الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 5

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 5


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني (قدس سره) الجزء الخامس مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 5) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

المقصد الرابع في المفاهيم

[ 3 ]

تمهيد وقبل الخوض في مباحثه لابد من الإشارة إلى جهات لازمة في المسألة: الجهة الاولى: في تعريف المنطوق والمفهوم نسب إلى الحاجبي تارة (1): وإلى المشهور اخرى (2): أن المفهوم عرف: " بما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، والمنطوق: مادل عليه اللفظ في محل النطق ". وحيث إن هذا التعريف مخدوش أولا: بأن الدلالة الالتزامية ليست من الدلالات اللفظية. وثانيا: بأن المقصود من " المفهوم " في المقام ليس مطلق ما يدل عليه اللفظ ولو بالدلالة الالتزامية بالمعنى الأعم. وثالثا: بأن المفاهيم الحاصلة من دلالة المفردات خارجة عن محط الكلام. ولو أمكن دفع الكل، ولكن يرد عليه: أنه كثيرا ما يستفاد من القضية الملفوظة معنى خارجا عن محل النطق، من غير كونه محل الكلام في المقام بالضرورة، كما إذا قال زيد: " إن عمرا جاءني " فإنه يستفاد منه بالضرورة صحة مزاج


1 - مطارح الأنظار: 167 / السطر 32. 2 - الفصول الغروية: 145 / السطر 20. (*)

[ 4 ]

عمرو، واقتداره على المجئ، وغير ذلك من المعاني التي هي خارجة عن اللفظ في محل النطق. وحيث إنه تعريف مخدوش عدلوا عنه إلى " أن المنطوق يكون حكما لمذكور، وحالا من أحواله، والمفهوم يكون حكما لغير مذكور " (1). وحيث إن هذا أيضا مخدوش: بأن الموضوع مذكور في المفهوم أيضا، ضرورة أن زيدا في قولك: " إن جاء زيد فأكرمه " مذكور بشخصه، مع أن تعريفه أيضا يكون للمفهوم الأعم مما هو مورد النظر في هذه البحوث، عدلوا عن تعريف العضدي إلى ما في " الكفاية ": " من أن المفهوم إنما هو حكم غير مذكور لا أنه حكم لغير مذكور " (2). وحيث إنه أيضا مورد الإشكال بالأعمية (3)، وبما في بعض حواشيها (4)، مع إمكان الذب عنها، عدل عنه الوالد المحقق فقال: " إن المفهوم عبارة عن قضية غير مذكورة مستفادة من القضية المذكورة عند فرض انتفاء أحد قيود الكلام، وبينهما تقابل السلب والإيجاب بحسب الحكم " (5). وغير خفي ما فيه من الأعمية، مع أن المفهوم الموافق خارج عن تعريفه. فالذي هو الأحق بالتصديق: أن المفهوم تارة: يطلق ويراد منه ما يقابل المنطوق لغة، فما هو المفهوم هو المعنى، وما هو المنطوق هو اللفظ، وهذا ليس مورد الكلام في هذه المراحل بالضرورة.


1 - شرح العضدي: 306 / السطر 23 - 25. 2 - كفاية الاصول: 230. 3 - نهاية الدراية 2: 409 - 410. 4 - حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 163، الحاشية على كفاية الاصول، البروجردي 1: 434. 5 - تهذيب الاصول 1: 424. (*)

[ 5 ]

واخرى: يطلق ويراد منه ما يفهم من القضية اللفظية بدلالة غير مطابقية، كما عرفت في المثال المزبور، ويكون لكل قضية مفهوم، بل مفاهيم كثيرة. مثلا: إذا قال زيد " جاءني عمرو " فما هو المنطوق معلوم، وأما القضايا التي تدل عليها هذه الجملة فكثيرة، منها دلالتها على حياة المتكلم، وأنه شاعر عالم متصور، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى، فهذا النحو من المفاهيم أيضا خارج، مع أن دلالة القضية عليها قطعية وضرورية، فيكون من البين بالمعنى الأخص، ومن اللازم الواضح، ومع ذلك ليس من المفهوم المقصود بالبحث هنا. ومن ذلك يظهر ضعف ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره): " من صحة نسبة جميع اللوازم العقلية والعرفية إلى المتكلم، ويقال: إنه تنطق بها، وليس له إنكارها " (1) انتهى. وثالثة: يطلق ويراد منه ما هو مقصود الباحثين الاصوليين في هذا الفن، فعندئذ لابد من مراعاة قيود في الكلام وفي تعريفه، حتى لا يشمل إلا الأخير، ويشمل المفهومين: الموافق، والمخالف. وقبل الإشارة إلى ما هو تعريفه، لابد من الإيماء إلى ما ظنه الاستاذ المزبور في باب المفاهيم، حتى يعلم أن التعريف الآتي يكون خاليا من الخلل: وهو أن السيد (رحمه الله) قال: " إن جميع ما يستفاد من الدلالات الثلاث، لا يكون إلا منطوقا، فإن المنطوق مادل عليه اللفظ بالدلالة الوضعية، ومنها التضمنية والالتزامية، ويكون المنطوق ما يحتج به المتكلم، ويؤاخذ بأنه قاله وتكلم به، ولا يتمكن من إنكاره إلا مكابرة، وجميع المفاهيم المستفادة من الدلالات الثلاث تكون نسبتها إلى اللافظ والمتكلم صحيحة، فلا تكون مفهوما حذاء المنطوق. وما هو المفهوم هي المعاني الاخرى التي يتمكن المتكلم من إنكارها،


1 - نهاية الاصول: 292. (*)

[ 6 ]

ويصدقه العقلاء بأنه ما قاله، ولكن ربما لايصدقوه، لأجل استفادتهم منها نوعا، ويحتجون عليه. وبالجملة: في قوله: " إن جاء زيد أكرمه " يصدقوه بأنه ما قال: " وإن لم يجئ لا تكرمه " وهذا هو المفهوم. فما في كتب المتأخرين من جعل المفهوم من الدلالة الالتزامية (1)، في غير محله بالضرورة " (2). أقول: قد تحرر في محله بطلان الدلالة التضمنية والالتزامية: أما الاولى، فواضحة، بل لا ترجع إلى معنى معقول. وأما الثانية، فلأن الدلالة الوضعية هي دلالة اللفظ على المعنى تبعا لوضع الواضع، فلو كان الواضع لاحظ اللازم فيكون قيدا في الموضوع له، ولايكون من الدلالة الالتزامية التي هي متأخرة في الرتبة عن الدلالة المطابقية. وإن لم يلاحظ الواضع فلا يكون من الوضع، بل هو أمر حاصل من الألسن وكثرة الاستعمال والتلازم الخارجي، من غير كونه واردا في الموضوع له، وربما يحصل - لأجل الكثرة - وضع تعيني للمعنى الملزوم واللازم، فيكون الموضوع له مركبا ومقيدا أيضا، فلا يعقل الدلالة الالتزامية الوضعية إلا تساهلا ودعوى: أن الواضع اعتبر الملازمة، وهذا أمر غير ممكن، لأنها واقعية، وليست تحت سلطان الواضع بالضرورة، فعليه تنحصر الدلالة الوضعية بالمطابقة. إذا عرفت هذه الامور، وجهات المناقشة في تعاريف القوم، فلا بأس بالإشارة إلى نكتة اخرى يلزم مراعاتها في تعريفه: وهي أن أخذ صفة غير مذكورة في


1 - قوانين الاصول 1: 168 / السطر 25، مطارح الأنظار: 167 / السطر 25 - 28، كفاية الاصول: 230، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 477. 2 - نهاية الاصول: 292 - 295. (*)

[ 7 ]

تعريف المفهوم، ليس على ما ينبغي، ضرورة أن ماهية المفهوم ليست مرهونة باللامذكور، لإمكان كونه مذكورا في الكلام أحيانا، فيكون المنطوق مفهوما، ولا داعي إلى أخذه وحمل الصفة على الغالبية، أو حمل القضية على المهملة دون المطلقة، كما لا يخفى. فعندئذ نقول: المفهوم الذي هو مقصود الاصوليين، هي قضية يمكن استفادتها من قضية ملفوظة لا بدلالة المطابقة، وكانت تلك الاستفادة لأجل أخذ قيد وخصوصية في القضية الملفوظة وفي الكلام، إخباريا كان، أو إنشائيا، فتخرج المفاهيم الأفرادية بقولنا: " قضية " ويكون قولنا: " يمكن " لإفادة أنها ليست مستفادة بتا وقطعا، لما فيه الخلاف. وتخرج القضايا الذهنية بقولنا: " ملفوظة " وتكون المعقولات الثالثة والرابعة خارجة. وخرج المفهوم المطابقي للجملة بقولنا: " لا بدلالة مطابقية ". ويشمل سائر الدلالات، فإن المفهوم ما يستفاد منها بأية دلالة كانت. ومن قولنا: " لأجل أخذ قيد " يظهر خروج المفاهيم حسب الإطلاق الثاني الذي مر تفصيله. ولا حاجة إلى سائر القيود، إلا أنا ذكرناها إيضاحا للمرام، والله ولي الإنعام. ومن هذه المقالة يستفاد امور اخر: الأول: أن المفهوم والمنطوق من أنحاء مداليل الكلام، ولا وجه لتخيل كون المفهوم من أنحاء الدلالة. الثاني: أن المفهوم والمنطوق وجوديان، ولا ثالث لهما، ودعوى أن بينهما تقابل العدم والملكة، أو هما من الضدين اللذين لهما ثالث، لأن المفهوم من المداليل

[ 8 ]

الالتزامية باللزوم البين (1)، في غير محلها. الثالث: أن المفهوم المذكور في الكلام أحيانا لا يخرج عن المفهومية، كما أن المنطوق الذي ينقلب مفهوما أو يصح أن يعبر عنه: " بأنه مفهوم " لا يوجب كونهما من المتضايفين. مثلا: إذا قال: " وإن لم يجئ زيد فلا تكرمه " يكون مفهومه " إن جاء زيد فأكرمه " ولكن يعلم منه أنهما اعتباريان. اللهم إلا أن يقال: ما هو المتقدم في القول هو المنطوق، والمتأخر مفهوم مصرح به، فافهم واغتنم، والله ولي التوفيق. الجهة الثانية: في أن نزاع المفهوم صغروي أو كبروي ربما يستظهر من كلام الأقدمين، أن النزاع كان في حجية المفهوم (2). وقيل: " إن البحث عن حجيته راجع إلى البحث عن حجية الظواهر، ويندرج في تلك المسألة، والنزاع هنا ليس كبرويا، بل يكون حول أن القضية المشتملة على الخصوصية والقيد لها المفهوم، أم لا، فيكون النزاع صغرويا " (3). واختار السيد البروجردي (قدس سره) من المتأخرين كبروية النزاع، لما مر منه من أن الكلام في هذا الفن حول المفاهيم غير المستندة إلى الوضع وإحدى الدلالات،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 477، أجود التقريرات 1: 413 - 414. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 295. 3 - محاضرات في اصول الفقه 5: 59. (*)

[ 9 ]

فيكون خارجا عن بحوث الظواهر، ويرجع إلى دلالة فعل المتكلم المختار المريد - الذي أخذ في كلامه الخصوصية والقيد - على الانتفاء عند الانتفاء (1). وكأنه (قدس سره) تحفظا على ما أخذه موضوعا للعلم، اعتبر كبروية النزاع، وإلا يلزم خروج هذا المقصد من علم الاصول. وأما المتأخرون فلا يضرهم البحث الصغروي، ضرورة أن المفهوم بعد ثبوته يصحح الكبرى لقياس الاستنتاج، وحجة بالحمل الشائع على المسألة الفرعية. والذي هو التحقيق هو التفصيل، فما كان من المفاهيم مستفادا من إثبات العلية التامة المنحصرة في جانب المنطوق، فذلك المفهوم حجة، وليس مندرجا في بحث الظواهر، لأنها محل الخلاف حجيتها، بخلاف هذا المفهوم، فإن حجيته قطعية، وليست قابلة للخلاف، للزوم الخلف كما هو الواضح. بل حجية المفهوم في هذا الفرض ليست قابلة للسلب، بخلاف حجية القطع، فإنها قابلة للسلب، كما تحرر منا في بحوث الإجزاء (2)، ويأتي في محله (3) وأن ما اشتهر " من أن حجية القطع ذاتية " (4) مما لا أساس له. نعم، حجية المفهوم بعد كون المنطوق دليلا على علية الشرط للجزاء علية تامة منحصرة ليست قابلة للسلب. وأما دعوى: أنها ذاتية، فهي غير صحيحة حسب الاصطلاحات في إطلاقات " الذاتي " في أبواب الإيساغوجي والبرهان. هذا هو القسم الأول من المفاهيم.


1 - نهاية الاصول: 293 - 295. 2 - تقدم في الجزء الأول: 301. 3 - يأتي في الجزء السادس: 25 - 27. 4 - فرائد الاصول 1: 4، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 6، نهاية الدراية 3: 18. (*)

[ 10 ]

وأما الطائفة الثانية منها، فهي التي تستفاد من المنطوق حسب الأفهام العرفية، من غير دلالة المنطوق على العلية التامة المنحصرة، فهذه تكون قابلة للجعل، وتكون قابلة للخلاف، وليست مندرجة في الظواهر بنحو الإطلاق، فلا يكفي النزاع الآتي في الظواهر (1) عن هذا النزاع. مثلا: إذا قلنا، بأن للجملة المغياة مفهوما، والمفهوم مستفاد من أخذ الغاية عرفا، فهو ليس من أنحاء مداليل الكلام حتى يكون من الظواهر كما عرفت، بل هو ربما يستند إلى بعض الجهات الاخر، مثل اللغوية، واللالغوية، فلابد من عقد البحث عن حجيته بعد فرض ثبوته، ولا يكفي مجرد ثبوته، فهناك نزاعان: أحدهما: صغروي، وهو أن للجملة الشرطية والوصفية مفهوما، أم لا ؟ ثانيهما: صغروي وكبروي من جهتين، صغروي لأجل البحث عن أصل وجود المفهوم للغاية، وكبروي لأجل البحث عن حجيته بعد ثبوته، لأنه ربما لا يكون من اللازم البين، بل يكون من مداليل الكلام حسب المتعارف في محيط التقنين. نعم، كما لا يكون النزاع عن حجية الظواهر من النزاع العقلائي، لوضوحها، كذلك الأمر هنا، فلا تخلط. وهناك طائفة ثالثة: وهي المفاهيم الموافقة، فإن النزاع فيها مثل الطائفة الثانية أيضا، كما ترى. اللهم إلا أن يقال: بأن في الطائفة الثانية أيضا يريد القائل بالمفهوم إثبات انحصار موضوع الحكم بما في المنطوق، ونتيجة ذلك سلب سنخ الحكم عن الموضوعات الاخر، فتدبر.


1 - يأتي في الجزء السادس: 301 - 303 و 315 - 324. (*)

[ 11 ]

الجهة الثالثة: في أن المقصود نفي سنخ الحكم لا شخصه لاشبهة في انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه، ولا شبهة في أن انتفاء موضوع الحكم بانتفاء وحدته، ولا شبهة في أن تلك الوحدة تختل بانتفاء الكل، أو الجزء، أو القيد الداخل في الموضوع تقيدا، والخارج عنه قيدا. نعم، ربما يتوهم بقاء الحكم الشخصي، بقيام علة اخرى مقام العلة الاولى التي استتبعت ذلك الحكم. ولكنه على تقدير تماميته لا يكون من الاختلال في موضوعه، بل هو من التبادل في علة الحكم، وأنها كانت واسطة في الثبوت، دون العروض. مثلا: إذا قال المولى " أكرم زيدا لمجيئه " فإن وجوب الإكرام يمكن أن يبقى لعلة اخرى عند انتفاء المجئ، بخلاف ما إذا رجعت القضية إلى أن زيدا الجائي موضوع الحكم، فإنه لا يعقل بقاء الإرادة المتشخصة بالمتعلق والمراد، مع تبدل المراد وتغيره في عالم تعلق الإرادة التشريعية. فبالجملة: انتفاء الحكم الشخصي عند انتفاء القيد ضروري، وعدم ثبوت الحكم الشخصي عند عدم ثبوت العلة الاولى قطعي، فإنه لا يجب إكرامه عند عدم مجيئه رأسا. فهذان نحوان من الانتفاء عند الانتفاء مما لا كلام فيهما، وليسا مورد النزاع والبحث في فن المفاهيم. والذي هو المقصود في المقام للباحثين، مسألة انتفاء سنخ الحكم بانتفاء القيد، وأن زيدا محكوم بعدم الإكرام ولو أتى بآلاف من جهات اخرى موجبة للإكرام، ضرورة أن قضية المفهوم هو أن المجئ علة تامة منحصرة، فلا يجب إكرامه

[ 12 ]

عند عدم المجئ، وأن زيدا ليس قابلا لأن يكون محكوم الوجوب بجهة اخرى من الجهات والمقتضيات. فعلى هذا من يدعي المفهوم يريد ذلك، ومن ينكره يريد جواز كون زيد مورد الإيجاب، لعلة اخرى. شبهة وحل ربما يخطر بالبال: أن مفهوم قولهم " إن جاءك زيد فأكرمه " " إن لم يجئ زيد فالوجوب منتف " ولا يدل على اعتبار عدم الوجوب، بل المستفاد منه انتهاء أمد الوجوب وشخصه عند عدم المجئ فاستفادة المفهوم المقصود في المقام غير ممكنة، فالنزاع غلط وغير صحيح. وربما يؤيد ذلك ما لو قال المولى: " إن جاءك زيد يجب إكرامه " فإنه لا يستفاد منه مفهوم إلا انتفاء الوجوب الثابت في القضية الملفوظة، وهذا هو انتفاء شخص الحكم. فالمفاهيم لا تدل إلا على انتفاء شخص الحكم، الذي هو منفي بحكم العقل بالضرورة، فلا وجه لما تعارف فيه من النزاع، وأن المفهوم يفيد انتفاء سنخ الحكم كما في مفهوم المخالفة، فلاحظ وتدبر. أقول: تندفع الشبهة بالتدبر فيما هو مدعى القائل بالمفهوم، وهو أن المستفاد من المنطوق انحصار الحكم المستفاد من المنطوق بالموضوع المذكور فيه، أو انحصار علة الحكم بما في المنطوق، ونتيجة ذلك نفي سنخ الحكم قطعا ولو كان مفاد الجملة المفهومية - حسب الاستظهار العرفي - نفي شخص الحكم إذا كانت تلك الجملة ملفوظة. وبعبارة اخرى: لا يستند انتفاء سنخ الحكم إلى ظاهر القضية المفهومية، وإلى

[ 13 ]

مقتضى أوضاع المفهوم، بل يستند انتفاء سنخ الحكم إلى ما هو المستفاد بحسب الأوضاع والأحوال من المنطوق، وتلك القضية تابعة لهذه القضية، من غير النظر إلى مداليلها الوضعية اللفظية، لعدم ذكر منها. نعم، إذا كانت القضية الثانية مذكورة أحيانا في الدليل، وكانت ظاهرة في أمر على خلاف ظهور المنطوق في الحصر، فلنا دعوى تقدم ظهور القضية الثانية على الاولى في بعض الفروض، كما إذا كانت استفادة المفهوم مستندة إلى الإطلاق مثلا، وكانت القضية الثانية التي هي مفهوم ظاهرة بالوضع في عدم الحصر، فتدبر. تنبيه: في خروج بعض أنحاء المفهوم المخالف والموافق عن محل النزاع ربما يكون من المفهوم المخالف ما هو الخارج عن محط النزاع، كما إذا كانت الجملة بصدد التحديد الماهوي، فإنه يوجب الانتفاء عند الانتفاء. مثلا: إذا قيل في جواب " ما حقيقة الإنسان ؟ ": " إنه الحيوان الناطق " أو " المائت " فلابد من الالتزام بالمفهوم، وإلا يلزم احتمال وجود الفصل الآخر لتلك الماهية الجنسية، ولا يعقل ذلك، لأن الذاتيات محفوظة في أنحاء الوجودات. كما ربما يكون من المفهوم الموافق ما هو أيضا خارج من محط التشاح، ويكون حجة قطعا، وذلك في القضايا التي سيقت لإفادة المفهوم، بحيث لا يكون المنطوق مرادا، فلو قلنا بأن النهي عن القول بالتأفيف ليس زجرا عن المدلول المطابقي، فلابد وأن يكون مفهومه مرادا، فرارا من اللغوية غير الجائزة بحق المولى تعالى وتقدس. وهذا وذاك أقوى المفاهيم في قسمي المخالف والموافق. وربما يوجد في الأمثلة ما لا ثمرة للقول بالمفهوم لها، كما في قولهم: " إن جاءك زيد فأكرمه " إلا على القول بأن مفهومه تحريم الإكرام عند عدم المجئ وهذا يعلم بالتأمل والتدبر.

[ 14 ]

وعلى كل تقدير: لا يورث انتفاء ثمرة القول بالمفهوم في بعض الأمثلة بما هو المهم في المقام، والله ولي الإنعام. الجهة الرابعة: حول مختار السيد الاستاذ البروجردي في البحث عن الواحد الجامع بين الجمل بناء المتأخرين على البحث المستقل عن كل واحدة من الجمل التي يمكن أن تكون ذات مفهوم، كالشرطية، والوصفية، والاستثناء وغيرها، وبناء السيد الاستاذ البروجردي على البحث الواحد الجامع المشتمل على جميع البحوث (1). وقال حول مرامه: إن أخذ القيد في الكلام، لابد وأن يكون لغرض الإفادة، وإن المقصود هو دخالة القيد في موضوعية الحكم، وإلا يكون لغوا، فإذا قال المولى: " إن كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " يعلم - حسب البناءات العقلائية القائمة أولا على أصالة الحقيقة وأصالة الجد - أن قيد الكرية دخيل في عدم تنجس الماء، ولايكون الماء القليل موضوعا لعدم التنجس، فيكون دليلا على ابن أبي عقيل (2) ولو كان القليل لا يتنجس لكان أخذ القيد المزبور لغوا وزائدا، وهو خلاف بناء العقلاء وفهمهم بالضرورة. ثم (قدس سره) بعدما أفاد ذلك بما لا حاجة إليه من الإطالة في هذه المقالة قال: " بناء على هذا لا يمكن الالتزام بالانتفاء عند الانتفاء الذي هو مسلك المتأخرين في باب المفاهيم من إثبات العلية المنحصرة، فإنه لا مانع من كون الخصوصيات الاخر


1 - نهاية الاصول: 296 - 297. 2 - لاحظ مختلف الشيعة 1: 176. (*)

[ 15 ]

دخيلة في عدم تنجس الماء، كالمطرية والجريان ". فما يثبت عنده (قدس سره) بالمفهوم إثبات حكم التنجس للقليل، دون سائر المياه ذات الخصوصية، وبذلك يظهر أن كل قيد يكون مأخوذا في الكلام، حكمه مثل الشرط، من غير إفادته الانتفاء عند الانتفاء، لأن الفرار من اللغوية يحصل بكون القيد دخيلا وإن لم يكن علة منحصرة (1)، انتهى بتحرير منا. أقول: قد عرفت في الجهة السابقة، أن انتفاء شخص الحكم قطعي عند المخالف والمؤالف، وما هو مورد النزاع هو انتفاء سنخ الحكم (2)، وبناء على هذا تصير نتيجة ما سلكه (رحمه الله): أن بعد ثبوت قيدية القيد المأخوذ في الكلام، أن الحكم المذكور في القضية الملفوظة منتف عند انتفاء القيد، فلا يكون القليل موضوعا للحكم، وهذا مما لا خلاف فيه، وما هو مورد الخلاف هو نفي إمكان تنجس الماء المتخصص بخصوصية اخرى. وبعبارة اخرى: يعتبر في النزاع المحرر بين الأعلام كون المسألة المتنازع فيها، قابلة لأن يذهب جمع إلى أحد طرفي المسألة، وجمع آخر إلى طرفها الآخر، وإلا فلا ثمرة في طرحها. مع لزوم كون العلم غير متناه من مسائله الوفاقية والخلاقية. وما أفاده (قدس سره) مما لا يمكن أن يذهب أحد إلى المفهوم، وهو الانتفاء عند الانتفاء، ولا إلى عدم المفهوم، وهو عدم ثبوت حكم التنجس للماء القليل. وإن شئت قلت: ما جعله محورا للكلام أمره دائر بين أمرين: أحدهما: أن يكون النزاع في الانتفاء عند الانتفاء، وهو نزاع لا يذهب إلى


1 - نهاية الاصول: 296 - 297. 2 - تقدم في الصفحة 11. (*)

[ 16 ]

تصديقه أحد، ويكون الكل منكرا لذلك. ثانيهما: أن يكون النزاع في احتمال ثبوت شخص الحكم للماء القليل بإلغاء قيد الكرية، بدعوى أنه قيد جئ به في الكلام لبعض الجهات الاخر من التوطئة وغيرها، أو لأجل كونه في كلام السائل، أو لكثرة الابتلاء به، أو لأنه قيد ندبي، وكل ذلك مرمي بالاصول العقلائية، ولا يذهب إلى خلافه أحد. هذا مع أن النزاع الثاني لو كان يذهب إلى طرفه الآخر شخص، ولكنه لا يضر بالنزاع الذي حرره المتأخرون، فيكون هناك نزاعان: نزاع في أن للقيد يثبت أصل المدخلية، أم لا. وعلى تقدير ثبوت المدخلية، تكون المدخلية على وجه العلية المنحصرة، أم لا. ويترتب على الأول تنجس القليل وعدمه، وعلى الثاني تنجس الجاري وعدمه. ولايجوز الاقتصار والاختصار على ما تنازع فيه المتقدمون، وصرف العمر فيما جعلوه محور كلامهم فقط، ولاسيما إذا كان قليل الجدوى، وبدوي النظر، وقد مر منا مرارا: أن للمتأخرين أن ينظروا فيما يصح أن يكون مصبا للنزاع، ويكون مفيدا في الفقه، سواء نازعوا فيه، أم لم ينازعوا، فضلا عما إذا تشاحوا فيما لا يرجع إلى محصل عند المتأخرين، فلاحظ وتدبر واغتنم. وبالجملة: تحصل من مجموع ما ذكرناه نقدا عليه (قدس سره) امور: الأول: لا بأس بأن يتنازع في الأمرين: النزاع في دخالة القيد في موضوع الحكم وعدمها، ويترتب عليه في المثال المزبور انفعال القليل وعدمه. والنزاع في أن القيد المذكور علة منحصرة، والموضوع المأخوذ في الدليل

[ 17 ]

تمام الموضوع، ولا موضوع آخر للحكم المذكور فيه بشخصه، ولا بسنخه، ويترتب عليه اشتراط الكرية في الماء الجاري، كما عن العلامة (رحمه الله) (1) وعدمه. الثاني: لا معنى للنزاع الأول بعد ذهاب الكل إلى أصل الدخالة، فرارا من اللغوية. وذهاب مثل ابن أبي عقيل إلى عدم انفعال الماء القليل (2)، ليس مستندا إلى إنكار ذلك المفهوم، بل مستند إلى الأدلة الخاصة. الثالث: ليس إثبات نجاسة القليل بعد الاعتراف بدخالة القيد، من ثمرات القول بالمفهوم، بل هو مقتضى الاعتراف المذكور عقلا، ضرورة انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد، فلابد وأن لا يتنجس القليل، فتأمل. الرابع: النسبة التي ادعاها (3) غير واضحة، وقد استظهر السيد المحقق الوالد (4) - مد ظله - من كلام السيد (رحمه الله) (5) خلاف ما نسبه إليه. إذا تبينت هذه الجهات، وعلمت أن البحث لابد وأن يكون حول القضايا الخاصة في الفصول المختلفة، لاختلاف القضايا حسب الأنظار في إفادة الانتفاء عند الانتفاء، واختلافها في الظهور والدلالة، فنقول: الكلام حول المسألة في المقام يتم في مباحث:


1 - منتهى المطلب 1: 6 / السطر 12. 2 - تقدم في الصفحة 14، الهامش 2. 3 - نهاية الاصول: 296 - 297. 4 - مناهج الوصول 2: 179، تهذيب الاصول 1: 426. 5 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 406. (*)

[ 19 ]

المبحث الأول في القضية الشرطية وأنها هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء، أم لا، أو تكون هي مختلفة، فمنها: ما يدل، ومنها: ما لا يدل، ويكون منشأ الاختلاف والتفصيل تارة: الوضع والدلالة الوضعية والمعاني الحرفية المستندة إلى أدوات الشروط، فيدل مثل " إن " مثلا، دون " إذ " و " إذا " واخرى: مقدمات الإطلاق، فإنه ربما لا تكون الجملة الشرطية مفيدة، لعدم الإطلاق لها واخرى تصير مفيدة في موضوع آخر، لكونها في مقام البيان مثلا ؟ وجوه، بل أقوال. وقبل الخوض في التقاريب الممكنة التي استند إليها في دلالة القضية على المفهوم، لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن الذي يتوقف عليه القول بالمفهوم أحد أمرين على سبيل منع الخلو: أحدهما: إثبات أن الموضوع المأخوذ في الدليل منحصرا موضوع للحكم، ولايكون شئ آخر موضوعا، ولا يقبل الشئ الآخر أن ينوب مناب جزء الموضوع وقيده، فيكون الموضوع في قولك: " إن جاء زيد فأكرمه " " زيدا الجائي " ولايكون عمرو الجائي ولا زيد المتلون بخصوصية اخرى موضوعا، فإنه إذا ثبت

[ 20 ]

ذلك يثبت المفهوم بالضرورة. ثانيهما: إثبات أن الخصوصية المذكورة في مثل القضية الشرطية والوضعية أو بعض آخر منها هي العلة التامة المنحصرة للحكم المذكور في القضية، وتصير النتيجة - حسب مذهب العدلية من اقتضاء الحكم علة ومصلحة وسببا - انتفاء سببية الامور الاخر لوجوب الإكرام، فيكون منتفيا بانتفاء الموضوع، أو بانتفاء تلك الخصوصية والعلة، ولا تنوب منابها علة أو علل اخرى ولو اجتمعت ألف مرة. وغير خفي: أن بذلك التقريب تظهر امور: أحدها: ما توهمه بعض المعاصرين، من أن المفهوم يدور مدار الحصر المستفاد من القضية المشترك فيها جميع القضايا، فإنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن مصب الحصر مختلف، فإن حصر الموضوع بالموضوعية أمر، وحصر العلة الخارجة عن الموضوع أمر آخر، كما هو الواضح. ثانيها: من الأعلام (رحمهم الله) من أرجع القضايا الشرطية إلى القضايا البتية، متخيلا بعض المناسبات، ومدعيا أنه مقتضى الفهم العرفي (1)، وقد تحرر منا في محله خلافه، والتفصيل في محله (2). والذي هو المقصود هنا: أن رجوع القضية الشرطية إلى البتية وعدمها، لا يورث سقوط النزاع في القضية الشرطية، بل من أرجعها إليها لابد وأن يدعي حصر الموضوع بعد الإرجاع، ولايجوز له استظهار العلية من القضية الشرطية، ثم إرجاعها إلى البتية، كما لا يخفى. ومن الغريب أنه (قدس سره) مع إصراره في الرجوع المذكور، استظهر من القضية


1 - فوائد الاصول 2: 179 و 482. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 91 - 92. (*)

[ 21 ]

الشرطية - بما لها من الخصوصيات - بعض مقاصده، وبعض الجهات اللازمة في ثبوت المفهوم لها، والأمر بعدما عرفت، سهل لا غبار عليه. ثم إن من ثمرات رجوع القضية الشرطية إلى البتية الحقيقية، إنكار المفهوم وإثباته، فإن من الممكن دعوى المفهوم للقضية الشرطية، بدعوى أن الشرط والجزاء، يورث العلية والانحصار بضم بعض المقدمات الاخر، وأما القضية الوضعية وأمثالها فلا تدل على المفهوم، ولذلك كان اشتمالها على المفهوم، أقرب عندهم من سائر القضايا. ثالثها: أن من القضايا ما ليست شرطية، ولكنها في حكمها، كقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) * (1) بناء على كون جملة * (تطهرهم) * جزاء فالجهة المبحوث عنها أعم منها، كما لا يخفى. وجوه في دلالة الجملة الشرطية على المفهوم إذا ظهرت هذه المقالة فليعلم: أن الوجوه التي يمكن أن يتمسك بها أو تمسكوا بها كثيرة، لا بأس بذكرها: الوجه الأول: دعوى الدلالة الوضعية لأدوات الشرط (2)، أو للهيئة الشرطية، من كلمة " إن " والشرط، و " الفاء " والجزاء (3)، أو دعوى دلالتها على العلة واللزوم بالوضع، وعلى الانحصار بالإطلاق (4) على الوجه الآتي إن شاء الله تعالى.


1 - التوبة (9): 103. 2 - معالم الدين: 80، هداية المسترشدين: 282 / السطر 5 - 6، مطارح الأنظار: 170 / السطر 35 - 36. 3 - الفصول الغروية: 147 / السطر 26. 4 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 481. (*)

[ 22 ]

ولايحتاج إفسادها وإبطالها إلى تجشم الاستدلال، وإقامة السلطان والبرهان، والرجوع إلى موارد الاستعمالات تعطي خلافه، ضرورة إمكان كون القضية الشرطية من القضية الاتفاقية، ومن القضية المشتملة على المتضايفين، ومعلولي علة ثالثة، ومن البرهان اللمي والإني، فيكون الشرط معلول الجزاء، وكل ذلك شاهد على عدم اقتضاء الأدوات لشئ مما ذكر مطلقا. وتوهم وضعها لإفادة العلية المنحصرة إلا مع القرينة، وفي القضايا المزبورة تكون القرينة موجودة، لا يرجع إلى محصل، ويكون مجرد تخيل كما لا يخفى. الوجه الثاني: دعوى انصراف أدوات الشرط وهيئة القضية إلى العلة المنحصرة. وتوهم امتناع الانصراف في المعاني الحرفية، لأنها جزئية (1)، في غير محله كما ترى. ولكن الشأن في أنها دعوى بلا بينة ولا برهان، بل يأباها القياس والسلطان حسبما عرفت من شهادة الوجدان فيما مر، فتدبر. وربما يتخيل الانصراف، لأجل الأكملية (2). وفيه: منع للصغرى والكبرى: أما الثانية فواضحة. وأما الاولى، فلأن انحصار العلة لا يوجب الأكملية واشتداد الربط، لأنه أمر خارج عن حد العلية كما ترى. الوجه الثالث: دعوى التفصيل بين الأدوات والقضايا، فما كانت مصدرة بمثل " إذ " و " إذا " وكل حرف من الحروف الشرطية المشتملة على التوقيت المسماة


1 - مطارح الأنظار: 170 / السطر 30 - 31. 2 - لاحظ مطارح الأنظار: 170 / السطر 25 - 26. (*)

[ 23 ]

ب‍ " الشرطية الموقتة " فهي لا تفيد، ضرورة أن موارد استعمالاتها تأبى عن ذلك، ولأجله ترى استعمالها في القضايا الاتفاقية، فلا يقال: " إن كان الإنسان كذا فكذا " بل المثال المعروف هو " أنه إذا كان الإنسان كذا فكذا ". وهكذا في الموارد الاخر، مثل ما في الأخبار " إذا قصرت أفطرت " وبالعكس (1)، و " إذا صلحت النافلة تمت الفريضة " (2) وهكذا مما لا يكون الشرط علة الجزاء. وبالجملة: هذه الأدوات لا تفيد التعليق والاشتراط، بل هي - حسب أخذ التوقيت في معانيها - تفيد أن الحكم المذكور يكون في وقت المجئ، وتكون الجملة الاولى وهي قوله: " إذا جاء " لإفادة وقت الإكرام، لا تعليق وجوب الإكرام على المجئ. وبعبارة اخرى: الحكم في القضايا الشرطية الموقتة مفروض الموضوع، وأن الموضوع يتحقق فيما بعد، وأن زيدا يجئ، فيكون وجوب الإكرام قطعيا، ولكن ظرف الإكرام وقت المجئ من غير تعليق. وإن شئت قلت: أداة الشرط مختلفة، فمثل " لو " تفيد التعليق، ولكنه تعليق فرضي، ويمتنع تحقق التالي، أو هي لإفادة الامتناع الذاتي، أو الغيري، أو الادعائي. ومثل " إذ " وأمثالها لا تفيد التعليق، بل تكون بيانا لموضوع الحكم، وأن ظرف ذلك الإكرام وقت المجئ وإن كان الموضوع بحسب اللب مقيدا، ولكن بحسب الظاهر لا يفيد تعليق الحكم على القيد، لما فرض موجوديته.


1 - تهذيب الأحكام 3: 220، وسائل الشيعة 8: 503، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 15، الحديث 17. 2 - وسائل الشيعة 4: 82، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 21، الحديث 4. (*)

[ 24 ]

ومن ذلك القبيل قولهم (عليهم السلام): " إذا كان الماء قدر كر... " (1) فإنه ليس في موقف أن عدم التنجيس معلق على الكرية، وكأنه يرجع القضية إلى اللقب، وهو " أن الكر لا ينجسه شئ " ومنه قوله تعالى: * (إذا جاء نصر الله...) * (2). ومثل " إن " وأخواتها موضوعة حسبما في الكتب النحوية، لظرف الشك في تحقق الجملة الاولى، وأنه يكون المتكلم في الطائفة الاولى عالما بعدم وقوع الشرط، وفي الطائفة الثانية عالما بتحقق الشرط، وأما في الأخيرة فهو شاك، فيعلق الحكم على الشرط (3)، والمستفاد من التعليق هو الانتفاء عند الانتفاء. أقول: للنظر في هذه المقالة مجال واسع، وقد كنا في سالف الزمان مصرين على اختلاف أدوات الشرط بحسب لوازم معناها، وليس كلها على نهج واحد، كما يظهر من أهل الأدب، ويترتب عليه بعض المسائل الفقهية: ومنها: أن قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة...) * (4) ليس في مقام إفادة اشتراط الوجوب، بل هو في موقف إفادة أن صلاة الجمعة المفروض تحققها خارجا، يكون وقت الإقامة وقت النداء، وليس معناه أنه إذا لم يكن نداء فلا وجوب، كما توهمه جماعة، والتفصيل في محله، ومن شاء حقيقة الأمر فليراجع تفسيرنا (5) عند قوله قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم لا تفسدوا...) * (6).


1 - الكافي 3: 2 / 2، وسائل الشيعة 1: 117، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 2 - النصر (110): 1. 3 - شرح الكافية 2: 108 - 109. 4 - الجمعة (62): 9. 5 - تفسير القرآن الكريم، المؤلف (قدس سره) (البقرة: 11، اللغة والصرف ومسائلها). 6 - البقرة (2): 11. (*)

[ 25 ]

ولكن الشأن هنا، أن قضية التقريب المزبور ليست المفهوم والانتفاء عند الانتفاء، لعدم استفادة حصر المعلق عليه بما هو المذكور في القضية. نعم، يترتب عليها أن الشرط والقيد المأخوذ في الجملة الاولى، دخيل في ترتب الحكم وتحقق الوجوب، وليس من قبيل الاتفاقيات وما يشبهها مما مر (1). وسيأتي أن أصل الدخالة كما يمكن استفادته من الأداة، يمكن استفادته من الأمر الآخر، وهو كون الجزاء حكما وقضية إنشائية، والشرط على هذا يكون موضوعا وعلة، وتكون العلة المزبورة والقيد المذكور بالنسبة إلى الحكم وترتبه دخيلا ومتقدما، ولا يعقل أن يكون مفاد الجزاء علة لمفاد الشرط، لعدم إمكان كون الحكم علة موضوعه مثلا. وبعبارة اخرى: لا تكون القضية التي جزاؤها حكم إنشائي لا إخباري متشكلا من الاتفاقيات أو المتلازمين أو المتضايفين، بخلاف ما إذا كان الجزاء إخباريا، فإنه قابل لأن يتحقق ويتشكل من جميع المذكورات، فلاحظ وتدبر جيدا. الوجه الرابع: دعوى استفادة حصر الموضوع أو حصر العلية من إطلاق أداة الشرط أو إطلاق هيئة القضية، قياسا بما مر في بحوث الأوامر: من أن المنسبق من إطلاقها هو الواجب العيني النفسي التعييني، من دون اقتضاء وضع إياه (2). وما في " الكفاية " (3) وغيره (4): " من أن مقدمات الإطلاق لا تتم بالنسبة إليهما، لكونهما من المعاني الحرفية، لأن الإطلاق فرع إمكان التقييد " خال من التحصيل


1 - تقدم في الصفحة 22. 2 - كفاية الاصول: 232. 3 - كفاية الاصول: 232 - 233. 4 - نهاية النهاية 1: 257، ولاحظ نهاية الدراية 2: 415. (*)

[ 26 ]

من جهات محررة في المسائل مرارا. فمنها: أن الإطلاق المستند في الأوامر والمقصود هنا، ليس الإطلاق المصطلح عليه في أبواب المطلق والمقيد، وقد مر منا تفصيله (1). وإجماله: أن المراد من " الإطلاق " هنا هو الإلقاء والاستناد إلى القرينة العدمية العامة لتعيين أحد القسمين وهو الوجوب النفسي... إلى آخره، لأن الجامع غير مقصود بالضرورة، بخلاف الإطلاق المصطلح عليه في محله، فإن مصبه الجامع بين الأقسام، وثمرته رفض الأقسام، لاتعيين أحد الأقسام. ومنها: أن إمكان التقييد ليس من شرائط صحة التمسك بالإطلاق، وقد مر تفصيله في بحوث التعبدي والتوصلي (2). ومنها: أن المعاني الحرفية قابلة للتقيد الحالي، دون الذاتي الصنعي، كما يقيد الأعلام الشخصية وسائر الجزئيات الخارجية، وقد مر تفصيله في تلك البحوث (3)، وفي مسألة رجوع القيد إلى الهيئة في الواجب المشروط والمطلق (4). ومنها: أن الحاجة إلى مقدمات الحكمة هنا ممنوعة، كما في الأوامر والنواهي، فاغتنم. وبالجملة: ما هو الحجر الأساس، أن الخلط بين الإطلاقين في مباحث الأمر والمطلق والمقيد، يوجب الانحرافات الكثيرة كما ترى. وعلى هذا، يتم الاستدلال المزبور، فإن المستدل يريد من " الإطلاق " ذلك، فما في " تهذيب " الوالد - مد ظله - (5) أيضا لا يخلو من التأسف، مع توجهه إلى بعض


1 - تقدم في الجزء الثاني: 189 - 190. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 148 - 152. 3 - تقدم في الجزء الأول 98 - 108. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 57. 5 - تهذيب الاصول 1: 428 - 429. (*)

[ 27 ]

هذه المذكورات. ولكن الشأن، أن الكلام في المقيس عليه تام، بشهادة العرف والوجدان. وأما في المقيس فلا، لعدم وجود القرينة العامة العدمية على أن الشرط علة منحصرة للجزاء، كما هو الظاهر الواضح. والخامس: أن استفادة المفهوم فرع إثبات امور، لو أمكن المناقشة في بعض منها يختل المقصود: أحدها: إثبات أن القيد المأخوذ في المقدم، يكون دخيلا في موضوع الحكم، أو في ثبوت الحكم على موضوعه، والمتكفل لذلك أولا: حكم العقلاء بأن الأصل في القيود أنها احترازية، ولا تكون لغوا، وتكون دخيلة. وثانيا: أن كون التالي قضية إنشائية وحكما شرعيا، يوجب كون القيد المزبور، ظاهرا في دخالته في موضوع الحكم المذكور في التالي، إن رجعت الشرطية إلى البتية، أو في علة ثبوت الحكم على موضوعه المزبور في المقدم، وإلا فربما لا يكون بين المقدم والتالي دخالة موضوعية، أو علية في القضايا الإخبارية، فبما أن القضية الشرطية شرعية متكفلة للحكم الإلهي، تكون ظاهرة في أن القيد المأخوذ في المقدم دخيل على الوجهين المزبورين. ثانيها: إثبات أن الارتباط الموجود بين المقدم والتالي، يكون من قبيل الارتباط بين العلة التامة والمعلول، فلو كان الربط من قبيل الارتباط الإعدادي، فلا يثبت المقصود والمدعى بالضرورة. والمتكفل لذلك - أي لإثبات عدم الشريك، وأن الربط يكون على وجه العلية التامة، ولو كان على وجه الارتباط الناقص والإعدادي، لكان يحتمل وجود الشريك المعانق معه في حصول المعلول، وبالجملة المتكفل له - هو الإطلاق بعد كون المتكلم في مقام البيان أولا. وثانيا: كون الحكم الإنشائي مفاد التالي يوجب أن يكون الربط تاما، وإلا

[ 28 ]

يلزم ما في حكم اللغوية، لأن أخذ القيد الناقص وإهمال تمام القيود، يرجع إلى كون القيد المزبور أيضا لغوا في محيط العقلاء الحاكمين بأن القيد المزبور دخيل في الحكم. وتوهم عدم جواز التمسك بإطلاق الشرط لرفع الشريك، بدعوى أن سببية الشرط سببية عرفية، وهي غير قابلة للجعل، وما هو قابل للجعل يمكن التمسك بإطلاقه، كما نسب إلى بعض مقاربي العصر (1)، فاسد جدا، لما عرفت من صحة التمسك بالإطلاق الأحوالي، مع أن موضوعه الأشخاص (2)، ومن صحة التمسك بإطلاق الموضوع، مع أن كثيرا من الموضوعات عرفيات غير مجعولة، والتفصيل في محله (3). وبناء على هذا، يثبت حسب هذه المقدمات إلى هنا، أن المقدم والتالي ليسا من المتلازمين في المعلولية لثالث، ولا من المتضايفين. ومجرد إمكان تشكيل القضية الشرطية منهما، لا ينافي كون الأصل العقلائي - فيما إذا كان التالي حكما شرعيا إنشائيا أو حكما عرفيا وقانونيا - على أن الربط بينهما يكون على نحو العلية والمعلولية، ويكون المقدم علة، والتالي معلولا. وعلى هذا، يثبت ثالث الامور التي يجب إثباتها حتى يثبت المفهوم: وهو كون المقدم علة دون التالي. وبالجملة: لابد أولا من إثبات أصل علقة الربط، وثانيا: أن الربط هو الربط العلي، وثالثا: أن المقدم هي العلة التامة، أو هو تمام الموضوع، ولا شريك له في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 481. 2 - يأتي في الصفحة 456 - 458. 3 - يأتي في الصفحة 420 و 434 - 435. (*)

[ 29 ]

الثبوت عند الثبوت. وإن شئت قلت: لابد أولا، من إثبات أصل علقة الربط مقابل القضايا الاتفاقية. وثانيا: إثبات أن الربط الموجود ربط علي مقابل الارتباط الثابت بين المتضايفين، ومعلولي علة ثالثة. وثالثا: إثبات أن المقدم علة ولو كانت ناقصة، مقابل ما إذا كان التالي علة ناقصة. ورابعا: إثبات أن المقدم علة تامة مقابل عكسها. وقد استفدنا كل هذه الامور الأربعة من الخصوصيات، والعمدة حكم العقلاء فيما إذا كان التالي حكما إنشائيا. وأما التمسك بالظهور السياقي، وأن ما هو المقدم بالطبع هو المقدم في الوضع (1)، فلا يخلو من التأسف. وهذا نظير التمسك ب‍ " الفاء " التي هي للترتب (2)، فإن الترتب كما يكون في القضية اللزومية، يكون في القضية الاتفاقية المشتملة على المقدم والتالي، ونظير التمسك بأن جزم الجملة الثانية بالجملة الاولى، حسب القواعد النحوية، فكل ذلك في غير محله. وما هو السبب هو اشتمال القضية على الحكم الإنشائي في التالي، ضرورة امتناع كون الحكم علة لشئ، وضرورة حكم قاطبة العقلاء بأن المقدم وما هو تمام الموضوع لذلك الحكم أو القيد المذكور في المقدم، علة تامة لثبوت الحكم على موضوعه.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 480 - 481. 2 - حقائق الاصول 1: 449. (*)

[ 30 ]

فإلى هنا قد فرغنا من عهدة المبادئ التي يتوقف إثبات المفهوم عليها، ولا وجه لإنكارها، بل في إنكارها نوع مكابرة للعقل والوجدان. والذي هو المهم في المسألة، وعليه يدور اختلاف تقاريب القوم في المقام، رابعها، أي رابع تلك الامور في وجه، أو خامس هذه المبادئ في وجه آخر، وهو إثبات كون المقدم علة تامة منحصرة، وإثبات حصر الموضوع بالمذكور في المقدم. ومن هنا يظهر: أن الوجوه التي تمسكوا بها ليست مختلفة في تلك المبادئ، ولا يليق الخلاف فيها، وإنما الخلاف في إثبات المبدأ الأخير والأمر الآخر، وهو الحصر، فلا وجه لما يستفاد من ظاهر القوم من اختلاف الأعلام في كيفية استفادة العلية المنحصرة من القضية الشرطية، بل هم مختلفون في جهة واحدة، وهي حصر المقدم في العلية، بعد اعتراف الكل بأصل العلية، والأمر سهل. إن قلت: لا حاجة إلى إثبات علية المقدم للتالي في استفادة المفهوم، ضرورة إمكان ذلك مع كونهما معلولي علة ثالثة منحصرة، وذلك لأن التالي والمقدم إذا كانا معلولي ثالث، وكان الثالث علة وحيدة لهما، يلزم من انتفاء المقدم انتفاء تلك العلة، ومن انتفاء العلة انتفاء التالي، ويثبت بذلك الانتفاء عند الانتفاء، لما لا يعقل أن يكون التالي ثابتا بعلة اخرى، لأنه لا علة له إلا ما هو علة المقدم. مثلا: إذا نظرنا إلى قولك: " إذا قصرت أفطرت " يمكن استفادة المفهوم من هذه القضية مع كون القصر والإفطار معلولي السفر، فلو كان علة القصر والإفطار منحصرة بالسفر، يلزم من انتفاء القصر انتفاء السفر، ومن انتفاء السفر انتفاء الإفطار بالضرورة، حسب قانون العلية فيكون حكم الإفطار وعدمه دائرا مدار حكم السفر بالواسطة. نعم، إذا كان للإفطار علة اخرى لا يمكن الحكم بالانتفاء عند الانتفاء،

[ 31 ]

لإمكان ثبوت الإفطار وإن كان القصر منتفيا. قلت: نعم، إلا أن إثبات هذا الحصر في غاية الصعوبة، بل لا طريق لنا إليه، وغاية ما يمكن تقريبه - كما يأتي - إثبات حصر العلة المذكورة. هذا أولا. وثانيا: إن القضية الشرطية إذا كانت مشتملة على الحكم في المقدم والتالي، يمكن أن يكون المقدم والتالي معلولي علة ثالثة، بمساعدة العرف والعقلاء، وأما إذا كان المقدم من الامور التكوينية، فما هو المقطوع به عندهم هو أن التالي - الذي هو حكم معلول المقدم - بمعنى أن المقدم سبب جعل التالي، لا بمعنى الإفاضة والخلق، ضرورة أن التالي من معاليل المقنن والمشرع بعلية المقدم وسببيته، أو باقتضائه وسنخيته، كما لا يخفى. الوجوه المستدل بها على العلية المنحصرة إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المتكفل لإثبات الجزء الأخير والأمر الآخر - وهو حصر العلة - بعض تقاريب تصدى لها الأعلام (رحمهم الله) والكل لا يخلو من الإشكال والإعضال: الوجه الأول: ولعله أقواها، هو أن مقتضى الترتب العلي أن يكون المقدم بعنوانه الخاص علة، ولو لم تكن العلة منحصرة لزم استناد التالي إلى الجامع بينهما، وهو خلاف ظاهر الترتب على المقدم بعنوانه. وبعبارة اخرى: التعليق على المجئ ظاهر في كون المجئ بما هو مجئ بخصوصه علة، لا بما أنه مصداق للجامع بينه وبين أمر آخر، ولازمه الانحصار (1)،


1 - الفصول الغروية: 147 - 148. (*)

[ 32 ]

انتهى ملخص ما عن " الفصول ". أقول: هذا ما قرره السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) وقد ذكر أنه عرضه على شيخه (قدس سره) وأجاب (رحمه الله): " بأن عدم صدور الواحد عن الاثنين، وكون العلة بحسب الحقيقة عبارة عن الجامع، أمر تقتضيه الدقة العقلية، دون الأنظار العرفية، والمرجع هو العرف " (1). وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن المدعي يستظهر من ظاهر الاستناد أن ما هو العلة هو المجئ، ولو كان العلة جامع المجئ والخصوصية الاخرى لكان ينبغي أن يستند إلى تلك الخصوصية الجامعة، ولكان ينبغي أن يذكر تلك الخصوصية، دون ما لا خصوصية له بعنوانه. ومن هنا يظهر: أن المسألة ليست حول قاعدة صدور الكثير من الواحد، حتى يقال: بأن مصب القاعدة هي البسائط الحقيقية، والوحدات الشخصية الذاتية المساوقة للوجود، فما في " تهذيب الاصول " للوالد المحقق - مد ظله - (2) أيضا خروج عن جهة الاستدلال وإن كان استند إليها السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (3) إلا أنه استناد إلى ما لا حاجة إليه. ولأجل ذلك لم يستند " الفصول " ولا العلامة المحشي (قدس سره) (4) إلى تلك القاعدة، وقد ذكرنا العبارة الاولى التي له، فراجع. ومن الغريب ما أفاده الوالد - مد ظله - أيضا: " من أن القضية الشرطية يمكن أن تتشكل من مطلق المتلازمين، فالعلية والمعلولية مما لا أصل لهما في


1 - نهاية الاصول: 299 - 300. 2 - تهذيب الاصول 1: 430. 3 - نهاية الاصول: 299. 4 - نهاية الدراية 2: 416. (*)

[ 33 ]

المقام " (1) ! ! انتهى. ضرورة أن مقتضى ما مر منا في القضايا الشرطية الشرعية - أي التي يكون التالي حكما إنشائيا جعليا - هو أن المقدم علة بحكم العقلاء، وأن المراد من " السبب " - كما أشرنا إليه أيضا - و " العلية " ليست العلية المصطلح عليها، ولا حاجة إليها في استفادة المفهوم، وما هو المحتاج إليه هو أن المقدم تمام السبب لإرادة المولى وإيجاب الإكرام، وأنه هو السبب الوحيد لترشح تلك الإرادة، حتى يكون لازمه الانتفاء عند الانتفاء، فلا وجه لتوهم العلية المولدة، ولا العلية المفيضة في المقام، ولا هي دخيلة فيما هو المهم لي من المرام. وأيضا يظهر على ما قربناه، أن الدعوى هي استفادة العرف من جعل المجئ في المقدم، أن خصوصية المجئ توجب الإكرام، دون الأمر الآخر، وإلا كان عليه ذكرها، ولو كانت الخصوصية الاخرى دخيلة وموجبة، لكان في ذكر هذه الخصوصية إخلالا بما هو الدخيل في الحكم، فمن عدم ذكر خصوصية اخرى يستفاد عدم الشريك، ومن اختيار خصوصية المجئ يستفاد عدم البديل، والأول نتيجة الاستناد إليه في جعل الإيجاب. فلا يتوجه إلى هذا التقريب الإشكالات المذكورة في " تهذيب الاصول " (2) وغيره (3): ومنها: أن الحكم المجعول في التالي مستند إلى هذه الخصوصية، وما يستند إلى خصوصية اخرى هو الحكم الآخر، فلا وجه لتوهم أن الواحد يصدر من


1 - تهذيب الاصول 1: 430. 2 - تهذيب الاصول 1: 430. 3 - لاحظ نهاية الاصول: 300، غرر العوائد من درر الفوائد: 76. (*)

[ 34 ]

الاثنين، بل الاثنان يصدران من الخصوصيتين. وقد علمت: أن الاستناد إلى القاعدة المزبورة كان في غير محله، ولا حاجة إليها، وما هو المستند إليه هو التقريب العرفي غير المندفع بما أفادوه، فإذا كانت الكرية من أسباب عدم الانفعال والمطرية والجريان والميعان، كان ينبغي أن يذكر الجهة الجامعة لعدم الانفعال، فمن الإخلال بذكرها يظهر أن الجهة الوحيدة هي الكرية. أقول: والذي هو الدفع الوحيد عن التقريب المزبور، أن التمسك المزبور والاحتجاج المذكور، يتم إذا كانت الجهة الجامعة الممكن أخذها في مقدم القضية الشرطية ممكنة، وكانت من الجوامع القريبة غير المخلة بالغرض، وكانت معلومة المفهوم حسب الأفهام العرفية، وهذا مما يقل اتفاقه، وعندئذ لا يصح الاحتجاج والتمسك بفعل المولى وأخذه خصوصية المجئ والكرية: بأن هذه الخصوصية هي الجهة الوحيدة. وبالجملة: نتيجته أخذ الخصوصية دون الجامع، مع إمكانه ظهور القضية في أن السبب الوحيد للحكم في التالي، هي الخصوصية المذكورة في المقدم، وتصير النتيجة نفي سببية المطر والجريان لعدم الانفعال، أو نفي موضوعيتهما له. ولكن الشأن إحراز إمكان أخذ الجامع القريب، وهذا مما لا سبيل إليه إلا أحيانا، فافهم وتدبر جيدا. وبعبارة اخرى: يتم الاستدلال المزبور من غير الحاجة إلى التمسك بالقاعدة المزبورة إذا كان العرف ينتقل إلى الجهة الجامعة، وإلا فلا يمكن التتميم إلا بها كما لا يخفى. وفي الاستدلال بناء عليه أنظار اشير إليها، وأهمها ما ذكرناه: من أن مع

[ 35 ]

فرض صحة القاعدة صغرى وكبرى، لا يكون ما نحن فيه من صدور الكثير من الواحد، بل هنا صدور كثير من الكثير، ضرورة أن الاعتصام المجعول عقيب الكر، غير الاعتصام المجعول عقيب الجاري والمطر، فلايتوحد الحكم المجعول حتى يلزم توحد الجهة المقتضية. مع أن المجعول في التالي - كما عرفت - يستند إلى جاعله ومنشئه، لأنه حكم إنشائي، والمقدم في حكم العلة، وليست العلية على نعت الحقيقة في المقام، كما لا يخفى. الوجه الثاني: أن قضية مقدمات الحكمة الجارية في الجزاء والتالي، هو ارتباط الجزاء بالشرط، وإناطته به بالخصوص، ومعناه دوران الجزاء مداره وجودا وعدما، حيث إنه قيد الجزاء بذلك الشرط، ولم يقيد بشئ آخر، لا على نحو الاشتراك، ولا على نحو الاستقلال، وهذا هو المقصود من المفهوم في القضية، انتهى ملخص ما أردنا نقله عن تقريرات العلامة الكاظمي (قدس سره) (1). وبعبارة اخرى: قضية مقدمات الإطلاق نفي كلمة " واو " العاطفة الدالة على الشركة، ونفي كلمة " أو " الدالة على الاستقلال والنيابة والبدلية، فإذا انتفى وجودهما يثبت الانحصار طبعا، فيثبت المفهوم قطعا. أقول: يتوجه إليه نقضا: أن المقدمات المزبورة تجري في اللقب أيضا كما لا يخفى بتقريب أن قوله " أكرم زيدا " كما يفيد إطلاقه عدم شركة عمرو في لزوم إكرام زيد، لابد وأن يفيد إطلاقه عدم وجوب إكرام عمرو أيضا، لأنه لو كان يجب إكرام عمرو لكان عليه أن يقول: " أكرم زيدا، وأكرم عمرا " وحيث اقتصر على الأول فينتفي الحكم بالنسبة إلى الثاني. وحلا: بأن من ترك البديل لا يلزم الإخلال بالغرض والمقصود، ضرورة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 482 - 483. (*)

[ 36 ]

إمكان كون المجئ تمام الموضوع، أو علة لوجوب الإكرام، فإذا تحقق المجئ يجب الإكرام، وتكون هناك خصوصية اخرى موجبة لإيجاب الإكرام، من غير أن يلزم عقلا بيان تلك الخصوصية، فمقدمات الحكمة لا تفيد إلا ما ينافي الحكمة والمصلحة والغرض، وأما الزائد عليها فهو محتاج إلى التقريب الآخر. الوجه الثالث: ومن هنا يظهر الخلل في الوجه الثالث، وهو التمسك بمقدماتها لإطلاق الشرط ونفي الشريك والبديل (1). هذا مع أن الإتيان بكلمة " أو " يورث التخيير، مع أن المقصود هنا ليس نفي التخيير. وبعبارة اخرى: المقصود من إثبات المفهوم نفي سنخ الحكم، ومن إنكار المفهوم إثبات جواز تعدد الحكم فيما يمكن تعدده، فيجب إكرام زيد - لأجل الخصوصيات الكثيرة - بوجوبات متعددة وإكرامات كثيرة. مع أن في الإتيان بكلمة " أو " في المقدم، لا يثبت إلا إناطة الجزاء بالشرط على سبيل التخيير، وهذا من الشواهد القطعية على أن مقدمات الحكمة، لا تفيد نفي البديل والخصوصية الاخرى النائبة عن الخصوصية المذكورة، أو المستقلة في اقتضائها للوجوب الآخر وراء الوجوب المزبور في القضية. وبالجملة: تحصل لحد الآن، أن من شأن الإطلاق ليس نفي موضوعية الموضوع الآخر لسنخ الحكم المذكور في القضية، ولا نفي علية العلة الاخرى غير المزبورة فيها بالنسبة إلى سنخ ذلك الحكم بالضرورة. الوجه الرابع: قضية إطلاق الشرط أنه يؤثر في الجزاء، سواء سبقه الآخر، أو قارنه، وهذا هو المنتهي إلى المفهوم، ضرورة أن مع سبق الخصوصية الاخرى المؤثرة يلزم الإخلال بالإطلاق، كما لا يخفى (2).


1 - نهاية الأفكار 2: 482. 2 - لاحظ كفاية الاصول: 233. (*)

[ 37 ]

وبعبارة اخرى: قضية قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (1) أن الكرية مستتبعة للاعتصام، سواء قارنها الجريان، أو سبقها، ومعنى ذلك نفي دخالة الخصوصية الاخرى في الاعتصام. أقول أولا: إنه لايتم التقريب المزبور في صورة إمكان تعدد الجزاء وتكرره، كما في إكرام زيد، فعلى هذا لا مانع من كون الخصوصية المذكورة في القضية مستتبعة للحكم، ولو كانت مسبوقة بالاخرى فيتعدد الحكم، وتندرج المسألة في باب التداخل الآتي تفصيله (2). وثانيا: لا يكون نفي دخالة الخصوصية الاخرى واقتضائها سنخ الحكم المذكور في القضية، من شؤون مقدمات الحكمة كما عرفت، لما لا يلزم من الإخلال المزبور إخلال بالمقصود بالضرورة. وبالجملة: ما هو لازم على المولى بيانه، هي الامور الراجعة إلى قيود شخص الحكم المذكور في القضية، وأما نفي سنخ الحكم عن سائر الموضوعات، فهو خارج عن شأن المقدمات الجارية في القضية المذكورة. وأما دعوى ظهور القضية في أن الاعتصام مستند دائما إلى الكرية، فهو يرجع إلى الوجه الأول الذي فرغنا منه. الوجه الخامس: عن العلامة الأراكي (قدس سره): أن تعليق ثبوت المفهوم في القضية الشرطية على كون الشرط علة منحصرة، وانتفائه على عدم كونه كذلك، مستدرك، للاتفاق على كون الشرط علة منحصرة بالنسبة إلى شخص الحكم المعلق عليه،


1 - الكافي 3: 2 / 2، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 2 - يأتي في الصفحة 74 - 75. (*)

[ 38 ]

وعلى هذا تلزم لغوية النزاع في انحصار علية الشرط وعدمه. وإنما المفيد في ثبوت المفهوم وعدمه، البحث عن كون الجزاء المعلق على الشرط - وهو وجوب إكرام زيد - هل هو طبيعي الحكم، أو حصة منه ؟ فعلى الأول يثبت المفهوم، وعلى الثاني لا. وعلى هذا نقول: إن الحكم التكليفي إما ينشأ بمادته كالوجوب والتحريم، أو ينشأ بهيئته، وعلى كل تقدير يكون المنشأ عندنا كلي الحكم وطبيعي الوجوب والتحريم، وعلى هذا يمكن إحراز إطلاقه في كل منهما بمقدمات الحكمة، وإذا احرز إطلاق الحكم ثبت أن المعلق على الشرط هو طبيعي الوجوب المطلق، فيثبت هذا الطبيعي بثبوت الشرط، وينتفي بانتفائه، ولا حقيقة للمفهوم الذي هو محل الكلام إلا ذلك. ثم استشكل عليه في مفهوم اللقب، فشرع في جوابه بما لا يرجع إلى محصل. وبالجملة: ما يمكن أن يكون مورد نظره هو أن الحكم المجعول في التالي إن كان مصداقا من الحكم، فلا يمكن إثبات هذا المصداق وإنشاؤه عقيب الخصوصية الاخرى، حتى يمكن نفيه بالإطلاق أو بالمفهوم. وإن كان المجعول حكما كليا يمكن أن يكون له المصداق الآخر عقيب الخصوصية الاخرى - وهي ضيافة زيد وراء مجيئه - فعندئذ يمكن نفيه بالمفهوم، فالمفهوم يدور مدار ذلك، وحيث إن المجعول هو الطبيعي، فيثبت المفهوم. ووجه كونه طبيعيا وكليا، أن طبع القضايا على أن ترتب الحكم يكون على وجه الإهمال، ومعلوم أنها في قوة الجزئية لا إطلاق لها حتى يشمل جميع وجودات طبيعة الحكم، حتى ينتفي الجميع بانتفاء الشرط. نعم، لو كانت في البين جهة زائدة على ربط الحكم بموضوعه - كما في القضية الشرطية - أمكن دعوى الإطلاق فيها، ويثبت حينئذ المفهوم في مثلها وفي

[ 39 ]

الغاية وأداة الحصر، دون اللقب، ومثله الوصف (1)، انتهى ملخص ما افيد. أقول: لو سلمنا جميع ما أفاده (قدس سره) وسلمنا أن المفهوم يمكن دعواه بناء على كون المنشأ في التالي هو طبيعي الحكم، لكان اللازم بعد ذلك التمسك بإطلاق الجزاء، وقد مر أن شأن مقدمات الحكمة ليس إلا إثبات كون مصب الحكم تمام الموضوع، وأما نفي موضوعية غيره لسنخ الحكم فهو خارج عن عهدة تلك المقدمات، كما عرفت بما لا مزيد عليه. هذا مع أن في كلماته مواضع كثيرة من المناقشة. ومن العجيب أنه نسب إليه: أن مناط المفهوم لو كان العلية المنحصرة، لكانت القضايا كلها - حتى اللقبية - ذات مفهوم، وذلك لأن الظاهر من كل قضية أن ما اخذ موضوعا فيها أنه تمام الموضوع، وأن هذا الحكم المذكور فيها لا موضوع له إلا ذلك (2) ! ! وأنت خبير بما فيه من الضعف، ولو أراد إثبات أن قضية مقدمات الحكمة هو أن الموضوع المذكور تمام الموضوع، والحكم المذكور فيها شخصي لا موضوع له، فهو صحيح، إلا أنه لا يثبت به المفهوم، وما يثبت به المفهوم نفي موضوعية سائر الموضوعات الاخر لسنخ الحكم ولمماثله من الوجوب أو التحريم. تذنيب: حول ثبوت المفهوم لبعض القضايا الشرطية ربما يخطر بالبال أن يقال: إن القضية الشرطية إذا كانت ظاهرة في القضية الحقيقية التعليقية، وكان الحكم المذكور في التالي غير قابل للتكرار بالطبع، فالمفهوم ثابت، وإلا فلا.


1 - نهاية الأفكار 2: 478 - 480. 2 - منتهى الاصول 1: 425. (*)

[ 40 ]

مثلا: قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " إذا كان ظاهرا حسب الإطلاق في أن كلما تحققت الكرية في الخارج يثبت للماء الاعتصام، فمعنى ذلك أن الجريان السابق على الكرية لا ينفع، ولا يوجب الاعتصام، لأن الكرية المتأخرة تستتبع الاعتصام، ولا يمكن أن يتعدد الاعتصام بتعدد الأسباب والخصوصيات، فيثبت نفي الاعتصام عند خصوصية الجريان وغيره، ولا نعني من المفهوم إلا ذلك كما لا يخفى. وأما القضايا الشرطية التي لا يكون المقدم منحلا إلى القضية الحقيقية، أو يكون الحكم في التالي قابلا للتكرار بحسب الطبع، فلا يثبت فيها المفهوم. مثلا: في قولهم " إن استطعت فحج " إذا لم يكن المستفاد منه قضية حقيقية وهو قولك: " كلما تحققت الاستطاعة يجب الحج " ضرورة أن الحج لا يجب إلا بأول وجودها، فإنه حينئذ لا يمكن نفي ثبوت الحج بسبب آخر غير الاستطاعة، كالنذر حال التسكع. وهكذا في المثال المعروف " إن جاءك زيد فأكرمه " فإن المستفاد من المقدم ولو كان قضية حقيقية، ولكن لمكان إمكان تعدد الحكم بالخصوصيات المتعددة، لا يمكن إثبات المفهوم بنفي الحكم عند تلك الخصوصيات، ضرورة أن القضية الحقيقية هنا باقية على حالها، ومستتبعة للحكم دائما، من غير تناف مع استتباع الخصوصية الاخرى لمماثل الحكم المذكور. فقوله: " كلما تحقق المجئ يتحقق وجوب الإكرام " باق على حاله، سواء سبقت الخصوصية الاخرى، أو لم تسبق، لأن مع سبق الخصوصية الاخرى يلزم وجوب الإكرام الآخر ووجوب ثان، ومن لحوق المجئ يلزم الوجوب الآخر غير ذلك الوجوب شخصا، كما لا يخفى.

[ 41 ]

فتحصل لحد الآن: أن القضايا الشرطية الشرعية على أقسام ثلاثة، لا يبعد ثبوت المفهوم للطائفة الاولى، دون الطائفتين الأخيرتين، وإنما الشأن في استفادة تلك القضية عرفا من الشرطية، وهذا يمكن في صورة ثبوت الإطلاق الأفرادي والأزماني، كما في قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " فتدبر تعرف. ذنابة: حول الاستدلال على المفهوم بالقضايا المستعملة في الوصايا ربما يستدل على المفهوم بالقضايا المستعملة في الوصايا والأوقاف، فلو كانت القضية الموصى بها شرطية أو وصفية، فقال الموصي: " منافع هذا البستان لأولادي إن كانوا فقراء " أو " لعدول أولادي " فادعى الغني منهم سهما، أو الفاسق منهم حصة، فيستدل عليه بالمفهوم، وأن الموصي قال: " هو لأولادي إن كانوا فقراء " ومعناه أنهم إن لم يكونوا فقراء فلا شئ منها لهم "، فيعلم من ذلك - باقتضاء العرف والوجدان - ثبوت المفهوم (1). والإشكال على الاستدلال: بأن وجه عدم استحقاق الغني والفاسق منهم، خروجهم عن محط الوقف سواء ثبت المفهوم، أم لا، في غير محله، لأن نظر المستدل إلى أنه استدلال عرفي في المحاكم العرفية، غافلين عن هذه الدقيقة، وعن أن عدم اندراجهم في محط الإنشاء كاف في سقوط دعواهم، بل العرف يجد زائدا عليه دليلا على سقوط دعواهم، وأن الواقف أخرجهم، لا أنه لم يدخلهم، ففرق بين عدم دخولهم في محط الوقف، وبين إخراجهم منه حسب الإنشاء، فما في كتب الأصحاب من المناقشة في الاستدلال (2)، لا يخلو من تأسف. نعم، لنا أن نقول: بأنه لو تبين أن الموصي أوصى بوصية اخرى، وهي أن


1 - تمهيد القواعد: 110. 2 - مطارح الأنظار: 173 / السطر 8 - 15، كفاية الاصول: 236، مناهج الوصول 2: 187. (*)

[ 42 ]

منافع هذا البستان لأولادي إذا كانوا طلاب النجف الأشرف، وكان جميع أولاده أغنياء وطلابا في النجف، ولم تكن المنافع باقية بحسب الأزمنة المتأخرة حتى يمكن الجمع بين الوصيتين بالتخصيص والتقييد، فهل لا يكون حكم العقلاء إلا صرف المنافع فيهم من غير توهم المعارضة ؟ ! فيعلم منه أنه ليس استدلالهم بالمفهوم من الدقة العرفية، بل هو استدلال تسامحي، فلاحظ وتأمل. وإن شئت قلت: إن المدعي ترجع دعواه إلى جعل القيد المزبور لغوا، وهذا خلاف مرتكز العقلاء في باب احترازية القيود، فيستدلون على خلاف مدعاه: بأن قضية القيد خروج من لا يكون موصوفا به. وأما إذا ادعى أنه لأجل خصوصية اخرى، وهي كونه من الطلاب في النجف يستحق من المنافع، فإن كان من الموصي وصية منطبقة عليه، فتسمع دعواه من غير توهم المعارضة والتقييد، أو ترجيح المنطوق على المفهوم المقصود في المقام، فلاحظ فإنه مزال الأقدام. تنبيهات التنبيه الأول: حول الإشكال في مفهوم طائفة من القضايا الشرطية لاشبهة في عدم المفهوم للقضايا الشرطية التي يكون مفاد الجملة والخصوصية المأخوذة فيها انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع، كآية النبأ (1)، وآية التحصن (2) على إشكال فيها، وقولك: " إن كان زيد موجودا فأكرمه " فإنه ينتفي الحكم في ناحية المفهوم بانتفاء الموضوع، وفي المثل المعروف " إن رزقت ولدا فاختنه ".


1 - الحجرات (49): 6. 2 - النور (24): 33. (*)

[ 43 ]

وأما إذا كان المحمول في سنخ هذه القضايا ثابتا لموضوع آخر، كما إذا ورد " إن رزقت ولدا فأكرم زيدا " فإنه يثبت له المفهوم على القول به، لإمكان اقتضاء الخصوصية الاخرى لوجوب إكرام زيد، كما هو الواضح. وغير خفي: أن صحة هذه القضايا استعمالا دليل على أن المفهوم ليس مفاد أداة الشرط والهيئة وضعا، وإلا يلزم المجازية أو تعدد الوضع، والكل غير تام، فافهم واغتنم. ولا شبهة في ثبوت المفهوم على القول به، في القضايا الشرطية التي يكون مفاد التالي معنى كليا، كقولك: " إذا افترق البائعان فالبيع لازم " ضرورة أن طبيعة اللزوم ذات أفراد كثيرة، والقضية الشرطية متكفلة بمنطوقها لإثبات فرد من لزوم البيع عند الافتراق، وبمفهومها تتكفل لنفي الفرد الآخر من تلك الطبيعة عن سائر الخصوصيات والمقتضيات. وهذا هو المراد من سنخ الحكم المنفي بالمفهوم، أي فرد مماثل للفرد الثابت في المنطوق، المندرج تحت طبيعة كلية استعمالية في ناحية المنطوق. وإنما الإشكال في طائفة من القضايا الشرطية، نشير إليها على سبيل الإجمال: الاولى: قال سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره): القضية الشرطية على قسمين، الأول: ما كان مقدمها بمنزلة الموضوع، وتاليها بمنزلة المحمول، فكأنها قضية حملية ذكرت بصورة الشرطية، وذلك كقول الطبيب مثلا للمريض: " إن شربت الدواء الفلاني انقطع مرضك " فإنه بمنزلة أن يقول: " شرب الدواء الفلاني قاطع لمرضك " وكقول المنجم: " إن كان زحل في الدرجة الكذائية رخصت الأسعار " مثلا ونحو ذلك، فهذا القسم من الشرطيات التي مفادها الحمليات لا مفهوم لها (1)، انتهى ما أردناه.


1 - نهاية الاصول: 298. (*)

[ 44 ]

أقول أولا: إن القضايا الشرطية في وجه، مفادها مفاد الحمليات بلا فرق بين صنوفها، بل اختاره العلامة النائيني (قدس سره) (1) وقد فرغنا من فساد ذلك بما لا مزيد عليه، وفي وجه كلها قضايا شرطية مقابل الحمليات، ومن أقسام القضايا المعتبرة في العلوم بلا رجوع إلى غيرها. وثانيا: لو ثبت المفهوم في القضية الشرطية وهو قولك: " إن جاء زيد يجب إكرامه " فهو ثابت في هذه القضايا، لجريان جميع التقاريب المنتهية إليه فيها بالضرورة، ضرورة إمكان انقطاع مرضه بخصوصية اخرى وبالتداوي الآخر غير الشرب، فإن كان لها المفهوم فيدل على أن انقطاع مرضه مخصوص بهذا الشرب، وإلا فلا يدل على الاختصاص بتلك الخصوصية. الثانية: اتفقوا على القول بالمفهوم للقضية الشرطية الشرعية التي كان التالي متضمنا للحكم الكلي، كقولك: " إن جاء زيد يجب إكرامه ". واختلفوا فيما إذا انشئ وجوب الإكرام بالهيئة (2)، والمنكر يقول: إن المنشأ بها ليس إلا مصداقا جزئيا غير مشتمل على الفرد الآخر حتى ينتفي به. وهذا نظير ما إذا قال: " إن جاءك زيد " ثم أشار بالإشارة الخارجية إلى ضربه مثلا، فإنه لا معنى لأن يقال: مفهوم هذه القضية هو أنه إن لم يجئ فلا تضربه، لأنه لم ينشئ معنى قابلا للثبوت في ناحية المنطوق، وللانتفاء في ناحية المفهوم، ضرورة أن ما كان شأنه ذلك لابد وأن يكون كليا حتى يثبت في ناحية المنطوق، وينتفي في ناحية المفهوم، ويكون الانتفاء بالمفهوم لا لأجل انتفاء شخص الحكم، فإنه ليس


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 178 - 179. 2 - مطارح الأنظار: 173 / السطر 19 - 27، نهاية الأفكار 2: 474 - 475، مناهج الوصول 2: 188. (*)

[ 45 ]

مقصود المثبتين، فلاحظ وتدبر. ولأجل هذه العويصة قيل: " ثبوت المفهوم هنا وعدمه، دائر مدار كون الموضوع له في الهيئات عاما أو خاصا، فإن كان عاما فلا بأس به، وإن كان خاصا فلا يمكن إثباته " (1) وحيث إن " الكفاية " (2) والعلامة الأراكي (3) ذهبا إلى العموم في ناحية الوضع والموضوع له، نجيا من هذه المهلكة. وربما ينسب (4) إلى العلامة المحشي، الشيخ محمد تقي (قدس سره) (5) أن في ناحية المفهوم ينتفي شخص الحكم أيضا، ولكنه ممنوع، لما يظهر من الرجوع إلى كلام العلامة جدي الفاضل في حواشيه على " الدرر " خلافه (6)، فراجع. والذي يهم بالبحث أولا: أن المنشأ بمادة الوجوب والتحريم شخصي وجزئي بحسب الإرادة الجدية، وإن كان اللفظ بحسب الإرادة الاستعمالية مستعملا في المعنى الكلي، إلا أن المناط هو الأول دون الثاني، فلا يختص الإشكال بالصورة المذكورة. وثانيا: أن الأوامر والنواهي الواردة في كلمات المعصومين ليست تشريعيات حقيقة، لما أن المشرع الحقيقي هو الله تعالى، فتكون هذه الأوامر غير مولوية، بل هي حاكيات لأحكام الله الثابتة، فوزانها وزان الجمل الخبرية، فيكون فيها المفهوم، لأنها ترجع إلى الجملة المشتملة على المعاني الكلية، وهو قوله: " إن جاء زيد


1 - هداية المسترشدين: 281 / السطر 15 - 16. 2 - كفاية الاصول: 25 و 237. 3 - نهاية الأفكار 1: 53 - 54. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 196. 5 - هداية المسترشدين: 281 / السطر 10 - 14. 6 - غرر العوائد من درر الفوائد: 77 - 78. (*)

[ 46 ]

فحكم الله تعالى هو وجوب إكرامه ". اللهم إلا أن يقال: إن الامور مفوضة إليهم - صلوات الله تعالى عليهم - كما عن جماعة، ولكنه خلاف ما عليه المحققون. هذا أولا. وثانيا: أن الإرجاع المزبور غير لازم، لإمكان أن يكون الإنشاء إرشاديا، ومع ذلك لا يكون راجعا إلى الكلية والإخبارية، بل وزانه وزان المنشأ الثابت، فإن كان المنشأ الثابت جملة شرطية مشتملة على الهيئة في الجزاء، فهو هنا وفي مرحلة الإرشاد كذلك. وإن كانت جملة مشتملة على المعنى الاسمي العام، فهي في مقام الإرشاد أيضا مثله، لئلا تلزم الخيانة في الحكاية. فعلى هذا، لو كان المفهوم متوقفا على كلية المعنى وعموم الموضوع له، فلاتنحل المشكلة بمثله الذي زعمه الاستاذ البروجردي (قدس سره) (1) فراجع. وثالثا: قد تصدوا للجواب عن هذه المشكلة، وهو بين ما يكون جوابا عرفيا وتمسكا بذيل العرف، وبين ما هو جواب صناعي: فمن الأول: ما ذكرناه (2) من أن من الممكن وقد وقع كثيرا، التصريح بالمفهوم في القضايا الشرعية، من غير أن يترقب العرف وينظر إلى جهة العموم في وضع الحروف وخصوصه، بل الكل يشهدون بأن قوله: " وإن لم يجئ زيد فلا تكرمه " مفهوم قوله: " إن جاء... " إلى آخره، ومقصوده نفي الوجوب عند سائر الخصوصيات. بل هو يفيد أمرا آخر: وهو تحريم الإكرام عند سائر الخصوصيات، بناء على


1 - نهاية الاصول: 131. 2 - تقدم في الصفحة 6 - 7. (*)

[ 47 ]

كون النهي مفيدا للحرمة في أمثال المقام. وهذا مما يشهد عليه الوجدان، ويصدقه العرف الدقيق. ولا يحمل قوله المصرح به على أنه ليس مفهوم الجملة الاولى، أو يكون لنفي ما يحكم به العقل، وهو الحكم الشخصي. ولعمري، إن هذا هو أمتن الوجوه العرفية التي تمسك بها مثل الشيخ (قدس سره) في " طهارته " (1)، وتبعه " تهذيب الاصول " (2) وتمسك به " الدرر " (3) والعلامة النائيني (4) (رحمهما الله) والأمر سهل. ومن الثاني: ما ذكرناه (5)، وربما يستظهر من العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره) (6): وهو أن قضية إثبات العلية المنحصرة نفي الأحكام المماثلة للحكم المذكور في التالي، وإلا يلزم كونه لغوا أو خلفا، ضرورة أن كل معلول شخصي علته وحيدة طبعا ومنحصرة عقلا. مثلا: حرارة الماء الموجود في القدر علتها إذا كانت النار، فهي وحيدة ومنحصرة، ولا داعي إلى إثبات حصرها، لأنها واقعية ثابتة بالضرورة، فإذا اريد إثبات انحصار علة حرارة الماء، فلا يكون المقصود إلا أن سائر الموجبات للحرارة ليست قابلة لتسخين الماء، فيكون الغرض نفي العلل الاخرى عند وجودها عن التأثير فيه، ونفي الحرارة عن الماء إلا عند ثبوت النار.


1 - الطهارة، الشيخ الأعظم الأنصاري: 49 / السطر 26. 2 - تهذيب الاصول 1: 431 - 432. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 197. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 484، أجود التقريرات 1: 420. 5 - تقدم في الصفحة 33. 6 - نهاية الدراية 2: 416. (*)

[ 48 ]

وهنا الأمر كذلك، فإن من إثبات حصر العلية بالمجئ، لا يكون المقصود إلا نفي الوجوبات الاخر عند وجود الخصوصيات الاخرى، وإلا فلو كان الحكم المذكور في القضية مورد النظر ثبوتا ونفيا، فلا معنى لإثبات الحصر، فنفي الأفراد الاخر المماثلة للحكم الشخصي المذكور في التالي، من تبعات حصر العلية الثابت للمقدم، فافهم واغتنم. أقول: العلية المنحصرة إن كانت تثبت بالإطلاق، فكما هي لا تثبت في القضايا الشرطية التي يكون المفهوم فيها مسلوب الموضوع، كما في القضايا الاولى التي مر تفصيلها (1)، كذلك هي لا تثبت في المقام، لأن الدلالة الوضعية الثابتة في التالي توجب الظهور المنجز، وهو مقدم على الظهور الإطلاقي. نعم، إذا قلنا: بأن استفادة الحصر مستندة إلى القاعدة العقلية المشار إليها (2)، كان لهذا الحل الصناعي محل. ومن الممكن دعوى انحلال المعضلة مطلقا حسب الصناعة، لأنه لا يتوقف على كون المنشأ في التالي سنخ الحكم، حتى يقدم الظهور الوضعي على الإطلاقي، بل المنشأ في التالي على كل تقدير شخص الحكم، ولكن معنى الحكم المماثل موقوف على إثبات حصر العلية، فلو ثبت فلابد من نفيه بحكم الضرورة. تذنيب: حول دلالة بعض الطوائف من القضايا الشرطية على المفهوم قد عرفت منا القول بالمفهوم في بعض الطوائف من القضايا الشرطية الشرعية، وعلمت أن ذلك لا يتقوم بالقول بانحصار العلية وإن كان يستفاد منها


1 - تقدم في الصفحة 42 - 43. 2 - تقدمت في الصفحة 32 - 33. (*)

[ 49 ]

الحصر، إلا أن المفهوم لا يستند إليه، بل هما معا يستفادان من تلك القضية (1). فعلى هذا نقول: إن المنشأ في التالي في أمثال تلك القضايا التي لا يتحمل التالي تكرار الطبيعة منتف، سواء كان آلة الإنشاء معاني اسمية، أو حرفية، فيكون المنشأ كليا أو شخصيا. مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد اقتله " وقلنا إن المستفاد منه أن كلما جاء زيد، وكلما تحقق مجئ زيد، يتحقق لزوم قتله، فإن المفهوم ثابت، ولا تكون الخصوصية الاخرى مقتضية للوجوب المزبور ولو كان شخصيا، فلو اريد إثبات وجوب القتل عند خصوصية اخرى، فهو منفي بالمفهوم، لما يلزم استناد التالي - حسب الظاهر الثابت عرفا - إلى غير المقدم في فرض، مع أن الظاهر من القضية ثبوت الاستناد في جميع الفروض. وهذا معناه حصر العلية بالمجئ، إلا أن المفهوم دائر مدار ثبوت الإطلاق الأزماني والأفرادي، كما في قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " فلاحظ وتدبر جيدا. الثالثة: لا شبهة في سقوط الخلاف إذا كان الحكم في المفهوم، منتفيا بانتفاء الموضوع كما مر (2)، وأما إذا كان الموضوع قابلا للوجود، بحيث لا يكون موضوعا للمنطوق، ولكن يخرج المفهوم عن السالبة بانتفاء الموضوع، فهل حينئذ يثبت المفهوم أيضا، أم لا ؟ مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد فاستقبله " فإن مفاد المنطوق وجوب الاستقبال عند المجئ الاختياري فرضا، فإذا لم يجئ فلا يعقل الاستقبال، ولكن يمكن إحضاره ومجيئه بإكراه، وعندئذ يحصل موضوع المفهوم، لإمكان استقباله، فهل


1 - تقدم في الصفحة 39 - 40. 2 - تقدم في الصفحة 42. (*)

[ 50 ]

قضية المفهوم هنا أيضا نفي وجوب الاستقبال، أم لا وتكون القضية بلا مفهوم، كما كانت من الأول ؟ وجهان: من أن دليل المفهوم لا يقصر عن شمولها بعد ذلك. ومن أن مقدمات الإطلاق مشكوك جريانها في هذه الصورة، وكانت القضية في عدم جريان تلك المقدمات مثل القضايا السالبة بانتفاء الموضوع، فلاحظ وتدبر جيدا. الرابعة: في مفهوم قولك " إن جاء زيد يجب إكرامه " احتمالان: أحدهما: كون الموضوع مفروض الوجود، وهذا مما لا كلام فيه. وثانيهما: كون القضية السالبة أعم، فهل يثبت المفهوم عند وجود الموضوع، أم لا ؟ وجهان. ودعوى: أن الفرار من اللغوية يقتضي الحكم بالمفهوم، وأن الموضوع مفروض الوجود (1)، غير تامة، لإمكان كون القرينة على عدم فرض الموضوع، شاهدا على عدم المفهوم رأسا، فلا داعي إلى الإقرار بالمفهوم أولا حتى يتشبث بذيل اللغوية، فتدبر. التنبيه الثاني: حول اشتمال الجملة الشرطية على العلة المصرح بها إذا كانت الجملة الشرطية أو كل ما كان مثلها - في أن أخذ المفهوم منها منوط بإثبات العلية والانحصار - مشتملة على العلة المصرح بها، كقوله: " إن جاءك زيد فأكرمه، لأنه عالم " فإن قلنا بأن المفهوم يستفاد من الدلالة الوضعية للأداة أو


1 - لاحظ نهاية الاصول: 296. (*)

[ 51 ]

للهيئة، فتلزم المجازية بنفي المفهوم، كما لا يثبت المفهوم بمقدمات الإطلاق. ومن ذلك آية النبأ، فإن فيها تعليل الحكم بلزوم التبين بقوله تعالى مثلا: * (تصيبوا قوما بجهالة) * (1). ومن الممكن دعوى: أن ظهور المقدم في العلية مع ظهور حرف التعليل فيها، يجتمعان في أن العلة هو المجئ والعلم معا، ويثبت الانحصار بمقدمات الإطلاق على القول بها. إلا أنها دعوى بلا بينة ولا برهان، ولا يساعدها العرف ولا الوجدان، فيكون المجئ توطئة في القضية من غير دخالة له فيها، ويكون تمام العلة هو العلم، فافهم وانتظر. التنبيه الثالث: في المراد من العلة المنحصرة ليس المراد من " العلية المنحصرة " الانحصار الحقيقي حتى يقال: بامتناع تقييد المفهوم أو المنطوق، بل المراد من " الانحصار " هو الانحصار الأعم منه ومن الإضافي، فإذا ورد ابتداء " إن جاءك زيد وضيفك فأكرمه " فمفهومه نفي الوجوب عند انتفاء كليهما، وحصر العلية فيهما بإثبات أن كل واحد علة تامة، ولا علية لشئ آخر وراءهما، أو إرجاعهما إلى واحد، بتوهم امتناع تعددها مع وحدته. وبناء على هذا، إن كان المفهوم مستفادا من الدلالة الوضعية المدعاة لأداة الشرط أو للهيئة، يلزم المجازية إذا ورد التقييد على المفهوم، للزوم استعمالها في غير ما وضعت له. وإن كان مستفادا من الإطلاق كما عرفت (2)، فلا تلزم المجازية، ويكون القيد


1 - الحجرات (49): 6. 2 - تقدم في الصفحة 35 - 36. (*)

[ 52 ]

موجبا لخروج العلية المنحصرة من الحقيقية إلى الإضافية. ومثل ذلك ما إذا تعدد الجزاء واتحد الشرط، كقوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية...) * (1)، فإنه لا يستكشف منه أن حديث العلية المنحصرة باطل، بل يتبين منه أن الانحصار إضافي، فاغتنم. وإنما الكلام هنا في أمر آخر: وهو أن التقييد الوارد على خلاف إطلاق المفهوم، يوجب تقييد المفهوم حقيقة وأولا وبالذات، أم يرجع إلى تقييد المنطوق، وتصير النتيجة تضييق المفهوم. مثلا: لو ورد " أن الماء إذا بلغ قدر كر فهو معتصم " وورد بعد السؤال عن الماء الجاري قوله: " هو معتصم " فإن قضية المفهوم أن كل ماء لا يبلغ كرا ليس بمعتصم، وهذا قابل للتقييد بإخراج الماء الجاري عن مصب إطلاقه. كما يمكن دعوى: أن ذلك يرجع إلى تقييد المنطوق، بإخراجه عن الحصر الظاهر في الحقيقي إلى الإضافي، فيكون مفاد القضية هكذا " إذا كان الماء كرا أو جاريا فهو معتصم ". والذي هو الأظهر في محيط العرف، تقييد المفهوم بعد الاعتراف به، وأما في محيط الصناعة فيتعين تقييد المنطوق، لأنه مصب الإطلاق المنتهي إلى المفهوم، فيكون المفهوم في جميع الفروض مصونا من التقييد، ويعد تابعا في السعة والضيق للمنطوق، فلاحظ فإنه ينفعك بالنسبة إلى البحث الآتي إن شاء الله تعالى (2) وتأمل جدا.


1 - النساء (4): 86. 2 - يأتي في الصفحة 56 - 57. (*)

[ 53 ]

التنبيه الرابع: حول ما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، مثلا إذا وردت قضية: " إذا خفي الأذان فقصر " و " إذا خفيت الجدران فقصر " فما الحيلة في المسألة، وأنه هل هناك مفهوم (1)، أم لا (2) ؟ وعلى الثاني هل يقيد المنطوق (3)، أم المفهوم (4) ؟ وعلى كل تقدير: تصير النتيجة تقييد الإطلاق المثبت للعلية (5)، أو الإطلاق المثبت للحصر والانحصار (6)، حتى يكون على الأول موضوع القصر مركبا من الخفاءين، وعلى الثاني يكون كل واحد موضوعا مستقلا، أو غير ذلك (7) ؟ وجوه وأقوال. وتمام الكلام في المقام يستدعي البحث عن مسألتين: المسألة الاولى: في بيان المختار بناء على عدم المفهوم بناء على إنكار المفهوم، أو عدم المفهوم في خصوص المقام، فهل تكون النتيجة حسب التحقيق، اشتراط القصر بخفاء الأذان والجدران معا، أم يتعين القول بكفاية كل واحد للزوم القصر ؟


1 - لاحظ نهاية الاصول: 304. 2 - كفاية الاصول: 239. 3 - نهاية الأفكار 2: 484. 4 - هداية المسترشدين: 292 / السطر 36 - 41، نهاية النهاية 1: 262. 5 - أجود التقريرات 1: 424 - 425. 6 - نهاية الأفكار 2: 485. 7 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 488 - 489. (*)

[ 54 ]

لاسبيل إلى الأول، لأن قضية الإطلاق المنتهي إلى أن خفاء الأذان تمام العلة، أو تمام الموضوع لوجوب القصر، باق على حاله، وهكذا في ناحية خفاء الجدران، فلا معنى لتقييد هذا الإطلاق ومعناه وجوب القصر عند كل واحد من الخفاءين، وتصير النتيجة " إذا خفي الأذان أو الجدران فقصر ". وبعبارة اخرى: العطف ب‍ " الواو " محتاج إلى التقييد، وهو خلاف الأصل، والعطف ب‍ " أو " قضية انفصال القضيتين بحسب الورود في الشريعة، فيتعين الثاني بالضرورة. فبالجملة: مع عدم الإقرار بالمفهوم فيما نحن فيه، لا سبيل إلى توهم تقييد كل من المنطوقين بالآخر، فيكون كل من المقدمين جزء العلة. نعم، هنا احتمال ثالث يشترك فيه هذه المسألة والمسألة الآتية، إلا أن تقديمه هنا أولى، حتى يتمحض البحث في الآتية حول كيفية الجمع بين المفهومين والمنطوقين، وذلك الاحتمال هو أن تكون وحدة الجزاء شاهدة على وحدة العلة حسب النظر العرفي، أو قاعدة امتناع صدور الواحد من الكثير، وتصير النتيجة: أن ما هو السبب المنتهي إلى القصر أمر واحد، وإليه طريقان: أحدهما: خفاء الأذان. وثانيهما: خفاء الجدران. ولو أمكن المناقشة في التمسك بالقاعدة المعروفة ولكن سد فهم العرف هنا - كما صدقه الاستاذ العلامة البروجردي (1) والعلامة جدي المحشي (2) - مشكل، وقد كنا في الفقه نؤيد ذلك، بل اخترناه على ما ببالي في تحريراتنا الفقهية (3).


1 - نهاية الاصول: 304. 2 - غرر العوائد من درر الفوائد: 80. 3 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه (قدس سره). (*)

[ 55 ]

ومن الممكن دعوى: أن قضية الطريقية كما يمكن أن يكون الجامع موضوعا، ويكون المجموع طريقا نافذا، يمكن أن يكون الجامع موضوعا، وكل واحد من الطريقين مستقلا في الطريقية والكاشفية عن حصول ذلك الموضوع. أقول: إرجاع الكثير إلى الواحد وإرجاع العناوين المختلفة إلى العنوان الواحد بحيث يؤخذ به يحتاج إلى القرينة، وقد صنعنا ذلك في مسألة الكر (1)، بدعوى أن موضوع اللا انفعال هو الماء الكثير وصنعه الأصحاب (رحمهم الله) في صلاة المسافر، بإرجاع العناوين الكثيرة إلى عنوان " كثير السفر " (2) ولكنه بلا شاهد. وبالجملة: لا ينبغي الخلط في المقام بين الجهة المبحوث عنها، وهي المسألة الاصولية، وبين المسألة الفقهية، وتطويل الكلام حول خصوص المثال، أو الخصوصية المستفادة منه بإعمالها في سائر الأمثلة، ومن العجيب وقوع جمع في هذا الخلط، كما يظهر بالمراجعة ! ! فتدبر. المسألة الثانية: في بيان المختار بناء على ثبوت المفهوم بناء على المفهوم، أو بناء على القول به في خصوص المثال المذكور، كما ادعاه السيد الاستاذ (رحمه الله): من أنه سيق للتحديد، فيكون له المفهوم على إشكال فيه (3)، يقع الكلام في مرحلتين:


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة (الأمر الثامن من المبحث الخامس). 2 - مستمسك العروة الوثقى 8: 67 - 68، البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: 118 - 119. 3 - نهاية الاصول: 304. (*)

[ 56 ]

المرحلة الاولى: في تشخيص مصب التعارض في أن التعارض المتراءى بينهما هل يكون بين مفهوم كل مع منطوق الآخر، أم يكون بين المنطوقين، أم اختلاف المباني يوجب اختلافا في ذلك ؟ قال الوالد المحقق - مد ظله -: " الظاهر هو الثاني على جميع المباني في استفادة المفهوم: فعلى كون الدليل هو التبادر أو الانصراف، فالتنافي بين المنطوقين واضح، لأنه يرجع القضية كأنها إلى الصراحة: بأن العلة المنحصرة للقصر هو خفاء الأذان. وعلى كون الدليل هو الإطلاق، فيقع التعارض بين أصالتي الإطلاق في الجملتين " (1) انتهى. أقول: قد عرفت فيما مضى في التنبيه السابق: أن بعد ثبوت الإطلاق، وأخذ المفهوم، وبعد قابليته للتقييد عرفا مع الغفلة عن حال المنطوق، يكون مرجع التقييد هو إطلاق المفهوم حسب العرف، وإن كان يرجع إلى تقييد المنطوق حقيقة حسب الصناعة (2). هذا أولا. وثانيا: للقائل بالتبادر والانصراف إنكار المفهوم عند تعدد الشرط، وكأنه يرى أن المتبادر من الأداة الشرطية أو الهيئة انحصار العلة حقيقة، فلو تبين ثبوت العلة الاخرى للمحمول في التالي، تبين سقوط تبادره وانصرافه. ولا يقول بتبادر الانحصار من مجموع العلتين، أو انصرافه منهما، فربما تختلف المسالك على اختلاف المباني، فينكر المفهوم رأسا من كان يستند في إثباته إلى مثل التبادر والانصراف.


1 - مناهج الوصول 2: 189 - 190، تهذيب الاصول 1: 433. 2 - تقدم في الصفحة 52. (*)

[ 57 ]

نعم، على القول بالإطلاق فلا تختلف المسالك في تقريب الإطلاق، لإمكان تقييدها بمقدار الدليل المقيد، فلاحظ. وبالجملة: يمكن أن يختلف باختلاف المباني. نعم، إن كان من يدعي التبادر أو الانصراف، يقول بتبادر العلة التامة المنحصرة الأعم من الانحصار الحقيقي والإضافي، أو بانصرافها إليه، فلابد من اختيار المفهوم لنفي علية الأمر الثالث والخصوصية الثالثة. فما ربما يتوهم: من أن تقييد المنطوق بعد كون مفاده العلة المنحصرة الأعم من الانحصار الحقيقي أو الإضافي، لا يرجع إلى محصل، لأن قضية دعوى التبادر والانصراف ومقتضى الإطلاق - حسب كل قضية شرطية - هو الانحصار الأعم، ولكنه إذا لم يكن في البين علة ثانية فهو حقيقي، وإذا كان هناك علة ثانية فهو إضافي. ولكن بعد اللتيا والتي، الدعوى المزبورة وهي تبادر المعنى الأعم من الحقيقي والإضافي، مشكلة جدا، بخلاف الانصراف، ضرورة أن الموضوع له لابد وأن يكون فارغا من الأمر المردد، فتأمل تعرف. تنبيه وتوضيح: في بيان ثمرة النزاع ربما يخطر بالبال السؤال عن ثمرة هذا الخلاف المنسوب إلى القدماء والمتأخرين (1).


1 - كفاية الاصول: 239، درر الفوائد، المحقق الحائري: 200، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 487 - 488، نهاية الأفكار 2: 484 - 485، نهاية الاصول: 304. (*)

[ 58 ]

والذي هو التحقيق: أن التعارض إن كان بين المفهوم والمنطوق، يلزم رجوع القيد إلى المفهوم، ويستلزم كون كل واحد من المنطوقين علة تامة للقصر، ضرورة أن مفاد المنطوق - بعد تقييد المفهوم - هو أن مع خفاء الأذان يقصر، وإذا لم يخف الأذان فلا يقصر، إلا إذا خفيت الجدران، فلو كان الواصل إلينا في الدليل ذلك، فلا شبهة في أن فهم العرف متعين في القول بأن كل واحد منهما علة تامة، ويكون مفاد المجموع حصر العلة فيهما لنفي العلة الثالثة، فلو شك في لزوم القصر عند خفاء الأشجار فيرفع بذلك الإطلاق. وأما على مسلك المتأخرين فيلزم رجوعه إلى المنطوق، فيوجب الخلاف في أن الإطلاق المتقيد به هو الإطلاق المنتهي إلى العلية التامة، أو الإطلاق المنتهي إلى الانحصار، أو بعض الإطلاقات الاخر، فعلى مسلك القدماء تكون المعضلة منحلة، وعلى مبنى المتأخرين يعضل الأمر، ويشكل جدا، كما ترى من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). إن قلت: إرجاع القيد إلى المفهوم غير ممكن عقلا، ضرورة أن المفهوم من تبعات المنطوق وحصر العلة، فلابد وأن يلزم أن يتوجه القيد إلى المنطوق المصب للإطلاق، وهو محط مقدمات الحكمة، فيكون التعارض بين المنطوقين طبعا (2). قلت أولا: قد علمت أن هذا خروج عن فهم العرف، ويشهد له ذهاب القدماء - على ما نسب إليهم - إلى هذه المقالة، والمتبع هو ذلك جدا. وثانيا: لا يلزم من ورود العلة الثانية وهو مثلا خفاء الجدران، تقييد جانب


1 - يأتي في الصفحة 61 - 74. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 487، نهاية الاصول: 304، محاضرات في اصول الفقه 5: 99. (*)

[ 59 ]

المنطوق حسب الاصطلاح في باب التقييدات، بل هنا أمر آخر: وهو أن قضية الإطلاق هو انحصار العلة في الأذان انحصارا حقيقيا، وبعد ورود الدليل على علية خفاء الجدران يعلم: أن الانحصار إضافي، فلا يتصرف في المنطوق بإيراد قيد عليه كسائر الموارد، بل كان مقتضى دليل المفهوم، أن المنطوق علة تامة منحصرة بانحصار حقيقي، ومقتضى الدليل المقيد أن المنطوق علة تامة منحصرة بانحصار إضافي، فهذا التقييد يوجب التوسعة في ناحية المنطوق، لا التضييق. فما تخيله المتأخرون: من أن تقييد المفهوم لابد وأن يرجع إلى المنطوق (1)، إن كان يرجع إلى غير ما ذكرناه، فهو خال من التحصيل. وإن شئت قلت: قضية كل واحدة من الشرطيتين مع قطع النظر عن الاخرى، هو كون المقدم علة تامة منحصرة، وإذا قيست إحداهما إلى الاخرى تحصل المعارضة بدوا بين المفهوم والمنطوق، وإذا عالجناهما يحصل التصرف في المنطوق بالتقييد الوارد على المفهوم. وبعبارة ثالثة: ليس مفاد مقدمات الإطلاق إلا أن كلما تحقق خفاء الأذان، لابد وأن يتعقبه القصر، من غير جواز تبديل مفاد مقدمات الإطلاق إلى مفاهيم العلة التامة المنحصرة، فإن في ذلك إضرارا بحق القانون، فإذا كان مفاد المقدمات المذكورة تلك القضية، يكون لها المفهوم حينئذ، ويقيد المفهوم بدوا. ثم يستكشف من التقييد أن القضية كانت هكذا: " كلما تحقق خفاء الأذان أو الجدران... " إلى آخرها، فلاحظ وتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 487، نهاية الدراية 2: 420، نهاية الأفكار 2: 484 - 485، محاضرات في اصول الفقه 5: 99. (*)

[ 60 ]

إيقاظ: حول استفادة المفهوم من الإطلاق قد عرفت منا: أن استفادة المفهوم على مسلك المتأخرين لاتتقوم بإثبات العلية المنحصرة، بل تتقوم بثبوت الإطلاق، وإذا ثبت الإطلاق المزبور يستفاد منه أمران عرضا: أحدهما: أن المقدم علة تامة منحصرة. وثانيهما: المفهوم، ولايكون المفهوم في الاستفادة متأخرا عن الأمر الأول حتى يناط به، فإجراء البحث حول العلية المنحصرة، في غير محله. وإذا فرض إطلاق في حد ذاته يستعقبه المفهوم أيضا، ولايجوز قبل أخذ المفهوم قيام المنطوقين أحدهما بالآخر، لما لا تهافت بين الإيجابيات والإطلاق الذي هو رفض القيود أولا وبالذات، بل لا يعقل ذلك، لأنها عدميات، فما يوجب تهافتهما أحيانا هو أخذ المفهوم من كل واحد منهما، ثم عرض المفهوم على المنطوق الآخر، فإذا جمع بينهما ربما ينتقل العرف إلى أن في ناحية المنطوق، وقع تصرف بورود قيد موجب لتوسعته، فافهم واغتنم. وبالجملة تحصل: أن تفسير الإطلاقين بالعلية التامة المنحصرة، يوجب كون المنطوقين متعارضين بالذات، وهو تفسير غير صحيح قطعا، إما لأجل أن مفاد الإطلاق ليس ذلك، أو لأجل عدم تقوم المفهوم رأسا بإثبات الانحصار متقدما عليه، كما عرفت. وليعذرني إخواني على الخروج عن الاختصار، لما فيه النفع الكثير وهو حل مشكلة المسألة، وبذلك ترتفع المعارضة والمكاذبة، وبه يعالج الشرطيات مع وحدة الجزاء، وينحفظ المفهوم لنفي الزائد، فاغتنم.

[ 61 ]

المرحلة الثانية: في كيفية العلاج بين المنطوقين بناء على كون التكاذب والتعارض بالذات بين المنطوقين، فما الحيلة في سبيل علاجهما، وما المرجح لتعيين التصرف في أحد الإطلاقين معينا: الإطلاق المنتهي إلى إثبات العلية التامة، والإطلاق المنتهي إلى العلة المنحصرة ؟ فإن كان المتعين التصرف في الأول، تصير النتيجة: أن كل واحد من المقدمين في الشرطيتين جزء العلة، ويثبت المفهوم بالنسبة إلى نفي العلة الثانية. ولو تعين التصرف في الثاني، تصير النتيجة: أن كل واحد منهما تمام العلة، ويتم المفهوم بالنسبة إلى نفي العلة الثالثة. ولأجل مشكلة التعيين اختلفت أنظار القوم في المسألة، حتى اختار جمع منهم عدم إمكان الترجيح (1)، وتصير النتيجة على هذا هو الأخذ بالقدر المتيقن والاحتياط، وهو بجعل كل واحد منهما جزء العلة، حتى يختفي الجدران والأذان في ناحية الخروج من البلد، ويخرج عن الاختفاء كل منهما في ناحية الدخول إليه، كما لا يخفى. إذا عرفت اسلوب البحث فليعلم أمران آخران، أو امور: أحدها: في عدم اختلاف البحث بناء على الطريقية والموضوعية أن القوم ظنوا أن من الاحتمالات الرئيسة في هذه المسألة، كون كل واحد


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 488 - 489، مناهج الوصول 2: 190 - 191. (*)

[ 62 ]

من المنطوقين عنوانا طريقيا إلى معنى واحد، فيكون ذلك المعنى الواحد شرطا (1). وقد عرفت منا: أنه لا مانع من الالتزام بذلك (2)، ومع هذا يكون لكل واحد منهما المفهوم، وتقع المعارضة بين المفهوم والمنطوق، أو بين المنطوقين، وذلك لأن من المحتمل كون العنوان الثالث موضوعا بحسب مقام الثبوت، ولكن كل واحد من الخفاءين طريق معتبر، وتكون قضية مقدمات الحكمة القائمة على طريقية خفاء الأذان، نافية لطريقية خفاء الجدران وبالعكس. مثلا: لو كان مفاد كل واحد منهما هكذا " إذا قام خفاء الأذان على بعدك من البلد فقصر " و " إذا قام خفاء الجدران عليه فقصر " فإن مفهوم الأول هو أنه إذا لم يقم خفاء الأذان عليه فلا تقصر، وتصير النتيجة ما تحرر، عين ما تحرر على القول بالموضوعية. فبالجملة: لا يختلف أساس البحث على القول بالموضوعية والطريقية، خلافا لما يظهر منهم (رحمهم الله) حيث ظنوا خلافه، وجعلوا ذلك من إحدى الاحتمالات المقابلة لسائر الاحتمالات. ثانيها: حول التشبث بالإطلاق المنتهي إلى إثبات أصل علية المقدم للتالي كما يمكن أن يكون كل واحد من الإطلاقين المزبورين، مورد التصرف لعلاج المتعارضين، كذلك يمكن أن يكون هناك إطلاق آخر هو مورد التصرف، وذلك هو الإطلاق المنتهي إلى إثبات أصل علية المقدم للتالي، ضرورة أن ذلك أيضا ثابت بالإطلاق، وإلا فلو صرح في القضية الشرطية بالعلة تكون هي العلة، والمقدم يسقط عن العلية وعن كونه جزءها، وهذا دليل على أن أصل العلية أيضا ثابت بالإطلاق.


1 - كفاية الاصول: 239، نهاية الأفكار 2: 484، نهاية الاصول: 304. 2 - تقدم في الصفحة 54 - 55. (*)

[ 63 ]

ولكن هذا الإطلاق ليس مورد البحث والنظر في كلمات المحققين، لأنه لا يلزم من المعارضة المزبورة تصرف فيه وإخلال بأصالة الإطلاق في ناحيته، لانحفاظ مقدماته. اللهم إلا أن يقال: بأنه ليس لفهم العلية المنحصرة المقدمات الكثيرة ومبادئ الحكمة العديدة، بل هي مفاد واحدة منها، فلاحظ وتدبر جيدا. ثالثها: في لزوم حمل بعض الشرطيات على العلية التامة ربما يتعين في بعض القضايا الشرطية المتكاذبة، حملهما على العلية التامة، لأمر خارج عن الصناعة في المقام، وذلك فيما إذا لم يمكن أن يكون كل واحد منهما جزء العلة، لما بينهما من التقابل المانع عن اجتماعهما. مثلا: إذا ورد " أن الماء إذا كان جاريا فهو معتصم " وورد " أنه إذا كان ماء بئر فهو معتصم " فإنه لا يمكن أن يكون كل من البئر والجاري جزء العلة، لما لا يمكن اجتماعهما، فحينئذ يتعين حملهما على أن كل واحد علة تامة، كما لا يخفى. نعم، ربما توجد القرينة الخارجية على أن كل واحد منهما مصداق لموضوع ثالث، فإنه يخرج عن الجهة المبحوث عنها في المقام، وذلك أيضا في المثال المذكور فإن المحرر منا في الفقه أن ما هو المعتصم حقيقة هو الماء ذو المادة، والبئر والجاري ليسا بما هما البئر والجاري غير معتصمين، بل هما بما أنهما ذوا مادة معتصمان، وتفصيله في محله (1).


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الطهارة، المبحث الرابع، تنبيه في أن المدار على المادة لا الجريان. (*)

[ 64 ]

رابعها: في تمحض البحث عن إمكان الجمع بين المنطوقين وعدمه البحث هنا ممحض حول إمكان الجمع بين المنطوقين وعدمه، وأما بناء على عدم إمكانه، فهل يتعين المراجعة إلى الاصول العملية، والأخذ بالقدر المتيقن، أم تندرج المسألة في أخبار التخيير والترجيح بالرجوع إلى المرجحات، وعند فقدها يكون أحدهما لازم الأخذ، وأن التخيير ابتدائي، أم إستدامي ؟ فهو موكول إلى محل آخر. وغير خفي: أن من المحتمل أن يكون كل واحد من العلتين سببا مستقلا، بحيث لو اجتمعا يسقطان عن السببية، وبذلك الاحتمال يسقط القول بلزوم الأخذ بالقدر المتيقن منهما، وهو المحافظة على اجتماعهما، ويكون المتعين حينئذ الرجوع إلى أخبار التخيير كما لا يخفى، دون الاصول العملية. الوجوه الموجبة للتصرف في الإطلاق المثبت للمفهوم والانحصار إذا تبين محل البحث وحدود الخلاف ومعضلة المسألة، فما يمكن أن يكون وجها لكون الإطلاق المنتهي إلى إثبات الانحصار والمفهوم، مورد التصرف دون غيره امور: الأول: أن استفادة العلية للمقدم بالنسبة إلى التالي، مستندة إلى الوضع أو القرائن الخاصة، دون الإطلاق ومقدماته، فيكون التصرف فيها على خلاف تلك القرائن التي مر تقريبها (1)، فلابد وأن يتعين التصرف في ناحية الإطلاق المنتهي إلى إثبات الحصر.


1 - تقدم في الصفحة 29. (*)

[ 65 ]

وفيه أولا: أنك قد عرفت منا في بعض التنبيهات السابقة (1)، إمكان التصريح بالعلة في القضية الشرطية، وهو يورث سقوط القضية عن إثبات المفهوم بالقضية الشرطية، ويشهد على أن استناد التالي إلى المقدم بالعلية، يكون بالإطلاق وعدم التصريح بالعلة. وما هو الدليل الوحيد عندي في استناد التالي في القضايا الشرطية الشرعية إلى المقدم، هو كون التالي حكما إنشائيا، لا إخباريا، وعلى هذا ليست القرينة المزبورة إلا عدم التصريح بالعلة الواقعية. فتوهم الدلالة الوضعية للأداة (2) والهيئة (3) وغيرها لإثبات أصل العلية، غير راجع إلى المحصل. نعم، لو قلنا: بأنها موضوعة لها يتعين ذلك، كما لو قلنا بأنها موضوعة لإفادة العلية المنحصرة الأعم من الانحصار الحقيقي - بناء على إمكان مثل ذلك الوضع - لا يلزم من التصرف المزبور مجازية وتصرف في أصالة الحقيقة. وهكذا إذا قيل: بأن مقتضى الانصراف هو انحصار العلة على الوجه الأعم من الحقيقي، فإنه لا يلزم منه القصور في الانصراف المدعى في المسألة، خلافا لما في " تهذيب الاصول " (4) والأمر سهل جدا. وثانيا: لنا أن نقول، بأن استفادة العلية بالإطلاق دون الانحصار، فإنه مستند إلى القاعدة العقلية، فيتعين التصرف في ناحية الإطلاق المنتهي إلى إثبات العلية، دون ما يثبت به الانحصار.


1 - تقدم في الصفحة 50 - 51. 2 - معالم الدين: 80، مطارح الأنظار: 170 / السطر 35 - 36. 3 - الفصول الغروية: 147 / السطر 26. 4 - تهذيب الاصول 1: 433. (*)

[ 66 ]

نعم، من إسقاط العلية يلزم سقوط الحصر، كما يأتي الكلام حوله إن شاء الله تعالى. الثاني: ما في كلام العلامة المحشي " وهو أن رفع اليد عن إطلاق الحصر، أهون من رفع اليد عن أصل الحصر فتدبر " (1) انتهى. وبالجملة: إن التصرف في أصالة الاستقلال تصرف في أصل الحصر، والتصرف في أصالة الانحصار تصرف في إطلاق الحصر، وفي ذلك الدوران يتعين الثاني، أخذا بحفظ الظهورات على حد الإمكان، من غير أن يكون ذلك خروجا عن الجمع العقلائي. وفيه: منع الصغرى بأن التصرف في العلية والاستقلال، ليس هدما لأصل الحصر، لأن القضية باقية على إفادة الحصر، ويكون مفادها بعد الجمع نفي العلة الثانية، كما عرفت في ابتداء البحث. وبعبارة اخرى: ترجع القضيتان إلى قضية " إذا خفي الجدران والأذان فقصر " ولها المفهوم النافي بالضرورة. هذا أولا. وثانيا: أن التصرف في أصالة الاستقلال، لا توجب الإخلال بمفاد أصالة الحصر، وهو أن الحكم المذكور في التالي مستند إلى العلة الواحدة، ضرورة أن ذلك محفوظ، لأن تركبها لا ينافي وحدتها، بخلاف التصرف في أصالة الانحصار، فإنه يوجب أن يكون للحكم المزبور علتان، فتأمل جيدا. وبعبارة اخرى: التصرف في أصالة الاستقلال، لا يورث حمل الحصر على الحصر الإضافي، بل يكون الحصر باقيا على حقيقته، وتكون العلة ذات جزءين، وأما التصرف في أصالة الحصر فيوجب حمل الحصر على الإضافي. الثالث: أن مقتضى المكاذبة والتكافح بين المنطوقين، هو العلم الإجمالي:


1 - نهاية الدراية 2: 420. (*)

[ 67 ]

بأن القضيتين الشرطيتين إما ترجعان إلى القضية الشرطية الواحدة المعطوفة ب‍ " الواو " وهو قوله: " إذا خفي الأذان والجدران فقصر " أو ترجعان إلى القضيتين المعطوفتين ب‍ " أو " وهو قوله: " إذا خفي الأذان أو خفيت الجدران فقصر ". وهذا العلم الإجمالي قابل للانحلال، لأن التصرف إما يقع في أصالة الحصر، أو في أصالة الاستقلال، فإن وقع في أصالة الحصر فهو. وإن وقع في أصالة الاستقلال فيلزم منه أيضا التصرف في أصالة الحصر أيضا بالضرورة، لأن خفاء الجدران إذا لم يكن مستقلا، فلا يعقل الانحصار بالنسبة إليه، فيتولد هناك علم تفصيلي بالتصرف في أصالة الحصر، وشك بدوي في التصرف في أصالة الاستقلال، فيرجع إلى أصالة الإطلاق لحفظ الاستقلال، دون الإطلاق المنتهي إلى إثبات الحصر، كما هو الظاهر. فبالجملة: قضية انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي والشك البدوي، هي المحافظة على أصالة الإطلاق والاستقلال في ناحية الشك في التصرف في العلية التامة، ويتعين التصرف في ناحية الإطلاق وأصالة الانحصار (1). أقول: ربما يقال إن هذا العلم التفصيلي المتولد من العلم الإجمالي، لا يتمكن من حله، لما يلزم منه الدور والخلف (2)، كما تحرر في بحوث الأقل والأكثر (3)، واختار ذلك " الكفاية " هناك (4)، وأيده الوالد المحقق - مد ظله - (5). نعم، في بعض الأحيان لا منع من الالتزام بانحلاله حكما، نظرا إلى التفكيك بين الأحكام الواقعية والظاهرية، فيجري الأصل لنفي الزائد بغير معارض، كما في


1 - مناهج الوصول 2: 191. 2 - مناهج الوصول 2: 191 - 192، تهذيب الاصول 1: 434. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 26 - 27. 4 - كفاية الاصول: 413. 5 - أنوار الهداية 2: 297، تهذيب الاصول 2: 338 - 340. (*)

[ 68 ]

الأقل والأكثر، وأما فيما نحن فيه فليس النظر إلى إجراء الاصول العملية في مورد الشك البدوي، بل المقصود هو التمسك بأصالة الإطلاق العقلائية، وهو غير ممكن. اللهم إلا أن يقال: بأن بناء العقلاء أيضا على أصل آخر، وهو حمل كل كلام على الإطلاق إلا ما احرز خلافه. ولأحد أن يقول: إنه إحراز أعم من الإحراز التفصيلي، وفيما نحن فيه كذلك، فتأمل جيدا. والذي هو الأقوى في النظر كما أشرنا إليه في ذيل الوجه الثاني، هو أن تقييد أصالة الاستقلال والتصرف فيها، لا يوجب التصرف في أصالة الانحصار، كما أن التصرف في أصالة الانحصار، لا يوجب شيئا في أصالة الاستقلال، فلا علم تفصيلي وشك بدوي في المقام. أما الثاني فواضح. وأما الأول، فلأن مفاد مقدمات الإطلاق المنتهي إلى حصر العلة، ليس إلا أن للحكم المذكور في التالي علة واحدة، وأما أن تلك العلة هل هي خفاء الأذان، أم شئ آخر ؟ فهو خارج عن عهدة ذلك الإطلاق وداخل في عهدة أصالة الإطلاق المنتهي إلى أن شخص خفاء الأذان علة التقصير. فما توهمه القوم: من أن التصرف المزبور يورث التصرف في أصالة الانحصار، منشؤه تخيل أن الإطلاق المنتهي إلى أصالة الانحصار، يفيد أن شخص الخفاء علة منحصرة، مع أن دخالة شخص خفاء الأذان، مستندة إلى الإطلاق المنتهي إلى أصالة الاستقلال. ويتضح ما ذكرناه بالنظر إلى أن أصالة الانحصار إذا كانت مستندة إلى القاعدة العقلية، فكما يكون إثبات أن شخص الخفاء علة تامة على عهدة أصالة الاستقلال،

[ 69 ]

والقاعدة ليست متعرضة إلا لإفادة معنى كبروي، كذلك أصالة الانحصار ليست متعرضة لحدود العلة الشخصية، بل العلة الشخصية مستفادة من الإطلاق الآخر، فافهم واغتنم وتدبر. فعلى هذا، من التصرف في أصالة الاستقلال يلزم تركب العلة، وتكون أصالة الانحصار باقية على حالها، وهو أن الحكم المزبور له العلة الواحدة، وهي بعد التصرف هي خفاء الأذان والجدران معا، فتبقى أصالة الانحصار الحقيقي باقية. وإذا تصرفنا في أصالة الانحصار، يلزم انقلاب الانحصار الحقيقي إلى الإضافي، للزوم كون الحكم المزبور ذا علتين، هما خفاء الأذان، وخفاء الجدران. ومن هنا يظهر مواضع النظر في كلمات العلامة المحشي (1)، وتقريرات الكاظمي (2)، و " تهذيب الاصول " (3) وغيره (4). وإن شئت قلت: إن أصالة الانحصار في كل واحد منهما، تنادي بأن العلة وحيدة، ولا تنادي بأن خفاء الأذان علة وحيدة، وعندئذ بالتصرف في أصالة الاستقلال، لا يلزم التصرف في أصالة الانحصار، لانحفاظ ندائهما بعد، كما ترى. الرابع: أن تقييد العلة التامة وجعل الشرط جزء العلة، يستلزم تقييد الانحصار أيضا، فإنه لا يعقل الانحصار مع كونه جزء العلة، وهذا بخلاف تقييد الانحصار، فإنه لا يلزم منه تقييد العلة التامة كما لا يخفى، فيدور الأمر بين تقييد واحد وتقييدين، ومعلوم أن الأول أولى. وما في تقريرات الكاظمي (رحمه الله): " من أن تقييد العلة التامة يوجب رفع موضوع


1 - نهاية الدراية 2: 419 - 420. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489. 3 - تهذيب الاصول 1: 434. 4 - نهاية الأفكار 2: 485. (*)

[ 70 ]

الانحصار، لا أنه يوجب تقييدا زائدا، كما مر في تقييد الهيئة والمادة " (1) غير متحصل، ضرورة أن الانحصار والعلية التامة يمكن أن يثبتا في عرض واحد، ولا يصير أحدهما موضوعا للآخر. بل قد عرفت: أن معنى الانحصار ليس إلا نفي العلية للآخر، وربما لا يكون من الأوصاف الثبوتية للشئ حتى يكون له الموضوع المفروض (2)، فلا تخلط. فالجواب ما عرفت منا، من إنكار أصل لزوم التقييدين من تقييد أصالة الاستقلال. الخامس: أن رتبة تقييد العلة التامة متقدمة على رتبة تقييد الانحصار، لوضوح أن كون الشئ علة منحصرة أو غير منحصرة، إنما يكون بعد كون الشئ علة تامة، ومقتضى تقدم الرتبة هو إرجاع القيد إلى العلة التامة، وجعل الشرط جزء العلة (3). وما في التقريرات: " من أن تقدم الرتبة لا ينفع بعد العلم الإجمالي بورود التقييد على أحد الإطلاقين، وليس تقدم الرتبة موجبا لانحلاله كما لا يخفى " (4) أيضا في غير محله، ضرورة أن من يتمسك بهذا الوجه يريد إحياء الارتكاز بحل المشكلة من طريقه، ومن ناحية العرف بأن حكم العقلاء في أمثال المقام ليس الإجمال، بل العقلاء يرجعون القيد إلى أصالة الانحصار، دون الأصل الآخر، سواء انحل به العلم الإجمالي، أم لم ينحل، فإنه خروج عن محيطهم، فليتدبر. وإن شئت قلت: نظر المستدل تحليل العلم، وأن العرف - لأجل تلك الرتبة -


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489. 2 - تقدم في الصفحة 47 - 48. 3 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489. (*)

[ 71 ]

يحكم بأن أصالة الانحصار متعينة للتصرف، دون أصالة الاستقلال، وبذلك يكشف حدود الإرادة الجدية، وأن المجعول استقلال كل واحد من المقدمين في العلية. والذي هو الجواب: أن صفة الانحصار إما ليست صفة ثبوتية، أو لا تكون معلول صفة العلية حتى يتأخر عنها بالرتبة، ضرورة أن التأخر والتقدم بالرتبة لا يتصور بين كل شئ مع ملازمه، فربما تعتبر الصفتان المزبورتان معا للموضوع الواحد، كما عرفت في الوجه السابق. السادس: أن الموجب لوقوع المعارضة إنما هو ظهور كل من القضيتين في الانحصار، دون الاستقلال، فما هو السبب الوحيد وما هو منشأ المكاذبة أولى بالتصرف من غيره (1). وبعبارة اخرى: إن أصالة الاستقلال في كل واحد منهما، لا تمنع الاخرى، بخلاف أصالة الانحصار، فلا معنى للتصرف فيما لا يوجب المكاذبة، بل يتعين التصرف فيما هو المنشأ لها والسبب المولد لتلك المعارضة، وبذلك تنحل المشكلة. ولا يقاومه ما قيل: " من أن العلم الإجمالي باق على حاله " (2) لما عرفت أن نظر المستدل إلى حله حسب فهم العقلاء بأن من ذلك التقريب يستكشف محط التصرف والتقييد، وينحل العلم انحلالا حقيقيا طبعا. وإن شئت قلت: مجرد إمكان رفع المعارضة بالتصرف في أصالة الاستقلال لو كان كافيا، بدعوى العلم الإجمالي كما ادعوه (3)، لكان لنا أن نقول: بأن رفع المعارضة يمكن بالتصرف في أصل علية المقدم للتالي، وقد مر منا: أن إثبات أصل


1 - أجود التقريرات 1: 424 - 425، الهامش 1. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489، تهذيب الاصول 1: 434. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 488، أجود التقريرات 1: 424، نهاية الأفكار 2: 484، مناهج الوصول 2: 191. (*)

[ 72 ]

العلية أيضا مستند إلى الإطلاق، دون الوضع (1). وتصير النتيجة على هذا: أن قضية العلم الإجمالي رجوع القيد إما إلى أصالة الإطلاق المنتهية إلى إثبات أصل العلية، أو إلى أصالة الإطلاق المنتهية إلى الاستقلال في العلية، أو إلى أصالة الانحصار، ولا مرجح لكون أحدهما المعين مرجعا للقيد المزبور. ولكن كما أن ظهور القضية في أصل علية المقدم بالنسبة إلى التالي - الذي هو حكم شرعي - محفوظ كما عرفت (2)، كذلك ظهور القضية بالنسبة إلى أصالة الاستقلال محفوظ، ولا موجب لسريان الإخلال إليه، ولايجوز بعد كون منشأ المكاذبة هو الظهور الثالث لها، وهو ظهورها في الانحصار، ولا يبقى حينئذ لدعوى العلم الإجمالي محل ولا مقام، فافهم وتأمل تأملا تاما، فإنه من مزال الأقدام. وهم ودفع ربما يخطر بالبال أن يقال: بأن ما يتراءى في كلماتهم من الإطلاقين - الإطلاق المنتهي إلى إثبات العلية التامة، والإطلاق المنتهي إلى إثبات الانحصار - أو ثلاثة إطلاقات، أو ثلاث أصالات - أصالة العلية، أصالة الاستقلال، وأصالة الانحصار - أو أكثر من ذلك (3)، كله خال من التحصيل، وليس هناك إلا إطلاق واحد ومقدمات واحدة، منتهية إلى أن الشرط هي العلة التامة، ولا شئ آخر يكون علة. فكما أن في قولك: " أعتق رقبة مؤمنة " لا تنعقد ثلاث مقدمات للإطلاق،


1 - تقدم في الصفحة 62. 2 - تقدم في الصفحة 63. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 487 - 489، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 293، نهاية الدراية 2: 419 - 420، نهاية الأفكار 2: 484 - 485، مناهج الوصول 2: 190 - 191. (*)

[ 73 ]

ولا تنعقد الإطلاقات الثلاثة أو الأربعة، بل المقدمات الواحدة تنتج أن مطلق العتق واجب، ومطلق الرقبة المؤمنة واجب عتقها، ويكون الوجوب نفسيا... إلى آخره، كذلك الأمرهنا، ولايجوز ملاحظة كل واحد منها مستقلا، وترتيب المقدمات الخاصة المنتهية إلى إطلاقه مستقلا أيضا، بل هناك مقدمات واحدة منتهية إلى ثبوت الإطلاق في الكلام من كل ناحية، من ناحية الهيئة، والمادة، والموضوع وغيرها، كما لا يخفى. أقول: هذا في غاية المتانة بالنسبة إلى المتعلق والموضوع، وأما بالنسبة إلى الحكم فلا، وذلك لما تقرر منا (1): من أن الإطلاق المتمسك به لإثبات الوجوب النفسي... إلى آخره، غير الإطلاق المتمسك به لإثبات أن الطبيعة بنفسها تمام الموضوع، ولا شريك ولا بديل لها، فإن الإطلاق الأول يرجع إلى الانصراف، والإلقاء بلا قيد لا يثبت به القسم الخاص من الجامع لو كان في البين جامع، والإطلاق الثاني هو الإطلاق المصطلح عليه في المطلق والمقيد، المنتهي إلى إثبات أن ما هو المتعلق تمام الموضوع، وما هو الموضوع هو تمام المراد، ولا شريك ولا بديل في البين. وفيما نحن فيه الإطلاق المتمسك به لإثبات علية المقدم للتالي هو الإطلاق الأول، والإطلاق المتمسك به لإثبات أن الشرط والمقدم تمام الموضوع ولا شريك له هو الثاني، ولا ينبغي الخلط بينهما. وبناء على هذا، تكفي المقدمات الواحدة لإثبات أن الشرط والمقدم تمام الموضوع، ولا شريك له، وبتلك الواحدة يثبت الإطلاق للكلام من كل جانب، فلابد حينئذ من النظر إلى الجانب المنتهي إلى المعارضة في المقام حتى يتصرف فيه. فلا معنى للعلم الإجمالي بورود القيد إما على الإطلاق الكذائي، أو الإطلاق الكذائي، إما بأصالة الاستقلال، أو أصالة الانحصار، بل نعلم بورود القيد على


1 - تقدم في الجزء الثاني 190، وفي هذا الجزء: 26. (*)

[ 74 ]

الإطلاق الواحد المزبور الثابت للكلام الواحد من كل جهة شك في إطلاقه، فإذا قامت القرينة الخارجية على الإخلال في جانب يؤخذ به معينا، ولا شبهة في أن ذلك هو الجانب المنتهي إلى المكاذبة والمعارضة، دون غيره. وبالجملة تحصل: أنه إما لا معنى للعلم الإجمالي، أو على تقدير وجوده فهو منحل حسب فهم العرف وحكمه، بأن المرجع للقيد هي أصالة الانحصار، دون غيره. الوجه السابع: أن التصرف في أصالة الانحصار لا يستلزم فسادا، وأما التصرف في أصالة الاستقلال فيستلزم كون كل واحدة من القضيتين متضمنة حين الصدور لجزء العلة، وهو إخلال بالغرض البعيد عن ساحة المولى، وإلقاء في الخلاف. وحمل ذلك على بعض المصالح حمل على خلاف الأفهام الابتدائية. وقد مر: أن الأصحاب (رحمهم الله) في موقف استفادة علية المقدم للجزاء علية تامة، قد أقروا بهذا الإطلاق، وبنوا على أن إنكاره يوجب الإخلال بالغرض (1)، بخلاف الإطلاق المنتهي إلى إثبات أصالة الانحصار. ولو أمكن المناقشة في هذا الأخير، ولكن الإنصاف أن المحصول منه ومن الوجه السادس، هو تعيين التصرف في أصالة الانحصار، فلاحظ واغتنم. التنبيه الخامس: في تداخل الأسباب والمسببات إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فهل يتعدد الجزاء وجوبا وحكما، أم لا، وعلى تقدير تعدده وجوبا وحكما يلزم أن يتعدد وجودا وامتثالا، أم لا ؟ وهذه المسألة هي المسألة المعروفة ب‍ " تداخل الأسباب والمسببات والعلل والمعاليل ".


1 - تقدم في الصفحة 27 - 28. (*)

[ 75 ]

وقبل الخوض في أصل المسألتين، لابد من تقديم امور لا بأس بها إيضاحا للمسألة، لما فيها النفع الكثير في الفقه: الأمر الأول: حول المراد من " تداخل الأسباب والمسببات " المراد من " تداخل الأسباب وعدمه " هو أنه إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فهل في مقام التشريع والجعل يستلزم تعدد الشرط تعدد المشروط له، وهل يتعدد الحكم في التالي بتعدد المقدم، ويتعدد الإيجاب والجعل بتعدد السبب المذكور في المقدم، أم لا ؟ فإن كان يستلزم تعدد السبب تعدد المسبب والمجعول تشريعا وجعلا، فهو يسمى ب‍ " أصالة عدم تداخل العلل والأسباب " لأن كل سبب أثر في مسببه، واستعقب حكما يخصه. وإن لم يستلزم ذلك، بل يكون السبب المتقدم مستتبعا للحكم في مرحلة التشريع دون التأخر، أو يستلزمان في صورة التقارن حكما واحدا وإيجابا وحدانيا، فهو يسمى ب‍ " أصالة التداخل في الأسباب ". والمراد من " تداخل المسببات وعدمه " هو أنه على تقدير القول بتداخل الأسباب، وأن السبب المتأخر لا يوجب شيئا، وفي صورة المقارنة يكون المجموع مؤثرا وسببا، فلا كلام ولا نزاع في مقام الامتثال، ضرورة كفاية الوجود الواحد والمصداق الفارد. وأما على تقدير القول بعدم التداخل في مرحلة التشريع والجعل، وأنه يكون الوجوب مثلا متعددا بتعدد السبب والعلة، فهل في مقام الامتثال يكفي أيضا المصداق الواحد والامتثال الفارد، أم لابد من الامتثالات حسب تعدد الأسباب، فالأول يسمى ب‍ " تداخل المسببات " والثاني يسمى ب‍ " عدم تداخلها ".

[ 76 ]

فعلى ما تبين واتضح ظهر: أن ما يوهمه عنوان الأصحاب (رحمهم الله) من تداخل الأسباب بما هي أسباب (1)، في غير محله، ضرورة امتناع تداخلها مع الإقرار بالسببية المستقلة، فالمقصود هو تداخل ذواتها في السببية، واجتماعهما في التأثير مثلا. الأمر الثاني: في أنحاء تداخل المسببات ربما يقال: إن البحث في تداخل الأسباب إذا انتهى إلى أصالة عدم التداخل، فيكون البحث في تداخل المسببات على وجه الرخصة، وإذا انتهى إلى أصالة التداخل فيها، فيكون التداخل في مرحلة الامتثال والمسببات على وجه العزيمة (2). مثلا: إذا ورد الأمر بالصلاة عقيب كل واحد من الزلزلة والخسوف، فقال: " إذا تزلزلت الأرض فصل ركعتين " و " إذا انخسف القمر صل ركعتين " فعلى القول بالتداخل بين الأسباب يكون الواجب واحدا، ولايجوز حينئذ الصلاة في مقام الامتثال مرارا، لأنه من الصلاة بلا أمر. وعلى القول بعدم التداخل يتعدد الوجوب والواجب، ويكون المكلف ذمته مشغولة بالصلاتين، وحينئذ إن قلنا بتداخل المسببات يجوز له الاكتفاء بواحدة، كما يجوز له التكرار، فيكون له الرخصة في ذلك. وإن قلنا بعدم تداخلها يتعين عليه التكرار. أقول: قضية التداخل في المسببات مختلفة، فإن قلنا: بأن المسبب المتعدد وجوبا غير متعدد لونا وخصوصية، فيكون الامتثال الأول مجزيا قهرا، وإن قلنا: بأنه


1 - مطارح الأنظار: 175 / هداية، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 489 - 490، نهاية الاصول: 305، مناهج الوصول 2: 192 - 193. 2 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 25، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 490. (*)

[ 77 ]

ذو خصوصية فهو في اختيار العبد والمكلف، وفي كونه من تداخل المسبب إشكال، بل هو يدخل في تداخل بعض المأمور به. مثلا: إذا قلنا بأن مع تعدد الأمر بالغسل عند تعدد سببه، إن الغسل الواحد بنية واحدة يكفي عن سائر الأغسال، فلا يبقى أمر بالنسبة إلى الفرد الآخر، فتكون عزيمة. وأما إذا قلنا: بأن الكفاية منوطة بتعدد النية فهو وإن كان رخصة، إلا أنه خروج عن تداخل المسببات، ودخول في تداخل بعض المسبب، وهو العمل دون نيته التي هي خير منه، ويكون جزء المأمور به بالضرورة، فلا تخلط، ولا تغفل. الأمر الثالث: حول ارتباط هذه المسألة بمسألة تعدد الشرط واتحاد الجزاء يظهر من " الكفاية " (1) و " تهذيب الاصول " (2) أن التنبيه السابق - بتقريب مني - كان متصديا لموضوع البحث في هذا التنبيه، فإنه إن قلنا في التنبيه السابق: بأن كل واحد من الشرطين جزء السبب، فلا يأتي البحث هنا، لما لاتعدد للسبب. وإن قلنا فيه: بأن كل واحد من الشرطين علة مستقلة، فيصح البحث هنا عن التداخل وعدمه، كما صرح به الوالد - مد ظله - في ذيل كلامه. ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن النزاع كما يأتي لا يختص بصورة تعدد السبب نوعا، بل يأتي في صورة تعدد السبب شخصا، فلو فرضنا أن الخسوف والزلزلة - مجموعا - علة لإيجاب الصلاة، وفرضنا تكرار الخسوف والزلزلة، فيكون هو من تعدد السبب، ويندرج في محط البحث، كما سيمر عليك توضيحه (3). وبالجملة: على جميع التقادير في المسألة السابقة يتضح البحث هنا.


1 - كفاية الاصول: 239. 2 - تهذيب الاصول 1: 435. 3 - يأتي في الصفحة 109 - 112. (*)

[ 78 ]

اللهم إلا أن يقال على القول: بأن العناوين المأخوذة في المقدم معرفات لما هو السبب، فإن كان السبب قابلا للتكرار فهو، وإلا فلا يصح البحث، لما لا يتكرر السبب نوعا ولا شخصا حتى يندرج في موضوع الخلاف هنا. وإلى هذا يرجع ما أفاده الفخر (قدس سره) كما يأتي (1): من أن مع الالتزام بأن عناوين الشروط معرفات، لا معنى للنزاع. نعم في إطلاق كلامه نظر، ضرورة أنه مع كونها معرفات يمكن تعدد السبب الواقعي شخصا، فلو لم يتقبل التعدد شخصا - كما اشير إليه - يسقط النزاع طبعا، فلاحظ واغتنم. الأمر الرابع: في اعتبار الوحدة الجنسية والنوعية دون الشخصية والاعتبارية في السبب والمسبب قد عرفت: أن موضوع البحث في المسألة الاولى هو ما إذا تعدد السبب (2)، فلابد وأن يكون السبب قابلا للتعدد النوعي أو الشخصي، كما في الأمثلة المزبورة، وأما إذا لم يكن قابلا لذلك - كما اشير إليه - فلا يكون هو مندرجا في هذه المسألة. وهكذا إذا فرض أن السبب المجعول في القضية هو صرف وجوده، وطبيعي ناقض العدم، وبتعبير آخر أول وجود الطبيعة، فإنه أيضا خارج من محط النزاع حكما، وإن كان قابلا للتعدد عقلا، فلو كان موضوع صلاة الآية صرف وجود الكسوف والزلزلة، فهو خارج عن محط الكلام. هذا في المسألة الاولى. وهكذا في المسألة الثانية: وهي أن تداخل المسببات يكون في مورد يمكن تعددها خارجا.


1 - يأتي في الصفحة 107. 2 - تقدم في الصفحة 75. (*)

[ 79 ]

وبعبارة اخرى: يكون عنوان البحث هكذا " إذا تعدد السبب هل يتعدد المسبب، أم لا ؟ " مع كونه واحدا جنسا أو نوعا، وأما إذا كان واحدا شخصا فلا معنى للبحث عن التعدد، فلو ورد " إن قتل زيد عمرا فيقتل " و " إن ارتد يقتل " فالبحث عن تداخل المسببات بلا وجه، لأن الوحدة المأخوذة في محل النزاع هي وحدة نوعية أو جنسية، دون الوحدة الشخصية. وغير خفي: أنه يلحق بالوحدة الشخصية في الخروج عن محط النزاع الوحدة الاعتبارية، كما إذا اعتبر في الجزاء صرف الوجود الذي يرجع إلى عدم صدقه على الكثير وإن وجد دفعة، باعتبار أن الصرف ما لا يقبل التكرار طولا، ولا عرضا. وربما يقال: إن الوحدة الشخصية في المسبب لا تضر بالنزاع في المسألة الاولى، لإمكان الالتزام بتعدد الوجوب حسب تعدد السبب، ولكن لمكان توحد المسبب شخصا يحمل الوجوب على التأكد، فإن تقدم أحد السببين على الآخر يكون الوجوب المتأخر مؤكدا، وإلا ففي صورة التقارن يحدث الوجوب الواحد المتأكد. وتظهر ثمرة ذلك في أن مخالفة هذا النحو من التكليف الوجوبي ربما تكون من الكبائر، أو تعد من الإصرار أحيانا، فما عن العلامة النائيني هنا (1)، في غير محله. فبالجملة: بحسب التصور لا يضر الوحدة الشخصية في ناحية المسبب بالنزاع في المسألة الاولى، بخلاف المسألة الثانية. ومن العجيب ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) من التفصيل في الوحدات الشخصية (2) بما لا يرجع إلى محصل، ويكون خارجا عن محط الخلاف والكلام ! !


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 491 - 492. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 80 ]

وقد تعرض لكلامه مع جوابه " تهذيب الاصول " (1) فراجع. الأمر الخامس: في المراد من " وحدة الجزاء " المراد من " وحدة الجزاء " هو أن يكون المجعول في القضيتين واحدا عنوانا وقيدا، فلو تعددا عنوانا، أو اتحدا عنوانا وتعددا قيدا وخصوصية، فهو خارج عن محط الكلام في المسألتين، فلو ورد " إن أجنبت فاغتسل " وورد " إن مسست الميت فاغتسل " وكان المأمور به في الاولى غسل الجنابة، والمأمور به في الثانية غسل مس الميت، فهو خارج عن محط البحث، لأن الجزاء متعدد. فلابد من القول بعدم تداخل الأسباب والمسببات إلا إذا قام الدليل الخاص التعبدي، كما في مورد الأغسال (2)، فعد الأغسال من صغريات هاتين المسألتين (3)، في غير مقامه. فما هو الجهة المبحوث عنها: هي ما إذا ورد " إن نمت فتوضأ " و " إن بلت فتوضأ " وكان المأمور به في القضيتين واحدا عنوانا وقيدا. نعم، يأتي في بحوث المسألة الثانية بحث يختص بها: وهو أنه مع تعدد المسبب قيدا، هل يمكن الالتزام بالتداخل أحيانا حسب القواعد العقلية، أم لا ؟ وتفصيل هذه المسألة مذكور منا في الفقه في بحوث نية الصوم (4)، وسيمر بك - إن شاء الله - إجماله في المسألة الثانية (5).


1 - تهذيب الاصول 1: 436 - 437. 2 - الكافي 3: 41 / 1 و 2، تهذيب الأحكام 1: 107 / 279، و 395 / 1225، وسائل الشيعة 2: 261، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، الباب 43. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 491، تهذيب الاصول 1: 436. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل العاشر من الموقف الأول. 5 - يأتي في الصفحة 109 - 112. (*)

[ 81 ]

وغير خفي: أن القيود الموجبة لتعدد الجزاء أعم من القيود الخارجية والذهنية، كالقيود المنوعة لطبيعة الغسل، وتقسم تلك الطبيعة إلى غسل الجمعة، والجنابة وغيره، فإن كل هذه القيود - حسب التحقيق - داخلة في محط الأمر، وبذلك يتعدد الجزاء، ويخرج من محط النزاع. الأمر السادس: في سقوط النزاع بناء على رجوع الشرطية إلى البتية بناء على رجوع القضية الشرطية إلى القضية البتية، فهل يسقط هذا النزاع، أم لا ؟ وجهان. والذي هو الأظهر: أن النظر في المقام ليس محصورا بالقضايا الشرطية، بل يأتي النزاع فيما إذا تعدد العنوان، وكان كل عنوان محكوما بحكم واحد، واتفق انطباقهما على الواحد. مثلا: إذا أرجعنا القضية الشرطية إلى البتية، وقلنا: " إن المجامع يكفر " و " المفطر يكفر " أو قلنا: " إن المجامع يتوضأ " و " النائم يتوضأ " واتفق تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فهل يتعدد الحكم، أم لا، أو إذا تقارنا يتعدد الحكم، أم لا ؟ فلا يختص النزاع في المقام بالقضية الشرطية، بل جهة النزاع أعم من ذلك، وأعم من كون تعدد السبب ثابتا بالأدلة اللفظية، أو كان مما يثبت بالإجماع أو العقل. نعم، ربما يقع من يعتقد برجوع الشرطية إلى البتية (1) في حيص وبيص، كما إذا ورد " إذا انخسف القمر فصل " وما شابهه، فإنه لا موضوع حتى يرجع الشرط إلى عنوانه. اللهم إلا أن يقال: برجوعه إلى أن مدرك الخسوف أو الكسوف أو الزلزلة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 178. (*)

[ 82 ]

يصلي، وهذا أيضا من الشواهد على بطلان الإرجاع المزبور. وربما لا يمكن إرجاعه على النحو المزبور أيضا، كما لو ورد " إذا وجد المسجد " أو " وجد البيت فصل فيه " أو " طف به " فإن الإرجاع المزبور يخل بالمقصود، كما لا يخفى. الأمر السابع: حول الأقوال والاحتمالات في المسألة الأقوال في المسألة حسبما قيل خمسة (1)، والمعروف منها ثلاثة (2): فالمنسوب إلى المشهور عدم التداخل في المسألتين (3). ونسب إلى جمع (4) وفيهم العلامة الخونساري (قدس سره) (5) التداخل، ونتيجة التداخل في الأسباب هو التداخل في المسببات أيضا، كما هو الواضح. وعن الحلي (رحمه الله) التفصيل بين ما إذا تعددت الأسباب نوعا أو جنسا، فقال فيه بعدمه، وما إذا تعددت شخصا فقال فيه بالتداخل (6). وهنا احتمالان آخران: أحدهما: التداخل في المسألة الاولى، وعلى تقدير عدم التداخل يتعين التداخل في المسألة الثانية.


1 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 298، منتهى الاصول 1: 434. 2 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 21 - 22، كفاية الاصول: 239 - 240، مناهج الوصول 2 : 197. 3 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 21. 4 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 21. 5 - مشارق الشموس: 61 / السطر 31 - 33. 6 - السرائر 1: 258. (*)

[ 83 ]

وثانيهما: التفصيل بين حكم العقل والعرف فتأمل. وهنا احتمال ثالث: وهو التفصيل بين ما إذا تقارنا فيكونان سببا واحدا، وإذا لم يتقارنا يكون كل واحد سببا مستقلا. والذي هو التحقيق: أن ما يقتضيه عنوان المسألة هو أن مع تعدد الشرط، واتحاد الجزاء ثبوتا وواقعا، هل يلزم من تعدد الشرط والسبب تعدد الوجوب والمسبب في مرحلة الإنشاء، أم لا ؟ وما تقتضيه أدلة المتخاصمين وكيفية استدلالهم، هو أن تعدد الشرط واتحاد الجزاء صورة وظاهرا، هل يقتضي التصرف في ناحية الشرط لجعل السببين سببا واحدا في التأثير والسببية، أو التصرف في وحدة المسبب، بجعل المسبب كثيرا ومتكثرا بدخول القيد عليه، وتعنونه بعنوان " الشرط " أو بعنوان آخر. وحيث إنهم خلطوا في المقام - حسبما يستظهر من مختلف عباراتهم، مع إمكان البحث عن المسألتين مستقلا، ويختلف فيهما النظر أحيانا، فتكون الأقوال غير واردة على مسألة واحدة - لابد من عقد البحث هنا في مسائل مختلفة حتى يتضح حقيقة الأمر، وإن كان الظاهر أنهم مختلفون في المسألة الثانية في تداخل الأسباب والمسببات، فلا تخلط. ودعوى: أن المسألة الاولى واضحة، ضرورة مع وحدة الجزاء ثبوتا وواقعا يتعين تداخل الأسباب، ولو فرض تعدد المسبب والحكم يتعين تداخل المسببات، لأن الإجزاء قهري، غير صحيحة كما يأتي (1). نعم، ليست المسألة الاولى مثل الثانية في الخلاف، والأمر - بعد ذلك - سهل جدا.


1 - يأتي في الصفحة 88 - 89. (*)

[ 84 ]

الأمر الثامن: في مقتضى الاصول العملية في المقام مقتضى الاصول العملية في المسألة الاصولية، وفي مسألة الشك في تأثير السبب الثاني، أو الشك في تأثيرهما مستقلا عند تقارنهما، عدم التأثير. وهذا هو مقتضى استصحاب العدم المحمولي، ضرورة عدم حالة سابقة للعدم النعتي، مثلا إذا نام بعدما بال، وشك في تأثير النوم، فلا يستصحب عدم تأثير النوم، لما أنه يحتمل أن يوجد مؤثرا. نعم، لنا استصحاب عدم تأثير النوم بعدم جعل الشرع مؤثريته، بناء على إمكان جعل السببية والتأثير في الاعتبار والشرعيات، أي لم يكن النوم المتأخر عن البول في الأزل مؤثرا. وأما بناء على كون التأثير من تبعات الماهيات ولايكون قابلا للجعل عند حدوث الشرع، فلا يجري هذا العدم المحمولي أيضا. وأما إجراء الأصل بجعل عنوان " السبب " مجراه، ونفي السببية عن المتأخر، فهو غير نافع، لما لا أثر شرعا لعنوان " السبب " بل الأثر الشرعي ثابت للسبب بالحمل الشائع، وهو النوم والبول وأمثالهما. ومن هنا يظهر حال الأصل في صورة تقارن السببين، كما لا يخفى. هذا كله في مسألة التداخل في الأسباب. وأما في المسببات بعد الإقرار بعدم التداخل، فيرجع الشك إلى الشك في السقوط، فيكون المرجع قاعدة الاشتغال. هذا حال المسألة الاصولية. وأما حال المسألة الفقهية، فإن جرى الأصل في المسألة الاصولية فهو، وإلا فتصل النوبة إلى البراءة عن التكليف الزائد في صورتي التقارن وعدمه، كما هو الواضح.

[ 85 ]

الأمر التاسع: حول المراد من " المسبب " المراد من " المسبب " هل هو مفاد الهيئة في الجزاء، أم هو مفاد المادة، فيكون التوضؤ مسببا ؟ وقد تعرضنا لذلك - غفلة - في ذات المسألة الاولى، فراجع. تذنيب قد أشرنا في مطاوي بحوثنا السابقة إلى أن البحث في المقام فرع ثبوت الإطلاق لكل واحد من القضيتين، ويكون المطلوب في كل واحد منهما الوجود الساري، لا صرف الوجود، فلو كان الامتثال متخللا بين السببين، ولم يقتض السبب المتأخر شيئا، فهو خارج عن البحث بالضرورة، بل لابد وأن يكون كل واحد في حد ذاته مقتضيا للمسبب حال الانفراد، فلا تغفل، وتدبر جيدا. إذا تبينت هذه الامور فالكلام يقع في مسألتين حسبما عرفت منا، وفي كل مسألة جهتان من البحث: بحث عن تداخل الأسباب، وبحث آخر عن تداخل المسببات: المسألة الاولى: في تعدد الجزاء حكما الجهة الاولى: في الأسباب لو تعدد الشرط واتحد الجزاء حقيقة وثبوتا، وكانت وحدته مفروغا منها، فهل يمكن الالتزام باقتضاء كل واحد من الشرطين أثرا مخصوصا به وسببا خاصا،

[ 86 ]

أم لا ؟ وهذا هو الجهة الاولى. والذي هو التحقيق في هذه المسألة: أن تعدد الأمر تأسيسا مع وحدة الآمر والمأمور غير ممكن، لأن تشخص الأمر التأسيسي والإرادة المظهرة بالمراد، ولو كان المراد واحدا في الإرادتين فلابد وأن تكون الإرادة واحدة بالسنخ وإن كانت متعددة بالشخص، وإذا كانت هي واحدة فالحكم واحد، ولكن الثاني يكون تأكيدا. إن قلت: الإرادة في جميع أنحاء الأحكام واحدة بالسنخ، مع تعدد الحكم تأسيسا. قلت: نعم، إلا أن المراد من الوحدة السنخية هو أن الإرادة فيما نحن فيه مع وحدة المراد - وهو التوضؤ وصلاة الآية - تنشأ من منشأ واحد، وميزان تعدد الحكم تعدد مناشئه، لاختلاف الحكم باختلاف تلك المناشئ الراجعة إلى المصالح والمفاسد، ولا شبهة في أن التوضؤ بطبيعته الوحدانية، ليس إلا ذا مصلحة موجبة للأمر به، ولا معنى للأمرين التأسيسيين في هذه الصورة. إن قلت: ليس معنى للإرادة التأكيدية وللبعث التأكيدي، بل الأمر الثاني - كالأمر الأول - تأسيسي، إلا أن بعد ملاحظة وحدة المتعلق يحكم بأن الوجوب متأكد، والثاني مثلا مؤكد للأول من غير أن يكون الثاني منشأ بعنوان التأكيد (1). قلت: الأمر كذلك، ولكن المقصود من " التأسيس " هو كون الثاني مستتبعا للعقاب الخاص، وللثواب والإطاعة المخصوصة، مع أن الأمر ليس كذلك، فالمقصود من نفي التأسيس هو نفي ذلك بنفي آثاره الخاصة، وعندئذ يرجع السبب الثاني إلى سقوطه عن السببية، سواء كان تعدد السبب نوعيا، أو كان تعدد السبب شخصيا.


1 - مناهج الوصول 2: 205 - 206. (*)

[ 87 ]

وقد مضى تفصيل هذه المسألة في بحوث اقتضاء الأمر للتكرار وعدمه (1)، وبعض المناسبات الاخر (2)، ولعله من المسائل الواضحة بالتأمل وإن خفي على بعض أهله، كما ترى. إن قلت: مع وحدة الآمر وغفلته، يمكن الالتزام بتعدد الأمر التأسيسي في مفروض الكلام. قلت: نعم، إلا أنه مضافا إلى امتناع الغفلة في الشرع الإسلامي، لا يخرج بذلك الأمر الثاني عن التأكيدي إلى التأسيسي، لما لا يترتب عليه آثاره من تعدد العقاب والثواب بعصيانهما. والقول بالاشتداد فيهما مجرد تخيل، لأنه لابد من إثبات التعدد حتى يشتد، ولا شبهة عقلا ولا في نظر العقلاء بأن الثاني لا يستعقبه شئ من آثار الأمر التأسيسي. نعم، إذا أمر الوالد بشئ، والام بذلك الشئ يتعدد الأمر التأسيسي بالضرورة، كما يتعدد بتعدد المكلف والمأمور. وتوهم: أن وحدة الطبيعة تستلزم وحدة المصلحة الباعثة للأمر، في غير محله، لأن أغراض الآمرين ربما تكون مختلفة حسب أوامرهم، كما لا يخفى. مع أن تعدد العقاب تابع لتعدد الأمر التأسيسي، وهو مع وحدة الآمر والمأمور والمأمور به غير ممكن، فتأمل جدا. وربما يقال: إن من الممكن كون الطبيعة مهملة، وعندئذ مع وحدتها يمكن تعلق الأمرين التأسيسيين بهما (3).


1 - تقدم في الجزء الثاني 211 - 214. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 136 - 137 والجزء الثالث: 12 - 15. 3 - نهاية الأفكار 2: 486. (*)

[ 88 ]

وغير خفي: أن الإهمال الثبوتي غير معقول، فيكون خارجا عن محط الكلام، للزوم تعدد السبب، والإهمال الإثباتي ممكن، ويكون حينئذ أيضا خروجا عن البحث، لما عرفت: من أن الفرض ثبوت الإطلاق. ومن هنا يظهر: أن ما نسب إلى الشيخ الأعظم (قدس سره) في " تقريرات " جدي العلامة (رحمه الله): " من أن المراد من المسبب هو التوضؤ " (1) في غير محله إذا كان مورد كلامه هذه المسألة، لما لا يعقل مع وحدة الوجوب البحث عن تداخل الأسباب وعدمه، فيعلم منه أن المقصود هو التوضؤ، ويكون هو المسبب الواحد ثبوتا. نعم، في المسألة الآتية يجوز أن يجعل كل من الوجوب والطبيعة مرادا من " المسبب " من غير الحاجة إلى التأويل، ومن غير كونه اضطرابا في كلامه (رحمه الله) كما في تقريرات سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (2) فراجع. وكان ينبغي أن نبحث عن ذلك في الامور السابقة كما لا يخفى، والأمر سهل. الجهة الثانية: في المسببات لو فرضنا إمكان صدور الأمر الثاني تأسيسا، وإمكان كونهما في حال المقارنة مستقلين، فلا شبهة في تداخل المسببات، ضرورة أن تمام ما هو المأمور به بالأمر الثاني عين الأول، فإذا امتثله المكلف فقد أطاع عن الأمرين، وامتثل التكليفين. مثلا: إذا أمر الأب بالتصدق على زيد بدرهم عند مجيئه، وأمرت الام بالتصدق عليه بدرهم عند صلاته مثلا، فإنه يتوجه إلى الابن أمران تأسيسيان،


1 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 23 - 24 و 180 / السطر 1 - 20. 2 - نهاية الاصول: 307. (*)

[ 89 ]

ويكفي الامتثال الواحد وإعطاء زيد درهما بالضرورة، لأنه تمام ما يطلبه الأب والام. نعم، إن قلنا: بأن الإجزاء اختياري في أمثال المقام أيضا، كما صورناه في مثل الصلاة المعادة وصلاة الآيات، قضاء لحق الأدلة النافذة لهذا الاعتبار العرفي (1)، فيمكن أن يقال بإمكان بقاء الأمر الثاني أو الأول بعد الامتثال، ولكنه خارج عن البحث هنا، وهو مسألة إمكان الاكتفاء بالامتثال الواحد وعدمه. ثم إن من الممكن دعوى عدم حصول الامتثال في التعبديات إلا بقصد الأمر، فلو امتثل مرة بقصد الأمر المعين، فلا يتحقق الامتثال بالنسبة إلى الأمر الثاني. ولكنه مضافا إلى عدم تمامية الكبرى، خارج أيضا عن المقصود بالبحث كما اشير إليه، وهو إمكان الامتثال بالواحد عن الاثنين. اللهم إلا أن يقال: إن عبادية كل واحد من الأمرين تقتضي أن يمتثل مستقلا، وقصدهما معا يضر بكل واحد منهما، للزوم كونه منبعثا عن الأمر على سبيل الجزئية، وهو غير صحيح، لأن الشرط هو الانبعاث من كل واحد من الأمرين على سبيل العلية التامة، وعلى هذا لابد من تكرار الامتثال حتى يكون مجزيا عن كل واحد من الأمرين، فتأمل جيدا، والمسألة واضحة في محلها (2). المسألة الثانية: في تعدد الامتثال إذا تعدد السبب واتحد الجزاء حسب الظاهر، فهل يجب الأخذ بظاهر المقدم وهو تعدد السبب، والحكم بعد ذلك بتعدد الجزاء، قضاء لحق التعدد المستفاد من المقدم، أم يجب الأخذ بظاهر المسبب وهي وحدته، والحكم بوحدة السبب


1 - تقدم في الجزء الثاني: 270 - 273. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 257 - 259. (*)

[ 90 ]

وتداخل الذوات في السببية ؟ وقد عرفت: أن المراد من " الجزاء " في هذه المسألة كما يمكن أن يكون مفاد الهيئة، يمكن أن يكون نفس الطبيعة والمادة، فإن كان الأول فيلزم من تعدد الوجوب والحكم تعدد المتعلق والطبيعة. وبعبارة اخرى: يلزم من تعدد السبب بناء على عدم التداخل، تعدد المسبب بالذات، وهو الوجوب مثلا، ومن تعدد الوجوب تعدد المادة والمتعلق، لعدم إمكان تعدده مع وحدته كما مر (1). وإن كان الثاني، فيلزم من تعدد السبب تعدد المسبب وهي الطبيعة، وهو التوضؤ مثلا، ومن تعدد الطبيعة تعدد الوجوب والحكم، لامتناع تخلف الحكم عن موضوعه. فلو ترى في كلمات الشيخ من جعل المسبب تارة: مفاد الهيئة، واخرى: نفس المادة (2)، فهو لأجل عدم الفرق كما عرفت. وما في تقريرات العلامة الأراكي (رحمه الله): من قياس الشرطيات التشريعية بالتكوينية، بجعل المادة هي المراد من " المسبب " (3) خال من التحصيل، لبطلان القياس. وغير خفي: أن مسألة قابلية السببية للجعل مستقلا، أو تبعا وعدم قابليتها له مطلقا، أجنبية عن هذا البحث، ولا يتوقف الكلام في المقام على تلك المسألة، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 85 - 86. 2 - مطارح الأنظار: 175 / السطر 23 - 24، و 176 / السطر 28. 3 - نهاية الأفكار 2: 489. (*)

[ 91 ]

التحقيق في أصل مسألة تداخل الأسباب والمسببات والبحث هنا يقع في جهات: الجهة الاولى: في الوجوه الدالة على التصرف في المقدم أو التالي إذا تعدد الشرط والسبب نوعا واتحد الجزاء، فهل يتعين التصرف في ظاهر المقدم، أم يتعين التصرف في ظاهر التالي ؟ بعد العلم الإجمالي بلزوم التصرف في أحدهما، لامتناع بقائهما على حالهما، وهو تعدد السبب ووحدة المسبب. مع أن إطلاق كل واحد من المقدم والتالي، يقتضي تعدد السبب في المقدم، ووحدة المسبب في الجزاء والتالي. ولأجل ذلك اختلفوا في هذه المسألة وهي تداخل الأسباب وعدمه، وذكروا وجوها لتعيين أحد الظهورين: الوجه الأول: أن تعدد السبب مستند إلى الدلالة الوضعية أو ما يقرب منها، لأن كل واحدة من القضيتين تدل على دخالة الشرط، إما بالوضع كما مر (1)، أو لأجل خصوصيات نفس القضية، ولو كان السبب المقدم - وهو البول مثلا في المثال المعروف - علة تامة، والنوم المتأخر ساقطا عن العلية، يلزم سقوط القضية عن الدلالة بالمرة، وهو خلاف الأصل، بخلاف التصرف في الجزاء، فإنه بالتصرف فيه، وتقييده على الوجه الموجب لتعدده القابل لتعلق الأوامر الكثيرة به، يتحفظ على مفاد الشرط، ولا يلزم سقوط دلالتها كما لا يخفى، ولا تلزم لغويتها في عبارة اخرى. وإن شئت قلت: إن استناد الجزاء إلى الشرط - لأجل الإطلاق الراجع إلى


1 - تقدم في الصفحة 21 - 25. (*)

[ 92 ]

الانصراف والفهم الخاص من القضية - كفهم الوجوب النفسي من الأمر، لا الإطلاق المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد، ووحدة الجزاء مستندة إلى الإطلاق المصطلح عليه في الباب المزبور، وإذا تعارض الإطلاقان يتعين الأول، لأقوائيته، ولأنه ليس من الإطلاق الحاصل من رفض القيود، بل هو ناشئ من المعنى المستند إلى كثرة الاستعمال، وانس الذهن، وإلى القرينة العدمية، وهي عدم التعليل بأمر آخر غير الشرط، فعندئذ يكون السبب المتأخر باقيا على سببيته الإجمالية، ومقتضى ذلك بقاؤه على عليته التامة، فيكون الجزاء متعينا للتصرف. مع أن التصرف في الجزاء من التصرف الشائع وهو التقييد، حتى بلغ الأمر إلى أن شاع " ما من عام إلا وقد خص ". وغير خفي: أن نتيجة هذا التقريب تفصيل بديع في المسألة، وهو أن في صورة المقارنة يكون السببان متداخلين، وفي صورة التعاقب يكون السبب المتأخر مؤثرا، وذلك لأن في الصورة الاولى يكون أصل الاستناد محفوظا، وفي صورة التعاقب - لمكان لزوم إسقاط أصل الاستناد، وطرح الإطلاق المصطلح عليه في باب الأوامر والنواهي - يلزم ثبوت أصل العلية والاستناد، وبعد ثبوت ذلك لابد من التصرف في الجزاء وطرح إطلاقه، بأخذ الإطلاق المنتهي إلى إثبات العلية التامة للشرط، حذرا من التالي الفاسد المذكور. وبعبارة اخرى: بعدما يتعارض الإطلاق المصطلح عليه في البابين، مع إلاطلاق المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد، يتقدم الإطلاق الأول، ونتيجة تقدمه التفصيل بين الصورتين، لأن في صورة التقارن يكون الإطلاق المصطلح عليه في البابين باقيا على حاله، والإطلاق الموجود في الجزاء أيضا غير معارض، وفي صورة التعاقب يكون السبب المتأخر - حسب تقديم الإطلاق الأول - باقيا على أصل السببية، وحيث إنه لا معنى له لابد من تتميم السببية بالإطلاق المصطلح عليه

[ 93 ]

في باب المطلق والمقيد، وأن ما هو تمام السبب هو النوم، وعندئذ يتعين التصرف في إطلاق الجزاء، فيكون المأمور به غسل الجمعة والجنابة ومس الميت، أو الوضوء البولي والنومي، أو غير ذلك من القيود الممكن تصورها. وهم ودفع ربما يمكن أن يقال: إن الخطابات المفروضة في القضيتين ليست شخصية، حتى يقال بلزوم كون الخطاب المتأخر في صورة التداخل لغوا والأمر بالوضوء إنشاء محضا، بل الخطابات حسب التحقيق قانونية كلية، فلا يكون المتأخر لغوا بعد كون السبب المتأخر متقدما بالنسبة إلى الشخص الآخر، أو بالنسبة إلى المكلف الواحد في حال اخرى. قلت: نعم، إلا أن الظاهر من كل واحدة من القضيتين - حسب الانحلال الحكمي، وكونهما من القضايا الحقيقية عرفا وحكما - أن كل بول يكون سببا للوضوء، وكل وضوء سببا للنوم، والتصرف في الصدر بإسقاط أصل سببية النوم المتأخر، خلاف هذه القاعدة المستفادة من الإطلاق المصطلح عليه في البابين، وأما التصرف في الذيل بتقييده فخلاف الإطلاق المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد، فافهم واغتنم، وكن على بصيرة من أمرك. وهم آخر ودفع قال الاستاذ البروجردي (قدس سره): " إن نظر القوم إلى بيان ما يكون قرينة على تقييد المتعلق، مع أن عمدة الإشكال إنما هو في قابلية المتعلق للتقيد، إذ لا مقيد في البين بالبداهة إلا ما هو يتوهم من قيد الغيرية، بأن يكون المتعلق للوجوب في كل واحد من الخطابين، عبارة عن الوضوء المقيد بكونه غير ما هو المتعلق في الخطاب

[ 94 ]

الآخر، وذلك يستلزم نظر كل منهما إلى الآخر، ولا يمكن الالتزام به. وبالجملة: لابد أولا من إثبات إمكان القول بعدم التداخل، ثم البحث في المسألة في مقام الاستظهار وتقديم أحد الإطلاقين على الآخر، فتدبر " (1). أقول: هذا منه في غير محله، لإمكان تعنون الطبيعة بعنوان الشرط، كما في مثل " إذا أجنبت فاغتسل " و " إذا أدركت الجمعة فاغتسل " و " إذا مسست الميت فاغتسل " فإنه يمكن تقييد كل واحد منها بعنوان " الجنابة، والجمعة، ومس الميت " وفيما نحن فيه يكون الأمر بالوضوء في الأول مقيدا بالوضوء البولي، وفي الثاني بالوضوء النومي. وهذا كان - لشدة وضوحه - مخفيا عليه (قدس سره). وأما إذا كان السبب متعددا بالشخص، فهو يأتي في الجهة الآتية المقيدة لخصوصيات بحوثه إن شاء الله تعالى (2). وأما حديث أخذ العلة في المعلول (3) فمما يضحك عليه. وأما حديث أن التقييد المزبور مع إطلاق الهيئة يورث وجوب الجنابة ومس الميت، فهو أفحش من سابقه. الوجه الثاني: بناء على التداخل يلزم أن يكون المولى في حال إنشاء كل واحد من القضيتين مخلا بغرضه، وغير واف بمطلوبه ومقصوده، وذلك لأن في صورة تقارنهما يكون كل واحد من السببين جزء العلة، وقد أخل المولى بغرضه حيث جعل كل واحد - حسب الإطلاق - تمام العلة. وفي صورة التعاقب يكون ما هو السبب مقيدا بعنوان " التقدم " أي يكون البول المتقدم على النوم علة وسببا وهكذا، مع أنه أخل بذلك، وجعل كل واحد سببا


1 - نهاية الاصول: 309. 2 - يأتي في الصفحة 109 - 112. 3 - نهاية الاصول: 308. (*)

[ 95 ]

مستقلا، سواء تقارنا، أو تعاقبا. وأما بناء على عدم التداخل فلا يلزم شئ مما ذكر إلا تقييد الجزاء، وهو أمر رائج دائر في الفقه من أوله إلى آخره. وفيه: أن الإخلال المذكور أيضا يلزم في ناحية الجزاء، لأن المطلوب إذا كان مقيدا فقد أخل به في صورة الإطلاق. وتوهم: أن الإخلال بالغرض في ناحية الشرط يتكرر، لأنه في صورة التقارن قد أخل بجعل ما هو الجزء كلا ومستقلا، وفي صورة التعاقب قد أخل بجعل ما هو المطلق موضوعا، مع أنه مقيد بصورة النوم المقدم على البول، في محله، إلا أنه يتكرر أيضا في ناحية الجزاء، لأن المطلوب في إحدى القضيتين هو غسل الجمعة، والاخرى هو غسل الجنابة، مع أنه أخل بهما بجعل نفس الطبيعة تمام الموضوع. ودعوى: أنه يكفي تقييد واحد (1)، غير مسموعة، لما لا يعقل بقاء الآخر على إطلاقه، كما تحرر في محله، وتصير النتيجة تقييد كل واحد من الإطلاقين في الجزاءين، فلارجحان لأحدهما على الآخر. هذا مع أن كون ذلك من الإخلال بالغرض الذي لابد من الفرار منه، حتى يكون أحدهما راجحا على الآخر إذا استلزم أقلية الإخلال، محل المناقشة والمنع، وترجع المسألة إلى لزوم التقييد الواحد والكثير، ومجرد تعدد التقييد الأكثري في ناحية الموضوع، لا يوجب رجحان تقديم إطلاق الصدر على الذيل. ومن هنا يظهر النظر في الوجه الآتي. الوجه الثالث: وهو أن قضية التداخل تقييد كل واحد من القضيتين في ناحية الشرط بالقيدين، فيكون مجموع التقييدات أربعة، وذلك لأن من الالتزام


1 - نهاية الدراية 2: 427 - 428، نهاية الأفكار 2: 486. (*)

[ 96 ]

بالتداخل يكون كل واحد من الشرطين، جزء العلة والسبب في صورة التقارن، ويكون كل واحد منهما مقيدا بعدم الآخر في صورة التعاقب، وإذا لوحظ ذلك بالنسبة إلى كل واحد من الدليلين، يلزم التقييدات الأربعة، وأما من الالتزام بعدم التداخل فلا يلزم إلا التقييدان، كما هو الواضح. ودعوى: أنه ليس من الواضح تقييد منطوق كل واحد بالآخر مستقلا، بل إذا قيد أحد المنطوقين بالآخر يلزم تقييد المنطوق الآخر بالأول، غير مسموعة، ضرورة أن من الممكن أن يكون البول جزء العلة مثلا، ولايكون النوم مثله، فلابد من تقييد كل منطوق بمنطوق آخر حتى يثبت التداخل. اللهم إلا أن يقال: بأنه غير صحيح للزوم اللغوية، ضرورة أن النوم مثلا إذا كان سببا مستقلا فإن كان هو المقدم، فيستند إليه المسبب، وإذا كان هو المتأخر والبول متقدما، فلا داعي إلى اعتبار جزئيته للسببية، وهكذا في صورة التقارن، فلا يكون إلا تقييدان في ناحية الصدر أيضا، كما لا يخفى. الوجه الرابع: ما في " الكفاية " ولعله مأخوذ من " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره) (1): " وهو أن ظهور الجملة الشرطية في كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب ومقتضيا للتعدد، بيان لما هو المراد من الإطلاق، ولا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الإطلاق، ضرورة أن ظهور الإطلاق يكون معلقا على عدم البيان، وظهورها في ذلك صالح لأن يكون بيانا، فلا ظهور له مع ظهورها، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلا، بخلاف القول بالتداخل، كما لا يخفى " (2) انتهى. وفيه: ما عرفت فيما سبق من أن العلية التامة لكل واحد من الشرطين، تثبت


1 - مطارح الأنظار: 179 / السطر 15 - 22. 2 - كفاية الاصول: 242. (*)

[ 97 ]

بالإطلاق المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد (1)، والإطلاق المحرز في الجزاء يقتضي كون الطبيعة تمام الموضوع، ولا قيد لها. ولو أمكن أن يكون إطلاق الصدر قرينة لأمكن عكسه، لعدم انعقاد الإطلاق للصدر، وعدم استقراره بعد إمكان لحوق القيد به، فإذا استقر كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، يمكن أن يصير كل واحد قرينة على الآخر أيضا، فتدبر. وتخيل أن ظهور الصدر مقدم على ظهور الذيل فيما نحن فيه، لأن الجزاء جملة مستقلة، غير نافع، ضرورة أن المتكلم يصح أن يجعل ذيل كلامه قرينة على الصدر وإن كانا مستقلين. مع أن صدر كل واحد مع ذيله غير متنافيين، بل التنافي يحصل من العلم الإجمالي: بأن القضيتين ليستا باقيتين على الإطلاقين في الصدر والذيل، للزوم الامتناع العقلي. الوجه الخامس: ما يوجد في تقريرات العلمين الأراكي (2) والنائيني (رحمهما الله) (3) مع ما فيها من الغرائب البعيدة عن ساحتهما وساحة المسألة رأسا، ولاسيما في الأول منهما، فراجع. مع أن أصل الوجه في " تقريرات " جدي العلامة (رحمه الله) (4) وتبعها العلامة المحشي (رحمه الله) (5) أيضا. وهو أن الجزاء لا ظهور له في وحدة المطلوب وتعدده، بل هو بلا اقتضاء من هذه الجهة، وإنما يجزئ الواحد في امتثال الأمر، لكونه مما يتحقق به المأمور به، ولذلك يتحقق الامتثال أيضا بفردين من الطبيعي المأمور به إن اتي بهما دفعة واحدة،


1 - تقدم في الصفحة 27 - 28. 2 - نهاية الأفكار 2: 486. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 493. 4 - مطارح الأنظار: 179 / السطر 15 - 18. 5 - نهاية الدراية 2: 425 - 426. (*)

[ 98 ]

فعلى هذا لا يقع التعارض بين ظهور الجزاء وظهور الشرطين الدالين على التعدد، لأن الأول بلا اقتضاء، دون الثاني. وبعبارة اخرى: لو دل الدليل على أن المطلوب متعدد، لا يعارضه حكم العقل المزبور، بل يكون ظهور القضية الشرطية في تأثير الشرط مستقلا في الجزاء، رافعا حقيقة لموضوع حكم العقل بأن المطلوب واحد يحصل امتثاله بإتيانه مرة وواردا عليه، انتهى. ولا أظن أنهم اتكلوا على أمثال هذه التخيلات في الاجتهاد المحتاج إلى استقرار الظهور في محيط العرف. مع أن كل واحد من الصدر والجزاء، لا ظهور لهما في الاستقلال والوحدة لفظيا، حسبما هو الواضح عندهم ومصرحين به، وإذا كان كل واحد بالإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيد، فلا مرجح لأحدهما على الآخر، والإطلاق الثابت للجزاء لا يثبت الوحدة ولا التعدد بمفهومهما الأولي. ولكن مقتضى ذلك هو أن الوضوء تمام المطلوب، ولا شئ آخر دخيل، وعندئذ كيف يمكن تأثير السببين بإيراد الطلبين على الموضوع الواحد ؟ ! فلابد من أحد الأمرين حفظا للسنخية: وهو إما إرجاع التعدد الثابت بإطلاق الصدر إلى الواحد بالوحدة النوعية بالحمل الشائع، لا بمفهومه. أو إرجاع الجزاء إلى المتعدد بإيراد القيدين على الوضوء، حتى يحصل لكل مؤثر متأثر، ولا مرجح في البين. وبالجملة: دعوى أن العقل يحكم بلزوم الوحدة في الجزاء، وإطلاق الشرط بيان بالنسبة إليه (1)، مدفوعة بدعوى: أن العقل يحكم بلزوم وحدة الشرط بعد حكمه بوحدة الجزاء، فيكون إطلاق الجزاء بيانا لإطلاق الشرط، ولإرجاع كل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 493. (*)

[ 99 ]

شرط إلى عدم الاستقلال في العلية. فما هو الحجر الأساس، أن مقدمات الإطلاق في الجزاء لا تورث عنوان الوحدة، ولكن تستتبع أن الطبيعة بلا قيد تمام الموضوع، ولا جزء ولا قيد لها، ومقتضى ذلك وحدة الشرط، ومقدمات الإطلاق في الصدر تستتبع تعدد الجزاء، ولا وجه لترجيح التصرف في أحدهما المعين دون الآخر حسب الصناعة. الوجه السادس: ما ارتضاه الفقيه الهمداني (1)، واتخذه مسلكا شيخ مشايخنا جد أولادي (قدس سره) (2) في اخريات عمره، وربما يوجد ذلك في بعض حواشي " الكفاية " (3) وفي " تقريرات " جدي العلامة (رحمه الله) (4): وهو أن مقتضى قياس التشريع بالتكوين أن اشتغال الذمة يتكرر بتكرر سببه، كما هو الأمر في التكوين بعد وجود المقتضي وعدم المانع. وفيه: أن القياس غير جائز، مع أن قضية القياس هي التداخل في صورة التقارن، بل والتعاقب كما لا يخفى. والذي هو المهم إثبات تعدد السبب واقعا، ومجرد اقتضاء الإطلاق لا يكفي، لاحتمال كون إطلاق الجزاء قرينة عليه، فلم يحرز تعدد السبب. نعم، إذا احرز ذلك فلابد وأن يتكثر الاشتغال، وتصير النتيجة كشف القيد في الطبيعة على الوجه المحرر. الوجه السابع: ما عن " تقريرات " جدي العلامة (رحمه الله) (5) أيضا، ويوجد في


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 126 / السطر 9 - 29. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 174، الهامش 1. 3 - نهاية الدراية 2: 426. 4 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 11 - 12. 5 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 1 - 3. (*)

[ 100 ]

" مصباح الفقيه " للهمداني (رحمه الله) (1): وهو أن قضية القواعد اللفظية سببية كل شرط للجزاء مستقلا، ونتيجة ذلك تعدد الفعل المشتغل به، ولو لم يتعدد ذلك فهو إما لأجل عدم المقتضي، أو لأجل المانع، وكلاهما منتف. وفيه ما لا يخفى من المخالطة، وذلك لأن الالتزام بشقيه كليهما ممكن، فكما يمكن دعوى: أن ذلك لوجود المانع، وهو إطلاق الجزاء المثبت لمرادية الطبيعة بما هي هي من غير قيد، ولا يدفع ذلك بما ذكره في ذيل كلامه (2)، كذلك يمكن دعوى: أنه لأجل الشك في المقتضي، ضرورة أن كون السبب متعددا غير معلوم إلا بعد استقرار ظهور الصدر على الذيل بإعدامه وإفنائه، وهو أول الكلام، فلو كان إطلاق الجزاء مقدما فلامقتضي لتعدد الفعل المشتغل به رأسا، فلا تخلط. وتوهم: أن الاقتضاء ثابت مطلقا (3)، فاسد جدا. الوجه الثامن: أن كل واحد من الشرطين في حد ذاته يقتضي - لولا إطلاق الجزاء - تعدد السبب، وكل واحد من المثبتين في الجزاء - قضاء لحق أولوية التأسيس على التأكيد - يقتضي تعدد الطبيعة والوجود، لامتناع تعدد الوجوب التأسيسي، كما مر في المسألة الاولى (4)، فتأسيسية كل واحد من المثبتين والمتحركين تستلزم وجود قيد في المأمور به حتى يتعدد، والذي يقتضي خلاف كل ذلك هو إطلاق المادة، والتصرف فيه - بناء عليه - أهون عرفا. وإن شئت قلت: لنا الشك في إطلاق المادة، بمعنى أنه لا معنى لإطلاق المادة


1 - مصباح الفقيه، الطهارة: 126 / السطر 8 - 24. 2 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 3. 3 - مصباح الفقيه، الطهارة: 126 / السطر 23. 4 - تقدم في الصفحة 86 - 87. (*)

[ 101 ]

إلا إطلاق الحكم المتعلق بها، وقد تقرر في محله: أن ما اشتهر من إطلاق المادة مع قطع النظر عن الحكم (1)، مما لا أساس له ولا يتصور، فما هو المطلق هو الحكم المتعلق بالمادة، وحينئذ للمتكلم أن يتكل على قرينة أولوية التأسيس على التأكيد حتى في غير ما نحن فيه. فلو قال المولى في دليل: " توضأ " ثم أرسل في دليل آخر " توضأ " وأمر بالوضوء ثانيا، يدور الأمر بين التأسيس والتأكيد، والأول مقدم، وتصير النتيجة فيما نحن فيه تقديم الصدر على الذيل، لعدم ثبوت الإطلاق في ذيل كل واحد من القضيتين ذاتا. وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من الشك، فلا معارض لإطلاق الشرط والصدر كما لا يخفى. لا يقال: لا معنى لأولوية التأسيس من التأكيد إلا إذا اريد من الأمر التأكيدي الأمر المستعمل في التأكيد، أو في الاستحباب، أو الإرشاد، وكل ذلك خطأ، وقد مر منا (2): أن الأمر التأكيدي ليس إلا مثل التأسيسي في المبادئ والإرادة، ولو اختلفا في ذلك للزم أن لا يكون تأكيد، فالتأكيد في مورد يتحد الأول والثاني فيه كما لا يخفى، وإذا كان كل واحد عين الآخر فلا معنى لأولوية التأسيس من التأكيد، لأن كل واحد من المثبتين وجوبي (3). لأنا نقول: نعم، الأمر كذلك، إلا أن اختلافهما في التبعات والآثار، ضرورة أن الأمر الثاني - فيما إذا كان ينتزع منه التأكيد باعتبار وقوعه عقيب الأول مع


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 443. 2 - تقدم في الصفحة 86 - 87. 3 - لاحظ مناهج الوصول 2: 205. (*)

[ 102 ]

اتحادهما في المتعلق - لا يكون موضوعا للإطاعة والعصيان، ولا مستتبعا للثواب والعقاب، ولا يسأل عنه، ولا يؤاخذ عليه استقلالا، بخلاف الأمر التأسيسي، ولا شبهة في أن كل أمر في حد ذاته ظاهر في أنه مستقل في هذه التبعات والآثار، فيدور الأمر بين قرينة وحدة المتعلق، وقرينة ذلك، فإن قدم أولوية التأسيس من التأكيد يلزم عدم التداخل فيما نحن فيه، وهكذا إذا شك. وإن قدمنا ذاك فيلزم التداخل بالنتيجة، كما مر في مقدمات المسألة (1). وغير خفي: أن الطبيعة ليست بحد ذاتها إلا مهملة، ولا تدل على الوحدة حتى يتوهم أقوائيتها في الوحدة من أولوية التأسيس (2)، نعم هي موضوعة للبعث. وقضية مقدمات الإطلاق هو أنها تمام الموضوع، ولا قيد لها في مقام الإرادة والبعث. وإنما الشأن في حصول تلك المقدمات، لإمكان الاتكال على القرينة الموجودة. وبعبارة اخرى: يصلح للإضرار بها وجود ما يصلح للقرينية، ولا نحتاج إلى القرينة الموجودة. وإن شئت قلت: لابد أولا من إمكان إثبات وحدة المراد بإطلاق الجزاء، حتى يمكن أن تكون قرينة على التصرف في الذيل، ومع وجود الارتكاز العقلائي - وهو أن كل أمر ظاهر في أنه مستقل وموضوع للعصيان والإطاعة، ومستتبع للثواب والعقاب - لا يمكن إتمام مقدمات الحكمة في الجزاء، فلا معارض رأسا لإطلاق الشرط. الوجه التاسع: قضية إطلاق الشرط هو العموم الاستغراقي، وقضية إطلاق الذيل ليس شيئا وراء كون الطبيعة تمام الموضوع، وإذا وقع التعارض - ولو كان بالعرض - بين العام والمطلق يقدم العام، لأنه بيان للمطلق دون العكس، ولأجله قيل


1 - تقدم في الصفحة 89 - 90. 2 - مناهج الوصول 2: 206. (*)

[ 103 ]

فيما يتعارض العام والمطلق اللذين بينهما العموم من وجه بتقديم العام (1). وبالجملة: مقدمات الإطلاق في المقدم تفيد أن كل بول سبب، وكل نوم سبب، وفي التالي لا تفيد إلا صرف الوجود والطبيعة، ولا شبهة في عدم إمكان الأخذ بالعموم والإطلاق المزبور، فعندئذ يقع التعارض بين العام والإطلاق في البول المتأخر، وتكون قضية العموم أنه سبب، وقضية الإطلاق عدم سببيته، ولايقاوم الإطلاق العموم المزبور، إما لأجل أنه متعرض لخصوص الفرد المذكور، فيكون بيانا لذلك الإطلاق. أو لأجل أنه يقتضي سببية البول المتأخر مستقيما، وأما الإطلاق النافي فهو بطريق غير مستقيم يقتضي عدم السببية. وعلى كل تقدير: يقدم ذاك على هذا، وهكذا في صورة التقارن، فليتأمل. الوجه العاشر: نسبة الجزاء إلى الشرط نسبة الحكم إلى الموضوع، وقضية ذلك إما تقديم إطلاق الصدر على الذيل مطلقا، أو في صورة خاصة، وهي ما إذا كانت القضيتان هكذا: " من نام فليتوضأ " و " من بال فليتوضأ " وأما في الشرطيتين الصريحتين فلا يكون الجزاء حكما للشرط. وبعبارة اخرى: إطلاق الموضوع والشرط ناظر إلى استتباع كل بول لوضوء يخص به، أو لوجوب يخص به، وهكذا في ناحية النوم، وأما إطلاق الجزاء فلا يكون ناظرا إلى الموضوع وإلى ما في الصدر، ضرورة أن الإطلاق في الجزاء ثابت للهيئة بالنسبة إلى المادة، لا للهيئة والمادة بالنسبة إلى العلة والسبب، فعندئذ يكون النظر من ناحية الصدر نظرا مستقيما إلى الذيل، لما لا معنى لاعتبار كون البول موضوعا إلا باعتبار الوضوء المترتب عليه، وأما في ناحية الذيل فلا يكون فيه


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 729 - 731. (*)

[ 104 ]

نظر مستقيم إلى الصدر إلا بضميمة حكم العقل، وهذا يكفي في ترجيح جانب الصدر على الذيل. تذييل: في التمسك بالارتكاز العقلائي لإثبات تعدد الأسباب كان ينبغي أن تكون المسألة معنونة على وجه آخر، وهو أن تقديم الصدر على الذيل، وإطلاق المقدم والشرط على إطلاق التالي والجزاء، وإطلاق الموضوع على الحكم المقصود في المقام، مما يرتكز عند عامة العقلاء وكافة الفقهاء، إلا الذين اتخذوا سبيل العقليات في فهم الشرعيات. نعم، لابد حسب الصناعة من توجيه السبب في حكم العقلاء وفهمهم، كما في مسألة الأمر والوجوب، ومسألة الأمر واقتضائه عند الإطلاق النفسية والعينية... إلى آخرها، وهكذا في ناحية النهي من غير انتظار إشكال في أصل هذه المسألة وما ذكرنا من الوجوه. ولو أمكن المناقشة في كل واحد برأسه، ولكن يحصل من المجموع أن الارتكاز يساعد على ذلك، ويكفي ذهاب المشهور (1) إليه لأمثال هذه البحوث العرفية، ولا يعتنى بتدقيقات جمع من الأفاضل إلا تشحيذا للأذهان وترغيبا في إمعان النظر والاجتهاد. فعلى هذا، القول بعدم التداخل في أمثال هذه القضايا من الواضح الغني عن البيان، إلا مع قيام القرائن الخاصة، كما في بعض الموارد في كتاب الطهارة، أو الكفارات، على ما هو المحكي في بعض الكلمات (2)، فراجع.


1 - راجع مطارح الأنظار: 175 / السطر 20 / و 177 / السطر 17، وكفاية الاصول: 242، ودرر الفوائد: 174. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 498 - 499. (*)

[ 105 ]

حول اختيار الوالد المحقق لتعدد السبب والمسبب قد مضى في ذيل الوجوه السابقة: أن من الممكن أن يقال بتعدد السبب، حفظا لإطلاق الشرط، وتعدد المسبب وهو الوجوب، من غير أن يلزم تعدد المادة والوضوء، وبذلك يجمع بين الإطلاقين، والعرف لا يحكم إلا بأن عقيب كل سبب وجوب، وأما أن كل وجوب متعلق بموضوع على حدة فهو أمر آخر خارج عن مسألتنا، ولا يلزم من ذلك كون الوجوب الثاني مجازا أيضا، كما عرفت منا (1). نعم، يلزم أن يكون الوجوب متأكدا، وهذا مما لا بأس بالالتزام به. فما نسب إلى العقلاء من الحكم بعدم التداخل صحيح، إلا أنه لا يلزم منه عدم التداخل المقصود في الباب، وهو تعدد الطبيعة والوضوء في المثال المعروف، ولا داعي إلى دعوى تعدده بعد إمكان الأخذ بإطلاق كل واحد من الصدر والذيل. وبالجملة: لا موجب للتصرف في أحد الإطلاقين. أقول: هذه شبهة أوضحها السيد الوالد المحقق - مد ظله - وسد ثغورها بما لا مزيد عليه، إلى أن التزم بأن التمسك بأولوية التأسيس من التأكيد هنا غير تام، لإطلاق المادة، وهو رافع لموضوع قاعدة " التأسيس خير من التأكيد ". ثم تعرض - مد ظله - للوجهين اللذين ذكرهما الشيخ (2) لتحكيم ذلك، وأن تعدد السبب ينتهي إلى تعدد المادة، وأجاب عنهما، ومن شاء فليراجع " تهذيب الاصول " (3) ولا حاجة لنا إلى الطواف حول ذلك أصلا.


1 - تقدم في الصفحة 84 وما بعدها. 2 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 1 - 24. 3 - تهذيب الاصول 1: 443 - 447. (*)

[ 106 ]

وبالجملة: قضية هذه الشبهة سقوط الوجوه المتمسك بها لترجيح الإطلاق في ناحية الصدر على الذيل، لأنه فرع لزوم التصرف في أحد الإطلاقين، وفرع العلم الإجمالي بعدم إمكان الأخذ بهما مجموعا، ولو كان المسبب هو الوجوب القابل للتعدد على الوجه المزبور فيتعدد المسبب، من غير أن تشتغل الذمة بأكثر من طبيعة واحدة، وهي الوضوء من غير قيد وتعدد. ومقتضى الشبهة العقلية حمل الوجوبين على التأكيد، ولأجل وحدة المتعلق لا يبقى وجه للتمسك بقاعدة " التأسيس خير من التأكيد " وتصير النتيجة هي أصالة التداخل، كما هو الواضح. قلت: تندفع هذه الشبهة بما تحرر في محله من أن الإرادة من الصفات التي تحتاج في وجودها إلى المبادئ، ولا يمكن أن توجد في النفس جزافا (1). وهذا من غير فرق بين الإرادة الفاعلية والآمرية، فإنها أيضا تكوينية متعلقة بالبعث نحو المادة. وبناء على هذا، إذا تعدد السبب فإما يرجع ذلك إلى أن التعدد صوري، والسبب الواقعي واحد، فيكون من الكواشف الشرعية عن السبب الواقعي، ويصير معرفا لما هو السبب. أو يكون ما هو المأخوذ في الدليل حسب الأصل اللفظي، مؤثرا بنفسه وسببا وموضوعا بعنوانه، وبالجملة دخيلا بما له من المعنى. فإن كان من قبيل الأول، فلا تكون الإرادة الباعثة نحو الوضوء إلا واحدة. وإن كان من قبيل الثاني، فلا يعقل أن تكون تلك الإرادة واحدة، لما عرفت من احتياجها إلى المبادئ في وجودها وتحققها. ولو كان البول والنوم مرآتين للحدث الذي هو الجامع، فلا يكون الأمر إلا


1 - تقدم في الجزء الثاني: 40 - 41 و 49. (*)

[ 107 ]

واحدا، ويكون معلول الإذعان بذلك الحدث، ويترشح عقيب التصور والتصديق إرادة التشريع والبعث، ومع وحدة الجامع المتصور لا تتعدد الإرادة بالضرورة. وإذا كانا مؤثرين ودخيلين كل مع قطع النظر عن الآخر فلتصور البول، والتصديق بأنه يوجب الوضوء ويستتبع إيجاب الوضوء، وتصور النوم كذلك، ولا يعقل كون إرادة الإيجاب واحدة، لتعدد المبادئ المنتهية إلى تعددها بالضرورة. فعلى هذا، تنحل معضلة المسألة بما لا مزيد عليه، من غير الحاجة إلى الوجوه الاخر العرفية. وإلى ما ذكرناه يرجع ما عن فخر الإسلام (قدس سره): " من أن الأسباب إن كانت معرفات لا يترتب عليه مسألة عدم التداخل، بخلاف ما إذا كانت مؤثرات " (1). والمراد من " المؤثرات " هي الدخيلات في الحكم، كما لا يخفى. فما أورده الفخر (رحمه الله) على والده (قدس سره) في محله بحسب التصور، لا التصديق، ضرورة أن الأصل اللفظي يقتضي كون الشرط بعنوانه دخيلا، لا بجامعة، وما أوردناه على والدنا - مد ظله - في محله أيضا عقلا وعرفا، ضرورة أن مقتضى حكم العقل - مع فرض تعدد السبب - تعدد الإرادة الإلزامية على وجه التأسيس لا التأكيد، وقضية حكم العرف في القضيتين الشرطيتين وأمثالهما، دخالة العناوين بما لها من المعاني في ترشح الإرادة لا بجامعها، فليتدبر واغتنم. ومن هنا يظهر: أن أصحابنا المتأخرين كأنهم لم يصلوا إلى مرام الفخر (رحمه الله) في المسألة، وظنوا أنه لا يرجع إلى محصل (2). نعم، لايتم ما أفاده (قدس سره) في المسألة الآتية، وهي ما إذا تعدد السبب تعددا


1 - إيضاح الفوائد 1: 145. 2 - كفاية الاصول 2: 492، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 492، مطارح الأنظار: 176 / السطر 2 - 27. (*)

[ 108 ]

بالشخص، كما لا يخفى. تنبيه: في اندفاع شبهة " العوائد " بما في " المطارح " يمكن أن تندفع الشبهة المزبورة المشار إليها في " عوائد " النراقي (قدس سره) أيضا (1) بما اشير إليه في " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره) (2) وهو ببيان منا: أن المرتكز العقلائي والأفهام العرفية ناهضة على أن المجعول في الجزاء والطبيعة المأمور بها، تقلع أثر الشرط وتدفع خاصته، ولا تكون الأوامر والنواهي إلا مترشحات عن تلك الخواص والآثار المودعة في تلك الطبائع، حسب مذهب العدلية. وحمل تلك الأوامر على المصلحة في الجعل وإن كان يدفع به مشكلة عقلية وهي نسبة الجزاف إلى الحق عز اسمه ولكن هو خلاف بناء الأصحاب (رحمهم الله) والارتكاز جدا. فعلى هذا، لا ينتقل العرف من قولك: " إذا بلت فتوضأ " إلا إلى أن البول يستتبع أثرا، وذلك الأثر يمحى بالوضوء وهكذا من غير توجه إلى الوجوب والحكم، فلو تعدد السبب فيكون كل من البول والنوم مقتضيا لأثر يخصه، ولا يرتفع ذلك إلا بالوضوء المخصوص به، فيتعدد المزيل لتعدد الأثر. نعم، هذا هو وجه عرفي لا عقلي، ضرورة إمكان زوال الأثر المستند إلى الوضوء الواحد. بل ولو كان أثر كل من البول والنوم مخالفا للآخر، يمكن أن يكون الوضوء مزيلا لهما بحسب الثبوت، ولكن العرف ينتقل من كل من السببين إلى تعدد الأثر واستتباع جهة خاصة به لاتزول إلا بمزيل مخصوص به، فليتدبر جيدا.


1 - عوائد الأيام: 102. 2 - مطارح الأنظار: 179 / السطر 15 - 24. (*)

[ 109 ]

بحث وتفصيل: في حكم صورتي التعاقب والتقارن لا شبهة في صورة التعاقب على ما عرفت منا، من أن الأصل عدم تداخل الأسباب (1). وأما إذا تقارنا فقد عرفت منا: أن بعض الوجوه السابقة تنتهي إلى التداخل فيها. وأما حكم العقلاء فهو غير واضح عندي في صورة المقارنة، لقوة انتقالهم من العلل التكوينية في صورة الاجتماع إلى العلل التشريعية، فكما أن النار والشمس متداخلتان في تسخين الماء حال الاجتماع، فكذلك البول والنوم والزلزلة والكسوف وهكذا، فلا يحصل من تقارنهما تعدد الفعل المشتغل به، فليتأمل. الجهة الثانية: في حكم التعدد الشخصي للشرط إذا تعدد الشرط شخصا، فهل هنا تتداخل الأسباب، أم لا ؟ قولان: فعن المشهور كما عرفت عدم التداخل (2)، وعن الحلي (رحمه الله) التداخل هنا (3) وإن قال بعدمه فيما سبق (4). وربما يقال: إن مقتضى بعض كلمات الشيخ (5) وما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (6)، هو عدم التداخل هنا، والتداخل فيما سبق، عكس تفصيل الحلي (7)،


1 - تقدم في الصفحة 104. 2 - تقدم في الصفحة 82. 3 - السرائر 1: 258. 4 - تقدم في الصفحة 82. 5 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 1 - 26. 6 - نهاية الاصول: 308 - 309. 7 - نهاية الاصول: 307، تعليقة المقرر. (*)

[ 110 ]

والأمر سهل. والذي لابد من الإشارة إليه هنا امور، حتى يتضح حقيقة الأمر في هذه المرحلة: أحدها: أن في هذه المرحلة لا يتصور التقارن، فتكون الوجوه المستند إليها في البحث السابق - الراجعة إلى أن التصرف في إطلاق الشرط يكون من ناحيتين، بخلاف التصرف في إطلاق الجزاء - كلها ساقطة، وهكذا كل وجه يرجع إلى ذلك، كما لا يخفى. ثانيها: أن الشبهة التي أوردها السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) على أساس المسألة من امتناع تقييد الجزاء (1)، تجري هنا، وما جعلناه مفرا منها وحلا لها في تلك المرحلة (2) لا يأتي في هذه المرحلة، ضرورة أن تقييد الوضوء والغسل بعنوان الشرط - وهو الجنابة والبول والنوم وهكذا - كان ممكنا هناك، ولا يمكن هنا، فلابد من التقييد بوجه آخر وهو المرة الثانية والتكرار وغير ذلك، وسيأتي في بحث تداخل المسببات إشكال هذا النحو من التقييد بما لا مزيد عليه (3). ويمكن أن يقال: بأن مقتضى ما استدل به لإثبات امتناع التقييد، هو أن كل واحد من الدليلين ليس ناظرا إلى الآخر (4)، وهذا فيما نحن فيه غير تام، لوحدة الدليل كما لا يخفى. ثالثها: أن الشبهة التي أوضحها الوالد المحقق - مد ظله - (5) على أساس البحث تأتي هنا، وما جعلناه جوابا وحلا لها (6) لا يأتي هنا، لأن المفروض هنا تعدد


1 - نهاية الاصول: 309. 2 - تقدم في الصفحة 93 - 94. 3 - يأتي في الصفحة 114 - 116. 4 - نهاية الاصول: 309. 5 - تقدم في الصفحة 105. 6 - تقدم في الصفحة 106 - 107. (*)

[ 111 ]

السبب من نوع واحد، فيكون المراد في ناحية السبب واحدا، والمجعول للسببية هو النوم، فلا يلزم منه تعدد الإرادة على الوجه المحرر فيما سبق. اللهم إلا أن يقال: لو فرضنا تعدد السبب، فلابد وأن يكون ذلك بلحاظ كثرة الوجود، فإذا كان مصداق النوم الموجود أول الزوال سببا، فلابد من كون الملحوظ هي الطبيعة المتخصصة بالوجود، لا نفسها، وحيث إن وجود المصداق الثاني غير وجود المصداق الأول، فلا يكون هناك جامع حتى يكون هو السبب بذاته، فإذا لم يكن جامع فلابد وأن تتعدد إرادة الإيجاب في ناحية الجزاء، وهو يقتضي تعدد المادة في تلك الناحية حتى لا يلزم محذور عقلي، وهو تعدد الإرادة التأسيسية مع وحدة المتعلق، كما مر مرارا بما لا مزيد عليه (1). رابعها: يمكن دعوى أن استفادة تعدد السبب هنا مشكل، لأن الإطلاق لا يفيد إلا أن النوم مثلا تمام العلة، والإطلاق السرياني مما لا أساس له، ولأجل هذا يشكل تصوير تعدد السبب هنا وفي المسألة السابقة على الوجه المقصود في المقام: وهو أن كل نوم يستتبع الوضوء، وكل بول كذلك. ولأجل هذه الشبهة لابد من التوسل إما بفهم العرف أن الأمر كذلك، كما في قوله تعالى مثلا: * (أحل الله البيع) * (2) وأمثاله، أو بالبحث فرضا، لإمكان أن يوجد في الفقه أحيانا قرينة لفظية في الأدلة الخاصة على السريان، كما إذا افيد ذلك بلفظة " كلما " و " مهما " وأمثالهما، وإلا فما هو القدر المتيقن من تعدد السبب ما إذا تخلل الامتثال بين الأسباب، وأما إذا لم يتخلل فلا دليل على سببية كل فرد من النوم، أو على سببية البول والنوم، فلاحظ واغتنم. وبعبارة اخرى: لو فرغنا من المسألة الاصولية يكون البحث لغوا، لما


1 - تقدم في الجزء الثاني: 137 و 257 - 258، والجزء الثالث: 12. 2 - البقرة (2): 275. (*)

[ 112 ]

لا يوجد في الفقه مورد يحرز السببية المطلقة حسب الدليل حتى يكون صغرى هذه المسألة إلا شاذا. إذا حصلت هذه الامور، فمن ملاحظة بعض الوجوه السابقة - بضميمة حكم العقلاء، مع قطع النظر عن القرائن الخاصة - تكون أصالة عدم التداخل محكمة. اللهم إلا أن يقال: بأن مفروغية المسألة حسب نظر العقلاء عندنا غير واضحة، وإذا راجعنا الأمثلة الخاصة في محيطهم - مع قطع النظر عن الأمثلة الشرعية - نجد كثيرا ما خلاف ذلك، فالحق أن تأسيس الأصل اللفظي والعقلائي في هذه المسألة، في غاية الإشكال، لاختلاف الأمثلة، ولاختلاف خصوصيات الموضوعات والطبائع المأخوذة في نفس القضايا. وإلى هذا يرجع القول بالتداخل في مسألة نواقض الوضوء، ومسوغات التيمم، وموجبات الغسل وأمثالها، ولا يظهر لي أن ذهاب الأصحاب (رحمهم الله) في هذه المواقف إلى التداخل كان لأجل الإجماع أو القرائن الخاصة، بل ربما كان ذلك لشهادة نفس الموضوعات عليه، كما تشهد على عدم التداخل في مواقف اخر، ويشكل الأمر في ثالث، والله ولي التوفيق. الجهة الثالثة: حول تعدد المسبب وعدمه بناء على تعدد السبب والمسبب، فهل يتداخل المسبب، أم لا، أو يفصل بين ما إذا تعدد السبب شخصيا، وما لو تعدد نوعيا ؟ والكلام يقع في مقامات: المقام الأول: في مرحلة الثبوت، وأنه هل يعقل الالتزام بالتداخل، أم لا ؟ والمقام الثاني: في أنه بعد الفراغ من إمكان التداخل، هل يقتضي القواعد الأولية جوازه، أم لا ؟

[ 113 ]

والمقام الثالث: في أنه بعد الفراغ من عدم جواز التداخل والامتثال مرة واحدة، فهل هناك دليل على التداخل، أم لا ؟ وقبل الخوض في هذه المقامات لابد من تقديم مقدمة: وهي أن تقييد الجزاء فيما يتعدد السبب نوعا، ويكون الجزاء مما لا يكون له الموضوع، بل الجزاء مشتملا على الحكم والمتعلق كما في الأغسال وأمثالها، ممكن وواضح، ويكون نتيجة التقييد تباين الجزاءين، فإن غسل الجمعة والجنابة بعد التقييد متباينان بالضرورة، ولا يتصور هنا التقييد على وجه تكون النسبة عموما من وجه. وإذا تعدد السبب شخصيا يكون تقييد الجزاء على سبيل آخر، فيكون الغسل متقيدا بالجنابة الاولى والثانية، أو يتقيد الوضوء بالمرة والمرة الثانية، أو الفرد الثاني مريدا بذلك عنوان الفرد، لا الفرد الخارجي كما لا يخفى. وأما إذا كان للجزاء موضوع زائد على المتعلق، كما في قولك: " إن ظاهرت فأعتق رقبة " و " إن أفطرت أعتق رقبة " فإنه كما يمكن تقييدهما على وجه تكون النسبة بينهما عموما مطلقا، يمكن تقييدهما على وجه تكون النسبة بينهما العموم من وجه. وبعبارة اخرى: كما يمكن أن يقيد بقولك: " أعتق الرقبة الهاشمية " و " الرقبة العالمة " يمكن أن يقيد بالقرشية وغير القرشية وهكذا. وأما إمكان تقييد الطائفة الاولى على وجه تكون النسبة عموما مطلقا، فهو محل الخلاف، وهكذا الطائفة الثانية والمحرر منا في محله امتناعه (1)، لأنه كما يمتنع تعدد الوجوب التأسيسي مع وحدة المتعلق، كذلك في هذه الصورة، كما لا يخفى وجهه، ومر تفصيله في بحوث الضد (2) واجتماع الأمر والنهي (3).


1 - تقدم في الصفحة 465 - 467. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 377. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 143 - 149. (*)

[ 114 ]

المقام الأول: في إمكان تداخل المسبب ثبوتا إذا تبينت هذه المقدمة بتفصيل منا، فالكلام يقع في المقام الأول ومرحلة الثبوت، وهناك شبهات: الاولى: ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره): " من دعوى امتناع تداخل المسببين، وذلك لأن متعلق التكاليف حينئذ هو الفرد المغاير للفرد الواجب بالسبب الأول، ولا يعقل تداخل الفردين من ماهية واحدة. بل لا يعقل ورود دليل على التداخل أيضا على ذلك التقدير إلا أن يكون ناسخا لحكم السببية " (1) انتهى. وفيه أولا: أنه لايتم فيما لو تعدد السبب نوعا، فإن الغسل لأجل ورود القيد عليه يكون متنوعا، ولا يكون هنا فرد أو فردان من ماهية واحدة. وثانيا: لا معنى لأن يكون الفرد الخارجي مورد الأمر حتى يمتنع التداخل، بل ما هو مورد الأمر لو كان فهو عنوان الفرد بالحمل الأولي، وعندئذ يمكن دعوى كفاية المصداق المنطبق عليه العنوانان. وبعبارة اخرى: لو أمكن ترشح الإرادتين على واحد عنوانا - لأجل البعث إلى الفردين منه من غير تقييد في مقام الثبوت - لأمكن الالتزام بالتداخل، بل يتعين التداخل كما يأتي (2). وثالثا: قد عرفت أنه في بعض الأحيان، تكون النسبة بين الجزاءين بعد التقييد عموما من وجه، وإمكان الالتزام بالتداخل هنا موجود أيضا. الثانية: ما يظهر من " الكفاية " على القول بالامتناع، وهو أن قضية امتناع


1 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 36 - 37. 2 - يأتي في الصفحة 119 - 120. (*)

[ 115 ]

اجتماع الحكمين المتضادين على واحد، امتناع اجتماع الحكمين المتماثلين على واحد، فلو كان القيد المفروض في الجزاء موجبا لكون النسبة بين الجزاءين تباينا، فلا يعقل التداخل بين المتباينات. وإن كان موجبا لكون النسبة عموما من وجه مثلا، فيلزم اجتماع المثلين على واحد شخصي إذا اريد الامتثال الواحد المجتمع فيه العنوان، للزوم كون المجمع معروض الوجوبين، وهو أيضا ممتنع، فعلى هذا لا يعقل التداخل حتى يبحث عن مسألته (1). وفيه: ما تحرر في محله (2) أولا، وأن التماثل والتضاد ممنوع بين الأحكام ثانيا، وبأن الخارج ظرف الاتصاف لا الوجود ثالثا، فتأمل. الثالثة: فيما يتحد السبب نوعا ويتعدد بالشخص، إن قيد الجزاء على صورة التكثير الفردي بأن يقال بعد السبب الأول: " توضأ " وبعد السبب الثاني: " توضأ وضوء آخر " فهو غير معقول، لأجل أن الإطلاق الأول أيضا لابد وأن يطرأ عليه القيد كما عرفت (3)، ولا يمكن بقاؤه على الإطلاق. وإن قلنا: بأن الجزاء في هذه الفرض يصير هكذا " توضأ وضوءين " يلزم إشكال عقلي آخر: وهو أنه إذا توضأ مرة واحدة فقط، فيلزم أحد الامور الآتية على سبيل منع الخلو، والكل باطل، ضرورة أن الوضوء المزبور لا لون له حتى يسقط به أحد الأمرين معينا، فإما يلزم سقوطهما، أو سقوط واحد منهما لا بعينه، أو عدم سقوطهما، والكل غير جائز. فعندئذ لابد من تقييد الوجود على وجه يكون له لون خاص، وهذا أيضا


1 - كفاية الاصول: 240 - 241. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 211 - 212. 3 - تقدم في الصفحة 95. (*)

[ 116 ]

يستلزم إشكالا: وهو عدم جواز الاكتفاء بالوضوءات بعد تكرر أسبابها، وعدم جواز الاكتفاء بصلوات الآيات عند تحقق الزلازل الكثيرة، لأن كل جزاء متلون بلون مخصوص به لابد من قصده حين الامتثال، لتعلق الأمر به كسائر القيود الذهنية، وهذا مما لا يلتزم به الفقيه. ولو قيد الوضوء المتعقب بالنوم الأول بالوضوء الأول الكذائي، فيلزم أن يكون ذلك قيدا ولو لم يتعقبه النوم الثاني، مع أن الضرورة قاضية بخلافه، فإن تقييد الوضوء عقيب النوم الأول لأجل السبب والنوم الثاني، وإلا فلا يكون له المقيد، ولا حاجة إليه. وعندئذ يلزم إشكال ثالث: وهو أن في الشريعة وفي القانون، كيف يتصور القيد على وجه لا يلزم التلاعب في إرادة المولى ؟ ! فليتأمل (1). أقول: يمكن دفع الشبهة الأخيرة بأن المجعول يكون على نحو القضية الحقيقية وهي " أن كل مصداق من النوم سبب لوضوء يخص به " وبذلك يستفاد من القانون أن كل مصداق من النوم أو البول وهكذا، يستتبع مصداقا من الوضوء، من غير الحاجة في هذا المقام إلى التقييد بالسبب الأول أو الثاني، حتى تلزم الشبهة والإشكال الثاني الذي مر في كلامنا. وأما الإشكال الأول: وهو أنه في مقام الامتثال إذا امتثل المكلف واحدا من الوضوءات، فلابد أن يلزم على سبيل منع الخلو أحد المحاذير المزبورة، فهو مندفع بما تحرر منا في كتاب الصوم عندما أفتى الأصحاب (رحمهم الله) بأنه لا يعتبر في نية قضاء


1 - فإن المسألة مشكلة جدا لو لوحظ أطرافها، فإن من المكلفين من لا يبتلى إلا بالنوم في يوم الخميس مثلا، ومنهم من يبتلى بالبول، ومنهم من يبتلى بالنومين، ومنهم من يبتلى بالبولين، ومنهم من يبتلى بالنوم قبل البول، ومنهم بالعكس، فلاحظ (منه (قدس سره)). (

[ 117 ]

شهر رمضان قصد اليوم المعين، بل يكفي أن يأتي بقضاء شهر رمضان: وهو أن القيود المزبورة العقلية دفعا للشبهة في مقام الامتثال بل وفي مقام الجعل - لامتناع تعلق الإرادة المتعددة بالعنوان الواحد - مما لابد منها ومن قصدها، وعدم التزام الفقهاء بذلك لا يوجب خللا في المسألة، كما لا يخفى. نعم، في مثل قضاء رمضان والصلوات التزمنا بأن المأمور به واحد، وهو عنوان " القضاء " على إشكال هناك إثباتا (1)، وأما فيما نحن فيه فلا يمكن، لأن كل واحد منها أداء، كما في صلوات الآيات بالنسبة إلى سببية كل زلزلة، وهكذا في كل مورد يكون المسبب باقيا على أدائيته، ولايكون المجموع مورد الأمر على حدة، فإنه خروج عن مسألة التداخل كما لا يخفى. المقام الثاني: في مقتضى القواعد الأولية بعد إمكان التداخل عقلا لاشبهة في عدم التداخل في مرحلة الإثبات إذا كان تقييد الجزاء على نعت التباين، بحيث كان الوضوء المسبب عن البول بحسب الخصوصية الخارجية من الأجزاء أو الترتيب، غير الوضوء المسبب عن البول الآخر أو النوم، لامتناع كون هذا مسقطا لأمر آخر متعلق بشئ آخر وإن كان بحسب الاسم والطبيعة واحدا عرفا، كما لا يعقل إجزاء صلاة المغرب عن العشاء، وهذا واضح. وهكذا إذا كان القيد الوارد على الجزاء قيدا ذهنيا، كعنوان " غسل الجمعة " و " الجنابة " وأمثالهما مما لا يرتبط بطبيعة الجزاء بحسب الأجزاء الخارجية، وكان المكلف يريد حين الغسل القيد المزبور الذهني، من غير قصد قيد آخر، فإنه أيضا لا معنى لصحة الاجتزاء به عن الآخر بالضرورة.


1 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل السادس من الموقف الأول. (*)

[ 118 ]

وإنما الإشكال فيما إذا قصد القيود الذهنية الواردة على الطبيعة، كما إذا قصد حين الغسل الجمعة والجنابة ومس الميت والزيارة وهكذا، أو القيود الذهنية الواردة على طبيعة الجزاء فيما يكون السبب متعددا بالشخص، فإنه ربما يمكن أن يقال بالتداخل، وذلك لأن المكلف يتمكن من أن يجيب عن كل أمر، فإن أمر " اغتسل للجمعة " لا يدعو إلا إلى طبيعة الغسل مع قصد، وهو قد امتثله، وهكذا سائر الأوامر. هذا إذا تعدد السبب نوعا واضح. نعم، إذا تعدد السبب شخصا فيمكن دعوى: أن كل فرد من السبب يدعو إلى فرد من طبيعة الجزاء، وهو لا يحصل إلا بتكرار الوضوء بحسب الخارج. وبالجملة: لا يبعد دعوى جواز التداخل في صورة تعدد السبب نوعا، لما أنه لا يكون الجزاء إلا نفس الطبيعة المتقيدة، وقد امتثل المكلف أمرها، وأما في صورة تعدد السبب شخصا فلابد من تعدد المسبب شخصا، وهو لا يعقل إلا بتعدد المصداق الخارجي، ولا يكفي المصداق الواحد، فليتأمل جيدا. هذا كله فيما كان تقييد الجزاء على نعت التباين. وفيما إذا كان على نعت العموم من وجه وغير التباين فتارة: يتكلم عن جواز هذا النحو من التقييد. واخرى: في تداخل المسببات. أما في جوازه فالظاهر ذلك، لأنه لا دليل على لزوم كون القيد الوارد على الجزاء في مثل: " إذا أفطرت أعتق رقبة " و " إذا ظاهرت أعتق رقبة " موجبا لتباين الجزاءين، لأن وجه التقييد هو العقل، وهو لا يقتضي أزيد من ذلك. وأما في تداخلها، فالتفصيل الذي عرفت منا هناك يأتي هنا، وهو ما إذا تعدد السبب نوعا، فلا يقتضي كل سبب إلا طبيعة عتق الرقبة الهاشمية، وطبيعة عتق الرقبة العالمة، وفي صورة التصادق على واحدة يلزم سقوط الأمرين، لتمامية الجواب بالضرورة.

[ 119 ]

نعم، إذا كان القيد موجبا لتباينهما بحسب الخارج، فيكون أحدهما أبيض، والآخر أسود فلا يمكن، كما هو الظاهر. وإذا تعدد السبب شخصا فلابد من القول بعدم التداخل، قضاء لحق اقتضاء كل مصداق من السبب مصداقا من المسبب والجزاء، ولو كان ذلك مصداقا عنوانيا، فليتأمل جيدا، فإنه جدير به. المقام الثالث: في الدليل الخارجي على التداخل وقد عرفت منا: أن ما دل على إجزاء الغسل الواحد عن الأغسال المتعددة فيما يتعدد السبب نوعا، يكون على وفق القاعدة التي حررناها، وفيما يتعدد السبب شخصا يحتاج التداخل إلى دليل. بل لأحد أن يقول: لا يعقل التصرف في مقام الامتثال إلا بالتصرف في مقام الجعل، ولا يعقل أوسعية مقام الامتثال عن مقام الجعل. وإن شئت قلت: لا يمكن بعد كون الفعل المشتغل به متعددا في الاعتبار وفي الذمة، ويكون المفروض كون كل نوم سببا لوضوء مخصوص به، تداخل المسببات إلا برجوعه إلى تداخل الأسباب، وصيرورة الذمة مشغولة بالواحد، وذلك لأن اعتبار التعدد لغو وإن كان يمكن انطباق المأمور به على الخارج. بل لا يمكن انطباقه عليه بعد فرض أن معلول كل واحد من أشخاص النوم، فرد من الوضوء غير الفرد الآخر في الاعتبار. وهذا هو ما أفاده الشيخ (قدس سره) (1): من أن تداخل الفردين ممتنع وإن كانا فردين عنوانا، لأن لحاظ الفردية مما يتقوم به تعدد المسبب في الذمة، وإذا كان الأمر


1 - مطارح الأنظار: 180 / السطر 36 - 37. (*)

[ 120 ]

كذلك، فكيف يتمكن المولى من الترخيص بالاكتفاء بواحد عن الأفراد إلا بذهوله عن لحاظ الفردية الراجع إلى ذهوله عن الأسباب المتعددة ؟ ! فالتصرف في مقام الامتثال فيما يقتضي القواعد جواز التداخل جائز، وليس بلازم، وفيما تقتضي القواعد عدم التداخل غير جائز وغير ممكن. فتحصل لحد الآن: أن فيما يتعدد السبب نوعا يمكن التداخل، لأجل أن الجزاء هي الطبيعة المتقيدة بالقيود، القابلة للجمع في الذهن مع وحدة تلك الطبيعة، كما في الأغسال المتنوعة بالقيود الذهنية، وأما فيما كان الجزاء عنوان مصداق الطبيعة - وإن كل فرد من النوم يقتضي فردا من الوضوء - فلا يمكن أن تنطبق العناوين على الخارج. اللهم إلا أن يقال: بأنه يمكن الالتزام بالإجزاء هنا حسب القواعد والشرع أيضا، لأن ما هو في الجزاء مورد الأمر هو الفرد العنواني والمصداق المفهومي، لا الخارجي، فإذن يجوز الاكتفاء بقصد القيود المأخوذة في الجزاء، والإتيان بمصداق واحد. وبالجملة: لا يتصور أن يتصرف الشرع في مقام الامتثال، إلا بعد التصرف في مقام الجعل، فلا يجوز أن يكتفي بالغسل مع نية الجنابة عن سائر الأغسال الاخر من دون أن ينويها، أو يجتزئ بغسل بلا نية خاصة عن سائر الأغسال إلا بعد انصرافه عن مطلوبه، وإذا صار مطلوبه واحدا فيرجع إلى وحدة المسبب الراجعة إلى وحدة السبب، وهذا هو ما أشرنا إليه في صدر المسألة، من أن أوسعية مقام الامتثال مما لا يعقل، ويرجع ذلك إلى التصرف في مقام الجعل، كما في جميع القواعد المضروبة في مقام الامتثال، كقاعدة التجاوز وأمثالها، فلاحظ واغتنم. فتحصل: أنه مع الإقرار بتعدد السبب والمسبب، لا يعقل تداخل السبب تعبدا إلا برجوعه إلى وحدة المسبب الملازمة لوحدة السبب.

[ 121 ]

نعم، فيما يجوز التداخل عقلا يصح التعبد. ولو كان في مورد يحكم عرفا بعدم جواز التداخل، يمكن أن يحكم شرعا بالتداخل، لما لا يلزم منه المحذور كما لا يخفى. التنبيه السادس: في استعراض بعض الشرطيات وبيان أحكامها قد تبين في أثناء البحوث السابقة: أن المفهوم المقصود هنا هي القضية المستفادة من المنطوق، حسب التقاريب الماضية (1)، وأنها متحدة مع القضية المنطوق بها في جميع القيود إلا في ناحية الكيف في الجزاء، وفي انقلاب الشرط في المقدم، فيكون مفهوم قولك: " إن جاءك زيد يوم الجمعة فأكرمه إكراما يليق به " " إن لم يجئك زيد يوم الجمعة فلا تكرمه " أو " لا يجب إكرامه على النحو المزبور " فالقيود المأخوذة في ناحية المقدم والتالي، كلها محفوظة في ناحية المفهوم أيضا. ومن هنا يتبين: أن ما لو كان العنوان المأخوذ في الجزاء صرف الوجود، أو الطبيعة، أو العام المجموعي، يكون الأمر كذلك في ناحية المفهوم، فيكون مفاد قوله: " إن جاءك زيد فأكرم مجموع العلماء " " أنه إذا لم يجئك زيد فلا تكرم مجموع العلماء " ويكون الشرط المزبور علة تامة منحصرة في القضية المذكورة لإيجاب إكرام مجموع العلماء، أو يكون قضية الإطلاق - على الوجه المحرر عندنا (2) - سببا لإيجاب إكرام مجموع العلماء، ولايكون هناك سبب آخر يستتبع ذلك. وإذا انتفى السبب ينتفي شخص الحكم بالضرورة، وسنخ الحكم حسب القول بالمفهوم، وتصير النتيجة انتفاء إيجاب إكرام المجموع، وأنه لاسبب لإيجاب إكرام المجموع وهو يجتمع مع وجود السبب لإيجاب إكرام بعضهم. فلو دل الدليل على


1 - تقدم في الصفحة 7. 2 - تقدم في الصفحة 35. (*)

[ 122 ]

إيجاب إكرام طائفة منهم، أو فرد منهم، فهو ليس يعارض المفهوم عندنا، ولا المنطوق عند المتأخرين (1) بالقطع واليقين. وبالجملة: لا إشكال إلى هنا في جهة مما ذكرنا، وإنما الكلام في بعض جهات اخر: الجهة الاولى: في القضية السالبة المشتمل جزاؤها على ألفاظ العموم في أن القضية الواردة إذا كانت سالبة، وكان الجزاء مشتملا على ألفاظ العموم، بناء على القول بذلك، فهل يستفاد من تلك القضية العام المجموعي، أو الاستغراقي ؟ مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد لا تكرم كل عالم " فهل مفاده النهي عن إكرام مجموع العلماء، أم النهي عن إكرام كل واحد منهم ؟ وجهان لا يبعد الثاني. وعلى كل تقدير: فهل يكون مفهومه العام الاستغراقي، أو المجموعي ؟ مثلا إذا فرضنا أن مفاد قوله: " لا تكرم كل عالم " يكون العام المجموعي، فهل يمكن دعوى أن المفهوم هو العام الاستغراقي، ضرورة أن قوله في المفهوم: " إن لم يجئك زيد فأكرم كل عالم " ظاهر في العموم المزبور بالضرورة ؟ أم لا يجوز ذلك، لأن المفهوم تابع المنطوق، وتابع الدليل القائم عليه، ولايجوز الأخذ بظهور القضية المفهومة من القضية الملفوظة ؟ كما عرفت منا في المباحث السابقة عند البحث عن أن مفهوم قولك: " إن جاءك زيد فأكرمه " هل هو حرمة الإكرام عند المجئ، أم نفي سنخ الحكم ؟ وكان القول بالحرمة قويا، لأن الظاهر من المفهوم هو النهي، مع أنه ظاهر لا يجوز الأخذ به، لأنه ظهور استكشافي


1 - نهاية الأفكار 2: 495، تهذيب الاصول 1: 450. (*)

[ 123 ]

من العلية الثابتة في المنطوق للشرط بالنسبة إلى الجزاء (1). فالأمر هنا كذلك، فإن قضية مقدمات الحكمة هو أن مجئ زيد علة مثلا لتحريم إكرام كل عالم على سبيل العام المجموعي، والمفهوم عندئذ وإن كان ظاهرا في العام الاستغراقي والاصولي، ولكنه غير مأخوذ به بالضرورة، فكما أنه في جانب الهيئة لا يكون مفادها إيجاب الإكرام، بل مفادها تابع لما ثبت في المنطوق، كذلك مفاد المادة. فإذا قيل: " إن جاءك زيد فلاتكرم كل عالم " وقلنا إنه ظاهر في العام المجموعي بحسب المنطوق، فمفهومه حسب ظاهر اللفظ " إن لم يجئك فأكرم كل عالم " وهو ظاهر بالضرورة في وجوب إكرام كل واحد من العلماء على سبيل العام الاستغراقي، ولكن لاسبيل إلى التمسك بهذا الظاهر المولود من القضية اللفظية، ولايكون مفاد هيئة " أكرم " إيجابيا، ولا مفاد " كل عالم " عموما استغراقيا، للزوم خروج المفهوم عن تبعية المنطوق، ويكون حينئذ جملة مستقلة في الإفادة والاستفادة، وهو غير صحيح. فما هو المفهوم واقعا للقضية المزبورة " إن لم يجئك فلا يحرم إكرام مجموع العلماء " وأما في مقام الظاهر فالمفهوم خلافه، لأنه يصير هكذا " وإن لم يجئك زيد فأكرم كل عالم " فافهم واغتنم، وكن على بصيرة. ومن هنا يظهر: أن ما اشتهر في كلماتهم صدرا وذيلا " من أن المفهوم والمنطوق متفقان في جميع المواد، ومختلفان في السلب والإيجاب " (2) غير تام، بل المفهوم تابع لدليله وسببه، ولا ينظر إلى المواد المأخوذة في ظاهر القضية، للزوم


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 12 - 13. 2 - مطارح الأنظار: 173 / السطر 29، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 485 - 486، نهاية الأفكار 2: 495 - 497. (*)

[ 124 ]

الإغرار والجهالة. الجهة الثانية: في القضية السالبة الواقعة في سياقها النكرة فيما إذا كانت القضية الواردة سالبة، وكان في سياقها النكرة، وقلنا بإفادتها العموم الاستغراقي وضعا، أو بمقدمات الإطلاق اللازمة، أو بمقدمات الإطلاق المفارقة أحيانا، وتفصيله في محله (1)، فهل في جانب المفهوم يستفاد العموم الاستغراقي أيضا، أم المستفاد هنا هي الموجبة الجزئية ؟ مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد فلا تكرم أحدا " فهل مفهومه " إن لم يجئك فأكرم واحدا " كما اختاره العلامة المحشي التقي الأصفهاني (قدس سره) (2) فتكون السالبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، أو في حكم الجزئية، فتكون مهملة، كما هو مراده ؟ أو يكون مفهومه " إن لم يجئك زيد فأكرم كل أحد " فيكون المفهوم كليا على نسق المنطوق، وهو مختار التقريرات المنسوب إلى الشيخ الأعظم (قدس سره) (3) ؟ أو مفهوم القضية المزبورة أيضا قضية سالبة، لأن مفهوم القضية الموجبة سالبة، ومفهوم القضية السالبة ليس موجبا، بل هو أيضا سالبة، فيكون سلب السلب، وذاك قولك: " إن لم يجئ زيد فليس لا تكرم أحدا " ؟ وهذا هو مختار الوالد المحقق - مد ظله - (4) وتصير النتيجة على مسلكه جزئية أيضا ومهملة كما ترى. وربما نسب إلى بعض الأساطين التفصيل بين كون العام مستفادا من النكرة


1 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 99. 2 - هداية المسترشدين: 291 / السطر 27 - 34. 3 - مطارح الأنظار: 174 / السطر 15 - 34. 4 - مناهج الوصول 2: 213. (*)

[ 125 ]

في سياق النفي وأمثالها، وبين استفادة العموم من أداة العموم. مثلا: تارة يقال " إذا جاءك زيد فلا تكرم كل أحد " فإنه لا يمكن إثبات أن مفهومه العام الاستغراقي أو المجموعي إلا بالقرينة، وذلك لأن المعلق هو العموم، وهو معنى اسمي قابل للتعليق. واخرى يقال: " إذا جاءك زيد فلا تكرم أحدا " فإن مفهومه السالبة الجزئية، وذلك لأن المعلق هو الحكم العام (1)، انتهى. وهنا كلام آخر: وهو أن القضايا مختلفة، وسيمر عليك تحقيق المسألة وأدلتها، ولكن النظر هنا إلى بيان محتملات المسألة، ففي القضايا التي مرت لا يخلو الأمر عن إحدى قضيتين: إما تكون موجبة كلية، أو سالبة جزئية. وهنا بعض القضايا الاخر يمكن استفادة الاحتمال الثالث بخلو المفهوم عنها، وذلك لأن من الممكن أن تكون القضية المذكورة مشتملة على جهة طبعية وخاصة ادعائية أو واقعية، ويكون المفهوم ناظرا إلى ذلك أحيانا. مثلا: إذا قيل: " إن كنت مع الأمير فلا تخف أحدا " فإن المنطوق مشتمل على النهي عن الخوف مع وجود الأمير الكذائي، وليس النظر بالضرورة إلى قوله: " وإلا فخف واحدا " أو " خف كل أحد " بل النظر إلى أنه مع عدم الأمير ينبغي الخوف ويصح، وأما تحقق الخوف ولا تحققه فهو خارج عن مفاده. وهكذا فيما إذا قيل: " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " وذلك لأن الكرية تلازم الاعتصام طبعا أو ادعاء، فيكون المفهوم هكذا " وإذا لم يكن الماء قدر كر فليس لا ينجسه شئ " وأما أنه ينجسه شئ أم لا فهو أمر آخر، ضرورة أن النفي المزبور لا يثبت منجسية شئ للماء بالفعل، بل يثبت قابلية الماء للتنجس ففي


1 - انظر أجود التقريرات 1: 421 - 423، وأيضا محاضرات في اصول الفقه 5: 90 - 91. (*)

[ 126 ]

ناحية المنطوق يثبت أن كل نجس لا ينجس الماء الكثير بالفعل، وأما في ناحية المفهوم فلا يثبت إلا نفي الفعلية، وأما إثبات الفعلية المضادة للفعلية الثابتة في المنطوق، فهو أمر خارج عن عهدة المفهوم. إذا تبينت هذه الاحتمالات في هذه الجهة، فلنعد إلى ما هو التحقيق في المسألة بحسب التصديق. فنقول: أما مختار المحشي الأصفهاني فيوجه بأن القضية السالبة الكلية تنعكس جزئية وبالعكس، وسيظهر فساد ذلك وأنه تمسك في غير محله. وأما مختار الشيخ (رحمه الله) فيوجه في المسألة الكلية بوجه سنشير إليه، وأما في خصوص القضية الواردة في الماء الكر فسنذكر الكلام حولها في جهة خاصة بها (1)، وذلك الوجه ما ذكرناه في الجهة الاولى: وهو أن القضايا السوالب الكلية ربما تنعكس كلية، قضاء لحق الدليل القائم عليها، وأما انعكاسها جزئية فهو لأجل ضرب القانون الكلي، ولعدم الدليل على صدق الزائد عليها. مثلا: إذا قيل " كل عقل مجرد " فعكسه الصحيح هو " بعض المجرد عاقل " وأما إذا قام الدليل فينعكس كليا لأجله. وفيما نحن فيه ليس النظر إلى الاستظهار من القضية غير المذكورة، ضرورة أن تلك القضية استنباطية، ربما تختلف الأنظار والأفهام في فهمها، وقد تحرر وتقرر: أن المفهوم تابع المنطوق، أي لا يكون المفهوم إلا تابعا للدليل القائم عليه، والبرهان الذي يستتبعه ويقتضيه، والذي أسس بنيانه في المنطوق. فجعل محور الكلام حول أن المفهوم من قوله: " إذا جاءك زيد فلا تكرم أحدا " هل هو قوله: " أكرم واحدا " أو قولك: " ليس لا تكرم أحدا " ؟ خروج عن


1 - يأتي في الصفحة 129. (*)

[ 127 ]

الصناعة والاصول، بل الكلام يدور حول الحجة العقلية الناهضة على أن الشرط علة تامة منحصرة لوجوب إكرام كل واحد من العلماء، أو حرمة إكرام كل أحد، وحيث يكون العموم المزبور في المنطوق اصوليا استغراقيا، ويكون الحكم كثيرا لا واحدا، فلابد وأن يكون كل واحد من التحريمات معلول الشرط، ويكون الشرط علة تامة منحصرة له. ولو كان الشرط علة الحكم القانوني الواحد المنحل، فهو لا يكون من قبيل العلل الواقعية، بل يعد من الحكمة والنكتة، وهو خلف. بل مقتضى الانحلال العرفي، كون الشرط علة تامة منحصرة لكل واحد من تلك الأحكام المفصلة عرفا، والمنحلة بوجه محرر في محله. وبناء على هذا لا يعقل بعد الإقرار في ناحية المنطوق بذلك، نفي مقالة الشيخ (قدس سره) ضرورة أن مقتضى انتفاء هذه العلية السارية الوحيدة، انتفاء كل واحد من الأحكام المزبورة. وغير خفي: أن في جانب المفهوم لا يثبت ضد حكم المنطوق، وهو وجوب إكرام بعضهم، أو وجوب إكرام الكل، بل في جانب المفهوم لا يثبت إلا نفي سنخ الحكم، وأنه إذا لم يجئ زيد فحرمة إكرام كل أحد منتفية بالمرة، ولا حرمة بالنسبة إلى مادة الإكرام رأسا، فإذا قيل: " إن جاءك زيد يحرم عليك إكرام كل أحد " أو إذا قيل: " لا تكرم أحدا " فمفهومه نفي جملة " لا تكرم " المنحلة على كثرتها. إن قلت: كيف يعقل كون الشرط وهو مجئ زيد، علة واحدة منحصرة لتلك الأحكام المتكثرة (1) ؟ ! قلت: قد تقرر أن علية الشرط تسامحية، وإلا فما هو علة الجزاء هو نفس


1 - انظر نهاية الاصول: 311. (*)

[ 128 ]

المقنن وإرادة المولى (1). نعم، الشرط من المبادئ لتلك الإرادة، ولا منع من أخذه علة بهذا المعنى لكل واحد من تلك الأحكام المنحلة، فما في " الدرر " (2) و " تهذيب الاصول " (3) من بعض المناقشات، لا يخلو من غرابة ! والأمر سهل. وأغرب من ذلك تمسك " الدرر " (4) بالتبادر ! ! وأنت خبير بسقوط هذه الأنحاء من الاستدلال في المقام. وبالجملة تحصل: أن التمسك بأصالة انعكاس السالبة الكلية موجبة جزئية، لا ينفع أيضا، ولذلك إذا كان الجزاء عموما مستفادا من أداة العموم لا ينعكس الجزاء جزئية، والسر كل السر ما عرفت: من أن المناط هو دليل الانعكاس، وحدود اقتضاء برهانه. فما مرام الشيخ (قدس سره) في هذه المسألة بحسب النظر، في محله، ولكنه أفاد في وجهه ما لا ينبغي (5)، لأن الكلام هنا حول مسألة اصولية كلية، لا في خصوص قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء... ". والعجب أن الأصحاب خاضوا في خصوص المثال المزبور، غفلة عن حقيقة الأمر، وسلكوا في دليل المسألة مسلك الجزئي مقياسا للكلي ! ! تذنيب: حول انعكاس الموجبة الكلية إلى السالبة الكلية وبالعكس لأحد أن يقول: بأن سر انعكاس السالبة الكلية في المقام موجبة كلية، وهكذا


1 - تقدم في الصفحة 31 و 33. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 200. 3 - تهذيب الاصول 1: 451. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 199. 5 - الطهارة، للشيخ الأنصاري: 11 / السطر 1 - 4. (*)

[ 129 ]

في انعكاس الموجبة الكلية سالبة كلية، هو أن قضية " إن جاءك زيد فلا تكرم أحدا " أو " لا تكرم كل أحد " تنحل إلى القضايا الخاصة الشرطية الجزئية، فيكون هناك عدد من القضايا بعدد رؤوس الآحاد من الناس. ولكنه بمعزل عن التحقيق ذاتا، لعدم الانحلال المزبور قطعا، لا عقلا، ولا عرفا. مع أنه لا حاجة إلى الدعوى المزبورة، ويكفي ما هو المفروغ منه عند الكل، وهو انحلال الجزاء واقعا، أو حكما وعرفا، مع كون كل واحد من تلك الأحكام معللة بالشرط إذا سئل المولى عن سر تحريم كل واحد من الآحاد، فيكون على هذا كل واحد منتفيا بانتفاء الشرط بالضرورة. الجهة الثالثة: في قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ وهي خارجة عن المسألة الاصولية، إلا أن لمزيد الاهتمام بها لا بأس بالإشارة إليها، وهي أن في خصوص قوله (عليه السلام): " إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ " (1) أو ما يشبه ذلك، يكون بعض الوجوه والتقاريب: وأهمها ما حكي عن " طهارة " الشيخ الأنصاري (قدس سره) (2) وعن " تقريرات " جدي العلامة (رحمه الله): وهو أن الظاهر من كلمة " شئ " إما معناه العام من دون جعله عبرة لعناوين اخر التي هي موضوعات في لسان الدليل ك‍ " الدم والبول " أو يكون عنوانا مشيرا إلى العناوين الواقعة موضوعة للنجاسات، فعلى الأول يكون المفهوم إيجابا جزئيا، وعلى الثاني كليا كما لا يخفى (3)، انتهى ملخص مرامه.


1 - الكافي 3: 2 / 2، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 2 - الطهارة، للشيخ الأنصاري: 50 / السطر 1 - 4. 3 - مطارح الأنظار: 174 / السطر 18 - 22. (*)

[ 130 ]

واجيب: بأن إلغاء لفظة " شئ " بالمرة في غير محله بالضرورة، والمحافظة على ذلك العنوان الواحد الإجمالي - وإن كان مرآة وعبرة - يوجب كون الحكم في ناحية الجزاء عموما استغراقيا في المنطوق، وموجبة جزئية في المفهوم، حفظا لكون مفهوم " الشئ " عنوانا مشيرا إلى تلك الذوات ورؤوس النجاسات (1). وفيه: أن الأمر كذلك بحسب الصناعة المنطقية، وأن القضايا الكلية كلية منعكسة، ولا تنعكس بشخصية، وأما بحسب الفهم العرفي فلفظة " شئ " كناية، وليست مرآة وعبرة حتى يقال بامتناع المرآتية والعبرية، وإذا كانت كناية فما هو موضوع الحكم بحسب الواقع والإثبات أيضا هي العناوين الذاتية، فإذن يكون المفهوم إيجابا كليا، وما في المنطق يصح في غير الألفاظ الكنائية، فلا تخلط، فما جعلوه هدما لما أفاده (قدس سره) قابل للدفع إنصافا. نعم، قد أفاد الوالد المحقق وجها بديعا لهدم مقالة " الشئ " على كل تقدير: وهو أن مفهوم كل قضية ليس إلا رفع سنخ الحكم المذكور عن الموضوع، لا إثبات حكم مقامه، فمفهوم قولنا: " لا ينجسه شئ " هو " ليس لا ينجسه شئ " وهذا هو سور السالبة الجزئية (2). لكنه غير تام، لأن المفهوم على تقدير كونه كذلك - مع ما فيه من المناقشة والسؤال - لا يكون إلا موضوعه " الشئ " كناية، فيكون في الحقيقة هكذا: " وإذا لم يكن الماء قدر كر ليس لا ينجسه البول والدم... " إلى آخره، وعندئذ أيضا يكون كليا، لا جزئيا. نعم، فرق بين كون المفهوم إيجابا، فإنه ظاهر عندئذ في الكلي، لظهور قوله: " ينجسه البول والغائط والدم " في العموم الاستغراقي، وبين كونه سلب السلب، فإنه


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 199 - 200، تهذيب الاصول 1: 450 - 451. 2 - تهذيب الاصول 1: 451. (*)

[ 131 ]

يحتمل الوجهين، لعدم ظهور قوله: " ليس لا ينجسه البول والدم والكلب " في العموم الاستغراقي، لاحتمال كون النظر إلى المجموعي. اللهم إلا أن يقال: إن قضية " واو " العطف هي: " أنه ليس لا ينجسه البول، وليس لا ينجسه الدم... " إلى آخره، فتكون النتيجة أيضا إيجابا كليا. فبالجملة: لا يمكن إفحام الشيخ (قدس سره) في مقاله بما هجموا عليه في كتبهم المتأخرة (1)، وتصير المسألة حينئذ عرفية، لا عقلية. والذي يتوجه إليه (رحمه الله) في هذه المقالة: أن المسألة عقلية، لا عرفية حتى يمكن الخلاف فيها، ومن توجه إلى أطرافها لابد وأن يذعن بأن المفهوم في المثال المزبور إيجاب كلي، وفيما كان إيجابا كليا فهو سلب كلي. تذنيب: حول بعض مناقشات قضية الكر ربما يقال: بأن هذه القضية لا مفهوم لها، لأن الجزاء أمر عدمي. وفيه: أن الجزاء كما اشير إليه (2)، ليس معلول الشرط، بل الجزاء معلول الإرادة، ولا منع من تعلقها بأمر اعتباري وبجعل قانون يستنتج منه أن المياه لا ينجسها شئ. هذا مع أنه يرجع في الثبوت إلى أمر ثبوتي، وهو اعتصام الماء البالغ كرا. ولأحد دعوى: أن المستفاد من المنطوق، ليس إلا أن آحاد الكر ومصاديقه لا ينجسها مصاديق النجس، وأما أن كل مصداق من الكر لا ينجسه جميع مصاديق النجس، فهو أمر مسكوت عنه، فلا يضر ولا ينفع خلاف الشيخين في المفهوم، لأن الإشكال ناشئ عن المنطوق.


1 - درر الفوائد: 199 - 200، تهذيب الاصول 1: 450 - 451. 2 - تقدم في الصفحة 127 - 128. (*)

[ 132 ]

ولكنها بعيدة عن الأذهان العرفية والأفهام السوقية، نظير الشبهة في أن المنطوق لا يفيد العموم الاستغراقي في ناحية المقدم، لقصور مقدمات الإطلاق عن إثبات الإطلاق السرياني والشمولي، كما تحرر في محله (1). ولو سلمنا أن كل مصداق من الكر لا ينجسه شئ من النجاسات، ولكن لنا الإشكال: بأن كلمة " شئ " كناية عن أنواع النجاسات أو مصاديق كل نوع، فعلى الأول فهو، وأما على الثاني فلايتم المقصود. وربما يقال: إن على المسلكين يتم المقصود وهو نجاسة القليل، فإن النافي ينكر تنجسه على الإطلاق (2). وفيه: أن النظر لا يكون منحصرا فيما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) بل النظر أعم منه ومن إفادة أن جميع النجاسات توجب تنجس الماء، فإذا ثبت أن كل نجس منجس فيدفع به قول من يدعي عدم منجسية النجاسات، فتأمل جيدا. هذا، وقد عرفت منا المناقشة في خصوص المفهوم: بأن المستفاد من قولنا: " وإن لم يكن الماء قدر كر ليس لا ينجسه شئ " أعم من أن ينجسه شئ بالفعل، أو بالقوة والإمكان، في مقابل الكر الذي لا ينجسه بالفعل. وبالجملة: فبحسب الثبوت احتمالات ثلاثة: الأول: كون المفهوم إيجابا جزئيا. والثاني: كونه إيجابا كليا. والثالث: كونه مفيدا لإثبات قابلية ماء غير الكر لكون النجاسات تنجسه، وأما أنها تنجسه أم لا، فهو أمر خارج عن مفاده، ويحتاج إلى دليل آخر. فلو كان مفهوم السالبة موجبة، يثبت المفهوم بأحد الوجهين المزبورين، وإن


1 - يأتي في الصفحة 440 وما بعدها. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 486. (*)

[ 133 ]

كان المفهوم سلب السلب، فلا يثبت إلا كون الماء القليل قابلا لتنجيس النجاسات إياه، ويكون في حد ذاته وطبعه غير معتصم، ولكن ربما لا يعتبر الشرع لجهات اخر تنجسه بالنجاسات، تسهيلا على الامة. ويظهر ما ذكرناه من قولك: " إذا كنت مع الأمير فلا تخف أحدا " فلاحظ واغتنم، والأمر سهل. تنبيه: حول قضية " إن جاءك زيد فأكرم واحدا " إذا قيل: " إن جاءك زيد فأكرم واحدا " فالمفهوم ليس إلا موجبة جزئية، وفاقا لما سلكناه (1). ولو كان المناط هو التبادر، وكان ظهور المفهوم بحسب القضية غير المذكورة متبعا، كان المتعين السلب الكلي والعموم الاستغراقي، لا البدلي. وهذا أيضا من الشواهد على بطلان الطريقة المسلوكة في كتب المتأخرين (2)، ويكون المفهوم هنا: " وإن لم يجئك فلا يجب إكرام أحد " وهذا معنى الانتفاء عند الانتفاء، كما لا يخفى. التنبيه السابع: حول تعاقب الشرطيتين في كلام واحد مع تعرض الثانية لأحد مصاديق المفهوم الأول إذا وردت القضيتان الشرطيتان متعاقبتين في كلام واحد، وكانت الثانية متعرضة لأحد مصاديق المفهوم الأول، كما في معتبر حنان في أخبار الانوار، وروايات مسألة إسقاط شئ للظروف في البيع، فإنه (عليه السلام) قال - بعد السؤال عن


1 - تقدم في الصفحة 126 - 127. 2 - نهاية الأفكار 1: 495، تهذيب الاصول 1: 449. (*)

[ 134 ]

الاشتراء، وأنه يحسب لنا نقصان لمكان الزقاق -: " إذا كان يزيد وينقص فلا بأس، وإن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه " (1). فهل يحمل القضية الثانية على أنها متعرضة لحصة من مفهوم القضية الاولى، كما استظهره الوالد - مد ظله - في محله (2) ؟ أم يؤخذ بمفهوم كل مستقلا، وتقع المعارضة بين المفهومين، وتكون النسبة بينهما العموم من وجه ؟ أم يسقط المفهومان، وتكون الثانية شاهدة على عدم ثبوت المفهوم للاولى أو غير ذلك ؟ وجوه. أقول: هنا مسألتان: المسألة الاولى: فيما كانت القضيتان مستقلتين مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد يجب إكرامه " وورد في دليل آخر " إن أهانك زيد لا يجب إكرامه " فمقتضى مفهوم الاولى عدم وجوب الإكرام مع الإهانة، فيوافق المنطوق الثاني وعدم وجوبه عند الإكرام أيضا، ومقتضى مفهوم الثاني وجوب الإكرام عند المجئ، فيوافق المنطوق الأول ووجوب الإكرام إذا أكرمك زيد، فيقع التعارض بين المفهومين فيما إذا أكرمك زيد. وعندئذ لابد من العلاج بينهما بالالتزام بالتخيير العقلي أو الشرعي، بناء على شمول الأدلة العلاجية لمثله، ولم يكن مرجح لواحد منهما من المرجحات المحررة


1 - الكافي 5: 183 / 4، وسائل الشيعة 17: 367، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 20، الحديث 4. 2 - البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 389. (*)

[ 135 ]

في محله، أو الالتزام بأن القضية الثانية من مصاديق القضية الاولى، ولكنه بلا مرجح، لإمكان كون الاولى من مصاديق الثانية، ولا يكفي تأخر احداهما عن الاخرى صدورا في ذلك، كما لا يخفى. ولو قيل: لا يعقل أن يكون عدم الوجوب معللا بالشرط، لأنه عدم لا يستند إلى شئ، فلا مفهوم هنا. قلنا: نعم، ضرورة أن مفاد الجزاء مستند إلى إرادة المولى واعتباره، والشرط من مبادئ تلك الإرادة، وهذا حكم سار في جميع القضايا الشرطية، وعليه فلا يلزم وجه لسقوط المفهوم. نعم، يمكن دعوى: أن القضية الثانية ليس مفهومها إيجابا كليا ذا إطلاق، ولا إيجابا جزئيا، لأن المفهوم نفي سنخ الحكم، لا إيجاد ضده، ولو كان مفاده الإيجاب الجزئي فلا إطلاق له، حتى تقع النسبة عموما من وجه. ولكنه بمعزل عن التحقيق، لما عرفت منا كيفية استخراج المفهوم، وأن المتبع هو دليله، لا ظهور القضية المستخرجة (1)، فلو كانت الإهانة في القضية الثانية علة تامة منحصرة لنفي طبيعة الوجوب، ونفي جميع حقيقته عرفا، فلابد وأن يثبت الإطلاق في ناحية المفهوم عند انتفاء الشرط، فلا تخلط أصلا. نعم، هنا وجه يتشبث فيه بذيل العرف: وهو أن في أمثال القضية الاولى يساعد العرف على المفهوم، بخلاف القضية الثانية، فإنه لا يستفاد منها عرفا أن مقدمات الإطلاق في المنطوق قائمة على المفهوم، بل المتبادر من المنطوق هو أن المتكلم في مقام نفي الوجوب عند الإهانة، وأما إثبات الوجوب عند غيرها فهو مما لا يكون مقصودا في الكلام، وهذا في حد ذاته غير بعيد.


1 - تقدم في الصفحة 126 - 127. (*)

[ 136 ]

كما يمكن دعوى: أن الجملتين لا مفهوم لهما، وذلك لأن كون مجئ زيد علة تامة منحصرة لوجوب إكرامه، لا يجتمع مع كون إهانته علة تامة منحصرة لعدم وجوب إكرامه، ضرورة أن وجوب الإكرام إذا كان مستندا - ولو بوجه عرفت منا - إلى المجئ فلا يعقل أن عدم الوجوب يستند إلى أمر وجودي آخر، بل انتفاء المجئ تمام السبب لانتفاء الوجوب، ولا يقبل عدم الوجوب عندئذ علة اخرى. وإذا رجعت العلتان إلى واحد جامع بينهما، يسقط المفهومان إما على الإطلاق، أو في مورد المعارضة، ويجوز التمسك بهما في غير موردها، فلاحظ وتأمل. وعلى هذا فيما إذا ورد: " إن كانت الذبيحة مما ذكر اسم الله عليها فلا بأس بها ". وورد في آخر: " إن كانت الذبيحة مما اهل به لغير الله فلا تأكل منها ". فإنه تقع المعارضة فيما إذا ذبحت بلا ذكر الله، فإن قضية الاولى حرمتها، ومقتضى الثانية حليتها، فإن أخذنا بالوجه العرفي يلزم الأخذ بالاولى، وإن أخذنا بالوجه الثاني يرجع إلى أصالة البراءة، أو الحرمة، على الخلاف الآخر المحرر في الاصول (1)، وهكذا إن قلنا بالتخيير العقلي أو الشرعي. والإنصاف: أن دليل المفهوم كان قاصرا عن إثباته إلا في بعض القضايا التي مر تفصيلها (2)، وعندئذ فإثباته هنا مع قطع النظر عن المكاذبة المزبورة مشكل، فضلا عن تلك المناقشات، فليتدبر واغتنم.


1 - لاحظ تهذيب الاصول 2: 225 - 226. 2 - تقدم في الصفحة 124 وما بعدها. (*)

[ 137 ]

المسألة الثانية: في ورود القضيتين في كلام واحد بناء على ما عرفت في الاولى يتم الكلام هنا، إلا أن ورودهما في كلام واحد ربما يوجب ظهور كون الثانية من مصاديق الاولى. أو يقال بالتفصيل في القضايا، فإن كانت الاولى سالبة الحكم، والثانية موجبة الحكم، يعد الاولى من مصاديق الثانية، فمجرد التأخر في الكلام لا يعطي شيئا، والأمر - بعدما مر - سهل.

[ 139 ]

المبحث الثاني في مفهوم التعليل لم يذكر هذا المفهوم خلال المفاهيم، مع أنه أولى من بعض منها، فلو قيل: " لا تشرب الخمر، لأنه مسكر " فكون الإسكار علة بلا إشكال، وكونه واسطة في الثبوت أيضا هو الظاهر، وإرجاع التعاليل الشرعية إلى قيود الموضوع وعناوين الأحكام، بلا وجه مع اختلاف الآثار. وعلى هذا، فإن استفدنا من مقدمات الإطلاق أن العلة الوحيدة لحرمة الخمر هي الإسكار، فيلزم منه انتفاء سنخ الحكم، ويكون دليلا على عدم موجب لتحريمه إلا هذا المذكور في القضية، فلو ورد في مورد انتفاء العلة حكم تحريمها لجهة اخرى، تقع المعارضة بين الدليلين. مثلا: في هذا المورد إذا استفدنا أن كل خمر تخص بحرمة، وتكون تلك الحرمة مستندة إلى الإسكار، ولا دليل آخر على حرمتها غير الإسكار، يلزم التهافت بينه وبين قولهم (عليهم السلام): " ما كان كثيره يسكر فقليله حرام " (1) فإن قليله إن لم يكن مسكرا فليس بحرام حسب المفهوم، ولابد حينئذ من علاج المعارضة.


1 - وسائل الشيعة 25: 336، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرمة، الباب 17. (*)

[ 140 ]

وبالجملة تحصل: أن من المفاهيم مفهوم التعليل، وتبين أن إثبات الانحصار والعلية التامة وأصل الاستناد هنا، أهون من مفهوم الشرط والوصف: أما الوصف فسيأتي (1)، وهو واضح. وأما الشرط فقد عرفت المؤونات الكثيرة في إثبات أصل الاستناد والعلية التامة، الذي خالفه جماعة من المحققين، فضلا عن الانحصار (2)، وأما فيما نحن فيه فنحتاج إلى الجزء الأخير وهو الانحصار، وأما سائر المقدمات فهي هنا واضحة كما ترى. ولو تمت التقاريب الكثيرة في مفهوم الشرط هنا - بضميمة إقرار الفقهاء في كتبهم الفقهية به على خلاف مذاقهم في الاصول - لكانت تمامية المفهوم هنا أولى وأظهر جدا. وتوهم: أن قولك " أكرم زيدا، لأنه عالم " يرجع إلى قولك: " أكرم العالم " فيكون داخلا في مفهوم الوصف غير المعتمد الخارج عن محل النزاع، أو يكون مندرجا فيه، في غير محله كما اشير إليه في صدر المسألة، ضرورة أن كون الخمر حراما، وكون كل مصداق منها ممنوعا، صريح الدليل حسب الانحلال اللفظي في المقام، وأما علة التحريم العمومي فهي الإسكار، ولا يلزم منه عدم جواز التجاوز عن الخمر إلى باقي المسكرات، لأن سائر المسكرات أيضا حرام بعناوينها الذاتية لأجل الإسكار، من غير كون المسكر بعنوانه محرما، ولذلك نجد أن العرف يحكم بذلك وأنه يؤاخذ المرتكب بشرب الخمر، لا المسكر. فما اشتهر: " من كون المحرم تشريعا عنوان العلة " (3) في غير محله جدا.


1 - يأتي في الصفحة 143. 2 - تقدم في الصفحة 19 وما بعدها. 3 - أجود التقريرات 1: 498. (*)

[ 141 ]

ولا يلزم من هذا كونها علة مخصوصة، بل تكون مع ذلك علة معممة ومخصصة، لعدم علية شئ آخر للتحريم. وتوهم: أن جعل الحرمة على الخمر حينئذ لغو، ولا مصلحة فيه، فاسد لما مر منا مرارا: من أن الحكم الموضوع على طبيعة لابد وأن يكون له منشأ ومصلحة، وأما لزوم كون نفس المتعلق ذا مصلحة أو مفسدة فهو ممنوع (1). فتحصل: أن مفهوم التعليل من المفاهيم التي لابد من البحث عنها، وإليه يرجع مفهوم الوصف والشرط لبا كما لا يخفى، وإرجاع الحكم المعلل المتعلق بذات الخمر مثلا إلى عنوان العلة، ثم إنكار مفهوم التعليل، بلا وجه بعد ظهور الكلام في أن الحرام هي الخمر. نعم، لو اقتضى البرهان التصرف المذكور كان له وجه، ولكنك عرفت عدم تماميته، وقد أشرنا إلى براهين في خلال الأسطر مع دفعها، فليتأمل واغتنم جدا. تذنيب: حول تعارض مفهوم التعليل مع المنطوق بعدما تبين مفهوم التعليل وثمرته وكيفية معارضته، فهل يقاوم المنطوق فيما كانت نسبة المعارضة التباين كما في المثال المزبور، فإن النسبة بين التعليل وبين قولهم (عليهم السلام): " ما كان كثيره يسكر فقليله حرام " هي التباين، ضرورة أن مفاد المنطوق حرمة كل مسكر، وقضية مفهوم العلة حلية كل ما ليس بمسكر، لأن ذلك مقتضى انحصار علة الحرمة بالإسكار ؟ أم يقدم المنطوق عليه، أو يتعين هنا إنكار المفهوم ؟ وربما يكون هو الأقرب. ويمكن دعوى تقدم المفهوم، لأنه لو كان نفس كونه مفهوما سببا لتأخره تلزم


1 - تقدم في الجزء الثالث: 313 - 314. (*)

[ 142 ]

اللغوية، فلابد وأن يكون المرجح امورا اخر حتى يتقدم المفهوم أحيانا ويتأخر اخرى، فتأمل. وبالجملة: لا مرجح في البين، لرجوع معارضة المفهوم مع المنطوق عند المتأخرين إلى معارضة إطلاق المنطوق، وإطلاق المنطوق الآخر، ولايكون معارض المنطوق نفس المفهوم بما هو هو، لأنه تابع المنطوق. فعلى كل حال: لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، فتكون المسألة دائرة بين اندراجها في الأخبار العلاجية، وبين إنكار أصل المفهوم للتعليل، لعدم تمامية مقدمات الإطلاق لإثبات انحصار العلة مطلقا، وذلك لما عرفت منا: من أن استفادة حصر العلة في القضية الشرطية، كانت من طريق استفادة القضية الحقيقية (1)، بدعوى الملازمة بين كل مصداق من الجزاء لمصداق من الشرط، وهذا فيما نحن فيه غير ممكن، أي لا يمكن بالإطلاق هنا نفي علية الأمر الآخر لتحريم مصداق الخمر الذي ليس بمسكر، فتدبر. نعم، بناء على ما سلكه المتأخرون من التمسك بالإطلاق تارة، وبقاعدة عقلية اخرى لإثبات مفهوم الشرط والوصف، لابد من الالتزام به هنا بطريق أولى، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر حال المفهوم والمنطوق فيما كانت النسبة عموما من وجه، وتمام الكلام في التعادل والترجيح.


1 - تقدم في الصفحة 39 - 41. (*)

[ 143 ]

المبحث الثالث في مفهوم الوصف قد تبين فيما مر: أن استفادة المفهوم المقصود في المقام، منوطة باستفادة العلية المنحصرة للوصف والقيد، وبعدما تبين في مفهوم التعليل: أن استفادة الحصر من العلة المذكورة غير ممكنة، فهل يبقى وجه لتخيل المفهوم للوصف ولو كان القيد احترازيا، وكان الوصف معتمدا، وكان مع ظهوره في الاحترازية علة، فإنه مع ذلك كله لا يزداد على العلة المصرح بها في الكلام غير الممكن إثبات حصرها ؟ وغير خفي: أن النظر في إثبات المفهوم كما تحرر مرارا، إلى نفي سنخ الحكم عند وجود سائر الأوصاف الاخر (1)، مثلا إذا قال المولى: " أكرم زيدا العالم " فلا شبهة في أن القيد احترازي، والموضوع مضيق، وأنه لا يجب الإكرام إذا كان زيد جاهلا، وأما إذا سئل المولى - بعد قوله المذكور - عن إكرام زيد الجاهل المصلي، فقال: " أكرمه " فإنه لا تقع المكاذبة بالضرورة بين الدليلين، لعدم ارتباط بين كون زيد العالم واجب الإكرام، وزيد المصلي أيضا واجبا إكرامه.


1 - تقدم في الصفحة 11 و 39 - 41. (*)

[ 144 ]

والتشبثات الكثيرة التي ذكروها في القضية الشرطية (1)، كلها تأتي هنا وتجري، ولكنها لا تنفع ولا تفيد، والتنبيهات التي أفادوها في ذيل تلك القضية تأتي هنا أيضا، كما أشرنا إليه في محله. فترتيب المقدمات الكثيرة أولا، وإقامة الأدلة المفصلة ثانيا، وذكر تنبيهات على حدة ثالثا، كله من التورم في الاصول، غافلين عن أن التورم غير السمن، والله الهادي إلى سواء السبيل. نعم، هنا وجه: وهو رجوع الوصف والقيد إلى الشرط، وتكون القضية شرطية، عكس ما قيل: " من رجوع الشرط إلى القيد والوصف " (2) فإذا كان للشرط مفهوم فهو ثابت للوصف أيضا وذلك لأن حقيقة الوصف والقيد - بعد كونه احترازيا - أنه دخيل في صيرورة الموصوف بذاته قابلا لتعلق الحكم به، فيكون القيد واسطة في ثبوت الحكم لذات الموصوف، كما في الشرطية، وما هو الموجب للقول بالمفهوم في الشرط هو الموجب هنا، ومنها أن الظاهر دخل القيد والوصف بعنوانه الخاص، إذ مع تعدد العلة، يكون الجامع علة، وهو خلاف الظاهر، فلا محالة ينتفي سنخ الحكم بانتفاء قيد الموضوع. ولكنك عرفت فساده بما لا مزيد عليه في تقاريب الشرط، فراجع (3). ثم إنه غير خفي: أنه في القضية الشرطية، يكون السبب والعلة مجئ زيد، لا المجئ المطلق، وفي مفهوم الوصف - بناء على استفادة العلية من الوصف - هو سببية القيد وعلية الوصف والعلم من غير دخالة الذات، كما في مفهوم التعليل، فإرجاع القضية الوصفية إلى الشرطية يضر من جهة، وإن كان أقرب إلى فهم العرف،


1 - تقدم في الصفحة 20 - 42. 2 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 5: 60. 3 - تقدم في الصفحة 33 - 35. (*)

[ 145 ]

لأن كون الوصف والقيد علة خلاف ظهور القضية في دخالة الموصوف. كما أن إرجاع الوصف إلى الشرط خلاف ظهورها في أنهما عرضيان في الموضوعية للحكم، ولذلك لا يثبت المفهوم في مثل " أكرم العالم العادل " ولعل القول بالزكاة في الإبل المعلوفة لأجل جعل " الغنم " وصفا " للسائمة " وبالعكس، فتأمل واغتنم.

[ 147 ]

المبحث الرابع في مفهوم الغاية لو كان القانون مشتملا على أداة الغاية ك‍ " حتى " و " إلى " فهل يستفاد منه أن الحكم المزبور في المنطوق، منتف بالنسبة إلى ما بعد الغاية بسنخه، بعد وضوح انتفائه بشخصه، أم لا ؟ أقوال: ثالثها: التفصيل بين كون الغاية راجعة إلى حد الموضوع فلا تدل، وكونها راجعة إلى حد الحكم فتدل (1). والمشهور ذهبوا إلى الأول (2). ونسب (3) إلى العلمين السيد والشيخ (قدس سرهما) الثاني (4)، وهو مختار جمع من


1 - كفاية الاصول: 246، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 504، محاضرات في اصول الفقه 5: 137 - 140. 2 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 425، شرح العضدي: 320 / السطر 10 - 14، معالم الدين: 84 / السطر 9، قوانين الاصول 1: 186 / السطر 13، مطارح الأنظار: 186 - 187، نهاية النهاية 1: 269. 3 - مطارح الأنظار: 186 / السطر 14. 4 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 407 - 408، عدة الاصول: 183 / السطر 15. (*)

[ 148 ]

المتأخرين (1)، ومنهم صاحب " الدرر " (قدس سره) في اخريات عمره (2). ورابعها: التفصيل بين كون الحكم المغيا منشأ بالآلات الأدوية والحروف الإيجادية، وبين كونه منشأ بالأسماء الكلية، ومثلها الحروف، بناء على كون الموضوع له فيها الكلي والمعنى العام. وأما التفصيل بين ما بعد الغاية، ونفس الغاية، وأن القضية المغياة تدل على ارتفاع سنخ الحكم بالنسبة إلى ما بعدها دونها، لأنها داخلة في المغيا، فهو راجع إلى مسألة اخرى تأتي إن شاء الله تعالى في ذيل هذه المسألة (3)، لأنه بحث خارج عن مقصد المفاهيم، ولايكون من مباحثه، وإن كان من يعتقد بدخول الغاية في المغيا لا يقول بارتفاع سنخ الحكم عنها، لأنها محكومة بشخص الحكم حسب المنطوق، فلاحظ. ومن العجيب أن جمعا من الأعلام (رحمهم الله) توهموا: أن تحرير النزاع في مفهوم الغاية، منوط بتحرير هذه المسألة ! ! (4) مع أنها أجنبية عن بحث المفاهيم رأسا، لأن النظر هنا إلى مسألة كلية، من غير ارتباطها بدخول الغاية في المغيا وعدمه. إذا عرفت ذلك فليعلم: أن النزاع مقصور بصورة إمكان اتصاف ما بعد الغاية بحكم المغيا، وأما إذا امتنع ذلك فلا وجه للنزاع، ضرورة أن مقتضى الامتناع انتفاء الحكم بسنخه قطعا.


1 - الوافية في اصول الفقه: 233، غرر العوائد من درر الفوائد: 81. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 204 - 205، ولاحظ مناهج الوصول 2: 220 - 221. 3 - يأتي في الصفحة 157. 4 - كفاية الاصول: 246، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 504، محاضرات في اصول الفقه 5: 136 - 137. (*)

[ 149 ]

مثلا: في قولهم (عليهم السلام): " كل شئ حلال حتى تعرف الحرام " (1) أو " كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر " (2) لا يمكن النزاع، لامتناع اتصاف ما بعد الغاية بحكم المغيا وهي الحلية والطهارة، فعليه تكون الحلية والطهارة منتفيتين بسنخهما بعد معروفية الحرمة والنجاسة، ولا يعقل جعل الحلية والطهارة لما بعد الغاية. فما ترى في كلماتهم (قدس سرهم) من البحث حول هذه الغاية، وأنها غاية الحكم مثلا (3)، فهو خارج عن الجهة المبحوث عنها في المقام، فالبحث مقصور بأمثال " سر من البصرة إلى الكوفة " أو " اغسلوا أيديكم إلى المرافق " أو في القضايا الإخبارية حول " سرت من البصرة إلى الكوفة " مما يمكن أن يتكفل دليل آخر لإثبات الحكم المماثل عليه. وبعبارة اخرى: انتفاء سنخ الحكم في تلك القضايا واضح بالضرورة، ولا حاجة إلى الاستدلال، فما هو مورد النزاع هو ما يكون محتاجا إلى الاستدلال مقابل من يقول بالإهمال. إذا تبينت هذه المقدمة الوجيزة، فالذي هو الأقرب إلى النظر مقالة العلمين (قدس سرهما) وسيظهر في طول البحث تمامية هذه المقالة، لما سيتبين وجه الأقوال وما فيها. وأما ما يوجه به هذه المقالة، وهو أن القضايا الإنشائية والإخبارية في هذه


1 - الكافي 5: 313 / 40، وسائل الشيعة 12: 60، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4. 2 - مستدرك الوسائل 2: 583، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني، الباب 30، الحديث 4. 3 - كفاية الاصول: 246، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 505، محاضرات في اصول الفقه 5: 137. (*)

[ 150 ]

المرحلة واحدة، وإذا راجعنا إلى الإخبارية وقولهم: " سرت من البصرة إلى الكوفة " فلا نجد منه - مضافا إلى الإخبار بالسير ما بينهما - إخبارا آخر عن عدم السير ما بعد الكوفة، ولا يجوز إسناد ذلك إلى المتكلم المخبر بأنه أخبر خبرين: أحدهما: الإخبار عن سيره من البصرة إلى الكوفة. وثانيهما: الإخبار عن عدم سيره من الكوفة إلى ما بعدها. وهذا واضح بالضرورة. وأما التحديد فربما يكون لجهات اخر كثيرة، فربما كان سيره إلى ما بعدها، ولكن لا يهتم بنقله وإخباره أو غير ذلك. وهذا من غير فرق بين اختلاف تعابيره، فلو قال: " كان سيري بين البصرة والكوفة " أو قال: " بين البصرة والكوفة سرت " أو قال: " من البصرة سرت إلى الكوفة " أو غير ذلك، فإن الكل مشترك في ذلك، ولا يمكن في المحاكم العرفية وعند القاضي دعوى إقراره بعدم السير بعد الغاية، حتى يناقض إقراره بالسير بعدها. ومن هنا يعلم: أن هذه الأدوات ليست موضوعة للدلالة المزبورة، ولا هيئة الجملة المذكورة دالة عليها، ولا منصرفة إليها. وأيضا يعلم: أن في القضايا الشرعية الإنشائية، ليس للغاية دلالة وضعية، ولا للهيئة دلالة خاصة أو تخصصية، بل قولنا: " من الذقن إلى قصاص الشعر يجب غسله " وقولنا: " اغسل وجهك من القصاص إلى الذقن " مثل ما إذا قيل: " يجب غسل الوجه من القصاص إلى الذقن " وهكذا في سائر الأمثلة، فإن الكل لا يفيد إلا حدود المطلوب عرفا، وأن ما وراء كلمة " إلى " كما قبل كلمة " من " في كون القضية بالنسبة إليهما مهملة، ولا تدل على شئ. فإذا قيل: " أقم الصلاة من الصبح إلى الزوال " أو قيل: " من الصبح إلى الزوال

[ 151 ]

أقم الصلاة " فإنه لا يجد العرف مناقضة بينه وبين قوله بعد ذلك: " إن جاءك زيد أقم الصلاة من الزوال إلى الغروب " وقوله: " من الزوال إلى الغروب أقم الصلاة " فإن كل ذلك بحسب المتفاهم العرفي واحد. والسر كل السر: قصور الدلالة الوضعية عن ذلك، وأن كثيرا ما يقع الخلط بين انتفاء الحكم الشخصي والسنخي، فإن ما هو مرتكز العقلاء أن جعل الوجوب إلى المرافق، لابد وأن يكون لوجه، وإذا كان الأمر دائرا مداره فيعلم عدم وجه للإيجاب لما بعد الغاية، وأما إذا اقتضت جهة اخرى إيجابه لما بعدها، فلا يكون هو خلاف الارتكاز بالضرورة، فما في " تهذيب الاصول " (1) وغيره (2) من المناقشة في الأمثلة وكيفية أداء المقصود، غير راجع إلى محصل. وبالجملة: مدعي دلالة الغاية على انتفاء سنخ الحكم عما بعدها، لابد وأن يسند إلى الشرع أنه أوجب الغسل إلى المرافق، أو السير إلى البصرة، ويسند إلى الشرع أيضا أنه اعتبر عدم وجوبه بعدها، ويكفي الإخبار بنحو السالبة المحصلة بقوله: " إنه ما أوجب الشرع ذلك " كما يكفي بنحو الموجبة المعدولة فيقول: " إن الشرع اعتبر عدم الوجوب لما بعدها " وهذا واضح للمتدبر جدا، وتأمل جيدا، كما أن التزامه بذلك بعيد قطعا. ثم إنه لو كان الأمر كما زعم القائل بالمفهوم، لما كان وجه بين ما بعد الغاية وما قبل الابتداء، لاشتراك الصدر مع الذيل في ذلك، فإذا قيل: " أقم الصلاة من الزوال إلى الغروب " وكان فيه الدلالة على عدم الوجوب بعد الغاية، ففيه الدلالة أيضا بالنسبة إلى ما قبل الزوال، ولا أظن التزامهم به.


1 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 455 - 457. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 505. (*)

[ 152 ]

وهم ودفع: حول ما إذا كانت الغاية من حدود الحكم والطلب ربما اشتهر: " أن الغاية إذا كانت من حدود الموضوع، فلا تدل على شئ، لأنها لا تزيد على الوصف والقيد " (1)، وقد مر قصور دلالتهما على المفهوم (2). وإذا كانت من حدود الحكم والطلب فقال في " الدرر ": " إن مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب، لا الطلب الجزئي الخارجي، فتكون الغاية في القضية غاية لحقيقة الطلب المتعلق بالجلوس في قولك: " اجلس من الصبح إلى الزوال " ولازم ذلك ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها " (3) انتهى. وفيه: أنه إن اريد من حقيقة الطلب ما كان مقابل المجاز، فهو لا يرجع إلى محصل، وإن اريد منها ماهية الطلب وكليه، ويكون الطلب المغيا معنى كليا اسميا، فالغاية غاية لهذا الطلب، وحيث تكون الغاية حلا له فيوجب انقطاع ذلك الطلب، وهذا لا يورث ارتفاع مصداق الطلب الآخر بالنسبة إلى ما بعد الغاية. وبالجملة: من ورود الحد عليه يلزم كون الطلب المغيا مصداقا للطلب، لا تمام الطلب، فليتدبر. ولأجل ذلك أو غيره عدل عما في المتن إلى القول بعدم المفهوم رأسا (4). ولنا أن نقول في تقريب المفهوم بوجه أحسن منه، وهو أن مفاد الجمل المغياة بحسب التصور على وجهين:


1 - كفاية الاصول: 246، درر الفوائد، المحقق الحائري: 172، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 504، محاضرات في اصول الفقه 5: 137. 2 - تقدم في الصفحة 143. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 204. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 204 - 205، لاحظ مناهج الوصول 2: 220 - 221. (*)

[ 153 ]

أحدهما: أن المتكلم في مقام إفادة أن السير من البصرة إلى الكوفة مطلوبي، أو أن المطلوب هو السير من البصرة إليها، وغير ذلك مما يشابه هذه العبارة. ثانيهما: أن يكون في مقام إفادة أن مطلوبي المتلون بالسير، وأن مطلوبي السيري ومقصودي الكذائي من البصرة إلى الكوفة. فما كان من قبيل الأول فلا يكون له المفهوم، ويعد من قيود الموضوع. وما كان من الثاني فيستلزم انتفاء الطلب بالنسبة إلى ما بعد الغاية، ولو كان السير المتلون بلون ما بعد الكوفة مطلوبه، لما كان للتقييد المزبور وجه. وإن شئت قلت: لو كان المفهوم هنا منوطا بإثبات العلية المنحصرة، فلا يمكن ذلك، لأن غاية ما يثبت هنا انحصار المطلوب السيري بما بين الكوفة والبصرة، وهذا لا يتقوم استفادته بالعلية المنحصرة، بل هو هنا يستفاد من التقييد الوارد على الحكم، وأن مجرد ذلك كاف في حصول المفهوم والانتفاء عند الانتفاء، فإذا فرضنا أنه قال: " مطلوبي السيري محدود بين الكوفة والبصرة " فلازمه انتفاء الطلب بسنخه مضافا إلى شخصه، قضاء للقيد المزبور. وإن شئت قلت أيضا: إنه يريد في هذه الصورة إفادة أن مطلوبي الموصوف بالسير، محصور بما بين البصرة والكوفة، فيستفاد هنا حصر الطلب السيري بما بينهما، وقضيته انتفاء سنخه عما بعد الغاية، من غير توقف على كون الغاية حدا للحكم، كما يظهر بأدنى تأمل. أقول: ولعمري، إنه لا يمكن المزيد عليه في تقريب مقالة الخصم، ولكنه مع ذلك لا يفيد ولا ينفع: وذلك أولا: لأن مقتضى هذا التقريب إثبات المفهوم بالنسبة إلى ما قبل الابتداء وما بعد الغاية، وهم إما غير ملتزمين به، أو يلتزمون، لما لا مفر عن ذلك بالضرورة، ولا يعد تاليا فاسدا له.

[ 154 ]

وثانيا: أن مفاد الهيئات ليس إلا البعث في الاعتبار الخارجي نحو المادة، ولا تدل على معنى كلي أولا، ثم يقيد ذلك المعنى الكلي - وهو الطلب - بمفاد المادة والمتعلق، بل هو إغراء وتحريك إلى جانبها. وثالثا: لو فرضنا أنا نستفيد من الهيئة أو من قوله: " يجب " أن المطلوب محدود، فلا يزيد أيضا على القيود في الموضوع، لأن القيود في الموضوع أيضا دخيلة في تضييق الطلب لبا بالضرورة. نعم، لو استفدنا منه أن المطلوب السيري محصور بما بينهما - على الوجه الأخير في تقريبنا - فيشكل، لأن مع ذلك إذا طلب منه السير بين الكوفة والمدينة، فهو مناقض لقوله الأول. ولكن الشأن في استفادة ذلك من هذه العبارات، فإنه في التقديم والتأخير - بحسب الجملة الفعلية أو متعلقاتها - لا يلزم إلا حد الحكم، وهذا لا يورث انسلاب الحكم وانتفاء سنخه عما بعد الغاية، لأن ماهي الجهة الموجبة للإيجاب إلى الكوفة أو إلى المرافق، غير الجهة الموجبة للإيجاب ما بعد الكوفة، وعندئذ لا يلزم من الإيجاب الأول نفي مصاديق الوجوب عما بعد الغاية بالضرورة والقطع. وبالجملة تحصل: أن القيد سواء كان حدا للموضوع أو الحكم، لا يوجب فرقا. نعم، إذا كانت الغاية والابتداء ظرف حصر الطلب السيري بما بينهما، يثبت المطلوب، وهو انتفاء سنخ الحكم، إلا أنه ممنوع بحسب الإثبات، فتدبر. تذنيب: حول وجه التفصيل بين كون المنشأ جزئيا أو كليا وجه التفصيل بين كون المنشأ جزئيا وكليا (1) ما مر في القضايا الشرطية، فإن


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 204. (*)

[ 155 ]

الطلب الجزئي ومصداق البعث الاعتباري الخارجي وإن كان مقيدا بالغاية، ولكن لا يدل على انتفاء مصاديق اخر، بخلاف ما إذا كان المنشأ كليا، فإنه إذا قيد بذلك فمقتضى التقييد ثبوت مصداق من الطلب بما قبل الغاية، وانتفاء سائر مصاديقه عما بعدها، قضاء لحق التحديد الوارد على الحكم (1). وفيه: - مضافا إلى ما عرفت من أنه على الكلي أيضا لايتم (2) - أنه على الجزئي أيضا يمكن دعوى دلالتها عليه، كما عرفت في القضايا الشرطية، وذلك إما لأجل التشبث بذيل فهم العرف، أو لأجل استفادة أن المبدأ والمنتهى ظرف الطلب وحاصره (3). فتوهم: أن اختلاف الأدوات في إنشاء الحكم يوجب شيئا في المقام (4)، خال من التحصيل. إعادة وإفادة قد مضى في طي البحوث: أن استخراج المفهوم منوط بأحد أمرين: إما دعوى: أن تمام مطلوب المولى من السير، يكون بين البلدين إما حقيقة أو ادعاء. أو دعوى: أن المطلوب السيري محصور بين حاصرين، فإنه عندئذ يثبت المفهوم. ولكن الشأن في كيفية استخراج ذلك من الجملة المزبورة تصديقا وإثباتا،


1 - تقدم في الصفحة 43 - 45. 2 - تقدم في الصفحة 153. 3 - تقدم في الصفحة 45 - 50. 4 - مناهج الوصول 2: 222. (*)

[ 156 ]

ودون إثباته خرط القتاد. وتبين أن كون الغاية حد الموضوع، إذ الحكم لا يفيد شيئا. وأما الآن فنريد أن نقول: إن التفصيل بين رجوع الغاية إلى الحكم والموضوع، مما لا يرجع إلى محصل، ضرورة أن الغاية إذا كانت حد الموضوع تكون قيد المتعلق، ويصير الوجوب متعلقا بالسير المحدد بين البصرة والكوفة، فهنا حكم ومتعلق مقيد يجب الإتيان به، ويكون الحكم واحدا، والموضوع المتعلق له أمرا وحدانيا. وأما كون الغاية حد الحكم وغاية الحكم، فإن اريد أنه في حال كونه غاية الحكم يكون غاية الموضوع والمتعلق، فهو صحيح، إلا أنه يرجع إلى أن كل ما هو قيد للموضوع، هو حد للحكم وموجب لتضييقه بالضرورة، لامتناع إطلاق الحكم مع تحدد الموضوع، فعلى هذا يكون المراد من إرجاع الغاية إلى الحكم، هو أنها غاية الحكم فقط. فعندئذ نقول: إن كل حكم لابد له من متعلق، فهذا الحكم الذي يكون ذا الغاية متعلقه هو السير من البصرة، من غير دخول الغاية في متعلقه حتى تكون من قيوده، وعند ذلك يلزم امتثال الحكم بمجرد السير من البصرة، لأن الحكم متعلقه السير من البصرة، وقد امتثله. وإذا اريد بقاء الحكم فلا يعقل إلا بتكثير موضوعه، وأن كل جزء من المسافة متعلق حكم مخصوص به إلى الكوفة، فإنه بالوصول إلى الكوفة لا يكون هناك حكم، ولكن ليست الغاية حينئذ غاية الحكم، بل الحكم متعدد وينحل إلى الأحكام الكثيرة بنحو العموم الاستغراقي، ويتم الانحلال بالوصول إلى الكوفة. فتحصل: أن كون الغاية غاية الحكم فقط، مما لا يتعقل فيما هو المفروض هنا، وهو وحدة الحكم كما لا يخفى، فيسقط بنيان التفصيل المرضي عند

[ 157 ]

المتأخرين (1)، ولأجل مثل ذلك ربما لم يقل به القدماء، وقالوا بالمفهوم وعدمه على الخلاف فيه (2)، فافهم واغتنم. وإن اريد من التفصيل الاختلاف الاعتباري بين الفرضين، بأن يكون شئ غاية الحكم أولا وبالذات، أو غاية للموضوع بالاستقلال وفي اللحاظ الابتدائي، وإن كان كل واحد يرجع إلى الآخر لبا وثبوتا، فهو شئ حسن، ولكنه لا يفيد، بل يوجب المفهوم مطلقا، أو لا يوجب مطلقا كما لا يخفى. ثم إن ما ذكرناه يجري في مثل قولك: " اضرب زيدا حتى يسلم " فإنه أيضا لا يكون غاية الحكم إلا برجوعه إلى المتعلق، أو يكون الحكم متعددا ومنحلا، فيخرج عن كونه غاية، فتدبر. وأما كون " حتى " في قولهم: " كل شئ حلال " أو " طاهر " حتى تعلم أنه " حرام " أو " قذر " غاية الحكم، فله مجال آخر محرر تفصيله في الاستصحاب (3)، ولكن الشأن هنا ما عرفت من خروج أمثاله عن حريم النزاع في المقام (4). تذنيب: حول دخول الغاية في المغيا هل الغاية داخلة في المغيا (5)، أم لا (6)، أو يفصل بين ما كان غاية الفعل كما في مثل " سر من البصرة إلى الكوفة " فيدخل، وما هو غاية الحكم، وهو مختار جد


1 - تقدم في الصفحة 147 - 148. 2 - تقدم في الصفحة 147 - 148. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 394 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 147. 5 - مطارح الأنظار: 185 / السطر 36 - 37، نهاية النهاية 1: 269 - 270. 6 - قوانين الاصول 1: 186 / السطر 22، كفاية الاصول: 447. (*)

[ 158 ]

أولادي وشيخ مشايخي صاحب " الدرر " (قدس سره) (1) ؟ وعن العلامة الأراكي التفصيل بين الأدوات، ففي مثل " إلى " لا، ومثل " حتى " نعم (2). وقيل بالتفصيل بين الغاية التي تكون من جنس المغيا فنعم، وإلا فلا (3). ويمكن التفصيل بين الغاية البسيطة فنعم، والمركبة فلا. ويظهر حقيقة الأمر في ضمن امور: أحدها: أن البحث لا يخص بالغاية، ويشترك فيه الابتداء، وأنه إذا قيل: " سر من الكوفة إلى البصرة " يلزم دخول مدخول " من " في المغيا بحسب الحكم، أم لا، فلو صح دعوى دخول الغاية في الحكم أو بقاء الحكم إلى ما بعد الغاية، صح ذلك بالنسبة إلى مدخول حرف الابتداء وإلا فلا، لاشتراكهما كما لا يخفى. ثانيها: إذا كانت أداة الغاية حدا للحكم فأداة الابتداء حدا له أيضا، فكما أن في الثانية لا معنى لسريان الحكم إلى مدخول الثانية كذلك الاولى. هذا، وقد عرفت: أن التفصيل المزبور إما غير راجع إلى محصل، أو لا يقتضي التفصيل في المسألة، لاتفاق الأداة في الاستعمالين بحسب الوضع والدلالة، فما في " الدرر " (4) غير موجه. ثالثها: ما في " الكفاية " من امتناع شمول العنوان للغاية الراجعة إلى الحكم (5)، في محله، لما لا معنى لكونها غاية الحكم.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 205. 2 - مقالات الاصول 1: 415. 3 - لاحظ شرح الكافية 2: 326 / السطر 26. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 205. 5 - كفاية الاصول: 247. (*)

[ 159 ]

نعم، بناء على صحته يتصرف في العنوان، ويكون الجامع المبحوث عنه هو أن أداة الغاية، هل تدل على انتهاء الحكم في مدخولها، أم لا ؟ فإنه حينئذ يمكن جعل التفصيل المزبور قولا في المسألة. رابعها: " حتى " تأتي بمعنى " إلى " وتكون خافضة، وتختلف معها في امور مذكورة في الكتب الأدبية (1)، وتأتي عاطفة عند غير الكوفيين (2)، وإذا كانت عاطفة أو قصد بها العطف، فهو خارج عن محل الكلام، لأن مقتضى العطف دخول المعطوف في المعطوف عليه. وأما إذا كانت ك‍ " إلى " وخافضة، فهي مورد الخلاف حتى في المثل المعروف " أكلت السمكة حتى رأسها " بناء على الجر، لا النصب. فعندئذ يسقط تفصيل العلامة الأراكي في " مقالاته " بين الأدوات (3)، كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (4)، ولو كان ما أفاده من التفصيل صحيحا يلزم دخول الغاية في قوله تعالى: * (سلام هي حتى مطلع الفجر) * (5) في المغيا. كما أنه لو كان مفاد " إلى " دخولها فيه يلزم ذلك في قوله تعالى: * (فنظرة إلى ميسرة) * (6) و * (أتموا الصيام إلى الليل) * (7). وقيل: إن " حتى " العاطفة قليلة، حتى لا يوجد منها شئ في الكتاب


1 - الكافية 2: 326، مغني اللبيب: 64 / السطر 24. 2 - مغني اللبيب: 67 / السطر 6. 3 - مقالات الاصول 1: 405. 4 - مناهج الوصول 2: 223 - 224. 5 - القدر (97): 5. 6 - البقرة (2): 280. 7 - البقرة (2): 187. (*)

[ 160 ]

الإلهي، والله العالم، فما في " تهذيب الاصول " (1) في غير محله. خامسها: إذا قيل: " قرأت القرآن إلى سورة الشورى " و " كتاب المكاسب إلى البيع " وهكذا، فلايفهم منه قراءة كتاب البيع وسورة الشورى، مع أنهما من جنس المغيا، فالتفصيل المزبور بارد جدا. سادسها: الغاية البسيطة والمركبة إما يراد منهما ما كان لهما من المعاني العرفية، أي البسيط العرفي، والمركب العرفي، فلا يمكن المساعدة على التفصيل، لخروج الكل عن حكم المغيا بالوجدان. مثلا: فيما إذا قيل: " لله علي قراءة سورة الأحزاب إلى الآية العاشرة " فلاينسبق إلى الذهن غير وجوب التسعة. وأما إذا اريد من البسيط الجزء الأخير من الشئ الداخل في ماهيته أو وجوده، كما إذا قيل: " لله علي الصلاة من التكبيرة إلى السلام " فالكل داخل، لا لأجل اقتضاء كلمة " من " أو " إلى " بل هو من تبعات تلك الحقيقة والماهية. وبالجملة: الغاية ولو كانت بسيطة، إذا كانت غير داخلة في ماهية المغيا فهي خارجة، وإذا كانت داخلة فيها فهي محكومة بحكم المغيا ولو كانت مركبة، وفيما إذا قيل: " اذرع هذا الشئ إلى الخط الكذائي " وكان المراد من " الخط " هو طرف السطح، فهو داخل في المغيا، لأنه من ماهية الجسم التعليمي عند الانحلال الوهمي والحركة الوهمية. إذا تبينت هذه الامور يظهر: أن كلمة " إلى " و " من " لا تدلان على الدخول، ولا الخروج، وهما من هذه الجهة مهملتان، وغاية دلالتهما انتهاء الحكم الإخباري أو الإنشائي بحصول حد الغاية. ويؤيد ذلك الجمل الإخبارية، فإن من سار من جدار البصرة إلى جدار


1 - تهذيب الاصول 1: 457. (*)

[ 161 ]

الكوفة، يصح أن يخبر عن ذلك بقوله: " سرت من البصرة إلى الكوفة " بالضرورة، وإذا قيل: " السفر من البصرة إلى ثمانية فراسخ يوجب القصر " وكانت بينهما الثمانية يكفي بالضرورة، مع أنه بعدما سافر الرجل يقال: " سرت من كذا إلى كذا " وكل ذلك يشهد على خروج الغاية من المغيا، كما يكون المبتدأ خارجا منه. ذنابة: حول التهافت بين انتفاء سنخ الحكم في الغاية وبين القول بوجوب المقدمة بناء على انتفاء سنخ الحكم في الغاية، فهل يلزم التهافت بين ذلك، وبين القول بوجوب المقدمة العلمية أو الوجودية، فيما لا يمكن امتثال الأمر في المغيا إلا بامتثال جزء من الغاية، أم لا ؟ وجهان. ولكن توهم التهافت مبني على بيان فاسد في باب وجوب المقدمة. ولو سلمنا في باب مقدمة الواجب أن الجزء الخارجي يكون معروف الوجوب، فلا منع من الالتزام بتقييد المفهوم، بناء على إمكان تقييده كما هو الواضح. تنبيه غير خفي: أن البحث عن دخول الغاية في المغيا، ليس من مقامات هذه المسألة، فضلا عن كون مسألة المفهوم منوطة به. نعم، بناء على دخول الغاية في المغيا، يكون مقتضى المفهوم انتفاء سنخ الحكم عما بعد الغاية، وهذا أجنبي عن البحث الكلي في المفاهيم، وأنه هل للغاية مفهوم، أم لا ؟ فما صنعه القوم - إلا من شذ (1) - في غير محله، والأمر كله سهل.


1 - لاحظ نهاية الأفكار 2: 497 - 498، مناهج الوصول 2: 219 - 222. (*)

[ 163 ]

المبحث الخامس في مفهوم الحصر والكلام هنا حول الجمل التي يمكن دلالتها على الحصر، والبحث فيها يقع في مراحل: المرحلة الاولى: في مقام الثبوت وهو أن المستفاد من الجملة إن كان حصر الحكم بموضوع، واختصاص وجوب الإكرام به، فلازمه ارتفاع الحكم وانتفاؤه عن غير الموضوع المزبور. وهكذا إذا كان المستفاد من الكلام أن الموضوع المزبور فيه مخصوص بذلك الحكم، فإن لازمه نفي الحكم عن غيره بالضرورة. ومثله ما إذا كان المستفاد منه أن الموضوع المزبور لا حكم له إلا ما ذكر فيه، مثلا إذا استفيد أن الخمر لا تكون محكومة إلا بحرمة الشرب، فلازمه نفي حرمة بيعها واقتنائها وغير ذلك. وبالجملة: فحصر كل من المسند في المسند إليه وبالعكس، يورث نوع مفهوم، ويوجب انتفاء سنخ الحكم.

[ 164 ]

المرحلة الثانية: في مقام الإثبات وأن أية جملة يمكن أن يستخرج منها ذلك ؟ وهي كثيرة نذكر بعضا منها: اولاها: الجملة الاستثنائية وهي أهمها، وتتصور على كيفيات، فإن من الممكن أن يقع حرف الاستثناء عقيب الجملة المستثنى منها. كما يمكن أن يقع مقدما عليها، كقولك: " العلماء إلا الفساق منهم يجب إكرامهم ". وثالثة: يقع متوسطا بينهما، كقولهم: " العلماء أكرمهم إلا الفساق منهم ". ورابعة: كما في كتب النحو، يقدم على المستثنى منه، كقولهم: " ما جاءني إلا زيدا أحد ". وعلى كل تقدير تارة: تكون الجملة إيجابية، واخرى: سلبية. وربما يستثنى بغير " إلا " من سائر الحروف، كما ربما يستثنى ب‍ " لاسيما " فإنها وإن دلت على اتحاد الحكم بين المستثنى والمستثنى منه، إلا أن المقصود من الاستثناء هو الأعم، كما لا يخفى. ثم إن " إلا " تأتي على أربعة أوجه، حسبما تخيلوه في النحو (1) واللغة (2): الاستثناء، وبمنزلة " غير " فتكون وصفا، وتأتي عاطفة، وزائدة.


1 - مغني اللبيب: 98 - 101. 2 - لسان العرب 1: 175، أقرب الموارد 1: 16. (*)

[ 165 ]

وما هو مورد البحث هو القسم الأول، وهي التي للاستثناء، وتكون ممحضة فيه، وأما سائر معانيها أو ما يكون مورد الشبهة منها، فهو خارج عن محور الكلام في المقام، ضرورة أن محط البحث ما يكون للاستثناء عن الحكم، فلو رجع إلى قيد الموضوع فيكون من مفهوم الوصف، وقد مضى تفصيله (1). وهم ودفع: حول سقوط البحث هنا بناء على إشكال الرضي على الاستثناء حكي (2) عن نجم الأئمة (رحمه الله) (3) أنه استشكل في " إلا " التي للاستثناء من الحكم السابق إخباريا كان أو إنشائيا: بأن في ذلك نوع مناقضة في الكلام، فإنه كيف يعقل إثبات الحكم ثم رفعه، أو رفع الحكم ثم إثباته ؟ ! فلا تكون لفظة " إلا " إلا بمعنى " غير " ولا يستثني من الحكم شئ، بل هو من قيود الموضوع، فكما إذا قيل: " العلماء إلا الفساق كذا " ليس هو استثناء من الحكم، بل هو قيد الموضوع، كذلك فيما إذا تأخر عن الحكم. فعلى هذا يسقط البحث هنا، لأن استفادة الحصر - حسبما تحرر - منوطة بكون الجملة الاستثنائية مشتملة على " إلا " التي للاستثناء من الحكم الثابت للمستثنى منه، وإذا صح ذلك فلا يبقى محل للبحث المزبور. أقول: الخلط بين الأحكام الإنشائية والإرادات الاستعمالية، وبين الأحكام الجدية والإرادات الواقعية، أوجب الوهم المزبور، ضرورة أن في قولك: " جاءني القوم إلا زيدا " إخبارا حقيقيا واستعماليا، وما هو يشمل المستثنى هو الثاني دون الأول.


1 - تقدم في الصفحة 152. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 505. 3 - شرح الكافية 1: 224 - 226. (*)

[ 166 ]

إن قلت: لا يعقل الاستثناء المطلق، وذلك لأن الحكم الإنشائي والإرادة الاستعمالية باقية على حالها بعد الاستثناء، وأما الحكم الواقعي والإرادة الجدية فهي غير شاملة من الأول، فلايتعقل حقيقة الاستثناء لأجل ذلك، لا لأجل ما يستظهر من ظاهر عبارة نجم الأئمة (رحمه الله). قلت: هذا السنخ من الشبهة والإشكال، متوجه إلى حديث الرفع (1) والاستثناء بالمنفصل، والجواب الجواب، فإن المقصود منه واضح، وهو أنه لولا كلمة الاستثناء - متصلة كانت، أو منفصلة - كان مقتضى أصالة الجد والتطابق وجوب إكرام الكل، فالاستثناء في الحقيقة معناه أنه لولاه لكان المستثنى منه يشمل مورد الاستثناء، وأما الاستثناء الحقيقي فهو من النسخ، بل هو غير معلول، ولعل إليه يرجع نظره (قدس سره) فافهم واغتنم. التحقيق في ثبوت مفهوم الاستثناء إذا عرفت ذلك، وتبين حدود النزاع، وما يناط به البحث، فهل للجملة التي تشتمل على أداة الاستثناء من الحكم الثابت للمستثنى منه مفهوم، أم لا ؟ وما هو القدر المتيقن من هذه الجمل، قولهم: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم " في الجمل الإنشائية، أو " لا تكرم العلماء إلا العدول منهم " ومنه قوله (عليه السلام): " لا تعاد الصلاة إلا من خمس... " (2) وغير ذلك من أقسام الاستثنائيات ؟ وإذا راجعنا الجمل الإخبارية نجد صحة نسبة الخبرين إلى من قال: " ما رأيت


1 - الفقيه 1: 36 / 132، وسائل الشيعة 7: 293 كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 37، الحديث 2. 2 - الخصال: 284 / 35، وسائل الشيعة 5: 470، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14. (*)

[ 167 ]

أحدا إلا زيدا ": " بأنه أخبر بكذا " أو " أخبر بكذا " وهذا من الشواهد القطعية على صحة النسبة فيما نحن فيه: " بأن الشرع أوجب إكرام العلماء العدول، وما أوجب إكرام غيرهم " وإليه يرجع ما اشتهر في كتب النحاة (1) وغيرها (2): " من أن الاستثناء من النفي إيجاب، ومن الإيجاب نفي ". ولو كان المقصود من الاستثناء أمرا آخر فهو محمول على الندرة، كما إذا اريد في الاستثناء إفادة مثله في مجئ زيد، وأنه إذا قال: " جاءني القوم إلا زيدا " أراد أن مجئ القوم قطعي دون زيد، فهو خارج عن ظهور الكلام ووضعه كما لا يخفى. وعلى هذا فيستفاد منها الحصر، وأن موضوع الوجوب هم العدول منهم، والفساق ليسوا موضوعا، فينفي الحكم، أو أن الحكم مخصوص بالطائفة الاولى، فلا حكم بالنسبة إلى غيرهم، وهذا هو المفهوم المقصود في المقام. ومما يشهد على ذلك حكم العقلاء بالإقرار على من قال: " ليس لزيد علي دراهم إلا درهم " ويأخذون منه ذلك الدرهم، مستندين إلى اعترافه به، ولا تسمع دعواه الإهمال، كما هو الظاهر. نعم، هنا إشكال لابد من دفعه، وهو قوله تعالى: * (إن هو إلا نذير مبين) * (3) فإنه يخالف قوله تعالى: * (إن أنا إلا نذير وبشير) * (4) في تلك السورة بعد آيات، فليتدبر.


1 - شرح العضدي 1: 264 / السطر 23، أوضح المسالك إلى الفية ابن مالك 2: 258، مجمع البحرين 1: 33. 2 - كفاية الاصول: 247، درر الفوائد، المحقق الحائري: 205 - 206، نهاية الأفكار 2: 501. 3 - الأعراف (7): 184. 4 - الأعراف (7): 188. (*)

[ 168 ]

بحث وتحصيل: في بيان منشأ دلالة الاستثناء على المفهوم هل استفادة المفهوم مستندة إلى الوضع أو غيره، وعلى الأول فهل يستند إلى كلمة " ما " و " إلا " مجموعا، أم يستند إلى " إلا " ؟ وجوه. يمكن أن يقال: إنه مستند إلى الوضع، بمعنى أن أداة الاستثناء وإن لم تكن موضوعة إلا لإخراج المستثنى من المستثنى منه حكما في الاستثناء المتصل، إلا أن لازمه البين سلب الحكم المزبور عن المستثنى، وهذا وأمثاله يعد من الدلالات الالتزامية الوضعية، وإن كان بحسب التحقيق هو من تبعات المعنى، فيكون جزء الموضوع له على وجه خارج، كما تحرر في محله (1). وبالجملة: دعوى الانسباق الذهني من الجملة مجموعا والانصراف (2)، غير تامة، لأن ذلك خلاف تمسكهم بالتبادر وبتصريح أهل الفن (3)، فالأظهر أن كلمة " إلا " من غير دخالة كلمة اخرى في ذلك تدل - بوجه اشير إليه - على الإخراج وانتفاء الحكم الثابت في المستثنى منه. نعم، إذا كانت الجملة المستثنى منها سلبية فهي أيضا لاتدل إلا على إخراج المستثنى من المستثنى منه حكما، ولازم ذلك أيضا إثبات الحكم لما بعدها، وتصير النتيجة بعد ذلك ثبوت الحكم المضاد للأول. وبالجملة تحصل: أن في منشأ الفهم المزبور احتمالات ووجوها، من كونه الوضع، أو مقدمات الإطلاق، بمعنى أن للمتكلم أن يكون في مقام الإخراج فقط،


1 - تقدم في الصفحة 4 - 8. 2 - كفاية الاصول: 247 - 248. 3 - مطارح الأنظار: 187 / السطر 29، درر الفوائد، المحقق الحائري: 205 - 206. (*)

[ 169 ]

ويكون بالنسبة إلى المستثنى مهملا، فيكون الحكم من هذه الناحية على وجه الإهمال. ولكن لو كان الأمر كذلك، لكان تسمع دعواه في المحاكم العرفية، فيما إذا قال: " ليس لزيد علي دراهم إلا درهم " فيعلم منه أن الأمر لا يستند إلى مقدمات الإطلاق أيضا، فيكون المستند هو الوضع. اللهم إلا أن يقال: إن مفاد " إلا " ليس إلا الإخراج من المستثنى منه حكما، وهذا هو تمام المعنى الموضوع له، وأما إثبات الحكم المخالف لمدخولها، فهو لازم كون الحكم محصورا بالموضوع، ومخصوصا بالمستثنى منه بعد الاستثناء، ولأجله ينتفي الحكم عما بعدها. وبعبارة اخرى: لو كان المستثنى مستندا إلى كلمة " إلا " وضعا لكان ذلك من المنطوق، لا المفهوم، وهو خلاف ما عليه الاصوليون (1)، وعليه فيكون الحكم الثاني مستندا إلى استفادة حصر الحكم الأول بالمستثنى منه بعد الاستثناء، وعندئذ يثبت المفهوم، ولا يستند إلى الوضع أيضا، فليتدبر جيدا. وبناء على هذا ما اشتهر في كلمات النحاة: " من أن الاستثناء من الإيجاب نفي وبالعكس " في محله، لعدم ظهور ذلك في دلالة أداة الاستثناء وضعا عليه، ولنعم ما قالوا: " إن نصب المستثنى ليس بفعل مقدر يدل عليه الفعل السابق " (2) خلافا لبعض النحاة (3)، وهذا شاهد على أن الجمهور منهم على " أن الاستثناء من الإيجاب نفي وبالعكس " قاعدة مستخرجة من المنطوق والمفهوم معا، لا المنطوق


1 - الفصول الغروية: 154 / السطر 27، مطارح الأنظار: 188 / السطر 13 - 15، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 505 - 506. 2 - شرح الكافية 1: 226 / السطر 13. 3 - هو الزجاج، لاحظ البهجة المرضية: 110 / السطر 4. (*)

[ 170 ]

المحض، فليتدبر واغتنم. كشف غباوة: لأبي حنيفة في إنكاره اختلاف المستثنى والمستثنى منه في الحكم حكي عن أبي حنيفة (1): إنكار دلالة الجملة الاستثنائية على اختلاف المستثنى والمستثنى منه في الحكم، مستدلا بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة إلا بطهور " (2) فإن ذلك - بتقريب منا - كقولك: " لا رجولية إلا ببطولة " فإن معناه نفي الرجولية بالسخاوة والعلم وغير ذلك من سائر الصفات، وإثبات أن تمام الرجولية بالبطولة، وهكذا في " لاصلاة إلا بطهور " فإن معناه على القول المشهور، هو أنه لا تكون الصلاة بالنسبة إلى سائر الشرائط متقيدة ومشروطة، بل هي من هذه الجهة مطلقة، بخلاف شرط الطهور، وهذا مما لا يرتضيه أحد في الفقه، ولا يفهمه أحد من العبارة المذكورة. فلايتم ما اشتهر " من أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس ". أقول: يتوجه إليه أولا، أن مفاد هذه العبارة وأمثالها الواردة في فاتحة الكتاب (3) وغيرها (4)، ليس منحصرا بما تخيله، بل هنا مشكلة اخرى: وهي أن


1 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 411 - 412، شرح العضدي 1: 265 / السطر 4 - 17، مطارح الأنظار: 187 / السطر 25 - 28. 2 - تهذيب الأحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعة 1: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 1 و 6. 3 - قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، عوالي اللئالي 3: 82 / 65، مستدرك الوسائل 4: 158، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5 و 8. 4 - ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لانكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". دعائم الإسلام 2: 218 / 807، مستدرك الوسائل 14: 317، كتاب النكاح، أبواب عقد النكاح، الباب 5، الحديث 1. (*)

[ 171 ]

مقتضى كون الاستثناء من النفي إثباتا، هو أن تمام الصلاة وتمام المأمور به هو الطهور، أو هو فاتحة الكتاب، وأن الصلاة هي الطهور، أو هي فاتحة الكتاب، فيلزم الإعضال جدا. وثانيا: لو صح أن يقال: إن عنوان " الصلاة " محفوظ في ناحية المستثنى في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة إلا بطهور " لأن الطهور من الشرائط، صح أن يقال: بانحفاظه في سائر الهيئات والتراكيب، فيكون حينئذ قابلا للتقييد، ضرورة أنه إذا رجع ذلك إلى قولنا: " لا صلاة إلا أن الصلاة بالطهور " أو " بالفاتحة " يكون إثباتا بعد النفي، ويقيد بالأدلة المنفصلة، لأن مقتضى إطلاق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة إلا بطهور " اشتراط الصلاة بالطهور فقط، أو بالفاتحة فقط، ثم بعد ورود الأدلة يكشف أن الانحصار إضافي، فليتأمل جيدا. وثالثا: إن في المستثنى منه يكون النظر إلى نفي الاسم والحقيقة، وعلى هذا لا منع من الالتزام بأن الطهور والفاتحة من المقومات للاسم والطبيعة، بخلاف غيرهما، فيكون الكلام في مقام إفادة اختصاص الطهور والفاتحة بشئ، فيكون نفيا موجبا للإثبات، ويلتزم بذلك في الفقه، بمعنى أن الصلاة ليست متقومة بالستر وأمثاله وبسائر الأجزاء إلا إذا دل دليل على خلافه، فلا نظر في هذه العبارات إلى الأمر والمأمور به، بل النظر مقصور على تقسيم نسبة الصلاة إلى الأجزاء، وأن منها ما تعد مقومة، ومنها ما لا مقومية لها بالنسبة إليها وإن كانت شرطا وقيدا في المأمور به. وبعبارة اخرى: يحتمل أن يكون المراد من هذه التراكيب نفي الحقيقة، أو نفي الاشتراط، أو نفي الإمكان، أو نفي الصحة، ولكن الظاهر أنها في موقف الادعاء، ويكون النظر إلى إفادة الاشتراط على وجه التقويم ادعاء وأن الطبيعة متقومة بها.

[ 172 ]

وعلى كل تقدير: تكون كلمة " إلا " مستعملة في الاستثناء، وتفيد أن حقيقة الصلاة متقومة بالطهور، لا أن الصلاة ليست إلا الطهور، فإنه لو كان المراد ذلك لكان ينبغي أن يقال: " لا صلاة إلا الفاتحة أو الطهور " فإتيان المستثنى مجرورا ب‍ " الباء " يوجب كون عنوان " الصلاة " ملحوظا في المستثنى أيضا، فيكون من قبيل قولهم: " لا قول إلا بعمل " (1) فيستفاد منها حينئذ انحصار ما لا مقومية له بالنسبة إلى الصلاة بغير الطهور والفاتحة. ومن هنا يظهر: أن ما أفاده جمع من الأصحاب (رحمهم الله) " من أن المراد من هذه التراكيب مجرد إثبات شرطية المستثنى في المأمور به " (2) خال من التحصيل، لأن هذه الكلمة مشتملة على " لا " النافية للجنس، و " إلا " الاستثنائية بالضرورة، فلابد من المستثنى منه، وتكون النتيجة هنا - كسائر الجمل - واحدة. ومجرد قولهم: " إنه ما في مقام كذا " لا تنحل به المعضلة، للزوم مراعاة اصول العربية فيها بنحو أعلى وأحسن، وقد عرفت أن الإعضال ليس في أنها لا تفيد الإثبات بعد النفي، بل المشكلة أعم من ذلك، وقد انحلت بحمد الله من غير لزوم منقصة في هذه العبارات الصادرة بعضها من الأفصح الأبلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع استفادة بعض الجهات الاخر، كحكومة هذه العبارات على قاعدة: " لا تعاد الصلاة... " (3) وأمثالها. فليتأمل جيدا. فتحصل: أن " إلا " في هذه التراكيب أيضا تفيد الحصر، وتصير النتيجة هي الإثبات في الكلام المنفي، إلا أن الجواب الثالث أمتن من الثاني، فإن نفي اشتراط


1 - وسائل الشيعة 1: 47، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 2 و 4. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 206، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 507، نهاية الأفكار 2: 501، مناهج الوصول 2: 225 - 226. 3 - الخصال: 284 / 35، وسائل الشيعة 5: 470، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 14. (*)

[ 173 ]

الصلاة بشئ إلا كذا وكذا، خلاف الاسلوب المزبور، بخلاف نفي الحقيقة والاسم، لما فيه الدواعي الكثيرة، فما عن العلامة الخراساني (قدس سره) من اعتبار نفي الإمكان (1)، غير وجيه كما هو الظاهر، وإن كان فيه نوع دقة كما لا يخفى، فتأمل. بقي شئ: حول دلالة " لا صلاة إلا بطهور " على الحصر الإضافي يمكن دعوى: أن هذه العبارات تفيد الحصر الإضافي والحيثي من أول الأمر، ولا تكون في مقام بيان إفادة الحصر الحقيقي، فيكون المقصود منها: أن الصلاة ليست صحيحة إلا بالطهور، وأما أنها تصير صحيحة بالفعل بالطهور المحض، فهي ساكتة عنه، وغير ناظرة إليه (2). وفيه: أنك قد عرفت أن استفادة الحصر مستند إلى إخراج المستثنى من المستثنى منه حكما، وهذا يرجع إلى الوضع من غير حاجة إلى مقدمات الإطلاق، ولا يسمع في المحاكم الدعوى المنتهية إلى أنه كان يريد في كلامه الإهمال، وليس هذا إلا لأجل اللغة والوضع واقتضاء الاصول الأولية الأدبية (3). ورابعا: لا يجوز صرف النظر عن اللغة واتفاق أهل الأدب والوجدان والتبادر بالرواية، بل لو فرضنا دلالة الرواية على خلاف ما ذكر فتحمل أو تطرح، لما يستكشف حينئذ قصور في السند، وتعد من الإسرائيليات التي اريد فيها تضييع حقوقهم (عليهم السلام) فما صنعه الرجل بعيد عن الواقع بمراحل. ومن هنا يظهر: أن التمسك بكلمة الإخلاص (4) إن كان استدلالا، ففي غير


1 - كفاية الاصول: 247. 2 - مطارح الأنظار: 187 / السطر 28. 3 - تقدم في الصفحة 168 - 169. 4 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 411 - 412، مطارح الأنظار: 187 / السطر 29 - 30. (*)

[ 174 ]

محله، نعم لا بأس بالتأييد، فلو فرضنا قصور الأدلة عن إثبات الحصر فلا يكشف بها ذلك في محل النزاع، ضرورة أن ظهور الكلمة الشريفة في الإقرار بالتوحيد، ربما يكون مستندا إلى الجهات الخارجية، كما هو المعلوم. وأما ما في " تهذيب الاصول ": " من أن النظر في الكلمة الشريفة إلى نفي استحقاق غيره تعالى للعبودية فقط، من دون الإقرار في جانب المستثنى " (1) فغير معلوم مقصوده - مد ظله - ويظهر منه التهافت. وبالجملة: لاشبهة في أن الإقرار بهذه الكلمة إقرار بالتوحيد إجمالا، وليس ذلك إلا لأجل دلالة " إلا " على الحصر على الوجه المحرر (2). ولكن الاستدلال في غير محله، ضرورة أن خصوصيات اللغات والمسائل العرفية، لا تتخذ من الشرائع الإلهية إلا برجوعها إلى التعبد والتدين. بقي بحث: حول كلمة الإخلاص اعلم: أن الذي قالوه هو أن في كون الكلمة الشريفة إقرارا بالتوحيد إشكالا وإعضالا، وهو أن خبر " لا " النافية للجنس المحذوف إما يكون عنوان " الممكن " أو " الموجود " فإن كان الأول فلا يدل إلا على أنه تعالى ممكن، وهذا أعم من وجوده، وإن كان الثاني فلا يلزم منه الاعتراف بنفي إمكان غيره تعالى (3). واجيب تارة: بأن المقصود من كلمة " إله " هو واجب الوجود، فيكون المراد من المحذوف هو عنوان " الإمكان " العام، لا الخاص، ضرورة امتناع اجتماع


1 - تهذيب الاصول 1: 458. 2 - تقدم في الصفحة 168 - 169. 3 - مطارح الأنظار: 188 / السطر 4 - 5، كفاية الاصول: 248، درر الفوائد، المحقق الحائري: 207. (*)

[ 175 ]

الإمكان الخاص والوجوب في المستثنى، فيكون هذا قرينة على أن المراد هو الإمكان العام المجتمع مع الوجوب، فإذا قيل: " ليس واجب الوجود ممكنا إلا الله " يلزم منه كون الله تعالى واجب الوجود فقط، وذلك لأن مقتضى الاعتراف بعدم الإمكان العام لمصداق واجب الوجود المفهومي، امتناع وجود جميع أفراده، وقضية الاعتراف بالإمكان العام لأحد مصاديقه هو الإقرار بوجوب وجوده، فيتم المطلوب (1). وفيه: مضافا إلى أن كلمة " الإله " ليست موضوعة لعنوان " واجب الوجود " بل هي - حسبما في بعض الأخبار (2)، ومجموع ما يحصله المتتبع في الآثار - عبارة عن الخالق، أو المعبود، بمعنى أنه تارة: يراد منها الخالق، كما في قوله تعالى: * (إذن لذهب كل إله بما خلق) * (3) وغير ذلك مما كثر إطلاقه لا بجهة العبودية فراجع، واخرى: يراد منها المعبود. ومضافا إلى أن هذه الطريقة خارجة عن الأفهام العامة. ومضافا إلى عدم الحاجة في قبول الإسلام إلى التوجه إلى عدم إمكان غير الله تعالى، بل يكفي الاعتقاد به تعالى غافلا عن سائر الجهات. أن هذه الكلمة كانت تقبل في مقام نفي الشريك في العبودية في صدر الإسلام، فإن المشركين من العرب كانوا يعبدون الأوثان والأصنام * (ليقربونا إلى الله زلفى) * (4) وعندما طلع الإسلام قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شهادتهم المزبورة في موقف الإقرار بحصر المعبود فيه تعالى بعد إذعانهم بوجود الله تعالى خالق السماوات


1 - كفاية الاصول: 248، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 509 - 510. 2 - معاني الأخبار: 4، الكافي 1: 87. 3 - المؤمنون (23): 191. 4 - الزمر (39): 3. (*)

[ 176 ]

والأرض، فما في " الكفاية " (1) وغيره (2) من الاقتناع بذلك، لا يخلو من تأسف. واجيب اخرى: بأن المحذوف لا هذا ولا ذاك، بل المحذوف عنوان " الاستحقاق " وذلك لما اشير إليه أخيرا، وهو أنهم كانوا مشركين في العبادة، دون الذات والصفات، فتقبل شهادتهم المذكورة، لاعترافهم بالله الواحد تعالى، فلا حاجة إلى الأجوبة الفلسفية الخارجة عن افق الناس (3). وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن هذه الكلمة تقبل شهادة من الكافر الجاحد المنكر الدهري، وتكفي لترتب أحكام الإسلام عليها إذا اقترنت بالشهادة الثانية، فلاتخص بتلك الطائفة بالقطع والنص، فما ارتضاه الأعلام، السيدان البروجردي والوالد، والعلامة المحشي - عفي عنهم - (4) لا يخلو من غرابة أيضا. ومما ذكرنا يظهر ما في الجواب الثالث: وهو أن المحذوف عنوان " الواجب " فإنه وإن لم يذكره الأصحاب (قدس سرهم) إلا أنه الأقرب. ولكن يتوجه إليه: أن المشركين في العبادة كانوا يريدون بها الشهادة على التوحيد العبادي، فلا تغفل. وغير خفي: أن جعل الخبر المحذوف عنوان " الواجب " أولى من " الممكن " بالإمكان العام، لسلامته من بعض الإشكالات الأربعة المشار إليها. كما أن كون المحذوف عنوان " الأحد " أي ليس المعبود أحدا إلا الله، أولى من كونه عنوان " الاستحقاق " وذلك لأن نفي الاستحقاق، لا ينافي عبادة الأصنام


1 - كفاية الاصول: 248. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 509 - 510. 3 - تهذيب الاصول 1: 458. 4 - نهاية الاصول: 313، تهذيب الاصول 1: 458، نهاية الدراية 2: 442. (*)

[ 177 ]

والأوثان لأجل أن يقربوهم إلى الله زلفى، فلا يكون مشركو العرب عابدين للأصنام لأجل الاستحقاق، بل كانوا يعبدونهم لأجل المطلوب الآخر، فلا تخلط واغتنم. إذا تحصلت هذه الأجوبة القاصرة كلها عن حل المشكلة، فإليك الأجوبة الاخرى الكافية، على إشكال في بعض منها: الأول: أن المحذوف يختلف باختلاف المواقف، ولا برهان على تعينه في كل المراحل، ففي مورد يراد الإقرار بالتوحيد الذاتي يكون المحذوف عنوان " الواجب " مثلا، ويراد من كلمة " الإله " عنوان الخالق، أو المعبود، وفي مورد يراد الإقرار بالتوحيد العبادي يكون المحذوف عنوان " الأحد " وما يحذو حذوه، وحذف المتعلق والخبر ربما كان لأجل الإيماء إلى ذلك. الثاني: أن يكون المحذوف مجموع العناوين في جميع المواقف والمراحل، ولا دليل على لزوم كون لفظة " لا " ذات خبر واحد، وقد قال ابن مالك: وأخبروا باثنين أو بأكثرا * عن واحد كهم سراة شعرا (1) الثالث: أن الرجوع إلى ترجمة هذه الكلمة في بعض الألسنة الاخرى، تعطي أن كلمة " لا إله " نافية وتامة، وتكون إخبارا عن " الليس " المحض والعدم الصرف، ويكون نفي الموضوع، دون الهوية والربط. وإن شئت قلت: إن كلمة " إلا " هنا بمعنى " غير " ويكون هو الخبر، ولا يأتي هذا الاحتمال في مثل: " لا صلاة إلا بطهور " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " لمكان حرف الجار الوارد على المستثنى، كما لا يخفى. ويمكن دعوى: أن ذلك غير جائز، لأن كلمة " غير " لا يمكن حملها على الإله حتى يتخلل بينهما حرف السلب، فتكون هي للاستثناء أيضا، إلا أن المستثنى


1 - البهجة المرضية: 52. (*)

[ 178 ]

منه لا يلزم أن يكون هو الخبر، بل هو نفس الموضوع الكلي المسلوب بالسلب التام، وقد حكي (1) عن سيبويه - كما يأتي في العمومات -: " أن لفظة " لا " غير محتاجة إلى الخبر أحيانا، وتكون تامة " (2). إن قلت: على جميع التقادير لا يستفاد من الحصر بالاستثناء إلا حصر الحكم في المستثنى منه بموضوعه، وتكون النتيجة ثبوت الحكم المقابل للمستثنى. قلت: بل إذا انحصر الحكم في المستثنى منه بموضوعه فلازمه حصر المستثنى أيضا بموضوعه، فيكون الإقرار بالإخلاص موجبا للإقرار بحصر الحكم في المستثنى بموضوعه، كما هو الواضح. إن قلت: حذف الخبر لا يضر ولا ينفع. قلت: إذا اريد من " الإله " عنوان الواجب فهو يفيد في مورد الإقرار بالتوحيد الذاتي، وإذا اريد منه الخالق فلازمه ذلك، وإذا اريد منه المعبود فيفيد في مورد الاعتراف بالتوحيد العبادي، فليتأمل جيدا. تنبيهات أحدها: حول جريان التفصيل بين الحكم والموضوع في مفهوم الحصر ربما يقال: إن التفصيل المذكور في الغاية بين الحكم والموضوع، يأتي هنا، فيكون الاستثناء من الموضوع بلا مفهوم، دون الحكم (3)، مع أنه لم يفصله أحد. أقول: قد عرفت منا سقوط هذا التفصيل تصورا في محله (4). هذا مع أن


1 - شرح الكافية 1: 262 / السطر 6 - 8. 2 - لاحظ كتاب سيبويه 1: 421. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 505 - 508. 4 - تقدم في الصفحة 152 - 157. (*)

[ 179 ]

الاستثناء من الموضوع غير معقول إلا برجوعه إلى الاستثناء من الموضوعية للحكم، وهذا هو الاستثناء من الموضوع في الحكم. وقد مر أيضا: أن ما هو مورد النزاع هي لفظة " إلا " الاستثنائية من الحكم، وإلا فهو من قيد الموضوع، ويكون مندرجا تحت مفهوم القيد والوصف (1)، كما هو الواضح. ثانيها: حول التفصيل بين الحكم المنشأ بالمعاني الحرفية والاسمية قد مضى في تنبيهات مفهوم الشرط، تفصيل بين الحكم المنشأ بالحروف والأدوات الجزئية، والحكم المنشأ بالمعاني الكلية الاسمية (2)، وقد ذكرنا ذلك أيضا في مفهوم الغاية (3). وأما الأصحاب (رحمهم الله) فلم يشيروا إليه هنا، ولعل ذلك لأجل عدم تمامية التفصيل في محله، فضلا عن المقام. وبالجملة: يمكن دعوى أن الاستثناء من قولهم: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم " بلا مفهوم، بخلاف قولك: " يجب إكرام العلماء إلا الفساق منهم " فإن المنشأ في الأول جزئي شخصي لا معنى لانتفاء سنخه، بخلاف الثاني. وأنت خبير بما فيه من حكم العقلاء وبالمفهوم من غير فرق بينهما. مع أن انتفاء سنخ الحكم لا يتقوم بكون المنشأ كليا، بل للجزئي أيضا سنخ. نعم ليس له الفرد المتعدد. وقد مضى: أن في تعبيرهم " إن المفهوم انتفاء سنخ الحكم " إشعارا بسقوط


1 - تقدم في الصفحة 164 - 165. 2 - تقدم في الصفحة 42 - 50. 3 - تقدم في الصفحة 147 - 155. (*)

[ 180 ]

هذا التفصيل (1)، فاغتنم. ثالثها: حول مجازية تقييد مفهوم الحصر وعدمها قد عرفت في مطاوي بحوثنا: أن قضية انحصار الحكم في جانب المستثنى منه بالموضوع المذكور فيه، انتفاء الحكم في ناحية المستثنى، ومقتضى ذلك أيضا انحصار الحكم في ناحية المستثنى بالموضوع المذكور فيه أيضا، فيكون مثلا مفاد " لا تعاد الصلاة إلا من خمس " (2) أن موضوع عدم الإعادة جميع أجزاء الصلاة وشرائطها إلا الخمسة، وأما الخمسة فهي موضوعة للإعادة، وليس للإعادة موضوع آخر. وهذا هو مقتضى الانحصار المذكور في جانب المستثنى منه بعد تقابل الحكمين في المستثنى والمستثنى منه. إذا تبين ذلك، فهل في صورة ورود المقيد والمخصص تلزم المجازية والادعاء، أو تقع المعارضة ويلزم الرجوع إلى الأخبار العلاجية، أم يجمع بينهما، لإمكانه عرفا ؟ وجوه يتعين الأخير منها، وذلك لأن كلمة الاستثناء ليست لإفادة الحصر الحقيقي، بل هي تفيد ذلك عند عدم القرينة، فلو ورد: " ما جاءني القوم والشعراء إلا زيد " فهو يفيد الحصر بالنسبة إلى الطائفة الثالثة. وتوهم: أنها لإفادة الحصر الحقيقي، ويكون في المثال ما هو الموضوع عنوانا واحدا يجمع الطائفتين، في غير محله إنصافا، بل في المثال يكون الموضوع متعددا، فلا تفيد أداة الاستثناء إلا الحصر الإضافي من غير لزوم المجازية، فبذلك


1 - تقدم في الصفحة 43 - 50. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 375 - 376. (*)

[ 181 ]

تنحل مشكلة قاعدة " لا تعاد... " التي حررناها في بحوثها (1)، وهكذا التعارض المتوهم بين قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (2) و " لا صلاة إلا بطهور " (3) وغير ذلك. هذا مع أنك قد عرفت: أن هذا الكلام مبني على الادعاء (4)، وعندئذ لا مانع من تعدد المقوم الادعائي، فتكون الصلاة بعد ذلك مقومة بالطهور، وبالفاتحة، وبالقيام، وبتكبيرة الافتتاح. رابعها: في مفهوم الاستثناء المنقطع فإنه إن رجع إلى المتصل كما هو مختار السيد جد أولادي الحجة الكوه كمري (قدس سره) (5) فهو، وإلا ففي استفادة المفهوم منه وجهان: من احتمال كونه مسوقا له. ومن احتمال كونه مسوقا لتحكيم الحكم في المستثنى منه. فإذا قيل: " ما جاءني الصرفيون إلا النحويون " فيحتمل كونه موجبا لإثبات مجيئهم، وكونه مفيدا لتأكيد عدم مجئ الصرفيين، بدعوى أنه لو كان يمكن الاستثناء لاستثنيت من الصرفيين، فيعلم من ذلك: أن كل واحد من الصرفيين ما جاء قطعا. وربما يورث امتناع عموم المستثنى منه عن التخصيص، ويصير من العمومات الآبية عنه، وستأتي زيادة توضيح حوله في بحوث العمومات والألفاظ الدالة على


1 - رسالة في قاعدة " لا تعاد " للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - تقدم في الصفحة 170. 3 - تقدم في الصفحة 170. 4 - تقدم في الصفحة 170 - 171. 5 - كتاب البيع (تقريرات المحقق الحجة الكوه كمري) التجليل: 325. (*)

[ 182 ]

العموم، فانتظر. وهنا احتمال ثالث: وهو كون " إلا " في هذه المواقف بمعنى " غير " لرجوعه إلى قيد الموضوع ووصفه، كما لا يخفى. وبالجملة: قد عرفت أن وجه استفادة المفهوم من الاستثناء المتصل، هو أنه كان بحيث إذا لم يذكر يكون المستثنى مندرجا في المستثنى منه حكما (1)، وهذا ليس يأتي في المنقطع بالضرورة، فإفادة الحكم المخالف محتاج إلى القرينة الاخرى غير نفس الاستثناء، كما في قوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (2) فإنه ربما يستفاد منه - مضافا إلى تحكيم امتناع المستثنى منه عن قبول الاستثناء والتخصيص - أن جواز الأكل ثابت للمستثنى أيضا بالضرورة، ولكنه ليس مستندا إلى كلمة الاستثناء بناء على الانقطاع، فليتدبر جيدا. ثانيتها: الجملة المشتملة على كلمة " إنما " فالمشهور بين اللغويين والنحاة إلى العصر الأخير، أنها لا تفيد الحصر (3)، ونسب (4) إلى بعض المتأخرين من النحويين (5) وجماعة من الاصوليين (6) أنها للحصر، واختلفوا فيها في جهتين:


1 - تقدم في الصفحة 168 - 169. 2 - النساء (4): 29. 3 - لاحظ مفاتيح الاصول: 105 / السطر 5، مطارح الأنظار: 188 / السطر 22 - 24. 4 - مفاتيح الاصول: 105 / السطر 5 - 7. 5 - مغني اللبيب: 19 / السطر 21. 6 - قوانين الاصول 1: 190 / السطر 15 - 16، مفاتيح الاصول: 107 / السطر 15، الفصول الغروية: 154 / السطر 35. (*)

[ 183 ]

الجهة الاولى: في أنها بسيطة أم مركبة فالذي هو المفروغ عنه بين النحاة (1) واللغويين (2) هو التركب، ولأجل ذلك لم يذكروها في اللغة إلا في كلمة " ما " الداخلة على " إن " الموجبة، لكفها عن العمل، وتكون هي مثل " أنما " بالفتح و " ليتما " و " لعلما " في عدم إفادتها الحصر، ولا تفيد إلا التوكيد. وقال أبو حيان: " وفي ألفاظ المتأخرين من النحويين وبعض أهل الاصول: أنها للحصر، وكونها مركبة من " ما " النافية دخل عليها " إن " التي للإثبات فأفادت الحصر، قول ركيك فاسد صادر عن غير عارف بالنحو " (3) انتهى. والذي هو التحقيق في هذه المرحلة: أنها بسيطة بحسب الوضع، وإرجاع الكلمات البسيطة إلى المركبات أمر ذوقي ليس من الواقعيات، فيكون وضعها شخصيا لا نوعيا، وتخص بالوضع الخاص، بخلاف سائر المركبات. وعلى هذا، فما اشتهر بينهم من التركيب بمعنى عدم اختصاص كلمة " إنما " أو " أنما " وأمثالهما بالوضع، في غير محله، والمسألة من هذه الجهة واضحة عند أهلها. وتعرض اللغويين في مادة " ما " لكلمة " إنما " وإن يشهد على عدم إفادتها الحصر أحيانا، ولكنه لا يشهد على بساطتها بحسب أصل اللغة، فافهم واغتنم. ومن هنا يسقط ما في " الكفاية " (4) وغيره (5) من التمسك بتصريح أهل اللغة بذلك كما لا يخفى.


1 - شرح الكافية 2: 348 / السطر 18 - 24، مغني اللبيب: 160 / السطر 7 - 9. 2 - الصحاح 6: 2555، لسان العرب 13: 215. 3 - مغني اللبيب: 19 / السطر 22. 4 - كفاية الاصول: 249. 5 - محاضرات في اصول الفقه 5: 140. (*)

[ 184 ]

الجهة الثانية: في أنها هل تفيد الحصر (1)، أم لا (2) ؟ أو يفصل بين كلمة " إنما " بالكسر و " أنما " بالفتح (3)، أن يفصل بين حصر المسند إليه وبالعكس (4)، فيفيد الأول في قولك: " إنما زيد كاتب " دون الثاني " إنما يكتب زيد " وجوه واحتمالات. وما هو الأقوى الأظهر هو الوجه الثاني، وذلك لوجوه: منها: عدم معهوديتها للحصر في كلمات السلف والخلف إلا من شذ من المتأخرين (5). ومنها: أنها بالمقايسة إلى " أنما " بالفتح و " ليتما " وأمثالها، يظهر اشتراكهما في المعنى، وعدم إفادتها الحصر أيضا. ومنها: أنها كثيرا ما استعملت فيما لا حصر هناك، كقوله تعالى: * (قل إنما أنا بشر مثلكم) * (6) وقوله تعالى: * (إنما أنت منذر) * (7) وقوله تعالى: * (إنما أنت منذر من يخشاها) * (8) وقوله تعالى: * (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) * (9) وقوله تعالى: * (إنما


1 - مغني اللبيب: 59، مفاتيح الاصول: 107 / السطر 18 - 21 و 213 / السطر 21. 2 - مناهج الأحكام والاصول: 134 / السطر 23 - 25. 3 - الفصول الغروية: 155. 4 - محاضرات في اصول الفقه 5: 141. 5 - قوانين الاصول 1: 190 / السطر 15 - 16، مفاتيح الاصول: 107 / السطر 15. 6 - فصلت (41): 6. 7 - الرعد (13): 71. 8 - النازعات (79): 45. 9 - آل عمران (3): 178. (*)

[ 185 ]

الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان) * (1). وإمكان كون بعض منها من حصر المسند إليه في المسند - كالاولى والأخيرة - لا يضر، فإن الرجوع إلى موارد استعمالها يعطي عدم دلالتها إلا على أن الحكم مبني على التأكيد، وقد ورد في ذيل قوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2) أنه " إنما هو القمار " (3) مع أن إفادة الحصر تضر باستدلال القوم بها، ولا يمكن الالتزام بالتخصيص، كما لا يخفى. تنبيه ربما يظهر من " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره) عدم إمكان السبيل إلى معرفة إفادتها الحصر، لعدم المرادف لها فيما عندنا من اللغة، وعليه فلابد من التشبث بالنقل القطعي (4). والإشكال عليه: بأن قضية ذلك هو الدور، لأن الاطلاع على المرادف موقوف أيضا عليه (5)، مندفع بما تحرر في محله (6)، فإن الاستعمالات المختلفة هنا تضر باستكشاف المقصود والمعنى، كما لا يخفى، فتأمل جيدا. تذنيب: حول منشأ دلالة كلمة " إنما " على المفهوم بناء على إفادتها الحصر فهل هي كالاستثناء في أن دلالته على المفهوم ليس


1 - المائدة (5): 90. 2 - النساء (4): 29. 3 - لم نعثر على هذه الرواية. 4 - مطارح الأنظار: 188 / السطر 25 - 28. 5 - نهاية النهاية 1: 271. 6 - تقدم في الجزء الأول: 166 - 169. (*)

[ 186 ]

من المنطوق (1)، أم إذا دلت على الحصر فدلالتها على المفهوم بالوضع (2) ؟ وجهان. والذي هو المهم في المقام: أن هذا المفهوم لا يقبل التقييد والتخصيص، وذلك للزوم المجازية بعد كون " إنما " مفيدة بالوضع للحصر، لأن التصرف في المفهوم يوجب التصرف في المنطوق، وتصير النتيجة عدم كونها للحصر. والحمل على الحصر الإضافي إنكار لدلالتها على الحصر، فهذا أيضا شاهد على أن مفاد كلمة " إنما " ليس الحصر. فلو ورد: " إنما يضر الصائم أربعة " وكان معناه اللغوي حصر المضرة في الأربعة، فالتخصيص يوجب كون المضر خمسة، وهو خلاف ما دل عليه لفظة " إنما " ودعوى استناد الحصر إلى مقدمات الإطلاق (3) فاسدة. فما اشتهر: " من أن مفهوم الحصر أقوى المفاهيم " (4) في غير محله، بل مفهوم الحصر إن كان مستندا إلى الوضع فهو يخرج عن المفهومية، ويكون أقوى من المنطوق، لأن من المنطوق ما يقبل التخصيص كالعمومات، بخلافه، لدلالة أداته على حصر الحكم بالمذكور في القضية، والتقييد خروج عما وضعت له، وإن كان مستندا إلى مقدمات الإطلاق فهو وغيره سيان. وما ذكرناه في مفهوم الاستثناء بتوهم حل هذه المشكلة هناك (5)، غير مرضي عندي بعد، والمسألة تحتاج إلى مزيد تأمل وتدبر.


1 - شرح العضدي 2: 321 / السطر 20 - 24، منتهى الاصول 1: 442. 2 - مفاتيح الاصول: 107 / السطر 16 و 213 / السطر 21. 3 - مقالات الاصول 1: 422. 4 - مقالات الاصول 1: 421. 5 - تقدم في الصفحة 166 - 171. (*)

[ 187 ]

إيقاظ: في عدم دلالة " إنما " على الحصر عند دخولها على الفعلين ربما تدخل كلمة " إنما " على الفعلين، كقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) * (1). وقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليعذبهم) * (2). و * (إنما يريد الله أن يعذبهم) * (3). ولا معنى لإفادتها الحصر في هذه المواقف كما ترى، فالإنصاف أن ما عليه الاصوليون المتأخرون (4)، في غاية السقوط جدا. إفادة بناء على إفادتها حصر المسند في المسند إليه، فلازمه انتفاء سنخ الحكم عن سائر المسانيد إليها، وإذا أفادت حصر المسند إليه في المسند فهو وإن يفيد المفهوم أيضا، إلا أنه ليس من المفهوم الاصطلاحي كما عرفت فيما سبق (5). مثلا: إذا قيل " إنما الخمر يحرم شربها " فإن افيد انحصار الشرب المحرم بالخمر، فيلزم انتفاء الحرمة عن سائر الموضوعات، وإن افيد أن الخمر لا شأن لها إلا الشرب، فلازمه عدم حرمة بيعها، والصلح عليها، واقتنائها، وغير ذلك.


1 - الأحزاب (33): 33. 2 - التوبة (9): 55. 3 - التوبة (9): 85. 4 - قوانين الاصول 1: 190 / السطر 15 - 16، مفاتيح الاصول: 107 / السطر 15، كفاية الاصول: 249، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 510. 5 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 163 و 166 - 167. (*)

[ 188 ]

وما تعرض له الأصحاب (رحمهم الله) (1) هو الأول، مع أن كلمة " إنما " إذا كانت للحصر فهي أعم من ذلك، كما تحرر في محله، فتدبر جيدا. وثالثتها: الجملات المشتملة على " بل " الاضرابية، و " لكن " الاستدراكية، وتعريف المسند، وتقديم ما حقه التأخير فإنها كلها قاصرة عن إفادة الحصر، دون التأكيد، وأما المفهوم فهو ثابت أحيانا بالضرورة، ولكنه ليس مستندا إلى الأوضاع اللغوية. وأما توهم: أن كلمة " إنما " وأمثالها مما يؤكد، تفيد الحصر، لما لا معنى للتأكيد إلا ذلك (2)، فهو في غير محله، ضرورة أن التأكيد ليس لإفادة المعنى الزائد، بل هو تارة: يكون لدفع التوهم والاحتمال، واخرى: لتعظيم الحكم وتعزيره، وثالثة: لغير ذلك مما يقتضيه المقام، وإني بعدما تأملت في موارد استعمال تلك الحروف المشار إليها، لم يظهر لي وجه الحصر ولو كان غير وجيه.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 510، نهاية الأفكار 2: 502. 2 - المطول: 169 / السطر 12. (*)

[ 189 ]

المبحث السادس مفهوم اللقب والعدد لا إشكال في أنهما بلا مفهوم عندهم - رضوان الله تعالى عليهم - (1) وإلا يلزم أن يكون لكل شئ مفهوم، وما كان يحتاج الأمر إلى تكثير البحث. ولكن ربما يمكن أن يقال: إن التمسك الذي تحرر فيما سبق في مفهوم الشرط بمقدمات الإطلاق (2)، يقتضي المفهوم هنا، ضرورة أن في صورة كون اللقب موضوع الحكم أو العدد، يشك تارة: في أنه تمام الموضوع، أو جزؤه، فالإطلاق ينفي الثاني، ويثبت به أنه تمام الموضوع. واخرى: يشك في موضوعية شئ آخر لذلك الحكم وعدمه، وقضية الإطلاق هنا أيضا نفي الموضوعية عن ذلك الشئ، فتكون النتيجة نفي سنخ الحكم عن سائر الموضوعات، وما نعني بالمفهوم إلا ذلك، كما اشير إليه فيما سبق أيضا (3).


1 - قوانين الاصول 1: 191 / السطر 15 و 21، مطارح الأنظار: 190 / السطر 37، و 191 / السطر 7 - 8. 2 - تقدم في الصفحة 28 - 31. 3 - تقدم في الصفحة 43 - 44. (*)

[ 190 ]

بل هنا وجه آخر: وهو أن المفهوم إذا كان دائرا مدار كون المنشأ شخص الحكم وسنخه، وأنه إذا كان سنخه يثبت المفهوم، فاللقب والعدد أيضا ذوا مفهوم إمكانا كما لا يخفى، فتأمل. ثم إن هنا تقريبا آخر في خصوص مفهوم العدد، وذلك لاحتياج العدد إلى التمييز، مذكورا كان، أو محذوفا، فإن كان مذكورا فهو من قبيل الوصف المعتمد، وإن كان محذوفا فيلحق بالوصف غير المعتمد. فإذا قيل: " جئني بعشرة رجال " فهو في قوة قوله: " جئني برجال عشرة " فيكون فيه المفهوم على القول به في الوصف، وإلا فلا، فليتأمل جيدا، والأمر سهل، فإني أردت - شحذا للأذهان - أن أذكر وجها حتى يستنتج منه طريق سقوط الوجوه المتمسك بها في محلها (1). وأيضا هنا وجه يختص به العدد: وهو أن الظاهر كون ذلك العدد تمام الموضوع، ومأخوذا بشرط لا، فتكون الزيادة - مضافا على عدم وجوبها - مضرة بالواجب، وربما تعد محرمة فينتفي سنخ الحكم، ويثبت ضده، فافهم واغتنم.


1 - لاحظ قوانين الاصول 1: 191 / السطر 17 - 19، مفاتيح الاصول 218 / السطر 16، مطارح الأنظار: 191 / السطر 18. (*)

[ 191 ]

المبحث السابع في مفهوم الموافقة لا إشكال عندنا في بطلان القياس والاستحسان نصا وفتوى، وأما مفهوم الموافقة فإن كان المستفاد من المنطوق، أن الكلام سيق لإفادة ذلك المفهوم، فلا شبهة في حجيته، كقوله تعالى: * (فلا تقل لهما اف) * (1) فإن المدلول المطابقي ربما لا يكون مقصودا بالأصالة، وإذا كان المدلول المطابقي مقصودا، وكان العرف يفهم من الدليل ذلك، ويشعر به وينسبه إليه، فهو أيضا حجة، كما في الآية المزبورة أيضا على وجه. وأما ما اشتهر من إلغاء الخصوصية (2)، فإن كان العرف يجد أن الموضوع المذكور مثال في القضية، كما في قصة " إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله " (3) وفي كثير من الموضوعات المزبورة في الأخبار فهو، وإلا فربما يقع الخلط بين إلغاء


1 - الإسراء (17): 17. 2 - مفاتيح الاصول: 157 / السطر 32، نهاية الاصول: 295، مناهج الوصول 2: 298. 3 - بحار الأنوار 47: 255، وسائل الشيعة 3: 53، كتاب الطهار، أبواب التكفين، الباب 29، الحديث 1. (*)

[ 192 ]

الخصوصية المتعارف بين أصحابنا، والقياس المشهور عند المخالفين، ويكون ذلك من القياس بعد تغيير العنوان والاسم. مثلا: إذا ورد: " نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر " (1) فربما يلغون الخصوصية ويقولون: إن المنهي هي المعاملة الغررية، سواء كانت بيعا، أم غير بيع، وربما يقال: إن الغرر منهي حقيقة، ولا خصوصية للبيع وغيره، ولكنه بمعزل عن التحقيق. وأما في مثل " رجل شك بين الثلاث والأربع " فلا يبعد كونه إلى المثال أقرب، من غير حاجة إلى الإجماع القائم على اشتراك المرأة معه في الحكم، حتى يقتصر على القدر المتيقن منه، أو يعلل أصل اعتباره، فليتدبر جيدا. وأما الأولوية القطعية، فهي إن حصلت لأحد فهو، وإن أمكن المناقشة في حجية ذلك القطع كما تحرر منا في محله (2)، وأنكرنا حجيته الذاتية، وبينا على أنه - كسائر الأمارات - يحتاج إلى الإمضاء وإن لم تحصل كما هو كذلك بعد مراعاة أطراف القضية، وبعد التوجه والالتفات إلى إمكان اختفاء بعض الجهات عليه مما لاسبيل له إليه، فلا يكفي غير القطعية منه، لأنه من القياس. ويلحق به العلل المستنبطة، وإرجاع الكثرات والعناوين الكثيرة إلى الواحد بعد اختلاف الحكم، إلا مع قيام القرائن الخاصة، مثلا لو تمت الأولوية القطعية في مسألة حجية الظن في الأفعال، فلنا المناقشة فيه: بأن الشرع لمراعاة إصابة الظن في الركعات اعتبره، دون الظن في الأفعال والأذكار، وهذا ومنشأه ربما يختفي علينا. أو لو تم الاستنباط في مسألة كثير السفر، بأن موضوعه هو الكثير الذي


1 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3، صحيح مسلم، باب بيع الحصاة 3: 333. 2 - يأتي في الجزء السادس: 18 - 40. (*)

[ 193 ]

يكون حضره في جنب سفره فانيا ومعدوما، ولكنه غير جائز، لعدم الشاهد عليه. ومجرد مساعدة الذوق والاستحسان، لا يكفي لإرجاع تلك العناوين الكثيرة المستثناة في محلها (1) إلى عنوان واحد وإن صنعه المشهور (2). وبالجملة تحصل: أن التشبث بذيل إلغاء الخصوصية تارة، وبفهم العرف اخرى، وبالأولوية القطعية ثالثة، كله قريب من القياس المحرم المنهي بأصل الشرع، والله يعصمنا من النار، وهو الهادي إلى سواء الصراط والسبيل السوي والمهتدي. وقد فرغ العبد الكاتب راقم هذه الأساطير من تسويد هذه الصحائف المبيضة في يوم الثلاثاء، الثالث من شهر جمادى الاولى، عام 1392 في النجف الأشرف على مشرفه آلاف السلام والتحية. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.


1 - لاحظ الكافي 3: 436 / 1 و 4: 128 / 1، تهذيب الأحكام 3: 214 / 525 - 526، 4: 218 / 634، وسائل الشيعة 5: 515 - 516، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 11، الحديث 1 و 2 و 8. 2 - لاحظ إيضاح الفوائد 1: 162، مدارك الأحكام 4: 449، العروة الوثقى 2: 131. (*)

[ 195 ]

المقصد الخامس في العام والخاص

[ 197 ]

مقدمة قبل الخوض في بحوث العام والخاص لابد من التنبيه إلى بعض جهات: الجهة الاولى: في الفرق بين العام والخاص والمطلق والمقيد كان إلى زماننا البحث عن العام والخاص من المقاصد الاصولية، والبحث عن الإطلاق والتقييد مقصدا آخر، واستشكل في العصور المتأخرة: بأنهما من واد واحد، وهما مقامان من مقصد واحد (1)، وذلك لامور: أحدها: أن قولنا " إن الله أحل كل بيع " لا يزيد على قوله تعالى - بعد تمامية مقدمات الإطلاق -: * (أحل الله البيع) * (2) بشئ، فتكون مقدمات الحكمة قائمة مقام أداة العموم في الاستغراقية والبدلية. ثانيها: أن مقدمات الإطلاق مورد الاحتياج في العمومات أيضا، وإنكار ذلك عند بعض (3) لا يضر، لإمكان انعكاسه، فيكون الإطلاق غنيا عنها، دون العموم، كما


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 210، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 511. 2 - البقرة (2): 275. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 210 - 212، مناهج الوصول 2: 233 - 234، محاضرات في اصول الفقه 5: 158 - 159 و 162. (*)

[ 198 ]

سيظهر وجهه (1). ثالثها: إذا راجعنا البحوث الموجودة في هذا المقام، نجد أنها تكفي عن المباحث في المطلق والمقيد، وهذا يشهد على وحدة العام والمطلق بحسب الآثار والأحكام. ويترتب على هذه المقالة، أن تعريف العام مما لا يترتب عليه شئ. والقول بأن العام في مقام المعارضة يقدم على المطلق، خال من الحقيقة، كما أقر بذلك غيرنا (2) أيضا. كما يترتب عليه سقوط البحث عن أدوات العموم، فلا تغفل. فتحصل: أن ما سلكه القوم (3) وأطالوا الكلام حوله، مما لا يرجع إلى محصل أبدا، هذا ولاسيما البحث عن تعريفه، والغور في حدوده طردا وعكسا، مع احتياجه إلى مقدمات الحكمة في كونه حجة في جميع مصاديقه، وأما نفس شموله لجميع مصاديقه وضعا فهو مثل المطلق، فإن نفس الطبيعة أيضا تصدق على جميع مصاديقها بالضرورة. وبعبارة اخرى: إذا كان النظر في تعريفه إلى إفادة الخصوصية الثابتة له وضعا، فهو والمطلق مشتركان فيها، وإذا اريد من التعريف بيان صحة الاحتجاج به بالنسبة إلى جميع الأفراد، فالأمر أيضا كذلك، لأنهما محتاجان في ذلك إلى المقدمات، فلا تخلط. وإن شئت قلت: إن النقطة الرئيسية في تكثير مقاصد الكتاب وتفكيك المسألتين، هي أنه في باب العمومات تكون الدلالة على العموم وضعية لفظية، وأما


1 - يأتي في الصفحة 204. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 511، منتهى الاصول 1: 442. 3 - قوانين الاصول 1: 192 - 223، مفاتيح الاصول: 149 - 159، الفصول الغروية: 158 - 179. (*)

[ 199 ]

في باب المطلق تكون الدلالة عقلية فعلية، فيحتاج هناك إلى تلك المقدمات، من غير الحاجة هنا إليها. إن قلت: على كل تقدير يكون الحكم في العام على الأفراد، وفي المطلق على الطبيعة، فيحصل الفراق بينهما (1). قلت: ليس هذه تفرقة جوهرية، ضرورة أن التفريق الصحيح الأساس هو كون العام حجة وضعية على عموم الحكم بالنسبة إلى جميع الأفراد، وأما كونها حجة إجمالا فهو مشترك معه المطلق أيضا قبل تمامية المقدمات. وهم ودفع ربما يقال: بأن أداة العموم إما تدخل على الطبيعة المطلقة، أو المهملة، فإن دخلت على المطلقة فتفيد العموم والاستيعاب، إلا أنه مرهون بالإطلاق، وإن دخلت على المهملة فلا تفيد إلا الإهمال. والسر في ذلك: هو أن أداة العموم ليست مورد الإخبار، وليس المضاف في قولك: " غلام زيد " كالمضاف في قولك: " كل إنسان " فإن ما هو المخبر عنه في الأول هو الغلام المضاف، وفي الثاني لا يخبر عن مفهوم " الكل " المضاف، بل المخبر عنه هي الأفراد، فإن ثبتت مقدمات الحكمة يسري الحكم إلى جميع الأفراد، وإلا فلا (2). ويندفع ذلك: باختيار الشق الثاني، وأن " الكل " موضوع للاستيعاب، والطبيعة المهملة القابلة للصدق على كل فرد تكون مورد الحكم في كل فرد منها، لأجل مفاد أداة العموم، فتوهم أن هذه الشبهة تورث تداخل المقصدين، في غير محله.


1 - مناهج الوصول 2: 232. 2 - كفاية الاصول: 254 - 255. (*)

[ 200 ]

عقدة وحل ربما يتوهم: أن إجراء مقدمات الحكمة في العام غير ممكن، وذلك لأن الحكم في العام على الأفراد فرضا وإجراء المقدمات، يفيد أن الطبيعة تمام الموضوع. أو لأن العام استوعب الأفراد، فيكون الإجراء لغوا وباطلا. أو لأن الاستيعاب من خواص الأدوات، والحكم متأخر عنه، وإجراء المقدمات متأخر عن الحكم، فيلزم كون الإجراء متأخرا عن الاستيعاب برتبتين، فكيف يكون متوقفا عليه (1) ؟ ! أقول أولا: كما يستكشف من مقدمات الحكمة أن الطبيعة تمام الموضوع أحيانا، كذلك يستكشف منها أن زيدا بشخصه تمام الموضوع، فلا معنى للتوهم المزبور، ضرورة أن نتيجة مقدمات الحكمة فيما نحن فيه سريان الحكم في العام إلى جميع الأفراد، فلا يلزم ما ربما يتوهم لزومه. وثانيا: ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (2) كله دعوى، ضرورة أن من يقول باحتياج العمومات إلى المقدمات، ينكر دلالة أدواته على الاستيعاب (3)، وإلا فيلزم المناقضة في دعواه، كما لا يخفى. إعضال وانحلال يستظهر من بعض الأعلام في المقام، أن العمومات لو كانت تدل على


1 - مناهج الوصول 2: 233، تهذيب الاصول 1: 462 - 463. 2 - نفس المصدر. 3 - كفاية الاصول: 254 - 255. (*)

[ 201 ]

الاستيعاب وضعا، يلزم المجازية عند التخصيص، فقولنا: " كل عالم يجب إكرامه " لا يدل إلا على الكثرة الإجمالية، بحيث إذا خصص بقوله: " لا تكرم الفساق منهم " لا يلزم استعمال الأداة في غير ما وضعت له، وهو استيعاب المدخول (1). وينحل بما سيجئ تفصيله: من أن التخصيص لا يستلزم المجازية مطلقا (2)، وذلك لأنه بحسب الإرادة الاستعمالية يكون مستعملا فيما وضع له، وإنما قامت القرينة على تخلف الجد عن الاستعمال، كما تحرر مرارا. بحث وتحصيل: حول استغناء العام عن مقدمات الحكمة اختار السيد الوالد المحقق تبعا لجماعة من الأعلام (رحمهم الله) (3) أن العام غني عن مقدمات الحكمة. وغاية ما أفاده، هو أن لفظة " كل " وسائر الأدوات تفيد الكثرة، والإضافة إلى الطبيعة تفيد الكثرة من تلك الطبيعة، والطبيعة تفيد نفسها، لا الأمر الخارج عن حدود الموضوع له، فإذا كان الأمر كذلك فلا يستفاد الاستيعاب إلا من الوضع ومقتضى الدلالة اللفظية. وقال في موضع: إن بناء العقلاء على الحكم بالاستيعاب والاحتجاج بالعمومات من غير توقف على المقدمات، بخلاف ما إذا كان الحكم على الطبيعة. نعم، بالنسبة إلى حالات الأفراد وأوقاتها نحتاج إليها، ولكنه خارج عن دلالة العام على الأفراد، ففي دلالتها على الأفراد لا معنى لتلك المقدمات، لأن الكل


1 - لاحظ كفاية الاصول: 254. 2 - يأتي في الصفحة 216. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 210 - 213، نهاية الدراية 2: 446 - 448، نهاية الأفكار 2: 510، نهاية الاصول: 320. (*)

[ 202 ]

استوعب ذلك قبله (1)، انتهى مراده. أقول أولا: إن التقريب المزبور يحتاج إلى التكميل، وذلك لعدم اقتضاء إضافة مفهوم " الكل " إلى الطبيعة فردها ومصداقها، لأن المضاف إليه هي الطبيعة المجردة من أية دلالة على الفرد فرضا، و " الكل " المضاف إلى هذه الطبيعة لا يفيد إلا كثرتها، ويلزم عندئذ كون الكلام غلطا، لما لا كثرة فيها. فتفسير قولنا: " كل بيع " إلى " كل مصداق منه " تفسير بما هو الخارج عن حدود الدلالة الوضعية، فيلزم إما للغوية أو للفرار منها، أن يكون المراد هي الكثرة الخارجية، فلا تكون لفظة " كل " دالة على الفرد. نعم، يمكن أن يقال: إن التنوين الوارد على الطبيعة، يدل على الوحدة الإجمالية الإبهامية، وبتوسيط " الكل " يلزم صحة قولنا: " كل مصداق من البيع " في تفسير " كل بيع كذا " فليتأمل جيدا. وثانيا: دلالة أداة العموم على الاستيعاب غير واضحة، فإنها ربما تكون دالة على الكثرة، وأما استيعاب جميع أفراد المدخول فهو أمر آخر محتاج إلى الدليل. وإنا إذا راجعنا المحاورات العرفية والعقلائية، نجد أنه كثيرا ما تستعمل أداة العموم، وليس المتكلم في مقام إفادة الاستيعاب. مثلا: إذا قيل " إن الإسلام دين مشتمل على كل شئ " أو إن أرباب الدكاكين يقولون بأداة العموم: " إن في دكتهم كل شئ " فهو ليس يفيد العموم والاستيعاب بالضرورة، وليس ذلك إلا لأجل أن المتكلم ليس في مقام الاستيعاب، بل هو في مقام أضيق منه. وتوهم: أن ذلك لأجل القرينة، يؤيد أن طبع العام ليس إفادة الاستيعاب، بل هو في إفادة الاستيعاب وعدمها تابع القرائن، كما في باب المطلقات، فمجرد صدور


1 - مناهج الوصول 2: 233 - 234، تهذيب الاصول 1: 462 - 463. (*)

[ 203 ]

أداة العموم في الكلام لا يكفي للاحتجاج به، ولو كان ذلك لاستيعاب المدخول وضعا لكانت الحجة مع العبد، دون المولى في هذه المواقف. وبعبارة اخرى: كما في المطلقات يقولون " بأن الأصل ثبوت الإطلاق للكلام إلا إذا قامت القرينة على خلافه " كذلك في المقام، فإن الكلام يحمل على العموم الاستيعابي والاصولي عند عدم القرينة، وأما مع القرينة فلا، وهكذا مع وجود ما يصلح للقرينية. وكل ذلك لصحة استعمال أداة العموم في محيط خاص، وبالنسبة إلى المنطقة المعينة، كما في قوله تعالى في قصة مريم: * (نساء العالمين) * (1) وورود تفسيرها: بأنها " سيدة نساء عالمها " (2) وهذا التفسير غريب إلا على القول بعدم الدلالة الوضعية لتلك الصيغ المتخيلة لإفادة الاستيعاب، فتأمل جيدا. وبالجملة: بعد المراجعة إلى موارد استعمال هذه الأداة، نجد صحة ذلك باعتبار المحيط الخاص، من غير كون ذلك دليلا على تقييد المدخول حتى يقال: بعدم التهافت بين الدلالة على الاستيعاب، وكون المدخول مقيدا (3). فذلكة البحث إن تعرض الأصحاب لتعريف العام ب‍ " ما يدل على الاستيعاب " (4) ثم البحث عن أن في العمومات هل نحتاج إلى المقدمات وعدمه (5) ؟ غير صحيح، لأن مع


1 - آل عمران (3): 42. 2 - علل الشرايع 1: 182 / 1، تفسير العياشي 1: 174. 3 - كفاية الاصول: 254. 4 - قوانين الاصول 1: 192 / السطر 21، مفاتيح الاصول: 149 - 150، هداية المسترشدين: 339 - 341. 5 - كفاية الاصول: 254 - 255، نهاية الأفكار 2: 509 - 510، مناهج الوصول 2: 232 - 234. (*)

[ 204 ]

الحاجة إليها لا معنى أولا للتعريف المزبور، ويلزم تداخل مقصد العام والخاص ومقصد المطلق والمقيد، ويلزم سقوط البحث عن أداة العموم. فلابد أولا من الفحص عن المسألة المزبورة، فإن ثبتت الحاجة إليها فهو، وإلا فلا منع من تعريفه أولا بما في المفصلات، ومن جعل المقصدين مستقلين، وهكذا من البحث عن أداة العموم، وحيث قد عرفت منا المناقشة في تلك المسألة (1) يلزم جميع ما اشير إليه، وتسقط البحوث المذكورة. إن قلت: كما يلزم تداخل المقصدين على القول باحتياج العمومات إلى مقدمات الحكمة، كذلك يلزم ذلك على القول: بأن مقدمات الحكمة في باب المطلق والمقيد، تنوب مناب الأداة الدالة على العموم، كما اشير إليه في الوجه الأول في أول البحث (2). قلت: نعم، إلا أنه كلام خال من التحصيل، لما سيأتي في باب المطلق والمقيد (3) من أحد الأمرين: إما عدم الاحتياج هناك إلى المقدمات. وإما لا تكون هي نائبة مناب الأداة، وذلك لامتناع إفادتها تحليل الحكم وانحلاله حسب الأفراد والآحاد. فما يظهر من العلمين: الحائري (4) والنائيني (رحمهما الله) (5) أخذا عن السيد الاستاذ الفشاركي حسب الظاهر، غير راجع إلى تحقيق، فانتظره.


1 - تقدم في الصفحة 201 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 197. 3 - يأتي في الصفحة 445 وما بعدها. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 210 - 212. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 573. (*)

[ 205 ]

تنبيه: حول تقسيم العام كما لا معنى لتعريف العام إلا بعد تحقيق المسألة المزبورة، ويسقط الاحتياج إليه بعد القول المذكور، كذلك لا معنى له إلا بعد معلومية صحة تقسيمه إلى الاستغراقي، والبدلي، والمجموعي. وما يظهر منهم من التعاريف (1) كلها ينطبق على الاستغراقي، ومع ذلك التزموا بصحة التقسيم المزبور (2) كما لا يخفى. فنقول: تقسيم العام إلى الأقسام الثلاثة غير صحيح، وأبعد من الصحة ما يظهر من العلامة الخراساني من كون التقسيم بلحاظ الحكم، مع أنه متأخر عن الموضوع (3). نعم، ربما يحمل كلامه على أنه بلحاظ الحكم التصوري وبلحاظ الأثر والقصد، يعتبر العموم تارة كذا، واخرى كذا (4). وعلى كل تقدير: لابد لنا من النظر إلى أصل التقسيم، وذلك لأن في العام المجموعي ليس الأفراد إلا في حكم الأجزاء، ولا يكون الموضوع فيه إلا عنوانا معتبرا عن لحاظ المجموع، فيكون " أكرم مجموع العلماء " مثل " أكرم زيدا " فكما ليس في الثاني معنى للعموم والسريان والشمول، كذلك في الأول. وأما اعتبار المجموعات للطوائف المختلفة من العلماء مثلا، فهو من العام


1 - هداية المسترشدين: 339 - 341، كفاية الاصول: 253، مناهج الوصول 2: 230. 2 - هداية المسترشدين: 341، كفاية الاصول: 253، مناهج الوصول 2: 234. 3 - كفاية الاصول: 253. 4 - نهاية الدراية 1: 444 - 445. (*)

[ 206 ]

الاستغراقي، فلو ورد " أكرم كل قوم " فهو من العام الاستغراقي، ولا معنى للعام المجموعي إلا مجرد إفادة أن الموضوع مشتمل على اعتبار الوحدة الملازم لوحدة الحكم قهرا وطبعا. وأما العام البدلي وهو ما يدل على الواحد على البدل، وعلى العموم طولا، لا عرضا ومعا، فإن اريد من " العموم " ما يقابل القضية الجزئية - كقولنا: " أكرم زيدا " - فهو عام. وإن اريد من " العموم والعام " ما يكون كل فرد فيه مشمول الحكم على حدة، ومورد النفي أو الإثبات مستقلا، فالبدلي ليس بعام بالضرورة. وإن شئت قلت: العام ما يكون فيه الحكم عموميا، والعمومية البدلية بدل العام، وليست بعام. ولو رجع ما في " الكفاية " إلى ذلك فهو، ولكنه اعتبر صحة التقسيم المزبور واعتبره بلحاظ الحكم، والأمر سهل. فتحصل حتى الآن: أن التقسيم غير واقع في محله. نعم، ربما ينقسم العام إلى الأنواعي، والأفرادي، مثلا قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) مورد الخلاف في أنه عام أنواعي، أو أفرادي، وهذا تقسيم صحيح، وبناء على هذا لابد في تعريف العام من ملاحظة ما ينطبق على العام بقسميه: الأفرادي، والأنواعي، من غير لحاظ شموله للعام البدلي والمجموعي. ومن العجيب توهم: أن العام البدلي عام مجازا، دون المجموعي (2) ! ! مع أن المجموعي ليس بعام قطعا، بخلاف البدلي كما اشير إليه.


1 - المائدة (5): 1. 2 - أجود التقريرات 2: 443، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 514. (*)

[ 207 ]

الجهة الثانية: في تعريف العام، بناء على الإغماض عما أسلفناه قد عرف بتعاريف لا تخلو من المسامحات، والأظهر أنه ما يدل بالوضع على أن الحكم يشمل جميع مصاديق مدخول أداته، فإن كان عاما أنواعيا يكون المصداق نوعا، ولو كان أفراديا يكون المصداق شخصا، وإن كان الشمول طوليا فهو بدلي، وإن كان عرضيا فهو استغراقي. وما ربما يقال: إنه لا ثمرة في تعريفه (1)، غير صحيح، لأن العام مخصوص بالأحكام الاصولية، ومنها تقدمه على المطلق في مرحلة المعارضة. وأما دعوى: أن من ثمرات ذلك الأحكام الكثيرة الثابتة له في بحوث العام والخاص، كما عن بعض الأفاضل (2)، فغير مسموعة، لاشتراك المطلق معه في مسألة جواز التمسك به بعد التخصيص، وفي مسألة عدم جواز التمسك به في الشبهة المصداقية، وغير ذلك، فافهم واغتنم. الجهة الثالثة: في أدوات العموم وهي بين ما تكون أداة العموم الاستغراقي مثل " كل " ونحوها مما في سائر الألسنة، وبين ماهي من أداة العموم البدلي مثل " أي " ولا كلام بين القائلين بالدلالة الوضعية لبعض الأدواة في مثل " الكل " و " أي " وإنما الكلام والخلاف في بعض الامور الاخر كما سيظهر (3).


1 - مطارح الأنظار: 192 / السطر 3، تهذيب الاصول 1: 459. 2 - محاضرات في اصول الفقه 5: 151. 3 - يأتي في الصفحة 210. (*)

[ 208 ]

إن قلت: لا ظهور لغة للفظة " الكل " في العموم الاستغراقي، لأنه كثيرا ما يستعمل في العام المجموعي، كما إذا قيل: " أكلت السمكة كلها " وليس ذلك من المجاز بالضرورة. قلت: نعم، إلا أن الاستغراقية والمجموعية تستفادان من القرائن الواردة، ولا شبهة في ظهور قوله: " أكرم كل عالم " في الاستغراقية والاصولية. إن قلت: مفهوم " الكل " من المفاهيم الاسمية، فيكون هو مورد الأخبار والأمر والنهي، ويلزم بناء عليه كون عنوان " الكل " مورد الحكم، ونتيجة ذلك ظهور الكلام في العام المجموعي (1). قلت: قد عرفت منا أن كلمة " كل " تارة: تضاف إلى المعرف ب‍ " اللام " كما إذا قيل: " أكرم كل العلماء " فحينئذ لا يبعد دعوى ظهوره البدوي في المجموعي، وإن لم يخل من إشكال، كما في قوله تعالى: * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل) * (2). واخرى: يضاف إلى النكرة، وهي لمكان اشتمالها على التنوين تدل على الوحدة، وعندئذ يصير قولنا: " كل عالم " بمنزلة قولنا: " كل واحد من العلماء " وفي الفارسية: (هر يك عالم) وعندئذ يكون ظاهرا طبعا في الاستغراق، وينسلخ المضاف عن كونه المخبر عنه (3). إن قلت: بناء النحاة على أن يجعلوا كلمة " كل " في قولك: " كل رمان حامض " مبتدأ، ولا يعقل ذلك إلا على القول: بأن مفاده العام المجموعي، ولو كان عاما استغراقيا كان المبتدأ أفراد الرمان.


1 - أجود التقريرات 1: 443 - 444، منتهى الاصول 1: 444 - 445. 2 - آل عمران (3): 93. 3 - تقدم في الصفحة 202. (*)

[ 209 ]

قلت: وإن كان الأمر كذلك في مرحلة التعليم، ولكن بحسب الواقع ما هو المبتدأ هو الأفراد على نعت الإجمال الملحوظ في كلمة " كل ". ومما يؤيد ذلك، أن النحاة واصول العربية على ملاحظة المضاف إليه في التذكير والتأنيث، فلا يقال: " كل هند عالم " بل يقال: " كل هند عالمة " ومنه قوله تعالى: * (كل نفس ذائقة الموت) * (1) وكما في زيارة الجامعة فقال فيها بالنسبة إلى كلمة " بعض ": " طابت وطهرت بعضها من بعض " (2) وليس المقام مقام اكتساب التأنيث أو التذكير، فافهم واغتنم. بقي شئ حول كلمة " أي " يظهر من بعض الاصوليين: أن مثل كلمة " أي " وما شابهها تفيد العموم الاستغراقي (3)، وقد نص على خلافه الآخر (4). وقال في " الأقرب ": " وهي - أي - بمثابة كل مع النكرة، وبمثابة بعض مع المعرفة " (5) انتهى. وقد انهيت أقسامها إلى الخمسة، وقد تحررمنا أن كثيرا منها ترجع إلى واحد. والإنصاف: أن المتفاهم منها في مثل قولهم: " أكرم أي رجل " أو " أعتق أية رقبة " لا يفيد إلا البدلية، ضرورة أنه إذا قيل: " أكرم كل عالم " يجب الإكرامات حسب الأفراد، وإذا قيل: " أكرم أي عالم " لا يفيد إلا وجوبا واحدا، ولذلك يستحسن أن يقال: " أكرم أي عالم شئت " فتأمل جيدا.


1 - آل عمران (3): 185، الأنبياء (21): 35. 2 - الفقيه 2: 372، بحار الأنوار 99: 130. 3 - إشارات الاصول: 236، منتهى الاصول 1: 443. 4 - قوانين الاصول 1: 197، السطر 18 - 21، نهاية الأفكار 1: 506. 5 - أقرب الموارد 1: 26. (*)

[ 210 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه قد وقع الخلاف في بعض الامور لا بأس بالإشارة إليها: فمنها: الجمع المحلى ب‍ " الألف واللام " وأنه هل يفيد العموم، أم لا، وعلى الأول هل يفيد العموم الاستغراقي، أو المجموعي ؟ والمعروف بينهم إفادة العموم الاستغراقي (1)، وربما يستشكل من أجل أن هيئة الجمع تدل على المجموعي، ولا تزيد " الألف واللام " شيئا إلا التعريف، وقضية كون العام المجموعي معرفا هو استيلاؤه على جميع الأفراد على نعت الوحدة، كما في العام المجموعي (2). وقيل: " إن ذلك يصح فيما إذا ورد " الألف واللام " بعد ورود هيئة الجمع، وأما إذا كانا واردين معا على كلام واحد فيدل على استغراق المدخول " (3) وفيه ما لا يخفى. وبالجملة: هيئة الجمع بما لها من الوضع الخاص، إما تدل على العموم المجموعي ف‍ " اللام " لا تقتضي إلا معرفية المدخول، أو تدل على الجمع لا بنحو العام المجموعي، أي يكون الحكم كثيرا. ولو كانت هيئة الجمع نكرة فحينئذ تدل على العام الاستغراقي، فلابد من النظر إلى هيئة الجمع. والذي هو نهاية النظر في المقام عند الأعلام، هو أن هيئة الجمع وإن لم


1 - قوانين الاصول 1: 216 / السطر 10، هداية المسترشدين: 353 - 354، مناهج الوصول 2: 238، أجود التقريرات 2: 445. 2 - الفصول الغروية: 170 - 171. 3 - أجود التقريرات 2: 445 - 446. (*)

[ 211 ]

تصدق على واحد واحد، ولكن يكون الحكم كثيرا، بخلاف الحكم في العام المجموعي (1)، فإذا جعلت الكثرة الإجمالية بتوسيط الهيئة تصير تلك الكثرة مستوعبة، لأن مقتضى كون المدخول معرفا ب‍ " الألف واللام " شمول المدخول لكل واحد، وإلا يلزم كونه نكرة أيضا كما لا يخفى. أقول: قد أنكرنا كون الأصل في " الألف واللام " للمعرفة، بل " الألف واللام " ربما تكون للعهد الذهني، أو الخارجي، وأما إذا دخلت على الطبيعة فلا تدل على شئ، وهكذا إذا دخلت على المجموع (2). إن قلت: تلزم اللغوية والجزافية، وهو خلاف الأصل في اللغات، اسما كان، أو حرفا. قلت: لا يعتبر أن يكون لأداة التعريف هنا معنى يخص بها، بل العرب بين من يتكلم في مثل: * (اوفوا بالعقود) * (3) ب‍ " الألف واللام " وبين من يتكلم بدون ذلك، فيدخل التنوين عليه، فإذا دخل التنوين عليه فهو يفيد الوحدة، وتخرج الطبيعة عن المعنى الجنسي، ويلحقه الزائد عليها والخصوصية. وعندئذ ربما يتوجه النظر إلى نفس الطبيعة، أو مفاد الجمع من غير إفادة التنكير، فيدخل " الألف واللام " عليه، لما لا يجمع بين التنوين و " اللام " فلا نظر إلى " اللام " بل النظر إلى ترك التنوين. ولذلك فما اشتهر من: " أن الألف واللام للجنس " (4) من الأباطيل، فإن لفظة " البيع " تدل على الجنس من غير لزوم كونها مع " اللام " ف‍ " اللام " لا تفيد وضعا


1 - فوائد الاصول 1: 515 - 516، نهاية الأفكار 1: 505 - 507، تهذيب الاصول 1: 463 و 467. 2 - تفسير القرآن الكريم، المؤلف (قدس سره) (سورة الحمد: 1، بحث اللغة والصرف). 3 - المائدة (5): 1. 4 - قوانين الاصول 1: 208 / السطر 1، مفاتيح الاصول: 158 / السطر 6 - 7، هداية المسترشدين: 345 / السطر 8، الفصول الغروية: 165 / السطر 23. (*)

[ 212 ]

شيئا، بمعنى أنه لا دليل عليه، ولأجل ذلك نحتاج في استفادة الاستغراق إلى مقدمات الحكمة أيضا، فلاحظ واغتنم جيدا. وإن شئت قلت: إن التنوين يدل في الجمع على التنكير، وتصير النتيجة إبهاما، ويدل على الاستيعاب، بمعنى أن المتكلم في مقام إفادته لا بالوضع، فيعلم العموم الاستغراقي من مقدمات الحكمة. نعم، في الجموع التي لا يدخلها التنوين لكونها ممنوعة من الصرف، ربما يشكل الأمر. اللهم إلا أن يقال: بأن علامة الإعراب فيها تقوم مقامه في خاصته. فتحصل إلى هنا: أن القول بإفادة الجموع المحلاة ب‍ " الألف واللام " استغراق الأفراد في الحكم وانحلاله حسبها، غير موافق للتحقيق. ومنها: المفرد المعرف ب‍ " اللام " والنكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي والتحقيق: أن من توهم إفادتها العموم الأفرادي كما توهم في مقدمات الحكمة (1)، لم يصل إلى مغزى العموم، وقد خلط بين أحكام القضية الطبيعية والقضية المسورة، فإن قولنا: " الإنسان حيوان ناطق " من الحمل الأولي، وقولنا: " كل إنسان حيوان ناطق " من الحمل الشائع، فليتدبر حتى يعرف. ومنها: التنوين فإنه يدل عندنا على العموم البدلي، إلا أنه إذا اجتمع مع كلمة " أي " ربما يستند العموم إلى المعنى الاسمي دون الحرفي. وللقول بأن الأصل في التنوين ذلك إلا إذا خرج للقرينة عنه، وجه، كما أن المتعارف والغلبة في العمومات هي


1 - لاحظ قوانين الاصول 1: 216 - 217 و 223، لاحظ الفصول الغروية: 173 / السطر 10 - 18 و 178 / السطر 31 - 34. (*)

[ 213 ]

الاستغراقية في مقام الإثبات. فبالجملة: بعد الفراغ من مقام الثبوت، لا يبعد دعوى كون المتعارف ذلك. وأما حمله على الاستغراقي، لأجل احتياج المجموعي والبدلي إلى اللحاظ الزائد، كما في كلام سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (1) وغيره (2)، فلا يرجع إلى أمر صحيح كما هو واضح على أهله. بل بناء على ما عرفت منا من اختصاص كل واحد من العمومات بالألفاظ الخاصة (3)، ويكون العموم المجموعي مستفادا من كلمة المجموع مثلا، لا تبقى الشبهة في مقام الإثبات، ولو اشتبه أحيانا يلزم الإجمال، لعدم حجية أمثال هذه الغلبات والاصول. تتمة: في أن العموم والخصوص من أوصاف اللفظ وأن خروج الخاص دائمي وغيره العموم والخصوص من أوصاف اللفظ، بخلاف المفهوم والمنطوق، والمراد من " الخصوص " ما يكون بالنسبة إلى العام مشتملا على الأخصية ولو كان بينهما بحسب النسبة عموم من وجه، فإن من الخاص بالنسبة إلى العام ما يكون كذلك. كما أن المراد ب‍ " الخصوص " أعم مما كان مشتملا على أداة العموم، كما إذا ورد بعد قوله: " أكرم كل عالم " قوله: " لا تكرم كل فاسق منهم " أو كان مطلقا فورد بعده قوله: " لا تكرم الفاسق منهم " فإنه أيضا خاص ولو كان بصورة المطلق. ثم إن من الخاص ما هو الخاص الواقعي، ويكون الخارج بسببه أفراد العام


1 - نهاية الاصول: 318. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 515. 3 - تقدم في الصفحة 207. (*)

[ 214 ]

واقعا ودائما، كما في خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعض العمومات والمطلقات، ومن هذا القبيل خروج مثل عقد الهبة وأمثاله من * (أوفوا بالعقود) * (1). ومن الخاص ما يكون خروجه غير دائمي حسب الأفراد الشخصية، وذلك مثل خروج الفساق من العلماء، فإنه ربما يكون زيد فاسقا فيكون خارجا، وإذا صار عادلا فيندرج في العموم، وفي هذه العمومات وإن كان العناوين المأخوذة من حالات الأفراد، إلا أن مناط التخصيص الأفرادي ليس إلا كون دليل الخاص ناظرا إلى سلب الحكم عن الفرد، أو إثباته له، فلو كان ثمرة علمية مترتبة على التخصيص الفردي، فلا بأس بترتبها على المنهج الأخير من أنواع التخصيص أيضا، فافهم واغتنم. ختام الكلام في " من " الموصولة إن " من " الموصولة لا تدل على العموم الاستغراقي، وليست هي مثل " الذين " وأما رجوع ضمير الجمع في الكتاب الإلهي إليها أحيانا (2)، فيأول على وجه أبدعناه في " ناسخ التفاسير " (3) وإجماله أن ذلك راجع إلى لحاظ الأفراد بعد التطبيق التصوري، فافهم وتأمل.


1 - المائدة (5): 1. 2 - البقرة (2): 81 و 112. 3 - تفسير القرآن الكريم، للمؤلف (قدس سره) 3: 15 (سورة البقرة: 8، بحث اللغة والصرف). (*)

[ 215 ]

المبحث الأول حول مجازية العام المخصص وعدمها وقد نسب ذلك (1) إلى المشهور إلى عصر سلطان العلماء (2)، والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما: يتكفل مسألة المجازية وعدمها. وثانيهما: يتكفل الحجية وعدمها. وما يستفاد من كلماتهم، من أن الحجية دائرة مدار الحقيقة والمجازية، فإن كان العام بعد التخصيص مجازا في الباقي، تسقط حجيته بالنسبة إلى مورد الشك، ولو كان حقيقة يبقى على حجيته (3)، غير واقع في محله، لإمكان اختيار الحجية مع المجازية، وعدمها مع الحقيقة، ولا ينبغي الخلط بين المسائل الأدبية والذوقية، والمسائل العقلائية والعرفية، في محيط المحاورات في القوانين


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 516. 2 - عدة الاصول: 118 - 119، معارج الاصول: 97، نهاية الوصول: 97، معالم الدين: 117 / السطر 8 - 9. 3 - تشريح الاصول: 259، كفاية الاصول: 255، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 516 و 523، درر الفوائد، المحقق الحائري: 212. (*)

[ 216 ]

الشرعية وغير الشرعية. وغير خفي: أن محل النزاع هنا هو ما إذا ورد المخصص أو المقيد، ثم شك في أن الطائفة الخاصة الكذائية أيضا مشمولة العام، أم لا، لاحتمال عدم إرادتها في العام من الأول، أو لاحتمال ورود المخصص الآخر، سواء كان التخصيص نوعيا، أو فرديا، فافهم واغتنم. المقام الأول: في مجازية العام المخصص وعدمها إذا تبين حد البحث وحدود المسألة المتخالف فيها، فنقول في المقام الأول: إن الأقوال فيه كثيرة، والاحتمالات متعددة: فمنها: المجازية مطلقا (1). ومنها: عدم المجازية مطلقا، وهو منسوب (2) إلى الشهرة بين المتأخرين (3) من بعد السيد المزبور (رحمه الله). ومنها: التفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل، فيكون مجازا في الثاني، دون الأول (4). ومنها: المجازية فيهما، وأما إذا كان التخصيص بالاستثناء بشكل التقييد،


1 - عدة الاصول: 118 - 119، معارج الاصول: 97، نهاية الوصول: 97، معالم الدين: 117 / السطر 8 - 9. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 516. 3 - تشريح الاصول: 259، كفاية الاصول: 255، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 516، درر الفوائد، المحقق الحائري: 212. 4 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 400 - 401، مناهج الأحكام والاصول: 107، مطارح الأنظار: 192. (*)

[ 217 ]

كقولك: " أكرم كل عالم عادل " فلا مجازية (1). ولعل ذلك مما هو خارج عن محط نزاعهم أيضا، فما يظهر من " الكفاية " أن تضييق دائرة المدخول وتوسعته لا يضر بالحقيقة في المتصل قطعا (2)، في غير محله، لأن المراد من " المتصل " هو الاستثناء، وفي الاستثناء يلزم الإخراج كما في المنفصل. ولو حمل كلامه على التقييد بغير الاستثناء فهو متين، إلا أنه خارج عن محط الخلاف ظاهرا. ومنها: توهم التفصيل بين التخصيص النوعي والفردي، بلزوم المجازية في الثاني، دون الأول (3). ومنها: غير ذلك من الأقوال والاحتمالات (4)، كالتفصيل بين أقسام العموم الاستغراقي والمجموعي. والذي هو غاية الوجه في تقريب المجازية أمران: أحدهما: ما نسب إلى القائلين بالمجازية، وقد قرروه في كتبهم بما لا مزيد عليه (5)، وإجماله أن أداة العموم موضوعة لاستيعاب مصاديق مدخولها. وبعبارة اخرى: هي موضوعة لإسراء الحكم في العام الاستغراقي - الذي هو الدائر كثيرا في الكتاب والسنة - إلى الأفراد قاطبة وجميعا. ولو دل دليل من الخارج متصلا كان أو منفصلا، على أن هذه الأداة لا تفي بما وضعت له، ولا تسري الحكم


1 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 241، الفصول الغروية: 197 / السطر 4 - 8. 2 - كفاية الاصول: 255. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 514 و 519. 4 - كشف الغطاء: 28 / السطر 22 - 26، لاحظ الفصول الغروية: 197 / السطر 1 - 4. 5 - لاحظ عدة الاصول: 118، معارج الاصول: 97، نهاية الوصول: 192 / السطر 25 - 27، الفصول الغروية: 197 / السطر 12. (*)

[ 218 ]

إلى طائفة خاصة، فتكون مستعملة في غير ما وضعت له. وبعبارة ثالثة: هي تسقط عن العمل بوظيفتها، وهذا عين سقوطها عن الوقوع في محلها وفي الموضوع له. وتوهم خلافه ولاسيما في المتصل، بدعوى أن للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء، في غير محله، ضرورة أنه كذلك، إلا أنه من قبيل الإتيان بالقرينة على المجازية. ومن العجيب خلط العلامتين: النائيني (1) والحائري (2) بين استعمال كلمة " العالم " المتعقبة بكلمة " العادل " وبين استعمال كلمة " الكل " ! ! فإن في الاولى لا يلزم من التقييد مجازية كما أفاداه، بخلاف الثاني. نعم، إذا ورد من الأول " أكرم كل عالم عادل " فلا تلزم المجازية، لأن " الكل " استعمل فيما سيق له، وأدى حينئذ وظيفته بالضرورة. ثانيهما: أن الألفاظ وإن لم تكن موضوعة للمعاني المرادة، لا بنحو القضية الشرطية، ولا الحينية، ولكن الاستعمال - حسبما تحرر عند الفضلاء والأعلام - مرهون بالإرادة والقصد (3). ومجرد إلقاء اللفظ كما يصدر من بعض الحيوانات، لا يكون من الاستعمال، فإذا كان هو متقوما بالإرادة وقصد المعنى، ففي مورد استعمال أداة العموم في العام المخصص إما لا يقصد المعنى وهو الاستيعاب، أو يقصد: فإن لم يقصد المعنى أصلا فيلزم الغلط، ولا يكون من الاستعمال. وإن قصد المعنى فإما يقصد عدم الاستيعاب، فتلزم المجازية، وإن قصد


1 - أجود التقريرات 2: 450 - 451، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 518 - 519. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 212. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 517، درر الفوائد، المحقق الحائري: 41 - 43، نهاية الاصول: 33، منتهى الاصول 1: 448. (*)

[ 219 ]

الاستيعاب فيلزم النسخ الممتنع كما لا يخفى. وحيث لا سبيل إلى الأول والثالث يتعين الثاني، وهو المطلوب. ومن التقريبين يظهر قصور تقريب القوم حول لزوم المجازية، فإنه يظهر منهم: أن كلمة " كل " وأداة العموم ليست إلا لاستيعاب الطبيعة المهملة الواردة عليها، وهذا معنى استعملت فيه الأداة قبل التخصيص وبعده، فلا مجازية (1). وفيه: أن الاستيعاب متقوم بالمستوعب والمستوعب، فلابد من أن نقول: إن الأداة وضعت لبسط الحكم المذكور في القضية الإخبارية أو الإنشائية على الأفراد على نعت الاستقلال، وعلى المجموع في العام المجموعي، فلابد هناك من جهة الاستيعاب، ومن أمر استوعبه. أقول: الأمر كما تحرر في الوجهين والتقريبين، ولكن لنا أن نقول بعدم لزوم المجازية أيضا، وذلك لأن الحكم المتقوم به الاستيعاب الذي وضعت له أداة العموم، أعم من الحكم الإنشائي والجدي، وليكن ذلك هو الإنشائي دون الجدي، فلا يلزم اختلال في وظيفة الأداة، لسريان الحكم الإنشائي إلى جميع الأفراد، دون الجدي، وذلك للقرينة المتصلة أو المنفصلة. وأما البحث عن سر الأحكام الإنشائية وإلقاء القوانين العامة، فهو خارج عن هذه المسألة. مع أن ذلك مما لا مفر منه لوضوحه، وعليه بناء كافة العقلاء في قوانينهم العرفية، وقاطبة الشرائع في تشريعاتها الإلهية، فما ترى في كلماتهم حوله (2) لا يخلو من تأسف.


1 - كفاية الاصول: 255 - 256، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 518، منتهى الاصول 1: 447. 2 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 517 - 518، منتهى الاصول 1: 448. (*)

[ 220 ]

وأيضا نقول: إن القصد والإرادة المتقوم بهما الاستعمال، أعم من القصد والإرادة التي يتعقبها الحكم الإنشائي، فيحصل بذلك شرط صحة الاستعمال، وهذا هو المعبر عنه ب‍ " الإرادة الاستعمالية " فما في تقريرات العلامة النائيني (1) وغيره (2) من إنكار الإرادتين: الاستعمالية، والجدية، يرجع إلى إنكار الحكمين: الإنشائي، والجدي والفعلي، وحيث لاسبيل إلى الثاني فيتعين الأول بالضرورة. هذا مع أنا أنكرنا الاستعمالات المجازية - بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له - حتى في المجاز المرسل، فإن في مثل الأمر بسؤال الدكة والعير والقرية، لا يريد المتكلم في مقام الاستعمال إلا الدكة والعير والقرية، ولكن له قصد آخر ينتقل إليه الناس عند استماع كلامه، وهو صاحب الدكة. وهذا غير استعمال اللفظ في صاحبها، ولايكون من المجاز في الإسناد بحذف المضاف، وتفصيله في محله (3)، ومن شاء فليراجع. وبالجملة تحصل: أن في كافة العمومات الاستغراقية - إخبارية كانت، أو إنشائية - لا مجازية، من غير ارتباط المسألة بالحجية واللا حجية، كما يأتي. مثلا: في القضايا الإخبارية إذا أخبر عن مجئ كل عالم عنده، ثم توجه بعد ذلك إلى أن طائفة منهم ما جاؤوا، فإنه لا تلزم المجازية وإن كانت القضية كاذبة. ولو لزمت المجازية لما لزم الكذب، ففيما إذا كان معذورا من الكذب لجهله بالواقعة لم تستوعب أداة العموم، ولكن لا تلزم المجازية، لأنها استوعبت بحسب


1 - أجود التقريرات 2: 447، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 517 - 518. 2 - منتهى الاصول 1: 448. 3 - تقدم في الجزء الأول: 142 - 143. (*)

[ 221 ]

الاستعمال وتلك الإرادة والقصد وإن لم يكن الجد والواقعية مستوعبة. ومن ذلك يظهر حال القضايا الإنشائية العامة المخصصة، فافهم واغتنم وتبصر. وهكذا العمومات المجموعية. تنبيه: بناء على ما سلكناه في أداة العموم، وقصورها عن إفادة العام الاستغراقي بالوضع، واحتياجها إلى مقدمات الحكمة (1)، لا تلزم المجازية رأسا، كما هو الواضح. ولا ينبغي توهم جريان إشكال المجازية في المطلق المقيد بالمنفصل، ضرورة أن الطبيعة قبل التقييد وبعدها لا تستعمل إلا فيما وضعت له. نعم، بناء على القول: بأن مقدمات الحكمة تستلزم تكثير الطبيعة بحسب الحالات، ويكون الإطلاق جمع القيود (2)، فتلزم المجازية مطلقا كما لا يخفى، وتفصيله ربما يناسب بحوث المطلق والمقيد (3) إن شاء الله تعالى. المقام الثاني: في حجية العام بعد التخصيص هل العام بعد التخصيص يبقى على حجيته، أم لا ؟ ويلزم على الثاني سقوط جميع العمومات في الكتاب والسنة، لما اشتهر: " من أنه ما من عام إلا وقد خص " (4).


1 - تقدم في الصفحة 197 - 206. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 564 و 573. 3 - يأتي في الصفحة 414 و 439. 4 - معالم الدين: 106 / السطر 4، مطارح الأنظار: 192 / السطر 11، كفاية الاصول: 253 - 254. (*)

[ 222 ]

ومن هنا يظهر: أن نسبة عدم الحجية إلى القائلين بالمجازية (1)، في غير محلها، ضرورة أن المنسوب إلى المشهور إلى القرن الحادي عشر، مجازية العام بعد التخصيص، ومع ذلك كان من القديم إلى العصر المزبور، يتمسك بجميع العمومات بلا وقفة وانتظار في كثير من الفروع، بل الفقه ينقلب عما هو عليه. ومن هنا يظهر: أن القول بالحجية لا يدور مدار الحقيقة والمجاز، كما اشير إليه في أول البحث (2). هذا مع إمكان اختيار عدم الحجية وإن قلنا بالحقيقة وعدم لزوم المجازية، وذلك لامور نشير إليها على إجمالها: فمنها: أن من الاصول العقلائية اللازم جريانها في المحاورات حتى يصح الاحتجاج وتتم الحجة، هي أصالة التطابق، ولو ورد دليل على عدم الإرادة الجدية بالنسبة إلى طائفة من العام، يصح أن يشك في حصول الجد وتحققه بالنسبة إلى الطائفة الاخرى، لوجود ما يصلح للقرينية على ذلك، وهو خروج طائفة منها قطعا، وعدم التطابق بينها، أي بين الحكم الإنشائي والفعلي، وبين الإرادة الاستعمالية والجدية. مثلا: إذا ورد * (أوفوا بالعقود) * (3) ثم ورد " لاتف بعقد الهبة " ثم شك في أن عقد الجعالة واجب الوفاء، أم لا، يشكل حجية العام بالنسبة إليه، لأنه من الشك المستقر المستند إلى ما يصلح للقرينية على عدم جريان أصالة التطابق التي هي من الاصول العقلائية، فمجرد كونه عاما غير كاف، فلا تخلط. ومنها: أن في العمومات لا يستعمل العام استعمالات كثيرة، بخلاف الحكم،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 516 و 523. 2 - تقدم في الصفحة 215. 3 - المائدة (5): 1. (*)

[ 223 ]

فإنه يتكثر في الاعتبار، على وجه تحرر في بحوث الترتب (1)، ويأتي في مباحث البراءة والاشتغال (2). فإذا كان هناك استعمال واحد، فإن كان هو المراد جدا فهو، وإلا فلو كان بعض المستعمل فيه مرادا جديا، لا يمكن في ظرف الشك استكشاف الجد حسب الألفاظ المستعملة. وتوهم الحكايات الكثيرة أو الاستعمالات المتعددة، غير صحيح، بل هناك حكاية واحدة عن العموم الاستغراقي بوجه الإجمال، واستعمال فارد بالضرورة، ولذلك في القضايا الإخبارية يكون له الصدق الواحد والكذب الواحد. ومنها: أن كاشفية الألفاظ عن الإرادة الجدية كاشفية نوعية، وتكون حجة لتلك الكاشفية، والعام قبل التخصيص لا قصور في كشفه عن الإرادة الجدية، وأما بعده فلا معنى لكاشفيته بعد اتضاح عدم كشفه في مورد التخصيص، لما لا يتكثر كشفه، بل هو ذو كشف وحداني، فتبصر. أقول: كل هذه الوجوه من التسويلات في مقابل البديهة الناطق بها كافة الناس والعقلاء، وبالنسبة إلى القوانين العرفية والشرعية، ضرورة تمسكهم وبنائهم العملي على الاعتناء والاحتجاج بالعمومات المخصصة، ولا يعتنون باحتمال المخصص الآخر، أو احتمال عدم إرادة مورد الشك من الأول، أو غير ذلك، وهذا مما لا غبار عليه، ولا ثمرة فيه. ومع ذلك كله لا تخلو من المناقشات تلك الوجوه الإجمالية، مثلا يتوجه إلى الوجه الأول: أن الاتكاء المزبور يصح فيما لم يعلم من عادة المقنن تدريج البيان


1 - يأتي في الصفحة 450 - 455 و 507 - 508. 2 - يأتي في الجزء السابع: 322 - 328 و 459 - 462. (*)

[ 224 ]

وتقسيط المخصصات على الأزمنة لمصالح عنده، فلا يكون مثل ذلك من الاتكاء على ما يصلح للقرينية. ومن هنا يظهر ما في الوجه الثاني: وهو أن قضية العموم الاستغراقي، تعدد الأحكام الجدية وإن كان الاستعمال والحكاية واحدا، وإذا قامت القرينة على عدم الجد بالنسبة إلى طائفة من الأفراد، لا يبقى وجه لصرف النظر عن مورد الشك. وبعبارة اخرى: أصالة التطابق بين الجد والاستعمال ترجع إلى التطابق بين الحكم الإنشائي والفعلي، والحكم الإنشائي متعدد، وهكذا الفعلي، فما قامت عليه القرينة الخاصة خارج عن الأصل المزبور، دون الباقي، لتعدد الحكم انحلالا حكميا واعتباريا. وأما حديث الكاشفية فهو أيضا مورد المناقشة، فإن ما هو الكاشف عن الحكم الأعم من الإنشائي والجدي، هي الألفاظ المستعملة، وما هو الكاشف عن الأحكام الفعلية والجدية هي أصالة التطابق التي هي مصبها الأحكام الانحلالية الكثيرة، وعندئذ لا منع من ورود التخصيص وقيام القرينة على طائفة منها، وبقاء الباقي تحت العام والاحتجاج. والذي يسهل الخطب ما اشير إليه أولا: وهو أن بناء العقلاء في جميع المحاورات على التمسك بالعمومات، مع أنه ما من عام إلا وقد خص (1)، ولو تم ما توهم من سقوط الحجية، يلزم النظام الجديد والفقه الحديث. تذنيب: في الوجوه الدالة على حجية العام ولو مع الالتزام بالمجازية كما عرفت سقوط الملازمة بين الحقيقة والحجية، كذلك الأمر بين اللاحجية


1 - تقدم في الصفحة 216 - 221. (*)

[ 225 ]

والمجازية، فإنه يمكن الالتزام بالمجازية حسب الوجوه المزبورة (1)، ولكن مع ذلك يبقى العام على حجيته، لما عرفت من بناء العقلاء عليه (2)، وعدم إمكان الاعتناء بما في المطولات من المناقشات (3)، لأنها خارجة عن محيطهم. هذا مع أن هناك بعض وجوه تنتهي إلى الحجية ولو كان مجازا: فمنها: أن العام بعد التخصيص وإن كان مجازا، ولكن بالنسبة إلى الباقي يكون أقرب المجازات إلى الحقيقة، وعند ذلك يتعين حمل الكلام عليه (4). ومنها: أن الحمل على أقرب المجازات وتعيين فرد من المجازات الكثيرة، محتاج إلى القرينة المعينة، وتلك القرينة كما ربما تكون لفظية، يمكن أن تكون عقلية، أو عقلائية وعرفية. ومن العقلية، أن إلقاء العمومات القانونية، وتخصيصها بعد ذلك بالمخصصات المنفصلة، لو كان موجبا لسقوطها عن الحجية، للزمت اللغوية في ذلك. وتوهم: أن في المخصص المتصل، لا تلزم المجازية حتى تلزم اللغوية، في غير محله كما مضى (5)، فإن المجازية تلزم في المتصل والمنفصل، فمقتضى الفرار من اللغوية هو الالتزام بالحجية ولو كان مجازا بحسب الاستعمال. ومن العقلائية ما مر منا، من أن بناء العقلاء على الاحتجاج، وهو في حكم القرينة على تعيين المراد في الباقي.


1 - تقدم في الصفحة 217 - 218. 2 - تقدم في الصفحة 223. 3 - قوانين الاصول 1: 266 / السطر 3، الفصول الغروية: 199 / السطر 40، مطارح الأنظار: 192 / السطر 12. 4 - قوانين الاصول 1: 266 / السطر 6 - 14. 5 - تقدم في الصفحة 216 - 217. (*)

[ 226 ]

وتوهم: أن بناءهم عليه فرع ما يرون الاستعمال حقيقة، فاسد جدا، لنسيانهم وغفلتهم عن هذه المرحلة التي هي ترجع إلى المسائل الدرسية والذوقيات الشعرية. ومنها: وهو ما ربما يستفاد من " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره) (1) وهو - بتقريب مني - أن العام بعد الإطلاق والإلقاء استعمل في جميع الأفراد، والقرينة الصارفة قائمة على خروج طائفة منها، فيكون الباقي في الخروج محتاجا إلى القرينة. وبعبارة اخرى: تكون أصالة الجد مخصصة بالمنفصل، فيكون الباقي تحت العام حسب الجد والحكم الفعلي وإن كان اللفظ مجازا، فتأمل. فتحصل لحد الآن: حجية العام على جميع التقادير بعد التخصيص بالنسبة إلى مورد الشك ومحط الشبهة، وما ينبغي البعث عن ذلك إنصافا. ولعمري، إن بعضا من المسائل الاصولية غنية عن البيان والبرهان، والمناقشات العقلية والتسويلات الشيطانية والوهمية، لا تضر بما عليه دأب العقلاء وعادة الناس، وهذه المسألة من هذه الجهة مثل مسألة دلالة الأمر على الوجوب، فإنه لا ينبغي أن يعتمد على الوجوه الناهضة على امتناعها، كما لا يعتمد عليها أحد، وإنما خلافهم في سر المسألة، كما هو كذلك في دلالة النهي على الترك بالمرة، بخلاف الأمر، مع اتحادهما بحسب الكيفية والكمية، فإنه لا مفر من الالتزام بوجوب الترك بالمرة وإن كان هو مورد المناقشة العقلية جدا، ولكن لأجل تلك المناقشات لا يمكن العدول عما عليه بناء العقلاء والعرف بالضرورة. فحجية العام في الباقي بعد كون المخصص مبين المراد، مما لا وجه للخلاف فيها، وإنما الخلاف كان في أمر علمي آخر، ولا يتوقف ذاك بهذا، كما عرفت بتفصيل، فلاحظ وتدبر، ولا تكن من الخالطين.


1 - مطارح الأنظار: 192 / السطر 16 - 23. (*)

[ 227 ]

إيقاظ: حول مختار السيد الاستاذ البروجردي في المقام اختار السيد الاستاذ البروجردي حجية العام (1)، واختار أن العام المخصص بحسب الاستعمال ليس بحقيقة، ولا مجاز، وذلك لأن الحقيقة استعمال اللفظ في الموضوع له، على أن يكون المعنى الموضوع له مرادا جديا، والمجاز استعمال اللفظ في الموضوع له على أن يكون المعنى الموضوع غير مراد جدا، ولكنه جعل مجازا ومعبرا للمعنى المراد الجدي الذي ادعى المتكلم اتحادهما، والعام المخصص ليس من الثاني، ولا الأول: أما الأول فواضح. وأما الثاني، فلأنه لا يريد دعوى الاتحاد، وأن الباقي هو تمام العلماء، لأن المقام ليس ذلك المقام، بل لا يريد من العام إلا طائفة، فلا يكون من المجاز الساري في جميع المجازات (2)، انتهى ملخص مرامه. والحق سقوط مبناه وبنائه: أما سقوط مبناه في المجازات، فقد مضى تفصيله في محله (3)، وأن المجازات بين ماهي من قبيل الحقائق الادعائية للشيخ محمد الرضائية (4)، لا السكاكية (5)، وبين ما هو خارج عن محيط الادعاء، كما في الاستعمالات العرفية للعوام غير المتوجهين لمسائل البلاغة والأدب والامور الذوقية، ومن ذلك ما إذا


1 - نهاية الاصول: 326. 2 - نهاية الاصول: 323 - 324. 3 - تقدم في الجزء الأول: 142 - 146. 4 - وقاية الأذهان: 101 - 110 و 133. 5 - مفتاح العلوم: 156 - 158. (*)

[ 228 ]

يسأل العالم مثلا عن بقال من البقالين، فيقول: " اسأل هذه الدكة " فإنه ليس من الادعاء، ومع ذلك ليس من المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له، كما اشير إليه في المقام الأول (1). وأما سقوط بنائه، فلأن في العام المخصص لا مجازية أصلا، ولا وجه لتوهم المجازية حسب التحقيق، لأن " الكل " لاستيعاب الحكم بالنسبة إلى الأفراد، وما هو الحكم في العام هو الإنشائي، وهو مستوعب بالضرورة قبل التخصيص وبعده، وما لا يستوعبه هو الحكم الفعلي، وهو ليس مقوم الاستعمال، فكأنه (قدس سره) غفل عن أساس البحث في العام المخصص، أو أغفله المقرر - مد ظله - (2)، وعلى كل تقدير يكون الأمر سهلا. ولو أبيت إلا عن أن الحقيقة هي المعنى المزبور، وهذا ليس بحاصل في العام المخصص، فلنا دعوى: أن ما هو الجد هو الجد بالإنشاء، وهذا كاف للاستعمال الحقيقي. بحث وتحقيق: حول ثبوت المجازية بين الحاكم والمحكوم هل المجازية المتوهمة في مورد التخصيص، تأتي في موارد الحكومة، وإذا ورد دليل بنحو الحكومة يستلزم الاستعمال المجازي في ناحية الدليل المحكوم، أم لا ؟ أو يفصل بين ما كانت الحكومة بنحو التضييق، أو كانت بنحو التوسعة، فما كان من قبيل الأول فيلزم مع جوابه، دون الثاني ؟


1 - تقدم في الصفحة 219. 2 - نهاية الاصول: 324 - 325. (*)

[ 229 ]

مثلا: إذا ورد بعد قوله " أكرم كل عالم " " النحويون ليسوا بعلماء " فإن تقريب المجازية واضح، والجواب أوضح، وهذا من الشواهد القطعية على أن المجازية والحقيقية، لاتدوران مدار الطلب الواقعي وعدمه. ولو ورد بعد ذلك العام " الطائفة الكذائية من العلماء " مع أنهم كلهم جهلاء مثلا، فإن قلنا: إن النظر والاعتبار هو تسرية الحكم إلى أفرادهم بتوسيط كلمة " كل " فيلزم المجازية، لأنه موضوع لاستيعاب أفراد المدخول، وهو العالم دون الجاهل. وإن قلنا: إن النظر في الحكومة على نعت التوسعة، هو إيجاب إكرام الطائفة المزبورة بدعوى المماثلة الادعائية، فلا تلزم المجازية كما هو الواضح. ثم إن في مورد لزوم المجازية يمكن أن يقال: بأنه من المجازية الادعائية، لأن بادعاء أن الطائفة الكذائية علماء، لا تلزم المجازية الواقعية، والمجاز بالادعاء لا يوجب سقوط الحجية، بل مطلقا كما عرفت (1)، فتأمل جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 220 - 228. (*)

[ 231 ]

المبحث الثاني في صور المخصص وأحكامها اعلم: أن البحث في المسألة الاولى كان حول أن نفس التخصيص - ولو كان المخصص لفظيا معلوم المراد ومبين المفهوم، بل ومتصلا - هل يستلزم سقوط العام عن الحجية بالنسبة إلى موارد الشك والشبهة ؟ وفيما نحن فيه حول أن المخصص إذا كان كذا وكذا، هل يستلزم ذلك، أم لا ؟ فلا وجه لدرج أقسام المخصص اللفظي المعلوم المراد في هذا البحث، لدخوله في المسألة الاولى، لأنه القدر المتيقن منها. إذا عرفت ذلك فليعلم: أن المخصص على أنحاء، لأنه تارة: يكون لفظيا مجمل المراد، واخرى: لبيا. وعلى الأول: إما يكون متصلا، أو منفصلا، أو بصورة الاستثناء. وعلى كل تقدير: إما يكون بنحو الاستغراق، أم بشكل الإطلاق. مثلا: تارة يرد قوله " لا تكرم الفساق من العلماء " بعد قوله: " أكرم كل عالم ". واخرى: يرد قوله " لا تكرم الفاسق منهم " فإن الثاني بشكل الإطلاق وإن كان مخصصا، لما عرفت من أعمية الخاص من هذه الجهة (1).


1 - تقدم في الصفحة 213. (*)

[ 232 ]

وأما درج الشبهة المصداقية في أقسام المخصص (1)، فهو في غير محله، لأنه يرجع إلى جهة خارجية لا ربط لها بعنوان المخصص وخصوصيته، التي توجب أحيانا سقوط العام عن الحجية، فلا تخلط، والأمر سهل. وعلى الثاني: فإما يكون اللب من قبيل الإجماع، أو من قبيل البناءات العقلائية، أو العقل الصريح الواضح، أو من العقل البرهاني. وعلى جميع التقادير: إما يكون مجملا، أو معلوم المراد. وعلى تقدير الإجمال تارة: يكون الإجمال في الفرضين من قبيل الأقل والأكثر. واخرى: يكون من قبيل المتباينين. والذي هو مورد النظر في هذه الأقسام، هو أن المخصصات المزبورة توجب سقوط العام عن الحجية وإن لم تستلزم المجازية، أم لا، وعلى هذا فلابد من التعرض لاصولها حتى يتبين حال فروعها إن شاء الله تعالى وإليك نبذة من صورها: الصورة الاولى: ما إذا كان المخصص مجملا ولفظيا وفيها يسقط العام عن الحجية، سواء كان متصلا، أو بشكل الاستثناء، وسواء كان إجماله لأجل تردد المفهوم بين الأقل والأكثر، أم المتباينين، وسواء كان ذلك بشكل الاستغراق، أو الإطلاق. وفي الكل يكون الوجه أمرا واحدا: وهو سراية الإجمال حكما لا حقيقة، لأن موضوع الحكم ليس مقيدا حتى في مورد الاستثناء، ففرق بين ما إذا قال: " أكرم العلماء غير الفاسقين " على سبيل الصفة، وبين قوله: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم "


1 - تشريح الاصول: 260، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525، نهاية الأفكار 1: 512، نهاية الاصول: 327. (*)

[ 233 ]

أو قال منفصلا عن الجملة ومتصلا بالكلام: " لا تكرم الفساق منهم " بعد قوله: " أكرم العلماء " فإنه في الأول يكون موضوع الحكم - الأعم من الإنشائي والجدي - مجملا. بخلاف الثاني، فإن الاحتجاج بالكلام مشروط بعدم لحوق ما يوجب إجمال المراد من الأول، فإن للمتكلم ذلك، وإجمال المراد الجدي غير إجمال المفهوم، وما هو المجمل حقيقة هو الإجمال المفهومي، وهو لا يتصور إلا في موارد كون الموضوع مجملا، سواء كان بسيطا كعنوان " الصعيد " أو مركبا كعنوان " العالم غير الفاسق ". فما يظهر من " الكفاية " (1) وبعض آخر (2) من التفصيل، في غير محله، كما أن ما يستظهر من " تهذيب الاصول " من إرجاع الكلام المشتمل على الاستثناء إلى الموضوع المقيد (3)، في غير مقامه، لأنه تصرف ممنوع. فلابد من المحافظة على كيفية الورود، لأنه كثيرا ما يلزم في القلب والانقلاب إخلال بالمرام، وضلال في الطريقة، ولذلك ترى أن في صورة الاستثناء الشخصي لا يمكن جعل الموضوع مركبا وهو " العلماء غير زيد " لأنه لا يصح جعل عنوان " غير زيد " وصفا " للعلماء " كما يكون الأمر كذلك فيما إذا كان العنوان الخارج عن العموم بشكل الإطلاق. فلو ورد " أكرم كل عالم إلا الفاسق منهم " لا يصح توصيف العموم الأفرادي بعنوان " غير الفاسق " وإرجاع المطلق إلى الاستغراق الأفرادي غير جائز بالضرورة، لأنه اعوجاج في الطريقة، كما تبين في محله (4).


1 - كفاية الاصول: 258. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 523 - 524، محاضرات في اصول الفقه 5: 207 - 208. 3 - تهذيب الاصول 1: 473. 4 - يأتي في الصفحة 254. (*)

[ 234 ]

الصورة الثانية: فيما إذا كان المخصص اللفظي المجمل منفصلا فإن كان مرددا بين المتباينين فسقوط حجية العام بمعنى تعيين التكليف به في أحدهما المعين قطعا لا يمكن، لأن تعيين أحدهما المعين بلا معين، وتعيينهما معا خلاف العلم بالتخصيص. وأما بقاء حجيته بالنسبة إلى الواحد الواقعي الموجب لحصول العلم الإجمالي بالتكليف في مورد التردد، فهو أيضا مما لا قصور فيه. وأما فيما كان مرددا بين الأقل والأكثر، كما في مورد التخصيص بعنوان " الفاسق " المردد بين فاعل الكبيرة، أو هي والصغيرة، بناء على كون الذنوب تنقسم إليهما، على خلاف ما تحرر منا في محله (1)، أو في مورد التخصيص بالمجمل الذي لا يمكن فهم شئ منه، كما في تخصيص عموم الوفاء بالعقود بعنوان " الغرر " بناء على عدم حصول العلم الإجمالي منه بشئ، كما لا يخفى، فإن البحث هنا لا يقصر بالصورة الاولى، بل يعم الأخيرة، وربما يتفق ذلك في الفقه كثيرا. وعلى كل تقدير: فهل تسقط حجية العموم في مورد الشبهة، أم لا ؟ وجهان، بل قولان: اختار الأول شيخ مشايخنا في " الدرر " (2) وإن نسب إليه الرجوع عما أفاده (3)، والثاني مختار الآخرين (4)، ولعله مورد الوفاق قديما وحديثا.


1 - لم نعثر على ما حرره (قدس سره) فيما بأيدينا من كتبه. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 214 - 215. 3 - غرر العوائد من درر الفوائد: 83، مناهج الوصول 2: 247. 4 - مطارح الأنظار: 197 / السطر 19 - 24، كفاية الاصول: 258، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 524، نهاية الاصول: 327. (*)

[ 235 ]

وغاية ما يمكن أن يقرب به السقوط: هو أن سقوط الحجية بلا حجة أقوى، ورفع اليد عنها بلا قرينة، ممنوع بحكم العقل والعقلاء. وفي بعض التعابير: " إن المخصص غير الحجة في مورد الإجمال، كيف يتمكن من إسقاط ما هو حجة في ذلك المورد لولاه ؟ ! " (1). وأنت خبير: بأن التعبير الأول مما يجري في العام غير المتمسك به في الشبهة المصداقية، والتعبير الثاني أيضا جار فيه، مع أن الأصحاب لا يتمسكون به فيها (2) إلا من شذ (3). وبالجملة: ما يمكن أن يستند إليه في الحجية امور: أحدها: ما أفاده " الدرر " وهو أن المخصص المنفصل إذا كان صادرا عن المقنن الباني على ذكر المخصصات منفصلة، يوجب الإجمال، لأنه حاله في كلامه حال المتصل في كلام غيره (4)، انتهى المهم منه. وإن شئت قلت: بعد كون العادة في القوانين الكلية العرفية والشرعية على التدريج في التقنين، فالمخصصات المتدرجة في الوجود والمتأخرة زمانا، تلتحق بالعمومات حسب البناءات العرفية، وتعد من تتمة كلام المقنن الناظر إلى قوانينه، ونتيجة ذلك إما الحكم بالسراية، أو احتمالها مع وجود ما يصلح لذلك، وهو خروج العنوان المذكور عنه. ثانيها: أن جريان أصالة التطابق والجد هنا مشكل، ولو صح ما استمسك به السيد الوالد المحقق - مد ظله - في مسألة عدم حجية العمومات في الشبهة


1 - تهذيب الاصول 1: 472. 2 - مطارح الأنظار: 193 / السطر 3، كفاية الاصول: 258، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525، نهاية الأفكار 1: 518، نهاية الاصول: 328 - 332. 3 - تشريح الاصول: 261 / السطر 21 - 27، غرر العوائد من درر الفوائد: 84. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 215. (*)

[ 236 ]

المصداقية - من الشك في جريان الأصل المزبور (1) - لصح الأمر هنا، ولا يصح التفكيك بين المسألتين، بجريانها هنا دون تلك. ثالثها: أن بناء العقلاء وأهل العرف في القوانين العرفية على تعنون العمومات بعناوين المخصصات، والإخبار عن مرام المولى بعد ذلك، وأن المولى أوجب إكرام العلماء غير الفاسقين، من غير النظر إلى مفهوم الخاص إجمالا وتفصيلا، فيلزم سقوط العام، لرجوع الشك والشبهة إلى الشك والشبهة الموضوعية لنفس العمومات. والذي هو التحقيق هو التفصيل، فإن من الخاص ما يكون متكفلا لحكم نفسي، من غير نظر فيه إلى العام المتكفل للحكم النفسي الآخر حسب ظاهر ألفاظ الخاص، ومن الخاص ما يكون متكفلا لحكم نفسي، بل هو متكفل لرفع الحكم النفسي الثابت بالعمومات، فتكون الهيئة فيها مثلا عقيب الأمر الإيجابي وغير مفيدة للحرمة النفسية: فما كان من قبيل الأول، فلا يوجب قصورا في التمسك بالعام وحجيته، لأنه كلام تصديقي منفصل عن كلام تصديقي تام الظهور في الآخر، وعندئذ لا معنى لسقوط أحدهما بالآخر إلا في مورد الخروج والتخصيص المعلوم. وتوهم قصور جريان أصالة التطابق، في غير محله، لأن الأحكام الكثيرة الانحلالية مورد الأصل المزبور، وحيث إن العام يقتضي - حسب الإنشاء - وجوب إكرام مرتكب الصغيرة، دون الخاص، فذلك الأصل بلا مزاحم، وسيأتي أن وجه عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية أمر آخر (2)، فتدبر. وما كان من قبيل الثاني، فبحكم العرف والعقلاء يعد من تتمة الكلام والعام، ويصير كالمتصل، فلو قال المولى: " أكرم كل عالم " و " لا تكرم كل فاسق منهم " فإنه


1 - مناهج الوصول 2: 248 - 249. 2 - يأتي في الصفحة 256 وما بعدها. (*)

[ 237 ]

كما لا يستقر الظهور التام للأول، كذلك إذا ورد " لا تكرم الفساق منهم " أو " من العلماء " فإنه - طبعا وقهرا - يرجع إلى القانون الكلي، ويعد من تبعاته، ولاسيما إذا كان بناء القوانين على الصدور التدريجي. ولذلك ترى في الدساتير العرفية والقوانين الأساسية العقلائية، ذكر المخصصات بعنوان المواد والتبصرة في ذيل كتب القانون، ويلحقونه به في النشر للعمل، فتأمل جيدا. ومن هنا يظهر: أن ما أفاده " الدرر " (1) غير تام على كليته، كما أن ما أفاده السيد الوالد - مد ظله - ردا عليه (2)، في غير محله، لأن النظر المزبور فيه يرجع إلى ما حصلناه. ولاتنافي بينه وبين كون ذلك هو الوجه، للزوم الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام، كما أنه هو الوجه لتقديم الخاص والمقيد على العام والمطلق. فتحصل: أن الوجوه المشار إليها كلها غير تامة، ولاسيما القول بتعنون العام بالمخصص، لما عرفت منا (3) من إنكاره في الاستثناء، فضلا عن غيره، وعرفت أن التفصيل المزبور قريب. إن قلت: بعدما استقرت حجية العام وتم ظهوره، فلا معنى للسراية (4). قلت: نعم، إلا أنه إذا أخبر المتكلم والمقنن مثلا بعدما استقر الظهور: بأن الأمر اشتبه عليه، وكان في نفسه يقول: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم " فهل ترى حجية العام في الشبهة المصداقية الناشئة عن المفهومية، أم مجرد انفصال المخصص لا ينفع ؟ ! فإذن تتبين وجاهة التفصيل.


1 - تقدم في الصفحة 234 - 235. 2 - مناهج الوصول 2: 246. 3 - تقدم في الصفحة 232 - 233. 4 - نهاية الدراية 2: 454. (*)

[ 238 ]

وغير خفي: أن معنى ذلك ليس اشتراط حجية العمومات بمضي زمان ورود المخصص، ضرورة أن كل كلام محمول على الجد، وتجري فيه أصالته إلى أن يرد عليه الموهن من الخارج، وهذا الإشكال ينشأ من أمر آخر: وهو سريان التخصيص إلى كافة العمومات، ولكن مع ذلك لابد في القوانين التي بناؤها على الصدور التدريجي من العمل على طبقها، حتى تتوجه إليها المخصصات، فلا تخلط. ومن هنا يظهر ما في حواشي جدي العلامة على " الدرر " نقلا عن استاذه جد أولادي العلامة في وجه عدوله عما في المتن في الدورة الأخيرة، حيث قال: لو كان الأمر كذلك لما تمسك أصحاب الأئمة (عليهم السلام) بكلام إمام زمانهم، لأنه كالتمسك بصدر كلام متكلم قبل تماميته، وحيث لم يكن الأمر كذلك فالحق جواز التمسك (1)، انتهى ملخصه. بحث وتحصيل: حول سريان إجمال الحاكم إلى المحكوم في الشبهة المصداقية الناشئة عن المفهومية فيما إذا كانت القرائن اللفظية المنفصلة أو المتصلة بصورة الحكومة، فهل يسري الإجمال ويوجب سقوط العام عن الحجية في الشبهات المصداقية الناشئة عن الشبهة المفهومية مطلقا، أم لا مطلقا، أو يفصل ؟ وجوه واحتمالات. ولم يتعرض لهذه المسألة أصحابنا الاصوليون مع كثرة فائدتها، وربما كان نظرهم إلى وحدة الحكم في أنحاء القرائن، ومنها ما إذا كان دليل المقيد مجملا، وما يتمسك به من المطلقات. وبالجملة: إن هنا أيضا صورا، فإن كان دليل الحاكم متصلا كما إذا ورد " أكرم


1 - غرر العوائد من درر الفوائد: 83. (*)

[ 239 ]

كل عالم إلا الفساق منهم، لأنهم ليسوا بعالمين " أو كان كالمتصل كما إذا ورد: " إن الفساق ليسوا بعلماء " فإن قلنا: إن منشأ السراية فيما سبق هو تعنون الموضوع بعنوان المخصص (1)، فلا وجه للسراية هنا، لامتناع ذلك، ضرورة أن عنوان " العلماء " لا يوصف بقوله: " الفساق ليسوا بعلماء " بخلاف ما إذا ورد " لا تكرم الفساق من العلماء " لأنه يمكن توصيف العام بالمخصص المزبور، ويصير الموضوع " أكرم العلماء غير الفاسقين " وهذا واضح. ولكنه بمعزل عن التحقيق كما اشير إليه في تلك المسألة (2)، لما عرفت: من أن الوجه عدم تمامية الكلام التصديقي والحجة العرفية والظهور التام المستقر (3)، وهذا كما يمنع عن الاحتجاج في تلك الصور، يمنع عنه في هذه الصور من غير فرق بين كون الإجمال ناشئا عن الأقل والأكثر أو عن تردد الأمر بين المتباينين. وبالجملة: لأحد أن يشك في صحة الاحتجاج العقلائي، ولما كان شكه مستندا إلى منشأ عرضي في الكلام يلزم قصور المقتضي، لتمامية الحجة في ناحية صدر الكلام كما لا يخفى. ولأحد أن يقول: بأن الحكومة لا توجب سقوط العام عن الحجية مطلقا، لأنها تختلف مع العام في كيفية التعرض لحدود الحكم، فإن العام والخاص متفقان في كيفية الأداء، فيسري الإجمال، وأما في صورة الحكومة فيكون دليل الحاكم ناظرا إلى جهة الموضوع، وتكون النسبة بينه وبين العام عموما من وجه أحيانا، فيكون هو كلاما مستقلا ناظرا إلى بيان الموضوع في سائر الأدلة، فما كان مورد الشبهة يكون


1 - مناهج الوصول 2: 245 - 246. 2 - تقدم في الصفحة 232 - 233. 3 - تقدم في الصفحة 236 - 237. (*)

[ 240 ]

مورد العام بالضرورة، كما هو المفروض، ولا دليل على خروجه عن موضوع العموم في الاعتبار، فمن ارتكب الصغيرة يرجع فيه إلى عموم العام، والسر عدم توحد الدليلين لسانا، فتأمل. نعم، فيما تردد الأمر بين المتباينين يسقط العام، كما هو الواضح. هذا كله إذا كان دليل الحاكم متصلا، أو بصورة الاستثناء المعلل. وأما إذا كان منفصلا، ففيما يدور الأمر بين المتباينين فلا بحث في سقوط العام على الوجه المحرر في أصل المسألة (1). وأما إذا كان منفصلا، ودار الأمر بين الأقل والأكثر، أو كان دليل الحاكم مجملا، بحيث لا يفهم منه شئ، فإن كانت النسبة بين دليل الحاكم والمحكوم عموما وخصوصا، كما إذا ورد " فساق العلماء ليسوا بعلماء " بحيث يستفاد منه نظره إلى دليل المحكوم، فللسراية وجه، وإلا فلا، لأن في صورة كون النسبة عموما من وجه، كما إذا ورد: " الفساق ليسوا بعلماء " وكان في الشريعة أحكام مختلفة بالنسبة الى العلماء، فإن السراية حينئذ مشكلة، والحجة لا تنقض إلا بالحجة. وبالجملة: في الصورة الاولى يلحق دليل المخصص بالعام، ويصير بالنسبة إليه كالمتصل، وفي الصورة الثانية - لتعدد دليل العام والمحكوم - لا يمكن إلحاقه بأحدها معينا في الكلام، فيكون هو مستقلا في الذات والحجة، ولا يمكن حينئذ حسب الموازين العرفية، إسقاط دليل المحكوم عن الحجية، فتأمل جيدا. تتمة يظهر حكم المقيد المجمل من البحوث المزبورة في أصل المسألة والبحث


1 - تقدم في الصفحة 232 - 233. (*)

[ 241 ]

المذكور في دليل الحاكم، ولا ثمرة مهمة في إطالة الكلام حوله، كما ظهر البحث مما سبق بالنسبة إلى المخصص الوارد بصورة المطلق، لا الاستغراق، كما إذا ورد بعد قوله " أكرم كل عالم " " لا تكرم الفاسق من العلماء " فلاحظ وتدبر. خاتمة: في مقتضى الأصل العملي عند الشك في حجية العام قد عرفت الخلاف في المسألة الاصولية، وهي حجية العام في الشبهة المصداقية الناشئة عن الشبهة المفهومية (1)، وهكذا سيظهر الخلاف الأصلي في حجية العام في الشبهة المصداقية الناشئة عن الامور الخارجية (2)، وعلى هذا فهل مقتضى الشك في الحجية - بعد قصور الأدلة الاجتهادية عن إثبات أحد طرفي المسألة - الحجية، أم لا ؟ وجهان: أما وجه عدمها فهو واضح، لما تقرر من أن مقتضى الشك في الحجية يرجع إلى القطع بعدم الحجية، لأنها صفة إثباتية لا يتصور لها الثبوت (3)، وكل ما كان كذلك تكون حاله ذلك، كما هو الظاهر. وأما وجه حجيتها، ففيما إذا كان الفرض زمان الحضور، وقبل ورود المخصص المجمل، فقضية الاستصحاب حجية العام بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة، وأن المخصص الموهن محكوم بعدم سراية وهنه، ولو كان استصحاب الحجية - بما أنها من الأحكام الوضعية القابلة للجعل - جاريا لكان جريانه هنا بلا مانع. وأما إذا كان المفروض زمان الغيبة، وبعد صدور المخصص، فإن قلنا: بكفاية


1 - تقدم في الصفحة 238 - 239. 2 - يأتي في الصفحة 251. 3 - يأتي في الجزء السادس: 263 - 266. (*)

[ 242 ]

اليقين التقديري في جريانه، وأنه لو فرضنا عدم ورود المخصص لكنا نستيقن بحجية العام في مورد الشبهة وهو مرتكب الصغيرة فهو، وإلا فلا يمكن إجراء الاستصحاب المزبور. اللهم إلا أن يقال: بأن مجرى الاستصحاب لو كان عنوانا كليا، يكون اليقين فعليا، فإنا نستيقن بأن العام بالنسبة إلى مرتكب الصغائر، كان حجة قبل صدور المخصص اللفظي المجمل، والآن نشك في ذلك، ولا يعتبر في جريان الاستصحاب أزيد من اليقين والشك المزبورين، ولا يعتبر تقدم زمان حصول اليقين على زمان حصول الشك، بل يكفي في جريانه ولو كان زمان حصول اليقين والشك واحدا. نعم، دعوى: أن استصحاب حجية العام تحت عنوان " مرتكب الصغيرة " بلا وجه، لأن النظر إلى التمسك بالعام بالنسبة إلى الفرد الخارجي، وما كان مورد اليقين ليس العنوان المزبور كما لا يخفى، قريبة. وأما دعوى: أن هذا ليس من الاستصحاب، بل هو يرجع إلى قاعدة اليقين، لأن الشك في الحجية من الشك الساري إلى أصل حجية العام من الأول بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة، فهي قابلة للدفع، ضرورة أن الحجية إن كانت ناشئة عن الإرادة الجدية المحرزة، فهنا لا تجري إلا قاعدة اليقين. وأما إذا كانت الحجية من أوصاف الجمل التصديقية والكلمات التامة، فلا شبهة في أن العام قبل ورود المخصص كان يحتج به، وإذا شك في سريان الوهن يشك في بقاء الصفة المزبورة. وبالجملة: إنه حتى بالنسبة إلى مورد التخصيص يكون حجة، ولا ينكشف بعد ورود التخصيص عدم حجيته، بل ينكشف بعده عدم ثبوت الإرادة الجدية، ولا ينبغي الخلط بينهما، فافهم واغتنم جيدا.

[ 243 ]

الصورة الثالثة: فيما إذا كان المخصص لبيا بأن علم بدليل من العقل أو الإجماع أو بناء من العقلاء، عدم تطابق الإرادتين بالنسبة إلى مجموع مفاد العام، وأن تمام مفهوم العام ليس مرادا بالإرادة الجدية. وهذا يتصور على وجوه، ضرورة أنه تارة: يكون ذلك لاتصال القرائن بالعمومات اللفظية الموجبة لصرفها إلى محط خاص، ولكونها واردة في مصب مخصوص، وهو خارج عن محل الكلام، لأنه ليس من التخصيص طبعا. ولعل منه عمومات القرعة (1)، فإنه ربما يستكشف من القرائن المختلفة المذكورة في محلها (2)، أن مصبها تشاح الحقوق وتزاحمها من غير كونها مخصصة، بل هذا من قبيل ورود العام وأداته على العنوان المقيد من الأول. واخرى: يكون لأجل خروج العنوان عن تحت العام بحكم العقل أو الإجماع مثلا، وذلك تارة: يكون عنوانا معلوم المراد، واخرى: يكون مجمل المراد. وثالثة: يكون لأجل خروج أفراد عن تحت العام، وهذا تارة: يكون لأجل حيثية واحدة مشتركة معلومة. واخرى: لا يعلم ذلك، ولا يمكن فهم الجهة الجامعة المشتركة. ولا شق خامس في البين إلا ما يأتي مستقلا. فما كان من قبيل الفرض الأول، فهو من قبيل المخصص اللفظي في صور


1 - الفقيه 3: 51، باب الحكم بالقرعة، تهذيب الأحكام 6: 239 / 20 و 24، وسائل الشيعة 27: 257، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، باب الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة، الحديث 2 و 11 و 13. 2 - لاحظ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 391. (*)

[ 244 ]

إجماله وتفصيله (1)، ويحذو حذوها في السراية وعدمها، وبقاء حجية العام في مورد الشبهة وعدمه، لأن العنوان المزبور الخارج إذا كان تاما عند العقل أو الإجماع، يكشف منه التمامية عند الشرع، ولا معنى لكون سند العنوان خبر الواحد أو العقل أو الإجماع ليختلف حكم المسألة وحكم العقلاء. إن قلت: يمكن دعوى الفرق كما في " الكفاية " بأن في اللفظيات قد ألقى المولى حجتين، وبعد تحكيم الخاص يصير العام مقصور الحجية من أول الأمر، وهذا بخلاف المخصصات اللبية، فإن المولى قد ألقى هنا حجة واحدة يجب العمل على مقتضاها ما لم تقم حجة أقوى. وبالجملة: السيرة والطريقة المألوفة بين العقلاء، أقوى شاهد على التفصيل المزبور (2)، انتهى ملخص مرامه. قلت: - مضافا إلى أن حجية العام لاتزول بورود المخصص بالنسبة إلى زمان قبل التخصيص، كما عرفت في البحث السابق (3) - إن دليله الذي ادعاه هو الدليل الجاري بالنسبة إلى المخصص اللفظي، فإن رفع اليد عن العام الحجة بما ليس بحجة في مورده، مما لا يراه العقل ولا العقلاء، ولو كان اللفظي كافيا للشك في الحجية شكا مستقرا فاللبي مثله. وبالجملة: كما اشير إليه العنوان المزبور إذا كان معلوما عدم حجية العام بالنسبة إلى مصاديقه، يعد من كلام الشرع عرفا وممضيا عند الشرع عقلا، واختلاف دليل ذلك العنوان الخارج لا يورث فرقا في المسألة.


1 - يأتي في الصفحة 248 - 249. 2 - كفاية الاصول: 259 - 260. 3 - تقدم في الصفحة 241 - 242. (*)

[ 245 ]

وبعبارة اخرى: المخصص إن كان عذرا بالنسبة إلى ترك العمل بالعام، فلابد من العمل به في مورد الشبهة حتى يعلم العذر، من غير فرق بين اللبي واللفظي، وأما إن كان المخصص دليلا على عدم الحكم الفعلي في مورده من الأول، فلا فرق أيضا بينهما. ومن هنا يظهر: أن تقريب التمسك بالعام في اللبيات العقلية، هو أن في اللفظيات كان إلقاء الكبرى الكلية المخرجة وظيفة الشرع، بخلاف العقلية، فإن الشرع مستوي النسبة، فيكون العام حجة حتى يحرز مصداق العنوان العقلي. إن قلت: فيما إذا كان الإجماع قائما على العنوان المزبور، فهو دليل كونه من السنة، فإن كان مطلقا أو مجملا يؤخذ بإطلاقه، ويطرح مورد إجماله، كما في السنن، بخلاف ما إذا كان عنوان " العاجز " مثلا خارجا بحكم العقل عن الأدلة العامة، فإنه لا يعد من السنة. قلت: لنا أن نقول بأن في موارد المخصصات اللبية العقلية، يكون مصب العام من الأول مقصودا، وذلك لأن الأحكام العقلية المتبعة هي المرتكزات العقلية المتصلة والناهضة عند العقلاء محفوفة بالقوانين الكلية، ولا يتصور اللبي العقلي المنفصل، بل اللبيات العقلية دائمة الاتصال، فتكون أسوأ حالا من اللبي الإجماعي. وإن شئت قلت: إن اللبي من الإجماع ليس من اللبي واقعا، بل هو كاشف عن السنة، فيكون من اللفظي، واللبي العقلي لا يتصور انفصاله عن العمومات، فلا يتصور لمحل النزاع - وهو المخصص المنفصل - فرض حتى يكون مورد البحث والكلام والنقض والإبرام. مثلا: خروج اليد الأمانية عن عموم " على اليد... " (1) حسب فهم العقلاء


1 - عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال: " علي اليد ما أخذت حتى تؤديه " مستدرك الوسائل 17: 88، كتاب الغصب، أبواب كتاب الغصب، الباب 1، الحديث 4. (*)

[ 246 ]

وارتكازهم، لا يكون إلا متصلا، ولا يتصور هناك انفصال. ولو فرض حدوث الارتكاز المتأخر غير الممضي فهو ليس حجة، ولا مانعا عن التمسك بالعموم كما لا يخفى. وهكذا العلم بعدم إرادة العدد في " أكرم كل جيراني " فلاحظ واغتنم. وما ربما يقال: من أن المرتكزات على القسمين، الأول: ما هو الواضح الظاهر المانع عن انعقاد الظهور، والثاني: ما لا يكون بهذه المرتبة من الظهور، وعلى هذا يصح عقد البحث المذكور، غير تام، لأن الغفلة حين الاطلاع عن الارتكاز العقلائي أو الدرك العقلي، كالذهول عن الخاص اللفظي، فإنه بعد الالتفات يتوجه إلى القرينة الحافة، لأنه كان لو التفت إلى الارتكاز المذكور لا ينعقد الظهور التصديقي إلا مضيقا، فليلاحظ جيدا. وما كان من قبيل الفرض الثاني وهو كون الخارج أفرادا، فإن أمكن أخذ الجامع فلابد وأن يكون ذلك الجامع مورد الحكم والخارج، لأن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية هي عناوين موضوعاتها، فيكون مندرجا في الفرض الأول. وإن لم يكن ذلك، وكان كل واحد خارجا بخصوصه، فالشك يرجع إلى الشك في التخصيص، فيكون خارجا عن محط الكلام في المقام. ومن هنا يظهر ما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) حيث نسب إليه حجية العام في الشبهة المصداقية للمخصص اللبي مطلقا (1)، فإنه فيما نسب إليه خرج عن محيط المسألة. وأما دعواه كما في " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره): بأن الأكثر في المخصصات اللبية، خروج الأفراد بلا توسط عنوان جامع بينها يكون هو الخارج حقيقة (2)، فغير


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 536، ولاحظ مطارح الأنظار: 194 / السطر 24 - 30. 2 - مطارح الأنظار: 194 / السطر 29 - 30. (*)

[ 247 ]

مسموعة أيضا، كما اشير في ضمن البحث لأمثلته. ثم إن من الواضح أن المخصص اللبي العقلي لا يمكن أن يكون مجملا، لأن الإجمال ينافي حكم العقل كما ترى. ومن هنا يتبين: أن في الشك في القدرة يتعين جريان البراءة، لأن العنوان الخارج هو عنوان " العاجز " وهو - مضافا إلى أنه بعنوانه موضوع حكم العقل دون أفراده - يعد من المرتكزات الحافة بالكلام المانعة عن عموم حجية العام بالنسبة إلى أفراده. إن قلت: بناء العقلاء والمحققين على الاحتياط في هذه المسألة، ويعلم منه أن ذلك حكم سار في جميع المخصصات اللبية العقلية دون الإجماعية، لرجوعها إلى اللفظية. وبعبارة اخرى: لابد من التمسك بالعام حتى في اللبيات المتصلة، فضلا عن المنفصلة لو فرض له مثال، وخروج الإجماع عن اللبيات صغرويا لا يضر بما هي الجهة المبحوث عنها في المقام. قلت: قد مضى في مقدمات الترتب تفصيل الكلام في هذه المسألة (1)، والذي هو التحقيق أحد الامور على سبيل منع الخلو، وهو أن الوجه في بنائهم هو أنهم يرون - في مورد العجز - التكاليف فعلية، وعندئذ لابد من الاعتذار، والشك في القدرة يرجع إلى الشك في العذر، فلابد من الاحتياط، وهذا هو مختار السيد المحقق الوالد - مد ظله - (2)، فلا يقاس به سائر العناوين الخارجة لبا. أو أن بين العجز وسائر العناوين فرقا، ولا يقاس مورد الشك في القدرة


1 - تقدم في الجزء الثالث: 455 - 458. 2 - تهذيب الاصول 2: 285. (*)

[ 248 ]

بالشك في العداوة فيما إذا ورد " أكرم كل عالم " وعلمنا من حال المولى أنه لا يحب إكرام عدوه، فإن في الصورة الاولى يكون العجز من صفات المكلفين غير الدخيلة في المقتضيات، وعدم ثبوت الأمر والفعلية ينتهي إلى عدم الاقتضاء في ناحية الامتثال، بخلاف الصورة الثانية، فإنه يرجع عدم الأمر فيها إلى حال المولى، وعدم ثبوت المقتضي للتكليف، وعدم حصول ملاك بالنسبة إليه في ناحية الجعل، وهذا هو الموجب لبناء العقلاء على الاحتياط في خصوص الشك في القدرة. أو أن أصل البناء المزبور غير محرز، وليس هو إلا من الادعاء، ويستتبع الأمر ذلك المبنى، وهو أن الأمر دائر مدار كون العجز من الأعذار، أو يكون التكليف في مورد العجز غير موجود، فعلى الأول لابد من الاحتياط، وعلى الثاني تجري البراءة ولو شرعية لو استشكل في العقلية منها، وبناء العقلاء غير واضح نهجه وحدوده، فلاحظ واغتنم. وبالجملة: لايمنع بناؤهم المزبور عن إجراء البراءة الشرعية إذا لم يكن العام دليلا في مورد الشك والشبهة. وبالجملة: ما هو المعلوم من العرف هو الاحتياط، وأما منشأه فهو غير محرز، وما هو النافع هو إحراز كون احتياطهم مستندا إلى الأخذ بعموم العام، مع عدم فعلية التكليف عندهم في مورد العجز، فلاحظ جيدا. الصورة الرابعة: فيما إذا لم يعلم حال أمر المخصص خاتمة الكلام في المقام حول صورة اخرى في مسألة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الناشئة عن إجمال المخصص: وهي ما إذا لم يكن أمر المخصص دائرا بين الأقل والأكثر، ولا بين المتباينين، بل لا يعلم منه شئ.

[ 249 ]

مثلا: لو فرض أنه ورد " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الملامسة والمنابذة... " إلى آخره (1)، ولم يكن لنا إمكان فهم هذا الصنف من البيع، ولا يمكن الإطلاع على معناه المقصود أصلا، لا بنحو التفصيل، ولا الإجمال والقدر المتيقن، ولا الأقل والأكثر، فهل يتمسك بالعمومات في جميع الموارد، نظرا إلى أن إسقاط العام بذلك غير جائز عند العقلاء. نعم في صورة الاتصال يشكل الأمر، ويكون الدليل مجملا في جميع مفهومه ؟ أو يسقط العام، للعلم الإجمالي بخروج عنوان منه، ولو جاز التمسك بالعام للزم خلاف العلم الإجمالي ؟ أو يفصل بين المخصص المشتمل على الحكم الذي يلزم من تنجيزه استحقاق العقوبة، وبين ما لم يكن كذلك، فلا يكون العلم الإجمالي إلا مرخصا لترك العمل بالعام ؟. وجوه واحتمالات أقربها الأخير، والمسألة تحتاج إلى التأمل. وغير خفي: أنه مبني على القول بالاحتياط في أطراف العلم، وإلا - كما هو الأظهر - فلا يتم التفصيل، كما أنه من موارد الشك من كونه الأقل في الكثير، أو القليل في الكثير، أو الكثير في الكثير، أو الكثير في القليل، ولم يتعرض الأصحاب في محله لحكم هذه الصورة من موارد العلم الإجمالي، والأمر سهل عندنا، كما يأتي إن شاء الله تعالى (2).


1 - معاني الأخبار: 278، وسائل الشيعة 17: 358، كتاب التجارة، أبواب عقد البيع، الباب 12، الحديث 13. 2 - يأتي في الجزء السابع: 442. (*)

[ 250 ]

الصورة الخامسة: فيما لو كان المخصص اللفظي مرتكزا عقلائيا وهنا صورة مشتركة بين كونها من المخصص اللفظي واللبي، وذلك في مورد كان مفاد المخصص اللفظي مرتكز العقلاء، كما لو ورد لفظ بعدم التكليف في مورد العجز وهكذا، والحق فيها أنه إن كان الدليل المخصص اللفظي إمضاء حكم العقل، لا مرتكز العقلاء وبنائهم فقط، فهو راجع إلى اللبي، وإن كان مؤسسا بإطلاقه في موارد الشك وقصور بناء العقلاء، فهو بحكم اللفظي، فليلاحظ.

[ 251 ]

المبحث الثالث في جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية الناشئة عن الامور الخارجية وهذا البحث ليس داخلا في البحث السابق المتعرض لأنحاء المخصصات وأنواعها، بل يعد من تتمة البحث الأول المتكفل لصحة التمسك بالعام بعد التخصيص، الذي كان قدر متيقنه كون المخصص مبين المراد (1)، وأنه إذا كان هو مبين المفهوم والمراد، ولكن اشتبه أمر الفرد بحسب الخارج، وأنه من مصاديق المخصص أم لا، فهل هذا يوجب سقوط العام، أم لا ؟ والذي هو محل الكلام هو المخصص المنفصل، وكأن في المتصل والاستثناء لا يجوز التمسك ولا يصح، وذلك إما لأجل تعنون العام بعنوان المخصص، فيصير الشبهة المصداقية شبهة موضوعية لنفس العام، أو لأجل عدم تمامية الحجة التصديقية بمجرد صدور العام، وإذا كان الخاص من تتمة الكلام يشكل الاحتجاج بالعام، ولا طريق لنا إلى إحراز بناء العرف والعقلاء، بل ظاهرهم سقوط العمومات


1 - تقدم في الصفحة 221 - 228. (*)

[ 252 ]

حينئذ بعدم انعقاد ظهور لها رأسا (1). وبالجملة: هذه المسألة من المسائل المبتلى بها كثيرا، واشتهر بين أبناء التحقيق عدم جواز التمسك (2)، خلافا لما نسب (3) إلى العلامة النهاوندي (قدس سره) (4) وربما ينسب (5) إلى الفقيه اليزدي حسبما أفتى في كثير من الفروع على الأخذ بالعام في الشبهة المصداقية (6)، مع أنه في طرح المسألة أنكر جواز التمسك في كتاب النكاح (7) والحج (8) من " العروة " وفي " ملحقاتها " (9). وعلى كل تقدير: تكون المسألة مشكلة جدا، ولا بأس بصرف الكلام عنها حتى تتبين حالها. فنقول: مقتضى المتفاهم العرفي جواز التمسك به، وذلك لأن العام حجة حسب الفرض بالنسبة إلى جميع مصاديقه الواقعية، والخروج عن هذه الحجة والعدول عن حدودها، لا يمكن إلا بحجة اخرى تكون هي مقدمة عليها في مقام الجمع والمعارضة، ففي كل مورد من موارد الخاص ومصاديقه يقدم الخاص، لأجل


1 - كفاية الاصول: 258، درر الفوائد، المحقق الحائري: 216، نهاية الاصول: 327، محاضرات في اصول الفقه 5: 184. 2 - كفاية الاصول: 258، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525، نهاية الاصول: 328 - 332، محاضرات في اصول الفقه 5: 183. 3 - غرر العوائد من درر الفوائد: 83 - 84، تهذيب الاصول 1: 477. 4 - تشريح الاصول: 261 - 262. 5 - محاضرات في اصول الفقه 5: 184 - 185. 6 - العروة الوثقى 1: 103 أحكام النجاسات، فصل فيما يعفى عنه في الصلاة، المسألة 3، و 112، فصل في المطهرات، المسألة 15، و 163، فصل في حكم الأواني، المسألة 23. 7 - العروة الوثقى 2: 805، كتاب النكاح، المسألة 50. 8 - العروة الوثقى 2: 521، كتاب الحج، الفصل الخامس، المسألة الاولى. 9 - محلقات العروة الوثقى 1: 33 و 2: 36. (*)

[ 253 ]

كونه مقدما على العام المنطبق عليه، فعلى هذا إذا لم يكن الخاص حجة في مورد الشبهة، فلا يكون وجه لسقوط العام في تلك الموارد، كيف ؟ ! وما ليس بحجة في مورد، كيف يعقل أن يستتبع سقوط الحجة المنطقية وجدانا ؟ ! وبعبارة اخرى: ليس على المولى إلا إلقاء الكبريات الكلية، وأما تشخيص صغرياتها فنوعا بيد الموالي والعبيد، وإذا احرز مصداق العام فقد تم الشكل الأول، ولا يمكن إسقاط هذا الشكل إلا بقيام شكل آخر معتبر مقدم عليه، وذلك ينحصر بما إذا احرز مصداق المخصص، وأما إذا شك في مصداقه يكون الشكل الأول سندا. وبعبارة ثالثة: العام حسب النظر البدوي، متكفل للحكم الفعلي بالنسبة إلى جميع مصاديقه الواقعية، فإن ثبت عنوان الخاص في مورد واحرز ذلك، فيتم الدليل على عدم الفعلية في ذلك المورد، وإلا فأصالة تطابق الجد والاستعمال محكمة. وإن شئت قلت: كأن العرف يتوهم أن الخاص عذر في ترك العام، وما دام لم يحرز العذر لا يجوز التجاوز عن مقتضى العام. وبعبارة خامسة: مقتضى عموم العام وإطلاقه الأحوالي، وجوب إكرام زيد المشكوك فسقه لا بما هو مشكوك، فلا يكون من قبيل الشك المأخوذ في أدلة الاصول العملية. أقول: ربما يقال (1): إن المخصص والتخصيص على ضربين، وذلك لأن التخصيص بين ما يكون تخصيصا واقعا وصورة، وبين ما يكون تخصيصا بحسب الصورة، وتقييدا بحسب الواقع، ويكون في عبارة اخرى تخصيصا بنتيجة التقييد، فما كان من قبيل الأول يجوز التمسك، بخلاف الفرض الثاني، وذلك لأن في مورد التخصيص الواقعي، لا يصلح تقييد موضوع العام بعنوان المخصص.


1 - نهاية الأفكار 2: 520 - 522، مقالات الاصول 1: 440 - 441. (*)

[ 254 ]

مثلا: إذا ورد النهي عن الوفاء بعقد الهبة، فهو تخصيص واقعا، ولا يصح تعنون العام بعنوان المخصص، ولا توصيفه به، فإنه عند ذلك يبقى العام على حاله من الحجية، بخلاف ما إذا ورد " لا تكرم الفساق من العلماء " فإنه يلزم من الجمع بين الدليلين بعد المعارضة تقييد عنوان العام، وأن العالم جزء موضوع الدليل، وجزؤه الآخر صفة العدالة أو عدم الفسق، فإنه حينئذ لا يمكن التمسك بالعام، لأن الشبهة المصداقية تصير موضوعية، فيدور الأمر بين بقاء العام على الحجية وتعين التمسك، وبين امتناع التمسك. وفيه ما عرفت منا: من أن حديث تعنون القانون وألفاظه بألفاظ القانون الآخر، مما لا يصح ولايجوز ذلك، لأنه تصرف في القانون، ويكون من الاعوجاج في الاجتهاد (1)، فألفاظ القوانين بما لها من المعاني باقية على حالها، ولايكون في مرحلة الإثبات تقييد ولا توصيف وإن كان الأمر كذلك في مرحلة الثبوت، ضرورة أن الاحتجاجات العقلائية تدور مدار الإثبات، وحدود الدلالات التصورية والتصديقية والظهورات المستقرة والمنعقدة. فالاستظهار من الألفاظ الواردة في القوانين بعد التقييد استظهار من غير القانون الإلهي الشرعي، بل لابد للمجتهد من فهم الواقع من غير أن يقيد عنوان العام بما ليس مقيدا به في الدليل بحسب الظاهر والإثبات، ولاسيما بعد احتمال ترتب الشهرة عليه، كما ترى وتحرر في محله (2). هذا مع أنه ربما لا يمكن تعيين خصوص القيد كما في تخصيص " أكرم العلماء " بقوله: " لا تكرم الفساق منهم " فإنه كما يمكن أن يكون القيد عنوان " العدول " يمكن أن يكون عنوان " غير الفاسقين " وكما يمكن الأخير على نعت


1 - تقدم في الصفحة 235 - 238. 2 - لاحظ نفس المصدر. (*)

[ 255 ]

العدول يمكن على نعت السالبة المحصلة. وفي الاصطلاح: تكون القضية موجبة معدولة، أو موجبة سالبة المحمول، ولا معين لإحداها مع اختلاف آثارهما استظهارا وفي مجاري الاصول العملية. ومن هنا يظهر: أن الوجه الذي ركن إليه العلامتان: النائيني، والحائري (قدس سرهما) (1) في غير محله، لا لما أورد عليه الاستاذان البروجردي والخميني - عفي عنهما - بالمناقشة عليهما في مبناهما في باب الإطلاق والعام (2)، بل الوجه ما عرفت. وغير خفي: أن تجاوز عنوان المنفصل إلى العام ممنوع حتى في المطلق والمقيد، بل كل دليل باق على حاله، ولايكون الشبهة المصداقية شبهة موضوعية لنفس العام، بل الشبهة مصداقية أبدا حسب الاصطلاح، فلايتم هذا الوجه لإسقاط العام، فما في " مقالات " العلامة الأراكي من تخيل اختلاف المطلق والعام في هذه الناحية (3)، غير واقع في محله. ومجرد عدم جواز التمسك بالمطلقات عند الشك في مصداق المقيد، لا يورث كون عنوان الدليل الأول مقيدا برأسه. مع أن الخلاف المزبور في التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، يجري في المطلق أيضا. نعم، في الأحكام الغيرية المخصصة للأحكام النفسية أو المقيدة لها، لا يجوز التمسك قطعا، لما عرفت منا: من أن العرف يجد المنفصل من تتمة الكلام الأول، ولاسيما في الأحكام الغيرية المتعلقة ذاتا بالدليل الأول (4)، وهذا ليس معناه تعنون الموضوع في العام بعنوان الخاص، بل يرجع إلى سقوط الحجية وانكشاف الخلاف، فلاتذهل.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525 - 527، درر الفوائد، المحقق الحائري: 217. 2 - نهاية الاصول 1: 329 - 330، مناهج الوصول 2: 247. 3 - مقالات الاصول 1: 440 - 441. 4 - تقدم في الصفحة 236 - 237. (*)

[ 256 ]

وبالجملة: ستأتي زيادة توضيح حول المختار إن شاء الله تعالى (1). وجوه سقوط العام في الشبهة المصداقية إذا تبين الأمر إلى هنا، فلا بأس بالإشارة إلى الوجوه المتمسك بها لسقوط العام في الشبهة المصداقية: الأول: ما في " الكفاية " (2) تبعا للآخرين (3)، وهو ببيان منا: أن العام وإن كان حجة بالنسبة إلى العموم الأفرادي، ولايجوز إسقاطه عند الشك في التخصيص، ولكن مع ذلك إذا ورد المخصص المخرج لعدة من أفراده منه، والمستلزم لعدم جريان أصالة التطابق بالنسبة إلى جميع المضمون، يلزم من ذلك كون العام حجة بالنسبة إلى أفراد الخاص، وإلى غير الفاسقين، من غير سراية عنوان المخصص إلى العام، فإن حديث السراية غير حديث سقوط الحجية، ولا يتقوم به، ففي مورد الشك في المصداق يشك في حجية العام، لأجل الشك في أنه من الموارد التي تكون هي حجة فيه أم لا، من غير إمكان إحراز حجيته. الثاني: ما يقرب منه، وقد سلكه استاذنا البروجردي (قدس سره) " وهو أن من وجب إكرامه فإنما يثبت له الوجوب بما هو عالم، ولكن العلماء الفساق قد خرجوا بحسب نفس الأمر، بحيث لم يبق بالنسبة إليهم إرادة جدية بوجوب الإكرام، وخالف فيها الجد الاستعمال، فحجيته مقصورة على غير من هو فاسق بحسب الواقع " (4) انتهى.


1 - يأتي في الصفحة 262 - 263. 2 - كفاية الاصول: 259. 3 - مطارح الأنظار: 193 / السطر 3. 4 - نهاية الاصول: 328. (*)

[ 257 ]

الثالث: ما في " تهذيب الاصول " (1) ببيان منا، وهو أيضا قريب منهما، فإن الشك فيما نحن فيه يرجع إلى الشك في موضوع أصالة الجد، وذلك لأنه كما أن في العام بعد التخصيص تجري أصالة الجد، كذلك في المخصص أيضا تجري أصالة الجد، وأن جد المولى في مورد التخصيص عدم وجوب الإكرام، وبناء على هذا إذا شك في فسق عالم يشك في أنه مصداق أصالة الجد في ناحية العام، أو في ناحية الخاص، ولا سبيل إلى إحراز ذلك، انتهى. الرابع: وهو بحسب الواقع يرجع إلى ما سبق، وإجماله أن وظيفة الشرع بيان الأحكام في الشبهات الحكمية، دون الموضوعية، والعمومات كما لا تتعرض قبل التخصيص إلا لسريان الأحكام إلى الأفراد، كذلك هي بعد التخصيص، ففي مورد الشبهة إن كانت هي حكمية فالعام مرجع، وأما إذا كانت موضوعية فلا مرجعية للعام، والمفروض فيما نحن فيه هي الثانية. وإن شئت قلت: إن المولى غير الحقيقي ربما يكون جاهلا في مورد الشبهة والشك بالموضوع، فكيف يمكن جعل الكاشف في ذلك المورد ؟ ! وحيث إن القوانين الشرعية تقاس بالعرفية في هذه الجهات، فلا يصح أن يكون العام مرجعا في المقام. ولعل ما نسب في " تقريرات " جدي العلامة (قدس سره) إلى الشيخ (2) يرجع إلى التعبير الأخير، والأمر سهل. أقول: كل هذه الوجوه غير كافية، وذلك لأنه في مفروض البحث يكون المصداق للعام محرزا، ومقتضى جريان أصالة التطابق أن المصداق المشتبه واجب الإكرام، وخروج طائفة من العام بحسب الواقع، لا ينافي حجية العام بالنسبة إلى


1 - تهذيب الاصول 1: 475 - 476. 2 - مطارح الأنظار: 193 / السطر 6 - 13. (*)

[ 258 ]

مورد الشك. ولا معنى لرجوعه إلى الشك في الحجية، أو الشك في أنه موضوع أصالة الجد، وذلك لأن مقتضى الحكم الإنشائي وجوب إكرام زيد، وقضية أصالة الجد أنه واجب الإكرام واقعا وفعلا، والخاص المزبور يقصر بالضرورة عن القرينية بالنسبة إلى مورد الشبهة والشك. وبعبارة اخرى: لابد من العمل على طبق أصالة الجد إلى أن تقوم القرينة وتحرز، ولو كفى مجرد احتمال القرينة للزم سقوط العام عند الشك في التخصيص أيضا. وبالجملة: فيما نحن فيه كأنه يلزم إسقاط العام في الشك في التخصيص، لأنه بعد كون المصداق زيد العالم، وهو مورد الإنشاء حسب الظاهر، فهو مورد الجد بحسب مقام الاستظهار أيضا والصناعة، ومجرد احتمال كونه خارجا غير كاف لإسقاطه، فهو من قبيل الشك في التخصيص وإن لم يكن منه واقعا وحقيقة، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر ما قيل: " من أن العام بعد التخصيص حجة بالنسبة إلى الأفراد الواقعية من غير الفاسقين، وعند الشك يشك في حجية العام، لأنه لا معنى لحجيته إلا بعد انضمام الصغرى إليه وتطبيقه عليها " (1). وأما ما يتراءى من التقريب الأخير المنسوب (2) إلى " التقريرات " وقد صدقه العلامة الأراكي (قدس سره) (3) فهو أفحش فسادا، ضرورة أن وظيفة الشرع ليس إلا إلقاء


1 - أجود التقريرات 2: 461 / السطر 6 - 9، درر الفوائد، المحقق الحائري: 216 - 217، نهاية الاصول: 328 - 329. 2 - نهاية الاصول: 332. 3 - نهاية الأفكار 2: 522 - 523 و 525 - 526، مقالات الاصول 1: 443. (*)

[ 259 ]

الكبريات، وأما تشخيص الصغريات، أو كون حجية الكبرى منوطة بمعلومية الصغرى عند المتكلم، فهو أجنبي عما هو شأن المقنن، ولذلك يتبع رأي أهل الخبرة في الصغرى وإن كان رأي المقنن في الصغرى مخالفا لهم بالضرورة، فلا تخلط. بقي شئ: حول سقوط أصالة الجد في المقام وهو أن إجراء أصالة الجد قبل التخصيص في مورد الشك في الفسق قطعي، وأما بعد خروج الفساق فيشكل، لأجل وجود ما يصلح للقرينية على عدم الإرادة الجدية في مورده، وعدم محكوميته بالحكم الفعلي، فإن سقوط أصل التطابق وأصالة الجد بالنسبة إلى تلك الطائفة، يكفي لأن يكون موجبا لشك العقلاء والعرف في حجية العام بعد ذلك في مورد الشبهة، وإذا كان الشك في الحجية مستندا إلى منشأ عقلائي فلا يمكن إحرازه. اللهم إلا أن يقال أولا: بأن ذلك غير واضح، فلابد من الأخذ بالظاهر حتى يثبت خلافه. وثانيا: بأن قضية جريان أصالة التطابق إحراز أن زيدا غير فاسق، فيخرج بذلك عن الشبهة حسب لازم شمول العام. ويمكن دعوى: أنه من الدور، لأن جريان أصالة الجد منوط بالإحراز المنوط بها، فتدبر فيها. وبالجملة: تحصل حتى الآن، أن الوجوه المتمسك بها لإسقاط حجية العام، ولتحصيل التفكيك بين الظهور والحجية، وأن أصالة الجد لا تجري بالنسبة إلى العام في الشبهة المصداقية، كلها غير نقية حسب الصناعة العلمية، وينحصر الوجه بإرجاع تلك الشبهة إلى الشبهة الموضوعية بتعنون العام، وقد عرفت عدم تماميته

[ 260 ]

في المخصصات الواقعية أولا، وفي مطلق التخصيص والتقييد ثانيا، وفي موارد الحكومة ثالثا (1)، كما يأتي البحث عنه إجمالا إن شاء الله تعالى (2). ولأجل ذلك وذاك رأيت في حواشي العلامة الإيرواني (قدس سره) إسقاط الحجية حتى في الشبهة المفهومية (3)، وفي حواشي جدي العلامة - مد ظله - إثباتها حتى فيما نحن فيه (4)، من غير اعتناء بما تسالم عليه العقلاء المتأخرون (رحمهم الله) (5). تتميم: حول مختار العلامة النهاوندي (قدس سره) لا بأس بالإشارة إلى ما أفاده العلامة النهاوندي (قدس سره) (6) وقد مر الإيماء إليه في أول المسألة: " وهو أن قضية إطلاق العام وجوب إكرام زيد العالم المشكوك فسقه، لا عمومه، فما اشتهر: " من أن العام مرجع عند الشك " في محله، إن اريد إطلاقه الأحوالي، لا عمومه الأفرادي، ضرورة أن قضية عمومه الأفرادي وجوب إكرام زيد، ومقتضى إطلاقه وجوبه ولو كان مشكوك الفسق، كما أن قضية الإطلاق الأحوالي في الخاص، عدم وجوب إكرام زيد الفاسق ولو كان مجهول العلم ". ونظره (قدس سره) إلى أن الإطلاق المزبور، يؤكد لزوم وجوب إكرام زيد في كل حال، لا أن عنوان مشكوك الفسق موضوع الدليل ومحكوم بحكم آخر، حتى يلزم


1 - تقدم في الصفحة 232 - 239 و 253 - 255. 2 - يأتي في الصفحة 267 - 268. 3 - نهاية النهاية 1: 282 - 283. 4 - غرر العوائد من درر الفوائد: 83 - 84. 5 - كفاية الاصول: 258 / 259، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 524 - 529، نهاية الاصول: 327 - 332. 6 - تشريح الاصول: 261 - 262. (*)

[ 261 ]

المناقضة المعروفة بين الأحكام الظاهرية والواقعية. وعلى هذا يندفع ما وجهوه إليه من الإشكال (1)، فإن زيدا كما يجب إكرامه سواء كان أسود أو أبيض، كذلك يجب إكرامه سواء كان موصوفا بوصف مشكوك الفسق أم لا، فإنه في كل تقدير ما هو الموضوع هو زيد العالم، فافهم. أقول: يتوجه إليه (قدس سره): أولا: أن التخصيص المزبور يرجع - بناء عليه - الى التقييد بالنسبة إلى الإطلاق المذكور. وثانيا: ليس الإطلاق حسب التحقيق ما توهمه. وثالثا: لا ينفع ذلك في مقابل الوجه الذي اعتمد عليه المتأخرون (2)، وذلك لأن زيدا العالم المشكوك فسقه إذا كان فاسقا بحسب الواقع، يكون خارجا، وما كان حاله ذلك يشك في حجية العام بالنسبة إليه، لما مر (3). وإن اريد إثبات الوجوب الظاهري حال الشك فيتوجه إليه ما اشير إليه من المناقضة بين الحكمين: الواقعي، والظاهري. ومجرد إمكان الجمع لا يكفي، لعدم إمكان تكفل الدليل الواحد لذلك ولو فرضنا إمكانه، ولكنه خروج من المتفاهم العرفي في فهم الأدلة والظواهر، فلاحظ جيدا.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 216 - 217، نهاية الاصول: 330، مناهج الوصول 2: 251 - 252. 2 - كفاية الاصول: 258 - 259، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525 - 528، نهاية الاصول: 328. 3 - تقدم في الصفحة 258. (*)

[ 262 ]

تذنيب: حول إيجاب المخصص المنفصل لصيرورة الشبهة موضوعية باعتبار مقام الثبوت ربما يقال: إن المخصص المنفصل وإن لا يورث تعنون العام إثباتا وفي مرحلة الإنشاء الجعل، ولكن يورث تضييق المراد وتحدد الإرادة، وتنتقل الأذهان العرفية إلى أن المولى أراد كذا وكذا، فتصير الشبهة موضوعية باعتبار مقام الثبوت، دون الإثبات، وهذا مما لا يمكن إنكاره في النظر البدوي. أقول: قد كنا في سالف الزمان مصرين على هذا الأمر، ولكن التوجه إلى أطراف القضية، مع احتمال كون المخصص منفصلا لأجل أمثال ذلك، يوجب أن يقال: بأن العام يشمل المورد، ويكون كاشفا عن الإرادة الجدية بالنسبة إليه، فيخرج طبعا وقهرا عن موضوع الخاص حسب الظاهر. ومما يؤيد التمسك، التأمل في القوانين العرفية، فإن قانون الخدمة العسكرية مخصص بموارد خاصة، وما دام لم يحرز عنوان المخصص يؤخذ المشمول ويستدعى إلى الخدمة من غير توقف أو مناقشة ظاهرا. ثم إن التفصيل الذي أبدعناه في الشبهة المفهومية (1) غير جار في المقام، وذلك لأن في الشبهة الحكمية يكون الأمر بيد الشرع، فيمكن دعوى قصور الدليل والعام عن الحجية بعد ورود المنفصل الناظر إليه، وأما فيما نحن فيه فلا يكون رفع الشبهة بيد الشرع، فلو ورد: " لا تكرم الفساق من العلماء " بعنوان تحديد الحكم الثابت في العام، ولايكون حكما نفسيا تحريميا، فهو أيضا وإن يعد من تتمة الكلام


1 - تقدم في الصفحة 236 - 237. (*)

[ 263 ]

الأول، ولكن لا يوجب قصورا في حجية العام بعد وضوح مفاده ومفهومه، وعلى هذا يلزم بناء على ما سلكناه عكس ما اشتهر بين المتأخرين: وهو التمسك بالعام في الشبهة المفهومية، دون المصداقية، والله العالم بحقائق الامور. تنبيهات الأول: التمسك بحجية الخبر مع الشك في الإعراض بنحو الشبهة المصداقية لا إشكال بناء على جواز التمسك في صورة الشك في الإعراض، بناء على القول: بأن الإعراض يوجب سقوط حجية الخبر، وأما بناء على عدم جواز التمسك فيشكل الأمر على المتأخرين، فإنه قلما يتفق مورد لا يشك في ذلك، فلابد عندئذ من تصديق القائلين به، ضرورة أن أدلة حجية الخبر الواحد تشمل مطلق الخبر، وقد خرج منه الخبر المعرض عنه. وتوهم: أنه من المخصص اللبي، في محله، ولكن المرضي عند كثير منهم عدم الفرق بين اللبي وغير اللبي (1). هذا مع أن قوله (عليه السلام): " دع الشاذ النادر " (2) محمول على الندرة الفتوائية كما يأتي (3)، فتدبر. نعم، يمكن دعوى: أن ما نحن فيه يختلف مع هذا، وذلك لأن حجية الخبر


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 536، نهاية الأفكار 2: 518، نهاية النهاية 1: 283، مناهج الوصول 2: 252. 2 - عوالي اللئالي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2. 3 - يأتي في الجزء السادس: 382 - 383. (*)

[ 264 ]

الواحد إمضائية عقلائية، ولا إطلاق لأدلتها، ولا ذات لها. ولكنها أسوأ حالا، لرجوع ذلك إلى أن ما هو الحجة من الأول هو العنوان المقيد، وهو الخبر غير المعرض عنه، فلو شك في ذلك يلزم سقوطه عن الحجية. نعم، قضية ذلك عدم الفرق بين جواز التمسك بالعام في المقام وعدمه، لأنه في الحقيقة يرجع إلى الشبهة الموضوعية لموضوع الأحكام العقلائية. وهذا نظير حكم العقلاء بلزوم العمل بالعمومات إلا في العام المخصص، فإذا شك في عام أنه مخصص أم لا، يلزم سقوطه عن الحجية وإن يرجع إلى الشك في التخصيص، وذلك لأن ما هو الحجة هو العام غير المخصص. والذي هو الأظهر في أمثال المقام: أن الحجية أمر عقلائي ثابت بحسب حكم العقلاء لكل خبر وكل عام إلا بعد ورود الموهن، كالإعراض والتخصيص، وإذا لم يصل الموهن ولم يحرز يكون بناؤهم باقيا عليه، فتأمل، وعلى هذا يصح أن يقال: بأن بناءهم على العمل بالعام إلى أن يحرز عنوان الخاص، كما مر (1). ويمكن دعوى إمكان إجراء استصحاب حجية الخبر المزبور، لأن صفة الإعراض تعرضه بعد تحققه، وهكذا صفة غير المخصصية بالنسبة إلى العام، فلاحظ في المقام. الثاني: حول التمسك بالعام في العناوين التي لا واقعية لها إلا ثبوتا والعناوين الوجودية المرخصة على خلاف العام فيما إذا كان العنوان الخارج من العناوين التي لا واقعية لها إلا إثباتا، كما إذا قيل: " الخبر حجة " ثم ورد " إلا الخبر غير الواصل " وكما إذا خرج عن وجوب إكرام


1 - تقدم في الصفحة 252 - 253 و 258. (*)

[ 265 ]

العلماء عنوان " الفاسق " المعلوم فسقه، فهل يتمسك بالعام بعد معلومية عدم انطباق الخاص عليه، أم يشكل أيضا، لأن العام يتكفل لأفراد العالم من غير تقييد بشئ ؟. ويشبه ذلك ما إذا كان العنوان الخارج من العناوين الوجودية الموجبة للترخيص على خلاف الحكم التحريمي المتكفل له العام، كما إذا قيل: " يحرم النظر إلى الأجنبية " ثم رخص ذلك بالنسبة إلى المحارم. والذي هو الحق في المثال الأول، هو التمسك بالعام بلا كلام، إلا أنه هل العموم الأفرادي مرجع، أم الإطلاق ؟ فإن قلنا: بأن الأفرادي مرجع، فيلزم أن يكون الحال من المفردات. وإن قلنا: بأن الإطلاق مرجع، يلزم عدم التخصيص بهذا العام. والذي هو التحقيق: أن في التخصيصات الواقعية - كما إذا أخرج زيدا حال العلم بفسقه - لا يكون إلا تقييد العام، وفي التخصيصات غير الواقعية - كما إذا أخرج عنوان " الفاسق " المحرز فسقه - يلزم كون التقييد الحالي مفردا، وهذا مما لا مانع منه فتأمل. وأما في المثال الثاني فربما يقال (1): بأن في كل مورد كان العام متكفلا للحكم التحريمي، ثم علق الترخيص على أمر وجودي، يلزم التمسك بالعام في موارد الشك والشبهة، ولأجل ذلك أفتى المشهور " بعدم جواز النظر إلى المشتبهة " (2). ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن العناوين المأخوذة في الطرفين - العام، والخاص - عناوين واقعية، ولا معنى لكون العام حينئذ متكفلا لحال الشك، فيكون التفصيل المذكور ساقطا.


1 - لاحظ مباني العروة الوثقى، كتاب النكاح 1: 119. 2 - لاحظ العروة الوثقى 2: 805، كتاب النكاح، المسألة 50. (*)

[ 266 ]

نعم، بناء على ما عرفت منا لا منع من كون استنادهم إلى حجية العام في الشبهة المصداقية، ولأجل ذلك أيضا أفتوا بالضمان في مورد الشك في حال اليد (1). وتوهم: أن مستندهم الاستصحاب (2)، فاسد جدا، لأنه مورد الخلاف بين الأصحاب كلهم، مع أنه في خصوص هذا المورد محل المناقشة عند بعض المتأخرين (3)، فضلا عنهم. وبالجملة: حديث حجية الاستصحاب فيما نحن فيه، ولاسيما بعد لزوم كون العنوان مركبا، حديث جديد لا يمكن أن يكون سندا للمشهور، فما هو الأقرب استنادهم إلى العام، كما هو المستفاد من البناءات العقلائية في المحاججات، فتأمل جيدا. أو يقال: إن بناءهم على التمسك بالعام في مثل المقام، لأن المخصص من اللبيات كما لا يخفى. الثالث: في حجية العام مع كون الخارج عنوان " المريض " مثلا لأحد أن يقول: بحجية العام في طائفة من المقامات وإن لم يكن بحجة حسب الأصل الأولي، وذلك فيما إذا كان العنوان الخارج من العناوين الأعذارية ك‍ " المرض، والعجز، والضرر " وأمثال ذلك مما تعد حسب الأفهام العرفية أعذارا عقلائية، فإن التخصيص كما يكون دليلا على عدم ثبوت الحكم الفعلي في مورد الخاص، يكون أحيانا بيانا لصحة الاعتذار عند التخلف عن حكم العام.


1 - فوائد الاصول 1: 529. 2 - نفس المصدر. 3 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 5: 188 - 189. (*)

[ 267 ]

وبالجملة: إن نظرنا إلى أن الأفهام السليمة ترى العمل بقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (1) حتى يثبت مرضهم ويحرز أنهم مما يطيقونه، وغير ذلك، من غير التفات إلى الاستصحاب الجاري هنا، فإن الارتكاز عليه من غير الحاجة إليه. مع أن حجية الاستصحاب ليست مما اتفقوا عليه، أو تكون عند كثير منهم على الظن، فهل ترى من نفسك إنكار وجوب الصوم إذا أنكرت حجيته معللا بأنه من التمسك بالعام في المصداقية ؟ ! ولعل هذا يشهد على عموم المدعى أيضا، فلا تخلط. الرابع: حول جواز التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية هل يجوز التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية للمقيد، أم لا ؟ الذي يظهر من الأكثر، أن هذه المسألة كأصل المسألة بلا تفاوت بين المطلق والعام (2)، ولاسيما على القول: بأن مقدمات الإطلاق تنوب مناب أداة العموم (3). وقد أشرنا فيما سلف (4) إلى ما أفاده العلامة الأراكي (قدس سره) فقال في موضع من " المقالات ": " إن مركز بحثهم في المقام إنما هو في فرض التخصيص، وإلا ففي باب تقييد المطلقات لم يتوهم أحد جواز التمسك بالإطلاق عند الشك في المقيد، فبعد فرض تقييد الرقبة بالإيمان لم يتوهم أحد التشبث بإطلاق الرقبة عند الشك في إيمانها، كما لم يتوهم أحد التمسك بإطلاق الصلاة عند الشك في الطهارة أو القبلة أو


1 - البقرة (2): 183. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 511، درر الفوائد، المحقق الحائري: 210، محاضرات في اصول الفقه 5: 151. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 573، نهاية الأفكار 1: 510 / السطر 3 - 9. 4 - تقدم في الصفحة 255. (*)

[ 268 ]

غيرها من القيود " (1) انتهى محل الحاجة. أقول أولا: ليس معنى التقييد هو تعنون المطلق في مرحلة الإثبات، فيكون موضوع الدليل مصبا للاستظهار الخاص، فإنه لعب بالقانون على الوجه غير الجائز، بل التقييد في المثال الأول - الراجع إلى متعلق المتعلق - كالتخصيص، فقول المولى: " أعتق الرقبة " يفيد بحسب الإنشاء أن الرقبة تمام الموضوع، وإذا ورد منفصلا: " لا تعتق الكافرة " يكون هو القرينة على عدم الجد بالنسبة إلى تمام مضمون المطلق، كما في العام. واستكشاف أن الموضوع مضيق ثبوتا أمر يشترك فيه العام والمطلق أيضا. وعلى هذا، فما يقتضي التمسك بالعام يقتضي التمسك بالمطلق، وقضية شموله - كما قيل - استكشاف أن مورد الشبهة ليس بكافر. إن قلت: العام يتعرض لحكم الفرد دون المطلق. قلت: نعم، إلا أن مقتضى شمول الإطلاق - أي مقتضى اقتضاء الإطلاق - كون المشكوك مورد الجد والتطابق بين الإرادتين. وبالجملة تحصل: عدم الفرق بين بابي العام والإطلاق من هذه الناحية. ولعمري، إن صاحب " المقالات " نظرا إلى أن مفهوم التقييد هو كشف القيد في مصب الإطلاق، وتقييد المطلق بالقيد الوارد، توهم التفكيك المزبور، مع أن مفاد التخصيص أيضا ليس إلا جعل الحكم في العام مخصوصا بطائفة، وليس هذا أيضا إلا إيراد القيد في محط العموم. وثانيا: قد عرفت أن من التخصيص ما هو واقعي، كالموت العارض على أفراد العلماء، فتكون الأفراد خارجة بالتخصيص أبدا، كخروج العقد الجائز عن


1 - مقالات الاصول 1: 441. (*)

[ 269 ]

عموم * (أوفوا بالعقود) * (1) ومن التخصيص ما هو بمنزلة نتيجة التقييد، كإخراج الفساق من العلماء، فلا منع من كون التخصيص موجبا لتقييد مصب العام، فيكون قوله: " أكرم كل عالم " بعد التخصيص بمنزلة قوله: " أكرم كل عالم عادل " كما إذا ورد من الابتداء (2). وثالثا: لا ينبغي الخلط بين باب متعلقات الأحكام، وباب موضوعاتها، فإن في الصورة الاولى لا يجوز التمسك بالعام - لو فرض عام - ولا بالمطلق عند الشك والشبهة، لأنه من الشك في السقوط بعد العلم بالثبوت، وفي الصورة الثانية يجوز، لأنه من الشك في الثبوت والتعلق، لانحلال العام إلى الأحكام الكثيرة. مثلا: إذا ورد * (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (3) فقضية إطلاقه الوجوب، وبعدما ورد: " لا تصل في... " الموجب لإفادة الشرطية في صحة الصلاة مثلا، لا يجوز التمسك بالإطلاق المزبور عند الشك في الثوب واللباس، لأنه يرجع إلى الشك في أن المأتي به، واجد للمأمور به المستفاد من الدليلين، أم لا. وبعبارة اخرى: استفادة حدود المأمور به من الأدلة المختلفة، لا تقضي رجوع العناوين إلى عنوان واحد، بل لا يعقل ذلك، لأن الحكم الإنشائي الثابت لطبيعة الصلاة، لا يتجافى عن محله أبدا، فالمقيد ودليل القيد من القرينة على أن الطبيعة المطلقة في كل مورد صدقت، ليست مورد الجد والإرادة الحتمية، ولا معنى للزيادة على ذلك، كما هو الواضح.


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الصفحة 253 - 254. 3 - الإسراء (17): 78. (*)

[ 270 ]

ودعوى: أن الشك المزبور يرتفع على الأعمي خصوصا بإطلاق دليل الطبيعة، غير مسموعة، لأن للمأمور به قيودا لابد من إحرازها. ومما يؤيد عدم انحلال إطلاق دليل الجزء في إطلاق دليل الطبيعة، المعارضة التي أوقعوها بينهما في موارد كثيرة محررة في بحوث الاشتغال، ولو كان دليل القيد راجعا إلى دليل الطبيعة وساقطا برأسه، فلا معنى لتوهم المعارضة، وعلى هذا فلا ينقلب الموضوع في مرحلة الإثبات والإنشاء في جميع المواقف، ويكون الموضوع بحسب الجد واللب مضيقا بالضرورة في جميع الموارد. الخامس: حول التمسك بإطلاق أو عموم المحكوم في الشبهة المصداقية هل يجوز التمسك بإطلاق أو عموم دليل المحكوم في الشبهة المصداقية، أم لا ؟ وهذه المسألة بذاتها تدل على بطلان مقالة العلمين: الحائري (1)، والنائيني (قدس سرهما) (2) من أن العموم يعنون، فإنه لا يمكن تعنون دليل المحكوم بلسان الحاكم، كما لا يخفى. ولا فرق في هذه المسألة بين كون النسبة بين الدليلين عموما مطلقا، أو من وجه، بل المناط هو التقدم بالحكومة. وبالجملة: قضية ما سلف عن المتأخرين (3) منع التمسك أيضا، ومقتضى ما مر منا (4) صحة التمسك وجوازه، والأمر هنا أوضح، وربما يؤيد أصل البحث. ومن هنا يظهر حال الدليلين اللذين كان بينهما العموم من وجه، ولكن قدم


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 217. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 525. 3 - تقدم في الصفحة 255 - 257. 4 - تقدم في الصفحة 256 - 261. (*)

[ 271 ]

أحدهما على الآخر، لأحد الوجوه المتمسك بها في تقديم أحد العامين من وجه على الآخر (1). نعم، فيما إذا كان التقديم مخصوصا بحال المعارضة، وبالمورد الذي وقع بينهما التعارض، كما إذا قدم أحدهما على الآخر في محل التعارض، لأنه القدر المتيقن منه، أو لأن بخروجه عن أحدهما يلزم الاستهجان، فلا يلزم من ذلك كون مورد الشبهة فيما نحن فيه من الشبهة المصداقية، بل يصير الدليلان متعارضين، ولايجوز التمسك بأحدهما المعين، ويندرجان في باب التزاحم المحررة أحكامه في البحوث السابقة (2). السادس: في التمسك بالعام مع كون الخاص معللا إذا خرج عنوان عن العام معللا بعلة، كما إذا ورد بعد قوله: " أكرم كل عالم " " لا تكرم علماء السحر، لأنهم فساق " وشك في عالم أنه فاسق أم لا، مع العلم بأنه ليس من علماء السحر، فهل يجوز التمسك، أم لا ؟ وجهان، بل قولان: ففي " التهذيب ": " لا يجوز، لأن ما هو الخارج هو عنوان " الفاسق " (3). وفي تقريرات استاذنا البروجردي (قدس سره): " ولعل السيرة على جواز التمسك هنا، كالعقلي " (4). والذي هو منشأ الاختلاف هو أن التعليل يرجع إلى ما أفاده " التهذيب " أم لا،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 792 - 795، نهاية الأفكار 4: الجزء الثاني 208 - 209. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 357 وما بعدها. 3 - تهذيب الاصول 1: 479 - 480. 4 - نهاية الاصول: 335. (*)

[ 272 ]

الظاهر عدمه، وذلك لأن ما هو مورد الحكم في مثل " لا تشرب الخمر " هو عنوان " الخمر " ولا يعقل صرفه إلى عنوان " المسكر " فالتعليل لا يورث إلا أن كل مسكر يجب الاجتناب عنه، إما لأنه يستكشف من العلة مبغوضيته، أو لأنه يستكشف منه بنوع من الكشف أنه محرم، من غير رجوع القضية المزبورة إلى قضية اخرى، وفيما نحن فيه أيضا يكون الأمر كذلك، وإلا فيعد هذا من الخروج عن الاجتهاد الصحيح. ولذلك لو حكى الراوي بعد سماعه من الإمام (عليه السلام) مثلا: " أكرم العلماء إلا زيدا، لأنه فاسق " لو حكى أنه (عليه السلام) قال: " أكرم العلماء إلا الفساق منهم " يعد خائنا قطعا، وليس ذلك إلا لأجل اختلاف الأثر، كما ترى في المقام، فإنه إذا شك في زيد العالم أنه فاسق أم لا، فلابد من الأخذ بالعام، فلاحظ في المقام، وما أفاده الاستاذ من السيرة، في محله بالنسبة إلى مطلق العمومات، دون ما تعرضه، وإلا فلا سيرة في خصوصه كما لا يخفى. السابع: حول استكشاف عدم اندراج المصداق المشتبه في الخاص وشمول حكم العام له بناء على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فهل يلزم استكشاف أن مورد الشبهة ليس مندرجا تحت الخاص، ويتبين بلازم الدليل وبشمول العام وبحجية الإطلاق أن زيدا عالم غير فاسق، أم لا ؟ وجهان: يظهر من صاحب " المقالات " ذلك (1)، والأظهر خلافه. وتظهر الثمرة في البحث المذكور في التنبيه الرابع (2)، ضرورة أنه لو استكشف من الإطلاق الحجة أن


1 - مقالات الاصول 1: 441. 2 - تقدم في الصفحة 267. (*)

[ 273 ]

الثوب المشكوك طاهر، أو من مأكول اللحم، تصح الصلاة فيه، وهذا إحدى المحرزات، ولا تقصر عن الاصول المحرزة. وأما وجه المختار، فهو أن غاية ما يثبت من الطريقة العقلائية، ليست إلا تمامية العام بحسب الاحتجاج في مورد الشك، وهذا أمر يستظهر من البناءات العملية العرفية، وأما أن زيدا المشكوك فسقه ليس بفاسق فلا، لإمكان كونه مع فسقه الواقعي، واجب الإكرام لأمر آخر طارئ على العام المخصص أيضا. وبالجملة: لو أمكن دعوى أن مقتضى القضية الاستثنائية - وهي " أن زيدا إما واجب الإكرام، أو ليس بفاسق " - هو وجوب إكرامه فليس بفاسق، ولكنها غير مقرونة بالبينة والبرهان، لعدم معهودية ذلك عن طريقتهم. مع أن كون أمرها دائرا بين وجوب الإكرام وعدم الفسق ثبوتا ممنوع، كما اشير إليه آنفا. وأما ما توهم من الثمرة العملية، وهي جواز الصلاة مع الشك في تحقق شرط صحتها (1)، فهي غير تامة، وذلك لأن العام - حسب لسانه - يتعرض لوجوب إكرام زيد العالم بما هو العالم، فيمكن كشف حال الفرد بذلك، وأما الإطلاق فليس متعرضا إلا لحال الصلاة، وأنها تمام الموضوع للوجوب، وأما حال الثوب المشكوكة نجاسته مثلا فلا يمكن كشفها بمثله، لأجنبيته عنه كما هو الظاهر. نعم، إن قلنا: إن معنى الإطلاق هو أن الصلاة سواء كانت في الثوب الموجود أو في غيره تجب، بمعنى أن الوجوب متعلق بالصلاة فيه مقيدا به، يمكن ذلك، فليتأمل واغتنم. ثم إنه لو صح كشف حال الفرد بلازم الدليل، فيترتب عليه جميع آثاره، فيصح الصلاة خلفه، ويجوز الطلاق عنده، وذلك إذا فرض أن زيدا المشكوك فسقه غير


1 - مقالات الاصول 1: 441. (*)

[ 274 ]

فاسق حسب العموم المزبور، فما يظهر من بعضهم من احتمال كونه كشفا حيثيا، في غير محله، لعدم جواز الخلط بين مفاد الدليل عرفا، وبين الاصول العملية الشرعية. ومما ذكرنا يظهر حال مسألة اخرى: وهي أنه هل يمكن كشف حال الفرد لأجل الحكم الناقض لحكم العام حتى يتبين أن العام لم يخصص، أم لا ؟ ويتبين فساد الكشف المزبور أيضا. الثامن: حول وجوب الفحص في موارد الشبهة المصداقية هل يجب الفحص في موارد الشبهة المصداقية، أم يجوز طرح العام بمجرد الشك، بناء على عدم جواز التمسك، أو يجوز الأخذ به، بناء على بقاء حجيته في مورد الشبهة المصداقية ؟ وجهان: من أن الفحص في الشبهة الموضوعية غير واجب. ومن أن المقام ليس من الشبهة الموضوعية إلا للخاص، فما دام لم يتفحص عن حال المصداق ولم يستقر الشك، يكون العام حجة. وبعبارة اخرى: بناء العرف والعقلاء على الفحص في مطلق الشبهة، وإنما أجاز الشرع توسعا، وما هو مورد إجازته مخصوص بغير ما نحن فيه. ولعمري، إن الرجوع إلى محال الامور في الاحتجاجات العرفية، يعطي لزوم الفحص عن عنوان المخصص، ولو كان العام ساقطا فهو بعد الفحص. وتوهم: أن القائل بالتمسك في مخلص من هذه المسألة والمشكلة، في غير مقامه، لأن الأمر ربما يدور في الشبهة المصداقية بين المحذورين، كما إذا كان أمر زيد المشكوك دائرا بين وجوب الإكرام وحرمته.

[ 275 ]

التاسع: حول جريان الاصول العملية في موارد الشبهة المصداقية إذا شك في حجية العام في الشبهة المصداقية، فالأصل النافي يجري بلا إشكال في المسألة الفرعية، وأما في المسألة الاصولية، فقد مضى شطر من البحث في ذيل التمسك بالعام في الشبهة المفهومية (1). ولو جرى استصحاب الحجية فلا يجري الأصل المزبور، وقد عرفت: أن تقريبه يختص بصورة علمنا بأن العام قد صدر أولا، ثم صدر المخصص، فإنه حينئذ يمكن أن يقال: بأنه كان حجة على جميع أفراده، ومقتضى إطلاقه حجيته ولو في حال الشك في الفسق، وعندئذ نقول: كان العام حجة بالنسبة إلى جميع العلماء المشكوك فسقهم بنحو الكلي، وشك في زوال حجيته بطرو المخصص، فليتأمل جيدا. العاشر: استكشاف حال المصداق المشتبه بواسطة عموم الوفاء بالنذر مثلا ربما يقال: بأنه وإن لم يجز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ولكن يمكن كشف حال الفرد صحة وفسادا، لأجل العام الآخر أحيانا، مثلا إذا شك في مائع أنه مضاف أم لا، ولم يكن أصل يحرزه، يمكن أن يستكشف حسب أدلة النذر أن الوضوء به صحيح، لأن مقتضى إطلاق صحة النذر تفيد صحته صحة الوضوء، للملازمة، كما قالوا به في كشف صحة العقد تشريعا من ناحية عموم الوفاء بالعقود (2). بل يكشف بالصحة خصوصية الماء أيضا، فيعلم منه طهارته بلا حاجة


1 - تقدم في الصفحة 241. 2 - جواهر الكلام 22: 274 - 275، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 124 / السطر 31 - 35، البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 96 - 101. (*)

[ 276 ]

إلى قاعدتها. ويؤيد ذلك ما ورد في صحة النذر قبل الميقات (1)، ونذر الصوم في السفر (2)، والصوم المتطوع به قبل الفريضة، وما يشبه ذلك، فإنه - بحسب أدلة النذر ووجوب الوفاء - يتبين حال المنذور في السلسلة المتأخرة. وبالجملة: لا مانع من أن يعلم من قبل الحكم خصوصيات الموضوع عقلا. أقول: قد عرفت فيما سلف (3) أن الكشف المزبور غير تام مطلقا وإن جاز التمسك. هذا مع أن فيما نحن فيه لو صح ما قيل يلزم جواز الكشف إذا نذر أن يتوضأ بالخمر، ويحلل بأدلته جميع المحرمات. وما هو حل القضية: أن النذر لا يصح في غير طاعة الله، أو لا يصح في معصية الله، وأما في تلك الموارد فمضافا إلى عدم تمامية المسألة احتمالا في الفقه - كما ناقشناه في محله (4) - أن الأدلة الخاصة في الفرضين الأولين تكفي للصحة، دون الكشف المزبور، ويتبين بتلك الأدلة أنها المعاصي المعلقة بعدم النذر، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر ما في كلمات بعضهم، من صحة الكشف على القول بالتمسك (5)، ومن أن الأمثلة ليست من محل الكلام (6)، فإن النظر هنا إلى كشف حال الفرد بالإطلاق والعموم، من غير فرق بينهما من هذه الناحية أيضا، فلا تخلط.


1 - الاستبصار 2: 163، تهذيب الأحكام 5: 53 / 162، وسائل الشيعة 11: 326، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 13. 2 - الكافي 4: 143 / 9، وسائل الشيعة 10: 198، كتاب الصوم، أبواب من يصح صومه، الباب 10، الحديث 7. 3 - تقدم في الصفحة 272 - 273. 4 - هذه المباحث من كتاب الصوم مفقودة. 5 - نهاية الاصول: 340. 6 - مناهج الوصول 2: 270. (*)

[ 277 ]

الحادي عشر: في دوران الأمر بين التخصيص والتخصص لو دار الأمر بين التخصيص والتخصص فماذا يقتضي الأصل ؟ وبعبارة اخرى: هل التحفظ على أصالة العموم حتى المقدور - بأن لا يصير العام مورد التخصيص - لازم، أم لا، أو يفصل بين القول بالمجازية وعدمه ؟ احتمالات، بل خلاف. والذي هو التحقيق: أن مجرد المحافظة على العموم غير لازم بما هو هو، فلو ورد مثلا " أن كل نجس منجس " ثم ورد " أن ماء الاستنجاء لا ينجس شيئا " لا ملزم للقول: بأن ماء الاستنجاء ليس بنجس، أخذا بعكس النقيض، وقولا بأنه من العكوس المعتبرة والقضايا الصادقة، وكل ذلك لأجل انحفاظ العام عن التخصيص. إن قلت: لا محيص عن ذلك إلا في بعض القضايا المهملة، كقولك: " إن الصلاة معراج المؤمن " أو " إنها تنهى عن الفحشاء " فإن في أمثال هذه القضايا لاعكس إلا مهملة، لأن الأصل مهمل كما تحرر، ولذلك ترى وجدانا أن الصلاة غير الناهية صلاة. وأما في المثال الأول الذي فيه الحكم على السريان والاستغراق، ويكون العنوان الآخر أيضا من العناوين الكلية، فلابد من الالتزام بأصالة العموم، والحكم بأن ماء الاستنجاء ليس بنجس. وهكذا في مورد تكون القضية الثانية شخصية أو بمثابتها، فإنه عقلا يكشف حال الفرد، فإن عكس نقيض " كل عالم يجب إكرامه " " أن من لا يجب إكرامه ليس بعالم، فزيد ليس بعالم ".

[ 278 ]

قلت: هذا ما يستظهر من الشيخ (1) على المحكي عنه (2)، واستند إليه العلامة الخراساني في باب الصحيح والأعم (3)، وقد عرفت عدم تماميته في القضايا المهملة (4)، وأما في الحقيقية من القضايا فعكس النقيض معتبر. ولكن الشأن هنا في أن عكس نقيض القضية الحقيقية الإنشائية، قضية إنشائية، أو إخبارية، لا سبيل إلى الثاني، فلا يكون كاشفا، ضرورة أن قوله: " ما ليس بمنجس لا يكون نجسا " ليس إلا الأمر بالبناء وجعل الملازمة تعبدا، وهكذا قولك: " من ليس بواجب الإكرام ليس بعالم تعبدا " وإنشاء هذا لا يورث كون زيد جاهلا حتى يترتب عليه سائر الآثار، فيكون ماء الاستنجاء طاهرا ومطهرا، وغير ذلك، فليتدبر واغتنم. ومن هنا يظهر وجه النظر فيما أفاده الوالد - مد ظله -: " من عدم حجية هذه الاصول إلا في مقام الاحتجاج " (5). وما أفاده العلامة الأراكي في " مقالاته ": " من أن عكس النقيض من اللوازم غير الكافية لحجيتها أصالة العموم في الأصل " (6) انتهى. وأنت خبير: بأنها إذا كانت إخبارية تكون من القضايا التي قياساتها معها، ولا محيص عنها عقلا، ولا عرفا، بل لا يعقل تدخل الشرع في العكس إلا بالتدخل في الأصل، بخلاف ما إذا كانت إنشائية، فإنها مضافا إلى عدم كاشفيتها، قابلة


1 - مطارح الأنظار: 196 / السطر 12 - 15. 2 - تهذيب الاصول 1: 492. 3 - كفاية الاصول: 45. 4 - تقدم في الجزء الأول: 260 - 261. 5 - مناهج الوصول 2: 271. 6 - مقالات الاصول 1: 450. (*)

[ 279 ]

للتدخل فيه بإيراد المخصص عليه. وبالجملة: بعد الإقرار بالعموم الاستغراقي ولو كان إنشائيا، لابد من الالتزام بصحة عكسه، وبعموم عكس نقيضه، إلا أنه لا يمكن كشف حال الفرد بالعموم الثاني، لمكان إنشائيته، ضرورة أن القضايا الإنشائية تعبدية صرفة، وغاية ما يستظهر من انطباقها على الخارج - لأجل انطباق موضوعها - هو أن زيدا لا يترتب عليه الأثر الثابت في العام، لأجل التعبد بأنه جاهل، لا لكشف حاله واقعا. إيقاظ: في تحرير نزاع دوران الأمر بين التخصيص والتخصص على وجه بديع كان ينبغي أن يحرر البحث المزبور على وجه بديع، وهو أن القضايا الحقيقية الإخبارية الصادقة، تكون عكوسها المستوية وعكس نقيضها من القضايا الاعتبارية، فهل القضايا الحقيقية الإنشائية أيضا مثلها، أم لا ؟ ثم على تقدير اعتبارها، فهل كما ينكشف حسب القضايا الإخبارية حال المجهولات، ينكشف حال المجهول فيما نحن فيه، أم لا ؟ وحيث عرفت الجواب عن السؤالين تبين الأمر في المقام. وأيضا تبين أن القضايا المهملة ليس عكس مستواها ولا عكس نقيضها - على فرض صحة اعتبارهما - إلا مهملين، فما تمسك به في " الكفاية " (قدس سره) للقول بالأخص في مسألة الصحيح والأعم (1)، في غير محله. ومن هنا يظهر: أن عنوان البحث هنا وهو " أنه في دوران الأمر بين


1 - كفاية الاصول: 45. (*)

[ 280 ]

التخصيص والتخصص، هل يتعين الثاني ؟ " غير جامع، وتعلم هذه المسألة من البحث المزبور، وهو أنه لا يمكن بعد قصور الكشف الالتزام بعدم ورود التخصيص على العام. نعم، لو كان لاستصحاب عدم التخصيص أثر، أو كان لبقاء العام على عمومه أثر كالحجية - بناء على القول بسقوطه عن الحجية - لا بأس به، فلاحظ جيدا. الثاني عشر: حول رفع الشبهة المصداقية بالأصل المحرز فيما إذا كان في مجرى الشبهة المصداقية أصل من الاصول المحرزة، بحيث تخرج الشبهة إلى اللاشبهة تعبدا، فلا محيص عن التمسك بالعام، ولا وجه للبحث والكلام، كما هو المعلوم. وأما أن في بعض الأحيان يجري الأصل، أم لا، لكونه من الاصول العدمية الأزلية، أو من الاصول المثبتة، فهو بحث خارج عن مباحث العام والخاص، وموكولة كبراه إلى بحوث الاستصحاب، وصغراه في الفقه، ومن العجيب أن علم الاصول مع طوله يشتمل على مباحث مكررة خالية من الفائدة ! !

[ 281 ]

المبحث الرابع في وجوب الفحص عن المخصص قد اشتهر البحث عن وجوب الفحص عن المخصص، واختلفوا فيه على أقوال (1)، فقد حكي عن بعض العامة جواز التمسك بالعمومات قبل الفحص (2)، ويستظهر ذلك من حواشي العلامة الإيرواني (قدس سره) (3) وكأنه يريد المناقشة في المسألة حسب الصناعة. والمعروف المشهور (4) المدعى عليه الإجماع (5)، عدم الجواز ووجوب الفحص.


1 - معالم الاصول: 122 / السطر 13، قوانين الاصول 1: 274 / السطر 1، مطارح الأنظار: 197 / السطر 30، كفاية الاصول: 264 - 265. 2 - المستصفى من علم الاصول 1: 267، المحصول في علم اصول الفقه 1: 404، شرح البدخشي 2: 126 - 129. 3 - نهاية النهاية 1: 290. 4 - معالم الاصول: 123 / السطر 13، قوانين الاصول 1: 274 / السطر 1، مفاتيح الاصول: 187 / السطر 3 - 6، الفصول الغروية: 200 / السطر 27، مطارح الأنظار: 197 / السطر 30. 5 - المستصفى من علم الاصول 1: 267، شرح البدخشي 2: 127، نهاية الوصول: 199، الفصول الغروية: 200 / السطر 19، مطارح الأنظار: 197 / السطر 31، مقالات الاصول 1: 455. (*)

[ 282 ]

وربما يقال بالتفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل، فيجب في الثاني، دون الأول (1)، وهذا هو ظاهر " الكفاية " (2) ولأحد أن يدعي عكسه. وحيث إن الإجماع المزبور حادث، لما قيل: " من أن المسألة من المسائل التي عنونها أبو العباس بن سريج المتوفى أوائل القرن الرابع " (3) فلا خير في ذلك الاتفاق المستدل به في المقام، ولابد من النظر إلى مقتضى الصناعة والبناءات العرفية والعقلائية. ثم اعلم: أن البحث عن وجوب الفحص كثير الدور في أدوار الاصول، فتارة: يبحث عنه في البراءة والاشتغال، واخرى: في بحث التعادل والترجيح، وثالثة: هنا، ورابعة: فيما مر منا في البحث السابق (4)، وأيضا لابد من البحث عنه في مباحث حجية الظواهر، ولا وجه للبحث الكلي عنه في المقام، لإمكان اختلافهم في الجهة المبحوث عنها كما ترى. نعم، لا يختص البحث هنا بالفحص عن المخصص، بل هو أعم منه ومن المقيد والحاكم والوارد، وأيضا أعم منها ومن القرائن الموجبة لصرف الظهور البدوي إلى الظهور المستقر، من المتصلة، أو المنفصلة وغير ذلك. وبالجملة: البحث هنا ممحض حول البحث عن الفحص في الاصول اللفظية ومعارضاتها المحتملة، لا على وجه التباين، ولكن لا بأس بذلك هنا أيضا، لوحدة الملاك والمناط، وما رأيت أحدا يفصل بين المقامين، فتدبر.


1 - مناهج الوصول 2: 274. 2 - كفاية الاصول: 265. 3 - نهاية الاصول: 346. 4 - تقدم في الصفحة 274. (*)

[ 283 ]

وغير خفي: أن هذا البحث يقع في محله بناء على ما هو التحقيق في المسألة الآتية، من عدم اختصاص القوانين الكلية والخطابات العامة بالمشافهين والحاضرين وقت النداء (1)، وإلا فلا مورد له كما ترى. وهم ودفع ربما يقال: بأن الفحص عن المخصص المتصل غير لازم، لرجوع الشك فيه إلى نسيان الراوي، وأمثاله مما يدفع بالاصول العقلائية، فالبحث ممحض في المنفصل (2). وأنت خبير: بأن المقصود من " المتصل " هنا هو احتمال صدور الكلام مع القرينة في مورد آخر، كما هو كثير الدور في الأخبار، فربما يفتي الفقيه بمجرد سماع: " الولد للفراش " (3) مع الغفلة عن أنه مقرون بقوله: " وللعاهر الحجر " الموجب لصرف الصدر عما هو الظاهر فيه، فالتقطيع في أخبارنا كثير، ولابد من الفحص عن الصدر والذيل، ولا يكفي الظهور البدوي. وبالجملة هو محل البحث أيضا. وهم آخر ودفع ربما لا يكون وجه للفحص في موارد البناء على الاحتياط، فلو وصل: " أكرم كل عالم " وكان بناء المكلف على العمل بمضمونه، فلا يجب الفحص. نعم لا يجوز


1 - يأتي في الصفحة 303. 2 - مناهج الوصول 2: 274، تهذيب الاصول 1: 494. 3 - الكافي 7: 163 / 3، تهذيب الأحكام 9: 344 / 19 - 20، وسائل الشيعة 26: 275، كتاب الإرث، أبواب ميراث ولد الملاعنة، الباب 8، الحديث 4. (*)

[ 284 ]

الإفتاء بذلك، كما لا يخفى. وفيه: أن من المحتمل كون مورد التخصيص محرما إكرامه، فلا يكفي ما ذكر، فليتدبر. وهم ثالث ودفع يستظهر من العلامة الخراساني (1) وبعض آخر، أن النزاع في المسألة إنما هو بعد الفراغ من كون أصالة العموم حجة من باب الظن النوعي، لا الشخصي، وكونها معتبرة من باب الظن الخاص، لا من باب الظن المطلق، وبعد عدم وجود العلم التفصيلي أو الإجمالي بوجود المخصص (2)، انتهى. وأنت خبير: بأن من الأصحاب من ينكر منجزية العلم الإجمالي (3)، فالنزاع من حيث الأخير أعم، ويكون أحد الوجوه المتمسك بها العلم الإجمالي (4)، وأما من حيث النوعي والشخصي فلأحد احتمال ردع الشرع عن الظن الشخصي الحاصل قبل الفحص، وهكذا في الأمر الآخر، فليتدبر. إيقاظ: حول تحديد محل النزاع في المقام لأحد أن يقول: بأن النزاع في هذه المسألة، مخصوص بصورة لا ينقضي فيها


1 - كفاية الاصول: 264. 2 - نهاية الاصول: 346. 3 - لاحظ نهاية الاصول: 419، يأتي في الجزء السادس: 176. 4 - مطارح الأنظار: 202 / السطر 15، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 540 - 541، نهاية الأفكار 1: 530. (*)

[ 285 ]

وقت العمل بالعام وشبهه (1)، وأما إذا وصل المكلف إلى عام، وبلغ إليه دليل لو فحص عن مخصصه ومعارضاته لفات عنه، فإنه يجب العمل، ولايجوز التأخير لاحتمال تمامية الحجة البالغة. أقول: البحث في هذه المسألة وأن الظواهر هل هي حجة أم لا ؟ ليس بحثا كبرويا، بل البحث صغروي، ويدور مدار أن الكلام قبل الفحص يستقر ظهوره ويتم الاحتجاج به، أم لا، فبناء عليه يكون النزاع من هذه الجهة أيضا عاما. وإن شئت قلت: النزاع كبروي، حيث إن البحث يدور حول أن مطلق الظهور حجة، أم الظهور المستقر. وعلى كل تقدير لا يختص النزاع بما وراء الفرض المزبور. وجه عدم وجوب الفحص إذا تبينت حدود محل البحث ومحط النزاع، فغاية ما يمكن أن يستند إليه لإنكار وجوب الفحص، هو أن الأدلة اللفظية بما لها من المعاني تكون مرادة، إلا مع قيام القرينة على خلافها، وعند الشك في وجود القرينة لابد من اتباعها، حذرا من الوقوع في الخلاف بلا عذر. ويشهد لذلك بناء الأصحاب الأقدمين، حيث إنهم بعد سماع العام والمطلق من أحد المعصومين، كانوا يعملون بها من غير انتظار المخصص والمقيد والقرينة وغيرها، وقد كثرت المطلقات المتمسك بها في الفقه في كلمات الرواة، وفي الأجوبة بعد الأسئلة الجزئية، فإن السائل كان يعمل بالإطلاق إلى أن يصل إليه القيد، من غير


1 - لاحظ مطارح الأنظار: 197 / السطر 34. (*)

[ 286 ]

بناء منهم على الفحص، ومن غير انتظارهم إلى حال اليأس عن الظفر بالقيد، أو صدوره عن الإمام المسؤول، أو المعصوم الآخر. وبالجملة: كان في ابتداء الأمر العمل بالأدلة قبل الفحص متعارفا بلا شبهة، ولو كان الفحص واجبا لبان، لكثرة الابتلاء به، وقد عرفت أن المسألة عنونت عند المتأخرين عنهم في المائة الرابعة (1). ولا ينبغي المقايسة بين القوانين والكبريات الملقاة للعمل، على ما هو المتعارف في الإسلام، وبين الكيفية المتعارفة في القوانين العرفية الدولية، فإن المتعارف في القوانين العرفية على ضبط العام أولا، ثم ذكر المخصصات والمقيدات، ثم تنشر تلك الكتب المشتملة عليها للعمل والتنفيذ والتطبيق، بخلاف الإسلام فإن المتعارف فيه على نشر العموم والمطلق، ثم ذكر المقيد والقرائن الصارفة والمعينة. ومن هنا يظهر ما في كلمات السيد الوالد - مد ظله - (2) تبعا لجم غفير منهم (3)، من التشبث بالبناءات العرفية أولا، وبالمتعارف في القوانين العقلائية ثانيا، وأن المقايسة في غير محلها، والبناءات العرفية في مثل العمومات الملقاة من قبل الموالي إلى عبيدهم على عدم الفحص، كما هم ملتزمون به (4)، وليس ذلك إلا لأجل ما اشير إليه في القوانين الإلهية التي تصل إلى العبيد على نعت التدريج، فكان للشرع طريق خاص في التقنين والنشر، وبه يمتاز عن المتعارف اليوم.


1 - تقدم في الصفحة 282. 2 - مناهج الوصول 2: 275 - 276، تهذيب الاصول 2: 495 - 496. 3 - كفاية الاصول: 265، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 541، نهاية الاصول: 347 - 348. 4 - نهاية الاصول: 347، مناهج الوصول 2: 275. (*)

[ 287 ]

وبالجملة: لاننكر وجوب الفحص في صورة واحدة، وهي ما إذا كان الكتاب المنشور والرسالة المنشورة، مشتملة على مخصصات ومقيدات فيها غير معلومة أماكنها، وأما الكتب الروائية الموجودة فيما بأيدينا فهي من علمائنا، وهذا غير كاف لإيجاب الفحص بعدما كان بناء السابقين على العمل بالعموم الواصل إليهم المسموع عن المعصوم (عليه السلام) وهكذا الإطلاق وغيره، فلاحظ وتدبر. أقول: الأمر كما تحرر، إلا أن هنا بيانا آخر، وهو أن هذه المسألة ليست من قبيل المسائل التي إذا احرز بناء العقلاء في السلف، أو بناء المتشرعة في السابق عليها، فلاتنقلب عما كانت عليه، كحجية الخبر الواحد، واليد، والظواهر، فإن استكشاف بنائهم على اعتباره يوجب لزوم الحكم بحجيته في عصرنا، وأما هذه المسألة فهي من المسائل التي ينقلب ميزانها، لاختلاف مبادئها. وإن شئت قلت: إن العقل حاكم بلزوم اتخاذ الحجة، حتى تكون عذرا عرفيا وعقلائيا، ولا دليل لفظي ولا لبي على أن كل ما كان عليه السلف في اتخاذ الحجة، فهو المرضي والمتبع، بل غاية ما ثبت هو بناء السابقين عملا على العمل بالعمومات والمطلقات قبل الفحص، ورضا الشرع به من غير ردع عنه، وأما أن هذه الطريقة ممضاة شرعا مطلقا وفي الأعصار المتأخرة، فهي غير واضحة، بل ممنوعة. وعلى هذا، فلو كان بناء العقلاء والعرف - بعد اجتماع العمومات والمخصصات في الكتب الموسعة، والرسائل والدفاتر المعلومة، والذخائر المعينة - على الفحص فلابد من ذلك، وهذا مما لاشبهة فيه، ولا إشكال عليه بالضرورة، فإن ديدن العقلاء في هذه العصور وعادتهم في جميع الأمصار والممالك، على الفحص عن قيود القوانين المنتشرة في الدفاتر الأساسية والمنشورات العامة بلا مناقشة، وحيث إن الأصحاب الأولين - قدس الله أسرارهم وجزاهم الله أحسن الجزاء -

[ 288 ]

اتعبوا أنفسهم، وتحملوا مصائب كثيرة، فدونوا الكتب الموجودة التي بين أيدينا المشتملة على العمومات والمخصصات والمقيدات والقرائن المنفصلة، ولا يعذر أحد إن اتخذ رأيا بمراجعة العام قبل الفحص عن محاله، أو إن عمل على طبق الظاهر قبل الفحص عن القرائن المحتملة المنتشرة فيها. وبالجملة: إن الظواهر في عصر المعصومين (عليهم السلام) كانت حجة قبل الفحص، سواء استقر ظهورها، أو كانت غير مستقرة الظهور، وأما في عصرنا فما دام لم يستقر الظهور، لا يصح الاعتماد عليها والاحتجاج بها. ولو قيل: إن في عصرهم (عليهم السلام) أيضا كان جماعة من الأصحاب يكتبون الاصول والفروع على حسب تدوين القوانين، وتلك الاصول الأربعمائة وصلت إلى أيدي أرباب المجامع الأخيرة ومؤلفي الكتب الأربعة، وكذا يكون الأمر كذلك بالنسبة إلى الجوامع المتأخرة للمحمدين بعد الألف، وعلى هذا فلا فرق بين الحالين. قلنا: لا منع منه إجمالا، إلا أن كثيرا من المطلقات والعمومات، قد القيت إلى السائلين في مقام العمل قطعا، وما كان يجب الفحص فيها عن القرائن الآتية أو المتقدمة، ولا وجه للقول بالتفصيل، فتعين القول بعدم وجوب الفحص. والأمر بعدما عرفت منا، سهل جدا، لما أن الوجه الوحيد لإيجاب الفحص هو المراجعة إلى دأب العرف والعقلاء في كيفية اتخاذ الرأي والحجة والدليل، ولا شبهة في أن المراجعة في هذه العصور إلى الظواهر مع وجود القرائن والمخصصات من غير فحص عنها، ليست مقبولة عندهم، ولا العامل بها معذورا. ولو رجع ما في " الكفاية " من المعرضية للتخصيص (1) إلى ما ذكرنا فهو، وإلا فالمعرضية بمعنى القابلية هي باقية بعد الفحص، والمعرضية بمعنى الظن أو العلم أو


1 - كفاية الاصول: 265. (*)

[ 289 ]

الوثوق هي الوجوه الآتية إن شاء الله تعالى (1). بقي شئ: في عدم كفاية رجوع المجتهد إلى مجرد العام والخاص بناء على ما عرفت من لزوم اتباع العقلاء في أخذ الرأي وإتمام الحجة، تلزم مشكلة لابد من حلها: وهي أن ديدن هل التحقيق وأرباب العلم في الفنون المنتهية إلى العمل، على الرجوع إلى مشاركيهم في فنهم ومعاصريهم في رأيهم، حتى يحصل لهم الوثوق، ويطمئنوا بما اتخذوه، وربما يتحملون المشاق والمصارف في محاضراتهم العلمية، لما في صورة استكشاف الخلاف من المفاسد الكثيرة. وما ترى في استحكام رأي المشهور ليس إلا لأجل تبادل الآراء عليه، وتقارن الأفكار، واتفاقهم عليه، فإنه يورث إبرام الرأي وصلب المنهج، ويصعب على الآخرين التخلف عنه. وبالجملة: بعدما لم يكن للشرع منهج جديد في الاحتجاجات والاستدلالات، ولم يكن طريق بديع في ذلك، فلابد من المواظبة على الطريقة العقلائية، وقد عرفت أن طريقتهم في العصر الأول، كانت على العمل بالإطلاق من غير انتظار لمقيد، أو فحص عن مخصص (2)، لا العامي، ولا العارف المبتلى بالمسألة المسؤول عنها. ثم بناؤهم في القرون المتأخرة وفي القرون التي اجتمعت الآثار في الكتب والمخازن، كان على الرجوع إلى المخصصات والمقيدات والقرائن. وأما في عصرنا فلابد من الاهتمام بالأمر، ولا يكفي مجرد الرجوع إلى العام ومخصصه، لأنه كثيرا ما نجد تبادل الآراء وتخلفها عن الواقع في عصر واحد، وشخص فارد، فإذا كان ذلك كثير الدور، فلابد من اتخاذ السبيل العقلائي والطريقة


1 - يأتي في الصفحة 291 - 293. 2 - تقدم في الصفحة 285 - 287. (*)

[ 290 ]

الموجودة، وهو التبادل مع الشركاء وأهل الفن في الأنظار العلمية والآراء الفقهية العملية، حذرا من وقوع الناس في الخلاف وفي مفاسد النفس الأمرية، واجتنابا عن تفويت المصالح على الآمر في طول الدهور وطيلة العصور، وتحفظا على الاهتمام بشأن الأحكام الإلهية، متوجهين إلى أن الشرع قد اهتم بهذه المسألة، فقال في الكتاب العزيز: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون) * (1) * (الكافرون) * (2) * (الظالمون) * (3) كما في ثلاث آيات شريفة، والحكم بما أنزل الله ليس بمجرد إصابة العام وبعد الفحص عن المخصص، بل هناك بعض امور اخر لابد من رعايتها لبناء العرف والعقلاء عليه. وتوهم: أن الأحكام الإلهية مما لا يهتم بها، أو توهم: أن هذه الطريقة تكفي، لأن السلف كانوا عليها، كلاهما فاسد جدا، ولأجل ذلك تشكل حجية فتاوى فقهائنا المعاصرين جدا، ولأجل ذلك وذاك ترى تبدل رأيهم في مسألة طول عمرهم ومدة حياتهم تبدلا غير مرة، ورجوعا غير عزيز، فما هي العادة اليومية من الجلوس في زوايا دورهم، والإفتاء على حسب أفكارهم الوحيدة، مع ما في المسائل العصرية من المصائب العلمية والمعضلات الفنية، ليست بعادة مرضية وبطريقة عقلائية مألوفة، والله المستعان. تتمة: في لزوم مراجعة أخبار العامة وفتاواهم كما يجب الفحص وجوبا شرطيا أو احتياطا عقليا عن القرائن المتصلة والمنفصلة، كذلك لابد من المراجعة إلى فتاوى العامة وإلى أخبارهم أحيانا، لأن في


1 - المائدة (5): 47. 2 - المائدة (5): 44. 3 - المائدة (5): 45. (*)

[ 291 ]

ذلك نوع تأثير في أخذ الرأي وإتمام الحجة، فإنه كثيرا ما يختلف مصب الإطلاق والعموم بعد الرجوع إلى تلك الآراء والأهواء، فإن في أخبارنا روايات صدرت ناظرة إلى ما أفتوا، ومتوجهة إلى ما عندهم من الرأي، وتصير به ساقطة عن العموم والإطلاق، ويعلم منه: أن لها مصبا خاصا ومحيطا معينا. وجوه اخر على وجوب الفحص إذا تحصل ذلك فليعلم: أنه ربما يستند في هذه المسألة إلى امور اخر (1) لا بأس بالإشارة الإجمالية إليها، وهي كثيرة: الأول: الإجماع، ودعوى أنه ليس بحجة في هذه المسألة (2)، في غير محلها. نعم، قد عرفت فيما مضى: أن هذه المسألة ما كانت معنونة في العصر الأول (3)، بل هي من المسائل المستحدثة في القرن الرابع، حسبما حكاه سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) (4) وعليه فلا صغرى للادعاء المذكور. مع أنه ربما يحتمل كون مستنده عقول المجمعين، لا الرواية الخاصة أو رأي المعصوم (عليه السلام) فتأمل. الثاني: الأخبار الخاصة الناطقة بوجوب التعلم القائلة بأنه " يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: هلا عملت ؟ ! فإن قال: لم أعلم، يقال له: هلا تعلمت حتى تعمل (5) ؟ !


1 - مطارح الأنظار: 198 - 202، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 540 - 541، نهاية الأفكار 2: 529 - 531. 2 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 406. 3 - تقدم في الصفحة 282. 4 - نهاية الاصول: 346. 5 - الأمالي، الشيخ الطوسي: 9 / 10، تفسير الصافي 2: 169 ذيل آية 149 من الأنعام، بحار الأنوار 1: 177 / 58. (*)

[ 292 ]

وبالجملة: وقع الحث الكثير فيها على التعلم والتفقه في الدين، فعلى هذا يجب على العبيد الفحص عن جميع الأحكام بخصوصياتها وحدودها، ولا عذر لهم في ترك العمل بها عن جهل. ولذا ففي " نهاية الاصول " (1) و " المقالات ": " والأخبار الواردة بلسان " هلا تعلمت ؟ ! " جارية بالمناط حتى في باب الاصول اللفظية " (2) انتهى. ولم يستدل بها الآخرون (3)، ولعل ذلك لأن من ينكر وجوب الفحص يدعي العلم الفعلي والحجة الفعلية بمجرد إصابة العام، ولا معنى حينئذ لإيجاب التعليم عليه كما لا يخفى. الثالث: كما إذا علمنا بأن العام الكذائي مخصص لابد من الفحص عن مخصصه، كذلك الأمر إذا حصل الوثوق والاطمئنان بذلك لابد منه، لوحدتهما بحسب الحكم في نظر العقلاء. ولا شبهة في أنا بعدما اطلعنا على أن العمومات مخصصة كثيرا حتى اشتهر: " إنه ما من عام إلا وقد خص " (4) فلابد وأن يحصل ذلك، فإن من موجبات الوثوق العقلائي والاطمئنان والعلم العادي الغلبة، وكيف الغلبة، وأية الغلبة. وفيه: أن الأمر وإن كان كذلك، ولكن قضية ذلك كفاية الفحص عن المخصص الواحد مع احتمال التخصيصات الكثيرة على العام الفارد، وما اشتهر صحيح، ولكن بالنسبة إلى أصل التخصيص، لا مقداره. مع أن الفحص لازم بالنسبة


1 - نهاية الاصول: 348. 2 - مقالات الاصول 1: 455. 3 - مفاتيح الاصول: 187 - 189، مطارح الأنظار: 198 - 202، كفاية الاصول: 265، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 540 - 548. 4 - معالم الدين: 106 و 124، مطارح الأنظار: 192 / السطر 11، كفاية الاصول: 253 - 254. (*)

[ 293 ]

إلى احتمال المخصص ولو كان ضعيفا. الرابع: لأحد دعوى عدم حجية أصالة الظهور مع الظن الحاصل من الغلبة بالخلاف، ولا شبهة في وجوده قبل الفحص. وفيه: مضافا إلى ممنوعية مبناه، يلزم جواز العمل قبل الفحص مع الاحتمال إذا لم يكن ظن بالخلاف في مورد، كما إذا فحص عن المخصص فأصابه، ثم احتمل المخصص الثاني، أو الثالث، أو الرابع، أو الخامس، فإنه بعد ذلك لا يكون ظن بالخلاف، ومع ذلك يجب الفحص. اللهم إلا أن يقال: إن من يدعي هذا الوجه أو الوجه السابق يلتزم بذلك، فليتدبر. الخامس: أن وجوب الفحص مقتضى العلم الإجمالي بوجود المخصصات والمقيدات المنتشرة، وبوجود القرائن الصارفة أو المعينة، بل هو مقتضى العلم بتقطيع الأخبار والروايات في " الوسائل " وغيرها الموجب لاحتمال وجود القرائن المتصلة الموجبة لصرف الظهور أحيانا، أو لتعيين إحدى المحتملات. نعم، مع كون المؤلف بانيا على عدم التقطيع - كما هو كذلك في مثل كتاب " جامع الأحاديث " لسيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) - لا يجب الفحص عن القرائن المتصلة. وبالجملة: فمقتضى تنجيز العلم الإجمالي، لزوم الفحص عنها بالضرورة. إن قلت: مجرد العلم الإجمالي لا يكفي، لاحتمال كون المسألة من موارد القليل في الكثير الذي لاتنجيز للعلم هناك، كما اعترف به المشهور (1).


1 - فرائد الاصول: 2: 430، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 118، نهاية الأفكار 3: 328 - 329، أنوار الهداية 2: 228. (*)

[ 294 ]

قلت: نعم، إلا أن ما نحن فيه من الكثير في القليل الذي لا خلاف في منجزية العلم فيه. هذا مع أن الشبهة هنا من قبيل المحصورة على جميع التقادير في تعريفها (1)، فيتنجز الواقع بذلك العلم عندنا. هذا مع أن نسبة المعلوم بالإجمال إلى الأخبار والأحاديث الموجودة بين أيدينا، نسبة التسعة إلى العشرة، فلا إشكال في تنجيزه. نعم، إذا كانت النسبة مجهولة فالتنجيز غير معلوم، وهو يساوق عدم التنجيز، بناء على ما اشتهر عندهم (2)، وأما بناء على ما هو الأقوى فلا فرق بين المحصورة وغير المحصورة (3)، فتأمل جيدا. نعم، لنا إشكال في تنجيز هذا العلم من ناحية الخروج عن محل الابتلاء، فإن الابتلاء بحسب العمل بمفاد العمومات من أول كتاب الطهارة إلى آخر الديات، ممنوع جدا، بل لا يوجد أحد يبتلى به، وأما بحسب الإفتاء على طبقها وطبق سائر الظواهر، فهو وإن أمكن، ولكنه ليس كل أحد كذلك، وقلما يوجد المجتهد المطلق، ولاسيما من راجع ليستخرج، وخصوصا في هذه العصور كما ترى. إن قلت: هذا ليس من الخروج عن محل الابتلاء، لأن جميع العمومات بالنسبة إليه في عرض واحد، وما هو المضر بالتنجيز هو الخروج عن محله، بحيث لا تصل إليه يده ليرتكبه، ويستقبح تحريم الإفتاء بغير ما أنزل الله بالنسبة إليه. قلت: قد تقرر منا في محله، أن الخروج عن محل الابتلاء لا يضر بتنجيز


1 - يأتي في الجزء السابع: 433. 2 - كفاية الاصول: 410، نهاية الأفكار 3: 335، تهذيب الاصول 2: 284 - 285. 3 - يأتي في الجزء السابع: 427 - 432. (*)

[ 295 ]

العلم، ولا عدم الخروج شرط تنجيزه (1)، وفاقا للسيد المحقق الوالد - مد ظله - (2) إلا أن السيرة وبناء العقلاء على عدم الاعتناء بالمعلوم بالإجمال بمجرد كون الطرف خارجا عن محل الابتلاء فعلا. مثلا: إذا وقعت قطرة دم، وشك في أنها وقعت في الثوب أو على الأرض، فبناء الأصحاب والعرف على عدم الاعتناء، مع أن الأرض ليست خارجة عن محل الابتلاء بالنسبة إلى جواز السجدة، ولكن لمكان عدم الابتلاء فعلا بمثله لا يعتنى بالعلم المزبور، وهكذا في أشباهه ونظائره. وفيما نحن فيه ما هو مورد الابتلاء فعلا للفقيه المراجع، كتاب الطهارة ومسائلها، ولايتفق في طول تصديه لمقام الإفتاء أن يرجع إليه أحد في هذه الأعصار، ويسأل عن مسائل كتاب القصاص وهكذا، فهو في حين السؤال الأول تكون المسائل الاخر خارجة عن محل ابتلائه والإفتاء بها، فلا يكون العلم المزبور منجزا. وهذا هو المقصود من " الخروج عن محل الابتلاء " فلاحظ وتدبر جيدا. ولأحد أن يقول: إن قيام السيرة في الموارد الخاصة، لا يوجب الخروج عن القاعدة إلا بإلغاء الخصوصية، وهو غير واضح، وعليه فيكون العلم الإجمالي منجزا ولو كان من القليل في الكثير، أو كان خارجا عن محل الابتلاء. إن قلت: ليس وجوب الفحص تكليفا شرعيا ولا العلم بالمخصصات والمقيدات موجبا للتكليف الشرعي حتى يتنجز به. قلت: لا يعتبر في تنجيزه ذلك، بل لو رجع إلى مقام العمل وإلى التكاليف الإلهية، فهو أيضا ينجز الواقع، فالعلم الإجمالي المزبور يرجع إلى العلم الإجمالي


1 - يأتي في الجزء السابع: 459. 2 - أنوار الهداية 2: 214 - 219، تهذيب الاصول 2: 280 - 284. (*)

[ 296 ]

بعدم جواز الإفتاء على طبقها، أو إلى العلم الإجمالي بعدم جواز العمل، فتدبر. وبعبارة اخرى: ما هو المنجز واقعا هو العلم بحرمة الإفتاء بغير ما أنزل الله، فإذا علمنا بأن العام الواقع في كتاب الطهارة أو العام في كتاب الديات مخصص، فقد علمنا بحرمة الإفتاء على طبق أحد العامين إجمالا، فإذا كان العام الثاني والإفتاء على طبقه خارجا عن محل الابتلاء، يلزم الإشكال، وينحل بما مر. إشكال وحل ما هو المدعى في هذه المسألة هو وجوب الفحص عن المخصص ونظائره، سواء كان مخصصا أولا، أو من المخصصات الثانية والثالثة وهكذا، لإمكان ورود التخصيصات الكثيرة على العام الواحد. وعلى هذا، فإذا فحصنا عن مخصص وأصبناه، واحتملنا مع ذلك وجود المخصص الآخر، فلابد من الفحص ثانيا، وهكذا حتى لو كان احتمال المخصص الآخر مساوقا لاستهجان التخصيص، لأنه حينئذ يكون واجبا أيضا لأجل كونه موجبا لحصول المعارضة بين العام وتلك التخصيصات، والفحص عن المعارض أيضا لازم. هذا هو المدعى. وما هو مورد الدعوى في تحرير العلم الإجمالي، هو وجود المخصصات بالنسبة إلى العمومات، وأما احتمال المخصص الرابع والخامس، فهو احتمال بدوي لا يتنجز بالعلم المزبور، فيكون الدليل أخص من المدعى. ودعوى: أن العلم الإجمالي المزبور أعم، غير مقبولة. وفيه أولا: أن لأحد دعوى أن المقصود إثبات وجوب الفحص بالمقدار المعلوم بالإجمال، والمطلوب إثبات لزوم الأخذ بمقتضى العلم، وأما ما وراء ذلك

[ 297 ]

فلا ندعي وجوبه، ولا منع من الالتزام بعدمه، فما يظهر منهم غير واضح لمدعيه (1). وثانيا: أن في جميع طبقات المخصصات والمقيدات، علما إجماليا، إلا أن المعلوم بالإجمال في الطبقة الاولى نسبته إلى العمومات من الكثير في القليل، وفي الطبقة الثانية من الكثير في الكثير، وفي الثالثة من القليل في الكثير، والتحقيق أن القليل في الكثير، لا يورث قصورا في تنجيز العلم إلا إذا استلزم الخروج عن محل الابتلاء، أو الحرج والضرر. فتحصل لحد الآن: أن المناقشة في تنجيز العلم الإجمالي مطلقا، أو بالنسبة إلى المخصصات الواردة أولا، قابلة للدفع. إشكال ودفع بقي إشكال تعرض له الأعلام (قدس سرهم) وهو أن قضية ما تحرر في محله، هو انحلال هذا العلم الإجمالي بعد العثور على المقدار المعلوم، مع أنهم لا يلتزمون بعدم وجوب الفحص، فلاتتم دعوى العلم الإجمالي حتى في الطبقة الاولى من المخصصات، فضلا عن الطبقات الثانية والثالثة (2). وما ربما يقال كما في تقريرات العلامة النائيني (قدس سره) (3) وفي غيره (4) جوابا، غير واقع في محله، فلا نطيل الكلام به. والذي هو الأقرب: أن مع العثور على المقدار المعلوم بالإجمال في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 543، نهاية الأفكار 2: 530 - 531، نهاية الاصول: 348. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 543، نهاية الأفكار 2: 530، مناهج الوصول 2: 277. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 543 - 546. 4 - مقالات الاصول 1: 456. (*)

[ 298 ]

المراجعات البدوية إلى الأخبار والأحاديث الشريفة، مع ما فيها من المخصصات الكثيرة والقرائن الشائعة، يحصل علم إجمالي آخر أقوى من الأول في اشتمال البقية على المخصص والمقيد، وهذا مما لا يمكن تكذيبه وجدانا، ومع عدم العثور عليه فلا ينحل. مثلا: إذا علمنا بأن في عشرة آلاف حديث عام ألفا مخصصة، فإذا رجعنا إليها أصبنا في الألف الأول منها ذلك الألف المخصص، فلابد وأن نعلم ثانيا ويشتد العلم به وهكذا، فلاحظ جيدا، فإن الوجه ما عرفت سابقا. تتميم البحث: حول العلم الإجمالي بوجود المخصصات قد تبين: أن البحث حول العلم الإجمالي المزبور كان من جهات: الاولى: في أصل تنجيزه. الثانية: في انحلاله. الثالثة: في أن الفحص عن المخصص مع عدم العثور عليه، لا يوجب الخروج عن أطرافه حتى يجوز العمل بالعام، وذلك لأن من المحتمل وجود المخصصات الكثيرة غير الواصلة إلينا والضائعة في العصر الأول، كما هو المعروف في اصول ابن أبي عمير وغيره، فيبقى الإشكال بحاله. أقول: هنا بحثان: الأول: لو سلمنا صحة ما قيل، فهل يلزم الاحتياط في العمل والإفتاء، أم يستكشف به عدم وجوب الفحص، أو يعلم به: أن العلم الإجمالي المزبور لا ينجز، كما مر في الجهة الاولى (1)، والأمر هنا أوضح ؟ لا إشكال في عدم إمكان الالتزام بالأولين، فيتعين الثالث، بمعنى أن العلم


1 - تقدم في الصفحة 294 - 296. (*)

[ 299 ]

الإجمالي إن كان متعلقا بوجود المخصصات والمقيدات فلا يؤثر، وأما إذا كان متعلقا بوجودها فيما وصل إلينا من الأخبار والأحاديث فيؤثر. ولا شبهة في أن في الفرض الأول لا ينجز شيئا، لأن وجودها الواقعي ليس بحجة، بخلاف وجودها الواصل ولو بنحو الإجمال، وذلك لأنه كما أن وظيفة العبد هو الفحص بعد العلم الإجمالي، كذلك وظيفة المولى هو الإيصال بنحو متعارف إيصالا متعقبا بالوصول على نحو متعارف أيضا، فإذا علمنا إجمالا بوجود المخصصات فيما ضاعت من الكتب والاصول الأولية، فهو لا يؤثر في شئ بالضرورة، ولعل هذا هو المراد مما اصطلح عليه من " التوسط في التنجيز " (1). الثاني: لأحد إنكار وجود العلم المزبور أولا، وإنكار كونه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية ثانيا، بل إنكار أصل الضياع ثالثا، وإنكار كونها من المخصصات المعتبرة سندا رابعا. وبالجملة: لو التزمنا بتنجيزه بدعوى، أن المولى أدى وظيفته وهي الإلقاء إلى الامة في عصره، والضياع لا يضر بذلك، ولا يعتبر أزيد منه، فلنا إنكار التنجيز من ناحية الخروج عن محل الابتلاء، بمعنى أنه إذا علمنا بوجود المخصص فلابد من الفحص عنه، وإذا كان أحد الأطراف الكتب الضائعة فيلزم قصوره عن التنجيز. لا يقال: الخروج لا يضر في المقام، لأنه يرجع إلى حجية الظواهر الموجودة. لأنا نقول: حجية الظواهر عليها السيرة العملية، فلابد من الموهن المبرز الواصل، وهو الفحص تفصيلا أو إجمالا على وجه يتنجز به وجود الموهن، فتدبر تعرف، وتأمل تجد. وبعبارة اخرى: نعلم إجمالا بحرمة الإفتاء على طبق العام في السنة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 258، نهاية الأفكار 3: 352 - 353، منتهى الاصول 2: 267 - 268. (*)

[ 300 ]

الموجودة بين أيدينا، لاحتمال وجود المخصص في الاصول الضائعة، أو حرمة الإفتاء على طبق العام الموجود في تلك الاصول، ضرورة أنها كما تشتمل على المخصصات تشتمل على العمومات أيضا، وتكون تلك أيضا من أطراف العلم الإجمالي الكبير، ولولا رجوع هذا العلم الإجمالي إلى العلم الإجمالي بحرمة الإفتاء وأمثالها، لما كان وجه لتنجزه فاغتنم. كما لنا إنكار أصل الدعوى، والله الهادي. تذييل: في مقدار الفحص اختلفوا في مقدار الفحص على أقوال: فمن قائل بوجوب الفحص إلى أن يحصل العلم بعدم المخصص (1). ومن قائل بكفاية الاطمئنان والوثوق (2). وقيل: يكفي الظن (3). والذي هو التحقيق: أن الواجب هو الفحص عن المخصصات والقرائن المحتملة في مواضعها المحررة، والمقررة في الكتب الموجودة بين أيدينا، سواء حصل منه العلم والاطمئنان والظن، أم لم يحصل، فإن حصول ذلك ليس مورد النظر. وبعبارة اخرى: يكفي الوثوق النوعي والعلم العادي النظامي، ولا يعتبر الوثوق أو الظن الشخصي، وذلك لأن بناء العقلاء عليه من غير اشتراط حصول أمر


1 - المستصفى من علم الاصول 1: 268، مفاتيح الاصول: 191 / السطر 14، مطارح الأنظار: 200 / السطر 32. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 547. 3 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 404، قوانين الاصول 1: 272 / السطر 2، مطارح الأنظار: 200 / السطر 32. (*)

[ 301 ]

وراءه. بل الأظهر عدم كفاية الوثوق والاطمئنان الشخصي إذا حصل من غير طريق الفحص والتجسس. نعم، ربما يكون المجتهد مثلا لمكان كونه من أهل الفحص، يعلم بعدم وجود المخصص للعام المبتلى به، فإنه يكفي بالضرورة، وأما إذا حصل الاطمئنان من طريق آخر - كالاستبعاد والاستحسان وأمثالهما - فلا يكفي، ولا يقبل الاعتذار به ظاهرا.

[ 303 ]

المبحث الخامس في أن القوانين الإلهية الموجودة في الكتاب والسنة تختص بالحاضرين، أم هي أعم وقبل الخوض في أصل البحث، لابد من أن نشير إلى ما يليق أن يكون محط الكلام، ومصب النفي والإثبات: وهو أن البحث وإن طال واختلفت أطرافه وتشتتت فيه الآراء والميول، إلا أن ما هو المبحوث عنه في هذه المسألة هو أن الامه الغائبة وقت إلقاء القوانين وحين الخطابات المشتملة على الأحكام، هل هي مشمولة للقوانين الإلهية، وهل هي مشمولة للخطابات الملقاة في الكتاب والسنة (1) ؟ أم هي بدليل من الخارج من إجماع وغيره، مشتركة معهم في الأحكام (2) ؟ أو يفصل بين الغائبين الموجودين والمعدومين، فتكون الطائفة الاولى


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 550 - 551. 2 - المستصفى من علم الاصول 1: 278 - 280، شرح العضدي 1: 245، معالم الدين: 112، قوانين الاصول 1: 229 / السطر 16 - 19، و 233 / السطر 5 - 11. (*)

[ 304 ]

مشمولة لتلك القوانين، دون الثانية (1) ؟ وهنا تفصيل آخر بين القوانين الملقاة على نعت الخطاب، كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * وأمثاله، والقوانين غير المشتملة على أداة الخطاب والنداء (2)، كقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) بل قيل بخروج الأخير عن محل النزاع (4)، وهكذا يظهر من الشيخ الأعظم الأنصاري (5)، وسيظهر ضعفه (6). ولأحد التفصيل بين العمومات والمطلقات، فما كان من قبيل العموم اللفظي كقوله: " على كل أحد في كل اسبوع كذا " فهو لا يشملهم، وما كان من قبيل المطلق كقوله: " على البالغ الرشيد كذا " فيشملهم. وجوه واحتمالات. والذي هو المستفاد من مقايسة القوانين الإلهية الموجودة في الكتاب والسنة إلى القوانين المصوبة العرفية المضبوطة، أن جميع الطبقات مشتركة في شمول القوانين لها، وأن جميع القوانين مستوية النسبة إلى كافة الأنام، سواء كانوا غائبين، أو معدومين، أو غير ملتفتين، وهذا مما تشترك فيه العقول والآراء العقلائية، ويرجع الناس إليها، وتنال الأحكام منها بلا توسط أمر آخر ودليل على حدة وحجة اخرى،


1 - المستصفى من علم الاصول 1: 278 - 279، قوانين الاصول 1: 240، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 412. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 224، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 548 - 549، نهاية الأفكار 2: 532 - 537. 3 - آل عمران (3): 97. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 548، نهاية الأفكار 2: 532، منتهى الاصول 1: 460. 5 - مطارح الأنظار: 203 / السطر 29 - 30. 6 - يأتي في الصفحة 307 - 308. (*)

[ 305 ]

من عقل وغيره. ولأجل ذلك لا أظن التزام أحد من المحققين المعاصرين - بل والفضلاء الأقدمين - باختصاص القوانين بالحاضرين. نعم، في شمولها للنساء من أجل الجهة اللغوية، واختصاص الألفاظ المستعملة فيها بهن تردد، ولأجله تشبثوا بدليل الشركة (1)، ولو كان المستند ذلك يشكل الأمر في كثير من الموضوعات كما لا يخفى. والتحقيق أيضا في المسألة الأخيرة خلافه، واستواء نسبة القوانين إليهم وإليهن، لأن ذلك هو الدأب والعادة الواضحة في القوانين الإسلامية، ولايحتاج إلى قاعدة الاشتراك. وربما يتوسل في بعض الأحيان بإلغاء الخصوصية عرفا، لظهور أن الموضوع المنادى به أو المجعول في القوانين، أعم من الصيغ الخاصة بالمذكرين والرجال. وأما توهم أجنبية هذه المسألة عن البحث المعنون في المقام، فهو في غير محله، لما سيأتي من أن من الوجوه المتمسك بها في المقام لإفادة الاختصاص، هو قصور اللغة وضعا عن شمول المعدومين (2)، فالبحث بناء على هذا أيضا أعم. بل البحث أيضا أعم من ذلك من وجه آخر، وهو أن القوانين هل تشمل غير البالغين أم لا فتكون مختصة بالبالغين ؟ فتحصل لحد الآن: أن نطاق البحث أوسع مما جعلوه محور الكلام (3)، وينبغي أن نبحث عن أن القوانين الموضوعة في الكتاب والسنة، هل تقصر عن


1 - المستصفى من علم الاصول 1: 273. 2 - يأتي في الصفحة 306 - 307. 3 - معالم الدين: 112 / السطر 11 - 12، قوانين الاصول 1: 229 / السطر 16 - 18، كفاية الاصول: 266. (*)

[ 306 ]

شمول طائفة من المكلفين بوجه من الوجوه العقلية أو العرفية أو اللغوية، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: هل هي تقصر عن شمول المعدومين والغائبين، لوجه عقلي أو لغوي، وتقصر عن شمول غير الملتفتين والنساء وغير البالغين، لوجوه عرفية، كالانصراف واللغوية وغيرها، أم لا بل هي غير قاصرة عن شمول جميع الطوائف ؟ وهكذا هل هي تقصر عن شمول العصاة والكفار والعاجزين، أم لا ؟ وعلى هذا يكون نزاعا عاما كثير النفع والثمرة، كما يأتي (1)، ويناسب حينئذ باب العمومات والمطلقات، فاغتنم. وبالجملة: ما هو الحق عدم قصور في الأدلة العامة والقوانين الكلية عن شمول جميع الأصناف والأشخاص، وعن شمول جميع الطبقات الموجودة حين الخطاب والجعل وضرب القانون، وغير الموجودة بالضرورة. شبهات اختصاص الخطابات إذا عرفت ذلك فليعلم: أن هاهنا شبهات بينما هي تختص بطائفة من القوانين، أو طائفة من المكلفين، وماهي يشترك فيها الكل، ولابد من الإشارة إليها، وإلى ما يمكن أن يكون حلا لها. الشبهة الاولى: أن القوانين المشتملة على أداة الخطاب وحروف النداء، لا يمكن أن يشمل الغائبين عن مجلس الخطاب ومحفل المخاطبة، فضلا عن المعدومين، فعليه يختص


1 - يأتي في الصفحة 342 - 345. (*)

[ 307 ]

مفادها بمن يخص به الخطاب، وذلك لأن المخاطبة فرع المخاطب - بالفتح - فإذا كان هو غائبا فكيف يمكن أن يترشح الجد والإرادة إلى توجيه الخطاب إليهم ؟ ! وبعبارة اخرى: الخطاب المستفاد من أدواته وحروف النداء، أو الخطاب المعتبر من الجمل الواقعة في محل المخاطبة، كالجمل المشتملة على الأمر والنهي، أو الرجوع إلى البعث والزجر بحسب الجد، لا يشمل الغائبين والمعدومين، وإذا صاروا موجودين لا يكون الخطاب باقيا، وتصير النتيجة على هذا أيضا اختصاص الحكم بالحاضرين. وإن شئت قلت: هذه الشبهة لا تختص بتلك الطائفة من القوانين الفرعية الإلهية، وذلك لأن جميع القوانين بعث وزجر، فلابد وأن تشتمل على معنى يعتبر منه ذلك، ويكون فيه المنشأ لانتزاع المخاطبة وإن لم تدل عليه ألفاظها بالوضع. مثلا: قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (1) في موقف خطاب الامة بالحج ودعوة الناس إليه وندائهم، ولا يمكن الدعوة إلا بالمخاطبة، ومن هنا يظهر عموم النزاع، فما عن الشيخ (رحمه الله) (2) وتبعه بعض آخر (3)، في غير محله كما اشير إليه فيما سبق (4). أقول: هنا وجوه من الكلام: الوجه الأول: أن المخاطب في هذه المواقف هي العناوين، فلا يكون المعدوم مورد الخطاب، فيكون الموجود بعد عصر الخطاب مشمول القانون، لأن العنوان المأخوذ فيه صادق عليه، ضرورة أن القضية المضروبة قانونا لا تأبى من الصدق


1 - آل عمران (3): 97. 2 - مطارح الأنظار: 203 / السطر 29 - 30. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 548، نهاية الأفكار 2: 532، منتهى الاصول 1: 460. 4 - تقدم في الصفحة 304. (*)

[ 308 ]

عليه، لأنها من قبيل القضايا الحقيقية. ولو قيل: بأن من هو المخاطب هو المعنون، والعنوان بما هو العنوان لا يليق بالخطاب الحقيقي. نعم، يصلح للمخاطبة على نحو ما يستعمله الشعراء والبلغاء في نثرهم وأشعارهم، وهذا غير لائق بالقوانين العرفية، فضلا عن الإلهية الشرعية (1). قلنا: نعم، إلا أن المعنون إما موجود تقديري ذهني، أو ادعائي تنزيلي، وعلى التقديرين تنحل المعضلة. أقول: يتوجه إليه أولا، أن بالتقدير وتنزيل المعدوم منزلة الموجود، لا يمكن تحصيل الإرادة الجدية، ولا يتيسر الحكم الجدي. وثانيا: أن هذه التقادير والفرضيات الادعائية، لا تناسب القوانين الموضوعة في مقام البعث والزجر، فافهم وتدبر. الوجه الثاني: أن الخطابات القرآنية ليست كسائر الخطابات الشفاهية، بل هي في صورة الخطاب، من غير كونها خطابا واقعيا حتى يحتاج إلى المخاطب، ضرورة أن هذه الكلمات المنسوجة الإلهية لا يسمعها الناس والحاضرون في المجلس، ولا المحتفون بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بل ولا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطب، حسبما هو الظاهر من وساطة الأمين (عليه السلام) الوحي الإلهي، فيكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ناقلا وقارئا، بل والأمين (عليه السلام) أيضا حاكيا، وعندئذ تسقط الشبهة من أساسها، ولا يوجد خطاب لفظي وضعي حقيقي، وحينئذ يكون حال الحاضرين وغيرهم بالنسبة إليه واحدة. وبعبارة اخرى: إن حضور المخاطب - بالكسر - والمخاطب - بالفتح - بالنسبة إلى الخطابات القرآنية، غير قابل للإنكار، لما لا يتصور غيبوبة شئ عن


1 - لاحظ نهاية الاصول: 353. (*)

[ 309 ]

محفله تعالى مطلقا، حسبما تحرر وتقرر (1)، ولكن الخطاب متقوم بالاستماع والسماع، وهو منتف بالنسبة إلى الكل، فلا يتصور الخطاب الحقيقي بالنسبة إلى الخطابات القرآنية. أقول: يتوجه إليه أولا: أن محل النزاع أعم من الخطابات الموجودة في الكتاب والسنة كما عرفت (2)، فما أفاده الوالد - مد ظله - أولا (3)، والسيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) ثانيا (4) - على اختلاف تعابيرهم وتقاريرهم - غير نافع لحل المشكلة بنيانا. وثانيا: أن مسألة الوحي وإن كانت من الغوامض الإلهية والمعضلات العلمية العرفانية، ولكن المتفاهم العرفي حين إلقاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان على خلاف ما افيد، وأن الناس يتلقون الوحي خطابا، كما هو كذلك عند الخواص والفضلاء من الامة الإسلامية. وبعبارة اخرى: إن من الممكن خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما سمع من جبرئيل، وتوجيهه إلى الامة. وثالثا: أن ما يعطيه النظر حسبما حررناه في " قواعدنا الحكمية " أن هذه الكلمات المنسوجة على أتم نسج وأحسن وجه تستند إليه تعالى وإليه (صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه يكون من الخطاب الحقيقي (5)، وتفصيله في محله ولأهله الراسخين في بعض العلوم الاخر، فتدبر. الوجه الثالث: أن ما هو التحقيق أن المشكلة المزبورة تختص بطائفة من


1 - كشف المراد: 310، الحكمة المتعالية 6: 174 - 179. 2 - تقدم في الصفحة 307. 3 - مناهج الوصول 2: 288. 4 - نهاية الاصول: 354. 5 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 310 ]

القوانين دون طائفة، مثلا القوانين المشتملة على الأحكام الوضعية كقوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (1) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " البيعان بالخيار " (2) لا تكون مشتملة على الخطاب، ولا يعتبر منها الخطاب - بناء على صحة اعتباره من بعض القوانين المتكفلة للحكم التكليفي - لما ليس فيها أمر وزجر، فما أفاده الاستاذ البروجردي (قدس سره) (3) غير مسموع جدا هذا أولا. وثانيا: أن الخطاب لا يتقوم بالحضور، ضرورة أن من يتمكن من إبلاغ صوته إلى العالم - كما هو اليوم ممكن - يصح له الخطاب بالنسبة إلى الغائبين وإن لم يكونوا حاضرين. فعلى هذا، كما أن الوجود والكيف المسموع من الخطاب يصحح المخاطبة، وكما أن تسجيل نداء الرسول الإسلامي في هذا اليوم وفي هذه الأعصار إذا أمكن، يصحح المخاطبة بالضرورة، فإذا سمعنا نداءه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " يا أيها الناس " تحصل المخاطبة واقعا، لأن الحاضرين لا يسمعون إلا الأمواج، وهي حاصلة لدينا بعد التسجيل، فالمعدومون مثلهم، كذلك الوجود الكتبي الباقي. وبالجملة: الخطاب لا يكون إلا بالوضع وأداته، لا بالصوت التكويني، فإنه في وجه خطاب تكويني، وأداة الخطاب - كأداة البعث والزجر - اعتبار الخطاب بالوضع واللغة، فإذا وصل إلينا القانون الذي لا يقصر عن شمول الغائبين والمعدومين حسب العناوين المأخوذة فيه - كعنوان " الناس " و " الذين آمنوا " - فلا يقصر عن


1 - البقرة (2): 275. 2 - الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1. 3 - نهاية الاصول: 350 - 353. (*)

[ 311 ]

ناحية الخطاب وأداته وحروف النداء، لأنها بمجرد الوصول إلى أيدي المتأخرين يعتبر منها الخطاب والمخاطبة. ولأجل ذلك قيل بوجوب جواب السلام المكتوب في الرسائل (1)، ولأجله تجد من نفسك أن قول الشيخ في أول " الرسائل ": " اعلم " (2) أنه خاطبك بذلك، وكذلك في أول كتاب " صرف مير " (3) فإن المتفاهم من الكل هي المخاطبة. وإن أبيت عن كونها بنحو الحقيقة، ولكن لا شبهة في أنها لا توجب قصورا في شمول القانون، كما هو كذلك في القوانين العرفية، فإنها وإن كانت غير مشتملة على الخطاب حسبما تعارف في الكتاب الإلهي، إلا أنها لو كانت أحيانا مشتملة عليه، لا يوجب بالضرورة قصور القانون واختصاصه بالحاضرين أو الملتفتين، فلاحظ وتدبر جيدا. ومن هنا يظهر: أن ما نحن فيه ليس من قبيل الأخذ بإطلاق المادة مع قصور الهيئة عن شمول العاجزين (4)، فإنه غير تام صناعة، وتصير النتيجة قصور شمول القانون للعاجزين، بخلاف المقام، ولاسيما بعد صدور الأمر من الشرع بالنشر والكتابة. هذا، وأما التمسك بالإطلاق المقامي كما في " المقالات " (5) فهو غير جيد بعد دلالة الخطاب وحروفه وأداة النداء بالوضع على أن المخاطبين مصب القانون ومحط الحكم، فلا تخلط.


1 - الحدائق الناضرة 9: 82. 2 - فرائد الاصول: 2 / السطر 1. 3 - جامع المقدمات: 28. 4 - لاحظ مقالات الاصول 1: 461 - 462. 5 - مقالات الاصول 1: 462. (*)

[ 312 ]

الشبهة الثانية: من المشاكل في هذه المسألة التي تشترك فيها جميع القوانين الموضوعة في الكتاب والسنة، هو أن الأحكام الإلهية - سواء كانت من الأحكام الإنشائية المشروطة بشروط غير حاصلة، أو كانت أحكاما فعلية - لا يمكن أن يكون المعدوم المطلق موضوعها، والقوانين الإلهية الملقاة تقصر عن شمول المعدومين بالضرورة. وما يظهر من صاحب " الكفاية " (قدس سره) من أن الإنشاء خفيف المؤونة، والصيغة موضوعة للطلب الإنشائي (1)، لا ينفع، لأن خفة المؤونة لا توجب موضوعية المعدوم للحكم واتصافه بشئ، أو معروضيته لشئ ولو اعتباريا. هذا مع أن كون الصيغة موضوعة لما قيل، لا ينافي كونها ظاهرة في الجد عند الإطلاق، فعليه يشك في شمول القوانين للمعدومين. وبالجملة: إن زيدا الذي سيوجد في العصر المتأخر إما يكون محكوما بحكم، أم لا يكون، فإن حكم عليه بشئ فهو محال بالضرورة، وإن لم يحكم عليه بشئ فيشترك في الحكم من ناحية الإجماع والعقل والسنة، لا نفس القوانين، وتصير النتيجة على هذا قصور القوانين عن شمول المعدومين. أقول: لأحد أن يقول: بأن هذه الشبهة تختص بالقوانين والعمومات المتكفلة لإسراء الحكم إلى الأفراد، دون المطلقات المتكفلة لإثبات الحكم على الطبيعة، فإن في الفرض الأول إما يسري الحكم حين إلقاء القانون إلى كافة الأفراد الأعم من الموجودة والمعدومة، فيلزم كون المعدوم معروض الحكم، ولو كان المعروض والعارض اعتباريا وتخيليا فإنه يستحيل.


1 - كفاية الاصول: 267. (*)

[ 313 ]

وأما في الفرض الثاني فلا يكون معروض الحكم إلا الطبيعة، ولا يسري منها إلى الأفراد، فإنه خلاف التحقيق في باب الإطلاق، وعندئذ لا يكون شئ في حال العدم محكوما أو معروضا لشئ أصلا، وبعدما يوجد الفرد في العصور المتأخرة فهو محكوم الحكم، لأجل أن الطبيعة المعروضة تنطبق عليه قهرا، ولايكون المقنن إلا في مقام بعث طبيعي المؤمن أو طبيعي الإنسان إلى المادة المطلوبة، أو لا يكون إلا في موقف جعل الحكم الأعم من الوضعي والتكليفي على طبيعي البائع والمبيع، وكأن الحكم يصير من اللوازم لها المتحقق بتحققها، فلا يلزم اتصاف شئ حال العدم بشئ. والذي هو التحقيق: أن القوانين بجملتها لا تأبى عن شمول المعدومين، ولا تقصر عن إسراء الحكم إليهم، إلا أن المقصود إن كان إسراء الحكم إليهم حال العدم فهو محال، وليس مورد النظر ولا المطلوب في المقام. وإن كان المنظور إسراء الحكم إليهم في ظرف وجودهم، فلا غبار على عدم قصورها، ضرورة أن العناوين المأخوذة في القوانين، بين ما هي من أشباه القضايا الخارجية التي لا تنطبق إلا على الموجودين في حال الخطاب والإلقاء، وبين ماهي كالقضايا الحقيقية: فما كان من قبيل الأول فلا يمكن أن يشمل غيره، كقولك: " قتل من في العسكر " فإنه يأبى عن كونه إخبارا عن قتل غيرهم إذا كان المراد من " العسكر " عسكرا شخصيا. وهكذا إذا كان عسكرا كليا، فإنه وإن خرج من الخارجية وصار حقيقية، إلا أنه حقيقية في مصب خاص، كما هو الواضح. وأما ما كان من القضايا الحقيقية فلا يأبى عن الشمول، وذلك لأن قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * ولو كان عاما مسريا إلى الأفراد، إلا أن المعدوم

[ 314 ]

حال العدم ليس فردا، فليس محكوما بحكم، وإذا وجد بعد ذلك وصدق عليه " أنه من الناس " يجد أنه محكوم بحكم العام المزبور، لأن العنوان المأخوذ فيه كالعنوان المأخوذ في القضايا الحقيقية المنطقية، كقولنا: " كل نار حارة، وكل إنسان ممكن " فإن العام يسري الحكم إلى الأفراد الموجودة، من غير كونه مقصورا على الموجودين حين الإخبار، فإذا وجدت بعد ذلك نار فهي أيضا محكومة بحكم الحار، وتكون إخبارا عنه، ولو وجدت نار ولم تكن حارة يلزم كذب القضية بالضرورة. ففي حال العدم لا موضوع ولا محمول، وأما في حال الوجود فيتحقق الموضوع، ويترتب عليه المحمول قهرا. إن قلت: إذا قيل " كل نار حارة " أو " كل عالم يجب إكرامه " فهو ينحل إلى أن كل فرد من أفراد النار، وكل فرد من أفراد العلماء، حار وواجب الإكرام، والفرد لا يكون فردا إلا بالوجود، فيلزم كون الفرد الموجود مورد الحكم، وعندئذ لا يشمل الموجود المتأخر (1). قلت أولا: لا يلزم ذلك، لأن القيد المزبور - ولو كان مأخوذا في القانون الإخباري أو الإنشائي - لا يوجب انقلاب الحقيقية خارجية، لأن الموجود في العصور المتأخرة أيضا فرد موجود، والموضوع لا يزيد عليه. وثانيا: كون الانحلال موجبا لكون الفرد بلوازمه وخصوصياته محط الحكم ممنوع، ولذلك لو قلنا: بأن الأعراض والمقولات من المشخصات - خلافا للتحقيق، ضرورة أنها أمارات التشخص (2) - لا يلزم أيضا فساد. ولو قلت: إن قولك " كل عالم يجب إكرامه " ينحل إلى أن كل فرد من العلماء


1 - مناهج الوصول 2: 285 - 286. 2 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 106. (*)

[ 315 ]

كذلك، والفرد ليس فردا إلا بالمقولات، ومنها مقولة " متى " فيكون الموضوع مقيدا بالموجود في الحال، فتنقلب القضية الحقيقية خارجية بالضرورة. قلنا: إن ما هو الموضوع هو الفرد، لا بما هو مقرون بكذا وكذا. هذا مع أن مقولة " متى " أيضا لها العرض العريض، فلا تنقلب إلا برجوع الموضوع المفروض إلى المقيد بالقيد الخاص، وهو قوله: " في الحال " أي يجب إكرام كل عالم في الحال، وفي هذا الزمان وأمثاله. ومن هنا يظهر: أن المشكلة تنحل بما ذكرناه، سواء كانت القضية الحقيقية من القضايا البتية، كما هو ظاهر المنطقيين، أو قلنا: بأنها من القضايا المأولة إلى الشرطية والقضيتين الناقصتين، أو إلى القضية الاستثنائية مثلا، كما صرح به صاحب " الحكمة المتعالية " في كتابه الكبير (1)، فإطالة الكلام هنا حول هذه المسألة من الذهول عن مغزى المرام. نعم، ما يقال: " من أن الحكم في القضايا الحقيقية على الأفراد الأعم من المحقق والمقدر وجودها " (2) فهو بمعزل عن التحقيق، وتفصيله في محله، ولازم ذلك كون الأفراد المقدرة محكومة بالحكم، مع أن المقدرة لا وجود لها إلا على تقدير في الذهن، وما هو محكوم في الذهن وإن كان فردا ذهنيا، إلا أن المراد في القوانين الإخبارية والإنشائية هي الأفراد الخارجية، وإلا يلزم كذب القضية، ضرورة أن الفرد من النار الذهني لا يكون حارا، وذلك لضعف وجود النار، لا لعدم صدق الطبيعة، فافهم ولا تكن من الخالطين.


1 - الحكمة المتعالية 1: 270 / السطر 7 - 9. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 550 - 551، لاحظ مناهج الوصول 2: 285 - 287. (*)

[ 316 ]

الشبهة الثالثة: أن الألفاظ المستعملة في القوانين ليست إلا موضوعة للمعاني وللطبائع، ولا شبهة في أن تلك المعاني تقصر عن الصدق على المعدومين. أو يقال: إن القوانين تشتمل على المعاني الحرفية طرا، والمعاني الحرفية جزئية خارجية وشخصية، فيوجب ذلك اختصاص الحكم بالموجودين (1). وفيه أولا: أنه لا يلزم منه كون الموضوع موجودا في الحال، فلاتنقلب القضية الكلية الحقيقية إلى الكلية الخارجية. وثانيا: قد تحرر منا، أن الألفاظ موضوعة للطبائع والمعاني الكلية (2)، ولايكون المقصود في القانون، إسراء الحكم إلى أفرادها حال العدم، بل المقصود - حتى فيما إذا صرح في القانون: بأن إكرام العلماء واجب، سواء كانوا موجودين، أو معدومين - هو إسراء الحكم إلى الموجودين في ظرف الوجود المعدومين حال ضرب القانون. وثالثا: قد سلف وسبق، أن المعاني الحرفية هي الجزئية الخارجية، وتكون أداتها موضوعة بالوضع العام والموضوع له الخاص، وأيضا هي ذهنية كلية في وجه (3)، وتكون الأداة في هذه النشأة موضوعة بالوضع العام والموضوع له العام من غير لزوم إشكال، وبذلك يمكن الجمع بين المقالتين، ويدفع إشكالات المسألة.


1 - مطارح الأنظار: 205 / السطر 2 - 5. 2 - تقدم في الجزء الأول: 98 - 99. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 452. (*)

[ 317 ]

الشبهة الرابعة: أن القوانين تقصر عن شمول غير الملتفتين، بل والجهال وغير القادرين والكافرين، بل والعصاة، ضرورة امتناع توجيه الخطاب إليهم، واستحالة البعث والزجر الجدي بالنسبة إليهم، بعدما يعلم المقنن من عدم انبعاثهم نحو المطلوب، إما لأجل عدم التفاتهم وعدم تمكنهم، أو لأجل عدم مبالاتهم، فإن هذه الامور كلها مشتركة في لزوم قصر القوانين والخطابات على غيرهم (1). أقول: قد تحرر تفصيل هذه المسألة منا في مقدمات بحوث الترتب في مبحث الضد، وذكرنا أن قضية كون الخطابات والقوانين كلية وعامة، هو شمولها لجميع الأصناف والطبقات وكافة الناس في كل الأحوال، وأنها بالنسبة إلى الكل على السواء، ولا قصور فيها، وإنما الجهل والعجز وعدم الالتفات يعد عذرا أحيانا، دون الكفر والعصيان، والأحكام بالنسبة إلى الكل - حسب القانون البدوي - فعلية، وإن أمكن تقييدها أو ما يرجع إليه بالنتيجة، حتى لا يكون الجاهل مكلفا رأسا في بعض أقسام الجهل، وهكذا العاجز والساهي (2). وقد مر منا هناك تبعات هذه المائدة (3) التي أبدعها وأتى بها السيد المحقق الجامع لكافة العلوم الإسلامية - مد ظله العالي - بما لا مزيد عليه (4).


1 - المستصفى من علم الاصول 1: 276، قوانين الاصول 1: 229 / السطر 24. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 442 و 446 - 449. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 449. 4 - مناهج الوصول 2: 25 - 27، تهذيب الاصول 2: 280 - 283. (*)

[ 318 ]

تذنيب في تكليف الكفار بالفروع وعدمه في خصوص تكليف الكفار بالفروع خلاف انسحب ذيله إلى التمسك بالأدلة النقلية كتابا وسنة، بعد ظهور الخلاف بين العامة والخاصة، فمن العامة ذهب أبو حنيفة إلى عدم تكليفهم بها (1)، ومن الخاصة ذهب الكاشاني (2)، وأصرعليه صاحب " الحدائق " (قدس سرهما) (3) ويظهر من السبزواري أن تحقيق هذا المقام من المشكلات (4). الوجوه التي يمكن التمسك بها في المقام وحيث يناسب البحث في المقام، فلا بأس بالإشارة الإجمالية إلى وجوه الكلام: الوجه الأول: أن الخطابات والقوانين الموضوعة في الكتاب مختلفة: الطائفة الاولى: يستظهر منها اختصاص الحكم بالمؤمنين، كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) * (5).


1 - المغني، لابن قدامة 1: 205 - 207، شرح البدخشي 1: 207، الدرر النجفية: 93. 2 - الوافي 2: 82، بيان، تفسير الصافي 4: 353. 3 - الدرر النجفية: 93 - 95، الحدائق الناضرة 3: 39 - 44. 4 - ذخيرة المعاد: 167 / السطر 15 - 16. 5 - المائدة (5): 1. (*)

[ 319 ]

وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) * (1). * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) * (2). * (أنفقوا من طيبات ما كسبتم) * (3). * (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى) * (4). * (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) * (5). * (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) * (6). * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) * (7). * (استعينوا بالصبر والصلوة) * (8). * (اتقوا الله حق تقاته) * (9). * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (10). * (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) * (11). * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (12).


1 - البقرة (2): 183. 2 - البقرة (2): 254. 3 - البقرة (2): 267. 4 - البقرة (2): 264. 5 - البقرة (2): 278. 6 - البقرة (2): 282. 7 - البقرة (2): 178. 8 - البقرة (2): 153. 9 - آل عمران (3): 102. 10 - آل عمران (3): 130. 11 - النساء (4): 19. 12 - النساء (4): 29. (*)

[ 320 ]

* (لاتحلوا شعائر الله) * (1). * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) * (2). * (إنما الخمر والميسر والانصاب) * (3). * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) * (4). * (ليبلونكم الله بشئ من الصيد) * (5). * (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) * (6). إلى غير ذلك من الآيات المتكفلة للأحكام الكلية والجزئية، المصدرة بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * (7) الموجب لاختصاص الخطاب والقانون بالمؤمنين، حسب النظر البدوي والرأي الأولي. ومن هذا القبيل في وجه قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس) * (8). و * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * (9). وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) * (10).


1 - المائدة (5): 2. 2 - المائدة (5): 6. 3 - المائدة (5): 90. 4 - المائدة (5): 95. 5 - المائدة (5): 94. 6 - المائدة (5): 106. 7 - النساء (4): 59، ووردت في القرآن 89 موردا. 8 - التحريم (66): 6. 9 - التحريم (66): 8. 10 - النساء (4): 136. (*)

[ 321 ]

الطائفة الثانية: ما تدل على الأعم، كقوله تعالى: * (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) * (1). * (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا) * (2). وقوله تعالى: * (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) * (3). * (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) * (4). * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) * (5). * (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) * (6). وقوله تعالى: * (يا أيها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا) * (7). * (الذي انزل فيه القرآن هدى للناس) * (8). * (يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) * (9). * (قل هي مواقيت للناس والحج) * (10). * (من حيث أفاض الناس) * (11).


1 - العنكبوت (29): 8. 2 - الأحقاف (46): 15. 3 - الأعراف (7): 31. 4 - يس (36): 6. 5 - البقرة (2): 21. 6 - البقرة (2): 125. 7 - البقرة (2): 168. 8 - البقرة (2): 185. 9 - البقرة (2): 187. 10 - البقرة (2): 189. 11 - البقرة (2): 199. (*)

[ 322 ]

* (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (1). * (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) * (2). وقوله تعالى: * (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) * (3). وغير ذلك مما يطلع عليه المتتبع. قال النراقي في " العوائد " بعد نقل جملة منها ومن الأخبار المصرحة بأن الله فرض على العباد كذا وكذا: " يسري الحكم إلى جميع الأحكام بالإجماع المركب القطعي، أو ينقح المناط كذلك " (4) انتهى. وأنت خبير: بأن قضية أكثرية الطائفة الاولى أولا، وقضية كون عنوان الطائفة الثانية أعم، هو العكس. هذا مع أن المقيد هو الإجماع على عدم القول بالفصل، ولا يكفي عدم القول بالفصل بالإجماع المركب، ولا سبيل إلى التنقيح في المقام. وأضعف من ذلك ما في " الحدائق ": من حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد (5). وأنت خبير: بأن ذلك في غير المقام، كما لا يخفى. وأما دعوى: أن الطائفة الاولى مخصوصة بالمؤمنين في العصر الأول، لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * (6) (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأمثاله، فهي غير مسموعة، لعدم سراية القرينة إلى تلك الآيات العامة الكلية.


1 - آل عمران (3): 97. 2 - النساء (4): 1. 3 - المطففين (83): 2. 4 - عوائد الأيام: 288. 5 - الحدائق الناضرة 3: 42 - 43. 6 - الحجرات (49): 2. (*)

[ 323 ]

وأما دعوى: أن الطائفة الاولى أعم، وإنما جئ بالأخص تشريفا للمؤمنين، كما جئ بالمذكر تشريفا للرجال (1). ويؤيد ذلك قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) * (2) وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله) * (3) وهكذا قوله: * (قوا أنفسكم) * (4) مما مرت آياته، فإن جميع ذلك يشهد على الأعمية. فهي أيضا غير نقية، وذلك لأن من المحتمل إرادة الإيمان الخاص في الآية الاولى، أو الإيمان المقرون بالعمل، ومجرد كونه على الفرض للتشريف، لا يكفي لحمل تلك الطائفة بكثرتها عليه. وأما الآية الثانية فربما يختص ذلك بهم، لما أن غيرهم لا يستتابون، وهكذا الثالثة. وبالجملة: بعد دلالة القضية بمداليلها الوضعية على الأخص، لا سبيل إلى حملها على الأعم. وربما يقال: إن قوله تعالى: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * دليل الأعمية، فيكون قرينة على أعمية الطائفة الاولى (5). وفيه: أن الهيئة في هذه الآية ليست نفسية، بل هي إرشادية، ضرورة أن ما هو الواجب شرعا هي عناوين " الصلاة، والصوم، والاعتكاف " وغير ذلك من العباديات، دون عنوان " العبادة " بذاتها، وحيث إن موضوع العناوين المزبورة هو * (الذين آمنوا) * دون عنوان * (الناس) * يكون الأخص محفوظا بحاله، فلا تدل


1 - عوائد الأيام: 291. 2 - النساء (4): 136. 3 - التحريم (66): 8. 4 - التحريم (66): 6. 5 - لاحظ الحدائق الناضرة 3: 43، الدرر النجفية: 95. (*)

[ 324 ]

الآية على أن الكفار مكلفون شرعا بالعبادة بما هي هي. فتحصل لحد الآن: أن الطائفة الاولى أولى بالقرينة على الثانية من العكس. ولأحد أن يدعي: أن الطائفة الاولى تختص بالمؤمنين وأهل الولاية، لظهور الإيمان في ذلك، أو لأنه فسر في أخبارنا بذلك، أو لأن أهل الخلاف من الكافرين، كما عليه بعض أصحابنا (1)، فلايكلفون بالفروع أيضا، والله العالم. ثم إن مفاد الطائفة الاولى لا يورث عدم كون الكفار مكلفين بالفروع بالضرورة، فلو دل الدليل على أن القرآن هدى للناس، كما مر في آيات الطائفة الثانية، أو دل على أن الله تعالى يبين آياته للناس، كما فيها أيضا، فقضية إطلاقهما - بل عموم الثانية - اشتراك الناس في جميع أنحاء الهدايات، واشتراكهم في الآيات المبينة، فليتأمل جيدا. الوجه الثاني: ما اشير إليه أخيرا، وهو أن قضية جملة من الآيات الشريفة أن الكتاب العزيز والقرآن كتاب الهداية، وأنه يهدي الناس من غير كونه متقيدا بطائفة، أو بجملة من الهدايات، بل لها إطلاق من الوجوه المحتملة. ومنها: قوله تعالى: * (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) * (2) وهذه الآية بعد قوله تعالى: * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) * (3). وتوهم اختصاصها بالهداية إلى الاصول دون الفروع، غير موجه.


1 - الحدائق الناضرة 3: 43، و 5: 175، و 18: 148، الدرر النجفية: 95. 2 - الإنسان (76): 3. 3 - الإنسان (76): 1. (*)

[ 325 ]

ومنها: الطائفة الكثيرة من الآيات المشتملة على أمثال قوله تعالى: * (ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون) * (1). والتوهم المزبور يندفع بقوله تعالى: * (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) * (2) فيعلم منه أن الهداية أعم، وأن موضوعها أيضا أعم، ولا تختص بالاصول ولا بالفروع بالنسبة إلى المؤمنين. وتوهم: أن هذه الطائفة من الآيات نظير الطائفة الاخرى المشتملة على أمثال قوله تعالى: * (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) * (3) لا تكون في مقام الترغيب وبعث الناس إلى الهداية، في غاية الوهن، بعد كون الكتاب كتاب الهداية والإرشاد * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) * (4). * (فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به) * (5) أي صدقنا، وهذا ليس هو الإيمان بالاصول كما ترى. ويشبه ذلك الوجه قوله تعالى: * (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) * (6). وبالجملة تحصل: أن قصور الآيات في الطائفة الاولى المذكورة في الوجه الأول (7) عن سريان حكمها إلى مطلق الناس، لا يلازم كون القرآن دليلا من وجه


1 - الأعراف (7): 178. 2 - التغابن (64): 11. 3 - البقرة (2): 213. 4 - الإسراء (17): 9. 5 - الجن (72): 2. 6 - الإسراء (17): 15. 7 - تقدم في الصفحة 318 - 320. (*)

[ 326 ]

آخر على اشتراك الناس في مطلق الأحكام، فالهدايات والإرشادات القرآنية أعم من الاهتداء الاعتقادي والعملي، فيكون الكفار مكلفين طبعا. إن قلت: لا معنى لكون الفرع إرشادا بعد توقفه على الأصل وجودا وصحة. قلت أولا: ليس مطلق الفروع متوقفة على الاصول، فإن المحرمات - إلا العبادية منها كما في الحج - غير مرهونة بها، وهكذا التوصليات من الواجبات. وثانيا: لا يوجب التوقف قصورا في ذلك، كما يكون المؤمن مكلفا بذي المقدمة والمقدمة، وبالمشروط والشرط وهكذا، فدعوى قصور هذه الآيات عن إفادة شركة الكفار مع المؤمنين في الحكم والتكاليف الإلهية، غير جيدة، فتدبر جدا، وتأمل تعرف. الوجه الثالث: لا شبهة في أن الكفار مكلفون بالإسلام والإيمان، وإذا كان الإسلام هو الاعتقاد بالشهادتين وإظهارهما، ومن ذلك الاعتقاد بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجب على الكافر الاعتقاد المزبور، وهل يمكن بعد ذلك دعوى: أنه يجب عليه الاعتقاد بأن المؤمن مكلف بما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون من لم يسلم ولم يؤمن بعد ؟ ! فإنه ضروري البطلان، فيعلم منه: أن المراد هو الاعتقاد بأن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأحكام، عام مشترك فيه الناس، فتأمل فإنه كما ترى. وقال في " العوائد ": " إن في الأخبار (1) دلالة على أن الإسلام والإيمان ليسا محض التصديق، بل العمل جزء منهما أيضا، فيكونون مكلفين " (2) انتهى.


1 - الكافي 2: 24 / 4 و 33 / 2، وسائل الشيعة 1: 18 و 34، أبواب مقدمة العبادات، الباب 1، الحديث 13، والباب 2، الحديث 13. 2 - عوائد الأيام: 283. (*)

[ 327 ]

وأنت خبير: بأنه لما لا يمكن الالتزام به. الوجه الرابع: أن قضية قوله تعالى: * (وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم كافرون) * (1). وقوله تعالى: * (لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتنا اليقين) * (2). وقوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى) * (3) اشتراكهم معهم في العباديات. أو يقال: إن هذه الآيات تشهد على أن العناوين المخصوصة كنائية تشريفية. أقول: يتوجه إلى الآية الاولى ما رواه الثقة الجليل في تفسيرها قال: أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي جميل، عن أبان ابن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " يا أبان، أترى أن الله عزوجل طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول: * (وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم كافرون) * ؟ ! ". قلت: كيف ذلك جعلت فداك ؟ فسره لي. فقال: " ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول وهم بالأئمة الآخرين كافرون، يا أبان، إنما دعا الله العباد إلى الإيمان به، فإذا آمنوا بالله وبرسوله افترض عليهم الفرائض " (4).


1 - فصلت (41): 6 - 7. 2 - المدثر (74): 43 - 47. 3 - القيامة (75): 31 - 33. 4 - تفسير القمي 2: 262. (*)

[ 328 ]

ولولا ضعف السند بأبي جميل المهمل كان الأمر متعينا عندنا، وإن كان لإعراض المشهور عنه أيضا وجه في ذلك. مع أن حجية الخبر الواحد في هذه المسألة محل خلاف. ودعوى اعتبار مشايخ علي بن إبراهيم في " تفسيره " لما قال ما قال في ابتداء الكتاب (1) غير واضحة، وغير كافية. هذا مع أن ذهاب أبي حنيفة إلى هذه المقالة (2) ربما يؤيد الدواعي على نشر الأكاذيب، ويحثهم على الدس في أخبار أهل البيت (عليهم السلام). وأما المناقشة في تواتر " تفسير علي بن إبراهيم " وأن هذه الرواية ربما زيدت عليه، فهي لو كانت مسموعة لانسد باب التمسك بكثير من الأخبار. ومما ذكرناه يظهر: أن احتمال النراقي كون الرواية في حكم التأويل غير المنافي لحجية الظاهر (3)، غير وجيه، لأن ذيلها صريح في المقصود. وأما دعوى: أن الآية تقصر عن إثبات عموم المدعى، فهي مسموعة، كما مر الإيماء إليه، ولا إجماع على عدم القول بالفصل. وإلى الآية الثالثة أيضا ما في " تفسيره " (قدس سره) الحاكي لسبب نزولها، الموجب لكون موردها المسلم معاوية غير المصدق بولاية علي (عليه السلام) (4) ولكن الشأن عدم تمامية ذلك على وجه يكون حجة شرعية مع ما فيه من قصور يشهده المراجع. هذا مع أن مقتضى ما حكاه هو كفر معاوية، لما فيه: " أنه اتكأ على المغيرة


1 - تفسير القمي 1: 4. 2 - تقدم في الصفحة 318، الهامش 1. 3 - عوائد الأيام: 292. 4 - تفسير القمي 2: 397. (*)

[ 329 ]

بن شعبة وأبي موسى الأشعري، ثم أقبل يتمطى نحو أهله ويقول: ما نقر لعلي بالولاية أبدا، ولا نصدق محمدا مقالته " انتهى. فإنه يورث كفره وارتداده ولو كان هو مأخوذا بقوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى) * يلزم كونه مكلفا بعد الارتداد والكفر بالصلاة، فتأمل. وأما ما في " تفسيره " ذيل الآية الثانية من قوله: " * (لم نك من المصلين) * أي لم نك من أتباع الأئمة " * (ولم نك نطعم المسكين) * قال: " حقوق آل محمد (عليهم السلام)... " إلى آخره، فهو غير مسند إلى أهل البيت (عليهم السلام) فربما كان هو من القائلين بعدم تكليف الكفار بالفروع، فرأى في الآيات ما رامه، والله العالم. ثم إن الإشكالات كثيرة حول الآيات، من كون المراد من * (الزكوة) * هي زكاة الأبدان بتزكيتها، وغير ذلك من الاختلاف المحكي في " التبيان " عن المفسرين (1)، ومن أن * (الصلوة) * هي الدعاء، إلا أن كلها لا توجب إجمالها. ومن قبيل هذه الآيات قوله تعالى: * (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (2). ومنه قوله تعالى: * (أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) * (3). ومنه قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) * (4).


1 - التبيان في تفسير القرآن 9: 107. 2 - الأعراف (7): 35. 3 - الأعراف (7): 35. 4 - التوبة (9): 34. (*)

[ 330 ]

ومنه قوله تعالى: * (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون) * (1). ومنه قوله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقكم) * (2). ومنه قوله تعالى في سورة الحاقة: * (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين) * (3). ومنه قوله تعالى: * (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) * (4). ومنه قوله تعالى: * (وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي) * (5). الوجه الخامس: الأخبار الكثيرة المنتشرة التي موضوعها " من " الموصولة (6)، أو يكون المسؤول عنه عنوان " الرجل " (7) وغير ذلك من المطلقات. وأنت خبير: بأنها ليست في مقام بيان حدود الموضوع، بل هي في مقام بيان


1 - يونس (10): 23. 2 - الحجرات (49): 13. 3 - الحاقة (69): 33 - 34. 4 - البقرة (2): 186. 5 - المائدة (5): 13. 6 - الكافي 3: 352 / 5 و 353 / 9، وسائل الشيعة 8: 216 - 217، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 2 و 4. 7 - الكافي 3: 452 / 6 - 7، وسائل الشيعة 4: 241، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 39، الحديث 6 و 7. (*)

[ 331 ]

أمر آخر نوعا. هذا مع أنه لو كان ما في الأخبار موضوعه الأعم من موضوع الكتاب، يؤخذ بما هو الموضوع في الكتاب، لما تقرر في المثبتين مع تقدم زمان الخاص من تقديمه على العام (1)، وتفصيله في التعادل والترجيح، فلو كان في الكتاب * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا...) * (2) إلى آخره، وكان في الأخبار " من كان كذا فعليه كذا " فلا يؤخذ إلا بما في الكتاب، لجهات عديدة كما لا يخفى، فلا تخلط. نعم، دعوى إجمال الآية الاولى، لكونها في أقدم السور المكية وهي سورة فصلت، فتكون الزكاة غير معلومة المراد، غير بعيدة في ذاتها، إلا أن الانصراف عما هو الحجة حسب الاصول العقلائية لأجل هذه الدعاوي، غير جائز. أو دعوى: أنها راجعة إلى المشركين من المسلمين (3)، كما مر الإيماء إليه (4)، وذلك لأجل أن الزكاة مما لا تجزئ إذا أداها المستبصر قبل استبصاره، وهذا دليل على أن هذه الآية ناظرة إليهم، ولكنها أيضا غير مبرهنة. الوجه السادس: قضية قاعدة الجب وأن " الإسلام يجب ما قبله " (5) عموم القوانين الفرعية. وأما المناقشة في أصل صدورها، وحدود دلالتها، فهي موكولة إلى محلها (6). ولكن


1 - كفاية الاصول: 276 - 277. 2 - المائدة (5): 6. 3 - الحدائق الناضرة: 43، الدرر النجفية: 94 - 95. 4 - تقدم في الصفحة 327. 5 - عوالي اللآلي 2: 54 / 145 و 224 / 38. 6 - لاحظ القواعد الفقهية، البجنوردي 1: 36 - 46. (*)

[ 332 ]

الذي يذعن به الخصم أنها قاعدة إسلامية، وتكون ناظرة إلى جب ما سلف حال الكفر، وقد يتمسك بها لنفي وجوب القضاء الذي هو فرع وجوب الأداء والأصل (1). ودعوى اختصاصها بالإسلام في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد ظهوره، لا الإسلام بالإضافة إلى أشخاص الكفار إذا أسلموا في عهدنا، غير صحيحة. نعم، ربما يناقش في دلالة ما نسب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن " الإسلام يجب ما قبله " و " التوبة تجب ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب " (2): بأن " الجب " في العبارتين بمعنى واحد، وهو هدم الكفر. ولكن مع النظر إلى الموارد الاخر - ولاسيما ما ورد في قصة رجل طلق زوجته في الشرك تطليقة، وفي الإسلام تطليقتين، عن علي (عليه السلام) أنه قال: " هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة " (3) انتهى ما عن ابن شهر آشوب في " مناقبه " - يثبت المدعى في المقام. إلا أن الشأن ثبوت القاعدة صدورا، فليتدبر جيدا. الوجه السابع: الأخبار الدالة على توقف التكليف على الإقرار والتصديق بالشهادتين. ومنها: ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم، واجبة على جميع الخلق ؟ فقال: " إن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس أجمعين رسولا وحجة لله على خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه، فإن معرفة الإمام منا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف


1 - شرح البدخشي 1: 211. 2 - تفسير القمي: 388، بحار الأنوار 21: 114 - 115. 3 - المناقب 2: 364. (*)

[ 333 ]

حقهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما ؟ !... " (1). ومنها: ما رواه الطبرسي في كتاب " الاحتجاج " عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلا بآيتين من القرآن قد اشتبهتا عليه، حيث قال (عليه السلام): " فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية والربوبية، وشهادة أن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة والشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الحج " (2). أقول: أما الخبر الأخير فمضافا إلى عدم حجيته، يكون معارضا مع الأول، ضرورة أن قضية الخبر الأول وجوب الأصلين عرضا، ومقتضى هذا وجوبهما طولا، وتكون نسبة وجوب الرسالة إلى التوحيد، كنسبة وجوب المعرفة إلى التوحيد والرسالة. هذا مع أن الظاهر من الخبر ذيلا وصدرا: أنه في مقام بيان تأريخ كيفية الدعوة ووقوعها، فدعى الناس أولا إلى التوحيد بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " (3) ثم دعوا إلى الرسالة، ثم إلى الصلاة، وتكون الدعوة إلى معرفة الإمام حينئذ متأخرة، وهذا أيضا خلاف الحق، فتدبر. وأما الخبر الأول، فهو وإن قال الفيض (رحمه الله) بعدما حكاه: " وفي هذه الحديث دلالة على أن الكفار ليسوا مكلفين بشرائع الإسلام، كما هو الحق، خلافا لما اشتهر (4) بين متأخري الأصحاب " (5) انتهى، إلا أن في استشهاده إيماء إلى ضعف


1 - الكافي 1: 180 / 3، الوافي 2: 82 / 524. 2 - الاحتجاج 1: 601. 3 - المناقب 1: 56، بحار الأنوار 18: 202. 4 - منتهى المطلب 1: 82 / السطر 17، جامع المقاصد 1: 270، مدارك الأحكام 1: 276. 5 - الوافي 2: 82. (*)

[ 334 ]

دلالته، وذلك لامور: أحدها: أن التعجب الظاهر منه يجري بالنسبة إلى وجوب الإيمان بالرسول ومعرفة الرسالة، مع كونه من الملحدين والزنادقة، ولو صح ذلك هناك صح هنا، فيكون الحديث من هذه الجهة محل المناقشة، فتأمل. وهكذا فإن الظاهر من الاتباع هي التبعية العملية، لأن الاتباع الاعتقادي لا يعد من الاتباع. اللهم إلا أن يقال: بأن كلمة " صدقه " بعده تؤيد ذلك. ثانيها: أنها مورد الإعراض. اللهم إلا أن يقال بعدم موهنية كل إعراض، ضرورة اشتراط ذلك بكون الحديث واضح الدلالة، وبمرأى ومسمع من المعرضين، وإلا فمع احتمال تخلل الاجتهاد، وعدم فهمها لسوء الفهم وقصورهم، لا وجه لطرحها، والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، كما هو الواضح. ثالثها: أن حجية آحاد الخبر في هذه المسألة محل المناقشة، بل منعها جمع (1). إلا أن ذلك عندي غير تام. رابعها: ما قاله المجلسي (رحمه الله) في توضيح قوله (عليه السلام): " فكيف تجب عليه معرفة الإمام... ؟ ! " الحديث " أي على الانفراد، بل يجب عليه أن يؤمن بالله ورسوله أولا ثم بالإمام، والفرض أن معرفتهما أوجب عليه، بل لاسبيل له إلى معرفته إلا بمعرفتهما، فلا ينافي أن يعاقب بتركها أيضا إذا ترك الجميع " (2) انتهى. وفيه: أن ذلك مضافا إلى خلاف ظاهرها، غير مرضي عند القائلين بأن الكفار مكلفون بالفروع، ضرورة أن المقصود هو كونهم مكلفين بالصلاة، كتكليف المسلم المتوضئ بلا فرق بينهما، وكتكليف المسلم المحدث، فتجب الصلاة عليهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا، وسواء أقروا بالولاية أم لم يقروا وهكذا، وسواء تطهروا أم


1 - الدرر النجفية: 27 / السطر 5 - 7، عوائد الأيام: 292، فرائد الاصول: 1: 114 - 115. 2 - مرآة العقول 2: 302. (*)

[ 335 ]

لم يتطهروا. خامسها: أن وجوب معرفة الإمام ليس وجوبا شرعيا نفسيا، بل هو إما من قبيل وجوب المقدمة، أو من قبيل الواجبات العقلية، كوجوب معرفة الله والرسول. ولو أمكن الوجوب الثاني وتم الالتزام به، لا يثبت أن الرواية متعرضة له، لاحتمال كون الوجوب الأول مورد الخبر. مع أن الوجوب الثاني ليس مطلقا، فتدبر وتأمل. وربما يؤيد أن النظر في الخبر إلى الوجوب العقلي قوله (عليه السلام): " وهو لا يؤمن بالله ورسوله ؟ ! " مكررا، فإنه لا معنى لإيجاب العقل ذلك في تلك الحالة على الإطلاق. ومنها: ما في ذيل خبر عبد الحميد بن أبي العلاء قال: دخلت المسجد فرأيت مولى لأبي عبد الله (عليه السلام) فإذا أنا بأبي عبد الله (عليه السلام). إلى أن قال قال: " يا أبا محمد، إن الله افترض على امة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وولايتنا... " (1). وأنت خبير بما فيه، فمضافا إلى عدم تمامية السند، ولاسيما في المقام، أن الحج لما فرضه الله حسب الكتاب على الناس، فيعلم منه أن الإمام (عليه السلام) ليس في موقف التحديد بحسب الموضوع، بل كما لايحدد من ناحية الخمس، كذلك لايحدد من ناحية الموضوع. تذنيب: في تتميم الاستدلال على تكليف الكفار إن من راجع مختلف الآثار وشتى الأخبار، ربما يجد في خلالها ما يدل على المسألة نفيا وإثباتا، إلا أن الآيات السابقة، وقوله تعالى: * (فوربك لنسألنهم أجمعين


1 - الكافي 8: 270 / 399، وسائل الشيعة 1: 16، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 1، الحديث 6. (*)

[ 336 ]

عما كانوا يعملون) * وما ورد من تقبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خيبر، وأنه جعل عليهم في حصصهم - سوى قبالة الأرض - العشر ونصف العشر (1)، وبعض الوجوه الاعتبارية والعقلية والارتكازية، كلها معا تدل على عموم المدعى، مع ذهاب الأكثر بل القريب من الاتفاق إلى ذلك (2)، خلافا لما عرفت من الفيض (رحمه الله) حيث نسب المسألة إلى الشهرة بين المتأخرين (3). ولو أمكن المناقشة في قصة خيبر باستثناء الكافر الذي في مثل الزكاة، وفي الآية بجهة اخرى فراجع، لا يمكن المناقشة في الوجوه الارتكازية. إن قلت: لا يعقل التكليف في حقهم، لأن تبعات الكفر تحتوي على تبعات المعاصي والآثام، ولعل ذلك - حسبما في نظري - ورد في بعض الآثار والأخبار. قلت: لا برهان عليه، لأن الخلود في العذاب أمر، واشتداد العذاب أمر آخر، ولا شبهة في أن الكفار مختلفون في العذاب باختلاف أعمالهم الحسنة والسيئة، حسبما تدينوا به من الديانة. وبالجملة: العقل لا يجوز استواء نسبة المسئ في العقيدة والصفات والأفعال، مع المسئ في العقيدة المتصف بالصفات الإنسانية وبالأفعال الخيرة البشرية، فبناء على هذا لا امتناع في تكليفهم، ولا وجه للاختصاص بغيرهم. إذا عرفت ذلك، وعلمنا اشتراكهم مع سائر المسلمين في الفروع، يمكن توجيه اختصاص الخطابات بالمؤمنين: بأن ذلك مثل قوله تعالى: * (ذلك الكتاب


1 - الكافي 3: 512 / 2، وسائل الشيعة 15: 157، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الباب 72، الحديث 1. 2 - لاحظ مفتاح الكرامة 1: 328 / السطر 19 - 22، الطهارة، الشيخ الأنصاري: 177 / السطر 10. 3 - الوافي 2: 82. (*)

[ 337 ]

لاريب فيه هدى للمتقين) * (1) فإن من البلاغة هو الحث على المقصود بأنواعه، والتحريك بأنحائه، ومن ذلك أخذ وصف " المتقين " في الموضوع، نظرا إلى أنه لا يتصور غير التقي في جوامعكم، وأن الناس لابد وأن يصيروا من المتقين حتى يهتدوا بالكتاب المنير. وهذا وأمثاله كثير الدور في العرفيات والخطابات العقلائية، مثلا إذا نادى المنادي: " يا أيها الأسخياء أعينوا الفقراء " أو نادى: " يا أيها الشجعان أعدوا ما استطعتم من قوة " ليس الحكم مقصورا بطائفة الأسخياء والشجعان بالضرورة، حتى يدعي البخيل والجبان: بأنه ليس مورد الأمر والبعث، ولا مصب التكليف. فأخذ هذه العناوين في موضوع الأحكام من باب الدعوة إلى صيرورة الناس معنونين بها، أو من باب أن المتكلم لا يتصور في المجتمع غير المعنوين بهذه العناوين، لأن المجتمع مجتمع الأناسي والأنام، لا الحيوانات والأشرار. الشبهة الخامسة: القوانين الإسلامية تقصر عن شمول طائفة النساء إلا ما كانت منها من قبيل * (لله على الناس حج البيت) * (2) وأما ما كانت من قبيل قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * (3) وأمثاله فلاتشملهن، فلابد حينئذ من التماس دليل الشركة، وهو ربما يقصر عن إثباتها في جميع الأحكام، بعد احتمال اختصاص الرجال بحكم، كما ترى في بعض الأحكام، حتى الف في فروق الأحكام رسالة في عصرنا، ولا معقد


1 - البقرة (2): 2. 2 - آل عمران (3): 97. 3 - المائدة (5): 1. (*)

[ 338 ]

للإجماع حتى يكون له الإطلاق المرجع عند الشك والشبهة. أقول: حل هذه المعضلة مشكل جدا، ولا سبيل إلى حله من عقل أو نقل. نعم، تساعد الاعتبارات والمناسبات وعموم دعوى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمثال ذلك، على كون استعمال الصيغ المختصة بالرجال من باب آخر، لا من باب الدخالة والموضوعية، فتأمل. الشبهة السادسة: القوانين العامة والخطابات إما منصرفة من غير البالغين، أو تكون العناوين غير قابلة للصدق، كعنوان * (الذين آمنوا) * لأن إيمانهم غير نافذ شرعا، وإقرارهم غير مفيد، وكعنوان " الرجل " وأمثاله مما ورد في الأحاديث (1)، فعليه تكون هذه الفرقة أيضا غير مشمولة لتلك الأدلة، أو تكون الأدلة - لظهورها في الأحكام الإلزامية - غير قابلة للانطباق عليهم. أقول: لو صح الانصراف للزم انصرافها عن طائفتي الشيب البالغين إلى حد من الكهولة بحيث صاروا في القوى والإدراكات أقصر من غير البالغين، فالانصراف المزبور غير ثابت جدا. وأما الوجه الثاني ففيه أولا: أنه مقبول إسلامه ونافذ إقراره، ولاسيما في هذه المسألة، كما تحرر في محله. وثانيا: لاشبهة في كونه من المؤمنين لغة، وخروجه عن المؤمنين شرعا،


1 - الكافي 3: 288 / 3 و 452 / 6 و 7، تهذيب الأحكام 2: 173 / 687، و 273 / 1086، وسائل الشيعة 4: 240 - 242 و 245، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب 39، الحديث 1. (*)

[ 339 ]

ربما كان لأجل عدم ترتب آثار الإيمان عليه، لا لأجل عدم ترتب آثار الإسلام والإيمان على أنفسهم، ففرق بين كون النظر إلى عدم نفوذ إيمانه، لأجل عدم جواز الصلاة خلفه، أو لعدم جواز استنابته وغير ذلك، وبين كون النظر إلى نفي نفوذ إيمانه لأجل عدم شمول الأدلة لهم، والأول ثابت فرضا دون الثاني. وأما عنوان " الرجل " فهو فيما يلغى - كما إذا ورد " رجل شك بين الثلاث والأربع " (1) أو ورد " رجل أخذه الرعاف " (2) وهكذا - يشترك فيه غيره من النساء وغير البالغين. نعم، لو لم يكن الأمر كذلك فيكون الحكم مخصوصا بهم، فلا يتجاوز إلى غيرهم إلا بدليل. وأما الوجه الأخير، فقد تحرر منا أن الأوامر ليست إلا محركات اعتبارية (3)، وليس فيها الوجوب، ولا الندب، وتكون كاشفة عقلائية عن الرأي والإرادة الإلزامية بالنسبة إلى الكل، وخروج غير البالغين ممنوع عنهم إذا بلغوا نصاب الدرك والفهم، ولاسيما الاجتهاد، وهكذا المراهقون. نعم، هم خرجوا للنص (4) والإجماع، وستأتي ثمرة البحث إن شاء الله تعالى (5).


1 - الكافي 3: 351 / 1، وسائل الشيعة 8: 218، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 10، الحديث 7. 2 - الكافي 3: 365 / 9، وسائل الشيعة 7: 238، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 2، الحديث 4. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 82 - 83. 4 - الخصال 1: 93 / 40، دعائم الإسلام 2: 456 / 1607، مستدرك الوسائل 1: 84، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 3، الحديث 10. 5 - يأتي في الصفحة 342 - 345. (*)

[ 340 ]

تتميم: حول إثبات عموم التكاليف بإلغاء قيد الحضور في عصر الخطاب ربما يوجد في الكتاب بعض الخطابات المشتملة على أداته، وتكون مهملة من حيث المخاطب، وربما يكون من هذا القبيل قوله تعالى: * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...) * (1)، فإنه لا يعلم من الكتاب أن المخاطب شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يحتمل، أو الطائفة الخاصة في عصره وعصر بسط اليد، أو تكون هي عامة، وجوه. والذي هو المقصود، هو أنه هل يمكن التمسك لإثبات العموم بدعوى: أن قيد الحضور في العصر كقيد الحضور في البلد، وكقيد الحضور في عصر فلان بن فلان، مما لايدخل في الموضوع، ولا مدخلية له في الحكم، فيكون ملغيا. وبعبارة اخرى: القيود المغفول عنها ساقطة، لأنها لو كانت قيدا يجب التنبيه عليها، ولاسيما في مثل الإسلام المبلغ لكافة الأنام، والداعي للكل على الدوام، أم لا، وجهان: يظهر من " مقالات " العلامة الأراكي إمكانها فقال: " نعم لو لم يكن في البين عنوان عام في طي أداة الخطاب، بل كان الحاكي عن الموضوع نفس أداته - ككاف الخطاب، أو هيئة الأمر، ك‍ " صوموا " و " قوموا " مثلا - لا يبقى حينئذ مجال للتشبث بمثله لإثبات الحكم للغائبين، لعدم إطلاق يشملهم. نعم، حينئذ أمكن دعوى: أن قيد حضور المجلس بعدما كان مغفولا عنه، فلا يعتنى بهذا الاحتمال في وجه اختصاص الحكم بهم، فيبقى احتمال دخول قيد آخر، ولو مثل دخل زمان حضور الإمام فيه. وبالنسبة إلى مثل هذا القيد وإن لم يكن إطلاق يشملنا الحكم به، ولكن أمكن دعوى الإطلاق المقامي، لا اللفظي.


1 - الأنفال (8): 60. (*)

[ 341 ]

هذا مع أنه أمكن دعوى: أن الأداة الحاكية عن الذات في الحاضرين في المجلس، لها إطلاق بالنسبة إليهم، على وجه لنا أن نتمسك به لإثبات عدم دخل قيد آخر في حق الحاضرين، وبمثل هذا يحرز موضوع قاعدة الاشتراك من اتحاد الصنف " (1) انتهى. أقول: التمسك بالإطلاق اللفظي هنا محل إشكال، بل منع، ضرورة أن الموضوع واجد للقيد وهو الحضور، فيكون في البين قدر متيقن، فإسراء الحكم إلى الموضوع الفاقد ليس شأن الإطلاق اللفظي، فلا يحرز به موضوع القاعدة. وأما التمسك بالإطلاق المقامي، فهو في مثل الصلاة والبيع لكشف حالهما، مما لا بأس به، وأما فيما نحن فيه فهو ليس لكشف حال الحاضرين، بل هو لكشف حدود الموضوع، لا المتعلق، ولا يمكن كشف ذلك إلا بوجه ثالث: وهو أن قيدية الحضور في عصر الإمام (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الامور المغفول عنها نوعا، فلو كان قيدا للزم التنبيه عليه، للزوم الإخلال بالغرض عند التخلف. وعندئذ نقول: القيود مختلفة، فما كان من قبيل الخصوصيات والقيود البعيدة قيديتها عقلا وعادة كحضور فلان بن فلان وهكذا حضور المدينة والحجاز فهو ملغى جدا، وأما مثل قيد عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيد كونه متكفلا لأمر الزعامة في بعض المسائل وهكذا، فاحتمال القيدية قوي ومما لا يغفل عنه العرف والعقلاء عادة، فليتأمل جيدا. ثم إن من الممكن تقريب الإطلاق اللفظي على وجه لانحتاج إلى التمسك بقاعدة الشركة، لأن القيود المحتملة إذا طرحت يكون موضوع الدليل طبعا هو الإنسان، فتأمل.


1 - مقالات الاصول 1: 462. (*)

[ 342 ]

خاتمة الكلام في ثمرات مسألة عموم الخطابات الثمرة الاولى: حجية ظواهر الخطابات لنا وللمعدومين في عصرها، على فرض عمومها وإطلاقها (1). وبعبارة اخرى: حجية القوانين كلها في حقنا، وجواز الرجوع إليها، وتلقي الحكم منها، من غير الحاجة إلى التشبث بقاعدة الشركة وإلى إثبات وحدة الصنف. وما يقال: " من أن الخطابات والقوانين ولو كانت مخصوصة بالمشافهين، يجوز الرجوع إليها بعد عدم اختصاص حجيتها بالمقصودين بالإفهام " (2) - حسبما تقرر في محله (3)، وتقضيه البناءات العرفية - في محله، إلا أنه لا يقتضي سقوط الثمرة، ضرورة أن تمامية الحجية منوطة بالإجماع على الشركة، وبإثبات وحدة الصنف، وإلا فلا تتم. وبالجملة: لاتتقوم حجية القوانين بالقول بالأعم في المقام. نعم، كما يمكن ذلك بما تقرر في هذه المسألة، كذلك يمكن ذلك بالقول بحجيتها للأعم في تلك المسألة. ولكن مجرد القول بالأعم في تلك المسألة غير كاف، بخلافه هنا، ضرورة أن في تلك المسألة مع القول بالأعم نحتاج إلى قاعدة الشركة، ولا نحتاج إليها هنا.


1 - قوانين الاصول 1: 233 - 234. 2 - كفاية الاصول: 269. 3 - يأتي في الجزء السادس: 319 - 321. (*)

[ 343 ]

ومما ذكرنا يظهر: أن كلام كل من " الكفاية " (1) والتقريرات (2)، غير وجيه في وجه، ووجيه في وجه آخر. ثم إن حجية الخطابات والقوانين لغير المقصودين بالإفهام، ليست من قبيل حجيتها للمقصودين بالإفهام، فإن ما هو الحجة للطائفة الثانية هو القانون نفسه وتوجيه الخطاب، وأما ما هو الحجة للطائفة الاولى فهو العلم بالغرض والاطلاع على محبوب المولى، ولأجل ذلك يمكن المناقشة في الثانية دون الاولى. وعلى هذا تظهر الثمرة على الوجه الأوضح، وتفصيله في محله (3). وبالجملة تحصل: أن مع وحدة الصنف ربما يستثمر من هذه المسألة أيضا، وبذلك تتساقط نواقص الكلام في المقام. الثمرة الثانية: بناء على القول بالأعم يصح الرجوع إلى العمومات والإطلاقات لرفع الشكوك والشبهات مع اختلاف الصنف، ولا يصح على الأخص. وربما يمكن دعوى التفصيل بين العمومات والمطلقات، بناء على عدم الحاجة في العموم إلى مقدمات الإطلاق، بدعوى أن الإطلاقات لا يمكن أن تكون رافعة إلا لما شك في قيديته مع عدم وجوده الشائع، ضرورة أنه يضر بانعقاد الإطلاق، وأما العمومات فلا بأس بها، ولأجل ذلك استشكل في " الكفاية " (4) إلا أنه لا يهدم أساس الثمرة، لما يستثمر منها في العمومات. وذهاب بعض الأعلام إلى الحاجة إليها حتى في العمومات (5) لا يخل بالمقام.


1 - كفاية الاصول: 269 - 270. 2 - مطارح الأنظار: 205 - 207، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 549. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 346. 4 - كفاية الاصول: 270 - 271. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 519 و 573. (*)

[ 344 ]

والذي هو الحق: أن القيود الموجودة حين الخطاب تضر بالإطلاق إذا كان الخطاب من قبيل القضايا الخارجية، دون ما إذا كان من قبيل القضايا الحقيقية، وحيث إن التحقيق ما عرفت من مشابهة القضايا القانونية بالحقيقية (1)، فلا يضر اشتهار القيد وموجوديته بانعقاد الإطلاق، فإن نظر المقنن عام عالمي، لا خاص منطقي، فليغتنم. الثمرة الثالثة: قد مضى منا في مقدمات الترتب في بحث الضد، ثمرات كون القوانين شاملة لغير الملتفتين والناسين والجاهلين والعاجزين والعصاة والكفار، ومما يترتب على الأخير ثبوت الأحكام الوضعية عليه إذا أسلم بعد قصور قاعدة الجب سندا، أو دلالة، أو اختصاصا بمورد معين (2)، فلا نعيدها، حذرا من الإطالة المملة. الثمرة الرابعة: بناء على شمول الأدلة لطائفة النساء، فالثمرة واضحة أيضا، وأما بناء على شمولها لغير البالغين، فمما يترتب عليه صحة عبادة الصبي ومشروعية معاملاته ونفوذها، إلا بمقدار دل الدليل على خلافه. وإذا قلنا: بأن حديث رفع القلم (3) لا يقتضي إلا رفع الإلزام، ولايكون إلا قرينة على الترخيص في الترك بالنسبة إلى الواجبات، وفي الفعل بالنسبة إلى المحرمات، فتكون عبادته مشروعة وصحيحة، من غير الحاجة إلى التمسك بأدلة خاصة، وبمسألة أن الأمر بالأمر بالشئ أمر بذلك الشئ مع أنها غير صحيحة


1 - تقدم في الصفحة 315 - 316. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 3 - الخصال 1: 93 / 40، دعائم الإسلام 2: 456 / 1607، وسائل الشيعة 1: 45، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 4، الحديث 11. (*)

[ 345 ]

جدا، كما حققناها في محلها (1). ودعوى: أن الوجوب أمر بسيط لا يمكن رفع ذلك إلا برفع التكليف (2)، غير مسموعة، فإن الاعتباريات أوسع من ذلك، وتفصيل هذه المسألة يطلب من محال اخر، فليتدبر.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 253 - 255. 2 - نهاية الدراية 2: 264 - 265، نهاية النهاية 1: 198. (*)

[ 347 ]

المبحث السادس في اقتران العام بما يصلح للقرينية لاشبهة في حجية العمومات، كما لاشبهة في عدم حجيتها في مورد التخصيص ومع قيام القرينة المنفصلة على عدم الإرادة الجدية بالنسبة إلى تمام المضمون، ومن القرائن المنفصلة الخاص ودليل التقييد. وإنما الشبهة والبحث فيما إذا كان الكلام والقانون مشتملا على ما يصلح للقرينية، فإنه هل يضر ذلك بانعقاد العام وتمامية حجيته بالنسبة إلى تمام مضمونه، أم لا ؟ أو يفصل بين المتصل والمنفصل، وبين المباني المحررة سابقا، فإنه إن قلنا: بأن حجية العام في العموم الأفرادي مستندة إلى الدلالة اللفظية فلا يضر، وإن كانت مستندة إلى مقدمات الحكمة فيضر ؟ هذا ما أردنا بحثه في المقام، وتصير المسألة بناء عليه ذات جهتين: الاولى: في كبراها، وهي أن ما يصلح للقرينية في العمومات هل يضر بانعقادها حجة على العموم الأفرادي، أم لا ؟

[ 348 ]

الثانية: في صغراها، وهي أن الكلام الكذائي والقانون الوارد في المسألة الكذائية، هل يشتمل على ما يصلح، أم لا ؟ مثلا: قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن...) * إلى قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا) * (1) هل العام الوارد في صدر الآية تتم حجيته في العموم الأفرادي مع وجود ما يصلح للقرينية في ذيلها، فإن * (وبعولتهن أحق بردهن) * مشتمل على الضمير الراجع إلى المطلقات، مع عدم ثبوت الأحقية بالرد لمطلق المطلقات، أم لا يصلح لذلك، ولو كان صالحا لا يضر مثلا ؟ وهكذا قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) * (2) فإنه هل الاستثناء الوارد بعد تلك العمومات إذا لم يكن يرجع إلى جميعها، فهل يضر بانعقاد العموم بالنسبة إلى غير الأخير، أم لا ؟ وهنا بحث آخر: وهو أنه لو قلنا بعدم معلومية رجوعه إلى الأخير، فهل يرجع الكلام إلى الإجمال ويؤخذ بمقتضى العلم الإجمالي في مورد يكون له الأثر، وإلا فهو بالخيار ؟ كما لا يخفى. إذا تبين المقصود بالبحث، يظهر ضعف ما صنعه الأعلام في المقام من البحث تارة: عن العام المتعقب بالضمير، واخرى: عن العمومات المتعقبة بالاستثناء (3)، فإن


1 - البقرة (2): 228. 2 - النور (24): 5 - 6. 3 - معالم الدين: 125 و 143، كفاية الاصول: 271 - 274، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 551 - 555، نهاية الاصول: 356 - 357 و 362 - 363، مناهج الوصول 2: 293 و 305. (*)

[ 349 ]

تعدد المسألة وإن كان بتعدد الموضوع والمحمول أحيانا، أو بتعدد الموضوع أو المحمول، ولكن إذا كان بين المسألتين مثلا الجهة الجامعة، مع وحدة المناط والبرهان، فلابد وأن ترجعا إلى واحد، وإلا يلزم أن لا تتناهى مسائل العلم، ولأجل ذلك تكون صغريات هذه المسألة، أكثر من الفرضين اللذين وقعا في محط البحث في كتبهم الاصولية (1)، فإن منها ما إذا كانت العمومات الواردة متعقبة بالمخصص المتصل، أو وردت العمومات وفاتت القرينة على أن العام الأول تكون " الألف واللام " فيه من العهد الذكري، فهل ذلك يوجب قصور العمومات الاخر عن العمومية الاستغراقية أم لا، وهكذا ؟ ويظهر هنا أمر آخر وقعوا فيه (2): وهو أن ما جعلوه مورد النظر من العام المتعقب بالضمير الراجع إلى طائفة من العام الأول، ثم بحثوا عن تعارض أصالة العموم في الصدر، مع أصالة عدم الاستخدام في الذيل، كله غير تام، وقد اشير في كلماتهم إلى أن ذلك ليس من الاستخدام المصطلح عليه في علم البديع (3)، وعليه يسقط البحث بالمرة. مع أن الأمر ليس كذلك، فإنه ولو لم يكن من الاستخدام كقول الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا (4)


1 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 413 و 455 - 456، كفاية الاصول: 271، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 551 و 554، نهاية الأفكار 1: 540 - 546. 2 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 456، معالم الدين: 144 / السطر 6 - 10، مطارح الأنظار: 208 / السطر 12 - 14، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 551 - 552. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 553، مناهج الوصول 2: 295 - 296، محاضرات في اصول الفقه 5: 292. 4 - الشعر لمعاوية بن مالك، على ما نقله في لسان العرب 6: 379. (*)

[ 350 ]

إلا أن الجهة المبحوث عنها باقية على حالها، ضرورة أن مع قيام القرينة القطعية على أن الأحقية بالرد من أحكام المطلقات الرجعيات، يلزم الإشكال في انعقاد العموم لقوله تعالى: * (والمطلقات...) * فافهم واغتنم. إذا عرفت أطراف المسألة والجهة المبحوث عنها في المقام، وتبين سقوط مسير الأفاضل والأعلام (قدس سرهم)، يقع الكلام في جهتين: الجهة الاولى: في كبرى المسألة وهي أن وجود ما يصلح للقرينية، لا يضر بانعقاد العموم إذا كان العام مما دل عليه اللفظ وضعا، فإن قلنا: بأن أداة العموم تدل بالوضع على الاستيعاب، وتقتضي بالوضع سريان الحكم إلى كافة الأفراد، فلا يلزم من احتفاف الكلام بما يوجب الأخصية اختصاص الحكم، ولا تضييق مصب العموم. إن قلت: نعم، هذا بحسب الحكم الإنشائي كذلك، وأما بحسب الحكم الجدي فجريان أصالة التطابق محل المناقشة، لإمكان الاتكال على الصالح للقرينية (1). قلت: لو كان هذا مما يصغي إليه العقلاء، لكان الأولى المناقشة في حجية الأوامر في الوجوب، لما كثر استعمالها في الندب إلى حد يصلح للاتكال عليه. ومجرد الاتصال والانفصال بعد كثرة المجاز في الأمر، أو كثرة الاستعمال في الندب، لا يوجب التفصيل، فتأمل. وأما إذا قلنا: بأن العموم والاستيعاب مما يستفاد من مقدمات الإطلاق، ولا تدل أداة العموم إلا على الكثرة الإجمالية (2)، فانعقاد الظهور حينئذ مشكل، لما


1 - نهاية النهاية 1: 298، مناهج الوصول 2: 296 و 309. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 573. (*)

[ 351 ]

تعارف من الاتكال على القرينة بين العقلاء، وإذا كان الكلام حافا بما يصلح لها يلزم منه الشك في ثبوت الإطلاق وفي تمامية المقدمات، كما لا يخفى. وهذا يتم في المتصل دون المنفصل. فالعام المتعقب بالضمير المذكور، والعمومات المتعقبة بالاستثناء، إذا شك في حال الاستثناء مع معلومية رجوعه إلى الأخير، وهكذا سائر الموارد، غير صالحة للاحتجاج بها عندنا، بخلاف ما إذا خصص أحدها بالمنفصل، فلا تخلط. الجهة الثانية: في صغرى المسألة وهي أن وجود الضمير الكذائي مما يصلح للقرينية، أم لا بحسب الإثبات، وهكذا الاستثناء وغير ذلك ؟ ولا بأس بالإيماء إليها: أما الآية الاولى (1) فالاحتمالات فيها كثيرة، من التصرف في العام بأن يراد منه خصوص ما اريد من الضمير، وعليه لا يلزم تصرف في الضمير. ومن التصرف في الضمير بإرجاعه إلى بعض ما في العام، فيكون من باب المجاز في الكلمة. ومن التصرف فيه بإرجاعه إلى تمام ما اريد من المرجع، مع التوسع في الإسناد، فيكون من باب المجاز في الإسناد. وهذا كله ما يستظهر من " الكفاية " (2). ولكن الأمر ليس كما أفاده، لأن الضمير في العام الثاني إذا فرضنا حذفه، يقوم مقامه المرجع، فتكون هكذا: " وبعولة المطلقات أحق بردهن " ويصير هذا العام - كسائر العمومات - مستعملا على نعت الحقيقة، وغير مطابق للجد لأجل الأدلة


1 - البقرة (2): 228. 2 - كفاية الاصول: 271 - 272. (*)

[ 352 ]

الخاصة. فيعود الضمير حسب الظاهر إلى ما هو المراد في المطلقات بالإرادة الاستعمالية، التي عليها رحى الحقيقة والمجاز، ولايكون في العام الثاني تمام المضمون مرادا بالإرادة الجدية، ويسقط البحث في المقام حول تعارض أصالة العموم وأصالة عدم الاستخدام، وعن أن شأن الضمائر وأسماء الإشارة واحد، وهي في حكم الحروف، ولا تكون هي المخبر عنه، ولا موضوعا حقيقة حتى نقول بضعف ما أفادوه في المقام. وبالجملة: إن اريد من وجود ما يصلح للقرينية هو الاستعمال المجازي والاستخدام، أو التفكيك بين المشار إليه والمشير في الإرادة، فكله ساقط. وإن اريد من وجود ما يصلح لها، أن العام الثاني إذا لم يكن مرادا جدا، فهو يصلح لأن لا يكون العام الأول أيضا كذلك، للارتباط المشاهد بينهما من رجوع الضمير من الثاني إلى الأول مع وحدة الكلام، فهو محل منع، لأن ذلك في القوانين كثير الدور، ولا منع من تخصيص أحد العامين الواردين في كلام واحد دون الآخر، ولاسيما في الكتاب الإلهي الذي هو كتاب التقنين، فعدم جريان أصالة الجد والتطابق في الثاني - لأجل القرائن المنفصلة - لا يكون سببا لقصور جريانها بالنسبة إلى الأول، فتأمل. حكم الجمل المتعددة المتعقبة بالاستثناء وأما الآية الثانية (1) فلا بحث في خصوصها، لظهور رجوع الاستثناء فيها إلى الأخيرة، نظرا إلى أن الجملة السابقة مشتملة على الضمير الراجع إلى الصدر.


1 - النور (24): 5 - 6. (*)

[ 353 ]

وبالجملة لاختلاف سياق الجمل. مع أن الاستثناء من الجملة المتوسطة يحتاج إلى تأويل وحذف، فتدبر. وأما البحث هنا فيكون في خصوص الجمل المتعددة الخالية من القرينة الخاصة، وهو مثل ما إذا ورد " أكرم الفقهاء، وسلم على المؤمنين، ووقر السادات، إلا الفساق منهم " ولم يكن في البين ما يكون دليلا على رجوعه إلى خصوص الأخيرة، أو إلى الكل، أو إلى خصوص إحداها، فما ترى في كتاب " تهذيب الاصول " (1) وغيره (2) من إطالة الكلام حول كيفية صدور الجمل، فهو ليس من البحث الاصولي، ولا يمكن استقصاؤها، وما هو البحث الاصولي هو ما إذا لم يوجد في نفس الجمل قرينة خاصة، وكان المفروض رجوعه إلى الأخيرة، فإنه حينئذ يتوجه السؤال عن وجود ما يصلح للقرينية لصرف العمومات الاخر، وعن وجود ما يوجب عدم انعقاد العموم وعدم تمامية حجيته، أم لا. فالبحث بناء على هذا ممحض في أصل وجود ما يصلح للقرينية، فإن قلنا بإمكان رجوع الاستثناء إلى المجموع فهو، وإلا فيكون الكلام فارغا عنه، ضرورة أنه مع امتناع رجوع الاستثناء إلى الكل لا تكون القرينة صالحة، فيؤخذ بالعمومات السابقة، سواء قلنا باحتياجها إلى مقدمات الإطلاق، أو لم نقل، فعليه يتمحض البحث حول إمكان ذلك مطلقا، وعدمه مطلقا، أو التفصيل بين الاستثناء بالأداة وبالأسماء، وجوه وأقوال (3). ويتبين: أن ما هو اللائق بالبحث في المقام هو ذلك، دون مقام الإثبات


1 - تهذيب الاصول 1: 519 - 521. 2 - نهاية الأفكار 1: 541 - 544، محاضرات في اصول الفقه 2: 497. 3 - لاحظ قوانين الاصول 1: 283، كفاية الاصول: 273، نهاية الأفكار 2: 541 - 542، نهاية الاصول: 363، منتهى الاصول 1: 464. (*)

[ 354 ]

والاستظهار، حتى يفصل في المسألة بين الصور وكيفية ورود الجمل، وأنها إذا كانت كذا فيرجع الاستثناء إلى الكل، وإذا كانت كذا فيرجع إلى الأخيرة وهكذا، فإنه ليس شأن الاصولي ذلك، ولا ثمرة مهمة في هذا البحث وأمثاله، فيسقط محط كلام القوم في المقام (1)، ويصح البحث على وجه آخر كبروي اشير إليه، وصغروي. وغير خفي: أن الموارد التي يمكن أن تكون محل الكلام بحسب الصغرى أيضا كثيرة، إلا أن أهمها المورد الذي مضى تحقيقه (2)، وهذا المورد وهو ورود الجمل المتعقبة بالاستثناء، مع الخلو من القرينة المعينة لرجوعه إلى واحد منها معينا، وبعض الموارد الاخر التي لا يهمنا البحث عنها، وأشرنا إلى أمثلتها فيما سبق. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن غاية ما يكون وجها لامتناع رجوع الاستثناء في الجملة إلى المجموع، هو أن الأداة الاستثنائية من المعاني الحرفية، والموضوع له فيها خاص، فكيف يعقل الاستثناء من الكثير ومن مجموع الجمل ؟ ! مع أن ذلك يتوقف على استعمال الحرف في الإخراجات المتعددة، فيلزم استعماله في الكثير وهو ممتنع، فتعين رجوعه إلى الأخيرة، ولا يصلح أن يكون قرينة على سائر الجمل، فهي باقية على حالها من الحجية، ويتم انعقادها في العموم. نعم، في الاستثناء بالأسماء لا يلزم إشكال، لوجود الجامع المستعمل فيه اسم الاستثناء. وأيضا يمتنع ذلك فيما إذا كان المستثنى من الأعلام الشخصية. وتوهم إمكانه، لإمكان استعمال لفظة " زيد " في المسمى بزيد، إلا أنه تلزم المجازية (3)، في


1 - كفاية الاصول: 273 - 274، أجود التقريرات 2: 496 - 497، مناهج الوصول 2: 305. 2 - تقدم في الصفحة 351 - 352. 3 - مقالات الاصول 1: 476، مناهج الوصول 2: 306. (*)

[ 355 ]

غير محله، لأنه مع عدم وجود القرينة يمتنع على المولى الحكيم ذلك. نعم، لا بأس بدعوى: أن إطلاق المستثنى دليل على أنه القرينة على استعمال الواحد في الكثير، إلا أنه في نفسه ممتنع. وهنا تقريب آخر: وهو أن التحفظ على العمومات الاول غير الأخيرة، لا يتقوم بإثبات امتناع رجوعه إلى الكل، بل لو كانت صلاحية القرينة مما تنكر عادة، وتستبعد عرفا، ويعد الاتكال عليها من الأمر غير المتعارف عند العقلاء، تكون العمومات الاول باقية على حالها، ومنعقدة في عمومها. وغير خفي: أن استعمال الواحد في الكثير ولو كان جائزا، ولكنه مما لا يتعارف في محيط التقنين، ولا يعهد في القواعد الفقهية، ومجرد إمكانه أو تعارفه في الخطب والأشعار والاحجيات واللغز، لا يورث شيئا في المقام. فعلى هذا لا يتوجه إلى التقريبين السابقين ما قد يقال من إمكان استعمال الواحد في الكثير (1)، فلا تخلط. أقول: يتوجه إلى التقريبين نقض بأنا إذا راجعنا وجداننا، نجد صحة قولنا: " إلا الفساق من كل واحدة من الطوائف المزبورة المتعاقبة " فإنه لا يشك أحد في رجوع الاستثناء إلى الجمع، وهكذا إذا ورد بعدها " إلا زيد بن علي من كل واحد منها ". وحلهما: أن في الفرض الأول يكون المعنى الحرفي أيضا واحدا، واللفظة مستعملة فيه، إلا أن مدخول الحرف كثير قابل للانحلال، كما في الاستثناء من الجملة الواحدة، فإن الإخراج واحد، والخارج كثير، وهكذا في المقام، فليس هنا إخراجات. وفي الفرض الثاني فإرادة كل واحد منهم وإن كانت جائزة، إلا أن هذا النحو


1 - نهاية الأفكار 1: 542، مناهج الوصول 1: 180 و 186، 2: 306، تهذيب الاصول 1: 519. (*)

[ 356 ]

من التكلم خارج عن ديدن أرباب التقنين، فلا يصلح تخصيص الأخير للقرينة بالنسبة إلى العمومات الاول من غير فرق بين كونه مجازا، أو حقيقة، أو مشتركا بين الحقيقة والمجاز، كما لا يخفى. بقي شئ: إرجاع الاستثناء إلى خصوص الأخيرة لا يضر بسائر العمومات وهو أن رجوع ضمير الجمع فيما إذا كان المستثنى مشتملا عليه إلى المجموع، يستلزم اللحاظ الخاص، لاختلاف الأنواع. وبعبارة اخرى: إذا قيل " إلا الفساق منها " أي من هذه الطوائف فهو صحيح، وأما إذا قيل: " إلا الفساق منهم " فهو فرع وحدة اللحاظ وتراكم أفراد الطوائف في التصور الجديد، وهذا أمر بعيد جدا، فالرجوع إلى الأول خلاف العادة. وبالجملة: إذا كان المستثنى مشتملا على الضمير، كما في المتعارف منه، فإرجاع الضمير إلى جميع الجمل مع اختلافها في العنوان، يتوقف على توحيد تلك الطوائف المتنوعة أولا، ثم الإخراج عنها، فلابد أولا من لحاظ جميع أفراد الشعراء والفقهاء والشرفاء تحت عنوان واحد ولو كان عرضيا، ثم إرجاع ضمير الجمع إليهم، وحيث لا دليل على تجديد اللحاظ وتوحيد الكثير في مرحلة الإثبات، فلا يصلح رجوع الاستثناء إلى الأخير للقرينية بالنسبة إلى سائر الجمل، فتكون أصالة العموم والإطلاق فيها محفوظة وغير محفوفة. وغير خفي: أن ميزان الصلاحية ليس إلا بحسب مرحلة الإثبات والفهم العرفي، بأن يكون الكلام والقانون في محيط العرف محفوفا بما يصلح للاتكال عليه، ومجرد الاحتمال الثبوتي غير كاف بالضرورة، وما في " تهذيب الاصول " من

[ 357 ]

إمكان تعلق الغرض بإلقاء الجملات كما في المتشابهات (1)، فهو غير موافق لذوقه - مد ظله - فإن محيط التقنين لا يحتمل ذلك، والمتشابهات في غير الأحكام تجري، وهي ليست من المتشابهات المشتقة من " الشبهة " بل هي تشتق من " التشبيه " وتفصيله في محيط آخر. إذا عرفت حقيقة الكلام في مرحلة الثبوت، وفيما يليق بالباحث الاصولي، فلا بأس بالإيماء إلى ما هو الحق في مرحلة الإثبات، وهو عندي - حسب الوجه الأخير - واضح، وتعين أن الضمير يرجع إلى الأخير في موقف خلو الكلام عن قاطبة القرائن، وإلا فلا منع من رجوعه أحيانا إلى إحداها، أو إلى المجموع لأجل القرائن. ومن هنا يظهر لو تعدد الاستثناء، فإنه ربما يكون تعدده قرينة على رجوعه إلى الجميع على اللف والنشر المرتبين، أو رجوع الكل إلى الكل، فتأمل. وقال في " المقالات ": " كما أنه في مقام وقوعه فالظاهر أيضا عدم قصور في الأخذ بإطلاق الاستثناء والمستثنى، لولا كون ظهور العام وضعيا حاكما أو واردا على الإطلاق، فيقدم العموم على الإطلاق المزبور، ولا يصلح مثل هذا الاستثناء للقرينية على خلاف العام، لأن قرينيته دورية فتستحيل، فيبقى العموم على حجيته ولو قلنا: بأن مرجع أصالة العموم إلى أصالة الظهور، لا أنها أصل تعبدي. نعم، لو كان العام أيضا في دلالته إطلاقيا، يشكل التمسك بالإطلاق في كل واحد من الاستثناء والمستثنى منه، وذلك... " (2) انتهى. واستشكل السيد الوالد - مد ظله - مطلقا، وظن أن العمومات الاول غير حجة (3)، مع قوله بدلالتها على العموم وضعا (4).


1 - تهذيب الاصول 1: 521. 2 - مقالات الاصول 1: 476. 3 - مناهج الوصول 2: 309، تهذيب الاصول 1: 521. = (*)

[ 358 ]

أقول: في كلامه مواقع للنظر، والذي يهمنا الإيماء إليه هو أن إطلاق الاستثناء والمستثنى في الكلام مختلطان، فإنه ليس من قبيل الإطلاق المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد، وهو الإطلاق اللفظي، ضرورة أنه لم توضع أداة الاستثناء أولا للمستثنى للرجوع إلى الجميع، حتى يصح التمسك المزبور والإطلاق المذكور. فالإطلاق الذي يصح التمسك به هنا هو الإطلاق المصطلح عليه في باب الأوامر والنواهي، وهو قولهم: " إن إطلاق الأمر يقتضي النفسية، والعينية، والتعيينية، وغير ذلك " (1) ولا شبهة في أنه مع وجود العام والإطلاق اللفظي لا تصل النوبة إلى هذا الإطلاق، ولا يمكن أن يكون الإطلاق في الذيل بناء عليه صالحا للقرينية، فتأمل. ولو سلمنا ذلك فكون الإطلاق في الذيل بلا قرينة، والإلقاء بلا شاهد، دليلا على رجوع الاستثناء إلى الكل، ممنوع جدا، فإن ذلك فرع الاستعمال الكثير. مثلا: إطلاق الأمر يقتضي الوجوب والنفسية وهكذا، فإنه لكثرة إفادة الوجوب والنفسية بلا قرينة، صارت اللاقرينية دليلا على إرادة الوجوب والنفسية، وهذا المعنى فيما نحن فيه محرز العدم، فلا تخلط. تذنيب: في حكم الشك في رجوع الاستثناء إلى الأخيرة قد عرفت (2): أن رجوع الاستثناء إلى الأخيرة أمر مفروغ منه عندهم (3)، ولو


= 4 - مناهج الوصول 2: 232 - 233. 1 - نهاية الأفكار 1: 209، منتهى الاصول 1: 197، تقدم في الجزء الأول: 321 - 322، وفي هذا الجزء: 373. 2 - تقدم في الصفحة 353. 3 - معالم الدين: 125 / السطر 8، قوانين الاصول 1: 283 / السطر 8، كفاية الاصول: 273. (*)

[ 359 ]

كان في الكلام ما يوجب الشك فيه، أو فرضنا أن البحث في الأعم من الكلام الواحد، وفرضنا أن المخصص المنفصل ناظر إلى واحد من العمومات الواردة المتعاقبة، فإنه يصح الشك، وتنعقد الشبهة في رجوعه إلى الأخيرة، وعندئذ إن أمكن تصديقا تعيين المستثنى منه فهو. وإلا فقضية العلم الإجمالي مختلفة بحسب الموارد، فربما يلزم الاحتياط بالعمل بمجموع العمومات، وربما لا يمكن الاحتياط، كما إذا كان الفاسق الخارج منها محرم الإكرام، فيدور الأمر بين المحذورين، وفي المسألة بعض صور وبحوث اخر لا يهمنا التعرض لها، والله هو الولي المنعم. تنبيه: في أن النزاع أعم من التعقب بالاستثناء لا يخفى عليك: أن البحث لا يخص بما إذا كانت الجمل متعقبة بالاستثناء، بل الجهة المبحوث عنها أعم منه، ومن كونها متعقبة بقيد مردد بين رجوعه إلى الكل، أو البعض، أو كان الكلام المنفصل مشتملا على قيد يرجع إلى إحدى الجمل المتعاقبة ولو لم يكن من قبيل الاستثناء.

[ 361 ]

المبحث السابع في أقسام العام والخاص وكيفية الجمع بينهما حكم تعارض العام مع منطوق الخاص لاشبهة في جواز تخصيص العام بالمنطوق الأخص في المختلفين بالسلب والإيجاب، وهكذا في المتفقين في الجملة، وإنما الاختلاف في وجه تقدم الخاص على العام، وقد تعرضوا له بتفصيل في التعادل والترجيح (1)، مع أن الأولى البحث عنه هنا. وما هو التحقيق عندنا، هو أن مبنى التقنين على ذكر العمومات، ثم إردافها بالخصوصات، وأما إذا كان الخاص مقدما فاحتمال ناسخية العام وإن كان في حد ذاته غير بعيد، إلا أن ما يوجب تقديم العام على الخاص في طول الأزمان هو الموجب للعكس، وذلك يمكن أن يكون امورا كثيرة من المصالح النفس الأمرية، أو السياسية والاعتبارية وغيرها.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 715 - 725، نهاية الأفكار 4 الجزء الثاني: 139 - 146. (*)

[ 362 ]

اللهم إلا أن يقال: بعدم تعارف تقديم الخاص على العام في محيط التقنين والتشريع. نعم، جعل العام ناسخا، يستلزم اقتضاء الخاص مصلحة موقتة إلى وقت صدور العام، وهذا في مثل الخاص الذي يكون من قبيل " لا تكرم زيدا " غير بعيد، وأما في غير ذلك من التخصيصات الكلية فهو بعيد جدا، فيبقى الخاص على قوته ويخصص به العام طبعا. وأما التفصيل بين الخاص الوارد بعد زمان العمل بالعام، والوارد قبله، وهكذا في ناحية العام المقدم (1)، فهو أيضا غير مرضي في محيط التقنين والتشريع. هذا في المختلفين. وأما في المتفقين فالجمع بينهما يحتمل وجوها، والذي هو الحق عندي: أن مع العلم بوحدة الحكم كما يمكن الأخذ بالعام، وحمل الخاص على الفرد الأكمل، يمكن الأخذ بالخاص وحمل العام عليه، فلا يكفي مجرد العلم بوحدة الحكم للأخذ بالخاص، خلافا لما يستظهر منهم (قدس سرهم) (2) فعلى هذا إذا كان تأريخ العام مقدما، فالخاص محمول على الأكمل، وفي عكسه لا يحمل العام عليه، بل يؤخذ بهما، ولا يلزم منه النسخ، ولا تعدد الحكم، بل العام دليل على أوسعية موضوع الحكم، فلا يتعدد الحكم حتى يقال بالتداخل والتأكيد، أو على أحد مصاديقه، كما في الوضعيات. ثم إن التحقيق: أن في مطلق العام والخاص الموجبين يجري ذلك، سواء


1 - مطارح الأنظار: 212 / السطر 34، كفاية الاصول: 276. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 579 - 580، نهاية الأفكار 2: 578، محاضرات في اصول الفقه 5: 375 - 376. (*)

[ 363 ]

علمنا وحدة الحكم من الخارج، أم لا، وذلك لأن مع كونهما من الأعم والأخص لا يمكن المحافظة على هيئتيهما الظاهرتين في التأسيس، لما لا يعقل تعدد الحكم التأسيسي مع وحدة المتعلق، ولا مع كون النسبة بين المتعلقين عموما وخصوصا مطلقا، وعلى هذا يلزم التصرف إما بحمل العام على الخاص، أو بحمل الخاص على الفرد الأكمل، أو التفصيل بحسب زمان الصدور تقديما وتأخيرا، كما عرفت، وعلمت أن الأظهر هو الأخذ بهما في صورة تأخير العام (1)، فتأمل جيدا. هذا ما هو الحق في تعارض العام والخاص في المنطوق، مع كون النسبة بينهما العموم المطلق. وما اشتهر من حديث أظهرية الخاص من العام، أو أظهرية دليل من دليل (2)، فهو مما لا أصل له، لأن دلالة الألفاظ على معانيها متساوية بالضرورة، وأما حديث أظهرية الخاص لأجل أظهرية القيد، فقد مر إنكار المفهوم له في محله (3). مع أنه لو تم المفهوم له فهو في صورة عدم وجود القرينة، فلو كان العام صادرا قبله مثلا، فيكفي هو للقرينية على أن القيد المأخوذ في الخاص لا مفهوم له، ولاسيما إذا قلنا: بأن دلالة العام وضعية. وأما إذا كانت النسبة بين العامين عموما من وجه، فتفصيله في بحوث التعادل والترجيح، وهكذا تعارض العام والمطلق، وسيمر عليك في المطلق والمقيد بحوث كيفية الجمع بينهما، وصور المسألة (4)، وهذا أيضا يشهد على أن البحث عن كيفية الجمع بين العام والخاص وصورهما، كان يناسب العام والخاص.


1 - تقدم في الصفحة 2 - كفاية الاصول: 498، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 727 - 728، نهاية الأفكار 4 الجزء الثاني: 139. 3 - تقدم في الصفحة 142 - 144. 4 - يأتي في الصفحة 463. (*)

[ 364 ]

فذلكة الكلام: في العموم والخصوص وهي أنهما إن كانا متخالفين بالسلب والإيجاب، فيقدم الخاص، ويخصص به العام في جميع الصور، حتى في صورة تقدم الخاص، وورود العام بعد وقت العمل بالخاص، فضلا عما إذا كانا متقارنين وفي الكلام الواحد، إلا إذا كان الخاص المتقدم فيه قرينة صالحة على صرف العام المتأخر. وإن كانا متوافقين في السلب والإيجاب، فإن كانا في الكلام الواحد فالأخذ بالعام مشكل، لأجل احتياجه إلى مقدمات الإطلاق، كما في المطلقات. وأما إن قلنا بعدم الحاجة إليها (1)، فجريان أصالة التطابق مع وجود ما يصلح للقرينية في الكلام الواحد، محل المناقشة. ولو أمكن صرف النظر عنها فالمتعين هو التخصيص في صورة تقدم العام وصدوره في صدر الكلام. وأما إذا كان العام في ذيله، فإن كان من الجمع المحلى ب‍ " الألف واللام " فقوة كونه حينئذ من العهد الذكري أيضا يمنع عن انعقاد العموم، وأما لو كان من قبيل " الكل " ونحوه فالتخصيص غير بعيد، فليتدبر. وإن كانا في الكلامين المستقلين، ولم يكن بينهما أداة الربط والنظر الخاص، فالتخصيص ممنوع مطلقا. نعم، إن كان العام مقدما يحمل الخاص إما على الفرد الأكمل، أو على بيان أحد مصاديق العام، ولا قوة لظهور القيد، كما اشير إليه (2). وإن كان مؤخرا يؤخذ بالعام، ويطرح ظهور قيد الخاص في القيدية. وربما لا يحتاج إلى طرح القيد، لعدم تعنون الموضوع في الخاص بالقيد، بل


1 - مناهج الوصول 2: 232 - 233. 2 - تقدم في الصفحة 362 - 363. (*)

[ 365 ]

تكون الأخصية لأجل ذات الموضوع، كما إذا ورد " أوفوا بالنذور والأيمان " ثم ورد: * (أوفوا بالعقود) * فإنه بلا شبهة يؤخذ بالعموم إن انعقد العموم في الفرض المزبور، ولم نقل بانصرافه إلى العهد المذكور، كما إذا ورد بعد الأمر بالخاص " أوفوا بكل عقد " فإنه يؤخذ بالعام قطعا ولو كان تأريخ صدوره قبل مضي وقت العمل بالخاص، ضرورة أن ضرب القانون المزبور، لابد وأن يكون لأجل جهة من الجهات، ولو حمل على الخاص السابق لما كان فيه أثر ظاهر عند العرف والعقلاء. وأما حمل هيئة العام المتأخر على الندب، بدعوى ظهور القيد والخصوصية ذلك، فهي غير صحيحة في محيط التقنين. ثم إن حمل كل واحد من العام والخاص على التأسيس، معناه أن اللازم في مقام الامتثال تعدد الفرد الممتثل به، مثلا إذا ورد " أعط كل عالم درهما " ثم ورد " أعط كل عالم عادل درهما " فإن قضية الهيئة وجوب إعطاء الدرهمين إلى العالم العادل، لانطباق العنوانين عليه، واقتضاء كل هيئة تأسيسية أثرها الخاص. اللهم إلا أن يقال بالتداخل. وأما إذا فرضنا أن واحدا منهما ليس تأسيسيا، فيكون الحكم واحدا، فتعيين ذلك الواحد في الخاص يحتاج إلى مؤونة خاصة، وإلا فالمتعين هو العام أخذا بهيئته، وحمل الخاص على بيان الفرد الأكمل أو أحد مصاديقه كما عرفت، ولاسيما إذا كان العام متأخرا عن وقت العمل بالخاص. ومن هنا يظهر مواضع الضعف في كلمات القوم (1)، وفي كلام جد أولادي العلامة الحائري (قدس سره) في " الدرر " (2) فليراجع. ويظهر أيضا: أنه لا تصل النوبة بناء على ما قربناه، إلى الاصول العملية عند


1 - كفاية الاصول: 276 - 278، نهاية الأفكار 1: 550 - 552. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 197 - 198، 229 - 230. (*)

[ 366 ]

الشك في تأريخهما، لما لا أثر في التقدم والتأخر. نعم، بناء على القول بأن العام المتأخر ناسخ، والخاص المتأخر مخصص، وهكذا على بعض الوجوه الاخر، فإن أمكن الإحراز فهو، وإلا فتصل النوبة إلى الاصول العملية. وتوهم إمكان إحراز ذلك بالاستصحاب (1)، فيه - مضافا إلى المناقشات في أصل جريانه، أو في معارضته - أن كفاية ذلك الإحراز في محيط الاصول اللفظية قابلة للمنع، كما يمكن دعوى انصراف أدلة حجية الاستصحاب عن هذه المواقف. تنبيه: هذا ما هو نتيجة المرام في أساس الجمع بين الخاص والعام، من غير النظر إلى مسألة السند وقطعيته وظنيته، وكيفية تعارض الأدلة، وأدلة حجية الأسانيد، فإن الظاهر أن كل ذلك مما لا محصل له. كما لا محصل للقول: بأن تقديم الخاص على العام من قبيل الحكومة، أو الورود، أو التفصيل بين الخاص القطعي والظني (2)، وتفصيل المسألة من هذه الجهة يطلب من بحوث التعادل والترجيح. هذا تمام الكلام في تعارض العام والخاص منطوقا. حكم تعارض العام مع مفهوم الخاص وأما إذا وقعت المعارضة بين العام ومفهوم الخاص، فالبحث فيه يقع في جانبين:


1 - نهاية الأفكار 1: 553 - 557. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 719 - 725، نهاية الأفكار 4 الجزء الثاني: 140. (*)

[ 367 ]

الجانب الأول: في المفهوم الموافق فقد اشتهر (1) وادعي الاتفاق (2) على تقدمه على العام ولو كانت النسبة بينه وبين العام عموما من وجه، وذلك لأقوائية المفهوم في محل التعارض من العام في الظهور. والذي هو التحقيق: أن المفاهيم الموافقة لابد وأن تكون مستندة إلى الدلالة اللفظية، بحيث تقع المعارضة والمكاذبة بينها وبين المنطوق المخالف معها بالتباين، كما في نحو قوله تعالى: * (فلا تقل لهما اف) * (3) ونحو " لا بأس بضربهما " فإنه لايتفاهم عرفا منهما ولايجمع بالالتزام بهما بدعوى إمكان حرمة القول بالاف، وجواز الضرب، فإنه وإن أمكن عقلا، ولكنه غير مقبول عرفا، فإذا كان كذلك ففي صورة المخالفة بالعموم والخصوص المطلق يجمع بينهما بالتخصيص، وفي صورة كون النسبة بينهما العموم من وجه، فإن كانت النسبة بين المنطوق والعام أيضا عموما من وجه، فليعامل معهما معاملة تلك المسألة. وحديث أظهرية المفهوم من العام بعد كونه مستندا إلى اللفظ (4)، لا أساس له، لما تحرر منا في محله: من أنه لا يعقل الأظهرية في محيط الدلالات الوضعية بما هي هي.


1 - معالم الدين: 146 / السطر 7، الفصول الغروية: 212 / السطر 27، مطارح الأنظار: 209 / السطر 25، كفاية الاصول: 272، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 555 - 557. 2 - كفاية الاصول: 272، مناهج الوصول 2: 297. 3 - الإسراء (17): 23. 4 - مطارح الأنظار: 209 / السطر 25 - 30. (*)

[ 368 ]

وأما حديث وقوع التعارض أولا وبالذات بين المنطوق والعام، وثانيا بين العام والمفهوم (1)، فهو مما لا يرجع إلى محصل أيضا، وحررناه في المفاهيم (2)، فإن مصب التعارض نفس المفهوم. نعم، يلزم من التدخل في حدود المفهوم تصرف لبا في المنطوق، ولا ينبغي الخلط بين محط المعارضة والدعوى، وبين لوازمها العقلية واللبية، كما خلطوا مرارا. وأما إذا كانت النسبة بين العام والمنطوق عموما مطلقا، مع أن النسبة بين العام والمفهوم عموم من وجه بناء على تصوره، كما في نحو " أكرم فساق خدام العلماء " و " لا تكرم الفساق " فإنه لمكان المعارضة المستقلة بين العام والمنطوق وتقدم المنطوق ترتفع المعارضة بين العام والمفهوم بالطبع وبالتبع. ولكن الشأن في أن المفهوم الموافق في أمثال هذه الأمثلة غير تام، لما لا يستند إلى الوضع، وحديث الأولوية القطعية مما لا شأن له في فقهنا، ولايجوز إطالة البحث حوله، ولا تضييع العمر بتكثير الأمثلة في أمثاله. فبالجملة تحصل: أن ميزان تشخيص المفهوم الموافق عن غيره هو العرف، وذلك يحصل في صورة فرض الدليل المخالف له في تمام المضمون، فإنه إذا كان التكاذب بينهما غير قابل للجمع عرفا فهو، وإلا فلا يعد من المفهوم الموافق، ولايكون حجة. وأما كيفية حدوث هذا المفهوم فربما تختلف باختلاف القرائن والآفاق، لأن المسألة لغوية وضعية، لا عقلية وشرعية.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 556، حقائق الاصول 1: 530، محاضرات في اصول الفقه 5: 293 - 294. 2 - تقدم في الصفحة 140 - 141. (*)

[ 369 ]

وما في " تهذيب الاصول " من عد بعض الفروض - كإلغاء الخصوصية - من المفهوم الموافق (1)، لا يخلو من تسامح، والأمر سهل. كما أن مسألة إثبات الحرمة لأجل العلة المنصوصة، ليست عند كثير منهم من المفهوم الموافق (2)، لأن العرف يجد منه أن عنوان " المسكر " حرام، وفي المفهوم لابد من إثبات الحكم لموضوع آخر غير مذكور. نعم، بناء على ما اخترناه في باب منصوص العلة، من أن المحرم هو الخمر، وأما الفقاع ونحوه فهو بعنوانه أيضا محرم لأجل الإسكار، ولايكون الحكم موضوعه المسكر (3)، فهو حينئذ يعد من المفهوم الموافق المستند إلى الدلالة الوضعية، ولذلك لو قام دليل على حلية المسكر مطلقا، تقع المعارضة بين الدليلين. اللهم إلا أن يقال: بأن ظهور " اللام " في العلية ظهور إطلاقي وتعليقي، فيخرج هذا أيضا من باب المفهوم الموافق، ولذلك يتعين الأخذ بالمعارض المزبور. وفذلكة البحث أنه لابد أولا: من تشخيص المفهوم الموافق، وقد عرفت أن القضية المستفادة من القضية المذكورة مسانخة معها، ومماثلة لها في المحمول، ومخالفة معها في الموضوع، وبذلك يخرج مثل إلغاء الخصوصية ومسألة العلة المنصوصة - على ما فهم منها المشهور (4) - عن المفهوم الموافق. وثانيا: لابد من تشخيص كونه مستندا إلى الوضع والدلالات الوضعية، سواء كانت لأجل الوضع التعيني، أو الوضع التعييني، وطريق تشخيص ذلك فرض الدليل المخالف معه في المفاد على نحو التباين، فإنه لا يمكن الجمع بينهما عرفا، فهو


1 - تهذيب الاصول 1: 511 - 512. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 555، تهذيب الاصول 1: 512. 3 - تقدم في الصفحة 140 - 141. 4 - أجود التقريرات 2: 498، فوائد الاصول 2: 555 - 556. (*)

[ 370 ]

مستند إلى الوضع، وإلا فهو مستند إلى الامور الاخر، فيكون خارجا عن المفهوم الموافق الحجة شرعا، وبذلك تخرج الأولوية القطعية عن أقسام المفهوم الموافق، بل والعلة المنصوصة على رأينا أيضا، ضرورة أنه لو صرح المولى بعدم وجوب إكرام العدول من الفقهاء، وصرح بإيجاب إكرام الفساق منهم، يجوز الأخذ بهما من غير تناف عرفي بينهما، لإمكان المصالح الواضحة كما ترى، ومنها: أن العدول لمكان وجهاتهم في الاجتماع لا يحتاجون إلى الإيجاب في أمر معاشهم، بخلاف الفساق منهم، وغير ذلك. ثم بعدما عرفت هاتين الجهتين ولاحظتهما، لابد من الجمع بينهما إن أمكن عرفا، وإلا فيعالج بينهما علاج باب التعارض أو التزاحم، وفي المسألة بعض صور اخر يظهر حالها من هذه الصور، ويكفيك ذلك إن شاء الله تعالى. تذنيب: لو فرضنا استفادة المفهوم الموافق من مقدمات الإطلاق، فيختلف حكم الكلام الواحد والكلامين، كما تختلف المسألة باختلاف المباني في احتياج العام إلى المقدمات المزبورة وعدمها، والأمر واضح، وقد عرفت المسألة بحدودها في تعارض العام والخاص منطوقا (1)، فلا حاجة إلى إعادتها. الجانب الثاني: في تخصيص العام بالمفهوم المخالف والمقصود بالبحث هو ما إذا فرغنا عن حجية المفاهيم، وليس النظر هنا إلى صور معارضة العام والمفهوم، فإنه بحث مر إجمال منه في باب المفاهيم (2)، ويأتي بعض الكلام في التعادل والترجيح (3). والمنظور إليه هنا هو تخصيص العام بالمفهوم


1 - تقدم في الصفحة 361 - 363. 2 - تقدم في الصفحة 140 - 142. 3 - مما يؤسف له عدم وصوله (قدس سره) إلى هذه المباحث. (*)

[ 371 ]

وعدمه، فلا يجوز الخلط بين تقييد المطلق بالمفهوم كما خلطوا، فإن " الدرر " (1) والاستاذ البروجردي (2) ظنا أن هذه المسألة ترجع إلى التقييد، ومثلوا لذلك بدليل طهورية الماء (3)، ودليل الكر (4)، فإنه بحث آخر في المطلق والمقيد، وربما تنحل مسألة المطلق والمقيد ببحث العام والخاص، لاتحاد المناط، فلا تخلط. فالكلام هنا حول تخصيص العام بالخاص الذي هو المفهوم المخالف، ويكون بينه وبين العام اختلاف السلب والإيجاب. فعليه لا معنى لتكثير الصور بكونهما تارة: في كلام واحد، واخرى: في كلامين (5)، لأن في فرض وحدة الكلام لا يبقى لاستفادة المفهوم أثر، إما لأجل أن دلالة العام وضعية، فتكون مانعة عن حدوث المفهوم المخالف، أو لأجل أنها إطلاقية، فيكون كل واحد منهما مجملا، سواء فيه الصدر والذيل. وما قيل من تقدم أصالة الإطلاق في الصدر على الذيل (6)، غير محرز وجهه عند العرف والعقلاء، ولا بقضية الصناعة. أو لأجل أن دلالة المفهوم التزامية كالوضعية، فهو أيضا يستلزم عدم انعقاد ظهور لهما، كما لا يخفى. فقضية العنوان هو البحث عن تخصيصه بالمفهوم، بعد الفراغ من أصالة


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 227 - 228. 2 - نهاية الاصول: 359 - 360. 3 - المعتبر: 9، وسائل الشيعة 1: 135، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 1، الحديث 9، مستدرك الوسائل 1: 202، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 13، الحديث 4. 4 - تهذيب الأحكام 1: 39 - 40 / 46 - 48، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 5 - كفاية الاصول: 272 - 273، نهاية الأفكار 2: 546. 6 - محاضرات في اصول الفقه 5: 301 - 302. (*)

[ 372 ]

العموم في ذاتها والمفهوم في ذاته، فالتمثيل بآية النبأ وعموم التعليل (1)، مخدوش من جهات ثلاث: من أنها من باب المطلق، لا العام. ومن أنها في الكلام الواحد. ومن أن آية النبأ لا مفهوم لها بعد تنصيص المتكلم على علة الحكم، كما تحرر في محله (2). هذا مع أن الكلام في تخصيص العام بالخاص المفهومي، فيكون مفروض البحث أن النسبة بينهما العموم المطلق، فتأمل. وأن النظر كان إلى أن الجمع بين العام والخاص المنطوقي، واضح لا مفر منه في الجملة، وعليه بناء الفقهاء، وأهل الحل والعقد، بل وعليه بناء الأخباريين الطاعنين على الاصوليين، وهو بناء العرف والعقلاء في قوانينهم العرفية بالضرورة. وأما الجمع بينه وبين الخاص المفهومي، فربما يمكن المناقشة فيه: بأنهما يتعارضان، أو يقدم العام: أما وجه تقديم العام، فلأنه مستند إلى المنطوق، فيقدم على المفهوم الأخص، للأظهرية. أو لأن أصالة الإطلاق دليل المفهوم، وهي أصل تعليقي لا يعارض الأصل التنجيزي اللفظي في جانب العام، من غير فرق بين كون المفهوم في كلام منفصل متقدم، أو متأخر. وأما وجه المعارضة، فلما تقرر في محله عند المحققين: من أن مع انفصال


1 - مطارح الأنظار: 210 / السطر 11 - 14، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 558 - 559. 2 - تقدم في الصفحة 50 - 51، ويأتي في الجزء السادس: 459 - 462. (*)

[ 373 ]

الكلام تتم حجية الإطلاق (1)، لا من جهة أن مقدمات الإطلاق تنوب مناب أدوات العموم كما قيل (2)، بل لأجل أن حجية العموم موقوفة على جريان أصالة الجد، وهي أصل عقلائي، فكما أنه لا يكون مرهونا بالكلام والقيد المنفصل، بل يتمسك به وينعقد الظهور، ويخرج بمقدار يقتضيه القيد عن مضمون العام، كذلك في ناحية المطلقات حسبما تحرر في محله (3): من أن إطلاق كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمسك به قبل مضي زمان صدور القيد، وإذا صدر القيد فيقيد بمقداره، فلا وجه لتقديم العام عليه. وأما حديث الأظهرية فهو باطل، لما عرفت من الحاجة إلى الأصل العقلائي في حجية العام، فتصير النتيجة تابعة للأخس. هذا مع أن الحق احتياج العمومات أيضا إلى مقدمات الحكمة، فالقول بتقديم العام في نهاية السخافة، ولاسيما في صورة تقدم المفهوم الأخص تأريخا على العام، فإن المعارضة هنا أقوى جدا. أقول: والذي هو التحقيق ما اشير إليه لبيان المعارضة دفعا عن توهم تقديم العام على المفهوم، وأما أصل التعارض فهو نظر بدوي، فإن المفهوم المخالف إذا ثبت في محيط التقنين، فالتخصيص به متعين، لعين ما مر في المنطوق (4). ومن هنا يظهر حال المطلق مع المفهوم المخالف الأخص، وهكذا الموافق، ويتبين أن البحث عن سائر الصور يدفع هنا وهناك، وقد عرفت في الجانب الأول (5) حكم بعض الصور الاخرى للمسألة، ولا بأس بالإشارة إليها هنا أيضا:


1 - لاحظ نهاية الأفكار 2: 547 - 548، مصباح الاصول 3: 377. 2 - راجع الصفحة 440. 3 - يأتي في الصفحة 429 - 430. 4 - تقدم في الصفحة 361 - 366. 5 - تقدم في الصفحة 366 - 370. (*)

[ 374 ]

صور تعارض العام مع مفهوم المخالفة الصورة الاولى: إذا كان المفهوم المخالف أعم، والمنطوق المسمى ب‍ " العام " أخص، والمفروض وقوعهما في الكلامين - لأن البحث في الكلام الواحد واضح الجهات، وقد تكرر الجوانب المبحوث عنها في صورة اتحاد الكلام واقعا، أو اتحادهما حكما في المباحث السابقة - فهل في هذه الصورة يتعين تقييد المفهوم، كما هو النظر المستقر عليه عند المحصلين (1) ؟ وإنما اختلافهم في أن مصب المعارضة هو المنطوق، أم المفهوم. مثلا: إذا ورد " إن جاءك زيد أكرم العلماء " وورد " أكرم الفقهاء " فمفهوم القضية هو " أنه إن لم يجئك زيد فلا تكرم العلماء " وتكون النسبة بين المفهوم والعام عموما مطلقا. والذي هو الحق كما مر (2)، وقوع المعارضة في مرحلة الإثبات بين المفهوم والمنطوق الأخص، وإن لزم من تخصيص المفهوم تصرف في المنطوق وتقييد فيه لبا. ولكن الكلام في أصل جواز تخصيص المفهوم، لأن بنيان المفهوم على العلة التامة المنحصرة الحقيقية، والتخصيص والتقييد يدل على هدم الأساس المزبور. اللهم إلا أن يقال: بأن الانحصار إضافي، لا حقيقي، فلا بأس بالتخصيص،


1 - مطارح الأنظار: 210 / السطر 19 - 21. 2 - تقدم في الصفحة 367 - 368 و 372 - 373. (*)

[ 375 ]

فيبقى عموم المفهوم باقيا وإن وردت عليه المخصصات الاخر، فما يظهر من بعضهم من المناقشة في التخصيص الزائد (1)، في غير محله. وهنا بحث آخر: وهو أن فرض المفهوم المخالف مع العام، مبتن على كون المنطوق والعام متوافقين، ولا يعقل غير ذلك كما هو الواضح، وقد مر منا أن في الموافقين يؤخذ بالأعم المطلق مطلقا (2)، ويحمل الأخص على الفرد الأكمل، وعندئذ يتعين في المثال المزبور الأخذ بالأعم، فلا تعارض بين المفهوم والعام. وبعبارة اخرى: يجمع بين المنطوق الأعم والعام بالأخذ بالأعم، وتطرح هيئة العام في التأسيسية كما لا يخفى، فتكون كناية عن الأكملية. إن قلت: في المتفقين المنجزين يتعين حمل الأخص على توضيح أحد مصاديق العام عرفا، وتصير النتيجة طرح هيئة الخاص في التأسيس، وذلك لامتناع اجتماع التأسيسيين على واحد شخصي وعنواني، على ما تحرر في بحث الضد (3)، وأما فيما نحن فيه فلا منع من ذلك، لأن القضية الشرطية شرطية أبدية، ولا تنقلب بعد تحقق الشرط بتية ومنجزة، فلا يلزم اجتماع الإرادتين الفعليتين على واحد، وهو إكرام الفقهاء في المثال المذكور. قلت: لاشبهة في أن مفاد عقد الحمل في القضية الشرطية، هو الحكم الإنشائي الذي لا اقتضاء له في ذاته، وإذا تحقق الشرط يعد من الأحكام التي لها الاقتضاء عقلا وبالضرورة، ويتعين بحكم العقل وجوب مقدمته، هذا ولكن مع ذلك لا شبهة في أن في التقنين العرفي بعد ضرب القانون بنحو القضية الشرطية، لا يتبدل


1 - نهاية الاصول: 332. 2 - تقدم في الصفحة 362 - 363. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 377 و 483 و 509 - 511. (*)

[ 376 ]

فيهم الإرادة باختلاف حال وجود الشرط وعدمه، وربما يكون غافلا ونائما، ومجنونا أدواريا وهكذا. وفي الشرع الإسلامي أيضا لا يقع التبادل والتصرف حسب الأفراد وأشخاص المكلفين في إرادته بالضرورة، فلابد من الجمع بين هاتين الجهتين. والذي هو الحق في المقام: ما تحرر منا في القضايا الشرطية من التفكيك بين اللب والإثبات، ومقام الثبوت والدلالات، فإن جميع الواجبات المشروطة واجبات منجزة معلقة ثبوتا ولبا، وأن المولى يريد إكرام العلماء عند المجئ، ولكن لمكان إفهام التوسعة في ناحية وجوب المقدمة، أفاد مطلوبه بنحو القضية الشرطية مثلا، فعليه كما لا يعقل الجمع بين الإرادتين التأسيسيتين المنجزتين، لا يمكن الجمع هنا، لرجوع تلك الإرادة إلى تنجيزية. وعلى هذا، قبل تحقق الشرط يراعي أحكام القضية الشرطية إثباتا، وبعد تحقق الشرط يراعي جانبها الثبوتي، ففي المثال المزبور إذا تحقق المجئ، فلا يعقل وجوب إكرام الفقهاء مرتين تأسيسا، من غير فرق بين هذا المثال الذي تكون فيه حيثية العلم والفقاهة واحدة، وبين غيره، فليتدبر واغتنم. فتحصل بناء على هذا: أن في صورة أخصية العام من المفهوم تلزم أخصيته من المنطوق، ومقتضى الجمع بين المنطوق والعام بقاء المفهوم على عمومه. نعم، على القول بجواز الأخذ بالمتفقين في صورة عدم العلم باتحاد الحكم، يلزم المناقضة بالسلب والإيجاب بين المفهوم والعام، ويخصص به العام إلا في صورة كونهما في كلام واحد. وما ربما يقال: من أن في مورد التخصيص يكون دليل سند الخاص حاكما

[ 377 ]

على أصالة العموم، وفي موارد الحكومة لا تختلف وحدة الكلام وتعدده (1)، غير صحيح، لأن ميزان الجمع بين الأدلة هو العرف، والسند عندهم ملغى ومغفول عنه بالضرورة. مع أن الحكومة متقومة باللسان. وهكذا توهم ورود دليل الخاص على أصالة العموم، وسيظهر تفصيله في محله (2). الصورة الثانية: لو كان المفهوم أعم مطلقا من العام، وكان العام بلسان الحكومة، كما لو ورد " إن جاءك زيد أكرم الفقهاء " ثم ورد " الأخباريون من الفقهاء " فإن العام يورث توسعة جانب المنطوق والمفهوم بلسان الحكومة، ويجب الأخذ بالمنطوق والمفهوم. وهذا يؤيد ما ذكرناه في صورة ورود العام الأخص بلسان التخصيص، ولا يوجب وحدة الكلام وتعدده في الدليلين، إجمالا وإبهاما على مختلف الآراء والمباني. الصورة الثالثة: لو كانت النسبة بين المفهوم والعام عموما من وجه، فإن مقتضى ذلك كون النسبة بين المنطوق وبينه أيضا عموما من وجه، والكلام فيهما على نهج واحد. ولو قيل بتقديم العام على المفهوم، لأقوائية العام المنطوقي من المفهوم، أو لأن العام مستند إلى الوضع دون المفهوم، فلا يلزم تصرف في المنطوق. وهكذا لو قلنا بتقديم المفهوم على العام، لأنه مستند إلى العلة التامة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 722 - 725. 2 - يأتي في الصفحة 387 - 389. (*)

[ 378 ]

المنحصرة الحقيقية، ولو تقدم العام عليه يلزم انتفاء المفهوم بالمرة. وفيما دار في العامين من وجه بين الدليلين، وكان يلزم من تقديم أحدهما طرح الآخر لا العكس، يتعين الأخذ بالآخر، فإنه أيضا لا يلزم تصرف في المنطوق. ومما ذكرناه إلى هنا يظهر حكم الصور الاخر. والذي هو الحق: عدم تقدم العام على المفهوم ولا العكس إلا ببعض المرجحات الخاصة، وليس عندي منها كون العام دليلا وضعيا، والمفهوم دليلا إطلاقيا. مع أن منهم من يقول بأن المفهوم وضعي التزامي، والعام إطلاقي (1). نعم، إذا كان العامان من وجه في مورد التصادق غير مرادين جمعا، وكان أحدهما جائز الطرح، للعلم الخارجي بوحدة الحكم، مثلا فيما إذا ورد " إن جاءك زيد أكرم الفقهاء " وورد " أكرم النحويين " فإنه في محط التصادق - وهو الفقيه النحوي - يكون الحكم واحدا، فإن من تقديم الأول على الثاني تنقلب نسبة المفهوم والعام، فإذا قدمنا في المثال المزبور المنطوق على العام، فتصير نتيجة التقديم وجوب إكرام الفقهاء والنحويين إذا جاء زيد، ومفهومه لا يعارض العام كما ترى. وبعبارة اخرى: في العامين من وجه المتوافقين، إذا علمنا في الجميع بكذب أحدهما، لا يلزم إلا الأخذ بالآخر، وترك العمل بأحدهما المعين، من دون تعنونه بعنوان زائد في مقام الإثبات حتى يؤخذ بظهور القيد، ففي المثال المزبور بعد تقديم المنطوق على العام، لا يلزم كون موضوع العام النحويين غير المتفقهين حتى يعارض المنطوق أيضا، وهذا من الشواهد على عدم تعنون العام أو عدم ظهور للقيد، فتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 477 و 561. (*)

[ 379 ]

المبحث الثامن في جواز تخصيص العام الكتابي بالخبر الواحد ولو صح ذلك لجاز تقييد المطلق الكتابي به أيضا، وبمثله السنة القطعية، فتأمل. والبحث هنا ليس حول أصل التصرف في الكتاب بالحديث، فإنه مما لا يكون مورد النظر، ضرورة جواز التصرف فيه إذا كان الخبر قوي السند متواترا، أو محفوفا بالقرينة القطعية، أو ما يكون قريبا منها. فيعلم من ذلك: أن الخلاف في أمر آخر، وهو أن قوة الكتاب وقوة القوانين المودعة فيه، ربما توجب كون الأخص غير قابل لكونه قرينة على ما فيه، وغير قابل لكونه مخصصا له ومتصرفا فيه، ضرورة جواز تخصيص العام الكتابي بنفس المخصص الكتابي ومقيده. فالذي أوجب تعنون البحث حول هذه المسألة، أن القوانين المضروبة في الكتاب، تكون في نفس المتشرعة بمثابة لا يمكن التصرف فيها ولو بالتخصيص أو التقييد، إلا بالخبر القوي الكذائي.

[ 380 ]

الامور التي يمكن الاستناد إليها لمنع التخصيص بالخبر الواحد وبالجملة: ما يمكن أن يستند إليه في تقريب ممنوعية تخصيص الكتاب بالخبر الواحد امور: الأمر الأول: ما اشير إليه، من أن مجرد الالتزام بحجية الخبر الواحد لو كفى لذلك، ومجرد كون الخبر أخص، لا يورث جواز التخصيص، ضرورة أنه ربما يكون العام في القوة إلى حد يشكل التصرف فيه، كما لا يجوز تخصيصه في بعض الأحيان، لما يلزم منه الاستهجان، فمجرد الأخصية غير كاف. وعلى هذا لأحد دعوى: أن التمسك بالبناء العقلائي في هذه المسألة، لا ينفع، لأن ما هو المشاهد من بنائهم هو ما يكون العام والخاص في القوة واحدة، وإذا صحت المقايسة بين ما عندنا وما عند العرف، فهو في مثل ما إذا كان العام مثلا في كتاب دستور الدولة الذي هو أساس القوانين العرفية في الدولة الكذائية، ثم بعد ذلك سمع أحد العارفين بالقوانين العامة من بعض ثقاتهم: أن في العام الكذائي المدون في الدستور، تصرفوا بضرب قانون على خلافه، ويكون هو الأخص، فهل تجد من العرف والعقلاء أن يترتب الأثر بذلك ؟ ! أم يقوم بالفحص، لقوة ما في ذلك الدستور، وللاطلاع القطعي على مفاد المخصص البالغ إليه، ويصير محفوفا بالقرينة وفي حكم التواتر ؟ إن قلت: نعم، الأمر كذلك فيما إذا لم يعهد التصرف في العمومات والمطلقات الكتابية، وأما إذا لم يكن في الكتاب عام إلا وقد تصرفوا فيه، فإنه يوجب انحطاط العمومات، ويورث كونها في معرض ذلك. قلت أولا: لم يثبت لنا تخصيص الكتاب بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة، فإنه كثيرا ما تكون المسألة ذات أخبار، وتكون عند العاملين بها في الصدر

[ 381 ]

الأول محفوفة بالقرائن، فهو لا يوجب تجويز التخصيص بالخبر الواحد الذي هو محط البحث هنا. وثانيا: إن كثيرا من التصرفات ربما لا يعد من التخصيص والتقييد، لعدم ثبوت العموم والإطلاق في الكتاب الإلهي، ضرورة أن جماعة من القوانين في موقف التشريع، من غير كونها في مقام بيان تمام المراد، ولاسيما في مثل الصلاة والصوم والحج. نعم، ربما يمكن دعوى العموم الكتابي مثلا لقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) على إشكال منا فيه. أو الإطلاق لقوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (2) على تأمل أيضا فيه. أو لقوله تعالى: * (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه) * (3). أو قوله تعالى: * (إن ترك خيرا...) * (4) وغير ذلك مما يعد كثيرا غير بالغ إلى الكثرة الموجبة للوهن في التصرف. كما أن من تخيل أن الكتاب فاقد العموم والإطلاق أصلا، بمعزل عن التحقيق. ومما ذكرنا يظهر وجه ضعف مسير المتأخرين في تجويز التخصيص، تمسكا بالبناء العقلائي (5)، كما عن الوالد - مد ظله - (6) أو تمسكا بأن عمومات الكتاب في


1 - المائدة (5): 1. 2 - البقرة (2): 275. 3 - البقرة (2): 181. 4 - البقرة (2): 180. 5 - كفاية الاصول: 274، درر الفوائد، المحقق الحائري: 228، أجود التقريرات 1: 505، نهاية الأفكار 2: 548، تهذيب الاصول 1: 517. 6 - تهذيب الاصول 1: 517. (*)

[ 382 ]

معرضه، كما في " الكفاية " (1) وغيره (2)، فإن كل ذلك في غير محله. والذي ينبغي أن يقال في المقام، وبه يختتم الكلام والمرام: إن لهذه المسألة لا يتفق موضوع، ولايستثمر منها الثمرة الواضحة، وذلك لأن بعد مضي القرون المتمادية تكون الأخبار الواحدة محفوفة بالقرائن، فإن عمل الأصحاب بها، والإفتاء على طبقها، والاعتماد عليها - مع نهاية اهتمامهم بالتحرز من المدسوسات في المآثير، ومع غاية توجههم إلى تشخيص الصحيح من السقيم - يوجب قوة الخبر، ويورث احتفافه بقرينة ما مثلها قرينة، فلا يوجد في عصرنا خبر واحد واصل إلينا غير معمول به، وغير مقرون بأمارات الصدق، فإذا احتفت الأسانيد بما يلحقها بالتواتر، أو يلحقها بالقوي المعتمد، فالتصرف بحسب مقام الدلالة جائز، لأن باب الظهورات في الكتاب والسنة واحد بالضرورة. وبالجملة: لو عثرنا على خبر لا يكون كذلك فهو موهون جدا، فافهم واغتنم جيدا. نعم، بناء على القول بعدم موهنية الإعراض (3)، يمكن الاستنتاج من هذه المسألة، كما لا يخفى. الأمر الثاني: أن دليل حجية الخبر الواحد سواء كان إجماع مثل الشيخ (قدس سره) في " العدة " (4) أو كان بناء العرف والعقلاء، يكون دليلا لبيا لا إطلاق له على نعت الوضوح، والقدر المتيقن منه ما إذا كان الخبر غير مخالف للكتاب والسنة القطعية، ولو بنحو المخالفة الخاصة كالأعم والأخص، فضلا عن التباين.


1 - كفاية الاصول: 265 و 275. 2 - أجود التقريرات 1: 505، نهاية الاصول: 367. 3 - مصباح الاصول 2: 203. 4 - عدة الاصول: 51 / السطر 7 - 12. (*)

[ 383 ]

ومجرد كون الدليل هي السيرة غير المردوعة - كما في كتاب " التهذيب " (1) وغيره (2) - غير كاف لحل المشكلة في المقام، وقد اشير إلى أن لما نحن فيه خصوصية لا تكون هي شائعة بين العقلاء (3)، حتى تكفي سيرتهم لكشف حالها، فعلى هذا يشكل حجية خبر الثقة هنا، كما استشكلوا في الإخبار مع الوسائط الكثيرة (4). هذا مع أنه ربما يتفق من الأخذ بخبر الواحد التصرف في العامين من الكتاب أو أكثر، كما إذا ورد مثلا النهي عن بيع المصحف (5)، فإنه يوجب التصرف في عموم آية الوفاء، وإطلاق آية حلية البيع، وآية التجارة (6) وغير ذلك (7)، فلاحظ. وبالجملة: سيمر عليك في ذيل الوجه الآتي المناقشة في حجية أخبار الآحاد غير المحفوفة بالقرينة (8)، وذلك لتلوث عصر الصدور بالأخبار الكاذبة، وقد كانوا يدسون كثيرا فيها بوضع رسائل مسندة منسوبة إلى أمثال ابن أبي عمير، وعندئذ يصح الشك في حجيتها، لأجل الطوارئ الخاصة، بعد عدم قيام دليل لفظي يقتضي إطلاقه أو عمومه حجيتها، كما لا يخفى، وليتدبر جيدا. الأمر الثالث: قضية الأخبار الكثيرة البالغة حد الاستفاضة أو التواتر،


1 - تهذيب الاصول 1: 517، و 2: 133 - 134. 2 - نهاية الاصول: 365، محاضرات في اصول الفقه 5: 312. 3 - تقدم في الصفحة 376 - 377. 4 - فرائد الاصول 1: 122، كفاية الاصول: 341 - 342، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 177 - 183، نهاية الاصول: 494 - 496. 5 - الكافي 5: 121 / باب بيع المصاحف، وسائل الشيعة 17: 158، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 31. 6 - النساء (4): 29. 7 - نحو قوله تعالى: * (خلق لكم ما في الأرض جميعا) * البقرة (2): 29. 8 - يأتي في الصفحة 385 - 387. (*)

[ 384 ]

ممنوعية العمل بالخبر المخالف للكتاب، ولزوم طرحه، وأنه " زخرف " و " لم نقله " (1). وبعبارة اخرى: إن الأخبار الواردة في شرط العمل بالخبر بين ماهي مطروحة، كالأخبار الدالة على شرط وجود شاهد أو شاهدين في كتاب الله (2)، فإنها - مضافا إلى عدم تواترها، فيلزم سقوطها لأجل مضمونها أيضا في حد ذاتها - غير معمول بها، ومعرض عنها بالاتفاق والإجماع والسيرة، ضرورة عدم اشتراط حجية الخبر بوجود شاهد أو شاهدين من كتاب الله عليه. مع أن في ذلك طرح الحجية، لأن الكتاب يصير حينئذ حجة وموجها. نعم، لا منع من حملها على المسائل الاعتقادية، أو على كون الكتاب مرجحا، فيكون مصبها مقام المعارضة بين الأخبار. وبين ماهي ناظرة إلى مقام العلاج (3)، فتكون دليلا على اشتراط الحجية الفعلية بموافقة الكتاب وعدم مخالفته، لا أصل الحجية. وربما يرجع ذلك أيضا إلى مرجعية الكتاب في هذه الصورة، اللهم إلا من جهة الإطلاق والعموم، فإن الخبرين المتعارضين إذا رجح أحدهما بموافقة الكتاب، وكان الكتاب يوافقه في الجملة، والخبر عام أو مطلق، يكون المرجع الخبر، والكتاب يصير مرجحا، فلا تخلط. وبين ما تدل على اشتراط حجية الخبر بكونه موافقا للكتاب (4)، وبالجملة


1 - الكافي 1: 69 / باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9. 2 - الكافي 1: 69 / 2، و 2: 176 / 4، وسائل الشيعة 27: 112، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 11 و 18. 3 - الكافي 1: 67 / 10، وسائل الشيعة 27: 106 و 118، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1 و 29. 4 - الكافي 1: 69 / 1 و 5، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 10 و 15. (*)

[ 385 ]

يجب عرضه عليه، ثم يؤخذ بالموافق، ويطرح المخالف أو غير الموافق. وهذه الطائفة إما ترجع إلى الاولى، أو الثانية، أو يحمل الموافقة والمخالفة فيها على الموافق والمخالف في محيط التقنين والتشريع، لا في محيط التأليف والتصنيف، فيكون الخاص والمقيد موافقا وغير مخالف، ويكون المراد من " الموافق " ما يكون وفقا ويوافق الكتاب وقابلا لذلك، أو يراد من " الموافق " غير المخالف. فبالجملة تحصل: أن من هذه الطوائف الثلاث لا يلزم طرح الطائفة الرابعة بالمرة، وهي ما تدل على أن الخبر المخالف زخرف (1)، فإن هذه الأخبار قابلة للمنع عن حجية الخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة. وإن شئت قلت: ليست هنا إلا طائفة واحدة، والثالثة والرابعة ترجعان إليها في الحقيقة، ويصير مضمون الكل: أن حجية الخبر مرهونة بالاحتفاف بالقرينة وبالتواتر وما بحكمه كالاستفاضة، ضرورة أن هذه الأخبار لو سيقت للمنع عن خبر الواحد، فلابد وأن لا تشمل نفسها، ويكون هو - لمكان كثرتها - دليلا على انصرافها عن المحفوف بالقرينة والمتواتر وما بحكمه. فلا يتوجه إليها ما وجهه الاصوليون: من أن إباءها عن التخصيص، دليل على اختصاصها بغير هذه المواقف، فتكون محمولة على الأخبار في الاصول الاعتقادية، أو غير ذلك من المحامل الممكنة (2). وبالجملة: حملها على المخالفة بالتباين (3) خلاف إطلاقها، وحملها على الاصول الاعتقادية (4) أيضا خلاف إطلاقها. مع أن الاعتقاديات لا تنال من الأخبار والآيات.


1 - وسائل الشيعة 27: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 12 و 14. 2 - مطارح الأنظار: 211 - 212 / السطر 1 - 9، كفاية الاصول: 279، نهاية الاصول: 367. 3 - مطارح الأنظار: 212 / السطر 5 - 8، نهاية الأفكار 1: 549، نهاية الاصول: 367. 4 - فرائد الاصول 1: 114، مطارح الأنظار: 212 / السطر 8 - 9، نهاية الاصول: 367. (*)

[ 386 ]

فبناء على هذا يتم الاستدلال بها على منع حجية الخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة إذا كان مخالفا للكتاب، أو كان غير موافق له، ضرورة أن المراد من " غير الموافق " ما يرجع إلى المخالف، لا إلى الطائفة الاولى، فلا تخلط. فتحصل: أن لإمكان منع تخصيص الكتاب بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة، وجها قويا جدا، وسر ذلك انصرافها عن المتواتر وعن المحفوف بالقرينة، وذلك لسبق تخصيص الكتاب بهما. بل لو كانوا يخصصونه بالخبر الواحد، ولكن هذه المآثير بصدد توجيه المحدثين إلى صرف الوقت في تشخيص المدسوس من غيره، فإن المتواتر والمحفوف بالقرينة بعيد عن الدس، بخلاف الواحد غير المحفوف، فلاحظ جيدا. وإنما الشأن في عدم إمكان العثور على مثله في هذه العصور، لاحتفافه بالقرائن كما اشير إليه (1). وربما يؤيد ذلك ما في حواشي جدي العلامة - مد ظله -: " من أن الكذابين على الأئمة (عليهم السلام) بالأخبار الموضوعة، لم يكذبوا عليهم بما يخالف الكتاب والسنة صريحا، إذ لا يصدقهم أحد في ذلك، بل كانوا يكذبون عليهم بما يخالف الكتاب والسنة مخالفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، وأمثال ذلك مما يصدر عنهم أحيانا، حتى يكون قابلا للقبول " (2) انتهى. إن قلت: يجوز حمل هذه الأخبار على المخالف بالبينونة، وأنه المخالف في محيط التشريع والتقنين، لا العام والخاص وأمثالهما (3)، كما اشير إليه (4).


1 - تقدم في الصفحة 382. 2 - غرر العوائد من درر الفوائد: 90. 3 - تهذيب الاصول 1: 517 - 518. 4 - تقدم في الصفحة 385. (*)

[ 387 ]

قلت: نعم، هذا مجرد استسحان وذوق، وهل يجوز الاتكاء عليه على وجه يعد حجة بينك وبين المولى، بعد ورود الأخبار بطرح المخالف ؟ ! ولا شبهة في صدقه على الأخص لغة وعرفا. إن قلت: وبعدما احرز بناء المعاندين على الدس والخلط، فما وجه تخصيص الكتاب بالمخالف المتواتر، أو المخالف المحفوف ؟ قلت: ذلك لما مر من أن أصل صدور هذه الأخبار، دليل على انصرافها عن مطلق المخالف (1)، لقطعية التخصيص والتقييد بالآحاد في الجملة قبل صدورها، فكأنها تسوق الناس والفقهاء إلى المحافظة، وإلى تشخيص الصحيح من السقيم، بإعمال الجد والاجتهاد، وبالتفتيش عن حال الخبر، وعن قرائن خاصة توجب أنها صادرة عنهم (عليهم السلام) فإن الدس في الأخبار كان كثيرا، وفي هذا المحيط لا يجوز عند النقل والعقل الاتكاء على الخبر الواحد المجرد عن كل قرينة، فلا يجوز قياس محيط العرف والعقلاء بمحيط الشرع في تلك الأعصار، لأجل هذه المآثير الحاكية لنا اغتشاش الأخبار بيد عمال السلطان الجبار لعنه الله تعالى. تذنيب: وفيه فذلكة وجوه منع التخصيص قد تحصل مما ذكرناه: أن للمناقشة في أصل هذه المسألة وأساسها، وجوها ثلاثة: أحدها: إنكار وجود العام والمطلق في الكتاب الإلهي، وقد مر ما فيه (2). ثانيها: ما أبدعناه، وهو إنكار وجود الخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة في


1 - تقدم في الصفحة 385. 2 - تقدم في الصفحة 381. (*)

[ 388 ]

هذه الأعصار، وعدم ثبوت السيرة السالفة على التخصيص بغير المحفوف بالقرينة. ثالثها: إنكار كون الخاص مقدما على العام بالتخصيص، فإنه يقدم عليه بالحكومة، وذلك لأن دليل سند الخاص - ولو كان ضعيفا - قرينة على التصرف في أصالة العام، ولا عكس، فلا موقف لتخصيص الكتاب. وأما الحكومة عليه فلا بأس بها قطعا (1). وفيه ما مر في البحث السابق (2)، وتفصيله في التعادل والترجيح، وإجماله أن الحكومة متقومة باللسان، ولا لسان لأدلة حجية السند إلا بناء العقلاء عملا والسيرة العرفية. هذا أولا. وثانيا: مصب المعارضة هي المداليل والمتون عرفا، ولايجوز صرف مصب التخالف والتكاذب إلى ما يحلله العقل، ولذلك ترى أن في محيط القوانين العرفية، لا يلاحظ إلا متون القوانين، فلا تغفل. وثالثا: لو أمكن أن يكون دليل سند الخاص قرينة على أصالة العموم، فعكسه ربما يعد أولى لأخصيته، فليتدبر جيدا. ثم تحصل: أن للمناقشة فيما اشتهر من جواز تخصيص الكتاب بالواحد المجرد (3)، وجها أو وجوها قوية جدا، فلايغرك الأمر، فإنه نهي عن الغرر، وتبين في خلال البحث إمكان المناقشة بالنسبة إلى السنة القطعية أيضا (4)، إلا أن لدعوى الفصل بينها وبين الكتاب وجها وجيها.


1 - أجود التقريرات: 504 - 505. 2 - تقدم في الصفحة 376 - 377. 3 - معالم الدين: 147 / السطر 3، قوانين الاصول 1: 308 / السطر 18 - 19، مطارح الأنظار: 210 / السطر 29، كفاية الاصول: 274. 4 - تقدم في الصفحة 380 - 384. (*)

[ 389 ]

إيقاظ: حول حكومة الخبر المجرد من القرينة على العام الكتابي تحكيم الخبر الواحد على العام الكتابي مما لا بأس به، كحكومة دليل نفي الربا في موارد كثيرة (1) بالنسبة إلى العام الكتابي (2) الآبي عن التخصيص جدا. وإنما الإشكال فيما إذا كان دليل الحاكم غير محفوف بالقرينة، فإنه أيضا كالتخصيص وإن لم يكن يبلغ إلى حده، فإن ما في ذيل الوجه الثالث - الذي يعد وجها رابعا في الحقيقة (3) - لا يفرق بينهما، فإن الحكومة وإن لم تعد تصرفا في محيط العرف، ولا يعد دليل الحاكم مخالفا حتى يشكل حجيته للوجهين: الثاني، والثالث، ولكن لكونه في وجه آخر يعد من التصرف يشكل الأمر أيضا، فإن ظلمة محيط الأخبار لأجل الدس في الآثار، يوجب الشك في جواز الاتكاء على المآثير المجردة عن القرائن الخاصة جدا، والله هو المحيط والموفق. قد تم يوم السبت آخر ذي القعدة الحرام شرعا، عام 1393 النجف الأشرف.


1 - الكافي 5: 147 / 1 - 3، الفقيه 3: 179 / 4000 - 4002، وسائل الشيعة 18: 135 كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 7. 2 - البقرة (2): 275. 3 - تقدم في الصفحة 384 - 385. (*)

[ 391 ]

المقصد السادس في المطلق وال‍ مقيد

[ 393 ]

تمهيد قبل الخوض في اصول البحوث لا بأس بتقديم جهات: الجهة الاولى: في بيان ما ينبغي أن يبحث عنه في المقام قد تعارف بينهم تعريف المطلق والمقيد أولا، ثم توضيح النسبة بينهما وتقابلهما ثانيا، ثم البحث عن أنهما هل يكونان واقعيين أم إضافيين ثالثا، ثم البحث عن أسماء الأجناس وأعلامها، وعن معنى النكرة، وعن المفرد المعرف، وأمثال ذلك. ثم بعد ذلك عن تقاسيم الماهية وأقسامها الثلاثة، وعما هو المقسم، وأنه هل هو اللابشرط المقسمي، أو القسمي، أو المجرد عنهما، وقد تعارف ذلك وبلغ غايته ونهايته، واختلفوا في هذه المسائل كثيرا. والذي ربما يخطر بالبال أن هذه المباحث مما لا فائدة فيها، وتكون إلى جنب المطلق والمقيد كالحجر في جنب الإنسان، وذلك لما لا ثمرة أولا في الاطلاع على مفهوم " المطلق والمقيد " ولا في معلومية تقابلهما، ولا غير ذلك من البحوث الطويل ذيلها: أما بالنسبة إلى البحوث الأوائل الثلاثة، فلعدم وقوعهما في موضوع الأدلة الشرعية حتى يترتب على ذلك لزوم تعريفهما و... إلى آخره.

[ 394 ]

وأما بالنسبة إلى البحوث الاخر اللفظية واللغوية والعقلية، فلأن صفة الإطلاق والتقييد، وبحث المطلق والمقيد، من البحوث العقلية العقلائية، ومن الانتزاعيات عن الأفعال الاختيارية، كما يأتي تفصيله عند ذكر مقدمات الحكمة (1)، ضرورة أن الإطلاق ينتزع من جعل المقنن شيئا موضوعا لحكمه، وبما أنه فعله الاختياري يكون هو موضوع حكمه، ولا شئ آخر دخيل فيه، وإلا فبما أنه مختار ومريد وذو غرض، فعليه جعل قيد له من القيود الراجعة إلى التنويع، أو التصنيف، أو كان يرجع إلى التوصيف، كتقييد الأعلام الشخصية، فإن الكل مشترك في الاندراج تحت التقييد. وعلى كل حال: ليسا من أوصاف الألفاظ حتى يصح البحث اللغوي، ولا من الاعتبارات العقلية، كاللابشرطية، والبشرط لائية، حتى ينفع تلك المباحث العقلية، فعليه يسقط جميع ما صنعوه في هذه المباحث، ويتبين أجنبيتها عن بحوث المطلق والمقيد، وأنه لا ثمرة في ذلك، وتبين أيضا أن عد مباحث المطلق والمقيد من مقاصد البحوث اللفظية، في غير مقامه، فإنه أشبه بالبحوث العقلية. أقول أولا: إن من ثمرات المباحث الاصولية تقديم العام على المطلق عند المعارضة، وعلى هذا لابد من تعريف المطلق حتى يعلم حقيقته. اللهم إلا أن يقال بعدم تقديمه عليه، وهو القول الفصل والرأي الجزل، ولا ينافيه ذهاب جمع إلى التقديم المذكور (2)، ويكفي ذلك ثمرة للبحث كما لا يخفى، فلاينبغي الخلط. وثانيا: من ثمرات البحوث الاصولية القاعدة المعروفة وهي " أن كلما امتنع


1 - يأتي في الصفحة 423 وما بعدها. 2 - فرائد الاصول 2: 792، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 729 - 731، منتهى الاصول 2: 566 و 568. (*)

[ 395 ]

التقييد امتنع الإطلاق " وقد قررها جمع منهم مبنيا على أن تقابل الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة (1)، فلابد من تشخيص التقابل بينهما حتى تترتب عليه القاعدة المعروفة. ومجرد قولنا: بأن القاعدة المزبورة غير تامة، أو القول: بأن القاعدة تتم ولو كان بينهما تقابل آخر، كالتضاد، والسلب والإيجاب، لا يضر بإمكان ترتب الثمرة عند جمع آخر، وهذا وأمثاله يكفي للخروج عن لغوية البحث جدا. وثالثا: لو كان الإطلاق والتقييد من المفاهيم الثابتة الواقعية - كمفهوم الاسم والفعل والحرف - لما كان تصوير الإطلاق لدليل المقيد ممكنا، فلابد من التنبيه على أنهما من قبيل مفاهيم الفوقية والتحتية اللذين يمكن اجتماعهما في الواحد الشخصي باعتبارين. ورابعا: قد نسب إلى المشهور إلى عصر سلطان المحشين (قدس سره) أن الإطلاق من أوصاف الألفاظ، وأن الدال عليه - كالدال على العموم - يكون بالوضع (2)، وقد اختاروا لذلك أمثالا كأسماء الأجناس وأعلامها، بل والنكرة في بعض الصور وهكذا، فلابد من التعرض لهذه المفاهيم حتى تتبين صحة هذه المقالة وعدمها، ويتضح أن الإطلاق واقعا مما يدل عليه اللفظ بالوضع، أم لا كما عليه المشهور المتأخرون (قدس سرهم) (3). ثم إنه لما كان الاطلاع على هذه المسألة بحدودها الوافية، موقوفا على فهم اعتبارات الماهية والعناوين العامة الكلية، انجر البحث إلى الفحص عنها وعن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 146، نهاية الاصول: 371، منتهى الاصول 1: 137 - 138. 2 - شرح العضدي: 284، معالم الدين: 154 / السطر 3 - 4. 3 - مطارح الأنظار: 218 / السطر 17، كفاية الاصول: 287، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 566. (*)

[ 396 ]

أقسامها، وكان النظر في ذلك إلى بيان ما يمكن أن يكون موضوعا له بهذه الألفاظ. إن قلت: لنا أن نسأل عن ثمرة هذا الاختلاف المنسوب إلى المشهورين: القدماء، والجدد. قلت: سيمر عليك أن من ثمراته لزوم المجازية بعد التقييد (1)، وسقوط الحجية بعد المجازية. ولو أنكرنا لزوم المجازية مطلقا، أو أثبتنا الحجية ولو لزمت المجازية، كما ذكرناه في العام والخاص (2)، ولكنه لا يستلزم سقوط البحث، لإمكان ذهاب جمع من الاصوليين إلى الملازمة الاولى، أو كلتا الملازمتين كما لا يخفى. هذا مع أن مقتضى ما نسب إلى الثمرة الاولى هو أن الألفاظ موضوعة للمعاني المطلقة، فلا نحتاج لإثبات الإطلاق إلى مقدمات الحكمة، فتأمل. فتحصل حتى الآن: أن عقد البحث لكل واحد من هذه البحوث المشار إليها حقيق، لما يترتب عليها من الفوائد والآثار. وغير خفي: أن للتفصيل وجها وجيها، وهو أن ما كان من الألفاظ موضوعا للمعاني الكلية، فهو مطلق لا يحتاج إلى مقدمات الإطلاق مثلا، وما كان منها موضوعا للمعاني الجزئية - سواء كان الوضع فيها عاما، أو خاصا كالمعاني الحرفية والأعلام الشخصية على المشهور (3) - فهي ليست مطلقة، ولا منع من الاحتياج في إثبات الإطلاق إلى مقدمات الحكمة، ضرورة أن الإطلاق والتقييد في المعاني الكلية هو التوسع والتضييق، وفي المعاني الجزئية هو اللا توصيف والتوصيف. ولست أقول باختلافهما مفهوما حسب اختلاف موردهما، بل المقصود


1 - يأتي في الصفحة 417. 2 - تقدم في الصفحة 215 وما بعدها. 3 - معالم الاصول: 128 / السطر 9 - 12، قوانين الاصول 1: 287 / السطر 5 - 9 و 17 - 18، الفصول الغروية: 16 / السطر 2 - 12، مناهج الوصول 1: 80. (*)

[ 397 ]

اختلاف آثارهما باختلاف المواضيع. الجهة الثانية: الفرق بين الإطلاق هنا وما في أبواب الأوامر والنواهي ليس المراد من " الإطلاق " في هذا المقصد، ما هو المراد من الإطلاق المتمسك به في أبواب الأوامر والنواهي، ويقال هناك: إن إطلاق الأمر يقتضي النفسية والعينية والتعينية، وإطلاقه يقتضي الوجوب الفعلي المنجز وغير ذلك، وهكذا في ناحية النهي، وقد مر منا مرارا الفرق بينهما في مواقف الخلط بين الإطلاقين، وذكرنا أن الإطلاق المقصود في تلك المقاصد والمباحث، يشبه الإطلاق المتمسك به لتعيين أحد المعاني في الاشتراك اللفظي. فكما إذا كان لفظ ذا معان كثيرة، وكان إذا يستعمل ويراد منه واحد من تلك المعاني، يؤتى بقرينة خاصة، وإذا يراد منه معناه الشائع فلاتقام قرينة وجودية عليه، بل يكتفى حينئذ بالقرينة العدمية، فإنه في هذا الموقف يصح أن يقال: إذا أطلق المولى لفظة " العين " فهو يقتضي كونها الباصرة، وذلك لما استكشف من حاله بناؤه على الاعتماد على القرينة العدمية فيما أراد منها هذا المعنى، وتلك القرينة العدمية هي عدم الإتيان بالقرينة الوجودية الخاصة. فهكذا الأمر هنا أي في الأوامر والنواهي، ضرورة أن المولى والعرف اتخذوا في إفادة الوجوب النفسي... إلى آخره - مع أن الهيئات موضوعة لمعنى يشترك فيه الندب والوجوب والنفسية والغيرية - طريقة خاصة، وهي إفادة هذه الحصة بعدم ذكر قرينة على الحصة الاخرى، وقد مر تفصيله في مباحث الأمر والنهي (1). فعلى هذا يظهر: أن باب الإطلاق في تلك المباحث، باب الإلقاء والاستعمال


1 - تقدم في الجزء الثاني: 109، وفي هذا الجزء: 26 و 73. (*)

[ 398 ]

والاتكاء على القرينة العدمية، ولا يشبه بوجه المراد من " الإطلاق " في هذا المقصد أصلا، ضرورة أن ذلك الإطلاق يرجع إلى تعيين القسم، لا المقسم والجامع المحفوظ في الأطوار والحالات، والإطلاق هناك يرجع إلى التضييق، لامتناع إرادة الجامع ثبوتا، لما أن المعاني الحرفية لا جامع بينها، أو للقطع بأن المولى والمتكلم المقنن لا يريد الجامع، أو لا يمكن أن تتعلق به الإرادة التشريعية، كما لا تتعلق به الإرادة التكوينية. فما يظهر من العلامة النائيني في المقام (1) ليس في محله. ويظهر مما ذكرناه ما هو المراد من " الإطلاق " في قولهم: " إطلاق العقد يقتضي نقد البلد " وأمثاله (2). ومن هذا الباب أيضا التمسك بالإطلاق في باب المفاهيم لإثبات العلية التامة المنحصرة، مع أن الألفاظ موضوعة فيها للمعنى الأعم، وهكذا هيئة الجملة الشرطية. فتحصل: أنه لابد من مراعاة هذا المعنى في تعريف المطلق في المقام، وأنه لا يكون يشمل المطلق في تلك البحوث، فليغتنم. تذنيب: حول الإطلاق في المعاني الحرفية بناء على كون الحروف كالمعاني الاسمية في الكلية (3)، فالإطلاق فيها مثل الإطلاق في الأسماء، إلا فيما ذكر في الأمر وشبهه، مما لا يكون الجامع مورد الإرادة، أو لا يمكن أن تتعلق به الإرادة، لاحتياج الإرادة إلى المراد، ولاحتياج


1 - فوائد الاصول 2: 563. 2 - الروضة البهية 1: 396 / السطر 14، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 563. 3 - كفاية الاصول: 25. (*)

[ 399 ]

المراد إلى الفصل المتحصل به، فلا يكون معنى الهيئة في الأمر والنهي قابلا لتعلق الإرادة به كما لا يخفى، فمتعلقها حصة منه. وأما على القول: بأنها معان خاصة جزئية (1) فالإطلاق والتقييد الواردان عليهما - بناء على إمكان تقييد المعاني الحرفية - فهما بحسب المعنى عين الإطلاق والتقييد الواردين على المعاني الكلية، فإن من التقييد يحصل الضيق، ومن الإطلاق تحصل التوسعة، ويكون الجامع المحفوظ في الأطوار والحالات مرادا وقابلا للإرادة، فالواجب المطلق المشروط والمقيد، كالرقبة المطلقة والرقبة المقيدة. نعم، يختلف أثرهما، فإن الواجب المطلق إذا صار مقيدا فلاينقسم إلى حصتين وقسمين، بل يرجع إلى التضيق الذاتي، وأما الرقبة المطلقة فتنقسم بالتقييد إلى حصتين ورقبتين خارجيتين، إحداهما: موضوع الحكم، والاخرى: موجودة وليست موضوعا للحكم، وهذا الاختلاف لا يورث اختلافا في محل الكلام ومحط البحث في المقام، فلابد في تعريف المطلق من مراعاة هذا الأمر، حتى يكون منطبقا على هذا القسم الجاري في الأعلام الشخصية والجزئيات الخارجية، ضرورة أن من مواقف التمسك بالإطلاق التمسك بالأخبار التي موضوعها " بيت الله الحرام، والكعبة المعظمة، ومنى، والمشعر، وعرفات " وغير ذلك، ومن مواقف إمكان طرو التقييد أيضا هذه المواضيع بالضرورة. نعم، التقييد في الكليات يوجب تقسيمها، وفي الجزئيات يعد من التوصيف الذي يعد أحيانا من القرينة المعينة، واخرى من القرينة الصارفة، من غير حاجة إلى إرجاع زيد في " أكرم زيدا العالم " إلى المسمى بزيد حتى يكون من تقييد الكلي، كما لا يخفى.


1 - قوانين الاصول 1: 287 / السطر 17 - 18، الفصول الغروية: 16 / السطر 2 - 12، مناهج الوصول 1: 80. (*)

[ 400 ]

الجهة الثالثة: في موارد إطلاق المطلق والمقيد اعلم: أنه تارة، يطلق " الإطلاق والتقييد " في مباحث الوجود وبالنسبة إلى حقيقته الخارجية، فالمطلق هنا بمعنى سعة الوجود وبسطه، والمقيد هو الوجود المحدود، وهذان الأمران متقابلان بتقابل واقعي على وجه، لا مفهومي، ولا يندرجان تحت أحكام المفاهيم، والبحث حول ذلك خارج عن الفن. وغير خفي أنهما واقعيان حينئذ، لا إضافيان. واخرى: يطلقان في بحوثه بالنسبة إلى مفهوم الوجود، فهما أيضا متقابلان، إلا أنهما يشبهان تقابل التضاد، ولا معنى لاعتبار تقابل العدم والملكة في باب المفاهيم، كما لا يخفى، وهما من النعوت الواقعية هنا أيضا، ويعد الإطلاق خارج المحمول لذلك المفهوم. وثالثة: يطلقان في مباحث الماهية ويقال " تنقسم الماهية إلى أقسام ثلاثة: مخلوطة، مطلقة، مجردة " (1) ومقتضى هذا التقسيم كون الماهية ذات اعتبار آخر المجامع مع كونها مقسما، غافلين عن عروض المقسمية، وعن اعتوار هذا الطارئ، فإنه به يلزم الخلف، وتصير مخلوطة. وعلى هذا من توهم: أن اعتبار المقسمية، واعتبار الفراغ عن القسمية والمقسمية متخالفان (2)، فقد اشتبه عليه الأمر، لأن اعتبار الفراغ عنهما أيضا خلط بهما، فيكون هذا دائرا مدار اللحاظ. فما هو المقسم هنا مثل ما هو المقسم في تقسيم الكلمة، فكما لا يكون المقسم اسما ولا فعلا ولا حرفا في ذاتها بذاتها، كذلك المقسم في هذه الأقسام،


1 - كشف المراد: 86 - 88، الحكمة المتعالية 2: 16 - 22، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 95. 2 - نهاية الدراية 2: 492 - 494. (*)

[ 401 ]

وكما يعتبر التغافل عن المقسمية حين الاقتسام، كذلك الأمر هنا، للزوم الخلف. وهذان إن لوحظا في عالم المفهومية، فيكونان متقابلين تقابل التضاد على الأشبهة، وإذا نظرنا إلى خارجيتهما وما في الحركة المتدرجة، فالنسبة من تقابل العدم والملكة، والبحث عن هذا أيضا خروج عن طور الكتاب، وقد فصلنا ذلك في " قواعدنا الحكمية ". والذي هو مورد النظر هنا توضيح أن الإطلاق الثابت في التقاسيم، بين ما هو الإطلاق الواقعي غير الملحوظ، كالإطلاق الثابت لطبيعة الإنسان، ولطبيعة الحيوان وهكذا، وهذا إطلاق ينتزع من مقام ذات الماهية، ويكون من خارج المحمول، ومن ذاتي باب البرهان، بخلاف الإطلاق الموصوفة به الماهية المعبر عنه ب‍ " اللابشرط القسمي " فإنه من المحمول بالضميمة. وهذا هو تمام الفرق والامتياز بين اللابشرط المقسمي والإطلاق المقسمي، واللابشرط والإطلاق القسمي، وهذا الإطلاق من الأوصاف الواقعية غير المختلفة باختلاف الموضوعات واللحاظات. وبين ما هو الإطلاق الإضافي والنسبي، ويكون أيضا من المحمول بالضميمة، وهو كإطلاق الرومي والزنجي، فإنه أيضا ينقسم إلى أقسام وأصناف، ولكن مجرد طرو التقسيم لا يشهد على الإطلاق الذاتي، كما هو ظاهر. ومن هذا القبيل إطلاق الرقبة المؤمنة، وإطلاق البيع الربوي والغرري وهكذا، فإن كل مقيد مطلق بالإضافة إلى ما يزيد عليه ويمكن أن يلحقه. ثم إن النسبة بين الإطلاق الذاتي الواقعي والتقييد العرضي، تشبه تقابل التضاد، وليسا متضادين في الاصطلاح، والنسبة بين الإطلاق العرضي والتقييد الإضافيين، تشبه بتقابل العدم والملكة، وليسا منه حسب الواقع حتى يترتب عليه آثاره. ومن تلك الآثار المتوهمة القاعدة المعروفة " كلما امتنع التقييد امتنع

[ 402 ]

الإطلاق " وقد مر منا فسادها في مباحث التعبدي والتوصلي (1). وبالجملة: هذه القاعدة تتم إذا كان التقابل بينهما من العدم والملكة واقعا، كما في المتدرجات الخارجية والمتمكنات بالإمكان الاستعدادي، وأما في الامور الاعتبارية والأوصاف الإضافية فلا متحرك، ولا مادة حاملة للإمكان الاستعدادي، كما هو غير خفي على أهله. أحكام المطلق والمقيد والنسبة بينهما ومن هنا يظهر مواضع الخلط في كلمات القوم، ومواقف الخلط بين موارد إطلاق المطلق والمقيد، ولا بأس بالإشارة إليها بتفصيل حتى لا يقع الباحث في القلق والاضطراب: الأول: إطلاق الوجود الخارجي هي سعته الواقعية المبسوطة على رؤوس الماهيات الإمكانية، كسعة النور الحسي في وجه تقريبي. الثاني: بين هذا الإطلاق والتقييد الذي هو تحديد الوجود واقعا، ليس تقابل بالضرورة إلا في وجه غير مفهومي. الثالث: هذا الإطلاق واقعي لا إضافي، كما أن الوجود المقيد المحدود أيضا تقييد واقعي. الرابع: إطلاق مفهوم الوجود واقعي، كما أن تقييده واقعي، وأن إطلاقه ليس بمعنى سعته المحتوية للأشياء الكثيرة، بل سعته بمعنى صحة حمله على جميع الأشياء، قضها وقضيضها، وبمعنى عدم تقييده بشئ خارج عن ذاته، وبمعنى انتزاع


1 - تقدم في الجزء الثاني: 149 - 152. (*)

[ 403 ]

مفهوم الإطلاق من ذاته بذاته، ويكون خارج المحمول له، وكل ذلك عبارات مختلفة تشير إلى معنى واحد. الخامس: تقابلهما يشبه التضاد. السادس: الماهية المطلقة المنقسمة إلى الأقسام الثلاثة أو الأكثر، ليست موضوعة بالإطلاق، ولا ملحوظا فيها عدم الإطلاق، بل الإطلاق ذاتي لها، وهي لا تخرج بما هي الجامع لها إلى الأقسام الثلاثة في موقف تحليل العقل، وليست فارغة عن الإطلاق الواقعي. السابع: لا معنى لأن يكون اللابشرط المقسمي ملحوظا فيه المقسمية، ولا ملحوظا فيه الفراغ عن القسمية والمقسمية، فإن الكل من المخلوطة، فما ظنه العلامة المحشي هنا ونسبه إلى بعض أرباب الفن الأعلى (1)، غير راجع إلى محصل. الثامن: التقابل بين هذا الإطلاق الذاتي الواقعي، وبين التقييد العارض عليه المجامع مع إطلاقها الذاتي الواقعي، يشبه تقابل التضاد، وهذا الإطلاق أيضا واقعي، لا إضافي، ضرورة أن الماهية الإنسانية مثلا، كما لا تنقلب عن إمكانها الذاتي بالوجود وتبعاته إلى الوجوب الذاتي، وتكون مع وجوبها الغيري الإضافي العرضي ممكنة بذاتها، فاشمت رائحة الوجود، ولم تشم، كذلك لا تنقلب عن إطلاقها الذاتي بعروض الرومية والزنجية، فإنهما أعراض وعوارض تلحقها، وضمائم تطرؤها، ومعنى الإطلاق هنا أيضا ليس السعة الخارجية، أو السريان والشيوع. التاسع: أن لكل شئ إطلاقا عرضيا إضافيا يزول بعروض القيد، من غير فرق بين الماهيات الأصلية والاعتبارية، وهذا الإطلاق ليس معناه التوسعة الواقعية الجامعة للشتات، ولا معناه السريان، فإن الإطلاق السرياني يصح في القسم الأول


1 - نهاية الدراية 2: 492 - 494. (*)

[ 404 ]

من الإطلاق، وأما سائر أقسام الإطلاق، فمعنى سريانه وسعته صحة صدقه على كل ما كان تحته. وهذا القسم من الإطلاق أي الفرض الأخير، هو الإطلاق المنتزع من الشئ في الكلام الإخباري، أو الإنشائي، فإذا كان في الإخباريات فيسمى ب‍ " القضية المطلقة العامة " هكذا في تقاسيم القضايا في المنطق (1). وإذا كان في الإنشائيات فيسمى الكلام ب‍ " المطلق " وب‍ " أنه بلا قيد " فيعتبر هذا الإطلاق لا من مقام ذات الشئ، فيكون من المحمول بالضميمة، ضرورة أن وصف الإطلاق هنا، يرجع إلى أنه صفة عرضت للكلام من ناحية عمل المقنن والمتكلم، كما يأتي بتفصيل كيفية دخالة عمله في طرو هذا القسم من الإطلاق على الجمل الإنشائية (2) إن شاء الله تعالى. العاشر: هذا الإطلاق والتقييد إضافيان، وتقابلهما يشبه العدم والملكة، وفي اعتبار آخر يشبه التضاد، ضرورة أنه وصف ينتزع من اللاتقييد. الحادي عشر: لا ينبغي الخلط بين التقابل الواقعي، والتقابل الشبيه بالواقع، فإن من الخلط بينهما يقع بعض الأعلام في الاشتباه، ويظن صحة قاعدة معروفة وهي " أن كلما امتنع التقييد امتنع الإطلاق " وهما أنها مثل قولهم " كلما امتنع اتصاف الشئ بالبصيرة يمتنع اتصافه بالعمى " فكما أن الثاني صحيح فالأول مثله، نظرا إلى أن تقابلهما من العدم والملكة. الثاني عشر: وفذلكة الكلام، أن للإطلاق إطلاقات في المفردات والمركبات: أما في المفردات، فهو ما تعارف في الفن الأعلى وبعض العلوم الاخر.


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 56. 2 - يأتي في الصفحة 425 - 432. (*)

[ 405 ]

وأما في المركبات والقضايا، فهو ما تعارف في المنطق وفي الفقه والاصول. نعم، اختلف الاصوليون في أن توصيف الكلام بالإطلاق لأجل اتصاف الكلمة به حقيقة، أم لأجل الأمر الآخر من غير اتصاف الرقبة بالإطلاق واقعا أو إضافيا. وبعبارة اخرى: نزاع بين المشهورين القديم والجديد، ونزاع بين المتأخرين: أما النزاع الأول، فهو في أن الإطلاق الثابت للكلام يرجع إلى الإطلاق الثابت للكلمة، سواء كانت في الكلام أم لا. وأما النزاع الثاني، فهو في أن الإطلاق الثابت للكلام ليس للكلمة سواء كانت في الكلام، أم لم تكن، بل هي لها حال كونها في الكلام، ولكن هل نتيجة مقدمات الحكمة ثبوت الإطلاق للكلمة على نحو ما أثبته المشهور لها، أم هو أيضا غير ذلك، وهذا النزاع هو التشاح المشهور: من أن الإطلاق هل هو جمع القيود، أو هو رفض القيود ؟ فليكن على ذكر حتى لا يختلط الأمر في محط الأقوال. وهم ودفع لا يمكن أن يكون مفهوم الإطلاق ذاتيا وخارج المحمول، لأنه مفهوم واحد لا يمكن انتزاعه من الكثير بما هو الكثير، فلو كان للطبائع بما هي هي إطلاق ذاتي، فلابد من الجهة المشتركة التي هي حقيقة المنشأ، فيلزم كون اتصافها به من الاتصاف بالمحمول بالضميمة، لا بالصميمة، كما لا يخفى على أهله. أقول: الفرق بين الذاتي في باب البرهان وعرضيه ليس إلا في ناحية واحدة، وهي أن انتزاع المفهوم من الشئ إما يحتاج إلى حيثية خارجية زائدة على ذات الشئ، أو لا يحتاج إليها، فالأول هو العرضي، كانتزاع " القائم " من زيد، والثاني كعنوان " العالم " من الله تعالى. وأما لحاظ أمر حين الانتزاع - كلحاظ انكشاف

[ 406 ]

الأشياء له تعالى حين انتزاع عنوان " العالم " وهكذا سائر الأوصاف - فهو مما لابد منه، ولا يضر بالذاتية بالضرورة. وفيما نحن فيه إذا وصفت الماهية ب‍ " الإطلاق " فهو بلحاظ اللاتقييد الواقعي، أو الشيوع الصدقي والسريان الحملي، من غير كون هذه الامور زائدة على ذات الماهية. وهذا هو معنى كلام من يقول: " الماهية اللابشرط المقسمي تنقسم إلى كذا وكذا " وإلا يلزم كون المخلوطة والبشرط شئ مقسما، لأن وصف المقسمية زائد أيضا على ذاتها، فتدبر جيدا. تنبيه: في الفرق بين " الاعتبار " في المعقول والاصول لا حاجة إلى البحث عن سر تقسيم الماهية إلى الأقسام، وأن النظر في ذلك هل يعد من الأنظار الاعتبارية، أم يكون مسلكا فلسفيا تطبيقيا، فتكون الأقسام مرايا الحيثيات الخارجية ؟ وقد تعرض له الوالد المحقق - مد ظله - (1) بما لا يخلو من بعض إشكالات ذكرناها في " قواعدنا الحكمية " وبينا فيها أن هذه الامور كلها نقوش الخارجيات، كما أفاده - مد ظله - (2) وليست اعتبارية كما ظنه الاصوليون (3). مع أن اصطلاح " الاعتبار " في المعقول غير ما هو المصطلح عليه في فن الاصول، فإن الاعتبار في الاصول يزول أحيانا، والاعتبار في المعقول يدوم، مثلا الإمكان والوجوب اعتباريان في المواد الثلاث، بمعنى أنها لا خارجية لأنفسهما، للزوم التسلسل ونحوه (4)، ولذلك ربما يسميان ب‍ " المعقول الثاني " فلا تغتر بما في


1 - مناهج الوصول 2: 319 - 320. 2 - تهذيب الاصول 1: 527 - 528. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 567 - 569، نهاية الاصول: 373 - 374. 4 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 63 - 64. (*)

[ 407 ]

ظواهر كلماتهم من استعمال " الاعتبار " فإنه غير الاعتبار في الفنون الاعتبارية فليلاحظ جيدا. إيقاظ: حول كيفية نيل مفهوم المطلق والمقيد مما ذكرنا بطوله ظهر: أن الإطلاق بحسب المفهوم ليس عبارة اخرى عن اللاتقييد، ضرورة أنه في مثل حقيقة الوجود عين الخارجية، وإذا يوصف النور المنبسط على سطوح الأشياء ب‍ " الإطلاق " فهو معنى واقعي وعين الخارجية، فهو ربما ينتزع لأجل ضيق الخناق من لحاظ اللاتقييد، وإلا فهو عنوان مشير إلى معنى آخر. إن قلت: من أين اخذ مفهوم المطلق والمقيد ؟ قلت: هذان المفهومان كسائر المفاهيم، لابد لهما من منشأ ومبدأ ينال العقل من ذلك المنشأ هذين المفهومين، والذي يقرب من الذهن أن هذين المفهومين لهما المصاديق الواقعية الخارجية، كما في سائر المفاهيم الاعتبارية، ثم انتقل منهما إلى المحيطات الاعتبارية وإلى الفنون الاخر. مثلا: مفهوم " التقييد " من القيد الذي يقع على رجل الإنسان، فيمنعه عن الحرية والإطلاق والإرسال، ويمنعه عن إعمال إرادته في كل ما يريده ويشتهيه، فالمطلق وصف يؤخذ من الحالة المقابلة لحال التقييد والقيد الحديدي المانع تكوينا، ثم بعد ذلك استعير لأجل المشابهة والادعاء فيما يسانخه في الحرية والإرسال، فكما أن الحرية والحالة المقابلة لحال التقييد ليست عدمية صرفة، ولكنها في مقام التعريف تحد بعدم القيد، كذلك المطلق في مواضع الاستعارة والادعاء والإلحاق والتوسع. إن قلت: فعليه لابد من كونه مندرجا تحت إحدى المقولات.

[ 408 ]

قلت: يشبه أن يكون من تبعات القدرة، ولذلك لا يوصف منهما غير الحيوان والإنسان أو المبادئ العالية التي تنفذ قدرتهم بالنسبة إلى كل شئ يشتهون فيقال: " هو تعالى مطلق القدرة والإرادة، وله القدرة المطلقة، والغاية المطلقة " وهكذا، وبناء عليه تكون خارجة عن حد المقولات في وجه، وتعد من مقولة " الكيف " في وجه آخر، ثم من هذا المعنى استعير للمعاني الاخر، والأمر سهل، ومن هنا يقال للمرأة بعد الخروج عن قيد النكاح " مطلقة " ويعبر عن الإطلاق ب‍ " الطلاق " فلا تخلط. الجهة الرابعة: في بيان ما وضعت له أسماء الأجناس وأعلامها نسب إلى الشهرة القديمة: أن ألفاظ الأجناس موضوعة للمعاني المطلقة، من غير فرق بين المعاني الأصلية الجوهرية والعرضية، وبين المعاني الاعتبارية والاختراعية، وبين العناوين الاشتقاقية والعوارض الخارجية وهكذا (1)، ولأجل ذلك نسب إليهم: أنه بناء على هذه المقالة، لا حاجة إلى مقدمات الإطلاق في إثبات إطلاق الكلام الوارد في الشريعة المشتمل على هذه الألفاظ الحاكية عن تلك المعاني (2). ونسب إلى الشهرة بين أهل العربية (3): أن أعلام الأجناس في وجه كأعلام الأشخاص، فتكون معرفة، وفي وجه كأسماء الأجناس، فتكون كلية، فالموضوع له في مثل " ثعالة " في الثعلب و " اسامة " في الأسد، ليس المعنى المطلق، بل هو المعنى الملحوظ فيه التعين الخاص القابل للصدق على كثيرين، وهذا النحو من التعين هو الإطلاق القسمي ولحاظ اللابشرط، في مقابل اللاتعين في أسماء


1 - تقدم في الصفحة 395. 2 - نهاية الأفكار 2: 563. 3 - كفاية الاصول: 283. (*)

[ 409 ]

الأجناس الذي هو الإطلاق المقسمي (1). ويترتب عليه أيضا عدم الاحتياج إلى مقدمات الإطلاق في سريان الحكم إلى الأفراد وإلى كل ما يصدق عليه الطبيعة والعنوان، بل عدم الحاجة إليها هنا أظهر. هذا حكم الألفاظ بما لها من المعاني المفردة حال كونها مفردة. وأما ما كان من قبيل المفرد المعرف ب‍ " اللام " والنكرة الواقعين في الكلام، فهو يدور مدار الجهة الاخرى: وهي " اللام " والتنوين، فإن " اللام " ينقسم إلى أقسام، والتنوين يتصور على أنحاء، وتكون خصوصية المعنى وإطلاقه تابعة لما يراد من " اللام " فإن من " اللام " ما يوجب التعين ك‍ " لام العهد " ومن التنوين ما يوجب التشخص، كتنوين التنكير في الجملة الإخبارية. وأما ما كان من " اللام " " لام الجنس والموصول " فهو يفيد الإطلاق، ويؤكد إطلاق المدخول، وما كان من قبيل تنوين التمكن والإعراب، أو كان من قبيل تنوين التنكير في الجملة الإنشائية، فهو أيضا يورث الإطلاق، وتصير النتيجة عدم الاحتياج إلى المقدمات. ومما يشهد على ذهابهم إلى عدم الاحتياج إليها في باب المطلق والمقيد، عدم معهودية الإشكال منهم على دليل، بالإهمال وعدم تمامية الإطلاق والإرسال. هذا موجز ما عندهم. ومما أوضحناه في غاية إجماله يظهر: أن في بعض ما نسب إلى المشهور - مثل قولهم: " بأن ألفاظ الأجناس موضوعة للمعاني المطلقة باللابشرط القسمي " - إشكالا، بل منعا، ضرورة أنه لولا ما أفدناه لما يمكن الجمع بين اسم الجنس وعلمه، كما لم يجمع بينهما صاحب " الكفاية " وظن أنهما من باب واحد، وأن التعريف


1 - شرح الكافية 2: 132 / السطر 6، المطول: 80. (*)

[ 410 ]

لفظي، قياسا بالتأنيث اللفظي (1)، مع أنه لا معنى للتعريف اللفظي إلا تجويز الابتداء بالنكرة تخصيصا. ومن الغريب دعوى: أن التقييد باللابشرطية في مقام الوضع، يوجب عدم صحة الحمل والصدق على الأفراد الخارجية ! ! ظنا أن المعنى اللابشرط ليس أمرا خارجيا، ويظهر من " تهذيب الاصول " تصديق " الكفاية " في هذا الإشكال (2)، مع أن اللابشرط أمر خارجي، حسبما هو التحقيق في الماهية اللا بشرطية، كما صرح به - مد ظله - (3). فعلى هذا يظهر وجه جواز الابتداء بأعلام الأجناس، حيث إنها خارجة عن حد الطبيعة المطلقة إلى الطبيعة المخصوصة، وقد صرح النحاة بجواز الابتداء بالنكرة المخصوصة (4)، فما هي النكرة المطلقة هي اللفظة الموضوعة للمعنى المطلق بالإطلاق المقسمي المعنون في الكلام، وماهي النكرة المخصوصة هي الطبيعة المتخصصة بخصوصية ما، وهي اللا بشرطية، فتكون بحسب الحكم مثل المطلقة، ومثل الأعلام الشخصية، فلاحظ واغتنم جيدا. تذنيب: حول نزاع سلطان العلماء مع سابقيه قد أشرنا في الجهة الثالثة إلى أن في باب المطلق والمقيد، نزاعا بين المشهور إلى عصر سلطان العلماء، وبينهم المشهور بين المتأخرين، وأيضا نزاعا


1 - كفاية الاصول: 283. 2 - تهذيب الاصول 1: 530. 3 - تهذيب الاصول 1: 527 - 528. 4 - شرح الكافية 1: 88 / السطر 23 - 26، البهجة المرضية: 88 - 89. (*)

[ 411 ]

بين المتأخرين (1)، فهناك نزاعان، والذي هو مورد النظر هنا هو النزاع الأول. والذي يظهر لي: أن الإطلاق المأخوذ في الموضوع له والمنسوب إلى المشهور، ليس هو الإطلاق المتمسك به في الفقه والاصول، وقد ذكرنا أن اتصاف الكلام بالإطلاق، ليس من قبيل اتصاف الكلام بالصدق والكذب، فإنهما من أوصاف الكلام بما هو كلام، والإطلاق من أوصاف الكلمة إلا أن المنسوب إلى الشهرة القديمة: هو أن الكلمة بالوضع ذات إطلاق مقسمي، كألفاظ الأجناس، أو قسمي كأعلام الأجناس (2). وقد أنكر عليهم المتأخرون، بأن الألفاظ ليست موضوعة إلا للمعاني المهملة المجردة من جميع اللحاظات الزائدة على ذوات الطبائع، بحكم التبادر والوجدان (3)، فلا معنى للتمسك بالإطلاق، لما أن الكلمة ليست ذات معنى إطلاقي، بل الإطلاق أمر يطرؤها لأجل الامور الاخر، كمقدمات الحكمة، أو بعض الدوال الاخر، وأما الألفاظ الموضوعة للمعاني الكلية الاسمية، فكلها مجردة من هذين الإطلاقين. أقول: إن أراد المشهور من صفة " الإطلاق " الاستغناء عن مقدمات الإطلاق في الاستدلال به في المحاورات العرفية وفي القوانين الإلهية، فهو أمر غير صحيح. وإن أراد المشهور المتأخر من " وضع الألفاظ للمعاني المهملة " أن الألفاظ في دلالتها على معانيها مهملة وقاصرة، ولا تكون قابلة للصدق والحمل على كل الأفراد والمصاديق، فهو أيضا باطل وغير جيد بالضرورة. ثم إن أراد المشهور من " الإطلاق " هو أن الأجناس في مقام الوضع موضوعة لذات المعاني، على وجه لا قصور في دلالتها عليها، فيكون الموضوع له ذا إطلاق


1 - تقدم في الصفحة 405. 2 - تقدم في الصفحة 395، الهامش 3. 3 - مطارح الأنظار: 216 / السطر 29 - 32، كفاية الاصول: 282 - 283، فوائد الاصول 1: 572. (*)

[ 412 ]

ذاتي خارج المحمول، وهو الإطلاق المقسمي، فهو حق صرف لا غبار عليه. وإن أراد المتأخرون من " الإهمال " أن التمسك بإطلاق الكلام، غير جائز بمجرد كون الكلمة في مقام الوضع ذات إطلاق ذاتي في مرحلة الوضع، لأجل الإطلاق الذاتي للطبيعة على الوجه المحرر فيما سبق (1)، فهو أيضا متين جدا. ولعمري، إن مقالة المشهور كانت تدور حول ذلك، وتكون النسبة المذكورة إليهم في غير محلها، وبذلك ينحل النزاع، وتصير المقالة واحدة. ولو فرضنا أن المشهور كانوا يتمسكون بإطلاق الكلام من غير انتظار الأمر الآخر، فهو في غير مقامه، ضرورة أن جعل الطبيعة موضوع الحكم - سواء كان في الإخباريات أو الإنشائيات - يتصور على وجهين، ويمكن أن يكون بلحاظين، أحدهما: كونها تمام الموضوع للحكم من غير دخالة شئ آخر، وثانيهما: كونها جزء الموضوع، وعلى هذا إذا كان الأمر بحسب مقام الإثبات والحكم، ذا حالتين، لابد من إحراز الحالة الاولى حتى يكون للكلام إطلاق بهذا المعنى، وللكلمة إطلاق أيضا بهذا المعنى، كما لا يخفى. إن قلت: نعم، الأمر كذلك، إلا أنه بعد دلالة اللفظ على المعنى الساري، وبعد كون المعنى هو الطبيعة المطلقة بالإطلاق الذاتي، فإن اخذ معها قيد فالموضوع مركب، والدليل مقيد في مرحلة الجعل والإنشاء، وإن لم يؤخذ معها قيد فالكلام يتمسك به وبإطلاقه، لصدق ألفاظه على جميع معانيه من غير قصور (2). وبعبارة اخرى: لا بأس بذكر القيد مع هذه الطبيعة المطلقة، وأما بدون ذكر القيد في مرحلة الإثبات، فيتمسك بالكلام من غير الحاجة إلى أمر آخر، ومن غير


1 - تقدم في الصفحة 401 - 403. 2 - نهاية الاصول: 376 - 379. (*)

[ 413 ]

تصوير الإهمال في مرحلة الإثبات، كما لا معنى له في مرحلة الثبوت. فالفرق بين المقالتين ينشأ من هنا: وهو أن المتأخرين تخيلوا الحالة الثالثة، وهي حالة الإهمال في مرحلة الإثبات، والقدماء ينكرون عليهم تلك الحالة، ولا ينكرون عليهم إمكان ورود القيد على الموضوع المأخوذ في الدليل، كما هو الواقع بالضرورة. وبعبارة اخرى: هم يقولون بأن مقدمات الإطلاق إما غير محتاج إليها رأسا، أو حاصلة دائما ومطلقا، نظير ما ذكرناه في النكرة في سياق النفي، فإنها لاتدل على العموم كدلالة " كل " وأمثالها، ولكنها لا تحتاج إلى مقدمات الإطلاق، لأن سياق الكلام يكون على وجه تكون هي حاصلة دائما (1). قلت: يتوجه إليه نقض بأن كثيرا مانجد عدم جواز التمسك بإطلاق الدليل، من غير كون الموضوع مقيدا، مثلا لا يجوز التمسك بإطلاق قوله تعالى: * (احلت لكم بهيمة الانعام) * (2) لتحليل البهيمة التي تكون مال الغير، ولايجوز التمسك بإطلاق الدليل المتكفل لأصل التشريع، فيعلم من هنا وجود الحالة الثالثة، وهي حالة الإهمال. وحله: أن إطلاق الموضوع له وإطلاق الوضع، ينفع إذا شك مثلا في صدق اللفظ في مورد، ولا يصح ما يظهر من مشهور المتأخرين - كما اشير إليه - من أن الألفاظ موضوعة للمعاني المهملة (3)، إذا رجع إلى الإهمال في مرحلة الوضع. وأما إذا شك في حدود الحكم في القضية الإنشائية أو الإخبارية، فلابد من إثبات الإطلاق الآخر، ولا يعقل كفاية الإطلاق المزبور عن الإطلاق الأخير، لما أن


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 98 - 99. 2 - المائدة (5): 1. 3 - تقدم في الصفحة 411، الهامش 3. (*)

[ 414 ]

مفاد الكلمة بحسب الوضع، يأبى أن يكون جزء الموضوع أو تمام الموضوع في القضية، فكونها جزء الموضوع أو تمام الموضوع، أمر يعرض عليها من ناحية فعل المتكلم وأغراضه، فعندئذ لابد من إحراز ذلك، وهذا يستلزم كون الكلام ذا حالة ثالثة، وهي الإهمال أحيانا. ومن هنا يظهر الاحتياج إلى المقدمات العقلية لإثبات أن المأخوذ في الدليل تمام الموضوع للحكم، لا جزؤه. ويظهر عدم تمامية القياس بين الجمل كلها، وبين النكرة في سياق النفي أو النهي، فإن سياق الكلام ربما يدل على أن المتكلم، ليس في مقام إفادة الحكم على الإجمال والإهمال، أو يفيد أنه في مقام إفادة الحكم من جميع النواهي، دون ناحية خاصة. ويظهر من ذي قبل توضيح المقدمات العقلية المثبتة للإطلاق إن شاء الله تعالى (1). وظهر مما ذكرناه فساد ما في الحواشي للعلامة الإيرواني من إنكار الحاجة إليها، فراجع (2). المراد من " المطلق " إذا تبينت هذه الجهات، تصل النوبة إلى توضيح تعريف المطلق الذي هو المقصود في هذا المقصد من علم الاصول، بعدما تبين أن تعريفه " بما دل على معنى شائع في جنسه " كما عن التفتازاني (3)، في غاية الفساد، فإن أخذ الدلالة يشعر


1 - يأتي في الصفحة 423. 2 - نهاية النهاية 1: 307 - 312. 3 - لاحظ مفاتيح الاصول: 193 / السطر 30. (*)

[ 415 ]

بالوضع، وقد مر فساده (1)، وأخذ معنى الشيوع يشعر بالسريان الواقعي، وقد مر فساده (2)، أو السريان الاعتباري والوهمي، وقد عرفت: أن ذلك لايتم في المعاني الحرفية والأعلام الشخصية (3). ولا حاجة إلى تفسير الجنس بما يشمل ذلك، كما في " مقالات " العلامة الأراكي (قدس سره) (4). هذا مع أن مقابل المطلق هو المهمل لا المقيد، لأنه معنى واضح مركب. مع أن المقيد أيضا مطلق من جهة اخرى، فما في كلامهم: " من أن المقيد خلافه، واضح المنع، لأن المطلق والمقيد هنا كما مر من الأوصاف الإضافية، لا الواقعية (5)، وهكذا المطلق والمهمل، إلا أن النظر إلى تعريف المطلق المجامع مع القيد المركب والموضوع ذي أجزاء كثيرة، فلا تخلط، وتدبر تعرف. هذا مع أنه يشمل العمومات أيضا، لدلالتها على المعنى الشائع في جنسه، بل هي أولى به. فبالجملة: معنى المطلق يظهر من ملاحظة معنى الإهمال، ومعنى أن للكلام إطلاقا يظهر من مقايسة أنه ذو إهمال. فعلى هذا صح أن يقال: إن المطلق ما يدل عقلا على مرادية مدلول اللفظ وضعا، أو ما يشبه الوضع، فإذا كان لقوله: " أكرم العالم " إطلاق في ناحية الهيئة والمادة والمتعلق، فيكون مفاد المادة والمتعلق وضعا مرادا، ومفاد الهيئة أيضا مرادا لا بالوضع، إلا أنه يشبه الوضع كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 411 - 414. 2 - تقدم في الصفحة 403. 3 - تقدم في الصفحة 399 - 400. 4 - مقالات الاصول 1: 491. 5 - تقدم في الصفحة 404. (*)

[ 416 ]

فما في تقرير سيدنا الاستاذ البروجردي: من جعل المطلق ما هو الطبيعة فيه تمام الموضوع للحكم (1)، في غير محله، لأن من المطلق نفس الحكم فليتدبر. وتوهم انتقاضه بالعموم (2) ممنوع، لدلالته عليه بالوضع. نعم على القول: بأن في دلالته على الاستيعاب يحتاج إلى المقدمات العقلية، فهو من هذه الجهة داخل في المطلق، فلابد وأن يشمله التعريف. الجهة الخامسة: حول استلزام التقييد للمجازية لاشبهة في وقوع القييد بالمتصل والمنفصل، وإنما الشبهة في أن ذلك هل يوجب المجازية، أم لا ؟ واختلفوا فيه على أقوال ربما تنتهي إلى خمسة أو أكثر (3)، وقد مر شطر من الكلام في مسألة أن التخصيص هل يستلزم المجازية، أم لا (4) ؟ والذي ينبغي البحث عنه إجمالا امور: منها: أن المجازية تلزم من تقييد المطلق، أم لا. ومنها: أن المجازية تضر بصحة التمسك بالإطلاق بعد التقييد، أم لا. ومنها: أن عدم لزوم المجازية يلازم صحة الاستناد والاحتجاج بالمطلقات بعد التقييد، أم لا.


1 - نهاية الاصول: 370 - 371 و 376. 2 - نهاية الاصول: 382. 3 - الفصول الغروية: 223 / السطر 13، مطارح الأنظار: 216 / السطر 14 - 17، محاضرات في اصول الفقه 5: 373 - 374. 4 - تقدم في الصفحة 215 - 221. (*)

[ 417 ]

الأمر الأول: عدم استلزام التقييد للمجازية إن المجازية كما ليست لازمة لمقالة المتأخرين، لا تلزم على مقالة القدماء، ضرورة أنهم إن أرادوا من " الإطلاق في مرحلة الوضع " ما نلتزم به، كما أبدعناه وشرحناه، فالأمر واضح. وإن أرادوا منه أن اللفظ موضوع لحالة السريان والشمول والشيوع، فهو أيضا لا يلازم المجازية، لأن المراد الاستعمالي غير المراد الجدي، كما تحرر في العمومات اللفظية (1). نعم، يلزم المجازية لا بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له، بل بمعنى استعمال اللفظ في الموضوع له وعدم كونه مرادا جديا ومقصودا واقعيا، فما في كلمات المتأخرين من استلزام المجازية (2) تارة، وعدم الاستلزام (3) اخرى، غير واقع في محله، أو محمول على ما فصلناه. نعم، عن العلامة النهاوندي إنكار المجازية ولو اريد من المطلق المقيد بخصوصيته، توهما أن المطلق عين المقيد (4). ولا يخفى ما فيه من الخلط بين مقام الوضع والحمل فتدبر. نعم يمكن تصويره على وجه يكون الموضوع له خاصا في أسماء الأجناس. إن قلت: لا تلزم المجازية في تقييد الأعلام الشخصية والمعاني الحرفية، لأن


1 - تقدم في الصفحة 219 - 220. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 576 - 577، نهاية الاصول: 379 - 380. 3 - محاضرات في اصول الفقه 5: 374. 4 - تشريح الاصول: 253 - 256. (*)

[ 418 ]

الموضوع له في ناحية المطلق، لا إطلاق له على وجه يستلزم تقييده المجازية (1). قلت: أما في الأعلام الشخصية فلأحد دعوى، أن الموضوع له ذو حالة سارية، ويكون لفظ " زيد " موضوعا لمعنى أعم من طرو العلم والجهل، فاستعمال لفظة " زيد " في الشخص العالم يلازم المجازية إذا كان المراد من الأعم هو اللابشرط القسمي. وأما في المعاني الحرفية، فبناء على كون الموضوع له فيها العام فالأمر واضح، وعلى أنه الخاص فالتقييد خلاف الوضع، إلا أن معنى ذلك هو أن الموضوع له في مثل هيئة " افعل " هو الإطلاق، فاستعماله في الواجب المشروط والمقيد نوع من المجاز، فما قيل من خروج هذه الامور عن حريم البحث في المقام (2)، غير تام. وبعبارة اخرى: من يدعي في المعاني الحرفية أن الموضوع له مطلق، والتقييد مجاز، لا يريد من " الإطلاق " مصطلح باب المطلق والمقيد، بل يريد مصطلح الأوامر والنواهي والمفاهيم كما مر (3)، وعندئذ يكون التقييد والاستعمال في الوجوب المشروط من المجاز عنده، فليتدبر جيدا. تنبيه: حول التفصيل في المجازية بين المقيد المتصل والمنفصل ربما يتوهم التفصيل في المجازية بين التقييد بالمتصل والمنفصل (4)، ولما يتبين بعد قائله. وما يوجه به: هو أن الألفاظ لا معنى لها إلا في الجمل التصديقية، فعليه


1 - أجود التقريرات 1: 521 - 522 و 533. 2 - أجود التقريرات 1: 521 - 522. 3 - تقدم في الصفحة 400. 4 - لاحظ مطارح الأنظار: 216 / السطر 17، لاحظ أجود التقريرات 1: 533. (*)

[ 419 ]

يكون التقييد بالمتصل غير مناف لمعنى اللفظ، بخلاف التقييد بالمنفصل، ضرورة أن حصول التصديق يستلزم المجازية إذا ورد التقييد المنافي له، فتأمل. الأمر الثاني: صحة التمسك بالمطلق على القول بالمجازية لو سلمنا أن التقييد يستلزم المجازية، فالحق بقاء صحة الاحتجاج والاستناد لرفع الشك والشبهة بعد التقييد، لبناء العرف والعقلاء في المحاورات عليه بالضرورة، فإن العقلاء لا يعتنون بكيفيات الاستعمال، من المجازية والحقيقية والكناية والاستعارة، بل هم بعد فهم المراد يحتجون بالكلام مادام لم تقم القرينة الخاصة على خلاف المراد، وعلى ضد أصالة الجد، وقد مر تحقيقه بتفصيل في مباحث العام والخاص (1)، فعلى هذا لا ثمرة في البحث السابق وفي الأمر الأول. وما يستظهر من القوم من سقوط الحجية بالتقييد، غير قابل للتصديق أصلا. وبالجملة إنكار الحجية لا أساس له. نعم دعوى: أن العقلاء يحتجون بعد التقييد، لما لا يرون المجازية في الاستعمال بعد التقييد، في محلها إلا أن إنكارها لا يلازم الإنكار المذكور، فلا تخلط، وكن على بصيرة. الأمر الثالث: نفي الملازمة بين عدم المجازية وصحة التمسك بالمطلق لو سلمنا أن التقييد لا يستلزم المجازية، ولكن لإنكار حجية المطلق بعد ورود التقييد وجه، وهو أن من مقدمات الإطلاق كون المولى في مقام البيان ولم


1 - تقدم في الصفحة 221 - 226. (*)

[ 420 ]

يذكر القيد، فإن بقيت هذه المقدمة على قوتها يتم الإطلاق، ويصلح للمرجعية عند الشك والشبهة، وإلا فبورود دليل القيد يستكشف أنه كان في موقف أصل التشريع والجعل، ويتبين من ذلك إمكان ورود التقييد الآخر. وبعبارة اخرى: في باب العمومات لا يستلزم التخصيص مناقشة في حجية العام، لعدم تعنون العام بضد الخاص، فلا يكون في الكلام ما يصلح للقرينية على عدم كون المولى في مقام البيان، لعدم الحاجة إلى مقدمات الإطلاق هناك مثلا، وأما في باب المطلق والمقيد فالمطلق يعنون بضد المقيد، ويصير جزء الموضوع، وعندئذ يصح الشك في كونه في مقام البيان من غير إمكان رفعه بأصالة الإطلاق، لأنه من الشك في أصل وجوده شكا مستقرا ذا منشأ عقلائي. هذا آخر ما يمكن أن يحرر به ذلك. ولكنه بمعزل عن التحقيق من جهات عديدة اشير إليها في البحوث السابقة، وما هو الحجر الأساسي أن تقييد المطلقات لا يورث تعنونها بعنوان ضد المقيد، ولو كان يعنون به فلاوجه لكونه قرينة على عدم كونه في مقام البيان من النواحي الاخر. مثلا: إذا راجعنا البناءات العرفية والعقلائية، نجد أنهم يحكمون بأن قوله تعالى مثلا: * (أحل الله البيع) * (1) مقيد بما عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " لا تبع ما ليس عندك " (2) ومع ذلك يتمسكون به عند الشك والشبهة بعد التقييد، معللين: " بأن القيود الاخر لو كانت دخيلة لبينها، وحيث لم يبينها الشرع، فما هو تمام الموضوع للحكم هو البيع مع القيد المزبور " فلاحظ، وسيمر عليك بعض الكلام حوله إن شاء الله تعالى (3).


1 - البقرة (2): 275. 2 - تقدم في الصفحة 79. 3 - يأتي في الصفحة 432. (*)

[ 421 ]

إذا تبينت هذه الجهات الكافلة لمهمات الامور اللازمة المتعرض لها، تصل النوبة إلى مباحث المطلق والمقيد على ما سلكه المتأخرون، حيث عرفت منا: أن إثبات الإطلاق العرضي للكلام، وإثبات الإطلاق المتمسك به عند الشك والشبهة حول القضايا التصديقية والإنشاءات الشرعية، يحتاج إلى المقدمات الخارجية العقلية المسماة ب‍ " مقدمات الحكمة " (1). وبعبارة اخرى: تصل نوبة البحث عن النزاع الآخر بين المتأخرين، وهو أن توصيف الكلام ب‍ " الإطلاق " هل يحتاج إلى المقدمات العديدة، أم تكفي مقدمة واحدة ؟ ثم النزاع الآخر: وهو أن نتيجة هذه المقدمات هل هي السريان والشيوع في بعض المواضع، أم نتيجتها أن الطبيعة تمام الموضوع للحكم، ولايكون الشئ الآخر دخيلا فيه ؟ وبعبارة اخرى: هل يحصل من تلك المقدمات رفض القيود، أم جمع القيود، ويترتب على النزاع الأخير صحة تقسيم الإطلاق إلى البدلي والشمولي، وعدم صحته. فبالجملة: هناك مباحث:


1 - تقدم في الصفحة 413 - 414. (*)

[ 423 ]

المبحث الأول حول مقدمات الحكمة وهذا المبحث يتكفل النزاع الأول، وأن المقدمات اللازمة ماذا ؟ وقد اختلفوا، فمن قائل: " إنها تبلغ إلى أربع " (1) وقيل: " إلى ثلاث " كما يظهر من " الكفاية " (2) وقيل: " هي اثنتان " (3) ويظهر من بعضهم أنها واحدة (4). ولابد من الفحص عن ذلك كله، لما يترتب عليه من الأثر الكبير في الفقه. وأما ما يظهر من العلامة المحشي الإيرواني (قدس سره) من إنكار الحاجة إلى المقدمات كلها (5)، فهو في غير محله، لما عرفت سابقا وأشرنا إلى وجه الإنكار مع جوابه، وذكرنا أن من القوانين ما لا يكون المتكلم فيها في مقام البيان إلا من جهة دون جهة، وأن المقامات والمواقف توجب الاختلاف في جواز التمسك وعدمه.


1 - نهاية الأفكار 2: 567 و 575. 2 - كفاية الاصول: 287. 3 - مطارح الأنظار: 218 / السطر 18، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 576. 4 - نهاية الاصول: 383 - 384، مناهج الوصول 2: 325. 5 - نهاية النهاية 1: 312. (*)

[ 424 ]

مثلا: لا يجوز التمسك بقوله تعالى: * (احلت لكم بهيمة الانعام) * (1) لرفع الشك في حلية الذبيحة، أو الموطوءة، أو بهيمة الغير (2)، ولايجوز التمسك بقوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن) * (3) لرفع الشك في حليته لأجل نجاسة الصيد بملاقاة الكلب، وما ذلك إلا لأجل أن المولى ليس في مقام بيان الحكم إلا من ناحية معلومة، لا مطلق النواحي، فلا تخلط. وبالجملة تحصل: أن اتصاف الكلام بالإطلاق المزبور يحتاج إلى الجهات الخارجية، ولايكون الإطلاق المتمسك به في الجمل التصديقية من الخارج المحمول والذاتي، فإذا كان لطريانه على الكلام علة خارجية قطعية، فقد اختلفوا في تلك العلة، هل هي أمر واحد، أم مركب من امور ثلاثة، أم أربعة ؟ المقدمة الاولى: فمنها: أي من المقدمات التي ربما تذكر في المقام، هي أن يكون الموضوع مما يمكن فيه الإطلاق والتقييد، وقابلا لهما، كالانقسامات السابقة على لحوق الحكم ووروده، وأما الانقسامات اللاحقة - كقصد القربة، واعتبار العلم والجهل بالحكم - فهي مما لا يمكن فيها الإطلاق والتقييد، فلا مجال فيها للتمسك بالإطلاق (4). أقول: قد فرغنا عن ذلك فيما سبق، وتحرر منا أن منشأ هذا التوهم توهم: أن بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة، وعلمت أن على فرض تمامية التقابل


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الصفحة 413. 3 - المائدة (5): 4. 4 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 573. (*)

[ 425 ]

المزبور لايتم الوجه المذكور، فإن امتناع التقييد لا يستلزم امتناع الإطلاق ثبوتا، وبحسب نفس الواقع، وأما بحسب مقام الاحتجاج فلو أمكن إفادة القيد بالبيان المنفصل وبنحو آخر من الكلام، فيتم الإطلاق إثباتا. نعم، لو فرضنا امتناع إفادة القيد في جميع الأحيان والأزمان، وبأية كيفية من البيان، لايتم الإطلاق، ولكنه مجرد فرض (1). وأما المناقشة في هذه المقدمة: بأنها من شرائط مصب الإطلاق، أو هي مقومة لموضوع الإطلاق والتقييد، كما في تقريرات العلامة النائيني (2)، فهي غريبة، ضرورة أن ذات الطبيعة ليست معروض الإطلاق والتقييد، بل الإطلاق والتقييد من ملاحظة الحكم المتعلق بها، فلا تخلط. المقدمة الثانية والثالثة: ومنها: أن يكون المقنن والآمر في موقف توضيح المرام، وفي مقام بيان الحكم، فلو كان - لأجل الأغراض العقلائية - في مقام إفادة أصل التشريع، أو في مقام إفادة الحكم من جهة خاصة دون جهة، فلايتم الإطلاق، وعندئذ يوصف الكلام في مرحلة الإثبات بالإهمال والإجمال. وهذا نظير الأوامر والقوانين المختلفة الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) متعاقبة في مجلس واحد، فإنه يعلم منه: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في موقف تشريع الحكم وإفادة أصل مشروعية طبيعة كذا، وليس في مقام إفادة المرام، نظير الآيتين السابقتين المتعرضة إحداهما لتحليل بهيمة الأنعام، والاخرى لتحليل ما اصطاده الكلب المعلم، فإنهما ليستا في


1 - تقدم في الجزء الأول: 148 - 152. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 573. (*)

[ 426 ]

مقام توضيح الحكم من جميع النواحي والجهات، بل هما في موقف إفادة حلية بهيمة الأنعام، في مقابل حرمة مثل الكلب والخنزير والمسوخ، لا في مقابل حرمة الموطوءة وغير المذكاة ومال الغير، وفي مقام إفادة حلية الصيد بالكلب المعلم، وأما طهارة محل الملاقاة معه فليست محط نظر المتكلم بالضرورة. أقول: يظهر منهم (قدس سرهم) كفاية كون المتكلم في مقام البيان، وفي موقف توضيح المرام (1)، وهذا غير صحيح، ضرورة أن من كان في مقام التشريع مثلا وإفادة أصل مشروعية الحكم، أيضا هو يكون في مقام إفادة مرامه، وفي مقام إفادة تمام مرامه، وهو أصل المشروعية. فلابد من تتميم هذه المقدمة حتى تكون نافعة، وهو أن يكون المولى مثلا في مقام إفادة أن ما هو الموضوع للحكم تمام الموضوع، والمراد من " الموضوع " أعم من المتعلق، ومتعلق المتعلق، والموضوع، والمكلف، كما لا يخفى. هذا على ما هو الحق في باب الإطلاق. أو يقال: إن المولى في مقام إفادة أن الحكم سار إلى جميع الخصوصيات. وهذا على ما سلكه جمع من المتأخرين (2). وبالجملة: لا يكفي مجرد كون المتكلم في مقام بيان المرام. نعم، يمكن تحليل هذه المقدمة من هذه الجهة إلى مقدمتين: إحداهما: هو أن يكون المتكلم في مقام بيان المرام، في مقابل المتكلم الهازل اللاغي.


1 - مطارح الأنظار: 218 / السطر 18، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 573. 2 - يأتي في الصفحة 439 - 440. (*)

[ 427 ]

ثانيتهما: أن يكون في مقام إفادة أن ما هو المأخوذ موضوعا في الكلام تمام الموضوع، أو أن ما هو المأخوذ في الكلام مرآة لجميع الحالات والخصوصيات. وعلى هذا يظهر أمر آخر: وهو أنه مع فرض كونه في مقام إفادة أن الموضوع المأخوذ تمام الموضوع، تسقط المقدمة الثالثة المتوهمة المذكورة، وهي أن لا يذكر القرينة المتصلة، أو كالمتصلة (1)، ضرورة أن مع الفرض المزبور لابد وأن لا يكون في كلامه قيد حتى يدل على أن الموضوع المذكور جزء موضوع حكمه، لا تمام الموضوع لحكمه. فبالجملة: تحصل إلى هنا إمكان إرجاع هذه المقدمة إلى المقدمتين المشار إليهما، وهذا مما لا بأس به، وتحصل سقوط المقدمة الثالثة أيضا كما لا يخفى. وأما المناقشة في المقدمة الثالثة بما في " تهذيب الاصول ": " من أنها محققة لمحل البحث " (2) فهي ليست من دأب المحصلين، لأن المقصود بيان ما يحتاج إليه في اتصاف الكلام بالإطلاق حتى يتمسك به عند الشك والشبهة، سواء عد من الشرائط الاصطلاحية، أو المقدمات والمحققات. تنبيه: في أن ذكر القيد المنفصل لا يضر بالإطلاق يظهر من العلامة النائيني (قدس سره) في توضيح المقدمة الثالثة، أنه لابد وأن لا يذكر القيد من المتصل والمنفصل (3)، انتهى.


1 - مطارح الأنظار: 218 / السطر 18، كفاية الاصول 2: 287، فوائد الاصول 2: 574، نهاية الأفكار 2: 567. 2 - تهذيب الاصول 1: 533. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 574. (*)

[ 428 ]

وهذا واضح الفساد، فإن عدم ذكر المنفصل لو كان شرطا، يلزم عدم انعقاد الإطلاق، فإنه لا يمكن إحراز عدم ذكر القيد المنفصل إلا بمضي الأزمنة. ولو حمل كلامه على ما ينسب أحيانا إلى الشيخ (قدس سره): من عدم ذكر القيد في عصر التشريع، فلا يجوز التمسك بمطلقات عصر النبوة، للزوم انتظار عصر القيد وصدور القرينة، ولا دليل على عدم ذكر القيد عقلا، ولا شرعا، بل قضية أن " ما من عام إلا وقد خص " صدور القيود المتأخرة جزما، ومع ذلك كانوا يتمسكون بإطلاق كلمات السلف، من غير أن تتضرر المطلقات بعد ورود المقيدات، كما أشرنا إليه سابقا (1). فيعلم من هنا: أن من شرائط الإطلاق، كون المولى في مقام إفادة أن ما هو المأخوذ موضوعا للحكم، هو تمام الموضوع، وهذا مما لا يمكن نيله إلا بعدم ذكر قيد حين ضرب القانون وجعل الحكم، فإذا استقر الظهور العقلي، وتم الكشف العقلائي، وصار الكلام تاما، يكون له الإطلاق الذي هو المرجع عند الشك، ولاينسلب وصف الإطلاق عنه إلا بالنسبة إلى مقدار القرينة المنفصلة القائمة على خلاف الإرادة الجدية. ومن هنا يتبين فساد المقالة المنسوبة إلى الشيخ (قدس سره) ويظهر أن وصف الإطلاق لا يزول بطرو القيد، خلافا لما يظهر من السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) حيث إنه ظن الفرق بين مقالة سلطان العلماء (2) ومقالته: بأن الطبيعة بعد التقييد تبقى على وصف الإطلاق على مسلكه، ولا تبقى على مسلكنا (3)، وهذا واضح المنع، والأمر سهل، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 285 - 286. 2 - حاشية معالم الدين، سلطان العلماء: 155، مطارح الأنظار: 217 / السطر 1 - 4. 3 - نهاية الاصول: 380. (*)

[ 429 ]

توضيح واستئناف: حول شبهة على جواز التمسك بالمطلقات والعمومات إذا عرف من عادة المقنن ذكر القيود متأخرة عن عصر ضرب القانون، وشوهد ذلك مرارا، وقلما يتفق أن يذكر القانون المطلق إلا ويتعرض لقيد أو قيود له في الأزمنة اللاحقة، حتى صار من الأمثال " مامن عام إلا وقد خص " فإنه في هذه الصورة لا يجوز التمسك إلا بعد مضي عصر صدور القيد، وهذا مما عليه العقل والعرف. وبالجملة: لا يوصف الكلام بالإطلاق في المحيط المذكور وفي منطقة التشريع التدريجي، إلا بعد انقضاء عصر الوحي وظهور الأوامر والنواهي التشريعية. وهذا من غير فرق بين العمومات والمطلقات، وبين القول: بأن المطلقات تدل بالوضع على الإطلاق، أم بالعقل، فإنه ولو كانت العمومات دالة بالوضع، أو المطلقات دالة بالوضع على السريان والشيوع، ولكن بعد فهم الاعتياد المزبور من صاحب الشريعة، وبعد ورود المخصصات بالوجدان، لا يكون للكلام تصديق جزمي، ولا يمكن أن يوصف بالتمامية والاستقرار. وهذه الشبهة لا تفيد ولا تضر بالنسبة إلينا. اللهم إلا أن يقال: إن في عصر الغيبة أيضا يشكل التمسك، لما يكون عنده عجل الله تعالى فرجه الشريف أحكام مودعة حسب بعض الأخبار، ولو كانت الغيبة مستندة إلى الامة فلا يلزم تقبيح على المولى الحقيقي حتى يلزم منه جواز التمسك، كما لا يخفى. ولكن بعد اللتيا والتي، وبعد تصديق الشبهة في الجملة، مع عدم كفاية استصحاب عدم ورود القيود والمخصصات متأخرة من جهات، نجد أن الأئمة (عليهم السلام)

[ 430 ]

رخصوا في الإفتاء، وحثوا عليه، وكان بناء القدماء من الصحابة على الاجتهاد بالأخذ بالعمومات والإطلاقات، وأنه لو كان يلزم الاحتياط على المعاصرين لوقعوا في الشدة والحرج واختلال النظام. مع أن الضرورة قاضية بورود المطلق في جواب السائل عن الأحكام الشخصي، وكان يعمل به، مع أن القيد ورد في جواب السائل الشخصي الآخر المحتاج إلى المسألة في معيشته، فإنه من أمثال هذه الامور يستكشف صحة الاحتجاج. ولو سلمنا تمامية الشبهة بالنسبة إلى العصر الأول، وهو عصر التشريع، فلا نسلم بالنسبة إلى العصور المتأخرة وعصر الغيبة. وتوهم استناد الغيبة إلى الامة العاصية، فيكون قصور البيان وعدم إيصال الأحكام، معلول القبائح والأفعال الأسواء، فلا يصح التمسك بالعمومات والمطلقات بعد الديدن المشاهد، غير جائز، ويطلب من محل آخر. وما اشتهر بين أبناء التكلم: " من أن عدمه منا " (1) مأخوذ أحيانا من بعض الأخبار. وحيث إن المسألة من المسائل الإلهية العقلية المحرر تفصيلها في " قواعدنا الحكمية " (2) ولاتصل إليها أفهام أرباب العلوم الظاهرية، فإيكالها إلى أهلها أولى. ولو كانت الأخبار الصحيحة صريحة في ذلك فهي مأولة على أنهم يتكلمون حسب اختلاف العقول، ولا منع من دخالة ذلك على نحو الجزئية المبهمة، فلا تكن من الجاهلين. فتحصل: أن إيجاب الاحتياط، وإسقاط التمسك بالعمومات والإطلاقات لأجل أمثال هذه الشبهات، غير تام جدا.


1 - كشف المراد: 362. 2 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 431 ]

نعم، لمكان أن الشبهة عقلائية بالنسبة إلى عصر التشريع، فهي لا تندفع بما مر دفعا لها، فلابد من القول: بأن العمومات والمطلقات حجة ظاهرية، ولا يمكن كشف المراد بها، ولعل إلى هذا يرجع ما في " الكفاية " (1) فتأمل تعرف. تتميم: في بيان شرائط اتصاف الكلام بالإطلاق على المختار قد تبين: أن من شرائط اتصاف الكلام بالإطلاق، كون المتكلم في مقام بيان المرام، في مقابل اللاغي والهازل والمتقي تقية مهاباتية، لا مداراتية (2)، ولأجل هذا سميت ب‍ " مقدمات الحكمة " وبذلك يتبين المراد من الحكم المتكلم به. ومن شرائطه أن يكون في مقام إفادة أن ما هو الموضوع، هو تمام الموضوع، أو إفادة أن ما هو الموضوع مرآة لجميع الخصوصيات والأحوال، وأن الحكم سار إلى جميع الأفراد، فإذا كان هو كذلك فإن ذكر قيدا، فلا معنى للإطلاق بالنسبة إلى مورد القيد، ولكن الموضوع عندئذ يصير مركبا، ويصير ما هو تمام الموضوع معنى مركبا من البيع الكذائي، أو العالم الكذائي، ويكون حينئذ له الإطلاق أيضا بالنسبة إلى رفع سائر القيود المحتملة، كما هو الواضح. ثم بعدما كان هو في مقام إفادة أن ما هو المأخوذ في القانون تمام الموضوع، ولا مدخلية لشئ آخر في الموضوعية، لا ينافيه أن لا يكون في مقام إفادة تمامية الموضوع من جهات كثيرة، ومن جميع النواحي الممكنة، وعند ذلك يصير الكلام - مضافا إلى اتصافه بالإطلاق من جهة - متصفا بالإهمال من جهات


1 - كفاية الاصول: 288. 2 - تقدم في الصفحة 426 - 427. (*)

[ 432 ]

اخر، كما اشير إليه (1). ولأجل ذلك قسموا الإطلاق إلى الأفرادي، والأزماني، والأحوالي، وسيأتي إن شاء الله تعالى فساد القسمة المزبورة (2). مع إمكان الالتزام بالإطلاق من كل جهة. مثلا: لأحد دعوى أن قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (3) ليس له - مضافا إلى العموم الأفرادي والإطلاق الأزماني - إطلاق أحوالي، فإن البيع حال بقاء المتعاملين في مجلسه ليس واجب الوفاء، من غير حاجة إلى التقييد. المقدمة الرابعة: حول انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب ومنها: أي ومن المقدمات التي ذكرها بعضهم (4)، انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب، وهذا الشرط يحتمل احتمالات نشير إليها إجمالا، وربما تختلف المباني باختلاف المحتملات كما لا يخفى: الاحتمال الأول: أن يكون اللفظ الموضوع في القانون، قاصرا عن الدلالة قصورا مستندا إلى الانصراف، وعدم انس الذهن في محيط التكلم والتشريع. وهذا صحيح، إلا أنه ليس من الشرائط كما هو الواضح، ضرورة عدم جواز التمسك بإطلاق دليل البيع لحكم الإجارة، لأن لفظة " البيع " ليست دالة على معنى الإجارة. ومن حمل هذا الشرط على الانصراف اللفظي الراجع إلى صحة سلب


1 - تقدم في الصفحة 425 - 426. 2 - يأتي في الصفحة 456 - 457. 3 - المائدة (5): 1. 4 - كفاية الاصول: 287. (*)

[ 433 ]

اللفظ عن المعنى المزبور مثلا ولو في محيط المتكلم وأتباعه (1)، فهو قد خرج عن اسلوب البحث في المقام. الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود قصور شمول القانون التصديقي في محيط الاستعمال والمستعملين، فيكون الكلام الملقى منصرفا إلى القدر المتيقن الكذائي، ومشكوكا أو مقطوعا عدم صدق الجملة في محيط الدلالة، لانس الذهن بمورد. وهذا الاحتمال أيضا ليس بصحيح بالنسبة إلى تفسير الشرط المزبور، وصحيح في ذاته، لأنه من قبيل الأول، لما أنه يرجع إلى أن المولى بين مرامه، وأتى بجميع ماله دخل في حدود مقصوده، وأخذ في كلامه ما هو تمام الموضوع، وهي الطبيعة التي معناها كذا في حيطة الاستعمال. مثلا: إذا ورد " الكلب نجس " فتارة: يكون صدق " الكلب " على الكلب المأتي معلوم العدم لغة. واخرى: معلوما عدمه في محيط الاستعمالات. وثالثة: مشكوك الصدق، على وجه يعلم بمشكوكيته المتكلم وغيره، فإنه في أخذ الكلب موضوعا لحكم تكليفي أو وضعي، إيجابي أو سلبي، مع كون المراد والمطلوب هو الكلب البري، لا ينعقد الإطلاق بالنسبة إلى الكلب البحري بعدم ذكر القيد، لأن المقيد هو الموضوع له، أو هو المنصرف إليه، والمتيقن من موارد الإطلاق والاستعمال هو البري، بمعنى عدم صحة استعماله في غيره، أو عدم تعارف الاستعمال في غيره، أو يشك في جواز الاستعمال في غيره، مع أنه شك واضح بين المخاطب والمخاطب، أو في نظر القانون والاستعمال.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 575. (*)

[ 434 ]

الاحتمال الثالث: أن وجود القدر المتيقن في مقام صدور القانون بالنسبة إلى الإرادة الجدية لا الاستعمالية، يضر ويمنع من صحة التمسك بالإطلاق، ويضاد طرو وصف الإطلاق على الكلام. مثلا: إذا ورد " أكرم كل عالم " فإنه لا قصور في الإرادة الاستعمالية بالنسبة إلى الفساق منهم، ولو كان قاصرا فهو يرجع إلى الوجهين الأولين، ولكن العدول منهم قطعية إرادتهم في القانون المزبور، وهذا يمكن أن يعد شرطا أو مانعا، إلا أن الأصحاب ما قبلوه، مدعين تمامية الإطلاق، لأن كل دليل له القدر المتيقن بهذا المعنى بالضرورة (1). الاحتمال الرابع: أن وجود القدر المتيقن في مقام المخاطبة والسؤال والجواب، يضر بالإطلاق، مثلا إذا سئل عن الفقاع فأجاب: " لا تشرب الخمر " وهكذا فإنه يمنع عنه. وهذا مضافا إلى عدم شرطيته ولا مانعيته، يؤكد الإطلاق، لأنه في حكم الإعراض عن الجواب الجزئي إلى بيان معنى كلي وإفادة قانون عام. الاحتمال الخامس: أن يكون المقصود إفادة أن وجود القدر المتيقن بحسب الإرادة الجدية، يصلح للقرينية، فلا يثبت التقييد، ولا الإطلاق: أما الأول: فلعدم الدليل عرفا على قيدية الخصوصية. وأما الثاني: فلإمكان اتكال المتكلم على المناسبات الموجودة وغير البالغة إلى حد الانصراف الظاهر والواضح.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 574 - 575، نهاية النهاية 1: 313، محاضرات في اصول الفقه 5: 370. (*)

[ 435 ]

مثلا: إذا قيل: * (وأطعموا القانع والمعتر) * (1) أو قيل: * (تحرير رقبة) * (2) أو * (إطعام عشرة مساكين) * (3) أو غير ذلك، فإن تجويز إطعام الكافر والملحد وتحرير رقبة المعاند، تمسكا بالإطلاق، غير صحيح، لأن ما استشم من صاحب الشريعة يصلح للقرينية، فلايتم الإطلاق حينئذ. وهذا وإن كان بحسب الصناعة مخدوشا، إلا أن الفقيه ربما يصدقنا في مقام الإفتاء وتعرية نفسه عن الصناعات المضرة بالفقاهة، كما لا يخفى. تنبيه: في إثبات إطلاق الحكم عن طريق مقدمة الإطلاق الوحيدة قد تبين لحد الآن: أن السبب الوحيد لعروض وصف الإطلاق للكلام، هو كون المتكلم في مقام إفادة أن ما هو المأخوذ في الدليل تمام الموضوع، واشير سابقا إلى أن المراد من " المأخوذ في الدليل " والمراد من " الموضوع " أعم من المتعلق، ومتعلق المتعلق، والموضوع، والمكلف، وغير ذلك من القيود (4). إن قلت: هذا يتم لإثبات الإطلاق في غير ناحية الحكم نفسه، وأما بالنسبة إلى نفس الحكم فلا تكفي المقدمة المذكورة. نعم، لو قلنا: بأن المولى في مقام إفادة أن الحكم سار إلى جميع الخصوصيات - كما هو مذهب جمع في باب حقيقة الإطلاق (5) - فيتم الإطلاق في ناحية الحكم وغيره.


1 - الحج (22): 36. 2 - المائدة (5): 89. 3 - نفس المصدر. 4 - تقدم في الصفحة 426. 5 - تقدم في الصفحة 426، الهامش 2. (*)

[ 436 ]

قلت: لازم كونه في مقام إفادة أن الموضوع المأخوذ تمام الموضوع، ثبوت الإطلاق قهرا في ناحية الحكم أيضا. ولو شك في كون الحكم مشروطا بشئ وعدمه، فإن قلنا: بأن القيد يرجع إلى المتعلق فالأمر واضح، وإن قلنا: بأن القيد ربما يرجع إلى نفس الهيئة كما هو التحقيق، فلازم إطلاق الموضوع عدم انتظار الحالة الاخرى لفعلية الحكم، فيلزم منه سقوط احتمال دخالة شئ في عروض الحكم، كما لا يخفى. تتمة: حول الأصل عند الشك في مقام البيان قد اشتهر بينهم: أن الأصل العقلائي والسيرة العرفية على أن للكلام يكون الإطلاق إلا فيما يثبت الإهمال والإجمال (1)، مثلا لو شك في أن قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) وقوله تعالى: * (أقيموا الصلوة) * (3) وقوله تعالى: * (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) * (4) وهكذا هل له الإطلاق ؟ فيحكم عليه بالإطلاق. وقد نص عليه الوالد المحقق - مد ظله -، إلا أنه أنكر ذلك بالنسبة إلى الإطلاق من كل جهة (5)، فلو شك في إطلاق قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن) * (6) بالنسبة إلى جواز الأكل من محل الملاقاة مع الكلب، فلا يحمل على الإطلاق.


1 - كفاية الاصول: 288، نهاية الاصول: 385 - 386. 2 - البقرة (2): 183. 3 - البقرة (2): 110. 4 - التوبة (9): 71. 5 - مناهج الوصول: تهذيب الاصول 1: 535. 6 - المائدة (5): 4. (*)

[ 437 ]

ونسب إلى العلامة الأراكي (قدس سره): أن الأصل هو الإطلاق من كل جهة (1). وغير خفي أن قضية مقالة المشهور أيضا، هو الإطلاق من جميع الجهات، لأن اللفظ موضوع للشياع والسريان، فتأمل. والذي هو التحقيق: أن حمل القوانين على الإهمال والإجمال بحسب الإرادة والجد، خلاف الغرض النوعي في ضربها وتأسيسها، ضرورة أن النظر في نشر القانون هو الاهتداء والعمل، فإطلاقها بحسب الأفراد والأحوال والأزمان مما لا يكاد يشك فيه. وهكذا بالنظر إلى الجهات العديدة المتصورة، لأن النظر ليس في حملها على الإطلاق إلى الفرار من اللغوية في ضرب القانون، حتى يقال بكفاية الإطلاق من جهة لذلك (2)، بل الإرسال من النواحي المختلفة - بعد إمكان اتصاف الكلام به، وعدم معلومية الأمر من الخارج - هو دأب المقنن الذي قصد في تقنينه حل المشاكل الاجتماعية والفردية. نعم، لابد من إحراز كون الكلام ملقى على نحو القانون، وهذا مما يثبت من الدأب والديدن كما لا يخفى، فما في الكتاب الإلهي من الأحكام الكلية كلها مطلقات قطعية، وهكذا كثير من النبويات والعلويات. نعم، فيما ورد في كلمات الأئمة الهداة المعصومين في عصور التقية لا أصل، ولابد من الاطلاع على الجهات المقابلة والفتاوى الضالة، فإنه ربما يكون نظرهم - صلوات الله عليهم - إلى ما عنهم، من غير كونهم في مقام إفادة القانون العام، أو بيان الحكم الكلي، بل هم حينئذ في مقام هدم فتواهم بتوضيح الفتوى الحق


1 - انظر نهاية الأفكار 2: 577. 2 - أجود التقريرات 1: 529. (*)

[ 438 ]

والرأي الإلهي. وبالجملة: إن اريد من الأصل المزبور حمل كلامهم على الإطلاق قبل الاطلاع على آرائهم الفاسدة، فهو غير صحيح، وإن اريد من " الأصل " المزبور حمل كلامهم على الإطلاق بعد ذلك، فهو صحيح، لأن احتمال كونهم في مقام الإهمال، خلاف ما عليهم من توضيح القوانين العامة، بإفادة الأحكام الكلية المحتاج إليها في الأعصار والعصور المتعاقبة إلى أبد الآباد.

[ 439 ]

المبحث الثاني في أن الإطلاق رفض القيود أو جمعها اختلفوا في أن نتيجة المقدمات هل هي الإطلاق، بمعنى أن ما هو مصب الحكم تمام الموضوع، ولا شئ آخر دخيل في الموضوعية للحكم، فيكون الموضوع المزبور ملازما لذلك الحكم ؟ وهذا ما هو رأي جمع من الأعلام، كالسيدين: البروجردي (1)، والوالد المحقق (2)، والعلمين: الأراكي (3)، والمحشي (4) - عفي عنهم -. أو تكون نتيجة تلك المقدمات سريان الحكم إلى الأفراد على نعت العموم الاستغراقي في الأحكام الوضعية، أو إلى الأفراد على نعت العموم البدلي، كما في الأحكام التكليفية، وإلى جميع الخصوصيات اللاحقة بالطبيعة التي تكون متعلق الحكم، أو متعلق المتعلق في النواهي ؟


1 - نهاية الاصول: 375 - 377 و 382. 2 - مناهج الوصول 2: 325. 3 - مقالات الاصول 1: 502. 4 - نهاية الدراية 2: 492 - 494. (*)

[ 440 ]

وبالجملة: تصير المقدمات العقلية قائمة مقام أداة العموم الاستغراقي، نحو " كل " وشبهها في أمثال * (أحل الله البيع) * (1) و " الكلب نجس " و " البيعان بالخيار " وهكذا، وتقوم مقام مثل " أي " وسائر أداة العموم البدلي في أمثال " أكرم العالم " و " أعتق رقبة " و " صل وحج " فيكفي صرف الوجود، ولا يجب الاستيعاب في مقام الامتثال، وأما في باب النواهي فنتيجة المقدمات في الناحيتين واحدة، وهو العموم الاستغراقي. وبعبارة ثالثة: نتيجة تلك المقدمات هي الشيوع والسريان المنسوب إلى المشهور، إلا أنهم قالوا به في مقام الوضع (2)، وهذا ما يحصل عند جمع - كالعلامتين: الحائري (3)، والنائيني (قدس سرهما) (4) - بمقدمات الحكمة، وهذا الخلاف كثير الدور في كلامهم وكلام تلاميذهم (5)، ويعبر عنه بالخلاف في " أن الإطلاق هل هو رفض القيود، أم هو جمع القيود ؟ " كما اشير إليه فيما سلف (6). إذا تبين مصب الخلاف، وتبين فيما سلف: أن القائل برفض القيود لا يدعي إلا معنى واحدا للإطلاق، والقائل بجمع القيود يتوهم تقسيم الإطلاق إلى الأفرادي، والأحوالي، والأزماني، وإلى الاستغراقي، والبدلي، وإلى اللفظي، والمقامي، وسيظهر تحقيقه من ذي قبل إن شاء الله تعالى (7) فاعلم أن تمام البحث وحقه يستدعي امورا:


1 - البقرة (2): 275. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 566. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 234. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 566 و 573. 5 - مناهج الوصول 2: 45 و 315 و 325، محاضرات في اصول الفقه 3: 93. 6 - تقدم في الصفحة 426 - 435. 7 - يأتي في الصفحة 453 - 458. (*)

[ 441 ]

الأمر الأول: في ثمرة هذا الخلاف ربما يقال بأن العام اللفظي يقدم على الإطلاق، بمعنى رفض القيود، دون الإطلاق بمعنى جمع القيود، لأنه بمنزلة العام اللفظي في تعرضه لحكم الفرد. ومن العجيب أن القائل بالمقالة الثانية التزم بتقديم العام على الإطلاق، كالعلامة النائيني (رحمه الله) (1) والقائل بالمقالة الاولى التزم بالمعارضة، كالوالد المحقق - مد ظله - (2) ! ! وهذا يشهد على عدم تمامية الثمرة. نعم، قد ذكرنا مرارا أن انتفاء الثمرة عند شخص، لا يضر بكون البحث ذا ثمرة، لإمكان ذهاب جمع إلى الاستثمار من المعنى المشار إليه (3). ويمكن دعوى: أن من ثمرات هذا النزاع، هو القول بالامتناع في باب اجتماع الأمر والنهي، ضرورة أن الأمر بالصلاة إذا كان متجاوزا إلى الخصوصيات في مرحلة الجعل، يلزم كون حيثية الغصب مورد الأمر أيضا، وحيث إنها مورد النهي يلزم اجتماع الأمر والنهي في تلك الخصوصية، وأساسا يسقط النزاع، لانقلاب النسبة بين المأمور به والمنهي عنه من العموم من وجه إلى الآخر، كما تحرر في محله (4). هذا على القول: بأن الإطلاق جمع القيود. وأما على القول: بأن الإطلاق رفض القيود، فلا يكون متعلق الأمر والنهي إلا


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 511، و 4: 729 - 730. 2 - انظر التعادل والتراجيح، الإمام الخميني (قدس سره): 77. 3 - تقدم في الجزء الأول: 235 - 237، وفي الجزء الثالث: 231، وفي الجزء الرابع: 239، وفي هذا الجزء: 396. 4 - تقدم في الصفحة 171. (*)

[ 442 ]

حيثية الصلاة والغصب، ولا يتجاوز الأمر والنهي إلى ملحقات الطبيعة وتبعاتها. ثم هنا ثمرة ثالثة: وهي أن قضية كون الإطلاق رفض القيود، كون التخيير في الإطلاق البدلي عقليا، ومقتضى كونه جمع القيود أنه شرعي كما لا يخفى. الأمر الثاني: فيما يمكن أن يكون منشأ لهذا التشاح والتنازع، وموجبا لهذا الخلاف لابد من النظر إلى ما هو الإشكال في مرحلة الثبوت عند كل من القائلين حتى ذهب إلى مقالته حذرا منه، وإلا فلا معنى لاختلاف العقلاء بما هم عقلاء في أمر من الامور، ومسألة من المسائل. وما يمكن أن يصير سببا له وجوه من البحث نشير إليها إجمالا: الوجه الأول: أن جعل الطبيعة في مثل الأحكام الوضعية تمام الموضوع للحكم، غير معقول، لأن نتيجة ذلك هو أن طبيعة الكلب بما هي هي نجسة، أو طبيعة البيع بما هي هي حلال وهكذا، مع أن الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي، ولو اعتبر أنها نجسة، فيلزم اعتبار النجاسة لنفس الطبيعة المجردة، فتكون أفرادها الذهنية نجسة، بل هي في الحمل الأولي أيضا - بعد كونها موجودة بالحمل الشائع في النفس - نجسة وهكذا، فلا يمكن أن يكون معنى الإطلاق رفض القيود. وما قيل: " من أن الطبيعة ليست طبيعة إلا إذا كانت خارجية " كما قد يتعارف ذلك في تعبيرات الوالد المحقق - مد ظله - (1) فهو صحيح، إلا أن معناه ليس هو الوجود الخارجي، ضرورة أن من أدلة أصالة الوجود، كون الطبيعة موجودة في


1 - مناهج الوصول 2: 67. (*)

[ 443 ]

الذهن مع عدم ترتب الآثار عليها، وهذا لأجل تحققها في جميع النشآت مع انحفاظ الذاتيات، إلا أن الوجود الخارجي منشأ الآثار (1)، فلابد بناء على هذا من جعل الطبيعة مرآة إلى الأفراد الخارجية، ويكون الكلب الخارجي موضوعا للحكم، لا الطبيعة، وهكذا في مثل جعل الحلية للبيع، فإن ما هو الحلال هو البيع الخارجي، لا طبيعته ومفهومه الاعتباري. فبناء على هذا، لابد من أن يكون معنى الإطلاق هو جمع القيود، لأن المتكلم يسري الحكم إلى الخارج، فإن أسرى الحكم إلى الطبيعة بما هي هي في الخارج مع قطع النظر عن سائر الخصوصيات، فيلزم كون ما في الخارج عاريا، وهذا محال. مع أن لازم ذلك كون واحد من وجوداتها الخارجية حلالا، فلابد من إسراء الحكم إلى جميع الخصوصيات المكثرة بنحو الإجمال، فيكون كل خصوصية تعرض الطبيعة مورد الحلية، أي يكون البيع الغرري حلالا، والبيع غير الغرري أيضا حلالا، بمعنى أن الحلية موضوعها المركب من الطبيعة، وخصوصية الغررية، والخصوصية المقابلة لها، لأن الحلية منحلة إلى الحليات. فعلى هذا، إذا كانت مقدمات الحكمة تعطي الإطلاق، بمعنى جمع القيود هنا بالبرهان، فيكون الأمر كذلك في سائر المقامات، بل الأمر برهاني في ناحية النواهي مطلقا. نعم، في الإيجابيات التكليفية كقولك: " أكرم العالم " يفيد التخيير والعموم البدلي، لأن الحكم التكليفي الموضوع كذلك، يسقط بأول الوجود في ظرف الامتثال، فتأمل جيدا.


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 11 / السطر 9 - 13. (*)

[ 444 ]

أقول: يتوجه إلى هذا التقريب أولا: أن جعل الطبيعة مرآة للأفراد الخارجية، يحتاج إلى الدليل، لأن ما هو المأخوذ في الدليل هو قوله: " الكلب نجس " فيكون الكلب والطبيعة مرآة للأعم من الأفراد الخارجية والذهنية. ولو ادعى الانصراف والقطع بالمقصود، فلنا أيضا في جعل الطبيعة تمام الموضوع دعوى الانصراف إلى أن المقصود هي الطبيعة الخارجية. وثانيا: لازم هذا البيان أيضا مفسدة لا يمكن الالتزام بها، وهي أن كل خصوصية تؤخذ في مصب الحكم لها المصلحة، وكيف يعقل أن يكون لخصوصية الغررية واللا غررية ولخصوصية العلم والجهل والفسق والعدالة مصلحة في وجوب الإكرام ؟ ! وثالثا: أن ما هو مصب الحكم يمكن أن يكون البيع الخارجي والكلب الخارجي الموجود في الأعيان، من غير أخذ الخصوصية في المصب وفي الموضوع. والملازمة الخارجية بين ما هو في الخارج مع الأشياء الكثيرة، لا تستلزم لحاظ جميعها في الموضوع، فلا منع من جعل النجاسة والحلية للطبيعة الخارجية على نحو جعل لازم الماهية للماهية، فكما أن كل فرد من أفراد الإنسان في الخارج محكوم بالإمكان، ومع ذلك لا مدخلية للخصوصيات والمقارنات في ذلك الحكم، كذلك الأمر هنا. ولا يلزم من ذلك كون ما في الأعيان، معرى عن الخصوصية، ولا يلزم منه كون فرد حلالا: أما الأول فواضح. وأما الثاني، فلأن الحلية لازم الطبيعة، فكلما تحققت الطبيعة فلازمها ثابت لها، وهي النجاسة والحلية.

[ 445 ]

نعم، نعلم من الخارج: أن الشرع في مقام جعل الحكم على الطبيعة الخارجية قطعا، من غير دخالة الخصوصيات الشخصية في ذلك. وبعبارة اخرى: كأن الموضوع المأخوذ في الدليل مقيد بقيد الخارجية فقط، لأن الطبيعة الذهنية ليست ذات أثر، حتى تعتبر موضوعا للحكم بالضرورة العرفية والعقلية. الوجه الثاني: لو كان معنى الإطلاق هو رفض القيود أيضا، فلازم قوله " أكرم العالم " و " صل وصم " هو الانحلال، لأن الحكم صار لازم الطبيعة، كما أن الحلية والنجاسة صارتا لازمتي طبيعة البيع والكلب، ومقتضى ذلك أن الطبيعة دائمة اللزوم ودائمة الوجوب، كما أن طبيعة الإنسان دائمة الإمكان. نعم، في مثل الحلية والنجاسة هما لازمهما بعد وجودهما الخارجيين، وفي مثل الصلاة والصوم معنى لازمهما هو إيجادهما دائما، ولا معنى لسقوط الأمر بأول الوجود. نعم، بناء على ما عرفت: من أن مقدمات الإطلاق ربما تنوب مناب " أي " وتفيد الإطلاق البدلي، يلزم سقوط الأمر بأول الوجود (1)، لأن الشرع اعتبر التخيير بين الأفراد، فتوهم التخيير العقلي غير صحيح، بل لازم القول بالرفض هو العموم الاستغراقي في النتيجة، وهذا مما لا يلتزم به أحد قطعا. أقول: قد التزمنا بذلك في باب الفرق بين النهي والأمر، وأوضحنا هناك أن النهي والأمر سيان في اقتضاء الهيئة والطبيعة المتعلقة لها ومقدمات الحكمة، لزوم الإيجاد المطلق والترك المطلق، إلا أن الفهم العرفي والعقلائي في ناحية الأمر على


1 - تقدم في الصفحة 440. (*)

[ 446 ]

كفاية الإتيان والامتثال مرة في مثل " أكرم العالم " و " صل وحج وصم " (1). وأما في مثل " أكرم من في الدار " و " اقتل من في العسكر " بل وقولك: " أكرم العالم الذي في النجف " أو " أعتق الرقبة التي تكون مؤمنة " فالظاهر لزوم إكرام الكل على النعت الاستغراقي، لا المجموعي وهكذا. وأما مثل " أكرم عالما " و " أعتق رقبة " فالتنوين يدل على الوحدة، فلا يكون نقضا، ولذلك يكون التخيير حينئذ شرعيا. هذا أولا. وثانيا: بناء على القول بأن الإطلاق هو جمع القيود، يلزم سؤال أيضا: وهو أن مقدمات الإطلاق في الأحكام الوضعية والتكليفية على نهج واحد، فكيف ومن أين يحصل الفرق في الأثر، ولأية جهة تنوب مناب مثل " كل " ونحوها في الوضعيات، ومقام مثل " أي " ونحوها في التكليفيات ؟ ! ولو انضم إليها الفهم العرفي كفاية الامتثال بالواحد، فللقائل بالرفض أيضا ذلك. وثالثا: إن في باب الوضعيات يستظهر من الدليل أن الحكم اعتبر محمولا للطبيعة وملازما لها، بخلاف التكليفيات الإيجابية، فإن الدليل يتكفل البعث إليها، ولازم ذلك سقوط الأمر، لأن تمام المبعوث إليه قد تحقق، وإذا كانت الطبيعة تمام الموضوع، وهي صارت خارجية، لا يعقل بقاء الأمر والبعث المتعلق بها. نعم، إذا فرض أن المتكلم اعتبر الطبيعة واجبة الوجود في الاعتبار، واستطهرنا ذلك من قوله: " تجب صلاة كذائية " فيمكن تصديق الكلام المزبور. إلا أن قضية العقل هو أن الشرع لا يكون في تقنينه هذا النحو من الصلاح، ضرورة أنه لا مصلحة في استيعاب جميع أفراد الصلاة والصوم، ولذلك لا يوجد في الشرع حكم إيجابي استغراقي على هذا النحو، وهو وجوب عتق كل رقبة على كل


1 - تقدم في الصفحة 95 - 97. (*)

[ 447 ]

إنسان ومكلف، أو وجوب صرف الوقت كله في إتيان عبادة كذائية، فعليه مادام لم تقم قرينة على الأزيد من واحدة، يكون الحكم العقلي على كفاية الواحدة بالضرورة، فتوهم أن هذه المشكلة نشأت من القول بالرفض، غير صحيح. الوجه الثالث: أن قضية القول بأن الإطلاق هو جمع القيود إما المجازية، بل الغلطية، أو ادعاء أن الموضوع في أسماء الأجناس خاص، وحيث إن الكل باطل فالقول المزبور عاطل. بيان اللزوم أن جعل الطبيعة مرآة للخصوصيات، إما يكون من باب دلالة اللفظة الواحدة على تلك الخصوصيات المتباينة، فهذا غير ممكن، لأن ألفاظ الأجناس موضوعة عندهم للمهملة. ولو كانت موضوعة للمرسلة - بمعنى كون الأسود والأبيض بخصوصيتيهما السوادية والبياضية داخلة في الموضوع له - فهو غير ممكن ويستحيل، لعدم الجامع بينهما، فلابد من كونها موضوعة بنحو الموضوع له الخاص، وهذا غير صحيح. أو يكون الاستعمال مجازا وغلطا، وهذا مضافا إلى عدم التزامهم به، غير ممكن، لأن الاستعمال واحد. والالتزام بالاستعمالات الكثيرة غير المتناهية أفحش فسادا. فلا معنى لمرآتية الطبيعة إلا كما وضعت له، ولا يعقل المرآتية لما سوى ذلك، لأنها ليست اختيارية وبيد المتعلمين، فإسراء الحكم إلى الخصوصيات يحتاج إلى دوال اخر. ومجرد كون المتكلم في مقام إسراء الحكم لا يكفي ولو نادى بأعلى صوته، ولا مع الالتزام بالغلطية والمجازية وأمثالهما. فعلى هذا يتعين أن يكون الإطلاق رفض القيود، لامتناع كونه بمعنى جمع القيود. هذا مع ما اشير إليه من لزوم كون كل خصوصية دخيلة في الحكم، وهذا مما لا يجوز في شريعة العقل بالضرورة (1)، لامتناع كون الغررية واللا غررية


1 - تقدم في الصفحة 444. (*)

[ 448 ]

دخيلتين في مصلحة الحلية، والأسودية والأبيضية دخيلتين في نجاسة الكلب، فالقول بالرفض متعين ثبوتا من غير حاجة إلى الاستدلال بمناسبة الحكم والموضوع، وبالجهات الاخر. مع أن قضية القول بالجمع مناقضة العام والخاص والمطلق والمقيد، مع عدم إمكان الجمع بينهما كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: بأن مراد القائلين بالجمع يرجع إلى مقالة الرافضين، وذلك لأن الضرورة قاضية بأن في مثل إطلاق " الكلب نجس " و " البيع حلال " تسري التسوية المنصوص بها في كلماتهم (1) - أي أن الكلب نجس سواء كان أبيض، أو أسود - إلى قولهم: " سواء كان الخنزير موجودا، أو معدوما " مع أنه ليس وجود الخنزير وعدمه قيدا لموضوع النجس بالضرورة، فكما أن هذا التفسير وارد مورد تأكيد الحكم على الطبيعة ليس إلا، كذلك التفسير والتسوية بالمعنى الأول، ولذلك يجعل التسوية وقيدها بعد المحمول، لا قبله، أي يقال: " الكلب نجس سواء كان أسود، أو أبيض " أي أن الكلب في الحالتين نجس بما هو كلب، لا أن الكلب الأسود نجس، والأبيض نجس، وبذلك ترتفع الغائلة عن الفريقين، وتجتمع الآراء في البين. وبعبارة اخرى: إذا شك في نفوذ البيع مثلا لأجل أية خصوصية طارئة عليه، يكون الإطلاق مرجعا، وإذا شك في نفوذه لأجل تقارنه مع وجود الصلح الذي هو " جائز بين المسلمين " فإنه أيضا يكون الإطلاق مرجعا. مع أن المقارنات الوجودية الخارجية، ليست من تبعيات ماهية البيع، فمنه يعلم أن القائل بالإطلاق اللحاظي، واللابشرط القسمي، وجمع القيود، وبجعل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 566. (*)

[ 449 ]

الماهية مرآة، لا يريد إلا ما أراده القائل بالرفض. ولا أن الاختلاف في التعابير أوهم التنازع. ومجرد إمكان جعل وصف المقارنة من خصوصيات طبيعة البيع، لا يكفي لحل المشكلة وجدانا، فتدبر جيدا. ومما يؤيد أن الإطلاق هو رفض القيد، تقابله مع التقييد الذي معناه إيراد القيد، ولو كان معناه جمع القيود فمعنى التقييد هو إخراج قيد، ويكون التقييد بمعنى رفض قيد في موضوعيته للحكم، وهذا خلاف الذوق جدا. إيقاظ: حول اشتراط الإطلاق باعتبار رفض القيود وما فيه يظهر من القائلين بالرفض، هو أن من شرائط الإطلاق اعتبار رفض القيد والخصوصيات، وهذا غير صحيح، بل كون المتكلم في مقام جعل شئ موضوعا مع عدم ذكر القيد، تمام العلة لاستفادة إلاطلاق من غير لزوم لحاظ رفض القيد، أو لحاظ عدم ذكر القيد، حتى تكون القضية موجبة معدولة، بل عدم ذكر القيد بنحو السالبة المحصلة، كاف لاتصاف الكلام بالإطلاق. إن قلت: الإطلاق بمعنى رفض القيود وجمعها يتبع اختيار المتكلم، فإن اختار أن يجعل شيئا تمام الموضوع فهو يفسر برفض القيود، وإن اختار إسراء الحكم إلى تمام الخصوصيات والأفراد يسمى ب‍ " جمع القيود " وبذلك أيضا ترتفع الغائلة، ضرورة أن صفة الإطلاق تطرأ من عمل المقنن المختار العاقل الملتفت في تقنينه وأمره ونهيه على كلامه. قلت: نعم، إلا أنك قد عرفت فساد الإطلاق بمعنى جمع القيود ثبوتا، نعم لو أمكن ذلك ثبوتا كان لهذا الكلام مجال واسع جدا، ويتبين به فساد التشاح والتضاد المشاهد بينهم قطعا.

[ 450 ]

تذنيب: حول منع استفادة العموم الاستغراقي أو البدلي من مقدمات الحكمة قد تبين ما هو الحق في معنى الإطلاق، وأن الحكم بعد تمامية المقدمات متعلق بما هو تمام الموضوع، وقد مر أن التقييد هو إيراد القيد من غير سراية القيد إلى محل الإطلاق عنوانا، ومن غير أن يسقط الكلام بذلك عن المرجعية عند الشك والشبهة. وربما يظهر من جمع: أن مقدمات الحكمة بمنزلة أداة العموم الاستغراقي أو البدلي (1)، ولو كان الأمر كما افيد فلا يلزم منه سراية الحكم إلى الخصوصيات، ضرورة أن في قولهم: " أحل الله كل بيع " لا تعرض إلا للمصاديق الذاتية للبيع، فعلى ما تخيلوه يكون الإطلاق أحسن حالا من العموم، لأن المطلق يتصدى لإسراء الحكم إلى الطبيعة الملحوظة مرآة إلى الخصوصيات اللاحقة، وفي العام ليس كذلك، فلا تخلط، وتأمل تعرف. تنبيه: في حجية الإطلاق المستند إلى المقدمات الظنية في حجية الإطلاق إذا احرزت المقدمات على نحو الظن إشكال، ومنشأ هذه الشبهة، هو أن الإطلاق لا يوجب الظهور الوضعي للكلام، ولا دلالة لفظية له كما عرفت (2)، فتكون حجيته من باب العقل، فإن احرزت المقدمات على نحو الجزم والقطع فيثبت الإطلاق، وإلا يكون الإطلاق ظنيا، وخارجا عن الظنون الخاصة. وما يظهر من العلامة الأراكي (قدس سره) في " مقالاته " من دعوى الحد المتوسط بين


1 - كفاية الاصول: 292، درر الفوائد، المحقق الحائري: 210، نهاية الاصول: 386. 2 - تقدم في الصفحة 411 - 412. (*)

[ 451 ]

الدلالة الوضعية والظنية (1)، لا يرجع إلى محصل، وما ترى من الإخبار عن مطلوب المولى ومرامه بعد تمامية الإطلاق: " بأنه أحل كل بيع " أو " أنه حرم جميع أنحاء الكلب والخنزير والربا " لا يوجب كون الإطلاق من الدلالات الوضعية، ولا من الحد المتوسط الملحق بها في الحجية. نعم، يمكن دعوى استقرار بناء العقلاء على الحجية، في خصوص الظن المتولد من المقدمات المنتهية إلى جعل الحكم على طبيعة تدل بالإهمال على المعنى. وبالجملة هذا غير بعيد.


1 - مقالات الاصول 1: 504 - 505. (*)

[ 453 ]

المبحث الثالث في تقاسيم الإطلاق فمنها: انقسامه إلى الإطلاق اللفظي، والمقامي والمراد من " الإطلاق اللفظي " ليس - كما عرفت - دلالة اللفظ عليه (1)، خلافا لما نسب إلى المشهور (2)، وقد مر وجهه (3)، بل المراد منه صحة الاحتجاج والاعتذار بحجة مركبة من مقدمة لفظية. مثلا: إذا تم إطلاق قوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (4) يصح الاعتذار بأن بيع الهاتف بيع لغة، وما هو الحلال هو نفس طبيعة البيع ليس إلا، فيكون بيع الهاتف حلالا وهكذا. وأما الإطلاق المقامي، فهو أيضا من الاحتجاج العقلي على استكشاف حال الموضوع وضعا، مثلا إذا شك في أن البيع يصدق على بيع الهاتف شرعا، بعد صدقه


1 - تقدم في الصفحة 411 - 413. 2 - تقدم في الصفحة 395. 3 - تقدم في الصفحة 411 - 412. 4 - البقرة: 275. (*)

[ 454 ]

عرفا، وقلنا بأن اللازم في التمسك كشف المصداق الشرعي، فلنا التمسك بأن المولى الحكيم الذي أحل البيع، لو كان يعتقد بأن في صدق البيع يعتبر القيد الكذائي لأوضحه، وحيث سكت عنه في مدة التشريع، يكشف منه أن ما هو البيع عرفا هو البيع شرعا، وما هو الصلاة والصوم والإجارة والنكاح عرفا هو ذلك شرعا، ثم بعد ذلك يحتاج إلى الإطلاق اللفظي أيضا، لأن ما يحصل بالإطلاق المقامي هو موضوع ومصب الإطلاق اللفظي. فما يظهر من بعضهم أحيانا، من تخيل أن الإطلاق اللفظي والمقامي دليلان عرضيان (1)، غير تام، والأمر سهل. وهذا الإطلاق ينفع القائلين بالأخص في ألفاظ العبادات والمعاملات (2)، ولكن الشأن في تمامية مقدماته، وهي غير بعيدة بالنسبة إلى محيط التقنين، فليتدبر. ثم إنه ربما يتمسك بالإطلاق المقامي في الشبهة الحكمية الكلية أيضا، كما إذا شك مثلا في وجوب الذكر الفلاني، أو العمل الكذائي في كل صباح ومساء، فإنه لا حاجة إلى التشبث بالبراءة، بل هناك إطلاق مقامي مقدم عليها، وهو أن الشرع الأقدس قد مضى عليه أحيان التشريع، ولو كان هذا مما يجب لأوضحه وبينه، لابتلاء العموم به، فمنه يعلم عدم وجوبه، وبهذا الدليل كثيرا ما يستدل في المسائل الخلافية المبتلى بها في الاسبوع والشهر. فبالجملة تحصل: أن الإطلاق المقامي ليس معناه إلا كشف كون المولى في مقام التوضيح والتقنين، مع عدم إفادة مرامه بذكر القانون، أو بذكر خصوصيات مصب القانون اللفظي من حيث الوضع والتصرفات في محيط الدلالة والوضع، فعليه يلزم أن يكون الإطلاق أيضا معناه الرفض والإرسال، لا اللحاظ والجمع، فاغتنم.


1 - مقالات الاصول 1: 241. 2 - كفاية الاصول: 44 - 49، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 62. (*)

[ 455 ]

ومنها: تقسيمه إلى الشمولي والبدلي قال في " الكفاية ": " إن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات، تختلف حسب اختلاف المقامات، فإنها تارة: يكون حملها على العموم البدلي، واخرى: على العموم الاستيعابي " (1) انتهى، وهذا قد تعارف في كلمات جل المتأخرين (2). والذي هو التحقيق: أن تقسيم العام إلى الشمولي والبدلي قد فرغنا عنه وعن الكلام حوله، وأن الألفاظ الخاصة تدل على الشمولية والبدلية بالوضع (3)، وأما تقسيم الإطلاق إليهما فإن اريد منه أن مقدمات الإطلاق، توجب الدلالة الوضعية على الشمولية والبدلية باختلاف المقامات، فهذا واضح الفساد، وقد مر مرارا: أن الإطلاق من الأوصاف الطارئة الثابتة بحكم العقل للكلام، من غيردخالة الوضع فيه (4). وإن اريد منه أن حكم العقل أو العقلاء يختلف باختلاف المقامات، فهذا مما لا بأس به، ضرورة أن في مثل الأحكام الوضعية، يكون كل بيع خارجي حلالا ونافذا، بخلاف الأحكام الإيجابية البعثية كقوله: " أكرم العالم " و " أعتق الرقبة " فإنه يكفي فيه المرة الواحدة، وقد فرغنا عن هذه البحوث فيما سبق (5)، وفي مباحث النواهي (6).


1 - كفاية الاصول: 292. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 210، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 562، نهاية الاصول: 386 - 387. 3 - تقدم في الصفحة 205 - 213. 4 - تقدم في الصفحة 199 و 393 - 394. 5 - تقدم في الصفحة 446. 6 - تقدم في الجزء الرابع: 95 وما بعدها. (*)

[ 456 ]

فبالجملة تحصل: أن أساس تقسيم الإطلاق إلى الشمولي والبدلي، غير صحيح. ومن هنا يظهر: أن توصيف الإطلاق ب‍ " اللحاظي " كما تعارف في كلمات بعضهم، أيضا (1) من الغريب جدا. ومن هنا يظهر: أن استعمال كلمات " السريان، والشيوع، والإطلاق الاستيعابي، والشمولي، واللحاظي، والبدلي " كلها ناشئة من الخلط بين ما هو الإطلاق واقعا، وبين الأحكام العقلائية المختلفة باختلاف المقامات التي نشأت من اختلاف مرام المولى ومقصوده اللبي الذي لا طريق إلى إحرازه إلا بذلك الإطلاق، فخلطوا بين المحرز - بالكسر - والمحرز - بالفتح - فنسجوا ما نسجوا من التقاسيم والتخيلات. ومنها: تقسيمه إلى الأفرادي، والأزماني، والأحوالي وهذا التقسيم أيضا من قبيل التقسيم الأول، وأن من توهمه اعتبر في المطلقات الإطلاق اللحاظي، أي لحاظ الطبيعة السارية في جميع الأحوال والأفراد والأزمان، ومن ورائها الحكم الساري إلى تمام الأفراد، وفي جميع الأحيان والأزمان والأحوال (2). مع أن جعل البيع تمام الموضوع أو جعل الكلب تمام الموضوع يكفي لرفع الشك والشبهة بالنسبة إلى كافة القيود والخصوصيات، حتى المقارنات الوجودية بالضرورة.


1 - نهاية الأفكار 2: 559 - 560. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 348 - 349، و 3: 11. (

[ 457 ]

وهم ودفع لابد من التقسيم المزبور، فلابد من اللحاظ الموجب له، وذلك لأن دليل التقييد تارة: يخرج الفرد، واخرى: يورث تقييد الفرد بحال أو في زمان، ولو كان الإطلاق الأفرادي عين الإطلاق الأحوالي والأزماني، للزم الخلط بين إخراج الفرد، وبين التقييد بالحال. مثلا: من تقييد حلية البيع بقولهم: " نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ما ليس عندك " (1) يلزم خروج البيوع الكثيرة. ودعوى: أن التقييد ليس مثل التخصيص حتى يستلزم الإخراج، غير مسموعة، لما تحرر منا: من أن التقييد ليس معناه إيراد القيد في محط الإطلاق حتى يعنون المطلق بالمقيد، ويسري إجماله إليه، وغير ذلك، بل معنى التقييد - كما نشير إليه إن شاء الله تعالى - هو إيراد القيد في مقام اللب وكشف حدود الإرادة الجدية به، كما في العموم، من غير سراية إلى مقام الإنشاء والجعل، ولا يعقل ذلك. ثم من تقييد دليل الحلية (2) - بناء على دلالته على لزوم البيع أيضا كما قيل (3) - بدليل خيار المجلس والحيوان (4)، يلزم خروج البيع في حال من الأحوال عن دليل الحلية، وهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف الإطلاق الأفرادي والأحوالي،


1 - الفقيه 4: 4 / 1، عيون أخبار الرضا، وسائل الشيعة 17: 357، كتاب التجارة، ابواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 12. 2 - هو قوله تعالى: * (أحل الله البيع) *. البقرة (2): 275. 3 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 215 / السطر 22 - 23. 4 - الكافي 5: 170 / 5، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 1، الحديث 1. (*)

[ 458 ]

وأن التقييد الأول في حكم التخصيص، والتقييد الثاني هو التقييد واقعا. ومن هنا يظهر وجه القول: بأن وصف الإطلاق ربما ينتهي إلى العموم الأفرادي الشمولي أو البدلي، وربما ينتهي إلى الإطلاق الأحوالي والأزماني، ويكون الإخراج بالنسبة إلى الأفرادي تخصيصا، وإلى غيره تقييدا (1)، فصح التقسيم الثاني والثالث أيضا. ويندفع: بأن الخلط بين التقييد وبين نتيجة التقييد، أوهم ذلك، ضرورة أن قوله: " لا تعتق الرقبة الكافرة " لا يدل إلا على عدم وجود الإرادة الجدية في مورد الرقبة الكافرة، وبالنسبة إلى هذا العنوان، ونتيجة الجمع بينهما خروج الأفراد الكافرة، من غير أن يتعرض المطلق للأفراد، أو المقيد للأفراد، فلا تخصيص بتاتا. وإذا ورد " لا تعتق الرقبة ليلا " أو " لا تعتق الرقبة في السوق " مثلا، يستكشف منه أيضا عدم وجود الجد بالنسبة إلى حدود دلالة المقيد واقتضائه، وتصير النتيجة خروج حال من الأحوال، أو زمان من الأزمنة. والسر كل السر: أن في المطلق لا تعرض للأفراد والأحوال والأزمان باللحاظ والمرآتية. نعم، دليل التقييد يختلف بحسب النتيجة، فربما يخرج الأفراد، وربما تخرج الأزمان والأحوال، فلاينبغي الخلط، وليتدبر جيدا. وتحصل أيضا: أن من دليل القيد، لا يصح كشف كون المطلق أفراديا أو أحواليا وأزمانيا بالتخيل المزبور، حتى فيما إذا كان دليل القيد متعرضا للحال أو الزمان، بل ولو كان متعرضا للأفراد - كما إذا ورد عقيب قوله: " الكلب نجس " - لا تكون الكلاب البحرية نجسة.


1 - مقالات الاصول 1: 440 و 491 - 499. (*)

[ 459 ]

المبحث الرابع في أن التقييد لا يورث تعنون المطلق بالمقيد قد فرغنا عن عدة بحوث في العام والخاص، وهي تجري في المطلق والمقيد أيضا، وقد أشرنا إليها في تلك المباحث، كبحث التمسك بالعام في الشبهة المصداقية والمفهومية، اللفظية واللبية، والمنفصلة والمتصلة وأمثالها (1). والذي نشير إليه هنا: هو أن هذه المباحث على القول بأن دليل القيد يورث تعنون المطلق به (2) - كما قيل به في العام والخاص (3) - تصير واضحة النتيجة، ضرورة مع تعنونه به لا يجوز التمسك، لأنه من التمسك بالدليل في الشبهة الموضوعية، وهو غير ممكن، ولا خلاف فيه بين أهل العلم. وأيضا مر منا (4): أن الظاهر من كلماتهم وصريح العلامة الأراكي (قدس سره) خروج باب الإطلاق والتقييد عن باب العام والخاص، وأن في هذه المسألة يكون دليل


1 - تقدم في الصفحة 232 و 267. 2 - نهاية الأفكار 2: 519 - 520، مقالات الاصول 1: 440 - 441. 3 - مناهج الوصول 2: 245 - 246. 4 - تقدم في الصفحة 255 و 267. (*)

[ 460 ]

المقيد، كاشفا عن جزئية الطبيعة للموضوع المحكوم عليه، فيكون المطلق معنونا بالمقيد، ولذلك لا يتوهم أحد جواز التمسك به في الشبهة المصداقية (1). فالتقييد هو إيراد القيد في محط الحكم في المطلق، واستكشاف أن ما هو تمام الموضوع هو المقيد، بخلاف التخصيص، فإن مفاده إخراج الأفراد، ولا معنى حينئذ لتعنون العام به. والذي هو التحقيق كما مضى الكلام حوله (2): عدم الفرق بين مسألتنا هذه وتلك المسألة من هذه الجهة، وأنه لا يعنون المطلق بالمقيد بحسب مقام الإثبات والإنشاء. نعم، هو دليل على عدم الإرادة الجدية بالنسبة إلى عنوان المقيد وهي الرقبة الكافرة. ويدل على ذلك - مضافا إلى عدم إمكان تعيين لون القيد وكيفيته، فإنه إذا ورد " أعتق الرقبة " ثم ورد " لا تعتق الكافرة " كما يحتمل كون القيد الوارد هي المؤمنة، يحتمل كونه غير الكافرة بنحو الإيجاب العدولي، أو يكون على نحو السلب التحصيلي، أو يكون على نحو القضية، أي " أعتق الرقبة إذا لم تكن كافرة " أو " إذا كانت مؤمنة " وتختلف الاصول باختلاف هذه الاحتمالات، كما تحرر في محله أن إيراد القيد في محط الحكم الأول الإنشائي ممتنع، ضرورة أنه إن اريد من ذلك قصر الحكم الإنشائي، فهو واضح الفساد، لأن الحكم الإنشائي على المطلق باق إلى يوم القيامة، ولا يعقل التصرف فيما هو حقيقته ليست إلا محض الإنشاء. وإن اريد بذلك قصر الجد، فهو أيضا حاصل من الأول.


1 - مقالات الاصول 1: 440 - 441. 2 - تقدم في الصفحة 267. (*)

[ 461 ]

وإن اريد بذلك إسقاطه عن الحجية بدعوى: أنه بعد التعنون يكون في حكم المعنون من الأول، فهو أيضا غير ممكن، لأن هذا لا يحصل إلا بصيرورة الحكم في المطلق متعلقا بالمقيد. نعم، إن اريد بذلك إسقاطه عن الاحتجاج به حكما، فهو - مضافا إلى إمكانه من طريق آخر كما سلكه كثير منهم في العام والخاص من غير أن يعتقدوا بأن العام يعنون بالخاص (1) - غير تام، لاحتياجه إلى الدليل، ضرورة أن إسقاطه عن الحجية حكما، لا يمكن بلا دليل. فتبين لحد الآن: أن تعنون المطلق بالمقيد غير ممكن، ولا يلزم من ذلك تعين الاحتجاج به في الشبهة المصداقية، أو المفهومية وغيرها، كما مر تفصيله في العام والخاص (2). نعم، لا بأس بدعوى التعنون حكما في نظر العرف، فيما إذا كان المقيد ناظرا إلى المطلق، وآتيا لتحديده، فإن من ذلك يستكشف أن المتكلم في مقام ذلك، فيكون هذا دليلا على ناظرية المقنن في إسقاط حجيته إذا قلنا بها في الشبهة المصداقية كما عرفت، فافهم واغتنم. ولأجل ذلك اخترنا في العام أيضا سراية إجمال الخاص إليه في مثل هذا، لأن المخصص المنفصل حينئذ يصير كالمتصل في غير التخصيصات الحقيقية فراجع حتى يتضح لك حقيقة الحال (3). ومن هنا يظهر: أنه إذا كان دليل القيد متكفلا للأوامر أو النواهي الغيرية - كما


1 - مطارح الانظار: 193 / السطر 4 - 13، نهاية الأفكار 1: 328 و 332. 2 - تقدم في الصفحة 255 - 256. 3 - تقدم في الصفحة 234 - 237. (*)

[ 462 ]

في الأوامر والنواهي الواردة حول المركبات الشرعية كالصلاة ونحوها - يلزم منه التقييد ظاهرا، والتصرف في المطلق حكما على وجه يكون القيد الوارد مجملا، لما مر من الاحتمالات الكثيرة فيه، وسيظهر بعض الكلام فيه إن شاء الله تعالى (1).


1 - يأتي في الصفحة 464. (*)

[ 463 ]

المبحث الخامس في أطوار المطلق والمقيد وكيفية الجمع بينهما إذا كانا متنافيين وقبل الخوض في توضيح تلك الأطوار، وبيان صور ورودهما في الشرع الأقدس، لا بأس بالإشارة إلى بعض امور: الأمر الأول: في انحصار النزاع بالقيد المنفصل إن محط الكلام فيما إذا كان القيد منفصلا، لأن النظر من توضيح الصور بيان كيفية الجمع بين المتنافيين، ولو كان القيد متصلا فلا يتصور التنافي، فإن للمتكلم أن يلحق بكلامه من القيود ما شاء، فما يظهر من تقريرات الكاظمي (1) و " مقالات " العلامة الأراكي (قدس سرهما) (2) من تكثير الصور من هذه الجهة، أيضا خروج عن الجهة المبحوث عنها، فإنه هنا لا إطلاق حتى يحمل على القيد، كما هو الواضح.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 579. 2 - مقالات الاصول 1: 513 - 514. (*)

[ 464 ]

ومن العجيب اختلافهم في الحكومة والورود في هذه الصورة (1) ! ! وكأنهم بنوا هنا على أن الإطلاق من الصفات الوضعية، وليس من الحالات الآتية من اختيار المتكلم، مع أن المسألة عندهم واضحة. ثم إن الاتصال كما يمكن على وجه التبعية، بأن يكون القيد الوارد بحسب الأدب من متعلقات الجملة، سواء قدم عليها، أم اخر في اللفظ، كذلك يمكن أن يكون على وجه الاستقلال، فلو ورد " أعتق الرقبة، ولا تكن هي كافرة " بل ولو ورد " ولا تعتق الكافرة " فانه يشك في انعقاد الإطلاق، لصلاحية الجملة الثانية للقرينية، وقد مر في مقدمات الحكمة: أن ذلك يضر بالإطلاق (2)، فعلى هذا يلزم الأخذ عندئذ بالقدر المتيقن، لعدم إحراز الإطلاق حتى يمكن دعوى قرينيته على الهيئة في ناحية القيد، ولا يحمل عليه كما يأتي تفصيله (3). الأمر الثاني: في انحصار النزاع بالقيد المتكفل للحكم التكليفي فيما إذا كان دليل القيد غير متكفل للحكم التكليفي الإلزامي أو الندبي، وكان إرشادا إلى تحديد مصب الإطلاق وتضييق محطه، فلا معنى لتوهم التنافي المحتاج إلى العلاج، وهذا كما إذا ورد عقيب " أعتق الرقبة " " لا تعتق الكافرة " فإنه إذا لم تكن الهيئة تحريمية، ولا كراهتية فرضا، فلابد وأن يكون ناظرا إلى الإطلاق في القانون السابق عليه، أو اللاحق به، ولأجله يصير الإطلاق معنونا بذلك القيد، ويسري إليه الإجمال، ويسقط عن الحجية في مورد الشك في الشبهة المصداقية بالضرورة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 577 - 578، مقالات الاصول 1: 513. 2 - تقدم في الصفحة 427 - 428. 3 - يأتي في الصفحة 467 - 469. (*)

[ 465 ]

هذا فيما إذا كان دليل القيد إرشادا إلى تحديد مصب الإطلاق، وأما في فرض الشك في مفاد الهيئة، فيأتي الكلام حوله عند توضيح صور المسألة (1). ومن هنا يظهر وجه معلومية حمل المطلق على المقيد، فيما إذا كان دليل القيد متكفلا للأمر الغيري، أو النهي الغيري، الراجع إلى تعرضه لخصوصيات المركبات الشرعية، كالصلاة ونحوها، فإن في هذه الصورة لا سبيل إلى توهم المعارضة بين المطلق ودليل القيد، للزوم الخلف، فيكون أمثال هذا مفروغا عنه في المقام. نعم، في مورد الشك في مفاد الهيئة وموارد كون الهيئة تكليفية، يشكل الأمر أحيانا، فيكون مصبا للتشاح ومحطا للنزاع في الجملة، كما سيظهر. الأمر الثالث: في أنهما قد يتحدان في الكيف وقد يختلفان قد أشرنا في صدر المسألة إلى أن البحث حول أطوار المطلق والمقيد، وكيفية الجمع بينهما إذا تخالفا، ففيما إذا كانا مختلفين في النفي والإثبات، يكون التخالف ظاهرا بحسب الصورة، ضرورة أن الموجبة الكلية أو السالبة الكلية، تخالف الجزئية منهما. وأما فرض كون الهيئة تنزيهية أو ندبية، فهو من صور كيفية الجمع بينهما، فلا معنى لفرض كون الهيئة ندبا أو تنزيها مثلا، ثم إخراجه عن محط الكلام (2)، فتأمل. وأما إذا كانا متحدين في الكيف، بأن يكونا موجبتين أو سالبتين، فإن كانت وحدة الحكم معلومة فيلزم المخالفة، لإمكان كون المطلق جديا، والمقيد مهملا،


1 - يأتي في الصفحة 471 - 474. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 582. (*)

[ 466 ]

وإمكان كون المقيد جديا، والمطلق محمولا. وأما إذا كانت وحدة الحكم غير معلومة، فالمعروف بينهم أنهما غير متخالفين قهرا، لإمكان الأخذ بهما بالالتزام بتعدد الحكم إثباتا، من غير حمل المطلق على المقيد، ولا المقيد على أمر آخر (1). والذي هو الحق عندنا كما مر منا (2) مرارا: أن الالتزام بالحكمين التأسيسيين المستقلين، غير ممكن في المطلق والمقيد وإن كانا متماثلين - بأن يكونا تحريميين أو إيجابيين - وذلك لأن تعدد الإرادة التشريعية كما لا يعقل عند كون المراد واحدا، كذلك الأمر في صورة كونهما من المطلق والمقيد. مثال ذلك: إذا قال المولى " أكرم العالم " فكما لا يمكن إيجاب الإكرام المتعلق بالعالم ثانيا إيجابا مستقلا لا تأكيدا، لامتناع حصول الإرادة التشريعية المستقلة الاخرى إلا بتغيير مبادئها ومتعلقها، ومع وحدة المبادئ والمصالح أو المفاسد لا تحصل الإرادة الاخرى الابتدائية، ومع وحدة متعلق الإرادة لا تكون الإرادة الثانية إلا واردة على محط الاولى، فتكون تأكيدا، ضرورة أن تعدد الإرادة التشريعية بتعدد موردها ومتعلقها، لأن تشخصها بتشخصه، كما تحرر في محله (3). كذلك الأمر إذا قال: " أكرم العالم " ثم قال: " أكرم العالم العادل " لأن فيما يتحد متعلق الإرادة تصير هي واحدة، فتكون الإرادة بالنسبة إلى ذلك المورد من قبيل التأكيد، فلا يكون هناك إلا حكم واحد، فعلى هذا لا يخلو الواقع من أحد أمرين: إما يكون جده في إكرام العالم العادل، أو إكرام العالم، ويكون قيد العادل


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 236، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580 - 589، نهاية الأفكار 2: 578 - 579. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 136 - 137، وفي الجزء الرابع: 142 - 145. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 257 وما بعدها. (*)

[ 467 ]

محمولا، فيلزم التهافت والتخالف مطلقا بين الموجبتين والسالبتين، لعين ما يكون بين المتخالفين في الكيف. وتوهم: أن عنوان " العالم " يباين عنوان " العالم العادل " بما هو مقيد، في محله، إلا أنه غير نافع، لأن المريد لا يريد إلا تشريع الحكم للمصالح الواقعية، وللبعث إلى الامتثال، وإذا كان الواقع ما هو العالم العادل مصداق العالم، لا يمكن أن يترشح منه الإرادة التشريعية الاستقلالية بالنسبة إليه، ومن تأمل يجد مرامنا إن شاء الله تعالى. إذا عرفت هذه الامور فالبحث هنا يتم في طي مقامات: المقام الأول: في صور المطلق والمقيد المتكفلين للحكم التكليفي على نعت التنجيز الصورة الاولى: إذا ورد مطلق مشتمل على الأمر، ثم ورد مقيد مشتمل على النهي، نحو " أعتق الرقبة " و " لا تعتق الكافرة " فهناك احتمالات: الأول: المحافظة على إطلاق المطلق والهيئة في المقيد، فيكون عتق الكافرة واجبا وحراما، وهذا غير ممكن عندنا، محرر تفصيله في مسألة اجتماع الأمر والنهي (1). الثاني: التصرف في الهيئة المقيدة بحملها على التنزيه، وهذا أيضا غير ممكن، لامتناع اتصاف عتق الكافرة بالوجوب والكراهة، واشتمال الهيئة على


1 - تقدم في الجزء الرابع: 142 - 145. (*)

[ 468 ]

الترخيص، لا يستلزم إمكان كون الكافرة مصداق المأمور به. وأما في مثل الصلاة في الحمام فهو ليس من التنزيه، بل هو من قبيل الإرشاد إلى المرجوحية النسبية، فلا يكون من الأخذ بالظاهر، وهو التكليف، ففيما ذكرنا من المثال لا يمكن الجمع بين الإيجاب والكراهة، فلا تخلط. الثالث: التحفظ على هيئة المقيد بحملها على التحريم، والتصرف في هيئة المطلق بحملها على عدم الوجوب في مورد التحريم، فيكون المطلق محمولا على المقيد. الرابع: حمل المطلق على المقيد، مع عدم التحفظ على هيئة المقيد أيضا، بحملها على الإرشاد وتحديد مصب الإطلاق. الخامس: حمل الهيئة في المطلق على الندب في غير الكافرة، وذلك لأن التصرف في المطلق يوجب نوع الوهن الموجب للشك في انعقاد الظهور للهيئة، لما لا تكون دلالته على الوجوب بالوضع... وغير ذلك من الاحتمالات البدوية. هذا كله بحسب مقام التصور. وأما بحسب مقام الإثبات والتصديق، فالذي هو الأوفق بافق التقنين هو الاحتمال الرابع، وذلك لأن هيئة المطلق استلزمت وجوب عتق الرقبة، وهيئة المقيد - بما أنها متأخرة في مفروض الكلام عن تلك الهيئة - تصير من قبيل الأمر عقيب الحظر، فإن النهي عقيب الأمر أيضا مثله، كما تحرر منا في محله (1). فإذا كان الواجب في الشريعة عتق الرقبة مثلا، ثم ورد نهي، لا يكون لأجل سبق الأمر تحريميا، ولا تنزيهيا، أي لا ينعقد ظهور النهي في التحريم والتنزيه، لأنه ظهور إطلاقي، فيلزم صرفه إلى توضيح مصب الإيجاب السابق، ومحط وجوب العتق، وهو عتق المؤمنة مثلا، فلا يجزئ في مقام امتثال الأمر عتق الكافرة، نظير


1 - تقدم في الجزء الرابع: 351 - 352. (*)

[ 469 ]

سائر الأوامر الغيرية الواردة حول المركبات الشرعية. فما اشتهر بينهم من حمل المطلق على المقيد بانحفاظ هيئة المقيد (1)، غير صحيح، بل الصحيح هو حمل المطلق على المقيد بانحفاظ هيئة المطلق، دون هيئة المقيد، فدليل القيد مأخوذ من ناحية، ومحمول في اخرى، ودليل الإطلاق على عكسه. وبالجملة: ما ذهب إليه المشهور من الأخذ بالمقيد في تمام مفاده، والتصرف في إطلاق المطلق فقط، بدعوى أنه أهون التصرفات بعد عدم إمكان الأخذ بهما في تمام مفادهما (2). أو بدعوى: أن محيط التقنين يقتضي حمل المطلق على المقيد، كما في العام والخاص، فإن المتعارف ذكر المطلقات، ثم المقيدات (3). أو بدعوى: أن دليل القيد وارد على دليل الإطلاق، لورود القرينة على ذي القرينة، ضرورة أن ظهور الإطلاق تعليقي، وظهور القيد تنجيزي (4). أو بدعوى: أن الإطلاق في مفروض الكلام بدلي، والقيد شمولي، والشمولي مقدم على البدلي، لأن التنجيز في البدلي عقلي، وفي الشمولي يكون التعيين شرعيا (5). أو بدعوى غير ذلك (6)، كلها - مضافا إلى عدم تمامية تلك الدعوات إلا الثانية


1 - كفاية الاصول: 290، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 577 - 582، درر الفوائد، المحقق الحائري: 236، منتهى الاصول 1: 475. 2 - مطارح الأنظار: 223 / السطر 9 - 10. 3 - مناهج الوصول 2: 335. 4 - منتهى الاصول 1: 475. 5 - منتهى الاصول 1: 476. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 582. (*)

[ 470 ]

منها - غير ناهضة عند العقلاء بعد سبق الإيجاب، فإن ما نحن فيه من قبيل ورود الخاص بعد العام، فكما أن مفاد " لا تكرم الفساق " ليس إلا إخراج ما لا يجب إكرامه من دون النظر إلى تحريم إكرامهم، كذلك الأمر هنا من غير تعرض للإخراج المتعارف هناك، كما عرفت في البحث السابق في توضيح حقيقة التقييد (1)، فلا تخلط. وبالجملة تحصل: أنه إذا ورد الأمر بذبح الشاة فيما كان أمرا نفسيا، ثم ورد النهي عن المهزولة، لا يدل النهي إلا على تحديد مصب الإطلاق وتقييد محط المطلق، وهذا في كثير من الأمثلة واضح. وفيما إذا كان عنوان المقيد قابلا للتحريم النفسي أيضا، يكون مقتضى محيط التقنين - بذكر القيود متأخرا - هو حمل الهيئة على الوجه المزبور، كما هو المتعين قطعا في المثال الأخير، فتوهم التفصيل في الأمثلة (2) مندفع بما اشير إليه. وما اشير إليه من الوجوه الأربعة، لا يقتضي في مقابل هذا الوجه شيئا، ضرورة أن مجرد أهونية التصرف في إطلاق المطلق غير كاف، لأن المناط فهم العقلاء والقرائن الخاصة والكلية، وبناء العقلاء وإن كان على ذكر المقيدات متأخرا، إلا أنه لا يقتضي كون الهيئة في ناحية القيد، باقية على الأصل الأولي وهو التحريم، لسبق القرينة، ولأن ظاهر دليل القيد هو النظر إلى تحديد مصب الإطلاق. وأما كون ظهور الإطلاق تعليقي دون القيد، فغير صحيح، لأن الثاني أيضا مثل الأول في كونه نهيا، والنهي كالأمر، فكما يمكن أن يكون الإطلاق دليل التصرف في القيد، يمكن عكسه. ومن هنا يظهر قصة كون الإطلاق بدليا، والتقييد شموليا، فإن الشمولية


1 - تقدم في الصفحة 459 - 461. 2 - فوائد الاصول 2: 582. (*)

[ 471 ]

والبدلية ليست وضعية، فهي أيضا إطلاقية، فافهم واغتنم. تذنيب: في قيام القرينة على إرادة شئ من المقيد هذا هو قضية الأصل الأولي في الجمع بين المطلق المثبت المقدم، والمقيد النافي المتأخر، وفيما كانا غير مقترنين بقرينة خاصة على إحدى المحتملات السابقة. وأما إذا قامت القرينة على أن مفاد المقيد تحريم فيؤخذ به، ويحمل المطلق عليه طبعا، وهكذا لو قامت على أنه متعين في الكراهة المصطلحة. نعم، لو اقيمت القرينة على الكراهة بمعنى المرجوحية النسبية كما في باب العبادات، فلا يحمل المطلق عليها، لجواز الاكتفاء بالمرجوح في مقام امتثال أمر الإطلاق به، فلو ورد النهي عن المهزولة في الاضحية، وكان تنزيهيا، فمجرد كونه ترخيصا في الفعل لا يقتضي بقاء الإطلاق على حاله، لامتناع الجمع بين الوجوب والكراهة المصطلحة بالضرورة. وما ترى في العبارات: من اقتضاء الترخيص بقاء الإطلاق، فهو لأجل أن صحة العبادة في الحمام متقومة بالأمر، وحيث لا يعقل الجمع بينهما يكون النهي محمولا على الكراهة بمعنى المرجوحية النسبية. وأما في غير العبادات، فلا منع من كون الواجب ذبح الشاة السمينة، وكراهة ذبح المهزولة، بمعنى أنه يجوز ذبحها، ولكنه لا يكفي عن الأمر الثابت بدليل المطلق، فلا تخلط واغتنم. ومن هنا يظهر ما إذا قامت القرينة على أنه نهي تكليفي مردد بين التحريم والكراهة.

[ 472 ]

وأما إذا وصلت النوبة إلى التردد بين الإرشاد وغيره، فيتعين - حسبما تحرر مقتضى الأصل العقلائي - في الإرشاد، وفي كونه مسوقا لتحديد مصب الإطلاق، وتوضيح حدود الإرادة الجدية، كما في العام والخاص المتأخر. ومن هنا يظهر مواقف الخلط بين كلمات المتأخرين، حتى الوالد المحقق - مد ظله - (1) مع عدم تمامية طريقتهم في البحث، فإن اللازم أولا البحث عن حال المطلق والمقيد من غير فرض كون دليل القيد تحريما أو تنزيها، ثم البحث عن صورة العلم بأحد الوجوه والمحتملات. بقي شئ: في حكم ما لو كان مفاد المطلق ندبا إذا كان دليل المطلق ندبا، فإن قامت القرينة على أن هيئة المقيد تحريما أو تنزيها أو إرشادا فهو. ولو قامت القرينة على أنه للتنزيه بالمعنى الآخر، فيكون الإطلاق محفوظا. ولو لم تقم القرينة على أحد الوجوه والمحتملات، فكون الأصل حمل المطلق هنا على المقيد مطلقا، غير واضح، ضرورة أنه فيما إذا ورد الأمر بالعقيقة، ثم ورد النهي عن المهزولة، يكون فهم العقلاء على أن المهزولة أقل ثوابا، بخلاف ما إذا ورد الأمر بمعاشرة العلماء، ثم ورد النهي عن معاشرة علماء السوء، فإنه تحريم. وأما حمل الهيئة هنا على الإرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق فقط، فهو مشكل، لأن السنن مما لا يهتم بها في القوانين، حتى يرد النهي لإفادة حدود المندوب فقط، فتدبر تعرف.


1 - مناهج الوصول 2: 333 - 334. (*)

[ 473 ]

توضيح وتفصيل: بين تعرض القيد لحكم الطبيعة وبين وروده نكرة لأحد دعوى التفصيل بين ما إذا كان دليل القيد متعرضا لحكم الطبيعة، كما إذا ورد " لا تعتق الكافرة " وما إذا ورد على وجه النكرة نحو " لا تعتق كافرة " فإنه حينئذ إن قلنا: بأن النكرة في سياق النهي - كالنفي - تفيد العموم (1)، يتعين أيضا حمل المطلق على المقيد، إلا أنه يمكن حينئذ توجيه ذلك: بأن العموم الاستغراقي مقدم على الإطلاق المنتج للبدلية، وأن ظهور القيد وضعي تنجيزي، والمطلق إطلاقي تعليقي. هذا مع أن النهي يكون حينئذ ظاهرا في التحريم حسب الأصل المحرر في النواهي (2)، لأن ما تعرض له الإطلاق في ناحية الأمر هي نفس الطبيعة، وأما في ناحية المقيد فيكون مورد الحكم هو الفرد، فكأنه ورد " لا تعتق كل رقبة كافرة " بعد الأمر بعتق الرقبة. وربما يورث تغيير اسلوب الكلام في إفادة القيد بالعموم، إفادة ذلك كما لا يخفى. هذا، ولكن الشأن أن في باب العمومات حتى في مثل أداة " كل " ونحوها، نحتاج إلى تلك المقدمات حسبما قربناه (3)، وأما النكرة في سياق النهي فهي أيضا تكون كالمطلق، فظهور النهي في التحريم محل إشكال حتى في مثل المثال الأخير بإفادة القيد على نعت العموم اللفظي، لعدم حصول الفرق عند العرف بين الصور بعد سبق الإيجاب على سبيل الإطلاق، سواء كان موضوع المطلق نفس الطبيعة، أو الطبيعة المنكرة نحو " أعتق رقبة ".


1 - قوانين الاصول 1: 223 / السطر 20. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 93 - 95. 3 - تقدم في الصفحة 215 وما بعدها. (*)

[ 474 ]

ففي جميع هذه الصور الجزئية يكون حمل المطلق على المقيد واضحا، وتكون هيئة المقيد ظاهرة في التكليف التحريمي، وغيرها غير ظاهر أصلا، لقيام ما يصلح للقرينية، فترشد إلى تحديد مصب الإطلاق، ولذلك يقدم عليه في محيط التقنين والعقلاء بلا تأمل. وهم ودفع لاشبهة في حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة بفروضها الجزئية إلا ما مر، ومنها ما إذا ورد في المثال المزبور بعد الأمر بعتق الرقبة " لا بأس بترك عتق الكافرة " إلا أن حمل المطلق على المقيد هنا مشكل، لأن العرف ينتقل من ذلك إلى مرجوحية عتق الكافرة بالنسبة إلى السائرين، فيكون كالنهي عن المهزولة بعد الأمر بذبح الشاة، مع قيام القرينة على عدم كونه للتحريم، فإن حمله على الكراهة المصطلحة بعيد إلا مع اقتضاء القرينة. وإنما الشبهة والإشكال في أن حمل المطلق الوارد تقنينا كليا على المقيدات المختلفة الواردة حوله عقلائي، دون المطلقات والمقيدات الواردة في جواب الأسئلة الجزئية التي حان وقت العمل بها، وهذا هو كثير الدور في الفقه، فإنه كثيرا ما يتفق جواب سؤال في مورد خاص في زمان الباقر (عليه السلام) أو الصادق (عليه السلام) ثم ورد جواب سؤال آخر ينافيه بالإطلاق والتقييد، أفهذا الجمع هنا أيضا عقلائي، أم يحمل الثاني على النسخ، أم يعد الخبران متعارضين ؟ وجوه، والكل بعيد إنصافا، ولاسيما الأخير. وأما في دوران الأمر بين الأولين، فلا فرق بحسب النتيجة في حمل المطلق على المقيد بعد ورود القيد، والناسخ، إلا أن النسخ على ما يظهر لي معناه قريب جدا.

[ 475 ]

وإجماله: أن الشرع الأقدس في توجيه ارتكابه لتأخير البيان، مع لزوم ارتكاب المكلفين ما لا مصلحة فيه، يمكن أن يقول باقتضاء بعض الامور السياسية والجهات الروحية ذلك، فإذا كان المولى على هذه المحاسبة يؤخر ذكر الخاص والمقيد، فطبعا يصير لملاحظة هذه المصالح العالية الاعتبارية، راضيا بما يصنعه المكلف في بيعه وشرائه وتجاراته وعباداته وأعماله، وعندئذ يصير الكل موافقا للمصالح النفس الأمرية، ولايبتلى المكلف بالأعمال الباطلة، والمعاملات أو العبادات الفاسدة، لرضا الشرع - حسب تلك المصالح - بهذه الأعمال غير الواجدة للقيود والشرائط. فعندئذ إذا ورد المقيد والخاص يعد هذا ناسخا بهذا المعنى، لأنه كان راضيا بما تصنعه الامة، وكانت أفعالهم ذات مصالح سياسية عالية وإن كانت ذات مفاسد طبيعية جزئية، فإن كان النسخ هذا فهو صحيح، وكثير بين الموالي والعبيد، ولعل الشرع الأنور أيضا على هذه المثابة. نعم، إذا كان مثلا بيع الخمر مبغوضا في جميع الأحيان، لا يرضى الشرع بذلك، ولكن يؤخر بيانه لمنع مانع، فإنه إذا ورد التقييد لا يعد هذا ناسخا، لعدم موافقته لرضا الشرع من الأول، وأما هذا الفرض فغير قابل للاتفاق إلا في بعض أعصار التقية، فتأمل. وبالجملة تحصل: أن في تأخير البيان والمقيد بالاختيار، رضا بالأعمال والأفعال، وعندئذ تكون هي صحيحة مطابقة مع الأغراض العالية الإسلامية، ويعد القيد المتأخر ناسخا، والالتزام بمثله جائز جدا، وقطعي واقعا، والله العالم. بقي شئ: في حكم تقدم زمان المقيد على المطلق إذا كان في هذه الصورة تأريخ المقيد مقدما على المطلق، فالجمع بينهما

[ 476 ]

بحمل المطلق على المقيد أيضا مفروغ منه، واحتمال كونه ناسخا على الوجه المزبور موجود، وتصير النتيجة الأخذ بالمطلق على خلاف ما تعارف عليه الفقه. ولكن مع الأسف، إن المتبع هو المقدم، ضرورة أن حمل المطلق على المقيد - فيما إذا تقدم تأريخا على المقيد - من الامور العرفية في محيط التقنين ومن الواضحات العقلية، فيما إذا كان حمل الهيئة في المقيد على الإرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق ممكنا. وأما إذا كان المقيد متقدما، فلا سبيل إلى التشبث بالوجوه الصحيحة في حمل المطلق المتأخر، لأن المقيد المتقدم محمول - حسب الأصل الأولي - على الحرمة، والمطلق المتقدم على الوجوب، وكما يمكن التصرف في الإطلاق الأحوالي الثابت للمتأخر، يمكن التصرف في الإطلاق الأزماني الثابت للمتقدم. وليس من دأب العقلاء تقنين الكليات القانونية بعد ذكر القيود، حتى يكون إطلاق المتأخر محمولا على ضرب القانون، هذا ولاسيما فيما إذا كان الإطلاق والتقييد في هذا الفرض، واردين عند الأسئلة الجزئية، ولدى الابتلاءات الخاصة الشخصية الدائرة على المكلفين. فبالجملة: لم يرد نص من الكتاب والسنة على حمل المطلق على المقيد أينما كانا، وعلى أية وجهة وردا، فما دام لم يثبت أنه جمع عرفي، ليس أحد التصرفين أهون من الآخر، بعد إمكان كون النسخ معناه ما احتملناه قريبا، فإذا ورد مقيد مشتمل على الهيئة التحريمية، تكون هي - حسب الإطلاق الأزماني - ظاهرة في الأبدية، وإذا ورد المطلق فهو وإن كان من جهة الأحوال بالنسبة إليه مطلقا، إلا أنه بالنظر إلى الإطلاق الأزماني المزبور مقيد وناسخ لخصوصية التقييد، لا لأمر آخر، ضرورة أن دليل القيد لا يدل إلا على تحريم المقيد مثلا، وأما بالنسبة إلى نفس

[ 477 ]

الطبيعة فهو ساكت، فلا تخلط وتدبر * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (1). فذلكة الكلام إن القول بالنسخ كان ضعيفا بين أبناء التحصيل (2)، بمعنى أن يكون البيع الغرري ذا مصلحة، ثم يصير ذا مفسدة، وأما بمعنى أن الشرع رضي به لأجل المصالح العالية السياسية والروحية، فإنه عليه يلزم صحته وعدم ابتلاء الناس بما لا مصلحة فيه، أو بما فيه بغض المولى ومفسدة المجتمع، وهذا أمر يرتكز عليه العقلاء أيضا كما لا يخفى. وما ذكرناه يجري في جميع العمومات والمخصصات، والمطلقات والمقيدات، والمحكومات والحاكمات وغيرها، سواء تقدمت القرائن على ذيها، أو تأخرت عنها. نعم، في صورة التأخر لا فرق بين الالتزام بالنسخ أو التخصيص والتقييد بمعناهما الاصطلاحي، لأن اللازم هو الأخذ بالمتأخر الأخص، ونتيجته حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد طبعا، وأما إذا انعكس فالأخذ بالمطلق أو العام المتأخر، أقرب إلى الاصول العرفية والقواعد الصناعية. نعم، إذا لم يكن الفصل بينهما بمزيد من الزمان - بحيث لا يمكن احتمال اقتضاء السياسة الكلية العالية ذلك - كان القول بالحمل قويا، وهذا ما هو المعروف في الاصول السابقة، من أن التأخير عن وقت الحاجة يضر بالحمل، فافهم.


1 - الطلاق (65): 1. 2 - معارج الاصول: 111، معالم الدين: 151 / السطر 5. (*)

[ 478 ]

تنبيه: حول قيام القرينة على الإرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق المتأخر لو قامت القرينة على أن الهيئة الناهية المتعلقة بالمقيد المتقدم، إرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق المتأخر، يتعين حينئذ حمل المطلق على المقيد أيضا، كما أن الهيئات الناهية ربما تكون متعلقة بالمقيد في الامور التي ينالها العقل العرفي، فإذا ورد المطلق يكون هو - لأجل النهي السابق، بضميمة حكم العقل - منصرفا إلى الحصة القابلة. مثلا: إذا ورد النهي عن عتق الرقبة الكافرة، فهو مما تساعد عليه العقول العرفية، ثم إذا ورد الأمر بعتق الرقبة، يكون هو منصرفا عن مورد المقيد السابق إلى حصة المؤمنة، فالموارد تختلف، فلا تخلط. تذنيب: في حكم الشك في التقدم والتأخر بناء على نسخ المقيد المتقدم بناء على كون المطلق المتأخر ناسخا للمقيد المتقدم، يختلف حكم المسألة في صورة الشك في التقديم والتأخير، فإن أمكن إحراز ذلك - ولو بأن المتعارف تقديم المطلقات على المقيدات والعمومات على المخصصات - فهو، وإلا فلا سبيل إلى الإحراز كما هو الواضح. نعم، إذا كان تأريخهما واحدا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، ويكون للأصلين أثر، إلا أن جريانهما محل الإشكال، وتفصيله في الاستصحاب (1). ولو كان مقطوعا عدم اتحادهما تأريخا فلا يجريان، أو يكونان متعارضين كما لا يخفى.


1 - فوائد الاصول 2: 582، محاضرات في اصول الفقه 5: 374 - 375. (*)

[ 479 ]

بقي شئ آخر: في بيان فروض اخر للصورة الاولى اعلم: أن من فروض هذه الصورة الرئيسة، ومن الأقسام المتصورة من الناحية الاخرى غير النواحي السابقة، أن هذا المطلق المشتمل على الأمر، والمقيد المشتمل على النهي، تارة: يكونان متعلقين بالوجود الساري. واخرى: بالوجود الصرف. وثالثة: يختلفان، فيكون المطلق متعلقا بالوجود الصرف، دون المقيد، أو العكس. وما كان من بين هذه الصور صورة رئيسة محل الكلام، وهي المتعارفة: أن الأمر متعلق بصرف الوجود، والنهي متعلق بالوجود الساري، على حسب المصطلحات، وإلا فما هو حقيقة متعلق الأمر هي الطبيعة، إلا أن ذلك من نتائجهما العقلية والعرفية، فالذي لا شبهة عندهم ويقتضيه الوجه الصحيح، هو حمل المطلق على المقيد في الصورة الرئيسة (1). ولو انعكس الأمر، بأن يكون مفاد المطلق هو الوجود الساري، كما إذا ورد " أكرم من في النجف " فإنه ظاهر في انحلال الحكم، أو ورد الأمر الاستحبابي بأن " سلم على العالم، وحيه بالسلام " فإنه حسب الأفهام العرفية ينحل إلى الأوامر بالضرورة، ولايكون هناك مطلوب واحد، ويكون مفاد المقيد صرف الوجود، أي الزجر عن صرفه. فإن كان المراد من " الصرف " هو أن يترك الهيئة بالنسبة إلى شارب الخمر، بحيث إذا سلم على شارب الخمر مرة فقد أثم، وسقط النهي، ولا نهي بعده، فلا شبهة


1 - تقدم في الصفحة 471. (*)

[ 480 ]

في تعين حمل المطلق على المقيد إذا كان النهي إلزاميا، لأنه إرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق. وهكذا إذا كان تحريميا أو تنزيهيا اصطلاحيا. وإذا كان تنزيها غير مصطلح عليه فيؤخذ بكل من الإطلاق والتقييد لما مر (1)، وهو واضح. ولو كان المراد من " صرف الوجود " هو حصول الامتثال على وجه يسقط النهي بالانزجار عن الطبيعة مرة واحدة، مثلا إذا ورد النهي عن السلام على العدو العالم، فمجرد مضي زمان يمكن أن يعصى فيه النهي المزبور، يكون النهي ساقطا بالامتثال، فإنه حينئذ لا يتعارضان، ولا يقع التنافي بين المطلق والمقيد، لإمكان امتثال المطلق بعد مضي الزمان المزبور. نعم، إذا كان مفاد المطلق فورية السلام، وكان له الإطلاق الأحوالي يتهافتان، ويقيد طبعا أيضا. ولو كانا شموليين، ومتعلقين بالوجود الساري فالحمل أيضا واضح، إلا أن ما قيل في وجه تقديم المقيد بأنه شمولي، والمطلق بدلي (2)، غير جار هنا، وهكذا إذا كانا بدليين، فافهم واغتنم. ومن هنا يظهر حال بعض الصور الاخرى حول هذه الصورة الرئيسة، فإن اعتبار كون الأمر والنهي متعلقين بالساري، أو بصرف الوجود، غير اعتبار كونهما متعلقين بنفس الطبيعة، وتفصيله يطلب من باب الأوامر (3) والنواهي (4).


1 - تقدم في الصفحة 471. 2 - منتهى الاصول 1: 476 و 478. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 224. 4 - تقدم في الجزء الرابع: 85 وما بعدها. (*)

[ 481 ]

الصورة الثانية: إذا ورد مطلق مشتمل على النهي، ثم ورد مقيد مشتمل على الأمر، فالحق هو الحمل على الإرشاد في صورة كون الأمر متأخرا، فإنه - حسب الأصل العرفي في المقام - إرشاد إلى تحديد مصب الإطلاق، ويكون من قبيل الأمر عقيب الحظر وإن كان منفصلا ومتعلقا بحصة من الطبيعة المنهي عنها، فإن الأمر حينئذ إلزامي إرشادي، وهذا هو سر تقديم المقيد على المطلق كما عرفت (1). ومما ذكرنا هناك بتفصيل تظهر سائر الأحكام في المقام، وسائر النواحي والجهات المبحوث عنها، فلا تخلط، وتدبر جيدا. نعم، إذا قلنا: بأن النكرة في سياق النهي تفيد العموم (2)، فيخرج من صور هذه الصورة الرئيسة ما إذا ورد النهي متعلقا بالنكرة بنحو " لا تعتق رقبة " و " لا تأكل ربا " ولكنك عرفت في موضع من الكتاب بطلان هذه المقالة حتى في النفي، فضلا عن النهي (3). وربما يشكل أن يكون من الإطلاق ما إذا كان النهي متعلقا بأداة الموصول، نحو * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) * (4) لأن الموضوع له فيها إذا كان خاصا، يلزم انحلال الحكم بحسب الدلالة الوضعية، ومع ذلك يقدم المقيد عليه، وبذلك يظهر سقوط ما قيل " من أن وجه تقديم المقيد على المطلق، أن ظهور


1 - تقدم في الصفحة 468. 2 - قوانين الاصول 1: 223 / السطر 20. 3 - تقدم في الجزء الرابع: 98 - 99. 4 - الأنعام (6): 121. (*)

[ 482 ]

المطلق تعليقي، وظهور المقيد تنجيزي (1)، وهنا بالعكس، ومع ذلك يقدم المقيد التعليقي على المطلق التنجيزي " بل تقديم قوله: " لا تكرم الفاسق العالم " على قوله: " أكرم العلماء " يشهد على فساد هذا التخيل والتوهم، فاغتنم. والسر كل السر: أن جميع الظهورات تعليقية حتى في العمومات اللفظية، بناء على عدم الاحتياج فيها إلى مقدمات الإطلاق، وذلك لأن مجرد تمامية الدلالة الوضعية غير كاف لتمامية الحجية، فإن من الشرائط جريان أصالة التطابق بين الإرادة الجدية والاستعمالية، بمعنى أن مجرد جعل الطبيعة تمام الموضوع لا يكفي، ومجرد إسراء الحكم في القضية إلى الأفراد بأداة العموم، أيضا لا يكفي مادام لم يجر الأصل المزبور، ولا شبهة في أنه أصل عقلائي تعليقي، ضرورة أن العقلاء عند عدم القرينة يحكمون بالتطابق. فعلى هذا، لا وجه لتقديم العام على المطلق، لكونهما حجتين معلقتين، وليست حجية العموم تنجيزية، وما هو تنجيزي ليس تمام الموضوع، فلا تخلط. الصورة الثالثة: إذا كان كل من المطلق والمقيد مشتملا على الأمر، وكان المطلق مقدما، فهل هنا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، أم لا، أو يفصل ؟ وجوه نشير إليها. وقد فرغنا فيما مر من المقدمات عن وجود التنافي بين المثبتين، للزوم الجمع بين المثلين، كما يحصل التنافي بين المتخالفين، للزوم الجمع بين الضدين على حسب الإصطلاح (2)، وإلا فلا مثلية ولا ضدية واقعا بالذات بين الأحكام


1 - منتهى الاصول 1: 475. 2 - تقدم في الصفحة 465 - 467. (*)

[ 483 ]

الاعتبارية، كما تحرر في محله (1). الوجه الأول: فعلى هذا يسقط من بين الوجوه المحتملة، احتمال كون كل واحد مشتملا على تكليف استقلالي، للزوم كون المقيد واجبين عرضا، وهو محال، والواجب في الواجب إن كان معناه ذلك فهو ممتنع تشريعا. وما قيل: " من أن المشكلة هنا ترجع إلى لزوم التخيير في مقام الامتثال، وهذا يحتاج إلى العناية الزائدة " (2) غير وجيه، لأن مع الالتزام بكونهما واجبين، يلزم - بحسب حكم العقل - تداخل الأمرين امتثالا إذا أتى بالمقيد، وإذا أتى بالمطلق يلزم الإتيان ثانيا بالمقيد، وربما يكون نظر المقنن إلى تحصيل عتق الرقبة مهما كان، وتحصيل المؤمنة، ولو أمر أمرا واحدا متوجها إلى المؤمنة، يلزم قعود المكلف مع القدرة على المطلقة، فهذا غير ممنوع حسب مقام الامتثال. فالإشكال مخصوص بمقام الجعل، وعدم إمكان ترشح الإرادة التأسيسية ثانيا بالنسبة إلى المقيد، مع أنه عين المطلق مع إضافة لا يتمكن بها المقنن من تأسيس القانون، للزوم كون الإرادة الثانية في محل الإرادة الاولى تأكيدا، لا إلزاما كما لا يخفى. والوجه الثاني: إبقاء المطلق على حاله، والتصرف في المقيد هيئة ومادة: أما بحسب الهيئة فهي تحمل على الاستحباب، وأما بحسب المادة فهي تحمل على أنه قيد استحبابي، وقيد غير احترازي، وهذا خلاف الأصل في القيود. والوجه الثالث: التصرف في إطلاق المطلق والتحفظ على المقيد هيئة ومادة، وتكون النتيجة رجوع المثبتين إلى المثبت والنافي، لأن الأمر بالقيد يشتمل حينئذ على النهي عن الكافرة، فيكون حمل المطلق قويا جدا.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 211 - 212. 2 - محاضرات في اصول الفقه 5: 379 - 380. (*)

[ 484 ]

وغير خفي: أن الهيئة في ناحية المقيد إيجابية، وأما الهيئة المستفادة منها المتعلقة بالكافرة حسب مفهوم القيد، فلا يلزم أن تكون تحريما شرعا، للزوم كونها ناظرة إلى مصب الإطلاق وتقييده وتحديده. والوجه الرابع: هو أن يكون الثاني ناسخا للأول، ويكون المطلق موقتا إلى عصره، وقد مر أن النسخ - بالمعنى الذي حررناه - قريب إلى افق الصواب والتحقيق جدا. فبالجملة: بعد امتناع الأخذ بتمام مفاد المطلق والمقيد، لما اشير إليه، ولأن قيدية المؤمنة في دليل المقيد تقتضي الاحتراز عن قيدية الكافرة، وتصير النتيجة تقييد المطلق والتصرف فيه فتأمل، فلابد من اتخاذ السبيل العرفي في الجمع بينهما، لأن الحكم واحد، وهو إما تمام مفاد المطلق، أو تمام مفاد المقيد. ولولا استبعاد النسخ لكان هو أولى بذلك، لعدم لزوم التصرف في المطلق إلا بحسب الأزمان، وهو وحمل المطلق هنا على المقيد يكون واحدا بحسب النتيجة، فيصير المتعين هو الأخذ بالمقيد المتأخر بحمل المطلق المتقدم عليه. والوجه الخامس: هو أن يكون كل واحد من المطلق والمقيد، مأخوذا على نحو الترتب، بأن يكون الواجب أولا هو ذبح الشاة السمينة، وعتق الرقبة المؤمنة، وإذا لم يتمكن من ذلك فليذبح المهزولة، وليعتق الكافرة، من غير أن يتصرف في مفاد الهيئة، ولا القيد، ومن غير لزوم الجمع بين الإرادتين التأسيسيتين عرضا. والوجه السادس: هو أن يكون دليل القيد موجبا لصرف المطلق إلى المقيد المقابل، فيكون قوله: " أعتق الرقبة " بعدما ورد " أعتق الرقبة المؤمنة " منصرفا إلى عتق الرقبة غير المؤمنة، فيحفظ جانب الهيئتين في الاستقلال. والذي هو التحقيق: أن الموارد في الشرعيات مختلفة بحسب مقتضيات المناسبات الموجودة، ولا يمكن خلو واقعة من القرينة المطلقة، ولو فرضنا ذلك

[ 485 ]

فلا يبعد أقربية الوجه الخامس، بحسب مذاق العرف والفهم البدوي. وبالجملة: فيما إذا لم تقم قرينة على تعيين الهيئة في أحدهما لمعنى الإيجاب أو الندب، أو لم تقم قرينة على أن القيد لازمة مراعاته في مقام الامتثال، أو غير لازمة وغير ذلك، يحتمل الكلامان وجوها كثيرة، وتختلف المذاقات باختلاف مناسبات الحكم والموضوع. مثلا: فيما إذا ورد الأمر بذبح الشاة، والأمر الآخر بذبح السمينة، يقرب الوجه الخامس، وإذا كان الأمر متوجها إلى عتق الرقبة، والأمر الآخر بعتق المؤمنة، يقرب حمل المطلق على المقيد، أو حمل المقيد على النسخ إذا كان متأخرا جدا، وتصير النتيجة واحدة بالنظر إلينا كما لا يخفى. وإجمال ما مر من الوجوه بعد امتناع الأخذ بمفاد كل واحد بتمامه عرضا، إما التصرف في المطلق، أو المقيد، أو الجمع بينهما في المفاد بحمل الثاني على النسخ، أو التصرف في عرضية الإرادتين بجعلهما طوليتين أو التصرف في متعلق المطلق، بدعوى انصرافه إلى التقييد بقيد مباين مع قيد المقيد. تذنيب: في بيان فروض الصورة الثالثة تأتي البحوث السابقة على نعت الإجمال هنا، وتأتي الفروض الجزئية المذكورة هناك أيضا هنا، ويظهر حكم المسألة بالتدبر فيما أسلفناه وأسمعناك، فلا نطيل الكلام بالإعادة إلا في بعض الفروض المهمة: منها: ما إذا كان كل من الأمرين ندبيا لقيام القرينة الخارجية، فالمشهور هنا على حمل المقيد على الرتبة العليا من المطلوبية (1)، ولذلك اشتهر عنهم في باب


1 - كفاية الاصول: 291، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 585، نهاية النهاية 1: 316 - 317. (*)

[ 486 ]

المستحبات ذلك، حتى قيل: " إنه من باب التسامح فيها " (1). والذي هو التحقيق: أن الموارد تختلف، لاحتمال كون القيد دخيلا في المشروعية، مثلا إذا ورد الأمر بصلاة الغفيلة، لا بالكيفية الموجودة، ثم ورد الأمر بها بكيفية خاصة، فالحمل الذي عليه المشهور غير وجيه في المركبات الاختراعية التي يتدخل الشرع في مشروعيتها، مثل لزوم كونها مع الطهارة واللباس الخاص. فبالجملة: الأمر الثاني وإن كان ندبيا، إلا أن ظهور القيد في لزوم مراعاته في مقام الامتثال، يوجب تحديد المشروعية المطلقة الثابتة بالأمر الأول. نعم، في غيرها يقرب الحمل المزبور، لعدم ظهور حينئذ للقيد في لزوم رعايته، لإمكان تركه بالمرة وترخيصه فيه. ومنها: ما إذا كان الأمر المطلق ندبيا يستفاد منه الوجود الساري والإطلاق الاستيعابي حسب الفهم العرفي، كما إذا ورد الأمر بالسلام على العالم، ثم ورد الأمر بالسلام على العالم الهاشمي، وكان هو محمولا على الوجوب للقرينة، أو حسب الأصل، فإنه حينئذ يكون مفاده الإطلاق البدلي وصرف الوجود، فإنه حينئذ يؤخذ بدليل القيد، ويحمل المطلق عليه في مورده، بمعنى أنه يقيد به. ولا يخفى وجود الفرق بين حمل المطلق على المقيد، وبين تقييد المطلق بدليل القيد، فإنه على الأول يكون المرجع هو المقيد، وعلى الثاني يبقى المطلق على مرجعيته في غير مورد القيد. ثم إذا فرضنا أن للقيد مفهوما، يلزم من الأمر الإيجابي نهي تحريمي أو إلزامي غير قابل للجمع مع الندب، ويكون حينئذ حمل المطلق على المقيد متعينا، ولايكون من موارد تقييد المطلق، ولأجل ذلك يلزم هنا تفصيل في المقام بين ما إذا ورد المقيد معتمدا على الموصوف، أو ورد غير معتمد عليه.


1 - كفاية الاصول: 291. (*)

[ 487 ]

مثلا: في المثال المعروف تارة: بعد الأمر بالتسليم على العالم، يرد الأمر بالتسليم على العالم الهاشمي، واخرى: يرد الأمر به على الهاشمي، فإن القوم القائلين بالمفهوم قالوا به في الصورة الاولى دون الثانية (1). والذي ذكرناه في محله إنكار المفهوم للقيد (2)، ولا يدل القيد إلا على لزوم تحصيله في مقام الامتثال عقلا. ولو دل على المفهوم فلافرق بين المعتمد وغير المعتمد، لأن المشتق مركب عرفا، ويرجع غير المعتمد إلى المعتمد، فليتدبر واغتنم. ومنها: عكس الصورة الرئيسة، بأن ورد الأمر بالمقيد أولا، ثم الأمر بالمطلق، فإن حمل المطلق على المقيد يستلزم لغوية المطلق، لأن في مورد القيد المزبور لا يؤخذ به، وفي سائر القيود المشكوك فيها يكفي إطلاق المقيد. اللهم إلا إذا فرضنا عدم ثبوت الإطلاق للمقيد، فيكون الإطلاق المتأخر مرجعا وقانونا مفيدا. ثم إنه بعد امتناع تعدد الحكم التأسيسي، تأتي الوجوه المزبورة، وقد مر في الصورة الاولى أن ناسخية المتأخر على الوجه المحرر عندنا قوية جدا (3)، وغير خفي أن المقامات باختلاف المناسبات - كما اشير إليه - مختلفة، فلا تغتر. الصورة الرابعة: إذا كان كل من المطلق والمقيد مشتملا على النهي، بأن ورد النهي عن أكل الربا أولا، ثم بعد مضي مدة ورد النهي عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، فحيث


1 - معالم الدين: 82 / السطر 14، مطارح الأنظار: 183 / السطر 26، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 501. 2 - تقدم في الصفحة 144. 3 - تقدم في الصفحة 475. (*)

[ 488 ]

لا يمكن الأخذ بمفاد كل منهما من غير تصرف كما مضى (1)، تأتي الاحتمالات والفروض الجزئية (2)، ويظهر اختلاف الموارد باختلاف مناسبات الحكم والموضوع. نعم، الاحتمال السادس لا يجري هنا، لعدم تعدد الترك، بخلاف الفعل. وأما الاحتمال الخامس فيجري مع فرق بينهما، بأن ينعكس الترتب، ويكون المحرم أولا هو أكل الربا، ثم لو ابتلي بذلك فلا يأكل أضعافا مضاعفة، وهذا أيضا في حد ذاته قريب، إلا أنه ليس من الجمع العرفي، بل هو من ناحية فهم المبغوضية العليا في جانب المقيد، ويكون هو مقتضى حكم العقل. وعلى هذا، إما يحمل المطلق على المقيد، أو يكون القيد ناسخا، وتصير النتيجة واحدة، أو يحمل المقيد على المبغوضية الشديدة، وقد عرفت اختلاف الموضوعات في تقريب الوجوه المزبورة، فلو ورد النهي عن عتق الرقبة، ثم ورد النهي عن الرقبة الكافرة، لا يبعد حمل المطلق على المقيد، فيكون عتق المؤمنة غير محرم شرعا ومرخصا فيه، وأما في المثال الأول فليس الأمر هكذا، ونحوه النهي عن شرب المسكر وعن شرب الخمر. فعلى هذا، لا توجد قاعدة كلية في هذه المقامات، ولابد من مراعاة الخصوصيات، فإن بها تختلف المقامات جدا، ومجرد ضرب القانون في الاصول لا يكفي للمرجعية في الفقه لمن هو أهل الدراية والفهم.


1 - تقدم في الصفحة 466. 2 - تقدم في الصفحة 483. (*)

[ 489 ]

تنبيهات: الأول: حول ورود مقيد واحد لمطلقات كثيرة واستهجان التقييد إذا وردت مطلقات كثيرة في مورد واحد، ثم ورد مقيد، فمقتضى إطلاق كلمات القوم (1) ومقتضى تعليلهم (2) هو التقييد، بحمل تلك المطلقات على المقيد، فإن ظهور القرينة مقدم على ظهور ذي القرينة ولو كان أضعف منه بمراتب. ويخطر ببالي عن شيخ مشايخنا الحائري (قدس سره) المناقشة في جواز التقييد، بدعوى عدم مساعدة العرف على مثله، ولا يعد ذلك من الجمع العرفي (3). وغير خفي: أن هذا الأمر يجري في العمومات الكثيرة مع المخصص الواحد، وتوهم الفرق بين المسألتين: بأن في باب الإطلاق لا دلالة وضعية، ودلالة الإطلاق تعليقية، بخلاف العمومات، غير نافع لما مر مرارا (4). وبالجملة التقييد أيضا يعد تصرفا في المطلق. ويمكن دعوى: أن الدليل الواحد لا يتمكن من التصرف في الأدلة الكثيرة، فيلزم التعارض حينئذ، وسيأتي حكم الشك في جواز التقييد والتخصيص في التنبيه الآتي. ثم إن من مواقف المنع من التقييد، ومن مواضع امتناع الجمع بين المطلق


1 - مطارح الأنظار: 220 / السطر 34 - 37، كفاية الاصول: 290، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2:، نهاية النهاية 1: 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 577 - 579. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 236. 4 - تقدم في الصفحة 199 و 624. (*)

[ 490 ]

والمقيد بحمل المطلق على المقيد، هو ما إذا كان التقييد مستهجنا، سواء كان ذلك لأجل لزوم اللغوية، أو لأجل كون الباقي بعد التقييد قليل الوجود، أو لغير ذلك. وتوهم اختصاص الاستهجان بموارد التخصيص، لأنه يتصدى لإخراج الفرد دون التقييد، غير نافع عرفا، ضرورة أن تحليل البيع في القانون العام، ثم تقييد موارد التحليل بالبيع العقدي الكذائي على وجه قلما يتفق وجوده، يكون من المستهجن في التقنين كما لا يخفى. وأيضا: من تلك المواقف ما إذا كان المطلق آبيا عن التقييد، فإنه يلزم التعارض بينهما، ويأتي حكم الشك في الإباء إن شاء الله تعالى. وأما ميزان الاستهجان فليس نفس التخصيصات الكثيرة، لإمكان طروها لأجل المقتضيات المختلفة، ولا التقييدات المتعددة بعد كون الباقي تحت العام أو موارد تطبيق المطلق بعد التقييد، كثيرا جدا. فما هو وجه الاستهجان، هو التقييد أو التخصيص على وجه يعد المطلق والعام بعد الجمع بينهما، ساقطا عن الاستدلال، أو قليل النفع، وليس قلة الأفراد في عصر موجبة للاستهجان، لإمكان كونه كثير الصدق في العصور المتأخرة. مثلا: تقييد تحليل البيع بالمعلومية، ربما كان موجبا لبطلان نوع المبادلات في عصر، لعدم إمكان تحصيل العلم، ولكنه لأجل إمكان تحصيل العلم في العصور الاخر يصير كثير المصداق، فلا يعد ذلك أيضا من الاستهجان الممنوع عرفا، ففي القضايا الحقيقية قلما يتفق التقييد المستهجن، أو التخصيص الممنوع كما لا يخفى. وأما إذا شك في الاستهجان على وجه لا يمكن عرفا تحصيل الجمع بين الأدلة بالتقييد والتخصيص، فسيمر عليك حكمه - إن شاء الله تعالى -. وتوهم: أن في موارد الشك في الاستهجان، يتعين حمل المطلق على المقيد حتى يعلم الاستهجان، غير صحيح، لعدم بناء من العرف والعقلاء على الجميع

[ 491 ]

المزبور إلى الحد المذكور، فيصح أن يشك في مورد، والأمر سهل. الثاني: في حكم الشك في تقديم المطلق أو العام على المقيد أو الخاص في موارد الشك التي اشير إلهيا، إن كان المرجح مع المخصص والمقيد، وكانت الترجيحات الداخلية والخارجية مع دليل القيد، فالأخذ به متعين، لأنه إن كان من باب التقييد والتخصيص يتعين الأخذ به، وإن كان من باب المعارضة فكذلك، وهذا لا إشكال فيه. وإنما المشكلة في صورة كون الترجيح مع العام والمطلق في الصور الثلاث السابقة، وحيث إن المسألة ما كانت مورد البحث يشكل تعيين الوظيفة. اللهم إلا أن يقال: بأن التخيير هنا متعين، لأن موضوعه عدم إمكان الجمع بين الخبرين. ومن هذا القبيل صورة رابعة: وهي ما إذا كان كل من العام والخاص أو المطلق والمقيد، معارضا في وجه مع الترجيح بالآخر، بمعنى أن مرجحاتهما متعارضة أيضا، فتدبر جيدا. فتحصل: أن في صورة كون الترجيح مع المطلق، إن أمكن إدراجهما في أخبار التخيير فهو، وإلا فمقتضى القاعدة بعد تساقطهما، هو الرجوع إلى الاصول العملية والقواعد العامة، والله العالم. الثالث: شمول النزاع السابق للأوامر الطريقية غير المتماثلة ما ذكرناه بتفصيل في المطلق والمقيد المشتملين على الأمر والنهي في

[ 492 ]

الأوامر النفسية (1)، يجري فيما إذا كانا من الأوامر الطريقية، فإن الأوامر والنواهي هنا أيضا مثل ما سبق، مثلا إذا ورد الأمر بالأخذ بخبر الواحد، ثم ورد النهي عن الأخذ بخبر غير الإمامي، يلزم منه تقييد موضوع الحجة بالضرورة. وبالجملة لا فرق بين المقامين. نعم، في المتماثلين لا معنى لتعدد الحكم الطريقي بالمرة، فيكون التقييد متعينا، أو حمل المقيد على بيان أحد مصاديق المطلق. وأما احتمال كون الخبر الإمامي الثقة حجة مرتين، فهو غير صحيح هنا، وإن مر عدم إمكانه في المقام الأول عندنا أيضا (2)، فلا تخلط. وسيأتي في المقام الآتي: أن في المتثماثلين الإيجابيين بل والسلبيين، يمكن تعين حمل المطلق على المقيد، بدعوى أن الأصل في القيود هي الاحترازية، ولا يتوقف ذلك على القول بالمفهوم للقيد، حتى يقال بعدم المفهوم له، كما تحرر في محله (3). المقام الثاني: في صور المطلق والمقيد المتكفلين للحكم الوضعي وهي أعم من الوضعيات النفسية، كما إذا ورد " إن البيع حلال " ثم ورد " إن البيع المجهول ليس بحلال " أو ورد " إن البيع المعلوم حلال ". ومن الوضعيات الغيرية، كما إذا ورد " إن لبس ما لا يؤكل في الصلاة حرام " ثم ورد القيد النافي أو المثبت، ومنها ما إذا ورد " إن خبر الثقة حجة " ثم ورد " إن


1 - تقدم في الصفحة 467 وما بعدها. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 464 - 467. 3 - تقدم في الصفحة 143 - 145. (*)

[ 493 ]

خبر الثقة غير الإمامي ليس بحجة " أو " خبر الثقة الإمامي حجة " وغير ذلك من الامور القابلة للجعل مستقلا، فإن ما مر في المقام الأول من البحوث والمحتملات، كله يأتي هنا، ولا نعيدها خوف الإطالة. نعم، لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن القيد المأخوذ في المقيد المتوافق مع المطلق - كما إذا ورد " إن البيع المعلوم حلال " بعدما ورد حلية البيع على الإطلاق - يكون ظاهرا في الاحترازية، إلا أن الاحترازية على نحوين: الاحترازية المطلقة، بمعنى أن القيد المأخوذ دخيل في الحكم على الإطلاق، فلازمه القول بالمفهوم، وهذا مما لا سبيل إلى إثباته، ولو ثبت المفهوم تكون النتيجة حرمة البيع المجهول، وحرمة البيع المتقيد بقيود اخر التي يحتمل كونها بدلا عن قيد المعلومية، فإن جميع البيوع حرام وباطلة، أخذا بالمفهوم. وأما النحو الآخر والمعنى الثاني للاحترازية، فهي الاحترازية الجزئية وفي الجملة، ومعنى ذلك أن قيد المعلومية في المثال المزبور دخيل في الحلية، بمعنى أنه إذا كان البيع فاقدا لها يعد حراما، ولكن يحتمل كفاية نيابة القيد الآخر والخصوصية الاخرى، مقام هذه الخصوصية في اقتضاء الحلية، وحيث لا مفهوم للقيد لا يمكن سلب الخصوصية الاخرى. ولا ينافيه قيام الدليل على صحة البيع المتقيد بقيد آخر مع فقد قيد المعلومية. فعلى هذا، يلزم من قوله: " البيع المعلوم حلال " اختصاص الحلية بالمعلوم، قضاء لحق احترازية القيد في الجملة، ولا يمكن الحكم ببطلان البيع المخصوص بخصوصية اخرى المحتمل كونها نائبة عن خصوصية المعلومية، فيكون هذا البيع غير ثابت الحكم، لا حليته، ولا حرمته، لما لا يقتضي الإطلاق المزبور حليته، ولا مفهوم القيد حرمته: أما الأول: فلأن الإطلاق المزبور ساقط، لأجل احترازية القيد.

[ 494 ]

وأما الثاني: فلأن احترازية القيد غير القول بالمفهوم للقيد، ولو قلنا بالمفهوم فلازمه حرمته كما لا يخفى. ومن هنا يظهر: أن ما في كلمات جل المتأخرين من توهم دوران الأمر بين كون القيد غالبيا، وبين كونه ذا مفهوم (1)، غير راجع إلى محصل، فافهم وتدبر. تنبيه المطلق والمقيد تارة: يكونان عنوانيين، واخرى: يكونان مورديين، فمن الأول * (أحل الله البيع) * (2) و " أحل الله البيع المعلوم " ومن الثاني " أحل الله التجارة " و * (أحل الله البيع) * فإن التجارة أعم منه، فإن حمل المطلق في الثاني على المقيد ممنوع عرفا، ولا بأس بكون التحليل الثاني توضيحا لحصة من التجارة. ثم إن حمل المطلق على المقيد في الصورة الاولى لا لأجل القول بالمفهوم، بل لأجل دعوى: أن في الأحكام الوضعية، وفي باب الأسباب والمؤثرات العرفية والشرعية، يكون دليل القيد ناظرا إلى دليل المطلق، فلو ورد * (أحل الله البيع) * ثم ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " المبيع المعلوم حلال " يكون بحسب نظر العرف، أن النظر هنا إلى تحديد مصب المطلق السابق ولو كانا كلاهما من المطلقات الشمولية والأحكام الانحلالية. وهكذا إذا ورد " الكلب نجس " ثم ورد " الكلب البري نجس " والالتزام بتعدد الحلية والنجاسة غير معقول، والحمل على التأكيد والتوضيح خلاف احترازية القيد، فتعين على هذا حمل المطلق على المقيد، على التفصيل الذي مر


1 - قوانين الاصول 1: 181 / السطر 14 - 15، مطارح الأنظار: 184 / السطر 19 - 20، كفاية الاصول: 245. 2 - البقرة (2): 275. (*)

[ 495 ]

منا في المقام الأول (1). تنبيه آخر ما ذكرناه في الوضعيات يجري في الأوامر والنواهي المستتبعة للأحكام الوضعية، مثلا إذا ورد الأمر بالاجتناب عن البول، ثم ورد النهي عن الاحتراز عن بول الصبي والرضيع، لجمع بينهما بالتقييد، ويأتي هنا أيضا ما مر من البحوث والتفاصيل، فليتدبر يعرف. المقام الثالث: في المطلق والمقيد المقرونين بذكر السبب وهنا صور نشير إلى أهمها: الصورة الاولى: ما إذا ذكر السبب وكانا متخالفين، كقوله: " إذا كسفت الشمس فصل " ثم ورد " إذا خسف القمر صل ركعتين " أو نحو " إن ظاهرت أعتق الرقبة " و " إن أفطرت أعتق الرقبة المؤمنة " فالمعروف المفروغ عنه عندهم هنا عدم الحمل (2)، حتى صرح الوالد المحقق - مد ظله - بعدم الحمل نافيا للشك فيه (3). وعندي فيه إشكال: وهو أن تعدد السبب إن اقتضى تعدد الأمر، واقتضى


1 - تقدم في الصفحة 481 - 486. 2 - معالم الدين: 157 / السطر 1، مطارح الأنظار: 220 / السطر 32 - 33، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580. 3 - تهذيب الاصول 1: 541. (*)

[ 496 ]

تعدد المسبب والمأمور به، بأن يصير المطلق والمقيد متباينين، فلا كلام، إلا أنه خروج عن المطلق والمقيد. وإن لم يقتض تعدد الأمر قيدا في السبب حتى يتباينا، فيلزم الإشكال السابق: وهو كون المطلق والمقيد مورد الأمرين التأسيسيين (1)، وهذا محال كما تحرر فيما مضى مرارا (2)، فلابد من أحد الأمرين في صورة اجتماع السببين: إما الأخذ بالمطلق، وحمل الأمر الثاني على التأكيد، أو الأخذ بالمقيد، وحمل المطلق عليه. هذا بحسب الصناعة. وأما بحسب النظر العرفي، فلا يبعد دعوى خروج هذه الصورة عن باب المطلق والمقيد، لأن العرف يحكم حينئذ بأن الواجب في المطلق هو عتق الرقبة الاخرى غير ما كان واجبا بالسبب المتقدم، على ما مر في باب المفاهيم بتفصيل. فيكون مورد الأمر الأول غير مورد الأمر الثاني. وبعبارة اخرى: الواجبات المشروطة بحسب اللب واجبات تعليقية، كما تحرر منا في محله (3)، فيكون المجعول بحسب الثبوت هو عتق الرقبة المؤمنة عند الإفطار، والرقبة عند الظهار، وحيث لا يمكن أن يكون المراد الجدي كلا من المطلق والمقيد لما مر، فلابد من التصرف، وأهون التصرفات هو أن الواجب الثاني والمجعول المتأخر، مقيد لا يورث التعدد. مثلا: إذا قال عند الظهار: " يجب عتق الرقبة المؤمنة " ثم قال: " عند الإفطار يجب عتق الرقبة " فيقيد الثاني بقيد الاخرى كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 466. 2 - تقدم في الصفحة 466، الهامش 2. 3 - تقدم في الجزء الأول: 88 وما بعدها. (*)

[ 497 ]

ثم إن السببين تارة: يمكن تقارنهما وجودا، كما في المثال الثاني، واخرى: لا يمكن تقارنهما في الوجود نحو المثال الأول، فإنه ربما يمكن دعوى حصول الفرق: بأن يكون في الصورة الأولى كل من المطلق والمقيد مقتضيا لما اقتضاه من الأثر، وفي الصورة الثانية يكون الثاني بلا أثر، إلا أنه مجرد تخيل، وإلا فمقتضى ما عرفت عدم الفرق، فإنه كما لا يمكن كونهما معا تأسيسيين، لا يمكن على التعاقب أيضا. ثم إن ما مر في المقام الأول من اختلاف سبق المطلق على المقيد وبالعكس، واختلاف كيفية ورودهما، وغير ذلك، كله يأتي في هذه الصورة، ويظهر حكمه مما سبق (1). الصورة الثانية: إذا كان كل منهما مشتملا على السبب الوحيد نوعا، فالمعروف بينهم هو الحمل، معللين: " بأن وحدة السبب دليل على وحدة المسبب، فيحصل التنافي، فيؤخذ بالمقيد بحمل المطلق عليه " (2). ولي فيه إشكال أشرنا إليه في المتوافقين: وهو أن مع العلم بوحدة الحكم لا موجب لتعيين الأخذ بالمقيد، لأنه يمكن أن يكون ذلك الحكم الواحد هو تمام مفاد المطلق، ويكون المقيد محمولا على الأفضل، وهذا مما خفي على الأفاضل والأعلام (قدس سرهم).


1 - تقدم في الصفحة 482 - 487. 2 - مطارح الأنظار: 220 / السطر 34، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580، درر الفوائد، المحقق الحائري: 237، مناهج الوصول 2: 337. (*)

[ 498 ]

وبعبارة اخرى: مجرد العلم الإجمالي بعدم كون واحد منهما مورد الجد، لا يلازم كون ذلك الواحد هو المطلق حتى يحمل على المقيد، بل يمكن أن يكون هو المقيد، بمعنى أنه حكم غير إلزامي ندبي، أو يكون القيد غالبيا، وحيث إن الحمل على الغالبية غير جائز حسب الأصل العرفي، يتعين الندبية. وما مر في الوضعيات من حمل المطلق هناك على المقيد في الموجبتين، فهو لأجل أن حمل القيد هناك على الأفضل بلا أصل، بخلاف التكليفيات، فإنه كثير الدور في المحاورات العرفية والعقلائية، فلا تخلط. ومن هنا يحصل وجه التفكيك بين التكليفيات والوضعيات في الموجبتين، بل والسالبتين فتدبر. وغير خفي: أن ما ذكرناه في المقام الأول من التفصيل أحيانا بين المطلق المتقدم زمانا، والمتأخر عن وقت الحاجة، وغير ذلك، كله يجري في هذا المقام أيضا. إشكال آخر: إن وحدة السبب لا تقتضي العلم بوحدة الحكم، وإلا يلزم أن يكون الحكم واحدا، ولو كانت النسبة بين السببين عموما من وجه، فما هو الموجب لوحدة الحكم هو وحدة المتعلق والمسبب، أو ما يكون في حكمه، كما إذا كانت النسبة بينهما عموما مطلقا، لأنه كما مر لا يمكن تعدد الحكم لبا مع النسبة المزبورة (1)، فاغتنم. بقي إشكال آخر: وهو أن مقتضى تعدد الأمر في ناحية المسبب، وقضية كونه متعددا بالتأسيس والاستقلال، هو تعدد السبب بالشخص بأن يكون الإفطار الأول موجبا لإيجاب رقبة، والإفطار الثاني للرقبة الاخرى.


1 - تقدم في الصفحة 466 - 467. (*)

[ 499 ]

وبعبارة اخرى: إذا كان الإفطار واحدا بالشخص، فلابد من حمل المطلق على المقيد، لأنه إما يجب عليه عتق الرقبة، أو الرقبة المؤمنة، فتحمل الاولى على الثانية، وأما لو فرضنا تعدد الإفطار فيمكن دعوى: أن الواجب هو تعدد الرقبة، لأن من المحتمل أن يكون نظر المولى إلى أن الإفطار الثاني موجب للرقبة المؤمنة، فيلزم تعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب، كما صرحوا به (1)، وبناء على هذا لابد من النظر إلى زمان صدور الدليل: فإن كان الدليل الوارد أولا هو " أنه عند الإفطار يجب عتق الرقبة " ثم ورد " أنه عند الإفطار يجب عتق الرقبة المؤمنة " يكون النظر في الثاني إلى أن الإفطار الثاني يستلزم الكفارة المقيدة، وفي عكسه ينعكس الأمر. وبالجملة: يمكن أن يكون تعدد المسبب وتعدد الأمر، مورثا لإفادة أن المقصود في ناحية السبب هو التعدد الشخصي، فلا يحمل حينئذ المطلق على المقيد. نعم، بناء على ما مر منا (2) يتبين حال هذه الصورة من الصورة الاولى صناعة، وبحسب فهم العرف، فلا تخلط. ولو صح ما ذكرناه أخيرا، للزم منه عدم حمل المطلق على المقيد ولو كان الإفطار واحدا بالشخص، ولم يتكرر، فإنه عندئذ يجب عليه العمل بمقتضى الوظيفة الصادرة أولا من قبل المولى، وإذا تعدد فعليه العمل بالوظيفة الثانية. الصورة الثالثة: إذا كان المطلق مقرونا بذكر السبب، والمقيد غير مقرون، أو بالعكس، لا يحمل، وتصير النتيجة مثل الصورة الاولى، مثلا إذا ورد " أعتق الرقبة " ثم ورد " إن


1 - تقدم في الصفحة 495، الهامش 2. 2 - تقدم في الصفحة 495 - 496. (*)

[ 500 ]

أفطرت أعتق الرقبة المؤمنة " أو ورد " إن النظر إلى وجه العالم واجب " ثم ورد " انظر إلى وجه العالم إذا مرضت " فإنه - حسبما صرحوا به - لا يحمل المطلق على المقيد، لأجل الدور (1)، أو لأجل أن المطلق حجة في موارد عدم تحقق سبب المقيد، ولايجوز رفع اليد عنها إلا بالحجة، وهي منتفية، لأن مقتضى حمل المطلق على المقيد رفع اليد عنه بدونها (2)، كما لا يخفى. أقول: هناك تفصيل، وهو أنه لو فرضنا صدور المطلق غير مقرون بذكر السبب نحو " أعتق الرقبة " و " اذبح الشاة " وصدور المقيد مقرونا بذكر السبب نحو " إن ظاهرت أعتق المؤمنة " و " إن جامعت في الحج فاذبح السمينة " مثلا فهناك إطلاقان وتقييدان: الإطلاق من ناحية عدم كون الحكم في الأول مشروطا. والثاني من ناحية أن موضوع الحكم بلا قيد. والتقييدان يظهران منهما. فإذا نظرنا إلى الإطلاق والتقييد الأول، فلا يبعد تعين حمل المطلق على المقيد، كما إذا ورد الأمر بالحج، ثم ورد الأمر به عند الاستطاعة، أو الأمر بالصلاة يوم الجمعة، ثم ورد الأمر بها مع الإمام العادل، فإنه لمكان ظهور الأمرين في صرف الوجود وفي محط الكلام - وهي الأوامر الإلزامية - يكون حمل المطلق على المقيد أقرب الوجوه. فإذا كان للمطلق سبب يلزم اندراج هذه الصورة فيما سبق من الصورة الثانية، وما يتعلق بها من الأحكام الماضية والمناقشات المزبورة. فبالجملة تحصل: أن الإطلاق من ناحية عدم ذكر السبب يستلزم التقيد من


1 - أجود التقريرات 1: 537، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580. 2 - مناهج الوصول 2: 338. (*)

[ 501 ]

هذه الناحية، فيخرج عن مفروض البحث، وهو الواضح. بقي شئ: وهو فرض العلم الخارجي بعدم التقييد من ناحية عدم ذكر السبب وهو إذا فرضنا العلم الخارجي بعدم التقييد من هذه الناحية، فمعنى ذلك يرجع إلى العلم بتعدد الأمر التأسيسي، مع كون النسبة بين متعلقي الأمر عموما مطلقا، وهذا أيضا غير ممكن، وتصير النتيجة ما مر أيضا من الأخذ بأحدهما: إما المطلق بإسقاط السبب، وهو خلاف ظهور القضية الشرطية في السببية، أو الأخذ بالمقيد بحمل المطلق عليه، وهو أهون، فلا يبقى وجه لتوهم الدور وغير ذلك، لأن المطلق حينئذ لا يكون حجة حتى لا يجوز رفع اليد عنه بدون الحجة. وإن شئت قلت: إن في صورة عدم الابتلاء بالسبب، لابد من امتثال الإطلاق، ولو لم يمتثل وابتلي بالسبب المفروض فأفطر يلزم ما مر، وقد عرفت علاجه ومحتملاته، فلا نعيد (1). بقي شئ آخر: وهو ما إذا كان القيد غير مقرون بذكر السبب فإنه من هذه الناحية له الإطلاق، فيقيد بدليل القيد، ويلزم منه سراية قيده إلى المطلق المقرون بذكر السبب، فيعطى كل واحد منهما قيد بالآخر. فبالجملة: ينتفي الدور المذكور في التقريرات، لأجل أن العلم بوحدة التكليف في ناحية المتعلق، ناشئ من كون النسبة بين المتعلقين عموما مطلقا كما لا يخفى، لا من جهة اخرى كما في كلامه، فراجع (2).


1 - تقدم في الصفحة 484 - 485. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580 - 581. (*)

[ 502 ]

تنبيهات الأول: في عدم اختصاص المطلق والمقيد المقرونين بذكر السبب بالتكاليف الإيجابية يستظهر من القوم اختصاص صور المطلق والمقيد المقرونين بذكر السبب بالتكاليف الإيجابية (1)، مع أن الأمر ليس كذلك، فإنه يتصور في التكاليف التحريمية أيضا من غير تمامية الحكم الذي اختاروه في الإيجابيات إلا في بعض منها. مثلا: يكون مما يتكرر فيه السبب نوعا قوله: " إذا أحرمت فلاتصطد صيد الوحش " و " إذا دخلت الحرم فلاتصطد " ومما يتكرر فيه السبب شخصا قوله: " من مات زوجها فلاتسافر " وقوله: " من مات زوجها فلاتسافر في زينة ". ثم إنه لا يمكن الأخذ بالحكمين في التحريميات، لما لا تكرر فيه، ولا يتصور تعدد الترك، فعلى هذا لابد إما من حمل المطلق على المقيد، أو حمل المقيد على التحريم الأشد، والذي هو الأقرب الأهون في مثل الفرض الثاني، وفيما إذا كان المطلق غير مقرون بذكر السبب، والمقيد مقرونا، يكون الجمع بينهما بالتقييد أهون جدا. وأما فيما يتعدد السبب نوعا، فيكون حمل القيد على التحريم الأشد أقرب المحتملات. وقد عرفت فيما مضى في المقام الأول: اختلاف الأمثلة والمواقف في ذلك (2)، والله هو الحفيظ العليم.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 580، مناهج الوصول 2: 337. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 486 - 487. (*)

[ 503 ]

الثاني: في كيفية الجمع بين الدليلين في صورة كون النسبة مطلقا أو من وجه الجمع بين الدليلين اللذين تكون النسبة بينهما العموم المطلق، ممكن بالتقييد في كثير من المواقف والأطوار، وربما يلزم التكاذب بينهما والتعارض، كما اشير إليه، وهو في مورد تأبي الإطلاق عن التقييد لسانا، أو استلزام التقييد الاستهجان (1). وأما الجمع بينهما بالتقييد فيما إذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه، فهو في نوع المواقف والصور غير ممكن، ضرورة أن ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح. نعم، إذا كان ترجيح أحدهما على الآخر، مستلزما لمحذور عقلي أو عرفي مما اشير إليه، دون الآخر، فقد ذهب الأعلام هناك إلى الجمع بينهما بالتقييد (2)، مثلا إذا كان ترجيح أحدهما على الآخر مستلزما لخروج المورد، أو للتخصيص الأكثر، أو يستلزم اللغوية، يكون المتعين ترجيح الآخر عليه إذا لم يستلزم شيئا. مثلا: إذا وقعت المعارضة بين مفهوم دليل الكر (3)، ومنطوق روايات سائر المياه (4)، وتكون النسبة بينهما العموم من وجه، لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر. والقول بأقوائية المنطوق من المفهوم (5) مما لا سبيل إليه كما تحرر. فحينئذ إن ترجيح سائر الأدلة على مفهوم الكر، لا يستلزم التقييد الأكثر حتى يكون التقديم مع مفهوم الكر، بخلاف عكسه، فإن تقديم مفهوم الكر عليها يستلزم إلغاء عناوين


1 - تقدم في الصفحة 489 - 490. 2 - الطهارة، الشيخ الأنصاري: 4 / السطر 9، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الطهارة 1: 124 - 125. 3 - تهذيب الأحكام 1: 39 / 107، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 9، الحديث 1. 4 - تهذيب الأحكام 1: 31 / 81 و 43، و 411 / 1297، وسائل الشيعة 1: 431، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب 5 و 6. 5 - مدارك الأحكام 1: 32، الحاشية على كفاية الاصول، البروجردي 1: 466. (*

[ 504 ]

" الجاري والمطر " وغير ذلك، وهذا غير جائز، فيقدم تلك الأدلة عليه. هذا ما سلكوه في هذه المواقف. والذي ذكرناه في بعض المكتوبات: أن ما حكموا به ناشئ من توهم: أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، وكأنهم في صورة عدم استلزام المحذور حكموا بالمعارضة، لأجل الترجيح بلا مرجح، ولذلك بمجرد حصول الترجيح اختاروا التقييد، وهذا غير مناسب، لأن الجمع بين الأدلة لابد وأن يكون عرفيا، من غير ارتباط بمسألة الترجيح بلا مرجح، ولا برهان عقلا ولا شرعا على لزوم الجمع مهما أمكن، فمجرد كون التقييد من جانب دون الجانب الآخر مستلزما للمحذور، لا يوجب تعيين التقييد من الناحية الاخرى، لأن الفرار من المحذور العقلي، ليس من الواجبات العرفية أو العقلية في محيط الجموع العقلائية بين الأدلة الشرعية والقوانين الإلهية، فلاحظ وتدبر جيدا. الثالث: في الإشارة لجريان الحكومة في بعض صور تنافي الدليلين ربما يكون بين المطلقات المتعارضة لبا، إمكان الجمع عرفا ولو كانت النسبة بينهما العموم من وجه، وذلك فيما إذا كان لسان أحدهما حاكما على الآخر، وكان أحدهما متعرضا لما لا يكون الآخر - بحسب مقام الدلالة الوضعية - متعرضا له، وذلك كموارد حكومة دليل نفي الحرج (1) والضرر (2) ودليل نفي الشك (3) على الأدلة


1 - الحج: 78. 2 - الكافي 5: 292 / 2 و 293 / 2، وسائل الشيعة 25: 427، كتاب إحياء الموات، أبواب الأحياء، الباب 2. 3 - الكافي 3: 359 / 8، تهذيب الأحكام 2: 343 / 1423، وسائل الشيعة 8: 227، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16. (*)

[ 505 ]

الأولية ودليل الشكوك. وهذا مما لا بحث فيه بحسب الكبرى الكلية. ومن موارد الحكومة مع أن النسبة عموم مطلق، مادل على عدم الربا بين الوالد والولد (1)، وغير ذلك. وأيضا: لا يبعد أن يمكن الجمع بين الأدلة ولو كانت ذات ألسنة غلاظ شداد غير آبية عن الحكومة، كما في المثال الأخير، فما اشتهر من الإباء عن التقييد والتخصيص، مخصوص بغير موارد الحكومة. ثم إنه يعلم من المقام: أن التقييد كالحكومة، لا يستلزم تعنون المطلق في مرحلة الإثبات، مع أنهما بحسب مقام الثبوت والسلب من واد واحد بالضرورة، ولكن كما لا معنى لتقييد لسان المحكوم بدليل الحاكم، كذلك لا معنى لتعنون المطلق في موارد التقييد، خلافا لجل المتأخرين حيث توهموا: أن المطلق يعنون بضد المقيد، بخلاف العمومات (2)، مع ذهاب بعضهم فيها أيضا إلى التعنون (3)، وقد مر فساده مطلقا (4). هذا وتمام الكلام في التعادل والترجيح إن شاء الله تعالى. الرابع: في ثبوت التقييد أحيانا مع كون النسبة عموما من وجه ربما تكون النسبة بين الدليلين المطلقين عموما من وجه، ولكن العرف يتدخل بالتقييد، لأجل الانصراف والفهم، ومن ذلك ما إذا ورد " صل " و " لا تغصب " فإنه مع المندوحة يحكم العرف بوجوب الامتثال على وجه لا يتصرف في المحرم،


1 - الكافي 5: 147 / 1، وسائل الشيعة 18: 135، كتاب، أبواب الربا، الباب 7، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 460. 3 - مناهج الوصول 2: 245 - 246. 4 - تقدم في الصفحة 256 - 267. (*)

[ 506 ]

ولا يستلزم الغصب، وقد مر شطر منه في التعبدي والتوصلي، واخترنا في هذه المسألة أصالة القيدية، حسب الانصراف العرفي والحكم العقلائي (1)، وتكون النتيجة حين السعة فهم قيد وشرط في المأمور به، ولعل سره أن الحكم في ناحية الأمر غير انحلالي، وفي ناحية النهي انحلالي، فافهم. وأما عند عدم المندوحة، فإن قلنا بإطلاق الانصراف المزبور، وأن الانصراف وحكم العرف لا يقصر عن دليل القيد الذي له الإطلاق، فلابد من القول بالسقوط حسب الموازين العقلية. ولكن الشأن أن الانصراف المزبور مخصوص بصورة المندوحة، وأما عند الانحصار فلا يحكم العقل ولا العرف بالسقوط، لاحتمال كون مبغوضية الغصب أضعف من محبوبية الصلاة، فتكون متقدمة عليه، ولأجل ذلك لا يمكن الجمع العرفي بينهما حينئذ، وتندرج المسألة في باب الاجتماع والامتناع، وقد مر تفصيل الكلام حوله هناك، ومن شاء فليراجع (2). فبالجملة تحصل: إمكان الجمع العرفي بين العامين من وجه في المثال المزبور في الجملة، بل وفي كافة الأوامر الإلزامية ولو كانت توصلية، والنواهي التحريمية، فتأمل. الخامس: في المجمل والمبين ربما يطلق المجمل والمبين بحسب مقام الإرادة، ومن ذلك العام بعد ورود المخصص، والمطلق بعد ورود التقييد، فإن الموجبات الكلية والسوالب الجزئية


1 - تقدم في الجزء الأول: 183 - 187. 2 - تقدم في الجزء الرابع: 176 - 185. (*)

[ 507 ]

متناقضات، فكيف يمكن حصول الإرادة الواقعية المطابقة للجد والحقيقة بالنسبة إلى كل واحد من المضمونين ؟ ! فيلزم الإجمال في البين. إلا أن هذا الإجمال يرتفع ببناء العرف والعقلاء على التخصيص والتقييد، وحينئذ يرتفع الإجمال والتردد والإبهام المشاهد بدوا في القضيتين، وقد مر تفصيله في العام والخاص (1)، والمطلق والمقيد (2). وربما يطلق المجمل والمبين بحسب مقام الدلالة التصديقية، بحيث لا إجمال في المفردات التصورية رأسا، إلا أنه في الهيئة التركيبية - مع أنها ليست ذات وضع على حدة - يكون الإجمال. وهذا تارة يكون لأجل الاشتراك اللفظي. أو يكون لأجل الاحتمالات المختلفة الحاصلة من المقايسة إلى المسانخات معها في التركيب. أو لأجل استلزام كل واحد من الاحتمالات للتوالي الفواسد التي لا يمكن الالتزام بها. أو لغير ذلك مما يقف عليه الفقيه في طول الفقه. فما كان من قبيل الأول، فربما يرتفع بالاطلاع على بعض القرائن المنفصلة، فيصير الكلام مبينا وخارجا عن الإجمال، وفي عد ذلك مجملا وعدمه خلاف لا أثر يترتب له، وذلك مثل " نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر ". وما كان من قبيل الثاني مثل " لا صلاة إلا بطهور " فإنه لمقايسته مع التراكيب الاخر، يحتمل أن يكون ناظرا إلى نفي الكمال، ولذلك قيل: بأن " لاضرر ولا ضرار " بالقياس إلى سائر التراكيب الواصلة من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) المسانخة معه، ظاهر في التحريم " وقد استقصاها العلامة شيخ الشريعة الأصفهاني في رسالته


1 - تقدم في الصفحة 221 - 226. 2 - تقدم في الصفحة 419 - 420. (*)

[ 508 ]

فراجع، وحينئذ ربما يشكل الخروج عن إجماله، لتراكم الظنون المتخالفة في أطرافه. وما كان من قبيل الثالث، فإن حصلت القرينة على تعيين أحد المحتملات فهو، وإلا فيبقى على إجماله، نظير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما نسب إليه في خبر حكم بن حزام: " لاتبع ما ليس عندك " فإنه يحتمل وجوها يشكل الخروج عنها بتعين أحدها. وبالجملة: لا وجه لدعوى أن المجمل ما لا يخرج إجماله بدليل خارجي، وإلا فهو المبين، فإنه خلاف المتبادر منه، ضرورة أن الكلام يوصف ب‍ " الإجمال " ثم يوصف بعد الاطلاع على القرينة ب‍ " المبين ". نعم، العلم والجهل بالوضع ليسا مناط الإجمال والتبيين، كما لا يخفى. وثالثة يطلق المجمل والمبين بحسب مقام الدلالة التصورية، وبالنظر إلى حدود الوضع والمفردات، وهذا أيضا على نحوين: أحدهما: ما يكون المراد منه معلوما، ولكن إذا تأملنا في خصوصياته وتراكيبه الأدبية يلزم الإجمال، ولعل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وأمثاله من هذا الباب، كما تحرر في محله، وأوضحنا سبيله. وثانيهما: ما يكون مجملا بحسب الوضع والمفاهيم الأفرادية، للاشتراك، أو لعدم الاطلاع على حدود الوضع، للمناقضة بين قول أهل الخبرة، فإنه أيضا يعد من المجمل، وله نظائر كثيرة في الفقه وغيره. تذنيب: في بيان قسمي الإجمال وأنه ومقابله قد يوصف بهما الكلام الواحد الإجمال تارة: يكون إلى حد لا يبقى للكلام قدر متيقن، فيلزم سقوطه رأسا، ويرجع حينئذ إلى الأدلة العامة والاصول العملية، وقد أشرنا إلى إجمال المخصص

[ 509 ]

بهذا النحو، فإنه يستلزم إشكالا يصعب حله، ضرورة أن مقتضى صحة السند لزوم التخصيص العام، ومقتضى إجمال المخصص رأسا هو العمل بالعام في تمام مضمونه، أو طرحه رأسا، ولكل محذور كما لا يخفى، وقد مر منا فيما سلف تحقيقه. واخرى: يكون له القدر المتيقن، كما في مثل " على اليد ما أخذت... " فإنه اختلفوا في أنه يفيد التكليف والوضع، كما عليه المشهور، أو هو يفيد التكليف فقط، كما قويناه، فإنه بذلك لا يسقط الكلام، ويؤخذ به في حدود تبينه، ويطرح بالنسبة إلى الحد المجمل غير المعلوم مراد المتكلم فيه. ومن ذلك قوله: " الصلاة خير موضوع، من شاء استقل، ومن شاء استكثر " فإن التكثير بإتيان الصلاة ركعتين ركعتين جائز حسب هذا الخبر، وأما التكثير بإتيانها عشر ركعات وعشرين ركعة بسلام واحد، فغير واضح وإن كان محتملا، ويرجع حينئذ إلى الأدلة العامة والاصول العملية، وقد أشرنا إلى إجمال المخصص

[ 509 ]

بهذا النحو، فإنه يستلزم إشكالا يصعب حله، ضرورة أن مقتضى صحة السند لزوم التخصيص العام، ومقتضى إجمال المخصص رأسا هو العمل بالعام في تمام مضمونه، أو طرحه رأسا، ولكل محذور كما لا يخفى، وقد مر منا فيما سلف تحقيقه. واخرى: يكون له القدر المتيقن، كما في مثل " على اليد ما أخذت... " فإنه اختلفوا في أنه يفيد التكليف والوضع، كما عليه المشهور، أو هو يفيد التكليف فقط، كما قويناه، فإنه بذلك لا يسقط الكلام، ويؤخذ به في حدود تبينه، ويطرح بالنسبة إلى الحد المجمل غير المعلوم مراد المتكلم فيه. ومن ذلك قوله: " الصلاة خير موضوع، من شاء استقل، ومن شاء استكثر " فإن التكثير بإتيان الصلاة ركعتين ركعتين جائز حسب هذا الخبر، وأما التكثير بإتيانها عشر ركعات وعشرين ركعة بسلام واحد، فغير واضح وإن كان محتملا، فيلزم أن يكون الكلام الواحد مجملا ومبينا باعتبارين، كما لا يخفى، والأمر كله في هذه البحوث سهل جدا. والحمد لله على ما وفقنا لإتمام هذا الجزء من هذا السفر، وندعوه أن يوفقنا لإكمال الجزء الآخر، والصلاة على سيدنا سيد الرسل وأشرف ولد آدم الاول، وعلى وليه ولي الكل وأكرم أنواع العالم، وعلى الأئمة المعصومين من الله الطيبين الطاهرين، واللعنة الأزلية الأبدية الجامعة على أعدائهم أعداء الجل من الابتداء إلى الخاتمة. وقد وقع الفراغ من تسويده بحمده وإفضاله، في صبيحة اليوم الثالث عشر، من شهر ربيع الأول، من السنة الثالثة من العشر الأواخر، من المائة الرابعة بعد الألف، 1393.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية