الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 6

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 6


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء السادس مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 6) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 15000 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

المقصد السابع في القطع وأحكامه وفيه مقدمة ومباحث:

[ 7 ]

المقدمة أما المقدمة، فتشتمل على امور: أحدها: حول اصولية مسألة القطع في كون هذه المسألة من المسائل الاصولية (1) وعدمه خلاف (2)، فالأكثر على الثاني، معللا: بأن تعريفها غير منطبق عليها، ضرورة أن نتيجة المسألة الاصولية، هي الواقعة كبرى قياس استنتاج الأحكام الفرعية، واستنباط الفروع الفقهية (3)، وإذا كان القطع بالحكم حاصلا، تكون النتيجة حاصلة قبل القياس والتوسط بالحد الوسط. وهذا ما صرح به الشيخ (قدس سره) (4) وتبعه الأكثر (5). ويترتب عليه حسب ما يظهر منه، عدم صحة إطلاق " الحجة " عليه (6)، لما


1 - نهاية الاصول: 394، تهذيب الاصول 2: 5. 2 - كفاية الاصول 296، نهاية النهاية 2: 11، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 9، نهاية الدراية 3: 11. 3 - حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 3، الهامش 1، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 9، نهاية الدراية 3: 11. 4 - فرائد الاصول 1: 4. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 9، نهاية الأفكار 3: 10 - 11، مصباح الاصول 2: 5. 6 - فرائد الاصول 1: 4. (*)

[ 8 ]

سيأتي تحقيقه: من أن حقيقة الحجة عبارة عن الوسط (1)، وحجية القطع لا تحتاج إلى الوسط، ولاتقبل قياسا وشكلا، كما لا يقبل بطلان التناقض قياسا وشكلا (2). والذي هو التحقيق الحقيق بالتصديق: أن مسألة حجية القطع ذاتا، ليست من الواضحات الغنية عن البيان، بل سيظهر إنكارها، وأنها - كسائر الحجج - مما تنالها يد الجعل والتشريع إثباتا ونفيا، ويكون حمل " الحجة " عليه كحملها على سائر الأمارات والاصول (3). ولكن مع ذلك كله، بناء على تعريف الاصول بما هو المشهور عنهم (4)، لا تكون المسألة المزبورة من المسائل الاصولية، لعدم وقوع القطع ولا الظن حدا وسطا لإثبات الحكم الفرعي. نعم، لو قلنا: بأن المقصود من التعريف المزبور، أعم من الكبرى المتوسطة لإثبات الحكم، أو لتنجز التكليف (5)، تكون هذه المسألة من المسائل الاصولية، مثلا يصح أن يقال: " وجوب صلاة الجمعة مما تعلق به القطع، وكل ما تعلق به القطع يكون منجزا، فوجوب الصلاة منجز ". فبالجملة: لا يستنبط من القطع ولا الظن حكم شرعي، بل هما - بناء على حجيتهما مطلقا، أو في مورد - من المتوسط لتنجيز الحكم، ولايعدان وسطا لاستنباط الحكم واستخراجه.


1 - يأتي في الصفحة 264 - 265. 2 - الحكمة المتعالية 1: 90. 3 - يأتي في الصفحة 26 - 28. 4 - من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية، وهذا التعريف أشهر التعاريف، انظر: قوانين الاصول 1: 5 / السطر 4، الفصول الغروية: 2 / السطر 4، كفاية الاصول: 23. 5 - كفاية الاصول: 23، نهاية الدراية 1: 41. (*)

[ 9 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن صورة قياس الاستنباط " هو أن وجوب صلاة الجمعة أخبر به الثقة، وكل ما أخبر به الثقة مطابق للواقع، فالوجوب مطابق للواقع " وحينئذ تندرج مسألة القطع في الاصول على التعريف المزبور، بناء على عدم حجيته الذاتية، كما لا يخفى. وهكذا إذا قلنا: بأن موضوع الاصول هي الحجة في الفقه (1) واريد من " الحجة " ما يحتج العقلاء بعضهم على بعض على الوجه المحرر في محله (2)، وليست هي بمعنى الوسط في القياس، ولا المجموع المركب من الصغرى والكبرى، ضرورة أن القطع مما يحتج به العقلاء - بعضهم على بعض - فيما يبتلون به في مسائلهم العملية. ومن هنا يظهر ما في " تهذيب الاصول " (3). كما ظهر: أن القوم ظنوا أن وجه عدم كونها من مباحث الاصول، أنه حجة ذاتا، وقد عرفت أنه ليس حجة ذاتا، كما يأتي تفصيله (4). مع أنه ولو كان حجة بالإمضاء، فلا يكون وسطا للاستنباط، كالظن على الحكومة أو الكشف. تذنيب لاشباهة بين مسألتنا هذه ومسائل علم الكلام، إلا على وجه يشبه سائر الأمارات المورثة لاستحقاق العقوبة. مع أن في الكلام لا ينعقد البحث عن هذه المسألة، وهو يشهد على أجنبيتها عنه. نعم، يشبه المسائل العقلية والكلامية، لأجل كونه صفة من الكيفيات


1 - نهاية الاصول: 15، أنوار الهداية 1: 270. 2 - نهاية الاصول: 16. 3 - تهذيب الاصول 2: 5. 4 - يأتي في الصفحة 26 - 28. (*)

[ 10 ]

النفسانية. وأما من حيث الطريقية أو الموضوعية، فلايبحث عنه في غير الاصول، ولاسيما بعض مباحثه، كقيامه مقام الأمارات ونحوه، والأمر سهل. ثانيها: إشارة إلى الخلط بين مباحث القطع ومباحث الظن والاشتغال لا ينبغي الخلط بين مباحث القطع، ومبحث الظن والاشتغال، فإن ما هو المبحوث هنا - من أول بحوث القطع إلى آخرها - هو العلم بالتكليف وبروح الإرادة المولوية، وأنه إذا كان الحكم معلوما بحسب الواقع ونفس الأمر، ولا يحتمل الخلاف، هل يكون العلم المزبور قابلا لسلب الحجية عنه، أم لا ؟ أو إذا تخلف في صورة العصيان، هل يستتبع العقوبة أم لا ؟ كما هو البحث في التجري. وأنه إذا حصل العلم المزبور إجمالا، هل هو كالتفصيلي، أم لا ؟ وفي مباحث الظن ربما يتعلق العلم بالحكم الظاهري، بمعنى قيام الحجة على الحكم، وهذا العلم لا أثر له، وتشترك معه الحجة القائمة على الحجة، كقيام الظواهر على حجية خبر الثقة. فتوهم: أن متعلق العلم في مباحث القطع، أعم من الحكم الواقعي والظاهري (1)، يكون منشاه الخلط بين المبحثين، ضرورة أنه في بحث الظن، لا يكون النظر إلى تعيين الصغرى لبحث القطع. وأما العلم الإجمالي بالحجة، فالبحث عنه موكول إلى مباحث الاشتغال، ويختلف هذا العلم عن ذاك، لإمكان الترخيص على خلافه هناك، ولا يمكن هنا. كما لا ينبغي الخلط بين ما هو المبحوث عنه هنا، وما هو المبحوث عنه في


1 - كفاية الاصول: 296. (*)

[ 11 ]

مقدمات الانسداد، فإن البحث هنا في حجية العلم الإجمالي بالحمل الأولي، من غير لزوم كون الباحث عالما بشئ أو جاهلا، وفيما يأتي يكون في الحمل الشائع منه، فلا تخلط، كما يستشم من " التهذيب " (1). ولا يتوهم أنه يلحق بهذا العلم والقطع، العلم العادي والاطمئنان بحسب الأحكام في الجملة (2). ودعوى قلة القطع بالحكم الواقعي غير مسموعة، فإن الأحكام الضرورية كثيرة جدا. ثالثها: في أنه لا وجه لاعتبار قيد التكليف اعلم: أن المسائل الاصولية، عبارة عن الصناعة الخاصة التي ينالها العقل والعقلاء، ويستعملونها في مسائلهم العرفية، وفي القوانين العقلائية التي تكون لنظام الملك والامة في شتى الجهات، ومختلف الامور. وعلماء الشريعة أيضا - بما أنهم منهم - ألفوا تلك المباحث في محل خاص، ودخلوا في مباحثها لتنقيحها مستقلة، لكثرة الابتلاء بها، ولدورانها في شتى الفروع. ولا معنى لكونها مخصوصة بعنوان " المكلف " أو " المجتهد " أو كذا وكذا، بل لكل أحد التدخل في هذه البحوث، وبعدما خرج منها إما يحصل شيئا أم لا، فما ترى في كلمات القوم من قولهم: " إن المكلف إذا التفت... " (3) أو " إن من وضع عليه قلم التكليف، إذا توجه... " (4) كله ناشئ عن الغفلة، فإن لغير البالغ أيضا الدخول فيها، وربما كان بعض علمائنا ينظرون فيها قبل بلوغهم، كما يمكن أن يتدخل فيها الكفار


1 - تهذيب الاصول 2: 6 و 7 و 139. 2 - لاحظ مفاتيح الاصول: 452 / السطر 3. 3 - فرائد الاصول: 1: 2. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 426. (*)

[ 12 ]

ولو قلنا: بعدم كونهم مكلفين بالفروع. فعلم الاصول ما ينتفع منه جميع علماء الحقوق، سواء كانوا من علماء الفقه الإسلامي، أو كانوا من علماء الفقه غير الإسلامي، أو كانوا من علماء فقه العرف والقوانين المشرعة في مجالس النواب. ولأجل ذلك كان بعض تلاميذ الاصول، يدرسون عندنا، ويقضون في المحاكم الظالم أهلها، خذلهم الله تعالى. فبالجملة: أخذ عنوان " المكلف " وما شابهه بلا وجه، وسيمر عليك زيادة تحقيق في الأمر الرابع إن شاء الله تعالى. رابعها: في أن التقسيم إلى القطع والظن والشك مجرد عنوان إن من الامور المتعارفة بين العقلاء في ابتداء مقالاتهم ورسائلهم، ذكر عنوان المقالة والرسالة، ويعبر عنه في ألسنتهم ب‍ (تيتر) والنظر في ذلك إلى نقل ذهن القارئ إلى ما هو موضوع البحث فيها، من غير كونه في مقام إفادة أن الرسالة متضمنة لجميع أحكامه، بل هو من هذه الجهة ساكت، وله إبهام وإهمال. وهذا أمر دارج بين السلف والخلف، ومنهم علماء الفرقة الحقة، فإن النظر في ذكر القطع والظن والشك بأقسامه، إلى أن هذه الرسائل المختلفة تبحث حول هذه الامور، وعلى هذا لا يجوز ذكر الخصوصيات، فضلا عما هو مورد الاختلاف بينهم في أحكام هذه الامور، وليس هذا من المهم في البحث، حتى يعتبر الشيخ الأنصاري أمرا (1)، ويناقشه من تأخر عنه (2)، ثم يدافع عنه الآخرون (3) إلى ما


1 - فرائد الاصول 1: 2. 2 - كفاية الاصول: 296. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 4، نهاية الدراية 3: 15، نهاية الأفكار 3: 4، مصباح الاصول 2: 11. (*)

[ 13 ]

لا يمكن أن يرضي الطائفة، لأن هذا الخلاف ناشئ من الخلاف في أحكام هذه العناوين. فعلى هذا، يتبين سقوط هذا البحث رأسا، ويظهر حسن الإشارة إلى عنوان الرسالة والبحث والمقصد، ليكون الطلبة على خبروية إجمالية بما يطلبونه فيها، ومن هنا انتقلوا إلى دراسة الفهارس، فإنها كثيرة النفع جدا للطالب، وربما كانت بعض الكتب بدونها غير قابلة الانتفاع، لأن نيل غرض المؤلف يصعب، بخلاف ما إذا اشير إليه بجملة قصيرة، فتدبر واغتنم. فبالجملة: ثلاثية التقسيم، وثنائية الأقسام، أو وحدانيتها، كلها خروج من المنظور الأصلي في بيان العناوين. وتوهم: أن الظن ليس عنوانا لمسألة الأمارات العقلائية (1)، في غير محله، لأن الظن النوعي والنظامي هو المعبر عن تلك الأمارات، فأخذ الظن إيماء إلى تلك الظنون الخاصة، ورمز لها، وأي رمز ! ! فإنه كما هو رمز للظنون الخاصة النوعية، رمز للظن الشخصي في مسألة الانسداد. ومن هنا يظهر: أن التقسيم ليس ثلاثيا، بل هو أكثر، لأن الشك على تقدير عنوان رسالة، وعلى آخر عنوان اخرى، وتختلف تلك الرسائل حسب الموضوع المزبور، لأجل اختلاف القيود المأخوذة في الشك، كما هو الواضح. فبالجملة: الناس بحسب حالاتهم وإن تختلف وظائفهم، إلا أن الباحث الاصولي ربما لا يكون موصوفا بتلك الحالات، أو لا ينفعه، ومع ذلك، فيصح بحثه وفحصه، وتحصل له تلك الحالات والمقررات على التقدير، كما لا يخفى. إن قلت: ليس الاستصحاب من الأمارات العقلائية.


1 - نهاية الدراية 3: 115. (*)

[ 14 ]

قلت: نعم، وكذلك البراءة الشرعية، وليست من الحجج العرفية، إلا أن هذا أيضا من الخلط بين ما هو مرام الباحث في البحث، وبين ماهي الجهة المبحوث عنها، فإن من القوم من يقول بحجيته لأجل البناء العقلائي (1)، أو لأجل إمضاء الشك وتتميمه لكشفه الناقص (2). وكون دليله عند المتأخرين منحصرا في الأخبار (3)، لا يضر بما هو المرام في المقام. ومن هنا يظهر حال التمسك بدليل شرعي للبراءة، فتأمل، والأمر سهل. ومن هنا يظهر: أن القول بأن المراد من " المكلف " هو المجتهد (4)، ليس كما ينبغي، لأنه ليس للاجتهاد خصوصية، وإن كان الباحث عن تلك المسائل لابد وأن يكون عارفا بها، ولكنه يمكن أحيانا أن لا يكون مجتهدا حسب الاصطلاح، لعدم اطلاعه على الفقه كلا، أو لكونه غير واجد لسائر ما يعتبر في الاجتهاد اصطلاحا، فلا تخلط. وتوهم: أن خطاب " لا تنقض... " كذا وكذا (5)، ناشئ عن الغفلة عن أنه ليس بخطاب شخصي، ولا بإيجاب نفسي، بل هو حكم على عنوان كلي ربما لا يكون خطاب فيه، مثل ما إذا ورد: " من كان على يقين فشك... " (6) فإن موضوعه أعم، إلا أن إحراز الموضوعية ربما يكون منوطا ببعض الشرائط، كما لا يخفى.


1 - الفصول الغروية: 369 / السطر 17، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 331، منتهى الاصول 2: 409. 2 - أنوار الهداية 1: 110. 3 - كفاية الاصول: 440، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 334، نهاية الأفكار 4: 37. 4 - كفاية الاصول: 296، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 3. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 4. 6 - الخصال: 619، وسائل الشيعة 1: 246، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 6. (*)

[ 15 ]

خامسها: في المختار في تقسيم حالات العاقل اعلم: أن العاقل في قبال الوظائف الإلهية والمقررات الشرعية، لا يخلو - على سبيل المنفصلة الحقيقية - من أحد امور: إما يكون بين يديه الطريق القطعي إليها عرفا وعقلا، أو عرفا محضا، كالعلم العادي والاطمئنان الذي يراه العرف علما. أو تكون بين يديه الأمارات العرفية العقلائية، أو الشرعية. أو يكون جاهلا بالواقع جهلا عن التفات، ويسمى ب‍ " الشك ". أو يكون غافلا بالمرة. ولا شبهة في أن الغافل ولو كانت غفلته عن قصور، لا يكون خارجا عن عناوين الوظائف العامة الإلهية، والمقررات الشرعية، ضرورة أن التكاليف كلها - سواء فيها الوضعيات وغيرها - موضوعها العناوين، ولا يختلف في ذلك حتى المقررات العرفية والعقلائية، فجميع الأصناف بالعناوين الخاصة مورد التكاليف الكلية. وعلى هذا، لا وجه لقيد " الالتفات " (1) لأن الغافل وغير الملتفت، إذا كان فارغا عن الحجج العقلية والعقلائية والشرعية، ولم تكن الاحتجاجات موجبة لتنجز التكاليف، يلزم كونه خارجا عن التكليف، وهذا ضروري البطلان، ولاسيما الغفلة عن تقصير. فبالجملة: النظر في هذا التقسيم، إلى أن الإنسان إما يكون بين يديه المنجز العقلي والمؤمن القطعي، أو المنجز والمؤمن العرفي العقلائي، أو الشرعي، ولا خصوصية للالتفات في هذا الأمر، بل يلزم كون غير الملتفت خارجا، وهو غير صحيح، فعلى هذا لابد وأن يراد من " الشك " أعم من الشك التفصيلي،


1 - فرائد الاصول 1: 2، كفاية الاصول: 296. (*)

[ 16 ]

والجهل عن غفلة. إن قلت: المقصود بالبحث هنا هذه الطوائف الثلاث، ولا يلزم أن يكون الغافل في محط البحث هنا ولو كان مشمولا للأدلة والعناوين (1). قلت: إن النظر في هذا التقسيم مع قيد الالتفات، إلى استيعاب الأفراد والعناوين، فعليه يتوجه الإشكال، ضرورة أن غير الملتفت والغافل، لابد وأن يندرج في الثلاثة تقديرا، أو يكون قسما رابعا، وعلى كل تقدير لابد وأن يكون العنوان المأخوذ فارغا عن قيد الالتفات والتوجه. وعلى هذا يقال: الإنسان في قبال المقررات الإلهية والوظائف الشرعية، إما يكون قاطعا بها، أو ما يشبه القطع، كالاطمئنان المعبر عنه ب‍ " العلم العادي " ويكون بين يديه القطع والطريق الأعلى. أو يكون في قبالها بين يديه الطريق العرفي والعقلائي. أو لا يكون كذلك. فعلى الثالث: إما يكون شاكا، أو يكون غافلا. والبحث في الاصول العملية موضوعه الشك، ولابد من عقد بحث آخر للغافلين المستضعفين، أو المقصرين، وحالهم إما ملحقة بحال القاطع، أو الحالة الثانية، أو الثالثة، فليتدبر جيدا.


1 - لاحظ بحر الفوائد: 2 / السطر 3. (*)

[ 17 ]

المبحث الأول فيما يتعلق بالقطع جعلا وردعا

[ 19 ]

تمهيد لاشبهة في أن القطع والعلم من الممكنات ذات الماهية، وله الوجود المجعول تكوينا، كسائر الماهيات حسب المعروف المشهور (1). ومن المحرر عندنا في " القواعد الحكمية " (2): أن الماهيات والمعلومات الذاتية والأولية، قائمة بالنفس قيام صدور، لا حلول، وهي نفس الماهية، والعلم إضافة إشراقية، نحو الوجود المنبسط على رؤوس الأعيان الممكنة، وليس داخلا في المقولات بهذه النظرة. وأما إذا نظرنا إلى نفس الماهية، فهو عين النظر إلى الماهية الموجودة في الأعيان، المركبة من شئ هو حده، وشئ آخر هو وجوده، وتمام الكلام في محله. ولا تضر ولا تنفع هذه المسألة فيما يهمنا من البحث في هذه المسائل، فلا تخلط. وإنما المقصود والغرض الإشارة إلى ما اشتهر بين أبناء الاصول: " من أن العلم له وجود وماهية، والقطع مركب وزوج تركيبي " (3) فإنه قد اشتهر بين


1 - الحكمة المتعالية 3: 278 و 382، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 141. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - نهاية الدراية 3: 19، تهذيب الاصول 2: 9، مصباح الاصول 2: 15. (*)

[ 20 ]

الآخرين (1)، إلا أنه يصح في لحاظ، ولا يصح في لحاظ آخر خارج عن افقهم، والله هو المستعان. إذا تبين هذا الأمر فاعلم: أن القطع يوصف في الظاهر بأوصاف الطريقية، والكاشفية، والمنجزية، والمعذرية، والحجية، وحيث اشتهر: " أن كاشفيته ذاتية " (2) واشتهر: " أن منجزيته وحجيته أيضا ذاتية (3)، لا تنالها يد الجعل تكوينا " على ما قيل (4) " وتشريعا " على ما اشتهر (5)، فلابد من النظر إلى هذه الأوصاف، حتى يتبين الذاتي من غير الذاتي في ضمن جهات: الجهة الاولى: في عدم ذاتية الطريقية والكاشفية المشهور أن وصف الطريقية والكاشفية، من الأوصاف الذاتية للقطع. وقيل (6) - وهو الظاهر من العلامة الأراكي (قدس سره) -: " إنه عين القطع، وليس معنى يوصف به القطع " (7). ويتوجه إليه: أن حقيقة القطع هي ماهيته، وهل يعقل أن تكون الماهية بلا


1 - لم نجزم بمراده (قدس سره) من " الآخرين " ولكن اشتهر القول بذلك في كلمات الفلاسفة والمتكلمين، لاحظ شرح المواقف 1: 61، الحكمة المتعالية 3: 278، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 141. 2 - فرائد الاصول 1: 4، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 25، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 6، نهاية الدراية 3: 18. 3 - فرائد الاصول 1: 4، كفاية الاصول: 297، نهاية الأفكار 3: 6. 4 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 25. 5 - فرائد الاصول 1: 4، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 25، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 6، نهاية الدراية 3: 18 - 19. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 6 - 7، نهاية الدراية 3: 48. 7 - نهاية الأفكار 3: 6. (*)

[ 21 ]

عروض الوجود عين النورانية والكشف ؟ ! فالكاشفية تعرضه لأجل عروض الوجود، وإلا فالقطع كيف نفساني، ومن الأعراض، والبسائط الخارجية جنسها مضمن في فصلها وبالعكس، وإذا وجد وتحقق في النفس يستضاء به، ويترتب عليه أثره، وهو رؤية المقطوع بالعرض إن كان له مقطوع بالعرض ومعلوم بالعرض. ويتوجه إلى المشهور: أن توصيف القطع والعلم بالكاشفية، إن اريد منه الكشف عن الواقع فهو باطل، لتخلف العلم عنه في موارد الجهل المركب، فكيف يكون ذاتيا ؟ ! وإن اريد منه أن من هو قاطع يرى المعلوم بالعرض، وهذا دائمي الحصول، فهو أيضا باطل، لأن من المعلوم ما لا معلوم بالعرض له، ويمتنع أن يكون له، كالقطع بامتناع اجتماع النقيضين، وارتفاعهما، وهكذا، فلا يكون المعلوم بالذات - الذي هو القطع في كلماتهم - موصوفا بالكاشفية عن شئ، إذ لا شئ وراء القطع المزبور الذي هو عين المعلوم بالذات. وما في " تهذيب الاصول " هنا من المناقشة: " بأن القول بكون القطع تكون الكاشفية ذاتية له في نظر القاطع، غير تام، لأن الذاتي لا يختلف باختلاف الأنظار " (1) غير جيد، فإن الكاشفية الدائمية هي أن يرى القاطع المعلوم بالعرض، وهذا دائمي الوجود، إلا أنه ربما تختلف حكايته عن الواقع، فلا تغفل. فتحصل: أن الطريقية والكاشفية ليستا من الأوصاف الدائمية للقطع والعلم، حتى تكونا ذاتيتين على الوجه المتراءى منهم (قدس سرهم). وغير خفي: أن نفي الذاتية عنهما، لا يستلزم كونهما من الامور القابلة لتعلق الجعل التشريعي بهما، كما لا يخفى. وربما يمكن دعوى: أن الكاشفية بالمعنى المزبور، وإن لم تكن مثل العلم


1 - تهذيب الاصول 2: 8. (*)

[ 22 ]

الحضوري، كعلم العلة بذاتها وبمعلولاتها، مما لا يتوسط الصورة العلمية بين العالم والمعلوم بالعرض، ولكنها بمعنى أن كل شئ إذا كان هو نفس العلم، يصح أن ينتزع منه العالمية والمعلومية، والكاشفية والمكشوفية عنه، فتكون من الذاتي في باب البرهان، فلا تنالها يد الجعل تكوينا وتشريعا. وعلى كل تقدير: ليست الكاشفية والطريقية، أمرين مجعولين بالجعل التأليفي للعلم - حضوريا كان، أم حصوليا - مطلقا، لاتكوينا، ولا تشريعا. نعم، على التقدير الأول يكونان من المنتزعين المجعولين بمجعولية المنشأ، كالفوقية والتحتية، وعلى الثاني يكونان من المحمولات الخارجة عن الذات والذاتي في باب البرهان. وغير خفي: أن الكاشفية المنتزعة عن الماهية المعلومة بالذات، ليست من عوارض الماهية بما هي هي، والتي تنتزع من العلة العالمة بذاتها وبمعلولاتها، تكون منتزعة عن حاق الذات، وعن أصل الوجود بما هو هو، وكل ذلك على أصالة الوجود. الجهة الثانية: في أن الحجية أمر انتزاعي توصيف القطع بالمنجزية والمعذرية - وهكذا الحجية التي هي إجمال المعذرية والمنجزية - يعلل: بأنه لمكان كاشفيته عن الواقع ينجز ويعذر، فإنه إذا كان العقل يدرك لزوم التبعية للواقعيات - كما في باب إطاعة المولى وعصيانه - فإذا انكشف لديه الواقع، يكون القطع منجزا ومعذرا وحجة، لتلك الكاشفية (1). وليست الحجية منتزعة عنه على نعت خارج المحمول، ولذلك يوصف بها


1 - فرائد الاصول 1: 4، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 24. (*)

[ 23 ]

سائر الأمارات العقلائية في الخارج من محيط الشرع، من غير الحاجة إلى الشرع في الإمضاء بالضرورة، فإن العقلاء لا يختلف عندهم القطع وغيره في هذه الجهة بالضرورة، وليس حمل " الحجة " عندهم على سائر الأمارات، من باب التنزيل والادعاء، كما قد يتخيل (1). فعلى هذا، هذه الأوصاف الانتزاعية مشتركة فيها جميع الطرق العقلية والعرفية، ويكون من المحرر في محله: أن انتزاع العنوان الواحد - مثلا كالحجية والزوجية - من الامور المختلفة غير ممكن، إلا لأجل اشتراكها في جهة جامعة هي منشأ الانتزاع واقعا (2)، فكما أن الزوجية لا تنتزع عن الأربعة بما هي هي، بل هي منتزعة عن القابل للقسمة إلى المتساويين في الكم المنفصل، ضرورة انتزاعها من الستة والعشرة، كذلك الحجية لا تنتزع عن القطع بنا هو هو، بل هي منتزعة عما هو المشترك بينه وبين سائر الأمارات، وهي المرآتية عن الواقع نوعا، أو كلا مثلا. وغير خفي: أن المعاني الانتزاعية ليست مندرجة في المقولات، لانتزاع العناوين الكثيرة عن الذات الإلهية. وأيضا: لا يلزم أن تكون الانتزاعيات من الخارج المحمول، لانتزاع الخالقية والرازقية من ذاته تعالى باعتبار قيام الخلق - صدورا - به تعالى، كما لا يخفى. فالحجية ليست من الذاتيات في باب الإيساغوجي بالضرورة، ولا في باب البرهان بالنسبة إلى القطع وسائر الأمارات، حتى لا يكون معللا. إلا أن معنى " المعللية " ليس أن يكون له العلة المفيضة للوجود خارجا، لأنه أمر ذهني لا خارجية له، نظير انتزاع الخالقية والمنعمية والرازقية. فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين كون شئ ذاتيا حسب مصطلحات القوم، وبين


1 - نهاية الدراية 3: 12، نهاية الأفكار 3: 74. 2 - الحكمة المتعالية 1: 133. (*)

[ 24 ]

كون شئ غير محتاج إلى الجعل الخارجي، لكونه دون الجعل، ضرورة أن الحجية والمعذرية ليست داخلة في المقولات، ولا تكون من دار الوجود، بل هي من خلاقية النفس عند قياس شئ إلى شئ، أو عند إدراك أمر، كلزوم الإطاعة، وإدراك انكشاف الواقع. وهي كالزوجية، فكما أنها تدرك عقيب إدراك القسمة إلى المتساويين، ولا تكون من لوازم ذات الأربعة بما هي أربعة، كذلك الحجية، وكما أنها لا تنالها يد الجعل تكوينا زائدا على أصل جعل الأربعة، كذلك الحجية. فالمحصول مما قدمناه في هذه الجهة: هو التوطئة للبحث الآتي، وتمكين الباحثين من إمكان التدخل في نفي الحجية وسلبها عن القطع، كما يمكن سلبها عن سائر الطرق. وبذلك تمتاز عن الزوجية والإمكان بالنسبة إلى ماهية الإنسان، وغير ذلك من اللوازم الإدراكية وراء الماهيات، فافهم واغتنم جيدا. وبالجملة: ظهر أنها ليست من الذاتي في كلا البابين حتى يمتنع سلبها، فلولا المحاذير الاخر الآتية، لا يكون هذا الأمر محذورا في سلبها عنه. إن قلت: الحجية للقطع وسائر الطرق ليست ذاتي باب الإيساغوجي، إلا أنها ذاتي باب البرهان (1)، لأن المراد من " الذاتي " في باب البرهان، ما ينتزع عن صراح الذات، أو عن الذات بلحاظ الأمر الآخر، بشرط أن لا يكون من الضمائم الزائدة على الذات، فإنه عندئذ يكون محمولا بالضميمة، والحجية وإن كانت هي مشتركة بين الأمارات كلا في محيط العقلاء، إلا أنها تنتزع بلحاظ ليس زائدا على ذات القطع، ولا سائر الأمارات، فلا يمكن السلب. قلت أولا: لازمه عدم إمكان السلب بالنسبة إلى سائر الأمارات، وهذا مما لا يلتزم به. وثانيا: إن الجهة المشتركة لانتزاع الحجية، هي أصل الكشف المشترك بين


1 - لاحظ منتهى الاصول 2: 8. (*)

[ 25 ]

الكل، وأما الرتبة الشديدة أو الأشد، فلا تكون دخيلة في اتصاف الحجية بكونها ذاتية الحجية عن كونها ذاتية. ومما يشهد على أن المنجزية والمعذرية والحجية من الامور الانتزاعية: أنها لا تنتزع عن مطلق العلم بالواقعيات، مثلا العلم بأن الجسم مركب من المادة والهيولى، ليس ينتزع منه هذه الامور، فيكون انتزاعها من مقايسة انكشاف الواقع في المسائل المخصوصة إلى درك لزوم الإطاعة، ودرك قبح العصيان. نعم، انتزاعيتها عنه بعد المقايسة المزبورة قهري، ولا تنالها يد الجعل التكويني التأليفي إلا باعتبار تعلق الجعل البسيط بمناشئها، فتكون هي مخلوقة النفس عند حصول تلك المواد والإدراكات الخاصة، فافهم واغتنم. الجهة الثالثة: في اتصاف الاحتمال أحيانا بالحجية المنجزية والحجية كما تكون من أوصاف الكواشف العقلية والعقلائية، يوصف بها الاحتمال، كما في الشبهات قبل الفحص، والمهتم بها. ولو تدخل الشرع في تلك الشبهات بالترخيص والارتكاب، لا يوصف الاحتمال بها، ولو لم يرخص الشرع بارتكاب فعل خاص مثلا يكون الاحتمال منجزا، فسعة مصاديق هذه العناوين وضيقها، دائرة مدار حدود مداخلة الشرع نفيا وإثباتا. ثم إن الحجية وأخواتها ليست إلا معنى إثباتيا، وتنالها يد الجعل استقلالا. إمكان سلب حجية القطع وإمكان الردع عن العمل به إذا تبين ذلك يقع البحث في تجويز سلب الحجية عن القطع، والردع عنه، وتحريم العمل على طبقه، أو عدم إيجاب العمل على وفقه. والمراد من ذلك هو المنع

[ 26 ]

عن لزوم اتباعه، بمعنى عدم كونه عذرا ولا منجزا، فقد اشتهر بينهم امتناع ذلك (1). والذي يقع مورد البحث هنا مسألتان: الاولى: هي أن المعذرية والحجية، هل يمكن سلبها عن القطع ولو في الجملة، أم لا ؟ الثانية: هي أن الردع عن تبعية المقطوع به يمكن أم لا ؟ ولا ينبغي الخلط بين المسألتين، كما يظهر الفرق بينهما. أما المسألة الاولى: فالحق إمكان سلب الحجية ولو في الجملة عن القطع، وسلب المعذرية عنه، وذلك لأن معذرية القطع تشبه معذرية السهو والنسيان والغفلة، بل والاضطرار والإكراه والإجبار في بعض الموضوعات، فكما يمكن أن يعلن المولى: أن السهو الكذائي والغفلة الكذائية الحاصلة بالمبادئ العمدية، ليست عذرا عندي، وأن الاضطرار والإكراه الحاصلين بالمبادئ العمدية والقصدية، ليسا عذرا وحجة، فإذا ابتلي المكلف بهذه الامور، وإن لم يتمكن المولى من توجيه الخطاب إليهم فرضا، كما هو كذلك بناء على الخطابات الشخصية، ولكنها لاتعد عذرا، ويكون العبد مستحق العقوبة، ولا يورث سقوط الهيئة الناشئ من سوء السريرة صحة الاعتذار بها. كذلك للمولى أن يعلن: أن القطع الحاصل من خبر الثقة، أو الحاصل من الأسباب الكذائية، أو الحاصل من الارتياضات النفسانية بالنسبة إلى الأحكام الإلهية، ليس عذرا، فإذا كان العبد عارفا بهذا القانون، وعالما بلزوم تبعية المولى في الأحكام الواقعية إطاعة، ويدرك قبح العصيان ومخالفته، فلابد أن يدرك ممنوعية تطرق سبيل ينتهي إلى حصول القطع بها، حذرا من ذلك، فإن القاطع قبل أن يحصل


1 - فرائد الاصول 1: 5، كفاية الاصول: 297، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 7. (*)

[ 27 ]

القطع، يجد تخلف كثير من الأقطاع والعلوم عن الواقع. وأما إذا اتفق له القطع بذلك الحكم، فلا يتمكن المولى من منعه بعد حصول قطعه، كما سيأتي تحريره في المسألة الآتية، ولا هو نفسه، لما يرى الواقع في خصوص قطعه الموجود. ولكنه بحسب الواقع، لا يكون معذورا إذا تخلف عن الواقع، فهو حين القطع يجب عليه تبعية المقطوع به، كما أن المضطر إلى الجيفة بعد الاضطرار، يجب عليه أكل الجيفة، ومع ذلك يعاقب على واجبه العقلي، والمكره على شرب الخمر إذا تعمد في حصول الإكراه، فحين الإكراه لا يمكن ردعه، أي منعه عن المكره عليه بالضرورة، لأن حفظ النفس واجب، ولكن يستحق العقوبة، لأنه بالاختيار امتنع الأمر عليه. وهكذا في القطع، يمكن منع المعذرية عنه في هذا الفرض، فإن مجرد الكاشفية عن الواقع لا يلازم ذلك، ضرورة إمكان توصل المولى إلى منع معذريته بمنع السبيل المنتهي إلى القطع بالحكم، ونتيجة ذلك جواز التخلف. وأما القول: " بأن تجويز التجري في حد تجويز المعصية " كما في حواشي العلامة الأصفهاني (قدس سره) (1) ففي غير محله، لما سيأتي من إمكان ذلك لعروض العناوين الاخر، وعند المقتضيات الاخر (2)، بخلاف العصيان، فإنه يلزم من تجويزه انتفاء موضوعه، وهو خلف. فبالجملة: تحصل إمكان منع حجية القطع ومعذريته في الجملة، من غير رجوعه إلى تقييد موضوع الحكم بقيد، حتى يلزم الخلف، ضرورة أنه جائز واضح، كما سنشير إليه في ابتداء المسألة الآتية إن شاء الله تعالى.


1 - نهاية الدراية 3: 20. 2 - يأتي في الصفحة 31. (*)

[ 28 ]

ثم لا يخفى: أن ما ذكرناه في هذه المسألة مما يشير إليه بعضهم، كالشيخ في موضع من " الرسالة " (1) و " الكفاية " في أوائل مسألة القطع (2)، والذي كان يهمنا هو التفكيك بين مسألة ردع القطع عن المعذرية، وبين المسألة الآتية إن شاء الله تعالى، وقد ابتلي بعض منهم بالخلط (3). وعليه يترتب جواز نفي عذرية قطع الوسواس والقطاع وغيرهما، كما صرح به في " العروة الوثقى " (4) فراجع. ومن هنا يظهر: أن النزاع المعروف بين الاخباريين والاصوليين (5) قابل للطرح، لأن من المحتمل أن يكون مرادهم من نفي حجية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنة، نفي معذريته في صورة الخطأ، ولعل مقتضى إطلاق كلام الاصوليين كلا، أيضا عدم معذرية الجهل المركب التقصيري. وعلى ما ظهر يتبين أيضا فساد قول العلامة النائيني (رحمه الله) من المناقشة في هذه المسألة (6)، فراجع. وأما المسألة الثانية: وهي حول إمكان ردع الشرع عن اتباع المقطوع به حين القطع، فالمشهور المقطوع به في كلماتهم امتناعه (7)، معللين: " بلزوم اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا، وحقيقة في صورة الإصابة " كما في " الكفاية " (8). وفيه: ما مر في محله من أن التضاد الاصطلاحي، ممنوع بين الأحكام كلا، بل لا يلزم اجتماع الحكمين في محل واحد، لأن التحريم متعلق بالخمر، والتحليل


1 - فرائد الاصول 1: 15. 2 - كفاية الاصول: 297. 3 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 12، منتهى الاصول 2: 7 و 49. 4 - العروة الوثقى 1: 74، فصل طريق ثبوت النجاسة، المسألة 1. 5 - الفوائد المدنية: 128 - 131، الحدائق الناظرة: 125 - 133، فرائد الاصول 1: 29، كفاية الاصول: 311. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 7. 7 - نهاية النهاية 2: 15، نهاية الدراية 3: 19، مصباح الاصول 2: 17. 8 - كفاية الاصول: 297. (*)

[ 29 ]

ينتهي إلى تجويز فعل الشرب (1). نعم، يلزم المناقضة في الإرادة، ضرورة أن مفروض الكلام هو ما إذا كان دليل حرمة الخمر له الإطلاق، ويكون موضوع الحرام هو " الخمر " من غير تقييد بشئ، ضرورة أنه إذا كان الخمر المقطوع بها حلالا يلزم الخلف، وهو أمر غير سائغ قطعا. فما هو محط البحث صورة كون موضوع الحكم ذات الخمر، وكان لدليل حرمتها الإطلاق، فإنه من ضم الصغرى الوجدانية إلى الكبرى الشرعية المقطوع بها، يحصل العلم بحرمة الخمر الموجودة بين يديك، فلو رخص الشرع في شربها، فإما يكون ترخيصا إنشائيا فهو لا بأس به. وأما إذا كان ترخيصا جديا فلابد من التصرف في الكبرى، أو الصغرى، وأما مع انحفاظهما على حاليهما فيلزم اجتماع الإرادتين المتنافيتين: إرادة الزجر، وإرادة الترخيص، مع وحدة الموضوع، فالشارع بشارعيته لا يتمكن من أن يكون مجدا في التحريم والتحليل بالضرورة، سواء تعلق التحليل بالخمر، أو تعلق بترك العمل بالقطع المزبور. وأما ما اشتهر من لزوم التناقض (2) فتقريبه: أن من تحليل المخالفة في صورة الإصابة، يلزم انتفاء تحريم الخمر، مع أن المفروض حرمتها. ولكن الاستحالة مستندة إلى الأمر الأقرب: وهو امتناع اجتماع إرادة التحليل مع التحريم، فتدبر. ولو تعلق الردع بالصغرى، أي بالمناقشة فيها، فإنه وإن يمكن زوال القطع بها، إلا أنه أيضا خروج من حريم البحث.


1 - تقدم في الجزء الرابع: 211 - 212. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 9، درر الفوائد، المحقق الحائري: 325، نهاية الأفكار 3: 8. (*)

[ 30 ]

وغير خفي: أن هذا الإشكال في مسألة القطع، زاوية من الإشكالات في بحث الظن حول مشكلة ابن قبة (1)، فإن ترخيص الطريق المؤدي إلى خلاف الواقع، يستلزم المشاكل، والمنع عن الطريق الواصل فيما نحن فيه، أيضا ينتهي إلى المعضلات في ناحية الحب والبغض، والمصلحة والمفسدة، والبعث، والإرادة، وغير ذلك مما لا يخفى. ومن الغريب توهم انتقاض ما نحن فيه، بردع الشرع عن الظن القياسي على الحكومة في باب الانسداد (2) ! ! ضرورة أن تقريب الشبهة يتم إذا كان الطريق منحصرا بالظن القياسي، وإلا فمع إمكان الظنون الخاصة لا يلزم إشكال رأسا. وأما في مورد القطع فلا يعقل الردع ذاتا، كما عرفت. وبالجملة: الظن في ذاته يقبل الردع، بخلاف القطع، وفي باب الانسداد يكون المردوع حصة من الظن، لا المطلق منه، فمن ثم على تقدير تمامية مقدمات الانسداد لا يمكن الردع عن الظن، لحكم العقل بلزوم اتباعه، فلا تخلط. فبالجملة تبين: أن نفي المعذرية في البحث السابق، لا يستلزم الإشكال جدا، وقد صرح بإمكانه - على ما اطلعت عليه أخيرا - العلامة العراقي (قدس سره) (3). وأما نفي المنجزية - بتجويز مخالفة القطع في فرض الإصابة - فيستلزم امتناع حصول الإرادة الجدية لتحليل ما هو مورد التحريم واقعا. نعم، في فرض عدم الإصابة، لا يمكن أن يصل المولى إلى مقصوده من الأمر بمخالفة القطع، لأن القاطع دائم الخلاف بالنسبة إلى الأمر المزبور. اللهم إلا أن يقال: بأن ترخيص المخالفة لا يتوقف على الأمر. هذا مع أن من


1 - يأتي في الصفحة 223 - 224. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 271، بحر الفوائد: 13 / السطر 15. 3 - تعليقة المحقق العراقي على فوائد الاصول 3: 64 / الهامش 2. (*)

[ 31 ]

الممكن أن يخالف القاطع قطعه تجريا، فيكون المولى واصلا إلى مقصوده بعدما لم يكن عباديا، وسيأتي ما هو الحجر الأساس في محله (1). وتوهم: أن الترخيص يلازم تجويز التجري، وهو في حد تجويز العصيان (2)، في غير محله، كما مر في المسألة السابقة. ووقوع التناقض في نفس القاطع (3) لا يضر بشئ من المقصود. مع إمكان أن يكون القاطع قاطعا بحكم الخمر، وخمرية ما عنده، وقائمة عنده الأمارة الظنية على جواز مخالفة القطع، فإنه حينئذ لا يلزم تناقض في نفسه، كما هو الواضح. وتوهم: أنه خروج عن محط الكلام (4) غير جائز، لأن البحث حول إمكان سلب منجزية العلم والقطع بعد وجوده، إذا كان تعلق بالحكم الشرعي وموضوعه، لا بجميع ما يرتبط بالمسألة، فلا تخلط. فتحصل: أن ترخيص الشرع في مخالفة القطع المتعلق بوجوب صلاة الجمعة، لا يخلو إما أن يكون في مورد الإصابة، أو في مورد الإخطاء: ففي الصورة الاولى تلزم المناقضة، وعدم إمكان الجمع بين الإرادة المتعلقة بوجوب صلاة الجمعة المستلزمة للعقاب عند التخلف، وبين الإرادة المتعلقة بالترخيص المستتبع لعدم العقاب على تركها. وفي الصورة الثانية لا يلزم إشكال عقلي، بعد كون المولى عارفا بأن القطع الحاصل لزيد خلاف الواقع، ويكون جهلا مركبا. فما في كلماتهم من امتناع الردع في الصورتين (5)، غير موافق للتحقيق.


1 - يأتي في الصفحة 89 - 91. 2 - نهاية الدراية 3: 19 - 20. 3 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 237 - 238. 4 - لاحظ أوثق الوسائل: 4 / السطر 29. 5 - كفاية الاصول: 297، نهاية النهاية 2: 15، نهاية الدراية 3: 19 - 20. (*

[ 32 ]

تنبيه القطع الذي لا يجوز عقلا تجويز مخالفته وإنكار منجزيته، أعم من القطع المعذر وغير المعذر. ثم إن الترخيص الممنوع أعم من أن يكون بنحو التجويز والتحليل، وبشكل الأمر الترخيصي، أو كان بنحو إيجاب المخالفة، فإنه لو صح تجويز المخالفة صح إيجابها أيضا. هذا تمام الكلام حول مسألة إمكان الردع عن العمل بالمقطوع به، وإمكان المنع عن منجزية القطع، وقد عرفت أن تمام الجهة المانعة، امتناع ترشح الإرادة الجدية في عرض الإرادة الجدية المتعلقة بحرمة الخمر. طريقتنا في كيفية ردع الشارع عن القطع جعلا وامتثالا وعندي في المسألة طريق، ربما ينتهي إلى إمكان أن يتوسل المولى إلى ترشيح تلك الإرادة في عرض الإرادة الاولى، والبحث يتم في مقامين: مقام الجعل والتشريع. ومقام الامتثال. أما في مقام الجعل، فقد تقرر منا في مباحث الترتب: إمكان كون الأحكام فعلية بالنسبة إلى العاجزين، والغافلين، والساهين، والناسين، والجاهلين، كما هي فعلية بالقياس إلى مقابليهم، وذلك فيما يكون الحكم كليا قانونيا عاما، وتفصيله يطلب من تلك المباحث (1).


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449. (*)

[ 33 ]

فعلى هذا الأصل الأصيل، إذا جعل المولى وأراد تحريم الخمر، يكون الخمر محرمة سواء تعلق به القطع، أم تعلق به خبر الثقة، أو لم يتعلق به شئ. وله أيضا إيجاب مخالفة القطع بنحو كلي، لا القطع الخاص المتعلق بحكمه، بل هو في مقام الإيجاب لا يلاحظ إلا عنوان مخالفة القطع، وإذا كان تحت هذا العنوان غرض ومصلحة سياسية أو غيرها، يصح له أن يوجب مخالفته. وما هو الموجب للامتناع هو إيجاب القطع الخاص، أي الحاصل المتعلق بحرمة الخمر. وأما إذا أوجب مخالفة القطع على الإطلاق - سواء كان متعلقا بالأحكام، أو الموضوعات الشرعية، أو تعلق بالمسائل العرفية، وعلى فرض تعلقه بالحكم الشرعي سواء فيه الإصابة، والخطأ - تكون النسبة بين الإيجاب المزبور وتحريم الخمر مثلا، عموما من وجه، ويكون الحكم على العنوان المذكور فعليا، كما يكون حكم الحج بالنسبة إلى عنوان " المستطيع " فعليا، سواء كان ذاكرا، أم غافلا، عاجزا، أم قادرا، مع أنه لا يعقل فعلية الحكم بالنسبة إلى خصوص الغافل، ولايترشح الجد، ولكنه يتمكن من الإيجاب العام، فإيجاب مخالفة القطع لا ينحل إلى الإيجابات الكثيرة في الخطاب. فتحصل: أن الامتناع إذا كان مستندا إلى عدم تمكن المولى من الإيجاب الجدي في مقام الجعل، فهو قابل للدفع. وأما إذا كان وجه الامتناع مستندا إلى المقام الثاني وهو مقام الامتثال، فنقول: إن القاطع بحرمة الخمر، لا يمكن أن يكون قاطعا بإيجاب الشرع مخالفة القطع، على إطلاقه الشامل لقطعه المتعلق بالحكم. نعم، للشرع إيجاب مخالفة القطع المتعلق بأن شرب ماء الورد يفيد، أو شرب الفقاع يفيد، فإنه يمكن إيجاب مخالفة هذا القطع، فيكون إطلاق الدليل المزبور عنده

[ 34 ]

غير تام، ولكن المولى ليس غرضه من الإيجاب المزبور، التوصل إلى أن يكون الأمر باعثه، كما لا يمكن ذلك في سائر القوانين بالنسبة إلى الغافل وغيره، ولكن يمكن أن يكون النظر في هذا التقنين العام في مورد الغافل على الدوام، أن لا يكون الغافل على حجة بالنسبة إليه، بل يكون محجوجا بعدما لم تكن الغفلة المطلقة عذرا. وأما فيما نحن فيه، فالعبد القاطع بحرمة الخمر إما يمتثل نهيه، أو لا يمتثل: فإن امتثل نهيه فله أجر وثواب ترك المنهي، وله أن يعتذر في مخالفة الإيجاب المزبور. ولو امتثل وخالف قطعه الواقع فيمكن أن لا يكون قطعه عذرا، لحصوله من السبب الخاص، فيكون الإيجاب المزبور حجة عليه، ويستحق العقوبة، وهذا المقدار كاف لأن تترشح الإرادة الجدية في مرحلة الجعل على نحو التقنين، كما عرفت في الغافل آنفا. ولو خالف قطعه وشرب الخمر مثلا، استحق المثوبة على الواجب التوصلي، فإن كان قطعه عند المخالفة مطابقا للواقع، فلا يكون معذورا، لأن مخالفته للقطع كانت مستندة إلى ميله، لا إلى حجة، ولو كان مخالفا للواقع يكون متجريا. فبالجملة تحصل: أن الأحكام ربما تكون فعلية بالنسبة إلى أشخاص، مع عدم كونهم مطلعين عليها طول العمر، كما في الجاهل المركب المقصر، والغافل، والساهي، والعاجز، ولا يتوسل المولى إلى بعثهم إلى مأموله، ولكنها مع ذلك فعليات. وكذلك الأمر المتعلق بإيجاب مخالفة القطع، فإنه بالنسبة إلى المجموع من المكلفين مؤثر، لما أن كثيرا من القطع والعلوم متعلقة بالمسائل العرفية التي لا محذور في مخالفة القطع فيها، فإن العقلاء يخالفون قطعهم بمنافع كثيرة في المحرمات. فهذا الإيجاب الكلي ليس لغوا، فإطلاقه بالنسبة إلى القطع المتعلق

[ 35 ]

بالحكم في صورة الإصابة، ليس مؤثرا من جهة الباعثية، ولكن يترتب عليه بالواسطة تبعاته، كما اشير إليه آنفا، فتأمل جدا. ثم إن العلامة العراقي (قدس سره) احتمل إمكان نفي المنجزية، إذا كانت حجية القطع معلقة، كما تكون حجية الطرق معلقة على عدم ردع الشرع (1). وأنت خبير: بأن التعليق ممتنع إلا بالمعنى المعروف في محله (2)، فإنه يجوز القضية الشرطية في القضايا الممتنعة، أي يجوز أن يقال: " لو كان التناقض في الخارج كان ممكنا " وما أفاده يرجع إلى ذلك. ثم إنه غير خفي: أن نفي حجية القطع في الجملة ممكن، كما مر، وأما نفي حجية جميع مصاديقه حتى القطع المتعلق بنفي حجيته في الشرع، فهو بعد حجية الظن ممكن، لانقطاع التسلسل بكفاية الظن بحجية الظن، كما هو كذلك. ونعتذر من الإخوان من جهة الإطالة. تذنيب بناء على ما تحرر كان لما ذهب إليه أصحابنا الاخباريون (3) وجه، إلا أنه في مرحلة الإثبات غير وجيه، لقصور الأدلة الموجودة عن إفادة مقصودهم، والمسألة في مرحلة الإثبات تحتاج إلى فحص خاص خارج عن عهدة الاصوليين، وقد أفاد الشيخ بعض ما استدلوا به مع جوابه (4). وعلى كل تقدير تكون المسألة محولة إلى محل آخر.


1 - نهاية الأفكار 3: 8 و 43. 2 - شرح الشمسية: 102 - 103، شرح المنظومة، قسم المنطق: 123. 3 - الفوائد المدنية: 129 - 131، الحدائق الناظرة 1: 125 - 133. 4 - فرائد الاصول 1: 16. (*)

[ 36 ]

الجهة الرابعة: حول جعل الحجية للقطع ووجوب موافقته قد تعرض في " الدرر " مستقلا لأمر آخر: وهو أن القطع هل يقبل أن يتعلق به أمر المولى، أم لا ؟ (1) ونحن نشير إلى محتملات المسألة، مع رعاية الاختصار: فنقول تارة: يكون المجعول حكما وضعيا، وهي الحجية المتعلقة بذات القطع، وهذا ربما يكون باطلا، لأجل لزوم اللغوية، أو يكون باطلا لأجل اجتماع المثلين، بعد الفراغ من إمكان جعل الحجية. وفيه: أن المراد من " الحجية " إن كان المعذرية، فقد عرفت إمكان جعلها، لما تحرر من إمكان الردع عن المعذرية، فلا لغوية، ولا اجتماع المثلين (2)، وهكذا إذا قلنا: بأن الردع عن العمل بإيجاب مخالفة القطع، يلازم نفي حجيته ومنجزيته، إلا أنه ممنوع كما أشرنا إليه. ولكن لزوم اللغوية ممنوع مطلقا، لأجل أن الفرار عن اللغوية في جعل الحجية، لا ينحصر بترتب الأثر على المجعول بالذات، بل يكفي لو ترتب عليه الأثر لأجل أمر آخر، فإن الاخباريين القائلين بعدم حجية القطع، يرتدعون عن مقالتهم لأجل ما يدل على حجية القطع مطلقا، وهذا المقدار كاف كما لا يخفى. وربما يشير إلى بعض ما ذكرناه، قوله (عليه السلام) في أخبار الاستصحاب: " ولكن ينقضه بيقين آخر " (3) ولو كان ذلك ممتنعا لكان الأمر بذلك غير جائز، وخلاف ظاهر، فاغتنم.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 329. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 29. 3 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. (*)

[ 37 ]

وأما لزوم اجتماع المثلين، فهو كلزوم اجتماع الضدين، وقد تحرر في محله، أن هذه الامور لا تسري إلى الأحكام التي لا خارجية لها إلا بالاعتبار، كالحجية، والوجوب، والحرمة (1). وبالجملة: لو سلمنا حجية القطع، فهي ليست ذاتية اصطلاحية، بل هي كلازم الماهية لا ينفك عنها، مع عدم انتزاعها من صراح ذاتها، فلا تكون خارجية، كالإمكان والوجوب من المواد الثلاث، فجعل الحجية له لا يستلزم اجتماع المثلين، الممنوع عقلا في مثل اجتماع المصداقين للبياض في موضوع واحد. هذا كله لو كان المجعول عنوان " الحجية " التي يكون مصبها القطع طبعا. واخرى: يكون المجعول حكما تكليفيا، كما إذا أوجب موافقة القطع، فإنه أيضا لا يستلزم محذورا ولو كان مورد التكليف القطع المتعلق بالحكم الوجوبي، فضلا عن القطع المتعلق بالأعم منه والاستحبابي، فإنه في الفرض الأول يلزم من إطاعة أمر الصلاة - إذا كان مقطوعا به - موافقة الأمرين، كما لو نذر فعل الصلاة الواجبة، ومن مخالفة أمر الصلاة مخالفة الأمرين. وفي الفرض الثاني يلزم في صورة المخالفة عصيان الأمر الواحد، كما هو الواضح. وأما لو كان مصب الإيجاب المزبور إطاعة الأمر المقطوع به، فربما يقال: بأن ذلك من اللغو، لأن المكلف إما ينبعث من أمر الصلاة، أو لا ينبعث، فإن انبعث فلا حاجة إلى الأمر الثاني، وإن لم ينبعث فلا داعوية له أيضا، فيكون الأمر الثاني لغوا على كل تقدير (2). وفيه أولا: أنه إشكال لا يختص بالقطع، لاشتراك سائر الطرق معه


1 - الحكمة المتعالية 2: 100 - 105، لاحظ نهاية الدراية 2: 22 - 24 و 308 - 312. 2 - لاحظ تقريرات المجدد الشيرازي 2: 238، درر الفوائد، المحقق الحائري: 329. (*)

[ 38 ]

في هذه الجهة. وثانيا: أنه لو كان المكلف لا ينبعث من الأمر الأول، يلزم لغويته أيضا. وثالثا: أن الأمر ليس إلا في حكم الإعداد أحيانا للبعث، ولأجل استتباعه للتوابع - كالعقاب والثواب - يكون محركا بالعرض والمجاز، فإذا كان المكلف ملتفتا إلى تبعات الأمرين فربما ينبعث، مع أنه لا ينبعث عند الالتفات إلى توابع الأمر الواحد، فلا تخلط. ثم إن الإيجاب المزبور إذا كان متعلقا بإطاعة الأمر الأعم من الإيجابي والندبي، فلا يكون لغوا في الفرض الثاني، ويكون كأوامر العناوين الثانوية المتعلقة بالمندوبات. بل فيما تعلق بالواجبات يلزم بعض ما فيه مع ما فيه، ولاسيما على القول: بأن الأوامر الحاصلة من العناوين الثانوية، متعلقة بما تعلقت به الأوامر الأولية، فاغتنم. وهنا إشكال ثان على إيجاب إطاعة أمر المولى المقطوع به: وهو لزوم التسلسل والأوامر غير المتناهية (1)، ضرورة أن الأمر المتعلق بالصلاة يدعو نحوها، والأمر المتعلق بالإطاعة يدعو نحو الإتيان بها بعنوان الإطاعة، وحيث إن الأمر بالإطاعة ينحل إلى الكثير، يكون للأمر المتعلق بالإطاعة أيضا إطاعة، وهي متعلقة الأمر... وهكذا. وما في " الدرر " من تجويز ذلك (2)، ناشئ من عدم التوجه إلى ما هو الإشكال، ضرورة أن هذا الكثير من الأوامر لابد وأن تكون تأسيسا مستقلا، مع أن الكل يسقط بامتثال المأمور به بالأمر الأول، وهذا محال، لامتناع ترشح الإرادة بالنسبة إلى تلك الأوامر إلا تأكيدا، وهو خلف.


1 - أوثق الوسائل: 4 / السطر 12، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 11. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 329. (*)

[ 39 ]

ولذلك يظهر من " تهذيب الاصول " امتناع إيجاب الإطاعة، للزوم العقوبات غير المتناهية (1)، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، ضرورة أن العقل يأبى عن كون عصيان الأمر الواحد، مستلزما لمثله. أقول: الذي يساعده الإنصاف عدم وجوب الإطاعة شرعا، والذي يتناوله العقل إمكان ذلك عقلا، لما يمكن من الأغراض الشتى في ذلك. وأما امتناع ترشح الإرادة التأسيسية، فهو في مورد كانت النسبة بين الأمر المتعلق بالصلاة وبالإطاعة متساوية، أو عموما وخصوصا مطلقا، وأما فيما إذا كانت من وجه فلا بأس به. وبالجملة: لا ينبغي الخلط بين الامتناع العقلي والاستبعاد العرفي. ثم إن هذه الشبهة يشترك فيها القطع وغيره من الطرق في صورة الإصابة، ويختص القطع غير المصيب بها، كما لا يخفى. وأما الإشكال الآخر وهو رابع الشبهات: فهو أن إيجاب الإطاعة غير معقول، لأن حقيقة الإطاعة ومقتضى مادة " الطاعة " هو الإتيان بالفعل بداعي أمره، فلا يعقل أن يكون الأمر بها داعيا إليها، وإلا للزم عدم تحقق موضوع الإطاعة، ويمتنع أن يكون الأمر المتعلق بعنوان داعيا إلى إيجاد غير ذلك العنوان (2). وفيه: أن مادة " الإطاعة " تقضي بعد كونها واجبة إتيان الصلاة بداعي أمرها، وأيضا تقضي أن يأتي بالإطاعة المحققة بفعل الصلاة بداعي الأمر بالإطاعة، فلاينبغي الخلط بين مقتضى الهيئة والمادة. فما في " الدرر " جوابا (3) غير تام، كما أنه في تقرير الشبهة غير واف، فإن الشبهة: هي عجز المكلف عن الامتثال، لما لا يتمكن من قصد الأوامر غير


1 - تهذيب الاصول 2: 8. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 329. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 330. (*)

[ 40 ]

المتناهية التعبدية. وما هو الجواب: هو أن الأمر الإيجابي المتعلق بالطاعة توصلي، ولا يعتبر أن تكون الإطاعة بداعي أمرها، فلو صلى العبد جاهلا بأمر الإطاعة، يسقط أمرها، ويؤجر عليه، على ما تحرر من إمكان استحقاق الثواب على التوصليات (1)، فلا تخلط. فتحصل: أن تدخل الشرع بإيجاب الإطاعة، والإتيان بالمقطوع به تحت عنوان الإطاعة، مما لا محذور فيه عقلا أيضا، والأمر سهل، ونعوذ بالله تعالى من أن نكون من المسرفين. وبالجملة: لا ينبغي الخلط بين ما يناله العقل، وما يدركه العقلاء، فإن الأول هو إمكان إيجاب الإطاعة شرعا، والثاني هو عدم وجوبها ولو اقتضت الهيئات ذلك، لأن الموقف ليس لائقا بالإيجاب التكليفي. ولو قيل: النسبة بين الإطاعة ومتعلق الأوامر هي المساواة، ولا يعقل ترشح الإرادتين التأسيسيتين. قلنا: الإطاعة الواجبة شرعا، أعم من إطاعة الأمر والنهي، ومن إطاعة ما يستقل به العقل، وفي موارد سقوط الأمر بالمزاحمة على القول به، وعلى هذا يمكن أن يتخيل كون النسبة بين متعلق الإيجاب في باب الإطاعة، ومتعلق الوجوب في باب الصلاة مثلا، عموما من وجه، فاغتنم وتأمل تعرف.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 160 - 161. (*)

[ 41 ]

المبحث الثاني في التجري

[ 43 ]

وقبل تحري بحثه لا بأس بالإشارة إلى بعض جهات، لتوضيح نكات: الجهة الاولى في المراد من التجري لغة واصطلاحا اعلم: أن " التجري " هو الجرأة على المولى لغة، ويشترك فيه العصيان. واصطلاحا: هو أن يخالف الحكم المقطوع به الإلزامي، تحريما كان، أو إيجابا، مع كون القطع مخالفا للواقع. وهو ذو مراتب، والمرتبة العليا منه مخالفة الحكم المقطوع به، كما إذا شرب الماء المقطوعة خمريته، والمقطوعة حرمته، ثم تبين - على سبيل منع الخلو - أنه ماء، أو أن الخمر ليس بحرام مثلا. والمرتبة الدنيا مخالفة العلم العادي المتعلق بحلية شرب التبغ، مع كونه موافقا للواقع، فإن من كان محتاطا في هذه المرحلة، لا يكون متجريا على المولى بالضرورة، بلحاظ الاحتمال الموجود في البين، ومن لا يحتاط، وكان يحتمل احتمالا موهوما - وإن كان مأمورا في الشرع بطرحه - فإنه يعد متجريا عند العقل

[ 44 ]

على مولاه، وما بينهما المتوسطات. وتوهم: أن هذا لا يعد من التجري، لأن في تعريفه " أن يكون القطع مخالفا للواقع " في غير محله. نعم، التجري الذي هو مورد الخلاف أخص منه، ويكون مخصوصا بما إذا تعلق القطع أو ما بحكمه بتحريم شئ أو إيجابه، وقد تخلف المكلف عنه، لأجل عدم المبالاة بالعصيان وغيره. وأما المراتب النازلة فلا يلتزم أحد بممنوعيته، كمن يشرب الماء المقطوع بمائيته، تشبها بالخمر في الكيفية والحالة، فلا تخلط. وبالجملة: ما هو محط النزاع هي المرتبة الاولى، وما يدنو منها، كمخالفة الحجة، ومنها الاحتمال المنجز، كما في الشبهات المهتم بها. وغير خفي: أن من التجري ما إذا قطع بحرمة الخمر وارتكبها، وكانت الخمر محرمة، ولكن قطعه غير حاصل من الطرق المرضية، بناء على ما مر من إمكان توسل المولى إلى ذلك قبل حصول القطع (1)، وامتناع الردع بعد حصوله لا يوجب امتناع الردع قبله، فليتدبر. وهم ودفع لأحد أن يقول: بأنه في موارد الطرق والأمارات لا يكون تجر، لأن العبد ربما يرتكب لأجل احتمال عدم الإصابة، ويرتكز في نفسه ذلك إلى حد يبادر إلى مخالفتها برجاء عدم اصابتها، وخلافها المشاهد في كثير من الموارد، فالتجري مخصوص بمورد يشترك فيه العاصي والمتجري (2).


1 - تقدم في الصفحة 26 - 27. 2 - لاحظ نهاية الأفكار 3: 41. (*)

[ 45 ]

وفيه: أن كلمات جل منهم وإن كانت مخصوصة بالقطع (1)، ولكن الأظهر عدم الفرق، وذلك لأن اختلاف مراتب التجري، لا يورث خروج المفروض عن البحث، بعد اقتضاء بعض أدلة تحريمه حرمة الفعل المتجرى به الأعم، ضرورة أن القبح إذا كان سببا للتحريم أو لاستحقاق العقوبة، فهو موجود. ولو قيل: إنه في مورد القطع يكون القبح موجودا، بخلاف غيره من الأمارات، لأنه قبح تقديري (2). قلنا: ما هو التقديري هو القبح الفعلي، وأما القبح الفاعلي فهو موجود بالفعل بالوجدان، فلو كان يكفي القبح الفاعلي لاستحقاق العقوبة أو التحريم، فهو حاصل في موارد التخلف عن سائر الطرق والأمارات. نعم، على القول بالتصويب لا يتصور التجري، لما لا يكشف الخلاف. بل مقتضى ما تخيله القائلون بالتصويب، لزوم كون القطع مستتبعا للحكم عند الخطأ أيضا، ضرورة أن صفة القطع من الممكنات المستندة إلى الشارع تكوينا، فلو كان الترخيص التشريعي في باب الطرق والأمارات، مستتبعا للحكم المماثل، يكون الأمر كذلك في إيجاد الطريق الخاطئ أيضا، فاغتنم. ثم إنه لا يتصور التجري فيما كان القطع تمام الموضوع، لما لا تخلف له عن الواقع.


1 - فرائد الاصول 1: 8، تقريرات المجدد الشيرازي 2: 272، بحر الفوائد: 15 / السطر 11، كفاية الاصول: 298. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 41. (*)

[ 46 ]

الجهة الثانية في أن مسألة التجري فقهية إن مسألة التجري من المسائل الفقهية، لأن البحث حول حرمته، وعدم حرمته، أو حول كون العبد مستحقا للعقوبة عقلا وعدمه، حتى يترتب عليه فسقه، وعدم قبول شهادته، فيكون بحثا صغرويا محتاجا إلى الإثبات، إما بدعوى شمول الأدلة الشرعية والقوانين الكلية له، أو بدعوى كشف العقل في مورده - لأجل الملازمة - حرمته الشرعية، أو لأجل أنه قبيح، ويكون من مصاديق القاعدة الكلية: " وهي أن كل قبيح عقلي يستحق العبد العقوبة عليه ". فما يظهر من بعضهم: من احتمال كونها اصولية أو كلامية (1)، خال من التحصيل جدا، ضرورة أن الخلط بين المسألة الفقهية وبين دليلها، غير جائز. وبعبارة اخرى: يتفحص الاصولي في هذه المسألة عن إمكان شمول الإطلاقات للتجري وعدمه، لا عن الدليل وحجيتها، كما هو الظاهر، وهكذا يتفحص عن إمكان إدراج التجري في قاعدة استحقاق العقاب على القبيح وعدمه، ولذلك ليس قبح العصيان أيضا من المسائل الكلامية، فإنها بحث كلي حول عنوان القبيح، واستحقاق العقوبة عليه، من غير تعرض لخصوص مصداقه، عصيانا كان، أو تجريا،


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 272، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 36، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 14، الهامش 4، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 50، درر الفوائد، المحقق الحائري: 335. (*)

[ 47 ]

ومما ذكرنا يظهر مواقف النظر في كلمات جمع منهم (1)، والأمر سهل. إن قلت: إذا ثبت حرمة التجري شرعا أو عقلا، لذاته، أو لعنوان عرضه، فيستنتج منه الصغريات الجزئية، فتكون المسألة اصولية. قلت: هذا غير كاف لكون المسألة اصولية، ضرورة أنه إذا ثبت وجوب إكرام العلماء، يستنتج منه الصغريات الجزئية، ويتشكل الشكل الأول، ولكنها قاعدة فقهية كلية، ومسألتنا هذه - بعد قيام الدليل عليها - ترجع إلى أن التجري مثلا حرام، وهذا قانون فقهي كلي، كما يقال: " الخمر حرام " فافهم واغتنم. ثم إنه ربما يمكن أن يبحث هنا في أصل قاعدة الملازمة، ولكنه أجنبي عن مبحث التجري، كما هو الظاهر. نعم، به تنحل معضلة التجري حكما، وهذا لا يورث كونه من المسائل الاصولية. فبالجملة: البحث هنا يرجع إما إلى حرمة التجري بذاته، أو لأجل الأمر العارضي، أو حرمة المتجرى به لذاته، أو لأمر عارضي، وإما إلى استحقاق العقوبة الملازم للتحريم الشرعي، أو مطلقا، وعلى كل تكون فقهية، لإمكان هذه المباحث حول الكذب، والظلم، وشرب المسكر، وغير ذلك من المقبحات العرفية. نعم على بعض التقادير تعد من المبادئ التصورية. إشكال ودفع اختار الوالد المحقق - مد ظله - أن المسألة ليست فقهية، للزوم كون العبد


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 272، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 36، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 14، الهامش 4، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 47. (*)

[ 48 ]

مستحقا للعقوبات غير المتناهية (1)، كما عرفت في البحث السابق تقريبه (2). وأنت خبير بما فيه، فإن كون المسألة فقهية، لا ينافي عدم تمامية حكمها، لأجل الامتناع المحرر في باب العصيان والطاعة. هذا مع أن التجري إذا ثبتت حرمته الشرعية، يكون بعنوان التجري حراما، لا بعنوان أنه أمر واقعي يكون عصيانا، وهذا مما يكون في مبدأ السلسلة، ولا يتجاوز إلى الحرمة المتعلقة بالتجري، فإنها حرمة واقعية، لا تجري بالقياس إليها، فيقطع التسلسل، فما هو مورد البحث هو التجري المصطلح عليه المضاف إلى القطع المخالف للواقع، فلا تخلط، وكن على بصيرة. وبالجملة تحصل: أن البحث إما يكون بحسب المحمول، حول الحرمة المستفادة من إطلاقات العناوين الأولية، أو المستفادة من القاعدة العقلية، أو يكون حول قبح التجري، أو حول أنه يستحق العقوبة: فإن كان الأول، فكون المسألة فقهية واضح. وإن كان الثالث، فهو بحث غلط، لأن التجري - بما هو هو - لا يورث الاستحقاق، بل يورثه لأجل كونه قبيحا. وإن كان الثاني، فلا بأس بعده من المبادئ التصورية لمسألة فقهية، أو لمسألة كلامية، والأمر سهل. ومن الغريب توهم: أن البحث عن كونه قبيحا من المسألة الاصولية (3) ! ! مع أن قبح التجري إذا انضمت إليه الكبرى الكلامية، يورث النتيجة المطلوبة.


1 - تهذيب الاصول 2: 11. 2 - تقدم في الصفحة 38 - 39. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 335، حقائق الاصول 2: 11. (*)

[ 49 ]

وأما جعل قبح التجري كبرى كلية (1)، فهو بلا أثر، مثلا إذا قيل: " هذا العمل الكذائي تجر، والتجري قبيح " تصير النتيجة: " أن العمل المزبور قبيح " وهذا لا ينفع الاصولي في الفقه إلا بعدما إذا تشكل القياس الآخر " وهو أن التجري قبيح، وكل قبيح يستلزم العقوبة، فالتجري يستلزم العقوبة " فاغتنم.


1 - حقائق الاصول 2: 11. (*)

[ 50 ]

الجهة الثالثة في عرض الأقوال في التجري الأقوال والوجوه في مسألة التجري كثيرة، لا بأس بالإشارة إليها: فمنها: ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره): وهو أن في موارد التجري لا تكون حرمة شرعية، ويكون العمل المتجرى به باقيا على حكمه الأولي وحسنه ومحبوبيته. نعم، يستكشف سوء سريرته، وهو لا يقتضي إلا اللوم، كما في مورد البخل والحسد، ونحوهما من الأوصاف المذمومة التي لا يترتب عليها استحقاق العقاب ما لم تبرز في الخارج مثلا (1). ومنها: ما يظهر من " الكفاية " (2) وغيره (3): وهو اقتضاء التجري القبح الفاعلي، دون الفعلي، ويكفي لاستحقاق العقوبة انطباق العنوان القبيح - كالطغيان - عليه، من غير أن يكون عنوانا محرما شرعا. ومنها: أن الفعل الصادر له جنبتان: جنبة ذاته، وجنبة وجوده وصدوره، فمن حيث الذات لاقبح، ومن حيث الصدور قبيح ولا يستحق العقوبة، لأن مناط الاستحقاق هو القبح الفاعلي المتولد من قبح الفعل، لا من سوء السريرة (4). ومنها: أن المتجري يستحق العقوبة لمجرد العزم على العصيان محضا، من


1 - فرائد الاصول 1: 9. 2 - كفاية الاصول: 298. 3 - نهاية الأفكار 3: 30 - 31، نهاية الاصول: 416. 4 - بحر الفوائد: 19 / السطر 12، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 42. (*)

[ 51 ]

غير ارتباط بينه وبين الفعل المتجري به، نظرا إلى أن التجري من الامور الجوانحية (1). ومنها: ما نسب إلى " الفصول " وهو الاستحقاق والحرمة الشرعية، لأجل العنوان الطارئ عليه، ولكن ذلك في صورة مغلوبية الملاكات الواقعية بالنسبة إلى ملاك التجري، فربما يكون بالعكس، فيكون الفعل باقيا على حاله الأولية، وذلك كما إذا اعتقد خمرية ماء، ثم تبين مائيته المباحة، فإن الغلبة مع ملاك العنوان الطارئ، ولو تبين أنه كان يجب شربه فربما يبقى الفعل على حاله (2). ومنها: الحرمة الشرعية مطلقا، نظرا إلى أن ملاك التجري أقوى دائما بالقياس إلى تلك الملاكات، وذلك لأن قبحه ذاتي لا يختلف بالوجوه والاعتبارات، كقبح الظلم وحرمته، فيكون المتجرى به حراما ولو كان بحسب الواقع واجبا (3). ومنها: أنه حرام حسب الأدلة الأولية، لا الاستكشاف العقلي، فلا يهمنا أن يكون قبيحا، أم لا، أو يسري قبحه إلى الفعل وجودا، أو لا يسري، وعلى السراية يسري إلى ذات الفعل، أم لا (4). ومنها: أن التجري تارة: يكون في الموارد التي لها الإضافة إلى الخارج، ويكون هناك الفعل المتجرى به، كما في التكاليف التي لها متعلق المتعلق، نظير شرب الخمر، وإكرام العالم. واخرى: لا يكون له الفعل المتجرى به، كما إذا اعتقد وجوب صلاة الجمعة،


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 337. 2 - الناسب هو الشيخ الأنصاري في فرائد الاصول 1: 10، لاحظ الفصول الغروية: 431 / السطر 39. 3 - نسبه في بحر الفوائد إلى الأكثرين: 16 / السطر 30، وفي أوثق الوسائل: 23 / السطر 29 إلى المشهور. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 207. (*)

[ 52 ]

ثم تركها تجريا في الوقت المضروب لها. ففي الصورة الاولى يمكن أن يقال بحرمة الفعل، دون الثانية، فلابد عندئذ من التفصيل، ففيما كان من قبيل الاولى يكون الفعل مورد القبح والاستحقاق والحرمة، وفي غيره يكون نفس عنوان التجري. أو يقال: إن القبيح أو الحرام، هو ذات عنوان التجري دون فعله، لامتناع التفكيك مثلا. وغير خفي: أن التجري بالنسبة إلى متعلق التكليف أيضا، ربما يكون له المتجرى به، كما إذا اعتقد حرمة صلاة الجمعة فارتكبها، ثم تبين وجوبها، أو اعتقد حرمة ذبح الشاة في الحج مثلا، ثم تبين وجوبه، فما يظهر من القوم في مسألة التجري: من تخيل الملازمة بين التجري والمتجري به، غير صحيح.

[ 53 ]

الجهة الرابعة في المختار من حكم التجري من الأقوال والوجوه التي ذكرناها يظهر: أن البحث يقع في مسائل لا يجمعها بحث واحد، وذلك لأن البحث تارة: يكون في أن التجري - بما هو هو - هل يكون حراما شرعا، أو قبيحا عقلا، ويستحق العقوبة عليه، أم لا ؟ من غير النظر إلى الفعل المتجرى به، لما عرفت: أن من التجري ما لا يكون له الفعل المتجرى به. واخرى: يكون في أن الفعل المتجرى به، هل يمكن أن يكون محرما شرعا، وهكذا إلى آخره ؟ وثالثة: في أن الفعل المتجرى به إذا كان بحسب الواقع واجبا، هل يسقط أمره ولو كان عباديا، أم لا، أو يفصل بين فرضي التوصلية والعبادية ؟ فهناك ثلاث مسائل. إذا عرفت هذه الجهات، فيتمحض البحث في تلك المسائل، ولا بأس بالإشارة إلى كل واحدة منها، مع ما يمكن أن يكون دليلا عليها.

[ 54 ]

المسألة الاولى هل التجري - بما هو تجر - حرام شرعا، أم لا ؟ وهذا يرجع إلى أن هذا العنوان الذي لاتخلف له عن الواقع، يكون محرما في الشريعة، كسائر العناوين المحرمة، أم لا، وجهان. وأما توهم: أن التجري من الانتزاعيات، فلا يقبل التحريم، فهو فاسد، لأن القدرة على المنشأ ومبادئه، تكفي لتحريمه. وأما توهم: أن تحريم التجري - كتحريم العصيان - مما يستلزم العقوبات غير المتناهية، ويستتبع الخلود (1)، فهو في محله حسب المذاق العقلائي، وأما حسب الإدراك العقلي، فقد فرغنا من إمكانه في وجه خاص (2). هذا مع أنه يمكن أن يكون المحرم التجري الاصطلاحي، دون التجري المشترك بينه وبين العصيان، والنهي المتعلق بالتجري يكون مخالفته عصيانا، لاتجريا حسب الاصطلاح، فلاينبغي الخلط بين التجري والعصيان، كما يستشم من


1 - تهذيب الاصول 2: 11. 2 - تقدم في الصفحة 47 - 48. (*)

[ 55 ]

" تهذيب الاصول " و " الدرر " (1). وبالجملة: للمولى التصريح بحرمة العصيان الأول، لا عصيان النهي المتعلق بالعصيان على نعت الانحلال، وهكذا في باب التجري، فلا تخلط. فإمكان تحريم التجري مما لا مناقشة فيه، وإنما المناقشة في دليله إثباتا. إن قلت: لا يعقل تحريم التجري بما هو هو، لما لا يتمكن المولى من زجر العبد عنه، ضرورة أن العبد - حسب اعتقاده - يرى نفسه عاصيا، فلا يبقى مورد لأن ينزجر عن النهي المزبور (2). ولأجل هذه الشبهة وبعض ما مر التزم في " الدرر " و " تهذيب الاصول " بامتناع قبول عنوان التجري للتحريم الشرعي، سواء فيه التحريم حسب الدليل النقلي، أو العقلي (3). قلت: قد عرفت فيما مر عمومية محل النزاع في مسألة التجري، وأن مخالفة سائر الطرق والأمارات تكون من التجري (4)، ولا شبهة في أن المتخلف عنها يحتمل تجريه وعصيانه معا، فتحريمه ممكن بالنسبة إليها. ثم بعد إمكان ترشح الإرادة القانونية بالنسبة إلى التجري في موارد الطرق والأمارات، يمكن أن تكون الحرمة فعلية في موارد القطع أيضا، لما تحرر منا في محله: من إمكان فعلية الحكم بالنسبة إلى الغافل في مجموع عمره، وهكذا العاجز وغيرهما (5)، ويكون التجري في موارد القطع محرما شرعا أيضا، وتصح العقوبة على التخلف عن الواقع، وهو حرمة التجري بلا عذر عند العقلاء، كما ترى.


1 - تهذيب الاصول 2: 11، درر الفوائد المحقق الحائري: 335. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 279، لاحظ درر الفوائد، المحقق الخراساني: 37. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 335، تهذيب الاصول 2: 11. 4 - تقدم في الصفحة 44 - 45. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 449. (*)

[ 56 ]

هذا مع إمكان أن يكون المولى مصرحا بحرمة العصيان الأعم من الواقعي والتخيلي، فمن كان عارفا بهذا الحكم، يرى أنه في صورة قطعه بحكم كذا يستحق عقوبتين: عقوبة على الواقع، وعقوبة إما على العصيان، أو التجري، فلو تخلف بعدما حصل له القطع لا يعد معذورا، ولا يمتنع على المولى أن ينهى - بنحو القانون الكلي - عن العصيان الأعم، لأنه في صورة القطع يمكن الانزجار عن نهيه في الجملة، وهو كاف في الخطابات القانونية، حسب ما تحرر تفصيله في بحوث الترتب (1). هذا تمام الكلام في مرحلة الثبوت وفي المقام الأول. وأما في مرحلة الإثبات، فما يمكن أن يكون دليلا على التحريم امور: أحدها: الإجماع (2)، وقد قامت الشهرة والاتفاق في مسألة ظن ضيق الوقت والتأخير على العصيان، واستحقاق العقاب إذا تبين خلافه (3)، وفي مسألة سلوك الطريق المظنون الضرر، بأن السفر حرام يتم فيه، وإن لم يكن ضرر واقعا (4). وفيه: - مضافا إلى أخصيته من المدعى، وهو حرمة التجري مطلقا، لا في خصوص مورد - أنه إجماع منقول يمكن الفتوى على خلافه. هذا مع أن الذي تحرر منا سابقا خروج القطع الموضوعي الذي يكون تمام


1 - تقدم في الجزء الثالث: 450 - 455. 2 - ادعاء الاجماع منسوب إلى العلامة الحلي (رحمه الله)، كما في كشف اللثام 1: 169 / السطر 15 ومفتاح الكرامة 2: 61، ولكن للتأمل في هذه النسبة مجال واسع، لاحظ منتهى المطلب 2: 209 / السطر 23. 3 - ادعى الاتفاق عليه في قوانين الاصول 1: 120 / السطر 3، وأفتى به في قواعد الأحكام: 25 / السطر 13 وتحرير الأحكام: 27 / السطر 34 وجامع المقاصد 2: 40 وكشف اللثام 1: 169 / السطر 17. 4 - نسب الشيخ الأنصاري عدم الخلاف إلى الأصحاب في فرائد الاصول 1: 8 وأفتى به في قواعد الأحكام: 50 / السطر 15 ومدارك الأحكام: 278 / السطر 34 ومستند الشيعة 1: 573 / السطر 29 وقرره في جامع المقاصد 2: 514 ومفتاح الكرامة 3: 587. (*)

[ 57 ]

الموضوع للحكم عن هذه المسألة (1)، لما لاتخلف له، ولعل الحكم فيما نحن فيه كذلك، ولذلك يشترك فيه الظن الموضوعي أيضا. وهذا لا ينافي كون الضرر تمام الموضوع أيضا، فيكون الحرام ذا عنوانين، فليتدبر. ثانيها: أن مقتضى طائفة من الأخبار أن " الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه " (2) وقوله تعالى: * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * (3) ناظر إلى هذه الطائفة من الذين ليسوا بظالمين، ولكنهم رضوا بفعالهم، وهكذا قصة قوم شعيب (4)، وعلى هذا يكون المتجري راضيا بالعصيان والظلم، فيكون من العاصين، وهذا لا يكون إلا لأجل ممنوعية التجري وحرمته الشرعية. وبعبارة اخرى: إن معنى " من رضي بفعل قوم فهو منهم " هو أن الراضي بمخالفة المولى مخالف وعاص، والمتجري راض بمخالفة المولى وإن لم تتفق المخالفة، وقضية الطائفة الاخرى أن القصد إلى المعصية من المعصية (5)، والمتجري يقصد المعصية، فيكون التجري بعنوانه معصية.


1 - تقدم في الصفحة 45. 2 - وسائل الشيعة 1: 141، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 5، الحديث 12. 3 - الأنفال (8): 25. 4 - الكافي 5: 55 / 1، وسائل الشيعة 16: 146، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 8، الحديث 1. 5 - كقوله (عليه السلام): " إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة ". المحاسن: 262 / 325، وسائل الشيعة 2: 48، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 5. كقوله (عليه السلام): " إنما خلد أهل النار في النار، لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا... ". الكافي 2: 85 / 5، وسائل الشيعة 1: 50، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 4. (*)

[ 58 ]

وأنت خبير: بأن الأخبار والآيات في الطائفة الاولى، ربما كانت في موقف ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضرورة أن الراضي بفعل قوم يكون تاركا لما هو الواجب عليه، وهكذا كانت قصة قوم شعيب. وأما الثانية: فهي لا تفيد حرمة التجري إلا بالقياس، ضرورة أن المفروض فيها قصد المعصية. هذا مع أنها معارضة بخلافها (1)، ومع أن لازم ذلك أن يكون في مورد المعصية عقابان، ومن شاء تفصيله فعليه بالرجوع إلى " الرسائل " للشيخ (قدس سره) (2) مع أنها لا تخلو من مناقشات، إلا أنه من مراجعتها يظهر أن إمكان استفادة حرمة التجري على الوجه المدعى في المقام، مسدود جدا. ثالثها: أن التجري قبيح، وكل قبيح يستحق عليه العقوبة عقلا، فالتجري يستحق عليه العقوبة، ثم بعد ذلك نقول: إن العقوبة على القبيح مما يحكم به العقل، وكل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع، فالعقوبة على القبيح مما يحكم به الشرع، فيكون التجري مما يعاقب عليه شرعا. ولا نعني من " الحرمة " إلا الممنوعية الشرعية، واستحقاق العقوبة شرعا على فعل شئ.


1 - كما ورد في روايات متعددة: " من هم بسيئة لم تكتب عليه ". الكافي 2: 428 / 1، وسائل الشيعة 1: 51، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 6. كقوله (عليه السلام): " إن المؤمن ليهم بالسيئة أن يعملها فلا تكتب عليه ". الكافي 2: 428 / 2، وسائل الشيعة 1: 51، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 7. كقوله (عليه السلام): " من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها... ". التوحيد: 408 / 7، وسائل الشيعة 1: 55، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 20. كقوله (عليه السلام): " لو كانت النيات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها إذا لاخذ كل من نوى الزنا بالزنا... ولا يؤخذ أهل الفسق حتى يفعلوا ". قرب الإسناد 9: 28، وسائل الشيعة 1: 55، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 21. 2 - فرائد الاصول 1: 12. (*)

[ 59 ]

وإن شئت قلت: إن ارتكاب القبيح مما يحكم العقل بممنوعيته، فيكون التجري ممنوعا عقلا وشرعا. أقول: هنا بحوث لابد من الإشارة إليها على إجمالها، حتى تتم بها مسألة التجري، ومشكلة الفعل المتجرى به أيضا: البحث الأول: في نفي القبح الذاتي للتجري قد اشتهر بينهم: " أن التجري قبيح، وأن قبحه ذاتي، لا يختلف بالوجوه والاعتبارات الطارئة " (1). أقول: عنوان القبح مما يؤخذ من عناوين المعصية، والظلم، وترجيح المرجوح على الراجح، بل والترجيح بلا مرجح، وأمثال ذلك، وما هو القبيح - حسب التجزئة والتحليل - هي الجهة المشتركة، لامتناع انتزاع العنوان الواحد عن الكثير بما هو كثير، وإذا راجعنا تلك العناوين الكثيرة، يمكن أن نصل إلى أن كلا من التجري والمعصية... إلى آخرها، قبيحة لأجل قبح الظلم، لأن ما هو القبيح ذاتا ويكون القبح منتزعا عن صراح ذاته - حسب ما هو المعروف بينهم - هو الظلم، فيكون قبح التجري وهكذا قبح المعصية معللا: بأنه ظلم إما لأنفسهم، أو للباري عز اسمه والمنعم الحقيقي، على الوجه الخاص، فتأمل. فبالجملة: ليس قبح التجري ذاتيا اصطلاحا، فما هو القبيح هو الظلم، لا التجري، وعلى هذا لو كان القبيح في الشرع محكوما بحكم فرضا، فلا يمكن أن يكون التجري بعنوانه مورد ذلك الحكم، ضرورة أن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية، ترجع إلى الحيثيات التقييدية، وتكون عناوين موضوعاتها.


1 - فرائد الاصول 1: 11، بحر الفوائد: 22 / 31، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 42 / 25، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 54، نهاية الأفكار 3: 42. (*)

[ 60 ]

نعم، للشرع أن يحكم بحرمة التجري، لأجل أمر من الامور، دون العقل، فلا تخلط واغتنم. ثم بناء على هذا ينقلب القياس المزبور من ناحية صغراه، ويصير هكذا " إن التجري ظلم، والظلم قبيح، فالتجري قبيح، وكل قبيح يستحق العقوبة عليه... " إلى آخره، فيتقوم حصول النتيجة بثلاثة قياسات. بقي شئ نلقي احتماله، وعليك بالتأمل: هل قبح الظلم من الفطريات والأحكام العقلية، ومما يناله العقل الفطري العام الفارغ من كل غش، ومن كل ظلمة، وأنه من المدركات العقلية عند كل ذي عقل ؟ أو هو من الامور الحاصلة في المحيطات الخاصة، وفي الآفاق المعينة، ولأجل الإلقاءات والبناءات والتعاليم والأقاويل ؟ مثلا: التجاوز على الفرد لبقاء النوع، والتعدي على الأفراد حفاظا على النظام النوعي، ليس من الظلم على الفرد وجدانا، أم هو ظلم وتعد بالقياس إلى الفرد، ولكنه مما يدرك العقل حسنه بالقياس إلى النوع والأمر الأهم. وإن شئت قلت: ربما يكون الفعل ظلما من دون أن يكون الفاعل مقبحا، لما أنه ناظر إلى الخير الأكثر، وأما بالقياس إلى حال زيد بن عمرو الشخصي، فإنه مظلوم، وفداء للأكثر، وتفاد للمجتمع، فلا يوصف الظلم في كل حال بالقبح، وهكذا ربما لا يكون تجاوز الناس قبيحا، لما أن العادة والمسجل على ذلك، فلايدركون القبح من التجاوز. ولولا المخافة من بعض الامور الخارجة عن حد القارئين، لأشرت إلى ما هو الواقع في الكون، مع ما هو جوابه المتين، وكفاك هذا رمزا. تنبيه: في أن قبح الظلم ليس ذاتيا لاشبهة في أن القبح، ليس ذاتيا للظلم حسب مصطلح باب الإيساغوجي،

[ 61 ]

والكليات الخمس، فيكون جزء ذاته أو تمامها. وأما أنه ذاتي باب البرهان، فيكون من خارج المحمول، فهو أيضا مندفع بما اشير إليه آنفا. وعلى هذا تنهدم كبرى القياس المتشكل آنفا " وهو أن التجري ظلم، وكل ظلم قبيح ". فما في كتب الاصوليين والمتكلمين، بل وأحيانا في بعض أساطير أهل العلم: " من أن القبح ذاتي الظلم " (1) في غير محله، فضلا عن أن يكون ذاتي التجري والعصيان. نعم، هو إدراك عقيب إدراك الظلم في محيط خاص، وبالقياس إلى جهة خاصة، ضرورة أن تضحية الفرد وفداءه بداعي الأمر الأهم، ظلم بالقياس إلى الفرد، وخير بالقياس إلى كلية النظام، فلا يكون قبيحا في الفرض الأول، ويعد حسنا بالقياس إلى عموم العائلة النظامية، فاغتنم. البحث الثاني: هل الظلم يستتبع العقوبة أم لا ؟ قد اشتهر بينهم وبين أهل التكلم: " أن كل قبيح يستحق العقوبة عليه عقلا " (2). وحيث يتوجه إليه: أن كثيرا من المقبحات - ومنها ترجيح المرجوح على الراجح، وأمثال ذلك، كالإقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر - ليست تستتبع


1 - لاحظ كشف المراد: 302، هداية المسترشدين: 438 / السطر 29، الفصول الغروية: 371 / السطر 33، مطارح الأنظار: 230 / السطر 10، نهاية الدراية 3: 31. 2 - كشف المراد: 408، مطارح الأنظار: 101 / السطر 3، تقريرات المجدد الشيرازي 3: 282، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 46، نهاية الدراية 3: 28 وما بعدها، نهاية الأفكار 3: 30. (*)

[ 62 ]

صحة المؤاخذة بالضرورة، لإمكان تدخل الشرع في ذلك بتجويزه، مع عدم مساعدة العقل ولا العقلاء على المؤاخذة على كل قبيح بالضرورة، فنقول: إن الحسن والقبح لهما إطلاقان: فتارة: يراد منهما الحسن والقبح العقليان. واخرى: الحسن والقبح العقلائيان. وما هو مقصود القائلين بأن القبح يستتبع صحة المؤاخذة، هو العقلي، لا العقلائي. وقد أنكر الأشعري الحسن والقبح العقليين (1)، لإنكاره الاختيار، دون العقلائيين، مع أن الذين هجموا عليهم خلطوا بينهما (2)، فإنه بناء على صحة مرامهم في باب العلل والمعاليل، يتم مسلكهم هنا، وإنما الشأن فساد مشربهم في مسألة الاختيار والجبر. وعلى هذا، ما هو القبيح عقلا يستتبع صحة العقاب، وليس هو إلا الظلم، وسائر العناوين كلها ترجع إليه، كعنوان المعصية، والتجري، والمخالفة، والهتك، والإهانة، لما مر من أن هذه الكثير ترجع إلى واحد في المدارك العقلية، وذلك الواحد هو الظلم، وعلى هذا يكون الظلم - حسب العقل - مستتبعا لجواز العقاب، وليس للعناوين الاخر - بما هي هي - مدخلية، للزوم الخلط بين المقبحات العرفية والعقلائية، والعقلية. إذا تبين ذلك، فهل الظلم بما هو ظلم يستتبع العقوبة، أم لا ؟ حتى يكون التجري - بالعرض - مستتبعا لها، كما لا يخفى.


1 - لاحظ شرح المواقف 8: 192، شرح المقاصد 4: 291. 2 - كشف المراد: 302، هداية المسترشدين: 435 / السطور الأخيرة، فوائد الاصول، المحقق الخراساني: 124، منتهى الاصول 2: 46. (*)

[ 63 ]

فالذي هو الحق في هذا الميدان: هو أن العقاب والثواب إما يكونان مجعولين، أو يكونان ملازمين للأفعال السيئة التي كشف عنها الشرع: فإن قلنا في هذه المسألة بالجعل، فلا معنى لاستحقاق العقوبة على الظلم - بما هو ظلم - إلا بعد جعل الشرع عقابا عليه، وحيث إنه ليس في الشريعة لعنوان الظلم عقاب مجعول، بل العقاب مجعول على العناوين الخاصة - كعنوان الغصب، والقتل، وضرب اليتيم، وأكل مال الغير، وقطع الطريق، وأمثال ذلك - فلا معنى لاستحقاق العقوبة على الظلم بما هو ظلم، بل العبد إذا ارتكب إحدى المحرمات الشرعية، يستحق العقوبة عليها بالضرورة، كما هو الواضح. وما ترى من التحذير من الظلم في الآيات، فهو - بناء على هذا - يرجع إلى التحذير مما هو المحرم شرعا، والمجعول عليه العقاب، ضرورة أنه لو كان للغصب عقاب، ولشرب المسكر عقاب، وللظلم عقاب، يلزم تعدد العقاب. مع أن جعل العقاب على الظلم، لا يمكن إلا باعتبار تحريم الظلم شرعا، وتحريمه ممتنع، ضرورة أنه يلزم اجتماع الإرادتين التأسيسيتين المستقلتين في مثل الغصب وغيره، لأنه باعتبار الغصب منهي، وباعتبار الظلم منهي بنهي آخر، وهذا لا يعقل إلا بين العناوين التي بينها العموم من وجه، وبين الظلم والغصب وسائر العناوين المحرمة، عموم وخصوص مطلق، وقد مر منا توضيح امتناعه بما لا مزيد عليه مرارا (1). فبالجملة: لو كان العقاب من المجعولات الشرعية (2)، فاستحقاق العقوبة على الظلم تابع جعل المولى، وهذا غير ممكن بالنسبة إلى عنوان الظلم، إلا بأن يرجع جميع المحرمات إلى حرمة الظلم، وهذا مما لا يلتزم به أحد، فحرمة الظلم -


1 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 146. 2 - شرح الإشارات 3: 371، نهاية الدراية 3: 28. (*)

[ 64 ]

بما هو هو - ممتنعة، واستحقاق العقوبة عليه - حسب هذا المبنى في العقاب - ممتنع أيضا، فاغتنم. فتحصل: أن تشكيل القياس على الوجه الذي مر توضيحه، غير تام. وكان ينبغي أن يتشكل هكذا: " وهو أن التجري ظلم، والظلم يستتبع العقوبة عقلا " أو " الظلم الذي يدرك قبحه يستتبع العقوبة " أو " القبح العقلي - وهو الظلم فقط، لا الأمر الآخر - يستتبع العقوبة، فالتجري يصح العقاب عليه ". وقد عرفت ممنوعية الكبرى لو كان استتباع العقاب، بمعنى أن الظلم والقبح العقليين، يستتبعان العقاب المجعول عليهما، وقد تبين أنه لا عقاب مجعول على عنوان الظلم، ولا المقبح العقلي في الشريعة، ولا يمكن ذلك. ولو اريد من " استتباع العقاب " أن العقل يرى صحة العقوبة عليه وإن لم يكن مجعولا في الشريعة، ولم يخبر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) فإنه أيضا من العقاب الجعلي، إلا أنه جعلي غير مجعول في الشريعة، في قبال القول: بأن العقاب من تبعات الأعمال والأخلاق، ومن تجسم الأفعال والأفكار (2)، فالحق أيضا أنه غير تام، وذلك لأنه في الشريعة تكون العقوبات - كثيرا ما - مجعولة على المحرمات مثلا، والعبد يستحقها عند التخلف، سواء أدرك قبح الظلم، أم لم يدرك، وسواء أدرك صحة العقوبة على القبيح، أم لم يدرك، فإنه إذا أدرك لزوم اتباع النواهي والمحرمات الإلهية مثلا، فإن تخلف وعصى يستحق المجعول عند كافة العقول، إلا الأشعري، فإنه يمنع ذلك، لإنكاره الاختيار عقلا، ويرى ذلك عرفا وعقلا (3).


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 282، نهاية الدراية 3: 29. 2 - الحكمة المتعالية 9: 225 وما بعدها و 290 - 296، نهاية الدراية 1: 297 - 299، أنوار الهداية 1: 55. 3 - شرح المواقف 8: 185، شرح المقاصد 3: 282. (*)

[ 65 ]

فلو كان ارتكاب المقبح العقلي والظلم مستلزما لجواز العقاب، يلزم تعدد الاستحقاق فيما إذا عصى سيده، ضرورة أن ارتكاب المحرم الشرعي، يوجب عقوبة مجعولة في الشريعة، وارتكاب الممنوع العقلي - وهو العصيان - يوجب عقابا آخر، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، فدعوى أن درك القبح العقلي يلازم درك جواز العقاب، غير تامة. وأما قول الأشعري: بأن المحرم الشرعي هو القبيح العقلائي، وليس شئ آخر قبيحا (1)، فهو واضح الفساد، ولا ينفع في المقام. ويقرب منه القول: بأن استحقاق العقوبة على العصيان، لا يستتبع إلا العقاب المجعول (2)، لأنه من تخصيص القاعدة العقلية. وهذا هو المراد من " التداخل " في كلام بعضهم (3)، ولو اريد من " التداخل " هو التهاتر القهري فهو واضح المنع، لأن العقاب الجعلي لا يعقل تداخله القهري، بعد اختلاف العناوين، وموجبات الاستحقاق. فتحصل لحد الآن: أن إثبات استحقاق العقوبة على المقبح العقلي الذي هو الظلم المدرك قبحه، ولا شئ آخر قبيحا إلا لأجل كونه ظلما، فيكون لأجل الظلم مستتبع العقوبة، في غاية الامتناع، ضرورة أنه في الشريعة ربما يكون مثل الغصب والقتل، محرما شرعا وظلما، فلو كان القول المعروف صحيحا، للزم أن يستحق العبد العقوبة ثلاث مرات: مرة على الغصب، ومرة على الظلم الذي هو الغصب والقتل، ومرة على العصيان، بل ومرة رابعة على عصيان الرسول الباطني، وهو العقل حيث منعه عن الغصب بما أنه ظلم، وخامسة: على هتك المولى، بخرق حجابه، والدخول


1 - لاحظ كشف المراد: 302. 2 - حقائق الاصول 2: 20، منتهى الاصول 2: 43. 3 - الفصول الغروية: 87 / السطر 34. (*)

[ 66 ]

في سلطانه وهكذا، ولا ينبغي أن يشك أحد بعد ذلك إلا بأن المقبح العقلي، لا يترتب عليه شئ، بناء على مقالة الجعالة في العقاب. وهم ودفع: حول مصادفة العاصي للواقع دون المتجري لأحد أن يقول: إن التجري والعصيان، مشتركان فيما يوجب الاستحقاق، ومختلفان فيما لا يوجب الاستحقاق، وهو الإصابة، وعدم الإصابة، وهما غير اختياريين (1)، وعلى هذا لا يستحق العبد العقاب المجعول، ويستحق العقاب غير المجعول الحاكم به العقل، وهو ارتكاب المقبح العقلي وهو الظلم، وهذا هو اشتراك بين التجري والعصيان، ولا يتعدد العقاب بالقياس إلى الامور الخارجية الواقعية. وبعبارة اخرى: الأمر والنهي والواقعيات طرف القضية المنتهية إلى استحقاق العبد العقوبة، فإنه بدونهما لا يحصل الامتحان، وإن جميع الأوامر والنواهي امتحانية، فيكون العقاب على أمر يشترك فيه المتجري والعاصي. وأما وجه كونها امتحانية، فلما اشير إليه: من أن الواقعيات غير اختيارية، فلا معنى لكون الأمر والنهي واقعيين، فتكون امتحانية. ومما يشهد على ذلك: أنه لو اطلع العبد على المصلحة الملزمة للمولى، أو على المفسدة الملزمة، وتخلف عما أدركه يستحق العقوبة، مع أنه لا أمر ولا نهي، ولا عصيان ولا مخالفة. نعم يكون جريئا على مولاه. وأما قضية المصلحة والمفسدة الملزمتين، فإن الله تبارك وتعالى والشرع الأقدس، أعز شأنا من أن يحتاج إلى شئ من المصالح والمفاسد المأمور بها، والمنهي عنها، حتى يقال: " إنه أضر مولاه " أو " أفسد الأمر عليه " أو " أعجزه عن


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 282، ولاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 46، أجود التقريرات 2: 28. (*)

[ 67 ]

مصالحه " أو " أوقعه في مفاسد " فلا يكون في البين إلا الامتحان الذي لم ينجح العاصي والمتجري فيه على حد سواء، وتبين أنهما جريئان على مولاهما وسيدهما على حد سواء. ففي الصورة المشار إليها التي لا أمر فيها ولا نهي، ولا إفساد عليه ولا تفويت، يكون شئ واحد يشترك فيه الصنفان: العاصي، والمتجري، وما اشتهر في هذا الباب (1) ناشئ من قياس المولى الحقيقي بالموالي العرفيين. وتندفع هذه الشبهة على التقريب المزبور: بأن الإصابة واللا إصابة - بمعنى الانطباق واللا انطباق - قهريان، ولكن الضرورة قاضية بأنه إذا بنى العبد على أن يشرب المسكر، ويقتل النفس المحترمة، وكان بصدد تطبيق ما أدركه على الخارج، وصادف الواقع، يكون ما صدر منه - وهو الشرب والقتل - اختياريين بالقطع، فلاينبغي الخلط بين مفهوم الانطباق، وما هو مقصود العاصي وهو التطبيق، لأنه بذلك - وهو التطبيق - يصل إلى مرامه ومقصوده، وغاية فعله، والغرض من حركته نحو الشرب والقتل. فما هو المحرم واقعا هو الشرب والقتل، وعليهما الاستحقاق، للمخالفة وبحكم العقل الضروري، ويكون المحرم المزبور خارجيا، ويصير في الخارج بإيجاده وإرادته وقصده وتطبيقه، فما اشتهر: " من أن الإصابة ليست اختيارية " (2) من الغلط الواضح، لأن مبادئها اختيارية. ومن هنا يظهر: أن إنكار الأوامر والنواهي، والعقوبة على التخلف عنها - بتوهم لا اختيارية الواقع - في غير محله.


1 - الفصول الغروية: 431 - 432، درر الفوائد، المحقق الحائري: 340، نهاية الاصول: 416. 2 - بحر الفوائد: 16 / 15، كفاية الاصول: 302، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 47، نهاية الاصول: 418. (*)

[ 68 ]

وأما أجنبية المولى عن المصالح والمفاسد بمعنى التباعد عنها، فهي واضحة قطعية، ولكن ذلك لا يستلزم كون الأوامر امتحانية، لأنه تعالى عن امتحان العباد أيضا، غني وأجنبي. فما يمكن أن يكون مقصودا بالعرض في هذه الأوامر والنواهي التي تكون تابعة للمصالح والمفاسد، هو التحفظ على ما يبتلى به المكلفون، وما يحتاجون إليه في النشآت مطلقا، فيأمر وينهى عن تلك الواقعيات مما يصل المنافع والمضار فيها إلى نفس العباد. وهذا هو معنى أن للمولى غرضا إلزاميا في ناحية الواجب، أو الحرام، فتدبر تعرف. وسيمر عليك أن العقاب إذا كان من تبعات هذه الامور، يكون التحريم والواقعية أوضح، ويحصل هناك الفرق بين المتجري والعاصي بوجه أحسن وأبين. وبالجملة تحصل: أن ما هو الموجب لاستحقاق العاصي، هو العصيان والتخلف عن النهي الواصل إليه عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والواجب عليه اتباعه، بعد درك ذلك بالرسول الباطني، لا الأمر المشترك بينه وبين المتجري، وهو ظهور سوء سريرتهم، وخبث باطنهم، بإرادتهم الاختيارية الموجبة لاتصافهم ب‍ " المتجري " و " العاصي " وبحصول التجري والعصيان، فيكون ما في الحقيقة سبب الاستحقاق أمرا واحدا، وهو الظلم المنتزع من التجري والعصيان، لا عنوانهما، ولا الواقعيات، ولا سوء السريرة وخبث الباطن قبل ظهورها بإرادة اختيارية، فإن ذلك غير مطابق للتحقيق، بعد إمكان كون الخارج والواقعيات اختيارية بحسب التطبيق. إعضال عدم اختيارية الإرادة وانحلاله ربما يقال: إن الأفعال النفسانية بين ماهي اختيارية كالإرادة، وما ليست اختيارية، كالتصور، والشوق، وأمثال ذلك أحيانا، وما هو الاختياري منها يوصف

[ 69 ]

بالقبح، بخلاف غيره (1)، وعندئذ تأتي الشبهة المعروفة: وهي أن اختيارية الإرادة لابد وأن تستند إلى إرادة، فيلزم التسلسل (2). ويمكن أن يقال: إن الأفعال المحرمة والأحداث الممنوعة شرعا، لا يكون تطبيقها على الخارج وإيجادها في افق الأعيان إلا بالإرادة، فتكون اختياريتها باختيارية الإرادة، واختيارية الإرادة متقومة بإرادة اختيارية اخرى، وهكذا فيتسلسل. ولا يترتب على هذه المقالة، أن العقاب مخصوص بما هو بالاختيار، وهو العزم على الطغيان، وقصد العصيان، لا على الفعل الصادر. وهذا هو المعنى المشترك بين المتجري والعاصي، كما يظهر من " الكفاية " (قدس سره) (3). فبالجملة: قضية الشبهة المذكورة على الوجهين المزبورين، ليس إلا التسلسل في الإرادة. نعم، يمكن دعوى عدم اختيارية الأفعال الخارجية على الوجه المزبور، إلا أنها فاسدة، ومبين بطلانها بما مر. والجواب عن هذا الإعضال والإشكال، قد مضى في بحوث الأوامر ومباحث الإرادة بما لا مزيد عليه (4). وإجمال ذلك: أن هناك اختيارا ذاتيا وإرادة ذاتية، بها ينقطع دور التسلسل. وفي الأجوبة الاخر أنظار فصلنا حدودها في " قواعدنا الحكمية " (5) فإن للمسألة


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 337. 2 - الفصول الغروية: 325 / السطر 37، مطارح الأنظار: 97 / السطر 15، كفاية الاصول: 300، نهاية الدراية 1: 287. 3 - كفاية الاصول: 300. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 52 وما بعدها. 5 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة)، لاحظ التنبيه الخامس من تنبيهات مباحث الطلب = (*)

[ 70 ]

أهلا لابد من مراعاتهم، ومراجعة كتبهم، والله هو الموفق. وما في " الكفاية " هنا وهناك (1)، لا يخلو من تأسفات شديدة، ضرورة أن من له أدنى إلمام بالمسائل العقلية، لا ينبغي أن يخلط بين الذاتي الذي لا يعلل، وبين الشقاوة والسعادة التي هي من تبعات الوجود، ومن خصائص المواد والطبائع، حسب الانحراف عن جادة الاعتدال بالاختيار، فإن الطبيعة مخمورة، وتصير محجوبة حسب الاختيارات المنتهية إلى الآباء، أو الامهات، أو أنفس الأولاد، فلا تكن من الغافلين، والحمد لله. هل يستتبع الظلم العقاب بناء على استلزام القبيح للعقوبة ؟ تتميم: هذا كله بناء على القول: بأن معنى استحقاق العقاب، هو استحقاق العقوبة جعالة، فإنه مما لايتم، فلاتتم كبرى القياس المزبور: " وهي أن القبيح العقلي يستتبع استحقاق العقوبة " أو " الظلم يلازم ذلك ". وأما إذا قلنا بانحصار العقوبة بلوازم الأفعال والأعمال، فالتجري مما لا يكون في ذاته عملا، وأما الفعل المتجرى به فسيأتي في المسألة الآتية توضيح حاله. ولو قلنا: بأن العقوبة تكون من لوازم كل قبيح ولو لم يكن فعلا خارجيا، كالإرادة فإنها فيما تعلقت بالمتجرى به تكون قبيحة، ضرورة أن الإرادة اختيارية حسب ما تحرر، وتكون الإرادة المتعلقة بالحسن حسنة، وبالقبح قبيحة، وأن العبد في صورة التجري قد أوجد القبيح عقلا، وهي الإرادة، وتستتبع هذه الإرادة استحقاق العقاب والعقوبة.


= والإرادة في الجزء الثاني: 52 وما بعدها، الحكمة المتعالية 6: 288 - 291. 1 - كفاية الاصول: 84 - 90 و 298 - 303. (*)

[ 71 ]

أقول: هذه المسألة ولو كانت كلية عقلية ومبرهنة في محالها (1)، إلا أن مصاديقها مما لا ينالها العقل، لعدم اطلاعه على خصوصيات تبعات الأخلاقيات، لإمكان وجود بعض الامور المانعة منها، أو لعدم تمامية المقتضيات. ولذلك لو تم هذا الكلام، للزم عدم جواز إجراء البراءة العقلية أو الشرعية في موارد الشبهات، وحيث هي واضحة عند كافة العقول، ومؤيدة بالشرع المقبول، يستبان منه أن مجرد إدراك القبح غير كاف، ضرورة أنه في صورة العصيان، يحشر المرء مع صورة مؤذية من سنخ ما شر به، نعوذ بالله تعالى، وأما في صورة التجري، فكون ذات الإرادة مستتبعة لأمر، ولصورة مؤذية ولعقاب، فهو غير معلوم، لعدم منع من الشرع. نعم، لو كان يكفي مجرد القبح للزم ذلك، كما مر في مثل العصيان والظلم، وكثير من المحرمات، فليتأمل جدا. وهم ودفع لأحد دعوى: أن الإرادة في صورة التجري ليست قبيحة، لأنها ليست منبعثة عن المحرم، ضرورة أن المتجري في صورة القطع بالمحرم، لا ينبعث نحو المحرم بإرادة التجري، وفي صورة قيام الأمارات الاخر على الحرام، أيضا لا يريد أن يتجرأ على مولاه، بل يريد شرب المسكر، فإن صادف هذه الإرادة الواقع فقد أتى بالإرادة القبيحة، وإلا فلا تكون الإرادة قبيحة، وبذلك ينحل الإشكال. ويندفع: بأن لازم هذا التقريب عدم قبح إرادة من يريد التبريد بشرب الخمر، وأنه لا يستحق العقوبة، لأن العقوبة مترتبة على إرادة منبعثة عن عنوان محرم، وفي المثال المزبور ليست الإرادة هكذا، فلا قبح، ولا استحقاق، وحيث إنه


1 - لاحظ العرشية: 66 - 68، الشواهد الربوبية: 329. (*)

[ 72 ]

لا يمكن الالتزام بذلك، يتبين أن قبح الإرادة - بعد كونها اختيارية، واندفاع التسلسل في صورة إرادة العصيان، أو صورة إرادة التبريد، وفي صورة التجري - مشترك وحاصل على نعت واحد، إلا أنه ربما يكون في الضعف والشدة مختلفا، ضرورة أن في صورة التجري أقوى من المثال المزبور. فذلكة الكلام على القول: بأن معنى استحقاق العقاب، هو استتباع الأفعال القبيحة أو الأعمال النفسانية القبيحة، أو الصفات القبيحة للعقوبة، والصور المؤذية (1)، فكون الفعل المتجرى به قبيحا يأتي في المسألة الآتية. وأما الإرادة، فهي لو سلم قبحها لكونها اختيارية، فهي لأجل كونها ظلما، كما مر. وكون القبيح مستتبعا للعقوبة مما لا يمكن تصديقه، لأن علية القبيح - ولو كان فعلا اختياريا - لتلك الصورة غير الملائمة، غير معلومة، بل الظاهر من الشرع عدمه، فلزوم تعدده ممنوع في مثل العصيان مع كون مورده ظلما وقبيحا عقليا، كالقتل ونحوه. هذا مع أن استتباع الإرادة لا يلازم عموم المدعى، وهو استحقاق المتجري للعقاب، لما مر أن من التجري ترك مقطوع الوجوب (2)، وفي هذا المورد لا إرادة. وأما توهم: أن القبح الناشئ من سوء السريرة لا يستتبع العقاب، دون الناشئ من قبح الفعل (3)، فهو أفحش فسادا، للزوم تكرار التبعات في العصيان دون التجري فيما إذا كان المتجري يريد المخالفة.


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 9: 290 - 296، أنوار الهداية 2: 54 - 55. 2 - تقدم في الصفحة 51. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 49. (*)

[ 73 ]

وأما إذا لم تكن إرادة في البين، فإن قلنا: بأن تبعات العقاب أعم من الأفعال والصفات، كما يظهر من طائفة من الأخبار (1)، فيثبت به عموم المدعى، لأن المتجري والعاصي مشتركان في سوء السريرة وخبث الباطن. وتوهم: أن هذه الامور ليست اختيارية، فلو كانت مستتبعة يلزم العقاب على أمر غير اختياري (2)، في غير محله، لما اشير إليه: من أنها كلها قابلة للزوال، إلا أن زوالها يحتاج إلى الجد والاجتهاد، والعزم والتصميم، والاستعانة بالله العزيز، ومرافقة الأبرار والأخيار، وعلى هذا يجوز للشرع تحريمها، وإيجاب إزالتها. ولكن الشأن أن علية هذه الامور للتبعات ممنوعة، بل هي معدات ربما تمنع من تأثيرها الأفعال الاخر الخيرة، كالصوم، والصلاة، وأمثالها، فلا وجه لما اشتهر: " من أن القبيح يستلزم العقوبة، ويستتبع الصور المؤذية وغير الملائمة " (3) إلا على وجه الإعداد. نعم، يبقى شئ: وهو أن احتمال الاستتباع، يكفي لدرك العقل لزوم القيام بهدم بنيان سوء السريرة، وخبث الباطن، المنتهي إلى العصيان والطغيان، والتجري والكفران (4). وفيه: أن من سكوت الشرع الأقدس، بل ومن رفع الحسد في حديث الرفع (5)، يستكشف أن هذه الصفات المذمومة والقبيحة، لا تستتبع شيئا إذا لم تنجر


1 - كالأخبار الواردة في ذم الكبر والحسد، لاحظ بحار الأنوار 70: 179 - 262. 2 - تعليقة المحقق العراقي على فوائد الاصول 3: 49. 3 - الحكمة المتعالية 9: 290 - 296، الشواهد الربوبية: 329، نهاية الدراية 1: 297 - 299، أنوار الهداية 1: 54 - 55. 4 - لاحظ بحر الفوائد: 19 / السطر 34. 5 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 74 ]

إلى المخالفة الخارجية، فإن الحسنات يذهبن السيئات، قال الله تعالى: * (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) * (1) فافهم واغتنم، وكن على بصيرة من أمرك، فإن الله غفور رحيم. ومما ذكرناه إلى هنا يتبين مواضع الضعف في كلمات القوم - رضي الله عنهم - (2) ولاسيما " الكفاية " (3) ومن يحذو حذوه (4). وتبين هنا أمر آخر: وهو أن القبيح المستتبع للعقوبة، أعم من القبيح الفعلي والنعتي، وأن النعتي وإن لم يكن حصوله بالإرادة أحيانا، إلا أن إمكان إزالته بها يكفي لصحة العقاب عليها، ولكن الله رؤوف بعباده، وهو المستعان. البحث الثالث: حول قاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع قد عرفت فيما سلف: أن تحريم التجري إما بالأدلة النقلية، أو العقلية: أما الاولى: فقد عرفت عدم تماميتها (5). وأما الثانية: فكانت موقوفة على القياسات الثلاثة المترتبة، بمعنى أن نتيجة كل قياس متقدم صغرى للقياس المتأخر، فإنه قد تحرر الشكل الأول هكذا: " التجري ظلم، والظلم قبيح، فالتجري قبيح " و " كل قبيح يستتبع العقوبة، فالتجري يستتبع العقوبة بحكم العقل " و " كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، فالتجري ممنوع بحكم الشرع " وحيث قد عرفت ما يتعلق بالقياسين الأولين، فلا بأس


1 - هود (11): 114. 2 - الفصول الغروية: 430 - 431، مطارح الأنظار: 99، تقريرات المجدد الشيرازي 3: 288. 3 - كفاية الاصول: 300. 4 - نهاية الدراية 3: 29، نهاية الأفكار 3: 31، نهاية الاصول: 416. 5 - تقدم في الصفحة 56 وما بعدها. (*)

[ 75 ]

بالإشارة إلى القياس الأخير وكبراه المعروف بينهم. فنقول: إن من الأباطيل المشهورة هذه القاعدة، التي ربما تعارفت في الكتب الاصولية (1)، آخذين عن بعض الكتب الكلامية (2). ومن الغريب تخصيصهم هذه القاعدة بما يحكم به العقل في سلسلة العلل والمصالح والمفاسد للأحكام، دون سلسلة المعاليل، لامتناع كون العصيان محرما، للزوم التسلسل (3) ! ! وفيه: أن القاعدة العقلية لاتقبل التخصيص، لأن العقل بملاك واحد يحكم، وهو مشترك بين السلسلتين بالضرورة. هذا، وقد مر: أن التسلسل المزبور يرجع إلى أن العبد يستحق العقوبة أبدا، وهذا ليس من التسلسل المحال، وقد عرفت أن التسلسل ينقطع إلى حد يكون تحريم العصيان، قابلا للزاجرية (4). وأما الإشكال: بأن العقل ليس إلا يدرك الشئ، فهو لا يضر بالمقصود، لأنه حينئذ ترجع القاعدة إلى أن كل ما أدرك العقل ممنوعيته، أدرك ثانيا ممنوعيته شرعا، فيكون التجري ممنوعا شرعا، فعليه لا تكون القاعدة باطلة من هذه الجهة. نعم، هي باطلة لما مر منا في أوائل البحث الأول: وهو أن مما يدركه العقل ممنوعية الظلم بالضرورة، ومما يدركه العقل أيضا هو لزوم الفرار من القبيح العقلي الذي هو الظلم بالذات، وأما غير الظلم فيكون قبيحا لأجله، على الوجه المحرر


1 - هداية المسترشدين: 435، الفصول الغروية: 337، مطارح الأنظار: 230، تقريرات المجدد الشيرازي 3: 277، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 60. 2 - الظاهر إن أول من تكلم في القاعدة وأشار إليه هو بدر الدين الزركشي، لاحظ مطارح الأنظار: 230 / السطر 34. 3 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 277، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي: 3: 46 - 47. 4 - تقدم في الصفحة 47 - 48. (*)

[ 76 ]

سابقا، مع ما عرفت حوله (1)، فلو كان الظلم ممنوعا شرعا، للزم ممنوعية المحرمات الكثيرة في الشرع مرتين: مرة لعناوينها الذاتية، ومرة لعنوان الظلم، فيكون القتل بغير حق وضرب اليتيم، ممنوعين بعناوينهما الذاتية، وممنوعين لأجل الظلم المنطبق عليهما. وهذا - لمكان أن النسبة بين الظلم وذلك المحرم، عموم مطلق - لا يعقل تحريمه تأسيسا، كما عرفت في محله (2). مع أن الالتزام بتعدد العقاب (3) مما لاسبيل إليه. وأما حديث التداخل (4) فهو غير معقول، لا في الشرعيات، أي على القول: بأن العقاب شرعي وجعلي، لأن التداخل من الامور القهرية. ولا على القول: بأن العقاب قهري وطبعي، لأن دار الآخرة دار التجزئة والتحليل بين الحيثيات، فيكون الغصب بما أنه غصب - لمكان كشف الشرع - مستتبعا لصورة مؤذية، وبما أنه ظلم كذلك. وعلى كل تقدير نعلم بالضرورة: أن ما يترتب على هذه المحرمات الشرعية، ليس إلا آثارها. لا يقال: إن النسبة بين الظلم وبين المحرمات الشرعية، عموم من وجه لا مطلق، وما مر سابقا غير تام، لأن من المحرمات الشرعية ما ليس بظلم عقلا، وما قاله الأشعري (5) غير تام، ومن المحرم الشرعي المستكشف بحكم العقل، ما ليس بمحرم شرعي ثابت بالأدلة النقلية، فإن ظلم النفس بتحصيل الصفات المذمومة، ليس مورد التحريم الشرعي ظاهرا، وعلى هذا لا منع من تأسيس الإرادتين.


1 - تقدم في الصفحة 59. 2 - تقدم في الصفحة 63. 3 - مطارح الأنظار: 101 / السطر 3 - 4. 4 - الفصول الغروية: 87 / السطر 34. 5 - تقدم في الصفحة 65. (*)

[ 77 ]

لأنا نقول: ما مر سابقا كان بيانا لتوضيح أن النسبة بين الظلم والمحرمات، عموم وخصوص مطلق، وأن الظلم كان أخص، لأنه في كل مورد يكون ظلم يكون محرما بعناوين خاصة، ولا عكس، ويقتضي هذا البيان أن يكون الظلم أعم، ولايجوز ملاحظة المحرمات الشرعية بعناوينها الكلية مع الظلم، بل يلاحظ النسبة بين الظلم والغصب مثلا، فيكون الغصب أخص، ويلزم عدم حرمته إما رأسا، أو حرمته ثانيا، وكلاهما غير ممكن الالتزام به، كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن طريق تحريم التجري بما هو تجر، مسدود جدا. كما تبين: أن طريق القول باستحقاق العقوبة على جميع تقادير الاستحقاق، ممنوع قطعا. وتبين أيضا: أن التجري لو كان قبيحا، فهولأجل الحيثية الاخرى، وهي الظلم. وتحصل فيما مر: أن ما اشتهر " من قبح الظلم ذاتا " (1) غير تام. نعم كثيرا ما يدرك العقل - وراء إدراك الظلم - قبحه، فاغتنم. وتبين أيضا: أن قاعدة الملازمة لا أساس لها، لا على الوجه المحرر في " الفصول " مستدلا بالوجوه الستة المنتهية إلى التفصيل بين الملازمة الواقعية فأنكرها، والظاهرية فأثبتها (2)، ولا على ما اعتقده بعض الاصوليين، خلطا بين عنوان القبيح بالذات وهو الظلم، وبين ما هو القبيح بالعرض، كالكذب المضر وغيره (3)، فلاحظ وتدبر فيما أوضحناه، حتى يتبين لك مصب القاعدة أولا، وعدم تماميتها ثانيا.


1 - تقدم في الصفحة 60 - 61. 2 - الفصول الغروية: 337 وما بعدها. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 61 - 62. (*)

[ 78 ]

المسألة الثانية في حرمة المتجرى به وأما استحقاق العقوبة عليه، فبعدما عرفت: أن استحقاق العقوبة على ذات التجري بلا شاهد، بل ممنوع (1)، فاستحقاقه على المتجرى به أولى بالممنوعية، فلا سبيل إلى تحريمه شرعا بمقدمات عقلية، لما مضى من أنها غير منتجة جدا. نعم، ربما يتوهم إمكان تحريم الفعل المتجرى به من ناحية الخطابات الأولية (2). وبالجملة: ما حررناه حول ذات التجري تمام الكلام في مسألة التجري، وحيث لا تكون هي ممنوعة شرعا، ولا مستوجبة للعقاب عقلا، فالفعل لو كان مورثا فهو لأجل طريان عنوان التجري، فلا يمكن تحريمه بتلك المقدمات العقلية الممنوعة. وأما الدليل الآخر، فيحتاج قبل أن يحرر إلى ذكر مقدمة تحتوي على ما قيل


1 - تقدم في الصفحة 56 وما بعدها. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 37 - 39. (*)

[ 79 ]

لامتناع تحريمه، وأن الفعل المتجرى به يمتنع تحريمه، وهذا البحث وإن كان قليل الجدوى، إلا أنه لا بأس بالإشارة إلى شبهاته: الشبهة الاولى: ما في " الكفاية " " إن الفعل المتجرى به أو المنقاد به - بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب - لا يكون اختياريا، فإن القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي، لا بعنوانه الطارئ الآلي. بل لا يكون غالبا بهذا العنوان مما يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا، ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا ؟ ! " (1) انتهى ما أردنا نقله. وفيه أولا: نقض بأن لازم ذلك إما أن يكون شرب الماء فعلا غير اختياري، فيكون صادرا بلا اختيار، ولا إرادة، أو لا يكون صادرا، لا سبيل إلى الثاني، فإنه قد تحقق، فتعين الأول، وهو خلاف الوجدان. وثانيا: أن حله بأن الشئ ما لم يجب لم يوجد، وما دام لم ينسد جميع الأعدام الممكنة لا يتحقق، وإذا كان الأمر كذلك فلابد وأن يصير قبل أن يوجد واجبا، وإذا كان واجبا فلابد وأن يكون متشخصا، فإن الشئ ما لم يتشخص لم يوجد، والتشخص يساوي الجزئية والوجود ويخالفه بالاعتبار. فعلى هذا، ما هو متعلق القدرة والإرادة والحركة، ليس إلا ما هو في الخارج، وأما العناوين الكلية فهي ربما تكون بعد التطبيق واقعية، وربما تكون خطأ وغير واقعية، وليس في جميع الحركات الإرادية تلك العناوين، مورد الإرادة والقدرة بالحمل الشائع، بل ما هو متعلق الإرادة والقدرة والاختيار، هو الذي ينسد باب أعدامه، وهو الذي يصير خارجيا، وهي الحركة التي انتهت إلى شرب الماء، وأما الأغراض والغايات وما لأجله الحركات، فكلها خارجة عن هذه المرحلة، كما لا يخفى على أهله.


1 - كفاية الاصول: 299. (*)

[ 80 ]

وبالجملة: اختيارية الفعل منوطة بالتصور، والتصديق، والميل، والإرادة، ولكن تلك الامور قد تحصل بصورة مفصلة ملتفت إليها، وقد تحصل بالارتكاز والإجمال، نظير الإرادات الحاصلة بالنسبة إلى المقدمات المنتهية إلى وجود ذي المقدمة، مع أن تلك المقدمات مورد التصور والتصديق والإرادة ارتكازا، فلا تخلط. ويكفي لاختيارية هذا الفعل جواز العقوبة عليه، إذا كان شرب الماء ممنوعا لأمر النذر وغيره، وكان قطعه من سوء اختياره، فإنه قد مر: أن من القطع ما لا يكون معذرا (1). ثم إن ما ذكره (قدس سره) لا يورث عدم إمكان الفعل المتجرى به بالتحريم أو المنقاد به بالوجوب إلا في القطع، دون سائر الطرق والأمارات، وقد عرفت أن النزاع في التجري أعم (2)، فافهم. فتحصل: أن إنكار اتصاف الفعل المتجرى به بالقبح - بدعوى أنه غير اختياري - في غير محله قطعا. نعم، هو لا يوصف بالقبح ولا التجري إلا لأجل الظلم، والظلم في التجري لو سلم كونه قابلا للتطبيق، ولكنه في الفعل المتجرى به غير قابل للتطبيق، كما هو الواضح. ولنا المناقشة في كون التجري ظلما، فضلا عن الفعل المتجرى به، وذلك لأن معنى الظلم هنا يرجع إلى أنه تجاوز إما على الحرام الشرعي، أو تجاوز على النفس، لاستتباعه العقوبة، وكل واحد منهما غير ثابت بعد، فيلزم الدور، لأن ظلمية التجري موقوفة على استتباعه الهتك أو العقوبة، والهتك موقوف على كونه محرما، والعقوبة منوطة بأن يكون التجري ظلما، كما لا يخفى. فإنكار القبح بإنكار الظلم بالقياس إلى الفعل المتجرى به صحيح. بل بالقياس


1 - تقدم في الصفحة 26 - 28. 2 - تقدم في الصفحة 44 - 45. (*)

[ 81 ]

إلى نفس التجري أيضا لازم، فلا تخلط. ومن هنا يظهر حكم سائر العناوين المترائية في كلماتهم، من الطغيان، والتعدي، والعصيان، والتجري، كما عرفت بما لا مزيد عليه، فإن جميع هذه العناوين تستجمعها الجهة الواحدة التي بها تعد قبيحة، وهو الظلم. وأما تطبيق الظلم على الخارج، فهو ليس من وظائف العقل، ولا يمكن أن ينال ذلك إلا في الفرض المزبور، وهو في مثل التجري غير ممكن، لأن كونه ظلما بعد كونه دخولا في حريم حرمة المولى، أو تعديا على النفس لاستتباعه العقوبة، وكلاهما أول الكلام في المقام. نعم، في مثل ضرب اليتيم والغصب، يكون ظلما لليتيم والمالك وللشرع وللنفس، لأن الحرمة والعقاب مفروغ منهما، فلا تخلط، وكن على بصيرة. الشبهة الثانية: أن الفعل المتجرى به إن صار محرما، فإما تبقى الجهة الموجودة فيه من المحبوبية، أو لا، فإن بقيت يلزم اجتماع الضدين: وهما المحبوبية، والمبغوضية، وإن لم تبق فيلزم انقلاب الواقع، لعروض هذه الصفة الطارئة، وهو أسوأ حالا من اجتماع الضدين، فحرمة الفعل المتجرى به غير ممكنة (1). وفيه: نقض بأن من الأفعال المتجرى بها، ما لا يكون فيها جهة المبغوضية، وأما الإباحة فربما نشأت من اللا اقتضاء، فلايتم عموم المدعى: وهو امتناع تحريم الفعل المتجرى به مطلقا. وحله: أن المحرم ليس العنوان الذاتي، وهو شرب الدواء في فرض كونه واجبا واقعا، وشرب الماء في فرض كونه مباحا ناشئا عن الاقتضاء، بل المحرم هو العنوان العرضي، كما في باب مقدمة الواجب، فإن الملازمة - حسب التحقيق -


1 - لاحظ نهاية الأفكار 3: 32. (*)

[ 82 ]

لا توجب وجوب ذات المقدمة بعنوانها الأولي، بل توجب على الفرض عنوان الموقوف عليه (1). وهكذا فيما نحن فيه، فإن المحرم ليس إلا عنوان المتجرى به، لأن الحرمة إذا ثبتت بالعقل، تكون الجهة التعليلية نفس العنوان الموضوع للحكم، فعليه لا يلزم اجتماع المتخالفين رأسا، ولا الانقلاب كما في باب الاجتماع والامتناع، والنسبة بين العنوانين عموم من وجه. فبالجملة: لو كان مصب التحريم العنوان الذاتي بعلية التجري، فلا يعقل حل المشكلة، ولكنه فرض باطل. الشبهة الثالثة: وهي في تقدير شبهة في المسألة، وقد مضت، وفي تقدير إشكال على الجواب الذي ذكرناه آنفا: وهي أن مصب التحريم إما ذات الفعل المتجرى به، أو عنوان " المتجرى به ". فإن كان ذات الفعل بعنوانه الأولي، فيلزم ما اشير إليه. وإن كان العنوان فلا يعقل تحريمه، لأنه من العناوين المغفول عنها، كعنوان النسيان (2). والذي هو حلها ما مر: وهو أن النزاع في التجري أعم من التجري في باب القطع وسائر الطرق والأمارات، وإذا كان الأمر كذلك فعنوان " المتجرى به " يقبل التحريم، على ما هو التحقيق في باب الخطابات الكلية، وأنها خطابات قانونية يمكن التوسل بها إلى تحريم الشئ مطلقا، ولو كان المكلف ذاهلا وغافلا وعاجزا طول عمره، وتفصيله في محله (3)، فعنوان " المتجرى به " يقبل التحريم القانوني حتى في


1 - تقدم في الجزء الثالث: 27 و 184 - 185. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 50. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 450 - 455. (*)

[ 83 ]

صورة القطع مع كونه مغفولا عنه، فليتأمل جيدا. ومن هنا يظهر مواضع الخلط (1)، وما في كلام العلامة العراقي (قدس سره) وأن الشبهة لا تختص بلزوم اجتماع المحبوبية والمبغوضية، بل يلزم اجتماع الحرمة والوجوب (2)، ويمكن دفع ذلك من غير حاجة إلى ما في كلامه مما لا يرجع إلى معنى تام، وكلام قابل للتصديق، ولولا مخافة التطويل لكشفنا النقاب عنه، فراجع. فتحصل لحد الآن: أن المانع العقلي من تحريم الشرع قابل للدفع وإنما الكلام فيما يكون دليلا عليه إثباتا: الأدلة الإثباتية على حرمة الفعل المتجرى به الوجه الأول: أن المستفاد من الأدلة الأولية والخطابات الإلهية المتوجهة إلى الامة الإسلامية، هو أن الخمر المعلوم محرم، وهذا إما لأجل دعوى فهم العقلاء والعرف ودعوى الانصراف. أو لأجل المقدمة العقلية، وهي أن طبيعة الخمر - بما هي هي وطبيعتها ملحوظة في حال القدرة والعجز - ليست قابلة للتحريم بالضرورة، فيكون المحرم هي الحصة المقدورة، وهي الحصة المعلومة، ضرورة أن الحصة المجهولة ليست مقدورة، لامتناع فرض القدرة بالقياس إلى المجهول. فعلى هذا، يكون المتجري عاصيا، لأنه - حسب هذا التقريب - ارتكب ما هو المحرم، وهو الخمر المعلومة خمريته (3).


1 - لاحظ كفاية الاصول: 298 - 299، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 38، درر الفوائد، المحقق الحائري: 337، نهاية الأفكار 3: 36 - 37. 2 - نهاية الأفكار 3: 32. 3 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 38. (*)

[ 84 ]

إن قلت: إن كان العلم المأخوذ المدعى جزء الموضوع، فالمتجري لم يعص الله. وإن كان تمام الموضوع يلزم كونه خارجا عن محل النزاع، لأن المتجري - حسب المصطلح - مورد النزاع، وهو لا يتصور في هذه الصورة كما مر. قلت: نعم، إلا أن النزاع ليس مقصورا حول حصار الاصطلاح، بل النظر هنا إلى إثبات أن من اعتقد بأن ما في الإناء خمر فشربه، فقد عصى سيده وإن لم يكن خمرا، فلاينبغي الخلط، وليتدبر جيدا. وهم ودفع العلم المأخوذ إن كان جزء الموضوع، فلا يترتب عليه الأثر المقصود. وأما احتمال كونه تمام الموضوع فهو بلا وجه، لأن غاية ما تقتضيه الأدلة هو كونه جزء الموضوع. هذا مع أن دعوى: أنه تمام الموضوع، خلاف الضرورة القاضية بأن الأحكام تابعة المصالح والمفاسد الواقعية. فلازم الأخذ بالأدلة مجموعا، هو كون العلم جزء الموضوع، فلايتم عصيان المتجري بالقياس إلى الفعل المتجرى به. ويندفع ذلك: بأن العلم في صورة المصادفة جزء الموضوع، وفي صورة التخلف تمام الموضوع، وبه يجمع بين الأدلة، ويحصل به المقصود، وهو عصيان المتجري. وتوهم امتناع ذلك، مدفوع بأن قضية الإطلاق هو ذاك، مثلا إذا ورد النهي عن الخمر المعلومة خمريته، يكون العلم المصادف وغيره مورد انطباق عنوان " معلوم الخمرية ". نعم، لا يكون تحريم الخمر في صورة الخطأ، لأجل مصلحة في المتعلق،

[ 85 ]

وهي الخمرية، بل هو لمصلحة اخرى سياسية، نظير النهي العام الكلي الصادر في العرف في ساعات حظر التجول، فإن النظر في هذا القانون العام إلى منع تجول السراق وأرباب الشغب والإخلال، ولكن مع ذلك يصح المنع الكلي بالقياس إلى كافة الناس، حتى خواص السلطان، بل ونفسه. فبالجملة: الحكم العام الكذائي مترشح من مفسدة الخمر، وبحكم العقل مخصوص بالحصة المقدورة، ولأجل المصالح الاخر يؤخذ بإطلاقه لصورة تخلف العلم عن الواقع، والجمع بين ذلك، أي كون العلم جزء الموضوع في دليل واحد، وذاك - أي كون العلم تمام الموضوع في نفس ذاك الدليل - ممكن. إن قلت: هذا ليس بعلم، بل هو جهل مركب يسمى " علما " (1). قلت: ما هو موضوع الحكم هو ما يسمى " علما " أعم من كونه علما وكاشفا ومطابقا، أو لم يكن كذلك، لأن " العلم " معناه اللغوي أعم من الجهل المركب. ولو كان صدق " العلم " عليه مجازا، ولكنه من المجاز المشهور الذي يصح للمتكلم الاتكال عليه في نشر قانونه وبسط حكمه، بالقياس إلى الجاهل المركب، ولذلك يكون في صورة كونه تمام الموضوع تكليفه منجزا، ولو تخلف يعد عاصيا. ومن الضرورة أن في الفقه ما يكون موضوعه العلم على نعت التمامية، مع أنه ليس بعلم واقعا. وإن شئت قلت: العلم المأخوذ في الدليل في صورة الإصابة، يعتبر طريقا، وفي صورة عدم الإصابة يكون مأخوذا على وجه الصفتية، فيكون هو علما على الصفتية واقعا، لا مجازا. وتوهم امتناع كون العلم في الدليل الواحد، مأخوذا طريقا وصفة، ناشئ من الخلط بين العلم العنواني، وبين العلم بالحمل الشائع، فإن العلم المأخوذ في القانون


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 48. (*)

[ 86 ]

ليس طريقا وصفة، بل هو عنوان العلم ومفهومه، وما هو الطريق والصفة هو العلم الموجود في أنفس المكلفين، فإن أصاب الواقع يكون جزء الموضوع، إما على الطريقية، أو الصفتية، وفي صورة الخطأ يكون تمام الموضوع على وجه الصفتية. وكل ذلك لخصوصية المورد، دون القانون، فإنه العام الخالي من هذه الخصوصيات، وتلحق هذه الامور باعتبار المصاديق حسب الفهم العرفي، وسيظهر توضيحه وتحقيق هذه الجهة في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى (1). فتحصل إلى هنا: أن شمول الأدلة الأولية لتحريم المتجرى به، أو إيجابه، مما لا بأس به ثبوتا وإثباتا. وعلى التحرير المزبور في كلامنا، تظهر مواضع الضعف في كلمات العلامة النائيني وغيره في المقام (2). بقي شئ يتوجه إلى التقريب المزبور مضافا إلى ما تحرر منا: من أن الأدلة الأولية تشمل إيجاب الطبيعة وتحريمها على إطلاقها، من غير أن تحصص بحصتها المقدورة المعلومة، لعدم شرطية القدرة في إيجابها وتحريمها المطلقين، ويمكن أن يكون الحكم فعليا عاما بالقياس إلى كافة حالات المكلفين، من النسيان، والغفلة، والسهو، والجهل، والعجز، وغيرها، فلايتم ما تخيل. ولا يتم أيضا دعوى الانصراف، لأن منشأه ربما كان الوجه العقلي، ولكنه غير وجيه. ولو كان لدعوى الانصراف وجه، لما كان لحديث الرفع محل تأسيسي. وبالجملة: إطلاق الأدلة الواقعية قطعي، ولو فرضنا صحة اختصاص الحصة المقدورة بالتكليف، ولكنه لا يلازم كون الأدلة معنونة بعنوان " المعلوم " و " المقدور " حتى يستنبط منه ويستظهر منه معانيها الخاصة، وحدود دلالتها وانصرافها، فإن كل ذلك خروج من الطريقة الصحيحة في استنباط الأحكام الإلهية، كما هو الواضح.


1 - يأتي في الصفحة 103 - 106. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 39 - 41، منتهى الاصول 2: 33. (*)

[ 87 ]

وبالجملة: يتوجه إلى التقريب المزبور - مضافا إلى ما مر -: أن العلم المأخوذ في موضوع تلك الأدلة، لا يستلزم المحذور الذي لا يمكن حله كما عرفت، وأما العلم المأخوذ في متعلق الأحكام - حتى تكون الصلاة المعلوم وجوبها واجبة، وشرب الخمر المعلوم حرمته محرما، والصوم المعلوم حرمته حراما - فإنه في هذه الصورة والفرض، يلزم إشكال لا يندفع بما اندفع به في الفرض الأول، وذلك أن العلم المأخوذ يستلزم الدور، كما يأتي، ويمكن دفعه بما سيمر عليك (1). ولكن يلزم منه أن يكون الحكم الواقعي والجدي تابع العلم، وهذه الصفة العرضية، وهذا خلاف المفروغ منه عند الإمامية، وخلاف الظاهر مما نسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم): " مامن شئ يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به... " (2). وبالجملة: لا يلزم من أخذ العلم في المتعلق محذور عقلي، لإمكان كون العلم بالحكم الإنشائي، موضوع الحكم الجدي والفعلي، فإن كان جزء الموضوع، فيكون الجزء الآخر هو الحكم الإنشائي، ويصح أخذه حينئذ طريقا أو صفة، على الوجه الذي عرفته آنفا، ولا ينبغي الخلط (3). وإن كان تمام الموضوع، يكون الحكم الإنشائي متعلقا، والعلم موضوعا للحكم الجدي الفعلي. نعم مع الأسف، إن هذا لايتم في التجري، لما لا يكون هناك حكم إنشائي تعلق به علم المتجري، فإن المتجري يعلم بالصوم وحرمته، ولايكون الصوم المعلومة حرمته مشروعا في الشريعة، لا فعليا، ولا إنشائيا.


1 - يأتي في الصفحة 118 - 119. 2 - الكافي 2: 74 / 2، وسائل الشيعة 17: 45، كتاب التجارة، أبواب مقدمات التجارة، الباب 12، الحديث 2. 3 - لاحظ درر الفوائد، المحقق الخراساني: 36. (*)

[ 88 ]

وبالجملة: الفعل المتجرى به في الفرض الأخير، هي صلاة الجمعة إذا اعتقد حرمتها، ثم ارتكبها، أو صوم عاشوراء إذا اعتقد حرمته، ثم أتى به مثلا، فإنه يعد من الفعل المتجرى به لو كان الصوم فعلا. وهذا الفعل المتجرى به لا يمكن تحريمه بالإطلاقات، لما لا يكون هناك إطلاق يشمل الواقع والتخيل، بخلاف الفعل المتجرى به في الفرض الأول، فإن إطلاق أدلة الواقع يمكن أن يشمل الخمر الواقعي والتخيلي، فلايتم التقريب المزبور في أمثال هذه الفروض. بل في الفرض الأخير مطلقا، كما لا يخفى. الوجه الثاني: مبتن على ما تقدم بطلانه: وهو أن الفعل المتجرى به قبيح، أو ذو مفسدة ملزمة، وكل قبيح يستلزم العقوبة، فيكون - بحكم الملازمة - حراما شرعا. أو كل ذي مفسدة ملزمة ممنوع عقلا، وبحكم الملازمة ممنوع شرعا. وقد مر فساد جميع هذه المقدمات بما لا مزيد عليه، حتى توهم: أن المتجرى به قبيح بعنوان " المتجرى به " وبهذه الحيثية، لأن قبحه يرجع إلى كونه ظلما، ولا معنى لكونه ظلما، كما عرفت توضيحه (1).


1 - تقدم في الصفحة 78 - 79. (*)

[ 89 ]

المسألة الثالثة حول تحقق الامتثال بالفعل المتجرى به بناء على حرمته بناء على القول بحرمة الفعل المتجرى به، فإن كان العنوان المنطبق عليه ذاتا من العناوين العبادية، فصحة العبادة ممنوعة، لأجل لزوم الإخلال بقصد القربة. مثلا: فيما إذا اعتقد حرمة صلاة الجمعة، ثم أتى بها، فتبين أنها واجبة أو مستحبة، فسقوط الأمر المتعلق بها محل منع كما ترى، فتأمل. وإن كان العنوان المنطبق عليه ذاتا توصليا، كما إذا اعتقد حرمة إكرام الفاسق، ثم أكرمه، فهل يسقط الأمر إذا تبين وجوب إكرامه مثلا، أم لا ؟ فإن قلنا: بأن في موارد تحريم الفعل المتجرى به، أن ذات الفعل تصير محرمة، فلابد من الالتزام بعدم بقاء الأمر في ذلك المورد، لامتناع اجتماعهما، وذلك للزوم الانقلاب في الواقع بقلب الحسن قبيحا، والمصلحة الملزمة مفسدة ملزمة. وأما لو قلنا: بأن المحرم عنوان " المتجرى به " فتكون النسبة بين الواجب

[ 90 ]

بحسب الواقع والحرام - بحسب تخيل المتجري - عموما من وجه، كما مر، فلا يكون الأمر ساقطا، والواقع منقلبا، لإمكان اجتماعهما، كما تحرر في مبحث الامتناع والاجتماع (1). وحيث إن دليل تحريم المتجرى به مختلف، تصير النتيجة مختلفة، فإن كان مستند التحريم حكم العقل والمقدمات العقلية، فما هو المحرم هو عنوان " المتجرى به " بما هو هو، فيكون الفعل المتجرى به مصداق الواجب والفرد الممتثل به بالضرورة. ولو كان المستند دعوى شمول الأدلة الواقعية، فالنسبة أيضا عموم من وجه، ضرورة أن بين شرب الدواء الواجب وبين معلوم الخمر، عموما من وجه. ولو كان المستند الإجماع والأخبار في موارد خاصة، يستكشف بها أن المحرم هو الواقع، لا العنوان - أي عنوان " المتجرى به " كما هو رأي الأكثر، بتوهم امتناع تحريم المتجرى به بعنوانه، كما مر تفصيله (2) - فإن قلنا بمقالة " الفصول " وأن مصالح الواقع ومفاسد المتجرى به تتزاحم، فيكون الأمر المتعلق بالشرب والنهي المتعلق به، تابعين في الواقع للمصلحة والمفسدة الغالبة (3)، فيلزم التفصيل. ولو قلنا بمقالة من يقول بغالبية المفسدة الطارئة على مصلحة الواقع - بتوهم قبح التجري ذاتا، لا بالوجوه والاعتبار، فلا يختلف - فيكون الأمر غير ساقط، إذا كان متعلقا بصرف الوجود، وساقطا إذا كان متعلقا بالوجود الساري. إلا أن السقوط مستند إلى عدم المقتضي، لا الامتثال، كما لا يخفى. ولكن الشأن أن كل هذه التصورات - بعدما عرفت من ممنوعية حرمة


1 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 143 و 146 - 147. 2 - تقدم في الصفحة 82 وما بعدها. 3 - الفصول الغروية: 431 / السطر 38. (*)

[ 91 ]

المتجرى به - مبنية على البناء الباطل، والله يعصمنا من النار. ثم إن من المعلوم هنا مسألة رابعة: وهي أن المتجرى به إذا كان من المعاملات، ومورد الأحكام الوضعية، فهل هي تفسد، أم لا ؟ وجهان، وقد عرفت مصير الوجهين في المسألة السابقة، وأن الصحة هي الأقوى، فتأمل.

[ 93 ]

المبحث الثالث في أقسام القطع

[ 95 ]

اعلم: أن القوانين التي بين أيدينا في الكتاب والسنة، لا تخلو من إحدى الصور الآتية: الصورة الاولى: تعلق الحكم بعنوان بما هو هو أي ما يكون غير مشتمل على عنوان القطع وما يساوقه، ويكون خاليا منه، وهو الأكثر القريب من الاتفاق، فيكون الحكم فيها متعلقا بالعنوان المأخوذ فيها، سواء كان من العناوين الكلية، أو من قبيل العناوين الشخصية، ك‍ " البيت، وعرفات، ومنى، والمشعر " وغير ذلك، ولايكون للقطع دخل في هذه الصورة ثبوتا. نعم، يكون القطع على القول بمنجزيته ومعذريته، حجة عقلية وعرفية، وكاشفا طبعا عن الحكم والموضوع. ولا تأتي هنا الأقسام الكثيرة المتصورة له، فإنها مخصوصة بالقطع المأخوذ في تلك القوانين الموجودة فيما بين أيدينا. ومن هنا يظهر حسن طريقنا في كيفية الورود في هذه المسألة. وأما توهم: أن البحث المزبور غير جيد، فهو في محله، إلا أنه توطئة للبحث عن مسألة قيام الطرق والأمارات مقام القطع، فإنه من أقسامه تظهر موارد القيام وعدمه، ووجه القيام وعدمه، كما لا يخفى.

[ 96 ]

وهم يتوجه إلى القائلين بانحلال الخطاب إلى الخطابات الشخصية الجزئية (1)، امتناع كون القانون محفوظ الإطلاق بالنسبة إلى صورة القطع وعدمه، ضرورة أن الجاهل كيف يشترك مع العالم في الحكم، مع أن توجيه الخطاب إلى الجاهل - في الامتناع - في حد توجيهه إلى العاجز والغافل ؟ ! فالإطلاق ممتنع في ذات الأدلة، وإذا امتنع الإطلاق امتنع التقييد، فيلزم مشكلة غير قابلة للحل، لأن الحكم وإن لم يكن بحسب المصالح والمفاسد متقيدا، ولكن لمكان امتناع توجيه الخطاب إلى الجاهل، يعجز المولى عن إيصال مرامه، وهو تكليف الجاهل، وتوجيه الخطاب الجدي إليه، وعندئذ إذا امتنع إطلاق القانون بالنسبة إلى الجاهل، امتنع التقييد بالقياس إلى العالم، لما سيأتي تفصيله في الصورة الثالثة من الصور، وهو أن التقييد يستلزم الدور (2). وبالجملة: ما تخيله المتأخرون كلهم: من أنه في هذه الصورة لا يكون إشكال، لأن القطع يعد كاشفا وطريقا، ويكون الحكم متعلقا بموضوعه على إطلاقه، لعدم أخذ العلم قيدا لا للحكم، ولا في الموضوع، إنما هو في غير محله، لأن عدم أخذ المولى قيدا، يدل - حسب الظاهر - على سعة محبوبية المادة، واشتراك العالم والجاهل، ولكن تدخل العقل في المسألة لشبهة، يوجب أن تكون جميع القوانين مبتلية بمشكلة ذات شعبتين، وتصير النتيجة عدم إمكان وصول المولى إلى مرامه، لا إلى تكليف الجاهل، ولا إلى تكليف العالم.


1 - وهو المعروف المشهور وقد خالفهم المؤلف (قدس سره) تبعا لوالده العلامة الإمام الخميني (قدس سره)، لاحظ تحريرات في الاصول، الجزء الثالث: 341. 2 - يأتي في الصفحة 117. (*)

[ 97 ]

وهذه الشبهة ذكرناها في مباحث الترتب (1)، وهي أقوى من شبهة اختصاص الخطابات بالقادرين، ضرورة أنه من إطلاق الخطاب بالنسبة إلى العاجز، يلزم محذور توجيه العاجز وتكليفه، وهو محال، بخلاف التقييد، فإنه ليس بمحال، إذ لا محذور - كالدور وشبهه - في اختصاص الخطابات بالقادرين. أقول: قد تصدى القوم في الصورة الثالثة - وهي أنه كيف يمكن للمولى اختصاص حكمه بالعالم به ؟ - للجواب (2)، ولكن تلك الأجوبة لا تنفع للمقام، وهو اشتراك الجاهل والعالم. نعم، في كلام العلامة النائيني (قدس سره) التمسك هناك بمتمم الجعل ونتيجة الإطلاق لسراية الحكم إلى الجاهل (3)، مع أن البحث في ذلك المقام، مخصوص بصورة اختصاص الحكم بالعالم. وكان ينبغي أن يلتفتوا إلى هذه المشكلة في هذه الصورة، حتى تنحل به معضلة الاختصاص من ناحية أن مرام المولى أعم، لا من ناحية أن إفادة الاختصاص تستلزم المحذور العقلي، وهو الدور، فلاينبغي الخلط فيما هو المهم بالمقصود في هذه المسألة، كما خلطوا. فبالجملة: إذا كان المولى مرامه إفادة الاشتراك، يستلزم ذلك توجيه الجاهل بالخطاب الخاص به، وهو محال، وهذا هو مشكلة هذه الصورة. وأما مشكلة الصورة الثالثة، وهي أن مرام المولى إذا كان إفادة اختصاص الحكم بالعالم به، فيلزم منه الدور، فلابد من حلها هناك، كما لابد من حل المشكلة


1 - تقدم في الجزء الثالث: 439 - 440. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11 - 14، نهاية الدراية 3: 68 - 70، نهاية الأفكار 3: 15 - 17. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11 - 14. (*)

[ 98 ]

الاولى هنا، فاغتنم. وحيث قد فرغنا من حلها في تلك المسألة بما لا مزيد عليه، وذكرنا هناك هذه المشكلة أيضا، فلا وجه لإعادته. وإجماله: أن الخطابات القانونية، متصدية لإفادة الأحكام الفعلية بالنسبة إلى كافة الأنام على حد سواء، من غير لزوم إشكال عقلي. ثم اعلم: أن قيام الدليل على اشتراك العالم والجاهل في الحكم، لا يستلزم رفع المحذور، لأن المحذور من ناحية كيفية إمكان جعل الحكم. نعم، يمكن استفادة مطلوبية المادة ومبغوضيتها في الواجبات والمحرمات بدليل، ولكنه يمكن المناقشة في الدليل، ودعوى الضرورة (1) مدفوعة: بأنها ناشئة من إطلاق الأدلة، ولو استقرت الشبهة العقلية تنتفي الضرورة. الصورة الثانية: تعلق الحكم بالعنوان بما هو مقطوع ربما يوجد فيما بين أيدينا من القوانين والأدلة، ما يكون العنوان المأخوذ فيه معنونا بالقطع، ومقيدا به، ويكون الموضوع مخصوصا، من غير تقييد في ناحية الحكم، سواء فيه الحكم التكليفي والوضعي. ولعل من هذا الارتماس المحرم في الماء في شهر رمضان، فإن الماء المعلوم يحرم الارتماس فيه، ويبطل الصوم به، لا مطلق الماء، فإنه في صورة الجهل لا يبطل، ولايكون محرما، فتأمل. وأما قوله (عليه السلام): " كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر " (2) فربما يقال كما عن " الحدائق ": " إن ما هو موضوع النجاسة الشرعية هي القذارة المعلومة، وما هو


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 12. 2 - مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني، الباب 30، الحديث 4. (*)

[ 99 ]

موضوع الحرمة أيضا ذلك " مستدلا: بأن هذا هو الظاهر من الحديث، ومن أخبار المسألة إجمالا (1). وبالجملة: ربما يمكن اطلاع الفقيه على دليل، يكون موضوعه مقيدا بالقطع والعلم. إذا تبين ذلك فاعلم: أن القطع المأخوذ في العنوان، لا يخلو من وجوه واحتمالات، وهذه الوجوه والمحتملات من ناحيتين: الناحية الاولى: من ناحية الصور الرئيسة التي منها هذه الصورة، التي تنقسم باعتبار الحكم التكليفي والوضعي إلى الصورتين، وهكذا الصور الاخر الآتية، فإنه من ضرب محتملات الصور بمحتملات الناحية الثانية، يحصل الأقسام الكثيرة بمراتب أكثر مما في كتب القوم. الناحية الثانية: الوجوه المتصورة لنفس القطع. وقبل الخوض في توضيحها، لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن النظر في هذه الأقسام وفي هذا التقسيم، إلى ما هو الدخيل في موضوعية الحكم، ويحتمل كونه مأخوذا في القانون، لا مطلق العناوين المنطبقة على القطع، كما يظهر من العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره) (2) ضرورة أن القطع كما يكون شيئا من الأشياء، ويكون ماهية وموجودا، يكون كيفا، وكيفا نفسانيا، أو من سائر المقولات، ولكن كل هذه الاعتبارات والعناوين الكاشفة عن خصوصية في القطع على نعت المحمول بالضميمة، أجنبية عما هو المقصود في المقام. نعم، هنا اعتبارات اخر ترد عليه، من غير أن تنافي بساطة القطع والأعراض، كما لا يخفى على أهله: وهو أن القطع كما يكون كاشفا تاما، يكون مشتركا مع سائر


1 - الحدائق الناظرة 1: 136 - 137 و 2: 372 - 375. 2 - نهاية الدراية 3: 46 - 47. (*)

[ 100 ]

الطرق في الكشف، وفي أصل الكاشفية والطريقية، وكما يكون صفة من الأوصاف النفسانية - كسائر الصفات الصادرة أو القائمة، كالإرادة، والبخل، والحسد، على خلاف في هذه المسألة أيضا عند أهله - كذلك يكون له الصفة الاعتبارية، وهي المنجزية المشتركة فيها سائر الطرق والأمارات العقلائية الممضاة، والاحتمال أحيانا. هذا حال القطع في حد ذاته. وأما القطع المأخوذ في الدليل، فيمكن أن يكون النظر فيه إلى القطع على وجه من الوجوه المشار إليها، أو أكثر، فيكون مأخوذا على وجه الكاشفية، أو الصفتية، أو المنجزية، فيكون الخمر المنجز محرما، لا الخمر المقطوع بخصوصية القطع، بل المحرم موضوعه معنون بهذه الخصوصية من خصوصيات القطع المشترك فيها الأمارات، وطائفة من الاصول، والاحتمال مثلا. ثم على كل تقدير: تارة: يكون جزء الموضوع. واخرى: يكون تمام الموضوع. وثالثة: يكون - مع كون الدليل واحدا - جزء الموضوع، وتمامه، باختلاف موارد الإصابة والخطأ، كما مر فيما سبق تصويره وإمكانه (1)، فتأمل، فلا يلزم أن يكون جزء الموضوع في دليل، وتمام الموضوع في مورد آخر، بل الخمر المعلومة تكون معلوميتها في صورة الخطأ تمام الموضوع، وفي صورة الإصابة جزء الموضوع. ومن هنا يظهر أيضا - كما مر -: أنه يمكن أن يكون في الدليل الواحد، مأخوذا على نحو الكاشفية، والصفتية، ففيما يكون جزء الموضوع يؤخذ على الكاشفية، وفيما يكون تمام الموضوع يكون مأخوذا على الصفتية. وهذه جملة من الصور والوجوه المتصورة في المقام بدوا.


1 - تقدم في الصفحة 84 - 85. (*)

[ 101 ]

ومن هنا يظهر: أن حصر الشيخ به في الطريقية والموضوعية (1)، و " الكفاية " في الأربعة بإضافة الجزء والكل (2)، و " الدرر " بإضافة الفرض الخامس إليه (3)، في غير محله، لأن الأقسام تزداد عليها حسب ما عرفت منا. إعضالات وانحلالات الأول: كون العلم تمام الموضوع سواء صادف الواقع أو لم يصادف، غير صحيح، لأنه من الجهل المركب، ولا يمكن احتمال كون الجهل علما، ضرورة أن مادة العلم تأبى عن الصدق في صورة الجهل المركب (4)، كما مر نظير هذه الشبهة في مسألة التجري (5). فلو كان عنوان في موضوع دليل مقيدا بالعلم، فلابد من أن يكون العلم جزء الموضوع، إما على الصفتية، أو الكاشفية، أو المنجزية، أو يكون القيد محمولا على الغالب، فلا يكون جزء الموضوع رأسا، على خلاف المفروض في المقام، لأنه في هذه الصورة يكون ملتحقا بالصورة الاولى، كما لا يخفى. أقول: تنحل المعضلة أولا: بأن لازم كون العلم تمام الموضوع، أن لا تكون موضوعيته في صورة الخطأ، بل يمكن أن يكون في صورة الإصابة تمام الموضوع، بأن لا يكون للواقع دخل في الموضوعية، فيكون قيد الواقع داخلا تقيدا، لا جزء. وهذا لأجل أن مادة " العلم " تقتضي أن يكون مطابقا للواقع، ولكن للشارع عدم


1 - فرائد الاصول 1: 4 - 5. 2 - كفاية الاصول: 303. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 330 - 331. 4 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 48. 5 - تقدم في الصفحة 85. (*)

[ 102 ]

لحاظ الواقع جزء موضوع، فإن لوازم الموضوعات ولو كانت دائمية، ليست واردة في محيط الحكم على وجه الدخالة في الموضوعية للحكم، كما تحرر مرارا، فما يظهر من القوم من تفسير تمامية العلم للموضوع: " بأنه موضوع سواء صادف، أم لم يصادف " (1) غير متين. وثانيا: أن العلم فيما إذا كان تمام الموضوع، يكون مأخوذا على وجه الصفتية، ولا شبهة في أن الجاهل المركب له صفة كسائر الصفات، وبها يختلف عن الجاهل البسيط وغير الملتفت. وفيه: أنه ليس بجواب يعتمد عليه، لأن مادة " العلم " موضوعة للصورة المطابقة، وما في نفس الجاهل المركب وإن كان شيئا لا يوجد في نفس البسيط وغير الملتفت، ولكنه ليس علما لغة. وثالثا: أن من المجاز المشهور إطلاق " العلم " على هذه الصورة، ولا منع من حمل القيد المزبور في القانون عليه وعلى الحقيقة، فتأمل. ورابعا: أن صدق " العلم " على تلك الصورة مجاز أو غلط، لأن العلم نور، دون القطع، فإنه اعتبار من جزم النفس في قبال التردد، بخلاف العلم، فإنه من اعتبارات تحصل بين الصورة وذي الصورة، ولذلك لا يوصف الله تعالى ب‍ " القاطع ". وعلى هذا تنحل المشكلة، إلا أنه يلزم حمل العلم في القانون على القطع، وهو أيضا غلط، أو يلزم التفصيل بين ما إذا اخذ العلم، وما إذا اخذ القطع، فتدبر. الثاني: إمكان أخذ العلم تمام الموضوع على الطريقية ممنوع، وذلك من جهة أن أخذه تمام الموضوع، يستدعي عدم لحاظ الواقع، وأخذه على وجه الطريقية، يستدعي لحاظ ذي الطريق وذي الصورة، فيلزم الجمع بين اللحاظ وعدم


1 - كفاية الاصول: 303، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 10، نهاية الأفكار 3: 14. (*)

[ 103 ]

اللحاظ، وهو غير ممكن (1). الثالث: كيف يعقل أن يكون العلم جزء الموضوع على وجه الطريقية ؟ ! للزوم اجتماع اللحاظ واللالحاظ (2)، كما عرفت آنفا. الرابع: كيف يمكن أن يكون الدليل الواحد متكفلا لموضوع مقيد بالعلم، على وجه يكون العلم في ذلك الموضوع جزء، وتماما، وعلى وجه يكون طريقا وصفة، مع أن الدليل الواحد يتضمن إما لحاظ الجزئية، أو الكلية، أو لحاظ الطريقية، أو الصفتية، لتنافيها بالضرورة ؟ ! نعم، يمكن أن يكون العلم في موضوع جزء، وفي موضوع آخر كلا، وهكذا. وهذه الشبهة في الحقيقة تنحل إلى إعضالين، كما لا يخفى. أقول: قد مر منا في أواخر بحوث التجري (3): أن العنوان المأخوذ في القانون مقيدا بالعلم، ليس في مرحلة الاستعمال طريقا، ولا صفة، فإنهما من تبعات العلم بالحمل الشائع، فما هو المأخوذ في القانون ليس إلا العنوان والمفهوم، فإذا قيل: " الخمر المعلوم نجس وحرام " و " الخمر المشكوك طاهر وحلال " لا يكون العلم المأخوذ هنا صفة، ولا طريقا. نعم، إذا تحقق هذا العنوان في الخارج، وكان عند العالم الخمر المعلوم، فإن كان العلم المزبور مطابقا للواقع يكون جزء، وعندئذ يمكن أن يكون طريقا، ويمكن أن يكون وصفا، كما يمكن أن يكون جزء، ويمكن أن يكون كلا. هذا في صورة الإصابة. وأما في صورة الخطأ فيكون صفة. فالصفتية والطريقية والجزئية والكلية،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11. 2 - نهاية الأفكار 3: 15. 3 - تقدم في الصفحة 85 - 86. (*)

[ 104 ]

كلها من تبعات العلم بالحمل الشائع، ويقتضي إطلاق القانون كل هذه الامور، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: الشبهتان الاوليان نشأتا من الخلط بين لحاظ المقنن الملتفت إليه وغير المغفول عنه، وبين لحاظ القاطع المغفول عنه، والجمع بين اللحاظين المزبورين - لاختلاف اللاحظين - جائز وواقع، فيكون القطع المأخوذ في الدليل ما ينظر إليه دائما، ولكنه إذا تحقق في الخارج ينظر به إلى ذي الصورة، وهو أمر خارج من محيط تقنين المولى. فهذا مما لا إشكال فيه جدا، إذا كان الدليل المتكفل لما هو المأخوذ طريقا، غير الدليل المأخوذ فيه القطع على وجه الصفتية، وإنما الإشكال في إمكان تكفل الدليل الواحد لهذا الأمر، ضرورة أن الطريقية والموضوعية والجزئية والكلية، من الامور المتقابلة، ولا جامع لها حتى يتكفل الدليل الواحد لهذه الاعتبارات، فكون العلم جزء بلحاظ الجاعل، وهكذا كونه كلا. ولكنه ينحل: بأن للجاعل الاتكاء في استفادة القوم هذه الخصوصيات، على فهم العقلاء والعرف تلك المتقابلات، باعتبار اختلاف الموارد، فإنه عندئذ يمكن أن يتكفل الدليل الواحد مثلها. مثلا: من الامور المتقابلة عنوان " التأسيسية " و " الإمضائية " ولكن للجاعل اعتبار المعنى المشترك بينهما في مثل قوله (عليه السلام): " من استولى على شئ منه فهو له " (1) ولكن اختلاف موارد اليد عند العقلاء، يقتضي أن تكون اليد ممضاة عند الشرع بمثل هذا الدليل، فيما كان بناء العقلاء على الكاشفية، وأما فيما كانت اليد خائنة ومشهورة بالسرقة، فلا كاشفية لها عندهم، ولكنها محكومة، لإطلاق الدليل


1 - تهذيب الأحكام 9: 302 / 1079، وسائل الشيعة 26: 216، كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. (*)

[ 105 ]

المزبور للكاشفية تعبدا، فيكون تأسيسا. وفيما نحن فيه إذا قيل: " الخمر المعلوم حرام ونجس " فما هو الموضوع ليس إلا عنوانا وحدانيا، وهو المعنى المقيد، ولايكون هنا إلا أمر وحداني في الاعتبار هو تمام الموضوع، قابل للصدق على موارد مختلفة، كسائر الموضوعات الصادقة على موارد وأفراد مختلفة في الخصوصيات، إلا أنه إذا كان في مورد الخطأ، فلابد وأن يكون العلم تمام الموضوع على وجه الصفتية، لما لا يعقل غير ذلك، فإنه من إطلاق الدليل وصدق الموضوع، يستكشف أن العلم في هذه الصورة تمام الموضوع. وفي صورة الإصابة يكون - بحسب الفهم العرفي - طريقا ومأخوذا جزء، لأن هذا هو دأب العلم وخاصته الواضحة. نعم، لا يمكن الجمع في صورة الإصابة بين الطريقية والصفتية والجزئية والكلية، لأن كل ذلك ممكن ثبوتا، ولا معين لأحدها إثباتا، ولا يمكن في مورد واحد الجمع بين الجزء الموضوعي وتمامه، كما لا يخفى. إن قلت: إن العلم المأخوذ في الدليل، لابد وأن لا يكون مهملا عند المقنن بحسب الطريقية والصفتية، لأن الأثر المترتب عليه - وهو قيام الطرق مثلا على الطريقية، دون الصفتية - من تبعات هذا الأمر. فإذا قيل: " الخمر المعلوم حرام " فلابد وأن يكون العلم المزبور مأخوذا باعتبار طريقية مصاديقه، أو صفتية أفراده، لاختلاف آثاره في مرحلة الجعل، ولولا اختلاف مرحلة الجعل، لا يعقل قيام الطرق في فرض دون فرض. فعلى هذا، يصح للمولى اعتبار طريقيته، وهذا مما ينظر فيه، لأنه معنى اسمي ملحوظ بالاستقلال، أي مفهوم الطريقية يكون كذلك، وإن كان مصداقه مورد الغفلة نوعا، وإلا فيصح الالتفات إليه، ولاسيما بالنظر الثانوي. فتحصل: أن الدليل الواحد يمكن أن يكون متكفلا للأمرين، فضلا عن

[ 106 ]

الامور. قلت: نعم، إلا أنه قد عرفت أن للمولى الاتكاء على فهم العقلاء في هذه الجهة، فيكون ملحوظا في مرحلة الجعل، فتأمل جيدا. الخامس: من المشكلات أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية، لأن قضية الاولى أن المصلحة الدخيلة قائمة بالعلم، وقضية الثانية أن الواقع له الدخالة في الحكم. ويظهر من الوالد المحقق - مد ظله - التسليم في قبال هذه الشبهة (1). ولكن يمكن دفعها: بأن للمولى أن يكون نظره إلى إقامة الطرق مقامه، وهذا لا يحصل إلا على الطريقية. ومن هنا يظهر وجه الشبهة الاخرى على أخذه منجزا وموضوعا، لأن المنجزية ترجع إلى أن النظر إلى الواقع، وأن له الدخالة، والموضوعية تضاده (2)، وأيضا يظهر وجه الاندفاع، فتأمل. ومما يشهد على ما ذكرناه: أن من علمت عدالته موضوع جواز الاقتداء، ضرورة أن الصلاة صحيحة عند التحاق جماعة عندنا، ولو كان يكفي الواقع، للزم جواز المبادرة إلى الاقتداء بالإمام المجهول الحال، فإذا صلى رجاء خلفه، فلا يجب عليه الفحص، لما لا يعيد حسب القاعدة ولو تبين فسقه، ولا يلتزم به أحد، فيكون شاهدا على أن العلم تمام الموضوع، ومع ذلك تقوم الطرق والأمارات مقامه، وما هذا إلا لأن غرض الشريعة متعلق بالعلم على وجه الموضوعية التامة، وعلى وجه تقوم مقامه الأمارات والاصول المحرزة، لما لا يعتبر صفة العلم بالضرورة. فعلى هذا تحصل: أن من الممكن أن يكون نظر الشرع إلى المبادرة إلى عمل بعد قيام أحد الطرق العقلائية، سواء صادف الواقع، أو خالفه، فإذا أخذ العلم فيكون


1 - تهذيب الاصول 2: 20. 2 - لاحظ نهاية الدراية 3: 46 - 50. (*)

[ 107 ]

على وجه الموضوعية الكلية، ومع ذلك يكون مأخوذا على وجه الطريقية، لإفادة أن سائر الطرق مثله في هذه الجهة، فإن منظور الشرع هو أن يكون الاقتداء تحت نظام خاص، وإن لم يكن للواقع دخالة. وبالجملة: لا يختص أثر الطريقية في دخالة الواقع، بل من آثارها قيام الأمارات مقامه، فلا امتناع في الجمع بين الطريقية والموضوعية ذاتا، ولا بالغير. وإمكان المناقشة من جهة في المثال المزبور، لا يوجب سد الباب المذكور، وتقريب إمكانه الوقوعي، فلا تخلط. فتحصل لحد الآن: أن الصور المشار إليها في صدر البحث عن الصورة الثانية الرئيسة (1)، مما لا إشكال فيها عقلا. نعم، اشتمال الدليل الواحد على مجموع هذه الفروض، غير ممكن، كما أشرنا إليه. وتبين مما ذكرناه إلى هنا: أن الأقسام وحالات القطع أكثر من الصفتية والكاشفية، فإن الكاشفية ذات اعتبارين، ويترتب على اعتبار الكاشفية المشتركة قيام الطرق، دون الكاشفية الكاملة، ولذلك لا يقوم - على قول - البينة وغيرها مقامه في الركعات الأوليات، مع أن القطع هناك طريق، وليس موضوعا تاما، فاغتنم. ومن حالاته المنجزية، فتكون أربعا، وإذا اخذ جزء تارة، وكلا اخرى، تصير ثمانية. وفي صورة أخذه تمام الموضوع فرضان: أحدهما: أن يكون تمام الموضوع بشرط الإصابة. وثانيهما: أن يكون تمام الموضوع ولو لم يصادف. وقد مر ما يتعلق به عند تقريب الشبهة الاولى من الشبهات، والأمر سهل.


1 - تقدم في الصفحة 98. (*)

[ 108 ]

الصورة الثالثة: أن يكون العلم بالحكم موضوعا وهذا يتصور على فروض كلية وجزئية: الفرض الأول: أن يكون العلم بالحكم موضوعا لحكم آخرمتعلق بموضوع آخر وهذا مما لاريب في إمكانه الذاتي، بل والوقوعي. وكما يمكن أن يكون الحكمان تكليفيين، يمكن أن يكونا وضعيين، أو مختلفين، وكما يمكن أن يكونا شرعيين، يمكن أن يكونا مختلفين، مثلا العلم بحرمة المفطرات أو التروك، موضوع لوجوب الكفارة، وربما يلحق به الجاهل بأقسامه. والعلم بالحكم الإلهي، موضوع لحكم العقلاء بالتنجيز. وكما يمكن أن يكون الحكمان متسانخين كالوجوبين، يمكن تضادهما، كالوجوب والحرمة، وأيضا من غير فرق بين كونه جزء الموضوع، أو تمام الموضوع. فالأقسام كثيرة، ربما يوجد في الشرع بعض أمثلتها، مثلا العلم بوجوب صلاة الجمعة، يكون موضوعا لبطلان البيع وقت النداء، والعلم بالحكم الكذائي، موضوع لحرمة التقليد، فتأمل، والأمر سهل. ويمكن المناقشة في جميع الأمثلة حتى في المثال الأول: بأن الجاهل المقصر محكوم بحكم العالم، حسب الخطابات الأولية. وتوهم: أنه يستحق العقوبة للتفويت، ولو أمكن تصحيحه وتتميمه، ولكنه غير مطابق للواقع. نعم، فيما تكون الكفارة مخصوصة بالعالم العامد، يكون العلم بالحكم جزء

[ 109 ]

الموضوع للحكم الآخر. الفرض الثاني: أن يكون العلم بالحكم موضوعا لحكم مضاد يتعلق بنفس ذلك الموضوع كما لو ورد وجوب التصدق على تقدير العلم بحرمته، فالمعروف بينهم امتناعه على الإطلاق (1)، كما هو الواضح. ويمكن أن يقال: إن العلم المأخوذ إن كان هو العلم القطعي غير المجامع لاحتمال الخلاف، فالأمر كما قيل، وذلك لأن العلم المزبور في صورة الإصابة، يستلزم كون الواقع مجمع الحكمين غير القابلين للجمع. وحديث اجتماع المتضادين (2)، قد مر فساده في مسألة الاجتماع والامتناع بما لا مزيد عليه (3)، كما عليه المحققون (4). وفي صورة الخطأ، لا يعقل أن تكون الإرادة الباعثة أو الزاجرة مترشحة، لأن العلم المأخوذ في موضوعها، دائما يكون على خلافها، ضرورة أنه إذا علم بوجوب صلاة الجمعة، فلا تكون حرمتها زاجرة، ولو فرض إمكان زاجريته فهو في صورة انتفاء موضوعه، بأن لا يكون عالما، وإذا لم يكن عالما فلا زاجرية حينئذ للنهي أيضا. ويمكن دعوى: أن التضاد بين الحكمين لو كان مانعا ومحذورا عقليا في


1 - كفاية الاصول: 307، أجود التقريرات 2: 17، وقاية الأذهان: 471، حقائق الاصول 2: 35. 2 - كفاية الاصول: 307، نهاية الأفكار 3: 13، حقائق الاصول 2: 35، مصباح الاصول 2: 45. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 211. 4 - نهاية الدراية 2: 308 وما بعدها، نهاية الاصول: 256 - 257، أنوار الهداية 1: 126 وما بعدها. (*)

[ 110 ]

المسألة، لما لزم هنا اجتماعهما في محل واحد، وذلك لاختلاف موضوع الوجوب والحرمة (1)، ضرورة أن الوجوب متعلق بطبيعة التصدق، والحرمة متعلقة بالتصدق المعلوم، فإن كان الموضوع أعم من صورة الإصابة واللا إصابة، تكون النسبة بين الدليلين عموم من وجه، وذلك لأن وجوب التصدق ربما يكون معلوما، وربما لا يكون معلوما، وعلى التقدير الأول تارة: يكون مطابقا للواقع، واخرى مخالفا، وإذا كان مخالفا للواقع تثبت الحرمة، دون الوجوب، وصورة الإصابة تكون مورد تصادقهما. ومن هنا يظهر: أن حديث اجتماع الإرادة والكراهة والمصلحة والمفسدة، غير صحيح. فتحصل: أن ما هو سبب الامتناع - من غير فرق بين كون العلم جزء الموضوع وتمامه - أنه في نظر القاطع لا يمكن، أن يكون التحريم زاجرا، فإذن يمتنع أن يصير محرما، فما في " تهذيب الاصول " من التفصيل بين كون العلم جزء الموضوع، وكونه تمام الموضوع (2)، لا يرجع إلى مهذب فيه، لأن النسبة على تقدير تمامية الموضوع ولو كانت من وجه كما عرفت، ولكن الإشكال هنا من ناحية اخرى: وهي امتناع ترشح الإرادة الجدية الزاجرة في المثال المزبور امتناعا بالغير، لما يرى المولى من أن هذا الحكم لا يمكن امتثاله دائما. وما في " تهذيب الاصول ": " من أن الامتناع الناشئ من مقام الامتثال لا يضر بالجعل، كما في المتزاحمين " (3) في محله، إلا أنه هنا غير تام، لما اشير إليه، والله الهادي.


1 - نهاية النهاية 2: 24. 2 - تهذيب الاصول 2: 22. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 111 ]

فتحصل لحد الآن: أن الامتناع الذاتي الذي في " الكفاية " (1) والإمكان الذاتي الذي في " التهذيب " (2) غير تامين، والقول الفصل هو الامتناع بالغير. وغير خفي: أن الامتناع المزبور مستقر، ولو كان الوجوب للتصدق في المثال المزبور وجوبا إنشائيا. بقي فرض آخر، وهو الشق الثاني: بأن يكون العلم المأخوذ أعم من العلم القطعي والطرق العقلائية، كما إذا فرض أن العلم مأخوذ على الطريقية، فتقوم مقامه الطرق والأمارات مثلا، فإذا قامت الأمارة العقلائية المعتبرة على وجوب التصدق، يكون هو المحرم، فإنه حينئذ لا يلزم المحذور العقلي المزبور، لأن الطريق القائم معتبر نوعا، وإن لم يكن معتبرا عند من علم بهذه القضية، وبهذا الحكم المترتب على العلم بالحكم المضاد معه. وعلى هذا، يتمكن المولى من ترشيح الإرادة الزاجرة، إذا كان المفروض هو العلم النظامي، وأنه في صورة قيام الطريق العقلائي النوعي على وجوب صلاة الجمعة، تحرم صلاة الجمعة، وعندئذ يكون حديث العموم من وجه بين الحرمة والوجوب - بحسب الموضوع - مفيدا، فلو فرضنا صدور رواية قطعية: " بأنه إذا علم بوجوب صلاة الجمعة تحرم " فيمكن حملها على الفرض المزبور، فاغتنم وتأمل. وأيضا يمكن دعوى: أن القضية الشرطية، محمولة على أن العلم بوجوب الصلاة حدوثا وآنا ما، علة وواسطة لثبوت الحرمة وإن لم يكن حين تعلق الحرمة علم فعلي، فإنه عندئذ أيضا لا يلزم محذور عقلي. وغير خفي: أن المراد من " الموضوع " هنا أعم من كونه موضوعا على نحو القضية البتية، بأن تكون صلاة الجمعة المعلومة الحرمة واجبة، أو على نحو القضية


1 - كفاية الاصول: 307. 2 - تهذيب الاصول 2: 22 - 23. (*)

[ 112 ]

الشرطية، بأن يكون العلم بوجوب صلاة الجمعة شرطا لحرمتها. الفرض الثالث: أن يكون العلم بالحكم، قيدا أو شرطا لمتعلق الحكم الآخر المماثل، بذلك الموضوع أو الشرط فتكون الصلاة المعلوم وجوبها، موضوعا لتعلق الوجوب الآخر بها، أو يكون العلم بوجوب الصلاة، شرطا لتعلق الوجوب الآخر بها، والمعروف بينهم أيضا امتناعه (1)، إما لأجل اجتماع المثلين (2). أو لأجل لغوية الجعل الثاني (3)، ضرورة عدم الحاجة إليه إذا لم يؤثر الأول. أو لأجل امتناع ترشح الإرادتين التأسيسيتين المتعلقتين بعنوان واحد، أو العنوانين المختلفين بالعموم والخصوص المطلقين (4) كما تحرر منا مرارا (5). وصرح هنا الوالد المحقق - مد ظله - بامتناعه (6)، مع أنه يتردد في هذه المسألة في محله (7)، فراجع، والأمر سهل. وأنت خبير: بأن المحذور الأول غير صحيح، لما تحرر: من أن اجتماع المثلين في التكوين غير جائز، وأما في الأحكام فهي ليست بينها التضاد، ولا


1 - كفاية الاصول: 307، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 34، وقاية الأذهان: 471، حقائق الاصول 2: 35. 2 - كفاية الاصول: 307، وقاية الأذهان: 471. 3 - نهاية الأفكار 3: 11، حقائق الاصول 2: 35، منتهى الاصول 2: 12. 4 - أجود التقريرات 2: 17 - 18. 5 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 146. 6 - تهذيب الاصول 2: 23. 7 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 389 وما بعدها. (*)

[ 113 ]

التماثل المنتهي إلى امتناع اجتماعهما بالذات (1). نعم، لا تجتمع الأحكام من مكلف واحد، بالقياس إلى مكلف واحد، في زمان واحد، على طبيعة واحدة، لأن الحكم متقوم بالإرادة الواقعية، وهي غير قابلة للترشح في صورة سبق الإرادة الزاجرة مثلا، متعلقة بتلك الطبيعة الواحدة. وأما المحذور الثاني، فيندفع بما مر مرارا: من اختلاف الناس في الانبعاث، فربما ينبعث بعضهم بالأمرين، فلا لغوية. وأما المحذور الثالث، فالتحقيق هنا ما أفاده المحقق الوالد - مد ظله - (2): من أن العلم إن كان تمام الموضوع، حتى يكون في صورة الخطأ موضوع الحكم المماثل موجودا، وشرطه حاصلا، فلا تكون النسبة بين المتعلقين إلا عموما من وجه، ضرورة أن بين الخمر المعلومة حرمة شربها والخمر، عموما من وجه، فتكون الحرمة المأخوذة في الشرط، متعلقة بذات الخمر، سواء كانت معلومة حرمتها، أو غير معلومة، والحرمة الثانية متعلقة بالخمر المعلومة حرمتها، سواء صادف الواقع، أم خالف، فلا محذور عقلا في هذا الفرض إذا كان العلم تمام الموضوع. وأما إذا كان جزء الموضوع فلا يمكن، لانقلاب النسبة من العموم من وجه إلى العموم المطلق، ويمتنع حينئذ حسب ما تحرر مرارا (3)، ضرورة أن الخمر لاتقبل التحريم التأسيسي مرتين. وأما توهم حمل التحريم الثاني على التأكيد (4)، فهو خروج من البحث، ضرورة أن الكلام فيما إذا كان الحكم الثاني تأسيسا مستقلا، ومستتبعا للعقاب


1 - تقدم في الجزء الرابع: 211 - 212. 2 - تهذيب الاصول 2: 22 - 23. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 146. 4 - مصباح الاصول 2: 45. (*)

[ 114 ]

والثواب كالأول، ويكون مماثلا. وربما يتخيل: أن موضوع الحرمة الثانية هي " الخمر المعلومة حرمتها " وهذا العلم لا يتعلق بالخارج، بل هو أمر نفساني، وموضوع الحرمة الاولى " ذات الخمر " فيكون مصب الحكم الأول المأخوذ في الشرط، أمرا خارجيا، وموضوع الحكم الثاني أمرا ذهنيا. وفيه ما لا يخفى من الغرابة. وقريب من هذه الغرابة دعوى: أن الحكم المأخوذ في الدليل إذا كان حكما إنشائيا، فلا يلزم محذور رأسا. وأنت خبير: بأنه - مضافا إلى خروجه من محط البحث - يرجع إلى أنه ليس من الحكم المماثل، ضرورة أن الحكم الأول يصير المرتبة الاولى من الحكم الثاني، وسيأتي في الفرض الآتي إن شاء الله تعالى، إمكان اختصاص الحكم الفعلي بالعالم بالحكم الإنشائي، فرارا من بعض المحاذير العقلية في مسائل الشريعة. ولنا أن نقول: إن عدم تحرير محل الكلام، أوقعهم في هذه الأجوبة، فلو كان محط البحث أخذ الحكم المماثل بمعناه الواقعي، يلزم أن يكون جواب السيد - مد ظله - أيضا في غير محله، لأنه في مفروض كلامه - وهو كون العلم تمام الموضوع - يلزم الخروج من المماثلة، لأنه مع تعدد محط الحكم لا مماثلة. هذا، ولو كانت المماثلة بينهما، ولكن البحث في صورة اشتراكهما في المحل، وإلا فالضرورة قاضية بجواز اجتماعهما في صورة الاختلاف. فعلى ما تقرر، الامتناع الذاتي الذي في " الكفاية " (1) والإمكان المحرر في كلامه (2) - عفي عنهما - ممنوعان، فتكون المسألة ممتنعة بالغير، فتدبر.


1 - كفاية الاصول: 307. 2 - تهذيب الاصول 2: 20 - 21. (*)

[ 115 ]

الفرض الرابع: أن يكون العلم بالحكم، مأخوذا قيدا أو شرطا في موضوع نفس ذلك الحكم كما إذا قيل: " إذا علمت بوجوب القصر في السفر، يجب عليك القصر " أو " إن العالم بوجوب الإخفات في الصلاة يخافت فيها " على أن يكون الأمر بالقصر والإخفات وإيجاب القصر والخفت، منوطا بالعلم بالحكم، وحيث إن رتبة الموضوع مقدمة على رتبة الحكم، ويكون الموضوع مقدما على الحكم، فلابد أولا من حصول الموضوع بتمام أجزائه وقيوده، حتى يترتب ثانيا وفي الرتبة المتأخرة حكمه، وعلى هذا كيف يعقل كون الحكم دخيلا في موضوع نفسه ؟ ! وهذا هو تقدم الشئ على نفسه، الذي هو وجه بطلان الدور الصريح هنا، فإن الموضوع متوقف على الحكم، والحكم متوقف على الموضوع، فيكون الموضوع متوقفا على نفسه، أو الحكم متوقفا على نفسه. ولأجل هذه المشكلة العقلية، يشكل الأمر في موارد اختصاص الحكم بالعالم، ومن تلك الموارد - مضافا إلى ما اشير إليه - موارد جريان قاعدة " لا تعاد... " بالنسبة إلى الجاهلين: القصوري، والتقصيري، فإن الشارع العالم الواقف على الكليات والجزئيات، يجد أنه في صورة الجهل لا إعادة ولا قضاء، فإذن لا يتمكن من إيجاب الشرائط والأجزاء على كل تقدير، ولازمه اختصاص الجزئية والشرطية بالعالم، لأن الجاهل لا تكون صلاته محكومة بالجزئية والشرطية بالقياس إلى ما يشمله إطلاق المستثنى منه. وهكذا في كثير من أحكام الحج، مما لا يكون الجاهل شريك العالم في الحكم (1).


1 - منها قوله (عليه السلام): " من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا، = (*)

[ 116 ]

والذي هو مهم الاصولي حل المشكلة العقلية، وأما الدخول في هذه المباحث الفقهية الفرعية - بإنكار الاختصاص - فهو موكول إلى محلها، للحاجة إلى النظر الخاص في أدلتها. وربما يكون التفصيل بين القصر والإتمام، والجهر والإخفات أقرب، فإن قوله (عليه السلام): " إن كان قرئت عليه آية التقصير... " (1) ظاهر في الاختصاص، وقوله (عليه السلام): " يجهر في موضع الإخفات وبالعكس " (2) ظاهر في الاشتراك، فلا تخلط. ولكن الإنصاف: أنه في موارد نفي الإعادة والقضاء، لا يعقل إلا أحد أمرين: أما صحة المأتي به، فيكون الشرط والجزء مخصوصين بحال العلم، وإما صرف النظر عن الأمر الأولي، بعدم وجوب شئ على الجاهل، فيكون الحكم التكليفي مختصا بالعالم، لا الوضعي، أي بأن لا يجب عليه الصلاة لا قصرا، ولا إتماما، ولا فاقدا للجزء، ولا واجدا، وحيث إنه لا سبيل إلى الثاني يتعين الأول. وما تخيلوه من الوجوه، فكله من الخلط بين المسائل الشرعية الإلهية، وبين العرفيات والموالي العقلائيين، وهذا ربما ينتهي إلى الكفر، فضلا عن الفسق، فلا تغفل. وأيضا: مقتضى إطلاق حديث الرفع (3)، اختصاص الحكم بالعلماء، فيلزم


= فلا شئ عليه ". الكافي 4: 348 / 1. ومنها قوله (عليه السلام) في رجل نسي أن يحرم أو جهل وقد شهد المناسك وطاف وسعى: " تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وإن لم يحل ". الكافي 4: 325 / 8. ومنها قوله (عليه السلام) في رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه: " ليست عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلاشئ عليه ". تهذيب الأحكام 5: 72 / 47. 1 - وسائل الشيعة 8: 506، كتاب الصلاة، أبواب صلاة السفر، الباب 17، الحديث 4. 2 - وسائل الشيعة 6: 86، كتاب الصلاة، أبواب القرائة، الباب 26. 3 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 117 ]

الإشكال حينئذ، وقد تصدى القوم لحل هذه المشكلة تارة: من ناحية إنكار الاختصاص (1)، كما اشير إليه، واخرى: من ناحية حل المشكلة عقلا (2)، كما يأتي. وربما يقرر الإشكال على وجه آخر: وهو أن التقييد بالعلم هنا يستلزم الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، لأن التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، فلا يعقل الإطلاق، فضلا عن التقييد. فعلى هذا لابد من التوسل إلى نتيجة الإطلاق، إذا كان الحكم يشترك فيه العالم والجاهل، وإلى نتيجة التقييد إذا كان مختصا. والمراد من " نتيجة الإطلاق والتقييد " هو متمم الجعل، لإباء الأدلة الأولية عن الإطلاق والتقييد (3). ولكنك خبير بعدما مر مرارا في البحوث السابقة: بأن هذا البيان - مضافا إلى عدم تماميته بحسب النتيجة، لأن اختصاص العالم بالحكم يستلزم الدور، وهذا لا ينحل بمتمم الجعل (4)، ضرورة أن متمم الجعل يدل على أن الحكم في مسألة الجهر والخفت، مخصوص بالعالم بالحكم، فكيف يمكن أن يترشح الجد من المولى في ظرف جعله الأولي ؟ ! ومضافا إلى أن الإطلاق اللحاظي، يستتبع هذه الغائلة - أن حديث التقابل المزبور، لا يلازم أن يكون امتناع التقييد يستتبع امتناع إطلاقه، بعد صراحة قوله في إمكان التقييد بدليل منفصل. نعم، بناء على ما اشير إليه: من امتناع التقييد مطلقا حتى بدليل منفصل، فإمكان التمسك بالإطلاق مسدود، لا نفس الإطلاق واقعا. ولكن فيما نحن فيه - لأجل لزوم الإهمال الثبوتي - يثبت الإطلاق قهرا، ويكون حجة.


1 - فرائد الاصول 1: 43، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11 - 13، نهاية الأفكار 3: 15 - 17. 2 - نهاية الدراية 3: 68 - 70. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11 - 12. 4 - تقدم في الصفحة 97. (*)

[ 118 ]

فبالجملة تحصل: أنه بالضرورة تكون الأدلة الواردة في الشريعة، إما متكفلة لإثبات الحكم للعالم، أو له وللجاهل، وحيث لا سبيل إلى الأول، للزوم الدور، يتعين الثاني. ولا معنى للقول: بأنه حيث لا سبيل إلى التقييد يمتنع الإطلاق (1)، ضرورة أن امتناع الإطلاق، يستلزم لغوية قاطبة الأدلة، فيكون لها الإطلاق بالضرورة. نعم، قد عرفت في الصورة الاولى من الصور الرئيسة، الإشكال العقلي على الإطلاق، مع حله بما لا مزيد عليه (2). إذا تبين حدود البحث هنا، وأن الكلام حول حل مشكلة تصوير اختصاص الحكم بالعالم ولو بدليل منفصل، فنقول: لنا أن نقول: إن المقنن إذا كان يرى أن المصلحة قائمة بصورة العلم، ويرى أن ترشح الإرادة الجدية بالنسبة إلى غير العالم غير ممكن، لما لا مصلحة هناك، وأيضا يرى أن التقييد بالعلم بالحكم، لا يعقل إلا بعد ثبوت الحكم، فله أن يتوسل إلى جعل القانون، بأخذ الحكم الإنشائي في الدليل، ثم جعل الحكم الجدي بالحمل الشائع عليه. مثلا: إذا قال: " من كان عالما بحكم الخمر إنشاء يحرم عليه الخمر " فإنه إذا علم المكلف بمفاد المقدم والشرط، تكون حرمة الخمر حرمة واقعية منجزة، وإذا كان جاهلا بمفاد المقدم، فلا يجب عليه الاجتناب واقعا، ولا يحرم عليه الخمر، من غير لزوم الدور، لأن الحكم المأخوذ في ناحية الموضوع، هو مرتبة من الحكم، لا واقعه الجدي والحكم الفعلي. ولك أن تقول: إذا كان الحكم المأخوذ في الموضوع هو الحكم الإنشائي،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 12. 2 - تقدم في الصفحة 95 - 98. (*)

[ 119 ]

فإذا علم المكلف بالحكم الإنشائي يصير فعليا منجزا في حقه، فيختلف الموقوف والموقوف عليه، فلا يكون دور. وبالجملة: العلم بوجوده الواقعي، لا يتوقف على الحكم الفعلي بالضرورة، وما هو الموقوف عليه هي الصورة الذهنية، لأنه من الصفات ذات الإضافة. ولكن مع ذلك كله، لا يلزم أن يكون المأخوذ في الدليل، هو العلم على وجه أن يكون تمام الموضوع، كما في " تهذيب الاصول " (1) بل يمكن أن يكون جزء الموضوع، بل وطريقا صرفا، إلا أن الجزء الآخر وذا الطريق هو الحكم الإنشائي، وإذا حصل الموضوع والشرط - وهو العلم بالحكم الشأني - يصير الحكم فعليا، وترتفع غائلة الدور، ويختص الحكم بالعالم، من غير الحاجة إلى متمم الجعل والدليل الثاني غير المفيد، كما مر. فتحصل لحد الآن: أن المقصود إن كان أخذ العلم بالحكم الفعلي الواقعي، علما مطابقا للواقع في موضوع ذلك الحكم، فهو محال، ولكن المنظور إليه هنا، هو أنه في الشريعة إذا كان الحكم مخصوصا بالعالم، فهل يعقل ويوجد وجه لتصحيحه، أم يطرح الخبر ولو كان ظاهرا في ذلك ؟ وقضية ما ذكرنا إمكان ذاك، فلا يطرح الخبر، فليتدبر. نقل مختار الوالد المحقق - مد ظله - ونقده اختار الوالد - مد ظله - أن العلم المأخوذ في الموضوع إن كان تمام الموضوع، فلا دور، لأن ما هو الموضوع حينئذ هو العلم، سواء صادف الواقع، أم خالف (2).


1 - تهذيب الاصول 2: 27. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 120 ]

وغير خفي: أنه في مفروض الكلام لا يكون العلم المزبور إلا مطابقا للواقع، ضرورة أن وجوب القصر الثابت في المحمول وفي التالي، حكم واقعي، وإذا كان الموضوع والمقدم مقيدا بالعلم بوجوب القصر، يكون علما مطابقا للواقع. مثلا: إذا قال المولى: " إن كنت عالما بوجوب القصر، يجب عليك القصر " فوجوب القصر في التالي حكم واقعي، وإذا كان هو عالما في ناحية الموضوع بوجوب القصر، يكون علمه مطابقا للواقع، ولا يتصور خطأه. إن قلت: نعم، إلا أن الواقع ليس جزء الموضوع، بل الموضوع هو العلم حتى في صورة الإصابة ولو كانت دائمية. قلت: قد مر في أقسام القطع في الصورة الثانية: أنه يمكن أن يكون الملحوظ في الموضوع ذات العلم، من غير كون الواقع واردا في محط الحكم، ومجرد الملازمة الخارجية، لا تستدعي الدخالة في موضوع الحكم. ولكن فيما نحن فيه لا يرتفع الدور حتى لو كان العلم تمام الموضوع، وذلك لأن ما هو الموضوع ليس " العلم " المطلق الأعم من كونه متعلقا بالقصر وغيره، بل الموضوع لوجوب القصر " العالم بوجوب القصر " فعليه يكون التقيد داخلا ولو كان القيد خارجا، ولازم كون التقيد داخلا وجود القيد وإن لم يكن داخلا، ففي رتبة الموضوع لابد من وجود الحكم الواقعي، لأن قيد الموضوع - وهو التقيد - متوقف على ذلك بالضرورة، فيلزم الدور أيضا، فاغتنم. وهم ودفع قد تشبث العلامة العراقي (قدس سره) لحل مشاكل كثيرة (1)، بتصوير المعنى المتوسط بين الإطلاق والتقييد، المسمى ب‍ " الحصة التوأمة " وقد رتب عليه هنا: أن الحكم لا


1 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 342 - 343 و 2: 15. (*)

[ 121 ]

مطلق حتى يشمل الجاهل، ولا مقيد حتى يلزم الدور (1). وقد فرغنا عما اعتقده وأخذه معيارا لحل المعضلات، بكشف ما فيه من الخطأ والامتناع، ولا نعيده (2). نعم، في تقريرات جدي العلامة (قدس سره) في مورد آخر، ما يفي بحل مشكلة اختصاص العالم بالحكم، من غير انحلال الدور: وهو أن المولى لا يتعين عليه في توسله إلى إفادة الاختصاص، جعل الموضوع العالم بالحكم، بل له أن يأخذ عنوانا يلازم عنوان " العالم بوجوب القصر " ويترتب عليه الحكم (3). وأنت خبير بما فيه من الإشكال في ذلك العنوان، وإن يمكن به حل المشكلة. التحقيق في جواب الدور وبالجملة: حل مشكلة الدور عندهم غير ممكن، وأما ما تعرضوا له من الوجوه، فكله راجع إلى حل مشكلة الاختصاص، فرارا من لزوم الدور، وقد عرفت أنه أيضا غير تام. نعم، ما ذكرناه في صدر البحث ينحل به الدور، ويلزم منه الاختصاص، ولكنه أيضا - بوجه - فرار منه بتغيير الأمر، ضرورة أن المفروض في المسألة، هو أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، وهذا يختص بصورة كون الحكم في الموردين فعليا، وفي مرتبة واحدة. ولأجل ذلك نقول: إن هنا توضيحا وتحقيقا، وهو أن المجعول في القضايا الحقيقية، إن كان على وجه يكون الحكم فعليا بفعلية الموضوع في الخارج، يلزم


1 - نهاية الأفكار 3: 15. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 123. 3 - لم نعثر عليه عجالة في مظانه من " مطارح الأنظار ". (*)

[ 122 ]

الدور، وأما إذا كان معنى الحكم الفعلي: هو كون الحكم على العنوان المأخوذ، فعليا غير متوقف على أمر غير حاصل في مرتبة الجعل، لا التنجز، فلا يلزم الدور، بل يكون الدور من الدور المعي. مثلا: إذا قلنا: بأن قوله: " العالم بوجوب القصر يجب عليه القصر " معناه أن من تحقق في الخارج، وكان عالما بوجوب القصر أولا، فيكون عليه القصر، بمعنى أن التالي يترتب في الجعل على المقدم، وحيث يكون التالي قيد المقدم، فلابد من تحقق التالي أولا، ثم ترتبه عليه ثانيا، وهذا لا يعقل في المعنى الشخصي والحكم بمرتبته الفعلية. وأما إذا كان معنى القضية المذكورة: أنه في مقام الجعل، يكون الحكم بالنسبة إلى الموضوع المفروض فعليا، وأن الموضوع بيد الجاعل، ولا يتوقف ما هو الموضوع على أمر خارجي، وهو علم المكلف بالتالي أولا، فيكون المحمول والتالي أيضا بالضرورة بيد الجاعل، فيجعل الجاعل، ويتصور الموضوع، ويوقع الحكم عليه، ويكون بين الموضوع والحكم معية في نفس الجاعل من غير توقف. وإذا تحقق الموضوع في الخارج، يكون الحكم حاصلا معه في زمان واحد، ولا يعتبر تقدم الموضوع على الحكم بحسب التحقق خارجا، بل هما يوجدان معا، لما لا علية - بحسب الواقع - بين الموضوع والحكم، ضرورة عدم السنخية، بل كل واحد من مجعولات المولى ومتصوراته. وما اشتهر: " من سبق الموضوع على الحكم سبقا بالعلية " غلط في كل مقام، حتى على مذهب العدلية. فعلى ما تحرر، يكون الحكم في قوله: " العالم بوجوب القصر يجب عليه القصر " فعليا وإن لم يوجد في العالم مكلف. نعم، لا يتنجز هذا الحكم إلا بعد وجود الموضوع في الخارج، وفي هذه

[ 123 ]

المرتبة لاتوقف، ولا دور. وبالجملة: الأحكام فعلية على عناوينها، وما ربما يقال: إنها فعلية بمرتبة، وإذا تحققت العناوين فهي فعلية بالمرتبة الاخرى (1)، في غير محله، كما تحرر. وقيد الموضوع والحكم يوجدان معا بحسب الزمان، وبمجرد العلم بالحكم وبالتالي يكون الموضوع حاصلا، وتحليل تقدم الموضوع على الحكم تقدما بالعلية وسبقا بالرتبة، غير صحيح، فاغتنم. نعم، إذا اخذت شرطية وجود العلم بالحكم خارجا لترتب الحكم، فلابد من تقدمه الزماني، وهو يستلزم الدور، لتحقق السبق الزماني، وإلا فلو كان نفس الوجود الخارجي موضوعا، فيكون الحكم معه في ذلك الزمان معية زمانية، لا رتبية، فإنها بين العلل والمعاليل، والمعية الزمانية باعتبار المولى والجاعل، فلا دور أيضا، فليتأمل جيدا. إن قلت: يلزم بناء عليه، كون العلم في ناحية الموضوع فرضيا وتصوريا، أي أن من تصور وجوب القصر يجب عليه القصر، فإنه لا يستلزم الدور، ولكن لا يلزم منه اختصاص الحكم بالعالم على الوجه المقصود، للزوم كون المتصور لوجوب القصر موضوع الحكم، مع أن الأمر ليس كذلك، ضرورة أن وجوب القصر مخصوص بالعالم التصديقي به. قلت: كلا، بل الموضوع في مقام العنوانية ليس إلا " من كان عالما بالعلم التصديقي بوجوب القصر، يجب عليه القصر " إلا أن الحكم فعلي وإن لم يكن في الخارج موجود عالما به، وإذا وجد فيوجد بلازمه، الذي هو في اعتبار الجاعل قيد الموضوع ونفس المحمول. وإن شئت قلت: هذه القضية تشبه في وجه القضايا الضرورية بشرط


1 - مصباح الاصول 2: 46 و 103. (*)

[ 124 ]

المحمول، مثلا إذا قلنا: " زيد القائم قائم " فإن كان لزوم المحمول متوقفا على القيام السابق، لسبق الموضوع، فيلزم الدور، ضرورة أن القيام في الموضوع والمحمول شخصي، وأما الموضوع والمحمول في الخارج فهما واحد، ولا سبق لزيد المتقيد على المحمول سبقا بالعلية، بل هو مجرد اعتبار الجاعل والمخبر بالضرورة، فلا دور، ولا توقف. وإن شئت قلت: لا دور، لاختلاف الموقوف والموقوف عليه باختلاف الوجود الذهني والخارجي. ومما يؤيد ما أبدعناه: أن المولى والمقنن العرفي إذا جعل قانونا على هذه الكيفية، وهي أن العالم بوجوب القصر يجب عليه القصر، يفهمه العقلاء، ويعاقبون العالمين التاركين، دون الجاهلين، من غير أن يختلج في أذهانهم أمر، ويصل المولى إلى مرامه ومقصوده، وهو إفادة الاختصاص، وعدم اشتراك الجاهل معه في الحكم. فتحصل: أن العلم بالحكم مع كونه علما تصديقيا، ومع كون الحكم فعليا، وشخص ذلك الحكم، لا يلزم منه الدور في محيط التقنين والفعلية، ولا في الخارج وفي ظرف التنجز. والسر كل السر: أن الحكم ليس موقوفا، بمعنى نشوئه من الموضوع، بل هو ناشئ من المولى، ومتعلق به، وملازم معه. ومن هنا يظهر ما في الحاشية للعلامة الأصفهاني (قدس سره): من لزوم الخلف (1)، فإنه إذا كان الموضوع والحكم حاصلين معا في الزمان، لا يكون خلف، وإنما الخلف ناشئ من تقدم أحدهما على الآخر. ويظهر مما سلف ما في ذيل كلامه: " من أن العلم إذا كان تمام الموضوع،


1 - نهاية الدراية 3: 68. (*)

[ 125 ]

يلزم لغوية جعل الوجوب، لأنه لا يكون باعثا بعد كون العبد عالما به " (1) فإنه - مضافا إلى ما مر مرارا: من عدم اللغوية في جعل المماثل من غير كونه من التأكيد (2) - أنه في المفروض من البحث، يكون الجعل بداعي كون علمه مطابقا للواقع، وهذا يكفي للجعل الجدي، فاغتنم. بقي شئ: حول تكفل الدليل لقيدية العلم في الموضوع والحكم هل يعقل أن يتكفل الدليل الواحد لكون العلم قيدا للموضوع وللحكم - بعد الفراغ عن إمكانه - أم لا ؟ وجهان. والأقرب هو الأول، لأن قوله: " الخمر المعلومة حرام " إذا كان مجملا بحسب المعلومية، وأن المراد هل هو معلومية الخمرية، أو معلومية الحرمة ؟ فحيث يحتمل الآمر أن يؤخذ بالقدر المتيقن، فيكون المولى واصلا إلى مرامه عندئذ، اتكالا على الدليل الواحد وعقل المكلفين، فتدبر. تذييل حول أقسام القطع وما يختص به من الأحكام ما مضى من أقسام القطع، يجري في الظن في الجملة، وحيث إن المسألة قليلة الجدوى جدا، يكون تكرارها من اللغو المنهي عنه. وغير خفي: أن المراد من " الظن " هو الشخصي منه، دون النوعي كالأمارات، وإن كان بحث التقاسيم يشترك بين الكل، إلا أن النظر في هذا البحث إلى قيامها مقام القطع والظن، فلاينبغي جعلها مورد النظر في كيفية الأخذ في الدليل، كما لا يخفى. وعلى كل حال، فلا بأس بذكر بعض المطالب الخاصة ضمن تنبيهات:


1 - نهاية الدراية 3: 70. 2 - تقدم في الصفحة 112 - 114. (*)

[ 126 ]

التنبيه الأول: لا يجري في الظن ما مر من التقسيم المخصوص بالقطع، وهو اعتباره في الدليل لأجل أصل الكشف المشترك تارة، وأخذه اخرى: لأجل كشفه التام، فإنه من خصائص القطع. نعم يجوز أخذه باعتبار كشفه الناقص وحده. ويختص الظن على المشهور، بأخذ الظن المعتبر تارة، واخرى: الظن على الإطلاق، حتى يشكل الأمر أحيانا في مرحلة الإثبات، وأما على ما سلكناه - من إمكان سلب الاعتبار عن القطع (1) - فلا اختصاص له بالظن. التنبيه الثاني: في صورة أخذ الظن في الدليل. تارة: يكون مقيدا بكونه معتبرا. واخرى: مقيدا بعدم الاعتبار. وثالثة: مطلقا، نحو " إذا ظننت بوجوب القصر يجب القصر " مثلا. ففي الفرض الأول، يلزم عدم وجوب القصر في صورة العلم إذا اخذ الظن على الصفتية، بل وعلى الطريقية الناقصة، ولازمه ردع العمل عن العلم، فيندرج في تلك المسألة التي اتفقوا على امتناعها، وقد مر بيانها (2). وفي الفرض الثاني، كما إذا ورد " إذا ظننت ظنا غير معتبر بوجوب القصر، يجب القصر " يلزم التناقض، كما إذا اخذ الاحتمال، ضرورة أنه إن حصل الظن غير المعتبر، يكون موضوعا، ولكن لا يتمكن من الامتثال إلا إذا حصل الظن المعتبر، وإذا حصل الظن المعتبر يخرج عن الموضوعية للحكم، فلا يتمكن المولى من تحريك العبد إلى مأموله ومرامه. وأما في الفرض الثالث، فلازم الدليل هو اعتبار الظن، فرارا من اللغوية فيكون كالفرض الأول.


1 - تقدم في الصفحة 26 - 28. 2 - تقدم في الصفحة 28 - 31. (*)

[ 127 ]

وما ذكرناه يجري في صورة كون الظن متعلقا بالحكم، لا بالموضوع، لجواز كون مظنون الخمرية محرما. نعم، إذا كان موضوع التحريم منحصرا بمظنون الخمرية - حتى يكون مقطوع الخمرية حلالا - يشكل الأمر، لا من ناحية الشبهة العقلية كما لا يخفى. وبالجملة: هذا من غير فرق بين كونه تمام الموضوع، أو جزء الموضوع. وغير خفي: أنه لا يتصور حينئذ كون الظن تمام الموضوع، سواء صادف، أم لم يصادف، كما مر في القطع (1). نعم، يمكن في صورة المصادفة كونه تمام الموضوع أيضا، فاغتنم. التنبيه الثالث: بناء على ما ذكرناه في الفرض الأول، يتبين وجه سقوط هذا البحث بحسب الأثر والنتيجة، ضرورة أن الظن ليس مأخوذا على وجه يكون العلم غير كاف عنه. وعلى هذا، يكون مأخوذا على وجه المنجزية، أو الطريقية المشتركة في كافة الموارد، كما في الظن بالضرر في السفر، وفي الصوم، وفي عدد الركعات، أو بدخول الوقت عند الغيم، وبالقبلة، ونحو ذلك، فإن الظن إما يحمل فيها على الطريقية المحضة، فيلغى دخالته رأسا، كما في موارد أخذ العلم أحيانا، نحو قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض...) * (2) وقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (3) وغير ذلك. أو يحمل على الجزئية والكاشفية والطريقية، المشتركة فيها سائر الأمارات حتى القطع.


1 - تقدم في الصفحة 101. 2 - البقرة (2): 187. 3 - البقرة (2): 185. (*)

[ 128 ]

فما أفاده بعضهم: من تعين الوجه الأول (1)، غير صحيح، إلا بدعوى أن فهم العرف يقتضيه (2). وأما توهم تعينه، لأجل امتناع الموضوعية والطريقية، أو جزء الموضوعية والطريقية، فقد عرفت فساده في القطع بما لا مزيد عليه (3). هذا تمام الكلام في المقام. وأما أخذ الحكم المضاد والمماثل، أو الشخصي، فهو كالقطع في الإمكان والامتناع، وقد عرفت امتناعه الغيري بالنسبة إلى الضد والمثل في مفروض البحث، وإمكانه بالنسبة إلى الشخصي (4)، فليتأمل.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 32. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 485. 3 - تقدم في الصفحة 101 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 109 - 114. (*)

[ 129 ]

المبحث الرابع قيام الأمارات والاصول مقام القطع ويتم الكلام حوله من خلال جهات:

[ 131 ]

الجهة الاولى: في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض وهذا مما لا بحث فيه، وتكفي له نفس أدلتها الناهضة على إمضائها، أو القائمة على تأسيسها واعتبارها، فكل أمارة، أو أصل اعتبر في حكم الأمارة، أو يكون محرزا ولو حيثيا، كقاعدة التجاوز والفراغ، أو محرزا مطلقا، كالاستصحاب على المعروف بينهم (1)، يقوم مقام هذا القطع، ويوجب تنجز الواقع عند الإصابة، ويصير معذرا عند الخطأ. والمراد من هذا القطع، أعم مما لا يؤخذ في الأدلة رأسا، أو يكون مأخوذا، ولكنه غير دخيل في موضوع الحكم أصلا، وذلك لأن معنى حجية هذه الأمارات والاصول، ليس إلا ذلك، فتشترك مع القطع في هاتين الخاصتين. نعم، على ما سلكناه في باب جعل الطرق والأمارات، وكيفية الجمع بينها وبين الأحكام الواقعية (2)، لا تكون الأمارات معذرة اصطلاحا، لأن الحكم الواقعي في صورة الخطأ منتف، فلا واقع حتى يحتاج إلى التعذير. وهكذا على السببية، فإنه لاتخلف ولا خطأ، فتأمل.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 16، درر الفوائد، المحقق الحائري: 331، نهاية الأفكار 3: 26، تهذيب الاصول 2: 39. 2 - يأتي في الصفحة 250 - 252. (*)

[ 132 ]

وغير خفي: أن البحث عن خاصة الاصول من المحرزية وغيرها، موكول إلى محاله، وإنما نشير إليها هنا على القول بكونها محرزة ومنجزة في الجملة، وإلا فلو قلنا: بأن الاستصحاب كأصالة الحل، أو قلنا: بأن قاعدة التجاوز مثلها، فلاقيام، كما لا يخفى. ومما اشير إليه يظهر: أن المسألة ليست مبنية على تنزيل الأمارات مقام القطع الطريقي، بل هي والقطع في عرض واحد في الأمارية والكاشفية، أو في البناء على العمل بها عمل القطع، من غير نظر في ذلك إلى الطولية والنيابة، خلافا لما يستظهر من جمع منهم، حيث توهموا أن القطع أمارة ذاتية، وسائر الأمارات أمارة بالتنزيل (1)، فكأنها أمارة مجازية وادعائية، وهذا - مضافا إلى عدم شاهد له في الأخبار والآثار - يكذبه العقل والعقلاء. نعم، إحراز الاصول المحرزة وأمارية الأمارات التعبدية - بناء على إمكانها، كما هو الحق، ولعل الاستصحاب منها - يكون إحرازا ادعائيا وإلحاقيا حكميا، ويكون حجة كسائر الأمارات والاصول العقلائية، من غير كونها نائبة عنها في تلك الجهة. وبالجملة: حديث النيابة والتنزيل غير صحيح. نعم كون النظر في التعبير المزبور، إلى أنه لو اخذ أحيانا القطع الطريقي المحض في دليل، تكون سائر الأمارات قائمة مقامه في هذا الاعتبار، فاغتنم، وتفصيله في مقصد الظن. وتوهم: سقوطها عن الأمارية عند وجود القطع (2)، في غير محله، لأنه في


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 253، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 31، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 23 وما بعدها، نهاية الدراية 3: 12 و 57، نهاية الأفكار 3: 11. 2 - منتهى الاصول 2: 24. (*)

[ 133 ]

الأمارات أيضا يكون الأمر كذلك، إذا كانت إحداها أقوى من الاخرى. هذا مع أن وجود القطع الموافق مع الأمارة، لا ينافي قوة الأمارة، ولذلك لو زال القطع تبقى الأمارة. مثلا: إذا كان قاطعا بعدالة زيد، وقامت الأمارة عليها أيضا، ثم زال القطع، تكون الأمارة باقية على قوتها، ووجود القطع المخالف بالقياس إليها، كتبدل القطع بالعدالة إلى القطع بالفسق، فلا يكون موردا للأول من غير أن يكون الثاني نائبا عن الأول، فتأمل وافهم. الجهة الثانية: في قيامها مقام القطع الطريقي المأخوذ في الموضوع على أن يكون جزء وحيث وقع فيه الكلام من أجل أن نفس أدلة حجيتها تكفي، أم لابد من التماس دليل آخر، لامتناع كون دليل الاعتبار جامعا للحجية والتنزيل، فالكلام هنا يقع في مقامين: المقام الأول: في إمكانه وفيه قولان، يظهر من العلامة الخراساني (قدس سره) امتناعه، وذلك إما لأجل ما يظهر منه من أن الجمع بين اللحاظين: الآلي والاستقلالي في دليل واحد ممتنع، وفيما إذا اخذ القطع طريقا ودخيلا في الموضوع، يلزم الجمع المزبور، ضرورة أن قضية الطريقية هي النظرة الآلية، وقضية الموضوعية هي الاستقلالية (1)، كما مر في أقسام


1 - كفاية الاصول: 304. (*)

[ 134 ]

القطع مع نقده (1). أو لأجل أن الجمع بين اللحاظين ولو كانا اسميين، غير ممكن، ولو كانت أدلة اعتبارها في مقام تنفيذها وتنزيلها مقام القطع، يلزم كونهما ملحوظين معا (2). وهذا الذي أفاده يورث امتناعه، من غير فرق بين كون القطع جزء الموضوع، كما في مفروض بحثنا، أو كونه تمام الموضوع، كما لا فرق بين كونه مأخوذا على الطريقية، والصفتية. ومن هنا يظهر: أن نظره من " الآلي " ليس معنى حرفيا واقعيا. وبالجملة: إنه (قدس سره) لا يقول بامتناع قيام الأمارات والاصول المحرزة مقام القطع، بل يدعي أن الدليل الواحد، لا يتمكن من إفادة الحجية والتنزيل معا، ولابتعدد الأدلة من هذه الجهة، فالتنزيل ممنوع إلا مع قيام القرينة. وهذا لا يورث إجمال الأدلة، لظهوره في جعل الحجية بدوا، ولو كان بين جعل الحجية والتنزيل جامع لقلنا به، وإنما الشأن عدم وجود الجامع، ضرورة أن النظر في جعل الحجية إلى المؤدى - بالفتح - وفي التنزيل إلى المؤدي - بالكسر - فتدبر، ومن هنا يظهر: أن ما في " تهذيب الاصول " نقلا عنه (3)، غير تام. أقول: هنا وجهان لحل هذه المشكلة العامة: الوجه الأول: أن القطع المأخوذ في الدليل على وجه الكاشفية، ويكون موضوعيا طريقيا، جزء كان، أو كلا، مرجعه إلى أن ما هو المأخوذ، هو القطع بما هو محرز وكاشف، فدليل حجية الأمارات والاصول المحرزة، إذا كان مفاده إلحاقها بالقطع في الأمارية والكاشفية، أو كان مفاده إمضاء ما عليه العقلاء وبنائهم - وهي الطريقية والمنجزية - لأجل الكشف النوعي، يكون حاكما على الدليل المأخوذ فيه


1 - تقدم في الصفحة 102 - 103. 2 - لاحظ درر الفوائد، المحقق الخراساني: 29. 3 - تهذيب الاصول 2: 32. (*)

[ 135 ]

القطع الطريقي، كسائر الأدلة الحاكمة على الأدلة المحكومة، كحكومة قاعدة الحل والطهارة على قوله: " لا صلاة إلا بطهور " (1) ولا يصح التعبير عنه ب‍ " الحكومة الظاهرية " (2) لما سيأتي في محله: من أن الحكومة واحدة، وإنما الاختلاف في الحاكم والمحكوم. فبالجملة: تكون قضية النسبة بين دليل حجية الأمارات والاصول المحرزة، تقديم أدلتها على الدليل المشتمل على القطع الطريقي الموضوعي. هذا فيما إذا كان القطع المأخوذ طريقيا، وأما إذا كان صفتيا فلا يكفي هذا الوجه للتنزيل. ثم إنه لو كان المجعول في باب الطرق والأمارات والمرضي به في إمضائها، جعل المؤدى منزلة الواقع في الآثار، أو جعل المؤدى واقعا ثانويا، فالمعروف بينهم أن هذه المشكلة غير قابلة للحل (3). وأنت خبير: بأن تنزيل المؤدى منزلة الواقع، وجعل الواقع الثانوي عقيب التأدية، لا ينافي أن يكون النظر - بحسب مقام الإثبات - إلى تتميم الكشف اصطلاحا، وإلغاء الاحتمال المخالف في مقام الجعل والظاهر، والرضا بما عليه بناء العقلاء، وإمضاء عادتهم في الطرق، ويكون في صورة الخطأ تنزيل وجعل، وحيث إنه إذا قامت الأمارة لم تثبت صورة خطئها، فتكون ممضاة على ما عليه الطبع العرفي، فتقوم كلها مقام القطع الطريقي، جزء كان، أو كلا، لولا اختصاص الصورة


1 - الفقيه 1: 35 / 129، تهذيب الأحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 19. 3 - كفاية الاصول: 304، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 21 - 22، نهاية الأفكار 3: 21 - 22 و 55. (*)

[ 136 ]

الثانية بإشكال آخر، يأتي إن شاء الله تعالى (1). الوجه الثاني: جعل الحجية، وتنزيل المجعول منزلة القطع، اعتباران مختلفان، ولكن لا يلزم أن يكون الاعتبار الثاني، ملحوظا في الدليل الآخر المتكفل له بالاستقلال، بل يكفي أن يكون الاعتبار الثاني لازم الاعتبار الأول. فإذا دل الدليل على نفوذ الأمارات العقلائية عند الشرع، وعلى حجيتها - تأسيسا كما في الأمارات التعبدية والاصول المحرزة، أو إمضاء كسائر الطرق - فلازم إطلاق هذا الدليل ترتيب جميع الآثار، من غير النظر إلى كل أثر بالاستقلال، بل يكفي كون النظر إلى كونها كالقطع في الآثار، فإذا كان القطع له الكاشفية والمنجزية والطريقية، تقوم هذه الأمارات مقامه، وهكذا الاصول المشابهة لها في الاعتبار، وإن لم تكن مثلها في الواقع، وتكون مثلها في الجملة، كما لا يخفى. وإذا كان القطع في موضوع مأخوذا على وجه الصفتية، فهي أيضا - لمكان كونها محكومة بحكمها على الإطلاق - تقوم مقامه. فبالجملة تحصل: إمكان كون الدليل الواحد، متكفلا لتنزيلها منزلة القطع بأقسامه. ولكن الشأن في أن هذا الدليل غير موجود في أدلة الأمارات، لأن دليلها ينحصر في إمضاء ما عليه العقلاء، وارتضاء الشرع بها. ولو كان فيما بينها ما يدل على شئ، فهو لا يدل على أنها كالقطع، حتى يترتب عليها آثاره. فالمشكلة العامة المذكورة، مندفعة بما ذكرناه بما لا مزيد عليه، فلا شبهة - بحسب مقام الثبوت - في هذه الجهة والجهات الآتية بحمد الله وله الشكر. وتحصل: أن معضلة " الكفاية " وهي امتناع تكفل الدليل الواحد للحجية


1 - يأتي في الصفحة 143 - 144. (*)

[ 137 ]

والتنزيل معا (1)، منحلة جدا. ولا ينبغي الخلط بين الجهة المبحوث عنها، وبين عدم وجود الدليل الناهض على تنزيل الأمارات منزلة القطع على الإطلاق في الآثار. إن قلت: إذا كان من قيام الأمارة حصول صفة وصورة - كما في القطع - في صقع النفس وافق الذهن، كان لإطلاق ترتيب الآثار مجال، وأما في الطرق النوعية والأمارات العقلائية الخاصة، فلا يحصل منها صورة ذهنية تكون صفة، حتى تقوم مقام القطع الصفتي، فلا يعقل ذلك من هذه الجهة، وهكذا في الاصول المحرزة، وما هو أمارة تعبدية (2). قلت: نعم، إلا أن ما هو الموضوع في الدليل والمأخوذ فيه، ليس عنوان " القطع " بما هو القطع، لأن القطع لا يتعلق به الأمر والنهي، بل المأخوذ هو عنوان " المقطوع ". مثلا: إذا ورد: " لا تشرب إذا قطعت بالخمر " أو " إذا علمت بوجوب القصر يجب " فهو معناه أن الخمر المقطوع بها والخمر القائم على خمريتها القطع، محرمة، والصلاة القائم على وجوبها القطع واجبة، فإنه عندئذ تقوم مقامه سائر الطرق والاصول المحرزة، لأنه صفة لمن قام عنده، وليس صفة لفاقد الأمارة والحجة، كما لا يخفى. ولك أن تقول: إن هذه العويصة لا تنحل إنصافا بالبيان المزبور، فلو حصلت من قيام الأمارات صفة، فهو يكفي حسب تنزيل الأمارة منزلة القطع على الإطلاق، وإلا فلو لم تحصل منها صفة نفسانية، أو كان الظن الشخصي على خلافها، فلا يعقل ترتيب الآثار بمجرد الإطلاق، لانتفاء موضوعه وهو وجود الصفة الناقصة، حتى يترتب عليه آثار وجود الصفة الكاملة. بل يمكن دعوى: أن المشكلة لا تختص بصورة فقد الصفة، لأنه في صورة


1 - كفاية الاصول: 304. 2 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 37، مصباح الاصول 2: 35. (*)

[ 138 ]

حصول الصفة أيضا، لا يكفي الإطلاق المزبور، لأن حصول الصفة وعدمه، سيان في جعل الأمارية والكاشفية، وحجية الأمارات العقلائية. وكان ينبغي أن نذكر هذه العويصة في الجهة المتصدية لقيام الأمارات مقام القطع الصفتي (1)، كما لا يخفى. تذييل يمكن حل مشكلة " الكفاية " بوجه ثالث: وهو أن الدليل الواحد إذا كان متكفلا لتنزيل الأمارات مقام القطع، فلازمه حجيتها، لما عرفت أنه مع عدم حجيتها، يستتبع المناقضة إذا كان مأخوذا قيدا للحكم، لا الموضوع. مثلا: إذا ورد: " الخمر المعلومة حرمتها حرام " وقلنا: بأن دليل الأمارات العقلائية نزلها منزلته، فيصير هكذا " إن الخمر المعلومة بالعلم العادي النظامي حرام " فإن كان هذا العلم العادي حجة فهو، وإلا فلا يعقل أن يصير النهي والتحريم زاجرا على الدوام، ولأجل الفرار من اللغوية، لابد من استنباط اعتبار هذا العلم العادي. نعم، إذا اخذ في الموضوع فإنه يلازم الحجية، إلا أنه يمكن أن تكون الحجية لازمه العادي، ويساعده الفهم العرفي، فيقصده المقنن، فيكون الدليل الواحد بمدلوله المطابقي، متكفلا للتنزيل، وبمدلوله الالتزامي للحجية. وتقدم الحجية على التنزيل، لا يستدعي كونها بمدلول مطابقي، فإن الالتزامي والمطابقي إذا حصلا معا ولو في زمان مقارن، يكفي لنيل المولى ما هو مرامه ومقصوده، فاغتنم. المقام الثاني: في النظر إلى أدلة حجية الأمارات والحق فيها: أنها ليست إلا متكفلة لتنفيذ ما عليه العقلاء، وليست فيها - حتى


1 - تأتي في الصفحة 144 - 145. (*)

[ 139 ]

رواية - تشير إلى أصل الجعل، أو تتميم الكشف، أو إلغاء احتمال الخلاف، أو جعل الوسطية في الإثبات، بل كل هذه الامور اصطيادات لغوية، وعبارات خطابية، تنبئ عن المعنى الواحد الذي يحصل من سكوت الشرع، وعبوره على ممر العرف والأقوام، وسننهم وآدابهم، فما هو الحاصل من ذلك السكوت، هو الحاصل من تلك الأخبار المضبوطة في محالها. وقد جمعها سيدنا الاستاذ الفقيه البروجردي (قدس سره) في مقدمات " جامع الأحاديث " (1) وتفصيله في محله (2)، وإجماله ما اشير إليه. فعلى هذا، قيام الأمارات العقلائية منزلة القطع الطريقي في محط البحث، مما لا إشكال فيه ثبوتا، ولا إثباتا، فلو كان القطع جزء الموضوع على الطريقية، يكفي لنيابة الأمارات العرفية نفس دليل اعتبارها وإمضائها، وتكون مقدمة عليها بالحكومة. وأما تسمية هذه الحكومة ب‍ " الظاهرية " فلا مانع منها، لأن النظر إلى إفادة أنها ليست دائمية، لأنها في مورد الشك، بخلاف الحكومة الواقعية الأولية، أو الحكومة الواقعية الثانوية، فافهم وتأمل، والأمر سهل. وهم ودفع قد تبين فيما مضى من أقسام القطع: أن القطع كما يمكن أن يكون مأخوذا على نحو الطريقية المشتركة بينه وبين سائر الطرق، يمكن أن يكون مأخوذا موضوعا على نحو الطريقية الكاملة التامة المختصة به (3)، وعلى هذا لا يمكن أن تكفي نفس أدلة حجيتها وتتميم كشفها لقيامها مقامه، بل لابد إما من دليل يدل


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 268 - 308. 2 - يأتي في الصفحة 253. 3 - تقدم في الصفحة 99 - 101. (*)

[ 140 ]

على أنها مصداق العلم والقطع تعبدا وادعاء، وتتميم كشفها حكما بلحاظ هذا الأثر، وهذا مما لا سبيل إليه في أدلة حجية الأمارات بالضرورة. وما اشتهر من هذه التعابير حولها، وأن قضية أدلتها أنها العلم، وتتميم كشفها، وإلغاء احتمال الخلاف، وأمثال ذلك (1)، كلها خطابه وذوق شعري، لا واقعية لها في الآثار. أو تقوم قرينة على أن القطع المأخوذ في الدليل، اخذ على الطريقية المشتركة، ولكنها أيضا غير موجودة. وتصير النتيجة أن: المناقشة العقلية في قيامها مقام القطع الطريقي مندفعة، لكن الأمر في مرحلة الإثبات مشكل، خلافا لظاهر الأكثر من الالتزام بذلك (2)، تبعا للشيخ المفصل بين القطع الطريقي والصفتي (3). ويمكن أن يندفع هذا: بأن قضية التتبع في الآثار، والمراجعة إلى الأخبار، هو أن المراد من " العلم " و " القطع " المأخوذ في المآثير والروايات، ليس ما هو مصطلح أهل المنطق الذي لا يحتمل الخلاف، بل " العلم " فيها يطلق على الحجة، وعلى العلوم العادية والنظامية، لقلة العلم الحقيقي الجازم في متعارف المسائل والموضوعات، فكما أن العلوم المأخوذة فيها على الطريقية المحضة محمولة على الحجج العقلائية والعقلية، كذلك العلم والقطع الموضوعي محمول على ذلك، فاحتمال كون النظر في أخذ القطع إلى الكاشفية التامة، بعيد جدا.


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 31، درر الفوائد، المحقق الحائري: 331، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 17 و 21، نهاية الأفكار 3: 11، مصباح الاصول 2: 35. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 249، كفاية الاصول: 303، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 21، نهاية الأفكار 3: 18، نهاية الاصول: 404. 3 - فرائد الاصول 1: 6. (*)

[ 141 ]

وعلى هذا يبتني قيام الأمارات مقام اليقين المعتبر في الركعات الاولى، أو الصلاة الثلاثية والثنائية، فإنه وإن كان " القطع " المأخوذ في الأدلة (1) ظاهرا في الطريقية، وحمله على الصفتية في نهاية البعد، لاستبعاد العرف له إلا مع قيام القرينة، ولكن احتمال كونه مأخوذا على الطريقية الكاملة موجود، فإن ثبت الوجه الأخير فالقيام مسلم، وإلا فمجرد كونه طريقا لا يكفي لقيامها مقامه. وهم ودفع آخرين إذا كان الموضوع مركبا من القطع والواقع، ويكون مقيدا ذا جزأين، فإثبات أحد الجزأين بنيابة الأمارات مقام القطع، لا يكفي لإثبات الجزء الآخر. وبعبارة اخرى: إذا كان موضوع الحرمة " الخمر المعلومة والمقطوع بها " فإقامة الأمارات مقام الجزء الثاني - وهو القطع - لا يكفي لإحراز الجزء الآخر، ولا للمعنى الحرفي المتوسط، وهو التقيد الموجود بينهما، فلا يكفي مجرد دليل حجيتها لقيامها مقامه (2). وفيه: أنه بعد مفروضية كون القطع طريقا، ومأخوذا بما هو أمارة وكاشف مشترك، فدليل إمضاء سائر الكواشف العقلائية، يتصدى بنفسه لحصول الموضوع المقيد، ضرورة أنه بمجرد قيام خبر الثقة على خمرية المائع الموجود، يثبت الجزء الآخر والتقيد قهرا، وما يظهر من " الكفاية " (رحمه الله) من حديث الدور (3)، فهو أقرب إلى الدور المعي.


1 - لاحظ وسائل الشيعة 8: 187، كتاب الصلاة، أبواب الخلل، الباب 1، الحديث 1 و 7. 2 - لاحظ نهاية الدراية 3: 66. 3 - كفاية الاصول: 306 - 307. (*)

[ 142 ]

نعم، على مبناه من أن الأمارات نزلت منزلة الواقع (1)، يشكل تنزيل الأمارات منزلة القطع، إلا على القول بالملازمة العرفية. والذي يسهل الخطب: أن المبنى باطل، وقوله (عليه السلام): " فما أديا إليك عني فعني يؤديان " (2) ليس ناظرا إلى ما أفاده، وتفصيله في محله (3). ويمكن أن يقال: بأن تنزيل الأمارات منزلة الجزء، لايتم به إحراز الجزء الآخر، إلا بدعوى أن ذلك هو مقتضى حجية الأمارة، وإلا يلزم اللغوية. وأنت خبير: بأن هذه اللغوية مما لا يجب الفرار منها، لعدم اختصاص أدلة حجية الأمارات بصورة خاصة، وهي قيامها مقام العلم المأخوذ في الدليل، فقضية الصناعة عدم كفاية نفس أدلتها للتنزيل. نعم، لا يبعد صحة دعوى: أن ذلك هو مقتضى الفهم العرفي، مثلا إذا ورد " الخمر المعلومة حرام " وفرضنا أن المقصود منه هو أن الخمر الذي قامت على خمريته الحجة حرام، ثم ورد " أن إخبار الثقة حجة " أو " إخبار ذي اليد حجة " فلا محالة ينتقل العرف - بلا إمهال - إلى محرمية الخمر القائم على خمريتها خبر الثقة، من غير أن يعتني بالشبهة المعروفة (4)، فافهم واغتنم. هذا، وأما في موارد جعل الشرع اليد أمارة على الملكية بعد سقوطها عند العقلاء للقرائن الخاصة، كما تحرر تفصيله في محله، وهكذا في موارد سائر الأمارات التي يمكن استفادة حجيتها بتأسيس الشرع، كما إذا قلنا: بأن حجية الأخبار مع الوسائط الكثيرة، ليست عرفية وعقلائية، ولكنها حجة قطعا في


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 31. 2 - الكافي 1: 330 في حديث طويل: " العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان ". 3 - يأتي في الصفحة 253. 4 - يأتي في الصفحة 521. (*)

[ 143 ]

الشريعة، فإنها تكون أمارة، لا كالأمارات: أما أنها أمارة، فلترتب آثارها عليها. وأما أنها ليست كسائر الأمارات، فلأنها ليست عقلائية كاشفة نوعا، فهي أيضا كسائر الأمارات في الآثار، كما لا يخفى. وسيمر عليك احتمال كون جميع الأمارات العقلائية بناءات عقلائية، ومسألة الكشف والأمارية عن الواقع مما لا أساس لها، لا شخصيا، ولا نوعيا، بل هذا الأمر من الغرائب الموجودة بين الناس، وتفصيله إن شاء الله تعالى في كتاب الظن (1) (2). الجهة الثالثة: في قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ تمام الموضوع فربما يمتنع ذلك، لأجل أن العلم المزبور يرجع إلى الصفتية، ويخرج عن الطريقية، ضرورة أن كون العلم تمام الموضوع، يلازم أن يكون الواقع في جنبه كالحجر في جنب الإنسان، فلا يبقى على الطريقية، وعلى هذا لا تقوم الأمارات مقامه بمجرد قيام الدليل على اعتبارها. وبالجملة: ما يظهر من القوم من قيامها مقامه إذا كان مأخوذا على الطريقية ولو كان تمام الموضوع (3)، في غير محله. اللهم إلا أن يقال: بأن المأخوذ في الدليل على الطريقية، إذا كان تمام الموضوع، يرجع إلى أن الواقع وإن لم يكن له المدخلية في الموضوع الشرعي، ولكنه مما لابد منه، لما أنه بدون ذلك الموضوع لا يحصل العلم، وبدون الواقع


1 - بلغنا إلى هنا يوم پنج شنبه 13 / جمادى الاولى 93 بمناسبت تعطيلي تابستان به تأخير افتاد. (منه (قدس سره)). 2 - يأتي في الصفحة 269 - 270. 3 - تقدم في الصفحة 140، الهامش 2. (*)

[ 144 ]

لا يتحقق الموضوع الشرعي، كما مر في مطاوي البحوث السابقة، فإذا كان الأمر كذلك، يكون العلم الموضوعي المأخوذ على نحو الكشف والطريق، باقيا على حاله، وتقوم الأمارات مقامه قهرا، حسب أدلة حجيتها واعتبارها. وأما ما قد يقال: من أن العلم المأخوذ موضوعا لا يوجد تمام الموضوع (1)، فهو غير واضح، لما أشرنا فيما سلف إلى أن موضوع جواز الاقتداء يكون من هذا القبيل (2)، فتدبر. فأمثلة الشيخ الأعظم (3) وإن كانت غير واضحة، ولكن ما ذكره العلامة النائيني والعراقي (رحمهما الله) (4) أيضا غير جيد. وغير خفي: أن الإشكال الأخير لا يأتي في هذه الصورة، لعدم لزوم إحراز الواقع، ضرورة أن العلم تمام الموضوع. الجهة الرابعة: في قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ صفة في الدليل قد اشتهر بين أبناء الفضل، جواز قيام الأمارات مقام العلم المأخوذ صفة في الدليل، بشرط كون الدليل المتصدي لذلك غير الدليل الناهض على حجيتها (5)، فلا يكفي مجرد تلك الأدلة لذلك التنزيل. ولأحد أن يقول: بأن هذا مما لا يمكن ولو بدليل آخر، وذلك لأن قضية كون العلم مأخوذا صفة، هو أن المعتبر وجود هذا النعت النفساني في صقع النفس، فإن كان في موارد الأمارات صفة الظن، وتنزل هذا الظن منزلة العلم، فقيامه مقامه


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 11. 2 - تقدم في الصفحة 106. 3 - فرائد الاصول 1: 6. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 25 - 26، نهاية الأفكار 3: 23. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 26، نهاية الأفكار 3: 23. (*)

[ 145 ]

بالحكومة الواقعية مما لا بأس به، ولكن الشأن أنه في موارد حجية الأمارات، لا يعتبر الظن النفساني، فلا يوجد أحيانا صفة حتى تنزل منزلة العلم، وتقوم مقامه بالضرورة. هذا إذا كان النظر إلى الظن الشخصي. وأما إذا كان النظر إلى الظن النوعي، فيكفي دليل اعتبار الأمارة للتنزيل، ضرورة أن هذه الصفة أمر حاصل دائما، وهو لازم جعل الحجية. مثلا: إذا كان موضوع التحريم " الخمر المعلومة بالعلم الصفتي " وورد دليل على " أن إخبار الثقة حجة وعلم " فلا يمكن التفكيك بين طريقية هذا العلم وصفتيته، لأن كل من قام عنده خبر الثقة على خمرية شئ، يكون متصفا بالعلم النوعي، وبهذه الصفة نوعا قهرا وطبعا، فيكون موضوع الدليل الأول محرزا وحاصلا، فتدبر جيدا. وبعبارة اخرى: الأمر يدور مدار أمرين: إما يكون الدليل الثاني غير كاف أو يكون الدليل الأول كافيا، فإنه إن حصل من الأمارات ظن نفساني، وقام دليل على أنه علم فيكفي، وأما إذا لم يحصل ذلك الظن الشخصي، فلا يكفي الدليل الثاني. وإن اريد من " الظن " المزبور النوعي منه، فيكون قوله: " الظن النوعي علم " كافيا لإفادة الحجية، ويكون حاكما على قوله: " لا تجوز الشهادة إلا مع العلم " (1) فلا حاجة إلى الدليل الثاني، والأمر بعد ذلك كله سهل، لقلة نفعه. الجهة الخامسة: في قيام الاستصحاب مقام القطع أما القطع الطريقي المحض، فهو بما أنه منجز ومعذر، ويكون من الحجج العقلائية، يقوم مقامه الاستصحاب، سواء قلنا: إنه أمارة، أو كالأمارة، أو أصل


1 - راجع وسائل الشيعة 27: 341، كتاب الشهادات، الباب 20، الحديث 2. (*

[ 146 ]

محرز، أو غير محرز، ضرورة أن الشرع يصح أن يأخذ العباد على مقتضى الاستصحاب، وأن التكليف يتنجز به سواء أجرى في نفسه، أو في قيده وشرطه، فلو شك في بقاء التكليف الكذائي، وكان متيقنا، فلابد من القيام بوظيفته، لأنه كما يتنجز بالعلم ذلك التكليف، كذلك يتنجز بالاستصحاب. نعم، لو كانت حاله حال أصالتي الحل والطهارة، حتى يكون المجعول أمرا آخر في ظرف الشك، فلا يتنجز به ذلك التكليف المعلوم سابقا، لأن المنظور فيه ليس إلا جعل تكليف مماثل لما سبق، من غير نظر إليه رأسا، وسيظهر بعض الكلام حول أصالتي الحل والطهارة إن شاء الله تعالى (1). وما في " تهذيب الاصول " من المناقشة في قيام الأمارات والاصول مقام القطع، من جهة أن معنى " النيابة والقيام مقامه " هو كون الأمارة مثلا فرع القطع (2)، في غير محله، لأن المقصود من هذه التعابير، بيان أن مقتضى أدلة الأمارات والاصول، عدم اختصاص الحكم المأخوذ في موضوعه القطع بالقطع الوجداني، بل هو أعم منه ومن الظنون الخاصة ولو كانت الظنون الخاصة والقطع في هذه المرحلة عرضيا، وبحسب التكوين واللب طوليا، فلا تخلط. وأما القطع المأخوذ في الدليل موضوعا، فإن قلنا: بأن الاستصحاب أمارة إمضائية، أو أمارة تأسيسية كما هو الأظهر، وأن الأخبار ناطقة بأن " من كان على يقين فشك، فليمض على يقينه " (3) وأنه " على يقين من وضوئه " (4) فيكون في افق الادعاء والاعتبار اليقين السابق موجودا، كما تكون حياة زيد باقية في ترتيب


1 - يأتي في الصفحة 151 - 152. 2 - تهذيب الاصول 2: 36 - 37. 3 - الخصال: 619، وسائل الشيعة 1: 246، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 6. 4 - وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. (*)

[ 147 ]

جميع آثار الحياة، فقيامه مقام القطع الطريقي المأخوذ موضوعا، مما لا بأس به، والإشكالات المتوجهة إلى قيام الأمارات تأتي هنا مع أجوبتها، فلا فرق حينئذ بين كونه جزء الموضوع أو كله. وأما قيامه مقام القطع الصفتي، فعلى ما قويناه في محله (1)، يمكن دعوى كفاية أدلة حجيته لقيامه مقامه أيضا، نظرا إلى أن مفاد أدلة الاستصحاب، إذا كان هو التعبد بمصداق اليقين في ظرف الشك، فإذا قيس دليله إلى قوله: " لا يجوز الاقتداء إلا بمعلوم العدالة " يكون حاكما عليه، لأجل أن العلم طريق منجز، والاستصحاب أيضا اعتبر طريقا منجزا، وإذا قيس إلى قوله: " لا تجوز الشهادة إلا مع اليقين " يكون حاكما عليه، لأنه على يقين. وتوهم لزوم الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي (2)، مندفع بما تحرر في محله (3)، فإن ما هو المأخوذ في دليل الاستصحاب ليس إلا مفهوم " اليقين " وما هو المأخوذ في دليل الاقتداء هو الطريقي، وفي دليل الشهادة هو الصفتي، والمفهوم صادق عليهما، وجامع بينهما بالضرورة. ويشهد لما ذكرناه الوجدان، فإن العرف إذا لاحظ الأدلة، لا يجد مناقضة في البين، ويجمع بين الكل بلا انتظار. نعم، بناء على ما هو المعروف بين المتأخرين: من أن مفاد أدلة الاستصحاب هو التعبد ببقاء المتيقن (4)، أو التعبد بالحكم المماثل (5)، فقيامه مقام الصفتي مشكل، بل ويشكل أن يقوم مقام الطريقي أيضا، وذلك لما قالوا في باب الأمارات: من أن


1 - يأتي في الجزء الثامن 404 - 406. 2 - كفاية الاصول 306. 3 - تقدم في الجزء الأول: 63 - 64 وفي هذا الجزء: 102. 4 - كفاية الاصول 435، نهاية الدراية 5: 62، منتهى الاصول 2: 375، مصباح الاصول 3: 5. 5 - نهاية الدراية 5: 7 و 62. (*)

[ 148 ]

المجعول فيها إن كان التسوية بين المؤدى والواقع، فلاتقوم مقام القطع، وإن كان الوسطية في الإثبات والحجية تقوم (1)، وهذا بعينه يجري في المقام، فإنه إن كان النظر إلى مؤدى الاستصحاب ومتعلق اليقين والشك، فلاوجه لقيامه مقام القطع الطريقي. ولو صح دعوى الملازمة العرفية بين التنزيلين - بأن إبقاء المتيقن ملازم في نظر العرف لإبقاء اليقين - للزم منه قيامه مقام الصفتي أيضا، لأن التعبد ببقاء اليقين، يستلزم التوسعة في الدليل الثاني في المثال السابق، فيكون حاكما عليه حسب إطلاق الملازمة. ولكن الشأن أن الملازمة المزبورة غير معلومة جدا، ودعواها مجرد كلام بلا بينة، ولا برهان، كما لا يخفى، فما في كلام بعضهم في غير المقام من التلازم، غير متين. بقي شئ: إن قلنا: بأن مفاد أدلة الاستصحاب إطالة عمر اليقين، والتعبد بصدق اليقين في ظرف الشك (2)، من غير النظر إلى أمر آخر، فيترتب عليه جميع آثار اليقين، سواء كان مأخوذا على الطريقية، أو الصفتية، جزء، أو كلا، وسواء اخذ على المنجزية والمعذرية، أو غيرهما. وأما إذا كان مفاد أدلته التعبد ببقاء المتيقن، على أن يكون اليقين السابق منجزا له ومعذرا، فلابد من حمل " اليقين " المأخوذ في الأدلة موضوعا، على المنجزية والمعذرية، ضرورة أن صفة التنجيز والتعذير، من الأوصاف المشتركة بين اليقين، وبين كل شئ اعتبره الشرع حجة. وعلى هذا يشكل قيام الاستصحاب أيضا مقام القطع الطريقي، لعدم إمكان


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 484 - 485. 2 - أنوار الهداية 1: 123. (*)

[ 149 ]

حمل " اليقين " المأخوذ في الدليل على هذه الصفة، فإن وصف القطع الواضح، هو كونه طريقا وأمارة وكاشفا، والتنجيز والتعذير من الاعتبارات العقلائية المترتبة على هذه الكاشفية، فما دام لم تقم قرينة على ذلك، يتعين حمل " القطع " المأخوذ موضوعا على الطريقية بالضرورة عرفا. فما اشتهر بين المتأخرين، من قيامه مقام القطع الطريقي إذا كان أصلا منجزا (1)، غير صحيح، ومجرد قولهم: " إنه من الاصول المحرزة (2)، لايتم إلا برجوعه إلى أن الشرع اعتبر بقاء اليقين في ظرف الشك، أو اعتبر التعبد باليقين المماثل لليقين الأول في الآثار، لأن صفة الإحراز من تبعات اليقين، لا المتيقن، فالقول بأن الاستصحاب من الاصول المحرزة، معناه في الحقيقة: أنه أمارة تأسيسية شرعية، باعتبار التعبد الذي أمره بيد الشرع سعة وضيقا. بقي أمر آخر: إذا كان القطع مأخوذا في الموضوع على وجه يكون قيدا وجزء، مثلا إذا ورد " الخمر المتيقنة خمريتها حرام " ففيما يقوم الدليل على نفوذ الأمارات العقلائية، يمكن أن يحكم بحرمة الخمر القائمة على خمريتها إحدى الأمارات الممضاة، لأنه بعد قيامها عليها ينتزع " أن هذه الخمر متيقنة الخمرية ". وأما كفاية الاستصحاب عن ذلك (3) فتمنع، لأن الأصل لا يفي إلا بإثبات أن ما في الخارج هو الخمر، وأما انتزاع الصفة المزبورة بعد قيام الأصل، فيكون من لوازم الأصل بعد جريانه ونفوذه، وإثبات هذه اللوازم به ممنوع، ضرورة أن التعبد


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 255، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي: 3: 21، نهاية الأفكار 3: 22، نهاية الاصول: 404. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 16، نهاية الأفكار 3: 26، نهاية الاصول: 404، تهذيب الاصول 2: 39. 3 - نهاية الأفكار 3: 26. (*)

[ 150 ]

ببقاء اليقين، يلازم كون الخمر متيقنة الخمرية، فإن كان الاستصحاب أمارة فهو، وإلا فلا يمكن ترتيب الآثار بعد التعبد المزبور. وهكذا الالتزام ببقاء ما في الإناء خمرا، فإنه يلازم كون ما في الإناء خمرا منجزة خمريته، وهذا لا يثبت باستصحاب الخمرية إلا على الأصل المثبت، فتدبر. الجهة السادسة: في قيام قاعدة التجاوز والفراغ مقامه مثلا: بعدما ورد في المعتبر: " من شك في الاوليين أعاد حتى يحفظ، ويكون على يقين " (1) وفرضنا أن أجزاء الركعة بحكمها في لزوم كونها على يقين، فهل تكفي أدلة القاعدتين لإحراز اليقين المزبور اللازم في الركعتين، أم لا ؟ وجهان. وغاية ما يتمسك به: أن هذه القاعدة لا تخلو من كونها عقلائية (2)، وتصرف الشرع برفض هذه الجنبة وتأسيس الأصل العملي، خلاف المتعارف، وهذا في حكم القرينة المتصلة لظهور أخبارهما في كونهما أمارتين على الإتيان والصحة، فيحرز بهما الركعة بخصوصياتها. ويشهد لذلك قوله (عليه السلام): " بلى، قد ركعت " (3) حيث رأى أن المشغول بالصلاة بعد التجاوز، قد أتى بها مفروغا منها، ولازمه الأمر بالتعبد بأنه على إحراز الركوع، كما مر فيما سلف. بل قوله (عليه السلام): " إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه " (4) يشعر بأن الشك منتف وجوده، فلابد من اعتبار ضده مقامه، وهو اليقين.


1 - وسائل الشيعة 8: 187، كتاب الصلاة، أبواب الخلل، الباب 1، الحديث 1. 2 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 618، مصباح الاصول 3: 292. 3 - وسائل الشيعة 6: 317، كتاب الصلاة، أبواب الركوع، الباب 13، الحديث 3. 4 - وسائل الشيعة 1: 469، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 42، الحديث 2. (*)

[ 151 ]

وبالجملة: ما هو الإنصاف قصور هذه الوجوه عن إفادة المقصود، وهو كون أدلة القاعدتين دالة على التعبد المزبور، فإن المنساق من مجموعها - مع مساعدة الاعتبار - هو الإمضاء بعد التجاوز والفراغ، فيكون ناظرا إلى المشكوك فيه بطرح الشك بعد التجاوز، وعدم الاعتداد به، من غير كونه بصدد إحداث اليقين التعبدي في ظرف الشك. والذي يسهل الخطب: أنه لا يوجد في موارد القاعدتين مورد ينفع قيامهما مقام القطع الطريقي الموضوعي، أو الصفتي. وأما قيامهما مقام القطع الطريقي المحض، فهو معناه: أنه كما إذا كان قاطعا بإتيان الجزء بعد التجاوز لا يكون عليه شئ، كذلك الأمر إذا شك بعد التجاوز، فيترتب عليه آثار القطع بعدم الإعادة لزوما، أو جوازا. الجهة السابعة: قيام أصل الحل والطهارة أو الاستصحاب مقامه بناء على كونه للتعبد بالحكم المماثل في ظرف الشك، فالذي لاريب فيه، أنه لا معنى لقيامه مقامه بما أنه طريق أو صفة، ضرورة أن الاصول العملية ليست ذات كشف تكويني، ولا تعبدي، وليست أدلتها متعرضة لإفادة العلم واليقين، كما هو الواضح. نعم، قد عرفت: أن من صفات القطع واعتباراته العقلائية، التنجيز والتعذير، وهذه الاصول يمكن أن تقوم مقامه من هذه الجهة. مثلا: في صورة القطع بطهارة الحيوان الكذائي يصح بيعه، ولو كان مكلفا بالبيع لأجل الانفاق مثلا، يكون التكليف المزبور منجزا، وهذا القطع أيضا معذر إذا كان بحسب الواقع ذلك الحيوان نجسا، فعليه إذا شك في نجاسة الحيوان المتولد من الحيوانين، فيبني على طهارته وعلى حليته، حسب القاعدتين، ويترتب عليه آثار

[ 152 ]

القطع من التنجيز والتعذير. فقيام هذه الاصول مقام القطع الطريقي المحض أو الموضوعي - سواء كان على صفة الطريقية، أو الصفتية - غير صحيح، ولكن قيامها مقامه لأجل الاعتبار الثالث - وهو نعت التنجيز والتعذير - جائز، كما مر في أوائل البحوث (1)، وأشرنا إليه أخيرا (2)، ويأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (3). وبالجملة: بهذا المعنى يترتب على مجرى القاعدتين، ما يترتب على القطع ولو بالواسطة أو الوسائط، فتدبر جيدا. الجهة الثامنة: تقريب قيام الاصول العملية مقام القطع قضية ما سلف منا: أن ما اشتهر: " من أن القطع إما يكون طريقا، أو موضوعا، وعلى الثاني: إما يكون موضوعا على الطريقية، أو الصفتية " (4) غير تام، لأن من اعتبارات القطع المنجزية والمعذرية، التي تكون من تبعات الكاشفية والطريقية، وليست هي عينها. ولأجل ذلك إذا كان القطع مأخوذا في الدليل بوصف منجزيته، يقوم مقامه الاحتمال الذي هو منجز في موارد مختلفة، إما عقلا، أو عرفا وشرعا، ولا يعقل قيام الاحتمال مقام القطع مع انحفاظ أنه احتمال، إلا فيما إذا كان القطع مأخوذا على هذه الجنبة والصفة، فلو ورد: " أن الخمر المعلومة حرام " يقوم مقامه احتمال الخمرية، بناء على كونه من الشبهات المهتم بها، وكان المراد من " العلم " صفة تنجيزه.


1 - تقدم في الصفحة 131 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 145 - 148. 3 - يأتي في الصفحة 153 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 146 - 149. (*)

[ 153 ]

مثلا: في مسألة الصلاة في المغصوب، لا يكون موضوع النهي " المغصوب الواقعي " ولا " المغصوب المعلوم تفصيلا أو إجمالا " لعدم جواز الصلاة في صورة العلم الإجمالي بأن الثوبين أحدهما: مغصوب، والآخر: نجس، مع أنه لا علم بالغصب تفصيلا، ولا إجمالا. نعم، الغصب متنجز، فتكون الصلاة في المغصوب المنجز منهية وباطلة. فعلى ما حصلنا، ظهرت مواضع الضعف في كلمات القوم، بحمد الله، وله الشكر، وتبين أن هناك أمرا آخر من القطع، تقوم مقامه الاصول العملية والاحتمال البدوي، والله الهادي إلى سواء السبيل. من هنا - وهو كيفية قيام الاحتياط العقلي مقام القطع - يظهر كيفية قيام البراءة العقلية مقام القطع، مثلا إذا ورد " أن الخمر غير المعلومة خمريتها حلال " وفرضنا أن المراد من صفة العلم هي المنجزية، فيكون مفاد الدليل " أن الخمر غير المتنجزة خمريتها حلال " ففي مورد الشك في الخمرية، يحرز موضوع هذا الدليل بالوجدان، وهذا هو معنى قيام البراءة مقام العلم، لأن العلم المأخوذ في الدليل أعم من المنفي والمثبت، كما سيظهر في تحرير قيام البراءة الشرعية. توضيح وإفادة مما ذكرناه في طول البحث، يظهر حكم أصالة الصحة، وقاعدة القرعة، وحكم الحاكم في مثل هلال رمضان وشوال، فإن أصالة الصحة إن كانت أمارة عقلائية فتلحق بها في الآثار، وأما لو كانت أصلا عرفيا، كما هو المشهور (1)، وقد أمضاها الشرع، فلا دليل على قيامها مقام القطع الموضوعي بأقسامه.


1 - فرائد الاصول 2: 717، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 670، نهاية الأفكار القسم الثاني من الجزء الرابع: 100 - 101. (*)

[ 154 ]

نعم، تنوب مناب الطريقي المحض، ففي موارد الاشتغال اليقيني وإن كان لابد من البراءة اليقينية، ولكنها إذا كانت جارية تكفي عن اليقين بالبراءة. وهكذا تنوب مناب القطع بصفة التنجيز، فلو شك - بعد الفراغ من المعاملة - في صحتها، وكان تكليف منجز على تقدير صحتها، فإنه أيضا يتنجز على فرض جريان الأصل المزبور، ولا نعني من " القائم مقامي والنائب منابي " إلا ذلك، وهو كون شئ ذا خاصة من خواص القطع. وأما القرعة ففيها قولان، بل أقوال: أحدها: أنها أمارة واقعية (1)، كما هو مفاد بعض الأخبار (2). ثانيها: أنها أمارة تعبدية (3). ثالثها: أنها شرعت لحل المشاكل ورفع الحيرة في مقام العمل (4). وعلى كل، أمرها واضح بعدما عرفت من مشابهاتها. وأما حكم الحاكم في مثل هلال رمضان، الذي لا يجوز الصوم إلا بعد إحراز رمضان، فإن كان النظر إلى مستنده من قيام البينة عنده، وهو كاف، فيحصل الإحراز بها، فيجوز الصوم، لقيامه مقام القطع الموضوعي، وتحصل الحكومة بين الدليلين، فلا معارضة. وأما إذا كان النظر إلى حكمه، كما إذا حكم لأجل الامور القائمة عنده غير


1 - القواعد الفقهية 1: 54 - 55. 2 - فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس من قوم تقارعوا وفوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق. الفقيه 3: 54 / السطر 11. قوله (عليه السلام): كلما حكم الله عزوجل به فليس بمخطئ. الفقيه 3: 52 / السطر 2، تهذيب الأحكام 6: 240 / السطر 24. وقوله (عليه السلام): أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله. الفقيه 3: 52 / السطر 3. 3 - لاحظ العناوين 1: 364، بحر الفوائد 3: 219 / 11. 4 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 412، الرسائل، للإمام الخميني (قدس سره): 347 و 352. (*)

[ 155 ]

المعلومة عندنا، فلا يحرز موضوع جواز الصوم بعنوان رمضان، إلا أنه لابد من الالتزام بالتخصيص، فيحصل التعارض المرتفع بهذا الجمع العقلائي، فاغتنم. تتميم وتكميل: في كيفية قيام البراءة الشرعية مقام القطع في تقريب قيام البراءة الشرعية مقام القطع طريقان: أحدهما: أن العلم إذا كان مأخوذا في دليل - مثل ما إذا نذر أنه إذا كان عالما بعدم وجوب الجمعة، تصدق بدرهم - تكون أدلة البراءة موجبة لإحراز العلم بعدم الوجوب، لأن قضية الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية تنتهي إلى تقييد إطلاقاتها بها، فيكون في مورد الجهل والشك، عالما بعدم الوجوب الفعلي واقعا. ثانيهما: أن أخذ العلم في الدليل، كما يكون على صفة الإيجاب بأقسامه طريقيا وصفتيا، كذلك يكون على صفة السلب، فإن عدم العلم تارة: يكون عدم العلم الطريقي واخرى: عدم العلم الصفتي، وهكذا، ولا ينبغي الخلط بين الجهل وعدم العلم، فإن مفهوم " عدم العلم " يقبل هذه الاعتبارات، وهو من العناوين القابلة لتقييد الموضوع به. فعلى هذا، إذا اخذ في الدليل " الخمر غير المعلومة خمريتها حلال " فإن اريد من " عدم العلم " ما هو معناه البدوي، فلا معنى لقيام البراءة الشرعية النافية لرفع ما لا يعلم مقامه، لأن الموضوع في صورة الشك يكون محرزا، من غير الحاجة إلى جريان الأصل الشرعي المزبور. وأما إذا كان المراد من " عدم العلم " عدم التنجز، أي أن الخمر غير المتنجزة حلال، فإنه يمكن تقريب التنزيل بدعوى: أن جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية محل منع، كما عليه سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) (1) والعلامة


1 - نهاية التقرير 1: 174 - 175 و 178. (*)

[ 156 ]

الإيرواني (رحمه الله) (1) فلا يكون موضوع الدليل محرزا، فإذا جرى حديث الرفع (2)، وقلنا: إن معناه هو أن ما لا يتنجز مرفوع، فيكون الخمر مما لا يتنجز، فتكون مرفوعة، وبضميمة جريان الأصل الشرعي يحرز موضوع الدليل الاجتهادي. نعم، يمكن أن تتوجه إلى هذه التقاريب شبهة المثبتية، فليتأمل يعرف. كما يتوجه إلى ما مضى من تقريب قيام البراءة العقلية مقامه: أن البراءة العقلية ليست إلا نيل العقل امتناع العقاب من قبل المولى، وهذا أجنبي عن موضوع الأدلة والقيام مقامه، كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: إن فهم العقلاء بعد درك العقلاء البراءة، هو أن الخمر المشكوكة غير متنجزة، والأمر سهل جدا. تذييل: في وجه قيام العلم الإجمالي والاحتمال المنجز مقام القطع قد مر في الجهة الثامنة، وجه قيام الاحتياط العقلي والاحتمال المنجز مقام القطع. ومحصل الكلام: أنه في موارد العلم الإجمالي، إن كان موضوع الدليل " العلم " الأعم من التفصيلي والإجمالي، فالمعلوم بالإجمال يشمله الدليل، من غير احتياج إلى كون العلم الإجمالي منجزا، ولا إلى قيامه مقام القطع. وأما إذا كان موضوع الدليل هو العلم التفصيلي، فإن اخذ على الطريقية والصفتية، فلا يقوم مقامه شئ. وأما إذا كان مأخوذا على صفة التنجيز، ففي موارد العلم الإجمالي يكون


1 - رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك: 53 - 55. 2 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 157 ]

الحكم متنجزا، بناء على منجزية العلم. وتحصل حتى الآن وتبين فذلكة الكلام: وهي أن الأمارات تقوم مقام القطع الطريقي دون الصفتي، إذا كان مأخوذا على أصل الطريقية المشتركة، لا الطريقية المخصوصة به، وهي الكشف التام تكوينا. ومن الاصول ما يقوم مقام القطع بأقسامه كالاستصحاب، حتى الصفتي منه، وأما سائر الاصول فهي لا تقوم مقام القطع، إلا القطع بما أنه منجز ومعذر. وقد تبين أخيرا وجه المناقشة في قيام البراءة العقلية والشرعية مقامه بما لا مزيد عليه، والله هو الموفق المؤيد. الجهة التاسعة: في قيام الظن الانسدادي مقامه فربما يقال بعدمه مطلقا، لأنه لا يصير في جميع التقادير حجة عقلية كالعقل، ولا شرعية كالأمارات، بل الأحكام في دائرة العلم الإجمالي، تكون متنجزة بالعلم الإجمالي، وإنما يجب في مقام الامتثال، الخروج من عهدة التكليف المتنجز بالعلم بالترتيب، فيقدم المظنون على المحتمل (1). ويمكن دعوى: أن الظن بإصابة طائفة من التكاليف الواقع، وإن لم يكن مع قطع النظر عن العلم الإجمالي حجة، ولكنه هو مرتبة من العلم الإجمالي الكبير، فكما أن الاحتمالات في أطراف العلم بكثرتها، ترجع إلى العلم في مقام رجوع الكثير إلى الواحد، والعلم هو نفس تلك الاحتمالات بأجمعها في مقام رجوع الواحد إلى الكثير، كذلك الأمر في مورد الظن، فيكون تنجز التكليف، مستندا إلى خصوصية الظن المقترن بالعلم.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 31. (*)

[ 158 ]

فهو حجة بعد تمامية الانسداد بمقدماته، إما حجة عقلية على الحكومة، أو شرعية على الكشف، فتقوم مقام القطع الطريقي المأخوذ بما أنه حجة وكاشف، لا بما أنه كاشف تام، وقد مر: أن القطع بحسب مقام الإثبات مأخوذ على نحو أصل الكشف والحجية، ولا يؤخذ على نحو الكشف التام إلا مع قيام القرينة (1). هذا تمام الكلام في المقام. وأما بسط البحث حول الظن وأقسامه، وكيفية قيامه مقام الأمارة، أو قيام بعض الأمارات مقام الاخرى، فهو من اللغو المنهي عنه، وقد تبين حقيقة الأمر فيما مضى، والله هو الموفق والمؤيد.


1 - تقدم في الصفحة 139 - 141. (*)

[ 159 ]

المبحث الخامس في الموافقة الالتزامية وتنقيح المسألة يحتاج إلى البحث في مقامين:

[ 161 ]

المقام الأول في مرحلة الثبوت وأن إيجاب الموافقة الالتزامية هل يعقل ويمكن، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: كما أن القطع بالتكليف، يستتبع عقلا لزوم الموافقة العملية، ويدرك العقل حتمية اتباعه عملا، وإلا فيستحق العبد العقوبة، وهكذا سائر الحجج العرفية الممضاة والشرعية، فهل يجب عقلا أو شرعا - على سبيل منع الخلو - لزوم الموافقة الالتزامية، بمعنى عقد القلب والبناء القلبي على ذلك التكليف، أم لا ؟ وحيث إن الأصحاب - رضي الله عنهم - بحثوا في مرحلة الإثبات، وذهبوا إلى عدم الوجوب (1)، والسيد المحقق الوالد - مد ظله - بحث عن مرحلة الثبوت، وناقش في إمكان الإيجاب (2)، فلابد من عقد المقامين. وإن كان مما يؤسف له أنه بعدما كان الأمر كذلك، فالعدول عنه يكون أولى، لأن المسائل الاتفاقية لا تحتاج


1 - فرائد الاصول 1: 30، كفاية الاصول 2: 27 - 28، نهاية الدراية 3: 77 - 78، نهاية الأفكار 3: 53 - 54. 2 - تهذيب الاصول 2: 46. (*)

[ 162 ]

إلى البحث وإطالة الكلام حولها. وبالجملة: غاية ما أفاده: " هو أن الامور الخارجية مما تتعلق بها الإرادة والاختيار، كالقيام، والقعود، والحركة، وأمثالها مما يسانخها، وأما الامور الذهنية - كالحب، والبغض، والخوف، والرجاء، ومنها: عقد القلب والبناء القلبي والموافقة الالتزامية - فهي ليست مورد الإرادة والاختيار، فلا يعقل مع العلم بعدم وجود الأسد في الدار، الخوف منه، ولا مع العلم بوجوده وحصول الخوف، عقد القلب على عدم الخوف بالضرورة. وهكذا فيما نحن فيه، فإن المكلف إن كان عالما بالتكليف، فلا يعقل عقد القلب على عدمه، حتى يجب عليه عقد القلب تكليفا، وإذا كان عالما بعدم وجود تكليف في الشرع، لا يعقل عقد القلب على وجوده، ولذلك لا يعقل أيضا التشريع بمعناه الواقعي. وما قد يتوهم: من أن قوله تعالى: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) * (1) دليل على إمكانه (2)، غير صحيح، لأن الامتناع العقلي لا يرتفع بظاهر الكتاب والسنة. مع احتمال كون النظر في الآية الشريفة إلى الجحود اللفظي والعملي، لا القلبي والذهني كما لا يخفى. أقول: المراد من " الموافقة الالتزامية " ليس عبارة اخرى عن العلم بالأحكام الشرعية، والاعتقاد بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه أمر لا يخص به المكلف الخاص، بل يشترك فيه جميع الناس، سواء كان الحكم مرتبطا به، أو مرتبطا بنساء الامة، وسواء فيه الواجبات، والمستحبات، وغيرها. وأيضا: ليس المراد من " الموافقة الالتزامية " عبارة اخرى عن عقد القلب


1 - النمل (27): 14. 2 - نهاية الدراية 1: 272. (*)

[ 163 ]

على التكليف الذي يعمل به، ويشتغل به في الخارج، فإنه أمر حاصل. بل المراد من " الموافقة الالتزامية " هو البناء القلبي، والالتزام النفساني باتباع التكليف المعلوم في ظرفه ومحله. مثلا تارة: يكون المكلف قبل دخول الوقت، بانيا على امتثال أمر الصلاة في ظرفه، ولكنه بعدما دخل الوقت لايمتثل الأمر. واخرى: يكون بانيا على عدم الامتثال في ظرفه، ولكنه يمتثل بعدما حان الوقت. وثالثة: يكون بانيا على الامتثال، ويمتثل في ظرفه. ورابعا: لا يكون بانيا على الامتثال، ولا على عدم الامتثال، ولكنه إذا حان الوقت يمتثل. فإذا كان الناس بحسب هذه الحالات النفسانية مختلفين، يمكن تحرير بحث ونزاع، حول أنه هل يجب على العباد أن يكونوا بانين على الموافقة، أم لا ؟ فالمراد من " الموافقة الالتزامية " هو أنه هل يجب الالتزام بموافقة التكليف عملا، أم لا يجب عقلا، ولا شرعا ؟ وبالجملة: لو كان مراد الباحثين من " الموافقة الالتزامية " أمرا آخر غير ما ذكرناه، فهو لا يرجع إلى محصل بالضرورة. وأما توهم: أن المراد منها هو لزوم تحصيل العلم بالأحكام الفرعية، فهو أمر آخر أجنبي عن المقام بالوجدان. وقياس هذه المسألة بالمسائل الاصولية من هذه الجهة: وهي أنه كما يكون الواجب الاعتقاد وتحصيله بإله العالم، وبالتوحيد، وسائر المسائل الاعتقادية الإسلامية، وهذا مما لا ينكر إمكانه، لأنه بالمقدمات والمبادئ يمكن تحصيله، ولو وصل إلى حد عجز عنه فيكون من المستضعفين، كذلك في الفروع، لابد من الالتزام

[ 164 ]

بأن يمتثل الأوامر الفرعية، والنواهي الإلهية، حتى إذا كان شئ بوجوده الذهني مورد الأمر، فلابد من الالتزام بذلك بتحصيله في ظرفه، وهكذا إذا كان شئ منهيا، فالبحث في المقام يكون حول هذه المسألة، سواء كان متعلق الأمر المعلوم أمرا خارجيا، أم أمرا ذهنيا ونفسيا.

[ 165 ]

المقام الثاني في مرحلة الإثبات هل هذا الالتزام القلبي من الواجبات، حتى يكون الباني على ترك الواجب في وقته، تاركا لإحدى الواجبات الإلهية، أو من الامور التي يستقل العقل بصحة العقوبة على تركها، أم لا ؟ لا سبيل إلى وجوبه الشرعي، لعدم دليل يقتضيه. وتوهم أن طائفة من الأخبار (1) - المشتملة على أن الخلود في النار، معلول هذا الالتزام، والخلود في الجنة، معلول الالتزام بأن العبد إذا كان دائمي الوجود يكون دائمي الامتثال - تدل على وجوب هذا البناء، في غير محله، لأنه لو دلت فهو من الدلالة العقلية، كما لا يخفى. وأما توهم: أن وجوب الالتزام وعقد القلب على امتثال التكاليف، وإطاعة الأوامر في ظرفها إلى الأبد، وهكذا النواهي الخاصة به، من المستقلات العقلية (2)، فقد مر في مباحث الأوامر والتجري: أن كون الأوامر الشرعية أوامر مولوية نفسية، محل المناقشة (3)، فإن العقل لا يدرك إلا وجود الملازمة بين النار والمحرمات وترك الواجبات، وبين الجنة والامتثال، وأما درك لزوم الطاعة، ولزوم شكر المنعم، ولزوم العبودية، فهو كله ممنوع، وتفصيله في مباحث التقليد.


1 - وسائل الشيعة 1: 50، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 6، الحديث 4. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 78. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 152 - 156، وفي هذا الجزء: 70 - 71. (*)

[ 166 ]

ولو سلمنا لزوم هذه الامور - ومنها: البناء والالتزام المذكور، لأنه لازم مشكورية العبد - فلا وجه لكونه مستتبعا للعقاب أو العتاب، كما تحرر في مباحث التجري (1). بقي شئ: قد أشرنا في مطاوي البحث إلى أن المسألة لا تكون من خصائص القطع، بل هي أعم منه ومن سائر الحجج الإلهية العقلائية أو الشرعية. نعم، في موارد العلم الإجمالي، لا يمكن الالتزام إلا بالمعنى الإجمالي. وأما في موارد دوران الأمر بين المحذورين، فلا يعقل الالتزام، لا على المعاني المحتملة في المسألة المذكورة سابقا، ولا على الوجه المحرر عندنا، ضرورة أنه لا معنى لعقد القلب على ما هو المعلوم بالإجمال وراء نفس العلم واليقين المفروض. وأما عقد القلب والالتزام بالامتثال، فهو في مفروض البحث غير ممكن، لما لا يتمكن من امتثال الأمر والنهي. ودعوى: أنه يلتزم بذلك الحكم وإن لا يعلم به (2)، من قبيل دعوى: أنه يلتزم بوجود الأسد مع العلم بعدم الأسد، أو الشك في وجوده. وغير خفي: أنه لو أمكن الالتزام للزم التشريع، لأنه من قبيل الالتزام بما لا يعلم، فافهم وتأمل، فإنه حقيق به. ثم اعلم: أن وجوب الموافقة الالتزامية - بالمعنى الذي جعلناه محور البحث - لايمنع من جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي: أما في الموارد التي يلزم من جريانها المخالفة العملية فواضح، ضرورة أن عقد القلب على المعنى الإجمالي، لا ينافي التعبد الظاهري بالخلاف في الموارد الخاصة.


1 - تقدم في الصفحة 61 - 65. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 345. (*)

[ 167 ]

نعم، إذا كان معنى لزوم الموافقة الالتزامية: هو الالتزام بنجاسة مجموع الإناءين، فهو ينافي ذلك، لأن الالتزام بنجاستهما، يستلزم كون كل واحد معلوم النجاسة، وهو ينافي جريان الأصل المتقوم بالشك. وأما في مثل دوران الأمر بين المحذورين، أو في الموارد التي لا يلزم من جريانها المخالفة العملية، فلا وجه لتوهم مانعية الوجوب المزبور، إلا إذا كان مفاد الاستصحاب الجاري في الطرفين مثلا، هو الإحراز، والالتزام بذلك ينافي العلم الإجمالي بعدم تمامية أحد المحرزين. ولكن الشأن أن ما هو مورد الالتزام، هو المعنى الإجمالي الواقعي، أو التفصيلي الظاهري، والتنافي بينهما كالتنافي بين الحكم الواقعي والظاهري. وبعبارة اخرى: يلتزم العبد بأن كل واحد من الإناءين، متنجز النجاسة، ويلتزم بنجاسة واقعية واحدة في البين. وغير خفي: أن ظاهر كلمات جل منهم، أن المراد من " وجوب الموافقة الالتزامية " هو عقد القلب على المعلوم (1)، وهذا غير راجع إلى معنى محصل، وظاهر من يقول: بأن الموافقة الالتزامية تابعة للعلم في التفصيل والإجمال، هو أنه دائر أيضا مدار العلم وجودا وعدما، كما يظهر من العلامة العراقي (2) وبعض آخر في ذيل البحث (3)، وبناء على هذا فلابد من أن يكون المراد من " الموافقة الالتزامية " ما أبدعناه في المسألة، فتدبر.


1 - كفاية الاصول: 309، درر الفوائد، المحقق الحائري: 345، نهاية الدراية 3: 77 - 78. 2 - نهاية الأفكار 3: 54 - 55. 3 - مصباح الاصول 2: 52. (*)

[ 169 ]

المبحث السادس في العلم الإجمالي

[ 171 ]

قد اشتهر بين المحصلين: أن العلم الإجمالي كالتفصيلي، فكما أن التفصيلي ينجز ويعذر، كذلك الإجمالي، فلو علم إجمالا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، فعليه الامتثال، فإن طابق الواقع فهو، وإلا فهو معذور، للعلم. ولو خالف المعلوم بالإجمال، وصادف الواقع، لا يعذر، لتنجز التكليف بالعلم ولو كان مجملا. وقبل الخوض في بحوث هذه المسألة، لابد من الإشارة إلى امور: أحدها: في حقيقة العلم الإجمالي إن من الأسئلة الدارجة عن الأفاضل، هو كيفية تعلق العلم الإجمالي بالخارج. وبعبارة اخرى: إن آثار العلم الإجمالي، فرع كون العلم الإجمالي معنى معقولا، وإذا شك في ذلك لشبهة عقلية، يسقط البحث عن آثاره. وتلك الشبهة: هي أن العلم الإجمالي - بالمعنى المصطلح عليه في الكتب العقلية - واضح لدى أهله، ضرورة أن العالم صورة العلم التفصيلي، وهي منكشفة قبل تحققه بانكشاف الذات لدى الذات، لأن هذا الانكشاف يستلزم انكشاف لوازم الذات من الصفات والآثار، وذاك هو العلم التفصيلي، وهذا هو العلم الإجمالي (1).


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 6: 243 و 271. (*)

[ 172 ]

وأما في المقام، فربما يشكل كما استشكل الأمر في الواجب التخييري، وفي بيع الفرد المردد. والذي هو الحق الصريح في المسألة، أنه من مقايسة العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، يعلم معنى " الإجمال " وأنه لا يكون في نفس العلم ولا في المتعلق إجمال، خلافا لما اشتهر بينهم: " من أن الإجمال ليس في العلم، بل هو في المتعلق " (1) وذلك لأن العلم التفصيلي مثلا بخمرية ما في الإناء، هو العلم بالامور المختلفة المتعانقة في الوجود، والمتلازمة في التحقق، فإن من يعلم بأن ما في الإناء الخاص خمر، يعلم بوجود الخمر، وبطبيعتها، وبمقولاتها، ومنها: مقولة الأين الخاص بها. فالعلم التفصيلي يرجع إلى العلوم الكثيرة بالجوهر والأعراض، التي يكون كل واحد مستقلا في المعلومية والمجهولية، فربما يعلم بوجود الخمر، ولا يعلم بلونها، لأجل الشركة بين لونها ولون آخر يشبه الخمر، أو يعلم بوجودها وكيفيته، ولا يعلم بأينها ومكانها، فيكون - لأجل وجود المشاركات - جاهلا بمقولة الأين، وهكذا. فإذا كان عالما بجميع الخصوصيات، يعلم تفصيلا بوجود الخمر، ولا يعقل حينئذ أن يحصل العلم الإجمالي، وهذا يشهد على أن الإجمال، ناشئ من الجهل ببعض المقارنات. وإذا كان جاهلا بإحدى الخصوصيات، يلزم لأجل المشاركة الجهل، فيكون العلم المقرون بالجهل، علما بأصل الوجود في الدار، وجهلا بأنه في الجانب الشرقي أو الغربي، فالعلم الإجمالي هو العلم المقرون بالجهل، ولا إجمال في الحيثية


1 - بحر الفوائد: 43 / السطر 15 - 19، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 75، نهاية الدراية 3: 90، نهاية الأفكار 3: 47. (*)

[ 173 ]

المعلومة بالذات، ولا في المتعلق، وإنما الإجمال أمر يعتبر وينتزع، أو يخترع من التقارن المزبور. ومن هنا يظهر: أن تعلق الإجمال بالخارج، كتعلق التفصيل بالخارج، فإن الخارج مورد الإضافة بالعرض والمجاز، ومعلوم بالعرض، وما هو المعلوم بالذات هو الوجود الذهني. فعلى ما تحرر وتحصل إلى هنا، تنحل هذه المشكلة في المقام. وأما مشكلة الوجوب التخييري، فقد حلت في محلها (1)، ومشكلة بيع الفرد المردد، مذكورة بحلها في كتابنا الموضوع في البيع وأحكامه (2)، والله هو المؤيد المسدد. ثانيها: في بيان محل النزاع إن محل النزاع، هو أن التكليف المعلوم بالعلم التفصيلي، كما يكون متنجزا عند كافة العقول، ولا قصور من ناحية العلم في تنجيزه، فهل إذا كان ذاك التكليف مورد العلم الإجمالي، يلزم قصور في تنجزه لأجل إجمال العلم، أم لا ؟ فما هو مورد البحث، هو الفحص عن قصور العلم وعدمه، وأما المعلوم فلا قصور فيه، ويكون حكما فعليا. إن قلت: ربما يشكل ثبوت الفعلية لأجل الإجمال، لاحتمال كون الفعلي هو الواصل بالتفصيل، فلو كان البحث بعد الفراغ عن الفعلية، للزم منه الإقرار بالتنجيز طبعا. قلت أولا: قد تحرر منا في المجلد الأول معنى الشأنية والفعلية (3)، وأثبتنا


1 - تقدم في الجزء الرابع: 7 وما بعدها. 2 - هذه المباحث من كتاب البيع للمؤلف (قدس سره) مفقودة. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 433 - 434. (*)

[ 174 ]

هناك أن من الفعلية، الأحكام الصادرة عن المبادئ الإلهية للإجراء، والمبلغة للامة وإن لم تصل إلينا للموانع الطبيعية الخارجية، فإنها لا تخرج عن الفعلية بعدم الوصول المزبور، فلاتتقوم الفعلية بالوصول حتى تلزم الشبهة المذكورة. وثانيا: أن الجهة المبحوث عنها، هي أن حيثية إجمال العلم، هل تستلزم قصورا ولو تقديرا، بمعنى أن التكليف المعلوم بالإجمال، لو كان معلوما بالتفصيل يكون فعليا، فهل الإجمال في العلم يورث منع الفعلية، أم لا ؟ فبالجملة: ما ربما يتخيل (1) من أن من الأصحاب من ارتكب الخلط، وقال: بأن العلم الإجمالي لا يؤثر في شئ من الأطراف، لأن المعلوم بالإجمال هي المرتبة الاولى من الحكم، وهي مرتبة الإنشاء، وعلى هذا لا منع من جريان الاصول النافية في جميع الأطراف، لأنها تنفي المرتبة الثانية من الحكم (2) فهو - لو صحت النسبة - غير تام تحقيقا، كما سيظهر. ثالثها: في أن البحث عقلي محض ما هو مورد الكلام في المقام مخصوص بالبحث العقلي، ولا ربط له بالأدلة الشرعية، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أن العلم الإجمالي هل هو كالتفصيلي، أم لا، في الآثار العقلية، أو العقلائية ؟ وأما جريان الاصول الشرعية ذاتا، وعدم جريانها، فهو موكول إلى مباحث البراءة والاشتغال. نعم، البحث عن أن العلم الإجمالي علة تامة، فيكون مانعا من الجريان، أم هو مقتض للتنجيز لولا الترخيص، فيكون الحكم المعلوم بالإجمال، منجزا بعد العلم وعدم وجود المؤمن، وإلا لو كان معلوما، ولكن كان هناك مؤمن، فلا يكون منجزا،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 76. 2 - لاحظ كفاية الاصول: 313. (*)

[ 175 ]

ينتهي إلى البحث عن جريانها، فيرجع إلى محله إن شاء الله تعالى (1). وبعبارة اخرى: لو بنينا في هذه المسألة على الاقتضاء، يبقى مورد للبحث عن الجريان وعدمه في المباحث الآتية، وإلا فلا، لأنه بعد كونه علة تامة لا يبقى وجه لجريانها، كما لا تجري مع العلم التفصيلي، وسيأتي زيادة توضيح ذيل الوجه الرابع إن شاء الله تعالى، كما يأتي في محله: أن حديث العلية والاقتضاء، لا يرجعان إلى محصل (2). رابعها: في الوجوه والأقوال في المسألة فإن في توضيحها ما ينفعك لأصل البحث في جوهر المسألة: فمنها: أن العلم الإجمالي - كالشك البدوي - لا يؤثر في شئ، ولا يزاحم البراءة العقلية، فضلا عن الشرعية، ولا يعد بيانا. وغاية ما يمكن الاستناد إليه لتوجيهه: أن ما هو المتبين للمكلف لا تصلح المؤاخذة عليه، وما تصلح المؤاخذة عليه غير متبين، فما هو المتبين هي الكبرى الكلية " وهي أن الخمر حرام " ولكنه لا تصلح المؤاخذة على ذلك، وما هو غير المتبين هو الخمر، ضرورة أن ما هو الموجب لتنجز التكليف والكبرى الكلية، هو انضمام الصغرى إليها، والصغرى هي مجهولة، ولا وجود للواحد المردد في الخارج حتى يكون هو الصغرى للكبرى المعلومة. وتوهم: أن الارتكاب الثاني يوجب العلم بالمخالفة القبيحة غير نافع، ضرورة أنه في الشبهة البدوية تجري البراءة العقلية، ويجوز الاطلاع على حال تلك الشبهة بالعلم بحصول المخالفة ووقوعها، كما هو الظاهر.


1 - يأتي في الجزء السابع: 380 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 177 - 181. (*)

[ 176 ]

أقول: ربما يتوهم أن المحققين: القمي، والخونساري، ذهبا إلى هذه المقالة (1)، وسيأتي أنهما - يحتمل بقوة - يقولان بمقالة " الكفاية " هنا، أو يقولان بالتفصيل بين العلم الإجمالي بالتكليف، وبين العلم الإجمالي بالحجة. وبالجملة: إنكار أصل الأثر للعلم الإجمالي - مضافا إلى أنه خلاف البناءات العقلائية، والاحتجاجات العرفية - ينافي الصناعة، فإن قضية الشكل الأول في موارد العلم التفصيلي هو " أن هذا الخمر حرام " ضرورة أنه إذا احرز أن ما في الإناء خمر، وطبق عليه الكبرى، تصير النتيجة: " أن ما في الإناء حرام ". وأما إذا علمنا إجمالا: بأن هذا أو ذاك خمر، يجوز تطبيق الكبرى الكلية على هذا أو ذاك، فنقول: " هذا أو ذاك حرام، لأن الخمر حرام " فإذا وجدنا بعد تمامية الشكل الأول، أن هذا أو ذاك حرام، فيكون نظير الدليل الوارد اجتهادا ودليلا خاصا، بأن هذا أو ذاك حرام، فهل يمكن لك إجراء البراءة العقلية، بدعوى: أنه لا يعلم حين المخالفة عنوان الخلاف والعصيان، لاحتمال كون الحرام بعد ارتكاب الطرف الأول هو الطرف الأول، ويكون الثاني مباحا بحسب الواقع ؟ ! فارتكاب جميع الأطراف غير جائز بالضرورة في مرتبة العقل. ولا يخفى: أن التحريم التخييري الذي حررنا تصويره في محله (2) بيان، فلا يجوز ارتكاب المجموع، وأما إذا فرض التحريم المزبور من باب العلم الإجمالي، فإنه حينئذ يثبت البيان عند العقل، ولايجوز الاقتحام في المجموع، لتمامية الشكل الأول بحسب الواقع بالضرورة. ومما ذكرنا توجيها لهذا القول، يظهر ضعف ما أفاده العلامة النائيني وغيره


1 - قوانين الاصول 2: 36 - 37، مشارق الشموس في شرح الدورس: 77 / 1 - 11. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 33 - 35. (*)

[ 177 ]

في المقام (1)، فإنه وجه بارد، ويتوجه إليه ما في كلامهم عليه، فلا تخلط. ومنها: أن العلم الإجمالي مقتض، ويجوز الترخيص على خلافه، فلاتحرم المخالفة القطعية. وهذا هو الظاهر من " الكفاية " حيث قال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف، وكانت مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالا، بل قطعا. ومحذور المناقضة إنما هو المحذور بين الحكمين: الظاهري، والواقعي في الشبهة غير المحصورة، بل الشبهة البدوية. وتوهم: أن التكليف فيهما لا يكون بفعلي، مندفع بثبوت الفعلية في غير المحصورة، وباحتمالها في البدوية، فما به التفصي عن المحذور فيهما، كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة. فالعلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء، لا في العلية التامة، فيوجب التنجز لو لم يمنع عن التنجز دليل وترخيص عقلي، كما في غير المحصورة، أو شرعي كما في المحصورة، حسب قوله (عليه السلام): " حتى تعرف الحرام منه بعينه " (2) انتهى ملخص مرامه (3). وبالجملة: إن الفرق بين القولين المزبورين: أنه في الأول يكون العلم الإجمالي كالشك البدوي بالنسبة إلى البراءات الثلاث: العقلية، والعقلائية، والشرعية، وفي الثاني يكون مثله في خصوص البراءة الشرعية، دون العقلية والعرفية، والنتيجة واحدة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 75 - 76، مصباح الاصول 2: 70. 2 - عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل شئ يكون فيه حلال وحرام فهو حلال لك أبدا حتى أن تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ". الكافي 5: 313 / 39، تهذيب الأحكام 7: 226 / 8. 3 - كفاية الاصول: 314. (*)

[ 178 ]

أقول: يتوجه إليه أن تجويز المخالفة القطعية بنحو الجد، لا يمكن أن يصدر من المولى الواحد، ضرورة أنه يمكن أن يرخص الأب في مخالفة الجد، وأما الرب فلا يعقل أن يرخص في مخالفة نفسه، للزوم كون الواحد الشخصي، مصب الإرادتين المتخالفتين غير القابلتين للاجتماع، بل يقبح الترخيص بالمخالفة والعصيان. فلو تبدل الحكم الواقعي الفعلي إلى الشأني، فلا مخالفة كما لا يخفى، ولو كان الحكم فعليا فالمناقضة غير مرتفعة، حتى في الشبهة البدوية، فضلا عن غير المحصورة، وقد تحرر منا ويأتي تفصيله أن الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، غير معقول بمعناه الواقعي، وما هو المعقول هو إنكار الواقعية في مرتبة الحكم الظاهري، بمضي الشرع عن الواقعيات، نظرا إلى بعض الامور المهمة، والأغراض الأساسية، وتفصيله في الآتي إن شاء الله تعالى (1). وبالجملة: في مفروض البحث وهو تعلق العلم الإجمالي بالحكم الفعلي، لا يعقل الترخيص في المجموع. هذا، وفي الشبهة غير المحصورة بيان آخر يأتي في محله (2)، كما أن لنا جمعا بين الأحكام على نعت بديع، فانتظر حتى حين (3). وأما فيما إذا كان المفروض، تعلق العلم الإجمالي بالحجة الفعلية اللولائية، فلا منع من دعوى: أن إطلاق أدلة الاصول، قرينة على عدم فعلية الحكم في أطراف العلم الإجمالي، وأن الخمر المعلوم بالإجمال ليس بمحرم واقعا، لأجل اقتضاء الأدلة الجارية في الأطراف، القابلة لكونها قرينة على حصول القيد في الموضوع الواقعي، وهو " الخمر " فيكون الخمر المعلومة بالتفصيل حراما، وهكذا


1 - يأتي في الصفحة 237 - 239. 2 - يأتي في الجزء السابع: 437 - 439. 3 - يأتي في الصفحة 250 - 252. (*)

[ 179 ]

في الشبهات الحكمية. وتوهم الدور فيها (1) مدفوع بما مر: من إمكان أخذ العلم قيدا لها أيضا (2). ثم إن " الكفاية " قد خرج مما هو الموضوع للبحث هنا (3)، وهو أن إجمال العلم هل يمنع من جريان البراءة في الأطراف ؟ وبعبارة اخرى: هل الآثار الثابتة للعلم التفصيلي، ثابتة للعلم الإجمالي على وجه العلية التامة حتى يمنع، أو على وجه الاقتضاء، حتى لايمنع ؟ وأما جريان الاصول وعدمه في الأطراف، فهو بحث روائي مربوط بمباحث الشك، وبالنظر إلى الآثار والأخبار، والتدبر في لسان الروايات تصديقا، ولا ينبغي الخلط بين مباحث القطع، ومباحث البراءة والشكوك، ولا معنى لإحالة البحث من هنا إلى ذاك المحل وبالعكس، لأجنبية المقامات بعضها عن بعض. فما ترى في كلام العلامة النائيني (4)، أيضا غير صحيح، والأمر سهل. ومن هنا أيضا يظهر ضعف ما أفاده الشيخ (رحمه الله): " من أن البحث عن وجوب الموافقة القطعية، موكول إلى البراءة والاشتغال، وما هو الموكول إلى هنا، هو البحث عن حرمة المخالفة القطعية " (5) انتهى. ضرورة أن جميع الجهات الراجعة إلى القطع حسب العقل - من العلية، أو الاقتضاء - مربوطة بمباحث القطع. نعم إذا قلنا بالاقتضاء، يبقى محل للبحث هناك، وإلا فلا كما مر آنفا، فتأمل. ومنها: أن العلم الإجمالي ليس كالشك البدوي، حتى لا يكون بيانا عقلا، أو


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 445. 2 - تقدم في الصفحة 120 - 125. 3 - كفاية الاصول: 313. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 65 - 66. 5 - فرائد الاصول 1: 24. (*)

[ 180 ]

لا يكون مانعا عن جريان البراءة الشرعية في قاطبة الأطراف طرا، ولايكون كالعلم التفصيلي، حتى لا يمكن ترخيص ارتكاب مجموع المحتملات، بل هو أمر متوسط بينهما، ولازمه حرمة المخالفة القطعية، وممنوعية المخالفة الاحتمالية عقلا، ولكن يمكن ترخيص أحد الأطراف على التعيين أو التخيير شرعا. وهذا هو المذهب المستقر عليه رأي الشيخ الأعظم، وشيخ مشايخنا جد أولادي في " الدرر " والعلامة النائيني (قدس سرهم) (1). والذي ألجأهم إلى ذلك، هو أن الترخيص بجميع الأطراف مستحيل، والترخيص ببعض الأطراف ليس بمستحيل، فلا مانع منه، ولا دليل من العقل على قبح هذا الترخيص. وحيث إن العلمين كانا متوجهين إلى إشكال " الكفاية " على مذهب الشيخ: بأن الترخيص في بعض الأطراف في حكم الترخيص في الكل، لأن احتمال المناقضة في حكم المناقضة (2)، أخذ كل مهربا: ف‍ " الدرر " اتخذ أن يقول: إن حكم العقل بلزوم الاحتياط، لأجل عدم الأمن من الضرر، فإذا حصل المؤمن فلا يحتمل (3). وأنت خبير: بأنه غير كاف لحل الإشكال، ولذلك عدل عما في " الدرر " - على ما في حواشي العلامة الجد - مد ظله - - واختار أن الشرع بما هو شارع لا يجوز له الترخيص، ولكنه بما هو عاقل يجوز، نظرا إلى تسهيل الأمر (4). ولا يخفى: أنه أيضا لا يرجع إلى محصل، كما سيظهر.


1 - فرائد الاصول 1: 34، درر الفوائد، المحقق الحائري: 341 - 343، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 75 - 77. 2 - كفاية الاصول: 314. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 343. 4 - غرر العوائد من درر الفوائد: 96. (*)

[ 181 ]

وأما التقريرات فاتخذ سبيلا آخر " وهو أن للشارع الترخيص في بعض الأطراف، بجعل الطرف الآخر بدلا، وهذا هو من التصرف في مقام الامتثال، وقد جوزنا ذلك حتى في العلم التفصيلي في وادي الفراغ " (1). أقول: في مفروض البحث - وهو العلم الإجمالي بالإرادة الفعلية والتكليف الحتمي - لا يمكن الترخيص في أحد الأطراف، ضرورة أنه لو كان معنى الترخيص، هو جعل الحلية للخمر إذا كان مشكوكا، أو للخمر المشكوك، أو كان معنى الترخيص رفع الحرمة عن الخمر المشكوك، أو عن الخمر إذا كان مشكوكا، يلزم في صورة كون الطرف المرتكب هو الخمر، اجتماع الإرادتين المتنافيتين: إرادة التحريم، وإرادة الترخيص، وهذا هو احتمال المناقضة الذي هو في حكم المناقضة في الاستحالة عقلا. وأما الترخيص في بعض الأطراف في مفروض المسألة، فهو كما يستحيل، يستحيل في الشبهة البدوية أيضا، وكما لا يعقل هناك الترخيص إلا بالتصرف في الفعلية والإرادة، كذلك الأمر هنا، فيلزم الخلف، وتصير النتيجة على هذا ممنوعية الترخيص مطلقا، فلو ورد دليل على الترخيص، فيحمل على وجه يستتبع التصرف في الحكم الواقعي، كما سيجئ في محله إن شاء الله تعالى (2). وأما ما في " الدرر " وفي الحاشية، فالذي يتوجه إليه: أن الشارع لا يعقل له الترخيص حتى بما أنه عاقل، لاتحادهما، فلابد في صورة الترخيص من ملاحظة المصالح العامة في الأحكام الواقعية، ومن مصلحة التسهيل، وبعد الكسر والانكسار إما يقدم الواقع فيحتاط، أو يقدم الثاني فيرخص. هذا بحسب التصور.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 77 - 78. 2 - يأتي في الصفحة 249 - 252. (*)

[ 182 ]

وأما بحسب التصديق، فتفصيله في بحوث الشك إن شاء الله تعالى (1). ومن الأعجب ما في تقريرات العلامة الكاظمي (قدس سره) حيث تخيل إمكان كون الامتثال أوسع من التكليف (2) ! ! وهذا من الواضح امتناعه، فلو رخص الشرع في أحد الأطراف بجعل البدلية، فهو يرجع إلى أن الحكم الواقعي هو التخيير بين الطرف والبدل، وإلا فلا يعقل إجزاء المباين عن المباين، كما تحرر في مباحث الإجزاء (3)، فكون الصوم مجزيا عن الصلاة وبالعكس، وترك شرب الماء مجزيا عن ترك شرب الخمر، مع التزام الشارع بالصلاة معينا، وبحرمة الخمر فعلا وبتا، مما يضحك الثكلى. وفي وادي الفراغ أيضا، لا يعقل إلا بالمضي عن الواقع، لأجل المصالح العليا، فلا تخلط. نعم على ما حققنا يمكن ذلك. هذا مع أنه في مثل النهي عن الخمر، لا يكون اشتغال الذمة، حتى يكون ترك شرب الماء بدلا. وما قد يتوهم: من أن التكليف ليس إلا اشتغال الذمة بالمكلف به، كما يظهر من " الدرر " في هذا المقام (4)، فهو غلط قد تحرر منا في محله امتناعه (5)، مضافا إلى عدم عقلائيته. فبالجملة تحصل: أن الترخيص في أحد الأطراف معينا أو غير معين، غير معقول في مفروض البحث. مع أن توهم إمكان أوسعية مقام الامتثال من الجعل والتكليف فاسد. مضافا إلى قصور أدلة الاصول الشرعية عن جعل الطرف بدلا عن الواقع، فيما إذا علم إجمالا بوجوب القصر أو الإتمام، أو جعل ترك أحد الأطراف - وهو


1 - يأتي في الجزء السابع: 327 - 328. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 77. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 278 - 280. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 342. 5 - تقدم في الجزء الثاني: 79 ويأتي في الصفحة 258 - 260. (*)

[ 183 ]

ترك الماء - بدلا عن ترك الخمر، مع ما فيه من المناقشات الجزئية الاخر، فلا تغفل، وتدبر. إيقاظ: فيه إشارة لبعض الأدلة الشرعية على تنجيز العلم الإجمالي ربما يمكن الاستناد إلى بعض الأدلة الشرعية لتنجيز العلم الإجمالي، مثل أن قضية مفهوم الغاية لقاعدة الحل والطهارة - بعد فرض عدم جريانهما في الأطراف ذاتا - هي ممنوعية جميع الأطراف، فإن قوله (عليه السلام): " كل شئ حلال... " (1) هو المرخص للارتكاب، فيكون المفهوم في الغاية المنع عنه إذا علم، وحيث إنه في مورد العلم الإجمالي يكون من العلم المأخوذ فيه، يلزم ممنوعية جميع الأطراف طرا. وربما يشعر الأمر بالإهراق في الماء المردد المعلومة بالإجمال نجاسته (2)، بأن العلم الإجمالي ينجز جميع الأطراف، فلاتصل مع النجس، أو لا تتوضأ بالنجس، إذ قد تنجز بحسب ذلك، فيلزم ترك الكل، وحيث إن الأمر دائر بين المحذورين - بناء على كون الماءين مما لا يمكن تحصيل الوضوء بهما جمعا، كما تحرر في الفقه (3) - فلابد من الإهراق، لأنه قد تنجز عليه التكليف بالمائية مثلا، وعلى هذا يعلم بتنجيز العلم الإجمالي في هذه الناحية أيضا، فافهم. وهكذا من الأمر بالصلاة إلى الأطراف الأربعة في صورة اشتباه القبلة (4)، مع أن كل واحد من الأطراف مجرى البراءة، فليتدبر.


1 - الكافي 5: 313 / 40، تهذيب الأحكام 7: 226 / 9. 2 - كما في رواية سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)... عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر ولا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره ؟ قال: " يهريقهما جميعا ويتيمم ". الكافي 3: 10 / 6، تهذيب الأحكام 1: 229 / 45. 3 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، فصل في تعين التيمم، الجهة الاولى. 4 - راجع وسائل الشيعة 4: 310، كتاب الصلاة، أبواب القبلة، الباب 8. (*)

[ 184 ]

إذا تبينت هذه الامور والأقوال بنحو الإجمال في مسألة منجزية العلم الإجمالي، فاعلم: أن تمام الكلام في المقام يقع في مرحلتين: المرحلة الاولى فيما هو الحق في مسألة تنجيز العلم الإجمالي والذي تبين في البين: أن التفصيل بين العلم الإجمالي بوجود التكليف الإلزامي، وبين العلم الإجمالي بالحجة الفعلية (1)، ممكن لا بحسب الثبوت، بداهة أنه مع كون المفروض وجود الحكم الفعلي، أو مع كون المفروض ثبوت الحجة الفعلية، التي لا يتنازل الشرع عن واقعه إذا أصابت الحجة، لا يعقل الترخيص في أحد الأطراف، ولا في الشبهة البدوية. فما قد يتراءى من كلام بعض من التفصيل، فهو يرجع إلى مقام الإثبات، بدعوى: أنه في الصورة الاولى لا يمكن أن تكون أدلة الاصول العملية، قرينة على عدم فعلية الحكم، لأنه خلف، ضرورة أن المفروض هو العلم الوجداني بالإرادة القطعية، وروح التكليف الإلهي. وأما في الصورة الثانية، فيمكن أن تجعل تلك الأدلة قرينة على أن المولى قد تنازل عن الحكم، لأجل مصلحة التسهيل، فلافعلية للحكم والإرادة التشريعية حينئذ. فبالجملة: التفصيل بين الصورتين ثبوتا غير معقول. نعم على الوجه المزبور ممكن.


1 - نهاية الاصول: 422. (*)

[ 185 ]

وأما كفاية الأدلة لذلك، فهو بحث آخر موكول إلى مباحث الشكوك (1)، ومن هنا يظهر ما في " تهذيب الاصول " من الخلط بين مباحث القطع والبراءة والاشتغال (2). فتحصل لحد الآن: أن الترخيص في أطراف العلم الإجمالي بالإرادة الفعلية والحكم الإلهي غير معقول، كما أنه في الشبهة البدوية غير معقول، ولا سبيل إلى ذلك، بخلاف الترخيص في أطراف الحجة الإجمالية، كما في كثير من موارد العلم الإجمالي، فإنه ممكن. وسبيله: هو أن العلم الإجمالي مثلا بنجاسة أحد الإناءين، لا ينافي احتمال كون النجس جائز الشرب في الشريعة بحسب الواقع، ضرورة أن ما يقتضي حرمة شربها هو خبر الثقة، فلاقطع بالإرادة والحكم واقعا، وعندئذ يمكن دعوى: أن جريان الاصول في جميع الأطراف ذاتا، يشهد على أن مصلحة التسهيل متقدمة على مصلحة الواقع، وإطلاق أدلة الترخيص مقدم على إطلاق دليل حرمة شرب الخمر، فتدبر واغتنم. ثم إن هنا بيانا يقرب من البيان المزبور آنفا، وهو ينتهي إلى إمكان الترخيص أيضا في جميع الأطراف، ولكن من ناحية أن قضية العقل، هي امتناع الترخيص فيما إذا فرض العلم القطعي بالتكليف، وكان المفروض أن موضوع هذا الحكم هو " الخمر " على إطلاقها، وأما إذا دل دليل على أن موضوع الحرمة هو " الخمر المعلومة بالتفصيل " فلا منع من تصديقه. وعلى هذا يمكن أن يقال: إنه من جريان الاصول في الأطراف بحسب ذاتها،


1 - يأتي في الجزء السابع: 333 - 338. 2 - تهذيب الاصول 2: 51 - 52. (*)

[ 186 ]

يستكشف أن موضوع الحكم المزبور هو " الخمر المعلومة بالتفصيل " لأن لازم الترخيص في جميع الأطراف ذلك، فإذا كانت القرينة قوية، وكان يمكن التصرف في المعلوم الإجمالي بهذا النحو، يمكن الترخيص في جميع الأطراف، كما هو الواضح. وأما إمكان كونها قرينة وعدمه، فهو موكول إلى بحوث الشكوك. وغير خفي: أن هذا التقريب لا يختص بالشبهات الموضوعية، بتوهم لزوم الدور في الحكمية، لما تقرر منا من إمكان تصوير اختصاص الحكم بالعالم في المسائل والبحوث السابقة (1). وإن شئت قلت: يرجع الوجه الأول إلى هذا البيان أيضا، لأن تنازل الشرع عن الواقع في أطراف الشبهة البدوية والمقرونة بالعلم الإجمالي، يلازم كون الموضوع بحسب اللب مقيدا بالعلم التفصيلي، فيكون موضوع الحرام هو " الخمر المعلومة بالتفصيل " فتأمل. تحقيق وتقريب لاشبهة في أن المضادة التي تأتي من الترخيص في جميع الأطراف، هي ما إذا كان مقتضى أدلة الاصول، جعل الحلية للخمر إذا كانت مشكوكة، أو للخمر المشكوكة، أو للخمر حين الشك، فإنه لكون الموضوع للحكم الواقعي والظاهري واحدا، يلزم المضادة والمناقضة المستحيلة، ولا يعقل فعلية الحكمين، وإطلاق الواقع في ظرف الشك، ولأجله ابتلوا بمسألة الجمع بين الواقعي والظاهري الآتية في كتاب الظن إن شاء الله تعالى (2).


1 - تقدم في الصفحة 121 - 125. 2 - يأتي في الصفحة 242 - 246. (*)

[ 187 ]

ولا إشكال عند القائلين باجتماع الأمر والنهي، فيما إذا كانت النسبة بين موضوعهما العموم من وجه (1). بل ذهب بعضهم إلى إمكان الاجتماع ولو كانت النسبة عموما مطلقا (2)، ولكنه بمعزل عن التحقيق عندنا (3). وعلى هذا، فإن كان موضوع الاصول العملية، ذات الطبائع التي هي موضوع الأدلة الواقعية، فيلزم المناقضة، سواء كانت الذات على نحو القضية الحينية، أو المشروطة، أو المقيدة بالنسبة إلى حال الشك والجهل والاشتباه. وأما إذا كان موضوع تلك الاصول العملية عنوان " المشكوك، والمشتبه " أو عنوان " مشكوك الخمر، ومشتبه النجاسة " فيلزم أن تكون النسبة بين موضوع الحرمة وموضوع الترخيص، عموما من وجه، فإن مشكوك الخمر أعم من كونه خمرا واقعا، أو غير خمر. وعلى هذا، تكون المسألة صغرى باب التزاحم، أو التعارض، ضرورة أن العبد يعجز عن الجمع في محل اجتماع الأمر والنهي في بعض الأحيان - كما في إكرام الفاسق العالم - بعد صدور الأمر العام والنهي العام، وفيما نحن فيه أيضا وإن كان يمكن الاحتياط، فيقدم جانب الواقع، ولكن يحتمل أقوائية مصلحة التسهيل الموجبة لجعل الاصول المرخصة، فيقدم جانب الترخيص، بمعنى أنه مخير في الارتكاب وعدمه. فبالجملة: إن كان من موارد التزاحم - كما هو الظاهر في المقام - فهذا هو النتيجة.


1 - قوانين الاصول 1: 155 / السطر 23، فرائد الاصول: 2: 410. 2 - تهذيب الاصول 2: 389. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 146. (*)

[ 188 ]

وإن قلنا: بأنه يكون من باب التعارض بالعرض، للعلم بكذب أحدهما خارجا، فيلاحظ مرجحات باب التعارض الداخلية والخارجية، وتصير النتيجة مختلفة، فربما يمكن ترجيح دليل الطبيعة، وربما يرجح دليل المشتبه والمشكوك. لا يقال: النسبة بين الموضوعين وإن كانت من وجه، ويلزم منه إنكار الأحكام الظاهرية بتاتا، وتصير جميع الأحكام أحكاما واقعية على عناوين ذاتية وعرضية كعنوان " الصلاة والغصب " ولكن تحريم الخمر في مورد الشك لا معنى له، لما لا يترتب عليه الأثر، وهو الانزجار، لما لا يعقل التبليغ مع كونها مشكوكة، ولاسيما مع الترخيص في الترك بالارتكاب في الشبهات التحريمية، وترك الامتثال في الوجوبية. لأنا نقول: هذا من تبعات تحليل الخطاب القانوني إلى الخطابات الجزئية الشخصية، وإذا لوحظ القانون الكلي - وهو قانون ممنوعية الخمر - فلا يلاحظ هناك إلا طبيعة الخمر، ولا يلاحظ إلا تحريمها على الامة، وهكذا في جانب قانون الترخيص. وعلى هذا ربما يعمل بالقانون الأول فيما احرزت الخمر، وربما يعمل بالقانون الثاني فيما لم تحرز، وربما لا يعمل بالقانون الثاني فيما إذا كان الواقع أهم، كما في الشبهات المهتم بها، فلا يجري القانون الثاني، لانكشاف أقوائية ملاك الواقع من ملاك التسهيل. وغير خفي: أن ملاك التسهيل ربما يبلغ إلى حد يريده المولى، كما في القصر، والإفطار في السفر فإن الله يريد بكم اليسر مع أن النظر إلى التسهيل. والسر كل السر: أن الشريعة الإسلامية، لابد وأن لا تعرف بأنها شريعة صعبة شديدة قتالة هدامة حتى يفر منها الناس، وتتنفر منها الطباع، ولذلك رخص في كثير من المواقف، فاغتنم.

[ 189 ]

بقي شئ: في بيان النسبة بين مصب الأحكام الواقعية ومصب الاصول العملية الحكمية كما يمكن فرض كون النسبة بين مصب الأحكام الواقعية ومصب الاصول العملية، عموما من وجه في الشبهات الموضوعية، كذلك يمكن ذلك في الشبهات الحكمية، فإن موضوع حديث الرفع لما لا يعلمون، إن اخذ هذا العنوان مشيرا إلى العناوين الذاتية، فيلزم المناقضة، فلابد من العلاج. وأما إذا اخذ هذا العنوان مستقلا، فتكون النسبة بين صلاة الظهر وصلاة الجمعة وما لا يعلمون، عموما من وجه، فيكون ما لا يعلمون مرفوعا، سواء فيه أن صادف الواقع، أم لا، وصلاة الظهر مثلا واجبة، سواء علمت، أم لم تعلم، فإذا كان زيد جاهلا بالحكم، تكون الذات واجبة بما أنها ذات، ويكون المجهول بلا حكم، فتكون صلاة الظهر - لكونها منطبقا عليها عنوان " المجهول " - مرفوعة الحكم بما أنها مصداق العنوان المزبور. ولا ينبغي الخلط بين إشكالات مباحث اجتماع الأمر والنهي، ومشكلات هذه المسألة، لأنها - بعد الفراغ من إمكان اجتماعهما، وإمكان اجتماع الحكم الإلزامي والترخيصي - أولى من ذاك، فافهم واغتنم جيدا. بقي شئ آخر: في عدم استلزام جعل حلية المشكوك لمحال وهو أن جعل الحلية على عنوان " المشكوك " يستلزم المحال على الإجمال، ضرورة أنه إن كان المشكوك بحسب الذات حلالا، يلزم اجتماع المثلين، وإن كان بحسب الواقع حراما، يلزم اجتماع الضدين. وبالجملة: المناقضة والامتناع على مسلك القوم في صورة الإصابة قطعية، وفي صورة الاحتمال غير جائز تصديقها، وأما على هذا المسلك فيلزم الامتناع

[ 190 ]

بنحو المعلوم بالإجمال، للزوم اجتماع المثلين، أو الضدين، فلا يعقل أن يكون موضوع الاصول العملية، عنوانا أعم من وجه من العناوين الواقعية أيضا. ويتوجه إليه أولا: أنه في الصورة الاولى، يمكن منع لزوم اجتماع المثلين، لأن الذات مباحة، والمباح ليس من الأحكام، فلا علم إجمالي بالمناقضة، الأعم من اجتماع المثلين، أو الضدين. وثانيا: هذا التوهم من توهمات بحث اجتماع الأمر والنهي، حيث يتخيل سراية الحكم من العنوان إلى العنوان، ومن المعنون الذاتي إلى سائر جهات المعنون، ومنها: العنوان المتحد معه المقابل له في الحكم. وإذا كان موضوع الاصول العملية عنوان " المشكوك " بما هو مشكوك - أي مشتبه الخمر بما هو مشتبه من حيث الحكم - فما هو مصب التحليل والرفع هو هذا العنوان، من غير أن يكون الذات المنطبق عليها العنوان مصب الحلية بما هي ذات، حتى يلزم اجتماع المتقابلات فيها. فعليه ما هو مصب التحريم هي الذات الأعم، وما هو مصب التحليل هو المشكوك الأعم، فلا تقع المخالطة بين المصبين في محط الجعل والتشريع، ولا في الخارج، كما تحرر وتقرر تفصيله في بحوث الاجتماع (1)، فراجع. بحث وتحقيق في منجزية العلم الإجمالي قد تبين فيما سلف: أن الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - تمسكوا لتنجيز العلم الإجمالي بالوجدان من غير إقامة البرهان، وأن قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجري في المقام، لأن العلم بيان وجدانا (2).


1 - تقدم في الجزء الرابع: 199 - 203. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 47، درر الفوائد، المحقق الحائري 2: 170، أجود التقريرات 2: 49، نهاية الأفكار 3: 46. (*)

[ 191 ]

وفي " تهذيب الاصول ": إن البحث عن منجزية العلم الإجمالي، متأخر عن مسألة لزوم المناقضة واحتمال التناقض، فلاتصل نوبة البحث إليها، ولذلك لا يجوز الترخيص في محط البحث هنا حتى في الشبهة البدوية، مع أنه لا علم هناك بالتكليف (1)، انتهى محصله. وأنت خبير بما فيه، فإن مسألة منجزية العلم الإجمالي في محيط العقل، تارة: تقاس إلى إمكان الترخيص عقلا، واخرى: إلى إمكانه شرعا، وما يلزم منه المناقضة واحتمالها هو الثاني، لا الأول، ضرورة إمكان كون الحكم الفعلي باقيا على فعليته وحتميته، ومع ذلك يرخص العقل في الارتكاب، لأجل أن العقاب بلا بيان، والمؤاخذة بلا برهان، فما في كلمات العلامة العراقي من الخلط (2) غريب. فما هو أصل البحث هنا: هو أن العلم الإجمالي ينجز الواقع، على وجه يستحق العبد العقاب ولو ارتكب واحدا من الأطراف، وأتلف الطرف الآخر، أم لا، وأنه يكون بيانا حتى يصح العقاب، أو لا، وعندئذ يتبين: أن نوبة البحث تصل إلى هذه المسألة. نعم، فيما إذا وصلت النوبة إلى إمكان ترخيص الشرع يثبت التنجيز، للعلم وجدانا، حسبما تمسكوا به، وبرهانا وهو المناقضة. وبالجملة: منجزية العلم الإجمالي، ليس لها معنى غير أنه إذا علمنا إجمالا بتكليف المولى، فهل هو يورث العقاب ؟ والجواب: نعم، لأنه إذا لم يورث العقاب يلزم المناقضة، لأن عدم لزوم العقاب لأجل جريان الاصول المؤمنة في الأطراف، وهذا يستلزم المضادة والمناقضة. وعلى كل تقدير يكون الأمر سهلا، كما لا يخفى. وبالجملة: ربما يشكل في تمامية الوجدان وحكم العقلاء بالنسبة إلى واحد


1 - تهذيب الاصول 2: 53. 2 - نهاية الأفكار 3: 46. (*)

[ 192 ]

من الأطراف والمخالفة الاحتمالية، لأجل أن القياس المتشكل من الشكل الأول، لا يقتضي إلا حرمة المخالفة القطعية، فإنه إذا قلنا: ب‍ " أن هذا خمر أو هذا، وكل خمر حرام، فهذا حرام أو هذا " فلا يدرك العقل إلا ممنوعية ارتكاب المجموع. كما أن الضرورة قاضية بأنه لو وصل من الشرع ذلك، ينتقل منه إلى جواز ارتكاب واحد من الإناءين، فلاينبغي الخلط بين البراءة الشرعية، وبين العقلية والعقلائية، فإن الشرعية لا تجري حتى في الواحد منهما في مفروض البحث، كما عرفت، وأما العقلية والعقلائية فلا تجري بالنسبة إلى المجموع، وأما بالنسبة إلى الواحد لا بعينه، فلايتم الوجدان، ولا البرهان. وبالجملة: الوجدان يمنع إذا كان بناؤه على ارتكاب الأطراف، وارتكب المجموع وإن لم يكن عن بناء سابق، وأما إذا كان بانيا على إعدام الطرف الآخر، فارتكب أحدهما، وأعدم الآخر، فلا وجدان، ولا أقل من الشك، فلاتتم صحة المؤاخذة، لأنه لابد من ثبوت البيان حتى يصح المؤاخذة والعقاب. أقول: لو جاز ارتكاب أحد الطرفين لجاز الطرف الآخر، وحيث لم يجز ارتكاب المجموع كما هو المفروض، فلم يجز ارتكاب واحد منهما أيضا، وذلك لا لأجل ما قيل: من أن ارتكاب الإناء الثاني كالأول، والعلم بحصول المخالفة غير ممنوع بالضرورة، لإمكان دعوى: أن العقل وإن كان لايمنع من العلم بالمخالفة في الشبهات البدوية، بتوسيط الجفر، أو غيره، ولكنه يمنع هنا، لأنه بواسطة ارتكاب الطرف. وبعبارة اخرى: إذا كان يرى أن البيان يتم بذلك، إما في حقه، أو في حق الارتكاب الأول، فيستحق العقوبة، لأجل تمامية البيان. بل لأجل أن تجويز ارتكاب الإناء الأول إذا أمكن، فارتكاب الثاني أهون، ضرورة أن العلم الإجمالي بعد ارتكاب الأول ينعدم، فلو كان لا يؤثر حين وجوده،

[ 193 ]

فهل يعقل أن يؤثر حين انعدامه ؟ ! اللهم إلا أن يقال: إنه يؤثر حين وجوده في واحد لا بعينه، ويبقى الأثر بعد الانعدام في الواحد الباقي، فتأمل. وإن شئت قلت: لو صدقنا أن البيان بالنسبة إلى المخالفة القطعية تام، فلنا السؤال عن أن ترخيص المخالفة الاحتمالية عقلا، إما موضوعه الواحد الشخصي، أو واحد على البدل ؟ ولا سبيل إلى الثالث، كما لاسبيل إلى الأول، فتعين أن يكون البيان تاما على الواحد لا بعينه. وإذا كان تاما على الواحد لا بعينه أيضا، فإما معناه أنه يتم على هذا العنوان، ولا سبيل إليه، كما لا سبيل إلى أنه تام على الواحد المعين، فلابد من القول: بأنه تام بالنسبة إلى الحكم المعلومة كبراه تفصيلا، وصغراه إجمالا. ومعنى هذا هو تمامية البيان على ما هو الواقع، إذا انطبق الارتكاب عليه، فيلزم حينئذ الاحتياط عقلا. ولو صح ذلك عقلا، فلا يعتنى بما ربما يتخيل: من أن حكم العقلاء بجواز ارتكاب واحد وإعدام الآخر من غير أن يكون بيان، علة لحكمهم ودرك سبب تفكيكهم بين ارتكاب المجموع، وارتكاب الواحد. وبعبارة اخرى: إذا كان البيان على الواحد منهما تاما، فإما يكون على عنوان " الواحد لا بعينه " أو على واقع لا بعينه، أو على ما هو الخمر واقعا: لا سبيل إلى الأول، للزوم كون البيان تاما على شرب الماء. ولا إلى الثاني، لما لا واقعية له. فيكون البيان وحجة المولى تاما على ما هو الخمر، فإذا تمت الحجة فلابد من إمكان الاعتذار إذا خالفها، ولا عذر عقلا بعد تمامية الحجة. وأما شرعا فقد مر تفصيله (1)، فلاحظ واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 185 - 186. (*)

[ 194 ]

تتميم وتحليل حول تنجيز ضمان المثليين والتكاليف عند العلم الإجمالي لاشبهة فيما إذا علمنا إجمالا باشتغال الذمة بضمان أحد المتباينين المثليين، بوجوب ردهما، لأن العلم بالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، فلا يجوز الاكتفاء برد المثل الواحد، لأنه بذلك لا يحصل العلم بالبراءة. فعلى هذا، لو لم يكن إشكال آخر من ناحية العقل أو الشرع، لكان التنجيز في الضمانات قطعيا. ومن هنا يظهر: أنه لو قلنا: بأن التكاليف الإلهية مضمونة، كما قيل واستظهرناه من " الدرر " في المقام كما مر (1)، أو قلنا: بأن الواجبات الشرعية دين حسب الأدلة الخاصة، كما اختاره السيد الفقيه اليزدي (قدس سره) (2) فيلزم الاحتياط. وحيث إنه في المثال الأول لا يمكن الالتزام بوجوب الاحتياط، لعدم جواز تصرف الدائن في مجموع الطرفين، لأنه بعدما أخذ المثلين يعلم إجمالا: بأنه لا يجوز له التصرف في واحد منهما، ولابد من رد أحدهما إلى صاحبه، ولو أتلفا فعليه ضمان واحد منهما، فيتسلسل، بل ولو تلفا على إشكال فيه، فيتعين إما الصلح، أو المصالحة القهرية، أو جواز المخالفة الاحتمالية، وإما الشركة في القيمة، وتفصيله في محل آخر. وأما في موارد التكاليف فلا يلزم محذور. نعم لنا المناقشة في كونها مضمونة، وتكون دينا في محلها، ولاسيما توهم اقتضاء نفس التكليف ذلك، وأسوأ حالا تخيل أن المحرمات مضمونة، فإنه باطل عقلا، وقد مر منا وجه فساده في محله (3)، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 182. 2 - العروة الوثقى 2: 488، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8. 3 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 79. (*)

[ 195 ]

نقل مختار المحقق الأصفهاني في تنجيز العلم الإجمالي ونقده تشبث المحشي المحقق الأصفهاني (قدس سره) لتنجيز العلم الإجمالي على وجه العلية التامة بمقدمات (1)، ومنها: ما مر في مباحث التجري (2)، وهو أن هتك المولى والظلم له من العناوين المقبحة بالذات، وتخلف الذاتي من ذي الذاتي محال، وعلى هذا يتعين الاحتياط، ويكون العلم الإجمالي منجزا بالعلة التامة. وأنت خبير بكفاية فساده لفساد مرامه، وقد مر في تلك البحوث فساد هذا. مع أنه لايتم بالنسبة إلى من يرتكب أحدهما، ويعدم الآخر بالمرة، لأنه من الشك في الهتك، والامور التي مثله لا واقعية لها، كما لا يخفى. المرحلة الثانية في كفاية الامتثال الإجمالي وعدم كفايته وقبل الخوض في هذه المسألة، نشير إلى بحث: وهو أنه هل يمكن الالتزام بكفاية الامتثال الاحتمالي مع العلم بالتكليف إجمالا ؟ بدعوى: أن ما هو الممنوع عقلا، ويدرك لزوم الاجتناب عنه قطعا، هو أن يكون العبد على حال ينتزع منه " أنه مخالف لمولاه " أو " أنه قد خالف مولاه " أو " أنه طاغ وظالم له " أو غير ذلك، وأما إذا أتى بأحد طرفي العلم الإجمالي، باحتمال


1 - نهاية الدراية 3: 88 - 92. 2 - تقدم في الصفحة 61. (*)

[ 196 ]

الإصابة، ويترك الآخر، باحتمال عدم الإصابة، ولأجل الفتور والضعف، وعدم مساعدة الحال، وغير ذلك من الامور الموجودة أحيانا في كثير من الناس، من غير إرادة الطغيان، والظلم، والعصيان، والخلاف، فلا بأس به، لما لا يكون مخالفة، فلا يعد عقلا مستحق العقاب، ولا أقل من قصور العقل عن درك ذلك. فبالجملة: الشك في أنه مخالف أو قد خالف سيده، يوجب عند العقلاء الشك في الاستحقاق. ولو صح ما اشير إليه، للزم حتى في صورة الإتيان بالمأتي به المخالف للمأمور به الظاهري تفصيلا، المناقشة في الاستحقاق. وإن شئت قلت: إن كان مبنى العقاب هي الجعل فالاستحقاق ممكن، وأما إذا كان مبنى العقاب على المسائل الاخر المحررة في محلها (1)، فيشكل، لأن العقاب من تبعات أن يرى العبد نفسه طاغيا وظالما لمولاه، ويصبح مخالفا له، ويدرك أنه قد خالف منعمه وواجبه، فإن هذه الادراكات تستتبع العقوبات، وأما ترك الواجب الواقعي، فلا عقوبة عليه في الشبهات البدوية قطعا، ومثله الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، ولو كان العقاب من تبعات الواقع، لكان الاحتياط لازما في البدوية. فمنه يتبين: أن ما اشتهر من " أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية " غير تام على إطلاقه. ونرجو من أهله أن يتدبروا حقه، ولايسلوا سيوفهم، ولست أنا من المصدقين بهذه المقالة، بل أردت طرح البحث حتى يعلم وجه المناقشة، والله هو العاصم. وللمسألة طور آخر من البحث والكلام، يطلب من مواقف اخر إن شاء الله تعالى، ويأتي جملة من البحث في البراءة إن شاء الله تعالى (2).


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 9: 225 وما بعدها، و 290 - 296. 2 - يأتي في الجزء السابع: 130 - 135. (*)

[ 197 ]

إذا تبينت هذه الوجيزة فاعلم: أن مسألة كفاية الامتثال الإجمالي، غير معنونة هنا على الوجه الصحيح، وقد خلطوا بين البحوث الاصولية في المجلد الأول، والمسائل الفقهية، وبين ما هو مطرح النظر في المقام، ولأجل أن يتضح الأمر، وتبين حقيقة الحال، بلا حاجة إلى إطالة المقال، فنقول: إن البحث عن اعتبار قصد الوجه والتمييز، أو شرطية كون المأتي به أو الذي يأتي به العبد، معلوما أنه المأمور به، وأمثال ذلك، بحث فقهي، والبحث عن إمكان التمسك بالإطلاق لرفع هذه الشكوك وعدمه، بحث تحرر تفصيله في مسألة التعبدي والتوصلي (1)، وأجنبي عن المقام. فالخوض هنا حول هذه الامور على نعت الكبرى الكلية، غير وجيه جدا، فضلا عما في تقريرات العلامة العراقي (قدس سره) حيث قال: " إن منشأ الإشكال إنما هي شبهة قصد الوجه والتمييز في العبادة المستلزم للامتثال التفصيلي " (2) انتهى، فإنه لو فرض أن المأتي به الإجمالي، فاقد لجميع ما يعتبر في المأمور به، فلا يبقى محل لكفاية الامتثال الإجمالي عن التفصيلي، كما لا يخفى. فبالجملة هذا البحث أجنبي عن المقام. نعم، هنا بحث يختص بالمسألة: وهو أن على تقدير اعتبار الوجه والتمييز وبعض القيود الاخر، فهل يعقل أن يكون المأتي به الإجمالي، واجدا لجميع القيود المعتبرة، أم لا ؟ وهذا هو المناسب للمقام. وبحث ثالث: وهو أن الإتيان بالمأمور به التفصيلي على وجه الإجمال، بالتكرار فيما يقتضي التكرار، أو بإتيان الأكثر فيما دار الأمر بين الأقل والأكثر، هل


1 - تقدم في الجزء الثاني: 146 - 147. 2 - نهاية الأفكار 3: 50. (*)

[ 198 ]

يستلزم ما يوجب الشك في سقوط الأمر، أو يستتبع ما يقتضي العلم بعدم سقوط الأمر، أم لا، للزوم الإخلال بما هو مورد الأمر وما هو الشرط ؟ وأما ما في " التهذيب " للوالد المحقق - مد ظله - من التعبير ب‍ " أن الامتثال الإجمالي يجزئ أم لا " (1) فهو أيضا في غير محله، لأن المحمول إذا كان الإجزاء وعدمه، يوجب اندراج البحث في الإجزاء، فكما يبحث هناك عن إجزاء الاضطراري عن الواقعي، يبحث هناك عن إجزاء الإجمالي عن المأمور به المعلوم بتفصيل، وعلى كل تقدير يكون الأمر سهلا. إذا تبين ذلك، فالكلام في المقام يتم في جهتين: الجهة الاولى: في إمكان تحصيل قصد الوجه بالامتثال الإجمالي لو قلنا باعتبار الوجه وأشباهه، فهل يمكن تحصيله بإتيان المأمور به الإجمالي، أم لا ؟ فإن أمكن فهو، وإلا فإن كان متمكنا من تحصيل العلم التفصيلي، أو ما هو كالعلم شرعا، فيتعين ذلك، وإلا فتندرج المسألة فيما يأتي في مباحث الاشتغال: وهو أنه في صورة العجز عن الامتثال، يسقط أمر الطبيعة، أم لا، وتفصيله هناك (2). والذي هو التحقيق في هذه الجهة: أن قصد الوجه يمكن تحصيله، ضرورة أن المراد منه هو الإتيان بداعي الوجوب، وهذا أمر حاصل في الامتثال الإجمالي. ولو اريد منه توصيف المأتي به بالوجوب، فهو أيضا ممكن، بأن يقيد ما يأتي به بقصد أنه يمتثل أمره على تقدير كونه واجبا، ولوجوب أمره.


1 - تهذيب الاصول 2: 55. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 160 - 169. (*)

[ 199 ]

وأما قصد التمييز، فالحق أنه لا يمكن. والذي يسهل الخطب: أن المبنى باطل عاطل، كما تحرر في محله (1)، فلا تخلط. الجهة الثانية: في صحة الامتثال الإجمالي إذا كان المأتي به الإجمالي واجدا لجميع ما يعتبر في المأمور به، فهل سبيل إلى منع الامتثال مطلقا، أم لا مطلقا، أو يفصل بين التوصليات والتعبديات، أو بين صورتي إمكان تحصيل العلم وعدمه، أو بين المتباينين والأقل والأكثر ؟ وجوه، بل أقوال. وما يمكن أن يستند إليه للمنع المطلق أو للمنع في الجملة امور: أحدها: أن العقل الحاكم والملجأ والملاذ في باب الطاعة، يدرك لزوم كون ما يمتثل به الأمر، فارغا من جميع الجهات المبعدة، ويدرك لزوم كون المقرب - بالحمل الشائع - خاليا من كافة الحيثيات المبعدة، ويدرك وجوب اختيار المصداق غير الجامع لعناوين مقبحة وباطلة. ولا يعقل اجتماع المقرب والمبعد في ظرف الامتثال، وفي ظرف سقوط الأمر. فعلى هذا، لو كان التكرار ولاسيما فيما يزيد على الثلاث، أو الإتيان بالأكثر - ولاسيما فيما إذا كان بالنسبة إلى الأقل، أكثر من الأضعاف - فيدور مثلا الأمر بين الواحد والعشرة، فيأتي بالعشرة. وبالجملة: لو كان التكرار من اللعب، ومن الكواشف عن عدم الاعتناء بشأن المولى، والمظهرات لعدم الاهتمام بمرامه - كما إذا كان يحتمل دخالة الوحدة مثلا


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 33 وما بعدها. (*)

[ 200 ]

في المأمور به، ولو كانت مرتفعة بحديث الرفع (1) - يلزم اجتماع المقرب والمبعد، ويلزم كون المأتي به معانقا للمبغوض، وقد حكم العقل وأدرك خلافه، كما مر في التعبدي والتوصلي، وفي باب اجتماع الأمر والنهي (2). ولو كان سقوط الأمر في التوصليات من المقربات القهرية، لأن العبد الآتي بالمأمور به واقعا وإن لم يكن متوجها إلى الآمر ونهيه، قد وفى بغرض المولى، فإذا قلنا: بأن ذلك من المقرب الواقعي سواء قصده أم لم يقصده، فيلزم اشتماله على المبعد، واجتماعهما غير جائز، فسقوط الأمر المعلوم تفصيلا بالمأتي به الإجمالي معلوم العدم، أو مشكوك، فالاكتفاء ممنوع. ومن هنا يظهر: أن إخراج التوصليات من دائرة البحث، في غير محله وإن كان مورد اتفاقهم (3). ويظهر: أن هذا التقريب يمكن إجراؤه في الأقل والأكثر، ولا يختص بالمتباينين. ويظهر: أن القائلين بالامتناع ك‍ " الكفاية " وأتباعه (4)، لابد لهم من القول بلزوم الامتثال التفصيلي، فما ذهب إليه هنا (5) خلاف ما بنى عليه في باب الاجتماع والامتناع. ويظهر: أن منشأ الإشكال، عدم واجدية المأتي به لجميع ما يعتبر في


1 - الخصال: 417 / 9، التوحيد: 353 / 24، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 184 - 185 والجزء الرابع: 191 - 193. 3 - فرائد الاصول: 1: 24، تقريرات المجدد الشيرازي 3: 321، كفاية الاصول: 315، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 66، درر الفوائد، المحقق الحائري: 343، نهاية الأفكار 3: 49، أنوار الهداية 1: 166. 4 - كفاية الاصول: 193 ولاحظ نهاية الأفكار 2: 424 - 425. 5 - كفاية الاصول: 315. (*)

[ 201 ]

المأمور به، وهو أن يكون مقربا كما في العبادات، فما في " تهذيب الاصول ": " من أن النزاع في أن الامتثال الإجمالي، يكفي عن التفصيلي مع أن الإجمالي واجد لجميع الشرائط " (1) في غير محله، للزوم كون المأتي به فاقدا لجهة التقريب المعتبر شرطا في العبادات. ويظهر: أن اختصاص النزاع بصورة القدرة على الامتثال التفصيلي (2)، في غير محله، لأنه ولو كان غير قادر على الامتثال التفصيلي، يلزم احتمال الإخلال بشرط العبادة مثلا في الإجمالي، وعلى هذا لا يتمكن في صورة العجز عن التفصيلي من الامتثال الإجمالي. نعم، لأجل الاحتمال المزبور الراجع إلى الشك في القدرة، لابد من الاحتياط أيضا عقلا من هذه الجهة. وتوهم: أنه في هذه الصورة لا يكون عابثا ولاعبا (3)، في محله بالنسبة إلى ما إذا كانت الأطراف قليلة، كالصلاتين، وأما إذا كثرت وبلغت إلى العشرة، فربما يجئ الاحتمال، كما لا يخفى. ثم إنه ربما يقال: إن العبد يدرك أنه لا يكون في الجمع بين الأطراف، لاعبا ومستهزئا وهاتكا، فعليه لاوجه لاستلزام الامتثال الإجمالي، إخلالا بالواجب وقيوده. وفيه: أنه ولو كان الأمر كما تحرر، ولكن المدار على أن يجد انتزاع القوم من عمله اللعب والهتك والاستهزاء مثلا، فلو كان هو في نفسه غير لاعب، ويدرك اعتبار القوم من التكرار المزبور ذلك، فلا يجوز، لأنه أيضا من الهتك والوهن


1 - تهذيب الاصول 2: 55. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 316. 3 - كفاية الاصول: 316. (*)

[ 202 ]

لساحة المولى. هذا آخر ما يمكن أن يقال، ولكن مما يؤسف له أن إطالة البحث حول هذا الوجه، لا تنتهي إلى وجه يطمئن الإنسان بصدقه، كما لا يمكن الوثوق بجواز التكرار، مع القدرة على التفصيلي على الوجه الميسور جدا، لأنه ربما يكون ذلك خروجا عما تعارف بين القوم في الامتثالات بالنسبة إلى أوامر مواليهم. نعم، مع العجز، أو في صورة تعسر العلم التفصيلي، أو استلزام العلم التفصيلي لبعض المحاذير العرفية، كالاستحياء من السؤال عما هو المأمور به تفصيلا، لا يبعد. وأما إذا خالف طريقة العقلاء في انتخاب الامتثال الملازم لانضمام بعض الجهات المحرمة، فالأظهر عدم الكفاية والاجتزاء، لما تحرر منا في التعبدي والتوصلي وفي مباحث الضد: من أن انتخاب الفرد المشتمل على الجهات المبغوضة، خلاف المتفاهم العرفي وإن أمكن الاجتماع جعلا وامتثالا، خلافا للقائلين بالامتناع جعلا وامتثالا، أو امتثالا فقط، كما عرفت تفصيله (1) فلا نعيد، والله ولي التوفيق. ثانيها: يظهر من الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) الإشكال في التوصليات إذا كانت من قبيل العقود والإيقاعات، بدعوى: أن ذلك يستتبع الترديد في الإنشاء، وهو ممنوع (2). أقول: قد تعارف الاحتياط المزبور في عصرنا جدا، ولو كان ذلك خلاف الاحتياط يشكل الأمر. وربما يقال: إن الترديد في الإنشاء، والتردد في قصد الإنشاء، غير الترديد


1 - تقدم في الجزء الثاني: 184 - 185، وفي الجزء الرابع: 191 - 193. 2 - لم نجد إلا ما ذكره الشيخ (رحمه الله) بنحو التوهم وأجاب عنه، ولاحظ فرائد الاصول 2: 509. (*)

[ 203 ]

فيما هو الممضى من الألفاظ التي ينشأ بها (1). وفيه: أن الترديد في تلك الألفاظ، يستلزم وجدانا أن العاقد غير مريد جدا حين الإنشاء، بل يكون بناؤه على إنشاء الزوجية بهذه الألفاظ إن تحققت، ولازم ذلك هو التعليق اللبي المورث للبطلان في باب الإيقاعات، بل والعقود. والذي يسهل الخطب: أن من يتصدى للإنشاء، جاهل بأن الألفاظ التي يستعملها هل هي لغو، أو موضوع لاعتبار العقلاء والشرع، وعندئذ بداعي حصول تلك العلقة وحصول الموضوعية والسببية، يتصدى لذلك، وإذا فرغ من الأطراف يحصل له القطع بما هو الموضوع والسبب. ولو كان بحسب اللب أنه ينشئ الزوجية بها إن كانت تؤثر فيها، فيكون تعليقا، ولكنه تعليق لبي موجود حتى في صورة العلم التفصيلي، بكفاية الألفاظ الكذائية حسب الأدلة الخاصة، كما لا يخفى، فيعلم منه أنه تعليق تقديري، وهو لا يضر. ثالثها: أن من اللازم كون المأمور به، على وجه يصلح لأن ينتزع منه عنوان " الطاعة والإطاعة " نظرا إلى لزوم إطاعة الله والرسول، ومفهوم " الإطاعة " لا يحصل إلا بالانبعاث عن بعث المولى، وهذا لا يمكن تحصيله في الامتثال الإجمالي، لأن فيه الانبعاث عن احتمال البعث، كما لا يخفى. وهذا من غير فرق بين صورتي القدرة على الامتثال التفصيلي، وعدمها. وبالجملة: يلزم الإخلال بالشرط في الامتثال الإجمالي، وهو يورث - في صورة العجز عن الامتثال التفصيلي - سقوط التكليف، أو عدم اعتبار الشرط، حسبما تحرر من الخلاف في محله (2). ولذلك أو ذاك يمكن أن يختار الحلي (قدس سره)


1 - مصباح الاصول 2: 78. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 160 - 169. (*)

[ 204 ]

عدم جواز التكرار حتى في صورة العجز عن الامتثال التفصيلي (1)، والله العالم. ومن هنا يظهر: أن ما حرره العلامة النائيني (قدس سره) هنا من الوجه لاختصاص عدم كفاية الامتثال الإجمالي في صورة القدرة على الامتثال التفصيلي (2)، بلا وجه، فإن هذا التقريب أعم. وتوهم انتزاع " الطاعة " في صورة العجز في غير محله، للزوم الخلف، وهوأن الطاعة - بحسب الواقع - لا تنتزع إلامن الانبعاث عن البعث، فلا تخلط. وبالجملة تحصل: أن كفاية الامتثال الإجمالي إما في عرض الامتثال التفصيلي، أو لا يكون في عرضه، ولا سبيل إلى اختيار الطولية (3)، كما يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (4). ثم إنه هل قضية هذا الوجه، جواز الامتثال الإجمالي في الإتيان بالأكثر ولو كان قادرا على الامتثال التفصيلي في الأقل والأكثر، كما يظهر من العلامة المزبور (رحمه الله) (5) ؟ أم لا يكفي، لاشتراك المتباينين والأقل والأكثر فيما هو المحذور، كما يستظهر من " تهذيب الاصول " (6) ؟ أم تختلف المسألة باختلاف المباني في الأقل والأكثر ؟ وهو الأظهر، وذلك لأنه إن قلنا: بأن امتثال الأجزاء، لأجل الانبعاث عن البعث الضمني المتعلق بكل جزء، فلا يكون الانبعاث عن الجزء المشكوك وجوبه والمعلوم عدم مانعيته - كما


1 - السرائر 1: 184 - 185. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 72 - 73. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 72 - 73. 4 - يأتي في الصفحة 210 - 211. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 73 - 74. 6 - تهذيب الاصول 2: 57. (*)

[ 205 ]

هو المفروض في محل البحث عندنا - إلا انبعاثا عن احتمال البعث، فلا يتحقق مفهوم " الطاعة " فالانبعاث إلى جملة العمل بالانبعاث عن الأمر بالكل المردد، لا يكفي لكون الانبعاث إلى الجزء، انبعاثا عن الأمر المعلوم. وأما إذا قلنا: بأن حديث الأوامر الضمنية من الأكاذيب الأولية - كما هو الحق - فلا انبعاث إلى الجزء المعلوم إلا بالانبعاث عن الأمر المتعلق بالطبيعة، من غير أن يكون هناك انبعاثان، أحدهما: إلى الكل، والثاني: إلى الأجزاء، بل هو انبعاث إلى الكل، ولكن حيث هو أمر تدريجي، يحصل تدريجا، فلا يلزم على هذا في صورة الإتيان بالجزء المشكوك، انبعاث عن احتمال الأمر، بل الانبعاث عن الأمر، والإتيان بالجزء المشكوك انبعاث إلى الطبيعة، وإيجاد الطبيعة بالفرد الأبسط والأكثر حذرا من احتمال بقاء الأمر لأجل الجزئية المحتملة، من غير فرق بين صورتي قبل الفحص وبعده في هذه الجهة، كما لا يخفى. نعم قبل الفحص لابد من الاحتياط، دون ما بعده. وأما إطالة الكلام حول سائر المحتملات والصور - كاحتمال المانعية، وصورة الجزء الاستحبابي وغيره - فهي من اللغو الممنوع جدا. أقول: يتوجه إلى هذه المقالة: أولا: أن الحق عدم تمامية اعتبار كون المأتي به، صالحا لأن ينتزع منه عنوان " الإطاعة والطاعة " والأمر بإطاعة الله ورسوله، ليس إلا ناظرا إلى امتثال الأوامر المتعلقة بالطبائع، والنواهي الزاجرة عنها، من غير لزوم ذلك، وإلا يلزم أصالة التعبدية، وخروج المحرمات والتوصليات بالتخصيص، والالتزام به مشكل، فلو امتثل أحد العباد أمر الصلاة، بإتيان جميع الأجزاء والشرائط، وفرضنا أنه لا ينزع منه عنوان " الطاعة " كفى بالضرورة، فيعلم منه سقوط الشرط المتوهم المزبور.

[ 206 ]

وثانيا: قد تحرر منا: أن قربية العمل، لا تنحصر بالانبعاث عن البعث، بل يكفي لها إتيان العمل بالأغراض الشرعية، والجهات الحسنة، وتطبيق تلك العناوين عليها (1). وما قد يقال بالانحصار (2)، يكون في الضعف مثل قول من يقول: بأن الأمر ليس إلا موضوعا للطاعة، كما عن الاستاذ البروجردي (قدس سره) (3) فإن القول الفصل هو الرأي الوسط، فربما يكون القرب حاصلا من الانبعاث عن البعث، كما في صورة الغفلة عن كثير من الدواعي، أو في بعض الحالات الخاصة، وربما يأتي العمل القربي وإن لم يكن أمر، بل يكون الأمر وجوده وعدمه عنده سيين، ولذلك يقع العمل القربي صحيحا ولو كان جاهلا بالأمر، أو معتقدا بأن أوامر الله تعالى ليست إلا ألطافا في الواجبات العقلية، فاغتنم وتدبر جيدا. وثالثا: لا يكون في صورة دوران الأمر بين المتباينين، انبعاث عن احتمال البعث، وإلا لانبعث في الشبهة البدوية، فمنه يعلم: أنه أيضا انبعاث عن البعث، إلا أنه إجمالي لا تفصيلي، فلا تخلط. وأما توهم: أن الانبعاث عن احتمال البعث أطوع، فهو من الخلط بين الطاعة، وبين حسن ذات العبد، وكمال إخلاصه، وفنائه في الرب، فما هو المقوم لمفهوم " الطاعة " لا يقبل الاشتداد والضعف، وما هو يقبل ذلك هي الصفات النفسانية، فما في " التهذيب " وغيره هنا (4)، غير وجيه، والأمر سهل.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 110 - 112. 2 - لاحظ جواهر الكلام 2: 88. 3 - لاحظ نهاية الاصول: 118. 4 - تهذيب الاصول 2: 56، نهاية الاصول: 423. (*)

[ 207 ]

تذنيب: في دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي والظن الانسدادي قد تبين في طي المباحث: أن حديث مراتب الامتثال، لا يرجع إلى محصل في المقال، وذلك لأن إدراك العقل، لا يتجاوز عن لزوم كون المأتي به مطابقا للمأمور به، فإن كان في مقام الإتيان إخلال بقيود المأمور به، فلا امتثال، وإن كان لا يخل بها فلا مراتب. نعم، إذا كان يعلم إجمالا: بوجوب القصر، أو التمام، وقد تنجز عليه التكليف، ولكنه يتعذر الجمع بالعذر اللاحق على العلم المنجز، يتعين عقلا إتيان أحد الأطراف. وأما إذا كان أحدهما مظنونا بالظن المعتبر على الانسداد، فهل يتعين ذلك مطلقا، أو لا مطلقا، أم يفصل بين اعتباره على الكشف، واعتباره على الحكومة ؟ وجوه وأقوال: فربما يقال: إنه مع كونه معتبرا على الكشف، لا تصل النوبة إلى الامتثال الإجمالي، ويكفي ذلك، لأنه كالتفصيلي وفي عرضه، ولا ينافي ذلك حسنه بعد الامتثال المزبور كما لا يخفى. والسر كله: أن الشرع اعتبر هذا الظن علما في رتبة تنجيز الواقع (1). وفيه: أنه معتبر عند عدم القدرة على الاحتياط المذكور في مقدمات الانسداد، وليس التعذر المفروض في المثال، من ذلك التعسر والعجز المذكور كليا في مقدمات الانسداد.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 70. (*)

[ 208 ]

هذا مع أنه لا فرق بين الظن على الكشف وعلى الحكومة، فإن الظن الموجود في أطراف العلم، هو مرتبة من العلم الموجود في البين، فيكون تنجيز الحكم في أحد الطرفين بمرتبة من العلم، وفي الطرف الآخر بمرتبة اخرى من العلم الإجمالي، فعليه يتعين المظنون مطلقا، فتأمل. ثم إن المدرك للزوم الامتثال هو العقل، ولا يدل إلا على لزوم الأمن من العقاب، وتبعات ترك التكليف المنجز، وعليه فتوهم لزوم المظنون ولو كان الظن غير حجة، بدعوى بناء العرف والعقلاء عليه، وهو مقتضى الفطرة السليمة (1)، ليس في محله كما لا يخفى. الخلاف حول مراتب الامتثالين التفصيلي والإجمالي ثم إنه قد اختلفوا في مراتب التفصيلي العلمي والإجمالي العلمي - وإن لم يخل بشرائط الواجب - على قولين (2) ولو صح هذا الخلاف لكان المتعين دعوى: أن مراتب الامتثال أكثر مما تصوروه، وذلك لأن الامتثال العلمي الوجداني، في طول الامتثال التفصيلي المستند إلى الطرق والأمارات، وهكذا ما هو المستند إلى بعض منها مقدم على المستند إلى بعض آخر. مثلا: إذا كان يتمكن من العلم التفصيلي الوجداني بصلاة الجمعة يتعين، وإذا كان متمكنا من التفصيلي العلمي كالإخبار، فيتعين عليه الرجوع إليه، وإذا كان


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 72. 2 - فمنهم من التزم بالطولية بين المرتبتين كما في فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 72 - 73، ومنهم من التزم بالعرضية بينهما كما في نهاية الأفكار 3: 53 وتهذيب الاصول 2: 56 - 57. (*)

[ 209 ]

يتمكن من تحصيل الظن الأقوى المستند إلى الخبر القليل الوسائط، يتعين ذلك. والسر كله: أن دليل تنزيل الأمارة منزلة العلم، مفقود كما تحرر (1)، وليس منه أثر كما تقرر، وما هو المستند هو بناء العقلاء، وحديث تنزيل المؤدى منزلة الواقع من الأباطيل الواضحة. فعليه ما هو المستند في مقام التنجيز والامتثال، هو العرف والعقل، فالعرف في مرتبة التنجيز ينجز الواقع بها، والعقل في مرتبة الامتثال يجد الفرق بين هذه المراتب، وحيث إن ذلك غير تام في هذه المرحلة، يعلم عدم تماميته مطلقا، لعدم الفرق. ولو كان منشأ اعتبار ذلك الشك، وكون المسألة من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فلازمه أيضا المحافظة على المراتب المزبورة، فيكون للامتثال مراتب، وإلا فلا مراتب. وغير خفي: أن الشك في الامتثال والسقوط، لا يعقل إلا بعد سريان الشك إلى التكليف والثبوت، فتصير المسألة من صغريات الأقل والأكثر، فإن قلنا هناك بالاشتغال، فلا فرق بين المراتب المذكورة، وإن قلنا بالبراءة فكذلك. كما لا فرق بين القول بالاشتغال في مطلق الأقل والأكثر، أو في خصوص المقام، لأن الشك يرجع إلى قيدية الوجه والتمييز، اللذين لا يمكن التمسك فيهما بالإطلاق اللفظي، ولا المقامي، ولا البراءة العقلية، ولا الشرعية، فإنه أيضا لا يحصل الفرق. والذي يسهل الخطب: أن المسألة لا تصل نوبتها إلى هذه المراحل، كما هو الواضح على ذوي الألباب والبصائر. ولا يخفى: أنه لو كان الشك في مطلق التعيين والتخيير، موجبا للاحتياط،


1 - يأتي في الجزء السادس: 244. (*)

[ 210 ]

لكان لازمه الاحتياط إذا شك في وجوب المطلق أو المقيد، فإنه يرجع إلى الشك في أن الواجب هو امتثال الرقبة المؤمنة، أو يكون هو مخيرا بين المؤمنة وغير المؤمنة، وكما ترى أن هذا غير صحيح، كذلك الأمر هنا، فإن الشك في التعيين والتخيير في مرحلة الامتثال، راجع إلى أن الواجب هو المقيد، أم هو مخير بين التفصيلي والإجمالي. والسر كله: أن التخيير المزبور عقلي لا شرعي، فلا تخلط. فذلكة البحث إن تصوير المراتب بين الامتثال التفصيلي والإجمالي، غير معقول، لأنه إن أمكن تحصيل المأمور به بجميع قيوده في الامتثال الإجمالي، فلا وجه لعدم الاجتزاء، لأن الإجزاء عقلي وقهري. وإن لم يمكن ذلك، فلا تصل النوبة إليه، ولايكون الإجمالي في طول التفصيلي. ولو أمكن ذلك، بإنكار شرطية الوجه والتمييز، وأمثال ذلك مما مر في وجه المسألة (1)، فهو ليس من الامتثال الطولي، بل يرجع إلى أن هناك أمرا آخر ومأمورا به آخر يمتثل، فلا طولية في البين على جميع التقادير، ضرورة أن معنى " الطولية " هو احتفاظ الأمر والمأمور به على جميع القيود في الحالين، وهذا غير معقول. نعم، الطولية بين الامتثال الإجمالي والامتثال الاحتمالي واضحة، لأنه لا يختلف في مرتبة الجعل المأمور به، وإنما الاختلاف في مرحلة الامتثال بحسب حال العبد قدرة وعجزا، فإذا كان قادرا فعليه الاحتياط، وإلا فيحتاط في الجملة.


1 - تقدم في الصفحة 199. (*)

[ 211 ]

وأما الطولية بين الامتثال الإجمالي والظني، فقد عرفت: أن الظن غير الحجة لا يوجب الترتيب، والظن الحجة بمقدمات الانسداد، إن كان مطلق الظن، فلا فرق بين كونه حجة على الكشف - فيكون كالظن الخاص - أو حجة على الحكومة، فيكون كالقطع، فإنه يلحق بالامتثال التفصيلي. وأما إذا قلنا: بأنه ليس مطلق الظن حتى يشمل المقام، فهو لا يورث الترتيب، فلا تغفل، ولا تخلط. قد تم الفراغ منه في أواخر السنة الثالثة من العشر الأخيرة، من المائة الرابعة بعد الألف، من الهجرة النبوية، على مهاجرها آلاف السلام والتحية، في النجف الأشرف. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[ 213 ]

المقصد الثامن في الظن

[ 215 ]

مقدمة قبل الخوض في المباحث، لابد من الإشارة إلى جهات: الجهة الاولى: في تنقيح محل النزاع لا يختص البحث بالأمارات والطرق، فإن الجهة المبحوث عنها، أعم من إمكان التعبد بها وبالظن الشخصي، حيث إنه كما يمكن المناقشة في إمكان التعبد بها، يمكن المناقشة في الثاني. وأيضا: لا يختص البحث بما مر، فإن الموجبات لتوهم الامتناع، تسري إلى الاصول العقلائية، والشرعية التأسيسية المحرزة، وغير المحرزة، كما هو الواضح، فإن القول بلزوم اجتماع الحلال والحرام في موارد الاصول غير المحرزة، أوضح من غيرها، فالبحث أعم من هذه الجهة أيضا. وليس في خصوص إمكان التعبد بالظن، كما في بعض الكتب (1)، أو في خصوص إمكان التعبد بالطرق والأمارات، كما في الاخرى (2)، ولذلك ينتهي الكلام في آخر البحث إلى كيفية الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية المشتركة في


1 - فرائد الاصول 1: 40، تقريرات المجدد الشيرازي 3: 351. 2 - كفاية الاصول: 317، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 88. (*)

[ 216 ]

مشكلاته الأمارات والاصول على إطلاقها، فكون ابن قبة من المخالفين في خصوص الخبر الواحد - على فرض تمامية النسبة - (1) لا يورث قصور البحث وحصره بما اشير إليه. ثم إنه إن قلنا: بأن حجية القطع غير ذاتية، وهكذا حجية الظن على الانسداد والحكومة، فهذان أيضا يندرجان في محط الكلام في المقام، لأن المشكلات تنشأ عن تنفيذ الشرع وجعله، وإعمال التعبد وتأسيسه، فإذا كان اعتبارهما باعتبار الشرع، فيلزم المحاذير الآتية (2). وأما إذا قلنا: بأن الحجية ذاتية لهما، أو لخصوص القطع - كما لا يبعد، لأن حجية الظن على الحكومة، تستلزم الخلف، بخلاف حجية القطع، كما تحرر - فيلزم أوسعية نطاق البحث أيضا من جهة اخرى: وهي أنه كما يمكن المناقشة في التعبد بالأمارات ومطلق الظن، وفي التعبد بالاصول بجعلها تشريعا، كذلك يمكن المناقشة في جعل القطع مثلا تكوينا، فإن المشكلات المتوهمة، لا تختص بالمجعولات التشريعية والإمضائية، ضرورة أن خلق الطريق والقطع المنتهي إلى خلاف الواقعيات مع التوجه إلى ذلك، غير جائز، لامتناع ذلك على من يريد الواقع على إطلاقه، ويريد خلق القطع على إطلاقه، بعد كون المريدين واحدا، فإنه تعالى خالق القطع وجاعل الحكم، ومتوجه حين خلقه إلى تخلفه عن الواقع، فهل يمكن بقاء الإرادة التشريعية الإلزامية، مع توجهه إلى انتهاء القطع في موارد كذا وكذا إلى خلافها ؟ ! وهذه هي عين مشكلة الأحكام الظاهرية والواقعية في موارد الطرق والأمارات. فعلى ما تحصل، لابد من أخذ العنوان الجامع لهذه الجهات المتنوعة، حتى


1 - الفصول الغروية: 271. 2 - يأتي في الصفحة 222 وما بعدها. (*)

[ 217 ]

يكون وافيا بتمام البحث، وذلك أن يقال: بأن الكلام في المقام حول أنه هل يمكن أن يرتضي الشارع - إمضاء، أو تأسيسا، تشريعيا كان، أو تكوينيا - باعتبار ما يجوز أن يؤدي إلى خلاف الواقع، كما في موارد الطرق والاصول طرا، أم لا يمكن ذلك ؟ وبعبارة اخرى: هل يمكن أن يعتبر الشرع، ما يؤدي إلى خلاف الواقع أحيانا، أم لا ؟. ومن هنا يظهر: أن النقض على ابن قبة بما في الموارد الكثيرة غير المفيدة للعلم (1)، في غير محله، لأن البحث ليس هنا مع ابن قبة، أو شخص آخر، ضرورة أن الاصولي لابد وأن يدقق النظر إلى الأطراف، ويحقق في الشبهات بحلها، سواء تعرض لها أحد، أم لم يتعرض لها. وهكذا تبين: أن النقض عليه بالقطع (2)، في غير محله. وعلى هذا تبين: أن ما جعلوه محور البحث من الاختصاص بالظن، أو الأمارات والطرق، غير واقع في محله. الجهة الثانية: في المراد من " الإمكان " المزبور لا شبهة عند المحصلين في أنه ليس الإمكان الذاتي، لأنه في مقابل المستحيل الذاتي، كاجتماع النقيضين، ولا خفاء في أن التعبد المزبور، وجعل ما يؤدي إلى الخلاف، ليس من المستحيلات الذاتية، بل لو استحال فهو لأمر آخر يطرأه ويقتضيه، كما أن استحالة اجتماع الضدين والدور والتسلسل، كذلك كلها، لرجوعها إلى المناقضة واجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما. بل امتناع شريك الباري


1 - الفصول الغروية: 271 / السطر 34. 2 - الفصول الغروية: 271 / السطر 37. (*)

[ 218 ]

أيضا للفساد، كما يظهر من الكتاب (1)، فتأمل. وبالجملة: بعد الفراغ من ذلك فالاحتمالات خمسة، لأن جمعا من الأفاضل والأعلام اختاروا أنه الإمكان الوقوعي (2)، وأن الخلاف في المسألة حول هذا الإمكان ومقابله، وهو الامتناع الوقوعي، وذلك لقيام المحاذير الكثيرة على التعبد المزبور، فالتعبد على الوجه السابق ممتنع بالغير، كامتناع المعلول بلا علة، فإذا دفعنا تلك الشبهات يصير ممكنا، ويصح أن يتعبد به في الشرع. وحيث يتوجه إليه: أن المحاذير لا تقبل الحصر العقلي، فلا سبيل إلى العلم بعدم وجود المحذور الآخر، ضرورة أن محاذير ابن قبة كانت محصورة بين الأمرين، وصارت في العصور المتأخرة إلى الشبهات الكثيرة، وربما تأتي في العصور الآتية شبهات اخرى، فعندئذ لا يمكن استكشاف الإمكان الوقوعي بعد معلومية إمكانه الذاتي. ولأجل هذه الشبهة اختار الشيخ الإمكان العرفي (3)، فإن بعد رفع المحاذير، يكون حكم العقلاء على الإمكان في مسالكهم العرفية، فكان الخلاف هنا في أنه هل يمكن عرفا التعبد المزبور، أم لا يمكن عرفا ؟ فمن ادعى الثاني أقام المحاذير، ومن دفعها يثبت لديه الأول. وفي " تهذيب الاصول ": إن " الإمكان " هنا هو الاحتمال (4)، كما هو المراد من " الإمكان " في قاعدة الإمكان في الحيض عند جمع (5)، وهو المراد من القاعدة المعروفة عن الشيخ رئيس الصناعة، وهي: " أن كل ما قرع سمعك من غرائب


1 - * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * الأنبياء (21): 22. 2 - كفاية الاصول: 317، نهاية الأفكار 3: 56، نهاية الاصول: 437، منتهى الاصول 2: 64. 3 - فرائد الاصول 1: 40. 4 - تهذيب الاصول 2: 59. 5 - روض الجنان: 72 - 73 / السطر 29، القواعد الفقهية 1: 18. (*)

[ 219 ]

الزمان وعجائب الدوران، فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان " (1) وذلك لأن مما قرع سمعنا التعبد بالأمارات والطرق والاصول، فما دام لم يذدنا البرهان قائما، يكون التعبد بها ثابتا، ضرورة أن رفع اليد عن أدلة اعتبارها مع الشك في الإمكان، غير جائز، ولا طريق لنا إلى إثبات الإمكان الوقوعي، كما عرفت، فيكون المراد من " الإمكان " هو الاحتمال. والمخالف لقيام المحاذير العقلية، أنكر الإمكان، ونحن - لرفع تلك المحاذير - لا نتمكن من طرح الأدلة بشهادة العقل والعرف (2)، انتهى محصل مرامه - مد ظله - بتصرفات منا. أقول: ما هو مورد كلام المتأخرين، هو أن المراد من " الإمكان " ماذا ؟ أي ما هو المراد من " الإمكان " المأخوذ في العنوان المطرح للأنظار المختلفة ؟. فعلى هذا يصح حمله على الاحتمال، وأن يقال: هل يحتمل وقوع التعبد، أم لا يحتمل وقوع التعبد ؟ فان اقيم البرهان على عدم صحة الاحتمال بإثبات الامتناع فهو، وإلا فالاحتمال باق على حاله، فإذا وجدنا الدليل على وقوع التعبد، لا يجوز طرحه. وهذا أحسن مما في " التهذيب " لما فيه من الإجمال والمناقشة، ولا معنى لرفع اليد عن العنوان المعروف إلى ما جعله عنوانا. ومن هنا يظهر: أن حمل " الإمكان " على الإمكان الوقوعي، ثم لأجل سد الطريق إلى إثباته نتمسك بالإمكان العرفي، بلا وجه. مع أنه لا معنى له إلا بدعوى: أن العرف يحكم بالإمكان الوقوعي، وهذا غير واضح، لأن العقلاء يعملون على حسبما يحتاجون إليه، ويحتجون بما عندهم من


1 - شرح الإشارات 3: 418. 2 - تهذيب الاصول 2: 59. (*)

[ 220 ]

الحجج، وأما الحكم على شئ بكذا أو كذا، فهو خارج عن الطريقة العملية، ولا شبهة في أن العقلاء يعملون بالأدلة السمعية مادام لم يحرز امتناعه، فما في كلام الشيخ (1) أيضا لا يخلو من الإشكال. فعلى ما تحصل إلى هنا، يسقط ما في كلام كثير من الأعلام: " من أن حمل " الإمكان " على الاحتمال غير جائز، لأنه أمر لا خلاف فيه " (2). وفي " الدرر ": " إن الاحتمال موجود عند بعض، ولا يوجد عند آخر " (3). انتهى. وذلك لأن العقل لا يجوز احتمال المناقضة، ولا يجوز احتمال وجود المعلول بلا علة، لقيام البرهان على امتناعه، والوجدان على استحالته، وأما فيما نحن فيه فلا يأبى عن الاحتمال، لعدم استحالته، ومن يدعي الاستحالة لابد من إثباتها، وسيظهر المحاذير الناهضة عليها مع ما فيها إن شاء الله تعالى. بقي شئ إن هنا احتمالا رابعا: وهو أن المقصود من " الإمكان " هو الإمكان الاستعدادي، إلا أن الإمكان الاستعدادي حيث يكون من الامور الخارجية، بخلاف الإمكانين: الذاتي والوقوعي، ففيما نحن فيه يعتبر الإمكان الاستعدادي، لأجل أن البحث يكون حول أن الطرق والأمارات وأشباه هذه الامور حتى الاصول، هل تكون قابلة للجعل والتنفيذ، أم لا تقبل ذلك، وليست فيها القابلية، للمحاذير الآتية والتوالي الفاسدة الكثيرة ؟.


1 - فرائد الاصول 1: 40. 2 - حقائق الاصول 2: 61 - 62، مصباح الاصول 2: 89. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 349. (*)

[ 221 ]

وفيه: أنه يشبه الإمكان الوقوعي، لأنه عند عدم وجود المحاذير لا يمكن الحكم بالقابلية. نعم يمكن كشف الإمكان الوقوعي والقابلية الاعتبارية، من جهة وقوعها في الشريعة، فإنه إذا قطعنا بأن الشرع اعتبر في الجملة شيئا يؤدي إلى خلاف الواقع، نقطع - حسب لازمه - بالإمكان الوقوعي والقابلية المزبورة. إن قلت: بناء على هذا يمكن حمل " الإمكان " على الوقوعي، كما عليه الأكثر (1). قلت: نعم، إلا أن البحث عن الإمكان واللا إمكان، مقدم على البحث عن الوقوع واللاوقوع. والذي يساعده الطبع في البحث، هو حمل " الإمكان " على ما لا يحتاج إلى فرض وقوع التعبد في الشرع، مع أن الكلام في المقام الأول حول إمكان الوقوع وعدمه. بقي شئ آخر وهو أن من المحتملات وهو خامسها وأضعفها: الإمكان التشريعي الواقع في كلام العلامة النائيني (قدس سره) (2) وقد اجيب عنه بما لا مزيد عليه (3). والذي أزيده: أن الإمكان من الاعتبارات الفلسفية، وليس من الامور التكوينية رأسا، حتى يقال: إن الإمكان هنا تشريعي، لا تكويني، كما لا يخفى على أهله.


1 - كفاية الاصول: 317، نهاية الأفكار 3: 56، نهاية الاصول: 437، منتهى الاصول 2: 64. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 88. 3 - نهاية الأفكار 3: 56، أنوار الهداية 1: 191 - 192، تهذيب الاصول 2: 60. (*)

[ 222 ]

الجهة الثالثة: حول المحاذير التي يمكن أن تذكر للتعبد بما يؤدي إلى خلاف الواقع أحيانا فربما يقال: إن تلك المحاذير بين ما هو ملاكي، وخطابي (1). وفي " الكفاية " ذكر امورا ثلاثة: اجتماع المثلين أو الضدين، وطلب الضدين، وتفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة (2). وفي " تهذيب الاصول " حصر الأقسام بين أربعة، لأنها إما راجعة إلى الملاكات، كاجتماع المصلحة والمفسدة. أو إلى مبادئ الخطابات، كاجتماع الكراهة والإرادة، والحب والبغض. أو إلى نفس الخطابات، كاجتماع الضدين والنقيضين والمثلين. وإما إلى لازم الخطابات، كالإلقاء في المفسدة، وتفويت المصلحة (3). ولكنه أيضا لم يستوف جميع المحاذير، لأن منها الجزاف، ضرورة أن الإلزام بما لا تكون فيه المصلحة الإلزامية، خلاف مذهب العدلية القائلين: بأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، ومن الجزاف إيجاب ما فيه المفسدة الملزمة، أو بالعكس. ثم إن اجتماع الضدين غير طلب الضدين، وما هو يرجع إلى نفس الخطاب هو طلب الضدين، وصورة اجتماع الضدين والمثلين من تبعات الجعل والخطاب، للزوم كون الواجب حراما وبالعكس. وأما تحليل الحرام وتحريم الحلال بما هو هو، فلا محذور فيه، إلا إذا رجع


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 89، منتهى الاصول 2: 65. 2 - كفاية الاصول: 318 - 319. 3 - تهذيب الاصول 2: 60 - 61. (*)

[ 223 ]

إلى بعض ما ذكرنا، كما لا يخفى، أو رجع إلى التصويب الباطل، لأجل أن لازم التعبد المزبور، اختصاص الحكم بالعالم، وأن الحكم المخصوص بالجاهل، هو مؤدى الأمارة. أو إلى أنه من نقض الغرض: فإن الغرض تعلق بمنع الناس وتحريمهم عن الخمر، ثم يجعل ما يؤدي إلى خلافه، أو تعلق الغرض بإباحة شئ على الناس، نظرا إلى التسهيل في امورهم، ثم يجعل ما ينتهي إلى تصعيب الأمر عليهم. وأنت تعلم: أن كثيرا مما ذكر عبارات متعددة تحكي عن الامور الراجعة إلى محذور واحد في الحقيقة، بحيث إذا قلع ذلك المحذور، لارتفعت هذه المحاذير على كثرتها، والأمر سهل. إذا عرفت هذه المحاذير بإجمالها، فقبل الخوض في تفصيلها نشير إلى أن ما نسب إلى ابن قبة: " من أنه لو جاز الإخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجاز الإخبار عن الله تبارك وتعالى " (1) - سواء كان نظره إلى وجوب الملازمة بين الوقوعين، أو كان إلى أن الإخبار عن الله تعالى من المستحيل، فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله في الاستحالة - ساقط جدا. ولا يبعد الثاني، لأن الأول في غاية السخافة، ضرورة إمكان التعبد بلزوم الأخذ بطريق دون طريق وهكذا، أو جواز التفكيك بين الإخبارين، فما هو الأقرب هو الثاني. وعلى كل تقدير: لا يرجع إلى محصل، ولعله أراد به بعض ما لا نفهم من كلامه، لبعد عصره، وعلو قدره. وبالجملة: الإخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير جائز إلا مع الوسط، والإخبار عن الله جائز مع الوسط، إلا أن الوسائط الموجودة بيننا وبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمثالنا المبطوطين


1 - فرائد الاصول 1: 40. (*)

[ 224 ]

في التأريخ، والوسائط الموجودة بيننا وبين الله تعالى لابد أن تنتهي إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لانقطاع الوحي بفقده (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذلك قد اخبر عن الله تعالى بتوسيط الأولياء وبعض الفقهاء، ومنهم السيد علي خان (قدس سره) حيث إنه تشرف بسلسلة ذهبية من آبائه - رضوان الله تعالى عليهم - إلى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) وذكر خمسة أحاديث مسلسلة بالآباء وفيها ما يرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج، وعن الله تعالى (1). ومن العجيب إطالة الكلام حول هذه المشكلة، بذكر محتملاتها، والجواب عنها، كما في تقريرات العلامة العراقي (قدس سره) (2) ! ! انقسام المحاذير العقلية إلى ثلاث طوائف إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المحاذير بين ما هو محذور عقلا، كاجتماع الضدين والمثلين، سواء كان في الملاكات، أو في المبادئ، وبين ما هو محذور بالقياس إلى المبدأ الأعلى: وهو امتناع الجزاف في حقه تعالى، كنقض الغرض، والإلقاء في المفسدة، وتفويت المصلحة، وبين ما هو المحذور بالقياس إلى المذهب الحق، كلزوم كون الحكم بلا مصلحة ولا مفسدة. وبين الأخيرين فرق، فإن الأول غير جائز عند المسلمين، والأخير غير جائز إلا عند الأشاعرة، والأمر سهل. ثم إن من الأجوبة ما تنحل به تمام المحاذير، ومنه ما يختص ببعض منها. وغير خفي: أن إطالة الكلام حول المباني المختلفة على السببية والموضوعية، وعلى الانسداد والانفتاح، غير صحيح إنصافا، وقد استوفى القوم ذلك


1 - رياض السالكين 1: 31 - 38. 2 - نهاية الأفكار 3: 57 - 59. (*)

[ 225 ]

مع ما في إفاداتهم (1)، فنحن نتصدى لما هو حل هذه المعضلات على المذهب المنصور، وهو انفتاح باب العلمي والطريقية. الطائفة الاولى: المحاذير الممنوعة عقلا فتندفع في باب الطرق والأمارات وكل ما يحذو حذوها بإنكار لزوم اجتماع المثلين والضدين في صورة الإصابة والخطأ، وذلك لما تحرر: من أن الشرع غير متصرف فيها إلا بالإمضاء (2). وربما يقال: إنه لا حاجة إلى الإمضاء، بل يكفي عدم الردع (3). وعلى كل تقدير لا معنى لتوهم الحكمين رأسا حتى يلزم ما لزم. وأما في باب الاصول المتصدية للجعل، كجعل الحلية والطهارة، أو للرفع، كرفع الوجوب والحرمة، أو رفع الجزئية والشرطية، أو غير ذلك: فما كان من قبيل الثاني، فأيضا لا يلزم منه اجتماع الضدين، ولا المثلين، لأنه رفع لا نصب، فلا حكمين رأسا. وما كان من قبيل القسم الأول فيشكل، للزوم كون الشئ المشكوك حلالا، وإذا كان هو خمرا فهو حرام، فيلزم اجتماع الحلية والحرمة المتضادين، وهو مستحيل. وربما يقال: إن ما هو الموضوع للحرمة هو الخمر، وما هو الموضوع للحلية هو الخمر المشكوك، فهنا موضوعان، ولا يلزم اجتماع الضدين، ولا المثلين (4).


1 - فرائد الاصول 1: 41، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 89 - 97، نهاية الأفكار 3: 59 - 60. 2 - يأتي في الصفحة 247 - 248. 3 - أنوار الهداية 1: 202، تهذيب الاصول 2: 72. 4 - فرائد الاصول 1: 308 - 309 و 2: 750. (*)

[ 226 ]

ويظهر من السيد الاستاذ الفشاركي (قدس سره) تعبير آخر: " وهو أن موضوع الحرام هي الذات، وموضوع الحل معنى متأخر عنها برتبة، وهو الشك في الحكم المتعلق بالذات، فلا يعقل اجتماعهما في محل واحد " (1). ويتوجه الى التقريب الأول: - مضافا إلى ما تحرر في مسألة الضد من أن الإطلاق والتقييد، لا يكفيان لتجويز اجتماع الأمر والنهي (2) - أن الأدلة إما ظاهرة في أن المشكوك بما هو، مورد الحل والطهارة، فتكون النسبة بين الواقعيات وأدلة الاصول الجاعلة، عموما من وجه، كما عرفت منا في مبحث القطع (3). أو تكون الأدلة بصدد جعل الحلية الموقتة لما هو موضوع الحرام واقعا، فيكون الشك جهة تعليلية لعروض الحلية على الذات، وتكون القضية في اعتبار من القضايا الحينية، أي " الخمر حين الشك حلال " لأن الأدلة ظاهرة في أن كلمة " شئ " كناية عن العناوين الذاتية، فهذا التقريب غير تام ثبوتا وإثباتا: أما ثبوتا، فلعدم كفاية الإطلاق والتقييد لتعدد الموضوع، اللازم للفرار من اجتماع الضدين. وأما إثباتا، فلما اشير إليه آنفا. ويتوجه إلى التقريب الثاني: أن الشك وإن لم يكن من قبيل السواد والبياض من الصفات الخارجية، ويكون متعلقه الشك في الحكم، والحكم - على تقدير وجوده الواقعي - متعلق بذات الخمر، والشك متأخر عن ذلك الحكم، ولكنه يرجع إلى كون الشك تمام الموضوع، فيلزم أن تكون النسبة بين موضوع الأحكام الأولية والثانوية، عموما من وجه، وهذا معناه إنكار الأحكام الظاهرية، كما مر في مباحث


1 - الرسائل الفشاركية: 19 - 21. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 143 - 147. 3 - تقدم في الصفحة 189 - 190. (*)

[ 227 ]

القطع (1)، وليس وجها مقبولا عنده وعند الآخرين. وإن شئت قلت: الشك إما يكون جهة تعليلية، فيلزم المحذور، أو جهة تقييدية، فيكون القيد الآخر إما الحكم المتعلق بالذات، أو نفس الذات، ولا سبيل إلى كون القيد الآخر نفس الحكم بدون الذات بالضرورة، للملازمة. مع أنه لا معنى لكون الشك مورد التحليل، وعلى تقدير يلزم المحذور. وأما كون الشك تمام الموضوع فلا محذور فيه، إلا أنه يلزم كون الحكم الظاهري واقعيا، كما في العامين من وجه. مع أنه لا حاجة إلى هذه التشبثات، فليتدبر. فتحصل: أن حل مشكلة اجتماع الضدين والمثلين صغرويا، غير ممكن إلا على القول: بأن النسبة بين محط الحكمين عموم من وجه، فإنه به يتعدد الموضوع، كما تحرر تفصيله في بحوث الضد مستوفى (2)، وفي آخر مباحث القطع أيضا في خصوص هذه المسألة لتجويز الاقتحام في جميع أطراف المعلوم بالإجمال (3). هذا تمام الكلام في دفع هذه العويصة بالنسبة إلى اجتماع الحلال والحرام، والطهارة والنجاسة في الخارج. بقي اجتماع الكراهة والإرادة، وهما أيضا ضدان، ومثلهما الحب والبغض، واجتماع الإرادتين والكراهتين، والحبين والبغضين، والكل ممتنع بعد كون المتعلق واحدا. أقول: لا يكون مصبهما واحدا بالمرة في الأمارات، ولا في الاصول، ضرورة أن ما هو مصب الأحكام الواقعية ومورد الحب والبغض، هي الذوات والطبائع والعناوين النفسية، وما هو مصب الإمضاء في الطرق والأمارات والاصول هو


1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 146 - 147. 3 - تقدم في الصفحة 189 - 190. (*)

[ 228 ]

عنوان " التبعية لها " والعمل بها ترخيصا، أو إيجابا طريقيا، فلا يلزم اجتماع الضدين، ولا المثلين. ثم إن الكراهة ليست تقابل الإرادة، وإن قابل بينهما صاحب " الحكمة المتعالية " في علم الطبيعي في عنوان البحث (1)، ضرورة أن الإرادة من الامور القائمة بالنفس قيام صدور، والكراهة قائمة بها قيام حلول. مع أن في موارد التحريم، نحتاج إلى المبادئ التي نحتاج إليها في الإيجاب، وهي إرادة البعث والتحريك، وإرادة الزجر والمنع، فليست الكراهة مقابل الإرادة حتى يلزم الجمع بينهما، كي يكون من اجتماع الضدين، ولا تتعلق الإرادة التشريعية في ناحية الإيجاب والتحريم إلا بالبعث نحو المادة والزجر عنها، كما حررناه في محله (2). فبالجملة: ما هو الممتنع أن تتعلق الإرادتان بشئ واحد، أو تعلق الحبين والبغضين بعنوان واحد، من شخص واحد، في حال واحدة، وكل ذلك غير لازم في التعبد بالأمارات والاصول. هذا تمام الكلام في الجواب عن هذه الطائفة من المحذورات العقلية، التي يدرك امتناعها كل ملة ونحلة، وقد تبين أن دفعها على سبيلين وطريقين، لأنه كما يمكن إنكار اجتماعهما، يمكن إنكار التضاد بين الأحكام، كما سلكه جمع من الأعلام - عليهم رضوان الله الملك العلام (3) - وقد مر في مباحث الضد ما يتعلق بهذا المرام على وجه لا مزيد عليه (4)، فلا نحتاج إلى تكراره في المقام.


1 - الحكمة المتعالية 4: 113. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 212. 3 - نهاية الدراية 2: 308 - 310، مناهج الوصول 2: 136 - 138، محاضرات في اصول الفقه 4: 248. 4 - تقدم في الجزء الرابع: 209 - 212. (*)

[ 229 ]

فدعوى الامتناع الذاتي، بتخيل اجتماع المتضادين والمتماثلين (1)، باطلة من الناحيتين: الصغروية، والكبروية. وإجمال ما تحرر هنا: أن الاعتباريات لا تقبل أحكام التكوينيات، والضدية والندية من خصائص التكوين، فعليه يعلم أنه لا امتناع بين النجاسة الواقعية والطهارة الجعلية، ولا بين الطهارة الواقعية والطهارة الجعلية، ولو كانت النجاسة والطهارة الواقعيتان من المندرجات في إحدى المقولات، كما لا يخفى. الطائفة الثانية: ما هو المحذور عند الإمامية حسب المذهب كلزوم كون الحكم بلا مصلحة ومفسدة، فإن من التعبد بالأمارات والاصول المحرزة بل وغير المحرزة، يلزم أن يكون في موارد الإباحة تحريم وإيجاب، أو في موارد الكراهة تحريم، وفي موارد الاستحباب إيجاب، مع أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد. بل يلزم أن يكون التحريم في مورد الإيجاب وبالعكس، والتحليل في مورد التحريم في الاصول، وبالعكس في الأمارات، ويجمع الكل ما ينافيه المذهب الحق. ولو كنا من القائلين: بأن الأحكام لا تستتبع المصالح والمفاسد، فلا محذور. ويأتي هذا المحذور في أصل الطهارة أيضا، فإن جعل شئ طاهرا، يكون على حسب المصلحة، ولو صح التعبد يلزم جعل ما يجب أن يعتبر نجسا طاهرا، وهذا باطل عندنا. نعم، في صورة الإصابة لا يلزم محذور فلو كان شئ واجبا فأصابته الأمارة أو الأصل، أو كان مباحا فأصابته الأمارة أو الأصل، أو كان طاهرا فأصابته الأمارة أو الأصل، فلا مناقشة، فالمشكلة تختص بصورة الخطأ.


1 - كفاية الاصول: 193. (*)

[ 230 ]

وحيث إن في موارد تحريم ما هو الواجب، وإيجاب ما هو الحرام، وما يشبه به، يكون أمر زائد على هذه المشكلة - وهو لزوم الإلقاء في المفسدة، وتفويت المصلحة - نحيل الجواب عن هذه الموارد إلى الطائفة الثالثة من المحاذير التي يشترك فيها الكل (1). إن قلت: الأشعري يرخص ذلك، لأنه لا يقول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد. قلت: نعم، ولكنه لا يرخص القبيح في حقه تعالى، وإنما ينكر قبح تصرفاته تعالى، وتفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة بعنوانهما، مما لا يرخص أحد في حقه تعالى، والأشعري إذا كان يقول بعدم التبعية، يقول بعدم التفويت، ولا إلقاء في البين، لا إنه يقول بجواز الإلقاء في المفسدة في حقه، فما في كتب جمع من المعاصرين خال من التحصيل، فلا تخلط. فعلى هذا يخص الجواب هنا بموارد خاصة، وهي ما إذا أدت الأمارة إلى وجوب شئ مباح، أو حرمة شئ مباح، أو كراهته، واستحباب شئ مباح. أقول: حل هذه المشكلة يظهر بالتدبر فيما هو المرام في مسألة " أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد " وذلك أن المراد من ذلك، ليس أن كل مورد من موارد الحكم الانحلالي والإيجاب العمومي، ذو مصلحة أو مفسدة، بل مقصودنا أن الجزاف في المجاعيل الإلهية غير جائز، لأن الجزاف في حقه تعالى غير جائز. وما تخيله الأشعري من إطلاق عظمته، وعدم قيد لشوكته وسيطرته وسطوته، لا ينافي ذلك في وجه، وينافيه في وجه آخر تحرر تفصيله في محله. وعلى هذا، كما أن العقلاء لمصالح عامة سياسية ونظامية، يعتبرون الأحكام العامة الكلية، من غير وجود مصلحة في كل مورد، ومفسدة في كل موضوع، كذلك


1 - يأتي في الصفحة 250 - 252. (*)

[ 231 ]

الشرع، فإن من ذلك يتبين: أن تحريم التصرف في مال الغير، لا يلزم أن يكون في كل مورد مفسدة تخص به، أو إيجاب العمل بالطرق والأمارات، لا يلزم أن يكون في جميع الموارد مصلحة الإيجاب التي تخص بها، بل تكفي المهملة في الناحيتين. ولذلك ترى: أن الحكومة تمنع التجول في الليل مطلقا، نظرا إلى الغرض الخاص، وهو منع تجول جمع معين، وليس ذلك إلا لأن المقصود لا يحصل إلا بهذه الوتيرة، وغير ذلك من القوانين العامة الكلية حفاظا على امور جزئية مقصودة. وعندئذ لا منع من إيجاب العمل بالطرق والأمارات والاصول، المنتهية إلى تحريم المباح وإيجابه، لما في الإيجاب الكلي وجعل الحجية المطلقة، من مصلحة خاصة لازمة المراعاة بالقياس إلى النظام العالمي، وغير ذلك. فبالجملة: كما أن في الأحكام النفسية ليست المصلحة والمفسدة ملحوظة بالقياس إلى كل مورد إلا أحيانا، كذلك في الأحكام الطريقية. وتوهم: أن الأحكام الطريقية، ليست إلا اعتبار الحجية وجعلها وإمضاءها، ولا يعتبر هناك كون الأحكام تابعة للمصالح، في غير محله، لأن الممنوع هو الجزاف في حقه تعالى، ويخرج من الجزافية ذلك. بل ربما يقال بكفاية المصلحة في الجعل، كما في موارد الأوامر المتعذرية والامتحانية. ولعمري، إنه قلما يوجد في الإسلام حكم، يكون ناشئا في كل مورد عن مصلحة في ذلك المورد، بل الأحكام الإسلامية، تابعة للمصالح والمفاسد الغالبية، أو المهملة الأحيانية مثلا، أو الأنظار السياسية، فتكون المصالح اعتبارية نظامية واجتماعية حكومية، وإلا فربما لا تكون صلاة زيد ذات مصلحة في حقه، إن لم نقل برجوعها إليه بصورة مؤذية، ف‍ " رب تال للقرآن والقرآن يلعنه " (1) وهذا لا ينافي


1 - بحار الأنوار 89: 184 / 19. (*)

[ 232 ]

استحبابه عليه، للجهة العامة المنظورة للشرع، ولو كان في حق شخص ذو مفسدة. ولذلك يعتبر قانون منع التجول للأغراض العالية - التي ربما تنتهي إلى هلاك المرضى - وهو مبغوض الحاكم، فتأمل. تتميم: حول اجتماع المصلحة والمفسدة بناء على المختار بناء على المذهب المنصور، يلزم اجتماع المصلحة والمفسدة بلا كسر وانكسار، فيكون العنوان الواحد فيه المصلحة الداعية إلى الإيجاب، والمفسدة الداعية إلى التحريم. وأما اشتمال الواحد النوعي أو الشخصي عليهما بالكسر والانكسار، فلا منع منه، بل قلما يوجد موضوع يشتمل على المصلحة المطلقة، أو المفسدة المطلقة، فإن الخمر أيضا فيها * (منافع للناس) * (1) ولكن لمكان غلبة إثمها على نفعها حرمت في الشريعة، وهذا هو معنى الكسر والانكسار. بل يلزم اجتماع المصلحتين بلا كسر وانكسار، وهو أيضا محال. أقول: لا يلزم اجتماعهما في الأمارات، ولا في الاصول المحرزة، لأن ما هو مصب المفسدة هي الخمر، وما هو مصب الإيجاب هو عنوان " التبعية والعمل ". وإن شئت قلت: ما هو مصب المفسدة هي الخمر، وما هو مصب جعل الحجية هي الأمارات والاصول المحرزة، سواء قلنا بانجعال الحجية، أو بمجعوليتها مستقلة، أو تبعا، كما لا يخفى، فلا مجمع في الخارج لهما. نعم، في الاصول الجاعلة للطهارة والحلية يشكل الأمر، إلا على القول: بأن


1 - البقرة (2): 219. (*)

[ 233 ]

ما هو مصب الطهارة والنجاسة هو المشكوك، فتكون النسبة عموما من وجه، وأما بناء على كون الذات المشكوكة فيها طاهرة وحلال، أو الذات حين الشك حلال وطاهرة، فلابد من العلاج الذي به يعالج الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، وسيمر عليك في ذيل الطائفة الثالثة من المحاذير إن شاء الله تعالى (1). ثم إن المحذور أيضا مشكل على القول بالسببية والموضوعية، وأن مؤدى الأمارات مجعول ثان ناشئ عن المفسدة أو المصلحة في المتعلق. وأما لو قلنا على الموضوعية: بأن لازم هذا الجعل، ليس أن تكون المصلحة والمفسدة في المتعلق، كما هو التحقيق، فلا محذور على هذا المسلك أيضا، فإن مصلحة التسهيل على الأمة، والمحافظة على النظام ومصالحه الاخر، كافية لجعل الحرمة على شئ آخر، أو الوجوب على شئ أجنبي، ولكنه دخيل في المحافظة به على ما هو المقصود الأعلى، كما سيمر عليك أنحاء الملاحظات الكلية النوعية في ضرب القانون الإسلامي والقوانين العرفية إن شاء الله تعالى (2). ومر في المجلد الأول: أن إيجاب ترك الشئ - كما في الحج بالنسبة إلى تروك الاحرام وأمثال ذلك - ممكن (3)، ولا يجوز الخلط بين التشريعيات والتكوينيات، فإن ترك الصلاة محرم، كما أن فعلها واجب، ولا يكون حرمة الترك إلا عن مصلحة ناشئة في الفعل، ولكن الشرع يلاحظ القوانين اهتماما بشأنها، فلا تخلط. ومن هنا يظهر مواضع الضعف في كلمات القوم، ولا يهمنا أن نشير إليها،


1 - يأتي في الصفحة 255. 2 - يأتي في الصفحة 250 - 253. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 91. (*)

[ 234 ]

حذرا من الإطالة القليلة إفادتها. ثم إن اجتماع المصلحتين - كمصلحة الحكم المؤدى بالأمارة، ومصلحة الواقع - ممنوع أيضا، على ما مر على المذهب المنصور في باب الطرق والأمارات، والاصول المجعولة على ضوئها، لأن ما به تقوم المصلحة الثانية هو غير العناوين الواقعية، كما عرفت (1). وأما في مثل القاعدتين: الحل، والطهارة، فعلى كون النسبة بينهما العموم من وجه، فالامر واضح. وعلى القول الآخر، فكون الذات طاهرة واقعا، ثم جعل الطهارة ثانيا لها عند الشك، مما لا منع منه عقلا، لأن محذوره اجتماع المثلين، وقد مر الفراغ منه (2). ومن هنا يظهر حال المسألة على القول: بأن المجعول هي السببية والموضوعية، وأن المؤدى مجعول ثان، فلاحظ ولا تكن من الغافلين، والمسألة تحتاج إلى تأمل وتدبر. الطائفة الثالثة: ما لا يلتزم بها المسلمون المحاذير التي لا يمكن الالتزام بها بالنسبة إلى شرع الإسلام، والحكيم البارئ عز اسمه، ولا تلتزم به الطوائف الإسلامية. وهي على وجوه وتقارير: منها: أن قضية التعبد المزبور هي الإلقاء في المفسدة، وتفويت المصلحة، ضرورة أن الاصول والأمارات طرا، تتخلف أحيانا عن الواقعيات الأولية،


1 - تقدم في الصفحة 232. 2 - تقدم في الصفحة 225 - 229. (*)

[ 235 ]

والأحكام المشروعة على العناوين الثابتة على الكل إلى يوم القيامة، وعند التخلف يلزم المحذوران الممنوعان في حقه تعالى. وأما في القوانين العرفية، فربما تغفل المحاكم القانونية عن تبعات قوانينهم، وعن هذه المحاذير، ولا يتوجهون، ولا منع من الالتزام بهما في حقهم، كما ترى. ثم إن الأشعري لا يلتزم بهذا اللازم، لما يقول: بأنه لا واقع إلا ما يصل إليه المجتهدون، فلا تفويت، ولا إلقاء. وأما المعتزلة فيقولون: بأن الاصول والأمارات الواصلة المصيبة للواقع، لا تستلزم المحذورين، وأما غير الواصلة والخاطئة، فلا واقع في تلك الصورة إلا ما أدى إليه نظر المجتهدين، فلا إلقاء ولا تفويت. وظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم عندهما. وأما الإمامية القائلون بانحفاظ الأحكام في صورتي الإصابة والخطأ، فقد وقعوا صرعى، فهرب كل مهربا: فربما يقال كما في " الرسائل " وغيره: " إن المصلحة المفوتة والمفسدة المبتلى بها، منجبرة بتبعية الطرق والأوامر الطريقية " (1) وهذا هو المعبر عنه ب‍ " المصلحة السلوكية " ويكفي احتمال ذلك لحل الغائلة والأخذ بالأدلة الناهضة على حجية الأمارات وغيرها. وفيه: أن هذه المصلحة إن كانت راجحة، يلزم أن يكون الواجب النفسي بحسب الواقع، هو تطرق الطرق. وإن كانت مساوية، يلزم الوجوب التخييري بحسب الواقع، فيكون بعد اعتبار الشرع تلك الطرق، حكم واقعي آخر على النحوين المزبورين.


1 - فرائد الاصول 1: 44 - 46، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 95 - 97. (*)

[ 236 ]

نعم، لا يصل العبد إليه، إلا أن عدم الوصول لا يضر بالمأمول، وهو المجعول الكذائي، فاغتنم. أما الإشكالات الاخر المذكورة في " تهذيب الاصول " (1) فهي قابلة للدفع، ولا نطيل الكلام بذكرها، ولا يخلو بعضها من غرابة. وبالجملة: توهم لزوم الإجزاء مع الجبران (2)، مدفوع: بأنه منوط بعدم الكشف، وبعدم تبين الخلاف، فإذا تبين فعليه الواقع وامتثاله. نعم، في صورة عدم الكشف، أو الانكشاف في صورة عدم إمكان الجبران، تنجير المصلحة المفوتة بالسلوكية. ثم إن المحقق الوالد - مد ظله - أخذ في وجه الفرار من هذه الغائلة، أن إيجاب تحصيل العلم التفصيلي، يستلزم المفاسد في عصر الحضور، وإيجاب الاحتياط في عصر الغيبة يخل بالنظام، ويوجب تنفر الطباع من الإسلام، ويستلزم أن يعرف العامة من الإسلام ما لا ينبغي، فيكون الدين دينا لغير الشاغلين، ومذهبا للمعطلين في المجتمعات الإنسانية، ويورث فرار المسلمين أحيانا من الدين الكذائي المنتهي إلى تعطيل الامور، وإحراج الطوائف وغير ذلك من العبارات المختلفة الحاكية عن هذه المصيبة العظيمة. فعليه لابد وأن يوسع عليهم الأمر، بجعل الطرق وإمضائها، بل والتوسعة فيها أحيانا (3)، انتهى ملخص ما أفاده بتعبيرات منا. وفي كلام بعض المعاصرين: إن المقام من صغريات باب التزاحم، فإن هناك ملاك تسهيل الأمر على الامة، وملاك الواقع، فإذا جاز تقديم الملاك الأول، جاز


1 - تهذيب الاصول 2: 64 - 65. 2 - أنوار الهداية 1: 195 - 196، تهذيب الاصول 2: 65. 3 - تهذيب الاصول 2: 62 - 63. (*)

[ 237 ]

الترخيص في العمل بالطرق والأمارات (1)، انتهى ملخص كلامه. وأنت خبير: بأن التقريب الثاني باطل، ضرورة أن لازمه عدم انحفاظ الحكم الواقعي في مقام الفعلية، وأن الشرع بعد ملاحظة الكسر والانكسار بين المصالح الكلية، رجح إيجاب العمل بالطرق، فيكون الحكم الواقعي في صورة التخلف، لا حكما. ويقرب منه التقريب الأول أيضا، لأنه إذا كان الشرع يلاحظ هذه الملاحظات، فلا يتمكن من إرادة البعث الجدي نحو الصلاة، مع عرفانه بأن الطريق موصل إلى خلافه، وهو قد أوجب العمل به، فلازمه الانصراف عن واقعه، والتجاوز عن مطلوبه في موارد لأجل المصالح العامة، وفداء المرجوح لنيل الراجح جائز، بل واجب، ولكنه يرجع إلى التصويب، بمعنى عدم اشتراك الأحكام بالقياس إلى الكل وقد فرض ابن قبة إشكاله وبنى شبهته على هذا الأصل المسلم عند الإمامية، في قبال الأشاعرة والمعتزلة. ولعمري، إن ذلك أسوأ حالا من مذهب الاعتزال، لأنه يقول بالواقع الثانوي بخلافهما، حسب هذا التقريب المذكور هنا، وقد مر منا توضيحه في مباحث الإجزاء بما لا مزيد عليه (2)، وبنينا القول بالإجزاء هناك على هذا حتى في الأمارات والطرق، وسيمر عليك حقيقة الحال في ذيل البحث إن شاء الله تعالى. وتحصل على هذا: أن إمكان الفرار من تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة موجود، لأنه - بحسب العقل - إذا كانت المصلحة المفوتة منجبرة، أو المفسدة الملقى فيها منجبرة بالمصلحة الأهم، يجوز التعبد بالأمارات والاصول. ولكن قد عرفت: أنه يرجع إلى عدم انحفاظ الحكم الواقعي، ويرجع في


1 - مصباح الاصول 2: 98. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 308. (*)

[ 238 ]

الحقيقة إلى تفويت المصلحة التي يجب جلبها، وإلى الإلقاء في المفسدة التي يحرم الإلقاء فيها، ضرورة أن الشرع في تقنينه القوانين النفسية والطريقية، يراعي الجوانب المختلفة، فإذا لوحظت تلك الجوانب، ووقع بينها الكسر والانكسار، يشرع قانونا مطابقا لما هو المصلحة الحاصلة من الكسر والانكسار، فلا يكون بالنظر إليه تفويت، ولا إلقاء. نعم، بالنظر إلى حال الآحاد والأفراد تفويت وإلقاء، ولكن يجوز للشرع أن يراعي جانب النوع. بل لا يجوز أن يراعي جانب الفرد، لما فيه الشر الكثير بالقياس إلى النوع، فخير الكثير بالنسبة إلى الفرد بفداء الشر الكثير بالنسبة إلى النوع. وهذا أمر دارج ورائج بين العقلاء، وفي جميع القوانين والأعمال الكلية. بل في الأفعال الجزئية أيضا تراعى هذه الملاحظات، فضلا عن الأعمال العامة وضرب القوانين الكلية، فافهم واغتنم جيدا. وعلى هذا يدور ما في بعض الأخبار أحيانا: من أن مسألة نجاسة العامة، من الأحكام المودعة لدى صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه (1)، ونجاسة الحديد كانت فيها العسر (2)، فاعتبر طهارته. وفي ذلك إعجاز وإخبار بالغيب، فإن الحديد في العصر الجديد صار كثير الابتلاء، ولم يكن هكذا في العصور السالفة، كما لا يخفى، وغير ذلك. ولولا أن هذا الوجه يرجع إلى عدم فعلية الأحكام الواقعية عند الخطأ، وأن ابن قبة استشكل على هذا المعنى بقوله: " يلزم تحريم الحلال وبالعكس " مثلا، وأنه مخالف لما هو المدعى عليه الإجماع: من الاشتراك بين الأحكام الواقعية لجميع الطبقات من العالمين والجاهلين، لكان وجها تاما خاليا من جميع الإشكالات،


1 - لاحظ جواهر الكلام 6: 56. 2 - وسائل الشيعة 3: 530، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 83، الحديث 5 و 6 و 7. (*)

[ 239 ]

وموافقا لطريقة العقلاء في قوانينهم العرفية. وتوهم: أن المقصود هنا هو الجواب عن الإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة، ولزوم الفساد الآخر أمر مفروغ عنه لابد من أن يتصدى لجوابه - وبعبارة اخرى هو إشكال آخر وحيث آخر في المسألة - في غير محله، كما لا يخفى، ولعله يمر عليك ما به تحل عقد المكاره في ذيل البحث إن شاء الله تعالى (1). تذنيب: في حل المشكلة بلحاظ الاصول المتصدية لجعل الحكم أو رفعه هذا تمام الكلام في الطرق والأمارات والاصول التي ثمرتها في التعذير والتنجيز. وأما الاصول المتصدية لجعل الحكم في ظرف الشك على المشكوك، أو المتصدية لرفع الحكم عن المجهول، والمنسي، والمغفول عنه وأمثاله، فيمكن حل المشكلة بالنسبة إليها على أن يقال: بأن النسبة بين العنوان الموضوع للأدلة الواقعية وبين هذه العناوين، عموم من وجه، فتكون المسألة من صغريات باب الاجتماع والامتناع، فلا تفويت، ولا إلقاء. نعم، على القول: بأن النسبة عموم مطلق، أو تكون القضية حينية، فيشكل، للزوم إنكار الأحكام الفعلية عندما كان المشكوك والمجهول حراما وواجبا، فإن قاعدة الحل وحديث الرفع (2)، تستلزم خلو الواقع من الفعلية والإرادة الجدية الزاجرة والباعثة، كما عرفت في الطرق والأمارات وسائر الاصول المجعولة على ضوئها، فتدبر.


1 - يأتي في الصفحة 250 - 252. 2 - الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 240 ]

ومنها: يلزم نقض الغرض، ضرورة أن جعل الأحكام الواقعية المطلقة على عناوينها، ثم جعل ما يؤدي إلى خلافها أحيانا، من نقض الغرض الممتنع عليه تعالى وتقدس. ولا يتقوم نقض الغرض الممنوع في حقه تعالى بجعل الحجية، أو إيجاب العمل على طبقها، أو تأسيس الأصل المنتهي إلى خلافها أحيانا، بل ذلك لازم الارتضاء والإمضاء، فلو كان المولى ذا غرض في ايجاب العناوين الواقعية وتحريمها على ما يريدها على إطلاقها، فلابد من إيجاب تحصيل العلم والاحتياط، فإذا رضي بخلاف ذلك، فهو ينافي تلك الإرادة الإيجابية والتحريمية. والفرار من ذلك بما مر - وهو أن نقض الغرض يجوز عقلا، إذا كان لغرض آخر أهم - في محله، إلا أنه يرجع إلى إنكار الفعلية، وإنكار وجود الإرادة الحتمية في موارد عدم وصول الأمارة بالنسبة إلى بعضهم دون بعض. بل بالنسبة إلى الكل، ضرورة إمكان عدم وصول حكم من الأحكام إلى المتأخرين عن الوحي بالمرة، وهذا خلاف ما هو مبنى الإشكال - بل الإشكالات - في المقام، أو خلاف ما هو المفروض والمأمول الأقصى، وهو تصوير اشتراك الكل في الأحكام، سواء كانوا عالمين، أو جاهلين. ونرجو من الله تعالى أن يوفقنا لحل هذه المشكلة - وهى الغائلة - في مسألة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في الأمارات والطرق والاصول. ومنها: يلزم طلب الضدين، وطلب الجمع بين ما لا يمكن جمعهما، وهو من طلب المحال الراجع إلى الطلب المحال، ضرورة أن إيجاب العمل بالطرق والاصول المحرزة المنتهية أحيانا إلى خلاف الواقع، وإيجاب الواقع على ما هو عليه، يستلزم في موارد الخطأ، أن يطلب المولى الملتفت والحكيم العالم المتوجه، أن يجمع بين العمل بما يخالف الواقع وبين الواقع ولازمه، أن يأتي بصلاة الجمعة، وأن يترك

[ 241 ]

الجمعة، فأن صلاة الجمعة واقعها المطلوب النفساني، وتركها المطلوب بإيجاب الأخذ بالطرق والأمارات الناهضة على حرمتها ووجوب تركها، ولا يعقل الجمع بين الطلبين، وإن لم يكن فيهما في مصب واحد اجتماع المتضادين، أو لا مضادة في الأحكام رأسا، ولكن يلزم طلب المحال، وطلب ما لا يمكن، وهو فعل الصلاة وتركها، كما لا يخفى. قد مر: أن هذه الغائلة لا تختص بالطرق والأمارات، لا شتراك القطع معها في كونه مجعولا وممضى مثلها، وقد مر أيضا: أنه حتى لو كان منجعلا، لاشترك معها في المشكلة، حسب قياس الإرادة التكوينية والتشريعية (1)، ضرورة أن من يريد خلق صفة القطع المنتهى أحيانا إلى خلاف الواقع، كيف يتمكن من إرادة وجوب صلاة الجمعة على الإطلاق ؟ ! فكما لابد من حل هذه المعضلة بالنسبة إلى غيره، لابد من حلها بالنسبة إليه أيضا. بيان محذور جعل الأحكام مع علم الشارع باندراسها فيما بعد ثم إن الاحكام المشترك فيها الجاهل والعالم، أعم من الأحكام التي بين أيدينا التي ربما يصل إليها طائفة، وربما لا يصل إليها اخرى، ومن الأحكام التي لم تصل إلينا، واندرست من ابتداء الأمر، فإنها أيضا أحكام فعلية على عناوينها، وتشترك فيها الامة، ولا يطلع عليها أحد. وعندئذ يتولد إشكال: وهو أنه كيف يعقل جعل هذه الأحكام مع العلم باندراسها، ومع العلم بأن قطع القاطعين كلهم على خلافها ؟ ! فعلى هذا في موارد تخلف القطع مطلقا، لا يمكن ترشح الإرادة الجدية الإيجابية أو التحريمية، لأجل أن المقنن يجد أن الامة غير واصلة إليه، وقاطعة بخلافه، كما لا يمكن ترشحها مع الارتضاء بإمضاء الأمارات المتخلفة أحيانا.


1 - تقدم في الصفحة 215 - 216. (*)

[ 242 ]

فبالجملة: عدم إمكان تصوير الأحكام الفعلية على الإطلاق في موارد الخطأ، وعدم صحة اشتراك الكل فيها، لا يختص بالصورة المعروفة في كلماتهم، بل تشترك فيها هذه الصورة أيضا، فلابد من حل المعضلة على شتى خواصها. فذلكة البحث وعصارى الغائلة إن ترشح الإرادة الواقعية الجدية بالنسبة إلى الحكم الواقعي، وترشح الإرادة الجدية الاخرى بالقياس إلى إمضاء أو تأسيس ما يؤدي إلى خلاف الإرادة الاولى، مع الالتفات إلى التخلف المزبور، غير معقول، ففي جميع موارد الأمارات والاصول لا يعقل ذلك، ويلزم باعتبار آخر ونظر ثان اجتماع النقيضين، فإن من إيجاب العمل بالطرق، والارتضاء بإمضاء الأمارات، وجعل الحجية، يلزم - تبعا لهذه الإرادة - انتفاء الإرادة الإيجابية والتحريمية النفسية الأولية، فلازم الجمع بينهما وجودها وعدمها. كما أن ارتفاع النقيضين ظاهر حديث الرفع (1)، فإن مقتضى الاشتراك وجود الإرادة التحريمية بالنسبة إلى ملاك الجاهل، ومقتضى حديث الرفع عدمها، فلابد من حل ذلك، ولأجله اتخذ كل منهم مهربا وطريقا، ونحن نشير إلى بعض الوجوه المستند إليها لحل هذه الغائلة. أجوبة الأصحاب عن المشكلة ونقدها وغير خفي: أن الأجوبة الموجودة في كتب الأصحاب، بين ما هو جواب عن جميع موارد الإشكال، وما هو جواب عن خصوص الأمارات والطرق، وما هو جواب عن خصوص الاصول.


1 - الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 243 ]

والذي يسهل الخطب: أن المشكلة بعد غير منحلة، والغائلة بعد باقية على حالها، ونرجو الله تعالى أن يوفقنا لحلها وكشف النقاب عن وجهها إن شاء الله تعالى. فمنها: ما أفاده الشيخ (قدس سره) في رسالة التعادل والترجيح (1)، وهو الجواب الذي حكاه " الدرر " (2) عن سيده الفشاركي (قدس سره) مرتضيا به، ونقله بإجماله في التقريرات (3) مناقشا فيه بما اجيب عنه في " الدرر " فليراجع، وقد مر تفصيله فيما سبق في ذيل إشكال إجتماع الضدين والمثلين (4). وغير خفي: أن كون العناوين الواقعية، موضوعة للأحكام الواقعية، وكون الشك في الحكم موضوعا للأحكام الظاهرية، غير واف لحل المشكلة حتى في الاصول كما مر (5)، فضلا عن الأمارات، فإنها ليست ذات أحكام حتى يكون موضوعها الشك، أو موردها الشك، فلا تخلط. ثم إن العلامة العراقي (قدس سره) انتقل من هذه المقالة إلى أن الشك حيثية تعليلية لعروض الحكم الظاهري، ولأجلها تكون الذات ملحوظة في الرتبتين، فتنحل المعضلة (6). وأنت خبير: بأن تعدد اللحاظ لا يكفي لحل الغائلة، وإلا يلزم جواز اجتماع السواد والبياض. وتوهم: أن تعدد اللحاظ يورث تعدد الذات لمتعلق الإرادة والكراهة، غير


1 - فرائد الاصول 2: 750. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 351 - 353. 3 - أجود التقريرات 2: 72، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 100. 4 - تقدم في الصفحة 225 - 229. 5 - تقدم في الصفحة 225 - 226. 6 - نهاية الأفكار 3: 67. (*)

[ 244 ]

صحيح، وإلا يلزم بتعدده تعدد الحب والبغض، فهل ترى من نفسك أن تحب بالحبين المنفصلين ذات ابنك، والذات المعروضة لوصف الابن ؟ ! كلا، فالإرادة والكراهة كذلك. ومنها: ما ارتضاه الشيخ (قدس سره) هنا، وإجماله هو أن الأحكام الواقعية المأمور بتبليغها السفراء، هي الأحكام الفعلية المشترك فيها جميع المكلفين، وهي الأحكام التي يكون الجاهل المقصر غير معذور بالنسبة إليها، والجاهل القاصر يكون معذورا بالقياس إليها. وأما الجاهل المركب الذي قامت عنده الأمارات الخاطئة، فهو أيضا بالنسبة إليها معذور بالعذر الشرعي، وهو قيام الطرق والأمارات المرخصة - في نظر الشرع - بتركها (1)، انتهى ما هو حسب مرامه. وإلى ذلك يرجع ما في " الكفاية " هنا: وهو أن الشرع في باب الطرق والإمارات، لم يكن ذا تأسيس، ولا طلب إيجابي، أو إرادة إلزامية، بل الأحكام الفعلية ذات إرادة واقعية، وأما الأمارات فهي حجة عقلائية ممضاة لدى الشرع، وتكون مثل القطع في التعذير والتنجيز، من غير أن تكون الواقعيات مقيدة بوصولها، أو مشروطة بعدم قيام الطرق على خلافها، فما هو منشأ الشبهة توهم المناقضة، وطلب الضدين، ونقض الغرض، وكل ذلك باطل حسب هذا التقريب (2)، انتهى خلاصة كلامه بطوله في " الكفاية " والحاشية. وأيضا إليه يرجع ما في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) حيث قال: إن شأن الأمارة والطرق، ليس إلا الوسطية في الإثبات، وعلى هذا لا يلزم محذور هنا، كما لا يلزم في القطع المنجعل، وحيث إن جعل الوسطية في الإثبات ممكن، وجعل الحجية مستقلة صحيح وواقع، فلا يلزم تصوير الحكم التكليفي حتى ينتزع منه


1 - فرائد الاصول 1: 47. 2 - كفاية الاصول: 319، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 76. (*)

[ 245 ]

الحجية (1)، انتهى لب مرامه. وأنت خبير: بأن المعضلة كانت ناشئة من أن إمضاء الطرق العقلائية، لا يعقل من العالم المتوجه إلى أطراف المسألة، والملتفت إلى خطئها، إلا في صورة التجاوز عن مقدار من واقعياته، وفي صورة الانصراف عن مقدار من أحكامه، ولازم ذلك عدم فعلية تلك الأحكام بالنسبة إلى موارد الخطأ، وهذا حتى لو لم يكن من تقييد الواقع بالإصابة، ولا من اشتراط الواقع بعدم الخطأ، ولكنه يلزم منه ذلك، فعلى هذا لا يمكن حفظ الفعلية والواقعيات، بالنسبة إلى الجاهلين المركبين القائم عندهم الطريق الخاطئ. وبالجملة: جعل الحجية بعدم الردع الملازم للارتضاء، أو بالإمضاء، عين جعل الحجية التأسيسية لشئ من الأشياء، فإن في هذا الجعل ليست إرادة إلزامية وبعث إلزامي، ولا طلب، بل هي من الأحكام الوضعية التي أثرها التنجيز والتعذير، فإن أصابت الواقع فهي منجزة، وإن لم تصب فهي معذرة، فهي حجة على كل تقدير، ولا تكون حجيتها مقصورة بصورة الإصابة، كما هو الواضح. ولكن حصول الرضا القلبي والارتضاء بذلك العمل الخارجي الرائج عند العقلاء مثلا مع التوجه المزبور، ينافي الإرادة الإلزامية، فإن الترخيص بذلك في صورة الخطأ، يستلزم الترخيص بترك الواقعيات، ولازمه انقلاب الواقعيات التحريمية والوجوبية إلى الكراهتية والندبية، فما في كلام الشيخ (قدس سره): من أن الرخصة في تركه شرعا في موارد الخطأ جائز (2)، غير صحيح. ولعمري، إن القائلين بهذه المقالات في حل الغائلة، غير واصلين إلى مغزى المشكلة ولب الغائلة في الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، فصرفوا أوقاتهم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 108. 2 - فرائد الاصول 1: 45. (*)

[ 246 ]

في مسائل اجتماع الضدين والمثلين، وأمثاله مما لا محذور فيه، ولم يبادروا الى ما هو اس المعضلة في المقام، والله هو الهادي. نعم، يظهر من " الكفاية " (1) - وهو صريح العلامة المدقق العراقي (قدس سرهما) (2) - الوصول إلى لب مشكلة البحث. توهم: عدم إمكان جعل الحجية مع الالتفات إلى خطأ الطريق لا يمكن الالتزام بالحكم الوضعي المتوقف على الرضا والإمضاء، في موارد الإرادة الإلزامية القائمة على خلافه. مثلا: التزموا بصحة البيع وقت النداء، مع أنه من المحرمات، أو التزموا في كثير من المسائل بحرمة تكليفية، أو كراهة شرعية، مع الصحة الوضعية، وكيف يعقل ذلك مع أن الرضا بالإمضاء، يناقض إرادة إعدام الشئ وتركه والزجر عنه وتحريمه ؟ ! ودفع بما لا تنحل به المشكلة، ولذلك ذكرنا في هذه الموارد في المكاسب المحرمة (3)، هذه الغائلة. ولكن هنا وجه تخلص: وهو أن ما هو المحرم هو المعنى الحدثي، كما في تصوير المجسمة، وما هو الممضى هو المعنى الحاصل منه اعتبارا، الباقي عرفا، الممضى شرعا، وهو البيع، ولذلك التزموا بحرمة الإحداث في التصوير، وإباحة الاقتناء وصحة بيعه (4).


1 - كفاية الاصول: 320. 2 - نهاية الأفكار 3: 70 - 71. 3 - المكاسب المحرمة للمؤلف (قدس سره) مفقود. 4 - لاحظ المكاسب المحرمة، الشيخ الأنصاري: 23 - 24، تحرير الوسيلة 1: 496، المسألة 12. (*)

[ 247 ]

وأما فيما نحن فيه، فاعتبار الحجية ليس متوجها إلى معنى يباين ما هو مورد الإرادة التحريمية والإيجابية بالمرة، ضرورة أن إمضاء الطريق الخاطئ من الملتفت، ترخيص وارتضاء بترك المراد بتلك الإرادة قطعا وجدا. وإن شئت قلت: في تلك الموارد وما هو الممضى هو غير مبغوض، لإنه قد وجد، وما هو المبغوض غير ممضى، لأنه بعد غير موجود، والإمضاء للمعدوم غير معقول، كما لا يخفى وأما فيما نحن فيه فما هو الممضى هو اتباع الطرق والأمارات، وجعل الحجية، وعدم الردع، وأمثال ذلك من العبارات المختلفة المرشدة إلى معنى وحداني، ومقصود واحد، وهذا في صورة الخطأ إمضاء في عرض إمضاء الطرق، فإمضاء التخلف عن الإرادة الواقعية، غير معقول إلا عند عدم انحفاظ تلك الإرادة. ومن تأمل في امتناع ذلك فقد غفل عن نكتة، تنحل بها تلك الشبهة بمراجعة وجدانه في اموره ومرضاته، وبمراجعة القوانين العرفية، والمحاكم العقلائية. وبالجملة: الطرق حجة على كل تقدير، والحجية منوطة بالإمضاء والارتضاء، ولا يعقل الارتضاء بالطريق المخطئ من الملتفت إلا بالقضاء على إرادته الواقعية الإلزامية التحريمية، لا الإيجابية، فيكون الحكم الواقعي في موارد الخطأ، غير محفوظ على واقعه، وإن كان الحكم الواقعي غير مقيد بالأمارة الواصلة، لجواز عقاب الجاهل المقصر والمركب غير الفاحص بالمقدار اللازم عن الأدلة. إن قلت: لا حاجة في حجية الطرق والأمارات - ولا في اعتبار جميع المعتبرات العقلائية في المعاملات وغيرها - إلى الإمضاء وعدم الردع الكاشف عن الرضا، بل الردع مانع، ولذلك في المعاملات الحادثة نقول بالصحة ولو لم يكن إطلاق لفظي، ك‍ * (أوفوا بالعقود) * ونحوه (1)، وعلى هذا لا تهافت بين الأحكام


1 - البقرة (2): 275، المائدة (5): 1. (*)

[ 248 ]

الواقعية وحجية الطرق والأمارات. ولقد احتملنا ذلك في المجلد الأول (1)، وقربه الوالد المحقق - مد ظله - في درسه، وهو مختار بعض المعاصرين. قلت أولا: إنه لو سلمنا تمامية هذا التقريب في الطرق، فلا نسلم ذلك في الاصول التأسيسية التي تكون على ضوء الطرق في التعذير والتنجيز، كالاستصحاب، بل وقاعدة الفراغ والتجاوز، كما هو الواضح بالضرورة، فلاتنحل بذلك المعضلة على النحو العام. وثانيا: لا يعقل الالتزام بالأحكام الواقعية على جميع التقادير إلا مع الردع عن الطرق الممكنة الردع، فإنه إذا كان المقنن والشارع الأقدس، يرى تبعية العقلاء لما ينتهي إلى خلاف مرامه، وكان ملتزما بمرامه على كل تقدير، فعليه إعلان الردع وإعلامهم بذلك، فإذا لم يردع عنه يكشف عن عدم الالتزام المساوق لعدم الاشتراك، وهو خلاف الفرض، ضرورة أن الكلام بعد مفروغية اشتراك الكل في التكاليف الفعلية والإنشائية على نهج واحد، من غير اختلاف بينهم في ذلك، فما كان حكما فعليا فهو بالنسبة إلى الكل فعلي، وما كان إنشائيا وشأنيا فهو كذلك. وثالثا: قد تحرر منا فساد المبنى في المجلد الأول (2) وفي كتاب البيع (3) بما لا مزيد عليه. ومنها: ما ذهب إليه صاحب " الكفاية " في " الحاشية على الرسائل " وإجماله أن للحكم مراتب أربعا أو خمسا، وما هو المشترك هو الحكم الإنشائي، وما هو المختص بالعالم والجاهل المقصر مثلا، هو البالغ مرتبة الفعلية والتنجيز، وأما في


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 311. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 338 وفي الجزء الرابع: 138. 3 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من مباحث كتاب البيع. (*)

[ 249 ]

موارد الخطأ فلا إرادة إلزامية (1). وأما تفصيل مرامه، والمناقشات المتوجهة إليه، فتطلب من محال اخر (2). وربما يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - في حل المشكلة: أنه بلغ بعد ذاك وذاك إلى إنكار الأحكام الفعلية على التفسير الذي ذكره للفعلية والإنشائية هنا (3)، وقد مر منا حوله البحث في المجلد الأول في مباحث الضد (4)، وفي مبحث اجتماع الأمر والنهي (5)، فراجع. والذي يتوجه إليه: أن التواتر المدعى في الأخبار الدالة على الاشتراك (6)، لابد وأن يكون فيما يستحق الجاهل المقصر العقاب عليه، وأن الجاهل المقصر والقاصر والمركب والبسيط واحد، وعلى نهج فارد، والإنشائية المشتركة لا يستحق عليها الجاهل المقصر عقابا، ولا عتابا، ومثلها الشأنية. والقول بالتفصيل بين الجاهل المقصر والمركب القاصر، من الرجم بالغيب. فتحصل: أنه على تقدير صحة تفسيره للإنشائية والفعلية، مع أن من الأحكام قضايا مشروطة، والشروط عنده ترجع إلى الهيئة (7)، فتكون عنده تلك الأحكام فعلية، مع أنها ليست فعلية حسب الاصطلاح، إلا على القول برجوع الشرط إلى الموضوع أو المادة (8)، أو يقال: بأن هناك ثلاثة أقسام من الأحكام، والأمر إلى


1 - كفاية الاصول: 113، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 70 - 71. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 429 - 435. 3 - تهذيب الاصول 2: 68. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 429 - 435. 5 - لاحظ ما تقدم في الجزء الرابع: 180 وما بعدها. 6 - العناوين: 25 - 27. 7 - تهذيب الاصول 1: 220. 8 - مطارح الأنظار: 45 - 46. (*)

[ 250 ]

محله (1). وبالجملة: على فرض صحة تفسيره، لا يرجع مرامه إلا إلى إنكار الإرادة الإلزامية، كما صرح بذلك (2)، وهو - مد ظله - ممن بلغ الغاية القصوى من مرحلة الغائلة الموجودة بين إمضاء الطرق وفعلية الأحكام الواقعية، ولكنه لم يتمكن من حلها كما ترى. حل المشكلة عن طريق الخطابات القانونية إذا تبينت هذه الوجوه الرئيسة في هذا الميدان، واتضح أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، وصلت نوبة البحث إلى أن يقال: بأن من الممكن حل هذه الغائلة من ناحية الخطابات القانونية، وإن خفي الأمر على مؤسسها - مد ظله -، وذلك أن في تصوير فعلية تكليف العجزة والجاهلين، إشكالا مضى في المجلد الثاني (3)، وذكرنا هناك: أن منشأ الإشكال توهم أن لكل واحد من هذه الأصناف والطوائف، ولكل واحد من هذه العناوين، خطابا يختص بهم، وتكون الخطابات القانونية الكلية منحلة إلى الخطابات الجزئية الشخصية، وعندئذ كيف يعقل مخاطبة العاجز بالخطاب الجدي، أو الجاهل والغافل بالخطاب الجدي الفعلي، مع أن أكثر الأحكام الإسلامية العامة، موجودة في الكتاب والسنة بصورة الخطاب، والإجماع والأخبار متواترة على اشتراك الكل في التكاليف ؟ ! وحيث قد تبين كيفية الخطابات القانونية العامة وشرائطها، وتبين أن الخلط بينها وبين الشخصية، أوقعهم في هذه المخمصة والمشكلة، وأن الخطاب القانوني


1 - تقدم في الجزء الثالث 431 - 432. 2 - أنوار الهداية 1: 201، تهذيب الاصول 2: 68. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 439 - 440. (*)

[ 251 ]

يحمل التكاليف الفعلية على كافة الأنام، ولو كان الأفراد والآحاد عاجزين ما داموا، وجاهلين ما عاشوا، اتضحت مادة المغالطة والغائلة، وأن الاشتراك ممكن، وتواتر الأخبار والإجماع على الاشتراك، ليس على ما لا يعقل ثبوتا، بل هو على ما يعقل، وواقع إثباتا بمراجعة القوانين العرفية في مختلف الميادين، وتفصيله في محله (1)، ولانعيده، حذرا من الإطالة الواضحة. فتحصل: أن هنا إشكالا في تصوير اشتراك جميع الطوائف في التكاليف، ومجرد الإجماع والأخبار لا يكفي، ولذلك التزم المتأخرون في باب العاجزين بخروجهم، وأن خطاب العاجز قبيح (2)، وأردفنا العاجزين بالجاهلين، لأن خطاب الجاهل ممتنع، لأنه غافل، وقد أقروا بامتناع خطاب الغافل، للزوم الخلف (3). وقد حلت المعضلة على نهج واحد، ببيان واف وشاف في محله (4). إذا تبينت هذه المقدمة الوجيزة، يظهر حل الغائلة فيما نحن فيه، فإن الشرع والمقنن، إن كان يترشح منه الرضا والإمضاء في باب الأمارات والطرق، وما يشبهها - كالاصول المحرزة، والأمارة التأسيسية - أحيانا بالنسبة إلى خصوص صورة الخطأ، وكان ينحل قانون إمضاء الطرق والأمارات وتلك الاصول، إلى الأحكام الطريقية الشخصية، ينقدح الإشكال: بأنه كيف يمكن أن يرتضي المولى بتطرق خبر الواحد الخاطئ بالنسبة إلى زيد، مع علمه بأن زيدا محكوم بوجوب صلاة الجمعة، فهل يعقل وجود تلك الإرادة الإلزامية الوجوبية، مع الارتضاء وإمضاء سلوكه ذلك الطريق المخطئ ؟ ! فإن انحلال هذا القانون إلى الإمضاءات والارتضاءات الجزئية


1 - تقدم في الجزء الثالث: 447 - 449. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 51 - 52، نهاية الأفكار 3: 338. 3 - فرائد الاصول 2: 483، فوائد الاصول 4: 217، نهاية الأفكار 3: 419. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 450 وما بعدها. (*)

[ 252 ]

الشخصية، يوجب هذه المعركة. وأما بناء على المحافظة على تلك القوانين الكلية على نهج كلي قانوني، وأن الإرادة تعلقت بضرب القانون النفسي والطريقي، فالنفسي عام يشمل الكل من غير انحلال إلى الأشخاص، وهكذا الطريقي، ففي مواقع الإصابة يكون الإمضاء والارتضاء القانوني موجودا، ويكون الطريق حجة منجزة. وهكذا في موارد الخطأ يكون الطريق حجة معذرة، ولا تختص الحجية بصورة الخطأ، أو بصورة الإصابة، بل الحجية مشتركة، وإلا فلا يكون حجة ومنجزا ومعذرا، لأن التنجيز والتعذير فرع ارتضاء الشريعة به. وبالجملة تحصل: أن تمام المشكلة ناشئة من ملاحظة الإرادة الشخصية في ناحية القانون النفسي، وملاحظة الإمضاء الجزئي في ناحية القانون الطريقي، وحيث إن في موارد الخطابات النفسية، يكون الناس مختلفين بحسب القدرة والعجز، والعلم والجهل، ويكون الحكم فعليا بالنسبة إلى الكل، لعدم اختصاص الخطاب بعنوان " العاجز والجاهل " كذلك في مورد إمضاء الطرق العقلائية، تكون جميع الطرق بالنسبة إلى كافة الناس، ممضاة بإمضاء واحد، أو يكون كل واحد من الطرق مرضي العمل، وممضيا بإمضاء يخصه. ولكن في موارد الإصابة والخطأ، لا يكون إمضاء وارتضاء مخصوصا بهما، بل الطرق أو خبر الثقة بعنوانه ممضي ومورد الارتضاء، وعندئذ لا يلزم امتناع، لعدم الانحلال في ناحية الخطاب. وأما الانحلال الحكمي فهو لا يستعقب الإشكال، كما مر تفصيله (1). فإلى هنا بحمد الله وله الشكر، حلت الغائلة والمشكلة في هذه العويصة التي لم تنحل إلى زماننا هذا بوجه لا يلزم منه التصرف في فعلية الأحكام


1 - تقدم في الصفحة 250 - 251. (*)

[ 253 ]

الواقعية، كما عرفت. بقي شئ وهو سبيل حل المشكلة بلحاظ المذاهب المختلفة في باب الأمارات إن المذاهب في باب الطرق والأمارات العقلائية مختلفة: فإن قلنا: بأن الشرع أوجب العمل، أو التبعية لتلك الطرق، كما أوجب العمل بالاستصحاب مثلا، فلا محذور. وهكذا إذا قلنا: بأن الشرع تصدى لجعل الحجية لها، لأن هذه الأوامر قانونية، وهكذا ذلك الجعل. وأما لو قلنا: بأن الشرع لم يتصد لذلك بالمرة، ولكنه أمضى ما عليه العقلاء، وسكت ولم يردع، فيعتبر لها الحجية من رضا الشرع بتلك الأعمال الخارجية، فلا قانون، ولا جامع، حتى يكون هو العنوان الكلي الواقع محط الإمضاء، أو الجعل، أو الأمر، فإنه حينئذ لا تنحل المشكلة، لعدم قانون عام في البين والارتضاء بالجزئيات يورث الإشكال في المسألة، ويظهر المناقضة التي ابتلوا بها أيضا. ولكن التحقيق: أن في الأخبار والأحاديث - بل ومقتضى مفهوم آية النبأ وأمثالها - إمضاء هذه الطريقة على النعت الكلي. هذا مع أن الشرع العابر على البناءات العرفية، يرتضي بتلك البناءات على نهج كلي، لا شخصي، فيكون ذلك مثل القانون العام غير المنحل إلى الإرادت الجزئية، أو الرضايات الشخصية، فلا تخلط. تذنيب: في حل المشكلة من ناحية قاعدتي الفراغ والتجاوز لا إشكال من ناحية الاستصحاب، لأنه عندنا وعند المحصلين حجة منجزة عند الإصابة، ومعذرة عند الخطأ، ولا يلزم منه محذور ولو كان تأسيسا شرعيا، كما هو الحق.

[ 254 ]

وأما في ناحية قاعدتي التجاوز والفراغ، فإن قلنا بالعزيمة في موارد جريانهما (1)، فلا محذور أيضا، لأن الشرع أوجب العمل على طبقهما، فإن كان بحسب الواقع قد أتى بالجزء فلا محذور، وإن لم يكن آتيا به يكون عذرا، مع بقاء الجزئية والشرطية على حالهما، وذلك قضاء لقانونية المسألة، وعدم انحلال التأسيس إلى الخطابات الشخصية حتى يلزم التهافت بين القول بالجزئية المطلقة، والقول بالإمضاء والمضي وعدم الاعتناء عند الدخول في الغير والفراغ من الشئ. وإن قلنا بالرخصة (2)، فإن قلنا بالرخصة مطلقا حتى في موارد الأركان، فيلزم المحذور بين مبطلية الركوع الزائد، وبين تجويز الإتيان به في مورد الشك والرضا بالإتيان به، فإنه لا يعقل ذلك أيضا كما مر (3). وتنحل المشكلة أيضا، لأجل أن مبطلية الركوع حكم قانوني، والمضي في قاعدة التجاوز أيضا قانوني، ويمكن ترشح جعل المبطلية للركوع على الإطلاق، بحسب الحكم الواقعي، والرضا بالعود إلى الإتيان بالمشكوك فيه بعنوانه، والنسبة بين القانونين عموم من وجه في جميع هذه الموارد، فيصح ترشح الجد على هذه العناوين التي بينها العموم من وجه، وذلك لا لأجل اندراج المسألة في باب الاجتماع والامتناع، بل لأجل أن النسبة بينهما إذا كانت عموما مطلقا، يلزم التهافت، ويلزم التصرف في الأعم، كما سيظهر الكلام في ذيل المقام عند البحث عن أصالة الحل والطهارة. وأما إذا قلنا: بأن الرخصة مخصوصة بموارد غير الأركان، كما عليه جل


1 - جواهر الكلام 12: 322، مصباح الفقيه، الصلاة: 558 / السطر الأخير، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 335. 2 - ذكرى الشيعة: 224 / السطر 25. 3 - تقدم في الصفحة 244 - 245. (*)

[ 255 ]

الأصحاب (رحمهم الله) فلا محذور، كما لا يخفى. فتحصل: أن الالتزام بالمبطلية المطلقة، والجزئية والشرطية المطلقة، لا ينافي جعل القاعدة وأصالة الصحة، وما توهموه لعدم التنافي في أمثال المقام، خال من التحصيل والتحقيق جدا، كما تبين في محله. ذنابة: في حل المشكلة من ناحية قواعد الحل والطهارة والبراءة في موارد قاعدتي الحل والطهارة، لا يمكن الفرار من المعركة إلا إذا قلنا: بأن النسبة بينها وبين الأحكام الواقعية عموم من وجه، وهكذا في مورد حديث الرفع، فإن الجمع بينها وبين الواقعيات مع المحافظة عليها، والالتزام بأنها فعليات بالنسبة إلى الكل على نهج واحد، سواء صارت منجزة، أم لم تصر منجزة، فكما أن المقصر محكوم بها ويعاقب، كذلك الجاهل المركب محكوم بها، ولا يعاقب للعذر. وبالجملة: الجمع بينها وبين القواعد الثلاث، غير ممكن إلا على الوجه المشار إليه. ويظهر من " الدرر " لجد أولادي وشيخ مشايخنا (قدس سره) الارتضاء بهذا الوجه (1)، ويظهر منه أنه يتم في باب الطرق والأمارات، وهو خال من التحصيل، ضرورة أنه في باب الطرق والأمارات، ليس الشك موضوعا لحكم، حتى يلزم منه العموم من وجه المفيد في المقام. نعم، في مثل قاعدة الحل والطهارة وحديث البراءة، يمكن ذلك، ولكنه خلاف الظاهر من أدلتها، ولاسيما حديث الرفع فإنه ظاهر في أن ما لا يعلمون هو المرفوع، وهو الحكم إذا كان مجهولا، فيلزم عدم اشتراك العالم والجاهل في الحكم


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 352. (*)

[ 256 ]

إلا الجاهل المقصر، فإن حديث الرفع لا يشمله إجماعا. فعلى هذا، يدور حل الغائلة بين القول: بأن النسبة عموم من وجه، فإنه حينئذ تنحفظ الواقعيات، على إشكال فيه محرر منا في أواخر مباحث القطع (1)، وبين الالتزام بتجاوز الشرع عن واقعياته في موارد جعل الحلية والطهارة وحديث الرفع، لأجل اقتضاء الأدلة ذلك حسب الظاهر، فإن تم إجماع أو تواتر الأخبار على الاشتراك في هذه المرحلة، فالأول متعين، وإلا فالأخذ بالثاني أقرب إلى ذوق العرف وفهم العقلاء، فافهم واغتنم. وأما التفصيل بين الأحكام الإنشائية والشأنية، والفعلية المنجزة، كما يظهر من " الكفاية " والالتزام بأن المشترك هو الثاني (2)، فلا يرجع إلى محصل، لما تحرر منا في محله من معنى الشأنية والفعلية (3)، ولما مضى: من أن ما هو المشترك والمدعى عليه الإجماع وتواتر الأخبار، هو الحكم الموجب لعقاب الجاهل المقصر (4)، فيكون فعليا بمعنى واقع كلمة " الفعلية " وهذا الحكم أيضا فعلي بالقياس إلى الجاهل المركب القائم عنده الطريق، ولكنه معذور. ولأنه لو فرضنا ثبوتا تصوير المراتب الثلاث للحكم بعد خروج الاقتضاء والتنجز عنه، فلا دليل عليه إثباتا، ولا مشابه له بين الأحكام القانونية العرفية، ولا الأحكام الشخصية بين الموالي والعبيد، كما ترى. فبالجملة تحصل: أن الترخيص المستفاد من هذه الأدلة الظاهرية، إن كان مورده متعلق الأحكام الواقعية، فلا يعقل حل المعضلة بوجه من الوجوه حتى بالخطابات القانونية، لما عرفت: من أن سر حل المشكلة بها، تحت كون مورد


1 - تقدم في الصفحة 188 - 190. 2 - كفاية الاصول: 113 و 320 - 321. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 430 - 431. 4 - تقدم في الصفحة 249. (*)

[ 257 ]

الإمضاء فيها، معنى لا يلازم المتعلقات للأحكام الواقعية، بل هو أعم، فإن مورد الأمر الطريقي أعم من الإصابة واللا إصابة، ومورد الأمر النفسي أيضا أعم من إقامة الطريق عليه، وعدمها، وأعم من كون الطريق عقلائيا، أو عقليا، وهذا هو مرادنا من " العموم من وجه " في كلامنا السالف (1)، فافهم، ولا تخلط. وفي المقام إن أمكن ذلك - فيكون المعنى المرخص فيه أيضا أعم من العناوين الواقعية - فهو، وإلا فلا ينحل الإشكال بالخطابات القانونية، ولا بالجعل القانوني، كجعل الحلية والطهارة والمرفوعية، والله هو الموفق المؤيد. بقي شئ: في حل المشكلة من ناحية القطع قد أشرنا في مطاوي بحوثنا إلى أن مشكلة اجتماع الحكم الظاهري والواقعي، تسري إلى موارد القطع ولو كانت حجيته ذاتية (2). وتنحل هذه المشكلة من ناحية كيفية ترشح الإرادة الإلزامية في موارد يعلم المقنن بأن القاطع قطعه على خلاف الواقع، فإنه من الجهل المركب، وقد مضى إمكان كونه محكوما بالحكم الفعلي القانوني (3). وأما من ناحية كيفية تعلق الإرادة التكوينية بإيجاد صفة القطع، المنتهي إلى خلاف المراد بالإرادة التشريعية، والمنتهي إلى عدم إمكان ترشح الإرادة الباعثية، فهو أيضا ينحل بهذه المسألة وقانونية الخطاب، لأنه في موارد ضرب القانون لا يلاحظ حالات الأفراد، ولذلك ولو كان العجز مستندا إليه تعالى، أو جهل المكلف مستندا إليه، يصح كونه مكلفا بالتكليف التشريعي القانوني، فلاحظ واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 253 - 254. 2 - تقدم في الصفحة 215 - 217. 3 - تقدم في الصفحة 31 - 32. (*)

[ 258 ]

بقي أمر آخر: وهو حل مشكلة فعلية الأحكام المندرسة قد مضى في خلال المباحث السابقة: أن من الأحكام الفعلية ما أبلغه المبلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) ولكنه لأجل الحوادث الكونية دفن واضمحل. ويشكل أمر فعليتها، لامتناع ترشح الإرادة والبعث والزجر من العالم بتلك الحوادث، وبقاء القانون والحكم. ولكن تنحل هذه المعضلة أيضا، لأن الحكم قانوني، ولا يخص بزمان دون زمان، فربما في عصر الحجة عجل الله تعالى فرجه يبرز ذلك القانون، ويطلع المكلفين عليه، وكونه في معرض العمل في ذلك العصر، يكفي لبعث الامة كلها نحو العمل به، فيكون فعليا بالنسبة إلينا، إلا أنا معذورون في التخلف عنه، والله الهادي. إيقاظ: حول حل المشكلة من ناحية اعتبار التكاليف ديونا على العهدة ربما يتخيل أن حقيقة التكليف، ليست إلا اعتبار اشتغال الذمة بالطبيعة، والواجبات ليست إلا في عهدة المكلفين، وهكذا في ناحية الترك (2)، فعلى هذا - مضافا إلى عدم لزوم اجتماع المثلين، ولا الضدين، ولا المفاسد الاخر - تنحل المعضلة الرئيسة، فإنه لا منع من كون الصلاة مثلا على عهدة المكلف، كالديون الوضعية، ومع ذلك يرخص المولى - حسب ترخيص الأخذ بالطرق والأمارات - في عدم لزوم الإفراغ. وهكذا في ناحية الاصول، فإن الذمة مشغولة بترك الخمر دينا، وهذا لا ينافي الترخيص في ارتكاب الخمر، فإن ما هو الدين هو ترك الخمر، وهذا أمر وضعي،


1 - تقدم في الصفحة 241. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 342 ولاحظ نهاية الأفكار 3: 46 - 47. (*)

[ 259 ]

وما هو المرخص فيه هو فعلها وشربها، وهو إذن، ولا تنافي بين تلك الوضعيات الحاصلة من الإرادة وهذه، الإذنيات المتحصلة من التسهيل والرضا بالارتكاب. وأنت خبير بما فيه من المصائب، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن الفقيه اليزدي (رحمه الله) وإن التزم بأن الواجبات ديون بدليل آخر، لابنفس الأدلة الأولية (1)، والعلامة الحائري وإن أشار في " درره " إلى اشتغال الذمة في مسألة تنجيز العلم الإجمالي (2)، إلا أنه - مضافا إلى عدم تماميته في حد نفسه - لا تنحل به المعضلة بالضرورة، ضرورة أن اعتبار الوضع على العهدة باعتبار لزوم الإفراغ، ولو رخص الشرع - على خلاف درك العقل - في لزوم الإفراغ، يلزم منه لغوية اعتبارها في الذمة، وهو مشكل آخر، فتدبر. وبالجملة: ذكرنا في محله أن هذه المقالة ترجع إلى الدور، أو التسلسسل (3)، ولا تنحل بها المعضلات هنا، ولو انحلت المعضلات الاولى فلاتنحل به المعضلة الرئيسة، كما أشرنا إليه (4). وتوهم: أن واقع الأمر هنا هو أن الإلزام الواقعي دين، والترخيص ظاهري، ولاتنافي بينهما بحسب الواقع وحال المولى، ولا بحسب حال العبد: أما بحسب الواقع وحال المولى، فلاختلافهما في المتعلق، كما في " الكفاية " (5). وأما بحسب حال العبد، فلأنه إن وصل إليه الواقع فهو، وإن لم يصل إليه الواقع فيكون في سعة، فلاتحير، ولا ابتلاء له بالنسبة إلى الضدين والمتخالفين


1 - العروة الوثقى 2: 448، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 342. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 79. 4 - تقدم في الصفحة 242 - 243. 5 - كفاية الاصول: 319 - 320. (*)

[ 260 ]

جمعا، حتى لا يتمكن من الامتثال، كما قال بذلك بعض الأعلام. في غاية الإجمال، وهو أن اختلاف المحمول - وهو كون الحكم واقعيا وظاهريا - يكفي لحل الغائلة (1)، في غير محله، وبعيد عن المقالة المشار إليها أولا، كما تبين. مع أنه غير صحيح في حد نفسه، لأن تمام المناقشة في ناحية المولى والواقع، وأنه كيف يمكن أن ينادي المولى بقوله: " يا زيد، تجب عليك الصلاة، وعلى عهدتك الصلاة " ثم ينادي " يا زيد، إنك في سعة من العمل برواية الثقة الكذائية " التي يعلم أنها تنتهي إلى تركها ؟ ! وهكذا كيف يعقل أن ينادي " إن الخمر الكذائية حرام عليك، وعلى عهدتك تركها، وأنت في سعة من ارتكابها عند الشك فيها " ؟ ! فإنه لا يعقل اجتماع هذين الأمرين في نفس واحدة، والله هو الموفق المؤيد. الجهة الرابعة: حول تأسيس الأصل وتمام الكلام فيه يستدعي البحث في مقامات: المقام الأول: حول تمكن الشارع من الردع عن الأمارات وعدمه هل الشرع يتمكن من أن يردع عن الطرق والأمارات، وهل يعقل ذلك ؟ أم أنه كما لا يعقل الردع عن القطع، للزوم المحاذير المذكورة في محله من الخلف وغيره (2)، كذلك لا يعقل الردع عن الطرق والأمارات العقلائية، فلا يبقى مورد للشك في الحجية، بل تصير جميع الطرق والأمارات العقلائية الشائعة حجة قطعية،


1 - مصباح الاصول 2: 110. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 29. (*)

[ 261 ]

ولا أصل حتى يحتاج في الخروج عنه إلى الأدلة الخاصة ؟ نعم، مالا يكون طريقا عقلائيا كالقياس، أو لا يكون طريقا شائعا كالجفر والرمل والحساب، يمكن الردع عنه، لعدم ترتب المفاسد عليه. وبالجملة: لابد من الإشارة إلى بعض المفاسد المترتبة على الردع عنها المنتهي إلى امتناعه بالغير. وغير خفي: أن تبديل عنوان " الإمكان " إلى " التمكن " هنا، للإشارة إلى أن هذه المادة، ليست من المواد الثلاث المعتبرة في المنطق والعلوم العقلية، ولذلك ترى صحة درج المسألة في حدود القدرة، فاغتنم. فبالجملة: من الامور المانعة عن تمكن الشرع من ذلك، لزوم الاختلال في النظام، وهو غير جائز عقلا وشرعا، ضرورة أن المنع عن العمل بالظواهر وأخبار الآحاد، يكفي لتعطيل الامور والأسواق، فيكون الإسلام دين الهرج والمرج، ودين الوحشية والبربرية، ولازم ذلك نقض غرضه، وهو التوسع في البلاد، ونشر المعارف والأحكام. وأنت خبير بقلة العلم، وندرة حصول اليقين بالأحكام، وممنوعية الاحتياط التام، لرجوعها إلى ما ذكرناه. فإذا قيس الردع عن هذه الأمارات إلى ما هو المقصود في الشرع، والمأمول للشريعة، وأن هذه الامور مما لا يخضع لها الشرع بالضرورة، يلزم منه امتناع وصوله إلى الردع عنها، وهذا هو الخلف الممنوع قطعا. وإن شئت قلت: المنع عنها يستلزم القبيح، وهو ممتنع عليه تعالى، فيمتنع الردع عنها. وهذا بعينه مثل الردع عن القطع. وتوهم: أن الردع عن حجية القطع ممتنع بذاته، لأن الحجية ذاتية له، فاسد،

[ 262 ]

لما مر في مباحثه من تفصيله (1)، فراجع. ومنها: أن الردع عنها لا يعقل إلا بالأدلة الوضعية، وبالدلالات العقلائية التي تعد من الظواهر، ولا يتمكن من إيصال الردع إلا بوسائط، ولا يعقل أن يعتبر تعدد الواسطة وأن يعتبر البينة، إلا بالظواهر التي يريد المنع عن العمل بها. فبالجملة تحصل: أن المنع والردع غير ممكن أن يصل إليه، فإذن لا معنى للشك في حجية الأمارات العقلائية حتى نحتاج إلى الأدلة الخاصة. وأما القول بالتبعيض في باب تحصيل العلم، وبالتبعيض في الاحتياط أيضا، فغير راجع إلى محصل، لأن ذلك مما لا يمكن إلا بالوسائط والظواهر العقلائية، لأن إيصال الأحكام لا يمكن إلا بذلك، فإنه بالإيصال يمكن الاحتياط بعضا أو تماما. فتحصل: أن الردع عن القطع لو استلزم الامتناع الذاتي والردع عنها، يستلزم الامتناع الوقوعي، بل الذاتي، ولكنهما مشتركان في الامتناع الغيري. هذا على مسلك القوم. وأما على ما سلكناه من إمكان الردع في الجملة، فيكون القطع مثلها في هذه المرحلة أيضا. أقول: الذي لاشبهة فيه هو حجية الخبر والظاهر في الجملة، والردع عنها على الإطلاق حتى ولو لم يستلزم الامتناع، ولكنه يستلزم ما لا يجوز للشرع الالتزام به، بل قد يستلزم الامتناع، للزوم القبح عليه تعالى، وهو ممتنع، وبناء عليه يكون للشك في الحجية محل، فإن مورد البحث هو حجية مطلق خبر الثقة، وهكذا في باب الظواهر، من غير تقيد بحصول الوثوق الشخصي منها ومن الظواهر، وهذا المقدار كاف للحاجة إلى تنقيح الأصل في المسألة.


1 - تقدم في الصفحة 26 - 27. (*)

[ 263 ]

وتوهم لزوم الاختلال، أو عدم تمكن المولى من إيصال الردع حتى بالنسبة إلى مطلق الخبر والظاهر، غير واقع في محله. فما حكي عن بعض الأصحاب في قبال ابن قبة: من وجوب التعبد (1)، إن كان يرجع إلى الوجوب في الجملة فحسن، وأما لو رجع إلى وجوب التعبد بمطلق خبر الثقة وسائر الأمارات العقلائية، فلايتم. تذنيب: حول عدم تأسيس الأصل عند الشك في الحجية لا معنى لتأسيس الأصل حتى يقال: إذا شك في حجية شئ، يكون المرجع أصالة عدم الحجية، وذلك لأن الشك في الحجية، يساوق القطع بعدم الحجية، فلا أصل حتى يكون مستندا عند الشك، كسائر الموارد التي يؤسس فيها الأصل للمرجعية. وبعبارة اخرى: إذا كان الشك في الحجية، مساوقا للقطع بعدم الحجية، فكيف يمكن الخروج عن هذا الأصل ؟ ! ضرورة أن القطع بعدم الحجية، لا يمكن ردعه والتصرف فيه كسائر المواضع، مع أن المراد تنقيح الأصل، وإخراج الموارد الخاصة عن تحته. أقول: الكلام يقع تارة: حول أن الشك في الحجية، هل يساوق القطع بالعدم، أم لا ؟ واخرى: حول أنه على تقدير التساوق، كما يظهر من جمع منهم، هل يمكن الخروج منه، أم لا ؟


1 - قوانين الاصول 1: 433 / السطر 8. (*)

[ 264 ]

فهنا بحثان: البحث الأول: في أن الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها والحق فيه: أن الشك في أن الشرع هل اعتبر الأمارة الكذائية، وجعلها حجة، أم لا ؟ هو شك صحيح، ولايساوق الحجية، كما هو الواضح. ولعله خارج عن مفروض الكلام، وهو الشك في الحجية. وأما في مفروض البحث، فالحق فيه: أن المراد من " الحجية " حيث تكون، هي القابلية للاحتجاج بالفعل، وأن الحجة هي الأقيسة المنطقية، أو العقلائية الراجعة إلى تلك الأقيسة في الحقيقة، فلا يكون الشك فيها إلا راجعا إلى العلم بعدم صحة الاحتجاج به في الجملة. وما قد يقال: إن الحجة هي الوسطية في الإثبات (1)، أو ما يحتج به على الخصم (2)، فهو - حسبما تبرهن عليه في المنطق (3) - غير صحيح، بل حقيقة الحجة هي الواسطة المتكررة بين الصغرى والكبرى، وإطلاقها على مجموع مواد القياس بالتوسع والمجاز. وجميع الاحتجاجات العقلائية، لابد وأن ترجع إلى تلك الأقيسة المنطقية، مثلا إذا احتج المولى على العبد بالظواهر، أواحتج العبد على المولى بالخبر الموثوق به، فكل ذلك يرجع إلى الشكل الأول، أي " أن الوجوب الكذائي قام عليه الظاهر، وكل ما قام عليه الظاهر يجب الأخذ به، فالوجوب الكذائي يجب الأخذ به ".


1 - أجود التقريرات 2: 86، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 7، منتهى الاصول 2: 76. 2 - تهذيب الاصول 2: 85. 3 - الجوهر النضيد: 193، شرح المطالع: 21 / السطر الأخير. (*)

[ 265 ]

فبالجملة: تحصل في محله أن الحجة بالحمل الأولي، ليست واسطة في الإثبات، ولا متكررة بين الصغرى والكبرى، بل الحجة هي المعنى المتكرر بالحمل الشائع، الذي به يثبت الأكبر للأصغر (1)، وهذا أمر واحد شائع في جميع العلوم الحقيقية والاعتبارية. وأما حمل " الحجة " على الأمارات العقلائية، فهو أيضا يرجع إلى توسطها - بالحمل الشائع - لإثبات الواقعيات وتنجيزها، أو تعذير العباد. ومجرد إمكان تشكيل الشكل الأول بقولنا: " هذا ظاهر، والظاهر حجة، فهو حجة " لا ينفع، بل النافع إثبات أن ما قام عليه الظاهر، هو الواجب أخذه، والواجب اتباعه عقلا، ووجوب الجمعة يكون كذلك بعد قيام خبر الثقة والظاهر عليه، والأمر - بعد ذلك كله - سهل، وتفصيله في محله (2). وبالجملة: ربما يتشكل الشكل الأول، وتتم الحجة بالحمل الشائع، ولا يتم القياس المشتمل عليها بالحمل الأولي، مثلا يقال: " وجوب الجمعة محتمل بالاحتمال قبل الفحص، وكل محتمل بهذا الاحتمال متنجز وواجب اتباعه، فوجوب الجمعة متنجز " ولايقال نظيره على وجه تكون الكبرى هكذا: " وكل احتمال حجة " فتأمل. إذا تبين معنى " الحجية " والمراد بها هنا، يظهر أن الشك فيها إن كان بعد الفحص وعدم الظفر بها، فلازمه القطع بعدم تمامية الحجة من المولى على العبد، وتمامية حجة العبد على المولى، فيعلم منه: أن الشك يساوق القطع بالعدم في الجملة، كما أشرنا إليه (3). وأما الشك فيها قبل الفحص - مثلا إذا شك في حجية إخبار ذي اليد بالقبلة،


1 - لاحظ الصفحة 9. 2 - يأتي في الصفحة 302. 3 - تقدم في الصفحة 263. (*)

[ 266 ]

أو النجاسة والطهارة، أو شك في حجية قول اللغوي - فلا يكون يساوق القطع بالعدم، وإلا لانسد باب المراجعة. فمن هنا يظهر: أن " الحجية " كسائر العناوين النوعية، تكون ذات أحوال ثلاثة: حالة العلم بها، وحالة العلم بعدمها، وحالة الشك فيها، وليست مثل الشك واليقين، حتى لا يتصور الحالة الثالثة بالنسبة إليهما، حتى يكون الشك فيهما عين العلم بعدمهما. إن قلت: الشك قبل الفحص والاحتمال قبل المراجعة، ينجز الواقع، فالشك في الحجية يساوق في هذه الصورة القطع بإتمام الحجة، ولا أثر للوجود الواقعي للأمارة القائمة على حجية قول اللغوي وغيره، فلا حالة ثالثة. قلنا: نعم، هذا الاحتمال ينجز الواقع، ولذلك لو كان يظفر بأمارة خاطئة، لا يصح التمسك بها، ويصح العقاب على الواقع، ولكن ذلك لا ينافي الشك في الحجية، والشك في أن خبر ذي اليد، حجة شرعا، أم لا، بحيث لو ظفر به أحد يصح الأخذ به، ويتم الاحتجاج به. فتحصل لحد الآن: أن ما اشتهر من تساوق الشك في الحجية مع القطع بعدم الحجية، غير صحيح إلا في الجملة، وعندئذ يصح أن يتمسك بالأصل، ويحرر على عدم الحجية، بوجه يخرج عنه بالدليل، ولايكون لازمه الردع عن القطع، كما لا يخفى، فتأمل. هذا مع أنه لو قلنا: بأن الشك في الحجية، يساوق القطع بعدم الحجية حتى في صورة الشك فيها قبل الفحص، فلا يمنع ذلك من تجويز الخروج عنها بالدليل، لأنه عند قيام الدليل يرتفع الموضوع، وهو الشك في الحجية، وكأنه يصير من قبيل التصرف في المقطوع، لا القطع، ويصير الاستثناء منقطعا، وتصبح النتيجة هكذا: إن الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها، وفي مورد قول اللغوي لاشك في حجيته،

[ 267 ]

وهكذا في كل مورد قام الدليل على حجيته، وليس هذا من الردع عن القطع، وسيمر عليك تمام البحث. البحث الثاني: في الخروج عن التساوق فعلى هذا، تبين البحث الثاني أيضا، وتحصل إمكان البحث على النهج المتعارف في سائر المواضع التي يحرر فيها الأصل والقاعدة للمرجعية، فليتأمل. المقام الثاني: حول آثار الحجية إن من آثار الحجية التنجيز والتعذير في خصوص حجية الأمارات، وما يحدو حدوها، ومن آثارها جواز الإفتاء، والقضاء، والحكم، والإخبار، والإسناد إلى صاحب الشريعة. وأيضا: من آثارها الإتيان بالمؤدى على أنه حكم الله، ومن الإسلام والشرع. فهل هذه الآثار ثابتة لما شك في حجيته مطلقا، أو منتفية عما يشك في حجيته، أم هي مختلفة، فمنها: ما يمكن إثباتها، ومنها: ما لا يمكن ؟ وجوه. وقبل الخوض في هذه المسألة، نشير إلى مسألة مفروغ منها بينهم: وهي أن القدر المتيقن من آثار الحجية الثابتة للأمارات وأشباهها، هو التنجيز والتعذير، وهذا أمر مشترك فيه القطع، والاحتمال قبل الفحص، والاحتمال مطلقا في الشبهات المهتم بها، والظن على الانسداد، بناء على ما هو الحق من كونه حجة بعد تمامية المقدمات. وأما جواز الإخبار والإفتاء والتدين والتعبد العملي، فهو محل مناقشة، وذلك لأن ما هو الثابت شرعا في باب الطرق والأمارات العقلائية، ليس أمرا أزيد عندهم.

[ 268 ]

وما اشتهر: " من أن الشرع تدخل فيها بإتمام كشفها، وإلغاء احتمال الخلاف فيها " (1) ودعوى " هو هوية مؤداها مع الواقع " (2) ودعوى " أنها العلم " و " أنها العلم النظامي " وغير ذلك من العبارات التي يغتر بها الفضلاء، فضلا عن المحصلين، كله فاسد جدا. فلا معنى لتجويز الإفتاء والإخبار - وغير ذلك من الآثار الواضحة عندهم - إلا مع الدليل، فما يجوز الإخبار عنه هو الإخبار عن تمامية الحجة، والإفتاء بتماميتها، والإتيان بمؤداها، حذرا من الخلاف والمخالفة، من دون أن يتعبد بمؤداها، ويتدين بمضامينها عملا. وهذا من غير فرق بين أقسام الأمارات، فكما لا يجوز ذلك كله بالنسبة إلى مؤدى مظنون الصدور، كذلك لا يصح بالنسبة إلى مقطوع الصدور ومظنون الدلالة. نعم، لمن حصل القطع بالحكم يجوز ذلك كله، بناء على امتناع الردع عنه، وعدم احتياجه إلى الإمضاء في الحجية، كما هومرام الكل، إلا ما عرفت منا في محله (3). وبالجملة: لا تلازم بين الحجية وبين هذه الآثار، لأجل ما أشرنا إليه. وأما إنكار الملازمة بينهما، لأجل ما في " الكفاية ": من أن الظن على الحكومة حجة، ولا يترتب عليه الآثار (4)، أو لأجل أن الاحتمال قبل الفحص حجة، ولا يترتب عليه ذلك، فهو - مضافا إلى مناقشة في المثال الأول - أن ما ليس بحجة، هل يلازم انتفاء الآثار ولو لم تكن الحجة ملازمة لها، أم لا ؟ وما هو النافع هو الأول،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 17، منتهى الاصول 2: 73. 2 - فرائد الاصول 1: 44. 3 - تقدم في الصفحة 28 - 29. 4 - كفاية الاصول: 323. (*)

[ 269 ]

كما سيأتي تحقيقه (1). أقول: قد مر منا في مباحث الأوامر: أن من الأقوال في مسألة دلالة الأمر على الوجوب، هو القول بأن الأمر لا يكون إلا حجة محتاجة إلى الجواب، وإذا قصد المأمور عصيان الأمر، تجوز المؤاخذة على ذلك، ولا يقبح العقاب، وعندئذ يجب عقلا أن يسد العبد جميع أبواب احتمال العقاب، حتى يستيقن بامتناع عقابه. وقد ذكرنا هناك: أن هذه المقالة، ترجع إلى إنكار صحة الإفتاء على طبق الأمر والنهي، وهكذا الإخبار، مع أن سيرة السلف والخلف على جواز الإفتاء على طبقهما، من غير حاجة إلى الأدلة الخاصة (2). والسر كل السر: أن البناءات العقلائية في باب الأمارات والطرق، لا تنقص عن بنائهم في باب القطع، فإنه يحصل - حسب العادة النوعية، وحسب الموازين الغالبة الشائعة - من هذه الأمارات الوثوق والاطمئنان بالمؤدى والأحكام، وعندئذ يجوز الإخبار وسائر الآثار، لأن حجية الأمارات في الحقيقة باعتبار انكشاف الواقعيات بها نوعا وغالبا، أو بناء وعادة، ولذلك نجد أن القوم يسندون المؤديات إلى مواليهم العرفيين. وما ورد في الأخبار الخاصة من الحث على الإفتاء (3)، ليس أمرا جديدا وراء اعتبار الطرق والأمارات العقلائية. وغير خفي: أن انكشاف الخلاف في كثير من الأمارات والطرق، ليس بالغا إلى حد يعد ذلك بناء من العقلاء. ولو فرضنا - كما لم يبعد عندنا - أن مسألة الكشف والوثوق بالخارجيات في موارد قيام الطرق والأمارات، ليست واضحة، بل كل ذلك


1 - يأتي في الصفحة 271 - 275. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 94 - 96. 3 - وسائل الشيعة 30: 291، ذيل ترجمة أبان بن تغلب. (*)

[ 270 ]

بناءات عادية حصلت أحيانا في الزمن الأول، لأجل الكشف الغالبي، وأما اليوم فهو مجرد بناء، وهكذا في عصر الأئمة (عليهم السلام) ولكن مع ذلك فبناؤهم على الإفتاء والإخبار والتدين، وهذا يكفي لحل هذه العويصة جدا. وأما ما قد يقال: بأن المحرم في باب الإفتاء هو الإفتاء بغير علم، وفي باب الإخبار والإسناد هو الإخبار بلا حجة، وهكذا في مسألة التدين والتعبد، وإذا كانت الطرق حجة شرعية ممضاة، تكون حاكمة على الأدلة الناهية عن القول بغير علم، ضرورة أن " العلم " المأخوذ في الأدلة هو الحجة، كما تحرر في محله (1)، والقول أيضا أعم من الإفتاء وغيره، فهو متين، ولكنه لايتم إلا في مسألة الإفتاء بغير علم، وأما الإخبار بغير حجة وعلم، أو التدين بدونه، فلم يوجد منه أثر في الآثار. ودعوى: أن " القول بغير علم " يشمل الإخبار، غير مسموعة، لأن المراد من ذلك هو الإفتاء بغير علم، لا التقولات اليومية السوقية، فإنه لو كان محرما، فلابد من أن يكون لأجل دليل آخر، كما تحرر في محله (2). فعلى كل تقدير: إنكار هذه الآثار بالنسبة إلى الطرق والأمارات، من قبيل إنكار الضروري. وأما عد الانقياد من آثار الحجية، فهو بمعزل عن التحقيق. نعم، لا بأس بعد التجري منها، لاحتمال كون عنوانه أو الفعل، محرما مثلا، وإلا فحسب التحقيق لا أثر له أيضا، كما لا يخفى، والأمر سهل، فما في " تهذيب الاصول " (3) و " الكفاية " (4) لاينجو عن المناقشة، والله هو المستعان.


1 - يأتي في الجزء السابع: 337 ولاحظ تهذيب الاصول 2: 105. 2 - لاحظ تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الموقف الثاني، المفطر الخامس: الكذب على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام). 3 - تهذيب الاصول 2: 86 - 89. 4 - كفاية الاصول: 322. (*)

[ 271 ]

حكم الآثار بالنسبة إلى الأمارة مشكوكة الاعتبار إذا تحصلت هذه المسألة، فلتكن على ذكر بالنسبة إلى ما هو المقصود: وهو أن هذه الآثار هل هي منتفية عن الأمارة المشكوك اعتبارها، أم لا، أو الأمارة المقطوع عدم اعتبارها، بناء على القول: بأن الشك فيها يرجع إلى القطع بعدمها ؟ فنقول: أما الآثار العقلائية كالتعذير والتنجيز، فواضح انتفاؤها. وأما الإفتاء والإخبار والإسناد، فغير واضح، وذلك لأنه يرجع إلى الشبهة الموضوعية، الجارية فيها اصول الحل والبراءة، ضرورة أن احتمال كون الإفتاء المزبور، مطابقا للواقع، واحتمال كون الإخبار صادقا موجود. وأما حرمة التعبد عملا بمؤداها، على وجه لا يكون من الإتيان الرجائي والاحتياط، فهي أيضا واضحة، لأنه من التشريع والابتداع، ضرورة أن ما هو المقصود من " التشريع " ليس عقد القلب على ما لا يعتقد، أو على ما يعتقد خلافه، فإنه غير معقول بالضرورة، فإن مع الشك القلبي الوجداني، أو مع العلم بعدم كونه من الشرع، لا يتمكن من عقد القلب والاعتقاد بأنه من الشرع. نعم، يتمكن من إبراز العمل على وجه يعتقد الآخرون أنه يتدين به، ويريد بذلك العمل إفادة أنه متدين به، وهذا هو المحرم من التشريع العملي. ومن هنا يظهر وجه إمكان تحريم الإفتاء في مورد الحجة المشكوك فيها، لأنه من التشريع بهذا المعنى، وهو من التقول بغير علم، المستدل عليه بالكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع (1). وأما الإسناد إليه تعالى، أو إلى أحد المعصومين (عليهم السلام) في غير الامور


1 - عوائد الأيام: 319 - 325. (*)

[ 272 ]

التشريعية والأخبار، فتحريمهما مشكل جدا، وتفصيله في كتاب الصوم (1)، وفي المكاسب المحرمة (2). وإجمال المناقشة: أن الصدق والكذب مطابقة الكلام للواقع وعدمها، وفي صورة الشك تجري البراءة، كسائر الشبهات الموضوعية. والقول بغير علم ولو كان حراما، ولكنه - كما عرفت - ليس إلا التشريع والابتداع، دون الامور العادية، فما في " تهذيب الاصول " من إيهام العموم (3)، غير تام، والله العالم. إن قلت: الإسناد والإخبار، يلازم الإفتاء فيما هو المهم بالبحث في المقام، فلو حرم الإفتاء لأجل أنه من القول بغير العلم، يحرم العنوانان الآخران. قلت: يكفي لعدم تمامية ما عندهم التفكيك بين الآثار في غير ما هو المهم بالبحث. هذا مع أن في المسائل الشرعية، يتصور الإخبار والإسناد من غير أن يكونا إفتاء، فإن العامي ربما يسند إلى الله تعالى، ولا يعد ذلك إفتاء، ويخبر عن حرمة شرب التبغ بمجرد السماع من العامي الآخر، من غير كونه أيضا إفتاء، فالإفتاء إما إنشاء، أو إخبار خاص، كما لا يخفى. إيقاظ: في تقسيم جواز الإسناد إلى واقعي وظاهري يمكن أن يقال: إن جواز الإخبار والإسناد الذي هو من آثار الحجية، هو الجواز الواقعي، والجواز الثابت لهما في موارد الشك في وجود الحجة، هو الجواز الظاهري. مع أن جواز الإخبار والإسناد، يمكن منعه في موارد الشك في الصدق


1 - تحريرات في الفقه، الصوم: 211 - 212. 2 - المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه (مفقود). 3 - تهذيب الاصول 2: 85 - 86. (*)

[ 273 ]

والكذب، للعلم الإجمالي. إلا أنه غير تام، وتحريره خروج عما هو أساس البحث في المقام، ومن شاء فليراجع ما حررناه في محاله (1). فبالجملة: في موارد الشك في الحجية، لا تنتفي جميع آثار الحجية، على إشكال فيه كما اشير إليه (2). فتحصل: أن توهم الملازمة الثبوتية بين الحجية وتلك الآثار، كما يظهر من العلامة النائيني (قدس سره) (3) غير تام، كما أن توهم انتفاء الآثار عند انتفاء الحجية، أيضا غير تام، إلا على الوجه الأخير. تتميم: في دعوى اختصاص جواز الإسناد بالأمارات قد عرفت وجه المناقشة في حرمة الإخبار والإسناد غير الراجع إلى الإفتاء بغير علم (4)، وأيضا تبين وجه المناقشة في جواز الإفتاء والإخبار والإسناد في صورة ثبوت الحجية مع جوابها (5). وربما يمكن دعوى: أن جواز الإخبار والإسناد من آثار الحجية في باب الطرق، لا لمطلق الحجة، لأن كون الحجة معذرة بالنسبة إلى مورد التخلف عن الواقع، يلازم كونها معذرة بالنسبة إلى الإخبار والإسناد اللذين يكونان خطأ أيضا، فإذا ثبتت حجية خبر الثقة والظاهر، فكما يجوز الإفتاء على طبقه، والتدين به، ويكون عذرا عند الخطأ، كذلك يجوز الإخبار والإسناد، ويعد عذرا في صورة الخطأ، من غير حاجة إلى التمسك بالبناءات العقلائية، أو الإدراكات العرفية


1 - لاحظ الصفحة 270، الهامش 4. 2 - تقدم في الصفحة 271. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 122 - 123. 4 - تقدم في الصفحة 271. 5 - تقدم في الصفحة 267 - 268. (*)

[ 274 ]

المستندة إلى الكشف النوعي عن مرادات المولى، ولا إلى دعوى: أن أدلة الأمارات حاكمة على أدلة التقول بغير علم، بإحدى الوجوه المحررة للحكومة التي أشرنا إليها، من كونها علما تعبدا، أو أن المراد من " العلم " هو الحجة، فتكون واردة عليها. ولا يعتبر في معذريتها، كونها قائمة على جواز الإخبار والإسناد على نحو دلالة المطابقة، بل يكفي معذريتها في مدلولها المطابقي لمعذريتها عن هذه الآثار أيضا. وتوهم: أنه ليس من الآثار لها، في غير محله، ضرورة أن الإخبار الكاذب حرام، وإسناد الشئ إلى المقدسين محرم، فلو كانت الأمارة قائمة على أن إسماعيل (عليه السلام) ولد سنة كذا، يجوز الإخبار والإسناد ولو لم يكن في دلالتها المطابقية أثر عملي. اللهم إلا أن يقال: بأنه لا دليل على حجيتها بالنسبة إلى هذه الآثار الطارئة، ويكفي انصراف أدلة الإمضاء - لو كانت - عن مثلها ولا، يعد مثل ذلك من الآثار العقلائية، فتأمل. ويمكن أن يقال: بأن دعوى الانصراف عن مثلها في المثال، لا تقتضي صحة الشك في حجيتها، بالنسبة إلى الإخبار والإسناد في خصوص الأمارة القائمة على الأحكام المترتبة عليها الآثار العملية، فليتدبر جيدا. تذنيب نتيجة ما تحرر: أنه ليس كل ما يكون حجة، موضوعا لترتيب جميع الآثار الثابتة لأمثال الأمارات والاصول المحرزة، كما ليس كل ما لا يكون حجة قطعا، أو يكون مشكوك الحجية، موضوعا لعدم ترتب الآثار بانتفاء جميع الأحكام عنه حسب الصناعة، وإن يشكل الحكم بذلك، كما يظهر من مطاوي ما ذكرناه.

[ 275 ]

المقام الثالث: في تقاريب تحرير الأصل وقد عرفت تصوير الشك في الحجية من غير كونه مساوقا لعدم الحجية (1)، فإن ما هو الحجة شرعا بحسب الواقع، مشكوك الحجية قبل الفحص، ولايكون هذا الشك مساوقا للقطع بعدمها، ويكون الواقع حجة إذا اقتحم في خلافه، لا الشك قبل الفحص. إذا تبين ذلك، فإليك تحرير الأصل بتقاريب: التقريب الأول: ما في " الرسائل " وإجماله أن لحرمة العمل والتعبد، يكفي نفس الشك في الحجية، فلا مورد لاستصحاب عدم الحجية، لما لا يترتب على الإحراز الاستصحابي أثر عملي، وقد تحرر اشتراط الأثر في التعبد به (2)، انتهى ملخص مرامه (قدس سره). وبعبارة مني: إن الآثار الثابتة للحجية، منتفية عن مشكوك الحجية من غير لزوم إحراز عدم حجيته واقعا، لأن الواقع لا أثر له يخصه، فمشكوك الحجية مشتبه المصداق، وآثار الحجية لاتترتب على المصداق المشتبه، فإذا كان جواز التعبد والتدين من آثار الحجة، فما دام لم تثبت حجية شئ لا يثبت الجواز، فيكون ممنوعا ترتب تلك الآثار بالضرورة. وأما حرمة التعبد بالمشكوك، فللأدلة الأربعة: من الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. أقول: ما هو البحث الاصولي ويناسب المقام، إثبات انتفاء آثار الحجة عن


1 - تقدم في الصفحة 264 - 265. 2 - فرائد الاصول 1: 50. (*)

[ 276 ]

مشكوك الحجية من غير الحاجة إلى الإحراز الواقعي، وأما حرمة التعبد بمشكوك الحجية، فهي مسألة اخرى في محل آخر لا تليق بالمقام، وما استدل به من الأدلة الأربعة (1) ممنوع، وقد مر شطر من الكلام حوله في المقام السابق (2)، وتفصيله في مباحث الاجتهاد والتقليد. ثم إنه يتوجه إليه (قدس سره) أولا: نقض بأن كفاية الشك لانتفاء الآثار، أو لترتب الحرمة، كما يقتضي عدم جواز التمسك بالاستصحاب، إذ لا أثر لإحراز الواقع به، كذلك يقتضي عدم جواز التعبد بالامارة القائمة على عدم حجية المشكوك. وما قيل: " إن قيام الأمارة رافع الموضوع، وهو الشك في الحجية، بخلاف الاستصحاب " (3) غير تام، لما تحرر أن رافعيتها للموضوع، فرع ثبوت أن الشرع تمم جهة الكشف، وألغى احتمال الخلاف، وادعى أن الطرق والأمارات علم، وقد تحرر مرارا فساد هذه المقالات طرا، ولايكون في الآثار الواصلة منه أثر أصلا، فالشك في الحجية موجود، وليس ملغى في نظر الشارع، فالتعبد بالأمارة أيضا لغو، لما لا أثر فيه، كما لا يخفى. نعم، يمكن أن يقال: إن نظره (قدس سره) إلى أن الشك الذي هو تمام الموضوع، هو الشك بعد الفحص، وإلا فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب، ولايكون الشك قبل الفحص تمام الموضوع بالضرورة، فعلى هذا إذا فحص عن الأدلة، ووجدت الأمارة على عدم حجية القياس مثلا، فلا يكون هذا الشك تمام الموضوع، لأن من قيوده


1 - فرائد الاصول 1: 49، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 119 - 120، منتهى الاصول 2: 75 - 76. 2 - تقدم في الصفحة 270 - 271. 3 - أجود التقريرات 2: 88. (*)

[ 277 ]

عدم الوصول إلى الخبر الناهض على عدم الحجية. وإن لم توجد أمارة يكون الشك تمام الموضوع، ولا حاجة إلى الإحراز الاستصحابي. ولكنك خبير: بأنه أيضا غير مفيد، فافهم وتأمل. وثانيا: أن اللغوية الواجبة الاجتناب هي لغوية ذات الدليل، وتمام مضمون الحجة والرواية، دون اللغوية الحاصلة من الإطلاق، كما تحرر تفصيله مرارا (1). مثلا: لو فرضنا حكومة استصحاب عدم الإتيان بالجزء المشكوك فيه على قاعدة التجاوز، فلابد للفرار من اللغوية من الالتزام بتقدمها عليه استثناء، وأما حكومة الاستصحاب السببي على المسببي، فأمر مفروغ منها في كلامهم، مع أن الاستصحاب المسببي لا أثر له إلا المحكومية. فعليه القاعدة التي ضربت لحال الشك في الحجية، تكون محكومة باستصحاب عدم الحجية، بناء على جريانه في ذاته، ولا يتوقع الأثر لهذا الاستصحاب بعد ثبوت الإطلاق لقوله (عليه السلام): " لا تنقض اليقين بالشك " (2). نعم، عندنا جميع الاصول الحكمية وضعية كانت أو تكليفية - كاستصحاب عدم الوجوب - غير جارية، وتفصيله في الاستصحاب (3)، وعندئذ تصل النوبة إلى القاعدة المضروبة. وأما توهم: أن القاعدة جارية هنا مطلقا، للزوم لغوية القاعدة، فهو في غير


1 - تقدم في الجزء الثالث: 447 - 448، وأيضا تحريرات في الفقه، واجبات الصلاة: 170 وكتاب الطهارة، أحكام النجاسات، أحكام لبن الجارية. 2 - وسائل الشيعة 8: 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 3. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 534. (*)

[ 278 ]

محله، لأنها قاعدة اختلاقية، لا شرعية، فلا تخلط. نعم، يمكن أن يقال: على تقدير جريان الاستصحاب المزبور ذاتا، يكون مقتضى كون الشبهات الحكمية الكلية قدرا متيقنا من حديث الرفع (1)، كون المرجع في صورة الشك في الوجوب والحجية، البراءة الشرعية، ولو كان استصحاب عدم الوجوب والحرمة وسائر الوضعيات المشكوك فيها، مجرى الاستصحاب، تلزم لغوية حديث الرفع بوجه يجب الفرار منها، فتأمل. وتوهم عدم جريان حديث الرفع في المقام، لما لا امتنان في رفعها، غير صحيح، لأنه مضافا إلى أن الامتنان ليس علة، أن الحجية ربما تكون منجزة، فرفعها فيه الامتنان. وبناء على ما تحرر منا، تبين وجه فساد ما في " الكفاية " من التمستك بأن الحجية واللاحجية أثر (2)، وما في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) (3) من إطالة الكلام حول هذه المسألة، مريدا به إثبات عدم جريان الاستصحاب، مع ما فيه من المناقضات غير اللازم ذكرها. وسيأتي وجه عدم جريان الاستصحاب في المقام في ذيل التقريب الآتي إن شاء الله تعالى (4). وثالثا: لا لغوية في البين، فإن مشكوك الحجية لا يستند عدم حجيته إلى الشرع، بخلاف ما إذا احرز بالاستصحاب عدم حجيته. وبعبارة اخرى: حرمة التعبد والتدين تترتب على مشكوك الحجية، للأدلة، وأما جواز إسناد لاحجيته إلى الشرع، فممنوع إلا في صورة قيام الأمارة أو الاستصحاب.


1 - الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 2 - كفاية الاصول: 322 و 333. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 126 - 133. 4 - يأتي في الصفحة 282 - 283. (*)

[ 279 ]

مثلا: إذا شك في حجية القياس، يصح أن يسند لا حجيته إلى الشرع، بخلاف الاستحسان، فإنه وإن يحرم التعبد بمؤدى الاستحسان، ويحرم الإفتاء على طبقه، ولكن لا يصح إسناد لا حجيته إلى الشرع إلا باقتضاء من الدليل الشرعي، فلو جرى استصحاب عدم كون الاستحسان حجة يصح، وإلا فلا. فذلكة الكلام إن تحرير الأصل بالتمسك بالقاعدة المضروبة لحال الشك، غير تام إلا على القول بعدم جريان استصحاب عدم الحجية، وتحريره بالاستصحاب المزبور غير تام، لما تحرر منا من عدم جريان أمثال هذه الاستصحابات الأزلية في الشبهات الحكمية ذاتا، لما لا حالة سابقة لعدم الوجوب وعدم الحجية (1)، ضرورة أن الإرادة التشريعية الإلهية أزلية، إما متعلقة بالحجية، أو لا تتعلق بها بعد ذلك فيما لا يزال، لامتناع حدوث إرادته التكوينية والتشريعية، على ما تحرر في " قواعدنا الحكمية " (2). وغير خفي: أن القاعدة المضروبة لحال الشك، إن رجعت إلى ما ذكرناه - وهو انتفاء آثار الحجية عن المشكوكة حجيته - فهو أقل إشكالا مما في " الرسائل ": من إثبات حرمة التعبد والتدين والإخبار والإسناد (3)، فإن ما ثبت بحكم العقل والسنة - لا الكتاب والإجماع - هو حرمة التشريع القولي أو العملي بوجه مضى (4)، وأما حرمة الإخبار والإسناد فلا، وقد عرفت تفصيله في المقام السابق (5). إن قلت: في موارد الشك في الحجية، لا يجوز التمسك بالأخبار المانعة عن


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 534. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - فرائد الاصول 1: 49. 4 - تقدم في الصفحة 271. 5 - تقدم في الصفحة 271 - 275. (*)

[ 280 ]

العمل بغير العلم، ولا التقول بغير العلم، لأنه من الشبهة الموضوعية لنفس تلك الأدلة إن قلنا: بأن أدلة حجية الأمارات والاصول، حاكمة على تلك الأدلة، كما هو خيرة الأكثر في خصوص الأمارات، وفي مثل الاستصحاب (1). أو من الشبهة المصداقية إن قلنا: بأنها مخصصة لها (2)، ضرورة أن العمل بتلك الحجج والتقول على طبقها، جائز كما مر (3)، فتكون مخصصة لأدلة المنع، وإذا شك في حجية شئ، يكون من الشبهة المصداقية لتلك الإطلاقات، ومن الشبهة الموضوعية لدليل المخصص. ومن قبيل الأول لو قلنا: بورود أدلة الحجية على تلك الأدلة، لأن المراد من " العلم " فيها هو الحجة. وعلى كل تقدير: لا يصلح لتحريم العمل والقول تلك الأدلة المانعة، فما في " الرسائل ": من تحريم العمل والتعبد بمجرد الشك (4)، غير صحيح حسب الصناعة. قلت أولا: إن المراد من " العمل بغير العلم " و " القول بغير الحجة " هو العمل حال الشك، والقول حال الشك والجهل بالحجية، فإن من السنة ما في الخبر: " رجل قضى بالحق وهو لا يعلم " (5) فتكون تلك الأدلة المانعة متعرضة لحال الشك والجهالة، لا لأمر وعنوان يكون له الواقع المتصور فيه الحالان: الواقعي، والمشكوك فيه، حتى تندرج المسألة في معركة التمسك بالعام في الشبهة الموضوعية، أو المصداقية. ومما يشهد لذلك: تمسكهم في هذا المقام بالعقل المدرك لقبح التشريع الذي هو في حال الجهالة، أو العلم بالخلاف.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 160 - 161، نهاية الأفكار 3: 102 - 103، حقائق الاصول 2: 112. 2 - فرائد الاصول 1: 122، كفاية الاصول: 339. 3 - تقدم في الصفحة 270 - 271. 4 - فرائد الاصول 1: 52. 5 - وسائل الشيعة 27: 22، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 4، الحديث 6. (*)

[ 281 ]

وثانيا: ليس عنوان " الحجة " خارجا عن تلك الأدلة، حتى يكون مشكوك الحجة من الشبهة المصداقية، بل الخارج حكومة أو تخصيصا عناوين الطرق والأمارات وما شابهها، وإذا شك في حجية القياس، يكون من الشك في التخصيص، وإرجاع العناوين الكثيرة الخارجة إلى العنوان الواحد، فيه مفاسد، ومنها ذلك، فلا تغفل. وثالثا: حديث منع التمسك بالعام - بل والمطلق - في الشبهات المصداقية، مما يكذبه البرهان والوجدان، وعليه البناءات العقلائية، ولاسيما في القوانين الكلية العامة التي ربما ضربت لأمثال ذلك، وتفصيله في محله (1). ورابعا: لو كان يجري استصحاب عدم الحجية كان لتنقيح موضوع تلك الأدلة به وجه كما ترى. وهذا كله على تقدير توهم: أن ما هو المحرم هو عنوان " العمل بغير العلم، والمتعبد والإسناد والاستناد لغير الحجة " على الوجه المزبور. ومن هنا ينقدح: أن القول بأن التمسك بتلك الأدلة في موارد الشك لو لم يكن جائزا، للزمت لغويتها مع كثرتها، غير واقع في محله، والمهم ما عرفت من فساد مبنى هذا الإشكال (2). وليعذرني إخواني على الخروج عن الاعتدال. التقريب الثاني: الشك في الحجية إذا كان قبل الفحص، يكون من الشك في وصول ما هو الحجة واقعا، ويصح الاحتجاج به، ولذلك ليس هذا الشك مورد البحث. ومما يشهد له: تمسكهم بالاستصحاب الذي لا يجري إلا بعد الفحص، لإمكان ورود الدليل على حجية ما ينافيه. بل لا محل لجريانه مع وجود الحجة


1 - تقدم في الجزء الخامس: 251 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 276 - 278. (*)

[ 282 ]

الموافقة أيضا. وإذا كان الشك بعد الفحص، فمع الظفر على ما يدل على حجية المشكوك، فلا كلام. وهكذا إذا عثر على ما يدل على عدم حجيته كما مر (1). وقد أشرنا إلى ذلك لدفع توهم: أن القول بعدم جريان الاستصحاب بعد القاعدة، يختص بذلك، ولاتشترك معه الأمارة القائمة على عدم الحجية، وإلا يلزم جريان الاستصحاب أيضا. والسر: أن موضوع القاعدة هو عدم العثور على ما يدل على الحجة واللاحجة، وأما مع العثور على أحد طرفي المسألة فلا محط لها، لأن القاعدة ليست إلا إدراك العقل اقتضاء. وبالجملة: إذا فحص ولم يطلع على ما يدل على الحجية واللاحجية، ولم يظفر عليه، فتارة: يكون بحسب الواقع غير وارد فيه الخبر. واخرى: يكون الخبر صادرا غير واصل إلينا. فعلى الأول لا بحث، وإنما البحث في الصورة الثانية، فإن ما هو الحجة بحسب الخبر غير الواصل، هل يكون حجة فعلية، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: هل للحجية مرحلتان: مرحلة الثبوت والإثبات، ومرحلة الفعلية والتنجيز، كسائر الأحكام الإلهية ؟ أم الحجة أمرها دائر بين الفعلية واللافعلية، فيكون الشك في الحجية، مساوقا للقطع بعدم الحجية، لأن معنى " الحجة " هو ما يصلح للاحتجاج به، وهو حسب المفروض لا يصلح عند كافة العقول بالنسبة إلى من لم يعثر عليه، ولايكون حجة للمولى على العبد، ولا العكس، فلا وجه بعد ذلك للشك في الحجية حتى


1 - تقدم في الصفحة 276. (*)

[ 283 ]

يستصحب ؟ وهذا ما هو المشار إليه في كلامنا السابق (1) ووعدنا به إشكالا على الاستصحاب، فركن الاستصحاب منتف جدا وإليه يرجع كلام جملة من المحصلين: " من أن الشك في الحجية، عين القطع بعدم الحجية " (2). ومما ذكرنا يظهر ضعف ما في كلمات " تهذيب الاصول " (3) في تحرير محط البحث، وفي تقريرات العلامة النائيني (قدس سره) (4) والأمر سهل. فبناء على هذا، يجوز إسناد عدم الحجية إلى الشرع، لأن ما هو المقطوع عدم حجيته، أي هو مقطوع عند الشرع أنه ليس بحجة، قضاء لحق القطع والعلم بعدم الحجية، فإذا شك في حجية إخبار ذي اليد يصح الإخبار ب‍ " أنه ليس حجة جزما " للقطع بعدم الحجية وهكذا، فتأمل (5). فبالجملة: بعد انتفاء آثار الحجية عن مشكوك الحجية، يقطع بعدم حجيته، ويترتب عليه آثار عدم الحجية، من حرمة التعبد، والإسناد، والاستناد، ولاتصل النوبة إلى ما مر في ذيل التقريبين الماضيين.


1 - تقدم في الصفحة 278. 2 - كفاية الاصول: 322، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 123. 3 - تهذيب الاصول 2: 91. 4 - فوائد الاصول 2: 130 - 132. 5 - وجه التأمل: أن القطع بعدم الحجية، كالقطع بعدم تركب الجسم من الأجزاء، وهذا لا يستلزم صحة الإسناد، فإن القطع بعدم حجية الظن عند العقلاء، لا ربط له بالشرع، لأن ذلك ليس مثل القطع بوجوب كذا، وحرمة كذا، وبركعتي الفجر مثلا، لأن عدم الحجية ليس مجعولا شرعيا، ولا معتبرا، لأن القضية سالبة محصلة. نعم لو أجرينا الاستصحاب صح، فتدبر (منه (قدس سره)). (*)

[ 284 ]

تنبيه: فيه تقاريب اخر لمساوقة الشك في الحجية مع القطع بعدمها هذا تقريبنا لمساوقة الشك في الحجية مع القطع بعدمها. ويظهر من العلامتين: الخراساني، والأصفهاني (قدس سرهما) وجه آخر (1) ولو لم يرتض به الثاني (رحمه الله): وهو أن من انتفاء آثار الحجية، يستكشف حال الموضوع، وهو الحجية، واللاحجية، فيقطع بعدم الحجية بالبرهان الإني. أقول: انتفاء آثار الحجية عن مشكوك الحجة واضح، لأن الكبريات تحتاج إلى الصغريات حتى يترتب عليها آثارها بالضرورة، وهذا من القضايا التي قياساتها معها، وأما الملازمة بين انتفاء الآثار وعدم الحجية الواقعية، فيحتاج إلى بيان جديد. مثلا: انتفاء آثار العلم عن مشكوك العلم قطعي، بمعنى عدم تنجزها، ولكن ذلك لا ينافي كونه عالما بحسب الواقع. ولو قلنا بعدم ثبوتها له واقعا، فأيضا لا يلزم انتفاء كونه عالما، كما هو الواضح. نعم، إذا ضم إليه المقدمة الأخيرة: وهي أن انتفاء الآثار عن مثل الحجية التي لا واقعية لها بعد الفحص وعدم الظفر بها، يلازم انتفاء الحجية، يتم المطلوب. ومن هنا يظهر ما في حاشية العلامة المحشي (قدس سره) (2). وإن شئت قلت: إنتفاء الآثار والأحكام، لا يستلزم انتفاء المؤثر في مسألتنا، لعدم السببية والمسببية في البين، فما هو المهم هو أن الحجية ليست إلا التنجيز والتعذير، فإذا كانا منتفيين عند الشك فلا حجة قطعا. فتبين: أن التنجيز والتعذير ليسا حكمين، ولا أثرين، بل هما نفس عنوان " الحجية " في مقام الإجمال و " الحجية " تفسر بهما في مقام التفصيل، فاغتنم.


1 - كفاية الاصول: 322، نهاية الدراية 3: 164 - 165. 2 - نهاية الدراية 3: 164 - 165. (*)

[ 285 ]

وربما يمكن توجيه تقريب الشيخ (قدس سره) (1) " بأنه أيضا ناظر إلى أن من آثار اللاحجة، يستكشف عدم الحجية، فإن حرمة الإسناد والاستناد إذا ثبتت حال الشك في الحجية، فلازمها عدم الحجية. والمناقشة في هذا: بأن الظن حال الانسداد حجة، وهكذا الاحتمال قبل الفحص في الشبهات الحكمية، ومطلقا في الشبهات المهتم بها، وفي موارد العلم الإجمالي، قابلة للدفع، ضرورة أن المقصود هي الملازمة بين ما يكون حجة علمية وطريقا عرفيا واقعا أو ادعاء، وبين هذه الآثار، فإذا انتفت انتفت الحجية، أو إذا ترتب ضد الأثر - وهي حرمة الإسناد والاستناد - يستكشف عدم الحجية شرعا. وعلى هذا يكون محمول كلام الشيخ (رحمه الله) أيضا مناسبا للمسألة الاصولية. وسيأتي في ذيل البحث دفع بديع لهذه النقوض إن شاء الله تعالى (2)، فإن حجية الاحتمال قبل الفحص، وفي الشبهات المهتم بها، وفي موارد العلم الإجمالي، ممنوعة مطلقا، بل العبد لابد من أن يحرز امتناع عقابه تعالى، وفي هذه الصور لامحرز عقلا، ولا يحرز العذر القطعي في قبال التخلف الاحتمالي، أو القطعي، فاغتنم. فمن هنا يظهر الفرق بين ما في " الرسائل " و " الكفاية " (3) فإن في " الرسائل " استكشف عدم الحجية، لأجل ترتب آثار ضد الحجة، فيكون مشكوك الحجة غير حجة شرعا، ويصح إسناده إلى الشرع أيضا، وفي " الكفاية " استكشف عدم الحجية من انتفاء آثار الحجية، مع الغض عن حجية مثل الظن والاحتمال أحيانا، لما عرفت


1 - فرائد الاصول 1: 49 - 50. 2 - يأتي في الصفحة 288 - 291. 3 - فرائد الاصول 1: 49 - 50، كفاية الاصول: 322 - 323. (*)

[ 286 ]

ما فيه سابقا (1) وآنفا. مع أن إطلاق " الحجة " على الظن غلط قطعا، أو صحيح ويترتب عليه آثارها، كما هو الأقرب عندنا، خلافا لما يستظهر من الوالد المحقق - مد ظله - (2) فالنقض به في غير محله، فلا تخلط. فتحصل: أن هناك وجوها لتقريب المساوقة بين الشك في الحجية، والقطع بعدمها. إن قلت: إذا كان الشك فيها مساوقا للقطع، فكما لا معنى للاستصحاب كما مر (3)، لاوجه لصدور الأخبار الناهية عن مثل القياس أيضا، لأن في موردها يكون الشك معتبرا، وإلا تلزم اللغوية، لاستناد المردوعية إلى القطع، لا الرواية. قلت: لا يتقوم اعتبار الخبر بالشك في المورد، ولذلك ربما تصدر الأخبار في موارد الضروريات، كالصلوات الخمس، وركعاتها. وأما حديث اللغوية، فهو لتوهم: أن الأمارة في طول القطع، وأن العمل يستند إليه، لا إليها، وأنها اقيمت مقام القطع في الطريقية، ولكنه باطل عاطل، كما تحرر (4)، فإذا كان العمل بالنسبة إلى كل واحد قابلا للاستناد، لا تلزم اللغوية، فالأخبار الرادعة عن حجية القياس، تؤكد القطع بعدم حجيتها، وبالعكس، لعرضية أمارية الكل في محيط العقل والعرف. وما أشبه ذلك بالأخبار الكثيرة الواردة في موضوع واحد، فافهم واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 268 - 269. 2 - تهذيب الاصول 2: 87 - 88. 3 - تقدم في الصفحة 282. 4 - تقدم في الصفحة 132. (*)

[ 287 ]

الإيراد على حديث المساوقة أقول: ما مر من حديث المساوقة - حتى الوجه الأول الذي اشير إليه في " الدرر " لشيخ مشايخنا، وجد أولادنا (قدس سره) (1) - مبني على ملاحظة حال الأفراد والمقايسة بالآحاد، فإنه ربما يعثر واحد على ما يدل على حجية شئ، ولايعثر الآخر عليه، فإذا كان الأمر كذلك، يكون حجة بالقياس إلى الأول، دون الثاني، وذلك لأن اعتبار الحجية بالنسبة إلى غير العاثر الواصل، لغو قطعي، ولا أثر له لما لا يصح الاحتجاج به، فلا يكون وجه. وأنت خبير: بأن الأحكام الطريقية والنفسية كلها قانونية، لا جزئية وشخصية، فلا يلاحظ فيها حال الأشخاص والآحاد بحسب الوصول وعدمه، بل الوصول في الجملة يكفي لاعتبار حجية الخبر الموثوق به. وتوهم: أن الشرع أو العقلاء يعتبرون لكل واحد من الأخبار حجية، ويلاحظون كل خبر في ذاته بالنسبة إلى وصوله وعدم وصوله، فاسد جدا، بل الملحوظ معنى كلي، وهو أن الخبر الموثوق به أو خبر الثقة حجة تأسيسا، أو إمضاء، فإذا صدر مثلا من الشرع خبر على أن إخبار ذي اليد حجة، فلا وجه للشك في حجيته، لأن كل خبر حجة، وليس الوصول شرطا عاما لكل خبر، بل الوصول في الجملة شرط لاعتبار الحجية، وهو حاصل بالضرورة. وبعبارة اخرى: الشرع يعتبر مثلا حجية خبر الثقة، وهذا أمر واقعي، وفي مرحلة الاعتبار والجعل لا يلاحظ فيه الحالات. نعم، إذا لم تصل حجية خبر الثقة بالمرة في جميع الأعصار والأمصار، يعد هذا من القانون غير القابل للإجراء، الراجع إلى امتناع اعتباره ثبوتا، وأما إذا كانت


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 356 - 359. (*)

[ 288 ]

واصلة فيكون حجة في الإسلام. وأما عدم اطلاع فرد على هذا القانون العام، فلا يضر بحجيته، ولكن الجهل بها، وعدم وصولها إليه، وعدم الاطلاع عليها، يعد عذرا له فيما إذا كانت قائمة على تكليف لو اطلع عليها لكان التكليف منجزا. وإن شئت قلت: هو معذور حينئذ بالنسبة إلى مؤدى الحجة، لا نفسها، إذ ليست مطلوبيتها نفسية، بل هي طريقية، فما قيل: " إن الوصول شرط الحجية مطلقا " (1) غير صحيح جدا. ولو قيل: لو كان الأمر كما حرر، للزم معذورية من علم إجمالا: بوجوب الظهر، أو الجمعة، وترك الجمعة، وكان إذا يرجع إلى الأدلة يتبين له عدم وجوبها، ولكن كان ذلك خلاف الواقع، وأن الواقع وجوب الجمعة، فإنه مع تركه تكليفا واقعيا منجزا بالعلم الإجمالي، يكون معذورا، لصحة احتجاجه بتلك الأدلة التي لو كان يراجعها يعتقد عدم وجوبها، مع أن الضرورة تقضي بخلافه، فيعلم منه أن الحجة ما يحتج به فعلا، والوصول شرط كلي. قلنا أولا: إنه لو لم تكن تلك الرواية والأمارة حجة، للزم أن لا تكون حجة قبل الفحص، لعدم الوصول. ولو كان قبل الفحص من الوصول عند العقلاء، فيما إذا ترك التكليف الواقعي القائمة عليه الأمارة الموجودة في الكتاب والسنة، ولايكون معذورا بالنسبة إلى ترك التكليف الإلزامي، لكان في مفروض الكلام أيضا معذورا، لأن تلك الأمارة أيضا من الواصل عرفا وعند العقلاء، والتفكيك بين الأمرين من التحكم والتهكم. فبالجملة: إن كان في هذه الصورة تلك الأمارة حجة فعلية، ففي الصورة الاولى أيضا هي حجة فعلية. ولو كان الوصول في كتاب " الوسائل " مثلا وصولا واقعا، كان الأمر كذلك في الصورة المذكورة.


1 - لاحظ مصباح الاصول 2: 70. (*)

[ 289 ]

وتوهم: أن الشك قبل الفحص حجة لا الرواية، في غير محله كما مر، وإلا تلزم لغوية حجية الأمارة والأخبار الموجودة، فافهم. وبالجملة: ما هو الحجة بعد العثور على الرواية نفسها، بل وقبله، وكون الشك قبل الفحص حجة غير صحيح، وتفصيله في محله. نعم، الجهل قبل الفحص ليس عذرا، ضرورة أن الخبر الموجود في محاله المحررة، واصل إليه، فليتدبر جيدا. وما مر من منجزية الشك قبل الفحص، كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله) هنا (1)، ومنجزية الشك في الشبهات المهتم بها، كما مر في كلامنا (2)، في غير محله، بل كل ذلك يرجع إلى عدم معذرية الجهل في هذه المواقف، بل وهكذا في أطراف العلم الإجمالي، لا يكون الجهل المقرون بالعلم عذرا، ضرورة أن اللازم إثبات امتناع العقاب عليه تعالى، ومع الاحتمال لا يجوز التخلف، فليتدبر جيدا. وثانيا: لا منع من الالتزام بحجية الأمارة واقعا، وعدم شرطية الوصول الكلي لحجيتها، وفي المثال المزبور لأجل وجود الحجة الأسبق الأقوى - وهو العلم الإجمالي - تنكر حجية الأمارة بحكم العقلاء تخصيصا، فلا تنافي بين الأمرين. وبالجملة: دعوى أن الأمارة التي وصلت إلى زيد حجة شرعية، وهي بشخصها ليست حجة بالنسبة إلى عمرو، لعدم عثوره عليها، فيكون في الشرع اعتبار الحجية، دائرا مدار وصول الخبر وعدم وصوله، بعيدة إنصافا، فإن المنساق من البناءات هي حجية خبر الواحد في الشرع، وحجية الظاهر، ولكل واحد منهما واقعية، ربما تتبين، وربما تتخلف، وفي الصورة الثانية يكون العبد معذورا بالنسبة إلى مؤداها، والله ولي الهداية.


1 - نهاية الأفكار 3: 80. 2 - تقدم في الصفحة 265 - 266. (*)

[ 290 ]

فذلكة البحث إن التمسك باستصحاب عدم الحجية، والتمسك بقاعدة المساوقة، غير راجع إلى محصل، فتبقى القاعدة المضروبة لحال الشك المنتجة لانتفاء آثار الحجية، كالتنجيز والتعذير. وأما انتفاء جواز الإسناد والاستناد، فهو بحث خارج عن المسألة الاصولية، وعلى ما قربناه لصيرورتها اصولية، تكون نافعة، لما عرفت من تمامية الملازمة بين الانتفاء المزبور واللاحجية الواقعية، على مذهب القوم في تفسيرها (1)، وأما على ما عرفت فلا. وغير خفي: أنه على كل تقدير في موارد الشك في الحجية، لا يجوز ترتيب آثار الحجية على مؤداها، ولا تترتب آثارها عليه بالضرورة، وإنما الاختلاف في المسألة علما وصناعة. نعم، لو قلنا بجريان استصحاب عدم الحجية، يجوز إسناد هذا العدم إلى الشرع، فتأمل. وأما إطالة البحث حول الآية والسنة والإجماع، لتحريم الإسناد والاستناد في موارد الشك، فهي خارجة. والتحقيق: أن الآية غير واضح سبيلها، والسنة واضحة في حرمة التقول والإسناد والاستناد المنتهي إلى الإسناد عملا، ولكنها ربما ترشد إلى حكم العقل بممنوعيته. اللهم إلا أن يقال: إن الممنوعية العقلية ثابتة في الجملة، ومقتضى إطلاق تلك الأدلة أعم. مع أن الممنوعية العقلية، لا تورث استحقاق العقوبة، لإمكان ترخيص


1 - تقدم في الصفحة 167 - 168. (*)

[ 291 ]

الشرع على خلافه إلا في بعض الموارد الخاصة، وقد حررنا المسألة من هذه الجهة في بحوث التجري (1). ثم إن هناك تقاريب اخر للأصل، إلا أنها لا ترجع إلى مهم في البحث. وقد خرجنا عن طور الكلام في المقام، لما فيه من الدقائق العلمية، مع بعض الفوائد الفقهية، والله العالم بالحقائق. إذا تبينت هذه الجهات، حان وقت مباحث المسألة.


1 - تقدم في الصفحة 78. (*)

[ 293 ]

المبحث الأول في الظواهر

[ 295 ]

وينبغي قبل الخوض فيها، من تحرير بعض ما يتعلق بمطلق الظنون الخاصة، أو خصوص الظواهر: أحدها: في عدم البحث عن حجية الظواهر بعنوانها ربما يقال: إن ما هو الحجة عند العقلاء، هو القطع، والاطمئنان والوثوق، وأما الأمارات - كالظواهر وغيرها - فهي الأسباب المورثة لهذه الحجج، وليست هي حجة إلا بالتسامح وبالعرض، وذلك لأن كاشفية هذه الامور وأماريتها للواقع، غير معقولة، لعدم السنخية بينها وبين الواقع، بخلاف الصور التي تحصل بسببيتها في نفوس العرف والعقلاء، فإنها كواشف عن الواقعيات، وبذلك يظهر: أن ما هو الحجة هو الاطمئنان الشخصي والوثوق، لا النوعي. نعم، من كان من العقلاء، لا يشك بعد قيام خبر الثقة، والظاهر، واليد - وغير ذلك من الأمارات الكلية والجزئية - إلا في بعض الأحيان، ويكون خطورا بالبال، ويعد من الشك غير المستقر غير النافي للاطمئنان والوثوق. ولو كان للشك منشأ عقلائي، لقيام القرينة، أو ما يصلح للقرينية، فلا يكون حجة واقعا، أي لا يحصل الوثوق والاطمئنان والعلم العادي النظامي. ولو رجع شكه إلى غير هذا الأمر، فهو ملحق بالوسوسة والشيطنة، وصاحبه يلحق بالآخرين في لزوم التبعية لهم. ولو اريد من الحجية النوعية ذلك فلا

[ 296 ]

مشاحة فيه. والذي هو يهمنا إثبات أن مسألة حجية الظواهر وإخبار الثقة، مما لا ترجع إلى محصل في الواقع، وأن ما هو الحجة واقعا هي المعاني الحاصلة منها، المغفول عنها في محيط العرف والعقلاء. فتوهم: أن إثبات حجية هذه الامور، معناه حجيتها سواء حصل منها الوثوق، أم لا، أو إثبات حجيتها ولو حصل منها الظن بالخلاف، أو حصل الظن بالخلاف من أمر آخر، غير راجع إلى محصل، أو غير مناف لما ذكرناه، كما هو الواضح، ضرورة أن دعوانا عدم حصول الشك ولا الظن بالخلاف، بل يحصل منها الوثوق والعلم العادي طبعا، ومن لم يحصل له ذلك فإما يكون لمنشأ عقلائي مصدق عند العقلاء، فلنا إنكار حجيتها، ومن يدعيه مجازف في القول، لعدم إطلاق يقتضيها. وإما لا يكون له المنشأ، فلا يكون من العقلاء، ويلحق بهم في لزوم التبعية لهم في هذه الصورة، فتصير النتيجة واحدة، فافهم واغتنم. فما اشتهر بين أبناء العصر: من حجية هذه الامور، لأجل الكشف النوعي الغالبي، وللإصابة الأكثرية (1)، يرجع إلى تعبد من العقلاء بهذه القاعدة، وإلى تدين من غير المتدينين بأمر وراء الامور العقلائية، وهذا من الامور غير الواقعية، وقد أوضحناه فيما توهموه أصلا عقلائيا، فإن الاصول العقلائية اختراعات مدرسية تحميلية عليهم، وما هو الموجود عندهم ليس إلا العلم والوثوق بالواقع ونفس الأمر. فتحصل: أن تبويب هذا المقصد إلى أبواب، وتقسيم الظنون الخاصة إلى أقسام، والبحث عن كل قسم على حدة، من الغفلة عن حقيقة الأمر، وأن الاطمئنان


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 135، نهاية الدراية 3: 170، لاحظ نهاية الأفكار 3: 89. (*)

[ 297 ]

والوثوق والقطع حجة، وإنما الكلام في الأسباب المنتهية إليها، فكما أن القطع حجة من أي سبب حصل إلا من الأسباب الخاصة - وقد مر إمكان نفي الحجية عنه مطلقا (1) - كذلك الوثوق والاطمئنان حجة عقلائية، إلا أنه يحتاج إلى الإمضاء، وللشرع الردع عن ظواهر ما أو غيرها، أو تقييد السبب بامور شرعية مثلا، كما في تقييد خبر الثقة بالإمامي ونحوه. وأما حجية هذه الأسباب بعناوينها الذاتية استقلالا، فهي بمعزل عن التحقيق. فعلى هذا، يتمحض البحث في أن الشرع ردع عن هذه الأسباب، أو لم يمض تلك العلل، أم لا ؟. وإن شئت قلت: البحث في كتاب الظن، يرجع إلى أن الوثوق والعلم العادي، حجة عقلائية كالقطع، وإنما البحث في أن الشرع تدخل في هذا الأمر، برفض الوثوق الحاصل من ظاهر الكتاب، أم لا، وهذا في الحقيقة يرجع أيضا إلى عدم حصول الوثوق منه، بعد إقامة القرينة على المنع عن الأخذ به، كما لا يخفى. أو أن الوثوق يحصل من الخطابات غير المقصود إفهامها، أم لا، فيكون بحثا صغرويا. وبالجملة: ينقلب أساس البحث الذي عليه بناء أصحابنا من الابتداء إلى عصرنا. المحتملات في الطرق أقول: إن الاحتمالات في مسألة الأمارات والطرق العقلائية ثلاثة: الأول: ما ذهب إليه المشهور، واشتهر بين المحققين: وهو أن الطرق والأمارات - كالظهور وخبر الثقة - حجة بعنوانيهما الذاتيين، وتكون الكاشفية عن


1 - تقدم في الصفحة 26 - 27. (*)

[ 298 ]

الواقع نكتة وحكمة الحجية، وليست الحجية دائرة مدارها (1)، ولأجل ذلك اختاروا حجيتها حتى في صورة الظن الشخصي المخالف، وسيأتي دليلها ووجهها عند التعرض لذات المسألة (2). الثاني: ما قويناه في الأزمنة الاولى، وقد ذكرناه هنا، وأن الحجية مخصوصة بالوثوق والاطمئنان الحاصل من تلك الأسباب، ولو لم يحصل عقيب قيام الظهور والخبر الموثوق به، وثوق وعلم عادي، فلابد له من منشأ، فإن كان منشأه الأمر العقلائي فهو ليس بحجة. وإن كان منشأه غير عقلائي، فلا يعتنى به، ويلحق بالآخرين بحكم العقلاء. فلو قام ظهور على أمر، مع اقترانه بما يصلح للقرينية عند العقلاء، فلا حجية، وفي غير هذه الصورة تكون الصورة العلمية الحاصلة من هذه الأسباب حجة، وهي تحصل عادة كحصول القطع وراء الإبصار والاستماع وغير ذلك، وقليلا ما لا يحصل القطع للإنسان، باحتمال الخطأ في الباصرة والسامعة. نعم، للشرع جعل الحجية لذات الظهور ولخبر الثقة على الإطلاق، فإن ثبت ذلك فهو المتبع، كما له الردع عن حجية الوثوق الحاصل من السبب الخاص، كظهور الكتاب وغيره. الثالث: أن حجية الأمارات العقلائية والظنون الخاصة، ليست دائرة مدار الوثوق، ولا مرهونة بالكاشفية الغالبية والإصابة الأكثرية، الموجبة للوثوق النوعي والاطمئنان الأكثري، بل هي عبارة عن بناءات عقلائية محضة، والتزامات عرفية فقط، فلو كان في أول حدوث هذه البناءات وجه للحجية، أو كانت الحجية لأجل الملازمة الكلية بين حصول الوثوق الشخصي وبين هذه الأمارات، ولكن في عصرنا


1 - تقدم في الصفحة 296، الهامش 1. 2 - يأتي في الصفحة 315. (*)

[ 299 ]

ليس إلا مجرد الالتزام العقلائي والبناء العملي من غير مراعاة الامور الاخر وراء ذلك، إلا إذا حصل الوثوق - أو ما يقرب منه - على خلاف تلك البناءات المتعارفة. مثلا: إنا إذا رجعنا في عصرنا الوسائط النقلية المتعارفة التي تؤدي كثيرا إلى الأخطار المهلكة، نجد أنه لا وثوق شخصي ولا علم ولا اطمئنان بالوصول إلى المقصود، ولكن بناء الناس على ذلك، وما هذا إلا لأجل الاعتياد من غير اشتراط العمل بالوثوق، مع أن العلقة كبيرة جدا بالنسبة إلى النفوس والأرواح، التي تكبدت خسائر كثيرة في الاصطدامات الخارجية من ناحية هذه الوسائط. وهكذا بناؤهم على العمل بالظواهر وأخبار الثقات من غير النظر إلى الكشف النوعي والغالبي والإصابة الأكثرية. ولعل وجه ذلك: أن النظام في العالم الاجتماعي والمعيشة الاجتماعية، لا يرتبط ولا يقوم إلا بذلك، وإليه اشير في بعض رواياتنا في مقام التعليل: وأنه " لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق " (1) فهذه الأسرار الاخر ألجأتهم إلى الالتزامات المذكورة، والبناءات العملية، ولو فرضنا أنه لو لم يحصل الوثوق النوعي والاطمئنان الغالبي من تلك الأمارات، للزم تركهم العمل بها، وللزم الاختلال والهرج والمرج في معاشهم ومعادهم، وهم مع ذلك ملتزمون بذلك، فهو غير صحيح قطعا. فيعلم منه: أن هذا ليس إلا مجرد البناء والالتزام، ولابد من الفحص عن حدود تدخل الشرع في ذلك إمضاء وردعا، لإمكانه في الجملة، كما مضى وجه إمتناعه في ذيل حديث إمكان التعبد بالظن (2)، فراجع. والذي هو الأقرب من افق التحقيق: أن الوجه الأول غير سديد، ضرورة أنه كثيرا ما لا يحصل الوثوق الشخصي لأجل وجود القرائن الجزئية، أو لأجل عدم


1 - وسائل الشيعة 27: 293 و 294، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم، الباب 25، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 260 - 262. (*)

[ 300 ]

الاطلاع على حال المتكلم، من أنه يتكلم وسيكون كلامه مرددا بين الهزل والجد، أو هو جد ولا هزل فيه، أو بالعكس، فإذا لم يكن العبد واقفا عليه، لا يحصل منه الوثوق، ولا يجوز له القعود في قبال أمره ونهيه، وهكذا في الأشباه والنظائر، فربما لا يحصل الوثوق الشخصي من الظاهر، لأجل القرينة الخاصة الجزئية، وهو أمر كثير الدور حسب اختلاف النفوس. وأما ما مر: من أن الحجية صفة العلم (1)، فهو غير تام، لإمكان جعل الاحتمال حجة. نعم، الكاشفية والطريقية والأمارية، صفة العلم، وإتصاف الكلام بالأمارية فيه نوع من المجازية، لأن الأمارية ليست بالوضع والجعالة، فتأمل. ولزوم الملازمة بين ما هو الحجة العقلائية، وما هو الكاشف والطريق الطبيعي العقلائي، ممنوع كما لا يخفى. وأما الوجه الثاني فهو وإن كان متينا، إلا أنه مخصوص بعصر حدوث هذه الطرق والأمارات، وفي العصر الأول البسيط فيه معاش الناس، وسياستهم المنزلية، والدولية، والدينية، وأما في عصرنا فالوجه الثالث يكون أقرب إلى التحقيق. ولا بأس بالالتزام بدخالة الكاشفية النوعية الموجودة في الجملة أيضا، لأجل أنه إذا بلغ الأمارة والطريق إلى حد السقوط عن الكشف، لا يعتنى بها، إلا أنه في ناحية الاعتماد عليها، لا يلاحظ فيها نسبة الكشف والإصابة إلى الخطأ بالضرورة. وعلى كل تقدير: لابد من مراجعة الأدلة إثباتا، وأن الشرع هل أمضى هذه الأمارات الخاصة المستثناة من الأصل المزبور، أم لا، وهل ردع منها شيئا، أو اعتبر فيها قيدا، أم اعتبر التوسعة فيها ؟ فلاحظ وتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 20. (*)

[ 301 ]

ثانيها: في تحرير محط النزاع في مسألة حجية الظواهر إعلم أولا: أن مراجعة المسألة تعطي أنه لا يوجد مخالف في أصل المسألة، وكأن نزاع حجية الظواهر ليس كبرويا، بل هو نزاع صغروي: تارة: في جهة خاصة، كحجية ظواهر الكتاب والسنة في خصوص المقصودين بالإفهام، والمخالف هو المحقق القمي (قدس سره) حيث ناقش في الحجية: بعدم إنعقاد الظهور للقضية بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام (1). واخرى: في حجية خصوص ظوهر الكتاب، وقد اشتهر عن الأخباريين إنكارها، لعدم ثبوت الظهور له حسبما يكون دليلا لهم، أو يمكن أن يستند إليه (2). نعم، يمكن أن يقال: بأن للقائل بحجية خبر الواحد المقرون بالقرينة، أن يقول بحجية الظاهر المقرون بها. وهذا الكلام إن رجع إلى اشتراط الحجية بالوثوق، وتكون دائرة مداره، فلابد وأن يرجع إلى ما ذكرناه في الأمر الأول، وقد عرفت أن بناء العقلاء ليس ناهضا عليه (3) وعلى المدعي إقامة الدليل على الشرط المزبور شرعا. وتوهم: أنه القدر المتيقن من بناء العقلاء، في غير محله، لما عرفت. فتحصل أنه كلام بلا بينة، ومقال بلا برهان. وإن اريد منه اشتراط انضمام القرينة النوعية شرعا، أو عند العقلاء، فهو أيضا بلا قائل، ولا يقوم عليه الدليل، وسيظهر وجه حجية الظواهر إثباتا على وجه أوسع


1 - قوانين الاصول 1: 398 / السطر 23. 2 - الفوائد المدنية: 128 / السطر 19، الدرر النجفية: 174 / السطر 16. 3 - تقدم في الصفحة 298. (*)

[ 302 ]

من ذلك إن شاء الله تعالى (1). وثانيا: البحث في هذا المقام حول حجية الظواهر، وحول أن حجة المولى على العبد، تامة إذا قام عنده ظهور لكلام مولاه، ويكون الظاهر حجة، للعبد عند المخالفة للواقع، من غير النظر إلى كشف مرادات المولى، ومن غير وجوب اتباع الظاهر في تعيين مراده، كما هو الظاهر من كلام " الكفاية " وغيره (2)، فإنه خلط بين مسألة جواز الإفتاء على طبق الظواهر، وبين مسألة حجية الظاهر، فإن مسألة الإفتاء على طبق الأمارات والظواهر، منوط بانكشاف رأي المولى، ومراده الجدي والواقعي، وأما حديث حجية الظاهر، فهي ليست إلا بمعنى تمامية حجة المولى على العبد، بوصول كلامه الظاهر في معنى على العبد. نعم، لا نبالي بالملازمة العادية والنوعية بين الظاهر وما هو المراد، ولكن الحيثية الذاتية لتمامية الحجية، هي إنعقاد الظهور إثباتا، ولذلك ترى ذهاب القوم إلى الحجية ولو كان الظن الشخصي على خلاف الظاهر. فبالجملة: ما هو المقصود بالبحث هنا، إثبات إنقطاع عذر العبد بعد قيام الظهور، سواء قلنا: بأن ما هو الظاهر هو المراد الجدي، أم لم نقل به، فلا تخلط. وإن شئت قلت: مسألة حجية الظاهر منوطة بكون الظاهر على وجه لو كان مرادا، لكان عذر العبد منقطعا، فلا يتوقف على كشف المراد به فعلا. وثالثا: ما هو محط النزاع هو حجية الظاهر، والظهور المقصود هو الوصف القائم للكلام التام الصادر الملقى، إلى الامة مثلا، وما هو مورد البحث: هو أن الكلام التام بعد تمامية قيوده إذا كان ظاهرا في معناه، يكون حجة، أم لا. فالظهور التصديقي مورد البحث، دون المعاني والظهورات الناقصة المستندة


1 - يأتي في الصفحة 311 - 313. 2 - كفاية الاصول: 323 و 324، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 135. (*)

[ 303 ]

إلى المعاني الأفرادية، التي تشخيصها موكول إلى الامور الاخر، كحجية قول اللغوي، وأصالة عدم النقل، وإتحاد العرفين في المعاني الأفرادية، وأصالة الحقيقة، وعدم القرينة، وغير ذلك مما يرتبط بالظهورات الأفرادية، أو تشخيص كيفية الاستعمال، فإن كل ذلك أجنبي عما نحن فيه، فإن من مخالفة القمي والأخباريين (1) يتبين: أن النزاع هو في معنى تصديقي، وظهور ثابت مفروغ منه للكلام، ومن استناد القوم إلى البناءات العقلائية، أيضا يتبين ذلك (2). فالبحث تارة: عن الاصول الراجعة إلى تشخيص المعاني الأفرادية، واخرى: عن الاصول الراجعة إلى تشخيص المعنى التصديقي، وظهور الكلام، وكيفية الاستعمال، غير صحيح، ضرورة أن البحث ليس فيما به ينعقد به الظهور، بل البحث حول أن الظهور الموجود حجة، أم لا. نعم، هذان البحثان من المبادئ لمسألتنا، وليسا داخلين فيها، فما ترى من الخلط في كلام الأصحاب، غير مرضي. ورابعا: أن النزاع أعم من الظهورات الموجودة في الكتاب والسنة، والظهورات الحاصلة في الوصايا والإنشاءات والأوقاف والأقارير، فإن الفقيه يبتلي بها أيضا. ثالثها: في بيان مقدمات انعقاد الظهور التصديقي لا بأس بالإشارة إلى الامور التي بها ينعقد الظهور التصديقي للكلام، حتى يصير البحث هنا نافعا وكاملا:


1 - الفوائد المدنية: 128 / السطر 19، الدرر النجفية: 174 / السطر 16، قوانين الاصول 1: 398 و 403. 2 - فوائد الاصول 1: 54، كفاية الاصول: 323 و 324، مصباح الاصول 2: 129. (*)

[ 304 ]

فمنها: العلم بالوضع، سواء حصل من التبادر والاطلاع الخاص، أم بأصالة اتحاد العرفين وعدم النقل والاستصحاب القهقري، أو لقول اللغوي، بناء على القول باعتباره. وهذا كما يحتاج إلى العلم بالمواد، لابد من العلم بالهيئات التامة والناقصة، فإن لكل منها وضعا خاصا نوعيا، أو شخصيا أحيانا. ومنها: العلم بالاستعمال، وأنه حقيقي أو مجازي، كنائي أو استعاري، فإنه إذا حصل ذلك فلا مورد للرجوع إلى أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة، وعدم التخصيص والتقييد. وأما إذا شك في ذلك، وأنه هل اريد منه المعنى الحقيقي، أم المجازي لو كان له المعنى المجازي ؟ فالحق أن حديث أصالة الحقيقة في قبال المجاز، واستعمال اللفظ في غير ما وضع له، لا أصل لها، لما تحرر في محله: من أن جميع الاستعمالات المجازية، تكون من استعمال اللفظ في ما وضع له بحسب الإرادة الاستعمالية، وحديث استعمال اللفظ في غير ما وضع له، باطل عاطل جدا، سواء فيه المجاز المرسل، والكنايات، والاستعارات، فلا شك فيه حتى يرجع إلى الأصل (1). هذا على مذهب الحق في هذه المرحلة. وأما على القول المشهور فالحق: أن أصالة الحقيقة لا أصل لها، لأن الاستعمال المجازي أمر عقلائي، دائر في جميع مراحل الحياة، حتى في الاستعمالات القرآنية، بل وفي السنة النبوية، ولذلك قيل: " إن الاستعمال أعم من الحقيقة، ولا يكون دليلا عليها " (2).


1 - تقدم في الجزء الأول: 141 - 143. 2 - معالم الدين: 47 / السطر 5 - 7، قوانين الاصول: 29 / السطر 12 و 30 / السطر 17، الفصول الغروية: 41 / السطر 37. (*)

[ 305 ]

نعم، هنا وجه آخر: وهو أن المتكلم الحكيم المريد من الكلام إيفاء المرام، وتحقيق الآمال في الأنام، لابد له من ذكر القرينة عند إرادة المجاز، وحيث هي غير موجودة، فيعلم منه إرادة المعنى الحقيقي، فرارا من نقض المرام، ومن التخلف عن ديدن الناس والعقلاء في المحاورات والمراسلات والمكالمات وغيرها. وتوهم وجود القرينة حين الإلقاء، ولم تصل إلينا، لكثرة الدوافع، يدفعه الأصل العقلائي. وإليه يرجع تمسك القوم بأصالة عدم القرينة في هذه المرحلة، وقد صرح الشيخ برجوع أصالة عدم التخصيص والتقييد إليه أيضا عند الشك في وجودهما (1)، فالمستند أصل عدمي واحد، وهو أصالة عدم القرينة. أقول: الحق أنه على المبنى المشهور يشكل الأمر، لأن أصالة عدم القرينة إن كان معناها أصل عدم الاستناد إلى القرينة، فهو ليس معنى عقلائيا، لكثرة الاستناد إلى القرائن في المجازات الكثيرة. وإن اريد منها: أنه لو كان مستندا إليها لوصل، فيعلم منه عدم الاستناد، لأن ذلك يرجع إلى أصالة عدم النقيصة بعد وصول أصل الكلام. ففيه: أنه يجوز الاستناد إلى القرينة المنفصلة، إما لجواز التأخير عن وقت الحاجة، أو لعدم بلوغ الحاجة بالتأخير، كما هو كذلك في العام المتأخر عنه المخصص، والمطلق مثله أيضا. فعلى هذا، ما هو الأمر العقلائي هو أن الاستعمال حقيقي، ولا مجاز، وإرادة المعنى الآخر من اللفظ، تحتاج إلى القرينة، وهي مفقودة، فيكون المراد الجدي معناه الظاهر. مثلا: إذا ورد " أكرم زيدا الذي يكثر رماده " وشك في أنه اريد منه معناه


1 - فرائد الاصول 1: 54. (*)

[ 306 ]

المطابقي، أو الكنائي، فإنه لولا القرينة الحالية والمقالية، يحمل على المطابقي، بعد كون الاستعمال على كل تقدير حقيقيا، لأن ذلك هو بناء العقلاء، وأما إذا فرض أن الاستعمال يحتمل كونه مجازيا، فأصالة عدم القرينة لا تفيد الحقيقة. اللهم إلا أن يقال: إن الأمر لا يختلف بحسب حكم العقلاء، وفي مرحلة الاحتجاج والمخاصمة، ولا يعتنون باحتمال وجود القرينة غير الواصلة ولو كان الاستعمال المجازي كثيرا، وموانع وصول القرائن أيضا كثيرة، وإلا للزم المنع عن تمامية الحجة حتى على المبنى الأول، كما لا يخفى. وبالجملة: التعبير عن الأصل العقلائي المزبور " بأصالة عدم القرينة " غير ظاهر، لأن المعنى الظاهر منه، هو استصحاب عدم وجود القرينة، أو أصالة عدم الحاجة إليها. ولذلك عدل عنه العلامة الخراساني، وعبر عنه ب‍ " أصالة الظهور " (1) وهو أيضا على مسلكه في باب المجازات (2) غير كاف، لاحتياج الكلام أولا إلى إثبات كونه من الاستعمال الحقيقي، ثم إلى أن ما هو ظاهر الاستعمال مورد الجد المعبر عنه ب‍ " أصالة الجد ". تنقيح وتوضيح: في بيان المراحل الثلاث التي يتوقف عليها الظهور التام للكلام قد تبين: أن توصيف الكلام بالظهور التام، يتوقف على طي مراحل ثلاث: المرحلة الاولى: مرحلة الاطلاع على المعاني الأفرادية.


1 - كفاية الاصول: 324 و 325. 2 - كفاية الاصول: 35. (*)

[ 307 ]

المرحلة الثانية: مرحلة فهم أن الاستعمال حقيقي أو مجازي. وفي هذه المرحلة مسلكان: الأول: أن المجاز إن كان بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فلابد من طي هذه المرحلة أيضا. الثاني: وإن كان المجاز والحقيقة، مشتركين في أن الألفاظ على كل تقدير مستعملة في الموضوع له، كما هو المسلك المحرر في محله (1)، فلا حاجة إلى طيها، وتصل النوبة بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة. وفيما ذكرنا تبين: أن إثبات كون اللفظ مستعملا في الموضوع له بأصالة الحقيقة، أو بأصالة عدم القرينة، أو بأصالة الظهور، غير ممكن، وغير سديد، ضرورة أن أصالة الحقيقة ليست عقلائية. وأصالة عدم القرينة لا معنى لها، لأن غاية ما يقال لتحريرها وتقريبها: هو أن المتكلم لم يذكر القرينة، وهو غير عقلائي. وأصالة الظهور أجنبية عن هذه المرحلة، ومربوطة بالمرحلة الآتية. فلا أصل يستفاد منه أن الاستعمال حقيقي، إلا أن قضية كون المتكلم في مقام الإفادة، وأنه حكيم غير لاغ في الكلام، وغير ناقض للمرام، كون الإخلال بالقرينة مضرا بذلك، فمن عدم وصول القرينة يستكشف كون الاستعمال فيما وضع له. وقد أشرنا إلى وجه المناقشة فيه: بأنه يمكن أن يكون الاتكال على القرينة المنفصلة، وقد منع الموانع الطبيعية عن وصولها، كما منعت عن وصول طائفة من الأخبار والأحاديث إلينا، فلا يلزم نقض الغرض من ناحية المولى والمتكلم، بل الغرض منقوض من ناحية الامور الخارجية الخارجة عن الاختيار حسب الطبع والعادة.


1 - تقدم في الصفحة 304، الهامش 1. (*)

[ 308 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن ذكر القرينة المنفصلة على أن الاستعمال في غير ما وضع له، خلاف البناء العقلائي، وبذلك يحصل الفرق بين المخصص والمقيد، وبين القرينة على المجاز والاستعمال في غير ما وضع له، ضرورة أن دأب المقننين على ذكر المخصصات والمقيدات، وهذا لا منع منه، لعدم كون العام مجازا بهما، بخلاف ما هو المفروض في الاستعمالات المجازية، واستعمال الألفاظ في غير ما وضعت له، فإنه لابد من ذكر القرينة المتصلة، لأن الاتكاء على المنفصلة، خروج عن عادة المتكلمين والعقلاء. نعم، يمكن دعوى: أنه يصح ذلك فيما إذا اقتضت الحاجة، وكان قد بلغ وقتها، وحان أمدها، وإلا فلا منع من استعمال الألفاظ في غير ما وضعت له في رسالة أرسلها إلى عبيده، وحيث لم يبلغ وقت الحاجة بوصولها إليهم، كان بناؤه على إرسال القرائن منفصلة، فأرسلها، ولكن الموانع والسيل والرياح منعت من وصولها، فلا يلزم الإخلال بالغرض من ناحية، ويجوز له التأخير. فبالجملة: استفادة أن الألفاظ الموجودة، مستعملة فيما وضعت لها - بعد اشتهار المجاز بالمعنى المشهور - غير ممكن، لا بأصالة الحقيقة التي اتكل عليها المشهور، ولا بأصالة عدم القرينة التي اعتمد عليها الشيخ (رحمه الله) (1) ولا بأصالة الظهور التي ذكرها المتأخرون ك‍ " الكفاية " والعلامة الأراكي والنائيني (رحمهم الله) وغيرهم (2). بل قد عرفت: أن قضية أصالة عدم القرينة، هي البناء على الاستعمال في الموضوع له إذا كان في الكلام ما يصلح للقرينية، مع أنه مشكل. وإجراء أصالة الحقيقة هنا مبني على أنها أصل تعبدي، وهو باطل عاطل بالضرورة.


1 - فرائد الاصول 1: 54. 2 - كفاية الاصول: 323 و 324، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 135، نهاية الأفكار 3: 86، مصباح الاصول 2: 121 و 122. (*)

[ 309 ]

وتحصل لحد الآن: أنه إن قلنا بأن الاستعمال في كل مورد، يكون فيما وضع له فهو، وإلا فلا يمكن كشف كون الاستعمال فيما وضع له، وعندئذ لا يبقى مورد لأصالة التطابق، والجد، وأصالة الظهور، لأنها فرع كون الاستعمال حقيقيا وفيما وضع له، وفرع استكشاف الإرادة الاستعمالية، فإنه إن استكشف الإرادة الاستعمالية، تصل النوبة إلى تطبيق الحقيقة والجدية عليها، وإلا فلا، لإمكان كون الإرادة الاستعمالية مجازية، فاغتنم. ومن هنا يظهر إشكال آخر على الشيخ وأتباعه (رحمهم الله) فإن مسألة أصالة عدم التخصيص وعدم التقييد عند الشك، أجنبية عن هذه المرحلة، وداخلة في المرحلة الآتية، لأن الاستعمال هناك فيما وضع له، كما تحرر في محله (1). إن قلت: هذه الشبهة والعويصة، كما تتوجه إلى المشهور القائلين: بأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، تتوجه إلى القائلين: بأن المجاز هو عدم كون المراد الاستعمالي، جديا في جميع الاستعمالات، وأن اللفظ المستعمل فيما وضع له، مجاز وقنطرة إلى المرام الجدي والمقصود الواقعي، إما بالادعاء، أو بانتقال المخاطب إليه، والتفصيل في محله (2)، وذلك لأن من الممكن أن يتكل المتكلم على القرينة المنفصلة بالنسبة إلى هذا المسلك أيضا. قلت: بعد استكشاف الإرادة الاستعمالية، يكون الأصل العقلائي على تطابق الجد والاستعمال، فعلى مسلكنا لا قصور في المقتضي، وهو أن الألفاظ مستعملة فيما هو معناها. وأما احتمال كون المعنى غير مقصود بالذات، فهو مدفوع بالأصل المزبور الآتي تحقيقه في المرحلة الآتية إن شاء الله تعالى. وأما على مسلكهم، فلا يستكشف المراد الاستعمالي، وأنه إرادة الاستعمال


1 - تقدم في الصفحة 304، الهامش 1. 2 - تقدم في الجزء الأول: 141 - 147. (*)

[ 310 ]

المجازي وفي غير ما وضع له، أم إرادة المعنى الموضوع له، فيكون من الشك في المقتضي، وقد مر عدم وجود أصل يحرز به المقتضي، فلا تصل النوبة إلى أصالة الجد والطباق، فافهم واغتنم. المرحلة الثالثة: مرحلة البناء على أن ما هو المراد في الإرادة الاستعمالية، هو المراد واقعا وجدا. وإن شئت قلت: بعد البناء على صفة الاستعمال، وهو استعمال اللفظ في الموضوع له، وبعد كشف هذه الصفة فرضا بإحدى الاصول الممكنة، فلابد من سد الاحتمال الآخر، وهو ثالث الاحتمالات: وهو أنه استعمل اللفظ في الموضوع له، ولكن ليس المقصود هذا المعنى، بل المتكلم بصدد الأمر الآخر، فيكون الأمر مثلا للتعجيز والتمرين والامتحان، فلا تجب الإطاعة مثلا، أو يكون الأمر تقية، أو هنا مصحلة في نفس الإلقاء والاستعمال، وينسد هذا الاحتمال بأصالة الجد والتطابق بين المرادين، المعبر عنها، ب‍ " أصالة الظهور " وهو الأصل العقلائي. وهذا الأصل كما يجري بعد كشف حال الاستعمال الحقيقي، نحتاج إليه فيما إذا اقيمت القرينة على المجاز، فإذا ورد " جئني بأسد يرمي " فإنه لو فرضنا أن اللفظ مستعمل في غير ما هو الموضوع له، فلابد من الالتزام بالإطاعة، نظرا إلى الأصل المزبور، فهذه المرحلة مما لابد منها على كل تقدير، ففي صورة الشك في وجود القرينة يجري هذا الأصل. وقد مر وجه المناقشة، وأن الإشكال الذي وجهناه على مقالة المشهور، يأتي هنا بجوابه. وغير خفي: أنه لا حاجة إلى إحراز عدم القرينة، بل يكفي الشك في وجود القرينة، فما تمسك به الشيخ (رحمه الله) وأتباعه: من أصالة عدم القرينة (1)، في غير محله في هذه المرحلة أيضا.


1 - فرائد الاصول 1: 54، بحر الفوائد: 87 / السطر 5. (*)

[ 311 ]

بقي شئ: في أنه متى يجب إحراز اتحاد المرادين الحقيقي والاستعمالي قضية ما تحرر في محط النزاع، أنه لا تتوقف حجية الظاهر على كشف اتحاد المراد الحقيقي والاستعمالي، بل لو كان الكلام بحيث ينبغي ويصح أن يراد جدا، يكون حجة على ما يأتي باحتمال الاتحاد المزبور، فلابد من إحراز عدم الاتحاد لجواز القعود في قبال الأمر والنهي، والعام والمطلق. نعم، الإفتاء على طبق هذا الكلام منوط بالكشف المذكور. فهذه المرحلة مما ليس يلزم طيها لحجية المراد الاستعمالي على الوجه المزبور. نعم، لابد من طي هذه المرحلة، بمعنى أنه بعد الفراغ من الاستعمال، لا يجوز - حسب الحكم العقلائي - القعود في قبال الكلام الواصل بمجرد احتمال تعدد المرادين، بل لابد لجواز القعود من إحراز عدم إرادة المراد الاستعمالي حقيقة، وإذا لم يحرز تجب الإطاعة، لتمامية الحجة. لزوم البحث عن حجية الظهور بعد حصول المراحل الثلاث السابقة إذا عرفت هذه المراحل الثلاث، وانعقد للكلام الواصل ظهور، تصل نوبة البحث عن حجيته. وتوهم: أنه لا معنى للبحث عن الحجية بعد ذلك، لأنها حينئذ لابد وأن تكون قطعية وضرورية، في غير محله، لأن ثبوت الظهور لا يلازم الحجية، لامكان ردع الشرع، فيكون ما هو الظاهر عند العقلاء، غير حجة شرعا. وبعبارة اخرى: البحث الاصولي هو البحث عن حجية الظواهر، فلابد هناك من ظاهر حتى يقع محط البحث، والظهور صفة لا تنعقد للكلام إلا بعد جريان

[ 312 ]

الاصول المزبورة، ومجرد كون الاستعمال في الموضوع له، لا يلازم كون الكلام ظاهرا، فلابد من جريان أصالة الجد حتى يقال: " إن الكلام ظاهر " مثلا، أو لابد من أن يصلح الكلام لإرادة المعنى منه جدا، حتى يوصف بالظهور، وبعد ذلك يقع البحث عن حجيته. فما في تقريرات العلامة النائيني: من التصريح بخلاف ذلك (1)، بل وكذلك في " تهذيب الاصول ": " من أن المقصود بالبحث هو إثبات تطابق المرادين، وإثبات الاتحاد بين الإرادتين في هذا المقام، وهو مقام الباحث الاصولي " (2) غير صحيح، لأن بحث الاصولي بحث كبروي بعد الفراغ من الظاهر، وتوصيف الكلام به، لا صغروي، كما لا يخفى. وعلى هذا، تتوجه الشبهة المذكورة، وتندفع: بأن ما هو الظاهر بعد جريان الاصول المزبورة، يلازم الحجية العقلائية، ولا يمكن أن يقع محط النقض والإبرام عند العقلاء، وتوصيف الكلام بالظهور يوجب إنتهاء البحث إلى الاعتراف بالحجية. ولكنه غير كاف، لأن ما هو الحجة عرفا يمكن أن لا يكون حجة شرعا، لإمكان الردع وعدم الإمضاء. إن قلت: بناء عليه تكون المسألة كبروية. قلت: إذا قام من الشرع دليل على عدم الحجية، فهو في حكم القرينة على عدم اتحاد المرادين، فيلزم عدم حصول الصغرى. هذا بالنسبة إلى ظواهر الكتاب والسنة. وأما بالنسبة إلى مطلق الظواهر، فقد عرفت: أن الظهور المنعقد يلازم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 135. 2 - تهذيب الاصول 2: 94. (*)

[ 313 ]

الحجية، فإنكارها لا يمكن عند العقلاء إلا بإنكار الصغرى، فاغتنم. ثبوت الحجية الذاتية للظواهر إذا تبين ذلك فالحق: أن نفي حجية الظواهر بالمرة، في حكم الامتناع، وقد مر منا وجهه في ذيل كلام ابن قبة (1)، وعليه لا نحتاج إلى الإمضاء الآخر، كما اشتهر ذلك في القطع، وأنه حجة ذاتا، فحجية الظواهر في الجملة ذاتية، حسب مصطلحهم في حجية القطع. وأما الاستدلال لحجيتها بالدليل اللفظي، فهو من الدور. وأما الاستدلال بالسيرة، فهو غير محتاج إليه بعد ضروريتها العقلية، الراجعة إلى أن نفي حجيتها، يوجب الاختلال الذي يفر منه الشرع قطعا، وهذا هو السند الأقوى من السيرة، فأصل حجية الظواهر في الجملة، كما تكون ذاتية بالمعنى الذي مر، ليست محل الخلاف والإشكال. وأما توهم إمكان الاستدلال بالدليل اللفظي المقرون بالقرينة لحجية الظاهر غير المقرون، فهو وإن كان صحيحا، ولكنه مجرد فرض، لأن التفصيل بين ذي القرينة وغيرها، لم يعهد من أحد، فتأمل. ثم إنه يتوجه إلى التمسك بالسيرة العقلائية: أن من شرائط ذلك إمكان ردع الشرع عن تلك السيرة، وهو محل منع، لأن ردعها لا يمكن إلا باللفظ المشكوكة حجيته. نعم، يمكن أن يقال: بإمكان الردع عن التواتر الموجب للقطع بعدم حجية الظواهر، وهذا يكفي لأن يكشف من عدمه ارتضاء الشرع بها، فتأمل. هذا تمام


1 - تقدم في الصفحة 260 - 263. (*)

[ 314 ]

الكلام في حجية الظواهر في الجملة، في مقابل السلب الكلي. تتميم: في بطلان التمسك على حجية الظواهر بالروايات المستشهدة بالكتاب ربما يقال: إن الاستدلال بطائفة من الآيات في طائفة من الروايات، دليل على حجية مطلق الظواهر، ولا أقل من ظواهر الكتاب، أو ظواهر آيات الأحكام. واحتمال اختصاص الحجية بظاهر تلك الآيات غريب. نعم، يمكن المناقشة: بأن الاحتجاج أعم من الحقيقة، كالاستعمال، ضرورة أن في الأخبار مما يحتج بالآية إلزاما للخصم، كالاستدلال بآية: * (وأن المساجد لله) * (1) فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك.


1 - الجن (72): 18. (*)

[ 315 ]

شبهات وحلول بقي في المقام شبهات لابد من الاشارة إليها: الشبهة الاولى: في إختصاص حجية الظواهر بحصول الوثوق أو الظن بالوفاق أن المفاسد المذكورة تندفع بحجية الظواهر الخاصة، وهي الظواهر المورثة للوثوق والاطمئنان، ولا أقل من كون الحجية، مقصورة بما إذا كانت موجبة للظن بالوفاق. وتوهم: أن ذلك يستلزم الخلف، لأن لازمه إنكار حجيتها رأسا، ضرورة أن ما هو الحجة حينئذ واقعا هو الوثوق والظن، دون الظاهر، غير مضر، لأن للشرع مثلا الردع عن الوثوق الحاصل من الظاهر، وهكذا الظن، وعند ذلك تكون الظواهر حجة، سواء اريد منها أن المسبب - وهو الوثوق - حجة، أو أن السبب وهو الظاهر حجة، فإن الأمر حينئذ سهل. والجواب عنها: ليس إلا أن البناءات العرفية والعقلائية والالتزامات الشرعية والمتشرعية، تكون أعم، فإن الاحتجاجات الموجودة بين أيدينا وبين الموالي والعبيد، لا تنحصر بما ذكر حتى يقال: بأنه القدر المتيقن. وبعبارة اخرى: قد عرفت أنه لا يعتبر انكشاف المراد الجدي في صحة الاحتجاج، بل صلاحية الكلام لكونه مرادا جدا، كافية لقطع اللجاج، وصحة الاحتجاج، ولا يعتبر عند ذلك الاطمئنان بصلاحية الكلام لذلك، أو الظن بها، بل

[ 316 ]

مادام لم يثبت سقوط الكلام عن الصلاحية المذكورة، يصح الركون إليه للمولى والاحتجاج به، ولا يعد ذلك من العقاب بلا بيان. الشبهة الثانية: في انتفاء الحجية مع الظن بالخلاف أن حصول الظن بالخلاف، يورث سقوط الكلام عن الاحتجاج، وذلك لأن الظن لا يحصل إلا بمبدأ خارجي، ولأجل قرينة خاصة، أو عامة، وعند ذلك يعد الكلام مقرونا بالقرينة الصالحة لسقوطه عن الصلاحية المزبورة. وبالجملة: لا أقل من الشك في بناء العقلاء، فيشك في الحجية مستندا إلى المناشئ الموجودة. والذي هو الحق: أن حجية الكلام بمجرد الظن بالخلاف، غير قابلة للإنكار، بل الوثوق والاطمئنان الناشئ من الأسباب المردوعة - كالجفر، والرمل - في حكم الظن أيضا، ضرورة أن البيان الذي على المولى، حاصل وواصل بوصول الخبر والآية والرواية، فتكون الحجة تامة، إلا إذا احرز ما يقوم على خلافه، أو كان ما يوجب الظن بالخلاف، من المناشئ العقلائية. فعليه يفصل بين صورتي استناد الظن إلى المبدأ والمنشأ العقلائي، وما يستند إلى المناشئ غير العقلائية. وفي صورة الشك فيما هو المنشأ، لابد من الالتزام بتمامية البيان بالضرورة. والسر كله: أن امتناع العقاب على المولى لا يحصل، وإمكان عقابه لا ينسد إلا في صورة قيام القرينة الصالحة لإسقاط الكلام عن صلاحية كونه مرادا جدا، وذلك فيما إذا اقترن بما يصلح للقرينية، كالأمر عقيب الحظر، وأمثاله مما يكون متعارفا في المراسلات بين الأقوام والموالي والعبيد، دون الامور الاخر التي ربما ترجع إلى اختلاف الناس مزاجا، أو اختلافهم روحا وعقيدة، فإن حصول الظن بالخلاف، ربما يستند إلى أمثال هذه المسائل، فلا تخلط.

[ 317 ]

الشبهة الثالثة: في التفصيل بين المقصودين بالإفهام وغيرهم حكي (1) عن المحقق القمي (قدس سره): " أن حجية الظواهر مخصوصة بمن قصد إفهامه، دون من لم يقصد الإفهام بالكلام " (2). ولا يحضرني الآن كتابه (رحمه الله) إلا أن محتملات مرامه، بين ما يرجع إلى المناقشة في حجية الظواهر على الإطلاق في خصوص غير المقصودين بالإفهام والخطاب، وبين ما يرجع إلى المناقشة في خصوص الكتاب والسنة، مريدا به انسداد باب العلمي على كل تقدير. وعلى كل حال: يكون المفروض عنده عدم فرض اختصاص المخاطب بالحكم، فإنه واضح عدم حجية الكلام بالنسبة إلى غيره، فيكون المفروض أعمية مراد المولى، واشتراك الكل في الحكم، وعندئذ فإلى م يرجع محصل مقصوده ؟ ! ضرورة أن لنا السؤال: أنه هل اريد أن غير المقصودين والمقصودين، مشتركون في الحكم، إلا أن المواجهة والمخاطبة، حيث تكون مع أمثال المعاصرين الحاضرين مجلس الوحي والحديث، فإذا اطلع غير المواجه على مفاد الكتاب والسنة، يكون غير حجة، لعدم كونه مقصودا بالخطاب والإفهام حين الصدور، ولو كان الحكم مشتركا، والدستور عاما، فهل هذا المحقق أراد ذلك، كما يظهر من جواب المستشكلين عليه: بإطلاق البناءات العقلائية ؟ ! ولعمري، إنه بعيد عنه وعن ظاهر بعض ما ينسب إليه، فعليه يظهر أنه (رحمه الله) يريد إنكار أمر آخر، كما سيظهر. فربما يقال: إن ظاهر كلامه إرجاع أصالة الظهور وعدم القرينة إلى أصالة عدم الغفلة، وهذا الأصل لا يجري بالنسبة إلى غير المقصودين والمخاطبين بالخطاب.


1 - فرائد الاصول 1: 67، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 138. 2 - قوانين الاصول 1: 398 / السطر 23. (*)

[ 318 ]

ويتوجه إليه: - مضافا إلى ما عرفت: من أن أصالة عدم الغفلة غير صحيحة، وما هو الصحيح ليس إلا أصالة صلاحية الكلام لكونه مرادا جدا - أن أصالة عدم الغفلة إذا جرت بالنسبة إلى المخاطب المقصود، يكون الكلام بعد العلم بالاشتراك، موضوع حكم العقلاء بنفوذه وحجيته بالنسبة إلى غيره بالضرورة. ولعمري، إن نظره أيضا ليس إلى ذلك، حتى يلزم عليه القول بالتفصيل الكلي بين الظواهر في الأقارير وغيرها، حتى يتوجه إليه ما وجه إليه في كتب القوم، كي يكون المستمع من وراء حجاب، غير حجة بالنسبة إليه الكلام العام. بل هو ناظر إلى مشكلة في محيط الشرع الإسلامي البعيد عصر صدور الآيات والأخبار عنا، وأن الأحكام كثيرا ما تكون مقرونة بالقرائن الحالية الحافة، والمقالية المنفصلة الغير المحفوظة أصلا، لعدم إنحفاظ كثير منها، أو لعدم وصول طائفة غير يسيرة منها إلينا، فيكون باب العلمي منسدا. وكثيرا ما يتفق أن الحكم المستفاد من الآية، يختلف مع الحكم المستفاد منها بعد المراجعة إلى جهة نزولها. فصار بناء على هذا أن نتيجة هذه المقالة، المناقشة في حجية الظواهر من الكتاب والسنة بالنسبة إلى المكلفين جميعا في عصرنا، وما يشبه ذلك. ولو قيل: هذا في الحقيقة يرجع إلى اختصاص الخطابات بالحاضرين، وهو مسألة اخرى محررة في العام والخاص (1). قلنا: تلك المسألة عقلية، وهي أن خطاب المعدومين مثلا محال، وهذه المسألة عرفية، وهي أخص منها، لأن لازمها المناقشة في حجية الظواهر في العصر الأول بالنسبة إلى الموجودين أيضا، فضلا عن المعدومين. ويدل على ذلك: أنه يريد إنسداد باب العلمي بهذه المقالة، ويقول بحجية الظن المطلق، كما هو رأيه المشهور (2).


1 - تقدم في الجزء الخامس: 303. 2 - قوانين الاصول 1: 440. (*)

[ 319 ]

والذي هو التحقيق: أن تقسيم المكلفين إلى المقصودين بالإفهام، وغيرهم، غير صحيح، لما تحرر من قانونية الخطابات الإسلامية، فيكون الجميع مقصودين بالخطاب والإفهام، حاضرين كانوا، أو غائبين، معدومين كانوا، أو موجودين، وتفصيله يطلب من محله (1) فلو كان هذه القسمة أساس رأيه أو دخيلة في رأيه (رحمه الله) لكان فسادها كافيا في فساد مبناه. وأما التقريب الذي أشرنا إليه: من أن تأريخ أسباب نزول القرآن، وأسباب صدور الأحاديث النبوية والأخبار والروايات، غير واضح، وغير متبين، فإن الاستظهارات والظهورات تختلف باختلافها، فهو كلام صحيح ومتين، إلا أنه لا يصل إلى أن يصح إنكار صلاحية الكلام الواصل إلينا للحجية، فإن سقوطه عن الصلاحية، مرهون بالوثوق والاطمئنان بوجود القرينة الحالية غير المذكورة المتصلة، أو القرينة المقالية المنفصلة غير الواصلة إلينا، وهذا أمر لا يمكن الإذعان له ولو علمنا إجمالا بذلك، فإن العلم الإجمالي في هذه الدائرة الكبيرة، لا يورث سقوط هذا الأصل العقلائي، وتفصيله في محله. هذا مع أن القرينة الحالية الدخيلة في الحكم لو كانت موجودة، فلابد للثقات الرواة من التذكير بها، وإلا تلزم خيانتهم. وأسباب النزول وإظلام تأريخ التنزيل ولو كان من المصائب التي لا يدفعها شئ، إلا أن كونه مضرا بحجية الظواهر الموجودة ممنوع، لأن اختلاف الآيات باختلاف الأسباب، ليس في جهة جوهرية. مع أن خصوصية موارد النزول، لا توجب - حسب النوع بالنسبة إلى الموارد الموجودة بين أيدينا - انقلابا في الظهور، ولا تخصيصا بتلك الموارد. فبالجملة: الصغرى والكبرى ممنوعتان: أما الاولى: فلعدم وجود من لا يخص بالإفهام.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 451 - 452. (*)

[ 320 ]

وأما الكبرى: فلعدم تمامية ما يتوهم إضراره بصلاحية الكلام للاحتجاج. وأما ما يرى في كلماتهم: من التمسك بإطلاق بناء العقلاء، دفعا لما أفاده المحقق المذكور (1)، فهو فاسد، لأن مجرد كونه من البناء العقلائي لا يكفي، للاحتياج إلى البناء العقلائي الممضى والمرتضى، وهو لا يحصل إلا فيما كان بناؤهم شائعا، وبمرأى ومسمع من الشرع، وهذا الأمر ليس كذلك، لأن احتجاج الشيعة بالكتاب والسنة، ما كان شائعا عقلائيا فيما إذا كان تقسيم المقصود بالإفهام وغير المقصود بالإفهام صحيحا. نعم، إذا كان الكل مقصودا بالإفهام فالاحتجاج شائع، فيكون ممضى، لعدم وصول ردع عنه، كما سيتبين إن شاء الله تعالى. بقي شئ: وهو وجه للاختصاص بمن قصد إفهامه مع جوابه يمكن أن يقال: إن الكلام حجة بالنسبة إلى المقصودين، وأما غيرهم فإن كانوا عالمين بالحكم والشركة، فما هو الحجة هو العلم بالمراد، وبعد العلم بالمراد لا معنى لجريان أصالة الظهور والجد، إذ لا شك، كما لا يخفى. وإن كان المفروض اختصاصهم بذلك الحكم، فلا معنى أيضا لحجيته بالنسبة إلى غير المقصودين بالضرورة، كما لا تكون آية الحج حجة بالنسبة إلى الفقراء، لأن موضوعها الأغنياء. وإن كان غير المقصودين شاكين، فلا أصل يقتضي شركتهم مع المقصودين في مفاد الكلام المزبور، فنفي حجية الظواهر بالنسبة إلى غير المقصودين، لأجل احتمال اختصاص مفادها بهم. وعليه لا دافع عن هذه الشبهة إلا ما حررناه: من أن القسمة إلى المقصودين


1 - تقدم في الصفحة 303، الهامش 2. (*)

[ 321 ]

وغير المقصودين، ناشئة عن توهم اختصاص الخطاب بالحاضرين مجلس الحديث والوحي، وقد عرفت بما لا مزيد عليه اشتراك الكل في هذه الجهة، فافهم واغتنم. الشبهة الرابعة: في منع الأخباريين لحجية ظواهر الكتاب حكي عن جمع من الأخباريين منع حجية ظواهر الكتاب خاصة (1). وقد مر أن نفي حجية الظواهر، يرجع إلى إنكار تمامية المبادئ الدخيلة في إنعقاد الظهور (2). فما قد يرى: من أن الوجوه المتمسك بها، بين ما يرجع إلى إنكار الظهور ذاتا، أو عرضا، أو إلى إنكار الحجية، بتخيل أن مثل العلم الإجمالي بالتحريف وأمثاله من الأول، والأخبار الناهية من الثاني، غير سديد جدا، ضرورة أن العلم الإجمالي يمنع من جريان أصالة الجد، ولا يخل بالاستعمال شيئا. وهكذا النهي عن الرجوع إلى الكتاب، يضر بالأصل المزبور، وإلا فمع جريانه لا سبيل لمنع الحجية، إلا إذا كانت الحجية محتاجة إلى الإمضاء، ولم يحصل الإمضاء، لعدم إنكشاف ردع الشرع عنها، وأما لو انكشف الردع عن الظواهر الخاصة - كظواهر الكتاب - فيكون ذلك كالقرينة اللفظية على عدم تطابق الجد والاستعمال، فيما يتفاهم منه بدوا، ولغة وتركيبا. فبالجملة: ذهب جمع من الإمامية إلى هذه المقالة، وقد تعرض لها أساطين الفن، وذكروا الوجوه المستدل بها بأجوبتها بما لا مزيد عليها، إلا أنا نشير إليها، رعاية للأدب، وإفادة لتلخيص البحث: فنقول: قضية العلوم الإجمالية الثلاثة - العلم الإجمالي بالتحريف، والعلم الإجمالي بوجود المتشابه، والعلم الإجمالي بوجود المخصصات والمقيدات


1 - الفوائد المدنية: 128 / السطر 19، الدرر النجفية: 174 / السطر 16. 2 - تقدم في الصفحة 311 - 313. (*)

[ 322 ]

والقرائن المنفصلة - عدم جريان الأصل العقلائي اللازم لتشخيص الظاهر، سواء قلنا: بأن العلم الإجمالي حجة ومنجز، أم لم نقل. فلا يقاس المقام بمسألة المنع عن جريان الاصول العملية في أطراف العلم الإجمالي، كما في كلام العلامة النائيني وبعض آخر (1)، ضرورة أن وجود القرائن الكثيرة والتحريف والتشابه، يضر بأصالة الجد والتطابق، ولا أقل من الشك في بناء العقلاء الكافي لعدم تمامية الظهور الحجة. ومقتضى الطائفتين من الأخبار - الطائفة الناظرة إلى اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به، الرادعة لمثل أبي حنيفة وقتادة عن الإفتاء به (2)، وإلى أن القرآن فيه ما لا يصل إلى أوكاره أفكار الأوحديين، فضلا عن الخواص أو العوام، والطائفة الناظرة إلى المنع عن تفسير القرآن، البالغة على ما قيل في " الوسائل " إلى مائتين وخمسين رواية (3)، وبالجملة: مقتضى هاتين الطائفتين - المنع عن الرجوع إلى الكتاب واتباع ظواهره، فلابد من الجابر لها، وهي الأحاديث الصادرة عن أهل بيت العصمة والطهارة، عليهم أفضل الصلوات والتحيات، ولولا ذلك لكانت الامة الإمامية ملتحقة بطائفة تقول: " حسبنا كتاب الله " كما لا يخفى. وأما المناقشة في العلم الإجمالي الأول: بأنا لا نصدق التحريف أولا، وعلى تقديره فلا نصدقه في آيات الأحكام. فتندفع: بورود الأخبار الكثيرة البالغة حد التواتر، مع ذهاب جمع من الإمامية إليها، وفيها: " إن الكتاب المنزل هو القرآن الذي جمعه الأمير (عليه السلام) المشتمل على جميع ما انزل بترتيب ما نزل " (4). فيلزم الإخلال بالظهور تارة: من باب التحريف بالنقيصة، واخرى: من باب التحريف بالتقديم والتأخير، الموجب لاختلاف الظهور قطعا، ولا وجه لما اشتهر:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 136، نهاية الأفكار 3: 91 - 93. 2 - وسائل الشيعة 27: 47 و 48، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6، الحديث 30 و 31. 3 - وسائل الشيعة 27: 185، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 13 و 14. 4 - بحار الأنوار 89: 40 / 7. (*)

[ 323 ]

" من أن التحريف لو كان، فهو في غير آيات الأحكام " (1). نعم إنكار أصل التحريف ممكن، ولكنه ممنوع لوجود تلك الأخبار. إلا أنها معارضة بما يدل على أن الأئمة (عليهم السلام) بصدد إرجاع الامة إلى الكتاب في موارد كثيرة، كما في مسألة عرض الأخبار عليه (2)، وتحريم الشرط المخالف للكتاب (3)، والإيماء إلى أن الإمساس بالمرارة يفهم من كتاب الله (4)، والمسح ببعض الرأس يفهم، لمكان " الباء " (5) فإن هذه الامور في عصر الصادقين (عليهما السلام) وتكون منصرفة إلى الكتاب الموجد بين أيدي المؤمنين. اللهم إلا أن يقال: إن بيان أحكام الله لازم عليهم، وأما تعيين الصغرى، وأن ما بين أيدينا هو الكتاب النازل، ولا زائد، ولا ناقص، فهو أمر آخر تنفيه أخبار التحريف، فما في كتب أصحابنا الاصوليين: من التمسك بهذه الطوائف وبهذه الموارد طرا وكلا، غير موافق للصواب. فبالجملة: ينحصر إبطال مقالة الأخباريين بإبطال التحريف، وأما لو تنزلنا عنه فلا وجه لاختصاص التحريف بغير آيات الأحكام، لأن دليل التحريف أعم، وأن الاختصاص المذكور مجرد تخيل بلا وجه. كما لا وجه لتخيل المعارضة بين ما يدل على التحريف، وما يدل على الإرجاع إلى كتاب الله، لعدم التعارض بينهما، ضرورة أن الأخبار الاولى شارحة للثانية، وأن الأخبار الثانية متعرضة للحكم الواقعي، وهو عرض الأخبار على


1 - كفاية الاصول: 328، نهاية الأفكار 3: 91 و 92، نهاية الاصول: 481 و 482. 2 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9. 3 - وسائل الشيعة 18: 16 و 17، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6. 4 - الكافي 3: 33 / 4، تهذيب الأحكام 1: 363 / 27، وسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 39، الحديث 4. 5 - الفقيه 1: 56 / 212، وسائل الشيعة 1: 413، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 23، و 3: 364، أبواب التيمم، الباب 13، الحديث 1. (*)

[ 324 ]

الكتاب مثلا، وأما أن الكتاب ماذا، وأنه هو الذي بين أيدينا، أم هو الموجود عندهم على زعم الأخباريين ؟ فتلك الأخبار ساكتة عنه. نعم، ربما هي منصرفة إلى أن ما هو الحاضر هو الكتاب، ولكنه انصراف يمنع بتلك الأخبار الشارحة. ومن هنا يظهر ضعف التمسك بالأخبار الدالة على قراءة السورة التامة في الفرائض (1)، والأخبار الناطقة بالتبعيض إلى خمس في صلاة الآيات (2). بل يمكن أن يقال: إن هذه الأخبار تكون - مضافا إلى بيان حكم الله الواقعي، من غير النظر إلى ما هو الكتاب صغرى ومصداقا - مشتملة على جهة التقية من العامة المنكرين للتحريف، كما لا يخفى. ومن هنا أيضا يظهر وجه المناقشة في الأخبار الآمرة بقراءة السور المعينة في الصلوات المندوبة، فإن الأمر بقراءة سورة الجمعة في صلاة الجمعة، لا يدل على أن ما هو سورة الجمعة هي التي بين أيدينا، فتأمل جيدا. وغير خفي: أن هذه الطوائف من الأخبار كثيرة جدا، فينحصر إبطال طريقتهم في باب التحريف في إنكارها رأسا. ومن المشكل إقناع الأخباريين، لأنهم يرون حجية الأخبار الدالة على التحريف، من غير أن يلاحظوا جانب السند والصدور، ومن غير أن يعتنوا بالإعراض والإجماع. بقي شئ: حول بعض أدلة حفظ الكتاب وتحريفه إنه ربما يتمسك بآية الحفظ * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * (3).


1 - وسائل الشيعة 6: 43 و 44، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 4. 2 - وسائل الشيعة 7: 492، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الكسوف والآيات، الباب 7. 3 - الحجر (15): 9. (*)

[ 325 ]

وبآية عدم إتيانه الباطل: * (لا يأتيه الباطل) * (1). وفيه: - مضافا إلى أن إتمام الاستدلال، منوط بمقدمات يصعب طيها - أن التمسك بالقرآن على عدم التحريف من الدور، لاحتمال التحريف في الآيتين، وقد عرفت: أن التحريف المقصود إنكاره هنا، هو التحريف بالنقيصة، والتحريف بالتقديم والتأخير، وعلى هذا يشكل التمسك بالآيتين، لأن من مقدماته إثبات عدم التحريف المزبور، مع أن الاستدلال فرع كون * (الذكر) * في هذه الآية هو القرآن، وهو لا يثبت إلا بالاستدلال بالآية السابقة، وهكذا الثانية، فراجع وتدبر. والذي هو الحق: أن دعوى القطع بعدم التحريف من المجازفة، لعدم إمكان ذلك بعد التوجه إلى أطراف القضية، والاستناد للتحريف بالأخبار الموجودة، غير صحيح، لعدم تمامية إسناد جمع منها، وعدم دلالة طائفة. ولأن الدواعي لجعل تلك الأخبار كانت كثيرة، نظرا إلى هتك حرمة آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين أحيانا من قبل سلاطين الجور، وأنهم (عليهم السلام) يقولون: بأن الكتاب الإلهي محرف، كالتوراة والإنجيل، وأن الرجوع إليه ممنوع، فيكون الثقلان - المأمور بالرجوع إليهما - ضائعين، أحدهما: من قبل أهل السنة، وهي العترة، وثانيهما: من قبل الخاصة، وهو الكتاب، فإن ما هو الأحسن والأصوب كون الكتاب الموجود بين أيدينا، هو الكتاب المنزل من غير فرق، وأن الترتيب المزبور ترتيب إلهي ولو كان الاختلاف في الإنزال يقضي على خلافه، ولكن ربما كان القرآن نازلا على هذا النظام دفعة، أو تدريجا، إلا أنه قد تكرر نزول السور. وما هو الأقوم سندا، والأحسن ركونا، وهو يوجب الاطمئنان: أن الأمير (عليه السلام) في تلك السنوات والأصحاب الخواص في العصر الأول، لم يبرزوا التحريف، ولم يذكروا ذلك من المثالب ومطاعن الثلاثة، أو الأخير منهم، ولم يعهد من أعداء المسلمين الإشارة إلى ذلك، ولم يسلوا سيوفهم من الأغماد عليهم، مع أنه لو كان لبان جدا.


1 - فصلت (41): 42. (*)

[ 326 ]

وبالجملة: ربما تدل على عدم التحريف روايات صحيحة. والاستشهادات التأريخية ناهضة عليه، كقصة عدم تمسك أهل البيت بالآيات المشتملة على الولاية التي هي المحرفة عند الأخباريين، ولاسيما الصديقة الكبرى سيدة النساء سلام الله عليها. ولكنها لا تورث القطع، ولا نحتاج إليها في حجية ظواهر الكتاب. وغير خفي: أن ادعاء القطع بعدم التحريف - مع ذهاب جمهور العامة إلى نسخ التلاوة (1)، وهو في الحقيقة يرجع إلى التحريف بالنقيصة، ومع رعاية أن القطع بعدم تحريف أمثال " العروة الوثقى " و " كفاية الاصول " غير حاصل جدا - يكون مجرد دعوى بلا بينة وبرهان، فيكفينا الوثوق والاطمئنان العقلائي بعدم التحريف، فإن صناعة الخطابة تنهض على عدم التحريف، بخلاف صناعة البرهان، ولا يحصل من الخطابة القطع إلا لبعض النفوس الخاصة، كما لا يخفى. ثم إن قضية الأصل، هو احتياج عدم التحريف إلى الدليل، لأن الكتاب كان منتشرا في بدو الإسلام بالضرورة، فاجتماع جميع أجزائه، وجميع ما اوحي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الدفتين، يحتاج إلى التقريب والدليل، بخلاف التحريف، لأن من معانيه عدم اجتماعها بينهما، ولا أقل من الشك في الاجتماع المزبور. ودعوى: أن حديث الثقلين، يدل على أن القرآن كان في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا بين الدفتين، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " كتاب الله، وعترتي " غير نافعة، لأن المراد من " الكتاب " أعم، وإطلاقه وانصرافه إلى ما هو المنصرف إليه في العصر الحاضر، من الحوادث الجديدة. ويشهد له قولهم: " كل شرط نافذ إلا شرطا خالف كتاب الله " فإن المراد من " الكتاب " هو حكم الله، ولذلك يشمل حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تخلط. فبالجملة: تحصل من هذه الجملات: أن الوثوق بعدم التحريف، قريب جدا.


1 - لاحظ البيان في تفسير القرآن: 220. (*)

[ 327 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن عدم تعرضه (عليه السلام) للإشارة إلى تحريفه في جمع عثمان، أو الجمع الأسبق، كان لجهة أمر أهم، فإن في ذلك تضييعا للحق الثابت له في غدير خم، ولو كان يقول بدلالة الكتاب وآياته، لكان فيه فرصة لأعدائه حتى يسلوا سيوفهم عليه، كما سلوا لعنهم الله تعالى لعنا وبيلا، وعذبهم عذابا شديدا. ولكن بعد اللتيا والتي، عدم التحريف مورد الاطمئنان والوثوق، فتكون الظواهر حجة. إن قلت: سد باب احتمال النقيصة لا يكفي، لأن تبادل الآيات بحسب المواضع والسور، يضر بالظهور أيضا. قلت: أولا: لنا دعوى أن القرآن نزل جملة، ونزل نجوما، والنزول الأول على هذه الكيفية الموجودة. ولكنها غير تامة، كما تحرر منا في كتابنا " التفسير الكبير " ناسخ التفاسير (1). وثانيا: إن المهم الوثوق بعدم تحريف الآيات ولو كانت السور غير منظمة على النظام الإلهي، وهذا أمر لا يبعد بعد الرجوع إلى الكتب الموجودة بين أيدينا، والصحائف الحاضرة من مصاحف مختلفة، كمصحف علي (عليه السلام) ومصحف ابن عباس، وابن مسعود وغيرها. وعلى كل تقدير: انتفاء هذا التحريف، أقوى من انتفاء التحريف بالنقيصة، وعندئذ تكون آيات سورة البقرة وسورة كذا وكذا، مستقرة الظهور، واحتمال القرائن المنفصلة مدفوع، والعلم بالنقيصة لا تثبت به صلاحية النقيصة لقرينية الموجود بين أيدينا. وإن شئت قلت: لا نحتاج في الاستدلال بالقرآن الموجود إلى إثبات عدم النقيصة، لأن النقصان لابد وأن يرجع إلى نقصان سورة، لا آية من السور الموجودة،


1 - تفسير القرآن الكريم، للمؤلف (قدس سره)، الفاتحة، المبحث الأول، فيما يتعلق بمجموع السورة، المسألة الرابعة. (*)

[ 328 ]

لاتفاق الكل على ذلك. وأما الآيات الموجودة في أخبار العامة التي تدل على نسخها، وأنها منسوخة من الكتاب، فهي غير معلوم كونها من السورة المستقلة، أو من هذه السور، فلا يضر بالظهور، لرجوعه إلى القرينة المنفصلة. والشك في كونها متصلة، منفي بأصالة عدم النقيصة العقلائية. هذا مع أن الرجوع إلى تلك الأخبار، يورث القطع بأنها آيات اختلاقية من العرب الجاهلين بالأدب، فراجع. تذنيب: حول عصر كتابة القرآن المجيد اختلفت المآثير في عصر تدوين الكتاب إلى مضامين: فمنها: ما يدل على أن ذلك كان في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم). ومنها: ما يدل على أن تدوينه كان بعد ذلك. ومنها: ما يدل على أنه كان في عصر الأول. ومنها: ما يدل على أنه كان في عصر الثاني. ومنها: ما يدل على أنه كان في عصر الثالث. وفيها جهات كثيرة مختلفة من حيث الجامع، ومن حيث شرط الجمع، كشهادة شاهدين، وأحيانا شهادة واحد، فيكون الصدور بدليل حجية الخبر والشهادة، فلا قطع به، ولازمه أنه لا يكون مقطوع الصدور. وبالجملة: كل ذلك يشهد على أن تأريخ القرآن مضطرب جدا، والاطلاع على واقع الأمر مما لا يكاد يحصل للمنصف الملاحظ أطراف القضية وخصوصيات الأمر. نعم، ما هو المحصول من شتى التحصيلات: أن ما هو الموجود بين أيدينا هو كتاب الله، وليست سورة منه زائدة عليه. وأما احتمال زيادة يسيرة فهو غير بعيد، ولا يضر بشئ. ولا يهمنا أن يكون الجمع في العهد الحق، أم في العهد الباطل، بعد

[ 329 ]

اتفاق الامة ظاهرا على أن السور الموجودة، لا تزيد ولا تنقص. وأما نقيصة القرآن بحذف بعض السور منها وضياعها، وكونه عند الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف فهي ولو كانت ممكنة، وغير صحيح دعوى القطع الوجداني بعدمها، ولكنها بعيدة جدا. ودعوى الوثوق والاطمئنان: بأن ما هو الموجود بين أيدينا هو النازل فقط، صحيحة وجدانا، ولاسيما بعد دلالة بعض الأخبار الآحاد الصحيحة على عدم التحريف في الجملة، ومن شاء فعليه الرجوع إلى المفصلات في هذه المسألة. فتحصل لحد الآن: أن حجية الظواهر قوية جدا، لعدم تمامية الشبهة من ناحية التحريف المفسر بها. ومما يشهد على عدم التحريف في الجملة: أن الرجوع إلى الأخبار المنتشرة بين أيدينا المشتملة على الآيات القرآنية، تعطي أن الموجود بين أيدينا هو النازل، لاتفاق تلك الآيات مع ما بين أيدينا، وهذا كثير جدا في المسائل الفقهية والأخلاقية والاعتقادية. بقي شئ: حول عدم إضرار العلم الإجمالي بالتحريف إن الإخلال بالحجية على فرض وقوع التحريف، مرهون بالعلم الإجمالي بسقوط القرينة المستقلة، سواء قلنا: بأنها ضائعة، أو محفوظة بين الدفتين، أو لأجل سقوط القرينة المنفصلة، أو المشتركة بين الاتصال والانفصال، وإذا كان ذلك معلوما، فكما لا يعالج الإنسان بكتاب " من لا يحضره الطبيب " إذا علم بسقوط جملة منه، كذلك الأمر هنا، وكما لا يصح عند العقلاء إسناد مضمون الكتاب إلى مؤلفه، إذا علم بضياع طائفة منه منتشرة فيه، كذلك الأمر هنا، فالإفتاء على طبق الكتاب والاحتجاج به غير جائز، لعدم مساعدة العقلاء عليه بعد عدم قيام الأدلة

[ 330 ]

اللفظية على حجية الكتاب، حتى تكون هي المرجع بإطلاقها عند الشك. أقول: قد تبين فيما مضى أن الخلط بين صلاحية الكلام للاحتجاج، وبين صلاحية الكلام للإفتاء، غير صحيح (1)، فإن صحة نسبة المضمون والإفتاء مشكلة، ولكن جواز القعود في قبال الكلام التام الظاهر الواصل - في قبال احتمال كون إحدى الآيات الضائعة وغير المحفوظة صالحة للقرينية على خلاف هذا الظاهر - ممنوع. وبعبارة اخرى: تارة نعلم بأن في ذيل آية الوفاء بالعقود (2)، آية محذوفة، ولا نعلم ذلك، فإن حجية آية الوفاء ممنوعة. واخرى نعلم: بأن في القرآن كانت آيات وسورة غير واصلة إلينا، وربما كان منها ما في ذيل الآية المذكورة، فإن الكلام لا يسقط عن الصلاحية للاحتجاج، فلو كان مفاده ومضمونه مرادا، فهل ترى من نفسك أن العقاب عقاب بلا بيان ؟ ! ولو كان المكلف يمتثل مضمونه، ثم تبين خلافه، فهل ترى من نفسك جواز عقاب المولى، بدعوى أن العقاب مع البيان، لأن المكلف العالم بعدم وصول القرائن، قد إرتكب ما تصح العقوبة عليه ؟ ! كلا، ثم كلا. وهذا العلم الإجمالي ولو لم يكن موجودا بالنسبة إلى الكتاب، ولكنه موجود بالنسبة إلى الأخبار بالضرورة، مع أن الضرورة قاضية بعدم جواز القعود، بل وبجواز الإفتاء، ضرورة أن احتمال وجود القرينة المتصلة، مدفوع بأصالة عدم النقيصة، وهذا لا ينافي العلم الإجمالي بعدم وصول القرائن، لاحتمال كونها منفصلة، فليتأمل جيدا. ويمكن دعوى: أن المفتي من أول الفقه إلى آخره، يعلم إجمالا بعدم تمامية بعض فتاويه، لما فيه من تلك القرائن، وأما المراجع إلى الأخبار بالنسبة إلى موارد


1 - تقدم في الصفحة 301 - 302. 2 - المائدة (5): 1. (*)

[ 331 ]

يحتاج إليه بحسب عمله، فلا يعلم بذلك، ويكون بناء العقلاء على عدم جواز القعود في المقام، أو على عدم وجوب الاحتياط في هذه الصورة. فتبين على هذا: أن العلم الإجمالي بالتحريف غير واضح إضراره بالحجية، وما دام لم يحرز الإخلال بصلاحية الكلام للاحتجاج، لا يصح القعود حذاءه، وترك العمل به، ولا حاجة إلى إحراز الصلاحية، كما هو الواضح. وبالجملة تحصل: أنه ما دام لم يعلم تفصيلا بسقوط قطعة من الكلام، أو إجمالا بسقوطها - بشرط كونه من العلم الإجمالي بالكثير في الكثير، أو القليل، لا العكس - لا سبيل إلى دعوى العلم التفصيلي، ولا العلم الإجمالي على الوجه المزبور في باب التحريف أصلا، لأن غاية ما هو المعلوم سقوط طائفة من الآيات والسور من القرآن الموجود بين أيدينا، وهو أعم من كونه بنحو الاتصال أو الانفصال بالنسبة إلى آيات الأحكام، فلا نعلم - ولو إجمالا - بسقوط القرائن المتصلة من آيات الأحكام، فلا وجه لمنع استقرار الظهور، وإذا استقر الظهور، وصار الكلام صالحا للاحتجاج، فلابد من إقامة الدليل على سقوطه. وقد خرجنا عن طور البحث مع رعاية الاختصار، نظرا إلى أهمية المسألة، كما هو الواضح. تتميم الكلام وتوضيح المرام وأما دعوى العلم الإجمالي بوجود المتشابه. ففيها أولا: أن المتشابه ربما تكون الآيات المشتملة على تشبيه الامور العقلية بالامور الحسية، كآية النور: * (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (1).


1 - آل عمران (3): 7. (*)

[ 332 ]

فإنه يعلم منها: أن المتشابهات مستمسك أهل الفتنة، دون أهل الفهم والعلم والمعارف والمحققين مثلا، وبقية الكلام في محل آخر. وهذا لا ينافي الحاجة في المتشابه وغيره إلى أئمة الحق عليهم صلوات الله، لأن القرآن ذو مراتب عالية. وثانيا: أن التمسك بوجود المتشابه أخذا بالظاهر، غير جائز، لاحتمال كونه من المتشابه، فلابد من وجود جماعة من الآيات مجملة، كما لا يخفى. وثالثا: أن وجود المجملات يضر فيما مر أخيرا في التحريف، وفي صورة العلم التفصيلي بكونها من المتصل بالآيات المبينة يقينا تفصيليا، أو إجماليا على الوجه المحرر آنفا. وبالجملة: إن وجود طائفة من الآيات مجملة، معناه ليس الإجمال بحسب المفاهيم اللغوية والاستعمال، لأن الإجمال صفة الكلام، وهي لا تحصل بالتعبد وبالرواية، لأنه أمر خارج عن قدرة التشريع، فعليه يكون المقصود من " الإجمال " عدم إمكان كشف المراد، وهذا لا يمكن إلا بدعوى التحريف على الوجهين المزبورين، وقد مر فساده، فلا تخلط. رابعا: لو كان وجود العلم بالنقيصة فيما مر في مسألة التحريف، ووجود العلم الإجمالي بالمجملات مضرا، لكان ذلك مضرا بالأحاديث أيضا، فتسقط الأحاديث كلها عن الحجية، ولاسيما بعد ورود أنها " صعب مستصعب " وأنها مثل الآيات من هذه الجهة، فلا تخلط. وأما دعوى العلم الإجمالي بوجود المخصصات والمقيدات، فهي واضحة سريانها في الأخبار، وأنها لا تضر بالحجية. وأما توهم: أن العلم الإجمالي المزبور يوجب الفحص، لا سقوط الحجية، كما في كلام جمع من الاصوليين (1)، فهو فاسد، لأن الفحص لازم ولو لم نعلم إجمالا


1 - مطارح الأنظار: 179 / السطر 30، كفاية الاصول: 264 و 265، نهاية الاصول: 346 - 348. (*)

[ 333 ]

بها، كما لا يخفى. وغير خفي: أنه لا حاجة إلى انحلال العلم المزبور، لأنه لو كان منحلا لا يسقط إخلاله بالانحلال، لأن منشأ إخلاله ليس تنجيزه، كما مر تحقيقه. بقي أمران آخران: الأول: حول ما دل على اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به أن قضية طائفة من الأخبار اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به. واجيب عنه: - مضافا إلى ضعف طائفة من تلك الأخبار سندا، كمرسلة شعيب بن أنس في قصة أبي حنيفة، ورواية زيد الشحام في قصة قتادة (1) - أن المقصود منها الردع عن الاستقلال في الرجوع إلى القرآن. وبالجملة: اتباع مقالة من يقول: " حسبنا كتاب الله ". وسيأتي في ذيل الشبهة الخامسة: أن هناك آيات تدعو الناس إلى اتباع الكتاب، والجمع بين تلك الآيات وغيرها، ما اشير إليه. مع أن الظاهر من بعضها وصريح المرسلة، هو النظر إلى مجموع القرآن، لا الآية الواحدة منه مثلا، فراجع. هذا مع أن الآيات عامة بحسب الخطاب بالضرورة، فالمراد من اختصاص من خوطب به بفهمه غير معلوم. مع أنه قد تحرر كيفية خطاب القرآن في العام والخاص (2)، فراجع. والثاني: حول ما دل على النهي عن تفسير القرآن بالرأي أن مقتضى جماعة كثيرة من الأخبار، الردع عن التفسير بالرأي، وهذا أمر صحيح فيما يحتاج الكتاب إلى التفسير والتأويل وبيان المراد الإلهي، مع عدم ظهور


1 - تقدم في الصفحة 322، الهامش 3. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 303 وما بعدها. (*)

[ 334 ]

الكلام حقه فيه. وأما الآيات الظاهرة غير المحتاجة إلى التفسير، فهي خارجة عن تلك الأخبار. ولو كان التفسير مخصوصا بهم (عليهم السلام) فهو أيضا تنافيه الآيات الآتية في ذيل الشبهة الخامسة من الشبهات على حجية الظواهر. ومما يؤيد أن المردوع بها الطائفة العامة: ما ورد في الكتب المعتبرة - وفي نفسي أنه " الكافي " - عن المعصومين (عليهم السلام): من اختصاص آخر سورة الحديد بالمتعمقين من آخر الزمان (1)، فإنه منه يستكشف أن باب فهم القرآن، ليس منسدا على أهله، والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد. الشبهة الخامسة: في عدم إمكان الاستدلال على حجية الظواهر بالدليل اللفظي أن حجية الظواهر مما لا تحتاج إلى قيام الأدلة اللفظية، بل قد مر عدم إمكان إمضائها بالدليل اللفظي، لأنه لا يخرج عن الظاهر، ومر كيفية إمكان كشف ارتضاء الشرع بها (2). بقي شئ: حول شمول الآيات الناهية عن الظن لحجية الظواهر وهو أن مقتضى الآيات الرادعة عن العمل بالظن، عدم حجية الظواهر، لأنها لا تخرج عنها، لكونها من الظن ولو كان خاصا. والأصحاب وإن تعرضوا لتلك الآيات في مسألة حجية خبر الثقة، إلا أن الإشارة إليها هنا أيضا لازمة، حتى تنسد جميع أبواب شبهات حجية الظواهر.


1 - الكافي 1: 91 / 3. 2 - تقدم في الصفحة 312 - 313. (*)

[ 335 ]

فبالجملة: لأحد دعوى أنها مردوعة. ولو قيل: لا يعقل الردع بها، لكونها من الظواهر أيضا. قلنا: إن بناء العقلاء مردوع بها، وحيث يلزم من شمولها لأنفسها عدم حجية نفسها، ويلزم من عدم حجية نفسها حجية سائر الظواهر، لعدم الردع عنها إلا بها، فلابد - فرارا من اللغوية - من الالتزام بانصرافها عن أنفسها، فيكون ظاهرها بحكم العقلاء حجة، ويصلح لنفي حجية غيرها شرعا. وبعبارة اخرى: مقتضى بناء العقلاء حجية جميع الظواهر، ومقتضى هذه الآيات عدم حجيتها شرعا. ولأجل الإشكال المزبور لا تشمل الآيات أنفسها، للعلم بعدم مجيئها لعدم اعتبار أنفسها، فتكون هي حجة حسب البناء المزبور، فيلزم منه نفي الحجية عن غيرها شرعا. لا يقال: حجية هذه الآيات عند العقلاء غير كافية، لاحتياجها إلى الإمضاء، ولا طريق إلى كشف الارتضاء، ضرورة أن التمسك بها ما كان بمرأى ومسمع من الشرع، ولا كثير الدور بين العقلاء، حتى يستنبط رضا الشرع في موردها. لأنا نقول: يستنبط ارتضاء الشرع من نفس هذه الآيات التي لا غرض لها إلا نفي حجية الظن، فلابد أن يعلم رضا الشرع بحجية هذه الآيات، قضاء لحق سقوطها عن الأثر المرغوب منها، والمترقب عنها، كما لا يخفى. فبالجملة: ما يكون من الظواهر مفيد الوثوق والاطمئنان المعد عرفا من العلم، فهو حجة، وتكون الحجية - بوجه - لغيره، وأما في غير هذه الصورة فلا حجية، لأن الشرع ردع عنها بتلك الآيات الرادعة عن اتباع الظن. وإن شئت قلت: الظواهر المورثة للعلم العرفي والوثوق حجة، ومنها الآيات الناهية، وبناء العقلاء ولو كان على الأعم، إلا أنه مردوع بتلك الآيات، فلا يثبت بناء على هذا عموم المدعى.

[ 336 ]

وبالجملة تحصل: أن أصل دعوى حجية الظواهر أو عموم الدعوى، ممنوع بها. فإن قلنا: بأن منع أصل الدعوى واضح الفساد، للزوم الهرج والاختلال في النظام، وغير ذلك مما لا يخفى على أحد، كما مر (1)، فلا وجه للقول بعدم منع عموم المدعى بها، بعد كون الآيات الناهية مورثة للعلم، فلا تشملها الآيات الرادعة، لأن موضوعها عدم العلم والظن، فلا نحتاج حينئذ إلى دعوى انصرافها عن أنفسها، فحينئذ بمضمون تلك الآيات، تمنع حجية الظواهر في صورة عدم إفادة الوثوق ولو كانت مفيدة الظن، فضلا عما إذا كان الظن على خلافها، فتأمل. ومما ذكرنا في تحرير المشكلة على حجية الظواهر، يندفع تخيل الدور اللازم من التمسك بالآيات الناهية، بدعوى أن مردوعية البناءات العقلائية، موقوفة على رادعية الآيات، وهي على عدم مردوعية بنائهم على حجية الظواهر. وقد عرفت: أن بناء العقلاء على حجية مطلق الظواهر - ومنها الآيات والآيات - مردوع بها، ولكنها لا تكون موقوفة إلا على كشف رضا الشرع بالحجية، وهو حاصل بما عرفت. والذي هو التحقيق جوابا يخص بالشبهة في أصل حجية الظواهر على الإطلاق: أن منع البناءات العقلائية على تلك الظواهر، يمكن لو لم تكن السيرة العملية متصلة بها على خلافها. مع أن الردع عن الظواهر على الإطلاق يستلزم المفاسد والاختلالات النظامية والمعاشية، كما عرفت مرارا، فحجية الظواهر في الجملة وفي صورة إفادة الوثوق والمعرفة والاطمئنان، قطعية. نعم، لو كان شك فهو في إطلاق تلك الدعوى، وأن التمسك بالآيات لردع الإطلاق ممكن بدوا، وقد تصدى القوم في أمثال المقام لحل المشكلة بوجوه مختلفة:


1 - تقدم في الصفحة 261 - 263. (*)

[ 337 ]

أحدها: ما عليه أكثر المحققين، وهو حديث حكومة أدلة حجية الأمارات على الآيات الناهية. وقد مر منا مرارا: أن دليل حجية الأمارات، لا يزيد على عدم الردع بالسكوت (1). ولو كان هذا الجواب صحيحا في باب حجية الخبر الواحد، فلا يصح في المقام، لعدم دليل على حجية الظواهر. ولا يظهر منهم التمسك بالأدلة اللفظية لها، فعليه لا معنى للحكومة، فإنها متقومة باللسان المفقود فرضا في المقام. ويمكن أن يقال: بأنه لو لم يتم دليل على تنزيل المؤدى منزلة الواقع، اللازم منه الحكومة، أو على تنزيل الطريق منزلة العلم في باب حجية خبر الواحد، لتم ذلك في المقام، لقوله (عليه السلام): " هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله " (2) فان إطلاق المعرفة على اتباع الظواهر، يشهد على حكومة دليل الظواهر على الآيات الناهية عن غير العلم والظن. اللهم إلا أن يقال: إن الحديث ليس بصدد دعوى: أن الظواهر علم ومعرفة، وغاية ما يستفاد منه أنه يكون الاتباع للظواهر معرفة، وربما كان ذلك في صورة حصول الوثوق والاطمئنان. فتوهم: أن قوله (عليه السلام): " هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله " هو العرفان النوعي، لا الشخصي، والعرفان النوعي أعم من حصول الوثوق وعدمه، غير جيد، فتدبر. ثانيها: ما عليه الوالد المحقق - مد ظله - وهو حديث ورود دليل الأمارات على الآيات (3)، وذلك لأن قضية ما تحرر منا في محله: أن المراد من * (العلم) * في الأخبار والآيات في هذه المواقف، هي الحجة، وإذا ثبتت حجية الظواهر بعدم


1 - تقدم في الجزء الثاني: 311. 2 - تهذيب الأحكام 1: 363، وسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 39، الحديث 5. 3 - تهذيب الاصول 2: 105 و 106. (*)

[ 338 ]

الردع، تكون الأمارات حجة، ويكون دليلها واردا على الآيات طبعا (1). ولو قيل: بأن الورود المزبور يتم بالنسبة إلى قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (2) دون قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (3). قلنا: نعم، إلا أن إطلاق الآية الثانية، يقيد بما يدل على حجية الظواهر، فالمعارضة بين دليل حجية الظواهر والآية، ترتفع بالتقيد، فالظنون الاخر مورد الآية دونها، كما لا يخفى. ويمكن المناقشة صناعة فيه: بأنه ليس من الورود، لعدم أثر من الدليل الوارد، وعدم الردع ليس شيئا حتى يعد واردا على الآيات، فغاية ما يعبر عنه في المقام هو " التخصص عند العقلاء " والشرع أمضى هذا التخصص، والأمر سهل. ثالثها: أن إطلاق الآيات الناهية ممنوع طرا، فلا نحتاج إلى دليل الحاكم أو الوارد، وذلك لأن الانصراف عن البناءات العقلائية، وعدم صلاحية الآيات لردعها ولو في الجملة قطعي، لأن الشرع المريد ردع البناءات العرفية، لابد وأن يتشبث بالخشونة والتأكيد في قبال المغروسات العرفية والعقلائية، ففي غير هذه الصورة يحصل الانصراف القطعي لتلك الآيات عنها، وهذا هو المعنى الذي يتبين بمراجعة ما فهمه القوم والمفسرون من الآيات، وقد تحرر في المطلق والمقيد: أن وجود الانصراف، يضر بانعقاد الإطلاق، ويوجب تضيق الدليل ذاتا عن الشمول (4)، فلا تخلط. بقي شئ: فيما يرد على الدليل العقلي على حجية الظواهر مقتضى ما تحرر هو: أن الظواهر على إطلاقها حجة، والكلام المنعقد له


1 - يأتي في الجزء السابع: 337. 2 - الإسراء (7): 36. 3 - يونس (10): 36. 4 - لاحظ ما تقدم في الجزء الخامس: 432 - 434. (*)

[ 339 ]

الظهور، يصلح للاحتجاج به عند العقلاء، فيجب اتباعها، حذرا من العقاب، لأنه لو كان فلا يكون بلا بيان. وربما يناقش بمناقشة: وهي أن ما هو الحجة في الحقيقة، هو فهم العقلاء، وعدم تجويزهم العقود في قبال الكلام الواصل الظاهر، ضرورة أن ما به تقطع حجة العبد مثلا وعذره، المراجعة إلى العقلاء واتفاقهم على جواز عقابه، فما هو الحجة هي عقول العرف، لا الكلام. اللهم إلا أن يقال: بأنها حجة على الحجة، وسند لحجية الكلام، وأنه بيان تام، والعقاب ليس عقابا بلا بيان، ولا مؤاخذة بلا برهان.

[ 341 ]

المبحث الثاني في حجية قول اللغوي

[ 343 ]

تمهيد وجه إفراد هذا البحث إن قلت: ليس هو بحث على حدة، لأنه من الامور الراجعة إلى المبادئ المحتاج إليها انعقاد الظهور للكلام الثابت من الكتاب أو الأحاديث، ولا ثمرة اخرى تترتب عليها. قلت: ربما يكون الكلام معقد الإجماع، ولا يكون هو من الحديث، وهكذا في الوصايا والأقارير والفتاوى وغيرها من الأوقاف ونحوها. فالبحث عنه بحث مستقل يستنتج منه توصيف الكلام بالظهور، وينعقد به موضوع المسألة السابقة. ولو كان موضوع المسألتين أعم، فالبحث هنا أيضا ليس مرهونا بحجية الظهور، لأن من الكلام ما هو الخارج عن بحث حجية الظواهر، لأنه حجة عند كل أحد، ولا يختلف فيه اثنان، وعندئذ نحتاج إلى فهم مواده من اللغة، فتأمل. وبالجملة لا بأس بالبحث عنه مستقلا. نعم، يمكن أن يقال: إن حجية قول اللغوي - سواء كان شهادة، أو رأيا - غير كافية لحل مشكلة توصيف الكلام بالظهور ولو قلنا: بأن المعاني التي يتعرض لها اللغويون هي المعاني الموضوع لها، وهي المعاني المحفوظة والحقيقية، وذلك لأن للكلام - مضافا إلى المواد - هيئات، واللغوي يتعرض لمعاني المواد، دون الهيئات،

[ 344 ]

والكلام - ولاسيما كلام العرف - يشتمل على الهيئات التامة والناقصة، الدخيل في كشف الظهور لها فهم تلك الهيئات، كهيئة المشتقات، وهيئات الجمل الناقصة والتامة، التي ربما يتعرض لها النحاة والادباء على كثرة فنونهم، فالأعجمي الأجنبي عن لغة العرب بمراجعة كتب اللغة، يتمكن من تعيين مواد الكلام، ولكنه لابد له من الممارسة في فنون الأدب، لفهم الهيئات جيدا، حتى يتوجه إلى خصوصياتها التي تفتقدها كتب اللغة قاطبة صدرا وذيلا. فما صرح به العلامة الأراكي: من الرجوع لفهم الهيئة إلى اللغة (1)، خال من التحصيل. وما يظهر من المحققين المعاصرين: من أن بالبناء على حجية قول اللغوي، يتم المطلوب، لأنها صغرى المسألة السابقة (2)، في غير محله بالضرورة، وكثيرا ما تختلف أفهام المجتهدين، لاختلافهم في الهيئات اجتهادا، أو فهما. فتوصيف الكلام بالظهور يحتاج إلى السير في مرحلتين: المرحلة الاولى: مرحلة المواد، ومرحلة الهيئات، ولو كان يجوز الاتكال على الغير في الاولى، فلابد من إعمال النظر في الثانية، وقد مر في مباحث المجلد الأول ما يفي به في طي المسائل الكثيرة التي منها مباحث المشتق ووضع الهيئات الناقصة والكاملة (3). ولعل لأجل ما اشير إليه، تعرضوا لوضع الهيئات في مباحث الألفاظ. نعم، لما وضع الهيئات نوعيا غالبا إلا ما شذ وندر، كان فهم المواد في


1 - نهاية الأفكار 3: 94. 2 - انظر درر الفوائد، المحقق الحائري: 368، نهاية الدراية 3: 183 - 184، منتهى الاصول 2: 84. 3 - تقدم في الجزء الأول: 111 وما بعدها و 356 وما بعدها. (*)

[ 345 ]

الجملة، كافيا لتشخيص المعاني الحرفية، مثلا إذا كان فهم مواد جملة " زيد قائم " أو " يقوم " أو " قام " أو " قائم أبوه " حاصلا، يتمكن الإنسان منه لفهم الهيئة، وبه يعرف الهيئة الناقصة والكاملة في كافة الجمل الاخر، ولو لم يعلم موادها. وما حكي عن السيد الاستاذ الفشاركي (قدس سره): من تقسيم الوضع إلى الفعلي والتهيئي، بتوهم: أن في صورة الاطلاع على معاني المادة والهيئة، يكون الكلام مفهوما بالفعل، وإلا فلا يفهم منه شئ، لأن وضع المادة مع قطع النظر عن الهيئة وبالعكس، ليس إلا وضعا تهيئا، ولا يستفاد منه شئ، ولا يتبادر منه معنى (1)، فهو غير تام، كما تحرر في محله. المرحلة الثانية: مرحلة الاطلاع على المواد واللغات، وهو ربما يحصل بالعلم، وبقيام البينة، أو الخبر الموثوق به. ويظهر من القوم: أن في حجية الوثوق والاطمئنان الحاصل من قول اللغوي، ليس إشكالا، وإنما الإشكال في حجية قول اللغوي، ولو لم يحصل منه شئ، بل ولو حصل منه الظن بالخلاف. والإنصاف: أن المناقشة كما تكون فيه، كذلك تكون في صورة الوثوق والاطمئنان، لأنه لم يقم دليل على حجيته، وما يدل على حجية العلم من المحاذير العقلية، لا يقتضي حجية الوثوق ولا عام شرعي يقتضي حجية مطلق الوثوق، ولا شبهة في عدم حجية الوثوق من الجفر والرمل والاسطرلاب وأنحهائها، فلعل منه قول اللغوي، فلابد من الدليل على حجيته في الصورة المذكورة، ولو كانت مفروغا عنها في كلامهم.


1 - لاحظ وقاية الأذهان: 161 - 162. (*)

[ 346 ]

أدلة حجية قول اللغوي وبالجملة: ما يستدل له أو يمكن أن يستند إليه لحجية قوله، امور نشير إليها إجمالا: الأمر الأول: الإجماع اللفظي القائم على ذلك خصوصا. وفيه: - مضافا إلى أن القدر المتيقن منه صورة خاصة، إذ لا إطلاق لمعقده، وأن من المحتمل كون مستندهم الاعتبارات العقلائية وبنائات عرفية، مع بعد كونه من التعبد شرعا - أن المسألة حديثة العنوان، وجديرة بالذكر، فلا يثبت به حتى صورة حصول الوثوق والاطمئنان. الأمر الثاني: الإجماع العملي والسيرة المخصوصة برجوع القوم إلى اللغويين. وفيه: أن السيرة الممضاة حجة، وهي مرهونة بكونها بمرأى ومنظر من الشرع، والشرع ما هو بمرأى منه هم العرب العارفون باللغة. ومجرد وجود كتب اللغة في عصر الأئمة عليهم الصلاة والسلام - ككتاب " العين " للخليل، و " الجمهرة " لابن دريد - لا يكفي لكشف ابتلاء الناس باللغوي، ورجوعهم إليه. والرجوع إلى الأئمة (عليهم السلام) أو إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في جملة من الأخبار لفهم ألفاظ الحديث، لا يدل على شئ في المسألة، فما تعارف في عصرنا من التمسك بالسيرة العملية، غير واقع في محله، كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1). هذا مع أن كشف حجية قول اللغوي على إطلاقه، أشد إشكالا. الأمر الثالث: السيرة العامة الكلية الناهضة على مراجعة الناس إلى


1 - تهذيب الاصول 2: 97، أنوار الهداية 1: 250 - 251. (*)

[ 347 ]

المهندسين والمتخصصين والمهرة والفنانين، في المسائل المختلفة القائم عليها معاشهم وحياتهم، وهذه السيرة كانت بإجمالها بمرأى ومسمع من الأئمة (عليهم السلام) وبإلغاء الخصوصية يستكشف اعتبار أمر كلي، وهو جواز الرجوع إلى الخبراء وأهل الاطلاع واللغويين ولو كانوا أبناء الكفر والإلحاد، كجمع من كتب اللغة في عصرنا، ومنها " أقرب الموارد " و " المنجد " فإن مؤلفيهما مسيحيان، أو كانوا من أبناء العامة، ك‍ " القاموس " أم كانوا شيعة إماميين غير معروفة وثاقتهم وعدالتهم، كالجوهري. وبالجملة: كما يستكشف مما هو المتعارف في العصر الأول، جواز الرجوع إلى أشباههم في المسائل الحديثة في العصر الأخير، كذلك الأمر هنا. ولعل الرجوع إلى الخراصين، وإلى قول البائع وإخباره، وإخبار المقومين وأمثاله، كانت من صغريات هذا الأمر الكلي، فإمضاؤها يشهد على إمضاء ما يقرب منها. وربما يناقش في ذلك أولا: من جهة أن عموم المدعى بذلك غير ثابت، لأن القدر المتيقن من ذلك صورة حصول الوثوق، ولا دليل على رجوعهم إليهم، واتكالهم على قول اللغويين في الاحتجاجات، لأن المتعارف بين أهل اللسان، هو فهم اللغات الدائرة في الاستعمالات بين الموالي والعبيد. وثانيا: أن الاتكال على أهل الخبرة والمتخصصين في المسائل اليومية والامور العامة، ربما يكون لأجل كونها من الامور الحسية، وأما اللغويون فلا يستندون إلى الحس، لما فيه من تخلخل الأفهام الخاصة، والحدس، والاجتهاد، فإلغاء الخصوصية مشكل. الأمر الرابع: أن مقتضى أدلة حجية خبر الواحد، حجية قولهم. وربما يناقش فيه: - مضافا إلى أن اللغوي لا يشهد بشئ، وإنما يرى معاني الألفاظ بمداخلة الفهم والاجتهاد - أن الشهادة تحتاج إلى البينة، وذلك لما دل على اعتبار البينة في الموضوعات، ومعتبر مسعدة بن صدقة، فإن في ذيله: " والأشياء

[ 348 ]

كلها على ذلك حتى تستبين، أو تقوم به البينة " (1). ويمكن دفع الثاني: بأن أخبار اعتبار البينة، غير دالة على اعتبار البينة في مطلق الموضوعات، ولذلك استشكل جمع من الأصحاب فيه، ورضوا بعضهم بكفاية العدل الواحد. وعن ثالث: أن المراد من " البينة " هو الحجة، ولا دليل على انصرافها إلى البينة المقصودة في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنما أقضي بينكم بالأيمان والبينات " (2) مع أن احتمال كون المراد منها هناك أيضا ذاك، قوي. وبالجملة: لا تدل الرواية على ردع قول اللغوي، وإلا يلزم أن تكون رادعة للظواهر، لأن الاستبانة في موارد الظواهر ممنوعة، إلا في صورة حصول الوثوق كما لا يخفى، فلا تخلط. فما يظهر من العلامة الأراكي (قدس سره) في المقام (3)، غير تام أيضا، نعم لابد من إثبات كون قوله حجة وبينة، وهو غير معلوم كما لا يخفى. الأمر الخامس: أن قول اللغويين ليس من الشهادة حتى يحتاج إلى البينة، بل الرجوع إليه كالرجوع إلى الفقهاء في الفتوى، فأدلة اعتبار البينة، أو اعتبار عدالة الشهادة، أجنبية عن قولهم، لأن قوله من الرأي، إلا أنه رأي قريب من الحس، كما أن أرباب الصناعة ومهرة الفن، لهم الآراء في امورهم، فتكون المسألة خارجة عن مسألة الشهادة. نعم، حجية آرائهم تحتاج إلى الدليل، وقد مر الكلام حوله في الوجه الثالث.


1 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - وسائل الشيعة 27: 232 كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الباب 2، الحديث 1. 3 - نهاية الأفكار 3: 94. (*)

[ 349 ]

هذا مع أن اعتبار البينة في الشهادة، يقتضي اعتبارها في الآراء، للأولوية. نعم في خصوص الرجوع إلى رأي الفقيه أو إلى الآراء الاخر، تكون الأدلة وافية، كما عرفت. وما مر في الوجه الثالث: من أن أهل الفن يستندون إلى الحس دون اللغوي، قابل للإشكال، لأن الكل مشترك في استنادهم في قولهم إلى الرأي والاستظهار، فلاحظ وتدبر جيدا. الأمر السادس: دليل الانسداد، بتقريب أن قضية العلم الإجمالي، وممنوعية إجراء البراءة، وعدم وجوب الاحتياط قطعا، هو اعتبار إخبار اللغوي، وإخبار الرجالي، وغير ذلك مما يتوقف عليه الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال، لا مطلق الظن حتى يقال: بعدم انتهاء الانسداد إلى ما هو المطلوب، وهي حجية قول اللغوي بما هو هو. وإن شئت قلت: سيمر عليك أحيانا (1)، أن دليل الانسداد مما يحتاج إليه، وتكون نتيجة مقدماته حجية الظنون الخاصة - لا الظن المطلق - على خلاف المشهور، وتنتهي مقدماته إلى حجية الظواهر، وخبر الواحد، واللغوي، والرجالي، والإجماع، والشهرة وهكذا، فتدبر جيدا. أو بتقريب: أن وجوب الاجتهاد والإفتاء - لأن الهرج والمرج اللازم من الاحتياط، غير جائز قطعا، وإجراء البراءة ينتهي إلى هدم الدين والمخالفة القطعية، وبالجملة وجوب الاجتهاد - تفصيلا ينتهي إلى حجية قوله. أو بتقريب: أن حجية الظواهر القطعية، لابد وأن تنتهي إلى حجية قوله، فرارا من اللغوية، ضرورة أن عدم حجيته يخل بحجيتها، لأن الكلام الظاهر فرع الاطلاع على موادها، والاطلاع على موادها لا يتيسر إلا بقول اللغوي. وبالجملة: إجراء القواعد من الاحتياط في بعض الموارد، أو البراءة في بعضها،


1 - يأتي في الصفحة 541 - 547. (*)

[ 350 ]

مما لا يجوز، وعندئذ ينحصر الأمر في حجية رأي اللغويين، والرجاليين وهكذا. أقول: بعد الفراغ من المناقشات الخاصة في أساس دليل الانسداد - وهو العلم الإجمالي - فيما يأتي في حجية خبر الثقة، وبعد الفراغ من وجوب الاجتهاد واللغوية المدعاة اللازمة من حجية الظواهر، لا ينتهي الأمر إلى حجية رأي اللغوي بطرد المراجعة إلى القواعد، وذلك لأن الانتهاء إلى ذلك، فرع الحاجة إلى اللغة والمراجعة إليها، وهي ممنوعة بالضرورة، فإن معاني الألفاظ العربية، واضحة جلية ظاهرة إلا ما شذ، وكثير من الألفاظ في موارد الشبهة، تظهر بمراجعة محيط الأعراب لمجتهدي العصر، وبمراجعة الأمصار، لسهولة الأمر، وما يختفي إلى آخر الأمر، شاذ لا يستلزم الاختلال، ولا يلزم من المراجعة في مواردها إلى القواعد، خروج عن الدين، ولا المخالفة القطعية للتكليف المعلوم. أضف إليه: أن غاية ما تقتضيه التقاريب، حجية اللغوي عند حصول الظن، لقلة الوثوق والاطمئنان، وهذا أخص من المدعى أيضا برتبتين، لأن المدعى في باب حجية الظنون الخاصة، حجيتها ولو لم يحصل الظن الشخصي منها، أو كان على خلافها، فاغتنم. تذنيب: حول محاذير حجية قول اللغوي لو سلمنا حجية قول اللغوي، فهناك بعض مشاكل اخر: فمنها: أن استفادة المعاني الموضوع لها من كتب اللغة، في غاية الإشكال، لأن قضية تصريح بعضهم وظاهر الآخرين: أنهم بصدد ذكر موارد الاستعمال الأعم من الحقيقة، ويصعب عليهم الاطلاع على المعاني الحقيقية، سواء قلنا بالحقيقة والمجاز على مقالة المشهور، أو على مقالة العلامة المسجد شاهي (قدس سره) (1) فإن


1 - لاحظ وقاية الأذهان: 101 - 107. (*)

[ 351 ]

استعمال اللغة في جميع الأحيان في الموضوع له ولو كان صحيحا، ولكن اللغوي لا يتمكن من فهم القرائن الموجودة عندهم الناهضة على المراد الجدي، فليتدبر جيدا. ومنها: أن اللغوي ليس من ألف في اللغة كتابا، ضرورة أن لنا تأليف اللغة بمراجعة كتب اللغة الموجودة بين أيدينا، فاللغوي المتأخر أخذ عن المتقدم، ولا يكون كالأطباء المتخصصين المتعاقبين بعضهم بعد بعض، فمن هو اللغوي إما هو المجتهد في اللغة بالممارسة، والاختيار، وبالرجوع إلى لغة الحجاز وقراهم وقصباتهم، أو يكون ناقلا للمعاني عن الأعراب، وفضلاء العرب، وشعرائهم، وخطبائهم، وهؤلاء اللغويون ك‍ " الصحاح " و " القاموس " بل الخليل وابن دريد ما يرجعون إلى أهل اللسان. نعم، هم بأشخاصهم ربما يكونون من العرب فيفيدون اللغة للأجنبي دون أهل اللسان، كما لا يخفى. وبالجملة هذه المشكلة مما لا يمكن الفرار منها أيضا أصلا. نعم، ربما يحصل للأجنبي وغيره - بمراجعة اللغات المختلفة، ولأجل المناسبات الخاصة الموجودة في المشتقات - الوثوق. ولكن الإشكال كما مر في حجية مطلق الوثوق. اللهم إلا أن يقال: بإجماع الطائفة على حجيته، ولأن الوثوق هو الاستبانة التي وردت في ذيل خبر مسعدة بن صدقة (1). ولكن الشأن أن الخبر غير معتبر عندي، لما في سنده سهل، والأمر في سهل ليس بسهل، إلا أن يقال بالانجبار، وهو بعد غير واضح، فتدبر جيدا. بلغنا إلى هنا يوم الأربعاء 11 صفر المظفر 1394 في النجف الأشرف على ساكنه السلام والتحية، وقد عطلت الدروس بمناسبة أيام الزيارة الأربعينية، ونحن من المشاة إن شاء الله تعالى، ونسأله أن يتقبل عنا بالحسين (عليه السلام).


1 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. (*)

[ 353 ]

المبحث الثالث في حجية الإجماع المنقول

[ 355 ]

تمهيد وقبل الخوض في مهمة البحث، لابد من الإشارة إلى جهات: الجهة الاولى: في تعريف الإجماع قد عرف الإجماع بتعاريف، فعن الغزالي: " أنه اتفاق الامة الإسلامية " (1). وعن الفخر: " أنه اتفاق أهل الحل والعقد " (2). وعن الحاجبي: " أنه اتفاق المجتهدين من هذه الامة " (3). وربما يقال: إن المتأخرين حيث رأوا أن الإجماع بالتفسير الأول، غير حاصل على أمر الخلافة، ارتكبوا الفساد، وفسروه بما ينطبق على مرادهم (4). وأنت خبير: بأن الإجماع من المفاهيم العرفية، والذي هو مفهومه التدقيقي المأخوذ من حديث مشهور عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو اجتماع الامة، ولا يضر بهذا المفهوم خروج الفرد النادر الشاذ.


1 - المستصفى 1: 173. 2 - المحصول في علم الاصول 2: 3. 3 - شرح العضدي 1: 122. 4 - أنوار الهداية 1: 254. (*)

[ 356 ]

ويؤيده ما في أخبارنا، ففي مقبولة عمر بن حنظلة: " خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر، فإن المجمع عليه لا ريب فيه " (1) فإن منه يستفاد أن الاتفاق، لا يتضرر بخروج النادر الشاذ، فيكون المفهوم المسامحي منه ذلك، أو هو مفهومه التدقيقي أيضا عرفا. وأما قضية الخلافة، فما هو مورد اتفاق الامة الإسلامية، هي خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنما الاختلاف في خصوصياتها، وهي الأولية، والرابعية، وأما الثلاثة الباقون فخلافتهم خلافية، فأصل الخلافة ثابت له (عليه السلام) دون غيره، فاغتنم. وأما تعريف الإجماع بالوجه الأحسن، فهو موقوف على ميزان حجيته، فإنه ربما يختلف ذلك باختلاف رأيهم في المسألة الآتية، ضرورة أن القائل بحجية الإجماع من باب القطع، ربما يحصل له القطع من العدة القليلين، والقائل: بأن ميزان الحجية هي الملازمة العقلية، يعتبر الاتفاق بمعناه التدقيقي، وربما يضر خروج مجهول النسب عنه ولو كان واحدا، فلو أخبر أحد من المجمعين: بذهاب شخص مجهول عنده إلى الخلاف، فهو يضر بالإجماع الحدسي والدخولي، بل واللطفي، مع أنه قد حصل الاتفاق الكلي من المعلوم نسبهم، فلو كان الإجماع هو الاتفاق المفيد للقطع، فلا يكون الاتفاق المزبور منه، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر ما في كلام جمع من الأصحاب (رحمهم الله) الخائضين في هذه المرحلة من البحث، والأمر سهل.


1 - عوالي اللآلي 4: 133، مستدرك الوسائل 17: 302 - 303 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1 و 2. (*)

[ 357 ]

الجهة الثانية: في عدم تفرع هذه المسألة على حجية خبر الواحد يظهر من جماعة منهم: أن هذه المسألة من متفرعات حجية الخبر الواحد، فكان ينبغي تأخيرها عنها (1). وفيه: أن في مسألة حجية خبر الواحد، يكون البحث أولا حول أخبار الثقة في الأحكام ولو كان غير إمامي أو كافرا مثلا، ولا خلاف هناك إلا في الخبر غير المقرون بالأمارات والقرائن الخاصة. وأما فيما نحن فيه فناقل الإجماع أولا ينقل الموضوع، وحديث نقل السنة اشتباه، لاختلاف الآراء في وجه حجية الإجماع، فإن من الآراء أنه حجة، لكونه كاشفا عن الرأي وفتوى الإمام، لا السنة والرواية، وبينهما - كما يأتي - فرق. فبالجملة: ما هو مصب النزاع كما سيظهر، هو أن نقل الإجماع والاتفاق الحسي الذي هو موضوع من الموضوعات، يكون حجة، لأجل كونه موضوعا، أو سببا وكاشفا، أو ملازما لدخوله (عليه السلام) بشخصه عقلا، أو عادة وعرفا، أو غير ذلك، أم لا ؟ كما أن الوجدان حاكم بأن ناقل الإجماع، لا يحكي إلا ذلك. هذا مع أن نقل أحد الفقهاء مشحون بالقرينة، ويكون مفروغا منه في تلك المسألة. وعلى كل تقدير ربما يكون نقل الإجماع متواترا، ولكنه ليس بحجة، فلا تكون هذه المسألة من متفرعات المسألة الآتية، فلا تخلط، والأمر سهل.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 146، نهاية الأفكار 3: 96، مصباح الاصول 2: 134. (*)

[ 358 ]

الجهة الثالثة: في توقف هذه المسألة على معرفة الاجماع المحصل المراد من " الإجماع المنقول " هو نقل الإجماع المحصل، فيكون على هذا الإجماع المحصل، هو الإجماع بالحمل الشائع، والإجماع المنقول هو الإجماع بالحمل الأولي، كما هو كذلك في المسائل الشرعية التي يتمسك فيها بالإجماع، وبالاتفاق، وبمفاهيم " لا خلاف، ولا يعرف فيها الخلاف " وغير ذلك، فالمنقول من الإجماع ليس أمرا وراء نقل الإجماع المحصل، فعليه لابد من النظر في الإجماع المحصل، حتى يتبين حال هذه المسألة. الجهة الرابعة: في وجه حجية الإجماع المحصل فإن كان له وجه تصل نوبة البحث إلى حجية المنقول، وإلا فهو ساقط. وبالجملة: ذهب جماعة (1) ورئيسهم السيد المرتضى (قدس سره) (2) إلى أن وجه الحجية، دخول الإمام (عليه السلام) وعليه لو كانوا كلهم معلومي النسب، فلا ينعقد الإجماع، فيعتبر وجود مجهول النسب شرطا، ونتيجة ذلك: أن للإجماع معنى آخر غير مفهومه العرفي واللغوي، فاتفاق الامة أو المجتهدين ليس بإجماع، بل هو اصطلاح خاص. وهذا - مضافا إلى أن المتأخرين كلهم غير راضين بمقالته - غير مطابق لما يستفاد من قوله (عليه السلام): " فإن المجمع عليه لا ريب فيه " (3) أو " لن تجتمع امتي على


1 - معارج الاصول: 126، معالم الدين: 173، الوافية في اصول الفقه: 152 - 153، قوانين الاصول 1: 346 / السطر 23 - 24، فرائد الاصول 1: 95. 2 - الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 626. 3 - وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. (*)

[ 359 ]

خطأ " (1) فان المفهوم منهما هو المفهوم العرفي في سائر الألفاظ ولا حقيقة شرعية له، كما لا يخفى. ثم للمناقشة في حجية رأي المعصوم (عليه السلام) في حال الغيبة، مجال واسع لمن يرى أن حجية رأيهم، تابعة لاعتبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه عندئذ يمكن ذلك، لأن القدر المتيقن من حجية رأيهم، حال حضوره (عليه السلام). كما ربما يقال: إن المتيقن من حجية رأي الحاضر حال الإمامة، وأما حجية رأي الابن حال وجود الأب، فغير واضحة. وأما عندي فرأيهم وسنتهم حجة مطلقا. وذهب شيخ الطائفة الحقة إلى قاعدة اللطف، وأن الإجماع حجة بحكم العقل (2). وفيه: أن قاعدة اللطف ليست تامة، لا في باب النبوة، ولا في باب الإمامة، والتفصيل في محل آخر، وأما المتأخرون المتمسكون بها في مسألة النبوة، فلا فارق بينها وبين المقام بحسب بعض التقاريب فيها. وذهب جماعة إلى الحدس، للملازمة العادية أو العقلية (3). وهذا لا يرجع إلى محصل إلا برجوعه إلى أحد الأولين، أو القول الأخير الآتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى: لأنه لا معنى للحدس بوجود الحكم الواقعي، إلا لأجل وجوده (عليه السلام) فيهم، أو وجود رأيه في آرائهم احتمالا وإمكانا، فيكون راجعا إلى ما سلف. أو يرجع إلى الحدس بوجود السنة بينهم، أو الرأي فيهم واشتهاره لديهم، فلا


1 - بحار الأنوار 2: 225 / 30 مع تفاوت يسير. 2 - عدة الاصول: 246 / السطر 18. 3 - كفاية الاصول: 331، نهاية الأفكار 3: 97، منتهى الاصول 2: 88. (*)

[ 360 ]

يرجع حديث الحدس إلى معنى محصل. كما أن حديث تراكم الظنون مثله (1)، كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر: أن مناقشة بعضهم في هذه المقالات في غير محله، والأمر سهل. بقي ما هو المشهور بين المتأخرين: وهو أن الإجماع حجة، لرجوعه إلى وجود السنة بينهم، وهي غير واصلة إلى المتأخرين، ويكون ذلك الخبر والسنة نقي الدلالة والسند، ويكون تاما من جهة الصدور، بحيث إذا وصل إلى المتأخرين لنالوا منه ما نالوا منه، ولأدركوا ولاستظهروا منه ما استظهروه منه (2). فالمناقشة في هذا المسلك تارة: باختلاف نظر المجمعين مع غيرهم في حجية السند، واخرى: بأن من المحتمل كون الخبر غير تام الدلالة، غير تامة، وقابلة للدفع، ضرورة أن من اتفاقهم في الحكم، يتبين أن السند مورد وثاقتهم الخاصة، ومن اتفاق القدماء وأرباب الحديث الأولين الذين هم لا يعملون الاجتهادات الدقيقة في فتاويهم، يحصل الوثوق والاطمئنان بأن الخبر الموجود عندهم ظاهر. وأما قصة اتفاقهم في مسألة نجاسة ماء البئر، مع اختلاف المتأخرين منهم فيها، فهي راجعة إلى كيفية الجمع بين الأدلة، فتدبر. نعم، ربما يشكل الأمر على هذه الطريقة: بأن احتمال وجود رواية لديهم، وعدم نقلها في الجوامع الأولية، بعيد جدا. ولكنه يهون بعد التأمل في تأريخ حياتهم، واغتشاش بالهم، وعدم العثور على كثير من الآثار. مع إمكان عدم نقل الطبقة الاولى للمتأخرين، فلم تصل السنة


1 - لاحظ هداية المسترشدين: 418 / السطر 9، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 149. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 152، نهاية الأفكار 3: 98. (*)

[ 361 ]

إلى " الكافي " وأضرابه. هذا مع أن الذي يخطر ببالي: أن مستند المجمعين، كثيرا ما يوجد في الآثار والأخبار المنتشرة في كتب الحديث، ولكنه غير مضبوط في محالها، ويطلع عليه المتتبع أحيانا، ولذلك قيل: " لا يجوز الاجتهاد إلا بعد الفحص عن أخبار مستدرك الوسائل أيضا ". هذا مع أن من الممكن كون مستندهم السنة، إلا أن لعدم انحفاظ ألفاظها بما لها من المعاني، لم تضبط في الجوامع، وهذا واضح للمتدبر المتأمل، فما في حواشي العلامة الأصفهاني (قدس سره) من المناقشات (1) كلها قابلة للدفع، كما لا يخفى. وأما ما هو الإشكال الوحيد: فهو أن استكشاف الرواية بالإجماع، يستلزم كونها - كسائر الأخبار والسنن - قابلة للتقييد عند تحقق المعارضة بينها، وبين سائر السنن والآيات الأحكامية، مع أنهم غير ملتزمين به، ويعملون بمعاقد الإجماعات معاملة النصوص، فالقول المزبور أيضا غير مرضي، فانتظر ما هو حله. بقي ما ذهب إليه السيد المحقق الوالد - مد ظله - وهو: " أن الإجماع يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) ويكشف عن اشتهار الحكم في العصر الأول، كما هو الآن كذلك بالنسبة إلى طائفة من الأحكام " (2). وغير خفي: أنه بناء على مرام المتأخرين لا معنى للإجماع بين المتأخرين أو المتوسطين، بل الإجماع المفيد هو الإجماع الموجود بين القدماء. ويمكن أن يقال: إنه على رأي المتأخرين يمكن ذلك، لإمكان اطلاع أمثال الشهيد أو المحقق على رواية، دون القدماء، لوجود بعض كتب الحديث عندهم،


1 - نهاية الدراية 3: 185. 2 - تهذيب الاصول 2: 98. (*)

[ 362 ]

ولاسيما عند الشهيد (رحمه الله) فإنه ربما يقال: إنه من الخمسة الذين هم من المحدثين العظماء، وعلى هذا تحصل المعارضة أحيانا بين الإجماعين. وأما على القول: بأن الإجماع يكشف عن اشتهار الحكم بين الأوائل، حتى وصل إلى الثواني، فلا معارضة بينه وبين الإجماع الحاصل بين المتأخرين، لما لا حجية له رأسا. ومما يؤيد الوجه الأخير: عدم قابلية معقد الإجماع للتخصيص والتقييد، ولا يعامل معه معاملة السنة الصحيحة، كما هو الواضح. ولكن الذي ربما يتوجه إليه: إمكان تحصيل الإجماع على بعض المسائل الفرعية، التي لا يحتمل اشتهارها في الصدر الأول، ولا تكون مورد الابتلاء، فإن الأحكام المشتهرة في عصرنا، هي الأحكام الشائعة المبتلى بها الناس، دون مثل الحكم في كتاب الظهار والإيلاء، فعلى هذا لا بأس بالالتزام بكونه كاشفا عن الرأي في بعض المواقف، وعن السنة في الموقف الآخر، ولا داعي إلى كون وجه الحجية أمرا وحيدا، وجهة فريدة. ولنا حل الإشكال الذي أشرنا إليه: بأن عمل المجمعين بإطلاق الحديث الموجود عندهم، يورث إضرابهم عن مفاد الدليل المقيد له، فلا يكون الحديث الأخص، صالحا لتقييد إطلاق معقد الإجماع، فليتدبر جيدا. وبالجملة تحصل: أن الاحتمالات الكثيرة في وجه حجية الإجماع، كلها غير صالحة إلا الأخيران، ولا داعي إلى القول: بأن الإجماع يكشف عن السنة، أو يكشف عن رأي المعصوم، وعن فتوى الإمام (عليه السلام) بل تختلف الموارد: ففيما يكون الحكم من الأحكام المتلقاة عن الأئمة، لكونها كثيرة الابتلاء، يكون وجه الحجية اشتهاره.

[ 363 ]

وفيما لا يكون ذلك، ولا يحتمل اشتهاره بين أصحاب الحديث وأرباب الرواية، يعلم أن المسألة ذات رواية، إلا أنها لأجل الجهات المذكورة، غير واصلة إلينا، فليتدبر، فإن المسألة تحتاج إلى مزيد التدبر جدا. بقي شئ: في صعوبة تحصيل صغرى الإجماع المحصل بعد الفراغ من حجية الإجماع المحصل بنحو الكبرى الكلية، يبقى الإشكال الأساسي في صغراها، وأنه كيف يمكن تحصيل ذلك الإجماع للمتأخرين، أو لأحد من الأسبقين والسالفين ؟ أما المتأخرون، فلعدم تمكنهم من العثور على مؤلفات القدماء بأجمعهم، وعلى آرائهم بالاتفاق، لعدم نيل المتأخرين جميع ما كان عندهم من التأليف، أو لإمكان وجود جماعة من الفقهاء غير المضبوطة أسماؤهم في كتب التراجم والفهارس، ولاسيما في مثل البلاد البعيدة، وخصوصا في تلك الأعصار، المتشتت فيها الأمر عليهم من النواحي المختلفة، والضواحي الكثيرة. ويشهد لذلك سقوط جماعة كثيرة من الطبقة الثانية عشرة، وهي طبقة الشيخ الطوسي عن قلم صاحب " الفهرست " منتجب الدين، كما صرح به الاستاذ البروجردي (قدس سره) في مقدمة " جامع الرواة " (1) وهذا يكفي للشك حقا في إمكان كسب الإجماع. ومن المحتمل وجود تأليف آخر لأمثال الصدوق وابن بابويه وأبنائهما وغيرهم، وهي غير واصلة إلينا، ويكون الحكم فيها غير ما وصل إلينا، كيف ؟ ! وقد ذكر ابن النديم في " الفهرست ": أن الصدوق ذكر مائتي كتاب لوالده (2)، ويذكر


1 - جامع الرواة 1: مقدمة ه‍. 2 - الفهرست، لابن النديم: 246. (*)

[ 364 ]

العلامة للصدوق ثلاثمائة مؤلف (1)، كما في " الكنى " (2) فتحصيل الإجماع للمتأخرين غير ممكن. وأما تحصيله لمدعي الإجماع من القدماء - كالمفيد، والسيد، والشيخ، والحلبي، والصهرشتي، وأبناء زهرة، وحمزة، وإدريس - فهو أصعب، لأن العصر كان عصر فقد الحضارة، وبعد المراحل، وقصور الاطلاع، وقلة الباع، وفقد الوسائل، فإن الكتب المؤلفة كانت وحيدة، منحصرة النسخة، وحيدة الشخص، فكيف يمكن للعالم البغدادي الاطلاع على رأي القميين وبالعكس، أو للعالم النجفي الاطلاع على الحكم في المدينة ؟ ! لبعد الطرق، وامتناع الاستخبار جدا، فعليه لا يمكن تحصيل الإجماع أصلا. فإذا كان الإجماع المحصل ممنوع الصغرى، فنقل الإجماع المحصل كذب ومسامحة، ومحمول على أمر آخر كما قيل، فإنه لأجل المحافظة على شؤون ناقلي الإجماع، يصح أن يقال: إن كثيرا من الإجماعات المنقولة، مستندة إلى القواعد العقلائية، أو الشرعية، أو إلى الاصول، أو محمولة على أن الناقل، يريد بها وجود السنة التي هي معتبرة عنده، ولا يريد بها السنة المعمول بها عند الكل، حتى ينجبر ضعف سندها، ودلالتها، وجهة صدورها. ولعل منها كما قيل، إجماعات الشيخ في " الخلاف " وابن زهرة في " الغنية " وقد أصر عليه الاستاذان البروجردي (3) والحجة (قدس سرهما) وإليه يشعر بعض كلام الثاني (4)، فراجع.


1 - رجال الحلي: 147. 2 - الكنى والألقاب 1: 221 - 223. 3 - نهاية الاصول: 537. 4 - البيع (تقريرات المحقق الكوه كمري) التجليل: 332. (*)

[ 365 ]

وعلى كل تقدير: يمكن أن يكون هذا النحو من الدعاوي الواضحة في كلامهما موجبة لإشكال آخر على إمكان نيل الإجماع جدا، فلا تصل نوبة البحث إلى حجية المنقول، لما عرفت أن الإجماع المنقول ليس إلا نقل الإجماع المحصل، فلو كان الإجماع المنقول نقل السنة غير الواضح عمل الأصحاب بها كلهم، فلا يكون حجة، لأن الإشكالات التي ذكرناها ودفعناها، غير قابلة للدفع في هذه الصورة بالضرورة. فبالجملة تحصل: أن إجماعات السيد والمفيد وأضرابهما، غير حاكية عن السنة المعمول بها عند الكل، ولا عن اشتهار الحكم عند الكل، لامتناع نيلهم ذلك، فتكون محمولة على المسامحة، أو غيرها، فلا تكون حجة، لأجل عدم وجود له، لا لأجل عدم تمامية الكبرى، فلا تخلط جدا. والذي يمكن أن يقال حلا لهذه العويصة: هو أن من اتفاق الأكابر في الكتب الموجودة بين أيدينا، يصح الحدس بأن ذلك الحكم، رأي عام لكل فقيه في ذلك العصر، ويكون حدس ناقلي الإجماع أيضا مستندا إلى ذلك، فيتمكن المتأخرون من تحصيل الإجماع، وهكذا القدماء، ويكون وجهه واحدا. إلا أن حدس المتأخر لو كان موجبا لوثوقه وقطعه فهو، وإلا فحدس ناقل الإجماع - ولو كان من القدماء - غير كاف، إلا إذا حصل منه الوثوق، وقد عرفت منا فيما مضى مناقشة في حجية مطلق الوثوق والاطمئنان (1)، فلا تغفل.


1 - تقدم في الصفحة 298 - 299. (*)

[ 366 ]

الجهة الخامسة: هل الاجماع حجة أو ما يحكي عنه ؟ ربما يقال: إن الإجماع ليس حجة عندنا، خلافا للمخالفين، فتكون الأدلة ثلاثة: العقل، والكتاب، والسنة، فإن الإجماع لأجل الكشف عن السنة حجة، فتكون السنة حجة، لا الإجماع (1). أقول: إن حجية العقل صحيحة، لا بمعنى إنكشاف الحكم به، فإن قاعدة الملازمة - كما مر (2) - من الأباطيل الواضحة، فليس معنى حجية العقل، قبال ما يكون المراد من حجية الكتاب والسنة، فإن الكتاب والسنة حجتان كاشفتان عن الحكم، بخلافه، وهما ليسا إلا حجة بمعنى واحد، ولا يتعدد ذلك، لعدم الاختلاف بينهما. ومجرد كون أحدهما قطعي الصدور لا يكفي، وإلا يلزم تعدد الحجة باختلاف الجهات العديدة. فالحجة على الأحكام بمعنى انكشاف الحكم بها، هي الظواهر من الكتاب والسنة، لا غير، وأما الاجماع فهو حجة، كما يكون قول زرارة حجة، فلا معنى لسلب الحجية عنه إلا بالمعنى المزبور، لأن المراد من " الحجة " ما يحتج به المولى على العبد وبالعكس، وبهذا المعنى يكون الإجماع حجة، كما يكون العقل حجة. وأما توهم: أن ما هو الحجة هو الحكم الثابت بالظواهر والإجماع، فلا يكون الكتاب والسنة حجة، كما لا يكون الإجماع حجة، فهو في غير محله، فإن الحكم شئ، والحجة عليه شئ آخر، فافهم وتدبر. ويمكن أن يقال: إن الإجماع حجة، بمعنى حجية الظواهر، لكونه كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام) مثلها، فالعقل ليس بهذا المعنى حجة مطلقا.


1 - الوافية في اصول الفقه: 152. 2 - تقدم في الصفحة 75. (*)

[ 367 ]

وغير خفي: أن المراد من " الحجة " لو كان ما يحتج به العبد على المولى وبالعكس، للزم تعدد الأدلة، ولا تنحصر بالعشر والعشرين، كما لا يخفى، والأمر سهل. التحقيق في حجية الإجماع المنقول إذا تبينت هذه الجهات فاعلم: أن أصحابنا الاصوليين، ذهبوا في ناحية نقل السبب إلى أن ناقل الإجماع تارة: ينقل السبب التام، واخرى: السبب الناقص. وعلى التقدير الأول تارة: ينقل السبب المحض. واخرى: ينقل السبب والمسبب، والكاشف والمنكشف. وثالثة: ينقل السبب. وفي ناحية حجية النقل تارة: إلى قصور أدلة حجية الخبر الواحد عن شمول ما نحن فيه، إذا كانت الحكاية مشتملة على المسبب، أو ممحضة فيه. واخرى: إلى عدم قصور لها، لأنه من قبيل الإخبار عن الحدس القريب من الحس كما في " الدرر " (1). وثالثة: إلى أن أدلة حجية الخبر الواحد، تشمل مطلق الإخبار عن الحدس والحس، وإنما المخصص اللبي قائم على خروج الإخبار عن الحدس، وفي شمول ذلك المخصص لما نحن فيه شبهة، ويكون المرجع حينئذ عموم الأدلة. أقول: فيما أفادوه - مضافا إلى الأنظار الخاصة، على فرض صحة مدخلهم في البحث، ولا يهمنا الإشارة إليه - أن مقتضى ما تحرر منا في الجهات السابقة: أن الإجماع المنقول ليس إلا نقل الإجماع المحصل، والإجماع المحصل هو الإجماع


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 372 - 373. (*)

[ 368 ]

- بالحمل الشائع - القائم على الرأي الواحد، والفتوى الفاردة (1). فناقل الإجماع لا يحكي إلا نقل الاتفاق، كسائر ناقلي الإجماع في العلوم الاخر غير الشرعية، والشرعية من سائر المذاهب والملل، ولا اصطلاح خاص في هذه المسألة في هذه الناحية، فظاهر نقل الإجماع ليس إلا نقل السبب. نعم، اختلفت الآراء في أن الاتفاق المزبور، دليل على الدخول، أو يستلزم اللطف، أو يلازم الحدس، أو يكشف عن السنة، أو فتوى الإمام (عليه السلام)، وناقل الإجماع يحكي ما هو موضوع لتلك الآراء والعقائد، حتى يذهب كل إلى معتقده، ولو كان نقل الإجماع قابلا للقسمة إلى ما ذكر، للزم عدم حجية الإجماع إلا في بعض الصور، لأنه يجوز أن يكون ناقل الإجماع القائل بالدخول، ناقلا لما يعلم بدخوله فيه وإن لم يكن إجماعا، والقائل باللطف كذلك وهكذا، فلا يوجد عندئذ للمتأخرين إجماع واتفاق يكشف عن السنة، أو رأي المعصوم، فيعلم منه أن بناء الناقلين، ليس إلا نقل الاتفاق والسبب. هذا مع أن نقل بعض السبب المشخص غير معهود، ونقل بعض السبب المهمل لا يورث شيئا، لما لا يمكن العلم بانضمام البعض الآخر، كما لا يخفى. فما في كلامهم من كفاية الانضمام (2) غير تام أيضا. فالأظهر أن ناقلي الإجماع، يريدون بذلك نقل السبب التام المحض. إلا أنه قد عرفت منا عدم إمكان اطلاعهم على السبب التام جدا عادة. فالقسمة المزبورة المشهورة في كلامهم صدرا وذيلا، ليست على ما ينبغي، ولو كانت هي صحيحة للزم منه أيضا إشكال صغروي في حصول الاتفاق المفيد للمتأخرين القائلين بالكشف، كما اشير إليه. هذا كله في الناحية الاولى.


1 - تقدم في الصفحة 358. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 152. (*)

[ 369 ]

وأما الناحية الثانية فالحق: أن حديث حجية الخبر الواحد، لا يرجع إلى الأدلة اللفظية حتى يتمسك بالعام، ثم يلاحظ المخصص اللبي وغير ذلك، ولا إلى البناء على خروج الإخبار عن حدس، ودخول الإخبار مما يقرب من الحس ولو كان حدسا، بل المناط بناء العرف والعقلاء، وهو دليل لبي لا إطلاق له، ولو شك في مورد فلا شاهد على وجوب الأخذ فيه بدليل لفظي إطلاقا أو عموما، منطوقا أو مفهوما. ومن هنا يظهر إمكان الالتزام بحجية الإخبار عن الحدس المحض، فيما كان بناء القوم على الحدس، كما في مسألة الخرص من غير حاجة إلى النص، وحديث كثرة الخطأ وقلته، ليس من العلل الدائر مدارها الحجية، حتى يلزم الشك في حجية الإخبار عن الحس أحيانا فيما يكثر فيه الخطأ، أو يلزم منه حجية حدس من يقل خطأه في الحدس، بل ذلك من الحكم والعلل العقلائية المنتهية أحيانا إلى الشك في بناء العقلاء، كما لا يخفى. وأما ذيل آية النبأ، فيأتي تحقيقه من ذي قبل إن شاء الله تعالى، ويظهر أن الآية أجنبية عن مسألتنا (1). ثم إن ناقل الإجماع بناء على ما سلكناه، يكون ناقل الموضوع، وحجية الخبر الواحد في باب الموضوعات عند المحققين، محل المناقشة والإشكال (2). ولكن الحق عدم قصور في أدلة حجية الخبر الواحد، المنحصرة في بناء العقلاء، وما يرتبط بهم أحيانا، ويؤيد حالهم في هذه السيرة عن إثبات حجيته في الموضوعات، ولاسيما في المقام، وعلى هذا يمكن أن يقال: بأن الإجماع بالنقل يثبت مثلا، وإذا ثبت موضوعه يصح أن يقال: " هو حجة ولا ريب فيه " نظرا إلى


1 - يأتي في الصفحة 459 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 535. (*)

[ 370 ]

عموم التعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة (1). فتحصل لحد الآن: أن حجية الإجماع المحصل والإجماع المنقول، قابلة للتصديق، وإنما الإشكال في صغراهما، وإذا أشكل الأمر في تحصيل الإجماع المحصل، فلا مصداق للإجماع المنقول الذي هو ينفع لدينا. والإشكال في حجية الاجماع المنقول: بأنه من الإخبار عن حدس (2)، في غير محله، فإن المنقول هو المعنى المحسوس وهو السبب، وأما أنه سبب لأية جهة ؟ فهو مورد الاختلاف، فيذهب كل من المنقول إليه إلى مذهبه في وجه حجيته، وإذا ثبت السبب بإخبار العدل الإمامي الفقيه فرضا، يكون حجة، لعموم التعليل، فتأمل. ولو قيل: عموم التعليل ممنوع. قلنا: لو كان ممنوعا فهو في خصوص الرواية المجمع عليها في النقل المتروك العمل، لا الفتوى، وكلامنا في الفتوى المجمع عليها، فإنها لا ريب فيها، ومن الامور الثلاثة التي بين رشدها كما يأتي بتفصيل (3). وغير خفي: أن من هذا التفصيل، يستفاد أيضا حجية الإجماع المحصل تعبدا، وأما أن لازمه كون الحجة ذات الإجماع والاتفاق، وهو خلاف مذهب الخاصة. فهو ممنوع أولا: لأن من الممكن أن الشرع اعتبر حجية الإجماع نوعا، لكشفه الغالبي مثلا عن السنة أو رأي المعصوم، كسائر الظنون الخاصة. وثانيا: أن ما اشتهر من عدم حجية الإجماع في ذاته، غير تام على القول:


1 - تقدم في الصفحة 356. 2 - نهاية الأفكار 3: 97، منتهى الاصول 2: 88. 3 - يأتي في الصفحة 382 - 384. (*)

[ 371 ]

بأنه كاشف عن رأي وفتوى المعصوم، لأن كاشفيته عن الرأي والفتوى تكون مثل كاشفية الظواهر، فكما مر أنها حجة بذاتها (1)، كذلك الإجماع، وقد مر شطر من الكلام حوله في الجهة الخامسة (2)، فراجع. وتوهم: أن المراد من " المجمع عليه " هي الشهرة لا الإجماع (3)، في غير محله: فأولا: لإطلاق التعليل. وثانيا: لأن خروج الفرد النادر، لا يضر بالإجماع الكاشف عن السنة والاشتهار، وسيظهر تمام الكلام حول التعليل في البحث الآتي إن شاء الله تعالى (4). تذنيب: في أن الإجماع المنقول من الظنون النوعية الخاصة البحث في حجية الإجماع، يدور حول كونه من الظنون الخاصة النوعية، ولو كان المدار في حجيته على الحدس، أو الدخول، أو اللطف، للزم التلازم بين الوثوق والعلم بالحكم والإجماع. وأما لو كان المدار على الكشف، فلا يعتبر حصول الظن الشخصي، لأن بناء العقلاء على الكشف المزبور. وإذا ثبتت حجية نقل الإجماع المحصل المسمى ب‍ " الإجماع المنقول " تكون حجية ذلك أيضا نوعية، لا شخصية، ولا تدور مدار حصول الوثوق الشخصي. وهكذا إذا قلنا: بأن وجه حجية الإجماع المنقول والمحصل، عموم التعليل. فمن هنا يظهر: أن حجية الإجماع المنقول، ثابتة بالبناء العقلائي أيضا، وذلك


1 - تقدم في الصفحة 297. 2 - تقدم في الصفحة 366. 3 - مصباح الاصول 2: 141. 4 - يأتي في الصفحة 380 - 383. (*)

[ 372 ]

لوجودها أولا: على حجية نقل ناقله، وثانيا: على حجية السبب، لكونه كاشفا نوعيا عن رأي المعصوم، أو السنة التامة دلالة وسندا وجهة، فافهم واغتنم. فبالجملة تبين: أن دليل حجية الإجماع المنقول - مضافا إلى عموم التعليل - يكون بناء العقلاء القائم على حجية نقل ناقله، ثم بعد ثبوت الإجماع بذلك النقل، ينكشف به الرأي كشفا عقلائيا نوعيا. وإن شئت قلت: بناء العقلاء أولا على حجية نقل السيد والشيخ (رحمهما الله) ثم بعد ذلك يثبت بها وجود الإجماع المحصل وبنائهم على أن الإجماع المحصل كاشف عن وجود السنة، فتثبت بها السنة، ثم بعد ذلك تكون السنة حجة، لبنائهم على حجية الظواهر، فيكون ما نحن فيه من قبيل قيام الحجة على الحجة القائمة على وجود الحجة. تنبيه: في حجية الإجماع المقيد بالسبب لو بنينا على أن الإجماع المستند إليه في كتب الأصحاب، عبارة عن الاتفاق المقرون والمقيد بالسبب، فهو أيضا لا يضر، لأن الأثر المترتب على نقل السبب، لا يتضرر ولا ينتفي بانتفاء عدم ترتب الأثر المخصوص به، وهو السبب، فمن كان يرى أن الاتفاق يكشف عن الرأي والفتوى أو السنة، يتمكن من ذلك، لأجل ثبوت الاتفاق بنقل مثل السيد والشيخ (رحمهما الله) فلا تغفل. وهم ودفع: لو كانت الصحيحة مورد الاستناد، للزم كون الإجماع المتأخر معارضا لإجماع القدماء. ويندفع: بأن الظاهر من مورد التعليل، هو أن الإجماع ليس حجة بذاته على

[ 373 ]

الحكم الشرعي، بل الإجماع إما مرجح الحجة على الحجة، أو مميز الحجة عن اللاحجة، فلابد هناك من وجود حجة واقعية وراءه، وهذا أمر ممكن بالنسبة إلى إجماع القدماء، دون المتأخرين. وبالجملة: عدم حجية الإجماع ذاتا إجماعي، وحجية الإجماع في الجملة أيضا إجماعية، ولكنه إجماع مدركي معلل بما في المقبولة، ولو كانت هي مورد الاستناد لحجية الاجماع، فالبحث عن الجهات - كالدخول، واللطف، وغيره - أيضا لغو، ولو كان واحد منها صحيحا إجمالا لكفى، كما لا يخفى.

[ 375 ]

المبحث الرابع في الشهرة

[ 377 ]

تمهيد في أقسام الشهرة وهل الشهرة خارجة عن الأصل المحرر (1) كما قيل (2)، أم لا، كما هو المعروف عند الأكثر (3) ؟ قولان. وقبل الخوض فيها، نشير إلى أن من الشهرة ما يكون شهرة روائية، وهي - حسب ما اشتهر - من المرجحات في مورد تعارض الخبرين، والبحث حولها موكول إلى مبحث التعادل والتراجيح. ومن الشهرة ما تسمى ب‍ " الشهرة العملية " وسنذكر بعض البحث حولها في ذيل المسألة إن شاء الله تعالى (4). ومن الشهرة ما تسمى ب‍ " الشهرة الفتوائية " وهو كون الحكم المفتى به مشهورا بين أرباب الفتوى، ولا يكون اتفاقيا. وهذه الشهرة تارة: تكون من السلف إلى الخلف، ويكون المخالف شاذا قديما وحديثا.


1 - تقدم في الصفحة 275. 2 - ذكرى الشيعة: 5 / السطر 2. 3 - فرائد الاصول 1: 105 - 107، كفاية الاصول: 366، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 153، نهاية الأفكار 3: 101، مصباح الاصول 2: 143 - 146. 4 - يأتي في الصفحة 388. (*)

[ 378 ]

واخرى: تكون المسألة مشهورة بين القدماء إلى عصر ابن إدريس مثلا، ثم بعد ذلك اشتهر خلافها بين المتوسطين إلى العصور المتأخرة، وهذه هي المقصودة بالبحث هنا، فهل هذه الشهرة مطلقا حجة (1)، أم مطلقا ليست بحجة (2)، أم الشهرة بين القدماء حجة دون المتأخرين (3) ؟ وجوه واحتمالات. أدلة حجية الشهرة والوجوه التي يتمسك بها لحجيتها في الجملة أو مطلقا كثيرة، نذكرها على إجمالها: الوجه الأول: إذا كان الحكم مشهورا بين القدماء، وكان المخالف أحدهم، أو اثنين منهم، فتارة: تكون في المسألة رواية أو روايات دالة على خلافه، وتارة: ليس فيها شئ: فإن كان فيها شئ يحتمل كون المخالف النادر، متكئا ومتكلا عليه في الإفتاء، فبحكم العقلاء يستكشف هنا وجود شئ عندهم، كما في مورد الإجماع، لأن الخروج المزبور من بينهم، لا ينافي الكاشفية المذكورة، كخروج الإخبارات الكثيرة عن قاعدة أصالة عدم الخطأ والكذب في باب حجية خبر الثقة الكاشف عن السنة، بل الأمر هنا أوضح وأصوب. وهكذا إذا كان يحتمل استناد ذلك الشاذ الخارج عن مسلكهم إلى القاعدة، لوجودها في مورد المسألة المشهورة.


1 - ذكرى الشيعة: 5 / السطر 2. 2 - فرائد الاصول 1: 105 - 107، كفاية الاصول: 336، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 153 - 156، نهاية الأفكار 3: 101. 3 - نهاية الاصول: 543 - 544، تهذيب الاصول 2: 100 - 101. (*)

[ 379 ]

وأما إذا لم يكن في البين شئ من الخبر أو القاعدة، فربما يورث الخروج المذكور ضررا، ولاسيما إذا كان الخارج، أمثال الصدوقين المطلعين على الأقوال والآراء، والمحتاطين جدا في الإفتاء، فإن احتمال كون مستند من هو الخارج المخالف للشهرة، رواية غير موجودة فيما بين أيدينا ممكن، ولكنه في حق أمثال ابن أبي عقيل، وابن جنيد، دون أمثال الصدوق. فبالجملة: يشكل الاتكاء على الكشف المزبور عند مخالفة أمثاله، دون غيرهم، حتى مثل المفيد المحتمل في حقه الاجتهاد، أو الشيخ في واحد من كتبه. فما ذهب إليه جمهور المتأخرين (1) من الاستدلال بالوجوه الآتية (2)، لا يخلو من تأسف، كما أن ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: من إطلاق كفاية الشهرة القديمة (3)، غير موافق للتحصيل. وبالجملة تحصل: أن الشاذ النادر قبال الشهرة القديمة، لا يضر بشئ من الكشف، فيكون الإجماع والشهرة حجة من جهة واحدة، حسب النظر العرفي والبناءات العقلائية. إن قلت: لو كان في البين روايات صحيحة، يجب الأخذ بها ولو كانت الشهرة على خلافها، فالشهرة الفتوائية تفيد إذا لم تكن روايات صحيحة على خلافها. قلت: سيمر عليك في ذيل البحث، أن الشهرة العملية كما تكون جابرة، تكون الشهرة الفتوائية كاسرة (4)، وفي صورة وجود الأخبار الصحيحة تتقوى الشهرة،


1 - فرائد الاصول 1: 105 - 106، كفاية الاصول: 336، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 154 - 156. 2 - يأتي في الصفحة 382 - 386. 3 - تهذيب الاصول 2: 101 - 102. 4 - لاحظ ما يأتي في الصفحة 395. (*)

[ 380 ]

وتكون كاشفيتها أقوى، لامتناع ذهاب أصحابنا الأقدمين إلى خلافها إلا لما كان عندهم، بحيث لو وصل إلينا لاتخذنا سبيلهم، وعملنا به، كما مر في تقريب حجية الإجماع (1)، فكلما ازدادت الأخبار قوة، ازدادت الشهرة المخالفة لها قوة، وتزداد تلك الأخبار ضعفا وفتورا. ثم إن من المحتمل قويا أن يكون المراد من " الإجماع " - كما مر في الجهة الاولى من الجهات الخمس في المسألة السابقة (2) - هي الشهرة، ولا يكون المخالف الشاذ مضرا بصدق الإجماع، ولا مصطلح جديد له عندنا، ولا عند الآخرين، ولذلك ترى في الروايات إطلاق " الإجماع " على ما هو المشهور (3)، وذلك ليس إلا لعدم تضرر الإجماع بالشاذ النادر، وليس المفهوم اللغوي غير ما هو المقصود في كتب القوم، ولذلك فسروه بالاتفاق (4)، مع أنه قلما يوجد الاتفاق التام الكذائي. فما في كتب المتأخرين: من البحث عن الإجماع تارة، وعن الشهرة اخرى (5)، غير موافق للتحصيل، فإن الشهرة والاشتهار إذا كانت كثيرة، توجب موضوع قاعدة اللطف، والقول بالدخول، وغير ذلك. بل قد عرفت منا: أن الإجماع مما لا تكاد تحصل صغراه (6)، فيكون ما هو الحاصل هي الشهرة، فالمراد من الإجماعات في كثير من الفروع، ليس إلا الاشتهار


1 - تقدم في الصفحة 360. 2 - تقدم في الصفحة 355. 3 - وسائل الشيعة 27: 106 و 112 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1 و 19. 4 - القاموس المحيط 3: 15، أقرب الموارد 1: 137. 5 - فرائد الاصول 1: 105، كفاية الاصول: 336، نهاية الأفكار 3: 99 - 101، تهذيب الاصول 2: 100. 6 - تقدم في الصفحة 363. (*)

[ 381 ]

والاتفاق الحجة عند ناقله، ولو كانوا مختلفين في وجه حجيته. وعلى هذا، لا فرق عندنا بين قول الناقلين: " قد اشتهر وجوب كذا بين أصحابنا " وبين قولهم: " يجب كذا إجماعا " أو " على المشهور " لأن بذلك ينقل لنا وجود الشهرة، فلو كان في نقله الكفاية، لكان الكشف العقلائي عن وجود السنة أو اشتهار الحكم متعينا. إن قلت: في الأخبار ورد فرض المشهورين (1)، فيعلم منه أن الشهرة غير المجمع عليه (2). قلت: كما ورد فرض المشهورين، ورد فرض الشهرة المقابلة بالشاذ النادر، وانطبق عليه الإجماع، فعليه تبين أن الشهرة الناقصة لا تفيد شيئا، بخلاف الشهرة الكاملة، وأن الشهرة الكاملة هي الإجماع الذي هو بين رشده، والشهرة الناقصة ليست بينة الرشد. وإن شئت قلت: لا نبالي من الالتزام بأن مفهوم " الشهرة " أعم، فيكون أحد مصاديق الشهرة إجماعا، وسيظهر ما في الخبر إن شاء الله تعالى. ومن هنا يظهر: أن ما مر من المناقشة في صغريات الإجماع (3)، لا تتوجه إلى صغرى الشهرة، لإمكان الاطلاع على الشهرة بين القدماء. وأيضا يظهر: أن ما هو الخارج عن أصل تحريم الاتباع للظنون، أمر واحد


1 - زرارة بن أعين قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ فقال: " يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر "، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم ؟ فقال (عليه السلام): " خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك ". عوالي اللآلي 4: 133 / 229. 2 - الفصول الغروية: 353 / السطر 22 - 24. 3 - تقدم في الصفحة 362 - 363. (*)

[ 382 ]

وهي الشهرة، وأما الإجماع الذي هو عبارة عن الشهرة مع عدم وجود المخالف الشاذ، فليس موضوعا لشئ، لأن المخالف الشاذ كالحجر جنب الإنسان. ويظهر أيضا أن المسائل الإجماعية عند القدماء، هي المسائل المشهورة، لعدم إمكان نيلهم الاتفاق، فالاجماع المصطلح عليه ليس إلا الشهرة أيضا. الوجه الثاني: مقتضى عموم التعليل في مقبولة عمر بن حنظلة (1) حجيتها، بتقريب أن الشهرة فيها أولا: ليست شهرة روائية محضة، بل هي الشهرة الفتوائية الموافقة للرواية، لأنها بينة الرشد. وثانيا: لو كانت هي الروائية، ولكن التعليل عام وموضوع للتعبد، وتكون الشهرة الفتوائية التي تقابلها الفتوى الشاذة، أحد مصاديقها. وتوهم: أن ذيل الرواية دليل على أن الشهرة في الصدر روائية، كما في كلام العلامة الأراكي (2)، غير مضر، لأن للشهرة مصاديق كاملة وناقصة، فإذا كان في الرواية شهرة مفروضة على وجه يكون مقابلها الشاذ وهي الكاملة، فيكون الفرض الآخر - وهو كون الخبرين مشهورين - شهرة ناقصة، فتلك الشهرة هي الشهرة الكاملة، دونها بالضرورة، وعندئذ تكون المقبولة دليلا على حجيتها. وأما توهم: أن التعليل غير قابل للاستدلال، لأن المراد من " المجمع عليه " معناه اللغوي، لامتناع كون الشهرة إجماعا، فغير تام، لما عرفت في أصل البحث


1 - ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لاريب فيه. الفقيه 3: 5، تهذيب الأحكام 6: 301، وسائل الشيعة 27: 106 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. 2 - مقالات الاصول 2: 27، نهاية الأفكار 3: 100. (*)

[ 383 ]

آنفا، فإن الإجماع ليس إلا الاتفاق على وجه لا يتضرر بمخالفة الواحد والاثنين، فإنهما من الشاذ النادر المتروك. فعلى هذا يتبين أيضا: أن الشهرة التي بين رشدها حجة، والمخالف الشاذ لا يضر شيئا، ومقتضى الإطلاق عدم تضرر الشهرة بمخالفة أمثال الصدوق وغيره. وبالجملة: ولو كانت الكاشفية عرفا وعند العقلاء، غير ممكنة في صورة مخالفة النادر الذي هو مثل الكليني مثلا، أو الصدوق وأبيه معا، ولكن للشرع التعبد بالحجية قانونا لمصالح، كما في باب سائر الأمارات، لو كان لدليلها الإطلاق القابل للتصديق. ثم لنا دعوى: أن الشهرة في الرواية ولو كانت روائية، ولكن عموم التعليل، ومقتضى تطبيق " المجمع عليه " على تلك الشهرة، دليل على أن كل ما كان شهرة - بحيث يكون مقابلها الشاذ النادر، وهو " الإجماع " في تعبير آخر - يكون حجة، فتكون الشهرة الفتوائية منها. وأما توهم: أن لازم ذلك هي حجية الشهرة في ذاتها بملاك على خلاف ملاك الإجماع، فإن الإجماع حجة عندنا لاحتوائه على السنة، أو رأي المعصوم (1). فيندفع: بأن الظاهر البدوي ولو كان كذلك، وتصير النتيجة تعارض الشهرة والإجماع في عصر الأقدمين، مع الإجماع والشهرة في العصر المتأخر، ولكن النظر الدقيق يعطي أن مصب هذا التعليل في مورد تكون الشهرة - سواء كانت روائية أو فتوائية - والإجماع، كاشفين عن أمر مفروغ منه صادر عنهم (عليهم السلام) لقول عمر بن حنظلة: " وكلاهما اختلفا في حديثكم... " الحديث، فإن المعلوم منه هو الإرجاع إلى الشهرة لأنها الطريق، وهكذا الإجماع، فما هو من الإجماع القابل لأن يكون


1 - تهذيب الاصول 2: 102. (*)

[ 384 ]

طريقا، يكون حجة، وهكذا الشهرة، وعندئذ ينحصر بالشهرة القديمة، ولا يشمل الشهرة الحادثة بين المتأخرين، فلا تخلط. ومما ذكرنا يظهر: أن عدم استدلال مثل صاحب " الدرر " (رحمه الله) بالتعليل (1)، ومناقشة غيره فيه (2)، كله غير مطابق للتحصيل، كما ظهر أن ما أفاده الوالد - مد ظله - (3) غير واف بالمطلوب. الوجه الثالث: مرفوعة زرارة، فإن إطلاق جملة: " يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر " (4) يشمل الشهرة الفتوائية. وتوهم: أن الموصول ناظر إلى الخبر (5)، ناشئ من خلطهم بين مفاد " الذي " ومفاد " ما " فإن مفاد " الذي " إشارة إلى العنوان، وأما مفاد " ما " فهو كناية ونكرة، وليس فيه إشعار بأمر مذكور خارجا، أو معهود ذهنا. ويترتب عليه بعض المسائل في حديث الرفع. هذا مع أن المستفاد منه أن ما هو السبب الوحيد للأخذ بالخبر المشهور، هي شهرته، لا نفس الخبر، وإلا يلزم الأخذ بالخبر الشاذ، فيعلم منه إلغاء خصوصية الخبر. وغير خفي: أن الشهرة في هذه الرواية أيضا روائية فتوائية، أي هي الشهرة العملية، كما هي كذلك في مقبولة عمر بن حنظلة، ولولا المناقشة في سندها لكانت دلالتها وافية.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 379. 2 - مصباح الاصول 2: 143 - 144. 3 - أنوار الهداية 1: 262 - 264، تهذيب الاصول 2: 101 - 102. 4 - عوالي اللآلي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303 كتاب القضاء، الباب 9، الحديث 2. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 379. (*)

[ 385 ]

اللهم إلا أن يقال: يحتمل دخالة الخبر في كون الشهرة المنضمة إليه، موجبة للأخذ به، ولايجوز إلغاء الخبر، والأخذ بالشهرة ولو كانت في الفتوى، كما لا يخفى. الوجه الرابع: أن مقتضى حجية خبر الواحد حسب الأدلة الشرعية، حجية الشهرة، للأولوية، أو لمفهوم الموافقة، أو لأجل إلغاء الخصوصية، ضرورة أن الظن الحاصل منه، أضعف من الظن الحاصل منها. وفيه ما لا يخفى، فإن المقصود إثبات حجية الشهرة على أن تكون من الظنون الخاصة النوعية، ولا تكون الحجية مدار الظن الشخصي، وعندئذ لنا أن نقول لتقريب ذلك: بأن إخبار زرارة بلا واسطة، أو إخبار الشيخ (قدس سرهما) مع الوسائط، يكون كاشفا نوعيا عن الصدور، بحكم الأدلة المشار إليها، ويجب الأخذ بهما، فهل حينئذ يمكن أن يكون إخبار الجل والشهرة بوجود السنة أو بوجود رأي المعصوم، غير حجة، وغير كاشف نوعا عن وجودها ؟ ! ضرورة أن إفتاءهم لابد وأن يكون لاستنادهم إلى أمر موجود عندهم، وبعد فرض كون مورد الفتوى خلاف القواعد، يتبين وجود دليل عندهم، ويكون الإفتاء بحكم الإخبار، لأن الإفتاء ليس إلا إعلام أن الحكم كذا في الإسلام، فإذا ثبت وجود السنة أو الرأي، تتم الجهات الاخر التي هي مورد الإشكال، بما عرفت في كشف الإجماع (1) بما لا مزيد عليه. فالتمسك بأدلة حجية خبر الواحد، لإثبات حجية الشهرة بما هي هي غلط، لأن المقصود من حجية الشهرة، حجيتها على وجه الطريقية، وإذا كان هذا مورد النظر، فلابد من اعتبار الطريقية أولا في الشهرة، ثم تتميم الطريقية، واستفادة إمضاء هذا الطريق شرعا من أخبار حجية الخبر الواحد، وبعد ذلك يتم المطلوب. وإن شئت قلت: لو أفتى الشيخ، ثم استدل بالسنة الموجودة عنده، كما هو


1 - تقدم في الصفحة 366. (*)

[ 386 ]

كذلك في فروع " الخلاف " فإنه إخبار بالسنة، فيثبت وجودها عنده، ولو كانت الجهات الاخر تامة، تثبت حجية تلك السنة لنا، وحيث إن تلك الجهات بإخباره وإفتائه لا تتم إلا إذا ذهب الجل على وفقه، فإنه عندئذ يحرز وجود السنة الصحيحة السند، التامة الدلالة والجهة. وهذا التقريب يرجع إلى التقريب الأول، وإنما الاختلاف فيما به تتم الحجية، ويكشف إمضاؤها، ففي الوجه الأول كان التمسك ببناء العقلاء، وهنا بأخبار حجية الخبر الواحد، لا من باب الأولوية، بل من باب أن الشهرة الفتوائية، تتضمن الإخبار الحسي عن وجود السنة. وإذا لم يكن لأدلة حجية خبر الواحد، قدم جديد وراء بناء العقلاء، يكون هذا الوجه عين الوجه الأول، فتأمل. ومن هنا يظهر: أن ذيل آية النبأ (1) أيضا، إمضاء لما هو الطريق العقلائي، ولو كان المقصود إثبات حجية الشهرة لمجرد أن اتباعها ليس من السفاهة، كان ما أفادوه - ردا عليها (2) - في محله، ولكن النظر هنا إلى أن الاتباع للطريق العقلائي، ليس من السفاهة، والشهرة من الطرق العقلائية على وجود السنة، وإذا ثبتت السنة وجودا، تثبت سائر الجهات بعين ما مر في الإجماع المحصل والمنقول (3). تذنيب: حول حجية الشهرة لاستلزامها للوثوق ربما يمكن أن يقال: بأن حجية الشهرة على أنها من الظنون الخاصة ممنوعة،


1 - الحجرات (49): 6. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 155، نهاية الأفكار 3: 100، مصباح الاصول 2: 145 - 146. 3 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 372. (*)

[ 387 ]

ولكنها حجة، لكونها مستلزمة للوثوق، ويكون الحكم القائم عليه الشهرة من الامور المستبانة، ومقتضى ذيل رواية مسعدة بن صدقة (1) إما حجيتها على الوجه السابق، لكونها من أخبار حجية الخبر الواحد في تقريب، أو حجيتها لأن الفتوى المزبورة من الامور الواضحة، ويحصل منها الوثوق والاطمئنان. نعم، في صورة عدم حصول شئ لا حجية لها، إلا أنه شاذ وقليل الاتفاق. أقول: إن اريد منه الاستدلال لحجية الشهرة على التقريب الذي أبدعناه آنفا، كان له وجه. وإن اريد منها أن الوثوق حجة إذا حصل من الشهرة، وليس مثل الوثوق الحاصل من الجفر والرمل وأمثالهما. ففيه: أن إثبات حجية الوثوق والاطمئنان ببناء العقلاء ممكن، وأما في الموارد الخاصة فهو لدليل خاص، كما اشير إليه (2)، ولا حاجة إلى هذه الرواية مع ما في سندها فراجع. هذا والإشكال في حجية مطلق الوثوق إلا ما خرج بالدليل: من جهة عدم ظهور بناء من العقلاء عليه (3)، قوي جدا، فلو لم تثبت حجية الشهرة نوعا، فحجية الوثوق الحاصل منها قابلة للمناقشة. اللهم إلا أن يقال: بأن المستفاد من مجموع الوجوه المشار إليها، حجيتها في صورة حصول الوثوق والاطمئنان. فبالجملة: إحراز بناء العقلاء على حجية مطلق الوثوق، غير ممكن، واستكشاف حجية مطلق الوثوق بالرواية، أكثر إشكالا، واستكشاف حجية الوثوق


1 - وسائل الشيعة 17: 89، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - تقدم في الصفحة 298. 3 - نهاية الأفكار 3: 100. (*)

[ 388 ]

الحاصل من الشهرة ممكن، إلا أنه يلازم حجية الشهرة على الإطلاق، كما عرفت. تذييل: حول الشهرة العملية قد ذكرنا: أن من الشهرة ما تسمى " بالشهرة العملية " (1) والمراد منها ما تكون من الشهرة الفتوائية المستندة إلى الرواية غير المسندة. وقد اختار سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) أن من تلك الشهرة، صورة توافق الفتوى المشهورة مع الرواية الموجودة ولو لم تكن مستندة إليها، فإنها أيضا من الشهرة العملية (2). وغير خفي: أن الشهرة العملية هي الشهرة الفتوائية، مع كونها مستندة إلى ما هو سندها، ولا يحتمل في حقهم استنادهم إلى أمر آخر، كاشتهار الحكم بين مشايخهم، ووصوله إليهم، فعلى هذا يقع البحث في أن تلك الشهرة، توجب انجبار السند، وجبر ضعف الخبر المشهور أحيانا في سنده، أم لا ؟ ثم تارة: لا يكون في قبال الشهرة المذكورة أخبار صحيحة اخرى. واخرى: توجد الصحاح. فهل في صورة قيام الشهرة العملية الجابرة لضعف الرواية المستند إليها، يلزم كسر سند تلك الأخبار، ووهن حجية تلك الصحاح حتى تكون الشهرة العملية جابرة لتلك الرواية، وكاسرة للأخبار المقابلة، أم لا، فتكون الشهرة العملية جابرة فقط، وليست كاسرة ؟ ثم إنه هل تثبت الملازمة بين كون الشهرة العملية كاسرة، وبين كاسرية الشهرة الفتوائية، أم لا، فيمكن التفكيك بأن لا تكون الشهرة العملية كاسرة، دون العكس ؟ وأما لو كانت الشهرة العملية كاسرة، فالفتوائية أولى بها.


1 - تقدم في الصفحة 377. 2 - نهاية الاصول: 543 - 554. (*)

[ 389 ]

إذا تبينت جهات البحث الكبروي، نقول قبل الخوض فيها: إنه ربما يقال: إن حجية الشهرة الفتوائية، تستلزم كاسرية الشهرة وجابريتها، وبعد الفراغ من حجيتها، لا وجه للبحث عن الجابرية والكاسرية في المقام، كما إذا قلنا بعدم حجية الشهرة الفتوائية، فلا معنى لاحتمال كونها جابرة أو كاسرة. أقول: أما الدعوى الاولى: وهي أن مقتضى حجية الشهرة الفتوائية، جابرية الشهرة العملية، فهي ممنوعة، ضرورة أن الشهرة الفتوائية، تكشف أحيانا عن اشتهار الحكم، فلا سند هناك حتى يحتاج إلى الجبر، بخلاف الشهرة العملية، فالملازمة قابلة للمنع. وأما الدعوى الثانية: فهي أيضا قابلة للمنع، لأن لمنع كاشفية الشهرة عن اشتهار الحكم، وجها كما مر (1)، لأن الحكم المفتى به عند المشهور، ليس مما يصح اشتهاره بين الأصحاب الأولين، وأما الشهرة الفتوائية العملية، فتوجب الوثوق بأن القدماء مع كثرتهم، لا يمكن الالتزام بخطئهم في السند، بعد بنائهم على العمل بالأسانيد المعتبرة، فمع اختلاف مشاربهم فيه إذا كانوا عاملين بسند، يحصل الوثوق به عند العقلاء، فيكون جابرا، من غير أن تكون حجة إذا كانت فتوائية، فالملازمة ممنوعة من الطرفين. بقي الكلام فيما هو المهم بالبحث في ضمن مسائل:


1 - تقدم في الصفحة 378 - 379. (*)

[ 390 ]

المسألة الاولى في جبر الشهرة العملية للسند الشهرة العملية هل توجب انجبار ضعف السند، سواء كان الخبر مسندا وضعيفا، أو مرسلا، أم لا ؟ الأقوى نعم، فإن العارف بديدن القدماء، والعالم الفاحص عن تأريخ بناءاتهم، وعن سيرتهم في الأخبار والأحكام، يحصل له بعد ذهاب الشهرة - التي فيها أمثال الصدوق، والمفيد، والمرتضى، والشيخ (رحمهم الله) - الوثوق الشخصي، بل العقلاء يطمئنون بها كسائر الحجج العقلائية النوعية. ومجرد إمكان اتكالهم على القرائن الخاصة التي لو وصلت إلينا لما أفادت شيئا، غير كاف، ولو كان كافيا لكان الإجماع الكاشف عن السنة مثلها بالضرورة. ودعوى إحتمال 0 كون مستندهم خبرا آخر غير ما هو المستند إليه ظاهرا، كالدعوى السابقة في نظر المراجعين. نعم، ربما يشكل فيما إذا كان الخبر بحسب الدلالة، مختلفا مع ما هم عليه من الفتوى، فلو كان يصح دعوى وجود القرائن على صحة السند، بحيث لو كانت تصل إلينا لهي أيضا قائمة على صحته عندنا، لكانت تصح دعوى القرائن على الدلالة، فيلزم منه جابرية الشهرة للسند والدلالة، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، فإذا لم تكن جابرية الدلالة مرضية، فجابرية السند مثلها. وبعبارة اخرى: تلك القرائن لا تخرج عن إحدى الدلالات، فلو صح الاتكال على فهمهم من تلك الدلالات لتصحيح السند، لجاز الاتكال على فهمهم في ناحية

[ 391 ]

الدلالة لمتن الخبر الموجود، فتكون الشهرة العملية في الحقيقة، راجعة إلى الشهرة الفتوائية، لعدم جواز التخلف عن متن الخبر ولو كانت على خلاف الظاهر فتواهم. وبالجملة: مقتضى جابرية الشهرة العملية للسند، جابريتها للدلالة، ولجهة الصدور، فيكون الخبر المستند إليه وجوده كالعدم. إلا فيما إذا كان فهم المشهور مطابقا عندنا لظهوره، فإن عند ذلك يصح الاعتماد عليه فيما يزيد على فتواهم، فيصح الإفتاء على طبق إطلاقه وعمومه في الفروع المستحدثة، بشرط عدم إحراز إعراضهم عن الإطلاق والعموم، كما يأتي في البحث الآتي والمسألة الثانية إن شاء الله تعالى (1). أقول أولا: إنه إما مجرد فرض، أو قليل اتفاقه، ولا يجوز إنكار حجية الشهرة لأجل الفرض المزبور. وثانيا: لا بأس بالالتزام بوجود القرائن المنفصلة الواصلة إليهم، وغير الواصلة إلينا، فتكون الدلالة الظاهرة التي هي على خلاف فهم المشهور، غير حجة. وهذا نظير الأمر بالتسبيح صباحا ومساء في الكتاب (2) والسنة (3) مرارا وتكرارا، مع نصوصية الأخبار في أنه فرض، وفي وجوب قضائه، ومع ذلك ذهب الأصحاب إلى خلافه (4)، وليس ذلك إلا لتلك القرائن. وثالثا: ربما يكون الإجماع قائما على الفتوى العملية، مستندين إلى السنة الظاهرة في خلاف ما أفتوا به مثلا، ولا يمكن الالتزام بعدم حجيته. وتوهم: أن الإجماع المذكور يكون مدركيا، فلا يكون حجة، تتم بالنسبة


1 - يأتي في الصفحة 395. 2 - الأنعام (6): 52، الأعراف (7): 205، طه (20): 130، الأحزاب (33): 42. 3 - وسائل الشيعة 7: 226 كتاب الصلاة، أبواب الذكر، الباب 49، الحديث 4. 4 - العروة الوثقى 1: 547 - 550، تحرير الوسيلة 1: 166 - 167. (*)

[ 392 ]

إلى الدلالة، لا السند، فتدبر. والذي هو الحق: أن الرواية المستند إليها، إن كانت ظاهرة على خلاف الشهرة العملية، فيعلم من وجود الشهرة قيام القرائن الظاهرة، وإلا لما كان وجه لفهم الجل ما هو خلاف الظاهر بعد بنائهم على الاجتهاد، وعدم اعتماد المتأخر على المتقدم في الرأي والإفتاء، ولذلك اختلفت فتاوى الأساتذة والتلاميذ كثيرا. وأما لو كانت غير ظاهرة، بل كانت قابلة لفهم جل منها شيئا، والآخرين منها شيئا آخر، فالسند منجبر دون الدلالة، وذلك لأن انجبار السند مستند إلى القرائن الواضحة، وأما الاتفاق على الدلالة فهو مستند إلى فهمهم من الكلام. وتوهم: أن انجبار السند بلا وجه، بعد إمكان اختلاف أفهامهم في فهم المتن والحديث، غير مضر، لأن مجرد الإمكان غير كاف. وما قيل: " قد اتفق في الفقه، اختلاف فهم المشهور والمتأخرين في مسألة " أخبار ماء البئر " فهو لأجل الاجتهادات المخصوص بها المتأخرون، مع كثرة الأخبار في المسألة (1) التي ربما لا يصل إليها القدماء، لعدم وجود الوسائل الكافية عندهم. هذا مع أن مجرد المورد الواحد أو الموردين، لا يضر بما ذكرناه حسب الطبع، ولذلك نجد البناءات العقلائية على الاتكال على فهم المشهور، ويعدون المتردد في الأمر والشاك في صحة الاستناد، خارجا عن المتعارف. وغير خفي: أن كثيرا مما ينسب إلى الشهرة القديمة، ثم يخالفها المتأخرون، ليست منها بعد المراجعة، ولا يمكن تحصيلها. والاشتهار في الفتوى في الفروع المستحدثة في كلمات أمثال الشيخ، ومن يقرب من عصره، أو يتقدم عليه أحيانا، لا يكفي، لأنه معلوم وجه استنباطه.


1 - وسائل الشيعة 1: 170 - 200 كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 14 - 24. (*)

[ 393 ]

وأما أمثال الفتاوى الموجودة في " المقنع " و " المقنعة " و " النهاية " المعدة للاصول المتلقاة، وضبط الشهرات، وما هو المستفاد من الروايات الواضحة الدلالات غير الواصلة إلينا، فهي الشهرة التي إذا كانت عملية تكون جابرة، وهذه الشهرة العملية المستندة في كلماتهم قليلة الوجود أيضا، واتكال بعضهم في بعض الكتب، لا يشهد على أن مستند الكل يكون الخبر، ولاسيما بعد كون الحكم مطابقا لإحدى القواعد. فرع: في كفاية احتمال الاستناد للجبر ذهب السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) إلى أن الاستناد، لا يكون شرطا على وجه التنصيص، بل يكفي كون الخبر مستندا إليه وإن لم يصرحوا به، فلو كان خبر في الكتب الموجودة عندهم، مطابقا بحسب المضمون للفتوى، تكون الشهرة جابرة للخبر، لوضوح أن المستند هو ذلك الخبر وتلك الرواية (1). وربما يقال: بأن التوافق أعم (2). والحق: أن التوافق وإن كان أعم، إلا أنه بعد الاتفاق يحصل الوثوق بالصدور، ويصح الاتكال عليه فيما يدل عليه زائدا على مصب الفتوى. وإن شئت قلت: من الشهرة الفتوائية تثبت متانة المتن، ومعنى ذلك هو الوثوق بالصدور نوعا وإن لم يحصل لأحد شخصا. ولا مشاحة في عد ذلك من الشهرة العملية لاستكشاف الاستناد، كما هو الأظهر، أو أن الشهرة تكون فتوائية، والتوافق في المضمون يورث الوثوق بالصدور، ويكون جابرا للضعف. ومن الممكن استفادة حجية السنة المستند إليها من عموم التعليل في مقبولة


1 - نهاية الاصول 2: 543. 2 - مصباح الاصول 2: 202. (*)

[ 394 ]

عمر بن حنظلة، وقد عرفت أن الشهرة فيها هي الشهرة العملية، لا الروائية، ولا الفتوائية (1). وغير خفي: أنه كلما كان الخبر المستند إليه أضعف، يكون أقوى، وكلما ازداد ضعفه ازدادت قوته، عكس ما مر (2)، وسيمر عليك إن شاء الله تعالى.


1 - تقدم في الصفحة 382. 2 - تقدم في الصفحة 380. (*)

[ 395 ]

المسألة الثانية في كسر الشهرة العملية للروايات الصحيحة المخالفة إذا كانت تقابل الشهرة العملية روايات صحيحة، فهل تكون كاسرة بالنسبة إليها، وموجبة لسقوطها عن الحجية، ولورود الوهن عليها، أم لا ؟ وجهان. ولا يخفى: أنه لا تلازم بين الجابرية والكاسرية، لإمكان عدم كونها جابرة، للاحتمالات التي مرت (1)، ولكنها كاسرة، لكونها موجبة للشك في الحجية، ولا إطلاق لأدلة حجية خبر الواحد على وجه يشمل مثل ما نحن فيه، بعد قصور بناء العقلاء جدا. نعم، إذا كانت جابرة تكون طبعا كاسرة، بعد كون الأخبار موجودة عندهم، ومذكورة في كتبهم. وبالجملة: إعراض الأصحاب عملا عنها، موجب لوهنها بلا إشكال. ولو قيل: يحتمل استنادهم إلى الخبر من باب الترجيح بعد المعارضة (2)، فتكون المسألة من صغريات إعمال الاجتهاد، فلا يثبت الوهن بالنسبة إليها. وبعبارة اخرى: تارة يصرحون بعدم صحة تلك الأخبار، واخرى: يسكتون عنها، ولا يعتنون بمضمونها، كما هو المفروض، فإذا كان الأمر كما اشير إليه، فلا يثبت الوهن في السند، وعندئذ لنا ترجيح الطائفة الموجودة الصحيحة على الرواية المعمول بها المنجبر سندها بعملهم.


1 - تقدم في الصفحة 390 - 392. 2 - أجود التقريرات 2: 100. (*)

[ 396 ]

وبالجملة: إن قلنا بجابرية الشهرة العملية، تلزم المعارضة بين السنة المستند إليها، وبين الصحاح غير المفتى بها. وإن لم نقل بالجابرية، فربما يتعين الأخذ بالصحاح الموجودة، لاحتمال كونهم من باب الترجيح أخذوا بما أفتوا به. ويحتمل سقوط حجيتها، لقصور بناء العقلاء في هذه الصورة، لصلاحية الشهرة العملية للقرينية على شئ فيها. قلنا: احتمال الترجيح بعد المعارضة والتساقط، صحيح فيما إذا كان الخبران مذكورين في الجوامع، صحيحين، وأما فيما إذا كانت الشهرة العملية، مستندة إلى رواية غير مذكورة في الجوامع، أو تكون مذكورة بالسند الضعيف جدا، وكانت الأخبار المعارضة كلها صحيحة بكثرتها، فلا معنى للترجيح، بل الترجيح معها، فيعلم منه: أنها معرض عنها، غير قابلة للإفتاء بها، سواء كانت السنة المستند إليها في الفتوى، أم لم تكن. ويعلم وجود القرائن المضادة لها، بعد عدم عمل الجل بها، الذين يعتنون بالأخبار كل الاعتناء، ولا يعتنون بالضعاف مطلقا، وبقول مطلق. وعلى هذا يتبين: أن عدم اعتمادهم عليها، وعدم الإفتاء على طبقها - بعد نقلهم تلك الأخبار في اصولهم - دليل على ضعفها، خصوصا من ناحية الاطلاع الخارجي، والوقوف الخاص على نقاط الضعف فيها، ومنها: جهة الصدور أحيانا، وإن لم يكن في عصرنا دليل عليه، ولكن ربما كان الحكم الباطل المشهور في عصر صدور تلك الأخبار، غير مضبوط في كتب العامة، فعدم وجداننا شيئا يشهد على اضطراب جهة الصدور، لا يدل على عدم وجود منشأ للاضطراب، كما هو الظاهر. وتبين: أن في نفس ذلك تضعيفا لها، سواء كانت الشهرة العملية جابرة، أم لم تكن. فتوهم: أن عند عدم القول بالجابرية، يمكن الاتكال على تلك الأخبار، باطل

[ 397 ]

جدا، وموافق لذوق الأخباريين في باب الأخذ بالأخبار، وخروج عن ديدن العرف في اتباع الطرق والروايات. بقي شئ: حول تعارض السنة المفتى بها مع الصحاح المعرض عنها مقتضى مقبولة عمر بن حنظلة حجية الرواية المشهورة، وذلك إما لأن موردها الخبر المشهور، أو لعموم الدليل والتعليل، وهكذا قضية إطلاق مرفوعة زرارة السابقة (1). فهناك تعبد خاص خارج عن نطاق البناءات العقلائية، ولازمه وجوب الأخذ بتلك الصحاح، فتقع المعارضة بين الصحاح المعرض عنها، والسنة المفتى بها، وكلاهما مشهوران، فيرجع إلى سائر المرجحات. أقول: أما مورد الخبر، فلا شبهة في أنه الخبر المعمول به والشهرة العملية، ضرورة أنه بين الرشد، وأنه لا ريب فيه. وأما عموم التعليل فلا ينفع، لأن الخبر المعرض عنه لا يكون مما لا ريب فيه، بل فيه كل الريب، ولا يكون إلا بين الغي، فإن نقل الأصحاب رواية في كتبهم، وإعلانهم خلافها بالإفتاء على ضدها، يورث كونها بينة الغي في محيط العرف، والشرع ليس مؤسسا في هذه الساحة، ولا يريد من هذه الجمل ومن خبر التثليث (2)، إلا ما يفهمه العقلاء، فإذا نظرنا إليها، نجد أن المرفوعة والمقبولة، ليستا إلا في موقف يقفه العقلاء.


1 - تقدمت في الصفحة 384. 2 - وسائل الشيعة 27: 157، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 12، الحديث 9، و 162، الحديث 28. (*)

[ 398 ]

وتوهم: أن قوله (عليه السلام): " لا ريب فيه " ليس إخبارا، بل هو تعبد بعدم الريب، غير تام، لما لا معنى للتعبد بما فيه الريب الكلي بأنه " لا ريب فيه " فهو تعبد بالنسبة إلى مواقف قصور البناءات العقلائية، لا بالنسبة إلى وجود البناءات على ضده ونقيضه. مثلا: إذا ورد في الشرع: " من استولى على شئ منه فهو له " (1) فإنه إمضاء للبناء العرفي، ولا تعبد في مورد قصور بناء العقلاء، كما في اليد المشبوهة. وأما توهم كونه تعبدا في مورد يد الغاصب المستولي، بتوهم أن إطلاق الحديث يشمل يده، فهو واضح الفساد. وفيما نحن فيه أيضا يكون الأمر كما تحرر، فاستفادة حجية الأخبار المعرض عنها من الخبرين المذكورين، ممنوعة جدا، فالخبر المشهور وإن لم يكن شاذا بحسب السماع، ولكنه فيه الريب، وبين الغي، وتكون شهرته مضرة بحاله. وأما الفتوى المشهورة بلا وجود الخبر، فهي أيضا ليست مورد الخبرين، فما هو مورد الخبرين هي الرواية المفتى بها، فإنها مشهورة طبعا، وليست شاذة، وليس فيها الريب، وهي بينة الرشد، ولا غي فيها. ولا حاجة إلى دعوى دلالة الخبرين على عدم حجية الصحاح المعرض عنها التي تكون مشهورة، بدعوى أنها بينة الغي، وفيها الريب، لمعارضتها بأنها مشهورة، وليست شاذة، وغير مسموعة، ولا مذكورة. ودعوى: أن المراد من " الشاذ " هو الشذوذ في الفتوى، أول البحث وإن


1 - وسائل الشيعة 26: 216 كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. (*)

[ 399 ]

اختاره الوالد المحقق - مد ظله - (1) ولكنه مما لا وجه له، فالصحاح المعرض عنها ليست حجة، لما سلف. نعم لو كانت غير مشهورة رواية، تكون مندرجة في الخبرين. وغير خفي: أن مرفوعة زرارة وإن كانت قابلة في ذاتها للدلالة على الشهرة الروائية، إلا أنها غير نقية سندا، وبملاحظة المقبولة تكون دالة على حدود ما تدل عليها المقبولة، فلاحظ وتدبر جيدا. ذنابة مما ذكرنا يتبين حال المسألة الثالثة، وهي الصحاح الموجودة في قبال الشهرة الفتوائية أيضا، فإنه يكون وهنها هنا أظهر وأولى، ضرورة أن الشهرة الفتوائية الكاشفة عن اشتهار الحكم، تستلزم المناقشة إما في صدورها، أو جهة صدورها، فلا تتم شرائط حجيتها حتى تقابل بالسنة، أو الحكم المستكشف بها. ولذلك ترى: أن في مواقف الإجماع الكاشف عن السنة، لا يتعامل مع السنة معاملة سائر السنن بالتخصيص والتقييد، بل يؤخذ بإطلاق معقد الإجماع، وليس ذلك إلا لأن المكشوف به هو تمام المراد، والأخبار المتعارضة معه - ولو كانت بالإطلاق والتقييد - غير صالحة للعمل بها رأسا، وهذا معناه عدم حجيتها ذاتا. وحيث قد مر: أن الإجماع ليست حجيته إلا لأجل اشتهار الحكم في مورده، ولا يكون الاتفاق الكلي شرطا (2)، فالشهرة في الحقيقة تكون حجة كاشفة عن اشتهار الحكم، أو وجود السنة، وموجبة لوهن الأخبار المختلفة معها في المضمون.


1 - تهذيب الاصول 2: 200. 2 - تقدم في الصفحة 361 - 363. (*)

[ 400 ]

تذنيب: في حكم الشك في تحقق الإعراض في موارد الشك في الجبران، لا يترتب الأثر على السنة المشكوكة بلا كلام، وإنما البحث في مورد الشك في الإعراض، فإن مقتضى القواعد حجية الأخبار بعد تمامية جهاتها، إلا إذا توجه إليها الوهن الخارجي بالإعراض. وربما يقال: بأن بناء العقلاء مقيد من الأول بعدم الإعراض عن الخبر، فما هو الحجة هي الرواية غير المعرض عنها، وعندئذ لابد من إحراز قيدها، وإذا شك في الإعراض يشك في تحقق ما هو موضوع بنائهم. ولو قيل: إن ما نحن فيه من قبيل الشك في التخصيص، ضرورة أن العام حجة، ولا تسقط حجيته في مورد الشك في التخصيص، والمخصص ولو كان موهنا بالنسبة إلى العام، ولكن العام ليس مقيدة حجيته بعدم وجود المخصص ثبوتا بالضرورة، ولذلك يكون بناء الأصحاب والعقلاء على التمسك به عند الشك فيه. قلنا: فرق بين الحجة اللفظية، والحجة اللبية، فإن العام حجة لفظية، وتكون العمومات بألفاظها دالة على معانيها، ومقتضى أصالة الجد هو التطابق بين المرادات الاستعمالية والجدية، إلا إذا احرز الدليل على خلافه. وأما فيما نحن فيه، وهي حجية خبر الواحد القائم عليها بناء العقلاء، فلا أصل أولي من العقلاء على حجية خبر الواحد، ثم الأصل الآخر على عدم حجية الخبر المعرض عنه، حتى يتمسك بالأصل الأولي عند الشك، بل البناءات العقلائية من الأول إما مطلقة، أو مقيدة، وحيث إن الخبر المعرض عنه ليس بحجة، فالموضوع لحجية الخبر من الأول مقيد، وهو الخبر غير المعرض عنه، فلابد من إحرازه حتى تثبت حجيته. نعم، إذا صدقنا وجود الأخبار والأدلة اللفظية على حجية الخبر الواحد

[ 401 ]

- بحيث يكون لها الإطلاق القابل للاعتماد عليه - يكون الإطلاق متبعا حتى يثبت الوهن، بناء على جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، وهكذا بالإطلاق فيها. اللهم إلا أن يقال: بأن المخصص حيث يكون لبيا من اللبيات العقلائية المحفوف بها الإطلاق والعموم، لا يجوز التمسك بالعام والمطلق، لأنها في حكم القرائن المتصلة المانعة عن إنعقاد الظهور. أو يقال: إنها وإن كانت من تلك اللبيات، إلا أنها من المختفيات على العقلاء، وليست من المرتكزات الواضحة المانعة عن عقد ظهورها، فيكون الوهن الحاصل من الإعراض مضرا بالحجية، إلا أنه مغفول عنه نوعا وعادة، فلا ينافيه عقد الظهور، فإذا جاز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص اللبي في مورد، جاز هنا. كما يمكن دعوى: أن مقتضى المقبولة (1) والمرفوعة (2)، عدم حجية المعرض عنها، فيكون التخصيص أو التقييد لفظيا (3)، وهذا يوجب انقلاب الحجية، لأنه بالنظر إلى لبيته يجوز التمسك على المشهور، وبالنظر إلى لفظيته لا يجوز عندهم، فإن كان اللفظ إمضاء فلا انقلاب، وإن كان تأسيسا - بمعناه المعتبر هنا وفي أمثال المقام - يكون الانقلاب قطعيا. وما هو المهم قصورهما عن ذلك، كما مر (4). مع أن عدم جواز التمسك محل منع، فراجع (5). نعم، ربما يقال: بأن عدم جواز التمسك بالمطلق في الشبهة الموضوعية للمقيد المسماة ب‍ " الشبهة المصداقية " أمر مفروغ منه حتى في المقيدات اللبية، وما هو مورد الخلاف هي الشبهة المصداقية للعام الاصولي، ففرق بين المطلقات


1 - تقدمت في الصفحة 382. 2 - تقدمت في الصفحة 384. 3 - مصباح الاصول 2: 141. 4 - تقدم في الصفحة 397 - 389. 5 - تقدم في الجزء الخامس: 253. (*)

[ 402 ]

والعمومات (1). ولكنه عندنا بمعزل عن التحقيق المحرر في محله (2). فعليه يتوقف تصديق المسألة على ثبوت المطلقات الشرعية الحاكية عن إمضاء الشرع لخبر الثقة على الإطلاق، بحيث يكون إطلاقه قابلا للاعتماد عليه في موارد الشك، نظير ما إذا شك في يد أنها يد خائنة وغاصبة، فإن إطلاق: " من استولى على شئ منه فهو له " (3) معتمد عليه عند الشك، لأن المخصص لبي. نعم، في خصوص المثال يكون المخصص اللبي من الواضحات المحتف بها الكلام، المانعة عن انعقاد الظهور كما لا يخفى، فتدبر جيدا. بقي شئ: في التمسك بالبناء العقلائي عند الشك في الإعراض لأحد أن يقول: في موارد البناءات العقلائية غير المبتلى بها نوعا وعادة ولو كانت من الامور العرفية، يكون البناء العملي في حكم العام اللفظي. مثلا: فيما نحن فيه مقتضى ما تحرر، عدم جواز الأخذ بالصحاح المشكوك كونها مورد الإعراض، إذا لم يكن في أدلة حجية الخبر الواحد دليل لفظي قابل للاعتماد عليه في مورد الشك، لأجل اختفاء البناء العقلائي، وهذا مما لا يمكن الالتزام به وجدانا. وعليه يقال: إن فيما نحن فيه خصوصية، وهي أن البناء العملي على العمل بالخبر، إلا إذا ثبت الوهن، وحيث إن مسألة الإعراض الموجب للوهن، قليلة الاتفاق في المسائل العقلائية جدا، لا يكون البناء العقلائي موضوعه مقيدا. وإن شئت قلت: إن هناك عاما عمليا وارتكازا خاصا مغفولا عنه عند العامة،


1 - لاحظ نهاية الأفكار 2: 520. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 255. 3 - تقدم في الصفحة 398، الهامش 1. (*)

[ 403 ]

ومقتضى ذلك وجوب الأخذ بالسند الصحيح حتى يثبت الوهن. هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقال، والله ولي الأمر، وعليه الاتكال. بقي شئ: في صعوبة تحصيل الشهرة من الجدير باللفت والتوجه: أن تحصيل الشهرة المتعبد بها، حتى يتبين: أن المخالف من الشاذ والنادر، أيضا مشكل، ولكنه ليس بمثابة مشكلة الإجماع، وحصول الشهرة غير بعيد، بعد اتفاق مشاهير القدماء المختلفين في المشارب والمسالك، وفي الأفهام والمدارك، وفي البلاد والأعصار، والأمصار والممالك.

[ 405 ]

المبحث الخامس في حجية الخبر الواحد، وخبر الواحد

[ 407 ]

مقدمة في بعض الامور الجديرة بالذكر: الأمر الأول: في إشارة لموضوع علم الاصول وشموله لخبر الواحد كان المعروف بين الأعلام، أن موضوع هذا العلم هو الأدلة الأربعة (1)، ولما توجهوا إلى خروج كثير من مباحث العلم عنه، بل لا يبقى تحته إلا مسألة التعادل والترجيح، عدل العلامة الأصفهاني (قدس سره) في " الفصول " إلى ذوات الأدلة (2)، ضرورة أن كثيرا منها تندرج بذلك فيه. إلا أن جمعا منها كمسألة حجية خبر الواحد والإجماع والشهرة، خارجة عنه، لأن البحث فيها يعد من المبادئ التصديقية، كما كانت كذلك قبل التصرف المذكور. وحيث توجه الشيخ (رحمه الله) إلى هذه المشكلة، عدل إلى أن البحث عن السنة وعوارضها، يشمل البحث عن خبر الواحد وغيره، ضرورة أن الكلام هنا حول أن السنة، هل تثبت به، أم لا ؟


1 - ذكرى الشيعة: 3 / السطر 26، قوانين الاصول 1: 9 / السطر 22. 2 - الفصول الغروية: 12 / السطر 10 - 16. (*)

[ 408 ]

وحيث التفت جمع إلى أن السنة الواقعية، ليست تثبت بالخبر (1)، ولا يعقل، والسنة التعبدية لا واقعية مفروغ عنها لها، حتى تكون محفوظة في المقام، فيكون البحث في الحقيقة راجعا إلى أن الشرع، هل تعبدنا باتباع الخبر، أم لا، أو أنه هل نزل الخبر منزلة السنة الواقعية، أم لا ؟ وهذا لا يفيدنا لحل المشكلة مع أن حديث التنزيل، لا أساس له في باب حجية خبر الواحد. اللهم إلا أن يقال: بأن ما لا أساس له بعد الورود في البحث، لا ينافي كونه مورد البحث. أو يقال: بأن المراد من " السنة " أعم من الخبر والسنة الواقعية. أو يقال: إن السنة الواقعية في مورد الخبر (2)، إما تكون موجودة، فتثبت حجيتها بالخبر، وإن كانت معدومة فلا حجية للخبر إلا توهما، لأن الخبر حجيته طريقية إلى السنة، وليست موضوعية (3). وحيث إن هذه التشبثات الباردة، خارجة عن الجهة المبحوث عنها في المسألة، وغير تامة في ذاتها، كما لا يخفى على أهلها، عدل جمع إلى أن موضوع العلم، ما يمكن أن يقع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط (4)، ومنهم العلامة الخراساني (5) وتبعه الآخرون بتغيير الألفاظ، مثل " صحة كون المسألة كبرى قياس الاستنباط " (6)


1 - كفاية الاصول: 337، درر الفوائد، المحقق الحائري: 31 - 34 و 2: 380، مصباح الاصول 2: 147. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 157 - 158. 3 - مصباح الاصول 2: 151 - 152. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 158. 5 - كفاية الاصول: 22 و 337. 6 - نهاية الأفكار 3: 101. (*)

[ 409 ]

أو " كونها قواعد ممهدة لكشف حال الأحكام الواقعية " (1)... وغير ذلك. وحيث يتوجه إليهم - مضافا إلى ما مر بتفصيل في محله (2) -: أن جمعا من المسائل اللغوية، تكون دخيلة في الاستنباط وفي الكشف، بل تصير كبرى القياس مع الواسطة، وفي المسائل الاصولية ما لا تكون دخيلة وكبرى إلا مع الواسطة، عدل عن ذلك جمع إلى أن هذا العلم - بل وعلم الفقه - لا موضوع لها، ولا حاجة إليه (3)، كما في " الدرر " في المقام (4). وبعض آخر: إلى إنكار احتياج كثير من العلوم إلى الموضوعات (5). وثالث: إلى إنكار العلوم كلها إليها، وإلى امتناع الموضوع (6)، كما توجد بعض البراهين على امتناعه في خلال كلمات الوالد المحقق - مد ظله - (7). وحيث كان المعروف وجود الموضوع، ولم يتمكن القوم من تصوير الموضوع الجامع المانع، ولاسيما في علم الاصول، تصدى الاستاذ البروجردي (قدس سره) لحل المشكلة عن طريق آخر، ينتهي إلى أن ما هو الموضوع هي الحجة في الفقه (8). وقد كان الولد - مد ظله - منتقلا إلى هذا قبل انتقال السيد (رحمه الله) إلى قم المشرفة (9)، وكان سبب اختياره أن موضوع علم الاصول هي الحجة في الفقه، ما في بعض الكتب العقلية: " من أن موضوع علم الفلسفة هو الوجود، فكيف يكون


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 31. 2 - تقدم في الجزء الأول: 33 - 41. 3 - نهاية الأفكار 1: 10، محاضرات في اصول الفقه 1: 28 و 31، مصباح الاصول 2: 147. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 33 - 34. 5 - نهاية الأفكار 1: 9، محاضرات في اصول الفقه 1: 31. 6 - مناهج الوصول 1: 35 - 43. 7 - مناهج الوصول 1: 35 - 43، تهذيب الاصول 1: 8 و 9. 8 - نهاية الاصول: 15، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 1: 6. 9 - أنوار الهداية 1: 269 - 270. (*)

[ 410 ]

محمولا في مسائله ؟ ! ". واجيب: بأن ما هو الموضوع في الحقيقة هو " الوجود " لأن قضية " الجسم موجود " ترجع إلى أن الوجود جسم، وأن الوجود يتشأن بتلك الشؤون، فيكون البحث عن عوارض الوجود (1). وبذلك تنحل معضلة القاعدة الفرعية. وعليه يبتني القول ب‍ " التقدم بالحقيقة " الذي هو من مصطلحات المتأخرين. وعلى هذا، يكون ما هو المحمول في قضايا الاصول، هو الموضوع في الحقيقة، لأن الاصولي يبحث عن مصاديق الحجة، ويفحص عنها، وعن شؤون تلك الحجة الكلية المفهومية الاعتبارية، بخلاف ما في الكتب العقلية فإنه واقعي، فلا تخلط. وبذلك تنحل المعضلات الكثيرة. إلا أن القواعد الفقهية، وكثيرا من البحوث اللغوية، من الحجج في الفقه، وعلى المسائل الفرعية، ضرورة أن المراد من " الحجة " كل ما يصح الاحتجاج به لإثبات الحكم الشرعي وإسقاطه، حتى تشمل جميع مسائل العلم، وعندئذ يلزم عدم مانعيته لكثير من الحجج الفقهية، ولو عبر استاذنا (رحمه الله) عن الموضوع: " بأنه جامع المحمولات " كما عرفت حقيقته (2). والذي ذكرنا في محله: أن موضوع العلوم ومنها علم الاصول، ليس مقابل المحمول، ولا جامع المحمولات، بل موضوع العلم اللازم في العلوم، هو المعنى الموجود المرتبطة به المسائل المتشتتة المتباينة موضوعا ومحمولا. وذلك المعنى ليس واحدا شخصيا، ولا موجودا يعبر عنه بعناوين بسيطة، أو مركبة، وذلك المعنى ليس الغرض، ولا الأثر، لأنهما متأخران عنه. بل هو أمر موجود، كامن مستتر في ذوات المسائل، موجب لتعدد العلوم


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 206. 2 - نهاية الاصول: 13. (*)

[ 411 ]

طبعا، ولارتباط المسائل المتفرقة المجتمعة في العلم قهرا، وهذه السنخية الخاصة بين المسائل هي موضوع كل علم، وهو حاصل بينها، مختف ومحجوب بالمسائل، وموجود بموجوديتها (1)، ولولا ذلك المعنى، لكانت العلوم يتداخل بعضها في بعض بالضرورة. ولعمري، إن ترجمة ما في الكتب القديمة اليونانية: " بأن موضوع كل علم، لابد وأن يكون كذا وكذا " لم تكن ترجمة تامة، ولذلك وقع القوم في تشخيصه صرعى وسكارى، وأخذ كل من معضلات المسألة مهربا ومفرا، والله هادي السبيل. الأمر الثاني: حول أصل الصدور وجهته وتشخيص الظهور وأصالته قد اشتهر بينهم: " أن إثبات الحكم الشرعي بالخبر الواحد، يتوقف على أربعة امور: أصل الصدور، وجهة الصدور، وتشخيص الظهور، وأصالة الظهور " المعبر عنها ب‍ " حجيته " (2). وهذا لمكان فساده لابد من الإشارة إليه، ضرورة أن جهة الصدور، ليست إلا كون الكلام مرادا، وكون المراد الاستعمالي عين المراد الجدي، وهو عين " أصالة الظهور " المعروفة في كلماتهم. وبالجملة: يتوقف إثبات الحكم الشرعي على أصل الصدور، وتشخيص الظهور، والمراد الاستعمالي، ثم بعد ذلك كشف كونه مطابقا للجد، قبال ما إذا لم يكن مطابقا له قطعا، كما إذا علمنا أنه صدر عن تقية، أو كان في كلامه قرينة على خلافه، كما في العام المتعقب بالمخصص، وفي المطلق بعد التقييد، فإن الكل من


1 - تقدم في الجزء الأول: 10. 2 - فرائد الاصول 1: 108، درر الفوائد، المحقق الحائري: 379 - 380، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 156، نهاية الأفكار 3: 101. (*)

[ 412 ]

باب واحد. نعم، حيث إنه مع كونه مطابقا للجد حسب الاصول العقلائية، يمكن أن لا يكون حجة ممضاة، فلابد من إثبات حجية الظهور، ولذلك ذكرنا أنه في هذا التقريب، يكون البحث عن حجية الظهور كبرويا (1). وبالجملة: بعد ما تبين ذلك، وتبين سابقا تمام البحث حول تشخيص الظاهر، وحجية الظهور (2)، فلا معنى لعقد البحث عن جهة الصدور، لأنه ليس بحثا مستقلا، فما في كتب القوم من انتظام البحث عنه على حدة (3)، ناش عن الغفلة عن حقيقة الأمر، وهذا يؤيد ما ذكرناه. فينحصر البحث الأخير في حجية خبر الواحد صدورا، وأن ما يكون دليلا على الصدور تام، أم لا. الأمر الثالث: في أن بحث حجية الخبر قليل الجدوى قد اشتهر: " أن البحث في حجية الخبر الواحد من أهم المباحث، لأن الفقه مرهون به، ولا بحث أكثر أثرا وأعلى نفعا من البحث عن أصل الصدور، وحجية الصادر، ولأجل ذلك لابد من الغور في الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة، والغور في الأدلة المانعة عنه كتابا وسنة، وإلا يلزم اختلال أمر الفقيه، وسقوط الفقه وفقه الإسلام وفقهنا " (4).


1 - تقدم في الصفحة 312. 2 - تقدم في الصفحة 311 - 313. 3 - فرائد الاصول 1: 108، كفاية الاصول: 337، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 156، نهاية الأفكار 3: 101. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 157، نهاية الأفكار 3: 101، مصباح الاصول 2: 146. (*)

[ 413 ]

أقول: البحث عن حجية الخبر الواحد في الأعم من الأحكام والموضوعات، يكون كثير الفائدة جدا، لكثرة الابتلاء بالخبر الواحد في الموضوعات، كما هو الواضح، ولعدم تنقيح المسألة من هذه الجهة حقه، ولذلك ترى أنهم في هذه المسألة، واقعون في المشكلة ويحتاطون، ولازم ذلك الابتلاء الكثير في كثير من المسائل، من أول الفقه إلى آخره. وأما إذا كان البحث مقصورا في حجية الخبر الواحد في الأحكام، كما هو ظاهر الأعلام (1)، أو كان النظر إلى أنه بحث كثير النفع في الفقه، كما هو صريحهم (2)، فهو من الاشتباه الواضح، وذلك لجهات: الجهة الاولى: أن المشهور بل المجمع عليه، حجية الخبر الواحد المقرون بالقرينة (3)، ضرورة أن خلاف السيد (4) والشيخ (5) في غير المقرون بها، ومن الواضح أن الراجع إلى أخبار الفقه، لا يجد في الفقه، إلا وفي كل مسألة خبران أو أكثر، وتكون تلك الأخبار مورد الإفتاء إلا شاذا ونادرا، وما هو المعرض عنه من الأخبار ليس بحجة كما عرفت، سواء كان الخبر الواحد حجة، أو لم يكن (6). وبالجملة تحصل: أن الخبر الواحد الذي هو مورد الخلاف بيننا، ليس مطلق الخبر الواحد، وما هو مورد الخلاف بيننا قليل الوجود.


1 - فرائد الاصول 1: 124، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 174، نهاية الاصول: 496 - 497، تهذيب الاصول 2: 114 - 115. 2 - فرائد الاصول 1: 124، أجود التقريرات 2: 101، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 157، نهاية الأفكار 3: 101. 3 - عدة الاصول: 51 / السطر 5، معارج الاصول: 147 - 148، مصباح الاصول 2: 149. 4 - الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 528 - 531، رسائل الشريف المرتضى 3: 309 - 310. 5 - عدة الاصول: 51 / السطر 5. 6 - تقدم في الصفحة 396 - 397. (*)

[ 414 ]

نعم، من المسلمين الحشوية القائلون بعدم الحجية مطلقا (1)، ولكنهم أباطيل العقيدة والأعمال. ولعمري، إنه قليلا ما يوجد في زماننا من يدعي فرضا عدم حجية الخبر الواحد، ويقف في الفقه في قبال القوم، ويتردد لأجل الشك في الصدور. ولا يذهب عليك أنا لا نتمسك بالإجماع، بل نظرنا إلى أن جل الأخبار من المقرون بالقرائن، ولا يوجد لمسألة فرعية خبر واحد فقط إلا شاذا، وإذا كان هو مورد العمل - كما هو الكثير عادة - يكون عملهم بحكم القرينة القويمة. الجهة الثانية: وجود الأخبار في الكتب الأربعة - بعد النظر في تأريخ حياة المؤلفين، واهتمامهم بضبط الأخبار الصحيحة، حسب نظراتهم البسيطة - من القرائن العامة على السند. وذهاب جل الأخباريين إلى قطعية الصدور (2)، يؤيد أن لا ينكر الاصولي حجية الخبر الصحيح السند الموجود فيها، ولاسيما في " الكافي " المؤلف في عصر الغيبة الصغرى، الممكن ردعه - عجل الله تعالى فرجه - عنه بتوسيط السفراء، فإنه وإن لا يكون دليلا على شئ، لاشتمال " الكافي " وغيره على الأخبار الضعيفة جدا، ولكنه يوجب الوثوق والاطمئنان النوعي بما فيه من الأخبار الصحيحة، ولو كانت واحدة. الجهة الثالثة: يحصل لكل متدبر في الفقه، الوثوق الشخصي بصدور الأخبار الصحيحة الموجودة في تلك الكتب، لأنه بعد التدبر فيها، وفي تأريخ حياة المؤلفين، وفي كونها مورد الإفتاء، ومعمولا بها، لا يشك إلا الشواذ من الامة والناس. الجهة الرابعة: يمكن دعوى وجود الإجماع الحجة على حجية خبر


1 - نهاية الدراية في شرح الوجيزة: 140 - 141، فرائد الاصول 1: 159. 2 - الفوائد المدنية: 52 / السطر 18 و 53، الحدائق الناضرة 9: 356 - 358. (*

[ 415 ]

الواحد المقرون. وتوهم: أن السيد يذهب إلى عدم حجيته مطلقا (1)، أو ابن إدريس يذهب إليه (2)، في غير محله، لما نجد أن السيد - بل وابن إدريس - لا يسلكان في الفقه مسالك جديدة إلا نادرا، وقلما يتفق أن يكون ذلك، لكون الموجود فيما بين أيديهما الخبر الواحد. فيعلم من ذلك: أن مسألة حجية الخبر الواحد الموجود في الكتب الأربعة، المفتى به إجمالا في الكتب الاستدلالية، أمر مفروغ منها في الفقه، ولا تحتاج إلى زيادة الاستدلال، وإقامة البرهان، ولاسيما بعد اعتضاد الشهرة القديمة بالشهرات، بل والإجماعات في العصور المتتالية إلى عصرنا، وقد أصبحت المسألة كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، فهل ترى في الغور في هذه المسألة، فائدة ونفعا أصلا إلا شاذا ونادرا ؟ ! وبالجملة: حجية ما في الكتب الأربعة، من الضروريات الأولية في الفقه، وليست مما تقوم عليها الأدلة، كالسيرة، أو بناء العقلاء، لما لا شك فيها، بل ما فيها مما كان يعمل بها قبل انضباطها في تلك الكتب، وقبل أن يؤلف المؤلفون شيئا، ففرق بين قطعية الصدور، وبين حجية الصادر قطعا. وعلى هذا، لا تبقى المسألة ذات الشبهة والتردد إلا بحسب البحث الكبروي. ولو كانت الأدلة الناهية كتابا (3) وسنة (4) تامة الدلالة، لكانت خارجة عنها تلك الأخبار تخصيصا وتقييدا، أو انصرافا، أوكشفا عن وجود قيد لها يورث صرفها عنها.


1 - كفاية الاصول: 338. 2 - نفس المصدر. 3 - * (لا تقف ما ليس لك به علم) *. الإسراء (17): 36، يأتي في الصفحة 417 وما بعدها. 4 - تأتي في الصفحة 431 - 438. (*)

[ 416 ]

وما في " فوائد الاصول ": " من أن الإجماع على حجية ما في الكتب (1) غير تام، لأنه معلل باختلاف المجمعين في الآراء والنظريات " غير وجيه، لأنه ليس المدرك الإجماع حتى يقال: بأنه إذا لم يكن الإجماع حجة، تكون الأخبار فيها غير حجة، بل حجيتها ضرورية. نعم، الأخبار التي توجد أحيانا في سائر الكتب إذا تمت جهات اعتبارها - من اعتبار المؤلف، وتواتر المؤلف، أو الوثوق به على وجه قوي جدا حسب الموازين العقلائية - تكون خارجة عنها، ولكنها قليلة في الفقه. ولو كانت فلها مماثل فيها. فإذن تحصل: أن الأخبار المسندة الصحيح سندها، الموجودة في الكتب الأربعة، لا تحتاج إلى إقامة الأدلة اللفظية كتابا وسنة. ولكن بعد اللتيا والتي، لا بأس باتباع القوم بذكر الأدلة الناهضة على النهي عن العمل بالظن الخاص (2)، ثم بعد ذلك نردفها بالأدلة القائمة على اتباع الخبر الواحد، إن شاء الله تعالى (3). إذا عرفت هذه الامور، فالبحث في هذه المرحلة يقع في موقفين:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 158. 2 - يأتي في الصفحة 417. 3 - يأتي في الصفحة 445. (*)

[ 417 ]

الموقف الأول في الأدلة الناهية عن اتباع الظن وهي وجوه: الوجه الأول: الآيات فمنها: قوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون) * (1). وقوله تعالى: * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (2). وقوله تعالى في مواقف كثيرة: * (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون) * (3).


1 - يونس (10): 36. 2 - النجم (53): 28. 3 - الأنعام (6): 116، يونس (10): 66. (*)

[ 418 ]

وفي سورة النساء: * (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا) * (1). وحيث إن اتباع الخبر الواحد من اتباع الظن، وتكون الآيات في مقام توبيخ الاتباع المزبور، تكون دالة على المطلوب مضافا إلى الكلية العامة الشاملة لمطلق الظن وهي قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (2). وكون الآيات في خلال آيات غير الأحكام الفرعية (3)، لا يضر بما يفهم منها العرف أصلا، ولا نحتاج إلى مقدمات الحكمة حتى يقال: هي غير حاصلة، لوجود القرينة الصالحة (4)، لأن العقلاء يفهمون من هذه الآيات وأمثالها، مذمة الاتباع الاعتقادي أو العملي. مع أن الآية في سورة النجم، تكون بعد قوله تعالى: * (ليسمون الملائكة تسمية الانثى) * (5) وهذا فعل، وقد ذموا على هذه التسمية وهذا التقول، كما لا يخفى، ولازمه ممنوعية إسناد شئ إليه تعالى، يقوم به الخبر الواحد. بل قوله تعالى: * (إن الله عليم بما يفعلون) * (6) يكون ناظرا إلى الاتباع العملي عن الاعتقاد الباطل بالشركاء، بل في نفس الاتباع، شهادة على أن المسألة عملية. أقول: هذه الآيات لمكان اشتمالها على كلمة * (الظن) * تخص بالبحث أولا، ويأتي الكلام حول الآية غير المشتملة على هذه الكلمة بعدها (7) إن شاء الله تعالى.


1 - النساء (4): 157. 2 - النجم (53): 28. 3 - كفاية الاصول: 339، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 160، تهذيب الاصول 2: 103. 4 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 103. 5 - الإسراء (17): 36. 6 - يونس (10): 36. 7 - * (ولا تقف ما ليس لك به علم...) * الإسراء (17): 36. (*)

[ 419 ]

والذي يتوجه إلى الاستدلال: أولا: أن كلمة الظن ربما يكون مرادا منها العلم، ومنه قوله تعالى: * (وإني لاظنك يا فرعون مثبورا) * (1) وهذا كثير الدور، فتكون الآيات - احتمالا - ناهية عن العلوم الباطلة والاعتقادات المأخوذة عن الآباء والأقوام من غير تدبر وتأمل. وشمولها للظن ممنوع، إلا على القول باستعماله في أكثر من معنى واحد (2). نعم، إذا كانت الآيات الاخر التي نحن أشرنا إليها في المسألة المتذيلة بالتخريص، مورد الاستدلال، فلا بأس به. وثانيا: أن الظن من الصفات النفسانية، والمراد منه هنا مقابل العلم الذي هو منها، وهذا أجنبي عن الظن النوعي الذي ندعي حجيته (3)، ولا تنافي بين كون الظن غير حجة، والخبر الواحد حجة، والظواهر حجة، حتى فيما إذا حصل من الظنون الخاصة ظن شخصي، فإنه كالحجر جنب الإنسان، بل هي تدل على أن القول باعتبار حصول الظن النفساني من الظنون الخاصة - كما مر (4) - غير صحيح، لأن الظن النفساني * (لا يغني من الحق شيئا) * فيسقط قول من اعتبره (5). وثالثا: أن الظنون الخاصة علم، وتكون أدلة اعتبارها حاكمة (6). ولكنها مجرد دعوى، وقد فرغنا من فسادها مرارا (7).


1 - الإسراء (17): 102. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 55. 3 - تقدم في الصفحة 298 - 300. 4 - تقدم في الصفحة 299 - 300 و 144 - 145. 5 - قوانين الاصول 1: 439 - 440 / السطر 23. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 160 - 161، مصباح الاصول 2: 152. 7 - تقدم في الصفحة 336 - 337. (*)

[ 420 ]

نعم، يمكن دعوى التخصيص (1)، فتكون الآيات الدالة (2) والأخبار الآتية (3) مثلا، مقيدة لهذه الآيات، أو تكون تلك الآيات منصرفة عن الظنون الخاصة، أو يستكشف من الآيات والأخبار الدالة على اعتبارها - كما يأتي - وجود القرائن الخاصة المانعة عن كونها شاهدة على ممنوعية اتباع هذه الظنون. فلو فرضنا أن تخصيص تلك الآيات وتقييدها، غير مناسب لفهم العقلاء، يتعين الفرض الأخير، أو القول بالانصراف (4)، وحيث لا وجه للانصراف، لأن المستفاد منها مذمومية اتباع الظن لا بوجه الدلالة الوضعية، يتعين الفرض الثالث. ولكن الذي هو المهم في المسألة، ما عرفت من خروج الظن الخاص عن هذه الآيات تخصصا، ولا نحتاج إلى التخصيص، أو الحكومة، أو الانصراف، لما عرفت أن " الظن " بحسب اللغة: هو الظن الشخصي، وإطلاقه على الظن النوعي من المجاز، فالخبر الواحد والظواهر وأمثالها، ليست منه بالضرورة. بقي الكلام حول الآية غير المشتملة على كلمة * (الظن) * وهي قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا) * (5). وهذه الآية خلال الآيات الناهية عن عدة أعمال، كالتقرب إلى مال اليتيم (6)، والكيل بغير الميزان والقسطاس المستقيم (7)، والمشي في الأرض مرحا (8)، والتقرب


1 - فرائد الاصول 1: 112، كفاية الاصول: 339. 2 - يأتي في الصفحة 447. 3 - يأتي في الصفحة 491. 4 - كفاية الاصول: 348، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 133 - 134. 5 - الإسراء (17): 36. 6 - * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) *، الإسراء (17): 34. 7 - * (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا) *، الإسراء (17): 35. 8 - * (ولا تمش في الأرض مرحا...) *، الإسراء (17): 37. (*)

[ 421 ]

إلى الزنا (1)، وقتل النفس (2) والأولاد خشية الإملاق (3)، فلا معنى لتوهم كونها راجعة إلى المسائل الاعتقادية (4). وبما أنها مشتملة على النكرة في سياق النهي، وهي في حكم النكرة في سياق النفي، إما من العمومات، أو تكون في حكم العمومات في الانحلال إلى الأفراد والنواهي، ولا قصور في ناحية إطلاق الحكم، لما تقرر منا: أن النكرة في سياق النفي والنهي وإن لم تكن عموما، إلا أنها تلازم الإطلاق الدائمي (5)، ولا يتصور إثباتا فيها الإهمال، كما قيل به في العمومات اللفظية (6)، على خلاف التحقيق المحرر عندنا في محله (7)، فتصير شاملة للأحكام والموضوعات. فتوهم اختصاص الآية بالموضوعات - لكونها في خلال الآيات السابقة، فإن الخبر الواحد في الموضوعات، غير جائز اتباعه، لأنه من غير العلم، فلو قام على تمامية الكيل، أو على أن المال ليس مال اليتيم وهكذا، فلا يجوز الاتكال عليه، فتكون الآية أجنبية عن حجيته في الأحكام - غير صحيح. ودعوى حكومة الأدلة الناهضة على حجية الخبر الواحد (8)، قابلة للدفع، لما مر من عدم تمامية الحكومة المتقومة بكون أدلتها في مقام التنزيل، وهو ممنوع جدا. مع أنه لا معنى لها، لأن لفظة " ما " كناية عن الأفراد الخارجية التي ليست


1 - * (ولا تقربوا الزنى) *، الإسراء (17): 32. 2 - * (ولا تقتلوا النفس...) *، الإسراء (17): 33. 3 - * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) *، الإسراء (17): 31. 4 - كفاية الاصول: 339، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 160. 5 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 99. 6 - نهاية الأفكار 2: 510. 7 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 99، وفي الجزء الثامن: 333 - 334. 8 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 160 - 161. (*)

[ 422 ]

مصاديق العلم، وليس الحكم هنا على عنوان كلي قابل للتحكيم توسعة أو تضييقا. فما في كلمات القوم من التنزيل (1)، وهكذا في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله): " من أن الآية تشتمل على الحكم المتعلق بالعناوين الكلية الكذائية، فتقبل الحكومة " (2) كله غير قابل للتصديق جدا. وأما القول بالتخصيص، فهو وإن كان ممكنا، إلا أنه في خصوص النكرة في سياق النهي والنفي، محل إشكال عندي (3)، ولاسيما بعد ملاحظة ذيل الآية (4)، فإنه يورث امتناعه وإباءه عنه وعن التقييد. فما كان جوابا عن الآيات السابقة، لا يصلح أن يكون جوابا عن هذه الآية، وهكذا دعوى الانصراف. بل ما مر منا من كشف القرينة الخاصة المانعة عن ظهور الآية لشمول ما نحن فيه، أيضا لو تم فهو بالنسبة إلى الأخبار الآحاد التي تكون مورد الوثوق والاطمئنان، دون مطلق الخبر، وما هو المدعى هو الثاني، كما هو الواضح. فتحصل لحد الآن: تمامية الآية للردع عن اتباع الخبر الواحد، ولا يتوجه إليها كثير من الإشكالات المحررة في كتب القوم: من المناقشة في الإطلاق (5)، أو المناقشة في الدلالة، من جهة كونها منسلكة في آيات الاعتقادات، كما في " الكفاية " (6) فإن هذه الآية في خلال آيات الأحكام الفرعية، ولا ينبغي الحكم بلا مراجعة إليها، كما هو كثير الدور في المسائل الاصولية. أو المناقشة في كونها مربوطة بالموضوعات، دون الأحكام كما مر. أو في أن


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 380، حقائق الاصول 2: 112. 2 - نهاية الأفكار 3: 102 - 103. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 99، وفي الجزء الخامس: 213 - 214. 4 - * (... إن الظن لا يغني من الحق شيئا) *، النجم (53): 28. 5 - معالم الدين: 195، درر الفوائد، المحقق الخراساني: 103. 6 - كفاية الاصول: 339، أجود التقريرات 2: 102. (*)

[ 423 ]

الآية الواقعة بعدها، تكون ظاهرة في المعنى الأخلاقي، لما فيها من النهي عن المشي في الأرض مرحا، فهي مثلها، فيكون النهي أخلاقيا وإرشاديا، فإنه لتوهم: أن وحدة السياق في بعض الأحيان، تورث اختلال الظهور الذاتي، ولكنه هنا ممنوع، لقوله تعالى: * (إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا) * (1). فتلك المناقشات الكثيرة، أو توهم الجمع بين مفاد هذه الآية وأخبار حجية الخبر الواحد بالحكومة، أو التخصيص، أو دعوى الانصراف، لقيام الأخبار الكثيرة البالغة أحيانا إلى ما فوق المائة - كما سيمر عليك إجمالها إن شاء الله تعالى - على حجية الخبر الواحد (2)، فتكون هي موجبة لانصراف الآيات الناهية، أو تكون كاشفة عن القرائن الخاصة (3)، كلها غير تامة، كما اشير إليه. حول وجوه المنع عن دلالة الآيات الناهية عن اتباع الظن نعم، بقيت بعض الوجوه الاخر: فمنها: أن مقتضى إطلاق الآية ممنوعية الاستدلال بها، ضرورة أن اتباع الظواهر من مصاديق اتباع غير العلم، ولازمه الزجر عن اتباع ظاهر الآية والآيات المستدل بها هنا، وهذا جواب عن جميع الآيات الناهية (4). أقول: قد مر منا في مباحث الظواهر، ما يتعلق بهذه المسألة من البحوث (5). ومن الممكن أن يقال: إن هذه الآية والآيات، تورث الوثوق والاطمئنان بأن


1 - الإسراء (17): 36. 2 - يأتي في الصفحة 488. 3 - تقدم في الصفحة 420 - 421. 4 - تهذيب الاصول 2: 103. 5 - تقدم في الصفحة 333 - 334. (*)

[ 424 ]

ما ليس بعلم ممنوع اتباعه، فيكون الخبر الواحد غير المورث غير حجة حسب الآية، وإذا كان مورثا للوثوق والاطمئنان فلا بأس بحجيته، لأنه العلم عرفا، والآية تنهى عن اتباع غير العلم، فلا يتم - حسب مفادها - ما هو المقصود، وهو حجية مطلق خبر الثقة، وتكون رادعة عنه. وإن شئت قلت: لابد عقلا من اختيار حجية هذه الآية، وإلا تلزم اللغوية، فحجية هذه الآية ثابتة قطعا، وعندئذ تكون مانعة من اتباع غير العلم. وهذا ليس من تخصيص الآية بنفسها، كما في " تهذيب الاصول " (1) ضرورة أن التخصيص فرع الشمول البدوي، والانصراف يمنع عن الشمول، فلا وجه لما فيه: " من أن التخصيص إذا جاز بالنسبة إلى نفسها، فيجوز بالنسبة إلى أخبار الآحاد بأدلة حجيتها ". هذا مع أن الالتزام بحجية الظواهر بعد قطعية السند، مما هو ضروري، لأن القرآن جاء لهداية البشر، فلابد عقلا من ذلك في خصوص ظواهرها، بخلاف ما هو ظني الصدور، فليسا هما في عرض واحد حتى عند العقلاء، ولو كانا واحدا عندهم ولكنهما - حسب هذه الآيات، ونزول القرآن - مختلفين في نظر الشرع، فتدبر. ومنها: أن الحكومة والتخصيص ودعوى الانصراف، كلها لو كانت غير تامة، ولكن الورود ممكن، فإن مفاد الآية ليس إلا النهي عن اتباع غير الحجة، ضرورة أن " العلم " في لسان الأخبار هي الحجة، كما تقرر في محله، للقرائن الخاصة، وفيما نحن فيه أيضا يكون المراد منه الحجة، إذ لو اريد منه العلم الوجداني، للزم تعطيل الأحكام الكثيرة، أو ورود التخصيص الأكثر المستهجن، انتهى ما في " تهذيب الاصول " بإجماله (2).


1 - تهذيب الاصول 2: 103. 2 - تهذيب الاصول 2: 104 - 105. (*)

[ 425 ]

ولا يخفى: أن الورود شأن أدلة حجية خبر الواحد، لا السيرة فقط. وفيه: أنه يمكن أن يكون العلم أو الوثوق والاطمئنان مرادا، وتكون الأخبار التي تورث الوثوق حجة، فلا يلزم تخصيص، ويلزم منه مردوعية المدعى، وهو حجية الخبر الواحد على إطلاقه، ضرورة أن حجيته في الجملة مما لا يكاد ينكرها أحد، وهي من الضروري، فما هو المهم للمثبتين إثبات حجيته على الإطلاق، وهذه الآيات تمنع ذلك الإطلاق الذي هو مقصودهم في المقام. وكون المراد من " العلم " هي الحجة أحيانا في بعض الأخبار للشواهد، لا يستلزم ذلك في الآية بعد اختلاف عصرهما. هذا مع أنه لو كان المراد من " العلم " هو العلم المنطقي الوجداني، فلا يلزم إلا تخصيص واحد، وهو حجية الوثوق والاطمئنان، دون الخبر الواحد. وتعطيل طائفة من الأحكام مما لا يوجب القول بالحجية، لأن من ينكر حجيته يلتفت إلى ذلك، ويلتزم به جدا، ولا يعتقد أنه من الأحكام الإلهية، حتى يستوحش من هذه الحملة الحيدرية الروحانية. ومنها: أن مقصود المستدلين بهذه الآية، ردع السيرة العقلائية القائمة على العمل بالخبر الواحد، وهذا غير ممكن، للزوم الدور، ضرورة أن رادعية الآيات موقوفة على عدم مخصصيتها بالسيرة، ولو كانت مخصصة بها لما أمكن أن تكون رادعة، وعدم مخصصيتها بها موقوف أيضا على رادعيتها عنها. وبعبارة اخرى: لابد وأن تكون الآيات في قوة الردع عن السيرة، مع أن السيرة أقوى منها، لأنها تخصصها (1). أقول: ليس المقصود من الردع إلا إبلاغ عدم الرضا بالسيرة العقلائية، وأما


1 - كفاية الاصول: 348، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 161 - 162، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 134. (*)

[ 426 ]

الردع وقلع مادة الفساد خارجا، فهو ليس دأب الشرع في مرحلة التقنين، فعليه كما تكون السيرة على القمار قبل الإسلام إلى أن طلع الإسلام، ويكون باقيا إلى زماننا، ومع ذلك يردع عنه الشرع بقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (1) كذلك الأمر هنا، فإن السيرة العملية باقية ودائمية وقديمة، إلا أن الشرع ربما أظهر عدم رضاه بها بهذه الآية، فالآية رادعيتها موقوفة على كون إطلاقها مرادا، وإذا كان الأمر كذلك، يتبين عدم رضا الشرع بتلك السيرة العملية ولو كانت متعارفة بين المتشرعة الجاهلين بالأمر. وإن شئت قلت: الكلام هنا في أدلة النافين، والمفروض عدم قيام الدليل على حجية الخبر الواحد، بل المفروض عدم حجيته حسب الأصل، ويكون ذكر هذه الأدلة تأييدا لذلك الأصل، وتأكيدا له، وتكون في قوة معارضة الأدلة المثبتة على وجه لا يتمكن المثبت من الخروج عن مقتضى الأصل الأولي المزبور بالتخصيص والتقييد، وعلى هذا يكون النظر إلى السيرة نظر الشك في كونها ممضاة، وعندئذ تصلح الآيات للردع عنها بالضرورة. ولو قلنا: بأن السيرة حجة، وإنما الردع يمنع عنها، فإن الآيات تمنع، فما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره) هنا (2)، لا يخلو من تأسف. كما أن توهم الدور غير جائز، وسيمر عليك بعض الكلام حوله عند تقريب أدلة المثبتين، ووجه تمامية استدلالهم بالسيرة (3). بقي شئ: لو أقر المنكر بوجود السيرة العملية على العمل بالخبر الواحد عند طلوع الإسلام، فعدم ردع الشرع دليل اعتبارها، وعندئذ لا يمكن أن تكون


1 - البقرة (2): 188. 2 - نهاية الأفكار 3: 103 - 104. 3 - يأتي في الصفحة 502 - 504. (*)

[ 427 ]

الآيات رادعة عنها، ولا يمكن أن يكون النظر إليها نظر الشك في حجيتها (1). وفيه: أن عدم الردع المتعقب بإظهار عدم الرضا حسب الآية الشريفة، لا يكفي لكشف الإمضاء. وتوهم: أن الآية بحكم العام والمطلق بعد ورود المخصص والمقيد، غير جائز في مثل هذه الامور، ضرورة أن الردع عن المغروسات الذهنية والسير الخارجية المحتاجة إلى الفرصة المناسبة، لا يدل على شئ، ولا يكشف عن الرضا والإمضاء، كما لا يخفى، ومن هنا يظهر ضعف ما في " تهذيب الاصول " لحل المشكلة المزبورة (2). ومنها: أن الخطاب في هذه الآية، يجوز أن يكون مخصوصا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسائل الاخر، لأن الآيات السابقة وإن كانت خطاباتها بصيغة الجمع، إلا أنها أيضا ليست متوجهة إلى عامة المكلفين، ضرورة أن التقرب إلى أموال اليتامى، لا يجوز للفساق بالضرورة، وليست العناوين المأخوذة عامة شاملة لكل أحد، حتى يقال: بأن هذه الآية في سياقها، فيكون المخاطب المكلف، فالآية مجملة (3). نعم، الآيات المتأخرة عنها وإن كانت تناسب العموم، مثل قوله تعالى: * (ولا تمش في الارض مرحا) * إلا أنه لا يكون حجة شرعية على الإطلاق فيما نحن فيه. ومنها: أن الاتباع لما ليس به علم، إن كان هو كناية عن العمل، فلازمه الاحتياط في الشبهات التحريمية، دون الوجوبية، لأن تركها ليس عملا. نعم الإتيان


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 123 - 124، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 133 - 134. 2 - تهذيب الاصول 2: 106. 3 - قوانين الاصول: 453 / السطر 7. (*)

[ 428 ]

بالشبهات الوجوبية، أيضا ممنوع مما لا يكون بها علم. وهذا قطعا ليس مرادا، إلا إذا قلنا باختصاص الآية الكريمة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه يعلم كل شئ عند الحاجة إليه، فعلى هذا تصبح الآية - لأجل هذه الجهة - مجملة (1). ومنها: أن المنهي هو اتباع ما ليس به علم، وكما يكون الاتباع لحكم الله تعالى المعلوم خارجا عنه، كذلك الاتباع للخبر الواحد المعلومة حجيته، يكون خارجا عنه تخصصا، وهذا ليس من الورود، ولا الحكومة، ولا التخصيص والتقييد. وبالجملة: حجية الخبر الواحد معلومة لنا بالضرورة، ولا يكون الحجية ظنية ولو كان مؤداها ظنيا وإذا كان الاتباع عن خبر زرارة من الاتباع اللغوي والعرفي، وكان اعتبار خبر زرارة قطعيا، يكون هو خارجا عن منطوق الآية. وإن شئت قلت: كلمة * (علم) * نكرة في سياق النفي، ف‍ * (لا تقف ما ليس لك به علم) * أي علم ما، لمكان التنوين الداخل على النكرة، ولنا العلم بحجية خبر الثقة. اللهم الا أن يقال: بأن دعوى العلم بالحجية بالنسبة إلى مطلق خبر الثقة، من الجزاف المنهي، فتكون الآية تامة للرادعية. ومن هنا يظهر: أن توهم المعارضة البدوية بين ظاهر الآية، وقطعية حجية الخبر الواحد، وأنه عندئذ لابد من الأخذ بما هو المقطوع، وترك الآية إلى أهلها، غير صحيح، لأن ما هو المقطوع به هو الخبر الواحد في الجملة، أي الخبر الواحد الحاصل منه الوثوق والاطمئنان، دون مطلقه، فيكون ظاهر الآية باقيا على قوته للردع. ولعمري، إنه لولا ما أشرنا إليه من طريان الإجمال على الآية من تلك الناحية، لكانت دلالتها على عدم رضا الشرع بإخبار الواحد غير الحاصل منه


1 - قوانين الاصول 1: 453 / السطر 7. (*)

[ 429 ]

الوثوق والاطمئنان، تامة جدا. بقي شئ: يمكن أن يقال: إن مقتضى قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) * (1) عدم حجية مطلق الظن، عملا بالعلم الإجمالي، فتدبر. تذييل: حول دلالة آية النبأ على عدم حجية الخبر ربما يمكن دعوى: أن مفاد التعليل في ذيل آية النبأ، المنع عن كل الإصابات التي فيها الجهالة، ولا شك في أن الاتكاء على الخبر الواحد غير الحاصل منه العلم العادي، من موارد الندم والإصابة بجهالة (2)، ضرورة أن الجهالة من الصفات النفسانية، وهي حاصلة في موارد الظنون الخاصة. وتوهم: أن في مورد الجهل المركب، تكون الإصابة بجهالة، وتحصل الندامة، بل ربما تحصل الندامة حتى في صورة العلم، فما هو المناط هو أمر آخر، وليس ذيلها في حكم التعليل للحكم، غير سديد، لعدم إمكان ردع العالم بالواقعة. هذا أولا. وما هو العلة هي الجملة الاولى، وأما الجملة الثانية فهي أثر التخلف عن الحكم، كما لا يخفى. وهذا ثانيا. والذي هو الأقرب: أن الجهالة في قبال التبين، هي الإقدام بلا تبين وتفحص وتدبر ومحاسبة عقلائية.


1 - الحجرات (49): 12. 2 - مجمع البيان 9: 199، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 109، تهذيب الاصول 2: 113. (*)

[ 430 ]

وقد قيل: " إن الجهالة هي السفاهة، وهي غير الجهل " (1) وسيمر عليك تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى (2). وعلى هذا، تكون الآية رادعة عن كل الامور التي فيها الإقدام المنتهي إلى التندم، إذا أقدم الإنسان عليها بلا تبين، وأصاب القوم بجهالة وسفاهة بغير تفكر وتدبر، ولا شبهة في أن الاتكال على الخبر الواحد القائم به العدل الثقة، ليس فيه السفاهة والجهالة وإن يستلزم الندامة، كما في صورة العلم الوجداني أحيانا (3). ولأحد دعوى: أن إطلاق التعليل، يقتضي وجوب التبين في موارد الامور العادية والمسائل الشخصية غير الشرعية، وهو ممنوع الوجوب قطعا، فتكون الآية أجنبية عما نحن فيه، وعن مسألة حجية الخبر الواحد بالمرة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 171، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 109، مصباح الاصول 2: 162 - 163. 2 - يأتي في الصفحة 462 - 465. 3 - مصباح الاصول 2: 164 - 165. (*)

[ 431 ]

الوجه الثاني الروايات والأخبار وهي على طوائف. وقبل الإشارة إليها لابد وأن نشير إلى نكتة: وهي أن ما هو المفيد، هو الخبر المتواتر الموجب للوثوق والاطمئنان والعلم العادي، ولو كان الخبر ضعيفا سنده، أو غير متواتر سندا، فلا يكفي الاعتماد عليه، لعدم حجية الخبر الواحد. ثم إنه لابد وأن يورث العلم المزبور، وإلا فمقتضى الآيات المستدل بها، عدم حجية الظواهر بما هي ظواهر، كما مر (1). ويمكن أن يقال: لابد وأن يكون الخبر المستند إليه في عدم حجية الخبر الواحد، واجدا للشرائط المقررة في الأخبار الآتية (2)، ولو كان فاقدا لتلك الشرائط، فلا يكون حجة، ولا يصلح للاعتماد عليه. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن أخبار المسألة مذكورة كلها في مقدمات كتاب " جامع الأحاديث " (3) للسيد الاستاذ الفقيه الكبير البروجردي (قدس سره) وهي على طوائف، نشير إليها إجمالا وإن كان قومنا غير ناقلين أخبار المسألة إلا الشيخ الأنصاري (4)، ذاهلين عن أن أمثال هذه المسائل الروائية، تحتاج إلى الغور في أخبارنا المجملة:


1 - تقدم في الصفحة 234 وما بعدها. 2 - تأتي في الصفحة 491 وما بعدها. 3 - جامع أحاديث الشيعة 1: 308 - 325، أبواب المقدمات، باب ما يعالج به تعارض الروايات، الباب 6. 4 - فرائد الاصول 1: 110. (*)

[ 432 ]

الطائفة الاولى: ما يستدل به على حجية معلوم الصدور فقط، وهو خبر " السرائر " (1) و " بصائر الدرجات " (2) عن موسى بن جعفر، وأبي الحسن الثالث (عليهما السلام): سأله عن الصلاة... إلى أن قال: وسألته عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك (عليهم السلام) قد اختلف علينا فيه، كيف العمل به على اختلافه، أو الرد إليك فيما اختلف فيه ؟ فكتب (عليه السلام): " ما علمتم أنه قولنا فالزموه، وما لم تعلموه فردوه إلينا ". وأنت خبير: بفقدانه تلك الشرائط جميعا. مع أن الظاهر منه هو في مورد اختلاف الأخبار، وعليه يتوجه السؤال: وهو أنه كيف يصح التعبير عن الخبرين المختلفين ب‍ " العلم المنقول " ؟ ! فيدل الخبر على حجية خبر الثقة في ذاته، ويشهد هذا الخبر على أن الخبر الموثوق به، علم في محيط السائلين والمجيبين (عليهم السلام) وعليه يحمل طبعا جملة " ما علمتم " فاغتنم. الطائفة الثانية: ما يدل على اشتراط حجية الخبر بوجود شاهد أو شاهدين في كتاب الله وسنة نبيه: فمنها: ما رواه " الكافي " عن عبد الله بن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخلنا عليه جماعة...


1 - السرائر 3: 584، وسائل الشيعة 27: 119 - 120 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 36. 2 - بصائر الدرجات: 524 / 26. (*)

[ 433 ]

إلى أن قال (عليه السلام): " وإذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذوه، وإلا فقفوا عنده... " الحديث (1). ومنها: ما عن " الكافي " عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد صحيحا، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: وحدثني الحسين بن أبي العلاء، أنه حضر ابن أبي يعفور هذا المجلس، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يرويه من نثق به، ومنهم من لا نثق به. قال: " إذا ورد عليكم حديث، فوجدتم له شاهدا من كتاب الله، أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا فالذي جاءكم به أولى به " (2). وأنت خبير: بأن الخبر الأول مرسل، والثاني معتبر ظاهرا، لأن عبد الله بن محمد هو الحجال المزخرف الأسدي الثقة، ورواية ابن يحيى عنه ممكنة، بل واقعة، واحتمال كونه غير الحجال بعيد. وفي سنده علي بن الحكم، وهو عندي معتبر. إلا أن الخبر الواحد لا يتمسك به، فالشرائط مفقودة. هذا مع أن الخبر الثاني في مورد المعارضة والاختلاف، ويشهد لكون الأول أيضا مثله: ما رواه " المستدرك " عن المفيد... إلى أن قال: والحديث المعروف قول أبي عبد الله (عليه السلام): " إذا أتاكم عنا حديثان مختلفان، فخذوا بما وافق منهما القرآن، فان لم تجدوا لهما شاهدا من القرآن، فخذوا بالمجمع عليه... " الحديث (3). ثم إن الخبر الثاني يشهد على مغروسية حجية خبر الثقة. نعم عدم إمضائه (عليه السلام) سؤاله، والجواب على وجه اخر، يورث اشتراط الحجية بالموافقة، ولزوم الشاهد عليه من الكتاب.


1 - الكافي 2: 231 / 4. 2 - الكافي 1: 55 / 2. 3 - مستدرك الوسائل 17: 306 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 11. (*)

[ 434 ]

ولكن يتوجه إليه: أن قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يثبت إلا بالواحد نوعا، وقلما يتفق ثبوته بالتواتر، بل والاشتهار، فهو أيضا شاهد على أن مصب الكلام مورد المعارضة، وسيمر عليك ما هو الجواب المشترك عن مطلق هذه الأخبار الدالة على اشتراط حجية الخبر بغير ما هو المعتبر عند العقلاء (1). فبالجملة تحصل: أن الخبرين ساقطان عن صلاحية الاستدلال، لفقدانهما الشرائط اللازمة عقلا وشرعا، كما لا يخفى. الطائفة الثالثة: ما يستفاد منه حجية الخبر الموافق للكتاب فقط: فمنها: ما رواه " الكافي " معتبرا، عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كل حديث مردود إلى الكتاب والسنة، وكل شئ لا يوافق كتاب الله فهو زخرف " (2). ومنها: ما فيه عن أيوب بن راشد، عنه (عليه السلام) قال: " ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف " (3). ومنها: ما في " المستدرك " عن العياشي، عن كليب الأسدي (4)، وهو قريب مما سلف. وفي " الوسائل " عن تفسيره، عن سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)


1 - يأتي في الصفحة 437 - 439. 2 - الكافي 1: 55 / 3. 3 - الكافي 1: 55 / 4. 4 - تفسير العياشي 1: 9 / 54. (*)

[ 435 ]

وأبو عبد الله (عليه السلام): " لا تصدق علينا إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه " (1). وأيوب بن الحر لم يوثق (2)، ففي هذه الطائفة يكون الخبر الأول معتبرا سندا فقط، مع فقدانها الشرائط الاخر. ويتوجه إليها - مضافا إليه -: أن السنة لا تثبت إلا بالواحد، كما مر. ثم إن عدم الموافقة، معناه عدم حجية كل خبر لم يكن مضمونه في القرآن، أو كان وكان مخالفا له، وعلى هذا يمكن تقييد إطلاقه بصورة كونه مخالفا. والمخالف - كما سيمر (3) عليك - هي المخالفة بالتباين والمكاذبة بالكلية، وأما سائر المخالفات - حتى العموم من وجه - فلا تعد مخالفة في المضمون بالذات، بل ولا بالعرض، لأجنبية ذلك عن التخالف في الدلالة. ويشهد لذلك قوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (4). هذا، ويجوز تقييد الإطلاق المزبور بالمسائل الاعتقادية، جمعا بين الأدلة أيضا. اللهم إلا أن يقال: بإباء اللسان المزبور عن التقييد والتخصيص (5)، فإما يرد علمه إلى أهله، لما عرفت (6)، أو على أن له مصبا خاصا (7)، أو يكون معنى " عدم الموافق " هو المخالف المحمول على المخالفة بالتباين، كما عرفت. ولعمري إن الوجه الأخير قريب جدا.


1 - وسائل الشيعة 27: 123 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 47. 2 - انظر رجال النجاشي: 75. 3 - يأتي في الصفحة 439. 4 - النساء (4): 82. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 381. 6 - تقدم في الصفحة 431. 7 - نهاية الاصول: 489، تقدم في الجزء الخامس: 382 - 384. (*)

[ 436 ]

ومقتضى ما تحرر منا في محله (1): أن العمومات اللفظية، تحتاج في استيعاب الأفراد إلى مقدمات البيان، فيجوز أن يكون أمثال هذه الأخبار تقية، حتى يتوجه العدو إلى أنهم لا يقولون على خلاف الكتاب، ويحافظون عليه جدا وشديدا. ويصح أن يحمل على صورة المعارضة. وغير خفي: أن قوله: " لا تصدق علينا إلا ما وافق... " ربما يكون معناه النهي عن تصديق الشين عليهم، أعاذنا الله من التوهم في حقهم - عليهم الصلاة والسلام -. الطائفة الرابعة: ما تدل على تنويع الأخبار إلى نوعين، واعتبرت في حجية النوع الأول موافقة الكتاب، وفي عدم حجية النوع الثاني مخالفة الكتاب. فمنها: ما في " الكافي " بإسناده المعتبر عندنا، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه " (2). وقد اشتهر الخبر في المجامع ك‍ " المحاسن " و " الأمالي " (3) وغيرهما بأسانيد مختلفة، ومع ذلك ليس متواترا. هذا مع أن مضمونه مشمول للآيات الناهية، كما اشير إليه، فيكون الحديث فاقد الشرائط العقلية والشرعية أيضا، فلا يصلح للاستدلال لما نحن فيه. ومثله ما في " تفسير العياشي " عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " يا محمد، ما جاءك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك في


1 - تقدم في الجزء الخامس: 201 - 203. 2 - الكافي 1: 55 / 1. 3 - المحاسن 1: 226، الأمالي والمجالس، للصدوق: 300 / 16، المجلس 58. (*)

[ 437 ]

رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به " (1). ومنها: ما في " الكافي " معتبرا، عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله " (2). وهذه الطائفة أيضا فاقدة لشرائط الاستدلال على عدم حجية الخبر الواحد. مع أن المخالفة هي بالتباين، وتكون المسألة مندرجة في مسألة جواز نسخ القرآن بالخبر الواحد، وهو ممنوع في محله (3)، وجائز إذا كان المشهور عمل به، فإنه يعد من المجمع عليه، لا من الخبر الواحد، ولا ينبغي الخلط بينهما. ثم إن هذه الطائفة ساكتة عن الأخبار غير الموافقة وغير المخالفة بالتباين، وهي أكثر الأخبار في العبادات والمعاملات. وتوهم: أن صدر الجملة، يدل على اشتراط حجية الخبر بالموافقة، في غير محله، بعد صراحة الذيل في أن المخالف مطروح، فتكون الطائفة الثالثة خارجة عنها حسب الفهم العرفي، بعد عدم إمكان الأخذ بلازم الجملتين. ثم إن الخبر الثاني من هذه الطائفة، يشهد على أن مصب الخبر في المسائل الاعتقادية، ضرورة أن تلك المسائل ليست مبتنية على صحة السند وعدمها، لعدم حصول الاعتقاد بذلك عادة، بخلاف كونه في القرآن، وكون نقيضه فيه، فإنه يحصل عادة لنوع الناس من ذلك الاعتقاد.


1 - تفسير العياشي 1: 8 / 3. 2 - الكافي 1: 56 / 5. 3 - محاضرات في اصول الفقه 5: 314 - 315. (*)

[ 438 ]

الطائفة الخامسة: ما تدل على تنويع الأخبار إلى طائفتين: الموافق، فيكون حجة، وغير الموافق، فلا يكون حجة، ولا يوجد بين أخبار المسألة إلا خبر واحد يقتضي ذلك، وهو ما رواه " الوسائل " عن " الأمالي " معتبرا، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: " انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه... " (1). وفي عمرو بن شمر إشكال (2). وحيث لا صدر له يحتمل سقوط ما يورث كونه من الأخبار العلاجية، فيخرج عن مسألتنا. هذا مع أن كتاب " الأمالي " ليس من الكتب المتواترة. ثم إن هنا إشكالا على كافة تلك الأخبار الآمرة بالأخذ بالموافق (3)، وما له الشاهد والشاهدان (4): وهو أن الأخذ به لا معنى له، لرجوع ذلك الى الأخذ بالكتاب، فيكون نتيجة هذه الأخبار لغوية حفظ الآثار كلها، لأن المخالف مطروح، وغير المخالف لابد وأن يكون موافقا، وإلا فيطرح، والموافق للكتاب أيضا مطروح في الحقيقة، فتكون نفس هذه الأخبار نفس ما قاله الملعون " حسبنا كتاب الله " (5). فمن هنا يظهر إمكان كون الكل مدسوسا في الأخبار، نظرا إلى المقاصد الفاسدة، والآراء الباطلة لعلماء السوء، وللحكام الجائرين.


1 - الأمالي، الشيخ الطوسي: 231 / 410، وسائل الشيعة 27: 120، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 37. 2 - رجال النجاشي: 287 / 765. 3 - تقدم في الصفحة 434 - 435. 4 - تقدم في الصفحة 432 - 433. 5 - صحيح مسلم 3: 455 / 22. (*)

[ 439 ]

نعم، لو قلنا: بأن مجرد الشاهد من الكتاب والموافقة إجمالا كاف للأخذ بالخبر الأعم يكون لحفظ الخبر أثر، فتأمل. بقي شئ: في اختصاص الأخبار السابقة بعصر الأئمة (عليهم السلام) يظهر لي بعد التدبر في الآثار، قوة كون الأخبار في هذه المسألة، ناظرة إلى المؤمنين في عصر الأئمة (عليهم السلام)، وتكون الخطابات من القضايا الخارجية المخصوصة بتلك الأعصار، لعدم تمكنهم من التمييز في تلك الأقطار المظلمة المدسوس فيها الخبر، حتى حكي عن بعضهم بعد ما استبصر: أنه دس في الأخبار اثني عشر ألف حديثا (1)، فإن ذلك والأمر بالرد إليهم الظاهر في تمكنهم من ذلك، يشهد على الاختصاص، لعدم تهذيب السقيم من الصحيح والطيب من الخبيث، والحق من الباطل، مع تمكنهم من حل مشاكلهم العملية بالرجوع إليهم مشافهة أو مكاتبة. وأما بعد قيام أصحابنا المحققين بتهذيب الأخبار، وتشخيص المعتبر من غير المعتبر، والمدسوس من غير المدسوس، فلا يكون محل للحاجة إلى عرضها على الكتاب، ولذلك تجد أنهم يأمرون بالعرض على الكتاب، سواء كان من الفاجر، أو البر، مع ما في أخبار حجية الخبر الواحد في الجملة مما يدل على حجية خبر البر (2)، فتأمل في ذلك، لعلك تجد إليه سبيلا، وعليه شواهد اخرى. نعم، فيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) لا يأتي ذلك، ولكن مضمون الخبرين المنقولين عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) موافق للتحقيق، لأن المخالف بالتباين يطرح إلا إذا قام الإجماع أو الشهرة، فإنه تقييد لإطلاق الخبرين. ومن اللطيف عدم وجود الخبر


1 - لاحظ ميزان الاعتدال، للذهبي 2: 644، تدريب الراوي، للسيوطي: 186. 2 - يأتي في الصفحة 491 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 434 وما بعدها. (*)

[ 440 ]

الثالث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهما متحدان في المضمون، وموافقان للأصل والقواعد. تتمة: ربما يتوهم: أن قضية التواتر الإجمالي حجية خبر واحد من بين الأخبار، فيكون صالحا للردع به عن الأخبار الاخر. وفيه: أن العلم الإجمالي إن كان يرجع إلى الأقل والأكثر، فالمتيقن غير معلوم الصدور، لأن ما هو المتيقن من بين الأخبار، هو الخبر المعلوم الصدور الموافق للقرآن والسنة، وهذا يلزم من وجوده عدمه. وإن كان يرجع إلى المتباينين، فلا ينفع لما لا نعلم بخصوصه حتى نأخذ به. والظاهر هو الثاني، لأن مقتضى طائفة منها حجية غير المخالف، ومقتضى الطائفة الاخرى حجية الموافق. وتوهم: أن لازم الطوائف حجية الموافق المعلوم صدوره، فيكون الأخذ بالقدر المتيقن من الأخذ بالأخبار، غير سديد، لأن طرح الأخبار التي هي حجة غير جائز أيضا، وإذا كان غير المخالف حجة يلزم خلاف الاحتياط، ويلزم طرح الأخبار بلا وجه، فلا يفيد التواتر الإجمالي هنا شيئا. وغير خفي: أن تقسيم الأخبار إلى ما يدل على عدم الصدور، وما يدل على عدم الحجية، غير صحيح، لأن الأخبار الناطقة بعدم الصدور توجب التعبد به، ومعنى التعبد بعدم الصدور، ليس إلا التعبد بعدم الحجية، فما في تقريرات العلامة الأراكي (رحمه الله) هنا (1)، لا يخلو من تأسف، والأمر سهل.


1 - نهاية الأفكار 3: 104 - 105. (*)

[ 441 ]

الوجه الثالث الإجماع المحكي عن السيد (رحمه الله) ومقصده بطلان العمل بالخبر الواحد، وأن العمل به بمنزلة العمل بالقياس (1). وعن الشيخ الطبرسي ما يقرب منه (2). وأنت خبير بما فيه، لما مضى من المناقشة في صغرى الإجماعات المحكية، بل وعدم تمكن المتأخرين من تحصيل الإجماع (3)، وإلا فلا مناقشة في الإجماع ولو كان منقولا بحسب الكبرى فإنه حجة (4)، وليس هو إلا الشهرة. هذا، وسيمر عليك ما ادعاه الشيخ (رحمه الله) (5) من قيام السيرة العملية من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على العمل به، ويكفي لبطلان المقصد المزبور ما مر، وإن أمكن حمله على الخبر الواحد الخالي من شرائط الحجية العقلائية والشرعية، في قبال من كان في عصره - احتمالا - يعمل بمطلق الخبر الموجود في الكتب الموجودة في عصره ك‍ " الكافي " و " الفقيه " أو كتب العامة، كما هو بناء الأخباريين في العصور المتأخرة بالنسبة إلى الكتب الأربعة.


1 - الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 528، رسائل الشريف المرتضى 1: 24 و 26 و 3: 309. 2 - مجمع البيان 9: 199. 3 - تقدم في الصفحة 363 - 365. 4 - تقدم في الصفحة 357 - 358. 5 - فرائد الاصول 1: 162 - 164. (*)

[ 442 ]

الوجه الرابع العقل وقد مرت مشكلة ابن قبة في المسألة بما لا مزيد عليه (1). وهنا تقريب آخر: وهو أن المتضلع الخبير بالمسائل التأريخية، والناظر البصير بالمسموعات والاتفاقات والحوادث، يجد امتناع الاطلاع عادة على ما هو واقع الأمر، وعلى ما هو حقيقة الحادثة، ولذلك تختلف الحكايات عن القضية الواحدة في عصرهم ومصرهم، فكيف إذا كان بعيدا عنهم، وبعيدا عنا ؟ ! فإن في هذه النظارة، لا يصلح عند العقل تلك الأخبار للحجية والكاشفية، فإنه بعد العلم بوقوع الدس فيها بما عرفت واشتهر، لا يعقل اعتبار الحجية لتلك الأخبار، كما لا معنى لحجية الخبر المعلوم كذبه. وبالجملة: لا منع ذاتا من جعل الحجية للخبر الواحد، وإنما المنع في حجية أخبار الفقه الموجودة عندنا. وإلى ذلك يشير ما في الأخبار السابقة: من الاحتراز عما لا شاهد عليه أو شاهدان من كتاب الله عزوجل، فلا ينبغي الخلط بين المسألة الكلية، وخصوص تلك الأخبار البعيدة عنا عصرا ومصرا، والمخلوطة بالأباطيل قطعا ويقينا، فلو قام دليل فرضا على الحجية، فهو دليل على مسألة كلية، لا في خصوصها. ولو كان في خصوصها، فهو مقصور بالنسبة إلى المتلقين في عصر الخبر قبل وقوع الاغتشاش فيها، وبذلك يجمع بين الآثار الدالة على الحجية وعلى اللاحجية.


1 - تقدم في الصفحة 215 وما بعدها. (*)

[ 443 ]

أقول: قد تحرر منا حل هذه المشكلة في ديباجة مبحث حجية الخبر الواحد بما لا مزيد عليه (1)، وأنه لو كانت أدلة عدم حجية الخبر الواحد تامة، لكانت أخبار الكتب الأربعة خارجة عنها، خصوصا وأن تلقيها بالقبول - إلا ما قام عليه شواهد الكذب - كان من الضروري من بدو التأليف وقبله إلى عصرنا، فلا ينبغي الخلط بين النقيات الثياب والأرجاس. وإن شئت قلت: مشكلة ابن قبة مشتركة بين الطرق والأمارات والاصول، ولا معنى لعدها من الدليل العقلي على عدم حجية الخبر الواحد، فعليه إما تكون أدلة عدم حجيته ثلاثة، أو لابد من تقريب دليل عقلي لخصوص هذه المسألة. ونقول: إنه كما يمتنع جعل الكاشفية والحجية للخبر المعلوم الكذب تفصيلا، كذلك يمتنع ذلك للأخبار المعلوم إجمالا كذب طائفة منها، كالأخبار الموجودة بين أيدينا. نعم، إنما يمتنع جعل الكاشفية للمعلوم بالتفصيل، وللمقدار المعلوم بالإجمال بالذات، ولجميع الأخبار، للزوم اللغوية، ضرورة أن المعلوم كذبه غير متبين عندنا، فاعتبار الحجية للكل غير جائز، لما لا يترتب الأثر المقصود من الحجية بالنسبة إلى غير المعلوم كذبه بعد كونه مخلوطا بالأكاذيب. وبالجملة: حجية خبر الواحد مما لا بأس بها على نعت القضية الكلية، ولكن حجية ما بين أيدينا غير معقولة. أقول: هذا هو من الإشكلات المنتهية إلى لزوم الاحتياط، وإذا امتنع الاحتياط فلابد من حجية الظن، وسيمر عليك في محله كيفية انحلال العلم الإجمالي المزبور (2)، وقد أشرنا إلى وجهه فيما اشير إليه آنفا.


1 - تقدم في الصفحة 412 - 414. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 211 - 214. (*)

[ 445 ]

الموقف الثاني حول الأدلة الناهضة على حجية الخبر الواحد وقبل الخوض فيها نشير إلى نكتة: وهي أنه ربما يتوقف الفقيه، في حجية خبر الواحد، لأجل عدم معلومية بناء العقلاء في مورده، كما في الأخبار مع الوسائط الكثيرة، أو في موارد الشك في إعراض المشهور، أو قيام الإجماع عليه، فإنه في هذه الصورة إن كان في الأخبار والآيات، دليل ذو إطلاق وعام تام قائم على حجية الخبر الواحد، فإنه يصلح لأن يكون مرجعا له، كما مر نظيره في مباحث اليد (1)، فإن اليد أمارة ملكية ذي اليد، إلا أنه ربما تكون اليد مشبوهة، لسبقها بالسرقة، فإنها عند العقلاء لا تكون كاشفة، أو يكون بناؤهم مشكوكا فيه، ولكن يصلح إطلاق قوله (عليه السلام): " من استولى على شئ منه فهو له " (2) للمرجعية، بشرط عدم حمله على الإمضاء لما تعارف عند العقلاء. فعلى هذا، الفحص عن أدلة حجية الخبر الواحد، نافع في الجملة، وقد مر في


1 - تقدم في الصفحة 104. 2 - وسائل الشيعة 26: 216 كتاب الفرائض والمواريث، أبواب ميراث الأزواج، الباب 8، الحديث 3. (*)

[ 446 ]

مباحث حجية الشهرة ما يتعلق به (1). وأما توهم امتناع كون الدليل القائم على حجية الخبر الواحد، مرجعا في موارد الشك، للزوم كونه مشتملا على الإمضاء والتأسيس، فيكون إمضاء بالنسبة إلى البناءات، وتأسيسا في غير موردها، فهو فاسد، لما تحرر منا في محله من إمكانه، ضرورة أن التأسيس والإمضاء، ليسا إلا بالاضافة إلى المتعلق، ويجمعهما الأمر الواحد، ولا يكونان متقابلين في مقام الجعل والإنشاء، كما لا يخفى. فإذا ورد: " من استولى على شئ منه فهو له " فهو ليس إلا جعل المالكية، إلا أنه إذا اضيف إلى ما هو موافق للطريقة العقلائية، يسمى ب‍ " الإمضاء " وإلا فب‍ " التأسيس " فاغتنم، ولا معنى لحمله على الجملة الإخبارية، لأنه كذب بالضرورة. بقي شئ: وهو أنه بعد ما عرفت ثمرة الفحص عن الأدلة اللفظية، فاعلم: أن دائرة الادعاء هو حجية خبر الثقة، سواء كان عادلا، أو فاسقا، وسواء كان مؤمنا، أو عاميا، بل وكافرا. ثم إن الأحكام النفسية كما تكون مشتركة بين الكفار والمؤمنين، تكون الأحكام الطريقية مثلها، فإن وجد دليل يثبت به عموم المدعى فهو، وإلا فإن لم تنطبق دائرة الدليل على تلك الدائرة، يلزم التشبث بذيل الدليل الآخر، ولا بأس بأوسعية دائرة الدليل من المدعى، فلا ينبغي الغفلة عن هذه المرحلة، فيتوهم بمجرد صالحية آية لحجية الخبر، أنه يتم بها عموم المدعى في مسألة حجية خبر الواحد، كما قد يتراءى ذلك من بعض عباراتهم، والأمر سهل. إذا تبين ذلك، فالبحث في ضمن وجوه قد استدل بها المثبتون:


1 - تقدم في الصفحة 398 وما بعدها. (*)

[ 447 ]

الوجه الأول الآيات الشريفة الآية الاولى: قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (1). والبحث يقع في جهات: الجهة الاولى: حول اختصاص الآية بالمؤمنين قضية قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * اختصاص حجية خبر الواحد بالمؤمنين، فيلزم أخصية الآية من المدعى. وربما يمكن دعوى: أن الصدر يشهد على أن الذيل، ليس من التكاليف حتى تكون مشتركة، بل الآية بصدد الإرشاد - بقرينة الصدر - إلى مذمومية الإقدام بلا تبين (2). اللهم إلا أن يقال: إن كثيرا من الأحكام التكليفية مصدرة بمثله، والاشتراك ثابت من الجهة الخارجية، فتأمل. الجهة الثانية: حول دلالة " إن " الشرطية على الشك لا يمكن الالتزام بكون أداة الشرط هنا، مستعملة في معناها الحقيقي، وذلك


1 - الحجرات (49): 6. 2 - نهاية الأفكار 3: 108. (*)

[ 448 ]

لما تحرر منا في باب المفاهيم (1) وفي " تفسيرنا الكبير " (2): أن كلمة " لو " لإفادة امتناع المقدم، وكلمة " إذ " و " إذا " لإفادة مفروضية وجود المقدم، وكلمة " إن " الشرطية تفيد الشك في تحققه، ولا يعقل الشك بالنسبة إليه تعالى، فيكون مفاد الآية بحكم القضية الوقتية، والقضايا الوقتية ليست ذات مفهوم، ولا تورث التعليق، لأن المفروض وجود المقدم، ولا معنى - بعد كون المفروض وجوده - أن يكون الجزاء معلقا على وجه يفيد المفهوم، فلا ثمرة في الآية من هذه الجهة. وفيه: أن ما حررناه هو أن أداة " إن " الشرطية - في قبال " لو " الامتناعية - تفيد إمكان متلوها، وإمكانه غير الشك فيه حتى لا يمكن الالتزام به، فلا تخلط. الجهة الثالثة: في المراد من الفاسق سيأتي في الجهة الآتية إن شاء الله تعالى الوجوه والمحتملات في المنطوق (3)، ومنها ولعلها الأقرب: دخالة الفسق في عدم الحجية ولزوم التبين، ومن كان مراجعا للقرآن العزيز، ربما يطمئن بأن " الفاسق " في الكتاب يطلق كثيرا على الكافر. بل قلما يتفق إرادة المؤمن المذنب منه، ولا نتمكن هنا من توضيح ذلك. وعلى هذا، يلزم ممنوعية حجية الخبر الجائي به الكافر، ولازمه حجية خبر الكذاب والمسلم الوضاع، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. ولو شك في


1 - تقدم في الجزء الخامس: 22 - 25. 2 - تفسير القرآن الكريم، البقرة: 11 - 12 (مباحث الإعراب والنحو). 3 - يأتي في الصفحة 450. (*)

[ 449 ]

المراد من الفاسق فلا يمكن أن يثبت به إلا مالا يلتزم به القوم أيضا، كما لا يخفى. وبالجملة: الأخذ بظاهر الفسق اللغوي هنا غير جائز، لكثرة الآيات المنطبق فيها عنوان " الفاسق " على الكافر. أقول: لا بأس بأوسعية الدليل من المدعى، ولا منع من تقييد المفهوم، ولازمه - كما تحرر في الاصول - انقلاب العلية التامة المنحصرة الحقيقية إلى الإضافية (1)، فتأمل وتدبر جيدا. هذا في ناحية المفهوم. وأما في ناحية المنطوق، فلازمه حتى ولو كان عدم حجية خبر الكافر المتحرز من الكذب، إلا أنه أيضا قابل للتقييد. ويمكن دعوى: أن " الفاسق " ولو اطلق كثيرا على الكافر في القرآن الشريف، إلا أنه هنا اريد به المسلم، لأن الوليد من المسلمين (2). أو يقال: إن " الفاسق " بمعنى مرتكب الذنب، وإطلاقه على الكافر، لأجل أن الكفر من الذنوب، فكونه بمعنى الكافر بحسب اصطلاح القرآن، غير واضح وإن ذهب بعضهم إليه، نظرا إلى أن الوعيد بالنار في مورد الفساق، يختص بالكفار، والتفصيل في محل آخر، فتدبر. أو من جهة أن الخطاب للمؤمنين، ومورده الفاسق، فلا يشمل الفساق ولو كان إطلاق " الفسق " على المؤمن جائزا في اللغة والكتاب (3)، فتدبر جيدا.


1 - تقدم في الجزء الخامس: 51 - 52. 2 - التفسير الكبير، الفخر الرازي 28: 119. 3 - لاحظ القاموس المحيط 3: 285، أقرب الموارد 2: 925. (*)

[ 450 ]

الجهة الرابعة: في محتملات المنطوق شرطا وجزاء في منطوق هذه القضية الشرطية احتمالات: احتمال كون النبأ، تمام الموضوع لإيجاب التبين (1). واحتمال كون الفسق تمام العلة (2). واحتمال الاشتراك (3). واحتمال كل واحد منهما على نعت الاستقلال. واحتمال خامس: وهو كون النبأ علة تامة، والفسق موجبا لتأكد الإيجاب، أو بالعكس. وغير خفي: أن بعضا من تلك الاحتمالات ربما يمتنع ثبوتا، والأمر سهل بعد عدم مساعدة الإثبات معه، فلا تغفل. وعلى الاحتمال الأول والخامس، تسقط الآية عن صلاحية الاستدلال لحجية خبر العادل، ولازمها عدم حجية مطلق الخبر. والأظهر من بينها هي دخالة الفسق، إما بالاستقلال، أو بالاشتراك، وعلى هذا تكون الآية من هذه الجهة، صالحة للاستدلال، لولا الإشكالات الاخر الآتية في الجهات اللاحقة (4). فما قد يظهر من أن التعليل بالذاتي أولى من التعليل بالعرضي (5)، أو يقال:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 169. 2 - مصباح الاصول 2: 161. 3 - فرائد الاصول 1: 117. 4 - يأتي في الصفحة 469، الجهة السابعة. 5 - فرائد الاصول 1: 116. (*)

[ 451 ]

" إن ذكر العرضي مع الذاتي، دليل على دخالة العرضي تماما " (1) فكله خال من التحصيل، لأن المقام ليس مقام لحاظ الذاتية والعرضية، بل المقام مقام مراعاة القضية الواردة، وكيفية أخذ القيود فيها، ولا ريب في أن النبأ وإن كان بحسب الذات محتمل الصدق والكذب، ولا يكون مأمونا من الخطأ وعدم الإصابة، ولكن يحصل الأمن من الجهة اللاحقة به، وهو المخبر، فإن كان كاذبا فلا يحصل الأمن، بخلاف ما إذا كان متحرزا من الكذب، فالفسق دخيل إما تماما، أو جزء. وحيث إن تحليل القضية إلى أن فسق المخبر دخيل لاخبره، بعيد عن الأفكار العرفية، يخطر بالبال بدوا: أن الفسق والخبر موضوع مفيد لإيجاب التبين، وسبب وجيه له. هذا، ولكن الإنصاف على خلافه، وذلك لأنه لو كان الخبر دخيلا في الإيجاب، للزم دخالته في حجية خبر العادل المنتزعة من عدم وجوب التبين، ولا معنى لكون الخبر دخيلا في الحجية واللاحجية، فيكون الخبر حجة ولا حجة باعتبار المخبر الثقة وغير الثقة، فهناك موضوع وهو " النبأ " وعلة لعروض التالي والجزاء عليه وهو " الفسق " فالفسق سبب عروض وجوب التبين على الخبر، والنبأ واللافسق سبب لاعتبار حجية الخبر بانتفاء وجوب التبين، لو لم يكن في البين إشكال آخر، فلا تخلط.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 165 - 166، نهاية الأفكار 3: 109. (*)

[ 452 ]

محتملات الجزاء ثم إن محتملات الجزاء أيضا كثيرة: احتمال كون الهيئة للإيجاب النفسي. واحتمال كونها للإيجاب الشرطي (1). واحتمال كونها للإرشاد (2). واحتمال كونه واجبا مقدميا عند إرادة العمل بالخبر الواحد (3). ولا سبيل إلى الأول والأخير. والاحتمال الثالث في ذاته قريب، بدعوى: أن المستفاد من الآية، ليس إلا مذمومية المبادرة بلا تأمل وتدبر، فإنه الموجب للإصباح على الندامة، والإصابة بالجهالة، إلا أن قضية الأصل في باب الهيئات، هو الحمل على اللزوم النفسي، وإذا علمنا أن النفسي غير مقصود، ولا يكون نفس التبين واجبا من الواجبات الإلهية الموضوعة للثواب والعقاب، فلا منع من حمل الهيئة على الإلزام الشرعي، وعلى إفادة شرطية جواز العمل بالخبر الواحد الجائي به الفاسق بالتبين والإيضاح. منع دلالة الآية على حجية الخبر اعلم: أن مادة " التبين " بمعنى الظهور والبروز، والهيئة متعدية، فيكون المعنى:


1 - الفصول الغروية: 275 / السطر 3، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 165، مصباح الاصول 2: 152. 2 - نهاية الأفكار 3: 108. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 453 ]

أوضحوه وأبرزوه، أي أبرزوا الخبر والنبأ الجائي به الفاسق، أو بمعنى تأملوه حتى يتضح صدقه وكذبه، وأظهروا صدقه وكذبه. فعلى هذا لو كان نبأ الفاسق واضح الصدق، فلا يجب التبين، ولا التأمل، ولو تأملوه وفتشوا عن صدقه وكذبه، ولم يتمكنوا منه، لا يجوز اتباعه والعمل به. فمنه يعلم: أن الأمر بالتبين كناية عن أمر آخر، وليس هو من الواجب النفسي، ولا الشرطي، حتى يقال: بأن التبين والتأمل بعنوانهما شرط (1)، بل الشرط هو وضوح صدق الخبر، أو صدق المخبر، فإنه موجب لجواز العمل به، وأما التبين المنتهي إلى الكذب، فهو وإن كان من التبين والإيضاح عرفا ولغة، ولكن ليس هو من العمل بالأمر، فيجوز العمل بالخبر، فإنه باطل بالضرورة، فالجزاء جملة كنائية عن لزوم كون الخبر واضح الصدق، أو المخبر واضح الصدق. وتوهم: أن الواجب هو الفحص عن القرائن القائمة على الصدق في ناحية المنطوق، وتكفي العدالة للقرينية في ناحية المفهوم (2)، غير صحيح، لأن التبين حتى باللغة والتفسير هو الإيضاح والإبراز والإظهار، والضمير يرجع إلى الخبر، أي تبينوه وأوضحوا صدقه. فاحتمال كون المقصود، إيضاح صدق المخبر ولو لم يكن الخبر صادقا، لأن صدق المخبر ميزانه مطابقة الخبر للاعتقاد، وصدق الخبر ميزانه مطابقة الخبر للواقع (3)، باطل. مع أن التفصيل المذكور غير تام، ومحرر في محله (4). فتحصل: أن مفاد المنطوق هوالتبين وإيضاح الخبر صدقا، وأنه كناية عن


1 - نهاية الاصول: 490. 2 - مصباح الاصول 2: 171 - 172. 3 - شروح التلخيص 1: 176. 4 - لاحظ شروح التلخيص 1: 176 - 181. (*)

[ 454 ]

لزوم الاطلاع على صدق الخبر، فلو جاء فاسق بنبأ، وكان معلوم الصدق، فلا وجوب، لأن النتيجة حاصلة، فالأمر بالتبين أمر بالمقدمة الوجودية لحصول الشرط، وهو وضوح صدق الخبر. وإن شئت قلت: إن إيضاح الخبر صدقا، واجب شرطي لجواز اتباعه، ويكون خبر الفاسق الواضح الصدق حجة. فإذا كان النظر في المنطوق إلى حصول العلم والظهور صدقا، ففي ناحية المفهوم يشكل الأمر، لأن المقصود في ناحية المنطوق إذا كان العلم الشخصي بصدق خبر الفاسق، سواء كان من العلم المنطقي، أو كان علما عاديا، وهو الوثوق والاطمئنان، فإنه أيضا إيضاح ووضوح عرفا، وتبين لغة، فلابد في ناحية المفهوم من كون النبأ الجائي به العادل، أيضا متبينا من ناحية كون المخبر عادلا، فلا يثبت به شئ، لأن المدعى حجية خبر العادل، وإثبات كونه من الظنون النوعية المعتبرة. إن قلت: مقتضى المفهوم دعوى: أن خبر المخبر الفاسق واضح ومتبين، وأنه ظاهر في عالم الادعاء، سواء كان واضحا شخصيا، أم لم يكن. قلت: هذا احتمال، وهنا احتمال اخر: وهو أن المتعارف بين العقلاء والناس، هو حصول الوثوق الشخصي من خبر العادل، دون خبر الفاسق، ففي ناحية المنطوق أوجب إيضاح صدقه، في قبال ما هو المتعارف في ناحية المفهوم وخبر العادل. هذا مع أن الالتزام بلزوم الوضوح الشخصي في ناحية خبر الفاسق دون خبر العادل، غير موافق لمرام الكل، ضرورة أن خبر الفاسق القائمة على صدقه القرائن النوعية معتبر، فإذا فرضنا أن الآية مثلا، قائمة على إفادة شرط خاص في ناحية المنطوق وخبر الفاسق تعبدا، على خلاف البناء العقلائي، فلا منع من هذا التعبد في ناحية خبر العادل أيضا، إلا أن إفادة ذلك بالمنطوق، للإشعار إلى ما لا يكون حاصلا نوعا وعادة، وإفادة هذا بالمفهوم للإشعار إلى أنه أمر حاصل نوعا وعادة.

[ 455 ]

ولو قيل: يكفي إيضاحه بالقرائن، وتكون العدالة في ناحية خبر العادل، من تلك القرائن (1). قلنا: أنت ووجد انك، فهل ترى في مورد قيام القرائن غير المنتهية إلى الظن، أو المجتمعة مع الظن الشخصي على خلافه: أن خبره واضح الصدق ؟ ! كلا، فإذن لا تكفي العدالة. وبالجملة تحصل: أنه على القول بالمفهوم، لا يثبت بها المدعى، ضرورة أن لزوم كون خبر الفاسق، واضح الصدق في ناحية المنطوق، يقتضي أن لا يكون المعتبر إيضاح صدق خبر العادل لأجل أنه واضح الصدق، وإلا لو كان النظر إلى وضوح كذبه يلزم أسوئية حاله، فلابد من ضم المقدمة الخارجية حتى على القول: بأن الأمر هنا شرطي، لأن معنى الشرط هو اشتراط كون خبر الفاسق واضح الصدق، وأما في خبر العادل فلا يشترط لحجيته وضوح الصدق، لعدم قابليته للحجية، وهذا هو معنى الأسوئية. فإذا كان قابلا بالضرورة، فلابد أن يرجع في ناحية المفهوم إلى أن إيضاح الصدق غير واجب، لوضوحه، فإن كان المفهوم معناه دعوى: أنه واضح الصدق، فيثبت عموم المدعى بالضرورة. وأما إذا كان مفاد المفهوم، إيكال الأمر إلى المتعارف الخارجي، وأنه بحسب العادة واضح الصدق، فلا يحتاج إلى الإيضاح، فلا يثبت به عموم المدعى، وهو حجية خبر العادل مثلا، أو خبر غير الفاسق، سواء كان واضح الصدق تكوينا، أم لم يكن. وغير خفي: أنه على التقريب المزبور لو كان للآية مفهوم، يثبت ادعاء الشرع أن خبر العادل علم، وواضح الصدق، وليس ظنا، ولا ممنوع العمل، وذلك لأجل أن


1 - مصباح الاصول 2: 171 - 172. (*)

[ 456 ]

العرف ينتقل من المنطوق - وهو إيجاب إيضاح صدقه - إلى أن المفهوم لا يجب إيضاحه، لأنه واضح الصدق عند المتكلم، فاغتنم. تنبيه: حول قراءة " فتثبتوا " قد حكي قراءة " فتثبتوا " عن ابن مسعود، وحمزة، والكسائي، وهو بمعنى التوقف (1)، ومقتضى الآية صدرا وذيلا وموردا، هو لزوم التوقف، كي يحصل صدق خبره، أو كي يحصل قيام القرائن على صدقه. فإن كان الأول، فالكلام ما مر: وهو أن مقتضى المفهوم ادعاء صدق خبر العادل، وقد عرفت وجه المناقشة فيه. وإن كان الثاني، فمعنى المفهوم: أنه لا حاجة إلى قيام القرائن على صدقه، لوجود القرينة وهي العدالة. هذا بحسب الثبوت. وأما بحسب الإثبات، فلا يبعد لزوم تحصيل الصدق بمقتضى التعليل. ولو لم يثبت شئ فلا يثبت في ناحية المفهوم إلا القدر المتيقن، لأن إجمال المنطوق يورث إجمال المفهوم طبعا. ومن خلال ما ذكرناه، تظهر وجوه المناقشة في كلمات القوم حول مفاد الهيئة في الجزاء، وأنه نحتاج إلى المقدمة الخارجية ولو كانت الهيئة لإفادة شرط الحجية (2)، خلافا لما يظهر من الشيخ (قدس سره) (3) وغير ذلك اي من وجوه المناقشة.


1 - الكشاف 4: 360، كنز الدقائق 9: 589. 2 - تقدم في الصفحة 451 - 457. 3 - فرائد الاصول 1: 117. (*)

[ 457 ]

الجهة الخامسة: حول مفاد " النبأ " " النبأ " و " الخبر " مترادفان حسب نظر اللغويين البسطاء (1). وفي " مفردات الراغب ": " النبأ خبر، ذوفائدة عظيمة، يحصل به علم، أو غلبة الظن، ولايقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة وحق الخبر الذي يقال فيه: نبأ، أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ولتضمن النبأ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا، كقولك: أخبرته بكذا. ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك أعلمته كذا... ". إلى أن قال: " وقوله تعالى * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * تنبيه أنه إذا كان الخبر شيئا عظيما له قدر، فحقه أن يتوقف فيه وإن علم وغلب صحته على الظن، حتى يعاد النظر فيه، ويتبين فضل تبين " (2)، انتهى. وفي كثير من كتب التفسير تفسير " النبأ " بالخبر العظيم (3). وتوصيفه ب‍ * (العظيم) * في القرآن (4) لا ينافيه، إن لم يكن مؤكدا له، كما لا يخفى على أهله. ويؤيد ذلك: بعد إقدام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتمادا على قول الفاسق، فيعلم منه: أن خبره كان نبأ، وموجبا للعلم أو غلبة الظن، فأوحى الله تعالى بالتأكيد في ذلك، ليكون المخبر فاسقا. ومما يؤيد ذلك: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب المروي، بعث خالد بن الوليد للتثبت، ولم


1 - لسان العرب 14: 8، المصباح المنير 2: 721، القاموس المحيط 1: 30. 2 - المفردات في غريب القرآن: 481. 3 - التبيان في تفسير القرآن 9: 343، مجمع البيان 10: 199. 4 - النبأ (78): 2، " عن النبأ العظيم ". (*)

[ 458 ]

يبادر إلى جهادهم، فلما رجع خالد، وحكى له أنهم أهل الصلاة، نزلت الآية (1)، فتأمل. فعلى ما حصلناه، إما نصدق الراغب، أو يحصل الشك، وعلى كل تقدير لا وجه لتصديق نقل اللغويين، لعدم الدليل عليه، مع بعد الترادف في ذاته. وإطلاق " النبي " على الرسول يشهد أيضا على ذلك. وعلى هذا لا يكفي مجرد ثبوت المفهوم للآية لتمامية المدعى، كما يظهر من المتأخرين (2) إلا من شذ. نعم، لو قلنا: إن " النبأ " هو الخبر في الامور المهتم بها، كما يساعده الذيل، ويقال الكليات، فلنا دعوى: أن جميع الأخبار الحاكية عن أحكام الله، تكون من النبأ، لإن حكم الله من الامور العظيمة. ولكن الإشكال في أن النبأ يحتمل كونه الخبر المقرون بالعلم، أي الخبر الواضح الصادق المعلوم صدقه، أو الغالب على الظن صدقه، ويكون لهذا الاحتمال منشأ عقلائي، كما اشير إليه (3)، ويظهر من بعض الآيات الاخر (4)، فحينئذ لا يمكن إثبات حجية الخبر العادل به. تذنيب: حول حجية خبر العادل واقعا وإن لم يصل إلينا قضية المنطوق وجوب إيضاح الخبر، ومعناه أو لازمه العلم بصدق الخبر، فيلزم أن تكون حجية خبر الفاسق مشروطة بالعلم بالصدق، والعلم المذكور إما تمام الموضوع، أو جزؤه، وتصير النتيجة في ناحية المفهوم - على القول به - حجية خبر العادل وإن لم يكن واضح الصدق، ومعنى ذلك أن خبر العادل حجة واقعية وإن


1 - كنز الدقائق 9: 589. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 166، مصباح الاصول 2: 153. 3 - تقدم في الصفحة 453 - 454. 4 - يونس (10): 71، النمل (27): 22. (*)

[ 459 ]

لم يصل إلينا. ففي ناحية المنطوق يكون الموضوع الخبر الواصل، لأن إيضاحه يقتضي ذلك، وأما في ناحية المفهوم فلا مقتضى له. وهذا مما لا يلتزم به القوم، فإن حجية الخبر مخصوصة بالخبر الواصل، ولا يكون للحجية مقام الثبوت والإثبات، بل الحجية ذات مقام واحد. أقول أولا: إن قضية المجئ إليكم، هو اعتبار الخبر الواصل، ففي المنطوق قرينة اخرى على أن المفروض في ناحية المفهوم هو الخبر الواصل. نعم، بالنسبة إلى خبر الفاسق، يظهر اعتبار وصوله من جملة الجزاء أيضا. وثانيا: لا يتوقف هذا الإشكال على الفرض المذكور، مع أن الوضوح غير العلم، ولو كان يلازمه فلا يلزم أن يكون جزء أو تماما، بل ربما يعد طريقا ولو كان مأخوذا في نفس الدليل. وثالثا: قد تحرر منا: أن الخبر الموجود في " الوسائل " يحتج به إذا أخل المكلف في فحصه، وما اشتهر: " من أن الاحتمال قبل الفحص منجز " (1) غير تام، بل ما هو المنجز هو الخبر الواقعي، وقد مر تفصيل المسألة عند تحرير الأصل في الشك في الحجية بما لا مزيد عليه (2). ولا موقع لتوهم: أن الموجود في " الوسائل " من الخبر الواصل، فراجع وتدبر جدا. الجهة السادسة: في مفاد قوله تعالى: * (أن تصيبوا قوما بجهالة...) * اعلم: أن هناك احتمالات ثلاثة:


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 356 - 359، مصباح الاصول 2: 112. 2 - تقدم في الصفحة 283 - 285 و 289 - 290. (*)

[ 460 ]

أن تكون الجملة تعليلية (1). وأن تكون حكمة ونكتة وعلة تشريع (2). وأن تكون مفعولا به للفعل المحذوف، وهي جملة: " اتقوا " أي * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * واتقوا * (أن تصيبوا قوما بجهالة) * (3). ثم إن محتملات الجهالة كثيرة: أن يراد منها الجهل قبال العلم (4). وأن تكون بمعنى السفاهة (5). وأن تكون بمعنى الجور والغلظة (6). وفي بعض التفاسير: " * (أن تصيبوا قوما بجهالة) * أي بخطأ " (7) فتصير المحتملات كثيرة جدا. هذا هو إجمال من المحتملات في الذيل، وإليك تفصيل لوازم تلك المحتملات، ثم بعد ذلك نشير إلى ما هو الظاهر منها. فمنها: أن الذيل إذا كان علة تامة شرعية لإيجاب التبين، والجهالة هو ضد العلم، فبناء عليه لا معنى للمفهوم هنا، لأجل توقف المفهوم للقضية الشرطية على ثبوت الإطلاق، حسبما تحرر (8)، ولا معنى لإطلاق الشرط بعد نصوصية الكلام


1 - مجمع البيان 10: 199، فرائد الاصول 1: 117، مصباح الفقاهة 2: 153. 2 - يأتي في الصفحة 464. 3 - التفسير الكبير، الفخر الرازي 28: 120. 4 - نهاية الأفكار 3: 115، تهذيب الاصول 2: 113. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 171. 6 - الكشاف 4: 360. 7 - مجمع البيان 10: 199. 8 - تقدم في الجزء الخامس: 24 - 25. (*)

[ 461 ]

فيما هو العلة. وهذا إشكال أبدعه الوالد المحقق - مد ظله - واعتقد أنه على تقدير تماميته لا تصل نوبة البحث إلى مسألة معارضة المفهوم والتعليل، وإلى دعوى حكومة المفهوم على التعليل، والمناقشة في تلك الحكومة (1). أقول: لا منع ثبوتا من الالتزام بالعلتين، كما تحرر في باب المفاهيم (2)، وتكون النتيجة انقلاب العلة المنحصرة الحقيقية إلى الإضافية، وإذا كان ظاهر أخذ الفسق في الشرط، دخالته في الحكم، يلزم كون الفسق والإصابة بالجهالة - التي ربما تتفق في مورد خبر الفاسق - مجموعا علة واحدة، كما قد جمع الأصحاب بين ما ورد: " إن خفي الأذان فقصر " وما ورد: " إن خفيت الجدران فقصر " (3) فيكون كل واحد جزء العلة في صورة المقارنة (4). نعم، بين المثال وما نحن فيه فرق من جهة اخرى، وهو غير مضر بالمقصود، فلا تخلط. وعلى هذا، إذا انتفى الفسق ينتفي وجوب التبين في مورد النبأ الجائي به العادل، وإذا لم يكن إشكال آخر، فلازمه حجية خبر الثقة والعدل، فما في " التبيان ": " من لزوم إجمال الآية الشريفة، لعدم امكان الأخذ بالشرط والتعليل " (5) غير سديد


1 - تهذيب الاصول 2: 113 - 114. 2 - تقدم في الجزء الخامس 57 - 58. 3 - لم نجد هذه العبارة بعينها في كتب الحديث ولكن وردت مضمونها في: تهذيب الأحكام 4: 230 / 675، الاستبصار 1: 242 / 862، وسائل الشيعة 8: 470 - 473 كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 6. 4 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 10، لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 200، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 487، نهاية الاصول: 306. 5 - التبيان في تفسير القرآن 9: 344. (*)

[ 462 ]

وهكذا ما في " الدرر ": " من تردد العلة بين كونه فسق المخبر، وبين ما في الذيل " (1) فإنه لا تتردد العلة، بل تتركب العلة منهما، والوجوب معلولها. ومنها: أي من تلك اللوازم، أن مقتضى علية الدليل، ممنوعية جميع الظنون الخاصة، ورادعية الآية ذيلا عن كافة الظنون، ومنها: الظواهر فيها نفسها ومفاد مفهومها، فلابد عندئذ من الالتزام بالتخصيص الكثير، مع أن الآية تأبى عن تخصيص واحد. وتوهم: أن التخصيص ممنوع مطلقا، لأن أدلة حجية الظنون الخاصة، حاكمة على عموم التعليل (2)، كحكومة الأدلة المبيحة للربا على الآية الآبية عن التخصيص، فإن الإباء عن الحكومة لا معنى له، غير سديد، لما تحرر: من أن مسألة تتميم الكشف، لا أساس لها في الآثار (3). نعم، قضية ما تحرر منا لمفهوم الشرط هنا، هو لزوم كون خبر العادل واضحا ادعاء، ولكنك عرفت ما فيه (4). وتوهم ذلك في مورد خبر الواحد ولكنه غير تام بالنسبة إلى بقية الطرق والأمارات. وتوهم: أن المراد من " الجهالة " هي ضد العلم، ولكن المراد من العلم هي الحجة، فتكون أدلة حجية الظنون، واردة على عموم التعليل وإطلاق الذيل (5)، غير تام إثباتا، لعدم الشاهد عليه في محيط الآية الشريفة، كما مر في البحث السابق (6).


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 382 - 383. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 172 - 173، مصباح الاصول 2: 163. 3 - تقدم في الصفحة 140. 4 - تقدم في الصفحة 453 - 455. 5 - نهاية الاصول: 488 - 489، تهذيب الاصول 2: 105. 6 - تقدم في الصفحة 423 - 425. (*)

[ 463 ]

ومنها: لو كانت الجملة علة تامة، وكان المراد من " الجهالة " السفاهة، وهي ضد الطريقة العقلائية، فلازمه حجية خبر العدل، لأن السفاهة موكولة إلى العقلاء والعرف تشخيصا، فيكون العمل بالخبر الواحد الجائي به العادل، خلاف السفاهة عند العقلاء بالضرورة، وهذا معنى قولهم: " ولو كان الذيل علة تامة، وكان الفسق غير دخيل، فلا يكون للقضية مفهوم ". وإن شئت قلت: قضية التعليل حينئذ حجية خبر العدل، لأنه ليس من مورد الإصابة بجهالة حسب حكم العرف، وأما في مورد خبر الفاسق، فإن صدقنا العقلاء في أنه عمل غير عقلائي فهو، وإلا مقتضى الشرط إيضاح أن اتباع خبر الفاسق غير عقلائي، فالآية حسب القضية الشرطية تعرضت لموارد الجهالة، وحسب التعليل تعرضت لمعنى كبروي: وهو حجية خبر العادل، لجهة أنه اتباع لأمر عقلائي. وهذا إذا لم يكن للفسق دخالة في إيجاب التبين، وإلا فالتقريب الأخير لا يتم، للزوم كونه - كالذيل - علة للإيجاب المزبور، ومقتضى انتفاء كل واحد من الجزءين، حجية خبر العادل. وغير خفي: أن مقتضى هذا التقريب - وهو الالتزام بأن التعليل هو الأصل، وأن القضية الشرطية ليست إلا لإفادة، أن اتباع خبر الفاسق غير عقلائي، وفيه السفاهة - حجية خبر الثقة المتحرز من الكذب ولو كان كافرا. وأيضا: مقتضى هذا الاحتمال، أن في المسائل المهتم بها، يكون اتباع خبر العدل - بل والعدول أحيانا - من السفاهة العقلائية، ولازم العلية ولو جزء، عدم حجية خبر العادل، فلا يتم عموم المدعى. اللهم إلا أن يقال: إن حجيته في الامور المهتم بها، ليست مورد الادعاء، كما لا يخفى. ولا يضر بمهمة البحث.

[ 464 ]

ومما يؤيد قصور شمول المفهوم لحجية خبر العادل في المسائل المعتنى بها، أو قصور شمول التعليل على فرض كون الجهالة سفاهة، قوله تعالى: * (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) *. اللهم إلا أن يقال: بأن الإصباح نادما من تبعات مطلق التخلف عن الواقع وعدم الإصابة ولو كان علما، مع أن حجية العلم قطعية. فبالجملة: يستفاد من التعليل ملامة الآية بالنسبة إلى الإصابة بجهالة، وهو أمر مربوط بمقام الإقدام، ويورث اعتبار كون الإقدام عقلائيا. وأما جملة: * (فتصبحوا) * فهي من آثار ذلك الإقدام، وقد اخذت في الآية ترغيبا إلى أن يتوجه الامة إلى أن يكون إقدامهم عقلائيا، لقلة الإصابة بجهالة في مورده، ولو كان الندم عاما مشتركا بين كافة الطرق التي تكون حجة ذاتية وعرضية، ومن هنا يظهر وجه ضعف ما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره) (1). وعلى كل تقدير: بناء على كون الجهالة هي السفاهة، وكون الأمر بالتبين، لإيضاح صدق خبر الفاسق وضوحا أعم من العلم والاطمئنان، كما مر (2)، وتكون علة الإيجاب هي السفاهة، لا الفسق، أو هي مع الفسق، كما اشير إليه، فعلى كل تقدير، لازمه حجية خبر العادل إلا فيما مر، ولا يلزم هنا تخصيص، ولا تعارض، ولا حكومة. ومنها: إذا كانت الجملة حكمة تشريع، ونكتة لإيجاب التبين، فلا يلزم الإشكال المزبور على المفهوم، لو لم يكن إشكال آخر في البين من الإشكالات


1 - نهاية الأفكار 3: 114. 2 - تقدم في الصفحة 454. (*)

[ 465 ]

الآتية المتوجهة إلى أصل وجوده (1)، ولا تخصيص، ولا معارضة، فتكون الآية بمثابة قولنا: " إن استطعت حجا فقد أوجب الله الحج سياسة للعباد " وتصير النتيجة هي النظر في الآية إلى مسائل نوعية، وملاحظة الغالبية والأكثرية، لا الشخصية والفردية الاستيعابية. ومنها: لو كان الذيل مفعولا لفعل محذوف، كما احتمله في تفسير الفخر (2)، فتكون الآية: " اتقوا أن تصيبوا قوما بجهالة " فإن الحذف على خلاف الأصل، فكون المحذوف " اتقوا " أولى من كونه " كراهة (3) وحذرا (4) ومخافة " (5) وغير ذلك مما لا يناسب مقامه تعالى. وعلى هذا، الإصابة بجهالة ممنوع عنها. فإن كانت الجهالة ضد العلم، يلزم المعارضة بين المفهوم والذيل في موارد كون خبر العدل جهالة. وإن كانت بمعنى السفاهة ضد الطريقة العقلائية، فلا يلزم تعارض، ورفع المعارضة ولو أمكن ثبوتا، ولكن قد عرفت عدم قيام الأدلة على أن خبر العدل علم (6). بل لنا أن نقول: مجرد دعوى العلم، لا توجب حلا للإشكال، فإن الواقعية لا تتغير بالدعاوي، وعدم قابلية الذيل للتخصيص، لا تنقلب إلى القابلية في موارد أدلة الحكومة، فتأمل. وعلى كل تقدير: لا يبقى مجال لتوهم إنكار المفهوم، بأن إطلاق الشرط غير


1 - يأتي في الصفحة 479 وما بعدها. 2 - التفسير الكبير، الفخر الرازي 28: 120. 3 - الكشاف 4: 360، تفسير كنز الدقائق 9: 590. 4 - مجمع البيان 10: 199، الميزان في تفسير القرآن 18: 311. 5 - حقائق الاصول 2: 115. 6 - تقدم في الصفحة 461 - 462. (*)

[ 466 ]

منعقد بعد تذيله بالمنع عن الإصابة بجهالة، فإن ذلك مندفع بما مر (1). هذا، ويخطر بالبال أن لازم هذا الاحتمال، هو الاتقاء في موارد قيام خبر العدل، إذا كانت الجهالة ضد العلم، ونتيجة ذلك عدم حجيته، فبمجرد قيام خبر العدل وإن لم يجب التبين حسب المفهوم، ولكن لا منافاة بين عدم وجوب التبين من الصدق والكذب، ولكن يجب الاتقاء، لكونه من الإصابة بجهالة. وبالجملة: لا يقع تعارض على هذا الاحتمال بين المفهوم والذيل، ويلزم الأخذ بهما في مورد خبر العدل إذا لم يكن مقرونا بالوثوق والاطمئنان، فإنه بما أنه خبر عدل لا يجب التبين، وبما أنه جهالة يجب الاتقاء، فتأمل. وغير خفي: أن الجهالة على هذا التقدير إذا كانت بمعنى السفاهة، يلزم الاتقاء منها في الامور المهتم بها، لأن النبأ الجائي به العادل، لا يخرج اتباعه في أمثالها عن السفاهة. ولكن خروج مثلها عن محل الاختلاف ومحط النزاع، لا يضر بمهمة المسألة، كما لا يخفى. بقي شئ: وهو إبطال علية الذيل وحذف الفعل قد تبين من خلال ما ذكرناه، لوازم كون الجهالة بمعنى الجور والغلظة والخطأ، ولا يترتب عليها شئ يعتنى به، والذي هو المهم بالبحث هو الخروج عن هذه الاحتمالات: أما القول بالعلية (2)، فهو بلا وجه جدا، لعدم الدليل عليها إثباتا إلا المناسبة، وهي أعم من كونه علة، أو حكمة.


1 - تقدم في الصفحة 461 - 462. 2 - فرائد الاصول 1: 117، مصباح الاصول 2: 153. (*)

[ 467 ]

وأما القول بأن المحذوف هو الفعل، فيكون الذيل مورد الأمر الآخر المولوي، فهو أيضا مجرد الاحتمال المساعد عليه الذوق أحيانا، وليس ذلك موجبا لأن يؤخذ به. فبقي أن يكون الذيل حكمة لأصل الأمر بالتبين بالنظر إلى الجهات الغالبية النوعية، كما عرفت في المثال السابق، فإن الأمر بالحج على تقدير الاستطاعة، معلول تلك الاستطاعة، حسب العلية الواقعية، وأما كون وجوب الحج سياسة للامة، فهو من الحكم والعلل لأصل التشريع على النحو المزبور. فإيجاب التبين عقيب خبر الفاسق عام اصولي، أو إطلاق انحلالي عرفي، ولازم على كل أحد، لعلية الفسق، ولكن أصل إيجابه إجمالا معلول الأمر الآخر: وهو ملاحظة كثرة الخطأ في هذه الناحية، وقلة الجهالة في الناحية الاخرى: وهي خبر العدل، وهذا لا ينافي عدم وجوب التبين في مورد خبر العدل، ولو كان شخصا مورد الجهالة والإصابة. ويؤيد أن القول بالتعليل عليل، لزوم بعض الإشكالات على بعض التقادير، بوجه لا يمكن دفعها، بل يلزم إشكال على كل تقدير - سواء قلنا: بأن الجهالة هي السفاهة (1)، أم هي ضد العلم (2) - وهو خروج الأنباء المهتم بها. وأما على القول: بأن الذيل ليس تعليلا اصطلاحيا (3)، فلا محذور في الآية بحسب المفهوم ومفاد الذيل. وغير خفي: أنه على تقدير التنازل عما ذكرناه، والالتزام بالعلية، فالأظهر أن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 171، مصباح الاصول 2: 162 - 163. 2 - نهاية الأفكار 3: 115، تهذيب الاصول 2: 113. 3 - التفسير الكبير، الفخر الرازي 28: 120. (*)

[ 468 ]

" الجهالة " حيث تكون في الكتاب فهي السفاهة. وإن شئت قلت: ليست الجهالة إلا ضد العلم بالنسبة إلى عواقب الامور وتبعات الأفاعيل، أو بالنسبة إلى نفس الفعل والعمل، وليس ما اشتهر من تعدد المعنى للجهالة، في محله، وإنما الاختلاف في موارد الجهل، فإن كان الجهل بأصل الفعل، فهي ضد العلم، وإن كان الجهل بآثار الفعل وعواقبه، فإذا اقدم عليه يكون من السفاهة. فعلى كل تقدير: هي ضد العلم. وأما ما هو المراد هنا فهو الجاهل لعواقب التبعية لخبر الفاسق. ويؤيد كون المراد منها ليس الجهل: أنها استعملت في أربع آيات: فمنها: قوله تعالى: * (أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) * (1). والآية الثانية مثلها (2). والثالثة: * (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) * (3). ولا معنى للتوبة في مورد الجهل، فإن الجاهل معذور عقلا وشرعا، ولا يجب عليه التوبة والإصلاح، فيعلم منه أن الجهالة هي السفاهة، وهي المناسبة للحكم والموضوع، ولا معنى للمخاطبة مع الجاهلين إذا كانوا غير ملتفتين، بخلاف العالم بالقضية، والجاهل بتبعات العمل. ويؤيد ذلك قوله تعالى: * (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (4).


1 - الأنعام (6): 54. 2 - النمل (16): 119. 3 - النساء (4): 17. 4 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 469 ]

فبالجملة: الملامة على أصل تبعية المؤمنين لخبر الفساق، والندامة بالنسبة إلى ما يصبحون عليه أحيانا عند التخلف. ومما يؤيد أن الذيل حكمة تشريع: أن في تبعية خبر الفاسق، لا يلزم الندامة على وجه عام، لإمكان اتفاق صدق خبره، فإذا كان الإصباح حكمة لا علة، فالإصابة مثله. ولعمري، إن الذيل حكمة بلا شبهة، وعليه لا فرق في كون الجهالة منعا خاصا. وأما إذا كانت علة، فالتتبع في الآثار والدقة في خصوصيات الآية، تعطي جزما أن المراد هو عدم العلم بتبعات خبر الفاسق. ومن هنا يندفع الإشكال عن الآية الشريفة: وهو أن المكلف إما أن يكون عالما بخبر الفاسق، أو جاهلا، فإن كان عالما فلا مورد للذيل، وإن كان جاهلا فلا مورد للصدر. فيعلم منه أنه عالم بخبر الفاسق، وجاهل بعاقبة خبره وآثار نبئه عند التبعية والعمل به. وبالجملة: الجهالة ولو كانت مشتركة لفظية بين ضد العلم والسفاهة، ولا يعقل فرض الاشتراك اللغوي بينهما، بناء على كونها من أوصاف الأفعال، ولا تكون من الصفات المحضة، ولكنها هنا بمعنى السفاهة ظاهرا، للقرائن المشار إليها. الجهة السابعة: حول التقاريب التي يتمسك بها لحجية خبر العدل والثقة وبعبارة اخرى: كان البحث فيما مر حول منطوق الآية على تقدير وجود المفهوم، وعدم وجود إشكال في ناحية إمكان أخذه، وأما في هذه الجهة حول إمكان أخذه، وأنه هل لها مفهوم أو وجه يستدل به على حجية الخبر الواحد، أم لا ؟ فقد قيل بوجوه:

[ 470 ]

أحدها: التمسك بمناسبة الحكم والموضوع أن مقتضى مناسبة الحكم والموضوع، كون التبين معلول الفسق، فيجب إيضاح خبر الفاسق، وإذا كان الخبر من العادل، فلا يجب إيضاحه. واحتمال كونه غير جائز العمل ولو كان واضح الصدق (1)، غير صحيح، فيعلم منه جواز العمل. وإن شئت قلت: إن مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع، كون الوجوب غير نفسي، وليس الوجوب شرطيا، بمعنى أن جواز العمل بخبر الواحد، مشروط بالعلم بالصدق، ضرورة أنه مع العلم بالصدق، لا يكون المستند خبر الفاسق. وتوهم: أن المراد من " التبين " هو الوثوق، كما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره) حذرا من الإشكال المذكور (2)، غير صحيح، لأن الوثوق والاطمئنان - كالعلم - حجة بعنوانه، حسب خبر مسعدة بن صدقة، فإن قوله: " فإن الأشياء كلها على ذلك حتى تستبين " (3) ظاهر في حجية الاستبانة التي هي أعم من العلم، فالوجوب شرطي لجواز العمل بمضمون الخبر، لا بخبر الفاسق، بحيث يكون خبر الفاسق مستندا، حتى يقال ما يقال. فما في كلام الشيخ أيضا غير تام: " وهو أن وجوب التبين، شرط لجواز العمل بخبر الفاسق " (4) إلا إذا رجع إلى ما ذكرناه: وهو إلغاء إضافة الخبر إلى الفاسق، ولا يكون المقصود حجية خبر الفاسق بالشرط، فعلى هذا تكون المناسبة مقتضية لكون الإيجاب، معلول احتمال تعمد الكذب، لا الكذب والخطأ، لأن


1 - نهاية الأفكار 3: 107. 2 - نهاية الأفكار 3: 108. 3 - وسائل الشيعة 17: 89 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 4 - فرائد الاصول 1: 117. (*)

[ 471 ]

احتمال الخطأ لا يناسب الفسق. مع أن أصالة عدم الخطأ العقلائية، معتبرة في الفاسق وغيره، فالوجوب مترشح عن جهة الفسق، ويرتفع قهرا بارتفاعه. اللهم إلا أن يقال: بأن إيجاب إيضاح صدق خبر الفاسق ممكن، لما لا حرمة للفاسق، وأما العادل فإيجاب إيضاح خبره، خلاف كونه عادلا متحرزا من الكذب، وخلاف حرمته. وهذا لا ينافي وجوب الإيضاح من جهة عدم الأمن من التخلف عن الواقع. وأما أخذ الفسق، فهو لأجل أن عدم الأمن فيه أكثر، لعدم تحرزه من الكذب، فكأنه اخذ الفسق للإشارة إلى فسق المخبر في المورد، وإلى عدم الحرمة للفاسق بإيجاب إيضاح خبره. مضافا إلى أن عدم الأمن معلول الفسق غالبا (1). ويمكن أن يقال: إن أخذ الفسق طرح لدخالة عدم الأمن المشترك، وإشارة إلى أنه ولو كان دخيلا ثبوتا ومناسبة، إلا أنه عندنا غير دخيل في الإيجاب. وكون " الفاسق " نكرة في القضية الشرطية مفيدا للعموم - حسب تصريح أهل الأدب، كما في " التفسير الكبير " - يشعر بأن النظر ليس إلى إراءة فسق المخبر فقط، وإلا كان المناسب إتيانه معرفا، ويصير " الألف واللام " حينئذ ظاهرا في العهد الحضوري (2). وبالجملة: العمل بمضمون خبر الفاسق منوط بالعلم بالصدق، أو الوثوق والاطمئنان، وأما العمل بمضمون خبر العادل، فلا يحتاج إلى الإيضاح والعلم المزبور. نعم، يتم بهذا التقريب مدعانا، لو لم يكن الغالب في موارد قيام خبر العدل، حصول الوثوق والاطمئنان بالصدق، فإنه لأجل ذلك لا يتم التقريب المزبور. ومما ذكرنا تظهر مواضع الضعف في كلمات القوم هنا. كما ظهر: أنه ليس من الاتكال على مفهوم الوصف، بل هواتكال على فهم


1 - الفصول الغروية: 275 / السطر 20. 2 - التفسير الكبير 28: 119 - 120. (*)

[ 472 ]

العقلاء في خصوص المسألة، وإلا فالبيان المزبور لا يجري في قولك: " أكرم العالم " لأن النظر في التقريب المذكور الظاهر من الشيخ (قدس سره) إلى بيان نكتة الاتكال على ذكر الفسق (1)، وما هو النكتة على ما احتملناه: هي أن خبر الفاسق بما هو خبر فاسق، لا يستتبع الوثوق والاطمئنان (2) مطلقا، وخبر العادل ربما يستتبع الاطمئنان في السبعين من المائة، فيكون ذكر الفسق لأجل تلك الغلبة، وهذا لا ينافي وجوب التبين في الثلاثين من المائة في خبر العادل، فاغتنم. ثانيها: التمسك بمفهوم الوصف مقتضى مفهوم الوصف، انتفاء وجوب التبين عند انتفاء الوصف. وتوهم: أن ما نحن فيه من الوصف غير المعتمد، ويكون الوصف عنوانا ولقبا لمعنوناته، فلا يستفاد منه العلية الموجبة لانتفاء سنخ الحكم، أو المقتضية لجعل سنخ الحكم، اللازم منه انتفاء وجوب التبين بانتفاء موضوعه، وهو الفاسق (3). مندفع أولا: بأن المشتق مركب عرفا، فيكون " الفاسق " منحلا إلى " الذي يفسق " فيكون قيدا متكئا على الموصوف والمقيد. وثانيا: لو سلمنا بساطته العرفية، فلا فرق بين الوصفين: المعتمد، وغير المعتمد، إلا في أن الوصف المعتمد واسطة لثبوت الحكم للموصوف، ووساطة في الثبوت في الأحكام الشرعية، وفي الوصف غير المعتمد تكون العلة نفس الموضوع للحكم، وتقريبه في باب المفاهيم.


1 - فرائد الاصول 1: 117. 2 - تقدم في الصفحة 454. 3 - فرائد الاصول 1: 117. (*)

[ 473 ]

نعم، قد استشكلنا في مفهوم الشرط والوصف معا (1)، ولا يخص مفهوم الوصف بإشكال، بعد ظهوره في أصل الدخالة، فإن الإطلاق كما يثبت كونه تمام الدخيل، يثبت الحصر، لأن قوله: " أكرم العالم " يوجب انقداح تعليل في الاذهان عرفا، وهو كقوله: " أكرم العالم لعلمه " وسيمر عليك وجه عدم حجية مفهوم الشرط إجمالا، وبه يظهر وجهه هنا. فما في كتب المتأخرين من التفصيل بحسب الكبرى بين المفهومين (2)، غير راجع إلى محصل، لاتحاد المأخوذ شرطا مع المأخوذ عنوانا في إمكان جريان المقدمات المنتهية إلى إثبات المفهوم، فاغتنم. فما قاله الشيخ وغيره: " من أن هذا الإشكال من الإشكالات التي لا يمكن دفعها " (3) غير صحيح جدا. وبالجملة: يمكن المناقشة في الآية صغرويا في ناحية مفهوم الشرط، ولا يمكن ذلك في مفهوم الوصف. نعم الإشكال الكبروي يسري في المفهومين، فلا تخلط. وأما توهم: أن أخذ عنوان المشتق للإشارة إلى الذوات، ويكون العلم حكمة لا علة (4)، فهو مدفوع - مضافا إلى فهم العقلاء والأصل - بأن ذلك مما يمتنع، والعناوين المشيرة إلى الخارج من الأكاذيب، إلا على القول بعموم الوضع، وخصوص الموضوع له، فتأمل. ومن الغريب ما في كلماتهم: " من أن أخذ عنوان العالم في المثال والفاسق


1 - تقدم في الجزء الخامس: 31 وما بعدها و 143 - 145. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 502، محاضرات في اصول الفقه 5: 129. 3 - فرائد الاصول 1: 117. 4 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 111. (*)

[ 474 ]

في الآية، لأهمية العلم ووجوب التبين في مورد الفاسق " (1) فإنه لو كان كذلك لكان أخذ عنوان " المجئ " في القضية الشرطية أيضا مثله. ثالثها: التمسك بمفهوم الشرط مفهوم الشرط، وقد تحررت حجيته كبرويا في مباحث المفهوم (2)، وأما هنا فإنما الإشكال في صغراه، ضرورة أن المفهوم الحجة: هو المفهوم الذي يتصدى لنقيض الحكم المذكور في المنطوق، إيجابيا كان، أو سلبيا، فلو كان الحكم سلبيا، فلابد من كون المفهوم ذا موضوع، ضرورة أن مقتضى قاعدة الفرعية، وجوب وجود الموضوع في القضايا الموجبة، وإذا كان المفهوم متصديا للحكم الإيجابي، فلابد من وجود الموضوع له، وإذا كان المفهوم متصديا للحكم السلبي، كما نحن فيه، فلابد أيضا من وجود الموضوع، حتى يصح اعتبار عدم الوجوب شرعا، وإلا فعدم الوجوب الشرعي، غير معقول بعد انتفاء الموضوع ذاتا، ويكون ذلك لغوا. مثلا: إذا قيل: " إن رزقت ولدا فلا تختنه " فمفهومه إن لم ترزق اختنه، وهذا غير معقول، لأن إثبات الاختتان عند عدم الولد منع، وإيجابه غير ممكن. وهكذا إذا قيل: " إن رزقت ولدا فاختنه " لأن عند عدم الولد، لا معنى لاعتبار عدم وجوب الاختتان أو تحريمه، لأنه لغو واضح. وفيما نحن فيه يكون مفهوم الآية من هذا القبيل، فإن مفهومها " إن لم يجئ الفاسق بالنبأ فلا تبينوه " ولا معنى لإيجاب عدم التبين أو تحريم التبين عند عدم وجود النبأ، لأنه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، أو هو من اللغو. فما في كلام القول: " من أن حجية المفهوم هنا ممنوعة، لكونها من السالبة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 167. 2 - تقدم في الجزء الخامس: 21 وما بعدها. (*)

[ 475 ]

بانتفاء الموضوع " (1) غير سديد، لأن القضية من القضايا الإنشائية، ولا منع ذاتا من السلب المذكور، ولكنه من اللغو الممنوع ذاتا في حق الشرع. أقول: قد تصدى في " الكفاية " لحل الإشكال: بأن الآية ترجع إلى أن النبأ المجاء به إن كان الجائي به الفاسق فلا تبينوه، فيكون النبأ موجودا وموضوعا ومجاء به عندنا، فتخرج القضية عن الانتفاء بانتفاء الموضوع (2). وفيه: أن ذلك البيان يجري في الأمثلة المذكورة، لكون الشرط محقق الموضوع، ففي قولك: " إن رزقت ولدا " يكون المعنى " الولد المرزوق إن كنت رزقت به فاختنه " والمفهوم حينئذ ليس من السلب بانتفاء الموضوع. وبالجملة: إنه (قدس سره) تخيل كفاية إمكان إرجاع القضية الموجودة إلى القضية المقصودة، وهو واضح المنع، لأن المناط مساعدة العرف على ذلك، فلا تخلط. وتصدى العلامة الأراكي (قدس سره) لحل المعضلة (3)، وهكذا توهم العلامة المحشي الأصفهاني (رحمه الله) (4): أن حل المشكلة منوط بذلك. وإجماله: أن الآية تكون هكذا: " إن كان الجائي بالنبأ فاسقا فتبينوه " كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) أيضا (5)، وعليه يثبت المفهوم، وذلك لأن في فرض عدم مجئ الفاسق به صورتين: الاولى: السالبة بانتفاء الموضوع. والثانية: السالبة بانتفاء المحمول. ويكون مقتضى دلالة الاقتضاء حينئذ، حملها على الثاني، كما في كلام


1 - فرائد الاصول 1: 118. 2 - كفاية الاصول: 340. 3 - نهاية الأفكار 3: 111 - 112. 4 - نهاية الدراية 3: 205 - 206. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 169 - 170. (*)

[ 476 ]

بعضهم (1). أو يقال: إن التعبد بنحو الإطلاق ممكن، وتستنتج منه حجية خبر العدل، لخروج القضية بذلك عن السالبة بانتفاء الموضوع (2). وغير خفي: أنه يحتاج بيانه إلى تتميم أشرنا إليه، وإلا فإطلاق المفهوم مما لا يمكن التعبد به، وعندئذ يمكن أن يكون ذلك موجبا لانتفاء المفهوم، وأما إذا اضيفت إليه تلك المقدمة، فلازم التعبد بالمفهوم، انحصار المفهوم بالسالبة بانتفاء المحمول، وهو المطلوب. وقد جاء في " التهذيب " حول هذا التقريب بما لا مزيد عليه (3)، فراجع. وغير خفي: أنه لا نحتاج في التقريب المذكور إلى قلب القضية الموجودة إلى القضية الاخرى، وليس نظرهم (قدس سرهم) إلى القلب ظاهرا، والأمر سهل. ولكن الذي يتوجه إليه: أن المصداق الأظهر للمفهوم، هي صورة الانتفاء بانتفاء الموضوع، وبعد إمكان كون الشرط محققا للموضوع - كما في الأمثلة الكثيرة - لا وجه لأخذ الإطلاق، ثم حمله على الفرد غير الواضح، فبعد هذا الوجه والوجه الأول على حد سواء، كما هو الظاهر. وهنا تقريب ثالث: وهو أن القضية الشرطية القانونية، قابلة للجعل ولو لم يكن للشرط مصداق خارجي، ويكون لها المفهوم وإن لم يكن للشرط المعتبر في ناحية المفهوم مصداق. مثلا: إذا قيل: " إن جاءك العالم أكرمه " صح هذا القانون الكلي المتصدي لجعل الملازمة ولو لم يكن في العالم عالم، أو كان عالم، ولم يجئ، وهكذا في ناحية


1 - نهاية الأفكار 3: 111 - 112، منتهى الاصول 2: 99. 2 - نهاية الأفكار 3: 112. 3 - تهذيب الاصول 2: 109 - 110. (*)

[ 477 ]

المفهوم، وإذا تحقق موضوع القضية الشرطية المنطوق بها، يتنجز الحكم، وهكذا في ناحية المفهوم. وإذا ورد: * (إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا...) * (1) فهو قضية صحيحة نافذة ولو لم يكن في العالم فاسق، ولا نبأ، وإذا قيل: " إن لم يجئ إليكم الفاسق بنبأ... " فالأمر كذلك. ففي مرحلة جعل القضايا الشرطية القانونية، ليس النظر إلى وجود الشرط في ناحية المنطوق، ولا المفهوم، بل النظر إلى بيان الملازمة بين الحكمين في الناحيتين حكما إيجابيا، وسلبيا. إذا توجهت إلى ذلك، فليلتفت إلى أمر آخر: وهو أنه كما يكون في ناحية المنطوق وجود العالم والنبأ مفروضا، لا واقعيا، لأن الواقعيات خارجة عن محيط التقنين، كذلك الأمر في ناحية المفهوم، فيكون النبأ مفروضا، وعدم مجئ الفاسق به أيضا مفروضا. وبالجملة: ما هو المفروض عدم مجئ الفاسق بالنبأ المفروض الوجود، ولازم ذلك - مضافا إلى حل المشكلة - هو أن في موارد الشك في أن النبأ هل جاء به الفاسق، أم العادل وغير الفاسق، يستصحب عدم مجئ الفاسق به، ويكون النبأ محرزا بالوجدان، كما هو مفروض الوجود في القوانين العامة. ولعمري، إن هذا التقريب خال من المناقشة الثبوتية، ولا يحتاج إلى إثبات الإطلاق الشامل للصورتين. نعم، ربما يستظهر من الآية: أن قوله تعالى * (بنبأ) * من متعلقات الفعل المضاف إلى الفاسق، فيكون مفروض العدم عند فرض عدم مجيئه. ويمكن المناقشة في الاستظهار المذكور بالتأمل في قولك: " وإن لم يجئك


1 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 478 ]

زيد بعالم فلا تكرمه " فإن العالم كلي يمكن أن يكون موجودا، ويمكن أن يكون معدوما، ومع ذلك ينقدح في الذهن مفروضية وجوده، وفي المقام يكون الأمر كما تحرر، فتدبر. وربما يؤيد التقريب المذكور: إتيان القضية الشرطية على الوجه المزبور، وإلا فلو قيل: " إن أنبأكم الفاسق فتبينوه " أو قيل: " إن جاءكم نبأ الفاسق فتبينوه " يحصل المقصود. وأما اختصاص النبأ بالذكر من غير إضافة، بعد كون التنوين للتمكن، بل ولو كان للتنكير فلا يكون المقصود فاسقا خاصا بالضرورة، فهو يومئ إلى أن النبأ مفروض الوجود، وعدم مجئ الفاسق به أيضا مفروض. وإن شئت قلت: ينتقل ذهن المستمع من عدم المجئ إلى عدم تحققه، ومن الفاسق إلى الفاسق الخارجي، ومن النبأ أيضا إلى النبأ الخارجي، وتصير النتيجة فرض عدم مجئ الفاسق الخارجي بالنبأ الخارجي، من غير كونه موضوعا لما في الخارج بخصوصه. وهنا تقريب آخر: وهو أن هذه الآية تارة: تلحظ في محيط الموالي العرفيين والعبيد الذين يكون بينهما من الأنباء النادرة اليومية. واخرى: تلاحظ في محيط التشريعات والأحكام الكثيرة المشروعة، المذاعة في العالم بتوسط المخبرين الفاسقين والعادلين وطائفة ثالثة. فإذا لوحظت في المحيط الأول، فلا يكون المفهوم ظاهرا في مفروضية وجود النبأ، بخلاف المحيط الثاني، فإنه إذا سمع كل واحد من المتشرعين هذه الآية، الذين يستمعون في كل يوم أحكاما خاصة بتوسط الأصحاب وحملة الحديث، فينقدح في أذهانهم أن الأنباء الواصلة إليكم على قسمين: فقسم منها: ما يجئ به إليكم الفاسق، وحكمه التبين.

[ 479 ]

والقسم الآخر: مالا يجئ به إليكم الفاسق، وحكمه عدم التبين. وحيث إنها في سورة الحجرات وهي مدنية، وقد كان أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرون عن الأحكام وينقلونها، حسبما اشتهر: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بين " حتى أرش الخدش " (1) فالمتبادر منها هو النبأ الحامل للحكم المتعارف بينكم، أو الموضوع ذي الحكم. ومن هنا يظهر وجه المناقشة في إشكال يتوجه إلى الآية: وهو أن إطلاق الآية غير قابل للعمل به، ضرورة عدم وجوب التبين في المسائل العادية والقضايا الاجتماعية. مع صدق ذيلها فيها أيضا، فإن الآية الشريفة كأنها بصدد الردع عن اتباع قول الفاسق، فيما يرتبط بالوحي وأحكام الله، وما يكون موضوعا لها، وعلى كل تقدير تكون الآية منصرفة عنها جدا. وغير خفي: أن ظهور المنطوق في التعليق، وأن الحكم معلق على مجئ الفاسق، وأنه لا يناسب الشرط، لكونه محققا للموضوع هنا، يورث قوة كون المفروض في المفهوم، ما لا يكون من السالبة بانتفاء الموضوع. مناقشاتنا في الاستدلال بآية النبأ إذا تبين ذلك فاعلم: أن لنا على الآية بعض مناقشات لا يمكن دفعها، بل قضية المناقشة الاولى دلالة المفهوم على عدم حجية الخبر الواحد: المناقشة الأولى: اعلم أن توضيحها يتوقف على بيان مقدمتين:


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 34 المقدمات، الحديث 10. (*)

[ 480 ]

اولاهما: إذا جاء فاسق بنبأ، وكان النبأ صادقا بحسب الواقع، فهل يتنجز التكليف، أم لا ؟ وجهان، إلا أن قضية الآية تنجزه، للأمر بالتبين على إطلاقه، فإنه ظاهر في أن الإصابة تورث تنجز المنجز به، فلا يجوز عقلا الإخلال بالتبين. نعم، إذا تبين ولم يتضح صدقه، أو تبين كذبه، فلا يتنجز ولو كان صادقا بحسب الواقع. فعلى هذا، يكون الأمر بالتبين، أمرا عقليا مترشحا من تنجز الواقع في صورة مجئ الفاسق بالخبر، ولا يكون نفسيا، ولا شرطيا، ولا مقدميا، بل هو أمر عقلي ناشئ عن تبعات الحكم المنجز بخبر الفاسق، نظرا إلى إطلاق الأمر بالتبين. ثانيتهما: أن القضايا الشرطية التي تكون محققة للموضوع ولا مفهوم لها، كلها في مورد يكون الجزاء مرتبطا بالشرط، وإلا فإذا قيل: " إن رزقت ولدا فصل ركعتين " يكون له المفهوم، ولا يكون من تلك القضايا. وفيما نحن فيه إذا كان مفاد الجزاء تنجز التكليف واقعا، أي إن جاءكم فاسق بنبأ يكون مضمون خبر الفاسق منجزا، فمفهومه " إن لم يجئكم فاسق بنبأ، فلا يتنجز تكليفكم " وهذا واضح البطلان بالضرورة، لتنجزه في مورد خبر العادل قطعا، وعليه يلزم أن يكون مفهوم الآية، دليلا على عدم حجية خبر العادل، لأنه القدر المتيقن من المفهوم الذي له مصداقان: مصداق من السالبة بانتفاء الموضوع، وهو خارج. ومصداق من السالبة بانتفاء المحمول، وهو مورد المفهوم. فعليه لابد من أحد أمرين: إما إنكار المفهوم لها، أو دعوى دلالته على عدم حجية خبر العدل، وهو ضد المقصود.

[ 481 ]

وأما توهم دلالة الآية على أن تنجز التكليف في مورد خبر العادل، أمر مفروغ منه، ولا نحتاج إلى المفهوم، وليس هذا الإشكال مما لا يمكن دفعه بالنسبة إلى المفهوم، بل في خلاله تبين تقريب لحجية خبر العادل، فهو فاسد، لما يتوجه إليه ما مر في ذيل الوجه الأول (1). مع أن الإشكال على مفهوم الشرط باق على حاله، فتأمل جيدا. وبالجملة تحصل: امتناع المفهوم. وسيمر عليك مفاد المنطوق في ذيل الإشكال الآخر الذي لا يدفع. وربما يشعر بما ذكرنا هنا حذف المفعول به، فإن في حذفه إيماء إلى عدم ربط واقعي بين الجزاء والشرط، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * يومئ إلى أن الجزاء في الحقيقة أمر آخر، ولعله هو منجز التكليف في مورد خبر الفاسق عند الإصابة، والله العالم، وعليه لا نحتاج إلى الضمير الراجع، لأنه من قبيل المثال الذي عرفت. المناقشة الثانية: أن في مورد خبر الفاسق، لا يجب التبين بالضرورة، ولا يكون الحكم منجزا بالقطع، ولا معنى لحمل الآية على أن جواز العمل بالخبر الواحد، مشروط به، وأن رفع حرمة الاتباع لقوله منوط بالتبين (2)، لظهورها في الوجوب المطلق، أو اللزوم المطلق المنشأ عن واجب عقلي مطلق، وهوالفرار من استحقاق العقوبة،


1 - تقدم في الصفحة 471. 2 - فرائد الاصول 1: 117، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 165، نهاية الدراية 3: 204. (*)

[ 482 ]

كما عرفت (1). فعلى هذا يعلم: أن الآية مربوطة بموارد الوقوع في المحذورين، وهو كون الخبر موجبا لوقوع المكلف بين وجوب الاتباع، وحرمة الاتباع، كما هو شأن النزول، فإن القعود عن الحرب في تلك القضية ممنوع شرعا وعقلا، وهكذا الإقدام، ويرتفع المحذور بالفحص وتبين خبر الفاسق، لئلا يقع الإنسان فيما لا يجوز الوقوع فيه، كالقتال، وهدر الأموال، وغير ذلك. وبالجملة: ما يقال: " إنه شرط لجواز العمل " كما في حاشية العلامة الأصفهاني (قدس سره) (2) وهو الظاهر من " الرسائل " (3) بل هو الظاهر من الأكثر (4)، غير موافق لظاهر الآية، فالآية بحسب المورد والمنطوق والذيل، مربوطة بمورد يكون خبر الفاسق موجبا لوقوع الإنسان في المحذورين، ولا يمكن الخروج عنه إلا بالتبين، فتكون أجنبية عما نحن بصدده. وحمل إطلاق الهيئة على أن جواز العمل بالخبر مشروط بالشرط، أو على أن نفي حرمة اتباع خبر الفاسق يمكن بالتبين (5) غير جائز، فما دام يمكن الأخذ بالإطلاق يتعين. وعلى هذا، يدور الأمر بين كون الآية ذات مفهوم يدل على عدم حجية خبر العادل، كما هو مفاد المناقشة الاولى، أو تكون أجنبية عن مسألتنا، ولا ثالث،


1 - تقدم في الصفحة 480. 2 - نهاية الدراية 3: 204 - 205. 3 - فرائد الاصول 1: 117. 4 - فرائد الاصول 1: 117، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 165، نهاية الدراية 3: 204 - 205، مصباح الاصول 2: 152. 5 - فرائد الاصول 1: 117. (*)

[ 483 ]

وحيث لا سبيل إلى الأول يتعين الثاني، وهو المساعد للاعتبار ولغير ذلك، كما لا يخفى على المتأمل الخبير البصير، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. فذلكة البحث: أن مقتضى إطلاق الأمر بالتبين بعد عدم كونه واجبا نفسيا، هو وجوب توضيح خبر الفاسق، مع أن خبر الفاسق لا يوجب تنجز التكليف، ولا يجب توضيحه. وعلى هذا، إما يكون النظر إلى تنجيز مضمون خبره في صورة الإصابة، ويكون الأمر بالتبين كناية عن تنجز مضمون خبره، واستحقاق العقوبة في مورد الإصابة، فلازمه - على القول بالمفهوم - عدم تنجز التكليف في مورد قيام خبر العادل. وإذا كان هذا ممنوعا، فلابد إما من التصرف في هيئة الأمر، بكونها في مقام إفادة اشتراط جواز العمل بخبر الفاسق بالتبين، وإلا فالاتباع محرم، وهذا غير جائز لأن الإطلاق ينفيه. فيكون المتعين الاحتمال الآخر: وهو أن المورد القائم عليه خبر الفاسق، إذا كان من دوران الأمر بين المحذورين، فلابد من حل المشكلة بالتبين، كما هو كذلك في شأن نزول الآية، ويكون واجبا عقلا على الإطلاق. وتوهم دوران الأمر بين التصرف في الهيئة، أو التصرف في المادة، بتقييد المورد، ولا مرجح للثاني، غير صحيح، فإن قضية شأن نزولها مرجوحية التصرف الأول. مع أن التردد بين التصرفين يوجب إجمال الآية. ومما يوجب التصرف في إطلاق مصب الآية: أنه بالتصرف المذكور، يبقى للوجوب المطلق واللزوم المطلق مورد، وإلا فيلزم سقوط الهيئة بالمرة.

[ 484 ]

ولو قيل: قضية إطلاق الهيئة، حجية خبر العادل في مورد دوران الأمر بين المحذورين، ويثبت عموم المدعى بالأولوية. قلنا: كلا، لأن إطلاق الهيئة يرجع إلى أن الجزاء، هو تنجز التكليف في مورد قيام خبر الفاسق، ومفهومه أيضا عدم تنجزه في مورد خبر العادل، وهو باطل بالضرورة، فلا مفهوم له رأسا، فمقتضى إطلاق الهيئة عدم المفهوم للآية. ومما يوجب تعين الاحتمال الثاني، بحفظ الإطلاق، وإنكار المفهوم: أن ما فسر القوم به الآية الشريفة - وهو أن جواز العمل بقول الفاسق، مشروط بالتبين، وأنه إذا أردتم العمل بخبر الفاسق فتبينوه - يستلزم أن يكون مفاد المفهوم أيضا كذلك، أي جواز العمل بخبر العادل ليس مشروطا، ولا يستفاد من المفهوم تنجز التكليف في مورد خبر العادل، مع أن المقصود ذلك. فما أفاده القوم: " من أن الهيئة هنا لإفادة المعنى الشرطي " (1) لازمه عدم تنجز التكليف في مورد خبر العادل، وهذا ضروري البطلان، فافهم واغتنم، ولا تخلط. بقي شئ: حول التمسك بالأولوية لحجية خبر العادل وهو أن مقتضى تنجز التكليف بخبر الفاسق الموجب لتبينه، تنجز التكليف بخبر العادل بالأولوية، وهو تقريب آخر لحجية خبر العادل. وفيه: أنه حتى ولو كان قريبا، إلا أنه لا يتم به عموم المدعى، لأن الأولوية تكون في مورد كون خبر العادل موجبا للوثوق والاطمئنان. اللهم إلا أن يقال: بأن الحكم ومضمون خبر الفاسق، يتنجز قبل التبين، وإنما


1 - فرائد الاصول 1: 117، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 164 - 165، مصباح الاصول 2: 152 - 153. (*)

[ 485 ]

يجب التبين للفرار من الوقوع في المحذورين، فمضمون خبر العادل أولى بالتنجيز، ولا معنى لوجوب تبينه، للزوم اشتراكهما في الحكم، وهو واضح المنع، فتأمل. وعلى هذا، لو كان خبره حجة في مورد دوران الأمر بين المحذورين من غير أن يجب التبين، ففي غير ذلك المورد أيضا لا يجب، للأولوية القطعية. ومقتضى هذا التقريب البديع حجية خبر العادل على إطلاقه، وهو المأمول المقصود، فالآية بحسب المفهوم تورث عدم حجية خبر العادل، ولكن تقتضي الأولوية المذكورة ثبوت المدعى بتمامه، والله العالم. المناقشة الثالثة: أن وجوب التبين حتى ولو كان شرطيا، يوجب انقداح مقصود المتكلم في ذهن المخاطب، وهو أن التبين لأجل إيضاح الخبر صدقا وكذبا. بل التبين معناه إيضاح الخبر، ويكون المنظور إيضاحه صدقا وكذبا، لأنه ليس بواضح، لمجئ الفاسق به، ومقتضى المفهوم عدم وجوب التبين، لوضوح خبر العادل طبعا، فلا تثبت به حجية خبر العادل ولو لم يكن واضح الصدق. وقد مر ما يتعلق بهذه المناقشة في البحوث السابقة (1)، فتدبر. تذنيب: في منع حجية المفاهيم لنا إنكار حجية المفهوم ولو كان للشرط، وذلك لأن القضايا الشرطية، ربما تكون ناشئة عن الأخذ بالقدر المتيقن في الدخالة في الحكم، وتكون الامور الاخر مجهولة من هذه الجهة.


1 - تقدم في الصفحة 453 - 455. (*)

[ 486 ]

مثلا: إذا قال المولى العرفي: " إن جاءك زيد أكرمه " يكون ذلك التعليق لأجل أن مجئ زيد، معلوم عنده في الدخالة، وله المصلحة المعلومة في الحكم، دون مجئ عمرو، ولا يكون عارفا بالواقعة في مورد سائر الامور، وعندئذ يصح أن يأتي بالقضية الشرطية، ولا يكون له المفهوم، ولا دليل في مرحلة الإثبات على عرفانه بالواقعيات في الموالي العرفيين. فإن قلنا: بأن الوظيفة قياس المسائل الشرعية بالعرفية في مقام الاستنباط، فإنكار المفهوم ممكن وواضح. وأما إذا قلنا بامتناع القياس المزبور، فلنا دعوى: أن المصالح تتبدل باختلاف الأزمنة، فإذا ورد مثلا: " الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ " فإن التعليق ليس إلا لأجل أن القدر المتيقن في عصر صدور الخبر، هو عدم التنجس بالكرية، ولا منع من حصول مصلحة في عدم تنجسه بالأمر الآخر الذي يطرأ على الماء، فلا يكون مفاد القضية الاولى، نفي سنخ الحكم حتى يعارض بالمنطوق الآخر، والمسألة تطلب من محلها، والله ولي التوفيق. ذنابة: حول خروج مورد نزول الآية عن المفهوم ربما يتوهم: أن الآية لو كانت بصدد حجية خبر العادل، ولزوم الأخذ به، أو جوازه الملازم للزومه، للزم خروج المورد عن المفهوم، لعدم جواز الاتكال عليه في الموضوعات، ولاسيما تلك الموضوعات الخاصة. وبعبارة اخرى: الآية نزلت لردع ما صنعوا، وهو الاتكال على إخبار الفاسق، مع أن الاتكال على إخبار العادل ممنوع في المقام، فما في كلام العلامة النائيني هنا (1) لا يخلو من تأسف.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 174. (*)

[ 487 ]

كما أن ما أفاده الشيخ: " من أنه ليس المورد مما خصص المفهوم فيه، لأن انضمام خبر العادل الآخر إليه، ليس طردا لقوله " (1) غير سديد، لأن الظاهر المقصود هو حجية خبر العادل، واشتراط الانضمام يساوق عدم حجيته بالنسبة إلى المورد، وينتج جواز ردعهم لو كانوا متكئين على خبر العادل، فتصديق العلامة الأراكي لما أفاده (2)، في غير محله. والذي يمكن أن يقال أولا: أن ما اشتهر " من أن الآية نزلت لردع اتكالهم الخارجي على إخبار الفاسق " (3) غير تام، لأن في المسألة روايتين: (4) ثانيتهما: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إخبار الوليد، أرسل إليهم خالدا حتى يتبين الأمر، فجاء خالد مكذبا للوليد، فنزلت الآية (5). وهذه الرواية أوفق بالاعتبار، من غير الحاجة إلى فرض نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) بل وسائر العباد لا يتكئ على أخبار الآحاد في هذه المسائل المهتم بها، فلا ملامة ولا توبيخ على قصة خارجية، حتى يقال: باشتراكه مع إخبار العادل. وثانيا: يجوز أن يكون الحكم في حين نزول الآية، هو جواز الاتكال في الموضوعات مطلقا على إخبار العادل، ثم اعتبر الانضمام. وثالثا: أن البشيع عقلا هو خروج المورد في القضايا الشخصية، وأما مصلحة ضرب القانون الكلي الأبدي فأقوى من هذه الامور، ولو كان المورد الموجب للنزول خارجا عن ذلك القانون، فتأمل. وتوهم: أن إخراج الموضوعات عن الآية تخصيص الأكثر، أو تخصيصات


1 - فرائد الاصول 1: 124. 2 - نهاية الأفكار 3: 116. 3 - الفصول الغروية: 275 / السطر 23، أنوار الهداية 1: 293. 4 - مجمع البيان 9: 198. 5 - الدر المنثور 6: 89 / السطر 19. (*)

[ 488 ]

كثيرة (1)، غير مضر بعد كون المقدار الباقي مما يكثر جدا في ذاته. هذا مع أن للقول بحجية خبر الواحد في الموضوعات - إلا ما دل الدليل بالخصوص على خلافه (2) - وجها قويا جدا. حول منع دلالة الآيات الاخر وهي آية النفر (3)، وآية الكتمان (4)، وآية السؤال (5)، وآية الاذن (6)، بل آيات الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (7)، فإن هذه الآيات متضمنة لمسألة احتكاك الناس بعضهم مع البعض، ومشتملة على مسائل اجتماعية، فإن كان النفر والعود والإنذار لازما مثلا، أو كان الكتمان ممنوعا، والشهادة واجبة، أو كان السؤال لازما وغير ذلك، فلازمه - فرارا من اللغوية - حجية إخبار العادل، وإلا تشبه المسألة السخرية والاستهزاء، فلا معنى للأمر الإيجابي (8) أو الندبي (9) بهذه الامور، مع المنع عن الاستماع إليها، وعن ترتيب الأثر عليها. وهذا التقريب المشترك هو أسد ما يقال في المسألة، وسائر التقاريب لا ترجع إلى محصل.


1 - تهذيب الاصول 2: 114 - 115. 2 - مصباح الاصول 2: 172. 3 - التوبة (9): 122. 4 - البقرة (2): 159. 5 - النحل (16): 43. 6 - التوبة (9): 61. 7 - آل عمران (3): 104، التوبة (9): 71. 8 - معالم الدين: 188 - 189. 9 - فرائد الاصول 1: 129. (*)

[ 489 ]

والذي هو التحقيق: أن لازم التقريب المذكور، حجية مطلق الخبر، سواء كان المخبر عادلا، أو فاسقا، أو كافرا، أو امرأة فاحشة، أو غير ذلك، ثم بعد ذلك يلتزم بالتخصيص والتقييد، وهل ترى - بينك وبين ربك - أن هذه الآيات في هذه المواقف من العموم أو الإطلاق ؟ ! أم هي آيات ترشد إلى لزوم هذه الامور، من غير كونها بصدد الإطلاق ؟ بل هي آيات ترشد إلى كفاية هذه المسائل، والواجبات الكفائية النظامية ربما تكون من المسائل الحكومية اللازم إجراؤها عند قيام حكومة عادلة، تحت عنوان وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا. وعلى كل تقدير: تختص الآيات بإشكالات، ولكن إحالة البحث إلى المطولات، أولى وأحسن. ولو قيل: هذا الحث والترغيب الشديد، يقتضي حجية مطلق الخبر، وإذا لم يكن لها الإطلاق فالمقدار المتيقن منه هو حجية خبر العدل، وهو المطلوب (1). قلنا: ليس الوثوق والاطمئنان الشخصي الحاصل من خبر العادل قليلا، حتى يكون الأخذ بالمقدار المتيقن منها نوع طرح لها، كي يستتبع حجية خبر العادل، لأنه القدر المتيقن ولو لم يحصل منه شئ، أو حصل منه الظن بخلافه. بقي شئ: في بطلان الاحتجاج على الظنون الخاصة بالظواهر والأخبار إن المفاسد المترتبة على الظنون الخاصة كثيرة جدا، سواء كانت من المفاسد الدنيوية، أو الاخروية، فهل ترى من نفسك أن حجية هذه الظنون المستتبعة لتلك المفاسد، مرهونة بإطلاق دليل، أو مفهوم، أو ترجيح إرجاع قيد إلى المادة دون الهيئة، أو العكس، أو غير ذلك من المبادئ الاستنباطية ؟ أم حجية تلك الظنون مع ما فيها من المفاسد، ليست مرهونة بهذه الامور،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 186 - 187. (*)

[ 490 ]

بحيث لولا هذا الإطلاق في آية كذا، وذاك المفهوم في آية كذا، أم تلك الهيئة في تلك الآية، لأمكن الالتزام بحجيتها ؟ وقد مر منا (1) وجه امتناع الردع عن حجية الظنون على الإطلاق في قبال شبهات ابن قبة، وذكرنا في محله: أن المسألة ليست كما تخيلوها وتوهموها، حتى يمكن سد باب العمل بالظنون الخاصة (2). فعلى هذا، لو كان لتلك الآيات مفهوم ومنطوق دالين على حجية خبر الواحد، لما كان السند والمستند لحجيته تلك الآيات، لعدم إمكان مقاومتها للمفاسد المترتبة على حجيتها. نعم، تقاوم تلك المفاسد المصالح الاخر التي لابد من لحاظها ورعايتها، مع عدم إمكان سد تلك المفاسد إلا بالدخول في المفاسد الأكثر. فما سلكه القوم - صدرا وذيلا - للاحتجاج على حجية الظنون الخاصة بالظواهر والأخبار، بحيث يكون المستند تلك الظواهر والأخبار، غير راجع إلى محصل، كما هوالواضح، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 261 - 262. 2 - تقدم في الصفحة 224 وما بعدها. (*)

[ 491 ]

الوجه الثاني السنة وهي على طوائف مختلفة: فمنها: ما يظهر منه وجوب الرجوع إلى الثقات، والتسليم لما روي عنهم (عليهم السلام) (1). ومنها: ما ورد في إرجاعهم (عليهم السلام) الرواة إلى ثقات الأصحاب وإلى كتبهم (2). ومنها: ما ورد في الأخبار المتعارضة، وهي الأخبار العلاجية الظاهرة في حجية غير المبتلى بالمعارض، وحجية ما هو ذو المزية والترجيح (3). ومنها: ما يظهر منه الترغيب في الرواية ونقل الحديث، والحث عليه، وإبلاغ ما في الكتب، ومدح أصحاب الحديث وحفاظه وكتابه، والترغيب في مذاكراته (4). ومنها: ما ورد في كيفية نقله وأخذه وقبوله (5).


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 270 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 321. 2 - وسائل الشيعة 27: 143 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 19، جامع أحاديث الشيعة 1: 270 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 321 - 322. 3 - جامع أحاديث الشيعة 1: 313 - 314 أبواب المقدمات، باب ما يعالج به تعارض الروايات، الحديث 10 - 19. 4 - جامع أحاديث الشيعة 1: 272 - 274 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 328 - 330 و 334 - 338، و 276 / 347، و 279 / 358. 5 - جامع أحاديث الشيعة 1: 297 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 82 و 83، و: 282 / 361، و: 300 - 301 / 419 و 20. (*)

[ 492 ]

ومنها: ما ورد في احتجاج بعض الصحابة على بعضهم، أو على الأئمة بالروايات (1)... وغير ذلك من المتفرقات في الأبواب المختلفة، البالغة في كتاب " جامع الأحاديث " إلى أكثر من مائة وعشرين، وربما يطلع على الأكثر المراجع في طي المسائل، وقد حكى جملة منها " الوسائل " في كتاب القضاء (2). ثم إنه لا معنى لأن يتمسك بمطلق خبر الواحد لحجية مطلق خبر الواحد، أو الخاص منه، ولا بأس بأن يتمسك بالخبر الخاص لمطلق الخبر الواحد، إلا أنه لابد وأن يكون ذلك الخاص جامعا لمطلق الخصوصيات المحتملة، أو جامعا للخصوصيات المذكورة في الأخبار، بعد كونه خبرا متواترا مقطوع الصدور، أو يكون في حكم مقطوع الصدور. فبالجملة: لابد من أن يكون الخبر المستند إليه، جامعا للشرائط العقلية والشرعية. وعلى هذا، لا بأس بأن نتكلم إجمالا في جهتين: الجهة الاولى: في اعتبار تواتره فإن المتواتر اللفظي غير موجود بالضرورة، وإنما الكلام في المتواتر المعنوي والإجمالي، فربما يقال: بأنه لا معنى للتواتر الإجمالي، لأن كل واحد من الأخبار واحد محتمل للكذب والصدق (3). وفيه ما لا يخفى.


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 305 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 437 - 438. 2 - وسائل الشيعة 27: 106 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، و: 136، الباب 11. 3 - أجود التقريرات 2: 113. (*)

[ 493 ]

نعم، يمكن المناقشة في المتواتر الإجمالي: بأن العلم الإجمالي بوجود واحد من بينها صادر عنهم (عليهم السلام) لا يفيد، لأنه مجهول، فلا يمكن التمسك بها. والأخذ بالقدر المتيقن الجامع غير ممكن أحيانا، لتباين الخصوصيات. نعم، فيما نحن فيه لا يكون الأمر كذلك، فعليه يمكن كسب الخبر الواحد الجامع، كما إذا كان راويه من الإمامية العدول والموثوق به المأمون على الدين والدنيا في جميع الطبقات. فبالجملة: لا بأس بالتقسيم المذكور، كماتحرر إمكان وجود التواتر الإجمالي. إن قلت: لا فائدة في التواتر الإجمالي، للزوم الأخذ بمطلق الخصوصيات وإن لم تكن بين الروايات. قلت: نعم، ولكن دعوى القطع بعدم اعتبار الأزيد منها ممكنة، فتدبر. نعم، التواتر الاصطلاحي غير ممكن تحصيله. والتواتر المفيد للعلم، تابع لنفوس المراجعين المختلفة في ذلك، فلا تخلط. الجهة الثانية: في وجود التواتر المعنوي أو الإجمالي بعد عدم تحقق اللفظي منه فعن العلامة النائيني (رحمه الله) تحقق المعنوي (1)، وقد صدقه بعض آخر (2)، وأنكره السيد الوالد المحقق - مد ظله - (3)، وهو الظاهر من " الكفاية " (4) وغيره (5).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 190 - 191، أجود التقريرات 2: 113. 2 - نهاية الأفكار 3: 134. 3 - أنوار الهداية 1: 313، تهذيب الاصول 2: 131 - 132. 4 - كفاية الاصول: 346. 5 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 392، لاحظ مصباح الاصول 2: 193. (*)

[ 494 ]

ويظهر أنه (رحمه الله) لم يلتفت إلى طرف المطلوب، فإن معنى التواتر المعنوي: هو القطع بصدور خبر واحد من بين الأخبار الدالة على حجية مطلق الخبر، وإن لم يكن جامعا للخصوصيات، وهذا واضح المنع. وذهب صاحب " الكفاية " إلى وجود الإجمالي منه (1)، فيثبت الأعم بالأخص. وفيه: أن من شرائط حجية الخبر، أن يكون له الشاهد (2) أو الشاهدان (3) من كتاب الله، وقد أنكروا دلالة الآيات على حجيته، وقد غفلوا عن هذه المسألة في المقام. مع أن التمسك بالخبر المقطوع الحجية يفيد حجية مطلق الخبر. وأما ما في " تهذيب الاصول ": " من احتمال دخالة عدم الواسطة في الحجية، فلا يكون الخبر مع الواسطة حجة " (4) فقد أشرنا إليه في ذيل الجهة السابقة: إلى أن دعوى القطع بعدم اعتباره ممكنة جدا، لاتفاق الأخبار على أن نفيها لمطلق الخصوصيات، ليس معتبرا فيما يتمسك به. نعم الخصوصيات في الأخبار معتبرة. فعلى هذا تحصل: أن المتواتر الإجمالي والمعنوي غير واضح تحققهما، بل الظاهر ممنوعيتهما. ومن هنا يظهر ما في " تهذيب الاصول ": من التمسك بالخبر العالي السند، لإثبات المطلوب المطلق (5)، فإن مجرد كون الطبقات عدولا إماميين وكذا وكذا لا يكفي، لأن قضية جملة من الأخبار حجية الخبر المطابق للكتاب (6) والقائم عليه منه الشاهد أو الشاهدان.


1 - كفاية الاصول: 347. 2 - وسائل الشيعة 27: 110 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 11. 3 - وسائل الشيعة 27: 112 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 18. 4 - تهذيب الاصول 2: 131. 5 - تهذيب الاصول 2: 132. 6 - وسائل الشيعة 27: 106 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1. (*)

[ 495 ]

اللهم إلا أن يقال: بدعوى القطع بعدم دخالة ذلك في حجية الخبر، فالأخص مضمونا هو المحكي بالعدول الإماميين، وإذا ثبت ذلك يثبت به سائر المطلوب (1) وإطلاق المدعى، فإذا صح ادعاء عدم اشتراط عدم الواسطة كما مر وبعض الشرائط الاخر، يمكن دعوى وجود الخبر الواحد الأخص الناهض على عموم المدعى، لأن كلية الأخبار ذات إطلاق ولا معنى لدعوى أن القدر المتيقن منها هو الخبر المفيد للوثوق والاطمئنان أو الظن، وإلا فلا يتم المطلوب أيضا من هذه الجهة (2)، فتأمل. فذلكة البحث: إن الخبر الجامع للشرائط العقلية - وهو كونه متواترا اصطلاحا، أو في حكم المتواتر، بأن يكون موجبا للقطع بالصدور، وكون جهة صدوره تامة، وللشرائط الشرعية، مثل كون المضمون مما قام عليه الشاهد أو الشاهدان من كتاب الله - قابل للتمسك به. ولكن الإشكال في وجود ذلك المتواتر، فإن التواتر اللفظي واضح المنع، والتواتر المعنوي مما لا يكاد يخفى عدمه. وأما التواتر الإجمالي، فبناء على كونه موجبا للعلم الإجمالي بصدور واحد من بين المائة، مع احتمال كونه قسما من التواتر اللفظي، لدلالة كل واحد بالالتزام على الصدور، فيكون واحد من بينها صادرا، فاغتنم، فهو فيما إذا كان في البين قدر متيقن - كما فيما نحن فيه - يمكن تحصيله. وأما ما في " تهذيب الاصول ": من أن من القيود المحتملة هو كونه حاكيا


1 - كفاية الاصول: 347. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 190. (*)

[ 496 ]

لقول الإمام (عليه السلام) بلا واسطة (1)، فغير وجيه، لأن المفروض تواتر الأخبار، فلا معنى لإيراد قيد في هذه الناحية بعد فرض العلم الإجمالي بوجود صدور واحد من بين المائة. نعم، يتوجه إليه ما اشير إليه: وهو كونه مما يشهد عليه الشاهد أو الشاهدان. اللهم إلا أن يقال: بالقطع بعدم اعتبار ذلك في حجية ذلك المعلوم بالإجمال. وأما الإشكال في إطلاق ذلك المعلوم بالإجمال، فقد عرفت منعه، لما نجد أن ما بين أيدينا يكون كل ذا إطلاق (2)، فتأمل. ويشكل: بأن قضية ذلك الخبر ولو كانت حجية مطلق الخبر، ولكنه مقيد بكون " الثقة المأمون على الدين والدنيا " حسب التعليل الوارد في الخبرين (3)، فلا يثبت به المدعى إلا في الجملة. والذي هو الحجر الأساس: أن أكثر أخبار المسألة، منقولة عن غير الكتب الأربعة، فدعوى العلم الإجمالي بصدور واحد بعد رجوع أكثر الأخبار في مبادئ السلسلة إلى الآحاد والأفراد، غير مسموعة. نعم، يمكن دعوى كفاية الاطمئنان والوثوق الشخصي، وهو كاف لصحة الاستناد، ولا يعتبر العلم الجزمي المنطقي. وبعبارة اخرى: الاطمئنان والعلم في الحجية مشتركان، كما هما مشتركان في قابلية منعهما، كما تحرر، فلا فارق بينهما.


1 - تهذيب الاصول 2: 131. 2 - تهذيب الاصول 2: 132. 3 - الكافي 1: 390 / 1، بحار الأنوار 2: 251 / 68. (*)

[ 497 ]

بقي شئ: حول استدلال الوالد المحقق على عموم المدعى وما فيه ذهب - مد ظله - في " التهذيب " إلى أن لنا إثبات عموم المدعى، بانضمام قيام السيرة على حجية خبر الواحد المحكي بالوسائط البالغة إلى الثلاث والأربع، مع كونهم عدولا فقهاء، ومن المبرزين العلماء، فإذا وجدنا ذلك نستدل به على المطلوب، ثم نتمسك بالخبر الأول في " جامع الأحاديث " (1) عن أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) (2). وفيه أولا: أنه ليس من التمسك بالسنة على حجية الخبر الواحد، ضرورة أن التمسك بها لابد وأن يكون في حد التمسك بالكتاب على حجية الخبر، لا في حد التمسك ببناء العقلاء، فلا تخلط. وثانيا: قضية قوله (عليه السلام): " فإنهما الثقتان المأمونان " عدم حجية خبر غير الإمامي، والإمامي غير العادل ولو كان متحرزا من الكذب، لأنه الظاهر من " المأمون " ويفسره ما في الخبر الآخر المعبر عنه ب‍ " المأمون على الدين والدنيا ". وثالثا: لو قلنا: بأن التعليل ليس من قبيل العلل المعممة والمخصصة، بل هو تأكيد لأمرهما، كما هو الأظهر، فلا يمكن إثبات حجية خبر مطلق الثقة، لأن الدستور فيه مخصوص بالعمري وابنه، أو بمن يشابههما في المقام. ورابعا: أن الظاهر من الخبر، هو السؤال عن الرجوع إلى غير ناقلي الأخبار، فيكون الخبر أجنبيا عن مسألتنا، فتدبر.


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 270 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 1. 2 - تهذيب الاصول 2: 132. (*)

[ 498 ]

الوجه الثالث الإجماع والحق: أنه لا يفيد منقوله، ولا محصله، بناء على ما هو الحق عندنا (1) من المراد من " الإجماع " وهو ذهاب المجمعين واتفاقهم على أمر، من غير دخالة السبب في ذلك، فإنه أمر موكول إلى المنقول إليهم والمحصل لهم حسب اختلاف مشاربهم ومسالكهم، فحيث إن المسألة ذات الآيات والروايات، ويساعدها البناءات العرفية والعقلائية، ويؤيدها الحكم العقلي، فلا يكشف به شئ وراء ما هو البالغ إلينا، فلا تذهل.


1 - تقدم في الصفحة 363 - 365. (*)

[ 499 ]

الوجه الرابع بناء العقلاء وحيث يحتاج إلى الإمضاء، فلابد إما من قيام الأدلة اللفظية، أو نهوض دليل عقلي، فإنه أيضا كاف، ضرورة أن هذه الطريقة القطعية العريضة، كانت بمرأى ومسمع من الشرع، وحيث إن الشرع لابد وأن يعلن الأحكام، ويبلغ المصالح، فعليه إعلام ذلك، ولو كان أعلن بلسان - كما نرى في كثير من الامور - فيتبين من هنا أنها طريقة مرضية ممضاة. هذا مع أن في جملة من الأخبار والآثار، أو في قسم من الآيات - على إشكال - ما يشهد على الرضا والإمضاء. وأما توهم عدم الحاجة إلى كشف الارتضاء، بل يكفي عدم الردع (1)، فيكون الردع مانعا، فقد مر منا مرارا عدم صحة ذلك (2) أولا: لأنه في موارد الشك يكون للشرع أصل هو المتبع. مثلا: لو كان يكفي عدم الردع، لكان الحكم بكفاية عدم الردع إما حكما عقليا، كالأوليات التي لا يمكن الردع عنها، وهو واضح المنع. أو يكون هذا حكما شرعيا، أو عقلائيا، فإن كان شرعيا فهو كاف، ويكون من الإمضاء، أو عقلائيا فهو أول البحث. وعلى هذا، في مورد الشك في نقل العين بعقد جديد، يستصحب الملكية، وهو معنى أصالة الفساد الحاكمة في المسألة، فلابد من كشف رضا الشرع في قبال


1 - كفاية الاصول: 349، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 193. 2 - تقدم في الصفحة 247 - 248. (*)

[ 500 ]

الاستصحاب المزبور. وثانيا: لا حاجة إلى هذه المسألة هنا بعد كون السيرة قديمة واضحة، وبمرأى ومنظر من الشرع، وما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) هنا لا يخلو من نوع غرابة (1)، ولا شبهة في أن السيرة العقلائية المعبر عنها ب‍ " البناء العقلائي " سيرة عملية احتجاجية قائمة على مطلق خبر المتحرز من الكذب الصادق في القول، وبها يتم تمام المراد في المقام. ومجرد كونها لبية، ولها القدر المتيقن، لا يستلزم الأخذ به بعد سعة دائرتها، كما مر في الظواهر (2)، ومر (3) في السابق بعض ما يتعلق بمبادئ السير العقلائية، والبناءات العرفية، وكيفية أمرها. بحث وتحصيل: في عدم إمضاء السيرة وردعها لأحد أن يقول: إن وجود السيرة غير قابل للإنكار، ولكن يكفي لعدم كونها مرضية إظهار الشرع ولو في خلال آية أو روايات، سواء ارتدع الناس عن ردع الشرع، أم لم يرتدعوا، فلا معنى لأن يترقب انهدام السير العقلائية بمجرد الردع، كما نرى ذلك في مثل القمار وغيره، فعندئذ نجد الآيات الناهية، ولاسيما الأخبار الكثيرة المبرزة لعدم رضا الشرع، ولا أقل من الشك، فعليه إذا وصلت النوبة إلى الشك، لا يكفي الدليل العقلي المزبور، بل لابد من إفادة الأدلة اللفظية، لاحتمال كون الآيات الناهية رادعة لها. وهكذا الأخبار السابقة على كثرة طوائفها. هذا مع أن هنا مشكلة اخرى: وهي وجود الأدلة الرادعة عن السيرة في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 193 - 194. 2 - تقدم في الصفحة 298 - 300. 3 - تقدم في الصفحة 400 - 403. (*)

[ 501 ]

الجملة، فإنه حينئذ لا يمكن الأخذ بإطلاق السيرة، كما لا يخفى. مشكلات التمسك بالسيرة العقلائية وأجوبتها فبالجملة تحصل أن هناك مشاكل: الاولى: مشكلة ردع أصل السيرة. والثانية: ردع السيرة بإطلاقها. والثالثة: عدم كفاية الدليل العقلي المزبور عند الشك في كفاية تلك الأدلة الرادعة، فلابد من الدليل اللفظي المظهر لرضا الشرع بها، لإمكان كونها صالحة للردع، فلا يقاوم الاحتمال المذكور إلا الدليل اللفظي المبرز لرضاه، كما هو الواضح. أما المشكلة الاولى: فالجواب الوحيد ما مر من المناقشة في صلاحية الآيات (1) والأخبار (2) للردع بما لا مزيد عليه، بعد دفع ما أورده القوم عليها فراجع (3)، فإنا وإن سددنا أطراف الآيات الشريفة، ودفعنا هجمات القوم حقا، ولكن مع ذلك ذكرنا النظر الأخير في مفادها والمنظور منها (4). ولا ينبغي ما في " التهذيب " من المناقشة في الآيات من ناحية حجية الظواهر وشمولها لنفسها (5)، لما مر سابقا في محله. والبحث هنا مع القائلين بحجية


1 - تقدم في الصفحة 417 - 419. 2 - تقدم في الصفحة: 432. 3 - تقدم في الصفحة 417 - 439. 4 - تقدم في الصفحة 423 - 424 و 427 - 428. 5 - تهذيب الاصول 2: 133. (*)

[ 502 ]

الظواهر، دون الخبر الواحد (1). وبالجملة: ما أفاده هنا قد أجبنا عنه في السالف بما لا مزيد عليه، فلا نعيده. ثم إن هنا جوابا آخر: وهو أنه على تقدير تصديق الآيات وإطلاقها والأخبار، ولكن لا يكفي للردع عن هذه الطريقة القويمة المغروسة العريضة، مجرد بعض الإطلاقات أو أخبار الآحاد بالضرورة، فإن الشرع قام لردع القياس بأكثر من خمسمائة حديث، على ما ربما يستظهر من " جامع الأحاديث " (2) وغيره (3) وإن لم تكن كلها صادرة، ولكن القياس ليس أمرا بمثابة الخبر الواحد، ومع ذلك قام بهذا العرض العريض لردع الامة عن الباطل. فلو كان هذا الأمر باطلا، لكنا نحتاج إلى الآيات الصريحة والروايات المتواترة، وكل ما يمكن أن يتوسل إليه صاحب الشريعة، حتى يتضح للامة ما هو الحق الصحيح الصريح، فمن هنا يعلم: أن تلك الإطلاقات ناظرة إلى جهات اخر. وفيه: أن الأمر كذلك فيما إذا كان الشرع يرى نفوذ نهيه، فإنه عندئذ لابد وأن يزيد في مهمته، وأما في مثل المسألة التي لا يعتني العقلاء به، فعليه إظهار عدم رضاه وإبرازه ولو في ضمن آيات وروايات متواترة، حتى يتوجه المتشرعة المتدينون مثلا إلى الأمر وحقيقة المسألة. وبالجملة تارة: يكون النظر إلى قلع مادة الفساد، فإن هناك لابد من الاهتمام بشأن الأمر. واخرى: يكون النظر إلى إبراز عدم الرضا * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى


1 - تقدم في الصفحة 334 - 338. 2 - جامع أحاديث الشيعة 1: 326 أبواب المقدمات، باب عدم حجية القياس والرأي، الباب 9. 3 - وسائل الشيعة 27: 36 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 6. (*)

[ 503 ]

من حي عن بينة) * (1) فلا ينبغي الخلط بين المقامين (2). وجواب ثالث: هو انصراف الآيات والمتواترات الناهية عن الحجج العقلائية، لأنها عند العقلاء علم واطلاع واقعي على الأمر، وليست من الظن. ولا نريد أن معنى ذلك ورود أو حكومة، حتى يقال: بعدم إمكان ورود السيرة أو حكومتها، لتقومهما باللسان، ولا لسان للسيرة العملية (3)، بل نريد انصراف تلك الأدلة في محيط العقلاء، عن المسائل القائمة عليها السيرة والجبلة والفطرة. نعم، لو كان في الأخبار المتواترة خبر صريح في ذلك لكفى، ولكنه غير موجود، ضرورة أن التواتر الإجمالي في الأخبار الناهية ممنوع، فضلا عن اللفظي والمعنوي. وأما الآيات فهي - على تقدير دلالتها - ذات إطلاق، ولا نصوصية لها، فدعوى الانصراف (4) قوية جدا. والسر كله: أن الخبر الواحد حجة قطعية عند العقلاء، وعليه السيرة العملية قطعا، فلا يخطر ببالهم من هذه الآيات شئ خلاف ذلك. ولو كان مفاد هذه الآيات الردع عنها، للزم سد الأسواق، وهدم الأساس، والاختلال في النظام، ولكثرت الأسئلة له (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يخفى على أحد من المسلمين، وتواترت الأخبار والقضايا والحكايات، مع أنه غير معهود، بل المعهود خلافه، كما في قصة شهادة الأعرابي برؤية الهلال المأثورة في الأخبار والآثار (5).


1 - الأنفال (8): 42. 2 - تقدم في الصفحة 426. 3 - تهذيب الاصول 2: 105. 4 - لاحظ كفاية الاصول: 339. 5 - المعتبر 2: 642، المبسوط، للسرخسي 3: 62 / السطر 13 - 17. (*)

[ 504 ]

وجواب رابع: قد مر إجمال منه في ذكر أدلة النافين (1)، وخلاصته: أن رادعية هذه الآيات موقوفة على عدم مخصصية السيرة لها، وعدم مخصصيتها موقوف على رادعيتها، فالرادعية موقوفة على الرادعية. هكذا افيد في " الكفاية " (2) ولم يصدقه ظاهرا أحد بعده، ولعله من مزال أقدامه (قدس سره)، فأنت خبير بأن هذا التقريب، يجري في مثل حرمة القمار القائمة عليها السيرة، فإن رادعية آية التجارة، موقوفة على عدم مخصصية السيرة القائمة على القمار، وعدم مخصصية السيرة المذكورة، موقوف على رادعيتها، فيلزم توقف الشئ على نفسه، فعليه لا تكون آية التجارة، صالحة لردع السيرة الناهضة على القمار، كالسيرة القائمة على العمل بالخبر الواحد. بل لنا أن نقول بمثله في مثل الربا ولو كانت الآيات صريحة فيه (3)، فإن الربا مما قامت عليه السيرة الخارجية قديما وحديثا، فعليه نقول: صلاحية آيات الربا للردع عن الربا، موقوفة على عدم معارضة السيرة الموجودة لها، وعدم معارضة السيرة لتلك الآيات، موقوف على صلاحية الآيات للمعارضة والردع، فصلاحية الآيات موقوفة على الصلاحية. أو يقال: محرمية الآيات للربا موقوفة على محرميتها. وقد أورد (قدس سره) إشكالا على نفسه في " الكفاية " وكان ينبغي أن ينتقل من الجواب إلى عدم أساس لما أتى به في المسألة، ومع ذلك كله عقب البحث بما لا ينبغي (4).


1 - تقدم في الصفحة 425 - 426. 2 - كفاية الاصول: 348. 3 - البقرة (2): 275 - 279. 4 - لاحظ كفاية الاصول 348 - 349. (*)

[ 505 ]

وبالجملة: ما هو الحل أن مطلق السيرة، ليست حجة ومخصصة لشئ، وإنما السيرة المرضية حجة ومخصصة، وإذا كان البحث في حجية السيرة، فلا معنى لتشكيل الصغرى والكبرى المذكورة رأسا، لأن الكلام حول أن السيرة مردوعة بالآيات (1)، أم لا، فلا معنى لفرض حجيتها في خلال البحث المذكور. وبعبارة اخرى: لا معنى لدعوى جواز تخصيص الآيات الناهية بالسيرة لأخصيتها، لأن السيرة الممضاة صالحة للمخصصية، دون مطلق السيرة. ولو كان ما قرره (قدس سره) في محله، للزم أن تكون حجية الخاص اللفظي في مورده دورية، وهكذا العام اللفظي، ولازمه عدم حجية كل شئ، فاغتنم. نعم، فرض حجيتها العقلائية المانعة عن قابلية الآيات للرادعية، نظرا إلى الانصراف المذكور، أيضا صحيح يليق بالتصديق، وحقيق بالتحقيق. وقد تبين من خلاله أيضا فساد توهم الحكومة، كما في كلام العلامة النائيني (رحمه الله) (2) أو الورود، كما في كلام الوالد - مد ظله - (3)، فهذه الأجوبة غير تامة صناعة، وغير صحيحة قاعدة. بقي جواب خامس: مر أيضا فيما سلف (4)، وإجماله: أن هذه الآيات الرادعة في حكم العام المتأخر، فإما تكون السيرة مخصصة ومقيدة، أو تقع المعارضة بين السيرة وتلك الآيات، فيرجع إلى استصحاب حجيتها. وغير خفي أولا: أن استصحاب الحجية لا أساس له، لرجوعه إلى استصحاب الحكم الكلي، وقد منعنا جريانه الذاتي في مطلق الأحكام التكليفية والوضعية (5).


1 - تقدم في الصفحة 417 - 418. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 161 - 162. 3 - تهذيب الاصول 2: 105. 4 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 106. 5 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. (*)

[ 506 ]

وحديث المعارضة - كما قاله النراقي (قدس سره) (1) - مدفوع في محله. وثانيا: قد أشرنا هناك الى أن الأحكام تدريجية الوجود، فربما لا يكون صاحب الشرع راضيا بالسيرة، إلا أنه يترقب الأوقات المناسبة لإبراز عدم رضاه، فلا دليل على حجية السيرة. وبعبارة اخرى: إن الحجية تنتزع من السيرة إذا مر الشرع عليها ولم يردع عنها، وهذا لا يحصل بمجرد طلوع الشرع، أو مضي سنوات، فالقدر المتيقن منها ذلك، وحيث إن المفروض نزول الآيات الناهية، فلا محل لانتزاع الحجية عنها (2)، فما في حواشي العلامة الخراساني (قدس سره) هنا (3)، أيضا بعيد عن الصواب. ثم إنه غير خفي: أن في طي البحث أشرنا إلى الأجوبة الاخرى، ولأنه لمكان وضوح الأمر فيما سلف في ذيل البحث عن أدلة النافين عدلنا عنها. ومن تلك الأجوبة الالتزام بالتخصيص حسب الأدلة اللفظية القائمة على حجية الخبر الواحد (4)، ومر ما فيه (5). وأما المشكلة الثانية: فقد تعارف ردع الشرع عن السيرة العملية العقلائية في الجملة في غير ما نحن فيه. مثلا: في باب المعاملات، يكون للشرع تعبديات صرفة على خلاف البناءات العقلائية، وخيارات جعلية على خلاف أصالة اللزوم العقلائية، ولازم ذلك ردع


1 - عوائد الأيام: 213، العائدة: 21، مناهج الأحكام: 239، الفائدة الاولى / السطر 3. 2 - تقدم في الصفحة 426. 3 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 123 - 124. 4 - كفاية الاصول: 339. 5 - تقدم في الصفحة 424. (*)

[ 507 ]

البناء العملي العقلائي عما عليه جبلتهم وسيرتهم الخارجية. ولو كانت رواية واحدة أو إطلاق واحد غير كاف، لكان يلزم طرح كثير من تلك التعبديات في المعاملات، كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1) وقد مر ما يتعلق به في المشكلة الاولى (2)، وفي هذا اليوم (3) فرغنا من مسألة خيار الرؤية، وهو قد نص على أنه خيار غير عقلائي، وسنده خبر واحد (4)، فيعلم من ذلك عدم تمامية ما كان يفيده مرارا في الجواب عن هذه المسألة: وهي مسألة الردع عن البناءات العقلائية، وقد مر آنفا (5). فبالجملة: يمكن دعوى أن قضية ذيل آية النبأ (6)، عدم حجية الخبر الواحد في الجملة، كما لا يخفى. وهكذا يقال: إن التمسك بالتواتر المعنوي أو الإجمالي، لو كان يصح لحجية الخبر الواحد، لصح للردع عنه في الجملة بالضرورة. وعلى هذا، لو كان بين الأخبار خبر جامع لشرائط الحجية المعتبرة شرعا وعقلائيا، وكان مضمونه الردع عن بناء العرف، كان الأخذ به متعينا، ضرورة أنه خبر حجة، حسب السيرة، وحسب مضمونه، لكونه واجدا للشرائط، وهو كون جميع الطبقات إماميين عدولا، وهذا الخبر ما رواه " الكافي " بإسناده المعتبر المشتمل على العطار والحميري وأحمد بن إسحاق الماضي، فإن فيه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته وقلت له: من اعامل، أو عمن آخذ، وقول من أقبل. فقال له: " العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك


1 - أنوار الهداية 1: 279. 2 - تقدم في الصفحة 501 - 505. 3 هو يوم الأربعاء، السادس من شهر جمادى الاولى (منه (قدس سره)). 4 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 4: 426 و 434. 5 - تقدم في الصفحة 500 - 502. 6 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 508 ]

فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان... " الحديث (1). فإن التعليل يفيد أن المعتبر قول الثقة المأمون. والظاهر أن المراد من " المأمون " ليس المتحرز من الكذب، حتى يقال: بأن المراد من " الثقة " أيضا ذلك، فإنه واضح الفساد، ويفسر الخبر بما في خبر آخر: " إنه الثقة المأمون على الدين والدنيا " وربما يوجد في الأخبار ما يقرب منه، الظاهر في اختصاص الحجية بالعدل الإمامي، فخبر غير الإمامي والإمامي غير المأمون على الدين والدنيا مردود، ولازم ذلك عدم تمامية المدعى في دائرته الوسيعة، كما هو الواضح. أقول: أما التمسك بذيل الآية بتوهم: أن الذيل تعليل (2)، فعليل، والمنع عن خبر الفاسق الفاجر، يصلح لذكر تلك النكتة والحكمة لأصل التشريع وإيجاب التبين. وأما الأجوبة الاخرى على فرض عليتها، فهي عليلة، كما مر في محله (3). وأما الخبر المذكور وما يشبه ذلك (4)، حتى ولو لم ننكر الظهور في الجملة، ولم تقاومه أخبار الآحاد الاخر الناطقة بكفاية الوثاقة - بناء على كونها أعم من العدالة - لعدم كونها ذات سند مثل السند الأول، ولو كان كذلك فيخصص بعموم التعليل، ويقيد به حسب الصناعة، إلا أن الظهور المزبور غير مستقر جدا، كما اشير إليه فيما سلف، لأن هذا الخبر أصلا ليس مربوطا - حسب بعض الخصوصيات - بالأخذ بالخبر الواحد (5)، فإنه لا معنى للأمر بإطاعة المروي له للراوي، مع أنه ربما يكون المروي له في أعلى مراتب المعارف بالقياس إليه. وهكذا قوله: " وقول من أقبل " وأمثاله، فإن ظاهر هذه الجمل، كون الخبر في


1 - الكافي 1: 329 - 330 / 1. 2 - عدة الاصول: 46 / السطر 9. 3 - تقدم في الصفة 459 - 464. 4 - جامع أحاديث الشيعة 1: 276 أبواب مقدمات، باب حجية أخبار الثقات، الحديث 342. 5 - تقدم في الصفحة 496 - 497. (*)

[ 509 ]

الأوساط الاخر الراجعة إلى أخذ المعارف والمسائل، لا مجرد الخبر الأعم من كونه معارضا بالخبر الآخر، أو غير معارض. هذا مع أن التعليل غير واضح وإن نص عليه العلامة الأراكي والوالد المحقق - مد ظله - (1) ولكنه في كونه مؤكدا لأمرهما، وأنهما كذا وكذا، أقرب وأظهر من التعاليل في الكبريات الشرعية الحكمية. وهكذا التعليل في ذيل الخبر المذكور في مورد العمري وابنه عن أبي محمد (عليه السلام): " فإنهما الثقتان المأمونان ". ثم إنه يكفي لعدم اعتبار الإمامة، تحمل الخبر عن غير الإمامي بالضرورة، وذهاب المعظم إلى حجية خبر أمثال السكوني والنوفلي. هذا مع أن اشتراط العدالة وإن يوهمه الأخبار العلاجية، إلا أن الأعدل يجتمع مع عدم كونهما عادلين واقعا، مع أنهما عادلان بالنسبة، كما لا يخفى. وهكذا الأفقه والأورع، وإلا يلزم اشتراط الفقاهة، وهذا مقطوع العدم. فتحصل لحد الآن: أن الرادع عن تلك السيرة الوسيعة ممنوع بإطلاقه. هذا مع أن احتمال التعبد الشرعي، بعيد ذاتا. وكون رواة الأئمة كلهم عدولا شرعيين - ولاسيما بالعدالة التي يفسرها المتأخرون (2) - ممنوع قطعا، مع أنهم يحكون ذلك، ويعتمدون أحيانا. وعلى أي تقدير: حتى لو فرضنا اعتبار بعض هذه الامور، ولكنك عرفت وأحطت خبرا - بما تلوناه عليك في أول بحث حجية الخبر الواحد -: بأن ما هو المهم هنا قليل النفع، لقيام الضرورة على صحة الاحتجاج بما بين أيدينا، فتكون من


1 - نهاية الأفكار 3: 134، تهذيب الاصول 2: 132. 2 - العروة الوثقى 1: 630، الفصل 48، المسألة 12. (*)

[ 510 ]

الأخبار المقرونة بالقرائن المختلفة، فتأمل جيدا (1). نعم، بالنسبة إلى حجيته في مطلق الموضوعات يشكل. إلا أن يقال: بأن المستفاد من هذه الأخبار، اعتبار الأمر الزائد في الأحكام (2)، فإن صح الالتزام به فهو، وإلا فلا معنى للالتزام به في الموضوعات الأجنبية، فأخذ الحكم عن أمثال العمري وابنه لازم، دون غيره، لما أنه المفروض في السؤال، فلا تخلط. ومما ذكرنا ظهر: أن التمسك (3) بخبر مسعدة بن صدقة المشتمل على قاعدة كلية: وهو أن " الأشياء كلها على ذلك، حتى يستبين لك، أو تقوم عليها البينة " (4) في غير محله، لأنه خبر غير متواتر، ولا يصح لأن يستند إليه للردع - لعدم صحة سنده - بالبينة. بل في سنده إشكال حتى على المسلك الأعم (5)، فافهم. هذا مع أن من المحتمل كون الخبر الواحد من البينة. وأما احتمال كونه من الاستبانة فهو باطل، للزوم لغوية المقابلة، فاغتنم. بقي شئ: إن معتبر أبي علي أحمد بن إسحاق (6)، إما يكون مربوطا بغير مسألتنا، فالتعليل في محله، ويصح الأخذ به، وهذا هو المتعين. وإما يكون مربوطا بمسألتنا، فالتعليل رادع عن قطعة من السيرة، كما ردعت السيرة القائمة على أصالة اللزوم في كثير من الموارد، للأخبار الخاصة الواردة على خلافها، وعندئذ وإن أمكن حمل التعليل على العلة المصطلحة، وهو ربما يكون في


1 - تقدم في الصفحة 412 - 416. 2 - دليل العروة الوثقى 1: 144، المسألة 6. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 206. 4 - الكافي 5: 313 / 40، بحار الأنوار 2: 273، وسائل الشيعة 17: 89 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 5 - يأتي في الجزء السابع: 42 - 43. 6 - تقدم في الصفحة 508. (*)

[ 511 ]

حد ذاته قويا، إلا أن حمله على التأكيد أيضا جائز، كما مر (1). وأما توهم: أن السيرة والرواية موجبتان، فلا منع من الأخذ بهما، فغير تام لأن ظهور التعليل في أن الحكم يدور مداره، أقوى من الإطلاق الثابت بالسيرة، لو كان في البين إطلاق لفظي يكون كاشفا عن الرضا، كإطلاق مفهوم الآية، أو غير ذلك، وإلا فلا معنى للمعارضة، لعدم حجية السيرة في محط المعارضة، ضرورة أن البحث في أنها ممضاة ومرضية في غير العدل الإمامي، أم لا، لاحتمال مردوعيته بالخبر المذكور، فافهم، ولا تخلط. وأما المشكلة الثالثة: وهي ما إذا وصلت النوبة إلى الشك في جهة من الجهات، المنتهية إلى الشك في أن السيرة المزبورة مرضية، أم لا. مثلا: إذا قيل: بأن الأدلة اللفظية على إمضاء السيرة غير تامة، والدليل العقلي: بأن هذه السيرة لو كانت مردوعة لتبين ردعها، ولوصل إلينا (2)، غير تام أيضا، لإمكان اختفاء ذلك، لكثرة الدواعي، أو لعدم فهم العقلاء ذلك من تلك الأخبار، فتتوفر الدواعي في هدمها، أو لغير ذلك. أو شك في ذلك لأجل أن الآيات المذكورة الناهية صالحة، ويكون المراد منها ردع القوم عن العمل بالخبر الواحد، وأن يأخذوا جانب الاحتياط أو البراءة، إلا بالمقدار الثابت بغير الخبر الواحد المجرد من القرائن، أو يشك لأمثال إجماع السيد (رحمه الله) وأتباعه، أو لمعارضة الأدلة من الطرفين، فلا يبقى طريق إلى النفي أو


1 - تقدم في الصفحة 508. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 193، الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 2: 132. (*)

[ 512 ]

الإثبات، وقضية الأصل عدم الحجية. اللهم إلا أن يقال: إن قضية طلوع الإسلام، ومروره على هذه السيرة، إلى طلوع الآيات الناهية والأخبار الرادعة، هي حجية السيرة القائمة على العمل بالخبر الواحد، فيستصحب تلك الحجية (1). وفيه ما مر، فإن من المحتمل ردع الشرع بغير تلك الآيات، فلا شاهد على عدم ردعه عن هذه السيرة. هذا أولا. وثانيا: أن الحجية منتزعة من مرور الشرع في عصر التشريع، وعدم ردعه، وهذا مما لا يمكن بعد ورود تلك الآيات. وتوهم: أن الحجية منتزعة من أول طلوع الإسلام، كما هو ظاهر العلامة الخراساني (قدس سره) (2) غير سديد، لإمكان عدم رضا الشرع ثبوتا، وبنائه على التأخير في البيان إثباتا، لمصالح اخر المنتهية إلى تجويز تأخير البيان عن وقت الحاجة. اللهم إلا أن يقال: إنه يستلزم رضا الشرع ولو بالعرض بالعمل بالسيرة، وهذا يكفي لصلاحية السيرة للاحتجاج بها على المدعى، فاغتنم. وثالثا: قد تحرر منا: أن استصحاب الأحكام مطلقا غير جار، لا الوضعية، ولا التكليفية، لا الوجودية، ولا العدمية، كاستصحاب عدم الوجوب، أو عدم الحجية، وعدم الجهل، وكل ذلك منقح في مسائل الاستصحاب (3). نعم، لو قلنا: بأن احتمال طرو الردع في بدو الإسلام ممنوع قطعا، والاستصحاب جار في ذاته، وحديث المعارضة غير صحيح، كان لاستصحاب


1 - تقدم في الصفحة 505 - 506. 2 - كفاية الاصول: 349. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 532 - 534. (*)

[ 513 ]

الحجية وجه، وقد مر بعض الكلام حوله حين تحرير الأصل في المسألة (1). تذنيب: في حكم الشك في إمضاء السيرة بالنسبة إلى الموضوعات مثلا قد عرفت فيما سبق حكم الشك في أن السيرة الموجودة مرضية أم لا. بقي الكلام فيما إذا شك في ارتضاء الشرع بالنسبة إلى قسم من السيرة المذكورة، مثلا إذا شك في أن السيرة ممضاة في الموضوعات، أم لا، فإنه يشكل الأمر جدا، وذلك لأن في باب القضاء والحكومة وفي كثير من الموضوعات، نحتاج إلى البينة والأكثر، وعندئذ لا يجوز الاتكال على السيرة بالوجه المزبور، لإمكان ردع الشرع عن مطلق الموضوعات، وعدم وصوله إلينا. فعلى هذا، يتبين وجه إشكال جماعة كالفقيه اليزدي (2) وغيره (3) في حجية الخبر الواحد في مطلق الموضوعات، ووجه عدم جواز التمسك بالسيرة. نعم، لو تمت الأدلة اللفظية فهو، ولكنك عرفت عدم تماميتها، فافهم واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 276 - 283. 2 - العروة الوثقى 1: 44، فصل ماء البئر، المسألة 6، و: 74 في أحكام النجاسات، و 3: 74 الفصل الخامس، المسألة 16. 3 - مستمسك العروة الوثقى 1: 206. (*)

[ 514 ]

الوجه الخامس سيرة المتشرعة قضية سيرة المتشرعة حجية الخبر الواحد، وتقريبها أن الرجوع إلى ما بين أيدينا من العمل بالخبر الواحد عند الوضيع والشريف، والفقيه العالم وغير الفقيه الجاهل، وكذا وكذا، يعطي أن هذا المعنى كان مستمرا قهقريا إلى عصر الأئمة، وأن الإسلام والشرع لو كان مبغضا بالنسبة إلى تلك السجية والعادة، لنهى عنها، كما نهى عن جل من المبغوضات الإلهية، فمن هذه الطريقة الموجودة بين أبناء المتشرعة، يتبين ثبوت الحكم عند آبائهم، فيثبت المطلوب. وبين الوجهين فرق، فإنه يتمسك بالوجه الرابع لا بالقهقرى، بخلاف الوجه الخامس، ثم إن هناك يتمسك لكشف رضا الشرع، وهنا اشرب رضا الشرع في أصل ذات السيرة، فإنه إذا ثبت وجود سيرة المتشرعة يتم المطلوب. ولا يخفى ما في هذا التقريب البديع من الفرار عما في تقريب آخر من الإشكالات، والأمر سهل. بقي شئ: وهو مناقشة في اعتبار السيرة قد عرفت فيما مضى: أن التقريب الوحيد للتمسك بالسيرة، هو أنها سيرة موجودة حية قائمة على العمل بالخبر الواحد، وأنه لو كان الشرع غير راض بها، لوصلت إلينا الأدلة الكاشفة عن عدم رضاه بها، كما وصل إلينا في مثل القياس أكثر

[ 515 ]

من خمسمائة حولها، فراجع (1). فعلى هذا وعلى ما أشرنا إليه أخيرا، يمكن المناقشة من جهة أنه يجوز للشرع الردع عن السيرة في الجملة، كما ردع عنها في مطلق الموضوعات، كما هو المشهور (2)، وفي الموضوعات الخاصة (3)، فإذا أمكن الردع في الجملة، ولا يمكن الردع عن أصل السيرة بإطلاقها، يجوز أن تكون قسمة من السيرة مورد الردع، ولكنها لم تصل إلينا، أي الأخبار والنواهي بالنسبة إلى تلك القسمة، لم تصل إلينا، وعلى هذا في صورة الجهل بتلك القسمة، لا يمكن كشف الرضا بالنسبة إليها مطلقا، لجهلنا بالواقع، فما هو المردوع قسمة منها، ولا يهتمون ولا تتوافر الدواعي بالنسبة إلى قسمة منها، وإنما تتوفر الدواعي بالنسبة إليها كلها، وحيث إن تلك القسمة مجهولة، لا يمكن كشف الرضا الموجب للاتكاء عليها مطلقا، كما لا يخفى. فتحصل: أن هذا الدليل الوحيد أيضا، لا يخلو من علة ومناقشة، فما هو الوجه الوحيد ما مر منا في ابتداء البحث عن حجية الخبر الواحد، والله العالم (4). وبالجملة: ولو كنا نعلم إجمالا بارتضاء الشرع بالسيرة، ولكن ليس المقدار المعلوم يستفاد، ويكفي ذلك لعدم جواز الأخذ إلا بالقدر المتيقن، وهو خبر الواحد العدل الفقيه الإمامي الورع مثلا، فاغتنم. بل لنا أن نقول: الردع عن السيرة في الأحكام، لا يستلزم اختلال النظام، لعدم ارتباط نظام العقلاء بأحكام الإسلام، فما استدلوا به من الاختلال (5) عليل. هذا


1 - تقدم في الصفحة 500 - 502. 2 - فرائد الاصول 1: 124، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 174، نهاية الاصول 2: 496 - 497، تهذيب الاصول 2: 114 - 115. 3 - مصباح الاصول 2: 172. 4 - تقدم في الصفحة 414 - 416. 5 - تهذيب الاصول 2: 36. (*)

[ 516 ]

وما هو الموجب أحيانا لاختلال نظامهم، هو الردع عنها في الموضوعات، مع أن المشهور قالوا بالردع إلا في مواضع خاصة (1). وبالجملة: ما عليه رحى اجتماعاتهم امور عادية أجنبية عن الأحكام وموضوعاتها، فالدليل الوحيد المستند إليه المحققون (2) غير واضحة دلالته جدا. تنبيهات التنبيه الأول: حول استلزام حجية الخبر لعدم حجيته قد اورد على أدلة حجية الخبر الواحد: بأن مقتضاها حجية خبر السيد، وقضية خبر السيد (رحمه الله) عدم حجية الأخبار قاطبة. هذا تقريب يوجد في كلمات القوم مع أجوبته (3). وهناك تقريب آخر: وهو أن مقتضى أدلة حجية خبر الواحد، حجية إخبار السيد (رحمه الله) وحكاية الإجماع، وقضية الإجماع عدم حجية الخبر الغير المقرون، لا مطلق الخبر، فيلزم عدم صحة إطلاق مدعى المثبتين. فإن اجيب عن التقريبين: بعدم حجية إجماع السيد في ذاته، لأنه مستند إلى الحدس، كما في كلامهم (4). ففيه: أن السيد في نقله صنع أمرين، أحدهما: نقل السبب، والآخر: ضم


1 - لاحظ بحر الفوائد: 171 / السطر 20، لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 174. 2 - كفاية الاصول: 348 فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 193. 3 - فرائد الاصول 1: 121، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177، نهاية الأفكار 3: 118. 4 - فرائد الاصول 1: 87. (*)

[ 517 ]

المسبب إليه، وما هو النافع لنا هو الأول، كما تحرر في محله (1)، وهو أمر مستند إلى الحس، وما هو رأيه الخاص غير حجة لنا، فلا تخلط. وإن اجيب عنهما: بمعارضة إجماع الشيخ لإجماعه، ونقله لنقله (2). ففيه: أن الإجماعين اللبيين لهما القدر المتيقن، والقدر المتيقن من كل واحد غير الآخر، فلا معارضة. ويشهد لذلك ذهاب السيد في الفقه إلى الاستناد بطائفة من الأخبار الواحدة بالضرورة (3). وإن اجيب عن الأول: بأن لازم حجية إجماع السيد عدم حجيته، لأنه من الخبر العدل الواحد (4). ففيه: أن مورد إجماعه الخبر غير المقرون، وإجماعه ونقله من المقرون الحجة بإجماع الشيخ (5) وغيره، فيكون التقريب الثاني أساسا للجواب عن أجوبتهم، أو إشكالا آخر على عموم مدعاهم. وفي " الدرر ": " أن الملازمة المذكورة باعتبار شموله مشمولة لنفسه، وأما بالنسبة إلى سائر مداليله فقابل خبر السيد للحجية، نظرا إلى إمكان التفكيك " (6). وفيه: أن حجية خبر السيد تنحل إلى لا حجية خبر زرارة، فكيف يعقل التفكيك ؟ ! فتدبر. وإن اجيب عن الأول كما في " الدرر " و " التهذيب " وغيرهما: " بأن الأمر يدور بين إبقاء عامة الأفراد، وإخراج قوله بالتخصيص، أو العكس، والأول متعين،


1 - تقدم في الصفحة 367 - 369. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177، نهاية الأفكار 3: 118. 3 - الانتصار: 17 - 18 و 71 و 72. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177. 5 - عدة الاصول: 51 / السطر 11. 6 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 386. (*)

[ 518 ]

إذ - مضافا إلى لزوم التخصيص المستهجن البشيع - أن التعبير عن عدم حجية الخبر الواحد بلفظ يدل على حجية عامة الأفراد، ثم إخراج ما عدا الفرد الواحد الذي يؤول إلى عدم حجية الكل إلا خبر السيد، من اللغو والقبيح " (1). ففيه أولا: أنه على التقريب الثاني ليس عامة الأفراد خارجين. وثانيا: أن المستشكل يريد توجيه المثبتين إلى عدم دلالة دليل على الحجية، لا أنه يصدقهم في الدلالة، ثم يكذبهم بهذه الحزازة القبيحة عليه. نعم، لو كان مقرا بالأدلة، وأراد بهذا التقريب المناقشة فيها، فالجواب بالنسبة إلى الإشكال الأول في محله، دون الإشكال الثاني المنتهي إلى عدم تمامية إطلاق المدعي. ولو اجيب عن إجماع السيد: بانصراف أدلة الحجية عنه، لأن ما يلزم من شموله عدم حجيته، لا يكون مشمول الأدلة (2). ففيه أولا: أنه لا يفيد بالنسبة إلى التقريب الثاني والإشكال الذي في إطلاق المدعى. وثانيا: أن قضية الجمع بين الأدلة وإجماع السيد، هو الالتزام بالحجية إلى العصر الأخير الممكن أن يكون إجماع السيد (رحمه الله) كاشفا عن رأي المعصوم والسنة المخالفة، ويكون كاشفا عن انتهائه زمن الحجية. وما في " تهذيب الاصول ": " من أن الإجماع يكشف عن حكم إلهي عام لكل الأفراد، في عامة الأعصار والأدوار " (3) غير تام، لأنه فيما إذا لم يكن في البين دليل معارض لمفاد الإجماع، فالقدر المتيقن منه - نظرا إلى أن به ترتفع المعارضة - ذلك.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 386، تهذيب الاصول 2: 116. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177. 3 - تهذيب الاصول 2: 116. (*)

[ 519 ]

وما عن العلامة الخراساني (قدس سره): من القول بالحجية إلى زمان السيد (1)، في غير محله، بل لابد من انتهاء زمان الحجية في عصر المعصوم المتأخر، الذي يمكن أن يكون إجماعه كاشفا عن نسبته، ولا شبهة في أنه ليس في معاقد الإجماعات ما يعين ذلك، فتدبر جيدا. وبالجملة: لا معنى لانتهاء أمد الحكم في عصر السيد ثبوتا، بل الحكم ينتهي ثبوتا في عصر المعصوم الأخير، وإنما يدل عليه إثباتا إجماع السيد، فعليه يلزم عدم حجية إجماع السيد أيضا، فاغتنم. وإن اجيب كما في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله): " بأن أدلة حجية خبر الواحد، لو كانت تشمل خبر السيد، للزم منه شمول إطلاق المفهوم مثلا لمرتبة الشك بمضمون نفسه، فإن التعبد بإخبار السيد بعدم حجية خبر الواحد، إنما كان في ظرف الشك في الحجية واللاحجية، الذي هو عين الشك بمضمون الآية، ومن المعلوم استحالة شمول إطلاق مضمون الآية لمرتبة الشك في نفسه. بل على هذا لا يمكن شموله لمثل خبر الشيخ الحاكي عن الحجية أيضا " (2) انتهى مرامه بألفاظه. وإجماله: أن الشك في حجية خبر السيد، يرجع إلى الشك في دليلية المفهوم مثلا، أو سائر أدلة حجية خبر الواحد، ولا شك في أنه لا يمكن رفع هذا الشك بنفس تلك الأدلة. وفيه: أنه من الشك بمضمون الآية، وهو من الشك الذي لا يرتفع بالإطلاق، إلا أنه له رافع آخر، لأنه يرجع إلى الشك في مطابقة المضمون الإنشائي للجدي، وإذا جرت أصالة الجد، ودلت الآية وأدلة حجية الخبر الواحد على حجيته، يرتفع الشك، ولا ينبغي بعد ذلك أن يشك في حجية خبر السيد لإطلاق الآية الموافق


1 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 110. 2 - نهاية الأفكار 3: 118 - 119. (*)

[ 520 ]

للجد، نظير سائر الموارد، إذ الشك فيها في الحكم الثابت بالدليل الاجتهادي، فإنه بعد ورود الدليل على حرمة الخمر مثلا، لا يمكن رفع الشك في دليلية دليله بدليله وإطلاقه، ومع ذلك يكون دليل الخمر رافعا، لأن ما هو الظاهر مطابق للجد، ومعناه حرمة الخمر على إطلاقها. ولو كان يرجع كلامه إلى حديث أن الشك المزبور، من الامور اللاحقة المتأخرة، ولا يمكن رفعه به، فهو غير تام كما برهن في محله (1)، إلا أن الأظهر أن منظوره ما ذكرناه، لا ما في " التهذيب " فراجع (2). وفي كلامه (رحمه الله) جواب آخر: وهو أن المسألة من موارد دوران الأمر بين التخصيص والتخصص، والثاني متعين (3). ولعمري، إن المراجع لتقريبه يظهر له خلافه، ويحتاج كلامه إلى ضم مقدمة، والإحالة أولى من الإطالة. أقول: والذي يسهل الخطب ويهون الأمر: ما تبين في سالف البحث، وهو أن إجماع السيد لا يكشف عن شئ عندنا (4)، لأنه قد توافرت الأدلة السمعية والعقلية على عدم حجية الخبر الواحد، فيكون مستنده ذلك، وهكذا مستند سائر من في رتبته من القائلين بعدم الحجية، فلو فرضنا وجود الإجماع التام والمحصل فهو غير نافع، فضلا عن إجماع السيد غير الكاشف عن اتفاق الأصحاب بالضرورة، بل الأمر بالعكس، أو لا أقل من الشك.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 124 - 135. 2 - تهذيب الاصول 2: 117. 3 - نهاية الأفكار 3: 119. 4 - تقدم في الصفحة 498. (*)

[ 521 ]

التنبيه الثاني: حول مشكلة الأخبار مع الوسائط لو سلمنا تمامية الأدلة الناهضة على حجية الخبر الواحد، بحسب الكبرى الكلية، ولكن أخبار كتب الأخبار، وآثار الأئمة (عليهم السلام) كلها مورد الإشكال، لكونها من الأخبار مع الواسطة، فما هو مهمة المثبتين خارج عن كبرى دليلهم، وذلك لإشكالات بين ما تكون عرفية عقلائية، وبين ما هي عقلية. ثم هي بين ما يشترك بين الوسائط الكثيرة والواسطة الواحدة، وبين ما يختص بالوسائط الكثيرة. اولاها: دعوى انصراف الأدلة اللفظية عن شمول الأخبار مع الوسائط الكثيرة (1). وما قد يقال: إنه لا معنى له، لأن كل خبر حاك للخبر المتصل به، وهو إخبار عن إخبار (2)، في غير محله، لأنا نرى قصور الأدلة وانصرافها جدا، فيما إذا كان الخبر في هذا العصر إلى عصر نوح - على نبينا وآله وعليه السلام - وليس ذلك إلا لأن العقلاء لا يرون الخبر إلا مضمون المخبر به. ثم لا وجه لدعوى الانصراف في الأربعة والسبعة والثمانية، وفي أخبارنا لا يزيد عليها إلا شاذا. ولو شك في الانصراف فالأصل اللفظي متبع. والذي هو المهم: أن الأدلة اللفظية غير موجودة في حجية الخبر الواحد، حتى يدعى الانصراف. ثانيتها: قصور ما هو الدليل الوحيد عن الإخبار مع الوسائط، لأن بناءات


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177. 2 - فرائد الاصول 1: 122، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177. (*)

[ 522 ]

العقلاء المرضية التي بمرأى ومنظر من الشرع، ليست إلا بناءات عملية، وهي لا تزيد على الواسطتين، أو الثلاث، وربما يمكن ردعها إذا كانت على الأكثر. وما بين أيدينا من الأخبار غير معلوم حجيتها بالبناء العرفي، وما هو الثابت به غير ذلك (1)، وقد مر منا المناقشة فيه من جهة اخرى (2). وأما تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية، فهو محل خلاف بين الأعلام، لاختلاف النفوس في ذلك مع أن في صورة كثرة الوسائل لا يمكن تنقيح المناط وإلغاؤها، لأن الخبر حينئذ أبعد عن الواقع بالضرورة. فبالجملة: الدليل الوحيد قاصر عن شمول الوسائط. وأما ما في " تهذيب الاصول ": " من أن العقلاء يحتجون بما وصل إليهم بوسائط كثيرة، أكثر مما هو الموجود عندنا " (3) فهو لا ينفع، لأن احتجاج العقلاء مادام لم ينضم إليه الرضا لا يفيد. فما هو الحل لهذا الإشكال ما عرفت منا: من أن في خصوص هذه الأخبار الموجودة بين أيدينا، ينهض دليل الحجية، لأنها أخبار شخصية كانت بين أيادي الرواة إلى أن وصلت إلى عصر التأليف، فصارت مضبوطة في كتبهم، وكانوا يحتجون ويعملون بها بعد مراعاة شرائط العمل (4)، فلا ينبغي الخلط بين خبر يحكى لنا في اليوم بوسائط كثيرة راجعة عن موضوع في عصر إسماعيل وإبراهيم (عليهما السلام) وبين هذه الأخبار التي كانت يحكيها الرواة أولا بلا واسطة، ثم صارت مع الواسطتين، ثم صارت مع الوسائط الثلاث، إلى الأربع، والسبع، والتسع أحيانا، فإن


1 - تهذيب الاصول 2: 118 - 119. 2 - تقدم في الصفحة 515 - 516. 3 - تهذيب الاصول 2: 119. 4 - تقدم في الصفحة 415. (*)

[ 523 ]

ذلك - ولو بلغ ألف واسطة - لا يضر، لأن شخص هذه الأخبار كانت مورد العمل والاحتجاج بمرأى الأئمة المتأخرين، فكان بمرأى العسكري (عليه السلام) العمل بها مع الوسائط الكثيرة. وبالجملة: لو كانت الأخبار مع الوسائط الكثيرة مورد المناقشة، كما إذا أخبر بوسائط كثيرة عادل بطهارة المسبوق بالنجاسة، فربما يشكل بناء العقلاء عليه، للكثرة المورثة لضعف الصدق أحيانا، ولكن في خصوص مهمتنا - وهي أخبار كتب الحديث الموجودة بين أيدينا - لا إشكال حتى إذا ورد الدليل على عدم حجية الإخبار مع الوسائط الكثيرة، فإن هذه الأخبار خارجة عنها، لما اشير إليه. وما في " تهذيب الاصول " - مد ظله -: " من التمسك بخبر عالي السند تكون وسائطه ثلاثا، لإثبات حجية مطلق خبر الثقة ولو كانت وسائطه كثيرة " (1) فهو لو كان الخبر المزبور صحيح الدلالة كان متينا، ولكنك عرفت فيما مضى: أنه بحسب المعنى أجنبي عن مسألة الخبر والأخبار، وأن التعليل بقوله (عليه السلام): " فإنه الثقة المأمون " أو " إنهما الثقتان المأمونان " (2) يفيد بالنسبة إلى الرجوع إلى أهل النظر في المسائل الشرعية وأخذ معالم الدين، فتدبر جيدا (3). ثالثتها: أن القدر المتيقن من الخبر الحجة هو الخبر الحاكي للحكم، أو لموضوع ذي حكم، ويكون التعبد به باعتبار التعبد بمضمونه الذي هو الحكم، أو الموضوع ذو الحكم، والأخبار مع الواسطة ولو كانت واحدة، لا يتعبد بالخبر الثاني إلا باعتبار التعبد المتأخر عنه بالواسطة، وكأنه لا أثر للخبر في مبدأ السلسلة، وإذا


1 - تهذيب الاصول 2: 132. 2 - تقدم في الصفحة 508. 3 - تقدم في الصفحة 508 - 509. (*)

[ 524 ]

فقد الأثر فقد التعبد (1). وفيه ما لا يخفى، فإن فيما إذا لم يكن واسطة أصلا، لا يكفي التعبد بالصدور للعمل مادام لم ينضم إليه سائر الاصول، كأصالة الحقيقة، والجد، والجهة، فعليه يكفي كون الخبر مع الواسطة، منتهيا إلى أن ينضم إليه التعبد الآخر. هذا مع إمكان أن يقال: إن الخبر مع الواسطة الواحدة، قطعي احتجاج العقلاء به، وهو كان بمرأى ومنظر، فعليه لا وجه للإشكال رأسا. هذا مع أنه ربما يقال: لا يجد العرف هناك إخبارات وتعبدات، بل هنا إخبار مع الواسطة، فتأمل. رابعتها: أي ومن الإشكالات العقلية، لزوم كون الحكم - الذي هو في حكم المعلول بالنسبة إلى الموضوع وإن لم يكن معلولا واقعا، لأنه معلول الجاعل، ولكنه لا يمكن أن يستند إليه الموضوع في الوجود والتحقق - محققا لذلك الموضوع، وهو من المستحيل ولو في الامور الاعتبارية. ولو كان الخبر المحكي للسنة خبرا وجدانيا فهو. وأما مثل إخبار الكليني، عن العطار المخبر عن الحميري، عن ابن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) فهو وإن كان وجدانيا، إلا أن خبر العطار ليس وجدانيا حتى يجب تصديقه، ولا يقتضي أصل محرز وجود ذلك الخبر، بل قضية الأصل خلافه. فعليه يلزم أن يكون وجوب تصديق خبر الكليني، محققا لخبر العطار أولا، ثم يترتب عليه وجوب تصديقه عليه، وهذا من المحال، لأن إيجاد الموضوع بالحكم المترتب عليه، فرع وجود الحكم، مع أن الحكم فرع وجود الموضوع. أو مع أن الحكم لا يكون متقدما على الموضوع ولو رتبة، ويلزم هنا تقدمه عليه، وهو محال، لكونه من الدور الصريح. هذا هو تقريب القوم في تحرير


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177. (*)

[ 525 ]

الإشكال المذكور. ويجوز أن يقال: إن هنا مشكلة غير قابلة للحل، وهي أن خبر الكليني وجداني يترتب عليه حكمه، وهو وجوب تصديقه، وخبر العطار ليس وجدانيا، ولا محرزا بأصل، فكيف يمكن ترتب الأثر عليه ؟ ! فيقال: إن خبر العطار يثبت تعبدا بإخبار الكليني ووجوب تصديقه، فمن وجوب تصديق هذا الإخبار الوجداني - لكونه في كتاب " الكافي " المتواتر الواصل إلينا - يثبت تعبدا خبر العطار، وهذا مقدم على الأصل النافي، كما هو الواضح. ويتوجه إلى حل هذه المشكلة الإشكال المذكور: وهو أن إثبات خبر العطار بوجوب تصديق خبر الكليني، من إثبات موضوع الحكم بنفس ذلك الحكم، وهو ممنوع قطعا. خامستها: أن من الواضح الغني عن البيان، أن إيجاب التصديق لابد وأن يكون باعتبار أثر شرعي، كالحرمة أو الوجوب المحكي بقول العادل، أو باعتبار موضوع ذي أثر، فإذا أخبر الكليني (رحمه الله) بوجوب كذا، أو أن زيدا عادل، أو أن حد الحرم وحد عرفات إلى كذا، فهو من الإخبار المترتب عليه الأثر، فيجوز إيجاب تصديقه. وأما فيما إذا كان يخبر عن خبر العطار، فلا أثر يترتب عليه بالضرورة إلا وجوب التصديق المترتب عليه بعد ثبوت خبره، فيلزم أن يكون وجوب تصديق الكليني، أثره وجوب التصديق، وهو أوضح فسادا، للزوم كون الدليل المتكفل للتعبد بالمخبر به، ناظرا إلى نفسه، وأن يكون نفس وجوب التصديق، أثر إيجاب التصديق. وبعبارة اخرى: يلزم أن يكون التصديق أثر إيجابه، وهذا ممنوع. وغير خفي: أنه يمكن أن يجعل الإشكال المذكور أيضا حلا للإشكال الآخر:

[ 526 ]

وهو أنه لابد وأن يكون في كل مورد يجب تصديق خبر العادل من أثر، ولا أثر في الإخبار الواسطة. وينحل ذلك: بأن أثره وجوب التصديق. ويتوجه إليه: لزوم كون الوجوب المذكور أثرا لنفسه، فيبقى الإشكال المزبور بلا حل، فتدبر. ثم إنه غير خفي: أن هذين الإشكالين يستوعبان الإشكال على تمام السلسلة، لأن خبر الكليني سليم عن الإشكال الأول دون الثاني، وخبر ابن إسحاق سليم عن الإشكال الثاني دون الأول. نعم، إذا استقر الإشكال الأول، يلزم سقوط خبر الكليني أيضا ولو كان وجدانيا. كما إذا استقر الإشكال الثاني، لا يترتب الأثر على إخبار ابن إسحاق أيضا. فبين الإشكالين فرق من هذه الجهة. كما يثبت الفرق بينهما بجهة مبدأ السلسلة ومنتهاها، وأن الإشكال الأول ناشئ من ناحية موضوع قضية " صدق خبر العادل " حيث يلزم أن يحقق الحكم موضوع تلك القضية، والإشكال الآخر من محموله، حيث يلزم أن يكون التعبد باعتبار نفس وجوب التصديق. سادستها: أنه فيما كان الخبر مع الواسطة، يلزم حكومة دليل على نفسه، أو اتحاد دليل الحاكم والمحكوم، ضرورة أن الحكومة تارة: تكون بالتوسعة، واخرى: بالتضييق، وفيما نحن فيه لو كان خبر العطار ثابتا بإخبار الكليني الواجب تصديقه، ثم بعد ثبوت خبره يكون هو أيضا واجب التصديق، يلزم أن يكون دليل وجوب تصديق خبر العادل، حاكما على نفسه، وهو مستحيل، للمناقضة والخلف. وإن شئت قلت: حكومة الأصل السببي على المسببي، ربما تكون في الموضوعات، واخرى: في الأحكام، وعلى كل تقدير يلزم هناك أيضا اتحاد دليل

[ 527 ]

الحاكم والمحكوم، وفيما نحن فيه لا يلزم إلا في الموضوعات. وما في عبارة العلامة النائيني (رحمه الله) من جعل الإشكال الخامس تحريرا آخر للإشكال الرابع (1)، في غير محله، بل هو تقرير للإشكال الثالث، كما لا يخفى، والأمر سهل. وغير خفي: أنه أيضا إشكال على حل مشكلة الخبر مع الواسطة: بأن التعبد بالوجوب الثابت بأدلة حجية خبر الواحد، كاف ولو كان وجوبا طريقيا إمضائيا. ويتوجه إليه: لزوم كون الدليل حاكما على نفسه. أجوبة اخرى: عن مشكلة الإخبار مع الوسائط أقول: هناك أجوبة لا بأس بالإشارة إليها مع رعاية الاختصار: الجواب الأول: أن جميع الإشكالات المذكورة، تنحل لأجل انحلال القضية المزبورة إلى قضايا كثيرة، ضرورة أن وجوب تصديق خبر الكليني، يحقق خبر العطار، والوجوب الثابت المترتب عليه بعد ذلك، هو الوجوب الآخر، وهذا مما لا امتناع فيه، والتعبد بالوجوب الثابت لخبر الكليني، غير التعبد بالوجوب الثابت بخبر العطار، لأنه هناك إخبارات ووجوبات، فلا يلزم اتحاد الحاكم والمحكوم. وقد اختلفت كلماتهم في بيان هذا وتصديقه، فذهب الوالد المحقق إلى عدم كفاية الانحلال بالنسبة إلى الإشكال الثاني، وأنه لو كان مفاد أدلة حجية خبر العادل، وجوب العمل، ولزوم التمسك، فلا ينفع الانحلال (2). ويظهر من العلامة الأراكي (قدس سره) أنه على جميع المباني، يكون الانحلال


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 181. 2 - تهذيب الاصول 2: 124. (*)

[ 528 ]

مفيدا (1). وعن العلامة النائيني (رحمه الله): أنه ينفع إذا كان المجعول هي الواسطة وتتميم الكشف، بل لا إشكال رأسا في المسألة (2). والذي هو التحقيق أولا: أن أمثال هذه المشاكل، من الشبهة في قبال البديهة، فلو كانت الشبهة فرضا راسخة، فلا معنى للقول بعدم حجية الأخبار مع الواسطة، لأن الضرورة على خلافه. وثانيا: ليس فيما بين أيدينا من الأدلة، ما ينتهي إلى قضية شرعية كلية قانونية منحلة إلى قضايا، بل هناك شئ واحد، وهو العلم برضا الشرع بالعمل بالخبر الواحد، أو العلم بلزوم العمل وتمامية الحجة. فهناك سيرة على قبول الأصحاب، وهي السيرة العملية، فمن أين جاء " صدق الثقة " أو " العادل " حتى تأتي هذه المسائل الكثيرة، والقضايا المختلفة الحاكمة والمحكومة، وغير ذلك، وكي يلزم هذه المشاكل العقلية، أو بعض المشكلات العرفية السابقة. وثالثا: لو سلمنا وجود القضية المذكورة، أو استنبطناها من مفهوم الآية (3)، كما هو ظاهرهم، ولذلك ذكروا هذه المشاكل في ذيل مفهوم الآية، لأنه لو لم يكن في البين دليل لفظي، لم يكن وجه للمشاكل. وبالجملة: لو سلمنا ذلك، فالحق أن الانحلال على كل تقدير، غير قابل للتصديق، ولا ينحل بهذا الانحلال، جميع هذه التقاريب أو الإشكالات على جميع المباني في باب حجية الطرق والأمارات، وذلك لأنه لو كان لقولهم: " صدق خبر العادل " إمكان إثبات خبر العطار تعبدا، وإمكان إثبات مصداق تعبدي للخبر، لكان


1 - نهاية الأفكار 3: 123. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 181 - 182. 3 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 529 ]

له إمكان إثبات عدالته إذا كان مشكوك العدالة، ضرورة أن إخبار العطار كما لا يكون ثابتا بالوجدان، ويقتضيه وجوب تصديق الكليني بلازمه، كذلك عدالته أيضا مما يقتضيها بلازمه، ولا حاجة إلى العلم الوجداني بالنسبة إلى عدالته أيضا، أو إثبات عدالته من طريق تنصيص علماء الرجال، لأن مقتضى إطلاق التصديق ذلك. فلو كان مفاد أدلة حجية خبر الواحد، تتميم الكشف والواسطية في الإثبات، وإثبات مصداق الخبر تعبدا، لأن الكليني أخبر عن العطار، فلازم تصديق الكليني ثبوت خبره، ولازم إطلاق وجوب تصديقه عدالته. نعم فيما إذا كان غير عادل فالإطلاق مقيد. ولو أمكن الجواب عن هذه العويصة - التي هي العويصة السابقة التي ينبغي أن تكون شرعية، في قبال العويصات العرفية والعقلية المذكورة -: بأن الإطلاق ممنوع، ومن اللازم أن يحرز عدالة الوسائط بطرق اخرى، لأمكن أن يقال: بأن لازم وجوب تصديق خبر الكليني أيضا ممنوع، فإنه كما لا معنى لكشف عدالة المخبر به، كذلك لا معنى لكشف إخبار العطار به. وبالجملة: لو كان لقولهم: " صدق خبر العادل " إطلاق أفرادي، لكان هو في اتصافه بالإطلاق الأحوالي أولى، فلو كان يشمل المصداق التعبدي الثابت بالخبر الوجداني، لكان قضية إطلاقه عدالة المخبر المزبور، فكما لا إطلاق له بالنسبة إلى الإخبار عن الفاسق ومشكوك الفسق، كذلك لا إطلاق له بالنسبة إلى شموله للمصداق التعبدي للخبر، فالانحلال إلى التعبدي غير جائز، وإلى الوجداني صحيح، ولكنه غير نافع هنا. ولو قيل: لو لم يثبت به خبر العطار، لما كان في وجوب تصديق الكليني أثر. قلنا: لو كان يخبر عن مشكوك الفاسق، لما كان في وجوب تصديقه أثر، فلا يلزم الأثر لإخبار الكليني إلا إذا كان إخبار الوسائط وعدالتهم وجدانية، أو ثابتة

[ 530 ]

بطرق اخر، فإذا ثبت خبر العطار بطريق آخر، وهكذا عدالته، فيترتب عليه الأثر، لأن من الاحتمالات احتمال خطأ العطار والكليني وغيرهما من الوسائط، وذلك الاحتمال مدفوع بإطلاق " صدق العادل في خبره ". فبالجملة: " صدق خبر العادل " إما ثابت للموضوع الوجداني فقط، فلا يشمل الوسائط، وإما يثبت للتعبدي أيضا فتثبت به عدالة المخبر، وحيث لا سبيل إلى الثاني فالأول مثله أيضا. فتحصل بناء على هذا: أن المشكلة الاولى وهي الرئيسة، غير قابلة للحل، لعدم تمامية الانحلال المزبور، ومن غير فرق بين المسالك في باب الطرق، لأن أساس حل المعضلة إثبات الخبر التعبدي بإخبار الكليني الوجداني، فإنه إذا ثبت ذلك ينقح موضوع العام الاصولي بالحكم المترتب على الموضوع الآخر، فلا يلزم شئ مما ذكر أو إثبات المؤدى. ولكنك عرفت عدم إمكان الإثبات المذكور. وغير خفي: أن مشكلة ناظرية الحكم إلى نفسه لا تنحل بالانحلال، لأنها مشكلة في مرحلة الجعل والتشريع، لا في مرحلة الإعمال والتنفيذ والتطبيق. هذا مع أن حكومة مصداق على مصداق، مما لا أصل لها حتى في قاعدة نفي الضرر والحرج والاستصحاب، لأن الحكومة بجميع معانيها عرفية عقلائية، ولا سبيل لها في مثل هذه الموارد، فلاحظ جيدا، وتفصيل المسألة في الاستصحاب. وسيأتي وجه حل المشكلة الثانية العقلية من غير طريق الانحلال (1). ولو قيل: إذا ثبت كل واحد من أخبار الوسائط إلى أول السلسلة، فيمكن حل مشكلة ناظرية الحكم إلى نفسه: بأن حديث: " ما يؤديان عني فعني يؤديان " (2) يستلزم التنزيل في جميع مراتب السلسلة.


1 - يأتي في الصفحة 532. 2 - تقدم في الصفحة 507 - 508. (*)

[ 531 ]

قلنا: ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن قبل الوصول إلى مبدأ السلسلة وأولها، لابد من فرض الأثر، ولا أثر هناك إلا وجوب التصديق، وبعد الوصول ينقلب الأثر أو يتعدد، ولا ضير فيه، ضرورة أنه بعد الوصول إلى إخبار أبي إسحاق، عن الهادي (عليه السلام) يرجع قول أبي إسحاق إلى قوله (عليه السلام) وهكذا إلى الكليني، فيكون قوله قوله (عليه السلام) ويكون الأثر ذلك، فاغتنم. الجواب الثاني: ما في " درر " جد أولادي (قدس سره) وشيخ مشايخي (رحمه الله) وإجماله: أن العادل إذا أخبر عن شئ، وكان له لازم عقلي، أو عرفي، أو شرعي، يثبت بقوله ذلك اللازم، وإخبار الكليني بالوسائط له لازم شرعي، وهو قول الإمام (عليه السلام) (1). وفيه ما لا يخفى، فإن هذا الجواب صحيح عن المشكلة الثالثة من المشكلات العقلائية، وأما المشاكل العقلية فهي ناظرة إلى ذلك الأثر اللازم الشرعي، فإن قوله (عليه السلام) ليس لازم قول الكليني، لأنه لم يخبر عنه، فما هو لازم شرعي لقول الكليني، وجوب تصديق إخبار العطار، فيأتي الإشكال، فلا تخلط. والجواب الثالث: ما فيه أيضا " من أن مفاد قضية " صدق العادل " ليس إلا التصديق العملي وعلى هذا ينحصر فيما تنتهي إليه هذه الأخبار وهو قول الإمام (عليه السلام) فقضية " صدق العادل " ناظرة إليه فقط " (2). وفيه: أنه لو كان الأمر كذلك، فلا يصح القول بحجية الأخبار مع الواسطة، لأن الأثر منحصر بمنتهى الخبر، وما في الوسائط لا أثر له عمليا، ولا قلبيا، فلا معنى لحجيته، فالإشكال عائد بصعوبة. هذا مع أنه يكفي للأثر جواز الإسناد إلى الوسائط، بناء على كفاية ذلك، أو كفايته ولو بشرط الانضمام، فإنه أيضا من الأثر، أو فيما إذا حصل منه الوثوق


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 388. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 389. (*)

[ 532 ]

والاطمئنان، فيصح الإسناد والإخبار عن العطار والحميري وأبي إسحاق، لحصول الاطمئنان من إخباراتهم، فما في " تهذيب الاصول ": " من أن هذا الأثر مخصوص بصورة قيام البينة " (1) ممنوع من جهات عديدة. وأما ما في " الكفاية " من حل مشكلة ناظرية الدليل إلى نفسه: بأن القطع باتحاد هذا الأثر - وهو وجوب التصديق في عرض سائر الآثار - يكفي ولو لم يكن نفس قوله: " صدق العادل " ناظرا إليه (2). ففيه: أن ناظرية الدليل إلى نفسه لو كانت ممتنعة، فدعوى القطع بالاتحاد غير تامة، لما اشير إليه آنفا: من أن تصديق العادل هو التصديق العملي، ولا عمل في الوسائط، فلا يمكن حل المشكلة بدعوى القطع. هذا مع أن الناظرية ليست ممتنعة، لا لأجل أن الإقرار على الإقرار نافذ، أو البينة على البينة معتبرة، مع أنه لا دليل بالخصوص على الاعتراف الثاني المكذب للاعتراف الأول، ولا على نفوذ البينة الثانية، وذلك لأن انحلال القضية إلى القضايا جائز حكما، وواقع بالضرورة في الإنشائيات القانونية، وفي المثالين يكون كل واحد من الإقرار الثاني والبينة الثانية وجدانيا، وهما كافيان بلازمهما، فالقياس مع الفارق. فما هو الوجه لجواز النظر: هو أن قوله: " صدق خبر العادل " ليس ناظرا إلى مطلق الآثار، ولا إلى أثر هو نفسه، بل هو بعث إلى تصديق خبر العادل، ولزوم كونه ذا أثر حكم عقلائي يدركه العقلاء بعد سماع هذه القضية، فيدركون أن نفس الوجوب مثلا من الآثار، لولا الإشكال السابق. فتحصل: أن الانحلال جائز، إلا أنه هنا لا ينحل إلى المصاديق التعبدية


1 - تهذيب الاصول: 2: 127. 2 - كفاية الاصول: 341. (*)

[ 533 ]

والواقعية، وناظرية الحكم إلى نفسه قابلة للدفع، إلا أنها هنا غير نافعة، لأنه لابد وأن ينحل المشكل الأول من المشاكل العقلية، حتى يفيد حل المشكلة الثانية. جولة حول ما ذكرناه ربما يقال: إن وجوب تصديق العادل حكم حيثي، أي به يحرز تعبدا جزء موضوعه، لا الجزء الآخر، وهو عدالة المخبر. وبعبارة اخرى: إذا حللنا قضية " صدق خبر العادل " نصل إلى حكم، وموضوع وهو " خبر " والمضاف إليه وهو " العادل " فالخبر والعدالة ولو كانا مشكوكي الوجود، إلا أن ببركة " صدق " ينقلب الشك الأول إلى الوجود التعبدي، دون الشك الثاني، لأنه خارج عن إخبار الكليني بالضرورة، وحيث لا إطلاق له إلا حيثي، فلا يستكشف به العدالة. وفيه: أنه لو لم يكن قوله: " صدق خبر العادل " كاشفا لعدالة المخبر المجهول الحال، لما كان فيه أثر شرعي وفائدة، فإن إخبار الكليني بما أنه من العقلاء، مورد أصالة عدم الاشتباه والغفلة والنسيان العقلائية، وبما أنه عادل، لا معنى لاحتمال الكذب العمدي، للزوم الخلف، حيث إن عدالته وجدانية، فالأثر المترتب عليه ينحصر بكشف حال المخبر عنه، بعد تحقق المخبر به بإخباره حسب الاصول العقلائية. هذا مع أن الإطلاق الحيثي متين وجيه، إلا أنه بمعنى عدم الاحتياج في خروج الإخبار عن الفاسق إلى التقييد، لا بمعنى عدم كشف حال المخبر، فلو كان يكفي كشف وجود الخبر بإلغاء احتمال الخلاف، لأجل قوله: " صدق العادل " فيما إذا أخبر عن المخبر المشكوك، فلابد وأن يكشف بلازمه أيضا حال المخبر، نظير ما

[ 534 ]

مر في العام والخاص: من أن مقتضى تجويز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كشف حال المصداق بمعوم العام، فلاحظ واغتنم (1). وتوهم: أنه لابد وأن يكون إخبار الكليني عن العادل، حتى يثبت بوجوب تصديقه خبر العطار، أول الكلام، لأنه إذا كان يحرز بهذا الوجوب جزء الموضوع، فلا منع من إحراز جزئه الآخر، وإذا صح كشف خبر العطار المستور عنا بوجوب التصديق الثابت لخبر الكليني، صح كشف عدالته أيضا. بل لنا أن نقول: بحصول المعارضة بين البينة القائمة على فسق زيد، وبين لازم وجوب تصديق خبر عمرو عن زيد، بعد كون عمرو عادلا. فالذي هو حل المشكلة: أن أساس " صدق خبر العادل " معدوم، وليس في البين إلا ما هو الأمر العملي والسيرة العملية التي لا لسان لها، وهي قائمة على الإخبار مطلقا، فتدبر جيدا. تذنيب: حول إخبار العدول عن شئ واحد لو أخبر العدول عن وجوب شئ، فهل يكون أثر كل واحد ذلك الوجوب الواحد، أم يكون واحد من بينها حجة، أو لا يكون الكل حجة، للترجيح بلا مرجح لا سبيل إلى الثلاثة. والاحتمال الرابع: هو عدم انحلال " صدق العادل " إلى الكثير مع وحدة الأثر، فيكون الكل بحكم العدل الواحد، فإذا كان العدول العرضيين حكمهم ذلك، فكيف بالعدول الطوليين ؟ ! فاغتنم وتأمل.


1 - تقدم في الجزء الخامس: 272 - 273. (*)

[ 535 ]

التنبيه الثالث: حول الإشكال الناشئ من عدم حجية الخبر في الموضوعات قد اشتهر: " أن خبر الواحد حجة في الأحكام، دون الموضوعات " (1) فلو كان ذلك مورد الإجماع، أو المستفاد من الآثار والأخبار، فربما يشكل الأمر، لأن جميع الأخبار تكون إنباء عن الموضوعات، ضرورة أن أمثال زرارة والرواة الأولين، يروون قول الإمام (عليه السلام) وهو إخبار عن الموضوع، ولا يجوز الاتكال على خبر زرارة لو كان يخبر عن وجوب شئ، لاحتمال تخلل اجتهاده، فلو كان المخبر به حكما واقعا فلا حجية لخبره. ولو كان المخبر به قوله (عليه السلام) فالقول من الموضوعات، وإخباره عن إخبار الإمام من الموضوعات، كسائر الوسائط، فإن الكل من الموضوعات، فلا يكون حجة إلا بالبينة، أو ما بحكمها، كالوثوق الشخصي، أو الاطمئنان الخاص، بناء على كفايته، فمسألة حجية الخبر الواحد تصبح بلا أثر أيضا. أقول: نعم، إلا أن مقتضى دليل حجية الخبر الواحد، حجيته في مطلق الموضوعات، وخرج عن إطلاق السيرة خصوص الموضوعات الخاصة، فإخبار الرواة ولو كان موضوعا وإخبارا عنه، إلا أن المنظور من الأحكام ليس إلا ذلك. وهذه الشبهة في الحقيقة إشكال على التعبير، وإلا فلا يضر بالمطلوب، ولذلك لو حكى زرارة عن الإمام (عليه السلام) ما يتعلق بموضوع من الموضوعات - كحدود عرفات ومنى، وحدود الحائر، وغير ذلك - يكون حجة عند القائلين بالحجية، مع


1 - فرائد الاصول 1: 124، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 174، نهاية الاصول: 497، تهذيب الاصول 2: 114 - 115. (*)

[ 536 ]

أنه أجنبي عن الأحكام بالمرة. ثم إنه ربما يروي الراوي فتوى المعصوم (عليه السلام) أو العادل فتوى الفقيه، فإنه ليس من الموضوعات، ولا يلزم مجرد نقل الفتوى أن يكون الاجتهاد متخللا فيه، كما نراه في الأعصار والأمصار من نقل الفتاوى. نعم، في خصوص الأئمة (عليهم السلام) يكون المتعارف القريب من الاتفاق، نقل قول المعصوم وإخباره، فلاحظ. التنبيه الرابع: حول مغايرة حجية الخبر لوجوب العمل به حديث حجية الخبر الواحد، غير حديث وجوب العمل بالخبر الواحد، فإن الحجية كما يصح انتزاعها عن الثاني، يصح انتزاعها عن الأول، فلو كان مقتضى الأدلة جواز العمل، فلا يلزم منه وجوبه، فالوجوب يحتاج إلى دليل آخر. وبعبارة اخرى: لا يجوز بعد تحرير أصالة عدم الحجية، اتباع الخبر الواحد، إلا إذا قام الدليل على جوازه، فلو قام خبر الواحد على وجوب صلاة الجمعة، أو على جزئية كذا، أو شرطية كذا، فيجوز الإتيان بها، بمعنى أنه لو خالف الواقع يكون معذورا. وأما تنجز الواقع عليه، بحيث يستحق العقوبة، فهو أمر آخر، لإمكان تصرف الشرع في ذلك، بأن يعتبر خبر الواحد حجة بالمقدار الخاص، وهو تجويز الإفتاء والعمل على طبقه، وبعبارة اخرى بالمقدار المخرج عن الحرمة الذاتية، أو التشريعية، وأما الزائد عليه - وهو وجوب اتباعه، فلا يكون معذورا عند التخلف - فهو اعتبار آخر يحتاج إلى الدليل الخاص. فإفتاء الأصحاب عن الجهة الثانية بالاولى، وتوهم أن جواز العمل مساوق للوجوب، وأن حجيته بمقدار الخروج عن الحرمة، تساوق حجيته على قطع العذر

[ 537 ]

ولزوم الاتباع وتنجز الواقع (1)، غير صحيح كما عرفت، فما تعارف من قولهم: " صدق العادل " الظاهر في الوجوب، تخيلا أنه يستفاد من مفهوم آية النبأ (2)، غير واقع في محله، كما ذكرنا هناك بعض ما يتعلق به، فلا تخلط (3). فبالجملة: كما يجوز التفكيك في سائر الآثار، وهي جواز الإفتاء، وجواز الإتيان، والتعبد، والإسناد، فيكون دليل حجية الخبر الواحد مثلا، مقتضيا لبعض هذه الآثار دون بعض، كذلك يجوز التفكيك بين تلك الآثار والأثر الآخر: وهو تنجيز الواقع، وتصحيح العقوبة عليه، ولا ملازمة ثبوتا بين جواز العمل، ووجوبه، حتى يستلزم الجواز وجوبه، وإذا أمكن ثبوتا التفكيك، فلابد إثباتا من اقتضاء الدليل وجوب العمل في موارد قيام الخبر الواحد على وجوب شئ وحرمته، وإلا فالقدر المسلم هو الجواز الأعم، كما لا يخفى. أقول: يمكن أن يقال: إن تجويز العمل دون إيجابه، غير معقول، لأن في مورد قيام الخبر الواحد على وجوب شئ، لا يعقل الترخيص في العمل، بل لابد من الإيجاب، للزوم المناقضة، فكما أنه لا يتصور الإيجاب الطريقي في موارد قيام الخبر الواحد على الاستحباب والكراهة، كذلك لا معنى لنفي الوجوب في موارد قيام الخبر على وجوب شئ وحرمته، مع إثبات جوازه، للزوم اللغوية، ضرورة أن إيجاب ذلك الشئ نفسا، مع ترخيص ترك العمل، لا يجتمعان، ولذلك ذهب المحققون إلى الملازمة، حسبما يستفاد من سيرهم في المسألة، وأنه بعد الفراغ من


1 - قوانين الاصول: 433 / السطر 8، درر الفوائد المحقق الحائري: 388 - 389، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 179 - 180، نهاية الأفكار 3: 122 - 123. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 388 - 389، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 179، نهاية الأفكار 3: 122 - 123. 3 - تقدم في الصفحة 480 - 482. (*)

[ 538 ]

أصل الجواز، التزموا بوجوبه الطريقي (1). وفيه: أن في المثال المذكور لا يعقل الإيجاب الطريقي، بعد كون ذي الطريق أمرا استحبابيا، لأن الفرع لا يزيد على الأصل بالضرورة، وأما فيما نحن فيه فالإيجاب الثابت بالخبر الواحد، ليس إلا ثبوتا ظنيا، فلا يثبت به الوجوب الواقعي حتى تلزم اللغوية. وأما دعوى لزوم اللغوية إجمالا، للعلم الإجمالي بإصابة إحدى الطرق للواقع، فهي قابلة للدفع: بدعوى العلم الإجمالي بعمل طائفة بذلك الخبر القائم على وجوب شئ، وترك طائفة للعمل بالقائم على حرمة شئ. وتوهم: أن أثر الإيجاب منتف، غير سديد، لأن الإتيان بمتعلقه كاف، ولا يعتبر قصد الوجه في سقوط الأمر الإيجابي، وهكذا في ناحية التحريم. هذا مع أن دعوى العلم الإجمالي المذكور، لا تنافي إمكان التفكيك ثبوتا، بل هي مؤيدة له. ولكن توهم: أنه يقتضي وجوب العمل إثباتا، غير صحيح، لما اشير إليه. ثم إنه غير خفي: أن هذه المشكلة تشترك فيها مطلق الأمارات، وسيمر عليك كلام في الاستصحاب، وأنه - حسب ظاهر بعض أخباره - يكون حجة على نعت الترخيص، لا الإيجاب والإلزام، فانتظر حتى حين. أقول: قضية البناءات العقلائية، وصحة الاحتجاجات الموجودة بين الموالي والعبيد، تنجز التكليف الثابت بالخبر الواحد، وصحة العقوبة عند الإصابة، وحيث إن الشرع لم يخترع في هذا الباب أمرا جديدا، فجواز العمل بالخبر الواحد الثابت، يساوي لزومه في صورة قيامه على التكليف الإلزامي.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 388 - 389، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 181 و 194 - 195، مصباح الاصول 2: 181. (*)

[ 539 ]

والمناقشة فيه: بأنه بناء غير محرز رضا الشرع به، غير صحيحة، لأنه بمرأى ومنظر من الشرع، فالتفكيك ولو كان جائزا ثبوتا، ولكنه غير واقع إثباتا، للحاجة إلى صراحة الأدلة في ذلك، كما لا يخفى، فتأمل جيدا. ثم إن مقتضى الكتاب وجوب الإطاعة، فإذا ثبت وجوب شئ أو حرمته بالخبر الواحد، فالعمل على طبقه واجب، لأنه من الإطاعة الواجبة بحكم العقل المؤيد بالشرع. ودعوى: أن وجوب الطاعة لا ينحل إلى الوجوبات الكثيرة، لأنه يسقط بالمصداق الأول، وإلا يلزم التسلسل، غير صحيحة (1). وأيضا: مقتضى طائفة من السنة الأمر بالأخذ، كالأمر بأخذ ما رووا في بني فضال، وأن الموالي ليس لهم التشكيك فيما يرويه الثقات، ولا يكونون معذورين. فبالجملة: هذه المسألة واضحة جدا، ولو أمكن المناقشة في الوجهين الأولين، لما أمكن ذلك في الأخير، فتدبر. التنبيه الخامس: في أنه لا فائدة في تقسيم الخبر إلى أقسامه بناء على حجية الخبر الواحد، فالأقوى عدم الفرق بين أقسامه: من الصحيح، والموثق، والقوي، والحسن، والمنجبر بالعمل، كما مر بتفصيل، فإن دليل حجية الخبر الواحد أعم. وتوهم اختصاص الحجية بالطائفة الاولى، لأن في الأخبار ما يومئ إلى حجية الصحيح فقط (2)، كما مر في طي البحوث السابقة (3)، فهو بمعزل عن التحقيق،


1 - درر الفوائد: 329. 2 - تقدم في الصفحة 508. 3 - تقدم في الصفحة 491 - 492. (*)

[ 540 ]

لما عرفت أن الأخبار العلاجية، لا تكون في هذا الموقف (1)، ومعتبر أبي إسحاق أيضا ليس بصدد حجية الخبر الواحد، حتى يقال: إن خبر الثقة المأمون على الدين والدنيا حجة (2). ثم إن التحقيق: أن ما صنعه الجمال ابن طاوس (قدس سره) المتوفى سنة 664 ه‍ من التقسيم (3)، وتعبه تلميذه العلامة (قدس سره) (4) والآخرون (5)، غير تام، لأن الخبر إذا وصل إلى نصاب الحجية وميقات الاعتبار، فلا فارق بين أقسامه حتى عند المعارضة حسب البناءات العقلائية، لسقوط المتعارضين معا، أو لا أقل من الشك في حجية المعارض القوي بالتعارض مع المعتبر الآخر الذي ليس في رتبته، فأمر الخبر المحتج به في الفقه دائر بين كونه معتبرا، وغير معتبر، وتوصيفه ب‍ " الصحيح، والموثق، والحسن، والقوي " لا يترتب عليه أثر عملي، فكم من الأوقات الشريفة ضيعت في الأباطيل، ومنها علم الدراية. نعم، ربما يستحسن ذلك، لكونه تقسيما للأحاديث المنسوبة إلى الأئمة (عليهم السلام) ولكونه سببا للغور فيها، ومع ذلك فالغور فيما هو الحق أولى وأليق، والأخذ بما هو الطريق المستقيم أحسن وأشوق، والله هو المستعان، وعليه التكلان. تذنيب: في الوجه العقلي على حجية الخبر قد تبين من خلال أدلة حجية خبر الواحد، إمكان المناقشة فيها كلها، وأن


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 508 - 510. 2 - تقدم في الصفحة 508 - 509. 3 - لاحظ منتقى الجمان 1: 4. 4 - لم نعثر عليه. 5 - الرعاية في علم الدراية: 77. (*)

[ 541 ]

الدليل القوي الوحيد هي السيرة (1)، وقد مرت وجوه المناقشة فيها بما لا مزيد عليها (2). فعلى هذا، تصل نوبة البحث إلى تحرير الوجوه العقلية، وقد مر في أوائل بحث حجية خبر الواحد: أن الأخبار الموجودة عندنا المضبوطة في الكتب المعتبرة، كانت بيد الاحتجاج منذ عصر صدورها إلى عصر انضباطها في رسائل الأصحاب الأولين، وإلى عصر التأليف والتصنيف، فهي حجة، لكونها بخصوصها كانت حجة في عصر الأئمة المتأخرين (عليهم السلام) فإن كثيرا منها كانت بمرأى ومنظر في العصور الأخيرة المنتهية إلى العسكريين (عليهما السلام)، فلا وجه للمناقشة فيها بعد تمامية سائر شرائطها، وانضمام سائر القيود إليها (3). فبالجملة: لو لم يكن الخبر الواحد مع أنه مسألة كلية واصولية، حجة شرعية عامة في مطلق الأحكام والموضوعات، ولكن تلك الأخبار مفروغ من حجيتها، إلا ما شذ منها مما لا يكون مقرونا بالقرائن. ولعمري، لا يوجد في الفقه منها شئ ولو واحدا، كما مر في أوائل البحث (4). فعلى هذا، لا حاجة إلى التشبث بالوجوه العقلية، لأنها ناهضة على خصوص الأخبار الموجودة، وليست بصدد حجية الخبر الواحد على نعت كلي، فلا تخلط. وحيث لا بأس بالإشارة إلى التحرير الأمتن الذي به يعلم سائر التحريرات، ومن عدم تماميته يعلم وجه فساد غيره، نقول: إن قضية العلم الإجمالي بوجود التكاليف والواقعيات الإلزامية، ومقتضى


1 - تقدم في الصفحة 499 - 508 و 514 و 522. 2 - تقدم في الصفحة 500 - 513. 3 - تقدم في الصفحة 414 - 416 و 522. 4 - تقدم في الصفحة 414. (*)

[ 542 ]

العلم الإجمالي بأن تلك الواقعيات، مندرجة وبالغة إلينا من خلال وصول الأخبار والروايات والأمارات المعتبرة وغير المعتبرة، ومقتضى أن العلم الإجمالي الأول، ينحل بالعلم الإجمالي الثاني، والعلم الإجمالي الثاني لا يبقى بعد مراعاة الكتب المعتبرة والروايات المعتبرة، لكثرتها الموجودة بين أيدينا، فينحل بالعلم الإجمالي الثالث العلم الثاني، ولازمه حجية ما في الكتب المعتبرة إلا ما خرج بالخصوص عن الاعتبار، كالأخبار الضعيفة، فإنه بخروجها لا يتضرر العلم الإجمالي المذكور، لكثرة الأحاديث الباقية المعتبرة. ونتيجة هذا التحرير والتقرير: حجية خبر الثقة بأقسامه، لا حجية مطلق ما في الكتب، ولا حجية الظن أو المظنونات الشخصية، وكم من تقارير تنتهي إما إلى حجية ما في مطلق الكتب المعتبرة وغيرها، أو إلى حجية مطلق ما في الكتب المعتبرة، مرسلة كانت، أو غيرها ! ! وهي بأسرها غير تامة. وغير خفي: أنه بعد الانحلال المذكور يجوز التمسك بالبراءة، أو القول بالاحتياط فيما وراء ذلك، لما لا يلزم من إجرائها ومن الأخذ به فساد وتضييع بالضرورة. وإن شئت قلت: لا حاجة إلى دعوى العلم الإجمالي الثاني المتوسط، بل يكفي لحجية ما في الكتب المعتبرة من الأحاديث المعتبرة، وجود العلم الإجمالي: بأن المعلوم بالإجمال من التكاليف الإلزامية، ينحل بها، فالعلم الإجمالي المتوسط غير لازم في أخذ النتيجة المقصودة. فعلى ما تحرر، لابد عقلا من الالتزام بأن الشرع لا يعقل منه الردع عنها، ولا تجويز طرحها، لأنه يلازم طرح الشريعة، وهدم أساس الديانة، لأن المفروض وجود القوانين الإسلامية في تلك الأخبار البالغة إلينا، ولو كان يحتمل أو نعلم بوجود تكاليف اخر غير بالغة، أو تكاليف غير شرعية فيها، ولكنه لا يضر بأساس

[ 543 ]

هذه الدعوى، لأن الشريعة الاسلامية، لا تضمحل ولا تنهدم بإجراء البراءة بالنسبة إلى موارد الشك والشبهة، ولو كان مقرونا بالعلم الإجمالي، لأنه من القليل في الكثير احتمالا، فلا تكن من الخالطين. وغير خفي: أن مقتضى هذا التقرير حجية أخبار الثقات، وأن ما يثبت بهذا التحرير، عين ما يثبت بأدلة حجية الخبر الواحد لو كانت تامة، ولا يزيد عليه، ولا ينقص. كما أن الثابت به هي الحجية بمعناها العقلائي، وهي الوسطية في الإثبات والطريقية، لأن العقل يكشف عن رضا الشرع بذلك، لما تحرر من امتناع حكومة العقل على شئ، ولاسيما في حدود المسائل الإلهية. وبناء على الكشف فينكشف به ما يستكشف بالسيرة والدليل العقلائي، فكما أن المستفاد منها هي الحجية الخاصة الثابتة للأمارات الحاكمة على الاصول عند المعارضة، والمقدمة على الاصول اللفظية، كعموم العام وإطلاق المقيد عند المخاصمة، كذلك هي الحجية العقلائية الراجعة إلى التعذير والتنجيز بالنسبة إلى الأحكام الواقعية. والسر في ذلك: أن أمر تلك الأخبار دائر بين احتمالين: إما ردع الشرع عنها، وهو خلف، أو إمضاؤها على سبيل الأمارات الاخر العرفية. وكونها ممضاة ومرضية بوجه ثالث ولو كان ممكنا، إلا أنه مقطوع العدم، وسيمر عليك تفصيل المسألة على وجه تنحل به المشكلة. ولو قيل: الأمر كما تحرر، إلا أن الأخذ بالأخبار المحكية عن الثقات، كما يوجب انحلال ذلك العلم، كذلك الأخذ بالمحكية عن غيرهم، فلا يثبت به المطلوب. قلنا: نعم، إلا أنه من ترجيح المرجوح على الراجح، ومن الأخذ بما هو البعيد عن الواقع في ذاته.

[ 544 ]

وإن شئت قلت: لا ينحل ذلك العلم الإجمالي بأخذها، لقوة تخطيها عن الواقع بخلافها، فالعلم بالاشتغال يقتضي الفراغ اليقيني، وهذا لا يحصل بالأخذ بها بالضرورة. لا يقال: لا معنى لكون الأخبار حجة حاكمة على الاصول المعارضة، للزوم تقدمها على الاصول المثبتة للتكاليف، وهو يرجع إلى خلاف المعلوم بالإجمال، فعلى هذا أيضا لا يتعين الأخذ بالخبر مطلقا، كما لا يخفى. لأنا نقول: قضية العلم الإجمالي، ليس أكثر مما يثبت به التكليف الإلزامي الأعم من النفسي والغيري، ضرورة أنه كثير جدا في الفقه، ولا نعلم بوجود التكاليف الإسلامية الإلزامية أكثر مما يثبت بها. نعم نحتمل ذلك في موارد الأخبار النافية، ونعلم إجمالا بنحو القليل والكثير في التكاليف الواقعية غير الواصلة، وغير الموجودة فيها رأسا. وعلى كل: يجوز الأخذ بالأخبار النافية في موارد الاصول ولو كانت مثبتة، لأنها قليلة، ضرورة أن المقصود من الاصول المثبتة، ليس الاصول الجزئية الجارية في الشبهات الموضوعية، وقد تحرر منا: أن الأصل المثبت للتكليف لو كان مثل الاستصحاب، فهو غير جار في الشبهات الحكمية الكلية رأسا، فلا أساس لهذا البحث، فهذا الإشكال أيضا منتف عن التقريب المذكور (1). ولو كان مثل أصل الاشتغال، فلا يوجد في الأخبار النافية ما يزاحمه بالمقدار الذي نقطع بأن المعلوم بالإجمال أكثر فيما بين الأخبار المثبتة. فتحصل لحد الآن: أن أشكالات الشيخ و " الكفاية " و " الدرر " وغيرهم على التقريب المذكور (2) كلها قابلة للدفع.


1 - تقدم في الصفحة 541 - 543. 2 - فرائد الاصول 1: 170 و 171، كفاية الاصول: 349 - 350، درر الفوائد، المحقق الحائري: 395 - 396. (*)

[ 545 ]

نعم، ربما يتوهم: أن حجية المخصصات والمقيدات، لا تثبت بهذا الوجه، وهو خلاف المقصود (1). وفيه: أن المخصصات والمقيدات كثيرة جدا، بحيث صار " ما من عام إلا وقد خص " من الأمثال المشهورة، فإخراجها يستلزم خلاف ما هو المقطوع، وهي حجية الأخبار الموجودة المحكية بالثقات المضبوطة في الكتب المعتبرة إجمالا، ولا يمكن تعيين طائفة خاصة لجواز العمل، للزوم الترجيح بلا مرجح. ودعوى: أن المخصصات بين ما هي الإلزاميات، وبين ما هي الرخصات، وعندئذ يمكن التعيين، ويتعين الاولى، لكونها مورد المعلوم بالإجمال، بخلاف الثانية، فإنها تنتج عكس المطلوب، غير مقبولة، لأن الرخصات ولو كانت قابلة لنفي الجواز عنها، إلا أن العمل بها لا ينتج عكس المطلوب، ضرورة أن الإلزام الثابت بالعام أو الإطلاق، باق في غير مورد التخصيص والتقييد، فيكون خروج بعض أفرادهما غير مضر بالمعلوم بالإجمال. هذا مع أن الآراء تختلف في فهم الخاص المرخص والخاص الملزم، فربما ينتهي تجويز ترك العمل بالطائفة الثانية، إلى ترك العمل بالاولى المنتهي إلى خلاف المعلوم بالإجمال. فعلى هذا، تكون جميع الأخبار المحكية في الكتب المعتبرة بالثقات من الرواة حجة، وتكون حجيتها على الكشف والطريقية، لأجل كشف العقل رضا الشرع بذلك على نحو الكشف بالسيرة مثلا. وإن شئت قلت: نعلم إجمالا بأن هذه الأخبار المشار إليها، إما لا تكون حجة ويجب الاحتياط في الجملة، أو يكون الظن حجة، كما في باب الانسداد، أو تكون حجة على سبيل حجية الأمارات، ولا ثالث. واحتمال كونها حجة بالنسبة إلى جواز


1 - كفاية الاصول: 350، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 24. (*)

[ 546 ]

العمل فقط ووجوب الاتباع، دون سائر الآثار (1)، ممنوع قطعا. وبعد اللتيا والتي تبين: أن هذا التقرير أيضا له مقدمات: الاولى: أن الاحتياط الكلي غير واجب، بل ممنوع قطعا. الثانية: أن البراءة الكلية بالنسبة إلى كل مشكوك ممنوعة قطعا. الثالثة: ترجيح المرجوح على الراجح ممنوع. الرابعة: الترجيح بلا مرجح غير جائز. الخامسة: نعلم إجمالا بتكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة. السادسة: هذا المعلوم بالإجمال، ينحل بما هو الموجود عندنا من الآثار المحكية بنقل الثقات في الكتب المعتبرة، فلا حاجة إلى العلم الإجمالي الثاني، كما عرفت (2). السابعة: استصحاب الأحكام الكلية غير جار، سواء كان الحكم الإثباتي الوجودي، أو العدمي، وتحقيقه في محله (3)، وسواء فيه الأحكام الوضعية، والتكليفية. وربما لا نحتاج إليه، لعدم الابتلاء باستصحاب الحكم الإلزامي المثبت إلا شاذا، ولا يلزم من تحكيم الخبر عليه إخلال بالمعلوم بالإجمال. هذا غاية ما يمكن أن يحرر للوجه العقلي. ولكن مع الأسف إنه أيضا غير تام، وذلك لأن المعلوم بالإجمال، ينحل بالتكاليف الإلزامية الموجودة في الكتاب الإلهي، وبالأخبار التي تكون في حكم التواتر والاستفاضة، وبالشهرات والإجماعات التي تكون حجة عندنا، وإن شئت


1 - مصباح الفقاهة 2: 208. 2 - تقدم في الصفحة 542 - 543. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 533. (*)

[ 547 ]

قلت: وبالأخبار المورثة للوثوق والاطمئنان، فإن دعوى العلم الإجمالي بعد ذلك بالنسبة إلى ما وراء تلك الأمارات، غير صحيحة، لكثرتها جدا. وتوهم بقاء أثر العلم الإجمالي ولو انحل بالنسبة إلى ما وراء ذلك، غير صحيح، لأنه أولا: يلزم بقاء الأثر بالنسبة إلى غير الأخبار المحكية بالمجاهيل. وثانيا: لم يكن ما وراءه مورد العلم الإجمالي، حتى يقال: ببقاء الأثر ولو ولكن مع الأسف إنه أيضا غير تام، وذلك لأن المعلوم بالإجمال، ينحل بالتكاليف الإلزامية الموجودة في الكتاب الإلهي، وبالأخبار التي تكون في حكم التواتر والاستفاضة، وبالشهرات والإجماعات التي تكون حجة عندنا، وإن شئت


1 - مصباح الفقاهة 2: 208. 2 - تقدم في الصفحة 542 - 543. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 533. (*)

[ 547 ]

قلت: وبالأخبار المورثة للوثوق والاطمئنان، فإن دعوى العلم الإجمالي بعد ذلك بالنسبة إلى ما وراء تلك الأمارات، غير صحيحة، لكثرتها جدا. وتوهم بقاء أثر العلم الإجمالي ولو انحل بالنسبة إلى ما وراء ذلك، غير صحيح، لأنه أولا: يلزم بقاء الأثر بالنسبة إلى غير الأخبار المحكية بالمجاهيل. وثانيا: لم يكن ما وراءه مورد العلم الإجمالي، حتى يقال: ببقاء الأثر ولو انحل العلم، ضرورة أن هذا الانحلال حقيقي، لا حكمي، فلا تغفل. وقد فرغنا من تسويد هذه المبيضات ليلة الثلاثاء السادس والعشرين من شهر جمادى الثانية عام 1394 في النجف الأشرف على مشرفه آلاف التحية والسلام. ونرجوه أن يفيض علينا من فيوضاته الخاصة به، وأن يكون شفيعا لي ولأوليائه يوم لا يشفع الشافعون إلا بإذنه تبارك وتعالى، وهو ولي الحمد. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله واسقنا من كأس أخيه كأسا مليئة هنيئة لذة للشاربين، آمين رب العالمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية