاصولي لا يجوز أن يدخل في الآية بما أنه اصولي، حتى


1 - الصحاح 4: 1664، القاموس المحيط 3: 363 - 364. 2 - فرائد الاصول 1: 120، كفاية الاصول: 341، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 171 - 172، أجود التقريرات 2: 105. 3 - المفردات في غريب القرآن: 102. 4 - التبيان في تفسير القرآن 4: 161. (*)

[ 155 ]

يأول الآية على مرامه، وهكذا الأخباري، بل لابد من رعاية الواقع، فحمل الآية على الجهل قبل الفحص، بلا وجه بعد إطلاقها. نعم، يجوز تقييد الإطلاق بالأدلة في الشبهات الموضوعية، ولذلك لا تعتبر التوبة عند انكشاف الخلاف فيها، لما لا سوء بعد ترخيص الشرع، ولو دل دليل على خروج الشبهات الوجوبية فهو، وإلا فالمتبع إطلاقها. أقول أولا: لنا تقييد الآية بالشبهات التحريمية بعد الفحص، لقيام أدلة البراءة بإخراج كافة الشبهات، إلا ما قبل الفحص ولو كان كثيرا، إلا أنه ليس من التخصيص الكثير، بل أفراد الخاص كثيرة، ولا وهن فيه كما تحرر، ولاسيما بعد بقاء جملة من الشبهات. بل كافة الشبهات قبل الفحص مشمولة الآية أولا، ثم تخرج عنها بالفحص، فتدبر. وثانيا: يظهر من صدر الآية، أنها مخصوصة بالأوائل المنسلكين في سلك الإسلام والإيمان، ويكون الخطاب خاصا، وأن الآية في موقف ترغيبهم إلى الإسلام، وأن " الإسلام يجب ما قبله " (1) بشرط التوبة، وإصلاح تبعات الأعمال السيئة، حسبما يظهر لي عجالة. فلو أتلف مال الغير، وقتل بغير حق، فعليه إصلاح أمره، ولا يكفي مجرد الجهالة بالسوء، فتلك الجهالة التي كانت جهالة خاصة - لأجل كون الجاهلين مخصوصين، على ما يظهر منها - ليست من الأعذار المسموعة إلا بعد الإسلام والتوبة والإصلاح، فتختص الآية بالسوء في عصر قبل الإسلام. أو يحتمل قويا أن يكون قوله تعالى: * (من عمل) * أي كان عمل، وليس بمعنى من يعمل بعد الإيمان، فليلاحظ جيدا.


1 - عوالي اللآلي 2: 54 / 154، مستدرك الوسائل 7: 448 كتاب الصيام، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 15، الحديث 2. (*)

[ 156 ]

وأما السنة فهي على طوائف نشير إليها إجمالا. الطائفة الاولى: ما تدل على الرد إلى الله وإلى أهل البيت (عليهم السلام) وهي الطائفة التي تدل على وجوب الرد في موارد الشبهة والجهالة إلى الله، وإلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهي كثيرة (1)، إلا أن المعتبر من بينها واحد: وهو ما رواه " الكافي " بإسناده عن ابن بكير، عن حمزة بن الطيار: أنه عرض على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض خطب أبيه، حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: " كف واسكت ". ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه، والتثبت، والرد إلى أئمة الهدى، حتى يحملوكم فيه على القصد، ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (2) " (3). والمناقشة في حمزة، مندفعة بما مر في أخبار البراءة (4). ودعوى ورود أخبار البراءة أو حكومتها على هذه الطائفة، لأن الاصولي


1 - وسائل الشيعة 27: 162، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 28 و 36 و 40 و 48 و 56. 2 - النحل (16): 43، الأنبياء (21): 7. 3 - الكافي 1: 50 / 10، وسائل الشيعة 27: 155، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 3. 4 - انظر إلى ما تقدم في الصفحة 31. (*)

[ 157 ]

لا يقول إلا بما قال به أئمة الهدى (عليهم السلام) في موارد الشك والشبهة ظاهرا (1)، غير تامة، لظهور الرواية في الكف عند الشبهة بالنسبة إلى الواقع، لأن بمراجعتهم يتبين الواقع، ولا تبقى الشبهة والعمى، ويتعرفون الحق. ولو كانت أحاديث الرفع والحل والبراءة كافية في المسألة، كانت حجة ابن الطيار تامة على الإمام (عليه السلام) لأن المروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي البراءة الشرعية، فيعلم منه عدم جواز الاتكاء على مثلها، فتقع المعارضة. اللهم إلا أن يقال: إن في المتن إجمالا، لأن محتوى الخطب غير معلوم، فربما كان قابلا للقرينية على حدود المراد من كلام الإمام (عليه السلام) واستدلاله بالآية. ولو قيل: الأخباري يقبل جميع هذه الطائفة سندا، فلا يتم المطلوب وهي هداية الأخباريين، وإن كان الاصولي في فسحة بعد ذلك. قلنا: إن هذه الطائفة الناطقة بالرد إلى الله، لابد وأنها محمولة على الأخبار المختلفة الواردة في شئ واحد، لما لا يعقل الرد إلى الله إلا بالرد إلى القرآن كتاب الله، وهذا لا يتصور إلا في موارد الاختلاف، كما ورد في أخبار التثليث (2)، وفي رواية عمرو بن شمر بن يزيد، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في وصية له لأصحابه (3). ومن الغريب توهم الاصوليين: أن أخبار التثليث طائفة خاصة من الطوائف المستدل بها على الاحتياط (4)، فإن التثليث أمر خارج عن مضمون الخبر، وما هو


1 - قوانين الاصول 2: 21 / السطر 17 - 20، الفصول الغروية: 356 / السطر 2 - 5. 2 - وسائل الشيعة 27: 157 - 167، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 9 و 27 و 28 و 454. 3 - وسائل الشيعة 27: 168، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 48. 4 - فرائد الاصول 1: 350، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 373، تهذيب الاصول 2: 198. (*)

[ 158 ]

الدليل هو المضمون الذي يستدل به، فلا تغفل، والأمر سهل كما لا يخفى. هذا مع أن رواية جابر ولو لم تبعد صحتها عندنا على ما تحرر منا في محله (1)، ولكنها غير معمول بها إجمالا، لأن فيها الأمر برد ما لا يوافقه القرآن، وهذا غير صحيح. اللهم إلا أن يراد من " عدم الموافقة " هي المخالفة بالتباين. مع أن قوله: " وإن اشتبه الأمر عليكم فيه فقفوا عنده، وردوه إلينا " ظاهر في الخبر الوارد، لا ما نحن فيه. وبالجملة: قد مضى في اوائل البحث (2)، أن الاصولي تمام همه ارتكاب الشبهات التحريمية، وترك الوجوبية، وأما الإفتاء على الجواز والرخصة، فهو أمر آخر، وهذه الأخبار ناظرة إلى حديث الإفتاء، كما يظهر بالتأمل في سائر أخبار المسألة جدا: ففي رواية ابن جندب: " والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحير، ورد ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ومستنبطه، لأن الله يقول في كتابه: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (3) يعني آل محمد (عليهم السلام) وهم الذين يستنبطون فهم القرآن... " (4). فعلى هذا، يمكن دعوى جواز ارتكاب الشبهات عملا، وممنوعية الإفتاء في مواردها قولا ورأيا، وبذلك يجمع بين السنة الناهضة على البراءة، والقائمة على لزوم رد علم المشتبه إلى أهله. ومما يؤيد ذلك: أن العامة كانوا يقولون بالقياس والاستحسان في موارد الجهالة، وهذه الأخبار كأنها ناظرة إلى رد علمها إلى الله، كما في بعض الأخبار من


1 - الظاهر أن محله قواعده الرجالية وهي مفقودة. 2 - تقدم في الصفحة 149. 3 - النساء (4): 83. 4 - تفسير العياشي 1: 2660 / 206، وسائل الشيعة 27: 171، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 56. (*)

[ 159 ]

هذه الطائفة (1)، فلاحظ واغتنم. وفي كثير من أخبار المسألة (2)، شواهد على أن المنع الوارد، ناظر إلى الزجر عن القول بغير العلم في موارد الشبهة، فراجع وتدبر. هذا، وغير خفي: أنه لا معنى للرد إلا رد إبراز الرأي وإظهار العلم، فإن رد العمل الشخصي أو ذات المشتبه، مما لا مفهوم صحيح له، فجميع الأخبار المشتملة على الرد إلى الله والرسول والأئمة (عليهم السلام) أجنبي عن هذه المسألة بما ذكرناه، لا بما في كلام الآخرين (3). ومما ذكرنا يظهر: أنه لا يجوز للأخباري الإفتاء بالاحتياط مستندا إلى هذه الطائفة، بل مقتضاها منعهم عنه أيضا، فعليهم السكوت بمقتضاها، ولنا الجري العملي على طبق أدلة الحل والبراءة، ولا منع ثبوتا من التفكيك بين ممنوعية إظهار النظر والإفتاء، وبين الجري العملي بارتكاب الشبهة أو تركها، كما هو الواضح في جواز الجري العملي على طبق الاستصحاب مثلا، وحرمة الإفتاء على طبقه، أو الإخبار والشهادة مثلا على وفقه، بل هذا التفكيك يساعده الذوق، ويناسبه الاعتبار. فتحصل إلى هنا: أن هذه الطائفة عند الاصولي إما لا سند لها، أو فيها الإجمال، أو تكون معرضا عنها، أو راجعة إلى اختلاف الخبرين، بالرد إلى الكتاب والترجيح به. وعلى مبنى الأخباري من صحة إسناد جلها، لكونها في الكتب المعتبرة، تكون أجنبية عما هو الغرض المهم في النزاع هنا كما عرفت، ولازمه ممنوعيتهم عن الإفتاء بالاحتياط. وأما نحن معاشر الاصوليين، ففي مخلص منها، لأقوائية الأدلة القائمة على جواز الإفتاء من هذه الأخبار قطعا. وقضية أدلة جواز الإفتاء، عدم الفرق بين


1 - وسائل الشيعة 27: 162، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 28 و 40. 2 - وسائل الشيعة 27: 154 - 165، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 1 و 4 و 19 و 21 و 36. 3 - فرائد الاصول 1: 342، نهاية الأفكار 3: 242، تهذيب الاصول 2: 195 - 197. (*

[ 160 ]

الإفتاء على طبق الأمارات والحجج والاصول بأقسامها، بل جميع الأخباريين من زمرة المتقين حسب الأدلة. تذييل: قد تبين أن إيراد الاصوليين بورود أخبار الحل والبراءة على هذه الطائفة، في غير محله، والإشكال في سندها (1) ممنوع، ولاسيما على مسلك الأخباريين، وحديث الإجمال في رواية ابن الطيار، قابل للدفع، لظهور قوله (عليه السلام): " لا يسعكم... " في القانون الكلي. وكون بعض الأخبار مربوطا بالحديث المختلف فيه، أو المتعارضين، لا يوجب شيئا، لقولهم بالبراءة في موارد التعارض والتساقط، فما اشير إليه من المحتملات على سبيل منع الخلو يندفع، فيكون طريق التخلص منحصرا بما اشير إليه، فلاحظ واغتنم. وقد أشرنا أيضا إلى أن أخبار التثليث - ومنها مقبولة عمر بن حنظلة (2) - من هذه الطائفة، والجواب عنها الجواب. الطائفة الثانية: الأخبار المتضمنة للأمر بالتوقف وهي على أصناف ثلاثة: أحدها: ما يشتمل على الأمر بالتوقف في الشبهة، فقد ورد عنهم: " الورع الوقوف عند الشبهة " " من الحزم الوقوف عند الشبهة " (3). جعفر بن أحمد القمي في كتاب " الغايات " عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:


1 - فرائد الاصول 1: 350. 2 - الكافي 1: 67 - 68 / 10، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. 3 - غرر الحكم ودرر الكلم: 268 و 475، مستدرك الوسائل 17: 324، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 11. (*)

[ 161 ]

" أورع الناس من وقف عند الشبهة " (1) وغير ذلك (2). ولا يوجد في هذا الصنف خبر يعتمد عليه سندا. وفي " نهج البلاغة ": " لا ورع كالوقوف عند الشبهة " وغير ذلك مما ذكر في " جامع الأحاديث " (3) لسيدنا الاستاذ رحمه الله تعالى. وهذا الصنف مضافا إلى عدم تمامية أسانيده، لا يدل إلا على رجحان الوقوف في مواقف الشبهة. ثانيها: ما يشتمل على أن " الوقوف عند الشبهة خيرمن الاقتحام في الهلكة ". فعن " رسالة المهر " للمفيد قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة " (4). ومثله ما في " الكافي " عن أبي سعيد الزهري، وفي " العياشي " عن السكوني (5). ثالثها: ما يكون مشتملا على رد أمر المشكل إلى الله، كمقبولة عمر بن حنظلة، معللا في ذيلها بقوله: " فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات " بعد الأمر بقوله: " فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف... " (6). وفي رواية مسعدة بن زياد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا تجامعوا في النكاح على


1 - الغايات: 69، مستدرك الوسائل 17: 324 - 325، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 12. 2 - الفقيه 4: 53 / 15، وسائل الشيعة 27: 175، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 68. 3 - نهج البلاغة: 488، الحكم 113. جامع أحاديث الشيعة 1: 396 - 398، أبواب المقدمات، الباب 8. 4 - رسالة في المهر، مجموعة مصنفات الشيخ المفيد: 30، مستدرك الوسائل 17: 325، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 13. 5 - الكافي 1: 50 / 9، تفسير العياشي 1: 8 / 2. 6 - الفقيه 3: 5 / 18. (*)

[ 162 ]

الشبهة... " إلى أن قال: " فإن الوقوف... " (1). وحيث إن ما ذكرنا جمعا بين أخبار الرد والبراءة، يكون هنا أظهر، فلا حاجة إلى ما أفاده القوم من الوجوه التي ربما تبلغ إلى العشرة (2)، فإن في المقبولة قال: " وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله " فلا يقاس، ولا يستحسن، ولا يجوز التقول فيه مثلا بشئ، بل حكمه من الحلية أو الحرمة عند الله، وأما الجري العملي بارتكاب الشبهة التحريمية وترك الوجوبية، فهو أمر آخر يدل عليه أخبار الحل والبراءة. وقد ورد في كثير من الأخبار ما يشير إلى الجمع المذكور، ففي رواية زرارة: ما حق الله على العباد ؟ " أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون " (3). وفي رواية هشام نحوه (4). وفي رواية الراوندي قول (عليه السلام): " من له أدب فعليه أن يثبت فيما يعلم، ومن الورع أن لا يقول ما لا يعلم " (5). وفي رواية سماعة قوله (عليه السلام): " إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإن جاءكم ما


1 - تهذيب الأحكام 7: 474 / 1904، وسائل الشيعة 27: 159، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 15. 2 - فرائد الاصول 1: 342، درر الفوائد، المحقق الحائري: 431 - 4342، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 373 - 375، نهاية الأفكار 3: 243 - 245، تهذيب الاصول 2: 198 - 202. 3 - الكافي 1: 43 / 7، وسائل الشيعة 27: 23، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 4، الحديث 9. 4 - الكافي 1: 50 / 12، وسائل الشيعة 27: 155، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 4. 5 - مستدرك الوسائل 17: 250، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 4، الحديث 23، جامع أحاديث الشيعة 1: 151، الباب 1. (*)

[ 163 ]

لا تعلمون فها " وأهوى بيده إلى فيه (1). وفي رواية الفجيع العقيلي قوله (عليه السلام): " أوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها، والصمت عند الشبهة... " (2). وغير ذلك مما يوجب القطع بأن تلك الأخبار، ناظرة إلى مقام نسبة الحكم إلى الإسلام والشارع بغير حجة وطريق من الكتاب والسنة، وكأنها لزجر العامة عن النسبة إليه تعالى بالقياس والاستحسان في موارد فقد النص. وأما توهم جواز الإفتاء حسب الاصول الشرعية المتصدية للأحكام الظاهرية (3)، فهو في محله، إلا أنه يوجب كون هذه الأخبار، أجنبية عما نحن فيه، وتعد من معارضات الأدلة الناهضة على جواز الإفتاء والنسبة في موارد الشك والشبهة، وتكون طبعا تلك الأخبار أقوى منها، لإفتاء الأخباريين في الشبهات الموضوعية والوجوبية بها. وبالجملة: تندرج إلى هنا هذه الأخبار في البحث المحرر في مباحث الاجتهاد والتقليد، وتصير أجنبية عن مسألتنا. جولة وتحقيق: في المراد من الأمر بالتوقف إن الأمر بالتوقف عند الشبهة إما يكون إرشادا، كما هو مختار الشيخ (رحمه الله) في حل مشكلة المسألة في المقام (4)، وهو مما لا يمكن تصديقه، لأنه مضافا إلى كونه


1 - الكافي 1: 57 / 13، وسائل الشيعة 27: 38، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، الحديث 3. 2 - الأمالي، الطوسي: 7، المجلس الأول، الحديث 8، وسائل الشيعة 27: 167، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 47. 3 - الفصول الغروية: 355 / السطر 27 - 28، و: 356 / السطر 3 - 5. 4 - فرائد الاصول 1: 342 - 343. (*)

[ 164 ]

خلاف الأصل، يكون إرشادا إلى ما يستقل به العقل، وهو ممنوعية الاقتحام في الهلكة، فلا يلزم من حمله على الإرشاد، جواز الأخذ بأخبار الحل والبراءة، ضرورة أن الاقتحام في الهلكة، ليس في تركه الرجحان المجتمع مع ترخيصه، فيكون من قبيل الأمر المرشد إلى طاعة الله ورسوله اللازمة عقلا. وإما يكون نفسيا، فيكون التوقف واجبا من الواجبات الشرعية المستتبع للعقوبة والهلكة، وهذا غير جائز، للزوم تعدد العقاب في صورة الاشتباه، ووحدته في صورة ارتكاب الحرام المعلوم، فتأمل. وأما المناقشة في هذا الاحتمال تارة: بأنه لا يعقل أن يكون نفسيا، لما لاهلكة مع قطع النظر عن هذا الإيجاب، ضرورة أن البراءات الثلاث، تنفي الهلكة والعقوبة الاخروية (1). ففيه: أن من هذا الأمر والتعليل، يستكشف عدم رضا الشرع بارتكاب الحرام المشتبه لو صادف، فيعلم منه تنجز الواقع مع كونه في حد نفسه محرما. واخرى: بأن لازمه تخصيص الكثير (2). ففيه: أن لسان الدليل المخصص غير معلوم، وخروج الكثير - بعد كون الباقي تحت العام كثيرا - غير مستهجن. وثالثة: بأن لسانه آب عن التخصيص (3). وفيه ما مر من أن من المحتمل كون الشبهات الوجوبية والموضوعية، خارجة بلسان الحكومة ونفي الهلكة في مواردها، فلا تخصيص حتى يلزم الاستهجان، كما في خروج كثير من موارد الربا بلسان الحكومة، مع إباء أدلته عن التقييد والتخصيص. ولا حاجة إلى إنكار شموله للشبهات الوجوبية، ضرورة أن في ترك الواجب،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 373 - 374، نهاية الأفكار 3: 243. 2 - فرائد الاصول 1: 351، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 377. 3 - فرائد الاصول 1: 351، تهذيب الاصول 2: 202. (*)

[ 165 ]

ابتلاء بالهلكة والعقوبة الاخروية، واقتحاما فيها. وعدم صدق " الوقوف " (1) ممنوع وغير لازم بعد عموم الكبرى. فما في كلام القوم صدرا وذيلا من المناقشات في الأخذ بتلك الطائفة ثبوتا أو إثباتا، غير وجيهة جدا. ورابعة: بأن المراد من " الهلكة " ربما تكون الهلكة الدنيوية، فيلزم أن يكون في نفس جعل الوقوف، هلكة اخروية، لأن ترك الوقوف المستتبع للهلكة الدنيوية، يوجب استحقاق العبد للعقوبة الاخروية، وهذه الأخبار ناظرة إلى العقوبة الاخروية مع قطع النظر عن أنفسها. وفيه: أن الهلكة أعم، ولا وجه لاختصاصها بالدنيوية، لو لم تكن مختصة بالاخروية التي تجئ من قبل الأوامر والنواهي الاخر غير هذا الأمر، فحمل هذا الأمر على النفسي، غير تمام استظهارا. بل والظاهر منها أنه ليس نفسيا أصلا ولو أمكن الالتزام به. وإما يكون طريقيا، ولتنجيز الواقع المشتبه. ففيه: أن في موارد الشك والشبهة، ليس الاقتحام في الهلكة قطعيا وثابتا، لاحتمال كون مشتبه الحرمة حلالا، وهكذا مشتبه الوجوب. ودعوى: أن الالتزام بكونه واجبا نفسيا وطريقيا بالنسبة إلى الواقعيات، وعندئذ يكون الاقتحام قطعيا، وتوهم امتناع الجمع بينهما، ممنوع كما سيحرر إن شاء الله في مسألة إيجاب التعلم، غير بعيدة ذاتا، ولكنها غير صحيحة حسب الظاهر، فإن الأخباري أيضا يصدقنا في أنها ليست أوامر نفسية، حتى يلزم تعدد العقاب في صورة ارتكاب الشبهة، ووحدته في صورة ارتكاب الحرام المعلوم، كما


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 430. (*)

[ 166 ]

لا يقول: بأنها أوامر نفسية فقط، فلا يعاقب على الواقع. فعندئذ نقول: إذا تبين ذلك، يتعين كون النظر في الأوامر المتعلقة بالتوقف إلى التوقف عن التقول والإفتاء، وقد مرت شواهد كثيرة من الآثار عليه، وأنه المناسب لشيوع إفتاء العامة على طبق القياس والاستحسان، ناظرين إلى أنه هو الواقع، وهو الحكم الإلهي الواقعي، فكانوا يظنون أن القياس والاستحسان كسائر الطرق العقلائية، وقد منع في أحاديثنا عنه (1) إلى حد قيل: " بأن الأخبار المانعة تبلغ حدود خمسمائة حديث ". ولعمري، إن المنصف فيما أوضحناه، يطمئن بصدق ما أبدعناه في المسألة، من غير حاجة إلى تلك الوجوه البعيدة أولا، أو غير الواضحة عند الخصم ثانيا، مع عدم إمكان حل معضلة التعليل في هذه الأخبار إلا بما ذكرناه. ثم إن الأمر بالتوقف عن الإفتاء، لا ينافي جواز الإفتاء في محله على طبق الاصول العملية، وذلك لأن هذه الطائفة تمنع عن إبراز الحكم الواقعي، وقد كان أبناء العامة يعتقدون - بمقتضى الاستحسان والقياس - بالحكم الواقعي. وعلى هذا تنحل مشكلة المسألة في بحوث الاجتهاد والتقليد، فافهم وتدبر جيدا. الطائفة الثالثة: الأخبار الآمرة بالاحتياط والمتضمنة له وهي مع كثرتها غير نقية الإسناد إلا بعضها: فمنها: معتبر عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن


1 - الكافي 1: 54 - 58، وسائل الشيعة 27: 35 - 62، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، جامع أحاديث الشيعة 1: 326 - 387، أبواب المقدمات، الباب 7. (*)

[ 167 ]

رجلين أصابا صيدا وهما محرمان، الجزاء بينهما، أو على كل واحد منهما جزاء. فقال: " لا، بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد ". قلت: إن بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه. فقال: إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا " (1). واختلاف نسخة الشيخ في قوله (عليه السلام): " بل عليهما جميعا، ويجزي كل واحد " (2) لا يضر بالرواية. وحيث إن كل واحد من أخبار المسألة، يختص ببعض البحوث، ومجموعها ببعضها، فلنشر إلى الاستدلال في ذيل كل واحد منها: فربما يناقش في المسألة: بأن المحتملات كثيرة، كما في " الدرر " و " التهذيب " (3) نظرا إلى أن المشار إليه، يحتمل أن يكون الابتلاء العملي، كما يحتمل أن يكون الإفتاء. وأيضا: قوله: " فلم تدروا " يحتمل أن يكون عدم الدراية في خصوص المسألة وما يشابهها في الشبهة الوجوبية قبل الفحص، أو فيما كان جزاؤه كذا، أو الأعم مما قبل الفحص ومن الأخير. ولا سبيل إلى التحريمية بعد الفحص وإلى أن الاحتياط لازم عملا، أو إفتاء، أو لازم أن يفتي بالاحتياط. أقول: كأن المفروض إصابة الرجلين صيدا، وفي الجواب: " إذا اصبتم " ومعناه إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا ما عليكم، في قبال قوله: " فلم أدر ما عليه " أو


1 - الكافي 4: 391 / 1، وسائل الشيعة 13: 46، كتاب الحج، أبواب كفارات الصيد، الباب 15، الحديث 6. 2 - تهذيب الأحكام 5: 466 / 1631، وسائل الشيعة 13: 46، كتاب الحج، أبواب كفارات الصيد، الباب 18، ذيل الحديث 6. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 433 - 434، تهذيب الاصول 2: 203. (*)

[ 168 ]

إذا أصبتم صيدا فلم تدروا ما عليكم عملا، فعليكم بالاحتياط. وتصير النتيجة بعد ذلك هو الاحتياط العملي. وأما الاحتياط في الإفتاء، فقد صنعه عبد الرحمن العالم الفقيه لما لم يفت بشئ، واحتمال لزوم الإفتاء بالاحتياط بعيد، كما صرحوا به (1). ثم إن في اشباه المسألة إذا ورد سؤال عن إصابة سبع، وقال: " إذا اصبتم بمثل هذا فلم تدروا... " فلا يفهم منه إلا المماثلة في القوة القاهرة المعجزة، وتكون الخصوصية للقيد تلغي سائر الخصوصيات بالضرورة، فعلى هذا يكون المسؤول عنه صورة الجهالة الأعم، فكما إذا ورد في المثال المذكور: " فعليكم بالفرار " لا يستفاد منه إلا صورة العجز، كذلك الأمر هنا، فلا تكن من الغافلين، وتلغى خصوصية السبعية والحيوانية، ويكون الموضوع نفس العجز. وفي بعض كتب الأصحاب لم يذكروا قوله (عليه السلام): " فلم تدروا " فوقعوا في المناقشة، وهذا أيضا من المواضع التي يقع في نظائرها الاصوليون كثيرا، ولاسيما وأن في كلمة " الفاء " إشعارا قويا بما افيد. وما في كتاب " تهذيب " الوالد - مد ظله - من نسخة " الواو " (2) أيضا اشتباه ظاهرا، فراجع. فعلى كل تقدير لا بأس بالاستدلال المذكور من هذه الجهة. نعم، قوله (عليه السلام): " حتى تسألوا فتعلموا " يناسب الإفتاء، إلا أن المنظور السابق. مع أن التعلم لأجل العمل نوعا، أقوى منه، فلاحظ. ويمكن دعوى: أن قوله (عليه السلام): " فلم تدروا " يكون بيانا لوجه الشبه والمماثلة، أي إذا اصبتم بمثل هذا في عدم العلم والدراية، فيكون ما هو السبب للاحتياط نفس وجه الشبه، والوجه الأول أقرب.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 434. 2 - تهذيب الاصول 2: 203. (*)

[ 169 ]

ومن الغريب توهم: أن الاحتياط هنا لازم، لمكان سبق العلم، لأن الأمر دائر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين، إن كان الواجب قيمة الجزاء، والارتباطيين إن كان الواجب نفس البدنة (1)، وهذا غير جيد، ضرورة احتمال عدم وجوب شئ رأسا، لعدم الاستقلال في الاصطياد، وربما كان الاستقلال دخيلا في وجوب الكفارة، وإلا فلا شئ على كل واحد منهما. ومجرد كون المفروض في السؤال أحد الأمرين، لا يكفي لكون الحكم الواقعي كذلك. وربما اعتبر لزوم الاحتياط عليهم، لما في سؤاله من الغفلة عن احتمال عدم وجوب شئ رأسا، فلا تغفل. ومنها: ما رواه الشيخ، بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن سليمان بن داود، عن عبد الله بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام): يتوارى القرص، ويقبل الليل، ثم يزيد الليل ارتفاعا، وتستتر عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذن عندنا المؤذنون، أفاصلي حينئذ وأفطر إن كنت صائما، أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟ فكتب إلي: " أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك " (2). ويشكل الحديث من أجل ابن داود، لكونه أولا غير معلوم كونه المنقري الذي ورد في حقه التوثيق عن النجاشي (3) و " الخلاصة " (4) مع اختلاف في نسخ


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 375 - 376. 2 - تهذيب الأحكام 2: 259 / 1031، وسائل الشيعة 10: 124، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 52، الحديث 2. 3 - رجال النجاشي: 184 / 488. 4 - رجال الحلي: 225. (*)

[ 170 ]

عبارات القوم (1)، لاحتمال كونه غيره، لأن هناك ابن داود آخر غير المروزي، والخفاف، كابن الجارود المتوفى سنة 204 ه‍ إلا أن مقتضى قول السمعاني أن المنقري توفي سنة 234 ه‍ (2) فينبغي كونه من أصحاب الرضا والهادي (عليهما السلام) فيشكل جدا تمييزه. وثانيا: في كفاية مجرد توثيق النجاشي، إشكال محرر في محله، فلابد من القرائن الاخر المتقنة الراجعة إلى تأريخ الرجل راويا، ومرويا عنه، ورواية كثرة، وكتبا، وغير ذلك. ثم إن في متن الحديث غرابة، لظهور قوله: " تستتر عنا الشمس، وترتفع فوق الجبل حمرة " وقوله: " يتوارى عنا القرص، ويقبل الليل، ويزيد الليل " يورث أن مراده من " الحمرة " ليس المشرقية، لأن هذه العبارات تنادي: بأن الليل داخل، والحمرة المشرقية زائلة، ولا يناسب ذلك أذان المؤذنين، فإنهم يأذنون قبل ذلك لمجرد تواري القرص، من غير انتظار ارتفاع الحمرة إلى فوق الجبل. وقوله: " يرتفع " بضميمة قوله: " حتى تذهب الحمرة " يشهد على أن تلك الحمرة هي المشرقية، ففي نفس الرواية مناقضة بحسب الظاهر. وأما ما في كلام القوم: من كونها صادرة تقية (3)، فغير صحيح، لذهاب العامة إلى كفاية تواري القرص، وقوله (عليه السلام): " أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة " خلاف فتواهم، ويورث أن عملهم غير صحيح، فيعلم منه أن هذه مع كونها مكاتبة، على خلاف التقية، ولا يناسب التقية حتى الأمر بالاحتياط، للزوم كون عملهم على


1 - لاحظ تنقيح المقال 2: 59 / السطر 28. 2 - لاحظ قاموس الرجال 5: 267. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 377، درر الفوائد، المحقق الحائري: 434، نهاية الأفكار 3: 247، تهذيب الاصول 2: 204. (*)

[ 171 ]

خلافه، وهذا مما لا يجوز في تلك الأعصار، فيعلم أن حملها على التقية، غير صحيح قطعا وإن احتمله جل المتأخرين، وهذا من عجيب الأمر، لتوغلهم في إبطال أدلة الاحتياطيين. ومما يورث الإشكال في متن الحديث: أنه بعد عدم كونه تقية قطعا، لا معنى للأمر بالاحتياط، بل عليه بيان الحكم الواقعي بعد ظهور السؤال عن الشبهة الحكمية. اللهم إلا أن يقال: إن قوله " وترتفع فوق الجبل حمرة " يوجب أن الشبهة موضوعية، وإلا فكان أن يسأل عن ارتفاع الحمرة المعهودة، ويعلم من الرواية صدرا وذيلا، اطلاع السائل على أصل المسألة، واختلاف العامة والخاصة، فإذا كانت الشبهة موضوعية، فاللازم هو الانتظار حسب القواعد، فأمر (عليه السلام) به، وزاد عليه: " أن تأخذ بالحائطة لدينك " فإن كان هو ظاهرا في الوجوب، فيفيد القانون الكلي بأن الأخذ بالحائطة للدين - من غير فرق بين ما نحن فيه وغيره - لازم، ففي الشبهات التحريمية بعد الفحص يلزم، فاغتنم. وبالجملة: لولا المناقشة سندا، واضطراب المتن على الوجه المشار إليه، كانت مناقشات القوم مندفعة جدا. نعم، ربما يناقش فيه بظهور قوله (عليه السلام): " أرى لك " في الاستحباب النفسي، ويكون هو الجواب عن شبهته واقعا، وظهور قوله: " وتأخذ " لكونه عطفا على ما سبق في رجحان الاحتياط (1). وغير خفي: أنه ولو كانت شبهة السائل حكمية، يكون الإمام (عليه السلام) قد أجابه في الجملة الاولى عن خصوص المسألة، ولكونها من مصاديق القاعدة الكلية - وهو


1 - لاحظ فرائد الاصول 1: 348 - 349، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 377. (*)

[ 172 ]

رجحان الاحتياط - اشير ثانيا إلى تلك القاعدة، فليتدبر. ومنها: سائر الأخبار الواردة في الاحتياط، ففي " الوسائل " قال: وقال محمد بن علي بن عثمان الكراجكي: قال الصادق (عليه السلام): " لك أن تنظر الحزم، وتأخذ بالحائطة لدينك " (1) وغير خفي ظهوره في الاستحباب. ومن هذا القبيل ما عن الشهيد: " ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط " (2). وما عن " أمالي ابن الشيخ " عن الجعفري قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد فيما قال: يا كميل، أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت " (3). وفي رواية عنوان البصري: " وخذ بالاحتياط في جميع امورك " (4). فتحصل: أن المهم في هذه الطائفة هو الخبر المعتبر الأول، وقد مر اندفاع شبهاته خصوصا، بنفي بعض ما يتوجه إلى أخبار الاحتياط عموما، وقد مرت الإشارة إلى المناقشات فيها، عند التعرض للطائفة الثانية مع حلها بما لا مزيد عليها، فإن توهم لزوم التخصيص ممنوع، فضلا عن الكثير، ولا يكون الكثير مستهجنا، ولا يلزم الاستهجان من ناحية إباء لسانه عن التخصيص فيما نحن فيه رأسا. وتوهم خروج المورد في معتبر عبد الرحمن، غير تام، لأن إطلاقه يشمل الشبهات البدوية قبل الفحص وبعده، وما هو الخارج هي الوجوبية بعد الفحص، لاقبله، فيلزم الاحتياط في التحريمية على الإطلاق. مع أن التزام الأخباريين لا يفيد


1 - وسائل الشيعة 27: 173، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 65. 2 - جامع أحاديث الشيعة 1: 396 أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 29. 3 - الأمالي، الطوسي: 110 / 168، المجلس الرابع، وسائل الشيعة 27: 168 / 46، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12. 4 - وسائل الشيعة 27: 172، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 61. (*)

[ 173 ]

شيئا، لذهاب بعضهم إلى الاحتياط في الوجوبية أيضا، فلا يلزم الخروج، فلابد من حل المشكلة على وجه يقنع الاصولي والأخباري كما لا يخفى، فلا تخلط. حول استلزام أدلة الاحتياط للدور بقي الدور في المسألة، وقد اشير إليه سابقا (1)، إلا أن لتوضيح المرام لا بأس به: وهو أن حجية سائر الطرق والأوامر الطريقية، معناها أنه إذا قام الخبر الواحد على وجوب صلاة الجمعة، تكون حجة المولى تامة عند الإصابة، بمقتضى أدلة حجية خبر الواحد. وفيما نحن فيه، يكون مفاد أدلة الاحتياط وجوب الاحتياط، فإن كان الالتزام بالوجوب النفسي ممكنا، كان إيجابه فيما نحن فيه مما لا بأس به، ولكنك تعلم أنها أوامر ظاهرة في الطريقية، فكيف يعقل تنجيز الواقع بنفس تلك الأوامر، مع أنها ناظرة إلى نفس الاحتياط، لا إلى الشئ الآخر القائم الخبر الحجة عليه، كما في المثال المذكور ؟ ! فلا تنجز للواقع في مورد قيام خبر الواحد عليه، إلا لأجل قيام حجية الخبر الواحد، وفيما نحن فيه نريد إثبات تنجز الواقع بنفس تلك الأخبار، فلابد أولا من تنجزه حتى يتنجز به، وهو دور واضح. وهذا التقريب أحسن مما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره) (2). وبعبارة اخرى: بعد وصول خبر الواحد إلينا القائم على وجوب صلاة الجمعة، يتنجز الواقع به، لأجل الأوامر الطريقية، وفي مورد الاحتياط لم يصل الخبر بالنسبة إلى الواقع، ولا يكفي مجرد الواقع، ولا الخبر غير الواصل تنجزه بالضرورة، فكيف يمكن تنجيز الواقع بنفس تلك الأوامر الطريقية ؟ !


1 - تقدم في الصفحة 141. 2 - نهاية الأفكار 3: 245. (*)

[ 174 ]

أقول: لا شبهة في أنه لا يعتبر تقدم التنجز بمنجز خاص على إيجاب الاحتياط طريقيا، ضرورة أنه لا يكون مجرد وجود الخبر الواصل كافيا لتنجزه، بل يتنجز ذلك بإيجاب العمل بخبر الواحد، فعلى هذا كما يكون في المثال الحكم الواقعي والمرام للمولى، منجزا عند الإصابة، يكون مقتضى أخبار الاحتياط: أن مرام المولى في مورد الشبهة، منجز يستحق العقوبة عليه، وهذا يشبه أن ينادي المولى: " إن في موارد الشبهة يلزم الاحتياط، لأنه لو صادفت الواقع اعاقب عليه ". هذا، وغير خفي: أنه لا نحتاج إلى جواب " الدرر " عن الشبهة (1). مع أن في جوابه الخلل، فإن الخطابات الواقعة في كلمات الرسول والأئمة (عليهم السلام) في مواقف الأحكام الشرعية، جزئيات من الكليات الإلهية، كخطابات تقع في أجوبة النواب العامين عن المسائل الشرعية الجزئية، فلا تخلط. إن قلت: قضية أخبار الاحتياط وجوبه على الإطلاق، ومقتضى استصحاب عدم وجوب المشتبه، وعدم حرمته - بعد اختصاصه بما بعد الفحص - عدم وجود الشبهة والشك تعبدا، فلا تلزم اللغوية في تلك الأخبار، لوجوب الاحتياط قبل الفحص، ولا يلزم وجوب الاحتياط بعد الفحص، لحكومة الاستصحاب عليها. قلت أولا: إن جريان استصحاب عدم الجعل ممنوع عندنا، وتحقيقه في الاستصحاب، وهو عندنا من الواضحات الغنية عن البيان، ويحتاج إلى لفت النظر إلى نكتة مخفية على أصحابنا، فسيمر عليك إن شاء الله تعالى (2). وثانيا: لو كان مجرى الاستصحاب عنوان " عدم الاشتباه " فمقتضى استصحاب عدم الشبهة، حكومته على أخبار الاحتياط، لأن مصبها الشك والشبهة، وأما فيما نحن فيه فلا حكومة له عليها، لأن مفاده - على فرض جريانه - عدم تنجز


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 431. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 175 ]

الواقع، لأنه لا يفيد إلا عدم الجعل، ولازمه عدم تنجزه. هذا مع أن قضية أخبار الاحتياط هو التنجز، ولا شبهة في تقدم معناها، لأن الأمر يؤول في الحقيقة إلى الاستصحاب في مورد الشك والتحير بالنسبة إلى الواقع، وأن العقوبة تكون في موارد الشبهة أم لا، وقضية أخبار الاحتياط وجود العقوبة، حسب كونها حجة خاصة على الواقع، فليتأمل جيدا. فتحصل لحد الآن: تمامية هذه الطائفة لاتكال الأخباريين عليها. حكم التعارض بين أخبار البراءة والاحتياط نعم، بقي شئ: وهو أن النوبة تصل إلى المعارضة والجمع، ولا شبهة في أن من أخبار البراءة والحل ما يختص بالشبهات التحريمية، لقوله (عليه السلام): " حتى تعلم الحرام بعينه " (1) أو قوله: " حتى يرد فيه نهي " (2) مثلا، أو غير ذلك، وعلى هذا يلزم عكس مطلوب الأخباريين، لأخصية هذه الطائفة من أخبار الاحتياط، فيلزم التخصيص للجمع بينهما. اللهم إلا أن يقال: بعدم تمامية هذه الطائفة في محلها دلالة، لاختصاصها بالموضوعية، وسندا كما مر بتفصيل (3). فعلى هذا، تقع المعارضة والمكاذبة، وتصير النسبة بينهما التباين، وتصل النوبة إلى التمييز أو الترجيح. وما قد يقال: إن أخبار البراءة إما مخصصة بالعقل أو الإجماع، أو غير شاملة


1 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - الفقيه 1: 208 / 937، وسائل الشيعة 27: 173، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 67. 3 - تقدم في الصفحة 21 - 38. (*)

[ 176 ]

للشبهات قبل الفحص، والمقرونة بالعلم الإجمالي، ويكفي الاولى وإن كانت شاملة للثانية، وعلى هذا تنقلب النسبة من التباين إلى العموم والخصوص المطلقين، فتصير أخبار البراءة أخص، وتختص أخبار الاحتياط بصورة قبل الفحص من الشبهات الوجوبية والتحريمية (1). غير وجيه، لما لم يثبت عندنا بناء من العقلاء على تقديم ملاحظة نسبة الدليلين على الدليلين الآخرين، إلا إذا كان الجمع لازما عندهم بقول مطلق، والجمع مهما أمكن ليس أولى من الطرح كما تحرر، والتفصيل في محله (2). وما ربما يظهر من العلامة الخراساني (قدس سره) من صراحة أخبار البراءة في مفادها، وظهور أخبار الاحتياط، فتكون الاولى صالحة للقرينية على الثانية (3)، غير معلوم، لأن دليل البراءة ليس قوله: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " حتى يقال بمثله، ضرورة أنه غير نقي سندا، كما عرفت (4)، واشير إليه آنفا وما هو النقي سندا ودلالة ليس نصا في الشبهات الحكمية. بل الطائفة المشار إليها أيضا كذلك، لأن العموم ظاهر من أداة ال‍ " كل " وليست نصا فيه، فلا تخلط. أقول: والذي يظهر لي، أن قضية الصناعة تقدم أخبار الاحتياط على البراءة، لما عرفت في مطاوي روايات البراءة: من أن المرفوع ولو كان حكما واقعيا في موارد الشبهة، يكون ذلك عند عدم وجود الحجة على الواقع، وأخبار الاحتياط حجة ومنجز للواقع، لما عرفت من أن المراد من " العلم " في أخبار البراءة - حتى


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 211، مصباح الاصول 2: 302. 2 - مما يؤسف له أن الكتاب لم يصل إلى مباحث التعادل والترجيح. 3 - كفاية الاصول: 393. 4 - تقدم في الصفحة 21 - 22. (*)

[ 177 ]

في حديث الرفع - هو الحجة (1)، ويلزم بناء على هذا اختصاص أخبار البراءة بالشبهات الموضوعية، وتكون أخبار الاحتياط، حاكمة على أخبار البراءة في مطلق الشبهات الحكمية، وجوبية، وتحريمية. وحيث إن الطائفة كلهم غير عاملين بها، يلزم الإعراض إجماعا عنها. ولا وجه للتفكيك بالعمل بها في الشبهات التحريمية، دون الوجوبية، لعدم وجه صحيح له كما ترى، فلا تصلح هذه الطائفة من هذه الجهة لمقاومة تلك الطائفة. وهذا مما يصدقه الأخباري والاصولي في موارد إجماع الأصحاب - صدرا وذيلا - على عدم الاعتناء بالخبر المعارض، لأن في الأخبار العلاجية، ورد الأمر بطرح تلك الأخبار الشاذة النادرة، و " إن المجمع عليه لا ريب فيه " (2) فلاحظ واغتنم. تذنيب: حول النسبة بين أدلة البراءة والاحتياط لأحد دعوى: أن إطلاق أخبار الاحتياط، مقيد بالإجماع بالنسبة إلى الشبهات الوجوبية بعد الفحص والموضوعية، فلو كان في ناحية أخبار البراءة إطلاق، فأخبار الاحتياط مقيدة لذلك الإطلاق، فتنقلب النسبة المباينة إلى الأعم والأخص. ويتوجه إليه ما مر (3). فالوجه الوحيد في حل المشكلة ما أبدعناه: من أن قضية الصناعة تقديم أخبار الاحتياط في مطلق الشبهات، وحيث إن أخبار الاحتياط مورد الإعراض، ولا معنى لكون الإعراض مخصوصا بإطلاقه، لعدم وجود المقيد الصحيح له، فتبقى


1 - تقدم في الصفحة 21 و 28 - 31 و 38. 2 - الكافي 1: 67 - 68، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 174. (*)

[ 178 ]

روايات البراءة سليمة عن المعارض. ولو وصلت النوبة إلى المكاذبة بتوهم: أن كل واحد من الطائفتين مشهور بين الأصحاب، فكل واحد منهما مطابق للكتاب، إلا أن أخبار البراءة موافقة للعامة حسب الظاهر، فيؤخذ بأخبار الاحتياط، لأن " الرشد في خلافهم ". وأما الترجيح بالمرجحات الخارجية، فلا وضوح لترجيح إحدى الطائفتين على الاخرى. الطائفة الرابعة: المآثير الآمرة بطرح المشتبه وما فيه الريب ففي ذيل رواية " أمالي ابن الشيخ " كما في " جامع الأحاديث " بعد ذكر بعض الامور قال: " فدعوا المشتبهات " (1). وفي رواية: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (2). وفي " كنز الفوائد ": " دع ما يريبك إلى مالا يريبك، فإنك لا تجد فقد شئ تركته لله عزوجل " (3). وفي " الذكرى " قال: وقال الصادق (عليه السلام): " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه " (4). وفي " نهج البلاغة " في خطبة يقول ويقول إلى أن يقول (عليه السلام): " فما اشتبه


1 - الأمالي، الطوسي: 381 / 818، المجلس الثالث عشر، جامع أحاديث الشيعة 1: 399، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 43. 2 - ذكرى الشيعة: 138 / السطر 16. 3 - كنز الفوائد 1: 351. 4 - ذكرى الشيعة: 138 / السطر 16، جامع أحاديث الشيعة 1: 396، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 28. (*)

[ 179 ]

عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه " وفي نسخة: " وجوهه " (1). وفي مرسلة " تحف العقول ": " واحذروا الشبهة، فإنها وضعت للفتنة " (2). وفي رواية مسعدة بن صدقة: " واقتصروا على أمر الله ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به، وردوا العلم إلى أهله " (3)، انتهى. وجميع هذه الأخبار غير نقية سندا، وفي كثير منها رائحة الاستحباب، ولاسيما وأن الخطبة مخصوصة بالولاة، لأنهم في موقف خاص، مع أن النظر ربما كان فيها إلى الجهات السياسية والعطايا التي ينفقها الراشون في دعوة الامراء، لا وجه الحلية والطهارة، وإلا فلا ثالث حتى يكون به أقل الجمع متحققا. وما في " التحف " مربوط ظاهرا بالافتاء كما لا يخفى. نعم، ربما يقال: إن مقبولة عمر بن حنظلة لمكان قوله (عليه السلام): " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " تدل على لزوم ترك كل شئ فيه الريب وطرح الريب، وشرب التتن فيه الريب دون تركه، فيؤخذ بالترك دون الفعل (4). وفي " الدرر " قال: " هي أجنبية عما نحن بصدده، لاختصاصها بموارد معارضة الخبرين، فلا يتم التقريب المذكور " (5). وفيه: أن التعليل يفيد العموم، فلا يختص بمورد خاص. والذي يقتضيه الإنصاف: أن استفادة العموم المذكور ممنوعة، لأن ما في الخبر هو " إن المجمع عليه لا ريب فيه " وأما وجوب الأخذ بكل ما لا ريب فيه،


1 - نهج البلاغة: 417، الرسائل 45، جامع أحاديث الشيعة 1: 396 - 397، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 31. 2 - تحف العقول: 104. 3 - الكافي 5: 70 / 1. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 373. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 435. (*)

[ 180 ]

وطرح ما فيه الريب، فلا يستفاد منه، حتى يكون دليلا على عدم حجية خبر الواحد، لما فيه من الريب تكوينا. هذا مع أن الأخبار العلاجية، ربما تكون في مقام الترجيح بمجرد المرجح الموجود في أحدهما الموجب لخروجهما عن الموازنة، فلا يكون النظر التام إلى الواقع، فاغتنم. ثم إن البحوث التي مرت في ذيل الطوائف السابقة، تجري مع أجوبتها هنا أيضا. الطائفة الخامسة: الروايات المشتملة على أن " لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه " (1) وهي مضافا إلى ضعف إسنادها، ظاهرة في بيان رجحان الاحتياط، وأنه لا يرتكب المشتبهات لما يوشك أن يوقع فيها، ضرورة أنه لا يمكن الاجتناب عن الآثار الوضعية المضرة بالروح أو الجسد ضررا قابلا للجبران، أو غير ممنوع، لأجل المصالح السياسية الكلية، إلا بالاجتناب عن الشبهات، وربما يقع فيها ولو اجتنب، لأن من الممكن كثيرا تبين حرمة الواجب، أو وجوب المحرم، فلا تغفل. جولة إجمالية حول المسألة اعلم: أنه إذا راجعنا مجموع هذه الطوائف، وحاولنا الفحص عن خصوصياتها، والبحث حول الكل، نجد أنه لا يستفاد منها أمرا إلزاميا شرعيا، لاختلاف ألسنة الأخبار الراجعة إلى شئ واحد.


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 399 - 4040، أبواب المقدمات، الباب 8، الحديث 44 و 45. (*)

[ 181 ]

وتوهم: أنه ربما تكون في الواجبات القطعية ألسنة الروايات مختلفة، كما في مثل الصوم والصلاة، غير نافع، لأن وجوبها ضروري، ولا يستكشف من الآثار والأخبار، فلا يضر به اختلاف المآثير، بخلاف الوجوب المشكوك، كما نحن فيه. ثم إن شريعة الإسلام شريعة سهلة سمحة، لها المبادئ المختلفة، وبحسب تلك المبادئ المختلفة تختلف الآثار والأخبار، مثلا من المبادئ ملاحظة سياسة المدن والمنزل، وملاحظة سهولة الأمر على المسلمين، وترغيب الناس في الإسلام، فإذا كان هذا مبدأ فلا يصدر منه إلا " كل شئ حلال " (1) و " كل شئ طاهر " (2) و " رفع... مالا يعلمون " (3) وأمثالها. وحيث إنه شرع يحافظ على مصالح العباد الروحية والجسمية الفردية، ويلاحظ أن الترغيب المذكور ربما يوجب التهتك، فيصدر بمبدئية ذلك أوامر التوقف والاحتياط، وأن " ما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه " (4). فلا تهافت بين هذه الروايات، لاختلاف تلك المبادئ الراجعة إلى سياسة كلية لازمة، وسياسة فردية راجحة، أو لازمة في المجموع، لا بلحاظ الضرر فردا، فإنه إذا كان المولى يجد تجنب جمع ندبا عن الشبهات، فله الأمر الندبي به ولو كان لازما في الجملة، لوصوله إلى مقصوده، فلا تخلط. ثم إنه لا وجه يعتنى به للتفصيل بين الشبهات التحريمية الحكمية


1 - الكافي 6: 339 / 2، وسائل الشيعة 25: 118 - 119، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61. 2 - المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 30، الحديث 4. 3 - الخصال 2: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24. 4 - نهج البلاغة: 417، الرسائل 45. (*)

[ 182 ]

والوجوبية (1)، ضرورة أن اختصاص أخبار البراءة بالموضوعية بلا وجه، واختصاص أخبار الاحتياط كذلك. وتوهم: أن الأوامر الواردة في الوقوف، ظاهرة في الشبهات التحريمية، فعليها يحمل غيرها، غير صحيح، لأنهما من الموجبتين، فلا منع من كون إطلاق أخبار الاحتياط محكم والرجوع إلى الإجماع (2) خروج عن دأب الأخباريين، مع أنه غير تام عندنا أيضا، لأنه إجماع معلل غير تعبدي. إلى هنا تم ما هو الدليل الوحيد للأخباري، وبقيت بعض الوجوه العقلية تحت عنوان " جولة حول حكم العقل ":


1 - وسائل الشيعة 27: 163، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، ذيل الحديث 33، الحدائق الناضرة 1: 43 - 44. 2 - تهذيب الاصول 2: 203. (*)

[ 183 ]

وأما العقل وقبل الخوض في كيفية تحرير الوجه العقلي لوجوب الاحتياط، لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن من المحرر عند الاصوليين، أن العلم الإجمالي يوجب تنجيز المعلوم بالإجمال ولو ارتكب طرفا، أو بقي طرف، أوفني سائر الأطراف، ويقولون ببقاء الأثر وإن لم يكن العلم بعد انعدام الطرف موجودا (1). فعلى هذا، لو علم بأن المولى له التكاليف الإلزامية المختلفة إجمالا، وتبين له طائفة منها، ولم يتبين الاخرى، يكون مقتضى القاعدة لزوم الاحتياط بالنسبة إلى الباقي، لبقاء الأثر. نعم لو تبين في الزمان المتأخر خطأه فلا أثر، لما لا علم. وأما توهم الفرق بين ما إذا علم إجمالا بحرمة أحد الإناءين، ثم انعدم أحدهما، وبين ما إذا علم بوجود الإلزاميات الشرعية، ثم تبينت تلك الإلزاميات بمقدار يحتمل كون المعلوم بالإجمال بمقدارها، فإنه في الأول يبقى الأثر، دون الثاني، لأنه من قبيل تبين كون المحرم من الإناءين الإناء الشرقي (2)، فغير جيد، لأن ما نحن فيه من قبيل ما إذا علم بحرمة أحد الإناءين، ويحتمل حرمة المجموع، ثم بعد ذلك تبين حرمة أحدهما المعين، ويحتمل كون المحرم هو الحرام المحتمل، لا المعلوم، فإن المحرم الواقعي المعلوم، باق على حاله وعلى أثره. وغير خفي: أن للشرع الترخيص في بعض الأطراف، حسبما تحرر في


1 - كفاية الاصول: 409، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 95 - 96، نهاية الأفكار 3: 338 - 341. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 438، مصباح الاصول 2: 305 - 307. (*)

[ 184 ]

محله (1)، فالإشكال على الأخباريين نقضا بالشبهات الموضوعية والوجوبية (2)، في غير محله، لأن مقتضى بعض الوجوه عندهم، جواز الترخيص، ورخصة الشرع فيها. إذا تبينت هذه الوجيزة المحتوية على مقدمات، فللاصولي دعوى العلم الإجمالي تأييدا للأخباريين في الشبهات التحريمية، ولمحمد الأستر ابادي مطلقا: بأن الإسلام طلع وتضمن الإلزاميات التحريمية والإيجابية الواقعية غير المتغيرة باختلاف الطرق والأمارات، والمحفوظة على واقعها الأولي، فمقتضى العلم الإجمالي في ناحية الإلزاميات الإيجابية، منفي مثلا، لأن المقدار المعلوم بالإجمال، موجود في الطرق والأمارات القائمة البالغة، والمحتملات الزائدة مثلا مورد البراءة حسب الاتفاق، لجواز ترخيص الشرع في مثل المقام. وأما في ناحية الإلزاميات التحريمية، فمقتضى العلم الإجمالي، لزوم الاجتناب عن المحتملات والشبهات، ضرورة أن صورة العلم الإجمالي أولا صورة قضية منفصلة مانعة الخلو، لا حقيقية، فإذا وصلت الطرق والأمارات بمقدار المعلوم بالإجمال، يكون الزائد لازم الاجتناب، لاحتمال كون هذا الزائد هو الواصل بتلك الطرق، والمعلوم بالإجمال بعد باق في ناحية المحتملات، ويكون منجزا. فما في كلام الاصوليين: من انحلال العلم حقيقة تارة (3)، أو حكما اخرى، وأن الزائد غير منجز (4)، غير صحيح، ضرورة أن المراد من " الانحلال " إن كان عدم وجود القضية المنفصلة على حالها، فهو حق لا ريب فيه، ويكون الانحلال حقيقيا، لما لا علم تكوينا بالإجمال.


1 - يأتي في الصفحة 319 - 327 و 384 - 390. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 379، نهاية الاصول 2: 580. 3 - فرائد الاصول 1: 354، درر الفوائد، المحقق الحائري: 438، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 378، مصباح الاصول 2: 304 - 306. 4 - كفاية الاصول: 394 - 395، نهاية الأفكار 3: 251 - 252. (*)

[ 185 ]

وإن كان المراد منه انحلال العلم وذهاب أثره، فهو غير جيد كما مر، ضرورة أن من الممكن أن تكون الطرق الواصلة، موجبة لتنجز المحتملات غير المنجزة بالعلم، ويكون المنجز بالعلم باقيا زائدا على مقدار الطرق والاصول المثبتة، ضرورة أن مجرد كون المعلوم بالإجمال، دائرا بين الأقل والأكثر لا يكفي، لكون المعلوم بالإجمال منحصرا فيما هو الواصل بالطرق والأمارات، بعد احتمال كون الواصل بها هو الأكثر المحتمل، فيكون ما يستحق العقوبة عليه باقيا على عهدته. نعم، للشرع الترخيص في الزائد، ومشكلة الترخيص في هذه الموارد، منحلة في مسألة كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري الذي مضى تحقيقه في مباحث الظن (1)، ولولا ترخيصه لكان حكم العقل بقاء أثر العلم حتى في الشبهات الوجوبية، كما اشير إليه، وتكون مقالة الأستر ابادي أيضا مطابقة للقواعد، ولا تجري البراءة العقلية، لوجود البيان، وهو العلم الإجمالي بأثره، لا بوجوده. وأما المناقشة في بقاء الأثر مع ذهاب علته وهو العلم، فقد انحلت في محلها، كما عليه جماعة من الاصوليين، ضرورة اتفاقهم على ممنوعية ارتكاب الإناء الثاني بعد ارتكاب الإناء الأول، مع ذهاب العلم الذي هو السبب للتنجيز، وهكذا في موارد الإكراه والاضطرار والانعدام وغيرها. ومن الغريب توغل الاصوليين فيما هو بحث علمي، وإهمالهم فيما هو المهم بالبحث ! ! فقد توغلوا في أن الانحلال حكمي، أو حقيقي، وأن ميزان الانحلال ماذا (2) ؟ وأهملوا أن بعد الاطلاع على المحرمات الكثيرة في الشرع، فهل هو يوجب تمامية جريان قبح العقاب بلا بيان، أم لا، لتمامية البيان عقلا ؟


1 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 256. 2 - كفاية الاصول: 394 - 395، درر الفوائد، المحقق الحائري: 437 - 439، نهاية الأفكار 3: 248 - 255، نهاية الاصول: 581 - 583. (*)

[ 186 ]

شبهات وتفصيات بقيت بعض شبهات تنتهي إلى تمامية جريان القاعدة بذهاب أثر العلم، فنشير إليها إجمالا: الشبهة الاولى: فرق بين صورتي تقدم العلم، وتأخره عن الاطلاع على المحرمات التي لا تقصر عن المعلوم بالإجمال، فإن تنجزت الواقعيات بالعلم، فلا يستند التنجز بعد ذلك لتلك الطرق، لسبق المنجز، فيكون أثر العلم بعد الاطلاع باقيا، للوجه المذكور. وأما إذا تنجزت الواقعيات بالطرق، ثم توجه المكلف إلى العلم، فلا يؤثر العلم في تنجيز شئ، لأن الواقعيات قد تنجزت بها، والمتنجز لا يتنجز ثانيا، ولا يعقل توارد المنجزين الفعليين على شئ واحد، فبالنسبة إلى المقدار الزائد والأكثر لا يكون البيان تاما، فتجري القاعدة. مثلا: إذا علم بحرمة خمسة مياه بين العشرين، وقام خبر الثقة الحجة على حرمة خمسة منها قبل العلم بتلك الحرمة، لا يؤثر العلم في تنجيز الخمسة، فضلا عن الزائد، لسبق المنجز المحتمل كون المعلوم منطبقا عليه واقعا، فتجري البراءة بالنسبة إلى الزائد. وفيه أولا: يلزم التفصيل، والاصوليون غير ملتزمين به. وثانيا: نمنع فيما نحن فيه تقدم الطرق على ذلك العلم، ضرورة أن العامي غير ملتفت إلى المنجزين، والمجتهد العارف يحصل له العلم قبل تلك الطرق نوعا وعادة. وثالثا: احتمال خطأ الطرق، يورث لزوم الاحتياط بالنسبة إلى المقدار المعلوم، ضرورة أن ما هو المنجز بالعلم هي الخمسة، فيستحق العقوبة بحسب الواقع عليها، فإن علم بإصابة الطرق فلا بأس، وإذا احتمل خطأ الطرق - كما هو

[ 187 ]

الواضح - فلا يكون في مخلص من العقاب بالنسبة إلى الخمسة. ولا دليل شرعا على أن حجية الطرق، في حكم الطريق المصيب، بل الطرق إما معذرة ومنجزة (1)، أو مجعول فيها المحرزية إثباتا، ولا تزيد على العلم (2)، أو تكون حجيتها من باب السببية (3)، وهذا يورث تدارك الفائت، ولا يورث انصراف الشارع عن الواقع. نعم، هنا مسلك رابع: وهو انصراف الشرع في موارد الخطأ عن الواقع (4)، ولكنه فيما نحن فيه غير نافع، ضرورة أنه إذا أصابت الطرق ما هو المحرم فهو، وإلا فلا واقع حتى يعرض عنه الشرع، ويصرف النظر عنه. نعم، فيما إذا قامت على عدم وجوب شئ، ثم كان هو واجبا، أو على عدم حرمة شئ، وكان حراما، كان لما قيل وجه حررناه في بحوث الإجزاء (5)، إلا أن في مباحث الظن جمعنا بين الأحكام الظاهرية والواقعية، بوجه تنحل به مشكلات المسألة، مع حفظ الأحكام الواقعية على حالها الجدية والقطعية (6). هذا مع أن ما هو سبب تنجيز الواقعيات في مفروض البحث، هو العلم الحجة ذاتا عندهم، ولا معنى لانصراف الشرع عن الواقعيات في صورة خطأ العلم، فما في " تهذيب الاصول " جوابا عن مقالة الأخباري هنا (7)، غير صحيح. نعم، بناء على ما تحرر منا: من أن العلم وسائر الطرق على نهج واحد في


1 - كفاية الاصول: 319. 2 - أجود التقريرات 2: 75، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 108. 3 - المستصفى 2: 363، فواتح الرحموت 2: 380، فرائد الاصول 1: 43 - 44. 4 - تهذيب الاصول 2: 68، ولاحظ تحريرات في الاصول 1: 379. 5 - تقدم في الجزء الثاني: 308 - 312. 6 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 257. 7 - تهذيب الاصول 2: 212. (*)

[ 188 ]

الطريقية والحجية (1)، ينفع ما افيد، لو لا ما اشير إليه أولا، فلا تخلط. فعلى هذا، جريان البراءة العقلية ممنوع، لتنجز الخمسة قطعا، وحيث لا علم بالخصوصية، ولا نعلم بإصابة ما قام الطريق عليه خصوصا، يتعين الاحتياط بالنسبة إلى الكل، ومن هنا يتبين وجه فساد ما في كلمات جمع منهم (2). الشبهة الثانية: حيث لا تعين للمعلوم بالإجمال، فيكفي لانحلال العلم الإجمالي واقعا، وعدم تنجيزه بالنسبة إلى الزائد، قيام الطرق على حرمة عدة امور بمقدار المعلوم بالإجمال. وما يقال: " من احتمال كون المعلوم بالإجمال، في المقدار المحتمل الزائد، لأن المفروض هو العلم الإجمالي بنحو القضية المنفصلة المانعة الخلو " غير صحيح، لما لالون لذلك المعلوم حتى لا ينطبق ما قامت الطرق على حرمته على ذلك المعلوم، ويكون باقيا في الزائد، فالانطباق قهري وطبيعي، فلا يبقى بعد ذلك وجه لبقاء أثر العلم (3). أقول أولا: إنه إذا علم بحرمة الخمسة في العشرة، واحتمل الزائد، وقام الطريق على حرمة الخمسة، وكان في الواقع ما هو المحرم سبعة، لا يعقل انطباق الخمسة على ذلك الخمسة القائم عليها الطريق، لأنه من الترجيح بلا مرجح. وثانيا: بعد احتمال الخطأ في الطريق وإن كان لا يبقى العلم الإجمالي، لانتفاء المنفصلة من البين، وانعدام القضية المتقومة بالترديد، لعدم امتياز بين ما قام الطريق على حرمته، وما هو المعلوم، ولكن بعد العلم باستحقاق العقوبة على


1 - تقدم في الجزء الثاني: 301، وفي الجزء السادس: 19 - 40. 2 - كفاية الاصول: 394 - 395، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 378، نهاية الأفكار 3: 249 - 255. 3 - نهاية الدراية 4: 114 - 115، لاحظ تهذيب الاصول 2: 205. (*)

[ 189 ]

الخمسه الواقعية، يشك في التجنب عن تلك الخمسة الواقعية، التي يستحق بحسب العلم العقوبة على فعلها، فلا تجوز البراءة ولا تجري، لأن العقاب على تلك الخمسة عقاب مع البيان، ضرورة أن من الممكن خطأ الطرق، وعدم الإصابة إما مطلقا، أو بالنسبة إلى بعض منها. وقد عرفت: أن حديث جعل الطريق وحجية الأمارات، ليس إلا ما لدى العقلاء بالنسبة إلى قوانينهم ودساتيرهم، وليس في الشريعة أمر بديع وطريق جديد (1)، وقد مر آنفا محتملاتها، فلا تغفل. إن قلت: إن من المحتمل قويا بل من المعلوم، إصابة عدة من الطرق القائمة على حرمة طائفة من الأشياء، وخطأ أقل القليل منها، فيكون الزائد - على تقدير بقاء واحد من الخمسة أو اثنين - من قبيل القليل في الكثير، فيسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، ولو كان الاختلاط موجبا لكونه من القليل في الكثير بعد العلم الإجمالي. مثلا: لو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، ثم اختلطا مع المائة، لا يبقى الأثر، كما لو علم من الأول بنجاسة واحد في المائة، فعلى هذا تجري البراءة، ولا يتم البيان بالنسبة إلى القاعدة العقلية. قلت أولا: نمنع الصغرى، لما لا وجه لدعوى أكثرية الإصابة. وثانيا: لنا أن نمنع كون المقدار المحتمل الباقي، قليلا في الكثير، بعد احتمال عدم انطباق المقدار القائم عليه الطريق بمقدار المعلوم بالإجمال، ضرورة أن التساوي مما لا يكاد يدعى، والمدعي له مكابر جدا، وإنما يوجب الانحلال - عند القائل به - أن المقدار الزائد من المعلوم بالإجمال على المقدار القائم عليه الطريق، يكون من القليل في الكثير غير المانع عندهم من جريان البراءة، فافهم واغتنم. وثالثا: قد تحرر منا في محله: أن قضية القليل في الكثير - حسب القواعد -


1 - تقدم في الجزء السادس: 243 - 253. (*)

[ 190 ]

واحد مع مقتضى الكثير في الكثير، وتفصيله في محله (1). فإلى الآن تبين: أن مقتضى العلم الإجمالي المذكور، تنجيز المحرمات الواقعية، وبقاء أثرها، ولو انتفت القضية الحقيقية من الانفصال والترديد إلى المتيقنات والمشكوكات، وكان الانحلال حقيقيا. نعم، ما نسب إلى الأخباريين: من أن وجه الاحتياط حكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية (2)، ممنوع، لأن ذلك في موارد العلم بالاشتغال بالخاص، والشك في سقوطه، وأما فيما نحن فيه فكل واحد من المحرمات المخصوصة مشكوك الثبوت، ويكون من الشك في الثبوت، لا السقوط. والعلم الإجمالي بالمقدار الكلي يوجب الاحتياط، ولكنه على التقريب المذكور، لا لأجل القاعدة المشار إليها، فلا تخلط. مع أن لنا في تلك القاعدة، مناقشة أشرنا إليها في بعض المقامات (3). فتحصل من جميع ما مر: أن العلم الإجمالي باستحقاق العقوبة على طائفة من الإلزاميات التحريمية، يوجب الاستحقاق واقعا ولو انتفى العلم، ولا مخلص عنه بمجرد قيام الطرق على حرمة طائفة بمقدار المعلوم بالإجمال، بعد احتمال خطأ الطريق تكوينا. ومجرد تعبد الشرع بإلغاء الاحتمال بالنسبة إلى المحرم المعلوم بالتفصيل، لا يورث زوال استحقاق العقوبة على تلك الطائفة، كما لا يكفي مجرد احتمال الانطباق لو فرضنا إمكانه، فلابد من الاجتناب عن الخمسمائة محرم المعلومة بالإجمال مثلا، وهذا مما لا يمكن إلا بالاجتناب عن الكل، لما لا لون لتلك العدة.


1 - يأتي في الصفحة 442 - 443. 2 - فرائد الاصول 1: 353. 3 - يأتي في الصفحة 297. (*)

[ 191 ]

نعم، لو اقتضى الطريق أن ما هو مؤداه، هو المقدار المعلوم، وتكون حجية الطرق معناها اعتبار محرزيتها تعبدا، وإثباتا لما هو المقدار المستحق عليه العقاب، كما لو كان هو الواقع تكوينا، كان لرفع أثر العلم وجه واضح. إلا أن إثبات ذلك غير ممكن، لما لا دليل على ذلك، كما تحرر في محله (1) فتأمل، فما نسب إلى العلامة النائيني في المقام (2) غير تام. الشبهة الثالثة: قضية العلم الإجمالي ممنوعية جريان البراءة العقلية والعقلائية، دون الشرعية، وهي تكفينا. وفيه ما مر: من أن الأظهر من بين المحتملات في أخبار البراءة، هو كون العلم - الذي يكون غاية أو قيدا - هو الحجة والدليل الأعم من العقلي واللفظي، فتكون البراءة النقلية أيضا ممنوعة، لحكم العقل بالاحتياط، وهو الحجة (3). نعم، لا بأس ثبوتا بترخيص الشرع عندنا حتى في جميع الأطراف، كما مر ويأتي في الاشتغال (4)، إلا أنه يمكن دعوى: أنه لم يثبت الترخيص إلا في موارد عدم قيام الحجة الأعم من النقلية والعقلية. الشبهة الرابعة: ربما يوجد في بعض التعاليق، أن التنجيز المستند إلى العلم الإجمالي من الأول، لا يبقى بعد قيام المنجز على حرمة الكذب مثلا بعنوانه، ضرورة أن الخاص بما هو خاص، ليس متنجزا بذلك العلم، بل هو يتنجز بالطريق القائم عليه، فعلى هذا لا وجه لاستناد تنجز الواقعيات إليه، حتى يقال بالاحتياط فيما وراء الطرق.


1 - تقدم في الجزء السادس: 268. 2 - أجود التقريرات 2: 192 - 193. 3 - تقدم في الصفحة 177. 4 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 186، ويأتي في الصفحة 320 - 324. (*)

[ 192 ]

هذا ملخص ما أردنا من كلامه ولو كان كلامه في موقف آخر (1). وسيمر عليك إن شاء الله: أن العلم الإجمالي منجز الخاص، لأن الإهمال الثبوتي ممتنع، والطريق إن أخطأ فلا أثر له، وإن أصاب فلا ينجز شيئا، لأن المتنجز لا يتنجز ثانيا، فافهم واغتنم. فذلكة البحث: في لزوم الاحتياط عقلا إن العلم الإجمالي بالإلزاميات التحريمية في الشريعة المقدسة، يوجب تنجزها، وحيث لا سبيل إلى تعيين تلك المحرمات، لا بد من الاحتياط في موارد الشبهات. وقيام الطرق على حرمة طائفة من الأفعال وعدمه، على حد سواء، لأنها إن أخطأت فهو بلا أثر، وإن أصابت يكون ذلك المؤدى المحرم، منجزا بذلك العلم السابق قهرا وطبعا، فلا يعقل أن يتنجز ثانيا شئ به، لأن احتمال الزيادة وإن كان موجودا، ولكنه مجرد احتمال، فلا يثبت تنجيز شئ بذلك الطريق، بعد احتمال كون المقدار المعلوم موافقا للواقع أو أكثر، فلا يترتب على قيام الطرق شئ إلا احتمالا، لا واقعا، حتى في صورة الإصابة، فاستناد التنجيز إليه ممنوع، بخلاف الاستناد إلى العلم، فإنه معلوم. وأما توهم: أن الخصوصية مستندة إلى الطريق، دون العلم، فيكون في مورد قيام الطريق المصيب، توارد منجزين، أحدهما: ينجز الحرمة، وثانيهما: ينجز حرمة الكذب، والرياء، وهكذا (2). ففيه: - مضافا إلى أنه لا أثر له في سلب أثر العلم، ولا منع من تواردهما إذا


1 - نهاية الدراية 4: 118 - 119. 2 - لاحظ نهاية الدراية 4: 120 - 121. (*)

[ 193 ]

كانت الخصوصية الثابتة ذات أثر خاص - أن ما هو المتنجز بالعلم هو الخاص أيضا، وذلك لأن المعلوم بالإجمال ولو كان غير متعين وغير متميز بالنسبة إلى مرحلة العلم والإثبات، إلا أن في صورة كون الواقع بمقدار المعلوم، يتنجز الخاص قطعا، لامتناع الإهمال الثبوتي. مثلا: لو علم أن في العشرة خمسة محرمة بالحرمة الغصبية، ولكنه يعلم بأصل الحرمة من الخمسة، فإنه يتنجز حرمة الغصب واقعا، وهي الحرمة الخاصة وإن لم يعلم بالخصوصية، ضرورة أن العلم متعلق بالواقع بالعرض، والواقع يتنجز بالعرض، وهو المحرم الغصبي بالضرورة. هذا فيما إذا كان الواقع والمقدار المعلوم متساويين، وهكذا إذا كان الواقع أقل. وأما إذا كان الواقع أكثر، فمقتضى تنجيز العلم جميع الأطراف، كون تلك الزيادة الخاصة أيضا - لأجل الإجمال في العلم - منجزة خصوصا. وبعبارة اخرى: بين المعلوم بالإجمال والواقع صور ثلاث: كونهما متساويين، كون الواقع أقل، وبالعكس، ففي الصورتين الاوليين لا يستند التنجز إلى الطرق، إلا أن العلم الإجمالي ينحل لولا الإشكال الذي مر، وفي الصورة الثالثة يتنجز المعلوم والمقدار الزائد، لإمكان انطباقه عليه، فتكون جميع الواقعيات منجزة ولو كان طائفة منها مورد الاحتمال، وخارجة عن مورد العلم وطرفه. ولو لم تكن جميع الواقعيات المعلومة والزائد عليها، منجزة وموجبة لاستحقاق العقوبة، لكان في ترك العبد جميعها أمن من العقوبة، لأن الشرع لا يعاقب إلا على ارتكاب الكذب المحرم، والغيبة المحرمة وهكذا، فيعاقب على الخواص، لما لا يعقل جعل الحرمة المهملة ثبوتا، فيكون العقاب على ارتكاب الخاص، وإذا كان المقدار المعلوم موجبا للاستحقاق، ولم يطلع العبد على الطرق،

[ 194 ]

وارتكب الكل، يلزم امتناع عقابه على المولى، لما لا تتم حجة المولى على الخاص، وما هو التام عليه حجة غير مجعولة، وهي الحرمة المجملة. وحيث نجد درك العقل صحة عقوبة العبد على ارتكاب الكذب وشرب الخمر وهكذا، فيعلم منه تنجز الخاص، ولازم ذلك تنجز المقدار الزائد لو كان لانطباق المعلوم عليه طبعا على البدلية، لما لا مميز له في مرحلة الإثبات، فيكون موجبا نفس هذا الإجمال، لاستحقاق العبد بالنسبة إلى الزائد، فاغتنم وتدبر، فإنه جدير به. وعندئذ لا معنى لانحلال العلم الإجمالي بعد قيام الطرق على المقدار المعلوم، لا واقعا، ولا حكما. ثم إنه قبل الإشارة إلى حل المعضلة المذكورة، نشير إلى نكتة: وهي أن اختلاف الأعلام (رحمهم الله) في أن الانحلال في المسألة - على تقدير وجوده - واقعي، أو حكمي (1)، غير راجع إلى محصل عندنا، وذلك لأن المراد من " الانحلال " إن كان زوال القضية الترديدية - أي المنفصلة - إلى القضية البتية القطعية، والقضية المشكوك فيها، فهو حاصل بالضرورة، ولا يجوز لأحد إنكاره بعد ما لم يكن مميز بين المعلوم بالإجمال وما قام عليه الطريق. مثلا: إذا علم بأن أحد الإناءين محرم، وقام الطريق على حرمة أحدهما، لا يبقى الإجمال، لانعدام القضية المنفصلة، بخلاف ما إذا كان المعلوم حرمة أحد الإناءين حرمة غصبية، وقام الطريق على حرمة أحدهما المعين حرمة خمرية، فإن الترديد بعد باق، والانحلال بلا وجه، إلا أنه يجوز دعوى انحلاله الحكمي. وإن كان المراد من " الانحلال " فيما نحن فيه ذهاب الأثر، فهو غير صحيح،


1 - كفاية الاصول: 394 - 395، نهاية الأفكار 3: 248 - 255، تهذيب الاصول 2: 205 - 212. (*)

[ 195 ]

لما اشير إليه آنفا، وتبين بما لا مزيد عليه. والذي هو الحق: أن الانحلال بحسب التصور العلمي ثلاثة: انحلال تكويني، وحقيقي، وحكمي، والتفصيل يطلب من محله إن شاء الله تعالى. الإيراد على وجوب الاحتياط هذا غاية ما في الباب على خلاف الاصوليين من الأصحاب. ويتوجه إلى وجوب الاحتياط امور: أحدها: ما مر من إمكان تصديق عدم جريان البراءتين: العقلية، والعقلائية، لتمامية البيان عند العقل والعقلاء، دون البراءة الشرعية. وذلك لأن أدلة البراءة وإن كانت بعضها غير جارية ذاتا في أطراف العلم الإجمالي - مثل حديث الحجب وأشباهه (1)، نظرا إلى أن الحجة مقصودة من " العلم " فيها، والحجة أعم من البيان العقلي والشرعي، كما مر مرارا (2) - ولكن بعضها لا يأبى عن الجريان في أطراف العلم، كحديث الرفع (3)، و " كل شئ حلال... " (4) بناء على جريانه في الحكمية، وذلك لأن " العلم " المأخوذ فيها مسند إلى المكلفين، ولا يصلح حمله على الحجة. مثلا: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " رفع... " كذا " وما لا يعلمون " أو قوله (عليه السلام): " حتى تعلم... " لا يتحمل ذلك، لما لا معنى له إلا بالتصرف في الهيئة، فيكون هكذا: " رفع ما لا تقوم عليه الحجة " أو " رفع ما لم يكن لديك عليه الحجة " وإلا فتفسيره بأنه


1 - تقدم في الصفحة 17 و 31. 2 - تقدم في الصفحة 28 و 177 و 191. 3 - تقدم في الصفحة 40 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 26 - 30. (*)

[ 196 ]

رفع ما لا يحتجون عليه، أمر بعيد عن المتفاهم من الأدلة جدا. فإذا لم يكن منع ذاتا عن جريانها في أطراف العلم الإجمالي، ضرورة أن كل واحد من الأطراف مما لا يعلمونه، كما سيظهر تحقيقه في مباحث الاشتغال (1)، فلا بأس بجريانه في سائر موارد الشبهة، ضرورة أنا نعلم قطعا: بأن في موارد قيام الطرق والأمارات، لا تجري البراءه الشرعية، فلا يلزم مخالفة عملية للعلم، وقد مر إمكان ترخيص الشرع في الزائد (2)، كما هو المفروغ عنه في الشبهات الوجوبية. ثانيها: لنا أن نختار في المثال الأخير، أن العبد المخالف للعلم الإجمالي المذكور، من غير أن يطلع على أحد من الأدلة المثبتة للتكليف التحريمي، لا يجوز عقابه على شئ من المعلوم بالإجمال، لأنه فيما إذا كان الواقع أكثر من المعلوم بالإجمال، وكان عقاب كل واحد من المعلوم بالإجمال، عقابا خاصا مباينا للآخر، لا يمكن أن يعاقب على المقدار المعلوم، لما لا تميز في البين، فلا بد من أن يعاقب على المعلوم والزائد عليه، لأنه صار - حسبما مر - منجزا بذلك العلم، وهو من الظلم عند العقل، فلا يكون مثل هذا العلم، منجزا وموجبا لاستحقاقه عند المولى العادل، أو لا يعاقب، للترجيح بلا مرجح، وإن كان يستحق على المقدار المعلوم، إلا أنه لمكان لا معلوميته الخاصة، لا يمكن عقابه، وهذا هو المطلوب في المقام. بل لا يمكن المؤاخذة على شئ من المقدار المعلوم ولو كان العقاب على نعت الأقل والأكثر، لأن اختيار أحد المحرمات للسؤال ترجيح بلا مرجح، للزوم جواز السؤال عن الزائد على المقدار المعلوم، وهو من الظلم الممنوع. إن قلت: يكفي لتنجيز ذلك العلم احتمال التساوي، وهكذا احتمال كون الواقع أقل. قلت: بل احتمال الزيادة يضر بذلك.


1 - يأتي في الصفحة 320 - 324. 2 - تقدم في الصفحة 185. (*)

[ 197 ]

ودعوي: أن مقتضى ما اشير إليه - من استحقاقه على المقدار المعلوم، ولكن يمتنع عقابه على المولى العادل - أن العقل يحكم بالتنجيز، لكفاية لزوم الاستحقاق على المقدار المعلوم في تنجيزه، بعد وجوب كسب المؤمن على الاحتمالين الأولين، غير تامة وإن ذكرناها آنفا، وذلك لأن الاستحقاق على المقدار المعلوم إذا كان الواقع زائدا ممنوع، لما لا يمكن تعيين ما يستحق عليه، فاغتنم. ثالثها: أن مجرد العلم الإجمالي بمقدار مبغوض في الإسلام، غير كاف، لإمكان أن لا يكون المبغوض مورد النهي، نظرا إلى مصلحة التسهيل، وعدم وجود شرط الإجراء والتبليغ، فما هو المبغوض للمولى وإن كان واجبا اجتنابه، إلا أن في مرحلة الثبوت يجوز اختلاف أقسام المبغوض، وفي موارد الشك في النوع الخاص منه، أيضا لا يؤثر العلم، ومدعي العلم الإجمالي لا يدعي العلم بالمبغوض، كما هو الواضح. وأما العلم الإجمالي بوجود تكاليف تحريمية فالحق: أنه إن كان المقدار المعلوم في الطرق الواصلة، فيكون منجزا، كما هو رأي الاصولي بالضرورة. وأما العلم الإجمالي بوجود التكاليف الأعم من الواصلة وغير الواصلة، فلا يصلح للتنجيز، ضرورة أن حقيقة التكليف والبعث لأجل إيجاد الداعي، أو للبعث نحو المادة، وإذا لم يكن واصلا إلى المكلفين في عصرنا، وغير واصل إلى عصر الظهور، لا يعقل فعليته، وما لا فعلية له لاتبعة له، وما لا تبعة له لا يكون العلم الإجمالي مفيدا ومؤثرا بالضرورة. وبالجملة: مجرد إبلاغ الحكم بتوسط الرسول الأعظم وتحريم شئ، غير كاف لبقاء الحرمة أبدا، بل الحرمة تزول عند انعدام الدليل، لما لا يعقل بقاء الإرادة الجدية الباعثة مع عدم إمكان الانبعاث دائما، فعلى هذا لا يؤثر العلم المذكور حتى

[ 198 ]

نحتاج إلى حله حقيقة أو حكما، وقد عرفت منع الانحلال على الإطلاق. إن قلت: الشبهات التحريمية كما تنشأ عن فقد النص، تنشأ عن إجماله، فإن كان من قبيل الأول فالأمر كما تحرر، وأما إن كان من قبيل الثاني، وكان جماعة من المكلفين معتقدين بعدم إجماله، فتجوز فعلية التكليف، حسبما تحرر من قانونية التكاليف الإلهية، وليست هي شخصية، كما تبين تحقيقه في محله (1)، وإذا جازت فعليتها بالنسبة إلى الكل، يكون العلم الإجمالي مؤثرا، ولازم ذلك هو التفصيل بين الشبهات التحريمية حسب اختلاف مناشئها. قلت أولا: إنه مجرد إدعاء. وثانيا: هو قليل جدا في قبال الشبهات، وقد اتفق الأخباريون والاصوليون على جريان البراءة في هذه الصورة، مع أن السيرة القطعية على الجريان، ولو كان مقتضى التحقيق تنجيز العلم في موارد القليل في الكثير، فليتدبر. لا يقال: يكفي لبقاء فعلية جميع التكاليف التي صدرت عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) - ولو انمحت بعد ذلك على الإطلاق - وجود هذا العلم الموجب للاحتياط، ويكفي هذا أثرا لبقاء الإرادة الجدية الفعلية الزاجرة. لأنا نقول: الأمر وإن كان كذلك، إلا أن المتعارف في باب الأمر والنهي، هو إيجاد الداعي، أو الباعثية والزاجرية، وأما مجرد كونه لأجل الغرض الآخر، فهو بعيد ذاتا فليتأمل، ويكفي على هذا جريان البراءة الشرعية، كما عرفت. ولذلك يمكن دعوى: أن العلم الإجمالي بوجود المبغوضات المبرزة، أيضا موجود ومؤثر، لأن تلك النواهي المضمحلة الفانية غير الواصلة، مبرزة للمبغوضية التي يجب عقلا الاجتناب عنها كما لا يخفى، وعلى هذا لا يتم هذا الجواب ظاهرا.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455، وفي الجزء السادس: 250 - 252. (*)

[ 199 ]

رابعها: ذهب الاصوليون إلى البراءة، والأخباريون إلى الاحتياط مطلقا، ومقتضى ما يستفاد منهم قولهم بالبراءة لو ثبت في الشرع جريان البراءة في الشبهات التحريمية إجمالا، فيحصل الإجماع المركب بالنسبة إلى سائر الموارد، وذلك لأن في موارد لزوم الحرج والمرج والاختلال، لا يجب الاحتياط بالضرورة فتأمل، وهذا هو وجه التجزي في الاحتياط، ومنه يعلم وجه المناقشة فيه، فافهم. تذنيب: حول أصالة الحظر ربما يتوهم أصالة الحظر (1)، ومن الغريب توهم أن قوله تعالى: * (خلق لكم ما في الارض جميعا) * (2) يمنع ذلك، كما في كلام العلامة النائيني (3) وغيره (4)، غفلة عن أن الآية لا تدل على أن الأشياء مخلوقة للناس بحسب مختلف الآثار والمنافع، أي تكون الآية ذات إطلاق أفرادي، لا أحوالي، فخلق الكلب لنا مثلا كون جميع منافعه لنا، فهو خارج عنها، وهكذا. وغاية ما يقال تقريبا لأصالة الحظر: هي مالكيته تعالى المانعة عن جواز التصرف (5). وفيه: أنها ليست تلك المالكية المرهون جواز التصرف فيها على طيب المالك، والله العالم. وإن شئت قلت: هذه الآية تشبه ما اشتهر: من أني " خلقت الأشياء لأجلك،


1 - عدة الاصول: 296 / السطر 8 - 10. 2 - البقرة (2): 29. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 379. 4 - تهذيب الاصول 2: 213. 5 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 49، نهاية الاصول 2: 570. (*)

[ 200 ]

وخلقتك لأجلي " (1) فتكون أجنبية عن مسألة التشريع، كما حررناه في " تفسيرنا الكبير " (2). ويحتمل أن يكون * (جميعا) * حالا من ضمير الخطاب، أي للمجموع، فلو كان كذلك يلزم اعتبار رضا المجموع في تصرف كل واحد. ولو كانت الآية مرتبطة بمسألتنا، للزمت التخصيصات الكثيرة بعدد المحرمات، والتقييدات غير العديدة بعدد المكروهات، ضرورة أنها بصدد الترغيب في رجحان التصرف، وهو ينافي الكراهة. وإرجاع التخصيصات الكثيرة إلى الواحد غير صحيح، لأنه ليس بيدنا، وإلا يلزم أن لا يوجد مورد تكون فيه التخصيصات الكثيرة، كما لا يخفى. وبعد ذلك كله التفت إلى أن في " تهذيب الاصول " (3) استدل بها وبقوله تعالى: * (والارض وضعها للانام) * (4). ولعمري، إنه من المؤلف، لما نجد من الاستدلال بهما في تفسير الفخر (5) وغيره (6)، فالجواب ما اشير إليه، واتفاق المنتحلين للديانات، فلا حاجة إلى الترخيص، وإلا فالملكية الاعتبارية له تعالى مما لا بأس بها، لقوله تعالى: * (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله...) * (7) ولا نريد من هذه الملكية إلا المنع


1 - علم اليقين 1: 381. 2 - تفسير القرآن الكريم 4: 153 - 155. 3 - تهذيب الاصول 2: 213. 4 - الرحمن (55): 10. 5 - التفسير الكبير، الفخر الرازي 2: 153 - 154. 6 - الكشاف 1: 123. 7 - الأنفال (8): 41. (*)

[ 201 ]

عن التصرف إلا بالطيب مثلا. ولكن عرفت: أنه لولا تحريم الشرع للتصرف، لما كان العقل يمنع عن التصرف فيما نحن فيه بالضرورة، ولا يدرك اعتبار طيب المالك في جواز التصرف، والأدلة الشرعية لا تفي لاعتباره في المقام، كما لا يخفى.

[ 202 ]

وهنا تنبيهات: التنبيه الأول في حدود جريان البراءة لا شبهة في جريان البراءة في الجملة في الشبهات التحريمية والوجوبية، وستمر عليك مسألة دوران الأمر بين الواجب والحرام إن شاء الله تعالى (1)، ولا شبهة في عدم الفرق بين كون المنشأ لها فقد النص، أو إجماله. نعم، في موارد تعارض النصين والأدلة، لا تجري البراءة، لمكان الأمر بالتخيير، فما في كلام القوم هنا من الإطلاق، محمول على ما هو مقتضى القاعدة عندهم، والتنجيز على خلافها كما هوالواضح. ثم إنه أيضا غير خفي: أن مقتضى ما مر في الجواب الثالث (2)، عدم الحاجة إلى البراءة، لعدم بقاء الشبهة في موارد فقد النص، لامتناع بقاء التكليف غير الواصل إلى أحد، فلا حاجة إلى الأصل المذكور، فتدبر وتأمل. هذا، وأما الشبهة الموضوعية، فقد مر الكلام حول جريان البراءة العقلية حولها (3)، وعرفت أنه تجري البراءة فيها في الجملة، إلا أن الشبهات الموضوعية


1 - يأتي في الصفحة 276 - 284. 2 - تقدم في الصفحة 197. 3 - تقدم في الصفحة 135 - 137. (*)

[ 203 ]

على أصناف، نشير إليها في التنبيه الآتي إن شاء الله تعالى. التنبيه الثاني في صور الشك في الشبهات الموضوعية وأحكامها مما ليس ينبغي إخفاؤه: أن البحث عن شقوق الشبهات الموضوعية للتكاليف النفسية، مخصوص بذيل مسألة الشك في التكليف. والبحث عن شقوق الشبهات الموضوعية للتكاليف الغيرية والضمنية والأقل والأكثر، مخصوص بذيل بحث الشك في المكلف به، فما صنعه جمع منهم من الجمع، في غير محله، والأمر سهل. ثم إن جريان البراءة في الجملة في الشبهات الموضوعية على إجمالها، مورد الاتفاق بين الاصوليين والأخباريين. وإنما الخلاف في جريان مطلق البراءة في مطلق الشبهات، وقد مر منع جريان البراءة العقلية في الموضوعية عن السيد الاستاذ الفقيه البروجردي (قدس سره) وما يرتبط به في أوائل هذه المسألة بما لا مزيد عليه (1)، والمعروف جريانها على الإطلاق في بعض صور الشك في الموضوع، فلابد من النظر حول صور الشك في الموضوع حتى يتبين حقيقة الأمر. اعلم: أن الشك تارة: في الشبهات التحريمية، واخرى: في الوجوبية. وعلى كل تقدير: فمتعلق كل من الأمر والنهي بحسب التصور، إما صرف


1 - تقدم في الصفحة 135 - 137. (*)

[ 204 ]

الوجود، ومقابله وهو العدم المطلق، أو نفس الطبيعة، أو العام المجموعي، أو العام الاستغراقي والوجود الساري. وقبل الخوض فيما هو حق التفصيل في المسألة، نشير إلى نكتة: وهي أنه قد اشتهر في كلمات القوم " أن متعلق الأمر تارة: يكون الوجود الساري، واخرى: صرف الوجود، وفي مقابله العدم المطلق " (1). وهذا بحسب التحقيق، أمر لا محصل له عند من له التحصيل في بعض العلوم العالية، ضرورة أن الوجود - سواء اريد به مفهومه، أو حقيقته التي هي عين الخارجية - لا يعقل أن يتعلق به الأمر أو النهي إلا بتسامح وتساهل، ضرورة أن ما هو الخارجي منه، لا يمكن أن يتعلق به الأمر والنهي كما هو الظاهر. وأما مفهوم " الوجود " فهو أمر لا يعقل أن يصير خارجيا، لأن موطن المفاهيم هي الأذهان، بخلاف الماهيات، فإنها ذهنية، وخارجية بالغير، وخالية عنهما حسب رتبة الذات، وفيما إذا ورد الأمر بإيجاد الضرب، أو الإكرام، أو ورد النهي عن إيجاد الشرب، فهو في الحقيقة ليس إلا أمرا بالضرب وبعثا نحوه، أو زجرا عن الشرب، حتى لا يصير الاختلاف في أصالة الوجود والماهية، موجبا للاختلاف في إمكان الامتثال وامتناعه، ضرورة أن نفس الطبيعة عند الفرق تكون صالحة للخارجية، إلا أن اختلافهم في أمر أجنبي عن مسألة الأمر والنهي. وبالجملة: في موارد تعلق الأمر أو النهي بمفهوم من المفاهيم، فهو باعتبار منشئه وهي الماهية الأصلية، أو الاعتبارية، دون نفس المفهوم الذي موطنه الفهم والذهن والمدرك.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 451، نهاية الأفكار 3: 264، أنوار الهداية 2: 139. (*)

[ 205 ]

الصورة الاولى: أن يتعلق الأمر أو النهي بنفس الطبيعة، فهل في الشبهة الموضوعية يجب الاحتياط، أم لا ؟ وجهان، بل قولان. وقد صرح في " الدرر " بالاشتغال بتقريب منا: وهو أن قضية الأمر ليست إلا وجوب نفس الطبيعة، فلا يجوز الاكتفاء بالامتثال في الشبهة الموضوعية، فلا تجري البراءة، وإذا امتثل فلا يبقى الأمر بالضرورة، فلا حاجة إلى البراءة بعد الإتيان بالفرد المعلوم، كما ترى. وذلك نظير ما ورد من الأمر بإطعام مسكين، أو في مورد النذر في الشبهة الوجوبية. وأما في الشبهة التحريمية فاختار الاحتياط، نظرا إلى أن مقتضى النهي، لزوم إبقاء العدم المطلق، وإذا شك فلابد من الاحتياط، لاحتمال العصيان والخروج عما هو وظيفته، ويكون من الشك في الامتثال اللازم عليه بإبقاء العدم. وإن شئت قلت: ترك الطبيعة بترك جميع الأفراد، ولابد من العلم بترك جميع الأفراد حتى يعلم بترك الطبيعة، لأن المفروض اشتغال ذمته بما يقابل صرف الوجود (1)، انتهى ملخص ما فيه. وما في " الدرر " من لزوم الاحتياط في الشبهات الوجوبية (2) أيضا، في غير محله، لأن البراءة تجري في موارد الشك، إلا أنه لا يجوز الاكتفاء بمورد الشك بالضرورة، والأمر سهل. وغير خفي: أن المستفاد من صيغة الأمر، ليس إلا البعث، ومن صيغة النهي إلا


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 451 - 453. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 206 ]

الزجر عن الطبيعة، بوجه لا مزيد عليه في محله (1)، ولا تشتغل الذمة بشئ يعبر عنه ب‍ " العدم المطلق، وترك الطبيعة " من غير فرق بين تخيل كون الاشتغال مدلولا التزاميا، أو مطابقيا، على خلاف فيه، وإلا يلزم الحاجة إلى القول: بأن استحقاق العقوبة على العصيان، لأجل التخلف عن درك عقلي، لاعن حكم شرعي، فإنه لو كانت الذمة مشغولة، فالعقل يدرك فراغه واستحقاق العقوبة على ترك الفراغ، وهذا بالضرورة بعيد عن الواقع. مع أن النهي وصيغته قائمان مقام الزجر التكويني الحاصل من الإشارة، فلا يوجب اعتبار شئ في الذمة، فالقول بالبراءة متعين. بقي بحث: حول الاستدلال بأن ترك الطبيعة بترك جميع الأفراد ربما يستدل على الاشتغال: بأن ترك الطبيعة بترك جميع الأفراد (2). واجيب: " بأن ترك الطبيعة كإيجاد الطبيعة، وكما أن إيجادها بإيجاد المهملة، كذلك في ناحية الترك، ولا معنى لما اشتهر: " من أن ترك الطبيعة بترك المطلقة " ولو كان هذا قاعدة يستدل بها في الكتب العقلية، فهي عقلائية، لا عقلية صرفة، ضرورة أن الطبيعي تمام حقيقة الإنسان، فبوجوده يوجد تمام الطبيعة، وبعدمه ينعدم تمام الطبيعة " هذا ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (3). أقول أولا: لو كان الأمر كما تحرر، للزم في موارد النهي عن نفس الطبيعة، كفاية تركها في زمان ما، لأن عدمها عدم تلك الطبيعة، ولا فرق بين إعدام الطبيعة الموجودة، وبين سد وجودها بإطالة العدم المطلق، فإيجاد متعلق الأمر بنفس


1 - تقدم في الجزء الثاني: 83، وفي الجزء الرابع: 92. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 451. 3 - تهذيب الاصول 1: 373 - 374. (*)

[ 207 ]

الطبيعة امتثال للأمر، وإدامة العدم المطلق امتثال للنهي، وهذا مما لا يصدقه العقل، ولا العرف، فترك الطبيعة بترك جميع الأفراد، وبترك إيجادها على الإطلاق، لا على الإهمال. وثانيا: وهو حل المشكلة، أن في موارد إعدام الطبيعة الموجودة، إعدام لتمام الطبيعة بالضرورة، وأما في موارد النهي عن الطبيعة، فمتعلق النهي ليس الأفراد بالضرورة، لما لافرد إلا بعد كونها في الخارج. وحديث الفرض (1) مجرد تخيل باطل. وليس أيضا متعلقه المهملة بما هي مهملة، أي بوصف الإهمال، وهكذا المطلقة بما هي مطلقة، إلا أنه بعد تعلق النهي يعتبر الإطلاق، ومعناه الزجر عن الطبيعة على الإطلاق، بحسب الآنات والأزمان من غير ملاحظة كثرة في جانبها. فهذه الطبيعة التي انعدامها بانعدام جميع الأفراد، هي الطبيعة التي ليست لها الأفراد، واريد الزجر عن خارجيتها، والطبيعة التي تنعدم بانعدام فرد ما، هي الطبيعة والماهية التي لها الأفراد، أو الفرد في الخارج، فتكون متكثرة بالفعل. فبينهما فرق، فإن متعلق الأمر والنهي هي القابلة للصدق على الكثير، وما هو مأخوذ في القاعدة هي الخارجية المتحققة التي يعرضها العدم بعد عروض الوجود، فالخلط بين المعنيين أوجب المناقشة في المسألة، والأمر سهل. الصورة الثانية: أن يتعلق الأمر أو النهي بالعموم الاستغراقي، فتكون هناك قضايا حكمية وأحكام كثيرة، فإن الحق جريان البراءة بأقسامها في الشبهات التحريمية


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 396. (*)

[ 208 ]

والوجوبية، ولا خلاف فيه إلا ما أشرنا إليه: من إنكار الفقيه الاستاذ (رحمه الله) جريان البراءة العقلية، وقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه (1). الصورة الثالثة: أن يكون متعلق الأمر أو النهي العام المجموعي، كالنافلة في الليل، أو نافلة الظهر والعصر في موارد النذر، أو كالصوم في شهر رمضان، أو في موارد الكفارة، بناء على كون المأمور به عنوانا وحدانيا ك‍ " مجموع الصيام من الأشهر الكذائية " أو فيما إذا ورد النهي عن إكرام مجموع الكفار، أو المعاشرة مع مجموع المحاربين، ففي موارد الشبهات الموضوعية من الوجوبية قولان: من البراءة، لأنه يشبه الأقل والأكثر (2). والاشتغال، لأنه يشبه المحصل والمحصل (3). والذي هو الميزان ليس التشابه مع المسألتين، بل المدار على أن متعلق الأمر: تارة: يكون طبيعة ذات عرض عريض، وعنوانا يطرأ عليه عنوان الصحيح والفاسد. واخرى: يكون من العناوين الدائرة بين الوجود والعدم. فما كان من قبيل الأول، تجري فيه البراءة، لما لا يرجع الشك في شئ منه إلى الشك في تحقق العنوان. وما كان من قبيل الثاني، يلزم فيه الاحتياط، لرجوع الشك في علم زيد إلى الشك في تحقق إكرام مجموع العلماء، أو إلى تحقق كفارة شهرين متتابعين، وهكذا.


1 - تقدم في الصفحة 135 - 137. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 200 - 203. 3 - فرائد الاصول 2: 478، تهذيب الاصول 2: 356. (*)

[ 209 ]

وأما في مثل الدار، والصلاة، والحج، وغير ذلك مما لها العرض العريض في الصدق والتحقق، فالبراءة قطعية، وتفصيل المسألة من جهة الأقل والأكثر في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى (1). وفيما نحن فيه، فإن كان العنوان الاتخاذي من العام المجموعي، من قبيل بعض الأمثلة الماضية، فالاحتياط متعين، كما في " الدرر " (2) و " التهذيب " (3) وذلك لأن إكرام طائفة من العلماء، وترك بعضهم المعلوم، يضر بالصدق، بخلاف ترك بعض الصلاة عمدا، فإنه لا يضر بصدقها، ولذلك قيل: " لولا الإجمال كان لجريان قاعدة: " لا تعاد... " في الترك العمدي وجه " وإن كان غير وجيه عندي من جهات اخر، فإذا كان الترك العمدي غير مضر بالصدق، فالترك المشكوك أولى به، فعدم جريان البراءة قطعي. وأما إذا فرض العام المجموعي ذا عرض عريض، بأن يكون لمفهوم المجموع مثلا سعة في الصدق، فترك فرد من العلماء المعلوم، جائز إذا كان في البين إطلاق، وإلا فأيضا جائز، للشك في الوجوب، لا في الصدق. وبالجملة: مع أن ما نحن فيه يشبه الأقل والأكثر من جهة، ولكن لا يشبههما في جريان البراءة، لكونه مثلهما على الأخصي، لا الأعمي. ومما ذكرنا يظهر حال الأمر بالصوم بين الهلالين، بناء على كونه أمرا واحدا، كما يظهر منظور الشيخ (رحمه الله) أحيانا (4)، فلا تغفل. ومما ذكرنا يظهر: أن في جميع الموارد تكون طبيعة العام المجموعي، دائرة


1 - يأتي الجزء الثامن: 40 - 42 و 69 - 77. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 452 - 453. 3 - تهذيب الاصول 2: 356. 4 - فرائد الاصول 2: 478. (*)

[ 210 ]

بين الوجود والعدم، ضرورة أنه في صورة تحقق عنوان العموم المجموعي، لا يجب الاحتياط حتى بالنسبة إلى البعض المعلوم، كما عرفت. فما قد يتوهم: من أن في موارد وجود العام المجموعي بوجود منشائه خارجا، تجري البراءة، لاتحاد المأمور به وما يتحقق خارجا، غير نافع، لأنه يكفي الاختلاف في الاعتبار الموجب لكون المنتزع مورد الأمر، ويشك في تحققه عند تحقق بعض منشئه، وإلا فالبراءة جارية حتى في مورد العلم، كما اشير إليه، فاغتنم. تذنيب: حول جريان البراءة في الشبهة الموضوعية التحريمية قضية القاعدة عدم جريان البراءة في موارد الشك، في أن مورد الأمر من العام المجموعي، أو غيره، كما ترى وتدبر. هذا كله في الشبهة الموضوعية الوجوبية. وأما الشبهة الموضوعية التحريمية، فلا شبهة في أنه بترك إكرام بعضهم المعلوم، ترك المنهي وانزجر عن النهي. بل يكفي ترك المشتبه، للشك في تحقق المنهي والمبغوض. وهذا هو نتيجة ما تحصل سابقا، ضرورة أن كل محرم، كان أمره دائرا في الخارج بين الوجود والعدم، ولم يكن ذا مراتب، يلزم الأخذ بالبراءة في ناحية الشبهة التحريمية الموضوعية. وأما كفاية ترك مشتبه الفاسق في صورة كون النهي عن مجموع الفساق، فهي غير واضحة، لأن اللازم هو العلم بالطاعة والامتثال، ومجرد الشك في حصول المبغوض، غير كاف في المقام. وأما ما اشتهر عنهم: " من أن البراءة محكمة، لأن المسألة من صغريات الأقل

[ 211 ]

والأكثر في المحرمات، وهو عكس الواجبات، فيكون الأكثر معلوما، والأقل مشكوكا، وفيما نحن فيه تجري البراءة بالنسبة إلى الأقل المعلوم، فيجوز إكرام الفساق المعلومين، والاكتفاء بترك الفاسق المشكوك فسقه " فهو غير صحيح هنا، ضرورة أن في مثل الغناء، لا يعقل تحقق الترجيع بدون الصوت، فلو ترك الترجيع ترك الأكثر والأقل الموجود معه، وفيما نحن فيه ارتكاب إكرام الفساق، وترك الفاسق المجهول، ليس مثله في ترك الفاسق المعلوم، حتى يعلم بامتثال النهي المشخص المتوجه إليه. بقي أمران: أحدهما: في تصوير المنهي في العام المجموعي إن المنهي في العام المجموعي، يتصور على وجهين: الأول: أن يكون المبغوض عنوانا إذا حصل شئ منه لا يسقط النهي، بل النهي باق، ويكون العبد ممتثلا إلى أن يوجد جميع العنوان المذكور، كما في إكرام مجموع الفساق، فإن إكرام الفساق إلا واحدا منهم، يكفي لامتثال النهي. والثاني: يكون على وجه يسقط النهي الوحداني المتعلق بالمجموع بمجرد إكرام فاسق، ولا يكون إكرام سائر الفساق مورد النهي، ولكن المعتبر في جانب النهي أيضا هو المجموع، لأن امتثاله لا يتحقق إلا بترك إكرام المجموع، بخلاف ما إذا كان متعلق النهي نفس الطبيعة. مثلا تارة: يكون مبغوض المولى تلوين داره، على وجه لو شرع في إيجاد لون فيها، يكون عاصيا، ويكون السلب كليا.

[ 212 ]

واخرى: يكون مبغوضه تلوين داره، على وجه لو شرع في تلوينها، وبقي شئ منها بلالون، يكون ممتثلا، وهو من الكلي السلب، ففرق بين قوله: " يحرم تلوين كل جزء منها " على وجه لو ابتدأ ببعضه يسقط النهي، وعلى وجه يكون من العموم الاستغراقي، أو على وجه لا يسقط النهي إلا بتلوينها كلها، فتأمل. وربما يكون المحرم في شهر رمضان مثلا، مجموع المفطرات، على وجه لو عصى وارتكب بعضا منها، فلا يبقى تحريم إلا بدليل، وهذا اعتباره غير اعتبار كون المنهي نفس طبيعي المفطر. ثانيهما: حول كفاية ترك الطبيعة في تحقق الامتثال عند النهي عن نفس الطبيعة أو العموم المجموعي قد اشتهر بينهم: " أن في موارد تعلق النهي بنفس الطبيعة، أو في موارد تعلق النهي بالعموم المجموعي، يكفي للامتثال ترك الطبيعة ". ولكن هنا بحث: وهو أن إيجاد الطبيعة في صورة تعلق الأمر بها، كما يوجب السقوط والامتثال، لابد وأن يكون ترك الطبيعة في زمان كذلك، لأنه امتثال، فترك الفاسق الواحد في العام المجموعي، امتثال ولو كان في زمان قصير وساعة، لأن المفروض وحدة النهي، ولا شبهة في أنه إذا انزجر العبد عن نهي المولى، وكف عن إيجاد المنهي، يكون مطيعا، فيلزم سقوط النهي بعد فرض وحدته، ولازم ذلك جواز الارتكاب بعد ذلك. وهذا صحيح صناعة، ولاسيما على القول: بأن إيجاد الطبيعة بإيجاد فرد ما،

[ 213 ]

والمهملة وتركها أيضا كذلك، وليس بترك المجموع ولو كان بترك المجموع (1). ولكنه بعد فرض كونه نهيا واحدا، وهو ممتثل في الزمان الأول، فيلزم سقوطه، فلازم هذه المقالة بطلان كون النهي في موارد تعلقه بالطبيعة، أو بالعموم المجموعي، نهيا واحدا، بل هو نواه كثيرة، وينحل إلى المتعدد، إلا أنه انحلال أزماني، لا أفرادي، في قبال العموم الأفرادي والعام الاستغراقي. وقد مر شطر من هذا البحث في النواهي، وذكرنا هناك بعضا من وجوه البحث العلمية (2). الصورة الرابعة: أن يتعلق الأمر أو النهي بالعناوين الاشتقاقية، كما إذا كان متعلق الأمر أن يكون عادلا، كما لو نذر ذلك مثلا، أو تعلق النهي بأن يكون بياع الخمر، وأن يكون شغله مبادلة الخمر، أو يكون المنهي عنوان " كسب الغناء " وأن يكون شغله الملاهي، كما هو المحتمل قويا في الفقه، وقويناه حسب الجمع بين الأخبار في المكاسب المحرمة (3). وما في " تهذيب الاصول ": " من أن هذه الصورة لا أثر لها " (4) في غير محله ظاهرا، ضرورة احتمال جواز مبادلة الخمر، فإنه ليس من النهي الوارد، فإن رسول


1 - نهاية الدراية 2: 289 - 290. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 95 - 109. 3 - كتاب المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه للمؤلف (قدس سره) (مفقود). 4 - تهذيب الاصول 2: 355. (*)

[ 214 ]

الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - حسبما في بعض الأخبار - لعن بائعها (1)، والمنصرف من البائع هو المشتغل بشغل البيع، لا المبادلة مرة واحدة، وهذا غير بعيد جدا، ويساعده الاعتبار. وبالجملة: في موارد الشك في الشبهة الموضوعية الوجوبية، لابد من الاحتياط. نعم، إذا كان تحصيل العدالة ممكنا بوجه آخر، ولم يكن ارتكاب المشتبه مزاحما للواجب، فلا يجب الاحتياط. نعم في موارد كون تحصيلها مثلا فوريا، فلابد من الاحتياط، والمسألة واضحة بجهاتها. وأما في موارد الشبهة الموضوعية التحريمية، فلابد - بحكم العقل - أن يكون ممتثلا للنهي بعد كونه نهيا واحدا. وقد مر احتمال كفاية كونه غير عاص، وغير آت بالمبغوض (2). ولكنه في موارد الشك في أصل الحكم صحيح، وأما بعد العلم بالنهي فيحتاج إلى العلم بالامتثال في الجملة، فليتدبر جيدا. ومن أمثلة هذه الصورة عنوان " تارك الصلاة " فإن ما هو الواجب شرعا هي الصلاة، ولا يكون في تركها عقاب آخر إلا العقاب المترتب على ترك الواجب، ويستحق العقوبة لأجل ترك الواجب. وربما يكون عنوان " تارك الصلاة " منهيا وموردا للأثر الخاص من العقوبة الدنيوية، أو الاخروية، فإنه عنوان لا يحصل بمجرد ترك الصلاة مرة، والأخبار


1 - الكافي 6: 398 / 10، و 429 / 4، وسائل الشيعة 17: 224، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 3 و 4. 2 - تقدم في الصفحة 212. (*)

[ 215 ]

الخاصة بتارك الصلاة (1)، ناظرة إلى الترك المطلق أو الأكثري، دون من يتركها مرة في عمره مثلا. ومن تلك الأمثلة عنوان " الإعراض عن الجماعة " الذي ربما قيل بحرمته (2)، فيجب عقلا إقامة الجماعة والشركة فيها، حتى لا يتحقق العنوان المذكور. وفي موارد الشك يجري البحث السابق، والأمر سهل. ومما ذكرنا يظهر ما في كلام العلامة النائيني: من تعلق الأمر بالمعدولة، كقولك: " كن لا شارب الخمر " (3) فإنه لمكان رجوعه إلى تعلق الأمر أو النهي بالعناوين الاشتقاقية، يليق بالبحث، وأما المحصلة والمعدولة فلا مدخلية لهما فيما هو المهم، فلا تخلط. وغير خفي: أن ما ذكرناه حول اعتبارات الأمر والنهي المتعلقين بعناوين متعلقة بالموجودات الخارجية، يأتي فيما إذا كان الأمر أو النهي، متعلقين بالعناوين غير المضافة إلى الوجودات الخارجية، ك‍ " الغصب، والكذب، والغناء " أو مثل " رد السلام، والحج، والصلاة، والصوم " مما تعد من الواجبات المشروطة، أو الموقتة، أو تكون من العموم المجموعي. وأما إطالة الكلام حول مقام الاستظهار، أو أن الفقه يشتمل غالبا على قسم منها دون قسم، فهي خارجة عن وظيفة الاصولي.


1 - الكافي 2: 278 / 8، الفقيه 1: 132 / 616، وسائل الشيعة 4: 41 - 42، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 11، الحديث 2 و 4. 2 - لاحظ العروة الوثقى 1: 763، فصل في الجماعة. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 394 - 395. (*)

[ 216 ]

التنبيه الثالث في عدم جريان البراءة مع وجود الأصل المقدم عليها كما عرفت: أن البحث عن جريان البراءة في موارد الشبهة - حكمية كانت، أو موضوعية - كان بحثا حيثيا على حسب القواعد، ولا ينافيه القول بالتخيير في موارد تعارض النصوص والتخيير حسب التعبد (1)، كذلك الأمر بالنسبة إلى الأصل المقدم - حسب الصناعة - على البراءة العقلية والشرعية، فإنه في هذا المورد لا تصل النوبة إلى البراءة في موارد الشك والشبهات الحكمية والموضوعية، لانتفاء موضوعها تعبدا سواء كان الأصل الجاري موضوعيا، أو حكميا، موافقا، أو مخالفا. ولهذا الأمثلة الكثيرة التي لا تكون مورد المناقشة عند أحد، فلا حاجة إلى ذكر بعض الأمثلة التي هي مورد المناقشة، لأن شأن البحث هنا لا يقتضي إلا توضيح مجرى البراءة العقلية، والعقلائية، والشرعية، فورودهم في حديث استصحاب العدم الأزلي والنعتي، وفي مسألة التذكية ومعناها، وقابلية الحيوان للتذكية، وكيفية دخالتها (2)، من الأمر غير الصحيح هنا جدا، لأنه من جهة: بحث اصولي يأتي في الاستصحاب (3)، فيلزم التكرار الموجب لتورم الاصول، ومن جهة اخرى: مربوط بالفقه، ويلزم الرجوع إلى الأدلة حتى يتبين الأمر تصديقا.


1 - تقدم في الصفحة 202. 2 - فرائد الاصول 1: 362، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 380 - 387، نهاية الأفكار 3: 255 - 258. 3 - يأتي الجزء الثامن: 486 - 500. (*)

[ 217 ]

ومن الغريب أن بعضا من أئمة الفن، دخلوا في هذه المسألة في مواضع ثلاثة بتفصيل: في العام والخاص (1)، وهنا (2)، وفي الاستصحاب (3) ! ! وهذا غير جيد جدا، وكان ينبغي البحث حول ما هو مربوط بالتنبيه، كما يأتي. فبالجملة: لو شك في وجوب إكرام زيد العالم سابقا، لا تجري البراءة، لاستصحاب كونه عالما المقدم على البراءة، وهكذا لو شك في جواز شرب الماء المتغير بالنجاسة، وزال تغيره، فإنه يجري الاستصحاب الحكمي مثلا، ويكون بيانا للبراءة العقلية، ورافعا للشك تعبدا، ويكون علما وحجة بالنسبة إلى البراءة الشرعية. وأما أنه وارد (4)، أو حاكم (5)، أو يفصل ويكون واردا في الأول، وحاكما في الثاني (6)، فوجوه وأقوال تحقيقها في التعادل والترجيح (7)، والحق هي الحكومة اصطلاحا مطلقا، والأمر سهل، كما أن الأصل وارد على البراءة العقلية، كما لا يخفى. بقي شئ: حول حكومة الاستصحاب على البراءة دائما مقتضى صريح " الكفاية " (8) وجماعة (9) تقدم الأصل المذكور ولو كان موافقا، فعلى هذا لا تجري البراءة في جميع موارد الشك والشبهة الحكمية، لجريان


1 - تهذيب الاصول 1: 482 - 491. 2 - تهذيب الاصول 2: 213 - 228. 3 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 95. 4 - كفاية الاصول: 397 و 490. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 627 - 631. 6 - نهاية الأفكار 4: 108 - 109. 7 - مما يؤسف له أن الكتاب لم يصل إلى مباحث التعادل والترجيح. 8 - كفاية الاصول: 397. 9 - حاشية كفاية الاصول، البروجردي 2: 241، حقائق الاصول 2: 256، تهذيب الاصول 2: 213. (*)

[ 218 ]

استصحاب عدم الجعل عندهم (1)، فيجري استصحاب عدم الوجوب والحرمة، وفي الشبهات الموضوعية يجري الاستصحاب الموضوعي، فتبقى أصالة البراءة بلا مورد. وتوهم عدم جريان الاستصحاب في مورد الشك في علم زيد إذا لم تكن له الحالة السابقة، أو كان مشكوكا، مندفع بأنه يجري عند كثير منهم استصحاب العدم الأزلي (2)، فينفي العلم بانتفاء وجوده، ولا يثبت بعد ثبوت وجوده، مع أنه مسبوق عادة بالجهالة وعدم العلم، وهكذا في موارد الشك في الخمرية وأمثالها، كما لا يخفى. فعلى هذا، لا يبقى مورد لجريان البراءة العقلية أو الشرعية، لأن الأصل المذكور بيان ورافع للجهالة تعبدا. وبالجملة: قضية إطلاق أدلة البراءة، رفع الحكم المشكوك كليا كان، أو جزئيا، ومقتضى جريان الاستصحاب في جميع النواحي، سقوط البراءة، وتلزم لغويتها، نظير جريان استصحاب عدم الإتيان بالجزء المشكوك إتيانه بعد الدخول في الغير، فإنه لا يبقى مورد لقاعدة التجاوز، وتلزم لغويتها، وعلى هذا يجوز أن يقال: كما أن في تلك المسألة لا يجري الاستصحاب على الإطلاق، ويؤخذ بدليل القاعدة (3)، كذلك الأمر هنا، فالبراءة تكون جارية ولو كان في البين أصل مقدم عليها، نظرا إلى الفرار من اللغوية اللازم عقلا. ولو قيل: بعدم جريان الاستصحاب الموافق دون المخالف، فلا تلزم اللغوية. قلنا: مضافا إلى أنه لا وجه له، لا تنحل به المشكلة، لأن الالتزام بأن أدلة


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 4: 62، نهاية الأفكار 4: 31 - 33، مصباح الاصول 2: 302، و 3: 134. 2 - فرائد الاصول 2: 647 - 649، نهاية الأفكار 4: 31 - 33، مصباح الاصول 3: 134. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 619، نهاية الأفكار 4: 37. (*)

[ 219 ]

البراءة جاءت لمجرد الجريان في موارد لو لم تجئ ما كانت إليها الحاجة. ودعوى: أن هذه اللغوية غير اللغوية المشار إليها، وتكون نظير اللغوية بالنسبة إلى أدلة الشكوك في صورة عدم تحقق موضوعها، فإنه بالضرورة يجوز التوسل إلى أن لا يشك أحد في الصلاة، غير تامة، فإن انتفاء الشك في مورد جريان أدلة الشكوك في الصلاة تكوينا جائز، وأما ضرب قانون حاكم على قانون آخر دائما، فغير جائز. هذا مع أن أدلة الشكوك من القضايا الشرطية، أي " من شك في كذا فعليه كذا " بخلاف ما نحن فيه، فتدبر. والذي هو الحق: أن المشكلة على ما هو المبنى منحلة، فإن استصحاب عدم الجعل وعدم الحرمة والوجوب، غير جار عندنا، كما سيظهر تحقيقه في الاصول (1)، والاصول العدمية الأزلية في الشبهات الموضوعية، أيضا نمنع جريانها، فلا تلزم اللغوية، فهذا إشكال متوجه إلى غيرنا، وعليه حله، وربما يؤيدنا ذلك، كما هو الواضح. ولو تعمقنا ووجدنا موردا للبراءة دون الاستصحاب، فإنه لا يكفي للفرار من اللغوية بالضرورة، نظير ما إذا كان الاستصحاب معارضا بالاستصحاب الآخر، مع أنه وإن جرت البراءة، إلا أنها أيضا تعارض بمثلها، كما لا يخفى. وما مر من جريان استصحاب عدم الجعل عندهم واضح، من غير فرق بين الأحكام التكليفية والوضعية، فلو شك في الجزئية والشرطية والمانعية، تجري استصحابات نافية لكل واحد منها، وفيما إذا شك في مانعية موجود، يكون له المنشأ، ويجري استصحاب العدم الأزلي، أو النعتي، أو الوجودي الرافع للشك السببي، فليتدبر، واغتنم.


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 220 ]

وبقي أمر آخر: في تقدم قاعدة الاشتغال على البراءة لا يختص عدم جريان البراءة بمورد لم يكن أصل مقدم عليها، بل لا تجري في مورد حكم العقل بالاشتغال، لأجل القاعدة المعروفة: " إن الاشتغال اليقيني يحتاج إلى البراءة اليقينية ". مثلا: إذا شك في الوقت أنه أتى بفريضة، فإنه من الشك في وجوب الظهر والعصر عليه، لاحتمال الإتيان بهما، ومقتضى إطلاق حديث الرفع نفي الوجوب، إلا أن الحديث غير جار قطعا، ونعلم ذلك بالعلم الخارجي، وعليه كافة العقول. وإنما البحث في أن الأصل حاكم، وهو استصحاب بقاء التكليف، فيكون من الأمثلة السابقة، وداخلا في البحث الآنف. أو العقل حاكم، ولا تصل النوبة إلى الأصل، كما عليه بعض المحققين، فيكون على هذا جريان البراءة ممنوعا، لا لوجود الأصل الحاكم اصطلاحا، بل لوجود العقل القائم قرينة قطعية على صرف حديث الرفع عن أمثال هذه الموارد. أو يكون الأصل المذكور واردا، على بعض التقاريب السابقة. وكان ينبغي أن يخوضوا هنا في هذه المسألة عوضا عن الخوض في مسألة التذكية والقابلية واستصحاب العدم الأزلي الأجنبي فقها واصولا عن المقام. والذي هو الحق: أن القول بعدم الحاجة إلى الاستصحاب، لأجل أنه ليس إلا أصلا محرزا ومنجزا، وقد تنجز التكليف قبل ملاحظة الحالة السابقة بحكم العقل، غير سديد، لأنه إن اريد منه لغوية الاستصحاب، لأن أثره التنجيز، وهو حاصل بسبب سابق. ففيه أولا: أن هذه اللغوية ممنوعة، لأن من الممكن دعوى: أن المسألة من

[ 221 ]

موارد دوران الأمر بين المحذورين في العبادات، لعدم جواز الإتيان بالعبادة مع الشك في الوجوب والأمر، وقد ورد في بعض الأخبار " فإنا لا نفعل إلا ما امرنا " (1) والاحتياط في العبادات ممنوع، كما يأتي في التنبيه الآتي. نعم في التوصليات لا يأتي الإشكال المذكور. وثانيا: دليل الاستصحاب قانون كلي يشمل جميع موارده، واللغوية الممنوعة هي لغوية ذات الدليل، دون إطلاقه، ولذلك يقال بجريان الأصل المسببي ذاتا، ومحكوميته إثباتا (2)، وليس ذلك إلا لأنه ليس من اللغو الممنوع عقلا. وإن اريد منه أن الاستصحاب متقوم بلحاظ الحالة السابقة، وهذا أمر وشرط شخصي في جريانه، فلا تصل النوبة إليه بعد حكم العقل بالاشتغال. ففيه: أن حكم العقل بالاشتغال، لا يكون إلا بعد ملاحظة اليقين بالاشتغال السابق، ولا يكفي مجرد الشك لدرك العقل اشتغاله، فعندئذ يحصل شرط جريان الاستصحاب، ويكون جاريا طبعا من غير اختيار، فمع الغفلة عن العلم بالاشتغال اليقيني لا يحكم العقل، أي لا يدرك لزوم الفراغ. فتحصل: أنه يجري الاستصحاب في التعبديات والتوصليات، ويكون رافعا لموضوع القاعدة المذكورة أيضا، كما لا يخفى.


1 - الكافي 4: 131 / 5، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، الباب 12، الحديث 5. 2 - لاحظ نهاية الأفكار 4: 116 - 117. (*)

[ 222 ]

التنبيه الرابع حول حسن الاحتياط عقلا قد اشتهر حسن الاحتياط عقلا (1)، وغير خفي أن الاحتياط المنتهي إلى الوسواس، ليس مستحسنا، فالمراد من أن الاحتياط حسن، هو الاحتياط مع قطع النظر عن بعض تبعات مترتبة عليه أحيانا، كالعسر والحرج، والضرر، وأشباه ذلك. وربما يشكل الأمر من جهة أن مفهوم " الاحتياط " هل ينتزع عن قصد ذهني، ولا يرتبط بالخارج، أم يعد من الانتزاعيات عن عمل خارجي ؟ لا سبيل إلى الأول، فإن في فعل العبادة الكذائية أو الأمر التوصلي، احتياطا عمليا، فيكون في موارد احتمال الأمر والإخلال بالواجب، احتياط بإتيان العمل الخارجي، وأما الاحتياط في النية فغير معقول، لأنه أمر خارج عن الاختيار حسب العادة. فعلى هذا، كيف يعقل الاحتياط في ناحية احتمال النهي والمبغوضية، فإن الترك عدم مطلق، فكيف ينتزع هناك مفهوم " الاحتياط " ؟ ! والضرورة قاضية بامتناع أخذ عنوان وجودي من العدم الصرف الذي لا واقعية له بتاتا. فإذا ترك مشتبه الخمر يعبر عنه ب‍ " أنه احتاط " وهل هذا المفهوم يحكي عن حيثية وجودية، أو عدمية ؟ لا سبيل إلى الثاني، ولا إلى الأول، ولا إلى الثالث: وهو أن مفهوم " الاحتياط " كمفهوم " العدم " يحكي عن العدمية في الخارج وعن السلب، فإن هذا المفهوم وجودي مشترك مع ما يستعمل في ناحية الاحتياط في الإتيان


1 - الفصول الغروية: 305، السطر 16، فرائد الاصول 1: 375، كفاية الاصول: 398، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 398. (*)

[ 223 ]

بمحتمل الأمر، فتدبر. ثم إن عنوان " حسن الاحتياط " لابد وأن يرجع إلى العنوان الذاتي، فإن الامور الاخر المستحسنة العقلية كثيرة، ولا يعقل انتزاع عنوان واحد من الكثير إلا بعد رجوعها إلى واحد، حتى يكون عنوان " الحسن " منتزعا من ذلك الواحد. مثلا: العدالة حسنة، والانقياد والطاعة حسن وهكذا، فالكل يرجع إلى معنى وحداني هو حسن بالذات، والاحتياط حسن بالحيثية التقييدية التي هي الحسن ذاتا، وذاك حسن مجازا، فاغتنم. بقيت هنا امور: الأمر الأول: حول الاحتياط في التوصليات لا بحث في الاحتياط في التوصليات إذا كان ممكنا، سواء كان الأمر دائرا بين الوجوب والندب، والنهي بين التحريم والكراهة، أو دار كل واحد منهما بين الوجود والعدم، لأنه إذا احتاط وتبين عدم الأمر والنهي، لم يقع في إشكال عقلي، ولا شرعي. ولا تختص موارد الاحتياط بمواضع احتمال الأمر أو النهي الإلزاميين، بل احتمال الأمر الندبي أو النهي التنزيهي يكفي، من غير حاجة إلى الأزيد منه، فما ترى في كلمات القوم (1)، لا يخلو من قصور. هذا، ومن المحرر والمحقق: أنه يجوز قصد القربة في موارد التوصليات، وهكذا فيما نحن فيه، لما سيأتي من أن القربة المعتبرة في التعبديات إلزاما، وفي التوصليات اختيارا، من واد واحد، وتطبيق العناوين الإلهية على الانبعاث


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 398 - 399، نهاية الأفكار 3: 259 - 260 و 274 - 276. (*)

[ 224 ]

والانزجار بيد العباد، ويكون بذلك عبادة، من غير دخالة الأمر والنهي (1). ثم إنه من المحتمل دعوى إمكان كشف الأمر الشرعي بقاعدة الملازمة، فيكون الاحتياط المستحسن عقلا في التوصليات مورد الأمر الإلهي، فلا تكون الواقعة خالية من الأمر (2). وفيه: - مضافا إلى ما تحرر منا من أنها قاعدة لا أساس لها، ومن الأكاذيب التي لا واقعية لها (3). وتخيل خروج ما نحن فيه عنها، لكونه من قبيل حسن الطاعة، وقبح العصيان، كما في كلام العلامة النائيني (4) وبعض تلامذته (5)، من التخيلات الباطلة المحرر فسادها في محلها (6) - أن كشف الأمر بعنوان " الاحتياط " بوجه يكون أمرا شرعيا، يناقض ذات الموضوع وهو الاحتياط، فإن الاحتياط معناه ينتزع عن الانبعاث من الأمر الاحتمالي أو النهي الاحتمالي، فمع وجود الأمر بالاحتياط لا يعقل الانبعاث عن الأمر الاحتياطي، ويلزم من وجوده عدمه، لأن حسنه منوط بكونه احتياطا، فيلزم من الانبعاث عن الأمر المتوجه إلى الاحتياط، فقدان ذلك الأمر، كما هو الظاهر. وأما دعوى: أنه يكشف بالقاعدة أمر يستدعي الانبعاث عن احتمال الأمر الواقعي (7)، فهي - مضافا إلى امتناعها، لما تحرر منا في المجلد الأول (8) - أنه لا يعقل


1 - يأتي في الجزء الثامن: 200. 2 - لاحظ بحر الفوائد 2: 50 / السطر 11 - 22. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 353، وفي الجزء السادس: 74 - 77. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 399. 5 - منتهى الاصول 2: 208. 6 - تقدم في الجزء السادس: 75. 7 - لاحظ بحر الفوائد 2: 20 / السطر 22. 8 - تقدم في الجزء الثاني: 136 - 138. (*)

[ 225 ]

أن يدعو الأمر إلى الانبعاث عن الأمر الآخر، للزوم تراكم البعثين على الواحد، ولا يعقل ذلك، وتنتهي النتيجة إلى الانبعاث عن الأمر المعلوم، لا المحتمل. هذا مع أنه لا أثر بعد ذلك لهذا الأمر المعلوم، لأن المقصود من كشف الأمر حل مشكلة الانبعاث عن الأمر الاحتمالي، ولو كان الأمر المعلوم يدعو إلى الانبعاث عن الأمر الاحتمالي، فيلزم لغوية كشفه، فاغتنم جيدا. وبالجملة تحصل: أن البحث بحسب مقام الثبوت يقع أولا: في أنه هل يعقل أن يكون الاحتياط واجبا شرعا أو مندوبا نفسيا، أم لا ؟ وعلى التقدير الثاني: فهل يفرق بين العباديات والتوصليات، أم لا ؟ وعلى كل تقدير: هل الشرع تصرف تصديقا، وأوجب نفسيا أو ندب هذا العنوان مطلقا، أو في الجملة، أم لا ؟ وحيث قد عرفت إلى هنا امتناع كونه واجبا أو ندبا نفسيا، سواء في ذلك أن يكون مستنده قاعدة الملازمة، أو الأخبار الخاصة، فلاتصل النوبة إلى سائر البحوث. نعم، حيث إن في العبادات تكون إشكالات اخر، لا بأس بالإشارة إليها، ثم بعد ذلك ينظر إلى الأخبار الخاصة (1)، وأنها موقفها ماذا ؟ بعد الامتناع المذكور، وبعد الفراغ من عدم كونها منجزة للأحكام الواقعية، أي وبعد عدم كونها طريقية كسائر الأوامر الطريقية، لما عرفت: من أن الالتزام بطريقيتها، ينافي القول بالبراءة الشرعية إما دلالة، أو ترجيحا، على التفصيل المحرر سابقا (2)، فلا تخلط. وهم ودفع لا منع ثبوتا من إيجاب مشكوك الوجوب، وتحريم مشكوك الحرمة، وعند


1 - يأتي في الصفحة 232 - 237. 2 - تقدم في الصفحة 176 - 178. (*)

[ 226 ]

ذلك يحصل الاحتياط المطلوب الواقعي أحيانا، لما لا يعتبر في الاحتياط الانبعاث عن الأمر المحتمل، أو الانزجار عن النهي المحتمل، لو لم نقل: بعدم اعتبار الانبعاث والانزجار عن الأمر والنهي مطلقا، بل لو لم يكن ذلك من الممتنعات العقلية. وفيه: كما لا منع ثبوتا عما قيل، لا منع من إيجاب محتمل الحرمة، وتحريم محتمل الوجوب، بل الأول ممنوع، لامتناع أن يكون المطلق واجبا، والمقيد واجبا آخر، للزوم اجتماع المثلين على ما تحرر (1)، بخلاف الفرض الأخير، لأن التقييد جائز لو لم يكن بين العنوانين عموم من وجه. هذا، وحيث إن حقيقة الاحتياط هي ملاحظة الواقع في مقام العمل، فلابد من وجود احتمال الأمر، والالتفات إليه، والانبعاث عنه، وهكذا في جانب النهي. نعم، الانبعاث والانزجار يستند أكثر الأحيان إلى المبادئ النفسانية، وتختلف الأفراد والآحاد من هذه الجهة، وربما لا يكون الأمر والنهي دخيلين، وربما يكون لهما الدخالة في الحركة نحو المطلوب، فلا يكونان علة تامة، كما هو ظاهر جمع من الأعلام، ولا غير دخيلين على الإطلاق، كما ذهب إليه العلمان: البروجردي (2) والوالد - عفي عنهما - (3)، فإن " خير الامور أوسطها " كما لا يخفى. الأمر الثاني: حول الاحتياط في التعبديات بعدما عرفت حال الاحتياط في التوصليات، بقي كلام حول التعبديات. والتحقيق الحقيق بالتصديق: أن المناقشة في رجحان الاحتياط فيها تارة: من


1 - تقدم في الجزء الخامس: 466. 2 - نهاية الاصول: 431 - 432. 3 - أنوار الهداية 2: 126 - 127، تهذيب الاصول 2: 231. (*)

[ 227 ]

ناحية اعتبار قصد الوجه والتمييز (1)، غير جيدة من الأصاغر، فضلا عن الأكابر. واخرى: من ناحية أن عبادية العبادة منوطة بالانبعاث عن الأمر، وفي صورة العلم بالأمر يكون الانبعاث مستندا إلى الأمر، لطريقية العلم، وأنه مغفول عنه، وأما الاحتمال فهو ليس مغفولا عنه، فيكون الانبعاث عن الأمر المحتمل، وإذا لم يكن أمر، أو كان أمر واقعي، لا تقع العبادة عبادة، فتكون تشريعا سواء صادف الاحتمال الواقع، أو خالف. وهذا التقريب أولى من قولهم: " بأن في صورة احتمال الأمر، تقع العبادة تشريعا في صورة عدم وجود الأمر " (2) فإنه بيان ممنوع، ضرورة أن المحتاط أولا: لا يريد التشريع، ولا يعقل التشريع، كما تحرر في محله (3). وثانيا: عند الشك في تحقق التشريع، يرجع إلى البراءة، فببركة البراءة ترتفع حرمة التشريع، ويبقى رجحان الاحتياط على حاله، فلا يقع الأمر دائرا في العبادات بين رجحان الاحتياط، ومرجوحية التشريع، والثاني يوجب انتفاء موضوع الأول، بل ببركة البراءة يبقى للاحتياط موضوع بلا محذور عقلي، ولا شرعي. وتوهم: أن احتمال الحرمة الواقعية يزاحم رجحان الاحتياط، مندفع بأن في التشريع في العبادة، تكون الحرمة منحصرة بمرحلة الإثبات، ولا مبغوضية ثبوتية للتشريع، فإن ما هو المبغوض هو التدين بما ليس من الشرع، وهو معنى إثباتي. فتحصل: أن ما أفاده القوم بيانا لممنوعية جريان الاحتياط في العبادات، غير تام وغير وجيه، بخلاف ما ذكرناه، فإنه يستلزم كون العمل العبادي تشريعا على كل


1 - لاحظ نهاية النهاية 2: 112، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 400، الهامش، حقائق الاصول 2: 261. 2 - فرائد الاصول 1: 381، ولاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 400. 3 - تقدم في الجزء السادس: 271. (*)

[ 228 ]

تقدير، ضرورة أن مقتضى مقالة المشهور أن عبادية العبادة بالانبعاث عن الأمر، وفي صورة احتمال الأمر يكون الانبعاث عن الاحتمال، أو المحتمل، لا الأمر. وتوهم: أن في صورة العلم بالأمر يكون الانبعاث عن العلم بالأمر، غير تام، لأن العلم مرآة فان في المعلوم، بخلاف الاحتمال. وأما حديث الخلاف في كيفية فهم عبادية العبادة، وأنه هل هو لامتناع أخذها في المأمور به بالأمر الأول والثاني، كما في " الكفاية " (1) فيكون من الإجماع وأمثاله، أو يكون من الأمر الثاني، لإمكانه، دون الأول لامتناعه، كما في تقريرات العلامة الكاظمي (رحمه الله) (2) أو بالأمر الأول، لإمكانه، بل يمتنع إفادتها بالأمر الثاني دون الأول، كما هو مختارنا ؟ فبالجملة هذا الحديث أجنبي عما نحن فيه، فإن البحث هنا حول أن عبادية العبادة، هل هي بالانبعاث عن الأمر، أم هي أعم ؟: فإن قلنا بالأول، فالاحتياط في العبادات ممنوع رجحانه، ولا سبيل إلى رفع البيان الذي أبدعناه. وإن كان أعم كما هو الحق، فالاحتياط ممكن فيه وفي التوصليات على نهج واحد. وأما أنها أعم فموكول إلى الفقه، ولا يرتبط بالمسألة الاصولية. بقي تنبيه: وفيه إشكال صغروي على رجحان الاحتياط يشكل رجحان الاحتياط في مطلق التوصليات والتعبديات، وذلك لأن درك العقل رجحانه، لا يعقل مع احتمال كون مورد الاحتياط مبغوضا ثبوتا وإن لم يكن عليه حجة. ولا معنى للتوسل بالبراءة بعد القطع بعدم التكليف، المجتمع مع احتمال


1 - كفاية الاصول: 95 - 97. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149 - 152 و 161 - 162. (*)

[ 229 ]

المبغوضية الذاتية في موارد التوصليات والتعبديات، ولا طريق لنا إلى منع هذا الاحتمال الساري في كل مورد من الموارد العامة القابل لأن يكون مبغوضا ثبوتا ذاتا، أو بالعناوين الثانوية. ومن تأمل في هذه المشكلة حقها، يرى أنه لا سبيل إلى درك عقله رجحان الاحتياط. نعم، هذا لا يمنع عن جواز الاحتياط في التوصليات والتعبديات، فما في كلامهم من رجحانه في التوصليات قطعا - بل وفي التعبديات (1) - خال من التحصيل. وأما مفاد الأخبار فيأتي في البحث الآتي إن شاء الله تعالى. نعم، في صورة العلم بعدم المبغوضية في الشبهات الوجوبية، والعلم بعدم المحبوبية في الشبهات التحريمية، يمكن درك الرجحان، كما يمكن ذلك فيما إذا كان احتمال المحبوبية أكثر من احتمال المبغوضية الثبوتية، ويكون الاحتمال من أنياب الأغوال. الأمر الثالث: في المراد من أوامر أخبار الاحتياط بعدما تبين امتناع كون الاحتياط واجبا نفسيا أو مندوبا، فلا فرق بين كون مستنده قاعدة الملازمة (2) - مع أنها باطلة في ذاتها، محررة في محلها (3) - أو يكون مستنده الإجماع والاتفاق، أو تكون الأخبار الخاصة الواردة في المقام (4)، كما


1 - كفاية الاصول: 398، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 399 - 402، نهاية الأفكار 3: 273 - 274، مصباح الاصول 2: 315 - 316. 2 - بحر الفوائد 3: 50 / السطر 11 - 22. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 353، وفي الجزء السادس: 74 - 77. 4 - الفصول الغروية: 305 / السطر 22، منتهى الاصول 2: 208 - 209. (*)

[ 230 ]

مضت بتفصيل (1). وحيث إنها تحتمل الاحتمالات الكثيرة، ولكن خرج منها احتمال كون الأمر فيها نفسيا (2)، وهكذا احتمال كون الأوامر طريقية منجزة للأحكام الواقعية (3)، لما عرفت من جريان البراءة وتقدمها عليها (4)، يبقى من بينها كونها إرشادا إلى حسن عنوان " الاحتياط " أو إرشادا إلى ملاحظة الواقعيات حتى الإمكان، وعدم الوقوع في المهالك، وعدم الابتلاء بالحزازة الروحية (5)، أو إرشادا إلى تبعات الواقعيات المحرمة شرعا وغير الحرام فعلا، من كدورة القلب، وتهيئته للدخول في سائر المبغوضات، وتسهيل الأمر عليه. والإنصاف: أن ما هو منشأ الأمر بالتوقف والاحتياط أمر غير مولوي، ولا طريقي، وهو ملاحظة امور كثيرة دنيوية واخروية، روحية وجسمية، ويظهر كل ذلك من بعض العلل المذكورة في نفس الأخبار، كما لا يخفى. ويمكن دعوى: أن الأخبار ظاهرة في وجوب الاحتياط، وهي على هذا مورد الإعراض، فلا طريق لنا إلى فهم الرجحان الشرعي. أو دعوى: أنها معارضة بأخبار البراءة، وقد امرنا بالأخذ بالأقوى والأشهر، فإثبات الرجحان الشرعي الإرشادي - أي أن الشرع أيضا وافق العقل في هذا الإرشاد - مشكل. وكون الإجماع مستنده هذه الأخبار محل منع. اللهم إلا أن يقال: بالعلم الإجمالي بالتواتر المعنوي، أو الإجمالي، فليتأمل جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 160 - 182. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 399. 3 - نهاية الأفكار 3: 261. 4 - تقدم في الصفحة 177 - 178. 5 - فوائد الاصول 1: 342 - 343. (*)

[ 231 ]

بقي شئ: في أن حسن الاحتياط إضافي لا حقيقي فذلكة ما تحرر: أن حسن الاحتياط ورجحانه العقلي - مضافا إلى امتناع كونه راجحا نفسيا شرعا - محل منع، بخلاف جوازه، فإنه ضروري. ويمكن أن يكون راجحا بالإضافة، لأن في الشبهات الوجوبية، يكون احتمال الوجوب أكثر من احتمال المبغوضية الذاتية الواقعية، وفي الشبهات التحريمية كذلك، وعلى هذا تحمل أخبار المسألة على ذلك، ولا تدل على رجحانه على الإطلاق، كما لا يخفى. وما ذكرناه تام من غير فرق بين التوصليات والتعبديات. نعم، في التعبديات يمنع حسنه لأجل ما اشير إليه، وإلى ما فيه. وأما ما في كلام القوم (1) و " الكفاية " (2): من أن إمكان كشف الأمر بدرك الحسن الذاتي مسدود، للزوم الدور، ضرورة أن الحسن متوقف على وجود الأمر، فكيف يعقل كشف الأمر بدرك الحسن ؟ ! فهو قابل للدفع: بأن الحسن الذاتي العقلي مبدأ كشف الأمر، فيثبت به الحسن الشرعي، ولا يتوقف الحسن الذاتي على الأمر، فتدبر. وبعبارة اخرى: لا ينبغي الخلط بين ما به قوام الحسن الذاتي في عبادية العبادة، وما به قوام عبادية العبادة شرعا، فإذا كان الأول متقوما باحتمال الأمر، يكشف به الأمر حسب القاعدة، وبعد ذلك يثبت حسن العبادة شرعا، لحصول ما به عبادية العبادة.


1 - نهاية النهاية 2: 113، نهاية الأفكار 3: 274 - 275، حقائق الاصول 2: 262، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 115 - 116. 2 - كفاية الاصول: 398 - 399. (*)

[ 232 ]

نعم، قد عرفت فساد القاعدة أساسا، وأن الأمر النفسي لا يعقل بالنسبة إلى الاحتياط (1). فبالجملة: تبين حتى الآن امتناع الأمر بالنسبة إلى الاحتياط بعنوانه، وليست روايات الاحتياط متضمنة لذلك الأمر، ولا للأمر بالنسبة إلى مورد الاحتياط، وهي العبادة المشكوكة، كما هو الظاهر. خاتمة المطاف في أخبار " من بلغ " وهو كشف الأمر بالنسبة إلى عنوان الاحتياط من أخبار: " من بلغه... " أو كشف الأمر بالنسبة إلى المورد، فتكون العبادة المشكوك فيها والمجهول أمرها، مورد الأمر بتلك الأخبار، وهكذا في التوصليات، فترتفع تلك الشبهة التي أبدعناها، ولأجل ذلك لابد من النظر إلى تلك الأخبار وأحاديثها. وحيث قد عرفت امتناع الاحتمال الأول - وهو كشف كون الاحتياط بعنوانه مورد الأمر في هذه الأخبار - يتعين الاحتمال الثاني: وهو كشف وجود الأمر شرعا في موارد الاحتياط في التعبديات والتوصليات. فدونك نبذة من تلك الأحاديث الكثيرة المجموعة في الباب (18) من مقدمات " الوسائل " (2) وباب (9) من " جامع الأحاديث " (3) وهي مع كثرتها البالغة أحيانا إلى الثمانية أو التسعة مثلا، أكثرها غير نقي الإسناد، ومن الكتب غير المتواترة. نعم، فيها خبر معتبر في " الكافي " عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي


1 - تقدم في الصفحة 224. 2 - وسائل الشيعة 1: 80 - 82، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18. 3 - جامع أحاديث الشيعة 1: 409 - 410، أبواب المقدمات، الباب 10. (*)

[ 233 ]

عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه، كان له وإن لم يكن على ما بلغه (1) " (2). وخبر عن البرقي في " المحاسن " عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من بلغه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شئ من الثواب، ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له ذلك الثواب وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله " (3). والمناقشة في حجية الخبر الواحد هنا، لكونه مربوطا بالاصول الاعتقادية (4)، غير جيدة جدا. وأسوأ حالا توهم تواتر أخبار المسألة إجمالا (5)، أو معنويا (6)، والأمر سهل. وقبل الخوض فيما هو مفادها عندنا، نشير أولا إلى نكتة: وهي أنها أجنبية عما هو المطلوب وهو كشف الأمر في موارد الاحتياط، لاختصاص موردها بمواقع بلوغ الثواب على عمل، فاتي به رجاء ذلك الثواب، وفيما نحن فيه ليس البحث حول الاحتياط في موارد بلوغ الثواب، بل المبحوث عنه أمر آخر أجنبي عنه، ولو كان يكشف فرضا وجود الأمر في موارد الرجاء والاحتياط البالغ عليه الثواب. كما لا يمكن كشف صحة العبادة الرجائية بهذه الأخبار، لأن موردها فرض بلوغ الثواب، وما نحن فيه غير مربوط بذلك، وسيظهر إن شاء الله مفاد هذه الأخبار


1 - وفي نسخة: " كما بلغه " [ منه (قدس سره) ]. 2 - الكافي 2: 87 / 1، وسائل الشيعة 1: 81 - 82، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18، الحديث 6. 3 - المحاسن 1: 25 / 1، وسائل الشيعة 1: 81، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18، الحديث 4. 4 - مفاتيح الاصول: 348 / السطر 18 - 19، ولاحظ أوثق الوسائل: 300 / السطر 35. 5 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 124. 6 - أوثق الوسائل: 300 / السطر 25 - 26. (*)

[ 234 ]

من ذي قبل. إذا عرفت هذه فاعلم: أن إطالة الكلام حول هذه الأخبار هنا، غير جيدة، وإيجاد الاحتمالات الكثيرة المختلفة إلى حد يقال: إن هذه الأخبار بصدد حجية الضعاف من الأخبار في المسنونات، وإنه لا حاجة إلى الإسناد فيها (1). أو بصدد إلغاء قيود معتبرة في حجية الخبر الواحد، سواء فيه المسنونات والمكروهات البالغ الثواب على تركها، لعدم خصوصية لها في جانب المندوبات والأفعال (2). أو هي تعم موارد الأخبار المتضمنة لوجوب شئ، ولزوم فعل مجعول عليه الثواب، فتكون دليلا على حجية سندها، فيكون لازمها وجوب ذلك الشئ حسب الإطلاق المشاهد فيها (3). أو هي بصدد إحداث الأمر متعلقا بالفعل، أو النهي متعلقا بالترك واقعا، فيكون الثواب المجعول بالغا إليه في موارد الكذب، وغير بالغ ذلك الثواب في موارد وصول الخبر بالسند المعتبر، لأنها بصدد الأخبار الضعيفة ذاتا غير ذات السند رأسا، أو ذات سند ضعيف، فلا تعم المندوبات الثابتة بالحجج الشرعية، ولا يبلغ إليهم الثواب المجعول فيها، لاختصاصها بغيرها، كما هو صريح كلامهم (4). أو غير ذلك (5)، فكله الغفلة عن حقيقة الحال والمقال، وتبعيد للمسافة، وانصراف عن هذه المآثير. والذي يظهر لي يتبين بعد التوجه والالتفات إلى أمرين:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 413، منتهى الاصول 2: 212. 2 - الفصول الغروية: 306 / السطر 18 - 21. 3 - أوثق الوسائل: 303 / السطر 15 - 17، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 125 - 126. 4 - نهاية الأفكار 3: 277. 5 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 409. (*)

[ 235 ]

أحدهما: مسألة عقلية، وهي أن مقتضى طائفة من البراهين وجملة من الأخبار، أن الثواب يتبع النيات، حتى أن الخلود في الجنة والنار تابعها (1)، وهذه الأخبار من جملة الأخبار الشاهدة على أن النية والقصد والرجاء والآمال، دخيلة في وصول الثواب إليه، وأن الإنسان يثاب على النيات، ولو كان أقل من الثواب البالغ إليه من النية المقرونة بالعمل الصالح. فهذه الأخبار حكاية وإخبار عن تلك القضية، فلو أتى بفعل برجاء ثواب كذائي، وكان ذلك في نيته وقصده عند الإتيان بذلك العمل، فيصل إليه ذلك وإن لم يقل به الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن المناط ليس على قوله. ولا يلزم منه الجزاف، لأن تلك النية الصالحة تستتبع ذلك الثواب المأمول حسب اطلاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ثانيهما: أن في إمضاء الشرع الطرق العقلائية - من الظواهر إلى خبر الواحد، وغير ذلك مما يختلف إصابة وخطأ - موجبا لمناقشة جمع: بأن في موارد التخلف والخطأ، تضييعا لحق العاملين السالكين تلك السبل والمسالك، ولو كان الشرع أوجب الاحتياط في الجملة مثلا، لما وقعت الامة في تفويت المصالح وغير ذلك. وعند الالتفات إلى هذه القضية مع ما سلف، نرجع إلى الأخبار الواردة في المسألة، فنجد أن فيها: أولا: كلمة " بلغه " الظاهرة في أن البلوغ، لابد وأن يكون على وجه متعارف، وإلا فمجرد سماع الحديث لو كان بلوغا، للزم أن تشمل هذه الأخبار صورة العلم بالكذب، لأن في الخبرين المذكورين، ليس إلا الإتيان بالفعل بعد البلوغ، ويحصل له الرجاء إذا كان يشمل الخبران صورة العلم بالكذب، كما فيما يقول به العامة من التصويب في الموضوع.


1 - وسائل الشيعة 1: 48 - 50، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 6 و 10، والباب 6، الحديث 4 و 9. (*)

[ 236 ]

وثانيا: المقصود من قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني: " وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله " أي وإن كان النبي لم يقل بالثواب جزاء لذلك الفعل، لا أنه وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل أصل الفعل والصنع والعمل، ولذلك ترى في الخبر الأول " وإن لم يكن على ما بلغه " أي لم يكن ما أتى به على ما بلغه من الثواب، ولكن كان الفعل مما قاله، وأتى به وهو واقع. ويؤيد ذلك رواية محمد بن مروان قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " من بلغه ثواب من الله على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب، اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه " (1) أي متضمنا لذلك الثواب، ولكنه حديث صادر صحيح. فبالجملة: بعد الخوض في هذه الطائفة من الأخبار يظهر: أن النظر فيها إلى أن وصول الثواب، ليس تابعا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأما العمل الذي يأتي به وقد بلغه، فلابد وأن يكون بالغا إليه بنحو متعارف من البلوغ، ويكون المفروض في هذه الأخبار، أن ذلك الفعل قد بلغ مطابقا للواقع، دون ثوابه، فإنه بلغ على خلاف الواقع. وأما إذا لم يكن الفعل مطابقا للواقع، فهو خارج ظاهرا عن نطاق هذه الأخبار، كما أن من أتى في الشبهات البدوية غير البالغ إليه شئ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه أتى برجاء المطلوبية يثاب، ولكنه أيضا خارج عن هذه الأخبار. فما قيل: " بأنه تثبت بها حجية الخبر، فيجوز الإفتاء على طبقه " (2) أو " يثبت بها الأمر الخاص " (3) فهو بعيد عنها، أجنبي جدا منها. ولا حاجة إلى إطالة البحث حولها بعد ما عرفت: أنها أجنبية عن المسألة


1 - الكافي 2: 87 / 2، وسائل الشيعة 1: 82، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18، الحديث 7. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 413 - 414. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 414 - 415. (*)

[ 237 ]

الاصولية، وهي صحة العبادة في موارد احتمال الأمر، فإن العبادة - حسب التحقيق عندنا - صحيحة عند الاحتمال وإن لم يكن أمر واقعا، ولكن ذلك لأجل الجهات المحررة الاخر (1)، دون هذه الأخبار الواردة في جهة خاصة، فلا تخلط. ومن هنا يظهر: أن في موارد البلوغ الصحيحة غير المجعول عليها الثواب، يثاب المكلف لأجل ما ورد من الثواب على النيات، أو قامت البراهين العقلية، وأما هذه الأخبار فهي مخصوصة بموارد جعل الثواب على العمل. ومجرد قصد الثواب وإن لم يصل إليه معنى مجعول، لا يكفي شمول هذه الأخبار له. ومما تبين في هذه الخلاصة من البحث، يظهر مواضع كثيرة من الضعف والخلط في كلمات القوم صدرا وذيلا.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 110 - 111. (*)

[ 238 ]

التنبيه الخامس في حكم دوران الأمر بين التعيين والتخيير وقبل الخوض فيما هو المقصود والمهم في المقام، نشير إلى امور: أحدها: حول جريان البراءة عن التكليف التخييري لا شبهة بعدما تبين الحق، في جريان البراءات الثلاث: العقلية، والعقلائية، والشرعية في الشك في التكليف التعييني، وأما في الوجوب التخييري، فربما يشكل جريان البراءة، من غير فرق بين كون طرف احتمال الوجوب التخييري، إباحة ذلك المشكوك، أو إباحته ووجوبه العيني معا، وذلك لأن كل واحد من أطراف الواجب التخييري الاحتمالي، ليس صالحا في حد نفسه للبراءة، للقطع بعدم العقاب على تركه في ذاته، وأما احتمال العقوبة بالنسبة إلى ترك المجموع فصحيح، ولكن المجموع ليس مورد احتمال الوجوب، لأن المفروض أن الوجوب تخييري مردد بين الطرفين أو الأطراف. مثلا: رفع العقاب بحديث الرفع، لا يعقل بالنسبة إلى كل واحد من الأطراف في حد ذاته، إذ لا عقاب عليه، وأما رفع العقاب عن المجموع، فهو في حد نفسه ممكن، ولكنه خلف، فما هو مبنى الشيخ (1) وأتباعه (2) من رفع العقوبة ب‍ " رفع... ما


1 - فرائد الاصول 1: 320 - 321. 2 - الرسائل الفشاركية: 35، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 191 - 192، درر الفوائد، المحقق الحائري: 422. (*)

[ 239 ]

لا يعلمون " يستلزم عدم جريان الحديث فيما نحن فيه، والنتيجة لزوم الاحتياط. ولو كان الحرام التخييري متصورا - كما مر في المجلد الأول (1) - فالإشكال المزبور أيضا متوجه إليه. وينحل الإشكال بالنسبة إلى البراءة الشرعية حسبما تحرر منا: بأن المرفوع نفس المجهول (2)، فالوجوب التخييري في كل واحد من الأطراف مرفوع، ويكفي لصحة جريانه جواز العقوبة على ترك المجموع في مرحلة العصيان، فلو كان في الواقع وجوب تخييري، يستحق العقوبة بترك المجموع، ولكن في مقام الشك وعدم تمامية البيان، يرتفع التكليف التخييري عن كل واحد من الأطراف. وعدم ترتب العقاب على ترك كل واحد في ذاته ولو كان صحيحا، ولكن ترتب العقاب على ترك المجموع، يصحح إسناد الرفع إلى كل واحد مستقلا. بقي شئ: في كفاية رفع أحد أطراف الوجوب التخييري وهو أن رفع الوجوب التخييري عن أحد الأطراف، يكفي للرفع عن الطرف الآخر، أم لابد من جريان حديث الرفع مرارا بعدد الأطراف، بناء على أن كل واحد يوصف بالوجوب التخييري، كما يوصف الشئ بالوجوب التعييني في موارد الواجبات التعيينية ؟ احتمالان، والأول متعين، لأن حقيقة الوجوب التخييري نحو ملازمة بين وجوب الطرفين على التخيير، ولا يعقل رفع وجوب أحد الأطراف مع بقاء الطرف الآخر على الوجوب، فلا نحتاج بعد ذلك إلى حديث الرفع، فليتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر: أنه لو عجز مثلا عن الأطراف، وكان أحد الأطراف مقدورا


1 - تقدم في الجزء الرابع: 33 - 35. 2 - تقدم في الصفحة 72 - 76. (*)

[ 240 ]

في مفروض المسألة، لا يلزم تعين الوجوب وتعيينه - كما مر في محله - لا بالذات، ولا بالعرض، بل الواجب التخييري باق على حاله، ولو كان العجز موجبا للرفع، فيلزم رفعه عن جميع الأطراف، لتلك الملازمة (1)، فما أفاده العلامة الأراكي (قدس سره) (2) غير صحيح. وما ترى من أن العقل يحكم في موارد العجز بتعين الطرف الآخر، شاهد على أن التكليف لا يدور وجوده وعدمه، مدار القدرة والعجز في الخطابات القانونية، بل الوجوب التخييري باق على إطلاقه ولو عجز عن جميع الأطراف. ولو قيل: قضية " رفع... ما لا يطيقون " رفع التكليف في موارد العجز واللاطاقة، ولازمه عدم وجوب الطرف الآخر، وهو ممنوع بالضرورة. قلنا: مع القدرة على أحد الطرفين، لا يكون لحديث الرفع في الطرف المعجز عنه وجه ومجرى، لما لامنة في رفعه، ضرورة أنه يستحق العقوبة بترك الطرف المقدور على الوجوب التخييري، فلاحظ وتدبر جيدا. هذا كله بناء على ما هو الحق (3) في الوجوب التخييري: من أنه لا يرجع إلى التعييني (4)، ولا إلى المشروط والمقيد (5). وأما على تلك الآراء فلا مشكلة، كما هو الواضح. تتميم: بعدما تبين حال البراءه الشرعية، يظهر وجه جريان البراءة العقلية


1 - تقدم في الجزء الرابع: 11 - 13، ويأتي في الجزء الثامن: 185 - 190. 2 - نهاية الأفكار 3: 289 - 291. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 5 - 6. 4 - كفاية الاصول: 174 - 175، درر الفوائد، المحقق الحائري: 481، محاضرات في اصول الفقه 4: 40 - 41. 5 - أجود التقريرات 1: 182 - 186، و 2: 319 - 321، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 232 - 233. (*)

[ 241 ]

والعقلائية في المسألة. ويمكن دعوى: أن مصب حديث الرفع، هو الوجوب التخييري المحتمل بين الثلاث، فيندفع الإشكال حتى على القول: بأن المرفوع هو العقاب. وعلى كل تقدير الأمر سهل، ومن هنا يظهر وجه احتمال كون الشيخ قائلا بالاحتياط في المسألة (1)، فلا تغفل. ثانيها: في أقسام دوران الأمر بين التعيين والتخيير ينقسم دوران الأمر بين التعيين والتخيير - باعتبار الأقسام الرئيسة - إلى أقسام أربعة: القسم الأول: ما كان الأمر دائرا بين التعيين والتخيير في التكاليف النفسية، كصلاة الظهر والجمعة، وفي هذا القسم فروع اخر تظهر مسألتها في طي البحث الكلي. والقسم الثاني: ما كان أيضا في التكليف النفسي، إلا أن منشأ الإشكال والشبهة في الأول اختلاف الأخبار، وإجمال الأدلة، ومنشأ الثاني احتمالات خارجية، كما إذا علم بوجوب حفظ نفس المسلم، واحتمل تعين المؤمن عند المزاحمة، أو كان يعلم تعين المؤمن عند المزاحمة، واحتمل إيمان أحدهما المعين، فإنه يلزم دوران أمره بين التعيين والتخيير على التقديرين. وما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله): " من أن في القسم الأول، يكون الشك في حال الخطاب، وفي الثاني في فعلية التكليف " (2) لا يرجع إلى المحصل، لما تحرر


1 - لاحظ فرائد الاصول 1: 385 و 2: 481. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 417 - 419، أجود التقريرات 2: 223 / السطر 2 - 5. (*)

[ 242 ]

من أن التكليف فعلي في الفرض الثاني، وإنما العبد معذور، وتفصيله في مباحث الترتب (1). والقسم الثالث: أن يتردد الأمر في الحجج العرفية العقلائية الإمضائية، ومن ذلك دوران الأمر بين تعين الرجوع إلى الأعلم، أو التخيير بين الرجوع إليه وإلى المفضول، بعد معلومية الحكم بحسب حكم العقلاء مثلا، وهو التخيير، ولكنه يحتمل تصرف الشرع في ذلك، وليس دليل اجتهادي يرفع ذلك الاحتمال فرضا. والقسم الرابع: أن يتردد الأمر في الحجج التأسيسية الشرعية، كحجية أحد الخبرين بعد التساقط، فإنه لو احتمل تعين أحدهما لأمر من الامور، بعد كون حكم العقلاء سقوطهما عن الحجية، فإنه يدور الأمر بين التعيين والتخيير. ومن ذلك فتوى الفقيه، فإن دعوى: أنه حجة عقلائية لكونه أهل خبرة (2)، باطلة، ضرورة أنه لا توجد فتوى من الفقيه في المسائل المتعارفة، إلا وتعارضها الفتاوى الاخرى الكثيرة من الأحياء والأموات، ومعارضة الآراء من الأموات للآراء من الأحياء، قطعية عند العقلاء، لأن شرطية الحياة لو كانت معتبرة فهي شرعية، فلا تقاس نظرية أهل الخبرة - الذين يرجعون إليهم في كل يوم مئات المرات في المسائل المختلفة غير المتعارضة - بمسائل إسلامية التي كانت معنونة من لدن تأليف الكتاب إلى عصرنا هذا، والتفصيل في محله (3). فعلى هذا، إذا دار الأمر بين فتوى الفقيه الحي تعيينا، وبين فتواه وفتوى الميت تخييرا، فهل الاحتياط يتعين، أم لا ؟ وهكذا سائر الشكوك الممكنة في مثل المسألة. فاصول الأقسام أربعة، ويأتي بعض فروعها في طي البحوث الآتية إن شاء


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 2 - نهاية الأفكار 4: 241 - 242، تهذيب الاصول 2: 539. 3 - مباحث الاجتهاد والتقليد، للمؤلف (قدس سره) مفقودة. (*)

[ 243 ]

الله تعالى. ومن أقسام الاصول: دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الواجبات الغيرية مثلا في بلدة الكوفة أو كربلاء المقدسة، بل وفي زيارات المدينة المنورة ومكة المكرمة، يدور الأمر بين التعيين والتخيير، أي تعيين القصر، أو التخيير بينه وبين الإتمام للمسافر، ولا شبهة في أن الأمر بالقصر أو الإتمام، ليس من الأوامر النفسية، بل الواجب النفسي هو الأمر بالظهرين والعشاء، وأما لزوم القصر فهو أمر يرشد إلى حدود المأمور به، فتدبر. ثالثها: في حكومة الاصول الرافعة للشك على التخيير في موارد الدوران التي يجري أصل من الاصول الرافعة للشك فيها، لا يبقى موضوع هذه المسألة طبعا، مثلا فيما إذا كان مقتضى الاستصحاب الحكمي في القسم الأول التعيين، أو الموضوعي في القسم الثاني التخيير، أو التعيين، لا تصل النوبة إلى هذه المسألة. نعم، لو قلنا: بأن الأصل المذكور غير جار، تصل النوبة إلى البحث في المقام، كما هو الواضح. تنبيه: ربما يتمسك بالاستصحاب لإثبات التعيين، ويعد ذلك من وجوه لزوم الاحتياط في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير (1). وهذا في غير محله، لأنه لو كان جاريا، يكون رافعا لموضوع مسألتنا، فلاتجوز صناعة عده من أدلة الاحتياط (2). وهكذا ما في كلام العلامة النائيني: من استظهار التعيين، من جهة أن الواجب


1 - فرائد الاصول 1: 385، نهاية النهاية 2: 118، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 267. 2 - نهاية الأفكار 3: 290، مصباح الاصول 2: 456. (*)

[ 244 ]

التخييري، يحتاج إلى المؤونة الزائدة في مقامي الثبوت والإثبات، ضرورة أنه في الوجوب التخييري، نحتاج إلى ملاحظة العدل، وتعليق التكليف بالجامع بينه وبين الطرف الآخر، وفي مرحلة الإثبات نحتاج إلى ذكر العدل، فما لم يثبت ذلك الزائد نحكم بالتعيين، لعدم قيام الحجة على تلك المؤونة الزائدة (1). وبالجملة: في تمسك المتمسك الأول بالاستصحاب، وفي استظهار المستظهر الثاني - مضافا إلى المناقشة رأسا - إشكال الخروج عن الجهة المبحوث عنها في المسألة كما لا يخفى، ضرورة أن البحث هنا حول أن مقتضى العقل أو النقل، هي البراءة، أو الاشتغال والاحتياط، فلو اقتضى دليل تعيين المأمور به فهو خارج، لأنه به يثبت الخروج قهرا، ويكون من قبيل اقتضاء دليل اجتهادي تعيين المأمور به أو تخييريته. بقي شئ: في عدم كفاية استصحاب التعيينية أو التخييرية مجرد استصحاب بقاء وجوب الظهر أو الجمعة، فيما دار الأمر بين الظهر والجمعة، وكانت الحالة السابقة مثلا هي وجوب الجمعة، لا يكفي لرفع الغائلة في المقام، لأن الجمعة على التقديرين واجب لا شك فيه، فلابد من إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى تعيينية الجمعة، وأنها كانت واجبا تعيينيا، وليست التعيينية إلا من الانتزاعيات. نعم، فيما إذا كانت الحالة السابقة، التخييرية بالحمل الشائع، فإثبات الوجوب التخييري، عين حال العلم الإجمالي بإجراء استصحاب في أحد الأطراف، موضوعيا كان، أو حكميا. فبالجملة: استصحاب التعيينية والتخييرية بالحمل الأولي وبعنوانها الانتزاعي،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 428، أجود التقريرات 2: 215. (*)

[ 245 ]

غير جار، لما لا ثمرة فيه، واستصحاب الوجوب التعييني لا معنى له، لما أنه ليس مورد الجعل، بخلاف استصحاب الوجوب التخييري، فإنه قابل للجعل، لأن جعله ليس إلا على نحو الترديد المذكور في الخصال مثلا، أو في أماكن التخيير، وغير ذلك. ولازم هذا حل المشكلة بالاستصحاب فيما إذا كانت الحالة السابقة التخيير، دون التعيين. وما في كلام بعضهم: " من أن التخييرية انتزاعية " في محله، إلا أن الوجوب التخييري بالحمل الشائع، قابل للجعل. أقول: لو كان الاستصحاب الجاري في الوجوب التخييري، كافيا لرفع الغائلة، يكون الأمر كذلك في ناحية كون المستصحب، هو الوجوب بلا عدل، ضرورة أن ما هو المتيقن سابقا هو الوجوب، ويكفي نفس التعبد بعدم العدل بضميمة التعبد الأول أيضا، فلاحظ جيدا. أحكام أقسام دوران الأمر بين التعيين والتخيير إذا تبينت هذه الامور، فالبحث يقع في تلك الأقسام وأصنافها: أما القسم الأول: فالفرض الرئيسي فيه ما لو كان الأمر، دائرا بين التعيين والتخيير من جانب واحد، كما لو كان صوم شهرين متتابعين واجبا تعيينا، أو يكون طرف وجوب تخييري بينه وبين عتق رقبة، فالحق المحض الذي لا يمكن الفرار منه: هو أن الأمر يدور مدار المبنى في الوجوب التخييري، فإن قلنا: بأن الوجوب التخييري يرجع إلى التعييني، وأن الجامع هو الواجب، سواء كان جامعا انتزاعيا كعنوان " أحدهما " أو قريبا ذاتيا، أو بعيدا يشار إليه، فلا محيص عن البراءة، لأن المسألة تندرج في

[ 246 ]

مسألة دوران الأمر بين كون الواجب مطلقا، أو مقيدا، ولا شبهة في جواز رفع القيد، فتجري البراءات الثلاث بالضرورة. ومن الغريب ذهاب " الكفاية " و " الدرر " (1) إلى الاحتياط، مع أن مبناهم في التخييري هو الرجوع إلى التعييني، وأن التخيير شرعي، وأوامره إرشادية (2) ! ! وهكذا لو كان الوجوب التخييري راجعا إلى الوجوب المشروط، كما في كلام العلامة النائيني (3)، أو إلى الوجوب التعليقي، أو ما يشبه ذلك: من وجوب الحصة عند كذا وكذا، كما يستظهر من العلامة الأراكي (قدس سره) (4) ضرورة أنه في صورة إيجاد الطرف الآخر يمنع عن تنجز التكليف في الطرف الآخر طبعا. نعم، بناء على ما ذهب إليه الاستاذان العلمان: البروجردي (5)، والوالد المحقق - مد ظله - (6) فربما يشكل البراءة، نظرا إلى أن الخصوصية على كل تقدير متعلق الأمر، سواء كان الوجوب تعيينيا، أو تخييريا، لأنه سنخ وجوب لا يرجع إلى سائر الوجوبات المعروفة. ومشكلة الوجوب التخييري منحلة في محله (7). وعلى هذا، في صورة الإتيان بالطرف الآخر، يشك في سقوط أمر المتعلق بالطرف الذي هو القدر المتيقن. وبعبارة اخرى: حجة المولى في الصورة المذكور تامة، فلابد من الجواب، ويشك في كفاية الطرف الآخر جوابا عما توجه إليه من الخطاب.


1 - كفاية الاصول: 406، درر الفوائد، المحقق الحائري: 481. 2 - كفاية الاصول: 174 - 175، درر الفوائد، المحقق الحائري: 481. 3 - انظر فرائد الاصول 1: 233، أجود التقريرات 1: 182 و 185. 4 - نهاية الأفكار 1: 368 - 369 و 391 - 392. 5 - الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 1: 322 - 324. 6 - مناهج الوصول 2: 85 - 88، أنوار الهداية 2: 151 - 152 و 160 - 161. 7 - تقدم في الجزء الرابع: 5 و 6. (*)

[ 247 ]

وبالجملة: لا قصور من ناحية الهيئة، لأنها هيئة مطلقة منجزة، ولا من ناحية المادة، لأن ذات الخاص مورد الأمر، لا الجامع، فلابد من الالتزام بالاحتياط عقلا، بل وشرعا، لأن الوجوب التخييري لا يكون مورد الرفع، لما لا منة فيه، وأما الوجوب التعييني فهو لأجل أن التعينية، مما لا تقع تحت الجعل، بل هي أمر يعتبر وينتزع عن الجعل بلا بديل وعديل، فلا يمكن رفع التعينية، فاغتنم. أقول: هذا أيضا ممنوع، وذلك لأن مجرد تمامية الأمر المتعلق بالخاص، لا يكفي لتمامية الحجة على الخاص، ضرورة أنه في موارد دوران الأمر بين الوجوب والندب، يكون الأمر معلوما، والخصوصية معلومة، ولكن لا يلزم منه لزوم الخاص بالضرورة، وأن في موارد الوجوب التخييري، لا يكون إتيان أحدهما، موجبا لسقوط الأمر المتعلق بالطرف ومسقطا له، بل الوجوب التخييري معناه سقوطه بإتيان أحد الأطراف، من غير أن يكون أحد الطرفين مسقطا للأمر المتعلق بالآخر، لأنه اعتبار آخر يجئ في طي البحوث والتنبيهات الآتية إن شاء الله تعالى (1). فما يقال: " من أن إتيان الطرف الآخر، موجب للشك في سقوط الأمر المتعلق بذاك الطرف " (2)، غير صحيح. وبالجملة: الحجة ليست تامة على الخاص، بمعنى أن تركه موجب للقطع بالاستحقاق والعقوبة، ضرورة أن في ظرف الإتيان بالآخر لا يستحق احتمالا، ولا تتم الحجة على الخاص بالضرورة، فإن مدار الاشتغال على أن يكون في ترك الخاص، غير مأمون من استحقاق العقوبة، والعقوبة هنا غير قائمة عليها الحجة، لأن


1 - يأتي في الصفحة 273. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 428، درر الفوائد، المحقق الحائري: 481. (*)

[ 248 ]

الحجة تامة بالنسبة إلى ترك الكل، لا ترك الخاص. ولعمري، إن البراءة بعد ذلك واضحة جدا. وإن شئت قلت: لا يكون التكليف في مورد تعلق الأمر قطعا، منجزا ومستتبعا للعقوبة إلا عند ترك الآخر، والاحتياط العقلي يستتبع تنجيز التكليف، ومعنى تنجيز التكليف هو استحقاق العقوبة، وهو هنا ممنوع كما مر. وأما توهم عدم جريان البراءة الشرعية (1)، فهو لا يضر، عكس ما قيل في الأقل والأكثر (2). وبالجملة لا بأس به. مع أن الوجوب التعييني ربما يمكن إفادته بقوله: " أكرم زيدا تعيينا " في قبال " أكرم زيدا تخييرا بينه وبين عمرو " فيكون التعيين عنوانا مورد الأمر. هذا، وأما إذا كان عنوان التعيين، منتزعا عن الأمر المتعلق بشئ، وعدم ذكر العدل له بالسلب المحصل، فهو وإن لم يكن مورد الأمر وتحت دائرة الجعل، إلا أنه يكفي لرفعة كونه من تبعات تعلق الأمر بشئ، لما لا يعتبر أكثر من ذلك في الرفع المثمر، ولا شبهة في أن كيفية تعلق الطلب والإرادة المتعلقة بالواجب والمندوب والواجب التخييري، مختلفة من حيث التأكيد، وهذا يكفي لإجرائه، والأمر - بعدما عرفت - سهل. بقي شئ: حول مختار المحقق العراقي من الاشتغال ورده يوجد في كلام العلامة الأراكي التزامه بالاشتغال (3)، نظرا إلى أن حقيقة الوجوب التعييني، هو لزوم سد جميع الأعدام، وفي التخييري سد جمع من الأعدام،


1 - أنوار الهداية 2: 161. 2 - كفاية الاصول: 413 - 416. 3 - نهاية الأفكار 3: 288. (*)

[ 249 ]

ولا منع من عدم سد عدمه عند الإتيان بالطرف، ولذلك يحصل هنا علم إجمالي بحرمة الأعدام على الإطلاق في هذه الناحية، وحرمتها في الطرف في الجملة، ولازمه الاحتياط. وأنت خبير بما فيه، فمضافا إلى أصل تفسير التعيينية والتخييرية، وأن في ناحية الوجوب لا حرمة متعلقة بالعدم، فإن كل حكم لا ينحل إلى حكمين، أن هذا العلم الإجمالي لا يؤثر في الاحتياط، لأن سد الأعدام في تلك الناحية، لازم عند عدم سد العدم في الطرف، فإذا لم ينسد واتي به، فلا تنجيز في ذاك الطرف بالضرورة. حكم الفرض غير الرئيسي من القسم الأول وأما الفرض غير الرئيسي: فهو ما لو دار الأمر بين التعيين والتخيير من طرفين، فلا بحث بعد ذلك، لأن القائل بالاحتياط يتعين عليه الجمع، والقائلين بالبراءة يقولون بالتخيير. ومن بين القائلين بالاحتياط في الفرض الأول، ويقول بالبراءة في الثاني، هو العلامة الأراكي (قدس سره) (1) إلا أنك عرفت ما في أصل تقريبه، وعدم تمامية مطلوبه به أيضا، وأعجب منه تفصيله كما ترى ! ! فتأمل. بيان آخر لوجوب الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير وغير خفي: أنه ربما يتوهم في موارد التعيين والتخيير، وجوب الجمع بينهما في ظرف الامتثال، لامتناع كون العلم الإجمالي موجبا لتنجيز أحد الطرفين، دون


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 428، الهامش 1، نهاية الأفكار 3: 290. (*)

[ 250 ]

الطرف الآخر، وهكذا يمتنع أن ينجز الطرفين، ويكفي امتثال المعين. وكأن هذا من تبعات القول بالاحتياط هنا من جهة العلم الإجمالي (1)، فافهم ولا تخلط. وأسوأ حالا مما مر دعوى: أنه لو اكتفى بالمعين فلا شك في البقاء، ولو أتى بالطرف المشكوك وجوبه يشك في البقاء بعد العلم بأصل التكليف، ونتيجة ذلك أولا: كشف لزوم الاحتياط بإتيان الطرف المعلوم، وثانيا: أن مقتضى الاستصحاب لزوم الإتيان بالطرف الآخر. وغير خفي أيضا: أن كشف لزوم الاحتياط ممنوع، لأن العقل لا يجد إلا تمامية الحجة بالنسبة إلى الوجوب التعييني أو التخييري، وأما تمامية الحجة بالنسبة إلى أحد الأطراف معينا، فممنوع كما مر، فالطرف الآخر ولو كان مشكوك الوجوب، ولكنه لا يستلزم كون الحجة تامة بالقياس إلى الطرف الآخر، لأنه مشكوك وجوبه شرعا، ولازم عقلا إتيانه عند ترك الطرف الآخر بالضرورة. وأما الاستصحاب، فما هو المتيقن هو الجامع الانتزاعي من الوجوبين، فلا تغفل. مع أن البراءة الشرعية لو كانت جارية، تمنع عن الشك الاستصحابي، وتفصيله في الأقل والأكثر. تقريبنا للزوم الاحتياط في المقام بقي كلام وتقريب ثالث لنا للاحتياط: وهو أن وجوب الطرف مرفوع بحديث الرفع، ولا يجري الحديث في ذاك الطرف المحتمل تعينه، فلا تتعارض البراءتان الشرعيتان، ولا يثبت الوجوب التعييني، لأن رفع الوجوب عن الطرف المشكوك يثبت بالنسبة إلى كون هذا الطرف تعيينا، فلا يرفع به إلا رفع تبعات التكليف، وهو المطلوب.


1 - نهاية الأفكار 3: 289 - 290. (*)

[ 251 ]

بل للشرع رفع أحد طرفي التكليف التخييري ظاهرا، بل وواقعا، ويكون الطرف الآخر متعينا بالعرض وقهرا، من غير أن يلزم سقوط التكليف التعييني والتخييري المحتملين، وحدوث تكليف آخر معين معلوم. وفيه: أن الوجوب المشكوك في الطرف مرفوع، والوجوب التخييري في الطرف المعين وهكذا التعييني، كل واحد مجرى البراءة الشرعية، وما هو المعلوم هو الوجوب الانتزاعي غير المجعول وغير المرفوع. وهنا بعض (إن قلت قلتات) محولة إلى المتأخرين، فتدبروا تعرفوا. وأما توهم: أن رفع الوجوب بحديث الرفع في الطرف لامنة فيه (1)، ففي غير محله، لأنه برفعه ورفع التعيينية المجهولة منة، وهذا يكفي لجريانه الموقوف على كونه منة. نعم، يلزم التعارض، فلا تخلط. القسم الثاني: دوران تكليف النفسي بين التعيين والتخيير، مع كون منشئه الامور الاخر الخارجة عن إجمال النص، أو تعارض الأخبار والأقوال. وذلك كما في موارد التزاحم مع كون القدرة واحدة، فإنه في موارد كون الغريقين متساويي الملاك يكون المكلف مخيرا، وأما لو احتمل أهمية أحدهما المعين لاحتمال كونه مؤمنا أو يعلم بسيادة أحدهما المعين، ويحتمل كون السيادة سببا للأهمية، فهل في هذه الصورة يجب الاحتياط (2)، أو هو بالخيار، ولا اشتغال (3) ؟


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 428. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 432 - 433. 3 - أنوار الهداية 2: 164، الهامش. (*)

[ 252 ]

وجهان ناشئان عما بنوا عليه في باب التزاحم من التخيير الشرعي في هذه الصورة إما بتقييد إطلاق كل واحد، فلازمه التخيير، أو كشف التكليف التخييري الحديث. وحيث إن المحرر عندنا إمكان كون كل واحد مع العجز المطلق مورد التكليف الفعلي، فضلا عما إذا كان له القدرة على واحد منهما، فلا تخيير شرعا، فلا دوران بين التعيين والتخيير الشرعيين، فيسقط هذا القسم عن الأقسام المذكورة في هذه المسألة، وتفصيله يطلب من بحث الترتب (1). ونتيجة ما ذكرناه هو البراءة، مع أن الظاهر عندهم اتفاقهم على الاحتياط في هذه الصورة، فاغتنم. هذا مع أن تعين الاحتياط على مبناهم أيضا قابل للمنع، ضرورة أنه في صورة كون التخيير شرعيا، لا يمكن كشف الخطاب التعييني إلا احتمالا، فيندرج في القسم الأول وأما على كون التخيير عقليا فالأمر كما تحرر. لا يقال: حتى ولو كان هذا القسم خارجا عن مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير رأسا، لأن فعلية كل واحد من الإنقاذين، لا تنافي كون القدرة واحدة، ولكن لابد من الاحتياط، لأنه في صورة صرف القدرة في الطرف، يشك في كون المكلف معذورا في ترك محتمل الأهمية، مع أن العقل يستقل بلزوم كونه معذورا عند ترك التكليف في كل مورد، فإذا صرف القدرة في محتمل الأهمية، يعلم بالعذر المقبول. لأنا نقول: الأمر كما تحرر لولا أن إثبات الأهمية في باب التزاحم، على عهدة الشرع وبيانه، فالشك في مقبولية العذر، مسبب عن الشك في تمامية البيان من قبله، وحيث لا يكون بيان، فلا تصح العقوبة على ترك محتمل الأهمية، فتأمل.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 387 - 397 و 449 - 455. (*)

[ 253 ]

وبالجملة: هذا القسم قطعا على ما سلكناه في باب التزاحم (1)، خارج عن مسائل دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وأما جريان الاحتياط المسلم عندهم هنا. فهو قابل للمناقشة كما عرفت. بقيت صورة دوران الأمر في هذا القسم بين كون الدوران من طرف واحد، أو من طرفين، وقد عرفت ذلك، ولو كان هذا القسم من صغرياته فالنتيجة هي التخيير، لعدم القدرة إلا على الواحد فرضا. القسم الثالث: ما لو دار الأمر بين التعيين والتخيير، وكان الأمر المردد من الأوامر الإرشادية إلى حدود المأمور به وقيوده. وهذا مثل دوران أمر المسافر إلى بلدة الكوفة، وكربلاء، والمدينة، ومكة المكرمة على مشرفها السلام، فإنه يدور أمره بين تعين القصر، أو التخيير بين التمام والقصر، بعد عدم كون الأمر بالإتمام والتقصير أمرا تكليفيا نفسيا بالضرورة، بل هو أمر إرشادي إلى حد المأمور به في السفر والحضر، وأن الأمر التخييري في أماكنه، ليس إلا إرشادا إلى جواز القصر أو الإتمام، من غير كونه واجبا على حدة حتى يعاقب على ترك الوجوب التخييري، بل العقاب مترتب عند تركهما على ترك الظهر والعصر والعشاء. فهل في هذا القسم يتعين القصر، أو يتخير بينه وبين التمام، حسب القواعد العقلية والبراءة الشرعية ؟ مع قطع النظر عن الاستصحاب الحكمي والموضوعي، فإنه قد مر إمكان


1 - تقدم في الجزء الثالث: 421 - 425. (*)

[ 254 ]

إجراء الاستصحاب الرافع للغائلة (1)، وتنحل به المشكلة، فيتعين القصر في صورة سبق تعينه، والتخيير في صورة سبق التخيير، كما إذا ورد كربلاء المقدسة، وأتى إلى الحرم والبقعة المباركة، ثم خرج منها إلى نفس البلدة، فإنه بعد درك التخييير القطعي يشك في بقائه، ولا يجري الاستصحاب الموضوعي، لكونه ناشئا عن الشبهة المفهومية، والمفروض عدم وجود الإطلاق فرضا حتى تكون المسألة من صغريات التمسك بالعام، دون الاستصحاب. وبالجملة: فيما هو الجهة المبحوث عنها هنا، هل مقتضى العقل هي البراءة، أو البراءة الشرعية تجري، أم يتعين الاحتياط ؟ لا يبعد دعوى تعين الاحتياط، ضرورة أن صلاة الظهر واجبة تعيينا عليه بالضرورة، وإنما القصر والإتمام من عوارضه، ولذلك لا يكونان قصديين، فإن اكتفى بالأربع يشك في سقوط الأمر التعييني، بخلاف صورة الإتيان بركعتين، فالأمر الشرعي الإرشادي يدور بين التعيين والتخيير بحسب الصورة، وهذا صحيح، ولكن بحسب مقام الاشتغال والبراءة، لابد من ملاحظة ما هو الواجب النفسي المعلوم، وهو عنوان " الظهر " مثلا، وأنه من غير أن يتنوع بنوعي القصر والإتمام، يكون باقيا بعنوانه تحت الأمر التعييني، وإنما يطرؤه القصر والإتمام باختيار المكلف، ومعنى ذلك هو الاحتياط. نعم، لو كان القصر والإتمام من المنوعات لطبيعة الظهر (2)، حتى يصير الوجوب تخييريا، فتكون المسألة من صغريات القسم الأول، وقد مضى ما فيه بتفصيل لا مزيد عليه.


1 - تقدم في الصفحة 243. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 43 - 45. (*)

[ 255 ]

القسم الرابع: في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الأوامر الغيرية، بناء على القول بها، مثلا إذا ابتلي بالإناءين المعلومة نجاسة أحدهما، وقلنا باحتمال التخيير بين التيمم والوضوء، كما استظهره بعض الأصحاب في محله (1)، فإنه يلزم دوران الأمر بين تعين التيمم والترابية، وبين التخيير بين المائية والترابية. وهكذا من عجز عن تعلم القراءة، يدور أمره بين تعين الجماعة عليه، أو يكون بالتخيير بين الجماعة والفرادي. وهذا القسم واضح على مبنى " الكفاية " فإنه يقول: بأن الأمر الغيري متوجه إلى ذات المقدمة (2)، لا إلى العنوان المنطبق عليها، كعنوان " الموقوف عليها " و " ما يتوقف عليها " (3) فإنه يترشح من أمر الصلاة أمر غيري إما متعلق بنحو التعيين بالترابية، أو بنحو التخيير بالترابية والمائية، وهكذا في صلاة العاجز عن القراءة الصحيحة، فإن الأمر الغيري بالنسبة إلى ذات الجماعة معلوم، لكونها مما يتوقف عليها الإتيان بالمأمور به تاما، ويحتمل التخيير بينه وبين القراءة الناقصة التي يتعلق بها الأمر الغيري المتصور بالنسبة إلى الأجزاء الداخلية، ويظهر وجه كونه من صغريات دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وهذا هو الفرض الصحيح في المسألة. وأما إدراج الجماعة في أنها إحدى طرفي الواجب التخييري رأسا (4)، فمن الغلط بالضرورة، فإن مفروض ذهن المسلمين، ليس إلا وجوب الظهر عليه، من


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 428 - 429. 2 - كفاية الاصول: 115 - 116. 3 - مطارح الأنظار: 40 / السطر 13 - 20. 4 - مصباح الاصول 2: 452. (*)

[ 256 ]

غير كون الفرادى والجماعة داخلة تحت الواجب. نعم، في مقام الامتثال إذا اتي بها جماعة، فلها أحكام خاصة، وليست الفرادى والجماعة من العوارض المنوعة، كما تحرر في محله (1)، بل المسألة من قبيل المطلق والمقيد، ويكون المقيد ندبيا. نعم، في مثل المفروض يلزم الدوران، لأجل ما يأتي إن شاء الله تعالى، فتدبر. وبالجملة: صفة الفرادى ليست إلا معتبرة عن عدم اتصاف الصلاة بالجماعة، وليست قصدية بالضرورة. إذا عرفت ذلك، فمقتضى القاعدة في المثال الأول وأشباهه، يختلف حسب اختلاف المباني، فإن الطهور المسببي لو كان قيدا (2)، فلا شبهة في لزوم الاحتياط، لما يشك في حصوله بالتوضؤ في المثال المذكور، وهكذا في سائر الموارد التي ترجع إلى العلم بالأمر وبحدود المأمور به، والشك في سقوطه، مع عدم وجود أصل يتكئ عليه في الرتبة السابقة، فلو علم إجمالا أنه إما يباح له الصلاة في هذا المكان معينا، أو هو بالخيار بينه وبين المكان الآخر، أو لا يعلم ذلك إلا بنحو الترديد، فإنه يحتاط، لما يلزم العلم بحصول الشرط المعتبر في العبادة والمأمور به، وهكذا في التوصليات، فلا فرق بين أنحاء الواجبات التعبدية والتوصلية. وأما دعوى جريان البراءة الشرعية عن التعينية، ولازمه التخيير بالوجدان، لأن احتمال التعينية موجب للشك، فيكفي نفيه، ولا يلزم كونه مثبتا (3)، فهي غير نافعة لو سلمنا أنه غير مثبت، وذلك لأن الوجوب التخييري أيضا قابل للرفع، وفيه


1 - مباحث صلاة الجماعة من كتاب الصلاة للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 485، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 145. 3 - تقريرات المجدد الشيرازي 4: 133. (*)

[ 257 ]

المنة في حد نفسه، فالوجوب الغيري التعييني والتخييري، كل في حد ذاته في رفعه المنة، فتقع المعارضة. ولا معنى لرفع الوجوب عن الطرف، إما لأنه يستلزم رفع الوجوب التخييري، فيلزم التعارض، أو لا يكون في رفعه المنة في نفسه، فلا تخلط. هذا على القول بالوجوب الشرعي الغيري، مع كون الطهور المسببي قيدا. وأما على القول: بأن الترابي والمائي متعلق الأمر، ولا شئ وراء ذلك، فلازمه أيضا اعتبار كون المصلي إما متيمما، أو متوضئا، وهذا أيضا مما لا يمكن تحصيله في مفروض البحث، ولا تجري البراءة الشرعية إلا معارضة بمثلها أيضا، ولا العقلية. وأما لو قلنا: بأنه لا يعتبر إلا أن يتوضأ أو يتيمم، ولا يصدر منه أحد النواقض ويصلي، فهو غير صحيح إلا على القول بكونهما واجبين نفسيين، وإلا فالمندوب يجوز تركه، فعلى هذا يلزم تقييد الصلاة، وعندئذ لا يحصل العلم بالفراغ بعد العلم بالأمر وحدود المأمور به، مع أن الأمر دائر بين المتباينين. بقي البحث حول المثال الثاني، والذي هو منشأ العلم الإجمالي: هو أن في صورة التعذر عن القراءة، يحتمل بقاء جزئية القراءة أيضا، باعتبار تمكن المكلف من الاستنابة، كما قيل به في الحج (1)، وأن التعذر عن صلاة الطواف مثلا أو قراءتها، لا يوجب الخروج عن الاستطاعة، لإمكان الاستنابة شرعا، والجماعة مثلا، وعلى هذا يدعو الأمر النفسي المتعلق بالصلاة في تلك الحال، إلى الجماعة، فتكون الجماعة لازمة، للتوقف. ويحتمل أن تكون القراءة في الجماعة ساقطة، ولا يكون الإمام نائبا وضامنا


1 - المعتمد في شرح العروة الوثقى، كتاب الحج 5: 31 و 56 - 57. (*)

[ 258 ]

للمأموم فيها، كما هو الأقرب عندنا، وعلى هذا ليست الجماعة متعينة عليه، فيدعوه الأمر الغيري إلى القراءة الناقصة أو الجماعة على التخيير، للتوقف، ضرورة أن الأمر النفسي، سقوطه موقوف على هذا أو ذاك، وإذا شك في ذلك يلزم الدوران بين التعيين والتخيير. وأما ما في كلام العلامة النائيني (1) وغيره (2): " من أن في مورد التعذر تتعين الجماعة، لأن التخيير بين الفرادى والجماعة، من التخيير الأصلي الشرعي. ويحتمل أن تكون الجماعة مستحبا يسقط به الواجب " فهو غير صحيح، ضرورة أن الجماعة والفرادي، ليستا إلا من تبعات الطبيعة المتنوعة، ولا تتنوع تلك الطبيعة ثانية بهما، فإن الفرادى عدمية، ولا تكون قصدية. بل جماعة الإمام أيضا قد تحصل، ولا تكون قصدية، لإمكان عدم اطلاعه على اقتداء المأموم به، وإن في مورد تعذر أحد طرفي التخيير، لا يتعين الطرف الآخر شرعا، ولا عقلا في المقام، لإمكان جريان حديث " رفع... مالا يطيقون " في أمثال البحث، كما أشرنا إليه في محله (3)، فيجوز حينئذ اختيار الفرادى الناقصة. مع أن كون الجماعة مستحبة يسقط بها الواجب، غلط، لأنها صفة تعرض المصداق، وليست شيئا آخر مباينا للصلاة، بل هما متحدان، ويكون من الأفراد المستحبة بطرو الكماليات الخارجة عن الطبيعة، والتفصيل في محله (4). وأما قضية القواعد في صورة الشك في أن جزئية القراءة بالنسبة إلى المتعذر، ثابتة لأجل أحد الاحتمالين، فمقتضى القاعدة هي البراءة، للشك في أنه يجب عليه


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 430 - 431. 2 - مصباح الاصول 2: 452. 3 - تقدم في الصفحة 240. 4 - مباحث صلاة الجماعة من كتاب الصلاة للمؤلف (قدس سره) مفقودة. (*)

[ 259 ]

الأكثر مما يقدر عليه، فلا أمر غيري تعييني بالنسبة إلى الجماعة، لأجل أن مقتضى البراءة في الأقل والأكثر، عدم وجوب القراءة الكاملة في صورة التعذر، ضرورة أن احتمال الوجوب، كان منشؤه إمكان الاستنابة، وأنه كان يكفي لاعتبار الجزئية، كما لا يخفى واشير إليه. وحيث إنه أمر غير ثابت، فيلزم منه الشك في الجزئية في هذا الحال، والأصل الجاري السابق يوجب رفع التحير بين التعيين والتخيير، وتكون النتيجة التخيير. هذا على مسلك. وأما على ما هو المسلك الصحيح: من أن الجزئية المعتبرة للقراءة مثلا، ليست بلحاظ الحالات الشخصية، وتكون هي كاعتبار نجاسة الكلب، فإن الكلب يعتبر نجسا قانونا، من غير ملاحظة القطر الخاص وابتلاء الناس، حتى يكون الكلب في بطون الغابات طاهرا، والدم في العروق طاهرا، بل الكل نجس قانونا، وما مر من وقوع الخلط بين الخطابات التكليفية القانونية والشخصية (1)، يجري في الوضعيات. فالقراءة جزء الصلاة من غير النظر إلى تعذر فرد، واقتدار فرد، بل بعد كون المكلفين في الجملة قادرين، يكفي ذلك لاعتبار الجزئية، وتكون القراءة جزء بالنسبة إلى التعذر، ولا شك في ذلك بعد وجود الإطلاق في دليله، وعلى هذا يترشح من الأمر النفسي، أمر تعييني غيري، وتصير النتيجة لزوم الجماعة، وتخرج المسألة عن دوران الأمر بين التعيين والتخيير إلى التعيين، بناء على القول بأن الإمام ضامن (2)، وإلا فالتعين محل إشكال.


1 - تقدم في الجزء السادس: 250 و 251، وفي هذا الجزء: 146. 2 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 431. (*)

[ 260 ]

وغير خفي: أن ما نذكر من الأمر الغيري مجرد فرض، وإلا فلا أساس للوجوب الغيري، إلا أن مسألتنا هذه أعم من التعيين والتخيير العقلي، أو الشرعي. فإذا كانت القراءة حال التعذر، باقية على الجزئية حسب القانون العام، فيدور أمره بين التعيين على المسلك المشهور - وهو الإتيان بالصلاة جماعة (1) - وبين التخيير على مسلكنا: من أن في الجماعة ليست للقراءة جزئية، وإذا شك في ذلك يدور أمره بينهما، فلا بد من الاحتياط طبعا، لأن العلم بالجزئية يوجب القطع بالفراغ منها، وهو لا يحصل إلا بانقلاب حاله من الفرادى إلى الجماعة حتى يعلم بعدم الجزئية، فلاحظ وتدبر جيدا. بقي وجه آخر للبراءة: وهو أن مقتضى ما احتملناه وقربناه، عدم اختصاص حديث " رفع... ما لا يطيقون " (2) بما لا يطاق عرفا، المقدور عقلا، وتفصيله في محله (3). فما هو المعجوز عنه عقلا مرفوع شرعا، ولاسيما ذلك بالقياس إلى المسلك المذكور: من فعلية الجزئية حال التعذر، فعندئذ ترتفع الجزئية هنا، كما ترتفع حال الجهالة والسهو والخطأ والنسيان، فإذا شك في هذه المسألة، يرجع إلى حديث رفع الجزئية كما مر (4)، وتصير النتيجة في حال الدوران البراءة، لأن أصالة البراءة عن وجوب السورة، مقدمة على مقتضى الأمر المعلوم المتعلق بالصلاة، وإذا أتى بها منفردا يعلم بالفراغ بضميمة الأصل المذكور، وقد خرجنا عن طور المسألة، فليعذرني الإخوان.


1 - تذكرة الفقهاء 4: 292، إيضاح الفوائد 1: 154، مدارك الأحكام 4: 350. 2 - النوادر، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، وسائل الشيعة 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 4. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 161. 4 - تقدم في الصفحة 103 - 115. (*)

[ 261 ]

القسم الخامس: لو دار الأمر بين التعيين والتخيير في الأوامر الترخيصية، وذلك مثل ما إذا علمنا إجمالا: بأن المالك إما رخص لي وأمرني بالتصرف في الثوب الكذائي، أو أمرني تخييرا بين التصرف فيه، أو في الثوب الآخر، على وجه لا يكون ترخيصه في صورة الترك بالنسبة إلى المجموع، بل هو بنحو المنفصلة المانعة الجمع وهكذا. مثلا: في موارد إباحة إحياء الأراضي، ربما يوجد مورد يدور فيه الأمر بين تجويز الاستملاك من الأراضي الخاصة، أو إباحة ذلك بنحو التخيير، بحيث لا يجوز الجمع بينهما. وبالجملة: يتعين الاحتياط، لأن التصرف الممنوع منوط بإحراز الترخيص، وهو في الطرف غير ممكن، ولا أصل يحرز به طيب المالك، بل قضية الأصل في الطرف خلافه، فتأمل. القسم السادس: في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الأوامر الطريقية الإمضائية، وذلك مثل ما إذا دار الأمر بين حجية قول الثقة الإمامي، أو حجية قول مطلق الثقة، ففي موارد التعارض يقع الأمر بين التعيين والتخيير. وهكذا في الموارد الراجعة إلى فتوى الفقهاء، واحتمال دخالة الأعلمية والأورعية والأشجعية، والأعرفية بالامور، والأخبرية بالمسائل الاجتماعية، أو كانت هذه الامور دخيلة بحسب الكبرى الكلية، ولكن شك في أن الفقيه الموجود، هل هو واجد لتلك الصفة في قبال من ليس فيه تلك الصفة قطعا ؟ فيدور الأمر بين التعيين والتخيير.

[ 262 ]

ويشكل الأمر هنا، من جهة أن مقتضى ما تحرر في محله هو تساقط الطرق في مقام المعارضة، فلا تخيير بحسب الموازين العقلائية، فلا يوجد في باب الطرق الإمضائية، مورد يدور الأمر فيه بين التعيين والتخيير، لأن في مقام معارضة قول الثقة الإمامي وغير الإمامي، يكون الخبران ساقطين، وذلك من غير فرق بين بابي الإفتاء والإخبار، فإن الحق سقوط كل واحد منهما عن الحجية: أما الخبر الواقع في الطرف، فواضح. وأما الآخر المتعين، فيشك في حجيته حال المعارضة فيسقط، فلا صغرى لهذا الدوران رأسا. وأما الوظيفة الشرعية المقررة للعلاج، فهي من التعبديات عندنا مطلقا. نعم، في مراجعة العقلاء إلى أحد الطريقين في مورد الحاجة والاضطرار، بحث آخر أجنبي عما نحن فيه، لما لا اضطرار لنا بالنسبة إلى مفاد الطرق بعد وجود الاصول العملية. وتوهم: أن في باب الطرق يكون ذو المزية حجة عند العقلاء، وباقيا على الطريقية حين المعارضة، بخلاف الآخر، وأن التساقط مخصوص بصورة التعارض مع كونهما متساويين بحسب المزايا (1)، غير جيد، والتفصيل في باب التعادل والترجيح إن شاء الله تعالى (2)، ففي الأوامر الإمضائية لا توجد صغرى لدوران الأمر بين التعيين والتخيير. نعم بقي الكلام في الأوامر الطريقية التعبدية، وقد فرغنا من تصويرها (3)، وأنه


1 - منتهى الاصول 2: 234. 2 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث، لاحظ التعادل والترجيح، الإمام الخميني (قدس سره): 109 - 111، و 114 - 115. 3 - تقدم في الصفحة 242. (*)

[ 263 ]

في هذه الصورة يمكن أن يدور الأمر بين التعيين والتخيير، كما هو الواقع كثيرا. والمعروف عنهم هو التعيين (1)، وذلك إما لأن الشك في حجية الطرف، مساوق للقطع بعدم الحجية، كما مر تفصيله في أوائل بحوث الظن (2). أو لأن الشك في حجية الطرف يخرج عن التخيير، ويرجع إلى حجية الطريق المحتمل، ومعذريته ومنجزيته، ومحرزيته التعبدية القطعية، والشك البدوي بالنسبة إلى حجية ذاك الطرف، وهو كاف لعدم جواز الاعتماد عليه، وإن لم يحصل منه القطع بعدم الحجية. وعلى كل تقدير: الأخذ بالقدر المتيقن هنا لازم، لأن التخيير هنا يوجب العلم بالقدر المتيقن، بخلاف بعض الأقسام السابقة كما لا يخفى. وربما يخطر بالبال أن يقال: إنه بعد وصول النوبة إلى اعتبار الحجية التعبدية، كما في التخيير الوارد في أخبار التخيير، أو بالنسبة إلى مطلق المرجحات بعد التعارض والسقوط، فالشك في حجية قول الثقة، ناشئ من احتمال دخالة الإمامية الاثني عشرية في الحجية شرعا، وإلا فهي غير دخيلة عرفا، وإذا وصلت النوبة إلى هنا يرجع إلى البراءة عن ذلك، أو يستصحب عدم جعل الشرع شيئا زائدا عما هو حكم العقلاء. وبالجملة: يدور الأمر بين التعيين والتخيير بعد تصرف الشرع في محيط الطرق واعتبار الحجة تعبدا، ولو كان مرجع الشك في دخالة كل محتمل الدخالة إلى السقوط في باب الطرق، للزم سقوط كثير منها، ولو لم يكن من صغريات مسألتنا هذه. ودعوى: أن دليل الحجية يقتضي رفع المشكوك، مسموعة، ولكنه ربما


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 434، منتهى الاصول 2: 234، أنوار الهداية 2: 167، مصباح الاصول 2: 457. 2 - تقدم في الجزء السادس: 263. (*)

[ 264 ]

يشكل الدليل أحيانا، ونجد أن احتمال تدخل الشرع في اعتبار شئ، موجود جدا، ولا إطلاق للدليل اللبي وهو بناء العقلاء من هذه الجهة. فعلى كل تقدير رفع القيد الزائد هنا، كرفعه في سائر المسائل الوضعية والجعلية الشرعية. فبالجملة: كما يكون للشرع جعل حجية أحد الخبرين، واعتبار المزية للمزايا المذكورة في الأخبار العلاجية (1)، وبعد تساوي الخبرين تعتبر حجية أحدهما، كذلك له نفي اعتبار الشئ المشكوكة دخالته في الحجية التعبدية، حتى في باب الأمارات المسماة ب‍ " الأمارة " لا كسائر الأمارات، فلاحظ جيدا. وحديث المثبتية قابل للدفع بما مر في باب جريانه في الأسباب والمسببات، بل وفي كافة المركبات (2)، فليلاحظ.


1 - وسائل الشيعة 27: 106 - 107، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1 و 11 و 12 و 17. 2 - تقدم في الصفحة 112. (*)

[ 265 ]

التنبيه السادس في إجمال النص للشك في أن المتعلق صرف الوجود أو الوجود الساري من موارد ابتلاء الفقيه بالشك لأجل إجمال النص، الشك في أن متعلق الأمر أو النهي صرف الوجود، أو الوجود الساري. وبعبارة صحيحة: الشك في أن الخطاب والجعل، يتعلق بنفس الطبيعة فلا ينحل، أو يكون متعلقا بها على وجه ينحل إلى الكثير. مثلا: فيما إذا ورد النهي عن الصلاة في النجس، يشك في أنه من القسم الأول، فلا يلزم تقليل النجس في الصلاة، إذا كان صرف وجوده مما لابد منه، أو هو من القسم الثاني، حتى يجب التقليل بمقدار الإمكان. وهكذا في موارد نذر ترك شرب الدخان، بل وشرب كل دخان، هل يكون متعلق النذر على الوجه الأول، فلا يجب الوفاء إلا بمقدار ناقض العدم، فلو حنث مرة واحدة فلا يجب، كما عليه الوالد المحقق - مد ظله - في الفقه (1)، أم هو من القسم الثاني، أو من القسم الثاني في الصورة الثانية، فيجب الوفاء بعدد الأفراد، كما لا يبعد ذلك ؟ وتحقيقه في محله. وأما في موارد الشك، فالبراءة محكمة في الفرضين: أما في الثاني: فهو واضح، لعدم العلم بالتكليف من الأول.


1 - تحرير الوسيلة 2: 123، القول في النذر، المسألة 25. (*)

[ 266 ]

وأما في الأول: فبناء على عدم وجوب الاحتياط في المطلق والمقيد، والقليل والكثير، عقلا وعرفا وشرعا، كما هو المختار، فالأمر واضح. ولو استشكل فيه شرعا فلا وجه للإشكال فيه عقلا، كما هو الواضح. التنبيه السابع في دوران الأمر بين العيني والكفائي وأنت قد أحطت خبرا فيما مر في دوران الأمر بين التعييني والتخييري (1): بأنه لو شك في أصل التكليف الكفائي، تجري البراءات الثلاث، إلا إذا علم بأن من المسلمين من يحتاط، فإنه لو كان وجوب كفائي لكان ساقطا، فلا وجه لإطلاق كلام الأصحاب (رحمهم الله) (2). ثم إنه لو كان أصل يحرز به العينية أو الكفائية فلا غائلة، ولا مشكلة، كما عرفت تحقيقه (3). ومما لا ينبغي الارتياب فيه، أن في صورة ترك الآخرين يجب الاحتياط، ضرورة أنه إما يجب عليه عينا أو كفاية، وعلى كل تقدير يستحق العقوبة في تلك الصورة، فما هو محط النزاع صورة إتيان واحد من المكلفين، فإنه في هذه الصورة تدور المسألة بين العيني والكفائي، ويجوز البحث حول البراءة والاحتياط. إذا عرفت هذه الامور الثلاثة، والأمر الرابع - وهو أن البحث مخصوص


1 - تقدم في الصفحة 238 - 239 و 245 - 251. 2 - نهاية الأفكار 3: 291، منتهى الاصول 2: 235. 3 - تقدم في الصفحة 243. (*)

[ 267 ]

بمورد يمكن فيه حمل الوجوب الكفائي على جميع محتملاته، فلا تخلط - فاعلم: أن المسألة في المقام تنشأ كما سلف، عن اختلاف المباني في كيفية اعتبار الوجوب الكفائي (1)، ضرورة أنه على بعض التقادير تجري البراءة، دون بعض كما سيظهر، ولا أقل من اختفاء المسألة على بعض المباني، دون بعض. ومن الغريب ما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (2) وبعض اتباعه من الاحتياط على بعض المباني التي تجري فيها البراءة (3) بالضرورة ! ! مثلا لو كان معنى الوجوب الكفائي: أن موضوع الواجب عنوان " واحد من المكلفين " فإن البراءة واضحة، ضرورة أنه في صورة كون الوجوب عينيا، يكون الموضوع أيضا عنوان " الواحد " بضميمة الخصوصية الشخصية، وإذا شك في ذلك يلزم الشك في أخذ تلك الخصوصية في الموضوع، والأصل على خلافه، والعقاب بلا بيان، والشك يرجع إلى الشك في الثبوت، لا السقوط، فما في كلامه: " من أنه من الشك في التقييد بقاء " (4) غير راجع إلى محصل. ولنا أن نقول: إن في صورة قيام واحد بالطبيعة، كما إذا شك في صورة السلام على جميع الأفراد بصيغة واحدة، ويقول: " السلام على كل واحد منكم " واجيب من قبل واحد منهم، يلزم الشك في تنجز الخطاب بالنسبة إليه، لأن الأمر مردد بين كل واحد على البدلية، فلا يعلم تنجيز التكليف عند إتيان أحدهم وجوابه. نعم، لو كان ميزان الاحتياط العلم بالخطاب، ويكفي ذلك لاستحقاق العقوبة، كان للقول بالاحتياط وجه.


1 - تقدم في الصفحة 245. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 436 - 437، أجود التقريرات 2: 324 - 325. 3 - منتهى الاصول 2: 234 - 235. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 437. (*)

[ 268 ]

وبالجملة: الأمر هنا يدور بين أنه في المثال المذكور ورد " أنه يجب على كل واحد منهم الجواب " أو " على واحد منهم الجواب " والقدر المتيقن فيما هو الموضوع هو عنوان " الواحد " ويشك في السراية والسريان، وترجع المسألة من هذه الجهة إلى التنبيه السادس. وإن شئت قلت: على هذا الاعتبار في الوجوب الكفائي، ليس فعل واحد من المكلفين، موجبا لسقوطه عن الآخرين، بل لازمه سقوط التكليف عن موضوعه، فلا علم من المكلف بالتكليف حتى يشك في السقوط، لأنه على تقدير الوجوب الكفائي، لم يكن التكليف منجزا بالنسبة إليه، فتأمل. ومما ذكرنا يظهر: أن تقريب البراءة على الوجه الأول أمتن، وما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) غير معلومة كفايته للبراءة في هذه الصورة في الواجب الكفائي، وما في كلام العلامة النائيني من الوجهين في اعتبار الكفائي (2)، تكون البراءة على الوجه الأول واضحة لا مرية فيها، نعم على الوجه الثاني - وهو الظاهر في هذه الصورة التي أشرنا إليها - يشكل تقريبها. بقي شئ: هو أن في الواجب العيني، ليس الموضوع - وهو المكلف - إلا الأفراد الذاتية من الناس والمؤمنين، فلا علم بأن ما هو الموضوع في العيني والكفائي، هو عنوان " الواحد " وإذا كان عينيا يكون الموضوع عنوان " الواحد " مع الخصوصية غير القابلة للانطباق، فلا يتم تقريب البراءة في هذه الصورة: وهو كون عنوان " الواحد " موضوعا للتكليف في الكفائي على البدل، وفي العيني هو أيضا عنوان " الواحد " عرضا، ولازمه الاشتغال. ولا ينبغي الخلط بين ما هي الجهة المبحوث عنها في هذه المرحلة، وبين ما


1 - نهاية الأفكار 3: 291 - 292. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 437. (*)

[ 269 ]

هي الجهة المبحوث عنها في أقسام الواجب، فإن من الممكن امتناع بعض هذه المباني في الوجوب الكفائي، ولكنه موكول إلى محله (1). أقول أولا: إن من المحرر عندنا أن الانحلال إلى الأفراد الذاتية، من الأغلاط ولو كان واقعا في كلام السيد المحقق الوالد - مد ظله -، وتفصيله في محله (2)، فلابد وأن تكون خصوصية في الانحلال إلى الأفراد، وعند ذلك يمكن جريان البراءة بالنسبة إلى التكليف المحتمل، وبالنسبة إلى الخصوصية التي تلزم في موضوع التكليف، فتأمل. وثانيا: إن كون عنوان " الواحد " موضوعا للعيني، يستلزم سريان التكليف إلى الأفراد، وفي الكفائي يكون صرف وجوده موضوعا، وقد عرفت في التنبيه السابق جريان البراءة في هذا الفرض، فاغتنم. وأما على الوجه الثاني في الواجب الكفائي: وهو أنه يشبه الوجوب التخييري، إلا أن اختلافهما في مصب الوجوب وموضوعه، فعلى هذا لو كان الوجوب الكفائي راجعا إلى التخييري، فإن كان التخييري راجعا إلى العيني، أو المشروط، أو المعلق وما بحكمه، فالبراءة واضحة. مع أن مرجع الكفائي إلى العيني، يوجب الإشكال في دوران الأمر بين العيني والكفائي، بل يرجع ذلك إلى المسألة السابقة أيضا، وقد عرفت البراءة فيها (3). وأما لو كان التخيير في مرجع الكفائي، هو التخيير الذي ذكرناه (4)، فالاشتغال كما عرفت قوي (5)، إلا أنه قد عرفت وجه المناقشة فيه أيضا، ولازم ذلك التخيير هو


1 - تقدم في الجزء الرابع: 36. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 160 و 165، ولاحظ تهذيب الاصول 1: 342 - 343. 3 - تقدم في الصفحة 245. 4 - تقدم في الجزء الرابع: 5 - 6. 5 - تقدم في الصفحة 245 - 248. (*)

[ 270 ]

أن خصوصية كل واحد من أفراد الموضوع، مصب الوجوب على التخيير، فلا يتم في هذه الصورة وجه البراءة السابق (1)، لأن خصوصية كل واحد من المكلفين، مصب الخطاب العام القانوني عقلا وعرفا، فالحجة تامة، ولابد من الجواب، وسقوط التكليف بإتيان واحد منهم غير محرز. وبالجملة: لابد من صحة الاعتذار بعد تمامية الحجة، سواء كانت على العيني، أو الكفائي، وقد مر وجه الإشكال بما لا مزيد عليه. وأما على الوجه الثالث: وهو أن الفرق بين الوجوب العيني والكفائي، غير موجود في مرحلة الجعل والحكم، وإنما الفرق بينهما في مرحلة السقوط والامتثال، وأن انتفاء الحكم في الوجوب العيني، يمكن بفعل الآخر، وذلك لما مر تفصيله. وهذا هو الموجود في الشريعة، ضرورة أن صلاة الولي، واجبة على الأولى بالإرث وجوبا عينيا، وأداء الدين واجب على المديون بعد الطلب وجوبا عينيا، ولكنه مع ذلك يسقط بفعل الآخرين، فيكفي في اعتبار الوجوب العيني، استحقاق الكل للعقاب في صورة تركهم. وهذا هو مناط الوجوب العيني الحاصل في الوجوب الكفائي، وإنما الفرق بين المثالين والوجوب الكفائي: أن في صورة ترك الكل يستحق الولي والمديون فقط، وفي هذه الصورة يستحق الكل العقوبة، ولأجل ما اشير إليه قسمنا الوجوب العيني إلى العيني المباشري، كصلاة الصبح، والأعم منه ومن التسبيبي، كصلاة الولي عن أبيه، فراجع المجلد الأول (2). ففيما يدور الأمر بين الوجوب العيني والكفائي، يرجع البحث إلى سقوط الوجوب المعلوم عينا بفعل الغير، فلابد من الاحتياط بالضرورة، لأن التكليف


1 - تقدم في الصفحة 266 - 267. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 52. (*)

[ 271 ]

معلوم، والخروج عنه مشكوك. وليس هذا التقريب قريبا مما في كلام العلامة الأراكي (1)، فضلا عن كونه عينه. ولا وجه لما في كلامه: " من أن الاحتياط هنا لازم، لكونه من الشك في القدرة " وهذا غريب ! ! بل هو من جهة أن الاشتغال اليقيني، يستلزم البراءة اليقينية، والحجة التفصيلية تستدعي الجواب القطعي. وعلى هذا تحصل اختلاف مقتضيات المباني في الوجوب الكفائي، وأن ما هو المحرر عندنا هو الوجه الأخير، ولازمه إنكار الكفائي إلا بالمعنى المذكور، فاغتنم. وتوهم امتناع ذلك، ناشئ عن غفلة ميزان العيني، فراجع. تذنيب: حول أمثلة الدوران بين العيني والكفائي قلما يتفق في الفقه دوران الأمر بين العيني والكفائي، وقد مر منا مثال له (2)، وهناك مثال آخر يرجع إلى مشكلة في الأدلة، وذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه في موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأثير الأمر والنهي، لا يبقى موضوع ولا بحث، وإنما البحث في أن من المحتمل أن لا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات العينية، بمعنى أنه لا يجب ذلك ولو كان يرى المكلف منكرا، ويجد ترك معروف، لاحتمال اختصاص ذلك بطائفة معينة من قبل السلطات الحكومية والحاكم الشرعي، وذلك لأن تصدي هذا الأمر ربما يستلزم المفاسد الكثيرة، كما نشاهد أحيانا. ويستظهر ذلك من قوله تعالى: * (ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير) * (3)


1 - نهاية الأفكار 3: 292. 2 - تقدم في الصفحة 267. 3 - آل عمران (3): 104. (*)

[ 272 ]

فإن الصريح منه أن الأمر موكول إلى طائفة خاصة من الامة، وهذا ليس معنى الكفائي، بل هو أمر متعلق بجماعة خاصة من الامة، موكول تعيينها إلى الحكومة، فإذا لاحظنا الأدلة الاخر، يلزم الشك في أن ذلك من الواجب العيني، أم هو من الواجب المخصوص بطائفة اختيار تعيينها بيد الحاكم، فيكون كل مكلف متحملا في حقه على البدل، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع فرض موضوعهما، فيدور الأمر لأجل هذه الجهة بين العيني والكفائي القابل للانطباق على كل واحد على البدلية، فتكون الحجة تامة في مرحلة الجعل، وإذا شك في مرحلة الامتثال لابد من الاحتياط، فليلاحظ جيدا. تنبيه: في حكم الدوران بين العيني المباشري والأعم هذا فيما إذا دار الأمر بين الكفائي والعيني المباشري، بناء على ما عرفت منا من انقسام الوجوب العيني إلى المباشري والتسبيبي (1). ولو دار الأمر بين العيني المباشري والأعم، فالبراءة محكمة بالنسبة إلى القيد الزائد، وهكذا لو دار الأمر بين الكفائي والعيني المباشري والأعم منه ومن التسبيبي، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الجزء الرابع: 52. (*)

[ 273 ]

التنبيه الثامن في دوران الأمر بين الوجوب الأولي والثانوي لو دار الأمر بين كون الشئ واجبا بالذات، أو بالعرض، حسبما اصطلحنا عليه في الاصول، أو يعبر عنه: بأنه لو دار الأمر بين كون الشئ واجبا بالوجوب الأولي، أو الثانوي، فهل تجري البراءة، أم يتعين الاحتياط ؟ وذلك مثل ما إذا شك في أن صلاة الجمعة واجبة بالذات، وتكون أحد طرفي الواجب التخييري، كسائر الواجبات التخييرية، أو يكون الواجب بالذات والمجعول أولا صلاة الظهر، وإنما تكون صلاة الجمعة مجزية عن صلاة الظهر، فتكون في طول الواجب الأول وعرضيا وثانويا، وإن كان بحسب الصورة عرضية، ومخير بينها وبين الأولى، إلا أنها اعتبرت بدلا عنها ومجزية عنها، وهكذا في مثل الغسل المعتبر بدلا عن الوضوء، أو التيمم المعتبر بدلا في بعض الاحتمالات. والذي قويناه في تحريراتنا في صلاة الجمعة: أنها صلاة شرعت على فرض كونها في عرض الواجب الآخر، وهي صلاة الظهر، ولكنها شرعت مجزية عنها، وما هو الأصل هي صلاة الظهر (1)، ولذلك عند فقد الشرائط وفي موارد الاستثناء، يكون المجعول الأولي هي صلاة الظهر. وفي تعابير القوم: " إن الجمعة تجزئ عن الظهر " (2).


1 - مما يؤسف له فقدان كثير من مباحث كتاب الصلاة للمؤلف (قدس سره) ومنها مباحث صلاة الجمعة. 2 - نهاية الإحكام 2: 45، جامع المقاصد 2: 378، مدارك الأحكام 4: 53، مستند الشيعة 6: 112. (*)

[ 274 ]

وقيل: بعدم الإجزاء (1) وهذا التعبير غير جائز في الواجب التخييري، كما هو المعلوم، وتكون النتيجة في موارد الشك - بعد إحراز كونها واجبا بالعرض - هو الاشتغال، لأنه يشبه الشك في المحصل والمحصل. وعلى هذا، إذا شك في شئ أنه واجب أولي، أو ثانوي، أو بتعبير آخر: أنه واجب بالذات، أم بالعرض، كما هو كذلك على احتمالنا في صلاة الجمعة، وهو ظاهرهم في مثل الغسل والتيمم بالنسبة إلى الوضوء، وغير ذلك، كالقنوت في الركعة الاولى تبعا للإمام بالنسبة إليه في الركعة الثانية، فإنه ربما يستظهر من دليله أنه يجزئ عن القنوت المشروع أولا في الركعة الثانية، وهكذا في إجزاء قراءة الإمام عن قراءة المأموم، بناء على كونه من صغريات هذه المسألة، وغير ذلك مما يطلع عليه الفقيه، فإنه هل تجري البراءة نظرا إلى الشك في الأقل والأكثر وإلى القيد الزائد ؟ فلو شك في صلاة الجمعة، أنه هل تجب فيها سورة الجمعة، أم يكفي مطلق السورة، تجري البراءة، أم يحتاط، لرجوع الشك فيه إلى الشك في سقوط الأمر النفسي المعلوم المتعلق بصلاة الظهر، فلابد من البراءة اليقينية، فلا تجري البراءة العقلية قطعا، وأما الشرعية فهي تكون من المثبت، لما لا تدل إلا على نفي جزئية السورة الخاصة ونفي اعتبار السورة الخاصة، وأما كونه كافيا فلا يكون من حدود دلالتها. اللهم إلا أن يقال: بأن في هذه الأمثلة وهذه المسألة، تجري البراءة، لأن تحديد حدود الواجب الثاني وبالعرض بيد الشرع، ولا سبيل للعقل إليه، فلا تجوز العقوبة على ترك الواجب الذاتي من جهة الإخلال بهذه الجهة في الواجب الغيري، وهكذا في سائر الأمثلة التي تكون بيد الشرع حدودها. أو يقال عليه: إن للشرع الاتكال على حكم العقل بالاحتياط في هذه


1 - لاحظ مسالك الأفهام 1: 262. (*)

[ 275 ]

الموارد، فلا يتكفل لتوضيح حدوده، نظرا إلى وصوله إلى الغرض. ولو شك في أن هنا تجري البراءة، أم لا، فلابد أيضا من الاحتياط، لعدم جريان البراءة العقلية قهرا وطبعا، لما لا شك من جهة العقل. ولو فرض الشك في دركه، لاختلاف الجهات، وقصور الاطلاع، فالقاعدة المقتضية للاحتياط أيضا مشكوكة الجريان، فيبقى استصحاب بقاء التكليف الثابت بالنسبة إلى الظهر بعد الفراغ عن الجمعة، وتكون النتيجة لزوم الاحتياط أيضا، فليلاحظ جدا. نعم، فيما إذا لم يكن أصل آخر وراء الاحتياط أو البراءة، فلا تبعد أصالة البراءة، لأن نتيجة التردد في المسألة العقلية - بعد كون العقاب محتاجا إلى الحجة - هي البراءة. اللهم إلا أن يقال: لابد من المؤمن من العقاب، فتصير النتيجة الاحتياط، وسيأتي في أواخر مباحث الاشتغال ما ينفعك إن شاء الله تعالى.

[ 276 ]

التنبيه التاسع في دوران الأمر بين المحذورين وقبل الخوض في مسائله نشير إلى امور: الأمر الأول: في شمول البحث للدوران بين الحرامين كما يتصور دوران الأمر بين المحذورين: الواجب، والحرام، فيكون فعل شئ واجبا، أو حراما، يتصور بين الواجبين، فيكون فعل شئ واجبا، أو تركه واجبا، وهكذا بين الحرامين، فيكون فعل شئ حراما، أو تركه حراما. وتوهم: أن الترك لا يعقل وجوبه ولا حرمته، لأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، ولا يعقل أن يكون في الترك مصلحة أو مفسدة، لأنه عدم ولا شئ، ولا يعقل فيه ذلك بالضرورة (1)، مدفوع بما مر في محال من هذا الكتاب (2)، فإن في مثل تروك الإحرام، لا بأس بالالتزام بكونها واجبة في الاعتبار، نظرا إلى المفسدة في وجود المضاف إليه، وهذا يكفي لاعتبار وجوب الترك باعتبار ذاك، ولا يعتبر أزيد من ذلك، حسب نظر العدلية الذي ينتهي إلى أنه لابد وأن لا تكون الأحكام جزافية، فلا تخلط واغتنم.


1 - مناهج الوصول 2: 18، تهذيب الاصول 1: 298. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 314 - 318 و 337 - 338. (*)

[ 277 ]

الأمر الثاني: في الخروج عن محل النزاع مع وجود ما يعين أحد الطرفين محل النزاع دوران الأمر بين المحذورين، فلو كان هناك أصل يعين أحد الحكمين من الوجوب أو الحرمة، فلا محذور، وهكذا في صورة احتمال الإباحة، فإنه يخرج به عن موضوع المسألة، ولا يبقى وجه حينئذ لتوهم امتناع جعل الإباحة بعد احتمال الإباحة الواقعية، فالمفروض دوران الأمر بين الحرمة والوجوب مثلا، ولا ثالث. ومن الامور المعلومة: أنه يكون في مورد لا يعقل الموافقة القطعية بالنسبة إلى الواقعة الواحدة، وأما إمكان المخالفة القطعية فلا يضر بما هو مورد البحث. ولكن مما لا ينبغي اختفاؤه: أنه في موارد إمكان المخالفة القطعية، تكون المخالفة بالنسبة إلى النهي المعلوم بالتفصيل، وهو غير النهي المعلوم بالإجمال. مثلا: في موارد العبادات، إذا اتي بعبادة بلا قربة، أو بعبادة ريائية، تكون هي محرمة لأجل التشريع، ولأجل حرمة الرياء الذاتية المعلومة بالتفصيل، فلا تلزم المخالفة القطعية بالنسبة إلى ما هو المعلوم بالإجمال، ضرورة أنه في صورة الإتيان بالعبادة بلا قصد القربة يحتمل الموافقة، لأجل كونها محرمة، فترك المنهي عنه بإتيان الفعل بلا قربة، كما لو لم يأت به رأسا، فلا تكن من الغافلين. وبالجملة: لا فرق بين التوصليات والتعبديات، لإمكان المخالفة القطعية في الاولى أيضا بإتيان التوصلي تعبدا وتدينا، فيصير محرما قطعا تشريعا. ومما اشير إليه يظهر: أن في موارد دوران الأمر بين المحرم التشريعي والواجب، يمكن الفرار من المخالفة الاحتمالية، بإتيان العبادة قربة إلى الله، ولا يكون في قصده التدين والتشريع، فإنه إن كان حراما فلا يكون آتيا به، لما لم يقصد

[ 278 ]

التشريع، وإن كان واجبا فقد امتثل. وبالجملة تبين: أن هذه الموارد تكون خارجة عن محط النزاع، لأن من شرائطه المقومة عدم تمكن العبد من الفرار عن المخالفة الاحتمالية. وبعبارة اخرى: يكون النزاع في صورة عجزه عن الموافقة القطعية، ولأجل ذلك يشكل دخول العبادات في محط النزاع، لأن العبادات كلها تكون حرمتها تشريعية، على ما يظهر من بعضهم (1). نعم، على القول: بأنها محرمة ذاتية (2) هي داخلة في محل النزاع، ولعل لأجل هذه النكتة يظهر أن الجهة المبحوث عنها هنا كانت أولا في التوصليات، ثم بعد ذلك أدرج فيها المتأخرون العبادات (3)، والأمر سهل. ثم إن محط البحث هنا حول اشتباه المكلف وابتلائه من ناحية اشتباهه بين المحذورين، وأما مسألة تعارض النصوص، فيأتي تحقيقها في التعادل والترجيح (4)، ولو كان في توضيح الأمر بعض الأمثلة - كالتمثيل بصلاة الجمعة وصلاة الحائض - فهو لأجل توجيه الطلاب إلى ما هو المرام هنا. ولعمري، إنها مسألة قليلة الجدوى، طويلة الذيل، متشتتة الأطراف، إلا أن تشحيذ الأذهان بأمثالها، لازم أحيانا. ومما يؤيد أن البحث هنا أجنبي عن البحث في مسألة التعادل والترجيح: أن تعرضهم لصور التزاحم وذي المزايا في كلام العلامة الأراكي هنا (5)، غير تام جدا.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 6: 126 - 127. 2 - لاحظ جامع المدارك 1: 100. 3 - كفاية الاصول: 405، نهاية الأفكار 3: 292، مصباح الاصول 2: 328. 4 - مع الأسف لم يصل الكتاب إلى بحوث التعادل والترجيح. 5 - نهاية الأفكار 3: 292. (*)

[ 279 ]

الأمر الثالث: في أقسام دوران الأمر بين محذورين أن أقسام دوران الأمر بين المحذورين كثيرة، وذلك لأنه تارة: يكون في مورد لا يمكن التكرر فيه، وتكون واقعة واحدة، كما إذا تردد في أن صوم يوم الجمعة الاولى من الشهر الكذائي من السنة الكذائية، مورد النذر فعله أو تركه، أو ذبح الشاة الخاصة الجزئية، مورد النذر في اليوم المعين، أم عدم ذبحها، بناء على كون كل واحد من الاحتمالين، قابلا للتصديق، لإمكان كونه مورد الرجحان لجهة من الجهات اللاحقة والعارضة عليه، كما هو الواضح. واخرى: يكون في مورد يمكن ذلك في التوصليات والتعبديات. وإمكان تكرار الواقعة تارة: يكون على وجه التدريج، كما في موارد العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة. واخرى: يكون على وجه الدفع، كما لو علم إجمالا: بأنه إما يجب عليه إكرام كل واحد من زيد وعمرو، أو يحرم عليه، فإنه يمكن له إكرامهما دفعة واحدة، كما يمكن له إكرام احدهما، وترك إكرام الآخر. وكون ذلك وهكذا مثال الظهر والجمعة، من صغريات هذه المسألة، لأجل مفروضية العلم بعدم جواز الجمع بينهما مثلا، وإلا فيخرج عما هو مورد البحث هنا صلاة الجمعة من الأمثلة، لإمكان فعلها في جمعة، وتركها في اخرى. وعلى كل تقدير تارة: يكون أحد المحذورين معلوم الأهمية. واخرى: محتمل الأهمية. وثالثة: متساويين. وغير خفي: أن المراد من " المحذورين " أعم من المحاذير العقلية والشرعية، ففيما إذا علم بأنه إما نذر فعل شئ أو تركه، وإن لم يلزم حرمة الفعل أو الترك

[ 280 ]

شرعا بناء على بعض المباني، نظرا إلى أن دليل النذر لا يقتضي أزيد من وجوب الوفاء بالنذر، فلا حرمة ولا وجوب بالنسبة إلى ذات المنذور (1)، ولكن يلزم دوران الأمر بين المحذورين عقلا، كما لا يخفى. إذا عرفت هذه الامور فاعلم: أن البحث فيما هو المهم في هذه التقاسيم يقع في مسائل: المسألة الاولى: في تساوي المحذورين من حيث الأهمية إذا كان كل من الفعل والترك متساويين، سواء فيه التوصليات والتعبديات على المفروض، كما اشير إليه، وكان غير قابل للتكرار، فهل هناك تخيير شرعي محض، أم عقلي محض، أو شرعي وعقلي ؟ وهل تجري البراءة العقلية والعقلائية، والشرعية، أم لا تجري مطلقا، أو هناك تفصيل ؟ وعلى كل تقدير: هل يعقل جعل الإباحة شرعا أم لا ؟ وجوه وأقوال: ففي " الكفاية " إمكان جعل الإباحة، مع أن التخيير عقلي (2). وفي تقريرات بعض المعاصرين كالعلامة النائيني (رحمه الله) أن الإباحة غير معقولة، مع أن التخيير عقلي (3). وقول ثالث: وهو إجراء البراءة عقلا، وشرعا (4). والذي هو الحق في هذه الصورة: إمكان جريان البراءة الشرعية، دون العقلية


1 - مناهج الوصول 1: 168، و 2: 141، تهذيب الاصول 1: 86 - 87. 2 - كفاية الاصول: 404. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 444 - 445 و 449. 4 - أنوار الهداية 2: 174 - 179، تهذيب الاصول 2: 240 و 242 - 243. (*)

[ 281 ]

والعقلائية، ولا سبيل إلى الحكم بالتخيير: أما عدم صحة الحكم بالتخيير، فلأنه خارج عن محط أخبار التخيير، كما هو المفروض، ولا معنى لأن يحكم العقل بشئ، كما تحرر. ودرك العقل التخيير (1) غير صحيح إلا بمعنى درك الاختيار، ضرورة أن درك التخيير منوط بالاطلاع على الواقعيات، فلو كان هو واجبا مثلا، فهو مطلوب منه الفعل بحسب الواقع ونفس الأمر، فكيف يعقل درك التخيير الواقعي ؟ ! ولو اريد منه أنه يدرك التخيير الظاهري، لأجل عدم صحة العقوبة، فهو أيضا غير صحيح، فإن العقل قبل أن يدرك التخيير، يدرك امتناع العقوبة عليه تعالى في الواقعة المذكورة، لأجل امتناع الاحتياط عليه وعجزه، فلا يدرك التخيير مستقلا إلا بدرك امتناع العقاب. ومن هنا يظهر وجه عدم جريان البراءة العقلية والعقلائية، أي قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنه قبل أن تجري هنا تلك القاعدة، تجري قاعدة عقلية اخرى هنا: وهي امتناع عقاب العاجز، لأنه أيضا قبيح، وهو أيضا ممنوع عند العقلاء بالضرورة، فلا تجري البراءة المذكورة. نعم، لو اريد من " البراءة العقلية " معنى أعم من مفاد تلك القاعدة فهو، ولكنه خلاف مرامهم هنا، كما لا يخفى. فتحصل على هذا: أن في موارد التساوي، لا فرق بين التعبديات والتوصليات - كما عرفت - من جميع الجهات، وإذا كان المفروض عدم إمكان التكرار - كما في موارد الشك والشبهة في وجوب الصوم غدا وحرمته، أو وجوب ذبح شاة غدا، لأمر الوالد، أو حرمته، لنهي الوالدة - لا تجري البراءة العقلية، ولا العقلائية، ولا معنى لحكم العقل بالتخيير، ولا دركه التخيير الواقعي أو الظاهري، فيسقط ما في كلام


1 - تهذيب الاصول 2: 238. (*)

[ 282 ]

العلامة الخراساني (1) وأتباعه (2)، حتى ما في " تهذيب الاصول " (3) هذا كله حول ما هو المرام عقلا. بقي الكلام في البراءة الشرعية، والحق: جريانها الذاتي، حسب موازين القوانين الكلية والخطابات القانونية، فإن كل واحد من الحرمة والوجوب، وكل واحد من الوجوبين والحرمتين، قابلة للرفع ذاتا، ولا تلزم اللغوية، لما تحرر مرارا: من أن الخطابات القانونية ليست لغويتها ممنوعة، إلا إذا كانت لغوية كلية، والتفصيل في محله (4). فما عن العلامة الأراكي (قدس سره): من منع جريانها ذاتا، بتوهم سبق البراءة القطعية (5)، غير تام، فإنه مضافا إلى أن مجرد السبق غير كاف، وإلا يلزم منع جريانها في غير المقام، أن الدليل الأقرب هي اللغوية، وقد أشرنا آنفا إلى وجه عدم اللغوية. نعم، تلزم المعارضة بين المصداقين من البراءة فيسقطان، بناء على انحفاظ الحكم الواقعي في مرحلة الحكم الظاهري (6)، وأما بناء على انعدام الحكم الفعلي واقعا في مرحلة الشك والشبهة (7)، فلا يتعارضان، لأن أحد المصداقين مصيب للواقع، ويرفع الحكم الواقعي، والمصداق الآخر مخطئ فلا يجري، ولكن لا نعلم المصيب من المخطئ. وهذا أمر مورد خلاف ينشأ بين الأصحاب (رحمهم الله) وتفصيله


1 - كفاية الاصول: 404. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 503، نهاية الأفكار 3: 292 - 293. 3 - تهذيب الاصول 2: 238. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. 5 - نهاية الأفكار 3: 293. 6 - كفاية الاصول: 319 - 321. 7 - أنوار الهداية 1: 200 - 202. (*)

[ 283 ]

مضى في حديث الرفع (1). فبالجملة: يحتمل جريانها شرعا بلا معارضة رأسا، فليتدبر جيدا. ثم إن في موارد العلم: بأن صوم الغد وذبح الشاة غدا، إما واجب، أو حرام، فربما يشكل جريان البراءة الشرعية، بناء على أن متعلق النذر والحلف، ومتعلق أمر الوالدين والسيد، لا ينقلب عما كان عليه من الحكم الأولي (2)، فلا حرمة ولا وجوب بالنسبة إلى عنوان " الذبح " و " تركه " حتى تجري فيهما البراءة الشرعية. اللهم إلا أن يقال: يكفي لنا أنه إما يجب الوفاء بالنذر بإتيان الفعل عقلا، أو يجب علينا النذر بتركه عقلا، فكل واحد من الوجوبين محتمل قابل للرفع، وقد مضى في المقدمة الاولى: أن دوران الأمر بين المحذورين على ثلاث صور: بين الوجوب والحرام، وبين الوجوبين، وبين الحرامين (3)، إلا أن المتعلق في الفرض الأول هو الفعل، وفي الفرضين الأخيرين هو الفعل وتركه، فافهم وكن من الشاكرين. ومما ذكرناه إلى هنا، تظهر مواضع الخلط والاشتباه في كلمات القوم (رحمهم الله) ولا نشير إليها صونا لهم، وخوفا من الإطالة المنهي عنها. ومن الغريب تمسكهم أحيانا بالاستصحاب أو البراءة (4)، والتزامهم بصحة كل واحد منهما بحسب إمكانه ظاهرا، وأنه غير مناف للحكم الإلزامي الواقعي، ونتيجة ذلك إما التخيير الشرعي، أو الإباحة الشرعية: أما الأول، فلأن التخيير الشرعي لا يحتاج دائما إلى جعله بعنوانه الأولي، أو جعله بالحمل الشائع، بل قضية فهم العرف بعد انحفاظ مرتبة الحكم الواقعي هنا،


1 - تقدم في الصفحة 58 - 79. 2 - مناهج الوصول 1: 168 و 2: 141، تهذيب الاصول 1: 86 - 87. 3 - تقدم في الصفحة 276. 4 - تهذيب الاصول 2: 243، مصباح الاصول 2: 328 - 333. (*)

[ 284 ]

وعدم التنافي بينه وبين البراءتين أو الاستصحابين ظاهرا، أن فيه - حسب الظاهر والتعبد - هو التخيير الشرعي، وفيه ما لا يخفى. وأما جعل الإباحة، بمعنى إباحة الفعل مستقلا، أو إباحة الترك مستقلا، فهو يرجع إلى البراءة الشرعية إشكالا وجوابا. فتحصل: أنه لا سبيل إلى البراءة العقلية، ولا العقلائية، ولا التخيير العقلي، وأما الشرعي فلا بأس به ثبوتا، إلا أنه لا دليل عليه إثباتا. وتوهم امتناع ذلك ثبوتا، لما لا أثر في البعث التخييري (1)، في غير محله، لأن المجعول هو التخيير المجعول في موارد أعم، فيكون قانونا كليا يشمل المحذورين وغيرهما، فلا يلزم أن يكون البعث باعثا في كل مورد، كما في مورد العجز مع فعلية البعث والتكليف. وأما البراءة الشرعية والإباحة، ففي كل واحد من الطرفين بعنوانه جائز، نظرا إلى أن ما هو وجه المنع منحصر باللغوية، وقد عرفت عدم مانعيتها حسب الموازين الصناعية. وأما الاستظهارات الخاصة من أدلة البراءة والحل والاستصحاب أحيانا، فهي موكولة إلى اختلاف في المباني، فإن الحق عندنا عدم جريان استصحاب عدم جعل الوجوب، ولا الحرمة، وتفصيله في محله (2). وأما جعل الإباحة والحل في كل واحد في حد ذاته، فهو يمكن، وما لا يمكن هو جعل الإباحة الواحدة للفعل والترك، فلا يلزم في جعل الإباحة بالنسبة إلى كل واحد، خلاف العلم الإجمالي بالإلزام المعلوم في البين. وبعبارة اخرى: كل واحد من الفعل والترك، موضوعا على حدة لقاعدة الحل


1 - نهاية الأفكار 3: 293. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 285 ]

ولو كان الدوران بين الوجوب والحرمة، فجعل الحلية لا ينافي الوجوب، لأنها ليست معناها الرخصة، كما هو الواضح. بقي شئ: حول إمكان الامتثال عند الدوران بين محذورين إن القول بامتناع الامتثال، لأجل أن العجز سابق على قبح العقاب بلا بيان (1)، قابل للمنع، وذلك لأن ما هو الممتنع هو العلم بالامتثال، لا الامتثال الواقعي، ضرورة أنه لو أتى بأحد المحذورين، وصادف الواقع، فإن كان من التوصليات فقد سقط أمر المولى، فيثبت الامتثال، وإن أتى به في العبادات قربة إلى الله، وصادف الواقع، فقد امتثل الأمر، لما لا نعني من " الامتثال " إلا ذلك. فعلى هذا الامتثال ممكن، وعقاب المولى على التخلف عما هو تكليفه في البين، ممكن لولا القاعدة، فالتخيير الزائد على درك الاختيار هنا، حاصل ويدركه العقل، لأجل جريان القاعدة في الطرفين في حد ذاتهما، ونتيجة ذلك جريان البراءة العقلية، والعقلائية، والشرعية، وأصالة الحل، والإباحة، دون الاستصحاب، ودون التخيير الشرعي. نعم، يثبت التخيير العقلي معنى درك العقل أمرا زائدا على درك الاختيار، المشترك فيه جميع الأفعال الاختيارية والإرادة الاختيارية. أقول: الأمر كما تحرر، إلا أن في موارد الشبهات البدوية الوجوبية والتحريمية، لا يحتج العبد على المولى إلا بأن العقاب بلا بيان ممتنع وقبيح، وأما في موارد الدوران بين المحذورين، فنجد صحة اعتذاره: بأنه كان لابد من أحد المحذورين، والترجيح بلا مرجح قبيح بالقياس إلى مرام المولى، لا بالقياس إلى مقاصده كما لا يخفى، فلا يعتذر: بأنه عقاب بلا بيان، ولا يحتج عليه: بأنه مؤاخذة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 448، لاحظ نهاية الأفكار 3: 293. (*)

[ 286 ]

بلا برهان، لأنه قاعدة عقلائية، ويستظهر أن مصبها موارد الاقتدار، دون مثل ما نحن فيه الذي لابد فيه من أحد المحذورين. هذا، ولكن بعد اللتيا والتي، لا محيص عن الالتزام بجريان البراءتين أيضا، لأنه في صورة التخلف عما هو التكليف بينهما، يكون قادرا على التكليف، وجاهلا به، فالعقاب عليه بلا بيان، ولازم ذلك إدراك العقل تخييرا زائدا على إدراك الاختيار، فلا يتم ما في كلام العلامتين: الأراكي، والنائيني (1)، ويتم ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (2)، فتدبر واغتنم. والسر كل السر: أن اقتدار العبد على الامتثال الواقعي، موجود واقعا، والجهل إثباتا يوجب منع العقاب على كل طرف، ولازمه التخيير الزائد المعلول من الترجيح بلا مرجح ومن التعارض، دون العجز. ولا تجري قاعدة " رفع... ما لا يطيقون " لأن الشبهة موضوعية بالنسبة إليه. وأما منع جريان البراءة العقلية، بتوهم أن الإلزام معلوم كما عن صاحب " الكفاية " (3) ففي غير محله، لأن منع جريانها في أطراف العلم الإجمالي، لتأثيره، وهو هنا غير مؤثر، فتجري في كل طرف بحسب نوع التكليف المجهول، ولايكون العلم مؤثرا بالنسبة إلى الجنس، فاغتنم. فجميع الاصول العقلية والنقلية، قابلة للجريان ذاتا. ولكن التخيير الشرعي غير جار، لعدم الدليل عليه إثباتا، والاستصحاب أيضا غير جار، لما تحرر منا في محله (4). والبراءة الشرعية على المسلكين - أي


1 - نهاية الأفكار 3: 293، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 444 - 445. 2 - أنوار الهداية 2: 173 - 174، تهذيب الاصول 2: 238 - 239. 3 - كفاية الاصول: 405. 4 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 287 ]

سواء كان الرفع واقعيا (1)، أو مجازيا وادعائيا (2) - تكون جارية، لإمكان الالتزام بها ثبوتا، وعدم قصور في أدلتها إثباتا، كما مر الإيماء إليه. وأما الحل وقاعدة الحلية الظاهرية، فقد مر منا كيفية استنتاج جريانها في الشبهات الحكمية، فليلاحظ جيدا. تذنيب: في وجوب الموافقة الالتزامية في المقام قد مر في أثناء بحوث القطع، مسألة الموافقة الالتزامية وحديث هذه الموافقة في مسأله دوران الأمر بين المحذورين، ولا بأس بالإشارة الإجمالية إلى أن حديث الموافقة الالتزامية ووجوبها، مما لا يرجع إلى محصل ثبوتا على ما يستظهر من القوم، ويمكن ثبوتا على ما حررناه، ولكن لا دليل عليه. وعلى هذا، فهل فيما نحن فيه إذا لم يكن العبد قادرا على الموافقة العملية، فهل يجب عليه الموافقة الالتزامية، بمعنى أنه إذا ارتكب صوم الغد، تكون نيته على أنه لو كان الفعل محرما منجزا، لما كان يرتكبه، وأنه لو كان متمكنا من الموافقة العملية، لصنع ذلك، ويمتثل الأمر أو النهي، ولا يجوز في صورة المسافرة غدا أو الصوم غدا، أن يكون مسافرا ويصوم سواء كان محرما أو محللا، ولو كان هكذا يجب عليه عقلا، تحصيل حسن السريرة بالجد والاجتهاد، حتى تنقدح في نفسه هذه الموافقة الالتزامية ؟ وبالجملة: على كل تقدير يجب عليه وإن كان لا يخلو من أحد النقضين، أن لا يكون كل طرف بالنسبة إليه متساوي النسبة حراما كان، أو حلالا، بل لابد وأن تختلف نسبته بالنسبة إلى فرض الحلية والحرمة، وفرض الوجوب وخلافه، وأنه في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 337. 2 - نهاية الأفكار 3: 211. (*)

[ 288 ]

هذه القضية لأجل الابتلاء بالمحذورين يرتكب، ولكنه لو كان مطلقا حرام لما كان يرتكبه، وهكذا في ناحية الترك بالنسبة إلى احتمال الوجوب، وتفصيل المسألة يطلب من مسائل القطع (1)، فلا تخلط. تحقيق وتفصيل: في عدم الفرق بين المحذورين الشرعيين والعقليين والمختلفين بناء على المشهور، لا فرق بين دوران الأمر بين المحذورين الشرعيين، والعقليين، والمختلفين، وذلك لأن في موارد المحذور العقلي، يكون هناك أمر أو نهي شرعي قابل للرفع، ولو كان حاصلا بمقدمات عقلية. وأما على ما هو الحق، فلو دار الأمر بينهما، وكان كل واحد عقليا، أو واحد منهما عقليا، فلا تجري بالنسبة إليه البراءة الشرعية، لما لا وضع هناك شرعا حتى يرفع، وما هو قابل للرفع معلوم لا يمكن رفعه. مثلا: إذا شك في أن السفر غدا حرام أو واجب، فبناء على المشهور: من أن الحلف والنذر، يوجب كون المحلوف عليه والمنذور، متعلق الأمر (2)، فيمكن رفع وجوب السفر، أو وجوب تركه، أو حرمة فعله، وأما بناء على ما هو الأقرب - وإن كان فيه أيضا إشكال محرر عندنا في محله (3) - فلا يمكن رفع الوجوب إلا الحرمة، ضرورة أن الوفاء بالنذر، واجب بالنسبة إلى السفر، وهو معلوم لا يمكن رفعه، ولكنه قابل لو شك فيه، وأما نفس السفر وتركه فهما من المحذورين العقليين، فلا


1 - تقدم في الجزء السادس: 161 - 167. 2 - العروة الوثقى 1: 187، فصل في غايات الوضوء، المسألة 1 و 514، فصل في أعداد الفرائض ونوافلها، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 440، محاضرات في اصول الفقه 4: 314 - 315 و 325. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم: 56 وما بعدها. (*)

[ 289 ]

تجري البراءة الشرعية كما لا يخفى. ومن هنا يظهر حكم سائر الموارد، كما يظهر: أنه لو كان أحدهما عقليا والآخر شرعيا، تجري البراءة بالنسبة إلى الشرعية، دون العقلية، ولكن لامنع من جريان البراءة بالنسبة إلى ما هو المنشأ لذلك المحذور العقلي، لما لاعلم به قهرا، فيكون إدراك العقل التخيير المذكور سابقا، باقيا على حاله. إيقاظ: في ثمرة جريان القاعدة الشرعية إذا تردد السفر غدا بين الحرمة والوجوب، فالبراءة الشرعية جارية، ولكن لا يلزم منها حلية السفر التي هي شرط القصر، ولا تثبت بها إباحته. وأما لو كانت قاعدة الإباحة جارية، فالسفر يكون مباحا، ويثبت بها القصر، وإلا فيستصحب حكم التمام الثابت قبله، إلا على إشكال في جريانه، وتصير النتيجة لزوم الاحتياط، فليلاحظ جيدا. وتوهم عدم جريان القاعدة، لأن إثبات الإباحة مخصوص بالطرفين، ولا يجري بالنسبة إلى كل من الفعل والترك قاعدة الحلية (1)، فاسد كما أشرنا إليه، بل غير معقول، لأن النقيضين لا يجمعهما عنوان واحد. نعم، إباحة الفعل تستلزم إباحة الترك وبالعكس، ولا وجه لاختصاص أحدهما بالجريان، فيجري بالنسبة إلى كل واحد منهما. ومسألة لغوية الجريان (2) ممنوعة في القوانين العامة الكلية، أي لا بأس بها كما تحرر مرارا. فعلى هذا، لا فرق بين الاصول الشرعية في حد نفسها، نعم في خصوص الاستصحاب قد منعنا جريانه، لأجل جهة مخصوصة بإجرائها في الشبهات الحكمية الكلية (3).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 445 - 446. 2 - تهذيب الاصول 2: 241. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 290 ]

نعم، فيما إذا كان من قبيل السفر غدا، فلا منع من جريانهما معا، إلا على وجه يستلزم ممنوعية جريانه حتى في أطراف العلم الإجمالي وإن لم يلزم منه المخالفة العملية، وذلك غير ما في كلام بعض المعاصرين (1) تبعا لاستاذه (2)، والأمر - بعد ما عرفت - سهل، فتأمل. تذييل: ربما يقال بتقديم جانب الحرمة الشرعية، وذلك لأن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة بحكم العرف والعقلاء، أو لقيام السيرة العقلائية عليه، أو لبناء من المتشرعة عليه، ويكفي ذلك لكونه خارجا عن فرض التساوي (3)، كما سيظهر تفصيله إن شاء الله تعالى. وبالجملة: ما ذكرنا من الأدلة وإن لم تكن ناهضة على شئ، وحجة على أمر قطعي، ولكنها توجب الشك والشبهة، ولازم ذلك خروج المتساويين في المسألة الاولى عن التساوي المفروض من جميع الجهات، فتكون المسألة الاولى بلا صغرى، كما لا يخفى. المسألة الثانية: في اختلاف المحذورين من حيث الأهمية فالكلام يتم بالإشارة إلى جهات: اولاها: في ميزان ترجح أحد المحذورين أن الخروج عن التساوي تارة: يكون لأجل أن احتمال الحرمة، أكثر من احتمال الوجوب، مثلا في المتساويين يكون كل من الوجوب والحرمة، احتمالهما متساويان، أي خمسون بالمائة، وأما إذا كان احتمال الحرمة ستين بالمائة،


1 - منتهى الاصول 2: 238. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 449. 3 - فرائد الاصول 1: 339. (*)

[ 291 ]

والوجوب أربعين بالمائة، فيخرج المحذوران عن التساوي في الاحتمال. واخرى: يكون لأجل أقوائية المحتمل في جانب الحرمة إذا صادف الواقع من المحتمل في جانب الوجوب، كموارد دوران الأمر بين الشبهات المهتم بها والوجوب نوعا. وثالثة: يكون كل من الاحتمال والمحتمل في جانب الحرمة، أكثر وأقوى من جانب الوجوب. ورابعة: يكون ذلك الخروج لأجل احتمال كون بناء العقلاء والمتشرعة على تقديم جانب الفرار من المفسدة على جانب جلب المنفعة. وخامسة: يكون كل ذلك مجتمعا في أحد المحذورين. وربما يختلف الأمر، ونتيجته الشك. ثانيتها: حول دخول هذه المسألة في الدوران بين التعيين والتخيير ذهب صاحب " الكفاية " (1) وبعض أتباعه إلى أن المسألة في هذه الصورة، تندرج في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير (2)، فإن قلنا بجريان الاصول النافية فلا فرق بين المسألتين وإلا - كما هو مختاره - فالمتعين الأخذ بالتعيين. وفي كلام العلامة الأراكي: " لأن وجه التخيير هو فقد المرجح " (3) ولازمه تعيين الخارج عن التساوي. وربما يستظهر من موضع في " تهذيب الاصول " أيضا ذلك (4)، لأن منشأ


1 - كفاية الاصول: 406. 2 - لاحظ نهاية الدراية 4: 224، حاشية كفاية الاصول، البروجردي 2: 262 - 263. 3 - نهاية الأفكار 3: 295. 4 - تهذيب الاصول 2: 238 و 240. (*)

[ 292 ]

حكمه بالتخيير جريان البراءة العقلية في الطرفين والاحتمالين، وامتناع الترجيح بلا مرجح، فراجع. والذي يظهر لي: أن التخيير كان عقليا هنا، وفي مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، كان ذلك شرعيا، ولا منع من الشك والتحير في التخيير والتعيين حسب حكم الشرع، دون العقل وإدراكه، لأن العقل ينتهي بالأخرة إلى إدراك لزوم الأخذ بالمعين، أو إدراك التخيير، وليس ذلك لكونه من قبيل تلك المسألة، فالقياس في غير محله، لما لا يتردد العقل في دركه، لأنه إما يدرك التخيير، أو يدرك التعيين من الأول، لعدم حصول المؤمن من العقاب في ناحية خاصة، ولابد من العلم بالمؤمن منه. ثالثتها: في ترجح ما لا تجري البراءة فيه خاصة على الآخر يجوز منع جريان البراءة العقلية والشرعية أحيانا في الشبهات البدوية، كما أنه قد عرفت: أن التمسك بإطلاق دليل رفع الاضطرار والاستكراه، غير جائز فما إذا كان المكره عليه من الامور المهتم بها، كهدم الكعبة، ورد الدين والإسلام، ولاسيما بالنسبة إلى بعض رؤساء الطائفة (1). فعلى هذا يظهر: أن في موارد الدوران، إن كان أحد الطرفين مما لا تجري فيه البراءة العقلية أو الشرعية، كما لو كانت في الشبهات البدوية، لأجل الأكثرية المقرونة بالأقوائية مثلا وهكذا، فلابد أن يتعين الطرف الآخر وهو الترك مثلا، وإلا فالبراءتان جاريتان، والاصول النافية باقية على حالها. ومثله إدراك التخيير، لأن الخروج عن التساوي بمجرد أكثرية الاحتمال، وأقوائية الملاك عند الإصابة، لا يكفي لعدم درك التخيير.


1 - تقدم في الصفحة 75 - 76. (*)

[ 293 ]

تحقيق وإفاضة إذا كان جريان البراءات الثلاث، ممنوعا في موارد الشبهات المهتم بها، فلمنع جريانها في الشبهات البدوية وجه، لاحتمال كونها من الامور المهتم بها الخارجة لبا عن مصب القاعدة العقلية، وإذن فيما نحن فيه فمنع جريان البراءة العقلية والعقلائية واضح، لأن العقل يدرك لزوم الأمن من العقاب، وهو لا يحصل إلا في موارد القطع بعدم كون الشبهة مما يهتم بها. هذا بالنسبة إلى البراءتين: العقلية، والعقلائية. وأما البراءة الشرعية، فهي وان كانت لفظية، فتجري في موارد الشك، لأن الخارج لبا عن إطلاقها، لا يضر بصحة التمسك به عند الشك والشبهة، ولكن قد عرفت منا: أن البراءة الشرعية بما هي هي، لا أساس لها إلا بالنسبة إلى مناشئ العقاب، كالأحكام التكليفية، أو الوضعية (1)، وأما بالنسبة إلى العقاب ولزوم القطع بالأمن، فلا معنى لجريانها، لأن جعل حجية الخبر الواحد والظواهر، لا ينافي تخلفها عن الواقع، فلا يحصل القطع بالأمن من العقاب بالدليل اللفظي، مادام لم يرجع إلى العقل المدرك لقبح العقاب وامتناعه مع قيام الدليل على البراءة لفظا، فالبراءة اللفظية بالنسبة إلى التأمين من العقاب، لا أصل لها مادام لم تنضم إليها البراءة الشرعية، ونتيجة هذه الشبهة هو الاحتياط على الإطلاق، ولاسيما فيما نحن فيه. ولو أمكن دفع الشبهة في مطلق الشبهات البدوية، نظرا إلى كشف عدم الأهمية بعدم وصول البيان من الشرع، وعدم اتضاحها، ضرورة أنها لو كانت مما يهتم بها لكان يصل إلينا ذلك الحكم، لا يمكن ذلك فيما نحن فيه بعد تراكم هذه الامور الموجهة للاهتمام الاحتمالي، فلو دار المحذوران بين الحرمة التي هي من الكبائر لو كانت واقعية، وبين الوجوب الذي يكون تركه من الصغائر إذا أصاب،


1 - تقدم في الصفحة 59 - 60. (*)

[ 294 ]

وكانت الشبهة حكمية - مثلا لو فرض - لما كانت البراءات الثلاث جارية. ويمكن دعوى جريان البراءة اللفظية، لأجل أن مفاد حديث الرفع نفي المنشأ للعقاب، وهو الحكم الواقعي، وأما نفي العقاب والتنجيز، فلا يمكن إلا برجوعه إلى البراءة العقلية، وأنه إذا كان العقاب بلا بيان قبيحا، فالعقاب مع البيان على خلاف الحكم الواقعي، يكون أقبح عقلا، وفي موارد البراءة اللفظية يكون سندها البراءة العقلية بالمعنى الأخير، فافهم وتدبر جيدا، وتأمل، فإنه حقيق به جدا. وإن شئت قلت: العقاب قبيح وممتنع على المولى في مورد كان له المرام الجدي، ولم يصل البيان، وفي مورد وصول البيان ومخالفته للواقع، وفي مورد وصول البيان وموافقته للواقع، وفي موارد الرفع بحديث الرفع. وبالجملة: يجمعها أن العقاب جزافا ممتنع وقبيح، ولا يختص بالمورد الأول، ولا يأمن الإنسان من العقاب عقلا إلا بذلك، سواء وصل البيان على عدم العقاب، أو على عدم التكليف، لإمكان صدوره في الموردين، كما في مورد عدم البيان، فما دام لم ينسد هذا الإمكان لا يحصل الأمان، فالبراءة اللفظية من غير كونها متكئة أو مستندة إلى العقلية، لا أساس لها. نعم، بعد اعتضادها بالبراءة العقلية، يتمسك باللفظية والشرعية لرفع مناشئ العقاب، كالتكليف والوضع، كما مر في محله (1). ونتيجة هذا البيان، عدم جواز التفكيك بين البراءة الشرعية والعقلية، بإجراء الاولى دون الثانية، لأن حقيقة البراءة في الثانية، ترجع إلى المعنى الأعم، وما مر في هذا الكتاب من التفكيك (2)، فهو في غير محله، أو محمول على التسامح.


1 - تقدم في الصفحة 59 - 60. 2 - تقدم في الصفحة 274 و 280 - 281. (*)

[ 295 ]

المسألة الثالثة: في تعدد الوقائع المقتضي لتعدد التكليف إذا تعددت الوقائع، واقتضى ذلك تعدد التكليف، كما فيما إذا علم إجمالا بأمر والده بالنسبة إلى صوم جمعات شهر رجب، أو نهيه عنه، أو امر بشرب أحد الإناءين، ونهي عن شرب الآخر، ولا يدري المأمور به المنهي عنه، أو تردد في أنه امر بالسفر غدا، ونهي عنه بعد غد، أو يكون بالعكس، فإن في جميع هذه الصور يمكن الموافقة الاحتمالية، ويمكن المخالفة القطعية، والموافقة القطعية، والمخالفة الاحتمالية. فالبحث هنا حول صور إمكان الجمع بين القطعيتين، المنتهي إلى البحث عن أنه هل يكون التخيير بدويا، أو استمراريا ؟ وأما فيما إذا كان الحكم واحدا غير انحلالي - ولو كان بنحو العام المجموعي، كصيام جمعات رجب - فإنه مندرج في المسألة الاولى، والبحث عن الامتياز هنا غير مخصوص بشئ. والكلام هنا بعد الفراغ من تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات، كما هو كذلك في الدفعيات. فهل في جميع الصور هو بالخيار دائما، كما هو مختار الوالد المحقق - مد ظله (1) - والعلامتين: الأراكي (2) والنائيني (رحمهما الله) (3) ؟ أم يكون التخيير بدويا، فلا تجوز المخالفة القطعية وإن كانت تلازم الموافقة


1 - أنوار الهداية 2: 181، تهذيب الاصول 2: 244. 2 - نهاية الأفكار 3: 296، مقالات الاصول 2: 83. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 453 - 455. (*)

[ 296 ]

القطعية، كما عليه بعض المعاصرين (1) ؟ وغاية ما هو الوجه لكون التخيير بدويا، أن العلم الإجمالي كما يقتضي عقلا ممنوعية المخالفة القطعية عند الإمكان، يقتضي الموافقة الاحتمالية، وإذا علم إجمالا بحرمة شرب هذا الإناء ووجوب ذاك، يعلم إجمالا بحرمة شرب هذا الإناء، أو وجوب ذاك الإناء، وهذا العلم الإجمالي يقتضي الموافقة الاحتمالية الدائمية، ويمنع عن التخيير الاستمراري المستلزم للمخالفة القطعية. وبالجملة: العلم الإجمالي بالنسبة إلى أحد الأيام أو أحد الإناءين، لا يؤثر في شئ، ولكن هناك علم إجمالي آخر بحرمة شرب هذا الإناء، ووجوب شرب الإناء الآخر، أو حرمة صوم هذا اليوم، أو وجوب صوم الجمعة الآتية، وهذا وإن لم يؤثر بالنسبه إلى الموافقة القطعية، ولكنه يؤثر بالنسبة إلى المخالفة القطعية الممكن الفرار منها بالاختيار البدوي، لا الدائمي، فلا يجوز خلط الإناءين وشربهما، ولو كانت فيه الموافقة القطعية، ولا شرب أحدهما أولا، ثم الآخر. هذا في الدفعيات والتدريجيات العرضية والطولية. أقول: فيه نظر واضح، ضرورة أن من الأقوال في العلم الإجمالي: أنه بالنسبة إلى المخالفة القطعية تام الاقتضاء وعلة تامة، دون الموافقة القطعية (2)، فعندئذ يصح أن يقال: بأن العلم الإجمالي الثاني، يؤثر بالنسبة إلى المخالفة القطعية. وأما على ما هو المعروف عند أبناء التحقيق، من عدم الفرق بين آثاره (3)، فالعلم الإجمالي الثاني علة تامة بالنسبة إلى الموافقة القطعية، وهي أيضا ممكنة


1 - مصباح الاصول 2: 340. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 77. 3 - فرائد الاصول 2: 409، كفاية الاصول: 407، مقالات الاصول 2: 83، نهاية الأفكار 3: 305 - 311، منتهى الاصول 2: 246 - 248. (*)

[ 297 ]

بالضرورة فيلزم، والنتيجة هي التخيير الاستمراري، ولأجل هذه الجهة ذهب المعظم إلى التخيير وعدم الترجيح (1). نعم، قد ذكرنا في موضع من هذا الكتاب: أن قضية بعض الموازين العقلية الخارجة عن نطاق طلاب العلوم الاعتبارية، أن الاشتغال اليقيني لا يقتضي إلا ممنوعية المخالفة القطعية، وأما الموافقة العلمية فلا أثر لها (2)، وما هو موجب للآثار السيئة هي المخالفة القطعية للمولى، فلو شك مثلا في أنه أتى بما هو الواجب عليه، واحتمل إتيانه، فلا يبعد جريان البراءة الشرعية، على تأمل فيه جدا، وعلى هذا لا تجوز المخالفة القطعية، لأنها تستتبع الآثار السيئة في تبعات الأعمال، بخلاف الموافقة القطعية، فإنه لا أثر لها في حد ذاتها، وعلى هذا لابد من اختيار التخيير البدوي، دون الاستمراري. بقي شئ: ربما يمكن دعوى: أنه لا يكون التخيير استمراريا ولو كان العلم الإجمالي مقتضيا بالنسبة إلى الموافقة القطعية، وعلة بالنسبة إلى المخالفة القطعية، لأن المراد من " المقتضي " ليس إلا إمكان الترخيص الشرعي، وهو هنا مفقود، فما في كلام العلامة الأراكي (3) غير واقع في محله. قلت: نعم، ولكن يمكن دعوى أن الفرق بين الاقتضاء والعلية، كما يظهر في ذاك المورد، يظهر هنا أيضا، ويكون العلم الإجمالي مؤثرا بالقياس إلى المخالفة، دون الموافقة، فلا تخلط.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 450 - 451، تهذيب الاصول 2: 243 - 244. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 137 - 138. 3 - نهاية الأفكار 3: 295 - 396، مقالات الاصول 2: 83. (*)

[ 298 ]

تتميم: في بيان كيفية الموافقة الاحتمالية في المقام قد عرفت في المقدمات السابقة، عدم الفرق بين التوصليات والتعبديات (1)، وأن إتيان الفريضة بلا قصد القربة، أو بلا ركوع أو سجود، أو بلا وضوء، يكون فيه احتمال الموافقة لحرمتها، فقد امتثل النهي المعلوم بالإجمال احتمالا، وإن عصى النهي المعلوم بالتفصيل، وهو التشريع. وهذا بعينه يجري في التوصليات إذا أتى بالفعل تدينا به وتشريعا، فإنه قد امتثل الأمر التوصلي احتمالا، وخالف المولى قطعا بالنسبة إلى النهي المعلوم عن البدعة والتشريع، فما في كلام الأعلام صدرا وذيلا (2)، لا يرجع إلى محصل، فافهم. تذنيب: في دوران الأحكام الوضعية بين محذورين ربما يبتلى المكلف في الأحكام الوضعية بين المحذورين، فيدور أمره بين وجوب رعاية شئ، لكونه شرطا، أو تركه، لكونه مانعا. مثلا: لو دخل في النهوض في القيام، وشك في السجدة، ولم يثبت أنه من التجاوز، فإنه هل يجب عليه المضي، أو يجب عليه العود، فيكون المحذوران دائرين بين الوجوبين، أو يجب عليه المضي أم يحرم عليه العود، فيكون المحذوران بين الوجوب والحرمة، إلا أنهما عقليان، وليسا شرعيين، كما أنهما عقليان في الصورة الاولى ؟


1 - تقدم في الصفحة 277. 2 - فرائد الاصول 1: 395، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 452، تهذيب الاصول 2: 238. (*)

[ 299 ]

فعلى كل: ذهب الشيخ (رحمه الله) إلى التخيير (1)، واستشكل عليه: بأنه خروج عن البحث، إما لجواز إبطال الصلاة لقصور دليل حرمته، أو لإمكان الاحتياط بالتكرار (2)، والأول وجيه، ولكنه مما لا يلتزمون به، والثاني غير وجيه لأنه على تقدير إمكان الاحتياط، يبقى الكلام في الصلاة التي هي بيده أنه بالتخيير بين العود والمضي، أم في خصوص ذلك الذي بيده يتعين عليه العود، فيثبت التخيير. ولكن قد أشرنا في مطاوي ما مر إلى أن هذه الأمثلة ومثال صلاة الحائض، خارجة عن البحث (3)، لجريان استصحاب بقاء محل العود، لو كان يجري في المفهومية من الشبهات، أو استصحاب بقاء الأمر الضمني، أو لحكم العقل بالاشتغال، وأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، فلابد من العود، فاغتنم. إعادة وإفادة: في تعين التخيير البدوي في المقام لا شبهة في أن العقل يدرك قبح المخالفة القطعية، ويدرك استحقاق العقوبة عليها، فعلى هذا في الوقائع المتعددة إذا كان التخيير بدويا، فلا يدرك استحقاق العقوبة، ويحتمل الموافقة حتى في العبادات إذا أتى بها رجاء، فيستحق المثوبة حتى في التوصليات مطلقا، أو إذا اختار التخيير البدوي برجاء الإصابة، وفرارا عن المخالفة القطعية. وأما إذا كان التخيير استمراريا، فلا يدرك إلا وجوب الجنة والمثوبة، وهذا مما لا يجب على العقل تحصيله، بخلاف إدراك استحقاق العقوبة. فيدور الأمر بين درك عدم استحقاق العقوبة قطعا في التخيير البدوي، وبين


1 - فرائد الاصول 2: 502 - 503. 2 - كفاية الاصول: 423. 3 - تقدم في الصفحة 278. (*)

[ 300 ]

درك استحقاق العقوبة الملازم لدرك استحقاق المثوبة، ولا شبهة في عدم استقلال العقل في الثاني، كما في المستحبات، فالتخيير على هذا بدوي قطعا، وإن ذهب الأكثر إلى استمراريته (1). بقي شئ: في تردد صوم شهر ما بين الحرمة والوجوب بناء على كون التخيير استمراريا، فهل في صورة تردد صوم شهر رجب بين الحرمة والوجوب، هو بالخيار على الإطلاق، أو هو بالخيار بين صوم الأيام، وترك الأيام بمقدار الأيام التي صام فيها، حتى تتساوى الموافقة القطعية والمخالفة القطعية ؟ مثلا: إذا كان حراما كله، فصام إلى اليوم الآخر، فترك ذلك اليوم، فإنه يعلم بالموافقة القطعية، والمخالفة القطعية، ويحتمل ازدياد المخالفة على الموافقة زيادة معتدا بها. ومجرد كون الحكم في كل يوم، غير الحكم في اليوم الآخر، غير كاف، بعد دخالة العقل في حدود الإطاعة والعصيان، وأنهما بيد العقل، فتأمل.


1 - فرائد الاصول 1: 400، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 453 - 455، نهاية الأفكار 3: 296، تهذيب الاصول 2: 244، منتهى الاصول 2: 239 - 240. (*

[ 301 ]

المقصد العاشر في الاشتغال

[ 303 ]

تمهيد حول الشك في المكلف به كان البحث في المقصد السابق، حول مقتضى العقل والعقلاء والشرع في صورة الشك في التكليف، وقد عرفت أن ذلك هي البراءة (1)، وما ذكرناه أخيرا كان ينبغي ذكره في تنبيهات الاشتغال، إلا أن موافقة الأبرار والأخيار أوقعتنا فيما لا ينبغى، والأمر سهل. وأما البحث في هذا المقصد، فيدور حول مقتضى العقل والعقلاء والشرع، بعد العلم بالتكليف والإلزام، وأنه هل يمكن الالتزام بالبراءة أيضا في هذه الصورة، لأصل وجود الشك في جهة من الجهات المربوطة بالتكليف، أم لا ؟ بعد معلومية لزوم الإطاعة وممنوعية العصيان في الصورة الثالثة: وهي ما إذا كان التكليف معلوما، ولم يكن شك في جهة من تلك الجهات الآتية، وبعد حرمة المخالفة القطعية حرمة عقلية، لا شرعية، ووجوب الموافقة القطعية مثلا وجوبا عقليا في هذه الصورة، ويكفي درك ممنوعية المخالفة القطعية في هذه الصورة لحصول الموافقة


1 - تقدم في الصفحة 276. (*)

[ 304 ]

القطعية، لما لا شك في شئ مما يرتبط بالتكليف المعلوم في البين. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه لابد من ذكر بعض جهات قبل الخوض في مباحث هذا المقصد: الجهة الاولى: في أنحاء الشكوك في المقام بعد العلم بالتكليف تارة: يكون الشك في نوع التكليف. واخرى: في متعلق التكليف مع العلم بنوعه. وثالثة: في متعلق متعلقه المعبر عنه أحيانا ب‍ " الموضوع " ولكنه تعبير غير تام. وعلى التقدير الثاني تارة: تكون الشبهة تحريمية. واخرى: وجوبية. وعلى كل تقدير تارة: تكون بين الأمرين أو الامور المتباينة. واخرى: بين الأقل والأكثر الارتباطيين. وثالثة: بين الأقل والأكثر الاستقلاليين. ورابعة: في المحصل والمحصل الراجع إلى الشك في الشبهة المفهومية، بعد العلم بالتكليف وحدود المكلف به، ولكنه يكون الشك في الجهة الاخرى: وهي حصول ذلك المحصل المعلوم بهذا المحصل، أم لا. ومن هنا يظهر: أن الشك في هذا المقصد، يرجع إلى جهة من الجهات الراجعة إلى التكليف نفسه، أو متعلقه، أو متعلق متعلقه، أو محصل متعلقه، أو غير ذلك.

[ 305 ]

الجهة الثانية: حول العناوين المذكورة في المقام ربما يعنون البحث هنا بأنه " الشك في المكلف به " (1) وفيه أن في موارد الشك في نوع التكليف، ليس الشك في المكلف به، بل وفي موارد الشك في المحصل، أيضا لا يكون الشك في المكلف به. وربما يعنون البحث بأنه " في الاشتغال " (2) وهذا غير تام، لعدم التزام جماعة بالاشتغال في هذا المقصد، حتى قيل بجواز ارتكاب جميع الأطراف (3)، فليس الاشتغال أمرا مفروغا منه. ومن هنا يظهر بطلان دعوى: أن الميزان في الجهة المبحوث عنها هنا الجامعة لجميع شتات مسائله: هي أنه إن كان الشك في الثبوت فالمرجع البراءة، وإن كان في السقوط فالمرجع الاشتغال، وفيما نحن فيه يدور الأمر حول سقوط ما ثبت، وهذا هو الجامع بين تلك المسائل المختلفة، لأن التكليف معلوم فرضا. وفيه: أن معلومية التكليف ليست مورد الخلاف، وإنما الخلاف في تنجزه بالعلم الإجمالي، فعلى هذا يلزم الشك حينئذ في التكليف المنجز ولو كان معلوما إجمالا. وما في " تهذيب الاصول ": " من أن الميزان هو أنه إذا علم المكلف بجنس التكليف أو نوعه وتردد في متعلقه بين شيئين أو أزيد، وأمكن له الاحتياط، يصير


1 - فرائد الاصول 2: 403، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 4، تهذيب الاصول 2: 247. 2 - منتهى الاصول 2: 242. 3 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 167. (*)

[ 306 ]

الشك في المكلف به " (1) انتهى، غير تام، لأن في مورد العلم بالجنس، ليس المشكوك مكلفا به كما لا يخفى. وإن شئت قلت: في موارد الشك في المحصل، أيضا ليس الأمر كما تحرر، فلابد من جامع. والذي هو التحقيق كما مر في أول بحوث القطع: أن ذكر هذه العناوين رموز إلى البحوث إجمالا، ولا ينبغي أن يجعل كل مفكر عنوانا على حدة حسب تفكيره في المسألة، فكل واحد من العناوين جائز (2). نعم، لا يعقل الجامع بين بحوث الاشتغال والمكلف به، لأن أخذ كل عنوان يستلزم إشكالا، كما اشير إليه، ولا بد من عقد مبحثين: أحدهما: في أن الشك في التكليف لا يقتضي الاشتغال، خلافا للأخباريين (3)، فهل العلم الإجمالي بحكم الشك، كما عن المحققين: الخونساري، والقمي (4)، أم هو بحكم العلم التفصيلي ؟ ثم بعد ذلك يقع في المقام الثاني بحث آخر: وهو أنه على التقدير الثاني هل مثله على الإطلاق، أم فيه تفصيل، كما ترى الخلاف الكثير فيه، وقيل: " تبلغ الأقوال أحيانا إلى أكثر من ستة وسبعة " ؟ وبعد ذلك يقع الكلام في سائر بحوث المرام في المقصد العاشر. وبالجملة: البحث هنا إما ذيل لمباحث البراءة، ومفتاح لمباحث الاشتغال،


1 - تهذيب الاصول 2: 247. 2 - تقدم في الجزء السادس: 12. 3 - الحدائق الناضرة 1: 44، الدرر النجفية: 25 - 26، وسائل الشيعة 27: 163، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، ذيل الحديث 33. 4 - فرائد الاصول 2: 442 - 446، مشارق الشموس: 77 / السطر 2 - 11، قوانين الاصول 2: 37 / السطر 3 - 14. (*)

[ 307 ]

فيكون بحثا متوسطا بينهما، أو ملحقا بالأول، كما هو الأقرب. ويمكن البحث الجامع بجعل البحث في البراءة حول أن الشك البدوي يوجب الاحتياط، أم لا، والبحث هنا حول أن الشك المقرون بالعلم الإجمالي بالإلزام الأعم من الجنس والنوع، يوجب الاحتياط على الإطلاق عقلا وشرعا، أم لا، سواء أوجب الاحتياط في موارد الشك في المكلف به، أو في موارد الشك في المحصل ونوع التكليف، والأمر سهل. إن قلت: قد فرغنا من تنجيز العلم الإجمالي في بحوث القطع، وأن العلم الإجمالي كالتفصيلي (1)، فلا وجه للبحث عنه هنا ثانيا إلا لأجل الجهات الاخر: وهي جريان الأدلة المرخصة في أطرافه. قلت: لو كان الأمر كما تحرر، لتوجه إلى القوم من إطالة البحث هنا، وذكر الأقوال حوله، وكأن ما نحن فيه محط هذه المسألة، دون بحوث القطع، وهذا إشكال يتوجه إلى جميع الأعلام رحمهم الله. وما هو الحق: أن ما هو الجهة المبحوث عنها في بحوث القطع، مخصوصة بمرحلة الثبوت، وأنه بحسب الثبوت هل يعقل جريان الاصول، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: هناك بحث تصوري، وهنا مرحلة التصديق، وأنه هل العلم الإجمالي يكون منجزا، أم لا ؟ وعلى تقدير تنجيزه، يمكن رفع الأثر بجريان البراءة في أطرافه، أم لا. أو أن البحث هناك حول مقتضى العقل في أطراف العلم الإجمالي، وهنا حول أن الشرع هل رخص في تلك الأطراف على الإطلاق، أم لا، أو رخص في الجملة ؟


1 - تقدم في الجزء السادس: 190 - 195. (*)

[ 308 ]

وهذا الأخير هو الذي اخترنا في بحوث القطع (1)، ضرورة أن في مسائل القطع، بحوثا عن موازين عقلية، وحجية القطع، وأحكامه عقلا، ومنها: حجيته في صورة إجماله، وأما في الاشتغال - بعد بحث البراءة، والفحص عن حديث الحل والرفع - فيقع الكلام في أن قواعد الترخيص الشرعية، قابلة للجريان حول المعلوم بالإجمال ذاتا وعلى الإطلاق. أو لا تكون قابلة ذاتا، للمحذور الثبوتي، أو الإثباتي. أو تكون قابلة للجريان ذاتا، ولكنه لا على الإطلاق، بل هي تجري في بعض الأطراف دون بعض، فيلزم ممنوعية المخالفة القطعية، ولا يلزم وجوب الموافقة القطعية. وهذا الذي ذكرنا هو أساس البحث، من غير فرق بين صورة العلم الإجمالي بالحكم، أو العلم الإجمالي بالحجة، كما سنشير إليه، ومر في بحوث القطع (2) بحمد الله. تذييل: تحقيق حول العلم الإجمالي هنا وما مر في القطع ربما يقال: إن البحث والجهة المبحوث عنها في القطع: هو أن الإجمالي منه يكون بالنسبة إلى المخالفة القطعية مؤثرا، أم لا، وهنا يكون البحث حول اقتضائه بالنسبة إلى الموافقة القطعية (3). وهذا غير صحيح، ضرورة أن ما هو اللائق بالاصولي هو البحث عن القطع الإجمالي، وحدوده، وآثاره وأحكامه، والتفكيك بلا وجه.


1 - تقدم في الجزء السادس: 174 - 175. 2 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 185. 3 - فرائد الاصول 1: 24. (*)

[ 309 ]

وفي حاشية العلامة الأصفهاني (قدس سره): " أن الجهة المبحوث عنها في مسائل القطع، ترجع إلى حيثية العلم الإجمالي الموجود، وأنه هل هو كالتفصيلي، أم لا ؟ وفيما هاهنا ترجع إلى أن الشك المقرون به، هل هو - بما أنه شك - يقبل الترخيص، أم لا ؟ فيرجع البحث هنا إلى حيثية اخرى " (1). وهذا وإن كان يستلزم النظرين، إلا أن تلازمهما الخارجي يوجب تداخل أحكام العلم والشك وتزاحمهما، وينتهي البحث بالأخرة إلى ما جعلناه فارقا: وهو أن البحث هناك حول مقتضى درك العقل مع قطع النظر عن الشرع، وهنا حول أن الشرع هل رخص، أو يمكن ترخيصه ورخص، أم لا ؟ فيدور حول الشرع. وأما ما في " تهذيب الاصول ": من إيجاد الفارق بين المسألتين، وإحداث مقامين: أحدهما: في العلم الإجمالي بروح الحكم والتكليف الجدي الواقعي، فقال بامتناع الترخيص هنا، حتى يمتنع ذلك في الشبهة البدوية إذا كان لا يرتضي بتركه عند الإصابة. ثانيهما: في الحجة الإجمالية، وجعل المقام الثاني ذا صورتين: الاولى: صورة عدم رضا الشرع بترك الواقع لو أصابت الحجة الواقع، فقال بامتناع الترخيص، ولا يحتمل ذلك، لأنه بحكم احتمال المناقضة والتناقض. وجعل الصورة الثانية محور البحث هنا... (2). فهو غير تام عندنا، كما مر تفصيله في بحوث القطع (3)، وذلك لأن ما جعله


1 - نهاية الدراية 3: 102 - 103، و 4: 229. 2 - تهذيب الاصول 2: 248 - 249. 3 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 185. (*)

[ 310 ]

محذورا في المقام، هو المحذور الأساسي في مسألة الجمع بين الحكمين: الواقعي، والظاهري، ولو كان حل مشكلة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي: بمضي الشرع في موارد الترخيص عن الواقع، كما ذكرناه في مباحث الإجزاء (1)، للزم اختصاص الأحكام طرا وكلا بالعالمين، وهذا خلاف ما هو المجمع عليه، ويكون في الحقيقة قبولا لإشكال ابن قبة (2) بوجه خارج عن توهمه، فإنه - كما مر في محله - ما هو المحذور الحقيقي في هذا الجمع، امتناع الالتزام بوجود الإرادة الإلزامية الفعلية، والترخيص على خلافها (3)، وكثير من الأعلام لم يصلوا إلى هذه المعضلة في تلك المسألة، والسيد المحقق الوالد - مد ظله - وصل إليها، ولكنه التزم به، كما هو صريح كلامه هنا (4) وفي محله (5)، فليراجع. وحيث قد فرغنا من إمكان الجمع بينهما في مسائل الظن (6)، فلا يلزم من الترخيص في جميع الأطراف في صورة العلم الإجمالي بوجود الحكم الفعلي الإلزامي، إلا مشكلة الجمع بينهما التي مرت، ونشير إليها من ذي قبل إن شاء الله تعالى. فلا فرق بين المقامين، ولا بين صورتي المقام الثاني، في أن الكل داخل في محل البحث هنا. وإنما البحث حول الأدلة وقصورها، أو عدم قصورها، ونشير في خلاله إلى


1 - تقدم في الصفحة 140 - 141. 2 - لاحظ فرائد الاصول 1: 40. 3 - تقدم في الجزء السادس: 242. 4 - تهذيب الاصول 2: 252 - 253. 5 - تهذيب الاصول 2: 67 - 68. 6 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 252. (*)

[ 311 ]

ما هو وجه توهم المضادة التي لا تزيد على ما مر في مسألة المضادة بين الأحكام الواقعية والظاهرية (1)، وحيث إنها مسألة صعبة ومشكلة إعضالية جدا، لا بأس بالإيماء إلى ما هو الحق، فافهم واغتنم. فتحصل: أنه لا فرق بين الصور الثلاث في كونها داخلة في محط البحث، فلا يحصل بما أفاده فرق بين المبحثين، وإنما الفرق بينهما ما أشرنا إليه بحمد الله، ومن تأمل فيه يجده سبيلا جيدا إن شاء الله تعالى. إيقاظ: إن هذا الذي أشرنا إليه، من إمكان كون الحكم الواقعي، فعليا بجميع مراتبه مع ترخيص الشرع، غير ما أفاده العلامة الخراساني (رحمه الله) فإنه التزام بالمرتبة الخاصة للحكم في موارد الترخيص (2)، وهو أيضا فرار عن حل المشكلة وتوهم الالتزام بشبهة ابن قبة، فلا تخلط. تنبيه: حول خروج العلم الإجمالي بالامتثال عن محل النزاع يظهر مما نسب إلى العلامة النائيني (رحمه الله) التفصيل بين موارد العلم الإجمالي بالتكليف، وموارد العلم الإجمالي بالامتثال، وأن الثاني خارج عن محل النزاع، دون الأول (3). كما يظهر من بعض تلامذته: أنه لا فرق بين المسألتين بدخولهما في محل النزاع، فلو صح الترخيص في جميع الأطراف في الاولى، صح في الثانية (4).


1 - يأتي في الصفحة 320. 2 - كفاية الاصول: 319 - 321. 3 - أجود التقريرات 2: 238. 4 - مصباح الاصول 2: 345. (*)

[ 312 ]

وأنت قد عرفت فيما سبق: أن مقام الامتثال سعة وضيقا، يستتبع مقام الجعل (1)، ولا يعقل التزام المولى بالجزئية أو الشرطية والمانعية على الإطلاق، ومع ذلك يلتزم بالصحة حسب قاعدة الفراغ، فلو علم إجمالا ببطلان إحدى الصلاتين، وقلنا بجريانها فيهما، فهو لابد وأن يرجع إلى أنه قد تصرف في المأمور به، فيرجع إلى التكليف وإلى العلم الإجمالي في مقام الجعل، فتأمل. وغير خفي: أنه يمكن الالتزام بفعلية التكاليف النفسية والوضعية بفعلية قانونية حسبما تحرر (2)، وهي في موارد قاعدة الفراغ غير منجزة للترخيص، فإن قاعده الفراغ أيضا قانون كلي عام، يشمل موارد اشتمال المأتي به على الأجزاء والشرائط، وموارد فقدهما، فضرب هذا القانون الكلي جائز، ويكون الجمع بين الترخيص الفعلي وفعلية الجزئية والشرطية ممكنا. وهذا من ثمرات الخطابات القانونية، وإن كان الوالد المحقق - مد ظله - لم يلتزم به (3)، لعدم الالتفات إليه، فاغتنم. الجهة الثالثة: وفيها إشارة إلى حقيقة العلم الإجمالي قد مر في بحوث العلم الإجمالي من القطع، كيفية تعلق العلم الإجمالي بالخارج (4). ولا تقاس هذه المسألة بمسألة الوجوب التخييري، أو بيع أحدهما على


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء السادس: 119 - 120. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 3 - لاحظ أنوار الهداية 1: 200 - 202. 4 - تقدم في الجزء السادس: 171. (*)

[ 313 ]

التخيير. وليس معنى العلم الإجمالي إجمالا في العلم، ولا في المعلوم بذلك العلم، بل خلط واختلاط بين العلم بالشئ من جهة، والجهل به من جهة اخرى، فإذا لم يكن الشئ معلوما بحذافير مقولاته، وبمجموع ضمائمه، يلزم منه الإجمال المنضم إلى العلم، وتفصيله يطلب من محله (1)، فراجع. إذا عرفت تلك الجهات، فالكلام يتم في هذا المقصد في طي مسائل:


1 - نفس المصدر. (*)

[ 315 ]

المسألة الاولى إمكان الترخيص في أطراف الشبهة الحكمية

[ 317 ]

تمهيد حول تقريب بديع لوجوب الاحتياط إذا علم إجمالا بالحكم أو الحجة في الشبهات الحكمية التحريمية، أو الإيجابية، وهكذا لو كان يعلم بجنس الالتزام، وتردد في فصله، فمقتضى ما تحرر في بحوث القطع (1)، أن هذا العلم علة تامة لتمامية الحجة على وجوب الموافقة القطعية، وحرمة المخالفة القطعية، وأن العقاب هناك ليس بلا بيان، ولا يمتنع صدوره عن المولى الحكيم، لأنه ليس عقابا جزافا وبلا جهة عقلا. وقد مر: أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ترجع إلى قاعدة اخرى أوسع منها: وهي قبح العقاب جزافا وبلا سبب (2)، وهذا في موارد العلم الإجمالي ليس بلا علة وسبب، ولا يعد جزافا وقبيحا، فلا تجري قاعدة البراءة العقلية، والعقلائية. وإن شئت قلت: في موارد الشبهات البدوية، يصح الاعتذار بالجهالة، فإن الجهل عذر عند العقلاء في الشبهات الحكمية بعد الفحص وهذا الجهل المقرون بالعلم ليس عذرا، ولا أقل من الشك في كونه عذرا عند العرف والعقلاء، فلابد من


1 - تقدم في الجزء السادس: 190 - 194. 2 - تقدم في الصفحة 294. (*)

[ 318 ]

الاحتياط حتى يأمن من العقاب المحتمل. فبالجملة: مدعي أن العلم الإجمالي ليس له شأن، لابد أن يدعي جريان البراءتين العقلية والعقلائية في الأطراف وهذا واضح ممنوعيته عندهم ولا أظن التزام أحد بذلك وما نسب إلى العلمين: الخونساري، والقمي، يرجع إلى الشرعية كما يأتي إن شاء الله تعالى. وتحصل على التقريب الثاني: أن الجهل عذر في البدويات، وليس عذرا في صورة اقترانه بالعلم، فليس العلم شيئا، ولا علة لتنجيز الحكم، أو لإيجاب الموافقة القطعية، أو حرمة المخالفة القطعية، بل الاحتياط بحكم العقل ودركه لازم، إلا إذا كان له العذر في صورة التخلف عن المرام ومطلوب المولى. وهذا لا يحصل فيما نحن فيه، سواء كان العلم بالحكم، أو بالحجة، وسواء كان المعلوم جنس التكليف، أو فصله، وسواء كان المجهول متعلق التكليف، أو متعلق المتعلق في الشبهات الحكمية على أصنافها. فإلغاء العلم الإجمالي عن المنجزية والعلية والسببية والاقتضاء، ممكن على التقريب الثاني. بقي شئ: في بيان ما يوجب الاحتياط عند العلم الإجمالي ربما يقال: إن في موارد العلم الإجمالي، ليس وجه الاحتياط العلم بالعقاب، لإمكان انتفائه لأجل سعة رحمته تعالى، أو نيل شفاعة الشافعين، فما هو الوجه انتفاء المؤمن (1). وغير خفي: أن حديث سعة رحمته وشفاعة الشافعين، لا تنافي العقاب حسبما تحرر في الكتب العقلية، ولا ينبغي للاصولي غير العارف بالمسائل الإسلامية العقلية تخليط المسائل الاعتباريه والواقعية.


1 - مصباح الاصول 2: 344. (*)

[ 319 ]

تنبيه قضية ما تحرر منا في التقريب الأول: أن العلم الإجمالي علة تامة للوجوب والحرمة العقليتين، ولا بأس بتسمية ذلك " اقتضاء " نظرا إلى جواز ترخيص الشرع على الإطلاق، أو في الجملة. وهذا مجرد خلاف في التسمية، وإلا فالعلم الإجمالي لايمنع ثبوتا - كما يأتي - عن الترخيص على الإطلاق، فضلا عن الترخيص في بعض الأطراف، كي تحرم المخالفة القطعية، ولا تجب الموافقة القطعية. وسيظهر لك: أنه مع كونه علة تامة في محيط العقل والعرف للجانبين، يجوز جريان الترخيص الظاهري، لاختلاطه بالجهل، وامتزاجه بالشك، بخلاف العلم التفصيلي (1). إفادة وإعادة ربما يختلج ببال بعض القاصرين: أن وجه وجوب الاحتياط، تعارض مصداقين من قاعدة عقلية، أو عقلائية، لأن كل واحد من الطرفين مجرى البراءتين: العقلية، والعقلائية، لأن كل طرف من الأطراف مصداق لهما، ولا معنى هنا للجمع بين الحكمين: الواقعي، والترخيص العقلي، كما هو الواضح. وقد عرفت: أن العقاب بلا بيان معناه العقاب بلا حجة (2)، والعلم هنا حجة، أو أن العقاب بلا بيان يرجع إلى العقاب بلا جهة وجزافا، ولا جزاف هنا في عقاب المتخلف عن الواقع ولو كان جاهلا، لاقتران جهله بالعلم، فلا تخلط.


1 - يأتي في الصفحة 324 - 325. 2 - تقدم في الصفحة 133 و 294. (*)

[ 320 ]

إذا تبينت هذه الجهة التي مرت في مباحث القطع (1)، يقع البحث في أن الشرع هل يمكن له الترخيص بالنسبة إلى أطراف العلم بأجمعها، أم لا ؟ وعلى الأول: هل الترخيص واقع، أم لا ؟ فالكلام يقع في مقامين: المقام الأول: حول معقولية الترخيص بالنسبة إلى جميع الأطراف فلو فرضنا وأثبتنا إمكانه العقلي في مورد العلم الإجمالي بالحكم، مع كون الحكم الظاهري الثابت في الأطراف، مفاد الأمارات العقلائية الإمضائية، فكيف حال العلم الإجمالي بالحجة، مع كون الحكم الثابت فيها مفاد الاصول التعبدية الجعلية الشرعية التأسيسية، كأصالة الحل، والإباحة، وحديث الرفع وغيره ؟ ! فإنه يثبت بالأوضح الأظهر. وهكذا فيما إذا كان العلم الإجمالي بالحكم والأصل الجاري في الأطراف، من قبيل الاستصحاب ولو كان تلزم منه المخالفة القطعية. فلا نحتاج إلى عقد بحث على حدة بالنسبة إلى كل واحد من الصور في مرحلة الثبوت. وما هو الوجه لامتناع الترخيص ولاسيما في مثل الأمارات: هو أن الترخيص المذكور - بالإمضاء كان أو بالتأسيس - ترخيص وإمضاء للمعصية في صورة العلم الإجمالي بالحكم، وبحكمه، العلم الإجمالي بالحجة، وكل واحد قبيح، وهو ممتنع عليه تعالى. وهناك وجه آخر: وهو لزوم التناقض بين فعلية التكليف، مع إطلاقها في


1 - تقدم في الجزء السادس: 190 - 194. (*)

[ 321 ]

مورد العلم الإجمالي بالحكم، واحتمال وقوع المناقضة في مورد العلم الإجمالي بالحجة، بعد كون الحكم على تقدير وجوده فعليا بالنسبة إلى المكلف المذكور، كما هو المفروض في محط النزاع. وسيمر عليك وجه ثالث: وهو أن في موارد العلم الإجمالي، لا يعقل جعل حجية الأمارة أو الاصول، لانتفاء الشك، كما في مورد العلم التفصيلي (1). وما في " تهذيب الاصول " من الترخيص في جميع الأطراف، غير مهم في المقام، لخروجه عن البحث ظاهرا، ولذلك صرح بعدم تمامية هذه الوجوه في محط الخلاف (2)، مع أن الأمر حسبما مر، يكون حول إمكان الترخيص بعد الإقرار بالفعلية (3)، ولذلك التزموا بصحة الوجهين المذكورين (4). فالمرء كل المرء من يصور الترخيص في جميع الأطراف بدفع الوجهين، مع اعترافه بالفعلية المطلقة بالنسبة إلى الحكم الواقعي، من غير تصرف فيه بالشأنية والإنشائية، أو الفعلية التقديرية، أو غير ذلك مما يتلاعب به أرباب البحث، نظرا إلى الإشكالين المزبورين، كما يرى في " الكفاية " (5) وأتباعها (6). وغير خفي: أنه لو صح في جميع الأطراف، إمكان الترخيص عرضا من غير شرط وقيد، فلا تصل النوبة إلى البحث عن إمكانه في بعض الأطراف، أو بالنسبة


1 - يأتي في الصفحة 330. 2 - تهذيب الاصول 2: 250 - 253. 3 - تقدم في الصفحة 310. 4 - أجود التقريرات 2: 241، منتهى الاصول 2: 243 - 245، مصباح الاصول 2: 345 - 346. 5 - كفاية الاصول: 320 - 321. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 110 - 119، نهاية الأفكار 3: 67، حقائق الاصول 2: 67، منتهى الاصول 2: 73 - 74، تهذيب الاصول 2: 68. (*)

[ 322 ]

إلى التدريجيات والاستقباليات. إذا علمت الأمر كله. فالذي ينبغي التوجه إليه أولا: أنه ربما نجد في موارد الاضطرار والإكراه والعجز بالنسبة إلى الحكم الواقعي، إمكان الالتزام بفعلية الحكم بالنسبة إلى المضطر والمكره والعاجز، مع ترخيص الشرع في تلك الموارد، وذلك لأن الحكم الثابت الفعلي، من الأحكام الفعلية القانونية المشترك فيها جميع الأصناف، وتكون حالات الاضطرار والإكراه والعجز أعذارا عقلية، وفي موارد الأعذار العقلية والعرفية تكون الأحكام فعلية. والسر كل السر ما مر في المجلد الأول: من أن فعلية الحكم الثابت بالخطاب الشخصي بالنسبة إلى زيد، غير معقولة في مورد العجز الشخصي، أو الاضطرار وغيره، وأما في موارد الخطابات القانونية الكلية - على التفصيل الذي مر تحقيقه بسد مشكلاته من نواح شتى (1) - فتكون حرمة أكل الميتة ووجوب الصوم، فعليا وواقعيا، ولا فصل بين فعلية الحكم بالنسبة إلى العالم القادر والعاجز، وإنما الفرق في استحقاق العقوبة في الأول، وعدمه في الثاني، وإلا فالكل يخالف مولاه في حكمه وجعله. والمتأخرون لا يمكن لهم الالتزام بذلك، لامتناع كون أكل الميتة حراما فعليا ومنهيا واقعيا، ومع ذلك يكون مورد رضا الشرع بما أنه واحد من العقلاء، بل بما أنه شرع أمضى عذرية هذه الامور، ضرورة إمكان إيجاب التحفظ في موارد الاضطرار والإكراه والعجز، حتى لا يتسامحوا في ذلك، وكان يمكن له أن يعرب عن عدم رضاه بالاضطرار العرفي والإكراه العقلائي، كما أعرب عنه في مورد الاضطرار


1 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. (*)

[ 323 ]

الاختياري، حيث قال تعالى: * (غير باغ ولا عاد) * (1) فإنه - بناء على ما تحرر - تكون الميتة حراما في مورد الاضطرار بسوء الاختيار، ومع ذلك يجب بحكم العقل أكلها، نظرا إلى حفظ النفس الأهم، فيعاقب على ارتكاب المحرم، مع أنه لو كان يترك أكلها يعاقب عقابا أشد على عدم حفظه للنفس. وليس ذلك إلا لأن الخطاب في مورد المضطر، ليس شخصيا، والإرادة ليست جزئية شخصية في واقعة خاصة، حتى يقال بنفي الحرمة طبعا، للابتلاء بالأهم، فإنه خلاف ظاهر الكتاب العزيز. وتمام هذا يطلب من بحوث الأهم والمهم من المجلد الأول (2). فعلى ما تحرر في هذا المثال تبين: أنه في مورد وجود الحكم الفعلي والتحريم والإيجاب الفعليين على الإطلاق، لا يلزم قبح ترخيص المعصية، لأن مخالفة الحكم الفعلي في صورة الابتلاء بالأهم، مورد ترخيص الشرع، بمعنى رضاه كما في المثال المذكور، وليست تلك المخالفة قبيحة، لأنه بها يفر عما هو الأهم، أو يمتثل ما هو الأهم، فمجرد مخالفة الحكم الفعلي، ليس عصيانا وقبيحا، ولا فسقا وفجورا، ولا ممنوعا وقبحا. كما أن المناقضة ترتفع، لأجل أن ما هو المستحيل، هو أن يحرم المولى على زيد المضطر تحريما شخصيا، ويقبل أن الاضطرار عذر، ويعترف بأنه عذر مقبول، فإنه تناقض في نفسه، وليس تحريم الميتة هكذا، بل هو تحريم على نعت الخطاب القانوني الكلي، ولا يختص زيد بالخطاب الخاص الشخصي، كما لا يكون اعترافه بعذرية العجز والاضطرار والإكراه، اعترافا شخصيا، بل هو أيضا نوع ارتضاء كلي،


1 - البقرة (2): 173، الأنعام (6): 145، النحل (16): 115. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. (*)

[ 324 ]

من غير انحلال الخطاب إلى الخطابات. أفلا ترى: أنه إذا سلم أحد على الجماعة، يكفي الجواب الواحد، مع أنه لو انحل الخطاب، للزم على كل واحد جواب خاص ؟ ! والانحلال الحكمي بالنسبة إلى الأحكام، غير انحلال الخطاب حكما أو واقعا. فلا إرادة شخصية بالنسبة إلى تحريم الميتة بالنسبة إلى زيد المضطر، حتى يلزم التناقض بينها وبين الارتضاء وقبول عذرية الامور المذكورة، مع أنه كان يمكن له الإعلام وإعلان عدم مقبولية الاضطرار والإكراه والعجز عذرا، حتى يرفع الاضطرار الحاصل قهرا، أو يعدم العجز الموجود طبعا، إلى أن ينتهي الأمر إلى ما لا يمكن عقلا على العباد. فعلى ما تحرر تبين انحلال الإشكالين. مع أنه عالم بالعلم التفصيلي بالحكم الفعلي، والحكم باق في هذه الموارد، حسب الموازين الأولية، والإطلاقات الموجودة في الكتاب والسنة بالنسبة إلى الأحكام الواقعية، ومقتضاها اشتراك الكل في التكليف على نهج واحد، مضافا إلى الإجماع والاتفاق. ثم بعد النظر إلى المثال المذكور. ينبغي الالتفات إلى ما هو المقصود في المقام ثانيا: وهو أنه في موارد العلم الإجمالي بالحكم أو الحجة، تكون الأحكام فعلية في صورة الإصابة، ومنجزة في محط العقل مع قطع النظر عن الشرع. وأما الشرع، فبعد ما يكون هناك جهالة في البين، له جعل الطرق بالإمضاء على نحو القانون الكلي، كما هو مفاد مفهوم آية النبأ وغيرها، بناء على دلالتها، أو غير ذلك من الأدلة. أو إمضاء الطريقة الكلية العرفية، فإنه في صورة إمضاء هذه الطريقة، لا تكون ناظرة إلى الأحكام الواقعية كل على حدة فردا فردا، حسبما تحرر وتقرر في باب

[ 325 ]

العام (1) والإطلاق (2)، فإذا رضي بتلك الطريقة المألوفة، فلا منع من أخذ العبد والمكلف بما يدل على عدم وجوب القصر في مورد العلم الإجمالي بوجوب القصر أو الإتمام، أو وجوب الظهر أو الجمعة، أو غير ذلك من موارد الشبهات الحكمية التي تكون ذات متعلق، أو كانت ذات متعلق المتعلق، ومن الأخذ بعدم وجوب التمام، لأن كل واحد من الطريقين، لا ينافي فعلية الحكم المذكور. وإنما يجوز بحكم العقل مثلا ارتكاب المجموع في الشبهات التحريمية، أو ترك المجموع في الوجوبية، قضاء لإطلاق دليل الإمضاء، من غير أن يلزم الترخيص في العصيان، وإنما يلزم الترخيص في مخالفة الحكم الفعلي، نظرا إلى المصالح العامة، وتسهيل الأمر على العباد، وأن الإسلام دين سهل سمح يجتذب كل إنسان. وهذا كما مر في المثال، جائز وواقع في موارد الابتلاء بالأهم والمهم، وقد مر فعلية المهم من غير قصور في فعليته، ومن غير كونه عاصيا عند إتيان الأهم وترخيصا في العصيان، ومن غير لزوم التناقض المزبور المذكور في كلمات القوم صدرا وذيلا (3). نعم، ربما يكون الحكم الواقعي بمرتبة من الأهمية، حتى لا يجوز الرجوع إلى أدلة الترخيص في الشبهات البدوية، فضلا عن موارد العلم الإجمالي. فبالجملة: قضية العلم الإجمالي تنجيز الواقع، واستتباعه للعقاب في التحريمية والوجوبية، كما أن قضية العلم التفصيلي بحرمة أكل الميتة ذلك، ولكن في


1 - تقدم في الجزء الخامس: 303 - 307. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 436 - 438. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 99، أجود التقريرات 2: 241، مصباح الاصول 2: 346. (*)

[ 326 ]

الموارد المذكورة لا عقوبة، لما أن الشرع يقبل تلك الامور عذرا، فالفعلية موجودة، واستحقاق العقوبة منتف. وفيما نحن فيه أيضا يكون العلم الإجمالي، منجزا وموجبا للاستحقاق، ومقتضى ترخيص الشرع بأخذ الطرق والأمارات في الشبهات التحريمية والوجوبية على الإطلاق، قبول العذر إذا أصاب العلم الإجمالي الواقع، أو الحجة الإجمالية الواقع، فيكون ارتضاؤه بسلوك الطريق القائم عند زيد العالم بالحكم إجمالا، مع كون الشرع عالما بأن علمه أصاب الواقع، ممتنعا، وإمضاؤه لتلك الطريقة والأخذ بالطرق بالنسبة إليه غير ممكن. وأما فيما إذا كان ممضيا لجميع الطرق - كالخبر الواحد، بل والظواهر في لحاظ واحد - فلا يكون هناك إلا ضرب القوانين النفسية والطريقية، وحيث يجد إصابة الطرق الواقعيات في الجملة، ويجد تخلف العلوم الإجمالية عن الواقعيات في الجملة، يتمكن طبعا من ضرب تلك القوانين النفسية والطريقية، وتكون النتيجة - حسب النظر البدوي، على تقدير وجود عموم الإمضاء في موارد الأمارات، أو عموم التأسيس في موارد الاستصحاب، والبراءة، والحل - جواز ارتكاب مجموع الأطراف، وترك المجموع في الشبهات التحريمية والوجوبية ثبوتا، وأما جوازه إثباتا فهو في البحث الآتي إن شاء الله تعالى. فإذا كان في موارد قيام الأمارات على أطراف العلم الإجمالي، إمكان الترخيص، لكونها أمارات على الواقع، وناظرة إلى الأحكام الواقعية حسب الظاهر، فكيف الأمر بالنسبة إلى الأمارات التعبدية أو الاصول المحرزة أو التنزيلية، أو غيرهما من الاصول الجارية بالنسبة إلى مقام الثبوت والجعل، أو السقوط والامتثال، كقاعدة التجاوز، والحيلولة، والفراغ، والصحة، وغير ذلك ؟ ! وقضية ما سلف: أنه لا يحصل فرق بين المسالك في باب حجية الأمارات،

[ 327 ]

على الاختلاف الواسع فيها، فإن ذلك كله ناشئ عن عدم الالتفات إلى ما حررناه. فكما أن في المثال المذكور يعد كل من تلك الامور أعذارا، كذلك في الطرق والأمارات والاصول بأقسامها، تعد كلها أعذارا بالنسبة إلى التخلف عن الواقع المعلوم. ولو كان جريان بعض هذه الأدلة الظاهرية، مخصوصا بإشكال عقلي نشير إليه في المقام الآتي (1)، وقد مر تفصيله في كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بما لا مزيد عليه (2). ومن الغريب أن سيدنا الوالد المحقق الاستاذ الذي هو مؤسس هذه الطريقة، لم يلفت النظر إلى ما شيد أركانه وأسس بنيانه في هذه المسألة، في كتاب الظن، وهنا، كما ترى ! ! تنبيه: في بعض ما لا ينبغي الخوض فيه هنا لا وجه لخوضنا في سائر مسائل العلم الإجمالي العقلية، بعد ما مر تفصيله في مبحث القطع (3)، ولا لمسألة جواز الترخيص في بعض الأطراف، بعد ما عرفت ذلك (4)، وعلمت اختلاف مسلكنا هنا مع سائر المسالك اختلافا جوهريا. ولا معنى لتوصيف العلم الإجمالي بأنه علة تامة، أو مقتض مطلقا، أو فيه تفصيل بالنسبة إلى المخالفة والموافقة، أو لا علية له ولا اقتضاء، كما ربما ينسب إلى العلامة المجلسي (رحمه الله) حيث رخص ارتكاب جميع الأطراف (5)، فإنه بحث غلط ناشئ عما بنوا عليه من الخطابات الشخصية، وإلا فإن العلم الإجمالي في ميزان


1 - يأتي في الصفحة 333 - 335. 2 - تقدم في الجزء السادس: 253 - 258. 3 - تقدم في الجزء السادس: 184 وما بعدها. 4 - تقدم في الجزء السادس: 179 - 182. 5 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 167. (*)

[ 328 ]

العقل، يمنع عن جريان البراءة العقلية والعقلائية، دون الشرعية، مع كونه باقيا على حاله علما ومعلوما، من غير تصرف في المعلوم يسيرا وكثيرا، خلافا لما في " الكفاية " من التصرف في المعلوم يسيرا (1)، وفي " التهذيب " كثيرا (2). مع أن من المحتمل جولان المجلسي فيما ذكرناه، إلا أنه التزم في الشبهات التحريمية الموضوعية ظاهرا للأدلة الخاصة، دون الوجوبية، وفاقا للأخباريين في الشبهة البدوية. نعم، إذا قيس النظر إلى استحقاق العقوبة وعدمه، لا إلى اختلاف مراتب الحكم ووجوده وعدمه، فلا بأس بدعوى أنه مقتض، لأنه يجوز للشرع الترخيص في جميع الأطراف عقلا، وإن لم يجز الارتكاب مطلقا حسب البراءة العقلية والعرفية، فلا تغفل. فذلكة البحث إن ملاحظة مصالح الإسلام والمسلمين في إمضاء الطرق والأمارات على وجه تجري في أطراف العلم الإجمالي، لا تستتبع تقييدا في الأحكام الواقعية، وتخصيصا في المجعولات النفسية، حتى يتوهم: أن الترخيص المذكور يوجب الخلف. وتصديق هذا الذي ذكرناه، منوط بالاطلاع على مقدمات حديث الخطابات القانونية (3)، وأنها لا تنحل إلى الشخصية، مع انحلال الحكم إلى الأحكام الكثيرة انحلالا حكميا، ولذلك تجري البراءة في الشبهات الحكمية على الإطلاق.


1 - كفاية الاصول: 320 - 321 و 407 - 408. 2 - تهذيب الاصول 2: 68 و 251 - 253. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. (*)

[ 329 ]

المقام الثاني: حول ما يتعلق بحدود ترخيص الشرع تصديقا في الشبهات الحكمية المقرونة بالعلم الإجمالي وحيث إن ذلك مما لا ينال إلا بالبحث في كل دليل على حدة، فلابد من جعل دليل كل من الطرق والأمارات والاصول مورد النظر إجمالا، وإحالة الزائد عليه إلى أبوابها. وغير خفي: أن بحوث أصحابنا الاصوليين غير شاملة الأطراف، لذهاب بعضهم إلى البحث عن خصوص الشبهات الموضوعية، وإحالة الحكمية عليها (1)، وذهاب بعضهم إلى البحث عن حال الاصول، دون الأمارات (2)، مع أن ملاك البحث عام يشمل الصورة التي ذكرناها: وهي ما لو علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة، مع قيام خبر زرارة خصوصا على عدم وجوب الجمعة، وخبر ابن مسلم على عدم وجوب الظهر، فإنه في حد ذاته مما لا بأس بهما، إلا أنه كما يمكن البحث عن جريان استصحاب عدم وجوب كل واحد، والبراءة عن وجوب كل واحد، يمكن البحث في الصورة المذكورة، فيجوز الأخذ بقولهما مع كون الحكم الواقعي فعليا ومعلوما بالإجمال. وبالجملة: لا شبهة في أن شرط جريان أدلة حجية كل من الطرق والأمارات، حاصل في موارد العلوم الإجمالية، لما عرفت من تعانق العلم الإجمالي بالشبهة والشك بالنسبة إلى كل خاص، وبالنسبة إلى كل واحد من الأطراف بعنوانه


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 123. 2 - نهاية الأفكار 3: 300 - 305. (*)

[ 330 ]

الذاتي، وقد مر كيفية تعلق العلم الإجمالي بالخارج، ومعنى امتزاجه بالجهالة، وحقيقة إجماله بما لا مزيد عليه (1). فتوهم قصور أطراف العلم الإجمالي عن شمول أدلة حجية الأمارات والاصول بأصنافها، نظرا إلى أن العلم الإجمالي، كالتفصيلي في عدم إمكان جعل الحجية في مورده، والشكوك المقرونة بالعلم معناها العلم الإجمالي، ولا يعقل الترخيص في مورد العلم بأقسامه، في غير محله كما لا يخفى، لما لا يعتبر أزيد من الشك إما في المورد، أو في الموضوع، والكل حاصل بالقياس إلى الخصوصية. نعم، لأحد دعوى: أن أدلة الحجية، قاصرة عن اعتبار الحجية على الإطلاق بوجه تشمل تلك الموارد، أو منصرفة، لأجل احتوائها على خصوصيات، فلا ينبغي أيضا الخلط بين مسألتين: مسألة قابلية أطراف العلم الإجمالي لجعل الحجيه، من ناحية أن الشك مفقود، فإنه غير صحيح، لموجودية الشك والجهل، ومسألة تمامية أدلة الحجية وإطلاقها وعمومها على وجه تشمل الأطراف. ثم بعد ما تبين هذا الأمر، فلتكن على خبروية من أمر آخر: وهو أن مقتضى ما تحرر منا أنه بعد إمكان الترخيص، وبعد قابلية الأطراف بحسب الشك لجعل الحجية، وبعد تمامية الأدلة لشمول الأطراف، يسقط حديث المعارضة بين الاصول النافية، ولازمه جواز المخالفة العملية، لوجود المؤمن، وهذا غير تجويز العصيان كما عرفت (2). وهكذا يسقط بحث القرعة، مع أنه ساقط من رأسه في هذه الميادين والبحوث، ولا يجوز لأحد التفوه بذلك، سواء فيه الشبهات الحكمية والموضوعية.


1 - تقدم في الجزء السادس: 171 - 173. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 331 ]

فبالجملة: الأمر عندنا بعد ما عرفت، يدور بين أمرين: إما عدم جريان أدلة الأمارات والاصول حول العلوم الإجمالية، أو جريانها وصحة الالتزام بالكل من غير المعارضة، لإمكان ذلك ثبوتا، وجريانها إثباتا. إذا عرفت هذه الوجيزة، فدونك صورتي المسألة: الصورة الاولى: ما إذا علم علما وجدانيا بالحكم والتكليف فإن قلنا بحجية العلم ذاتا كما عليه الأصحاب (رحمهم الله) (1) فأدلة الأمارات الإمضائية بل والتأسيسية - بناء على وجودها أحيانا في الشريعة الإسلامية - غير كافية، إما لعدم إطلاق فيها، أو لانصرافها عن هذه المواقف، ولا يبعد أقوائية الاحتمال الأول، فلو علم وجدانا بوجوب الظهر أو الجمعة، أو القصر أو التمام، فلا بناء من العقلاء على الأخذ بخبر الثقة النافي لكل واحد منهما بخصوصه، بل المناقضة العرفية كافية لعدم بناء منهم عليه، وإن أمكن رفع المناقضة عقلا وفي أدق ما يمكن. وقد مرت المناقشة في أدلة بناء العقلاء اللفظية القائمة على حجية خبر الثقة، بل والعقلية، والعرفية (2)، فالقدر المتيقن منها غير هذا المورد. وهكذا فيما إذا قلنا بعدم حجيته الذاتية، وإمكان سلب الحجية والمنجزية، ولاسيما بالنسبة إلى العلم الإجمالي، ولكنه حجة عقلائية قطعية، كما هو كذلك. وأما توهم: أن من أدلة حجية الأمارات وخبر الثقة، يكشف ردع الشرع عن حجية العلم الإجمالي بعد إمكانه، فهو غير تام، لأن هذا فرع ثبوت الإطلاق، وقد


1 - فرائد الاصول 1: 4، درر الفوائد، المحقق الحائري: 325، مصباح الاصول 2: 15. 2 - تقدم في الجزء السادس: 499. (*)

[ 332 ]

فرضنا أنه ممنوع، بخلاف العلم الإجمالي، فإنه عند العقلاء حجة، ولا دليل على ردعه ولو أمكن ردعه. فعلى هذا، لا تلزم المعارضة العرضية بين خبري زرارة ومحمد بن مسلم في المثال السابق، لعدم دليل على جريان دليل حجية خبر الثقة في أطراف المعلوم بالإجمال. ومن هنا تنحل مشكلة اخرى في باب التعادل: وهو حكم المتعارضين بالعرض، من غير فرق بين كون مفاد خبرهما نفي وجوب كل واحد منهما، كما هو مورد البحث هنا، أو إثبات وجوب كل واحد منهما، كما هو مثال البحث في التعادل والترجيح، فلا يشمل، لعدم الاقتضاء، وقصور الأدلة ذاتا ولبا، فاغتنم. وأما الاستصحاب، فالحق عندنا أنه غير جار في الشبهات الحكمية الوجودية والعدمية، ويكون عدم جريانه في كل لعلة خاصة، ولا تصل النوبة في الوجودية إلى المعارضة بينه وبين العدمية، كما عن النراقي (1) وبعض أهل العصر (2)، ولا نحتاج إلى بيان بعض مقاربي العصر من المناقضة في مرحلة الجعل والتعبد (3)، مع ضعفه كما اشير إليه في " تهذيب الاصول " (4) وغيره (5)، وسيظهر تحقيقه في الاستصحاب إن شاء الله تعالى (6). وأما البراءة، فنشير إليها في الصورة الآتية إن شاء الله تعالى، لاشتراك جميع الصور في جريانها وعدم جريانها، وهكذا الاصول الجارية في مقام الامتثال فانتظر حتى حين.


1 - مناهج الأحكام والاصول: 239 / السطر 2 - 13. 2 - مصباح الاصول 3: 36. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 14 - 16. 4 - تهذيب الاصول 2: 259 - 263. 5 - نهاية الأفكار 3: 302 - 303. 6 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 333 ]

ثم إن ما ذكرناه، يتم من غير فرق بين موارد العلم الإجمالي في الشبهات التحريمية والإيجابية والإلزامية، أي مورد العلم الإجمالي بجنس التكليف. الصورة الثانية: ما لو علم بالحجة إجمالا ولا بحث هنا في مورد الترخيص في مجموع الأطراف بأدلة الأمارات، لأنه يلزم منه المعارضة بين الحجة المعلومة بالإجمال، وبين الحجتين في الأطراف، لأن دليل حجية الأمارات يشمل الكل على نهج واحد، فلو علم بوجوب القصر أو التمام، لمعارضة الأدلة وإجمالها مثلا، وقامت الحجة على عدم وجوب القصر خصوصا، أو التمام خصوصا، فإنه يلزم المعارضة بين الحجج الثلاث، فتكون المسألة خارجة عما نحن فيه كما لا يخفى. فبالجملة: في الشبهات الحكمية، لا معنى لذلك البحث في هذه الصورة، ولو أمكن تصويره بوجه خارج عن افق العرف. وأما الاستصحاب، فقد مرت الإشارة إليه، وتفصيله في محله صحة وسقما (1). ثم لو فرضنا جريانه في الشبهات الحكمية، فيمكن دعوى: أن مقتضى إطلاق أدلته، جريانه في كل واحد من الأطراف، فيلزم الأخذ بالمجموع والترخيص في جميع الأطراف، ومقتضى قوله (عليه السلام): " ولكن تنقضه بيقين آخر " (2) أنه أعم من اليقين التفصيلي والإجمالي، كما صرح به الشيخ (قدس سره) (3) فعليه تشكل حجيته ذاتا في


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 2 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 3 - فرائد الاصول 2: 744 - 745. (*)

[ 334 ]

الأطراف، لقصور في أدلته، لا لإشكال في أركانه. وبعبارة اخرى: إجمال دليله يوجب الشك في حجيته هنا، وهو كاف. ويندفع: بأن الصدر المتعقب بهذا الذيل يكون مجملا، للاتصال، دون سائر المطلقات، فلا بأس بجريانه لولا ما ذكرناه في محله من المناقشة في جريانه ذاتا، لاختلال ركنه، دون سراية الإجمال إلى سائر أدلته (1). وأما البراءة الشرعية، فإن قلنا: بأن " العلم " المأخوذ في أدلتها هو الحجة، فالعلم الإجمالي حجة وارد دليله على أدلتها، كما مر (2). وإن قلنا: بأنه العلم الوجداني التفصيلي، أو العلم الأعم منه ومن التعبدي، فيشكل الأمر، وذلك إما ثبوتا، أو إثباتا: أما الأول: فلأنه لو كان حديث الرفع (3) والحجب (4) المشتمل على أن المجهول موضوع ومرفوع - وغير ذلك مما يشبههما - مفادهما الرفع الواقعي، فيلزم اختصاص الأحكام بالعالمين، فيلزم الدور. والالتزام بذلك ليس خروجا عن محط البحث، لأن المبحوث عنه هنا هو حديث إمكان الجمع بين الأحكام الفعلية الواقعية على الإطلاق، والظاهرية على أصنافها، وقد مر إمكانه (5) بحمد الله. وأما هنا، فيمكن للشرع أن يخص حكمه بالعالم، كما في موارد كثيرة من التكليف والوضع، فلا وجه لتوهم أنه نوع خروج عن الجهة المبحوث عنها (6)، لأنه تصرف في المعلوم، ولا يتصرف فيه عند حل المشكلة عقلا، وإنما يتصرف فيه،


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 2 - تقدم في الصفحة 191. 3 - الكافي 2: 462 / 2، التوحيد: 353 / 24. 4 - التوحيد: 413 / 9. 5 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 252. 6 - أجود التقريرات 2: 239. (*)

[ 335 ]

لظهور دليل في مورده، فلا تخلط. فبالجملة: يلزم الدور لو كان الرفع واقعيا، ويلزم التقييد، وهو يستلزم الدور المستحيل. ولو قلنا: بأنه من الرفع الادعائي، فهو أيضا غير جائز، لأنه يستلزم الرفع الواقعي، للغوية بقاء التكليف بعد رفع جميع الآثار ادعاء. وفيه: ما مر في محله من إنكار لزوم الدور غير القابل للحل بما لا مزيد عليه، وأنه لا تلزم اللغوية بعد كون الحكم الواقعي قانونيا، لا شخصيا (1)، والخلط بينهما يورث المفاسد الكثيرة، فلا مشكلة ثبوتا في جريان أدلة الاصول والبراءة الشرعية في أطراف العلم الإجمالي، ولا يلزم الخروج عن محط النزاع كما توهم (2). وأما الثاني: وهو ملاحظة الأدلة بحسب الفهم العرفي، فهي وإن كانت في الترخيص مشتركة، ولكنها مختلفة الاعتبار، وغير واضحة الاتجاه، ضرورة أن مثل: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " (3). ظاهر في أصالة الإباحة في الشبهات التحريمية، وحيث إنه - مضافا إلى ما مر في سنده، واحتمال اختصاصه بالموضوعية، فلا يشمل ما نحن فيه، ولا يجري في الوجوبية حسب الظاهر من الذيل، وربما هو يوجب اختصاصه بالموضوعية، أو يلزم الإجمال كما مر، ومضافا إلى غير ذلك - أن في الفقه لا يوجد مورد يعلم الفقيه علما إجماليا بحرمة أحد الشيئين على سبيل منع الخلو، وأمثلة هذه المسألة قليلة ومخصوصة بالشبهة الوجوبية المقرونة بالعلم، فليلاحظ جيدا، وقد مر شطر من المبحث حوله في


1 - تقدم في الصفحة 64 و 71. 2 - أجود التقريرات 2: 239. 3 - الفقيه 1: 208 / 22، وسائل الشيعة 27: 173 - 174، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 67. (*)

[ 336 ]

البراءة (1)، فليراجع. وأما مثل قاعدة جعل الحلية الظاهرية، فإنا وإن أشبعنا البحث حول إثبات أعميتها للشبهات الحكمية والموضوعية (2)، ولكن الإنصاف عدم ثبوت ظهور تصديقي فيها بعد اقترانها بالقرائن الخاصة، مثل قضية الجبن، والموارد الثلاثة في رواية مسعدة (3)، وبعد اتحاد جمع من الروايات في المسألة، كما يأتي في الشبهات الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي (4). هذا، ولو كانت أعم فلا تنسب الحلية إلى مثل الظهر والعصر والقصر والتمام، وبالجملة في الشبهات الوجوبية. وقد عرفت الآن: أن الفقيه لا أظن أنه يبتلى في الفقه بمورد يعلم إجمالا بحرمة أحد الشيئين على سبيل منع الخلو. نعم، لا بأس بالتمسك بها في الشبهات التحريمية الحكمية، كحرمة لحم الإرنب مثلا، فتأمل. نعم، أمثال حديث الرفع والسعة والحجب أعم، وقد مر الكلام حولها (5)، وإنما البحث هنا في خصوص جريانها في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، من غير فرق بين كونه علما وجدانا، أو علما بالحجة، لأنه لا منع من ترخيص الشرع في مجموع الأطراف في الشبهات الحكمية، ولا يلزم من رفع الحكم في كل طرف، معارضة بين دليل الحكم الواقعي والأصل، لتأخره عنه، بخلاف ما إذا قلنا بجريان


1 - تقدم في الصفحة 21 - 26. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 30. 3 - الكافي 5: 313 / 40، تهذيب الأحكام 7: 226 / 989، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 4 - يأتي في الصفحة 377 - 378. 5 - تقدم في الصفحة 17 - 21 و 44. (*)

[ 337 ]

أدلة الطرق فيها، كما عرفت. والإنصاف: أن قضية الصناعة جريانها في الحكمية، وفيما نحن فيه، وتصير النتيجة جواز ترك المجموع، وارتكاب الأطراف، إلا أنه قليل الوجود، بل في التحريمية الحكمية غير موجود عندي مثال لها، وفي الوجوبية يكون مثاله مثل صلاة الظهر والجمعة، والقصر والإتمام. وفي خصوص الصلاة تكون الضرورة قاضية بعدم جواز إهمالها، مع أن المثالين مورد جريان الأصل النافي والمثبت نوعا، بناء على جريانه كما لا يخفى. وأما دعوى: أن المراد من " العلم " هي الحجة، كما في مواضع من " تهذيب الاصول " (1) فهي غير بعيدة في صورة عدم انتساب العلم إلى المكلف، كقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (2) وقوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " (3) وأما في مثل ما نحن فيه فليس الأمر كما تحرر، لعدم مساعدة الهيئة الاستعمالية على ذلك، كما مر (4). هذا، ولو كان المراد من " العلم " الحجة، ففي موارد العلم الإجمالي تجري البراءة الشرعية، لأن في كل طرف يشك في تمامية الحجة، وهو الدليل المعلوم إجمالا، فيكون من الشبهة الموضوعية، لاحتمال عدم إصابة الحجة الإجمالية للواقع، فليس تمامية الحجة معلومة. نعم، لولا دليل الرفع ما كان مؤمن من تبعات التكليف. نعم، ما تحصل من جريانها في أطراف العلم الإجمالي بالحجة، قوي في


1 - تهذيب الاصول 2: 174 و 193 و 257 و 435. 2 - الإسراء (17): 36. 3 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 4 - تقدم في الصفحة 195. (*)

[ 338 ]

الشبهات الحكمية، إلا أن مقتضى ما تحرر منا في محله: أن الظاهر من حديث الرفع انتفاء الحكم الواقعي (1)، وتكون النتيجة تقييد الأدلة الأولية، نظرا إلى الجمع بينه وبين تلك الإطلاقات، ولكن حيث اشتهر الإجماع على الاشتراك، لا بأس بكون المرفوع ادعائيا، إلا أنه لا أثر للحكم الواقعي من غير لزوم اللغوية الممنوعة عقلا، كما اشير إليه آنفا. هذا، وغير خفي: أنه لا معنى للتقييد في صورة كون العلم الإجمالي وجدانيا، وحيث لا معنى للتفصيل بين الصورتين، يلزم أيضا تعين الوجه الثاني وهو الرفع الادعائي، فتأمل جيدا. بقي شئ: دفع شبهة عقلائية عن جريان الاصول في مجموع الأطراف ربما يقال: إن العقلاء ولو التزموا بجريانه في أطراف العلم الإجمالي، سواء كان علما وجدانيا، أو بالحجة، إلا أن الجمع بينه وبين وجود الحكم الفعلي، يعد عندهم من الجمع بين المتناقضين، وما اشير إليه من الجمع الممكن (2)، خروج عن الجمع العرفي بين الأدلة الواقعية والاصول العملية، وهذا إما يستلزم منعهم من جريانها في أطرافه، أو معارضتها وسقوطها بالمعارضة. وفيه: أنه مجرد احتمال غريب بدوي، ولو كان العقلاء متوجهين إلى أن في الشريعة المقدسة موارد يخص الحكم بالعالم، ولا يشترك معه الجاهل، فلا يستبعدون أن يكون فيها أيضا اختصاص الحكم بالعالم بالعلم التفصيلي، ولا يشاركه الجاهل مطلقا، سواء كان جهله مقرونا بالعلم الإجمالي الصغير، أو الكبير، أو بدويا. ففي موارد العلم الإجمالي، يكون الواقع حجة عليه بطريقية العلم، ويلزم


1 - تقدم في الصفحة 72 - 76. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 339 ]

الاحتياط التام، وتحرم المخالفة كما مر (1)، وأما بعد قيام المؤمن في كل طرف على أنه لا عقوبة في خصوص ذلك الطرف ولو أصاب الواقع، يكشف قصور المعلوم إن أمكن، وحيث إن المفروض تصديقا تمامية المعلوم بحسب الفعلية، يكشف التسهيل عندهم. وبعبارة اخرى: إن اريد المعارضة العرفية الناشئة عن الجهالة بأطراف القضية، فهو حق، ولكنه غير معتبر. وإن اريد المعارضة العرفية الناشئة عن التفات العقلاء إلى أطراف المسألة، كما في باب الأهم والمهم، حيث لا يجد العرف البسيط فعلية التكليف بالمهم في صورة الاشتغال بالأهم، ولكنه ليس مدار فهم هذا الأمر، ولا غير هذا، فإن العرف والعقلاء الذين هم مدار فهم المسائل، هم أهل العرف العارفون الذين يعدون في عصرنا علماء الحقوق، ويكون مثل ابن مسلم وزرارة منهم - رضوان الله تعالى عليهما -. وبالجملة تحصل: أن إطلاق أدلة الرفع متبع، وكما أن في الشبهات البدوية يلزم احتمال المناقضة، وقد مر اندفاعه في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي (2)، مع أنه أيضا خلاف فهم العرف، إلا أنهم بعد التوجه إلى قيام الإجماع على الاشتراك، يلتزمون بالكيفية التي أبدعناها، كذلك الأمر هنا. مع أن في صورة العلم الإجمالي بإطلاق الحجه وبالحجة الإجمالية، يكشف اختصاص الحكم إمكانا بالعالم بالعلم التفصيلي، كما في كثير من الموارد، وحيث قد عرفت تعين الوجه الأول لبعض الجهات السابقة، يلتزمون بأهمية التسهيل في جعل الطرق، وإبراز الرضا بالحجج العرفية، وتأسيس الاصول المحرزة وغيرها، فاغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 317. 2 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 252. (*)

[ 340 ]

تنبيه: حول موارد العلم الإجمالي بالبطلان لو قلنا باختصاص الاصول الجارية في موارد الشك في الامتثال بصورة العلم بالحكم وبالحجة، فلا مؤمن بعد العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين، أو الصومين، أو غير ذلك، حتى في باب المعاملات. وإن قلنا بجريانها حسب إطلاق أدلتها، في موارد الجهل بالحكم مع احتمال الإتيان بالمشكوك فيه وما هو مورد الجهل، كما إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في إتيانه بالقراءة، مع كونه جاهلا بالقراءة حكما، كما هو مفروض البحث هنا، أو شك في مراعاة شرط أو جزء في صفة المعاملة بعد الفراغ منها، واحتمل الإتيان به من باب الاتفاق، فإنه تارة: يكون الأصل الجاري - كحديث الرفع - موجودا مقدما على هذه الاصول، فلا تصل النوبة إليها، كما هو المعلوم. وإن لم يكن الأصل جاريا في المرتبة السابقة، لجهة من الجهات، ومنها: عدم جريانه في الشبهة الحكمية مثلا، كما قيل به (1)، فإنه حينئذ لا بأس ثبوتا بجريان تلك الاصول، إلا أن جريانها في صورة الجهل بالحكم مورد المنع، لأن ما هو من قبيل قاعدة التجاوز والفراغ، ففي أخبارها ما هو ظاهر في أن مصبها صورة العلم بالحكم (2)، والتفصيل في محله. وما هو من قبيل أصالة الصحة وعدم الفساد، فجريانها في مورد الشك في التطبيق قطعي، وهي صورة العلم، وأما في صورة الشك في الانطباق فهو غير


1 - فرائد الاصول 1: 320 - 322. 2 - وسائل الشيعة 1: 470، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 2 و 5 و 6، و 4: 282، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 60، و 6: 317، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 13، و 8: 246، كتاب الصلاة، أبواب الخلل في الصلاة، الباب 27. (*)

[ 341 ]

واضح، وهو يكفي لعدم حصول المؤمن. هذا في مورد الشك البدوي والجهالة غير المقرونة بالعلم. وأما إذا كانت الجهالة مقرونة بالعلم الإجمالي بجزئية أحد الشيئين، أو مانعية أحد الأمرين، وهكذا في سائر موارد الشبهات الحكمية المقرونة بالعلم الإجمالي، فيتضح أمرها مما سبق، لأنه إن كان مبنى المكلف الاحتياط، فيكون مرجع شكه وعلمه الإجمالي في مقام الامتثال إلى الشك في التطبيق. وإلا فيرجع إلى الشك في الانطباق، بناء على انقلاب نظره بعد العمل، وتبدل رأيه من عدم وجوب الاحتياط إلى وجوبه ولزوم الإتيان، فإنه في صوره اعتقاده وجوب الاحتياط، يكون حين العمل أذكر، وإلا فلا أذكرية بالنسبة إلى من لا يعتقد بوجوب الاحتياط. ومجرد احتمال الإتيان غير كاف، فضلا عما إذا كان مقرونا بالعلم الإجمالي بالبطلان من ترك ما يعلم إجمالا بجزئيته في إحدى الصلاتين، فليلاحظ جيدا. وقد ذكرنا ذلك البحث حول هذه الاصول تتميما لاستيعاب الاصول، وإلا فالأصحاب كأنهم متفقون في عدم الجريان إلا من شذ، فاغتنم. فبالجملة تحصل: في موارد العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين، لأجل الإخلال بالجزء المعلوم بالإجمال، أو الشرط، أو المانع، أو في صورة العلم الإجمالي بجزئية شئ، ومانعية الشئ الآخر، لا تعاد الصلاة، إما لأجل أن بناءه على الاحتياط، فتجري الاصول الجارية في مقام الامتثال، لو لم تجر الاصول الجارية في مقام الجعل. أو يكون بناؤه على عدم الاحتياط، لأجل عدم وجوب الاحتياط عليه بمقتضى الاصول الجارية في مقام الشبهة والجهل بالحكم، كحديث الرفع. فعلى كل تقدير: لا وجه لإعادة الصلاة، سواء كانت من موارد الشك في

[ 342 ]

التطبيق، أو الانطباق، وتفصيل المسألة في ذيل بحوث الاستصحاب إن شاء الله تعالى (1). وبناء على هذا، تسقط فروع العلم الإجمالي المذكورة في كتاب الصلاة وغيرها طرا وكلا، حسب الموازين الصناعية، من غير أن يلزم قصور في اعتبار الجزئية، والشرطية، والمانعية، وغير ذلك، فإن الفقيه كل الفقيه من يحتال، ولا يعيد الصلاة. تذنيبان: أحدهما: وفيه بيان بديع لإمكان الترخيص في أطراف الشبهات الحكمية ربما يصعب تصديق القول بجواز المخالفة القطعية العملية، والإذعان بأن الاصول تجري في مجموع الأطراف، وحيث إن مقتضى التحقيق اشتراك الشبهات البدوية واشتراك الترخيص في بعض الأطراف، مع الترخيص في المجموع، وتكون الملازمة بين الترخيصات قطعية، فلابد إما من الالتزام بالاحتياط في مطلق الشبهات حتى الوجوبية البدوية، أو ترخيص مجموع الأطراف في المقرونة بالعلم الإجمالي، ولا ثالث. وقضيه قياس الاستثناء بعد ثبوت الملازمة، جواز الترخيص في المجموع، لقيام الضرورة والإجماع على الترخيص في الوجوبية، فعليه يثبت الترخيص في المجموع، وهو المطلوب. بيان الملازمة: أن الإذن في العصيان، كما يكون ممنوعا من قبل الحكيم


1 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث من الاستصحاب. (*)

[ 343 ]

الملتفت الإلهي، كذلك احتمال الإذن في العصيان ممنوع قطعا وبالضرورة، وهكذا كما تكون المناقضة ممنوعة، والتناقض مستحيلا، كذلك احتماله ممنوعا. فعلى هذا، في موارد الشبهات البدوية لو كان الحكم فعليا، فلا يرضى المولى بتركه وبالتخلف عنه، ويكون مبغوضه جدا، فلا يعقل الترخيص بالضرورة، ولا يترشح منه الجد إلى حرمة شرب التبغ بالنسبة إلى زيد الجاهل، مقارنا مع ترخيص ارتكابه ورضاه به، وإذا كان بحسب الواقع غير راض بالارتكاب إذا كان حراما، فكيف يحتمل الترخيص ؟ ! فالترخيص لا يعقل إلا بانصرافه عن الواقع، وهذا معنى اختصاص الحكم بالعالم، وهو ممنوع، وخروج عن محط البحث. وهكذا لا يعقل من جهة احتمال التناقض، لما لا يعقل الجمع بين الإرادة القطعية الزاجرة أو الباعثة، وبين إرادة الترخيص، وترجع المضادة إلى المناقضة عند أهلها كما لا يخفى، فلا يحتمل في الصورة المذكورة - وهي صورة عدم انصرافه عن الواقع، عند كون مورد الشبهة حراما أو واجبا - الإذن في خلافه، لأنه من احتمال المناقضة، وهو كما مر في حكم التناقض (1). ومن هنا يعلم حكم الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي، ومن توهم جوازه فهو لعدم وصوله إلى مغزى البحث في المسألة، ولعدم نيله مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري. هذا حال الشبهتين المشتركة فيهما الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي في الأحكام والموضوعات، وحال المشكلتين العقليتين الاوليين في أوائل بحث العلم الإجمالي. وأما حال الشبهتين والمعضلتين المخصوصتين بالعلم الإجمالي بالأحكام


1 - تقدم في الجزء السادس: 180. (*)

[ 344 ]

والتكاليف الكلية، فهو أيضا مثل ذاك، ضرورة أنه في موارد الشبهات البدوية، لا يعقل الترخيص، فلو كان الفرار منحصرا بانصراف الشرع عن مطلوبه الأولي، فيلزم الدور، واختصاص الحكم بالعالم، ويلزم لغوية فعلية الحكم مع الترخيص على خلافه. وهكذا في موارد العلم الإجمالي إذا كان الترخيص في بعض الأطراف، لأن مع احتمال كون الطرف المرخص فيه هو الواقع، وعدم انصرافه عنه، لا معنى لفعلية الباعثية والزاجرية، وتصير لغوا بالضرورة، وهذا بعينه يأتي في مجموع الأطراف. ولو اجيب: بعدم وجود الحكم في موارد الشبهات البدوية وفي تلك الصورة، لجاز الالتزام بذلك في المطلق، ويكشف من أدلة الترخيص انصراف الشرع - لجهة التسهيل - عن الواقع لو كان في البين. وعلى هذا، تثبت الملازمة بين الترخيصات بالضرورة. ومجرد انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري مع وجود الحكم الواقعي لا يكفي، لأن الشبهة مربوطة بالمبادئ العالية، وكيفية حصول الجد، وقد عرفت - بحمد الله -: أنه يمكن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري بما لا مزيد عليه (1)، من غير لزوم إشكال الاختصاص واللغوية والدور. وحيث تبين أمر الملازمة، فمقتضى قياس الاستثناء جواز الترخيص في مجموع الأطراف. نعم، للإشكال إثباتا وجه، ولكنه غير وجيه بعدما عرفت، من لزوم مراعاة جوانب مختلفة في ملاحظة القوانين النفسية والطريقية والترخيصية، كيف ؟ ! وقد أوضحنا أنه في موارد العلم التفصيلي بالحكم الفعلي، يجوز رضا الشرع بالمخالفة،


1 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 252. (*)

[ 345 ]

كما في موارد الاضطرار وأشباهه، والرضا بالمخالفة غير الرضا بالعصيان (1)، فلاحظ واغتنم، وكن من الشاكرين. ثانيهما: في الفارق بين تجويز العلامة الخراساني للترخيص وبين تجويزنا يظهر من العلامة الخراساني (رحمه الله) تجويز الترخيص في مجموع الأطراف (2)، إلا أن تجويزه غير تجويزنا، فإنه في جميع تقاريب ترخيصه خرج عن محيط البحث، ويلزم الخلف، ولا يعقل على مسلكه من فرض العلم الوجداني الإجمالي بالحكم، ترخيص مجموع الأطراف، لأن المفروض أنه عالم بالحكم، وبروحه وبالإرادة، ولا يمكن انقلاب حاله بالأخبار وإطلاق أدلة الاصول. هذا أولا. وثانيا: قلب الحكم الثابت في الشبهات الحكمية، لأجل معارضة الأدلة والأخبار - كما في صلاة الظهر والجمعة مثلا، أو في بعض موارد اخر - إلى الحكم الإنشائي، عدول عن الحكم الفعلي، والتزام بما ليس بشئ واقعا، وخلاف ما هو المفروض، وهو العلم الإجمالي المنجز، وإلا فلو كان المعلوم حكما إنشائيا، كما في حواشي " الرسائل " (3) فلا تنجيز، ويكون المعلوم قاصرا عن استتباع العقوبة، ولازمه اختصاص الحكم بالعالم بالعلم التفصيلي. وثالثا: لو كان المراد من " القلب " هو كشف شأنية الحكم، لا الإنشائية، بمعنى أنه لولا أدلة الاصول وإطلاقها، كان الحكم منجزا، وغير مقيد بالعلم التفصيلي، ولكنه بها يصير شأنيا وقابلا للتأثير والتنجيز، ولا قصور في اقتضائه، فيلزم في موارد العلم الإجمالي في الشبهات الحكمية، الدور الذي هو يبتلى به


1 - تقدم في الصفحة 322 - 326. 2 - كفاية الاصول: 313 - 314. 3 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 71 - 73. (*)

[ 346 ]

مرارا، للزوم كون الحكم في مرحلة الجعل، مخصوصا بالعالم بالعلم التفصيلي، وإن لم يلزم في الشبهات الموضوعية. وجوابنا عن الدور (1) لا يكفيه، لأن لازم مذهبه على هذا أيضا، عدم اشتراك العالم والجاهل في مراتب الحكم إلى المرتبة الثالثة، ويشترك مع العالم، الجاهل المقصر، فعدوله عما في التعليقة إلى ما في " الكفاية " (2) وإن كان أولى في وجه، ولكنه يستتبع بعض ما لا يرتضيه فيما نحن فيه. ورابعا: لو كان الحكم بحسب الذات والجعل الأولي، مقيدا بالعلم التفصيلي، ويصير فعليا على الإطلاق في صورة العلم التفصيلي، لما كان حاجة إلى البراءة العقلية والشرعية، فقوله في " الكفاية ": " وإن لم يكن فعليا كذلك - ولو كان بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله، وصح العقاب على مخالفته - لم يكن هناك مانع عقلا ولا شرعا عن شمول أدلة البراءة الشرعية للأطراف " (3) انتهى، غير واقع في محله ظاهرا. وعلى كل تقدير تحصل: أنه فرق بين ترخيصنا جميع الأطراف وترخيصه من جهات شتى. مع أن أساس ما يتوهمه من المراتب للحكم، لا يرجع إلى محصل، كما تحرر في محله (4).


1 - تقدم في الجزء الثالث: 437، وفي هذا الجزء: 64. 2 - كفاية الاصول: 319 - 321. 3 - كفاية الاصول: 407. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 431 - 432. (*)

[ 347 ]

المسألة الثانية حول الشبهات الموضوعية

[ 349 ]

تمهيد هذه المسألة هي الأهم وهي المبتلى بها كثيرا، وحيث إن المسألة من جهة الأدلة وشمولها لها أوضح، نتعرض لها، وأنه يمكن الجمع بين الأدلة الواقعية والظاهرية بوجه من الوجوه ومن غير الرجوع إلى المسألة الاولى. وبعبارة اخرى: يمكن الالتزام في المسألة الاولى بوجوب الاحتياط، ومعارضة الأدلة المرخصة، أو عدم جريانها في مجموع الأطراف رأسا، ولا نلتزم به في المقام، لاختصاصه ببعض ما يأتي من التصرفات الخالية من الإشكالات السابقة، والقريبة إلى المسالك الفقهية، فانتظر حتى حين. امتيازات بين الشبهات الحكمية والموضوعية في العلم الإجمالي وقبل الخوض في أصل البحث وأساس المسألة، لابد وأن نشير إلى امتيازات بين الشبهات الحكمية في موارد العلم الإجمالي، والشبهات الموضوعية. الأول: أن مقتضى التقريبين السابقين، تنجيز العلم الإجمالي بإيجاب الموافقة، وتحريم المخالفة عقلا، وأن حديث قبح العقاب جزافا، لا يجري حول العلم الإجمالي، وأن معذرية الجهالة، ليست هي الجهالة المقرونة بالعلم. وقد عرفت: أن مسألة قبح العقاب بلا بيان، من مصاديق قبح العقاب جزافا، وبلا

[ 350 ]

استحقاق وجهة واقتضاء (1). وهنا بيان ثالث في الشبهات الموضوعية، وقد مر في بحوث القطع، وأنه بمقتضى قياس الشكل الأول تتم الحجة على العبد، فلابد من جوابها، وهو لا يمكن إلا بالاحتياط. وإمكان إجراء قياس الشكل الأول في الشبهات الحكمية في صورة كون المشتبه متعلق المتعلق، غير مسدود، إلا أنه يحتاج إلى المؤونة الزائدة، بل وفي نفس المتعلق، بخلاف الشبهات الموضوعية، فإن كل إناء من الإناءين قابل للإشارة إلى " أنه إما خمر، أو ذاك، والخمر حرام، فهذا أو ذاك حرام " والتفصيل في مبحث القطع (2). وقد ناقشنا في تمامية هذا الشكل في محيط التشريع، للزوم كون المائع حراما بعلية الخمر، وهو خلف، فإن مقتضى ما في الأدلة أن الخمر حرام، أو أن العالم واجب الإكرام، وأما قولك: " زيد عالم، والعالم واجب الإكرام، فزيد واجب الإكرام " فهو غير صحيح في الاعتبار، لأن زيدا بما هو زيد، ليس واجب الإكرام، وما هو واجب الإكرام ومحرم الشرب، ليس إلا طبيعة العالم والخمر وشربها، وأما الامور الاخر فهي خارجة، فلا يتم الشكل الأول في هذا المحيط. نعم، لا منع من منع ما في الخارج، للملازمة العقلية، فيكون ممنوعا عقلا، وإلا فلو تحقق الخمر فارغا عن جميع المقولات حتى الوجود، تكون حراما. فالواجب هو أن يجعل إكرام العالم خارجيا، وأن يصير إكرام العالم خارجيا، نظرا إلى أنه يجب عليه إكرام العالم. فبالجملة: تنجيز العلم الإجمالي بالحكم أو الحجة قطعي، واستتباعه للموافقة


1 - تقدم في الصفحة 317. 2 - تقدم في الجزء السادس: 176. (*)

[ 351 ]

القطعية والامتناع عن المخالفة القطعية، ضروري بحكم العقل على التقريبين، أو التقاريب الثلاثة. الثاني: الإشكالات العقلية في ترخيص مجموع الأطراف، تجري فيما نحن فيه بحذافيرها، وتنحل بأطرافها بلا زيادة ونقيصة، كإشكال الإذن في المعصية، أو المناقضة، أو عدم وجود " الشك " الموضوع لأدلة الترخيص، توهما أنه علم إجمالي، لا شك، ويمكن حلها من ناحية اخرى في خصوص الشبهات الموضوعية، كما سيمر عليك. الثالث: ما مر من الشبهات الثبوتية حول الشبهة الحكمية (1)، يختص بها، ولا يجري في الشبهات الموضوعية، ضرورة أن لا يلزم من إجراء الاصول في الأطراف، اختصاص الحكم بالعالم، بل يلزم كون الموضوع للواجب والحرام، مقيدا بالعلم التفصيلي، وهذا مما لا بأس به بالضرورة، ولا يلزم الدور طبعا، ولا لغوية الحكم، لما يستكشف من أدلة الترخيص - على فرض جريانها في المجموع - أن موضوع الحكم غير موجود في البين، فإن المجعول على نعت القضايا الكلية القابلة للتقييد بالأدلة الخاصة، موضوع مثلا. وبالجملة: ربما ينتهي النظر إلى أن يكون المحرم بالأدلة الأولية، هي الخمر المعلومة تفصيلا، لجريان الأدلة في المجموع، فإن مقتضى الجمع بينها وبين الأدلة الأولية، التصرف في موضوعها على الوجه المذكور، فلا يلزم الإشكال باختصاص الحكم بالعالم. مع أنه لو فرضنا التصرف المزبور، لا تلزم الشبهات الأولية، كالإذن في المعصية، والمناقضة، وغير ذلك، مع أنها مندفعة رأسا بما لا مزيد عليه. ولأجل ما اشير إليه ينبغي لنا البحث عن الشبهات الموضوعية، كما مر في


1 - تقدم في الصفحة 334 - 335. (*)

[ 352 ]

أول المسألة الثانية الإيماء إليه. الرابع: قضية ما تحرر عندنا تنجيز العلم الإجمالي، واستتباعه العقاب (1)، فإن لوحظ تأثيره بالقياس إلى العقاب، فهو عندنا يعد مقتضيا، لإمكان الترخيص في مجموع الأطراف. وإن لوحظ بالقياس إلى فعلية الحكم ولا فعليته، فهو علة تامة لإثباتها لما لا يلزم من التصرف فيها قصور في فعلية الحكم. هذا في الشبهات الحكمية، كما مر (2). وأما في الشبهات الموضوعية، فيمكن الالتزام بكونه علة تامة بالقياس إلى العقاب، ولكن بعد ملاحظة أدلة الاصول والأمارات، يلزم أحيانا انقلاب الموضوع، والالتزام بالعلية التامة في موضوعه، لا ينافي الالتزام بانقلاب موضوعه بالترخيص في المجموع، كما لا يخفى. وعلى كل تقدير الأمر سهل، والبحث واضح. وأما توهم: أن التصرف بأدلة الأمارات والاصول في موضوع الأحكام الواقعية، خروج عن الجهة المبحوث عنها، لأن المفروض أن ما هو الحرام هي الخمر، سواء كانت معلومة، أو مشتبهة، وأن الواجب هو إكرام العالم، سواء كان معلوما تفصيلا، أو إجمالا، أو مشتبها (3)، فهو توهم فاسد، لأن البحث هنا حول مرحلة التصديق، وحول النظر إلى مقايسة الأدلة الواقعية والظاهرية حسب ما اشتهر اصطلاحا، وإلا فقد عرفت وجه إنكار الأحكام الظاهرية كلها (4). فما هو المبحوث عنه هنا: هو أنه مع قطع النظر عن أدلة الأمارات والاصول،


1 - تقدم في الجزء السادس: 190 - 193. 2 - تقدم في الصفحة 322. 3 - لاحظ مصباح الاصول 2: 349. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 328 - 329، وفي الجزء السادس: 226 - 227. (*)

[ 353 ]

تكون قضية الإطلاقات إطلاق الموضوع بالضرورة، وأما بالنظر إلى الأدلة المذكورة، فهل يلزم تصرف واقعي في الأحكام الواقعية، أم مقتضى الأدلة المذكورة شئ آخر، وهو التصرف الظاهري، أم لا يلزم تصرف رأسا، أو يكون تفصيل بين أدلة الأمارات والاصول، أو بين الاصول المحرزة وغيرها ؟، وهكذا ؟ فلا يختلط الأمر عليك وعلى القارئين. إذا تبينت هذه الجهات، فالبحث يتم في طي مقامات: المقام الأول: في الترخيص بالأمارات والطرق، ونسبة أدلتها إلى الأدلة الواقعية النفسية لو علم إجمالا بخمرية أحد الإناءين، وقامت البينة الاولى على عدم خمرية أحدهما المعين، والبينة الثانية على عدم خمرية الآخر، أو قام كل واحد منهما على مائية كل واحد منهما، فهل لا يكون هناك إطلاق يقتضى حجية البينة رأسا، فلا تقع المعارضة بينهما بحسب الدلالة الالتزامية، والقدر المتيقن غير هذه الصورة ؟ أو تقع المعارضة بينهما، لأن لازم البينة حجة ؟ أم لا تقع المعارضة، لأن مقتضى إطلاق دليل حجيتها هنا، مثل الشبهة البدوية، فكما أن في الشبهة البدوية يؤخذ بالبينة، ويكون مقتضى الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري على مسلك القوم، التصرف في حرمة الخمر، لما لا يعقل فعليتها المطلقة مع جواز الأخذ بالبينة، فالشرع قد انصرف عن واقعه في صورة الخطأ، تسهيلا على الامة، كذلك الأمر هنا، فيؤخذ بإطلاق حجية البينة، ولا تكون البينة الخاطئة في البين إلا بحسب ذات الخمر، وأما بحسب الحكم فلا أثر لتلك الخمر التي قامت البينة على أنها ليست خمرا، فإنها خمر، إلا أنه لا أثر لها، كما في الشبهة البدوية حذوا بحذو، ومثلا بمثل، بلا زيادة ونقصان، وذلك أيضا تسهيلا ؟

[ 354 ]

هذا على مسلك القوم، وهو القول بالخطاب الشخصي، وانحلال الخطابات القانونية إلى الشخصية. وأما على مسلكنا، فلا منع من كون الحكم فعليا بالقياس إلى الخمر الواقعية، ولكن الشرع رخص قانونا في تبعية البينة، ولازم ذلك تبعية البينة في الشبهة البدوية إذا قامت على خمرية شئ، أو على عدم خمرية شئ، فإنه إذا كان الواقع في الصورة الاولى ماء، فهو باق على إباحته، وفي الثانية باقية على حرمتها الواقعية القانونية الفعلية. وهكذا تبعية البينة في الشبهة المقرونة بالعلم. فما هو الخمر الواقعي في البين حرام فعلي، ولكن الشرع رخص في تبعية البينة، لافي الخمر بعنوانها، وترخيصه في تبعية البينة، ربما ينطبق في مورد مع الخمر المحرمة، وهذا لا يستلزم تصرفا في الحكم، ولا قصورا في ترخيص التبعية قانونا، كما عرفت في المسألة الاولى (1). ولأجل ذلك ذهب السيد الفقيه الاستاذ البروجردي في الشبهة البدوية القائمة على طهارة الثوب بينة شرعية، إلى صحة الصلاة المأتي بها في الثوب المذكور، لأن الشرع بإمضائه الطريق انصرف عن واقعه، لما لا يعقل الالتزام بالواقع جدا وفعليا، والترخيص على خلافه (2)، ومضى ذلك في بحوث الإجزاء بتفصيل (3). ولكن الحق عدم انصرافه عن الواقع، مع صحة الصلاة المأتي بها حسب مسلكنا. وبالجملة تبين: أنه على هذا لا معارضة بين البينتين إلا بحسب الصورة، وما هو منشأ الشبهة والإشكال، ليس هنا أزيد مما مضى في المسألة الاولى (4)، ضرورة


1 - تقدم في الصفحة 322 - 323. 2 - نهاية الاصول: 138 - 139. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 307. 4 - تقدم في الصفحة 320 - 321. (*)

[ 355 ]

أن العلم بكذب إحداهما، لا يقتضي ممنوعية التبعية إلا في صورة كون الخمر حراما، بحيث يستتبع العقوبة، وأما إذا تصرفنا في الحرمة أو في العقوبة، فلا اقتضاء له، ضرورة أن مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، كما تحرر وتقرر (1). نعم، ربما يشكل وجود الإطلاق (2)، أو يقال بانصرافه عن هذه المواقف (3)، ولكنهما غير صحيحين جدا: أما إنكار الإطلاق، فلا وجه له سواء كان المستند بناء العقلاء، أو دليلا شرعيا، والمفروغية القطعية، ولاسيما بعد ما نجد من الشرع في موارد المعارضة في أخبار الثقات بالإرجاع إلى المرجحات في الخبرين المتعارضين ذاتا، فإنه يعلم منه حجية الخبر شرعا وإن لم يكن حجة عرفا في خصوص المتعارضين بالذات. وأما الانصراف، فهو في محله إذا قلنا: بأن الخمر الواقعي محفوظ حكمها وتبعاتها من العقوبة. وأما إذا قلنا بعدم انحفاظ حكمها في صورة الخطأ، أو عدم انحفاظ تبعاتها، كما هو المسلك، فلا معارضة حتى يثبت الانصراف، ضرورة أن الخمر بلا حكم أو بلا عقوبة، ليست ذات أثر حتى تقع المعارضة بين البينتين في مفروض المسألة. إن قلت: إذا لم يكن لها الأثر، فلا معنى لاعتبار حجية البينة، فيلزم من حجية البينة عدمها. قلت: لا شبهة في أن كل طرف لا يأبى عن شمول أدلتها في ذاتها، ووجه الانصراف التحفظ على الواقع في هذه المرحلة، أو التحفظ على تبعاتها، فإذا تصرفنا في ذلك فلا وجه للانصراف، ويكفي هذا أثرا لها، ضرورة أنه لو لا إطلاق حجية


1 - تقدم في الجزء السادس: 178، وفي هذا الجزء: 325. 2 - مصباح الاصول 2: 346 - 347. 3 - تهذيب الاصول 2: 264. (*)

[ 356 ]

الأمارة، كان الواقع باقيا على حاله من الفعلية، والتبعية، وهي العقوبة. فالمحصول مما مر: عدم الفرق بين الشبهة البدوية، والمقرونة بالعلم الإجمالي، كما لا فرق بين كون المعلوم من الأحكام التكليفية، أو الوضعية، بل وبين أن يعلم وجدانا إجمالا التكليف الواقعي، أو يعلم بالحجة إجمالا. إيقاظ كما يجوز للبينة أن تشهد في صورة علمها بالماء على أنه ماء، أو ليس بخمر، كذلك لها أن تشهد بأنه ليس حراما، لأن الخمر حرام، وهو عندهما ليس خمرا، فليس حراما، فإذا شهدت بأنه ليس حراما، وكان بحسب الواقع خمرا وحراما، يلزم المناقضة بين دليل نفوذ البينة، ودليل حرمة الخمر، ولا علاج إلا بأحد أمرين: إما بعدم التزامه بحرمة الخمر بعد مفروغية التزامه بنفوذ البينة فرضا، كما في الشبهة البدوية، أو الالتزام بما سلكناه من عدم المناقضة الثبوتية رأسا. وهكذا في موارد الشبهة المقرونة بالعلم، فشهادتهما على المائية، أو عدم الخمرية، أو الطهارة، أو عدم النجاسة، واحدة من هذه الجهة. وقد عرفت كيفية فعلية الحكم في موارد الاضطرار والعجز والإكراه مع العلم التفصيلي بالواقعة (1). تنبيه: وفيه استدلال بالأخبار العلاجية على حجية الخبر والبينة بناء على ما عرفت منا: من أن الظاهر من الأخبار العلاجية حجية المتعارضين ذاتا، يظهر النظر فيما مر منا في المسألة الاولى: من قصور دليل حجية خبر الثقة (2)، فالإجماع والاتفاق والتواتر قطعي على سند هذه الأخبار العلاجية،


1 - تقدم في الصفحة 322. 2 - تقدم في الصفحة 331 - 332. (*)

[ 357 ]

وظاهرها حجية كل خبر في ذاته ولو لم تكن حجة عرفية عقلائية، لإمكان تأسيس الشرع بجعل الحجية ذاتا، أو بالمنشأ، على اختلاف المسالك، فافهم واغتنم. فعلى هذا، يستكشف حجية البينة حتى في صورة المعارضة بالأولوية القطعية، وبإلغاء الخصوصية، مع أن حجية البينة أمر مفروغ منها عندهم على الإطلاق في الموضوعات. توجيه: في إبطال توهم تعارض البينتين هنا ربما يتخيل المعارضة فيما نحن فيه بين البينتين (1)، غفلة عن أن البينة القائمة على أن الإناء المعين ماء، لا تدل بالالتزام على أن الإناء الآخر خمر وبالعكس، وما هو الثابت ليس إلا علم المكلف بكذب إحداهما، وعدم مطابقة واحدة منهما للواقع، ضرورة أن الدلالة الالتزامية من الامور البينة، واللوازم والملازمات العقلية والعرفية للدلالة المطابقية، وكل ذلك في قيام البينة على أن هذا الإناء الشرقي ماء، منتف بالنسبة إلى إثبات خمرية الآخر. ومجرد علم المكلف بأن أحدهما خمر، ثم قيام البينة على أن هذا المعين ماء، لا يكفي لكون خمرية الآخر من الدلالة الالتزامية للبينة، فالمعارضة مطلقا منتفية بين البينتين. وهكذا في موارد اخر، كقيام خبر على عدم وجوب القصر، وخبر آخر على عدم وجوب التمام، فإنه لا يزيد بسبب علم المكلف بوجوب أحدهما على كذب أحد الخبرين شئ آخر، حتى يسمى ب‍ " التعارض العرضي " فهو من الأكاذيب والأباطيل. فما اشتهر من المعارضة بين الطرق والأمارات في أطراف العلم الإجمالي،


1 - مصباح الاصول 2: 346 - 347. (*)

[ 358 ]

في غير محله. نعم، العلم بكذب أحدهما، يكفي لتوهم انصراف أدلة حجية الطريق، وقد عرفت منعه بما لا مزيد عليه. فعلى ما مر إلى هنا تبين: إمكان كون البينة عذرا، إذا اتفق أن الخمر كانت حراما شرعا حسب الظاهر، أو الشئ الآخر كان ممنوعا أو واجبا حسب الأدلة والظواهر، وتكون عذريتها لأجل إطلاق دليلها. وبما مر (1) يجمع بين أدلة حرمة الخمر، وعذرية البينة. ولو نوقش: بأن التصرف في المعلوم ليس من الجمع، فلا مناقشة على مسلكنا، فإنا نلتزم بحرمة الخمر ونجاسة الثوب الواقعية، وعذرية البينة، لرفع العقوبة، ولا نريد من " الجمع بينهما " إلا ذلك، فاغتنم واشكر. المقام الثاني: في الاصول المحرزة ويقع البحث فيها سواء كانت من قبيل الاستصحاب، أو أمثال قاعدتي التجاوز والفراغ، وأصالة الصحة التي تعد من المحرزة التنزيلية أحيانا. وفي نسبة أدلتها بالقياس إلى الأدلة الواقعية التي تنطبق على موارد العلم الإجمالي الذي هو المنجز، ويكشف به الحكم وتتم به الحجة في صورة الإصابة. وكيفية الجمع بينها، بناء على جريانها في أطراف العلم، كما هو الحق. وقد مر وجه منع جريان الاستصحاب إجمالا في المسألة الاولى (2)، ودونك بعض الوجوه الاخر:


1 - تقدم في الصفحة 322. 2 - تقدم في الصفحة 332. (*)

[ 359 ]

فمنها: أن اعتبار الاستصحاب حسبما يستظهر من أدلته، إطالة عمر اليقين، ورؤية الشك يقينا، واعتبار وجود القطع والعلم حال الشك، فإذا علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، أو خمرية واحد منهما، فلا يعقل اعتبار اليقينين بأن كل واحد منهما طاهر وماء، لسبق العلم بمائيتهما، واليقين بطهارتهما، فإن المناقضة في الاعتبار كالمناقضة في التكوين. وهذا التقريب أولى مما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله): من أن المجعول في الاستصحاب هو التنزيل، ولا يعقل التنزيلين مع العلم الإجمالي المذكور (1). ووجه الأولوية أن أدلة الاستصحاب، ليست متعرضة للتنزيل، لجريانه في الأحكام المشتبهة عندهم، ولا معنى للتنزيل فيها مع وحدة الدليل. وأما فساد هذا التقريب فواضح، ضرورة أن كل واحد من الأطراف مستقل في تطبيق قوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " (2) عليه، وعلى هذا لا وجه لملاحظة المجموع لحظة واحدة، فلا يلزم إلا المناقضة مع المعلوم الإجمالي بعد التطبيق، فجريان إطلاق أدلته واضح جدا في أطراف العلم الإجمالي. وبعبارة اخرى: يلزم التناقض في الاعتبار، إذا اعتبر الشرع حجية الاستصحاب في كل واحد من الطرفين بالخصوص معا، مع التزامه بحرمة الخمر الموجودة في البين، وأما في كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، فلا مشكلة إلا مشكلة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري الجارية في الشبهات البدوية. وأما بناء على المسلك الصحيح، من قانونية هذا الأصل الشاملة لجميع


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 14. 2 - وسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3. (*)

[ 360 ]

الشبهات البدوية والمقرونة، فإن ما هو موضوعه قابل للانطباق على كل مورد مسبوق بالقطع، وملحوق بالشك، ولا يلاحظ مجموع المصاديق، ولا المصداقين من " لا تنقض... " دفعة واحدة عرضا، ولاسيما على القول بأنه أصل اعتبر حجة عند ملاحظة الحالة السابقة، لا على الإطلاق. مع أنه لو كان نفس اليقين السابق والشك اللاحق، تمام الموضوع لانطباق الأصل المذكور عليه يكفي، فلا تغفل. ومنها: ما في رسالة الشيخ الأنصاري (قدس سره) (1) وقد مر وجه المناقشة فيه (2) لو أراد من المناقشة، إيجاد الإجمال في أخبار الاستصحاب، لأجل مناقضة الصدر والذيل، ضرورة أن الأمر بالنقض بيقين آخر، يشمل الأعم من اليقين التفصيلي والإجمالي، ولازمه قصور شمول إطلاق الصدر، ومقتضى إطلاق الصدر اختصاص الذيل باليقين التفصيلي. وفيه: أن إجمال رواية واحدة لا يسري في سائر المطلقات. ولو أراد (قدس سره) من " المناقضة " كشف قيد في حجية الاستصحاب في موارد الشبهات البدوية فقط، لأن الموارد المقرونة بالعلم الإجمالي تستلزم المناقضة، ولازمه كشف عدم حجيته في تلك الموارد. ففيه أولا: أنه يلزم عدم جريان الاستصحاب في مورد العلم التفصيلي بنجاسة الإناءين، ثم العلم إجمالا بطهارة أحدهما، لأنه كما لا يجري الاستصحاب في صورة العلم التفصيلي، لا يجري في صورة العلم الإجمالي. وثانيا: يلزم عدم جريانه في موارد لا يلزم من جريانه المخالفة العملية، لأن العلم الإجمالي المانع موجود في الفرضين، ولا يلتزم بذلك الشيخ (رحمه الله) قطعا وجدا.


1 - فرائد الاصول 2: 744 - 745. 2 - تقدم في الصفحة 334. (*)

[ 361 ]

وثالثا: لا معنى لأن يعتبر الشرع قيدا في حجية الاستصحاب من باب المناقضة بين الصدر والذيل، فإنه يشبه الا حجية والحزورة ولازم المناقضة المذكورة إجمال الدليل لو لم يمكن تقديم أحدهما على الآخر، فما في " تهذيب الاصول ": " من أنه (رحمه الله) يريد إفادة خصوصية في الأدلة، فتسري إلى سائر الأدلة " (1) غير تام ظاهرا. ورابعا: في موارد تعارض الصدر والذيل، لا يمكن التقديم إذا كان كل من الصدر والذيل، قابلا للانطباق وجملة مستقلة تامة، وكانت الجملة الاخرى معارضة لها في الانطباق، واستقلال الظهور لها، وما نحن فيه ليس الأمر كما ذكر، ضرورة أن جملة الذيل لا تستقل بالإفادة، بخلاف الصدر، فالصدر يصلح للقرينية على الذيل، لأنه كلام غير مستقل بالمفهومية، ولا يفيد جملة تصديقية، فافهم واغتنم. فبالجملة تحصل: أنه لا منع للعلم الإجمالي، ولا قصور في أدلة الاستصحاب عن الجريان في الأطراف. بقي شئ: ربما يتوهم أن " اليقين " في الصدر قرينة على أن ما في الذيل هو عينه مرادا، فإن ما في الصدر هو اليقين التفصيلي (2). وفيه: أن التعريف في الصدر والتنكير في الذيل، يشهد على أن المراد من الثاني غير المراد من الأول ولو كان بالعموم والخصوص. هكذا افيد في الباب السادس من " المغني " فيما إذا قال: " جاءني الرجل، وضربني رجل " (3) فيعلم منه أن " اليقين " في الذيل يقين أعم من التفصيلي والإجمالي.


1 - تهذيب الاصول 2: 258. 2 - تهذيب الاصول 2: 258 - 259. 3 - مغني اللبيب: 344 / السطر 18. (*)

[ 362 ]

وربما يتوهم أيضا: أن الأمر بالنقض ليس إلا أمرا إرشاديا، لما لا يعقل الأزيد منه في مورد العلم، لأن حجيته ذاتية، فكونه في مقام إفادة النقض بالعلم الإجمالي، يستلزم كون الأمر لإفادة الخصوصية فيما نحن فيه، وهذان متنافيان، ولا يجتمعان في خطاب واحد (1). وفيه: أنه ليس إلا لتحديد بقاء أثر العلم السابق، فإذا قيس إلى العلم التفصيلي، يكون جواز النقض قطعيا، وإذا قيس إلى العلم الإجمالي، يكون جوازه قابلا للرفع والوضع. هذا مع أن مقتضى ما تحرر منا في القطع: أن حجيته تحتاج إلى الإمضاء، كحجية سائر الأمارات والطرق، وحديث الذاتية من الأكاذيب المحررة (2)، وهذا الأمر هنا يشهد على ما أبدعناه (3)، فما في تقريرات العلامة الأراكي (4) غير تام، فليراجع. فعلى ما تحرر تبين: عدم قصور في تلك الأدلة، وقضية ما سلف (5) جواز الأخذ بالمجموع من غير لزوم المناقضة، وتكون الأحكام الثابتة بالإطلاقات، باقية على حالها الواقعية، وتلك الاصول أيضا معذرة فيما نحن فيه حسب إطلاق دليلها. ومنها: أن أدلة الاستصحاب منصرفة، لما لا معنى لشمولها للأطراف ومعارضتها، ثم السقوط بالمعارضة، بعد امتناع الترجيح بلا مرجح. وفيه على ما سلكناه أمر واضح: وهو عدم تحقق المعارضة، لإمكان الجمع


1 - نهاية الأفكار 3: 304. 2 - تقدم في الجزء السادس: 22 - 26. 3 - تقدم في الصفحة 322. 4 - نهاية الأفكار 3: 304. 5 - تقدم في الصفحة 322. (*)

[ 363 ]

بين الفعلية الواقعية والتعذير، كما عرفت في موارد الاضطرار والإكراه والعجز (1)، فإنه يجوز أن يعتبر الشرع تلك الامور، عذرا على سبيل القانون الكلي، فتكون في تلك الموارد فعلية التكليف موجودة، وعذرية هذه الامور متحققة، ولازمه جواز المخالفة إلا في موارد الاهتمام، كما في الشبهات البدوية. هذا، وفي كون نتيجة المعارضة بين مصداقي الاستصحاب تساقطهما، منع وإشكال، وذلك لأن المعارضة بين الدليلين توجب السقوط، وأما فيما نحن فيه فربما يلزم الأخذ بالأهم أو التخيير، لأن وجه المعارضة حكم العقل ودركه أن الأخذ بهما معا، إذن في المعصية ومناقضة، والمقدار اللازم بحكم العقل ودركه، الخروج عن الإذن المذكور، وهو بعدم الترخيص في المجموع، فلا يلزم عدم جريانهما جمعا. وإن شئت قلت: إن كل واحد من الطرفين لا يمكن الأخذ بهما جمعا، ولا الأخذ بأحدهما المعين، للترجيح بلا مرجح، وأما التخيير على الوجه الممكن، فمما لا بأس به. وقد أطال في " الدرر " ذاكرا وجوها لجريان أحد الاستصحابين، ولم يصدق بها (2)، مع أن الحق إمكان التقريب على الوجه غير المتوجة إليه إشكالاته، لأن التخيير المذكور هنا على سبيل منع الجمع، ويكون من قبيل الواجبات التخييرية اعتبارا، ولولا عدم الحاجة إلى الإطالة - لكونها خروجا عن مبنى الحق - لذكرت الكلام حوله. وبالجملة تحصل: أن توهم معارضتهما وسقوطهما (3) غير صحيح، لما


1 - نفس المصدر. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 633 - 635. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 688. (*)

[ 364 ]

لا معارضة أولا، ولا يسقطان معا على فرض المعارضة ثانيا. وقد مر أن التعارض بالعرض، مجرد تخيل وتسويل خارج عن حدود الدلالة الوضعية، مطابقية كانت، أو التزامية (1). ومنها: امتناع اعتبار الحجية لكل واحد منهما بعد سقوطه بالمعارضة، للغوية اعتبارها بالضرورة، فلا انصراف يدعى كي يقال: بأنه مجرد دعوى بلا بينة وبرهان، بل لا يعقل حجية ذلك. وفيه ما مر: من أن اللغوية هنا كاللغوية في اعتبار الحجية الذاتية للاستصحاب المسببي، والجواب لا يكون إلا عن طريق الخطابات القانونية. هذا مع ما عرفت من عدم سقوطهما، لإمكان حجية واحد منهما على التخيير، فتأمل. ومنها: " أن المراد من " اليقين " في أدلة الاستصحاب هي الحجة، وقضية إطلاق " ولكن ينقضه بيقين آخر " (2) هو الأعم من الحجة العقلية والشرعية، ولا شبهة في قيام الحجة العقلية على وجوب الاحتياط، فليس أطراف العلم الإجمالي المؤثر فيه العلم والمنجز للتكليف الواقعي، داخلة في مصب إطلاق أدلة الاستصحاب موضوعا، لكون النقض بالشك ممنوعا، لا باليقين الأعم من الحجة " هذا ما في " تهذيب الاصول " (3). ولعمري، إنه أقوى الوجوه، إلا أنه أيضا غير تام، ضرورة أن الاستصحاب أيضا من الحجج، وأدلة الاستصحاب واردة على حكم العقل، ومانعة من تمامية مقدمات لازمة لدركه وجوب الاحتياط، ضرورة أنه يقال في تقريب تنجيز العلم


1 - تقدم في الصفحة 357 - 358. 2 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 3 - تهذيب الاصول 2: 264. (*)

[ 365 ]

الإجمالي: إنه لو شرب أحد الإناءين، وصادف الواقع، مع أنه بلا عذر، يجب عليه الاحتياط، والاستصحاب عذر، وإنه كان العقاب على الأطراف غير جزاف، ومع جريان الاستصحاب يكون جزافا، ولا شبهة في تقدم إطلاق دليل الاستصحاب على التنجز الثابت بالعقل، لأنه تنجز غير مناف رفعه للتكليف الواقعي الفعلي من جميع الجهات. والقول: بأن العلم الإجمالي علة تامة (1)، لا ينافي ما ذكرناه كما مر (2)، لأن الحكم على فعليته المطلقة باق، وأما العقاب فيتبع العذر، وإطلاق دليل الاستصحاب يوجب اعتذار العبد على المخالفة الواقعية. ومن هنا يظهر ما في الوجه الآخر: من كون كل واحد من الأطراف، من الشبهة المصداقية لدليل الاستصحاب، ضرورة احتمال كونه بحسب الواقع منجزا، فلا يكون مجال لجريانه (3)، وقد عرفت أنه لا يكون التنجز إلا بعد قطع العذر (4)، وإطلاق الاستصحاب - لتمامية أركانه - عذر مقدم على التنجيز الثابت بالعقل. بقي شئ: وهو توهم المعارضة بين الصدر والذيل، فإن إطلاق الصدر يقتضي جريان الاستصحاب، وإطلاق الذيل يقتضي عدم جريانه، لكون اليقين - وهو الحجة الأعم - قائما، وهذه الحجة الأعم يقين عند الشرع، وحجة ممضاة عند الشرع. وفيه: أن حجية العلم الإجمالي بالحجة وبالإطلاق، والحكم الثابت حسب الأدلة الأولية حجية عقلائية إمضائية مثلا، والاستصحاب حجة تأسيسية، وهي أيضا واردة على تلك الحجة، لأن من مقدمات تلك الحجة الممضاة، عدم وجود


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 176، نهاية الأفكار 3: 46. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. 3 - تهذيب الاصول 2: 264. 4 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 366 ]

المعذر والمؤمن بالنسبة إلى التخلف عن الواقع عند الإصابة، وقد عرفت أنه معذر ومؤمن، فإطلاق الصدر متعين للقرينية على الذيل كما مر (1)، فافهم واغتنم. فتحصل لحد الآن: أن جميع هذه الوجوه، غير ناهضة لمنع جريان أدلة الاستصحاب. ويشهد لذلك فهم الأصحاب ذلك، إلا أنهم اعتبروا المعارضة لما ذهبوا إلى المناقضة بينهما، وبين المعلوم الإجمال، والإذن في المعصية، أو احتمال المناقضة والإذن، والكل ممنوع عقلا، فيتساقطان (2) أو يعتبر أحدهما على نعت التخيير (3). وقد عرفت منع ذلك كله، لما لا معارضة هنا، كما لا معارضة بين الأدلة الواقعية والاصول الجارية في مقام الامتثال، وسنشير إليه في محله إن شاء الله تعالى. وغير خفي: أن القول بالعلية التامة لتنجيز العلم الإجمالي، على وجه يمنع عن معذرية الجهل المقرون به حتى في صورة تنصيص الشرع (4)، غير مقبول، فيكون للشرع تعذير هذا الجهل لليقين السابق، وهو مقدم على تنجيز العلم المقرون به، فاغتنم. تذييل: حول القواعد الجارية في مقام الامتثال في أطراف العلم الإجمالي في موارد جريان الاصول الجارية في مقام الامتثال - كالقواعد الثلاث: الفراغ، والتجاوز، وأصالة الصحة - إذا علم إجمالا بالفساد في المعاملتين أو العبادتين، وغير ذلك مما كان مجراه أصالة الصحة، بناء على كونها أصلا مستقلا


1 - تقدم في الصفحة 361. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 15، منتهى الاصول 2: 244 - 246، مصباح الاصول 3: 257. 3 - لاحظ نهاية الأفكار 3: 317، منتهى الاصول 2: 251، مصباح الاصول 2: 352 - 354. 4 - نهاية الأفكار 3: 46. (*)

[ 367 ]

صحيحا عقلائيا ممضى عند الشرع، فربما يشكل الأمر، لأجل عدم وجود دليل لفظي ذي إطلاق، ولا بناء من العقلاء في هذه الموارد، لأن فهم العقلاء على حفظ الحكم الواقعي وإطلاقه ولزوم الموافقة القطعية، فلا تقاس أصالة الصحة بالقاعدتين الاخريين اللتين يمكن كونهما شرعيتين، مع قوة وجود الإطلاق في أدلتهما، فعلى هذا يحكم بالاحتياط حسب الموازين الصناعية. وبالجملة: ليس هنا إطلاق يقتضي عذرية أصالة الصحة في قبال التنجز الثابت حسب العلم الإجمالي، كي يقدم ذلك الإطلاق على ذلك الاقتضاء والإطلاق، الثابت في دليل المعلوم إجمالا الإخلال بجزئيته أو شرطيته أو مانعيته، الموجبة لفساد العبادة أو المعاملة وسائر المركبات الداخلة في محط البحث، فالمهم بالبحث إطلاق أدلة القاعدتين بناء على تعددهما. وغير خفي: أن الأخبار الواردة في الحمل على الصحة، ناظرة إلى مقام آخر ظاهرا، ولا أقل من عدم انعقاد ظهور لها، وهي في موقف عدم الحمل على الفساد، أو على الأحسن في فعل الغير. وأصالة الصحة المذكورة تجري في أفعالنا، بل لا نحتاج إلى الفعل، ولا إلى الفراغ منه، ولذلك يصح الاقتداء مع احتمال ترك الإمام ركنا في الركعات، أو يجوز استئجار الثقة العالم بالأحكام للصلاة والحج مثلا، وليس هذا إلا أصالة الصحة الراجعة إلى عدم السهو والخطأ والنسيان، بعد كونه ثقة غير عامد في الترك. وأما قاعدة الفراغ، فهي ليست عندنا إلا أصالة الصحة العقلائية الجارية في جميع المركبات، ومنها الوضوء الجارية فيه، والوارد في الأخبار " هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك " (1) ليس إلا إحياء الارتكاز، وتجديدا للعهد، وبيانا للحكمة


1 - تهذيب الأحكام 1: 101 / 265، وسائل الشيعة 1: 471، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 7. (*)

[ 368 ]

والسر، وليس علة، ولا قاعدة على حدة وراء أصالة الصحة الجارية في جميع المركبات التأسيسية والإمضائية، والمناقشات حول المسألة تطلب من محالها. وبالجملة: في جريانها بعد العلم الإجمالي بفساد صلاة المغرب أو العشاء من غير أن يعلم مثلا بالخصوصية الموجبة للفساد من الموجبات، كترك الأركان، أو إيجاد الموانع المورثة للبطلان، فإنه بمقتضى فهم القوم لا يبعد جريانها في كل واحد منهما، وتعارضهما حسب مبناهم. وما قيل: " من أنه بعد العلم بعدم الأذكرية حين أن يفعل ويتوضأ أو يصلي ويتعامل، أو بعد العلم الإجمالي، ليس هو أقرب إلى الحق، كما في بعض الروايات (1)، فلا تجري القاعدة حول العلم، وليست معذرة بالنسبة إلى التخلف عن الواقع " في غير محله، لما اشير إليه من فهم الأصحاب أولا، ومن أن قضية الأذكرية والأقربية ليست إلا توجيه الحكمة، وإرشادا إلى العلة الناقصة والنكتة، وإحياء للارتكاز العرفي. وتوهم: أنه علة، في غير محله، لخلو الرواية من علائم العلية ك‍ " اللام " و " الفاء " مع أنه في الشبهات البدوية ربما لا تكون الأذكرية، ولاسيما في طبقة المشتغلين بالعلم والعمل، فإنهم كثيرا ما مشغولون في أثناء وضوئهم بامور اخر من حوائجهم. فعلى ما تحرر، فجريان قاعدة الفراغ بعد كونها قاعدة مستقلة مصبها القضية الثلاثية، ومفادها " كان " التامة، غير ممنوع جدا، وتصير النتيجة معذريتها بالنسبة إلى التخلف عن الواقع، كما في موارد معذرية الإكراه والاضطرار والعجز بالنسبة إلى المعلوم بالتفصيل.


1 - وسائل الشيعة 8: 246، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 27، الحديث 3. (*)

[ 369 ]

ومن الغريب أن أصحابنا معاشر الاصوليين التزموا بأنها قواعد مربوطة بوادي الفراغ والامتثال، وناظرة إلى قبول الشرع الناقص مقام الكامل، وإلى البدلية (1) ! ! مع أن ذلك مما لا يعقل، ضرورة أنه لا يمكن التزام الشرع بالجزئية والشرطية والمانعية المطلقة، ومع هذا الالتزام في رتبة الجعل يرخص في المضي وعدم الاعتناء، فإنه إذن في المعصية احتمالا، وتناقض في نفس المولى الملتفت. وما استشكل عليهم في تجويز الترخيص في مجموع الأطراف، يتوجه إليهم في هذه الثلاث من القواعد حذوا بحذو، فإذا أمكن ذلك عندنا لأجل ما مر من الفعلية القانونية والخطابات الكلية (2)، يمكن الترخيص في مجموع الأطراف. ولو كان بناؤهم في الشبهات البدوية على انصراف الشرع عن الجزء والشرط والمانع، فتلك القواعد ترجع إلى مرحلة الجعل والتشريع، ويكشف بها أن الشرع تصرف في إطلاق الأدلة الأولية، كما لا يخفى. وأما قاعدة التجاوز، فالأظهر أنها أيضا جارية حول المعلوم الإجمالية، ولا يبعد - كما صرح به الفقيه اليزدي في موضع من فروع الزكاة (3) - عدم اختصاصها بالمركبات الخاصة، لإطلاق بعض أخبارها. نعم، منع جريانها في أطراف العلم الإجمالي ممكن، بتوهم أن المناقضة الاعتبارية تلزم من قوله: " بلى، قد ركعت " كما في بعض رواياتها (4)، ومن العلم الإجمالي بعدم إتيان الركوع في إحدى الصلاتين. وفيه ما مر: من أنه لو سلمنا ذلك عرفا وحسب الفهم العقلائي، فهو في مورد


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 34، نهاية الأفكار 3: 312 - 313، منتهى الاصول 2: 248. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455، وفي الجزء السادس: 250 - 252. 3 - العروة الوثقى 2: 339، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل. 4 - وسائل الشيعة 6: 317، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 13، الحديث 3. (

[ 370 ]

ينطبق بتطبيق واحد هذه القاعدة على الصلاتين معا وعرضا، وأما إذا كان كل واحدة من صلاتي المغرب والعشاء، مورد القاعدة حسب الانحلال الحكمي، فلا مناقضة إلا المعارضة العرضية التي عرفت حالها فيما سلف (1). مثلا: لو علم إجمالا بنجاسة أحد الثوبين المعلومة طهارتهما سابقا، ثم قامت البينة الواحدة على طهارتهما، فإن دليل اعتبار البينة الناظرة إلى الواقع، يناقض المعلوم بالإجمال، ويصير في حكم المعلوم تفصيلا. إلا إذا قلنا بانحلال البينة إلى الشهادتين حسب تعدد الموضوعين، وهو بلا وجه. ولكن للقائل بالتخيير بعد المعارضة - كما هو مختار جمع وبعض الأعيان من المتأخرين في غير الأمارات (2) - القول به فيها وفي هذا الفرض أيضا، لإمكان التفكيك بين مفاد البينة، فيطرح بالنسبة إلى المخالفة القطعية لا الاحتمالية، فتأمل جيدا. وحيث قد عرفت الحق في المسألة، فلا معارضة رأسا في أطراف العلم الإجمالي حتى يقال بالتساقط، كما هو مختار الأكثر (3)، أو التخيير (4)، أو يتوهم لأجل المعارضة قصور الأدلة عن الشمول من الأول (5)، فتأمل. بقي شئ: حول التمسك بقاعدة التجاوز عند العلم إجمالا بترك الركوع أو السجدتين بعد المحل إذا علم في أثناء الصلاة أنه ترك الركوع أو السجدتين، وكان بعد المضي من


1 - تقدم في الصفحة 357 - 359. 2 - بحر الفوائد 3: 228 - 229، لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 27. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 32، درر الفوائد، المحقق الحائري: 469. 4 - نهاية الأفكار 3: 317. 5 - أنوار الهداية 2: 205، مصباح الاصول 2: 347 و 352، و 3: 366. (*)

[ 371 ]

المحل، فإنه - حسبما عرفت منا - تجري القاعدة بالنسبة إلى كل واحد مستقلا (1)، كما هو كذلك بعد الفراغ. وربما يتوهم: أن في الأثناء لا تنحل القاعدة إلى المصداقين بالنسبة إلى الركوع والسجدتين، وأنه يرجع الشك في كل واحد منهما إلى الشك في الإتيان بهما، مع العلم بترك واحد منهما، وهو في حكم العلم التفصيلي، كما في المثال السابق، فلا تجري القاعدة، ولا بد - حسب الموازين السابقة - من الاحتياط. وفيه: أن الانحلال منشأه واحد، سواء فيه الأثناء، والفراغ، والأفعال، والصلوات، ضرورة أنه بالنسبة إلى كل من الركوع والسجدتين، شاك بشك يخصه، ولأجل ذلك التزموا بجريانها وتعارضها. نعم، لأحد دعوى: أن هناك ثلاث مصاديق للقاعدة، والمصداق الثالث - وهو مجموع الركوع والسجدتين - يوجب المناقضة، لعدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري وقواعد الشك من جهة العلم الإجمالي المذكور. فعلى كل تقدير: تجري القاعدة، وتصير النتيجة عدم وجوب الاحتياط، لأن إطلاق القاعدة عذر بالنسبة إلى كل واحد من الطرفين، والعلم الموجود في البين يوجب انكشاف الحكم الفعلي، وهو غير ممنوع بعد عدم كونه مستتبعا للعقاب، لإمكان عدم العقاب مع فعلية الحكم ومع العلم التفصيلي بالحكم، كما عرفت تحقيقه (2). وربما يتوهم: أن القاعدة بالنسبة إلى السجدتين غير جارية، لأنهما إما غير مأتي بهما واقعا، أو اتي بهما في غير محلهما، وهو قبل الركوع، فهما باطلان بالمعنى الأعم من الترك المطلق.


1 - تقدم في الصفحة 359. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 372 ]

وفيه: أنه علم تفصيلي متولد عن العلم الإجمالي، وإذا جرت القاعدة بالنسبة إلى الركوع، فلازمه وقوع السجدتين - الجارية فيهما القاعدة أيضا - في محلهما، وهذا اللازم ثابت بها، وإلا فيلزم الإشكال في الشك البدوي، كما ترى. فلا علم تفصيلا ببطلان السجدتين إلا لأجل المعارضة والمساقطة. بل لو قلنا بالمعارضة والمساقطة، تكون الصلاة باطلة، لأجل العلم الإجمالي، دون العلم التفصيلي من ناحية السجدتين، فافهم واغتنم. وغير خفي: أنه بناء على القول بالمعارضة، تكون هناك (إن قلت قلتات) ووجوه مفصلة في كتب الأصحاب (رحمهم الله) حول التخيير، دون التساقط، وقضية بعض الوجوه هو التخيير حتى في هذه القواعد. وأما بناء على ما سلكناه، فلا تعارض رأسا، وتترتب عليه الآثار الكثيرة. إلا أن الالتزام بهذا المسلك الذي أبدعناه (1)، مشكل في الشبهات المحصورة، وفي باب الأمارات والاصول التي هي مثلها في كونها معذرة في مرحلة الامتثال، أو معذرة ومنجزة. نعم، في الاصول الآتية بعض الوجوه الاخر ربما يكون الالتزام أسهل، فتأمل. تذييل: حول قاعدتي الحل والطهارة، وحدود دلالة أخبارهما على الوجه المشار إليه، من جواز الترخيص في مجموع الأطراف ثبوتا، وأنه وإن كان مقتضى العلم الإجمالي بالتكليف القانوني وبالحجة والدليل هو وجوب الاحتياط، وحرمة المخالفة القطعية والاحتمالية المعبر عنها ب‍ " وجوب الموافقة


1 - تقدم في الصفحة 362 - 364. (*)

[ 373 ]

القطعية " كما عرفت (1). وتبين فيما مر: أن الوجوه الثلاثة لمنع جريان الاصول المرخصة، غير وجيهة، وأنه يمكن الترخيص حتى في موارد العلم التفصيلي (2)، كما هو ظاهر القوم في مورد قاعدة الفراغ الملازم للمناقضة، وفي مورد أصالة الصحة وقاعدة التجاوز، الملازم لاحتمال التناقض، ولاحتمال الإذن في المعصية، وتفصيله مذكور في مبحث الظن (3). وأيضا تبين: أن الأصحاب بين مانع عن جريان القاعدتين رأسا في أطراف العلم، وبين من يقول بالتعارض، وهناك قول ضعيف عندهم: وهو التخيير العقلي المستكشف من إطلاق الأدلة الواقعية والأدلة المرخصة. إلا أن الحق جريانهما، وجواز الترخيص في المجموع، من غير دخالة في الحكم الواقعي وفعليته، خلافا للعلامة الخراساني (قدس سره) (4) وبعض آخر (5)، وذلك يتوقف على ذكر محتملات القاعدتين، وبيان ما هو لازم كل منها، ثم توضيح ما هو الأظهر فيها. ومما لا ينبغي أن يختفي وإن خفي على كثير منهم: هو أن المفروض هو العلم بالتكليف الثابت بالحجة، كما هو المتعارف، سواء كان ذلك في الشبهة الحكمية، أو الموضوعية، والمهم هو الثاني كما ترى.


1 - تقدم في الصفحة 317 - 319. 2 - تقدم في الصفحة 320 - 327. 3 - تقدم في الجزء السادس: 253 - 255. 4 - كفاية الاصول: 320 - 321. 5 - تهذيب الاصول 2: 68. (*)

[ 374 ]

وأما كون المفروض إطلاق الأدلة الواقعية (1) فهو غير صحيح، لما يمكن أن يكون لدليل التكليف المعلوم بالإجمال إهمال، وكان مورد العلم الإجمالي من القدر المتيقن من ذلك الدليل، فلا تخلط. ثم إن الكلام هنا حول فهم المرام من الأدلة المرخصة، وأما فرض كونها أدلة متكفلة للحكم الظاهري قبال الأحكام الواقعية، كما هو دأب القوم المتأخرين، فهو أيضا غير صحيح، لأن البحث حول ما هو التحقيق. فدونك نبذة مهمة من محتملات القاعدتين، وقد مر بعض البحث عنهما في بحوث الإجزاء وبحث الظن (2): فمنها: ما هو مختار صاحب " الحدائق " (رحمه الله) وهو أن العلم التفصيلي في القاعدتين جزء الموضوع، ونتيجة ذلك إنكار الحكم الظاهري، وإيراد التقييد بالنسبة إلى الأحكام الواقعية (3). والالتزام به مضافا إلى بعده، يستتبع اختصاص الحكم في الشبهات الحكمية بالعالمين، وهو خلاف مرامهم وإن أمكن ذلك ثبوتا كما مر (4). ولازم ذلك جواز ارتكاب المجموع كما هو الواضح، وتصير النسبة بينهما وبين الأدلة الواقعية عموما وخصوصا مطلقين. ومنها: أن تكون كلمة " شئ " كناية عن المشكوك بما هو مشكوك، فيكون مشكوك النجاسة طاهرا، ومشكوك الحرمة حلالا على عنوانهما الكلي (5)، ولازم


1 - تهذيب الاصول 2: 249. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 326 و 332 و 336، وفي الجزء السادس: 255 - 257. 3 - الحدائق الناضرة 1: 134 - 136. 4 - تقدم في الصفحة 334. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 366 - 367. (*)

[ 375 ]

ذلك أن النسبة بين الأدلة الواقعية ومفادهما، العموم من وجه، وتصير النتيجة إنكار الحكم الظاهري في موردهما. وحيث يكون كل واحد من طرفي العلم موضوعا للقاعدتين، وما هو المعلوم بالإجمال نجسا وحراما واقعا عند الإصابة، يلزم التزاحم، وتكون أدلة القاعدتين مقدمة على الأدلة الواقعية، وإلا يلزم سقوطهما ولغويتهما الكلية، لأن موضوعهما الشك. نعم، في موارد الشبهات المهتم بها وفي موارد الأدلة الخاصة القائمة على لزوم الاحتياط - كما في الأمر بإهراق الماء والتيمم (1) - تقدم الأدلة الواقعية عليها، ولازمه جواز ارتكاب مجموع الأطراف. وتوهم تعارضهما مع الأدلة الواقعية، في غير محله، لظهور كل من دليل الواقع ودليل القاعدتين في الملاك في المجمع، فلا تخلط. ومنها: أن تكون كلمة " شئ " في القاعدتين، كناية عن تلك الأعيان الخارجية المحرمة والنجسة، دون العناوين الكلية، ودون عنوان المشكوك، نظرا إلى أنه لا معنى لجعل الطهارة ثانيا على ما هو الطاهر، والحلية لما هو الحلال واقعا، فتكون كناية عما هو نجس أو حرام بشبهة موضوعية أو حكمية، ولا معنى لجعل الطهارة والحلية الواقعية لما هو النجس والحرام الواقعي. فيكون المقصود هو الترخيص عملا، بعدم الاعتناء بالواقع حال الجهل والشك، وأن الشاك في السعة، ولازم ذلك هو الالتزام بالحكم الظاهري، وتصير النتيجة أن النسبة بينهما طولية، لا عرضية، فلا تقديم ولا تقييد. وعند ذلك ذهب المتأخرون إلى منع جريانهما ذاتا، أو تعارضهما بالعرض. وغير خفي: أن ما هو ظاهر القاعدتين هو الجعل والتأسيس، وليس فيهما كناية عن النظر إلى الترخيص العملي والجري الخارجي، فإنه خلاف الظاهر جدا،


1 - وسائل الشيعة 1: 151، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 2. (*)

[ 376 ]

ولا يمكن - حسبما عرفت منا في محله - أن يكون الموضوع لمثل هذه الحلية والطهارة إلا عنوان المشكوك ومشكوك الخمرية، الذي يكون بينه وبين عنوان " الخمر " عموم من وجه (1)، ولا تصير النتيجة بحسب اللب، اختصاص الحرمة بالخمر المعلومة خمريتها تفصيلا، كما أنه بحسب الإثبات تتقدم هذه الأخبار على الأدلة الواقعية، لا التقييد الظاهري كما في موارد التقييد، فلا تغفل. هذا، ولو سلمنا ما أفادوه، فلا يلزم شئ من جريانها في مجموع الأطراف، إلا بحسب مبناهم من تحليل الخطاب القانوني إلى الخطابات الشخصية، وقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه في بحث الضد (2)، ومن ثمراته جواز ارتكاب المجموع ما دامت مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، ضرورة أنهما كما مر يعدان - حسب ما تخيلوه - عذرا بالنسبة إلى التخلف عن الواقع. وقد مر إمكان فعلية التكليف مع كون الاضطرار والإكراه، عذرا في موارد العلم التفصيلي بالتكليف ومفاد الدليل، فضلا عن صورة العلم الإجمالي (3)، فاغتنم. تتميم: حول جريان قاعدتي الحل والطهارة في أطراف العلم الإجمالي لأحد دعوى عدم جريان القاعدتين في الأطراف، لأجل المناقضة بين إطلاقي الصدر والذيل، فإن إطلاق الصدر يشمل الأطراف، وإطلاق الذيل يشمل العلم الإجمالي، ولا مرجح كي يتعين إطلاق الصدر (4).


1 - تقدم في الجزء الثاني: 328 - 330. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. 3 - تقدم في الصفحة 322 - 326. 4 - فرائد الاصول 2: 404. (*)

[ 377 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن المنصرف من الغاية هو التفصيلي، والمذكور في قاعدة الحل من كلمة " بعينه " يوجب الاختصاص ويعلم منه الحكم في القاعدة الثانية. وفي الوجهين نظر. وأما القول: بأن ظاهر " الشئ " في القاعدتين هو الكناية عن الأفراد الخارجية، فتكون الغاية مسانخة مع الشك المتعلق بالخاص، وهو العلم التفصيلي، لا الإجمالي، فهو وجه قريب، إلا أن لازم ذلك جعل الطهارة لعنوان " الخمر " و " البول " بسببية الشك والجهالة. بل ولو كان قيدا يلزم الإشكال السابق (1). ويمكن دعوى: أن أخذ كلمة المعرفة في الغاية، أيضا يوجب ظهور قاعدة الحل في التفصيلي. إلا أن سرايته إلى الثانية محل منع. ولكن بعد اللتيا والتي، لا قصور في شمولها للأطراف حسب فهم العقلاء. إلا أن في ثبوت قاعدة الحل إشكالا، فإن الروايات المشتملة على هذه القاعدة بكثرتها، ظاهرة في الأجناس أو الأنواع المشتملة على المحرم والمحلل، كاللحوم وأمثالها، وفي شمولها للمائعات إشكال وإن لا يبعد، أو الجامدات، فيكون شاملا لجميع الأطراف، وبالنسبة إلى جميع الآثار. ولكن لازمه كون القيد المذكور فيها وهو أن " كل شئ فيه حلال وحرام " (2) أو " كل شئ منه حرام " لغوا. وأما موثقة مسعدة (3)، فهي صدرا وجيهة الدلالة كما مر (4)، إلا أنها سندا عندي محل مناقشة. اللهم إلا أن يقال: إن الانجبار يكفي لو كانت عملية، وهي غير


1 - تقدم في الجزء السادس: 186 - 190، وفي هذا الجزء: 374 - 375. 2 - وسائل الشيعة 17: 87، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1. 3 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 4 - تقدم في الصفحة 27 - 28. (*)

[ 378 ]

محرزة. فعلى كل تقدير لا نحتاج إليها بعد جريان حديث الرفع، فاغتنم. وأما قاعدة الطهارة، فجريانها في الشبهات الحكمية غير ظاهر، لكونها وردت في محيط يمكن تحقق الغاية فيه، وفي الشبهات الحكمية لا يمكن. اللهم إلا أن يقال: بكفاية إمكان تحقق الغاية في الجملة، لإطلاق الصدر، فتدبر. بقي شئ قضية الاحتمال الأول والثاني طهارة الملاقي، وهذا مما لا يكاد يلتزم به أحد، ضرورة أنه بعد رفع الشك إذا كان لاقاه يجب الاجتناب عن الملاقي، وهذا يشهد على سراية النجاسة إلى الملاقي، فيعلم منه فساد الاحتمالين، دون الثالث. أقول: هذا على الوجه الأول غير بعيد، وأما على الاحتمال الثاني فممنوع، لأن تقديم دليل القاعدة على دليل الواقع، بحسب الأهمية والتسهيل على الامة، وأما اللغوية فلا تستلزم سراية القيد إلى دليل الواقع إثباتا، بل ولا ثبوتا كما تحرر، فالبول المشكوك مادام مشكوكا طاهر، ونجس، لانطباق العنوانين عليه: عنوان " البول " وعنوان " مشكوك البولية " والأخذ بطهارته لأجل الأهمية لا ينافي نجاسته، كما في سائر موارد الأهم والمهم، فإذا تبين أنه بول وقد لاقاه شئ، يكون الملاقي نجسا، لإطلاق أدلة الملاقاة مع النجس (1)، الأعم من كونه معلوما أو مشكوكا. وغير خفي: أنه لم ترد قاعدة الطهارة حسب الألفاظ المعروفة: وهي " أن كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر " بل الوارد في المياه هكذا: " الماء كله طاهر حتى


1 - وسائل الشيعة 3: 441 - 444، كتاب التجارة، أبواب النجاسات، الباب 26. (*)

[ 379 ]

يعلم أنه قذر " (1) وفي الأعم: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر... " (2) الحديث. والاحتمال الأظهر دخالة العلم بالجزئية، كما عن " الحدائق " (3) ولكنه غير قابل للتصديق به، فيكون العلم طريقا إلى ما هو القذر، كما هو كذلك في جميع الموارد إلا في مواقع قيام القرينة الخاصة.


1 - وسائل الشيعة 1: 134، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 5. 2 - وسائل الشيعة 3: 467، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 3 - الحدائق الناضرة 1: 136 و 139 - 140. (*)

[ 380 ]

تذنيبات وتنبيهات التنبيه الأول حول جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي عرفت منا جواز الاقتحام في جميع الأطراف صناعة في موارد العلم الإجمالي بالإطلاق والعموم، المنطبق على الموضوع المعلوم إجمالا، دون موارد العلم بالتكليف والإرادة الواقعية (1)، وعلى هذا لو أبيت عن ذلك، فلا غبار في صورة جريان الأصل في أحد الأطراف، على وجه لا يلزم منه المخالفة العملية. ثم إن مقتضى الصناعة هو الاحتياط أيضا، خلافا لما اشتهر بينهم (2)، ووفاقا لبعضهم في بعض الفروض (3)، وذلك لأن الأصل الجاري في أحد الأطراف، لا يحرز به أنه هو المعلوم، ولا ينحل به العلم الإجمالي، ضرورة أنه لو كان الطرف الآخر مورد التكليف الواقعي، يكون باقيا على واقعيته، ولا يتغير عما هو عليه، ولا يرفع المولى يده عنه، ولا تنصرف إرادته منه، وإلا فيلزم التصرف في الواقع، فيكون لازمه احتمال المناقضة، وهو في حد المناقضة بالضرورة، وقد مر شطر من


1 - تقدم في الصفحة 331. 2 - فرائد الاصول 1: 30 - 31، درر الفوائد، المحقق الحائري: 341 - 343، أنوار الهداية 2: 190 - 191. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 78، و 4: 14 - 15، منتهى الاصول 2: 244. (*)

[ 381 ]

البحث حوله سابقا (1). فالأمر يدور بين كون الأصل مؤمنا في الطرفين، أو غير مؤمن على الإطلاق، سواء فيه الاستصحاب وغيره. نعم، لو كان هناك ما ينحل به العلم الإجمالي، كالأمارة القائمة على وجه توجب انحلاله حقيقة فهو، وإلا فالانحلال الحكمي مما لا أساس له. وقضية أنه لا يكون مؤمنا في الطرفين بعد تنجيز الواقع، للزوم المناقضة، قد مر فسادها، ولاحظت أنه ربما يكون التكليف فعليا، والاضطرار عذرا، وهكذا الإكراه والجهالة - حسب إطلاق الأدلة - مثلهما في التعذير، وعرفت أن سره قانونية التكاليف والخطابات (2). وأما القول: بأن العلم الإجمالي منجز مادام لم يكن مؤمن شرعي، ويستتبع استحقاق العقاب عند عدم وجود المؤمن، وفي موارد المعارضة لا مؤمن، وفي غير هذه الصور لا تنجز، لوجود المؤمن، وهو معنى كونه مقتضيا فغير تام، لأن العلم بالتكليف - حسب الطبع والعقل - ينجز من غير اشتراطه بشئ بعد وجود الحكم الفعلي، ومفروضية العلم الإجمالي به، وإنما للشرع اعتبار المؤمن والمعذر في جميع الصور، من غير أن يلزم منه محذور كما مر (3)، وذلك نظير ما إذا ورد على جواز الاقتحام في جميع الأطراف، كما في الشبهات غير المحصورة مثلا، فإنه لو ارتكب جميع الأطراف تدريجا يكون معذورا، مع أن التكليف فعلي كما يأتي تفصيله (4)، والعقل ينجز جميع الأطراف بلا فرق بين الصورتين: المحصورة وغير المحصورة.


1 - تقدم في الجزء السادس: 179 - 181. 2 - تقدم في الصفحة 321 - 323. 3 - تقدم في الصفحة 324 - 326. 4 - يأتي في الصفحة 428 - 429 و 432 - 437. (*)

[ 382 ]

فبالجملة: في صورة ورود النص الخاص، نلتزم بجواز الاقتحام في الأطراف من غير قصور في ناحية فعلية التكليف القانوني، ولو كان شرط تنجيز العلم عدم وجود المؤمن ليلزم الاقتحام في جميع الأطراف، لوجوده بالنسبة إلى كل طرف، فلا يتنجز التكليف ولو كان معلوما بالعلم الإجمالي، وهو خلف كما لا يخفى. فذلكة الموقف فذلكة الكلام في المقام على وجه يشمل جميع المرام: أن المشهور بينهم جواز إجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي، بشرط أن لا يلزم المخالفة القطعية والعملية، وأما في صورة كون الأصول متوافقة الموافقة مع المعلوم والاحتياط، فلا منع من جريانها في جميع الأطراف. مثلا: إذا علم إجمالا حرمة أحد الإناءين، وكان يعلم حرمتهما السابقة، فإنه يجري الاستصحابان مثلا. وفي صورة العلم بحرمة أحدهما المعين، يجري الاستصحاب والبراءة في الطرف الآخر. وفي الصورة الثالثة: وهي ما إذا لم يعلم بحالهما، أو علم بحليتهما، فإما لا يجريان، أو يسقطان، للزوم المخالفة العملية القطعية، فيكونان متعارضين بالعرض، غير قابلين للاعتذار والتأمين بالنسبة إلى العقاب. وغير خفي: أن هذا من غير فرق بين كون الأصلين الجاريين المتعارضين، من قبيل الاصول غير التنزيلية، أو التنزيلية، أو يكون واحد من القسم الأول، والآخر من القسم الثاني، فإن في المعارضة بالعرض، لا يكون الاستصحاب حاكما على البراءة، وفي المثال المذكور يعارض استصحاب حلية أحد الإناءين، البراءة عن حرمة الإناء الآخر.

[ 383 ]

وهكذا في صورة كون أحدهما الأمارة، والآخر أصلا، فلو علم نجاسة أحد الإناءين، فقامت الأمارة على طهارة أحد الإناءين، تقع المعارضة بالعرض بينها وبين قاعدة الطهارة الجارية في الطرف الآخر، وذلك لما مر من عدم الدلالة الالتزامية لمثل هذه الأمارة بالنسبة إلى نفي النجاسة عن الإناء الآخر (1)، وسيظهر تحقيقه آنفا إن شاء الله تعالى (2). فبالجملة: المشهور جواز جريان الأصل في الأطراف، بشرط عدم لزوم المخالفة العملية. وفي مقابلها ما في نفسي: وهو المنع عن الجريان مطلقا بعد الغض عما سلكناه، وأن الأمر يدور بين أمرين: إما الجريان مطلقا كما عرفت، أو عدم الجريان على الإطلاق، ولا سبيل إلى الثالث. وفي كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) التفصيل بين الأمارات والاصول، فتجري الأمارة القائمة على النفي في أحد الطرفين، بخلاف الأصل النافي غير المعارض بالأصل الآخر، فإنه لا يجري (3). كما أن في كلام العلامة النائيني، منع جريان خصوص الاستصحابين ولو كانا متوافقين مع الاحتياط، ولا يلزم من جريانه المخالفة العملية (4)، وقد مر شطر من البحث حول مقالته (5)، فلا نعيد. فالمهم هو الفحص عن وجه القول بجريان الأصل في صورة عدم لزوم المخالفة العملية، مع أن مقتضى العلم الإجمالي تنجيز الواقع، واستحقاق العقوبة على


1 - تقدم في الصفحة 357. 2 - يأتي في الصفحة 389 - 390. 3 - نهاية الأفكار 3: 314. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 15. 5 - تقدم في الصفحة 359. (*)

[ 384 ]

كل طرف عند الإصابة، فلو كان مقتضى الاستصحاب حرمة أحد الإناءين، كيف يجرون أصالة البراءة والحل في الطرف الآخر، مع أنه كان لو أصاب لاستحق العقوبة ؟ ! وليس هذا أسوأ حالا مما إذا تلف أحد الإناءين، فإنهم يحتاطون في الطرف الآخر (1)، ناظرين إلى أنه سيبقى أثر العلم وتنجيزه في الطرف ولو لم يكن علم، فلا تجري قاعدة الترخيص والتوسعة. وجوه الترخيص في بعض الأطراف دون بعض ولأجل ذلك ربما يتشبث بوجوه من التقريب المذكور على غير نظام صحيح في كتب القوم: فمنها: وهو يقتضي جواز إجراء الأصل في الطرف الآخر على الإطلاق، إذا كان في الطرف أصل موافق للاحتياط، أو أمارة تقتضي حرمة الإناء المعين، إذا لم يكن لازمها حلية الإناء الآخر، وإلا فلا حاجة إلى الأصل الآخر. وهو أن ما هو الموجب للاحتياط، هو احتمال التكليف، وفي أطراف العلم الإجمالي، لا يزيد العلم شيئا على ما يقتضي الاحتمال المذكور الموجود طبعا أيضا في كل طرف، وإنما في الشبهات البدوية يكون المؤمن من العقاب، موجودا عقلا وشرعا، وفي أطراف العلم الإجمالي يتعارض المؤمنان والمعذران من العقاب، للضرورة القطعية على صحة العقوبة على الاقتحام في الطرفين، فخاصة العلم الإجمالي هي تلك، دون الاحتياط والتنجيز، فإذا كان في أحد الطرفين أمارة أو أصل موافق للمعلوم بالإجمال، ومثبت للتكليف، فالأصل الآخر المؤمن جار بلا معارض، فاغتنم.


1 - كفاية الاصول: 409، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 96، منتهى الاصول 2: 265. (*)

[ 385 ]

أقول: يتوجه إليه أولا: أن احتمال التكليف ولو كان يوجب الاحتياط مع قطع النظر عن البراءات الثلاث: العقلية، والعقلائية، والشرعية، ولكن لا يقتضي استحقاق العقوبة، بخلاف العلم الإجمالي فإنه يورث الاستحقاق، فإذن في موارد العلم الإجمالي يختلف درك العقل، ويزيد الأمر. وثانيا: لو كان مجرد المعارضة مانعا من جريان المؤمن، يلزم جريانه في المثال المذكور آنفا: وهو صورة تلف أحد الإناءين، فإن الطرف الآخر غير معارض أصله بالأصل الآخر النافي، مع أنهم يقولون بالاحتياط فيه. وثالثا: لا معنى لمعارضة المؤمنين إلا بلحاظ التكليف المعلوم، وأن الترخيص في الطرفين يناقضه، وهذا في الطرف الواحد أيضا مثله، ضرورة أن احتمال المناقضة موجود في الطرف الواحد، وهو بحكم المناقضة. بل في كل طرف احتمال المناقضة. مع أن رتبة الحكم الظاهري في كل طرف محفوظة، وما هو غير محفوظ - وهو العلم بالحكم والتكليف - ليس مجري الأصل، لما لا يجري الأصل في المعلوم المجهول، بل الأصل يجري في كل طرف بخصوصه، فإذا جاز في أحدهما جاز في الكل، وإلا فلا يجوز على الإطلاق، فلا تغفل. وبالجملة: إذا كان الحكم الواقعي، محفوظا في صورة الإصابة في أحد الطرفين، فهو محفوظ في الطرفين، لأن الطرف الآخر غير المصاب، لا يحتاج إلى الأصل المرخص واقعا، وإنما هو مجرد تخيل، فلا تخلط. ومنها: ما يستظهر من " تهذيب الاصول " وهو أن الترخيص في المجموع مناقضة عرفية، والإذن في بعض الأطراف دون بعض ليس من التناقض العرفي، فإذا كان أحد الأصلين مثبتا، والآخر نافيا، يتبع الأصل النافي، ونتيجة ذلك هو جريان

[ 386 ]

الاصول، ما لم يلزم منه المخالفة العملية للمعلوم (1). أقول أولا: لو كان المفروض في محل النزاع عنده - مد ظله - الصورة الثالثة، كما فصله في أوائل البحث (2)، فلازم ذلك جريان الاصول في مجموع الأطراف، ويستكشف به أن الشرع انصرف عما أراده حسب ظاهر الحجة الإجمالية، ولا يكون بعد ذلك مناقضة عقلائية. ولو كان الحكم فعليا كما هو التحقيق، ولا ينصرف المولى عما يريده، فلازمه المناقضة العقلية في صورة الترخيص في المجموع، وهكذا في صورة الترخيص في بعض الأطراف، لأن احتمال المناقضة بحكم المناقضة. وثانيا: الخطاب لو كان شخصيا فالمناقضة عقلية، ولو كان قانونيا فلا تناقض عقلا، ولا عرفا. وبالجملة: لا يرجع ما أفاده في هذه المسألة بعد ما حرر مصب النزاع إلى ما أفهمه. وقد عرفت آنفا أن تنجيز العلم الإجمالي بالنسبة إلى الطرف الجاري فيه الأصل النافي، يورث الإشكال المشترك فيه الأصلان الجاريان النافيان في الطرفين. وثالثا: يلزم على مسلكه جريان الأصل النافي في صورة انعدام أحد الأطراف، أو الإكراه والاضطرار إلى خصوص طرف، لعدم المناقضة العرفية، مع أنه وغيره غير راضين بجريانه، كما أشرنا إليه. ومنها: طريق الانحلال الحقيقي أو الحكمي، ففيما إذا تبين بعد العلم بحرمة شرب أحد الإناءين: أن ما هو المحرم هو الإناء الشرقي، فلا منع بعد ذلك، ولا حاجة إلى المؤمن والمعذر، إذا كان العلم الإجمالي على سبيل القضية المنفصلة الحقيقية.


1 - تهذيب الاصول 2: 263 - 264. 2 - تهذيب الاصول 2: 248 - 249. (*)

[ 387 ]

وأما إذا كان على سبيل منع الخلو، فاحتمال الزيادة يوجب الاحتياج إلى المؤمن، فيكون الطرف الآخر مجرى الأصل، لانحلال العلم حقيقة. وأما الانحلال الحكمي، بأن تقوم البينة مثلا على أن الإناء الشرقي محرم، فظاهر كلماتهم حجية لازمها، وهو عدم حرمة الإناء الآخر، فيلزم الانحلال قهرا. وهكذا إذا قامت البينة على أن الإناء الشرقي غير محرم، فإن لازمه حرمة الإناء الآخر، فيجوز اتباع البينة في جميع مفادها المطابقي والالتزامي. وهكذا فيما إذا قامت قاعدتا الفراغ والتجاوز في أحد الأطراف، دون الطرف الآخر، لكونه في المحل، فإنه يجوز عدم الاعتناء بالعلم بعد كون مقتضى العقل - لا النقل - هو إتيان الجزء المشكوك وهو في محله الشكي. ومثلهما استصحاب حرمة الإناء الشرقي، فإنه عندئذ تجري قاعدة الحل في الإناء الغربي، لأن المعلوم بالإجمال بلا لون، فينحل قهرا العلم الإجمالي، وتجري القاعدة، لعدم حجية مثبت الأصل، واحتمال العقوبة في هذا الطرف، كالاحتمال بعد ذلك في الشبهة البدوية. ففي كل مورد أمكن انحلال المعلوم بالإجمال المنجز قبله، تجري القاعدة والأصل النافي، ولا يلزم منه المخالفة العملية، والمخالفة الاحتمالية بعد ذلك تشبه المخالفة في الشبهة البدوية. وأما العلم الإجمالي بالتكليف في الشبهات الحكمية الوجوبية أو التحريمية أو الموضوعية، فمطلقا لا ينحل بمثل قاعدة الحل وما يشبهها، كما لا يخفى. وغير خفي: أن المفروض هنا صورة قيام البينة والأمارة على حدوث الحرمة في الإناء الشرقي مثلا بعد العلم بالنجاسة، حتى لا يقال بعدم تنجيز العلم المزبور، فالمفروض صورة القدر المتيقن من تنجيز العلم الإجمالي وقيام الأمارة على الوجه المحرر فإنه في مثلها يجوز الأخذ بمفادها، فضلا عن غير هذه الصورة.

[ 388 ]

وأيضا غير خفي: أنه ربما يوجب الانحلال، العقل بتعين الاحتياط في الطرف الشرقي، وذلك فيما إذا كان يحتمل كونه من الشبهات المهتم بها، فتأمل. وما في كلمات القوم من فرض بعض الصور التي لا ينحل فيها العلم، بل يكشف عدم تنجيزه (1)، فإنه في غير محله، لأن البحث حول إمكان الترخيص في الإناء الغربي بعد كون العلم منجزا بالنسبة إليه، وصار منحلا بعد التأثير، فلا تغفل. ولا يبعد رجوع مقالة الشيخ (رحمه الله) بالبدلية (2) إلى الانحلال المذكور، ضرورة قصور الأدلة في بابي الأمارات والاصول عن البدلية. نعم، يمكن دعوى: أن الشرع كيف لا يعقل ترخيصه في الإناء الغربي المشكوك كونه مورد المعلوم السابق، مع أنه رخص في موارد قاعدتي التجاوز والفراغ، بعدم الاعتناء بالمعلوم التفصيلي ؟ ! وهذا ليس إلا من باب بدلية الناقص عن الكامل، وقبول الفاقد عن الواجد، فالبدلية في كلامه (قدس سره) ناشئة عن هذه المسألة مما لا يكون هناك انحلال للعلم الإجمالي، ولا علم إجمالي في البين، فليتدبر. ولعمري، إن هذا التقريب بعدما أوضحناه، أحسن التقاريب لترخيص أحد الأطراف ولو كان العلم الإجمالي علة تامة للتنجيز، لأن الانحلال يورث ذلك، كما لا يخفى. أقول: يتوجه إليهم أولا: أنه لو نذر ترك الإناء الشرقي، أو نهى عن شربه والده، يلزم الانحلال، بل هو أولى بالانحلال من صورة حكم العقل بالاحتياط في الطرف الشرقي، لكونه من الشبهات المهتم بها. وثانيا: في موارد حكم العقل لا وجه للانحلال، لأن حكم العقل بالاحتياط،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 36 - 38، درر الفوائد، المحقق الحائري: 468، حقائق الاصول 2: 249. 2 - فرائد الاصول 2: 406. (*)

[ 389 ]

ليس له الكشف عن كون المعلوم بالإجمال في الإناء الشرقي، ولا لسان له حتى يدل على البدلية. وثالثا: لو كانت الأمارة القائمة على أن الإناء الشرقي هو المحرم، وكان المعلوم بالإجمال أيضا حرمة أحد الإناءين، فهو يوجب الانحلال مثلا، وأما إذا قامت البينة على أن الإناء الشرقي بول، فلا ينحل، ضرورة أن المعلوم بالإجمال وإن لم يكن له اللون في مرحلة التنجيز، ولكنه له إمكان خصوصية غير منطبقة على ما قامت عليه البينة ثبوتا، وهذا يمنع عن الانحلال. ولأجل ذلك يقول الشيخ بالبدلية الادعائية - ظاهرا - في ناحية الإناء الشرقي عن المعلوم بالإجمال، فلا يرجع كلامه إلى الانحلال احتمالا. هذا مع أنه لو كانت القضية المعلومة بالإجمال منفصلة حقيقية، لا نحتاج بعد الانحلال إلى الأصل النافي في الطرف الآخر. ورابعا: المجعول في باب الطرق والأمارات، ليس شيئا وراء الارتضاء بما عند العقلاء من التعذير والتنجيز، وقضية إتمام الكشف وتأدية المؤدى منزلة الواقع، مما لا أساس لها، فليس في المقام دليل على الادعاء المذكور، ولا دليل على أن المعلوم بالإجمال هو ما قامت عليه البينة، والانحلال القهري غير معقول. فعلى هذا، لو كان مجرد وجود البينة على الطرف الشرقي كافيا، كان تلفه أيضا مثله، ولا يقولون به. بل هنا أولى، للانحلال الحقيقي بمعنى انعدام العلم الإجمالي ذاتا وحقيقة. وخامسا: أن ما هو الوجه للاحتياط في الطرف الغربي بعد تلف الطرف الشرقي، بعينه يقتضي الاحتياط في صورة قيام الاستصحاب، فإنه ليس مفاده إلا الجري العملي والبناء في مرحلة العمل، كما لا يخفى. بل وكذا في صورة قيام الأمارة، لما عرفت.

[ 390 ]

نعم، لو كان مفاد دليل " أن ما هو المعلوم هو في الطرف الشرقي تعبدا " كان الانحلال حكميا، ولازمه التعذير لو خالف الواقع، ونتيجة ذلك عدم الحاجة إلى الأصل النافي في الطرف الغربي في صورة كون القضية منفصلة حقيقية، بل لو كانت بنحو مانعة الخلو نحتاج إليه بالنسبة إلى الاحتمال الزائد. وغير خفي أن في موارد قاعدة التجاوز والفراغ وقاعدة لا تعاد، لا يعقل التزام المولى جدا بالجزئية والشرطية، ومع ذلك يكتفي بالناقص بدلا عن الكامل، وهذا مما لا يمكن حله إلا على القول بالخطابات القانونية، وهو يورث جواز الاقتحام هنا في مجموع الأطراف، فاغتنم. بقي شئ: في تحديد محل جريان الأصل في بعض الأطراف ما ذكرناه هو صورة حدوث التكليف بعد العلم الإجمالي، بأن قامت الأمارة أو الأصل على وجه يوجب تنجز مفاده بعد ما تنجز بالعلم، إلا أنه لأجل عدم كون المعلوم بالإجمال معلوم الخصوصية، يحتمل انطباقه على ما تنجز بالأمارة، فيكون الإناء الشرقي في مرحلة البقاء، متنجزا بالأمارة أو الاستصحاب أو العقل ولو كان في مرحلة الحدوث بلا أثر، فإذا كان العلم منحلا - حسبما تخيلوه - يلزم جريان الأصل النافي في الإناء الغربي. ومن هنا يظهر وجه النظر فيما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (1) وغيره (2) من التفصيل بين الصور، مع خروجه عن شأن المسألة. وبالجملة: الكلام هنا حول صورة تنجيز التكليف بالعلم الإجمالي، ثم قيام


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 37 - 41. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 468. (*)

[ 391 ]

الأمارة والحجة والأصل والعقل على الطرف الخاص، على وجه يستند التنجيز بقاء إليه، وقد عرفت أنه لا وجه لجريان الأصل النافي في الإناء الغربي، ويكون الأثر باقيا ولو قلنا بالانحلال الحكمي. مع أن الانحلال الحكمي غير صحيح إلا بأن يتعبد الشرع بأن ما هو المعلوم بالإجمال، موجود في الإناء الشرقي، ومثله مفقود في الأدلة. تنبيه: حول استدلال المحقق العراقي على منع جريان الأصل النافي للتكليف قد استدل العلامة العراقي لمنع جريان الأصل النافي في الإناء الغربي: بأن قضية القول بعلية العلم الإجمالي ذلك، دون القول بالاقتضاء (1)، وقد عرفت فساد هذا التفصيل مطلقا، وأن العلم الإجمالي ليس له شئ إلا تنجيز الواقع، والواقع يمكن أن يكون محفوظا على فعليته، ولو كان الأصل النافي جاريا في مجموع الأطراف، فضلا عن الطرف (2). فما هو المهم قصور الوجوه الثلاثة المذكورة عن تجويز جريان الأصل النافي، وإلا فقد عرفت إمكان الانحلال التعبدي، فليلاحظ جيدا. ثم إنه تشبث بمثال لمسلكه: وهو أن مقتضى العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين المسبوق أحدهما بالعلم التفصيلي بالطهارة، معارضة الاستصحاب في الإناء الشرقي للقاعدة في الغربي، وسقوطهما، وجريان القاعدة في الإناء الشرقي بلا معارض، وهذا مما لا يلتزم به أحد، فيعلم منه أن العلم الإجمالي المنجز يمنع عن الجريان على الإطلاق، سواء حصلت المعارضة، أم لا (3).


1 - نهاية الأفكار 3: 311. 2 - تقدم في الصفحة 381. 3 - نهاية الأفكار 3: 320. (*)

[ 392 ]

وفيه: أن تقدم الاستصحاب على القاعدة في الإناء الشرقي، لا يورث كون المعارضة منحصرة به وبالقاعدة في الطرف، بل القاعدة في الطرف تعارض الاستصحاب الحاكم على مصداق آخر منها، وبعد ذلك يوجد مصداق آخر منها يعارض المصداق من القاعدة في الإناء الشرقي، وهذا هو مقتضى انحلال القاعدة حسب الآثار والموارد على الأفراد والأزمان، وهذا هو حل مشكلته، لا ما في كلام بعض آخر (1)، فليتدبر. ولو قيل: بأن مصداقا من الاستصحاب أيضا جار في الطرف الشرقي. قلنا: انحلال القضايا باعتبار الأثر، ولا أثر هنا، ولذلك يمكن دعوى: أنه تجري الاصول في الأطراف، نظرا إلى أن المعارضة والسقوط، ليست من الآثار الموجبة للانحلال. ومجرد كون الطرف موضوع القاعدة لا يكفي للانحلال، لأنه لابد وأن يكون الانحلال عقلائيا. ولو كانت المعارضة كافية للانحلال، فينحل مفاد القاعدة في الطرف الغربي، دون الاستصحاب، لسقوطه، ولا يستمر الانحلال والسقوط. ولو استمر دائما فلا تصل النوبة إلى القاعدة في الناحية الشرقية، فليلاحظ جيدا. ومن الغريب ما في كلام العلامة النائيني: من توهم حصر حكومة الاستصحاب على القاعدة في صورة الشك السببي والمسببي (2) ! ! مع أن حكومة السببي على المسببي مطلقا ممنوعة، بل غير معقولة في الموارد الجزئية، والتفصيل في محله (3).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 47 - 48، لاحظ نهاية الأفكار 3: 32. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 48. 3 - مما يؤسف له عدم وصول الكتاب إلى هذه المباحث من الاستصحاب. (*)

[ 393 ]

فعلى هذا، لا تجري القاعدة في الإناء الشرقي مادام الاستصحاب موجودا، فلا يلزم التعبد بالطهارتين في مورد واحد عرضا، ولا معارضة القاعدة في الغربي لهما عرضا. التنبيه الثاني في إمكان الالتزام بالتخيير العقلي أو الشرعي في المعلوم بالإجمال وذلك لأن وجه الاحتياط بعد العلم الإجمالي وجريان الاصول: أن الالتزام بمفادها مناقضة، وإذن في المعصية، ولغوفي الخطاب الواقعي، والالتزام بالأصل المعين في الإناء الشرقي مثلا، ترجيح بلا مرجح. وعلى هذا لا بأس بدعوى: أن أحدهما مرخص فيه، دون المجموع، لأن تمام الإشكال ناشئ من التقريب المشار إليه. وهم ودفع إن التخيير غير معقول ثبوتا، وذلك لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير، فيلزم الخلف، وتصير النتيجة جريان الأصل في الطرف الآخر، وذلك لأن العلم الإجمالي بالتكليف المحتمل انطباقه على الطرف المرخص فيه، لا ينجز بالنسبة إلى ذلك الطرف، وهذا يكفي لجريان الأصل في الطرف الآخر. وتوهم: أن الأثر مقدم على جريان الأصل النافي، في غير محله، لأن بمجرد

[ 394 ]

العلم الإجمالي يكون كل إناء، موضوعا للقاعدة، بعينه، ولا بعينه، فتسقط بالنسبة إلى المعين مثلا، دون مالا يكون معينا كما يأتي، فعلى هذا لا يعقل الترخيص، للزوم جواز الجمع بينهما، وهو من الإذن في المعصية كما مر (1). ولكن يندفع: بأن مجرد كون أحد الإناءين مرخصا فيه، لا يمنع عن تأثير العلم، وإلا يلزم ذلك في صورة العلم الإجمالي: بأنه إما يجب عليه أداء دين، أو الحج، مع أنه لا يكون عنده ما يكفيه إلا لأحدهما، فإن الموافقة القطعية غير ممكنة، ومع ذلك المخالفة القطعية أيضا ممنوعة عندهم، لتأثير الأصل. والسر فيه: أن الإناء المرخص فيه قد يكون معلوما معينا، فربما هو يمنع عن تأثير العلم ولو كان طرو الاضطرار أو جريان القاعدة، في عرض حدوث العلم. وأما إذا كان غير معين، فلا منع عن تأثير العلم، لوجود شرائطه: وهو أن في كل واحد بالخصوص، تصح العقوبة إذا صادف الواقع. فبالجملة: التخيير جائز ثبوتا، ولذلك نجد جواز أن يدل نص على ذلك، فإنه نجد وجوب الموافقة الاحتمالية. وربما يستظهر من العلامة الأصفهاني (رحمه الله) الامتناع (2)، نظرا إلى أن العقاب الشرعي أو العقلي، لا يعقل على الإطلاق مع احتمال الانطباق، بناء على أن الترخيص في المجموع كما يمتنع، الترخيص في واحد معين وغير معين أيضا ممتنع، كما هو أيضا يستظهر من " الكفاية " (3) لأعمية دليلهم: وهو أن احتمال المناقضة في حكم العلم بها.


1 - تقدم في الصفحة 320. 2 - نهاية الدراية 4: 243 - 246. 3 - كفاية الاصول: 314. (*)

[ 395 ]

وفيه: أنه لا يزيد على الشبهة البدوية، وما هو به تنحل هناك ينحل الأمر هنا. نعم، على ما أوضحناه لا يعقل الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي الفعلي بمعناه التام، كما هو المقصود والمرام، فلا يعقل الترخيص في البدويات، فضلا عن أحد الأطراف في المعلوم بالإجمال، ويعقل الجمع على ما سلكناه من الخطابات القانونية، وأن التكاليف فعلية جدية قطعية واقعية قانونية غير إنشائية، ويعقل الترخيص في المجموع، فضلا عن الواحد غير المعين (1). إذا عرفت هذه الوجيزة، وتبين إمكان الترخيص ثبوتا، فقد مال إليه بعضهم، ويمكن أن يحرر ذلك بوجوه. وقبل الخوض بذكرها تلخيصا، نشير إلى وجيزة اخرى وهي: أن التخيير العقلي - أي التخيير بحكومة العقل، بمعنى درك العقل تلك الخيرة - لا معنى له، لأن المفروض تنجيز العقل مجموع الأطراف، فلا معنى لاستقلاله ثانيا على التخيير. فما يمكن أن يكون وجه التخيير الشرعي أحد وجوه ثلاثة: إما التخيير كالتخيير في الخصال، وهذا مفقود بالضرورة. أو التخيير بتقييد الإطلاقات، وبعبارة اخرى بالجمع بين الأدلة الموجودة، كما قيل به في المتزاحمين. أو التخيير بكشف العقل خطابا تخييريا شرعيا، كما هو قول آخر فيهما. وقد مال إلى التخيير بالوجه الأول من الأخيرين صاحب " الكفاية " (رحمه الله) في باب تعارض الأمارتين والحجتين (2)، كما سيظهر إن شاء الله تعالى.


1 - تقدم في الصفحة 343. 2 - كفاية الاصول: 505. (*)

[ 396 ]

الوجوه الإثباتية للالتزام بالتخيير في الأطراف الوجه الأول: أن القواعد المرخصة والأدلة الظاهرية المعذرة، لا تشمل الواحد المعين، لكونه من الترجيح بلا مرجح، ولا المجموع، فتشمل الواحد لا بعينه، وإذا قيس إلى الأدلة الواقعية ينتج التخيير شرعا، ضرورة أنه لو اختار أحدهما وصادف الواقع، يكون معذورا، ويكون مثل الشبهة البدوية، وإن لم يصادف الواقع فقد أطاع مولاه في الجانب الآخر، نظير ما إذا ورد نص على جواز ارتكاب أحدهما، أو على جواز ترك أحدهما في الشبهة الوجوبية. ومن الغريب توهم جمع هنا: أن ما هو مشمول العام هو الواحد بعينه، ولا وجود للواحد لا بعينه حتى يكون مشمول العام (1) ! ! مع أن مراد القائل هو أن الوحدات الخارجية المعلومة حدودها الوجودية، المجهولة الحكم شرعا، ليست مندرجة تحت العام فقط، بل ما هو تحت العام كما يكون الكأس الشرقي والغربي، يكون أحدهما أيضا تحته بعنوانه، لأن أحدهما مجهول الحكم، فهو تحت العام، ولا معارض له. إن قلت: عنوان " أحدهما " ليس مجهولا، لأن أحدهما خمر معلومة الحكم، والآخر ما هو معلوم الحكم أيضا. قلت: نعم، هذا في المنفصلة الحقيقية، وأما المنفصلة مانعة الخلو فمشتملة على عنوان " أحدهما " المجهول، فيرخص فيه. اللهم إلا أن يقال: بالانصراف، وظهور أخبار التأمين والتعذير في موارد


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 25، درر الفوائد، المحقق الحائري: 458، نهاية الأفكار 3: 317. (*)

[ 397 ]

الجهل بالحكم، بالنسبة إلى الموضوع الخارجي ولو كان منشأه الشبهة الحكمية، فإن شرب التبغ ولو كان مجهول الحكم بعنوانه، إلا أنه من الطبائع الأصلية التي ترى في الخارج، بخلاف العنوان المذكور الانتزاعي، فتأمل. ولو كانت الأطراف أكثر من واحد، وغير بالغة إلى غير المحصورة، كالواحد من الأربعة والستة، يشكل الأمر على القائل بالتخيير على التقريب المذكور، مع ما عرفت من لزوم التفصيل بين الصورتين. الوجه الثاني: أن يكون مورد العام ما هو المحرم في البين، دون المحلل، ضرورة أن ما هو المرخص فيه لا يحتاج إلى الترخيص، أو لا يعقل، بخلاف ما هو المحرم. ولا يلزم الجمع بين المتنافيين، لانحفاظ مرتبة الحكم الظاهري، ضرورة إمكان الإشارة إلى أن ما هو المحرم في البين مورد الترخيص، لا الغير، للاحتياج إلى الترخيص في ذلك المورد، ولا يلزم المناقضة بحسب المرتبة. وغير خفي أن لازمه جواز ارتكاب المجموع طبعا. الوجه الثالث: أن مقتضى ما هو المستفاد من أخبار الترخيص، انحفاظ ملاك الحكم الظاهري في كل واحد من الأطراف، لضرورة التسهيل على العباد، فكما أن في باب الغريقين يستكشف الخطاب الشرعي التخييري، كذلك الأمر هنا، فإن مصلحة الواقع ليست بأكثر من مصلحة التسهيل، ولازمه التخيير في الأطراف شرعا. وما في " درر " جد أولادي (قدس سره) وغيره من المناقشة فيه: " بأن في المثال المذكور يكون الملاك موجودا وإلزاميا، وفيما نحن فيه يكون المعلوم بالإجمال فيه الملاك التام، فيلزم الاحتياط " (1) في غير محله، ضرورة أن المفروض شمول أدلة


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 459. (*)

[ 398 ]

الترخيص للأطراف، ولو لم يكن فيها ملاك التسهيل فلا يشملها دليل التعذير والتأمين، فعلى هذا تكون مصلحة التسهيل، تعارض المصلحة الواقعية أو المفسدة الواقعية، وحيث إن مصلحة التسهيل في الطرفين، ولا يمكن الأخذ بهما، يجوز الأخذ بالواحد، وهو مصلحة التسهيل في الجملة، وتصير النتيجة هي التخيير الشرعي المستكشف بالعقل. ولو كان عنوان " أحدهما " أو " واحد منهما " موضوع الحكم، يكون التخيير - بحسب الانطباق على الطرفين على البدل - عقليا، والأمر سهل من جهة التسمية، كما لا يخفى. نعم، أساس كشف الحكم الشرعي بالعقل من الأباطيل، ولا سبيل له إليه في جميع الأوطان والأحيان. وقد تحرر منا في المتزاحمين: أن الحكم فعلي حسب الأدلة الأولية، والمكلف بالنسبة إلى الجمع معذور، ويعاقب لو ترك الكل (1)، وتبين فيما مر: أن جريان الاصول في جميع الأطراف جائز أيضا، ولا يلزم قبح، فالمبنى باطل، وإلا فالتقريب سليم عن إشكال القوم. الوجه الرابع: المحاذير العقلية تتقدر بقدرها، والمخصصات اللبية العقلية مخصوصة بمقدار اللزوم، فيبقى عموم العام وإطلاق الدليل على حاله، فعلى هذا لا معنى لإخراج الإناءين عند المعارضة عن عموم الأدلة المرخصة، حتى يكون التخصيص أفراديا، والخارج الإناءين الشرقي والغربي معا، لأن المحذور يرتفع بالتقييد الأحوالي والإخراج المقيد: وهو أن كل إناء مرخص فيه إذا ترك الإناء الآخر، أو عند تركه الإناء الآخر، فيكون كل إناء باقيا تحت العام، وخارجا عن


1 - تقدم في الجزء الثالث: 462. (*)

[ 399 ]

إطلاقه الأحوالي. وبعبارة اخرى: يدور الأمر بين التخصيص والتقييد، والثاني أولى هنا وإن لم يكن الأمر في غير المقام كذلك، ضرورة أن الزائد على المقدار اللازم للفرار من المحذور، ممنوع حسب الأدلة اللفظية، وتصير النتيجة عند ذلك هي التخيير، سواء سميناه " عقليا " أو " شرعيا " بالتدخل العقلائي، كما هو الواضح. إن قلت: ليس في الأدلة المرخصة وتحليل المجهولة حرمته، ما يفي بالمقام، لأن قوله (عليه السلام): " فيه حلال وحرام " (1) لا يشمل المقام، كما في " تهذيب الاصول " (2). قلت: لا تنحصر الأدلة بمثله، فإن حديث الرفع يشمل أطراف العلم الإجمالي، والبحث هنا بعد مفروضية الجريان، فلا تخلط، وإلا فلا يتم التخيير المذكور في الشبهات الوجوبية. ولعل هنا خلطا واقعا من المقرر حفظه الله تعالى. إن قلت: لو كان المنكشف هو القيد أو الشرط، للزم في صورة اجتنابه عن الإناءين ترخيص الشرع بالنسبة إليهما جمعا، وهو ممنوع عقلا. قلت أولا: يجوز دعوى عدم ثبوت التخيير إلا في مورد ارتكاب أحدهما، وترك الآخر، لما أنه يلزم لغوية جعل الترخيص في مورد امتناع الارتكاب. وثانيا: إن العقل تدخل في كشف القيد هنا وفي الغريقين، وتصير النتيجة هو أن واحدا منهما يجب إنقاذه، وواحدا منهما يجوز ارتكابه، وليس التقييد على الوجه الظاهر: وهو أنه يرخص في الشرقي عند ترك الغربي وبالعكس، كي يقال: إنه لو تركهما آناما أو في زمان يمكن فيه الارتكاب، يلزم ترخيص المجموع، وهو ممتنع.


1 - الكافي 5: 313 / 39، وسائل الشيعة 17: 87 - 88، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1. 2 - تهذيب الاصول 2: 265. (*)

[ 400 ]

ومثله ما إذا كان القيد بنحو الشرط. ولوتركهما في تمام العمر، يلزم الترخيص في الكل بعد ذلك، وهو أيضا ممتنع. أو يقال: بأن لازمه عدم شمول الشبهات البدوية على الإطلاق أيضا. لا يقال: عنوان " أحدهما " يرجع إلى التقريب الأول أو الثاني، والبحث هنا حول تقييد الأحوالي الشامل عموم رخصته لكل واحد منهما معينا. لأنا نقول: ما هو المستكشف بالعقل هنا، هو أنه ليس المجموع مرخصا فيه، وهذا غير مفاد التقريبين، ولا تتوجه إليه الإشكالات المذكورة في كتب القوم، حتى يجاب بما ليس بجواب. ومن الغريب ما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) من المناقشة في كشف التخيير هنا، مع التزامه بالتخيير في الغريقين (1) ! ! فإن إطلاق الدليل في البابين من باب واحد، والمتدخل فيهما العقل، فالتخيير يستكشف هنا من جهة الإطلاق والعموم والدليل، كما أنه يمكن انكشافه من جهة المدلول والمورد في الوجه الثاني. فما هو المهم في الجواب بطلان بساط الكشف، قيدا كان، أو خطابا، فإن العقل ليس شأنه إلا التعذير والتنجيز، ودرك الإطاعة والعصيان، وأمثال ما يتعلق بتبعات الخطاب، دون مقارناتها وأصولها ومبادئها. تنبيه: ربما يمكن دعوى: أن لازم القول المذكور، تقييد كل طرف بالنسبة إلى الطهارة، لامتناع التعبد بطهارتهما على الإطلاق، وهذا مما لا يكاد يلتزم به. وبعبارة اخرى: بالنسبة إلى قاعدة الطهارة، لا يمكن كشف التخيير أو التقييد المنتهي إليه، وعلى هذا ربما يشكل الأمر في سائر الاصول. أو يقال: بأن التقييد في قاعدة الطهارة، أيضا باعتبار أن الحكم التكليفي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 335، و 4: 31. (*)

[ 401 ]

المخالف للمعلوم في البين جائز. ولأجل هذا لم يتعرض الاصوليون لقاعدة الطهارة، دون قاعدة الحل، لأن قاعدة الطهارة ترجع في أطراف العلم الإجمالي إلى آثارها التي تجري فيها قاعدة الحل والبراءة، فاغتنم. التنبيه الثالث حول مختار الحدائق من تقييد الطهارة والنجاسة بالعلم لا فرق في موارد تنجيز العلم بين كون المعلوم بالإجمال جنس التكليف، أو نوعه، فكما أن في الشبهات الحكمية الكلية، يؤثر العلم ويحتاط العقل ولو كان المعلوم حرمة شئ، أو وجوب شئ آخر، كذلك في الشبهات الموضوعية، لا يلزم أن تكون الصغرى المجهولة من نوع واحد، كالخمر والنجاسة، أو تكون الصغرى مجهولة، والكبرى المعلومة جنس التكليف، ففي الصور الثلاث يتم تحرير الحكم بالاحتياط، بمعنى درك العقل وجوب الموافقة وحرمة المخالفة. وما نسب إلى " الحدائق " (1) فهو في واد آخر نشأ عن مسألة فقهية ظاهرا، ولا ربط له بمسألة اصولية عقلية، فإن من الشرائط في باب تنجيز العلم الإجمالي: هو أن يكون العلم على وجه لو كان المعلوم في كل طرف، يكون مورد الأثر، وموضوع الحكم الإلهي، وإلا فلا يؤثر، ولذلك ربما نحتاج في الأمثلة إلى تحرير


1 - فرائد الاصول 2: 408 و 416، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 50، الحدائق الناضرة 1: 517. (*)

[ 402 ]

مسألة فقهية. مثلا: إنه (رحمه الله) يقول: بأن مفاد قاعدة الطهارة، هي نجاسة الكلب المعلوم بالتفصيل، فعندئذ لا معنى لأن يقول بالتنجيز هنا، وهكذا لو قال في باب الغصب: إن المحرم هو الشئ المعلومة غصبيته بالتفصيل، نظرا إلى بعض الأحكام في الفقه، فلو علم إجمالا بغصبية شئ، ونجاسة شئ آخر، أو نجاسته بخصوصه، فإنه لا يؤثر. ولو كان ما نسب إليه من عدم تأثير العلم في صورة اختلاف المعلوم بالحقيقة [ صحيحا ]، للزم عدم وجوب الاحتياط في صورة كون الإناء الواحد معلومة غصبيته، أو نجاسته، لأنا لا نعلم بتكليف خاص من النهي عن الغصب أو النجاسة، ولا أظن التزامه بذلك. وتوهم إمكان المناقشة في تنجيز العلم، ولو كان لإمكانه وجه وتقريب، ولكنه غير تام على التقريبين اللذين اخترناهما لعلية العلم للتنجيز حتى في صورة الشك في المسألة الاصولية، وهو تنجيز العلم الإجمالي (1). فعلى ما تحرر، ليس " الحدائق " مخالفنا هنا في المسألة الاصولية، وأما كلامه في المسألة الفقهية، فيطلب من مظانه. وقد علمت أن مقتضى القاعدة اشتراك الحكم بين العالم والجاهل على الإطلاق إلا ما خرج بالدليل (2)، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 317 - 318. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. (*)

[ 403 ]

التنبيه الرابع حول معارضة الاستصحاب لقاعدة الحل لا شبهة في أنه يوجب العلم الإجمالي، تنجيز جميع الآثار التكليفية والوضعية، فلو علم إجمالا بخمرية أحد الإناءين، تترتب عليه وتتنجز به ممنوعية التوضؤ والشرب والصلاة معها حاملا إياها، وإدخالها في المسجد، وبيع أحد الإناءين، والصلح عليه، وجعله اجرة، وجعلا وهكذا، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان العقد، وعدم ترتب الآثار عليه، وهكذا مما ينتهي إلى الحكم التكليفي المستتبع للعقاب. ويكفي مجرد الشك في المثال المذكور لعدم الحكم بصحة المعاملة، لرجوعه إلى الشك في المالية وصدق " البيع " مثلا. والمناقشة في المثال ليست من دأب المحصلين، فإن المنظور توجيه أنظارهم إلى المسائل الكلية الاصولية. وهناك اصول كثيرة، كقاعدة الطهارة، والحل التكليفي، والوضعي، واستصحاب عدم الخمرية الأزلي، بناء على جريانه، وبناء على المعارضة تكون كافة الاصول متعارضة. ولو كان هناك أصل حاكم في الإناء الشرقي مثلا - كاستصحاب المالية، والحلية الوضعية، والتكليفية - يقع البحث في جهتين: الاولى: في تعارض قاعدة الحل مع الاستصحاب وقاعدة الحل في الطرف الشرقي.

[ 404 ]

والثانية: في تعارض استصحاب المالية مع قاعدة الحل الوضعي في الطرف المختلفين في المفاد، ضرورة أن مفاد الاستصحاب هو البناء على المالية، ومفاد القاعدة صحة المعاملة. أما الجهة الاولى: فقد مر شطر من الكلام فيما سبق حولها، وذكرنا أن الاستصحاب وإن يسقط للمعارضة، وتصل النوبة إلى قاعدة الحل في الإناء الشرقي، إلا أن قاعدة الحل في الإناء الغربي أيضا تنحل، للمعارضة له كما عرفت تحقيقه (1). وأما الجهة الثانية: فهل يكون الاستصحاب معارضا لقاعدة الحل، أم لا، لاختلافهما في المفاد ؟ فيه وجهان: من أن الاستصحاب المذكور، لا يعارض بالذات قاعدة الحل في الإناء الغربي، بعد البناء على جواز التمسك به وبها لتصحيح البيع وغيره، لأن الشك في حلية البيع مجرى القاعدة، ويكفي لصحته مجرد التعبد بالحلية، كما هو المستفاد من الكتاب العزيز، ولا نريد إثبات شئ آخر وراء حلية البيع، وقد حررنا تحقيقه في كتاب المتاجر (2)، ولا يعارضها بالعرض، لاختلاف المفادين. ومن أن العلم الإجمالي بخمرية أحدهما، يلازم العلم الإجمالي بعدم مالية الإناء الشرقي أو الغربي، مع أن الاتحاد في المفاد غير لازم، لأن استصحاب بقاء مالية الإناء الشرقي، يترتب عليه رفع العقاب عن التصرف في المأخوذ بالعقد الفاسد، الذي هو بحكم الغصب عند المحصلين، وأصالة حلية البيع أيضا مثله في هذا الأثر، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 392. 2 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المقصد الأول، الجهة الثانية، الآية الثانية من الآيات المستدل بها على أصالة اللزوم. (*)

[ 405 ]

وما ربما يتوهم: من أنه في صورة العلم بنجاسة الماء أو الثوب، تجري قاعدة الحل في الماء، دون الثوب، فيجوز شرب الماء، لما لا ثمرة في ناحية الثوب، في غير محله، لأن أكل الثوب محرم فرضا، وإذا كان نجسا تزيد العقوبة، فكما يشك في حلية شرب الماء، يشك في حلية أكل الثوب من جهة نجاسته زائدا على خباثته، فالمثال المذكور أيضا ليس مثالا لمورد جريان قاعدة الحل النافية بلا معارض، ولا مثالا لجريان الأصل المؤمن بالنسبة إلى بعض الآثار دون بعض آخر، فلا تغفل. هذا على تقدير جريان استصحاب المالية، وإلا فلا أصل حاكم في المثال المذكور أيضا. وغير خفي: أن الأصل المذكور مثبت، لأن الشرع أحل البيع، وكونه مبادلة مال بمال، ليس مستفادا من الأدلة الشرعية على وجه يكون له الإطلاق أو العموم، حتى ينقح بالاستصحاب الموضوعي موضوع الدليل، بل هو يستفاد من الدليل اللبي. فالبحث هنا كله فرضي، لما يمكن الابتلاء به في الفقه أحيانا، وتلك الأمثلة لتوضيح حال المسألة، فلا تختلط الامور. فبالجملة: تحصل أولا إلى هنا: أن الحق إمكان الترخيص في مجموع الأطراف. وثانيا: إمكان التخيير. وثالثا: عدم جواز التفكيك بين الاصول النافية والمثبتة، بالأخذ بها، دون الاصول النافية. وإنا لو اتخذنا ذلك، فهو لأجل تجويزنا الترخيص في الكل، وإلا فالصناعة تقتضي إما الترخيص، أو المنع على الإطلاق. ورابعا: أنه لا فرق بين الاصول الجارية - بناء على وقوع المعارضة بينها في أطراف العلم - بين كونها طولية، أو عرضية، وبين كونها متحدة المضمون، أو مختلفة المضمون، كاستصحاب مالية الإناء الشرقي، وقاعدة طهارة الإناء الغربي،

[ 406 ]

فاغتنم وتدبر. تنبيه: ربما يقال بعدم إمكان تصور جريان قاعدة الحل في أحد الأطراف دون الطرف الآخر. وعندي مثال: وهو ما لو كان العينان المعلومة إحداهما أنها للغير، وكانتا تحت يد المكلف، ثم خرجت إحداهما، فإنه يمكن منع تنجيز العلم الإجمالي، لأن الطرف الخارج يتنجز بنفس الشبهة، والطرف الذي تحت يده لا تجري فيه قاعدة اليد، لأنها قبل خروج الطرف سقطت بالمعارضة، وبعد الخروج لا تجري، لقصور في دليلها. التنبيه الخامس في أن تدريجية الأطراف لا تضر بالتنجيز لا فرق عند العقل في تنجيز التكليف بين كون المعلوم والأطراف عرضي الوجود، وطولي الوجود، فإن التكليف المعلوم يتنجز، سواء كانت الأطراف دفعيات، أو تدريجيات، وسواء أمكن الجمع بين الأطراف كالإنائين، أو لم يمكن الجمع، كالجماعين المحرمين، وكالصلاتين، فإن الوجوه الناهضة على الدفعي، تنهض على التدريجي. ولا ينبغي الخلط بين ما هو الجهة المبحوث عنها، وبين الجهات الأجنبية، ضرورة أن البحث ممحض في أن نفس التدريجية، تضر بالتنجيز، أم لا. وأما لو كان مقتضى التدريج، كون أحد الطرفين تكليفا مشروطا، فإنه بحث آخر.

[ 407 ]

وقد اتضح: أن في الدفعي لا يكون الدوران بين الفعلية والمشروط، موجبا للتنجيز، فضلا عن التدريج، وما هو المبحوث عنه هو العلم بالتكليف الفعلي ولو كان ظرف الطرفين أو ظرف أحدهما استقباليا، فلو علم بأن هذه المرأة يحرم عليها كنس المسجد في العشرة الثانية من الشهر، أو الثالثة، لا تصح إجارتها في العشرة الاولى للكنس في العشرة الثانية والثالثة، ولا لإحداهما، بناء على كون الكنس محرما عليها بالفعل بالنسبة إلى العشرة الثانية أو الثالثة على وجه الوجوب المعلق. وبالجملة: لا يناقش في المثال، فإنه ليس دأب المحصلين بعد كون المرام معلوما. فعلى هذا، لو كان الحكم فعليا، والتحريم فعليا، والمحرم أو الواجب استقباليا، لا يوجب هذا الاستقبال قصورا في التنجيز على ما هو المعروف بين المحققين في هذه الصورة (1). وعندي في إطلاقه نظر، بناء على ما هو المعروف بينهم من أن الخروج عن محل الابتلاء، يضر بالتنجيز (2)، فإن سره هو استهجان الخطاب والتكليف والبعث والزجر، وهذا كما يجري في البعد المكاني، يجري في البعد الزماني، فلو كان أحد الطرفين في التدريج بعد مضي خمسين سنة أو ثلاثين سنة، فإنه يستهجن الخطاب بالنسبة إليه. بل الاستهجان هنا أوضح، لعجز العبد عن الوصول إليه، بخلاف البعد المكاني. نعم، بناء على عدم إضرار الخروج عن محل الابتلاء بالتنجيز - كما هو الحق - لا فرق بين الصورتين.


1 - كفاية الاصول: 408، نهاية الدراية 4: 253 - 254، مصباح الاصول 2: 369 - 370. 2 - كفاية الاصول: 410، درر الفوائد، المحقق الحائري: 464، نهاية الأفكار 3: 338. (*)

[ 408 ]

تنبيه: حول وجوب الاحتياط عند العلم بتحقق الشرط فيما يأتي لو كان يعلم إرادة المولى وروح الحكم إجمالا، فانقلاب الواجب المعلق إلى المشروط بحكم العقل، لا يضر بالتنجيز، سواء كان أحد الأطراف واجبا معلقا، أو كل الأطراف، لأن العقل يجد لزوم الاتباع، لما يعلم من المحبوبية الإلزامية والمبغوضية الإلزامية. وأما لو كان أحد الأطراف حسب ظاهر الدليل معلقا، وقلنا بامتناع الوجوب المعلق وصيرورته مشروطا، فلا يمكن كشف الملاك، ضرورة أن انكشاف الملاك تابع الهيئات، وإذا سقطت الهيئة فلا كاشف، كما تحرر في موارد من هذا الكتاب (1)، فعلى هذا لا معنى لما اشتهر من إيجاب الاحتياط، بين طائفة، فإنه كما لا يوجب العلم الإجمالي فعلية التكليف في الإناء الشرقي، أو مشروطيته في الإناء الغربي، كذلك الأمر هنا. نعم، ربما اشتهر عن السيد الفشاركي (رحمه الله) وجوب الاحتياط والموافقة القطعية في صورة العلم بحصول الشرط (2)، وهذا وإن كان على خلاف الصناعة، إلا أنه يدرك العقل لزوم التحفظ على المرام المردد بينهما في الدفعيات، وهكذا في التدريجيات، وليس هذا من باب التفويت الممنوع، لما عرفت أنه لا علم بالمصلحة أو المفسدة في موارد العلم الإجمالي بالحجة، لاحتمال خطأ الحجة والأدلة الواقعية (3).


1 - تقدم في الجزء الثالث: 339، وفي الجزء الرابع: 170. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 462. 3 - تقدم في الصفحة 337 - 338. (*)

[ 409 ]

نعم، بعد كون العذر مقطوعا بتلك الحجة، يدرك العقل في موارد العلم الإجمالي، انقطاع العذر أيضا، كما في موارد العلم بإرادة المولى، فتأمل. فما في كلام جمع: " من أن الاحتياط مستند إلى التفويت الممنوع " (1) غير تام، فما ذهب إليه " الكفاية " من إجراء البراءة على الإطلاق (2)، أو العلامة النائيني إلى الاحتياط على الإطلاق (3)، غير راجع إلى محصل، وإن كان مقتضى الصناعة هو الأول. وما صرح به " الدرر " (4) وتبعه الوالد المحقق (5) في محله، لعدم تمسكهم بحديث التفويت الممنوع، كي يقال هنا بكون التفويت مشكوكا. نعم، قد ذكرنا في المجلد الأول: أن جميع الواجبات المشروطة واجبات معلقة، ولو كان في دليل بنحو الوجوب المشروط إثباتا، فهو لأجل إفادة آثاره (6)، ومنها: عدم تنجيز العلم الإجمالي مثلا، ومنها: عدم وجوب المقدمة قبل فعلية ذي المقدمة، وهكذا. وأما ما عن الشيخ (رحمه الله): من التفصيل بين موارد العلم الإجمالي التي يكون فيها المعلوم المتأخر، تام المناط في زمان العلم بالمتقدم، كما إذا كان عالما: بأنه إما يحرم عليها الكنس بالفعل، أو يحرم بعد ذلك عليها الكنس في العشرة المتأخرة، مع


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 111 - 112، منتهى الاصول 2: 281 - 282، مصباح الاصول 2: 371 - 372. 2 - كفاية الاصول: 408. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 111 - 112، أجود التقريرات 2: 272. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 462. 5 - تهذيب الاصول 2: 271. 6 - تقدم في الجزء الثالث: 62 - 74. (*)

[ 410 ]

أنه عالم بالمناط في الآن والحال (1)، فهو لو كان يرجع إلى ما أبدعه السيد (رحمه الله) فلا يتم، لأن الواجبات المشروطة وإن كانت في الحقيقة من الواجبات المعلقة، كما شرحناه (2)، ولكنها مشروطة في الاعتبار والآثار، دون الإرادة، وأما بحسب الإرادة فهي فعلية حتى في المشروطات، كما هو الواضح عند أهله. ونتيجة ذلك عدم اشتراط العلم بالتكليف ولو بجنسه في تنجيز الواقع، بعد ما يعلم بحصول التكليف بين زمان الحال أو الاستقبال، وليس بالفعل عالما بالتكليف، لا بنوعه، ولا بجنسه، إلا أنه عالم بأنه إما الآن مكلف بترك هذه المعاملة الربوية، أو في الشهر القادم مكلف بتركها، بناء على عدم كون التكليف في الشهر القادم، فعليا بالفعل في المثال المذكور. ولعل المرأة التي ترى الدم مثال ذلك على الوجه الصحيح. وعلى هذا تبين: أن في التدريجيات يكون تنجيز التكليف أوسع من الدفعيات، لإنه لا يتنجز التكليف في الدفعيات في هذه الصورة، لعدم إمكان تصورها فيها كما لا يخفى، ويتنجز التكليف في الدفعيات، مع أنه لم تكن فعليتها معلومة على الإطلاق، فتأمل. وغير خفي: أن تفصيل الشيخ من ناحية العلم بالملاك، أيضا غير تام، لما لا طريق إلى العلم بالملاك كما مر، ولكنه يتم من جهة حكم العقلاء بعد عدم كونها واردة في الشرع بصورة الوجوب المشروط، كما عرفت. تذنيب: حول وجوب التحفظ على المقدمات المفوتة يترتب على ما ذكرناه، كثير من المسائل في باب التحفظ على مقدمات


1 - فرائد الاصول 2: 426 - 427. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 62 - 74. (*)

[ 411 ]

الواجبات الآتية في أوقاتها، أو التحفظ على ترك التشرف بزيارة الأمكنة الموجبة لترك الأهم، ولو بحدوث الموضوع الجديد بالنسبة إلى المهم من غير الاحتياج إلى القول بالوجوب المعلق، أو القول بانكشاف المرام المعلوم بالإجمال. ولكن كل ذلك في صورة كون الواجب، بصورة الوجوب الفعلي غير المشروط، كما في تحريم كنس المسجد على الحائض. وأما إذا كان بصورة الواجب المشروط، فالأشبه بالقواعد عدم وجوب الاحتياط، لأن تصدي المولى لإفادة الوجوب المشروط - مع أن الإرادة فعلية - يكون لإفادة آثاره، ومقتضى الإطلاق ترتب جميع الآثار، فما سلكه السيد الفشاركي وأتباعه، في غير محله كما عرفت، وقول " الكفاية " أقرب إلى الواقع، إلا أنه بعيد عما حققناه حوله، والله المؤيد، ونحن نشكره. التنبيه السادس حول صور تنجيز العلم الإجمالي في المسائل المالية في موارد العلم الإجمالي بالمسائل الراجعة إلى الامور المالية - كالخمس، والزكاة، والديون، والضمانات - خلاف في المتباينين، كما هو مفروض البحث، وأنه هل العلم ينجز، أم لا ؟ ومن الغريب عدم تعرضهم لهذه المسألة الكثير جدواها في تنبيهات الاشتغال ! ! إلا أنه يستفاد اختلاف آرائهم في الفقه، فذهب الفقيه اليزدي (رحمه الله) في ختام

[ 412 ]

مسائل الزكاة إلى الاحتياط (1)، وهكذا يظهر منه تعينه في الخمس في مسائل المختلط بالحرام (2)، وتبعه جمع (3). وخالفه بعضهم برجوعه إلى القرعة فيها، دون الاحتياط (4). وصرح بعضهم ب‍ " أن تنجيز العلم الإجمالي في المقام، محل تأمل وإشكال " (5). وإرجاع بعض صور المسألة إلى الأقل والأكثر، خروج عما هو مورد النظر في المقام، لاختصاص البحث بدوران الأمر بين المتباينين. وعلى هذا تتصور هنا صور نشير إليها، كي ينتفع بها الباحثون: الصورة الاولى: أن يكون العلم بالحرمة دائرا بين العينين الشخصيتين الخارجيتين غير المستولي عليهما المكلف، فلا تكون له اليد عليهما، إلا أنه يعلم بأن إحداهما له، والاخرى لأجنبي، كما إذا علم بأن هذه الشاة له، أو تلك الشجرة، وحيث لا يدله عليهما بالفعل، ولا سبقت يده، يكون مقتضى العلم الإجمالي هو الاحتياط، فلا يجوز له التصرف فيها، ولا يكون مكلفا بالرد، لكونهما خارجتين عن استيلائه. ولأحد دعوى: أنه ليس العلم منجزا، لكفاية الشبهة في هذه الصورة في


1 - العروة الوثقى 2: 339 - 340، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، المسألة 6 و 7. 2 - العروة الوثقى 2: 379، فصل فيما يجب فيه الخمس. 3 - العروة الوثقى 2: 339، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، الهامش 8، و 340، الهامش 1 و 7. 4 - العروة الوثقى 2: 379، فصل فيما يجب الخمس، الهامش 10. 5 - العروة الوثقى 2: 339 - 340، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، الهامش 8. (*)

[ 413 ]

التنجيز، لكونها من الشبهات المهتم بها. ويمكن أن يقال: بأن التصرف الذي هو الممنوع في الشبهة المهتم بها، هو التصرف المفني والمعدم، دون اليسير، فإنه مما لا يهتم به، ولذا جوز الشرع ذلك في مثل أخذ اللقطة، فعليه تستند حرمة هذا النحو من التصرف إلى العلم الإجمالي، مع إمكان استناد التنجيز على الإطلاق إلى الشبهة وإلى العلم، كما يأتي تحقيقه، ضرورة أن التنجيز ليس من المسبب المتولد من الشبهة أو العلم، بل التنجز معناه إدراك العقل استحقاق العقوبة، مع فقد الحجة في قباله، وهذا كما يمكن أن يكون من الشبهة، يجوز أن يكون من قبل العلم الموجود، والتفصيل في الآتي إن شاء الله تعالى (1)، أي يصلح كل واحد من الجهتين لإدراك العقل ذلك بالقياس إليهما. فما قيل: من أن تنجيز العلم الإجمالي هنا محل تأمل، في غير محله في هذه الصورة على بعض الوجوه والاعتبارات. هذا على مسلك القوم. وأما على مسلكنا، فقد مر إمكان الترخيص على الإطلاق حسب الصناعة المحضة (2). الصورة الثانية: إذا كانت العينان تحت اليد، ويعلم إجمالا بأن إحداهما الشخصية لأجنبي، فمرجعية قاعدة اليد ساقطة، ولو كان العلم الإجمالي منجزا، يلزم حرمة التصرف على الإطلاق، ويجب التخلية بينها وبين مالكها إذا عرفه، لوجوبها. بل لو كانت مغصوبة وهو غاصبها، يجب الرد ولو لم يطالب بها.


1 - يأتي في الصفحة 420. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 414 ]

وهذا هو الظاهر من فتوى القوم فيما لو علم: بأن عليه خمس العين المعينة، أو زكاة عين زكوية (1)، مع أن في هذا الفرض - لمكان تجويز الرد إلى الحاكم - يمكن التقويم. ولو ردهما إلى الحاكم أو إلى المالك في الفرض الأول، يلزم إشكال يستتبع عدم إمكان الاحتياط، وهو أنه لا يرضى بالتصرف فيما هو ماله، فلا يجوز للطرف أخذهما معا، ولو أخذهما يجب - حسب العلم الإجمالي - الرد، فيعلم منه سقوط العلم الإجمالي عن التأثير، لعدم قابلية المورد، فالقول بسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز هنا، غير بعيد. مع أنه يمكن دعوى: أن التنجز يستند إلى الشبهة ذاتا، لكونها من الشبهات المهتم بها. فعند ذلك لابد من حل المشكلة بأحد الوجوه الاخر المحررة في الفقه وغير المربوطة بمسائل العلم الإجمالي: من وجوب المصالحة، أو القرعة، أو مجهول المال، أو المختلط بالحرام حكما، لا موضوعا، أو غير ذلك. ومنه وجوب الرضا باستهلاك الطرف، نظرا إلى إمكان الاحتياط. وليس هنا مصب قاعدة " لا ضرر... " لأنه مستند إلى درك العقل، دون حكم الشرع، فعليه ردها إلى مالكها في صورة معرفته إياه، ورضاه بتصرفه، فلا يلزم المحذور. اللهم إلا أن يقال أولا: إن الضرر يجئ من إطلاق الدليل. وثانيا: إن الواجب هو التخلية بين المال ومالكه بعدم المنع، فإن يعرف ماله فهو، وإلا فلا شئ عليه.


1 - العروة الوثقى 2: 339، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، المسألة 6. (

[ 415 ]

وربما يقال: إن المنفي بالقاعدة هو الموضوع الضرري، وهو المجموع، وليس له في الشرع حكم، كما يقال: " إن ما حكم به العقل حكم به الشرع " فالمجموع غير واجب رده شرعا، وتصير النتيجة حرمة المخالفة القطعية وإن لم تجب الموافقة القطعية. وأما دعوى الملازمة بين الحرمة والوجوب (1)، فهي مطلقا ممنوعة كما مر (2). مع أن هنا ليس محلها، لأن التنجز مستند إلى الشبهة البدوية. وأنت خبير بفساد جميع هذه الامور. نعم، إن إطلاق الدليل لو كان مقتضيا للوجوب هنا، ومستلزما للضرر، يمكن منعه بالمقدار الخاص، إلا أن لزوم الرضا بالتصرف ممنوع، لأن ما هو الواجب ليس إلا التخلية حتى في الغاصب، أو تحمل ضرر الحمل إلى مكان الغصب، وإعلام المالك، اللهم إلا إذا حصل الخلط من قبل الغاصب عمدا. بل ولو كان عن غير عمد، لأنه " يؤخذ بأشق الأحوال " وتصير النتيجة التفصيل بين الفرضين، والمسألة حسب القواعد مشكلة، وتصل النوبة إلى القرعة عندنا، فتدبر. ومما لا ينبغي أن يختفي: أن في بعض الموارد يمكن أن تستند حرمة المخالفة إلى ما لا يستند إليه وجوب الموافقة، مثلا في المثال المذكور في هذه الصورة، يمكن دعوى استناد حرمة المخالفة إلى الشبهة البدوية، لكونها من الامور المهتم بها، فلا تستند إلى العلم الإجمالي بأن إحدى العينين للغير، ولكن وجوب التخلية والرد إلى المالك، يستند إلى العلم الإجمالي الموجود في البين. وبعبارة اخرى: إن حرمة المخالفة القطعية والاحتمالية، مستندة إلى الشبهة،


1 - كفاية الاصول: 408. 2 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 189، وفي هذا الجزء: 307 - 308. (*)

[ 416 ]

ولازم حرمة المخالفة الاحتمالية وجوب الموافقة القطعية، فلا يجوز التصرف في كل واحدة منهما، فالوجوب يرجع إلى حرمة المخالفة الاحتمالية عقلا، إلا أن هناك حكمين، أحدهما: التصرف، والآخر: هو الرد إلى المالك. فلا يلزم أن يكون الحكم الواحد منجزا بالنسبة إلى المخالفة الاحتمالية، من ناحية العلم الإجمالي، ومنجزا بالنسبة إلى الموافقة القطعية في الشبهة، بل الشبهة في المقام تقتضي الحرمة والوجوب، والعلم الإجمالي يقتضيهما بالنسبة إلى الحكم الآخر: وهو الرد إلى المالك، فلا يتصور ثبوتا بالنسبة إلى الحكم الواحد، أن تكون الحرمة مستندة إلى شئ، والوجوب إلى شئ آخر. وأما التصرف لأجل الرد إلى المالك في صورة إرادة رد إحداهما إليه دون الاخرى، فهو ولو كان جائزا، ولكن وجوب الرد مستند إلى العلم الإجمالي، ولا تحرم المخالفة الاحتمالية في هذه الصورة، فإنه لا سبيل على المحسنين، فتأمل. بقي إشكال: إن العلم الإجمالي إذا كان يمنع عن جريان قاعدة اليد، فلا يستند التنجز إلى الشبهة، لأن الشبهة البدوية في هذه الصورة، محكومة بالعدم حسب استيلائه عليها، فلو كان في البين شبهة بدوية فلا أثر لها، لقاعدة اليد ولو كانت الشبهة مقرونة فلا أثر للعلم، للمعارضة. وتصير النتيجة عدم وجود المنجز، للزوم الخلف، لأنه يلزم من سقوط اليدين كون الشبهة بدوية، وتصير مجرى القاعدة، وإذا لم تكن الشبهة بدوية تقع المعارضة ولو كان العلم غير موجب للتعارض تجري القاعدة في الطرفين، وهو خلاف العلم عند القوم، فالمشكلة هنا عقلية قطعا.

[ 417 ]

وتندفع: بأن العلم موجود تكوينا، ومانع عن جريان القاعدة، ولا منع من كون التنجز مستندا إلى الشبهة بذاتها، مع قطع النظر عن العلم الموجود المانع عن جريانها، ولا يعتبر كون منشأ التنجز مع منشأ المعارضة واحدا. وهذا أمر جديد في مسائل العلم الإجمالي. وبعبارة اخرى: إن المشكلة تندفع بأن التنجز مستند إلى الشبهة بما هي هي، ولا تجري القاعدة، للمعارضة. وغير خفي: أن في هذه المسألة يكون الحكم الواقعي الثابت بالأدلة الأولية، أهم من الحكم الظاهري الثابت بالأدلة المرخصة الموجبة للتأمين والتعذير، ولذلك تقدم مصلحة الواقع على مصلحة التسهيل، ولا تجري مقدمات الترخيص الاختياري، ولا القول بالترخيص في مجموع الأطراف، بل ولا في الشبهة البدوية إلا بالنسبة إلى التصرف اليسير غير المتلف، فليلاحظ جيدا. فكل من الشبهة البدوية والعلم الإجمالي، منجز بالنسبة إلى التصرف الكثير، والكل غير منجز بالنسبة إلى التصرف اليسير، فاغتنم. الصورة الثالثة: إذا كانت إحدى العينين تحت اليد، وكان يعلم إجمالا: أن إحداهما للأجنبي، فعلى ما سلكه القوم من جريان الأصل المثبت والنافي معا، تنحل المشكلة، ولا كلام. بل ولو كان الطرف الخارج من تحت اليد غير مجري للاستصحاب، لكفاية كونه من الشبهة البدوية المهتم بها. وربما يقال: إن لازم قاعدة اليد كون الاخرى للأجنبي، حسب الدلالة الالتزامية، وهي حجة، فإذا علم إجمالا: بأن إحداهما له، والاخرى للأجنبي،

[ 418 ]

فمقتضى الدلالة المطابقية أن ما هو تحت استيلاؤه له، وما هو الخارج للغير، فلا شبهة حتى تصل النوبة إلى حكم العقل، أو الاستصحاب - لو كان يجري - نظرا إلى أنه لم يكن له في زمان، ويشك في أنه انتقل إليه بسبب أم لا، فاستصحاب نفي السبب يكفي لعدم جواز التصرف، فتأمل. وفيه: أن الدلالة الالتزامية منتفية، سواء كانت القضية المعلومة بالإجمال من المنفصلة الحقيقية، أو مانعة الخلو، ضرورة أنه على الوجه الأول، لا يبقى مورد للدلالة الالتزامية بعد كون مفاد الأمارة إلغاء احتمال الخلاف، ويتم الكشف، وتصير النتيجة مثل ما إذا علم واقعا: بأن ما تحت اليد له. وفي حكمه ما لو كان مفاد الأمارة هو التعبد بأنه العلم سببا، أو أن مؤداه المعلوم مسببا. وعلى الوجه الثاني مطلقا وهكذا على ما هو الحق في باب حجية الأمارات - من أنها مجرد التنجيز والتعذير العقلائي الإمضائي، أو بحكم الممضى - لا يعقل الدلالة، لاحتمال كون الخارج أيضا له ثبوتا، ولا معنى حينئذ للدلالة الالتزامية، لعدم اللزوم العقلي، ولا العقلائي والعادي. وقد مر أن قيام الأمارة غير اليد حتى مثل البينة، أيضا لا تفي لإفادة الدلالة الالتزامية (1)، لأن البينة أجنبية عن الطرف، ومجرد القيام على أن هذه المعينة مثلا لزيد، لا يستلزم كون الاخرى لعمرو، لأن اللزوم منفي ومغفول عنه، فلا تغفل. تذنيب: في هذه الصورة إذا كان يعلم إجمالا: بأن ما في تحت يده لزيد، أو ما في تحت يد عمرو له، فإنه مع قطع النظر عن التصرف فيما تحت يد عمرو، لا إشكال كما عرفت. وأما التصرف فيما تحت استيلاء عمرو، فهو - على ما عليه بناء المحققين -


1 - تقدم في الصفحة 357. (*)

[ 419 ]

مشكل، للعلم الإجمالي بحرمة التصرف في إحدى العينين (1). وأما دعوى العلم الإجمالي بحرمة التصرف المذكورة على الإطلاق، فيلزم الاحتياط، لأن المفروض عدم خروجه عن محل الابتلاء، فهي غير تامة، لأن حرمة التصرف في العين الخارجة عن استيلائه - مع أنها تحت استيلاء عمرو - معلومة بالتفصيل، وجائزة عند الإذن، فلا يلزم العلم بالتكليف الفعلي، بل هو مشروط. نعم، في صورة إذنه في التصرف بل وفي صورة العلم بأنه يأذن في التصرف، يشكل لأنه يعلم إجمالا: بأن إحدى العينين لشخص ثالث، ويعلم بالتكليف الفعلي الإجمالي، فإن قلنا: بأن العلم الإجمالي لا يكون منجزا في المسائل المالية، فلازمه جواز التصرف، لقاعدة اليد الجارية في كل واحدة منهما. وإن قلنا: بأنه ينجز يلزم المعارضة، ويستند التنجز إلى العلم، أو إلى ذات الشبهة بعد سقوط اليدين، أو إليهما. وبالجملة: تصير النتيجة ممنوعية تصرفه فيما تحت يده من الدار مثلا بعد إذن عمرو بتصرفه في داره، فبمجرد استدعاء عمرو منه التصرف في داره، تلزم ممنوعيته عن الدارين، وقبل ذلك كان ممنوعا من دار عمرو دون داره، وهذه عويصة جدا. وتجوز دعوى: أن التصرف محرم على نحو التحريم التعليقي، دون المشروط، لأن الأصل فيما دار الأمر بين المشروط والمعلق هو الثاني، إلا إذا قامت القرينة على الأول، كما تحرر في المجلد الأول (2)، وظاهر الأدلة في هذه المسألة هو التعليق، فالحرمة فعلية مرددة بين المنجزة والمعلقة، ولازمه ممنوعية التصرف


1 - فرائد الاصول 2: 409، نهاية الأفكار 3: 307. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 73. (*)

[ 420 ]

على مسلكهم، ويلزم عندئذ الرجوع إلى القرعة حتى تنحل المشكلة، ويعلم أن ما تحت استيلائه أو استيلاء عمرو لزيد كي يرد إليه، فليتأمل. ومن هنا يتبين وجه ممنوعية التصرفات الاعتبارية بين العينين بيعا وصلحا، أو هبة معوضة، بناء على جوازها. الصورة الرابعة: في حكم موارد الشك الاستصحابي في تلك الصور الثلاث، مثلا لو كانتا تحت يده، وكان يعلم بأنهما كانتا تحت يد زيد، ويعلم إجمالا بأن إحداهما له، فإن الاستصحابين يتعارضان، وهكذا اليدان، أو لا يجريان، وعلى كل لا كلام جديد في هذه الصورة. وهناك بعض صور لا يهمنا التعرض لها. وغير خفي: أنه يجوز تراكم المنجزات الثلاثة: الشبهة، والعلم الإجمالي، والاستصحاب مثلا، في بعض الموارد غير المذكورة من الصور الثلاث، فإنه تكون الشبهة موجبة لتنجز التكليف، لكونه من الموارد المهتم بها، والعلم الإجمالي بأن إحدى العينين لزيد، يوجب ذلك، والعلم بأن إحداهما كانت لزيد يقضيه، وحيث قد عرفت (1) ويأتي تحقيقه أن التنجز ليس من الامور التكوينية غير القابلة للاستناد إلى العلل الثلاث إلا بالجامع الموجود بينها، أو إلى واحد منها، لا بأس بذلك التراكم (2)، فاغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 413. 2 - يأتي في الصفحة 504 - 505 و 508. (*)

[ 421 ]

الصورة الخامسة: في موارد العلم الإجمالي باشتغال الذمة، على وجه لا يرجع إلى الأقل والأكثر، كما إذا علم إجمالا: بأنه إما ذمته مشغولة لزيد أو لعمرو بدينار، فهل يجب الاحتياط والعمل بالعلم الإجمالي ؟ ومثله العلم الإجمالي باشتغال ذمته بأحدهما على وجه الشك الاستصحابي، فإنه يستصحب ذلك، وحيث لا يعلم المعين، يعلم بقيام الحجة على الاشتغال المذكور. وغير خفي: أن في الفرض الأول مقتضى القاعدة هي الاحتياط، فيكون العلم الإجمالي منشأ التنجز، فما في كلام بعض محشي " العروة " في كتاب الخمس من إنكار تنجيز العلم الإجمالي (1)، إن كان يرجع إلى أن التنجز يستند إلى الشبهة ذاتها من غير دخالة اقترانها بالعلم، غير وجيه. وتوهم: أن العمل بالوظيفة يوجب الضرر المنفي (2)، غير تام كما اشير إليه (3)، إلا على بعض الوجوه المحررة في محلها (4)، فالاحتياط يقتضي رد الدينارين، أو الإيصاء بهما لهما. نعم، لا يجب الرد إلا بعد الطلب، فلو كان كل واحد منهما يعتقد الطلب، وهو يعلم إجمالا ببطلان طلب أحدهما، فيعلم بصحة الآخر واشتغال ذمته ووجوب


1 - لاحظ ثلاث رسائل للمؤلف، دروس الأعلام ونقدها: الدرس الرابع عشر والسابع عشر. 2 - العروة الوثقى 2: 340، كتاب الزكاة، ختام فيه مسائل متفرقة، السادسة، تعليقة المحقق الخوانساري. 3 - تقدم في الصفحة 414. 4 - يأتي في الجزء الثامن: 298. (*)

[ 422 ]

الجواب، فلازمه الاحتياط، وحيث لا يلزم من رد الدينارين إليهما ابتلاؤهما بتكليف، لأن كل واحد منهما يعلم طلبهما، فلا يلزم إشكال إلا الضرر والحرج. نعم، في موارد عدم علمهما بالطلب فإن الاحتياط مشكل، لأنه لا يرد إلى كل واحد منهما إلا دينارا بعنوان الدين، وإذا كان هو مشكوكا يمنع تصرفهما فيه، لأنه من الشبهة المنجزة اللازم احتياط كل منهما فيها، فالمسألة ترد إلى حاكم الشرع، أو القرعة عندنا. ويمكن دعوى وجوب رضا العالم بالعلم الإجمالي بتصرف كل منهما في الدينار، لأجل إمكان إفراغ ذمته في هذه الصورة، ضرورة أنه إذا رضي بتصرفهما فيهما، سواء كانا دائنين، أم لم يكونا، لا يلزم إشكال حتى يرجع إلى القرعة. كما يمكن دعوى جريان قاعدة اليد في حقهما بعد أخذهما، ولو كان الأخذ محرما عليهما، ومنجزا التسليم على المديون، لأن التنجز قبل الاستيلاء، لا ينافي ارتفاعه بعد الاستيلاء، كما لا يخفى. تذنيب: في بعض صور العلم الإجمالي باشتغال الذمة إذا كان كل من طرفي العلم الإجمالي عالما بأنه دائن، ويطلب من المديون العالم بالعلم الإجمالي دينه، يجوز له أخذ الدينار ولو كان الدائن غير راض بالتصرف إلا في صورة الدين، كما هو الواضح. وأما إذا لم يكن كل منهما عالما بذلك، وكان المديون غاصبا، يجب عليه الرد. ولو لم يطلب منه المغصوب منه، لا يبعد وجوب رضاه بالتصرف على وجه يفرغ ذمته، لإطلاق دليل الرد. وأما إذا كان المديون غير غاصب، فلا يجوز للطرف طلب الدين، للشك في الاستدانة، ومقتضى الأصل عدم الاستدانة، ولا يجب على العالم إجمالا أكثر من

[ 423 ]

الرد عند الطلب، أو الإيصاء بالنسبة إلى من هو الدائن. وحيث يشكل الأمر من حيث تشخيص ذلك، فلابد من التشبث بالقرعة، أو قاعدة العدل والإنصاف، والمصالحة. وفي كفاية القرعة إشكال، لأن من الاقتراع يلزم وقوع الطرف في المشكل، لعدم جواز التصرف في الدين المذكور، لكونه من الشبهة المهتم بها. اللهم إلا أن يقال: إن قضية إطلاق أدلة القرعة حل هذه المشكلة، إما لأجل كون القرعة كاشفا تعبدا، أو واقعا، أو لكونها موضوعا لحل المشكلة، فلا يعتنى بما يأتي من قبلها من المشكل والمشتبه والمجهول، فليتأمل. هذا إذا كان الطرف متعددا. ولو كان الطرف واحدا، والدين مرددا بين المتباينين، كالمثليين، أو المثلي والقيمي، فإن صريح جمع هو القول بالاحتياط (1)، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، لما عرفته من عدم إمكان الاحتياط إلا على القول بتعين رضاه بالتصرف على كل تقدير، وهذا مما لا يمكن الالتزام به في صورة تعدد الدين المردد بين المثليات الكثيرة. كما أنه لو كان مصب القرعة عنوان " التشاح في الحقوق " لا يمكن إجراؤها، لما لا تشاح بينها لوحدة الطرف. نعم، لو كان موضوعها عنوان " المشكل " و " المجهول " و " المشتبه " كما في بعض الأخبار العامة، يمكن حل المسألة بها كما لا يخفى. وغير خفي: أنه لا يجوز له طلب أحد هذه الامور المعينة، إلا في بعض الفروض المشار إليها. تتميم: في مورد العلم الإجمالي باشتغال الذمة بالنسبة إلى واحد من الجماعة المحصورين - بعد ما تبين أن القول بالاحتياط، نظرا إلى قضية الصناعة وتنجيز العلم، غير تام إذا كان المعلوم بالإجمال من جنس واحد - يمكن التمسك


1 - العروة الوثقى 2: 383، كتاب الخمس، فصل فيما يجب فيه الخمس، المسألة 31، الهامش 3. (*)

[ 424 ]

بقاعدة العدل والإنصاف، لأن في صورة تقسيم الحنطة بين تلك الجماعة، يعلم بإيصال بعض الدين إلى صاحبه والدائن الواقعي. وأما إذا كان من الأجناس المختلفة، بعد فرض كون الدائنين جماعة محصورين لا شخصا واحدا، فلا يمكن إجراء تلك القاعدة، للزوم خلاف الاحتياط أيضا. ومما تبين في هذا الفصل إجمالا: هو أن تنجيز العلم الإجمالي في الامور المالية، محل منع، إما لأجل إمكان انتساب التنجز في بعض الصور إلى نفس الشبهة، ولا حاجة إليه وإن أمكن اجتماع المنجزات على واحد، وإما لأجل أن التنجز غير قابل للتصديق، ومما شرحناه وأوضحناه في هذه الصور، تبين حال الصور الاخر غير الراجعة إلى الأقل والأكثر. وفي صورة رجوعها إليه، تخرج عن محط البحث هنا. وقد فرغنا من هذه المسألة أيام تسفير الأجانب من العراق، وفي أوقات اضمحلال الحوزة العلمية في النجف الأشرف، على مشرفه ألف سلام وتحية، عفا الله عن الزلل، ووقانا من الخطأ. ومن الغريب أن هذه الكارثة تقع بين أيدينا، ونحن المستشعرون بها ! ! وليس ذلك إلا لأجل إبطال الأحيان في السلف، و " في الصيف ضيعت اللبن " ولأجل صرف الأفكار، للوصول إلى أوكار الرئاسة والسلطة الباطلة. وقد أصبحنا في عصر لا يمكن لنا توضيح ما فيه من الأخطار والبلايا، وما فيه من الاشتباهات والتشتتات، وليس أمثال هذه الحوادث إلا ونحن المسؤولون. اللهم بحق الأمير (عليه السلام) اغفر لنا، فإنا قد أسأنا في جواره الأدب، وأبطلنا الظروف والنفحات الإلهية في محطها، يا الله آمين، وادفع عنا البلاء المبرم من السماء، إنك على كل شئ قدير. 4 / ذي الحجة الحرام / 1395. ه‍ مصطفى بن روح الله الموسوي الخميني عفي عنهما.

[ 425 ]

التنبيه السابع في الشبهة غير المحصورة وقبل الخوض في مغزى المرام في المقام نشير إلى نكات: الاولى: أن عناوين " الشبهة المحصورة " و " غير المحصورة " غير واردة في الأخبار، ولا في معقد الإجماعات التعبدية، ومجرد دعوى أمثال الوحيد البهبهاني (1) وغيره (2)، غير كافية بعد قوة كون المستند غير ما بأيدينا في غير المحصورة، فالمتبع هي القواعد والأخبار المرخصة، دون تلك الإجماعات. وأما تعرض الأصحاب (رحمهم الله) لتحديد الشبهة غير المحصورة (3)، فهو لأجل توجيه مناط قصور العلم عن التأثير مثلا بعد الفراغ عن كبراه، أو مناط ما هو المانع عنه، وليست أنظارهم حول تشخيص المفهوم. الثانية: أن الجهة المبحوث عنها هي الفارغة عن كافة الامور الراجعة إلى قصور


1 - الفوائد الحائرية: 247. 2 - روض الجنان: 224 / السطر 21، بحر الفوائد 2: 120 / السطر 2. 3 - فرائد الاصول 2: 438، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 117، نهاية الأفكار 3: 330. (*)

[ 426 ]

مقتضي العلم، أو وجود المانع عن تنجيزه وتأثيره، كالخروج عن محل الابتلاء، ولزوم العسر والحرج والضرر وغير ذلك، بل هي ممحضة في أن مجرد كثرة الأطراف بما هي هي، توجب قصور العلم في التأثير، وتمنع عن جريان أدلة التنجيز فيها، أم لا، فما يظهر من جمع هنا (1)، كله خارج عن محط البحث ومصب الخلاف. ولو كان كثرة الأطراف بحسب الخارج، ملازمة دائما لجهات اخر، لا يمنع من ذلك البحث. مع أنه ممنوع، لإمكان كون الأطراف الكثيرة مورد الابتلاء، وقابلة للإيجاب أو المنع، كما إذا علم إجمالا بأن أحد الآنية من المائة نجس من غير حاجة منحصرة فيها، أو واحدا منها واجب الشرب، لنذر ونحوه، أو أحد الأيام من السنة الآتية أو السنين الآتية، واجب الصوم وهكذا، أو إحدى الحنطات في البصرة نجسة، أو غصبية وهكذا. الثالثة: بحث القوم عن مسألتين هنا مسألة كبروية، وصغروية، أي مسألة تنجيز العلم وعدمه، ومسألة حدود تلك الكثرة، وهذا لا ينبغي إلا على بعض المباني. مثلا: القائل بتنجيز العلم الإجمالي مطلقا، لا ينبغي أن يخوض في هذه المسألة، مع أنه صنع خلاف ذلك، والقائل بجواز الاقتحام في جميع الأطراف حتى في الشبهة المحصورة، أيضا مستغن عن إطالة الكلام حولها إلا تشحيذا للأذهان، وتوضيحا للآخرين. نعم، من يقول بالتفصيل فلابد له من البحث عن حدود تلك الكثرة ومناطها، فيقدم البحث الأول على الثاني أيضا. كما ينبغي البحث الثالث: وهو في موارد الشك


1 - روض الجنان: 224 / السطر 18، الفوائد الحائرية: 246، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 184. (*)

[ 427 ]

في حصول الكثرة المذكورة، وحصول الشبهة غير المحصورة. فنحن بحمد الله وله الشكر، في غنى عن البحث المذكور، بل عن البحث الكبروي، لأنه على تقدير التنجيز نقول بجريان الأدلة المرخصة في الأطراف. نعم في الشبهات المهتم بها، ربما نحتاج إلى الغور في الكبرى، فتدبر. الرابعة: قد اختلفت آراؤهم في المسألة، فعن بعضهم الاحتياط هنا، كما في الشبهة المحصورة حذوا بحذو (1). وذهب بعضهم إلى خلافه (2)، وهما في طرفي الشقاق. وهناك ثالث يفصل بين وجوب الموافقة القطعية فيمنع، وحرمة المخالفة القطعية فيذعن بها، كما عن الشيخ (رحمه الله) (3). والرابع: هو التفصيل بين من يشرع في ارتكاب تلك الكثرة، لأجل ارتكاب ما هو النجس والخمر في البين، وبين من لا يكون من قصده ذلك. ويحتمل وجه خامس: وهو التفصيل بين كون الشبهة محصورة أولا، ثم صارت غير محصورة تدريجا، وبين ما كانت من الابتداء غير محصورة مثلا، بعد كون البحث هنا في القليل في الكثير، وأما الكثير في الكثير فهو يأتي في ذيل هذه المسألة (4)، فإذا علم إجمالا بحرمة أكل إحدى الجوزتين، ثم زاد عليهما جوزة اخرى، وهكذا إلى أن صارت غير محصورة، فإنها كالمحصورة، بخلاف الفرض الثاني.


1 - كفاية الاصول: 407، نهاية الأفكار 3: 331 - 332. 2 - تهذيب الاصول 2: 295. 3 - فرائد الاصول 2: 432 - 436، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 119. 4 - يأتي في الصفحة 442 - 443. (*)

[ 428 ]

والأخير: ما يميل إليه العلامة النائيني من جواز المخالفة القطعية في الشبهات التحريمية، والتفصيل في الشبهات الوجوبية بلزوم الاحتياط في الجملة (1)، وهذا من غرائب ما صدر عنه وإن كثرت غرائبه. ومما لا ينبغي خفاؤه توهم: أن الشبهة غير المحصورة لا يتصور لها فرض صحيح، نظرا إلى أن تعاريفها غير مضبوطة (2)، غفلة عن أن البحث حول أن كثرة الأطراف بما هي هي، هل توجب سقوط العلم عن التنجيز، أم لا ؟ وليس عنوان " الشبهة غير المحصورة " مورد البحث كي يتفحص عن حدودها. وتعابير القوم تحكي عن عدم التفاتهم إلى ماهي الجهة المبحوث عنها في المقام، إلا من شذ منهم (3)، فليدقق النظر. إذا علمت ذلك، فالذي هو الحق حسب الصناعة: عدم الفرق بين المحصورة وغير المحصورة، وتجري الاصول المرخصة في جميع الأطراف هنا بالأولوية والأحقية، وذلك لأن قضية إطلاق الخطاب والحكم بحسب الأدلة الواقعية، بعد انضمام العلم بالصغرى، والانطباق على الخارج، مع كونه واجدا لجميع الشرائط العقلية لتنجز الحكم عقابا، وعدم قصور من ناحية القدرة والتمكن، ولا من ناحية من النواحي الاخر: هو تمامية الحجة والبيان بالنسبة إلى واحد من تلك الكثرة، وعندئذ لا يكون العقاب على ذلك الواحد جزافا وبلا جهة. كما أن الجهالة التي هي عذر في الشبهة البدوية ليست عذرا هنا، لتمامية الحجة فيما بين تلك الكثرة، وتمامية الحجة منوطة بالعلم بالصغرى والكبرى، مع اجتماع سائر الشرائط العامة والخاصة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 119. 2 - مصباح الاصول 2: 375. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 470. (*)

[ 429 ]

والتعليل بعدم تمكن العبد المكلف (1)، في غاية الضعف، لخروجه أولا عن البحث. مع أنه لو صادف ما ارتكبه الواقع، فقد ارتكبه وهو قادر عليه بحسب الواقع، ولا عجز عن التكليف، كما لا يخفى. فبالجملة: ما مر (2) بعينه يجري في المقام، فلا فرق بين المسألتين صناعة. بقي شئ: حول بيان بديع لشيخ مشايخنا في " الدرر " إن في موارد الشبهة غير المحصورة، يكون كل واحد من الأطراف مورد الوثوق والاطمينان، بأنه ليس مورد التكليف الإلزامي التحريمي، أو الإيجابي، ونتيجة ذلك جواز الاقتحام في المجموع، وبذلك يحصل الفرق بين الشبهة غير المحصورة والمحصورة في الكبرى والصغرى، كما في كلام شيخ مشايخنا جد أولادي في " الدرر " (3) وتبعه الوالد المحقق (4)، والعلامة الأراكي (5)، ولعله مأخوذ من " رسائل " الشيخ الأنصاري (رحمه الله) (6) مع تغيير ما. وفيه: أنه أيضا خروج عن الجهة المبحوث عنها، ضرورة أنه إذا علم إجمالا في المحصورة على نعت يكون احتمال كون الإناء الشرقي نجسا موهونا ضعيفا جدا، ويكون من قبيل أحد الاحتمالات في غير المحصورة، يعد الوثوق المذكور حجة وأمارة مثبتة للتكليف في الطرف، والطرف الآخر طاهر، ويصح التوضؤ منه، وهكذا سائر آثاره، من غير الحاجة إلى الاصول المرخصة، ويكون العلم لا علم،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 117 - 119. 2 - تقدم في الصفحة 317 - 321. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 4 - تهذيب الاصول 2: 290 - 291، أنوار الهداية 2: 229 - 231. 5 - نهاية الأفكار 3: 330 - 332. 6 - فرائد الاصول 2: 433. (*)

[ 430 ]

والشبهة لا شبهة في المحصورة. وبالجملة: هذا ليس يمنع عن تأثير العلم بما هو هو، وفي اللحاظ البدوي الفارغ عن سائر اللحاظات إذا حصل الوثوق المذكور بعد التوجه إلى القرائن الموجودة، وإلا فيكون الطرف الموهون خارجا عن أطراف العلم. وفيما نحن فيه أيضا بعد الالتفات إلى التقريب المذكور، يعد الوثوق بعدم خمرية كل واحد من الآنية، بحكم الأمارة النوعية على الخروج عن أطراف العلم بكون المعلوم النجس في الباقي هذا، والمفروض تعلق العلم الإجمالي بوجود النجس في البين، وعند ذلك تلزم المعارضة بين تلك الوثوقات الملحوظ كل بحيال ذاته، مع الآخر، بعد العلم بالنجس في غير المحصورة، لامتناع الجمع بين العلم الإجمالي بالنجس بين الألف، والوثوق والاطمئنان بوجود النجس في الباقي، وبأن ما هو الموجود بين اليدين هو الماء الطاهر، ولازم ذلك صيرورة العلم لا علم، والشبهة لا شبهة، وتصير النتيجة فيما إذا علم إجمالا بإضافة أحد الأواني، صحة التوضؤ، وفي المثال الأول لا نحتاج إلى قاعدة الحل والطهارة وحديث الرفع وغير ذلك. ومن هنا يظهر: أن حجية الوثوق المذكور مورد المنع، ولا دليل واقعا على حجية كل وثوق شخصي إلا رواية مسعدة، التي لا تخلو من مناقشات سندية ودلالية، كما مر مرارا (1)، ولو أمكن حل ما يتوجه إليها دلالة، يشكل أمر سندها جدا. مع أن المناقضة المذكورة تمنع عن شمول إطلاقها لما نحن فيه، وما في كلام شيخ المشايخ: " من أن الجمع بين السالبة الكلية والموجبة الجزئية هنا غير


1 - تقدم في الصفحة 26 - 27 و 377. (*)

[ 431 ]

ممكن " (1) يمكن دفعه باختلاف اللحاظ والنظر، مع أنه أيضا لا يوجب تغييرا في الواقع ونفس الأمر، فما أفاده الوالد - مد ظله - جوابا (2) غير مقنع إنصافا، إلا من ناحية أنه لا يمكن الجمع بين لحاظ كل واحد مستقلا وفي قبال الاخريات، ولحاظه في الجمع، فإذا لوحظ كل واحد بحيال المجموع، فالوثوق ناهض على أن النجاسة في البقية، وإذا لوحض المجموع يعلم بوجودها فيه. فالحق: أن موهونية الاحتمال المذكور في الألف، مما لا يمكن إنكارها تكوينا، ولازمه الاطمئنان بعدم خمرية الإناء المذكور في حد نفسه، وحيث لا يمكن الجمع على التقريب المذكور، نمنع حجية ذلك الاطمئنان، فيكون العلم مؤثرا ولو كان الاحتمال موهونا، كما لا يخفى فاغتنم. نعم، على ما سلكناه من إمكان جريان الأمارات والاصول في كافة الأطراف، مع كونها على خلاف المعلوم قائمة (3)، فلا منع ثبوتا، إلا أنه لا دليل عليها إثباتا. ولو سلمنا أن بناء العقلاء عليه على الإطلاق النافع هنا، أو بإلغاء الخصوصية في مثال المقام، فالإشكال الأول وارد أيضا، لأن التلازم بين كثرة الأطراف، وكون كل واحد منها مورد قيام الأمارة العقلائية على خروجه عن مورد العلم، لا يوجب قصورا في العلم إذا لوحظ المجموع بما هو هو، فإن التقريبين المذكورين وأن العقاب ليس جزافا في صورة الإصابة، إنما هو إذا ارتكب أحد الأطراف في التحريمية، أو ترك واحدا منها في الوجوبية، والعقل يدرك لزوم القطع بامتناع صدور العقاب منه تعالى، لأنه جزاف وقبيح.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 2 - تهذيب الاصول 2: 291، أنوار الهداية 2: 230. 3 - تقدم في الصفحة 324 - 326. (*)

[ 432 ]

بقي تذنيب: حول أدلة الترخيص إن الأدلة المرخصة، لا تنحصر بالأخبار الخاصة الواردة في الجبن (1)، أو الروايات المشتملة على القاعدة الكلية: وهي أن " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه " (2) أو قاعدة: " كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام " كما في صدر رواية مسعدة، كي يشكل سندا ودلالة، لعدم تمامية كثير منها سندا، وظهور بعضها في الامور الخارجة عن محل الابتلاء، لقوله: " أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرم في جميع الأرضين ؟ ! " (3) مع ما فيه من الإشكالات الاخر، والأخبار الواردة في المختلط بالحرام (4)، كي يقال بمعارضتها بما دل على أن فيه الخمس (5)، مع احتياجها في نفسها إلى التقريب حتى تشمل المقام، بل الأدلة السابقة القائمة على البراءة الشرعية تكفينا. وما ورد في خصوص الأموال إما يعمل بها فيها ولو كانت غير محصورة، ويطرح معارضها، أو يعامل معها بوجه من الوجوه. وحمل بعضها على الشبهة المحصورة، والآخر على غير المحصورة، يحتاج إلى الشاهد، ويطلب تمام الكلام في كتاب الخمس.


1 - المحاسن: 495 - 496 / 596 و 597 و 601، وسائل الشيعة 25: 117 - 120، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61. 2 - الكافي 5: 313 / 39، وسائل الشيعة 17: 87 - 88، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1. 3 - المحاسن: 495 / 597، وسائل الشيعة 25: 119، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة، الباب 61، الحديث 5. 4 - وسائل الشيعة 18: 128، كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 5. 5 - وسائل الشيعة 9: 505، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 10. (*)

[ 433 ]

ذنابة: حول التفصيل بين الشبهة المحصورة وغيرها مما يتوجه إلى القائلين بالتفصيل بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة: حديث الشبهة [ الأزدنية ] (1) أو السمسمية، فإنه لو اشتبه النجس بغيره في إناءين، ثم شرع الاشتباه في الزيادة، فمتى تحصل تلك الكثرة، وكيف يمكن تعيين المناط على وجه إذا نقصنا واحدة منها تكون محصورة، وإذا زيدت عليها واحدة تصير غير محصورة ؟ ! مع أن الضرورة قائمة على أنه في وقت ما وفي مورد، يكون الأمر كذلك. اللهم إلا أن يقال: بأنه في مرحلة الإثبات يشكل، ولابد من الاحتياط حتى يتبين أنها غير محصورة، لأن في صورة الشك في المحصورية وغير المحصورية يؤثر العلم، لأن المسألة من قبيل المخصصات اللبية. وبالجملة: على جميع تعاريف القوم وتحديداتهم لمناط الشبهة غير المحصورة، يلزم تلك الشبهة السمسمية، سواء قلنا: بأنها ما يعسر عدها (2)، أو قلنا: بأنها ما يعسر موافقتها القطعية (3)، أو قلنا بمقالة الشيخ (4)، أو العلامة الحائري (5)، أو غيره الذي يقول: إن غير المحصورة محول إلى العرف (6)، أو قلنا بمقالة العلامة النائيني (رحمه الله): من أنها مالا يتمكن عادة من المخالفة القطعية بارتكاب جميع


1 - هكذا في المخطوط ولعل الصحيح " الأرزنية " أو " الارزية ". 2 - مدارك الأحكام 3: 253. 3 - حاشية كفاية الاصول، البروجردي 2: 278 - 279. 4 - فرائد الاصول 2: 432 - 436. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 6 - روض الجنان: 224 / السطر 20. (*)

[ 434 ]

الأطراف (1)، فإن على كل تعريف وتحديد تتوجه تلك الشبهة، فلابد من حل المشكلة بإيجاب الاحتياط عقلا، إلا إذا احرزت تلك الكثرة الكذائية، أو يقال بالتفصيل بين الصورتين، كما مر في أوائل البحث احتماله (2). وغير خفي: أن في موارد العلم بوجود القليل في الكثير بدوا لا تدريجا، يمكن منع تأثير العلم في حد خاص من الكثرة، لما يشك في تنجز التكليف من الابتداء، لاحتمال كون المورد من تلك الكثرة التي ليس العلم فيها مؤثرا، كما يأتي من ذي قبل بعض الكلام حوله. وأما فيما نحن فيه، فلكون القليل متحركا نحو الكثير، يكون العلم فيه مؤثرا، ويصير كل واحد من الأطراف متنجزا، ويشبه بعد لحوق الأعداد به الكثير في الكثير، ولازم ذلك أنه إذا كان مقدار من الكثرة المعينة مورد العلم بدوا، يكون مجرى البراءة، بخلاف ما كان ذلك المقدار بعينه مورد العلم تدريجا، فإنه لمكان تنجز الأطراف لابد من الاحتياط. نعم، إذا بلغ إلى كثرة فوق تلك الكثرة وأضعافها، بحيث يكون من القليل في الكثير لطرو مراحل الشك بلحوق عدد كثير إليه تدريجا، فيصير من الشبهة غير المحصورة، ولا معنى لتوهم استصحاب بقاء الشبهة المحصورة صغرى وكبرى، فتأمل. فهذه العويصة من تبعات القول بالتفصيل بين الصورتين، وأما على مسلكنا فلا مشكلة، ضرورة أنه بحسب العقل لابد من الاحتياط، وبحسب الشرع يجوز الاقتحام على الإطلاق. وغير خفي: أنه تزيد على هذه المشكلة الصورة الثالثة: وهي ما إذا كان القليل في الكثير وفي غير المحصور - على جميع التفاسير الخمسة المشار إليها - مورد


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 117 - 118. 2 - تقدم في الصفحة 427 - 428. (*)

[ 435 ]

العلم أولا، ثم شرع ينقص الأطراف إلى أن بلغ المقدار المذكور، بوجه يعلم بأن الواحد المحرم في الباقي، كما لو قامت البينة على أن ذلك المحرم فيه، وليس فيما تلف مثلا، فإنه لا يجب الاحتياط طبعا، فعلى هذا في مثل خمسمائة إناء على الفرض الأول يجب الاحتياط، وعلى الفرض الثاني يشك في وجوبه، وعلى الفرض الثالث لا يجب الاحتياط. وبالجملة: بعد الغض عما اشير إليه (1)، إن في موارد الشك في الموضوع وجوها: من وجوب الاحتياط، نظرا إلى تمامية شرائط التأثير، وعدم تمامية وجه المنع وتلك الكثرة، واحتمال حصولها ثبوتا غير كاف. وأن مقتضى طائفة من الأخبار جواز المخالفة في غير المحصورة، فإذا شك فلابد من تبعية العقل، وهو الاحتياط (2). ومن أن الشك المذكور ينتهي إلى الشك في تمامية الحجة، لأن موضوع العقل مبين، وإذا شك في الموضوع يحصل القطع بانتفاء الحجة، فلو قامت الضرورة والرواية على جواز المخالفة القطعية في غير المحصورة، يلزم العلم بعدم تمامية الحجة بالنسبة إلى الاحتياط، لأن النتيجة تابعة لأخس المقدمتين. وفي كلام العلامة الأراكي: " إن المسألة تختلف باختلاف المباني، فعلى أن الميزان لغير المحصورة ما أفاده الشيخ (رحمه الله) فالبراءة، وعلى أن المناط عدم التمكن عادة من المخالفة فالاشتغال " (3). والذي يظهر لي: أن هناك شبهتين:


1 - تقدم في الصفحة 428. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 121. 3 - نهاية الأفكار 3: 335. (*)

[ 436 ]

الاولى: في المسألة الاصولية. والثانية: في المسألة الخارجية. ففي الاولى قضية العقل هي البراءة، لأنه إذا شك في أن الشبهة غير المحصورة، يكون فيه الحكم منجزا والعلم علة، فالبراءة محكمة. إلا إذا قلنا بمرجعية العلم مطلقا، وإنما الشك في أن الشرع رخص في غير المحصور أم لم يرخص، وأن الأدلة هل تكون ناهضة لتجويز المخالفة، أم لا ؟ بناء على إمكانه كما عرفت (1)، فالاشتغال محكم. وأما في القضية الخارجية، وأن ما في الخارج غير محصور أم لا، فالاشتغال محكم بالضرورة، لأن جميع الوجوه الستة والسبعة وغيرها (2)، ترجع إلى ترخيص خارجي في قبال الاقتضاء والعلية الثابتة للعلم، فلابد من إقامة الحجة الهادمة لتلك الحجة الذاتية التامة، ولا بيان فيما بين تلك التقاريب يرجع إلى قصور العلم عن التأثير، حتى يكون الشك راجعا إلى الشك في قصوره وعدمه، كي تكون البراءة محكمة، فليلاحظ جيدا. فما في كلام جمع ولاسيما العلامة الأراكي (3)، ساقط جدا، سواء فسر غير المحصور بما في " الرسائل " (4) و " الدرر " (5) أو بغيره (6)، لأن مرجع تفسيرهما في صورة الشك في الموضوع: هو أنه هل بلغ إلى حد لا يعتني العقلاء، أم لا ؟


1 - تقدم في الصفحة 431. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 120 - 121، منتهى الاصول 2: 284 - 286. 3 - نهاية الأفكار 3: 335. 4 - فرائد الاصول 2: 443. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 117. (*)

[ 437 ]

نعم، يمكن دعوى البراءة حسب إطلاق أدلة الترخيص، لجواز التمسك به في الشبهة المصداقية بعد كون المخصص لبيا كما تحرر (1)، فتأمل. تنبيه: في صيرورة الشبهة لا شبهة، كالعلم قد مر في مطاوي بحوثنا وجه سقوط العلم أثرا، وصيرورته لا علم، ووجه صيرورة الشبهة لا شبهة، وتبين أن التحقيق عدم سقوط العلم، ومع ذلك يمكن الترخيص إلى حد المخالفة القطعية (2). نعم، لو قلنا بتمامية السيرة الخارجية العملية على عدم الاعتناء في الشبهة غير المحصورة بالعلم، وأن الطرف والأطراف غير المحتاج إليها في الاستعمال والاستفادة حين الحاجة إلى أحد الأطراف معينا أو غير معين، بحيث يستلزم الغفلة عادة عن ملاحظة سائر الجهات، يمكن دعوى صيرورة الشبهة لا شبهة، فيجوز التوضؤ بالمختلط بالمغصوب، أو المضاف، أو المختلط بالأحجار غير الباكرة في المشعر. وبالجملة تحصل: أنه وإن لم يكن العلم قاصرا في غير المحصورة، ولكن الأدلة المرخصة مقدمة عليه في التعذير، في قبال تنجيز العلم الثابت لولاها، ويمكن في هذه الحالة دعوى: أن الشبهة كلا شبهة، لأجل السيرة المذكورة التي لا فرق - بعد تماميتها - بين المحصورة وغير المحصورة، لأن بعضا من الشبهة المحصورة أيضا مورد السيرة المذكورة، كما إذا علم المار أن ترشح البول إما إلى ثوبه، أو إلى الأرض التي في جنبه، فإن مقتضى العلم بالنهي وجنس التكليف - وهو النهي عن الصلاة في ثوبه، أو السجدة أو التيمم بالأرض - هو المنع والاحتياط، ومع ذلك لا


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء الخامس: 243 - 245. 2 - تقدم في الصفحة 429 - 431. (*)

[ 438 ]

يعتنون بمثله، ويصلون في الثوب الذي هو الطرف. وتحصل أيضا: أن ما هو ظاهر القوم من أن البحث عن أن الشبهة لا شبهة، بعد الفراغ من سقوط العلم وصيرورته لا علم. مع أنه لا تنافي بين كون العلم علما - لولا الأخبار - وكون الشبهة لا شبهة، فتأمل. وليس مبنى المسألة اختلاف التقاريب في إسقاط تنجيز العلم، كما يظهر من العلامتين النائيني (1) والأراكي (2) وأتباعهما (3)، بل الوالد المحقق - مد ظله - (4) لما عرفت من قيام السيرة على عدم الاعتناء بآثار الطرف الممنوعة حسب القاعدة الأولية. تكميل: حول ترخيص المخالفة القطعية في غير المحصورة بناء على ما سلكناه تجوز المخالفة القطعية، لأنها قابلة للترخيص بجعل الأدلة المرخصة عذرا، كما مر تفصيله (5). وأما على مسلك القوم، فمقتضى القاعدة ممنوعيتها، سواء كان من قصده المخالفة من الأول، أو كان قد اتفق له ذلك في طول الأزمنة، لاتحاد المناط بين المحصورة وغير المحصورة. بل الأمر كذلك حتى بالنسبة إلى الموافقة القطعية، لامتناع كون التكليف فعليا بين الأطراف، مع اعتبار حجية شئ يؤدي إلى خلافه،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 122، أجود التقريرات 2: 277 - 278. 2 - نهاية الأفكار 3: 333 و 335. 3 - منتهى الاصول 2: 293، مصباح الاصول 2: 378 - 379. 4 - تهذيب الاصول 2: 296. 5 - تقدم في الصفحة 322 - 326. (*)

[ 439 ]

أو يحتمل إصابته، لأنه يشبه احتمال المناقضة الذي مر في المحصورة بتفصيل (1). فعلى هذا، لا سبيل إلى تجويز أحد الأطراف، ولا المجموع، إلا على ما سلكناه المنتهي إلى جواز الترخيص على الإطلاق في مطلق الشبهات. نعم على ما سلكه " الدرر " (2) بل والشيخ (رحمه الله) (3) يلزم خروج أحد الأطراف عن طرفية العلم، ويكون خارجا عن الجهة المبحوث عنها. مع أنه بعد الالتفات إلى أن كل واحد من الأطراف مورد الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم عليه، يلزم أن يتوجه المكلف إلى امتناع اعتبار حجية هذا الاطمئنان ولو كان تدريجي الوجود، لانتهائه إلى التناقض، فما في " تهذيب الاصول ": " من أن مقتضى مبنى الشيخ العلامة (رحمه الله) هو التفصيل " (4) غير تام. كما أن تفصيل الشيخ بين القاصد للمخالفة وغير القاصد (5)، أيضا ممنوع. مع أنه يتوجه إليه سؤال: وهو أن قاصد المخالفة هل يمنع عن خلاف الاحتياط، ويجب عليه ذلك، أم يجوز له ذلك بارتكاب بعض الأطراف ؟ والظاهر هو الأول كما لا يخفى، وتدبر. تتمة: في الشبهة الوجوبية من غير المحصورة في الشبهات الوجوبية لا يجب الاحتياط، لجريان الأدلة المرخصة العامة. ومن الغريب ما في " تهذيب الاصول " من التمسك بالأدلة المرخصة (6)، مع أنها


1 - تقدم في الصفحة 343 و 380. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 3 - فرائد الاصول 2: 433. 4 - تهذيب الاصول 2: 295. 5 - فرائد الاصول 2: 435. 6 - تهذيب الاصول 2: 296. (*)

[ 440 ]

مخصوصة بالشبهات التحريمية، وبعد ذهابه في مسألة البراءة إلى أن حديث الرفع وأشباهه، مخصوص بالشكوك البدوية، وانصرافه عن أطراف العلم الإجمالي. بل في موارد العلم الإجمالي تكون الغاية حاصلة (1)، كما في حاشية جدي العلامة على " الدرر " (2) أيضا. وأما القول بتبعيض الاحتياط، فربما يستند إلى إمكان المخالفة القطعية، وأنه يكون بينها وبين وجوب الموافقة القطعية تلازم (3)، وقد مر فساده بما لا مزيد عليه (4). مع أنه لا دليل على أصل التلازم، فما افيد في تقرير العلامة النائيني بعيد عن الصواب. ولو كان مستند جواز المخالفة القطعية ما في كلام " الدرر " لجد أولادي (5) - رحمه الله تعالى - فلازمه جواز المخالفة هنا، لأن كل واحد من الأطراف مورد الوثوق بأنه غير منطبق عليه ذلك الواجب. وما في " تهذيب الاصول ": " من أنه في صورة التمكن من إتيان مقدار نسبته إلى غير المتمكن منه نسبة محصور إلى محصور، يجب الاحتياط " (6) فهو محمول على ضعف تقرير المقرر - حفظه الله -، كما هو الظاهر مما مر، فالقول بأن المسألة تدور مدار انقلاب النسبة في الفرض المذكور (7)، غير جيد.


1 - تهذيب الاصول 2: 264. 2 - غرر العوائد من درر الفوائد: 125. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 119. 4 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 189، وفي هذا الجزء: 307 - 308. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 471. 6 - تهذيب الاصول 2: 296. 7 - نفس المصدر. (*)

[ 441 ]

بقي شئ: حول الشبهة الوجوبية من غير المحصورة إن الشبهة غير المحصورة الوجوبية تتصور في موارد النذر وإخوته، كما لو علم أنه نذر يوما معينا من أيام خمس سنين أن يصومه، بناء على انعقاد النذر المذكور، أو نذر أن يصلي في موضع خاص من مسجد الكوفة. وفيما إذا علم بنجاسة جزء يسير من المسجد الحرام مثلا، البالغ في هذه الأيام إلى حد غير محصور جدا، فإنه يجب عليه التطهير إجمالا، ويمكن له ذلك تدريجا في طول الأزمنة، ويسهل عليه ذلك، ولكنه ممنوع لقيام السيرة، ضرورة أن المتعارف وجود هذا العلم بعد مضي أيام، وبعدما نجد من اختلاط النجاسات والموجبات لتسريتها. مع أنه مقتضى أدلة البراءة أيضا، كما مر تحقيقه (1). ويؤيد تلك الأدلة هذه السيرة، فاغتنم. نعم، يمكن دعوى: أنها تشهد على عدم تنجيس النجس أو المتنجس في الجملة، فتكون ساقطة بالنسبة إلى مسألتنا في المقام. وفيما إذا علم ببطلان إحدى صلواته في السنين الماضية، وقلنا باعتبار الترتيب بين الصلوات على الإطلاق، كما قيل به (2)، أو كانت الفائتة عشر صلوات، وقلنا بالترتيب بين الفوائت (3)، فإن نسبة الفائت وما يحرز به الترتيب، نسبة المحصور إلى غير المحصور في بعض الفروض قطعا وهكذا، فليلاحظ جيدا. وغير خفي: أن في موارد الشبهات المهتم بها، لابد من الاحتياط، ومنها


1 - تقدم في الصفحة 428. 2 - لاحظ جواهر الكلام 13: 38، ورسالة المواسعة والمضايقة ضمن الرسائل الفقهية المطبوع في تراث الشيخ الأعظم: 265. 3 - العروة الوثقى 1: 736، فصل في صلاة القضاء، المسألة 16. (*)

[ 442 ]

الصلوات، ولذلك نجد أنه ورد في مورد اشتباه القبلة إيجاب أربع صلوات (1)، وفي مورد العلم بفوت واحدة من الخمس ثلاث صلوات (2)، على خلاف ما هو المحرر عندنا (3)، وعندئذ يجوز إيجاب الاحتياط في غير المحصور أيضا، لأجل ذلك. وحديث لزوم الضرر وإيجاب العسر والحرج، غير تام، لأن المفروض أن الكثرة المذكورة، غير بالغة إلى تلك الحدود. مع أن ما نحن فيه خارج عن موارد قاعدة نفي الضرر والحرج، لاختلاط حكم الشرع بدرك العقل، وما هو الواجب الواقعي غير ضرري ولا حرجي كي يتمسك بهما، لعدم الإيصاء به بصرف مقدار يعتنى به من المال فيه، فلا تغفل. أو لعدم قيامه بنفسه بتلك الوظيفة. اللهم إلا أن يقال: بكفاية سببيته لذلك، أو أن درك العقل وراء إطلاق الدليل، فيقيد. خاتمة: في موارد الكثير في الكثير والكثير في القليل وفيهما يجب الاحتياط، فضلا عن حرمة المخالفة القطعية، لأنه من المحصور. بل الفرض الثاني ربما لا تجري فيه الأدلة المرخصة حتى على مسلكنا، للوثوق بأن المعلوم في الطرف، مثلا إذا علم في ألف إناء محرم أن أحدها غير محرم، يشكل إجراء الأدلة، لأن موضوعها مالا يعلم عرفا وما هو المشكوك، وهو غير الموهوم.


1 - وسائل الشيعة 4: 310 - 311، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 8. 2 - وسائل الشيعة 8: 275 - 276، كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 11. 3 - لم نعثر عليه فيما هو الموجود عندنا من كتاب الصلاة من " تحريرات في الفقه ". (*)

[ 443 ]

ودعوى جواز شرب الألف جزاف جدا. وما ذكرناه في عكس الفرض (1) لا يجري هنا، كما لا يخفى. والمشكلة العقلية مندفعة بما تحرر (2)، ضرورة امتناع الجمع بين لحاظ واحد منها مستقلا وفانيا في المجموع، لأنه من الجمع بين اللحاظ واللالحاظ، كما تحرر تفصيله في اعتبار جزء المركب (3)، فإنه في صورة لحاظه مستقلا ليس جزء بالفعل، وفيما يكون جزء بالفعل لا يتعلق اللحاظ إلا بالمركب بما هو المركب الفانية فيه الأجزاء. وغير خفي: أن مقتضى تفسير العلامة النائيني (رحمه الله) (4) جواز المخالفة في موارد الكثير في الكثير، لامتناع المخالفة القطعية عادة، فلا تغفل. كما أنه بناء على أن الخروج عن محل الابتلاء لا يضر بالتنجيز - كما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى (5) - تكون الشبهات البدوية مورد العلم الإجمالي بالكثير في الكثير، ضرورة أنا نعلم بتنجس الثياب الموجودة في العالم على نعت الكثير في الكثير، فيلزم الاحتياط. ويندفع ذلك: إما بالسيرة، وهي لو تمت غير كافية بالنسبة إلى جميع الموارد، فالمرجع الحقيقي هي الأدلة الظاهرية المرخصة في أطراف العلوم الإجمالية على الإطلاق، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 434. 2 - تقدم في الصفحة 429 - 431. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 18 - 20. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 117 - 119. 5 - يأتي في الصفحة 458. (*)

[ 444 ]

التنبيه الثامن في حكم الخروج عن محل الابتلاء قد اشتهر وبلغ نصاب التحقيق: أن العلم الإجمالي يؤثر في موارد يكون ذا أثر فعلي (1)، ويوجب حدوث حجة تامة على التكليف بتمامية الكبرى والصغرى في الشبهات الموضوعية، أو الكبرى فقط فيما إذا كان المعلوم جنس التكليف، كما إذا علم بوجوب الظهر أو حرمة الجمعة. وبالجملة: إذا علم مثلا بوقوع قطرة بول إما على ثوبه، أو في البحر والحياض الكبيرة، أو الثوب المتنجس بالبول، أو في كأس بول، أو غير ذلك، لا تتم الحجة بالنسبة إلى مورد الشك، لعدم حصول العلم بالمصداق الجديد، ولا بالتكليف الخاص المحتاج إلى الجواب، فلابد من كونه فعليا على كل تقدير، وباعثا أو زاجرا على أي حال. ولذلك اختلفوا في صغرى هذه المسألة في موارد الخروج عن محل الابتلاء، وموارد الاضطرار، بل وموارد اخر تأتي إن شاء الله تعالى، ولم يكن البحث في الشبهة غير المحصورة من البحث عن حال صغرى تلك الكبرى، لأن المفروض فيها تمامية الأثر على كل تقدير في الوجوبية والتحريمية، كما أشرنا إليه (2).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 54، نهاية الأفكار 3: 338، منتهى الاصول 2: 256. 2 - تقدم في الصفحة 425 - 426. (*)

[ 445 ]

فما سلكه القوم هنا إلا صاحب " الدرر " (1) - رضوان الله تعالى عليه - خال من النشاط العلمي، لأن ما هو التنبيه هو هذا، دون صغرياتها. وبعد ذلك يقع الكلام في مرحلتين: المرحلة الاولى: حول شرطية العلم بالتكليف الفعلي وعدمها وعدم تمامية ما هو المفروغ منه عندهم في بعض الأحيان - كما اشير إليه في كلماتهم في غير المقام (2) - وذلك فيما إذا كان المعلوم بالإجمال في طرف حكما فعليا منجزا، وفي الطرف الآخر حكما مشروطا معلوما تحقق شرطه، فإنه لا يعلم المكلف بالتكليف الفعلي المنجز بالضرورة، ولكن جريان البراءة العقلية ممنوع كما تحرر (3)، بخلاف ما إذا كان الطرف حكما مشكوكا تحقق شرطه، أو يعتقد بأنه لا يتحقق شرطه، فلو علم بأنه إما يجب عليه الحج المشروط مع عدم العلم بتحقق شرطه، أو يجب عليه صوم شهر شعبان، تجري البراءة العقلية بالنسبة إلى وجوب الصوم. وهكذا إذا علم إجمالا: بأنه إما يجب عليه الوضوء المقدور، أو الغسل المشكوك اقتداره عليه، فإنه وإن قلنا: بأنه لا يعلم بالتكليف الفعلي، لأن في صورة العجز الواقعي ليس تكليف ثبوتا، فلا يعلم بالتكليف على كل تقدير، ولكن مع ذلك يجب الاحتياط، فلا يعتبر في جميع الموارد العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي وبتمامية الحجة. ولو استشكل في المثال الثاني: بأن الشبهة البدوية فيه منجزة، فلا إشكال في


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 462 - 464. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 462 - 463، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 109 - 112، مصباح الاصول 2: 370 - 371. 3 - تقدم في الصفحة 408. (*)

[ 446 ]

المثال الأول. مع أن الشك في القدرة يوجب التنجيز في غير ما هو المذكور مثالا فيما نحن فيه، فلا تخلط. تكميل: في أن مجرد العلم بالحكم الفعلي لا يوجب التنجيز يمكن إنكار التنجيز على بعض المباني ولو كان العلم بالحكم الفعلي موجودا، وذلك على القول بإمكان تصوير الحكم الفعلي في موارد العجز (1)، فإذا علم بالعجز تفصيلا وبالتكليف، يكون الحكم فعليا غير منجز. وهكذا في مورد العلم الإجمالي بالتكليف، وأن طرفا مورد العجز تفصيلا دون طرف، فإنه وإن يعلم بالإلزام، إلا أنه لا يعلم باستحقاق العقوبة على كل تقدير، ومناط تنجيز العلم في موارد التكليف الفعلي المعلوم إجمالا، هو العلم بتبعات التكليف، وهو استحقاق المؤاخذة، وأما مجرد العلم بالتكليف بما هو هو، فلا يورث التنجيز، ولا يدرك العقل لزوم الاحتياط. مثلا: إذا علم إجمالا أنه إما يجب عليه الحج، وهو عاجز عنه، أو الصلاة المنذورة المقدورة، فإنه وإن يعلم على المبنى المذكور بالإلزام الفعلي إما في ناحية الحج، أو الصلاة، ولكن لمكان عدم العلم بالاستحقاق يمكن المناقشة في لزوم الاحتياط، لأن العجز في ناحية الحج عذر، والجهالة في ناحية الصلاة عذر آخر، فمجرد العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، لا يوجب الاحتياط. وستأتي تتمة بحث حول هذه المسألة في أصل البحث إن شاء الله تعالى (2). وغير خفي: أن في موارد العلم بالمبغوضية الإجمالية، أو العلم الإجمالي بالمطلوب الإلزامي، يجب الاحتياط وإن لم يعلم بالتكليف على الاصطلاح.


1 - تهذيب الاصول 2: 280، ولاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 2 - يأتي في الصفحة 463. (*)

[ 447 ]

المرحلة الثانية: حول حديث اشتراط تأثير العلم بعدم كون بعض الأطراف خارجا عن محل الابتلاء وتمام الكلام بطي امور: الأمر الأول: حول ما ذهب إليه الأعلام في المسألة الظاهر أن الشيخ (رحمه الله) اعتبر هذا الشرط في خصوص الشبهات التحريمية (1)، نظرا إلى أن مع كون بعض الأطراف خارجا وغير مقدور عادة يقبح الزجر، وحيث لا يصدر القبيح منه تعالى، فلا يعلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير. وتبعه " الدرر " (2) و " التقريرات " (3). وأما في الشبهات الوجوبية فلا منع عنه، كما يرى تكليف الامة بالحج مع بعدهم مكانا. وذهب بعضهم كالعلامة الأراكي (رحمه الله) إلى عدم الفرق بين الأمر والنهي (4)، تبعا لشيخه (رحمه الله) في هوامش " الكفاية " نظرا إلى استهجان الأمر بما لا يبتلى به المكلف عادة، كالنهي (5). وقال بعض الفضلاء: " بأن الشرط المذكور ممنوع، ولا يعتبر أزيد من القدرة


1 - فرائد الاصول 2: 420. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 464. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 50 - 52. 4 - نهاية الأفكار 3: 338 - 339. 5 - كفاية الاصول: 410، الهامش. (*)

[ 448 ]

العقلية في صحة الأمر والنهي " ومن الغريب إلحاقه ما يمتنع صدوره عادة من المكلف بالممتنع عقلا ! ! (1) مع أنه راجع إلى ما لا يمكن عادة الواقع في كلام القوم (رحمهم الله) (2). وهذا أيضا هو الظاهر بل صريح العلامة المحشي (قدس سره) (3) والأمر سهل. وفي قبالهم السيد الوالد المحقق - مد ظله - حيث لا يعتبر القدرة الشخصية في توجيه الخطابات القانونية، وإنما العبرة بالقدرة النوعية (4)، فلو كان في الامة جمع قادرون على الإطاعة والعصيان، يمكن التوجيه إلى الكل، ويصير الأمر مورد التكليف الفعلي على نحو العموم الاصولي ولو كان بعضهم عاجزين، كما مر تحقيقه في مباحث الألفاظ بتفصيل (5)، ولأجل ذلك اختار الاحتياط في موارد الخروج عن محل الابتلاء (6)، ولازم كلامه وجوبه في مورد كون الطرف معجوزا عنه، خلافا لما عرفت في المرحلة الاولى، وسيظهر تحقيق البحث في الامور الآتية إن شاء الله تعالى. الأمر الثاني: في بيان صور الخروج عن محل الابتلاء إن الصور التي تقع مورد البحث كثيرة نشير إليها إجمالا، ضرورة أنه تارة: يكون الطرف مورد العجز العقلي من غير كونه بعيدا زمانا ومكانا عن المكلف،


1 - لاحظ مصباح الاصول 2: 393 - 396. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 51، نهاية الأفكار 3: 338، منتهى الاصول 2: 256. 3 - نهاية الدراية 4: 262 - 263. 4 - أنوار الهداية 2: 214 - 215، تهذيب الاصول 2: 280. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 6 - أنوار الهداية 2: 217 - 219، تهذيب الاصول 2: 283 - 284. (*)

[ 449 ]

سواء كان من الشبهة الوجوبية، أو التحريمية. واخرى: يكون مورد العجز العادي لجهة من الجهات، ومنها البعد المكاني أو الزماني، كما مر في تنبيه تنجيز العلم في التدريجيات (1)، فإنه لافرق بين البعدين بعد كون محط الكلام هو العلم بالتكليف الفعلي غير الموقت القابل عقلا للامتثال، أو الموقت الموسع، مع احتمال وصوله إلى متعلق التكليف، وإلا فلو علم بعدم وصوله إليه يصير عاجزا عقلا، سواء كان عدم الوصول لأجل البعد المكاني، أو الزماني. وثالثة: ما هو مورد القدرتين العادية والعقلية، إلا أن التكليف التحريمي أو الإيجابي قبيح، لا لأجل العجز كما في الموردين، بل لأجل الامور الاخر المعتبرة في حسن التكليف. وهي كونه باعثا وزاجرا بالفعل، أو قابلا للباعثية والزاجرية قابلية عرفية، لافرضية عقلية، وذلك في موارد وجود الدواعي الشديدة على الترك في موارد التحريم، وعلى الفعل في موارد الإيجاب، بحيث لو لم يكن أمر ولا نهي يحصل ما هو مطلوب المولى، ولا يحصل ما هو مبغوضه، مثل النهي عن أكل القاذورات، والأمر بحفظ النفس من الأخطار، وسد الجوع، ورفع العطش، وجلب المقام والرئاسة بالنسبة إلى من فيه الدواعي الطبيعية متوفرة بالغة إلى حد لو نهى عنه الشرع لعصى، فإنه يقبح الإيجاب، بل لا يعقل حصول الجد وتحقق الإرادة الجدية الزاجرة، ولا الباعثة في نفس المولى. فهذه الصور مشتركة مع موارد العجز العقلي، وأمس إليها من موارد العجز العادي كما لا يخفى. والجامع بين هذه الصور: أن الأمر والنهي اللذين يجب امتثالهما، ما كانا جديين واقعيين، لا صوريين، والجد لا يحصل في هذه الموارد


1 - تقدم في الصفحة 407. (*)

[ 450 ]

بالنسبة إلى المولى العارف العالم بالوقائع. ورابعة: ما هو المقدور عقلا وعادة، وليس مورد الدواعي النفسانية الباعثة أو الزاجرة، ولكنه غير واقع في محط الحاجة، وليس مورد الابتلاء حين تعلق العلم، ويبعد مسيس الاحتياج إليه، مثل ما إذا علم إجمالا: بأن القطرة إما وقعت في الإناء الذي يريد التوضؤ به، أو في إبريق المسجد الذي لا يبتلى به مادام موجودا، أو وقعت فيه، أو على ثوب صديقه الذي لا تمس الحاجة إلى الصلاة فيه حسب المتعارف. وهذا الفرض هو فرض الابتلاء واللا ابتلاء بحسب اللغة، وإلا فسائر الفروض خارجة عن هذا المفهوم أيضا وإن كان الملاك والمناط أعم. والفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة: أنه في السابقة تكون الدواعي النفسانية على تركها، بحيث يعصى الله تعالى ولو أمر به مثلا، بخلاف هذه الصورة، فإنه لاداعي له فيها إلى الترك، وليس مورد التنفر والانزجار الطبيعي، فإنه لو علم بوقوع القطرة إما على ثوبه، أو على أرض الدار، أو الزقاق والشارع، لا يكون انزجار عن السجدة على تلك الأرض، ولاتنفر الطباع منها، بخلاف ما إذا علم: بأن ما في أحد الإناءين خمرا، أو سنخ متلوث وكان بين يديه. وخامسة: أن يكون الناس مختلفين بحسب الأحوال والأفراد في الدواعي الزاجرة والباعثة، وفي فقدها، فربما يكون بعضهم صاحب الدواعي الباعثة، وبعضهم بلا داع في موارد التكليف الإيجابي، وبعضهم ذوي الداعي الزاجرة في مورد التكليف التحريمي، وبعضهم بلا داع. والمقصود من " الدواعي " هي المحركات نحو الفعل على وجه العلية التامة، وإلى الزجر عنه كذلك.

[ 451 ]

إذا تبينت هذه الصور، فالذي هو مورد الكلام في المقام: هو أن ترشح الإرادة الجدية إلى البعث والزجر في الواجبات والمحرمات، غير ممكن بعد علم المولى بتلك الأحوال والأفراد، وبعد الالتفات إلى أن الأمر والنهي ليس إلا لأجل الباعثية والزاجرية، وليس لهما شأن إلا تحريك العباد إلى جانب الفعل والزجر عنه، فإذا كانت في أنفسهم المبادئ اللازمة الكافية موجودة، فلا أمر واقعي، ولانهي حقيقي، كما لا يكون في موارد العجز العقلي والعادي، فإن جميع الصور مشتركة في هذا المناط والملاك الموجب لقبح التكليف، بل وامتناع صدور الإرادة بعد الالتفات إلى أطراف القضية. وتصير النتيجة في موارد العلم الإجمالي التي يكون بعض الأطراف داخلا في إحدى الصور الخمس دون الطرف الآخر: عدم التنجز، لعدم العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير. وغير خفي: أن لازم هذا الأمر وهو عدم كون الأمر منجزا، إشكال آخر يتوجه إلى كثير من المحرمات التشريعية، والواجبات الإسلامية، ضرورة امتناع صدور الإرادة الإلزامية في هذه الموارد التي تتنفر منها الطباع، ولا تمس إليها الحاجة، وتكون الدواعي الباعثة إلى إيجادها كافية. وأيضا: لا ينبغي الخلط بين هذه المسألة، وما مر في المجلد الأول حول الخطابات الشخصية والقانونية والمشاكل المترتبة على القول بانحلال الخطاب إلى الخطابات (1)، ضرورة أن في موارد الصورة الثالثة، لا تنحل المشكلة بالخطابات القانونية، لتنفر النوع منها، أو لتوفر الدواعي إلى إيجادها وانحفاظها، كحفظ النفس وأشباهه.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. (*)

[ 452 ]

تنبيه: حول الخلط الواقع في كلمات الباحثين ومما أشرنا إليه يظهر: أن مورد الكلام والإشكال في المقام، هو أن تكون الدواعي الزاجرة والباعثة، متوفرة بالنسبة إلى الترك والفعل، على وجه لو أمر المولى على خلافها لعصى العبد مثلا، ففرض كون الداعي ضعيفا، أو جزء، أو كالجزء وهكذا، خروج عن البحث، وتفصيل وإطالة بلا فائدة. كما يظهر: أن ما سلكه العلامة الأراكي (رحمه الله): من ادعاء عدم اللغوية في موارد الخروج عن محل الابتلاء على الإطلاق من غير فرق بين الأمر والنهي، مستدلا بما مر في الصورة الثالثة (1)، خال من التحصيل، فإنها أساس المشكلة العلمية. ومجرد كونه مما لا يمكن الالتزام به، لا يفي بحل المشكلة العقلية المشار إليها. ولعمري، إن كثيرا من الباحثين خلطوا فيما يهمنا ويهم بالبحث هنا، وذلك لعدم وصولهم إلى مغزى المرام في المقام، وسيمر عليك تحقيق المسألة، وذكر ما تشبثوا به هنا لحل المشكلة إن شاء الله تعالى. الأمر الثالث: في التفصيل بين الشبهات الوجوبية والتحريمية اختلفوا فيما نحن فيه في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي في الشبهات الوجوبية والتحريمية، كما مر (2). والذي هو التحقيق: أن النهي عن المتروك عادة إذا لم يترتب عليه شئ


1 - نهاية الأفكار 3: 339 - 340. 2 - تقدم في الصفحة 447. (*)

[ 453 ]

كقصد القربة، يختص بمزية دون الأمر، ضرورة أنه مع فقد القدرة العادية، يجوز الأمر المنتهي إلى تحصيل القدرة عقلا، وصرف الاستطاعة في تحصيلها حتى الإمكان، لأن الواجب المذكور ذو أهمية عند الآمر، كما إذا يأمر بالحج من البلاد النائية. نعم، هو خلاف كون الإسلام دينا سهلا وسمحا، إلا أنه بحسب النوع، لا بحسب الشخص في مورد. وما ذكروه من الأمثلة الخارجة عن القدرة العادية ربما يستهجن فيها الأمر، لكون الواجب - كنكاح بنت سلطان - مما لايهم عند الشرع، فلا ينبغي الخلط بين الأمثلة. فلو كان حفظ نفس إنسان محترم، موقوفا على شئ لا يكون مقدورا عادة، فإنه يجوز إيجاب ذلك الشئ، ويصير مورد التنجيز بالعلم الإجمالي ولو كان خارجا عن القدرة العادية. أفلا ترى: أن التحلي بالصفات الكمالية، والتنزه عن الرذائل الأخلاقية، مورد الأمر، مع أن الامتثال في غاية الإشكال، إلا أن لمكان الإمكان بالأسباب القريبة والبعيدة يكون جائزا، بل واقعا، وحب الدنيا مذموم، مع أنه من الامور الخارجة عن القدرة العادية، وهكذا. ومن الغريب ما في كلام بعضهم: " من أن إطاعة ما هو الخارج عن القدرة العادية إذا كانت ممكنة وكافية للأمر، فعصيانه أيضا ممكن، وهو كاف للنهي، لأن إبقاء العدم والانتراك بعدم عصيانه، مستند إليه قهرا " ! ! وذلك من الخلط بين اللغوية والاستهجان، فإنه وإن لم يكن مستهجنا، ولكنه لغو، لحصول المطلوب. ولو كان المقصود هو الترك قربة لله تعالى، فإن كان يكفي بعض التقاريب المذكورة للوجوه المقربة فيمكن، وإلا فالظاهر أنه لا يقع ذلك

[ 454 ]

الانتراك عن قربة، كما لا يخفى. فإلى هنا تبين: أنه على المذهب المعروف - وهو انحلال الخطابات القانونية الإلهية إلى الخطابات الشخصية، حسب الأفراد والحالات - لابد من التفصيل بين النواهي والأوامر، خلافا للوالد المحقق - مد ظله (1) - فما دام لم يكن شرب الإناء مورد القدرة العادية لا يكون نهي، ولا انحلال، فإذا وقع مورد القدرة ينحل الخطاب، ويتعلق به النهي للحاجة الماسة إليه، وسيزيدك نفعا ما يأتي في الأمر الآتي إن شاء الله تعالى. الأمر الرابع: في وجوه الجواب عن الشبهة السابقة قد تشبث لحل المشكلة التي مرت، جمع من المحصلين بوجوه لا تخلو من الضعف: فمنها ما في كلام العلامة المحشي (2) والميرزا النائيني (رحمهما الله) (3): وهو أن مناط الخروج عن الاستهجان هو الإمكان، وقابلية الأمر والنهي للداعوية والزاجرية، دون الفعلية، وهذا هو الحاصل في موارد انصراف الدواعي عن المبغوض، ووجود الدواعي إلى المطلوب. ويتوجه إلى هذه المقالة أولا: أن الامر التأكيدي الواقع بعد الأمر الأول قابل لما ذكر، مع أنه لا يكون حجة بالضرورة. وثانيا: أن مجرد الإمكان الذاتي والوقوعي غير كاف، لامتناع حصول جد


1 - أنوار الهداية 2: 217 - 219، تهذيب الاصول 2: 280. 2 - نهاية الدراية 4: 263 - 264، التعليقة 76. 3 - أجود التقريرات 2: 252. (*)

[ 455 ]

المولى العالم بعدم انتراك الواجب المطلوب، وبعدم تحقق المحرم المبغوض، فإنه يكون الأمر والنهي لغوا، واللغو بعيد عن ساحته. وتوهم: أن في جانب الأمر يكون الانبعاث القربي مستندا إليه، وهكذا في النهي القربي، فاسد ومنشاه تخيل أن القربية من تبعات الأمر والنهي، مع أنك عرفت في مباحث التعبدي والتوصلي: أن تقسيم الأمر إليهما غلط، بل القربية والتوصلية تجئ من الجهات الخارجة، والأمر يدعو إلى ما هو المقرب وهكذا، من غير أن يكون شخص الأمر قربيا (1). نعم، الانبعاث عن البعث ربما يعد قربيا، ولكنه في غير المقام، فالأمر لغو في مفروض الكلام، وهكذا النهي. هذا مع أنه لو كان مجرد القابلية كافيا، لكان الأمر والنهي سيان، فتفصيل العلامة النائيني بينهما (2) في غير محله. ومنها: أن في موارد القدرة العادية مع وجود الدواعي الزاجرة بالنسبة إلى المنهي، والباعثة بالنسبة إلى المأمور به، يمكن الأمر والنهي، بخلاف صورة فقد القدرة، فإن التقييد بالقدرة ممكن، والتقييد بالإرادة ممتنع، ضرورة أن الأمر والنهي لصرف الإرادة في الواجب، وزجرها عن المحرم، فكيف يقيد بها ؟ ! هكذا في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (3). وفيه ما لا يخفى، فإنه فرق بين التقييد، وبين كون المولى عارفا بوجود الدواعي المنتهية إلى وجود الإرادة وعدمها، وما هو المفروض هو الثاني.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 110 - 117. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 51 - 52. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 53 - 54. (*)

[ 456 ]

هذا مع أنه خلاف مقالته: وهي كفاية الإمكان الذاتي، بل والوقوعي (1)، لأنهما حاصلان بالضرورة، فالتقييد لا يورث الخروج عن الإمكان، كما لا يخفى. ثم إن التقييد بالإرادة واقع في مسألة قصد إقامة عشرة أيام، وجائز بنحو الاشتراط، لأنه إذا حصلت الإرادة بالنسبة إلى لقاء الصديق يجب اللقاء ولا يجوز الانصراف. بل بنحو التقييد أيضا، لأن الإرادة اختيارية، فاغتنم. ومنها: أن الدواعي للأمر والنهي مختلفة، فتارة: يكون داعي الأمر انبعاث المأمور، وهكذا في ناحية النهي. واخرى: يكون تكميل نفس المكلفين، بتذكر الله تعالى حين الالتفات إلى الأمر والنهي وغير ذلك، فعندئذ يكون الأمر والنهي فيما ترغب فيه الامة، وتتنفر عنه الطباع لأجل الأخير (2). وفيه أولا: أنه يجوز ذلك في موارد العجز العقلي. وثانيا: أنه لا يستلزم العقاب والثواب، ولايكون له الإطاعة والعصيان، مع أن المقصود من الأمر والنهي ومن حل المشكلة، أن يكون ارتكاب أكل القاذورة حراما شرعيا، فما في كلام بعض المعاصرين (3) غير راجع إلى محصل. ومنها: ما أفاده العلامة الاستاذ السيد البروجردي (قدس سره) في غير المقام: " وهو أن في جميع موارد الأمر والنهي، لا يكون ذات الأمر والنهي باعثا وزاجرا، بل في جميع الأحيان، الدواعي والعلم بتبعات الأمر والنهي - من الثواب والعقاب - توجب الانبعاث والانزجار، فكما أن في الانزجار عن أكل القاذورات الدنيوية لا يكون


1 - أجود التقريرات 2: 252. 2 - مصباح الاصول 2: 395. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 457 ]

النهي زاجرا، كذلك الابتلاء بجهنم وأكل ما فيها - الذي هو أسوأ بمراتب منها - يوجب الانزجار في ناحية الأمر والنهي، وهكذا في ناحية الجنة. * (وقليل من عبادي الشكور) * (1) الذين تكون عباداتهم وأفعالهم وتروكهم أفعال الأحرار، وإلا فالنوع عبادتهم عبادة الاجراء والعبيد. فعلى هذا، ليس الأمر والنهي إلا موضوعا للإطاعة والعصيان، ومنشأ لاعتبارهما، والبعث التشريعي والزجر التشريعي، ليس إلا بعثا مجازيا وتخيليا وزجرا توهميا، وما هو الباعث الزاجر هي الامور الاخر الموجودة في النفس على اختلافها، بحسب اختلاف الناس نقصا وكمالا " (2). وفيه: أن مفهومي " الطاعة " و " العصيان " لا يعتبران إلا عن موارد التخلف عن الأمر الجدي النفسي، والنهي الجدي النفسي، ولا يعتبران من الهزليات، ولا من الغيريات، والإرشاديات. والكلام هنا حول أن حصول الجد مما لابد منه، كما لابد وأن يكون مورد جد الآمر والناهي معلوما، وأنه ليس جدية الأمر والنهي، كي يقال: إنه مورد الجد، بل الجد هو في ناحية متعلق الأمر والنهي، وما هو من تبعات الأمر والنهي، هو من تبعات عصيان الأمر والنهي وإطاعتهما، فلابد من تحقق العصيان والطاعة، وهما لا يحصلان إلا في صورة حصول الإرادة الجدية التشريعية المتعلقة بالمادة والطبيعة والمتعلق متوجهين إلى الناس. إلا أن الامة بعد الالتفات إلى تبعات الأمر والنهي ترغب في الطاعة، وتنزجر عن العصيان، وربما تجد أنه لاتتحقق الإطاعة إلا بالانبعاث عن البعث، كما في العبادات، وتجد أنه لا يترتب الثواب والفرار من العقاب


1 - سبأ (34): 13. 2 - نهاية الاصول: 117. (*)

[ 458 ]

إلا بذلك، فيكون الباعث الأولي هو ما يترتب عليهما، والباعث الزاجر الثانوي هو الأمر والنهي، فلا يتم ما أفاده (قدس سره) ولا ينفع لحل المشكلة هنا، فلاحظ واغتنم. ومنها: ما حكي عن بعض الأجلة (1)، وقد مر في هذا الكتاب ذكره وفساده (2): وهو أن التكليف ليس إلا معنى وضعيا اعتباريا في الذمة، أو التزاما وضعيا وتعهدا، فلا خطاب حقيقة، ولا بعث ولا زجر واقعا، ولا كناية عن هذا المعنى الوضعي. وأنت خبير بما فيه في المحرمات، ولاسيما المستحبات والمكروهات. مع أنه لا معنى للاعتبار الوضعي إلا باستتباعه أحد أمرين: إما التكليف بأداء ما في الذمة، فيلزم التسلسل، أو حكم العقل، فيلزم إنكار الوجوب والتحريم الشرعيين الواضح خلافه عند العرف واللغة والوجدان. مع أنه يلزم جوازه في موارد العجز وامتناع الامتثال، كما لا يخفى. ومنها: ما أبدعناه، وبه تنحل المشكلة، ومقتضاه تنجيز العلم الإجمالي في جميع الصور الخمس: وهو أن مناط تنجز العقاب ليس العلم بالتكليف، بل العلم بالمبغوضية الإلزامية والمطلوبية الحتمية والمحبوبية اللابدية، يقتضي التبعية والقيام بالوظيفة وإن لم يكن تكليف، ولا خطاب، ولا بعث، ولا زجر، كما في العلم التفصيلي بذلك. فعلى هذا، كما يمكن إعلام المبغوضية بالجمل الخبرية، يمكن ذلك بالجمل الإنشائية، ضرورة أنه يستكشف بهما المصالح الإلزامية والمفاسد. ولا يلزم أن يكون في جميع موارد الأمر والنهي انبعاث، أو إمكان انبعاث، بل لابد من وجود


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 342، ولاحظ نهاية الدراية 4: 265. 2 - تقدم في الجزء السادس: 182 و 194 و 258. (*)

[ 459 ]

غرض في الأمر والنهي: وهو اطلاع الامة الإسلامية على حدود المطلوبات والمحبوبات والمبغوضات للمولى. فلو كان أحد الأطراف معجوزا عقلا، أو عادة، وكان العلم الإجمالي بالمبغوض المذكور منجزا، يكفي النهي للإعلام، للزوم الاحتياط بالنسبة إلى الطرف المقدور العقلي والعادي، وهكذا بالنسبة إلى الأطراف المتوفرة فيها الدواعي الباعثة والزاجرة، وهكذا في سائر الصور. فجميع الصور بملاك واحد مورد وجوب الاحتياط، من غير حاجة إلى حديث الخطابات القانونية لحل هذه المشكلة. مع أن حلها بها محل إشكال، بل منع، كما سيظهر إن شاء الله تعالى. وبالجملة: كان وجه عدم تنجيز التكليف، إما قبح الخطاب ولغوية الأمر والنهي، أو استهجان الطلب، والكل منتف، لما لاخطاب ولا إنشاء، بل المقصود من ذلك البعث والنهي هو توجيه الامة إلى ما اشير إليه في هذه المواقف الخاصة ثبوتا وإثباتا، وفي غيرها ثبوتا، وأما في مرحلة الإثبات فكسائر الأوامر العقلائية. ولا ينبغي توهم: أن ذلك مجرد فرض لا دليل عليه، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها هي حل مشكلة المسألة عقلا، وإثبات استحقاق العقاب على أكل القاذورات، وعلى ترك حفظ النفس، وغير ذلك. ومن الموجبات المخرجة لإعلام المولى عن اللغوية: هو نفس ذلك الاستحقاق الذي لا يمكن إنكاره، فلو قام إجماع تعبدي قطعي على محرمية هذه الامور، أو وجوب شئ، فهو لا يزاحم بالمشكلة العقلية المذكورة. مع أنه يلزم الاحتياط - حسب الموازين العقلية - في صورة العلم الإجمالي. نعم، قضية ما تحرر منا قيام السيرة العملية على عدم الاحتياط في مجموع

[ 460 ]

الصور الخمس، وعدم بناء العقلاء عليه في الاولى والثانية في الشبهات التحريمية، دون الإيجابية. نعم، مقتضى جريان الاصول العملية عدم وجوب الاحتياط مطلقا، وجواز المخالفة القطعية هنا كما مر في أصل المسألة (1). وربما تؤيدنا صحيحة علي بن جعفر (عليهما السلام) في قصة العلم الإجمالي بوقوع الدم في الإناء أو خارجه (2)، فإن الخارج فيها خارج عن محل الحاجة، ولذلك لم يحكم فيها بالاحتياط، بخلاف موارد القبلة المشتبهة والإناءين المشتبهين، فلا حاجة إلى طرحها، أو حملها على المحامل الضعيفة، أو الذهاب إلى مذهب الشيخ (قدس سره) (3) على ما حررناه في كتاب الطهارة (4). وتصير النتيجة: أن البحث حول هذه المسألة أيضا - بعد ما بنينا عليه في أصل البحث - لا يكون إلا تشحيذا للأذهان، ولحل المشاكل على مباني الفضلاء والأعيان. ومنها: ما أبدعه الوالد المحقق - مد ظله - من حديث الخطابات القانونية (5)، ومن خلط الأعلام بينها وبين الخطابات الشخصية، ومن قولهم بانحلال الاولى إلى الثانية، واشتراط ما في الثانية في الاولى بعد الانحلال. وقد مر تفصيله في المجلد


1 - تقدم في الصفحة 358 وما بعدها. 2 - الكافي 3: 74 / 16، وسائل الشيعة 1: 150، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 8، الحديث 1. 3 - الاستبصار 1: 23، ذيل الحديث 12. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة 1: 240 - 241. 5 - أنوار الهداية 2: 214 - 217، تهذيب الاصول 2: 280 - 283. (*)

[ 461 ]

الأول وثمراته وإشكالاته بما لا مزيد عليه (1)، ولا يوجد إلا لدينا. ومن تلك الثمرات تنجيز موارد الصورة الاولى والثانية، ضرورة أنه لايستهجن الخطاب العام وضرب القانون الكلي، بعد كون شرب الخمر مورد ابتلاء عموم الطائفة والامة، ولا تعتبر القدرة الشخصية في ذلك، بل تكفي القدرة النوعية. ولكن مع الأسف، لا تنحل به المشكلة في الصورة الثالثة وإن انحلت به الرابعة والخامسة، ضرورة أنه في الثالثة تكون الدواعي النوعية على الانزجار موجودة، فلا يصح حينئذ ضرب القانون العام أيضا. نعم، لو كان مثل حديث حفظ النفس، واردا في مسألة حرمة قتل النفس المحترمة الشامل للنفس والغير، يمكن ضرب ذلك القانون. كما لو كان حديث حرمة أكل القاذورات، واردا في مسألة حرمة الخبائث، يصح ضرب القانون الكلي، لأن تنفر الطبع وتوفر الدواعي بالنسبة إلى صنف أو فرد، لا يضر به. إلا أن المسألة بحسب مقام الإثبات مشكلة، كما تشكل في مثل تحريم نكاح الامهات، فتأمل. ولو قلنا بتنجيز العلم لأجل ذلك في الصورة الثالثة، لا نقول به في غيرها، لقيام السيرة. بل هو - مد ظله - قد صدق في خارج مجلس البحث تلك السيرة فليلاحظ، واغتنم جيدا. تتمة: في حكم عدم العلم بالمحبوبية والمبغوضية الإلزاميتين ما ذكرناه يجري في موارد يعلم بالمحبوبية والمبغوضية الإلزاميتين، وأما في موارد عدم العلم، لاحتمال دخالة القدرة مثلا في ذلك، فلا يكون العلم منجزا، لعدم العلم الإجمالي باستحقاق العقوبة، ففي مثل الصورة الاولى والثانية لا تنجيز


1 - تقدم في الجزء الثالث: 437 - 455. (*)

[ 462 ]

للعلم إلا من ناحية الوجه الأخير: وهو تمامية الخطابات القانونية، وفي الصورة الثالثة بعد وجود الأدلة لا يعتنى بتلك الشبهة، ويكون العلم - على حسبما أوضحناه - منجزا، دون الوجه الأخير. وأما الصورة الرابعة والخامسة أيضا، فهما مثل الاوليين في تمامية الوجه الأخير فيهما على الإطلاق، وهكذا الوجه الذي أشرنا إليه في بعض الأحيان، فلا تغفل. ويمكن دعوى: أن مقتضى إطلاق الدليل مبغوضية المعجوز عليه والخارج عن محل الابتلاء، ضرورة أن الأوامر والنواهي لها الخواص والآثار، فلو لم يكن بعض منها معقولا للاستهجان، وهو البعث بداعي الانبعاث والزجر لغرض الترك، فلا يلزم سقوطهما رأسا، بل يكشف بهما المحبوبية الإلزامية والمبغوضية الإلزامية، وتصير النتيجة وجوب الاحتياط في الطرف المبتلى به والمقدور عليه والمحتاج إليه حسب الصناعة، فإذا لم تكن السيرة تامة في بعض الشبهات التحريمية والشبهات الوجوبية، فالاحتياط متعين إلا عندنا، لما عرفت في أصل المسألة (1). بقي شئ: حول إثبات الاحتياط بناء على الخطابات القانونية وهو أن مقتضى الخطابات القانونية، ليس إلا العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي ولو كان بعض الأطراف مورد العجز، أو خارجا عن محل الابتلاء والقدرة العادية، وأما كفاية كونه منجزا فمحل المناقشة، ضرورة أن الميزان هو العلم الإجمالي باستحقاق العقوبة على كل تقدير. وما ذكره الأصحاب: من أن المدار على العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي (2)، محمول على المسامحة والمتعارف، وأنه يلازم نوعا العلم الإجمالي بالاستحقاق،


1 - تقدم في الصفحة 353. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 464، أجود التقريرات 2: 250، منتهى الاصول 2: 256. (*)

[ 463 ]

لذهاب أكثرهم في موارد الخروج وكلهم في موارد العجز إلى انتفاء التكليف الفعلي، فلا علم بالاستحقاق. وما أفاده - مد ظله -: وهو العلم بالتكليف الفعلي مع انتفاء العلم الإجمالي بالاستحقاق (1)، خارج عن محط بحثهم، فلابد من التدبر فيه، وقد مر شطر من الكلام حوله (2). وغاية ما يمكن أن يقال لوجوب الاحتياط: إن مع وجود التكليف الفعلي لابد من تحصيل العذر العقلي، وهو في طرف العجز ثابت، وأما في طرف القدرة فغير ثابت، لاحتمال أن لا تكون الجهالة المقرونة بالعلم المذكور عذرا، لأن ما هو العذر هي الجهالة المطلقة غير المشوبة بالعلم بالتكليف الإلزامي، ويكفي لوجوب الاحتياط الشك في العذرية. نعم، يمكن دعوى: أن حديث الرفع ولو كان قانونيا وجاريا في الطرفين ويتعارض، أو غير جار في أطراف العلم، إلا أنه هنا جار في الطرف المقدور والمبتلى به، لأن رفع الخارج والمعجوز عنه ليس فيه المنة، والمدار في المنة هي المنة الشخصية لا النوعية، فالبراءة العقلية ولو لم تكن جارية إلا أن الشرعية جارية، فافهم وتدبر. الأمر الخامس: حول عدم تنجيز العلم الإجمالي مع سبق الخروج عن محل الابتلاء أو تقارنه قد اتفقت كلمات المتعرضين للمسألة على أن الخروج عن الابتلاء إذا كان


1 - تهذيب الاصول 2: 280. 2 - تقدم في الصفحة 446. (*)

[ 464 ]

سابقا على العلم الإجمالي أو مقارنا، يضر بتأثير العلم الإجمالي (1). وهذا مورد النظر، ضرورة أنه في صورة التقارن يحصل العلم بالخطاب الفعلي، ونتيجة ذلك تنجز الطرف المبتلى به. واعتبار كون كل واحد من الطرفين مورد الابتلاء قبل العلم يستلزم التفصيل، ضرورة أنه يلزم إنكار تنجيز العلم إذا خرج أحد الطرفين عن مورد الابتلاء بعد زمان يقصر عن العصيان فيه، فلابد إما من التفصيل المذكور، أو كفاية التقارن الزماني، لعدم اعتبار الأزيد من العلم بالتكليف الفعلي الحاصل في ظرف التقارن، فتأمل. ولك التفصيل هنا بين الشبهات الوجوبية والتحريمية، لأن اعتبار القدرة في جانب الفعل لازم كي يكون التكليف فعليا، وأما في جانب الترك فلا، لحصول الانتراك وإمكان الزجر، فتدبر. والذي هو التحقيق: أنه بناء على ما هو الحق من أن الأمر والنهي كما يترتب عليهما الانبعاث والانزجار، يستكشف بهما المحبوبية والمبغوضية الإلزاميتين، فلا يضر الخروج عن محل الابتلاء حسب القواعد بالتنجيز، فضلا عن هذه الصورة، وكذلك على الخطابات القانونية. الأمر السادس: حول صور الشك في المسألة وبيان أحكامها صور الشك في هذه المسألة كثيرة، ضرورة أنه تارة: يشك في تقدم العلم والخروج. واخرى: يشك في المسألة الاصولية، وهي إضرار الخروج بمناطه الشامل لكثير من المسائل، ومنها الشك في إضرار العجز العقلي.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 464، نهاية الأفكار 3: 340. (*)

[ 465 ]

وثالثة: في الشبهة الصدقية اصطلاحا، وهي أن الخارج الموجود في الحلة غير قابل للنهي، والموجود في ذي الكفل محل الشك في أنه خارج أم لا، بعد كون الكوفة بالنسبة إلى النجف داخلة في محل الابتلاء مثلا. ورابعة: في الشبهة المصداقية، وهو أن الطرف هل هو في الكوفة أم في الحلة. وعلى كل تقدير تارة: يكون الطرف مورد الابتلاء، ثم يشك في خروجه. واخرى: يكون خارجا، ثم يشك في دخوله. وغير خفي: أنه على ما ذهب إليه المحقق الوالد - مد ظله - في هذه المسألة (1)، وهكذا على ما سلكناه لحل المشكلة في هذه المسألة (2)، يكون مقتضى القاعدة هو التنجيز، لأن موارد الشك لا تزيد على موارد القطع بالعجز والخروج، فلا أثر للشك كي تقع الصور مورد النظر. نعم، في موارد الشك في قيام السيرة في الشبهات التحريمية والوجوبية يلزم الاحتياط، إلا على ما سلكناه من جريان الاصول في مجموع الأطراف من غير لزوم إشكال، كما حررناه في محله (3). وأما على مسالك القوم، فالشك في موارد الخروج عن محل الابتلاء على أقسام، وهكذا على مسلك بعضهم من إضرار العجز فقط بالتنجيز، يكون الشك في المسألة الاصولية وفي وجود القدرة مورد الكلام، ولا بأس بالإشارة الإجمالية إليها.


1 - أنوار الهداية 2: 214 - 217. 2 - تقدم في الصفحة 458. 3 - تقدم في الصفحة 358. (*)

[ 466 ]

وغير خفي أيضا: أنه لو قلنا بأن الخروج عن محل الابتلاء بعد العلم، يوجب قصوره في التنجيز، وهكذا في العجز الطارئ، فلا ثمرة في بعض صور الشك، وتحقيق هذه المسألة يأتي في بعض التنبيهات الآتية إن شاء الله تعالى. وإجماله: أن التنجيز ليس أثرا للعلم كأثرية المعلول للعلة، بل هو إدراك العقل استحقاق العقوبة عند الإصابة، فإذا كان الطرف المبتلى به والمقدور عليه، مما استحق عليه المؤاخذة عند الإصابة، فالخروج وطرو العجز لا يوجب شيئا جديدا، كي يتوهم جواز التخلف عن الاحتياط، ولا وجه لتوهم الشك في الاستحقاق كي يتمسك بالاستصحاب، حتى يقال بعدم جريانه، أو يقال بجريان استصحاب حجية الاحتمال، لأن الاقتران بالعلم لا يورث تعدد الموضوع، بل العلم كان سببا لتنجيز الواقع في كل محتمل. مع أن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية ترجع إلى التقييدية، فيلزم تعدد الموضوع، فلاحظ. تفصيل صور الشك في الخروج عن محل الابتلاء وأحكامها الصورة الاولى: إذا شك في التقدم والتأخر بالنسبة إلى العجز والخروج عن محل الابتلاء، وإلى العلم، بعد كونه فعلا خارجا عن محل الابتلاء، وإلا فربما يؤثر العلم فعلا، فلا يخفى، وتأمل. فقد ذهب العلامة الأراكي (رحمه الله) إلى الاحتياط، نظرا إلى رجوعه إلى الشك في

[ 467 ]

القدرة، وفيه يلزم الاحتياط (1). وفيه ما يأتي تفصيله في بعض الصور الآتية إن شاء الله تعالى (2) الذي هو الوجه المشترك للبراءة أو الاحتياط في مجموع موارد الشكوك، وإنما المقصود الإشارة إلى ما يختص ببعض الصور. فربما يمكن دعوى البراءة في هذه الصورة، من جهة أن تمامية تنجيز العلم مرهونة بمعارضة الاصول، وحيث لا معنى للأصل بالنسبة إلى ما هو الخارج والمعجوز عليه، كما في الخطابات الأولية والأحكام الواقعية، فيبقى الأصل في الطرف المقدور عقلا أو عادة بلا معارض. ودعوى عدم جريان أدلة الاصول في أطراف العلم الإجمالي ولو كان غير منجز، لانصرافها إلى المجهول المطلق، وأما المجهول المقرون بالعلم فلا (3)، غير مسموعة. كما أن توهم اختصاصها بما لا يحتمل تنجزه ثبوتا، وحيث إن الطرف المقدور يحتمل تنجزه، فهو أيضا خارج عنها، غير تام، ولا يلتزم به الأصحاب، فلا تغفل، ولا تخلط. ويمكن دعوى جريان استصحاب عدم وجوب الاحتياط. وتوهم أنه يتوجه إليه: أنه غير جار، لأن منشأه قصور المكلف، كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (4) غير مسموعة، للزوم عدم جريان البراءة العقلية أيضا في الشبهات الموضوعية، لتمامية المقتضي من قبل الشرع انكشافا وكشفا، وإنما القصور من ناحية المكلف،


1 - نهاية الأفكار 3: 341. 2 - يأتي في الصفحة 475. 3 - غرر العوائد من درر الفوائد: 125. 4 - نهاية الأفكار 3: 341. (*)

[ 468 ]

كما اختاره سيدنا الاستاذ البروجردي (1)، والعلامة الإيرواني (رحمهما الله) (2)، وقد مر أنه خلاف التحقيق (3). نعم، جريان أمثال هذه الاستصحابات عندي ممنوع. مع أن العدم النعتي منه غير مسبوق، لاحتمال وجوب الاجتناب من أول زمن كون الطرف مورد الابتلاء. نعم، لو كان الطرف المبتلى به أولا مورد الشبهة البدوية، ثم علمنا إجمالا بالتقدم والتأخر المذكورين، فللعدم النعتي المزبور وجه، كما لا يخفى. وتوهم: أن عدم وجوب الاحتياط ليس موضوعا ذا حكم، ولا حكما، غير تام، كتوهم عدم جريان استصحاب عدم الوجوب والحرمة، كما في كلام العلامة المذكور (4)، ضرورة جريانه عندهم اتفاقا. نعم هو غير جار ذاتا عندنا، لما يأتي في الاستصحاب إن شاء الله تعالى (5). هذا، وقد تحرر عندنا: أن دليل الاستصحاب، لا يفيد إلا التعبد ببقاء الطريق المنجز والمعذر، من غير النظر إلى ذي الطريق في محيط التعبد (6)، ولذلك يصح إجراء استصحاب عدم استحقاقه العقاب على شربه وأكله، فإنه أيضا أثر في محيط الشرع، وتعذير في صورة التخلف، ولا يعارض بمثله في الطرف، لخروجه عن محل الابتلاء فرضا، ولغوية جريان الاصول الظاهرية كالخطابات الواقعية على حد سواء، فلا تغفل. وأما استصحاب بقاء القدرة العقلية أو العادية إلى زمان حدوث العلم


1 - نهاية التقرير 1: 178. 2 - رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 53 - 55. 3 - تقدم في الصفحة 135 - 137. 4 - نهاية الأفكار 3: 341. 5 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 6 - يأتي في الجزء الثامن: 133 و 167. (*)

[ 469 ]

الإجمالي - لو كان ينفع في ذاته - فهو يعارض باستصحاب بقاء الجهل، وعدم تنجز التكليف، وعدم الاستحقاق إلى زمان الخروج وحدوث العجز. وهذا أولى مما ذكره العلامة المذكور (رحمه الله) (1) فإنه غير تام كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (2). الصورة الثانية: هل القدرة العقلية دخيلة في التنجيز بالنسبة إلى الطرف المقدور، بعد كون العجز تعذيرا بلا شبهة في التكاليف، إلا في موارد العجز الاختياري الطارئ بسوء الاختيار ؟ وهل الخروج عن محل الابتلاء يضر كما هو مسلك الأكثر، أم لا يعتبر ؟ لا شبهة في أن العجز العقلي بالنسبة إلى الإناءين، يوجب عدم الاستحقاق عند كافة المحصلين، وأما في سائر المحتملات ففيه الخلاف، فهل مقتضى القواعد عند الشك في هذه المسألة الاصولية هو الاحتياط، أم البراءة ؟ خلاف ناشئ عن الخلاف في الصورة الآتية إن شاء الله تعالى. وما هو الوجه هنا وإن أمكن التمسك به في بعض الصور الآتية: هو أن ميزان التنجيز - كما مر منا (3) ويستفاد من الشيخ (رحمه الله) هنا (4) - هو العلم بالغرض الإلزامي، فإذن كان الشك المذكور موجبا للشك في حسن الخطاب وجواز التكليف، وموجبا للشك في الاشتغال الناشئ من الخطاب، ولكنه لا يوجب الشك في الغرض المستكشف به، ضرورة أن القدرة والعجز من لواحق التكاليف والمصالح والمفاسد


1 - نهاية الأفكار 3: 341. 2 - يأتي في الصفحة 475. 3 - تقدم في الصفحة 458. 4 - فرائد الاصول 2: 422. (*)

[ 470 ]

تعذيرا وتنجيزا، لا ملاكا ومناطا، وقد ارتضى بهذا الوجه جمع من التلامذة (1)، فعندئذ يتعين الاحتياط. وفيه: - مضافا إلى أن لازمه الاحتياط مطلقا حتى في صورة العلم بدخالته في حسن الخطاب ورفع قبح التكليف، لأن انكشاف الملاك ممكن على كل تقدير. وما في كلام العلامة الأراكي من عدم جواز الخلط (2)، لا يقنع، ضرورة أن ملاك درك العقل الاحتياط هو العلم بالغرض والمبغوض الإلزامي للمولى، أو المطلوب والمحبوب الإلزامي له، دون الشك في القدرة، كي يقال بعدم الشك في هذه الصورة دون تلك، كما في كلامه (رحمه الله) (3) فإنه قد خلط بين درك العقل، وحكمه - أن الشرع المقدس ليس صاحب الغرض والمصالح والمفاسد الراجعة إلى شخصه، فإنه كفر، بل كل هذه الامور ترجع إلى مصالح المجتمع ومفاسده، ومصالح الديانة الإسلامية والمسلمين دنيا وعقبى. فعند ذلك يقوى في النظر أن السهولة والتسامح واللاحرجية واللا ضيقية مما روعيت في ضرب الحكم وجعل التحريم والإيجاب، فكيف يعقل عند ذلك كشف الغرض والمقصود الإلزامي للمولى - عز شأنه -، مع الشك في توجيه الأمر والنهي ؟ ! فإنه في الحقيقة شك في تمامية البيان والحجة، فالعقاب عليه بلا بيان بالضرورة. وأما توهم: أنه لا يكشف بالأمر والنهي شئ، وإنما هما منجزان عند الإصابة، ومعذران عند الخطأ كالطرق، فهو ممنوع عند العقلاء، ويعدون التوهم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 55، درر الفوائد، المحقق الحائري: 465، نهاية الأفكار 3: 342. 2 - نهاية الأفكار 3: 342. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 471 ]

المذكور في حد التوسوس في أمر الدين، بعد كون بناء المذهب على المصالح والمفاسد. ولازمه عدم جواز الإفتاء على طبق الأمر والنهي، وعدم جواز إسناد مفادهما إليه تعالى، وهو خلاف ديدنهم، كما مر في باب الأوامر والنواهي تفصيله (1). نعم، ليس النهي والأمر سواء كانا في الكتاب أو السنة، كاشفين عقليين، إلا أنهما كاشفان عقلائيان، وهو كاف للتنجيز والتعذير في المقام. بقي شئ: في التمسك بعمومات الأدلة وإطلاقاتها لرفع الشك في المسألة الاصولية وهو أن الشك المذكور يرجع إلى الشك في شرطية القدرة وقيديتها للموضوع، أو متعلق المتعلق، وهكذا إلى مانعية العجز مثلا، أو شرطية عدم الخروج عن محل الابتلاء، وكل ذلك لا يزيد على الشك في دخالة القيد أو الشرط الآخر في سائر المقامات، فكما يتمسك بإطلاقات الأدلة وعموماتها لرفعه، كذلك الأمر هنا. وأما توهم الفرق بين مسألتنا هذه وسائر الموارد: بأن في سائر الموارد، لا يكون الشك في دخالة ما يمكن ويعقل ثبوت العموم والإطلاق بالنسبة إليه، وفي المقام يكون الشك في معقولية التكليف في مورد العجز العقلي أو العادي، ولازمه الشك في ثبوت الإطلاق (2). فهو لا يكون فارقا، لأن الإطلاق الاستعمالي في الفرضين متحقق، وقضية أصالة الجد والتطابق ثبوت الإطلاق والعموم الجدي، والإطلاق والعموم الجدي في الفرضين، غير ثابت وغير محرز إلا من هذا الطريق، فما أشبه مسألتنا هذه بما مر


1 - تقدم في الجزء الرابع: 94 - 95. 2 - كفاية الاصول: 410. (*)

[ 472 ]

في مسألة إمكان التعبد بالظنون ! فإنه لا يعتبر إحراز الإمكان الذاتي للأخذ بالأدلة الواردة في التعبد بالظن والطرق، بل يكفي عدم إحراز الامتناع الذاتي لعدم جواز طرح تلك الأدلة، وربما يستكشف بتلك الأدلة الإمكان الذاتي، كما تحرر في محله (1). وعلى هذا، لا يعتبر إمكان ترشح جعل التكليف جدا في مورد العجز، حتى يتمسك بالعموم والإطلاق، بل يكفي عدم ثبوت الامتناع، ونتيجة ذلك وجوب الأخذ بالعموم والإطلاق، وتنجز التكليف في موارد كون بعض الأطراف متعذرا عقلا أو عادة. والشك في الاستهجان والقبح لايمنع عن صحة الإرادة الاستعمالية. وحيث إن المفروض أن الدليل قائم على أن كل خمر حرام على كل أحد، في كل حال وزمان ومكان، وهذا العام حجة بعد جريان أصالة الجد، فربما يستكشف به عرفا معقوليته، ويترتب عليه الأثر المقصود. ولو كان مجرد الشك في المعقولية مانعا عن التمسك، للزم ذلك في جميع الموارد، وهذا غلط، لأنه يرجع إلى الشك في ورود المخصص والمقيد. نعم، المخصص هنا على فرض الامتناع الثبوتي هو العقل، ويجوز أيضا أن يكون للشرع إرشادا، وهذا أيضا لا يوجب قصور العموم والإطلاق، ولا أظن التزام العلامة الخراساني (رحمه الله) (2) ومن تبعه (3) في الإشكال على الصورة الثالثة به في هذه الصورة، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: فكما أنه يتمسك بعموم لزوم الوفاء بالعقود لصحة العقود


1 - تقدم في الجزء السادس: 219. 2 - كفاية الاصول: 410. 3 - حاشية كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 275 - 277. (*)

[ 473 ]

المتقدمة اعتبارا على اللزوم، لقاعدة الملازمة، كذلك هنا يتمسك حسب الصناعة، وإذا كان مقتضى العموم تنجز التكليف، فلازمه الإمكان الذاتي المتقدم رتبة على الجعل والإيجاب أو التحريم. ولو أمكن المناقشة على هذا التقريب في الصورة الثالثة - لجهة تأتي إن شاء الله تعالى - لا يمكن ذلك هنا. إن قلت: الشك هنا من قبيل الشك في الشبهة الموضوعية، لأجل أنه شك في حصول الخطاب بالنسبة إلى العاجز. قلت: هذا أيضا يتوجه في مورد الشك في اعتبار إيمان الرقبة، لأنه يرجع الشك إلى الشك في الخطاب بالنسبة إلى من لا يقدر على العبد المؤمن، لأنه لعدم قدرته إلا على العبد الكافر يشك في توجيه الخطاب إليه، ولا شبهة في تمسكهم بالإطلاق والعموم بعد كون موضوع الخطاب هو " الناس " فإذا ورد: " يا أيها الناس اعتقوا الرقبة " وشك في اعتبار إيمانها يتمسك به، ولا يجوز الاعتذار بالوجه المذكور، أو بالانصراف ونحوه، أو بقصور بناء العقلاء على إجراء أصالة التطابق بين الإرادتين الاستعمالية والجدية. بقي شئ آخر: في التمسك بحديث البراءة لرفع الشك المذكور لو لم يكن في موارد الشك المذكور إطلاق أو عموم، فهل يصح الرجوع إلى أدلة البراءة وحديث الرفع، أم لا ؟ وجهان: من أنه لا معنى للرفع إلا في موارد إمكان الوضع، والشك المذكور يرجع إلى الشك في إمكان الوضع، فلا يصلح للمرجعية حديث الرفع وغيره ولو كانت الشبهة حكمية. ومن أن البيان المزبور في التمسك بالإطلاق والعموم الثابتين للأدلة المتكفلة

[ 474 ]

للأحكام الواقعية، يجري هنا أيضا، ضرورة أن شرطية القدرة وقيديتها، مجهولة بالضرورة بحسب اللغة والاستعمال، فيشملها الحديث بحسب هذه الإرادة الاستعمالية، فيتم المطلوب، إلا في موارد ثبوت امتناع الوضع، فإنه لا معنى للرفع عندئذ. فعلى هذا، لو علم إجمالا بخمرية ما في الإناء بين يديه، وما هو المعجوز عليه عجزا عقليا، أو عرفيا وعاديا، تصير النتيجة - بعد جريان الإطلاق المذكور واقعيا كان أو ظاهريا - عدم جزافية العقاب، لتمامية البيان على تقدير الإصابة في الطرف المقدور وتصح العقوبة من هذه الجهة. وإشكال المثبتية لا يختص بالمقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام. الصورة الثالثة: وهي المورد المذكور في كلامهم، ومصب النفي والإثبات، وقد ذهب الشيخ فيها إلى الاحتياط، لجواز مرجعية العموم والإطلاق بعد كون المخصص مجملا، ولاسيما لبا (1). وصاحب " الكفاية " (رحمه الله) إلى عدم مرجعيتهما، ضرورة أن مرحلة الإثبات فرع إمكان الثبوت (2)، وهو هنا محل خفاء حسب الفرض، لابتلاء المكلف بمفهوم مجمل، وهو " الخروج عن محل الابتلاء " أو " المقدور غير العادي " وهكذا، وحيث لا يمكن في موارد الخروج جعل الحكم ثبوتا، يشكل ويمتنع جعله هنا إثباتا، كما لا يخفى.


1 - فرائد الاصول 2: 422. 2 - كفاية الاصول: 410. (*)

[ 475 ]

وهناك احتمال ثالث: وهو التفصيل بين الدليل الوارد، فإن كان عاما فالاشتغال، وإن كان مطلقا فالبراءة، كما يأتي وجهه إن شاء الله تعالى (1). والذي هو التحقيق - بعد الفراغ عما سلف من سقوط بحوث الشك على مسلك بديع تحرر (2) - هو البراءة، وما يكون وجها للاشتغال بعض وجوه: منها: ما في تقرير العلامة الأراكي (قدس سره): " من أنه من الشك في القدرة، وقضية الصناعة هو الاحتياط " (3) وعليه بناء الأصحاب (رحمهم الله) (4). والحق: أن الشك في القدرة لا يعقل إلا ملازما للشك في التكليف، بعد كون القدرة قيدا، والعجز مانعا، أو التكليف في مورده مستهجنا، أو غير ذلك ولا معنى لإيجاب الاحتياط في الصورة المذكورة. وما قد يتوهم: من أن الشك في القدرة، مورده ما إذا تردد المكلف بين أنه قادر أو مقصر، فإنه عندئذ يجب الاحتياط، واضح الفساد، لأنه إذا كان مقصرا فهو أيضا قادر، فالقضية الترددية المذكورة رجعت إلى العلم بالقدرة بلا الوسط، أو مع الوسط الذي يرجع إلى الأول أيضا، كما لا يخفى. فالشك في القدرة لا يوجب الاحتياط إلا على مسلك الخطابات القانونية. مع أنه لو قلنا بحديث " رفع... ما لا يطيقون " يشكل الأمر أيضا، فليتدبر. نعم، في موارد الشك في القدرة يجوز أحيانا التمسك بالعمومات وغيرها لكشف حال الفرد، نظرا إلى لبية المخصص. وهذا غير كون نفس الشك في القدرة


1 - يأتي في الصفحة 479. 2 - تقدم في الصفحة 458. 3 - نهاية الأفكار 3: 341 - 342. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 55، درر الفوائد، المحقق الحائري: 465، منتهى الاصول 2: 258. (*)

[ 476 ]

موضوع الاحتياط، فلا تخلط كما يأتي. ومنها: أن مقتضى الإطلاقات والعمومات في موارد الشك في الابتلاء مفهوما، هو الاحتياط، لما تحرر من التمسك بهما في الشبهة المصداقية الناشئة عن إجمال الدليل، ولاسيما في المخصص اللبي (1). ولا يتوجه إليه ما في " الكفاية " (2) ضرورة أن شمول العموم لفظيا، يكفي لجريان تطابق الجد والاستعمال، ولا يعتبر إحراز الإمكان كما تحرر (3). مع أنه يكشف به ذلك كشفا عرفيا، كما يكشف بأدلة التعبد بالظن إمكان التعبد به على الوجه المحرر في محله (4). وتوجيه كلامه بما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) (5) توجيه أسوأ، ومن شاء فليراجع. ولا يتوجه أيضا إليه ما في حاشية العلامة الخراساني (قدس سره): من أن مرجعية الإطلاقات إنما هي بالنسبة إلى الشك في قيدية ما هو من الانقسامات السابقة على الخطاب، الأجنبية عنه وغير الراجعة إليه، وما هو من الانقسامات اللاحقة لا تصلح للمرجعية، وحديث الخروج عن محل الابتلاء من الثاني (6)، انتهى ملخصه. وفيه: أن الإطلاق اعتبار من تعلق الحكم بالموضوع، ولا يرجع إلى ذات الموضوع إلا بمعناه الغلط كما تحرر، فتكون جميع القيود من الانقسامات اللاحقة، وباعتبار آخر كلها من السابقة. وعلى كل تقدير هو مجرد تخيل وشعر في كلمات


1 - فرائد الاصول 2: 422. 2 - كفاية الاصول: 410. 3 - تقدم في الصفحة 472. 4 - تقدم في الجزء السادس: 221. 5 - نهاية الأفكار 3: 345. 6 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 244. (*)

[ 477 ]

جمع (1)، والقوانين مرجع صالح لرفع جميع الشكوك المتصورة، كما مر في التعبدي والتوصلي (2). نعم، يتوجه إلى بيان الشيخ (قدس سره): أن أساس التخصيصات اللبية المنفصلة من الغلط المغفول عنه عند الأعلام، وذلك لأن اللبيات إما عقليات، أو عرفيات، أو إجماعيات: فما كان من قبيل الثالث، فهو بحكم المخصص اللفظي، لأن حجية الإجماع ليست إلا لكونه كاشفا عن السنة أو الرأي، فلا معنى لعده من اللب. وما كان من قبيل الأول والثاني، فهو طبعا يكون من القرائن الحافة المانعة عن انعقاد ظهور تصديقي للكلام، فيكون متصلا به، وعندئذ يسقط البحث المذكور، ولأجل ذلك لا يتمسك بعموم " على اليد... " في موارد الشك في حال اليد، وأنها أمينة، أو غاصبة، بعد كون انصرافها عن الغصب على وجه يكون من القيود الحافة به، وهكذا في جميع الموارد. وأما توهم انقسام الارتكازات إلى الواضحة الجلية، وما هو كالواضح المختفي بدوا والمغفول عنه ابتداء، وعليه يكون الكلام منعقد الظهور، ويرجع إليه عند الشك، كما هو كذلك في الشبهات المصداقية اللفظية عندنا، فهو أفسد، لأن الابتلاء والقدرة أولا: ليسا منها. وثانيا: لا أساس له، لأن العقل والعقلاء بعد الالتفات إلى حدود المدارك والمرتكزات، يتوجهون إلى أنه أمر سابق، فتكون الغفلة عنه كالغفلة عن الاستثناء


1 - كفاية الاصول: 410، لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 62 - 63، نهاية الأفكار 3: 346 - 347. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 132 - 136. (*)

[ 478 ]

والمخصص المتصل اللفظي، ويلتفت إلى تضيق الأمر إثباتا من الأول، والتفصيل في العام والخاص (1). وبمثابة هذا الوهم القول: بأن عدم الخروج عن محل الابتلاء ولو كان متصلا، يكون الإطلاق محكما، كما في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) لكونه ذا مراتب (2)، فإنه مزلة الأقدام، وقد ذكر بعضها جمع من الأعلام (3). وأهمها: أنه أشد التصاقا بالإطلاق من الاستثناء، فكيف (رحمه الله) يرتضي بجواز التمسك به ؟ ! ولا ينبغي للفاضل الخلط بين الشك في التخصيص، وبين الشك في مفهوم المخصص، فإنه في الأول لو اريد التخصيص يأتي الدليل لإخراج الأفراد، وفي الثاني يأتي الدليل لتوضيح حال مفهوم المخصص سعة وضيقا، فاغتنم. نعم، مع قطع النظر عما أوردناه يمكن دعوى: أن في هذه المواقف لا يمكن اطلاع العقلاء على الجهة الجامعة الواضحة، ولو أمكن لهم ذلك لا يجوز إسناده إلى الشرع، كي يقال: " إن الله تبارك وتعالى حرم الخمر الداخلة في محل الابتلاء " أو يقال: " إلا ماهي خارجة عن محل الابتلاء " فلا يجوز ذلك بتاتا عقلا، ولا شرعا، عقليا كان اللب، أو عقلائيا، فيكون التخصيص فرديا، والشك في كل مورد شكا في التخصيص، فتأمل.


1 - تقدم في الجزء الخامس: 246. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 60. 3 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 207 - 208، نهاية الأفكار 3: 343 - 345، منتهى الاصول 2: 261، أنوار الهداية 2: 226 - 227. (*)

[ 479 ]

تذنيب ربما يتخيل في محله التفصيل بين بابي الإطلاق والعموم، وأنه في الأول لا يجوز التمسك على الإطلاق في جميع المواضع بخلاف الثاني. بل ما هو مصب كلامهم هو الثاني، وإلا فالأول مفروغ عنه، ولذلك ذكروا مباحث التمسك بالعام في الشبهات المصداقية على سعتها في باب العموم دون الإطلاق. وهذا ربما يستظهر بل هو صريح موضع من " مقالات " العلامة الأراكي (قدس سره) فليراجع (1)، والنتيجة هنا هي التفصيل على اختلاف المسالك. والحق عندي عدم الفرق بين البابين، كما حققناه في محله (2). الصورة الرابعة: مورد الشك في الشبهة المصداقية، دون الصدقية المفهومية، وحكمها يعلم مما مر. وأما الصورة الخامسة: وهي ما كان خارجا فدخل، فهي واضحة لا كلام حولها. نعم، الصورة السادسة: وهي ما إذا كان داخلا فخرج، حكمها حكم تلف بعض الأطراف، وقد مر إجمال الكلام حول خروج بعض الأطراف وأمثاله، وبيان بقاء الأثر وإن كان العلم غير باق أو غير واجد للشرائط بقاء (3)، ويأتي إن شاء الله


1 - مقالات الاصول 1: 441. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 267 - 268. 3 - تقدم في الصفحة 384. (*)

[ 480 ]

تفصيله في بعض المباحث والتنبيهات الآتية (1). ذنابة: في بيان شبهة متوجهة من ناحية " رفع... ما لا يطيقون " بناء على ما عرفت في حديث: " رفع... مالا يطيقون " يلزم أن يكون التقييد لفظيا، وتكون المسألة واردة في واد آخر: من جواز التمسك عندنا، فيلزم الاشتغال، وعدم جوازه عند الآخرين إلا من شذ، وتكون موارد الشك من الشبهة المصداقية للعام والموضوعية لدليل الحاكم، بناء على القول بالحكومة، كما لا يخفى. ويمكن دعوى: أن " رفع... ما لا يطيقون " دليل على صحة التكليف في موارد عدم الطاقة والقدرة العادية والعقلية، فيكون دليلا على جوازه وإمكانه، وكاشفا عن صحة الخطابات القانونية. وعلى مسلك القوم لا أثر لهذه الفقرة، لأن الطاقة العادية والعرفية والعقلية عندهم، شرط الجعل من الأول، وعند فقدها لا جعل كي يرفع، وليس المقام من قبيل ما قيل في إيجاب الاحتياط والتحفظ بالنسبة إلى الفقرتين: " مالا يعلمون " والنسيان، فلا تخلط. فعلى ما تحرر وقعنا في مشكلة، نظرا إلى ذهابنا إلى إمكان التكليف الفعلي، وإلى جواز التمسك في الشبهة المصداقية بالعموم والإطلاق. اللهم إلا أن يقال: بأن حديث الرفع من قبيل المخصص الناظر إلى العام والمطلق الأولين، وقد مر في العام والخاص أنه بحكم المتصل في المنع عن التمسك، فليتدبر.


1 - يأتي في الصفحة 495. (*)

[ 481 ]

هذا في الشبهة الوجوبية المقرونة بالعلم، دون التحريمية، وقد عرفت أن اعتبار عدم الخروج مخصوص بها (1)، لا الأعم على القول بأصل الاعتبار، خلافا للتحقيق، فلا تغفل. تتميم: حول عدم تأثير العلم في موارد الامتناع الشرعي ربما يظهر من العلامة النائيني هنا في موارد الامتناع الشرعي والممنوعية التشريعية: أنه لا يؤثر العلم، لفقد الشرط، وهو العلم بالتكليف والأثر على كل تقدير، فإذا كان عنده ثوب غصبي، أو كان عنده ثوب أماني وهكذا، وتقطرت القطرة عليه أو على ثوبه، فإنه تجري القاعدة في ثوبه، لممنوعيته من التصرف في الثوب الأول على الإطلاق (2). والحق: أنه ليس الأمر كما توهم، ضرورة أنه ربما تكون الممنوعية ثابتة، إلا أن الأثر يزداد بزيادة العلم، مثلا إذا علم بنجاسة أحد الماءين المغصوب أحدهما المعين دون الآخر، وبادر إلى شرب المغصوب، وصادف أنه نجس، يعاقب مرتين بالضرورة حسب الأصل الأولي لتنجز التكليف المذكور، مع أنه ممنوع من التصرف على الإطلاق. ودعوى: أن الممنوع شرعا لايمنع ثانيا والمتنجز لا يتنجز، غير مسموعة كما يأتي (3)، ولاسيما في صورة ازدياد الأثر وتعدد التكليف، فإن التصرف الممنوع بالنسبة إلى مال الغير، يختلف مع ممنوعية التصرف في النجس في الاعتبار


1 - تقدم في الصفحة 459. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 65 - 66. 3 - يأتي في الصفحة 505 - 506. (*)

[ 482 ]

والحيثية، فلا تخلط. ومن الأكاذيب " إن الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي " (1) فلا تغفل. وعلى هذا تبين: أنه تجري القاعدة حتى في الثوبين، وتكون النتيجة سقوطهما والاحتياط، وهذا كاف للثمرة في الجريان، سواء قلنا: بأن الاحتياط معلول التساقط، أو قلنا: بأنه معلول العلم، والتساقط أيضا من تبعاته. ومن الغريب ذهاب العلامة النائيني (رحمه الله) في بعض تقاريبه (2) وبعض تلامذته إلى أن التنجز فرع تساقط الاصول في الأطراف (3) ! ! وقد مر فيما مضى وجه فساده عقلا وعرفا عقلائيا. التنبيه التاسع فيما إذا اضطر إلى أحد الأطراف، وهكذا لو اكره عليه فإن توهم أعمية الاضطرار هنا من الإكراه (4) في غير محله. ثم قد علمت أنه حسب الذوق ليس تنبيها، بل هو من موارد فقد الشرط مثلا المعتبر في تأثير العلم (5)، وعلى كل، الأمر سهل. وقبل الخوض في حكم المسألة لا بأس بالإشارة إلى امور وجيزة:


1 - مصباح الاصول 2: 401. 2 - أجود التقريرات 2: 242. 3 - مصباح الاصول 2: 357. 4 - مصباح الاصول 3: 393. 5 - تقدم في الصفحة 444. (*)

[ 483 ]

الأمر الأول: في صور الاضطرار قد تصوروا صورا عديدة، من تقدم الاضطرار على التكليف والعلم به، ووقوعه بين التكليف والعلم به، وتأخره عنهما، ومقارنته لأحدهما، أو كليهما. وعلى كل تقدير: إما يضطر إلى المعين، أو إلى غير المعين. وأما الاضطرار في الشبهات الوجوبية إلى الترك، فلا معنى صحيح له، فما يظهر من " الكفاية " (1) في غير محله. وعلى كل: إما يكون المضطر إليه حكما نفسيا، أو شرطيا وغيريا، كما إذا اضطر إلى لبس أحد الثوبين المعلوم نجاسة واحد منهما، فإنه هل يجوز لبس الآخر في الصلاة، أم لا، أو فيه تفصيل ؟ والذي يظهر لي: أن تقدم الاضطرار على التكليف تارة، وعلى العلم به اخرى (2)، لا يرجع إلى محصل، لأن التكليف بمعناه الكلي - وهو وجوب الاجتناب عن النجس في شرع الإسلام - معلوم، وعن ملاقيه أيضا معلوم بنحو كلي، وعن الملاقيات الموجودة في محل الابتلاء أيضا معلوم. وليس مرادهم من تقدم الاضطرار على التكليف دون العلم، هذا العلم الكلي، بل مقصودهم هو التكليف الفعلي تارة، والمنجز اخرى، مع أن التكليف الفعلي على العناوين الكلية معلوم، وإذا بلغ الكلام إلى الخارج والمتشخص المعلوم تعلق النهي بالإناء الخاص، فلا يبقى وجه حينئذ لتقدم الاضطرار على التكليف تارة، وعلى العلم به اخرى، أو وقوعه بين التكليف والعلم به. وبعبارة اخرى: لا معنى للتقدم والتأخر الجزئيين حسب حال المكلف إلا بلحاظ ما يطرأ عليه من العلم والاضطرار، وأما التكليف فهو محفوظ دائما على


1 - كفاية الاصول: 408 - 409. 2 - منتهى الاصول 2: 264. (*)

[ 484 ]

عناوينها. نعم، بالنسبة إلى الملاقاة يمكن ذلك، ولكنه لا ينفع في المقام. وعلى هذا يسقط جملة من صور المسألة، وتصير النتيجة أن الاضطرار تارة: قبل تنجيز التكليف والعلم به، واخرى: بعد ذلك. ولعل ما في " الكفاية " من عدم التقسيم المذكور (1) - مع كونه في مقام ذكر الأقسام - لأجل ما اشير إليه. الأمر الثاني: في بيان الأقوال في المسألة إن الأقوال في المسألة كثيرة: فذهب الشيخ (رحمه الله) إلى التنجيز في الصور الأربع الرئيسة إلا في صورة تقدم الاضطرار إلى المعين على العلم (2). و " الكفاية " ذهب إلى عدم التنجيز على الإطلاق (3). وذهب في الحاشية إلى عدم التنجيز إلا في صورة تقدم العلم على الاضطرار إلى المعين (4). ولعله يأتي بعض الأقوال أو الاحتمالات الاخر في المسألة، والأمر سهل. الأمر الثالث: حول أن المرتفع هو الأثر المضطر إليه دون مطلق الأثر لا حاجة إلى التنبيه على أن الاضطرار الطارئ أو المسبوق لو كان يمنع عن تأثير العلم، فإنما هو بالنسبة إلى الأثر المضطر إليه، دون مطلق الأثر، كما في


1 - كفاية الاصول: 408 - 409. 2 - فرائد الاصول 2: 425. 3 - كفاية الاصول: 409. 4 - كفاية الاصول: 409، الهامش. (*)

[ 485 ]

بعض كتب القوم (1) وفي " التهذيب " (2) أيضا. نعم، أثر الأثر المضطر إليه أيضا غير ثابت، فلو اضطر إلى شرب الإناء المعين، وكان يعلم بخمرية الواحد منهما، فإن قلنا بارتفاع الأثر وسقوط العلم، فهو بالنسبة إلى حرمة الشرب، دون جواز البيع كي تجري أصالة الحل، فيباع كل واحد منهما. وأما أثر الأثر المضطر إليه - كالحد، والكفارة - فهو أيضا مرفوع وغير ثابت، إلا بعض الآثار التي تكون خارجة عن أدلة الاضطرار، فليتدبر. الأمر الرابع: في أولوية ذكر صور الإكراه كان الأولى تعرضهم لصور الإكراه وأحكامها، لجريانه في الشبهات التحريمية والإيجابية، مع أن جريان أدلة الاضطرار في الإيجابية ممنوع كبرويا، إلا على تسامح. الأمر الخامس: في شمول الاضطرار للعقلي والعرفي أن الاضطرار المانع عن التكليف أعم من العقلي والعرفي، لإطلاق دليله. وما يتراءى من بعضهم من أن المقصود هنا هو الاضطرار العقلي، في غير محله، لأن الجمع بين فعلية التكليف مع الاضطرار، ممكن على كل تقدير، كما هو الواقع، لالتزام الشرع بتبعاته، وليس هو مثل العجز، وتفصيله في ذيل المسألة الاولى إن شاء الله تعالى (3). إذا تبينت هذه الامور، فالكلام في ضمن مسائل مهمة في المقام:


1 - مصباح الاصول 2: 380. 2 - تهذيب الاصول 2: 275. 3 - يأتي في الصفحة 489 - 490. (*)

[ 486 ]

المسألة الاولى: في وجوب الاحتياط في جميع صور الاضطرار لأحد دعوى: أن الاضطرار لا يورث قصورا في العلم على الإطلاق، ولا يمنع عن تنجيزه، وذلك لأن الأدلة الشرعية المتكفلة له، ليست قابلة للاعتماد عليها على إطلاقها، سواء كانت من قبيل ما ورد في أدلة التقية (1)، أو في حديث الرفع وغيره (2)، لقوله تعالى: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) * (3). وقوله تعالى: * (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) * (4) وغير ذلك. فعليه يكون الاضطرار العقلي وما يعد عذرا عقلا، موضوعا في الأدلة الشرعية، وعندئذ لا يكون إلا إرشادا إليه، ولا يزيد على ما يحكم به العقلاء، وما كان شأنه ذلك لا يمكن أن يكون تقييدا لأدلة الأحكام الأولية. فالعلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير موجود، والاضطرار إلى المعين - ولو كان قبل العلم - لايمنع عن التكليف الواقعي الفعلي قطعا، لإمكان الجمع بينهما، كما جمعناه بين الأحكام الظاهرية والواقعية (5). بل الأمر هنا أسهل، وتكون الأدلة فيما نحن فيه إمضاء لحكم العقلاء بعذرية الاضطرار، كما لا تمضي الآيات الشريفة الاضطرار الآتي بسوء الاختيار موافقا لفهم العرف والعقلاء والعقل.


1 - المحاسن: 259 / 308، الكافي 2: 220 / 18، وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 25، الحديث 2. 2 - الكافي 2: 462 - 463، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 3 - البقرة (2): 173. 4 - المائدة (5): 3. 5 - تقدم في الجزء السادس: 250 - 252. (*)

[ 487 ]

إن قلت: قد مر أن العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على هذا المسلك، لا يكفي للتنجيز واستحقاق العقوبة، بل المناط هو العلم الإجمالي بالاستحقاق (1)، وهذا غير محقق في موارد الاضطرار في الجملة، ضرورة أنه لو كان الاضطرار سابقا على العلم يعد عذرا، فلو علم إجمالا فالعلم بالتكليف حاصل، إلا أنه لا يستتبع العلم بالاستحقاق. قلت: نعم، إلا أن العلم بالغرض الأقصى والمبغوض منجز، وهو حاصل، حيث إن العقلاء يكتشفون بالعلم بالتكليف الفعلي وبالتحريم، مبغوض المولى، فإذا كان في الطرف المضطر إليه فله العذر، دون الطرف الآخر، فما جعلناه محورا لتنجيز العلم من الوجهين (2) يأتي هنا. نعم، على مسلك من يقول: بأن الاحتياط متفرع على سقوط الاصول بالمعارضة، فالبراءة عن الطرف محكمة، ولكنه فاسد فاحش كما عرفت (3). وما في " تهذيب الاصول " (4) لا يخلو من غلق. مع أن الحكم الفعلي الصالح للاحتجاج وإن كان ممنوعا، ولكن كشف أن في مورد الاضطرار يكون المولى ذا غرض إلزامي ممكن، وعلى هذا يلزم الاحتياط، إلا على ما أسسناه من جريان الاصول في الأطراف على الإطلاق (5). وأما توهم قصور الطرق والظواهر - ولاسيما الأوامر والنواهي - عن الأغراض والمصالح والمفاسد، ففي غير محله، ولاسيما بعد بناء الإمامية على


1 - تقدم في الصفحة 462. 2 - تقدم في الصفحة 317. 3 - تقدم في الصفحة 362 - 364 و 482. 4 - تهذيب الاصول 2: 272 - 274. 5 - تقدم في الصفحة 358 وما بعدها. (*)

[ 488 ]

التبعية، فإنه ينكشف به كشفا عقلائيا، وهو كاف للتنجيز كما مر مرارا (1). إن قيل: الاضطرار الذي هو العذر هو العقلي منه، وما هو موضوع الأدلة هو العرفي، وهو أوسع، فعلى هذا يلزم حكومة الأدلة الواقعية الثانوية على الأولية، وتصير النتيجة تقييدها بها، ويلزم عدم فعلية الحكم في مورد الاضطرار، كما لو قلنا: بأن الخطابات شخصية، فإنه لا يمكن الالتزام بارتضاء الشرع بعذرية الاضطرار، مع التزامه بالتحريم والزجر الجدي، ولازمه عدم ثبوت الحكم الفعلي في صورة تقدم الاضطرار على العلم، كما عليه جل الأصحاب، بل كلهم (2). قلت: نعم، ولكن الاضطرار العرفي عذرعقلائي ممضى ولو بعدم الردع، وليس ما هو العذر منحصرا بالاضطرار العقلي بالضرورة ولو لم يكن في الشريعة حديث عن الاضطرار، فالأدلة اللفظية لا تزيد على ما عند العقلاء في باب التعذيرات. نعم، هنا بيان آخر: وهو أن ظاهر حديث الرفع وبعض آخر من أدلة الاضطرار (3)، هو التصرف في الأدلة الأولية، إما برفع ما هو المحرم، أو بجعل الحلية المضادة مع الحرمة، ولكونها حاكمة ومقدمة لا يبقى وجه لكشف مبغوض المولى بتوسط الأدلة الأولية، وإن كان ظاهر الكتاب الإلهي أنه لا إثم عليه، وهو بضميمة الأدلة الأولية ينتج فعلية التكليف، ولكن بضميمة أخبار حلية المضطر إليه، يلزم انتفاء الفعلية والتقييد. وأما توهم عدم جريان أدلة الاضطرار في أطراف العلم، كالشبهة البدوية، لأن كل واحد مشكوك الحرمة، ولا معنى لتحليل ما هو الحلال، فقوله (عليه السلام): " كل


1 - تقدم في الجزء الرابع: 167 و 170، وفي هذا الجزء: 458 و 462. 2 - فرائد الاصول 2: 425، كفاية الاصول: 409، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 93. 3 - وسائل الشيعة 24: 214، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرمة، الباب 56، و 25: 51، أبواب الأطعمة والأشربة، الباب 19. (*)

[ 489 ]

شئ اضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله " (1) وغيره، لا يجري إلا في صورة العلم بالحرمة تفصيلا، فهو ممنوع، لأن الطرف المضطر إليه إما حلال، أو حرام مرفوع ومحلل، وهذا كاف لجريانه وإن كان المورد مشكوك الحرمة والمصداقية، فاغتنم. وهناك بيان آخر ينتهي إلى منع التنجيز: وهو أن ميزان التنجيز إن كان القول: بأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، أو أن الحجة التامة في البين متقومة بالجواب، فلا سبيل إلى منعه على الإطلاق، وهكذا إن كان العلم بالاستحقاق. وأما إذا كان الوجه الذي ذكرناه: وهو كون العبد ذا عذر في قبال المخالفة (2)، فإنه لأحد دعوى: أن الجهالة المذكورة ليست عذرا، لأنها ليست كالجهالة البدوية، ضرورة أن الأحكام الواقعية الثانوية، سياسية راجحة على مصالح ومفاسد نفس الأمر المرعية في جانب الأحكام الواقعية الأولية، ولأجل ذاك وذلك اعتبرا أوليا وثانويا، وهذا لا ينافي مبغوضية الشرب المحرم المضطر إليه حتى حين الاضطرار الذي رخصه الشرع توسعة على العباد. فعند ذلك تصح دعوى عدم عذرية الجهالة في ناحية الطرف، وعند ذلك يلزم امتناع جريان قاعدة الحل في غير مورد الاضطرار، ولاسيما على القول بعدم جريانها في الأطراف، كما هو الأظهر عندنا إذا قلنا بالمعارضة والتساقط. نعم، على ما سلكناه هما جاريان غير ساقطين، وهذا قريب من الصواب. وإن شئت قلت: ترخيص جميع الأطراف بالأدلة الواقعية الأولية والظاهرية وإن لم يكن ترخيصا في الخلاف والعصيان، ولا مناقضة مع الحكم الفعلي، ولكنه مناقض مع المبغوض الأولي المعلوم في البين، ويقبح الترخيص على خلاف المبغوض. فالأظهر أن المسألة لا تتم إلا على القول بالخطابات القانونية، وإمكان


1 - المحاسن: 259، بحار الأنوار 59: 82 / 2، و 72: 399 / 34. 2 - تقدم في الصفحة 365. (*)

[ 490 ]

الترخيص في جميع الأطراف حتى بالأدلة الظاهرية، فضلا عن الواقعية الثانوية، فليتأمل. إن قلت: ليس البحث هنا حول الاضطرار العرفي وأدلته، بل البحث حول الاضطرار العقلي الذي هو مثل العجز في امتناع التكليف في مورده، وحول أن الميزان العقلي يقتضي الاشتغال أو البراءة. قلت: نعم، ظاهر كلماتهم ذلك، إلا أن الاضطرار العقلي مضافا إلى عدم إمكان تحديده، ووقوع المسألة في الأهم والمهم، وهو حفظ النفس من جهة، والابتلاء بالحرام من جهة اخرى، ضرورة أنه لو قلنا: بأنه لا يجوز رفع الاضطرار بالمحرم ولو هلك، يكون الحرام فعليا، أن المتعارف والمبتلى به عرفا هو الاضطرار العادي، مع أن الأدلة تشمل الاضطرار العقلي، فالأولى صرف الكلام في المقام على نحو ما بذلناه. وبالجملة: عذرية الاضطرار تحتاج إلى الإمضاء، وإلا فمجرد الاضطرار غير كاف، لإمكان أن يلتزم الشرع بجميع لوازمه حتى الملاك، كما هو ظاهر بعض الأخبار في الاضطرار إلى شرب الخمر، بل ومطلق الحرام، فلا تغفل. تذنيب: حول مختار " الكفاية " من عدم التنجيز ذهب صاحب " الكفاية " (رحمه الله) إلى القول بعدم التنجيز، وهو في شقاق مع الوجه السابق، وذلك نظرا إلى أن العلم بالتكليف في موارد تقدم الاضطرار غير حاصل، وفي موارد التأخر غير باق. ولا يقاس ما نحن فيه بتلف بعض الأطراف، لأن التكليف في باب التلف غير محدود، بخلاف ما نحن فيه (1)، انتهى لب مرامه. وفيه: - مضافا إلى أنه لا ينحصر لزوم الاحتياط بالعلم بالتكليف الفعلي كما


1 - كفاية الاصول: 408 - 410. (*)

[ 491 ]

عرفت (1) - أن التقييد وإن كان فيما نحن فيه شرعيا، لما مر (2)، ضرورة أن الاضطرار لا يضاد عقلا فعلية التكليف ولو كان إلى حد العقلي، بخلاف العجز والتحديد بعدم التلف عقليا، إلا أنه لا يوجب الفرق، لانتفاء العلم على كل تقدير بقاء. ويكفي لفساد مرامه عدم مساعدة الوجدان على بقاء الأثر في صورة التلف، دون الاضطرار، مع أن عكسه أولى به. ومن الغريب تمسكه بقاعدة الاشتغال في صورة التلف فقط (3) ! ! مع أن طرو الاضطرار بعد العلم أيضا موضوع القاعدة، ولا معنى لكشف عدم التكليف بعد طروه، فلا تخلط. وأما النقض عليه بموارد المخالفة والامتثال وغير ذلك (4)، فهو ممنوع، لكونه من التلف. نعم دعوى: أن المضطر إليه بحكم التلف وإن كانت صناعية، إلا أنها غير مسموعة، لعدم الإطلاق في هذه الجهة كما هو الواضح. وحيث إن مدعاه كان البراءة على الإطلاق فيكفي لفساده عدم تماميته ولو في الجملة، وإلا ففي كلامه مواقع اخر للنظر. المسألة الثانية: حول القول بالتفصيل في المقام بعد الفراغ من وجه التنجيز واللاتنجيز في مطلق الصور، حان وقت النظر إلى القول بالتفصيل بينها كما عليه الأكثر (5). والذي لابحث حوله صورة تقدم الاضطرار


1 - تقدم في الصفحة 461 - 462. 2 - تقدم في الصفحة 485. 3 - كفاية الاصول: 409 - 410. 4 - مصباح الاصول 2: 383. 5 - فرائد الاصول 2: 425 - 426، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 93 - 98، منتهى الاصول 2: 264 - 267. (*)

[ 492 ]

إلى المعين على العلم، فإنه لا ينعقد العلم الإجمالي بالتكليف، ولا باستحقاق العقوبة، فتجري الاصول في الطرف. وأما صورة تقدمه عليه، وكان إلى غير معين، فربما يقال: إنه أيضا مجرى الأصل، لعدم تحقق العلم بالتكليف، لاحتمال كون المختار لرفع الاضطرار هو مورد التكليف، فيكون مرفوعا وحلالا ومباحا، فلا علم (1). كما ربما يقال: إن الترخيص في ناحية الاضطرار إن كان عقليا، فالعلم الإجمالي ينعقد ويؤثر، وإن كان شرعيا فلا يؤثر (2). وفي كلام الشيخ (رحمه الله) (3) و " الدرر " (4) ما يومئ إلى مشابهة هذه المسألة بمسألة الانسداد، وأنه بعد سقوط الاحتياط الكلي لابد من الاحتياط، إلا على القول بأن الترخيص شرعي، وهو ينافي العلم، فراجع. والذي هو ثالث الوجوه: هو أن الترخيص بشكل الاضطرار وبعنوانه القابل للانطباق على مورد التكليف اللازم امتثاله عقلا، لا يعقل اجتماعه مع التكليف المذكور، فعندئذ لابد من التصرف في المعلوم، وتصير النتيجة سقوط العلم عن التنجيز. أما الوجه الأول، فالمناقشة فيه واضحة، ضرورة أن الاضطرار إلى غير المعين أو إلى الواحد لا بعينه غير معقول، فإن الاضطرار من الامور ذات الإضافة فلابد من الطرف، ففي المعين معلوم، وأما في غير المعين فالكلي متعلقه واقعا، وإنما يرفع عطشه بما بين يديه، من غير فرق بين كونه مضطرا إلى الكلي غير المنطبق إلا على واحد منهما، أو إلى الكلي المطلق، فعلى هذا يسقط الوجه الأول،


1 - كفاية الاصول: 408 - 409. 2 - لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 463 - 464. 3 - فرائد الاصول 2: 426. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 463. (*)

[ 493 ]

لأن ما هو مورد الاضطرار غير ما هو مورد التكليف، ولو صح ما في " الكفاية " (1) يلزم جواز رفعه بالإناءين وإن تمكن من رفعه بإناء آخر معلوم الحلية، مع أنه غير ملتزم به قطعا. وأما الوجه الثاني، فهو أيضا غير تام، لأن الاضطرار العقلي لا يسوغ التصرف، لإمكان ردع الشرع والتزامه بتبعاته، وليس هو مثل العجز، فلابد وأن يرجع إلى الشرع. وقياس ما نحن فيه بالعلم بالتكاليف (2)، في غير محله، ضرورة أن هناك تكاليف مستقلة، فإذا لزم من الاحتياط اختلال فلابد من التجزي فيه، بخلاف ما نحن فيه، فإنه تكليف واحد، فإذا ورد قيد أو قصور ذاتي لأجل شئ فلا وجه للاحتياط، لعدم انعقاد العلم طبعا. نعم، يمكن إجراء البراءة تشبثا بأن التطبيق مباح شرعا، والانطباق قهري، ولا يعقل التزام الشرع بعد ذلك بالحكم، فإذا كان العلم لاحقا فلا يمكن تأثيره. وغير خفي: أن التطبيق لا يحصل إلا فيما يتعقبه الارتكاب ورفع الاضطرار، فلا تجري قاعدة الإباحة في الطرف كي يقال بالمعارضة والسقوط. فمجرد تمامية المقتضي وفقد المانع - بمعنى أن العلم قابل للتأثير، ولا يمنع عنه شئ - غير كاف، بل بعد كون الجهالة بالموضوع موجودة، والاضطرار وإن لم يتعلق بالخارج، ولا بمتعلق التكليف، يجوز قصور العلم، للزوم ترخيص الشرع في مورد يجوز كونه مورد التحريم، وهذا مستحيل، فلا يبقى التكليف الصالح، ولا العلم بالتكليف الفعلي، كي تلزم قاعدة الاشتغال بوجوب الاحتياط في الطرف، والسر أن إباحة التطبيق شرعية، وهي تمنع عن التنجيز. وهذا أولى مما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره) (3) لما فيه نقاط ضعف، من


1 - كفاية الاصول: 408 - 409. 2 - فرائد الاصول 2: 426، درر الفوائد، المحقق الحائري: 463. 3 - نهاية الأفكار 3: 351. (*)

[ 494 ]

قبيل التمسك بعلية العلم الإجمالي، وقد مر فسادها (1). ولا يتم جوابه (رحمه الله) من بقاء مطلق الفعلية، دون الفعلية المطلقة، فيجب الاحتياط (2)، ضرورة أنه مما لا يرجع إلى مطلب صحيح إلا إلى الوجوب المشروط. وأما حديث التكليف الناقص كما ذكره في الواجب التخييري (3)، فهو أيضا مما لا يصلح للركون إليه، لأنه إن اقتضى الجواب فهو تام عندنا، وإلا فلا، وتفصيله في مقامه (4). ومن هنا يتبين: أنه لا يكون هناك توسط في التكليف، ولا توسط في التنجيز اللذان وقعا في كلام العلمين: الأراكي (5)، والنائيني (رحمهما الله) (6) فإن كل ذلك غفلة عن الإباحة المذكورة المتعلقة بالمعين. وأعجب من ذلك ما في كلام الثاني (رحمه الله) من اختيار التوسط في التنجيز من وجه والتكليف، بتوهم أن الاضطرار يصدق على ما به يرتفع (7) ! ! وأنت خبير بما فيه صدقا، وبما هو لازم من جواز ارتكاب المجموع، للزوم كون التخيير مستندا إلى الشرع، وهو مضافا إلى بطلانه لا يجامع الفعلية المطلقة. ولعله أشار إلى جميع ما قيل بقوله: " فتأمل ". لأحد دعوى: أن الإباحة الظاهرية لا معنى لها، لما لا شك، والإباحة الواقعية غير قابلة للجعل، بل الحظر مجعول، وإلا فالأشياء على الإباحة والحلية الأصلية. ويندفع: بأن الواقعية قابلة للجعل حذاء توهم الحظر، وللمالك الحقيقي المنع


1 - تقدم في الصفحة 391. 2 - نهاية الأفكار 3: 352. 3 - نهاية الأفكار 1: 391 - 392. 4 - تقدم في الجزء الرابع: 26. 5 - نهاية الأفكار 3: 352 - 353. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 104 - 108. 7 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 107. (*)

[ 495 ]

عن كافة التصرفات، فعلى هذا يمكن ذلك، ويكفي لكشف رضاه وحليته عدم منعه هذا. مع أن للشك مجالا، لاحتمال عدم جواز رفع الاضطرار بما يحتمل كونه محرما في الواقع، فقضية أدلة الإباحة الشرعية المنع عن تأثير العلم طبعا. بحث: حول صورتي تقدم العلم على الاضطرار بقي الموردان الآخران: وهما صورة تقدم العلم على الاضطرار إلى المعين، أو غير المعين، ضرورة أنه يؤثر أثره حدوثا، وليس التكليف مراعى بعدم طرو الاضطرار، كي يكشف بعد طروه عن فقده من الأول، فالتقييد بالأدلة الشرعية ينتج انتفاء الحكم بقاء بطرو الاضطرار فيما إذا كان إلى المعين. نعم، في الصورة الثانية لا تقييد، لما عرفت. إلا أنه لا يبقى على كل تقدير العلم بالتكليف الفعلي، لاحتمال كون المشروب هو المعلوم المحرم في البين. وما توهمه بعضهم من بقاء العلم في الصورة الثانية، لأن التطبيق على الطرف الواحد بحكم العقل (1)، غير تام، لأن احتمال الانطباق لا يجامع بقاء المعلوم يقينا. نعم يحتمل بقاء المحرم. وعلى هذا، ينتفي العلم قطعا دون أثره، لما أن التنجز ليس من الآثار التوليدية، بل هناك مجرد إدراك على نعت القضية الشرطية، ضرورة أنه في موارد العلم الإجمالي ليس إلا العلم بالحجة الإجمالية، فلا يعقل ترتيب القضية البتية، فإذا أدرك العقل حين العلم أنه لو صادف ما يرتكبه الواقع يؤاخذ ويستحق العقوبة، تكون هذه القضية باقية. ولكن الإنصاف: عدم كفاية ذلك أيضا، لأن الإدراك بمبدئية العلم وإن لم يكن


1 - منتهى الاصول 2: 266 - 267، تهذيب الاصول 2: 275. (*)

[ 496 ]

العلم مؤثرا ومفيض الوجود، ولكنه دخيل ثبوتا حدوثا وبقاء في ذلك. وأما التمسك بأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية (1)، فهو أيضا محل منع في مثل المحرمات، فإنه ليس هناك إلا لزوم الانزجار عن الزجر بترك المبغوض المكلف به، وليس اعتبار في الذمة وإن قيل به أو قالوا في مطلق الواجبات (2). ولكن قد عرفت: أن الواجبات خارجة عن أدلة الاضطرار لجهتين، والمحرمات مندرجة، فالقاعدة المعروفة هنا لا تنفع شيئا، فاغتنم وتدبر، فإنه حقيق به. فتحصل: أن هناك بحثين: بحث بقاء العلم إلى ما بعد الاضطرار، وقد عرفت امتناعه. وما في كلمات بعضهم: من بقاء التكليف المتوسط الناقص (3)، لا يجدي. وبحث بقاء أثر العلم بالنسبة إلى الطرف، وهو أيضا ممنوع صناعة بعد كون المعلوم محتمل الانتفاء، والعلم منتف طبعا. نعم، تبقى دعوى حكم العقلاء والعقل. وأما دعوى: أن الترخيص يناقض القول بالعلية التامة دون الاقتضاء، فيلزم التفصيل (4)، فهي غير تامة، لما مر من فساد أصل هذه المسألة (5)، وأن التكليف لا يكون ذا مراتب في الفعلية، وأن العلم لا يوجب كونه ذا مراتب، فحينئذ احتمال المناقضة موجود، ويرتفع بما ارتفع به في الشبهة البدوية من كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.


1 - حقائق الاصول 2: 296 - 298. 2 - العروة الوثقى 2: 448، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8، درر الفوائد، المحقق الحائري: 342، ولاحظ ما تقدم في الجزء السادس: 194 و 258 - 259. 3 - نهاية الأفكار 3: 352. 4 - نهاية الأفكار 3: 351. 5 - تقدم في الصفحة 391. (*)

[ 497 ]

بيان آخر للقول بالاحتياط في الطرف: وهو أن العلم الإجمالي قد نجز الواقع بالضرورة، وبذهاب العلم وإن لم يدرك العقل تنجز التكليف، إلا أن جريان البراءة ممنوع، لاحتمال كون الطرف هو الواقع المنجز، والبراءة مخصوصة بالواقع الذي لا يحتمل تنجزه بمنجز سابق، ولذلك ذهب المشهور في موارد العلم الإجمالي بالأقل والأكثر في قضاء الصلوات إلى الاحتياط، نظرا، إلى أن العادة تحكم بتنجز تكليف القضاء بمضي الوقت، لتعارف الاطلاع عليه بعد انقضاء الوقت، واعتياد العلم به بعده، فتأمل. وإذا كانت البراءة الشرعية غير جارية في مورد لا تجري فيه العقلية والعقلائية، يتم المطلوب. ولكنه ممنوع. وبالجملة: ما اشتهر من بقاء أثر العلم (1)، أو بأن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية (2)، مما لاأصل له فيما نحن فيه. تنبيهات الأول: حول جواز شرب الإناء الثاني عند احتمال انتفاء الاضطرار إلى الأول لو اضطر إلى شرب المائع المردد بين الحلال والحرام، فهل يجوز شرب الإناء الثاني مع احتمال انتفاء اضطراره بالأول ؟ أم يجب الاصطبار كي يعلم بارتفاع اضطراره أو بقائه ؟


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 463، تهذيب الاصول 2: 274. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 463، حقائق الاصول 2: 296 - 298، تهذيب الاصول 2: 275. (*)

[ 498 ]

أو يجوز البدار إلى الإناء الباقي، استصحابا للعنوان ؟ أم نفس الاحتمال يوجب صدق الاضطرار، فلا يبقى مورد للشك ؟ في ذلك وجوه. ثم إن من صور الاضطرار: أن يلتفت بعد العلم الإجمالي باضطراره قبل العلم إلى الإناء المعين، فإنه لا يبعد أن يكون حكمه حكم الاضطرار السابق الملتفت إليه. وهذا غير الالتفات إلى اليقين الاستصحابي بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين، فإنه يجوز توهم تنجيز العلم بالنسبة إلى الطرف، لتمامية الشرائط، والانحلال المتأخر عن التنجيز، لا يوجب الترخيص في الطرف عندهم (1). الثاني: فيما لو علم بطرو الاضطرار لو علم أولا، ثم علم بطرو الاضطرار إلى الإناء المعين بعد ساعة، أو بالعكس، فهل العلم بطرو الاضطرار بعد زمان - ولو كان قصيرا - يوجب قصورا في تأثير العلم الإجمالي، كي يجوز التصرف في الطرف قبل طرو الاضطرار، أم لا ؟ الثالث: في وجوب الفحص عن الفرد المحرم لرفع الاضطرار بغيره حيث إن المعروف عدم وجوب الفحص عن غير الشبهات الحكمية (2)، فهل فيما نحن فيه إذا تمكن من الاطلاع على الفرد المحرم يجب ذلك، كي يرفع اضطراره بغيره، أم لا ؟


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 462 - 463، حقائق الاصول 2: 296، تهذيب الاصول 2: 274. 2 - فرائد الاصول 2: 524، كفاية الاصول: 374 - 375، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 271، مصباح الاصول 2: 488. (*)

[ 499 ]

لا يبعد ذلك، ضرورة أن المضطر إليه هو الجامع الذي لاحكم له بما هو هو، فعندئذ يجب التحفظ على المحرم الواقعي الموجود، كي يكون على عذر عقلائي أو عقلي. نعم، ربما يخطر بالبال أن الجامع بين المحرم والمحلل، ليس بلا حكم، لأن طبيعة الجنس موجودة مع النوع، فالمائع المضطر إليه ليس على الإطلاق بلا حكم، ضرورة أنه في ضمن صوره الخمر محرم وإن يمكن سلب الحرمة عنه بما هو هو، إلا أنه لا ينفع الحيثية والتفكيك بين الحيثيات في المقام، ولذلك لا يعقل أن يرد دليل على حلية المائع، وحرمة الخمر، إلا أن يجمع بينهما بالتقييد. اللهم إلا أن يقال: إن حيثية الاضطرار غير ما اشير إليه، فعندئذ يجوز الاضطرار إلى حيثية المائع من غير كونه ساريا إلى الموجود في الحرام. إلا أن يقال: بأن الإطلاق في متعلق المضطر إليه هي السارية، وهو باطل، فافهم واغتنم. الرابع: في الاضطرار إلى ترك الواجب قد مضى في مطاوي بحوثنا: أن الاضطرار إلى ترك الواجب، لا معنى له إلا برجوعه إلى انتفاء القدرة العادية على إتيانه، فيكون خارجا عن المسألة. مع أنه لا يشمل أدلة الاضطرار ترك الواجبات، لما لاحكم له شرعا، فلو اضطر إلى ترك السورة فلا دليل على تصحيح الصلاة، لأن بطلان الكل بترك الجزء عقلي. نعم، لو اضطر إلى إيجاد المانع فلا بأس به، كما لا يخفى. وربما يقال: إن حديث ترك الواجب كحديث استصحاب عدم الموضوع، فكما يرتفع الموضوع باعتبار حكمه، كذلك فيما نحن فيه، فيرفع حكم السورة وهي الجزئية.

[ 500 ]

وفيه: - مضافا إلى أن المسألة هناك أيضا مشكلة إلا على القول بأمارية الاستصحاب الشرعية، كما هو الأظهر - أنه يستشم فرق بينهما، ضرورة أن ترك السورة مورد الاضطرار على معناه الاسمي الملتفت إليه، بخلاف عدم زيد، أو عدم عدالته، فإن المستصحب قضية، وهي " أن زيدا لم يكن عادلا، والآن ليس عادلا " فالقضية سالبة محصلة، والعدم لا يضاف إلى شئ إلا في كلمات القوم تسهيلا، فما في تعابيرهم " من استصحاب الأعدام المضافة " من الغلط الواضح. وبالجملة: عندئذ يجوز لأحد دعوى أن التعبد بأن زيدا ليس بعادل - باعتبار انتفاء حكم العادل عنه - جائز، بخلاف ما نحن فيه، فليتدبر. التنبيه العاشر في ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي من الامور التي وقعت مورد بحثهم في المقام: حديث نجاسة الملاقي لأطراف المعلوم بالإجمال. وهذا مضافا إلى كونه مسألة فقهية خاصة، غير مناسب لجهة البحث هنا، فإن الفحص عن موارد العلم الإجمالي ليس دأب الاصولي، وإنما دأبه التفتيش عن حدود شرائط تنجيز العلم، وأما أن في المقام تكون الشرائط موجودة أم لا، فهو يطول كما لا يخفى. ولعمري، إن بعض المباحث الاخر كمسألة الاضطرار أيضا من هذا القبيل، إلا أنه لكونه مما يبتلى به في الفقه فلا بأس به، ككثير من المباحث الاصولية. وأما حديث نجاسة الملاقي، فهو موكول تفصيله إلى الفقه، وتنقيحه على وجه يناسب المقام يتوقف على تقديم امور وجيزة، والبحث عن جهات عديدة:

[ 501 ]

الأمر الأول: في أن ملاقي النجس نجس بعنوانه قد اتفقت آراؤهم بعد القول بمنجسية النجس، على أن المتنجس محكوم بأحكام النجس على الإطلاق إلا ما خرج بالدليل، وله الاستقلال في الحكم. ويظهر من الأدلة (1) بعد الاعتراف المذكور: أن الشرع اعتبر ملاقي النجس بعنوانه من النجس، فكلما تحقق في الخارج يجب الاجتناب عنه، من غير دخالة الملاقى - بالفتح - في حدوث الحكم. بل هو يمتنع، لأن الحكم يترشح من قبل المبادئ الموجودة عند الحاكم، وإنما الملاقاة توجب تحقق الموضوع، كسائر موجبات تحقق الموضوعات الشرعية. ومن الغريب ما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره) هنا: من توهم ترشح الحكم بسببية الملاقاة (2) ! ! فليراجع. وغير خفي: أن ما نسب إلى ابن زهرة: من أن الملاقي - بالكسر - ليس مخصوصا بحكم (3)، يرجع إلى إنكاره نجاسة الملاقي بعنوانه، ولا يترتب على مسلكه بحث فيما نحن فيه، ضرورة أن الاختلافات الكثيرة في هذه المسألة، ناشئة عن مقالة المشهور (4). وما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله): من أخذ مقالته وجها لوجوب الاجتناب عن الملاقي فيما نحن فيه (5)، غير سديد.


1 - وسائل الشيعة 1: 206، كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 5، الحديث 2، و 3: 441 - 444، أبواب النجاسات، الباب 26. 2 - نهاية الأفكار 3: 355. 3 - الغنية، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية 2: 379، فرائد الاصول 2: 423. 4 - فرائد الاصول 2: 423، نهاية الأفكار 3: 355، منتهى الاصول 2: 269 - 270. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 79، أجود التقريرات 2: 257. (*)

[ 502 ]

كما أن ما في كلام الأراكي (رحمه الله): من إحداث الاحتمال الثالث (1)، ناشئ عن الغفلة جدا، فإن التعبد الشرعي الجديد لازم بعد الملاقاة، سواء قلنا بالسراية، أو لم نقل، ضرورة أن السراية بتوسط الأجزاء العقلية ممكنة، مع أنها طاهرة عرفا وشرعا، كأجزاء الدم المعبر عنها عرفا ب‍ " لون الدم " فليلاحظ. ومما ذكرنا يظهر: أن إطالة الكلام حول الثمرة والشجرة (2)، غير تام، مع أنها فاسدة جدا. وقد ملئت كلماتهم هنا بنقاط الضعف وفساد المنهج بما لا مزيد عليه، ولو لم تكن مخافة الإطالة، لكشفنا عنها الغطاء، ضرورة أن في باب الأموال تكون الشبهة منجزة من غير الحاجة إلى العلم. نعم، في مثل العلم الإجمالي ببطلان الظهر أو العصر، ثم العلم بأن الظهر لو كان صحيحا يجب الاحتياطية، يلزم طرفية الاحتياطية والعصر، ويلزم البحث المشابه لمبحثنا هنا، فليتدبر. الأمر الثاني: حول جريان البحث على المباني المختلفة بناء على ما تحرر عندنا من جريان الاصول وقاعدتي الحل والطهارة في أطراف العلم الإجمالي وعدم سقوطها (3)، لاثمرة في هذه المسألة، ولابحث جديد. كما أن الأمر كذلك على القول بالتخيير في الأطراف، وجواز المخالفة الاحتمالية. فالبحث ينفع على القول بالمساقطة (4)، أو عدم الجريان (5)، على اختلاف


1 - نهاية الأفكار 3: 354. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 73 - 76. 3 - تقدم في الصفحة 358 و 372. 4 - مصباح الاصول 2: 357. 5 - نهاية الأفكار 3: 307 - 308. (*)

[ 503 ]

تعابيرهم من " العلية " و " الاقتضاء " وغير ذلك. الأمر الثالث: في صور الملاقاة الصور في المسألة كثيرة، فإن الملاقاة تارة: تكون مقدمة على العلم بنجاسة الأطراف، واخرى: مؤخرة. وعلى كل تقدير تارة: يعلم بأن الملاقاة وقعت مع الإناء المعين، واخرى: لا يعلم، ولكنه يعلم بملاقاته مع أحد الأطراف. وعلى كل تقدير تارة: يكون الملاقى في ظرف وجود حكم الملاقي - بالكسر - موجودا، واخرى: يكون تالفا، أو خارجا عن محل الابتلاء، أو غير ذلك. وربما يعلم إجمالا: بنجاسة الإناء الشرقي أو الغربي، ثم بعد ذلك يعلم بنجاسة الإناء الشمالي أو الغربي، مع الالتفات إلى أن الشرقي لو كان نجسا فهو لأجل ملاقاته مع الشمالي. وربما تختلف الصور باختلاف الطوارئ، كالخروج عن محل الابتلاء، ثم العود إليه، أو العلم بالعود إليه. وهكذا بالنسبة إلى الاضطرار الطارئ على الملاقي - بالكسر - والطرف، ثم يتبين أن الملاقى - بالفتح - موجود من غير أن يكون طرف الاضطرار. ويكفيك عن الكل ما يذكر من الصور الرئيسة إن شاء الله تعالى. إذا عرفت هذه الامور، فالذي هو التحقيق تنجيز العلم لجميع الآنية العرضية والطولية، وقضية العقل لزوم الاجتناب في جميع الصور بأنحائها، وذلك لامور نشير إليها. وإن شئت قلت: البحث يقع في مقامين:

[ 504 ]

المقام الأول: في مقتضى العلم الإجمالي وهنا امور: فمنها: أنه ربما يستدل على بطلان شئ أو صحة شئ بالأدلة الكثيرة العقلية، ويعبر حينئذ ب‍ " أن البراهين الكثيرة قائمة على بطلان التسلسل " أو " على تناهي الأبعاد " مع أن حقيقة البرهان ما تعطي اليقين، ولا يعقل العلم بالشئ مرتين، والانكشاف الثاني للشئ بعد الانكشاف الأول، فيكون ما هو البرهان هو الموجب للعلم، والباقي صالحا لكونه برهانا، كما أشرنا إليه في " قواعدنا الحكمية " (1)، هذا في باب البراهين العقلية على المسائل الواقعية التكوينية والمباحث الفلسفية. وأما في باب الاحتجاجات الرائجة بين الموالي والعبيد، فربما تكون رواية معتبرة واحدة صريحة في وجوب صلاة الزلزلة مثلا، فإنها حجة صالحة للاحتجاج، وتكون كاشفا عرفيا من غير النظر إلى كشفها في محيط التعذير والتنجيز، ولذلك تكون حجة ولو كان الظن الشخصي على خلافها. فهل إذا كان في تلك المسألة روايات ثلاث، يكون الخبر الأول حجة دون الأخيرين ؟ أم الحجة هو الفرد اللابعينه، أم المجموع، أو الجامع، مع أن على الاحتمال الأول يلزم عدم حجيتهما، بحيث لو انكشف الخلاف بالنسبة إلى صدور الأول مثلا، لا يكون الثاني حجة. أم الإنصاف يشهد على أن كل واحد صالح للاحتجاج، ويصير الواقع قابلا للتنجيز بكل واحد، وليس التنجيز إلا بمعنى ثبوت صلاحية الاحتجاج بكل واحد، ويستحق العقوبة عند الإصابة. وهذا هو معنى التوسط في التنجيز، لأن الخبر


1 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) مفقود. (*)

[ 505 ]

الموثوق به ربما لا يكون مصيبا، فلا يوجب التنجيز إلا عند الإصابة وعلى تقدير، بخلاف العلم عند العالم، فإنه يرى نفسه مصيبا، ويكون الواقع منجزا عنده على كل تقدير. فعلى ما تحرر، لا بأس بتراكم المنجزات الكثيرة على أمر واحد بالضرورة، والخلط بين ما نحن فيه، وبين المسائل التي تكون مورد الانكشاف بالبراهين والحجج، غير جائز كما هو الواضح، فإن هناك لايتراكم، لما لا يحصل بالنسبة إلى شئ واحد علمان، أو انكشافان مستقلان، دون ما يوجب زيادة العلم واشتداده، وأما هاهنا فيجوز تراكم المنجزات، كقيام الصحاح على حكم واحد شرعي، ويكون الكل منجزا، بمعنى أنه يجوز لكل من المولى والعبد، الاحتجاج بكل واحد منها، كما لا يخفى. إذا تبينت هذه الوجيزة يظهر: أن العلم الإجمالي بنجاسة الإناء الشرقي أو الغربي، ليس إلا موجبا لتنجيز الكبرى الشرعية الثابتة بالأدلة الظاهرية، وإذا لاقى الشرقي إناء آخر يحصل العلم الثاني بالنسبة إلى الطرف والملاقي - بالكسر - فيكون في جانب الطرف تراكم المنجزات، وقد عرفت جوازه. ولعمري، إن هذه الغائلة والعويصة فيما هو مفروض القوم منحلة، ولنشكر الله تعالى على ذلك. والقول: بأن المتنجز لا يتنجز (1)، ليس مثل أن المتنجس لا يتنجس، أو النجس لا يتنجس - على إشكال في إطلاقهما - وذلك لأن التنجيز معنى تعليقي، أي يجوز للعبد الاحتجاج بالخبر الموجود، ويجوز للمولى ذلك، وليس صفة التنجيز كصفة الانكشاف والمعلومية داخلة تحت المقولات الحقيقية، بل هي مجرد إدراك عقلي تعليقي قابل للتكثر، كما نجد وجدانا صلاحية كل من الأخبار المتعددة


1 - تهذيب الاصول 2: 300 - 301. (*)

[ 506 ]

للاحتجاج، وليس المجموع أو الجامع حجة كي يستشكل عقلا في ذلك، كما لا يسقط الكل عن الحجية لأجل هذه الشبهة بالضرورة. وغير خفي: أن اطلاع الفقيه على خبر بعد خبر، لا يوجب كون الحجة هو الخبر الأول، بل كلاهما واصل إليه عرضا، لأن الوصول إليه يحصل بمجرد وجودهما في الكتب المعدة لهما، فلا تغفل. فإذا تبينت حال هذه الصورة فالصور الاخر أيضا واضحة. وأنت خبير: بأن أساس برهان القوم على إنكار التنجيز بالنسبة إلى الملاقي - بالكسر - مع وجود الملاقى والطرف، وبعد كون العلم بالإنائين مقدما على العلم بالملاقاة، هو حديث تراكم المنجزات وامتناعه، وأن العلم الثاني بلا أثر (1). ولا ينبغي الخلط بين كون العلم الإجمالي بلا أثر، كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة بول في الكر أو على ثوبه، وبين ما نحن فيه، فإن في الأول لا يعلم بتكليف إجمالا، بل يعلم بتكليف تفصيلا، ويشك بدوا، وأما فيما نحن فيه فإنه كما يجوز للمولى الاحتجاج على شرب الطرف إذا صادف الواقع بالعلم الأول وقيام الحجة، يجوز الاحتجاج بالثاني، ولا يعتبر هنا حدوث التكليف على حدة بالنسبة إلى كل طرف، بل هنا يعتبر حدوث الحجة على حدة على التكليف المحتمل في الملاقي، وهو حاصل على كل تقدير، لأن العلم الثاني حجة على المعلوم الأول والمعلوم الثاني، وحجة ثانية على المعلوم لو كان في الطرف، والحجة على الحجة واقعة في الخارج، فضلا عن جوازها، ولا يعتبر عدم سبق المنجز لتنجيز المنجز الثاني بالضرورة. تنظير وتقريب: لو قامت البينة على نجاسة أحد الإناءين، ثم قامت البينة الاخرى على نجاسة الطرف وشئ آخر، فهل ترى جواز طرح البينة بالنسبة إلى


1 - كفاية الاصول: 411 - 412، منتهى الاصول 2: 271 - 272، تهذيب الاصول 2: 300 - 301. (*)

[ 507 ]

الشئ الثالث، نظرا إلى امتناع تنجز الطرف مرارا ؟ ! وهكذا لو خالف الفقيه التكليف الواصل إليه بخبر معتبر عنده، ثم اتفق له وجود خبر آخر دال على ذاك التكليف، وكان ذلك الخبر في غير المحل المعد للأخبار، فهل ترى أنه يعد متجريا إذا صادف كذب الخبر الأول صدورا، وصدق الخبر الثاني، نظرا إلى أن ما هو الحجة هو الأول، ولا يعقل تعدد الحجة على شئ واحد، أم هو عاص، ويستحق العقوبة، لوجود الخبر الحجة ؟ وكل ذلك لأجل ما أشرنا إليه. فالقول بالبراءة في جميع الصور، كما كان عليه الوالد المحقق في دورة، أو في هذه الصورة التي هي القدر المتيقن بين القائلين بالتفصيل (1)، بلا وجه. وعلى هذا لاوقع للقول بأصالة عدم تنجس الملاقي (2)، لكونها معارضة مع الأصل المذكور الجاري في الطرف، وهكذا قاعدة الطهارة وغيرها. ومن الغريب تمسك بعضهم في مثل ما إذا علم بأن أحد الميتين ميت مؤمن يجب غسله، بأنه لو لاقى بعض الأطراف لا يجب عليه غسل مس الميت، لعدم ثبوت المس على الميت الخاص ! ! غافلا عن العلم الإجمالي بأنه إما يجب عليه غسل مس الميت، أو غسل الميت غير الممسوس. واستصحاب عدم تحقق المس الموجب، معارض باستصحاب عدم وجوب غسل مس الميت المشار إليه، أو بالبراءة لو قلنا بعدم جريان الاستصحاب المذكور. وأمثال هذه الحكايات المشبوهة كثيرة في كتب المحصلين من الاصوليين، والأمر سهل.


1 - تهذيب الاصول 2: 299 - 301. 2 - مصباح الاصول 2: 410 - 411. (*)

[ 508 ]

فذلكة الكلام إن في موارد وجود الأخبار الكثيرة على حكم واحد إما يكون الواقع متنجزا بالمجموع، أو الجامع، أو الواحد لا بعينه، أو الواحد المعين، أو لا يتنجز رأسا، لامتناع الاحتمالات الاخر، أو يتنجز بالمنجزات المتعددة على الوجه المذكور: وهو أن منجزية الخبر الواحد ليست صفة ثبوتية له ولا المنجزية - بالفتح - صفة تكوينية ثبوتية للحكم، بل الحجية تنحل إلى التعذير والتنجيز، ومعناهما أن كلا من المولى والعبد يجوز لهما الاعتذار والاحتجاج بالخبر المذكور، فيكون كل واحد من الأخبار قابلا لذلك. ودعوى: أن الكثير بعد وحدة المضمون يرجع إلى واحد، غير تام كما ترى، فإن وحدة المضمون غير وحدة الحاكي، وليس هنا بحث حول انكشاف الحكم الواقعي بالخبر، كي يقال: لا يتعدد الانكشاف. كما أن الأمر كذلك في باب العلم الإجمالي فيما نحن فيه. فعليه يصح للمولى الاحتجاج بالعلم الثاني على الطرف بالضرورة، فإذا صح الاحتجاج به على الطرف، صح على الملاقي - بالكسر - وإذا كانت الحجة تامة وقابلة للاحتجاج على الملاقي، يلزم الاحتياط، لما لا نريد من " التنجز " إلا جواز الاحتجاج بالعلم الثاني في مورده، فافهم واغتنم. ومنها: أنه يمكن دعوى: أن الصورة العلمية في مورد العلم الإجمالي إذا كان بين طرفين، تنعدم وتفنى إذا صارت الأطراف ثلاثة. مثلا: لو كان يعلم إجمالا بأن أحد الماءين نجس، أو زيدا أو عمرا جنب، ثم بعد ما استقر العلم التفت إلى أن الأمر متردد بين ثلاثة، لا تكون الصورة السابقة محفوظة كي تزيد الصورة التصورية الاخرى بهما، بل تلك الصورة التصديقية

[ 509 ]

المرددة تفنى وتوجد صورة ترددية اخرى ثلاثية الأطراف، ضرورة أن معنى الترديد الأول والمنفصلة الاولى، انحصار النجاسة بأحدهما، وإذا زادت يلتفت إلى جهالته، وأنها صورة جهل لاعلم، فتوجد قضية علمية اخرى متشخصة بالأطراف الثلاثة. وهذا مما يصدقه الوجدان والبرهان. وليس ما نحن فيه بمثابة تكثير عمود السقف المركون على عمودين، فإنه مجرد تخيل، ضرورة أن وجود الصور التي هي عين العلم عين الربط بالنفس، كما لا يخفى على أهله. فعلى هذا، إذا علم في الصورة المذكورة بنجاسة أحد الإناءين، ثم لاقى أحدهما ثوبه، فلا تبقى عنده الصورة الاولى، لما يجد طبعا بأن القضية الملفوظة اختلفت، وتشكلت هنا قضية ترديدية اخرى بالضرورة، وهي تحكي عن حدوث القضية الذهنية الجديدة، وعن اضمحلال الصورة الذهنية الاولى. وتوهم: أن في الفرض الأول يتوجه إلى جهله بالمنفصلة الثنائية، وأنها كانت منفصلة ثلاثية، بخلاف ما نحن فيه، لأن المنفصلة أيضا باقية على الثنائية، ويجوز للنفس التغافل عن الملاقي - بالكسر - الذي هو بحكم الذنب للملاقى - بالفتح - فلا يلزم اضمحلال الصورة الاولى. نعم، له أن يلتفت إلى أن هنا يجوز تشكيل القضية الثنائية مع خصوصية زائدة: وهي أن الطرف إما نجس، أو الملاقى والملاقي. مدفوع: بأن التغافل مما لا بأس، وأن بين المفروض أولا وما نحن فيه فرقا، إلا أنه غير كاف، لامتناع بقاء الصورة الاولى، لأنه وجدانا يعلم على نحو آخر، ولا يعقل دخول الملاقي في محط العلم، كدخول عمود في عمد البيت كما قد يتوهم، وقد مر الإيماء إليه، فقهرا تفنى الصورة الاولى بالضرورة. نعم، يجوز في مقام القضية الملفوظة ذكر الملاقي - بالكسر - وعدم ذكره، إلا

[ 510 ]

أنه لا يوجب بقاء تلك الصورة المتشخصة بالمعلوم النجس الواحد في البين. مع أنه هناك نجسان على تقدير، فلا تذهل. إن قلت: لو سلمنا ذلك، ولكنه لا يورث العلم الحادث تنجزا بالنسبة إلى الملاقي، لأن الطرف والملاقى - بالفتح - قد تنجزا بالعلم الأول، وقد عرفت بقاء الأثر وإن لم يبق العلم في التنبيه السابق (1). قلت: ولكنك أحطت خبرا بأنا وإن اخترنا في موضع من الكتاب بقاء الأثر (2)، ولكنه بعد التأمل والتدبر انتقلنا إلى فساده، وأنه لا يمكن توجيه بقاء تنجز العلم بدونه بما لا مزيد عليه (3)، فعندئذ يستند التنجز فيما نحن فيه إلى العلم الحادث، فتكون هذه الصورة كصورة تقدم الملاقاة على العلم المتعلق بالطرف والملاقى وما لاقاه معا، الذي اختار جمع وجوب الاجتناب في مورده، كالعلامة الخراساني (4) و " التهذيب " (5) وغيرهما (6)، فعلى هذا يتعين القول بالاحتياط في جميع أقسام المسألة وصورها، وسيمر عليك حكم الاصول اللفظية. ومنها: أن العلم الإجمالي الثاني وإن لم يوجب انحلال العلم الأول، ولكنه يستند في مرحلة البقاء التنجز إليهما معا. وفيه: أنه إن قلنا باشتراط منجزية العلم بعدم سبق المنجز، فلا يصح العلم الثاني، وإن قلنا بعدم الاشتراط، فيكفي كل واحد من العلمين على تقدير عدم الانحلال، فلا تغفل.


1 - تقدم في الصفحة 495. 2 - تقدم في الصفحة 394. 3 - تقدم في الصفحة 495. 4 - كفاية الاصول: 412. 5 - تهذيب الاصول 2: 301. 6 - مصباح الاصول 2: 417. (*)

[ 511 ]

المقام الثاني: حول مقتضى الأصل ذهب الشيخ وجماعة إلى عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ولو كان متنجزا بالعلم الأول، أو بالعلم الثاني على تقريب مني، وذلك لأن التنجيز لا ينافي جريان الأصل النافي، إذا لم يكن مخالفة عملية في البين، كما نحن فيه، فإن المعارضة بين الاصول في الأطراف غير معقولة، ضرورة أن الأصل الجاري في الملاقي والملاقى - بالفتح - طولي، والشك في الملاقي - بالكسر - مسبب عن الشك في الملاقى، فعليه تقع المعارضة والتساقط بين الأصلين الجاريين في الطرف والملاقى - بالفتح - فيبقى الأصل في الملاقي سليما وإن كان العلم حادثا، أو كان العلم بعد الملاقاة، أو قلنا بالتنجيز على الوجه الأول الذي مر منا. فمجرد التنجيز العقلي لا يكفي لإيجاب الاحتياط، ولذلك قالوا بالتنجيز في الصورة المذكورة: وهي صورة تأخر العلم عن الملاقاة، ومع ذلك اختاروا جريان الأصل بلا معارض، للاختلاف الرتبي (1). ومن الغريب توهم عدم كفاية الاختلاف الرتبي في القوانين الشرعية (2) ! ! مع أن الأصل السببي عندهم مقدم على المسببي اللذين هما في رتبتين، مع وحدة زمانهما في كثير من الأمثلة، فلا يلزم تأخر المسبب زمانا في انطباق القوانين الشرعية، كما هو الواضح. وبالجملة: يظهر من الشيخ (رحمه الله) وجماعة: أن العلم الإجمالي بالنسبة إلى الملاقي في صورة، والملاقى في صورة، إما غير منجز رأسا، فتجري القواعد الظاهرية الشرعية، أو منجز، ولكن لمكان عدم المعارضة، وعدم لزوم المخالفة


1 - لاحظ فرائد الاصول 2: 424 - 425، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 82 - 84، نهاية الدراية 4: 289. 2 - أنوار الهداية 2: 243، تهذيب الاصول 2: 305 - 306 و 307 - 309. (*)

[ 512 ]

العملية، تجري في الملاقى في الصورة الاولى، بل في الملاقي - بالكسر - أيضا حتى في صورة تقدم العلم الإجمالي بالنجاسة بين الملاقي والطرف على العلم الإجمالي بالملاقى - بالفتح - والطرف، نظرا إلى أن العبرة بتقدم المعلوم في الرتبة، دون العلم، فلا يتنجز الحكم بالنسبة إلى الملاقي - بالكسر - للانحلال. أو لو كان متنجزا فرضا لا تجري أصالة الطهارة والحل بالنسبة إلى الملاقى - بالفتح - لأن الشك في نجاسة الملاقي ناشئ عنه، ولا معنى لتعارض الأصل الجاري في المسبب مع السبب، فيكون التعارض مستقرا بين الاصول الجارية في الملاقى - بالفتح - والطرف، وتكون سليمة في الملاقي ولو كان قد تنجز (1). هذا غاية ما يمكن أن يقال في المسألة، وإن كانت عباراتهم مختلفة ومطولة وغير جامعة. ففي جميع الصور لا يلزم الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - إما عقلا، أو شرعا. نعم، تبقى صورة: وهي ما إذا علم إجمالا بوجوب الاجتناب عن الملاقى - بالفتح - الذي هو خارج عن محل الابتلاء، دون ملاقيه أو الطرف، أو اضطر إلى التصرف في الملاقى - بالفتح - ثم علم إجمالا بوجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - والطرف، أو غير ذلك من صورة امتناع التكليف بالنسبة إلى الملاقى - بالفتح - فإنه ربما يقال كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله): إنه لا يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - في هذه الصورة أيضا، لأجل أن خروجه عن محل الابتلاء، لا يوجب سقوط الأصل الجاري فيه، بعد فرض الابتلاء بأثره الذي هو نجاسة ملاقيه، فإن لازمه هي معارضة الأصل الجاري فيه - بملاحظة هذا الأثر - مع الأصل الجاري في الطرف الآخر في الرتبة السابقة، فيبقى الأصل في الملاقي


1 - فرائد الاصول 2: 423 - 425، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 80 - 89، حاشية كفاية الاصول، البروجردي 2: 281 - 282. (*)

[ 513 ]

- بالكسر - في مرتبة جريانه سليما عن المعارض (1)، انتهى ملخصه، وسيأتي فساده (2). مع أنك تعرف وجهه حسبما حررناه، وإنما أشرنا إليه تتميما للشبهة في المقام، فعلى هذا على جميع التقادير تجري الاصول في الملاقي دون الملاقى - بالفتح - ودونهما، خلافا لما ذهب إليه " الكفاية " (3) و " التهذيب " (4) وجمع آخر من تلاميذه (5). والذي هو التحقيق: أن الاصول في الصور الرئيسة متعارضة، إلا أن التعارض أولا يكون بين الاصول الموضوعية والحكمية الجارية بين الأطراف في العلم الأول، ثم بين الجارية في الملاقي - بالكسر - والطرف في العلم الثاني، ضرورة أن الأصل الجاري في الطرف، ليس في طول الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - بالضرورة. وما قد يقال: " من أن ما مع المتقدم متقدم، فالأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - حيث يكون متقدما على الجاري في الملاقي بالسببية والمسببية، والجاري في الطرف في عرض الجاري في الملاقى - بالفتح - يلزم أن يكون الأصل الجاري في الطرف متقدما على الأصل الجاري في الملاقي، فلا يتعارضان " (6) فهو في محل المنع جدا، وهذه الكبرى باطلة حتى في التقدم الزماني وغيره، فضلا عن التقدم العلي والمعلولي، فإن ما مع المتقدم الزماني متقدم على المتأخر الزماني


1 - نهاية الأفكار 3: 363 - 364. 2 - يأتي في الصفحة 516. 3 - كفاية الاصول: 412. 4 - تهذيب الاصول: 300 - 302. 5 - نهاية الدراية 4: 282 - 288، نهاية الأفكار 3: 358، حقائق الاصول 2: 306 - 312. 6 - نهاية الدراية 4: 289. (*)

[ 514 ]

بملاك يخصه، لا بملاك المعية مع الزماني المقارن معه، فلا تذهل. وعلى هذا، هناك تعارضان لا معارضة واحدة، وذلك المتعارضان تارة: بين الإناءين المتعلق بأحدهما العلم أولا، ثم بين الملاقي والطرف، أو بين الملاقي والطرف في الصورة التي يكون العلم بلزوم اجتناب الملاقي، مقدما على العلم بلزوم الاجتناب عن الملاقى - بالفتح -. وأما الاختلاف بين العلمين: بأن العبرة هل هي بتقدم العلم، أو تقدم المعلوم (1) ؟ فهو ينحل على ما سلكناه من تنجيز العلم الثاني ما تعلق به (2)، فلا فرق بين الفرضين. مع أن الصور ربما تختلف من هذه الجهة، كما لا يخفى. فبالجملة: على القول بعدم تنجيز العلم الثاني يجوز التفكيك بين الصور، كما صنعه " الكفاية " (3) وجل المتأخرين (4)، وأما على القول بتنجيزه كما هو التحقيق الحقيق بالتصديق، فلا مورد لتوهمه، نظرا إلى عدم لزوم المخالفة العملية من الأصل النافي لعدم المعارضة. إن قلت: إن ما مع المتقدم متقدم غلط واضح، إلا أن الأصل الجاري في الطرف لا يمكن أن يعارض الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - في صورة، والملاقى - بالفتح - في اخرى، لأن ذلك الأصل يعارض الأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - أو - بالكسر -، لكونه في عرضه، فإذا سقطا فلا أصل في الطرف كي يعارض الأصل الجاري في الآخر. قلت: نعم، مثلا في الصورة الاولى ليس الأصل المسببي في عرض الأصل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 86، نهاية الأفكار 3: 359 - 360. 2 - تقدم في الصفحة 505. 3 - كفاية الاصول: 412. 4 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 216 - 229، نهاية الأفكار 3: 358 - 359، تهذيب الاصول 2: 300 - 302، مصباح الاصول 2: 424 - 425. (*)

[ 515 ]

السببي بالضرورة، ولا وجود لأصل الطرف كي يعارض الأصل المسببي، فلا حاجة إلى الكبرى الكلية الباطلة، كما اشير إليها، وعندئذ يبقى الأصل الجاري فيما يختص بالعلم الثاني بلا معارض. إلا أن انحلال القاعدة والكبرى الشرعية الظاهرية دائمي، وتابع للثمرة، وليس الساقط بالمعارضة إلا مصداقا من قاعدتي الحل والطهارة، دون كبراهما بالضرورة، وعندئذ بعد سقوط الأصل في الطرف بالمعارضة، يوجد مصداق آخر لمعارضة الأصل الجاري في المسببي، نظرا إلى العلم الثاني الموجود أو الفائدة المترتبة عليه، لبقاء الشك وجدانا. وأما توهم معارضة الأصل في المصداق الثاني بالأصل الجاري في الملاقى - بالفتح - فهو فاسد، لأنه لغو، وقد عرفت: أن انحلال كبريات الاصول يتبع الثمرات المترتبة عليه. والمحصول مما قدمناه: وجوب الاحتياط على الإطلاق، إلا على مسلكنا من جواز إجراء الاصول النافية للعلم على الإطلاق. وإذا خفت من ذلك فلا بأس بإجراء الأصل في الملاقى والملاقي معا، أو الطرف، كي لا تلزم المخالفة وإن كان جائزا كما عرفت تفصيله (1). فالقول بالمخالفة القطعية خلاف الاحتياط. وأما المخالفة الاحتمالية فدائما موجودة، فلا تذهل. بقي ذكر فروض لو علم إجمالا نجاسة أحد الإناءين، ثم اضطر إلى المعين، ثم لاقى المعين ثوبه، أو خرج أحدهما عن محل الابتلاء، ثم التفت إلى ملاقاة ثوبه مع ما خرج، أو تلف أحدهما، ثم التفت إلى الملاقاة، فيكون العلم بالحكم في الملاقي - بالكسر -


1 - تقدم في الصفحة 330. (*)

[ 516 ]

بعد ذلك، فمقتضى مصير القوم عدم تنجز الحكم في الملاقي، لأن العلم الثاني متعلق بطرف مسبوق بمنجز، فلا ينجز. ويكفي لفساده مضافا إلى البراهين السابقة، وجدان كل منصف وحكم العرف وارتكاز العقلاء، وليس ذلك إلا لجهة خلطهم بين باب الاحتجاجات والمنجزات، وباب الانكشافات والعلوم الشخصية. وأما توهم جريان الأصل في الخارج عن محل الابتلاء، لأجل وجود أثره في المحل، فهو غلط كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) السابق (1)، فإنه لا معنى لجواز الخطاب بالنسبة إلى الخارج إلا بلحاظ وجوب الاجتناب عن أثره، دون الشبهة التي تجري فيها أصالة الطهارة النافية للأثر تعبدا، فتأمل جيدا. وتوهم: أن صورة الخروج عن محل الابتلاء لا تقاس بسائر الصور، لأن العلم ينجز بالنسبة إلى الخارج، في غير محله، لأن الجهة المبحوث عنها أعم. مع أن الحق قيام السيرة على عدم وجوب الاجتناب بالنسبة إلى الطرف الخارج عن محل الابتلاء، كما عليه السيد المحقق الوالد - مد ظله - (2) المؤسس لأساس المسألة بتأسيس الخطابات القانونية، جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، فإنه لو وفق أحد إلى نيل هذه المسألة، يتمكن من حل معضلات الفقه والاصول بما لا مزيد عليه، كمعضلة الإجزاء، ومعضلة الجمع بين الأحكام، وكثير مما ذكرناه في المجلد الأول (3). ومما مر يظهر حكم ما لو ارتفع الاضطرار، أو عاد الخارج عن الابتلاء، أو


1 - تقدم في الصفحة 513. 2 - ثلاث رسائل للمؤلف (قدس سره)، العوائد والفوائد: 162، الفائدة 5، وانظر أنوار الهداية 2: 214، تحرير الوسيلة 1: 122. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 32 و 241، وفي الجزء الثالث: 437 - 449. (*)

[ 517 ]

التالف فرضا. نعم، مع قطع النظر عما ذكرناه فإن مجرد كون الأصل في الملاقي - بالكسر - مسببا، لا يوجب كون الأصل المعارض مع الطرف هو الأصل السببي المحيا بعود الخارج وغيره، كما عن ظاهر جمع (1)، وخلافا لجماعة (2). اللهم إلا أن يقال: بأنه مادام لم يرجع أو لم يزل الاضطرار، تقع المعارضة بين الأصل في الملاقي والطرف، ويسقطان، وإذا عاد وإن لم يكن العائد منجزا فرضا، ولكن جريان الأصل المسببي بعد ذلك محل منع، فيلزم الاحتياط بالنسبة إلى الطرف فقط، ضرورة أن الأصل الجاري فيه سقط بمعارضة الأصل الجاري في الملاقي، وأما الملاقي - بالكسر - فلا يحتاج بعد جريان الأصل في السبب إلى الأصل الآخر، بل الشك المسببي محكوم بالعدم بالتعبد الثابت في السبب. وبالجملة: مقتضى القول بعدم تنجيز العلم بالنسبة إلى الملاقى - بالفتح - كما عليه جمع - لأن العبرة بحال حدوث العلم، دون تقدم المعلوم (3) - هو الاجتناب عن الطرف فقط، لسقوط الاصول فيه بمعارضة الاصول في الملاقي قبل عود الخارج، أو زوال الاضطرار، وإذا عاد وزال تجري فيه الاصول طبعا، ونتيجة ذلك رفع الشك المسببي تعبدا من ناحية الملاقي - بالكسر - من غير لزوم المخالفة العملية، فليتدبر. لا يقال: قاعدتا الطهارة والحل في السبب، لا تصلحان لرفع الشك في المسبب، لأن ميزان رافعية الأصل السببي، كون المسبب مترتبا على السبب ترتبا شرعيا، ولو تعبدنا في الملاقى بأنه طاهر لا يلزم منه طهارة الملاقي، لما لم يرد في


1 - كفاية الاصول: 412، نهاية النهاية 2: 135، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 226، نهاية الدراية 4: 285 - 288. 2 - فرائد الاصول 2: 424، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 86. 3 - كفاية الاصول: 412، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 226، نهاية الدراية 4: 285 - 287. (*)

[ 518 ]

الشرع " أن ملاقي الطاهر طاهر، وأن الشئ الطاهر لا يوجب نجاسة ملاقيه " (1) وإن كان الأمر كذلك، ولكنه غير التعبد الشرعي اللازم في مجاري الاصول، فعليه لاوقع لهذه الشبهة. لأنا نقول: الأمر كما تحرر في " تهذيب الاصول " (2)، ولكن بعد التعبد بطهارة الملاقى، يكفي لعدم تنجس الملاقي نفس عدم ملاقاته للنجس، فإذا شك في نجاسة شئ شكا بدويا، ولاقاه شئ، لا حاجة إلى قاعدة الطهارة في الملاقي، لأن التعبد بطهارة الملاقى - بالفتح - يوجب انعدام موضوع دليل " ملاقي النجس نجس " ورفع الموضوع بالاصول جائز عند كافة المحصلين، إلا أنه هناك شبهة، فلا تغفل. تذييل: حول الشبهة الحيدرية حكي عن بعضهم: " أن قضية القول بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى - بالفتح - هو الالتزام بحلية الملاقي - بالكسر - مع عدم إحراز طهارته، وبالأخرة هو التفكيك بين قاعدتي الحل والطهارة، بجريان الاولى دون الثانية. وهذا يشهد أيضا على لزوم الاجتناب " (3). وكأنه (قدس سره) أراد بذلك دعوى تنجيز العلم الإجمالي بالنسبة إلى الملاقي، إما مستندا إلى العلم الأول بإدخاله في المتعلق، أو بالعلم الثاني، أو بما ذكرناه. وبالجملة: هناك اصول مترتبة، ففي الرتبة الاولى يجري الأصلان السببيان في الملاقى والطرف، وفي الرتبة الثانية يكون الشك في حلية كل من الملاقى


1 - كفاية الاصول: 412، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 4: 226، نهاية الدراية 4: 285 - 287. 2 - تهذيب الاصول 2: 308 - 309. 3 - لاحظ مصباح الاصول 2: 413 - 414. (*)

[ 519 ]

والطرف مسببا عن الشك في طهارتهما، كما يكون الشك في طهارة الملاقي - بالكسر - مسببا عن طهارة الملاقى، فالاصول الثلاثة في هذه الرتبة متعارضة، فيبقى أصل الحل في الملاقي - بالكسر - بلا معارض. وحيث لا يمكن الالتزام به على إشكال فيه، يتبين تنجيز العلم بالنسبة إلى الملاقي، وتصير النتيجة عدم جريان الاصول في الأطراف كلها، أو يلزم التعارض بين الأصل الجاري في الملاقي - بالكسر - مع أصل الطهارة الجاري في الطرف، لكونهما مورد العلم الثاني، وليس بينهما السببية والرتبة كما عرفت (1). وإن شئت قلت: بعد جريان قاعدة الطهارة لا حاجة إلى أصالة الحل، ضرورة أن مقتضى الأدلة الاجتهادية حلية الطاهر، فلا تصل النوبة إلى قاعدة الحل. نعم، حيث لا يمكن الالتزام بحلية الإناءين ولو بتنقيح موضوع تلك الأدلة، تصل النوبة إلى قاعدة الحل، وهي أيضا متعارضة المصداقين مع قاعدة الطهارة في الملاقي. إلا أن الحق معارضتها مع القاعدة في الطرف كما عرفت، فالشبهة تتوجه إلى القائلين بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - في أي من الصور كان، فليتدبر. إن قيل: لا وجه لتوهم معارضة قاعدة الطهارة في الملاقي مع القاعدة في الطرف إلا في صورة التنجيز، وإلا فالمعارضة ممنوعة، كما هو الظاهر. قلنا: القول بالتنجيز يقتضي وجوب الموافقة القطعية، والقول بعدمه لا يقتضي جواز المخالفة القطعية، ضرورة أنه يمكن التفكيك بينهما، كما مر في أوائل البحث (2)، فإذا علم وجدانا بأنه إما يجب الاجتناب عن الملاقي - بالكسر - أو الطرف، لا يمكن تجويز المخالفة القطعية بشرب الملاقي والطرف وإن لم يكن


1 - تقدم في الصفحة 513 - 514. 2 - تقدم في الجزء السادس: 184 - 189، وفي هذا الجزء: 307 - 308. (*)

[ 520 ]

الطرف منجزا بمعناه المزبور، فعندئذ تقع المعارضة طبعا للمعلوم في البين، فلا فرق عند التحقيق بين القول بالتنجيز، والقول بعدمه في حصول المعارضة العرضية. نعم، على القول: بأن العلم الثاني لا أثر له، والعلم الأول يمنع عن جريان الاصول في الأطراف، كما عليه " التهذيب " (1) أو هو علة تامة للمنع، كما عليه العلامة الأراكي (رحمه الله) (2) فلا شبهة، وإلا فالشبهة ناشئة عن السببية والطولية بين الشكوك، والمعارضة على كل تقدير بين الملاقي - بالكسر - والطرف. بل الشبهة تأتي وإن لم تجر الاصول أطراف العلم، لأنها تجري بين الملاقي - بالكسر - والطرف، وتقع المعارضة، ويلزم التفكيك كما لا يخفى. نعم، على ما أبدعناه: من عدم المعارضة مطلقا بين الاصول والعلم الإجمالي (3)، فلا شبهة أيضا، كما هو الواضح. ولأحد الالتزام بالتفكيك، أو دعوى أن السببية والمسببية هنا غير تامة الشرائط، فالشكان عرضيان لا طوليان، كما صرح به الوالد المحقق - مد ظله - (4) وقد مر بجوابه. والذي يبقى بعد اللتيا والتي ما ذكرناه: من أن أصل الطهارة والحل في الطرف، يسقطان بمعارضة الأصل في الملاقى، ولكنهما ينهضان ثانيا لمعارضة الأصل في الملاقي، لما عرفت من أن ما هو المعارض هو المصداق، دون الطبيعي بالضرورة، وانحلال القاعدة الكلية الشرعية إلى المصاديق الكثيرة تابع الحاجة العقلائية (5)، وعندئذ إذا كان الأصل في الملاقي ففي الطرف أصل يعارضه


1 - تهذيب الاصول 2: 300 - 301. بالضرورة، وانحلال القاعدة الكلية الشرعية إلى المصاديق الكثيرة تابع الحاجة العقلائية (5)، وعندئذ إذا كان الأصل في الملاقي ففي الطرف أصل يعارضه

1 - تهذيب الاصول 2: 300 - 301. 2 - نهاية الأفكار 3: 358. 3 - تقدم في الصفحة 358. 4 - تهذيب الاصول 2: 307 - 308. 5 - تقدم في الصفحة 514 - 515. (*)

[ 521 ]

ويسقطان، وإذا وصلت النوبة إلى أصل الملاقي ينهض مصداق آخر في الطرف يعارضه قهرا وطبعا، لتمامية الشك الذي هو موضوعه، ومساس الحاجة إليه كما هو الواضح، فافهم واغتنم. فلا وقع لهذه الشبهة، بخلاف الشبهة السابقة، والله الموفق. ذنابة: في اشتباه أحد الأطراف بين إناءين آخرين لو اشتبه أحد الأطراف بعد التنجز بين إناءين، فالعلم الثاني يتعلق بأن أحدهما شبهة منجزة، فلابد من الاحتياط، نظرا إلى أن العلم الثاني ينجز ما تنجز، ثانيا، لإمكانه. وأما على امتناعه فيشكل، ومجرد المقدمية العلمية غير كاف، كما تحرر. فما في " رسائل " الشيخ (1) عندي ممنوع، لما عرفت: من أن التمسك بقاعدة الاشتغال في التكاليف التحريمية والإيجابية (2) غير صحيح، فإنها تنفع على القول بأنها ضمان، وهكذا في باب الضمانات.


1 - فرائد الاصول 2: 425 - 426. 2 - تقدم في الصفحة 495 - 496. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية